{"ً":{"ٌ":145435,"ٍ":"صحيح وضعيف تاريخ الطبري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"http://archive.org/download/waq98971/","files":["00_98971.pdf","01_98971.pdf","02_98972.pdf","03_98973.pdf","04_98974.pdf","05_98975.pdf","06_98976.pdf","07_98977.pdf","08_98978.pdf","09_98979.pdf","10_98980.pdf","11_98981.pdf","12_98982.pdf","13_98983.pdf"]},"ّ":"الكتاب: صحيح وضعيف «تاريخ الطبري، للإمام أبي جعفر بن جرير الطبري (٢٢٤ - ٣١٠ هـ)»\nحققه وخرج رواياته وعلق عليه: محمد بن طاهر البرزنجي\nإشراف ومراجعة: محمد صبحي حسن حلاق [ت ١٤٣٨ هـ]\nالناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروت\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الأجزاء: ١٣\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[صحيح وضعيف تاريخ الطبري - محمد طاهر البرزنجي]\nبدأ البرزنجي بدراسة رجال أسانيد الطبري (جرحا وتعديلا)\nثم قسم الكتاب (بعد مقدمة الطبري) إلي قسم الصحيح ثم الضعيف، وكل قسم منهما تحته أقسام\n١ - الأنبياء وما قبل البعثة\n٢ - السيرة النبوية\n٣ - الخلافة الراشدة\n٤ - الخلافة في عهد الأمويين\n٥ - الخلافة في عهد العباسيين","ٓ":"2.0","ٔ":3048,"ٕ":25,"ٖ":1770156254,"ٗ":149},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":5},{"title":"أولا: التاريخ","level":2,"page":5},{"title":"تعريف التأريخ","level":3,"page":5},{"title":"أسباب اهتمام الأمة المسلمة بكتابة التأريخ","level":4,"page":6},{"title":"نشأة التاريخ عند المسلمين رواية ثم تدوينا وتبويبا أو تصنيفا","level":4,"page":9},{"title":"المدارس التاريخية في المدن الإسلامية في القرنين الأول والثاني","level":4,"page":10},{"title":"أ- مدرسة المدينة","level":5,"page":11},{"title":"ب- مدرسة الشام","level":5,"page":12},{"title":"ج- مدرسة مصر في التأريخ","level":5,"page":12},{"title":"د- مدرسة العراق","level":5,"page":13},{"title":"هـ- مدرسة اليمن","level":5,"page":13},{"title":"الأخباريون [الثقات وغير الثقات]","level":4,"page":14},{"title":"١ - لوط بن يحيى (أبو مخنف) الكوفي","level":5,"page":14},{"title":"٢ - سيف بن عمر التميمي","level":5,"page":15},{"title":"٣ - محمد بن إسحاق إمام المغازي","level":5,"page":15},{"title":"٤ - محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام","level":5,"page":15},{"title":"٥ - أبو معشر السندي","level":5,"page":16},{"title":"٦ - محمد بن عمر الواقدي","level":5,"page":17},{"title":"نشأته وطلبه للعلم ورحلاته","level":4,"page":24},{"title":"أقوال العلماء فيه وترجمتهم له","level":4,"page":25},{"title":"وفاته","level":4,"page":26},{"title":"شيوخه في التأريخ [تراجم أهم شيوخه وأشهرهم]","level":4,"page":27},{"title":"١ - أحمد بن حماد الدولابي","level":5,"page":27},{"title":"٢ - أحمد بن زهير بن حرب (ابن أبي خيثمة) توفي ٢٧٩ هـ","level":5,"page":27},{"title":"٣ - بشر بن معاذ العقدي البصري الضرير","level":5,"page":28},{"title":"٤ - الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي -صاحب المسند-","level":5,"page":28},{"title":"٥ - السري بن يحيى التميمي الكوفي (أبو عبيدة)","level":5,"page":28},{"title":"٦ - عبيد الله بن سعد الزهري: ثقة من الحادية عشرة توفي سنة ٢٦٥ هـ","level":5,"page":29},{"title":"٧ - عمر بن شبة النميري [صاحب كتاب تأريخ المدينة]","level":5,"page":29},{"title":"٨ - عمرو بن علي الفلاس الباهلي البصري","level":5,"page":29},{"title":"٩ - فرخويه (أحمد بن ثابت) الرازي","level":5,"page":30},{"title":"١٠ - محمد بن بشار (بندار) البصري","level":5,"page":30},{"title":"١١ - محمد بن حميد الرازي","level":5,"page":30},{"title":"١٢ - محمد بن العلاء الهمداني الكوفي الحافظ (أبو كريب)","level":5,"page":30},{"title":"١٣ - محمد بن المثنى بن عبيد الله بن قيس العنزي البصري","level":5,"page":31},{"title":"١٤ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي صاحب المسند","level":5,"page":31},{"title":"١٥ - يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري","level":5,"page":31},{"title":"ميزات منهج الطبري في تأريخه","level":4,"page":32},{"title":"النقد الموجه لتأريخ الطبري","level":4,"page":35},{"title":"الطبري والتفسير الإسلامي للتأريخ","level":4,"page":38},{"title":"وهذا مثل نادر من أمثلة نقد الرواية التاريخية عند الطبري","level":4,"page":39},{"title":"الشروط والضوابط المنهجية لكتابة التأريخ الإسلامي","level":4,"page":43},{"title":"ثانيا كتاب تاريخ الطبري","level":2,"page":60},{"title":"ثالثا الإمام الطبري مؤرخا","level":2,"page":71},{"title":"المبحث الأول علم التاريخ والطبري","level":3,"page":71},{"title":"(أولا): تعريف علم التاريخ","level":4,"page":71},{"title":"(ثانيا): أهمية علم التاريخ ومشروعيته","level":4,"page":72},{"title":"(ثالثا): تدوين علم التاريخ","level":4,"page":74},{"title":"(رابعا): الطبري يدرس التاريخ","level":4,"page":75},{"title":"المبحث الثاني كتب الطبري في التاريخ","level":3,"page":76},{"title":"(أولا): ذيل المذيل للطبري","level":4,"page":76},{"title":"(ثانيا): تاريخ الأمم والملوك","level":4,"page":78},{"title":"(ثالثا): محتويات \"تاريخ الأمم والملوك\".","level":4,"page":79},{"title":"(رابعا): مصادر الطبري في تاريخه","level":4,"page":82},{"title":"(خامسا): أهمية \"تاريخ الطبري\" وقيمته العلمية","level":4,"page":85},{"title":"(سادسا): ثناء العلماء على تاريخ الطبري","level":4,"page":87},{"title":"(سابعا): ذيول تاريخ الطبري وتكملاته","level":4,"page":89},{"title":"(ثامنا): مختصرات تاريخ الطبري وترجماته","level":4,"page":91},{"title":"(تاسعا): تحقيق تاريخ الطبري وطبعه ونشره","level":4,"page":92},{"title":"المبحث الثالث منهج الطبري في تاريخه","level":3,"page":95},{"title":"(أولا): المنهجية عند الطبري","level":4,"page":95},{"title":"(ثانيا): سمات منهج الطبري في \"التاريخ\" قبل الإسلام","level":4,"page":96},{"title":"(ثالثا): معالم منهج الطبري في التاريخ الإسلامي","level":4,"page":97},{"title":"رابعا: المآخذ على تاريخ الطبري","level":4,"page":103},{"title":"خامسا: المآخذ على منهج الطبري","level":4,"page":106},{"title":"رابعا: تراجم رواة أسانيد الطبري","level":2,"page":110},{"title":"الأسماء","level":3,"page":112},{"title":"(أ)","level":4,"page":112},{"title":"(ب)","level":4,"page":114},{"title":"(ج)","level":4,"page":114},{"title":"(ح)","level":4,"page":115},{"title":"(خ)","level":4,"page":118},{"title":"(د)","level":4,"page":118},{"title":"(ر)","level":4,"page":118},{"title":"(ز)","level":4,"page":119},{"title":"(س)","level":4,"page":120},{"title":"(ش)","level":4,"page":122},{"title":"(ص)","level":4,"page":122},{"title":"(ع)","level":4,"page":122},{"title":"(غ)","level":4,"page":131},{"title":"(ف)","level":4,"page":131},{"title":"(ق)","level":4,"page":132},{"title":"(ك)","level":4,"page":132},{"title":"(ل)","level":4,"page":133},{"title":"(م)","level":4,"page":133},{"title":"(ن)","level":4,"page":139},{"title":"(هـ)","level":4,"page":140},{"title":"(و)","level":4,"page":142},{"title":"(ي)","level":4,"page":142},{"title":"الكنى","level":3,"page":143},{"title":"(أ)","level":4,"page":143},{"title":"(ب)","level":4,"page":143},{"title":"(ح)","level":4,"page":144},{"title":"(س)","level":4,"page":144},{"title":"(ص)","level":4,"page":144},{"title":"(ع)","level":4,"page":145},{"title":"(غ)","level":4,"page":146},{"title":"(م)","level":4,"page":146},{"title":"(ن)","level":4,"page":147},{"title":"الأبناء","level":4,"page":148},{"title":"الألقاب","level":4,"page":148},{"title":"[مقدمة الطبري]","level":1,"page":149},{"title":"صحيح تاريخ الطبري","level":1,"page":149},{"title":"قصص الأنبياء وتاريخ ما قبل البعثة","level":2,"page":152},{"title":"القول في الزمان ما هو","level":3,"page":152},{"title":"القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلي انتهائه وأوله إلي آخره","level":3,"page":153},{"title":"القول في الدلالة على حدوث الأوقات والأزمان والليل والنهار","level":3,"page":160},{"title":"القول في الإبانة عن فناء الزمان والليل والنهار وأن لا شيء يبقي غير الله تعالى ذكره","level":3,"page":161},{"title":"القول في الدلالة على أن الله ﷿ القديم الأول قبل كل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره","level":3,"page":162},{"title":"القول في ابتداء الخلق ما كان أوله","level":3,"page":165},{"title":"القول في الذي ثنى خلق القلم","level":3,"page":169},{"title":"القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما","level":3,"page":173},{"title":"القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة تعرف","level":3,"page":175},{"title":"ذكر السبب الذي به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه ﷿","level":3,"page":176},{"title":"الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الواردة في خلق إبليس وقصته مع آدم - ﵇ -","level":3,"page":177},{"title":"القول في قدر مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله ﷿ إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض","level":3,"page":186},{"title":"* ذكر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بذلك","level":4,"page":186},{"title":"ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم - ﵇ - من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض","level":3,"page":188},{"title":"القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها","level":3,"page":189},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم - ﵇ - بعد أن أهبط إلى الأرض","level":3,"page":193},{"title":"ذكر وفاة آدم - ﵇ -","level":3,"page":195},{"title":"نبي الله آدم ﵇","level":3,"page":201},{"title":"[خلق آدم - ﵇ -]","level":4,"page":201},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد","level":3,"page":207},{"title":"نبي الله إدريس - ﵇ -","level":3,"page":208},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح - ﵇ -","level":3,"page":209},{"title":"نوح في القرآن","level":4,"page":211},{"title":"[عبادة الأصنام]","level":4,"page":215},{"title":"[نوح يدعو لعبادة الله]","level":4,"page":216},{"title":"[صنع السفينة]","level":4,"page":219},{"title":"[محتويات السفينة]","level":4,"page":220},{"title":"[نهاية الطوفان]","level":4,"page":221},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ﵉","level":3,"page":222},{"title":"ذكر إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ - وذكر من كان في عصره من ملوك العجم","level":3,"page":226},{"title":"ذكر أمر بناء البيت","level":4,"page":231},{"title":"ذكر ابتلاء الله إبراهيم بكلمات","level":4,"page":236},{"title":"ذكر لوط بن هاران وقومه","level":3,"page":237},{"title":"نبي الله لوط ﵇","level":3,"page":238},{"title":"[القرآن وشذوذ قومه]","level":4,"page":239},{"title":"[لوط والشواذ]","level":4,"page":241},{"title":"[عقابهم]","level":4,"page":244},{"title":"نبي الله إبراهيم الخليل ﵇","level":3,"page":245},{"title":"[دعوته لأبيه]","level":4,"page":245},{"title":"[عبادة الكواكب]","level":4,"page":247},{"title":"[البابليون وعبادة الأصنام]","level":4,"page":247},{"title":"[موقفه من الأصنام]","level":4,"page":249},{"title":"[حرق إبراهيم]","level":4,"page":250},{"title":"[مناظرة إبراهيم مع خصمه]","level":4,"page":252},{"title":"[هجرة الخليل - ﵇ -]","level":4,"page":253},{"title":"[هجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه]","level":4,"page":255},{"title":"[قصة الذبيح]","level":4,"page":258},{"title":"نبي الله إسحاق ﵇","level":3,"page":261},{"title":"[مولده]","level":4,"page":261},{"title":"[بناء البيت العتيق]","level":4,"page":263},{"title":"[ثناء الله على خليله إبراهيم]","level":4,"page":266},{"title":"نبي الله أيوب - ﵇ -","level":3,"page":273},{"title":"[ابتلاؤه بالمرض]","level":4,"page":273},{"title":"[شفاؤه]","level":4,"page":274},{"title":"نبي الله شعيب ﵇","level":3,"page":275},{"title":"[قصة مدين في القرآن]","level":4,"page":275},{"title":"[مدين وشعيب]","level":4,"page":276},{"title":"[عقاب الله]","level":4,"page":281},{"title":"نبي الله يوسف - ﵇ -","level":3,"page":283},{"title":"[من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل]","level":4,"page":283},{"title":"[حلم يوسف - ﵇ -]","level":4,"page":284},{"title":"[التخلص من يوسف - ﵇ -]","level":4,"page":286},{"title":"[انتقاله من الجب إلى بيت عزيز مصر]","level":4,"page":287},{"title":"محاولة امرأة العزير الإغرائية","level":4,"page":288},{"title":"[وشهد شاهد من أهلها]","level":4,"page":289},{"title":"[سجن يوسف - ﵇ -]","level":4,"page":291},{"title":"[خروج يوسف من السجن]","level":4,"page":292},{"title":"[تولي يوسف وزارة المالية]","level":4,"page":294},{"title":"[التقاء يوسف بإخوته]","level":4,"page":295},{"title":"[يوسف وأبواه]","level":4,"page":300},{"title":"ذكر يعقوب وأولاده","level":3,"page":301},{"title":"قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع - ﵇ -","level":3,"page":308},{"title":"نبي الله موسى ﵇","level":3,"page":316},{"title":"[قتل غلمان بني إسرائيل]","level":4,"page":317},{"title":"[طفولة موسى في بيت فرعون]","level":4,"page":317},{"title":"[إقامة موسى في مدين]","level":4,"page":319},{"title":"[اتصاله بالابنتين وأبيهما الشيخ]","level":4,"page":321},{"title":"[عصا موسى]","level":4,"page":324},{"title":"[اتصال موسى بفرعون]","level":4,"page":329},{"title":"[موسى والسحرة]","level":4,"page":330},{"title":"[كبار قوم فرعون يحرضونه على إيذاء موسى]","level":4,"page":335},{"title":"[غرق فرعون وجنوده]","level":4,"page":339},{"title":"ذكر يوشع بن نون - ﵇ -","level":3,"page":346},{"title":"ذكر خبر داود - ﵇ -","level":3,"page":348},{"title":"ذكر خبر سليمان بن داود ﵉","level":3,"page":350},{"title":"نبي الله سليمان ﵇","level":4,"page":350},{"title":"[وراثة النبوة]","level":5,"page":350},{"title":"نبي الله زكريا ﵇","level":3,"page":358},{"title":"[قصة زكريا ويحيى ﵉]","level":4,"page":358},{"title":"نبي الله عيسى ﵇","level":3,"page":363},{"title":"[ميلاد عيسى ابن مريم]","level":4,"page":368},{"title":"[تنزيه الله عن الولد]","level":4,"page":374},{"title":"[رفع عيسى والكذب في دعوى الصلب]","level":4,"page":378},{"title":"نبي الله يونس ﵇","level":3,"page":379},{"title":"[يونس في القرآن]","level":4,"page":379},{"title":"[موقف أهل نينوى]","level":4,"page":379},{"title":"[ابتلاع الحوت يونس]","level":4,"page":380},{"title":"[فضل يونس - ﵇ -]","level":4,"page":382},{"title":"[قوم يس]","level":3,"page":382},{"title":"ذكر الخبر عن أصحاب الكهف","level":3,"page":384},{"title":"يونس بن متى","level":3,"page":385},{"title":"إرسال الله رسله الثلاثة","level":3,"page":386},{"title":"ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان","level":3,"page":386},{"title":"ذكر مولد رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":387},{"title":"ذكر رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":389},{"title":"السيرة النبوية","level":2,"page":397},{"title":"ذكر اليوم الذي نبئ فيه رسول الله - ﷺ - من الشهر الذي نبيء فيه وما جاء في ذلك","level":3,"page":399},{"title":"ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله - ﷺ - عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل ﵇ إليه بوحيه","level":3,"page":405},{"title":"اشتداد إيذاء المشركين لرسول الله - ﷺ - ودعوته","level":3,"page":424},{"title":"خبر الصحيفة ومقاطعة المسلمين وحصارهم في شعب أبي طالب","level":3,"page":430},{"title":"أذى المشركين لرسول الله - ﷺ -","level":3,"page":432},{"title":"وفاة خديجة وأبي طالب","level":3,"page":432},{"title":"خروج النبي - ﷺ - إلى الطائف","level":3,"page":433},{"title":"استماع الجن لتلاوة رسول الله - ﷺ - وإسلامهم","level":3,"page":434},{"title":"رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه على القبائل في المواسم ويعرفهم بدعوة الحق","level":3,"page":435},{"title":"بدء اتصال النبي - ﷺ - بأهل المدينة وإسلام إياس بن معاذ","level":3,"page":437},{"title":"بيعة العقبة الأولى","level":3,"page":438},{"title":"قصة إسلام سعد بن معاذ","level":4,"page":439},{"title":"مصعب بن عمير: داعية الإسلام في المدينة وقارئها يمهد الطريق لهجرة رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":442},{"title":"بيعة العقبة الثانية","level":3,"page":444},{"title":"الهجرة إلى المدينة","level":3,"page":450},{"title":"ذكر ما كان من الأمور المذكورة في أول سنة من الهجرة","level":3,"page":466},{"title":"خطبة رسول الله - ﷺ - في أول جمعة جمعها بالمدينة","level":4,"page":467},{"title":"[غزوة ذات العشيرة]","level":4,"page":472},{"title":"[سرية عبد الله بن جحش]","level":4,"page":474},{"title":"ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة","level":3,"page":477},{"title":"ذكر وقعة بدر الكبرى","level":4,"page":478},{"title":"ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة خبر كعب بن الأشرف","level":3,"page":513},{"title":"مقتل أبي رافع اليهودي","level":4,"page":518},{"title":"غزوة أحد","level":4,"page":521},{"title":"- غزوة حمراء الأسد -","level":4,"page":542},{"title":"ذكر أحداث التي كانت في سنة أربع من الهجرة","level":3,"page":543},{"title":"- (غزوة الرجيع) -","level":4,"page":543},{"title":"ذكر خبر بئر معونة","level":4,"page":545},{"title":"- ذكر خبر جلاء بني النضير -","level":4,"page":549},{"title":"غزوة ذات الرقاع","level":4,"page":551},{"title":"-[روايات البخاري وغيره في غزوة ذات الرقاع]-","level":4,"page":553},{"title":"- تحديد تأريخ غزوة ذات الرقاع -","level":4,"page":555},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة الخندق","level":4,"page":557},{"title":"زواج النبي - ﷺ - بزينب بنت جحش","level":4,"page":557},{"title":"غزوة بني قريظة","level":4,"page":569},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بني لحيان","level":3,"page":576},{"title":"غزوة ذي قرد","level":4,"page":578},{"title":"(غزوة بني المصطلق)","level":4,"page":584},{"title":"حديث الإفك","level":4,"page":589},{"title":"ذكر الخبر عن عمرة النبي - ﷺ - التي صده المشركون فيها عن البيت، وهي قصة الحديبية","level":4,"page":597},{"title":"ذكر خروج رسل رسول الله - ﷺ - إلى الملوك","level":4,"page":623},{"title":"- مسألة اختلاف المؤرخين في تحديد السنة التي كانت فيها هذه البعوث إلى ملوك الأرض آنذاك -","level":4,"page":631},{"title":"رسائل النبي - ﷺ - إلى الملوك والأمراء","level":4,"page":631},{"title":"ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة غزوة خيبر","level":3,"page":634},{"title":"ذكر غزوة رسول الله - ﷺ - وادي القرى","level":4,"page":641},{"title":"[أمر الحجاج بن علاط السلمي]","level":4,"page":643},{"title":"ذكر مقاسم خيبر وأموالها","level":4,"page":646},{"title":"[عمرة القضاء]","level":4,"page":648},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان","level":3,"page":651},{"title":"[خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوح]","level":4,"page":651},{"title":"[غزوة ذات السلاسل]","level":4,"page":654},{"title":"غزوة ذات السلاسل","level":4,"page":655},{"title":"[غزوة الخبط]","level":4,"page":656},{"title":"[ذكر الخبر عن غزوة مؤتة]","level":4,"page":658},{"title":"مسألة في نتيجة هذه الغزوة","level":5,"page":662},{"title":"[ذكر الخبر عن فتح مكة]","level":4,"page":663},{"title":"-[مبايعة الناس لرسول الله - ﷺ - يوم الفتح]-","level":4,"page":684},{"title":"-[مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك]-","level":4,"page":686},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة رسول الله - ﷺ - هوازن بحنين","level":4,"page":689},{"title":"[غزوة الطائف]","level":4,"page":698},{"title":"[أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها]","level":4,"page":700},{"title":"[عمرة رسول الله من الجعرانة]","level":4,"page":706},{"title":"[ثم دخلت سنة تسع]","level":3,"page":707},{"title":"أمر ثقيف وإسلامها","level":4,"page":707},{"title":"[أمر طييء وعدي بن حاتم]","level":4,"page":721},{"title":"[قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات]","level":4,"page":721},{"title":"[قدوم رسل ملوك حمير على رسول الله بكتابهم]","level":4,"page":723},{"title":"[قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا عن بني سعد]","level":4,"page":725},{"title":"ثم دخلت سنة عشر","level":3,"page":728},{"title":"[سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن]","level":4,"page":728},{"title":"[قدوم الجارود في وفد عبد القيس]","level":4,"page":729},{"title":"[قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة]","level":4,"page":730},{"title":"[قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة]","level":4,"page":731},{"title":"[وفد بني عامر بن صعصعة]","level":4,"page":732},{"title":"[كتاب مسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه]","level":4,"page":734},{"title":"[حجة الوداع]","level":4,"page":735},{"title":"[ذكر جملة السرايا والبعوث]","level":4,"page":741},{"title":"-[خلاصة القول في عدد غزوات الرسول - ﷺ -]-","level":4,"page":741},{"title":"[ذكر الخبر عن حج رسول الله - ﷺ -]","level":4,"page":743},{"title":"ذكر الخبر عن أزواج رسول الله - ﷺ - ومن منهن عاش بعده ومن منهن","level":4,"page":744},{"title":"- خلاصة القول في أسماء زوجات رسول الله - ﷺ - وترتيب زواجهن -","level":4,"page":746},{"title":"ذكر من خطب النبي - ﷺ - من النساء ثم لم ينكحهن","level":4,"page":749},{"title":"ذكر سراري رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":749},{"title":"ذكر موالي رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":749},{"title":"ذكر من كان يكتب لرسول الله - ﷺ -","level":4,"page":752},{"title":"[ذكر أسماء خيل رسول الله - ﷺ -]","level":4,"page":755},{"title":"(ذكر أسماء بغال رسول الله - ﷺ -)","level":4,"page":756},{"title":"[ذكر أسماء إبله - ﷺ -]","level":4,"page":757},{"title":"[ذكر أسماء لقاح رسول الله - ﷺ -]","level":4,"page":757},{"title":"[ذكر أسماء سيوف رسول الله - ﷺ -]","level":4,"page":757},{"title":"[ذكر أسماء دروعه - ﷺ -]","level":4,"page":758},{"title":"[ذكر أسماء رسول الله - ﷺ -]","level":4,"page":759},{"title":"[ذكر صفة النبي - ﷺ -]","level":4,"page":759},{"title":"(ذكر خاتم النبوة التي كانت به - ﷺ -)","level":4,"page":762},{"title":"ذكر شجاعته وجوده - ﷺ -","level":4,"page":763},{"title":"ذكر صفة شعره - ﷺ - وهل كان يخضب أم لا","level":4,"page":764},{"title":"ذكر الخبر عن بدء مرض رسول الله الذي توفي فيه وما كان منه قبيل ذلك لما نعيت إليه نفسه - ﷺ -","level":4,"page":767},{"title":"(ثم دخلت سنة إحدى عشرة) - ذكر الأحداث التي كانت فيها -","level":3,"page":767},{"title":"ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله - ﷺ - ومبلغ سنه يوم وفاته","level":4,"page":780},{"title":"[ذكر جهاز رسول الله - ﷺ - ودفنه]","level":4,"page":781},{"title":"- خلاصة القول في سنه - ﷺ - يوم توفاه الله - ﷿ -","level":4,"page":788},{"title":"الخلافة الراشدة","level":2,"page":791},{"title":"(مقدمة في منهج تحقيقنا لتأريخ الطبري فيما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين)","level":3,"page":793},{"title":"صحيح تأريخ أبي بكر الصديق ﵁","level":3,"page":798},{"title":"نبذة من فضائل أبي بكر","level":4,"page":799},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى عشر (حديث السقيفة)","level":4,"page":803},{"title":"(مسك الختام فيما دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة ورد شبهات المستشرقين وأهل البدع حول ذلك)","level":5,"page":811},{"title":"(الرد على شبه المستشرقين وتلاميذهم المتغربين حول مسألة سقيفة بني ساعدة واجتماع المسلمين وحوارهم هناك)","level":5,"page":813},{"title":"(بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي)","level":5,"page":815},{"title":"(اشرأب النفاق وارتدت العرب) والله أعلم","level":5,"page":836},{"title":"(ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة)","level":5,"page":838},{"title":"(مقدمة في الردة بعد وفاة رسول الله - ﷺ - وبداية خلافة أبي بكر)","level":5,"page":838},{"title":"ذكر ردة هوازن وسليم وعامر","level":5,"page":846},{"title":"ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة","level":5,"page":847},{"title":"ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم ومن تجمع معه بالبحرين","level":5,"page":851},{"title":"ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة مسيرة خالد إلى العراق وصلح الحيرة","level":4,"page":855},{"title":"خبر عين التمر","level":5,"page":860},{"title":"خبر دومة الجندل","level":5,"page":860},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":863},{"title":"خبر اليرموك","level":5,"page":868},{"title":"ذكر ما ورد عند غير الطبري في فتوحات الشام في السنة الثالثة عشرة في عهد الخليفة الأول الصديق ﵁ وأرضاه","level":5,"page":890},{"title":"خلاصة القول في فتوحات الشام في عهد الخليفة الراشد الأول الصديق ﵁ وأرضاه","level":5,"page":895},{"title":"ذكر مرض أبي بكر ووفاته","level":5,"page":899},{"title":"ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذي كفن فيه أبو بكر ومن صلى عليه والوقت الذي صلي عليه فيه والوقت الذي توفي فيه","level":5,"page":901},{"title":"ذكر نسب أبي بكر واسمه وما كان يعرف به","level":5,"page":903},{"title":"ذكر أسماء قضاته وكتابه وعماله عل الصدقات","level":5,"page":905},{"title":"صحيح تاريخ عمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":906},{"title":"ذكر استخلاف عمر بن الخطاب وعقد أبو بكر في مرضته التي توفي فيها لعمر بن الخطاب","level":4,"page":907},{"title":"ذكر غزوة فحل وفتح دمشق","level":4,"page":915},{"title":"(خلاصة قولنا في فتح دمشق)","level":4,"page":923},{"title":"مسألة تجريد خالد ﵁ من نصف ما يملك وذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁","level":4,"page":924},{"title":"ذكر بيسان","level":4,"page":926},{"title":"طبرية","level":4,"page":927},{"title":"الأسباب الحقيقية وراء عزل سيدنا عمر لخالد ﵁","level":4,"page":928},{"title":"ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود","level":4,"page":930},{"title":"خبر النمارق","level":4,"page":931},{"title":"السقاطية بكسكر","level":4,"page":932},{"title":"وقعة القرقس","level":4,"page":935},{"title":"واقعة الجسر، أو جسر أبي عبيدة أو وقعة القرقس أو قس الطنافس","level":4,"page":939},{"title":"البويب","level":4,"page":942},{"title":"وقعة البويب عند الطبري وغيره","level":4,"page":949},{"title":"- ثم دخلت سنة أربع عشرة - ذكر ابتداء أمر القادسية","level":4,"page":950},{"title":"يوم أرماث","level":5,"page":957},{"title":"يوم أغواث","level":5,"page":960},{"title":"يوم عماس","level":5,"page":965},{"title":"ليلة القادسية","level":5,"page":969},{"title":"متابعات وشواهد روايات الطبري في معركة القادسية","level":5,"page":974},{"title":"مسألة إجلاء نصارى نجران عن الجزيرة من قبل سيدنا عمر ﵁","level":5,"page":979},{"title":"مسألة اختلاف المؤرخين في تحديد السنة التي وقعت فيها القادسية مع بيان مذهب الأكثرين في ذلك","level":5,"page":979},{"title":"ذكر أحوال أهل السواد","level":5,"page":980},{"title":"ذكر بناء البصرة","level":5,"page":983},{"title":"مسألة اختلاف المؤرخين في تاريخ بناء البصرة بعد فتح مينائها المعروف آنذاك بالأبلة","level":5,"page":987},{"title":"- ثم دخلت سنة خمس عشرة -","level":4,"page":989},{"title":"ذكر فتح حمص","level":5,"page":990},{"title":"حديث قنسرين","level":5,"page":992},{"title":"ذكر فتح بيت المقدس","level":5,"page":994},{"title":"ذكر فرض العطاء وعمل الديوان","level":5,"page":997},{"title":"شبهة المستشرقين ومن تبعهم من المتغربين حول أهداف الفتوحات الإسلامية اقتصادية وغير ذلك وكلها مختلقة ولا أساس لها من الصحة","level":5,"page":1001},{"title":"- ثم دخلت سنة ست عشرة -","level":4,"page":1003},{"title":"ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينة بهرسير","level":5,"page":1003},{"title":"ذكر ما جمع من فيء أهل المدائن","level":5,"page":1005},{"title":"ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا - فيما زعم لسيف - ستين ألفا","level":5,"page":1006},{"title":"ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة","level":5,"page":1007},{"title":"ذكر ما ورد في فتح المدائن ووقعة جلولاء من روايات تأريخية \"عند غير الطبري\"","level":5,"page":1010},{"title":"(ذكر فتح تكريت)","level":5,"page":1014},{"title":"ذكر وقعة قرقيسياء","level":5,"page":1014},{"title":"- ثم دخلت سنة سبع عشرة -","level":4,"page":1015},{"title":"ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف","level":5,"page":1016},{"title":"فتوح المدائن قبل الكوفة","level":5,"page":1017},{"title":"الشواهد الواردة في تمصير الكوفة والسبب في ذلك التمصير مع ذكر أسماء ولاة الكوفة والبصرة والأوائل (أي: في عهد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁)","level":5,"page":1018},{"title":"ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم","level":5,"page":1020},{"title":"ذكر فتح الجزيرة","level":5,"page":1022},{"title":"خروج عمر بن الخطاب إلى الشام","level":5,"page":1026},{"title":"ذكر الخبر عن خروجه إليها","level":5,"page":1026},{"title":"ذكر الخبر عن سيف في ذلد، والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين","level":5,"page":1031},{"title":"ذكر خبر عزل خالد بن الوليد","level":5,"page":1032},{"title":"شبهة أثارها المستشرقون والمتغربون (حول عزل خالد) والرد عليها","level":5,"page":1033},{"title":"ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه","level":5,"page":1034},{"title":"ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى","level":5,"page":1035},{"title":"فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتيري","level":5,"page":1036},{"title":"ذكر فتح رامهرمز وتستر","level":5,"page":1037},{"title":"مسألة ذكر الطبري لفتح تستر مرتين","level":5,"page":1041},{"title":"ذكر فتح السويس","level":5,"page":1042},{"title":"ذكر مصالحة المسلمين أهل جندي سابور","level":5,"page":1043},{"title":"-ثم دخلت سنة ثماني عشرة- ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثماني عشرة","level":4,"page":1043},{"title":"ذكر القحط وعام الرمادة","level":5,"page":1044},{"title":"ثم دخلت سنة تسع عشرة ذكر الأحدات التي كانت في سنة تسع عشرة","level":4,"page":1046},{"title":"ثم دخلت سنة عشرين ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية","level":4,"page":1046},{"title":"شواهد قصة فتح مصر والإسكندرية","level":5,"page":1048},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وعشرين","level":4,"page":1051},{"title":"الأخبار الصحاح والحسان في خبر فتح نهاوند بقيادة النعمان","level":5,"page":1052},{"title":"ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند","level":5,"page":1056},{"title":"ذكر الخبر من أصفهان","level":5,"page":1063},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ذكر فتح همذان","level":4,"page":1068},{"title":"فتح أذربيجان","level":5,"page":1068},{"title":"ذكر عزل عمار عن الكوفة","level":5,"page":1069},{"title":"ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك","level":5,"page":1070},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ذكر الخبر عن فتح توج","level":4,"page":1070},{"title":"فتح إصطخر","level":5,"page":1071},{"title":"ذكر فتح فسا ودارابجرد","level":5,"page":1072},{"title":"ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد","level":5,"page":1073},{"title":"مسألة حجات عمر - ﵁ -","level":5,"page":1077},{"title":"تحديد يوم وفاة سيدنا عمر - ﵁ -","level":5,"page":1077},{"title":"ذكر نسب عمر - ﵁ -","level":5,"page":1078},{"title":"تسميته بالفاروق","level":6,"page":1078},{"title":"ذكر صفته","level":6,"page":1079},{"title":"ذكر مولده ومبلغ عمره","level":6,"page":1080},{"title":"ذكر بعض سيره","level":6,"page":1080},{"title":"ذكر وقت إسلامه","level":6,"page":1080},{"title":"تسمية عمر - ﵁ - أمير المؤمنين","level":6,"page":1083},{"title":"وضعه التأريخ","level":6,"page":1083},{"title":"حمله الدرة وتدوينه الدواوين","level":6,"page":1084},{"title":"شيء من سيره مما لم يمض ذكره","level":6,"page":1084},{"title":"قصة الشورى","level":6,"page":1085},{"title":"عمال عمر - ﵁ - على الأمصار","level":6,"page":1088},{"title":"صحيح تاريخ عثمان بن عفان - ﵁ -","level":3,"page":1089},{"title":"فضائل أمير المؤمنين عثمان ﵁","level":4,"page":1090},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وعشرين ولاية سعد بن أبي وقاص الكوفة","level":4,"page":1092},{"title":"غزوة أذربيجان وأرمينية","level":5,"page":1092},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وعشرين","level":4,"page":1093},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة","level":4,"page":1094},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة","level":4,"page":1096},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة","level":5,"page":1097},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة","level":4,"page":1097},{"title":"ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيدا عليها","level":5,"page":1098},{"title":"ذكر الخبر عنه عن غزوة سعيد بن العاص طبرستان","level":5,"page":1098},{"title":"ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر أريس أخبار أبي ذر رحمه الله تعالى","level":5,"page":1101},{"title":"ذكر هرب يزدجرد إلى خراسان","level":5,"page":1102},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين غزوة الصواري","level":4,"page":1103},{"title":"شخوص عبد الله بن عامر إلى خراسان وما قام به من فتوح","level":5,"page":1103},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة","level":4,"page":1104},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة أبي ذر","level":5,"page":1106},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ذكر تسيير من سير من أهل الكوفة إليها","level":4,"page":1106},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة","level":4,"page":1106},{"title":"ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان","level":5,"page":1107},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر مسير من سار إلى ذي خشب من أهل مصر وسبب مسير من سار إلى ذي المروة من أهل العراق","level":4,"page":1108},{"title":"ذكر الخبر عن قتل عثمان ﵁","level":5,"page":1126},{"title":"أسماء الخارجين الذين شاركوا في قتل سيدنا عثمان ﵁","level":5,"page":1131},{"title":"خلاصة في الفتنة أيام عثمان","level":5,"page":1132},{"title":"رد على المستشرق بروكلمان ومن تتلمذ على فكره حول الفتنة في زمن سيدنا عثمان وموقف الصحابة آنذاك","level":5,"page":1136},{"title":"افتراء بروكلمان حول موقف سيدنا عثمان من الفتنة","level":5,"page":1137},{"title":"أسباب الفتنة أيام أمير المؤمنين عثمان ودور السبئية فيه أتباع عبد الله بن سبأ","level":5,"page":1140},{"title":"ولكن ماذا عن دور عبد الله بن سبأ في الفتنة؟","level":5,"page":1144},{"title":"ذكر الخبر عن الوقت الذي قتل فيه عثمان ﵁","level":5,"page":1145},{"title":"ذكر نسبه","level":5,"page":1146},{"title":"ذكر أولاده وأزواجه","level":5,"page":1146},{"title":"ذكر الخبر عمن كان يصلي بالناس في مسجد رسول الله - ﷺ - حين حصر عثمان","level":5,"page":1147},{"title":"صحيح تاريخ علي بن أبي طالب - ﵁ -","level":3,"page":1149},{"title":"فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -","level":4,"page":1150},{"title":"خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفي هذه السنة بويع لعلي بن أبي طالب بالمدينة بالخلافة","level":4,"page":1150},{"title":"ذكر الخبر عن بيعة من بايعه، والوقت الذي بويع فيه","level":4,"page":1150},{"title":"خلاصة القول في بيعة علي ﵁","level":4,"page":1154},{"title":"كلمة أخيرة في بيعة طلحة والزبير هل كانت كرها أم لا","level":4,"page":1155},{"title":"إجماع أهل الحل والعقد من الصحابة على بيعة علي ﵁","level":4,"page":1156},{"title":"موقف عمرو بن العاص ومعاوية من بيعة علي ﵃ جميعا","level":4,"page":1157},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثلاثين نزول أمير المؤمنين ذا قار","level":4,"page":1158},{"title":"نزول علي الزاوية من البصرة","level":5,"page":1163},{"title":"خبر وقعة الجمل من رواية أخرى","level":5,"page":1164},{"title":"بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لها وخروجها من البصرة إلى مكة","level":5,"page":1166},{"title":"ما قال عمار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل","level":5,"page":1166},{"title":"دعاء علي معاوية إلى الطاعة والجماعة","level":5,"page":1167},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثلاثين مقتل عمار بن ياسر","level":4,"page":1167},{"title":"خاتمة المطاف فيما ورد من الروايات الصحيحة في وقعة الجمل","level":5,"page":1168},{"title":"حقيقة تأريخية لا يفهمها المستشرقون","level":5,"page":1171},{"title":"رد شبهات بروكلمان حول معركة الجمل","level":5,"page":1178},{"title":"ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر","level":5,"page":1180},{"title":"الأخبار الصحاح في وقعة صفين والتحكيم ومسك الختام في ذلك","level":5,"page":1186},{"title":"ما صح في مسألة التحكيم","level":5,"page":1189},{"title":"حقيقة ما دار بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في وقعة صفين","level":5,"page":1190},{"title":"الخطبة الشافية حول حديث: (عمار تقتلك الفئة الباغية)","level":5,"page":1192},{"title":"الأخبار الصحاح في قتال علي ﵁ للخوارج ومسك الختام في ذلك","level":5,"page":1195},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين","level":4,"page":1198},{"title":"الخريت بن راشد وإظهاره الخلاف على علي","level":5,"page":1198},{"title":"ثم دخلت سنة أربعين","level":4,"page":1199},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالب","level":5,"page":1199},{"title":"ذكر الخبر عن قدر مدة خلافته","level":5,"page":1202},{"title":"ذكر نسبه - ﵇ -","level":5,"page":1202},{"title":"ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده","level":5,"page":1203},{"title":"ذكر ولاته","level":5,"page":1204},{"title":"ذكر بيعة الحسن بن علي","level":5,"page":1205},{"title":"الخلافة في عهد الأمويين","level":2,"page":1213},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1213},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1222},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث","level":3,"page":1223},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث","level":3,"page":1224},{"title":"(استلحاق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه)","level":4,"page":1224},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وأربعين","level":3,"page":1224},{"title":"ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة","level":4,"page":1224},{"title":"ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1224},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وأربعين","level":3,"page":1225},{"title":"ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حديج","level":4,"page":1225},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1226},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1226},{"title":"(ولاية زياد على الكوفة)","level":4,"page":1227},{"title":"- سمرة بن جندب أمير البصرة -","level":4,"page":1227},{"title":"[خروج قريب وزحاف]","level":4,"page":1228},{"title":"فتح إفريقية وبناء القيروان","level":4,"page":1229},{"title":"-ذكر هروب الفرزدق من زياد-","level":4,"page":1231},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو (جبل الأشهل) وسبب هلاكه","level":4,"page":1231},{"title":"- ثم دخلت سنة إحدى وخمسين -","level":3,"page":1232},{"title":"ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان","level":4,"page":1232},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين","level":3,"page":1233},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين","level":3,"page":1233},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي","level":4,"page":1233},{"title":"-ذكر عزل معاوية سعيدا واستعمال مروان-","level":4,"page":1233},{"title":"ثم دخلت سنة ست وخمسين","level":3,"page":1234},{"title":"(ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد)","level":4,"page":1234},{"title":"ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان","level":4,"page":1238},{"title":"- ثم دخلت سنة سبع وخمسين -","level":3,"page":1238},{"title":"ذكر قتل عروة بن أدية وغيره من الخوارج","level":4,"page":1238},{"title":"ذكر سبب قتله إياهم","level":5,"page":1239},{"title":"ثم دخلت سنة ستين","level":3,"page":1240},{"title":"ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان","level":4,"page":1240},{"title":"ذكر الخبر عن مدة ملكه","level":4,"page":1241},{"title":"ذكر العلة التي كانت فيها وفاته","level":4,"page":1241},{"title":"- ذكر مدة عمره -","level":4,"page":1241},{"title":"ذكر الخبر عن نسبه وكنيته","level":4,"page":1242},{"title":"ذكر نسائه وولده","level":4,"page":1243},{"title":"ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره","level":4,"page":1243},{"title":"الخليفة المجاهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - (٤١ - ٦٠) هـ","level":4,"page":1245},{"title":"يزيد بن معاوية (٦٠ - ٦٤ هـ)","level":4,"page":1263},{"title":"خلافة يزيد بن معاوية سنة ٦٠","level":4,"page":1264},{"title":"مقتل الحسين بن علي - ﵄ - وتفاصيل الوقعة المشهورة بكربلاء","level":4,"page":1270},{"title":"الإمام الحسين بن علي يتراجع عن اجتهاده ويتبين له صواب جمهور الصحابة فيما خالفوه من الرأي","level":4,"page":1273},{"title":"محنة الأمة باستشهاد الإمام الجليل الحسين بن علي - ﵂ -","level":4,"page":1273},{"title":"إرسال الرأس الشريف إلى عبيد الله","level":4,"page":1276},{"title":"من شارك في جريمة قتل الإمام حسين بن علي - ﵄ -؟","level":4,"page":1277},{"title":"رأي الحافظ ابن كثير في روايات الطبري (غير الصحيحة)","level":4,"page":1278},{"title":"مبرر من قاتل الحسين بن علي - ﵄ -","level":4,"page":1278},{"title":"موقف الإنسان المسلم من هذه الواقعة المؤلمة كما يراه الحافظ ابن كثير","level":4,"page":1280},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1281},{"title":"ذكر خبر ولاية سلم بن زياد على خراسان وسجستان","level":4,"page":1282},{"title":"ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة","level":4,"page":1283},{"title":"عبد الله بن الزبير يتثاقل عن طاعة يزيد","level":4,"page":1284},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية","level":3,"page":1286},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1287},{"title":"محمد بن الحنفية ينفي التهم الموجهة إلى يزيد","level":4,"page":1287},{"title":"وقعة الحرة","level":4,"page":1288},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر خبر وفاة يزيد بن معاوية","level":3,"page":1291},{"title":"ذكر عدد ولده","level":4,"page":1292},{"title":"وقفة عند شخصية يزيد بن معاوية وحكمه ٦٠ - ٦٤ هـ","level":4,"page":1292},{"title":"خلافة معاوية بن يزيد","level":4,"page":1294},{"title":"ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد","level":4,"page":1296},{"title":"(الأصح من بين عدة روايات ضعيفة)","level":4,"page":1298},{"title":"تدهور الأوضاع في معظم الأمصار بعد وفاة يزيد بن معاوية سنة ٦٤ هـ","level":4,"page":1298},{"title":"[هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجها إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد]","level":4,"page":1299},{"title":"ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد","level":4,"page":1302},{"title":"ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبة","level":4,"page":1304},{"title":"خلاصة ما جرى بين جيش الشام والضحاك بن قيس الأمير من قبل عبد الله بن الزبير على دمشق","level":4,"page":1305},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وستين","level":3,"page":1307},{"title":"ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف","level":4,"page":1308},{"title":"مقتل نافع بن الأزرق واشتداد أمر الخوارج","level":4,"page":1309},{"title":"ذكر الخبر عن مقتله","level":4,"page":1309},{"title":"ثم دخلت سنة ست وستين","level":3,"page":1310},{"title":"ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة","level":4,"page":1310},{"title":"كلمة عن سليمان بن صرد وحركة التوابين","level":4,"page":1310},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وستين","level":3,"page":1314},{"title":"ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث مقتل عبيد الله بن زياد","level":4,"page":1314},{"title":"كلمة عن المختار بن عبيد الله الثقفي وحركته الهدامة","level":4,"page":1315},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وستين","level":3,"page":1319},{"title":"ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو","level":4,"page":1319},{"title":"ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1320},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1321},{"title":"ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفة","level":4,"page":1324},{"title":"الخليفة عبد الملك يستقبل الوفود التي جاءت لبيعته بعد مقتل مصعب","level":4,"page":1325},{"title":"لماذا انتصر عبد الملك وخسر مصعب بن الزبير المعركة وقتل","level":4,"page":1325},{"title":"ذكر خبر ولاية خالد بن عبد الله على البصرة","level":4,"page":1327},{"title":"أمر عبد الله بن خازم السلمي مع عبد الملك","level":4,"page":1328},{"title":"عهد عبد الله بن الزبير ﵄ ٦٤ - ٧٣ هـ","level":4,"page":1328},{"title":"مواقف الصحابة من البيعة والصراع بين ابن الزبير ﵁ وبني أمية من جهة أخرى","level":4,"page":1331},{"title":"تاريخ عقيدة ودرة من درر التاريخ الإسلامي","level":4,"page":1334},{"title":"مقومات ابن الزبير ﵄ للخلافة","level":4,"page":1336},{"title":"هل كان ابن الزبير بخيلا؟","level":4,"page":1337},{"title":"مقتل الضحاك بن قيس وخسارة جيشه في مرج راهط","level":4,"page":1338},{"title":"أسباب انحسار إمارة ابن الزبير وانتصار عبد الملك وجيش الشام بقيادة الحجاج","level":4,"page":1338},{"title":"الرد على شبهات أثارها الأستاذ أحمد شلبي (أستاذ التاريخ) حول شخصية عبد الله بن الزبير ﵁","level":4,"page":1340},{"title":"حادثة احتراق الكعبة وبناؤها من جديد على أصولها الإبراهيمية في إمارة عبد الله بن الزبير ﵁","level":4,"page":1343},{"title":"فصل نذكر فيه الكتاب من بدء أمر الإسلام","level":4,"page":1346},{"title":"أسماء من كتب للنبي - ﷺ -","level":4,"page":1347},{"title":"أسماء من كان يكتب للخلفاء والولاة","level":4,"page":1347},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين","level":3,"page":1352},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":1353},{"title":"ذكر الخبر عن حرب المهلب للأزارقة","level":4,"page":1354},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحدات","level":3,"page":1354},{"title":"ولاية الحجاج على الكوفة وخطبته في أهلها","level":4,"page":1355},{"title":"ثم دخلت سنة ست وسبعين","level":3,"page":1355},{"title":"نقش الدنانير والدراهم يأمر عبد الملك بن مروان","level":4,"page":1355},{"title":"عبد الملك والحجاج وتوحيد لغة دواوين الخلافة","level":4,"page":1356},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وسبعين","level":3,"page":1357},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وسبعين","level":3,"page":1362},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":1365},{"title":"ثم دخلت سنة ثمانين","level":3,"page":1366},{"title":"ذكر خبر غزو المهلب ما وراء النهر","level":4,"page":1366},{"title":"[تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رتبيل]","level":4,"page":1368},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1368},{"title":"ذكر الخبر عن خلاف ابن الأشعث على الحجاج","level":4,"page":1368},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها","level":3,"page":1369},{"title":"خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية (٣٤٢: ٦)","level":4,"page":1369},{"title":"[وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث]","level":4,"page":1369},{"title":"[خبر وفاة المهلب بن أبي صفرة]","level":4,"page":1370},{"title":"[ذكر خبر بناء مدينة واسط]","level":4,"page":1370},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1371},{"title":"[فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس]","level":4,"page":1372},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1372},{"title":"غزو المفضل باذغيس وأخرون","level":4,"page":1372},{"title":"[بيعة عبد الملك لابنيه: الوليد ثم سليمان]","level":4,"page":1373},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1375},{"title":"خبر وفاة عبد الملك بن مروان","level":4,"page":1375},{"title":"ذكر الخبر عن مبلغ سنه يوم توفي","level":5,"page":1376},{"title":"ذكر نسبه وكنيته","level":4,"page":1376},{"title":"القضاة","level":4,"page":1378},{"title":"خلافة عبد الملك بن مروان (٧٣ - ٨٦ هـ)","level":4,"page":1380},{"title":"خلافة الوليد بن عبد الملك","level":4,"page":1383},{"title":"ولاية قتيبة بن مسلم على خراسان من قبل الحجاج","level":4,"page":1383},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1384},{"title":"خبر إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة","level":4,"page":1385},{"title":"خبر صلح قتيبة ونيزك","level":4,"page":1385},{"title":"خبر غزو مسلمة بن عبد الملك أرض الروم","level":4,"page":1386},{"title":"خبر غزو قتيبة بيكند","level":4,"page":1386},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1389},{"title":"خبر فتح حصن طوانة من بلاد الروم","level":4,"page":1389},{"title":"[ذكر غزو قتيبة نومشكث وراميثنه]","level":4,"page":1389},{"title":"ذكر ما عمل الوليد من المعروف","level":4,"page":1390},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1392},{"title":"خبر غزو مسلمة أرض الروم","level":4,"page":1392},{"title":"خبر غزو قتيبة بخارى","level":4,"page":1392},{"title":"ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1393},{"title":"[خبر فتح بخارى]","level":4,"page":1394},{"title":"غدر نيزك","level":4,"page":1396},{"title":"هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج","level":4,"page":1398},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1398},{"title":"تتمة خبر قتيبة مع نيزك","level":4,"page":1398},{"title":"ولاية خالد بن عبد الله القسري على مكة","level":4,"page":1403},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1403},{"title":"فتح الأندلس","level":4,"page":1404},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1404},{"title":"صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد","level":4,"page":1405},{"title":"فتح سمرقند","level":4,"page":1405},{"title":"فتح طليطلة","level":4,"page":1405},{"title":"خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز","level":4,"page":1405},{"title":"فتوح محمد بن القاسم الثقفي","level":4,"page":1406},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1406},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جبير","level":4,"page":1406},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1410},{"title":"بقية الخير عن غزو الشاش","level":4,"page":1410},{"title":"ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1412},{"title":"ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك","level":4,"page":1412},{"title":"[وقفة عند سيرة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك] (٨٦ - ٩٦ هـ)","level":4,"page":1415},{"title":"[أسماء الولاة والقضاة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك]","level":5,"page":1417},{"title":"[فتح قتيبة كاشغر وغزو الصين]","level":6,"page":1419},{"title":"القضاة","level":6,"page":1419},{"title":"خلافة سليمان بن عبد الملك","level":4,"page":1423},{"title":"خبر مقتل قتيبة بن مسلم","level":4,"page":1424},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة عن الأحداث","level":3,"page":1427},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1431},{"title":"خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية","level":4,"page":1431},{"title":"[غزو جرجان وطبرستان]","level":4,"page":1431},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1436},{"title":"وفاة سليمان بن عبد الملك","level":4,"page":1436},{"title":"ذكر الخبر عن بعض سيره","level":4,"page":1437},{"title":"الخليفة سليمان بن عبد الملك (٩٦ - ٩٩ هـ)","level":4,"page":1437},{"title":"تسمية عمال سليمان بن عبد الملك","level":4,"page":1439},{"title":"خلافة عمر بن عبد العزيز","level":4,"page":1440},{"title":"ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه","level":4,"page":1440},{"title":"ثم دخلت سنة مئة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها (٦: ٥٥٥)","level":3,"page":1446},{"title":"خبر القبض على يزيد بن المهلب","level":4,"page":1447},{"title":"عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان","level":4,"page":1447},{"title":"ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري خراسان","level":4,"page":1449},{"title":"أول الدعوة","level":4,"page":1451},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1452},{"title":"خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه","level":4,"page":1452},{"title":"خبر وفاة عمر بن عبد العزيز","level":4,"page":1452},{"title":"ذكر بعض سيره","level":4,"page":1453},{"title":"زيادة في سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبي جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان","level":4,"page":1456},{"title":"[تسمية عمال عمر بن عبد العزيز]","level":5,"page":1459},{"title":"القضاة","level":5,"page":1460},{"title":"خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان","level":4,"page":1461},{"title":"خبر خلع يزيد بن المهلب يزيد بن عبد الملك","level":4,"page":1461},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1462},{"title":"ولاية مسلمة بن عبد الملك على العراق وخراسان","level":4,"page":1464},{"title":"ذكر استعمال مسلمة سعيد خذينة على خراسان","level":4,"page":1464},{"title":"عزل مسلمة عن العراق وخراسان","level":4,"page":1464},{"title":"ذكر خبر قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية","level":4,"page":1465},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1466},{"title":"عزل سعيد خذينة عن خراسان","level":4,"page":1466},{"title":"استعمال ابن هبيرة سعيدا الحرشي على خراسان","level":4,"page":1467},{"title":"ثم دخلت سنة أربع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1468},{"title":"ولاية مسلم بن سعيد على خراسان","level":4,"page":1469},{"title":"ثم دخلت سنة خمس ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1470},{"title":"ذكر موت يزيد بن عبد الملك","level":4,"page":1470},{"title":"تسمية عمال يزيد بن عبد الملك","level":4,"page":1472},{"title":"القضاة","level":4,"page":1473},{"title":"الجدل الدائر حول شخصية الخليفة يزيد بن عبد الملك وسيرته","level":4,"page":1474},{"title":"خلافة هشام بن عبد الملك","level":4,"page":1478},{"title":"ذكر ولاية خالد القسري على العراق","level":4,"page":1479},{"title":"ثم دخلت سنة ست ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1481},{"title":"[خبر غزو مسلم بن سعيد الترك]","level":4,"page":1482},{"title":"حج هشام بن عبد الملك","level":4,"page":1482},{"title":"ولاية أسد بن عبد الله القشري على خراسان","level":4,"page":1483},{"title":"ثم دخلت سنة سبع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1483},{"title":"[غزو الغور]","level":4,"page":1484},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان ومئة","level":3,"page":1484},{"title":"ثم دخلت سنة تسع ومئة ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1485},{"title":"ولاية أشرس بن عبد الله على خراسان","level":4,"page":1486},{"title":"ثم دخلت سنة عشر ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1486},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1490},{"title":"ذكر السبب الذي من أجله عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد","level":4,"page":1490},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1491},{"title":"ذكر خبر قتل الجراح الحكمي","level":4,"page":1491},{"title":"ذكر وقعة الجنيد مع الترك","level":4,"page":1493},{"title":"ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت","level":4,"page":1494},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحر","level":4,"page":1497},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1505},{"title":"قتل عبد الوهاب بن بخت","level":4,"page":1505},{"title":"ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئة ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1506},{"title":"ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1507},{"title":"ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1508},{"title":"وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله خراسان","level":4,"page":1508},{"title":"ذكر خلع الحارث بن سريج","level":4,"page":1508},{"title":"ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1509},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":1510},{"title":"ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1511},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل المغيرة بن سعيد ونفر معه","level":4,"page":1511},{"title":"ثم دخلت سنة عشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1513},{"title":"خبر وفاة أسد بن عبد الله القسري","level":4,"page":1513},{"title":"ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالد حين صح عزمه على عزله","level":4,"page":1513},{"title":"ذكر الخبر عن ظهور زيد بن علي","level":4,"page":1518},{"title":"ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه","level":4,"page":1518},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث","level":3,"page":1524},{"title":"[خبر مقتل زيد بن علي]","level":4,"page":1524},{"title":"خلاصة القول في خروج الإمام زيد واستشهاده ﵁ مستقاة من أصح الروايات في الباب وكما ذكرنا","level":4,"page":1525},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1527},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1528},{"title":"ابتداء أمر أبي مسلم الخراساني","level":4,"page":1528},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1528},{"title":"خبر وفاة هشام بن عبد الملك","level":4,"page":1529},{"title":"ذكر بعض سير هشام","level":4,"page":1529},{"title":"الخليفة هشام بن عبد الملك ١٠٥ هـ - ١٢٥ هـ \"مناقبه ومثالبه\"","level":5,"page":1532},{"title":"القضاة في ولاية هشام بن عبد الملك","level":5,"page":1541},{"title":"خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة","level":4,"page":1542},{"title":"[تولية الوليد نصر بن سيار على خراسان وأمره مع يوسف بن عمر]","level":4,"page":1542},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن زيد بن علي","level":4,"page":1543},{"title":"ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":1543},{"title":"[ذكر بقية أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك]","level":4,"page":1543},{"title":"خبر قتل خالد بن عبد الله القسري","level":4,"page":1549},{"title":"خلاصة القول في الوليد بن يزيد بن عبد الملك (١٢٥ - ١٢٦ هـ)","level":4,"page":1549},{"title":"قوائم الولاة والقضاة وغيرهم في عهد الوليد بن يزيد (١٢٥ - ١٢٦ هـ)","level":4,"page":1551},{"title":"تسمية عمال الوليد بن يزيد","level":5,"page":1551},{"title":"القضاة","level":5,"page":1552},{"title":"ولاية يوسف بن عمر العراق","level":5,"page":1553},{"title":"ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص","level":5,"page":1553},{"title":"ذكر اضطراب أمر بني مروان","level":5,"page":1553},{"title":"ذكر خلاف أهل حمص","level":5,"page":1554},{"title":"ذكر خلاف أهل الأردن وفلسطين وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين والأردن على عاملهم فقتلوه","level":5,"page":1556},{"title":"خطبة يزيد بن الوليد بن عبد الملك","level":5,"page":1557},{"title":"ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد","level":5,"page":1559},{"title":"[ذكر خبر وفاة يزيد بن الوليد]","level":5,"page":1560},{"title":"خلافة أبي إسحاق إبراهيم بن الوليد","level":5,"page":1561},{"title":"القضاء","level":5,"page":1562},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1563},{"title":"ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد","level":4,"page":1563},{"title":"خلاصة القول في أمير المؤمنين يزيد بن الوليد بن عبد الملك (١٢٦ هـ)","level":4,"page":1563},{"title":"ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر","level":4,"page":1566},{"title":"ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله ودعائه الناس إلى نفسه","level":4,"page":1566},{"title":"ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج إلى مرو","level":4,"page":1568},{"title":"خلافة مروان بن محمد","level":4,"page":1568},{"title":"ذكر الخبر عن انتقاض أهل حمص على مروان","level":5,"page":1571},{"title":"ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكما ودخوله الكوفة، ومن أين كان إقباله إليها","level":4,"page":1571},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان","level":3,"page":1576},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجي","level":4,"page":1578},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل الخيبري وولاية شيبان","level":4,"page":1582},{"title":"خبر أبي حمزة الخارجي مع عبد الله بن يحيى","level":4,"page":1583},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1584},{"title":"خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحروري","level":4,"page":1584},{"title":"ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان","level":4,"page":1590},{"title":"ذكر خبر مقتل الكرماني","level":4,"page":1591},{"title":"غلبة عبد الله بن معاوية على فارس","level":4,"page":1591},{"title":"مجيء أبي حمزة الخارجي الموسم","level":4,"page":1592},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1594},{"title":"ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها","level":4,"page":1594},{"title":"خبر مقتل شيبان بن سلمة الخارجي","level":4,"page":1599},{"title":"قدوم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم","level":4,"page":1600},{"title":"ذكر خبر قتل نباتة بن حنظلة","level":4,"page":1600},{"title":"ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقديد","level":4,"page":1602},{"title":"ذكر خبر دخول أبي حمزة المدينة","level":4,"page":1603},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1611},{"title":"ذكر خبر موت نصر بن سيار","level":4,"page":1611},{"title":"أمر أبي مسلم مع قحطبة عند نزوله الري","level":4,"page":1613},{"title":"ذكر الخبر عما كان من أمر أبي مسلم هنالك ومن قحطبة بعد نزوله الري","level":4,"page":1613},{"title":"ذكر خبر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان","level":4,"page":1614},{"title":"ذكر خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها","level":4,"page":1616},{"title":"ذكر خبر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق","level":4,"page":1618},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1619},{"title":"ذكر الخبر عن هلاك قحطبة بن شبيب","level":4,"page":1619},{"title":"ذكر خبر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسودا","level":4,"page":1622},{"title":"أسباب انحسار أمر بني أمية في الشرق الإسلامي وانتقال إدارة الخلافة إلى بني العباس","level":4,"page":1628},{"title":"الصراع القيسي اليماني بين الحقيقة والمبالغة","level":4,"page":1632},{"title":"تقريظ الأستاذ حكيم الأزهري","level":4,"page":1642},{"title":"الخلافة في عهد العباسيين","level":2,"page":1647},{"title":"[ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزاب]","level":3,"page":1649},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل مروان بن محمد]","level":3,"page":1651},{"title":"الجدل المثار حول شخصية مروان بن محمد الخليفة الأموي الأخير (ما له وما عليه)","level":3,"page":1654},{"title":"[ذكر خبر قتل إبراهيم بن محمد بن علي الإمام]","level":3,"page":1658},{"title":"[ذكر خبر شخوص أبي جعفر إلى خراسان]","level":3,"page":1658},{"title":"[ذكر الخبر عن حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط]","level":3,"page":1659},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":1667},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثلاثين بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث","level":3,"page":1669},{"title":"[ذكر قتال منصور بن جمهور]","level":4,"page":1669},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1672},{"title":"ذكر خبر خروج زياد بن صالح","level":4,"page":1672},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1674},{"title":"[ذكر قدوم أبي مسلم على أبي العباس]","level":4,"page":1674},{"title":"[حج أبي جعفر المنصور وأبي مسلم]","level":4,"page":1676},{"title":"[ذكر الخبر عن موت أبي العباس السفاح]","level":4,"page":1677},{"title":"خلافة أبي جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد","level":4,"page":1679},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":1682},{"title":"[ذكر خبر خروج عبد الله بن علي وهزيمته]","level":4,"page":1682},{"title":"[ذكر خبر قتل أبي مسلم الخراساني]","level":4,"page":1685},{"title":"[ذكر خروج سنباذ للطلب بدم أبي مسلم ثم قتله] وفيها خرج سنباذ يطالب بدم أبي مسلم","level":4,"page":1696},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1698},{"title":"[ذكر خلع جمهور بن مرار بن منصور] وفيها خلع جمهور بن مرار العجلي المنصور [ذكر خبر قتل ملبد الخارجي]","level":4,"page":1699},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة","level":3,"page":1700},{"title":"ثم دخلت سنة أربعين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1701},{"title":"[ذكر هلاك أبي داود عامل خراسان وولاية عبد الجبار]","level":4,"page":1701},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وأربعين بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1701},{"title":"[ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي إليه]","level":4,"page":1701},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1705},{"title":"[ذكر خبر نكث إصبهبذ طبرستان العهد]","level":4,"page":1705},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1708},{"title":"[غزو الديلم]","level":4,"page":1708},{"title":"[عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف]","level":4,"page":1708},{"title":"[عزل حميد بن قحطبة عن مصر]","level":4,"page":1709},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث.","level":4,"page":1710},{"title":"[ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن]","level":4,"page":1710},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1711},{"title":"وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع فهرب منهم","level":4,"page":1715},{"title":"[ذكر الخبر عن بناء مدينة بغداد]","level":4,"page":1717},{"title":"[ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتله]","level":4,"page":1718},{"title":"خلاصة القول في خبر خروج محمد (النفس الزكية) وأخيه (١٤٥ - ١٤٦ هـ)","level":4,"page":1721},{"title":"ثم دخلت سنة ست رأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1724},{"title":"[خبر استتمام بناء بغداد وتحول أبي جعفر إليها]","level":4,"page":1724},{"title":"ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها.","level":4,"page":1724},{"title":"[ذكر الخبر عن عزل سلم بن قتيبة عن البصرة]","level":4,"page":1725},{"title":"المنصور- المهدي- الهادي- الرشيد","level":4,"page":1726},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة ذكر الأخبار عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1731},{"title":"[ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن علي بن عباس]","level":4,"page":1731},{"title":"[ذكر خبر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسى]","level":4,"page":1731},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1734},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1735},{"title":"ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1737},{"title":"[ذكر خروج أستاذسيس]","level":4,"page":1737},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1739},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1741},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1743},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1745},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1746},{"title":"ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1748},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1749},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1752},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة أبي جعفر المنصور]","level":4,"page":1752},{"title":"القضاء","level":4,"page":1757},{"title":"ذكر الخبر عن بعض سيره (أي المنصور)","level":4,"page":1761},{"title":"خلافة المهدي","level":4,"page":1770},{"title":"خلافة المهدي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس","level":4,"page":1771},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1773},{"title":"ثم دخلت سنة ستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1775},{"title":"[ذكر خروج يوسف البرم]","level":4,"page":1775},{"title":"[ذكر خبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي].","level":4,"page":1775},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1778},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1781},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1783},{"title":"[ذكر خبر غزو الروم]","level":4,"page":1783},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1786},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1788},{"title":"غزوة هارون بن المهدي الصائفة ببلاد الروم","level":4,"page":1788},{"title":"ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1789},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1792},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1795},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":1796},{"title":"[ذكر الخبر عن خروج المهدي إلى ما سبذان]","level":4,"page":1796},{"title":"[ذكر الخبر عن موت المهدي]","level":4,"page":1796},{"title":"القضاء","level":4,"page":1799},{"title":"ذكر بعض سير المهدي وأخباره","level":4,"page":1800},{"title":"أمير المؤمنين المهدي (ما له وما عليه)","level":4,"page":1801},{"title":"خلافة الهادي","level":4,"page":1805},{"title":"ذكر بقية الخبر عن الأحدات التي كانت سنة تسع وستين ومائة","level":4,"page":1806},{"title":"[خروج الحسين بن علي بن الحسن بفخ]","level":5,"page":1806},{"title":"ثم دخلت سنة سبعين ومائة [ذكر الخبر عن وفاة الهادي]","level":3,"page":1808},{"title":"ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومن صلى عليه","level":4,"page":1808},{"title":"خلافة هارون الرشيد","level":4,"page":1810},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1813},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1814},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1815},{"title":"[ذكر خبر وفاة محمد بن سليمان]","level":4,"page":1815},{"title":"[ذكر وفاة الخيزران أم الهادي والرشيد]","level":4,"page":1815},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1816},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1817},{"title":"ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة","level":3,"page":1818},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1819},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1820},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1821},{"title":"ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1823},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1823},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة","level":3,"page":1824},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة","level":3,"page":1825},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1826},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة","level":3,"page":1827},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1828},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1829},{"title":"[ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة]","level":4,"page":1829},{"title":"[ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح]","level":4,"page":1833},{"title":"[ذكر الخبر عن دخول القاسم بن الرشيد أرض الروم]","level":4,"page":1833},{"title":"[ذكر الخبر عن نقض الروم الصلح]","level":4,"page":1833},{"title":"ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك","level":4,"page":1833},{"title":"[خبر مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك]","level":4,"page":1836},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1837},{"title":"[ذكر خبر غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة]","level":4,"page":1837},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1838},{"title":"[ذكر خبر شخوص الرشيد إلى الري]","level":4,"page":1838},{"title":"ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1840},{"title":"[ذكر خبر ظهور خلاف رافع بن ليث]","level":4,"page":1840},{"title":"[فتح الرشيد هرقلة]","level":4,"page":1840},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1844},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحدات","level":3,"page":1846},{"title":"[ذكر الخبر عن مسير الرشيد إلى خراسان]","level":4,"page":1846},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":1848},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحيى]","level":4,"page":1848},{"title":"[ذكر الخبر عن مقام الرشيد بطوس]","level":4,"page":1848},{"title":"[ذكر الخبر عن موت الرشيد]","level":4,"page":1848},{"title":"ذكر ولاة الأمصار في أيام هارون الرشيد","level":4,"page":1849},{"title":"تسمية عمال أمير المؤمنين هارون","level":4,"page":1849},{"title":"القضاء","level":4,"page":1853},{"title":"ذكر بعض سير الرشيد","level":4,"page":1855},{"title":"النظر في أمر المساجين","level":4,"page":1860},{"title":"ضعيف تاريخ الطبري","level":1,"page":1868},{"title":"قصص الأنبياء وتاريخ ما قبل البعثة","level":2,"page":1868},{"title":"القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه وأوله إلى آخره","level":3,"page":1870},{"title":"القول في هل كان الله ﷿ خلق قبل خلقه الزمان والليل والنهار شيئا غير ذلك من الخلق","level":3,"page":1874},{"title":"القول في ابتداء الخلق ما كان أوله","level":3,"page":1879},{"title":"القول في الذي ثني خلق القلم","level":3,"page":1880},{"title":"القول فيما خلق الله في كل يوم في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما","level":3,"page":1887},{"title":"القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه","level":3,"page":1898},{"title":"ذكر الأخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء الدنيا والأرض وما بين ذلك","level":3,"page":1913},{"title":"ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه واستكباره عليه وادعائه الربوبية","level":3,"page":1914},{"title":"القول في الأحداث التي كانت في أيام ملك إبليس وسلطانه والسبب الذي به هلك وادعى الربوبية","level":3,"page":1915},{"title":"ذكر السبب الذي به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه ﷿","level":3,"page":1916},{"title":"القول في خلق آدم - ﵇ -","level":3,"page":1919},{"title":"القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم - ﵇ - وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته، وذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذي كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده، ومكنه في جنته من رغد العيش وهنيئه، وما أزال ذلك عنه، فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نكد عيش أهل الأرض وعلاج الحراثة والعمل بالمساحي والزراعة فيها","level":3,"page":1930},{"title":"القول في قدر مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله ﷿ إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض","level":3,"page":1935},{"title":"ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم - ﵇ - من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض","level":3,"page":1937},{"title":"القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها","level":3,"page":1939},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم - ﵇ - بعد أن أهبط إلى الأرض","level":3,"page":1952},{"title":"ذكر ولادة حواء شيثا","level":3,"page":1963},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد","level":3,"page":1972},{"title":"- ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح - ﵇ -","level":3,"page":1985},{"title":"ذكر بيوراسب، وهو الإزدهاق","level":3,"page":1997},{"title":"ذكر الأحدات التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ﵉","level":3,"page":2016},{"title":"ذكر إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ - وذكر من كان في عصره من ملوك العجم","level":3,"page":2027},{"title":"ذكر أمر بناء البيت","level":4,"page":2039},{"title":"ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه الذي أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبحه","level":4,"page":2055},{"title":"ذكر ابتلاء الله إبراهيم بكلمات","level":4,"page":2061},{"title":"أمر نمرود بن كوش بن كنعان","level":4,"page":2068},{"title":"ذكر لوط بن هاران وقومه","level":3,"page":2073},{"title":"ذكر من قال: إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت من سدوم ابنة لوط دون لوط","level":3,"page":2079},{"title":"ذكر وفاة سارة بنت هاران، وهاجر أم إسماعيل وذكر أزواج إبراهيم - ﵇ - وولده","level":3,"page":2086},{"title":"ذكر وفاة إبراهيم - ﵇ -","level":3,"page":2088},{"title":"ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ -","level":3,"page":2090},{"title":"ذكر إسحاق بن إبراهيم ﵉ وذكر نسائه وأولاده","level":3,"page":2091},{"title":"ذكر أيوب - ﵇ -","level":3,"page":2096},{"title":"ذكر خبر شعيب - ﷺ -","level":3,"page":2100},{"title":"ذكر يعقوب وأولاده","level":3,"page":2104},{"title":"ثم إن ملك مصر رأى رؤيا هالته","level":4,"page":2116},{"title":"قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع ﵈","level":3,"page":2130},{"title":"ذكر نسب موسى بن عمران وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث","level":4,"page":2137},{"title":"ذكر وفاة موسى وهارون ابني عمران ﵉","level":4,"page":2171},{"title":"ذكر يوشع بن نون - ﵇ -","level":4,"page":2174},{"title":"ذكر أمر قارون بن يصهر بن قاهث","level":3,"page":2180},{"title":"ذكر أمر بني إسرائيل والقوام الذين كانوا بأمرهم بعد يوشع بن نون والأحداث التي كانت في عهد زو وكيقباذ","level":3,"page":2188},{"title":"إلياس واليسع ﵉","level":3,"page":2192},{"title":"ذكر خبر شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف، وطالوت وجالوت","level":3,"page":2196},{"title":"ذكر خبر داود بن إيشي بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم","level":3,"page":2203},{"title":"ذكر خبر سليمان بن داود ﵉","level":3,"page":2212},{"title":"ذكر ما انتهي إلينا من مغازي سليمان - ﵇ -","level":4,"page":2214},{"title":"ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه","level":4,"page":2220},{"title":"أمر إسرائيل بعد سليمان بن داود ﵉","level":4,"page":2226},{"title":"ذكر خبر أسا بن أبيا وزرح الهندي","level":3,"page":2226},{"title":"ذكر صاحب قصة شعيا من ملوك بني إسرائيل، وسنحاريب","level":3,"page":2237},{"title":"ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس","level":3,"page":2242},{"title":"ذكر خبر غزو بختنصر للعرب","level":3,"page":2257},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف","level":3,"page":2260},{"title":"ذكر الخبر عن أصحاب الكهف","level":3,"page":2278},{"title":"يونس بن متى","level":3,"page":2282},{"title":"إرسال الله رسله الثلاثة","level":3,"page":2287},{"title":"شمسون","level":3,"page":2290},{"title":"ذكر خبر جرجيس","level":3,"page":2291},{"title":"ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها","level":3,"page":2301},{"title":"ذكر مولد رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":2344},{"title":"[ذكر ملك هرمز بن كسرى أنوشروان]","level":3,"page":2357},{"title":"[ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز]","level":3,"page":2361},{"title":"ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملك فارس عن أهل فارس","level":3,"page":2369},{"title":"ذكر نسب رسول الله - ﷺ - وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده","level":3,"page":2376},{"title":"ابن عبد المطلب","level":4,"page":2382},{"title":"ابن هاشم","level":4,"page":2386},{"title":"ابن عبد مناف","level":4,"page":2388},{"title":"ابن قصي","level":4,"page":2389},{"title":"ابن كلاب","level":4,"page":2394},{"title":"ابن مرة","level":4,"page":2394},{"title":"ابن كعب","level":4,"page":2395},{"title":"ابن لؤي","level":4,"page":2395},{"title":"ابن غالب","level":4,"page":2396},{"title":"ابن فهر","level":4,"page":2396},{"title":"ابن مالك","level":4,"page":2397},{"title":"ابن النضر","level":4,"page":2399},{"title":"ابن كنانة","level":4,"page":2399},{"title":"ابن خزيمة","level":4,"page":2400},{"title":"ابن مدركة","level":4,"page":2400},{"title":"ابن إلياس","level":4,"page":2401},{"title":"ابن مضر","level":4,"page":2401},{"title":"ابن نزار","level":4,"page":2403},{"title":"ابن معد","level":4,"page":2403},{"title":"ابن عدنان","level":4,"page":2404},{"title":"ذكر تزويج النبي - ﷺ - خديجة ﵂","level":3,"page":2409},{"title":"ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله - ﷺ - قبل أن ينبأ، وما كان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث في بلده","level":3,"page":2411},{"title":"السيرة النبوية","level":2,"page":2420},{"title":"ذكر اليوم الذي نبيء فيه رسول الله - ﷺ - من الشهر الذي نبيء فيه وما جاء في ذلك","level":3,"page":2422},{"title":"لقاء رسول الله - ﷺ - بوفد الأنصار من الخزرج","level":3,"page":2460},{"title":"الهجرة إلى المدينة","level":3,"page":2465},{"title":"ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخ","level":3,"page":2474},{"title":"ثم كانت السنة الثانية من الهجرة","level":3,"page":2485},{"title":"سرية عبد الله بن جحش","level":4,"page":2486},{"title":"ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة","level":4,"page":2488},{"title":"ذكر وقعة بدر الكبرى","level":4,"page":2492},{"title":"غزوة بني قينقاع","level":4,"page":2517},{"title":"غزوة السويق","level":4,"page":2520},{"title":"ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة","level":3,"page":2522},{"title":"[غزوة ذي أمر]","level":4,"page":2522},{"title":"خبر كعب بن الأشرف","level":4,"page":2523},{"title":"غزوة القردة","level":4,"page":2524},{"title":"[غزوة حمراء الأسد]","level":4,"page":2542},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في سنة أربع من الهجرة","level":3,"page":2544},{"title":"[غزوة الرجيع]","level":4,"page":2544},{"title":"ذكر الخبر عن عمرو بن أمية الضمري إذ وجهه رسول الله - ﷺ - لقتل أبي سفيان بن حرب","level":4,"page":2547},{"title":"ذكر خبر بئر معونة","level":4,"page":2549},{"title":"ذكر خبر جلاء بني النضير","level":4,"page":2552},{"title":"[غزوة ذات الرقاع]","level":4,"page":2556},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة السويق","level":4,"page":2558},{"title":"ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة","level":3,"page":2560},{"title":"[غزوة دومة الجندل]","level":4,"page":2562},{"title":"غزوة بني قريظة","level":4,"page":2571},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بني لحيان","level":3,"page":2578},{"title":"غزوة ذي قرد","level":4,"page":2579},{"title":"ذكر غزوة بني المصطلق","level":4,"page":2581},{"title":"حديث الإفك","level":4,"page":2584},{"title":"ذكر الخبر عن عمرة النبي - ﷺ - التي صده المشركون فيها عن البيت، وهي قصة الحديبية","level":4,"page":2586},{"title":"ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوك","level":4,"page":2593},{"title":"ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة (غزوة خيبر)","level":3,"page":2600},{"title":"ذكر مقاسم خيبر وأموالها","level":4,"page":2603},{"title":"عمرة القضاء","level":4,"page":2606},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة","level":3,"page":2608},{"title":"ذكر ما في الخبر عن الكائن كان من الأحداث المذكورة في سنة ثمان من سني الهجرة","level":4,"page":2610},{"title":"غزوة الخبط","level":4,"page":2610},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة مؤتة","level":4,"page":2613},{"title":"ذكر الخبر عن فتح مكة","level":4,"page":2616},{"title":"مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك","level":4,"page":2626},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة رسول الله - ﷺ - هوازن بحنين","level":4,"page":2628},{"title":"أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها","level":4,"page":2635},{"title":"ثم دخلت سنة تسع","level":3,"page":2640},{"title":"أمر ثقيف وإسلامها","level":4,"page":2640},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة تبوك","level":4,"page":2644},{"title":"أمر طيئ وعدي بن حاتم","level":4,"page":2649},{"title":"قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات","level":4,"page":2652},{"title":"قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم","level":4,"page":2656},{"title":"ثم دخلت سنة عشر","level":3,"page":2659},{"title":"[سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب وإسلامهم]","level":4,"page":2659},{"title":"قدوم وفد الأزد","level":4,"page":2663},{"title":"قدوم وفد زبيد","level":4,"page":2665},{"title":"قدوم فروة بن مسيك المرادي","level":4,"page":2666},{"title":"قدوم الجارود في وفد عبد القيس","level":4,"page":2667},{"title":"قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة","level":4,"page":2668},{"title":"قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة","level":4,"page":2668},{"title":"قدوم رفاعة بن زيد الجذامي","level":4,"page":2669},{"title":"قدوم زيد الخيل في وفد طيئ","level":4,"page":2672},{"title":"كتاب مسيلمة إلى رسول الله والرد عليه","level":4,"page":2673},{"title":"خروج الأمراء والعمال على الصدقات","level":4,"page":2673},{"title":"حجة الوداع","level":4,"page":2674},{"title":"ذكر جملة الغزوات","level":4,"page":2674},{"title":"ذكر جملة السرايا والبعوث","level":4,"page":2676},{"title":"ذكر الخبر عن حج رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2681},{"title":"ذكر الخبر عن أزواج رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2681},{"title":"ذكر من خطب النبي - ﷺ - من النساء ثم لم ينكحهن","level":4,"page":2687},{"title":"ذكر موالي رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2688},{"title":"أسماء خيل رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2688},{"title":"ذكر أسماء إبله - ﷺ -","level":4,"page":2689},{"title":"ذكر أسماء لقاح رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2690},{"title":"ذكر أسماء منائح رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2691},{"title":"ذكر أسماء سيوف رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2691},{"title":"ذكر أسماء قسيه ورماحه - ﷺ -","level":4,"page":2692},{"title":"ذكر أسماء دروعه - ﷺ -","level":4,"page":2692},{"title":"ذكر ترسه - ﷺ -","level":4,"page":2692},{"title":"ذكر أسماء رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2693},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى عشرة ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":2693},{"title":"ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته","level":4,"page":2700},{"title":"ذكر جهاز رسول الله - ﷺ - ودفنه","level":4,"page":2701},{"title":"ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللذين توفي فيهما رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":2703},{"title":"الخلافة الراشدة","level":2,"page":2707},{"title":"مقدمة","level":3,"page":2709},{"title":"ضعيف تاريخ أبي بكر الصديق ﵁","level":3,"page":2716},{"title":"ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة","level":4,"page":2721},{"title":"ذكر أمر أبي بكر في أول خلافته","level":4,"page":2726},{"title":"كتاب أبي بكر إلى القبائل المرتدة ووصيته للأمراء","level":4,"page":2738},{"title":"ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة ما آل إليه أمر طليحة","level":4,"page":2740},{"title":"ذكر ردة هوازن وسليم وعامر","level":4,"page":2744},{"title":"ذكر خبر بني تميم وأمر سجاح بنت الحارث بن سويد","level":4,"page":2749},{"title":"ذكر البطاح وخبره ومسألة مالك بن نويرة عند الطبري وغيره","level":4,"page":2755},{"title":"تعليقنا على هذه الروايات الضعيفة","level":4,"page":2759},{"title":"ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة","level":4,"page":2762},{"title":"ذكر خبر أهل البحرين وردة الخطم ومن تجمع معه بالبحرين","level":4,"page":2777},{"title":"ذكر الخبر عن ردة أهل عمان ومهرة واليمن","level":4,"page":2784},{"title":"ذكر خبر مهرة بالنجد","level":4,"page":2786},{"title":"ذكر خبر المرتدين باليمن","level":4,"page":2788},{"title":"خبر الأخابث من عك","level":4,"page":2789},{"title":"ردة أهل اليمن ثانية","level":4,"page":2791},{"title":"ذكر خبر طاهر حين شخص مددا لفيروز","level":4,"page":2796},{"title":"ذكر خبر حضرموت في ردتهم","level":4,"page":2798},{"title":"ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة","level":4,"page":2808},{"title":"ذكر وقعة المذار","level":5,"page":2813},{"title":"ذكر وقعة الولجة","level":5,"page":2814},{"title":"خبر أليس، وهي على صلب الفرات","level":5,"page":2816},{"title":"حديث أمغيشيا","level":5,"page":2819},{"title":"حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى","level":5,"page":2820},{"title":"خبر ما بعد الحيرة","level":5,"page":2826},{"title":"حديث الأنبار -وهي ذات العيون- وذكر كلواذى","level":5,"page":2833},{"title":"خبر عين التمر","level":5,"page":2835},{"title":"خبر دومة الجندل","level":5,"page":2837},{"title":"خبر حصيد","level":5,"page":2839},{"title":"الخنافس","level":5,"page":2840},{"title":"مصيخ بني البرشاء","level":5,"page":2840},{"title":"الثني والزميل","level":5,"page":2841},{"title":"حديث الفراض","level":5,"page":2842},{"title":"حجة خالد","level":5,"page":2843},{"title":"خبر اليرموك","level":5,"page":2846},{"title":"ذكر مرض أبي بكر ووفاته","level":5,"page":2849},{"title":"ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذي كفن فيه أبو بكر ومن صلى عليه والوقت الذي صلى عليه فيه والوقت الذي توفي فيه","level":5,"page":2849},{"title":"ذكر الخبر عن صفة جسم أبي بكر ﵀","level":5,"page":2851},{"title":"ذكر نسب أبي بكر واسمه وما كان يعرف به","level":5,"page":2852},{"title":"ذكر أسماء قضاته وكتابه وعماله على الصدقات","level":5,"page":2852},{"title":"ذكر استخلافه عمر بن الخطاب","level":5,"page":2853},{"title":"ضعيف تاريخ عمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":2857},{"title":"ذكر غزوة فحل وفتح دمشق","level":4,"page":2858},{"title":"ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود","level":4,"page":2860},{"title":"خبر النمارق","level":4,"page":2862},{"title":"السقاطية بكسكر","level":4,"page":2864},{"title":"وقعة القرقس","level":4,"page":2865},{"title":"خبر أليس الصغرى","level":4,"page":2866},{"title":"البويب","level":4,"page":2867},{"title":"خبر الخنافس","level":4,"page":2872},{"title":"ذكر الخبر عما هيج أمر القادسية","level":4,"page":2876},{"title":"ثم دخلت سنة أربع عشرة","level":4,"page":2879},{"title":"ذكر ابتداء أمر القادسية","level":5,"page":2879},{"title":"يوم أرماث","level":5,"page":2916},{"title":"ذكر أحوال أهل السواد","level":5,"page":2945},{"title":"ذكر بناء البصرة","level":5,"page":2953},{"title":"ثم دخلت سنة خمس عشرة","level":4,"page":2957},{"title":"ذكر الوقعة بمرج الروم","level":5,"page":2957},{"title":"ذكر فتح حمص","level":5,"page":2958},{"title":"ذكر خبر ارتحال هرقل إلى القسطنطينية","level":5,"page":2960},{"title":"ذكر فتح قيسارية وحصر غزة","level":5,"page":2961},{"title":"ذكر فتح بيسان ووقعة أجنادين","level":5,"page":2962},{"title":"ذكر فتح بيت المقدس","level":5,"page":2964},{"title":"دكر فرض العطاء وعمل الديوان","level":5,"page":2969},{"title":"خبر يوم برس","level":5,"page":2973},{"title":"يوم بابل","level":5,"page":2974},{"title":"حديث بهرسير في ذي الحجة سنة خمس عشرة في قول سيف","level":5,"page":2976},{"title":"ثم دخلت سنة ست عشرة","level":4,"page":2977},{"title":"ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينة بهرسير","level":5,"page":2977},{"title":"حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى","level":5,"page":2980},{"title":"ذكر ما جمع من فيء أهل المدائن","level":5,"page":2986},{"title":"ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا -فيما زعم سيف- ستين ألفا","level":5,"page":2989},{"title":"ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة","level":5,"page":2992},{"title":"ذكر فتح تكريت","level":5,"page":3000},{"title":"ذكر فتح ماسبذان","level":5,"page":3002},{"title":"ذكر الخبر عن فتحها","level":5,"page":3002},{"title":"ذكر وقعة قرقيسياء","level":5,"page":3003},{"title":"ذكر الخبر عن الوقعة بها","level":5,"page":3003},{"title":"ثم دخلت سنة سبع عشرة","level":4,"page":3004},{"title":"ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف","level":5,"page":3004},{"title":"إعادة تعريف الناس","level":5,"page":3011},{"title":"ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم","level":5,"page":3012},{"title":"ذكر فتح الجزيرة","level":5,"page":3013},{"title":"خروج عمر بن الخطاب إلى الشام","level":5,"page":3015},{"title":"ذكر الخبر عن سيف في ذلك، والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين","level":5,"page":3019},{"title":"ذكر خبر عزل خالد بن الوليد","level":5,"page":3020},{"title":"ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه","level":5,"page":3023},{"title":"ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى","level":5,"page":3023},{"title":"فتح سوق الأهواز ومناذر ونهر تيرى","level":5,"page":3026},{"title":"ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى","level":5,"page":3026},{"title":"فتح تستر","level":5,"page":3030},{"title":"غزو المسلمين فارس من قبل البحرين","level":5,"page":3032},{"title":"ذكر فتح رامهرمز وتستر","level":5,"page":3036},{"title":"ذكر فتح السوس","level":5,"page":3041},{"title":"ذكر مصالحة المسلمين أهل جندي سابور","level":5,"page":3045},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان عشرة","level":4,"page":3046},{"title":"ثم دخلت سنة تسع عشرة","level":4,"page":3051},{"title":"ذكر الأحداث التي كانت في سنة تسع عشرة","level":4,"page":3051},{"title":"ثم دخلت سنة عشرين","level":4,"page":3052},{"title":"ذكر الخبر عما كان فيها من مغازي المسلمين وغير ذلك من أمورهم","level":5,"page":3052},{"title":"ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية","level":5,"page":3053},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وعشرين","level":4,"page":3059},{"title":"ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند","level":5,"page":3059},{"title":"ذكر الخبر عن أصبهان","level":5,"page":3075},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين","level":4,"page":3079},{"title":"(ذكر فتح همدان)","level":5,"page":3079},{"title":"فتح الري","level":5,"page":3081},{"title":"فتح قومس","level":5,"page":3083},{"title":"فتح جرجان","level":5,"page":3084},{"title":"فتح طبرستان","level":5,"page":3084},{"title":"فتح أذربيجان","level":5,"page":3085},{"title":"فتح الباب","level":5,"page":3087},{"title":"ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة","level":5,"page":3092},{"title":"ذكر عزل عمار عن الكوفة","level":5,"page":3094},{"title":"ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك","level":5,"page":3096},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين","level":4,"page":3103},{"title":"ذكر الخبر عن فتح توج","level":5,"page":3103},{"title":"فتح إصطخر","level":5,"page":3104},{"title":"ذكر فتح فساودارا بجرد","level":5,"page":3105},{"title":"ذكر فتح كرمان","level":5,"page":3107},{"title":"ذكر فتح سجستان","level":5,"page":3107},{"title":"فتح مكران","level":5,"page":3108},{"title":"خبر بيروذ من الأهواز","level":5,"page":3109},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة عمر وفي هذه السنة كانت وفاته","level":5,"page":3112},{"title":"تسميته بالفاروق","level":5,"page":3116},{"title":"ذكر صفته","level":5,"page":3116},{"title":"ذكر مولده ومبلغ عمره","level":5,"page":3117},{"title":"ذكر أسماء ولده ونسائه","level":5,"page":3118},{"title":"ذكر وقت إسلامه","level":5,"page":3120},{"title":"ذكر بعض سيره","level":5,"page":3120},{"title":"تسمية عمر - ﵁ - أمير المؤمنين","level":5,"page":3126},{"title":"ذكر بعض خطبه رضي الله تعالى عنه","level":5,"page":3131},{"title":"من ندب عمر ورثاه - ﵁ -. ذكر بعض ما رثي به","level":5,"page":3135},{"title":"شيء من سيرته مما لم يمض ذكره","level":5,"page":3136},{"title":"قصة الشورى","level":5,"page":3143},{"title":"عمال عمر - ﵁ - على الأمصار","level":5,"page":3156},{"title":"ضعيف تاريخ عثمان بن عفان - ﵁ -","level":3,"page":3157},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة","level":4,"page":3158},{"title":"خطبة عثمان - ﵁ - وقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان","level":5,"page":3159},{"title":"ولاية سعد بن أبي وقاص الكوفة","level":5,"page":3160},{"title":"كتب عثمان - ﵁ - إلى عماله وولاته والعامة","level":5,"page":3160},{"title":"غزوة أذربيجان وأرمينية","level":5,"page":3162},{"title":"إجلاب الروم على المسلمين واستمداد المسلمين من بالكوفة","level":5,"page":3163},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وعشرين ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها","level":4,"page":3165},{"title":"ثم دخلت سنة ست وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة","level":4,"page":3165},{"title":"ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفة سعدا واستعماله عليها الوليد","level":5,"page":3166},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وعشرين ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها","level":4,"page":3167},{"title":"م دخلت سنة ثمان وعشرين","level":4,"page":3172},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وعشرين","level":4,"page":3175},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة","level":5,"page":3176},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثين","level":4,"page":3180},{"title":"ذكر الخبر عنه عن غزو سعيد بن العاص طبرستان","level":5,"page":3180},{"title":"ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيدا عليها","level":5,"page":3182},{"title":"ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر أريس","level":5,"page":3191},{"title":"ذكر هرب يزدجرد إلى خراسان","level":5,"page":3196},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين","level":4,"page":3197},{"title":"ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة فمما كان فيها من ذلك غزوة المسلمين الروم التي يقال لها: غزوة الصواري","level":5,"page":3197},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل يزدجرد ملك فارس","level":5,"page":3202},{"title":"شخوص عبد الله بن عامر إلى خراسان وما قام به من فتوح","level":5,"page":3209},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة","level":4,"page":3212},{"title":"ذكر الخبر عن وفاته","level":5,"page":3215},{"title":"فتح مروروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان","level":5,"page":3217},{"title":"ذكر صلح الأحنف مع أهل بلخ","level":5,"page":3220},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين","level":4,"page":3223},{"title":"ذكر تسيير من سير من أهل الكوفة إليها","level":5,"page":3224},{"title":"ذكر الخبر عن تسيير عثمان من سير من أهل البصرة إلى الشام","level":5,"page":3232},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان","level":4,"page":3235},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":3244},{"title":"ذكر مسير من سار إلي ذي خشب من أهل مصر وسبب مسير من سار إلى ذي المروة من أهل العراق","level":5,"page":3244},{"title":"ذكر الخبر عن قتل عثمان ﵁","level":5,"page":3257},{"title":"ذكر بعض سير عثمان بن عفان ﵁","level":5,"page":3284},{"title":"ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله أمر عثمان ﵁ عبد الله ابن عباس ﵁ أن يحج بالناس في هذه السنة","level":5,"page":3293},{"title":"ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه عثمان ﵁ ومن صلى عليه وولي أمره بعد ما قتل إلى أن فرغ من أمره ودفنه","level":5,"page":3298},{"title":"ذكر الخبر عن الوقت الذي قتل فيه عثمان ﵁","level":5,"page":3301},{"title":"ذكر الرواية بذلك عن بعض من قال: إنه قتل في سنة ست وثلاثين","level":5,"page":3302},{"title":"ذكر الخبر عن قدر مدة حياته","level":5,"page":3303},{"title":"ذكر الخبر عن صفة عثمان","level":5,"page":3305},{"title":"ذكر الخبر عن وقت إسلامه وهجرته","level":5,"page":3306},{"title":"ذكر الخبر عما كان يكنى به عثمان بن عفان ﵁","level":5,"page":3306},{"title":"ذكر أولاده وأزواجه","level":5,"page":3306},{"title":"ذكر أسماء عمال عثمان ﵁ في هذه السنة على البلدان","level":5,"page":3307},{"title":"ذكر بعض خطب عثمان ﵁","level":5,"page":3308},{"title":"ذكر الخبر عمن كان يصلي بالناس في مسجد رسول الله - ﷺ - حين حصر عثمان","level":5,"page":3309},{"title":"ذكر ما رثي به من الأشعار","level":5,"page":3309},{"title":"ضعيف تاريخ علي بن أبي طالب ﵁","level":3,"page":3312},{"title":"خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب البيعة","level":4,"page":3313},{"title":"اتساق الأمر في البيعة لعلي بن أبي طالب ﵇","level":4,"page":3321},{"title":"مسير قسطنطين ملك الروم يريد المسلمين","level":4,"page":3327},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثلاثين","level":4,"page":3327},{"title":"تفريق علي عماله على الأمصار","level":5,"page":3327},{"title":"استئذان طلحة والزبير عليا","level":5,"page":3330},{"title":"خروج علي إلى الربذة يريد البصرة","level":5,"page":3341},{"title":"شراء الجمل لعائشة ﵂، وخبر كلاب الحوءب","level":5,"page":3343},{"title":"قول عائشة ﵂: والله لأطلبن بدم عثمان وخروجها وطلحة والزبير فيمن تبعهم إلى البصرة","level":5,"page":3345},{"title":"دخولهم البصرة والحرب بينهم وبين عثمان بن حنيف","level":5,"page":3349},{"title":"ذكر الخبر عن مسير علي بن أبي طالب نحو البصرة","level":5,"page":3364},{"title":"نزول أمير المؤمنين ذا قار","level":5,"page":3375},{"title":"بعثة علي بن أبي طالب من ذى قار ابنه الحسن وعمار بن ياسر ليستنفرا له أهل الكوفة","level":5,"page":3382},{"title":"نزول علي الزاوية من البصرة","level":5,"page":3383},{"title":"أمر القتال","level":5,"page":3387},{"title":"خبر وقعة الجمل من رواية أخرى","level":5,"page":3390},{"title":"شدة القتال يوم الجمل وخبر أعين بن ضبيعة واطلاعه في الهودج","level":5,"page":3410},{"title":"مقتل الزبير بن العوام ﵁","level":5,"page":3412},{"title":"من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى في البلاد","level":5,"page":3413},{"title":"توجع علي على قتلى الجمل ودفنهم وجمعه ما كان في العسكر والبعث به إلى البصرة","level":5,"page":3416},{"title":"عدد قتلى الجمل","level":5,"page":3416},{"title":"دخول علي على عائشة وما أمر به من العقوبة فيمن تناولها","level":5,"page":3417},{"title":"بيعة أهل البصرة عليا وقسمه ما في بيت المال عليهم","level":5,"page":3418},{"title":"سيرة علي فيمن قاتل يوم الجمل","level":5,"page":3419},{"title":"بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لها وخروجهما من البصرة إلى مكة","level":5,"page":3419},{"title":"ما كتب به علي بن أبي طالب من الفتح إلى عامله بالكوفة","level":5,"page":3419},{"title":"أخذ علي البيعة على الناس وخبر زياد بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن أبي بكرة","level":5,"page":3420},{"title":"تأمير ابن عباس على البصرة وتولية زياد الخراج","level":5,"page":3420},{"title":"تجهيز علي ﵇ عائشة ﵂ من البصرة","level":5,"page":3421},{"title":"ما روي من كثرة القتلى يوم الجمل","level":5,"page":3422},{"title":"آخر حديث الجمل بعثة علي بن أبي طالب قيس بن سعد بن عبادة أميرا على مصر","level":5,"page":3423},{"title":"ولاية محمد بن أبي بكر مصر","level":5,"page":3432},{"title":"توجيه علي خليد بن طريف إلى خراسان","level":5,"page":3436},{"title":"ذكر خبر عمرو بن العاص ومبايعته معاوية","level":5,"page":3436},{"title":"توجيه علي بن أبي طالب جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته","level":5,"page":3439},{"title":"خروج علي بن أبي طالب إلى صفين","level":5,"page":3441},{"title":"ما أمر به علي بن أبي طالب من عمل الجسر على الفرات","level":5,"page":3442},{"title":"القتال على الماء","level":5,"page":3446},{"title":"دعاء علي معاوية إلى الطاعة والجماعة","level":5,"page":3450},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين علي ومعاوية","level":4,"page":3453},{"title":"تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال","level":5,"page":3458},{"title":"الجد في الحرب والقتال","level":5,"page":3465},{"title":"مقتل عمار بن ياسر","level":5,"page":3483},{"title":"خبر هاشم بن عتبة المرقال وذكر ليلة الهرير","level":5,"page":3487},{"title":"ما روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة","level":5,"page":3493},{"title":"بعثة علي جعدة بن هبيرة إلى خراسان وفي هذه السنة بعث علي جعدة بن هبيرة فيما قيل إلى خراسان","level":5,"page":3506},{"title":"اعتزال الخوارج عليا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك","level":5,"page":3507},{"title":"اجتماع الحكمين بدومة الجندل","level":5,"page":3509},{"title":"ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر","level":5,"page":3513},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":3528},{"title":"(الروايات التي تتهم محمد بن أبي بكر بقتل عثمان لا تصح)","level":5,"page":3545},{"title":"(لا يصح خبر قتل محمد بن أبي بكر حرقا)","level":5,"page":3545},{"title":"ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم","level":5,"page":3546},{"title":"(خبر نشر المصاحف على الرماح في وقعة صفين لا يصح وكذلك لم يصح خلع أبي موسى لعلي وتثبيت عمرو لمعاوية ﵃ أجمعين)","level":5,"page":3546},{"title":"الخريت بن راشد وإظهاره الخلاف على علي","level":5,"page":3549},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":5,"page":3566},{"title":"تفريق معاوية جيوشه في أطراف علي","level":5,"page":3566},{"title":"ذكر توجيه ابن عباس زيادا إلى فارس وكرمان","level":5,"page":3570},{"title":"ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":3571},{"title":"خروج ابن عباس من البصرة إلى مكة","level":5,"page":3573},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالب","level":5,"page":3575},{"title":"ذكر الخبر عن صفته","level":5,"page":3583},{"title":"ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده","level":5,"page":3583},{"title":"ذكر بعض سيره ﵇","level":5,"page":3583},{"title":"ذكر بيعة الحسن بن علي","level":5,"page":3585},{"title":"المقدمة","level":5,"page":3593},{"title":"الخلافة في عهد الأمويين","level":2,"page":3598},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3598},{"title":"ذكر خبر الصلح بين معاوية وقيس بن سعد","level":4,"page":3599},{"title":"دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفة","level":4,"page":3600},{"title":"ذكر خروج الخوارج على معاوية","level":4,"page":3601},{"title":"ذكر خبرهم","level":4,"page":3601},{"title":"ذكر ولاية بسر بن أبي أرطاة على البصرة","level":4,"page":3602},{"title":"ولاية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان","level":4,"page":3604},{"title":"ذكر الخبر عن سبب ولاية ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها","level":4,"page":3605},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":3606},{"title":"ذكر الخبر عن تحرك الخوارج","level":4,"page":3606},{"title":"ذكر الخبر عما كان منهم في هذه السنة","level":4,"page":3606},{"title":"ذكر قدوم زياد على معاوية","level":4,"page":3610},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3613},{"title":"خبر قتل المستورد بن علفة الخارجي","level":4,"page":3614},{"title":"[ذكر ولاية عبد الله بن حازم خراسان]","level":4,"page":3638},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3639},{"title":"عزل عبد الله بن عامر عن البصرة","level":4,"page":3639},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزله","level":4,"page":3639},{"title":"استلحاق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه","level":4,"page":3641},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وأربعين ذكر الأحداث المذكورة التي كانت فيها","level":3,"page":3642},{"title":"ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة","level":4,"page":3643},{"title":"ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":3650},{"title":"خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه","level":4,"page":3651},{"title":"ذكر الخبر عن سبب هلاكه","level":4,"page":3651},{"title":"ذكر خروج سهم والخطيم","level":4,"page":3652},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":3652},{"title":"ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حديج","level":4,"page":3652},{"title":"ذكر غزو الغور","level":4,"page":3653},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":3653},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وأربعين","level":3,"page":3654},{"title":"ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":3654},{"title":"ثم دخلت سنة خمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3655},{"title":"ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة","level":4,"page":3655},{"title":"سمرة بن جندب وما حاكته الروايات الواهية حول شخصيته","level":4,"page":3658},{"title":"ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة","level":4,"page":3660},{"title":"ذكر هرب الفرزدق من زياد","level":4,"page":3662},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الأشل وسبب هلاكه","level":4,"page":3670},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3671},{"title":"ذكر مقتل حجر بن عدي وأصحابه","level":4,"page":3671},{"title":"تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية","level":4,"page":3688},{"title":"تسمية من قتل من أصحاب حجر ﵀","level":4,"page":3692},{"title":"تسمية من نجا منهم","level":4,"page":3693},{"title":"-خلاصة القول في قتل حجر بن عدي-","level":4,"page":3699},{"title":"ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان","level":4,"page":3701},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين","level":3,"page":3702},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3702},{"title":"ذكر سبب مهلك زياد بن سمية","level":4,"page":3703},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي","level":4,"page":3706},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3707},{"title":"ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان","level":4,"page":3708},{"title":"ذكر تولية معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان","level":4,"page":3710},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وخمسين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأحداث","level":3,"page":3712},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيد الله البصرة","level":4,"page":3712},{"title":"ثم دخلت سنة ست وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3713},{"title":"ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد","level":4,"page":3714},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وخمسين","level":3,"page":3718},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3719},{"title":"عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم","level":4,"page":3719},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3723},{"title":"ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان","level":4,"page":3724},{"title":"ذكر وفود عبيد الله بن زياد على معاوية","level":4,"page":3725},{"title":"ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زياد","level":4,"page":3726},{"title":"ثم دخلت سنة ستين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3729},{"title":"ذكر عهد معاوية لابنه يزيد","level":4,"page":3729},{"title":"ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان","level":4,"page":3731},{"title":"ذكر الخبر عن مدة ملكه","level":4,"page":3731},{"title":"ذكر مدة عمره","level":4,"page":3732},{"title":"ذكر العلة التي كانت فيها وفاته","level":4,"page":3733},{"title":"ذكر الخبر عمن صلى على معاوية حين مات","level":4,"page":3734},{"title":"ذكر نسائه وولده","level":4,"page":3735},{"title":"ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره","level":4,"page":3736},{"title":"خلافة يزيد بن معاوية","level":4,"page":3742},{"title":"ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمرو بن سعيد","level":4,"page":3747},{"title":"ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين ﵇ للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل ﵁","level":4,"page":3751},{"title":"ذكر مسير الحسين إلى الكوفة","level":4,"page":3782},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3797},{"title":"فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه","level":4,"page":3797},{"title":"ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حدير","level":4,"page":3860},{"title":"ذكر خبر ولاية سلم بن زياد على خراسان وسجستان","level":4,"page":3861},{"title":"ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة","level":4,"page":3863},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية","level":3,"page":3864},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":3868},{"title":"فمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وإظهارهم خلع يزيد بن معاوية وحصارهم من كان بها من بني أمية","level":4,"page":3868},{"title":"وقعة الحرة","level":4,"page":3879},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3880},{"title":"ذكر موت مسلم بن عقبة ورمي الكعبة وإحراقها","level":4,"page":3880},{"title":"دكر الخبر عن حرق الكعبة","level":4,"page":3882},{"title":"خلافة معاوية بن يزيد","level":4,"page":3883},{"title":"ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد","level":4,"page":3885},{"title":"هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجها إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد","level":4,"page":3888},{"title":"ذكر الخبر عن ولاية عامر بن مسعود على الكوفة","level":4,"page":3903},{"title":"خلافة مروان بن الحكم","level":4,"page":3903},{"title":"ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث في سنة أربع وستين","level":4,"page":3908},{"title":"ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد","level":4,"page":3915},{"title":"ذكر الخبر عن تحرك الشيعة للطلب بدم الحسين","level":4,"page":3920},{"title":"ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير","level":4,"page":3931},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد","level":4,"page":3936},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة ذكر الخبر عن غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل","level":3,"page":3941},{"title":"ثم دخلت سنة ثمانين ذكر الأحداث الجليلة التي كانت في هذه السنة تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رتبيل","level":3,"page":3943},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3946},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل بحير بن ورقاء بخراسان","level":4,"page":3946},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها","level":3,"page":3956},{"title":"خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية","level":4,"page":3956},{"title":"وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث","level":4,"page":3959},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلب","level":4,"page":3963},{"title":"خبر وفاة المهلب بن أبي صفرة","level":4,"page":3966},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الأحداث التي كانت فيها خبر هزيمة ابن الأشعث بدير الجماجم","level":3,"page":3968},{"title":"هزيمة ابن الأشعث وأصحابه في وقعة مسكن","level":4,"page":3976},{"title":"ذكر خبر بناء مدينة واسط","level":4,"page":3991},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر قتل الحجاج أيوب بن القرية","level":3,"page":3992},{"title":"[فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس]","level":4,"page":3993},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":3995},{"title":"خبر هلال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث","level":4,"page":3995},{"title":"عزل يزيد بن المهلب عن خراسان","level":4,"page":3998},{"title":"خبر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ","level":4,"page":4002},{"title":"عزم عبد الملك بن مروان على خلع أخيه عبد العزيز","level":4,"page":4013},{"title":"[خبر موت عبد العزيز بن مروان]","level":4,"page":4014},{"title":"بيعة عبد الملك لابنيه: الوليد ثم سليمان","level":4,"page":4017},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4017},{"title":"خبر وفاة عبد الملك بن مروان","level":4,"page":4017},{"title":"ذكر أولاده وأزواجه","level":4,"page":4017},{"title":"خلافة الوليد بن عبد الملك","level":4,"page":4020},{"title":"ولاية قتيبة بن مسلم على خراسان من قبل الحجاج","level":4,"page":4020},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4022},{"title":"خبر إمارة عمر بن عبد العزيز","level":4,"page":4022},{"title":"خبر غزو قتيبة بيكند","level":4,"page":4023},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4024},{"title":"خبر فتح حصون طوانة من بلاد الروم","level":4,"page":4024},{"title":"ذكر عمارة مسجد النبي - ﷺ -","level":4,"page":4024},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4026},{"title":"خبر غزو قتيبة بخارى","level":4,"page":4026},{"title":"خبر ولاية خالد القسري على مكة","level":4,"page":4026},{"title":"ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4027},{"title":"خبر صلح قتيبة مع السغد","level":4,"page":4027},{"title":"خبر فتح الطالقان","level":4,"page":4027},{"title":"هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج","level":4,"page":4028},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4033},{"title":"تتمة خبر قتيبة مع نيزك","level":4,"page":4033},{"title":"خبر غزو قتيبة شومان وكس ونسف","level":4,"page":4035},{"title":"ولاية خالد بن عبد الله القسري على مكة","level":4,"page":4037},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4039},{"title":"فتح الأندلس","level":4,"page":4039},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4040},{"title":"صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد","level":4,"page":4040},{"title":"فتح سمرقند","level":4,"page":4042},{"title":"فتح طليطلة","level":4,"page":4050},{"title":"خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز","level":4,"page":4050},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4052},{"title":"غزو الشاش وفرغانة","level":4,"page":4052},{"title":"ولاية عثمان بن حيان المري على المدينة","level":4,"page":4053},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جبير","level":4,"page":4055},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4056},{"title":"ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4057},{"title":"خلافة سليمان بن عبد الملك","level":4,"page":4058},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":4071},{"title":"ولاية يزيد بن المهلب على خراسان","level":4,"page":4071},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4074},{"title":"خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية","level":4,"page":4074},{"title":"مبايعة سليمان لابنه أيوب وليا للعهد","level":4,"page":4075},{"title":"غزو جرجان وطبرستان","level":4,"page":4076},{"title":"فتح جرجان","level":4,"page":4080},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4083},{"title":"وفاة سليمان بن عبد الملك","level":4,"page":4083},{"title":"ثم دخلت سنة مئة ذكر الخبر عن الأحدات التي كانت فيها","level":3,"page":4085},{"title":"خبر خروج شوذب الخارجي","level":4,"page":4086},{"title":"خبر القبض على يزيد بن المهلب","level":4,"page":4087},{"title":"عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان","level":4,"page":4088},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4091},{"title":"خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه","level":4,"page":4091},{"title":"خبر وفاة عمر بن عبد العزيز","level":4,"page":4092},{"title":"ثم دخلت سنة أربع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4094},{"title":"[ذكر الوقعة بين الحرشي والسغد]","level":4,"page":4094},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال","level":4,"page":4098},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان","level":4,"page":4100},{"title":"ذكر بعض سيره وأموره","level":4,"page":4105},{"title":"خلافة هشام بن عبد الملك","level":4,"page":4108},{"title":"ثم دخلت سنة ست ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4109},{"title":"[ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية وربيعة]","level":4,"page":4110},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة مسلم بن سعيد هذه الغزوة","level":4,"page":4112},{"title":"ثم دخلت سنة سبع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4117},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة أسد هذه الغزوة","level":4,"page":4118},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4119},{"title":"غزو الختل","level":4,"page":4120},{"title":"ثم دخلت سنة تسع ومئة ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4121},{"title":"خبر مقتل عمر بن يزيد الأسيدي","level":4,"page":4121},{"title":"غزو غورين","level":4,"page":4122},{"title":"ذكر الخبر عن عزل هشام خالدا وأخاه عن خراسان","level":4,"page":4122},{"title":"[ذكر الخبر عن دعاة بني العباس]","level":4,"page":4124},{"title":"ثم دخلت سنة عشر ومئة","level":3,"page":4127},{"title":"ذكر وقعة كمرجة","level":4,"page":4130},{"title":"ذكر ردة أهل كردر","level":4,"page":4135},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4136},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث [٧/ ٧٠]","level":3,"page":4138},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4141},{"title":"ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4141},{"title":"ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4142},{"title":"ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4147},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل هشام عاصما وتوليته خالدا خراسان","level":4,"page":4147},{"title":"أمر أسد بن عبد الله مع دعاة بني العباس","level":4,"page":4154},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومئة","level":3,"page":4155},{"title":"ولاية عمار بن يزيد على شيعة بني العباس بخراسان","level":4,"page":4155},{"title":"ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع أصحابه","level":4,"page":4155},{"title":"ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4157},{"title":"ذكر غزو الترك ومقتل خاقان","level":4,"page":4158},{"title":"ذكر الخبر عن هذه الغزوة","level":4,"page":4158},{"title":"خبر مقتل بهلول بن بشر","level":4,"page":4172},{"title":"ذكر الخبر عن غزو أسد","level":4,"page":4177},{"title":"الختل هذه الغزوة وسبب قتله بدرطرخان","level":4,"page":4177},{"title":"ظهور الصحاري بن شبيب الخارجي","level":4,"page":4179},{"title":"ثم دخلت سنة عشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4180},{"title":"أمر شيعة بني العباس بخراسان","level":4,"page":4182},{"title":"ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد","level":4,"page":4182},{"title":"ذكر سبب عزل هشام خالدا","level":4,"page":4183},{"title":"ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالد حين صح عزمه علي عزله","level":4,"page":4187},{"title":"ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بن سيار خراسان","level":4,"page":4194},{"title":"ثم دخلت سنة إحدي وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4197},{"title":"ذكر الخبر عن غزوة نصر بن سيار ما وراء النهر","level":4,"page":4203},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث","level":3,"page":4209},{"title":"خبر مقتل زيد بن علي","level":4,"page":4209},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4219},{"title":"[ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السغد]","level":4,"page":4219},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4224},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4226},{"title":"ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاته","level":4,"page":4226},{"title":"خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة","level":4,"page":4231},{"title":"غزو قبرس","level":4,"page":4249},{"title":"ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور بن جمهور","level":4,"page":4285},{"title":"[ذكر مخالفة مروان بن محمد]","level":4,"page":4289},{"title":"ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق","level":4,"page":4292},{"title":"[ذكر وقوع الخلاف بين اليمانية والنزارية في خراسان]","level":4,"page":4293},{"title":"[خبر الحارث بن سريج مع يزيد]","level":4,"page":4300},{"title":"كتاب إبراهيم الإمام إلى شيعة بني العباس","level":4,"page":4302},{"title":"ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد","level":4,"page":4302},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث [٦/ ٣٠٠]","level":3,"page":4304},{"title":"ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك","level":4,"page":4311},{"title":"خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد","level":4,"page":4318},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة","level":3,"page":4323},{"title":"ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبي مسلم","level":4,"page":4345},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4355},{"title":"ذكر خبر قتل علي وعثمان ابني جديع","level":4,"page":4359},{"title":"*ذكر الخبر عن دخول أبي حمزة المدينة وما كان منه فيها","level":4,"page":4364},{"title":"ذكر وقعة شهرزور وفتحها","level":4,"page":4367},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4368},{"title":"خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس","level":4,"page":4373},{"title":"ذكر الخبر عن سبب خلافته","level":4,"page":4373},{"title":"ذكر بقية الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومئة","level":4,"page":4381},{"title":"ذكر الخبر عن تبييض أبي الورد وما آل إليه أمره وأمر من بيض معه","level":4,"page":4392},{"title":"[ذكر خبر خلع حبيب بن مرة المري]","level":4,"page":4394},{"title":"[ذكر خبر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم أبا العباس]","level":4,"page":4395},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":4401},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4402},{"title":"[ذكر خبر خلع بسام بن إبراهيم]","level":4,"page":4402},{"title":"[أمر الخوارج مع خازم بن خزيمة وقتل شيبان بن عبد العزيز]","level":4,"page":4404},{"title":"[ذكر غزة كس]","level":4,"page":4405},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4405},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان من الأحداث [٧/ ٤٦٨]","level":3,"page":4407},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":4408},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4420},{"title":"[ذكر خبر حبس عبد الله بن علي]","level":4,"page":4421},{"title":"ثم دخلت سنة أربعين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4422},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4423},{"title":"[ذكر الخبر عن خروج الراوندية]","level":4,"page":4423},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4428},{"title":"[ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند]","level":4,"page":4428},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [٧/ ٥١٥]","level":3,"page":4429},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4429},{"title":"[ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن]","level":4,"page":4429},{"title":"[ذكر حمل ولد حسن بن حسن إلى العراق]","level":4,"page":4450},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4461},{"title":"ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيج ذلك","level":4,"page":4513},{"title":"ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4547},{"title":"[خبر استتمام بناء بغداد وتحول أبي جعفر إليها] [٧/ ٦٥٠]","level":4,"page":4547},{"title":"ذكر الخبر عن مقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة","level":4,"page":4557},{"title":"ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها","level":4,"page":4557},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وستين","level":3,"page":4568},{"title":"ذكر الخبر عن بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان","level":4,"page":4592},{"title":"ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجة","level":4,"page":4593},{"title":"مقتل نافع بن الأزرق","level":4,"page":4594},{"title":"ذكر خبر بناء عبد الله بن الزبير البيت الحرام","level":4,"page":4602},{"title":"خروج بني تميم بخراسان على عبد الله بن خازم","level":4,"page":4602},{"title":"ثم دخلت سنة ست وستين","level":3,"page":4605},{"title":"ذكر الخبر عن أمر المختار مع قتلة الحسين بالكوفة","level":4,"page":4634},{"title":"ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة","level":4,"page":4659},{"title":"ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزبير","level":4,"page":4660},{"title":"ذكر الخبر عن قدوم الخشبية مكة وموافاتهم الحج","level":4,"page":4665},{"title":"ذكر الخبر عن حصار بني تميم بخراسان","level":4,"page":4666},{"title":"شخوص إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد","level":4,"page":4669},{"title":"ذكر أمر الكرسي الذي كان المختار يستنصر به!","level":4,"page":4670},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4673},{"title":"ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصرة","level":4,"page":4679},{"title":"ذكر خبر قتل مصعب المختار بن أبي عبيد","level":4,"page":4680},{"title":"خبر عزل عبد الله بن الزبير أخاه المصعب","level":4,"page":4700},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة","level":3,"page":4702},{"title":"ذكر الخبر عن رجوع الأزارقة من فارس إلى العراق","level":4,"page":4702},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل عبد الله بن الحر","level":4,"page":4710},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وستين ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو","level":3,"page":4719},{"title":"ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4727},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4727},{"title":"ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفة","level":4,"page":4733},{"title":"خطبة عبد الله بن الزبير بعد مقتل مصعب","level":4,"page":4735},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":4736},{"title":"خروج أبي فديك الخارجي وغلبته على البحرين","level":4,"page":4741},{"title":"خبر توجيه عبد الملك الحجاج لقتال ابن الزبير","level":4,"page":4741},{"title":"أمر عبد الله بن خازم السلمي مع عبد الملك","level":4,"page":4743},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة","level":3,"page":4745},{"title":"خبر مقتل عبد الله بن الزبير","level":4,"page":4745},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":4751},{"title":"ذكر الخبر عن حرب المهلب للأزارقة","level":4,"page":4752},{"title":"عزل بكير بن وشاح عن خراسان وولاية أمية بن عبد الله عليها","level":4,"page":4755},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وسبعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4757},{"title":"ولاية الحجاج على الكوفة وخطبته في أهلها","level":4,"page":4757},{"title":"ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجاج بالبصرة","level":4,"page":4763},{"title":"نفي المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز","level":4,"page":4764},{"title":"ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج وما كان منه في هذه السنة","level":4,"page":4767},{"title":"ثم دخلت سنة ست وسبعين ذكر الكائن من الأحداث فيها","level":3,"page":4767},{"title":"ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه","level":4,"page":4768},{"title":"خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجاج","level":4,"page":4775},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وسبعين","level":3,"page":4803},{"title":"محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما","level":4,"page":4803},{"title":"ذكر الخبر عن دخول شبيب الكوفة مرة ثانية","level":4,"page":4813},{"title":"ذكر الخبر عن مهلك شبيب","level":4,"page":4818},{"title":"خروح مطرف بن المغيرة على الحجاج وعبد الملك","level":4,"page":4823},{"title":"ذكر الخبر عن وقوع الخلاف بين الأزارقة","level":4,"page":4838},{"title":"ذكر الخبر عن هلاك قطري وأصحابه","level":4,"page":4845},{"title":"ملحق صغير","level":4,"page":4848},{"title":"الخلافة في عهد العباسيين","level":2,"page":4851},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة","level":3,"page":4853},{"title":"ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه وكيف كان الأمر في ذلك","level":4,"page":4855},{"title":"ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":4868},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4870},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وتوليته إياه إفريقية واستعماله على السند هشام بن عمرو","level":4,"page":4870},{"title":"[ذكر خبر بناء المنصور الرصافة]","level":4,"page":4873},{"title":"ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك له","level":4,"page":4874},{"title":"[أمر عقبة بن سلم]","level":4,"page":4875},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4876},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4876},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4877},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4878},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن علي","level":3,"page":4879},{"title":"ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4881},{"title":"[ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد]","level":4,"page":4881},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4881},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4882},{"title":"[ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل]","level":4,"page":4882},{"title":"[ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري]","level":4,"page":4885},{"title":"ذكر الخبر عن صفة أبي جعفر المنصور","level":4,"page":4888},{"title":"ذكر الخبر عن بعض سيره","level":4,"page":4888},{"title":"ذكر أسماء ولده ونسائه","level":4,"page":4923},{"title":"ذكر الخبر عن وصاياه","level":4,"page":4923},{"title":"ذكر الخبر عن صفة العقد الذي عقد للمهدي بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة","level":4,"page":4928},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4933},{"title":"ذكر الخبر عن سبب تحويل المهدي الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نصير","level":4,"page":4934},{"title":"ثم دخلت سنة ستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4939},{"title":"ذكر الخبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي","level":4,"page":4939},{"title":"ذكر خبر رد نسب آل بكرة وآل زياد","level":4,"page":4943},{"title":"نسخة كتاب المهدي إلى والي البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم","level":4,"page":4944},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4948},{"title":"ذكر السبب الذي من أجله تغيرت منزلة أبي عبيد الله عند المهدي","level":4,"page":4949},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4952},{"title":"خبر مقتل عبد السلام الخارجي","level":4,"page":4952},{"title":"ذكر الخبر عن مقتله","level":4,"page":4952},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4953},{"title":"عزل عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وتولية زفر بن الحارث","level":4,"page":4956},{"title":"ذكر السبب في عزله إياه","level":4,"page":4956},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4957},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة","level":3,"page":4958},{"title":"ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4959},{"title":"ذكر الخبر عن غضب المهدي على يعقوب","level":4,"page":4959},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4968},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":4969},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":4970},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة المهدي]","level":4,"page":4970},{"title":"ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه ومن صلى عليه","level":4,"page":4972},{"title":"ذكر بعض سير المهدي وأخباره","level":4,"page":4973},{"title":"خلافة الهادي","level":4,"page":4986},{"title":"ذكر بقية الخبر عن الأحداث التي كانت سنة تسع وستين ومائة","level":4,"page":4990},{"title":"* ذكر الخبر عن خروجه ومقتله","level":4,"page":4990},{"title":"ثم دخلت سنة سبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5000},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة موسى الهادي]","level":4,"page":5001},{"title":"[ذكر الخبر عما كان من خلع الهادي للرشيد]","level":4,"page":5002},{"title":"ذكر أولاده","level":4,"page":5008},{"title":"ذكر بعض أخباره وسيره","level":4,"page":5008},{"title":"خلافة هارون الرشيد","level":4,"page":5022},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5025},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5026},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5026},{"title":"[ذكر خبر وفاة محمد بن سليمان]","level":4,"page":5026},{"title":"ذكر الخبر عن وقت وفاتها (الخيزران)","level":4,"page":5027},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5028},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5028},{"title":"[ذكر الخبر عن البيعة للأمين]","level":4,"page":5028},{"title":"* ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له","level":4,"page":5029},{"title":"ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5030},{"title":"[ذكر الفتنة بين اليمانية والنزارية]","level":4,"page":5038},{"title":"ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفرا مصر وتولية جعفر عمر بن مهران إياها","level":3,"page":5039},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5041},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5041},{"title":"[ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بها]","level":4,"page":5042},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5046},{"title":"ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5046},{"title":"[ذكر الخبر عن العصبية التي هاجت بالشام]","level":4,"page":5046},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5051},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5051},{"title":"ثم دخلت سنة وثمانين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":5052},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5053},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5053},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5054},{"title":"[ذكر حج الرشيد ثم كتابته العهد لأبنائه]","level":4,"page":5054},{"title":"نسخة الشرط الذي كتبه عبد الله أبن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة","level":4,"page":5060},{"title":"نسخة كتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمال","level":4,"page":5062},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5065},{"title":"[ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة]","level":4,"page":5065},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل جعفر","level":4,"page":5072},{"title":"[ما قيل في البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم]","level":4,"page":5077},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5084},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5085},{"title":"ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5088},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5090},{"title":"ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد علي بن عيسى وسخطه عليه","level":4,"page":5090},{"title":"[خبر شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليا عليها]","level":4,"page":5094},{"title":"* ذكر الخبر عما كان من أمره في شخوصه إليها وأمر علي بن عيسى وولده","level":4,"page":5095},{"title":"[كتاب هرثمة إلى الرشيد في أمر علي بن عيسى]","level":4,"page":5098},{"title":"الجواب من الرشيد","level":4,"page":5100},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5102},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5104},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحيى]","level":4,"page":5104},{"title":"[ذكر الخبر عن موت الرشيد]","level":4,"page":5105},{"title":"* ذكر الخبر عن سبب وفاته والموضع الذي توفي فيه.","level":4,"page":5105},{"title":"ذكر بعض سير الرشيد","level":4,"page":5108},{"title":"ذكر من كان عند الرشيد من النساء المهائر","level":4,"page":5119},{"title":"[ذكر ولد الرشيد]","level":4,"page":5120},{"title":"[بقية ذكر بعض سير الرشيد]","level":4,"page":5120},{"title":"المقدمة","level":4,"page":5128},{"title":"خلافة الأمين","level":4,"page":5132},{"title":"[ذكر الخبر عن بدء الخلاف بين الأمين والمأمون]","level":4,"page":5133},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":4,"page":5142},{"title":"[ذكر تفاقم الخلاف بين الأمين والمأمون]","level":4,"page":5142},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5157},{"title":"[النهي عن الدعاء للمأمون على المنابر]","level":4,"page":5157},{"title":"عقد الإمرة لعلي بن عيسى","level":4,"page":5157},{"title":"[شخوص علي بن عيسى إلن حرب المأمون]","level":4,"page":5159},{"title":"توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهر","level":4,"page":5184},{"title":"[تسمية طاهر بن الحسين ذا اليمينين]","level":4,"page":5187},{"title":"[ظهور السفياني بالشام]","level":4,"page":5187},{"title":"[طرد طاهر عمال الأمين عن قزوين وكور الجبال]","level":4,"page":5188},{"title":"[ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي]","level":4,"page":5188},{"title":"ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5190},{"title":"[ذكر توجيه الأمين الجيوش لحرب طاهر بن الحسين]","level":4,"page":5190},{"title":"[ذكر رفع منزلة الفضل بن سهل عند المأمون]","level":4,"page":5196},{"title":"[ذكر خبر ولاية عبد الملك بن صالح على الشام]","level":4,"page":5197},{"title":"[ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون]","level":4,"page":5200},{"title":"ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبي ودخول طاهر إلى الأهواز","level":4,"page":5205},{"title":"[ذكر خبر استيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر]","level":4,"page":5209},{"title":"[ذكر خبر خلع داود بن عيسى الأمين]","level":4,"page":5211},{"title":"[ذكر خبر شغب الجند على طاهر بن الحسين]","level":4,"page":5214},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5217},{"title":"[ذكر خبر حصار الأمين ببغداد]","level":4,"page":5217},{"title":"[ذكر خبر وقعة قصر صالح]","level":4,"page":5225},{"title":"[ذكر خبر منع طاهر الملاحين من إدخال شيء إلى بغداد]","level":4,"page":5228},{"title":"ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك","level":4,"page":5228},{"title":"[ذكر خبر وقعة الكناسة]","level":4,"page":5230},{"title":"[ذكر خبر وقعة درب الحجارة]","level":4,"page":5232},{"title":"[ذكر خبر وقعة باب الشماسية]","level":4,"page":5233},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5239},{"title":"[ذكر خبر استيلاء طاهر على بغداد]","level":4,"page":5239},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل الأمين]","level":4,"page":5244},{"title":"[وثوب الجند بطاهر بن الحسين بعد مقتل الأمين]","level":4,"page":5261},{"title":"ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به وإلى ما آل أمره وأمرهم","level":4,"page":5261},{"title":"ذكر الخبر عن صفة محمد بن هارون وكنيته وقدر ما ولي ومبلغ عمره","level":4,"page":5263},{"title":"ذكر ما قيل في محمد بن هارون ومرثيته","level":4,"page":5266},{"title":"ذكر الخبر عن بعض سير المخلوع محمد بن هارون","level":4,"page":5273},{"title":"خلافة المأمون عبد الله بن هارون","level":4,"page":5290},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة","level":3,"page":5291},{"title":"ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن إبراهيم بن طباطبا","level":4,"page":5291},{"title":"ذكر الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب","level":4,"page":5292},{"title":"ثم دخلت سنة مائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5298},{"title":"ذكر الخبر عن هرب أبي السرايا وما آل إليه أمره","level":4,"page":5298},{"title":"ذكر الخبر عن خروج إبراهيم بن موسى باليمن","level":4,"page":5300},{"title":"ذكر الخبر عنه وعن أمره","level":4,"page":5301},{"title":"ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة","level":4,"page":5301},{"title":"ذكر الخبر عن أمر إبراهيم العقيلي الذي ذكرنا أمره","level":4,"page":5307},{"title":"ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل إليه أمره في مسيره ذلك","level":4,"page":5308},{"title":"ذكر الخبر عن وثوب الحربية ببغداد","level":4,"page":5309},{"title":"ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان","level":4,"page":5309},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5311},{"title":"ولاية منصور بن المهدي ببغداد","level":4,"page":5311},{"title":"ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه","level":4,"page":5312},{"title":"ذكر خبر خروج المطوعة للنكير على الفساق","level":4,"page":5316},{"title":"ذكر خبر البيعة لعلي بن موسى بولاية العهد","level":4,"page":5319},{"title":"ذكر الدعوة لمبايعة إبراهيم بن المهدي وخلع المأمون","level":4,"page":5320},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5323},{"title":"ذكر خبر بيعة إبراهيم بن المهدي","level":4,"page":5323},{"title":"خبر تحكيم مهدي بن علوان الحروري","level":4,"page":5324},{"title":"ذكر الخبر عن تبييض أخي أبي السرايا وظهوره بالكوفة","level":4,"page":5324},{"title":"ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي","level":4,"page":5328},{"title":"ذكر خبر شخوص المأمون إلى العراق","level":4,"page":5330},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5333},{"title":"موت علي بن موسى الرضي ذكر أن مما كان فيها موت علي بن موسى بن جعفر","level":4,"page":5333},{"title":"خبر حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد","level":4,"page":5334},{"title":"ذكر خبر خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي","level":4,"page":5335},{"title":"ذكر خبر اختفاء إبراهيم بن المهدي","level":4,"page":5337},{"title":"ثم دخلت سنة أربع ومائتين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":5338},{"title":"خبر قدوم المأمون إلى بغداد","level":4,"page":5338},{"title":"ثم دخلت سنة خمس ومائتين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث","level":3,"page":5341},{"title":"ولاية طاهر بن الحسين خراسان","level":4,"page":5341},{"title":"ثم دخلت سنة ست ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5345},{"title":"ولاية عبد الله بن طاهر على الرقة","level":4,"page":5345},{"title":"وصية طاهر إلى ابنه عبد الله","level":4,"page":5346},{"title":"ثم دخلت سنة سبع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5355},{"title":"ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد العلوي باليمن","level":4,"page":5355},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة طاهر بن الحسين","level":4,"page":5356},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5358},{"title":"ثم دخلت سنة تسع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5359},{"title":"خبر الظفر بنصر بن شبث","level":4,"page":5359},{"title":"ثم دخلت سنة عشر ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5363},{"title":"ذكر الخبر عن ظفر المأمون بابن عائشة ورفقائه","level":4,"page":5363},{"title":"ذكر خبر الظفر بإبراهيم بن المهدي","level":4,"page":5364},{"title":"ذكر خبر قتل ابن عائشة","level":4,"page":5364},{"title":"العفو عن إبراهيم بن المهدي","level":4,"page":5365},{"title":"ذكر الخبر عن بناء المأمون ببوران","level":4,"page":5367},{"title":"ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر وسبب خروج ابن السري إليه في الأمان","level":4,"page":5370},{"title":"ذكر الخبر عن فتح عبد الله بن طاهر الإسكندرية","level":4,"page":5372},{"title":"ذكر الخبر عن أمره وأمرهم","level":4,"page":5373},{"title":"ذكر الخبر عن خروج أهل قم على السلطان","level":4,"page":5373},{"title":"ذكر الخبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم في ذلك","level":4,"page":5374},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5374},{"title":"أمر عبيد الله بن السري","level":4,"page":5374},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5378},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5379},{"title":"ذكر الخبر عن ولاية غسان بن عباد السند","level":4,"page":5379},{"title":"ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5380},{"title":"ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5381},{"title":"ذكر خبر شخوص المأمون لحرب الروم","level":4,"page":5381},{"title":"ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5383},{"title":"عود إلى ذكر غزو المأمون أرض الروم","level":4,"page":5383},{"title":"ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5385},{"title":"ذكر الخبر عن قتل علي وحسين ابني هشام","level":4,"page":5386},{"title":"ذكر الخبر عن سبب قتله عليا","level":4,"page":5386},{"title":"كتاب توفيل إلى المأمون ورد المأمون عليه","level":4,"page":5388},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان ومائتين عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5389},{"title":"ذكر خبر المحنة بالقرآن","level":4,"page":5390},{"title":"كتب المأمون إلى عماله ووصيته في كتبه","level":4,"page":5403},{"title":"ذكر الخبر عن وفاة المأمون","level":4,"page":5404},{"title":"ذكر الخبر عن سبب المرض الذي كانت فيه وفاته","level":4,"page":5404},{"title":"ذكر الخبر عن وقت وفاته والموضع الذي دفن فيه ومن صلى عليه ومبلغ سنه وقدر مدة خلافته","level":4,"page":5408},{"title":"ذكر بعض أخبار المأمون وسيره","level":4,"page":5410},{"title":"خلافة أبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد","level":4,"page":5424},{"title":"ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5426},{"title":"[ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي]","level":4,"page":5426},{"title":"[ذكر الخبر في محاربة الزط]","level":4,"page":5427},{"title":"ثم دخلت سنة عشرين ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5428},{"title":"[ذكر ظفر عجيف بالزط]","level":4,"page":5428},{"title":"[ذكر خبر مسير الأفشين لحرب بابك]","level":4,"page":5429},{"title":"[ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه]","level":4,"page":5430},{"title":"[ذكر خبر وقعة الأفشين مع بابك بأرشق]","level":4,"page":5431},{"title":"[ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الأفشين وبابك]","level":4,"page":5432},{"title":"[ذكر الخبر عن خروج المعتصم إلى القاطول]","level":4,"page":5434},{"title":"[ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها]","level":4,"page":5435},{"title":"[ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان]","level":4,"page":5436},{"title":"ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم","level":4,"page":5436},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5439},{"title":"[ذكر الخبر عن وقعة الأفشين مع بابك في هذه السنة]","level":4,"page":5439},{"title":"ذكر الخبر عن هذه الوقعة وكيف كان السبب فيها","level":4,"page":5439},{"title":"[خبر مقتل طرخان قائد بابك]","level":4,"page":5443},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5444},{"title":"[ذكر خبر الوقعة بين أصحاب الأفشين وآذين قائد بابك]","level":4,"page":5444},{"title":"ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها","level":4,"page":5444},{"title":"[ذكر خبر فتح البذ مدينة بابك]","level":4,"page":5446},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5464},{"title":"[ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم]","level":4,"page":5464},{"title":"[ذكر خبر إيقاع الروم بأهل زبطرة]","level":4,"page":5469},{"title":"ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك","level":4,"page":5469},{"title":"ذكر الخبر عن فتح عمورية","level":4,"page":5471},{"title":"[ذكر خبر المعتصم مع العباس بن المأمون]","level":4,"page":5483},{"title":"ثم دخلت سثة أربع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5490},{"title":"[ذكر الخبر عن مخالفة مازيار بطبرستان]","level":4,"page":5490},{"title":"ذكر خبر أبي شاس الشاعر","level":4,"page":5499},{"title":"[ذكر الخبر عن خلاف منكجور الأشروسني]","level":4,"page":5510},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5511},{"title":"[ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الأفشين وحبسه]","level":4,"page":5512},{"title":"ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5519},{"title":"[ذكر الخبر عن موت الأفشين]","level":4,"page":5520},{"title":"ذكر الخبر عن موته وما فعل به عند موته وبعده","level":4,"page":5520},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5523},{"title":"[ذكر خبر خروج أبي حرب المبرقع]","level":4,"page":5523},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة المعتصم والعلة التي مات بها]","level":4,"page":5526},{"title":"ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره","level":4,"page":5528},{"title":"خلافة هارون الواثق أبي جعفر","level":4,"page":5531},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5532},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5533},{"title":"[ذكر الخبر عن حبس الواثق الكتاب وإلزامهم الأموال].","level":4,"page":5533},{"title":"ذكر الخبر عن السبب الذي بعث الواثق على فعله","level":4,"page":5533},{"title":"ما ذكرت بالكتاب في هذه السنة","level":4,"page":5533},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5536},{"title":"[ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة]","level":4,"page":5536},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة عبد الله بن طاهر]","level":4,"page":5538},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5539},{"title":"[ذكر الخبر عن أمر بني سليم وغيرهم من القبائل]","level":4,"page":5539},{"title":"[ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعي على يد الواثق]","level":4,"page":5542},{"title":"[خبر الفداء بين المسلمين والروم]","level":4,"page":5548},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5552},{"title":"[بكر الخبر عن مسير بغا الكبير إلى حرب بني نمير]","level":4,"page":5552},{"title":"[ذكر خبر موت الواثق]","level":4,"page":5556},{"title":"ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته","level":4,"page":5557},{"title":"ذكر بعض أخباره","level":4,"page":5558},{"title":"خلافة جعفر المتوكل على الله","level":4,"page":5560},{"title":"ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها","level":4,"page":5560},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5562},{"title":"[ذكر خبر حبس محمد بن عبد الملك الزيات ووفاته]","level":4,"page":5562},{"title":"[ذكر غضب المتوكل على عمر بن فرج]","level":4,"page":5567},{"title":"[ذكر غضب المتوكل علي أبي الوزير وغيره]","level":4,"page":5568},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5569},{"title":"[ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث]","level":4,"page":5569},{"title":"[ذكر الخبر عن حج إيتاخ وسببه]","level":4,"page":5572},{"title":"* ذكر الخبر عن سبب حجه في هذه السنة","level":4,"page":5572},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5573},{"title":"[ذكر الخبر عن مقتل إيتاخ]","level":4,"page":5573},{"title":"[ذكر خبر أسر ابن البعيث وموته]","level":4,"page":5575},{"title":"[أمر المتوكل مع النصارى]","level":4,"page":5577},{"title":"[ظهور محمود بن الفرج النيسابوري]","level":4,"page":5580},{"title":"[ذكر عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة]","level":4,"page":5581},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5587},{"title":"[خبر مقتل محمد بن إبراهيم بن مصعب]","level":4,"page":5587},{"title":"[ذكر خبر وفاة الحسن بن سهل]","level":4,"page":5588},{"title":"[ذكر خبر هدم قبر الحسين بن علي]","level":4,"page":5589},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5590},{"title":"[ذكر وثوب أهل إرمينية بعاملهم يوسف بن محمد]","level":4,"page":5590},{"title":"[ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دواد]","level":4,"page":5592},{"title":"[خبر إنزال جثة ابن نصر ودفعه إلى أوليائه]","level":4,"page":5593},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5595},{"title":"[ذكر ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل وإحراقه مدينة تفليس]","level":4,"page":5595},{"title":"[ذكر مقدم الروم بمراكبهم إلى دمياط]","level":4,"page":5596},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5598},{"title":"ثم دخلت سنة أربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5599},{"title":"[ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم]","level":4,"page":5599},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5601},{"title":"[ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم مرة أخرى]","level":4,"page":5601},{"title":"[ذكر الخبر عن ضرب عيسى بن جعفر وما آل إليه أمره]","level":4,"page":5602},{"title":"[خبر الفداء بين المسلمين والروم في هذه السنة]","level":4,"page":5604},{"title":"[ذكر غارة البجة على مصر]","level":4,"page":5605},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5608},{"title":"[ذكر أحداث الزلازل بالبلاد]","level":4,"page":5608},{"title":"[ذكر خروج الروم من ناحية شمشاط]","level":4,"page":5609},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5610},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5610},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5612},{"title":"[ذكر خبر بناء الماحوزة]","level":4,"page":5612},{"title":"[ذكر الخبر عن هلاك نجاح بن سلمة]","level":4,"page":5614},{"title":"ذكر الخبر عن سبب هلاكه","level":4,"page":5614},{"title":"[غارة الروم على سميساط]","level":4,"page":5618},{"title":"ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5619},{"title":"[ذكر خبر الفداء بين الروم والمسلمين في هذه السنة]","level":4,"page":5619},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5621},{"title":"[ذكر الخبر عن مقتل المتوكل]","level":4,"page":5621},{"title":"ذكر الخبر عن بعض أمور المتوكل وسيرته","level":4,"page":5630},{"title":"خلاصة القول في سيرة المتوكل: -","level":4,"page":5633},{"title":"مقدمة","level":4,"page":5639},{"title":"خلافة المنتصر محمد بن جعفر","level":4,"page":5641},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5647},{"title":"[ذكر غزاة وصيف التركي الروم]","level":4,"page":5647},{"title":"[ذكر خبر خلع المعتز والمؤيد أنفسهما]","level":4,"page":5651},{"title":"[ذكر الخبر عن وفاة المنتصر]","level":4,"page":5657},{"title":"ذكر بعض سيره","level":4,"page":5660},{"title":"خلافة أحمد بن محمد بن المعتصم وهو المستعين ويكنى أبا العباس","level":4,"page":5662},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5666},{"title":"[خبر قتل علي بن يحيى الأرمني]","level":4,"page":5666},{"title":"[شغب الجند والشاكرية ببغداد]","level":4,"page":5667},{"title":"[ذكر خبر قتل أوتامش وكاتبه]","level":4,"page":5668},{"title":"[مقتل علي بن الجهم]","level":4,"page":5670},{"title":"ثم دخلت سنة خمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5671},{"title":"[ظهور يحيى بن عمر الطالبي ثم مقتله]","level":4,"page":5671},{"title":"[ذكر خبر خروج الحسن بن زيد العلوي]","level":4,"page":5675},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5681},{"title":"[ذكر خبر قتل باغر التركي]","level":4,"page":5681},{"title":"[وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان]","level":4,"page":5685},{"title":"ذكر خبر المدائن في هذه الفتنة","level":4,"page":5716},{"title":"ذكر الخبر عن أمر الأنبار وما كان فيها من هذه الفتنة","level":4,"page":5716},{"title":"[خروج الحسين بن محمد الطالبي وما آل إليه أمره]","level":4,"page":5725},{"title":"[ذكر خبر قتل بالفردل]","level":4,"page":5730},{"title":"[ذكر خبر هزيمة الأتراك ببغداد]","level":4,"page":5731},{"title":"[خبر وقعة أبي السلاسل مع المغاربة]","level":4,"page":5732},{"title":"[ذكر خبر وقوع الصلح بين الموالي وابن طاهر]","level":4,"page":5732},{"title":"[ذكر بدء عزم ابن طاهر على خلع المستعين والبيعة للمعتز]","level":4,"page":5734},{"title":"[خروج العامة ونصرة المستعين على ابن طاهر]","level":4,"page":5734},{"title":"[ذكر خبر انتقال المستعين إلى دار رزق الخادم بالرصافة]","level":4,"page":5737},{"title":"[ذكر بدء المفاوضة في أمر خلع المستعين]","level":4,"page":5739},{"title":"[ذكر خبر خروج إسماعيل بن يوسف بمكة]","level":4,"page":5743},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5744},{"title":"[ذكر خبر المستعين وبيعة المعتز]","level":4,"page":5744},{"title":"[ذكر خبر قتل شريح الحبشي]","level":4,"page":5749},{"title":"[ذكر حال بغا ووصيف]","level":4,"page":5749},{"title":"[ذكر الفتنة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر]","level":4,"page":5751},{"title":"[ذكر الخبر عن خلع المؤيد ثم موته]","level":4,"page":5755},{"title":"[ذكر الخبر عن مقتل المستعين]","level":4,"page":5756},{"title":"[أمر المعتز مع أهل بغداد]","level":4,"page":5759},{"title":"[وقوع الفتنة بين الأتراك والمغاربة]","level":4,"page":5762},{"title":"[ذكر خبر حمل الطالبيين من بغداد إلى سامرا]","level":4,"page":5763},{"title":"ثم دخلت سنة تلاث وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5766},{"title":"[ذكر خبر أخذ الكرج من ابن أبي دلف]","level":4,"page":5766},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل وصيف]","level":4,"page":5767},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل بندار الطبري]","level":4,"page":5767},{"title":"[ذكر خبر موت محمد بن عبد الله بن طاهر]","level":4,"page":5769},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5771},{"title":"[ذكر خبر مقتل بغا الشرابي]","level":4,"page":5771},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5774},{"title":"[ذكر خبر استيلاء يعقوب بن الليث على كرمان]","level":4,"page":5774},{"title":"[ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث فارس]","level":4,"page":5776},{"title":"[ذكر فعل صالح بن وصيف مع أحمد بن إسرائيل ورفيقيه]","level":4,"page":5779},{"title":"[ذكر الخبر عن خلع المعتز ثم موته]","level":4,"page":5780},{"title":"خلافة ابن الواثق المهتدي بالله","level":4,"page":5783},{"title":"[قيام الشغب ببغداد ووثوب العامة بسليمان بن عبد الله]","level":4,"page":5784},{"title":"[ذكر خبر ظهور قبيحة أم المعتز]","level":4,"page":5785},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل أحمد بن إسرائيل وأبي نوح]","level":4,"page":5788},{"title":"[شغب الجند والعامة ببغداد وولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر عليها]","level":4,"page":5790},{"title":"[ذكر خبر استيلاء مفلح على طبرستان ثم انصرافه عنها]","level":4,"page":5796},{"title":"[ذكر الخبر عن مفارقة كنجور علي بن الحسين بن قريش]","level":4,"page":5799},{"title":"خروج أول علوي بالبصرة","level":4,"page":5800},{"title":"ذكر الخبر عن مسير صاحب الزنج بزنوجه وجيوشه فيها إلى البصرة","level":4,"page":5819},{"title":"ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":5825},{"title":"[ذكر الخبر عن وصول موسى بن بغا إلى سامرا واختفاء صالح]","level":4,"page":5825},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل صالح بن وصيف]","level":4,"page":5828},{"title":"[ذكر الخبر عن خروج العامة على المهتدي]","level":4,"page":5831},{"title":"[ذكر الخبر عن خلع المهتدي ثم موته]","level":4,"page":5842},{"title":"[ذكر أخبار صاحب الزنج مع جعلان]","level":4,"page":5855},{"title":"[ذكر الخبر عن دخول الزنج الأبلة]","level":4,"page":5856},{"title":"[ذكر خبر استيلاء صاحب الزنج على عبادان]","level":4,"page":5857},{"title":"[ذكر خبر دخول أصحاب الزنج الأهواز]","level":4,"page":5858},{"title":"خلافة المعتمد على الله","level":4,"page":5859},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة","level":3,"page":5860},{"title":"[ذكر خبر مسير يعقوب بن الليث إلى فارس وانصرافه عنها]","level":4,"page":5860},{"title":"[ذكر خبر انهزام الزنج أمام سعيد بن الحاجب]","level":4,"page":5861},{"title":"[خلاص ابن المدبر من صاحب الزنج]","level":4,"page":5862},{"title":"[ذكر خبر إيقاع صاحب الزنج بسعيد وأصحابه]","level":4,"page":5862},{"title":"[خبر الوقعة بين منصور بن جعفر وصاحب الزنج]","level":4,"page":5863},{"title":"[خبر مقتل شاهين بن بسطام وهزيمة إبراهيم بن سيما]","level":4,"page":5864},{"title":"[ذكر خبر دخول الزنج البصرة هذا العام]","level":4,"page":5865},{"title":"[ذكر الخبر عن الحرب بين محمد المولد والزنج]","level":4,"page":5872},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة","level":3,"page":5873},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل منصور بن جعفر الخياط]","level":4,"page":5874},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل مفلح]","level":4,"page":5875},{"title":"[ذكر خبر أسر يحيى بن محمد البحراني ثم قتله]","level":4,"page":5878},{"title":"[ذكر خبر انحياز أبي أحمد بن المتوكل إلى واسط]","level":4,"page":5881},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5883},{"title":"[ذكر خبر عن مقتل كنجور]","level":4,"page":5884},{"title":"[ذكر خبر دخول المهلبي ويحيى بن خلف سوق الأهواز]","level":4,"page":5884},{"title":"[شخوص موسى بن بغا لحرب صاحب الزنج]","level":4,"page":5886},{"title":"[ذكر الخبر عن دخول يعقوب بن الليث نيسابور]","level":4,"page":5888},{"title":"ثم دخلت سنة ستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5889},{"title":"[خبر الوقعة بين يعقوب بن الليث والحسن بن زيد الطائي]","level":4,"page":5890},{"title":"[ذكر خبر مقتل العلاء بن أحمد الأزدي]","level":4,"page":5892},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5893},{"title":"[ذكر خبر وقعة كانت برامهرمز في هذا العام]","level":4,"page":5893},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5896},{"title":"[ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث رامهرمز]","level":4,"page":5896},{"title":"[ذكر خبر توجه رجال الزنج إلى البطيحة ودست ميسان]","level":4,"page":5900},{"title":"[ذكر خبر الوقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه]","level":4,"page":5906},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5909},{"title":"[ذكر الوقعة بين ابن ليثويه مع أخي علي بن أبان]","level":4,"page":5909},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5912},{"title":"[خبر أسر الروم لعبد الله بن رشيد]","level":4,"page":5912},{"title":"[ذكر خبر الوقعة بين محمد المولد وقائد الزنج]","level":4,"page":5913},{"title":"[ذكر خبر خروج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا]","level":4,"page":5918},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5919},{"title":"[ذكر الوقعة بين أحمد بن ليثويه وسليمان قائد الزنج]","level":4,"page":5919},{"title":"[ذكر خبر شخوص تكين البخاري إلى الأهواز]","level":4,"page":5923},{"title":"ثم دخلت سنة ست وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5925},{"title":"[ذكر الخبر عن الفتنة بين الجعفرية والعلوية]","level":4,"page":5929},{"title":"[ذكر خبر دخول أصحاب قائد الزنج رامهرمز]","level":4,"page":5930},{"title":"[ذكر الخبر عن وقعة أكراد داربان مع صاحب الزنج]","level":4,"page":5931},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5933},{"title":"[ذكر خبر غلبة أبي العباس بن الموفق على سليمان بن جامع]","level":4,"page":5933},{"title":"ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طهيثا ومقتل الجبائي","level":4,"page":5946},{"title":"[ذكر خبر مقتل صندل الزنجي]","level":4,"page":5961},{"title":"[ذكر خبر استئمان الزنج إلى أبي أحمد]","level":4,"page":5961},{"title":"[ذكر خبر الإيقاع بالزنج في هذا العام]","level":4,"page":5962},{"title":"[ذكر خبر الوقعة مع الزنج بنهر ابن عمر]","level":4,"page":5964},{"title":"[خبر عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج لحربه]","level":4,"page":5966},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5973},{"title":"[ذكر خبر استئمان جعفر بن إبراهيم إلى أبي أحمد الموفق]","level":4,"page":5973},{"title":"[ذكر خبر عبور الموفق إلى مدينة الزنج]","level":4,"page":5974},{"title":"[ذكر وقعة أبي العباس بمن كان يمد الزنج من الأعراب]","level":4,"page":5975},{"title":"[ذكر خبر إيقاع رشيق بمن أعان الزنج من تميم]","level":4,"page":5978},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل بهبوذ بن عبد الوهاب]","level":4,"page":5980},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":5984},{"title":"[ذكر خبر إصابة الموفق]","level":4,"page":5985},{"title":"[ذكر عزم المعتمد على اللحاق بمصر]","level":4,"page":5990},{"title":"[ذكر الخبر عن إحراق قصر صاحب الزنج]","level":4,"page":5992},{"title":"[ذكر الخبر عن غرق نصير المعروف بأبي حمزة]","level":4,"page":5996},{"title":"[ذكر الخبر عن الوقعة التي كانت بين الموفق وبين الزنج]","level":4,"page":5998},{"title":"[خبر انتقال صاحب الزنج إلى شرقي نهر أبي الخصيب]","level":4,"page":6000},{"title":"ذكر الخبر عن حاله وحال أصحابه وما آل إليه أمرهم عند انتقاله من الجانب الغربي","level":4,"page":6000},{"title":"[ذكر خبر دخول الموفق مدينة صاحب الزنج]","level":4,"page":6005},{"title":"[ذكر طلب رؤساء صاحب الزنج الأمان]","level":4,"page":6010},{"title":"[خبر دخول الموفق مدينة صاحب الزنج وتخريب داره]","level":4,"page":6013},{"title":"ثم دخلت سنة سبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":6020},{"title":"[ذكر الخبر عن قتل صاحب الزنج وأسر من معه]","level":4,"page":6020},{"title":"[ذكر خبر استئمان درمويه الزنجي إلى أبي أحمد]","level":4,"page":6027},{"title":"مقدمة صغيرة","level":4,"page":6034},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئتين","level":3,"page":6036},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومئتين","level":3,"page":6038},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6041},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6042},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6042},{"title":"ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6044},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":6045},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6046},{"title":"[ذكر الخبر عن مرض أبي أحمد الموفق ثم موته]","level":4,"page":6047},{"title":"[ذكر خبر البيعة للمعتضد بولاية العهد]","level":4,"page":6049},{"title":"ذكر ابتداء أمر القرامطة","level":4,"page":6050},{"title":"[ذكر خبر غزو الروم ووفاة يازمان في هذه الغزوة]","level":4,"page":6054},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6055},{"title":"[ذكر خبر الفتنة بطرسوس]","level":4,"page":6055},{"title":"[خبر وفاة المعتمد]","level":4,"page":6056},{"title":"خلافة المعتضد","level":4,"page":6057},{"title":"ثم دخلت سنة ثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":6059},{"title":"[ذكر خبر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم]","level":4,"page":6059},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6062},{"title":"[ذكر خبر الوقعة بين الأكراد والأعراب]","level":4,"page":6063},{"title":"ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومئتين ذكر الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":6064},{"title":"[ذكر أمر النيروز المعتضدي]","level":4,"page":6064},{"title":"[ذكر أمر المعتضد مع حمدان بن حمدون]","level":4,"page":6065},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6069},{"title":"[خبر هارون الشاري والظفر به]","level":4,"page":6069},{"title":"[خبر حصر الصقالبة القسطنطينية]","level":4,"page":6071},{"title":"[خلاف جند جيش بن خمارويه عليه]","level":4,"page":6071},{"title":"[ذكر الفداء بين المسلمين والروم]","level":4,"page":6072},{"title":"[ذكر أمر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف وأخيه بكر]","level":4,"page":6073},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":6076},{"title":"[ذكر كتاب المعتضد في شأن بني أمية]","level":4,"page":6080},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6091},{"title":"ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":6094},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6097},{"title":"[خروج العباس بن عمرو الغنوي من البصرة]","level":4,"page":6100},{"title":"[ذكر الخبر عن مقتل محمد بن زيد العلوي]","level":4,"page":6103},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6105},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأمور","level":3,"page":6107},{"title":"خلافة المكتفي بالله","level":4,"page":6109},{"title":"[ذكر الخبر عن مقتل بدر غلام المعتضد]","level":4,"page":6110},{"title":"وفي هذه السنة كان مقتل بدر غلام المعتضد","level":4,"page":6110},{"title":"ذكر خبر هذا الرجل الذي ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها","level":4,"page":6115},{"title":"ثم دخلت سنة تسعين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها","level":3,"page":6118},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة","level":3,"page":6128},{"title":"[ذكر خبر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة]","level":4,"page":6128},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومئتين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":6137},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6139},{"title":"[ذكر الخبر عن ظهور أخي الحسين بن زكرويه]","level":4,"page":6140},{"title":"عاد الخبر إلى ما كان من أمر أخي ابن زكرويه","level":4,"page":6140},{"title":"ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة","level":3,"page":6148},{"title":"[خبر زكرويه بن مهرويه القرمطي]","level":4,"page":6148},{"title":"ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6154},{"title":"خلافة المقتدر بالله","level":4,"page":6157},{"title":"ثم دخلت سنة ست وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6157},{"title":"ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6160},{"title":"ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6161},{"title":"ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6161},{"title":"ثم دخلت سنة ثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6162},{"title":"ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6163},{"title":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث","level":3,"page":6165}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"2,1":395,"2,2":396,"2,3":397,"2,4":398,"2,5":399,"2,6":400,"2,7":401,"2,8":402,"2,9":403,"2,10":404,"2,11":405,"2,12":406,"2,13":407,"2,14":408,"2,15":409,"2,16":410,"2,17":411,"2,18":412,"2,19":413,"2,20":414,"2,21":415,"2,22":416,"2,23":417,"2,24":418,"2,25":419,"2,26":420,"2,27":421,"2,28":422,"2,29":423,"2,30":424,"2,31":425,"2,32":426,"2,33":427,"2,34":428,"2,35":429,"2,36":430,"2,37":431,"2,38":432,"2,39":433,"2,40":434,"2,41":435,"2,42":436,"2,43":437,"2,44":438,"2,45":439,"2,46":440,"2,47":441,"2,48":442,"2,49":443,"2,50":444,"2,51":445,"2,52":446,"2,53":447,"2,54":448,"2,55":449,"2,56":450,"2,57":451,"2,58":452,"2,59":453,"2,60":454,"2,61":455,"2,62":456,"2,63":457,"2,64":458,"2,65":459,"2,66":460,"2,67":461,"2,68":462,"2,69":463,"2,70":464,"2,71":465,"2,72":466,"2,73":467,"2,74":468,"2,75":469,"2,76":470,"2,77":471,"2,78":472,"2,79":473,"2,80":474,"2,81":475,"2,82":476,"2,83":477,"2,84":478,"2,85":479,"2,86":480,"2,87":481,"2,88":482,"2,89":483,"2,90":484,"2,91":485,"2,92":486,"2,93":487,"2,94":488,"2,95":489,"2,96":490,"2,97":491,"2,98":492,"2,99":493,"2,100":494,"2,101":495,"2,102":496,"2,103":497,"2,104":498,"2,105":499,"2,106":500,"2,107":501,"2,108":502,"2,109":503,"2,110":504,"2,111":505,"2,112":506,"2,113":507,"2,114":508,"2,115":509,"2,116":510,"2,117":511,"2,118":512,"2,119":513,"2,120":514,"2,121":515,"2,122":516,"2,123":517,"2,124":518,"2,125":519,"2,126":520,"2,127":521,"2,128":522,"2,129":523,"2,130":524,"2,131":525,"2,132":526,"2,133":527,"2,134":528,"2,135":529,"2,136":530,"2,137":531,"2,138":532,"2,139":533,"2,140":534,"2,141":535,"2,142":536,"2,143":537,"2,144":538,"2,145":539,"2,146":540,"2,147":541,"2,148":542,"2,149":543,"2,150":544,"2,151":545,"2,152":546,"2,153":547,"2,154":548,"2,155":549,"2,156":550,"2,157":551,"2,158":552,"2,159":553,"2,160":554,"2,161":555,"2,162":556,"2,163":557,"2,164":558,"2,165":559,"2,166":560,"2,167":561,"2,168":562,"2,169":563,"2,170":564,"2,171":565,"2,172":566,"2,173":567,"2,174":568,"2,175":569,"2,176":570,"2,177":571,"2,178":572,"2,179":573,"2,180":574,"2,181":575,"2,182":576,"2,183":577,"2,184":578,"2,185":579,"2,186":580,"2,187":581,"2,188":582,"2,189":583,"2,190":584,"2,191":585,"2,192":586,"2,193":587,"2,194":588,"2,195":589,"2,196":590,"2,197":591,"2,198":592,"2,199":593,"2,200":594,"2,201":595,"2,202":596,"2,203":597,"2,204":598,"2,205":599,"2,206":600,"2,207":601,"2,208":602,"2,209":603,"2,210":604,"2,211":605,"2,212":606,"2,213":607,"2,214":608,"2,215":609,"2,216":610,"2,217":611,"2,218":612,"2,219":613,"2,220":614,"2,221":615,"2,222":616,"2,223":617,"2,224":618,"2,225":619,"2,226":620,"2,227":621,"2,228":622,"2,229":623,"2,230":624,"2,231":625,"2,232":626,"2,233":627,"2,234":628,"2,235":629,"2,236":630,"2,237":631,"2,238":632,"2,239":633,"2,240":634,"2,241":635,"2,242":636,"2,243":637,"2,244":638,"2,245":639,"2,246":640,"2,247":641,"2,248":642,"2,249":643,"2,250":644,"2,251":645,"2,252":646,"2,253":647,"2,254":648,"2,255":649,"2,256":650,"2,257":651,"2,258":652,"2,259":653,"2,260":654,"2,261":655,"2,262":656,"2,263":657,"2,264":658,"2,265":659,"2,266":660,"2,267":661,"2,268":662,"2,269":663,"2,270":664,"2,271":665,"2,272":666,"2,273":667,"2,274":668,"2,275":669,"2,276":670,"2,277":671,"2,278":672,"2,279":673,"2,280":674,"2,281":675,"2,282":676,"2,283":677,"2,284":678,"2,285":679,"2,286":680,"2,287":681,"2,288":682,"2,289":683,"2,290":684,"2,291":685,"2,292":686,"2,293":687,"2,294":688,"2,295":689,"2,296":690,"2,297":691,"2,298":692,"2,299":693,"2,300":694,"2,301":695,"2,302":696,"2,303":697,"2,304":698,"2,305":699,"2,306":700,"2,307":701,"2,308":702,"2,309":703,"2,310":704,"2,311":705,"2,312":706,"2,313":707,"2,314":708,"2,315":709,"2,316":710,"2,317":711,"2,318":712,"2,319":713,"2,320":714,"2,321":715,"2,322":716,"2,323":717,"2,324":718,"2,325":719,"2,326":720,"2,327":721,"2,328":722,"2,329":723,"2,330":724,"2,331":725,"2,332":726,"2,333":727,"2,334":728,"2,335":729,"2,336":730,"2,337":731,"2,338":732,"2,339":733,"2,340":734,"2,341":735,"2,342":736,"2,343":737,"2,344":738,"2,345":739,"2,346":740,"2,347":741,"2,348":742,"2,349":743,"2,350":744,"2,351":745,"2,352":746,"2,353":747,"2,354":748,"2,355":749,"2,356":750,"2,357":751,"2,358":752,"2,359":753,"2,360":754,"2,361":755,"2,362":756,"2,363":757,"2,364":758,"2,365":759,"2,366":760,"2,367":761,"2,368":762,"2,369":763,"2,370":764,"2,371":765,"2,372":766,"2,373":767,"2,374":768,"2,375":769,"2,376":770,"2,377":771,"2,378":772,"2,379":773,"2,380":774,"2,381":775,"2,382":776,"2,383":777,"2,384":778,"2,385":779,"2,386":780,"2,387":781,"2,388":782,"2,389":783,"2,390":784,"2,391":785,"2,392":786,"2,393":787,"2,394":788,"3,1":789,"3,2":790,"3,3":791,"3,4":792,"3,5":793,"3,6":794,"3,7":795,"3,8":796,"3,9":797,"3,11":798,"3,13":799,"3,14":800,"3,15":801,"3,16":802,"3,17":803,"3,18":804,"3,19":805,"3,20":806,"3,21":807,"3,22":808,"3,23":809,"3,24":810,"3,25":811,"3,26":812,"3,27":813,"3,28":814,"3,29":815,"3,30":816,"3,31":817,"3,32":818,"3,33":819,"3,34":820,"3,35":821,"3,36":822,"3,37":823,"3,38":824,"3,39":825,"3,40":826,"3,41":827,"3,42":828,"3,43":829,"3,44":830,"3,45":831,"3,46":832,"3,47":833,"3,48":834,"3,49":835,"3,50":836,"3,51":837,"3,52":838,"3,53":839,"3,54":840,"3,55":841,"3,56":842,"3,57":843,"3,58":844,"3,59":845,"3,60":846,"3,61":847,"3,62":848,"3,63":849,"3,64":850,"3,65":851,"3,66":852,"3,67":853,"3,68":854,"3,69":855,"3,70":856,"3,71":857,"3,72":858,"3,73":859,"3,74":860,"3,75":861,"3,76":862,"3,77":863,"3,78":864,"3,79":865,"3,80":866,"3,81":867,"3,82":868,"3,83":869,"3,84":870,"3,85":871,"3,86":872,"3,87":873,"3,88":874,"3,89":875,"3,90":876,"3,91":877,"3,92":878,"3,93":879,"3,94":880,"3,95":881,"3,96":882,"3,97":883,"3,98":884,"3,99":885,"3,100":886,"3,101":887,"3,102":888,"3,103":889,"3,104":890,"3,105":891,"3,106":892,"3,107":893,"3,108":894,"3,109":895,"3,110":896,"3,111":897,"3,112":898,"3,113":899,"3,114":900,"3,115":901,"3,116":902,"3,117":903,"3,118":904,"3,119":905,"3,121":906,"3,123":907,"3,124":908,"3,125":909,"3,126":910,"3,127":911,"3,128":912,"3,129":913,"3,130":914,"3,131":915,"3,132":916,"3,133":917,"3,134":918,"3,135":919,"3,136":920,"3,137":921,"3,138":922,"3,139":923,"3,140":924,"3,141":925,"3,142":926,"3,143":927,"3,144":928,"3,145":929,"3,146":930,"3,147":931,"3,148":932,"3,149":933,"3,150":934,"3,151":935,"3,152":936,"3,153":937,"3,154":938,"3,155":939,"3,156":940,"3,157":941,"3,158":942,"3,159":943,"3,160":944,"3,161":945,"3,162":946,"3,163":947,"3,164":948,"3,165":949,"3,166":950,"3,167":951,"3,168":952,"3,169":953,"3,170":954,"3,171":955,"3,172":956,"3,173":957,"3,174":958,"3,175":959,"3,176":960,"3,177":961,"3,178":962,"3,179":963,"3,180":964,"3,181":965,"3,182":966,"3,183":967,"3,184":968,"3,185":969,"3,186":970,"3,187":971,"3,188":972,"3,189":973,"3,190":974,"3,191":975,"3,192":976,"3,193":977,"3,194":978,"3,195":979,"3,196":980,"3,197":981,"3,198":982,"3,199":983,"3,200":984,"3,201":985,"3,202":986,"3,203":987,"3,204":988,"3,205":989,"3,206":990,"3,207":991,"3,208":992,"3,209":993,"3,210":994,"3,211":995,"3,212":996,"3,213":997,"3,214":998,"3,215":999,"3,216":1000,"3,217":1001,"3,218":1002,"3,219":1003,"3,220":1004,"3,221":1005,"3,222":1006,"3,223":1007,"3,224":1008,"3,225":1009,"3,226":1010,"3,227":1011,"3,228":1012,"3,229":1013,"3,230":1014,"3,231":1015,"3,232":1016,"3,233":1017,"3,234":1018,"3,235":1019,"3,236":1020,"3,237":1021,"3,238":1022,"3,239":1023,"3,240":1024,"3,241":1025,"3,242":1026,"3,243":1027,"3,244":1028,"3,245":1029,"3,246":1030,"3,247":1031,"3,248":1032,"3,249":1033,"3,250":1034,"3,251":1035,"3,252":1036,"3,253":1037,"3,254":1038,"3,255":1039,"3,256":1040,"3,257":1041,"3,258":1042,"3,259":1043,"3,260":1044,"3,261":1045,"3,262":1046,"3,263":1047,"3,264":1048,"3,265":1049,"3,266":1050,"3,267":1051,"3,268":1052,"3,269":1053,"3,270":1054,"3,271":1055,"3,272":1056,"3,273":1057,"3,274":1058,"3,275":1059,"3,276":1060,"3,277":1061,"3,278":1062,"3,279":1063,"3,280":1064,"3,281":1065,"3,282":1066,"3,283":1067,"3,284":1068,"3,285":1069,"3,286":1070,"3,287":1071,"3,288":1072,"3,289":1073,"3,290":1074,"3,291":1075,"3,292":1076,"3,293":1077,"3,294":1078,"3,295":1079,"3,296":1080,"3,297":1081,"3,298":1082,"3,299":1083,"3,300":1084,"3,301":1085,"3,302":1086,"3,303":1087,"3,304":1088,"3,305":1089,"3,307":1090,"3,308":1091,"3,309":1092,"3,310":1093,"3,311":1094,"3,312":1095,"3,313":1096,"3,314":1097,"3,315":1098,"3,316":1099,"3,317":1100,"3,318":1101,"3,319":1102,"3,320":1103,"3,321":1104,"3,322":1105,"3,323":1106,"3,324":1107,"3,325":1108,"3,326":1109,"3,327":1110,"3,328":1111,"3,329":1112,"3,330":1113,"3,331":1114,"3,332":1115,"3,333":1116,"3,334":1117,"3,335":1118,"3,336":1119,"3,337":1120,"3,338":1121,"3,339":1122,"3,340":1123,"3,341":1124,"3,342":1125,"3,343":1126,"3,344":1127,"3,345":1128,"3,346":1129,"3,347":1130,"3,348":1131,"3,349":1132,"3,350":1133,"3,351":1134,"3,352":1135,"3,353":1136,"3,354":1137,"3,355":1138,"3,356":1139,"3,357":1140,"3,358":1141,"3,359":1142,"3,360":1143,"3,361":1144,"3,362":1145,"3,363":1146,"3,364":1147,"3,365":1148,"3,367":1149,"3,369":1150,"3,370":1151,"3,371":1152,"3,372":1153,"3,373":1154,"3,374":1155,"3,375":1156,"3,376":1157,"3,377":1158,"3,378":1159,"3,379":1160,"3,380":1161,"3,381":1162,"3,382":1163,"3,383":1164,"3,384":1165,"3,385":1166,"3,386":1167,"3,387":1168,"3,388":1169,"3,389":1170,"3,390":1171,"3,391":1172,"3,392":1173,"3,393":1174,"3,394":1175,"3,395":1176,"3,396":1177,"3,397":1178,"3,398":1179,"3,399":1180,"3,400":1181,"3,401":1182,"3,402":1183,"3,403":1184,"3,404":1185,"3,405":1186,"3,406":1187,"3,407":1188,"3,408":1189,"3,409":1190,"3,410":1191,"3,411":1192,"3,412":1193,"3,413":1194,"3,414":1195,"3,415":1196,"3,416":1197,"3,417":1198,"3,418":1199,"3,419":1200,"3,420":1201,"3,421":1202,"3,422":1203,"3,423":1204,"3,424":1205,"4,1":1206,"4,2":1207,"4,3":1208,"4,4":1209,"4,5":1210,"4,6":1211,"4,7":1212,"4,9":1213,"4,10":1214,"4,11":1215,"4,12":1216,"4,13":1217,"4,14":1218,"4,15":1219,"4,16":1220,"4,17":1221,"4,18":1222,"4,19":1223,"4,20":1224,"4,21":1225,"4,22":1226,"4,23":1227,"4,24":1228,"4,25":1229,"4,26":1230,"4,27":1231,"4,28":1232,"4,29":1233,"4,30":1234,"4,31":1235,"4,32":1236,"4,33":1237,"4,34":1238,"4,35":1239,"4,36":1240,"4,37":1241,"4,38":1242,"4,39":1243,"4,40":1244,"4,41":1245,"4,42":1246,"4,43":1247,"4,44":1248,"4,45":1249,"4,46":1250,"4,47":1251,"4,48":1252,"4,49":1253,"4,50":1254,"4,51":1255,"4,52":1256,"4,53":1257,"4,54":1258,"4,55":1259,"4,56":1260,"4,57":1261,"4,58":1262,"4,59":1263,"4,60":1264,"4,61":1265,"4,62":1266,"4,63":1267,"4,64":1268,"4,65":1269,"4,66":1270,"4,67":1271,"4,68":1272,"4,69":1273,"4,70":1274,"4,71":1275,"4,72":1276,"4,73":1277,"4,74":1278,"4,75":1279,"4,76":1280,"4,77":1281,"4,78":1282,"4,79":1283,"4,80":1284,"4,81":1285,"4,82":1286,"4,83":1287,"4,84":1288,"4,85":1289,"4,86":1290,"4,87":1291,"4,88":1292,"4,89":1293,"4,90":1294,"4,91":1295,"4,92":1296,"4,93":1297,"4,94":1298,"4,95":1299,"4,96":1300,"4,97":1301,"4,98":1302,"4,99":1303,"4,100":1304,"4,101":1305,"4,102":1306,"4,103":1307,"4,104":1308,"4,105":1309,"4,106":1310,"4,107":1311,"4,108":1312,"4,109":1313,"4,110":1314,"4,111":1315,"4,112":1316,"4,113":1317,"4,114":1318,"4,115":1319,"4,116":1320,"4,117":1321,"4,118":1322,"4,119":1323,"4,120":1324,"4,121":1325,"4,122":1326,"4,123":1327,"4,124":1328,"4,125":1329,"4,126":1330,"4,127":1331,"4,128":1332,"4,129":1333,"4,130":1334,"4,131":1335,"4,132":1336,"4,133":1337,"4,134":1338,"4,135":1339,"4,136":1340,"4,137":1341,"4,138":1342,"4,139":1343,"4,140":1344,"4,141":1345,"4,142":1346,"4,143":1347,"4,144":1348,"4,145":1349,"4,146":1350,"4,147":1351,"4,148":1352,"4,149":1353,"4,150":1354,"4,151":1355,"4,152":1356,"4,153":1357,"4,154":1358,"4,155":1359,"4,156":1360,"4,157":1361,"4,158":1362,"4,159":1363,"4,160":1364,"4,161":1365,"4,162":1366,"4,163":1367,"4,164":1368,"4,165":1369,"4,166":1370,"4,167":1371,"4,168":1372,"4,169":1373,"4,170":1374,"4,171":1375,"4,172":1376,"4,173":1377,"4,174":1378,"4,175":1379,"4,176":1380,"4,177":1381,"4,178":1382,"4,179":1383,"4,180":1384,"4,181":1385,"4,182":1386,"4,183":1387,"4,184":1388,"4,185":1389,"4,186":1390,"4,187":1391,"4,188":1392,"4,189":1393,"4,190":1394,"4,191":1395,"4,192":1396,"4,193":1397,"4,194":1398,"4,195":1399,"4,196":1400,"4,197":1401,"4,198":1402,"4,199":1403,"4,200":1404,"4,201":1405,"4,202":1406,"4,203":1407,"4,204":1408,"4,205":1409,"4,206":1410,"4,207":1411,"4,208":1412,"4,209":1413,"4,210":1414,"4,211":1415,"4,212":1416,"4,213":1417,"4,214":1418,"4,215":1419,"4,216":1420,"4,217":1421,"4,218":1422,"4,219":1423,"4,220":1424,"4,221":1425,"4,222":1426,"4,223":1427,"4,224":1428,"4,225":1429,"4,226":1430,"4,227":1431,"4,228":1432,"4,229":1433,"4,230":1434,"4,231":1435,"4,232":1436,"4,233":1437,"4,234":1438,"4,235":1439,"4,236":1440,"4,237":1441,"4,238":1442,"4,239":1443,"4,240":1444,"4,241":1445,"4,242":1446,"4,243":1447,"4,244":1448,"4,245":1449,"4,246":1450,"4,247":1451,"4,248":1452,"4,249":1453,"4,250":1454,"4,251":1455,"4,252":1456,"4,253":1457,"4,254":1458,"4,255":1459,"4,256":1460,"4,257":1461,"4,258":1462,"4,259":1463,"4,260":1464,"4,261":1465,"4,262":1466,"4,263":1467,"4,264":1468,"4,265":1469,"4,266":1470,"4,267":1471,"4,268":1472,"4,269":1473,"4,270":1474,"4,271":1475,"4,272":1476,"4,273":1477,"4,274":1478,"4,275":1479,"4,276":1480,"4,277":1481,"4,278":1482,"4,279":1483,"4,280":1484,"4,281":1485,"4,282":1486,"4,283":1487,"4,284":1488,"4,285":1489,"4,286":1490,"4,287":1491,"4,288":1492,"4,289":1493,"4,290":1494,"4,291":1495,"4,292":1496,"4,293":1497,"4,294":1498,"4,295":1499,"4,296":1500,"4,297":1501,"4,298":1502,"4,299":1503,"4,300":1504,"4,301":1505,"4,302":1506,"4,303":1507,"4,304":1508,"4,305":1509,"4,306":1510,"4,307":1511,"4,308":1512,"4,309":1513,"4,310":1514,"4,311":1515,"4,312":1516,"4,313":1517,"4,314":1518,"4,315":1519,"4,316":1520,"4,317":1521,"4,318":1522,"4,319":1523,"4,320":1524,"4,321":1525,"4,322":1526,"4,323":1527,"4,324":1528,"4,325":1529,"4,326":1530,"4,327":1531,"4,328":1532,"4,329":1533,"4,330":1534,"4,331":1535,"4,332":1536,"4,333":1537,"4,334":1538,"4,335":1539,"4,336":1540,"4,337":1541,"4,338":1542,"4,339":1543,"4,340":1544,"4,341":1545,"4,342":1546,"4,343":1547,"4,344":1548,"4,345":1549,"4,346":1550,"4,347":1551,"4,348":1552,"4,349":1553,"4,350":1554,"4,351":1555,"4,352":1556,"4,353":1557,"4,354":1558,"4,355":1559,"4,356":1560,"4,357":1561,"4,358":1562,"4,359":1563,"4,360":1564,"4,361":1565,"4,362":1566,"4,363":1567,"4,364":1568,"4,365":1569,"4,366":1570,"4,367":1571,"4,368":1572,"4,369":1573,"4,370":1574,"4,371":1575,"4,372":1576,"4,373":1577,"4,374":1578,"4,375":1579,"4,376":1580,"4,377":1581,"4,378":1582,"4,379":1583,"4,380":1584,"4,381":1585,"4,382":1586,"4,383":1587,"4,384":1588,"4,385":1589,"4,386":1590,"4,387":1591,"4,388":1592,"4,389":1593,"4,390":1594,"4,391":1595,"4,392":1596,"4,393":1597,"4,394":1598,"4,395":1599,"4,396":1600,"4,397":1601,"4,398":1602,"4,399":1603,"4,400":1604,"4,401":1605,"4,402":1606,"4,403":1607,"4,404":1608,"4,405":1609,"4,406":1610,"4,407":1611,"4,408":1612,"4,409":1613,"4,410":1614,"4,411":1615,"4,412":1616,"4,413":1617,"4,414":1618,"4,415":1619,"4,416":1620,"4,417":1621,"4,418":1622,"4,419":1623,"4,420":1624,"4,421":1625,"4,422":1626,"4,423":1627,"4,424":1628,"4,425":1629,"4,426":1630,"4,427":1631,"4,428":1632,"4,429":1633,"4,430":1634,"4,431":1635,"4,432":1636,"4,433":1637,"5,1":1638,"5,2":1639,"5,3":1640,"5,4":1641,"5,5":1642,"5,6":1643,"5,7":1644,"5,8":1645,"5,9":1646,"5,11":1647,"5,12":1648,"5,13":1649,"5,14":1650,"5,15":1651,"5,16":1652,"5,17":1653,"5,18":1654,"5,19":1655,"5,20":1656,"5,21":1657,"5,22":1658,"5,23":1659,"5,24":1660,"5,25":1661,"5,26":1662,"5,27":1663,"5,28":1664,"5,29":1665,"5,30":1666,"5,31":1667,"5,32":1668,"5,33":1669,"5,34":1670,"5,35":1671,"5,36":1672,"5,37":1673,"5,38":1674,"5,39":1675,"5,40":1676,"5,41":1677,"5,42":1678,"5,43":1679,"5,44":1680,"5,45":1681,"5,46":1682,"5,47":1683,"5,48":1684,"5,49":1685,"5,50":1686,"5,51":1687,"5,52":1688,"5,53":1689,"5,54":1690,"5,55":1691,"5,56":1692,"5,57":1693,"5,58":1694,"5,59":1695,"5,60":1696,"5,61":1697,"5,62":1698,"5,63":1699,"5,64":1700,"5,65":1701,"5,66":1702,"5,67":1703,"5,68":1704,"5,69":1705,"5,70":1706,"5,71":1707,"5,72":1708,"5,73":1709,"5,74":1710,"5,75":1711,"5,76":1712,"5,77":1713,"5,78":1714,"5,79":1715,"5,80":1716,"5,81":1717,"5,82":1718,"5,83":1719,"5,84":1720,"5,85":1721,"5,86":1722,"5,87":1723,"5,88":1724,"5,89":1725,"5,90":1726,"5,91":1727,"5,92":1728,"5,93":1729,"5,94":1730,"5,95":1731,"5,96":1732,"5,97":1733,"5,98":1734,"5,99":1735,"5,100":1736,"5,101":1737,"5,102":1738,"5,103":1739,"5,104":1740,"5,105":1741,"5,106":1742,"5,107":1743,"5,108":1744,"5,109":1745,"5,110":1746,"5,111":1747,"5,112":1748,"5,113":1749,"5,114":1750,"5,115":1751,"5,116":1752,"5,117":1753,"5,118":1754,"5,119":1755,"5,120":1756,"5,121":1757,"5,122":1758,"5,123":1759,"5,124":1760,"5,125":1761,"5,126":1762,"5,127":1763,"5,128":1764,"5,129":1765,"5,130":1766,"5,131":1767,"5,132":1768,"5,133":1769,"5,134":1770,"5,135":1771,"5,136":1772,"5,137":1773,"5,138":1774,"5,139":1775,"5,140":1776,"5,141":1777,"5,142":1778,"5,143":1779,"5,144":1780,"5,145":1781,"5,146":1782,"5,147":1783,"5,148":1784,"5,149":1785,"5,150":1786,"5,151":1787,"5,152":1788,"5,153":1789,"5,154":1790,"5,155":1791,"5,156":1792,"5,157":1793,"5,158":1794,"5,159":1795,"5,160":1796,"5,161":1797,"5,162":1798,"5,163":1799,"5,164":1800,"5,165":1801,"5,166":1802,"5,167":1803,"5,168":1804,"5,169":1805,"5,170":1806,"5,171":1807,"5,172":1808,"5,173":1809,"5,174":1810,"5,175":1811,"5,176":1812,"5,177":1813,"5,178":1814,"5,179":1815,"5,180":1816,"5,181":1817,"5,182":1818,"5,183":1819,"5,184":1820,"5,185":1821,"5,186":1822,"5,187":1823,"5,188":1824,"5,189":1825,"5,190":1826,"5,191":1827,"5,192":1828,"5,193":1829,"5,194":1830,"5,195":1831,"5,196":1832,"5,197":1833,"5,198":1834,"5,199":1835,"5,200":1836,"5,201":1837,"5,202":1838,"5,203":1839,"5,204":1840,"5,205":1841,"5,206":1842,"5,207":1843,"5,208":1844,"5,209":1845,"5,210":1846,"5,211":1847,"5,212":1848,"5,213":1849,"5,214":1850,"5,215":1851,"5,216":1852,"5,217":1853,"5,218":1854,"5,219":1855,"5,220":1856,"5,221":1857,"5,222":1858,"5,223":1859,"5,224":1860,"5,225":1861,"5,226":1862,"5,227":1863,"5,228":1864,"5,229":1865,"6,1":1866,"6,2":1867,"6,3":1868,"6,4":1869,"6,5":1870,"6,6":1871,"6,7":1872,"6,8":1873,"6,9":1874,"6,10":1875,"6,11":1876,"6,12":1877,"6,13":1878,"6,14":1879,"6,15":1880,"6,16":1881,"6,17":1882,"6,18":1883,"6,19":1884,"6,20":1885,"6,21":1886,"6,22":1887,"6,23":1888,"6,24":1889,"6,25":1890,"6,26":1891,"6,27":1892,"6,28":1893,"6,29":1894,"6,30":1895,"6,31":1896,"6,32":1897,"6,33":1898,"6,34":1899,"6,35":1900,"6,36":1901,"6,37":1902,"6,38":1903,"6,39":1904,"6,40":1905,"6,41":1906,"6,42":1907,"6,43":1908,"6,44":1909,"6,45":1910,"6,46":1911,"6,47":1912,"6,48":1913,"6,49":1914,"6,50":1915,"6,51":1916,"6,52":1917,"6,53":1918,"6,54":1919,"6,55":1920,"6,56":1921,"6,57":1922,"6,58":1923,"6,59":1924,"6,60":1925,"6,61":1926,"6,62":1927,"6,63":1928,"6,64":1929,"6,65":1930,"6,66":1931,"6,67":1932,"6,68":1933,"6,69":1934,"6,70":1935,"6,71":1936,"6,72":1937,"6,73":1938,"6,74":1939,"6,75":1940,"6,76":1941,"6,77":1942,"6,78":1943,"6,79":1944,"6,80":1945,"6,81":1946,"6,82":1947,"6,83":1948,"6,84":1949,"6,85":1950,"6,86":1951,"6,87":1952,"6,88":1953,"6,89":1954,"6,90":1955,"6,91":1956,"6,92":1957,"6,93":1958,"6,94":1959,"6,95":1960,"6,96":1961,"6,97":1962,"6,98":1963,"6,99":1964,"6,100":1965,"6,101":1966,"6,102":1967,"6,103":1968,"6,104":1969,"6,105":1970,"6,106":1971,"6,107":1972,"6,108":1973,"6,109":1974,"6,110":1975,"6,111":1976,"6,112":1977,"6,113":1978,"6,114":1979,"6,115":1980,"6,116":1981,"6,117":1982,"6,118":1983,"6,119":1984,"6,120":1985,"6,121":1986,"6,122":1987,"6,123":1988,"6,124":1989,"6,125":1990,"6,126":1991,"6,127":1992,"6,128":1993,"6,129":1994,"6,130":1995,"6,131":1996,"6,132":1997,"6,133":1998,"6,134":1999,"6,135":2000,"6,136":2001,"6,137":2002,"6,138":2003,"6,139":2004,"6,140":2005,"6,141":2006,"6,142":2007,"6,143":2008,"6,144":2009,"6,145":2010,"6,146":2011,"6,147":2012,"6,148":2013,"6,149":2014,"6,150":2015,"6,151":2016,"6,152":2017,"6,153":2018,"6,154":2019,"6,155":2020,"6,156":2021,"6,157":2022,"6,158":2023,"6,159":2024,"6,160":2025,"6,161":2026,"6,162":2027,"6,163":2028,"6,164":2029,"6,165":2030,"6,166":2031,"6,167":2032,"6,168":2033,"6,169":2034,"6,170":2035,"6,171":2036,"6,172":2037,"6,173":2038,"6,174":2039,"6,175":2040,"6,176":2041,"6,177":2042,"6,178":2043,"6,179":2044,"6,180":2045,"6,181":2046,"6,182":2047,"6,183":2048,"6,184":2049,"6,185":2050,"6,186":2051,"6,187":2052,"6,188":2053,"6,189":2054,"6,190":2055,"6,191":2056,"6,192":2057,"6,193":2058,"6,194":2059,"6,195":2060,"6,196":2061,"6,197":2062,"6,198":2063,"6,199":2064,"6,200":2065,"6,201":2066,"6,202":2067,"6,203":2068,"6,204":2069,"6,205":2070,"6,206":2071,"6,207":2072,"6,208":2073,"6,209":2074,"6,210":2075,"6,211":2076,"6,212":2077,"6,213":2078,"6,214":2079,"6,215":2080,"6,216":2081,"6,217":2082,"6,218":2083,"6,219":2084,"6,220":2085,"6,221":2086,"6,222":2087,"6,223":2088,"6,224":2089,"6,225":2090,"6,226":2091,"6,227":2092,"6,228":2093,"6,229":2094,"6,230":2095,"6,231":2096,"6,232":2097,"6,233":2098,"6,234":2099,"6,235":2100,"6,236":2101,"6,237":2102,"6,238":2103,"6,239":2104,"6,240":2105,"6,241":2106,"6,242":2107,"6,243":2108,"6,244":2109,"6,245":2110,"6,246":2111,"6,247":2112,"6,248":2113,"6,249":2114,"6,250":2115,"6,251":2116,"6,252":2117,"6,253":2118,"6,254":2119,"6,255":2120,"6,256":2121,"6,257":2122,"6,258":2123,"6,259":2124,"6,260":2125,"6,261":2126,"6,262":2127,"6,263":2128,"6,264":2129,"6,265":2130,"6,266":2131,"6,267":2132,"6,268":2133,"6,269":2134,"6,270":2135,"6,271":2136,"6,272":2137,"6,273":2138,"6,274":2139,"6,275":2140,"6,276":2141,"6,277":2142,"6,278":2143,"6,279":2144,"6,280":2145,"6,281":2146,"6,282":2147,"6,283":2148,"6,284":2149,"6,285":2150,"6,286":2151,"6,287":2152,"6,288":2153,"6,289":2154,"6,290":2155,"6,291":2156,"6,292":2157,"6,293":2158,"6,294":2159,"6,295":2160,"6,296":2161,"6,297":2162,"6,298":2163,"6,299":2164,"6,300":2165,"6,301":2166,"6,302":2167,"6,303":2168,"6,304":2169,"6,305":2170,"6,306":2171,"6,307":2172,"6,308":2173,"6,309":2174,"6,310":2175,"6,311":2176,"6,312":2177,"6,313":2178,"6,314":2179,"6,315":2180,"6,316":2181,"6,317":2182,"6,318":2183,"6,319":2184,"6,320":2185,"6,321":2186,"6,322":2187,"6,323":2188,"6,324":2189,"6,325":2190,"6,326":2191,"6,327":2192,"6,328":2193,"6,329":2194,"6,330":2195,"6,331":2196,"6,332":2197,"6,333":2198,"6,334":2199,"6,335":2200,"6,336":2201,"6,337":2202,"6,338":2203,"6,339":2204,"6,340":2205,"6,341":2206,"6,342":2207,"6,343":2208,"6,344":2209,"6,345":2210,"6,346":2211,"6,347":2212,"6,348":2213,"6,349":2214,"6,350":2215,"6,351":2216,"6,352":2217,"6,353":2218,"6,354":2219,"6,355":2220,"6,356":2221,"6,357":2222,"6,358":2223,"6,359":2224,"6,360":2225,"6,361":2226,"6,362":2227,"6,363":2228,"6,364":2229,"6,365":2230,"6,366":2231,"6,367":2232,"6,368":2233,"6,369":2234,"6,370":2235,"6,371":2236,"6,372":2237,"6,373":2238,"6,374":2239,"6,375":2240,"6,376":2241,"6,377":2242,"6,378":2243,"6,379":2244,"6,380":2245,"6,381":2246,"6,382":2247,"6,383":2248,"6,384":2249,"6,385":2250,"6,386":2251,"6,387":2252,"6,388":2253,"6,389":2254,"6,390":2255,"6,391":2256,"6,392":2257,"6,393":2258,"6,394":2259,"6,395":2260,"6,396":2261,"6,397":2262,"6,398":2263,"6,399":2264,"6,400":2265,"6,401":2266,"6,402":2267,"6,403":2268,"6,404":2269,"6,405":2270,"6,406":2271,"6,407":2272,"6,408":2273,"6,409":2274,"6,410":2275,"6,411":2276,"6,412":2277,"6,413":2278,"6,414":2279,"6,415":2280,"6,416":2281,"6,417":2282,"6,418":2283,"6,419":2284,"6,420":2285,"6,421":2286,"6,422":2287,"6,423":2288,"6,424":2289,"6,425":2290,"6,426":2291,"6,427":2292,"6,428":2293,"6,429":2294,"6,430":2295,"6,431":2296,"6,432":2297,"6,433":2298,"6,434":2299,"6,435":2300,"6,436":2301,"6,437":2302,"6,438":2303,"6,439":2304,"6,440":2305,"6,441":2306,"6,442":2307,"6,443":2308,"6,444":2309,"6,445":2310,"6,446":2311,"6,447":2312,"6,448":2313,"6,449":2314,"6,450":2315,"6,451":2316,"6,452":2317,"6,453":2318,"6,454":2319,"6,455":2320,"6,456":2321,"6,457":2322,"6,458":2323,"6,459":2324,"6,460":2325,"6,461":2326,"6,462":2327,"6,463":2328,"6,464":2329,"6,465":2330,"6,466":2331,"6,467":2332,"6,468":2333,"6,469":2334,"6,470":2335,"6,471":2336,"6,472":2337,"6,473":2338,"6,474":2339,"6,475":2340,"6,476":2341,"6,477":2342,"6,478":2343,"6,479":2344,"6,480":2345,"6,481":2346,"6,482":2347,"6,483":2348,"6,484":2349,"6,485":2350,"6,486":2351,"6,487":2352,"6,488":2353,"6,489":2354,"6,490":2355,"6,491":2356,"6,492":2357,"6,493":2358,"6,494":2359,"6,495":2360,"6,496":2361,"6,497":2362,"6,498":2363,"6,499":2364,"6,500":2365,"6,501":2366,"6,502":2367,"6,503":2368,"6,504":2369,"6,505":2370,"6,506":2371,"6,507":2372,"6,508":2373,"6,509":2374,"6,510":2375,"6,511":2376,"6,512":2377,"6,513":2378,"6,514":2379,"6,515":2380,"6,516":2381,"6,517":2382,"6,518":2383,"6,519":2384,"6,520":2385,"6,521":2386,"6,522":2387,"6,523":2388,"6,524":2389,"6,525":2390,"6,526":2391,"6,527":2392,"6,528":2393,"6,529":2394,"6,530":2395,"6,531":2396,"6,532":2397,"6,533":2398,"6,534":2399,"6,535":2400,"6,536":2401,"6,537":2402,"6,538":2403,"6,539":2404,"6,540":2405,"6,541":2406,"6,542":2407,"6,543":2408,"6,544":2409,"6,545":2410,"6,546":2411,"6,547":2412,"6,548":2413,"6,549":2414,"6,550":2415,"6,551":2416,"6,552":2417,"7,1":2418,"7,2":2419,"7,3":2420,"7,4":2421,"7,5":2422,"7,6":2423,"7,7":2424,"7,8":2425,"7,9":2426,"7,10":2427,"7,11":2428,"7,12":2429,"7,13":2430,"7,14":2431,"7,15":2432,"7,16":2433,"7,17":2434,"7,18":2435,"7,19":2436,"7,20":2437,"7,21":2438,"7,22":2439,"7,23":2440,"7,24":2441,"7,25":2442,"7,26":2443,"7,27":2444,"7,28":2445,"7,29":2446,"7,30":2447,"7,31":2448,"7,32":2449,"7,33":2450,"7,34":2451,"7,35":2452,"7,36":2453,"7,37":2454,"7,38":2455,"7,39":2456,"7,40":2457,"7,41":2458,"7,42":2459,"7,43":2460,"7,44":2461,"7,45":2462,"7,46":2463,"7,47":2464,"7,48":2465,"7,49":2466,"7,50":2467,"7,51":2468,"7,52":2469,"7,53":2470,"7,54":2471,"7,55":2472,"7,56":2473,"7,57":2474,"7,58":2475,"7,59":2476,"7,60":2477,"7,61":2478,"7,62":2479,"7,63":2480,"7,64":2481,"7,65":2482,"7,66":2483,"7,67":2484,"7,68":2485,"7,69":2486,"7,70":2487,"7,71":2488,"7,72":2489,"7,73":2490,"7,74":2491,"7,75":2492,"7,76":2493,"7,77":2494,"7,78":2495,"7,79":2496,"7,80":2497,"7,81":2498,"7,82":2499,"7,83":2500,"7,84":2501,"7,85":2502,"7,86":2503,"7,87":2504,"7,88":2505,"7,89":2506,"7,90":2507,"7,91":2508,"7,92":2509,"7,93":2510,"7,94":2511,"7,95":2512,"7,96":2513,"7,97":2514,"7,98":2515,"7,99":2516,"7,100":2517,"7,101":2518,"7,102":2519,"7,103":2520,"7,104":2521,"7,105":2522,"7,106":2523,"7,107":2524,"7,108":2525,"7,109":2526,"7,110":2527,"7,111":2528,"7,112":2529,"7,113":2530,"7,114":2531,"7,115":2532,"7,116":2533,"7,117":2534,"7,118":2535,"7,119":2536,"7,120":2537,"7,121":2538,"7,122":2539,"7,123":2540,"7,124":2541,"7,125":2542,"7,126":2543,"7,127":2544,"7,128":2545,"7,129":2546,"7,130":2547,"7,131":2548,"7,132":2549,"7,133":2550,"7,134":2551,"7,135":2552,"7,136":2553,"7,137":2554,"7,138":2555,"7,139":2556,"7,140":2557,"7,141":2558,"7,142":2559,"7,143":2560,"7,144":2561,"7,145":2562,"7,146":2563,"7,147":2564,"7,148":2565,"7,149":2566,"7,150":2567,"7,151":2568,"7,152":2569,"7,153":2570,"7,154":2571,"7,155":2572,"7,156":2573,"7,157":2574,"7,158":2575,"7,159":2576,"7,160":2577,"7,161":2578,"7,162":2579,"7,163":2580,"7,164":2581,"7,165":2582,"7,166":2583,"7,167":2584,"7,168":2585,"7,169":2586,"7,170":2587,"7,171":2588,"7,172":2589,"7,173":2590,"7,174":2591,"7,175":2592,"7,176":2593,"7,177":2594,"7,178":2595,"7,179":2596,"7,180":2597,"7,181":2598,"7,182":2599,"7,183":2600,"7,184":2601,"7,185":2602,"7,186":2603,"7,187":2604,"7,188":2605,"7,189":2606,"7,190":2607,"7,191":2608,"7,192":2609,"7,193":2610,"7,194":2611,"7,195":2612,"7,196":2613,"7,197":2614,"7,198":2615,"7,199":2616,"7,200":2617,"7,201":2618,"7,202":2619,"7,203":2620,"7,204":2621,"7,205":2622,"7,206":2623,"7,207":2624,"7,208":2625,"7,209":2626,"7,210":2627,"7,211":2628,"7,212":2629,"7,213":2630,"7,214":2631,"7,215":2632,"7,216":2633,"7,217":2634,"7,218":2635,"7,219":2636,"7,220":2637,"7,221":2638,"7,222":2639,"7,223":2640,"7,224":2641,"7,225":2642,"7,226":2643,"7,227":2644,"7,228":2645,"7,229":2646,"7,230":2647,"7,231":2648,"7,232":2649,"7,233":2650,"7,234":2651,"7,235":2652,"7,236":2653,"7,237":2654,"7,238":2655,"7,239":2656,"7,240":2657,"7,241":2658,"7,242":2659,"7,243":2660,"7,244":2661,"7,245":2662,"7,246":2663,"7,247":2664,"7,248":2665,"7,249":2666,"7,250":2667,"7,251":2668,"7,252":2669,"7,253":2670,"7,254":2671,"7,255":2672,"7,256":2673,"7,257":2674,"7,258":2675,"7,259":2676,"7,260":2677,"7,261":2678,"7,262":2679,"7,263":2680,"7,264":2681,"7,265":2682,"7,266":2683,"7,267":2684,"7,268":2685,"7,269":2686,"7,270":2687,"7,271":2688,"7,272":2689,"7,273":2690,"7,274":2691,"7,275":2692,"7,276":2693,"7,277":2694,"7,278":2695,"7,279":2696,"7,280":2697,"7,281":2698,"7,282":2699,"7,283":2700,"7,284":2701,"7,285":2702,"7,286":2703,"7,287":2704,"8,1":2705,"8,2":2706,"8,3":2707,"8,4":2708,"8,5":2709,"8,6":2710,"8,7":2711,"8,8":2712,"8,9":2713,"8,10":2714,"8,11":2715,"8,13":2716,"8,15":2717,"8,16":2718,"8,17":2719,"8,18":2720,"8,19":2721,"8,20":2722,"8,21":2723,"8,22":2724,"8,23":2725,"8,24":2726,"8,25":2727,"8,26":2728,"8,27":2729,"8,28":2730,"8,29":2731,"8,30":2732,"8,31":2733,"8,32":2734,"8,33":2735,"8,34":2736,"8,35":2737,"8,36":2738,"8,37":2739,"8,38":2740,"8,39":2741,"8,40":2742,"8,41":2743,"8,42":2744,"8,43":2745,"8,44":2746,"8,45":2747,"8,46":2748,"8,47":2749,"8,48":2750,"8,49":2751,"8,50":2752,"8,51":2753,"8,52":2754,"8,53":2755,"8,54":2756,"8,55":2757,"8,56":2758,"8,57":2759,"8,58":2760,"8,59":2761,"8,60":2762,"8,61":2763,"8,62":2764,"8,63":2765,"8,64":2766,"8,65":2767,"8,66":2768,"8,67":2769,"8,68":2770,"8,69":2771,"8,70":2772,"8,71":2773,"8,72":2774,"8,73":2775,"8,74":2776,"8,75":2777,"8,76":2778,"8,77":2779,"8,78":2780,"8,79":2781,"8,80":2782,"8,81":2783,"8,82":2784,"8,83":2785,"8,84":2786,"8,85":2787,"8,86":2788,"8,87":2789,"8,88":2790,"8,89":2791,"8,90":2792,"8,91":2793,"8,92":2794,"8,93":2795,"8,94":2796,"8,95":2797,"8,96":2798,"8,97":2799,"8,98":2800,"8,99":2801,"8,100":2802,"8,101":2803,"8,102":2804,"8,103":2805,"8,104":2806,"8,105":2807,"8,106":2808,"8,107":2809,"8,108":2810,"8,109":2811,"8,110":2812,"8,111":2813,"8,112":2814,"8,113":2815,"8,114":2816,"8,115":2817,"8,116":2818,"8,117":2819,"8,118":2820,"8,119":2821,"8,120":2822,"8,121":2823,"8,122":2824,"8,123":2825,"8,124":2826,"8,125":2827,"8,126":2828,"8,127":2829,"8,128":2830,"8,129":2831,"8,130":2832,"8,131":2833,"8,132":2834,"8,133":2835,"8,134":2836,"8,135":2837,"8,136":2838,"8,137":2839,"8,138":2840,"8,139":2841,"8,140":2842,"8,141":2843,"8,142":2844,"8,143":2845,"8,144":2846,"8,145":2847,"8,146":2848,"8,147":2849,"8,148":2850,"8,149":2851,"8,150":2852,"8,151":2853,"8,152":2854,"8,153":2855,"8,154":2856,"8,155":2857,"8,157":2858,"8,158":2859,"8,159":2860,"8,160":2861,"8,161":2862,"8,162":2863,"8,163":2864,"8,164":2865,"8,165":2866,"8,166":2867,"8,167":2868,"8,168":2869,"8,169":2870,"8,170":2871,"8,171":2872,"8,172":2873,"8,173":2874,"8,174":2875,"8,175":2876,"8,176":2877,"8,177":2878,"8,178":2879,"8,179":2880,"8,180":2881,"8,181":2882,"8,182":2883,"8,183":2884,"8,184":2885,"8,185":2886,"8,186":2887,"8,187":2888,"8,188":2889,"8,189":2890,"8,190":2891,"8,191":2892,"8,192":2893,"8,193":2894,"8,194":2895,"8,195":2896,"8,196":2897,"8,197":2898,"8,198":2899,"8,199":2900,"8,200":2901,"8,201":2902,"8,202":2903,"8,203":2904,"8,204":2905,"8,205":2906,"8,206":2907,"8,207":2908,"8,208":2909,"8,209":2910,"8,210":2911,"8,211":2912,"8,212":2913,"8,213":2914,"8,214":2915,"8,215":2916,"8,216":2917,"8,217":2918,"8,218":2919,"8,219":2920,"8,220":2921,"8,221":2922,"8,222":2923,"8,223":2924,"8,224":2925,"8,225":2926,"8,226":2927,"8,227":2928,"8,228":2929,"8,229":2930,"8,230":2931,"8,231":2932,"8,232":2933,"8,233":2934,"8,234":2935,"8,235":2936,"8,236":2937,"8,237":2938,"8,238":2939,"8,239":2940,"8,240":2941,"8,241":2942,"8,242":2943,"8,243":2944,"8,244":2945,"8,245":2946,"8,246":2947,"8,247":2948,"8,248":2949,"8,249":2950,"8,250":2951,"8,251":2952,"8,252":2953,"8,253":2954,"8,254":2955,"8,255":2956,"8,256":2957,"8,257":2958,"8,258":2959,"8,259":2960,"8,260":2961,"8,261":2962,"8,262":2963,"8,263":2964,"8,264":2965,"8,265":2966,"8,266":2967,"8,267":2968,"8,268":2969,"8,269":2970,"8,270":2971,"8,271":2972,"8,272":2973,"8,273":2974,"8,274":2975,"8,275":2976,"8,276":2977,"8,277":2978,"8,278":2979,"8,279":2980,"8,280":2981,"8,281":2982,"8,282":2983,"8,283":2984,"8,284":2985,"8,285":2986,"8,286":2987,"8,287":2988,"8,288":2989,"8,289":2990,"8,290":2991,"8,291":2992,"8,292":2993,"8,293":2994,"8,294":2995,"8,295":2996,"8,296":2997,"8,297":2998,"8,298":2999,"8,299":3000,"8,300":3001,"8,301":3002,"8,302":3003,"8,303":3004,"8,304":3005,"8,305":3006,"8,306":3007,"8,307":3008,"8,308":3009,"8,309":3010,"8,310":3011,"8,311":3012,"8,312":3013,"8,313":3014,"8,314":3015,"8,315":3016,"8,316":3017,"8,317":3018,"8,318":3019,"8,319":3020,"8,320":3021,"8,321":3022,"8,322":3023,"8,323":3024,"8,324":3025,"8,325":3026,"8,326":3027,"8,327":3028,"8,328":3029,"8,329":3030,"8,330":3031,"8,331":3032,"8,332":3033,"8,333":3034,"8,334":3035,"8,335":3036,"8,336":3037,"8,337":3038,"8,338":3039,"8,339":3040,"8,340":3041,"8,341":3042,"8,342":3043,"8,343":3044,"8,344":3045,"8,345":3046,"8,346":3047,"8,347":3048,"8,348":3049,"8,349":3050,"8,350":3051,"8,351":3052,"8,352":3053,"8,353":3054,"8,354":3055,"8,355":3056,"8,356":3057,"8,357":3058,"8,358":3059,"8,359":3060,"8,360":3061,"8,361":3062,"8,362":3063,"8,363":3064,"8,364":3065,"8,365":3066,"8,366":3067,"8,367":3068,"8,368":3069,"8,369":3070,"8,370":3071,"8,371":3072,"8,372":3073,"8,373":3074,"8,374":3075,"8,375":3076,"8,376":3077,"8,377":3078,"8,378":3079,"8,379":3080,"8,380":3081,"8,381":3082,"8,382":3083,"8,383":3084,"8,384":3085,"8,385":3086,"8,386":3087,"8,387":3088,"8,388":3089,"8,389":3090,"8,390":3091,"8,391":3092,"8,392":3093,"8,393":3094,"8,394":3095,"8,395":3096,"8,396":3097,"8,397":3098,"8,398":3099,"8,399":3100,"8,400":3101,"8,401":3102,"8,402":3103,"8,403":3104,"8,404":3105,"8,405":3106,"8,406":3107,"8,407":3108,"8,408":3109,"8,409":3110,"8,410":3111,"8,411":3112,"8,412":3113,"8,413":3114,"8,414":3115,"8,415":3116,"8,416":3117,"8,417":3118,"8,418":3119,"8,419":3120,"8,420":3121,"8,421":3122,"8,422":3123,"8,423":3124,"8,424":3125,"8,425":3126,"8,426":3127,"8,427":3128,"8,428":3129,"8,429":3130,"8,430":3131,"8,431":3132,"8,432":3133,"8,433":3134,"8,434":3135,"8,435":3136,"8,436":3137,"8,437":3138,"8,438":3139,"8,439":3140,"8,440":3141,"8,441":3142,"8,442":3143,"8,443":3144,"8,444":3145,"8,445":3146,"8,446":3147,"8,447":3148,"8,448":3149,"8,449":3150,"8,450":3151,"8,451":3152,"8,452":3153,"8,453":3154,"8,454":3155,"8,455":3156,"8,457":3157,"8,459":3158,"8,460":3159,"8,461":3160,"8,462":3161,"8,463":3162,"8,464":3163,"8,465":3164,"8,466":3165,"8,467":3166,"8,468":3167,"8,469":3168,"8,470":3169,"8,471":3170,"8,472":3171,"8,473":3172,"8,474":3173,"8,475":3174,"8,476":3175,"8,477":3176,"8,478":3177,"8,479":3178,"8,480":3179,"8,481":3180,"8,482":3181,"8,483":3182,"8,484":3183,"8,485":3184,"8,486":3185,"8,487":3186,"8,488":3187,"8,489":3188,"8,490":3189,"8,491":3190,"8,492":3191,"8,493":3192,"8,494":3193,"8,495":3194,"8,496":3195,"8,497":3196,"8,498":3197,"8,499":3198,"8,500":3199,"8,501":3200,"8,502":3201,"8,503":3202,"8,504":3203,"8,505":3204,"8,506":3205,"8,507":3206,"8,508":3207,"8,509":3208,"8,510":3209,"8,511":3210,"8,512":3211,"8,513":3212,"8,514":3213,"8,515":3214,"8,516":3215,"8,517":3216,"8,518":3217,"8,519":3218,"8,520":3219,"8,521":3220,"8,522":3221,"8,523":3222,"8,524":3223,"8,525":3224,"8,526":3225,"8,527":3226,"8,528":3227,"8,529":3228,"8,530":3229,"8,531":3230,"8,532":3231,"8,533":3232,"8,534":3233,"8,535":3234,"8,536":3235,"8,537":3236,"8,538":3237,"8,539":3238,"8,540":3239,"8,541":3240,"8,542":3241,"8,543":3242,"8,544":3243,"8,545":3244,"8,546":3245,"8,547":3246,"8,548":3247,"8,549":3248,"8,550":3249,"8,551":3250,"8,552":3251,"8,553":3252,"8,554":3253,"8,555":3254,"8,556":3255,"8,557":3256,"8,558":3257,"8,559":3258,"8,560":3259,"8,561":3260,"8,562":3261,"8,563":3262,"8,564":3263,"8,565":3264,"8,566":3265,"8,567":3266,"8,568":3267,"8,569":3268,"8,570":3269,"8,571":3270,"8,572":3271,"8,573":3272,"8,574":3273,"8,575":3274,"8,576":3275,"8,577":3276,"8,578":3277,"8,579":3278,"8,580":3279,"8,581":3280,"8,582":3281,"8,583":3282,"8,584":3283,"8,585":3284,"8,586":3285,"8,587":3286,"8,588":3287,"8,589":3288,"8,590":3289,"8,591":3290,"8,592":3291,"8,593":3292,"8,594":3293,"8,595":3294,"8,596":3295,"8,597":3296,"8,598":3297,"8,599":3298,"8,600":3299,"8,601":3300,"8,602":3301,"8,603":3302,"8,604":3303,"8,605":3304,"8,606":3305,"8,607":3306,"8,608":3307,"8,609":3308,"8,610":3309,"8,611":3310,"8,612":3311,"8,613":3312,"8,615":3313,"8,616":3314,"8,617":3315,"8,618":3316,"8,619":3317,"8,620":3318,"8,621":3319,"8,622":3320,"8,623":3321,"8,624":3322,"8,625":3323,"8,626":3324,"8,627":3325,"8,628":3326,"8,629":3327,"8,630":3328,"8,631":3329,"8,632":3330,"8,633":3331,"8,634":3332,"8,635":3333,"8,636":3334,"8,637":3335,"8,638":3336,"8,639":3337,"8,640":3338,"8,641":3339,"8,642":3340,"8,643":3341,"8,644":3342,"8,645":3343,"8,646":3344,"8,647":3345,"8,648":3346,"8,649":3347,"8,650":3348,"8,651":3349,"8,652":3350,"8,653":3351,"8,654":3352,"8,655":3353,"8,656":3354,"8,657":3355,"8,658":3356,"8,659":3357,"8,660":3358,"8,661":3359,"8,662":3360,"8,663":3361,"8,664":3362,"8,665":3363,"8,666":3364,"8,667":3365,"8,668":3366,"8,669":3367,"8,670":3368,"8,671":3369,"8,672":3370,"8,673":3371,"8,674":3372,"8,675":3373,"8,676":3374,"8,677":3375,"8,678":3376,"8,679":3377,"8,680":3378,"8,681":3379,"8,682":3380,"8,683":3381,"8,684":3382,"8,685":3383,"8,686":3384,"8,687":3385,"8,688":3386,"8,689":3387,"8,690":3388,"8,691":3389,"8,692":3390,"8,693":3391,"8,694":3392,"8,695":3393,"8,696":3394,"8,697":3395,"8,698":3396,"8,699":3397,"8,700":3398,"8,701":3399,"8,702":3400,"8,703":3401,"8,704":3402,"8,705":3403,"8,706":3404,"8,707":3405,"8,708":3406,"8,709":3407,"8,710":3408,"8,711":3409,"8,712":3410,"8,713":3411,"8,714":3412,"8,715":3413,"8,716":3414,"8,717":3415,"8,718":3416,"8,719":3417,"8,720":3418,"8,721":3419,"8,722":3420,"8,723":3421,"8,724":3422,"8,725":3423,"8,726":3424,"8,727":3425,"8,728":3426,"8,729":3427,"8,730":3428,"8,731":3429,"8,732":3430,"8,733":3431,"8,734":3432,"8,735":3433,"8,736":3434,"8,737":3435,"8,738":3436,"8,739":3437,"8,740":3438,"8,741":3439,"8,742":3440,"8,743":3441,"8,744":3442,"8,745":3443,"8,746":3444,"8,747":3445,"8,748":3446,"8,749":3447,"8,750":3448,"8,751":3449,"8,752":3450,"8,753":3451,"8,754":3452,"8,755":3453,"8,756":3454,"8,757":3455,"8,758":3456,"8,759":3457,"8,760":3458,"8,761":3459,"8,762":3460,"8,763":3461,"8,764":3462,"8,765":3463,"8,766":3464,"8,767":3465,"8,768":3466,"8,769":3467,"8,770":3468,"8,771":3469,"8,772":3470,"8,773":3471,"8,774":3472,"8,775":3473,"8,776":3474,"8,777":3475,"8,778":3476,"8,779":3477,"8,780":3478,"8,781":3479,"8,782":3480,"8,783":3481,"8,784":3482,"8,785":3483,"8,786":3484,"8,787":3485,"8,788":3486,"8,789":3487,"8,790":3488,"8,791":3489,"8,792":3490,"8,793":3491,"8,794":3492,"8,795":3493,"8,796":3494,"8,797":3495,"8,798":3496,"8,799":3497,"8,800":3498,"8,801":3499,"8,802":3500,"8,803":3501,"8,804":3502,"8,805":3503,"8,806":3504,"8,807":3505,"8,808":3506,"8,809":3507,"8,810":3508,"8,811":3509,"8,812":3510,"8,813":3511,"8,814":3512,"8,815":3513,"8,816":3514,"8,817":3515,"8,818":3516,"8,819":3517,"8,820":3518,"8,821":3519,"8,822":3520,"8,823":3521,"8,824":3522,"8,825":3523,"8,826":3524,"8,827":3525,"8,828":3526,"8,829":3527,"8,830":3528,"8,831":3529,"8,832":3530,"8,833":3531,"8,834":3532,"8,835":3533,"8,836":3534,"8,837":3535,"8,838":3536,"8,839":3537,"8,840":3538,"8,841":3539,"8,842":3540,"8,843":3541,"8,844":3542,"8,845":3543,"8,846":3544,"8,847":3545,"8,848":3546,"8,849":3547,"8,850":3548,"8,851":3549,"8,852":3550,"8,853":3551,"8,854":3552,"8,855":3553,"8,856":3554,"8,857":3555,"8,858":3556,"8,859":3557,"8,860":3558,"8,861":3559,"8,862":3560,"8,863":3561,"8,864":3562,"8,865":3563,"8,866":3564,"8,867":3565,"8,868":3566,"8,869":3567,"8,870":3568,"8,871":3569,"8,872":3570,"8,873":3571,"8,874":3572,"8,875":3573,"8,876":3574,"8,877":3575,"8,878":3576,"8,879":3577,"8,880":3578,"8,881":3579,"8,882":3580,"8,883":3581,"8,884":3582,"8,885":3583,"8,886":3584,"8,887":3585,"8,888":3586,"8,889":3587,"8,890":3588,"9,1":3589,"9,2":3590,"9,3":3591,"9,4":3592,"9,5":3593,"9,6":3594,"9,7":3595,"9,8":3596,"9,9":3597,"9,10":3598,"9,11":3599,"9,12":3600,"9,13":3601,"9,14":3602,"9,15":3603,"9,16":3604,"9,17":3605,"9,18":3606,"9,19":3607,"9,20":3608,"9,21":3609,"9,22":3610,"9,23":3611,"9,24":3612,"9,25":3613,"9,26":3614,"9,27":3615,"9,28":3616,"9,29":3617,"9,30":3618,"9,31":3619,"9,32":3620,"9,33":3621,"9,34":3622,"9,35":3623,"9,36":3624,"9,37":3625,"9,38":3626,"9,39":3627,"9,40":3628,"9,41":3629,"9,42":3630,"9,43":3631,"9,44":3632,"9,45":3633,"9,46":3634,"9,47":3635,"9,48":3636,"9,49":3637,"9,50":3638,"9,51":3639,"9,52":3640,"9,53":3641,"9,54":3642,"9,55":3643,"9,56":3644,"9,57":3645,"9,58":3646,"9,59":3647,"9,60":3648,"9,61":3649,"9,62":3650,"9,63":3651,"9,64":3652,"9,65":3653,"9,66":3654,"9,67":3655,"9,68":3656,"9,69":3657,"9,70":3658,"9,71":3659,"9,72":3660,"9,73":3661,"9,74":3662,"9,75":3663,"9,76":3664,"9,77":3665,"9,78":3666,"9,79":3667,"9,80":3668,"9,81":3669,"9,82":3670,"9,83":3671,"9,84":3672,"9,85":3673,"9,86":3674,"9,87":3675,"9,88":3676,"9,89":3677,"9,90":3678,"9,91":3679,"9,92":3680,"9,93":3681,"9,94":3682,"9,95":3683,"9,96":3684,"9,97":3685,"9,98":3686,"9,99":3687,"9,100":3688,"9,101":3689,"9,102":3690,"9,103":3691,"9,104":3692,"9,105":3693,"9,106":3694,"9,107":3695,"9,108":3696,"9,109":3697,"9,110":3698,"9,111":3699,"9,112":3700,"9,113":3701,"9,114":3702,"9,115":3703,"9,116":3704,"9,117":3705,"9,118":3706,"9,119":3707,"9,120":3708,"9,121":3709,"9,122":3710,"9,123":3711,"9,124":3712,"9,125":3713,"9,126":3714,"9,127":3715,"9,128":3716,"9,129":3717,"9,130":3718,"9,131":3719,"9,132":3720,"9,133":3721,"9,134":3722,"9,135":3723,"9,136":3724,"9,137":3725,"9,138":3726,"9,139":3727,"9,140":3728,"9,141":3729,"9,142":3730,"9,143":3731,"9,144":3732,"9,145":3733,"9,146":3734,"9,147":3735,"9,148":3736,"9,149":3737,"9,150":3738,"9,151":3739,"9,152":3740,"9,153":3741,"9,154":3742,"9,155":3743,"9,156":3744,"9,157":3745,"9,158":3746,"9,159":3747,"9,160":3748,"9,161":3749,"9,162":3750,"9,163":3751,"9,164":3752,"9,165":3753,"9,166":3754,"9,167":3755,"9,168":3756,"9,169":3757,"9,170":3758,"9,171":3759,"9,172":3760,"9,173":3761,"9,174":3762,"9,175":3763,"9,176":3764,"9,177":3765,"9,178":3766,"9,179":3767,"9,180":3768,"9,181":3769,"9,182":3770,"9,183":3771,"9,184":3772,"9,185":3773,"9,186":3774,"9,187":3775,"9,188":3776,"9,189":3777,"9,190":3778,"9,191":3779,"9,192":3780,"9,193":3781,"9,194":3782,"9,195":3783,"9,196":3784,"9,197":3785,"9,198":3786,"9,199":3787,"9,200":3788,"9,201":3789,"9,202":3790,"9,203":3791,"9,204":3792,"9,205":3793,"9,206":3794,"9,207":3795,"9,208":3796,"9,209":3797,"9,210":3798,"9,211":3799,"9,212":3800,"9,213":3801,"9,214":3802,"9,215":3803,"9,216":3804,"9,217":3805,"9,218":3806,"9,219":3807,"9,220":3808,"9,221":3809,"9,222":3810,"9,223":3811,"9,224":3812,"9,225":3813,"9,226":3814,"9,227":3815,"9,228":3816,"9,229":3817,"9,230":3818,"9,231":3819,"9,232":3820,"9,233":3821,"9,234":3822,"9,235":3823,"9,236":3824,"9,237":3825,"9,238":3826,"9,239":3827,"9,240":3828,"9,241":3829,"9,242":3830,"9,243":3831,"9,244":3832,"9,245":3833,"9,246":3834,"9,247":3835,"9,248":3836,"9,249":3837,"9,250":3838,"9,251":3839,"9,252":3840,"9,253":3841,"9,254":3842,"9,255":3843,"9,256":3844,"9,257":3845,"9,258":3846,"9,259":3847,"9,260":3848,"9,261":3849,"9,262":3850,"9,263":3851,"9,264":3852,"9,265":3853,"9,266":3854,"9,267":3855,"9,268":3856,"9,269":3857,"9,270":3858,"9,271":3859,"9,272":3860,"9,273":3861,"9,274":3862,"9,275":3863,"9,276":3864,"9,277":3865,"9,278":3866,"9,279":3867,"9,280":3868,"9,281":3869,"9,282":3870,"9,283":3871,"9,284":3872,"9,285":3873,"9,286":3874,"9,287":3875,"9,288":3876,"9,289":3877,"9,290":3878,"9,291":3879,"9,292":3880,"9,293":3881,"9,294":3882,"9,295":3883,"9,296":3884,"9,297":3885,"9,298":3886,"9,299":3887,"9,300":3888,"9,301":3889,"9,302":3890,"9,303":3891,"9,304":3892,"9,305":3893,"9,306":3894,"9,307":3895,"9,308":3896,"9,309":3897,"9,310":3898,"9,311":3899,"9,312":3900,"9,313":3901,"9,314":3902,"9,315":3903,"9,316":3904,"9,317":3905,"9,318":3906,"9,319":3907,"9,320":3908,"9,321":3909,"9,322":3910,"9,323":3911,"9,324":3912,"9,325":3913,"9,326":3914,"9,327":3915,"9,328":3916,"9,329":3917,"9,330":3918,"9,331":3919,"9,332":3920,"9,333":3921,"9,334":3922,"9,335":3923,"9,336":3924,"9,337":3925,"9,338":3926,"9,339":3927,"9,340":3928,"9,341":3929,"9,342":3930,"9,343":3931,"9,344":3932,"9,345":3933,"9,346":3934,"9,347":3935,"9,348":3936,"9,349":3937,"9,350":3938,"9,351":3939,"9,352":3940,"9,353":3941,"9,354":3942,"9,355":3943,"9,356":3944,"9,357":3945,"9,358":3946,"9,359":3947,"9,360":3948,"9,361":3949,"9,362":3950,"9,363":3951,"9,364":3952,"9,365":3953,"9,366":3954,"9,367":3955,"9,368":3956,"9,369":3957,"9,370":3958,"9,371":3959,"9,372":3960,"9,373":3961,"9,374":3962,"9,375":3963,"9,376":3964,"9,377":3965,"9,378":3966,"9,379":3967,"9,380":3968,"9,381":3969,"9,382":3970,"9,383":3971,"9,384":3972,"9,385":3973,"9,386":3974,"9,387":3975,"9,388":3976,"9,389":3977,"9,390":3978,"9,391":3979,"9,392":3980,"9,393":3981,"9,394":3982,"9,395":3983,"9,396":3984,"9,397":3985,"9,398":3986,"9,399":3987,"9,400":3988,"9,401":3989,"9,402":3990,"9,403":3991,"9,404":3992,"9,405":3993,"9,406":3994,"9,407":3995,"9,408":3996,"9,409":3997,"9,410":3998,"9,411":3999,"9,412":4000,"9,413":4001,"9,414":4002,"9,415":4003,"9,416":4004,"9,417":4005,"9,418":4006,"9,419":4007,"9,420":4008,"9,421":4009,"9,422":4010,"9,423":4011,"9,424":4012,"9,425":4013,"9,426":4014,"9,427":4015,"9,428":4016,"9,429":4017,"9,430":4018,"9,431":4019,"9,432":4020,"9,433":4021,"9,434":4022,"9,435":4023,"9,436":4024,"9,437":4025,"9,438":4026,"9,439":4027,"9,440":4028,"9,441":4029,"9,442":4030,"9,443":4031,"9,444":4032,"9,445":4033,"9,446":4034,"9,447":4035,"9,448":4036,"9,449":4037,"9,450":4038,"9,451":4039,"9,452":4040,"9,453":4041,"9,454":4042,"9,455":4043,"9,456":4044,"9,457":4045,"9,458":4046,"9,459":4047,"9,460":4048,"9,461":4049,"9,462":4050,"9,463":4051,"9,464":4052,"9,465":4053,"9,466":4054,"9,467":4055,"9,468":4056,"9,469":4057,"9,470":4058,"9,471":4059,"9,472":4060,"9,473":4061,"9,474":4062,"9,475":4063,"9,476":4064,"9,477":4065,"9,478":4066,"9,479":4067,"9,480":4068,"9,481":4069,"9,482":4070,"9,483":4071,"9,484":4072,"9,485":4073,"9,486":4074,"9,487":4075,"9,488":4076,"9,489":4077,"9,490":4078,"9,491":4079,"9,492":4080,"9,493":4081,"9,494":4082,"9,495":4083,"9,496":4084,"9,497":4085,"9,498":4086,"9,499":4087,"9,500":4088,"9,501":4089,"9,502":4090,"9,503":4091,"9,504":4092,"9,505":4093,"9,506":4094,"9,507":4095,"9,508":4096,"9,509":4097,"9,510":4098,"9,511":4099,"9,512":4100,"9,513":4101,"9,514":4102,"9,515":4103,"9,516":4104,"9,517":4105,"9,518":4106,"9,519":4107,"9,520":4108,"9,521":4109,"9,522":4110,"9,523":4111,"9,524":4112,"9,525":4113,"9,526":4114,"9,527":4115,"9,528":4116,"9,529":4117,"9,530":4118,"9,531":4119,"9,532":4120,"9,533":4121,"9,534":4122,"9,535":4123,"9,536":4124,"9,537":4125,"9,538":4126,"9,539":4127,"9,540":4128,"9,541":4129,"9,542":4130,"9,543":4131,"9,544":4132,"9,545":4133,"9,546":4134,"9,547":4135,"9,548":4136,"9,549":4137,"9,550":4138,"9,551":4139,"9,552":4140,"9,553":4141,"9,554":4142,"9,555":4143,"9,556":4144,"9,557":4145,"9,558":4146,"9,559":4147,"9,560":4148,"9,561":4149,"9,562":4150,"9,563":4151,"9,564":4152,"9,565":4153,"9,566":4154,"9,567":4155,"9,568":4156,"9,569":4157,"9,570":4158,"9,571":4159,"9,572":4160,"9,573":4161,"9,574":4162,"9,575":4163,"9,576":4164,"9,577":4165,"9,578":4166,"9,579":4167,"9,580":4168,"9,581":4169,"9,582":4170,"9,583":4171,"9,584":4172,"9,585":4173,"9,586":4174,"9,587":4175,"9,588":4176,"9,589":4177,"9,590":4178,"9,591":4179,"9,592":4180,"9,593":4181,"9,594":4182,"9,595":4183,"9,596":4184,"9,597":4185,"9,598":4186,"9,599":4187,"9,600":4188,"9,601":4189,"9,602":4190,"9,603":4191,"9,604":4192,"9,605":4193,"9,606":4194,"9,607":4195,"9,608":4196,"9,609":4197,"9,610":4198,"9,611":4199,"9,612":4200,"9,613":4201,"9,614":4202,"9,615":4203,"9,616":4204,"9,617":4205,"9,618":4206,"9,619":4207,"9,620":4208,"9,621":4209,"9,622":4210,"9,623":4211,"9,624":4212,"9,625":4213,"9,626":4214,"9,627":4215,"9,628":4216,"9,629":4217,"9,630":4218,"9,631":4219,"9,632":4220,"9,633":4221,"9,634":4222,"9,635":4223,"9,636":4224,"9,637":4225,"9,638":4226,"9,639":4227,"9,640":4228,"9,641":4229,"9,642":4230,"9,643":4231,"9,644":4232,"9,645":4233,"9,646":4234,"9,647":4235,"9,648":4236,"9,649":4237,"9,650":4238,"9,651":4239,"9,652":4240,"9,653":4241,"9,654":4242,"9,655":4243,"9,656":4244,"9,657":4245,"9,658":4246,"9,659":4247,"9,660":4248,"9,661":4249,"9,662":4250,"9,663":4251,"9,664":4252,"9,665":4253,"9,666":4254,"9,667":4255,"9,668":4256,"9,669":4257,"9,670":4258,"9,671":4259,"9,672":4260,"9,673":4261,"9,674":4262,"9,675":4263,"9,676":4264,"9,677":4265,"9,678":4266,"9,679":4267,"9,680":4268,"9,681":4269,"9,682":4270,"9,683":4271,"9,684":4272,"9,685":4273,"9,686":4274,"9,687":4275,"9,688":4276,"9,689":4277,"9,690":4278,"9,691":4279,"9,692":4280,"9,693":4281,"9,694":4282,"9,695":4283,"9,696":4284,"9,697":4285,"9,698":4286,"9,699":4287,"9,700":4288,"9,701":4289,"9,702":4290,"9,703":4291,"9,704":4292,"9,705":4293,"9,706":4294,"9,707":4295,"9,708":4296,"9,709":4297,"9,710":4298,"9,711":4299,"9,712":4300,"9,713":4301,"9,714":4302,"9,715":4303,"9,716":4304,"9,717":4305,"9,718":4306,"9,719":4307,"9,720":4308,"9,721":4309,"9,722":4310,"9,723":4311,"9,724":4312,"9,725":4313,"9,726":4314,"9,727":4315,"9,728":4316,"9,729":4317,"9,730":4318,"9,731":4319,"9,732":4320,"9,733":4321,"9,734":4322,"9,735":4323,"9,736":4324,"9,737":4325,"9,738":4326,"9,739":4327,"9,740":4328,"9,741":4329,"9,742":4330,"9,743":4331,"9,744":4332,"9,745":4333,"9,746":4334,"9,747":4335,"9,748":4336,"9,749":4337,"9,750":4338,"9,751":4339,"9,752":4340,"9,753":4341,"9,754":4342,"9,755":4343,"9,756":4344,"9,757":4345,"9,758":4346,"9,759":4347,"9,760":4348,"9,761":4349,"9,762":4350,"9,763":4351,"9,764":4352,"9,765":4353,"9,766":4354,"9,767":4355,"9,768":4356,"9,769":4357,"9,770":4358,"9,771":4359,"9,772":4360,"9,773":4361,"9,774":4362,"9,775":4363,"9,776":4364,"9,777":4365,"9,778":4366,"9,779":4367,"9,780":4368,"9,781":4369,"9,782":4370,"9,783":4371,"9,784":4372,"9,785":4373,"9,786":4374,"9,787":4375,"9,788":4376,"9,789":4377,"9,790":4378,"9,791":4379,"9,792":4380,"9,793":4381,"9,794":4382,"9,795":4383,"9,796":4384,"9,797":4385,"9,798":4386,"9,799":4387,"9,800":4388,"9,801":4389,"9,802":4390,"9,803":4391,"9,804":4392,"9,805":4393,"9,806":4394,"9,807":4395,"9,808":4396,"9,809":4397,"9,810":4398,"9,811":4399,"9,812":4400,"9,813":4401,"9,814":4402,"9,815":4403,"9,816":4404,"9,817":4405,"9,818":4406,"9,819":4407,"9,820":4408,"9,821":4409,"9,822":4410,"9,823":4411,"9,824":4412,"9,825":4413,"9,826":4414,"9,827":4415,"9,828":4416,"9,829":4417,"9,830":4418,"9,831":4419,"9,832":4420,"9,833":4421,"9,834":4422,"9,835":4423,"9,836":4424,"9,837":4425,"9,838":4426,"9,839":4427,"9,840":4428,"9,841":4429,"9,842":4430,"9,843":4431,"9,844":4432,"9,845":4433,"9,846":4434,"9,847":4435,"9,848":4436,"9,849":4437,"9,850":4438,"9,851":4439,"9,852":4440,"9,853":4441,"9,854":4442,"9,855":4443,"9,856":4444,"9,857":4445,"9,858":4446,"9,859":4447,"9,860":4448,"9,861":4449,"9,862":4450,"9,863":4451,"9,864":4452,"9,865":4453,"9,866":4454,"9,867":4455,"9,868":4456,"9,869":4457,"9,870":4458,"9,871":4459,"9,872":4460,"9,873":4461,"9,874":4462,"9,875":4463,"9,876":4464,"9,877":4465,"9,878":4466,"9,879":4467,"9,880":4468,"9,881":4469,"9,882":4470,"9,883":4471,"9,884":4472,"9,885":4473,"9,886":4474,"9,887":4475,"9,888":4476,"9,889":4477,"9,890":4478,"9,891":4479,"9,892":4480,"9,893":4481,"9,894":4482,"9,895":4483,"9,896":4484,"9,897":4485,"9,898":4486,"9,899":4487,"9,900":4488,"9,901":4489,"9,902":4490,"9,903":4491,"9,904":4492,"9,905":4493,"9,906":4494,"9,907":4495,"9,908":4496,"9,909":4497,"9,910":4498,"9,911":4499,"9,912":4500,"9,913":4501,"9,914":4502,"9,915":4503,"9,916":4504,"9,917":4505,"9,918":4506,"9,919":4507,"9,920":4508,"9,921":4509,"9,922":4510,"9,923":4511,"9,924":4512,"9,925":4513,"9,926":4514,"9,927":4515,"9,928":4516,"9,929":4517,"9,930":4518,"9,931":4519,"9,932":4520,"9,933":4521,"9,934":4522,"9,935":4523,"9,936":4524,"9,937":4525,"9,938":4526,"9,939":4527,"9,940":4528,"9,941":4529,"9,942":4530,"9,943":4531,"9,944":4532,"9,945":4533,"9,946":4534,"9,947":4535,"9,948":4536,"9,949":4537,"9,950":4538,"9,951":4539,"9,952":4540,"9,953":4541,"9,954":4542,"9,955":4543,"9,956":4544,"9,957":4545,"9,958":4546,"9,959":4547,"9,960":4548,"9,961":4549,"9,962":4550,"9,963":4551,"9,964":4552,"10,1":4553,"10,2":4554,"10,3":4555,"10,4":4556,"10,5":4557,"10,6":4558,"10,7":4559,"10,8":4560,"10,9":4561,"10,10":4562,"10,11":4563,"10,12":4564,"10,13":4565,"10,14":4566,"10,15":4567,"10,16":4568,"10,17":4569,"10,18":4570,"10,19":4571,"10,20":4572,"10,21":4573,"10,22":4574,"10,23":4575,"10,24":4576,"10,25":4577,"10,26":4578,"10,27":4579,"10,28":4580,"10,29":4581,"10,30":4582,"10,31":4583,"10,32":4584,"10,33":4585,"10,34":4586,"10,35":4587,"10,36":4588,"10,37":4589,"10,38":4590,"10,39":4591,"10,40":4592,"10,41":4593,"10,42":4594,"10,43":4595,"10,44":4596,"10,45":4597,"10,46":4598,"10,47":4599,"10,48":4600,"10,49":4601,"10,50":4602,"10,51":4603,"10,52":4604,"10,53":4605,"10,54":4606,"10,55":4607,"10,56":4608,"10,57":4609,"10,58":4610,"10,59":4611,"10,60":4612,"10,61":4613,"10,62":4614,"10,63":4615,"10,64":4616,"10,65":4617,"10,66":4618,"10,67":4619,"10,68":4620,"10,69":4621,"10,70":4622,"10,71":4623,"10,72":4624,"10,73":4625,"10,74":4626,"10,75":4627,"10,76":4628,"10,77":4629,"10,78":4630,"10,79":4631,"10,80":4632,"10,81":4633,"10,82":4634,"10,83":4635,"10,84":4636,"10,85":4637,"10,86":4638,"10,87":4639,"10,88":4640,"10,89":4641,"10,90":4642,"10,91":4643,"10,92":4644,"10,93":4645,"10,94":4646,"10,95":4647,"10,96":4648,"10,97":4649,"10,98":4650,"10,99":4651,"10,100":4652,"10,101":4653,"10,102":4654,"10,103":4655,"10,104":4656,"10,105":4657,"10,106":4658,"10,107":4659,"10,108":4660,"10,109":4661,"10,110":4662,"10,111":4663,"10,112":4664,"10,113":4665,"10,114":4666,"10,115":4667,"10,116":4668,"10,117":4669,"10,118":4670,"10,119":4671,"10,120":4672,"10,121":4673,"10,122":4674,"10,123":4675,"10,124":4676,"10,125":4677,"10,126":4678,"10,127":4679,"10,128":4680,"10,129":4681,"10,130":4682,"10,131":4683,"10,132":4684,"10,133":4685,"10,134":4686,"10,135":4687,"10,136":4688,"10,137":4689,"10,138":4690,"10,139":4691,"10,140":4692,"10,141":4693,"10,142":4694,"10,143":4695,"10,144":4696,"10,145":4697,"10,146":4698,"10,147":4699,"10,148":4700,"10,149":4701,"10,150":4702,"10,151":4703,"10,152":4704,"10,153":4705,"10,154":4706,"10,155":4707,"10,156":4708,"10,157":4709,"10,158":4710,"10,159":4711,"10,160":4712,"10,161":4713,"10,162":4714,"10,163":4715,"10,164":4716,"10,165":4717,"10,166":4718,"10,167":4719,"10,168":4720,"10,169":4721,"10,170":4722,"10,171":4723,"10,172":4724,"10,173":4725,"10,174":4726,"10,175":4727,"10,176":4728,"10,177":4729,"10,178":4730,"10,179":4731,"10,180":4732,"10,181":4733,"10,182":4734,"10,183":4735,"10,184":4736,"10,185":4737,"10,186":4738,"10,187":4739,"10,188":4740,"10,189":4741,"10,190":4742,"10,191":4743,"10,192":4744,"10,193":4745,"10,194":4746,"10,195":4747,"10,196":4748,"10,197":4749,"10,198":4750,"10,199":4751,"10,200":4752,"10,201":4753,"10,202":4754,"10,203":4755,"10,204":4756,"10,205":4757,"10,206":4758,"10,207":4759,"10,208":4760,"10,209":4761,"10,210":4762,"10,211":4763,"10,212":4764,"10,213":4765,"10,214":4766,"10,215":4767,"10,216":4768,"10,217":4769,"10,218":4770,"10,219":4771,"10,220":4772,"10,221":4773,"10,222":4774,"10,223":4775,"10,224":4776,"10,225":4777,"10,226":4778,"10,227":4779,"10,228":4780,"10,229":4781,"10,230":4782,"10,231":4783,"10,232":4784,"10,233":4785,"10,234":4786,"10,235":4787,"10,236":4788,"10,237":4789,"10,238":4790,"10,239":4791,"10,240":4792,"10,241":4793,"10,242":4794,"10,243":4795,"10,244":4796,"10,245":4797,"10,246":4798,"10,247":4799,"10,248":4800,"10,249":4801,"10,250":4802,"10,251":4803,"10,252":4804,"10,253":4805,"10,254":4806,"10,255":4807,"10,256":4808,"10,257":4809,"10,258":4810,"10,259":4811,"10,260":4812,"10,261":4813,"10,262":4814,"10,263":4815,"10,264":4816,"10,265":4817,"10,266":4818,"10,267":4819,"10,268":4820,"10,269":4821,"10,270":4822,"10,271":4823,"10,272":4824,"10,273":4825,"10,274":4826,"10,275":4827,"10,276":4828,"10,277":4829,"10,278":4830,"10,279":4831,"10,280":4832,"10,281":4833,"10,282":4834,"10,283":4835,"10,284":4836,"10,285":4837,"10,286":4838,"10,287":4839,"10,288":4840,"10,289":4841,"10,290":4842,"10,291":4843,"10,292":4844,"10,293":4845,"10,294":4846,"10,295":4847,"10,296":4848,"11,1":4849,"11,2":4850,"11,3":4851,"11,4":4852,"11,5":4853,"11,6":4854,"11,7":4855,"11,8":4856,"11,9":4857,"11,10":4858,"11,11":4859,"11,12":4860,"11,13":4861,"11,14":4862,"11,15":4863,"11,16":4864,"11,17":4865,"11,18":4866,"11,19":4867,"11,20":4868,"11,21":4869,"11,22":4870,"11,23":4871,"11,24":4872,"11,25":4873,"11,26":4874,"11,27":4875,"11,28":4876,"11,29":4877,"11,30":4878,"11,31":4879,"11,32":4880,"11,33":4881,"11,34":4882,"11,35":4883,"11,36":4884,"11,37":4885,"11,38":4886,"11,39":4887,"11,40":4888,"11,41":4889,"11,42":4890,"11,43":4891,"11,44":4892,"11,45":4893,"11,46":4894,"11,47":4895,"11,48":4896,"11,49":4897,"11,50":4898,"11,51":4899,"11,52":4900,"11,53":4901,"11,54":4902,"11,55":4903,"11,56":4904,"11,57":4905,"11,58":4906,"11,59":4907,"11,60":4908,"11,61":4909,"11,62":4910,"11,63":4911,"11,64":4912,"11,65":4913,"11,66":4914,"11,67":4915,"11,68":4916,"11,69":4917,"11,70":4918,"11,71":4919,"11,72":4920,"11,73":4921,"11,74":4922,"11,75":4923,"11,76":4924,"11,77":4925,"11,78":4926,"11,79":4927,"11,80":4928,"11,81":4929,"11,82":4930,"11,83":4931,"11,84":4932,"11,85":4933,"11,86":4934,"11,87":4935,"11,88":4936,"11,89":4937,"11,90":4938,"11,91":4939,"11,92":4940,"11,93":4941,"11,94":4942,"11,95":4943,"11,96":4944,"11,97":4945,"11,98":4946,"11,99":4947,"11,100":4948,"11,101":4949,"11,102":4950,"11,103":4951,"11,104":4952,"11,105":4953,"11,106":4954,"11,107":4955,"11,108":4956,"11,109":4957,"11,110":4958,"11,111":4959,"11,112":4960,"11,113":4961,"11,114":4962,"11,115":4963,"11,116":4964,"11,117":4965,"11,118":4966,"11,119":4967,"11,120":4968,"11,121":4969,"11,122":4970,"11,123":4971,"11,124":4972,"11,125":4973,"11,126":4974,"11,127":4975,"11,128":4976,"11,129":4977,"11,130":4978,"11,131":4979,"11,132":4980,"11,133":4981,"11,134":4982,"11,135":4983,"11,136":4984,"11,137":4985,"11,138":4986,"11,139":4987,"11,140":4988,"11,141":4989,"11,142":4990,"11,143":4991,"11,144":4992,"11,145":4993,"11,146":4994,"11,147":4995,"11,148":4996,"11,149":4997,"11,150":4998,"11,151":4999,"11,152":5000,"11,153":5001,"11,154":5002,"11,155":5003,"11,156":5004,"11,157":5005,"11,158":5006,"11,159":5007,"11,160":5008,"11,161":5009,"11,162":5010,"11,163":5011,"11,164":5012,"11,165":5013,"11,166":5014,"11,167":5015,"11,168":5016,"11,169":5017,"11,170":5018,"11,171":5019,"11,172":5020,"11,173":5021,"11,174":5022,"11,175":5023,"11,176":5024,"11,177":5025,"11,178":5026,"11,179":5027,"11,180":5028,"11,181":5029,"11,182":5030,"11,183":5031,"11,184":5032,"11,185":5033,"11,186":5034,"11,187":5035,"11,188":5036,"11,189":5037,"11,190":5038,"11,191":5039,"11,192":5040,"11,193":5041,"11,194":5042,"11,195":5043,"11,196":5044,"11,197":5045,"11,198":5046,"11,199":5047,"11,200":5048,"11,201":5049,"11,202":5050,"11,203":5051,"11,204":5052,"11,205":5053,"11,206":5054,"11,207":5055,"11,208":5056,"11,209":5057,"11,210":5058,"11,211":5059,"11,212":5060,"11,213":5061,"11,214":5062,"11,215":5063,"11,216":5064,"11,217":5065,"11,218":5066,"11,219":5067,"11,220":5068,"11,221":5069,"11,222":5070,"11,223":5071,"11,224":5072,"11,225":5073,"11,226":5074,"11,227":5075,"11,228":5076,"11,229":5077,"11,230":5078,"11,231":5079,"11,232":5080,"11,233":5081,"11,234":5082,"11,235":5083,"11,236":5084,"11,237":5085,"11,238":5086,"11,239":5087,"11,240":5088,"11,241":5089,"11,242":5090,"11,243":5091,"11,244":5092,"11,245":5093,"11,246":5094,"11,247":5095,"11,248":5096,"11,249":5097,"11,250":5098,"11,251":5099,"11,252":5100,"11,253":5101,"11,254":5102,"11,255":5103,"11,256":5104,"11,257":5105,"11,258":5106,"11,259":5107,"11,260":5108,"11,261":5109,"11,262":5110,"11,263":5111,"11,264":5112,"11,265":5113,"11,266":5114,"11,267":5115,"11,268":5116,"11,269":5117,"11,270":5118,"11,271":5119,"11,272":5120,"11,273":5121,"11,274":5122,"11,275":5123,"12,1":5124,"12,2":5125,"12,3":5126,"12,4":5127,"12,5":5128,"12,6":5129,"12,7":5130,"12,8":5131,"12,9":5132,"12,10":5133,"12,11":5134,"12,12":5135,"12,13":5136,"12,14":5137,"12,15":5138,"12,16":5139,"12,17":5140,"12,18":5141,"12,19":5142,"12,20":5143,"12,21":5144,"12,22":5145,"12,23":5146,"12,24":5147,"12,25":5148,"12,26":5149,"12,27":5150,"12,28":5151,"12,29":5152,"12,30":5153,"12,31":5154,"12,32":5155,"12,33":5156,"12,34":5157,"12,35":5158,"12,36":5159,"12,37":5160,"12,38":5161,"12,39":5162,"12,40":5163,"12,41":5164,"12,42":5165,"12,43":5166,"12,44":5167,"12,45":5168,"12,46":5169,"12,47":5170,"12,48":5171,"12,49":5172,"12,50":5173,"12,51":5174,"12,52":5175,"12,53":5176,"12,54":5177,"12,55":5178,"12,56":5179,"12,57":5180,"12,58":5181,"12,59":5182,"12,60":5183,"12,61":5184,"12,62":5185,"12,63":5186,"12,64":5187,"12,65":5188,"12,66":5189,"12,67":5190,"12,68":5191,"12,69":5192,"12,70":5193,"12,71":5194,"12,72":5195,"12,73":5196,"12,74":5197,"12,75":5198,"12,76":5199,"12,77":5200,"12,78":5201,"12,79":5202,"12,80":5203,"12,81":5204,"12,82":5205,"12,83":5206,"12,84":5207,"12,85":5208,"12,86":5209,"12,87":5210,"12,88":5211,"12,89":5212,"12,90":5213,"12,91":5214,"12,92":5215,"12,93":5216,"12,94":5217,"12,95":5218,"12,96":5219,"12,97":5220,"12,98":5221,"12,99":5222,"12,100":5223,"12,101":5224,"12,102":5225,"12,103":5226,"12,104":5227,"12,105":5228,"12,106":5229,"12,107":5230,"12,108":5231,"12,109":5232,"12,110":5233,"12,111":5234,"12,112":5235,"12,113":5236,"12,114":5237,"12,115":5238,"12,116":5239,"12,117":5240,"12,118":5241,"12,119":5242,"12,120":5243,"12,121":5244,"12,122":5245,"12,123":5246,"12,124":5247,"12,125":5248,"12,126":5249,"12,127":5250,"12,128":5251,"12,129":5252,"12,130":5253,"12,131":5254,"12,132":5255,"12,133":5256,"12,134":5257,"12,135":5258,"12,136":5259,"12,137":5260,"12,138":5261,"12,139":5262,"12,140":5263,"12,141":5264,"12,142":5265,"12,143":5266,"12,144":5267,"12,145":5268,"12,146":5269,"12,147":5270,"12,148":5271,"12,149":5272,"12,150":5273,"12,151":5274,"12,152":5275,"12,153":5276,"12,154":5277,"12,155":5278,"12,156":5279,"12,157":5280,"12,158":5281,"12,159":5282,"12,160":5283,"12,161":5284,"12,162":5285,"12,163":5286,"12,164":5287,"12,165":5288,"12,166":5289,"12,167":5290,"12,168":5291,"12,169":5292,"12,170":5293,"12,171":5294,"12,172":5295,"12,173":5296,"12,174":5297,"12,175":5298,"12,176":5299,"12,177":5300,"12,178":5301,"12,179":5302,"12,180":5303,"12,181":5304,"12,182":5305,"12,183":5306,"12,184":5307,"12,185":5308,"12,186":5309,"12,187":5310,"12,188":5311,"12,189":5312,"12,190":5313,"12,191":5314,"12,192":5315,"12,193":5316,"12,194":5317,"12,195":5318,"12,196":5319,"12,197":5320,"12,198":5321,"12,199":5322,"12,200":5323,"12,201":5324,"12,202":5325,"12,203":5326,"12,204":5327,"12,205":5328,"12,206":5329,"12,207":5330,"12,208":5331,"12,209":5332,"12,210":5333,"12,211":5334,"12,212":5335,"12,213":5336,"12,214":5337,"12,215":5338,"12,216":5339,"12,217":5340,"12,218":5341,"12,219":5342,"12,220":5343,"12,221":5344,"12,222":5345,"12,223":5346,"12,224":5347,"12,225":5348,"12,226":5349,"12,227":5350,"12,228":5351,"12,229":5352,"12,230":5353,"12,231":5354,"12,232":5355,"12,233":5356,"12,234":5357,"12,235":5358,"12,236":5359,"12,237":5360,"12,238":5361,"12,239":5362,"12,240":5363,"12,241":5364,"12,242":5365,"12,243":5366,"12,244":5367,"12,245":5368,"12,246":5369,"12,247":5370,"12,248":5371,"12,249":5372,"12,250":5373,"12,251":5374,"12,252":5375,"12,253":5376,"12,254":5377,"12,255":5378,"12,256":5379,"12,257":5380,"12,258":5381,"12,259":5382,"12,260":5383,"12,261":5384,"12,262":5385,"12,263":5386,"12,264":5387,"12,265":5388,"12,266":5389,"12,267":5390,"12,268":5391,"12,269":5392,"12,270":5393,"12,271":5394,"12,272":5395,"12,273":5396,"12,274":5397,"12,275":5398,"12,276":5399,"12,277":5400,"12,278":5401,"12,279":5402,"12,280":5403,"12,281":5404,"12,282":5405,"12,283":5406,"12,284":5407,"12,285":5408,"12,286":5409,"12,287":5410,"12,288":5411,"12,289":5412,"12,290":5413,"12,291":5414,"12,292":5415,"12,293":5416,"12,294":5417,"12,295":5418,"12,296":5419,"12,297":5420,"12,298":5421,"12,299":5422,"12,300":5423,"12,301":5424,"12,302":5425,"12,303":5426,"12,304":5427,"12,305":5428,"12,306":5429,"12,307":5430,"12,308":5431,"12,309":5432,"12,310":5433,"12,311":5434,"12,312":5435,"12,313":5436,"12,314":5437,"12,315":5438,"12,316":5439,"12,317":5440,"12,318":5441,"12,319":5442,"12,320":5443,"12,321":5444,"12,322":5445,"12,323":5446,"12,324":5447,"12,325":5448,"12,326":5449,"12,327":5450,"12,328":5451,"12,329":5452,"12,330":5453,"12,331":5454,"12,332":5455,"12,333":5456,"12,334":5457,"12,335":5458,"12,336":5459,"12,337":5460,"12,338":5461,"12,339":5462,"12,340":5463,"12,341":5464,"12,342":5465,"12,343":5466,"12,344":5467,"12,345":5468,"12,346":5469,"12,347":5470,"12,348":5471,"12,349":5472,"12,350":5473,"12,351":5474,"12,352":5475,"12,353":5476,"12,354":5477,"12,355":5478,"12,356":5479,"12,357":5480,"12,358":5481,"12,359":5482,"12,360":5483,"12,361":5484,"12,362":5485,"12,363":5486,"12,364":5487,"12,365":5488,"12,366":5489,"12,367":5490,"12,368":5491,"12,369":5492,"12,370":5493,"12,371":5494,"12,372":5495,"12,373":5496,"12,374":5497,"12,375":5498,"12,376":5499,"12,377":5500,"12,378":5501,"12,379":5502,"12,380":5503,"12,381":5504,"12,382":5505,"12,383":5506,"12,384":5507,"12,385":5508,"12,386":5509,"12,387":5510,"12,388":5511,"12,389":5512,"12,390":5513,"12,391":5514,"12,392":5515,"12,393":5516,"12,394":5517,"12,395":5518,"12,396":5519,"12,397":5520,"12,398":5521,"12,399":5522,"12,400":5523,"12,401":5524,"12,402":5525,"12,403":5526,"12,404":5527,"12,405":5528,"12,406":5529,"12,407":5530,"12,408":5531,"12,409":5532,"12,410":5533,"12,411":5534,"12,412":5535,"12,413":5536,"12,414":5537,"12,415":5538,"12,416":5539,"12,417":5540,"12,418":5541,"12,419":5542,"12,420":5543,"12,421":5544,"12,422":5545,"12,423":5546,"12,424":5547,"12,425":5548,"12,426":5549,"12,427":5550,"12,428":5551,"12,429":5552,"12,430":5553,"12,431":5554,"12,432":5555,"12,433":5556,"12,434":5557,"12,435":5558,"12,436":5559,"12,437":5560,"12,438":5561,"12,439":5562,"12,440":5563,"12,441":5564,"12,442":5565,"12,443":5566,"12,444":5567,"12,445":5568,"12,446":5569,"12,447":5570,"12,448":5571,"12,449":5572,"12,450":5573,"12,451":5574,"12,452":5575,"12,453":5576,"12,454":5577,"12,455":5578,"12,456":5579,"12,457":5580,"12,458":5581,"12,459":5582,"12,460":5583,"12,461":5584,"12,462":5585,"12,463":5586,"12,464":5587,"12,465":5588,"12,466":5589,"12,467":5590,"12,468":5591,"12,469":5592,"12,470":5593,"12,471":5594,"12,472":5595,"12,473":5596,"12,474":5597,"12,475":5598,"12,476":5599,"12,477":5600,"12,478":5601,"12,479":5602,"12,480":5603,"12,481":5604,"12,482":5605,"12,483":5606,"12,484":5607,"12,485":5608,"12,486":5609,"12,487":5610,"12,488":5611,"12,489":5612,"12,490":5613,"12,491":5614,"12,492":5615,"12,493":5616,"12,494":5617,"12,495":5618,"12,496":5619,"12,497":5620,"12,498":5621,"12,499":5622,"12,500":5623,"12,501":5624,"12,502":5625,"12,503":5626,"12,504":5627,"12,505":5628,"12,506":5629,"12,507":5630,"12,508":5631,"12,509":5632,"12,510":5633,"12,511":5634,"13,1":5635,"13,2":5636,"13,3":5637,"13,4":5638,"13,5":5639,"13,6":5640,"13,7":5641,"13,8":5642,"13,9":5643,"13,10":5644,"13,11":5645,"13,12":5646,"13,13":5647,"13,14":5648,"13,15":5649,"13,16":5650,"13,17":5651,"13,18":5652,"13,19":5653,"13,20":5654,"13,21":5655,"13,22":5656,"13,23":5657,"13,24":5658,"13,25":5659,"13,26":5660,"13,27":5661,"13,28":5662,"13,29":5663,"13,30":5664,"13,31":5665,"13,32":5666,"13,33":5667,"13,34":5668,"13,35":5669,"13,36":5670,"13,37":5671,"13,38":5672,"13,39":5673,"13,40":5674,"13,41":5675,"13,42":5676,"13,43":5677,"13,44":5678,"13,45":5679,"13,46":5680,"13,47":5681,"13,48":5682,"13,49":5683,"13,50":5684,"13,51":5685,"13,52":5686,"13,53":5687,"13,54":5688,"13,55":5689,"13,56":5690,"13,57":5691,"13,58":5692,"13,59":5693,"13,60":5694,"13,61":5695,"13,62":5696,"13,63":5697,"13,64":5698,"13,65":5699,"13,66":5700,"13,67":5701,"13,68":5702,"13,69":5703,"13,70":5704,"13,71":5705,"13,72":5706,"13,73":5707,"13,74":5708,"13,75":5709,"13,76":5710,"13,77":5711,"13,78":5712,"13,79":5713,"13,80":5714,"13,81":5715,"13,82":5716,"13,83":5717,"13,84":5718,"13,85":5719,"13,86":5720,"13,87":5721,"13,88":5722,"13,89":5723,"13,90":5724,"13,91":5725,"13,92":5726,"13,93":5727,"13,94":5728,"13,95":5729,"13,96":5730,"13,97":5731,"13,98":5732,"13,99":5733,"13,100":5734,"13,101":5735,"13,102":5736,"13,103":5737,"13,104":5738,"13,105":5739,"13,106":5740,"13,107":5741,"13,108":5742,"13,109":5743,"13,110":5744,"13,111":5745,"13,112":5746,"13,113":5747,"13,114":5748,"13,115":5749,"13,116":5750,"13,117":5751,"13,118":5752,"13,119":5753,"13,120":5754,"13,121":5755,"13,122":5756,"13,123":5757,"13,124":5758,"13,125":5759,"13,126":5760,"13,127":5761,"13,128":5762,"13,129":5763,"13,130":5764,"13,131":5765,"13,132":5766,"13,133":5767,"13,134":5768,"13,135":5769,"13,136":5770,"13,137":5771,"13,138":5772,"13,139":5773,"13,140":5774,"13,141":5775,"13,142":5776,"13,143":5777,"13,144":5778,"13,145":5779,"13,146":5780,"13,147":5781,"13,148":5782,"13,149":5783,"13,150":5784,"13,151":5785,"13,152":5786,"13,153":5787,"13,154":5788,"13,155":5789,"13,156":5790,"13,157":5791,"13,158":5792,"13,159":5793,"13,160":5794,"13,161":5795,"13,162":5796,"13,163":5797,"13,164":5798,"13,165":5799,"13,166":5800,"13,167":5801,"13,168":5802,"13,169":5803,"13,170":5804,"13,171":5805,"13,172":5806,"13,173":5807,"13,174":5808,"13,175":5809,"13,176":5810,"13,177":5811,"13,178":5812,"13,179":5813,"13,180":5814,"13,181":5815,"13,182":5816,"13,183":5817,"13,184":5818,"13,185":5819,"13,186":5820,"13,187":5821,"13,188":5822,"13,189":5823,"13,190":5824,"13,191":5825,"13,192":5826,"13,193":5827,"13,194":5828,"13,195":5829,"13,196":5830,"13,197":5831,"13,198":5832,"13,199":5833,"13,200":5834,"13,201":5835,"13,202":5836,"13,203":5837,"13,204":5838,"13,205":5839,"13,206":5840,"13,207":5841,"13,208":5842,"13,209":5843,"13,210":5844,"13,211":5845,"13,212":5846,"13,213":5847,"13,214":5848,"13,215":5849,"13,216":5850,"13,217":5851,"13,218":5852,"13,219":5853,"13,220":5854,"13,221":5855,"13,222":5856,"13,223":5857,"13,224":5858,"13,225":5859,"13,226":5860,"13,227":5861,"13,228":5862,"13,229":5863,"13,230":5864,"13,231":5865,"13,232":5866,"13,233":5867,"13,234":5868,"13,235":5869,"13,236":5870,"13,237":5871,"13,238":5872,"13,239":5873,"13,240":5874,"13,241":5875,"13,242":5876,"13,243":5877,"13,244":5878,"13,245":5879,"13,246":5880,"13,247":5881,"13,248":5882,"13,249":5883,"13,250":5884,"13,251":5885,"13,252":5886,"13,253":5887,"13,254":5888,"13,255":5889,"13,256":5890,"13,257":5891,"13,258":5892,"13,259":5893,"13,260":5894,"13,261":5895,"13,262":5896,"13,263":5897,"13,264":5898,"13,265":5899,"13,266":5900,"13,267":5901,"13,268":5902,"13,269":5903,"13,270":5904,"13,271":5905,"13,272":5906,"13,273":5907,"13,274":5908,"13,275":5909,"13,276":5910,"13,277":5911,"13,278":5912,"13,279":5913,"13,280":5914,"13,281":5915,"13,282":5916,"13,283":5917,"13,284":5918,"13,285":5919,"13,286":5920,"13,287":5921,"13,288":5922,"13,289":5923,"13,290":5924,"13,291":5925,"13,292":5926,"13,293":5927,"13,294":5928,"13,295":5929,"13,296":5930,"13,297":5931,"13,298":5932,"13,299":5933,"13,300":5934,"13,301":5935,"13,302":5936,"13,303":5937,"13,304":5938,"13,305":5939,"13,306":5940,"13,307":5941,"13,308":5942,"13,309":5943,"13,310":5944,"13,311":5945,"13,312":5946,"13,313":5947,"13,314":5948,"13,315":5949,"13,316":5950,"13,317":5951,"13,318":5952,"13,319":5953,"13,320":5954,"13,321":5955,"13,322":5956,"13,323":5957,"13,324":5958,"13,325":5959,"13,326":5960,"13,327":5961,"13,328":5962,"13,329":5963,"13,330":5964,"13,331":5965,"13,332":5966,"13,333":5967,"13,334":5968,"13,335":5969,"13,336":5970,"13,337":5971,"13,338":5972,"13,339":5973,"13,340":5974,"13,341":5975,"13,342":5976,"13,343":5977,"13,344":5978,"13,345":5979,"13,346":5980,"13,347":5981,"13,348":5982,"13,349":5983,"13,350":5984,"13,351":5985,"13,352":5986,"13,353":5987,"13,354":5988,"13,355":5989,"13,356":5990,"13,357":5991,"13,358":5992,"13,359":5993,"13,360":5994,"13,361":5995,"13,362":5996,"13,363":5997,"13,364":5998,"13,365":5999,"13,366":6000,"13,367":6001,"13,368":6002,"13,369":6003,"13,370":6004,"13,371":6005,"13,372":6006,"13,373":6007,"13,374":6008,"13,375":6009,"13,376":6010,"13,377":6011,"13,378":6012,"13,379":6013,"13,380":6014,"13,381":6015,"13,382":6016,"13,383":6017,"13,384":6018,"13,385":6019,"13,386":6020,"13,387":6021,"13,388":6022,"13,389":6023,"13,390":6024,"13,391":6025,"13,392":6026,"13,393":6027,"13,394":6028,"13,395":6029,"13,396":6030,"13,397":6031,"13,398":6032,"13,399":6033,"13,401":6034,"13,402":6035,"13,403":6036,"13,404":6037,"13,405":6038,"13,406":6039,"13,407":6040,"13,408":6041,"13,409":6042,"13,410":6043,"13,411":6044,"13,412":6045,"13,413":6046,"13,414":6047,"13,415":6048,"13,416":6049,"13,417":6050,"13,418":6051,"13,419":6052,"13,420":6053,"13,421":6054,"13,422":6055,"13,423":6056,"13,424":6057,"13,425":6058,"13,426":6059,"13,427":6060,"13,428":6061,"13,429":6062,"13,430":6063,"13,431":6064,"13,432":6065,"13,433":6066,"13,434":6067,"13,435":6068,"13,436":6069,"13,437":6070,"13,438":6071,"13,439":6072,"13,440":6073,"13,441":6074,"13,442":6075,"13,443":6076,"13,444":6077,"13,445":6078,"13,446":6079,"13,447":6080,"13,448":6081,"13,449":6082,"13,450":6083,"13,451":6084,"13,452":6085,"13,453":6086,"13,454":6087,"13,455":6088,"13,456":6089,"13,457":6090,"13,458":6091,"13,459":6092,"13,460":6093,"13,461":6094,"13,462":6095,"13,463":6096,"13,464":6097,"13,465":6098,"13,466":6099,"13,467":6100,"13,468":6101,"13,469":6102,"13,470":6103,"13,471":6104,"13,472":6105,"13,473":6106,"13,474":6107,"13,475":6108,"13,476":6109,"13,477":6110,"13,478":6111,"13,479":6112,"13,480":6113,"13,481":6114,"13,482":6115,"13,483":6116,"13,484":6117,"13,485":6118,"13,486":6119,"13,487":6120,"13,488":6121,"13,489":6122,"13,490":6123,"13,491":6124,"13,492":6125,"13,493":6126,"13,494":6127,"13,495":6128,"13,496":6129,"13,497":6130,"13,498":6131,"13,499":6132,"13,500":6133,"13,501":6134,"13,502":6135,"13,503":6136,"13,504":6137,"13,505":6138,"13,506":6139,"13,507":6140,"13,508":6141,"13,509":6142,"13,510":6143,"13,511":6144,"13,512":6145,"13,513":6146,"13,514":6147,"13,515":6148,"13,516":6149,"13,517":6150,"13,518":6151,"13,519":6152,"13,520":6153,"13,521":6154,"13,522":6155,"13,523":6156,"13,524":6157,"13,525":6158,"13,526":6159,"13,527":6160,"13,528":6161,"13,529":6162,"13,530":6163,"13,531":6164,"13,532":6165,"13,533":6166,"13,534":6167},"ٜ":{"1":[1,400],"2":[1,394],"3":[1,424],"4":[1,433],"5":[1,229],"6":[1,552],"7":[1,287],"8":[1,890],"9":[1,964],"10":[1,296],"11":[1,275],"12":[1,511],"13":[1,534]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,11","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,121","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,367","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,13","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,457","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","8,715","8,716","8,717","8,718","8,719","8,720","8,721","8,722","8,723","8,724","8,725","8,726","8,727","8,728","8,729","8,730","8,731","8,732","8,733","8,734","8,735","8,736","8,737","8,738","8,739","8,740","8,741","8,742","8,743","8,744","8,745","8,746","8,747","8,748","8,749","8,750","8,751","8,752","8,753","8,754","8,755","8,756","8,757","8,758","8,759","8,760","8,761","8,762","8,763","8,764","8,765","8,766","8,767","8,768","8,769","8,770","8,771","8,772","8,773","8,774","8,775","8,776","8,777","8,778","8,779","8,780","8,781","8,782","8,783","8,784","8,785","8,786","8,787","8,788","8,789","8,790","8,791","8,792","8,793","8,794","8,795","8,796","8,797","8,798","8,799","8,800","8,801","8,802","8,803","8,804","8,805","8,806","8,807","8,808","8,809","8,810","8,811","8,812","8,813","8,814","8,815","8,816","8,817","8,818","8,819","8,820","8,821","8,822","8,823","8,824","8,825","8,826","8,827","8,828","8,829","8,830","8,831","8,832","8,833","8,834","8,835","8,836","8,837","8,838","8,839","8,840","8,841","8,842","8,843","8,844","8,845","8,846","8,847","8,848","8,849","8,850","8,851","8,852","8,853","8,854","8,855","8,856","8,857","8,858","8,859","8,860","8,861","8,862","8,863","8,864","8,865","8,866","8,867","8,868","8,869","8,870","8,871","8,872","8,873","8,874","8,875","8,876","8,877","8,878","8,879","8,880","8,881","8,882","8,883","8,884","8,885","8,886","8,887","8,888","8,889","8,890","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","9,605","9,606","9,607","9,608","9,609","9,610","9,611","9,612","9,613","9,614","9,615","9,616","9,617","9,618","9,619","9,620","9,621","9,622","9,623","9,624","9,625","9,626","9,627","9,628","9,629","9,630","9,631","9,632","9,633","9,634","9,635","9,636","9,637","9,638","9,639","9,640","9,641","9,642","9,643","9,644","9,645","9,646","9,647","9,648","9,649","9,650","9,651","9,652","9,653","9,654","9,655","9,656","9,657","9,658","9,659","9,660","9,661","9,662","9,663","9,664","9,665","9,666","9,667","9,668","9,669","9,670","9,671","9,672","9,673","9,674","9,675","9,676","9,677","9,678","9,679","9,680","9,681","9,682","9,683","9,684","9,685","9,686","9,687","9,688","9,689","9,690","9,691","9,692","9,693","9,694","9,695","9,696","9,697","9,698","9,699","9,700","9,701","9,702","9,703","9,704","9,705","9,706","9,707","9,708","9,709","9,710","9,711","9,712","9,713","9,714","9,715","9,716","9,717","9,718","9,719","9,720","9,721","9,722","9,723","9,724","9,725","9,726","9,727","9,728","9,729","9,730","9,731","9,732","9,733","9,734","9,735","9,736","9,737","9,738","9,739","9,740","9,741","9,742","9,743","9,744","9,745","9,746","9,747","9,748","9,749","9,750","9,751","9,752","9,753","9,754","9,755","9,756","9,757","9,758","9,759","9,760","9,761","9,762","9,763","9,764","9,765","9,766","9,767","9,768","9,769","9,770","9,771","9,772","9,773","9,774","9,775","9,776","9,777","9,778","9,779","9,780","9,781","9,782","9,783","9,784","9,785","9,786","9,787","9,788","9,789","9,790","9,791","9,792","9,793","9,794","9,795","9,796","9,797","9,798","9,799","9,800","9,801","9,802","9,803","9,804","9,805","9,806","9,807","9,808","9,809","9,810","9,811","9,812","9,813","9,814","9,815","9,816","9,817","9,818","9,819","9,820","9,821","9,822","9,823","9,824","9,825","9,826","9,827","9,828","9,829","9,830","9,831","9,832","9,833","9,834","9,835","9,836","9,837","9,838","9,839","9,840","9,841","9,842","9,843","9,844","9,845","9,846","9,847","9,848","9,849","9,850","9,851","9,852","9,853","9,854","9,855","9,856","9,857","9,858","9,859","9,860","9,861","9,862","9,863","9,864","9,865","9,866","9,867","9,868","9,869","9,870","9,871","9,872","9,873","9,874","9,875","9,876","9,877","9,878","9,879","9,880","9,881","9,882","9,883","9,884","9,885","9,886","9,887","9,888","9,889","9,890","9,891","9,892","9,893","9,894","9,895","9,896","9,897","9,898","9,899","9,900","9,901","9,902","9,903","9,904","9,905","9,906","9,907","9,908","9,909","9,910","9,911","9,912","9,913","9,914","9,915","9,916","9,917","9,918","9,919","9,920","9,921","9,922","9,923","9,924","9,925","9,926","9,927","9,928","9,929","9,930","9,931","9,932","9,933","9,934","9,935","9,936","9,937","9,938","9,939","9,940","9,941","9,942","9,943","9,944","9,945","9,946","9,947","9,948","9,949","9,950","9,951","9,952","9,953","9,954","9,955","9,956","9,957","9,958","9,959","9,960","9,961","9,962","9,963","9,964","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","11,32","11,33","11,34","11,35","11,36","11,37","11,38","11,39","11,40","11,41","11,42","11,43","11,44","11,45","11,46","11,47","11,48","11,49","11,50","11,51","11,52","11,53","11,54","11,55","11,56","11,57","11,58","11,59","11,60","11,61","11,62","11,63","11,64","11,65","11,66","11,67","11,68","11,69","11,70","11,71","11,72","11,73","11,74","11,75","11,76","11,77","11,78","11,79","11,80","11,81","11,82","11,83","11,84","11,85","11,86","11,87","11,88","11,89","11,90","11,91","11,92","11,93","11,94","11,95","11,96","11,97","11,98","11,99","11,100","11,101","11,102","11,103","11,104","11,105","11,106","11,107","11,108","11,109","11,110","11,111","11,112","11,113","11,114","11,115","11,116","11,117","11,118","11,119","11,120","11,121","11,122","11,123","11,124","11,125","11,126","11,127","11,128","11,129","11,130","11,131","11,132","11,133","11,134","11,135","11,136","11,137","11,138","11,139","11,140","11,141","11,142","11,143","11,144","11,145","11,146","11,147","11,148","11,149","11,150","11,151","11,152","11,153","11,154","11,155","11,156","11,157","11,158","11,159","11,160","11,161","11,162","11,163","11,164","11,165","11,166","11,167","11,168","11,169","11,170","11,171","11,172","11,173","11,174","11,175","11,176","11,177","11,178","11,179","11,180","11,181","11,182","11,183","11,184","11,185","11,186","11,187","11,188","11,189","11,190","11,191","11,192","11,193","11,194","11,195","11,196","11,197","11,198","11,199","11,200","11,201","11,202","11,203","11,204","11,205","11,206","11,207","11,208","11,209","11,210","11,211","11,212","11,213","11,214","11,215","11,216","11,217","11,218","11,219","11,220","11,221","11,222","11,223","11,224","11,225","11,226","11,227","11,228","11,229","11,230","11,231","11,232","11,233","11,234","11,235","11,236","11,237","11,238","11,239","11,240","11,241","11,242","11,243","11,244","11,245","11,246","11,247","11,248","11,249","11,250","11,251","11,252","11,253","11,254","11,255","11,256","11,257","11,258","11,259","11,260","11,261","11,262","11,263","11,264","11,265","11,266","11,267","11,268","11,269","11,270","11,271","11,272","11,273","11,274","11,275","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43","12,44","12,45","12,46","12,47","12,48","12,49","12,50","12,51","12,52","12,53","12,54","12,55","12,56","12,57","12,58","12,59","12,60","12,61","12,62","12,63","12,64","12,65","12,66","12,67","12,68","12,69","12,70","12,71","12,72","12,73","12,74","12,75","12,76","12,77","12,78","12,79","12,80","12,81","12,82","12,83","12,84","12,85","12,86","12,87","12,88","12,89","12,90","12,91","12,92","12,93","12,94","12,95","12,96","12,97","12,98","12,99","12,100","12,101","12,102","12,103","12,104","12,105","12,106","12,107","12,108","12,109","12,110","12,111","12,112","12,113","12,114","12,115","12,116","12,117","12,118","12,119","12,120","12,121","12,122","12,123","12,124","12,125","12,126","12,127","12,128","12,129","12,130","12,131","12,132","12,133","12,134","12,135","12,136","12,137","12,138","12,139","12,140","12,141","12,142","12,143","12,144","12,145","12,146","12,147","12,148","12,149","12,150","12,151","12,152","12,153","12,154","12,155","12,156","12,157","12,158","12,159","12,160","12,161","12,162","12,163","12,164","12,165","12,166","12,167","12,168","12,169","12,170","12,171","12,172","12,173","12,174","12,175","12,176","12,177","12,178","12,179","12,180","12,181","12,182","12,183","12,184","12,185","12,186","12,187","12,188","12,189","12,190","12,191","12,192","12,193","12,194","12,195","12,196","12,197","12,198","12,199","12,200","12,201","12,202","12,203","12,204","12,205","12,206","12,207","12,208","12,209","12,210","12,211","12,212","12,213","12,214","12,215","12,216","12,217","12,218","12,219","12,220","12,221","12,222","12,223","12,224","12,225","12,226","12,227","12,228","12,229","12,230","12,231","12,232","12,233","12,234","12,235","12,236","12,237","12,238","12,239","12,240","12,241","12,242","12,243","12,244","12,245","12,246","12,247","12,248","12,249","12,250","12,251","12,252","12,253","12,254","12,255","12,256","12,257","12,258","12,259","12,260","12,261","12,262","12,263","12,264","12,265","12,266","12,267","12,268","12,269","12,270","12,271","12,272","12,273","12,274","12,275","12,276","12,277","12,278","12,279","12,280","12,281","12,282","12,283","12,284","12,285","12,286","12,287","12,288","12,289","12,290","12,291","12,292","12,293","12,294","12,295","12,296","12,297","12,298","12,299","12,300","12,301","12,302","12,303","12,304","12,305","12,306","12,307","12,308","12,309","12,310","12,311","12,312","12,313","12,314","12,315","12,316","12,317","12,318","12,319","12,320","12,321","12,322","12,323","12,324","12,325","12,326","12,327","12,328","12,329","12,330","12,331","12,332","12,333","12,334","12,335","12,336","12,337","12,338","12,339","12,340","12,341","12,342","12,343","12,344","12,345","12,346","12,347","12,348","12,349","12,350","12,351","12,352","12,353","12,354","12,355","12,356","12,357","12,358","12,359","12,360","12,361","12,362","12,363","12,364","12,365","12,366","12,367","12,368","12,369","12,370","12,371","12,372","12,373","12,374","12,375","12,376","12,377","12,378","12,379","12,380","12,381","12,382","12,383","12,384","12,385","12,386","12,387","12,388","12,389","12,390","12,391","12,392","12,393","12,394","12,395","12,396","12,397","12,398","12,399","12,400","12,401","12,402","12,403","12,404","12,405","12,406","12,407","12,408","12,409","12,410","12,411","12,412","12,413","12,414","12,415","12,416","12,417","12,418","12,419","12,420","12,421","12,422","12,423","12,424","12,425","12,426","12,427","12,428","12,429","12,430","12,431","12,432","12,433","12,434","12,435","12,436","12,437","12,438","12,439","12,440","12,441","12,442","12,443","12,444","12,445","12,446","12,447","12,448","12,449","12,450","12,451","12,452","12,453","12,454","12,455","12,456","12,457","12,458","12,459","12,460","12,461","12,462","12,463","12,464","12,465","12,466","12,467","12,468","12,469","12,470","12,471","12,472","12,473","12,474","12,475","12,476","12,477","12,478","12,479","12,480","12,481","12,482","12,483","12,484","12,485","12,486","12,487","12,488","12,489","12,490","12,491","12,492","12,493","12,494","12,495","12,496","12,497","12,498","12,499","12,500","12,501","12,502","12,503","12,504","12,505","12,506","12,507","12,508","12,509","12,510","12,511","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","13,35","13,36","13,37","13,38","13,39","13,40","13,41","13,42","13,43","13,44","13,45","13,46","13,47","13,48","13,49","13,50","13,51","13,52","13,53","13,54","13,55","13,56","13,57","13,58","13,59","13,60","13,61","13,62","13,63","13,64","13,65","13,66","13,67","13,68","13,69","13,70","13,71","13,72","13,73","13,74","13,75","13,76","13,77","13,78","13,79","13,80","13,81","13,82","13,83","13,84","13,85","13,86","13,87","13,88","13,89","13,90","13,91","13,92","13,93","13,94","13,95","13,96","13,97","13,98","13,99","13,100","13,101","13,102","13,103","13,104","13,105","13,106","13,107","13,108","13,109","13,110","13,111","13,112","13,113","13,114","13,115","13,116","13,117","13,118","13,119","13,120","13,121","13,122","13,123","13,124","13,125","13,126","13,127","13,128","13,129","13,130","13,131","13,132","13,133","13,134","13,135","13,136","13,137","13,138","13,139","13,140","13,141","13,142","13,143","13,144","13,145","13,146","13,147","13,148","13,149","13,150","13,151","13,152","13,153","13,154","13,155","13,156","13,157","13,158","13,159","13,160","13,161","13,162","13,163","13,164","13,165","13,166","13,167","13,168","13,169","13,170","13,171","13,172","13,173","13,174","13,175","13,176","13,177","13,178","13,179","13,180","13,181","13,182","13,183","13,184","13,185","13,186","13,187","13,188","13,189","13,190","13,191","13,192","13,193","13,194","13,195","13,196","13,197","13,198","13,199","13,200","13,201","13,202","13,203","13,204","13,205","13,206","13,207","13,208","13,209","13,210","13,211","13,212","13,213","13,214","13,215","13,216","13,217","13,218","13,219","13,220","13,221","13,222","13,223","13,224","13,225","13,226","13,227","13,228","13,229","13,230","13,231","13,232","13,233","13,234","13,235","13,236","13,237","13,238","13,239","13,240","13,241","13,242","13,243","13,244","13,245","13,246","13,247","13,248","13,249","13,250","13,251","13,252","13,253","13,254","13,255","13,256","13,257","13,258","13,259","13,260","13,261","13,262","13,263","13,264","13,265","13,266","13,267","13,268","13,269","13,270","13,271","13,272","13,273","13,274","13,275","13,276","13,277","13,278","13,279","13,280","13,281","13,282","13,283","13,284","13,285","13,286","13,287","13,288","13,289","13,290","13,291","13,292","13,293","13,294","13,295","13,296","13,297","13,298","13,299","13,300","13,301","13,302","13,303","13,304","13,305","13,306","13,307","13,308","13,309","13,310","13,311","13,312","13,313","13,314","13,315","13,316","13,317","13,318","13,319","13,320","13,321","13,322","13,323","13,324","13,325","13,326","13,327","13,328","13,329","13,330","13,331","13,332","13,333","13,334","13,335","13,336","13,337","13,338","13,339","13,340","13,341","13,342","13,343","13,344","13,345","13,346","13,347","13,348","13,349","13,350","13,351","13,352","13,353","13,354","13,355","13,356","13,357","13,358","13,359","13,360","13,361","13,362","13,363","13,364","13,365","13,366","13,367","13,368","13,369","13,370","13,371","13,372","13,373","13,374","13,375","13,376","13,377","13,378","13,379","13,380","13,381","13,382","13,383","13,384","13,385","13,386","13,387","13,388","13,389","13,390","13,391","13,392","13,393","13,394","13,395","13,396","13,397","13,398","13,399","13,401","13,402","13,403","13,404","13,405","13,406","13,407","13,408","13,409","13,410","13,411","13,412","13,413","13,414","13,415","13,416","13,417","13,418","13,419","13,420","13,421","13,422","13,423","13,424","13,425","13,426","13,427","13,428","13,429","13,430","13,431","13,432","13,433","13,434","13,435","13,436","13,437","13,438","13,439","13,440","13,441","13,442","13,443","13,444","13,445","13,446","13,447","13,448","13,449","13,450","13,451","13,452","13,453","13,454","13,455","13,456","13,457","13,458","13,459","13,460","13,461","13,462","13,463","13,464","13,465","13,466","13,467","13,468","13,469","13,470","13,471","13,472","13,473","13,474","13,475","13,476","13,477","13,478","13,479","13,480","13,481","13,482","13,483","13,484","13,485","13,486","13,487","13,488","13,489","13,490","13,491","13,492","13,493","13,494","13,495","13,496","13,497","13,498","13,499","13,500","13,501","13,502","13,503","13,504","13,505","13,506","13,507","13,508","13,509","13,510","13,511","13,512","13,513","13,514","13,515","13,516","13,517","13,518","13,519","13,520","13,521","13,522","13,523","13,524","13,525","13,526","13,527","13,528","13,529","13,530","13,531","13,532","13,533","13,534"],"ٞ":{"5":[1,2,3],"6":[4],"9":[5],"10":[6],"11":[7],"12":[8,9],"13":[10,11],"14":[12,13],"15":[14,15,16],"16":[17],"17":[18],"24":[19],"25":[20],"26":[21],"27":[22,23,24],"28":[25,26,27],"29":[28,29,30],"30":[31,32,33,34],"31":[35,36,37],"32":[38],"35":[39],"38":[40],"39":[41],"43":[42],"60":[43],"71":[44,45,46],"72":[47],"74":[48],"75":[49],"76":[50,51],"78":[52],"79":[53],"82":[54],"85":[55],"87":[56],"89":[57],"91":[58],"92":[59],"95":[60,61],"96":[62],"97":[63],"103":[64],"106":[65],"110":[66],"112":[67,68],"114":[69,70],"115":[71],"118":[72,73,74],"119":[75],"120":[76],"122":[77,78,79],"131":[80,81],"132":[82,83],"133":[84,85],"139":[86],"140":[87],"142":[88,89],"143":[90,91,92],"144":[93,94,95],"145":[96],"146":[97,98],"147":[99],"148":[100,101],"149":[102,103],"152":[104,105],"153":[106],"160":[107],"161":[108],"162":[109],"165":[110],"169":[111],"173":[112],"175":[113],"176":[114],"177":[115],"186":[116,117],"188":[118],"189":[119],"193":[120],"195":[121],"201":[122,123],"207":[124],"208":[125],"209":[126],"211":[127],"215":[128],"216":[129],"219":[130],"220":[131],"221":[132],"222":[133],"226":[134],"231":[135],"236":[136],"237":[137],"238":[138],"239":[139],"241":[140],"244":[141],"245":[142,143],"247":[144,145],"249":[146],"250":[147],"252":[148],"253":[149],"255":[150],"258":[151],"261":[152,153],"263":[154],"266":[155],"273":[156,157],"274":[158],"275":[159,160],"276":[161],"281":[162],"283":[163,164],"284":[165],"286":[166],"287":[167],"288":[168],"289":[169],"291":[170],"292":[171],"294":[172],"295":[173],"300":[174],"301":[175],"308":[176],"316":[177],"317":[178,179],"319":[180],"321":[181],"324":[182],"329":[183],"330":[184],"335":[185],"339":[186],"346":[187],"348":[188],"350":[189,190,191],"358":[192,193],"363":[194],"368":[195],"374":[196],"378":[197],"379":[198,199,200],"380":[201],"382":[202,203],"384":[204],"385":[205],"386":[206,207],"387":[208],"389":[209],"397":[210],"399":[211],"405":[212],"424":[213],"430":[214],"432":[215,216],"433":[217],"434":[218],"435":[219],"437":[220],"438":[221],"439":[222],"442":[223],"444":[224],"450":[225],"466":[226],"467":[227],"472":[228],"474":[229],"477":[230],"478":[231],"513":[232],"518":[233],"521":[234],"542":[235],"543":[236,237],"545":[238],"549":[239],"551":[240],"553":[241],"555":[242],"557":[243,244],"569":[245],"576":[246],"578":[247],"584":[248],"589":[249],"597":[250],"623":[251],"631":[252,253],"634":[254],"641":[255],"643":[256],"646":[257],"648":[258],"651":[259,260],"654":[261],"655":[262],"656":[263],"658":[264],"662":[265],"663":[266],"684":[267],"686":[268],"689":[269],"698":[270],"700":[271],"706":[272],"707":[273,274],"721":[275,276],"723":[277],"725":[278],"728":[279,280],"729":[281],"730":[282],"731":[283],"732":[284],"734":[285],"735":[286],"741":[287,288],"743":[289],"744":[290],"746":[291],"749":[292,293,294],"752":[295],"755":[296],"756":[297],"757":[298,299,300],"758":[301],"759":[302,303],"762":[304],"763":[305],"764":[306],"767":[307,308],"780":[309],"781":[310],"788":[311],"791":[312],"793":[313],"798":[314],"799":[315],"803":[316],"811":[317],"813":[318],"815":[319],"836":[320],"838":[321,322],"846":[323],"847":[324],"851":[325],"855":[326],"860":[327,328],"863":[329],"868":[330],"890":[331],"895":[332],"899":[333],"901":[334],"903":[335],"905":[336],"906":[337],"907":[338],"915":[339],"923":[340],"924":[341],"926":[342],"927":[343],"928":[344],"930":[345],"931":[346],"932":[347],"935":[348],"939":[349],"942":[350],"949":[351],"950":[352],"957":[353],"960":[354],"965":[355],"969":[356],"974":[357],"979":[358,359],"980":[360],"983":[361],"987":[362],"989":[363],"990":[364],"992":[365],"994":[366],"997":[367],"1001":[368],"1003":[369,370],"1005":[371],"1006":[372],"1007":[373],"1010":[374],"1014":[375,376],"1015":[377],"1016":[378],"1017":[379],"1018":[380],"1020":[381],"1022":[382],"1026":[383,384],"1031":[385],"1032":[386],"1033":[387],"1034":[388],"1035":[389],"1036":[390],"1037":[391],"1041":[392],"1042":[393],"1043":[394,395],"1044":[396],"1046":[397,398],"1048":[399],"1051":[400],"1052":[401],"1056":[402],"1063":[403],"1068":[404,405],"1069":[406],"1070":[407,408],"1071":[409],"1072":[410],"1073":[411],"1077":[412,413],"1078":[414,415],"1079":[416],"1080":[417,418,419],"1083":[420,421],"1084":[422,423],"1085":[424],"1088":[425],"1089":[426],"1090":[427],"1092":[428,429],"1093":[430],"1094":[431],"1096":[432],"1097":[433,434],"1098":[435,436],"1101":[437],"1102":[438],"1103":[439,440],"1104":[441],"1106":[442,443,444],"1107":[445],"1108":[446],"1126":[447],"1131":[448],"1132":[449],"1136":[450],"1137":[451],"1140":[452],"1144":[453],"1145":[454],"1146":[455,456],"1147":[457],"1149":[458],"1150":[459,460,461],"1154":[462],"1155":[463],"1156":[464],"1157":[465],"1158":[466],"1163":[467],"1164":[468],"1166":[469,470],"1167":[471,472],"1168":[473],"1171":[474],"1178":[475],"1180":[476],"1186":[477],"1189":[478],"1190":[479],"1192":[480],"1195":[481],"1198":[482,483],"1199":[484,485],"1202":[486,487],"1203":[488],"1204":[489],"1205":[490],"1213":[491,492],"1222":[493],"1223":[494],"1224":[495,496,497,498,499],"1225":[500,501],"1226":[502,503],"1227":[504,505],"1228":[506],"1229":[507],"1231":[508,509],"1232":[510,511],"1233":[512,513,514,515],"1234":[516,517],"1238":[518,519,520],"1239":[521],"1240":[522,523],"1241":[524,525,526],"1242":[527],"1243":[528,529],"1245":[530],"1263":[531],"1264":[532],"1270":[533],"1273":[534,535],"1276":[536],"1277":[537],"1278":[538,539],"1280":[540],"1281":[541],"1282":[542],"1283":[543],"1284":[544],"1286":[545],"1287":[546,547],"1288":[548],"1291":[549],"1292":[550,551],"1294":[552],"1296":[553],"1298":[554,555],"1299":[556],"1302":[557],"1304":[558],"1305":[559],"1307":[560],"1308":[561],"1309":[562,563],"1310":[564,565,566],"1314":[567,568],"1315":[569],"1319":[570,571],"1320":[572],"1321":[573],"1324":[574],"1325":[575,576],"1327":[577],"1328":[578,579],"1331":[580],"1334":[581],"1336":[582],"1337":[583],"1338":[584,585],"1340":[586],"1343":[587],"1346":[588],"1347":[589,590],"1352":[591],"1353":[592],"1354":[593,594],"1355":[595,596,597],"1356":[598],"1357":[599],"1362":[600],"1365":[601],"1366":[602,603],"1368":[604,605,606],"1369":[607,608,609],"1370":[610,611],"1371":[612],"1372":[613,614,615],"1373":[616],"1375":[617,618],"1376":[619,620],"1378":[621],"1380":[622],"1383":[623,624],"1384":[625],"1385":[626,627],"1386":[628,629],"1389":[630,631,632],"1390":[633],"1392":[634,635,636],"1393":[637],"1394":[638],"1396":[639],"1398":[640,641,642],"1403":[643,644],"1404":[645,646],"1405":[647,648,649,650],"1406":[651,652,653],"1410":[654,655],"1412":[656,657],"1415":[658],"1417":[659],"1419":[660,661],"1423":[662],"1424":[663],"1427":[664],"1431":[665,666,667],"1436":[668,669],"1437":[670,671],"1439":[672],"1440":[673,674],"1446":[675],"1447":[676,677],"1449":[678],"1451":[679],"1452":[680,681,682],"1453":[683],"1456":[684],"1459":[685],"1460":[686],"1461":[687,688],"1462":[689],"1464":[690,691,692],"1465":[693],"1466":[694,695],"1467":[696],"1468":[697],"1469":[698],"1470":[699,700],"1472":[701],"1473":[702],"1474":[703],"1478":[704],"1479":[705],"1481":[706],"1482":[707,708],"1483":[709,710],"1484":[711,712],"1485":[713],"1486":[714,715],"1490":[716,717],"1491":[718,719],"1493":[720],"1494":[721],"1497":[722],"1505":[723,724],"1506":[725],"1507":[726],"1508":[727,728,729],"1509":[730],"1510":[731],"1511":[732,733],"1513":[734,735,736],"1518":[737,738],"1524":[739,740],"1525":[741],"1527":[742],"1528":[743,744,745],"1529":[746,747],"1532":[748],"1541":[749],"1542":[750,751],"1543":[752,753,754],"1549":[755,756],"1551":[757,758],"1552":[759],"1553":[760,761,762],"1554":[763],"1556":[764],"1557":[765],"1559":[766],"1560":[767],"1561":[768],"1562":[769],"1563":[770,771,772],"1566":[773,774],"1568":[775,776],"1571":[777,778],"1576":[779],"1578":[780],"1582":[781],"1583":[782],"1584":[783,784],"1590":[785],"1591":[786,787],"1592":[788],"1594":[789,790],"1599":[791],"1600":[792,793],"1602":[794],"1603":[795],"1611":[796,797],"1613":[798,799],"1614":[800],"1616":[801],"1618":[802],"1619":[803,804],"1622":[805],"1628":[806],"1632":[807],"1642":[808],"1647":[809],"1649":[810],"1651":[811],"1654":[812],"1658":[813,814],"1659":[815],"1667":[816],"1669":[817,818],"1672":[819,820],"1674":[821,822],"1676":[823],"1677":[824],"1679":[825],"1682":[826,827],"1685":[828],"1696":[829],"1698":[830],"1699":[831],"1700":[832],"1701":[833,834,835,836],"1705":[837,838],"1708":[839,840,841],"1709":[842],"1710":[843,844],"1711":[845],"1715":[846],"1717":[847],"1718":[848],"1721":[849],"1724":[850,851,852],"1725":[853],"1726":[854],"1731":[855,856,857],"1734":[858],"1735":[859],"1737":[860,861],"1739":[862],"1741":[863],"1743":[864],"1745":[865],"1746":[866],"1748":[867],"1749":[868],"1752":[869,870],"1757":[871],"1761":[872],"1770":[873],"1771":[874],"1773":[875],"1775":[876,877,878],"1778":[879],"1781":[880],"1783":[881,882],"1786":[883],"1788":[884,885],"1789":[886],"1792":[887],"1795":[888],"1796":[889,890,891],"1799":[892],"1800":[893],"1801":[894],"1805":[895],"1806":[896,897],"1808":[898,899],"1810":[900],"1813":[901],"1814":[902],"1815":[903,904,905],"1816":[906],"1817":[907],"1818":[908],"1819":[909],"1820":[910],"1821":[911],"1823":[912,913],"1824":[914],"1825":[915],"1826":[916],"1827":[917],"1828":[918],"1829":[919,920],"1833":[921,922,923,924],"1836":[925],"1837":[926,927],"1838":[928,929],"1840":[930,931,932],"1844":[933],"1846":[934,935],"1848":[936,937,938,939],"1849":[940,941],"1853":[942],"1855":[943],"1860":[944],"1868":[945,946],"1870":[947],"1874":[948],"1879":[949],"1880":[950],"1887":[951],"1898":[952],"1913":[953],"1914":[954],"1915":[955],"1916":[956],"1919":[957],"1930":[958],"1935":[959],"1937":[960],"1939":[961],"1952":[962],"1963":[963],"1972":[964],"1985":[965],"1997":[966],"2016":[967],"2027":[968],"2039":[969],"2055":[970],"2061":[971],"2068":[972],"2073":[973],"2079":[974],"2086":[975],"2088":[976],"2090":[977],"2091":[978],"2096":[979],"2100":[980],"2104":[981],"2116":[982],"2130":[983],"2137":[984],"2171":[985],"2174":[986],"2180":[987],"2188":[988],"2192":[989],"2196":[990],"2203":[991],"2212":[992],"2214":[993],"2220":[994],"2226":[995,996],"2237":[997],"2242":[998],"2257":[999],"2260":[1000],"2278":[1001],"2282":[1002],"2287":[1003],"2290":[1004],"2291":[1005],"2301":[1006],"2344":[1007],"2357":[1008],"2361":[1009],"2369":[1010],"2376":[1011],"2382":[1012],"2386":[1013],"2388":[1014],"2389":[1015],"2394":[1016,1017],"2395":[1018,1019],"2396":[1020,1021],"2397":[1022],"2399":[1023,1024],"2400":[1025,1026],"2401":[1027,1028],"2403":[1029,1030],"2404":[1031],"2409":[1032],"2411":[1033],"2420":[1034],"2422":[1035],"2460":[1036],"2465":[1037],"2474":[1038],"2485":[1039],"2486":[1040],"2488":[1041],"2492":[1042],"2517":[1043],"2520":[1044],"2522":[1045,1046],"2523":[1047],"2524":[1048],"2542":[1049],"2544":[1050,1051],"2547":[1052],"2549":[1053],"2552":[1054],"2556":[1055],"2558":[1056],"2560":[1057],"2562":[1058],"2571":[1059],"2578":[1060],"2579":[1061],"2581":[1062],"2584":[1063],"2586":[1064],"2593":[1065],"2600":[1066],"2603":[1067],"2606":[1068],"2608":[1069],"2610":[1070,1071],"2613":[1072],"2616":[1073],"2626":[1074],"2628":[1075],"2635":[1076],"2640":[1077,1078],"2644":[1079],"2649":[1080],"2652":[1081],"2656":[1082],"2659":[1083,1084],"2663":[1085],"2665":[1086],"2666":[1087],"2667":[1088],"2668":[1089,1090],"2669":[1091],"2672":[1092],"2673":[1093,1094],"2674":[1095,1096],"2676":[1097],"2681":[1098,1099],"2687":[1100],"2688":[1101,1102],"2689":[1103],"2690":[1104],"2691":[1105,1106],"2692":[1107,1108,1109],"2693":[1110,1111],"2700":[1112],"2701":[1113],"2703":[1114],"2707":[1115],"2709":[1116],"2716":[1117],"2721":[1118],"2726":[1119],"2738":[1120],"2740":[1121],"2744":[1122],"2749":[1123],"2755":[1124],"2759":[1125],"2762":[1126],"2777":[1127],"2784":[1128],"2786":[1129],"2788":[1130],"2789":[1131],"2791":[1132],"2796":[1133],"2798":[1134],"2808":[1135],"2813":[1136],"2814":[1137],"2816":[1138],"2819":[1139],"2820":[1140],"2826":[1141],"2833":[1142],"2835":[1143],"2837":[1144],"2839":[1145],"2840":[1146,1147],"2841":[1148],"2842":[1149],"2843":[1150],"2846":[1151],"2849":[1152,1153],"2851":[1154],"2852":[1155,1156],"2853":[1157],"2857":[1158],"2858":[1159],"2860":[1160],"2862":[1161],"2864":[1162],"2865":[1163],"2866":[1164],"2867":[1165],"2872":[1166],"2876":[1167],"2879":[1168,1169],"2916":[1170],"2945":[1171],"2953":[1172],"2957":[1173,1174],"2958":[1175],"2960":[1176],"2961":[1177],"2962":[1178],"2964":[1179],"2969":[1180],"2973":[1181],"2974":[1182],"2976":[1183],"2977":[1184,1185],"2980":[1186],"2986":[1187],"2989":[1188],"2992":[1189],"3000":[1190],"3002":[1191,1192],"3003":[1193,1194],"3004":[1195,1196],"3011":[1197],"3012":[1198],"3013":[1199],"3015":[1200],"3019":[1201],"3020":[1202],"3023":[1203,1204],"3026":[1205,1206],"3030":[1207],"3032":[1208],"3036":[1209],"3041":[1210],"3045":[1211],"3046":[1212],"3051":[1213,1214],"3052":[1215,1216],"3053":[1217],"3059":[1218,1219],"3075":[1220],"3079":[1221,1222],"3081":[1223],"3083":[1224],"3084":[1225,1226],"3085":[1227],"3087":[1228],"3092":[1229],"3094":[1230],"3096":[1231],"3103":[1232,1233],"3104":[1234],"3105":[1235],"3107":[1236,1237],"3108":[1238],"3109":[1239],"3112":[1240],"3116":[1241,1242],"3117":[1243],"3118":[1244],"3120":[1245,1246],"3126":[1247],"3131":[1248],"3135":[1249],"3136":[1250],"3143":[1251],"3156":[1252],"3157":[1253],"3158":[1254],"3159":[1255],"3160":[1256,1257],"3162":[1258],"3163":[1259],"3165":[1260,1261],"3166":[1262],"3167":[1263],"3172":[1264],"3175":[1265],"3176":[1266],"3180":[1267,1268],"3182":[1269],"3191":[1270],"3196":[1271],"3197":[1272,1273],"3202":[1274],"3209":[1275],"3212":[1276],"3215":[1277],"3217":[1278],"3220":[1279],"3223":[1280],"3224":[1281],"3232":[1282],"3235":[1283],"3244":[1284,1285],"3257":[1286],"3284":[1287],"3293":[1288],"3298":[1289],"3301":[1290],"3302":[1291],"3303":[1292],"3305":[1293],"3306":[1294,1295,1296],"3307":[1297],"3308":[1298],"3309":[1299,1300],"3312":[1301],"3313":[1302],"3321":[1303],"3327":[1304,1305,1306],"3330":[1307],"3341":[1308],"3343":[1309],"3345":[1310],"3349":[1311],"3364":[1312],"3375":[1313],"3382":[1314],"3383":[1315],"3387":[1316],"3390":[1317],"3410":[1318],"3412":[1319],"3413":[1320],"3416":[1321,1322],"3417":[1323],"3418":[1324],"3419":[1325,1326,1327],"3420":[1328,1329],"3421":[1330],"3422":[1331],"3423":[1332],"3432":[1333],"3436":[1334,1335],"3439":[1336],"3441":[1337],"3442":[1338],"3446":[1339],"3450":[1340],"3453":[1341],"3458":[1342],"3465":[1343],"3483":[1344],"3487":[1345],"3493":[1346],"3506":[1347],"3507":[1348],"3509":[1349],"3513":[1350],"3528":[1351],"3545":[1352,1353],"3546":[1354,1355],"3549":[1356],"3566":[1357,1358],"3570":[1359],"3571":[1360],"3573":[1361],"3575":[1362],"3583":[1363,1364,1365],"3585":[1366],"3593":[1367],"3598":[1368,1369],"3599":[1370],"3600":[1371],"3601":[1372,1373],"3602":[1374],"3604":[1375],"3605":[1376],"3606":[1377,1378,1379],"3610":[1380],"3613":[1381],"3614":[1382],"3638":[1383],"3639":[1384,1385,1386],"3641":[1387],"3642":[1388],"3643":[1389],"3650":[1390],"3651":[1391,1392],"3652":[1393,1394,1395],"3653":[1396,1397],"3654":[1398,1399],"3655":[1400,1401],"3658":[1402],"3660":[1403],"3662":[1404],"3670":[1405],"3671":[1406,1407],"3688":[1408],"3692":[1409],"3693":[1410],"3699":[1411],"3701":[1412],"3702":[1413,1414],"3703":[1415],"3706":[1416],"3707":[1417],"3708":[1418],"3710":[1419],"3712":[1420,1421],"3713":[1422],"3714":[1423],"3718":[1424],"3719":[1425,1426],"3723":[1427],"3724":[1428],"3725":[1429],"3726":[1430],"3729":[1431,1432],"3731":[1433,1434],"3732":[1435],"3733":[1436],"3734":[1437],"3735":[1438],"3736":[1439],"3742":[1440],"3747":[1441],"3751":[1442],"3782":[1443],"3797":[1444,1445],"3860":[1446],"3861":[1447],"3863":[1448],"3864":[1449],"3868":[1450,1451],"3879":[1452],"3880":[1453,1454],"3882":[1455],"3883":[1456],"3885":[1457],"3888":[1458],"3903":[1459,1460],"3908":[1461],"3915":[1462],"3920":[1463],"3931":[1464],"3936":[1465],"3941":[1466],"3943":[1467],"3946":[1468,1469],"3956":[1470,1471],"3959":[1472],"3963":[1473],"3966":[1474],"3968":[1475],"3976":[1476],"3991":[1477],"3992":[1478],"3993":[1479],"3995":[1480,1481],"3998":[1482],"4002":[1483],"4013":[1484],"4014":[1485],"4017":[1486,1487,1488,1489],"4020":[1490,1491],"4022":[1492,1493],"4023":[1494],"4024":[1495,1496,1497],"4026":[1498,1499,1500],"4027":[1501,1502,1503],"4028":[1504],"4033":[1505,1506],"4035":[1507],"4037":[1508],"4039":[1509,1510],"4040":[1511,1512],"4042":[1513],"4050":[1514,1515],"4052":[1516,1517],"4053":[1518],"4055":[1519],"4056":[1520],"4057":[1521],"4058":[1522],"4071":[1523,1524],"4074":[1525,1526],"4075":[1527],"4076":[1528],"4080":[1529],"4083":[1530,1531],"4085":[1532],"4086":[1533],"4087":[1534],"4088":[1535],"4091":[1536,1537],"4092":[1538],"4094":[1539,1540],"4098":[1541],"4100":[1542],"4105":[1543],"4108":[1544],"4109":[1545],"4110":[1546],"4112":[1547],"4117":[1548],"4118":[1549],"4119":[1550],"4120":[1551],"4121":[1552,1553],"4122":[1554,1555],"4124":[1556],"4127":[1557],"4130":[1558],"4135":[1559],"4136":[1560],"4138":[1561],"4141":[1562,1563],"4142":[1564],"4147":[1565,1566],"4154":[1567],"4155":[1568,1569,1570],"4157":[1571],"4158":[1572,1573],"4172":[1574],"4177":[1575,1576],"4179":[1577],"4180":[1578],"4182":[1579,1580],"4183":[1581],"4187":[1582],"4194":[1583],"4197":[1584],"4203":[1585],"4209":[1586,1587],"4219":[1588,1589],"4224":[1590],"4226":[1591,1592],"4231":[1593],"4249":[1594],"4285":[1595],"4289":[1596],"4292":[1597],"4293":[1598],"4300":[1599],"4302":[1600,1601],"4304":[1602],"4311":[1603],"4318":[1604],"4323":[1605],"4345":[1606],"4355":[1607],"4359":[1608],"4364":[1609],"4367":[1610],"4368":[1611],"4373":[1612,1613],"4381":[1614],"4392":[1615],"4394":[1616],"4395":[1617],"4401":[1618],"4402":[1619,1620],"4404":[1621],"4405":[1622,1623],"4407":[1624],"4408":[1625],"4420":[1626],"4421":[1627],"4422":[1628],"4423":[1629,1630],"4428":[1631,1632],"4429":[1633,1634,1635],"4450":[1636],"4461":[1637],"4513":[1638],"4547":[1639,1640],"4557":[1641,1642],"4568":[1643],"4592":[1644],"4593":[1645],"4594":[1646],"4602":[1647,1648],"4605":[1649],"4634":[1650],"4659":[1651],"4660":[1652],"4665":[1653],"4666":[1654],"4669":[1655],"4670":[1656],"4673":[1657],"4679":[1658],"4680":[1659],"4700":[1660],"4702":[1661,1662],"4710":[1663],"4719":[1664],"4727":[1665,1666],"4733":[1667],"4735":[1668],"4736":[1669],"4741":[1670,1671],"4743":[1672],"4745":[1673,1674],"4751":[1675],"4752":[1676],"4755":[1677],"4757":[1678,1679],"4763":[1680],"4764":[1681],"4767":[1682,1683],"4768":[1684],"4775":[1685],"4803":[1686,1687],"4813":[1688],"4818":[1689],"4823":[1690],"4838":[1691],"4845":[1692],"4848":[1693],"4851":[1694],"4853":[1695],"4855":[1696],"4868":[1697],"4870":[1698,1699],"4873":[1700],"4874":[1701],"4875":[1702],"4876":[1703,1704],"4877":[1705],"4878":[1706],"4879":[1707],"4881":[1708,1709,1710],"4882":[1711,1712],"4885":[1713],"4888":[1714,1715],"4923":[1716,1717],"4928":[1718],"4933":[1719],"4934":[1720],"4939":[1721,1722],"4943":[1723],"4944":[1724],"4948":[1725],"4949":[1726],"4952":[1727,1728,1729],"4953":[1730],"4956":[1731,1732],"4957":[1733],"4958":[1734],"4959":[1735,1736],"4968":[1737],"4969":[1738],"4970":[1739,1740],"4972":[1741],"4973":[1742],"4986":[1743],"4990":[1744,1745],"5000":[1746],"5001":[1747],"5002":[1748],"5008":[1749,1750],"5022":[1751],"5025":[1752],"5026":[1753,1754,1755],"5027":[1756],"5028":[1757,1758,1759],"5029":[1760],"5030":[1761],"5038":[1762],"5039":[1763],"5041":[1764,1765],"5042":[1766],"5046":[1767,1768,1769],"5051":[1770,1771],"5052":[1772],"5053":[1773,1774],"5054":[1775,1776],"5060":[1777],"5062":[1778],"5065":[1779,1780],"5072":[1781],"5077":[1782],"5084":[1783],"5085":[1784],"5088":[1785],"5090":[1786,1787],"5094":[1788],"5095":[1789],"5098":[1790],"5100":[1791],"5102":[1792],"5104":[1793,1794],"5105":[1795,1796],"5108":[1797],"5119":[1798],"5120":[1799,1800],"5128":[1801],"5132":[1802],"5133":[1803],"5142":[1804,1805],"5157":[1806,1807,1808],"5159":[1809],"5184":[1810],"5187":[1811,1812],"5188":[1813,1814],"5190":[1815,1816],"5196":[1817],"5197":[1818],"5200":[1819],"5205":[1820],"5209":[1821],"5211":[1822],"5214":[1823],"5217":[1824,1825],"5225":[1826],"5228":[1827,1828],"5230":[1829],"5232":[1830],"5233":[1831],"5239":[1832,1833],"5244":[1834],"5261":[1835,1836],"5263":[1837],"5266":[1838],"5273":[1839],"5290":[1840],"5291":[1841,1842],"5292":[1843],"5298":[1844,1845],"5300":[1846],"5301":[1847,1848],"5307":[1849],"5308":[1850],"5309":[1851,1852],"5311":[1853,1854],"5312":[1855],"5316":[1856],"5319":[1857],"5320":[1858],"5323":[1859,1860],"5324":[1861,1862],"5328":[1863],"5330":[1864],"5333":[1865,1866],"5334":[1867],"5335":[1868],"5337":[1869],"5338":[1870,1871],"5341":[1872,1873],"5345":[1874,1875],"5346":[1876],"5355":[1877,1878],"5356":[1879],"5358":[1880],"5359":[1881,1882],"5363":[1883,1884],"5364":[1885,1886],"5365":[1887],"5367":[1888],"5370":[1889],"5372":[1890],"5373":[1891,1892],"5374":[1893,1894,1895],"5378":[1896],"5379":[1897,1898],"5380":[1899],"5381":[1900,1901],"5383":[1902,1903],"5385":[1904],"5386":[1905,1906],"5388":[1907],"5389":[1908],"5390":[1909],"5403":[1910],"5404":[1911,1912],"5408":[1913],"5410":[1914],"5424":[1915],"5426":[1916,1917],"5427":[1918],"5428":[1919,1920],"5429":[1921],"5430":[1922],"5431":[1923],"5432":[1924],"5434":[1925],"5435":[1926],"5436":[1927,1928],"5439":[1929,1930,1931],"5443":[1932],"5444":[1933,1934,1935],"5446":[1936],"5464":[1937,1938],"5469":[1939,1940],"5471":[1941],"5483":[1942],"5490":[1943,1944],"5499":[1945],"5510":[1946],"5511":[1947],"5512":[1948],"5519":[1949],"5520":[1950,1951],"5523":[1952,1953],"5526":[1954],"5528":[1955],"5531":[1956],"5532":[1957],"5533":[1958,1959,1960,1961],"5536":[1962,1963],"5538":[1964],"5539":[1965,1966],"5542":[1967],"5548":[1968],"5552":[1969,1970],"5556":[1971],"5557":[1972],"5558":[1973],"5560":[1974,1975],"5562":[1976,1977],"5567":[1978],"5568":[1979],"5569":[1980,1981],"5572":[1982,1983],"5573":[1984,1985],"5575":[1986],"5577":[1987],"5580":[1988],"5581":[1989],"5587":[1990,1991],"5588":[1992],"5589":[1993],"5590":[1994,1995],"5592":[1996],"5593":[1997],"5595":[1998,1999],"5596":[2000],"5598":[2001],"5599":[2002,2003],"5601":[2004,2005],"5602":[2006],"5604":[2007],"5605":[2008],"5608":[2009,2010],"5609":[2011],"5610":[2012,2013],"5612":[2014,2015],"5614":[2016,2017],"5618":[2018],"5619":[2019,2020],"5621":[2021,2022],"5630":[2023],"5633":[2024],"5639":[2025],"5641":[2026],"5647":[2027,2028],"5651":[2029],"5657":[2030],"5660":[2031],"5662":[2032],"5666":[2033,2034],"5667":[2035],"5668":[2036],"5670":[2037],"5671":[2038,2039],"5675":[2040],"5681":[2041,2042],"5685":[2043],"5716":[2044,2045],"5725":[2046],"5730":[2047],"5731":[2048],"5732":[2049,2050],"5734":[2051,2052],"5737":[2053],"5739":[2054],"5743":[2055],"5744":[2056,2057],"5749":[2058,2059],"5751":[2060],"5755":[2061],"5756":[2062],"5759":[2063],"5762":[2064],"5763":[2065],"5766":[2066,2067],"5767":[2068,2069],"5769":[2070],"5771":[2071,2072],"5774":[2073,2074],"5776":[2075],"5779":[2076],"5780":[2077],"5783":[2078],"5784":[2079],"5785":[2080],"5788":[2081],"5790":[2082],"5796":[2083],"5799":[2084],"5800":[2085],"5819":[2086],"5825":[2087,2088],"5828":[2089],"5831":[2090],"5842":[2091],"5855":[2092],"5856":[2093],"5857":[2094],"5858":[2095],"5859":[2096],"5860":[2097,2098],"5861":[2099],"5862":[2100,2101],"5863":[2102],"5864":[2103],"5865":[2104],"5872":[2105],"5873":[2106],"5874":[2107],"5875":[2108],"5878":[2109],"5881":[2110],"5883":[2111],"5884":[2112,2113],"5886":[2114],"5888":[2115],"5889":[2116],"5890":[2117],"5892":[2118],"5893":[2119,2120],"5896":[2121,2122],"5900":[2123],"5906":[2124],"5909":[2125,2126],"5912":[2127,2128],"5913":[2129],"5918":[2130],"5919":[2131,2132],"5923":[2133],"5925":[2134],"5929":[2135],"5930":[2136],"5931":[2137],"5933":[2138,2139],"5946":[2140],"5961":[2141,2142],"5962":[2143],"5964":[2144],"5966":[2145],"5973":[2146,2147],"5974":[2148],"5975":[2149],"5978":[2150],"5980":[2151],"5984":[2152],"5985":[2153],"5990":[2154],"5992":[2155],"5996":[2156],"5998":[2157],"6000":[2158,2159],"6005":[2160],"6010":[2161],"6013":[2162],"6020":[2163,2164],"6027":[2165],"6034":[2166],"6036":[2167],"6038":[2168],"6041":[2169],"6042":[2170,2171],"6044":[2172],"6045":[2173],"6046":[2174],"6047":[2175],"6049":[2176],"6050":[2177],"6054":[2178],"6055":[2179,2180],"6056":[2181],"6057":[2182],"6059":[2183,2184],"6062":[2185],"6063":[2186],"6064":[2187,2188],"6065":[2189],"6069":[2190,2191],"6071":[2192,2193],"6072":[2194],"6073":[2195],"6076":[2196],"6080":[2197],"6091":[2198],"6094":[2199],"6097":[2200],"6100":[2201],"6103":[2202],"6105":[2203],"6107":[2204],"6109":[2205],"6110":[2206,2207],"6115":[2208],"6118":[2209],"6128":[2210,2211],"6137":[2212],"6139":[2213],"6140":[2214,2215],"6148":[2216,2217],"6154":[2218],"6157":[2219,2220],"6160":[2221],"6161":[2222,2223],"6162":[2224],"6163":[2225],"6165":[2226]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132,133,134,135,136,137,138,139,140,141,142,143,144,145,146,147,148,4848]},"pages":[{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجلّد الأول\nدَار ابْن كَثير\nدمشق- بَيروت","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":2},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"1","page":4},{"text":"المقدمة\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:\n\nأولًا\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-3> تعريف التأريخ:</span>\nلغة: تعريف الوقت والتوريخ مثله يقال: أرخت وورخت [الجوهري] والأصمعي يفرّق بين لهجتين فبنو تميم يقولون: ورّخت الكتاب توريخًا وقيس تقول: أرخته تأريخًا هذا ما ذكره السخاوي في كتابه الإعلان بالتوبيخ [ص ١٩].\nالتأريخ اصطلاحًا: لعلّ ابن خلدون (٨٠٨ هـ) أوّل من عرّف التأريخ تعريفًا شافيًا وسبق بذلك علماء المسلمين وغير المسلمين.\nقال ابن خلدون [العلامة المؤرخ] رحمه الله تعالى وهو يعرّف التأريخ:\n[هو في ظاهره: لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُول تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال].\nوفي باطنه: نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.\nولقد كان ابن خلدون دقيقًا في تقييمه للكم الهائل من الروايات التأريخية فقال وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهِموا فيها أو ابتدعوها وزخارف من الروايات المضعفة لفّقوها ووضعوها [مقدمة ابن خلدون].\nأما السخاوي (٩٠٢ هـ) فقد عرف التأريخ اصطلاحًا فقال:","vol":"1","page":5},{"text":"التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتخريج وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة من ظهور حكمة وتجديد فرض، وخليفة ووزير وغزوة وملحمة وحرب وفتح بلد وانتزاعه من متغلب عليه وانتقال دولة [الإعلان بالتوبيخ: ص ٢٠].\nالكافيجي: وأما علم التأريخ فهو علم يبحث عن الزمان وأحواله وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوثيقه وأما موضوعه فالإنسان والزمان [المختصر في علم التاريخ: ٣٢٧].\nوأما التأريخ بمعنى التقويم فالصحيح أنه بدأ به في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين أمر المسلمين أن يجعلوا من مقدم النبي ﵊ إلى المدينة بداية التأريخ الإسلامي فسمي [الهجري]. قال السخاوي والمحفوظ كما قال ابن عساكر أن الأمر به في زمن عمر وكذا صححه الجمهور بل هو الصحيح المشهور أنه كان في خلافة عمر وأنه ابتدأ بالهجرة النبوية وبالمحرم منها [الإعلان بالتوبيخ / ٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أسباب اهتمام الأمة المسلمة بكتابة التأريخ:</span>\n١ - لاهتمام القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة وبيان أحوالهم واستخراج الدروس والعبر من أحوالهم ومآلهم وكذلك قصص الفراعنة وقارون وغير ذلك كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾.\n٢ - اهتمام القرآن الكريم بدراسة تبدل الأحوال والأوضاع وحثّ الناس على تدبّر الوقائع واكتشاف سنن الله في الكون ومنها السنن التأريخية كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾.\n٣ - اهتمت السنة النبوية الشريفة بقصص الأنبياء والصالحين من الأمم السابقة وإستنباط العظات والعبر -كقوله ﵊: \"إنه كان فيمن قبلكم ... الحديث\".","vol":"1","page":6},{"text":"٤ - أوصى الإسلام [كتابًا وسنة] بتتبع سيرة الرسول ﵊ فكان ذلك عاملًا آخر من عوامل اهتمام المسلمين بالسير والمغازي كجزء من التأريخ الإسلامي.\nيقول الدكتور الدوري: إن القرآن نصّ على أن أقوال الرسول - ﷺ - موصى بها وأن سيرته مثل للمسلمين يقتدون به وهنا نجد دافعًا مباشرًا لدراسة أقوال الرسول وأفعاله [بحث في نشاة علم التأريخ / ١٨].\n٥ - كان العرب أصحاب شعر وحكايات وقصائد تروي بطولات القبيلة ومواقف رموزها المشهودة -يضاف إلى ذلك كله قوة الحافظة عند العرب تعويضًا عن أميّتهم كما قال ﵊ \"إنا أمة أمية\". يقول الأستاذ محمد فتحي عثمان وهو يتحدث عن خصائص العرب يومها: فهي أمة تميّزت بالحفظ والهداية وبالبلاغة والشعر، وبالحرص على الأنساب والفخر بها وكل هذه الثلاثة معين على ازدهار التأريخ [المدخل إلى التأريخ الإسلامي / ١١٤].\n٦ - اهتمام الخلفاء المتعاقبين على إدارة الحكم بالمغازي والسير وتأريخ من سبقهم من الملوك والخلفاء وحثّ النسابة والإخباريين على تدوين ما لديهم من الأخبار والأنساب وغير ذلك يقول الأستاذ شاكر مصطفى: فلقد كانت رغبة بعض الأمويين والولاة في المعرفة التأريخية وإن كانت لها أسبابها بالنسبة إليهم مشجعًا لإدخال هذه المعرفة بين المعارف النبيلة المطلوبة في المجتمع الإسلامي. وإذا كان معاوية قد استدعى عبيد بن شرية من صنعاء ليسأله عن ملوك العرب والعجم ويأمر بتسجيل ما يقول ويجلس كل مساء لسماع أخبار التأريخ وكان مروان بن الحكم يدني مجلس حكيم بن حزام ليسمع منه أخبار المغازي وعبد الملك يطلب أخبارها من التابعين وكان عروة بن الزبير راوية التأريخ على صلة بعبد الملك وابنه الوليد وبعمر بن عبد العزيز فقد عرفنا أيضًا أن هشام بن عبد الملك وضع لابن شهاب الزهري كاتبين يكتبان عنه سنة فلما مات الزهري وجدت له أكوام من الكتب في خزائن الأمويين [التاريخ العربي والمؤرخون / ص ٦٧].\n٧ - إن إنشاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ للدواوين وتسجيل أسماء المجاهدين الفاتحين حسب قبائلهم وأسرهم شجّع ظهور النسابة الخبراء في أنساب القبائل على اختلافها وأضحى الأنساب فيما بعد جزءًا من التأريخ حتى","vol":"1","page":7},{"text":"أن البلاذري قد ألف سفرًا عظيمًا بترتيب أشهر الأنساب متضمنًا الآباء والأبناء ومنهم الخلفاء الراشدون وبقية الخلفاء من بني العباس وبني أمية ويعتبر كتابه مصدرًا متقدمًا ثمينًا.\nيقول الأستاذ محمد فتحي عثمان [وقد اشتهر الصديق أبو بكر بحفظ الأنساب وأعان إنشاء عمر (للديوان) على حفظ الأنساب أيضًا وكان من دواعيه تنظيم العطاء ... وقد شجّع الأمويون على حفظ الأنساب وظهر النسابون الأوائل في عهدهم واشتهر في هذا المجال دغفل بن حنظلة الشيباني سنة ٧٠ هـ]. [المدخل إلى التأريخ الإسلامي / ١٣٦].\n٨ - كان الخلفاء الأمويون ومن بعدهم العباسيون حريصين كل الحرص على تمييز الأراضي المفتوحة صلحًا أو عنوة وما إلى ذلك إلى أراضي خراجية أو عشرية حرصًا منهم على نظافة بيت المال وعدم السماح لدخول المال الحرام فيه وكان ذلك يعني اهتمامهم وسؤالهم عن الفتوحات الإسلامية الكبرى وأخبارها.\nوحتى غير الخلفاء وبالأخص العلماء ومنهم الفقهاء قد اهتموا بهذا الجانب كثيرًا حتى أنك ترى إمامًا فقيهًا كالقاضي أبي يوسف يؤلف كتابًا في الخراج يروي قيه بالسند الموصول وقائع بعض الفتوحات الإسلامية في العراق وغيره.\n٩ - حثّ الرسول ﵊ أمته من بعده على احترام الصحابة الكرام وإجلالهم والاقتداء بهم وخاصة الخلفاء الراشدين وتتبع سيرتهم وخاصة في أبواب السياسة الشرعية كقوله ﵊ في الحديث النبوي الشريف \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ\".\nوهذا عامل آخر يضاف إلى عوامل أخرى دفعت الأئمة الأعلام إلى الاهتمام بتأريخ الراشدين كجزء من التأريخ الإسلامي وكتاب حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني زاخر بسير الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.\n١٠ - إن ورود نصوص من السنة الشريفة تبيّن فضل جيل الصحابة وقوتهم على التابعين والتابعين على من بعدهم وكذلك تجمهر عدد كبير من التابعين حول الصحابة لأخذ العلم الشرعي دفع العلماء إلى تصنيف كتب في الطبقات وخاصة","vol":"1","page":8},{"text":"طبقات الصحابة والتابعين فهذا سابق وهذا مهاجر وذاك أنصاري وهذا بدري وهذا من مسلمة الفتح ثم تأتي طبقات التابعين من بعدهم وكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد خير شاهد على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>نشأة التاريخ عند المسلمين رواية ثم تدوينًا وتبويبًا أو تصنيفًا:</span>\nمن الثابت عند أئمة المسلمين جميعًا أن الرسول ﵊ قد اتخذ من الصحابة من سمّوا (كتاب الوحي) كسيدنا علي وسيدنا معاوية وسيدنا عثمان وغيرهم ﵃ أجمعين.\nومعلوم كذلك أن عددًا من الصحابة قد كتبوا جزءًا من السنة النبوية في صحف خاصة بهم ولكنها اندثرت ولكن حفظها تلامذتهم من التابعين الكرام ونقلوها إلى من بعدهم.\nوللجمع بين أقوال العلماء في معرفة أول من دوّن الحديث مصنفًا مبوبًا قالوا: أول من دوَّن مصنفًا ومبوبًا:\nمحمد بن إسحاق بالمدينة (توفي ١٥١ هـ).\nوابن جريج بمكة (١٥٠ هـ).\nوحماد بن سلمة (١٦٧ هـ) بالبصرة.\nومعمر بن راشد (١٥٣ هـ) باليمن.\nوسفيان الثوري (١٦١ هـ) بالكوفة ... إلخ.\nوالإمام الذهبي ﵀ يحدد سنة ١٤٣ هـ كبداية وانطلاقة لتدوين الحديث والتغيير وغيرهما فيقول: فصنف ابن جريج بمكة ومالك بن أنس الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان بالكوفة مصنف ابن إسحاق المغازي مصنف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرأي .. إلى أن يقول الذهبي: وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة [تذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٩].\nويعلّق الأستاذ شاكر مصطفى على هذا المقطع من كلام الحافظ الذهبي فيقول: ويتنبه الذهبي في هذا النص إلى عدد من الحقائق المتصلة بنشأة العلوم","vol":"1","page":9},{"text":"الإسلامية ولعل أهمها مرورها في القرن الثاني في سنة ١٤٣ هـ كما يقول من مرحلة التسجيل غير المرتب إلى التصنيف المبوب [ص ٩٢] إلى أن يقول شاكر مصطفى وإذا نحن تجاوزنا تحديد سنة ١٤٣ هـ كسنة انقلابية- وهو تحديد ليس بالخاطئ تمامًا على أي حال ... إلخ) [التأريخ العربي والمؤرخون ص ٩٣] ثم يمضي الأستاذ شاكر في تعقيبه على كلام الحافظ الذهبي ويبيّن أن من سبق هذا التأريخ بالكتابة في التأريخ كعروة بن الزبير والزهري إنما كتبوا في أبواب متفرقة ولم يكن محاولة للإحاطة بكل الأخبار لكافة المواضيع وأن هذا النشاط في تسجيل مثل هذه الأدوار التأريخية لم يكن بعد قد أخذ انطلاقته الواضحة لأنه بقي رسميًا لحدٍّ ما دينيًّا ولم يصبح تيارًا فكريًا ثقافيًا واضح التدوين .. [التأريخ العربي والمؤرخون ص ٩٥ باختصار وتصرف] وهذا كلام نوزع فيه الأستاذ.\nفأما تحديد هذه السنة بالذات (١٤٣ هـ) كحد فاصل بين التدوين المبوّب وغير المبوّب ففيه نظر لأن عروة بن الزبير ﵁ والمتوفي سنة (٩٣ هـ) معروف بالمغازي والسير ومروياته في السيرة خاصة في حنايا كتاب المغازي صحيح البخاري وكذلك الطبري وغيرهما ويعتبره الدوري مؤسسًا لمدرسة المغازي (ص ٢١) ولو اتفقنا مع الأستاذ شاكر في عدم اعتبار كتابات عروة كذلك فإننا لا نستطيع أن نتجاوز مرويات الزهري ذلك الإمام المحدث الفقيه الذي ساهم في تدوين السيرة النبوية الشريفة وشطرًا من تاريخ الخلافة الراشدة وخاصة أيام الفتن وردحًا من بدايات الخلافة في عهد الأمويين حتى أن البعض يعتبره مؤرخًا [انظر ما كتبه الدكتور الدوري -عبد العزيز- في كتابه (بحث في نشأة علم التأريخ) فهو يعتبر الزهري (١٢٤ هـ) مؤرخًا ومختصًا بالمغازي (ص ٢١) وليس الرجل متقولًا في ذلك فللمسألة أصل معتمد فقد قال الطبري ﵀: كان الزهري مقدمًا في العلم بمغازي رسول الله - ﷺ - وأخبار قريش والأنصار راوية لأخبار رسول الله - ﷺ - وأصحابه [المنتخب من كتاب ذيل المذيل / ٩٧].\n\nولا بد لنا من دراسة<span data-type=\"title\" id=toc-6> المدارس التاريخية في المدن الإسلامية في القرنين الأول والثاني </span>ومعرفة عدد من رواد ومنشئي هذه المدارس [مدرسة المدينة] [مدرسة الشام] [مدرسة العراق] [مدرسة مصر].","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أ- مدرسة المدينة:</span>\n١ - عروة بن الزبير: توفي سنة ٩٤ هـ المحدث الفقيه بل أحد الفقهاء السبعة في المدينة يومها قال الحافظ ابن حجر في ترجمته ثقة فقيه مشهور من الثانية مات سنة ٩٤ على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق [تقريب / تر ٥١٣١]. أول من ألف في المغازي (١).\n٢ - أبان بن عثمان بن عفان: توفي (سنة ١٠٥ هـ) وهو ثقة من الثالثة [تقريب / تر ١٦٣].\n٣ - سعيد بن المسيب: توفي سنة ٩٤ هـ وهو نسابة مؤرخ فقيه (٢).\n٤ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: (٥٠ - ١٢٤ هـ) ويعتبره بعضهم مؤسسًا لمدرسة التأريخ في المدينة والشام (٣).\nوقال آخرون صاحب دراسات وأبحاث في التأريخ والفقه والحديث (٤).\nومن خلال تخريجنا لروايات الزهري التأريخية عند الطبري وغيره وجدنا اهتمامه بالسيرة والمغازي ثم بأحداث الفتن في عهد الخلفاء الراشدين وصلح سيدنا الحسن مع سيدنا معاوية ﵃ أجمعين بالإضافة إلى اهتمامه بأعمار الخلفاء من بعدهم وسني حكمهم.\nوهؤلاء وغيرهم نواة لمدرسة المدينة وهم متأثرون بشكل أو بآخر بمرويات عبد الله بن عباس (فيما يتعلق بالمغازي) وغيره من الصحابة فعبد الله بن عباس اشتهر بالتدريس فيما يتعلق بكافة العلوم ومنها المغازي والسير وقد ورد ذكره في أسانيد الطبري في أكثر من (٢٨٠) موضعًا. ومن تلاميذه الكبار (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ووهب بن منبه ... إلخ) وكريب بن أبي مسلم مولى ابن عباس الذي كان يحتفظ بصحف ابن عباس وكتبه (٥).\n_________\n(١) شاكر مصطفى [التأريخ العربي والمؤرخون / ١٥٢].\n(٢) المصدر السابق [١٥٢].\n(٣) المصدر السابق [١٥٧].\n(٤) مجلة المجمع العلمي العراقي (١٩٥٤ هـ).\n(٥) الطبقات الكبرى (٥/ ٢١٦).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ب- مدرسة الشام:</span>\n١ - الأوزاعي: (عمرو بن عبد الرحمن) توفي سنة ١٠٧ هـ إمام في الحديث والمغازي والسير.\n٢ - عوانة بن الحكم الكلبي: (توفي سنة ١٤٧ هـ) عاش العقود الأخيرة من عهد الأمويين ثم ما يقرب من عقدين أيام الخلافة في عهد العباسيين.\nويعتبره الأستاذ شاكر مصطفى صاحب فضل على التأريخ الإسلامي فيقول: ونحن ندين لعوانة هذا بتسمية علم التأريخ فهو صاحب أول كتاب تأريخي يحمل اسم (كتاب التاريخ) في الإسلام وقد كتب كذلك سيرة معاوية وبني أمية ولكن الكتابين فقدا ولم يبق منهما إلّا ما تناثر لدى المدائني وابن الكلبي والطبري وغيرهم (١).\nوقد أكثر الكلبي والمدائني وابن عدي (الهيثم) من مرويات عوانة ومن كتبهم أخذ الطبري مرويات عوانة.\n٣ - عبيد بن شرية الجرهمي: اليماني الأصل، الشامي المنزل، وهو مخضرم استدعاه أمير المؤمنين معاوية ليدون ما لديه من الأنساب والأخبار (٢).\nومن قبل هؤلاء شارك عروة بن الزبير والزهري في تأسيس مدرسة الشام التأريخية وإن كانا مدنيين فقد ترددا بين الحجاز والشام وإن كان الزهري أكثر تواجدًا في الشام بل قضى عقوده الأخيرة هناك حتى توفاه الله تعالى في أواخر خلافة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ج- مدرسة مصر في التأريخ:</span>\nإن لأهل الحديث فضلًا كبيرًا في تدوين التأريخ الإسلامي وبين الأمويين روابط من الإسناد والتراجم وعلم الرجال والطبقات وما إلى ذلك فكما أن المحدث عروة بن الزبير ومن بعده الزهري المحدث قد شاركا في تشكيل نواة مدرسة التاريخ في المدينة. فإن أئمة الحديث في مصر لهم الفضل الكبير في\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون (١٢٨).\n(٢) الفهرست لابن النديم (٨٩) [مروج الذهب / ٤/ ٩٠].","vol":"1","page":12},{"text":"إنشاء مدرسة التأريخ هناك: ومنهم الإمام الليث بن سعد المصري وهو ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة ت ١٧٥ هـ أخرج له الستة وله مرويات في التأريخ عند الطبري وغيره ولعلّ أقدم مصدر من المصادر التأريخية لمصر هو كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم القرشي المصري الذي توفي سنة ٢٧٦ هـ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>د- مدرسة العراق:</span>\n١ - لعلّ الإمام عامر بن شراحيل الشعبي (المتوفى سنة ١٠٣ هـ) الكوفي من مؤسسي مدرسة العراق في التأريخ وشهد أحداثًا جسامًا طبعت في ذاكرة التأريخ منها الصلح بين سيدنا الحسن وأمير المؤمنين معاوية ﵄ وشارك في وقعة دير الجماجم فيما سمّي بحركة ابن الأشعث أيام الحجاج ومن قبله شهد الاضطرابات التي وقعت في العراق أيام موت يزيد بن معاوية -في العقد السادس من القرن الهجري الأول-.\nوأخرج له الطبري في تأريخيه في أكثر من (١٠٠) موضع وتمتد مروياته من قصص الأنبياء وحتى أحداث نهاية القرن الهجري الأول.\n٢ - سيف بن عمر التميمي (سنتحدث عنه بعد قليل).\n٣ - قحذم بن سليمان (المتوفى سنة ١٥٨ هـ) كان يعمل كاتبًا للخراج في ولاية يوسف بن عمر الثقفي على العراق وأكثر عنه خليفة من طريق حفيده (الوليد بن هشام بن قحذم) ونقل عنه الطبري ولكن بروايات قليلة جدًّا لا تعدو عدد أصابع اليد.\nوهنالك آخرون بعضهم أكثر أهمية وشهرة من قحذم شاركوا في بناء مدرسة العراق التأريخية في القرن الثاني الهجري سنذكرهم بعد قليل عند حديثنا عن الإخباريين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>هـ- مدرسة اليمن:</span>\n١ - دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة المخضرم- يروي ابن حبيب أنه شارك\n_________\n(١) المدخل إلى التأريخ الإسلامي ١٧٦.","vol":"1","page":13},{"text":"في تأديب يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (١).\n٢ - عبيد بن شرية الجرهمي سبقت ترجمته في الحديث عن مدرسة الشام.\n٣ - وهب بن منبه الذماري توفي سنة ١١٤ هـ.\nوقد روى تلاميذه عنه المغازي قصص الأنبياء وتأريخ اليمن القديم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الأخباريون [الثقات وغير الثقات]:</span>\nالأخباري لفظة دون المؤرخ أو قبله زمانًا ومنصبًا -فالناس أطلقوا هذه التسمية على من جمع الأخبار في أيام العرب والقصص الغابرة ثم الفتوح وهم طلائع التأليف التأريخي عند المسلمين (٣) وسمّي من كتب في غزوات النبي - ﷺ - وسيرته بصاحب المغازي والسير ومن كتب في أنساب العرب بالنسابة ثم تراجع الأخباري عندما بدأ التصنيف والتبويب فأصبح اسمًا فقط على راوي القصص والنوادر والحكايات (٤).\nوقد اشتهر في سماء التدوين أئمة أعلام حفظوا لنا التأريخ الإسلامي وأئمة أعلام حفظوا لنا السيرة النبوية الشريفة واشتهر آخرون كذلك كأخباريين ولكن لطَّخوا التأريخ الإسلامي وشوّهوه كالتالف الهالك أبي مخنف ومنهم من لم ينسب إلى الكذب أو الوضع ولكن إلى الضعف كسيف بن عمر ومنهم من نسب إلى الكذب حتى ترك كالواقدي والهيثم بن عدي والكلبي وسنذكر ترجمة مختصرة لكل واحد منهم وعدد مروياتهم في تأريخ الطبري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>١ - لوط بن يحيى (أبو مخنف) الكوفي:</span>\nأخرج له الطبري في أكثر من (٣٠٠) موضع ابتداءً بخبر سقيفة بني ساعدة وانتهاء بأحداث سنة (١٣٢) هـ ودخول الحسن بن قحطبة إلى الكوفة بعد هرب عاملها ابن هبيرة (من قبل الأمويين).\nوبعد سبرٍ لرواياته عميق ومن خلال تخريجنا لروايات الطبري وجدناه بارعًا\n_________\n(١) المحبر (٤٧٨).\n(٢) التأريخ والمؤرخون (١٣٨).\n(٣) المدخل إلى التأريخ الإسلامي (١٢٩).\n(٤) الإمام الطبري- د. محمد الزحيلي / ٢٠٢ /.","vol":"1","page":14},{"text":"في التلفيق وتزوير الحقائق والطعن في عدالة الصحابة وتشويه سمعتهم ولعل رواية واحدة أو روايتين من مروياته وجدت لها مكانًا في قسم الصحيح من بحثنا هذا لماليك أقوال العلماء فيه: قال ابن عدي شيعي محترق صاحب أخبارهم [الكامل ٦/ ٩٣ / ١٦٢١] [وقال الذهبي أخباري تالف لا يوثق به تركه أبو حاتم وغيره وقال ابن معين ليس بشيء [ميزان مع ذيل الميزان / تر ٧٤٥١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٢ - سيف بن عمر التميمي: </span>(توفي سنة ١٨٥ هـ) وهو كوفي أخباري بدأ حياته العلمية بالمدينة ثم سافر إلى العراق واشتهرت مروياته في الردة والفتوحات ووقعة الجمل- ونقل عنه الطبري (٣٠٠) موضع أو يزيد قال ابن حبان يروي الموضوعات عن الأثبات وقال الذهبي في ترجمته: مصنف الفتوح والردة وغير ذلك هو كالواقدي.\nوقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، وقال أبو حاتم: متروك، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف في الحديث عمدة في التأريخ من الثامنة مات في زمن الرشيد.\nوعقب المحرران (الشيخ شعيب والدكتور بشار) على قول الحافظ (ضعيف الحديث عمدة في التأريخ) بقولهما: بل متروك فحديثه ضعيف جدًّا ... وحتى أخباره في التأريخ ليست بشيء فقد قال أبو حاتم الرازي متروك يشبه حديثه حديث الواقدي وقال البرقاني والدراقطني متروك [تقريب التهذيب / تر ٣٠١٥] [المجروحين ١/ ٣٤٥]، [ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان / تر ٣٩٨٩]، [تحرير التقريب / تر ٢٧٢٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٣ - محمد بن إسحاق إمام المغازي: </span>(ت ١٥١ هـ) كتب كتابًا في الخلفاء بالإضافة إلى سيرته المشهورة وقد أكثر الطبري من إخراج رواياته فزادت على (٣٥٠) رواية معظمها في السيرة النبوية الشريفة وهو حسن الحديث إذا صرّح بالتحديث والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٤ - محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام: </span>أما الأب فقد توفي سنة ١٤٦ هـ وله في تأريخ الطبري (١٦) رواية وهو نسابة متشيّع وقد أخذ عنه ابنه هشام الذي","vol":"1","page":15},{"text":"توسع أكثر من أبيه بالأخبار والتأريخ وألف في ذلك كله فقائمة كتبه قرابة (١٥٠) كتابًا (١).\nوقد روى له الطبري في (٢٨٠) موضعًا من تأريخه.\nوقال الدكتور جواد علي: لقد كان جلّ اعتماد الطبري في أخبار العرب قبل الإسلام على مؤلفات ابن الكلبي، وقال أيضًا:\nأما ابن الكلبي ... هو وأبوه في طليعة من عُنوا بجمع أخبار الجاهلية وتدوينها ومن طريقهما عرفنا أمورًا عن العرب قبل الإسلام لم يذكرها غيرهما من الأخباريين، بالرغم من نواحي الضعف التي تظهر عليها، وبالرغم مما رميا به من الكذب والتزوير، والحق أننا نجد في رواياتهما، وخاصة روايات هشام. تناقضًا غريبًا في بعض الأحيان يُستغرب صدوره من رجل له علم ومعرفة وتمييز في الأمور (٢).\nومحمد بن السائب الكلبي ترجم له أئمة الجرح والتعديل وذكروا مختلف الأقوال فيه وخلاصة القول فيه ما قاله ابن حجر في ترجمته: النسابة المفسر متهم بالكذب ورمي بالرفض من السادسة مات سنة ١٤٦ هـ[تقريب / تر ٦٦٢٤].\nوأما ابنه هشام الكلبي فقد قال الذهبي في ترجمته: الأخباري النسابة العلامة قال الدارقطني وغيره متروك وقال ابن عساكر رافضي ليس بثقة وقال أحمد إنما كان صاحب سمر ونَسَب ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه وقال الذهبي في نهاية ترجمته وهشام لا يوثق به وقيل إن تصانيفه أزيد من مئة وخمسين مصنفًا مات سنة (٢٠٤ هـ) [ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان / تر ٩٧٣٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٥ - أبو معشر السندي: </span>(توفي سنة ١٧٠ هـ) واسمه نجيح بن عبد الرحمن وأخرج له الطبري في (١٠٩) مواضع من تأريخه وهو ضعيف من الطبقة السادسة أخرج له الأربعة [تقريب / تر ٧٩٩٤].\nوقال أحمد حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد ولكن أكتب حديثه أعتبر به [العلل ١/ ١٣٥].\n_________\n(١) التأريخ والمؤرخون (١٩١).\n(٢) مدخل إلى التأريخ الإسلامي / ٦٨٦ / نقلًا عن مجلة المجمع العلمي العراقي ١٩٥٢.","vol":"1","page":16},{"text":"وقد أخذ الواقدي من مغازيه وأخذ ابن سعد، بينما أخذ الطبري عن التأريخ (يعني تأريخ الخلفاء- على الحوليات] حتى توقف سنة ١٧٠ هـ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٦ - محمد بن عمر الواقدي: </span>(١٣٠ - ٢٠٧ هـ) نشأ في المدينة وأخذ العلم فيها ثم انتقل إلى العراق حتى توفي فيها.\nأخرج الطبري من رواياته فيما يقرب من (٣٠٠) موضع.\nوهذه أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه:\nقال أحمد بن حنبل: هو كذاب يقلب الأحاديث، وقال البخاري: متروك، وقال أبو حاتم والنسائي: يضع الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه وقال الذهبي: أحد أوعية العلم على ضعفه، وقال الذهبي في نهاية ترجمته: واستقر الإجماع على وهن الواقدي، وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه من التاسعة [تقريب / تر ٦٩٥١]، [ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان / تر ٨٤٥٧]، [الكامل ٦/ ٢٤١ / تر ١٧١٩]، [التأريخ الصغير ٢/ ٣١١]، [الجرح والتعديل ٨/ ٢٠].\nثم ظهرت في نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني الهجري طبقة من الأعلام ما بين أخباري ومؤرخ نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر [المدائني ١٣١ - ٢٢٥ هـ]، [ابن سعد ١٦٨ - ٢٣٠ هـ]، [خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ]، [عمر بن شبة النميري ١٧٢ - ٢٦٢ هـ]، ولقد أدرك الطبري رابعهم وهو عمر بن شبة ومن طريقه أخذ مرويات المدائني ومن طريق شيخه الحارث بن محمد أخذ مرويات ابن سعد في طبقاته الكبرى- وهذه نبذة مختصرة عن ثلاثة من هؤلاء الأعلام ودورهم في تطوير علم التأريخ عند المسلمين الأوائل:\n١ - علي بن محمد (أبو الحسن المدائني) (١٣١ - ٢٢٥ هـ):\nاعتبره الأستاذ شاكر مصطفى قمة الطور الأخباري السابق للتأريخ (٢) وأخرج الطبري من مروياته في أكثر من (٣٠٠) موضع وهذه أقوال العلماء فيه:\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون (٦٣).\n(٢) المصدر السابق (١٨٦).","vol":"1","page":17},{"text":"قال ابن معين: ثقة ثقة ثقة، وقال الطبري: كان عالمًا بأيام الناس صدوقًا في ذلك، وقال الذهبي: العلامة الحافظ الصادق الأخباري وقال أيضًا صدوق [سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٠١]، [ميزان الاعتدال ٣/ ١٥٣]، [تأريخ بغداد ١٢/ ٥٥].\nوقد كثرت مروياته عند الطبري وخاصة في تاريخ الخلافة على عهد الأمويين ثم العصر العباسي الأول- ولقد حصل الطبري على كتبه من طريق اثنين من شيوخه الثقات [عمر بن شبة وأحمد بن زهير بن حرب]. وهما من تلاميذ المدائني مع غيرهما كالزبير بن بكار وقال أحمد بن أبي خيثمة. كان أبي وابن معين ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب فمرّ رجل على حمارٍ فاره وبزّة حسنة فسلم وخص بسلامه يحيى فقال له يا أبا الحسن إلى أين ... إلخ فلما ولّى قال يحيى: ثقة ثقة ثقة، فسألت أبي من هذا؟ فقال: هذا المدائني [ميزان الاعتدال / تر ٦٣٦٧].\nوقال شاكر مصطفى [وقد اتبع المدائني في المنهج التأريخي طريقة المحدثين في نقد الروايات وإثبات الإسناد مما أعطاه لونًا من الثقة لدى الناس كما نظم المادة الواسعة التي وقعت له تنظيمًا متوازنًا خدم التأليف التأريخي وكان بذلك كله خطوة هامة في تطور عملية التأريخ ما أضحى المصدر الرئيسي للمؤرخين التاركين] (١).\nوقال الدكتور الدوري: وتصل دراسات الأخباريين قمتها عند المدائني (١٣٥ - ٢٢٥ هـ) وهو بصري استقرّ بعدئذ في بغداد ويظهر أثر الإسناد عليه أقوى ممن سبقه نتيجة للتطورات الثقافية ويظهر عنده الاتجاه نحو جمع أوسع وتنظيم أوفى للروايات التأريخية ... ويمثل المدائني درجة أعلى من أسلافه في البحث والدقة [بحث في نشأة علم التأريخ / ٣٩].\n٢ - محمد بن سعد البصري الزهري (كاتب الواقدي) ١٦٨ - ٢٣٠ هـ:\nيعتبر الإمام المحدث الثقة ابن سعد رائدًا من رواد كتابة التأريخ بنظام الطبقات لا الحوليات وقد بدأ بالسيرة النبوية الشريفة في كتابه الطبقات الكبرى ثم الصحابة ومن تلاهم من التابعين ومن بعد هؤلاء- وكان دقيقًا في كل طبقة فقد\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون (١٨٨).","vol":"1","page":18},{"text":"ذكر الصحابة حسب أسبقيتهم ثم هجرتهم أو نصرتهم، ثم مشاركتهم في معركة بدر ... إلخ مما هو معروف من طبقات الصحابة وخصص جزءًا من طبقاته لأعلام النساء [صحابيات وغيرهن].\nقلت: وإن كان معاصره خليفة بن خياط قد ألف كتابًا عرف باسم طبقات خليفة (١) إلا أن ابن سعد ﵀ فاق خليفة وغيره ممن جاؤوا من بعدهما فقد ميّز خليفة بين تسجيله الحولي لأحداث التاريخ وبين الطبقات بينما استطاع ابن سعد أن يمزج بين الطبقات مميزة الواحدة عن الأخرى وبين تأريخ الأحداث وتفاصيلها مستدة بطريقة أهل الحديث ولقد ردّ الأستاذ أكرم ضياء العمري قول من وصف الطبقات بأنها جلّها من طريق الواقدي المتروك وبين أن ابن سعد أخرج روايات كثيرة من غير طريق الواقدي، والباحث المنصف يتبين له ذلك.\nيقول الأستاذ أكرم ضياء العمري:\nولكن من الإجحاف لابن سعد أن نقتنع بقول ابن النديم عنه أنه صنف كتبه من تصنيفات الواقدي، لأن ابن سعد استقى من مصادر أخرى كثيرة حتى بلغ عدد شيوخه في الطبقات الكبرى أكثر من ستين شيخًا معظمهم من المحدثين ويزيد ما نقله عن أبي نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى العبسي ومعن بن عيسى الأشجعي مجتمعين على ما نقله عن الواقدي فكيف وقد نقل عن غيرهم أيضًا!! وبذلك يتضح ما في اتهام ابن النديم له من مجازفة وبعد عن الحق [عصر الخلافة / ١٢]، [وأشار العمري في الحاشية إلى رسالة جامعية بعنوان خلافة أبي بكر الصديق لعبد العزيز بن سليمان المقبل / ص ١٧].\n٣ - خليفة بن خياط العصفري (شباب):\nقال الذهبي في ترجمته: الحافظ الإمام أبو عمرو العصفري البصري المعروف بشباب محدث نسابة إخباري علامه صنف التأريخ والطبقات ... قال ابن عدي مستقيم الحديث صدوق من متيقظي الرواة [تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٦].\nوقال الذهبي أيضًا ليّنه بعضهم بلا حجة -وقال أيضًا: حدث عنه البخاري\n_________\n(١) اعتبر شاكر مصطفى خليفة وابن سعد أقدم من قسم رجال الطبقات على أمصارهم المصدر السابق / ص ٢٣٦.","vol":"1","page":19},{"text":"بسبعة أحاديث أو أزيد في صحيحه وكان صدوقًا نسابة عالمًا بالسير والأيام والرجال وثقه بعضهم وقال ابن عدي هو صدوق [سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٧٣].\nوقال ابن حجر في التهذيب [٣/ ١٦٠]: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنًا عالمًا بأيام الناس وأنسابهم ... قلت لم يحدث عنه البخاري إلا مقرونًا وإذا حدث عنه لمفرده علق أحاديثه وقال مسلمة الأندلسي لا بأس به اهـ.\nوقال أبو حاتم لا أحدث عنه هو غير قوي [الجرح والتعديل ٣/ ٣٧٨] وقال ابن حجر في التقريب [تر ١٩٠٩] صدوق ربما أخطأ وكان أخباريًا علامة من العاشرة مات سنة ٢٤٠ هـ / خ / اهـ.\nوقد اعتبره شاكر مصطفى من طليعة المؤرخين الكبار والذي ظهر في وقت مبكر (١).\nوضمن هذه الطبقة التي سبقت ظهور المؤرخين الكبار أئمة آخرون يطول ذكرهم ذكرنا بعضهم صمن شيوخ الطبري في التأريخ.\nالنصف الثاني من القرن الهجري الثالث وظهور المؤرخين الكبار أو العمالقة:\nقال الأستاذ عبد العزيز الدوري: وقد شهد النصف الثاني للقرن الثالث الهجري ظهور مؤرخين لاتحدهم مدرسة ولا اتجاه سابق بل حاولوا أن يستفيدوا من مواد السيرة ومن كتب الأخباريين والأنساب والمصادر الأخرى المتيسّرة وشملت دراستهم الأمة بصورة منظمة وكان عملهم في انتقاء المادة بعد النقد والفهم عامًا أو عالميًا (٢).\nويقول الأستاذ محمد الزحيلي: وفي القرن الثالث الهجري استوى علم التأريخ على سوقه (٣).\nويقول الأستاذ شاكر مصطفى: من نسميهم بالمؤرخين الكبار هم طبقة كاملة من مؤرخي النصف الثاني من القرن الثالث كانوا النهاية الطبيعية لخط من التطور\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٣٤.\n(٢) نشأة التاريخ / الدوري.\n(٣) الإمام الطبري / أعلام المسلمين / ص ٢٠٣.","vol":"1","page":20},{"text":"المستمر أصاب علم الأخبار وما يتصل به خلال أكثر من قرنين (١).\nوسنذكر ضمن هذه الطبقة على سبيل المثال لا الحصر أربعة من المعاصرين لبعضهم البعض وهم [يعقوب بن سفيان البسوي ٢٧٧ هـ]، [اليعقوبي أحمد بن إسحاق ٢٩٢ هـ]، [البلاذري أحمد بن يحيى ٢٧٩ هـ]، وأخيرًا [الطبري (محمد بن جرير) ٣١٠ هـ].\n١ - يعقوب بن سفيان البسوي الهمذاني الفارسي توفي سنة ٢٧٧ هـ عن بضع وثمانين سنة قال الذهبي في ترجمته: الحافظ الإمام الحجة وقال ابن عماد الحنبلي في ترجمته: أحد أركان الحديث: وقال الحاكم النيسابوري: إمام أهل الحديث بفارس [وقال ابن حجر ثقة حافظ من الحادية عشرة [تقريب / تر ٨٨١٦] [تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٢]، [شذرات الذهب ٢/ ١٧١]، [البداية والنهاية ١١/ ٦٠].\nوقال الأستاذ العمري في مقدمة تحقيقه لكتاب المعرفة والتأريخ [١/ ١٩] وتدلّ مؤلفات يعقوب على أنه كان معنيًا بالحديث وعلم الرجال والتأريخ والعقائد والرقائق وكان متقنًا في علمه واسع الاطلاع حتى ذكر أبو زرعة الدمشقي أن يحيى بن معين كان ينتخب منه في التأريخ اهـ.\nقلت وكعادة الأئمة الكبار فإن البسوي أكثر من الرحلة في طلب العلم ويكفي دلالة على ذلك ذكر أسماء المدن والبلدان التي زارها طلبًا للعلم [دمشق- حمص - فلسطين- مصر- مكة- العراق- ثم مصر وأخيرًا العراق].\nوقد اشتهر يعقوب بن سفيان البسوي بكتابه الضخم \"المعرفة والتأريخ\" وقد فقد منه جزء غير يسير والباقي مرتب على السنين ابتداء من سنة ١٣٦ هـ وإلى حوادث سنة ٢٤٢ هـ ويلحقه قسم يتناول تراجم الصحابة والتابعين.\nوقد شرح الأستاذ العمري أهمية الكتاب وموارده التاريخية وثناء العلماء عليه واقتباسهم منه ومنهم الخطيب وابن عساكر والذهبي وغيرهم وانظر لزامًا كتاب \"المعرفة والتأريخ\" تحقيق العمري من ص ٧ وإلى ص ٥٧].\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٠٢.","vol":"1","page":21},{"text":"٢ - اليعقوبي: أحمد بن إسحاق ٢٩٢ هـ: من أشهر من كتب في التأريخ الموضوعي لا على الترتيب الحولي -ولكنه لم يعتمد الإسناد في رواياته بل اكتفى بذكر الكتب التي اطلع عليها إجمالًا- وهو ممن يعبر عن فكرة التأريخ العالمي.\nوالعيب في اليعقوبي أنه مؤرخ منحاز لم يستطع أن يحافظ على الحياد المطلوب كما فعل الطبري ﵀ وكما سنبين في موضعه وقد كثرت الدراسات الحديثية حول المؤرخين المتقدمين ونذكر هنا رأي أستاذين كبيرين من أساتذة التأريخ في اليعقوبي هذا، الأول هو الأستاذ عبد العزيز الدوري إذ يقول فيه: [فهو في حديثه عن الراشدين والأمويين يظهر ميولًا علوية أحيانًا ويسهب في ذكر أقوال الأئمة وخطبهم ويعطي سيرهم عند ذكر وفياتهم ولعلنا نكون أدق إن قلنا إن وجهة نظره إمامية (١).\nوأما المؤرخ الثاني الذي خبر رواياته وأبدى رأيه فيها فهو الأستاذ أكرم ضياء العمري إذ يقول في اليعقوبي: مؤرخ شيعي إمامي ويقول أيضًا: ويتسم بالانحياز العقدي من ناحية أخرى (٢).\n٣ - البلاذري (أحمد بن يحيى) ٢٧٩ هـ:\nقال عنه الذهبي صاحب التأريخ المشهور من طبقة أبي داود السجستاني حافظ أخباري علامة [تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٩٢] اشتهر بكتابيه القيّمين فتوح البلدان - وأنساب الأشراف والحق يقال فإن أنساب الأشراف سفر تأريخي عظيم بلبوس الأنساب كما قال الأستاذ الدوري (٣):\nأما كتاب أنساب الأشراف فهو كتاب عام في التأريخ الإسلامي في إطار الأنساب وهو يمثل مزيجًا فَذًّا في الخطة والمادة، فخطته تجمع بين أساليب كتابة كتب الطبقات وكتب الأخبار وكتب الأنساب.\nويقول الأستاذ العمري:\nويُعَدُّ البلاذري أبرز المؤرخين المسلمين بعد الطبري من حيث سعة\n_________\n(١) نشأة علم التأريخ عند العرب للدوري / ٥٣.\n(٢) عصر الخلافة الراشدة / ١٦ - العمري.\n(٣) نشأة علم التأريخ عند العرب للدوري / ٤٩.","vol":"1","page":22},{"text":"المعلومات التي دوّنها والفترات التاريخية التي غطّاها لكن كتابه (أنساب الأشراف) أحسن انتقاءً للروايات وأنقى للأسانيد وأكثر اتفاقًا مع روايات أهل الثقة والصدق من تأريخ الطبري (١).\nقلت: ويعتبر البلاذري قمة التطور في علم الأنساب بدأ بالنسابة أبي اليقظان ١٩٠ هـ ثم هشام الكلبي (٢٠٤) والهيثم بن عدي (٢٠٦ هـ) ومصعب الزبيري (٢٣٣ هـ) وأخيرًا البلاذري (٢٧٩ هـ) وهؤلاء يشكلون المحطات البارزة ولا يعني أن غيرهم لم يكن له دور في سلم التطور التأريخي هذا بل هم كثيرون.\n٤ - الإمام المؤرخ المحدث المقسر محمد بن جرير (أبو جعفر) الطبري ٢٢٤ هـ-٣١٠ هـ:\nعصره: عاش الإمام الطبري رحمه الله تعالى في ظل الخلافة الإسلامية على عهد العباسيين ولم يتجاوز السابعة من عمره حتى انتهى عصر القوة العباسي وبدأ ما يسميه المؤرخون العصر العباسي الثاني.\nكان عصر الطبري من الناحية السياسية عصر خلاف ونزاع على السلطة المركزية بين اتجاهات مختلفة.\nوفي الوقت نفسه كان عصر ازدهار علمي بكل ما تعنيه الكلمة وكان سوق التبويب والتصنيف رائجًا حتى أن الحكام على اختلاف نزعاتهم كانوا يتوددون إلى العلماء ويتنافسون على دعمهم وتقريبهم من مجالسهم.\nولقد عاش الطبري ﵀ سبعة عقود (أو أقل) من عمره في القرن الثالث الهجري وعقده الأخير في مطلع القرن الرابع.\nويعتبر الباحثون القرن الثالث الهجري قرن المؤرخين الكبار أو العمالقة الذين مثلوا قمة النضج في كتابة التأريخ سواء كان بطريقة الحوليات أو مرتبًا حسب الحوادث السياسية أو على شكل طبقات أو أنسابٍ ... إلخ.\nوهذه أسماء أبرزهم:\n١ - ابن قتيبة الدينوري ت ٢١٣ هـ[صاحب كتابي عيون الأخبار والمعارف].\n_________\n(١) عصر الخلافة الراشدة / ١٣.","vol":"1","page":23},{"text":"٢ - ابن سعد صاحب الطبقات الكبرى ت ٢٣٠ هـ.\n٣ - خليفة بن خياط صاحب التأريخ ت ٢٤٠ هـ.\n٤ - أحمد بن إسحاق اليعقوبي ت ٢٩٢ هـ.\n٥ - يعقوب بن سفيان البسوي ت ٢٧٧ هـ.\n٦ - الطبري صاحب تأريخ الأمم والملوك ت ٣١٠ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>نشأته وطلبه للعلم ورحلاته:</span>\nيقول الطبري ﵀: حفظت القرآن ولي سبع سنين وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين (١) ولقد بدأ الطبري طلب العلم منذ سنّ مبكرة في مدينة آمل بطبرستان ثم الري حيث شيخه ابن حميد الرازي -وقد أرّخ العلماء بسنة ٣٦ هـ كبداية لطلبه العلم وكان عمره يومها (١٢) عامًا (٢).\nيقول تلميذه ابن كامل: [فأول ما كتب الحديث ببلده ثم الري وما جاورها، وأكثر من الشيوخ حتى حصل كثيرًا من العلم وأكثر عن محمد بن حميد الرازي وعن المثنى بن إبراهيم الآملي وغيرهما] (٣).\nويقول الطبري: [كنّا نمضي إلى أحمد بن حمّاد الدولابي وكان في قرية من قرى الرّي بينها وبين الري قطعة ثم نغدو كالمجانين حتى نصير إلى ابن حميد فنلحق مجلسه] (٤).\nوالدولابي مشهور بالمغازي والسير وله كتاب (المبتدأ والمغازي) وهذا يعني أن الاهتمام بالتاريخ قد شغل بال الطبري جنبًا إلى جنب مع التفسير والحديث.\nوتقول المصادر: إن الطبري قد اشتاق لرؤية الإمام الجليل أحمد بن حنبل في بغداد مدينة العلم، فشد الرحال ولكن الوفاة عاجلت الإمام أحمد فدخلها الطبري وقد توفي أحمد رحمه الله تعالى وذلك في سنة (٢٤١ هـ).\n_________\n(١) معجم الأدباء: ٦/ ٤٣٠.\n(٢) لسان الميزان نقلًا عن مسلمة بن القاسم [٥/ ١١٧ / تر ٧١٢٩].\n(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٤٩.\n(٤) المصدر السابق ١٨/ ٤٩.","vol":"1","page":24},{"text":"فجلس الطبري برهة في بغداد يكتب عن شيوخها ثم ارتحل صوب البصرة. وسمع من أشهر شيوخها ثم إلى الكوفة ثم إلى الشام ثم إلى مصر ثم عاد إلى بلده (طبرستان سنة ٢٩٠ هـ ثم عاد عندها إلى بغداد ليستقر فيها ويدوّن فيها أروع أسفاره (في التفسير ثم التأريخ) (١).\nيقول الخطيب البغدادي: استوطن الطبري بغداد وأقام بها إلى حين وفاته وكان أحد الأئمة الأعلام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أقوال العلماء فيه وترجمتهم له:</span>\nقال الخطيب البغدادي: كان أحد الأئمة الأعلام يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره وكان حافظًا لكتاب الله عارفًا بالقراءات بصيرًا بالمعاني فقيهًا في أحكلام القرآن عالمًا بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفًا باقوال الصحابة والتابعين إلى أن يقول: عارفًا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور في تأريخ الأمم والملوك وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة (٣).\nوقال الخطيب: حدثني محمد بن أحمد بن يعقوب قال أنبأنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ قال سمعت أبا بكر بن بالويه يقول: قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق يعني ابن خزيمة- بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: بلى كتبت التفسير عنه إملاءً. قال كله؟ قلت: نعم. قال: في أيّ سنة؟ قلت: في سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين. قال فاستعاره مني أبو بكر فرده بعد سنتين ثم قال: نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير (٤).\n_________\n(١) معجم الأدباء: ١٨/ ٥٦.\n(٢) تأريخ بغداد (٢/ ١٦٢).\n(٣) المصدر السابق (٢/ ١٦٢).\n(٤) المصدر السابق (٢/ ١٦٤).","vol":"1","page":25},{"text":"وقال الإمام السبكي الإمام الجليل المجتهد المطلق أبو جعفر الطبري من أهل آمل طبرستان أحد أئمة الدنيا علمًا ودينًا ومولده سنة أربع أو خمس وعشرين ومئتين طوّف الأقاليم في طلب العلم (١).\nوقال الحافظ الذهبي: الإمام العلم الفرد الحافظ أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان أكثر التطواف (٢).\nوقال عبد الله بن أحمد السمسار قال ابن جرير لأصحابه: هل تنشطون لتأريخ العالم قالوا كم يجيء فذكر نحوًا من ثلاثين ألف ورقة فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه فقال: إنّا لله، ماتت الهمم! ! فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة ولما أراد أن يملي التفسير قال لهم ذلك ثم أملاه على نحو من التأريخ (٣).\nوقال العلامة ابن خلكان: وكان ثقة في نقله وتأريخه أصح التواريخ وأثبتها (٤).\nوقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة الطبري: الإمام صاحب التصانيف المشهورة (٥).\n\nوذكر ابن عساكر بسنده الموصول إلى أبي سعيد بن يونس قوله: محمد بن جرير بن يزيد يكنّى أبا جعفر طبري من أهل آمل كان فقيهًا قدم إلى مصر قديمًا سنة ثلاث وستين ومئتين وحضب بها ورجع إلى بغداد وصنف تصانيف حسنة تدلّ على سعة علمه وكانت<span data-type=\"title\" id=toc-21> وفاته </span>ببغداد في العشر الأواخر من شوال سنة عشر وثلاثمئة (٦).\nوفاته: سبق أن ذكرنا قول من قال أنه توفي في سنة ٣١٠ هـ في شوال منها وذكر الخطيب البغدادي عن عيسى بن حامد بن بشر القاضي قال: مات محمد بن\n_________\n(١) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٢٢).\n(٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠).\n(٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٦٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٢) والذي في تاريخ بغداد أنه سألهم أولًا عن التفسير والله أعلم.\n(٤) وفيات الأعيان [٤/ ١٩١ / تر ٥٧٠].\n(٥) تأريخ دمشق (٥٢/ ١٨٨ / تر ٦١٦٠).\n(٦) تأريخ دمشق (٥٢/ ١٩١).","vol":"1","page":26},{"text":"جرير الطبري يوم السبت بالعشي ودفن يوم الأحد بالغداة في داره لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمئة (١).\nوقال الحافظ ابن كثير في ترجمة الطبري: وكانت وفاته وقت المغرب من عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمئة وقد جاوز الثمانين سنة بخمس أوست سنين (٢).\nوكذلك أرخ الحافظ الذهبي لوفاته بسنة (٣١٠) هـ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>شيوخه في التأريخ [تراجم أهم شيوخه وأشهرهم]:</span>\nلقد أخذ الطبري رحمه الله تعالى خلال رحلاته الطويلة والمتعددة من شيوخ أجلاء من البصرة والكوفة وبغداد ودمشق ومصر- وهذه تراجم لبعض شيوخه في التأريخ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>١ - أحمد بن حمّاد الدولابي:</span>\nمن أوائل شيوخه في بلده طبرستان قبل أن يبدأ برحلاته البعيدة وهو صاحب كتاب [المبتدأ والمغازي] وهو والد الدولابي صاحب الكنى والأسماء [تذكرة الحفاظ ٢/ ٢٩١]، [الجرح والتعديل ١/ ١ / ٤٩].\nوأحمد بن ثابت الرازي- فرخويه (راجع فرخويه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢ - أحمد بن زهير بن حرب (ابن أبي خيثمة) توفي ٢٧٩ ه</span>ـ:\nأخذ الرواية عن أحمد بن حنبل والمدائني -قال الخطيب- كان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا بصيرًا بأيام الناس وقال: ولا أعرف أغزر فوائد من تأريخه وقال الفرغاني: له معرفة بأيام الناس وأخبارهم وقال ابن أبي حاتم: كتب إلينا وهو صدوق [لسان الميزان / تر ٥٦٣/ ٣٧٩]، [الجرح والتعديل ٢ / تر ٥٧].\nقلت: وقد روى عنه الطبري في (٨٠) موضعًا من تأريخه.\n_________\n(١) تأريخ بغداد (٢/ ١٦٦).\n(٢) البداية والنهاية (٩/ ١٤).\n(٣) ميزان الاعتدال (تر ٧١٩٠).","vol":"1","page":27},{"text":"وهو يشكل حلقة وصل بينه وبين المدائني وكتبه -وأكثر مروياته تبدأ من أيام هشام بن عبد الملك إلى أحداث سنة ١٣٧ هـ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٣ - بشر بن معاذ العقدي البصري الضرير:</span>\nقال أبو حاتم صالح الحديث صدوق وقال ابن حجر صدوق من العاشرة مات سنة بضع وأربعين [الجرح والتعديل ٢/ ٣٦٨]، [تقريب التهذيب / تر ٧٩٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٤ - الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي -صاحب المسند</span>-:\nقال الدارقطني: قد اختلف فيه أصحابنا وهو عندي صدوق وقال ابن حزم ضعيف وليّنه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية، وذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي: كان حافظًا عارفًا بالحديث عالي الإسناد تكلّم فيه بلا حجة [ميزان الاعتدال ١/ ٤٤٢ / تر ١٦٤٤]، [الثقات ٨/ ١٨٣]، [سؤالات الحاكم للدارقطني ١١٤ / تر ٩١]، [لسان الميزان ٢ / تر ٢٢٣٤].\nقلت: وقد روى عنه الطبري في أكثر من (١١٠) مواضع وأهميته بالنسبة للطبري أنه حلقة الوصل بينه وبين صاحب الطبقات الكبرى ابن سعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٥ - السري بن يحيى التميمي الكوفي (أبو عبيدة):</span>\nوهو ابن أخي الهناد بن السري كان يراسل الطبري وابن أبي حاتم وقد التقى الطبري وأخذ عنه الطبري مشافهة ولكن قليلًا وأغلب ما رواه عنه الطبري بالمراسلة [وكتب إليّ السري قال:]. والسري هذا ترجم له ابن أبي حاتم وقال: لم يُقض لنا السماع منه وكتب إلينا بشيء من حديثه وهو صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني صاحب كتاب الفتوح لسيف بن عمر [الثقات ٨/ ٣٠٢]، [المؤتلف والمختلف / ١٣٦٧]، [الإكمال ٥/ ١٠].\nوقد ذكره الأستاذ جواد علي في بحثه القيّم [موارد تأريخ الطبري] الذي نشر في أعداد من مجلة المجمع العلمي العراقي قباى نصف قرن من الزمان- ولكنّه لم ينصفه فقال: والظاهر من سكوت ابن النديم وصحاب التراجم عن ذكر شعيب بن إبراهيم (شيخ السري بن يحيى) والسرّي أنهم لم يكونا من أصحاب التأليف وإنما كانا من رواة سيف والظاهر أيضًا من تأريخ الطبري أن كتب سيف كانت عند","vol":"1","page":28},{"text":"السري بن يحيى وأن الطبري قرأ أجزاء منها على السري وأخذ قسمًا منها كتابة منه]، [مجلة المجمع العلمي / ١٩٥٢].\nقلت: أما شطر كلامه الأخير فصحيح لا غبار عليه أما قوله [سكوت ابن النديم وأصحاب التراجم عن ذكر السري بن يحيى، فغير صحيح فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما ذكرنا قبل قليل وعدّله ابن أبي حاتم (وهو معروف بتشدده في الرجال) وقال عنه أنه صدوق وذكره الدارقطني في المؤتلف والمختلف وقال صاحب كتاب الفتوح سيف بن عمر: وقد ذكر أصحاب التراجم أنه أخذ الرواية والحديث من قبيصة وأبي غسان وعثمان بن زفر ثم إن العدد (٢٤١) قليل بالنسبة لمروياته في تأريخ الطبري فقد روى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٦ - عبيد الله بن سعد الزهري: ثقة من الحادية عشرة توفي سنة ٢٦٥ ه</span>ـ وله (٧٥) سنة أخرج له البخاري والنسائي والترمذي [تقريب / تر ٤٨٢٠] وأخرج له الطبري (٤٥) رواية ويمثل عبيد الله هذا حلقة وصل أخرى بين الطبري وبين مرويات سيف بالإضافة إلى السريِّ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٧ - عمر بن شبة النميري [صاحب كتاب تأريخ المدينة]:</span>\nالأخباري النحوي -نزيل بغداد- صدوق له تصانيف من كبار الحادية عشرة توفي سنة ٢٦٢ هـ وقد جاوز التسعين [تقريب التهذيب / تر ٥٥٢٦] وقال الخطيب في ترجمته ثقة [تاريخ بغداد / ١١/ ٢٠٨].\nوقال ابن حبان: مستقيم الحديث وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بتأريخ الناس [الثقات ٨/ ٤٤٦].\nقلت: ولقد أخرج الطبري عن شيخه هذا (عمر بن شبة) أكثر من مئتي رواية جُلّها عن تأريخ الخلافة الإسلامية في عهد الأمويين وبداية العباسيين -وعمر بن شبة طريق آخر للطبري للوصول إلى مرويات الأخباري المشهور المدائني-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٨ - عمرو بن علي الفلاس الباهلي البصري:</span>\nوثقه النسائي وقال الحافظ ابن حجر: ثقة من العاشرة توفي سنة ٢٤١ هـ[تاريخ بغداد / ١٢/ ٢٠٧]، [التقريب / تر ٥٧١٤].","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>٩ - فرخويه (أحمد بن ثابت) الرازي:</span>\nقال ابن أبي حاتم عن أبي العباس بن عبد الله الطهراني: لا يشكون أنه كذاب [ميزان الاعتدال / تر ٣١٤]، [لسان الميزان / ٤٦١].\nوقد أخرج الطبري عنه في أكثر من (١٠٠) موضع وخاصة فيما يتعلق بحج الخلفاء أو من ينوب عنهم من الأمراء في كل سنة.\nالطبري في أكثر من (٤٠٠) موضع والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٠ - محمد بن بشار (بندار) البصري: </span>الحافظ أحد أعلام السنة قال أبو حاتم وغيره: صدوق وقال الذهبي: احتج به أصحاب الصحاح كلهم وهو حجة بلا ريب وقال أيضًا: كان من أوعية العلم ... روى عنه الأئمة الستة وابن خزيمة وابن صاعد والناس وقال العجلي: ثقة كثير الحديث وقال ابن حجر: ثقة من العاشرة توفي ٢٥٢ هـ وله بضع وثمانون سنة [تقريب / تره ٦٤٥٥]، [ميزان الاعتدال / تر ٧٢٦٩]، [الجرح والتعديل ٧/ ٢١٤]، [الثقات: ٩/ ١١١].\nأخرج الطبري من مروياته في (٣٦) موضعًا من تأريخه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>١١ - محمد بن حميد الرازي: </span>أكثر عنه الطبري في تأريخه فأخرج له في أكثر من (٤٢٠) موضعًا وهو ضعيف عند جمهور أئمة الحديث وتبدأ مروياته بالحديث عن بدء الخليقة وتكثر بصفة خاصة في السيرة النبوية الشريفة ومن بعد في تأريخ الخلفاء الراشدين.\nقال البخاري: فيه نظر وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير وكذّبه أبو زرعة وقال صالح بن جزرة: كان يأخذ أحاديث الناس شي قلب بعضه على بعض توفي سنة ٢٤٨ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٢ - محمد بن العلاء الهمداني الكوفي الحافظ (أبو كريب): </span>توفي سنة ٢٤٨ هـ مشهور بكنيته ثقة حافظ من العاشزة مات سنة سبع وأربعين ومئتين وهو ابن سبع وثمانين سنة أخرج له الستة [تقريب / تر ٦٩٨٥]، [الجرح والتعديل ٨/ ٥٢].\nأخرج الطبري من طريقه روايات كثيرة متناثرة بين العهود المختلفة.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>١٣ - محمد بن المثنى بن عبيد الله بن قيس العنزي البصري: </span>ثقة ثبت من العاشرة وكان هو وبندار فرسي رهان وماتا في سنة واحدة أخرج له الستة [تقريب / تر ٧٠٥٠] وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا احتج سائر الأئمة بحديثه [تأريخ بغداد ٣/ ٢٨٣].\nقلت: ولم يكثر الطبري عنه في تأريخه فقد بلغت مروياته (٣٥) أو أكثر بقليل وتبدأ مروياته بتأريخ ما قبل البعثة وتنتهي بعهد عمر بن الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٤ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي صاحب المسند: </span>ثقة من العاشرة توفي سنة ٢٥٢ هـ وله ست وتسعون سنة وكان من الحفاظ أخرج له الستة وقال الخطيب كان ثقة متقنًا [تقريب / تر ٨٨٠٩]، [تأريخ بغداد / ١٤/ ٢٧٧].\nوأخرج عنه الطبري في أكثر من ثلاثين (٣٥) موضعًا من تأريخه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>١٥ - يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري: </span>ثقة من صغار العاشرة توفي سنة ٢٦٤ هـ وله ست وتسعون سنة أخرج له مسلم والنسائي وأخرج له الطبري في (٣٢) موضعًا من تأريخه [تقريب التهذيب / تر ٨٩٢٠].\nولا نريد أن نحصي في هذه المقدمة شيوخ الطبري في تأريخه وإنما ذكرنا أشهر شيوخه ثقاتٍ كانوا أو ضعفاء وقد ترجمنا لجميع شيوخه في كتابنا [رجال تأريخ الطبري جرحًا وتعديلًا].\nوكثرة شيوخ الطبري في التأريخ تدلّ على غزارة مصادره في التأريخ وتنوع طرقه وذلك سبب من أسباب اشتهار كتابه رحمه الله تعالى واعتماد المؤرخين من بعده عليه.\nوأخيرًا الطبري مؤرخًا ومنهجه في التأريخ ما له وما عليه:\nكان لا بد من المقدمة السابقة حتى نفهم التطور في علم التأريخ الذي أدى بالنتيجة إلى ظهور الإمام المؤرخ الطبري ضمن جيل المؤرخين العمالقة ولقد بلغ به التدوين التأريخي نهاية عمر التكوين والنشأة (١).\nولكي نفهم الجوانب الإيجابية لتأريخ الطبري والمآخذ التي أخذت عليه نبدأ\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٣ /.","vol":"1","page":31},{"text":"بسرد الصفات الإيجابية والسلبية ولكن قبل ذلك نعرج على موارد الطبري في تأريخه.\nفنقول:\n١ - موارد الطبري متنوعة وغزيرة ومختلفة المشارب.\n٢ - ولقد شاركت جميع الكتب والمرويات المحفوظة التي سبقت الطبري في نسج لحمة تأريخ الطبري ومئات الروايات التي رواها الأخباريون من قبله حفظها الطبري من الضياع فاندثرت أصول كتبهم وصحفهم وأبقى الله لهذه الأمة تأريخ الطبري يحوي بين جنباته جلّ تلك الروايات ولقد تحدثنا عن أولئك الأخباريين وذكرنا حلقات الوصل بينهم وبين الطبري من شيوخه الثقات والضعفاء ولقد كتب المعاصرون أبحاثًا حول موارد الطبري في تاريخه وأسانيده إلى رواة الأخبار وفي مقدمتهم الدكتور جواد علي الذي نشر له حلقات بعنوان موارد الطبري في تأريخه في مجلة المجمع العلمي العراقي قبل نصف قرن من الزمان وقبل عقد ونصف أو يزيد كتب الأستاذ عماد الدين خليل فصلًا عن أسانيد الطبري فيما يتعلق ببدايات العباسيين والبحثان قيّمان لا يستغني عنهما كل باحث في هذا المجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ميزات منهج الطبري في تأريخه:</span>\n١ - الترتيب الحولي للحوادث ولعلّه تأثر بسلفه خليفة بن خياط رحمه الله تعالى في ذلك فقد راعى الطبري ترتيب الوقائع والأحداث ترتيبًا زمنيًا سنة بعد سنة من مبعثه ﵊ حتى سنة ٣٠٢ هـ.\n٢ - اعتماد الإسناد والرواية وذلك من صفات تأريخ الطبري الإيجابية إذ سهّل على النقاد من بعده نقد الرواية داخليًا وخارجيًا كما يسميه المؤرخون المعاصرون ... وكما يقول أهل الحديث ... -نقد السند والمتن- وقد حرص الطبري على بيان صيغة التلقي فإن كانت مشافهة قال حدثني أو حدثنا أو أخبرنا وإذا كان مراسلة قال كتب إليّ وإذا أخذ من كتاب ذكر اسم مؤلفه (قال المدائني- أو ذكر الواقدي ... إلخ).\nولكن الإسناد يختفي تدريجيًا كلما اقتربنا من نهاية كتابه.\n٣ - تنوع المصادر وغزارتها: إن الدارس لروايات الطبري يستغرب من كثرة","vol":"1","page":32},{"text":"الطرق التي حصل عليها الطبري للوصول إلى تفاصيل الأحداث ولكن هذا الاستغراب يزول إذا ما تذكرنا كثرة أسفاره ﵀ بين طبرستان وبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومصر والحجاز مما سهّل له الالتقاء بجمع غفير من الشيوخ أصحاب الميول المختلفة والمنتمون إلى مدارس عدّة.\n٤ - استطاع الطبري ﵀ أن يحافظ على حياديته كمؤرخ ثقة لا تجتذبه الميول إلى هذا التيار أو ذاك حتى أنه وهو السني في مذهبه نقل كثيرًا من روايات الشيعة والرافضة والمعتزلة والقدرية بينما لم يستطع كثيرون من الكبار أن يكونوا حياديين فاليعقوبي إمامي شيعي في تأريخه والمسعودي لم يستطع المحافظة على حياديته كمؤرخ وهكذا يقول شاكر مصطفى لم يمل الطبري مع أيّ هوى في إيراد الأخبار التأريخية الإسلامية وكان حياده في الغالب عن ورع ودقة علمية (١).\nاعتبر الطبري التأريخ الإسلامي ممتدًا من نزول آدم وهبوطه على الأرض ثم مرورًا يقصص الأنبياء وتأريخهم إلى مبعث خاتم الأنبياء ﵊ وعروجًا على سيرته وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده وتأريخ الخلافة في عهد الأمويين وأخيرًا تاريخ الخلافة في عهد العباسيين.\nوهذا الصنيع من الطيري تفسير إسلامي للتأريخ نابع من الثوابت المؤكدة في الكتاب والسنة فآدم أبو البشر ونوح أبو الأنبياء والأنبياء كلهم موحدون وإبراهيم - ﵇ - هو الذي أطلق كلمة مسلم على الأمة كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ والطبري بذلك صاحب نظرة عالمية إلى التاريخ ولذلك لا نتفق مع الأستاذ شاكر مصطفى في كتابه القيّم (التأريخ العربي والمؤرخون) حين يقول:\nكان فهمه للتأريخ العالمي أضيق من فهم بعض المؤرخين السابقين له كاليعقوبي مثلًا أو ابن قتيبة فتأريخ العالم عنده محدود بالخط الذي يصل ما بين الأنبياء والعهد الجاهلي عبر الساسانيين وتاريخ اليمن ثم يأتي التأريخ الإسلامي تتويجًا ضخمًا لكل ذلك التاريخ.\nالتأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٦.\nالمصدر السابق / ٢٦٠.","vol":"1","page":33},{"text":"٦ - اختتم الطبري عهد كل خليفة بسيرة موجزة عن حياته بعيدًا عن الحوليات مع ذكر شيء من حياته الأسرية ومناقبه أو مثالبه.\n٧ - ولأنه رتب التأريخ بنظام الحوليات فقد أعطى مساحة كافية للخلفاء الذين حكموا عقدين من الزمان كما في حالة سيدنا معاوية وهشام بن عبد الملك فكان دقيقًا في هذا التوزيع وإن كان له جانب سلبي فيما يخص مراحل التاريخ بصورة عامة كما سنذكر إلّا أنه في هذا الجانب المتعلق بسيرة الخلفاء خاصة أعطى مساحة لكل خليفة يناسب السنين التي حكم فيها بينما نجد مؤرخين كبارًا أعطوا مساحة واسعة لخليفة بينما خصصوا مساحة أصغر بكثير لخليفة آخر ولو كان لراشدًا! ! !\nفالمسعودي مثلًا وهو صاحب مروج الذهب (ت ٣٤٦) خصص أقل من عشرين صفحة لخلافة سيدنا عثمان محشوًا بالطعن في عدالة الصحابة بينما استغرق حديثه عن خلافة سيدنا علي أكثر من ثمانين (٨٠) صفحة ومع ذلك قال في نهاية عهد سيدنا علي: وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب أو يبلغه إسهاب مسهب أو إطناب مطنب (١).\nعلمًا بأن مدة خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ كانت اثنتي عشرة (١٢) سنة بينما مدة خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ لا تصل إلى نصف هذه المدة لأنه بويع في سنة ٣٥ هـ واستشهد في سنة ٤٠ هـ أي أقل من نصف المدة التي قضاها في الحكم سيدنا عثمان بينما اختصر المسعودي مدة اثنتي عشرة سنة من حكم خليفة راشد هو عثمان في أقل من عشرين صفحة بينما أعطى مساحة (٨٠) صفحة لعهد سيدنا علي (الخليفة الراشد الرابع) أي أنه اختصر المسافات والسنين ففقد وسطيته وحياده حتى في إعطاء السنين حقها بينما لم يفعل الطبري مثل المسعودي.\n٨ - استطاع الطبري أن يحشد قصائد وأبيات شعرية من روائع الشعر العربي تضاف إلى الأدلة الأخرى من الرواية الخبرية تقوية لأدلته رحمه الله تعالى ويعتبر كتابه بذلك توثيقًا لمئات من الأبيات الشعرية لشعراء فحول أي أنه مزج الأدب مع\n_________\n(١) مروج الذهب / ٢/ ٤٣٧.","vol":"1","page":34},{"text":"التأريخ مع علم الإسناد متزامنًا مع تنوع المصادر فكان نسيج وحده رحمه الله تعالى واستحق أن يتربع على قمة التطور التأريخي في نهاية القرن الهجري الثالث.\n٩ - فيما يتعلق بتأريخ الروم والفرس: حفظ الطبري لتلك الأمم جزءًا كبيرًا من تأريخهم وذلك رصيد يضاف إلى الذخيرة التأريخية لديهم فالطبري ناقل أمين نقل التأريخ الروماني والفارسي من مصادرهم بعد الترجمة ولم يغيّر منها شيئًا بحجة أنهم ليسوا جزءًا من الأمة الإسلامية بل أدى الأمانة كما وصلت إليه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.\nبينما ترجم كثير من المستشرقين التأريخ الإسلامي إلى لغتهم وحرّفوا كثيرًا من الحقائق التأريخية وشوّهوها ولكن الله قيّض لهذه الأمة رجالًا كابن العربي والذهبي وابن حجر وابن كثير وابن خلدون والعلامة شاكر ومحب الدين الخطيب ومن جاء من بعدهم فحفظوا لنا تأريخ الأمة فجزاهم الله خيرًا.\nولقد أثنى الباحثون على تسجيل الطبري للأحداث السياسية الجسام التي حدثت لملة الروم وغيرهم قبل الإسلام:\nيقول الأستاذ شاكر: إنه كان دقيقًا في تاريخ الروم دقة تدعو إلى العجب مع قلة المصادر حوله في هذا الموضوع فقد ذكر أباطرة الروم والرومان قبلهم حتى عصر هرقل وهم واحد وستون عدا من اشتركوا مع أبنائهم أو غير أبنائهم ومدة حكمهم جميعًا ستة قرون وبضع سنوات ويدهش الباحث من صحة المعلومات التي أوردها ومن دقتها وترتيبها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>النقد الموجّه لتأريخ الطبري:</span>\n١ - اختفاء النقد إلا في حالات نادرة جدًّا صحيح أن الطبري يورد الآراء المختلفة والروايات المتضاربة في المسألة الواحدة لكي تسهل المقارنة بينها بغية الوصول إلى حقوقه الواقعة التأريخية وصحيح أنه يشكك أحيانًا في أمور معينة فيقول: وزعم الواقدي مثلًا إلّا أنه لم يحكم على الأسانيد والمتون إلّا في حالات نارة جدًّا.\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٦.","vol":"1","page":35},{"text":"يقول الأستاذ شاكر مصطفى عند تقييمه لمنهج الطبري في تأريخه:\n[وأهم ما يؤخذ على الطبري في منهجه: ضمور النقل عنده- كان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (١).\nويقول الأستاذ أكرم العمري [ويذكر الطبري روايات تأريخه بالإسناد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين لكنه لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة بل ترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفيًا بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها وبذلك حفظ لنا مادة تأريخية واسعة تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة قبل اعتمادها في التدليل والتعليل لأنها تمثل مدارس فكرية وسياسية متنوعة فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث (٢).\nقلنا: إن مجرد وجود الروايات المنكرة (في تاريخ الطبري) أو المستشنعة والتي لا أصل لها من الصحة حسب تعبير الطبري نفسه وتراكمها لقرون طويلة دون تمييزها إلى صحيح وضعيف أدّى بالنتيجة إلى ترسيخ أباطيل وأوهام وطاقات في أذهان الناس عن أحداث التاريخ الإسلامي ولكن لا حقيقة لها في الأصل أو كما قال الطبري لا أصل لها من الصحة ولا بأس أن نذكر هنا مقولة شيخ من شيوخنا الأجلاء ألا وهو الشيخ صادق المزوري (وهو من أقران الدكتور القرداغي ومن كبار تلاميذ الشيخين مصطفى البنجويني وطاهر البرزنجي) وكان يتحدث عن روايات الطبري الكبير وما في صفحاته من أخبار غير صحيحة لا بد من بيانها فقال إن الطبري عُرِف كإمام ثقة في الفقه والتفسير والحديث فلما أن كتب تأريخه الضخم وانتشر بين الناس بعد وفاته أعطى الناس لمروياته تمام الثقة اهـ.\nقلنا: ولم ينتبهوا إلى تحذيره وهو أي الطبري من الأخذ بكل ما جاء في تأريخه فلم يعتد الناس بما في مقدمة تأريخه ولكن أخذوا بعين الاعتبار أنه محدث ثقة حافظ فصدقوا كل ما في تأريخه وتلك مصيبة تركت أثرها في كتابة التأريخ الإسلامي إلى يومنا هذا.\n٢ - عدم التركيز أو الاهتمام اللازم بوقائع تأريخية هامة كبناء المسجد النبوي\n_________\n(١) التاريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٩.\n(٢) عصر الخلافة الراشدة / ١٩.","vol":"1","page":36},{"text":"لأول مرة وفتح الأندلس والخلافة الأموية في الأندلس ... وغير ذلك.\nوفي المقابل سلّط الطبري الأضواء على تفاصيل وأعطاها أكثر من اللازم وأورد مرويات بعضها متكررة ومتشابهة.\n٣ - تجزئة الأحداث التأريخية وتوزيعها بين السنين لأنه رتب التأريخ ترتيبًا حوليًّا. ولذلك تراه يترك الحديث عن واقعة معينة ثم يعود إليها بعد حين فلا تكتمل الصورة بل تتجزأ بين السنين وذلك العيب تفاداه اليعقوبي والمسعودي لأنهما لم يجزّئا الواقعة بين السنين.\n٤ - يقطع الطبري أحيانًا رواية أخباري معين كأبي مخنف ليذكر في وسط الرواية مثلًا رواية أخباري آخر روى نفس الواقعة ولكن بشكل مختلف- ولو أنه انتهى من رواية الأخباري الأول مثلًا ثم بدأ برواية الثاني لتكونت لدى القارئ صورة متكاملة من الطريق الأول ثم من الثاني وهكذا.\nولقد ذكر الأستاذ شاكر هذين الأمرين فقال [كان (أي الطبري) يقطع الأحداث بالروايات المتعددة وبالسنين على السواء. ويشرد في الحديث إلى أخبار عارضة تقطع الخبر الأصلي مما جعل تأريخه يفتقر إلى الموحدة وارتباط السياق] (١).\nوالحق يقال فإن ابن الأثير نبّه إلى هذا المأخذ فقال ﵀ في مقدمة الكامل [ورأيتهم يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يكمل منها غرض ولا تُفهم إلا بعد إمعان النظر.\nوكذلك النويري في مقدمة كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب قد أشار إلى هذا المأخذ وقال: إنَّ تقطيع الحادثة على السنين يقطع على المطالع لذة متابعة الحادثة وإتمام الصورة الكاملة ونحو ذلك.\n٥ - الإكثار من الحكايات الخرافية وخاصة عند حديثه عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وتأريخ العرب قبل الإسلام وأخذ كل ذلك من الروايات الإسرائيلية وخالف أحيانًا صريح الكتاب والسنة ﵀ دون أن يشعر فالله سبحانه لم يبين لنبيه وخليله متى تنتهي هذه الدنيا وتقوم الساعة قال تعالى: ﴿قُلْ\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦٠.","vol":"1","page":37},{"text":"إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ ولكن الطبري ﵀ أسرف في ذكره لعشرات الروايات التي تتحدث عن عمر هذه الدنيا ومن سلبيات هذا الإسراف في الاستشهاد بالإسرائيليات أنه ابتعد في أحايين كثيرة عن الأهداف الكبرى من القصص القرآني وخاصة فيما يتعلق بالأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الطبري والتفسير الإسلامي للتأريخ:</span>\nلقد ذكر بعض الأساتذة المعاصرون ومنهم الأستاذ شاكر ضمن مآخذهم على أن الطبري متأثر بالنظرة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية ... فهو عنده تعبير عن المشيئة الإلهية أولًا ثم مستودع خبرات عليا للأمة الإسلامية تكشف عن وحدة هذه بقدر ما تبيّن قيمة تجاربها ووحدة رسالتها التأريخية (١).\nقلنا وهذا من إيجابية منهجه ﵀ فهو المفسر المحدث الفقيه ولا بد له من تفسير التأريخ تفسيرًا إسلاميًا وإن كان الطبري لم يتحدث بالتفصيل عن هذا التفسير إلا أنه أشار إلى ذلك في مقدمة تأريخه ولعلَّه طبق ذلك أثناء سرده لأحداث التأريخ إلا أن أول تصنيف في التفسير الإسلامي في التأريخ بدأ بظهور ابن خلدون وكتابه القيم [المقدمة] كما سنذكر فيما بعد.\n٦ - أوجز الحديث عن وقائع عصره وأهمل ذكر أسماء الذين أخبروه بتلك الوقائع لأسباب معينة.\n٧ - عدم ذكره لأسماء الكتب التي أخذ منها بعد اطلاعه عليها ودراستها عن طريق شيوخه الذين شكلوا حلقة الوصل بينه وبين أصحاب هذه الكتب كالمدائني وعوانة بن الحكم وابن سعد وغيرهم.\n٨ - أكثر من الأخذ عن بعض المتروكين والتالفين ومن اتهموا بالكذب وذلك في وقائع وأحداث خطيرة كالفتن.\nنقد الرواية التأريخية ومسألة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي:\nنستطيع أن نقول: إن الإمام الطبري ﵀ (وهو المحدّث والمؤرخ) فتح الباب على مصراعيه لنقد الرواية التاريخية وذلك لسببين:\n_________\n(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦١.","vol":"1","page":38},{"text":"الأول: استخدم الطبري الإسناد والرواية وبذلك جعل سند الرواية التأريخية ومتنها عرضة للنقد.\nالثاني: فتح الطبري باب النقد مرة أخرى عندما نبّه في مقدمته إلى وجود روايات تأريخية غير صحيحة وذلك بقوله:\n[فما يكن من كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا صحيحًا ولا معنىً في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنما أوتي من بعض ناقليه إلينا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا] (١).\nولكن الطبري رحمه الله تعالى مع إقراره هذا بوجود أخبارٍ غير صحيحة في تأريخه لم يستخدم النقد خلال تأريخه الطويل إلا في حالات نادرة جدًّا (بالنسبة لكثرة الروايات).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>وهذا مثل نادر من أمثلة نقد الرواية التاريخية عند الطبري:</span>\nذكر الطبري ضمن أحداث سنة ١٢ هـ فتح ميناء الأُبُلة وتمصير البصرة من رواية سيف بن عمر التميمي (الأخباري الضعيف) (٣/ ٣٥٠) ثم علق الطبري نفسه على هذه الرواية فقال: وفي هذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر ﵁ وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله [تاريخ الطبري ٣/ ٣٥٠].\nقلت: وقد تحدث الطبري في موضع آخر (٣/ ٥٩٠) عن فتح ميناء الأبلة وتمصير مدينة البصرة بسند صحيح.\nوفيما عدا حالات نادرة جدًّا فقد ترك الطبري نقد الرواية التأريخية حتى قال أحد المعاصرين وهو الأستاذ شاكر مصطفى وهو يصف الطبري: [ومما يؤخذ على الطبري في منهجه ضمور النقد عنده وكان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (٢).\n_________\n(١) تأريخ الطبري ١/ ٧.\n(٢) التأريخ العربي والمؤرخون ٢٥٩.","vol":"1","page":39},{"text":"وبمرور الزمن ظهر بين المحدثين والمؤرخين وحتى الفقهاء والمفسرين من نادى بضرورة تمحيص الروايات التأريخية ابتداءً بالإمام المالكي القاضي ابن العربي ومرورًا بابن تيمية والحافظ الذهبي ثم ابن خلدون والحافظان ابن حجر وابن كثير.\nيقول الدكتور محمد السلمي: [ومن أبرز من تصدى لإيضاح المغالط التأريخية وردّ زيوف الروايات المكذوبة، القاضي ابن العربي في كتاب العواصم، والإمام ابن تيمية في كثير من كتبه ورسائله خاصة كتابه القيم منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية وكذا الحافظ الناقد الذهبي في كثير من مؤلفاته التأريخية مثل كتاب سير أعلام النبلاء وتأريخ الإسلام ومشاهير الأعلام وميزان الاعتدال في نقد الرجال وأيضًا الحافظ ابن كثير المفسر المؤرخ في كتابه البداية والنهاية وأيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري وكتاب لسان الميزان وتهذيب التهذيب والإصابة].\nقلت: إن نقد الرواية التأريخية والذي تطور أخيرًا ليصل إلى فكرة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ثم بلورة منهج واضح المعالم لهذه الإعادة هي في الحقيقة عمل تراكمي جماعي وكتاب العواصم من القواصم أنموذج صغير ونادر لإعادة كتابة التأريخ دون أن يكون هذا المصطلح معروفًا يومها ولكن الفكرة والمنهج أفصح عند العلامة المؤرخ ابن خلدون الذي مثل في مقدمته منهج المؤرخ الملتزم والذي يعتبر (باعتراف المستشرقين) مؤسس علم التأريخ.\nولا بد لكل باحث يطرق هذا الباب أن تكون لديه فكرة عن منهج ابن خلدون هذا. يقول العلامة ابن خلدون ﵀ وهو يتحدث عن علم التأريخ قائلًا: [فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبه إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط].\nويقول أيضًا: [وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة والوقوف","vol":"1","page":40},{"text":"على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيّما في إحصاء الأعداد في الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردِّها إلى الأصول وعرضها على القواعد (١).\nثم ذكر ابن خلدون بعضًا من الأسباب التي تقتضي الكذب في الأخبار ومنها:\n١ - التشيّعات للآراء والمذاهب.\n٢ - الثقة بالناقلين.\n٣ - الذهول عن المقاصد.\n٤ - توهم الصدق.\n٥ - الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والضعة.\n٦ - التقرّب لأصحاب التجلة والمراتب.\nثم ذكر ابن خلدون في مقدمته أمثلة كثيرة من أمثلة النقد التأريخي ابتداءً من قصص بني إسرائيل وانتهاءً بالخلافة في عهد العباسيين ومنها قصة العبّاسة مع جعفر بن يحيى بن خالد وبيّن ابن خلدون زيف القصة التي حاكها الوضاعون في هذه المسألة ومسألة نكبة البرامكة. وسنعود مرة أخرى للحديث عن منهج ابن خلدون عندما نتناول مسألة التفسير الإسلامي للتأريخ.\nقلت: ومن بين الذين ذكرهم الأستاذ السلمي الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر أما الخبر فتناوله للنقد التأريخي واضح من خلال روايات مناقب الصحابة وبعض الأحاديث النادرة في صحيح البخاري حول أحداث الفتنة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.\nوأما الذهبي فقد استخدم النقد على نطاق لا بأس به في كتابيه العظيمين تأريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء ولكن الحافظ ابن كثير استعمل النقد أكثر منهما بكثير ولعلّ كتابه القيّم [البداية والنهاية] هي المحاولة الأولى لإعادة كتابة التأريخ\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون / ١٧.","vol":"1","page":41},{"text":"الإسلامي برمته وأثناء دراستنا لروايات الطبري ومقارنتها بما ذكره ابن كثير من روايات الطبري وغيره وجدنا الحافظ ابن كثير ناقدًا بصيرًا لأنه محدث مشهور له في علم الحديث وتراجم الرجال ولم يكثر قبله أحد في النقد كما أكثر هو من استخدامه، وتخمينًا لا حصرًا نقول إنه نقد ما يقرب من (٢٠%) من أصل الروايات التأريخية ورجّح وصحح.\nوفي القرن الرابع عشر الهجري ومع ظهور كتابات الأستاذ محب الدين الخطيب ومنها تعليقه وتعقبه على كلام ابن العربي في العواصم تعالت الأصوات الصادقة بضرورة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي مع مراعاة شروط منها التفسير الإسلامي للتأريخ.\nالخطوط العريضة التي رسمها الأساتذة المعاصرون لإعادة كتابة التأريخ [اعتمادًا على معطيات وذخائر تركها لهم أسلافهم]:\nمما لا شك فيه لدى الباحثين في مجال التأريخ الإسلامي تزايد اهتمام أساتذتنا الكرام بوضع منهج واضح المعالم لإعادة كتابة التأريخ الإسلامي وخلال هذا الفصل نستعرض الخطط التي رسمها أبرز من بحثوا في هذه المسألة مع الاستشهاد بمقولات من سبقهم أو عاصرهم وانتهاءً آخر محاولة جادّة في هذا الموضوع وأعني بهذه المحاولة الأخيرة رسالة دكتوراه قدّمها الشيخ الفاضل إبراهيم الشهرزوري بعنوان [مناهج المحدثين في نقد الرواية التأريخية] عام ١٤٢٢ هـ في المعهد العربي للدراسات التأريخية.\nولنبدأ بأبحاث الأستاذ عماد الدين خليل لأنه رسم الخطوط العريضة وأما الأستاذ العمري فقد دخل في التفاصيل وأعطى نماذج عملية إما مباشرة وذلك من خلال كتابيه [صحيح السيرة النبوية] و[عصر الخلافة الراشدة] أو بصورة غير مباشرة عن طريق إشرافه على رسائل جامعية عديدة.\nولعلَّ الرسالة الجامعية [روايات أبي مخنف في تأريخ الطبري] للأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى هي التي فتحت الطريق أمام الرسائل الأخرى التي قاربت العشرين وتناولت جميعًا مرويات الطبري إسنادًا ومتنًا.\nكتب أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل فصلًا بعنوان:","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الشروط والضوابط المنهجية لكتابة التأريخ الإسلامي</span>\nأولًا: التأكيد على ضرورة ملاحظة ملامح التفسير الإسلامي للتأريخ من جهة والقيم الأساسية التي يتمخض عنها تحليل التأريخ الإسلامي نفسه في توجهاته الشمولية من جهة أخرى (١).\nلا أكون مغاليًا إذا قلت إن أول من أبان عن معالم التفسير الإسلامي للتأريخ هو العلامة ابن خلدون -وإن لم يستعمل هو هذا المصطلح- وبلغت تلك المعالم أوجهًا في كتابات الأستاذ عماد الدين خليل سواء كان من خلال كتابه القيّم التفسير الإسلامي للتأريخ أو من خلال كتابه حول سيرة عمر بن عبد العزيز وعشرات الكتب والمقالات كتبها حول هذه المسألة ولعلّ الأستاذ عماد الدين خليل أوجز أهمية التفسير الإسلامي للتأريخ بقوله:\nمن خلال نظرة شمولية إلى التاريخ الإسلامي في مساراته ومصائره يبدو ذلك الاتصال الوثيق بين المسببات والأسباب، ذلك التلاحم المحتوم بين المقدمات والنتائج، إنها النواميس والسنن التي حدَّثنا عنها الله سبحانه في كتابه المبين.\nولقد أخطأ كثير من المؤرخين في فهم وحدة هذا التأريخ وطبيعة نسيجه ذي الخيوط الواحدة، أخطؤوا لأنهم نظروا إلى هذا التاريخ نظرة تتسم بالتجزيئية والمباشرة والتقطع حينًا، وبقياس التحولات بمقاييس التغير الدائم في الأُسَر الحاكمة حينًا آخر، دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار حركة المجتمع الإسلامي ووحدته وصيرورته التي كانت تجد في قيم الإسلام ومبادئه ومثله مراكز ثقلها وضبطها، ومؤشرات تمخضها الدائم عن المزيد من الوقائع والأحداث (٢).\nقلنا: ولقد تحدثنا عن بعض أصول التفسير الإسلامي للتأريخ في ثنايا\n_________\n(١) إسلامية المعرفة / ٦٧.\n(٢) المصدر السابق (٦٣).","vol":"1","page":43},{"text":"تخريجنا لروايات تأريخ الطبري وعلى سبيل المثال لا الحصر عند حديثنا عن أسباب انتقال إدارة الخلافة من الأمويين إلى العباسيين فلينظر.\nويكمل الأستاذ عماد الدين شروطه قائلًا:\nثانيًا: إن العمل التأريخي الجاد بحاجة إلى البناة الذين يملكون الحسّ النقدي بطبيعة الحال أكثر من النقاد (١).\nويشرح الأستاذ عبارته هذه ويقول في آخر شرحه:\nباختصار، فإن التوجّه أكثر أهمية وجدوى يجب أن يتجاوز الدفاع المتشنج إزاء كل ما طرحه الخصوم حول هذه النقطة أو تلك في مجرى التاريخ الإسلامي صوب أبحاث في تكوين التاريخ والحضارة الإسلامية، نظمًا وصيرورة، وأعمال بنائية في هذا الجانب أو ذاك، تقدم بذاتها القناعات الموضوعية التي تتهافت عندها مقولات الخصوم (٢).\nثالثًا: تحقيق قدر من التوازن بين دراسة الجوانب السياسية العسكرية وبين فحص الجوانب الحضارية وتحليلها، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن ينظر إلى المعطيات الحضارية باعتبارها أجزاء متفرقة تنتمي إلى كل نظرة أوسع يتضمنها جميعًا ويمنحها معنى وهدفًا (٣).\nومن الضروري هنا أن ننقل كلامًا قيّمًا للأستاذ عمر عبيد حسنة إذ يقول وهو يتحدث عن التاريخ الإسلامي [ليس هو تأريخ الدولة بأجهزتها المتعددة وإنما هو تأريخ الأمة بشكل عام وعطائها الحضاري على مختلف الأصعدة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والعلمية. إلخ].\nلذلك نقول: إنه من الخطأ المنهجي والموضوعي الاقتصار على تأريخ الحكام والأمراء والخلفاء وتغييب تأريخ المجددين والمصلحين والعلماء العاملين والطوائف التي تحمل الحق وتظهر به وتدافع عنه وتتولى حسبة الأمر بالمعروف\n_________\n(١) إسلامية المعرفة (٦٧).\n(٢) المصدر السابق (٦٨).\n(٣) المصدر السابق (٦٨).","vol":"1","page":44},{"text":"والنهي عن المنكر وتحقيق الرقابة العامة في الأمة (١).\nونعود إلى الشروط والضوابط التي ذكرها الدكتور عماد الدين خليل:\nرابعًا: الأخذ بأسلوب نقدي رصين في التعامل مع الروايات التي قدمتها مصادرنا (القديمة) وعدم التسليم المطلق بكل ما يطرحه مؤرخنا القديم، وإحالة الرواية التاريخية، قبل التسليم النهائي بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرقة هل يمكن أن تتجانس في سداها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة لحمة وسدى؟ هذا فضلًا عن ضرورة اعتماد مقاييس النقدين الخارجي والباطني ومعاييرهما وصولًا إلى قناعة كافية بصحة الرواية.\nويمكن الإفادة في مجال النقد الخارجي، إلى حد ما، من علمي: \"مصطلح الحديث\" و\"الجرح والتعديل\" اللذين مورسا على نطاق واسع في عمليات تمحيص الأحاديث النبوية، ومن كتب التراجم الغنية الخصبة، فما من أُمة في الأرض عنيت بتمحيص مصادر أخبارها وتاريخها كالأمة الإسلامية، فهنالك تراجم لنصف مليون رجل أسهموا جميعًا في تقديم الأحاديث والأخبار والروايات التاريخية التي لا يمكن توثيقها والأخذ بها إلا بعد فحص أولئك الرجال الذين تناقلوها. ومن ثم فإن دراسة التاريخ الإسلامي دراسة جادة تستلزم، بالضرورة، دراسة هذا الموضوع الخطير لكي تقوم الأعمال التاريخية معتمدة على أوثق المصادر وأدق الأخبار ومنقحة من الدسائس والسموم وسيل الروايات الموضوعة التي نفثتها القوى المضادة في جسد تاريخنا المتشابك الطويل.\nومن قبله قال محب الدين الخطيب ومن الإنصاف أن نشير إلى أن اتساع صدور أئمة السنة -من أمثال أبي جعفر الطبري- لإيراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم -دليل على حريتهم وأمانتهم ورغبتهم في تمكين قرائهم من أن يطَّلعوا على كل ما في الباب واثقين من أن القارئ الحصيف لا يفوته أن يعلم أن مثل أبي مخنف موضع تهمة -هو ورواته- ... إلخ.\nوقال الخطيب ﵀ أيضًا: وإنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل، فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في\n_________\n(١) قيم المجتمع الإسلامي من منظور تأريخي / ١١.","vol":"1","page":45},{"text":"الأكثر في مثل: تذكرة الحفاظ للذهبي وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المئة الثانية توجد في خلاصة تذهيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب للحافظ ابن حجر والذين تناولهم الجرح من الضعفاء: يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان فضلًا مما ورد في طبقات ابن سعد وتاريخ دمشق لابن عساكر وتأريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير من آلاف الأخبار إلا بالرجوع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل، وإن كتب مصطلح الحديث تبين الصفات اللازمة للراوي، ومتى يجوز الأخذ برواية المخالف، ولا نعرف أمة عني مؤرخوها بتمحيص الأخبار وبيان درجاتها وشروط الانتفاع بها، كما عني بذلك علماء المسلمين، وأن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري: رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، يظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار، ولو أنهم تمكنوا من علم \"مصطلح الحديث\" وأنسوا بكتب الجرح والتعديل واهتموا برواة كل خبر، كاهتمامهم بذلك الخبر، لاستطاعوا أن يعيشوا في جوّ التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غثّ الأخبار وسمينها، ولعرفوا الأخبار أقدارها على أقدار أصحابها (١).\nثم نعود إلى الشروط والضوابط كما وضعها الدكتور عماد الدين خليل:\nخامسًا: يقابل هذا ضرورة الاعتماد في بناء البحث التاريخي على الواقعة نفسها دون الوقوع في مظنة اعتماد هياكل مرسومة مسبقًا، ووجهات نظر مصنوعة سلفًا، ومحاولة تطويع الوقائع وإرغامها على الانسجام مع هذه الهياكل والوجهات حتى ولو أدى هذا إلى تشويه ملامح الواقعة التاريخية، أو إعادة تركيبها، لكي تنسجم والأطروحات المسبقة، مما نجده واضحًا، على سبيل المثال، في الدراسات التي تنطلق من المفهوم المادي في تفسير التاريخ، الأمر الذي أوقعها في بحر من الأخطاء والتناقضات.\n_________\n(١) المدخل إلى التأريخ الإسلامي / (١٦٤ - ١٦٥).","vol":"1","page":46},{"text":"سادسًا: كما أنه يتوجب في مقابل هذا وذاك اتخاذ موقف علمي تجاه معطيات المستشرقين، الغربيين والشرقيين، على مستوى المنهج والموضوع وعدم التسليم المطلق بها أو تجاوزها كليّة، لأن هذه المعطيات تتضمن الجيد والرديء ... الأبيض والأسود ..\nويضيف الأستاذ عماد الدين قائلًا:\nإن مناهج البحث الغربية (نصرانية وماديّة) لا يمكنها بحال أن تقدم تفسيرًا معقولًا شاملًا متماسكًا لتاريخنا الإسلامي، فهي إن نجحت في تفسير التاريخ الغربي وتقويمه فستخفق حتمًا في تفسير التاريخ الإسلامي وتقويمه، ذلك أنها مناهج لا تقوم على أساس (متوازن) ينظر إلى القيم الروحية والمادية كعوامل فعّالة مشتركة في صنع التاريخ، بل على العكس، تسعى بدافع من ماديتها أو علمانيتها إلى ترجيح الدافع المادي وتقليص مساحة الدوافع الروحية في حركة التاريخ، بل طمسها أحيانًا، وإنكارها أساسًا في أحيان ثالثة كعوامل في صيرورة التاريخ البشري.\nسابعًا: يجب ألا يقع العاملون في حقل المنهج الجديد للتاريخ الإسلامي تحت وطأة المواضعات المعاصرة في كافة مناحي الحياة البشرية: السياسية والاقتصادية والأخلاقية والروحية والاجتماعية، لأن هذا من شأنه أن يصبغ رؤيتهم للتاريخ الإسلامي بألوان تستمد تركيبها من واقع عصرنا الراهن، الأمر الذي يفسد موضوعية الرؤية، وبالتالي يصد المؤرخ عن الوصول إلى كنه الوقائع التاريخية التي قد لا تمت بصلة إلى موضوعات القرن العشرين.\nثامنًا: ولابدّ من الإشارة أخيرًا -وليس آخرًا- إلى أن الدعوة لإعادة كتابة أو عرض التاريخ الإسلامي وتحليله لا تعني بالضرورة البدء من نقطة الصفر، أو الرفض المطلق للصيغ التي قدمها بها مؤرخونا القدماء، ومحاولة قلب معطياتهم رأسًا على عقب ... ومن يخطر على باله أمر كهذا؛ فهو ليس من العلم في شيء.\n[فصل من كتاب إسلامية المعرفة / ٦٣ - ٧٣ / مخطط مقترح لإسلامية علم التأريخ]\nولقد استمر أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل في ذكر شروط وضوابط أخرى إلّا أننا لم نذكرها هنا لأنها بحاجة أن تعتمد في حالة كتابة موسوعة للتأريخ","vol":"1","page":47},{"text":"الإسلامي أوسع بكثير من تأريخ الطبري وأشمل منه كذلك- إلّا أننا اكتفينا بذكر الضوابط التي نراها لزامًا للباحث في مجال تأريخ الطبري وتخريج رواياته والله أعلم.\nونضيف هنا شروطًا أخرى ذكرها بعض من أساتذتنا الأفاضل:\nتاسعًا: يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: كما أن من الخطأ التربوي والثقافي والديني أيضًا الاقتصار على إبراز الجوانب المشرقة وتضعيفها في التأريخ الإسلامي وتصوير مجتمع المسلمين على أنه مجتمع ملائكة معصومين من الخطأ -وتغييب أو إسقاط فترات الانكسار والهزيمة والسقوط التي قد تمثل النقاط السوداء والسلبية في مسيرة الأمة- إذا ما تمَّت معايرتها بالقيم وإن كانت مساحتها في التأريخ الإسلامي لا تكاد تذكر أمام الإنجازات العظيمة والعطاء الحضاري (١).\nالتفاصيل العملية لمنهج إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ومنها مسألة نقد المتن والإسناد:\nوهنا نركّز بالذات على أبحاث أستاذنا الفاضل أكرم ضياء العمري الرائد في مجال تطبيق قواعد المصطلح والجرح والتعديل لنقل وتقييم الرواية التأريخية.\nوما سنذكره هنا من شروطٍ وضوابط مأخوذة من عدة أبحاث وكتب لأستاذنا العمري ورأينا في جمعها في فصل واحد فائدة عظيمة والله أعلم.\nنظرًا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي معظمها يسرد الروايات بالأسانيد، فلا بد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة الحديثية، ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة، لأن فيها ما يدل على أصلها، ويمكن من التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند.\nأما في الدراسات المتصلة بالعقيدة والشريعة فلا بد من الاعتماد فيها على\n_________\n(١) قيم المجتمع الإسلامي من منظور تأريخي / ١١.","vol":"1","page":48},{"text":"الروايات والأحاديث الصحيحة ونقد وبيان الضعفية منها، وستسلم في هذا الجانب أحاديث صحيحة على شرط المحدثين تكفي لبيان العقيدة وأحكام الشريعة، لأن المحدثين أولوا الأحاديث عناية كبيرة وأحاطوا رواتها بدراسة دقيقة واسعة، واهتموا بطرق تحملها وأدائها، فإذا طبقت قواعدهم على الأحاديث فهي أهل لذلك لما بلغته من الدقة والإتقان.\nثم يذكر الأستاذ العمري بيت القصيد هنا فيقول:\nأولًا: أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التأريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستشكل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع.\nإن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من حلقاته، وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية.\nلكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لسير تاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة.\nويرى أستاذنا العمري علاقة قوية بين التأريخ والحديث فيقول في كتابه القيّم \"بحوث في السنة المشرفة\":\nولكن بسبب انشغال كثير من المحدثين في التأريخ فإن قواعد النقد هذه استعملت إلى حد ما في التاريخ أيضًا وقد ساعد على ذلك أن الروايات التأريخية كانت تتصدرها الأسانيد كما هو شأن الأحاديث كما أن مقاييس المحدثين سرت","vol":"1","page":49},{"text":"إلى علم التاريخ فقد اشترطوا في المؤرخ ما اشترطوه في رواة الحديث من العدالة والضبط (١).\nوبذلك أمكن تطبيق قواعد نقد الحديث في نقد الروايات التأريخية أيضًا ولكن ذلك لم يتم بنفس الدقة بل حدث تساهل كبير. في ميدان التأريخ فالمؤرخون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري استقوا كثيرًا من مادتهم التأريخية عن رواة ضعفهم أهل الحديث وبذلك لم يتشددوا في نقد رواة الأخبار كما فعلوا بالنسبة لرواة الحديث ...\nثانيًا: ثم يذكر الأستاذ العمري ببيت القصيد هنا فيقول:\nوعندما يقوم المؤرخون اليوم بمحاولة تدقيق مصادرنا التأريخية ونقد متونها فإن بالإمكان الاستفادة من قواعد نقد الحديث وعلم الرجال في ترجيح الروايات التأريخية المتعارضة كأن تكون إحدى الروايتين المتعارضتين بإسناد متصل، رجاله ثقات والأخرى وردت بإسناد منقطع أو عن طريق رواة مجروحين فعندئذ ينبغي ترجيح الرواية الأولى على الثانية.\nومن شروط الأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى لإعادة كتابة التأريخ كما قال:\nإن من أراد أن يكتب عن عصر من العصور لا بد أن يتصور حياة ذلك العصر بأخلاقياته وصفاته وعاداته حتى يستطيع أن يصدر الأحكام عليه وتكون عنده القدرة على نقد الروايات والمتون التي بين يديه من خلال موافقاتها أو معارضاتها لحال ذلك العصر الذي قام بدراسته.\n[مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري اعتبارات تهمُّ دارس التأريخ / ٩].\nوكما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التأريخية ينبغي أن يتشدَّد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الأهواء ويشتط عندها الهراة كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد والفتن التي حدثت في حياة الصحابة أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية، فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد نقد الحديث بدقة أمرًا مقبولًا (٢).\n_________\n(١) دراسات تأريخية / د. أكرم ضياء العمري / ٢٦ - ٢٧.\n(٢) أبحاث في السنة المشرفة (٢١٠ - ٢١١).","vol":"1","page":50},{"text":"قلت: ولعل أحدث رسالة دكتوراه في هذا الباب وهي [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية] لأخينا الدكتور إبراهيم الشهرزوري هو أوسع ما كتب فيه. جمع فيه أخونا الشيخ ما ذكره أسلافه وأضاف إضافات قيّمة أثرت هذا الموضوع ومن إضافاته أنه يرى الاستعانة بأصول الفقه والفقه نفسه في نقد الرواية التأريخية بالإضافة إلى قواعد الحديث.\nولقد لخّص فكرة كتابه القيّم بقوله: [إن هذه الرسالة محاولة متواضعة لوضع وجمع وترتيب جميع المناهج وقواعد المحدثين إضافة إلى قواعد الأئمة الفقهاء والمؤرخين وكل ما لا يسع المؤرخ جهله بما يتعلق بالتأريخ الإسلامي] ص ٩٣.\nومن الأمور القيّمة التي فطن إليها الشيخ الشهرزوري في رسالته هو تطبيق القواعد الفقهية على الروايات التأريخية إذ يقول [إن ربط التأريخ الإسلامي بمختلف العلوم الشرعية أمر لا بد منه لأنه تأريخ عقيدة وشريعة يختلف عن تأريخ بقية الأمم، وأن أي مسألة تأريخية قد ترتبط بمسألة عقدية أو شرعية، وقد تجد لتلك المسألة أصلًا في العلوم الشرعية الأخرى كعلم العقائد والتوحيد والفقه أو أصول الفقه] ص ٣٥١.\nومن ثم ذكر إبراهيم الشهرزوري أمثلة عدة لاستخدام القواعد الفقهية على الروايات التأريخية كعامل مساعد في تحقيقها نذكر منها مسألة الخروج على السلطان وموقف أبي حنيفة من الخليفة العباسي، فبعض المصادر التأريخية تذكر أن أبا حنيفة قد بايع للخليفة العباسي علنًا بينما كان يمدّ يد العون للخارجين عليه.\nثم يناقش الدكتور إبراهيم هذه المسألة من وجوه ويراها غير صحيحة للأسباب التالية:\n١ - تعارض هذه الروايات مع القواعد الفقهية التي أقرها الإمام أبو حنيفة وبقية الفقهاء.\n٢ - تعارض هذه الروايات مع مرويات أخرى صادرة عن هؤلاء الأئمة والتي تفيد تعاونهم مع خلفاء المسلمين وعدم خروجهم عليهم.","vol":"1","page":51},{"text":"٣ - مناقشة أسانيد ومتون هذه الروايات وبيّن أنها غير صحيحة والسند والمتن.\nوخلاصة كلام الأستاذ إبراهيم الشهرزوري أن حركة النفس الزكية كانت سنة ١٤٥ وكان عمر الإمام أبي حنيفة يومها (٦٥) عامًا على رأي جمهور المؤرخين وهو عمر الاستقرار العلمي حيث يبلغ الإنسان أشده من النضج العقلي وينظر في كل آرائه السابقة إن احتاجت إلى التغيير أو الترجيح أو غيرهما، وبما أن كل الآراء الواردة عن هذا الإمام سابقًا ولاحقًا وكذلك إجماع فقهاء مذهبه ضد الخروج على السلطان فإن هذه الروايات باطلة -ثم استشهد الشهرزوري بنقول من كتب الأئمة الأحناف ومنهم الإمام السرخسي إذ يقول: اعلم أن الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة، وهذا القول رواه الحسن عن أبي حنيفة ثم ناقش الأستاذ إبراهيم أسانيد هذه الروايات وبيّن أنها ضعيفة لا يعول عليها وتخالف مذهب الإمام أبي حنيفة وفقهاء مذهبه.\nثم بيّن أن بعض طرق القصة جاءت عن أبي الفرج الأصبهاني في كتابه: \"مقاتل الطالبيين\"، وهو تالف متروك.\nوبعضها الآخر من طريق أئمة ثقات ولكنهم من أهل الحديث يومها وأبو حنيفة من أهل الرأي ولا تقبل رواية الأقران في بعضهم البعض إذا كانت بينهم مثل هذه الأمور -كما قالوا: [رواية الأقران تطوى ولا تروى].\nوأخيرًا فإن الأستاذ إبراهيم الشهرزوري يرى في متن هذه القصة تناقضًا واضحًا حيث تذكر الرواية أن أبا حنيفة لما جهر بالكلام أيام إبراهيم لم يليث أن جيء به إلى بغداد وعاش خمسة عشر يومًا ثم سقي سمًا فمات سنة ١٥٠ هـ ومن المعلوم أن إبراهيم قتل سنة ١٤٥ فكيف جيء بأبي حنيفة أيام إبراهيم مباشرة ولم يعش إلا (١٥) يومًا ثم مات سنة ١٥٠ هـ؟ ! [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية ٣٥٩ - ٣٦٩ - ٣٧٠].\nوأخيرًا منهج هذا التحقيق [تخريج روايات الطبري وتمييزها إلى صحيح وضعيف ومسكوت عنه].\nبعد توفيق الله تعالى لنا وتأييده بدأنا بتخريج روايات تأريخ الطبري [تأريخ","vol":"1","page":52},{"text":"الأمم والملوك] انطلاقًا من القواعد التي ذكرها المتقدمون والمتأخرون والمعاصرون وبالأخص منهما الأستاذان الفاضلان (العمري وعماد الدين) فكان تقسيمنا لتأريخ الطبري كالآتي:\nأولًا: صحيح تأريخ الطبري [قصص الأنبياء وتأريخ ما قبل البعثة].\nضعيف تأريخ الطبري [قصص الأنبياء وتأريخ ما قبل البعثة].\nثانيًا: صحيح السيرة النبوية [تأريخ الطبري].\nضعيف السيرة النبوية [تأريخ الطبري].\nثالثًا: صحيح تأريخ الطبري [تأريخ الخلافة الراشدة].\nضعيف تأريخ الطبري [تأريخ الخلافة الراشدة].\nرابعًا: صحيح تأريخ الطبري [تتمة القرن الهجري الأول].\nضعيف تأريخ الطبري [تتمة القرن الهجري الأول].\nخامسًا: صحيح تأريخ الطبري [تتمة تأريخ الخلافة في عهد الأمويين].\nالضعيف والمسكوت عنه تأريخ الطبري [تتمة تأريخ الخلافة في عهد الأمويين].\nسادسًا: تأريخ الطبري [الصحيح والضعيف والمسكوت عنه].\nتأريخ الخلافة في عهد العباسيين.\nسابعًا: رجال تأريخ الطبري جرحًا وتعديلًا.\nأولًا: فيما يتعلق ببدء الخليقة وقصص الأنبياء.\nحاولنا أن نوضح بكل جلاء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنفينا عنهم تشويهات وتخرصات اليهود ومزاعمهم حول الأنبياء ولم نقبل من الروايات إلا ما كان مسندًا موصولًا صحيحًا وتشددنا كتشدد العلماء في قبول أحاديث الأحكام تمامًا لأنها تتعلق بمسألة خطيرة ألا وهي عصمة الأنبياء وانظر مقدمتنا لقصص الأنبياء.\nثانيًا: فيما يتعلق بالسيرة النبوية الشريفة:","vol":"1","page":53},{"text":"استعنّا للمقارنة بالطبقات الكبرى لابن سعد وكمصدر متقدم موثوق به، وكتب أخرى لأئمة الحديث كدلائل النبوة للبيهقي، والحافظ أبي نعيم مع الاستعانة بالسيرة التي أخرجها الحافظ ابن كثير لأنها من طريق آخر غير طريق ابن هشام وابن حميد الرازي-[ونفي سيرة ابن إسحاق].\nبالإضافة إلى المعازي والسير في الصحيحين وبقية الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات -وبالاستعانة من تخريجات الذهبي وابن كثير وابن حجر وبما حققه الأساتذة المعاصرون من روايات السيرة كالأستاذ العمري وهمام وأبو صعيليك وإبراهيم العلي وقد أشرنا إلى أقوالهم القيمة في مواضعها بالإضافة إلى تعليقات العلامة الألباني ﵀ على السيرة النبوية للغزالي رحمه الله تعالى.\nولقد تشددنا في تخريج روايات السيرة النبوية الشريفة كالتشدد في الأحكام إلا ما كان متعلقًا بقصص إسلام بعض الصحابة فقبلنا منها ما ورد بأسانيد مرسلة متعددة المخارج صحيحة الإسناد إلى من أرسلها.\nثالثًا: تعاملنا بنفس الأسلوب عند تخريجنا لروايات تأريخ الطبري فيما يتعلق بالخلافة الراشدة وجعلنا نصب أعيننا هنا مسألة عدالة الصحابة التي قال عنها ابن حجر رحمه الله تعالى: [اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلّا شذوذ من المبتدعة] (١).\nولقد فصل الخطيب البغدادي ﵀ في هذه المسألة في كتابه الكفاية في علم الرواية ونقل إجماع علماء أهل السنة والجماعة إلى عدالتهم (٢).\nولعلّ الإمام الذهبي ﵀ خير من أوجز ولخص في هذه المسألة دون إخلال فقال:\nكما تقرر الكفّ عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم - ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك\n_________\n(١) الإصابة ١/ ١٠.\n(٢) الكفاية في علم الرواية / ٩٥ - ٩٦.","vol":"1","page":54},{"text":"منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا، وبين علمائنا؛ فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم؛ ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع أن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا - ﷺ -، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم، مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي، وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح، ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو وهذه الصُّحبة، ثم سائر من صحب رسول الله - ﷺ - وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، ﵃ أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله - ﷺ - المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات، فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة له، فأكثره باطل وكذب وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رَدّ ما في الصحاح والمسانيد (١).\nولقد اعتمدنا مصادر المتقدمين سواء منهم من توفي قبل الطبري بسنوات أو من عاصره ومنها بالأخص:\n١ - تأريخ خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ.\n٢ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٣٠ هـ.\n٣ - فتوح البلدان للبلاذري ٢٧٩ هـ.\n٤ - أنساب الأشراف للبلاذري ٢٧٩ هـ.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٩٣.","vol":"1","page":55},{"text":"٥ - فتوح مصر لابن عبد الحكم المصري ٢٧٦ هـ.\n٦ - وبالاستعانة بروايات نادرة تتعلق بتأريخ الخلافة الراشدة أخرجها البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد والمصنفات مع الكتب أخرى متخصصة كالخراج لأبي يوسف وغير ذلك مما ذكرنا في مقدمة تأريخ الخلفاء.\nرابعًا: فيما يتعلق بتأريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين.\nفقد تشددنا فيما يتعلق بتتمة تأريخ القرن الهجري الأول وخاصة عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ وعهد أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وحتى نهاية عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.\nوما يتعلق بتلك الفترة من تأريخ الفتن المشهورة [وقعة الحرة، وقعة كربلاء].\nوفي حال عدم حصولنا على رواية صحيحة الإسناد قبلنا رواية الراوي الذي ذكره ابن حبان في الثقات ولم نعلم فيه جرحًا شريطة خلوّ المتن من نكارة أو طعن في عدالة الصحابة.\nومن ثم بدأنا بإبداء المرونة في مسائل معينة كذكر الوفيات وذكر أمر الفتوح وتولية الأمراء والقضاة وعزلهم فهذه أمور تشتهر، واكتفينا باتفاق عدة مصادر تأريخية موثوقة في هذه الأمور وإن حصلنا على رواية مسندة فبها ونعمتْ.\nوأما بالنسبة للمصادر التي استخدمنا للمقارنة فهي كالآتي:\n١ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٣٠ هـ.\n٢ - تأريخ خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ.\n٣ - أنساب الأشراف للبلاذري ٢٧٩ هـ.\n٤ - فتوح البلدان للبلاذري ٢٧٩ هـ.\n٥ - المعرفة والتأريخ ليعقوب بن سفيان البسوي ٢٧٧ هـ.\n٦ - وبالاستعانة بروايات نادرة تتعلق بالفتن في بداية عهد الأمويين، أخرجها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات.\n٧ - مصادر متنوعة أخرى استقينا منها روايات وإن كانت قليلة كالكتب الآتية","vol":"1","page":56},{"text":"[تأريخ مكة -كتاب المتوارين- المعارف لابن قتيبة- المحن لأبي أيوب التميمي- وغيرها].\n٨ - وفي المرحلة الثانية استعنّا بكتب الأئمة الذين جاؤوا من بعد الطبري بقرن أو قرنين وهي كتب تاريخية قيمة بل هي موسوعات في الحديث والتأريخ، أصحابها ثقات وهي ثلاثة على التوالي.\n١ - تأريخ بغداد للخطيب البغدادي.\n٢ - المنتظم لابن الجوزي.\n٣ - تأريخ دمشق لابن عساكر.\nوهؤلاء أئمة حفاظ استخدموا الإسناد في رواياتهم التي أخرجوها وقد سهلت لنا مروياتهم التحقق والتأكد من مسائل تأريخية هامة والحمد لله على نعمة الإسناد.\nوللمرة الثالئة استوثقنا من تخريجنا بالاستعانة بتخريجات الحفاظ الثلاثة المتأخرين [الذهبي -ابن كثير- ابن حجر] [تأريخ الإسلام والسير للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير خاصة].\nالاستفادة من عشرات الرسائل (الجامعية) في مجال تحقيق وتخريج الروايات التأريخية مع كتب قيمة كتبها أساتذتنا الأفاضل في هذا الباب كالخلافة الراشدة وكتب الأستاذ الدوري والعلامة شاكر رحمه الله تعالى في موسوعته التأريخية القيمة والأستاذ يوسف العش ﵀ وغيرهم كثير ذكرنا كل واحد منهم، في موضعه- وإذا لم نوافقهم في بعض المسائل بينّا ذلك في مواضعه.\nملاحظاتي حول الطبري مؤرخًا ومنهجه في التأريخ مع نقاط أخرى.\nبالرغم من كل ما وُجّه إلى منهج الطبري في تاريخه يظل الإمام الطبري عملاقًا يتربّع على قمة كتابة التأريخ- ولا يدرك دقة الطبري وأمانته العلمية تمامًا إلا من درس تأريخه فقرة فقرة وخرّج رواياته رواية رواية ولاحظ عباراته عبارة عبارة فجزاه الله عن المسلمين وتأريخهم خير الجزاء، وجزى الله من جاء بعد من تلاميذه ومن بعدهم ممن نقلوا إلينا هذا السفر العظيم بكل أمانة.","vol":"1","page":57},{"text":"ثانيًا: ما من غرابة أو نكارة في المتن إلا ويقابله ضعف في المسند [فيما يتعلق بالرواية التأريخية].\nثالثًا: من علامات الوضع التأريخي ما يأتي: لاحظنا خلال تخريجنا لروايات الطبري أن غلاة المبتدعة والهالكين من أمثال لوط بن يحيى يكثرون استخدام الألفاظ البذيئة وينسبوتها إلى السلف وهم منها براء- ولقد شهد الكل بطهارة لسانهم من الشتائم والبذاءات، ولكن الرواة المتروكين التالفين يصبون جام حقدهم على شكل سيل من الألفاظ الساقطة [يا بن أم كذا -أو يا كذا أو فلان الطاغية. . . إلخ] من الألفاظ التي كانت الصحابة تتورع حتى عن سماعها ناهيك عن التلفظ بها.\nرابعًا: ومن علامات الوضع كذلك كثرة استخدام الأيمان المغلظة لتوكيد تفاصيل حادثة معينة- وعلى ما يبدو فإن الوضّاع كان يشعر بهشاشة تلفيقه ووضوح كذبه فيستر كذبه وراء هذه الأيمان الغليظة.\nخامسًا: عادة (وليس دائمًا) تكون الروايات الصحيحة قصيرة المتن بينما يغلب على الوضاعين الإطالة في رواياتهم الملفقة.\nسادسًا: ما وجدنا أميرًا أو قائدًا فاتحًا من قواد السلف الصالح ابتداءً من سيدنا خالد ﵁، ووصولًا إلى الجراح بن عبد الله الحكمي وغيرهما إلّا وتهافت الوضاعون على كيل الاتهامات نحوه- وخاصة إذا كان شديدًا على الخوارج وأهل البدع.\nسابعًا: الأعداد المذكورة في الروايات المكذوبة مبالغ فيها جدًّا فلو كان عدد الجيش ألفًا في الأصل لوجدت الألف صار عشرين ألفًا وهكذا، وكذلك تبالغ الروايات المكذوبة في إحصاء عدد القتلى وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الروايات التي لا تصح عن واقعة الحرة تذكر أن أعداد القتلى كان بالآلاف بينما لم يتجاوز عددهم الخمسمئة أضف إلى ذلك فإن في متونها قصورًا وفجواتٍ وهفوات ونكارات فكيف بآلاف القتلى في المدينة التي عرفت بجوها الحار ولم تكن يومها ثلاجات حفظ الموتى موجودة أقول فكيف لم تتعفن هذه الجثث علمًا بأن هذه الروايات تذكر أن المدينة استبيحت ثلاثة أيام وأن أهلها الباقون قد فروا","vol":"1","page":58},{"text":"إلى خارج المدينة، وهذا يعني أن آلاف الجثث قد تركت في الطرقات والأزقة ولو كان ذلك صحيحًا لتفسخت الجثث وتفشت الأمراض وهلك البلاد والعباد وكل ذلك لم يحصل وذلك دليل آخر على كذب تلك المبالغات.\nومثال آخر فيما يتعلق بأمير العراق القسري الذي ولاه هشام بن عبد الملك العراق فالمصادر التأريخية تشير إلى تملكه لبساتين وغلال وأموال ولعلها كانت سببًا لعزله من قبل أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ولكن الروايات الضعيفة جدًّا تصور بذخه فوق الخيال حتى أنها تقول بأنه أهدى أحد المقربين إليه ألف جارية وما أشبه ذلك فماذا يفعل هذا المهدي إليه بهذا الجيش الجرار من الجواري ومن أين للقسري بهذا العدد وهو القائد المنشغل بضبط أمور العراق المتأجج حركة وخروجًا ثم لو كان كذلك لذاع الخبر في الآفاق ولسجلته معظم المصادر التأريخية الموثوقة وبالأسانيد المعتبرة ولكن كل ذلك لم يحصل.\nثامنًا: إن غلاة المبتدعة الذين أرادوا أن يصوروا كل خليفة أمويًا كان أو عباسيًا عدوًا لآل البيت- وقعوا في تناقض عجيب فهم من جانب يصورون عداء الخليفة لآل علي مثلًا بينما يصفون آل علي بحب الدنيا والطمع والمنافسة فيما بينهم على المال وسب بعضهم البعض والرضا إذا أدى الخليفة إليهم أعطياتهم والخروج بالسيف إذا منعوا المال أو سئلوا عنه -أي أنهم لم يراعوا للخليفة حرمة ولا لآل بيت رسول الله - ﷺ - حرمة.\nولقد التقيتا بعدد من أساتذة التأربخ الإسلامي وشيوخ الحديث وغيرهم من علماء المسلمين وناقشنا معهم هذا المنهج في تخريج روايات الطبري (كالأستاذ أكرم ضياء العمري والأستاذ عماد الدين خليل والأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى وغيرهم).\nوأفادونا كثيرًا بآرائهم وملاحظاتهم القيّمة ولقد استعنّا بخبراتهم القيّمة التي أودعوها كتبهم ولقد أشرنا إلى جهودهم تلك في مَواضعها ولقد ترك شيوخنا وأساتذتنا بصماتهم على صفحات هذا المشروع العلمي وسنذكرهم بأسمائهم إن شاء الله في نهاية المجلد الأخير وجزاهم الله عنا وعن المسلمين والتأريخ الإسلامي خير الجزاء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا كتاب تاريخ الطبري </span>(١)\nوكتابه \"المسمى تاريخ الرسل والملوك\" (٢)، أو تاريخ الأمم والملوك (٣) يعدّ أوفى عمل تاريخي بين مصنَّفات العرب، أقامه على منهج مرسوم، وساقه في طريق استقرائيّ شامل؛ بلغت فيه الرواية مبلغها من الثقة والأمانة والإتقان أكمل ما قام به المؤرخون قبله، كاليعقوبي والبلاذري والواقدي وابن سعد؛ ومهَّد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن خلدون.\nوقد كان التاريخ عند العرب في الجاهلية أخبارًا متفرّقة تتناقلها الشفاه، وروايات متناثرة تدور حول الأشعار والأمثال والأيام، وأساطير تكسوها المبالغة ويحوطها التهويل؛ عدا نقوشًا كتبت بالخط المسند على حوائط المعابد والأديرة وأعمدة الحصون والقصور في الحيرة واليمن. ثم كانت بعثة محمد ﵊، ومضى عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده، وإذا المسلمون يخفون لتدوين أخباره ﵊، ويروون أنباء مولده ومبعثه وهجرته ومغازيه؛ فكان من تدوين تلك السيرة اللبِنة الأولى في تاريخ الإسلام؛ على أنها لم تعدُ في ذلك الحين أن تكون نوعًا من رواية الحديث. وكان أول من وضع في ذلك كتابًا عروة بن الزبير بن العوام، ثم تلاه أبان بن عثمان بن عفان؛ إلى أن بلغ فنُّ السيرة أوجه في كتاب ابن إسحاق.\nثم خرج المسلمون للغزو والجهاد، فهزّوا عروش كسرى وقيصر، وقوضوا دعائم الملك في بلاد الفرس والشام ومصر والروم، ودخلوا البلاد فاتحين. ثم\n_________\n(١) مأخوذة من مقدمة الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.\n(٢) معجم الأدباء ١٨: ٦٨.\n(٣) تاريخ بغداد ٢: ١٦٣، وكشف الظنون ٢٩٧.","vol":"1","page":61},{"text":"نبض عرق العصبية والقَبَليّة، وشاعت أخبار الأمم القديمة، وتاريخ الديانات عند الأمم الأخرى؛ كلّ هذا وذاك دعا إلى إضافة مادة تاريخية جديدة؛ فالعلماء حاولوا أن يفهموا إشارات الكتاب الكريم إلى تلك الأمم، والخلفاء رغبوا في معرفة أخبار الملوك من الأمم قبلهم؛ كان يفعل ذلك معاوية وعبد الملك بن مروان وأبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور؛ ومسّت الحاجة إلى معرفة ما فتح من البلاد صلحًا، وما فتح منها عنوة؛ ليقيموا الجزية والخراج على أساس ما رسمه الإسلام في ذلك من تشريع؛ وأخذت الرواية التاريخية تتَّخذ لونًا جديدًا، أطلق عليها اسم الأخبار، ودعي من يرويها بالأخباريّ، كما أطلقوا على من يروي الحديث اسم المحدّث؛ وظهرت في ذلك مؤلفات، فصنف محمد بن السائب الكلبي كتابًا في الأنساب، وعوانة بن الحكم في أخبار بني أمية وأبو مخنف في أخبار الردّة والجمل وصفين، وسيف في أخبار الفتوح، وابن هشام في ملوك حمير. . . وما إن انقضى القرن الثاني حتى أخذت المادة التاريخية تزيد تبعًا لتطور الحياة العربية، واستقرت دواوين الإنشاء والجند والبُرد، وتنوَّعت العهود والوثائق والمراسلات، ومست الحاجة إلى معرفة المواليد والوفيات، ومدد ولايات الخلفاء والولاة والقضاة والقواد وأمراء المواسم في الحج؛ ثم ظهرت الكتب المترجمة عن الفرس واليونان والسريان، وكثرت الرحلة بين البلاد؛ وتعددت المشاهد، واطلع العرب على ما لم يكونوا رأوه من عجائب البلاد، وحضارات الأمم؛ عدا ما كان من اتساع الفتوح، وكثرة الأحداث؛ فوجد العلماء للتاريخ منابع رافدة، ومناهل متنوعة، ومصادر كثيرة؛ وأحسُّوا أن لعلم التاريخ أثرًا في بناء الأمم، وفهم الثقافات، وإرساء العلوم على قواعد ثابتة؛ ولم ير الأفاضل منهم بأسًا في أن يضعوا أسفارًا في التاريخ؛ فعل ذلك الواقديّ في كتب الفتوح، والبلاذريّ في كتابيه البلدان وأنساب الأشراف، وابن قتيبة في المعارف، وابن حبيب في المجبَّر، والدينوري في الأخبار الطوال، إلى أن انتهى الأمر إلى الإمام محمد بن جرير الطبري، فوضع فيه كتابه العتيد (١).\n_________\n(١) انظر ترجمة علم التاريخ لهرنشو، والفصل الذي ألحقه به مترجمه عبد الحميد العبادي عن التاريخ عند العرب.","vol":"1","page":62},{"text":"ولا يُعلم على وجه التحديد التاريخ الذي بدأ فيه أبو جعفر إملاء هذا الكتاب؛ ويظهر أنه ألفه بعد كتاب التفسير، روى الخطيب أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: إن هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصره في نحو مما اختصر التفسير\" (١).\nوجاء في تاريخه: \"وقيل أقوال في ذلك قد حكينا منها جملًا في كتابنا المسمّى: \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضوع\" (٢).\nوذكر ياقوت عن أبي بكر بن بالويه قال: قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق -يعني ابن خزيمة-: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: نعم؛ كتبنا التفسير عنه إملاء، قال: كله! قلت: نعم، قال في أيّ سنة؟ قلت: سنة ثلاث وثمانين إلى ستة وتسعين (٣).\nوإذًا يكون قد أملى التاريخ بعد سنة تسعين ومئتين.\nأما الانتهاء من هذا التاريخ، فقد ذكر ياقوت أنه فرخ من تصنيفه وعرضه على المستملين له: \"في يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثمئة، وقطعه على آخر سنة اثنتين وثلاثمئة\" (٤).\nبدأ أبو جعفر تاريخه بذكر الدلالة على حدوث الزمان، وأن أول ما خلق بعد ذلك القلم وما بعد ذلك شيئًا فشيئًا، على ما وردت بذلك الآثار؛ ثم ذكر آدم، وما كان بعده من أخبار الأنبياء والرسل؛ على ترتيب ذكرهم في التوراة؛ متعرضًا للحوادث التي وقعت في زمانهم؛ مفسّرًا ما ورد في القرآن الكريم بشأنهم،\n_________\n(١) تاريخ بغداد ٢: ١٦٣.\n(٢) تاريخ الطبري ١: ٨٩ (طبعة دار المعارف).\n(٣) معجم الأدباء ١٨: ٤٢.\n(٤) معجم الأدباء ١٨: ٤٤.","vol":"1","page":63},{"text":"معرّجًا على أخبار الملوك الذين عاصروهم، وملوك الفرس على الخصوص؛ مع ذكر الأمم التي جاءت بعد الأنبياء حتى مبعث الرسول ﵊.\nأما القسم الإسلامي فقد رتَّبه على الحوادث من عام الهجرة، حتى سنة ثلاثمئة واثنتين؛ وذكر في كل سنة ما وقع فيها من الأحداث المذكورة؛ والأيام المشهورة؛ وإذا كانت أخبار الحوادث طويلة جزّأها على حسب السنين، أو يشير إليها بالإجمال؛ ثم يذكرها في الموضع الملائم.\nوترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه قد استطاع أن يجمع بين دفتيه جميع الموادّ المودعة في كتب الحديث والتفسير واللغة والأدب والسير والمغازي وتاريخ الأحداث والرجال؛ ونصوص الشعر والخطب والعهود؛ ونسق بينها تنسيقًا مناسبًا، وعرَضها عرضًا رائعًا رائقًا؛ ناسبًا كلّ رواية إلى صاحبها، وكلّ رأي إلى قائله؛ كما أنه أودع هذا الكتاب فصولًا صالحة ونُتفًا متنوعة من متون الكتب التي أتت عليها عوادي الأيام، وأورد من أقوال العلماء ما لا نجده إلا في هذا الكتاب.\nمصادر الطبريّ في هذا التاريخ هي كل ما سبقه من المواد التي عرفها العرب من قبله، وأخذ من كل متخصص في فنه، أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة وغيرهما ممن نقل عن ابن عباس، ونقل السيرة عن أبان بن عثمان وعروة بن الزبير وشرحبيل ابن سعد وموسى بن عقبة وابن إسحاق، وروى أخبار الدرَّة والفتوح عن سيف بن عمر الأسديّ، وحوادث يومَي الجمل وصفّين عن أبي مخنف والمدائني، وتاريخ الأمويين عن عوانة بن الحكم، وأخبار العباسيين من كتب أحمد بن أبي خيثمة؛ كما أخذ أخبار العرب قبل الإسلام من عبيد بن شَرْية الجرهميّ ومحمد بن كعب القرظي ووهب بن منبّه، وأخبار الفرس من الترجمات العربية من كتب الفرس، ولا سيما كتب ابن المقفع وابن الكلبي: وغير هذا مما تراه في مباحث مواد تاريخ الطبري المستفيضة التي نشرها الدكتور جواد علي تباعًا في مجلّة المجمع العلمي العراقي ببغداد.\nنشر الدكتور جواد علي في مجلة المجمع العلمي بالعراق مقالات إضافية بعنوان \"مواد تاريخ الطبري\"، بلغ فيها الغاية في عمق البحث ودقة التحليل وحسن الأداء، مع الإلمام الكامل بالموضوع من كل نواحيه، وقد أفدت منه في هذا المقام.","vol":"1","page":64},{"text":"والطريقة التي سار عليها الطبري في كتابه هي طريقة المحدِّثين؛ بأن يذكر الحوادث مرؤية بمقدار ما عنده من الطرق، ويذكر السّند حتى يتصل بصاحبه، لا يبدي في ذلك رأيًا في معظم الأحيان؛ وهذه الطريقة هي التي سلكها في معظم الكتاب، وفيما عدا ذلك ينقل من الكتب؛ فيصرح باسم الكتاب أحيانًا، أو ينقل عن المؤلفين من غير تعيين الكتاب الذي نقل عنه أحيانًا.\nوقد كان اعتماده هذا المنهج مثارًا للنقد عند بعض الباحثين، قالوا: إن سياقة الأخبار دون تمحيصها أمر لا يليق بالمؤرخ الناقد البصير؛ وإذا كانت طريقة رواية الخبر في المسند -ورجاله معروفون عند علماء الجرح والتعديل- تضمن صحة الأخبار وتمحيصها في الأخبار التي وقعت في الإسلام؛ فإن هذه الطريقة تقصُر عن ضمان صحة ذلك فيما قبل الإسلام، وخاصة وقد وقع في هذا التاريخ كثير من الأخبار الواهية، والقصص الزائفة، كالإسرائيليات وبعض أخبار الفرس؛ كما أورد أيضًا كثيرًا من الأحاديث الموضوعة كالأحاديث الواردة في بدء الخلق وسير الأنبياء؛ مما لا يرتضيه المحدِّثون.\nوربما كان عذر الطبري في ذلك هو عذر رواة الحديث؛ فيذكرون الحديث بطرقه ورجاله؛ تاركين الحكم للقارئ؛ أمانة للعلم وإبراء للذمة؛ قال في مقدمة كتابه: \"وليعلم الناظر في كتابنا أن اعتمادي في كلّ ما أحضرتُ ذكره فيه؛ مما شرطت أني راسمه فيه؛ إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها؛ دون ما أدرك بحجج العقول واستنبِط بفكر النفوس؛ إلا اليسير القليل منه؛ إذ كان العلم بأخبار الماضين، وما هو كائن من أبناء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانَهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين؛ مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه؛ من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحّة ولا معنى في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤتَ في ذلك من قِبَلنا؛ وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا؛ وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدِّي إلينا\" (١).\n_________\n(١) تاريخ الطبري ١: ٧، ٨ (طبعة المعارف).","vol":"1","page":65},{"text":"وفي هذا النص الصريح؛ ما يشير إلى مذهبه فيما ورد في كتابه من تلك الأخبار.\nوأيًّا ما كان؛ فإن كتاب تاريخ الرسل والملوك سيظلّ بما اشتمل عليه من الروايات الأصيلة، والنصوص النادرة في أسلوبه الرائع الرصين أشملَ كتاب للتاريخ عند العرب.\n* * *\nوقد وقع لهذا الكتاب كثير من التكملات والمختصرات والترجمات. ولعلّ أول من ذيّل عليه هو الطبري نفسه؛ وإن لم يصل إلينا شيء من ذلك؛ قال السخاوي: \"وله على تاريخه المذكور ذيل، بل ذيل على الذيل أيضًا\" (١)، كما أن عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني عمل صلة له على ما رواه ياقوت. وقال ابن النديم: وقد ألحق به جماعة من حيث قَطَع إلى زماننا هذا لا يعوّل على إلحاقهم؛ لأنه ليس ممن يختصّ بالدولة ولا بالعلم (٢) \"؛ وفي المكتبة الأهلية بباريس نسخة مخطوطة من الجزء الأول من كتاب محمد بن عبد الملك الهمذاني؛ المتوفى سنة ٥٢١، الذي جعله تكملة له، يبدأه من الأيام المقتدرية إلى بدء خلافة المستظهر. أما بقية الكتاب؛ فتنتهي بأخبار عضد الدولة أبي شجاع في أول سنة ستين وثلاثمئة.\nوقد اختصره كثيرون؛ ذكر ابن النديم منهم محمد بن سليمان الهاشمي وأبا الحسن الشمشاطيّ من أهل الموصل وآجل يعرف بالسليل بن أحمد (٣).\nممن اختصره أيضًا مع إيراد زيادات عريب بن سعد القرطبي؛ ونقل ابن عذاري منه ما يختص بتاريخ إفريقية والأندلس، وأودعه كتابه \"المغرب\"؛ وأما أخبار العراق فطبعت ملحقة بالتاريخ باسم \"صلة تاريخ الطبري\"، من سنة ٢٩١ إلى سنة ٣٢٠.\nأما الترجمة؛ فكان أوَّل من قام بها أبو علي محمد بن عبد الله العلقمي،\n_________\n(١) كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، للسخاوي ١٤٤.\n(٢) معجم الأدباء ١٨: ٤٤.\n(٣) الفهرست: ٢٣٥.","vol":"1","page":66},{"text":"المتوفى في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري إلى الفارسية، بأمر الأمير أبي صالح منصور بن أحمد بن إسماعيل بن سامان الساماني؛ وكان مشغوفًا به مكثرًا لمطالعته؛ ترجمه ترجمة راعى فيها الاقتصار على إيراد الأخبار دون الأسانيد؛ وتصرّف فيه بعض التصرف (١). ثم نقلت هذه الترجمة من الفارسية إلى التركية في عهد أمير الأمراء أحمد باشا، ثم ترجم مرة ثانية ما بين ٩٢٨ - ٩٣٨ هـ، وطبعت الترجمة التركية سنة ١٢٦٠ في الآستانة.\nكما ترجم أيضًا من الفارسية إلى الفرنسية وطبعت سنة ١٨٧٤، في أربع مجلدات قام بها زوتنبرج Zotenberg؛ ونقلت أيضًا إلى بعض اللغات اللاتينية، وطبعت في غريفزوالد ١٨٦٣ (٢).\nوذكر سيديو Sedillote كتابه \"تاريخ العرب\" أن جرجس النصراني المتوفى سنة ١٢٧٣ م، والمعروف بالمكين بن العميد لخصه وذيله؛ وترجم قسم من كتاب (٣) المكين إلى اللغة اللاتينية، من قبل إربينيوس Eroininus وإلى الفرنسية من قبل فاتييه (٤) Vatter.\n* * *\nومنذ أن صدر هذا الكتاب عن مؤلفه، تتابع الوراقون في نسخه، وتنافس الأمراء والملوك في اقتنائه؛ وعمرت به خزائن الكتب ودور العلم؛ ذكر المقريزيّ أنه كان بخزانة كتب العزيز الفاطميّ ما ينيف على عشرين نسخة منه؛ إحداها بخط المؤلف (٥)؛ ومع مرور الزمن وعوادي الأيام ذهبت هذه النسخ شرقًا وغربًا، وتعرض معظمها للضياع؛ وحينما شرع في طبعه جماعة المستشرقين سنة ١٨٧٩ م؛ لم يتيسر لهم الحصول على نسخة كاملة؛ وكل الذي عثروا عليه -بعد بذل أقصى الجهد وإخلاص النية- أجزاء متفرقة ألّفوا منها نسخة، بها نقص يسير\n_________\n(١) كشف الظنون ٢٩٨.\n(٢) جواد علي ١٧٧: ١٧٨ (مجلة المجمع العلمي ببغداد الجزء الأول)، وتاريخ آداب اللغة العربية لزيدان ٢: ١٩٩، وكشف الظنون ٢٩٨.\n(٣) من هذا الكتاب نسخة خطية بدار الكتب المصرية.\n(٤) تاريخ العرب لسيد يو ٤٧٦.\n(٥) خطط المقريزي ١: ٤١٨.","vol":"1","page":67},{"text":"أكملوه من تاريخ ابن الأثير وكتاب المغازي والفتوح لابن حبيش؛ (١) وقد طبعوه طبعة علمية؛ على أكمل ما يكون التحقيق؛ وأدق ما تكون المقابلة؛ وذلك بين سنتي ١٨٧٩ و١٨٩٨ م في ثلاثة أقسام:\n(القسم الأول): حياة ما قبل الإسلام، ثم حياة محمد ﵊ والخلفاء الراشدين من بعده إلى سنة ٤٠ هـ.\n(القسم الثاني): من سنة ٤١ إلى سنة ١٣٠ هـ.\n(القسم الثالث): من سنة ١٣١ هـ إلى سنة ٣٠٢ هـ؛ وهو نهاية الكتاب، وألحقوا به الكتاب المسى بالمنتخب من ذيل المذيل في أسماء الصحابة والتابعين، وقسمًا من مختصر الطبري لعريب بن سعد القرطبي، أسموه \"صلة تاريخ الطبري\"، مع مقدمة لاتينية؛ تشتمل على ترجمة المؤلف ووصف نسخ الكتاب؛ وشرح الكلمات اللغوية والاصطلاحية فيه؛ ثم التصويبات والاستدراكات. ثم مجلدًا كبيرًا بالعربية يشتمل على الفهارس العامة، ثم أعيد طبعه مرة أخرى في ليدن من سنة ١٧٧٩ إلى سنة ١٩٠١ وقد أشرف على تحقيقه وتصحيحه العلامة دي خويه De Goeje وعاونه من المستشرقين: بارت Barth، ونولدكه Noeldeke، ولوت، Loth وديونج De jong، وبريم Brimm، تورد بيك Thorbecke، وفرانك Fraenkel وجويدي Guidi، ومولر Mueller.\nأما المخطوطات التي رجعوا إليها فتنتمي إلى المكتبات الآتية:\n١ - المكتبة الأهلية بباريس؛ رقم: ١٤٦٦، ١٤٦٧، ١٤٦٨، وقد رمز إليها بالحرف P.\n٢ - مكتبة كبريلي بالآستانة رقم ١٠٤٠ إلى ١٠٤٢، وقد رمز إليها بالحرف C.\n٣ - مكتبة جامعة الزيتونة بتونس، وقد رمز إليها بالحرف Tn.\n٤ - مكتبة الجمعية الآسيوية في كلكتا بالبنغال رقم: ٤٤٣، وقد رمز إليها برمز Ca.\n٥ - مكتبة برلين برقم: ٩٤١٤، ٩٤٣٤، ٩٤١٦، ٩٤١٧، ٩٤١٨، ٩٤١٩، ٩٤٢٠، ٩٤٢١، ٩٤٢٢، وقد رمز إليها بالحرف B.\n_________\n(١) هذا النقص يقع في المطبوعة الأوربية ما بين ٢٣٨٣، ٢٤١٤، من الجزء الأول.","vol":"1","page":68},{"text":"٦ - مكتبة المتحف البريطاني، رقم: ٢٧١، ١٢٠٥، ١٦١٨؛ وقد أشير إليها برمز BM.\n٧ - مكتبة توبنجن؛ وقد رمز إليها بالحرف T.\n٨ - مكتبة بودليان بأكسفورد رقم: ٧٨١، ٧٢٢ (أوري) ٦٥٠ (أوري) ٧١١، ٧٢٢، ٦٧٦، وقد أشير إليها بالحرف O.\n٩ - مكتبة الجزائر، رقم: ١٥٧٢، ١٥٩٤ وقد أشير إليها بالحرف A،\n١٠ - مكتبة المكتب الهندي، وقد رمز إليها بحرف M.\n١١ - مكتبة جامعة استراسبورج، وقد رمز إليها بالحرف S.\n١٢ - مكتبة ليدن رقم ٤٩٧، وقد رمز إليها بالحرف L،\nأما كتاب المنتخب من ذيل المذيل فقد رجعوا فيه إلى نسخة مكتبة المتحف البريطاني برقم ٦١٨، والجزء المعروف بالصلة رجعوا فيه إلى نسخته المحفوظة بمكتبة غوطة رقم ١٥٥٤.\nوقد بذل هؤلاء العلماء الأفاضل جهدًا كبيرًا، في صبر وأناة، مع دأب ومثابرة؛ ووشوا حواشيه بمقابلات للنسخ دقيقة، وتعليقات مستفيضة مفيدة؛ وستظل هذه النشرة من أمثل المطبوعات العربية وأدقها.\nوعن هذه النسخة الأوربية قامت المطبعة الحسينية بطبعه في سنة ١٣٣٩ هـ، ومطبعة الاستقامة بالقاهرة؛ بعد حذف التعليقات والفهارس وإن يكن في هاتين الطبعتين شيء من الخير فهو أنهما قد سدَّتا حاجة جمهور العلماء والباحثين من هذا الكتاب؛ بعد أن عزّت الطبعة الأوربية، وتعذر على الناس اقتناؤها.\nوقد رمزت لمخطوطات باريس بالحرف (ر)، ولمخطوطات كبريلي بالآستانة بالحرف (س)، ولمخطوطة تونس بالحرف (ن)، ولمخطوطة كلكتا بالحرف (ك)، ولمخطوطات برلين بالحرف (ب)، ولمخطوطات المتحف البريطاني بالحرف (ح)، ولمخطوطة توبنجن بالحرف (ت)، ولمخطوطة ليدن بالحرف (ل)، ولمخطوطات أوكسفورد بالحرف (ف)، ولمخطوطتي الجزائر بالحرف","vol":"1","page":69},{"text":"(ج)، ولمخطوطة المكتب الهندي بالحرف (م)، ولمخطوطة استراسبورج بالحرف (و).\nوأما المخطوطات التي حصلت عليها مما لم يرجع إليه مصححو نسخة أوربا، فقد أشرت لمخطوطات أحمد الثالث بالحرف (أ)، وإلى مخطوطة مكتبة بتنه بالحرف (هـ)، ولمخطوطة دار الكتب بالحرف (د)، ولمخطوطة المكتبة التيمورية بالحرف (ي).\n* * *\nوقد وافقت المخطوطة الأولى من نسخة أحمد الثالث من هذا الجزء من أوله إلى ص ٥١١ السطر العاشر؛ وهي جزء ناقص من آخره، يقع في ٢٣٨، كتب على غلافه: \"الجزء الول من كتاب التاريخ تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، رواية القائد أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني ﵁\". وعليه وقفية من المقر الأشرف الجمالي محمود الأستادار لهذا المجلد وما بعده من المجلدات، وعددها خمسة عشرة مجلدًا؛ على مدرسته التي أنشأها بخط الموازنيين. بالشارع الأعظم، وعليها تملك بتاريخ جمادى الأولى سنة إحدى وستمئة؛ ثم في موضع آخر تملك نصه: \"أول رمضان سنة ٧٢٦\"، ومسطرتها ١٩ سطرًا؛ في كل سطر ١٢ كلمة.\nوأما باقي النسخ فسيأتي وصفها عند موضعها في الأجزاء المقبلة\".\nأرجو حينما يتم طبع بقية الأجزاء -بعونه تعالى وتوفيقه- أن ألحق به كتاب\n* * * المنتخب من ذيل المذيل، والمختصر لعريب؛ وتكملة الهمدانيّ؛ ثم الفهارس العامة.\nوأذكر بالفضل والشكر الأساتذة: الدكتور عبد الحليم النجار والأب قنواتي والدكتور هنس إرنس Hans Frnst لما لقيت منهم من عون في الانتفاع بمقدمة الطبعة الأوربية، وما جاء في تعليقاتها باللاتينية؛ فلهم مني أطيب الثناء والتقدير (١).\n_________\n(١) * مصادر البحث.\nإنباه الرواة على أنباء النحاة للقفطي ٣: ٨٩ - ٩٠. =","vol":"1","page":70},{"text":"والله سبحانه الموفق والمعين؛ ومنه الرضا والتوفيق.\n١٩ جمادى الأولى سنة ١٣٨٠ هـ.\n٨ نوفمبر سنة ١٩٦٠ م.\n_________\n= تاريخ ابن الأثير ٦: ١٧١ - ١٧٢.\nتاريخ ابن كثير ١١: ١٤٥.\nتاريخ بغداد ٢: ١٦٢ - ١٦٨.\nالأنساب للسمعاني ٣٦٧.\nتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري.\nتاريخ ابن عساكر ١٨: ٣٣٩ - ٣٧٠.\n(مخطوطة دار الكتب).\nتذكرة الحفاظ للذهبي ٢: ٢١ - ٢٥٥.\nتهذيب الأسماء واللغات للنووي ١: ٧٨ - ٧٩.\nابن خلكان ١: ٤٥٦.\nالرجال للنجاشي ٢٢٥.\nروضات الجنات ٦٧٢ - ٦٧٥.\nشذرات الذهب ٢: ٢٦٠.\nطبقات الشافعية للسبكي ٢: ١٣٥ - ١٤٠.\nطبقات القراء لابن الجزري ٢: ٢٦٠ - ٢٦١.\nطبقات المفسرين للداودي الورقة ٢٣٠ - ٢٣٤.\nطبقات المفسرين للسيوطي ٣٠ - ٣١.\nعلم التاريخ لهرنشو ترجمة العبادي ٥١ - ٦٩. عيون التواريخ لابن شاكر (وفيات سنة ٣١٠).\nالفهرست لابن النديم ٢٣٤ - ٢٣٥.\nكشف الظنون ٢٩٨، ٢٣٧، ٥١٤، ١٤٤٩.\nاللباب لابن الأثير ٢: ٨١.\nلسان الميزان ٥: ١٠٠ - ١٠٣.\nالمحمدون من الشعراء ٦٦ - ٦٧.\nمرآة الجنان لليافعي ٢: ٢٦١.\nمعجم الأدباء ١٨: ٤٠ - ٩٤.\nالمنتظم لابن الجوزي ٦: ١٧٠ - ١٧٢.\nمواد تاريخ الطبري للدكتور جواد علي (مجلة المجمع العلمي العربي ببغداد).\nالوافي بالوفيات ٢: ٢٦٤ - ٢٨٦.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثالثًا الإمام الطبري مؤرخًا </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الأول علْمُ التَّاريخِ والطَّبَرِيّ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>(أولًا): تعريف علم التاريخ:</span>\nالتاريخ في اللغة تعريف الوقت، يقال: أرَّختُ الكتاب تاريخًا إذا جعلت له تاريخًا، وهو بيان انتهاء وقته، وقيل: وهو معرّب، وقيل: عربي (٢).\nوالتاريخ في العرف هو تعيين الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع من ظهور ملة أو دولةٍ أو أمرٍ هائل، أو من الآثار العلوية والحوادث السُّفلية مما يندر وقوعه، ويُجعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور التي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين، وقيل عدد الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر (٣).\nوأول من وضع التاريخ الإسلامي الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ عندما أُتي بصكّ مكتوب إلى شَعْبان، فقال: أهو شعبانُ الماضي أو شعبان\n_________\n(١) هذه المقدمة مأخوذة من كتاب \"الإمام الطبري شيخ المفسرين، وعُمدةُ المؤرخين، ومقدَّم الفقهاء المحدثين، صاحب المذهب الجريري\" (ص ١٩٧ - ٢٤٥) للدكتور: محمد الزحيلي.\n(٢) القاموس المحيط ١/ ٢٥٦، المصباح المنير ١/ ١٥، مختار الصحاح ص ١٣.\n(٣) كشف الظنون ١/ ٢١٣، كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٥٦، أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١.","vol":"1","page":73},{"text":"القابل؟ ثم أمر بوضع التاريخ، واتفقت الصحابة على ابتداء التاريخ من هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة، وجعلوا أول السنة المحرّم (١).\nأما علم التاريخ فقد عرَّفة وبيّنه طاش كبري زادة بقوله: \"هو معرفة أحوال الطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم وأنسابهم، ووفياتهم. . . إلى غير ذلك، وموضوعه: أحوال الأشخاص الماضية، من الأنبياء والأولياء، والعلماء والحُكَماء، والشُّعراء، والملوك والسلاطين. . . وغيرهم، والغرض منه: الوقوف على الأحوال الماضية، وفائدته: العبرة بتلك الأحوال، والتنصُّح بها، وحصولُ ملكة التجارب بالوقوف على تقلّبات الزمن، ليُحترز عن أمثال ما نقل من المضارّ، ويُستجلب نظائرها من المنافع، وهذا العلم كما قيل: عمر آخر للناظرين، والانتفاعُ في مِصْره بمنافِعَ تَحْصلُ للمسافرين\" (٢)، وينحصر حديثنا في علم التاريخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>(ثانيًا): أهمية علم التاريخ ومشروعيته:</span>\nيمثل التاريخ أحد مصادر المعرفة الإنسانية التي اهتم بها الناس، فتدارسوه، وألفوا مجالسه، واستمعوا أخباره، وصنّفوا فيه، لأنه يفيد تسليةً ولَذَّة، ويعطي المتعةَ الكافية، ويُرضي غريزة حب الاستطلاع، ويبعث على العبرة والتفكّر في الأحداث، فالعاقل من اتعظ بغيره، والمحنَّك من تخطَّى تجارب غيره، فالتاريخ يعطي القارئ والسامع نماذج من السلوك البشري بما فيه من غرائز، وعواطف، وميول، وسلوك، وطموحات، وآمال وآلام، فرد أو جماعة، مع بيان النتائج التي تترتب على كل تصرف، سواء كان صوابًا أم خطأ، عامًا أم خاصًّا، ماديًا أم معنويًا، فرديًا أم اجتماعيًا، وهذا يثير الهمم للنهوض، أو التأسِّي بالسَّلف، أو الاقتداء بالأمم الحية، أو التحرز والتحفظ من المسالك الوعرة، والمنزلقات الخطرة التي لا تُحمد عقباها.\n_________\n(١) المصباح المنير ١/ ١٥ - ١٦، المختصر في علم التاريخ ص ٣٣٠ المطبوع ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.\n(٢) مفتاح السعادة ١/ ٢٥١، وانظر: أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١، والمختصر في علم التاريخ ص ٣٢٥، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص ٣٨٢ وما بعدها.","vol":"1","page":74},{"text":"وقد اهتم العرب بعلم التاريخ، بسبب اهتمامهم بالانتساب إلى الآباء والأجداد، والعشيرة والقبيلة، فحفظوا أنسابهم، وتفاخروا بها حتى وصلوا إلى التعصب والعصبية، فكانو ايهتمون أصلًا بتاريخهم، وتاريخ الأمم قبلهم، ومن حولهم.\nوجاء القرآن الكريم يذكر أخبار الأمم السابقة، وقصص النبيين والمرسلين، ولكنه باختصار شديد، مركِّزًا على موطن العبرة والعظة، ومكان الإِثارة والاستفادة، مع النص القرآني المتكرِّر على هذا الهدف، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، وخاطب الله رسوله آمرًا له بقصّ الأخبار الهادفة، فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وخصَّص الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم \"سورة القصص\".\nومن هنا اتجه كثير من العلماء المسلمين إلى جمع الأخبار، ومعرفة الأماكن والأحوال التي أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واشتاقت نفوسهم إلى التوسع في فهم القصص المذكورة في القرآن، وفي ذات الوقت اعتَنَوْا عناية شديدة بسيرة رسول الله - ﷺ -، وما يتبعها من المغازي، وكانت هذه المعلومات تصبُّ في مِحْوَرَيْن، الأول: محور الأخبار والقصص التاريخية، وكان صاحبها يسمى أخباريًا، وتتّسم أكثر قصصه بالأوهام والخرافات والأساطير القديمة، والمحور الثاني: علم الحديث والمصطلح، وكان علماء الحديث يذكرون أخبار السيرة النبوية وآثار الصحابة والخلفاء الراشدين مع الحديث برواياته وأخباره وإسناده، ولما دُوِّنت كتب السنة النبوية خُصِّص باب مستقل بعنوان المغازي والسِّير، إلى أن استقل علم السيرة النبوية، وخُصِّصت له المصنفات والكتب (١).\n_________\n(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ٢٠٢، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٥٧، علم التاريخ عند المسلمين، مقدمة المترجم الدكتور صالح أحمد العلي ص / أ، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٧٦٣، ضحى الإسلام ٢/ ٣١٩، مقدمة ابن خلدون ص ٣، ٩، الإعلان ص ٣٨٥، ٤٠٦، ٤١٢.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>(ثالثًا): تدوين علم التاريخ:</span>\nيذكر مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي أنَّ تدوين العلوم، وتحديد ذاتيتها، وظهور كيانها كان من منتصف القرن الهجري الثاني، فيقول \"في سنة ثلاث وأربعين (ومئة) شرع علماء الإِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. . .، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودُوِّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يَرْوُون العلم من صحف صحيحة غير مرتَّبة\" (١).\nوهكذا نشأ علم التاريخ، واستقل عن علم الحديث، ولم يعد المؤرخ يسمى أخباريًا، واقتصر مدلول الأخباري على راوي القصص والنوادر والحكايات، وأقبل العلماء والفقهاء على دراسة التاريخ والتأليف فيه، وصار لهم مكانة عالية بين النَّاس، واعتنى الخلفاء بسماع تواريخ الملوك في الأمم الأخرى لتكون لهم عِظة، ويستفيدوا من تجاربهم، ورأَوْا أن قراءة التاريخ تفيد الفطنة والحِنكة (٢)، ولذلك قال الجاحظ: \"علم النسب والخَبر علم الملوك\" (٣).\nوفي القرن الثالث الهجري استوى علم التاريخ على سوقه، وتوطَّدت دعائمه، وظهرت فيه المؤلفات والكتب التي تجمع المواضيع المتعاقبة، إما على أساس السنين، وإما على أساس الطبقات، وإما على تاريخ المدائن، وأصبح لعلم التاريخ منهج مرسوم، وصار له روَّاده وأعلامه، ويقصده طلاب العلم لذاته، وتُرجمت تواريخ الأمم الأخرى إلى العربية، وأصبحت مائدة التاريخ حافلة وشهية ونافعة، منها \"الطبقات الكبرى\" لابن سَعد (٢٣٠ هـ) وكتاب \"أخبار أو تاريخ مكة المشرفة\" لأبي الوليد الأَزْرقي الحفيد (٢٤٤ هـ)، كتاب \"تاريخ اليعقوبي\" (٢٧٨ هـ أو ٢٨٤ هـ)، وكتاب \"الأخبار الطوال\" لأبي حنيفة الدِّينَوَري (٢٩١ هـ) (٤).\n_________\n(١) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦١، النجوم الزاهرة ١/ ٣٥١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٠.\n(٢) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ضحى الإسلام ٩/ ٣١٢، الطبري للحوفي ص ١٨٣، تاريخ الطبري ١/ ٥ ط دار المعارف.\n(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٧.\n(٤) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٢، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٧ وما بعدها، الطبري للحوفي =","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>(رابعًا): الطَّبريُّ يدرس التاريخ:</span>\nرأينا سابقًا أن الطبري جمع من علوم الإسلام ما لم يجتمع لأحد، وكان له حافظة نادرة، وذكاءٌ حادٌّ، وأنه من كبار علماء الحديث الذين ينقلون الأحاديث والأخبار والأسانيد، ويجمعون الروايات المتعدّدة في الموضوع الواحد، مما كان له صلة بكتب الروايات والتاريخ للأمم الأخرى، واستفاد منها في تفسيره للقرآن الكريم، وأورد جانبًا منها في كتايه الذي أملاه في ثماني سنوات (٢٨٣ هـ - ٢٩٠ هـ)، ولما فرغ منه اتجه إلى تصنيف كتابه الثاني في التاريخ حتى انتهى منه يوم الأربعاء ٢٧ ربيع الآخر عام (٣٠٣ هـ) وأرَّخ حتى سنة ٣٠٢ هـ الموافق ٩١٥ م (١).\nوكان الطبري رحمه الله تعالى قد اطَّلع على جميع كتب التاريخ وأجزائه وصُحُفه في القرن الثالث الهجري، كما درس بتوسع كتب السيرة النبوية وما صُنِّف فيها، وأخذ علم التاريخ عن المختصِّين به، وهم شيوخ الطبري في ذلك، وعنهم أخذ مصادره والموادَّ الأولية لكتابه.\nولما أراد الطبري أن يبدأ في كتابه التاريخ قال لتلاميذه: \"تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ فقالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ما ذكره في التفسير (أي ثلاثون ألف ورقة)، فأجابوا: هذا ما يُفْني الأعمار قبل تمامه، فقال الطبري: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر به التفسير\" (أي في نحو ثلاثة آلاف ورقة) (٢).\n* * *\n_________\n= ص ١٨٢، وانظر أصول علم التاريخ في كتاب، المختصر في علم التاريخ\" للكايجي، ص ٣٣٧ وما بعدها.\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، الفهرست ص ٣٢٧.\n(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٢، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣، معجم الأدباء ١٨/ ٤٢، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٥، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، وفي قول آخر اختصره إلى ألف ورقة، وفي قول ثالث أنه خمسة آلاف ورقة، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بسهولة، وذلك بحسب النسخ التي كتبت، وحجم الورق الذي استخدم في كل نسخة.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الثاني كُتُب الطَّبَريِّ في التَّارِيخ</span>\nإن الألقاب الرفيعة التي أُعْطِيت للطبري المؤرخ لم تكن عَبَثًا، فقد صنَّف أعظم كتب التاريخ على الإِطلاق، وقدّم للبشرية إنتاجًا ثَرًّا، وكتبًا قيمة، ومصنفات جليلة، ومجلدات كبيرة، مع ما بثَّه من أخبار تاريخية في سائر كتبه الأخرى.\nأما الكتب التاريخية فله اثنان، الأول: \"تاريخ الأمم والملوك\"، والثاني: \"ذَيل المذيَّل\"، ونبدأ بتعريف الثاني لصغره، ثم نعود للكتاب الأول لأهميته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>(أولًا): ذَيل المُذَيَّل للطَّبَريّ:</span>\nوهو كتاب في تاريخ الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عصر الطبري، ويشتمل على تاريخ من قُتل أو مات من أصحاب رسول الله - ﷺ - في حياته، وتاريخ من عاشوا بعده من أصحابه وَرَوَوْا عنه على ترتيب الأقرب فالأقرب من رسول الله - ﷺ -، أو من قريش من القبائل، ثم ذكر الطبريّ تاريخ التابعين وتابعي التابعين من السَّلَف، ومن بَعدهم إلى أن بلغ شيوخه الذين سمع منهم.\nوذكر الطبري أخبار هؤلاء، ومذاهبهم، وبيان الضعفاء من المحدِّثين، والدفاع عن ذوي الفضل منهم، ممن رُمي بمذهب هو بريء منه، أو اتُّهم برأي لم يقله، مثل الحَسَن البصْري وقتَادة وعِكْرِمة وغيرهم.\nوذكر تاريخ النساء الصحابيات اللائي أسْلَمْنَ على عهد رسول الله - ﷺ -، ومن مات منهنَّ قبل الهجرة، ومن مِتْنَ بعدَها.","vol":"1","page":79},{"text":"وفي آخر الكتاب أبواب حسان عمن حدَّث عنه الإِخوة، أو الرجل وولده، ومن اشتهر بكنيته دون اسمه، أو باسمه دون كنيته (١).\nقال عنه ياقوت: \"وهو من محاسن الكتب وأفاضلها، يرغبُ فيه طلاب الحديث وأهل التواريخ، وكان خرّج إملاءه بعد سنة ثلاثمئة، وهو في نحوٍ من ألف ورقة\" (٢).\nوسماه الذهبي باسم \"تاريخ الرجال\" من الصحابة والتابعين وإلى شيوخه الذين لقيهم (٣).\nوهذا الكتاب مفقود حتى الآن، ولم يُعثر على نسخة منه، ولكن عُرَيْب بن سعد الكاتب القرطبي (٣٧٠ هـ / ٩٨٠ م) الذي اختصر تاريخ الطبري كما سنرى، اختصر أيضًا ذَيل المُذَيَّل بعنوان \"المُنْتَخَب من ذَيل المُذيَّل من تاريخ الصحابة والتابعين\" وطبع هذا \"المنْتَخَب\" مع \"تاريخ الطبري\" في الجزء الأخير في ليدن، في الطبعة التي أشرف عليها ونشرها في غويه سنة ١٨٩٧/ ١٩٠١ م، ثم طبع \"المنتخب\" مع \"تاريخ الطبري\" في معظم طبعاته، منها طبعة مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م، وجاء \"المنتخب\" في نهاية الجزء الثامن والأخير من \"تاريخ الأمم والملوك\" للطبري، ويقع في ١٦٤ صفحة، وأربع صفحات للفهرس (٤)، وطبع \"المنتخب\" في الجزء الحادي عشر من \"تاريخ الطبري\" من طبعة دار المعارف بمصر ١٩٦٠ - ١٩٦٧ م بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.\nأما الكتاب الأصلي فيقع في ألف ورقة، وإذا قورن هذا الرقم بكتاب \"تاريخ الطبري\" الذي يقع في ثلاثة آلاف ورقة، وطبع في ثمانية مجلدات، فإننا نجد أن كتاب \"ذَيْل المُذيَّل\" يساوي ثلث كتاب التاريخ، وهذا يعني أنَّه كتاب كبير في التاريخ وتراجم الصحابة والتابعين وبقية السلف الصالح.\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٧٠، الطبري للحوفي ص ٨٩.\n(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٧١.\n(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٣، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٧.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>(ثانيًا): تاريخ الأمم والملوك:</span>\nويعرف بتاريخ الطبري، وبه اشتهر اسمُه، ولَمَعَ صيتهُ، وتخلَّد اسمه، وإذا أطلق على الطبري: المؤرخ، فإنما بسبب هذا الكتاب.\nواسم الكتاب المشهور به هو \"تاريخ الأمم والملوك\" (١) وطبع بهذا العنوان، ولكن ياقوت الحموي ذكر اسمًا آخر له وهو \"تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والخلفاء\" (٢)، وكلا الاسمين يدلان على موضوع الكتاب، ويسمى الكتاب أيضًا: \"التاريخ الكبير\" (٣).\nقال ياقوت: \"وهذا الكتاب من الأَفْراد في الدنيا، فضلًا ونَباهة، وهو يجمع كثيرًا من علوم الدِّين والدُّنيا، وهو في نحو خمسة آلاف ورقة\" (٤).\nوبيَّن الطبري رحمه الله تعالى خطة كتابه، وذكَّر بفائدة علم التاريخ وأهميته في المقدمة، ويَحْسُن بنا أن نطّلع عليها، ونسجِّلها هنا.\n\"قال أبو جعفر: وأنا ذاكرٌ في كتابي هذا: من ملوك كل زمان من ابتداء ربنا ﷻ خَلْق خَلْقِه إلى حال قيامهم، مَنْ انتهى إلينا خبرُه، ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه، فشكر نعمه، من رسُول له مُرْسل، أو مَلِك مُسَلَّط، أو خليفة مُسْتَخْلَف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعمًا، وإلى ما تفضل به عليه فضلًا، ومن أخَّر ذلك له منهم، وجعله له عنده ذُخْرًا، ومن كفر منهم نعمه فسَلَبه ما ابتدأ به عليه إلى حين وفاته وهلاكه، مقرونًا ذكر كل من أنا ذاكره منهم في كتابي بذكر نعمائه وجُمَل ما كان من حوادث الأمور في عصره وأيَّامه، إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، وتطول به الكتب، مع ذكري مع ذلك مَبْلغَ مدة أُكُلِه، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا\n_________\n(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣، كشف الظنون ١/ ٢٢٧.\n(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، وطبعت الكتاب دارُ المعارف بمصر باسم \"تاريخ الرسل والملوك\" وسماه فؤاد سزكين \"أخبار الرسل والملوك\" (تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٢)، وطبع بمطبعة خياط باسم \"تاريخ الرسل والملوك\".\n(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٦٨.\n(٤) معجم الأدباء ١٨/ ٧٠.","vol":"1","page":81},{"text":"أولى، والابتداء به قبله أحَجى من البيان عن الزمان، ما هو؟ وكم قدْرُ جميعه؟ وابتداء أوَّله، وانتهاء آخره، وهل كان قبل خلق الله تعالى إيَّاه شيء غيره؟ وهل هو فَانٍ؟ وهل بعد فنائه شيء غيرُ وجه المسبَّح الخلَّاق تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه؟ وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة على أنْ لا قديم، إلا الله الواحد القهار الذي له مُلْك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، بوجيزٍ من الدلالة غير طويل إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تاريخ الملوك الماضين، وجملًا من أخبارهم وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم، وأيام الخلفاء والسالفين، وبعض سيرهم ومبالغ ولاياتهم، والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم، ثم أنا متبعٌ آخر ذلك كله، إن شاء الله، وأيدٍ منه بعون وقوة، ذكر صحابة نبينا محمد - ﷺ - وأسمائهم وكُناهم، ومبالغ أنسابهم، ومبالغ أعمارهم، ووقت وفاة كل إنسان منهم والموضع الذي كانت به وفاته، ثم متبعهم ذكرَ من كان بعدَهم من التابعين لهم بإحسان على نحو ما شرطنا من ذكرهم، ثم ملحق بهم من ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك، وزائد في أمورهم للإِبانة عمن حُمِدَت منهم روايتهُ، ونُقلت أخباره، ومن رُفِضَت منهم روايته، ونُبذت أخباره، ومن وَهَن منهم نقلُه، وضَعُفَ خبره، والسبب الذي من أجله نُبِذ منهم خبرُه، والعلة التي من أجلها وَهَن من وَهَن منهم نقله، وإلى الله ﷿ أنا راغب في العون على ما أقصده وأنويه، والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه، فإنه ولي الحول والقوة، وصلى الله على محمد نبيه، وآله وسلم تسليمًا\" (١).\nثم ذكر الطبري رحمه الله تعالى منهجه في الكتاب، كما سنوضحه فيما بعد إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>(ثالثًا): محتويات \"تاريخ الأمم والملوك</span>\".\nيعتبر \"تاريخ الطبري\" ذروة التأليف التاريخي عند المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، وهو أوثق مصدر للتاريخ الإِسلامي، ويحتل هذا التاريخ مكانة ممتازة\n_________\n(١) تاريخ الطبري ١/ ٤ - ٥.","vol":"1","page":82},{"text":"بين كتب التاريخ الإِسلامي، وبيّن لنا ياقوت الحموي محتويات الكتاب، فقال: \"بدأ فيه بالخطبة المشتملة على معانيه، ثم ذكر الزمان ما هو؟ ثم مدة الزمان على اختلاف أهل العلم من الصحابة وغيرهم والأمم المخالفة لنا في ذلك، والسُّنَن الدالة على ما اختاره من ذلك، وهذا باب لا يندر وجوده إلا له. . .، ثم ذكر أبو جعفر في \"التاريخ\" الكلام في الدلالة على حَدَث الزمان \"الأيام والليالي\"، وعلى أن مُحْدِثَها هو الله ﷿ وحده، وذكر أول ما خُلق، وهو القلم وما بعد ذلك شيئًا فشيئًا على ما وردت به الآثار، واختلاف الناس في ذلك، ثم ذكر آدمَ وحوّاء، واللعين إبليس وما كان من نزول آدم - ﵇ -، وما كان بعده من أخبار نبيّ نبيّ، ورسول رسول وملك ملك، على اختصار منه كذلك إلى نبينا - ﵇ - مع ملوك الطوائف، وملوك الفرس والروم، ثم ذكر مولد رسول الله - ﷺ - ونسبه وآباءَه وأمّهاتهِ، وأولاده وأزواجه، ومبعثه ومغازيه، وسراياه وحال أصحابه ﵃، ثم ذكر الخلفاء الراشدين المهديين بعده، ثم ذكر ما كان من أخبار بني أمية، وبني العباس في القَطْعين: المنسوب أحدهما إلى قطع بني أمية، والثاني إلى قطع بني العباس وما شرحه في كتاب التاريخ، وإنما خرج ذلك إلى الناس على سبيل الإجازة إلى سنة أربع وتسعين ومئتين، ووقف على الذي بعد ذلك، لأنه كان في زمن المقْتَدر، وقد كان سُئل شرح القَطْعين، فلما سئل ذلك شَرَحه وسماه القطعين\" (١).\nومن هذا النص، ومن الرجوع إلى كتاب \"تاريخ الأمم والملوك\" نجد أن خطة الكتاب تتضمن تاريخ العالم من بدء الخليقة إلى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وتشتمل على ما يلي:\n* الخطبة: وفيها الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، ثم بيان خلق الله للناس، وخطة الطبري في تصنيف الكتاب، ومنهجه في ذلك (ص ٢ - ٥).\n* المقدمة: وتتضمن الحديث عن الزمان في ضوء العقيدة الإسلامية، والأقوال في قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه، وحدوث الأوقات\n_________\n(١) معجم الأدباء ١٨/ ٦٨، ٦٩ - ٧٠.","vol":"1","page":83},{"text":"والأزمان، وأن الله تعالى خلق الزمان والليل والنهار، وأنه القادر على فنائها، ولا يبقى غير الله تعالى، فهو الأول والآخر والمحْدِث لكل شيء بقدْرَتِه، ثم تحدَّث الطبريَّ عن ابتداء الخلق، وأنَّ أول ما خلق القلم، ثم بين ما ورد في الخلق في الأيام الستة من السموات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وخلق إبليس وأخباره (ص ٥ - ٦٠).\n* القسم الأول: تاريخ العالم قبل الإسلام، وبدأه بخلق آدم أبي البشر في الجنَّة، وقصته مع إبليس في الجنة، وهبوط آدم إلى الأرض، والروايات الواردة في ذلك، ثم ذكر الطبري الأحداث التي وقعت في زمن آدم، وخاصة قصة قتل قابيل لهابيل، والروايات الواردة في ذلك، ثم فصّل القول في موت آدم وسنّه حينما مات.\nثم عرض الطبري لسيرة الأنبياء من أولاد آدم، إلى نوح وإبْراهيم ولُوط وإسماعيل وإسحاق ويعْقوب، وأَيُّوب وشُعَيب، ويُوسف وإلياس، وموسى واليسع، وداود وسُلَيمان، وصالح ويُونُس وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعرض لأخبار أممهم من خلال تاريخ أنبيائهم.\nوأرَّخ بصفة خاصة لبعض الأمم، وخاصة ملوك الفرس في العهد السَّاساني وعلاقتهم ببلاد العرب، وكذلك الرُّوم وملوكهم منذ المسيحية إلى الإسلام، وكذا اليهود وأنبيائهم وقصصهم وتاريخهم وملوكهم ودولهم، وأخيرًا عن العرب، فتحدَّث عن عاد وقوّتهم وظلْمهم وعِصيانهم لنبيِّهم هُود وإهلاك الله لهم، وثمود وعُتُوِّهم وكفرهم ومعصيتهم لنبيهم صَالح، وهلاكهم بسبب ذلك، ثم ذكر طسم وجَدِيس، وجُرْهم، وأصهار إسماعيل، وأخبار العرب في الجاهلية، وملوك اليمن وعلاقتهم بالحبش ثم بالفرس، وأشهر حكماء العرب، ثم تحدَّث عن أجداد الرسول - ﷺ - من عدنان إلى عبد المطلب، وذكر طَرَفًا من أخبار الرسول قبل البعثة، وحال قريش ومكة، وذلك تمهيدًا لعصر الرسالة (ص ٦٠ - إلى آخر الجزء الأول)، جاء ذكر نسب رسول الله - ﷺ - وأخبار أجداده وأنسابه وزواجه في الجزء الثاني حتى (ص ٤٣).\nوأورد الطبري حوادث هذا القسم على أساس المواضيع، وليس على طريقة الحَوْليات، ويمثل هذا القسم من تاريخ الطبري عن العالم والعرب قبل الإسلام","vol":"1","page":84},{"text":"حوالي عُشْر الكتاب كله، ومع ذلك يعتبر أطول مصنَّف كُتِب عن الفترة التي سبقت الإِسلام في كتب التاريخ العام عند المؤرخين العرب.\n* القسم الثاني: تاريخ العالم بعد الإسلام، ابتداء من نزول الوحي على رسول الله - ﷺ -، وابتداء الوقت الذي عُمل فيه التاريخ الإسلامي بالهجرة النَّبوية، ويستمر هذا القسم إلى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، ويشمل هذا القسم أربعة عهود متميّزة:\nأ- العهد النَّبوي، والبعثة النبوية، وسيرة الرسول - ﷺ -، وغزواته، حتى سنة ١١ هـ الموافق ٦٢٠ م.\nب- العهد الرَّاشدي، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والفتوحات التي تمت في عصرهم، والأحداث التي وقعت حتى سنة ٥٤٠ هـ / ٦٦٠ م.\nجـ- العهد الأموي، وفيه تاريخ الأمويين وخلفائهم وفتوحاتهم، والأحداث والفتن التي وقعت حتى سقوط الخلافة الأموية سنة ١٣٢ هـ / ٦٤٩ م.\nد- العهد العبَّاسي، وخلفاء بني العبَّاس، وما جرى في زمانهم، والحروب الداخلية والفتن والطوائف والفِرَق التي ظهرت في عصرهم حتى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وفرغ الطبري من تأليف تاريخه وتصنيفه سنة ٣٠٣ هـ.\nويغطي هذا القسم بقية تاريخ الطبري من الجزء الثاني حتى الأخير بحسب الطبعات، هو الجزء الثامن في الطبعة التي نعتمد عليها في مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م.\nوسار الطبري في القسم الخاص بالتاريخ الإسلامي على ترتيب السنين، بذكر الأحداث سَنَةَ فسَنة، وهو ما يُدعى بالنِّظام الحَوْلي، أو الحَوْليَّات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>(رابعًا): مصادر الطبري في تاريخه:</span>\nاعتمد الطبري في كتاب \"التاريخ\" على مصادر متنوعة، ولم يأخذ المادة\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٧١، الطبري للحوفي ص ١٨٤ وما بعدها، الفهرست ص ٣٢٧، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٦، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٣ طبعة دار المعارف.","vol":"1","page":85},{"text":"التاريخية من مَرْويات شفهية، أو مصادر مدوَّنة متفرقة، ولكنَّه اعتمد على كتب مدوَّنة كبيرة، ومشهورة أُتيح له الاطّلاع عليها، وروايتها أو الأخذ منها، وهي كتب جامعة، وأُلِّفت في القرنين السابقين، الثاني والثالث الهجري، ولم يستمد الطبري شيئًا من كتب معاصريه (١).\nوقد بُذِلَت مساع كثيرة للتعرف على مصادر الطبري من خلال سلاسل الإسناد التي سجَّلها الطبري في كتابه، وأسماء الرواة الذين صرح بأسمائهم، لكنه أغفل أسماء كتبهم، فرجع العلماء إلى مصنفاتهم التي ذكرها ابن النديم في \"الفهرست\" ورجحوا أقرب الاحتمالات في تحديد اسم الكتاب (٢).\nوالطبري استمد تاريخه من المصادر المتعددة التي اطمأن إلى حجيَّتها في الغالب، واعتبرها مؤثوقة إلى حدٍّ ما، وهي في حقيقتها متنوِّعة بحسب الموضوع، ويمكننا الإشارة إلى أهمها:\n١ - في تاريخ الرسل والأنبياء اعتمد الطبري على كتب التفسير، وكتب السيرة النبوية، وخاصة كتب وَهْب بن منبه ومنها كتابه \"المبتدأ والخبر\" وسيرة ابن إسحاق، ومن هنا تسرّبت الإسرائيليات إلى كتابه.\n٢ - في تاريخ الفرس استمد الطبري معلوماته من ترجمات عربية لكتب فارسية، منها كتب ابن المُقَفَّع، ومنها كتب هشام الكَلْبي الذي كان يعتمد في تاريخ ملوك فارس والحيرة على وثائق ومدوَّنات لديه.\n٣ - وفي تاريخ الروم رجع الطبري إلى ما كتبه وترجمه نَصَارى الشَّام عن تاريخ الدولة الرومانية والإِمبراطورية البيزنطية.\n٤ - وفي تاريخ اليهود وبني إسرائيل نقل الطبريُّ قصصهم وأخبارهم من كتب\n_________\n(١) انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٤ - ٢٥٦، الطبري للحوفي ص ١٨٨، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٣ طبعة دار المعارف.\n(٢) قام الأستاذ جواد علي بجهود طيِّبة لتحديد \"موارد تاريخ الطبري\" ونشرها في مجلة المجمع العراقي العدد الأول لعام ١٩٥٠ م والعدد الأول لعام ١٩٥٢ م، والعدد الأول لعام ١٩٥٤ م، ومجموعها ١٨٤ صفحة. انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٠، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥.","vol":"1","page":86},{"text":"اليهود مباشرة التي كانت متوفرة لديهم، وما تتضمنه من حكايات إسرائيلية عن أنبيائهم وتاريخهم وأحداثهم.\n٥ - وفي تاريخ العرب قبل الإِسلام اعتمد على الكتب التي دُوّنت في هذا الموضوع خلال القرنين الثاني والثالث الهجري، ومنها كتب عُبَيد بن شَرْية الجُرْهُميّ، ومحمد بن كَعْب القُرَظي، ووَهْب بن مُنَبه، وهشام الكلبي، وابن إسحاق.\n٦ - وفي السيرة النبوية استند إلى كتب كُتَّاب السيرة الأوائل، وهم أبَّان بن عثمان بن عفان، وعُرْوة بن الزُّبير بن العوَّام، وموسى بن عُقبة، وعاصم بن عمر بن قَتَادة، وابن شِهاب الزُّهْري، ومحمد بن إسحاق، وشُرَحبيل بن سعد.\n٧ - وفي العهد الراشدي أخذ أخبار ووقائِع حروب الردة والفتوح وموقعة الجمل وموقعة صفين من كتب سَيف بن عمر الأسْدي، والمدائني، وأبي مِخْنَف.\n٨ - وفي العهد الأموي أخذ تاريخ بني أمية من مُدَوَّنات عَوَانَة بن الحكم الكلبي، وأبي مَخنَف، والمدائني، والواقِدي، وعُمَر بن شَبَّة، وهشام الكلبي.\n٩ - وإذا انتهى إلى العباس عوّل على كتب أحمد بن أبي خَيثمة، وأحمد بن زهير، والمدائني، وعمر بن راشد، والهيثم بن عَدِيّ، والواقدي.\nوكان لهؤلاء المؤلفين كتب كثيرة متداولة، كان الطبري يذكر اسم الكاتب، دون أن يحدد اسم الكتاب، فكان لسيف بن عمر كتاب الفتوح الكبير، وكتاب الردة، وكتاب في موقعة الجمل، ومسير عائشة وعلي، وكان للمدائني (٢١٥ هـ) كتاب في الردة، وكتاب أمهات النبي - ﷺ -، وكتاب صفة النبي - ﷺ -، وكتاب أخبار المنافقين، وكتاب عهود النبي - ﷺ -، وكتاب تسمية المنافقين، وكتاب رسائل النبي - ﷺ -، وكتاب المغازي، وله كتب في أخبار قريش، وأخبار مناكح الأشراف، وأخبار النساء، وأخبار الخلفاء، وكتب في الأحداث في خلافة عثمان وعلي ﵄، وكتب الفتوح، وأخبار العرب، وأخبار الشعراء وغيرها، ولعمر بن شبة مؤلفات منها كتاب الكوفة، وكتاب مكة، وكتاب البصرة، وكتاب المدينة، وكتاب أمراء الكوفة، وأمراء البصرة، وأمراء","vol":"1","page":87},{"text":"المدينة، وأمراء مكة، وكتاب السلطان، ومقتل عثمان، وأخبار المنصورة، وكتاب التاريخ وغيرها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>(خامسًا): أهمية \"تاريخ الطبري\" وقيمته العلمية:</span>\nوصل كتاب \"تاريخ الأمم والملوك\" إلى قمة التأليف التاريخي عند العرب والمسلمين في القرون الثلاثة الأولى، واحتل ذروة التقدير والاهتمام لدى معاصري الطبري، وفيما بعد، وخلال التاريخ الإسلامي، وحتى وقتنا الحاضر، وسيبقى تاريخ الطبري في القمة والذروة في المستقبل، وسيبقى المرجع الأول، والمصدر الأصيل، والموئل الموثوق لدى كل باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي (٢).\nوتظهر أهمية الكتاب وقيمته العلمية في الأمور التالية:\n١ - أول كتاب في التاريخ العام، جمع فيه الطبرّي جوانب التاريخ في كتاب واحد، ونسّقها، وضمّ بعضها إلى بعض، وأكمل فيه الجهود التي قام بها العلماء السابقون في التاريخ لجانب منه، كتاريخ الأقاليم، أو الطوائف، أو الرجال، أو الأحداث العظام التي كُتبت منفردة، من كبار العلماء في القرن الثاني والثالث الهجريين، كأمثال ابن سَعْد واليَعْقُوبي والدِّينَوَري والوَاقِدي والبَلاذُري وابن إسحاق، ولما صاغ الطبري كتابه الكامل الشامل أقبل الناس عليه، وأعرضوا عن الكتب الصغيرة الأخرى، ثم ضاع أكثرها، فكان فضل الطبريّ من جديد أنه سجّل لنا ما ضاع، وحفظ لنا هذا التراث النفيس.\nومما ساعد الطبريّ على ذلك مؤهلاتُه الفطرية كحدة الذكاء، وقوة الحافظة، ثم جهده الدؤوب على العلم، وتفرّغه له، وسعة اطّلاعه وثقافته،\n_________\n(١) انظر الفهرست ص ١٣١، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٧، ١٦٣، الطبري للحوفي ص ١٩٠، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٢٢، ١٢٧، ١٣٣، ١٣٩، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.\n(٢) انظر: تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٥، الطبري للحوفي ص ٢٢٦، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٦.","vol":"1","page":88},{"text":"وكثرة رحلاته، وجمعه بين العلوم المختلفة التي كان لها الأثر الكبير في تاريخه كعلم التفسير والحديث واللغة والفقه.\n٢ - أقدم مصدر كامل للتاريخ العربي وفي اللغة العربية منذ أوائل الزمان إلى أول القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، ولذلك أصبح الأساس لتاريخ العرب، والمصدر الأصيل لمن جاء بعده، كالمَسْعودي، وابن مِسْكَوَيه، وابن الأثير، وابن خَلْدون، وابن كثير، وكُتَّاب السِّيرة، ولا يزال كتاب الطبري قِبلة الأنظار حتى اليوم.\n٣ - جمع الطبري في تاريخه كثيرًا مَن أخبار العرب في الجاهلية، وحفظها من الضياع، كما أرَّخ للقرون الثلاثة الأولى بعد الإسلام، ودوَّن بعض الروايات التي سمعها شخصيًا، فكان عمله تسجيلًا أمينًا للأجيال اللاحقة.\n٤ - ذكر الطبري في كتابه تاريخ الفرس، وأبدع في ذكر كثير من الحقائق التي لا توجد عند غيره، فأصبح كتاب الطبري مرجعًا أيضًا في تاريخ الفرس أيام بني سَاسَان ومعرفة صلة العرب بهم، ولذلك أسرع العلماء إلى ترجمته إلى اللغة الفارسية كما سنرى.\n٥ - كان الطبري دقيقًا جدًّا في تاريخ الرومان، وذكر أسماء الأباطرة إلى نهاية عصر هِرَقل سنة ٦٤١ م / ٢١ هـ، وهو تاريخ فتح العرب لمصر، واعتمد الطبري في ذلك على نصارى الشام والوثائق التي كانوا يحفظونها، وأدَّوْها إلى الطبري بأمانة، وسجلها بدقة تدعو إلى العجب، وليكون مصدرًا أيضًا لتاريخ الرومان.\n٦ - يعتبر كتاب الطبري المنبع الصافي والأصيل للمؤرخين بعده الذين استقَوْا منه الأخبار والمادة التاريخية، وتفنَّنوا في عرضها، كابن مِسْكَوَيه (٤٢١ هـ) وابن الأَثير (٦٣٠ هـ) وأبي الفِداء (٧٣٢ هـ) وابن كثير (٧٧٤ هـ) وابن خَلْدون (٨٠٨ هـ).\n٧ - إن تاريخ الطبري حافل بالنصوص الأدبية التي ذكرها في تراجم أصحابها، سواء كانت شعرًا أم خطبًا أم رسائل أم محاورات، ولا توجد في كتاب آخر، ولولا تدوين الطبري لها لفُقد من تراثنا ذخائر قيِّمة يُعتمد عليها في الدراسات الأدبية واللغوية.","vol":"1","page":89},{"text":"٨ - وتتأكد أهمية كتاب الطبري وقيمته العلمية بإقبال العلماء في العصر الحاضر على جمعه وتحقيقه ونشره، وحرصهم على وجوده وتوفّره في كل مؤسسة علمية، وتحت أيدي الباحثين والعلماء والطلاب كما سنرى، كما يتأكد ذلك بثناء المصنفين والمؤرخين له، وهو ما سنفرده في فقرة خاصة، وتظهر أهميته بالإقبال على تلخيصه وترجمته، كما سنرى.\n٩ - قال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم: \"وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه قد استطاع أن يجمع بين دفّتيه جميع المواد المودَعة في كتب الحديث والتفسير واللغة والأدب والسير والمغازي وتاريخ الأحداث والرجال، ونصوص الشعر والخطب والعهود، ونسّق بينها تنسيقًا مناسبًا، وعرضها عرضًا رائعًا رائقًا، ناسبًا كل رواية إلى صاحبها، وكل رأي إلى قائله، كما أنه أودع هذا الكتاب فصولًا صالحة ونتفًا متنوعة من متون الكتب التي أتت عليها عوادي الأيام، وأورد من أقوال العلماء ما لا نجده إلا في هذا الكتاب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>(سادسًا): ثناء العلماء على تاريخ الطبري:</span>\nتعدَّدت أقوال العلماء في هذا الخصوص اعترافًا منهم بفضل الطبري ومكانته التاريخية وسجّلوا ذلك بعبارات مُضِيئة، وأحرف من نور، نقتبس بعضها:\n١ - قال المَسْعُوديّ (٣٤٦ هـ): \"وأما تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبريّ الزاهي على المؤلفات، والزائد على الكتب المصنفات، فقد جمع أنواعَ الأخبار، وَحَوَى فنون الآثار، واشتمل على صنوف العلم، وهو كتاب تكثر فائدتهُ، وتَنْفع عائدتهُ، وكيف لا يكون كذلك، ومؤلِّفه فقيهُ عصره، وناسِكُ دَهْره، إليه انتهت علوم فقهاء الأمصار، وحَمَلة السُّنن والآثار\" (٢).\n٢ - وقال الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) في ترجمة الطبري: \"وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك\" (٣).\n٣ - وقال ابن الأثير (٦٣٠ هـ) في مقدمة كتابه \"الكامل\": \"لقد جمعتُ في\n_________\n(١) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٤ طبعة دار المعارف.\n(٢) مروج الذهب ٣/ ١٥.\n(٣) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢.","vol":"1","page":90},{"text":"كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، فابتدأتُ بالتاريخ الكبير الذي صنَّفه الإمام أبو جعفر الطبريّ، إذ هو الكتاب المعوَّل عليه عند الكافَّة، والرجوع إليه عند الاختلاف، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أُخِلَّ بترجمة واحدة منها\" (١).\n٤ - وقال ياقوت الحَموي (٦٢٦ هـ): \"وهذا الكتاب من الأفراد في الدّنيا فضلًا ونَباهة، وهو يجمع كثيرًا من علوم الدِّين، وهو في نحو خمسة آلاف ورقة\" (٢)، وذكر في مكان آخر أنه في نحو ألف ورقة.\n٥ - وقال ابن خَلِّكان (٦٨١ هـ) عن الطبريّ: \"صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير. . .، وتاريخه أصح التواريخ وأَثْبَتُها\" (٣).\n٦ - وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): \"وصنَّف التاريخ الحافل\" (٤).\n٧ - وقال الحاج خليفة (١٠٦٧ هـ): \"تاريخ الطبري. . .، وهو من التواريخ المشهورة الجامعة لأخبار العالم\" (٥).\n٨ - وقال فرانز روزنثال: \"أما تاريخ الأمم والملوك للطبري، فأعظمُ أهميةً من كتاب اليَعْقُوبي الِذي نَسِيَه النَّاس تقريبًا، ولقد أسبغَ الطبريّ على كتابه تدقيقَ المتكلمين وطولَ نَفسِهم ما للفقيهِ العالم من دقَّةٍ وحبّ للنظام، وما للسياسي القانوني العملي من بصيرةٍ في الأمور السياسية، كل هذه الخصائص أدت إلى إحلاله مكانة مرموقة دائمة ومتزايدة في الأوساط الفكرية السُّنيَّة في الإِسلام. . .\" (٦).\n٩ - وقال الأستاذ أحمد أمين (١٣٧٣ هـ ١٩٥٤ / م): \"وقد عُني الناس بتاريخه\n_________\n(١) الكامل في التاريخ ١/ ٢.\n(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٧٠.\n(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٢، وانظر أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨٢ فقد نقل صديق بن حسن خان القنوجي (١٣٠٧ هـ) نفس عبارة ابن خلكان، كما فعل غيره ذلك، وترددت هذه العبارة في الكتب.\n(٤) البداية والنهاية ١١/ ١٤٥.\n(٥) كشف الظنون ١/ ٢٢٧.\n(٦) علم التاريخ عند المسلمين لروزنثال ص ١٨٦ - ١٨٧.","vol":"1","page":91},{"text":"كثيرًا، حتى ليكاد أن يكون عماد كل مؤرخ بعده\" (١).\n١٠ - وقال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم عن تاريخ الطبري: \"وكتابه يُعَدُّ أوفى عمل تاريخي بين مصنفات العرب، أقامه على منهج مرسوم، وساقه في طريق استقرائي شامل، بلغت به الرواية مَبْلَغَها من الثقة والمتانة والإتقان، أكمل ما قام به المؤرخون قبله كاليَعْقُوبي والبَلاذُريّ والوَاقِديّ وابن سَعْد، ومهَّد السبيل لمن جاء بعده كالمَسْعُودي وابن مِسْكَوَيه وابن الأثير وابن خَلْدون\" (٢).\n١١ - وقال الأستاذ عبد الهادي أبو طالب، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة: \"وتعددت جوانب المعرفة لدى الطبري، فكان مؤرخًا عظيمًا، يفهم حركة الأحداث، ذا قدرة على ربطها وتفسيرها، لم يحصر تاريخه في زمان خاصٍ أو بلاد واحدة، فجاء كتابه امتدادًا لتاريخ البشرية جغرافيًا وزمانيًا، لم يُؤرِّخ للعرب وحدهم، وإنما أرَّخ للرومِ واليونان والترك وفارس والهند والصين، وظل كتابه في التاريخ المرجع الأساسي الذي يَعتمد عليه كلُّ باحث في سُنن التاريخ لسعة مادّته وتنوعها، ولغزارة مضمونه، وعلوّ نفس مصنفه، موجز تاريخ الطبري شهرة عالمية، وسارع المستشرقون إلى ترجمة أجزاء منه إلى اللغة الألمانية واللاتينية، وترجمه الأتراك إلى التركية، والفرس إلى الفارسية، حتى صار مرجعًا عالميًا عظيم القيمة\" (٣).\n١٢ - وأخيرًا قال الأستاذ شاكر مصطفى عن الطبري: \"وهو عَلَمٌ معروف في التاريخ الإسلامي (وفي التفسير) بلغ به التدوينُ التاريخي نهاية عهد التكوين والنشأة قمةَ من قمم التاريخ الحقيقي\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>(سابعًا): ذيول تاريخ الطبري وتكملاته:</span>\nونظرًا لأهمية كتاب تاريخ الطبري ومكانته العلمية فقد اتجهت الأنظار إلى\n_________\n(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.\n(٢) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢ وهذه شهادة من محقق هذا الكتاب الذي خبر جوهره، وعاش مع كل حرف فيه.\n(٣) من كلمته في افتتاح ندوة الإمام الطبري بالقاهرة ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٩ م.\n(٤) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٣.","vol":"1","page":92},{"text":"السير على مِنْواله، وكتابة الذيول عليه، والتكملات لسنواته، منها:\n١ - ذَيْلِ تاريخ الطبري، للطبري نفسه الذي كان أول من ذيَّل على كتابه، وله ذَيل على الذَّيل، ولم يصل إلينا شيء من ذلك (١).\nواعتبر بروكلمان كتاب الطبري \"ذيل المذيَّل من تاريخ الصحابة والتابعين\" الذي أتمه يوم ٢٧ من ربيع الآخر سنة ٣٠٣ هـ / ١٠ من نوفمبر (تشرين الأول) ٩١٥ م، ذيلًا لتاريخه (٢).\n٢ - أكمل عُرَيْب بن سعد تاريخ الطبري إلى سنة ٣٢٠ هـ، بعنوان \"صلة تاريخ الطبري\" ويوجد منه نسخة خطية، وحققه في خويه في ليدن سنة ١٨٩٧ م، وأكمله ثابت بن سنان الصَّابي (٣٦٣ هـ) حتى سنة ٣٦٠ هـ (٣).\n٣ - وأكمله هلال بن المُحْسِن الصَّابي إلى سنة ٤٤٨ هـ.\n٤ - وأكمله ابن هلال المذكور محمد غرس النِّعْمة إلى سنة ٤٧٩ هـ بعنوان \"عيون التواريخ\".\n٥ - وأكمله محمد بن عبد الملك الهَمَذَاني (ت ٥٢١ هـ / ١١٢٧ م) إلى سنة ٤٨٧ هـ / ١٠٩٤ م، ويوجد نسخة مخطوطة منه في مكتبة باريس -أول برقم ١٤٦٩، وطبع الموجود من الكتاب مستقلًا (٤)، كما طبع ضمن ذيول تاريخ الطبري (٥).\n٦ - وأكمله نجم الدين بن الملك الكامل الأيوبي (ت ٦٤٧ هـ / ١٢٤٩ م).\n_________\n(١) قال السخاوي عن الطبري: \"وله على تاريخه المذكور ذيل، بل ذيَّل على الذيل أيضًا\" انظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التوريخ، ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين لفرانز روزنثال ص ٦٧٠.\n(٢) تاريخ الأدب العربي، بروكلمان ٣/ ٤٧، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٢، كشف الظنون ١/ ٢٢٨.\n(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٧، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٤، الطبري للحوفي ص ٢٣٢.\n(٤) تكملة تاريخ الطبري، تحقيق يوسف كنعان، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.\n(٥) ذيول تاريخ الطبري، طبعة دار المعارف، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.","vol":"1","page":93},{"text":"٧ - وأكمله عبد الله بن أحمد الفَرْغاني (ت ٣٦٢ هـ / ٩٧٣ م) بعنوان \"الصلة\"، ثم كتب الفرغاني نفسه \"ذيل الصِّلة\" وكلاهما في حكم المفقود.\nقال ابن النديم (٤٣٨ هـ): \"وقد ألحق به جماعة من حيث قطع إلى زماننا هذا، لا يُعوَّل على إلحاقهم، لأنهم ليس ممّن يختص بالدولة ولا بالعلم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>(ثامنًا): مختصرات تاريخ الطبري وترجماته:</span>\nولمزيد الأهمية بتاريخ الطبري والعناية به، والحرص على الانتفاع به على أوسع صعيد ممكن، فقد قام عدد من العلماء باختصاره لتقريبه إلى القراء، ومختلف المستويات، وترجمته إلى لغات أخرى، فمن ذلك:\n١ - ذكر ابن النديم أن تاريخ الطبري قد اختصره وحذف أسانيده جماعة، منهم محمد بن سليمان الهاشمي، وأبو الحسن الشِّمْشاطي المعلم من أهل الموصل، وثالث يعرف بالسَّليل ابن أحمد (٢).\n٢ - مختصر لتاريخ الطبري، مع ترجمة قسم منه إلى اللغة الفارسية، أعده أبو علي محمد البَلْعَمي (٣٦٣ هـ / ٩٧٣ م) وهو من وزراء الدولة السامانية، ترجمه بأمر منصور بن نوح الساماني (٣).\nوترجم هذا المختصر من الفارسية إلى الفرنسية في أربعة أجزاء طبعت في باريس.\nوقام خضر بن خضر الآمدي (٩٣٥ - ٩٣٧ هـ / ١٥٢٨ - ١٥٣٠ م) بترجمة هذا المختصر أيضًا من الفارسية إلى العربية، ويوجد منه نسخة في ليدن برقم ٨٢٥، وتوجد ترجمة عربية أخرى للمختصر، وتوجد منه نسخة في ليدن برقم ٨٢٦.\nوتُرجم هذا المختصر أيضًا إلى اللغة التركية في ثلاثة أجزاء، طبعت باستنبول سنة ١٢٦٠ هـ، ثم طبع ثانية ١٢٨٨ هـ، ١٣٢٧ هـ، ثم طبع في بولاق مصر\n_________\n(١) الفهرست ص ٣٢٧.\n(٢) الفهرست ص ٣٢٧، والشمشاطي هو أبو الحسن علي بن محمد العدوي (٣٨٠ هـ) انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٢.\n(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٨، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.","vol":"1","page":94},{"text":"١٢٧٥ هـ، ويوجد ترجمات أخرى إلى اللغة التركية أيضًا (١).\nوترجم هذا المختصر المذكور إلى اللغة الجَغْطائية ٩٢٧ هـ / ١٥٢١ م، بقلم واحدي بَلْخي، بأمر عبد اللطيف بن كوجكنجي الشَّيباني الذي حكم في سنة (٩١٦ - ٩٣٧ هـ / ١٥١٠ - ١٥٣٠ م) وتوجد منه نسخة في مكتبة بطرسبرج العامة (٢).\n٣ - مختصر تاريخ الطبري مع إيراد زيادات إلى سنة ٣٢٥ هـ لعُرَيب بن سعد القرطبي (٣٦٦ هـ) مع إصلاحات وزيادات في تاريخ إفريقية والأندلس، ويوجد منه نسخ خطية في وتا برقم ١٥٥٤، ونقل ابن عذاري منه ما يختص بتاريخ إفريقية والأندلس، وأودعه في كتابه \"البيان المُغْرب\" وطبعت أخبار العراق ملحقة بالتاريخ باسم \"صلة تاريخ الطبري\" من سنة ٢٩١ هـ إلى سنة ٣٢٠ هـ (٣).\n٤ - مختصر تاريخ الطبري لمؤلف مجهول ذكره فؤاد سزكين، ويوجد منه نسخ خطية في الأحمدية بتونس وباريس (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>(تاسعًا): تحقيق تاريخ الطبري وطبعه ونشره:</span>\nولاستمرار أهمية تاريخ الطبري، والحاجة إليه في الحاضر والمستقبل، فقد اتجه العلماء إلى تحقيقه وطبعه ونشره، وطُبع عدة طبعات في عدد من الدول والبلاد، فمن ذلك:\n١ - طبعة ليدن بين سنتي ١٨٧٩ و١٨٩٨ م، أشرف عليها بعض المستشرقين، وهي طبعة ناقصة لعدم الحصول على نسخة كاملة في ذلك الوقت، وأُلحق بهذه الطبعة كتاب \"المنتخب من ذيل المذيل في تاريخ الصحابة والتابعين للطبري\" وقسمًا من \"مختصر تاريخ الطبري\"، وفي هذه الطبعة مجلد للفهارس العامة.\n_________\n(١) تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.\n(٢) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٨، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٢.\n(٣) المراجع السابقة، كشف الظنون ١/ ٢٢٧.\n(٤) تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٥.","vol":"1","page":95},{"text":"٢ - الطبعة الثانية في ليدن ما بين سنتي ١٨٩٧ و١٩٠١ م، وأشرف على التحقيق عدد من المستشرقين بإشراف في غويه، ورجعوا إلى عدة مخطوطات من اثنتي عشرة مكتبة في أوربا والعالم الإسلامي.\nوقال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم عن هذه الطبعة بأنها من أمثل المطبوعات العربية وأدقها (١)، وتقع في خمس عشرة مجلدة، منها اثنتان للفهارس.\n٣ - قامت المطبعة الحسينية بالقاهرة بطبع تاريخ الطبري عن النسخة الأوربية، وبإشراف يُوسُف بك حنفي، ومحمد أفندي عبد اللطيف الخطيب سنة ١٣٢٦ هـ، وجاءت في ثلاثة عشر جزءًا مع ذيله \"صلة تاريخ الطبري\" لعُريب بن سعد، و\"المنتخب من ذيل المذيل\".\n٤ - قامت المكتبة التجارية الكبرى بمصر بنشر تاريخ الطبري، وطبعه في مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م، في ثمانية مجلدات، ومعها \"صلة تاريخ الطبري\" و\"المنتخب من ذَيْل المذيل\"، ثم طبع في نفس المطبعة سنة ١٣٧٥ هـ / ١٩٥٥ م، وصوِّرت هذ الطبعة مجدَّدًا في مطبعة الأمير، قم، إيران سنة ١٤٠٤ هـ، وحذف في طبعة المطبعة الحسينية ومطبعة الاستقامة التعليقات والفهارس.\n٥ - قامت دار المثنى ببغداد بتصوير تاريخ الطبري بالاعتماد على طبعة في غويه في أربعة عشر جزءًا.\n٦ - وجاءت مكتبة خياط في بيروت وصورت تاريخ الطبري سنة ١٩٦٥ م.\n٨ - وأهم طبعة لتاريخ الطبري صدرت عن دار المعارف بمصر ما بين سنتي ١٩٦٠ و١٩٦٧ م في أحد عشر مجلدًا بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، وخصَّص ثلاثة أرباع الجزء العاشر للفهارس، والجزء الحادي عشر لذيول الكتاب، وهي \"صلة تاريخ الطبري\" لعُريب بن سعد، و\"تكملة تاريخ الطبري\" لمحمد بن عبد الملك الهمذاني، و\"المنتخب من ذيل المذيَّل للطبري\" لعُريب بن سعد.\n_________\n(١) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٩ طبعة دار المعارف.","vol":"1","page":96},{"text":"ورجع المحقق إلى الطبعات السابقة والأصول الخطية التي لم يقف عليها المستشرقون، كما رجع إلى المصادر ذات الصلة بالكتاب مثل تفسير الطبري وسيرة ابن هشام وكتب التاريخ واللغة والأدب ودواوين الشعر، وسجَّل ذلك كله في مقدمته (١).\nويعتقد الأستاذ شاكر مصطفى أن جميع هذه العناية لم تمنع ضياع بعض تاريخ الطبري، ولكن ذلك لا يشكِّل نقصًا هامًا في جملة الكتاب أو يُقلِّل من قيمة النُّسَخ المطبوعة والمتداولة (٢).\nوهكذا تحقق لهذا الكتاب العظيم القيّم البقاءُ والحفظ، واستفادت منه الأجيال على مر التاريخ، وانتشر في أيدي الناس في العالم أجمع، وطبع عدة طبعات، وتوفرت نسخه في كل البلاد، وبقي ذكرى غالية وثمينة للإِمام الطبري ليتجدّد له الثواب والأجر بسبب الانتفاع بعلمه.\nقلنا: فلذا اعتمدنا في تحقيقنا وتخريجنا لهذا الشفر العظيم على هذه الطبعة الأخيرة.\nكما قمنا بتقسيم الكتاب إلى مراحله الخمسة:\n١ - قبل البعثة النبوية.\n٢ - عصر النبوة.\n٣ - الخلفاء الراشدون.\n٤ - عصر بني أمية.\n٥ - عصر بني العباس.\nوكل مرحلة قسمناها إلى صحيح وضعيف.\nاللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهك خالصة ولا تجعل فيها شركًا لأحد.\n* * *\n_________\n(١) تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٣٠ طبعة دار المعارف، وانظر مقدمات بقية الأجزاء، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٤٧، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٣.\n(٢) التاريخ العربي والمؤرخون ١/ ٢٦٣.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثالث مَنْهَجُ الطَّبَريِّ في تَارِيخِهِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>(أولًا): المنهجية عند الطبري:</span>\nبدأت تدوين العلوم عامة، وكتابة التاريخ خاصة في منتصف القرن الثاني الهجري كما سبق، وكانت بشكل ابتدائي وكيفي، ثم اتجهت العلوم إلى التدقيق والتنظيم والترتيب في القرن الثالث الهجري.\nوكان الطبري ﵀ يتَّسم بالمَوْسُوعية والشمولية من جهة، والتدقيق والتنظيم والمنهجية من جهة ثانية، وكان منهجه واضحًا ومنظَّمًا في مختلف العلوم والفنون التي شارك فيها، وكان يصرِّح بخطته ومنهجه في مقدمات كتبه ومصنفاته.\nوبلغ التحقيق والترتيب والمنهجية في كتابة التاريخ قمَّتَه عند الطبري، فكان أكثر من غيره تنظيمًا، وأَميَل إلى تنسيق الحوادث وترتيبها (١)، ولذلك يُعتبر الطبري شيخ مدرسة التاريخ المنقول التي امتدت خلال القرون الثلاثة السابقة، وكان الطبري يقصد تحرِّي الدقة في نقل الخبر، دون أن يتحوّل التاريخ على يديه إلى مجال التحليل والنظر العقلي والاستنتاج.\nوصرح الطبري بمنهجه في مقدمة تاريخه، والتزم بهذا المنهج، فقال:\n\"وليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أن المتمادي في كل ما أحضرتُ ذكرَه فيه، مما أنّي راسِمُه فيه، إنما هو على ما رَوَيتُ من الأخبار التي أنا ذاكرُها فيه، والآثارِ\n_________\n(١) وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى تشبيه عمل الطبري في التاريخ الإسلامي بما قام به البخاري ومسلم في الحديث. انظر: التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٧.","vol":"1","page":99},{"text":"التي أنا مُسْنِدُها إلى رُواتِها فيه، دون ما أُدْرِكَ بحججِ العقول، واستُنْبِط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم، ولم يُدْرك زمانهم، إلا بإخبار المخْبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يَعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أوتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنَّما أدَّينَا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا\" (١).\nوبالتأمل في هذه المنهج المحدد، وبالرجوع إلى نصوص \"تاريخ الأمم والملوك\" استخرج علماء التاريخ منهج الطبري في التاريخ، وأبدوا عليه المآخذ والملاحظات.\nوسبق البيان أن تاريخ الطبري ينقسم إلى قسمين رئيسين، تاريخ قبل الإِسلام، وتاريخ بعد الإِسلام، ولكل قسم منهجه وطبيعته، كما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>(ثانيًا): سمات منهج الطبري في \"التاريخ\" قبل الإسلام:</span>\nويتضمن هذا القسم مقدمة عن الكون والزمان وخلق إبليس وآدم وتاريخ البشرية منذ هبوط آدم إلى الأرض، وتاريخ الأنبياء والفرس والروم والعرب قبل البعثة النبوية.\nوجعل الطبري في هذا القسم تاريخ الأنبياء هو المنطلق لتاريخ الإنسانية، فيذكر النبيَّ ومن يعاصره من الأمم والملوك، والمقارنة بين الدول.\nولم يرتِّب الطبري الحوادث على حسب وقوعها سنة فسنة، لأن ذلك غير ممكن له، وإنما قلَّد طريقة علماء التوراة بالبدء بالخليقة، ثم بذكر تاريخ الأنبياء على حسب ما ورد في التوراة، وفي أثناء ذلك يتعرَّض للحوادث التي وقعت في أيام كل نبيّ، ويذكر الملوك والحكّام الذين كانوا يعارضونهم، وما جرى بينهم\n_________\n(١) تاريخ الطبري ١/ ٥.","vol":"1","page":100},{"text":"من حوادث وحروب، ثم عرض للأمم التي جاءت بعد الأنبياء حتى ظهور الإسلام.\nويُعرف هذا الترتيب من أهل الكتاب، ويطلق على تدوين التاريخ بهذه الطريقة \"التَّأريخ\" تمييزًا له عن \"الحَوْليات\" أو النظام الحَوْلي أو النظام السَّنَوي.\nويتسم هذا القسم من تاريخ الطبري بالقصص الخيالي، ويكثر فيه الأساطير والخرافات التي تتحدث عن العهود التاريخية القديمة للإِنسان، كما تظهر الحكايات والأخبار الإِسرائيلية التي ترجع إلى العهد القديم وكتب اليهود، ويذكر الطبري أيضًا بعض الأساطير الشعبية الوثنية عن الأمم الأخرى.\nواقتصر الطبري في هذا القسم على أصول الحوادث، وأعرض عن التفصيلات إما لخشية الإِطالة، وإما لعدم الثقة بها نظرًا لطول العهد، ودخول التحريف، وعدم اتصال الأسانيد، وإما لعدم أهميتها في نظره، وأنها كانت من نسج الخيال والتسليات، خلافًا لما سنراه في التاريخ الإِسلامي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>(ثالثًا): معالم منهج الطبري في التاريخ الإِسلامي:</span>\nعرض الطبري تاريخ ما بعد الإِسلام من خلال منهج محدد، واتَّبع طريقة واضحة في معظم الأحوال (٢)، والتزم بهذا المنهج والطريقة التي نذكر معالمها فيما يلي:\n١ - نظام الحَوْليات: سلك الطبري في تاريخ القسم الخاص بالتاريخ الإِسلامي نظام الحَوْليات، فراعى ترتيب الحوادث ترتيبًا زمنيًا، عامًا بعد عام، وحَوْلًا بعد حول، ابتداء من الهجرة النَّبويَّة حتى سنة ٣٠٢ هـ / ٩١٥ م، وذكر في كل سنة ما وقع فيها من أحداث مهمة، فإن كانت الحادثة طويلة جزّأها، وأشار إليها مجملة ثم يذكرها مفصَّلة في الوضع الملائم، ولذلك يختلف حجم الحوليات عنده بحسب كثرة الأحداث وأهميتها في كل حول.\n_________\n(١) الطبري للحوفي ص ١٩٥.\n(٢) انظر: الطبري للحوفي ص ١٩١ وما بعدها، تاريخ التراث العربي ١/ ٢ / ١٦٠، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٧ وما بعدها، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٤ طبعة دار المعارف.","vol":"1","page":101},{"text":"وطريقة الحوليات انفرد بها المؤرخون المسلمون عن اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى، ولم يبتكر المؤرخون المسلمون عن اليونان والرومان وأوربا في العصور الوسطى، ولم يبتكر الطبري هذه الطريقة، بل سبقه إليها بعض المؤرخين المسلمين مثل الهَيثَم بن عَدي (٢٠٧ هـ) وجَعْفر بن محمد بن الأزهر (٢٧٦ هـ) وعمار بن وسيمة المصري (٢٨٩ هـ) والوَاقدي (٢٠٧ هـ) لكن تاريخ الطبري أقدم كتاب وصل إلينا على ترتيب السنين، ثم سار على هذه الطريقة بعد الطبري كثيرون، مثل ابن مِسْكَويه (٤٢١ هـ)، وابن الجَوْزي (٥٩٧ هـ) وابن الأثير (٦٣٠ هـ) وأبو الفداء (٧٣٢ هـ)، وخالفهم في ذلك اليَعْقُوبي (٢٨٤ هـ) والدِّينَوَري والمَسْعُودي (٣٤٦ هـ) وابن خَلدون (٨٥٨ هـ) الذين كتبوا تاريخ الحوادث بشكل كامل ومتصل ولو استغرق سنوات، إلى أن أدخل مؤرِّخ الإِسلام الذهبي (٧٤٨ هـ) في كتابه \"تاريخ الإسلام\" تعديلًا عليه بالتقسيم الفرعي للحوادث متتبعًا نظام العُقُود، أي من السنة الأولى إلى السنة العاشرة، وهكذا، وطبق هذا التقسيم إلى عقود على كل أجزاء كتابه (وهو ٢١ جزءًا من بداية التاريخ الإسلامي حتى بداية القرن الثامن الهجري)، واستمد الذهبي أصول هذا التقسيم من تاريخ السيرة النبوية مع الربط بآداب الطبقات والتراجم.\nوطريقة الطبري في سرد أحداث كل حَوْلية ليست على نسق واحد، فتارة يذكر الحدث التاريخي، ثم يبدأ بذكر تفاصيله، والروايات التي فيه، وتارة يذكر جملة أحداث وقعت في سنة واحدة، ثم يعود إلى تفصيلها، ويختم الحولية غالبًا بذكر من توفي فيها من الأعلام المشهورين، ويذكر باستمرار في ختام كل حوليَّه أسماء عمال الأقاليم وأمراء الحج في تلك السنة، كما يذكر أخبار المرابطين في الثغور للجهاد، خاصة مع الروم.\nأما الأخبار التي لا ترتبط بسنة معينة فكان الطبري يذكرها كاملة، فمثلًا كان يختم الحديث عن كل خليفة واستعراض الأحداث التي وقعت في عهده بذكر سيرته وترجمته.\n٢ - نقل الروايات: عوَّل الطبري في أكثر كتابه على الرُّواة، كما صرّح في مقدمته السابقة، محتجًا أن المؤرخ لا يصحُّ له أن يستند إلى المنطق والقياس","vol":"1","page":102},{"text":"والاستنباط وإنما يعتمد على ما ينقل إليه، ليدوِّن الأخبار على عهدة رواتها، ويعرضها بشكل موضوعي محايد، مع عَزْو كلِّ رواية لصاحبها.\nوكان الطبريّ -رحمه الله تعالى- يذكر الروايات المختلفة، سواء كانت موافقة لفكره ورأيه، أم مخالفة لذلك، ولم يعلِّق غالبًا بترجيح، أو نقد، وترك ذلك للقارئ، لكن كان أحيانًا يُدلي برأيه، ويرجِّح بعض الروايات مبيِّنًا وجه الترجيح، ومستخدمًا في هذه الطريقة معرفته بالحديث وطرقه.\nويذكر الطبري سند الرواية موصولًا إلى صاحبه على طريقة علم الحديث، فإذا سمع الرواية من إنسان مشافهة قال: \"حدَّثني\" وإذا اشترك معه آخرون في السماع قال: \"حدَّثنا\"، وإذا كان بالمراسلة قال: \"كتب إلي\"، وإذا أخذ الأخبار عن الكتب أو بطريق الإجازة قدَّم لعبارته بقول: \"قال\" و\"ذُكر\" و\"رُوي\" و\"حُدّثت عن فلان\" ويهمل اسم المحدث، كما يذكر اسم مؤلف الكتاب، ولا يذكر اسم الكتاب، واستخدم الطبري اصطلاحات الحديث، التزامًا منه بمنهج المحدِّثين، في رواية الحديث النبوي، لذلك كان رجال الحديث هم واضعو أسس المنهج التاريخي.\nولكنّ الطبري، وغيره من المؤرخين، لم يلتزموا بجميع قواعد مصطلح الحديث في كتابة التاريخ للفارق الكبير بينهما، فالحديث مصدر من مصادر التشريع الإِسلامي، وتؤخذ منه الأحكام الشرعية، ويمثل التطبيق العملي لأحكام الدين، وهو مصدر العقيدة، وهو المنبع لسيرة الرسول - ﷺ - والتي يُعتمد عليها في الاقتداء والتأسِّي، ولا يرقى التاريخ إلى هذا المستوى، لذلك تساهل الطبريُّ ﵀ في الروايات التاريخية، ولم يطبِّق على رجال السند منهج الجَرْح والتعديل، واكتفى بإلقاء العُهدة في الخبر على الرَّاوي، كما ذكر في مقدمته، واعتمد قيمة الروايات بقوة أسانيدها من جهة، وقرب السند إلى الحادثة من جهة أخرى، ومن هنا يظهر السبب في قبول الطبري لرواية الضعفاء - عند المحدثين، مثل محمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام بن محمد الكلبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي الكبير -كما يقبل رواية المجهولين، والروايات المرسلة إلى ابن عباس وغيره.\nوتساهل الطبري أكثر فأكثر في الأجزاء الأخيرة من الكتاب، فيقول مثلًا:","vol":"1","page":103},{"text":"\"ذكر لي بعض أصحابي\" و\"ذكر لي جماعة من أصحابنا\" و\"ذكر من رآه وشاهده\" و\"حدثني جماعة من أهل كذا\" ولعل الباعث على زيادة التساهل خوفه على محدِّثيه الأحياء من غضب الآخرين الذين تمسُّهم الرواية، ويقل السندُ أكثرَ فأكثرَ في الأجزاء الأخيرة حتى ليندر أحيانًا في صفحات متتالية.\nوإن استخدام الإِسناد والروايات قد شاع في مختلف التصانيف والعلوم، وصار هو الصفة الغالبة على منهج تدوين العلوم الإِسلامية الأخرى، واستمر حتى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبًا، ثم قلَّ الاعتناء به، وحلَّ محلَّه تدريجيًا النقل من الكتب والمؤلَّفات، وبقي شيء منه عند علماء الحديث للتبرّك والمحافظة على قدسية الحديث وخاصيَّة الأمة الإِسلامية بالإِسناد ومصطلح الحديث.\nوكان السبب في استعمال طريقة الإِسناد والروايات في التاريخ أن المؤرِّخين الأوائل جمعوا بين صفتي المحدث والمؤرخ، وأن الدراسات التاريخية ظهرت في أحضان علم الحديث، وما فيه من سيرة رسول الله - ﷺ - وشمائله ومغازيه وهديه، كما لجأ المؤرخون إلى طريقة الرواية لاختيار الروايات والسلاسل التي تتفق مع ميولهم ورغباتهم وعقائدهم.\nوطريقة الإِسناد تقابل في زماننا الالتزام بمنهج البحث العلمي في ذكر المصادر والمراجع للمادة المعروضة في مختلف العلوم، وفي بيان الأجزاء المركّب منها الدواء والجهاز وغير ذلك.\n٣ - الاعتماد على المصادر: كان جلُّ اعتماد الطبري في الأخبار التاريخية على المصادر التاريخية التي صُنفت قبله، وكان الطبري يذكر غالبًا الإِسناد إلى المصادر عن طريق الرواة الذين يذكر أسماءهم، دون كتبهم، ومعظم هؤلاء الرواة صنفوا المؤلفات في الموضوعات التي تطرَّق إليها الطبري، ويأخذ من المؤلف نفسه مباشرة، أو بالواسطة عمن نقل عنهم.\nوكان الطبري -رحمه الله تعالى- في اقتباس الروايات التاريخية يخالف منهج المحدثين الذين يَحْرصون على نقل كل حديث بمفرده، ثم ضمَّه إلى حديث آخر ولو اختلف الموضوع، أما في التاريخ فكان الطبري وعلماء التاريخ يجمعون بين","vol":"1","page":104},{"text":"الرِّوايات العديدة، ويَمْزجون بعضها مع بعض لإخراج الحادثة متكاملة ووافية في المعنى والموضوع وأطراف الحادثة، وهذا ما يُسمَّى تاريخيًا بالإِسناد الجَمْعي، لحاجة كتب التاريخ والقصص والأخبار إلى السَّرْد الموضوعي، واستمرار الحوادث في نَسَق تاريخي متتابع، فتتكامل الصورة التاريخية في الموضوع، لكنهم يضطرون إلى ذكر السند لكل رواية لإِتاحة الفرصة للتحقق من صحتها، والتأكد من سندها.\n٤ - جمع الأخبار وضبط النصوص: حرص الطبري -﵀- على ذكر أحداث كل سنة بشكل أخبار، ولكنه يذكر غالبًا للحادثة الواحدة روايات مختلفة لاعتقاده بوجوب ذكرها، ويقف غالبًا عند هذا الحدّ، فلا ينتقد الروايات المختلفة التي ذكرها، ولا يناقش مضمونها، ولا يرجِّح بعضها على بعض، لذلك أطلق عليه بعض المؤرخين اسم \"الجمَّاعة\" وأطلقوا على كتابه اسم \"مجموع\" خلافًا لمنهج الطبريّ في التفسير، فإئه يناقش الروايات، ويبيّن الراجح، ويبدي رأيه باستمرار.\nوكان الطبري يحرص أيضًا في التاريخ على ضبط النصوص التي يرويها دون تبديل، حتى ولو كان في النص كلمات أعْجمية، ونصوص أعجمية، وأشعار فارسية.\n٥ - الاستطراد في ذكر الأسباب والتفصيلات المصاحبة: فيذكر الطبري السبب في كل حادث يسجّله، وهذا أمر طيِّب لإلقاء الضوء عليه، كما كان يستطرد في عرض التفصيلات المتعلقة بالأحداث، ويعرض الحواشي المصاحبة لها، لأنها تتعلق بها، ثم يعود إلى الموضوع الرئيس الذي بدأ به، ويذكِّر القارئ فيه بقوله: \"نعود إلى سياق خبر كذا وكذا، أو سياق خبر فلان أي راوي الخبر، أو نرجع إلى حديث فلان\".\n٦ - وضع العناوين للأحداث: ويمتاز الطبري في منهجه التاريخي بوضع عناوين للأحداث التي يَعْرِضها، وخاصة للأحداث المهمة التي تحتل المكانة الأولى في السنة التي يُؤرِّخ لها، ويقدم عناوينه بمقدمة عن الحادث المعيَّن للتأكيد على كلمة \"سبب\"، أما الأحداث الصَّغيرة فإنه يذكرها متعاقبة دون عناوين.","vol":"1","page":105},{"text":"٧ - التوسُّع في سيرة الخلفاء: يظهر من تاريخ الطبري أنه يعطي الخلفاء أَوْلويَّة خاصة، وأهمية متميِّزة، وكأنَّ التاريخ محيط بهم، ويدور في فلكهم، وأن حياتهم ذات أثر كبير في غيرهم، للمثل القائل \"الناس على دين ملوكهم\"، وانعكاس أعمالهم على فعاليات الأمة، فكان الطبري إذا ذكر خليفة بيَّن سبب وفاته، وساق الروايات في ذلك، وعرض جانبًا من أحواله وأقواله وتصرُّفاته وسيرته العامة والخاصة، ويطيل أحيانًا في الخلفاء المهمّين كما فعل في سيرة الخلفاء الراشدين، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، والمنْصور، والمهدي، والرَّشيد.\n٨ - الإكثار من الوثائق التاريخية: أكثر الطبري من إيراد الوثائق التاريخية لمادته العلمية، لذلك اعتبر تاريخه أوثق مصادر التاريخ الإِسلامي، كما وصفه ابن خلكان سابقًا بأنَّه \"أصح التواريخ وأثبتُها\" وكذلك يُعتبر تاريخ الطبري أوثق ما دُوِّن في السيرة النبوية، وهذا ينمّ عن دقة الطبري وتحقيقه وسعة اطلاعه، وهو ينسجم مع منهج الطبري العلمي والدقيق في مختلف كتبه ومصنفاته.\nوعلى سبيل المثال تضمَّن تاريخ الطبري حوالي ثلاثين وثيقة تتعلق بالسيرة النَّبوية، أكثرها في العهد المدني، وتضمَّن حوالي خمسين وثيقة تتعلق بعصر الخلفاء الراشدين، وذكر الطبري بعض الوثائق للعهد الأموي، تُعتبر فريدة وهامّة، كما التزم هذه الدقة في تاريخ الروم والفرس والعرب، بالإضافة إلى الوثائق الأدبية.\n٩ - تسجيل النُّصُوص الأدبية: وهنا يُكثر الطبري من ذكر النصوص الأدبية المرتبطة بالأحداث، كالشعر والخطابة والرسائل والمحاورات ذات الصلة بالمناسبات التاريخية (١).\nوالطبري في هذه الناحية يتبع منهج المؤرخين في عصره، ورواة الأخبار قبله، الذين يحرِصُون على تدوين الشعر الذي يتصل بالموضوع، كما كان\n_________\n(١) يقول أحمد أمين: \"وكتابه هذا، مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب، لأنه في حكايته للروايات المختلفة يقصُّها في لغة رصينة بليغة، غاية في القوة\" (ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤).","vol":"1","page":106},{"text":"الأدباء يستعينون بالأخبار التاريخية لبيان مناسبات القصائد، والأحداث التي سبقتها، والأخبار التي عرضتها، وأسماء الأشخاص المذكورين فيها، ولذلك امتزج التاريخ بالأدب، وصار المؤرِّخ غالبًا راوية للأدب، وصار الأديب مؤرِّخًا.\nمن الأمثلة الأدبية التي ذكرها الطبري خُطبة زياد بن أبيه بالبصرة سنة ٤٥ هـ، (٦/ ١٢٤) وخطبة الحجاج بالكوفة سنة ٧٥ هـ (٧/ ٢١٠) وخطبة عبد الملك بن مروان بدمشق (٧/ ١٧٥) وخطبة خالد القَسْري بمكة (٨/ ٨٠) وخطبة الحسين بن علي في أصحابه (٦/ ٢٢٩) والحوار بين عبد الله بن الزبير وأمّه أسْماء حينما حاصره الحجاج بمكة (٧/ ٢٠٢) والحوار بين الخوارج والمهلب بن أبي صُفرة (٧/ ١٩١) ورسالة المختار الثقفي إلى محمد بن الحَنَفِيَّة (٧/ ١٢٧) والقصائد الكثيرة التي تظهر جلية على صفحات \"تاريخ الطبري\".\n١٠ - الحياد والواقعية: كان الطبريُّ ورعًا وتقيًا ودقيقًا، وكان في الوقت نفسه ملتزمًا بمذهب أهل السنة والجماعة، وعقيدة السلف، ومع ذلك كان يورد الروايات المختلفة في الأحداث، دون مَيل مع أي هوى في إيراد الأخبار التاريخية، وكان في الغالب حياديًا بتصوير الأحداث، وترك الحكم عليها للقارئ، وعدم ممارسة النقد في الروايات وفي المتون، لأنه يعتقد أن أحاديث التاريخ لا تُبنى عليها أحكام شرعية، باستثناء الشؤون السياسية، وخاصة في العصر الراشدي، فكانت هذه الأحداث ذات انعكاس إيجابي وسلبي على المجتهدين في التطبيق الصحيح للشرع.\nوالطبري في نفس الوقت جريء في قول الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد تعرض في \"تاريخه\" لذكر كثير من الأحداث التي لا يرضى عنها العباسيون أنفسهم، وهم الخلفاء وأصحاب السلطة والنفوذ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>رابعًا: المآخذ على تاريخ الطبري:</span>\nقلَّما يسلم عمل إنسان من نقص، أو يصدر بشكل كامل، فإن الكمال لله وحده، وكل عمل للبشر معرَّض للنقص والخطأ، والنقد والمآخذ، ولذلك\n_________\n(١) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.","vol":"1","page":107},{"text":"سجَّل علماء التراجم والتاريخ عدة ملاحظات على تاريخ الطبري والمادة العلمية فيه، وعلى منهجه الذي سلكه، ونبدأ الآن بالمآخذ التي أوردها العلماء على المادة التاريخية فيه (١)، وأهمها.\n١ - لم يحفظ الطبري التوازن بين فترات التاريخ قبل الإسلام وبعده، لأنه عرض تاريخ العالم منذ بدء الخليقة وهبوط آدم وتاريخ الأنبياء والأمم والدول في مجلد واحد يساوي تقريبًا عُشْر الكتاب، بينما عرض التاريخ الإِسلامي بتوسُّع، وأفرد له تسعة أعشار الكتاب.\nولكن هذه الملاحظة لا تَرِدُ على الطبريّ ﵀، لأنه لا يريد حقيقة أن يؤرِّخ للعالم، ليحققَ التوازن، ولكنه قصد أن يكتب التاريخ الإِسلامي فحسب، وقدَّم لكتابه بتمهيد ومدخل للتاريخ السابق، ولذلك كان تاريخ الطبري أجل وأعظم كتاب عن التاريخ الإِسلامي في القرون الثلاثة الأولى، وصار المرجع لكل من جاء بعده.\n٢ - أسرف الطبري بذكر الإِسْرائيليات والخُرافات والأوهام والحكايات فيما يتعلق ببدء الخلق وقصص الأنبياء والتاريخ القديم، دون أن يُمحِّص ذلك ويَعْرِضه على النقد والمنطق والعقل وما جاء في القرآن والسنة.\nوهذه الملاحظة لم ينفرد بها الطبري، بل شاركه فيها بقية المؤرخين، لأن مصدر المعلومات لهم غالبًا في ذلك هم أهل الكتاب، الذين عَرَضوا هذه المعلومات عن بدء الخليقة، ولا يوجد مرجع آخر فيها، فنقل المؤرِّخون ذلك دون تمحيص أو تدقيق أو تعليق (٢).\n٣ - اقتصر الطبري في تاريخه عما نقله من المصادر والإسناد الماضية، وهذا صرفه عن النظر في أحداث عصره، فلم يُسجِّلها في كتابه، ولم يُؤرِّخها، فجاءت\n_________\n(١) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦٠ وما بعدها، الطبري للحوفي ص ٢٠٤، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.\n(٢) قال أحمد أمين: \"إن كثيرًا من تاريخ الأمم القديمة ليس إلا خرافات وأوهامًا، ولكن عذر الطبريّ في ذلك أن هذا هو ما كان معدودًا في وقته، وليس له من الوثائق ما يستطيع أن يذكر به التاريخ الصحيح\" ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٣.","vol":"1","page":108},{"text":"الأحداث التي عاصرها باهتة ومختصرة جدًّا، مع أن الطبري كان على اطِّلاع واسع بها، وكانت خبرته جيدة ورحل إلى عدة أقطار في العالم الإِسلامي، وعاش دهرًا طويلًا وقعت فيه أحداث كبيرة وأمور مهمة، فلم يولِ اهتمامه بجيله وعصره، وظهر فيما كتبه عنه الضعف والإِيجاز المخلّ.\nولعل الباعث للطبري على ذلك تصوُّرُه لدراسة التاريخ وفهمه له بأنه مستودع خبرات الأجيال السابقة فقط، وأنه يكتب لأبناء جيله الذين يشاركونه في معرفة الأحداث ومجريات الأمور، فلا يأتيهم بجديد، وفاته أن الأجيال اللاحقة بحاجة ماسة للمعرفة التفصيلية للجيل الذي عاصر الطبري، وخاصة أنه شاهدُ صدق على ما يقول، وأنه أقرب من غيره لتسجيل هذه الأحداث، فحَرَمَ التالين من ذلك، ولو أَرَّخ لعصره لقدَّم لغيره مادة غزيرة وموثَّقة.\n٤ - كان فهم الطبري للتاريخ العالمي أقل وأضيق من فهم بعض المؤرّخين السابقين له كاليَعْقوبي وابن قتيبة مثلًا - في نظرتهم الشمولية، بينما اقتصرت نظرة الطبري إلى تاريخ العالم على الخط الذي يصل بين الأنبياء والعهد الجاهلي كمقدمة للتاريخ الإِسلامي.\nوقد يكون عذر الطبري في ذلك أنه يريد التاريخ الإِسلامي بحدِّ ذاته، وذَكَرَ تاريخ الأمم والملوك الآخرين كمقدّمة فقط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التاريخ القديم قليل المصادر، ومصادره غير معتمدة، والثقة فيها غير متوفِّرة، والخَيال فيها والخرافة والأَساطير من بنات الأفكار أكثر من الحقائق، فأخذ الطبري جانبًا من ذلك، لأن ما لا يُدْرَك كلّه لا يُترك جلّه.\n٥ - كان الطبري مهتمًا في تاريخه بالأحداث السياسية، فحصر تاريخه غالبًا في المشاكل الداخلية للدولة، وما يتصل بالسياسة الداخلية، وأغفل كثيرًا الحديث عن الفتوحات الإِسلامية كالأندلس وغيرها، وأعرض عن بيان العلاقات الدولية، وحتى في العلاقات بين الدولة الإِسلامية والدول المجاورة لها كالبيزنطية والإِفرنجية، وأحوال هذه الدول وأمرائهم، وفي الأمور الداخلية اهتم","vol":"1","page":109},{"text":"بالحَدَث السياسي، ولم يولِ أمور الإِدارة والقضاء والاقتصاد، والاجتماع أيَّ عناية (١).\nوهذا الأمر يشترك فيه الطبري مع بقية المؤرِّخين، لأنَّ التاريخ كان مركَّزًا على الحكَّام والأمراء، ولم يلتفت إلى الجوانب الحضارية والإِدارية والاقتصادية، إلى أن تطور علم التاريخ، واتجه إلى بقية عناصر الحياة، وبلغ أوجه في عهد ابن خلدون وكتبه.\n٦ - كان مفهوم التاريخ عند الطبري متأثرًا بالنزعة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية، فأحداث التاريخ تعبير عن المشيئة الإِلهية، والتاريخ مستودع خبرات عليا للأمة، دون اهتمام بقيمة التجارب التي مرت بها، ورسالتها التاريخية الواحدة.\nوهذه الملاحظة تُعتبر مزيَّة لتاريخ الطبري المحدِّث والمفسر والمجتهد والعالم والحافظ للقرآن، والإِمام لمذهب فقهي عملي في الحياة، وأن الطبري المحدِّث عبَّر عن وجهة النظر الدينية الإِسلامية عامة، ووجهة نظر المحدِّثين في كتابة التاريخ بفكرة تكامل الرسالات السماوية في التاريخ، وأنه تعبير عن المشيئة الإِلهية، فكان تاريخه قرينًا ومكمِّلًا لتفسيره، فالتفسير لتوضيح إرادة الله في كلامه، والتاريخ يوضح إرادة الله في مسيرة البشرية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>خامسًا: المآخذ على منهج الطبري:</span>\nتعرض علماء التاريخ لبيان المآخذ على منهج الطبري في تاريخه وقدَّموا عدة ملاحظات عليه (٣)، نذكر أهمها:\n١ - ضمور النقد عند الطبري: وذلك أنه اكتفى بسرد الروايات، وبيَّن في مقدمته أنه يرمي العهدة على الرواة، ووقف خارج الأحداث، وملتزمًا بالرواية، ولم يعدِّل الرواة، ولم يُجرِّحهم، مع أن الطبري من علماء الحديث، ويمكنه\n_________\n(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤.\n(٢) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٦.\n(٣) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٥٩، الطبري للحوفي ص ٢٠٤، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤ وما بعدها، تاريخ الطبري، المقدمة ١/ ٢٥ طبعة دار المعارف.","vol":"1","page":110},{"text":"الالتزام بطريقة المحدِّثين في مجرَّد سرد الرواية دون تعرُّض لمتنها، كما أنه يفعل فعلهم في التعديل والتجريح للرواة، ولذلك يُعتبر ضمور النقد عند الطبري في التاريخ نقطة ضعف ونقص، وإن اعتُبرت في الحديث أمانة وميزة، وقد ذكر الطبري أحيانًا روايات غير معقولة، أخذها عليه المؤرِّخون بعده بإيرادها دون نقد وتفكير، وأنها منافية للعقول، ولا يجوز أن تُسطَّر في الكتب، ولم يشر إلى الروايات المكذوبة.\nوهذه النظرة من الطبري إلى التاريخ تحصره في نطاق المعرفة، وتجرِّده من العظة والاعتبار والتأسِّي من جهة، خلافًا لابن مِسْكوية في كتابه \"تجارب الأمم\" قاصدًا بيان التجارب التي مرَّت بالسلف، ويحسن بالخلف أن يطَّلِع عليها، ويستفيد منها، ويتَّعظ بها، كما ابعدت نظرةُ الطبريّ للتاريخ المؤرِّخ عن التدخّل في الأحداث وتحليلها وبيان مدلولاتها، وهو ما يتجه إليه المؤرِّخون المتأخرون.\nلكن الطبري ﵀ أدْلى بدلوه أحيانًا، وأبدى رأيه، ورجَّح ما يراه قويًّا بقوله \"والصحيح عندنا\"، و\"أنا أشك في ذلك\" وقوله \"وقد زعم بعضهم كذا\" وهو توجيه نقدي واضح، كما أنَّه لم يعتمد من الأصل في النقل على من كان فيه مظنَّة شبهة، من أمثال محمد بن السائب الكلبي، ومقاتل بن سليمان إلا في النُّدرة، واعتمد على المؤلَّفات التي يثق بها مثل كتب سَيف بن عمر في التاريخ، كما أن رجال الحديث والتاريخ في الأصل لم يتشدَّدوا في الرواية التاريخية تشدُّدَهم في الحديث النبوي الشريف، وكان عمل الطبري في التاريخ جليلًا، لأنه حفظ لنا الروايات من الضياع، ونسّقها تنسيقًا جيدًا، ولولاه لضاع معظمها، وحُرمنا من معرفتها.\n٢ - عدم ذكر الكتب والمؤلفات: كان الطبري يَرْوي التاريخ عن الرواة والمؤرخين، دون أن يحدِّد الكتاب المأخوذ منه، وكان لكثير منهم عدد من الكتب، فسَيف بن عمر له كتاب الفتوح، والردة، وموقعة الجمل، وغيرها، والواقدي له كتاب المغازي، والردة، والتاريخ الكبير، وهشام الكلبي له مئة وأربعون كتابًا ذكرها ابن النديم، واستخرج فرانز روزنثال أسماء الكتب الواردة","vol":"1","page":111},{"text":"في الفهرس لكل واحد من المؤلفين، ومصنَّفَة حسب مواضيعها (١).\nولو ذكر الطبري أسماء الكتب لاستطاع الباحثون الرجوع إلى ما بقي منها، ولعرف الخلف مؤلفات السلف للتنقيب عنها، وتحقيق ما سلم من الضياع منها، والمقارنة بين نصوصها ونصوص الطبري.\n٣ - كان الطبري يقطع الأحداث بالروايات المتعددة، وبالسنين المتعاقبة، فيقطع الرواية الواحدة إذا وقع فيها خلاف، فيذكر الرواية أو الروايات المخالفة ثم يعود للرواية الأولى، فتتداخل الروايات وتتشابك، ويتشتت معها القارئ، وينشغل بالفروع عن الحادث الأصيل، مع ما في طريقة الطبري من أمانة ودقة، وكان يمكنه تحقيق هدفه بعرض كل رواية عرضًا كاملًا، ثم بالتعقيب عليها بغيرها، ثم بالموازنة فيما بينها، وترجيح بعضها على بعض.\nوكان منهج الطبري \"الحولي\" يضطره إلى تجزئة الحادث الذي امتد عدة سنوات، فتتبعثر صورته، ويفقِد وَحْدته وموضوعه، مما يصعب معه على القارئ أنْ يُلِمَّ بالحادث الواحد متكاملًا.\n٤ - التركيز على الجانب السياسي، وهو ما فعله أكثر المؤرخين الذين كتبوا في التاريخ العام، وتأثر الطبري ﵀ بهم وبروح العصر الذي عاش فيه، ولذلك قال السخاوي عنه: \"وهو جامع لطرق الروايات، وأخبار العالم، لكنه مقصور على ما وضعه لأجله من علم التاريخ والحروب والفتوحات\" (٢)، وحتى في الجانب السياسي يُغفل الطبري أسماء الولاة والموظفين، ويُغفل أحيانًا بعض الحركات المعارضة للسلطة.\nويعد: فإن هذه الملاحظات على تاريخ الطبري، والمآخذ على منهجه، لا تقلِّل من قيمته، ولا تُنْقص من أهميته، وأنه كتاب جليل القدر، عظيم القيمة، وأنَّه المرجع الأول للتاريخ العربي الإِسلامي، ويحتل الصدارة عند المؤرخين، ويتبوَّأ المكانة الأولى بين كتب التاريخ، وأنه المرجع الأصيل لكل من كتب في التاريخ، والمصدر الأساسي لمن جاء بعده من المؤرِّخين، ويمثّل\n_________\n(١) انظر: الفهرست ص ١٣١ وما بعدها، علم التاريخ عند المسلمين ص ٢٧٣.\n(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التواريخ ص ٦٦٩ ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.","vol":"1","page":112},{"text":"صفحة مشرقة، وصورة ناصعة للثقافة التي جمعها الطبري في ذهنه، ومثلها لأبناء عصره وجيله، وبقي تاريخ الطبري ماثلًا في الأذهان طوال الأجيال الماضية، وسيبقى بمشيئة الله تعالى أمام العين والقلب، والعقل والفكر، في المستقبل، فجزاه الله خيرًا، وأعطاه ما يستحق من الثواب والأجر.\nيقول الأستاذ شاكر مصطفى: \"وعلى أي حال، فإن ما قد يُوجَّه إلى منهج الطبري، وإلى تاريخه من نقد لا يمكن أن يُلغي شيئًا من قيمته كمؤرخ أوَّل، انتهى به العصر الأول للتدوين التاريخي، وكمؤلِّف ظلت أجيال المؤرخين في العصور التالية عِيالًا على كتابه في كل ما يتصل بالقرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإِسلام\" (١).\n* * *\n_________\n(١) التاريخ العربي والمؤرخون ص ٢٦١.","vol":"1","page":113},{"text":"رابعًا تاريخ الطبري - قسم الصحيح\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد:\nفلقد وفقنا الله تعالى للقاء أستاذ التاريخ الإسلامي الكبير فضيلة الدكتور / أكرم ضياء العمري / قبل مراجعتنا للمسودة فشجعنا جزاه الله خيرًا واطلع على فصول من قسم الصحيح يتعلق بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين، وأبدى ملاحظاته القيمة ومن هذه الملاحظات:\nضرورة كتابة فصل في بداية (كل فترة) نبيِّن فيها أسانيد الطبري، مع بيان درجاتها من الصحة أو الضعف، وذلك لأن الطبري ﵀ يعيد عددًا من الأسانيد، عشرات بل مئات المرات، فالأولى أن نحكم على هذه الأسانيد في المقدمة قبل الشروع في تخريج الروايات (١).\nوهذه ملاحظة قيمة من الأستاذ العمري جديرة بالاعتبار والاهتمام إلَّا أن الإشكال أننا كنا قد انتهينا من التخريج والتحقيق سنة ١٩٩٩ م بينما كان اللقاء مع فضيلة الأستاذ العمري سنة ٢٠٠١ م الموافق لـ (١٤٢٢ هـ) وذلك في شهر شعبان، فتداركنا الأمر من باب ما لا يدرك كله لا يترك جُلُّه، فكتبنا فصلًا في مقدمة المجلد المتعلق بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين ضمناه تراجم الرواة وذكرنا الحكم النهائي على كل راوٍ في هذا الفصل، ومن لم نذكر اسمه هناك،\n_________\n(١) اكتفينا ببيان أسانيد الطبري في بداية الصحيح - هنا - خشية التكرار في كل جزء من الصحيح، ودَفْعًا للإطالة على القارئ.","vol":"1","page":115},{"text":"اكتفينا بترجمته في كتابنا (رجال تاريخ الطبري جرحًا وتعديلًا) واكتفينا بذلك بتعليق مختصر وحكم موجز على إسناد كل رواية من روايات الطبري.\nوهكذا ترك الأستاذ العمري بصماته على صفحات هذا التحقيق والتخريج فجزاه الله عنا وعن المسلمين والتاربح الإسلامي خير الجزاء، وهو بحق رائد في مجال تطبيق قواعد الحديث على الروايات التاريخية - ونكتفي بهذا القدر ونعود مرة أخرى إن شاء الله لنكتب مقدمة أخرى قبل البدء بعهد سيدنا معاوية، وثالثة قبل البدء بعهد يزيد بن معاوية.\n\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nالمحققان","vol":"1","page":116},{"text":"تر<span data-type=\"title\" id=toc-68>ا</span>جم رواة أسانيد الطبري\n١ - أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي (فرخويه).\nقال ابن أبي حاتم: عن أبي العباس الطهراني كانوا لا يشكون أن فرخويه كذاب. [الجرح والتعديل ٢/ ٤٤].\n٢ - أحمد بن زهير بن حرب.\nثقة حافظ، توفي ٢٢٩ هـ[لسان الميزان ١/ ١٧٤].\n٣ - أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه (أبو الحسن).\nثقة من العاشرة توفي ٢٣٠ هـ. [تقريب / ت ٩٤].\n٤ - أبان بن صالح بن عمير القرشي.\nثقة من الخامسة، أخرج له الأربعة. ت سنة بضع عشرة ومئة. [تقريب / ت ١٥٩].\n٥ - إبراهيم بن ميمون بن صائغ.\nقال الحافظ مغلطاي: ذكره ابن حبان في الثقات وخرّج حديثه هو والحاكم في صحيحيهما، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق من السادسة قتل سنة ١٣١ هـ.\n\n[إكمال تهذيب الكمال / ت ٣٠٧] [تقريب التهذيب / ت ٢٩١] [الثقات ٦/ ١٩].\n٦ - إبراهيم بن سليمان الحنفي.\nلم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.\n٧ - إسحاق بن إبراهيم الثقفي (أبو يعقوب) الكوفي.\nوثقه ابن حبان وقال ابن عدي: روى عن الثقات ما لا يتابع عليه، وروى","vol":"1","page":117},{"text":"الذهبي من مناكيره، وقال الحافظ: وثقه ابن حبان وفيه ضعف.\n[تقريب / ت ٣٣٦، [ميزان الاعتدال / ت ٧١٦].\n٨ - إسحاق بن إدريس الأسواري البصري.\nقال يحيى: كذاب يضع الحديث، وقال النسائي: متروك.\n[ميزان الاعتدال / ت ٧٣٤، [لسان الميزان (١/ ٤٤)].\n٩ - إسحاق بن خليد مولى سعيد بن العاص.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه وكيع وأبو نعيم.\n[الثقات ٦/ ٤٧)].\n١٠ - إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي.\nمتروك من الرابعة توفي سنة ١٤٤ هـ.\n[تقريب التهذيب (ت ٤١٥)].\n١١ - إسحاق بن عيسى الطباع.\nصدوق من التاسعة. ت ٢١٤ هـ.\n[تقريب التهذيب (ت ٤٢٤)].\n١٢ - إسحاق بن يحيى بن طلحة.\nقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال أبو داود الطيالسي، إسحاق بن يحيى بن طلحة متروك الحديث منكر الحديث، وضعفه ابن معين وقال: لا يكتب حديثه.\nوقال ابن حبان: فإذا الاجتهاد أدى إلى أن يترك ما لا يتابع عليه ويحتج بما وافق الثقات بعد أن استخرنا الله فيه.\n[ميزان الاعتدال (ت ٨٠٢)، الجرح والتعديل (٢ / ت ٨٣٥)].\n١٣ - إسماعيل بن إبراهيم (ابن علية).\nثقة. قال أحمد: ابن علية إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال أبو حاتم: ثقة ثبت في الرجال، توفي ١٩٣ هـ.\n[الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٥٤)، التقريب (ت ٤٧٦)].\n١٤ - إسماعيل بن راشد السلمي.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: مجهول [٦/ ٣٤].","vol":"1","page":118},{"text":"١٥ - إسماعيل<span data-type=\"title\" id=toc-69> ب</span>ن يزيد الأزدي.\nلم ن<span data-type=\"title\" id=toc-70>ج</span>د له ترجمة.\n١٦ - أسود بن قيس العبدي الكوفي.\nثقة من الرابعة، أخرج له الستة.\n[تقريب (ت ٥١١)].\n١٧ - إياس بن زهير (أبو طلحة).\nعن علي، وسويد بن هبيرة، قال أبو حاتم: يعدّ في البصريين وسكت عنه وذكره ابن حبان في الثقات.\n[الجرح والتعديل (٢/ ٢٧٩ ت ١٠٠٤)، الثقات (٤/ ٣٦)].\n١٨ - أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني البصري.\nصدوق من الخامسة.\n[تقريب (ت ٥٣١)].\n\n(ب)\n١٩ - بسر بن عبيد الله الحضرمي.\nثقة حافظ من الرابعة.\n[تقريب (ت ٦٧٣)].\n٢٠ - بشر بن عيسى بن ميمون.\nقال مغلطاي: يكنى أبا عمرو ذكره مسلم.\n[إكمال التهذيب (ت ٧٤٣)].\n\n(ج)\n٢١ - جارود بن أبي سبرة الهذلي.\nصدوق من الثالثة. ت ١٢٠ هـ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني: بصري ثقة.\n[إكمال التهذيب (ت ٩٢٧)، تقريب (ت ٨٨٩)].\n٢٢ - جبلة بن أبي رواد.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه ابنه عثمان بن جبلة، قتله","vol":"1","page":119},{"text":"أبو مسلم بنيسابور سنة ١٣٢ هـ، وترجم له البخاري وسكت عنه.\n[الكبير (١/ ٢ / ٢١٩)، الثقات (٦/ ١٤٧)].\n٢٣ - جرير بن<span data-type=\"title\" id=toc-71> ح</span>ازم الأزدي.\nثقة ولكن في روايته عن قتادة ضعف ولا يعبأ باختلاطه إذ لم يحدِّث بعد أن اختلط كما قال ابن مهدي، وهو من السادسة.\n[تقريب (ت ٩١٣)، تهذيب الكمال (ت ٩١٣) وانظر كتابنا رجال تاريخ الطبري جرحًا وتعديلًا].\n٢٤ - جرير بن يزيد بن جرير.\nذكره ابن حبان في الثقات، وترجم له البخاري وابن أبي حاتم، وسكتا عنه.\n[الثقات (٦/ ٢٤٣)، الكبير (١/ ٢ / ٢١٢)، الجرح (١/ ١ / ٥٠٢)].\n٢٥ - جعفر بن برقان الكلابي.\nصدوق من السابعة ت ١٠٥ هـ، يهم في حديث الزهري وقد رأى المحرران [شعيب وبشار] أن لقب (ثقة) أولى به من صدوق، قلنا: والذي يراجع ما كتبه مغلطاي في الإكمال يترجح لديه أنه صدقه كما قال ابن حجر والله أعلم.\n[إكمال تهذيب الكمال (ت ٩٨٣)، تقريب (ت ٩٣٤) وانظر تحرير التقريب].\n٢٦ - جعفر بن حذيفة الطائي.\nقال أبو حاتم: مجهوله. وقال الذهبي: لا يدرى من هو.\n[ميزان الاعتدال (١/ ٤٠٥)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٧٦)].\n٢٧ - جويرية بن أسماء الضبعي.\nصدوق من السابعة ت ١٧٣ هـ\n[تقريب (ت ٩٩٠)].\n\n(ح)\n٢٨ - حاتم بن قبيصة البصري.\nترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه.\n[الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٠)].","vol":"1","page":120},{"text":"٢٩ - الحارث بن حصيرة الأزدي الكوفي.\nصدوق يخطئ، ورمي بالرفض من السادسة وله ذكر في مقدمة مسلم.\n[تقريب التهذيب (ت ١٠٢١)].\n٣٠ - الحارث بن محمد بن أبي أسامة.\nقال الدارقطني: صدوق ووثقه إبراهيم الحربي، وقال ابن حجر كان حافظًا عارفًا بالحديث عالي الإسناد تكلم فيه بلا حجة.\n[لسان الميزان (٢ / ت ٢٢٣٤)، تاريخ بغداد (٨ / ت ٤٣٣٢)].\n٣١ - حبان بن علي العنزي (أبو علي الكوفي).\nضعيف من الثامنة.\n[تقريب / ت ١٠٧٩].\n٣٢ - حبان بن موسى السلمي.\nثقة من العاشرة خ م ت س.\n[تقريب ت ١٠٨٠].\n٣٣ - حجاج بن قتيبة.\nلم نجد له ترجمة.\n٣٤ - حرملة بن عمران التجيبي.\nثقة من السابعة.\n[تقريب / ت ١١٧٨].\n٣٥ - الحسن بن أبي الحسن البصري.\nثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس أخرج له الستة.\n[تقريب (١ / ت / ١٢٣١)].\n٣٦ - الحسن بن رشيد.\nمن أهل مرو، يروي عن إبراهيم الصائغ، ذكره ابن حبان في الثقات أما الذي يروي عن ابن جريج وعنه نصر بن حاجب فقد قال أبو حاتم: مجهول، وقال الحافظ: فيه لين والذي في تاريخ الطبري هو الأولى على الأغلب، والله أعلم.\n[لسان الميزان (٢ / ت / ٩٢١)]، الثقات (٨/ ١٧٠)، الجرح والتعديل (٣/ ١٤)].","vol":"1","page":121},{"text":"٣٧ - الحسين بن مجاهد الرازي.\nلم نجد له ترجمة.\n٣٨ - الحسين بن نصر الأملي.\nلم ندر من هو؟ والذي في كتب التراجم باسم الحسين بن نصر إنما هو المصري كما ترجم له ابن أبي حاتم وهو صدوق، والله أعلم.\n[الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦٦) وانظر رجال الطبري جرحًا وتعديلًا].\n٣٩ - الحكم بن عثمان.\nلم نجد له ترجمة في كتب التراجم، إلَّا أن القاضي أبو بكر الدينوري، قال: حدثنا أحمد بن علي الخزار قال: سمعتا أبي يقول: قال الحكم بن عثمان قال: أبو جعفر المنصور .. الخبر].\n(كتاب المجالسة (٢/ ٧٦ / ٢١٠)].\n٤٠ - حماد بن سلمة البصري.\nثقة عابد أثبت الناس في ثابت تغير حفظه في آخره من كبار الثامنة.\n[تقريب (ت ١٥٠٤)].\n٤١ - حمزة بن إبراهيم (شيخ المدائن).\nلم نجد له ترجمة.\n٤٢ - حميد بن مسلم الأزدي.\nلم نجد له ترجمة، والذي في كتب التراجم حميد بن مسلم القرشي (أبو عبد الله) ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٩٠).\nوانظر [الجرح (١/ ٢ / ٢٢٩)، الكبير (١/ ٢ / ٣٥٥)].\n٤٣ - حنبل بن أبي حريدة.\nلم نجد له ترجمة.\n٤٤ - حيان النبطي البلخي.\nوالد مقاتل ومصعب، يروي عن الحكم بن عمرو الغفاري.\n[المؤتلف والمختلف (١/ ١٣٨ ت ٢٤٦)].","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>(خ)</span>\n٤٥ - خا<span data-type=\"title\" id=toc-74>ر</span>جة بن مصعب السرخسي.\nقال ابن معين: عن<span data-type=\"title\" id=toc-73>د</span>نا مستقيم الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال: لم يكن محله الكذب وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٣).\n[لسان الميزان (٦/ ٤٣ ت ١٦٦)].\n٤٦ - خالد بن عبد العزيز.\nلم نجد له ترجمة.\n٤٧ - خالد بن القاسم المدائني.\nمتروك الحديث.\n[ميزان الاعتدال (١/ ٦٣٧)].\n٤٨ - خالد بن يزيد بن عبد الله المقسري.\nقال ابن عدي: وهو عندي ضعيف إلَّا أن أحاديثه إفرادات ومع ضعفه كان يكتب حديثه، وقال أيضًا: وأحاديثه كلها لا يتابع عليها.\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات وسكت عنه الحافظ في التقريب ووافقه المحرران (بشار وشعيب) على سكوته.\nقلنا: والأولى أن يقال: ضعيف يكتب حديثه كما قال ابن عدي.\n[ميزان الاعتدال (ت ٢٤٧٩)، الكامل (٨/ ٥٧٨)].\n٤٩ - خلاد بن يزيد الباهلي (الأرقط).\nصدوق جليل من التاسعة.\n[تقريب (ت ١٧٧٩)].\n\n(د)\n٥٠ - داود بن سليمان الجعفي.\nالذي يروي عن عمر بن عبد العزيز، ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٨٩).\n\n(ر)\n٥١ - رؤبة بن العجاج.","vol":"1","page":123},{"text":"قال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحافظ: لين الحديث، وذكره ابن الجو<span data-type=\"title\" id=toc-75>ز</span>ي في الضعفاء، وقال: قال يحيى: دع رؤبة العجاج.\n[الضعفاء لابن الجوزي (١/ ٢٧٧ ت ١١٩٧)، العقيلي (٢/ ٦٤)].\n\n(ز)\n٥٢ - زكريا بن أبي زائدة الهمداني.\nثقة وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بأخرة أخرج له الستة.\n[تقريب (ت ٢٠٣٣)].\n٥٣ - زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير.\nترجم له الخطيب وذكر أسماء ثلاثة من الرواة الثقات عنه ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n[تاريخ بغداد (٨/ ٤٥٧ / ت ٤٥٧١)].\n٥٤ - زهير بن حرب.\nثقة ثبت روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث من العاشرة ت ٢٣٤ هـ.\n[تقريب (ت ٢٠٥٣)].\n٥٥ - زهير بن الهنيد (أبو الذيال) العدوي.\nقال ابن حجر، مقبول، فعقب المحرران بقولهما: بل صدوق حسن الحديث فقد روى عنه جمع وذكره ابن حبان في الثقات.\nقلنا: والذي في المقتنى في سرد الكنى زهير بن هنيدة (ت ٢١٢٢).\n[تحرير التقريب (ت ٢٠٥٣)، تقريب التهذيب (ت ٢٠٥٨)].\n٥٦ - زياد بن جبل، ويقال: ابن حبل.\nروى عنه هشام بن يوسف ومعمر وغيرهما بشيخ مجهول كما قال أبو حاتم\n[الجرح والتعديل (٣/ ٥٢٧ ت ٢٣٨٠)].\nترجم له البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٧).\nوانظر المؤتلف والمختلف (١/ ٥١٦) وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٥٣).\n٥٧ - زياد بن الربيع (شيخ المدائن) اليحمدي البصري (أبو خداش).\nوثقه أبو داود وله في البخاري فرد حديث توفي ١٨٥ هـ.\n[خلاصة تهذيب التهذيب للخزرجي ...","vol":"1","page":124},{"text":"ووثقه أحمد وابن خلفون [إكمال تهذيب الكمال (ت ١٧١٨)].\nوانظر التقريب حيث قال الحافظ: ثقة من الثامنة [ت ٢٠٧٨] والله أعلم.\n٥٨ - زياد بن عبد الله البكائي.\nصدوق ثبت في المغازي وفي حديثه من غير ابن إ<span data-type=\"title\" id=toc-76>س</span>حاق لين ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة من الثامنة.\n[تقريب (ت ٢٥٩٦)].\n\n(س)\n٥٩ - سبرة بن يحيى.\nذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٤١).\n٦٠ - سعيد بن زيد الأزدي (أبو الحسن) البصري.\nصدوق له أوهام من السابعة. [تقريب (٢٣١٩)].\n٦١ - سعيد بن عبد العزيز التنوخي.\nثقة إمام، ولكنه اختلط في آخر أمره من السابعة. بخ م ٤.\n[تقريب التهذيب (ت ٢٣٦٥)].\n٦٢ - سعيد بن كيسان (ابن أبي سعيد) المقبري.\nثقة من الثالثة أخرج له الستة.\n[تقريب (ت ٢٣٢٨)].\n٦٣ - سفيان بن عيينة الهلالي.\nثقة إمام ربما دلس عن الثقات ع.\n[التقريب (ت ٢٤٥٨)].\n٦٤ - سكن بن قتادة العريني.\nعن الأحنف وعن مسلمة بن محارب.\n[توضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٦/ ٢٤٨)].\n٦٥ - سلم بن جنادة (أبو السائب) الكوفي.\nقال النسائي: صالح، وقال أبو بكر البرقاني ثقة حجة لا يشك فيه يصلح للصحيح.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: ثقة ربما خالف من العاشرة.","vol":"1","page":125},{"text":"[الثقات (٨/ ٢٩٨)، تهذيب الكمال (١١ / ت ٢٤٢٦) تقريب التهذيب (ت ٢٤٧١)].\n٦٦ - سلمة بن عثمان.\nترجم له ابن أبي حاتم دون جرج أو تعديل (٤/ ١٦٧).\n٦٧ - سليمان بن أرقم البصري.\nضعيف من السابعة [تقريب (ت ٢٥٤٧)].\n٦٨ - لسليمان بن بلال التيمي.\nثقة من الثامنة. [تقريب (ت ٢٥٤٧)] ع.\n٦٩ - سليمان بن أبي سليمان الشيباني.\nقال أبو حاتم: أبو إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني صدوق ثقة صالح الحديث، ووثقه العجلي وابن معين، والنسائي، وكان من كبار أصحاب الشعبي، [تهذيب الكمال (ت ٢٥٢٥)، تاريخ الثقات (٢/ ٦١٢)، الجرح والتعديل (٢/ ١٣٥)].\n٧٠ - سليمان بن صالح الليثي (أبو صالح المروزي) سلمويه.\nثقة من العاشرة مات قبل ٢١٠ هـ وقد بلغ المئة.\n[تقريب (ت ٢٥٨٠)].\n٧١ - سليمان بن كثير.\nالذي في كتب التراجم بهذا الاسم هو العبدي ترجم له ابن أبي حاتم فقال نقلًا عن أبيه: ضعيف يكتب حديثه، وقال العجلي: جائز الحديث لا بأس به، وقال العقيلي: هو في غير الزهري أثبت مضطرب الحديث عن ابن شهاب، وذكره ابن خلفون في الثقات، وقال ابن عدي: أحاديثه عندي مقدار ما يرويه لا بأس به وضعفه ابن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي إلَّا في الزهري، وقال الذهبي: بعد سرده لأقوال العلماء فيه -: خرجوا له في الدواوين الستة مات سنة ١٣٦ هـ ورمز الذهبي أمام ترجمته بعلامة (صح).\nوالذي في تاريخ الطبري سليمان بن كثير العمي والله أعلم.\n[إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ت ٢٢١٦)، الجرح والتعديل (٤/ ١٣٨ / ٦٣)، ميزان الاعتدال (ت ٣٥٠٣).\nوقال مغلطاي: خرج الحاكم حديثه في مستدركه، وأبو عوانة في صحيحه.","vol":"1","page":126},{"text":"٧٢ - سليمان بن مسلم النخ<span data-type=\"title\" id=toc-79>ع</span>ي العجلي.\nمن أهل الكوفة ذكره ابن حبان في الثقات، وترجم له البخاري في الكبير روى عنه التبوذكي.\n[الكبير (٢/ ٢ / ٣٨)، الثقات (٦/ ٣٩٣)].\n٧٣ - سليمان بن المغيرة القيسي الب<span data-type=\"title\" id=toc-78>ص</span>ري.\nثقة ثقة قاله يحيى بن معين من السابعة توفي ١٦٥ هـ.\n[تقريب (ت ٢٦٢٧)].\n٧٤ - سويد بن عبد العزيز الدم<span data-type=\"title\" id=toc-77>ش</span>قي.\nضعيف جدًّا من كبار التاسعة توفي ١٩٤ هـ.\n[تقريب (ت ٢٧٠٧)].\n\n(ش)\n٧٥ - شعيب بن عمرو الأموي.\nترجم له البخاري في الكبير (٢/ ٢ / ٢١٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٣٥٠) وسكتا عنه وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٥٦).\n٧٦ - شهاب بن شرنفة [شريعة] المجاشعي.\nالمقرئ قال ابن ناصر الدين: بصري أدرك الحسن روى عنه ابن المبارك، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: شيخ صدوق.\n[الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٢)، الثقات (٦/ ٤٤٣)، توضيح المشتبه (٥/ ٣٢٢)، المؤتلف والمختلف (٣/ ١٤٢٠)].\n\n(ص)\n٧٧ - الصقعب بن زهير الأزدي الكوفي.\nثقة من السادسة [تقريب (ت ٢٩٦٢)].\n\n(ع)\n٧٨ - عامر الشعبي (ابن شراحيل).","vol":"1","page":127},{"text":"ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة وله نحو من ثمانين.\n[تقريب (ت ٣١٠٩)].\n٧٩ - عامر بن حفص التميمي (أبو اليقظان).\nالنسابة، سحيم وهو عامر بن الأسود من شيوخ المدائن. وخليفة بن خياط: كان عالمًا بالأخبار والأنساب والمآثر والمثالب.\nثقة فيما يرويه من الأخبار، غير ثقة في الحديث. توفي ١٧٠ هـ.\n[نزهة الألباب (١/ ٣٦٣ ت ١٤٧١)، الفهرست لابن النديم (١٥٧)، موضح أوهام الجمع والتفريق (٢ / ت ٢٤٣).\n٨٠ - عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي.\nقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وقال ابن حجر ضعيف من الثالثة.\n[التهذيب (٥/ ٨٦ / ت ١٦٥)، التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٣٢ / ت ١٥٩٤)، تقريب (ت ٣١٤٧)].\nوأما عباد بن عبد الله بن الزبير، فثقة من الثالثة ع [التقريب (ت ٣١٤٦)].\n٨١ - عبد الأعلى بن مسهر الغساني.\nثقة فاضل من كبار العاشرة أخرج له الستة.\n[تقريب (ت ٣٧٦٢)].\n٨٢ - عبد الأعلى بن منصور.\nلم نجد له ترجمة.\n٨٣ - عبد الأعلى بن ميمون بن مهران.\nذكره ابن حبان في الثقات سمع منه جعفر بن برقان أحاديث مراسيل وروى عنه عمرو بن الحارث.\n[الجرح والتعديل (٦ / ت ١٣٦)، الثقات (٧/ ١٢٩)].\n٨٤ - عبد الرحمن بن أبان بن عثمان الأموي المدني.\nثقة عابد مقل من السادسة أخرج له الأربعة.\n[تقريب (ت ٣٨١٦)].","vol":"1","page":128},{"text":"٨٥ - عبد الرحمن بن جندب الأزدي.\nترجم له البخاري في الكبير (٣/ ١ / ٢٦٨)، وذكره ابن حبان في الثقات، يروي عن محمد بن إسحاق (الثقات ٧/ ٦٩).\n٨٦ - عبد الرحمن بن صبيح الأزدي.\nذكره ابن حبان في الثقات والذي عند الطبري (ابن صبح) وهو تصحيف، والصحيح (ابن صبيح).\n[الجرح والتعديل (ت ١١٦٧)، الثقات (٦/ ٦١٢)].\n٨٧ - عبد الرحمن بن صالح الأزدي.\nقال أبو داود: ألف كتابًا في مثالب الصحابة، رجل سوء نزيل بغداد صدوق، يتشيع، من العاشرة توفي ٢٣٥ هـ.\n[تقريب (ت ٣٩٢٣)].\n٨٨ - عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان.\nصدوق تغير حفظه لما قدم بغداد من السابعة. خت فق ٤.\n[تقريب (ت ٣٨٧٥)].\n٨٩ - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.\nثقة إمام من السابعة توفي ١٥٧ هـ أخرج له الستة.\n[تقريب (ت ٣٩٨١)].\n٩٠ - عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني.\nسمع زياد بن جيل سمع منه إسحاق بن أبي إسرائيل، ترجم له ابن أبي حاتم دون جرح أو تعديل وكذلك البخاري وقال: حديثه في أهل اليمن. وذكره ابن حبان في الثقات.\n[الجرح والتعديل (٥/ ٣٨٠ / ت ١٧٧٨)، التاريخ الكبير (ت ١٥٢٥)، الثقات (٣٩٤/ ٨ ت ١٤٠٥١)].\n٩١ - عبد القاهر بن سري.\nقال ابن معين: صالح، وقال مغلطاي: من ولد قيس بن الهيثم السلمي. ذكره ابن خلفون في الثقات، وابن شاهين في الثقات، وقال يعقوب: كان منكر الحديث.\n[إكمال تهذيب الكمال (ت ٣٣٠٨)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٧ / ت ٣٠٤)].","vol":"1","page":129},{"text":"٩٢ - عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي (من شيوخ الطبري).\nذكره ابن حبان في ثقاته وقال: مستقيم الحديث.\nقلنا: وعند تتبعنا لرواياته عند ابن أبي حاتم وجدنا أكثر من ثلاثة من الرواة الثقات قد رووا عنه، وقال أبو حاتم في ترجمته: روى عنه علي بن الحسين بن الجنيد حافظ حديث الزهري ومالك، وقال الخطيب البغدادي في ترجمته: من أئمة الحديث سمع أباه و... إلخ. وقال أيضًا: وكان رحل مع أبيه ولقي عدة من شيوخه وقدم بغداد وحدث بها فروى عنه من أهلها أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو يحيى بن زكريا بن يحيى الناقد، وأبو حامد محمد بن هارون الحضرمي، وذكر الخطيب بإسناده إلى يحيى بن محمد الصاعد أن عبد الله بن أحمد بن شبويه حدثه سنة ٢٤٥ هـ. ونقل الخطيب عن أبي سعد الإدريسي أنه قال: عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي من أفاضل الناس ممن له الرحلة في طلب العلم، توفي سنة ٢٧٥ هـ.\n[تاريخ بغداد (٩/ ٣٧١ / ت ٤٩٤٦)، الثقات (٨/ ٣٦٦)، الجرح والتعديل (٥/ ٦ / ت ٢٧) والجرج (١/ ٩٦ - ٢٦٤ - ٣١٠)].\nوعلى ما يبدو فإن الأستاذ الفاضل خالد بن محمد الغيث فاته كلام الخطيب وابن حبان وإخراج ابن أبي حاتم لمروياته من طريقه في مناقب الإمام أحمد ولذلك اكتفى في كتابه القيم [مرويات خلافة معاوية، في ترجمة عبد الله هذا: أورده ابن حبان في ثقاته، ولذلك حكم على أسانيد الطبري في مسألة مبلغ الحسن مع معاوية ﵄ بأنها ضعيفة لأسباب سنذكرها في حينها بالإضافة إلى ما ذكرناه في عبد الله هذا.\nوهذا لا ينقص من قيمة كتابه [مرويات خلافة معاوية] بل يحتوي على أبحاث نفيسة سنذكرها في حينها إن شاء الله وسبحان من لا ينسى ولا يسهو.\n٩٣ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني.\nأخرج له الستة، وروى عن أنس بن مالك من الصحابة وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالمًا، توفي سنة خمس وثلاثين ووثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال أحمد: حديثه شفاء [الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٧)، تهذيب الكمال (١/ ٣٥١) ت ٣٢٩٠) الطبقات الكبرى (٩/ ٢٠٦)].","vol":"1","page":130},{"text":"٩٤ - عبد الله بن شوذب الخراساني.\nصدوق عابد من السابعة.\n[تقريب (ت ٣٤٥٨)].\n٩٥ - عبد الله بن صالح بن محمد الجهني (أبو صالح المصري).\nكاتب الليث، صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة [تقريب (ت ٣٤٠٩)].\nوعقب المحرران (بشار وشعيب) بقولهما: بل صدوق في حفظه شيء، حسن الحديث في المتابعات [تحذير (ت ٣٣٨٨)].\nقلنا: وقال الذهبي في الميزان: هو صاحب حديث وعلم وله مناكير.\n[ميزان الاعتدال (ت ٤٣٨٢)].\nوقد ذكر الحافظ مغلطاي أقوال العلماء فيه [إكمال (ت ٢٩٩٠)] ومن قبله شيخه المزي.\nوقال ابن عدي: وهو عندي مستقيم الحديث إلَّا أنه يقع في حديثه في أسانيده ومتونة غلط ولا يعتمد الكذب، وقد روى عنه يحيى بن معين كما ذكرت [الكامل (٥٨/ ١٥)].\n٩٦ - عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.\nلم نجد له ترجمة.\n٩٧ - عبد الله بن عطية (الكوفي).\nذكره ابن حبان في الثقات وسكت عنه أبو حاتم، وقال الحافظ في التقريب: مقبول من الخامسة (ت ٣٤٨٠).\n[الجرح والتعديل (٥ / ت ٦١٢)، الكبير (٣/ ١ / ١٦٣)، الثقات (٧/ ٣٥)]. وفرق البخاري بين عبد الله بن عطية الكوفي، وعبد الله بن عطية الخطاب، والذي ذكره ابن حبان في الثقات هو عبد الله بن عطية بن الخطاب وفي لسان الميزان عبد الله بن عطية العوفي لا يتابع على حديثه وأخوهما (أي أخو عبد الله والحسن) يقاربهما في الضعف.\n[لسان الميزان (٣/ ٣١٧ / ت - ١٣٠٦)].\nقلنا: والعجب من الحافظ ابن حجر إذ نقل كلام ابن عدي مبتورًا ولم يكمله وتمام كلام ابن عدي: وهذه الأسماء التي يذكرها البخاري ليس قصده فيه أنه","vol":"1","page":131},{"text":"يضعف هذه الأسامي التي يذكرها وإنما قصده فيه أن يذكر كل من اسمه عبد الله ممن روى المسند أو روى عن التابعين أو عن الصحابة أو روى الحرف أو الحرفين فيعزّ وجود روايات هؤلاء.\n[الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ٢٣٢ / ت ١٠٥٤)].\n٩٨ - عبد الله بن عون بن أرطبان.\nثقة ثبت فاضل من السادسة ع.\n[التقريب (ت ٣٥٣٠)].\n٩٩ - عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك.\nلم نجد له ترجمة.\n١٠٠ - عبد الملك بن عمير اللخمي.\nثقة من الرابعة تغير حفظه وربما دلَّس أخرج له الستة [التقريب (٤٢١٤)].\n١٠١ - عبد الملك بن قُريب (الأصمعي).\nصدوق سني من التاسعة توفي ٢١٦ هـ وقد قارب التسعين في عهد المأمون وهو نحوي أخباري عاصر الرشيد، وقال الذهبي في ترجمته: الإمام الحافظ العلامة حجة الأدب لسان العرب أبو سعيد عبد الملك بن قريب.\n[سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥ / ت ٣٢] [تقريب (٤٢١٩)].\n١٠٢ - عبد الملك بن نوفل العامري.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: مقبول من الثالثة. [تقريب (ت ٤٢٢٦)].\nروى عنه ابن عيينة. [الثقات (٧/ ١٥٧)].\n١٠٣ - عبيد الله بن الحر الجعفي.\nترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه سليمان بن يسار وعمر بن حبيب.\n[الثقات (٥/ ٦٦)، الجرح والتعديل (٥/ ٣١١) ت ١٤٧٩)].\n١٠٤ - عثمان بن عبد الرحمن الحراني الطرائفي المؤدب.\nروى عنه أبو كريب، وأحمد بن سليمان الرهاوي وأبو شعيب السوس، وُثِّق [الكاشف (٢/ ١٠ / ت ٣٧١٨)].","vol":"1","page":132},{"text":"١٠٥ - عروة بن الزبير.\nثقة فقيه مشهور من الثالثة توفي ٩٤ هـ. ع.\n[تقريب (ت ٤٥٧٧)].\n١٠٦ - عفان بن مسلم.\nقال أبو حاتم، ثقة متقن متين. وقال الذهبي: الحافظ الثبت. وقال ابن حجر: ثقة ثبت.\n[تقريب (ت ٤٦٤١)، ميزان (ت ٥٦٧٨)، الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣٠)].\n١٠٧ - علي بن رباج اللخمي.\nثقة من كبار الثالثة أخرج له مسلم والأربعة.\n[تقريب (ت ٤٧٣٢)].\n١٠٨ - علي بن مجاهد الكابلي.\nكذاب متروك من التاسعة.\n[تقريب (ت ٤٧٩٠)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٠٥)].\n١٠٩ - علي بن محمد المدائني (أبو الحسن) الأخباري [١٣٢ - ٢٢٥ هـ].\nقال الطبري: كان عالمًا بأيام الناس صدوقًا في ذلك، وقال ابن معين: ثقة ثقة ثقة. وقال الذهبي: العلامة الحافظ الصادق الأخباري. وقال أيضًا: صدوق. [سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٠١)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٥٣)، تاريخ بغداد (١٢/ ٥٥)].\n١١٠ - عمر بن بشير الهمداني [أبو هانئ].\nضعفه يحيى وقال ابن عمار: ضعيف، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء (ت ٢٤٤١).\n[لسان الميزان (٤/ ٢٨٧ / ٨٢٠)].\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه وجابر الجعفي أحبُّ إليَّ منه.\n[الجرح والتعديل (٦/ ١٠٠ / ت ٥١٨)].\nقلنا: والغريب أن الأستاذ الفاضل خالد الغيث اكتفى بقوله: أورده ابن حبان في الثقات [مرويات خلافة معاوية (٥٨ / ت ٨٠)، ولم يذكر تضعيف الأئمة له ولو ذكره لكان ذلك أقوى حجة له عندما ناقش مسألة استلحاق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه فالأستاذ لم يعلق على سند رواية الطبري هناك.","vol":"1","page":133},{"text":"أحمد بن زهير قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: ثنا عمرو بن هشام عن عمر بن بشير الهمداني عن أبي إسحاق أن زيادًا ... الخبر [تاريخ الطبري (٥/ ٢١٥)].\nولكنه قال في صفحة ٣٧٦: أما اتهام معاوية ﵁ باستلحاق نسب زياد فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك [مرويات خلافة معاوية (ص ٣٧٦)]، وهذا فصل قيم من كتاب الأستاذ غيث ولكن لو ذكر تضعيف الأئمة لعمر بن بشير الهمداني لكان أفضل وأولى في الحجة والله أعلم.\nأضف إلى ذلك فإن في الإسناد عبد الرحمن بن صالح الأزدي الرافضي الذي عرف بوضعه روايات في مثالب الصحابة ﵃ وهذا ما ذكره الأستاذ غيث في المقدمة في فصل التراجم.\nإضافة إلى عمرو بن هاشم وهو لين الحديث (كما ذكر الغيث أيضًا).\nورحم الله الحافظ ابن عدي فكم كان دقيقًا إذ قال في ترجمة عمرو بن هاشم هذا: وإذا حدث عن ضعيف كأن يكون فيه بعض الإنكار وهذا يعني أن هذا الإسناد مسلسل بالضعفاء.\nولو ذكر الأستاذ غيث ذلك لكان أقوى في حجته وجزاه الله خيرًا.\n١١١ - عمر بن شبه النميري [أبو زيد]: الأخباري النحوي.\nنزيل بغداد صدوق له تصانيف من كبار الحادية عشرة. توفي سنة ٢٦٢ هـ.\nوقد جاوز التسعين [تقريب / ت ٤٩١٨] وقال ابن حبان: مستقيم الحديث وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بتاريخ الناس [الثقات (٨/ ٤٤٦)].\n١١٢ - عمر بن صالح الأزدي (أبو حفص) البصري.\nيروي عن أبي حمزة قال النسائي: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث [الضعفاء والمتروكين للنسائي (١/ ٨٣ ت ٤٦٥)] ميزان الاعتدال [(٥/ ٢٤٨ / ت ٦١٤٩)].\n١١٣ - عمر بن قيس بن الماصر الكوفي.\nوثقه أبو حاتم وجماعة كما قال الذهبي روى عنه زائدة وابن عون وغيرهما.\nوقال ابن حجر: صدوق ربما وهم ورمي بالإرجاء من السادسة.\n[تقريب (ت ٤٩٥٨)، ميزان الاعتدال (٦١٩٥)].","vol":"1","page":134},{"text":"١١٤ - عمرو بن هاشم الكوفي (أبو مالك).\nلين الحديث أفرط فيه ابن حبان، قال ابن حجر: وقال ابن عدي: إذا حدث عن ثقة فهو صالح الحديث، وإذا حدث عن ضعيف كان يكون فيه بعض الإنكار وهو صدوق إن شاء الله.\nقلنا: وهو في تاريخ الطبري يروي عن عمر بن بشير الهمداني (ضعيف).\n[تقريب التهذيب (ت ٥١٢٦)، الكامل (ت ١٣٠٥)].\n١١٥ - عوانة بن الحكم الأخباري.\nالضرير أحد الفقهاء له كتاب في التاريخ، وكتاب سير معاوية وبني أمية وغير ذلك، وكان صدوقًا في نقله [سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٥١ / ت ٧٨)].\nوقال ابن حجر: الأخباري المشهور الكوفي، وقال أيضًا: وهو كثير الرواية عن التابعين وأكثر المدايني عنه، توفي سنة ١٤٧ هـ أو ١٥٧ هـ.\nوقال ابن النديم من علماء الكوفيين راوية للأخبار عالم بالشعر والنسب.\n[الفهرست (ص ١٥٣)، لسان الميزان (٤/ ٣٨٦ / ت ١١٦٧)].\nقلنا: ولقد عدّه شاكر مصطفى (الأستاذ) في كتابه التاريخ العربي والمؤرخون (١/ ١٢٦) من العلماء الذين شكلوا نواة مدرسة الشام التاريخية من جيل الأوزاعي وغيره.\nوقال شاكر: ونحن ندين لعوانة هذا بتسمية علم التاريخ فهو صاحب أول كتاب تاريخي يحمل اسم [كتاب التاريخ] في الإسلام. [التاريخ العربي (١/ ١٢٨)].\n١١٦ - عوف بن أبي جميلة الأعرابي البصري.\nثقة رمي بالقدر وبالتشيع من السادسة توفي سنة ست أو سبع وأربعين وله ست وثمانون أخرج له الستة.\n[تقريب / (ت ٥٢١٥)].\n١١٧ - عيسى بن عاصم الأسدي الكوفي.\nثقة من السادسة. [تقريب (ت ٥٣٠٢)].\n١١٨ - عياش بن عبد الله الهمداني.","vol":"1","page":135},{"text":"عن عمرو بن سلمة ما روى عنه سوى ولده عبد الله المسو<span data-type=\"title\" id=toc-81>ف </span>الأخباري الذي عاصر المنصور.\n[لسان الميزان (ت ١١٨٤)، الجرح والتعديل (٧/ ٥ / ٢١)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>(غ)</span>\n١١٩ - غالب بن خطاف القطان.\nوثقه النسائي وابن معين وابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال ابن حجر: صدوق من السادسة.\n[الكاشف (٢/ ٣٢١)، التقريب (ت ٥٣٦٣)].\n١٢٠ - غالب بن سليمان العتكي (أبو صالح) الخراساني.\nأصله من البصرة ثقة من السابعة [تقريب (ت ٥٣٤٧)].\n١٢١ - غسان بن مضر الأزدي (أبو مضر) البصري.\nثقة من الثامنة توفي ١٨٤ هـ.\n[ميزان الاعتدال (ت ٦٦٦٥)، تحرير التقريب (ت ٥٣٦٠)].\n١٢٢ - غيلان بن محمد.\nشيخ معمر بن المثنى كما عند الطبري وهو كذلك عند البخاري إذ قال: حدثني يحيى بن محمد بن أعين حدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى ثنا غيلان بن محمد اليافعي عن عبد الرحمن بن جوش.\n[التاريخ الصغير (١/ ٩٣ / ت ٣٧٦)].\n\n(ف)\n١٢٣ - الفضل بن سويد.\nقال أبو حاتم: ليس بالمشهور ولا أرى بحديثه بأسًا وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ: مقبول. وقال في اللسان: قواه أبو حاتم وقال: ليس بالمشهور ولا أرى بحديثه بأسًا.\nقلنا: ولو قال الحافظ لا بأس به لكان أقرب في حق الفضل بن سويد هذا والله أعلم.","vol":"1","page":136},{"text":"[اللسان (ت ٤٣٦٩)، ت<span data-type=\"title\" id=toc-82>ق</span>ريب (ت ٥٤٠٤)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٦)، الثقات (٧/ ٣١٨)].\n١٢٤ - الفضل بن عطية بن عمرو المروزي.\nصدوق ربما وهم من السادسة.\n[التقريب (ت ٥٤٥٩)].\n١٢٥ - فضيل بن خديج.\nروى عنه أبو مخنف، وقال أبو حاتم: جهول روى عنه رجل مترو<span data-type=\"title\" id=toc-83>ك </span>الحديث.\n[الجرح والتعديل (٧/ ٧٢)].\n١٢٦ - فليح بن سليمان الأسلمي الخزاعي (أبو يحيى) المدني.\nويقال: فليح لقب واسمه عبد الملك، صدوق كثير الخطأ من السابعة أخرج له الستة. وقال ابن عدي: يروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة مثل أبي النضر وغيره، أحاديثه مستقيمة وغرائب وقد اعتمده البخاري في صحيحه وروى عنه الكثير وقد روى عنه زيد بن أبي أنيسة وهو عندي لا بأس به.\n[الكامل في الضعفاء (ت ١٥٧٥)].\n١٢٧ - فيل مولى زياد بن أبيه.\nترجم له ابن أبي حاتم وذكر عنه راويين (حماد بن زيد ومحمد بن الزبير)].\n[الجرح والتعديل (٧/ ٧٢ / ٥٥٩)].\n\n(ق)\n١٢٨ - قبيصة بن جابر الأسدي (أبو العلاء) الكوفي.\nثقة من الثانية مخضرم توفي سنة ٦٩ هـ.\n[تقريب / (ت ٥٥١٠)].\n\n(ك)\n١٢٩ - كثير بن زياد البرساني (أبو سهل) بصري.\nنزل بلخ ثقة من السادسة.\n[التقريب / (ت ٥٦١٠)].","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>(ل)</span>\n١٣٠ - لبطة بن الفرزدق (أبو غالب ال<span data-type=\"title\" id=toc-85>م</span>جاشعي).\nذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عنه سفيان بن عيينة والقاسم بن الفضل وقال الحافظ في اللسان في ترجمة أبيه الفرزدق -: ذكر ابن حبان في الثقات ابنه لبطة بن الفرزدق فقال: يروي عن أبيه وترجم له البخاري وسكت عنه [التاريخ الكبير (٤/ ١ / ٢٥١) ت ١٠٧٠]، الثقات (٧/ ٣٦١)، لسان الميزان (ت ١٣٢٣)].\n\n(م)\n١٣١ - مبارك بن فضالة. (خت د ت ق).\nصدوق يدلس ويسوي من السادسة توفي سنة ١٦٦ هـ. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عنه ابن المبارك ووكيع وكان يخطئ.\n[تقريب (ت ٦٤٦٤)، الثقات (٧/ ٥٠٢)].\n١٣٢ - مجالد بن سعيد الهمداني (أبو عمرو) الكوفي.\nليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره روى له مسلم مقرونًا بغيره، وقال في [للسان: ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال مرة: ثقة، توفي ١٤٤ هـ أخرج له الأربعة وقال الذهبي: مشهور صاحب حديث على لين فيه، وقال: الهيثمي في المجمع: تكلم فيه ووثق.\n[لسان الميزان (ت ٥٢٨٦)، تحرير التقريب (ت ٦٤٧٨)، ميزان الاعتدال (ت ٧٠٧٥)].\n١٣٣ - محارب الزيادي (أبو مسلمة بن محارب).\nترجم له ابن أبي حاتم وقال: روى عن معاوية، روى عنه ابن مسلمة وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٥٢) [الجرح والتعديل (٤ / ت ١٩٠٠)].\n١٣٤ - محل بن خليفة الكوفي.\nثقة من الرابعة أخرج له البخاري والنسائي وغيرهما.\n[تقريب (ت ٦٥٠٨)].","vol":"1","page":138},{"text":"١٣٥ - محمد بن أبان الطحان الواسطي.\nصدوق تكلم فيه من العاشرة، أخرج له البخاري توفي ٢٣٨ هـ وقال أبو حاتم: ليس هو بقوي الحديث يكتب حديثه وضعفه ابن معين، وقال الذهبي: محدث شهير، وقال الأزدي: ليس بذاك، وقال ابن حبان في الثقات: ربما أخطأ وكان أسند من بقي بواسط، روى عنه أبو يعلى الموصلي والباغندي.\n[ميزان الاعتدال (ت ٧١٣٣)، تقريب التهذيب (ت ٥٦٨٨)، من روى عنهم البخاري في الصحيح (٢٠٧)، الثقات (٩/ ٨٧)].\n١٣٦ - محمد بن إبراهيم بن أبي عدي.\nوثقه النسائي وابن سعد وأبو حاتم وابن حبان وروى له الجماعة.\n[الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٨٦)، تهذيب الكمال (ت ٥٦٢٩)، الثقات (٧/ ٤٤٠)].\n١٣٧ - محمد بن إسحاق بن يسار.\nإمام في المغازي نزيل العراق صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة مات سنة ١٥٠ هـ. م ٤. هذا قول الحافظ ابن حجر.\nوخلاصة القول فيه: أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث ولم يعنعن والله أعلم.\n[تقريب التهذيب (٥٧٤٣)].\n١٣٨ - محمد بن حفص التميمي.\nترجم له ابن أبي حاتم، وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٦٢).\n[الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٦ / ت ١٢٩٦)].\n١٣٩ - محمد بن حميد الرازي.\nشيخ الطبري في التاريخ والتفسير، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة في رواية منه، وقال أحمد: أما حديثه عن المبارك وجرير فهو صحيح، وأما حديثه عن أهل الري فهو أعلم .. وضعفه جمهور المحدثين كالبخاري والنسائي ويعقوب بن شيبة وقال: كثير المناكير واتهمه النسائي وغيره بالكذب، وقال الترمذي: كان محمد (أي: البخاري) حسن الرأي فيه ثم ضعفه بعد.\nوقال ابن حجر في التقريب: حافظ ضعيف.","vol":"1","page":139},{"text":"[التاريخ الكبير (١/ ١٦٧)، الجرح والتعديل (٧ / ت ١٢٧٥)، تهذيب الكمال (/ ٢٥ ت ٦١٦٧) تحرير التقريب (٣ / ت ٥٨٣٤).\n١٤٠ - محمد بن الزبير الحنظلي البصري.\nمتروك من السادسة. [التقريب / ت ٥٨٨٥].\n١٤١ - محمد بن السائب بن أبي النضر الكوفي الكلبي.\nالنسابة، المفسر متهم بالكذب، ورمي بالرفض من السادسة توفي ١٤٦ هـ.\n[التقريب (ت ٥٩١)].\n١٤٢ - محمد بن سعد بن رفيع.\nنزيل بغداد كاتب الواقدي. قال الخطيب: البغدادي ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير رواياته، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: يصدق، وقال ابن ججر: صدوق - فاضل من العاشرة توفي ٢٣٠ هـ وهو ابن اثنتين وستين.\n[التقريب (ت ٥٩٠٣)، تاريخ بغداد (٥/ ٣٢١)، الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٦٢)].\n١٤٣ - محمد بن سلام الجمحي.\nشيخ ابن شبة، من أئمة الأدب، قال صالح بن جرزة: صدوق، وقال أبو خيثمة: لا يكتب عنه الحديث إنما يكتب عنه الشعر، توفي ٢٣١ هـ.\n[لسان الميزان / ت ٧٤٧٩].\n١٤٤ - محمد بن سليم أبو هلال العبدي البصري.\nالنازل في راسب، وثقه أبو داود، وقال أبو حاتم: محله الصدق، ليس بذاك المتين، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن معين: صدوق يرمى بالقدر، وقال ابن حبان: والذي أميل إليه في أبي هلال الراسبي: ترك ما انفرد به من الأخبار التي خالف فيها الثقات والاحتجاج بما وافق الثقات وقبول ما انفرد من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات التي ليس فيها مناكير.\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق فيه لين من السادسة.\nقلنا: والقول ما قاله ابن حبان فيه والله أعلم.\n[تقريب التهذيب (ت ٥٩٢٣)، الكامل (٦ / ت ١٦٨٥)، المجروحين (٢/ ٢٨٣)، الميزان (ت ٧٦٥٢)].","vol":"1","page":140},{"text":"١٤٥ - محمد بن طلحة بن مصرف.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطئ، توفي ١٧٦ هـ.\n[الثقات (٧/ ٣٨٨)].\n١٤٦ - محمد بن عبد الرحمن بن مغيرة بن أبي ذئب القرشي.\nثقة فقيه فاضل من السابعة توفي ١٥٨ هـ. أخرج له الستة.\n[التقريب (ت ٦٠٨٢)].\n١٤٧ - محمد بن عمر الواقدي.\nقاضي بغداد، توفي سنة ٢٠٧ هـ. قال البخاري: سكتوا عنه تركه أحمد وابن نمير وقال أحمد: هو كذاب، وقال ابن عدي: ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة.\nوقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه.\n[التقريب (ت ٦١٧٥)، الكبير (١/ ١ / ١٧٨)، الكامل (٦/ ٢٤١ / ١٧١٩)، تهذيب الكمال (٢٦ / ت ٦١٥١)، الضعفاء والمتروكين (٢١٧ / ت ٥٥٧).\n١٤٨ - محمد بن أبي عيينة.\nذكره ابن حبان في الثقات وقال كان شاعرًا هجاءً يروي الحكايات، ليس من أهل العلم الذي يرجع إلى روايته.\nوترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه.\n[الثقات (٧/ ٤١٨)، الجرح والتعديل (٨ / ت ٩٤).\n١٤٩ - محمد بن الفضل بن عطية العبدي.\nنزيل بخارى كذبوه حتى الثامنة توفي ١٨٠ هـ. أخرج له الترمذي وابن ماجة.\n[التقريب (ت ٦٢٢٥)].\n١٥٠ - محمد بن المثنى أبو موسى.\nأخرج له الستة. توفي سنة ٢٥٢ هـ، وثقه ابن معين، وقال الذهلي: حجة.\nوقال أبو عروبة الحراني: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى ويحيى بن حكيم، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا احتج سائر الأئمة بحديثه.\n[تهذيب الكمال (٢٦ / ت ٦١٧٩)، الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٩٥)، تاريخ بغداد (٣/ ٢٨٦)].","vol":"1","page":141},{"text":"١٥١ - محمد بن مخنف.\nعن علي ﵁، مجهول.\n[لسان الميزان (ت ١٢٢٠)].\n١٥٢ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.\nالحافظ متفق على جلالته وإتقانه وهو من رؤوس الطبقة الرابعة توفي ١٢٥ هـ، وقيل قبل ذلك. أخرج له الستة. [التقريب (ت ٦٢٩٦)].\nقلنا: ولقد دخل الزهري على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بعد وفاة الخليفة عبد الله بن الزبير، وعاصر عبد الملك ومن بعده وأشار عليهم ونصحهم، وآخر من جاور من الخلفاء أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ذلك الخليفة الحازم رحمه الله تعالى.\n١٥٣ - محمد بن يحيى (أبو غسان) المدني الكناني.\nثقة. لم يصب السليماني في تضعيفه من العاشرة خ.\n[التقريب / (ت ٦٣٩٠)].\n١٥٤ - مخلد بن الحسين المهلبي الأزدي.\nثقة من كبار التاسعة توفي سنة ٢٩١ هـ.\n[التقريب (ت ٦٥٣٥)].\n١٥٥ - مزاحم بن زفر بن الحارث.\nالذي قاتل مع قتيبة فيما وراء النهر، وثقه ابن معين، وقال ابن حبان: كان من خير الرجال كان غازيًا مع قتيبة بن مسلم.\n[الثقات (٧/ ٥١١)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٠٥)].\n١٥٦ - مسلم بن عبد الرحمن الجرمي.\nترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه.\n[الجرح والتعديل (٨/ ١٨٨)].\n١٥٧ - مسلم العجلي.\nله ترجمة في التاريخ الكبير (٤/ ١ / ٢٦٩)، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٩٨).\n١٥٨ - مسلمة بن محارب الزيادي.\nشيخ المدائن الذي أكثر عنه في تاريخ الخلافة أيام بني أمية، وترجم له ابن","vol":"1","page":142},{"text":"أبي حاتم وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات.\n[الجرح والتعديل (٨/ ٢٦٦)، الثقات (٧/ ٤٩٥)].\nقلت (البرزنجي): وكان يحزُّ في نفسي أن أرى كثيرًا من روايات الطبري وغيره من طريق المدائني عن مسلمة بن محارب هذا ولم أجد من يزكيه فيما بين أيدينا من المصادر، وحتى الدراسات الجامعية في التاريخ الإسلامي اكتفى أصحابها بقولهم: [ذكره ابن حبان في الثقات]، حتى فتح الله عليَّ في ليلة من ليالي القدر المبارك وأنا أقرأ كلامًا للحافظ الذهبي وهو يتحدث عن أخباري غير ثقة فنقل أثناء ترجمته كلامًا أظنه للحافظ المزي ﵀ فيه توثيق لروايات مسلمة بن محارب في التاريخ إذ قال الذهبي:\nغمزهم الحافظ ثم قال: من أراد الأخبار فليأخذها من مثل قتادة وأبي عمرو بن العلاء - ثم سرد أسماءهم إلى أن قال -: وأبي عبيدة، ومسلمة بن المحارب، وخلاد بن زيد .. إلخ فإنهم مأمونون.\n[ميزان الاعتدال (ت ٦٩٨٨)].\nوهذا الكلام والتوثيق بالنسبة لنا يعدل ذهبًا وجزى الله الذهبي عنَّا خير الجزاء.\n١٥٩ - مصعب بن حيان النبطي (أخو مقاتل) البلخي.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: لين الحديث، وقال في تهذيب التهذيب: صدوق فاضل أخطأ الأزدي في زعمه أن وكيعًا كذبه وإنما كذب الذي بعده. [تهذيب التهذيب (١٠/ ١٤٥ / ت ٣٠٣)، التقريب (ت ٦٦٨٧)، الثقات (٧/ ٤٧٩)].\n١٦٠ - معاوية بن قرة.\nثقة أخرج له الستة.\n[تهذيب الكمال (ت / ٦٦٥١)].\n١٦١ - معبد بن خالد الجدلي.\nثقة عابد من الثالثة توفي سنة ١١٣ هـ.\n[التقريب (ت ٦٧٧٤)].\n١٦٢ - معمر بن راشد البصري الأزدي أبو عروة.\nنزيل اليمن كما ثقة ثبت فاضل من كبار السابعة توفي ١٥٤ هـ. ع.\n[التقريب (ت ٦٨٠٩)].","vol":"1","page":143},{"text":"١٦٣ - المفضل ب<span data-type=\"title\" id=toc-86>ن </span>فضالة بن عبيد بن ثمامة القتباني (أبو معاوية).\nالقاضي المصري. ثقة فاضل أخطأ ابن سعد في تضعيفه من الثامنة توفي ١٨١ هـ. ع.\n[التقريب (ت ٦٨٥٨)].\n١٦٤ - المفضل بن محمد الضبي.\nقال أبو حاتم: متروك الحديث والقراءة، وقال الخطيب: كان أخباريًا كلامه موثقًا.\n[لسان الميزان (٦/ ٨١)].\n١٦٥ - المفضل بن مهلب الضبي.\nتابعي ذكره ابن حبان في الثقات.\n[٥/ ٤٣٦ / ت ٥٥٨٥] [لسان الميزان (ت ٨٥٩٧)].\n١٦٦ - مقاتل بن حيان النبطي.\nضعفه ابن خزيمة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الدارقطني: صالح الحديث ووثقه أبو داود وابن معين. وقال ابن حجر: صدوق فاضل.\n[ميزان الاعتدال (ت ٨٧٤٥)، إكمال تهذيب الكمال (ت ٤٧٢٢)].\n١٦٧ - موسى بن عبد الرحمن بن سعيد المسروفي (أبو عيسى) الكوفي.\nثقة من كبار الحادية عشرة. توفي ٢٥٨ هـ.\n[التقريب (ت ٦٩٨٧)].\n١٦٨ - ميمون بن مهران الجزري (أبو أيوب) الكوفي.\nنزل الرقة، ثقة فقيه من الرابعة، توفي ١١٧ هـ وكان يرسل: [التقريب (ت ٧٠٩٨)].\n\n(ن)\n١٦٩ - النضر بن صالح بن حبيب العبسي (أبو زهير).\nيروي عن سنان بن مالك، روى عنه أبو مخنف، قال أبو حاتم: النضر وسنان مجهولان.\n[الجرح والتعديل (٨/ ٤٧٧)].","vol":"1","page":144},{"text":"١٧٠ - نوح بن قيس بن رباح الأزدي (أبو روح).\nصدوق رمي بالتشيع من الثامن<span data-type=\"title\" id=toc-87>ة</span>.\n[التقريب (ت ٧٢٥٨)].\n\n(هـ)\n١٧١ - هارون بن عيسى.\nلم يبين الطبري كنيته ولا نسبه ولا لقبه.\nوالذي في كتب التراجم بهذا الاسم اثنان:\nأ - هارون بن عيسى الهاشممي الذي قال فيه الدارقطني: ليس بالقوي. [لسان الميزان (ت ٨٩٤٢)].\nب - والآخر هارون بن عيسى بن هليل له عند الطبراني حديث واحد [المعجم الصغير للطبراني (ح ١٢٢٥)].\n[توضيح المشتبه (٨/ ٢٦٦)].\n١٧٢ - هشام بن حسان الأزدي (أبو عبد الله البصري).\nقال ابن المديني: كان يحيى وكبار أصحابنا يثبتون هشام بن حسان، وكان يحيى يضعف حديثه عن عطاء، وثقه ابن سعد وابن معين. وقال مرة أخرى: لا بأس به، وقال الذهبي: هشام بن قفز القنطرة واستقر توثيقه، واحتج به أصحاب الصحاح. وله أوهام في بحر ما روى.\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٦٢)، تهذيب الكمال (٣٠/ ٩٠ / ت ٧١٧٢)].\n١٧٣ - هشام بن سعد المدني (أبو عباد).\nصدوق له أوهام ورمي بالتشيع، من كبار السابعة.\nوقال مغلطاي: ذكره العقيلي وأبو العرب وابن الجارود وابن السكن والفسوي وأبو بشر الدولابي في جملة الضعفاء.\nوقال ابن معين: ضعيف وحديث مختلط.\nقلنا: والذي يراجع أقوال العلماء فيه كما ذكرها العلامة مغلطاي يتبين له أنه إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. والله أعلم.\n[إكمال تهذيب الكمال (١٢ / ت ٤٩٤٧)، تقريب التهذيب (ت ٧٣٢٠)].","vol":"1","page":145},{"text":"١٧٤ - هشام بن محمد بن السائب الكلبي (أبو المنذر).\nقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة، وقال ابن معين: غير ثقة وليس عن مثله يروى الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن أبيه، ومعروف مولى سليمان، والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها.\nوقال أيضًا: وكان غاليًا في التشيع أخباره في الأغلوطات أشهر من أن تحتاج إلى الإغراق في وصفها.\nوقال الذهبي: تركوه كأبيه وكانا رافضيين.\n[لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٤)، المجروحين (٣/ ٩١)].\n١٧٥ - الهلواث الكلبي المدائني (أبو الربيع).\nالذي يروي عن سعيد بن جبير، وعنه الثوري، فقد ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه.\n[الجرح والتعديل (٩/ ١٢٢ / ت ٥١٨)].\n١٧٦ - همام بن غالب (الفرزدق).\nالشاعر التميمي، ولد في خلافة سيدنا عمر، وتوفي سنة ١١٠ هـ ضعفه ابن حبان وقال: كان قذافًا للمحصنات فيجب مجانبة روايته.\n[لسان الميزان (٤/ ٤٣٣)].\n١٧٧ - همام بن منبه الصنعاني.\nثقة من الرابعة، توفي سنة (١٣٢) هـ على الصحيح.\n[التقريب (ت ٧٣٦٧)].\n١٧٨ - الهيثم بن عدي الطائي.\nقال البخاري: ليس بثقة، كان يكذب، وقال كذلك: سكتوا عنه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي، وقال أبو داود: كذاب، وكذلك قال العجلي. [تاريخ الثقات (/ ٤٦٢ / ت ١٧٥٧)، الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٨٥)، التاريخ الكبير (٤/ ٢ / ٢١٨)، لسان الميزان (٧/ ٢٩٦/ ت ٩٠٥٦)].","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>(و)</span>\n١٧٩ - الول<span data-type=\"title\" id=toc-89>ي</span>د بن هشام القحذمي.\nذكره ابن حبان في الثقات كما قال ابن حجر. وقال الذهبي في الميزان: ثقة وفرّق بينه وبين الوليد بن هشام بن الوليد المجهول.\n[ميزان الاعتدال (ت ٩٤١٥)، لسان الميزان (٦/ ٨١٠)].\n١٨٠ - وهب بن جرير بن حازم (أبو العباس البصري) الأزدي.\nوثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حجر: ثقة من التاسعة أخرج له الستة، وقال الذهبي: ثقة حافظ حديثه في الكتب ضعّف في شعبة. [الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد (/ ١٨٨ / ت ٨٤)].\n\n(ي)\n١٨١ - يحيى بن زكريا (ابن أبي زائدة) الهمداني.\nوثقه أحمد وغيره وقال أبو حاتم: صدوق ثقة توفي ١٨٠ هـ.\nوقال ابن حجر: ثقة متقن من كبار التاسعة ع.\n[الجرح والتعديل (٩ / ت ٦٠٩)، التقريب (ت ٧٥٧٥)].\n١٨٢ - يزيد بن أبي حبيب المصري.\nثقة فقيه، وكان يرسل، من الخامسة، توفي ١٢٨ هـ وقد قارب الثمانين. ع.\n[التقريب (ت ٧٧٢٩)].\n١٨٣ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي،\nقال الخطيب: كان حافظًا متقنًا صنف المسند ووثقه ابن حبان والنسائي وقال أبو حاتم: صدوق.\n[تهذيب الكمال (١٣/ ٣٣٢ / ت ٧٦٨٣)، ثقات ابن حبان (٩/ ٢٨٦)، الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٠٢)].\n١٨٤ - يونس بن يزيد بن أبي النجّاد الأيلي.\nثقة إلَّا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ. من كبار السابعة. ع.\n[التقريب (ت ٧٩٤٨)].\n* * *","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90><span data-type=\"title\" id=toc-91>ا</span>لكنى</span>\n(أ)\n١٨٥ - أ<span data-type=\"title\" id=toc-92>ب</span>وإسحاق السبيعي (عمرو بن عبد الله الهمداني).\nثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة ١٢٩ هـ، وقيل قبل ذلك. ع. [التقريب (ت ٥٠٦٥)].\n\n(ب)\n١٨٦ - أبو بردة بن أبي موسى الأشعري.\nثقة من الثالثة. توفي ٦٠٤ هـ، وقد جاوز الثمانين. ع.\n[التقريب (ت ٧٩٨١)].\n١٨٧ - أبو بكر بن أبي سبرة.\nرموه بالوضع، وقال مصعب الزبيري: كان عالمًا، من السابعة.\n[تحرير التقريب (٧٩٧٣)، التقريب (ت ٨٠٠٢)].\n١٨٨ - أبو بكر بن عياش الكوفي المقرئ.\nثقة عابد إلَّا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة توفي ١٩٤ هـ، وقد قارب المئة، روايته في مقدمة مسلم.\nوقال الذهبي: أحد الأئمة الأعلام صدوق ثبت في القراءة لكنه في الحديث يغلط ويهم، وقد أخرج له البخاري وهو صالح الحديث.\n[ميزان الاعتدال (ت ١٠٠١٦)، التقريب (ت ٨٠٤٢)].\n١٨٩ - أبو بكر الهذلي.\nأخباري متروك الحديث من السادسة، توفي سنة ١٦٧ هـ.\n[التقريب (ت ٨٠٣١)].","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>(ح)</span>\n١٩٠ - أبو حف<span data-type=\"title\" id=toc-95>ص </span>الأزدي (عمر بن صالح).\nالذي حدث عن أبي جمرة نصر بن عمران بموضوعات، كناه<span data-type=\"title\" id=toc-94> س</span>ليمان بن عبد الرحمن الدمشقي والبخاري.\n[إكمال تهذيب الكمال (ت ١٧٥٢)].\n\n(س)\n١٩١ - أبو السري (الأزدي، الأودي) ثابت بن زيد.\nروى عنه يحيى بن سعيد القطان.\nقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في جملة الثقات، وقال: روى عنه يحيى بن سعيد القطان، وقال ابن حجر: ضعيف من الثامنة. وقال الذهبي: أبو السري الأزدي لين.\n[المقتنى في سرد الكنى (١/ ٢٩٨ / ت ٢٤٨٠)، إكمال تهذيب الكمال (ت ٨٧١)، التقريب (ت ٨٣٥)].\nوأما أبو السري؛ الذي هو هناد بن السري فثقة من العاشرة.\n[التقريب (ت ٧٣٤٦)].\n١٩٢ - أبو السوار العدوي البصري (حسان بن حديث) أو حريف.\nثقة من الثانية خ م س.\n[التقريب (ت ٨١٨٧)].\n\n(ص)\n١٩٣ - أبو صادق الأزدي.\nقال الحافظ: صدوق، وحديثه عن علي مرسل، من الرابعة، أخرج له النسائي وابن ماجة، وقال الذهبي في الكاشف: وُثق.\n[التقريب (ت ٨٢٠٣)، الكاشف (٣/ ٣٠٧ / ت ٢٢٠)].\n١٩٤ - أبو صفوان (عبد الله بن سعيد الأموي).","vol":"1","page":150},{"text":"روي<span data-type=\"title\" id=toc-96> ع</span>نه أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، وابن المديني، روي عن سعيد بن عبد الملك بن مروان، وثقه ابن حبان والدارقطني وابن معين.\n[تهذيب الكمال (ت ٣٢٠٦)].\n\n(ع)\n١٩٥ - أبو عبيد (القاسم بن سلام) البغدادي.\nالإمام المشهور ثقة فاضل مصنف من العاشرة، توفي ٢٢٤ هـ.\n[التقريب (ت ٥٤٩٧)].\n١٩٦ - أبو عبيدة (معمر بن المثنى).\nصدوق أخباري رمي برأي الخوارج، من السابعة، توفي سنة ٢٠٨ هـ وقد قارب المئة.\n[التقريب (ت ٦٨١٢)].\n١٩٧ - أبو عمرو المدني.\nلم ندر من هو.\nوقال الأستاذ محمد خالد الغيث: لعلّه سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.\nصدوق. صحيح الكتاب يخطيء من حفظه.\n[انظر مرويات خلافة معاوية (ص ٥٢ / ت ٤١) والله أعلم.\n١٩٨ - أبو العلاء التميمي.\nلعله أيوب بن أبي مسكين، يروي عن سعيد المقبري، وعبد الله بن شيبة.\nيروي عنه يزيد بن هارون.\nوثقه غير واحد (مسلم والنسائي وابن سعد وأحمد) وقال أبو حاتم: لا بأس به شيخ صالح يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوقال الحافظ: صدوق له أوهام. والذي عند الطبري أبو العلاء التيمي، والله أعلم.\n[إكمال تهذيب الكمال (ت ٦٢٤)، تحرير التقريب (ت ٦٢٣)، التقريب (ت ٦٢٤)].","vol":"1","page":151},{"text":"١٩٩ - أبو عوانة (وضاح بن عبد الله اليشكري).\nثقة ثبت<span data-type=\"title\" id=toc-98> م</span>ن السابعة. ع. وقال الذهبي: مجمع علي ثقته.\n[التقريب (ت ٧٤٣٤)، الميزان (ت ٩٣٥٠)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>(غ)</span>\n٢٠٠ - أبو غسان (مالك بن إسماعيل) النهدي.\nثقة صحيح الكتاب من صغار التاسعة. توفي ١٢٧ هـ.\nوقال ابن عدي: وهو في نفسه صدوق، وإذا حدّث عن صدوق مثله أو حدث عنه صدوق فلا بأس به وبحديثه.\n[الكامل (ت ٢١٣٦)، تحرير التقريب (ت ٦٣٢٤)].\n\n(م)\n٢٠١ - أبو محمد الأموي.\nلم يبين الطبري من هو.\nوقال الأستاذ محمد الغيث: لعله إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، تابعي ثقة توفي في المدينة في أول خلافة بني العباس.\n[مرويات خلافة معاوية (ص ٦١)].\n٢٠٢ - أبو محمد الثقفي.\nإن كان هارون بن أبي إبراهيم الذي يروي عن عمر بن عبد العزيز: وعنه وكيع وأبو نعيم، فقد وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم.\n[الجرح والتعديل (٩/ ٩٦)، تهذيب الكمال (ت ٦٥٣٤)].\nوإلّا فلا ندري من هو.\n٢٠٣ - أبو مخنف (لوط بن يحيى).\nقال أبو حاتم: متروك. وقال الدارقطني: أخباري ضعيف، وقال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم، وقال الذَّهبي: ساقط، وقال أيضًا: أخباري تالف لا يوثق به.\n[الجرح والتعديل (٧/ ١٨٢)، المغني في الضعفاء (ت ٥١٢١)، لسان","vol":"1","page":152},{"text":"الميزا<span data-type=\"title\" id=toc-99>ن </span>(٤/ ٤٩٢) ميزان الاعتدال (٣/ ٤١٩)، سير أعلام النبلاء (/ ٧/ ٣٠١ ت ٩٤)].\n٢٠٤ - أبو معاوية (محمد بن خازم).\nتقة، من السابعة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره، وقال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره اضطراب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان حافظًا متقنًا.\n[الثقات (٧/ ٢٤١)، تاريخ الخطيب (٥/ ٢٤٨)، العلل ومعرفة الرجال (١/ ٥٤١ / ت ١٢٨١). التقريب (ت ٥٨٥٩)].\n٢٠٥ - أبو معشر (نجيح بن عبد الرحمن السندي).\nقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي -وذكر مغازي أبي معشر فقال-: كان أحمد بن حنبل يرضاه ويقول: كان بصيرًا بالمغازي وقد تحدث الناس عن حديثه في المغازي -هشام ونافع وابن المنذر- وقال أبو زرعة: كان حافظًا كيسًا وحدث عنه عبد الرحمن بن مهدي.\nوقال الحافظ: ضعيف من السادسة أسنَّ واختلط، توفي ١٧٠ هـ أخرج له الأربعة.\n[التقريب (ت ٧١٢٦)، تهذيب الكمال (ت ٦٣٨٦)].\n\n(ن)\n٢٠٦ - أبو نعامة العدوي (عمرو بن عيسى البصري).\nقال الحافظ في التقريب: صدوق اختلط.\nفعقب الشيخان المحرران (شعيب وبشار) بقولهما (في تحرير التقريب): ضعفه ابن سعد وحده، ولم يصفه أحد بالاختلاط قبل موته غير أحمد لذا مرَّضه الذهبي بقوله: قيل تغيّر بأخرة. اهـ.\nقلنا: والذي في ميزان الاعتدال: وروي الأثرم عن أحمد: ثقة لكنه اختلط قبل موته ولم نجد صيغة التمريض في الميزان ولا في الكاشف فلعله في موضع آخر. والله أعلم.\nوأما التضعيف فهو كما قالا: لم يضعفه سوى ابن سعد والله أعلم.\nوقال العلامة مغلطاي: خرج أبو عوانة حديثه في صحيحه وكذلك الدارمي","vol":"1","page":153},{"text":"وابن الجارود والحاكم، وذكره ابن شاهين وابن خلفون في الثقات، وضعفه ابن سعد.\nويبدو أن المحررين (شعيب وبشار) استندا إلي شرح مغلطاي، وقولهما أصوب من قول الحافظ في هذه الترجمة، والله أعلم.\n[إكمال تهذيب الكمال (ت ٤١٦٠)، التقريب (ت ٥١٠٥)، تحرير التقريب (ت ٥٥٨٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الأبناء</span>\n٢٠٧ - ابن جعدبة.\nيزيد بن عياض بن جعدبة الليثي أبو الحكم المدني، انتقل إلي البصرة ومات بها في زمن المهدي.\nوقال أبو حاتم والبخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي: كذاب.\n[تهذيب الكمال (ت ٧٠٣٥)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الألقاب</span>\n٢٠٨ - الأشجعي (عبيد الله بن عبيد الرحمن)\nثقة مأمون من أثبت الناس كتابًا في الثوري، من كبار التاسعة.\n[التقريب (ت ٤٣٤٧)].\n٢٠٩ - الهذلي.\nهو أبو بكر الهذلي الأخباري المتروك (انظر رقم ١٨٩).\n* * *","vol":"1","page":154},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[مقدمة الطبري]</span>\nالحمد لله الأوّلِ قبل كلِّ أوَّل، والآخِرِ بعد كلّ آخر، [والدائم بلا زوال]، والقائم علي كلّ شيء بغير انتقال، والخالقِ خلقَه من غير أصلٍ ولا مثال؛ فهو الفردُ الواحد من غير عدد؛ وهو الباقي بعد كلِّ أحد، إلي غير نهاية ولا أمَد. له الكبرياءُ والعظمة، والبهاء والعزة، والسلطانُ والقدرة، تعالى عن أن يكون له شريكِ في سلطانه أو في وحدانيته نديد، أو في تدبيره مُعين أو ظهير، أو أن يكونَ له ولد، أو صاحبة أو كُفء أحد، لا تحيط به الأوهام، ولا تحويه الأقطار، ولا تدركه الأبصار، [وهو يدرك الأبصار]، وهو اللطيف الخبير.\nأحمَده علي آلائه، وأشكره علي نعمائه، حمدَ مَنْ أفرده بالحمد، وشكرَ مَنْ رجا بالشكر منه المزيد، وأستهديه من القول والعمل لما يقرّبني منه ويرضيه، وأومنُ به إيمان مخلص له التوحيد، ومفرد له التمجيد.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده النجيب، ورسوله الأمين، اصطفاه لرسالته، وابتعثه بوَحيه، داعيًا خَلْقه إلي عبادته؛ فصدَع بأمره، وجاهدَ في سبيله، ونصَح لأمته، وعبدَه حتى أتاه اليقين من عنده، غيرَ مقصّر في بلاغ، ولا وانٍ في جهاد؛ صلى الله عليه أفضلَ صلاة وأزكاها، وسلّم.\nأما بعد، فإنّ الله ﷻ، وتقدست أسماؤه، خلقَ خلْقه من غير ضرورة كانت به إلى خلْقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم، بل خلق من خصّه منهم بأمره ونهيه، وامتحنه بعبادته، ليعبدوه [فيجود عليهم بنعمه]، وليحمَدوه علي نعمه فيزيدَهم من فضله ومِنَنِه، ويُسبغَ عليهم فضله وطوْله، كما","vol":"1","page":155},{"text":"قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾. فلم يزده خلقُه إيّاهم -إذ خلقهم- في سلطانه علي ما لم يزل قبل خلقه إيّاهم مثقال ذرّة، ولا هو إن أفناهم وأعدمهم ينقصه إفناؤه إياهم ميزان شعرة، لأنه لا تغيّره الأحوال، ولا يدخلُه الملال، ولا ينقصُ سلطانه الأيام والليال؛ لأنه خالقُ الدّهور والأزمان، فعمّ جميعَهم في العاجل فضلُه وجودُه، وشمَلهم كرمه وطَوْلُه، فجعل لهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، وخصّهم بعقول يصلون بها إلي التمييز بين الحق والباطل، ويعرفون بها المنافعَ والمضارّ، وجعل لهم الأرض بساطًا ليسلكوا منها سُبلًا فجاجًا، والسماء سقفًا محفوظا، [وبناء مسموكًا]؛ وأنزل لهم منها الغيث بالإدرار، والأرزاقَ بالمقدار، وأجري لهم [فيها] قمر الليل وشمس النهار يتعاقبان بمصالحهم دائبين، فجعل لهم الليل لباسًا، والنهار معاشًا، وخالف -منًّا منه عليهم وتطوّلًا- بين قمر الليل وشمس النهار، فمحا آيةَ الليل وجعل آية النهار مبصرةً، كما قال ﷻ وتقدّست أسماؤه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.\nوليصلوا بذلك إلي العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين؛ من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم، وحين حلِّ ديونهم وحقوقهم؛ كما قال ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: ٥، ٦] إنعامًا منه بكلّ ذلك علي خلْقه، وتفضُّلًا منه به عليهم وتطولًا، فشكرَه علي نعمه التي أنعمها عليهم مِن خلقه خلقٌ عظيم، فزاد كثيرًا منهم من آلائه وأياديه، علي ما ابتدأهم به من فضله وطوْله، كما وعدهم ﷻ بقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾، وجمع لهم إلي الزيادة التي زادهم في عاجل دنياهم، الفوزَ بالنعيم المقيم، والخلودَ في جنات النعيم، في آجل آخرتهم، وأخَّر لكثير منهم الزيادة التي وعدهم فمدّهم إلي حين مصيرهم [إليه]، ووقت قدومهم","vol":"1","page":156},{"text":"عليه، توفيرًا منه كرامتَه عليهم يوم تُبلى السرائر. وكفر نعمَه خلق منهم عظيم، فجحدوا آلاءَه وعبدوا سواه، فسلب كثيرًا منهم ما ابتدأهم به من الفضل والإحسان، وأحلّ بهم النقمة المهلكة في العاجل، وذَخر لهم العقوبة المخزية في الآجل، ومتّع كثيرًا منهم بنعمة أيام حياتهم استدراجًا منه لهم، وتوقيرًا منه عليهم أوزارَهم؛ ليستحقوا من عقوبته في الآجل ما قد أعدّ لهم.\nنعوذ بالله من عمل يقرّب من سخطه، ونسأله التوفيقَ لما يُدني من رضاه ومحبته.\nقال أبو جعفر: وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كلّ زمان، من [لدن] ابتدأ ربُّنا ﷻ خلقَ خلقه إلي حال فنائهم، مَن انتهي إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمَه؛ من رسول له مرسَل، أو ملِك مسلَّط، أو خليفة مستخلَف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعمًا، وإلي ما تفضل به عليه فضلًا، ومن أخَّر ذلك له منهم، وجَعله له عنده ذخرًا. ومن كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتدأه به من نعمه، وعجّل له نقمه. ومَن كفر منهم نعمه فمتعه بما أنعم به عليه إلي حين وفاته وهلاكه؛ مقرونًا ذكرُ كلّ مَنْ أنا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر زمانه، وجُمَل ما كان حوادث الأمور في عصره وأيامه؛ إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر، وتطولُ به الكتب، مع ذكري مع ذلك مبلغ مدة أُكْله، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا أولي، والابتداء به قبله أحْجَي؛ من البيان عن الزمان: ما هو؟ وكم قَدْر جميعه، وابتداء أوله، وانتهاء آخره؟ وهل كان قبل خلق الله تعالى إياه شيء غيره؟ وهل هو فانٍ؟ وهل بعد فنائه شيء غير وجه المسبَّح الخلاق، تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه؟ وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة علي أن لا قديم إلا الله الواحد القهار، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثري بوجيزٍ من الدلالة غيرِ طويل؛ إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصدَ الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تأريخ الملوك الماضين وجملًا من أخبارهم، وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم، وأيام الخلفاء السالفين وبعض سيرهم، ومبالغ ولاياتهم، والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم. ثم أنا متبعٌ آخر ذلك كلِّه -إن شاء الله وأيّد منه بعون وقوة- ذكرَ","vol":"1","page":157},{"text":"صحابة نبينا محمد - ﷺ - وأسمائهم وكُناهم ومبالغ أنسابهم ومبالغ أعمارهم، ووقت وفاة كلّ إنسان منهم، والموضع الذي كانت به وفاته. ثم متبعهم ذكرَ من كان بعدهم من التابعين لهم بإحسان، علي نحو ما شرطنا من ذكرهم. ثم ملحِق بهم ذكرَ من كان بعدهم من الخلَف لهم كذلك، وزائد في أمورهم للإبانةَ عمّن حمِدت منهم روايته، وتُقُبِّلت أخباره، ومن رفضت منهم روايته ونبذت أخباره، ومن وُهِّن منهم نقله، وضعِّف خبره. و[ما] السببُ الذي من أجله نُبذ من نُبذ منهم خبره، والعلة التي من أجلها وُهِّن منْ وُهّن منهم نقله.\nوإلى الله ﷿ أنا راغب في العون علي ما أقصده وأنويه، والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه؛ فإنه وليُّ الحول والقوة، وصلى الله علي محمد نبيه وآله وسلم تسليمًا.\nوليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كلّ ما أحضرت ذكرَه فيه مما شرطت أني راسمه فيه؛ إنما هو علي ما رويتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلي رواتها فيه، دون ما أدرِك بحجج العقول، واستنبِط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أنباء الحادثين، غير واصل إلي من لم يشاهدهم ولم يدرِك زمانهم؛ إلا بإخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكَر النفوس. فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكِره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤتَ في ذلك من قِبَلنا، وإنما أُتِي من قِبَل بعض ناقليه إلينا؛ وإنا إنما أدينا ذلك علي نحو ما أدِّيَ إلينا (١).\n(١: ٣/ ٤ / ٥/ ٦ / ٧/ ٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>القول في الزمان ما هو</span>\nقال أبو جعفر: فالزمانُ هو ساعات الليل والنهِار، وقد يقال ذلك للطويل من المدة والقصير منها، والعرب تقول: أتيتك زمان الحجاج أمير، وزمنَ الحجاج أمير -تعني به: إذ الحجاج أمير. وتقول: أتيتك زمان الصِّرام [وزمن الصِّرام]-\n_________\n(١) صحيح.","vol":"1","page":158},{"text":"تعني به وقت الصرام. ويقولون أيضًا: أتيتك أزمان الحجاج أمير، فيجمعون الزمان، يريدون بذلك أن يجعلوا كلّ وقت من أوقات إمارته زمانًا من الأزمنة، كما قال الراجز:\nجاءَ الشِّتاء وقَمِيصي أخلاقْ ... شَراذِمٌ يَضْحَك مِنْهُ التَوَّاق\nفجعل القميص أخلاقًا، يريد بذلك وصفَ كل قطعة منه بالإخلاق؛ كما يقولون: أرض سباسب، ونحو ذلك.\nومن قولهم للزمان: \"زمن\" قول أعشي بني قيس بن ثعلبة:\nوكُنْتُ امْرَأً زَمَنًا بالعراقِ ... عَفِيفَ المُناخِ طويل التَّغَنْ\nيريد بقوله: \"زمنًا\" \"زمانًا\"، فالزمان اسم لما ذكرت من ساعات الليل والنهار علي ما قد بينت ووصفت (١). (١: ٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلي انتهائه وأوله إلي آخره</span>\nقال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما دل علي صحته الخبرُ الوارد عن رسول الله - ﷺ -، وذلك ما حدَّثنا به محمد بن بشار وعلي بن سهل، قالا: حدثنا مؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: \"أجلُكم في أجل مَنْ كان قبلكم، من صلاة العصر إلي مغرب الشمس\" (٢). (١: ١١).\nحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) حديث صحيح أخرجه البخاري من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمرو مرفوعًا ضمن حديث أطول مما عند الطبري ولفظه: \"إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصاري ... الحديث\".\nوكذلك أخرجه أحمد من طريق مؤمل هذا (كما عند الطبري) عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا مختصرًا (كما عند الطبري) مع اختلاف في الألفاظ يسير جدًّا.\n(مسند أحمد ح / ٥٩١١). وانظر صحيح البخاري / فضائل القرآن / (ح ٥٠٢١).","vol":"1","page":159},{"text":"نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: \"ألَا إنما أجلُكم في أجل مَنْ خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلي مغرب الشمس\" (١) (١: ١٠).\nحدثنا الحسن بن عَرَفة، قال: حدثني عمار بن محمد، ابن أخت سفيان الثوريّ، أو اليقظان، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مغيرة بن حكيم، عن عبد الله ن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما بقيَ لأمتي من الدنيا إلا كمقدار مغرب الشمس إذا صُلِّيت العصر\" (٢). (١: ١٠).\nحدثني محمد بن عوف، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شريك، قال: سمعتُ سلمة بن كُهَيل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - والشمس مرتفعة علي قُعيقِعان بعد العصر، فقال: \"ما أعمارُكم في أعمار منْ مضي إلا كما بقيَ من هذا النهار فيما مضي منه\" (٣). (١: ١١).\nحدثنا ابن بشار ومحمد بن المثنَّى -قال ابن بشار: حدّثني خلف بن موسى، وقال ابن المثنَّي: حدثنا خلف بن موسى- قال: حدّثني أبي، عن قَتادة، عن أنس بن مالك أن رسولَ الله - ﷺ - خطب أصحابه يومًا -وقد كادت الشمس أن تغيب، ولم يبق منها إلا شِقّ يسير- فقال: \"والذي نفس محمد بيده ما بقيَ من\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح لغيره (انظر الرواية السابقة) وانظر كذلك (صحيح البخاري / ح ٥٥٧ / ح / ٢٥٦٩، ح ٧٥٣٣).\n(٢) في إسناده ليث بن سليم، صدوق اختلط، والمتن صحيح كما سبق، ولقد أشرنا سابقًا إلي روايات البخاري لهذا الحديث ورواية لأحمد، ونشير هنا إلي رواية الترمذي في سننه (كتاب الأمثال / ح ٢٨٧١) ضمن حديث طويل: وقال الترمذي: حسن صحيح. ولفظه: (إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين حديث صلاة العصر إلي مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود ... الحديث).\n(٣) في إسناده أبو نعيم ضعفه غير واحد وشريك النخعي ضعيف وكذلك أخرجه أحمد (٥٩٦٦) من طريق شريك: سمعت سلمة بن كهيل يحدث عن مجاهد عن ابن عمر قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - والشمس على قعيقعان ... الحديث) كما عند الطبري.\nقلنا: وإن كان إسناده ضعيفًا فالحديث، صحيح لغيره أخرجه البخاري وغيره (انظر الروايات السابقة).","vol":"1","page":160},{"text":"دنياكم فيما مضي منها إلا كما بقيَ من يومكم هذا فيما مضي منه، وما تروْن من الشمس إلا اليسير\" (١). (١: ١١/ ١٢).\nحدثنا هناد بن السّريّ وأبو هشام الرفاعيّ، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت [أنا] والساعة كهاتين\" - وأشار بالسبابة والوسطي (٢). (١: ١٢).\nحدثنا أبو كُرَيب، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي بنحوه (٣). (١: ١٢).\nحدثنا هَنّاد، قال: حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبيّ، عن جابر بن سمُرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" (٤). (١: ١٢).\nحدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا عثّام بن علي، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبيّ، عن جابر بن سَمُرة، قال: كأني أنظر إلى إصبعي رسول الله - ﷺ - وأشار\n_________\n(١) في إسناده موسى بن خلف العمي قال فيه الحافظ: صدوق له أوهام، وأخرج أحمد في مسنده (ح ٦١٧٣) من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أنه كان واقفًا بعرفات فنظر إلي الشمس حتى تدلت مثل الترس للغروب، فبكي واشتد بكاؤه فقال له رجل عنده: يا أبا عبد الرحمن قد وقفت معي مرارًا لم تصنع هذا فقال: ذكرت رسول الله - ﷺ - وهو واقف بمكاني هذا فقال: (أيها الناس إنه لم يبق من دنياكم فيما مضي إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضي منه).\nوأخرجه الحاكم من طريق غير هذا مع زيادة فقال الحاكم: صحيح الإسناد، لكن الذهبي لم يوافقه بل قال: كثير ضعفه النسائي ومشاه غيره. (المستدرك مع التلخيص ٢/ ٤٤٢).\n(٢) في إسناده أبو صالح فإن كان هو الأشعري الشامي فالإسناد حسن وإن كان أبا صالح السمان فالإسناد صحيح والحديث صحيح كما سنذكر فيما يلي.\n(٣) حديث صحيح وانظر ما بعده.\n(٤) في إسناده الأعمش وهو مدلِّس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث، وأبو خالد الوالبي، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الحافظ: مقبول.\nوهذا الحديث صحيح تعددت مخارجه كما سنبين بعد روايات وأما من حديث سمرة فكذلك أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٤٣) وأحمد (٤/ ٣٠٩).\nوقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة (مجمع الزوائد ح ١٨٢٢٦).","vol":"1","page":161},{"text":"بالمسبّحة والتي تليها- وهو يقول: \"بعثت أنا والساعة كهذه من هذه\" (١). (١: ١٢).\nحدثنا ابن حُميد، قال: حدثني يحيى بن واضح، قال: حدثنا فِطْر، عن أبي خالد الوالبيّ، عن جابر بن سَمُرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت من الساعة كهاتين\" - وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطي (٢). (١: ١٢).\nحدثنا ابن المثنَّى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\". قال شعبة: سمعت قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى، قال: لا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة (٣). (١٣: ١).\nحدثنا خلّاد بن أسلم، قال: حدثنا النضر بن شُمَيل، قال: حدثنا شعبة، عن قَتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" (٤). (١: ١٣).\nحدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - مثله، وزاد في حديثه: وأشار بالوسطي والسبابة (٥). (١: ١٣).\nحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعيّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك على\n_________\n(١) حديث صحيح.\n(٢) إسناده ضعيف، ورواه من طريق فطر (ابن خليفة) هذا الحارث بن أبي أسامة كما ذكر البوصيري في الإتحاف ولفظه: [(بعثت أنا وقيام الساعة) قال: أبو زكريا: ورأي فطر بن خليفة ضمّ إصبعيه الوسطى والسبابة] وقال البوصيري: رواه الحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن هاشم وهو ضعيف ورواه أحمد من وجه آخر (إتحاف الخيرة / ح ١٠٠٣٤).\nقلنا: والحديث صحيح كما سنذكر بعد الآتي.\n(٣) حديث صحيح أخرجه البخاري (ح ٦٥٠٤) ومسلم (ح ٢٩٥١) والترمذي (ح ٢٢١٤) من طريق شعبة عن قتادة عن أنس مرفوعًا.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٤) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح (انظر ما قبله).\n(٥) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح (انظر ما قبله).","vol":"1","page":162},{"text":"الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ماذا سمعت رسول الله - ﷺ - يذكر به الساعة؟ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"أنتم [و] الساعة كهاتين\"، وأشار بإصبعيه (١). (١٣: ١).\nحدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك علي الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ماذا سمعت [من] رسول الله - ﷺ - يذكر به الساعة؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"أنتم والساعة كتَيْن\" (٢). (١: ١٣).\nحدثني ابن عبد الرحيم البرْقيّ، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ، قال: حدَّثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك علي الوليد بن عبد الملك، فذكر مثله (٣). (١: ١٣/ ١٤).\nحدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدَّثني معبد، حدَّث أنس عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، وقال بإصبعيه: هكذا (٤). (١: ١٤).\nحدثنا ابن المثنَّي قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شُعبة، عن أبي التيَّاح، عن أَنَس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\": السبابة والوسطي. قال أبو موسى: وأشار وهب بالسبابة والوسطي (٥). (١: ١٤).\nحدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي التيَّاح وقتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، وقرَن بين إصبعيه (٦). (١: ١٤).\nحدّثني محمد بن عبد الله بن بَزِيع، قال: حدَّثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا\n_________\n(١) في إسناده أيوب بن سويد، ضعيف ولكن حديث أنس حديث صحيح كما ذكرنا سابقًا.\n(٢) هذا إسناد حسن صحيح وحديث أنس حديث صحيح إلا أنَّا لم نجده بهذه اللفظة (كتَين).\n(٣) انظر ما قبله.\n(٤) إسناده صحيح والحديث أخرجه البخاري كما عزونا آنفًا وكما سنبين بعد الحديث الآتي.\n(٥) الحديث صحيح، كما سنبين بعد الآتي.\n(٦) حديث أنس هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (ح ٦٥٠٤) ومسلم (١٣٤/ ٢٩٥١) من طريق شعبة عن أبي التياح وقتادة عن أنس مرفوعًا.","vol":"1","page":163},{"text":"أبو حازم، قال: حدثنا سهل بن سعد، قَال: رأيت رسول الله - ﷺ - قال بإصبعيه هكذا، الوسطى والتي تلي الإبهام: \"بُعثت أنا والساعة كهاتين\" (١). (١: ١٤).\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسولي الله - ﷺ -: \"بُعثت أنا والساعة كهاتين\"، وجمع بين إصبعيه (٢). (١: ١٤).\nحدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة هكذا\"، وقرن بين إصبعيه: الوسطى والتي تلي الإبهام (٣). (١: ١٥).\nحدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، وجمع بين إصبعيه (٤). (١: ١٥).\nحدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا المسعوديّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، عن أبي جَبِيرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بعثتُ مع الساعة كهاتين -وأشار بإصبعيه الوسطى والسبابة- كفضل هذه على هذه\" (٥). (١: ١٥).\nحدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن\n_________\n(١) في إسناده الفضل بن سليمان، حديثه في الكتب الستة ضعفه غير واحد منهم إلا أنه متابع ها هنا فقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق يعقوب بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه سمع سهلًا يقول: سمعت النبي - ﷺ - يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطي وهو يقول: (بعثت أنا والساعة هكذا).\n(صحيح مسلم / كتاب الفتن / باب قرب الساعة / ١٣١/ ٢٩٥٠).\n(٢) حديث صحيح من حديث سهل وأنس (وانظر ما سبق).\n(٣) حديث صحيح (انظر ما قبله).\n(٤) ورواه أحمد (٥/ ٣٤٨) وفيه: (وضمَّ إصبعيه السبابة والوسطي بدلًا من عبارة (وجمع بين إصبعيه) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح (ح / ١٨٢٢٥).\n(٥) أورده الهيثمي في المجمع وفيه (فسبقتها، كما سبقت هذه هذه).\nوقال: رواه الطبراني بإسناد حسن (مجمع الزوائد ح / ١٨٢٣٠).","vol":"1","page":164},{"text":"شُبيل بن عوف، عن أبي جَبيرة، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: \"جئت أنا والساعة هكذا\"- قال الطبريّ: وأرانا تميم، وضم السبابة والوسطي وقال لنا: أشار يزيد بإصبعيه السبابة والوسطي وضمهما- وقال: \"سبقتُها كما سبقتْ هذه هذه في نَفس من الساعة\"، أو \" [في] نَفَس الساعة\" (١).\n(١: ١٥/ ١٦).\nفمعلوم إذْ كان اليوم أولُه طلوع الفجر وآخرُه غروب الشمس، وكان صحيحًا عن نبينا - ﷺ -، ما رويناه عنه قبل، أنه قال بعد ما صلي العصر: \"ما بقيَ من الدنيا فيما مضي منها إلا كما بقيَ من يومكم هذا فيما مضي منه\". وأنه قال لأصحابه: \"بُعثتُ أنا والساعة كهاتين\" -وجمع بين السبابة والوسطي- \"سبقتُها بقدر هذه من هذه\"، يعني الوسطى من السبابة. وكان قدر ما بين أوسط أوقات صلاة العصر -وذلك إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه- علي التحرِّي إنما يكون قدر نصف سبع اليوم، يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكذلك فضل ما بين الوسطى والسبابة، إنما يكون نحوًا من ذلك وقريبًا منه (٢). (١: ١٦).\nوكان صحيحًا مع ذلك عن رسول الله - ﷺ - ما حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه جبير بن نُفير، أنه سمع أبا ثعلبة الخشنيّ صاحب النبي - ﷺ - يقول: إن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"لن يُعجز الله هذه الأمة من نصف يوم\"، وكان معنى قول النبيّ ذلك أن \"لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم\" الذي مقداره ألف سنة (٣). (١: ١٦).\n_________\n(١) الحديث من هذا الوجه رواه الطبراني، وقال الهيثمي: ورجال هذه الطريق رجال الصحيح غير شبل أو سبيل بن عوف وهو ثقة (مجمع الزوائد ح / ١٨٢٣٠).\nوقال الهيثمي وروي البزار منه (نسم الساعة) فقط (مجمع الزوائد ١٨٢٣١).\nوالحديث ذكره ابن حجر في المطالب العالية عن مشيخة من الأنصار أنهم سمعوه - ﷺ - يقول: (بعثت في قسم الساعة: قال سفيان: يعني نفس الساعة).\nوقال المحدث الأعظمي: رواه البزار أيضًا ورجاله ثقات (المطالب العالية ٤٥٧٧). والله أعلم.\n(٢) صحيح.\n(٣) إسناده صحيح وحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أخرجه أبو داود مرفوعًا (٤٣٤٩) من طريق حجاج بن إبراهيم عن ابن وهب به (كما عند الطبري) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٧٢) =","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>القول في الدلالة على حدوث الأوقات والأزمان والليل والنهار</span>\nقد قلنا قبلُ إن الزمان إنما هو اسم لساعات الليل والنهِار، وساعاتُ الليل والنهار إنما هي مقادير من جَرْي الشمس والقمر في الفلك، كما قال الله ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾.\nفإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليلِ والنهار، وكانت ساعات الليل والنهار إنما هي قَطْع الشمس والقمر درجات الفلَك، كان بيقين معلومًا أن الزمان محدَث والليل والنهار محدثان، وأن مُحدِث ذلك الله الذي تفرّد بإحداث جميع خلقه، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾.\nومن جَهِل حدوث ذلك من خلق الله فإنه لن يجهلَ اختلافَ أحوال الليل والنهار؛ بأن أحدَهما يَرِد على الخلق -وهو الليل- بسواد وظلمة، وأنَّ الآخر منهما يرد عليهم بنور وضياء، ونَسْخٍ لسواد الليل وظلمته، وهو النهار.\nفإذا كان ذلك كذلك، وكان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في\n_________\n= وقال: رفعه معاوية مرة ولم يرفعه أخرى، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٤) وقال الحاكم: صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الحافظ ابن حجر: رواته ثقات، ولكن رجَّح البخاري وقفه (فتح الباري ١١/ ٣٥١)، وأخرجه أحمد موقوفًا (ح ١٧٧٣٤). قلنا: ومعنى نصف يوم هنا خمسمئة سنة من باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\nوالمقصود من هذا الحديث والله أعلم أنهم يدركون مقدار نصف اليوم المذكور، ولا يدل الحديث على نفي ما زاد على ذلك والله أعلم.\nوالحديث من معجزات النبوة علي صاحبها الصلاة والسلام فلم تمت الأمة قبل مضي خمسمئة عام من بعده ﵊ بل عاشت تلك المدة وعمَّرت أكثر من ذلك وإلي يومنا هذا والحمد لله علي نعمائه وصدق رسوله الصادق الأمين.","vol":"1","page":166},{"text":"وقت واحد في جزء واحد- كان معلومًا يقينًا أنه لا بد [من] أن يكونَ أحدُهما كان قبل الآخر منهما؛ وأيَّهما كان منهما قبل صاحبه فإن الآخر منهما كان لا شك بعده، وذلك إبانةٌ ودليل علي حدوثهما، وأنهما خلقان لخالقهما.\nومن الدلالة أيضًا علي حدوث الأيام والليالي أنه لا يومَ إلا وهو بعدَ يوم كان قبله، وقبل يوم كائن بعده، فمعلوم أن ما لم يكن ثم كان، أنه محدَث مخلوق، وأنَّ له خالقًا ومحدِثًا.\nوأخرى، أن الأيام والليالي معدودة، وما عدَّ من الأشياء فغير خارج من أحد العددين: شفع أو وتر؛ فإن يكن شفعًا فإن أولها اثنان، وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولًا، وإن كان وترًا فإنَّ أولها واحد، وذلك دليل علي أن لها ابتداء وأوّلًا، وما كان له ابتداء فإنه لا بد له من مبدئ، هو خالقه (١). (١: ٢٠/ ٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>القول في الإبانة عن فناء الزمان والليل والنهار وأن لا شيء يبقي غير الله تعالى ذكره</span>\nوالدلالة علي صحة ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾.\nفإن كان كلُّ شيء هالك غير وجهه -كما قال جلّ وعزّ- وكان الليل والنهار ظلمة أو نورًا خلَقهما لمصالح خَلْقه، فلا شك أنهما فانيان هالكان، كما أخبر؛ وكما قال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ يعني بذلك أنها عُمِّيت فذهب ضوءها، وذلك عند قيام الساعة، وهذا ما لا يُحتاج إلي الإكثار فيه؛ إذ كان مما يدين بالإقرار به جميعُ أهل التوحيد من أهل الإسلام وأهل التوراة والإنجيل والمجوس، وإنما ينكرُه قومٌ من غير أهل التوحيد، لم نقصِد بهذا الكتاب قصدَ الإبانة عن خطأ قولهم. فكلّ الذين ذكرنا عنهم أنهم مُقِرُّون بفناء جميع العالم حتى لا يبقي غيرُ القديم الواحد، مقرّون بأن الله ﷿ محييهم بعد فنائهم، وباعثهم بعد هلاكهم، خلا قومٍ من عَبَدة الأوثان، فإنهم يُقرون بالفناء، وينكرون البعث (٢). (١: ٢٧).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>القول في الدلالة على أن الله ﷿ القديم الأول قبل كل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره</span>\nفمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهَد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسمَ إلا مفترِق أو مجتمع، وأنه لا مفترِق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمعَ منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عُدِم أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن، وأنَّ الافتراقَ إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن.\nوإذا كانَ الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، وكان حكم ما لم يُشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدَث بتأليف مؤلّف له إن كان مجتمعًا، وتفريق مفرّق له إن كان مفترقًا. وكان معلومًا بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعًا، ومفرّقه إن كان مفترقًا منْ لا يشبهه، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذي لا يشبهه شيء، وهو علي كل شيء قدير فبيِّنٌ بما وصفنا أن باريء الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء، وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات، وأن محدثها الذي يُدبرها ويُصَرّفها قبلها، إذْ كان من المحال أن يكون شيء يُحدث شيئًا إلا ومحدثه قبله، وأن في قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾، لأبلغُ الحجج، وأدلُّ الدلائل -لمن فكَّر بعقل، واعتبر بفهم- على قِدَم بارئها، وحدوث كل ما جانسها، وأنّ لها خالقًا لا يشبهها.\nوذلك أن كلّ ما ذكر ربنا ﵎ في هذه الآية من الجبال والأرض والإبل فإنّ ابنَ آدم يعالجه ويدبّره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم، غيرَ ممتنع عليه شيء من ذلك. ثم إنَّ ابن آدم مع ذلك غير قادر علي إيجاد شيء من ذلك من غير أصل؛ فمعلوم أن العاجز عن إيجاد ذلك لم يحدث نفسَه، وأن الذي هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده مَن هو مثله، ولا هو أوجدَ","vol":"1","page":168},{"text":"نفسه، وأن الذي أنشأه وأوجد عينه هو الذي لا يُعجزه شيء أراده، ولا يمتنع عليه إحداث شيء شاء إحداثه، وهو الله الواحد القهار.\nفإن قال قائل: فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فِعل قديمين؟\nقيل: أنكرنا ذلك لوجود اتصال التدبير وتمام الخلق، فقلنا: لو كان المدبِّر اثنين، لم يخلُوَا من اتفاق أو اختلاف؛ فإن كانا متفقين فمعناهما واحد، وإنما جعل الواحدَ اثنين من قال بالاثنين. وإن كانا مختلفين كان محالًا وجودُ الخلق على التمام والتدبير علي الاتصال؛ لأن المختلفين، فعلُ كلّ واحد منهما خلافُ فعل صاحبه؛ بأنّ أحدَهما إذا أحيا أمات الآخر، وإذا أوجد أحدُهما أفني الآخر، فكان محالًا وجودُ شيء من الخلق علي ما وُجد عليه من التمام والاتصال. وفي قول الله ﷿ ذكره: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾، وقوله ﷿ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أبلغُ حجة، وأوجز بيان، وأدلّ دليل على بُطول ما قاله المبطلون من أهل الشرك بالله، وذلك أن السموات والأرض لو كان فيهما إله غير الله، لم يخلُ أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف. وفي القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية، وإقرار بالتوحيد، وإحالةٌ في الكلام بأن قائلَه سمَّي الواحد اثنين. وفي القول باختلافهما، القول بفساد السموات والأرض، كما قال ربنا جلّ وعزّ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ لأن أحدَهما كان إذا أحدث شيئًا وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله؛ وذلك أن كل مختلفين فأفعالُهما مختلفة، كالنار التي تسخِّن، والثلج الذي يبرِّد ما أسخنته النار.\nوأخرى، أن ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخلُ كلّ واحد من الاثنين اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين؛ فإن كانا عاجزين فالعاجزُ مقهور وغير كائن إلهًا. وإن كانا قويين فإنّ كلّ واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز، والعاجز لا يكون إلهًا. وإن كان كلّ واحد منهما قويًّا علي صاحبه؛ فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكرُه عما يشرك المشركون!\nفَتبيَّن إذًا أن القديمَ باريء الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كلّ شيء، وهو الكائن بعد كلِّ شيء، والأول قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ","vol":"1","page":169},{"text":"شيء، وأنه كان ولا وقتَ ولا زمان، ولا ليلَ ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور، إلا نور وجهه الكريم. ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، وأن كل شيء سواه محدَث مدبَّر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا مُعين ولا ظهير، سبحانه من قادر قاهر! (١) (١: ٢٨/ ٢٩ / ٣٠).\nوقد حدثني علي بن سهل الرمليّ، قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: \"إنكم تُسألون بعدي عن كلِّ شيء، حتى يقول القائل: هذا الله خلق كلَّ شيء فمن ذا خلقه! \" (٢). (١: ٣٠/ ٣١).\nحدثني عليّ، حدثنا زيد، عن جعفر، قال: قال يزيد بن الأصمّ: حدَّثني نَجَبة بن صَبِيغ، قال: كنت عند أبي هريرة فسألوه عن هذا فكبّر وقال: ما حدَّثني خليلي بشيء إلا قد رأيته أوْ أنا أنتظره. قال جعفر: فبلغني أنه قال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله خالق كلّ شيء، والله كان قبل كلّ شيء، والله كائن بعد كلّ شيء (٣). (١: ٣١).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) رجال هذا الإسناد ثقات وجعفر هو ابن برقان وإن كان مضطرب الحديث عن الزهري إلَّا أنه ثقة في غيره وإسناده صحيح والحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب بدء الخلق / (ح ٣٢٧٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته\".\nوأخرجه مسلم بروايات عدة منها (٢١٦/ ١٣٥) من طريق جعفر بن زبرقان حدثنا يزيد الأصم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء فمن خلقه؟ \".\n(٣) هذا إسناد موقوف علي أبي هريرة ونجبة بن صبيغ ترجم له ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، إلَّا أن البخاري أخرجه بصيغة أخرى دون شطره الأخير.\nفقد أخرج من طريق زهير بن حرب ويعقوب الدورقي قالا: حدثنا إسماعيل وهو ابن علية عن أيوب عن محمد قال: قال أبو هريرة: (لا يزال الناس) بمثل حديث عبد الوارث غير أنه لم يذكر النبي - ﷺ - في الإسناد ولكن قال في آخر الحديث: صدق الله ورسوله. (٢١٥/ ١٣٥). وحدثني عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة وهو ابن عمار حدثنا =","vol":"1","page":170},{"text":"فإذا كان معلومًا أن خالقَ الأشياء وبارئها كان ولا شيء غيره، وأنه أحدَث الأشياء فدبَّرها، وأنه قد خلق صنوفًا من خلقه قبل خلق الأزمنة والأوقات، وقبل خلق الشمس والقمر اللذين يُجريهما في أفلاكهما، وبهما عُرِفت الأوقات والساعات، وأرِّخت التأريخات، وفصل بين الليل والنهار، فلْنقل: فيمَ ذلك الخلق الذي خُلِق قبل ذلك؟ وما كان أوله (١)؟ (١: ٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>القول في ابتداء الخلق ما كان أوله</span>\nصحّ الخبر عن رسول الله - ﷺ - بما حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح -وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلانيّ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح- عن أيوب بن زياد، قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبي عبادة بن الصامت: يا بنيّ سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتبْ، فجري في تلك الساعة بما هو كائن\" (٢). (٣٢: ١).\nحدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن\n_________\n= يحيى، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصي بكفه فرماهم، ثم قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي.\n(صحيح مسلم / كتاب الإيمان ٢١٥/ ١٣٥).\n(١) صحيح.\n(٢) حديث عبادة هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود مرفوعًا ولفظه: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال ربّ وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. يا بني إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من مات علي غير هذا فليس مني. والحديث أخرجه أحمد من حديث عبادة (المسند / ح ٢٢٧٦٨).\nوالبيهقي (١٠/ ٢٠٤ / ح ٢٠٨٧٥) ولفظه كلفظ أبي داود، وأبو يعلى عن ابن عباس (٢٣٢٩). وقال الهيثمي: رجال أبي يعلى ثقات (٧/ ١٩٠) وانظر الحديث الآتي.","vol":"1","page":171},{"text":"حبيب، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن أوَّل شيء خلق الله القلم، وأمره أن يكتب كلّ شيء\". (١). (٣٢: ١)\nحدثني موسى بن سهل الرمليّ، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا رَباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ - بنحوه (٢). (١: ٣٢).\nحدثني محمد بن معاوية الأنماطيّ، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أيّ بنيّ، اتق الله واعلم أنك لن تتَّقي الله، ولن تبلغَ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقَدر خيرِه وشرّه، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أول ما خلق الله ﷿ خلق القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجري القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلي الأبد\" (٣). (١: ٣٢/ ٣٣).\nوقد اختلف أهل السلف قبلنا في ذلك، فنذكرُ أقوالهم، ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى.\nفقال بعضهم في ذلك بنحو الذي روي عن رسول الله - ﷺ - فيه.\nذكر من قال ذلك:\nحدثني واصل بن عبد الأعلى الأسديّ، قال: حدثنا محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان؛ عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله من شيء القلم\n_________\n(١) حديث صحيح وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن المبارك به عن ابن عباس مرفوعًا ولفظه: إن أول شيء خلقه الله جل ثناؤه القلم وأمره أن يكتب كل شيء (السنن الكبرى ٩/ ٣ / ح ١٧٧٠٤).\n(٢) في إسناده نعيم بن حماد ضعفه عدد من أئمة الحديث ولكن الحديث صحيح كما سبق.\n(٣) إسناده ضعيف والحديث صحيح كما سبق، وكذلك أخرجه الترمذي من طريق عبد الواحد بن سليم مع تقديم وتأخير في الألفاظ وزيادة.\nوقال الترمذي: وهذا حديث غريب من هذا الوجه (سنن الترمذي / كتاب القدر / ح ٢١٥٥).\nقلنا: وفي إسناده عبد الواحد بن سليم ضعيف.","vol":"1","page":172},{"text":"فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجري القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رُفع بخار الماء ففتَق منه السموات (١). (١: ٣٣).\nحدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس نحوه (٢). (١: ٣٣).\nحدثنا محمد بن المثنّي، قال: حدَّثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس، قال: أوَّلُ ما خلق الله من شيء القلمُ، فجري بما هو كائن (٣). (١: ٣٣).\nحدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان -أو مجاهد-، عن ابن عباس بنحوه (٤). (١: ٣٣).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، قال: حدثنا معمر، حدثنا الأعمش أن ابن عباس قال: إن أولَ شيء خُلِق القلم (٥). (١: ٣٤).\nحدثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضّحي مسلم بن صُبَيْح، عن ابن عباس، قال: إن أوَّلَ شيء خلق ربي ﷿ القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلي أن تقوم الساعة (٦). (١: ٣٤).\nقال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ ابن عباس،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم من طريق الأعمش هذا، وقال: صحيح علي شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٩٧).\nقلنا: إلا أن الأعمش مدلّس وقد عنعن هنا ولم يصرح بالتحديث وشطره صحيح مرفوعًا كما سبق سوى عبارة (ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات) فلم نجده مرفوعًا بسند صحيح والله أعلم.\n(٢) وأخرجه البيهقي من طريق وكيع (٣/ ٩ ح ١٧٧٠٣) مع زيادة علي ما عند الطبري وانظر ما سبق.\n(٣) هذا إسناد صحيح إلي ابن عباس وقد صحَّ مرفوعًا كما سبق والله أعلم.\n(٤) انظر ما قبله.\n(٥) انظر ما قبله.\n(٦) إسناده ضعيف وقد صحَّ الحديث مرفوعًا كما سبق.","vol":"1","page":173},{"text":"للخبر الذي ذكرت عن رسول الله - ﷺ -[قبل]، أنه قال: أول شيء خلق اللهُ القلم. (١). (١: ٣٤).\nقيل: أما قولُ ابن عباس: إن الله ﵎ كان عرشه علي الماء قبل أن يخلق شيئًا، فكان أول ما خلق الله القلم -إن كان صحيحًا عنه أنه قاله- فهو خبرٌ منه أن الله خلق القلم بعد خلقه عرشه، وقد رَوَي عن أبي هاشم هذا الخبر شعبةُ، ولم يقل فيه ما قال سفيان؛ من أن الله ﷿ كان علي عرشه، فكان أول ما خلق القلم، بل روي ذلك كالذي رواه سائر من ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله ﷿ القلم (٢). (١: ٣٥).\nوكذلك قولَ ابن إسحاق الذي ذكرناه عنه معناه أنّ الله خلق النورَ والظلمة بعد خلقه عرشه، والماء الذي عليه عرشه. وقول رسول الله - ﷺ - الذي رويناه عنه أوْلى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان أعْلَم قائل في ذلك قولًا بحقيقته وصحته، وقد روينا عنه - ﵇ - أنه قال: \"أولُ شيء خلقه الله ﷿ القلم\" من غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدّم خلق الله إياه خلق القلم، بل عمّ بقوله - ﷺ -: \"إن أول شيء خلقه الله القلم\"، كلَّ شيء، وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماء ولا شيئًا غيرَ ذلك.\nفالرواية التي رويناها عن أبي ظَبْيان وأبي الضّحى، عن ابن عباس، أوْلى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم؛ إذ كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان، علي ما قد ذكرت من اختلافهما فيها.\nأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قولهُ الذي قاله في ذلك إلي أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرَكُ علمها إلا بخبر من الله ﷿، أو خبر من رسول الله - ﷺ -، وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله - ﷺ - (٣). (١/ ٣٥ - ٣٦).\n_________\n(١) هذا ترجيح الطبري وسنذكر ما رجحه ابن كثير وابن حجر وما نسب إلي الجمهور والله أعلم.\n(٢) سنناقش رأي الطبري هذا في نهاية الباب.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>القول في الذي ثنى خلق القلم</span>\nحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شُميل، قال: حدثنا المسعوديّ، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن حرز، عن ابن حصين -وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: أتي قوم رسولَ الله - ﷺ - فدخلوا عليه، فجعل يبشّرهم ويقولون: أعطِنا، حتى ساء ذلك رسولَ الله - ﷺ -، ثم خرجوا من عنده. وجاء قوم آخرون، فدخلوا عليه فقالوا: جئنا نسلّم علي رسول الله - ﷺ -، ونتفقّه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال: فاقبَلوا البشري إذْ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا، قالوا: قَبِلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كان الله لا شيء غيره، وكان عرشه علي الماء، وكُتِب في الذكر قبل كلّ شيء، ثم خلق سبعَ سموات\". ثم أتاني آت فقال: تلك ناقتُك قد ذهبتْ، فخرجتُ ينقطع دونها السراب، وَلوَددت أني تركتها (١). (١: ٣٨).\nحدثني أبو كُريب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن جامع ابن شداد،\n_________\n(١) في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ثقة اختلط في آخر عمره إلَّا أن النضر بن شميل سمع منه قبل الاختلاط ويتقي حديثه عن عاصم بن بهدلة وسلمة بن كهيل وليس ها هنا كذلك فالإسناد صحيح.\nوقد توبع عن جامع بن شداد عند الطبري نفسه كما بعد رواية وكما عند البخاري (كتاب بدء الخلق / ح ٣١٩١).\nعن عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي - ﷺ - وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال (اقبلوا البشري يا بني تميم، قالوا قد بشرتنا فأعطنا) (مرتين) ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشري يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه علي الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض ... الحديث).\nوفي لفظ آخر للحديث عند البخاري (كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه علي الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء) (صحيح البخاري / كتاب التوحيد / ح ٧٤١٨) وأخرج مسلم في صحيحه (نحو حديث عمران بن حصين هذا) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه علي الماء\".\n(صحيح مسلم / كتاب القدر / ح ٢٦٥٣).","vol":"1","page":175},{"text":"عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اقبلوا البشرى يا بني تميم\"، فقالوا: قد بشَّرتنا فأعطنا، فقال: \"اقبلوا البشري يا أهل اليمن\"، فقالوا: قد قبِلنا، فأخبرْنا عن هذا الأمر كيف كان؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"كان الله ﷿ علي العرش، وكان قبل كلِّ شيء، وكتب في اللوح كل شيء يكون\". قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، هذه ناقتك قد حلَّت عقالها، فقمت، فإذا السراب ينقطع بيني وبينها، فلا أدري ما كان بعد ذلك (١). (١: ٣٨).\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري كما بينا قبل قليل.\nعود على بدء: والقول الراجح عند الطبري وغيره في هذه المسألة:\nلقد ذكر الطبري رأيه في هذه المسألة بعد إخراجه لروايات مرفوعة وموقوفة.\nوخلاصة رأيه أنه يصحح الحديث النبوي الشريف (أول شيء خلقه الله ﷿ القلم).\nويقول بأن مفهوم الحديث واضح ودلالته واضحة من غير استثناء شيء من المخلوقات قبل خلقه القلم وأن القلم أول مخلوق من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماءً ولا شيئًا غير ذلك، وانظر تاريخ الطبري (١/ ٣٥ - ٣٦).\nقلنا: والمعروف أن أئمة الحديث علي جلالة قدرهم قد تفوتهم أحاديث وأحاديث ويرويها غيرهم. فقد أخرج البخاري كما أشرنا حديثًا آخر لم يذكره الطبري ﵀.\nوهو حديث عمران بن حصين السابق وفيه (كان الله ولم يكن شيء غيره. وكان عرشه علي الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض) وفي رواية (ثم خلق السموات والأرض) (صحيح البخاري / ح ٣١٩١ / و/ ح ٧٤١٨):\nقلنا: أما الحافظ ابن حجر فقد صار إلي الجمع بين المتعارضين ظاهرًا إذ قال في الفتح عقب الحديث (٣١٩١):\nوأما أول ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا (أول ما خلق الله القلم ثم قال: اكتب. فجري بما هو كائن إلي يوم القيامة).\nفجمع بينه وبين ما قبله بأن أوله القلم بالنسبة إلي ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلي ما منه صور من الكتابة أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق.\nوحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولًا: العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني (فتح الباري ٦/ ٤٣٠ / ط. الفكر).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: والذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره أن العرش مخلوق قبل ذلك ... ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم.\nوقال ﵀: وقد دلَّ هنا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش علي القلم =","vol":"1","page":176},{"text":"وقد قيل إن الأيام سبعة لا ستة.\n* ذكر من قال ذلك:\nحدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقِل، قال: سمعت وهب بن مُنبّه: يقول: الأيام سبعة (١). (١/ ٤٣).\nوكلا القولين -اللذَيْن روينا أحدَهما عن الضحاك وعطاء، من أن الله خلق الأيام الستة، والآخر منهما عن وهب بن منبّه من أن الأيام سبعة- صحيح مؤتلف غير مختلف، وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك في ذلك كان أن الأيام التي خلق الله فيهنَّ الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء والأرض وما فيهنّ إلي أن فرغ من جميعه ستة أيام، كما قال جل ثناؤه ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وأن معنى قول وهب بن منبّه في ذلك كان أنّ عدد الأيام التي هي أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة (٢). (١: ٤٣).\nوأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلقَ السموات والأرض يومُ الأحد؛ لإجماع السلَف من أهل العلم على ذلك.\n_________\n= الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجمهور.\nويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين قال: قال أهل اليمن لرسول الله - ﷺ -: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال: (كان الله ولم يكن شيء قبله).\nوفي رواية (معه) وفي رواية (غيره). (وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض).\nوفي لفظ (ثم خلق السموات والأرض) فسألوه عن ابتداء خلق السموات والأرض ولهذا قالوا:\nجئناك نسألك عن أول هذا الأمر فأجابهم عما سألوا فقط، ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر في حديث أبي رزين المتقدم (البداية والنهاية ١/ ٣٢).\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.","vol":"1","page":177},{"text":"فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك، فإنه إنما استدل -بزعمه- على أن ذلك كذلك؛ لأنّ الله عزّ ذكره فرَغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة، وذلك اليوم السابع، وفيه استوي علي العرش، وجعل ذلك اليوم عيدًا للمسلمين؛ ودليلُه علي ما زعم أنه استدل به علي صحة قوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل علي خطئه فيه، وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من [محكَم] تنزيله، أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى ذكره ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.\nولا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكَرَهن قبل ذلك، فمعلوم إذْ كان الله ﷿ إنما خلق السموات والأرضينَ وما فيهنَّ في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله - ﷺ - بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة - أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهنَّ؛ لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة، كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام، لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل؛ فتبين إذًا -إذْ كان الأمرُ كالذي وصفنا في ذلك- أن أوَّل الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهنّ من خلقه يوم الأحد؛ إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام، كما قال ربنا ﷻ.\nفأما الأخبارُ الواردة عن رسول الله - ﷺ - وعن أصحابه بأنّ الفراغ من الخلق كان يوم الجمعة، فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى (١). (١: ٤٥/ ٤٦).\n_________\n(١) صحيح.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما</span>\nوقال آخرون: خلق الله ﷿ الأرض قبل السماء بأقواتها من غير أن يَدْحُوَها، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك.\n* ذكر من قال ذلك:\nحدثني عليّ بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله ﷿ حيث ذكر خلْق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوَها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سموات، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (١). (١: ٤٨).\nحدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢)﴾، يعني أنه خلق السموات والأرض، فلمّا فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الأرض بثَّ أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء؛ وأرسى الجبال -يعني بذلك دحوَها- ولم تكن تصلح أقواتُ الأرض ونباتُها إلا بالليل والنهار، فذلك قوله ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ألم تسمع أنه قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٢)؟ (٤٨: ١).\nوغير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول، وهو أن يكون الله تعالى ذكره خلقَ الأرض ولم يدحُها، ثم خلَق السموات فسواهنَّ، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، بل ذلك عندي هو الصواب من القول في ذلك؛ وذلك أن معنى الدَّحْو غيرُ معنى الخلق، وقد قال الله ﷿: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا\n_________\n(١) بين علي وابن عباس انقطاع إلا أن المتن يشهد له ما أخرجه البخاري كما سنذكر.\n(٢) إسناده ضعيف إلا أن البخاري أخرج في صحيحه ما يؤيده كما سنذكر بعد الآتي.","vol":"1","page":179},{"text":"وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ (١). (١: ٤٨/ ٤٩).\nفإن قال قائل: فإنَّك قد علمتَ أن جماعةً من أهل التأويل قد وجهَت قول الله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ إلى معنى \"مع ذلك دحاها\"، فما برهانُك على صحة ما قلت، من أن \"ذلك\" بمعنى \"بَعْد\" التي هي خلاف \"قبل\"؟\nقيل: المعروف من معنى \"بعد\" في كلام العرب هو الذي قلنا من أنها بخلاف معنى \"قبل\" لا بمعنى \"مع\"؛ وإنما تُوَجَّه معاني الكلام إلى الأغلب عليه من معانيه المعروفة في أهله، لا إلى غير ذلك (٢). (١: ٤٩).\nوإذا كان الأمرُ كذلك كان خلقُ الأرض قبل خلق السموات، ودَحْوُ الأرض وهو بسطها بأقواتها ومراعيها ونباتها، بعد خلْق السموات، كما ذكرنا عن ابن عباس (٣). (١: ٥٠/ ٥١).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) رجح الطبري هنا أن الأرض خلقت قبل السموات (ولكن بدون دحو) ثم خلق الله سبحانه السموات ثم دحا الأرض واعتمد على المعنى اللغوي واستشهد بروايتين ضعيفتين عن ابن عباس.\n(٣) صحيح.\nلقد ذكر الطبري ﵀ آثارًا عن عدد من الصحابة والتابعين ﵃ تبين جميعها أن كل يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض تعادل ألف سنة مما يعد البشر، وهي أخبار راجحة فيها.\nوهي تفاسير متأثرة بروايات أهل الكتاب، والله سبحانه يقول في محكم التنزيل: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nفلا حجة إلا بخبر صحيح عن الصادق المصدوق ﵊ وتبقى هذه الأقوال والأخبار احتمالات لا دليل لها سواء كانت راجحة عند الطبري أو غير راجحة عند غيره كابن الأثير (١/ ٤١).\nولقد روى غير واحد من الأئمة عن ابن عباس خبرًا لم يذكره الطبري في تأريخه حول هذه الآية:\nقال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عبد الله بن أبي مليكة قال: (دخلت على عبد الله بن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان فقال له ابن =","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة تعرف</span>\nحدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: ليلًا ونهارًا كذلك خلقهما الله ﷿. (١). (١: ٧٧).\nقال ابن جريج: وأخبرنا عبد الله بن كثير، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، قال: ظلمة الليل وسَدَف النهار (٢). (٧٧: ١).\nحدثنا بِشْر بن معاذ، قال: حَدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، كنا نحدّث أن محوَ آية الليل سوادُ القمر الذي فيه، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، منيرة، وخلق الشمس أنورَ من القمر وأعظم (٣). (١: ٧٧).\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن\n_________\n= فيروز: يا أبا عباس قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. فكأن ابن عباس اتهمه فقال:\nما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: إنما سألتك لتخبرني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب فسأله عنهما إنان فلم يخبره، ولم يدر. فقلت: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ قال: بلى، فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس قد أبى أن يقول فيها، وهو أعلم مني (فتح القدير ٤/ ٣٠٢).\nقلنا: ولو كان في بيان حقيقة الأيام الستة فائدة للمكلفين لذكره سبحانه في كتابه أو بينه على لسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام.\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":181},{"text":"أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: ليلًا ونهارًا، كذلك جعلهما الله ﷿ (١). (١: ٧٧).\nولو صحَّ سندُ أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به؛ ولكن في أسانيدهما نظر؛ فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر؛ غير أنا بيقين نعلم أن الله ﷿ خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما، فخالف بينهما، فجعل أحدهما مضيئًا مُبصرًا به، والآخر ممحوّ الضوء (٢). (١: ٧٨).\nوإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر في كتابنا هذا، وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما، مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والأرض وصفة ذلك، وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب؛ لأنَّ قصْدنا في كتابنا هذا ذكرُ ما قدمنا الخبر عنه أنَّا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتأريخ الملوك والأنبياء والرسل، على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب، وكانت التأريخات والأزمنة إنما توقَّت بالليالي والأيام التي إنما هي مقادير ساعات جري الشمس والقمر في أفلاكهما علي ما قد ذكرنا في الأخبار التي رويناها عن رسول الله - ﷺ -، وكان ما كان قبل خلق الله عزّ ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار (٣). (١: ٧٨/ ٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>ذكر السبب الذي به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه ﷿</span>\nقال أبو جعفر: وأوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ وجائز أن يكون فسوقُه عن أمر ربّه كان من أجل أنه كان من الجنّ، وجائز أن يكون من أجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده في عبادة ربه، وكثرة\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":182},{"text":"علمه، وما كان أوتي من مُلك السماء الدنيا والأرض وخَزْن الجنان. وجائز أن يكون لغير ذلك من الأمُور، ولا يُدرَك علم ذلك إلَّا بخبرٍ تقوم به الحجة، ولا خبرَ في ذلك عندنا كذلك، والاختلاف في أمره على ما حكيناه ورويناه (١). (١: ٨٨).\n_________\n(١) صحيح وانظر تعليقنا بعد قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الواردة في خلق إبليس وقصته مع آدم - ﵇ </span>-\nلقد ذكر الإمام الطبري ﵀ روايات كثيرة في خلق إبليس اللعين وطبيعة عمله قبل طرده من رحمة الله وهل كان من الملائكة أم من الجان وما إلى ذلك، ولم نجد فيها رواية مرفوعة صحيحة، بل فيها روايات منكرة مخالفة لما في كتاب الله من آيات صريحة واضحة المعنى، وسنذكر هنا طرفًا من الآيات القرآنية الكريمة وبعضًا من الأحاديث الصحيحة الواردة في إبليس.\nولكن قبل ذلك نود أن نذكر رأي الطبري نفسه في بعض تلك الروايات ثم رأي الحافظ ابن كثير ﵀ فيها:\nقال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر روايات عدة في أسباب إخراج آدم - ﵇ - (وهي أسباب محتملة). قال الطبري:\nولا يدرك علم ذلك إلا بخبر تقوم به الحجة، ولا خبر في ذلك كذلك والاختلاف في أمره على ما حكيناه ورويناه (تأريخ الطبري ١/ ٨٨).\nقلنا: وأما الحافظ ابن كثير وهو مؤرخ ومحدث ومفسر فقد ذكر روايات عدة (من روايات الطبري وغيره) تذكر أن إبليس كان صاحب عبادة وأنه كان رئيس الملائكة في السماء الدنيا، أو أنه كان خازنًا من خزنة الجنة وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا ... إلخ.\nثم عقب الحافظ ابن كثير ﵀ قائلًا:\nوقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم (يعني لأهل الكتاب) من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة العلماء والسادة الأتقياء البررة النجباء. ومن الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دوَّنوا الحديث وحرّروه وبينوا صحيحه من حسنه ومن ضعيفه، ومن منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه.\nوعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشرية عليه أفضل التحيات والصلوات والتسليمات أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه. فرضي الله عنهم وأرضاهم (تفسير القرآن العظيم ٢١٧١). =","vol":"1","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١ - قال الله ﷾ في محكم كتابه:\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٤، ١٥].\nوقال ﷾: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه كتاب الزهد (٦٠/ ٢٩٩٦) من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\".\nوقال الحق سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].\nوأخرج الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٦٠) عن الحسن البصري ﵀ قال: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ... الخبر).\nوقال الحافظ ابن كثير: رواه ابن جرير بسند صحيح (تفسير القرآن العظيم ٥/ ٢١٧٠).\n٢ - وقال الحق سبحانه: ﴿قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا (٦٢) قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٢ - ٦٥]. المعنى أن إبليس اللعين قال للرب جراءة وكفرًا: هذا الذي شرفته وعظمته عليّ لئن أخرتني (أنظرتني) لأحتنكن أي لأضلن ذريته إلا قليلًا منهم.\nومعنى (اذهب): أي فقد أنظرتك كما في الآية الأخرى ﴿قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ ثم أوعده ومن تبعه من ذرية آدم جهنم فقال:\n﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: علي أعمالكم ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ أي: وافرًا لا ينقص منه، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ كل داعٍ دعا إلى معصية الله ﷿ ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ أي: استخفهم بذلك.\n﴿أَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورَجِلَتهم فإن الرَّجِل جمع راجل ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه.\nومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ أي: تزعجهم إلي المعاصي إزعاجًا وتسوقهم إليها سوقًا، وقال مجاهد: ﴿بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ كل راكب وماشٍ في معصية الله، وقال قتادة: إن له خيلًا ورجالًا من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه.\nقلنا: وقريبًا من هذا المعنى تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ =","vol":"1","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. (تفسير ابن كثير بتصرف واختصار وإضافات).\n٣ - وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجنة / ٤/ ٢١٩٧) قال رسول الله - ﷺ -: \"يقول الله ﷿ إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم\".\nوأخرج البخاري (٦/ ٣٣٥) ومسلم (٢/ ١٠٨٥) قال رسول الله - ﷺ -: \"لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا\".\nوقد أورد الحافظ ابن كثير هذين الحديثين الشريفين في تفسير قوله تعالى ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ ثم ذكر رأي الطبري في تفسير هذه الآية فقال:\nقال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثي عُصي الله فيه بتسميته بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزني بأمه، أو بقتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه، لأن الله لم يخصص بقوله ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤)﴾ معنى الشركة فيه بمعني دون معنى فكل ما عُصي الله فيه أو به، وأطيع فيه الشيطان أو به فهو مشاركة).\nثم قال الحافظ ابن كثير: وهذا الذي قاله متجه، وكلّ من السلف ﵏ فسر بعض المشاركة ثم ذكر ابن كثير الحديثين الآنفي الذكر (تفسير القرآن العظيم / ٥/ ٢١٠٨).\n٤ - وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: \"إن الشيطان يضع عرشه علي الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيقربه ويدينه ويلتزمه ويقول نعم أنت\". صحيح مسلم (كتاب المنافقين ح ٦٧/ ٢٨١٣).\n٥ - وأخرج الترمذي في سننه (كتاب تفسير القرآن / ح / ٢٩٨٨) وابن حبان (كتاب الرقائق / ح ٩٩٧) من حديث ابن مسعود مرفوعًا:\n\"إن للشيطان لَلَمَّة بابن آدم، وللملك لمَّة، فأما لمة الشيطان فإنها بالشرّ وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان) ثم قرأ: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وهو حديث أبي الأحوص لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص. =","vol":"1","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٦ - وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب بدء الخلق / ح ٣٢٩٢) (قال رسول الله - ﷺ -: \"الرؤيا الصالحة من الله والحلمُ من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره\".\n٧ - وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: \"الملائكة تحدث في العنان\" والعنان: الغمام (بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مئة كلمة\" (صحيح البخاري / كتاب بدء الخلق / صفة إبليس وجنوده / ح ٣٢٨٨).\nوفي رواية أخرى \"فيخلطون معها مئة كذبة\" صحيح البخاري / كتاب الوحيد / (ح ٧٥٦١).\n٨ - وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أتسلم فتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، قال: فعصاه فهاجر.\nقال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتُنْكَحُ المرأة ويُقسم المال، قال: فعصاه فجاهد، فقال رسول الله - ﷺ -: فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة أو قتل كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًّا علي الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقًّا علي الله أن يدخله الجنة\".\n(مسند أحمد / ح ١٥٩٥٨).\nقال العلامة أرناؤوط: إسناده قوي (مسند أحمد ٢٥/ ٣١٦) والحديث أخرجه ابن حبان (ح ٤٥٩٣) والطبراني في الكبير (ح ٦٥٥٨).\nشرح غريب الحديث:\n(مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول) أي أن الشيطان يريد أن يصور للإنسان الذي يريد الهجرة بدينه أن المهاجر يصير كالرجل المقيد خارج بلاده، كالفرس في الطول يدور ويرعي بقدر ذلك المكان والمهاجر يصير كذلك مقيدًا لا يختلط به الناس لأنه غريب عنهم ومن غير بلادهم.\n(والأطرق): جمع طريق. و(جهد المال والنفس): كناية عن إضاعة المال وجلب المشقة علي النفس والله أعلم.\n٩ - قال الله سبحانه في سورة الأعراف:\n﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧].\nوسنأتي علي تفسير هذه الآية فيما يأتي من قصة آدم إن شاء الله تعالى:\nوقال ﷾: =","vol":"1","page":186},{"text":"حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن عَوْف -وحدثنا محمد بن بَشَّار وعمر بن شَبَّه، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عوف. وحدثنا ابن بَشَّار، قال: حدثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب الثقفيّ، قالوا: حدثنا عوف. وحدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا عَنْبسة عن عوف الأعرابيّ عن قَسَامة بن زُهَير، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله خلقَ آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم علي قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل، والحَزْن، والخبيث، والطيب، ثم بُلَّتْ طينته حتى صارت طينًا لازبًا، ثم تُرِكت حتى صارت حمأ مسنونًا، ثم تركتْ حتى صارت صلصالًا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ (١). (٩١: ١).\n_________\n= ﴿قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَال هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٣].\n١٠ - وطبيعة الشيطان العدائية لبني آدم معروفة لمن قرأ كتاب الله كما قال الله تعالى:\n﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وهو بطبيعته العدوانية هذه يحاول التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة اليومية عسى أن يجبر الإنسان إلي باب من أبواب المعصية كما في صحيح البخاري \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم\". وحتي في أخص الخصوصيات ولذلك أمرنا الإسلام أن نكون حذرين في كل صغيرة وكبيرة كي لا نقع في معصية أو تلبيس إبليس.\nوقد ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه). (صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق ح / ٣٢٨٣). وفي القرآن الكريم آيات قرآنية كثيرة تتحدث عن طبيعة إبليس اللعين ودوره في إفساد المجتمعات.\nولنا في الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية كفايةٌ ولله الحمد وله المنة والفضل.\nوقد جمع الحافظ ابن كثير أحاديث كثيرة عند حديثه عن إبليس في بداية كتابه القيم البداية والنهاية فليراجع.\n(١) هذا إسناد مركب صحح مداره على عوف الأعرابي وهو ثقة.\nوالشطر الأول من الحديث أخرجه الترمذي (ح ٢٩٥٥) وقال: حسن صحيح. وأخرج أحمد شطره الأول كذلك. =","vol":"1","page":187},{"text":"وحدثنا ابن بَشَّار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهديّ، قالا: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: خُلِق آدم من ثلاثة: من صلصال، ومن حمأ، ومن طين لازب. فأما اللازب فالجيّد، وأما الحمأ فالحمئة، وأما الصلصال فالتراب المدقَّق، ويعني تعالى ذكره بقوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ من طين يابس له صلصلة، والصلصلة: الصوت (١). (١: ٩١).\nحدثني محمد بن خلف، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيَّان، قال: حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵊. قال أبو خالد: [وحدثني الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -]. قال أبو خالد: وحدثني داود بن أبي هند عن الشعبيّ عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. قال أبو خالد: وحدثني ابن أبي ذباب الدوْسيّ، قال: حدثني سعيد المقبُرِيّ، ويزيد بن هرمز عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"خلق الله ﷿ آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملأ من الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطَس فقال: الحمد لله، فقال له ربُّه: يرحمك ربّك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم. فأتاهم فقال: السلام عليكم، فقالوا له: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلي ربه ﷿ فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم (٢). (١: ٩٦).\n_________\n= وقال العلامة أرناؤوط: إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير قسامة فقد روي له أصحاب السنن سوى ابن ماجه وهو ثقة. (المسند / ح ١١٥٨٢).\nولفظه (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك).\nمن حديث أبي موسى مرفوعًا (المسند / ح ١٩٥٨٢) وأخرجه أبو داود (٤/ ٤٦٩٣) وأخرجه البيهقي في السنن (٩/ ٣). والله أعلم. (٢/ ٢٦٢) وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي، وأخرجه ابن حبان (بدء الخلق / ح ١١٦٠) والله أعلم.\n(١) هذا إسناد موقوف صحيح إلى ابن عباس والثلاثة التي ذكرها مذكورة في القرآن وهذا الأثر تفسير لغوي لهذه الألفاظ والله أعلم.\n(٢) مدار هذه الرواية على سليمان بن حيان صدوق، والحديث أخرجه ابن حبان من طريق آخر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا وقال أرناؤوط: إسناده قوي (الموارد ح ٢٠٨٢). =","vol":"1","page":188},{"text":"فلما أظهر إبليس من نفسه ما كان له مخفيًا فيها من الكبر والمعصية لربه، وكانت الملائكة قد قالت لربها ﷿ حين قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. فقال لهم ربهم: إني أعلم ما لا تعلمون، تبيّن لهم ما كان عنهم مستترًا، وعلموا أن فيهم مَنْ منه المعصية لله ﷿ والخلاف لأمره (١). (١: ٩٦).\nثم علَّم الله ﷿ آدم الأسماء كلَّها. واختلف السلف من أهل العلم قبلنا في الأسماء التي عُلِّمَها آدم: أخاصًّا من الأسماء عُلِّم، أم عامًّا؟ فقال بعضهم: علِّم اسم كل شيء (٢). (١: ٩٦).\n* ذكر من قال ذلك:\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: علم الله تعالى آدم الأسماء كلَّها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار؛ وأشباه ذلك من الأمم وغيرها (٣). (١: ٩٧).\nحدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن عاصم بن كليب، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَّمَ\n_________\n= وأخرجه البيهقي (١٠ / ح ٢٠٥٢٠) من طريق المقبري عن أبي هريرة. وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب أحاديث الأنبياء / ح ٣٣٢٦) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة واستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك.\nفقال السلام عليكم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن).\n(١) قول الطبري هنا في آخر المقطع (وعلموا أن فيهم من منه المعصية لله ﷿ والخلاف لأمره) فيه نظر.\nفإن كان يعني به إبليس كان من الملائكة فلا إلَّا إذا كان يعني أن إبليس وهو جني كان حاضرًا مع ذلك الجمع من الملائكة ولكنه كان يخفي في نفسه الكبر والمعصية والله أعلم.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":189},{"text":"آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: علمه اسم كلّ شيء، حتى الفَسْوَة والفُسَيَّة (١). (١: ٩٧).\nحدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجرمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كُليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علَّمه اسم كلَّ شيء حتى الهنَّة والهُنَيَّة، والفَسْوَة والضرطة (٢). (١: ٩٧).\nحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد؛ في قول الله ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: ما خلق الله تعالى كله (٣). (١: ٩٧).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن خَصِيف، عن مجاهد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علَّمه اسم كل شيء (٤). (١: ٩٧).\nحدثنا سفيان، قال: حدثنا أبي عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير، قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيء؛ حتى البعير، والبقرة، والشاة (٥). (١: ٩٨).\nحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قَتادة في قوله ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: علَّمه اسمَ كل شيء: هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا، وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرضهم علي الملائكة، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦). (١: ٩٨).\nحدثنا بشر بن مُعاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيْع عن سعيد، عن قَتَادة، قوله ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، قال:\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.\n(٥) صحيح.\n(٦) صحيح.","vol":"1","page":190},{"text":"يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فأنبأ كلَّ صِنْف من الخلق باسمه، وألجأه إلى جنسه (١). (١: ٩٨).\nحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود؛ قال: حدثنا حجاج عن جرير بن حازم ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالا: علَّمه اسم كل شيء؛ هذا الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعل يسمّي كلَّ شيء برسمه (٢). (١: ٩٨).\n* ذكر من قال ذلك:\nحدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة: قوله: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فاستشار الملائكة في خلْق آدم - ﵇ - فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وقد علمت الملائكة من عِلمِ الله أنه لا شيء أكره إلى الله ﷿ من سفك الدماء والفساد في الأرض، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فكان في علم الله ﷿ أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة.\nقال: وذُكِر لنا أن ابن عباس كان يقول: إن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله تعالى بخالق خلقًا أكرم عليه منا، ولا أعلم منا، فابتُلوا بخلْق آدم - ﵇ - وكلّ خَلْق مبتلى، كما ابتُليت السموات والأرض بالطاعة - فقال الله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ (٣). (١: ١٠٠/ ١٠١).\nحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سعيد عن\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\nقلنا: هذه آثار عن الصحابة والتابعين تؤكد على أنه ﷾ علم آدم اسم كل شيء ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه مرفوعًا (فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كلِّ شيء ... الحديث) ضمن حديث طويل.\n(٣) إسناد مرسل صحيح.","vol":"1","page":191},{"text":"قتادة: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، يعني: حوّاء، خلقت من آدم من ضِلع من أضلاعه (١). (١: ١٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>القول في قدر مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله ﷿ إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-117> ذكر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بذلك:</span>\nحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: حدثنا عليّ بن مَعْبَد، قال: حدَّثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن عمرو بن شُرَحْبيل عن سعيد بن سعد بن عُبادة، عن سعد بن عُبَادَة، عن رسول الله - ﷺ -، قال: \"إن في الجمعة خمس خلال: فيه خُلِق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تَوفَّى الله آدم، وفيه ساعةٌ لا يَسأل العبدُ فيها ربَّه شيئًا إلا أعطاه الله إياه؛ ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة، وفيه: تقوم الساعة، وما مِنْ ملَك مقرَّب. ولا سماءٍ ولا جبل ولا أرض ولا ريح؛ إلا مشفق من يوم الجمعة\" (٢). (١: ١١٣).\nحدثني محمد بن بشار ومحمد بن مَعمَر، قالا: حدثنا أبو عامر، حدثنا زُهَير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاريّ؛ عن أبي لُبابة بن عبد المنذر، أن النبي - ﷺ - قال: \"سيد الأيام يومُ الجمعة وأعظمُها، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم النحر؛ وفيه خمس خلال: خلق الله تعالى فيه آدم، وأهبطه فيه إلى الأرض، وفيه توفِّي الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئًا إلا أعطاه إياه ما لم يكن حرامًا. وفيه تقوم الساعة؛ ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا رياح ولا بحر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة\". واللفظ لحديث ابن بشار (٣). (١: ١١٣).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده ضعيف وأخرجه الشافعي من طريق عبد الله بن محمد هذا (المسند ١/ ٣٧٦) وشطر من متنه صحيح كما سيأتي.\n(٣) في إسناده زهير بن محمد ضعفه غير واحد وقال أبو حاتم محله الصدق وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه مما حدث من حفظه ففيه أغاليط وما حدث من كتبه فهو صالح (تهذيب الكمال / ٢٠٠٢).","vol":"1","page":192},{"text":"حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا زُهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه، عن جده، عن سعد بن عبادة، أن رجلًا أتي النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير؟ فقال: \"فيه خُلِق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه تُوفي آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئًا إلا أعطاه الله إياه؛ ما لم يسأل مأثمًا أو قطيعة، وفيه تقوم الساعة؛ ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا ريح إلا هنَّ يُشفِقن من يوم الجمعة\" (١). (١: ١١٤).\nحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: حدثنا أبو زُرْعَةَ، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير يوم طلعت الشمس عليه يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة وأخرج منها\" (٢). (١: ١١٤).\nحدثني بحر بن نصر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزّناد عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيدُ الأيام يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة\" (٣). (١: ١١٤).\nحدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا شعيب بن اللَّيث، قال: حدثنا اللَّيث بن سعد عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرْمز، أنه قال: سمعت\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث يؤيده ما بعده من حديث أبي هريرة كما سنذكر.\n(٢) في إسناده أبو زرعة (وهب الله بن راشد) ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ. وقال أبو حاتم محله الصدق (لسان الميزان ترجمة ٩١٤١/ ٩٤٣٧).\nوالحديث صحيح أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة (١ / ح ١٠٤٦) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٧) والترمذي في سننه (١/ ٤٩٧) وشطر منه عند مسلم (١/ ٨٥٤).\n(٣) لفظة (سيد الأيام) وردت في رواية الطبري هذه وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٧) وقال: هذا حديث صحيح علي شرط مسلم فقد استشهد بعبد الرحمن بن أبي الزناد ولم يخرجا (سيد الأيام). اهـ.\nقلنا: وعبد الرحمن هذا ضعفه عدد غير قليل من الأئمة وروي له مسلم في مقدمة صحيحه وقال الحافظ: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد.","vol":"1","page":193},{"text":"أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لم تطلع الشمس علي يوم مثل يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أخرِج من الجنة، وفيه أعيد فيها\" (١). (١: ١١٤).\nحدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا إسحاق بن منصور عن أبي كُدَينَة، عن مغيرة، عن زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن القَرْثع، عن سلمان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتدري ما يوم الجمعة؟ هو يوم جَمَّع فيه أبوك\"، أو \"أبوكم آدم\" - ﵇ - (٢). (١: ١١٥).\nحدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا حسن بن عطية، قال: حدثنا قيس عن الأعمش، عن إبراهيم. عن القَرثع، عن سلمان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتدري ما الجمعة\"؟ أو قال: كذا، \"فيها جَمَّعَ أبوكم آدم\" (٣). (١: ١١٥/ ١١٦).\nحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة عن منصور، عن إبراهيم، عن القَرثع، عن سلماق، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"أتدري ما يوم الجمعة؟ \" قلت: لا، قال: \"فيه جمع أبوك\" (٤). (١١٦: ١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم - ﵇ - من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض</span>\nاختلف في ذلك، فروي عن عبد الله بن سَلَام وغيره في ذلك ما حدَّثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير يوم طلعت فيه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة -[يقلّلها] لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرًا إلَّا\n_________\n(١) إسناده صحيح والحديث صحيح كما سبق.\n(٢) حديث صحيح أخرجه الحاكم كما ذكرنا وابن خزيمة (ح / ١٧٣٢) بأطول من هذا وصحح الدكتور الأعظمي إسناده وقال أخرجه الطبراني وأحمد. اهـ.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.","vol":"1","page":194},{"text":"آتاه الله إياه\"، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أيّ ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، قال الله ﷿: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ (١). (١١٧: ١).\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربيّ وعبدة بن سليمان وأسد بن عمرو؛ عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحوه، وذكر فيه كلام عبد الله بن سَلَام بنحوه (٢). (١: ١١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها</span>\nفهذا الذي قاله هؤلاء هو أولى بالصواب، وأشبَه بما دلَّ عليه كتاب ربنا ﷿، وذلك أن الله عزَّ ذكره لما تقدم إلى آدم وزوجته حواء بالنهي عن طاعة عدوِّهما، قال لآدم: ﴿يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾، فكان معلومًا أن الشقاء الذي أعلمه أنه يكون إن أطاع عدوَّه إبليس، هو مشقة الوصول إلى ما يُزِيل الجوعَ والعُرْيَ عنه، وتلك هي الأسباب التي بها يَصل أولاده إلى الغذاء، من حراثة وبذر وعلاج وسَقي، وغير ذلك من الأسباب الشاقة المؤلمة. ولو كان جِبْريل أتاه بالغذاء الذي يصل إليه بِبَذره دون سائر المؤن غيره، لم يكن هناك من الشقاء الذي توعَّده به ربه على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن كبير خطب، ولكن الأمر كان -والله أعلم- على ما روينا عن ابن عباس وغيره (٣). (١٣٠: ١).\nوقد حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم عن كُلثوم بن جبر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، قال: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعْمان -يعني عرفة- فأخرج\n_________\n(١) وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو وإسناده حسن صحيح والله أعلم.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":195},{"text":"من صلبه كلَّ ذرية ذَرَأها، فنثرهم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلمهم قُبُلًا، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلي قوله: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١). (١: ١٣٤).\nحدثني عمران بن موسى القزاز، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا كلثوم بن جبر عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قال: مسح ربنا ظهر آدم، فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذه -وأشار بيده- فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى (٢). (١: ١٣٤).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عيَيْنة عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، قال: أهبِط آدم حين أهبِط فمسح الله ظهره، فأخرَج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم تلى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فجفّ القلم من يومئذ بما هو\n_________\n(١) إن كان شيخ الطبري هنا أحمد بن محمد بن نيزك الطوسي فإسناده حسن صحيح، وعلى أية حال فإن حديث ابن عباس هنا أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق الحسن بن محمد المردودي ثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"أخذ الله الميثاق من ظهر آدم - ﵇ - ... إلخ الحديث\" كما عند الطبري وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٥٤٣) وأخرجه قبل ذلك في (١/ ٢٧) من طريق وهب بن جرير بن حازم- ثنا أبي عن كلثوم بن جرير. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - ... الحديث. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ١/ ٢٧) قلنا: والحديث أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩١) وقال: كلثوم هذا ليس بالمحفوظ. اهـ.\nقلنا: والحديث أخرجه أحمد في مسنده (ح ٢٤٥٥) عن ابن عباس مرفوعًا وذكره الحافظ ابن كثير بسنده عند أحمد ثم قال: فهو إسناد جيد قوي علي شرط مسلم (البداية والنهاية ١/ ١٤٤ / ط. الفكر).\nوسنأتي على كلام العلماء في ترجيح وقفه أو رفعه بعد ذكر الروايات الموقوفة الآتية عند الطبري.\n(٢) هذا الخبر أخرجه الطبري هنا مرفوعًا وانظر ما بعده.","vol":"1","page":196},{"text":"كائن إلى يوم القيامة (١). (١: ١٣٤/ ١٣٥).\n_________\n(١) هكذا رواه الطبري موقوفًا وقد رواه قبل مرفوعًا. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد إيراده للرواية المرفوعة عند أحمد:\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه إلَّا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر. فروى عنه مرفوعًا وموقوفًا وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا. وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله: وهذا أكثر وأثبت والله أعلم.\nوهكذا روي عن عبد الله بن عمر موقوفًا ومرفوعًا والموقوف أصح (البداية والنهاية ١/ ١٤٤).\nوقال الشوكاني في تفسيره لهذه الآية من سورة الأعراف (١٧٢) وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمات يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرها بين يديه ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ ثم قال الشوكاني ﵀ وإسناده لا مطعن فيه، وقد أخرجه ابن أبي حاتم موقوفًا على ابن عباس (فتح القدير / تفسير سورة الأعراف / آية ١٧٢). قلنا: وأما من المعاصرين فإن الشيخ عبد الرزاق المهدي رجح وقفه وقال: (وهو أصح من المرفوع) وإن لم ينف الشيخ عبد الرزاق وجود الشواهد الكثيرة وبألفاظ متقاربة.\nوأما المحدث الألباني فقد صحح رفعه (انظر السلسلة الصحيحة / ح ١٦٢٣) قلنا: الحديث صحت روايته موقوفًا وكذلك مرفوعًا ويؤيد المرفوع ما يلي:\n١ - الآية نفسها تشهد للحديث المرفوع وإن كان الحافظ ابن كثير ممن رجح الوقف.\n٢ - وأخرجه الطبري في تفسيره من طريق أحمد بن أبي طيبة عن سفيان بن سعيد عن الأجلح عن الضحاك عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أخذ من ظهورهِم كما يؤخذ بالمشط من الرأس. فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.\nوقد أخرج الحافظ ابن كثير هذا الحديث ثم عقب قائلًا: أحمد بن أبي طيبة هذا أبو محمد الجرجاني قاضي قوقس، كان أحد الزهاد، أخرج له النسائي في سننه وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه وقال: ابن عدي حدث بأحاديث كثيرة أكثرها غرائب، وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قوله (أي موقوفًا) وكذا رواه جرير عن منصور به، وهذا أصح والله أعلم (تفسير القرآن العظيم / ١٥٠٧).\nقلنا: وهذا يعني أن الحافظ ابن كثير يرجح وقف هذه الرواية كذلك، أما الموقوف هنا فضعيف والله أعلم.\n٣ - الشاهد الثالث: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب أحاديث الأنبياء / ح ٣٣٣٤) عن أنس =","vol":"1","page":197},{"text":"حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدثنا روح بن عبادة وسعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أبي أنَيسَة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجُهنيّ؛ أن عمر بن الخطاب، ﵁ سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فقال عمر: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه واستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون\"، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: \"إن الله ﵎ إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، [حتى يموت على عملٍ من عمل أهل الجنة] فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعملِ أهل النار حتى يموتَ على عملٍ من عمل أهل النار فيدخله النار\" (١). (١: ١٣٥).\n_________\n= ﵁ يرفعه: \"إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك\".\nقلنا: والحديث أخرجه مسلم من حديث أنس مرفوعًا (صحيح مسلم / كتاب صفات المنافقين / ح ٢٨٠٥).\n٤ - الشاهد الرابع: حديث عمر بن الخطاب الآتي عند الطبري وغيره.\n(١) هذا إسناد ضعيف والحديث أخرجه الترمذي في سننه (كتاب تفسير القرآن / ح ٣٠٧٥) وأحمد في مسنده (ح ٣١١) وأبو داود (ح ٤٧٠٣) والإمام مالك في الموطأ (ح ١٦٦١) من طريق زيد بن أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهني عن عمر بن الخطاب مرفوعًا وصححه ابن حبان (ح ٦١٦٦).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الحافظ ابن كثير: وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جعثم عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث. قلنا: وقد أخرجه أبو داود (٤٧٠٤) وحديث مالك أتم.\nوقال الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال: وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ﵀ (وهذه الأحاديث كلها دالة =","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم - ﵇ - بعد أن أهبط إلى الأرض</span>\nوالصحيح من القول عندنا أن الذي ذكر اللهُ في كتابه أنه قتل أخاه من ابني آدم هو ابن آدم لصلبه، لِنَقْلِ الحجّة أن ذلك كذلك، وأن هنَّاد بن السريّ حدثنا، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع جميعًا عن الأعمش. -وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش- عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبي - ﷺ -: \"ما من نفس تُقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّل كِفْلٌ منها\"، وذلك لأنه أولُ مَنْ سَنَّ القتل\" (١). (١: ١٤٤).\n_________\n= على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال (البداية والنهاية ١/ ١٤٤).\nقلنا: والحديث (حديث عمر) ذكره الألباني في الضعيفة (٣٠٧٠) وصححه لغيره في تخريج شرح الطحاوية. انظر المشكاة (٩٦) وانظر السلسلة الضعيفة (٣٠٧١).\nوكذلك أرناؤوط: إذ قال صحيح لغيره (وانظر المسند ١/ ٤٠٠) وقال أيضًا: قلنا وفي الباب عن عمران بن حصين وعلي وجابر وعبد الرحمن بن قتادة السلمي وهي مخرجة في (صحيح ابن حبان ٣٣٣ - ٣٣٨). ومن حديث عمر نفسه عند الآجري في الشريعة (١٧٠ - ١٧١) وانظر التمهيد (٦/ ١٢٠٦) اهـ. كلام أرناؤوط (المسند ١/ ٤٠٠).\nقلنا: ونرى هنا جديرًا أن نذكر كلام الإمام الحافظ ابن عبد البر في حكمه على الحديث:\nيقول ابن عبد البر: هذا الحديث منقطع بهذا الإسناد لأن مسلم بن يسار هذا لم يَلْقَ عمر بن الخطاب .. ثم قال: وزيادة من زاد فيه نعيم بن ربيعة ليست حجة. لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن، وجملة القول في الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحيل العلم، ولكن وخبر هذا الحديث قد صحَّ عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها (التمهيد ٦/ ٣) والله أعلم.\nقلنا: وأخرج ابن أبي عاصم في السنة نحوه من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني (٢٠٤، ٢٠٥) / ص ٢٧٦ والله أعلم.\n(١) حديث ابن مسعود هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ولفظه (لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل) صحيح البخاري / كتاب حديث الأنبياء / ح ٣٣٣٥) وقال الحافظ ابن حجر: وأورده (أي البخاري) هنا ليلمح بقصة ابني آدم =","vol":"1","page":199},{"text":"حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ -وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي- جميعًا عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - نحوه (١). (١: ١٤٤).\nفقد بيَّن هذا الخبر عن رسول الله - ﷺ - صحةَ قول مَنْ قال: إن اللذين قصَّ الله في كتابه قصتهما من ابني آدم كانا ابنيه لصلبه؛ لأنه لا شكَّ أنهما لو كانا من بني إسرائيل -كما رُوي عن الحسن- لم يكن الذي وُصف منهما بأنه قتل أخاه أوَّل من سنّ القتل، إذ كان القتل في بني آدم قد كان قبل إسرائيل وولده (٢). (١: ١٤٤).\nفإن قال قائل: فما برهانك على أنهما ولدا آدم لصلبه، وأن لم يكونا من بني إسرائيل (٣)؟ (١: ١٤٤).\nقيل: لا خلافَ بين سلف علماء أمتنا في ذلك، إذا فسدَ قولُ من قال: كانا من بني إسرائيل (٤). (١: ١٤٥).\nونرجع الآن إلى الزيادة في الإبانة عن خطأ قول من قال: إن أول ميت كان في أول الأرض آدم، وإنكاره الذين قصّ الله نبأهما في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾، أن يكونا من صُلب آدم من أجل ذلك (٥). (١: ١٤٨).\nحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن أبي ذرّ قال: قلت، يا نبي الله، أنبيًّا كان آدم؟ قال: \"نعم، كان نبيًّا، كلَّمه الله قُبُلًا\" (٦). (١٥١: ١).\n_________\n= حيث قتل أحدهما الآخر ولم يصح على شرطه شيء من قصتهما وفيما قصه الله علينا في القرآن من ذلك كفاية عن غيره (فتح الباري ٧/ ١٣).\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.\n(٥) صحيح.\n(٦) شيخ الطبري ضعيف إلا أن الحديث صحيح فقد أخرج ابن حبان في صحيحه (ح / ٦١٩٠) عن أبي أمامة أن رجلًا قال يا رسول الله أنبي كان آدم؟ . قال: نعم، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون) وصححه العلامة أرناؤوط (الموارد / ح ٢٠٨٥).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>ذكر وفاة آدم - ﵇ </span>-\nاختُلِف في مدة عمره، وابن كَمْ كان يوم قبضه الله ﷿ إليه.\nفأما الأخبار عن رسول الله - ﷺ - فإنها واردة بما حدثني محمد بن خلف العسقلانيّ، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان، قال: حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال أبو خالد: وحدثني الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. قال أبو خالد: وحدثني داود بن أبي هند عن الشعبي، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. قال أبو خالد: وحدثني ابن أبي ذباب الدَّوْسيُّ، قال: حدثنا سعيد المقبُريّ ويزيد بن هرمز عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطَس فقال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم، فأتاهم فقال لهم: السلام عليكم. قالوا له: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى رَبِّه فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه، فقال له: خذ واختر، قال: اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين، ففتحها له، فإذا فيها صورة آدم وذريته كلَّهم، فإذا كلّ رجل مكتوب عنده أجلهُ، وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة، وإذا قوم عليهم النور، فقال: يا ربّ، منْ هؤلاء الذين عليهم النور، فقال: هؤلاء الأنبياء والرسل الذين أرسِل إلى عبادي، وإذا فيهم رجل هو أضوؤهم نورًا، ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة، فقال: يا ربّ، ما بالُ هذا، من أضوئهم نورًا ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة؟ فقال: ذاك ما كتب له، فقال: ياربّ، انقص له من عمري ستين سنة\". فقال رسول الله - ﷺ -: \"فلما أسكنه الله الجنة ثم أهبط إلى الأرض كان يَعُدّ أيامه، فلما أتاه ملك الموت ليقبِضه قال له آدم: عجَّلتَ عليّ يا ملك الموت! فقال: ما فعلت، فقال: قد بقيَ من عمري ستون سنة، فقال له مَلَك الموت: ما بقيَ من عمرك شيء، قد سألتَ ربّك أن يكتبه لابنك داود، فقال: ما فعلتُ\". فقال: رسول الله - ﷺ -: \"فنسي آدم، فنسيتْ ذريته، وجَحَد آدم فجحَدت ذريته، فيومئذ","vol":"1","page":201},{"text":"وَضَعَ الله الكتاب، وأمر بالشهود\" (١). (١: ١٥٥).\n_________\n(١) في إسناده سليمان بن حيان قال ابن عدي: له أحاديث صالحة وإنما أتي من سوء حفظه فيغلط ويخطئ ولكن يؤيده ما أخرجه ابن حبان في صحيحه (ح ٦١٦٧) دون ذكر سجود الملائكة لآدم من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح، عطس فقال الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة -إلى ملأ جلوس- فسلمّ عليهم، فقال السلام عليكم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم. وقال الله جل وعلا ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه فإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم لم يكتب له إلا أربعين سنة قال: يا رب، ما هذا؟ قال: هذا ابنك وقد كتبت له عمره أربعين سنة، قال أي رب زده في عمره، قال ذاك الذي كتبت له. قال: فإني جعلت له من عمري ستين سنة، قال: أنت وذاك اسكن الجنة.\nفسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها وكان آدم يعدّ لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم: عجلت، قد كتبت لي ألف سنة، قال: بلى ولكنك قد جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد، فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته، فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود).\nقلنا: وإسناد الحديث هذا من الثقة والصدق.\nوقال العلامة أرناؤوط: إسناده قوي (الموارد ١/ ٢٨٠٢) والحديث أخرجه الترمذي (ح ٣٣٦٨).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - عن أبي صالح عن النبي - ﷺ -، والحديث أخرجه الترمذي (سنن الترمذي / كتاب تفسير القرآن / ح ٣٣٦٨) وقال: حسن صحيح.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٣٢٤).\nقلنا: ورواية الترمذي والحاكم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وفيهما أن عمره كان ستين سنة ثم زيد عليه أربعين سنة من عمر آدم وقد ذكر القاري أوجه الجمع بين الروايتين (المرقاة ١/ ٣٢٤) وتحفة الأحوذي ورجح الرواية (٣٠٧٦) على (٣٣٦٨) / (ح ٤٤٧) إلا أن العلامة المباركفوري لم يقتنع بتلك الاحتمالات وقال: كل ما ذكره القاري من وجوه الجمع مخدوش إلا الوجه الأخير وهو أن الحديث الذي في تفسير سورة الأعراف (ح ٣٠٧٦) أرجح من الحديث الآتي في آخر كتاب التفسير فهو المعتمد- ووجه كون الأول أرجح من الثاني ظاهر من كلام الترمذي فإنه قال بعد رواية الأول: هذا حديث حسن صحيح (ح ٣٠٧٦) وقال بعد رواية الثاني (٣٣٦٨) هذا حديث حسن غريب وأيضًا في سند الثاني سعيد بن أبي سعيد =","vol":"1","page":202},{"text":"حدثني ابن سنان، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما نزلتْ آية الدَّين قال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ أولَ منْ جحد آدم - ﵇ - ثلاث مرات، وإن الله ﵎ لما خلقه مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارّ إلى يوم القيامة، فجعل يعرضهم على آدم، فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربّ، أي نبيّ هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال: أي ربّ، كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي ربّ، زده في عمره، قال: لا، إلا أن تزيده أنت من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فوهب له من عمره أربعين عامًا، فكتب الله عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضِر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه، قال: إنه قد بقيَ من عمري أربعون سنة، قالوا: إنك قد وهبتَها لابنك داود، قال: ما فعلت ولا وهبت له شيئًا، فأنزل الله عليه الكتاب، وأقام عليه الملائكة شهودًا، فأكمل لآدم ألف سنة، وأكمل لداود مئة سنة\" (١). (١: ١٥٦).\n_________\n= المقبري وكان قد تغير قبل موته بأربع سنين- هذا ما عندي والله أعلم. اهـ. (٨/ ٤٤٧).\nقلنا: وفي رواية للإمام أحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا أنه قال: لما نزلت آية الدَّين قال رسول الله - ﷺ -: إن أول من جحد آدم، إن الله ﷿ لما خلق آدم مسح ظهره وأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى رجلًا يزهر، فقال: أي رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال: أي رب كم عمره؟ قال: ستون عامًا، قال: رب زد في عمره قال: لا إلَّا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام.\nفزاده أربعين عامًا، فكتب الله ﷿ عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم، وأتته الملائكة لتقبضه قال: إنه قد بقي من عمري أربعين عامًا فقيل: إنك وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة).\nقلنا: وفي إسناده ضعيفان يوسف بن مهران وعلي بن زيد بن جدعان؛ لذلك قال العلامة أرناؤوط: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف، علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف وكذا يوسف بن مهران وقال أرناؤوط بعد عزوه إلى المصادر وله شاهد بإسناد قوي من حديث أبي هريرة صححه ابن حبان (٦١٦٧) والله أعلم.\nوانظر مسند أحمد (٢٢٧٠، ٢٧١٣، ٣٥١٩).\n(١) هذا إسناد ضعيف وكذلك أخرجه أحمد بهذا الإسناد الضعيف (لضعف علي بن زيد بن جدعان ويوسف بن مهران) (مسند أحمد ح ٢٢٧). ويشهد له ما ذكرنا في الحديث السابق والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":203},{"text":"حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا روح بن أسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البنانيّ، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - قال: \"لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وِترًا، وألحدوا له، وقالت: هذه سنّة آدم في ولده\" (١). (١٦٠: ١).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف والحديث حسن بمجموع طرقه، وأخرج أحمد عن عتي بن ضمرة قال: رأيت شيخًا بالمدينة يتكلم فسألت عنه فقالوا: هذا أبيّ بن كعب فقال: إن آدم - ﵇ - لما حضره الموت قال لبنيه ... الحديث.\nوفي آخره: فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا له وصلوا عليه ثم دخلوا قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه اللبن ثم خرجوا من القبر ثم حثوا عليه بالتراب ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم).\nقلنا: هذا إسناد موقوف وفيه ضعف، وأخرجه غير واحد موقوفًا ومرفوعًا فقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٠٤) وابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٣) وعبد الرزاق (ح ٦٠٨٦) مرفوعًا. والدارقطني (٢/ ٧١) عن أنس موقوفًا. وأخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعًا وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلا الراوي الواحد فإن عتي بن ضمرة السعدي ليس له راوٍ غير الحسن، وعندي أن الشيخين عللاه بعلة أخرى وهو أنه روى عن الحسن عن أبيّ دون ذكر عُتي (المستدرك ١/ ٣٤٤).\nوقال العلامة أرناؤوط: ومدار هذا الحديث عليه (أي عُتي بن ضمرة) وقد تفرد به ومثله يضعف فيما انفرد به والحديث هنا موقوف (أي في مسند أحمد) (ح ٢١٢٤٠).\nوقد اختلف في رفعه ووقفه كما سنبينه. اهـ.\nقلنا: وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي بن كعب مرفوعًا (إن آدم غسلته الملائكة بماء وسدر وكفنوه وألحدوا له ودفنوه وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم في موتاكم).\nوفي رواية (لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وترًا ولحدت له وقالت: هذه سنة آدم وولده).\nوقال الهيثمي: رواه كله الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما الحسين بن أبي السري وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور وكذلك روح بن أسلم في السند الآخر: وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور (مجمع الزوائد / ح ١٣٧٥٤ / وح ١٣٧٥٥).\nوأخرج الحاكم من طريق مبارك بن فضالة في المستدرك عن أنس قال: (كبرت الملائكة على آدم أربعًا وكبر أبو بكر على النبي - ﷺ - أربعًا ... الحديث).\nوقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والمبارك بن فضالة من أهل الزهد والعلم، بحيث لا يخرج مثله إلا أن الشيخين لم يخرجا له لسوء حفظه (المستدرك ١/ ٣٨٥).\nوالحديث أخرجه الدارقطني (٢/ ٧١) وضعف إسناده، وقال الحاكم: ولهذا الحديث شاهد =","vol":"1","page":204},{"text":"حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قال أبي: وزعم قتادة عن صاحب له حدَّث عن أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كان آدم رجلًا طُوالًا كأنه نخلة سَحوق\" (١). (١: ١٦٠).\n_________\n= ثم أخرج حديثًا عن ابن عباس - ﵁ - قال: آخر ما كبَّر رسول الله - ﷺ - على الجنائز أربعًا ... الحديث. وفي آخره: وكبرت الملائكة على آدم أربعًا).\nثم قال الحاكم: لست ممن يخفى عليه أن الفرات بن السائب ليس من شرط هذا الكتاب وإنما أخرجته شاهدًا (المستدرك ١/ ٣٨٥).\nقلنا: وهذه طرق تتعاضد ببعضها، ولقد صحح المحدث الألباني الحديث في صحيح الجامع الصغير (لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وترًا وألحدوا له وقالوا: هذه سنة آدم في ولده) (صحيح الجامع الصغير وزيادته ٥٢٠٧ - ١٦٨٠).\n(١) لقد ذكرنا الرواية (١/ ١٦٠ / ٢٢٢) في قسم الضعيف وهي من طريق ابن حميد الرازي (متهم بالكذب) وقلما وجدنا له حديثًا في تأريخ الطبري لم يزد عليه ما لم يروه الثقات ولو بلفظة منكرة واحدة، وكذلك نجد روايته (١/ ١٦٠ / ٢٢٢) في متنها ما هو صحيح وما هو منكر فكيف يقول آدم - ﵇ - عند موته لزوجته حواء (فإني ما لقيت ما لقيت إلا منك ولا أصابني ما أصابني إلا منك).\nوحديث محاججة آدم لموسى معروض في الصحاح ولفظه عند البخاري في كتاب التفسير / باب ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ / ح ٤٨٣٨ / عن أبي هريرة مرفوعًا: حاجَّ موسى آدم ﵉ فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني أو قدره علي قبل أن يخلقني، قال رسول الله - ﷺ -: فحج آدم موسى\".\nوأما بقية المتن فلها ما يشهد لها:\nفقد أورد الحافظ ابن كثير رواية ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن بن إسكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله خلق آدم طوالًا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتدّ في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن ﷿: يا آدم مني تفر. فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب: لا ولكن استحياء\". (البداية والنهاية ١/ ١٢٧). وحسن ابن حجر إسناد ابن أبي حاتم هذا (الفتح ٧/ ١٠).\nثم ذكر الحافظ ابن كثير رواية ابن عساكر وهي مختصرة بعض الشيء عن رواية ابن أبي حاتم (وانظر مختصر تاريخ دمشق ٤/ ٢٢٢) وهي من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن البصري عن أبيّ بن كعب مرفوعًا ثم قال ابن كثير: =","vol":"1","page":205},{"text":"وكانت وفاته يوم الجمعة، وقد مضى ذكرنا الرواية بذلك، فكرهنا إعادته (١). (١: ١٦١).\nونرجع الآن إلى قصة قابيل وخبره وأخبار ولده وأخبار شيث وخبر ولده إذ كنا قد أتينا من ذكر آدم وعدوه إبليس وذكر أخبارهما، وما صنع الله بإبليس إذ تجبر وتعظّم وطغى على ربه ﷿ فأشر وبطر نعمته التي أنعمها الله عليه، وتمادى في جهله وغيّه، وسأل ربه النظرة، فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم، وما صنع الله بآدم صلوات الله عليه إذ خطئ ونسيَ عهد الله من تعجيل عقوبته له على خطيئته، ثم تغمده إياه بفضله ورحمته، إذ تاب إليه من زلَّته فتاب عليه وهداه، وأنقذه من الضلالة والردى حتى نأتيَ على ذكر مَن سلك سبيلَ كلّ واحد منهما؛ من تباع آدم - ﵇ - على منهاجه وشيعة إبليس والمقتدين به في ضلالته، إن شاء الله، وما كان من صنع الله ﵎ بكل فريق منهم (٢). (١٦٢: ١).\n* * *\n_________\n= ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن يحيى بن ضمرة عن أبيّ بن كعب عن النبي - ﷺ - بنحوه وهذا أصح فإن الحسن لم يدرك أبيًا. (البداية والنهاية ١/ ١٢٧).\nقلنا: ولكن محمد بن إسحاق مدلّس وقد عنعن هنا ولم يصرح بالتحديث والله أعلم.\nثم قال ابن كثير:\nثم أورده أيضًا من طريق خيثمة بن سليمان الأطرابلسي عن محمد بن عبد الوهاب أبي قرصافة العسقلاني عن آدم بن أبي إياس عن شيبان عن قتادة عن أنس مرفوعًا نحوه (البداية والنهاية ١/ ١٢٧).\nقلنا: فهذه روايات ثلاث تشهد لبعضها والله أعلم. ويشهد لبعض المتن ما أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب حديث الأنبياء / ح ٣٣٢٦) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة ... الحديث\".\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(١/ ١٦٤): قلنا: لقد ذكر الطبري ﵀ في قصص الأنبياء آيات وسورًا في أخبارهم إلا أنه ﵀ خلط التفسير بعشرات الأقوال المستقاة من الإسرائيليات. =","vol":"1","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلا أن ابن كثير فسّر تلك الآيات وقلل من استشهاده بتلك الإسرائيليات ولكنه مع ذلك لم يسلم منها.\nونحن هنا نذكر جانبًا من تلك الآيات والسور وكما فسرها ابن كثير بعد حذف ما في التفسير من الإسرائيليات وبعد اختصار وتعليق أحيانًا قليلة مع تخريج الآثار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>نبيُّ اللهِ آدَم ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[خلق آدم - ﵇ </span>-]:\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٩].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ...\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا ...﴾ [الأعراف: ١٨٩].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَال فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَال أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَال إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَال فَبِمَا أَغْوَيتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَال اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) =","vol":"1","page":207},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَال اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَال فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ١١ - ٢٥].\nكما قال في الآية الأخرى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣) قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَال هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٤٤].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ قَال أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا (٦٢) قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦١ - ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢) قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١١٥ - ١٢٦]. =","vol":"1","page":208},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٦٧ - ٨٨].\nفهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن، وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير، ولنذكر ها هنا مضمون لما دلت عليه هذه الآيات الكريمات، وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله - ﷺ -، والله المستعان. فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلًا لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضًا كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته، كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض والتنقيص لبني آدم والحسد لهم، كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: نعبدك دائمًا لا يعصيك منا أحد، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك، فها نحن أولاء لا نفتر ليلًا ولا نهارًا. ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون، أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء والصالحون.\nثم بيَّن لهم شرف آدم عليهم في العلم، فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال ابن عباس: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار ... وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.\nوقال مجاهد: علَّمه اسم الصحفة، والقدر، حتى الفسوة والفسية. وقال مجاهد: علَّمه اسم كل دابة، وكل طير وكل شيء. وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد. وقال الربيع: علَّمه أسماء الملائكة. وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته. والصحيح: أنه علَّمه أسماء الذوات وأفعالها مكبّرها ومصغّرها، كما أشار إليه ابن عباس - ﵄ -.\nوذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام، عن قتادة، عن أنس بن =","vol":"1","page":209},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مالك، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"يُجمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء\" .. وذكر تمام الحديث (صحيح البخاري / ح ٧٤١٠) ومسلم (١/ ٨٤ / ٣٢٢).\n﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك، كما قال ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي أعلم السر كما أعلم العلانية.\nوقيل: إن المراد بقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وبقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ المراد بهذا الكلام إبليس حين أسرَّ الكبرَ والنَّفاسة على آدم - ﵇ -، قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، كما قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فهذه أربع تشريفات، خلقه بيده الكريمة، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الأشياء.\nولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي: \"أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء\".\nوقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.\nومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم، فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياس إذا كان مقابلًا بالنص كان فاسد الاعتبار، ثم هو فاسد في نفسه، فإن الطين أنفع وخير من النار، لأن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق.\nثم إن آدم شرّفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه، ولهذا أمر الملائكة بالسجود له، كما قال: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣) قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ استحق هذا من الله =","vol":"1","page":210},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراءه به، وترفعه عليه، مخالفة الأمر الإلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين.\nوشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئًا، وكان اعتذاره أشد من ذنبه، كما قال تعالى في سورة سبحان: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ قَال أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا (٦٢) قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.\nوقال في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ أي خرج عن طاعة الله عمدًا وعنادًا واستكبارًا عن امتثال أمره، وما ذاك إلا لأنه خان طبعه، ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليه، فإنه مخلوق من نار كما قال، وكما جاء في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله - ﷺ - قال: \"خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\".\nقال الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط.\nوقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٨٥].\nوقال في سورة الأعراف: ﴿قَال فَبِمَا أَغْوَيتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ أي بسبب إغوائك إيَّاي لأقعدن لهم كل مرصد، ولآتينهم من كل جهة منهم، فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل -هو عبد الله بن عقيل الثقفي- حدثنا موسى بن المسيب، وعن سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه\" وذكر الحديث المجتبي.\nوقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم: أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات؟ وهو قول الجمهور. أو أن المراد بهم ملائكة الأرض، كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس؟ وفيه انقطاع، وفي السياق نكارة، وإن كان بعض المتأخرين قد رجّحه. ولكن الأظهر من السياقات الأولى، ويدل عليه الحديث: \"وأسجد له =","vol":"1","page":211},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ملائكته\" وهذا عموم أيضًا ... والله أعلم. وقوله تعالى لإبليس: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ و: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ دليل على أنه كان في السماء فأُمر بالهبوط منها، والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته، وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة، ثم سلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه، فأهبط إلى الأرض مذمومًا مدحورًا.\nوأمر الله آدم - ﵇ - أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال في الأعراف: ﴿قَال اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٦ - ١١٩].\nوسياق هذه الآيات يقتضي: أن خلق حواء كان قبل دخول آدم إلى الجنة لقوله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهذا قد صرح به إسحاق بن يسار، وهو ظاهر هذه الآيات.\nوقد اختلف المفسرون في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وقد أبهم الله ذكرِها وتعيينها ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن (رحم الله ابن كثير فكم من الدرر في تفسيره).\nوالجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى، لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي، وإنما تعود على معهود ذهني، وهو المستقر شرعًا من جنة المأوى. وكقول موسى ﵇ لآدم - ﵇ -: \"علام أخرجتنا ونفسك من الجنة ... \"؟ الحديث كما سيأتي الكلام عليه.\nوروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي -اسمه سعد بن طارق- عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي هريرة، وأبي مالك عن ربعي، عن حذيفة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ فيقُومُ المُؤْمنون حينَ تزلف لهُمُ الجَنَّة. فيأتُون آدَمَ فيقولونَ: يا أبانا .. استَفْتح لنا الجنة، فيقولُ: وهل أَخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إلَّا خَطِيئَةُ أبيكُمْ\".\nفلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نُهي عنها، أُهبط إلى أرض الشقاء والتعب، والنصب والكَدَر، والسعي والنكد، والابتلاء والاختبار والامتحان، واختلاف السكان دينًا وأخلاقًا وأعمالًا، وقصودًا وإرادات، وأقوالًا وأفعالًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾ أي عن الجنة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي من النعيم والنضرة والسرور، إلى دار التعب والكد والنكد، وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما، كما قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَال مَا =","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد</span>\nقال أبو جعفر: وهذا القول غير بعيد من الحق؛ وذلك أنه قول قد رُوي عن\n_________\n= نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ يقول: ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، أي لو أكلتما منها لصرتما كذلك.\n﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي حلف لهما على ذلك ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ أي هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم، واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي؟ وهذا من التغرير والتزوير والإخبار بخلاف الواقع.\nوالمقصود أن قوله: شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خلدت، وقد تكون هي الشجرة التي قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها: شجرة الخلد\" ورواه أيضًا عن غندر وحجاج، عن شعبة ورواه أبو داود والطيالسي في مسنده عن شعبة أيضًا به. قال غندر: قلت لشعبة: هي شجرة الخلد؟ قال: ليس فيها هي. تفرد به أحمد. وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، كما قال في طه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.\n﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nوهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة، وتذلل وخضوع واستكانة، وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة، وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه ﴿قَال اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس.\nوقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قيل هي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ روي هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوالله تعالى أعلم. اهـ. انتهى كلام الحافظ ابن كثير ﵀.","vol":"1","page":213},{"text":"جماعة من سلف علماء أمة نبينا - ﷺ - نحو منه، وإن لم يكونوا بيّنوا زمانَ مَنْ حدث ذلك في ملكه، سوى ذكرهم أن ذلك كان فيما بين آدم ونوح صلى الله عليهما وسلم (١). (١: ١٦٦).\n* ذكر من رُوي ذلك عنه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>نبي الله إدريس - ﵇ </span>-\nلقد ذكر الطبري ﵀ روايات عدة في خبر إدريس - ﵇ - وهي مستقاة من الروايات الإسرائيلية وذكرناها جميعًا في قسم الضعيف. قال الله تعالى في سورة مريم:\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.\nوالمراد بالمكان العليّ هنا والله أعلم ما أعطيه من شرف النبوة، وقيل إنه رفع إلى الجنة (الشوكاني) وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله - ﷺ - مرّ بإدريس وهو في السماء الرابعة (صحيح البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٤٢) من حديث أنس مرفوعًا في حادثة الإسراء / وفيه: فلما مرّ جبريل بإدريس قال: \"مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس\".\nوأخرج أحمد من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن الخط بالرمل فقال: \"إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك\" [مسند أحمد / ح ٢٣٨٢٣].\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا همّام، عن قَتادة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم ﵉ عشرة قرون، كلُّهم على شريعة من الحق؛ فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشِّرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: ﴿كَانَ النَّاسُ إلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ (٢) (١٧٨: ١).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده صحيح إلى ابن عباس - ﵄ - وأخرجه الحاكم من طريق شيخ الطبري هنا (محمد بن بشار) ثنا أبو داود ثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - =","vol":"1","page":214},{"text":"حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة: قوله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: كانوا على الهُدى جميعًا فاختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، فكان أول نبيّ بعث نوح ﵇ (١). (١: ١٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح - ﵇ </span>-\nفأما كتاب الله فإنه ينبيء عنهم أنهم كانوا أهلَ أوثان، وذلك أن الله ﷿ يقول مخبرًا عن نوح: ﴿قَال نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا (٢١)\n_________\n= قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.\nقال: وكذلك في قراءة عبد الله (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلفُوا).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه (المستدرك مع التلخيص / ٢/ ٥٤٦).\nوأخرجه الحاكم أيضًا من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا همام عن قتادة ثنا عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فلما اختلفوا بعث الله النبيين والمرسلين وأنزل كتابه فكانوا أمة واحدة.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٤١).\nقلنا: وأخرج البزار (ح ٢١٩٠) عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"كان بين آدم وبين ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق قال: فلما بعث الله النبي - ﷺ - وأنزل كتابه قال: فكان الناس أمة واحدة).\nوقال الهيثمي: رواه البزار وفيه عبد الصمد بن النعمان وثقه ابن معين وقال غيره: ليس بالقوي (مجمع الزوائد / ح ١٠٨٥٨).\nوأخرج أبو يعلى (ح ١١٨٣٠) عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: على الإسلام كلهم. وقال الهيثمي: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح (مجمع الزوائد / ح ١٠٨٥٧).\nقلنا: وأما المرفوع فقد أخرج ابن حبان في صحيحه (ح ٦١٩٠) عن أبي أمامة - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: نعم، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. وقال الحافظ ابن كثير: وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه (البداية والنهاية ١/ ١٦٠) والله تعالى أعلم.\n(١) هذا إسناد مرسل صحيح ومعناه صحيح (انظر ما قبله).","vol":"1","page":215},{"text":"وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. فبعث الله إليهم نوحًا مخوِّفهم بأسه، ومحذِّرهم سطوته، وداعيًا لهم إلى التوبة والمراجعة إلى الحق (١). (١: ١٧٩).\nقال ابن إسحاق: حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتدَّ عليه منهم البلاء، وانتظر النجل بعد النجل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبثَ من الذي قبله؛ حتى إن كان الآخر منهم ليَقول: قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا؛ هكذا مجنونًا! لا يقبلون منه شيئًا، حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله ﷿، فقال كما قصَّ الله ﷿ علينا في كتابه: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا﴾ إلى آخر القصة، حتى قال: ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ إلى آخر القصة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله ﷿ واستنصره عليهم أوحى الله إليه أن ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. فأقبل نوح على عمل الفلك، ولها عن قومه، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد، ويهيّئ عُدة الفلك من القار وغيره مما لا يُصلحه إلَّا هوَ، وجعل قومه يمرُّون به، وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه، ويستهزئون به فيقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢). (١: ١٨٢/ ١٨٣).\nقال أبو جعفر: وقد أخبر الله تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف ما قالوا، فقال وقوله الحق: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾؛ فأخبر عزّ ذكره أنّ ذريةَ نوح هم الباقون دون غيرهم (٣). (١٩٢: ١).\nحدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله:\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) ذكر ابن إسحاق كلامه هذا بلا إسناد إلا أن معناه صحيح مأخوذ من تفسير الآيات وكما فسَّرها ابن إسحاق وعنه الطبري والله أعلم.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":216},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، قال: فالناس كلُّهم من ذرية نوح (١). (١: ١٩٢).\nحدثني علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ يقول: لم يبق إلا ذرّية نوح (٢). (١: ١٩٢).\nوهذا الذي ذكر عن الشعبيّ من التاريخ ينبغي أن يكون على تاريخ اليهود، فأما أهل الإسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة، ولم يكونوا يؤرخون بشيء من قبل ذلك، غير أن قريشًا كانوا -فيما ذكر- يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل، وكان سائرُ العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة، كتاريخهم بيوم جَبَلة، وبالكُلاب الأول، والكلاب الثاني.\nوكانت النَّصارى تؤرخ بعهد الإسكندر ذي القرنين؛ وأحسبهم على ذلك من التاريخ إلى اليوم.\nوأما الفرس فإنهم كانوا يؤرِّخون بملوكهم، هم اليوم فيما أعلم يؤرخون بعهد يزدجِرْد بن شهريار، لأنه كان آخر مَنْ كان من ملوكهم له ملك بابل والمشرق (٣). (١: ١٩٣).\n_________\n(١) صحيح مرسل.\n(٢) هذا إسناد موقوف والمعنى صحيح وهو تفسير للآية الكريمة من حبر الأمة ابن عباس - ﵄ -.\n(٣) صحيح.\nالآيات الواردة في قصة نوح - ﵇ - مع تفسيرها اعتمادًا على ابن كثير بعد حذف الإسرائيليات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>نوح في القرآن:</span>\nوقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز، ففي الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات؛ وأنزل فيه سورة كاملة.\nفقال في سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَال يَاقَوْمِ لَيسَ بِي ضَلَالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ =","vol":"1","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾.\nوقال تعالى في سورة يونس: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَال لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nوقال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَال إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَال سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَال لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلا مَنْ رَحِمَ وَحَال بَينَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَال رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهَا إِلَيكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ =","vol":"1","page":218},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧].\nوقال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَينَا إِلَيهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٣ - ٣٠].\nوقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَال رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٢٢].\nوقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾. وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.\nوقال تعالى في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\nوقال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَال يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ =","vol":"1","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَال نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا تَبَارًا﴾.\nوقد تكلمنا على كل موضع من هذه في التفسير. وسنذكر مضمون القصة مجموعًا من هذه الأماكن المتفرقة، ومما دلت عليه الأحاديث والآثار. وقد جرى ذكره أيضًا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه، فقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَينَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيمَانَ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].\nوقال في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الآيات. وتقدمت قصته في الأعراف.\nوقال في سورة براءة: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وتقدمت قصته في يونس وهود.\nوقال في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ﴾.\nوقال في سورة الإسراء: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وقال فيها أيضًا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وتقدمت قصته في الأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت.\nوقال في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، وقال في سورة ص: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو =","vol":"1","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾.\nوقال في سورة غافر: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.\nوقال في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ﴾.\nوقال تعالى في سورة ق: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. وقال في سورة الذاريات: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وقال في سورة النجم: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾. وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة. وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وقال تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.\nوأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذًا من الكتاب والسنة والآثار، فقد قدَّمنا عن ابن عباس: أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[عبادة الأصنام]:</span>\nثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور، اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام. وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وانتسخ العلم عبدت.\nقال ابن عباس: وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن إسحاق. قال ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس قال: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.\nوقد ذكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان، جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت =","vol":"1","page":221},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لها، ثم عبدت بعد ذلك من دون الله ﷿. ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدًّا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير .. ولله الحمد والمنة.\nوقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله - ﷺ - أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها بأرض الحبشة، ويقال لها \"مارية\" وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها قال: \"أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله ﷿ (صحيح البخاري / كتاب الصلاة / ح ٤٢٧) ومسلم (١٦/ ٥٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[نوح يدعو لعبادة الله]:</span>\nوالمقصود أن الفساد لما انتشر في الأرض وعمَّ البلاء بعبادة الأصنام فيها، بعث الله عبده ورسوله نوحًا - ﵇ -، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه.\nفكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في حديث الشفاعة، قال: \"فيأتون آدم فيقولون: يا آدم .. أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي قد غضب غضبًا شديدًا لم يغضب قبله مثله، ولا يَغْضب بعده مثله، ونهاني عن شجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح .. أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك ﷿؟ فيقول: ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي\" وذكر تمام الحديث كما أورده البخاري في قصة نوح. (صحيح البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٤٠) ومسلم (٣٢٧/ ١٩٤).\nفلما بعث الله نوحًا - ﵇ -، دعاهم إلى إفراد عبادة الله وحده لا شريك له، وألا يعبدوا معه صنمًا ولا تمثالًا ولا طاغوتًا وأن يعترفوا بوحدانيته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذي هم كلهم من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وقال فيه وفي إبراهيم: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، أي كل نبي من بعد نوح من ذريته، وكذلك إبراهيم.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ولهذا قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا =","vol":"1","page":222},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، وقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقال: ﴿قَال يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾، ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ .. الآيات الكريمات.\nفذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار، والسر والإجهار، بالترغيب تارة والترهيب أخرى، وكل هذا لم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان، وعبادة الأصنام والأوثان، ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان، وتنقَّصوه، وتنقَّصوا مَنْ آمن به، وتوعَّدوهم بالرجم والإخراج، ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم. ﴿قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: السادة الكبراء منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿قَال يَاقَوْمِ لَيسَ بِي ضَلَالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: لست كما تزعمون أني ضال، بل على الهدى المستقيم، رسول من رب العالمين، أي: الذي يقول للشيء كن فيكون: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا، أي فصيحًا ناصحًا، أعلم الناس بالله ﷿.\nوقالوا له فيما قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ تعجبوا أن يكون بشر رسولًا، وتنقصوا من اتبعه ورأوهم أراذلهم، وقد قيل: إنهم كانوا من أفناد الناس وهم ضعفاؤهم، كما قال هرقل: \"وهم أتباع الرسل\"، وما ذاك إلا لأنه لا مانع لهم من اتباع الحق.\nوقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية. وهذا الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه -﵃-، فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر، بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر. ولهذا قال رسول الله - ﷺ - مادحًا الصديق: \"ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم\"، ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضًا سريعة من غير نظر ولا روية، لأن أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة - ﵃ -. ولهذا قال رسول الله - ﷺ - لما أراد أن يكتب الكتاب الذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه، قال: \"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\" - ﵁ - (صحيح مسلم / ٤٤/ ١ / ١١).\nوقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُو﴾ أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالإيمان ولا مزية علينا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.\nوهذا تلطف في الخطاب معهم: وترفق بهم في الدعوة إلى الحق، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهذا منه.\nيقول لهم: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي النبوة والرسالة ﴿فَعُمِّيَتْ =","vol":"1","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عَلَيكُمْ﴾ أي فلم تفهموها، ولم تهتدوا إليها، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي أنغصبكم بها، ونجبركم عليها؟ ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه. ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾ أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وأبقى مما تعطونني أنتم.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه، ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك، فأبى عليهم ذلك وقال: ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي فأخاف إن طردتهم أفلا تذكرون. ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله - ﷺ - أن يطرد عنه ضعفاء المؤمنين، كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم، نهاه الله عن ذلك، كما بيّناه في سورتي الأنعام والكهف.\n﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي بل أنا عبد ورسول، لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ولا أقدر إلا على ما أقدرني عليه، ولا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يعني من أتباعه ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة، الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، كما قالوا في المواضع الأخرى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\nوقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي ومع هذه المدة الطويلة، ما آمن به إلا القليل منهم. وكان كلما انقرض جيل وصَّوا من بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته. وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه، وصَّاه فيما بينه وبينه، ألا يؤمن بنوح أبدًا ما عاش، ودائمًا ما بقي. وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].\nولهذا: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢﴾ قَال إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي إنما يقدر على ذلك الله ﷿، فإنه الذي لا يعجزه شيء ولا يكترثه أمر، بل هو الذي يقول للشيء كن فيكون.\n﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته، هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، وهو العزيز الحكيم، العليم بمن يستحق الهداية، ومن يستحق الغواية، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.\n﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ تسلية له عما كان منهم إليه ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وهذه تعزية لنوح - ﵇ - في قومه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، =","vol":"1","page":224},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أي لا يسوءنك ما جرى، فإن النصر قريب، والنبأ عجب عجيب. ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\nوذلك أن نوحًا - ﵇ - لما يئسَ من صلاحهم وفلاحهم، ورأى أنه لا خير فيهم وتوصلوا إلى أذيَّته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق، من فعال ومقال، دعا عليهم دعوة غضب الله عليهم فلبى الله دعوته وأجاب طلبته، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿قَال رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ وقال تعالى: ﴿قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٥ - ٢٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[صنع السفينة]:</span>\nفاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم. فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنع الفلك، وهي السفينة العظيمة.\nوقدم الله تعالى إليه أن إذا جاء أمره، وَحَلَّ بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه، فإنه لعله قد يدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم، فإنه ليس الخبر كالمعاينة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\n﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: يستهزئون منه إستبعادًا لوقوع ما توعدهم به ﴿قَال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ أي: نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾.\nوقد كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا، وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضًا أن يكون قد جاءهم رسول، كما قال البخاري: (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يجيء نوح - ﵇ - وأمته، فيقول الله ﷿: هل بلّغْتَ؟ فيقول: أي رب، فيقول لأمته: هل بلَّغَكُم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فنشهد أنه قد بلَّغَ\"، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ (وانظر صحيح البخاري كتاب الأنبياء / ح ٣٣٣٩).\nوالوسط: العدل. فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق والمصدوق، بأن الله قد بعث نوحًا بالحق، وأنزل عليه الحق، وأمره به، وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها، =","vol":"1","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولم يدع شيئًا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به، ولا شيئًا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه.\nوهكذا شأن جميع الرسل، حتى إنه حذر قومه من المسيح الدجال، وإن كان لا يتوقع خروجه في زمانهم، حذرًا عليهم وشفقة ورحمة بهم.\nكما قال البخاري: حدثنا عبدان، حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال سالم: قال ابن عمر: قام رسول الله - ﷺ - في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: \"إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه. لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور\" صحيح البخاري (ح ٣٣٣٧).\nوهذا الحديث في الصحيحين أيضًا من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"ألا أحدثكم عن الدجال حديثًا ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه. لفظ البخاري (ح ٣٣٣٨). قال الله تعالى: ﴿قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَينَا إِلَيهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ أي بأمرنا لك، بمرأى منا لصنعتك لها، ومشاهدتنا لذلك، لنرشدك إلى الصواب في صنعتها. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٦ - ٢٧].\nفتقدم إليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه، أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات، وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها، وأن يحمل معه أهله، أي أهل بيته، إلا من سبق عليه القول منهم، أي إلا من كان كافرًا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد، ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد، وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم، الذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد. كما قدمنا بيانه قبل.\nوالمراد بالتنور عند الجمهور وجه الأرض، أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[محتويات السفينة]:</span>\nقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ هذا أمر بأنه عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين.\nوقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ﴾ أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر، فكان منهم ابنه \"يام\" الذي غرق كما سيأتي بيانه ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي واحمل فيها من آمن بك من =","vol":"1","page":226},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أمتك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم، ودعوتهم الأكيدة ليلًا ونهارًا بضروب المقال وفنون المتلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.\nأمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.\nوهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الأمر: أن يكون على الخير والبركة، وأن تكون عاقبته محمودة، كما قال تعالى لرسوله - ﷺ - حين هاجر: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.\nوقد امتثل نوح - ﵇ - هذه الوصية وقال: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وذو عقاب أليم، مع كونه غفورًا رحيمًا، لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا غيره.\nقال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده، كان كأفواه القِرَب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ والدسر: المسامير ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وكلاءتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>[نهاية الطوفان]:</span>\n﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nأي: لما فرغ من أهل الأرض، ولم يبق بها أحد ممن عبد غير الله ﷿، أمر الله الأرض أن تبتلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي نقص عما كان ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره، من إحلاله بهم ما حل بهم، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي نودي عليهم بلسان القدرة: بعدًا لهم من الرحمة والمغفرة. كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَينَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا =","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ﵉</span>\nفكان من قصَّتهم ما حدَّثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن حَسَّان البكريّ، قال: قدمتُ على رسول الله - ﷺ -: فمررت بامرأة بالرَّبذة، فقالت: هل أنتَ حاملي إلى رسول الله - ﷺ -؟ قلتُ: نعم، فحملتُها حتى قدمت المدينة، فدخلتُ المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - على المنبر، وإذا بلالٌ متقلِّد السيف، وإذا رايات سُودٌ، قال: قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غَزْوته، فلمَّا نزل رسول الله - ﷺ - عن منبره أتيته فاستأذنته، فأذن له، فقلتُ: يا رسول الله، إنّ بالباب امرأةً من بني تميم، قد سألتني أن أحمِلها إليك، قال: يا بلال، ائْذَن لها، قال: فدخلتْ، فلما جلستْ قال لي رسول الله - ﷺ -: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت الدبَرَة عليهم، فإن رأيت أن تجعل الدَّهناء بيننا وبينهم فعلت، قال: تقول المرأة فأين تضطر مُضرَك يا رسول الله؟ قال: قلت: مثَلِي مثل معزىً حملت حَتْفًا، قال: قلت: أو حملتُك تكونين عليّ خصمًا! أعوذ بالله أن أكون كوفد عاد. قال رسول الله - ﷺ -: وما وفد عاد؟ قال: قلت: على الخبير سقطت؛ إن عادًا قحطت، فبعثتْ من يَسْتَسْقِي لها، فمرّوا على بكر بن معاوية بمكة يَسقيهم الخمر، وتُغنّيهم الجرادتان شهرًا، ثم بعثوا رجلًا من عنده، حتى أتى جبال مَهْرة، فدعا، فجاءت سحابات، قال: وكلّما جاءت قال: اذهبي إلى\n_________\n= ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾، وَقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [سورة نوح].","vol":"1","page":228},{"text":"كذا، حتى جاءت سحابة، فنُودي منها: خُذها رمادًا رِمْدَدًا، لا تدع من عاد أحدًا. قال: فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب (١). (١: ٢١٧/ ٢١٨).\nقال أبو كريب: قال أبو بكر بعد ذاك في حديث عاد، قال: فأقبل الذي أتاهم، فأتى جبال مَهْرة فصعد فقال: اللهمّ إني لم أجئك لأسير فأفاديه، ولا لمريض أشفيه، فاسق عادًا ما كنت مُسْقيه! قال: فرُفعت له سحابات. قال: فنُودي منها: اختر، فجعل يقول: اذهبي إلى بني فلان اذهبي إلى بني فلان. قال: فمرّت آخرها سحابة سوداء؛ فقال: اذهبي إلى عاد. قال: فنوديَ منها: خُذها رمادًا رِمْدَدًا، لا تدع من عاد أحدًا. قال: وكتمهم والقوم عند بكر بن معاوية يشربون. قال: وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده، وأنهم في طعامه. قال: فأخذ في الغناء وذكَّرهم (٢). (١: ٢١٨).\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن حُباب، قال: حدثنا سلَّام أبو المنذر النَّحْويّ، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكريّ، قال: خرجت لأشكوَ العلاء بن الحضرَميّ إلى رسول لله - ﷺ، فمررت بالرَّبذة، فإذا عجوز منقطَع بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله - ﷺ - حاجةً، فهل أنت مُبْلغي إليه؟ قال: فحملتُها، فقدمتُ المدينة -قال أبو جعفر: أظنه قال: \"فإذا رايات سود\"- قال: قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجْهًا. قال: فجلست حتى فرغ، قال: فدخل منزله -أو قال رَحْلَه- فاستأذنتُ عليه، فأذن لي. قال: فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله - ﷺ -: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قال: قلت: نعم، وكانت الدَّبَرة عليهم، وقد مررت بالرَّبَذة، فإذا عجوز منهم منقطَع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها رسول الله - ﷺ - فدخلت، فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا وبين تميم الدَّهنَاءَ حاجزًا، فحمِيت العجوزُ واستوفزت، وقالت: فأين تضطر\n_________\n(١) هذا إسناد حسن صحيح والحديث أخرجه أحمد (ح ١٥٩٥٣) من طريق سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن الحارث بن حسَّان قال: مررت بعجوز بالربذة منقطع بها من بني تميم ... الحديث مع اختلاف في الألفاظ، والحديث أخرجه غير واحد كما سنبين بعد الرواية الآتية.\n(٢) صحيح.","vol":"1","page":229},{"text":"مضرَك يا رسول الله؟ قال: قُلت: أنا كما قالوا: \"معزىً حملتْ حَتْفًا\"، حملتُ هذه ولا أشعر أنها كائنة لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال: وما وافد عاد؟ قلت: على الخبير سقطت، قال: وهو يستطعمني الحديث قلت: إن عادًا قَحِطُوا فبعثوا \"قَيلًا\" وافدًا، فنزل على بَكْر، فسقاه الخمر شهرًا، وتغنِّيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج إلى جبال مَهْرة، فنادى: إني لم أجئ لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تُسقيه! فمرَّت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رمادًا رِمْدَدًا، لا تبقي من عاد أحدًا. قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد، فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلَّا قدْرَ ما يجري في خاتمي. قال أبو وائل: وكذلك بلغني (١). (١: ٢١٨/ ٢١٩).\nحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حُدّثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله مَنْ بين المشارق والمغارب منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَم الله، منعه حرمُ الله من عذاب الله قيل: ومن هو يا رسول الله:؟ قال: أبو رِغال، وقال رسول الله - ﷺ - حين أتى على قرية ثمود لأصحابه: \"لا يدخلنّ أحدٌ منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم\"، وأرَاهم مُرتقَى الفصيل، حين ارتقى في القارة.\nقال ابن جريج: وأخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمران، أنّ النبي - ﷺ - حين أتى على قرية ثمود قال: \"لا تدخلُنَّ على هؤلاء\n_________\n(١) هذا إسناد حسن صحيح والحديث أخرجه أحمد (ح ١٥٩٥٤) من طريق زيد بن حبان (كما عند الطبري) وإسناده حسن، وحديث الحارث هذا أخرجه الترمذي مختصرًا كما عند أحمد والطبري وقال: روى غير واحد هذا الحديث عن سلام أبي المنذر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث بن حسان ويقال الحارث بن يزيد. اهـ. (سنن الترمذي / ح ٣٢٧٣).\nوالحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى (ح ٨٦٠٧).\nولقد حسَّن الحافظ ابن حجر إسناده من رواية أحمد وقال: والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه وإنما بنيت بعد إبراهيم حين أسكن هاجر وإسماعيل بواد غير ذي زرع، فالذين ذكروا في سورة الأحقاف هم عاد الأخيرة (فتح الباري ٩/ ٥٥١ / طبعة دار الفكر).","vol":"1","page":230},{"text":"المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبَكم ما أصابهم\".\nقال ابن جريج: قال جابر بن عبد الله: إن النبي - ﷺ - لما أتى على الحجْر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد، فلا تسألوا رسولَكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت تَرِد من هذا الفجّ وتصدُر من هذا الفجّ، فتشرب ماءهم يوم ورْدها\" (١). (١: ٢٣١).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري هنا حديثًا في قصة واحدة ولكن فرقه على ثلاثة أسانيد، الأول من طريق ابن جريج قال: حدثت، والثاني من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمران مرفوعًا.\nوالثالث من طريق ابن جريج عن جابر مرفوعًا، والحديث رواه غير واحد من الأئمة مختصرًا ومطولًا وفي أسانيد أكثرها ضعيف سوى طريق سنذكرها.\nأخرج أحمد في مسنده من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي - ﷺ - بالحجر قال لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعصوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه).\n(مسند أحمد / ح ١٤١٦٠).\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وأحمد بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح وقد تقدمت لهذا الحديث طرق مختصرة في غزوة تبوك (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / ح ١١٠٧٨).\nقلنا: وحديث جابر (عند أحمد) أورده الحافظ ابن كثير وقال: وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شيء من الكتب الستة (قصص الأنبياء / ١١٢).\nقلنا: وحديث جابر هذا أخرجه الحاكم (٢/ ٣٤١) وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه الطحاوي في شرح المشكل (ح ٣٧٥٧) وقال العلامة أرناؤوط: وسنده قوي (انظر مسند أحمد / ح ١٤١٦٠).\nقلنا: والحديث أخرجه الطبراني (ح ١٢٩٣١) وأورده الحافظ البوصيري من طريق محمد بن يحيى بن أبي عمر ثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن أبي الزبير ثنا جابر أن رسول الله - ﷺ - لما نزل الحجر في غزوة تبوك ... الحديث) ولم يسم الرجل، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح (إتحاف الخيرة المهرة / ٨ / ح ٧٧١٣).\nوأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٤٢٠) عن ابن عمر - ﵄ - قال: =","vol":"1","page":231},{"text":"حدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعيّ، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ، قال: حدثنا أبو الطفيل قال: لما غزا رسول الله - ﷺ - غزوة تبوك، نزل الحِجْر فقال: \"أيها الناس لا تسألوا نبيَّكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله تعالى ذكرهُ لهم الناقة آية، فكانت تلِجُ عليهم يوم وِرْدها من هذا الفجّ فتشرب ماءهم، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزوّدون من مائهم قبل ذلك لبنًا، ثم تخرج من ذلك الفجّ. فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا من الله غير مكذوب، فأهلك الله مَنْ كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلَّا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، قالوا: ومَنْ ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال (١).\n(١: ٢٣١/ ٢٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>ذكر إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ - وذكر من كان في عصره من ملوك العجم</span>\nقال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.\nثم أقبل عليهم كما قال الله ﷿: ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾. ثم جعل يكسرهنّ بفأس\n_________\n= قال رسول الله - ﷺ - لأصحاب الحجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلَّا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم\".\nوأخرجه أحمد في مواضع في مسنده عن عبد الله بن عمر كما في (ح ٥٩٨٤) عن ابن عمر قال: (لما نزل رسول الله - ﷺ - بالناس عام تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود ... الحديث وفي آخره (ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، قال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليه\".\nقلنا: وإسناده صحيح والحديث أخرجه مسلم (ح ٢٩٨١) وابن حبان (ح ٥٩٩١) من مسند عبد الله بن عمر - ﵄ -.\n(١) إسناده ضعيف ولكن المتن صحيح (مختصر عن الذي قبله) فالحديث هنا صحيح لغيره والله أعلم. وسبق أن ذكرنا رواية الإمام أحمد في مسنده (ح ١٤١٦٠) عن جابر - ﵁ - قال: لما مرَّ رسول الله - ﷺ - بالحجر قال: \"لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح .... الحديث\".\nوانظر الرواية السابقة فقد ذكرنا الحديث بتمامه.","vol":"1","page":232},{"text":"في يده، حتى إذا بقيَ أعظمُ صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهنَّ، فلما رجع قومه رأوّا ما صنع بأصنامهم، فراعهم ذلك، فأعظموه و﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم ذكروا فـ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ - يعنون فتىً يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدًا يقولُ ذلك غيرهُ، وهو الذي نظن صنع هذا بها. وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه، فقالوا: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: ما يصنع به (١). (١: ٢٣٨/ ٢٣٩).\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق:\nقال: فلما أتيَ به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود، قالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهنّ، فارعوَوْا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسْرهنّ إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال: ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطش: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أي لا يتكلمون فيخبرونا: مَنْ صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدي فنصدقك، يقول الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أي نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nقال: وحاجَّهُ قومه عند ذلك في الله جلَّ ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبرونه أن آلهتهم خير مما يعبد، فقال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، إلى قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يضرب لهم الأمثال، ويصرِّف لهم العبَرَ، ليعلموا أن الله هو أحقّ أن يُخاف ويُعبد مما يعبدون من دونه (٢) (٣). (١: ٢٣٩/ ٢٤٠).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) ما دام الحديث عن تحريق إبراهيم - ﵇ - فلا بأس أن نذكر هنا حديثًا لم يخرجه الطبري في تأريخه فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: =","vol":"1","page":233},{"text":"قال أبو جعفر: ثم إن نمرود -فيما يذكرون- قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته، وتذكره من قدرته التي تعظِّمه بها على غيره ما هو؟ ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَا﴾، فقال نمرود: فأنا ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ الرجُلين قد استوجبَا القتل في حكمي، فأقتل أحدهما فأكون قد أمتُّه، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته، فقال له إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، فعرف أنه كما يقول، فبُهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئًا، وعرف أنه لا يطيق ذلك. يقول الله ﷿: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، يعني وقعت عليه الحجة.\nقال: ثم إن نمرود وقومه أجمعوا في إبراهيم فقالوا: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (١). (١: ٢٤٠).\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -: قال: \"لم يكذب إبراهيم - ﵇ - غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وبينا هو يسير في أرض جَبَّار من الجبابرة، إذ نزل منزلًا، فأتى الجبَّارَ رجلٌ فقال: إن في أرضك -أو قال: ها هنا- رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسلَ إليه، فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي، قال: اذهب فأرسلْ بها إليّ، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذّبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرُك، قال: فانطلق بها وقام إبراهيم - ﵇ - يصلِّي قال: فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها، فأخذَ أخذًا شديدًا، فقال: ادعِي\n_________\n= (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصيني فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ ! .\nفيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذيخٍ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار).\n(١) ذكره الطبري بلا إسناد وهو تفسير للآيات القرآنية والمعنى صحيح.","vol":"1","page":234},{"text":"الله ولا أضرّك، فدعت له فأرسل فأهوى إليها فذهب يتناولها، فأخِذ أخذًا شديدًا، فقال: ادعي الله ولا أضرّك، فدعت له فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين فأرسل. قال: فدعا أدنى حُجّابه فقال: إنكَ لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعْطِها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت بها، فلما أحسّ إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، فقال: مهيم! فقالت: كفى الله كيد الفاجر الكافر! وأخدم هاجر\".\nقال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (١). (١: ٢٤٥/ ٢٤٦).\nحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لم يقل إبراهيم شيئًا قطّ \"لم يكن\" إلا ثلاثًا: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ لم يكن به سقم، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وقوله لفرعون حين سأله عن سارة فقال: مَنْ هذه المرأة معك؟ قال: أختي، قال: فما قال إبراهيم - ﵇ - شيئًا قطّ \"لم يكن\" إلا ذلك\" (٢). (١: ٢٤٦).\nحدثني سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لم يكذب إبراهيم في شيء قطّ إلا في ثلاث ... \". ثم ذكر نحوه (٣). (١: ٢٤٦).\n_________\n(١) هذا إسناد صحيح والحديث أخرجه البخاري من طريق الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا دون قوله [لم يكذب إبراهيم - ﵇ - غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) (صحيح البخاري / كتاب البيوع / ح ٢٢١٧).\nوأخرجه البخاري من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات) صحيح البخاري / كتاب أحاديث الأنبياء / ح ٣٣٥٧).\n(٢) شيخ الطبري في هذا الإسناد ضعيف وفيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث إلا أن الحديث صحيح كما سبق ولم نجد فيما بين أيدينا من الروايات لفظة (فرعون) بدلًا من لفظة (جبار) والله أعلم.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":235},{"text":"حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لم يكذب إبراهيم غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله في سارة: هي أختي\" (١). (١: ٢٤٦).\nحدثني ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيّب بن رافع، عن أبي هريرة قال: ما كذب إبراهيم - ﵇ - غير ثلاث كذباب: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وإنما قاله موعظة وقوله حين سأله الملك فقال: أختي -لسارة- وكانت امرأته (٢). (١: ٢٤٧).\nحدثني يعقوب، قال: حدثني ابن عُليَّة، عن أيوب، عن محمد، قال: إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذباب: ثنتان في الله، وواحدة في ذات نفسه، وأما الثنتان فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقصته في سارة. وذكر قصتها وقصة الملك (٣). (١: ٢٤٧).\nحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذمة ورَحِمًا\" (٤). (١: ٢٤٧).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) شيخ الطبري هنا ضعيف وهو موقوف ولكن متنه صحيح وكذلك أخرجه البخاري.\n(٣) هذا إسناد مرسل صحيح.\n(٤) هذا إسناد مرسل ولقد روى الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٦١) عن كعب بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم دمًا ورحمًا.\nوأخرج أبو يعلى (٣/ ١٤٧٣) قال رسول الله - ﷺ -: (إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم فاستوصوا بهم خيرًا فإنهم قوة لكم وإبلاغ إلى عدوكم بإذن الله تعالى) يعني قبط مصر.\nوأخرج مسلم عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم ستقدمون أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها\" (صحيح مسلم / كتاب فضائل الصحابة / ٢٦٦ / ح ٢٥٤٣).\nوأخرج مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: (إنكم ستفتحون مصرًا وهي أرض يسمى فيها القيراط فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمًا) ... الحديث. (صحيح مسلم / ٢٢٦ / =","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>ذكر أمر بناء البيت</span>\nحدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: نُبِّئتُ عن سعيد بن جبير أنه حدث عن ابن عباس أن أوّلَ منْ سعى بين الصفا والمروة لأمُّ إسماعيل، وأنّ أوّل مَنْ أحدث من نساء العرب جرّ الذيول لأمِّ إسماعيل. قال: لما فرّت من سارة أرْخَتْ ذيلَها لتعفِّي أثرها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما ثم رجع، فاتبعته فقالت: إلى أي شيء تكلنا؟ إلى طعام تكلنا؟ إلى شراب تكلنا؟ لا يرد عليها شيء، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنيَّة كَدَاء، أقبل على الوادي فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ ...﴾ الآية. قال: ومع الإنسانة شنَّةٌ فيها ماء، فنفذ الماء، فعطشت فانقطع لبنُها، فعطِش الصبيّ فنظرت: أيّ الجبال أدنى إلى الأرض، فصعدت الصفا فتسمَّعت: هل تسمع صوتًا، أو ترى أنيسًا؟ فلم تسمع شيئًا فانحدرت، فلما أتت على الوادي سعت -وما تريد السَّعْي- كالإنسان المجهود الذي يَسْعى وما يريد السعي، فنظرت أيّ الجبال أدنى إلى الأرض، فصعِدت المروَة، فتسمَّعت: هل تسمع صوتًا أو ترى أنيسًا؟ فسمعت صوتًا، فقالت كالإنسان الذي يكذِّب سمعه: صه! حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني، فقد هلكت وهَلك مَنْ معي، فجاء الملك بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففارت عينًا، فعجلت الإنسانة تُفرغ في شنَّتها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"رحم الله أمّ إسماعيل، لولا أنها عَجِلت لكانت زمزم عينًا معينًا\".\nوقال لها المَلك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد؛ فإنها عين يشرب ضيفان الله منها، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتًا هذا موضعه.\nقال: ومرّت رُفقة من جُرْهم تريد الشأم، فرأوا الطيرَ على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا،\n_________\n= ٢٥٤٣) وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٥٣) من طريق الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك مرفوعًا وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":237},{"text":"فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة، فأتوْها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم، قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت، فماتت وتزوج إسماعيل امرأة منهم، فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دُلَّ عليه فلم يجده، ووجد امرأة له فَظّة غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وأنه يقول لك: إني لا أرضَى لك عتبَة بابك فحوّلها، وانطلق. فلما جاء إسماعيل أخبرته فقال: ذلك أبي، وأنت عتبَة بابي. فطلقها، وتزوج امرأة أخرى منهم، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل فلم يجده ووجد امرأة له سهلة طليقة فقال لها: أين انطلق زوجك؟ فقالت: انطلق إلى الصيد، قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم والماء، قال: اللهمّ بارك لهم في لحمهم ومائهم، ثلاثًا. وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه؛ قولي له جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: قد رضيتُ لك عتبة بابك، فأثبتها، فلما جاء إسماعيل أخبرته، قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد من البيت (١). (١: ٢٥٥/ ٢٥٦ / ٢٥٧).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا حماد بن سَلَمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: جاء إبراهيم نبي الله بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة في موضع زمزم، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم، إنما أسألك ثلاث مرات: مَنْ أمرك أن تضعني بأرض\n_________\n(١) الحديث أخرجه البخاري (ح ٣٣٦٤) و(٣٣٦٥) عن ابن عباس، وقال ابن حجر: وأما ابن عباس فإن كان لم يسمعه من النبي - ﷺ - فهو من مرسل الصحابة.\nوأما ابن كثير فقال: وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس من الإسرائيليات (قصص الأنبياء / ١٣٧).\nوقال العلامة أحمد شاكر ﵀: وهذا عجب منه (أي من ابن كثير) فما كان ابن عباس ممن يتلقى الإسرائيليات. ثم إن سياق الحديث يفهم منه ضمنًا أنه مرفوع كله ثم لو سلمنا أن أكثره موقوفًا فما هناك دليل أو شبه دليل على أنه من الإسرائيليات بل يكون الأقرب مما عرفته قريش وتداولته على مر السنين من حديث جدّيهم إبراهيم وإسماعيل فقد يكون بعضه صحيحًا وبعضه خطأً.\nولكن الظاهر عندي أنه مرفوع كله في المعنى (وانظر البداية والنهاية ١/ ١٤٧) ومسند أحمد (ح ٣٢٥٠) بتحقيق الشيخ أرناؤوط.","vol":"1","page":238},{"text":"ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنيس ولا ماء ولا زاد؟ قال: ربي أمرني، قالت: فإنه لن يضيعنا، قال: فلما قفا إبراهيم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ يعني من الحزن ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحص الأرض بعقبه فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذ لاخٍ -يعني عميق- فصعدت الصفا، فأشرفت لتنظر: هل ترى شيئًا؟ فلم تر شيئًا، فانحدرت فبلغت الوادي، فسمعت فيه حتى خرجت منه، فأتت المروة فصعدت فاستشرفت: هل ترى شيئًا؟ فلم تر شيئًا، ففعلت ذلك سبع مرات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يدحص الأرض بعقبه، وقد نبعت العين وهي زمزم، فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، وكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، فأفرغته في سقائها، قال: فقال النبي - ﷺ -: \"يرحمها الله! لو تركتْها لكانت عينًا سائحة تجري إلى يوم القيامة\".\nقال: وكانت جُرْهم يومئذ بواد قريب من مكة، قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت جُرْهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاؤوا إلى هاجر، فقالوا: لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت: نعم! فكانوا معها حتى شبّ إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل امرأة من جُرْهم، قال: فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له، وشرطت عليه ألَّا ينزل، وقدم إبراهيم -وقد ماتت هاجر- إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ها هنا، ذهب يتصيّد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيّد ثم يرجع، فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي وما عندي أحد، قال إبراهيم: إذا جاء زوجُك فأقرئيه السلام، وقولي له: فليغيّر عتبة بابه، وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل، فوجد ريحَ أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا -وكذا كالمستخفَّة بشأنه- قال: فما قال لك؟ قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام، وقولي له: فليغيِّر عتبة بابه، فطلَّقها وتزوّج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبَث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنَت له واشترطت عليه ألا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيَّد وهو يجيء الآن إن شاء الله، فأنزل","vol":"1","page":239},{"text":"يرحمك الله! قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، قال هل عندك خبز أو بُرّ أو شعير أو تمر؟ قال: فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بُرّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عند شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه، فغسلت شِقّ رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقّه الأيسر، فغسلت شِقّه الأيسر، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبةُ بابك. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسنُ الناس وجهًا وأطيبهم ريحًا، فقال لي: كذا وكذا، وقلت له: كذا وكذا، وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام، قال: وما قال لك؟ قالت: قال لي: إذا جاء زوجُك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، قال ذلك إبراهيم، فلبث ما شاء الله أن يلبث وأمره الله ﷿ ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل، فلما بنياه قيل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، فجعل لا يمرُّ بقوم إلا قال: يا أيها الناس، إنّه قد بُني لكم بيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد؛ لا صخرة ولا شجرة ولا شيء إلا قال: لبّيك اللهم لبيك. قال: وكان بين قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، وبين قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ كذا وكذا عامًا؛ لم يحفظ عطاء (١). (١: ٢٥٧/ ٢٥٨ / ٢٥٩).\nحدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعت كثير بن كثير يحدِّث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء -يعني إبراهيم- فوجد إسماعيل يُصْلِح نَبْلًا له من وراء زمزم، فقال إبراهيم: يا إسماعيل، إن ربّك قد أمرني أن أبنيَ له بيتًا، فقال له إسماعيل: فأطع ربَّك فيما أمرك، فقال إبراهيم: قد أمرك أن تُعينَني عليه قال: إذًا أفعل، قال: فقام معه، فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فلما ارتفع البنيان\n_________\n(١) في إسناده عطاء اختلط بأمره إلا أن رواية حماد عنه (ها هنا) قبل الاختلاط عند الجمهور والخبر عند البخاري كما سبق أن ذكرنا عند الرواية السابقة إلا أن هذه الرواية متضمنة بعض غرابة والخبر رواه البخاري كما سبق (٣٣٦٥) وأحمد (٣٢٥٠).","vol":"1","page":240},{"text":"وضعُف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر، وهو مقام إبراهيم، فجعل يناوله ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). (١: ٢٥٩/ ٢٦٠).\nفلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذي أمره الله ﷿ ببنائه، أمره الله أن يؤذِّن في الناس بالحج، فقال له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢). (١: ٢٦٠).\n_________\n(١) في إسناده محمد بن سنان ضعيف إلَّا أن المتن جزء من حديث طويل أشرنا إليه سابقًا (ح ٣٣٦٥) وفي آخره: (فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلًا له فقال: يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني بيتًا ... الحديث) من طريق إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) وليس في رواية البخاري فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ ... إلخ).\n(٢) صحيح.\nلقد ذكر الإمام الطبري روايات عدة [ذكرناها في قسم الضعيف] منها ما هي مرفوعة أو موقوفة تؤكد أن الذبيح إسحاق، وأخرى تؤكد أن الذبيح إسماعيل وقال الطبري في نهاية المطاف إلى كون الذبيح إسحاق، وإن كان أثناء مناقشته للأدلة غير مقتنع بصحة أسانيد الأحاديث المرفوعة في هذه المسألة إذ يقول (١/ ٢٦٣) وقد روى عن رسول الله - ﷺ - كلا القولين: لو كان فيهما صحيح لم نعد إلى غيره، غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه - ﷺ - أنه قال: (هو إسحاق) أوضح وأبين منه على صحة الأخرى وهذا يعني أن ضعف تلك الروايات المرفوعة واضح عند الطبري إلَّا أنه يرجح بعضها على بعض بما يستنبطه من فهم الآيات القرآنية كقرائن ودلائل.\nوأما الحافظ ابن كثير فهو يقول بالرأي الآخر ويرى أن ما ذهب إليه ابن جرير بعيد جدًّا وأن ما استدل به محمد بن كعب على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى (تفسير القرآن العظيم / سورة الصافات / ٢٩٨٩).\nوأما الإمام الشوكاني فقد ساق مختلف الأدلة ثم قال: وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحاق أو إسماعيل وما استدل به المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع أو يتعين رجحانه تعيينًا ظاهرًا، وقد رجَّح كل قولٍ طائفة من المحققين المنصفين كابن جرير فإنه رجح أنه إسحاق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض ما سقناه ها هنا وكابن كثير فإنه رجح أنه إسماعيل وجعل الأدلة على ذلك أقوى وأصح، وليس الأمر كما ذكره فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن الذبيح إسحاق لم تكن فوقها ولا أرجح منها ولم يصح عن رسول الله - ﷺ - في ذلك شيء، وما روي عنه فهو إما موضوع أو ضعيف جدًّا، ولم يبق إلا مجرد استنباطات من القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق وهي محتملة ولا تقوم الحجة بمحتمل فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته وفيه السلامة من الترجيح بلا مرجح ومن =","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>ذكر ابتلاء الله إبراهيم بكلمات</span>\nفلما عرف الله تعالى من إبراهيم الصبرَ على كلِّ ما ابتلاه به، والقيام بكلِّ ما ألزمه من فرائضه، وإيثاره طاعته على كلِّ شيء سواها، اتخذه خليلًا، وجعلَه لمن بعده من خلقه إمامًا، واصطفاه إلى خلقه رسولًا، وجعل في ذرِّيته النبوةَ والكتاب والرسالة، وخَصَّهم بالكتب المنزلة، والحِكَم البالغة، وجعل منهم الأعلام والقادة والرؤساء والسادة، كلَّما مضى منهم نجيبٌ خلفه سيد رفيع، وأبقى لهم ذكرًا في الآخرين، فالأمم كلها تتولاه وتُثني عليه، وتقول بفضله إكرامًا من الله له بذلك في الدنيا، وما ادَّخر له في الآخرة من الكرامة أجلُّ وأعظمُ من أن يحيط به وصف واصف (١). (١: ٢٨٦).\n_________\n= الاستدلال بما هو محتمل (فتح القدير ٣/ ٤٩٣).\nقلنا: ومن الذين ناقشوا هذه المسألة كذلك بالتفصيل الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه القيم زاد المعاد ورجح كون الذبيح إسماعيل (زاد المعاد ١/ ٧١) والله تعالى أعلم.\nلقد روى الطبري ﵀ روايات عدة في وصف (الذبح العظيم) الذي كان فداءً لولد إبراهيم ﵉ وقد ذكرناها في قسم الضعيف وهي مستوحاة من الإسرائيليات إلا أن الذي ثبت أنه كان كبشًا وكفى، وكما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى فأما ما روى عن ابن عباس أنه كان وعلًا وعن حسن أنه كان تيسًا من الأروى واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما ثم غالب ما ها هنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات وفي القرآن كفاية كما جرى من الأمر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدي بذبح عظيم.\nقلنا: والخبر أخرجه أحمد في مسنده (ح / ١٦٦٣٧) من طريق صفية بنت شيبة أم منصور قالت: (أخبرتني امرأة من بني سليم ولّدت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله - ﷺ - إلى عثمان بن طلحة وقالت مرة: إنها سألت عثمان بن طلحة لم دعاك النبي - ﷺ -؟ قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي، قال سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا).\nقلنا: وإسناده صحيح والحديث أخرجه أبو داود وفيه (الأسلمية) بدلًا من قوله (امرأة من بني سليم) وصححه من المعاصرين كلٌّ من المحدث الألباني والعلامة أرناؤوط والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٦١٥ / ح ٤٢٩٧) والله أعلم.\n(١) لقد ذكر الإمام الطبري ﵀ روايات كثيرة استغرقت الصفحات (٢٩٧ - ٢٨٦) وهي =","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>ذكر لوط بن هاران وقومه</span>\nوكان قطعهم السبيل -فيما ذكر- إتيانهم الفاحشة إلى مَنْ ورد بلدهم.\n_________\n= روايات موقوفة أو من أقوال التابعين سوى حديثين مرفوعين ولكن ضعيفين ولقد ذكرناها جميعًا في قسم الضعيف.\nوالطبري ﵀ ذكر هذه الروايات في تفسيره للقرآن الكريم ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله ﷿ اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه وأمره أن يعمل بهن وأتمهن كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل الكلمات، وجائز أن تكون بعضه، ثم قال: وإذا كان ذلك كذلك فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئًا من ذلك بعينه دون شيء ولا عنى به كل ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر عن الرسول - ﷺ - أو إجماع من الحجة، ولم يصح منه شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة؛ التي يجب التسليم لما نقلته (تفسير سورة البقرة / الآية ١٢٤ / ح ١٥٩٥).\nوذكر الحافظ ابن كثير تضعيف الطبري لهاتين الروايتين المرفوعتين ثم قال: وهو كما قال (أي الطبري) فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عدة فإن كلًّا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه (تفسير القرآن العظيم / ١/ ٣٨٦).\nوأخيرًا فإن الحافظ ابن كثير ﵀ يقول:\nوالذي قاله أولًا (أي الطبري) من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوَّزه من قول مجاهد ومن قال مثله لأن السياق يعطي غير ما قالوه والله أعلم (٧/ ٣٨٦ / المصدر السابق).\nوقال الإمام الشوكاني ﵀ بعد سرده لهذه الروايات: وإذا لم يصح شيء عن رسول الله - ﷺ - ولا جاءنا من طريق تقوم بها الحجة تعيين تلك الكلمات، لم يبق لنا إلا أن نقول: إنها ما ذكره الله سبحانه بقوله ﴿قَال إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ إلى آخر الآيات ويكون ذلك بيانًا للكلمات والسكوت وإحالة العلم في ذلك على الله سبحانه، وأما ما روي عن ابن عباس ونحوه من الصحابة ومن بعدهم في تعيينها فهو أولًا أقوال الصحابة لا تقوم بها حجة فضلًا عن أقوال من بعدهم وعلى تقرير أنه لا مجال للاجتهاد في ذلك وأنه له حكم الرفع فقد اختلفوا في التعيين اختلافًا يمنع معه العمل ببعض ما روي عنها دون البعض الآخر بل اختلفت الروايات عن الواحد منهم كما قدمنا عن ابن عباس فكيف يجوز العمل بذلك وبهذا تعرف ضعف قول من قال: إنه يصار إلى العموم ويقال تلك الكلمات هي جميع ما ذكرنا هنا فإن هذا يستلزم تفسير كلام الله بالضعيف والمتناقض وما لا تقوم به الحجة. اهـ. (فتح القدير ١/ ١٨٩).","vol":"1","page":243},{"text":"* ذكر من قال ذلك:\nحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، قال: السبيل طريقُ المسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث (١). (١: ٢٩٣).\nحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدي في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ -: بعث الله الملائكة لتُهلك قومَ لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب؛ حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه، فكان من أمرهم وأمر إبراهيم ما قد مضى ذكرنا إياه في خبر إبراهيمَ وسارة. فلما ذهب عن إبراهيم الروع جاءتْه البشرى، وأطلعته الرسل على ما جاؤوا له، وأنّ الله أرسلَهم لهلاك قوم لوط ناظرهم إبراهيم وحاجَّهم في ذلك كما أخبر الله عنه، فقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٢). (١: ٢٩٧).\nحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبًا يقول: قال لوط لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، فوجدَ عليه الرسل وقالوا: إنَّ ركنك لشديد. فلما يئس لوط من إجابتهم إياه إلى شيء مما دعاهم إليه وضاق بهم ذَرْعًا، قالت الرسل له حينئذ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ (٣). (١: ٢٠٠).\n_________\n(١) قال الشوكاني: والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون سببًا لقطع الطريق من غير تقييد بسبب خاص.\n(٢) هذا إسناد ضعيف إلا أن تفسيره للآيات صحيح.\n(٣) صحيح.\n(١/ ٣٠٧): بعد أن ميزنا الصحيح من الضعيف من الآثار الواردة في قصة لوط - ﵇ - نذكر هنا تفسير ابن كثير للآيات (بعد اختصار وحذف الإسرائيليات).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>نَبِيُّ الله لُوْط ﵇</span>\nقال الحافظ ابن كثير: =","vol":"1","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة: قصة قوم لوط - ﵇ -، وما حل بهم من النقمة العميمة. ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل.\nوكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل ﵉ بأمره له وإذنه، فنزل بمدينة، ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوئهم طوية، وأردئهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين.\nفدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش والمنكرات، والأفاعيل المستقبحات، فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم، واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسابهم وجعلهم مُثْلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[القرآن وشذوذ قومه]:</span>\nولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين. فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَينَاهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].\nوقال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالتْ يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَال هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَال يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيفِي أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ =","vol":"1","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٦٩ - ٨٣].\nوقال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَال أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَال وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ (٥٦) قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٧٧].\nوقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَال إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٧٥].\nوقال تعالى في سورة النمل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَينَاهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٨].\nوقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَال رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَال إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ =","vol":"1","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٨ - ٣٥].\nوقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٣ - ١٣٨].\nوقال تعالى في سورة الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٧].\nوقال في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير. وقد ذكر الله لوطًا وقومه في مواضع أخرى من القرآن، تقدم ذكرها مع نوح وعاد وثمود.\nوالمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم، وما أحل الله لهم مجموعًا من الآيات والآثار .. وبالله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[لوط والشواذ]:</span>\nوذلك أن لوطًا - ﵇ - لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم، ولم يتركوا ما عنه نُهوا. بل استمروا على حالهم، ولم يرعووا عن غيهم وضلالهم، وهموا بإخراج رسولهم بين ظهرانيهم. وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فجعلوا غاية المدح ذمًّا يقتضي الإخراج، وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.\nفطهره الله وأهله إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسن إخراج.\nوما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن ارتكاب الطامة العظمى، والفاحشة الكبرى، التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين أهل الدنيا. ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها. وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم -وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم- المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه.\nوربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل. وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلًا، ولم يقلعوا عما كانوا =","vol":"1","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلًا فأخذهم الله أخذًا وبيلًا.\nوقالوا له فيما قالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فطلبوا منه وقوع ما حذرهم منه من العذاب الأليم، وحلول البأس العظيم. فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين.\nفغار الله لغيرته، وغضب لغضبته، واستجاب لدعوته، وأجابه إلى طلبته وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاؤوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَال إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. وذلك أنه كان يرجو أن يجيبوا أو ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ﴾ أي: أعرض عن هذا وتكلم غيره، فإنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: قد أمر به من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَال هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم أقبلوا في صور شبان حسان، اختبارًا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم. فاستضافوا لوطًا - ﵇ - وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرًا من الناس، و﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَال هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: شديد بلاؤه. وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنع بهم في غيرهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدًا، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه.\nوقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة، ﴿قَال يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعًا، لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم. وهذا كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.\nوهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن =","vol":"1","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إسحاق، وهو الصواب. والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب.\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيفِي أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير، بل الجميع سفهاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء. وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه -عليهم لعنة الله الحميد المجيد، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد-: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ يقولون -عليهم لعائن الله-: لقد علمت يا لوط أنه لا أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا.\nواجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم. ولهذا قال - ﵇ -: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ود أن لو كان له بهم قوة، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.\nوقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي\". ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة [البخاري / ح ٣٨٦].\nوقال محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"رحمة الله على لوط، إنه كان يأوي إلى ركن شديد -يعني الله ﷿- فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه\". الترمذي / كتاب تفسير القرآن / (ح ٣١٢٧).\nوقال تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيئاتهم. وهذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلما نهاهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون، ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون، وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون. ولهذا قال تعالى مقسمًا بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾.\nذكر المفسرون وغيرهم: أن نبي الله لوطًا - ﵇ - جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرومون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح، فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لأحللت بكم النكال.\nقالت الملائكة: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾. فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط - ﵇ - آمرين له بأن يسري هو وأهله من =","vol":"1","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= آخر الليل ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه، وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم.\nوقوله: ﴿إلا امْرَأَتَكَ﴾ على قراءة النصب: يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها، ويحتمل أن يكون في قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ﴾ أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم، ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع، ولكن الأول أظهر في المعنى .. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[عقابهم]:</span>\nوقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة، الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفًا لكل خائن مريب: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. فلما خرج لوط - ﵇ - بأهله، وخلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لا يرد، ومن البأس الشديد.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣].\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ والسجيل فارسي معرب: وهو الشديد الصلب القوي، ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم من السماء ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه، كما قال: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل: متتابعة، مسومة، مرقومة، على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه.\nقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه، وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة -حاشا وكلا- فإن الله لا يُقدِّر على نبي قط أن تبغي امرأته، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأة نبي قط، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأً كبيرًا.\nقال الله تعالى في قصة الإفك، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق، زوج رسول الله - ﷺ -، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فعاتب الله المؤمنين وأنَّب وزَجرَ، ووعظ وحذَّر، قال فيما قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة.\nوقوله هنا: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في =","vol":"1","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فعلهم. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم، سواء أكان محصنًا أو لا. ونص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة. واحتجوا أيضًا بما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ -، قال: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\". وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، لقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (وانظر سنن أبي داود / كتاب الحدود / ح ٤٤٦٢).\nوجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأرض المتاخمة لفنائها، لرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه وعصى مولاه، ودليلًا على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وقال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامة هالكة غامرة؟\nكما روى الترمذي وغيره مرفوعًا: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن. كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nأي: تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، وخشي الرحمن بالغيب، وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فانزجر من محارم الله وترك معاصيه، وخاف أن يشابه قوم لوط. ومن تشبه بقوم فهو منهم، وإن لم يكن من كل وجه، فمن بعض الوجوه، كما قال بعضهم:\nفإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم ... فما قوم لوط منكم ببعيد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>نَبيُّ اللهِ إبراهيم الخَليل ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[دعوته لأبيه]:</span>\nقال الحافظ ابن كثير ﵀:\nوكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له =","vol":"1","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨].\nفذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها، ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئًا أو تفعل به خيرًا من رزق أو نصر؟ ثم قال له منبهًا على ما أعطاه الله من الهدي والعلم النافع، وإن كان أصغر سنًّا من أبيه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا﴾ أي: مستقيما واضحًا سهلًا حنيفًا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك.\nفلما عرض هذا الرشد عليه، وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده قال: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قيل: بل أنت سالم من ناحيتي، وزاده خيرًا فقال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.\nقال ابن عباس وغيره: أي لطيفًا، يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له. ولهذا قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.\nوقد استغفر له إبراهيم - ﵇ - كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\nوقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله: حدثني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب .. إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزي من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ... ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ. فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار\". هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردًا. وقال في التفسير: وقال إبراهيم بن طهمان، عرع ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة [البخاري / كتاب الأنبياء / خ ٣٣٥٠ / والتفسير / ص ٧٦٨).\nوهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان به. وقد رواه البزار عن حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن =","vol":"1","page":252},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بنحوه، وفي سياقه غرابة، ورواه أيضًا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - بنحوه.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[عبادة الكواكب]:</span>\nثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَال هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَال هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَال هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَال أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\nوهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة، لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله ﷿، لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة، تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nفبيَّن لهم أولًا عدم صلاحية الكوكب لذلك، ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبيَّن أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.\nولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ أي طالعة ﴿قَال هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَال أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيئًا﴾ أي لست أبالي بهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئًا، ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[البابليون وعبادة الأصنام]:</span>\nوأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتهم وكسرها عليهم، =","vol":"1","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأهانها وبيّن بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\nوقال في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٧٠].\nوقال في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٨٣].\nوقال في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.\nيخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله - ﵇ -، أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان، وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾؟ أي معتكفون عندها وخاضعون لها، قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ أي ما كانت حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد.\n﴿قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا =","vol":"1","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾. قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ .\nوقال لهم: ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ سلموا له أنها لا تسمع داعيًا ولا تنفع ولا تضر شيئًا، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال؛ ولهذا قال لهم: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧].\nوهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الأصنام، لأنه تبرأ منها وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته، أو تؤثر لأثرت فيه. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾؟ ويقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا، أتقوله محقًّا جادًّا فيه أم لاعبًا؟\n﴿قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني بل أقول لكم ذلك جادًا محقًا، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، ربكم ورب كل شيء، فاطر السموات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[موقفه من الأصنام]:</span>\nوقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم. قيل: إنه قال: هذا خفية في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم.\nقال تعالى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة.\n﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي ذهب إليها مسرعًا مستخفيًا، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعًا من الأطعمة قربانًا إليها فقال لها على سبيل التهكم والازدراء: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ لأنها أقوى وأبطش وأقهر، فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ أي حطامًا، كسرها كلها ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ﴾ قيل: إنه وضع القدوم في يد الكبير، فلما وجدوا ما حل بمعبودهم: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها وعلى قول ابن مسعود، أي يذكرها بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ =","vol":"1","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل - ﵇ - أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه، كما قال موسى - ﵇ - لفرعون: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾.\nفلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرهم، وإنما عرض لهم في القول ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.\n﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي فعادوا على أنفسهِم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون. أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِم﴾ قال السدي: أي ثم رجعوا إلى الفتنة، فعلى هذا يكون قوله: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي في عبادتها.\nوقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، أي فأطرقوا ثم قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ ! فعند ذلك قال لهم الخليل - ﵇ -: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.كما قال: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ قال مجاهد: يسرعون. قال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nوسواء أكانت: \"ما\" مصدرية أو بمعنى \"الذي\" فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم، إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[حرق إبراهيم]:</span>\n﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلا استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب ﷻ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.\nوذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبًا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، وأطلقوا فيها النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر ثم ألقوه من البنيان الذي بنوه له إلى النار قال: =","vol":"1","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حسبنا الله ونعم الوكيل، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية.\nوقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحاق بن سلمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال - ﷺ -: \"لما ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك\"! . ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قال علي بن أبي طالب: أي لا تضُرُّ به.\nوقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: ﴿وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لآذى إبراهيم بردها.\nفأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِين﴾، وفي آية آخري: ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردًا ولا سلامًا، ولا يلقون فيها تحية ولا سامًا، بل هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\nقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك، أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الوزغ، وقال: \"كان ينفخ على إبراهيم\". [صحيح البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٥٩].\nورواه مسلم من حديث ابن جريج، وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عنه [مسلم / ١٤٣/ ٢٢٣٧].\nوقال أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية، أن نافعًا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم\"، قال: فكانت عائشة تقتلهن [مسند أحمد / ح ٢٥٧٠١].\nوقال أحمد: حدثنا إسماعيل: حدثنا أيوب عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الأوزاغ؛ ثم حدثت عن رسول الله - ﷺ -: \"أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه\". تفرد به أحمد من هذين الوجهين [أحمد / ح ٢٥٨٨٥].\nوقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة، قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحًا موضوعًا، فقلت: يا أم المؤمنين .. ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله - ﷺ - حدثنا: \"أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله - ﷺ - بقتله\". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن =","vol":"1","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن جرير بن حازم به. [أحمد / ٢٤٨٣٤] وابن ماجه [ح ٣٢٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[مناظرة إبراهيم مع خصمه]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبيّن كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة.\nقال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار: وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود. ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين، وسليمان. والكافران: النمرود، وبختنصر.\nولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاج إبراهيم الخليل في ذلك، وادعى لنفسه الربوبية، فلما قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: يعني أنه إذا أوتي بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.\nوهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة، ليس بمنع ولا بمعارضة، بل هو تشغيب محض، وهو انقطاع في الحقيقة، فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها، على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده: ضرورة عدم قيامها بنفسها، ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة، من خلقها وتسخيرها، وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة، ثم إماتتها. ولهذا قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فقول هذا الملك الجاهل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند، وإن عني ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، فلم يقل شيئًا يتعلق بكلام الخليل، إذ لم يمنع مقدمة، ولا عارض الدليل.\nلما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلًا آخر بين وجود الصانع، وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة: ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي هذه الشمس مسخرة كل يوم، تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها، وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء، فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحيي وتميت فائتِ بهذه الشمس من المغرب، فإن الذي =","vol":"1","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يحيي ويميت والذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد يعلم أنك لا تقدر على شيء من هذا، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.\nفبيَّن ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به، بل انقطع وسكت ولهذا قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[هجرة الخليل - ﵇ </span>-]:\nقال الله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١ - ٧٣].\nلما هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأته عاقرًا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد، وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده، فعلى أحد نسله وعقبه، خلعة من الله وكرامة له، حيث ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه ﷿ ودعوة الخلق إليه.\nالأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله ﷿: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ﴾. قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم. وروى العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ﴾ مكة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾.\nثم المشهور أن إبراهيم - ﵇ - لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرًا من بلاده كما تقدم والله أعلم.\nوقال البخاري (ح ٣١٥٨) حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: \"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذباب: اثنتان منهم في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة .. ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني.\nفأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، =","vol":"1","page":259},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فدعت الله فأُطلِق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان فأخدمها هاجر. فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم، فقالت: رد الله كيد الكافر -أو الفاجر- في نحره، وأخدم هاجر. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء\". تفرد به من هذا الوجه موقوفًا. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عمرو بن علي الفلاس، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات، كل ذلك في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلًا، فأتي جبار فقيل له: إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها فقال: إنها أختي، فلما رجع إليها قال: إن هذا سألني عنك فقلت: إنك أختي. وإنها ليس اليوم مسلم غيري وغيرك، وإنك أختي، فلا تكذبيني عنده. فانطلق بها، فلما ذهب يتناولها أخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأرسل، ثلاث مرات، فدعا أدنى حشمه، فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكن أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فجاءت وإبراهيم قائم يصلي. فلما أحس بها انصرف، فقال: مهيم؟ فقالت: كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر\". وأخرجاه من حديث هشام. ثم قال البزار: لا يعلم إسناده عن محمد، عن أبي هريرة إلا هشام، ورواه غيره موقوفًا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، عن ورقاء -وهو أبو عمر اليشكري- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات؛ قوله حين دعي إلى الهتهم فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله لسارة: إنها أختي\".\nقال: ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة. فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس، قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار: من هذه معك؟ قال: أختي، قال: فأرسل بها إليه، وقال: لا تكذبي قولي، فإني قد أخبرته أنك أختي إنه ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك.\nفلما دخلت عليه قام إليها، فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليَّ الكافر. قال: فغط حتى ركض برجله. قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنها قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، قال: فأرسل.\nقال: ثم قام إليها، قال: فقامت تتوضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي. فلا تسلط عليَّ الكافر. قال: فغط حتى ركض =","vol":"1","page":260},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= برجله. قال أبو الزناد: وقال أبو سلمة، عن أبي هريرة أنها قالت: اللهم إن يمت يقل هي قتلته، قال: فأرسل. قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إليَّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر. قال: فرجعت، فقالت لإبراهيم: أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة؟ تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط الصحيح [مسند أحمد / ح ٩٢٥٢].\nوقد رواه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - به مختصرًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أُبيّ، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ - في كلمات إبراهيم الثلاث التي قالها: \"ما منها كلمة إلا مَاحَلَ بها عن دين الله، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقال للملك حين أراد امرأته: هي أختي\".\nفقوله في الحديث: هي أختي أي في دين الله، وقوله لها: \"إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك\"، يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعين حمله على هذا لأن لوطًا كان معهم وهو نبي - ﵇ -. وقوله لها لما رجعت إليه: مهيم؟ معناه ما الخبر؟ فقالت: إن الله رد كيد الكافرين، وفي رواية: الفاجر وهو الملك، وأخدم جارية.\nوكان إبراهيم - ﵇ - من وقت ذهب بها إلى الملك، قام يصلي لله ﷿، ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء. وهكذا فعلت هي أيضًا. فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرًا قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله ﷿ بما تقدم من الدعاء العظيم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم - ﵇ -.\nوقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة: سارة، وأم موسى، ومريم عليهن السلام.\nوالذي عليه الجمهور أنهن صِدِّيقات ﵅ وأرضاهن.\nثم إن الخليل - ﵇ - رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن وهي الأرض المقدسة التي كان فيها. وصحبتهم هاجر القبطية المصرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[هجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه]:</span>\nقال البخاري: قال عبد الله بن محمد -هو أبو بكر بن أبي شيبة- حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء. فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. =","vol":"1","page":261},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم .. أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند ثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.\nوجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: \"ذلك سعي الناس بينهما\".\nفلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد نفسها. ثم تسمعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا. وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: \"يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا\"، قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.\nوكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريًا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبرهم بالماء فأقبلوا.\nقال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم. قال عبد الله بن عباس: قال النبي - ﷺ -: \"فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس\"، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم. وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب. فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.\nوماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، =","vol":"1","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي - ﵇ - وقولي له: يغيّر عتبة بابه.\nفلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ﷿، فقال: وما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: \"اللهم بارك لهم في اللحم والماء\".\nقال النبي - ﷺ -: \"ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه\"، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي - ﵇ -، ومريه يثبّت عَتَبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فاخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال: أفأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.\nثم لبث عندهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل .. إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر ووضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nقال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة فيها ماء، وذكر تمامه بنحو ما تقدم.\nوهذا الحديث من كلام ابن عباس وموضح برفع بعضه. وفي بعضه غرابة. وكأنه مما نفاه ابن عباس عن الإسرائيليات، وفيه أن إسماعيل كان رضيعًا إذ ذاك *. =","vol":"1","page":263},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= * قلنا: الحديث أخرجه البخاري (ح ٣٣٦٤) و(ح ٣٣٦٥) عن ابن عباس ﵄ وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٠) وأما ابن عباس فإن كان لم يسمعه من النبي فهو من مرسل الصحابة ولم يعتمد البخاري على هذا الإسناد الخالص كما ترى.\nوقال في موضع آخر: وهذا القدر صرح ابن عباس برفعه عن النبي - ﷺ - وفيه إشعار بأن جميع الحديث مرفوع (فتح الباري ٧/ ٥٤).\nوعند أهل التوراة أن الله أمر إبراهيم بأن يختن ولده إسماعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة، وهذا امتثال لأمر الله ﷿ في أهله، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب. ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال، كما هو مقرر في موضعه.\nوقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -: قال النبي - ﷺ -: \"اختتن إبراهيم النبي - ﷺ - ﵇ - وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم\". تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وهكذا رواه مسلم عن قتيبة. وفي بعض الألفاظ: \"اختتن إبراهيم بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم\"، والقدوم هو الآلة، وقيل: موضع.\nوهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين .. والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"اختتن إبراهيم وهو ابن مئة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة\". رواه ابن حبان في صحيحه.\nوليس في هذا السياق ذكر<span data-type=\"title\" id=toc-151> قصة الذبيح </span>وأنه إسماعيل، ولم يذكر في قدمات إبراهيم ﵇ إلا ثلاث مرات: أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد -على ما ذكر- إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم، وقد ذكر أن الأرض كانت تطوى لهم، وقيل: إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فكيف يختلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة؟ ! وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات، ولم يذكر فيه قصة الذبيح، وقد دللنا على أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات.\n\n[قصة الذبيح]:\nقال الله تعالى: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ =","vol":"1","page":264},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٣].\nيذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه، سأل ربه أن يهب له ولدًا صالحًا، فبشره الله بغلام حليم، وهو إسماعيل - ﵇ -، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لأنه أول ولده وبكره.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل. فلما كان هذا، رأى إبراهيم - ﵇ - في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا، وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعًا: \"رؤيا الأنبياء وحي\".\nوهذا اختيار من الله ﷿ لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن، بعدما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع. فامتثل أمر الله في ذلك، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلًا عليه، فجعل الله لهما فرجًا ومخرجًا، ورزقهما من حيث لا يحتسبان.\nثم لما أُمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره، أجاب ربه وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته. ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذيحه قهرًا: ﴿قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قبل: \"أسلما\" أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر، والمعنى \"تلَّه للجبين\" أي ألقاه على وجهه.\nفعند ذلك نودي من الله ﷿: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك، ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلت ولدك للقربان، كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان! ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار الظاهر البين.\nوقوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي جعلناه فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.\nوالمشهور عن الجمهور أنه كبش ثم ذكر ابن كثير بعض الروايات في وصف الكبش.\nثم قال: ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات. وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم، والاختبار الباهر، وأنه فُدي بذبح عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشًا.\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله نافع، عن صفية بنت شيبة =","vol":"1","page":265},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم، ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله - ﷺ - إلى عثمان بن طلحة، وقالت مرة: إنها سألت عثمان: لم دعاك رسول الله - ﷺ -؟ قال: قال لي رسول الله: \"إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي\". [مسند أحمد / ح ١٦٦٣٧].\nقال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا. وكذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقًا عند ميزاب الكعبة حتى يبس.\nوهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل، لأنه كان هو المقيم بمكة، وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره .. والله أعلم. وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل، لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ومن جعله حالًا فقد تكلف، ومستنده أنَّه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعًا لا محيد عنه، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه ووحيده، وفي نسخة من المعربة: بكره إسحاق، بلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر إنما ذاك إسماعيل.\nوإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله - ﷺ -، وإسحاق والد يعقوب -وهو إسرائيل- الذي ينتسبون إليه، فأرادوا أن يجرّوا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.\nوقد قال بأنه إسحاق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم، وإنما أخذوه -والله أعلم- من كعب الأحبار، أو من صحف أهل الكتاب. وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز، ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل [لقد فصلنا القول في هذا البحث في مكان آخر فلا نعلق هنا على ترجيح ابن كثير].\nوما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظي على أنه إسماعيل وليس بإسحاق من قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ هذا لا يكون، لأنه يناقض البشارة المتقدمة ... والله أعلم.\nوقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ جملة تامة، وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال: لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضًا إلى أن يعاد معه حرف الجر، فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمرو، حتى يقال ومن بعده بعمرو. وقال: فقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ =","vol":"1","page":266},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يَعْقُوبَ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: ووهبنا لإسحاق يعقوب، وفي هذا الذي قاله نظر. ورجح أنه إسحاق، واحتج بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال: وإسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بجبال مكة فكيف يبلغ معه السعي؟ وهذا أيضًا فيه نظر، لأنه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكبًا البراق إلى مكة، يطلع على ولده وابنه ويرجع .. والله تعالى أعلم.\nفمن حكى القول عنه بأنه إسحاق: كعب الأحبار، وروي عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود، ومسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمير، وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق، والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول، وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة، وأبي الهذيل وابن سابط، وهو اختيار ابن جرير، وهذا عجب وهو أحدث الروايتين عن ابن عباس.\nولكن الصحيح عنه -وعن أكثر هؤلاء- أنه إسماعيل - ﵇ -، قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس: هو إسماعيل - ﵇ -.\nوقال ابن جرير:\nحدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قبس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود.\nقال عبد الله بن الإمام أحمد سألت أبي عن الذبيح: من هو؟ إسماعيل أو إسحاق، فقال: إسماعيل. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل. وروى عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح هو إسماعيل - ﵇ -. وحكاه البغوي أيضًا عن الربيع عن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>نَبيُّ اللهِ إسحَاق ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[مولده]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالتْ يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ =","vol":"1","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣].\nقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَال أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَال وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٥٦].\nوقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيهِمْ قَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٣٠].\nيذكر تعالى: أن الملائكة لما وردوا على الخليل حسبهم أولًا أضيافًا، فعاملهم معاملة الضيوف، وشوى لهم عجلًا سمينًا من خيار بقره، فلما قرَّبه إليهم وعرض عليهم، لم ير لهم همة إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام فـ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ إبراهيم: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي لندمر عليهم. فاستبشرت عند ذلك سارة غَضبًا لله عليهم، وكانت قائمة على رؤوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم، فلما ضحكت استبشارًا بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي بشرتها الملائكة بذلك: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أي في صرخة: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي كما تفعل النساء عند التعجب وقالت: ﴿يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا﴾ أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضًا، وهذا بعلي، أي زوجي، شيخًا؟ تعجبت من وجود ولد والحالة هذه. ولهذا قالت: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.\nوكذلك تعجب إبراهيم - ﵇ - استبشارًا بهذه البشارة وتثبيتًا لها وفرحًا بها: ﴿قَال أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه، فبشروهما ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وهو إسحاق أخو إسماعيل، غلام عليم مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.\nوهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل، وإن إسحاق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده.\nفقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب. أي يولد في حياتهما لتقرّ أعينهما به كما قرت بولده، ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل =","vol":"1","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إسحاق فائدة، ولما عين بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده، كما سرا بمولد أبيه من قبله، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.\nوهذا إن شاء الله ظاهر قوي، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله ... أي مسجد وضع أول؟ قال: \"المسجد الحرام\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\"، قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد\". وعند أهل الكتاب، أن يعقوب - ﵇ - هو الذي أسس المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا ببيت المقدس شرفه الله.\nوهذا متجه ويشهد له لما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكون بناء يعقوب - ﵇ - وهو -إسرائيل- بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء. وقد قال بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق، لأن إبراهيم - ﵇ - لما دعا، قال في دعائه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١].\nوما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود ﵉، لما بينى بيت المقدس سأل الله خلالًا ثلاثة، كما ذكرناه عند قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، -وكما سنورده في قصته- فالمراد من ذلك والله أعلم، أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة، ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه. وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[بناء البيت العتيق]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٨].\nقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا =","vol":"1","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٤ - ١٢٩].\nيذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء إبراهيم - ﵇ - أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه، وبوأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودله عليه.\nفأمر الله تعالى إبراهيم - ﵇ - أن يبني له بيتًا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السموات والأرض، كما ثبت في الصحبحين: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة\".\nولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل - ﵇ -، ومن تمسك في هذا بقوله: ﴿مَكَانَ الْبَيتِ﴾ فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدره، المعظم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم.\nوقد قال الله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾ أي أن أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى. البيت الذي ببكة. وقيل: محل الكعبة: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي على أنه بناء الخليل، والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته، ولهذا قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي الحجر الذي كان يقف عليه قائمًا لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور، ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء. كما ذكر في حديث ابن عباس الطويل.\nوقد كان هذا الحجر ملصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁، فأخره عن البيت قليلًا، لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب ﵁ في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء، منها قوله لرسوله - ﷺ -: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام. وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:\nوثور ومن أرسي ثبيرًا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل =","vol":"1","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل\nوبالحجر المسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل\nوموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل\nيعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ أي في حال قولهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله ﷿، وهما يسألان من الله ﷿ السميع العيم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nوالمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع، في واد غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة، وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرمًا مُحرمًا وآمنًا مُحتمًا.\nفاستجاب الله -وله الحمد- له مسألته، ولبى دعوته، وأتاه طلبته، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾. وسأل الله أن يبعث فيهم رسولًا منهم، أي من جنسهم، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان: الدنيوية والدينية، سعادة الأولى والآخرة.\nوقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولًا وأي رسول! ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحد قبله، وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء، لشرفه في نفسه وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته، وكريم محتده وعظيم مولده، وطيب مصدره ومورده.\nولهذا استحق إبراهيم الخليل - ﵇ - إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض، أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إلى يوم البعث والنشور.\nوقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بنائه للبيت، وما ورد في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية، فمن أراد فليراجعه ثمَّ ... ولله الحمد.\nوفي الصحيحين من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر، عن ابن عمر، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألم تَرَ أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله .. ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ =","vol":"1","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقال: \"لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت\". وفي رواية: \"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية -أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر\". صحيح البخاري / ح (٤٤٨٤) وح (١٥٨٦).\nوقد بناها ابن الزبير ﵀ في أيامه على ما أشار إليه رسول الله - ﷺ - حسبما أخبرته به خالته عائشة، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاثةٍ وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه. فأمر بردها إلى ما كانت عليه، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر، ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة، فارتفع بابها الشرقي، وسدوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم. ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك. ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة. يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد. فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[ثناء الله على خليله إبراهيم]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لما وفى ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة، جعله للناس إمامًا يقتدون به ويأتمون بهديه. وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه، وباقية في نسبه، وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام وسلمت إليه الإمامة بزمام، واستثنى من نيلها الظالمون. واختص بها من ذريته العلماء العاملون، كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nفالضمير في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ عائد على إبراهيم على المشهور، ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبًا، وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته .. والله أعلم.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية. فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل، فمن ذريته وشيعته، وهذه خلعة سنية لا تضاهى، ومرتبة عليّة لا تباهى. وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارة، ووُلِدَ له يعقوب -وهو إسرائيل- الذي ينتسب =","vol":"1","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلى سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدًّا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة، وحتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل.\nوإما إسماعيل - ﵇ -، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى، ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه.\nفلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدرة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع، ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة. وقد ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: \"سأقوم مقامًا يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم\". فمدح إبراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق، في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق.\nوقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين ويقول: \"إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة\". ورواه أهل السنن من حديث منصور به. [البخاري / ح ٣٣٧١].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابًا بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير.\nوالحاصل: أن الله ﷿ أجابه إلى ما سأل، فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور، اختلفوا في تعيينها على أقوال، والمقصود حاصل على كل تقدير، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض، ثم يقسمه قسمًا ويجعل على كل جبل منهن جزءًا ففعل ما أمر به، ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه، وكل ريشة تأتي إلى أختها، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشيء: كن فيكون، فأتين إليه سعيًا، ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانًا.\nوقد كان إبراهيم - ﵇ - يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علمًا يقينًا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانًا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين! فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله.\nوقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ =","vol":"1","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٨].\nينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصاري في دعوي كل من الفريقين، كون الخليل على ملتهم وطريقتهم، فبرأه الله منهم، وبيّن كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة؟ ولهذا قال ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إلى أن قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].\nفبين أنه كان على دين الله الحنيف، وهو القصد إلى الإخلاص، والانحراف عمدًا عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والشرك.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَينَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٤١].\nفنزه الله ﷿ خليله ﵇ عن أن يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا، وبيّن أنه إنما كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن من المشركين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ يعني الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ يعني محمدًا - ﷺ -، فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرع للخليل، وكمله الله تعالى له، وأعطاه ما لم يُعْطِ نبيًّا ولا رسولًا من قبله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ =","vol":"1","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢١ - ١٢٣].\nوقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: \"قاتلهم الله .. والله ما استقسما بالأزلام قط\". لم يخرجه مسلم. وفي بعض ألفاظ البخاري: \"قاتلهم الله ... لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط\". [البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٥٢] و[الحج / ١٦٠١].\nوقوله: ﴿أُمَّةً﴾ أي قدوة إمامًا مهتديًا داعيًا إلى الخير، يُقتدى به فيه ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ أي خاشعًا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مخلصًا على بصيرة ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي قائمًا بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته، واتخذه خليلًا، وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ يرغب تعالى في اتباع إبراهيم - ﵇ -، لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ولهذا اتخذه الله خليلًا، والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم:\nقد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سُمّي الخليل خليلا\nوهكذا نال هذه المرتبة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيحين وغيرهم من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"أيها الناس .. إن الله اتخذني خليلًا\". وقال أيضًا في آخر خطبة خطبها: \"أيها الناس .. لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله\". أخرجاه من حديث أبي سعيد. [البخاري / ح ٣٩٠٤] ومسلم [٢/ ٢٣٨٢].\nوثبت أيضًا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود. وروى البخاري في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم! .\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبيّ، حدثنا محمود بن خالد السلمي، حدثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقى في قلبه الوجل، حتى إن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء.\nوقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرًا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له، فقيل: إنه =","vol":"1","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مذكور في خمسة وثلاثين موضعًا، منها خمسة عشر (موضعًا) في البقرة وحدها.\nوهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصًا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية. ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد - ﷺ -.\nوهو الذي وجده - ﵇ - في السماء السابعة مسندًا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمير عن أنس في حديث الإسراء، من أن إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، فمما انتقد على شريك في هذا الحديث. والصحيح الأول.\nوقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن\". تفرد به أحمد [مسند أحمد / ٨٣٩٩].\nثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: \"وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم\". رواه مسلم من حديث أُبيّ بن كعب ﵁.\nوهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر\"، ثم ذكر استشفاع الناس بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدًا - ﷺ - فيقول: \"أنا لها، أنا لها\" الحديث بتمامه.\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبيد الله، حدثني سعيد، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: \"أكرمهم أتقاهم\"، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: \"فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله\"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: \"فعن معادن العرب تسألونني؟ \"، قالوا: نعم، قال: \"فخيارهم في الجاهلجة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\" [صحيح البخاري / ح ٣٣٨٣].\nوهكذا رواه البخاري في مواضع أخرى ومسلم والنسائي من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله -وهو ابن عمر- العمري به.\nثم قال البخاري: قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: قلت: وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما، وحديث عبيدة بن سليمان، والنسائي من حديث محمد بن بشر، أربعتهم عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - ولم يذكروا أباه. =","vol":"1","page":276},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله\". تفرد به أحمد [مسند أحمد / ح ٨٣٩٩].\nوقال البخاري: إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: \"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\". تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر به.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: \"يحشر الناس عراة غرلًا، فأول من يكسى إبراهيم - ﵇ -\"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، وكلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به (أحمد / ح ١٩٥٠) والبخاري (ح ٣٣٤٩).\nوهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الأفضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون.\nوأما الحديث الآخر الذي قاله الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو نعيم، حدثنا سفيان -هو الثوري- عن مختار بن مختار بن فلفل، عن أنس بن مالك، قال رجل للنبي - ﷺ -: يا خير البرية، فقال: \"ذاك إبراهيم\" فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس، وعلي بن مشهر ومحمد بن فضيل، أربعتهم عن المختار بن فلفل [وانظر مسند أحمد / ١٢٨٢٦].\nوهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل - ﵇ - كما قال: \"لا تفضلوني على الأنبياء\"، وقال: \"لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ \".\nوهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة. وكذلك حديث أُبيّ بن كعب في صحيح مسلم: \"وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلهم حتى إبراهيم\".\nولما كان إبراهيم - ﵇ - أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أمر المصلي أن يقول في تشهده، ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره، قال: قلنا: يا رسول الله .. هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: \"قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم =","vol":"1","page":277},{"text":"حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه قال: فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة، فوهبت له نفسَها فتزوجها، وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فأتى حرَّان، فأقام بها زمانًا، ثم أتى الأردنّ فأقام بها زمانًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانًا، ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع (أرض بين إيليا وفلَسطين) واحتفر بئرًا، وبنى مسجدًا. ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحوّل من عندهم، فنزل منزلًا بين الرملة وإيليا، فاحتفر به بئرًا أقام به، وكان قد وُسِّع عليه في المال والخدم، وهو أوّل من أضاف الضيف، وأوّل من ثرَد الثريد، وأوّل من رأى الشيب.\nقال: وولد لإبراهيم - ﵇ - إسماعيل وهو أكبر ولده- وأمه هاجر وهي قبْطية، وإسحاق، وكان ضرير البصر، وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح - ومدن، ومدين، ويقسان، وزمران، وأسبق، وسوح؛ وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة.\nفأما يقسان فلحق بنوه بمكة، وأقام مدن ومدين بأرض مدين، فسميت به، ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإبراهيم: يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك، وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة! فقال: بذلك أمرت، قال: فعلَّمهم اسمًا من أسماء الله ﵎، فكانوا يستسقون به ويستنصرون، فمنهم من نزل خراسان، فجاءتهم الخزر فقالوا: ينبغي للذي علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض، أو ملك الأرض، قال: فسموا ملوكهم خاقان.\nقال أبو جعفر: ويقال في يسبق: يسباق، وفي سوح: ساح (١). (١: ٣١٠/ ٣١١)\nوقال بعضهم: تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب، إحداهما قَنطورا بنت يقطان، فولدت له ستة بنين، وهم الذين ذكرنا، والأخرى منهما\n_________\n= وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\" (البخاري ح ٤٧٩٧).\n(١) ضعيف.","vol":"1","page":278},{"text":"حجور بنت أرهير، فولدت له خمسة بنين: كيسان، وشورخ، وأميم، ولوطان، ونافس (١). (٣١١: ١).\n_________\n(١) ضعيف.\nلقد ذكرنا الروايات في قصة أيوب في قسم الضعيف فليس فيها ما صح سنده وسنذكر هنا ما صح من أحاديث مرفوعة في قصة أيوب - ﵇ - ولم يذكرها الطبري في تأريخه: فقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب الأنبياء / باب قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ح / ٣٣٩١ وأحمد (ح ٨١٦٥) عن أبي هريرة مرفوعًا (بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناداه ربه ﷿: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟ قال: بل يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك).\nوفي رواية أخرى لأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لما عافى الله أيوب - ﵇ - أمطر عليه جرادًا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال: فقيل له يا أيوب أما تشبع؟ ! قال: يا رب ومن يشبع من رحمتك).\nوقال ابن كثير: رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد به، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وهو على شرط الصحيح والله أعلم. (البداية والنهاية ١/ ٣١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>نَبيُّ اللهِ أيوب - ﵇ </span>-\nوهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَينَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ [النساء: ١٦٣].\nقال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤١ - ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[ابتلاؤه بالمرض]:</span>\nوابتلي في جسده بأنواع من البلاء، وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله ﷿ في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.\nوطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها. فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته، رضي الله =","vol":"1","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج، وضيق ذات اليد، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل\"، وقال: \"يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه\". [أحمد / ١٦٠٧] والترمذي (٢٣٩٨)] وقال حسن صحيح.\nولم يزد هذا كله أيوب - ﵇ - إلا صبرًا واحتسابًا وحمدًا وشكرًا حتى إن المثل ليُضرب بصبره - ﵇ -، ويُضرب المثل أيضًا بما حصل له من أنواع البلايا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[شفاؤه]:</span>\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قالا: \"لما عافى الله أيوب - ﵇ - أمطر عليه جرادًا من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعل في ثوبه. قال: فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: يا رب. ومن يشبع من رحمتك؟ \". [أحمد / ح ٧٣١٣].\nوهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي داود الطيالسي، وعبد الصمد، عن همام، عن قتادة به.\nورواه ابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن محمد الأزدي، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الصمد به، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، وهو على شرط الصحيح، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أرسل اللهُ على أيوب رِجْلًا من جراد من ذهب، فجعل يقبضها في ثوبه، فقيل: يا أيوب، ألم يكفك ما أعطيناك؟ قال: أي رب، من يستغني عن ذلك! هذا موقوف، وقد روي عن أبي هريرة من وجه مرفوعًا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: \"بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه ﷿: يا أيوب .. ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك\". [رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به / ح ٢٧٦].\nوقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أي: اضرب الأرض برجلك، فامتثل ما أمر به، فأنبع الله عينًا باردة الماء، وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى، والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرًا وباطنًا، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالًا تامًّا ومالًا كثيرًا، حتى صب له من المال صبًا، وأخلف الله له أهله، كما قال تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي رفعنا عنه =","vol":"1","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شدته، وكشفنا ما به من ضر، رحمة به ورأفة وإحسانًا، ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: تذكرة لمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده، فله أسوة بنبي الله أيوب، حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله به. ا. هـ كلام الحافظ (بعد حذف للإسرائيليات واختصار).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>نَبيُّ الله شُعَيب ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[قصة مدين في القرآن]:</span>\nقال الحافظ ابن كثير ﵀:\nقال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَينَنَا وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَال الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَال أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَينَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٩٣].\nوقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضًا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ =","vol":"1","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَال يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا شُعَيبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٨٤ - ٩٥].\nوقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضًا: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾. وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَال رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[مدين وشعيب]:</span>\nكان أهل مدين قومًا عربًا يسكنون مدينتهم \"مدين\" التي هي قريبة من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز قريبًا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة، ومدين قبيلة عُرفت بهم، وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل. وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن. وذكره ابن إسحاق.\nقال: ويقال له بالسريانية \"يترون\" وفي هذا نظر. ويقال: شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب، ويقال: شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، ويقال: شعيب بن صيفر بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه. قال ابن عساكر: ويقال جدته، ويقال: أمه، بنت لوط. وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق.\nوعن وهب بن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار، وهاجر معه إلى الشام، فزوجهما بينتي لوط - ﵇ -. ذكره ابن قتيبة. وفي هذا كله نظر، والله تعالى أعلم.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي: أنه قدم على رسول الله - ﷺ - فأسلم وانتسب إلى عنزة، فقال: \"نعم الحي عنزة، مبغي عليهم منصورون رهط شعيب وأَخْتان موسى\".\nفلو صح هذا لدل على أن شعيبًا صهر موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة، =","vol":"1","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عبدنان، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل، والله أعلم.\nوفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال: \"أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر\". وكان بعض السلف يسمي شعيبًا \"خطيب الأنبياء\" ويعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته.\nوقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر شعيبًا قال: \"ذاك خطيب الأنبياء\". وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها. وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيها، ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص. فبعث الله فيهم رجلًا منهم وهو رسول الله شعيب - ﵇ - فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم، وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد، وهو الولي الحميد.\nكما قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي دلالة وحجة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم ينقل إلينا تفصيلها، وإن كان هذا اللفظ قد دخل عليها إجمالًا.\n﴿فَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ أي: طريق، ﴿تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل. قال السدي في تفسيره عن الصحابة: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة. وقال إسحاق بن بشر عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كانوا قومًا طغاة يجلسون على الطريق، يبخسون الناس، يعني يعشرونهم، وكانوا أول من سن ذلك.\n﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ نهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية، والمعنوية الدينية.\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه. كما قال لهم في القصة الأخرى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا =","vol":"1","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم، ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم. وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة، ومن جمع له هذا وهذا، فقد باء بالصفقة الخاسرة! .\nفنهاهم أولًا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم، وعذابه الأليم في أخراهم، وعنَّفهم أشد تعنيف. ثم قال لهم آمرًا بعدما كان عن صدِّه زاجرًا: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.\nقال ابن عباس والحسن البصري: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس. وقال ابن جرير: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان: خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال: وقد روي هذا عن ابن عباس.\nوهذا الذي قاله وحكاه حسن، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام، فإن الحلال مبارك وإن قل، والحرام ممحوق وإن كثر، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل\" رواه أحمد. أي إلى قلة. وقال رسول الله - ﷺ -: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما\". [مسند أحمد / ٣٧٥٤ و٥٣١٤] و[البخاري / ٣٤/ ١٩ / ٤٢].\nوالمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام لا يجدي وإن كثر. ولهذا قال نبي الله شعيب: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه، لا لأراكم أنا وغيري.\n﴿قَالُوا يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم: أصلاتك هذه التي تصليها، هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك؟ ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون؟ أو ألا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت، ونترك المعاملات التي تأباها، وإن كنا نحن نرضاها؟ .\n﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير: يقول ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.\n﴿قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾. هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة. يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على أمر بيّن من الله تعالى أنه أرسلني إليكم، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني النبوة والرسالة، يعني وعمي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي =","vol":"1","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فيكم؟ وهذا كما تقدم عن نوح - ﵇ - أنه قال لقومه سواء.\nوقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من بتركه.\nوهذه هي الصفة المحمودة العظيمة، وضدها هي المردودة الذميمة، كما تلبس بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وذكرنا عندها في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه -أي تخرج أمعاؤه من بطنه- فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجمع أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه\". [صحيح البخاري / ح ٣٢٦٧] و[مسلم ٥٨/ ٢٩٨٩].\nوهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء، فأما السادة من النجباء، والألباء من العلماء، الذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي؟ ما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي في جميع الأحوال ﴿إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾ أي عليه أتوكل في سائر الأمور، وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري. وهذا مقام ترغيب.\nثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.\nأي لا يحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.\nوقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ قيل معناه: في الزمان، أي ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم. وقيل معناه: وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان، وقيل: في الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.\nوالجمع بين هذه الأقوال ممكن، فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانًا ولا مكانًا ولا صفات.\nثم مزج الترهيب بالترغيب فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود، فإنه من تاب إليه تاب عليه، فإنه رحيم بعباده، أرحم بهم من الوالده بولدها: ﴿وَدُودٌ﴾ وهو الحبيب، ولو بعد التوبة على =","vol":"1","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبده، ولو من الموبقات العظام. ﴿قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.\nرُوي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا: كان ضرير البصر. وقد رُوي في حديث مرفوع: أنه بكى من حب الله حتى عمى، فرد الله عليه بصره، وقال: \"يا شعيب .. أتبكي خوفًا من النار؟ أو من شوقك إلى الجنة؟ فقال: بل من محبتك، فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا بصنع بي، فأوحى الله إليه: هنيئًا لك يا شعيب لقائي، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي\".\nرواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي، عن علي بن الحسن بن بندار، عن عبد الله محمد بن إسحاق الرملي، عن هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس، عن النبي - ﷺ - بنحوه. وهو غريب جدًّا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي.\nوقولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ﴾ هذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي: ما نفهمه ولا نعقله، لأننا لا نحبه ولا نريده، وليس لنا همة إليه، ولا إقبال عليه. وهو كما قال كفار قريش لرسول الله - ﷺ -: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾.\nوقولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي: مضطهدًا مهجورًا، ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ أي: قبيلتك وعشيرتك فينا ﴿لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ﴾.\n﴿قَال يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونني بسببهم، ولا تخافون عذاب الله؟ ولا تراعوني لأني رسول الله - ﷺ -؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: جانب الله وراء ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.\n﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾. هذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ومن يحل عليه الهلاك والبوار: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي في هذه الحياة الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي في الآخرة ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر. ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ هذا كقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَينَنَا وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\n﴿قَال الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَال أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَينَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ =","vol":"1","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾.\nطلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه فقال: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارًا، وإنما يعودون إليكم إن عادوا، اضطرارًا مكرهين، وذلك لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لأحد منه.\nولهذا قال: ﴿قَدِ افْتَرَينَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجؤنا في جميع أمورنا.\nثم استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي الحاكمين. فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسوله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه وخالفوه. ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون: ﴿وَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[عقاب الله]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي رجفت بهم أرضهم، وزلزلت زلزالًا شديدًا، أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وصيّرت حيوان أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية، لا أرواح فيها ولا حركات بها، ولا حواس لها.\nوقد جمع الله عليهم أنواعًا من العقوبات، وصنوفًا من المثلات، وأشكالًا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكتت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائهم والجهات.\nولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها، في سياق قصة الأعراف أرجفوا نبي الله وأصحابه، وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودون في ملتهم راجعين. فقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فقابل الإرجاف بالرجفة، والإخافة بالخيفة، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق.\nوأما في سورة هود: فذكر أنهم أخذتهم الصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح، الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح، فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم.\nوأما في سورة الشعراء: فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا، =","vol":"1","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتقريبًا إلى ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَال رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال الله تعالى وهو السميع العليم: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره: أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين، فقوله ضعيف. وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما: أنه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ﴾ ولم يقل أخوهم كما قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا﴾. والثاني: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة.\nوالجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم، وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة.\nوأما احتجاجهم بيوم الظلة، فإن كان دليلًا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلًا على أنهم أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئًا من هذا الشأن. فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب ﵇، من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن شقيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا \"إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهم شعيبًا النبي - ﵇ -\". فإنه حديث غريب. وفي رجاله من تكلم فيه. والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو. مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل .. والله أعلم.\nثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب. وذكر في كل موضع ما يناسبه من الخطاب.\nوقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ذكروا أنه أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيها أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الأرواح، وأخرجت الأشباح.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، ونجى الله شعيبًا ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا شُعَيبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. =","vol":"1","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال تعالى: ﴿وَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذا في مقابلة قولهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\nثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخًا ومؤنبًا ومقرعًا، فقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي أعرض عنهم موليًا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلًا: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ أي قد أديت ما كان واجبًا عليّ من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك، لأن الله لا يهدي من ضل وما لهم من ناصرين، فلست أتأسف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة.\nولهذا قال: ﴿فَكَيفَ آسَى﴾ أي أحزن ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه فحلَّ بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع، ولا محيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص عنه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: أن شعيبًا - ﵇ - كان بعد يوسف - ﵇ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>نبيُّ اللهِ يُوسف - ﵇ </span>-\nقال الحافظ ابن كثير ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل]:</span>\nوقد أنزل الله ﷿ في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم، ليُتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣].\nوجملة القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، بلسان عربي فصيح، بيّن واضح جلي، يفهمه كل عاقل ذكي، فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان.\nفإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغ الباطل وزيفه ورده. وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج، وأبين حكمًا وأعدل حكمًا، فهو كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا =","vol":"1","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَعَدْلًا﴾، يعني صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي.\nولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه.\nكما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].\nوقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١].\nيعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد. كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي، مرفوعًا وموقوفًا: \"من ابتغى الهدى في غيره أضله الله\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشام، أنبأنا خالد عن الشعبي، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي - ﷺ - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي - ﷺ - قال: فغضب وقال: \"أتتهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني\". إسناد صحيح [مسند أحمد ح ١٥١٥٨].\nورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين\".\nوقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفي بعضها: أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس فقال في خطبته: \"أيها الناس .. إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون\"، ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفًا حرفًا. [مسند أحمد / ح ١٨٣٦٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[حلم يوسف - ﵇ </span>-]:\n﴿إِذْ قَال يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَال يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦].\nقد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم يوسف - ﵇ -. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى =","vol":"1","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أنه لم يكن فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوح إليهم. وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول.\nومن استدل على نبوتهم بقوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوي، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجب فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء .. والله أعلم.\nومما يؤيد أن يوسف - ﵇ - هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه ما نص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه. ويستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\". انفرد به البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا .. ولله الحمد والمنة. [انظر صحيح البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٩٠] ومسند أحمد [ح ٧١٦].\nقال المفسرون وغيرهم: رأى يوسف - ﵇ - وهو صغير قبل أن يحتلم، كأن أحد عشر كوكبًا، وهم إشارة إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهاله ذلك.\nفلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبوه وإخوته فيها، فأمره بكتمانها وألا يقصها على إخوته، كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل، ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر، وهذا يدل على ما ذكرناه.\nولهذا جاء في بعض الآثار: \"استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود\". وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معًا، وهو غلط منهم.\n﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة، فإذا كتمتها ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك.\n﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ﴾ أي بالوحي إليك ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك إسحاق، ووالد جدك إبراهيم الخليل، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾. لهذا قال رسول الله - ﷺ - لما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: \"يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله\".\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ =","vol":"1","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَو اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ٨ - ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>[التخلص من يوسف - ﵇ </span>-]:\nينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم، والدلالات والمواعظ والبينات. ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه -يعنون شقيقه لأمه بنيامين- أكثر منهم، وهم عصبة أي جماعة يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي بتقديمه حبهما علينا.\nثم استوروا فيما بينهم في قتل يوسف، أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها، ليخلو لهم وجه أبيهم: أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد ذلك.\nفلما تمالؤوا على ذلك وتوافقوا عليه: ﴿قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة، فليكن هذا الذي أقول لكم، فهو أقرب حالًا من قتله أو نفيه وتغريبه.\nفأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَال إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم، وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم.\nفأجابهم الشيخ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم: يل بني .. يشق عليَّ أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشغلوا في لعبكم وما أنتم فيه، فيأتي الذئب فيأكله، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.\n﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذًا لخاسرون، أي عاجزون هالكون.\n﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَينَا إِلَيهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٥ - ١٨].\nلم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب، أي في قعره على راعونته، وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها \"الماتح\" وهو الذي يتزل ليملأ الدلاء إذا قل الماء، والذي يرفعها بالحبل يسمى \"الماتح\". =","vol":"1","page":292},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فلما ألقوه فيه، أوحى الله إليه: أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها، ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيهم عزيز، وهم محتاجون إليك خائفون منك، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال مجاهد وقتادة: وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك. وعن ابن عباس: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها، رواه ابن جرير عنه.\nفلما وضعوه فيه ورجعوا عنه، أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم، ورجعوا إلى أبيهم عشاءً وهم يبكون، أي على أخيهم. ولهذا قال بعض السلف: لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك. وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاؤوا أباهم عشاءً يبكون، أي في ظلمة الليل، ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي في غيبتنا عنه في استباقنا. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي ما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له، ولو كنا غير متهمين عندك، فكيف وأنت تتهمنا في هذا؟ فإنك خشيت أن يأكله الذئب، وضمنّا لك ألا يأكله لكثرتنا حوله، فصرنا غير مصدقين عندك، فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.\n﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب مفتعل، فوضعوه على قميصه، ليوهموه أنه أكله الذئب. قالوا: ونسوا أن يخرقوه، وآفة الكذب النسيان! ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يَرُجْ صنيعهم على أبيهم، فإنه كان يفهم عداوتهم له، وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم، لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته. ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه، وغيبوه عن عينيه، وجاؤوا وهم يتباكون، وعلى ما تمالؤوا يتواطؤون؛ ولهذا: ﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[انتقاله من الجب إلى بيت عزيز مصر]:</span>\n﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَال يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَال الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nيخبر الله تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة، أي مسافرون، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف.\nفلما رآه ذلك الرجل ﴿قَال يَابُشْرَى﴾ أي يا بشارتي ﴿هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي أوهموا أنه =","vol":"1","page":293},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= معهم غلام من جملة متجرهم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته، وبما أسرَّه واجدوه من أنه بضاعة لهم، ومع هذا لا يغيره تعالى، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر، بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم، بما لا يحد ولا يوصف.\nولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم، وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس، أي قليل نزر، وقيل: هو الزيف، ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَال الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أحسني إليه ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.\nوقال ابن إسحاق عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حيث قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه، ويعتنيان به، مكنّا له في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي فهمها، وتعبير الرؤيا من ذلك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي إذا أراد شيئًا فإنه يقيض له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.\nوقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة، وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>محاولة امرأة العزير الإغرائية:</span>\n﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالتْ هَيتَ لَكَ قَال مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَال هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ =","vol":"1","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= نَفْسِي<span data-type=\"title\" id=toc-169> وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا </span>إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَال إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٩].\nيذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف - ﵇ - عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه وهي في غاية الجمال والمال، والمنصب والشباب وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها وهي مع هذا كله امرأة الوزير.\nوهذا كله من أن يوسف - ﵇ - شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبع الأتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء، في قوله ﵊ من رب الأرض والسماء: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله\" [صحيح البخاري / ٦٦٠ / كتاب الأذان].\nوالمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعني زوجها صاحب المنزل، سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي أحسن إليَّ وأكرم مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وقد تكلمنا على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير.\nوأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا. والذي يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي هرب منها طالبًا الباب ليخرج منه فرارًا منها، فاتبعته في أثره ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي وجدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي زوجها ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ فبدرته بالكلام وحرضته عليه ﴿قَالتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ اتهمته وهي المتهمة، وبرأت عرضها، ونزهت ساحتها، فلهذا قال يوسف ﵇: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة.\n\n[وشهد شاهد من أهلها]:\nفقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قَدَّت مقدم قميصه، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي =","vol":"1","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك، وكذلك كان، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَال إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي هذا الذي جرى من مكركن، أنت راودتيه عن نفسه، ثم اتهمتيه بالباطل.\nثم أضرب بعلها عن هذا صفحًا فقال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي لا تذكره لأحد، لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن، وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.\n﴿وَقَال نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاودُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالتِ اخْرُجْ عَلَيهِنَّ فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٤].\nيذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا، لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلًا لهذا. ولهذا قلن: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في وضعها الشيء في غير محله.\n﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ﴾ أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها، فأظهرن ذمًّا وهي معذورة في نفس الأمر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت من جملة ذلك شيئًا مما يقطع بالسكاكين، كالأترج ونحوه، وآتت كل واحدة منهن سكينًا، وكانت قد هيأت يوسف - ﵇ -، وألبسته أحسن الثياب، وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.\n﴿فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.\nوقد جاء في حديث الإسراء: \"فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن\". قال السهيلي وغيره من الأئمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم - ﵇ -، لأن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه مِن روحه. فكان في غاية نهايات الحسن البشري. ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.\n﴿قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحته بالعفة التامة فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ =","vol":"1","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي امتنع ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.\nوكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الإباء، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله. فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني، وحطتني بحولك وقوتك.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَال أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَال الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَال لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَسْمَاءً سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٤ - ٤١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[سجن يوسف - ﵇ </span>-]:\nيذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنه بدا لهم، أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، وأحمد لأمرها، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا. وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به، فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم.\nقال الله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قيل: كان أحدهما ساقي الملك. فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه، ودله وطريقته، وقوله وفعله، وكثرة عبادته ربه، وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه.\nفقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها، خبير بأمرها ﴿قَال لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ قيل معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أَقول. وقيل معناه: أني أخبركم بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوًا وحامضًا، كما قال عيسى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].\nوقال لهما: إن هذا من تعليم الله إياي، لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام: إبراهيم الخليل، وإسحاق ويعقوب. ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ =","vol":"1","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عَلَينَا﴾ أي أن هدانا لهذا، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز، وفي جبلتهم مغروز ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\nثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله ﷿، وصغّر أمر الأوثان وحقرها، وضعف أمرها فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَسْمَاءً سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد، الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ أي وحده لا شريك له و﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي المستقيم والصراط القويم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره.\nوكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال، لأن نفوسهما معظمة له، منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه. ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي وقع هذا لا محالة، ووجب كونه على كل حالة.\nوقد روي عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا: لم نر شيئًا، فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ﴿وَقَال لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجيًا منهما وهو الساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك. وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب.\n﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي فأَنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف - ﵇ -. قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد: وهو الصواب، وهو منصوص أهل الكتاب.\n﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، ومن قال إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله، وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة. والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه، تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي وهو متروك. ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل، ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى .. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[خروج يوسف من السجن]:</span>\n﴿وَقَال الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْويلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا =","vol":"1","page":298},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَال تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٩].\nهذا كان من جملة أسباب خروج يوسف - ﵇ - من السجن على وجه الاحترام والإكرام، وذلك أن ملك مصر لما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، بل ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي أخلاط أحلام من الليل، لعله لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك. ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْويلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكر الناجي منهما، الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله ﷿ وله الحكمة في ذلك. فلما سمع رؤيا الملك، ورأى عجز الناس عن تعبيرها، تذكر أمر يوسف، وما كان أوصاه به من التذكار.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ﴾ أي تذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد مدة من الزمن فقال لقومه وللملك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ أي فأرسلون إلى يوسف فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\nفبذل يوسف - ﵇ - ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط، ولا طلب الخروج سريعًا، بل أجابهم إلى ما سألوه، وعبر لهم ما كان من منام الملك، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها.\nفعبر لهم، وعلى الخير دلهم، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم، وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأوَل في سنبله، إلا ما يرصد بسبب الأكل، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.\n﴿وَقَال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَال ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَال مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ قَالتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٣].\nلما أحاط الملك علمًا بكمال علم يوسف ﵊، وتمام عقله، ورأيه السديد وفهمه، أمر بإحضاره إلى حضرته، ليكون من جملة خاصته. فلما جاءه الرسول بذلك، =","vol":"1","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أحب ألا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلمًا وعدوانًا، وأنه بريء الساحة مما نسبوه إليه بهتانًا. ﴿قَال ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ قيل معناه: إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إليَّ، أي فمر الملك فليسألهن: كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي؟ وحثهن لي على الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد؟ .\nفلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر، وما كان منه من الأمر الحميد ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾. فعند ذلك ﴿قَالتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ وهي زليخا ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ظهر وتبين ووضح، والحق أحق أن يتبع ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي فيما يقوله، ومن أنه بريء، وأنه لم يراودني، وأنه حُبس ظلمًا وعدوانًا، وزورًا وبهتانًا.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ﴾ قيل: إنه من كلام يوسف، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب. وقيل: إنه من تمام كلام زليخا، أي: إنما اعترفتُ بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة.\nوهذا القول هو الذي نصره طائفة من أئمةِ المتأخرين وغيرهم. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول. ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل: إنه من كلام يوسف. وقيل: من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>[تولي يوسف وزارة المالية]:</span>\n﴿وَقَال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَال إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٧].\nلما ظهر للملك براءة عرضه، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه ﴿وَقَال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله من خاصتي، ومن أكابر دولتي، ومن أعيان حاشيتي، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله ﴿قَال إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي ذو مكانة وأمانة.\n﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهرام لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سني الخصب، لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه، من الاحتياط لهم والرفق بهم، وأخبر الملك أنه حفيظ، أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه، عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهرام. وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة. =","vol":"1","page":300},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾ أي بعد السجن والضيق والحصر، صار مطلق الركاب بديار مصر، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾ أي أين شاء حل منها مكرمًا محسودًا معظمًا.\n﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مِع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل. ولهذا قال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[التقاء يوسف بإخوته]:</span>\n﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَال ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَال لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٢].\nيخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف - ﵇ - إلى الديار المصرية يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد. وكان يوسف - ﵇ - إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه، لأنه لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف - ﵇ - من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون.\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ وأي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته، من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه ﴿قَال ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلًا، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا. فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فائتوني به معكم.\n﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؟ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي فلست أعطيكم ميرة، ولا أقريكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولًا. فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب.\n﴿قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي وإنا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَال هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا وَنَمِيرُ =","vol":"1","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٣ - ٦٨].\nيذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ﴾ أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا. ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي شيء نريد وقد ردَّت إلينا بضاعتنا؟ ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بسببه ﴿كَيلَ بَعِيرٍ﴾. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيلٌ يَسِيرٌ﴾ قابلة ذهاب ولده الآخر.\nوكان يعقوب - ﵇ - أضن شيء بولده بنيامين، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه، ويتعوض بسببه منه. فلهذا قال: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلَّا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به. ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.\nأكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ولن يغني حذر من قدر! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة، لما بعث الولد العزيز، ولكن الأقدار لها أحكام، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم.\nثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة من باب واحد، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. وقيل: أراد ألا يصيبهم أحد بالعين، وذلك لأنهم كانوا أشكالًا حسنة وصورا بديعة. قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك.\nوقيل: أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرًا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي، والأول أظهر. ولهذا قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ قَال إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ =","vol":"1","page":302},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧٩].\nيذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه.\nثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمر فتيانه بوضع سقايته، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، عن غرة في متاع بنيامين، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده، حمل بعير، وضمنه المنادي لهم. فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنّبوه وهجّنوه فيما قاله لهم؟ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ يقولون: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة.\n﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه. ولهذا قالوا: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ أي في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.\nوذلك لأن يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأيًا وأقوى عزمًا وحزمًا، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك، لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك، من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه.\nفلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف.\n﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها، وقوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أجابهم سرًّا لا جهرًا، حلمًا وكرمًا وصفحًا وعفوًا، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده. =","vol":"1","page":303},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿فَلَمَّا اسْتَيأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَال كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٠ - ٨٧].\nيقول تعالى مخبرًا عنهم لما استيأسوا من أخذه منه: خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتأتنني به إلَّا أن يحاط بكم؟ لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لي وجه أقابله ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزال مقيما هاهنا ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي ﴿وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\n﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر مشاهد ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي فإن هذا الذي أخبرناك به - من أخذهم أخانا لأنه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه من مع العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\n﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق، فإنه ليس سجية له ولا خلقة. وإنما ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.\nثم قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يقدره ويفعله، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة. ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي أعرضى عن بنيه: ﴿وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ذكّره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرك ما كان كامنًا.\nوقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي من كثرة البكاء، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف. فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق ﴿قَالُوا﴾ له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. يقولون: لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك.\n﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكوه إلى الله ﷿، وأعلم أن الله سيجعل =","vol":"1","page":304},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لي مما أنا فيه فرجًا ومخرجا، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما أرى. ولهذا قال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nثم قال لهم محرضًا على تطلب يوسف وأخيه، وأن يبحئوا عن أمرهما: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه، وما يقدره من المخرج في المضايق، إلَّا القوم الكافرون.\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٨٨ - ٩٣].\nيخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلَّا أن تتجاوز عنا ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.\nفلما رأى ما هم فيه من الحال، وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلًا لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر عن جبينه الشريف، وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه: ﴿قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ وتعجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مرارًا عديدة، وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠].\n﴿قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال. ولهذا قال: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ما كان منكم، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا، وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا﴾ أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك. ﴿قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا. ثم زادهم على ذلك فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ومن زعم أن الوقف على قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ﴾ وابتدأ بقوله: =","vol":"1","page":305},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقوله ضعيف والصحيح الأول.\nثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه، وهو الذي يلي جسده، فيضعوه على عيني أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب، بإذن الله، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات. ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر، إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور.\n﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَال أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف ٩٤: ٩٨].\nقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، سمعت ابن عباس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به. وقال الحسن البصري وابن جريج المكي: كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخًا، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة.\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي تقولون: إنما قلت هذا من الفند، وهو الخرف وكبر السن. قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تسفهون.\nوقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرًا بعدما كان ضريرًا. وقال لبنيه عند ذلك: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف، وسيقر عيني به، وسيريني فيه ومنه ما يسرني.\nفمنذ ذلك: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ طلبوا منه أن يستغفر لهم الله ﷿ عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه، وما كانوا عزموا عليه، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا، وما عليه عولوا فقال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[يوسف وأبواه]:</span>\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ وَقَال ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْو مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وَبَينَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١].\nهذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة. =","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>ذكر يعقوب وأولاده</span>\nثم خبره تعالى عن إخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاءً يبكون، يذكرون له\n_________\n= وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريبًا، فإن المرأة راودته وهو شاب فامتنع، فكان في السجن بضع سنين، ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع، ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي، جاء إخوته يمتارون في السنة الأولى وحدهم، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهليهم أجمعين، فجاؤوا كلهم.\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ واجتمع بهما خصوصًا وحدهما دون إخوته، ﴿وَقَال ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾.\nورفعهما على العرش، أي أجلسهما معه على سريره: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر، تعظيمًا وتكريما وكان هذا مشروعا لهم، ولم يزل ذلك معمولًا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا.\n﴿وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك: من رؤيتي الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، حين رأيتهم لي ساجدين، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي بعد الهم والضيق، جعلني حاكمًا نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْو﴾ أي البادية. وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخَليل ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيطَانُ بَينِي وَبَينَ إِخْوَتِي﴾ أي فيما كان منهم من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره.\nثم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه، ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وييسّرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بالأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره.\nثم لما رأى يوسف - ﵇ - نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، وعرف أن هذه الدار لا يقر بها قرار، وأن كل شيء فيها ومن عليها فإن، وما بعد التمام إلَّا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه، أي حين يتوفاه على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: \"اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين\" أي حين تتوفانا. اهـ كلام ابن كثير بتصرف.","vol":"1","page":307},{"text":"أن يوسف أكله الذئب، وقول والدهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١). (١: ٣٣٣).\nثم خبّره ﷻ عن مجيء السيارة، وإرسالهم واردهم، وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به بقوله: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يبشرهم (٢). (١: ٣٣٣).\nوتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم، وقلن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاودُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ قد وصل حبّ يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها. وشغاف القلب: غلافه وحجابه (٣). (١: ٣٤٠).\nحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كُدَينَة، عن حُصَين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾، قال: أعطتهن أترُجًّا، وأعطت كلَّ واحدة منهن سكينًا.\nفلما فعلت امرأةُ العزيز ذلك بهنَّ، وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذي هنَّ فيه جلوس، قالت ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيهِنَّ﴾، فخرج يوسف عليهنّ، فلما رأينه أجللنه وأكبرنه وأعظمنه، وقطَّعن أبيديهن بالسكاكين التي في أيديهنَ، وهن يحسبن أنهنَّ يقطعن بها الأترجَّ، وقلن: معاذ الله ما هذا إنس، ﴿بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. فلما حلَّ بهنَّ ما حل من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهنَ، وعرفتهنَّ خطأ قيلهنَّ: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاودُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، وإنكارهنّ ما أنكرن من أمرها أقرّت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها إياه على نفسها، فقالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ بعد ما حلّ سراويله (٤). (١: ٣٤/ ٣٤١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديِّ: ﴿قَال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾ من الزنى، واستغاث بربه ﷿\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.","vol":"1","page":308},{"text":"فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فأخبر الله ﷿ أنه استجاب له دعاءه، فصرَف عنه كيدهنّ ونجاه من ركوب الفاحشة، ثم بدا للعزيز من بَعْد ما رأى من الآيات ما رأى من قَدَّ القميص من الدُّبر، وخمش في الوجه، وقطع النسوة أيديهنَّ وعلمه ببرإءة يوسف مما قُرف به في ترك يوسف مطلقًا (١). (١: ٣٤١).\nفقيل: كان إحسانه ما حدثنا به إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان وَسَّع له، فقال لهما يوسف: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في يومكما هذا ﴿إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ﴾ في اليقظة. فكره صلى الله عليه أن يعبِّر لهما ما سألاه عنه، وأخذ في غير الذي سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢). (١: ٣٤٣).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عمارة -يعني ابن القعقاع- عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه، فلما أوّلى رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ثم قال لـ \"نبو\" -وهو الذي ظن يوسف أنه ناج منهما-: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني عند الملك، وأخبره أني محبوس ظلْمًا، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، غفلة عرضت ليوسف من قبَل الشيطان (٣). (١: ٣٤٣/ ٣٤٤).\nفحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف هُنَّ السنون المحول الجدوب. قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ أما الخضر\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":309},{"text":"فهنَّ السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الجدوب المحول (١). (١: ٣٤٥).\nفلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك، أتى نبو الملك، فأخبره بما قال له يوسف، فعلم الملك أن الذي قال يوسف من ذلك حق، قال: ائتوني به.\nفحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ائتوني به، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبي يوسف الخروج معه، وقال: ﴿قَال ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (٢). (١: ٣٤٥/ ٣٤٦).\nقال السديّ: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول: هذا الذي راود امرأتي. فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة، فقال لهنَّ: ما خطبكنَّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه\" قلن - فيما حدثنا ابن وكيع، قال: حدَّثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ قال: لما قال الملك لهن: ﴿قَال مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها روادته عن نفسه، ودخل معها البيت، فقالت امرأة العزيز حينئذ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فقال يوسف: ذلك هذا الفعل الذي فعلت من ترديدي رسول الملك بالرسالات التي أرسلت في شأن النسوة، ليعلم أطفير سيدي ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾ في زوجته راعيل، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ﴾ (٣). (١: ٣٤٦).\nفلما تبين للملك عذرُ يوسف وأمانته قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا﴾ أُتِي به ﴿كَلَّمَهُ قَال إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. فقال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). (١: ٣٤٧).\nفحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) معنى هذا التفسير صحيح إلَّا أن الأسماء (أطفير، وراعيل) لم ترد في خبر صحيح.\n(٤) صحيح.","vol":"1","page":310},{"text":"﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام، فسلَّم سلطانه كلَّه إليه، وجعل القضاء إليه أمره، وقضاؤه نافذ (١). (١: ٣٤٧).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾ قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحبَ أمرها، وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾. فلما ولي يوسف للملك خزائن أرضه واستقَرَّ به القرار في عمله، ومضت السنون السبع المخصبة التي كان يوسف أمرَ بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه، ودخلت السنون المجدبة وقَحط الناس، أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد، ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذي كانوا فيه، فوجه يعقوب بنيه (٢). (١: ٣٤٧/ ٣٤٨).\nوحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان يوسف حين رأى ما أصاب الناسَ من الجهد قد آسى بينهم، فكان لا يحمّل للرجل إلَّا بعيرًا واحدًا، ولا يحمّل الواحد بعيرين تقسيطًا بين الناس، وتوسيعًا عليهم، فقدم عليه إخوتُه فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف فيما أراد. ثم أمر يوسف بأن يوقِر لكلّ رجل من إخوته بعيرَه، فقال لهم: ائتوني بأخيكم من أبيكم، لأحمِّل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ﴾ فلا أبخسه أحدًا، ﴿وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. وأنا خيرُ من أنزل ضيفًا على نفسه من الناس بهذه البلدة، فأنا أضيفكم ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي﴾ بأخيكم من أبيكم فلا طعامَ لكم عندي أكيله، ولا تقربوا بلادي. وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ وهي ثمن الطعام الذي اشتروه به ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ (٣). (١: ٣٤٩).\nحدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) إسناده ضعيف ومعناه صحيح في تفسيره للآيات.","vol":"1","page":311},{"text":"﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾، أي وَرقهم، فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون (١). (١: ٣٤٩).\nفقال يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ يقول: إلَّا أن تهلكوا جميعًا، فيكون حينئذ ذلك لكم عذرًا عندي، فلما وثقوا له بالإيمان قال يعقوب: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢). (١: ٣١).\nثم أوصاهم بعد ما أذن لأخيهم من أبيهم بالرحيل معهم، ألَّا تدخلوا من باب واحد من أبواب المدينة خوفًا عليهم من العين، وكانوا ذوي صورة حسنة، وجمال وهيئة، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرِّقة، كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، قال: كانوا قد أوتوا صورة وجمالًا، فخشي عليهم أنفس الناس، فقال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، وكانت الحاجة التي في نفس يعقوب فقضاها ما تخوَّف على أولاده أعينَ الناس لهيئتهم وجمالهم (٣). (٣٥١: ١).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عبد الواحد، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: الصُّوَاع والسقاية سواء، هما الإناء الذي يشرب فيه، وجعل ذلك في رَحْل أخيه، والأخ لا يشعر فيما ذكر (٤). (٣٥٢: ١).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، والأخ لا يشعر، فلما ارتحلوا أذّن مؤذن قبل أن ترتحل العير: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٥). (١: ٣٥٢).\nحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال:\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.\n(٥) صحيح.","vol":"1","page":312},{"text":"﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا﴾ تأخذونه، فهو لكم. فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين، ففتَّشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه أخَّر تفتيشه (١). (١: ٣٥٣/ ٣٥٤).\nحدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ إلَّا بعلَّة كادها الله له، فاعتلَّ بها يوسف، فقال إخوة يوسف حينئذٍ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون بذلك يوسف (٢). (١: ٣٥٤).\nفلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين، وتخلُّف روبيل قال لهم: بل سَوَّلتْ لكم أنفسكم أمرًا أردتموه، فصبرٌ جميل لا جزع فيه على ما نالني من فقد ولدي، عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا بيوسف وأخيه وروبيل.\nثم أعرض عنهم يعقوب وقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ يقول الله ﷿: ﴿وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، مملوء من الحزن والغيظ. فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك: تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر من حبّه وذكره حتى تكون دنفَ الجسم، مخبولَ العقل من حبّه وذكره، هرِمًا باليًا أو تموت!\nفأجابهم يعقوب فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لا إليكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون من صدق رؤيا يوسف، أن تأويلها كائن، وأني وأنتم سنسجد له (٣). (١: ٣٥٧).\nحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدِّي، قال: لما قال لهم يوسف: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ اعتذروا وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. قال لهم يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. فلما عرَّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه (٤). (٣٥٩: ١).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.","vol":"1","page":313},{"text":"حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: قال يوسف: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عميَ من الحزن فقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ عِير بني يعقوب، قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ (١). (٣٥٩: ١).\nحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قال: كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض، وقال يوسف لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، يعني بذلك: هذا السجود منكم، يدل على تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل، صنع إخوتي بي ما صنعوا، وتلك الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. يقول: قد حقق الرؤيا بمجيء تأويلها (٢). (١: ٣٦٢)\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع - ﵇ </span>-\nوالذي روى أبيّ بن كعب في ذلك عنه - ﷺ - ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال: كذَب عدو الله، حدثنا أبيّ بن كعب عن رسول الله - ﷺ - قال: إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا فقيل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إليه، فقال: بل عبدٌ لي عند مجمع البحرين، فقال: يا ربّ، كيف به قال: تأخذ حوتًا فتجعله في مكْتل فحيث تفقده فهو هناك. قال: فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدتَ هذا الحوت فأخبرني. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة، فرقَد موسى فاضطرب الحوت في المكتل،\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.","vol":"1","page":314},{"text":"فخرج فوقع في البحر، فأمسك الله عنه جَرْية الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سرَبًا، وكان لهما عجبًا. ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز حيث أمرَه الله، قال: فقال: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. قال: يقصَّان آثارهما. قال: فأتيا الصخرة، فإذا رجل نائم مسجّى بثوبه، فسلَّم عليه موسى فقال: وأنَّى بأرضنا السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله، علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علَّمكه الله لا أعلمه، قال: فإني أتبعك على أن تعلمني ممَّا عُلمْتَ رُشْدًا. ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلقا يمشيان على الساحل، فإذا بملاح في سفينة، فعرف الخضر، فحمله بغير نَوْل، فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر -أو فنقد- في الماء، فقال الخضر لموسى: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلَّا مقدار ما نقر -أو نقد- هذا العصفور من البحر.\nقال أبو جعفر: أنا أشكُّ، وهو في كتابي هذا \"نقر\". قال: فبينما هم في السفينة لم يُفجأ موسى إلَّا وهو يتد وتدًا أو ينزع تخْتًا منها، فقال له موسى: حمَلنا بغير نَوْل وتخرقها لتُغْرقَ أهلهَا! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ - قال فكانت الأولى من موسى نسيانًا - قال: ثم خرجا فانطلق يمشيان فأبصرا غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.\nفانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قرية استطعما أهلها، فلم يجدا أحدًا يطعمهم ولا يسقيهم، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه بيده - قال: مسحه بيده - فقال له موسى: لم يُضيفونا ولم ينزلونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾. ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾ قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"لوددت أنه كان صبَر حتى يقصّ","vol":"1","page":315},{"text":"علينا قصصهم\" (١). (١: ٣٦٦/ ٣٦٧ / ٣٦٨)\nحدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارَى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرَّ بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى - ﵇ - الذي سأل السبيلَ إلى لقائه، فهل سمعتَ رسول الله - ﷺ - يذكر شأنه؟ قال: نعم إني سمعت رسول الله - يقول: \"بينا موسى - ﵇ - في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بَلى عبدنا الخَضِر، فسأل موسى السبيلَ إلى لقائه، فجعل الله الحوت آية، وقال له: إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ الخضر، فكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابه\" (٢). (١: ٣٦٩/ ٣٦٨).\nحدثني محمد بن مرزوق قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا عبد الله بن عمر النميريّ، عن يونس بن يزيد، قال: سمعت الزهريّ يحدث قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فذكر نحو حديث العباس عن أبيه (٣). (١: ٣٦٩).\nثم رجع الحديث إلى حديث السديّ. قال: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً\n_________\n(١) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح ومن طريق سفيان هذا أخرجه البخاري مختصرًا (ح ٤٧٢٥) ومطولًا (ح ٤٧٢٦) من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار به وسنأتي على ذكر الحديث بعد قليل.\n(٢) صحيح. هذا إسناد صحيح وأخرجه البخاري من طريق الأوزاعي به كما عند الطبري (صحيح البخاري / كتاب العلم / ح ٧٨) و(ح ٧٤٧٨).\n(٣) صحيح. صحيح، وانظر ما قبله.","vol":"1","page":316},{"text":"مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ يقول: كثرة من الناس يسقون (١) (١: ٣٩٧).\nحدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديّ عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"سألت جبرئيل: أيّ الأجلين قَضَى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما\" (٢). (١: ٣٩٩).\nحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهوديّ بالكوفة - وأنا أتجهّز للحج -: إني أراك رجلًا يتبع العلم، أخبرني أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم وأنا الآن قادم على حَبْر العرب -يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهوديّ، فقال ابن عباس: قضَى أكثرَهما وأطيَبهما؛ إنَّ النبيّ إذا وَعد لم يُخلف. قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهوديَّ فأخبرته، فقال: صدق وما أنزل الله على موسى. هذا والله العالم (٣). (١: ٣٩٩)\n_________\n(١) صحيح. صحيح.\n(٢) صحيح. في إسناده إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، قال الحافظ في ترجمته عن الحكم بن أبان وعنه سفيان بن عيينة بخبر منكر والرجل نكرة وحديثه عن الحميدي وهذا الرجل ذكره ابن حبان في الثقات (لسان الميزان / ترجمة ٣٨١).\nقلنا: ومن طريق إبراهيم هذا أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس (أن النبي - ﷺ - سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى قال: أتمهما) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٠٧).\nوأخرجه البزار من طريق أحمد بن أبان القرشي عن سفيان عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، وقال البزار: لا نعرفه مرفوعًا عن ابن عباس إلَّا من هذا الوجه (كشف الأستار عن زوائد البزار ٣/ ٦٣).\nوأخرج الخطيب عن أبي ذر مرفوعًا: (إذا سُئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما ... الحديث) (تاريخ بغداد ٢/ ١٢٨) وفي إسناده عوبد بن أبي عمران متروك.\nوللحديث طرق أخرى مرسلة وموقوفة تتعارض بها جميعًا كما سنذكر بعد الروايتين التاليتين:\n(٣) صحيح. هذا إسناد ضعيف إلَّا أن المتن صحيح موقوفًا كما أخرجه البخاري في طريقه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما =","vol":"1","page":317},{"text":"فنودي: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾، يقول: أضرب بها الورق، فيقع للغنم من الشجر ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، يقول: حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء، فقال له: ﴿قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يقول: ينتظر. فنوديَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ العصا واليد آيتان، فذلك حين يدعو موسى ربه، فقال: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾، يقول: كيما يصدقني ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ -يعني بالقتيل- ﴿قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ - والسلطان الحجة - ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (١). (١: ٤٠٠/ ٤٠١).\nولما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، ﴿قَالُوا\n_________\n= وأطيبهما إن رسول الله - ﷺ - إذا قال فعل (صحيح البخاري / ح ٢٦٨٤).\nوإليك أقوال أئمة الحديث في هذه المسألة:\nقال الحافظ ابن حجر بعد شرحه للحديث (٢٦٨٤): وهو في حكم المرفوع لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في الباب الذي يليه (٥/ ٦٢٧ / ط. دار الفكر).\nوقال الحافظ ابن كثير: فهذه طرق متعاضدة (تفسير القرآن العظيم ٢٦٥٦ / ط. المنار).\nوقال الإمام الشوكاني: بعد سرده لبعض طرق الحديث: وأما روايات أنه قضى أتم الأجلين فلها طرق يقوي بعضها بعضًا (فتح القدير ٤/ ٢٠٦).\nأما من المعاصرين فقد رجح الشيخ عبد الرزاق المهدي وقفه (أحكام القرآن / ١٧١٦).\nوأما المحدث الألباني فقد ذكر طرق الحديث وبين ضعف أسانيدها وذكر المرسل منها والموقوف والمرفوع ثم قال: فهذه طرق تتعاضد كما قال ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٣٥) فالحديث قوي. وقد رواه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا فهو من يقوي المرفوع لأنه في حكمه والله أعلم (السلسلة الصحيحة خ ١٨٨٠) قلنا: والقول ما قاله الألباني إلَّا أنه لم يذكر أن البخاري أخرجه كذلك موقوفًا عن ابن عباس (ح ٢٦٨٤) والله أعلم.\n(١) صحيح.","vol":"1","page":318},{"text":"يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَال أَغَيرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ وواعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومَه ونجاه وقومَه ثلاثين ليلة (١). (١: ٤٢١).\n_________\n(١) صحيح.\nلقد ذكرنا الرواية (١/ ٤٢٣ / ق ٦٧٧) في قسم الضعيف فإسناده لا يستقيم وفي متنه نكارة وهو خبر طويل يتضمن تفسير بعض الآيات في قصة موسى - ﵇ - إلَّا أن جزءًا منه يسيرًا (في بداية الخبر) من مكان الحسن - وقد أخرجه الطبري موقوفًا على ابن عباس أنه قال: (تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا).\nفقد أخرج الترمذي من طريق عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾.\nقال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلَّا من حديث حماد بن سلمة حدثنا عبد الوهاب الوراق البغدادي، حدثنا معاذ عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - نحوه، هذا حديث حسن. اهـ. (سنن الترمذي / كتاب تفسير القرآن / ح ٣٥٧٤).\nوأخرجه الحاكم من طريقين عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعًا وفيه قال حماد هكذا ووضع الإبهام على مفصل الخنصر الأيمن قال فقال حميد لثابت: تحدَّث بمثل هذا قال: فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده وقال رسول الله - ﷺ - يحدث به وأنا لا أحدث به.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (المستدرك ٢/ ٣٢٥) والحديث أخرجه الطبري في تفسيره (ح ١٥٠٧٨) و(ح ١٥٥٨٨) وأخرجه أحمد من طريق معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس مرفوعًا (المسند ح ١٢٢٦٠).\nقلنا: وإسناده حسن صحيح. وقال العلامة أرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ورجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم. اهـ.\nوالحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٢٢) وأما ابن عدي (٦١/ ٤٣٥) فقد عده من غرائب حماد بن سلمة، وأما من المعاصرين فقد صححه العلامة أرناؤوط كما ترى وكذلك صححه المحدث الألباني (كما في صحيح سنن الترمذي) وأما الشيخ عبد الرزاق المهدي فضعفه وقال: ومع ذلك ذكره الألباني في صحيح الترمذي جريًا منه على ظاهر الإسناد والذي أراه أنه معلول لكن لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع. وقد ورد من وجه آخر أخرجه الطبري (١٥٠٩٦). عن الأعمش عن رجل عن أنس وهذا إسناد ضعيف فيه راوٍ لم =","vol":"1","page":319},{"text":"فلما كلَّم الله موسى طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال له: إنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nثم قال الله لموسى: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيتُكَ﴾ إلى قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، ومعه عهد الله في ألواحه.\nولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح من يده، وكانت - فيما يذكرون - من زبرجد أخضر، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. فقال: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فارعوى موسى وقال: ﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nوأقبل على قومه فقال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قوله ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. وأقبل على السامريّ فقال: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾. ثم أخذ الألواح، يقول الله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١). (١: ٤٢٦/ ٤٢٧).\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، قال: قال\n_________\n= يُسمَّ فالحديث غير قوي ومع ذلك فليحرر (حاشية فتح القدير ٢/ ٢٩٩).\nقلنا: وما ذهب إليه الترمذي والحاكم وغيرهما من المتقدمين ثم الألباني وأرناؤوط من المعاصرين هو الأرجح ... وحماد لم ينفرد بهذا الحديث فقد أخرج نحوه ابن أبي عاصم (٤٨٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس وابن منده من طريق أحمد محمد الصيد عن سعيد بن عامر عن ثابت عن أنس وقال غريب من حديث شعبة (الرد على الجهمية / ٥٩).\nقلنا: وفي إسناده أحمد الصيد مجهول الحال فهذان طريقان يضاف إليهما طريق الأعمش الضعيف فهي طرق تتعاضد جميعًا ليرتفع الحديث إلى الحسن إن شاء الله والله تعالى أعلم.\n(١) صحيح.","vol":"1","page":320},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"إن ملَك الموت كان يأتي الناس عِيانًا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، قال: فرجع فقال: يا ربِّ أن عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامتَه عليك لشققت عليه، فقال: ائت عبدي موسى، فقل له: فليضعْ كفه على متن ثور، فله بكلّ شعرة وارت يدُه سنة؟ وخيَّره بين ذلك وبين أن يموت الآن، قال: فأتاه فخيَّره، فقال له موسى: فما بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن إذًا، قال: فشمَّه شمة قبض روحه. قال: فجاء بعد ذلك إلى الناس خُفية\" (١). (١: ٤٣٤).\n_________\n(١) هذا إسناد حسن صحيح وحماد ثقة إلَّا أن له أوهامًا وهو أعلم الناس بحديث ثابت وحميد الطويل تجنبه البخاري وقال الحاكم: ما خرَّج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول إلَّا من حديثه عن ثابت وقد خرَّج له في الشواهد عن طائفة (وانظر ميزان الاعتدال، ترجمة ٢٢٥١). قلنا: ولعلَّ ما في الحديث من غرابة من أوهام حماد ونعني بذلك عبارة (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا) وإلا فبقية الحديث صحيح أخرجه البخاري عن أبي هريرة (ح ٣٤٠٧) ولفظه: (أرسل ملك الموت إلى موسى - ﵇ -، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال فالآن. قال فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة.\nقال أبو هريرة ﵁ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر\" قال: وأخبرنا معمر عن همام حدثنا أبو هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه. اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذه الرواية قوله (قال وأخبرنا معمر عن همام ... إلخ) هو موصول بالإسناد المذكور، ووهم من قال إنه معلق فقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، ومسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كذلك (فتح الباري ٧/ ١٠٤).\nقلنا: وأما حديث أحمد فهو في مسند أبي هريرة (ح ١٠٩٠٤) وقال الشيخ أرناؤوط: رجاله رجال الصحيح وفي أوله نكارة وهي قوله (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا) وهذه اللفظة تفرد بها عمار بن أبي عمار وعنه حماد بن سلمة ولكل منهما بعض المناكير. اهـ.\nقلنا: وأما حديث عبد الرزاق مرفوعًا، فهو كذلك من حديث أبي هريرة (ح ٢٠٥٣٠) وأما مسلم فقد رواه موقوفًا (١٥٧ / ح ٢٣٧٢) مرفوعًا والحديث أخرجه الحاكم وصححه على شرط مسلم (المستدرك ٢/ ٥٧٨) وأخرجه أحمد (ح ٨١٧٢) من طريق همام عن أبي هريرة مرفوعًا وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مرفوعًا كما عند الطبري (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا ... الحديث وفي آخره فكان يأتي الناس خفية).\nوقال الهيثمي: في الصحيح طرف منه رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح / مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٤ / ح ١٣٧٨٣). =","vol":"1","page":321},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-177> نبيُّ الله موسى ﵇</span>\nلقد استشهد الطبري ﵀ بالآيات القرآنية وفسَّرها بيانًا لقصة موسى - ﵇ - ولكنه ﵀ خلط التفسير بالإسرائيليات وآثرنا هنا أن نذكر تفسير ابن كثير لهذه الآيات (كما في البداية والنهاية) بعد أن حذفنا الإسرائيليات واختصرنا ولله الحمد.\nقال الحافظ ابن كثير:\nوهو موسى بن عمران، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣].\nوقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن. وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة وغير مطولة. وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير. وسنورد سيرته هاهنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة. وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. [قلنا هكذا قال ابن كثير، ولكننا حذفنا ما ذكره ابن كثير من الإسرائيليات أثناء تفسيره للآيات الواردة في قصة موسى - ﵇ - وبني قومه].\nقال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص ١: ٦]. يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا، فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له.\n﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي تجبر وعتا وطغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، وجعل أهلها شيعًا، أي قسم رعيته إلى أقسام، وفرق وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض. وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها وأدناها ومع هذا ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nوكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن يني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم - ﵇ -، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها =","vol":"1","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على السوء وعصمة الله لها. وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرًا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر! .\nولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهم بني إسرائيل، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أي الذين يؤول ملك مصر وبلادها إليهم: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي سنجعل الضعيف قويًّا والمقهور قاهرًا والذليل عزيزًا، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[قتل غلمان بني إسرائيل]:</span>\nوالمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز ألا يوجد موسى، حتى جعل رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلَّا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا، حذرًا من وجود موسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[طفولة موسى في بيت فرعون]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٧ - ٩].\nهذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا. . ...﴾ الآية.\nوليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول، كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة.\nوالمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وألقي في خلدها وروعها ألا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده لك، وإن الله سيجعله نبيًّا مرسلًا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فذهب مع النيل فمر على دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ قال بعضهم: هذه (لام) العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ وأما إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو آل =","vol":"1","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرعون قيضوا لالتقاطه ليهون لهم عدوًّا وحزنًا، وصارت اللام معللة كغيرها .. والله أعلم. ويقوّي هذا التقدير الثاني قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وهو الوزير السوء ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ تابعين لهما ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.\nفلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبًّا شديدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت: ﴿قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ﴾.\nوقولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ قد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وذلك أنهما تبنياه، لأنه لم يكن يولد لهما ولد، قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم، أن قيضهم لالتقاطه، من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده؟\nقال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٠ - ١٣].\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أي من كل شيء من أمور الدنيا إلَّا من موسى ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي صبَّرناها وثبتناها ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ﴾ وهي ابنتها الكبيرة: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره واطلبي لي خبره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ولهذا قال ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وذلك لأن موسى ﵇ لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديًا ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل، كما قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق، لعلهم يجدون من يوافق رضاعته. فبينما هم وقوف به والنساء عكوف عليه إذ بصرت به أخته، فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت: ﴿فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\nفأطلقوها وذهبوا معها إلى مننرلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، وذهب البشير إلى \"آسية\" يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها.\nفرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.\nقال الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي كما =","vol":"1","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعدها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقد امتن على موسى بهذا ليلة كلمه، فقال له فيما قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلَّا أحبه ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي﴾ قال قتادة وغير واحد من السلف: أي تطعم وترفه وتغذى بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني، وذلك كله بحفظي وكلاءتي لك فيما صنعت بك ولك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٤ - ١٧].\nلما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه بردّه لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخَلْق والخُلُق، وهو سن الأربعين في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[إقامة موسى في مدين]:</span>\nثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له، وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي: وذلك نصف النهار، وعن ابن عباس: بين العشاءين. ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ﴾ أي يتضاربان ويتهارشان ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي إسرائيلي ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي قبطي. قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق.\n﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وذلك أن موسى - ﵇ -، كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته، وكان بنو إسرائيل قد عَزُّوا وصارت لهم وجاهة، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله -أي من الرضاعة- فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى - ﵇ - على ذلك القبطي أقبل إليه موسى ﴿فَوَكَزَهُ﴾ قال مجاهد: أي طعنه بجمع كفه، ﴿فَقَضَى عَلَيهِ﴾ أي فمات منها.\nوقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد =","vol":"1","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= زجره وردعه، ومع هذا ﴿قَال﴾ موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي من العز والجاه ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَال لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَال يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ١٨ - ٢١].\nيخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا -أي من فرعون ومَلَئه- أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، ويترتب على ذلك أمر عظيم.\nفصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي يتلفت، فبينما هو كذلك، إذ ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه، أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي ﴿قَال يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.\nقال بعضهم: إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما صنع موسى بالأمس، وكأنه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه، لما عنفه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس. فذهب القبطي فاستعدى فرعون على موسى. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه. ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيته انتصارًا جديدا للإسرائيلي. فقال ما قال من باب الظن والفراسة: إن هذا لعله قاتل ذلك القتيل بالأمس، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا، والله أعلم.\nوالمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أي من هذه البلدة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي فيما أقوله لك.\nقال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه، قائلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ =","vol":"1","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَال مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢١ - ٢٤].\nيخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفًا يترقب، أي يتلفت، وخشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها. ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي أتجه له طريق يذهب فيه، ﴿قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود، وكذا وقع، فقد أوصلته إلى مقصود وأي مقصود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[اتصاله بالابنتين وأبيهما الشيخ]:</span>\n﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وكانت بئرًا يسقون منها، ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب - ﵇ -، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى ﵇ في أحد قولي العلماء. ولما ورد الماء المذكور ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾ أي تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس.\n﴿قَال مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ﴾ أي لا نقدر على ورود الماء إلَّا بعد صدور الرعاء، لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.\nقال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من ورْدِهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجيء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر كما كان قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلَّا عشرة، وإنما استقى ذَنوبًا واحدًا فكفاهما.\nثم تولى إلى الظل، ﴿فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾.\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَال ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٥ - ٢٨].\nلما جلس موسى - ﵇ - في الظل وقال: ﴿فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من أمر موسى - ﵇ -. فأمر إحداهما، أن تذهب إليه فتدعوه: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أي مشي الحرائر، ﴿قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ﴾ وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارًا من =","vol":"1","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرعونها: ﴿قَال﴾ له ذلك الشيخ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.\nوقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيب - ﵇ -. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس، وجاء مصرحًا به في حديث، ولكن في إسناده نظر. وصرح طائفة بأن شعيبًا - ﵇ - عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى - ﵇ - وتزوج بابنته.\nروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري: أن صاحب موسى - ﵇ - هذا، اسمه شعيب، وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين.\nوالمقصود: أنه لما أضافه وأكرم مثواه، وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي آمين.\nقال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.\n﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nاستدل بهذه جماعة من أصحاب أبي حنيفة ﵀، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك، أن يصح، لقوله: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ﴾. وفي هذا نظر، لأن هذه مراوضة لا معاقدة .. والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان عليَّ، والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيل عليَّ وعليك، ومع هذا فلم يقضي موسى إلَّا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.\nقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله. فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. (ح ٢٦٨٤).\nتفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير به.\nوقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم، عن أبيه، كلاهما عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن =","vol":"1","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: \"سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما\". (جامع البيان / ج ٢/ ٦٨).\nوإبراهيم هذا غير معروف إلَّا بهذا الحديث. وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٢].\nتقدم أن موسى أتمَّ الأجلين وأكملهما، وقد يؤحذ هذا من قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾.\nوقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي من عند صهره.\nقالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، واشتد الظلام والبرد.\nفبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه فـ ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وكأنه والله أعلم رآها دونهم: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة مظلمة، لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في سورة النمل في قوله: ﴿إِذْ قَال مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وقد أتاهم بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدىً وأي هدىً، واقتبس منها نورًا وأي نور؟ !\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. وقال في النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩].\nوقال في سورة طه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١١ - ١٦] =","vol":"1","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكان موسى في واد اسمه \"طوى\" فكان موسى مستقبلًا القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيما وتكريمًا وتوقيرًا لتلك البقعة المباركة، ولا سيما في تلك الليلة المباركة.\nثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلًا له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلَّا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلَّا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[عصا موسى]:</span>\nثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة، التي لا بد من كونها ووجودها: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي من خير وشر، وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه. ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبينًا له أنه القادر على كل شيء، والذي يقول للشيء كن فيكون: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ أي أما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها؟ ﴿قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها، ﴿قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنه الفعال بالاختيار.\nوقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيات يقال له: الجان والجنان، وهو لطيف ولكنه سريع الاضطراب والحركة جدًّا، فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة، فلما عاينها موسى - ﵇ -: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ أي هاربًا منها؛ لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي ولم يلتفت، فناداه ربه قائلًا له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.\nفلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها ﴿قَال خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ فيقال إنه هابها شديدًا، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين! .\nثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء، أي من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قيل معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك بسكن جأشك.\nوقال في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أي هاتان الآيتان وهما: العصا واليد، هما البرهانان المشار إليهما في قوله: =","vol":"1","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ومع ذلك سبع آيات أخرى. فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة الإسراء، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَال لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.\nوهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه.\nوهذه التسع الآيات غير العشر الكلمات. فإن التسع من كلمات الله القدرية، والعشر من كلماته الشرعية، وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أن هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.\nوالمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى - ﵇ - بالذهاب إلى فرعون: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٣ - ٣٥].\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى - ﵇ -، في جوابه لربه ﷿، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أي اجعله معي معينًا وردءًا ووزيرًا يساعدني، ويعينني على أداء رسالتك إليهم فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا.\nقال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: ﴿قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي برهانًا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا﴾ أي فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.\nوقال في سورة طه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة، بسحب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه، والتي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير فهمَّ بقتله، فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل، فاختبره بوضع ثمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ الثمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه فأصابته لثغة بسببها. فسأل =","vol":"1","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية. قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية.\nولهذا قال فرعون - قبحه الله - فيما زعم أنه يعيب به الكليم: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده. ثم قال موسى - ﵇ -: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.\nأي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت. وهذا من وجاهته عند ربه ﷿، حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه. وهذا جاه عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.\nوقد سمعت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - رجلًا يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحج: أي أخ آمن على أخيه؟ فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه. قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.\nوقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١٩].\nتقدير الكلام: فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يفك أسر بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه.\nفتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلًا له: ﴿قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا؟ وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر؟ .\nوهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه، ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا وجحدت نعمتنا.\n﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي قبل أن يوحى إليَّ وينزل عليّ، ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nثم قال مجيبًا لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وهذه النعمة التي ذكرت، من أنك أحسنت إليَّ وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك وأشغالك. =","vol":"1","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nيذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المفاولة والمحاجة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية. وذلك أن فرعون - قبحه الله - أظهر جحد الصانع ﵎ وزعم أنه الإله: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾.\nوهو في هذه المقالة معاند، يعلم أنه عبد مربوب، وأن الله هو الخالق البارئ المصور، الإله الحق كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. ولهذا قال لموسى - ﵇ - على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنه ما ثم رب أرسله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ لأنهما قالا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين؟ الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما؟ .\nفأجابه موسى قائلا: ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعني رب العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتعددة، من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق. وهو الله الذي لا إله إلَّا هو رب العالمين.\n﴿قَال﴾ أي فرعون ﴿لِمَنَ حَوْلَهُ﴾ من أمرائه ومرازبته ووزرائه، على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى - ﵇ -: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ ويعني كلامه هذا. ﴿قَال﴾ موسى مخاطبًا له ولهم: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، من الآباء والأجداد، والقرون السالفة في الآباد، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه، ولا أبوه ولا أمه، ولا يحدث من غير سحدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ﴾.\nومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه: ﴿قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة المسيرة للأفلاك الدائرة. خالق الظلام والضياء، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين، خالق الشمس والقمر، والكواكب السائرة، والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتيسيره سائرون، وفي فلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.\nفلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى =","vol":"1","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= استعمال سلطانه وجاهه وسطوته ﴿قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩ - ٣٣].\nوهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر العقول والأبصار، حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي عظيم الشكل، بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر.\nوهكذا لما أدخل موسى - ﵇ - يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صفتها الأولى.\nومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك، بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون ومَلَئه، وأهل دولته وملته ... ولله الحمد والمنة.\n* * * *\nوقال تعالى في سورة طه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَينَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه: ٤٠ - ٤٦].\nيقول تعالى مخاطبًا موسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدًا لك وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري، فلبثت فيها سنين ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي.\n﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ يعني: ولا تفترا في ذكري إذا قدمتما عليه ووفدتما\nإليه، فإنه ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته، وأداء النصيحة إِليه وإقامة الحجة عليه.\nثم قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعوا إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه بألطف معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى.\nكما قال لرسوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، =","vol":"1","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَينَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ وذلك أن فرعون كان جبارًا عنيدًا وشيطانا مريدا، له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، وجاه وجنود، وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿... إِنَّا مَعَكُمُ مُّسْتَمِعُونَ﴾.\nفَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهما بيني إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم. ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو البرهان العظيم في العصا واليد، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ تقييد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي كذب بالحق بقلبه، وتولى عن العمل بقالبه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[اتصال موسى بفرعون]</span>\nوقال الله مخبرًا عن فرعون: ﴿قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَال فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٥].\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون: إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلًا: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ أي هو الذي خلق الخلق وقدر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه، وقدرته وقدره لكمال علمه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أي قدر قدرًا وهدى الخلائق إليه.\n﴿قَال فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره؟ وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت؟ فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟ ﴿قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك، ولا يدل على خلاف ما أقول لأنهم جهلة مثلك، وكل شيء فعلوه مُسَطّر عليهم في الزبر، من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي ﷿، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرة، =","vol":"1","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شيء ولا ينسى ربي شيئًا.\nثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء، وجعله الأرض مهادًا والسماء سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابهم وأنعامهم، كما قال: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفطر القويمة غير السقيمة، فهو تعالى الخالق الرزاق، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].\nولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه نبه به على المعاد فقال: ﴿مِنْهَا﴾ أي من الأرض (﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].\nثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَال أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله وقلة عقله، في تكذيبه بآيات الله واستكباره عن اتباعها، وقوله لموسى: إن هذا الذي جئت به سحر، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم.\nوكان هذا من أكبر مقاصد موسى - ﵇ -: أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس. ولهذا ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلام، كما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرة، لأنه على بصيرة من ربه، ويقين بأن الله سيظهر كلمته ودينه، وإن رغمت أنوف القبط! .\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[موسى والسحرة]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَال لَهُمْ مُوسَى وَيلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [سورة طه: ٦٠ - ٦٤].\nيخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك =","vol":"1","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد ومن كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير، وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بكرة أبيهم. وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.\nوتقدم موسى - ﵇ - إلى السحرة فوعظهم، وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه فقال: ﴿قَال لَهُمْ مُوسَى وَيلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾.\nقيل معناه: أنهم اختلفوا فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر .. فالله أعلم. أسروا التناجي بهذا وغيره. (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ يقولون: إن هذا وأخاه هارون، ساحران عليمان مطبقان متقنان لهذه الصناعة، ومرادهما أن يجتمع الناس عليهما ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم ويستأمرهما عليكم بهذه الصناعة.\n﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا ويتواصوا، ويأتوا، بجميع ما عندهم من المكيدة والمكر والخديعة والبهتان.\nوهيهات! كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء، أنّى يعارض البهتان، والسحر والهذيان خوارق العادات التي أجراها الديّان على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان، الذي يبهر الأبصار وتحار فيه العقول والأذهان.\nوقولهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ﴾ أي جميع ما عندكم ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي جملة واحدة، ثم حضوا بعضهم بعضًا على التقدم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومنَّاهم، وما يعدهم الشيطان إلَّا غرورًا.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾ [سورة طه: ٦٥ - ٦٩].\nلما اصطف السحرة ووقف موسى وهارون ﵉ تجاههم قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك ﴿قَال بَلْ أَلْقُوا﴾ أنتم، وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي، فأودعوها الزئبق وغيره، من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وألقوا حبالهم وعصيهم، وهم يقولون: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿قَال أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قَال بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ أي خاف =","vol":"1","page":337},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على الناس أن يفتنوا بسحرهم ومحالهم، قبل أن يلقي ما في يده، فإنه لا يصنع شيئًا قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\nوذلك أن موسى - ﵇ - لما ألقاها، صارت حية عظيمة بحيث إن الناس انحازوا منها وهربوا سراعًا وتأخروا عن مكانها وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم، واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر ولا شعوذة، ولا محال ولا خيال، ولا زور ولا بهتان ولا ضلال، بل حق لا يقدر عليه إلَّا الحق، الذي بعث هذا المؤيد به بالحق، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ كما قال تعالى: ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ سورة طه: ٧٠ - ٧٦].\nوذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا وأشهروا ذكر موسى وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله، فقال مخاطبًا السحرة بحضرة الناس: ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي؟ ! ثم تهدد وتوعد وأبرق وأرعد، وكذب فأبعد قائلًا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢٣]. =","vol":"1","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان، بل يروج مثله على الصبيان، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يومًا من الدهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر؟ ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كل فج عميق، وواد سحيق، من حواضر بلاد مصر والأطرف، ومن المدن والأرياف.\n* * *\nقال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَال مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَال إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَال أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَال فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٠٣ - ١٢٦].\nوقال تعالى في سورة يونس: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَال مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَال فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَال مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٧٥ - ٨٢].\nوقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) =","vol":"1","page":339},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩ - ٥١].\nوالمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأتى ببهتان يعلمه العالمون في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه، ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي ليجعلنهم مثلة ونكالًا لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته. ولهذا قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ - أي على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ يعني في الدنيا.\n﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي لن نطيعك ونترك ما وقع في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قيل: معطوف، وقيل: قسم ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي فافعل ما قدرت عليه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ أي ثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب ﴿وَأَبْقَى﴾ أي أدوم من هذه الدار الفانية. وفي الآية الأخرى: ﴿قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ أي ما اجترمنا من المآثم والمحارم ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي من القبط، بموسى وهارون ﵉.\nوقالوا له أيضًا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ أي ليس لنا عندك ذت إلَّا إيماننا بما جاءنا به رسولنا، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ أي ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.\nوقالوا أيضًا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ يقولون له: فإياك أن تكون منهم، فكان منهم ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ أي المنازل العالية، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ فأحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع، وحكم العلي العظيم بأن فرعون - لعنه الله - من أهل الجحيم، ليباشر العذاب الأليم، يصب من فوق رأسه الحميم. ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح والذميم اللئيم: (﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. =","vol":"1","page":340},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والظاهر من هذه السياقات أن فرعون - لعنه الله - صلبهم وعذبهم ﵃، قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة! ويؤيد هذا قولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>[كبار قوم فرعون يحرضونه على إيذاء موسى]:</span>\nولما وقع ما وقع من الأمر العظيم، وهو الغلب الذي غلبته القبط في ذلك الموقف الهائل وأسلم السحرة الذين استنصروا بهم، لم يزدهم ذلك إلَّا كفرًا وعنادًا وبعدًا عن الحق. قال الله تعالى بعد أن قصّ ما تقدم في سورة الأعراف: ﴿وَقَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَال سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَال عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧ - ١٢٩].\nيخبر تعالى عن الملأ من قوم فرعون، وهم الأمراء والكبراء، أنهم حضُّوا ملكهم فرعون على أذية نبي الله موسى - ﵇ -، ومقابلته بدل التصديق بما جاء به، والكفر والرد والأذى.\nقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ يعنون - قبحه الله - أن دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه، فساد بالنسبة إلى اعتقاد القبط، لعنهم الله. وقرأ بعضهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي وعبادتك. ويحتمل شيئين أحدهما: ويذر دينك، وتقويه القراءة الأخرى. والثاني: ويذر أن يعبدك، فإنه كان يزعم أنه إله، لعنه الله. ﴿قَال سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي لئلا يكثر مقاتلتهم ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ أي غالبون. ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ أي إذا هم هموا بأذيتكم والفتك بكم فاستعينوا أنتم بربكم واصبروا على بليتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي فكونوا أنتم المتقين تكون لكم العاقبة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَال مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\nوقولهم: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي قد كانت الأبناء تقتل قبلَ مجيئك وبعد مجيئك إلينا ﴿قَال عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقال الله تعالى في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.\nوكان فرعون الملك، وهامان الوزير، وكان قارون إسرائيليًّا من قوم موسى، إلَّا أنه كان في دين فرعون ومَلَئه، وكان ذا مال جزيل جدًّا، كما ستأتي قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيدُ =","vol":"1","page":341},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾ وهذا القتل للغلمان من بعد بعثة موسى إنما كان على وجه الإهانة والإذلال، والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها، ويصولون على القبط بسببها وكانت القبط منهم يحذرون، فلم ينفعهم ذلك، ولم يرد عنهم قدر الذي يقول لكل شيء: كن فيكون.\n﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ولهذا يقول الناس على سبيل التهكم: \"صار فرعون مذكرًا\" وهذا منه، وفرعون في زعمه خاف على الناس أن يضلهم موسى - ﵇ -! .\n﴿وَقَال مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي عذت له ولجأت إليه واستجرت بجنابه، من أن يسطو فرعون وغيره عليّ بسوء. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي جبار عنيد لا يرعوي ولا ينتهي، ولا يخاف عذاب الله وعقابه، لأنه لا يعتقد معادًا ولا جزاء، ولهذا قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.\n﴿وَقَال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٨ - ٢٩].\nوهذا الرجل من آل فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفًا منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيليًا، وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظًا ومعنى .. والله أعلم.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: لم يؤمن من القبط بموسى إلَّا هذا، والذي جاء من أقصى المدينة وامرأة فرعون. رواه ابن أبي حاتم.\nوالمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه، فلما همَّ فرعون - لعنه الله - بقتل موسى ﵇، وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه خاف هذا المؤمن على موسى، فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي.\nقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أي من أجل أنه قال: ربي الله فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام والاحترام أو الموادعة وترك الانتقام، يعني لأنه: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة، لأنه: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ﴾ ولا يضركم ذلك ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ وقد تعرضتم له ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به، فكيف بكم إن حل جميعه عليكم؟ وهذا الكلام في هذا المقام، من أعلى مقامات التلطف والاحتراز والعقل التام.\nوقوله: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ﴾ يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز، فإنه ما تعرضت الدول للدين إلَّا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم! . =","vol":"1","page":342},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكذا وقع لآل فرعون، ما زالوا في شك وريب، ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله ممَّا كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور، والنعمة والحبور، ثم حولوا إلى البحر مهانين، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السافلين.\nولهذا قال هذا الرجل المؤمن الصادق، البار الراشد، التابع للحق، الناصح لقومه، الكامل العقل: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: عالين على الناس حاكمين عليهم، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾؟ أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة، والقوة والشدة لما نفعنا ذلك، ولا رد عنا بأس مالك الممالك.\n﴿قَال فِرْعَوْنُ﴾ أي في جوابه هذا كله ﴿مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى﴾ أي ما أقول لكم إلَّا ما عندي ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. وكذب في كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنما كان يظهر خلافه بغيًا وعدوانًا، وعتوًّا وكفرانًا.\nقال الله تعالى إخبارًا عن موسى: ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٢ - ١٠٤].\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣، ١٤].\nوأما قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فقد كذب أيضًا، فإنه لم يكن على رشاد من الأمر، بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال، فكان أولًا ممن يعبد الأصنام والأوثان، ثم دعا قومه الجهلة الضالين إلى أن اتبعوه وطاوعوه وصدقوه فيما زعم من الكفر والمحال في دعواه أنه رب، تعالى الله ذو الجلال!\nقال الله تعالى ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَال يَاقَوْمِ أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا\nأَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾. المقصود بيان كذبه في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى﴾ وفي قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.\n﴿وَقَال الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ =","vol":"1","page":343},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.\nيحذرهم ولي الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم، من النقمات والمثلات، مما تواتر عندهم وعند غيرهم، مما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى زمانهم ذلك، مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة، في صدق ما جاء به الأنبياء، لما أنزل من النقمة بمكذبيهم من الأعداء، وما أنجى الله من اتبعهم من الأولياء وخوفهم يوم القيامة، وهو يوم التنادي، أي حين ينادي الناس بعضهم بعضًا، حين يولون إن قدروا على ذلك، ولا إلى ذلك سبيلًا: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٦] [الرحمن: ٣٣ - ٣٦].\nوقرأ بعضهم: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتشديد الدال، أي يوم الفرار، ويحتمل أن يكون يوم القيامة، ويحتمل أن يكون يوم يُحِلّ الله بهم البأس، فيودون الفرار ولات حين مناص ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣ - ١٢].\nثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر، وما كان منه من الإحسان إلى الخلق في دياهم وأخراهم. وهذا من سلالته وذريته، ويدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته، وألا يشركوا به أحدًا من بريته، وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان، وأن من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل. ولهذا قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي وكذبتم في هذا. ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي يردون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيد بلا حجة ولا دليل عندهم من الله، فإن هذا أمر يمقته الله غاية المقت، أي يبغض من تلبس به سن الناس، ومن اتصف به من الخلق، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ قرئ بالإضافة وبالنعت، وكلاهما متلازم: أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق - ولا تخالفه إلَّا بلا برهان - فإن الله يطبع عليها، أي يختم عليها بما فيها.\nوعند ذلك قال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فأمرهم بالتوكل على =","vol":"1","page":344},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الله والاستعانة به، والالتجاء إليه، فائتمروا بذلك فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجًا ومخرجًا.\n﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nأوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون ﵉ أن يتخذا لقومهما بيوتًا متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط، ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أُمروا به، ليعرف بعضهم بيوت بعض. وقوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قيل: مساجد، وقيل معناه: كثرة الصلاة فيها. قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعي والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم. ومعناه على هذا: الاستعانة على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ وكان رسول الله - ﷺ - إذا حزبه أمر صلى. وقيل معناه: أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم، عوضًا عما فاتهم من إظهار شعائر الدين الحق في ذلك الزمان، الذي اقتضى حالهم إخفاءه خوفًا من فرعون ومَلَئه، والمعنى الأول أقوى لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإن كان لا ينافي الثاني أيضًا ... والله أعلم. وقال سعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي متقابلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[غرق فرعون وجنوده]:</span>\n﴿وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩].\nهذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون، غضبًا لله عليه، لتكبره عن اتباع الحق، وصده عن سبيل الله ومعاندته وعتوه وتمرده، واستمراره على الباطل، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي، والبرهان القطعي، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ﴾ يعني قومه من القبط، ومن كان على مقته ودان بدينه ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أي وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا، فيحسب الجاهل أنهم على شيء، ولكن هذه الأموال وهذه الزينة، من اللباس والمراكب الحسنة الهنية، والدور الأنيقة والقصور المبنية، والمآكل الشهية والمناظر البهية، والملك العزيز والتمكين، والجاه العريض في الدنيا لا الدين.\n﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي أهلكها.\nوقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها، وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ولبراهينه. فاستجاب الله تعالى لها، وحققها وتقبلها، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال: ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ =","vol":"1","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ولهذا قال تعالى مخاطبًا لموسى حين دعا على فرعون وملئه، وأمّن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضًا: ﴿قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٨].\nقال علماء التفسير: لما ركب فرعون في جنوده طالبًا بني إسرائيل يقفو أثرهم كان في جيش كثيف عرمرم.\nوالمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود، فأدركهم وتراءى الجمعان، ولم يبق ثَمَّ ريب ولا لبس، وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبق إلَّا المقاتلة والمجادلة والمحاماة. فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلَّا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده وجيوشه وعَدَدِه وعُدَده، وهم منه في غاية الخوف والذعر، لما قاسوا في سلطانه من الإهانة والمكر.\nفشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه، فقال لهم الرسول الصادق المصدوق: ﴿قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وكان في الساقة فتقدم إلى المقدمة، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه، ويتزايد زيد أجاجه، وهو يقول: هاهنا أمرت. ومعه أخوه هارون، ويوشع بن نون، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعبادهم الكبار، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيًّا بعد موسى وهارون ﵉، كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعهم أيضًا مؤمنو آل فرعون، وهم وقوف، وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف.\nفلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر، واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدهم وحديدهم، وغضبهم وحنقهم، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، عند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير، رب العرش الكريم، إلى موسى الكليم: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فلما ضربه، انفلق بإذن الله.\nقال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ويقال: إنه انفلق اثني عشر طريقًا، لكل سبط طريق يسيرون فيه، وهكذا كان ماء البحر قائمًا مثل الجبال، مكفوفًا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشيء كن فيكون. =","vol":"1","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال، فبإذن الرب العظيم الشديد المحال، أمر موسى ﵇ أن يجوزه ببني إسرائيل، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين، ويهدي قلوب المؤمنين. فلما جاوزه وجاوزوه وخرج آخرهم منه، وانفصلوا عنه، وكان ذلك عد قدوم أول جيش فرعون إليه، ووفودهم عليه. فأراد موسى - ﵇ - أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه. لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال وهو الصادق في المقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٢) وَآتَينَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٧ - ٣٣].\nفقوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي ساكنًا على هيئته، لا يُغيِّره عن هذه الصفة. قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الأحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.\nفلما تركه على هيئته وحاله وانتهى فرعون، فرأى ما رأى، وعاين ما عاين، هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم، فأحجم ولم يتقدم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلدًا وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخانهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين على طاعتي وبلدي؟ وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم، ويرجو أن ينجو وهيهات ويقدم تارة ويحجم تارات! .\nفبادر هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضرًّا ولا نفعًا، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر.\nفضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ =","vol":"1","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد آية عظيمة، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة، والمناهج المستقيمة.\nوقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].\nيخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده، ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم، ليكون أقر لأعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسيهم. فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت وأناب حينئذ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥].\nوهكذا دعا موسى على فرعون ومَلَئه أن يطمس على أموالهم، ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، أي حين لا ينفعهم ذلك، ويكون حسرة عليهم. وقد قال تعالى لهما -أي لموسى وهارون- حين دعوا بهذا: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون ﵉.\nوقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ استفهام إنكاري، ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك. لأنه - والله أعلم - لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون: ﴿يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال الله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقوله ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾.\nقال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي مصاحبًا درعك المعروفة بك: ﴿لِتَكُونَ﴾ أي أنت آية ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ أي من بني إسرائيل، ودليلًا على قدرة الله الذي أهلكك، ولهذا قرأ بعض السلف: \"لتكون لمن خَلفَكَ آية\" ويحتمل أن يكون المراد: ننجيك بجسدك لتكون علامة لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنك هلكت .. والله أعلم، وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء.\nكما قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة بن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة واليهود تصوم يوم =","vol":"1","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عاشوراء، قال: \"ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ \"، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. قال النبي - ﷺ - لأصحابه: \"أنتم أحق بموسى منهم فصوموا\". وأصل هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما .. والله أعلم [صحيح البخاري / ح ٤٦٨٠] ومسلم (١٣/ ١٩ / ١٢٧).\nوقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قالوا: هذا الجهل والضلال، وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم علي صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام، وذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصنامًا، قيل: كانت على صور البقرة، فكأنهم سألوهم: لِمَ يعبدونها؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك، فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم، أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة، فقال لهم مبينًا: إنهم لا يعقلون ولا يهتدون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nثم ذكرهم نعمة الله عليهم، في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع، والرسول الذي بين أظهرهم، وما أحسن به إليهم، وما امتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد، وإهلاكه إياه وهم ينظرون، وتوريثه إياهم ما كان فرعون ومَلَؤه يجمعونه من الأموال والسعادة، وما كانوا يعرشون، وبيَّن لهم أنه لا تصلح العبادة إلَّا لله وحده لا شريك له، لأنه الخالق الرازق القهار، وليس كل بني إسرائيل سأل هذا السؤال، بل هذا الضمير عائد على الجنس في قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي قال بعضهم كما في قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ فالذين زعموا هذا بعض النهاس لا كلهم.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله - ﷺ - اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها، فقال النبي - ﷺ -: \"الله أكبر .. هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم\". ورواه النسائي عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ثم قال: حسن صحيح [أحمد / ٢١٩٥٩] والترمذي [٢١٨٠].\nوقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومعمر وعقيل عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين، قال: =","vol":"1","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: \"ذات أنواط\" قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله - ﷺ - .. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال: \"قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جامع البيان / ٩/ ٤٥].\n* * * *\nوالمقصود أن موسى - ﵇ -، لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قومًا من الجبارين، من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين، وغيرهم. فأمرهم موسى - ﵇ - بالدخول عليهم ومقاتلتهم، وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل وموسى الكليم الجليل، فأبوا ونكلوا عن الجهاد، فسلط الله عليهم الخوف، وألقاهم في التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون، في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَينَنَا وَبَينَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٠ - ٢٦].\nيذكرهم نبي الله نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي تنكصوا على أعقابكم، وتنكلوا عن قتال أعدائكم ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ أي فتخسروا بعد الربح، وتنقصوا بعد الكمال.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أي عتاة كفرة متمردين ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ خافوا في هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون، وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسًا، وأكثر جمعًا وأعظم جندًا. وهذا يدل على أنهم ملومون في هذه المقالة، ومذمومون على هذه الحالة، من الذلة عن مصاولة الأعداء، ومقاومة المردة الأشقياء.\nوقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثارًا فيها مجازفات كثيرة باطلة، يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالًا هائلة ضخامًا جدًّا، حتى إنهم ذكروا أن رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجباربن، فجعل يأخذهم واحدًا واحدًا، ويُلْقِهم في =","vol":"1","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أكمامه وحجزة سراويله، وهم اثنا عشر رجلًا، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين، فقال: ما هؤلاء؟ ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه. وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها.\nوأن الملك بعث معهم عنبًا كل عنبة تكفي الرجل، وشيئًا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم، وهذا ليس بصحيح.\nوذكروا ها هنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمئة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع. هكذا ذكره البغوي وغيره، وليس بصحيح، كما قدمنا بيانه عند قوله - ﷺ -: \"إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن\". قالوا: فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذ بيديه ليلقيها، فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقًا في عنق عوج بن عنق. ثم عمد موسى إليه، فوثب في الهواء عشرة أذرع، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله.\nيُروى هذا عن نوف البكالي، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي إسناده إليه نظر، ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات، وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل، فإن الأخبار الكاذبة قد كثرت عندهم ولا تمييز لهم بين صحيحها وباطلها، ثم لو كان هذا صحيحًا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله على نكولهم، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام، ونهياهم عن الإحجام، ﴿قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله، وقرأ بعضهم: ﴿يَخَافُونَ﴾ أي: يهابون ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا﴾ أي: بالإسلام والإيمان والطاعة والشجاعة ﴿ادْخُلُوا عَلَيهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا توكلتم على الله، واستعنتم به ولجأتم إليه، نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم وأظفركم بهم.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فصمم مَلَؤهم على النكول عن الجهاد، ووقع أمر عظيم ووهن كبير ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَينَنَا وَبَينَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: اقض بيني وبينهم ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ عوقبوا على نكالهم بالتيهان في الأرض، يسيرون إلى غير مقصد، ليلًا ونهارًا وصباحًا ومساءً.\nلكن أصحاب محمد - ﷺ - يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى، بل لما استشارهم في الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن وتكلم غيره من المهاجرين. ثم جعل يقول: \"أشيروا عليَّ\"، حتى قال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنَّا لصُبّر في الحرب، صُدّق في اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به =","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>ذكر يوشع بن نون - ﵇ </span>-\nفقال بعضهم: لم يسِرْ يوشع إلى أريحا، ولا أمِر بالمسير إليها إلّا بعد موت موسى، وبعد هلاك جميع من كان أبى المسيرَ إليها مع موسى بن عمران، حين أمرهم الله تعالى بقتال مَنْ فيها من الجبارين، وقالوا: مات موسى وهارون جميعًا في التيه قبل خروجهما منه (١). (١: ٤٣٥).\n_________\n= عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله - ﷺ - بقول سعد ونشطه ذلك.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق -هو ابن شهاب- أن المقداد قال لرسول الله - ﷺ - يوم بدر: يا رسول الله .. إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون. وهذا إسناد جيد من هذا الوجه، وله طرق أخرى. [مسند أحمد / ح ١١٨٤٩].\nقال أحمد: حدثا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -، لقد شهدت من المقداد مشهدًا، لأن أكون أنا صاحبه، أحب إليّ مما عدل به، أتى رسول الله - ﷺ - وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكننا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله - ﷺ - يشرق لذلك وسر بذلك. رواه البخاري في التفسير، والمغازي من طرق عن مخارق به. [مسند أحمد / ٣٦٩٨] وصحيح البخاري [كتاب المغازي / ح ٣٩٥٢].\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين بن علي، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار .. إياكم يريد رسول الله - ﷺ - قالوا: إذًا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك.\nرواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به، ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عن أنس به نحوه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى، عن معتمر، عن حميد، عن أنس به نحوه.\n(١) صحيح.","vol":"1","page":352},{"text":"ذكر من قال ذلك:\nحدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: لما دعا موسى يعني بدعائه قوله: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَينَنَا وَبَينَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: فدخلوا التيه، فكلّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه، قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، وناهضَ يوشعُ بمن بقي معه مدينة الجبّارين فافتتح يوشع المدينة (١). (١: ٤٣٥).\n_________\n(١) صحيح.\nلقد ذكر الطبري روايات عدة في ذكر يوشع بن نون فتى موسى - ﵇ - وجلّها مأخوذ من الإسرائيليات ونحن ذاكرون هنا ما صحّ سنده في خبر يوشع هذا علمًا أننا لم نجد نصًّا نبويًا صريحًا ينص على نبوته إلا أن ابن كثير ذكر أنه نبي وقال:\nاتفق أهل الكتاب على ذلك كما في قصص الأنبياء لابن كثير، ولم نجد كما ذكرنا نصًّا نبويًا يؤكد ذلك إلَّا أن مفهوم حديثين نبويين يحتملان ذلك:\nالأول: ما أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة مرفوعًا (ح ٨٣١٥) إن الشمس لم تحبس على بشرٍ إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس، وقال الحافظ ابن كثير: انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري (قصص الأنبياء / ٣٣١). وأخرجه الطحاوي كذلك (شرح مشكل الآثار ح ١٠٦٩).\nالثاني: ما أخرجه البخاري (كتاب فرض الخمس / ح ٣١٢٣) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بني بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليهم فجمع الغنائم ... الحديث وفي آخره: ثم أحلّ الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا\".\nوالحديث أخرجه مسلم (ح ١٧٤٧) وأحمد (ح ٨٢٣٨) وغير واحد، والله أعلم. قلنا: فإذا كانت الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون كما في الحديث الأول وأن نبيًّا من الأنبياء خرج غازيًا فدعا فحبس الله الشمس له ولجيشه حتى فتحوا العصر، فالجمع بين الحديثين يشير إلى أن يوشع بن نون نبي، وهو الذي خرج غازيًا فحدث للشمس ما قدر الله لها من الحبس.\nوهذا استنباط وفهم للنصوص ولعله لا يكون كذلك والله أعلم. =","vol":"1","page":353},{"text":"قال أبو جعفر: فلما نزلت نقمة الله بقارون حمِد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وأنذروه بأمر الله، ونصحوا له من المعرفة بحقّه والعمل بطاعته، وندِم الذين كانوا يتمنّوْن ما هو فيه من كثرة المال، والسعة في العيش على أمنيتهم، وعرفوا خطأ أنفسهم في أمنيتها، فقالوا ما أخبر الله ﷿ عنهم في كتابه: ﴿وَيكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾، فصرَف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به وبهم. فنجّى الله تعالى من كلّ هول وبلاء نبيَّه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بني إسرائيل، وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم، وأهلك أعداءه وأعداءهم: فرعون وهامان وقارون والكنعانيين بكفرهم وتمردهم عليه وعتوهم، بالغرق بعضًا، وبالخسف بعضًا، وبالسيف بعضًا، وجعلهم عبرًا لمن اعتبر بهم، وعظة لمن اتعظ بهم، مع كثرة أموالهم وكثرة عدد جنودهم، وشدة بطشهم، وعظم خلقهم وأجسامهم، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئًا؛ إذْ كانوا يجحدون بآيات الله، ويسعوْنَ في الأرض فسادًا، ويتّخذون عباد الله لأنفسهم خَوَلًا، وحاق بهم ما كانوا منه آمنين؛ نعوذ بالله من عمل يقَرِّب من سخطه، ونرغب إليه في التوفيق لما يدني من محبته، ويزلف إلى رحمته (١)! فلما ملك\n_________\n= وأما الحافظ ابن حجر فقد قال ﵀ أثناء شرحه للحديث: قوله (غزا نبي من الأنبياء) أي أراد الغزو، وهذا النبي هو يوشع بن نون كما رواه الحاكم من طريق كعب الأحبار وبين تسمية القرية كما سيأتي، وقد ورد أصله من طريق مرفوعة صحيحة أخرجها أحمد من طريق هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - \"إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس\" (فتح الباري ٦/ ٣٤٦ / ط الفكر).\nقلنا: وقال القاضي عياض ﵀ في شرح مسلم (ح ١٧٤٧ - غزا نبي من الأنبياء .. الحديث) وقال: إن الذي حبست عليه الشمس هو يوشع بن نون (إكمال المعلم ٦/ ٥٣) والله تعالى أعلم بالصواب.\n(١) صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>ذكر خبر داود - ﵇ </span>-\nلقد أخرج الطبري روايات عدة في أخبار داود - ﵇ - من (١/ ٤٧٦ - ١/ ٤٨٥) وجميعها بأسانيد ضعيفة جدًّا أو ضعيفة على الأقل ولم يصح في تفاصيل متونها بل أغلبها مستقاة من =","vol":"1","page":354},{"text":"سليمان بناءه وشرّفه، وكان عمر داود - فيما وردت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - مئة سنة. (١: ٤٨١).\n_________\n= الإسرائيليات وحتى تفسير الآيات خلطها ﵀ ببعض الإسرائيليات.\nفآثرنا أن نذكر الآيات القرآنية مع تفسيرها اللغوي عند الحافظ ابن كثير بعد حذف ما في التفسير من الإسرائيليات، ولكننا لا نرى بأسًا أن نذكر ما صحّ سنده من حديث روي في قصة داود - ﵇ - قبل أن نذكر الآيات القرآنية مع تفسيرها:\n١ - أخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: كنا أصحاب محمد - ﷺ - نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمئة مؤمن (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٣٩٥٨).\nقلنا: والملاحظ أن الروايات الصحيحة لا تبالغ في ذكر الأعداد والأرقام، بينما الروايات الضعيفة المتأثرة أو المستقاة من الإسرائيليات تذكر أرقامًا خيالية.\n٢ - أخرج البخاري في صحيحه قال رسول الله - ﷺ -: \"أحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفرّ إذا لاقى\" صحيح البخاري / كتاب الأنبياء (ح ٣٤١٩) ومسلم (١٨٩/ ١١٥٩).\nقلنا: وهذه صورة داود العابد الناسك المجاهد وهي صورة في الأعالي كالثريا، بينما صورته الإسرائيليات كما يشتهي اليهود من تشويه صورة الأنبياء بما لا يليق بعصمتهم عليهم الصلاة والسلام.\n٣ - لقد رزق الله سبحانه داود صوتًا جميلًا يتلو به كلام الله سبحانه، وعندما سمع رسول الله - ﷺ - صوت أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن قال ﵊: \"لقد أعطي أبو موسى مزمارًا من مزامير داود\" مسند أحمد / ح ٨٦٥٤ من حديث أبي هريرة / وقال ابن كثير: على شرط مسلم.\n٤ - وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"خفف الله على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده\" صحيح البخاري / كتاب الأنبياء (ح ٣٤١٧).\nوسنذكر الآن بعض الآيات القرآنية الكريمة الواردة في ذكر نبي الله داود - ﵇ - مع شيء يسير من التفسير اللغوي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الطبري: قتلوهم بقضاء الله وقدره وقال الشوكاني: أي بأمره وإرادته.\n﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ المعنى: الملك السلطان والحكمة النبوة. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ =","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>ذكر خبر سليمان بن داود ﵉</span>\nثم ملك سليمان بن داود بعد أبيه داود أمرَ بني إسرائيل، وسخّر الله له الجنّ والإنس والطير والريح، وآتاه مع ذلك النبوة، وسأل ربَّه أن يُؤتيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فاستجاب الله له فأعطاه ذلك (١). (١: ٤٨٦).\n_________\n= وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ قال الطبري: يعني الله تعالى ذكره بذلك: ولولا دفع الله أي أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض وهم أهل الطاعة له والإيمان به.\n٢ - وقال تعالى في سورة سبأ ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح.\n٤ - وقال ﷾ في سورة (ص): ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.\nقلنا: والآية القرآنية بينت أنه - ﵇ - أيقن أن الله ابتلاه فاستغفر لذنبه وسجد لله سبحانه، فما هو هذا الابتلاء ومن أي ذنب استغفر وتاب وسجد؟\nظاهر الآيات القرآنية وهي ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ تشير إلى أن داود - ﵇ - حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر.\n(١) صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>نَبيُّ اللهِ سُليمَان ﵇</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[وراثة النبوة]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ وَقَال يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي: وَرِثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال، لأنه قد كان له بنون غيره، فما كان ليخص بالمال دونهم، ولأنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" وفي لفظه: \"نحن =","vol":"1","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= معاشر الأنبياء لا نورث\" فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم، بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها أقرباءهم، لأن الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك كما هي عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ يعني: أنه ﵇ كان يعرف ما تتخاطب به الطيور بلغاتها وتعبر للناس عن مقاصدها وإرادتهما ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي: من بارئ البريات وخالق الأرض والسموات كما قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.\nيخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يومًا في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة -أي نقباء- يردون أوله على آخره. فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور.\nوالمقصود أن سليمان - ﵇ - فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار، والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره، وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان، وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك، فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون، ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم مقالها مزية على غيره، إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك، ولو كان قد أخذ عليها العهد ألا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها، لم يكن هذا أيضًا فائدة يعوّل عليها ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني وأرشدني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره، وأن ييسر عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين، وقد استجاب الله تعالى له.\nوقال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ =","vol":"1","page":357},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ فَقَال أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَال أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٢٠ - ٣٧].\nيذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة، كما هي عادة الجنود مع الملوك، فلما تطلبه سليمان - ﵇ - ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته ﴿فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي: ما له مفقود من ها هنا، أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على تقدير ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة تنجيه من هذه الورطة.\nقال الله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ﴾ أي: فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها ﴿فَقَال﴾ لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي: بخبر صادق ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.\nوقال الثعلبي: أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة، حدثنا أبو بكر بن حرجة، حدثنا ابن أبي الليث، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله - ﷺ - فقال: \"لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\" إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي الضعيف.\nوقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله - ﷺ - لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\". =","vol":"1","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ - بمثله وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: مما من شأنه أن تؤتاه الملوك ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: سرير لمملكتها كان مزخرفًا بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلي الباهر.\nثم ذكر كفرهم بالله، وعبادتهم الشمس من دون الله، وإضلال الشيطان لهم، وصده إياهم عن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون، أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات.\nفعند ذلك بعث سليمان - ﵇ - كتابًا يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه؛ ولهذا قال لهم: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي: لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: وأقدموا عليّ سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة، فلما جاءها الكتاب مع الطير - ومن ثم اتخذ الناس البطائق - ولكن أين الثريا من الثرى، تلك البطاقة كانت مع سائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ثم قرأت عليهم عنوانه أولًا ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ﴾ ثم قرأته: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ثم شاروتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون: ﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ يعني: ما كنت لأبُتَّ أمرًا إلا وأنتم حاضرون ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القدارين ﴿وَ﴾ مع هذا ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم.\nفكان رأيها أتم وأشد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إليَّ، ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا عليَّ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها، وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها. ولم تعلم أن سليمان - ﵇ - لا يقبل منهم والحالة هذه صرفًا ولا عدلًا، لأنهم كافرون، وهو وجنوده عليهم قادرون.\nولهذا: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَال أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ هذا =","vol":"1","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، ذكره المفسرون.\nثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون: ﴿ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يقول: ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى من قد مَنَّ بها، فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إليّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا، وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: فلأَبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلادهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ عليهم الصغار والعار والدمار.\nفلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين. فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن: ﴿قَال يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٤].\nلما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها، قبل قدومها عليه ﴿قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: قبل أن ينقضي مجلس حكمك، وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ﴾ أي: وإني لذو قدرة على إحضاره إليه وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وقيل: هو رجل من مؤمني الجان، أو جبريل: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ﴾ قيل: معناه قبل أن تبعث رسولًا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد من تراه الناس. وقيل: قبل أن يكلّ طرفك إذا أدمت النظر به، قبل أن تطبق جفنك. وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته. وهذا أقرب ما قيل.\n﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي: هذا من فضل الله عليّ، وفضله على عبيده، ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا =","vol":"1","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك عليه ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي: غني عن شكر الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين.\nثم أصر سليمان - ﵇ - أن يغيّر حلي هذا العرش، وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها، ولهذا قال:\n﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها، لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب، قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان وقومه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعًا لدين آبائهم وأسلافهم، لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا جادلهم على ذلك.\nوكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء، وجعل عليه سقفًا من زجاج، وجعل فيه السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nوقال تعالى في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٠ - ٤٠].\nيذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان ﵉، ثم أثنى الله تعالى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجاع مطيع لله، ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ وهي التي تقف على ثلاثة وطرف حافر الرابعة، ﴿الْجِيَادُ﴾ وهي المضمرة السراع.\n﴿فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني: الشمس. وقيل: الخيل على ما سنذكره من القولين ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف. وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول اآخر.\nوالذي عليه أكثر السلف الأول، فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس. وروي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره. والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدًا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال إنه كان سائغًا في شريعتهم، فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك. =","vol":"1","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما من قال: الضمير في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ عائد على الخيل، وأنه لم ينته وقت الصلاة وأن المراد بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ يعني: مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها، فهذا القول اختاره ابن جرير، ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق. ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة، ويهلك مالًا بلا سبب ولا ذنب لها، وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه قد يكون هذا سائغًا في ملتهم، وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها وإهلاكها لئلا يتقووا بها، وعليه حمل صنيع جعفر بن أبي طالب يوم عقر فرسه بمؤتة. وقد قيل: إنها كانت خيلًا عظيمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ها هنا آثارًا كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة، وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا ها هنا على مجرد التلاوة.\nومضمون ما ذكره أن سليمان - ﵇ - غاب عن سريره أربعين يومًا ثم عاد إليه، ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناءً محكمًا، وقد قدمنا أنه جدده، وأن أول من جعله مسجدًا إسرائيل - ﵇ -، كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر، قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أولًا؟ قال: \"المسجد الحرام\" قلت: ثم أي؟ قال: \"مسجد بيت المقدس\"، قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\".\nوأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي: رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية، فتحاكموا إلى داود - ﵇ - فحكم لأصحاب الكرم بقيمته، فلما خرجوا على سليمان قال: بم حكم لك نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا، فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجًا ودرًّا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود - ﵇ - ذلك فحكم به.\nوقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك. وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال: اتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه. فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها. فقضى به لها\" (البخاري / ح ٣٤٢٧). =","vol":"1","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولعل كل من الحكمين كان سائغًا في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه بعد ذلك فقال: ﴿وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ وَالطَّيرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.\nثم قال: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ وقال في سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.\nلما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرًا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من أي البلاد.\nقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ\nيَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ\nوَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:\n١٢ - ١٣].\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: وسخر الله له من الجن عمالًا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران، وكان هذا سائغًا في شريعتهم وملتهم ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض، وعنه كالحياض. وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء.\nوأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافيها منها، يعني: أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن، وهكذا قال مجاهد وغير واحد. ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وحيوان قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود، وهذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك؛ الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضًا لمن كان قبله.\nوقد قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن عفريتًا من الجن تفلت عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد =","vol":"1","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئًا\" وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة [انظر صحيح البخاري / ٣٤٢٣].\nوقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله - ﷺ - يصلي فسمعناه يقول: \"أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله\" ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال: \"إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة\" [انظر صحيح مسلم / كتاب المساجد ومواضع الصلاة / ٤٠/ ٢].\nوقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان، قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي، فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة. فلما فرغ من صلاته قال: \"لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل\". روى أبو داود منه: \"فمن استطاع\" إلى آخره عن أحمد بن سريج، عن أحمد الزبيري به [مسند أحمد / ١١٧٨٠] وسنن أبي داود / ح ٦٩٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>نبيُّ اللهِ زَكَريّا ﵇</span>\nقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[قصة زكريا ويحيى ﵉]:</span>\nقال الله تعالى في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ =","vol":"1","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١ - ١٥].\nوقال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٣٧ - ٤١].\nوقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].\nوقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥].\nوالمقصود أن الله تعالى أمر رسوله - ﷺ - أن يقص على الناس خبر زكريا - ﵇ - وما كان من أمره حين وهبه الله ولدًا على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقرًا في حال شبيبتها قد أسنت أيضًا؛ حتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرَّها عمن كان حاضرًا عنده مخافتة فقال: يا رب يا رب يا رب. فقال الله: لبيك لبيك لبيك. ﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعف وخار من الكبر ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبة، وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ما عودتني فيما أسألك إلا الإجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إبانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرزاق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برًّا تقيًّا مرضيًا ولهذا قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ أي: في النبوة والحكم في بني إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي، وليس المراد =","vol":"1","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ها هنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ها هنا وحكاه عن أبي صالح من السلف، لوجوه:\nأحدها: ما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ أي: في النبوة والملك لما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين علماء المواريث في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" [صحيح البخاري / ٦٧٢١] نص على أن رسول الله - ﷺ - لا يورث، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من ورثته الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس -﵃-، واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله - ﷺ - عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون - ﵃ -.\nوالثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" وصححه.\nالثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدًا يكون وارثًا له فيها.\nالرابع: أن زكريا - ﵇ - كان نجارًا يعمل بيده ويأكل من كسبها، كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادًا يستفضل منه مالًا يكون ذخيرة له ولمن يخلفه من بعده. وهذا أمر بيّن واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهمه إن شاء الله.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، يعني: ابن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كان زكريا نجارًا\" وهكذا رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن حماد بن سلمة به [مسلم / ح ٢٣٧٩] و[أحمد / ح ١٧٩٥٢].\nوقوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ وهذا مفسر بقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩].\nفلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد له والحالة هذه ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي: كيف يوجد ولد من شيخ كبير، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ يعني: وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرًا لا تلد، والله أعلم.\nكما قال الخليل: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ وقالت سارة: ﴿يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ =","vol":"1","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٤].\nوهكذا أجيب زكريا - ﵇ -، قال له الملك الذي يوحى إليه بأمر ربه: ﴿كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ أي: قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئًا مذكورا، أفلا يوجد منك ولد وإن كنت شيئًا؟ !\nوقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل: كان في لسانها شيء، أي: بذاءة.\n﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ يقول علامة ذلك أن يعتريك سكوت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزًا، وأنت في ذلك سويّ الخلق صحيح المزاج معتدل البنية، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب، واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورًا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ والوحي ها هنا هو الأمر الخفي إما بكتابة، كما قاله مجاهد والسدي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضًا ووهب وقتادة، قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة: اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد.\nوقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ يخبر تعالى عن وجود الولد، وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا - ﵇ -، وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه.\nوأما قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد، وعن عكرمة: ﴿وَحَنَانًا﴾ أي: محبة عليه، ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه، وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما.\nوأما الزكاة فهي طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره. ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرًا ونهيًا وترك عقوقهما قولًا وفعلًا فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه، ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخًا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها، وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها! .\nوكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار، وصار بعد الدور =","vol":"1","page":367},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور، وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير.\nولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.\nوأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقيل: المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله ﷿ أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركن أن تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. آمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وآمركم بالصيام فإن الله مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه.\nآمركم بذكر الله ﷿ كثيرًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في إثره فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله ﷿.\nقال: وقال رسول الله - ﷺ -: \"وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم، قال: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله ﷿ المسلمين المؤمنين عباد الله ﷿\" (أحمد / ح ١٧١٧٠).\nوهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن زيد، عن يحيى بن أبي كثير به. =","vol":"1","page":368},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل، وكلاهما عن أبان بن يزيد العطار به، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به، ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام، عن أخيه به. ثم قال: تفرد به مروان الطاطري، عن معاوية بن سلام. [انظر \"أبو يعلى\" ١٥٧١] والطبراني / ٣/ ٣٤٣٠].\nقلت: وليس كما قالا. ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري. فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية، قلنا الحديث أخرجه أحمد (١/ ٦٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>نبيُّ الله عيسى ﵇</span>\nقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٧].\nيذكر تعالى أنه اصطفى آدم - ﵇ - والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصّص فقال: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران، والمراد بعمران هذا والد مريم ﵍.\n﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ﴾ وقرئ بضم التاء ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي: في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدامًا من أولادهم.\nوقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ﴾ استدل به على تسمية المولود يوم يولد، وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله - ﷺ - فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: \"كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه\" رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي. [أحمد / ٤/ ٢٠١، والترمذي / ح ١٥٢٢].\nوقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن =","vol":"1","page":369},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد ليستهل صارخًا من مس الشيطان إلا مريم وابنها\"، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\nأخرجاه من حديث عبد الرزاق ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية، عن عبد الله بن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بنحوه.\nذكر كثيرٌ من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خرقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العُبَّاد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها، والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها.\nثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها أو خالتها على القولين. فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرحت فرعته غالبة لهم، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم.\nقال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي: بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة، حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقًا فيسألها: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: رزق رزقنيه الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾. فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وإن كان قد أسن وكبر ﴿قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي =","vol":"1","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٥١].\nيذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالم زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب، وبشرت بأن يكون نبيًّا شريفًا ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها، وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلًا لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة.\nفقول الملائكة: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك واجتباك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي: من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ وكقوله عن بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ ومعلوم أن إبراهيم - ﵇ - أفضل من موسى، وأن محمدًا - ﷺ - أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عددًا وأفضل علمًا وأزكى عملا من بني إسرائيل وغيرهم.\nويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها أو وُجِد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجًّا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره، فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ إذ لم يعارضه غيره ... والله أعلم.\nوأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال، وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم، كما قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها ... والله أعلم. وقد جاء ذكرها مقرونًا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - ﷺ - ورضي الله عنهن وأرضاهن.\nوقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد\" [البخاري / ح ٣٤٣٢] و[أحمد ٦٤٠] و[مسلم ٢٤٣٠].\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، واسية امرأة فرعون، =","vol":"1","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد\" [أحمد / ح ١٢٣٩٤].\nورواه الترمذي عن أبي بكر بن زنجويه، عن عبد الرزاق به وصححه، ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد، كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي - ﷺ - قال: \"خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريشٍ أحناه على ولد في صغره وأرعاه لزوج في ذات يده\" قال أبو هريرة: لم تركب مريم بعيرًا قط. [مسند أحمد / ٧٦٥٤].\nوقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به. [صحيح مسلم / ٢٠١/ ٢٥٢٧].\nوقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن علي، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده\"، قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله - ﷺ - أن ابنة عمران لم تركب الإبل. تفرد به وهو على شرط الصحيح. ولهذا الحديث طرق أخرى عن أبي هريرة.\nوقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطَّ رسول الله - ﷺ - في الأرض أربع خطوط فقال: \"أتدرون ما هذا\"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون\" ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي هند.\nوقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري: أنبأنا بشر بن مهران بن حمدان، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران\".\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت لفاطمة: \"أرأيت حين أكببت على رسول الله - ﷺ - فبكيت ثم ضحكت؟ قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقًا به وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران =","vol":"1","page":372},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فضحكت\". وأصل هذا الحديث في الصحيح. وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات.\nوهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد -هو ابن أبي زياد- عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران\" إسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه، وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في إسناده ضعف.\nوالمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع. ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة.\nولكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أنبأنا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا، قالوا: أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا الزبير هو ابن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون\". فإن كان هذا اللفظ محفوظًا بثم النبي للترتيب فهو مبيّن لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه، والله أعلم.\nوقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي، عن إبراهيم، عن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية، فخالفه إسنادًا ومتنًا .... فالله أعلم.\nفأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nفإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه، ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلًّا منهما كفلت نبيًّا في حال صغره، فآسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة. =","vol":"1","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فخديجة خدمت رسول الله - ﷺ - قبل البعثة خمسة عشر سنة وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها، - ﵂ - وأرضاها. وأما فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - فإنّها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أُصيبت برسول الله - ﷺ - وبقية أخواتها متن في حياة النبي - ﷺ -.\nوأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله - ﷺ - إليه ولم يتزوج بكرًا غيرها، ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة - بل ولا في غيرها - أعلم منها ولا أفهم، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات، وقد عمرت بعد رسول الله - ﷺ - قريبًا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين، والأحسن الوقف فيهما -﵄-، وما ذاك إلا لأن قوله - ﷺ -: \"وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" يحتمل أن يكون عامًا بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عامًا بالنسبة إلى ما عدا المذكورات ..... والله أعلم.\nوالمقصود ها هنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران ﵍، فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالم زمانها، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقًا كما قدمنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[ميلاد عيسى ابن مريم]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ١٦ - ٣٧].\nذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها، كما ذكر في =","vol":"1","page":374},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سورة آل عمران، وقرن بينهما في سياق واحد، وكما قال في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩١].\nوقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا - ﵇ -، وأنه اتخذ لها محرابًا وهو المكان الشريف من المسجد، لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا ﵇، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولدًا زكيًّا يكون نبيًّا كريمًا طاهرًا مكرمًا مؤيدًا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.\nوكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يومًا قد خرجت لبعض شؤونها و﴿انْتَبَذَتْ﴾ أي: انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل - ﵇ - ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ فلما رأته ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قال أبو العالية: علمت أن التقي ذو نهية. وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه \"تقي\" فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال.\n﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: خاطبها الملك ﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ أي: ولدًا زكيًّا.\n﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي: ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلًا: ﴿كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ﴾ أي: وعد أنه سيخلق منك غلامًا ولست بذات بعل، ولا تكونين ممن تبغين ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: وهذا سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.\nوقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلًا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله: ﴿وَرَحْمَةً =","vol":"1","page":375},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مِنَّا﴾ أي: نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفولته وكهولته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها، يعني: أن هذا أمر قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختيار ابن جرير، ولم يحك سواه ... والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.\nوالصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ وكقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يومًا كما ثبت في الحديث المتفق عليه. قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا.\nوقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعًا والبيهقي بإسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعًا أيضًا ببيت لحم الذي بني عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل.\n﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: لم تخلق بالكلية. وقوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ وقرئ (مَنْ تَحْتَها).\nوفي المضمر قولان، أحدهما أنه جبريل، قاله العوفي عن ابن عباس قال: ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم. وبهذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة. وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية: هو ابنها عيسى، واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قيل: النهر، وإليه ذهب الجمهور. وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح. وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها. والصحيح الأول لقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ فذكر الطعام والشراب، ولهذا قال: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾. =","vol":"1","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: فإن رأيت أحدًا من الناس ﴿فَقُولِي﴾ له أي بلسان الحال والإشارة ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام. قاله قتادة والسدي وابن أسلم. ويدل على ذلك قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمرا عظيمًا منكرًا. ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله. والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال:\nثم قالوا لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة، وكان اسمه هارون. قاله سعيد بن جبير. وقيل: أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة، وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسبًا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه.\nوهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولًا ولله الحمد والمنة. وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون، وفي ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها، والله أعلم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤُون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرحت فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم\" [مسند أحمد / ح ١٨٢٢٦].\nوكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وفي رواية: \"ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم\" [مسلم / ٩/ ٢١٣٥] والترمذي [ح / ٣١٥٥].\nوالمقصود أنهم قالوا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاة والخير، ولهذا قالوا: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ =","vol":"1","page":377},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: لست من بيت هذه شيمتهم ولا سجيتهم، لا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى، ورموها بالداهية الدهياء.\nفلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال، عَظُمَ التوكل على ذي الجلال، ولم يبقَ إلا الإخلاص والاتكال ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ أي: خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه، فعندها ﴿قَالُوا﴾ من كان منهم جبارًا شقيًا: ﴿كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده ولا يميز بين مخيض وزبدة، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والنقص لنا والازدراء، إذ لا تردين علينا قولًا نطقيًّا، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيًّا فعندها: ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣].\nهذا أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم، وكما قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زنى في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيًّا مرسلًا أحد أولي العزم الخمسة الكبار، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحسان إلى الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات.\nثم قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: وجعلني برًا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا ﵉.\nثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبيّن أمره ووضحه وشرحه قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ =","vol":"1","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فَيَكُونُ﴾، كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٨ - ٦٣].\nولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبًا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبيّن أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله. وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، رأوا ثم نكصوا وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة، وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى .. لقد علمتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فطلبوا ذلك من رسول الله - ﷺ - وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلًا أمينًا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بيّنا ذلك في تفسير آل عمران وقد بسطنا هذه القصة في السيرة النبوية.\nوالمقصود أن الله تعالى بيّن أمر المسيح فقال لرسوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: لا يعجزه شيء ولا يكربه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم.\nقال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: فاختلف أهل الزمان ومن بعدهم فيه. فمن قائل من البهود: إنه ولد زِنْية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله.\nوقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله، وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون والمؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العلم بقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن =","vol":"1","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي - ﷺ - قال: \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\".\nقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير، عن جنادة وزاد: \"من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء\". وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن جابر به ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به [البخاري / ح ٣٤٣٥ ومسلم كتاب الإيمان / ٤٦/ ٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>[تنزيه الله عن الولد]:</span>\nوقال تعالى في آخر سورة مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩)﴾ شيئًا عظيمًا من القول وزورًا ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\nفبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السموات والأرض عبيده، هو ربهم لا إله إلا هو لا رب سواه كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.\nفبيّن أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد؟ والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه ولا عديل له، فلا صاحبة له، فلا يكون له ولد كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﴿الصَّمَدُ﴾ وهو السيد الذي كمل علمه وحكمته ورحمته وبلغ جميع صفاته ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أي: لم يوجد منه ولد ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي: ولم يتولد عن شيء قبله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو، فقطع النظير المداني والأعلى والمساوي، فانتفى أن يكون له ولد، إذ لا يكون الولد إلا متولدًا بين شيئين متعادلين أو متقاربين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوقال ﵎ وتقدس: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ =","vol":"1","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣].\nوقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١٠ - ١١١].\nيذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب، بل من أم بلا ذكر، وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة وإقامة البرهان على براءتها مما نسبه إليها الجاهلون ولهذا قال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه إلى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: الخط والفهم، نص عليه بعض السلف ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي﴾ أي: تصوره وتشكله من الطين على هيئة الطير على أمر الله له بذلك ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي﴾ أي: بأمري، يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك لرفع التوهم.\nوقوله: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ وقال بعض السلف: وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالًا ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: من قبورهم أحياء ﴿بِإِذْنِي﴾ وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارًا متعددة بما فيها كفاية.\nوقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى، وسلامة له من الردى.\nوقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقيل: المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لفبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.\nوهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم أن جعل له أنصارًا وأعوانًا ينصرونه =","vol":"1","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى لعبده محمد - ﷺ - ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٤٨ - ٥٤].\nكانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان، فذكروا أن موسى - ﵇ - كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء، فبعث بآيات بهرت الأبصار وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه وعاينوا ما عاينوا في الأمر الباهر الهائل الذي لا يمكن صدوره إلا عمن أيّده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقًا له، أسلموا سراعا ولم يتلعثموا.\nوهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنَّى لحكيم إبراء الأكمه الذي هو أسوأ حالًا من الأعمى، والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره؟ هذا - مما يعلم كل أحد - معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله.\nوهكذا محمد - ﷺ - وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق ﷿، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\nوالمقصود أن عيسى - ﵇ - لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارًا وأعوانًا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين همّ به بنو إسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون، وللحق مكابرون، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون. =","vol":"1","page":382},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ إلى أن قال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.\nفعيسى - ﵇ - هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيبًا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه، إقامة للحجة عليهم وإحسانًا من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام\".\nوقد رُوِيَ عن العرباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي - ﷺ - نحو هذا وفيه: \"دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى\" وذلك أن إبراهيم لما بينى الكعبة قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية. ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبًا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الاطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵇، وفيه قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل عود الضمير إلى عيسى - ﵇ - ويحتمل عوده إلى محمد - ﷺ -.\nثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من يساعدني في الدعوة إلى الله ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: لما دعا عيسى ابن مريم بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم من آمن ومنهم من كفر، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكاملها فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود، فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا =","vol":"1","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية فكل من كان إليه أقرب كان غالبًا لمن دونه، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه - من أنه عبد الله ورسوله - كانوا ظاهرين على النصارى؛ الذين غلوا فيه، وأطروه، وأنزلوه فوق ما أنزل الله به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[رفع عيسى والكذب في دعوى الصلب]:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَينَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥].\nوقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٥٩].\nفأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه وأخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء، كما أوردنا ذلك مستقصى في كتاب \"الفتن والملاحم\" عند أخبار المسيح الدجال، فذكرنا ما ورد في نزول المسيح المهدي - ﵇ - من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال، وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلًا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًّا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.\nقال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به يعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء =","vol":"1","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا - ﷺ -.\nقال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم. ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية به نحوه، ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة، عن أبي معاوية. وهكذا ذكر غير واحد من السلف، وممن ذكر ذلك مطولًا محمد بن إسحاق بن يسار [جامع البيان / ٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>نَبيُّ الله يُونس ﵇</span>\nقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[يونس في القرآن]:</span>\nقال الله تعالى في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].\nوقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].\nوقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨].\nوقال تعالى في سورة القلم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[موقف أهل نينوى]:</span>\nقال أهل التفسير: بعث الله يونس - ﵇ - إلى أهل \"نينوى\" من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله ﷿، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم.\nقال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف: فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على لما كان منهم إلى نبيهم، ثم عجوا إلى الله ﷿، وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وكانت ساعة عظيمة هائلة. =","vol":"1","page":385},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فكشف الله العظيم - بحوله وقوته ورأفته ورحمته - عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم سببه.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكاملها، فدل على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي آمنوا بكاملهم.\nوقد كانوا مئة ألف لا محالة، واختلفوا في الزيادة: فعن مكحول عشرة آلاف، وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أُبيّ بن كعب، أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: \"يزيدون عشرين ألفًا\" فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلًا في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[ابتلاع الحوت يونس]:</span>\nوالمقصود أنه - ﵇ - لما ذهب مغاضبًا بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم، واضطربت وساجت بهم وثقلت بما فيها، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون.\nقالوا: فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس لما يريده الله به من الأمر العظيم.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة أُلقي في البحر.\nوبعث الله ﷿ حوتًا عظيمًا من البحر، فعند ذلك وهنالك، قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال؛ الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، يسمع الأصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ﴾ أي إلى أهله ﴿مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أن نضيّق عليه، وقيل معناه: نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة، قَدِرَ وقَدَّرَ كما قال الشاعر:\nفلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت، ما تقدر يكن لك الأمر\n﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك: ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قيل: معناه فلولا أنه =","vol":"1","page":386},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع، والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة.\nوقيل معناه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ﴾ من قبل أخذ الحوت له ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرًا، قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير.\nويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال له: \"يا غلام .. إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة\" [مسند أحمد / ح ٢٦٦٩ / سنن الترمذي / ح ٢٥١٦].\nقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك - وهو ابن أبي وقاص - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: دعوة يونس بن متى\"، قال: فقلت: يا رسول الله ... هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به. [جامع البيان ج ١٧/ ٨٢].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب -يعني ابن سعد- عن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من دعا بدعاء يونس استجيب له\" قال أبو سعيد الأشج، يريد به: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذان طريقان عن سعد [وانظر أبو يعلى ٢/ ٧٠٧].\nوثالث أحسن منهما: وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد - وهو ابن أبي وقاص - ﵁ - قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين ... هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن =","vol":"1","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رسول الله - ﷺ - ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله - ﷺ - فاتّبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إليّ رسول الله - ﷺ - فقال: \"من هذا؟ أبو إسحاق؟ \"، قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: \"منه\"؟ قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: \"نعم .. دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء إلا استجاب له\". ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به [أحمد / ح ١٤٦٢، والترمذي / ح ٣٥٠٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[فضل يونس - ﵇ </span>-]:\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والأنعام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى\" ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به. [مسند أحمد / ٣٧٠٣].\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى، ونسبه إلى أبيه\". رواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به، قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث، وهذا أحدها [صحيح البخاري / ح ٣٤١٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[قوم يس]:</span>\nوهم أصحاب القرية أصحاب \"يس\" قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ١٣ - ٢٩] اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية \"أنطاكية\" رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه، وكذا روي عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم. قال ابن =","vol":"1","page":388},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إسحاق: فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب، أنهم قالوا: وكان له ملك اسمه أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام. فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم: صادوق ومصدوق وشلوم، فكذبهم.\nوهذا ظاهر أنهم رسل من الله ﷿، وزعم قتادة أنهم كانوا رسلًا من المسيح، وكذا قال ابن جرير، عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين الأولين. شمعون، ويوحنا، واسم الثالث: بولس، والقرية أنطاكية.\nوهذا القول ضعيف جدًّا، لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بطارقة النصارى. وهن: أنطاكية، والقدس، والإسكندرية، ورومية، ثم بعدها القسطنطينية ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن. بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم وأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا ... والله أعلم.\nفأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح ضعيف لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله.\nقال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ يعني لقومك يا محمد ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ يعني المدينة ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي أيدناهما بثالث في الرسالة، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم، يستبعدون أن يبعث الله نبيًّا بشريًّا، فأجابوا بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام. ﴿وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي تشاءمنا بما جئتمونا به. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال، ويؤيد الأول قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وعدهم بالقتل والإهانة. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي مردود عليكم ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي بسبب أنا ذكرنا بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والإهانة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرسل وإظهار الإيمان بهم ﴿قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة. ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئًا لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه سواه. =","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>ذكر الخبر عن أَصحاب الكهف</span>\nوكان أصحابُ الكهف فتيةً آمنوا بربِّهم؛ كما وصفهم الله ﷿ به من\n_________\n= ثم قال مخاطبًا للرسل: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قيل: فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم، وقيل معناه: فاستمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة، فعند ذلك قتلوه، قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة، فلما رأى فيها من النضرة والسرور ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني: ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.\nقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته في قوله: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبي حاتم. وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحًا، لا يلقى غاشًّا، لما عاين ما عاين من كرامة الله. ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه! .\nقال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي وما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.\nهذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود، قال مجاهد وقتادة: وما أنزل عليهم جندًا، أي رسالة أخرى. قال ابن جرير: والأول أولى.\nقلت: وأقوى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي وما كنا نحتاج في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.\nأي قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف.\nوهذا كله مما يدل على أن القرية ليست أنطاكية، لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم، فلهذا قيل: إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح.\nفأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: \"السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى: يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى: صاحب يس، والسابق إلى محمد: علي بن أبي طالب\"، فإنه حديث لا يثبت، لأن حسينًا هذا متروك شيعي من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية .. والله أعلم. [الحديث أخرجه الطبراني ١١/ ١١١٥٢].","vol":"1","page":390},{"text":"صفتهم في القرآن المجيد؛ فقال لنبيِّه محمد - ﷺ -: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.\nوالرّقيم هو الكتاب الذي كان القوم الذين منهم كان الفتية كتبوه في لوحٍ بذكر خبرهم وقصصهم، ثم جعلوه على باب الكهف الذي أووْا إليه، أو نقروه في الجبل الذي أووْا إليه، أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلّفوه عندهم، \"إذ أوى الفتيةُ إلى الكهف\".\nوكان عددُ الفتية - فيما ذكر ابنُ عباس - سبعةً، وثامنهم كلبهم (١). (٢: ٥)\nحدَّثنا ابن بشّار، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس: ﴿ايَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، كانوا سبعة (٢). (٢: ٥).\nحدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ ابن عباس كان يقول: أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله تعالى؛ كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم (٣). (٢: ٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>يونس بن متى</span>\nفكان - فيما ذُكِر - من أهل قرية من قرى الموصِل يقال لها: نينَوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم يونس بالنهْي عن عبادتها، والأمر بالتوبة إلى الله من كفرهم، والأمر بالتوحيد، فكان من أمره وأمر الذين بُعِث إليهم ما قصّه الله في كتابه، فقال ﷿: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده حسن وانظر ما بعده.\n(٣) صحيح.\nقلنا: ذكر ابن كثير طرق هذا الأثر عن ابن عباس ثم قال: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة وهو موافق لما قدمنا (تفسير القرآن العظيم / ٢١٥٤).","vol":"1","page":391},{"text":"سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). (٢: ١١).\nحدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: خرج به - يعني الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبيّ المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء (٢). (٢: ١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>إرسال الله رسله الثلاثة</span>\nالذين ذكرهم في تنزيله، فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ ...﴾ الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم (٣). (٢: ١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>ذكر بقية خبر تُبّع أيام قباذ وزمن أنوشروان</span>\nحدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعْلبة بن أبي مالك القُرَظيّ، قال: سمعتُ إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدّث أنّ تُبّعًا لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حِمْير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلْها علينا وقد فارقت دينَنا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنّه دينٌ خير من دينكم، قالوا: فحاكمْنا إلى النار، قال: نعم - قال: وكانت باليمن فيما يزعُم أهل اليمن نارٌ تحكُم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم - فلما قالوا ذلك لتُبّع قال: أنصفتم، فخرج قومُه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما متقلّديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج النار منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادُوا عنها وهابوها، فذمَرهم مَنْ حضرهم من الناس، وأمروهم بالصّبر فصبروا،\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.","vol":"1","page":392},{"text":"حتى غشيتْهم وأكلت الأوثان وما قرّبوا معها، ومَنْ حمل ذلك من رجال حِمْير، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما تعرَق جباههما، لم تضرّهما، فأصفقت حِمْير عند ذلك على دينه؛ فمن هناك وعن ذلك كان أصلُ اليهوديّة باليمن (١). (٢: ١٠٨/ ١٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>ذكر مولد رسول الله - ﷺ </span>-\nحدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدّث عن المطّلب بن عبد الله بن قَيس بن محرمة، عن أبيه، عن جدّه، قال: ولدت أنا ورسول الله - ﷺ - عامَ الفيل (٢). (٢: ١٥٥).\nوحُدّثت عن يحيى بن معين، قال: حدَّثنا حجّاج بن محمد، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: وُلد رسول الله - ﷺ - عامَ الفيل (٣). (٢: ١٥٥).\nحدّثت عن إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبدُ العزيز بن أبي ثابت، قال: حدَّثنا الزُّبَيْر بن موسى، عن أبي الحُويرث، قال: سمعت عبدَ الملك بن مَرْوان يقول لقُباث بن أشْيَم الكِنانيّ اللّيثيّ: يا قباث، أنتَ أكبر أم رسول الله - ﷺ -؟ قال: رسول الله - ﷺ - أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد رسول الله - ﷺ - عامَ الفيل، ووقفت بي أميّ على روث الفيل محيلًا أعقله (٤). (٢: ١٥٦).\n_________\n(١) والخبر أخرجه ابن هشام (١/ ٢٧) وأبو مالك هذا مقبول عن ابن عمر وانظر البداية والنهاية ٢/ ٩٥.\n(٢) الحديث أخرجه أحمد (ح ٣٦٢٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٢) وأحمد (١٧٨٩١) وابن سعد في طبقاته (١/ ١٠١) ورجاله بين الثقة والصدوق والحديث حسن والله تعالى أعلم.\n(٣) بين الطبري وابن معين انقطاع إلا أن الحديث صحيح أخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٢) وصححه على شرط الشيخين وأخرجه الطبراني (١٢٤٣٢).\nوقال الهيثمي: رجاله موثوقون (مجمع الزوائد ١/ ١٩٦) والبيهقي (١/ ٧٥).\n(٤) قال الحافظ ابن كثير: نص عليه ابن إسحاق ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله - ﷺ - عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات، وهو المشهور عند الجمهور والله أعلم.","vol":"1","page":393},{"text":"حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان الكَلاعيّ، أنّ نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله، أخبرْنا عن نفسك، قال: نعم، أنا دَعْوَةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورَأتْ أمي حين حَمَلت بي أنَّه خرَج منها نورٌ أضاءَ لها قصورَ بُصْرى من أرْضِ الشام، واسْتُرْضِعْت في بني سعد بن بَكْر، فَبَينَا أنا مع أخٍ لي خلفَ بُيوتِنا نرعى بَهْمًا لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطسْتٍ من ذهب مملوءةٍ ثلجًا، فأخذاني، فشقّا بطني، ثم استخْرجا منه قلبي، فشقّاه فاستخرجا منه عَلَقَة سوداء، فَطَرَحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثَّلج حتى أنْقَيَاه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنْه بعشرة من أمّته، فَوَزَنني بهم فوزْنتهُم، ثم قال: زِنْهُ بمئةٍ من أمَّتِه، فوزَنَنِي بهم فَوَزَنْتُهم، ثم قال: زمنه بألف من أمَّتِهِ، فوزنني بهم فوزَنْتهُم، ثم قال: دعْه عنْك، فلو وَزَنتهُ بأمَّتِه لوَزَنَها (١). (٢: ١٦٥).\nذكر منْ قال ذلك:\nحدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدَّثني الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة: أن الرّوم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض. قال: وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعات، بها التقوْا فهُزمَت الرُّوم، فبلغ ذلك\n_________\n(١) قلنا: الحديث في سيرة ابن هشام هكذا كما عند الطبري (١/ ١٤٦) وأما شق صدره ﵇ وغسله (وهو صغير) فصحيح كما أخرج مسلم (الإيمان / ٢٦١) عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل - ﵇ - وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا إن محمدًا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال: إني كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. والحديث أخرجه أحمد (ح / ١٢٢٢١).\nوأورده البوصيري عن أبي يعلى بسنده إلى عتبة بن عبد أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادًا فقلت: يا أخي اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني. إلخ الحديث وفي آخره: قالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام. =","vol":"1","page":394},{"text":"النبيّ - ﷺ - وأصحابَه وهم بمكة؛ فشقَّ ذلك عليهم - وكان النبيّ - ﷺ - يكرَهُ أن يظهر الأمِّيُّون من المجوس على أهل الكتاب من الرّوم - وفرح الكفّار بمكَّة وشمِتوا، فلقوا أصحاب النبيّ - ﷺ -، فقالوا: إنَّكم أهل كتاب والنَّصارى أهل كتاب ونحن أمِّيُّون، وقد ظهر إخوانُنا من أهل فارس على إخوانكم من أهْل الكتاب، وإنَّكم إن قاتلتمونا لنظهرَّنَ عليكم؛ فأنزل الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ - إلى - ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، فخرج أبو بكْر الصدّيق إلى الكفّار فقال: أفرحتم بظهور إخْوانكم على إخْواننا! فلا تفرحوا ولا يقرّنَّ الله أعيُنكم، فوالله ليظْهَرَنَّ الرُّوم على فارس، أخبرنا بذلك نبيُّنا، فقام إليه أُبيّ بن خَلَف الجمحيّ، فقال: كذبتَ يا أبا فَصيل! فقال له أبو بكر: أنت أكذبُ يا عدوَّ الله! فقال: أناحبك! عشرَ قلائص منِّي، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرِمتُ، وإن ظهرت فارس غرِمتَ إلى ثلاث سنين، ثم جاءَ أبو بكر إلى النبيّ - ﷺ -، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرتُ، إنَّما البِضع ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، فزَايِدْه في الخطر ومادّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقيَ أبَيًّا فقال: لعلَّك ندمتَ، قال: لا، تعال أزايِدْك في الخطَر وأمادّك في الأجَل، فاجْعَلْها مئة قلوص إلى تسعِ سنين، قال: قد فعلْت (١). (٢: ١٨٤/ ١٨٥).\nحدّثني إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدَّثنا يحيى بن صالح، عن الحسن بن أيوب الحضرميّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن بُسْر، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"لتدركنّ قرنًا\"، فعاش مئة سنة (٢). (٢: ٢٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>ذكر رسول الله - ﷺ </span>-\nفتوفّي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين؛ كذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: وكان عبد المطّلب يوصي برسول الله - ﷺ - عَمّه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله - ﷺ - كانا لأمّ، فكان أبو طالب هو الذي يلِي أمرَ\n_________\n(١) هذا الخبر أخرجه الطبري هنا عن عكرمة مرسلًا، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(٢) صحيح.","vol":"1","page":395},{"text":"رسول الله - ﷺ - بعد جدّه، وكان يكون معه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشَّام تاجرًا، فلمّا تهيّأ للرحيل وأجمع السير ضَبّ به رسول الله - ﷺ - فيما يزعمون- فرقّ له أبو طالب، فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال: فخرج به معه، فلمّا نزل الركب بُصْرى من أرض الشأم، وبها واهب يقال له بَحِيرَى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النّصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قطّ واهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحِيرَى، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك أنه رأى رسول الله - ﷺ - وهو في صومعته، عليه غمامة تُظلّه من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظلّ شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشّجرة، وتهصّرت أغصان الشجرة على رسول الله - ﷺ -، حتى استظلّ تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعًا، فلما رأى بحِيرَى رسول الله - ﷺ - جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جَسده قد كان يجدُها عنده من صفته. فلما فرغ القوم من الطّعام وتفرّقوا، سأل رسول الله - ﷺ - عن أشياء في حاله؛ في يقَظتِهِ وفي نومه، فجعل رسول الله - ﷺ - يُخبِرُه فيجدُها بَحيرى موافقةً لما عنده من صِفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتَم النبوّة بين كَتِفَيه، ثم قال بَحِيرى لعمّه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بَحِيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حَيًّا. قال: فإنه ابنُ أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمّه حُبْلى به، قال: صدقتَ، ارجع به إلى بلدك، واحذَرْ عليه يَهُود؛ فوالله لِئنْ رأوه وعرفوا منه ما عرفْتُ، ليبغُنَّه شرًّا، فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده، فخرج به عمّهُ سريعًا حتى أقدمه مكَّة.\nوقال هشام بن محمَّد: خرج أبو طالب برسول الله - ﷺ - إلى بُصْرَى من أرْضِ الشأم؛ وهو ابنُ تسع سنين (١). (٢: ٢٧٧).\nحدّثني العباس بن محمد، قال: حدَّثنا أبو نوح، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، قال: خرج\n_________\n(١) صحيح.","vol":"1","page":396},{"text":"أبو طالب إلى الشأم، وخرج معه رسول الله - ﷺ - في أشْيَاخ من قُريش، فلما أشرفُوا على الرّاهب هَبطُوا فحلُّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب - وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلُّون رحالهم؛ فجعل يتخلَّلُهُم حتى جاء فأخَذ بيد رسول الله - ﷺ -، فقال: هذا سيّدُ العالمين، هذا رسولُ ربّ العالمين؛ هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخ قُريش: ما عَلّمَك؟ قال: إنّكم حين أشرفتم من العَقَبة لم تبق شَجرَة ولا حَجَر إلّا خَرّ ساجدًا؛ ولا يسجدون إلا لنبيّ، وإني أعرِفه بخاتَم النبوّة، أسفلَ من غُضْروفِ كتفه مثل التّفاحة.\nثم رجع فصَنَع لهم طعامًا، فلما أتاهم به كان هو في رِعْيَة الإبل. قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غَمامة، فقال: انظروا إليه؛ عليه غمامة تُظلُّه! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه؛ قال: فبينما هو قائم عليهم؛ وهو يناشدُهم ألّا يذهبوا بهِ إلى الرّوم؛ فإنّ الرّوم إن رأوْه عرفوه بالصّفة فقتلوه؛ فالتفتَ فإذا هو بسبعة نفرٍ قد أقبلوا من الرُّوم؛ فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أنّ هذا النبيّ خارج في هذا الشهر، فلم يبقَ طريق إلا بُعِثَ إليها ناس، وإنا اخْترْنا خيرةَ بعثِنا إلى طريقك هذا؛ قال لهم: هل خَلَّفتم خَلْفَكُم أحدًا هو خَيرٌ منكم؟ قالوا: لا؛ إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضِيَه، هل يستطيع أحد من الناس رَدّه! قالوا: لا؛ فتابعوه وأقاموا معه، قال: فأتاهم، فقال: أنشدكم الله، أيّكم وليّه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزلْ يناشِده حتى ردّه، وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالًا، وزوّده الراهب من الكَعْك والزّيت (١). (٢: ٢٧٨/ ٢٧٩).\n_________\n(١) قلنا: الحديث أخرجه الترمذي من طريق أبي نوح هنا وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال الجزري: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح أو أحدهما وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ وعدّه أئمتنا وهمًا فإن سن النبي - ﷺ - إذ ذاك اثنا عشر سنة وأبو بكر أصغر منه بسنين وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت.\nقلنا: والحديث أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يوافقه الذهبي وقال: أظنه موضوعًا وبعضه باطل، وقال ابن كثير: وهكذا رواه غير واحد من الحفاظ من حديث أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي ويقال الضبي ويعرف بقراد سكن بغداد، وهو من =","vol":"1","page":397},{"text":"حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق عن محمّد بن عبد الله بن قيس بن مخْرمة، عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن جَدّه عليّ بن أبي طالب، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ -، يقول: ما هممتُ بشيء ممّا كان أهلُ الجاهليّة يعملون به غيرَ مرَّتين، كلّ ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك. ثمّ ما هممتُ بسوء حتى أكرَمنِي الله ﷿ برسالته؛ فإنّي قد قلت ليلة لغلامٍ من قريش كان يرعى مَعِي بأعلى مكة: لو أبصرتَ لي غَنَمِي حتى أدخلَ مكّة، فأسمرَ بها كما يسمُر الشباب! فقال: أفعل؛ فخرحتُ أريد ذلك؛ حتى إذا جئتُ أوّلَ دارٍ من دُور مكّة، سمعت عَزْفًا بالدّفوف والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان بن فلان تزوّج بفلانة بنت فلان. فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمْت فما أيقظني إلّا مَسّ الشمس؛ قال: فجئت صاحِبِي، فقال: ما فعلت؟ قُلت: ما صنعت شيئًا، ثم أخبرتُه الخبر. قال: ثم قلتُ له ليلةً أخرى مثلَ ذلك، فقال: أفعل، فخرجتُ فسمعتُ حين جئت مكّة مثلَ ما سمعت حين دخلتُ مكّة تلك اللّيلة، فجلستُ أنظر، فضرب الله على أذني؛ فوالله ما أيقظني إلّا مَسُّ الشمس؛ فرجعت إلى صاحبي فأخبرتُه الخبر. ثم ما هممتُ بعدها بسوء حتى أكرمني الله ﷿ برسالته (١). (٢: ٢٧٩).\n_________\n= الثقات الذين أخرج لهم البخاري، ووثقه جماعة من الأئمة الحفاظ، ولم أر أحدًا جرحه مع هذا، وفي حديثه هذا غرابة. وقال ابن حجر: رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه اللفظة فيحتمل أنها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته.\nقلنا: ولقد ذكر ابن كثير ما في هذه الرواية من الغرائب في البداية والنهاية، وحكم الذهبي على بطلان هذا الحديث في ميزان الاعتدال.\n(١) إسناده ضعيف والحديث حسن صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٥) وصححه على شرط مسلم وقال الهيثمي رواه البزار ورجاله ثقات (المجمع ٨/ ٢٦٦).\nقلنا: والحديث ذكره ابن كثير برواية البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن قيس به ...\nثم قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدًّا (البداية والنهاية ٢/ ٢٤٨. ط. دار الفكر).\nقلنا: والحديث ضعفه المحدث الألباني وعقب على تصحيح الحاكم له على شرط مسلم ووافقه الذهبي لهذا التصحيح قائلًا (أي الألباني):\nوهو وهم منه لأمرين: =","vol":"1","page":398},{"text":"واختلف السَّلَف في سنّ رسول الله - ﷺ - حين نُبّئ كم كانت؟ فقال بعضهم: نُبّئَ رسول الله - ﷺ - بعدما بنتْ قريش الكعبة بخمس سنين؛ وبعدما تمّت له من مولده أربعون سنة.\nذكر من قال ذلك:\nحدّثني محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدَّثنا حمّاد بن سلَمة، قال: حدَّثنا أبو جَمْرة الضّبْعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسول الله - ﷺ - لأربعين سنة (١). (٢: ٢٩٠).\nحدَّثنا عمرو بن علي وابن المثَنّى، قالا: حدَّثنا يحيى بن محمّد بن قيس قال: سمعتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أنّ رسولَ الله - ﷺ - بُعث على رأس أربعين (٢). (٢: ٢٩١).\nحدَّثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدَّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - بُعث على رأس أربعين (٣). (٢: ٢٩١).\nحدّثني ابنُ عبد الرحيم البرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سلَمة، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدّثني أنس بن مالك، أنّ رسول الله - ﷺ - بُعث على رأس أربعين (٤). (٢: ٢٩١).\n_________\n= - الأول: أن ابن إسحاق إنما يروي له مسلم مقرونًا بغيره كما ذكر الذهبي نفسه في الميزان والحاكم لم يروه عنه مقرونًا بغيره كما ترى فليس هو على شرط مسلم.\n- الثاني: أن محمدًا بن عبد الله بن قيس ليس بمشهور العدالة فلم يوثقه غير ابن حبان، وتوثيقه عندما ينفرد به لا يوثق به لأن من قاعدته أن يوثق المجهولين كما أفاده المحققون كالحافظ ابن حجر في اللسان.\n(١) قلنا: في إسناده حماد بن سلمة لما كبر ساء حفظه وبقية رجاله ثقات وآدم وأبو جمرة من رجال الصحيح والحديث صحيح كما سيأتي بعد قليل.\n(٢) حديث أنس حديث صحيح وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس (ح ٣٥٤٧) وفيه (أنزل عليه وهو ابن أربعين) وكذلك (ح ٣٥٤٨).\n(٣) حديث صحيح.\n(٤) ضعيف.","vol":"1","page":399},{"text":"حدثني أبو شُرَحْبيل الحِمْصيّ، قال: حَدّثني أبو اليمان، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن يحيى بن سعيد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: أنزل على النبيّ - ﷺ - وهو ابن أربعين (١) (٢: ٢٩١).\nحدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حَمّاد، قال: حدَّثنا عَمْرو بن دينار، عن عُروة بن الزُّبَير، قال: بُعِث رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربعين (٢). (٢: ٢٩١).\nحدثنا ابن المثنّى، قال: حَدّثنا الحجاج، عن حَمّاد، قال: أخبَرنا عمرو، عن يحيى بن جَعْدة، أنّ رسول الله - ﷺ - كما قال لفاطمة: إنّه كان يُعْرَض عليّ القرآن كل عام مَرّة؛ وإنه قد عُرِض عليَّ العامَ مرتين؛ وإنه قد خُيِّلَ إليّ أن أجَلِي قد حضر؛ وأنّ أوَّلَ أهلي لحاقًا بي أنتِ؛ وإنه لم يُبعث نبيّ إلّا بُعِث الذي بعده بنصفٍ من عمره، وبعث عيسى لأربعين، وبعثتُ لعشرين\" (٣). (٢: ٢٩١).\nحدثني عبيد الله بن محمد الورّاق، قال: حدَّثنا روْح بن عبادة، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسول الله - ﷺ - لأربعين سنة، فمكَثَ بمكّة ثلاث عشرة سنة (٤). (٢: ٢٩٢).\nحدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو أسامة ومحمّد بن ميمون الزّعفرانيّ، عن هشام بن حسّان، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث رسول الله - ﷺ - وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكَث بمكّة ثلاث عشرة سنة (٥). (٢: ٢٩٢).\n* * *\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) صحيح.\n(٥) صحيح.","vol":"1","page":400},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ\nالسيرة النبوية\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجلّد الثاني\nدَار ابْن كَثير\nدمشق- بَيروت","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":2},{"text":"صحيحُ تاريخ الطبري\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>السيرة النبوية</span>","vol":"2","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>ذكر اليوم الذي نُبّئ فيه رسول الله - ﷺ - من الشهر الذي نُبِّيء فيه وما جاء في ذلك</span>\n١ - قال أبو جعفر: صَحّ الخبرُ عن رسول الله - ﷺ - بما حدَّثنا به ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن غَيلان بن جرير، أنه سمع عبد الله بن معبد الزِّمّانيّ، عن أبي قتَادة الأنصاريّ، أن رسول الله - ﷺ - سئل عن صوم الإثنين، فقال: ذلك يوم وُلدتُ فيه، ويوم بعثتُ -أو أنزل عليّ- فيه (١). (٢: ٢٩٣).\n٢ - حدَّثنا أحمد بن منصور، قال: حدَّثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدَّثنا أبو هلال، قال: حدَّثنا غَيلان بن جرير المَعْوَليّ قال: حدَّثنا عبد الله بن معبد الزِّمّانيّ، عن أبي قَتادة، عن عمر ﵀ أنه قال للنبيّ - ﷺ -: يا نبيّ الله، صومُ يوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدتُ فيه، ويوم أنزلت عليّ فيه النبوّة (٢). (٢/ ٢٩٣).\n_________\n(١) رجال هذا الإسناد رجال الصحيحين، غير عبد الله بن معبد، فلم يروّه البخاري وقال في الكبير (٥ / ت ٦٢٢): لا نعرف سماعه من أبي قتادة. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٥/ ٥١): حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (واللفظ) لابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزِّماني عن أبي قتادة الأنصاري. مرفوعًا، ولكن بصيغة أطول مما ذكره الطبري.\nوأخرجه أيضًا (٥/ ٥٢) ولكن مختصرًا كما رواه الطبري، فقال مسلم: ثني زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن مهدي بن ميمون عن غيلان عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن صوم الإثنين فقال: فيه وُلدت وفيه أنزل عليَّ. اهـ.\nوخلاصة القول أن الحديث صحيح والله أعلم.\n(٢) رجال هذا الإسناد ثقات غير أبي هلال البصري وهو محمد بن سليم ضعفه غير واحد. وخلاصة القول فيه ما قاله ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٨٣): والذي أميل إليه في أبي =","vol":"2","page":5},{"text":"٣ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدَّثنا موسى بن داود، عن ابن لَهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الضَنْعانيّ، عن ابن عباس، قال: ولد النبيّ - ﷺ - يوم الإثنين، واستنبِئ يوم الإثنين (١).\nقال أبو جعفر: وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم. (٢: ٢٩٣).\nوقال آخرون: بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلَتْ منه.\nذكر من قال ذلك:\n٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني مَنْ لا يُتّهم عن سَعِيد بن أبي عروبة، عن قتَادة بن دعامة السدُوسيّ، عن أبي الجلد، قال: نزَل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خَلَتْ من رمضان (٢). (٢: ٢٩٤)\n_________\n= هلال الراسبي ترك ما انفرد به من الأخبار التي خالف فيها الثقات، والاجتماع بما وافق الثقات وقبول ما انفرد به من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات التي ليس فيها مناكير. اهـ. قلنا: وقد وافق على هذه الرواية كما سبق شعبة (أمير المؤمنين في الحديث). والحديث صحيح كما سبق أن ذكرنا في (تخريج) الخبر السابق والله أعلم.\n(١) هذا حديث صحيح وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا لضعف شيخ الطبري ابن حميد الرازي، ولجهالة الراوي بين ابن إسحاق وسعيد بن أبي عروبة وضعف سلمة بن الفضل والله أعلم.\nولكن أخرج الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٠٧): حدثنا عبد الله ثني أبي ثنا أبو سعيد مولى ابن هاشم ثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله - ﷺ - قال: أنزلت صحف إبراهيم - ﵇ - في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لستٍّ مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة خلت لمن رمضان وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان.\nورجال إسناد أحمد ثقات سوى أن قتادة عنعن هنا وهو من الطبقة الثالثة من المدلسين، وهؤلاء لا يحكم على روايتهم بالاتصال إلا إذا صرحوا بالتحديث. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٥ / ح ١٨٥).\nوأخرجه أبو عبيد في فضائله (٣٤٤) عن واثلة من طريق آخر وأخرجه ابن عساكر (٢/ ٣٣٢، ٥/ ٧٠٦) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهذا طريق منقطع ولكن الذهبي وابن حجر وغيرهما لم يعتبرا ذلك قادحًا لأن الواسطة بين علي وابن عباس ثقة معروف وهو التابعي الجليل مجاهد وكذلك أثنى أحمد على هذه الطريق. =","vol":"2","page":6},{"text":"وقال آخرون: بل نزل لسبعَ عشرة خَلتْ من شهر رمضان؛ واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله ﷿: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ وذلك مُلتقَى رسول الله - ﷺ - والمشركين ببدْر؛ وأنّ التقاء رسول الله - ﷺ - والمشركين ببدْر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان. (٢: ٢٩٤).\nقال أبو جعفر: وكانَ رسول الله - ﷺ - من قبل أن يظهرَ له جبريل ﵇ برسالة الله ﷿ إليه - فيما ذكر عنه- يرى ويعاين آثارًا وأسبابًا من آثار مَنْ يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله؛ فكان مِنْ ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن المَلكَين اللذين أتياه فشقّا بطنه، واستخرجا ما فيه من الغِلّ والدَّنس؛ وهو عند أمّه من الرضاعة حَليمة (١)، ومن ذلك أنه كان إذا مَرّ في طريق لا يمرّ - فيما ذكر عنه - بشجرٍ ولا حَجَر فيه إلّا سلّم عليه (٢). (٢: ٢٩٤ - ٢٩٥).\n٥ - حدّثني الحارث بن محمّد، قال: حدَّثنا محمّد بن سعد، قال: أخبرَنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا عليّ بن محمّد بن عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمّه، عن بَرّة بحْت أبي تجراة، قالت: إنّ رسول الله - ﷺ - حين أراد الله كرَامته وابتداءه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبْعَدَ حتى لا يرى بيتًا، ويفضي إلى الشِّعَاب وبطون الأوْدية، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شجرة إلّا قالت: السّلام عليك يا رسولَ الله، فكان يلتفِتُ عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدًا (٣). (٢: ٢٩٥).\n_________\n= قلنا: فالحديث بمجموع طرقه يرقى إلى الحسن والله أعلم.\n(١) سيأتي تخريج أحاديث شق الصدر في (٢/ ٣٠٥).\n(٢) سيأتي ذكر الأحاديث في ذلك فيما يلي من هذا الجزء.\n(٣) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح بشواهده وسنذكر ما ورد في الباب:\n١ - أخرجه كذلك ابن سعد (١/ ١٥٧) من طريق الواقدي وهو ضعيف.\n٢ - وكذلك أخرجه أبو نعيم. (الخصائص ١/ ١٩٨).\n٣ - أخرج البزار وأبو نعيم عن عائشة مرفوعًا: لما أوحى الله تعالى إليَّ جعلت لا أمرُّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. وأشار الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٠) إلى ضعف رواية البزار.\n٤ - وعن علي قال: خرجت مع النبي - ﷺ - فجعل لا يمرُّ على حجر ولا شجر إلا سلم عليه.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والتابعي أبو عمار الحواني. =","vol":"2","page":7},{"text":"٦ - قال أبو جعفر: وكانت الأمم تتحدّث بمبعثه وتخبر علماء كلّ أمة منها قومها بذلك؛ وقد حَدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدّثني عليّ بن عيسى الحكميّ، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، قال: سمعت زيد بن عمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطّلب ولا أراني أدركه؛ وأنا أؤمن به وأصدّقه، وأشهد أنه نبيّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته، فأقرئه منِّي السلام، وسأخبرك ما نَعْتُه حتى لا يخفى عليك! قلت: هَلمّ، قال: هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوّة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولدهُ ومبعثه، ثم يخرِجه قومه منها، ويكرَهون ما جاء به، حتى يهاجرَ إلى يثرب فيظهرُ أمرُه؛ فإيّاك أن تُخدَعَ عنه، فإنّي طُفْت البلادَ كُلّها أطلب دين إبراهيم، فكلّ من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدّين وراءك، وينعتونه مثل ما نعتهُ لك؛ ويقولون: لم يبق نبيٌّ غيره.\nقال عامر: فلمّا أسلمت أخبرتُ رسول الله - ﷺ - قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السّلام، فردّ عليه رسول الله - ﷺ -؛ وترحّم عليه، وقال: قد رأيتُه في الجنّة يسحب ذيولًا (١). (٢: ٢٩٥/ ٢٩٦).\n_________\n= ٥ - أخرج مسلم في صحيحه كتاب الفضائل (ح: ٢٢٧٧) عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ - إنّي لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبْعث.\n٦ - أخرج الطيالسي وأبو نعيم من طريق يزيد بن بابنوس عن عائشة حديثًا مرفوعًا وفيه أن الحجر والشجر كانا يسلِّمان عليه (١/ ٩٦).\n(١) إسناده ضعيف فهو من طريق الواقدي وأخرجه ابن سعد في طبقاته (١/ ١٦١) من الطريق نفسه وله متابعة عند ابن سعد أيضًا (١/ ١٦٢) ولكن باختصار عن هذه الرواية وفيه قال زيد بن عمرو بن نفيل: شاعت النصرانية واليهودية فكرهتهما، فكنت بالشام وما ولاه حتى أتيت راهبًا في صومعة فوقفت عليه، فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية، فقال لي: أراك تريد دين إبراهيم! يا أخا أهل مكة إنك لتطلب دينًا ما يؤخذ اليوم به، وهو دين أبيك إبراهيم! كان حنيفًا ولم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك فالحق ببلدك، فإن نبيًّا يبعث من قومك في بلدك يأتي بدين إبراهيم لي الحنيفية وهو أكرم الخلق على الله. اهـ. =","vol":"2","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي سند الرواية السابقة (رواية ابن سعد): أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي، عن إسماعيل بن مجالد، عن مجالد الشعبي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل، به.\n- علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف (أبو الحسن المدائني القرشي صاحب التصانيف).\nقال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث (الكامل ٥/ ٢١٣ ت ١٣٦٦).\nوقال ابن معين: ثقة ثقة ثقة. كما في لسان الميزان (٥/ ٨١ ت ٥٩٤٥) وقال الطبري: كان عالمًا بأيام الناس صدوقًا في ذلك (المصدر السابق).\n- إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني الكوفي نزيل بغداد أخرج له البخاري والترمذي. (تهذيب الكمال ٣/ ١٨٤ ت ٤٧٥).\nقال أحمد بن حنبل: ما أراه إلا صدوقًا. (تأريخ بغداد ٦/ ٢٤٦).\nوقال ابن معين: ليس به بأس (الجرح والتعديل ١/ ١ / ٢٠٠) وقال في رواية أخرى: ثقة (تاريخ الدوري ٢/ ٣٧).\nوقال أبو زرعة: ليس هو ممن يكذب هو وسط (المرجع السابق).\nوقال البخاري: صدوق (الميزان ١/ ٢٤٦ / ت ٩٣٠) وقال الدارقطني: ليس فيه شك أنه ضعيف (المصدر السابق).\nوقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة صدوقًا وليتني كتبت عنه (ثقات ابن شاهين / بشار و٣).\nوقال ابن عدي في الكامل (١/ ٣٢٠ / ت ١٤٣): وإسماعيل هذا قد حدّث عنه يحي بن معين وقد وثقه وهو خير من أبيه مجالد يكتب حديثه. اهـ.\nوقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ (١/ ٧٣ / ت ٥٤٤).\nقلنا: والقول ما قاله الذهبي في الكاشف (١/ ١٢٨) صدوق والله أعلم.\n- مجالد بن سعيد بن عمير الكوفي والد إسماعيل بن مجالد (تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٢ / ت ٦٣٨).\nقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يروي عنه شيئًا (كتاب الضعفاء الصغير / ت ٣٦٨) وقال ابن صعين: لا يحتج بحديثه (تأريخ الدوري ٢/ ٥٤٩) وقال أيضًا: مجالد ضعيف واهي الجديث (الجرح والتعديل ٤/ ١ / ٣٦٢).\nقال الحافظ المزي: روى له مسلم مقرونًا بغيره والباقون سوى البخاري (تهذيب الكمال- الموضع السابق).\nوقال الحافظ في التقريب (٢/ ٢٢٩ / ت ٩١٩): ليس بالقوي وقد تغيَّر.\nفي آخر عمره. من صغار السادسة.\nقلنا: وهو كما قال ابن حجر.\nفالسند ضعيف لضعف مجالد بن سعيد وفيه انقطاع وله شاهد بنحوه أخرجه البخاري في صحيحه (مناقب الأنصار / ح ٣٨٢٧). =","vol":"2","page":9},{"text":"٧ - حدّثني أحمد بن سنان القطان الواسطي، قال: حدَّثنا أبو معاوية قال: حدَّثنا الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عبّاس، أنّ رجلًا من بني عامر أتَى النبيّ - ﷺ -، فقال: أرني الخاتَم الذي بين كتفيك؛ فإن يَكُ بك طِبٌّ داويتُك؛ فإني أطبّ العرب، قال: أتحبّ أن أريكَ آية؟ قال: نعم؟ ادعُ ذاك العذْق، قال: فنظر إلى عذْق في نخلة، فدعاه فجعلَ ينقُز؛ حتى قام بين يديه، قال: قل له فليرجعْ، فرجع، فقال العامريّ: يا بني عامر، ما رأيتُ كاليوم أسحر (١)! (٢: ٢٩٧).\nقال أبو جعفر: والأخبار عن الدلالة على نبوته - ﷺ - أكثر من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله.\n(٢: ٢٩٧). ونرجع الآن إلى:\n_________\n= والشاهد الآخر (ح ٣٨٢٨) معلقًا. ووصله الحاكم (٣/ ٤٤٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nقلنا: بل أخرجاه كما سبق في الحديث (٣٨٢٧).\n(١) رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. غير أن الأعمش (سليمان بن مهران) مدلِّس ذكره الحافظ ابن حجر في الطبقة الثانية من المدلسين (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس [٦٧ / ت ٥٥ (٢٢)] وكما هو معلوم فإن أصحاب المرتبة الثانية أو الطبقة الثانية من المدلسين حسب تصنيف الحافظ هم الذين احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح لإمامتهم وقلة تدليسهم في جنب ما رووا.\nوقال الذهبي في ترجمته: متى قال حدثنا فلا كلام (ويعني الذهبي الحكم على روايته بالاتصال) ومتى قال (عن) تطرّق إليه التدليس إلّا في شيوخ أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا المصنف محمولة على الاتصال (الميزان ٢/ ٢٢٤ / ت ٣٥١٧).\nقلنا: ولعل روايته هذه (عن أبي ظبيان) متصلة للأسباب التالية:\n١ - لم يذكر أبا ظبيان في الذين دلّس عنهم الأعمش.\n٢ - العلّة في الذين أكثر عنهم فقد رمز الحافظ المزي بأن روايته عن أبي ظبيان عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وغيرهم.\nوأخرج البخاري في صحيحه (٨/ ٣٨٢ / ٤٧٠٦ الفتح) رواية الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس معنعنًا وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٨٣): وليس له في البخاري عن ابن عباس سوى هذا الحديث. وانظر تحفة الأشراف (٤/ ٣٧٨ / ٣٧٩).\n٣ - إذا كان الأعمش من الطبقة الثانية فهو من احتمل الأئمة تدليسهم خلا الذين عرفوا بتدليس الأعمش عنهم- والله أعلم.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>ذكر الخبر عمّا كان من أَمر نبيِّ الله - ﷺ - عند ابتداء الله تعالى ذكره إيّاه بِإكرامه بِإرسال جبريل ﵇ إِليه بوحيه</span>\n٨ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ بعضَ الأخبار الواردة عن أوّل وقت مجيء جبريل نبينا محمّدًا - ﷺ - بالوحْي من الله، وكم كان سنّ النبيّ - ﷺ - يومئذ؛ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربّه.\nفحدّثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ النُّعمان بن راشد، يحدّث عن الزّهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: كان أوّل ما ابتدئ به رسول الله - ﷺ - من الوَحْي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثلَ فَلَق الصبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزوّد لمثلها؛ حتى فجأه الحقّ، فأتاه، فقال: يا محمّد، أنتَ رسول الله! قال رسول الله - ﷺ -: فجثوْتُ لركبتي وأنا قائم، ثمّ زحفتُ ترجُفُ بوادِرِي، ثمّ دخلت على خديجة، فقلت: زمّلوني، زمّلوني! حتى ذهب عني الرَّوْع، ثم أتاني فقال: يا محمّد، أنت رسولُ الله. قال: فلقد هممت أن أطرَح نفسي من حَالِتي من جبل، فتبدَّى لي حين همصت بذلك، فقال: يا محمّد، أنا جبريل، وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغطَّني ثلاث مرات، حتى بلغ منّي الجهد، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأتُ. فأتيتُ خديجة. فقلت: لقد أشفقتُ على نفسي، فأخبرتها خبرِي، فقالت: أبشِرْ، فوالله لا يُخزِيكَ الله أبدًا؛ ووالله إنّك لتَصِلُ الرَّحم، وتصدقُ الحديث، وتؤدّي الأمانة، وتحملُ الكَلَّ وتَقْرِي الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، ثم انطلقتْ بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموسُ الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جَذَعٌ! ليتني أكون حيًّا حينَ يخرجُك قومُك! قلت: أمُخْرِجيَّ هم؟ قال: نعم؛ إنه لم يجئ رجُلٌ قطُّ بما جئتَ به إلّا عُودِيَ، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا (١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، والحديث صحيح ما عدا الزيادة: \"ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن .... ﴿وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى﴾ \".","vol":"2","page":11},{"text":"\"ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد \"اقرأ\" ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، و﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ \" (٢: ٢٩٨/ ٢٩٩).\n٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حَدّثني عُرْوة، أنّ عائشة أخبرته. ثم ذكر نحوه؛ غير أنه لم يَقُلْ: \"ثم كان أوّل ما أنزل عليّ من القرآن\" (١). إلى آخره. (٢: ٢٩٩).\n١٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني وهب بن كَيسان مولى آل الزُّبَيْر، قال: سمعتُ عبدَ الله بن الزُّبير، وهو يقول لعُبيد بن عمير بن قَتَادة الليثيّ: حدِّثنا يا عُبَيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله - ﷺ - من النبوّة حين جاء جبريل ﵇؟ فقال عُبيد -وأنا حاضر يحدّث عبد الله بن الزُّبير ومَنْ عنده من النّاس-: كان رسول الله - ﷺ - في حراء من كلِّ سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنّثُ به قريش في الجاهلية -والتحنث: التبرّر- وقال أبو طالب:\n\"وَرَاقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونَازِل\"\nفكان رسول الله - ﷺ - يجاورُ ذلك الشهر من كلّ سنة، يطعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى رسول الله - ﷺ - جواره من شهره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به -إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخُل بيته، فيطوف بها سبعًا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله ﷿ فيه\n_________\n= ولقد أخرجه غير واحد منهم البخاري الذي أخرجه في صحيحه (باب (١) بدء الوحي ح ٣، البغا) من طريق عقيل عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة بها ﵂ مع بعض الاختلاف في الألفاظ وفي رواية البخاري وصف أكثر لورقة بن نوفل (ابن عم خديجة وكان امرأً تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك ... إلخ الحديث).\nوكذلك أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بدء الوحي رقم (١٦٠) والله أعلم.\n(١) إسناده صحيح، وهو حديث صحيح كما مر بنا (أخرجه البخاري ومسلم).","vol":"2","page":12},{"text":"ما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله - ﷺ - إلى حِرَاء -كما كان يخرج لجواره- معه أهله؛ حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله - ﷺ -: فجاءني وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتّني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي؛ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرفَ عنّي وهببْت من نومي؛ وكأنّما كتب في قلبي كتابًا.\nقال: ولم يكن من خَلْق الله أحدٌ أبغضَ إليّ من شاعر أو مجنون؛ كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبْعَدَ -يعني نفسه- لشَاعر أو مجنون، لا تحدّث بها عنّي قريش أبدًا! لأعمدنّ إلى حَالِقٍ من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحنّ.\nقال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمّد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعتُ رأسي إلى السّماء؛ فإذا جبْرئيلُ في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمّد، أنت رسول الله وأنا جبرئيل. قال: فوقفت أنظرُ إليه، وشغلني ذلك عمّا أردت؛ فما أتقدّم وما أتأخّر، وجعلت أصرفُ وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلتُ واقفًا ما أتقدّم أمامي، ولا أرجع ورائي؛ حتى بعثتْ خديجة رسلَها في طلبي؛ حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعًا إلى أهلي؛ حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذِها مُضيفًا فقالت: يا أبا القاسم؛ أين كنت؟ فوالله لقد بعثتُ رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. قال: قلت لها: إنَّ الأبْعَدَ لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم! ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منكَ من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك! وما ذاك يا بن عمّ! لعلّك رأيت شيئًا؟ قال: فقلت لها: نعم. ثمّ حدّثتُها بالذي رأيت؛ فقالت: أبشرْ يابن عمّ واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها،","vol":"2","page":13},{"text":"ثم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل بن أسد - وهو ابن عمّها، وكان ورقة قد تنصّر وقرأ الكتب، وسمع من أهلِ التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله - ﷺ - أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قُدُّوس، قُدُّوس! والذي نفس ورَقَة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه النّاموس الأكبر -يعني بالنّاموس جبْرئيل ﵇ الذي كان يأتي موسى- وإنه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له فليثبُتْ. فرجعت خديجة إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبرته بقول ورقة، فسهَّل ذلك عليه بعضَ ما هو فيه من الهمّ، فلما قضى رسول الله - ﷺ - جواره، وانصرف صنع كما كان يصنع؛ وبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيَه ورقة بن نوفل، وهو يطوفُ بالبيت، فقال: يابن أخي، أخبِرْني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله - ﷺ -، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبيّ هذه الأمّة، ولقد جاءك النّاموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتُكذبنَّهْ ولتؤذينَّهْ، وَلتُخرَجنَّهْ، ولتقاتلنّهْ؛ ولئن أنا أدركتُ ذلك لأنصرنّ الله نصرًا يعلمُه. ثم أدنى رأسَه فقبّل يافُوخه، ثم انصرف رسول الله - ﷺ -، إلى منزله (١). (٢: ٣٠٠/ ٣٠١ / ٣٠٢).\n١١ - حدثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حَدّثنا عليّ بن المبارك، عن يحيى -يعني ابن أبي كثير- قال: سألتُ أبا سلمة: أيّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾! فقال أبو سلمَة: سألتُ جابرَ بن عبد الله: أيُّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فقال: لا أخبرك إلّا ما حدَّثنا النبيّ - ﷺ -، قال: جاورتُ في حِرَاء، فلما قضيتُ جِواري، هبطتُ فاستبطنت الوادي، فنوديتُ، فنظرتُ عن يميني وعن شمالي، وخلْفي وقُدّامي، فلم أرَ شيئًا، فنظرتُ فوقَ رأسي، فإذا هو جالسٌ عَلَى عرشٍ بين السّماء والأرض، فخشيتُ منه - قال\n_________\n(١) إسناده ضعيف ورواه بطوله ابن هشام في سيرته (١/ ٢٩٨ - ٣٠٢).\nقال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي - وهذا إسناد مرسل صحيح - وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. وعبيد هذا ذكر مسلم أنه ولد على عهد النبي. وقال البخاري: رأى النبي - ﷺ - كما في التراجم وإذا كان ذلك كذلك فالحديث متصل السند، وكذلك رواه الطيالسي من طريق آخر وهو منقطع لجهالة التابعي الذي رواه عن عائشة (منحة المعبود ٢/ ٨٧).\nقلنا: والحديث حسن بمجموع طرقه والله أعلم.","vol":"2","page":14},{"text":"ابن المثنّى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو \"فجُئثت منه\" (١) فلقيتُ خديجة، فقلت: دَثِّروني، فدَثّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، وأنزل عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٢: ٣٠٣ - ٣٠٤).\n١٢ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كَثير، قال: سألتُ أبا سلَمة عن أوّلِ ما نزل من القرآن، قال: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل، قال: قلت: إنّهم يقولُون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ خَلَقَ﴾، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما حدَّثنا رسول الله - ﷺ -، قال: جاورتُ بحراء، فلمَا قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتًا، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خَلْفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، قال: فدثَّرُوني وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٢). (٢: ٣٠٤).\n١٣ - حدّثني أحمد بن محمد بن حبيب الطّوسي، قال: حدَّثنا أبو داود الطيالسيّ، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القُرشيّ، قال: أخبرني عمر بن عروة بن الزبير، قال: سمعتُ عروة بن الزبير يحدِّث عن أبي ذَرّ الغِفَاريّ\n_________\n(١) إسناده صحيح وسيأتي الحديث عنه في الرواية التالية.\n(٢) إسناده صحيح وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير به (ح ٤٩٢٢) ومسلم مع اختلاف في اللفظ (ح ١٦١).\nوهذه الرواية تفيد أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل من القرآن، ويعارضه ظاهرًا الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم والطبري وغيرهم أن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ هو أول لما نزل من القرآن وهو قول الجمهور كما قال ابن كثير، وقد جمع العلماء بين الروايتين -ومنهم الزركشي- جمعًا حسنًا فقالوا: أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وأول سورة نزلت هي سورة المدثر. وعند الإمام رواية تزيل هذا التعارض الظاهر (المسند ٣/ ٣٢٥) [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض فَجُئِثْتُ منه فرقًا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت لهم زملوني، زملوني، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. ثم حمي الوحي وتتابع].\nوالحديث أخرجه كذلك البخاري في صحيحه (ح ٤٩٢٦) ومسلم (ح / ١٦١).","vol":"2","page":15},{"text":"قال: قلتُ: يا رسولَ الله، كيف علمتَ أنك نبيّ أوّل ما علمت، حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: يا أبا ذَرّ، أتاني مَلَكان وأنا ببعض بطْحَاء مكة، فوقع أحدُهما في الأرض والآخر بين السّماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنْه برجُل، فوُزِنْت برجل فرجحتُه، ثم قال: زِنْه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنني بمئة فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فجعلوا ينتثرون على كفّة الميزان، قال: فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمّته رَجَحها، ثم قال أحدهُما لصاحبه: شُقَّ بطنَه فشقّ بطنِي، ثم قال أحدهما: أخرج قلبَه -أو قال: شقَّ قلبَه- فشقّ قلبي، فأخرج منه مغْمَز الشيطان وعلَقَ الدّم، فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسِلْ بطنه غَسْل الإناء، واغسلْ قلبه غسْل الإناء -أو اغسِلْ قلبه غسل المُلاءة- ثم دعا بالسَّكينة، كأنّها وجه هِرَّة بيضاء فأدخِلَتْ قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْ بطنَه، فخاطا بطنِي، وجعلا الخاتم بين كتِفيّ، فما هو إلا أن ولَّيا عنّي فكأنّما أعاين الأمرَ معاينة (١). (٢: ٣٠٤/ ٣٠٥).\n_________\n(١) لم نجد ترجمة لأحمد بن محمد بن حبيب الطوسي ولا لجعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي- ولكن الحديث صحيح فقد أخرج أحمد في المسند (٤/ ١٨٤ - ١٨٥) نحو رواية الطبري هذه من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁ وفيه [فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني إلى القفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه -قال يزيد في حديثه-: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي ثم قال: ائتني بماء برد فغسلا به قلبي ثم قال: ائتني بالسكينة فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: أجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرّ عليَّ بعضهم فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني .. إلى آخر الحديث.\nوفيه زيادة لا توجد في رواية الطبري ا. هـ. وأخرج الدارمي نحوه في المقدمة باب كيف كان أول شأن النبي (ج ١/ ٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٦) والطبراني في الكبير (١٣١/ ١٧) وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي تعليقًا على رواية أحمد: إسناد أحمد حسن (مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٢) اهـ.\nوهو جزء من حديث (أنا دعوة إبراهيم) عند ابن إسحاق مختصرًا بسند مرسل (سيرة ابن هشام ج ١/ ٢٢٠).\nوفي منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود (٢/ ٨٧ / ح ٢٣١٨): حدثنا أبو داود =","vol":"2","page":16},{"text":"١٤ - حدَّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا ابن ثَوْر، عن معمَر، عن الزّهريّ، قال: فَتَر الوحيُ عن رسول الله - ﷺ - فترةً، فحزن حزنًا شديدًا، جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردّى منها، فكلّما أوْفى بذرْوَة جَبل تبدّى له جبْرئيل، فيقول: إنك نبي الله؛ فيسكن لذلك جأشُهُ، وترجع إليه نفسه، فكان النبي - ﷺ - يحدّث عن ذلك، قال: بينا أنا أمشي يومًا، إذ رأيتُ الملَك الذي كان يأتيني بحراءٍ، على كرسيّ بين السّماء والأرض، فجُئثتُ منه رعبًا، فرجعت إلى خديجة، فقلت: زمِّلوني، فزمّلناه -أي دثّرناه، فأنزل الله ﷿:\n﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزِل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) (٢: ٣٠٥/ ٣٠٦).\n١٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهْب، قال: أخبرَني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن، أنّ جابر بنَ عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله - ﷺ - وهو يحدّث عن فَتْرة الوحي: بينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسًا على كرسيّ بين السّماء والأرض. قال رسول الله - ﷺ -: فجُئثت منه فَرَقًا، وجئت فقلت: زمّلوني، زمّلوني! فدثّروني، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا\n_________\n= قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرني أبو عمران الجوني عن رجل عن عائشة أن رسول الله اعتكف ... إلى آخر الحديث.\nوفيه جمع الطيالسي بين شق البطن وغسله وأمر جبريل لمحمد - ﷺ - بقوله [(اقرأ) وختمه لظهره الشريف] وفي إسناده مجهول كما هو واضح والله أعلم.\n(١) إسناده معضل ولكن المتن صحيح وقد سبق أن تحدثنا عن الشطر الثاني من متن هذه الرواية ونعني بذلك من قوله (بينا أنا أمشي يومًا إذ رأيت الملك .. إلى آخره).\nوأخرجه أحمد في المسند (الفتح الرباني ٢٠/ ٢٠٧ - ٢٠٩) من حديث طويل جاء في آخره: [وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل - ﵇ - فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن ذلك جأشه وتقر نفسه ﵊، فيرجع فإذا طالت عليه وفتر الوحي غدا مثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك) اهـ.","vol":"2","page":17},{"text":"الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، قال: ثم تتابع الوحي (١). (٢: ٣٠٦).\n١٦ - قال أبو جعفر: فلما أمرَ الله ﷿ نبيه محمّدًا - ﷺ - أن يقوم بإنذار قومه عقابَ الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربّهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم؛ وأن يحدّث بنعمة ربه عليه بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وذلك -فيما زعم ابن إسحاق- النبوّة.\nحدثنا ابنُ حُميَد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوّة فحدّث؛ اذكرها وادعُ إليها. قال: فجعلَ رسول الله - ﷺ - يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوّة سرًّا إلى مَنْ يطمئنّ إليه من أهله؛ فكان أوّل مَنْ صدّقه وآمن به واتّبعه من خلْق الله -فيما ذكر- زوجته خديجة رحمها الله (٢). (٢: ٣٠٦/ ٣٠٧).\n١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال الواقدي: أصحابُنَا مجمعون على أنّ أوّلَ أهل القبلة استجاب لرسول الله - ﷺ - خديجة بنت خويلد رحمها الله (٣). (٢: ٣٠٧).\n_________\n(١) الحديث صحيح، وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري هذا أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي ٤ / ح ٤) ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان باب بدء الوحي ح ١٦١) وغيرهما مع اختلاف يسير في الألفاظ والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح وسنتكلم عن متنه بعد الآتي إن شاء الله.\n(٣) إسناده ضعيف ومتنه صحيح والآثار الواردة في ذلك كثيرة منها الحسنة والضعيفة والمرفوعة والموقوفة وسنذكر منها ما يفي بالغرض:\nأ- أخرج أحمد (٦/ ١١٧) عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت: فغرتُ يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكُر حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرًا منها. قال: أبدلني الله خيرًا منها! ! قد آمنت بي إذ كفر الناس ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس).\nوقال الهيثمي في الزوائد عن رواية أحمد هذه: رواه أحمد وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٩/ ٢٢٤).\nب- أخرج أحمد (١/ ٣٧٣) وابن أبي حاتم (١٣٦) والترمذي (ح ٣٧٣٤) من طريق شعبة وأبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس: (كان أول من أسلم من الناس مع رسول الله - ﷺ - علي بعد خديجة). وهذا إسناد حسن. =","vol":"2","page":18},{"text":"قال أبو جعفر: ثم اختلف السَّلف فيمن اتّبع رسول الله - ﷺ - وآمن به وصدّقه على ما جاء به من عندِ الله من الحقّ بعد زوجته خديجة بنت خويلد، وصلّى معه.\nفقال بعضهم: كان أوّل ذَكَرٍ آمن برسول الله - ﷺ - وصلّى معه وصدّقه بما جاءه من عند الله عليّ بن أبي طالب ﵇.\nذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره\n١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلَج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أوّل مَنْ صلّى عليّ (١). (٢: ٣٠٩/ ٣١٠).\n١٩ - حدَّثنا زكريّاء بن يحيى الضّرير، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال: أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل، عن جابر، قال: بُعث النبيّ - ﷺ - يوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء (٢). (٢: ٣١٠).\n_________\n= قلنا: ومعلوم أن السيدة خديجة ﵂ هي أول من سمعت خبر نزول الوحي على رسول الله - ﷺ - ومن فمه الشريف - ﷺ - فصدقته وأيدته كما مر بنا في الروايات السابقة في بدء الوحي والله أعلم.\nوسنعود إلى هذه المسألة بعد روايات قليلة إن شاء الله تعالى.\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح فله متابعة غير تامة عند أحمد وغيره؛ فقد أخرج أحمد (١/ ٣٧٣) ثنا سليمان بن داود ثنا أبو عوانة عن أبي أبلج عن عمرو بن ميمون. عن ابن عباس قال: أول من صلى مع النبي - ﷺ - بعد خديجة علي. وقال سرة: أسلم. وإسناده حسن.\nوأخرج الترمذي (ح ٣٧٣٤) عن ابن عباس: قال: أول من صلى علي. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث شعبة. وأخرج ابن أبي عاصم في الأوائل (٤٧ / ح ٧٥) أن خديجة أول من أسلم مع رسول الله - ﷺ - وعلي. وإسناده حسن. [حدثنا محمد بن مرزوق ثنا عبد العزيز بن الخطاب ثنا علي بن غراب ثنا يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه به].\nوكذلك أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥٢) والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف، ومتنه صحيح فقد أخرجه الحاكم من روايتين الأولى بأطول مما عند الطبري وهي في المستدرك (٣/ ١١٢) عن بريدة ... وفي آخر الحديث: وأوحي إلى رسول الله - ﷺ - يوم الإثنين وصلّى عليٌّ يوم الثلاثاء. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح - والرواية الثانية (١/ ١١٢): عن أنس ﵁: نبئ النبي - ﷺ - يوم =","vol":"2","page":19},{"text":"٢٠ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرْقم، قال: أوّل مَنْ أسلمَ مع رسول الله - ﷺ - عليٌّ بن أبي طالب. قال: فذكرتُهُ للنَّخَعِيّ، فأنكره، وقال: أبو بكر أوّلُ مَنْ أسلم (١). (٢: ٣١٠).\n٢١ - حدَّثنا أبو كُريب قال: حدَّثنا وكيع، عن شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حَمْزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم، قال: أوّلُ مَنْ أسلم مع رسول الله - ﷺ - عليٌّ بن أبي طالب ﵇ (٢). (٢: ٣١٠).\n٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة (رجلًا من الأنصار)، يقول: سمعت زيد بن أرقم، يقول: أوّلُ رجل صلّى مع رسول الله - ﷺ - عليٌّ ﵇ (٣). (٣١٠: ٢).\n٢٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، قال: كان مِنْ نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وما صنعَ الله له وأراده به من الخير، أنّ قريشًا أصابتْهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثير؛ فقال رسول الله - ﷺ - للعبّاس عَمّه - وكان من أيسَرِ بني هاشم: يا عبّاس؛ إنّ أخاك أبا طالب كثيرُ العيال، وقد أصاب النّاس ما تَرى من هذه الأزْمة، فانطلِقْ بنا فلنخفِّف عنه من عياله؛ آخذ من بنيه رجلًا، وتأخذ من بنيه رجلًا، فنكفّهما عنه. قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنّا نريد أن نخفّف\n_________\n= الإثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء. وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي.\n(١) إسناده صحيح وقد أخرجه الترمذي (٥ / ح ٣٧٣٥) من طريق شيخ الطبري. أي محمد بن المثنى وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) إسناده صحيح وهو جزء من الحديث الذي سبق ذكره.\n(٣) إسناده صحيح وقد سبق أن ذكرنا رواية أحمد عن ابن عباس: أول من صلى مع رسول الله - ﷺ - بعد خديجة علي (المسند ح ٣٥٤٢ طبعة شاكر) وصححه العلامة شاكر وأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده (ح ٢٧٥٣) من طريق ابن عباس: أول من صلى مع رسول الله - ﷺ - بعد خديجة علي.","vol":"2","page":20},{"text":"عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عَقيلًا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله - ﷺ - عليًّا فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمّه إليه، فلم يزل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله - ﷺ - حتى بعثَه الله نبيًّا، فاتّبعه عليّ فآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (١). (٢: ٣١٣).\n٢٤ - حدثني ابنُ عبد الرحيم البَرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سَلمة، قال: حدَّثنا صدقَة، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذرّ وابن عَبَسة كلاهما يقول: لقد رأيتُني رُبْع الإسلام، ولم يُسْلِم قَبْلِي إلا النبيّ وأبو بكر وبلال، كلاهما لا يدري متَى أسلم الآخر (٢). (٢: ٣١٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ومتنه صحيح فقد أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٣١٢) قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج قال: كان نعمة الله على عليّ بن أبي طالب ... إلى آخره.\n(٢) وهذا إسناد حسن فقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث.\nإسناده ضعيف والحديث صحيح.\nوالحديث أخرجه الحاكم والطبراني ومسلم إضافة إلى الطبراني في تأريخه وأحمد في المسند وكذلك الحافظ المزي في تهذيب الكمال ولكن اختلفوا في تعيين الصحابي الذي هو رابع أربعة وكما سنبين:\n١ - أخرج أحمد في مسنده (٤/ ١١٢) حديثًا طويلًا وفيه قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة -صاحب عقل الصدقة رجل من بني سليم- بأي شيء تدعي أنك رابع الإسلام ... الحديث.\n٢ - أخرج الحاكم (٣/ ٣٤١) من طريق عمرو بن أبي سلمة قال: حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال: كان أبو ذر يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام لم يسلم قبلي إلا النبي - ﷺ - وأبو بكر وبلال. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nووافقه الذهبي. أي أن الطبري (الذي روى هذا الحديث في تأريخه بنفس إسناد الحاكم ولكن من طريق شيخه ابن عبد الرحيم البرقي) زاد اسم عمرو بن عبسة.\n٣ - أخرج الطبراني (٢ / ح ١٦١٨) رواية الحاكم الآنفة الذكر ولم يذكر فيها اسم عمرو بن عبسة. (من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي مريم ثنا عمرو بن أبي سلمة به).\n٤ - وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين (٥٢) باب إسلام عمرو بن عبسة السلمي حديثًا طويلًا وفيه: عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان فسمعت =","vol":"2","page":21},{"text":"٢٥ - حدَّثنا أبو كُريَب، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: قال إبراهيم النَّخعيّ: أبو بكر أوّل مَنْ أَسلم (١). (٢: ٣١٥).\n٢٦ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه: ثم أسلمَ زيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ - فكان أوّل ذَكَرٍ أسلم، وصلّى بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قُحافة الصدّيق، فلما أسلم أظهر إسلامَه، ودعا إلى الله ﷿ وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلًا مألفًا لقومه، محببًا سهلًا، وكان أنسَب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير أو شرّ، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلق ومعروفٍ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربِهِ وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام مَنْ وثِق به من قومِه ممّن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه -فيما بلغني-: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله - ﷺ - حين استجابوا له، فأسلموا وصلَّوْا، فكان هؤلاء الثمانية، النّفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلَّوْا وصدّقُوا برسول الله - ﷺ - وآمنوا بما جاء به من عند الله؛ ثم تتابع الناسُ في الدخول في الإسلام؛ الرجال منهم والنساء؛ حتى فشا ذِكْرُ الإسلام بمكّة وتحدّث به الناس (٢). (٢: ٣١٦/ ٣١٧).\n_________\n= برجل بمكة ... الحديث. وفيه أيضًا قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد (قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني متبعك ... إلى آخر الحديث.\n٥ - وأخرج الحافظ المزي نحوًا من رواية مسلم ولكن بسند عالٍ مع اختلاف في بعض الألفاظ وفيه قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة صاحب العَقل عقل الصدقة بأي شيء تدعي أنك رابع الإسلام؟ ! .\n(١) إسناده مرسل صحيح.\n(٢) إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن إسحاق منقطعًا مفرقًا بين رواية إسلام زيد بن حارثة ورواية إسلام أبي بكر الصديق ﵄ ورواية ثالثة بعنوان (ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر ﵄ (سيرة ابن هشام ١/ ٣١٤ - ٣١٨) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٧٤): وبسنده عن ابن عباس قال: أسلم زيد بن حارثة بعد علي فكان أول من أسلم بعده.\nوللأستاذ الفاضل أكرم ضياء العمري (وهو من المؤرخين المعاصرين للتأريخ الإسلامي) رأي =","vol":"2","page":22},{"text":"٢٧ - ثم إنّ الله ﷿ أمر نبيّه محمّدًا - ﷺ - بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدِع بما جاءه منه، وأن يبادِيَ الناسَ بأمره، ويدعوَ إليه، فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكان قبل ذلك - في السّنين الثلاث من مبعثه؛ إلى أن أمر بإظهار الدّعاء إلى الله - مستسرًّا مخفيًا أمره - ﷺ -، وأنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قال: وكان أصحابُ رسول الله - ﷺ - إذا صلَّوْا ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستخفوْا من قومهم؛ فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي - ﷺ - في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلُّون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون؛ حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجلًا من المشركين بلَحْيِ جملٍ فشجّه، فكان أوّلَ دم أهَرِيق في الإسلام.\nفحدّثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: صعِد رسول الله - ﷺ - ذات يوم الصَّفَا، فقال: يا صَبَاحاه! فاجتمعتْ إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ قال: أرأيتكم إنْ أخبرتكم أنّ العدوّ مصبّحكم أو ممسِّيكم، أما كنتم تصدّقونني؟ ! قالوا: بَلى؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا دعوتنا -أو جمعتنا! فأنزل الله ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) إلى آخر السورة. (٢: ٣١٨/ ٣١٩).\n٢٨ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ\n_________\n= جدير بالذكر في سبب الاختلاف في تحديد أسماء من أسلموا بادئ ذي بدء بعد خديجة ﵂ فيقول: ويبدو أن رسول الله - ﷺ - لم يخبره بأسماء سائر من أسلم وإنما سمّى أبا بكر وبلالًا فقط حرصًا على سلامة من أسلم من الأذى وربما لأنه إنما أسلم بعد إجابة سؤاله عمن أسلم يومئذ، وتعبير عمرو بن عبسة: (فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام) إنما هو بحسب ما بدا له وإلّا فقد كان عدد المسلمين أكثر من ذلك في المرحلة التي أظهرت فيها قريش جرأتها على الإسلام وأذاها للمسلمين كما يدل قول الرسول - ﷺ -: (ألا ترى حالي وحال الناس!).\n(١) رجاله رجال الصحيح غير أن الأعمش مدلس وقد عنعن هنا إلا أنه صرّح بالتحديث كما سيأتي في الرواية التالية.","vol":"2","page":23},{"text":"عَشِيَرتَكَ الأقَرَبِينَ﴾، خرج رسول الله - ﷺ - حتى صعِد الصّفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمّد، فقال: يا بني فلان، يا بني عبد المطَلب، يا بني عبد مناف! فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتُكم أنّ خيلًا تخرج بسفْح هذا الجَبَل، أكنتم مصَدِّقيَّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ما جمعتنا إلّا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة (١). (٣١٩: ٢).\n٢٩ - فحدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسول الله - ﷺ -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله - ﷺ - بالأبطحِ، ثم قال: يا بني عبد المطّلب، يا بني عند مناف، يا بني قصيّ - قال: ثم فخَذ قريشًا قبيلة قبيلة، حتى مرّ على آخرهم - إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه (٢). (٣٢٢: ٢).\n_________\n(١) رجاله رجال الصحيح والحديث أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير] باب (وأنذر عشيرتك الأقربين) (ح ٤٧٧٠) (الفتح ٨/ ٥٠١)،]. من طريق الأعمش: حدثني عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) صعد النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلّا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.\nفقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا. فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. اهـ.\nوالحديث أخرجه البخاري في مواضع أخرى ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ / ٢٠٥.\n(٢) إسناده ضعيف والحديث صحيح كما مرّ بنا.\n- مسألة استخدام قريش لأسلوب المفاوضات مع أبي طالب عسى أن يكف عن مناصرة ابن أخيه عليه أفضل الصلاة والسلام:\nذكر الطبري ثلاث روايات ضعيفة الإسناد (٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥) ولكن المعنى الذي من أجله سرد الطبري هذه الروايات صحيح فقد أخرج الحاكم (٣/ ٥٧٧) من طريق موسى بن =","vol":"2","page":24},{"text":"٣٠ - حدَّثنا علي بن نصر بن علي الجهضميّ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث -قال علي بن نصر: حدَّثنا عبدُ الصّمد بن عبد الوارث، وقال عبدُ الوارث: حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنّه -يعني رسول الله - ﷺ - لمّا دعا قومه لمَا بعثه الله من الهُدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعُدوا منه أوّل ما دعاهم، وكادوا يسمعون له؛ حتى ذكر طواغيتَهم. وقدم ناس من الطائف من قُريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدُّوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم]، وأغرَوْا به مَنْ أطاعهم، فانصفق عنه عامّةُ الناس، فتركوه إلّا من حفظه الله منهم؛ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتِنوا مَنْ تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على مَن اتَّبع رسول الله - ﷺ - من أهل الإسلام؛ فافتتن مَن افتتن، وعَصَم الله منهم مَنْ شاء؛ فلمّا فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله - ﷺ - أن يخرجُوا إلى أرض الحبَشة - وكان بالحبشة مَلِكٌ صالح يقال له النجاشيّ، لا يُظلَم أحدٌ بأرضه، وكان يُثْنَى عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة مَتْجرًا لقريش يتّجرون فيها، يجدون فيها رَفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا - فأمرهم بها رسول الله - ﷺ -، فذهب إليها عامّتهم لما قهِروا بمكّة، وخاف\n_________\n= طلحة أخبرني عقيل بن أبي طالب قال: (جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا ومجلسنا فانهه عن أذانا. فقال لي: يا عقيل ائت محمدًا. قال فانطلقت إليه فأخرجته - قال طلحة: بنت صغيرة - فجاء في الظهر من شدة الحر فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة حر الرمضاء فأتياهم. فقال أبو طالب: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم فانته عن ذلك. فحلق رسول الله - ﷺ - ببصره إلى السماء فقال: ترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم. قال: ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منها شعلة. فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا) - وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي وصححه الألباني من المعاصرين (السلسلة الصحيحة ١/ ١٤٧) وكذلك رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٥): ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وصححه ابن حجر بإسناد أبي يعلى من حديث عقيل بن أبي طالب (المطالب العالية المسانيد الثمانية ٤ / ح ٣٢٧٨).","vol":"2","page":25},{"text":"عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبْرح، فمكث بذلك سنوات؛ يشتدّون على مَنْ أسلم منهم.\nثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم (١). (٢: ٣٢٩/ ٣٢٨).\nقال أبو جعفر: فاختُلف في عدد مَنْ خَرَج إلى أرض الحبَشة، وهاجر إليها هذه الهجرة، وهي الهجْرة الأولى.\nفقال بعضهم: كانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأرْبَعَ نسوة (٢). (٢: ٣٢٩).\n_________\n(١) إسناده مرسل وهو صحيح بشواهده كما سيأتي وهذه هي الهجرة الأولى وهي ثابتة في السيرة وقد بوّب لها البخاري في صحيحه. وسيتحدث عنها الطبري بالتفصيل في الروايات اللاحقة (راجع الضعيفة ح ٤١ - ٤٢ - ٤٣).\n(٢) قلنا: لم يرد حديث صحيح فيه أسماء الصحابة الذين ذكرهم الطبري في رواياته مجموعين ولكن وردت روايات صحيحة بذكر بعض من أسمائهم متفرقًا كما سنبين ذلك في الروايات الآتية ذكرها وقد بينا في قسم الضعيف من السيرة أن الروايات (٤١، ٤٢، ٤٣) ضعيفة ولكن معناها في الهجرة إلى الحبشة صحيحة مع بعض تفاصيلها.\n١ - قال الذهبي في تأريخ الإسلام (السيرة النبوية ١٨٣) قال يعقوب العنسوي في تأريخه (حدثني العباس بن عبد العظيم حدثني بشار بن موسى الخفاف ثنا الحسن بن زياد البرجميّ - إمام مسجد محمد بن واسع ثنا قتادة قال: أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان. سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول: خرج عثمان برقيّة بنت رسول الله - ﷺ - إلى الحبشة فأبطأ خبرهم فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد قد رأيت خَتَنَك ومعه امرأته. فقال: (على أي حال رأيتهما)؟ قالت: رأيته حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة وهو يسوقها. فقال رسول الله - ﷺ -: صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط) قلنا: وهذه الرواية في المطبوع من التأريخ والمعرفة (٣/ ٢٥٥). ولقد أشار ابن حجر في الفتح (٧/ ١٨٨) باب الهجرة إلى الحبشة. فقال: وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: (أبطأ على رسول الله).\n٢ - ثم قال الذهبي بعد هذه الرواية: ورواه يحيى بن أبي طالب عن بشار، عن عبد الله بن إدريس ثنا ابن إسحاق حدثني الزهري عن أبي بكرة بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله بن أبي بكر وصلت الحديث عن أبي بكر عن أم سلمة.\nقالت: لما أُمرنا بالخروج إلى الحبشة، قال رسول الله - ﷺ - حين رأى ما يصيبنا من البلاء: (الحقوا بأرض الحبشة فإنّ بها ملكًا لا يُظْلَمُ عنده أحد فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه. فقدمنا عليه فاطمأننا في بلاده). =","vol":"2","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٣ - ثم قال الذهبي / ١٨٤: قال البغوي في تاسع (المُخلصيات) وروى ابن عون عن عمير بن إسحاق عن عمرو بن العاص بعض هذا الحديث.\n٤ - ولقد أخرج ابن إسحاق حديث الهجرة الأولى إلى الحبشة بدون سند (سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٧) وذكر ابن إسحاق أسماء من هاجروا في الأولى بدون إسناد كذلك (١/ ٣٩٨).\n٥ - أخرج الحاكم (٢/ ٣٠٩) من حديث أبي موسى ﵁ قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننطلق إلى أرض النجاشي ... الحديث.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقد سها فضيلة الشيخ الطرهوني عند إشارته لرواية الحاكم هذه فقال: وسكت الذهبي (صحيح السيرة ٢/ ٥٤٥).\n٦ - وأما حديث عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا. فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظغون وأبو موسى. فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية ... الحديث) فقد قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٤): رواه الطبراني وفيه حديج بن معاوية وثقه أبو حاتم وقال: في بعض حديثه ضعف وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات.\n٧ - وأخرجه أحمد (١/ ٤٦١) من طريق حسن بن موسى قال: سمعت حديجًا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا ... الحديث وقال الحافظ ابن كثير تعقيبًا على رواية الإمام أحمد: هذا إسناد جيد قوي وسياق حسن (السيرة ٢/ ١١)، (البداية والنهاية ٥/ ٩٦).\n٨ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه ليلى قالت: كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة أتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه. فقال: أين يا أم عبد الله. فقلت: آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى فقال: صحبكم الله. ثم ذهب فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر فقال: ترجين أن يسلم والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. قال الهيثمي: رواه الطبراني وقد صرّح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢٤).\n٩ - حديث الهجرة الطويل من رواية أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي - ﷺ -: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير الجار. النجاشي آمنّا على ديننا وعبدنا الله وحده لا نؤذى ... الحديث الطويل أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٥) وابن إسحاق (سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٤) وأحمد (١/ ٢٠١ - ٢٠٤) وعقب الهيثمي على رواية أحمد في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧) قائلًا: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع فالحديث بهذا صحيح. اهـ. =","vol":"2","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلنا: وإسناد أحمد كالآتي: ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب عن أبي بكر.\n١٠ - أما عن أسمائهم فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٠٤) قال أحبرنا محمد بن عمر قال حدثني يونس بن محمد عن أبيه قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حيّان قال: تسمية الرجال والنساء: (عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله - ﷺ -، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد المناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أمية بن المغيرة. وعثمان بن مظعون الجمحي وعامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وأبو سبرة بن أبي رُهم بن عبد العزّى العامري، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بني الحارث بن فهر وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة).\nوهذا إسناد ضعيف وعليه اعتمد الطبري في تأريخه (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠) فرواه من طريق شيخه الحارث عن محمد بن سعد به فإسناد الطبري ضعيف أيضًا.\n١١ - وقد طوّل ابن إسحاق في ذكر أسماء من شارك في الهجرة الأولى واستغرقت الصفحات (٣٩٨) إلى (٤٠٨) في سيرة ابن هشام الجزء الأول إذ يقول في الصفحة (٤٠٨):\nفكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارًا وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلًا إن كان عمّار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه اهـ. قلنا: وقد ذكر ابن إسحاق هذه الأسماء بلاغًا.\n١٢ - وأشار ابن حجر في الفتح إلى ذكر أسمائهم (٧/ ١٨٨) فقال: وقد سرد ابن إسحاق أسماءهم فأما الرجال فهم: عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وأبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وأبو سبرة بن أبي رهم العامري. قال: ويقال بدله حاطب بن عمرو العامري. قال: فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى الحبشة.\nقال ابن هشام: وبلغني أنه كان عليهم عثمان بن مظعون.\nوأما النسوة فهن: رقية بنت النبي - ﷺ - وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة.\nثم قال ابن حجر: ووافقه الواقدي في سردهن وزاد اثنين عبد الله بن مسعود وحاطب بن عمرو مع أنه ذكر في أول كلامه أنهم كانوا أحد عشر رجلًا فالصواب ما قاله ابن إسحاق أنه اختلف في الحادي عشر هل هو أبو سبرة أو حاطب، وأما ابن مسعود (والكلام لابن حجر) فجزم ابن إسحاق بأنه إنما كان في الهجرة الثانية ويؤيده ما رواه أحمد بسند حسن عن ابن مسعود =","vol":"2","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: (بعثنا النبي - ﷺ - إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى الأشعري). فذكر الحديث.\nقلنا: حديث أحمد هذا في المسند (١/ ٤٦١) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٩٨) ثم قال ابن حجر: وقد استشكل ذكر أبي موسى فيهم لأن المذكور في الصحيح أن أبا موسى خرج من بلاده هو وجماعة قاصدًا النبي - ﷺ - بالمدينة فألقتهم السفينة بأرض الحبشة فحضروا مع جعفر إلى النبي - ﷺ - بخيبر، ويمكن الجمع بأن يكون أبو موسى هاجر أولًا إلى مكة فأسلم فبعثه النبي - ﷺ - مع من بعث إلى الحبشة، فتوجه إلى بلاد قومه وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقي فلما تحقق استقرار النبي - ﷺ - وأصحابه بالمدينة هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى المدينة فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح إلى الحبشة فهذا محتمل وفيه جمع بين الأخبار فليعتمد. اهـ. (الفتح ٧/ ١٨٩).\n١٣ - أخرج البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار -باب هجرة الحبشة ح ٣٨٧٦) عن أبي موسى ﵁ (بلغنا مخرج النبي - ﷺ - ونحن باليمن فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، فقال النبي - ﷺ -: \"لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان\".\n١٤ - أخرج البخاري في صحيحه (ح ٣٨٧٣) عن عائشة ﵂: (أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي - ﷺ - فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تيك الصور، أولئك شرار الناس عند الله يوم القيامة).\n١٥ - أخرج الطبري في التفسير (١٠ / ح ١٢٣١٧) حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قال: كان رسول الله - ﷺ - وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة ... إلخ) وفي إسناده المثنى بن إبراهيم الأملي لم نجد له ترجمة.\nوأخرج ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية (٤/ ٦٦٧٧) ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله - ﷺ - جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال ... إلخ). ورجال إسناده ثقات إلّا أن بين علي وابن عباس انقطاعًا وإن كان بعضهم لا يعتبر ذلك علة قادحة كالذهبي وابن حجر والسيوطي وأثنى عليه أحمد (أما من المعاصرين فقد اعتبره الألباني ضعيفًا إلّا أنه يصلح للشواهد عنده) وله شاهد كما سيأتي لاحقًا في .....","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>اشتداد إيذاء المشركين لرسول الله - ﷺ - ودعوته</span>\nقال أبو جعفر: ولما خرج مَنْ خرجَ من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى أرضِ الحبَشة مهاجرًا إليها، ورسولُ الله - ﷺ - مقيم بمكة، يدعُو إلى الله سرًّا وجهرًا، قد منَعه الله بعمّه أبي طالب وبمَن استجاب لنُصرته من عشيرته، ورأت قريش أنّهم لا سبيلَ لهم إليه، رموْه بالسحْر والكَهانة والجنون؛ وأنه شاعر، وجعلوا يصدّون عنه مَنْ خافوا منه أن يسمع قوله فيتَّبعه؛ فكان أشدّ ما بلغوا منه حينئذ - فيما ذكر. (٢: ٣٣٠/ ٣٣١ / ٣٣٢).\n٣١ - ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عُروة بن الزبير، عن أبيه عُرْوة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلتُ له: ما أكثر ما رأيتَ قريشًا أصابت من رسول الله - ﷺ - فيما كانت تُظهر من عداوته! قال: قد حضرتُهم وقد اجتمع أشّرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليه من هذا الرجل قَطّ! سَفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا! لقد صبرْنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا.\nفبينا هُمْ كذلك إذْ طلَع رسول الله - ﷺ - فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزُوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله - ﷺ -، ثم مضى، فلمَّا مرَّ بهم الثانية غمزوه مثلها؛ فعرَفت ذلك في وجهه، ثم مضَى، ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف فقال: أتسمعون يا معشرَ قريش! أما والذي نفسُ محمدٍ بيده، لقد جئتكم بالذبح! قال: فأخذت القومَ كلمته؟ حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع؛ وحتى إنَّ أشدّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنتَ جهُولًا!\n_________\n= ١٦ - أخرج النسائي في التفسير (١/ ٤٤٣ / ح ١٦٨) أن عمرو بن علي بن مقدِّم قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ وإسناده صحيح وإن كان فيه عمر بن علي بن عطاء (مدلس) ولكنه صرّح بالتحديث هنا والله أعلم.","vol":"2","page":30},{"text":"قال: فانصرف رسول الله - ﷺ -؛ حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحِجْر، وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بَلغ منكم، وما بلغَكم عنه؛ حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبينا هم كذلك إذْ طلع رسول الله - ﷺ -، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد؛ وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله - ﷺ -: نعم أنا الذي أقول ذلك؛ قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم آخذًا بجُمْع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصّديق دونه. يقول وهو يبكي: ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! ثم انصرفوا عنه. فإنّ ذلك أشدّ ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطّ (١). (٢: ٣٣٣/ ٣٣٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح وقد رواه أئمة الحديث مطولًا كما عند الطبري ومختصرًا كذلك.\nأما مطولًا فقد رواه ابن إسحاق بسنده موصولًا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص (سيرة ابن هشام ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩) وأخرجه أحمد كذلك من طريق ابن إسحاق مطولًا (٢٠/ ٣١٩ - ٣٢٠) وقال الهيثمي تعليقًا على هذه الرواية المطولة: رواه أحمد وقد صرّح ابن إسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٦).\nأما مختصرًا فقد أخرجه البخاري في مواضع عدة منها:\nكتاب مناقب الأنصار (٢٩) باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة (ح ٣٨٥٦): عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - ﷺ -؟ . قال: بينا النبي - ﷺ - يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي - ﷺ -. قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ الآية.\nتابعه ابن إسحاق حدثني يحيى بن عروة عن عروة قلت لعبد الله بن عمرو. وقال عبدة عن هشام عن أبيه: قيل لعمرو بن العاص. وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص.\nوعقب ابن حجر في الفتح على هذا الكلام. قوله (وقال عبدة عن هشام: أي ابن عروة عن أبيه: قيل لعمرو بن العاص) هكذا (والكلام لابن حجر) خالف هشام بن عروة أخاه يحيى بن عروة في الصحابي. فقال يحيى (عبد الله بن عمرو بن العاص). وقال هشام (عمرو بن العاص) ويرجَّحُ رواية يحيى موافقة محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة على أن قول هشام غير مدفوع لأن له أصلًا من حديث عمرو بن العاص بدليل رواية أبي سلمة عن عمرو الآتية عقب هذا. فيحتمل أن يكون عروة سأله مرة وسأل أباه أخرى ويؤيد اختلاف السياقين. وقد ذكرت =","vol":"2","page":31},{"text":"٣٢ - حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا بشر بن بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعي، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن، قال: قلتُ لعبد الله بن عمرو: حدّثني بأشدّ شيء رأيتَ المشركين صَنَعُوا برسول الله - ﷺ -. قال: أقبل عُقْبة بن أبي مُعَيط ورسولُ الله - ﷺ - عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنُقه، وخَنَقَه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر مِنْ خَلْفه، فوضع يده على مَنكِبه، فدفعه عن رسول الله - ﷺ -، ثم قال أبو بكر: يا قوم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (١) (٢: ٣٣٣).\n٣٣ - قال أبو جعفر: ولما استقرّ بالذين هاجروا إلى أرض الحبَشة القرارُ بأرض النّجاشيّ واطمأنّوا، تآمرت قريشٌ فيما بينها في الكَيْد بمن ضَوَى إليها من المسلمين، فوجّهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ إلى النّجاشيّ، مع هدايا كثيرة أهدوْها إليه وإلى بطارقته، وأمروهما\n_________\n= أن عبد الله بن عروة رواه عن أبيه بإسناد آخر عن عثمان فلا مانع من التعدد. اهـ. (الفتح ٧/ ١٦٩).\nوعقب ابن حجر أيضًا على قول البخاري: (وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة: حدثني عمرو بن العاص). فقال في الموضع السابق (٧/ ١٦٩):\nوصله الجاري في خلق أفعال العباد من طريقه وأخرجه أبو يعلى وابن حبان عنه من وجه آخر عن محمد بن عمرو ولفظه: (ما رأيت قولا أرادوا قتل رسول الله - ﷺ - إلّا يومًا أغروا به وهم في ظل الكعبة جلوس وهو يصلي ... إلخ) مختصرًا.\nوكذلك أشار ابن حجر في الموضع السابق أي (٧/ ١٦٩) إلى رواية أخرى مختصرة فقال:\nوقد أخرج أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس قال: لقد ضربوا رسول الله - ﷺ - مرة حتى أُغشيَ عليه فقام أبو بكر فجعل ينادي: أتقتلون رجلًا أن يقول ربيَ الله. فتركوه وأقبلوا على أبي بكر. وهذا من مراسيل الصحابة وقد أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن مطولًا من حديث أسماء بنت أبي بكر أنهم (قالوا لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله - ﷺ -؟) فذكر نحو سياق ابن إسحاق المتقدم قريبًا. اهـ. وقال الأستاذ العمري بعد سرده لرواية عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص: وكان عمرو بن العاص والد عبد الله بن عمرو بن العاص شاهد عيان للحادثة والغالب أنه سمع الخبر منه. قلنا: ولعله نسي أن يشير إلى ما قاله البخاري في الصحيح والحافظ في الفتح عن رواية أبيه عمرو بن العاص والله أعلم.\nقلنا: وروايتا أبي يعلى برقم (٦/ ٣٦٢) و(١/ ٥٢) فراجعهما هناك وانظر تعليق الأستاذ العمري على إسنادي أبي يعلى في كتابه القيم (صحيح السيرة ١/ ١٥٢) والحاشية.\n(١) حديث صحيح وقد سبق تخريجه في الذي قبله.","vol":"2","page":32},{"text":"أن يسألا النجاشيّ تسليم من قِبَلَهُ وبأرضه من المسلمين إليهم. فشخَص عمرو وعبد الله إليه في ذلك، فنفذا لما أرسلهما إليه قومُهما، فلم يصلا إلى ما أمَّل قومهما من النجاشيّ، فرجعا مقبوحَين (١) (٢: ٣٣٥).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد ومعناه صحيح كما تقدم في الهجرة، وقد أخرج أحمد (٥/ ٢٩٠) عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي - ﷺ - قالت: \"لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله وحده لا نؤذى، ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا النجاشي هدايا ما يستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا بطريقًا من بطارقته إلا أهدوا له هدية، وبعثوا بذلك مع أبي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم. وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه. ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.\nقالت: فخرجا فقدما على النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بهم عيبًا. وأعلم بما عابوا عليهم.\nفقالوا لهما: نعم، ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه. فقالوا له: أيها الملك، قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأبنائهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلم بهم عيبًا وأعلم بما عابوا عليهم، وعايبوهم فيه.\nولم يكن أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهم، فليردوهم إلى بلادهم وقومهم.\nفغضب النجاشي وقال: لا هيم الله إذ لا أسلمهم إليهما ولا أكاد. قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسالهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحتسب جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا فقالوا بعضهم لبعض: ما تقولون في الرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا - ﷺ - كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين =","vol":"2","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ﵁، قال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله -﷿- لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. -قالت: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله -﷿-، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا -وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.\nقال: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به من عند الله من شيء؟\nقالت: فقال له جعفر: نعم. قالت: فقال له النجاشي: فاقرأه، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) قالت: فبكى النجاشي، حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم.\nثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم، ولا أكاد.\nقالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده بما أستأصل به خضراءهم.\nفقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا.\nقال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم - ﵇ - عبد.\nقالت: ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه.\nقالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها قطُّ، واجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا - ﷺ -، =","vol":"2","page":34},{"text":"٣٤ - وأسلم عمر بن الخطاب ﵀، فلمّا أسلم وكان رجلًا جَلْدًا جليدًا منيعًا، وكان قد أسلَم قبل ذلك حمزةُ بن عبد المطّلب، ووجد أصحاب رسول الله - ﷺ - في أنفسهم قوّةً، وجعل الإسلام يفشُو في القبائل، وحَمَى النجاشيّ مَنْ ضَوَى إلى بلده منهم (١) (٢: ٣٣٥).\n_________\n= هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.\nقال: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال:\nفقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا ذهبًا وأني آذيت رجلًا (والدبر بلسان الحبشة: الجبل) ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.\nفخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار.\nفوالله إنه لعلى ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكه، قالت: والله ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف.\nقالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سنًّا. قالت: وله قربة فجعلوها في صدره، فسبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم.\nقالت: ودعونا - الله ﷿- للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده. قالت: فوالله! إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن؛ إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه؛ وهو يقول: ألا أبشروا؛ فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله عدوَّه، ومكن له في بلاده. قالت: فوالله! ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. قالت: ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده. واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ - وهو بمكة\". وإسناد أحمد إسناد حسن وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع (المجمع ٦/ ٢٧).\nوصححه العلامة شاكر (ح ١٧٤٠) والحديث أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٥).\n(١) ذكر الطبري ما ذكر هنا بلا إسناد، ومعناه صحيح؛ أي أن في إسلام عمر وحمزة قوة للمسلمين آنذاك وهما يومئذ من أشداء قريش.\nوقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) الفتح (٧/ ٤١). =","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>خبر الصحيفة ومقاطعة المسلمين وحصارهم في شعب أبي طالب</span>\n٣٥ - اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتابًا يتعاقدون فيه؛ على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدًا بذلك الأمر على أنفسهم، فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شِعْبِهِ، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العُزّى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرَهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثًا؛ حتى جهِدُوا ألّا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرًّا مستخفيًا به مَن أراد صلتهم من قريش. وذكر أن أبا جهل لقيَ حكيم بنَ حزام بن خُويلد بن أسد، معه\n_________\n= وأخرج ابن سعد (٣/ ٢٧٠) أخبرنا عبد الله بن نُمير ويعلى ومحمّد ابنا عبيد قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.\nقال محمد بن عبيد في حديثه: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي اهـ.\nقلنا: وإسناد ابن سعد إسناد صحيح وقد ذكر زيادة عمّا رواه البخاري وهذه الزيادة من طريق محمد بن عبيد والزيادة تقبل من أمثالهم من الثقات.\nوأخرج الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨١) عن عبد الله بن مسعود قوله: (إن إسلامه كان نصرًا) وإسناده حسن. وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن كان إسلام عمر لفتحًا وهجرته لنصرًا وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر. فلما أسلم عمر قاتلهم حتى دعونا فصلينا. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفي رواية: ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين. ورجاله رجال الصحيح إلّا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود (مجمع الزوائد ٩/ ٦٣).\nوأخرج الطبراني في الأوسط (١/ ٣٣٤) في حديث طويل قصة وفاة عمر ﵁ بعد طعنه وفيه أن عبد الله بن عباس ﵄ قال له: أليس قد دعا رسول الله - ﷺ - أن يعز الله بك الدين والمسلمين إذ يخافون بمكة فلما أسلمت كان إسلامك عزًا وظهر بك الإسلام ورسول الله - ﷺ - وأصحابه، وحسّن الهيثمي إسناده (مجمع الزوائد ٩/ ٧٦).","vol":"2","page":36},{"text":"غلام يحمل قمحًا يريد به عَمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله - ﷺ - ومعه في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطّعام إلى بني هاشم! والله لا تبرحُ أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة! فجاء أبو البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختريّ: طعامٌ لعمَّته عنده بَعَثتْ إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيَها بطعامها! خلِّ سبيلَ الرّجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ أبو البَخْتريّ لَحْيَ بعير، فضربه فشجّه، ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلُغ ذلك رسولَ الله - ﷺ - وأصحابه، فيشمَتوا بهمْ، ورسول الله - ﷺ - في كلّ ذلك يدعو قومَه سرًّا وجهرًا، آناء الليل وآناء النهار؛ والوحي عليه من الله متتابعٌ بأمره ونهيه، ووعيد مَنْ ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله - ﷺ - عَلَى مَنْ خالفه (١). (٢: ٣٣٥/ ٣٣٦ / ٣٣٧).\n_________\n(١) لقد أورد أصحاب المغازي والسير تفاصيل كثيرة عن حصار المشركين لرسول الله - ﷺ - وأصحابه في شعب أبي طالب. كبعض التفاصيل التي ذكرها الطبري هنا بلا إسناد ولكن أصل التحالف ضد رسول الله - ﷺ - وأصحابه ثابتة في السنة وسنذكر طرفًا منها:\n١ - أخرج البخاري في صحيحه كتاب الحج -باب نزول النبي مكة (ح ١٥٨٩). وفي مناقب الأنصار باب تقاسم المشركين على النبي - ﷺ -. (ح ٣٨٨٢).\nعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - بمنى: (نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر). وذلك أن قريشًا وبني كنانة تحالفت علي بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - ﷺ -. يعني بذلك المحصب. وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أسامة بن زيد ﵄ في كتاب الفرائض (ح ٦٧٦٤) وأخرجه مسلم في كتاب الفرائض (ح ١٦١٤) وغيرهما.\nوبوّب له البخاري في كتاب مناقب الأنصار فقال: باب تقاسم المشركين على النبي - ﷺ -.\nوقال ابن حجر في شرحه للباب: ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي في ذلك كالشرح لقوله في الحديث: (تقاسموا على الكفر) الفتح (٧/ ١٩٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: وقيل: كان ابتداء حصارهم في المحرم سنة سبع من المبعث.\nقال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلّا خفية حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات إلى أن قام في نقض الصحيفة نفر من =","vol":"2","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>أذى المشركين لرسول الله - ﷺ </span>-\n٣٦ - ولم يزل رسولُ الله - ﷺ - مقيمًا مع قُريش بمكّة يدعوهم إلى الله سرًّا وجهرًا، صابرًا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به، حتى إن كان بعضهم -فيما ذكر- يطرح عليه رحِم الشاة وهو يصلّي، ويطرحها في بُرْمته إذا نُصبت له؛ حتى اتخذ رسول الله - ﷺ - منهم -فيما بلغني- حجرًا يستتر به منهم إذا صلّى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>وفاة خديجة وأبي طالب</span>\n٣٧ - وذلك فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين، فعظُمت المصيبة على رسولِ الله - ﷺ - بهلاكهِما؛ وذلك أن قريشًا وصلُوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلُون إليه\n_________\n= أشدهم في ذلك صنيعًا هشام بن عمرو بن الحارث العامري ... إلخ.\nوفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة فمزقوها وأبطلوا حكمها (الفتح ٧/ ١٩٢).\nأما تفاصيل القصة فقد رواها ابن إسحاق بلاغًا (سيرة ابن هشام ١/ ٤٣٠ - ٤٣٤) وأخرجه البيهقي مرسلًا عن الزهري وأبي الأسود (الدلائل ٢/ ٣١١ - ٣١٤) وقال الأستاذ العمري في صحيح السيرة (١/ ١٨١): وإذا لم تثبت تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب فإن أصل الحادث ثابت، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تأريخيًا فإن عروة رائد مدرسة المغازي وهو يروي عن الصحابة في الغالب. اهـ.\n(١) ذكر الطبري بلاغًا (فقال: كان بعضهم -فيما ذكر- يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي) وقد ورد نحو هذا في الصحيح.\nفقد أخرج البخاري في كتاب الصلاة باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى، وفي كتاب مناقب الأنصار باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين. عن عبد الله بن مسعود قال: (بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيأخذه، فيظل في كتفي محمد إذا سجد، فانبعث شقي القوم فأخذه، فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه ... إلى آخر الحديث).\nوانظر فتح الباري (١/ ٥٩٤) و(٧/ ١٦٥) وكذلك صحيح مسلم، باب ما لقي النبي من أذى المشركين والمنافقين (١٧٤).","vol":"2","page":38},{"text":"في حياته منه؛ حتى نَثَر بعضُهم على رأسه التراب (١).\n_________\n(١) إسناده معضل ولكن جاء أن خديجة ﵂ ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين. فقد أخرج البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار (ح ٣٨٩٦). من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: (توفيت خديجة قبل مخرج النبي - ﷺ - إلى المدينة بثلاث سنين فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك ونكح عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين).\nوانظر فتح الباري (٧/ ٢٢٣) وكذلك أخرج ابن سعد في طبقاته (٨/ ١٨) بسند فيه الواقدي وهو ضعيف عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.\nأما موت أبي طالب فقد ذكر الطبري عن ابن إسحاق أنه مات في السنة التي ماتت فيها خديجة ﵂ أي في السنة العاشرة من البعثة (بثلاث سنين قبل الهجرة) وهذا ما ذكره ابن هشام في السيرة من قول ابن إسحاق بلاغًا (١/ ٦٦) وكذلك قال الذهبي في (تأريخ الإسلام / السيرة النبوية / ٢٣٦): وذكر الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وأنهما توفيا في ذلك العام. وتوفيت خديجة قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يومًا.\nوذكر أبو عبد الله الحاكم أن موتها كان بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام وكذا قال غيره. اهـ.\nوقال ابن حجر في الفتح (٧/ ١٩٤): وقد ذكرنا أنه (أي أبا طالب) مات بعد خروجهم من الشعب وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث وكان يذب عن النبي - ﷺ - ويرد عنه كل من يؤذيه وهو مقيم مع ذلك على دين قومه. اهـ. وانظر أنساب الأشراف (١/ ٤٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>خروج النبي - ﷺ - إلى الطائف</span>\nذكرنا الحديث (٥٢) في قسم الضعيف، ولكن أصل الخروج إلى الطائف صحيح. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٢٠) عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ -: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال - ﷺ -: \"لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلّا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا بها جبريل فناداني فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا).\nوالمراد من قوله ﵊: العقبة: أي الطائف كما قال الزرقاني. لا عقبة منى (انظر شرح المواهب ١/ ٢٩٨).","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>استماع الجن لتلاوة رسول الله - ﷺ - وإسلامهم</span>\n٣٨ - ثم إنّ رسولَ الله - ﷺ - انصرف من الطّائف راجعًا إلى مكّة حين يئس من خبرِ ثقيف، حتى إذا كان بنخلة، قام من جوَفْ الليل يصلّي، فمرّ به نفرٌ من الجنّ الذين ذكر الله ﷿.\nقال محمدّ بن إسحاق: وهم -فيما ذكر لي- سبعة نفر من جنّ أهل نَصيبين اليمن، فاستَمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم مُنْذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله ﷿ خَبَرهم عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ\n_________\n(١) ذكر ابن إسحاق هذا الأثر بلاغًا وسنذكر له شواهد عدة تؤكد صحة ورود الجن واستماعهم إلى رسول الله - ﷺ - وهو يقرأ القرآن.\n١ - فقد أخرج أبو نعيم في (الدلائل / ٣٠٤) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٢٨) والحاكم (٢/ ٤٥٦) عن ابن مسعود ﵁ قال: هبطوا على النبي - ﷺ - وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا: صه. وكانوا سبعة أحدهم زوبعة فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ واللفظ للبيهقي، والبيهقي أورده بلفظ سبعة موافقًا لما عند الطبري (بلاغًا). وكذلك أخرجه الطبري مسندًا في تفسيره للآية في سورة الأحقاف (٢٦/ ٣٠) عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله - ﷺ - رسلًا إلى قومهم- وقد ذكر ابن كثير رواية الطبري هذه قائلًا، وقد روى عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولًا من وجه جبير فقال ابن جرير: [حدثنا أبو كريب حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ... ثم ذكر الحديث].\nواعتبر البيهقي هذه الرواية حكاية عن قصة سماع الجن لتلاوة رسول الله - ﷺ - في المرة الأولى. أما:\n٢ - القصة الأخرى كما يسميها الحافظ البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٢٩) فمن طريق الشعبي عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود هل صحب رسول الله - ﷺ - ليلة الجن منكم أحد؟ فقال ما صحبه منا أحد. ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل، استطير، ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح أو قال في السحر إذ نحن به يجيء من قِبَل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذي كانوا فيه فقال: - إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. والحديث أخرجه مسلم في =","vol":"2","page":40},{"text":"إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ...﴾ إلى آخر القصّة من خبرهم في هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه على القبائل في المواسم ويعرّفهم بدعوة الحق</span>\n٣٩ - وكان رسولُ الله - ﷺ - يعرضُ نفسَه في المواسم -إذا كانت- على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله [وإلى نصرته] ويخبرهم أنه نبيّ مرسل، ويسألهم أن يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني حسين بن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عبّاد يُحَدّثُ أبي، قال: إنيّ لَغلامٌ شابٌّ مع أبي بمنىً، ورسول الله - ﷺ - يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني\n_________\n= الصلاة باب الجهر بالقراءة في الصحيح (ح ١٥٠) وأحمد (١/ ٤٣٦) والترمذي في التفسير (ح ٣٢٥٨) عن علقمة به. أما أبو نعيم (٣٠٤) والحاكم (٢/ ٤٥٦) فقد أخرجاه بلفظ (وكانوا تسعة).\n٣ - وأخرج البخاري في صحيحه كتاب الأذان باب الجهر بقراءة صلاة الفجر (٧٧٣) عن عبد الله بن عباس قال: (انطلق النبي - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجّهوا نحو تهامة إلى النبي - ﷺ - وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم وقالوا: (يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا).\nفأنزل الله على نبيه - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ وإنما: أوحي إليه قول الجن. وكذلك أخرجه البخاري في كتاب التفسير (٧٢) سورة ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ (ح ٤٩٢١) عن ابن عباس أيضًا.\nوأخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس (١/ ٣٣١).\nوروايات استماع الجن إلى رسول الله - ﷺ - ولقائهم به كثيرة جمعها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف وحاول الجمع بينها، وبيان ما قاله أئمة الحديث والتفسير في ذلك ومنهم البيهقي رحمه الله تعالى. ولقد وفّق الشوكاني بين هذه الروايات قائلًا في تفسيره لآية الجن في سورة الأحقاف: والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه - ﷺ - مع الجن حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر الأخرى. اهـ.","vol":"2","page":41},{"text":"فلان، إنّي رسولُ الله إليكم، يأمرُكم أنْ تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأنْ تخلعوا ما تَعْبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدّقوني وتمنعوني؛ حتى أبين عن الله ما بعثني به.\nقال: وخلْفه رجلٌ أحْوَل وضيء، له غديرتان، عليه حُلّة عَدنيّة، فإذا فَرَغ رسول الله - ﷺ - من قوله، وما دعا إليه، قال الرجل: يا بنِي فلان، إنّ هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلَخُوا اللات والعُزّى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجنّ من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدْعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا له.\nقال: فقلت لأبي: يا أبتِ مَن هذا الرجل الذي يتّبعه، يردّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمّه عبد العُزّى أبو لهب بن عبد المطّلب (١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح وسنذكر له بعض المتابعات:\n١ - أخرج أحمد في المسند (٣/ ٤٩٣) من طريق محمد بن المنكدر عن ربيعة بن عباد قال: رأيت النبي - ﷺ - بذي المجاز يدعو الناس وخلفه رجل أحول يقول: لا يصدنكم هذا عن دين آلهتكم. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا عمه أبو لهب. وإسناده حسن.\nوفي رواية أخرى لأحمد (٣/ ٤٩٣) عن أبي الزناد عن ربيعة الديلمي وكان جاهليًا أسلم فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه فما رأيت أحدًا يقول شيئًا وهو لا يسكت يقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. إلّا أن وراءه رجل أحول وضيء الوجه ذا غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله وهو يذكر النبوة، قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب - قلت: إنك كنت يومئذ صغيرًا قال: لا والله إني يومئذ لأعقل.\nوفي الرواية التي بعد هذه الرواية (٣/ ٤٩٣) أنه سمع ربيعة بن عباد الديلمي يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوت على الناس في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: أيها الناس إن الله ﷿ يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، ووراءه رجل يقول: هذا يأمركم أن تدعوا دين آبائكم، فسألت: من هذا الرجل؟ فقيل: أبو لهب.\nوفي الرواية التالية لهذه (٣/ ٤٩٢) قال الآخر من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب اهـ.\nوالحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٥) من طريق محمد بن المنكدر سمع ربيعة بن عباد الدؤلي يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. قال: وراءه رجل يقول: يا أيها الناس إن هذا =","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>بدء اتصال النبي - ﷺ - بأهل المدينة وإسلام إياس بن معاذ</span>\n٤٠ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني الحُصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ؛ أخو بنِي عبد الأشهل، عن محمود بن لَبِيد؛ أخي بني الأشهل، قال: لمّا قدم أبو الحَيْسَر أنسُ ابن رافع مكّة، ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن مُعاذ، يلتمسون الحلْف من قُرَيش على قومهم من الخزْرج، سمع بهم رسول الله - ﷺ -، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم إلى خيرٍ مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العبَاد، أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتابَ. ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس ابن مُعاذ - وكان غلامًا حَدَثًا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له. قال: فيأخذ أبو الحَيسَر أنس بن رافع حَفْنَةً من البطْحَاء، فضربَ بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دَعنا منك، فلَعمرِي لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت إياس، وقام رسول الله - ﷺ - عنهم وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بُعَاث بين الأوس والخزرج.\nقال: ثم لم يلبث إياس بن مُعاذ أن هلك. قال محمود بن لَبِيد: فأخبرني مَنْ حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يُهلّل الله ويكبّرُه، ويحمده ويسبّحه، حتى مات، فما كانوا يشكُّون أنه قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر\n_________\n= يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. فسألت: من هذا الرجل؟ قيل: أبو لهب - وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ورواته عن آخرهم ثقات أثبات.\nقلنا: وفي إسناده سعيد بن سلمة وهو ليس من شرط البخاري: قال المزي (استشهد به البخاري وروى له مسلم حديثًا واحدًا والنسائي آخر) تهذيب الكمال (١٠/ ٤٧٨ / ت ٢٢٨٨) وقال الحافظ: صدوق صحيح الكتاب يخطيء من حفظه. التقريب (١/ ٢٩٧ / ت ١٨٤).\nوكذلك أخرجه الحاكم من طريق آخر (١/ ١٥) من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن ربيعة ﵁.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٦١ / ح ٤٥٨٢، ٤٥٨٣، ٤٥٨٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥): رواه أحمد وابنه والطبراني في الكبير بنحوه والأوسط باختصار أسانيد. وأحد أسانيد عبد الله بن أحمد ثقات الرجال. اهـ.","vol":"2","page":43},{"text":"الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله - ﷺ - ما سمع (١). (٢: ٣٥٢/ ٣٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>بيعة العقبة الأولى</span>\n٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد بن عبد الله اليَزَنيّ، عن أبي عبد الرحمن بن عُسيلة الصنابحيّ، عن عُبادة بن الصّامت قال: كنت فيمَنْ حضَر العقَبَة الأولى؛ وكُنّا اثني عشر رجلًا، فبايعْنا رسول الله - ﷺ - على بَيعة النساء؛ وذلك قبل أن تُفْتَرَضَ الحرب؛ على ألّا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرِق ولا نزنِيَ، ولا نقتلَ أولادنا، ولا نأتِيَ ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيَه في معروف؛ فإنْ وَفيتُمْ فلكم الجنّة، وإن غشيتم شيئًا من ذلك فأخذتم بحدّه في الدنيا؛ فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة؛ فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذّبكم، وإن شاء غفر لكم (٢). (٢: ٣٥٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث حسن - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٢٠) بسند حسن من طريق ابن إسحاق وأحمد في المسند (٢/ ٢٦٦ - الفتح الرباني) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٦): رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.\nوأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٨٠) من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث.\nقلنا: وحديث ابن إسحاق حسن إذا صرح بالتحديث وهو هنا كذلك.\nفالحديث حسن والله أعلم.\nوقال ابن حجر في ترجمة إباس بن معاذ بعد أن ذكر هذا الحديث: رواه جماعة عن ابن إسحاق هكذا وهو من صحيح حديثه لكن رواه زياد البكائي عن ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو -بدل الحصين- والأول أرجح أشار إلى ذلك البخاري في تأريخه (الإصابة ١/ ٣١٣ - ٣١٤ - ت ٣٨٧). وأما وقعة بعاث التي ورد ذكرها في هذه الرواية فقد بيّنتها رواية أخرى أخرجها البخاري في صحيحه (باب مناقب الأنصار / ح ٣٧٧٧). والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٢١) عن عائشة ﵂ قالت: (كان يوم بعاث يومًا قدّمه الله تعالى لرسوله فقدم رسول الله - ﷺ - المدينة وقد افترق ملؤهم وقُتِلت سَرواتهم وجُرحوا فقدَّمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام). واللفظ للبيهقي. اهـ.\n(٢) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح كما سيأتي في تخريج الحديث التالي. وفي إسناد الطبري هنا عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة، والصواب عبد الرحمن ولعله تصحيف والله أعلم.","vol":"2","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>قصة إسلام سعد بن معاذ</span>\n٤٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيقِيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، أنّ أسعدَ بن زرارة خرج بمُصْعَب بن عمير، يريد به دارَ بني عبْد الأشهل، ودار بني ظَفَر؛ وكان سعد بن مُعاذ بن النّعمان بن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظَفَر، على بئر يقال لها بئر مَرْق؛ فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجالٌ ممّن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيْد بن حُضَير يومئذ سيّدا قومهما من بني عبد الأشْهل؛ وكلاهما مُشرِك على دين قومه، فلمّا سمعا به، قال سعد بن مُعاذ لأسَيد بن حُضَير: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيَا دارنا، فإنه لولا أنّ أسعد بن زرارة منّا حيت قد علمت، كفيتُك ذلك؛ هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدَمًا، فأخذ أسَيد بن حُضير حَرْبَتَه. ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسْعَد بن زُرارة قال لمُصْعَب: هذا سيّد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مُصعب: إنْ يجلسْ أكلّمه، قال: فوقف عليهما مُتَشَتِّمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفّهان ضعفاءنا! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مُصعب: أوَ تجلسُ فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت؛ ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مُصعَب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لَعَرفْنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهّله. ثم قال: ما أحسنَ هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا له: تغتسل، فتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي ركعتين.\nقال: فقام فاغتسلَ، وطهّر ثوبيه، وشهد شهادة الحقّ، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلًا، إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحدٌ من قومه، وسأرسله إليكما الآن؛ سعد بن معاذ، ثم أخذ حربتَه، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلُوس في ناديهم؛ فلمّا نظر إليه سعد بن مُعاذ مقبلًا، قال: أحلفُ بالله، لقد جاءكم أسَيد بن حُضَير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف","vol":"2","page":45},{"text":"على النّادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدّثت أن نبي حارثة، قد خرجوا إلى أسْعَد بن زَرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم عرفوا أنه ابنُ خالتك ليُخْفِروك، قال: فقام سعد مُغضبًا مبادرًا تخوّفًا للذي ذكر له من بني حارثة. فأخذ الحرْبةَ من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا؛ ثم خرج إليهما؛ فلمَا رآهما سعد مطمئنّين، عرف أنّ أسَيدًا إنما أراد أن يسمَع منهما، فوقف عليهما متشتّمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينَك من القرابة ما رمْتَ هذا مني. تغشانا في دارنا بما نكره! وقد قال أسعد لمُصعب: أي مصعب! جاءك والله سيِّد مَن وراءه منْ قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا ورغبت فيه قبلتَه، وإنْ كرهتَه عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت؛ ثم ركز الحربة، فجلس فعرّض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا الله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم به؛ في إشراقة وتسهّله.\nثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتُمْ أسلمتم ودخلتم في هذا الدّين؟ قالا: تغتسِل فتطهَر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلِّي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه، وشهِد شهادة الحقّ، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدًا إلى نادى قومه، ومعه أسَيد بن حُضير؛ فلمّا رآه قومه مقبلًا: قالو: نحلف بالله لقد رجع سَعْد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلمّا وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمنُنا نقيبةً، قال: فإنّ كلامَ رجالِكم ونسائكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عَبْدِ الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.\nورجع أسعد ومصعب إلى منزل بن زرارة، فأقام عنده يدعُو النّاس إلى الإسلام حتى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون إلّا ما كان من دار بني أميّة بن زيد وخَطْمَة ووال وواقف؛ وتللك أوس الله؛ وهم من أوْس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسْلَت؛ وهو صَيفي، مكان شاعرًا لهم، وقائدًا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم من عن الإسلام، فلم يزل على","vol":"2","page":46},{"text":"ذلك حتى هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة؛ ومضى بَدْر وأحُد والخندق.\nقال: ثم إنَّ مُصعب بن عُمير، رجع إلى مكّة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموْسِم مع حُجَّاج قومهم من أهلِ الشرك؛ حتى قدموا مكّة؛ فواعدوا رسول الله - ﷺ - العقَبة من أوسط أيام التّشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامتهِ، والنّصر لنبيه - ﷺ - وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرْك وأهله (١). (٢: ٣٥٧/ ٣٥٨ / ٣٥٩/ ٣٦٠).\n٤٢ / أ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق؛ أنّ ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني، عن عُبادة بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبيد الله بن المغيرة وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا وأخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا (٢/ ٤٣٠) مع اختلاف في بعض الألفاظ من طريق عروة وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد سرده هذه القصة: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ٤٢) وأخرج ابن سعد كذلك قصة إسلام سعد بن معاذ من طريق الواقدي وهو متروك (الطبقات ٣/ ٤٢٠). ولكن باختصار.\nأي أن ابن هشام رواه مرسلًا من حديث عبد الله بن المغيرة وعبد الله بن أبي بكر وأخرجه البيهقي من حديث الزهري كذلك مرسلًا أي أن مخارج هذين المرسلين مختلف، أضف إلى ذلك رواية الطبراني المرسلة عن عروة.\nولو اتبعنا مذهب الشافعي وشروطه في قبول المرسل لرأينا أنها تنطبق على ما نحن بصدده ونفي قصة إسلام سعد بن معاذ. فمن شروطه ﵀: (أن يروى مرسلًا بمعناه عن راوٍ آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث).\nومن شروطه كذلك أن يكون قد قال به أكثر أهل العلم، ومعلوم أن أئمة السير والمغازي كابن هشام والطبري وابن سعد من المتقدمين وابن كثير والذهبي من المتأخرين قد أخرجوا هذه الرواية وأشاروا إلى ما فيها.\nنقول: لو أخذنا بالشروط الآنفة الذكر لكان الحديث حسنًا إن شاء الله تعالى. علمًا بأننا قد أخذنا بهذه الشروط لأنها روايات في السيرة وليست في الحلال والحرام، وليس فيها نكارة أو غرابة والله أعلم.\nوللمزيد في المعرفة عن اختلاف العلماء في العمل بالمراسيل راجع ما كتبه الحافظ العلائي في جامع التحصيل وما جاء في شرح علل الترمذي لابن رجب وكذلك ما جاء في كتاب منهج النقد في علوم الحديث للأستاذ نور الدين عتر ص ٣٧٣.","vol":"2","page":47},{"text":"الصامت، عن النبي - ﷺ - مثله (١). (٢: ٣٥٦/ ٣٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>مصعب بن عمير: داعية الإسلام في المدينة وقارئها يمهد الطريقَ لهجرة رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: فلمّا انصرف عنه القومُ بعث معهم رسول الله - ﷺ - مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصَيّ، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلِّمهم الإسلام، ويفقههم في الدّين؛ فكان يسمّى مُصعب بالمدينة: المقرئ، وكان مَنْزلُه على أسعد بن زرارة بن عُدس أبي أمامة (٢). (٢: ٣٥٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح فقد أخرج حديث عبادة بن الصامت هذا في بيعة العقبة الأولى: البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم - أما البخاري فقد أخرجه في مواضع عدة منها في باب وفود الأنصار وبيعة العقبة (٣ / ح ٣٨٩٣) وكذلك في كتاب التفسير - تفسير سورة الممتحنة وغير ذلك من المواضع.\nوأخرجه مسلم في صحيحه باب الحدود كفارات لأهلها (٣ / ح ١٧٠٩) وأحمد في مسنده (٥/ ٣٢٣) ولفظ البخاري في إحدى رواياته: أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم فاجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. فبايعناه على ذلك. (الفتح ٧/ ٢١٩ / ح ٣٨٩٢ / باب ٤٣).\n(٢) إسناده ضعيف ولكن معناه في إرسال مصعب بن عمير وهجرته في أوائل من هاجروا إلى المدينة وقيامه بعمل تعليم الناس وإقرائهم القرآن وتفقيههم في دين الله ثابت في السنة كما سنذكر روايات البخاري في ذلك من حديث البراء بن عازب ﵁ وذلك بعد أن نذكر الطرق المرسلة لإرسال مصعب بن عمير إلى المدينة من قبل رسول الله - ﷺ - وقول العلماء في ذلك:\nقلنا:\n١ - إسناد الطبري إلى ابن إسحاق ضعيف وقد أرسله ابن إسحاق.\n٢ - وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٨٦) عن ابن إسحاق مرسلًا فقال: فحدثني عاصم بن عمير بن قتادة: أنه (أي مصعب) كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمّه بعض. =","vol":"2","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٣ - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٣٧) عن ابن إسحاق مرسلًا. فقال: (ثم انصرفوا وبعث رسول الله - ﷺ - معهم مصعب بن عمير، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله - ﷺ - إنما بعثه بعدهم وإنما كتبوا له أن الإسلام قد فشا فينا فابعث إلينا رجلًا من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا في الإسلام ويقيمنا لسنته وشرائعه ويؤمنا في صلاتنا فبعث مصعب بن عمير ... إلخ).\n٤ - وأخرج البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٣٨) عن يزيد بن أبي حبيب قال: لما انصرف عن رسول الله - ﷺ - القوم بعث رسول الله - ﷺ - معهم مصعب بن عمير. وإسناده مرسل كما ترى. فيزيد أرسل عن الصحابة كما في علل الدارقطني (٤/ ٩٨).\nوقال ابن كثير: وقد روى البيهقي عن ابن إسحاق قال: فحدثني عاصم عن عمر بن قتادة أن رسول الله - ﷺ - إنما بعث مصعبًا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم، إلّا أنه جعل المرة الثانية هي الأولى. قال البيهقي: وسياق ابن إسحاق أتم (البداية والنهاية ٣/ ١٤٩).\nوقال الشيخ الفاضل إبراهيم العلي في السيرة الصحيحة (ص ١٠٥ / الحاشية رقم ٣) معلقًا على رواية ابن إسحاق السابقة الذكر عن عاصم بن عمر بن قتادة (ابن كثير ٢/ ١٨٠) ونسبه إلى البيهقي وسنده حسن ورجاله ثقات. اهـ.\nقلنا: أما رجاله فثقات كما قال ولكن سنده مرسل ولعله قصد أن سنده إلى عاصم حسن وإلا فهو مرسل.\n٥ - وفي حديث عروة الطويل الذي سيأتي ذكره والذي أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٠) وفي آخره: ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله - ﷺ - وكان يدعى المقرئ.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات.\nقلنا: فهذه روايات مرسلة كلها ولكنها تعتضد بما أخرجه البخاري في المسألة كما يلي:\n٦ - أخرج في صحيحه -كتاب مناقب الأنصار- ٤٦ - باب مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة (ح ٣٩٢٤) - عن البراء ﵁ قال: (أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أثم مكتوم، ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال ﵃).\n٧ - وأخرج في الباب نفسه / ح ٣٩٢٥ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: (أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أمّ مكتوم وكانوا يقرئون الناس ... الحديث) وقد شرح ابن حجر هذه المسألة شرحا وافيًا في فتح الباري (٧/ ٢٦١) وناقش قول موسى بن عقبة بأن أول من قدم المدينة مطلقًا أبو سلمة بن عبد الأسد، وجمع ابن حجر بين القولين قائلًا: فيجمع بين ذلك وبين ما وقع هنا بأن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة بل فرارًا من المشركين. بخلاف مصعب بن عمير فإنه خرج إليها للإقامة بها وتعليم من أسلم من أهلها بأمر النبي - ﷺ - =","vol":"2","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>بيعة العقبة الثانية</span>\n٤٤ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني مَعْبَد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القيْن، أخو بني سَلمة، أنّ أخاه عبد الله بن كَعْب - وكان من أعلم الأنصار - حدّثه أنّ أباه كعب بن مالك حدّثه - وكان كعب ممّن شهد العقبَة، وبايع رسول الله - ﷺ - بها- قال: خرجنا في حُجّاج قومنا، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البَراءُ بن مَعْرُور، سيّدُنا وكبيرنا. فلمّا وُجّهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البرَاء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيتُ رأيًا، والله ما أدري أتُوافقونني عليه أم لا! قال: فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ ألّا أدعَ هذه البنيَّة منّي بظهر -يعني الكعبة- وأنْ أصلِّيَ إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبيّنا أنه يصلي إلّا إلى الشام، وما نريدُ أن نخالفه. قال: فقال: إنّي لمُصلٍّ إليها، قال: فقلنا له: لكنَّا لا نفعل، قال: فكنَّا إذا حضرت الصّلاة صلّينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة.\nقال: وقد عِبْنا عليه ما صنَع، وأبَى إلّا الإقامة على ذلك، فلما قدِمْنَا مكّة قال لي: يا بنَ أخي، انطلِقْ بنا إلى رسول الله - ﷺ -؛ حتى أسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإنّي والله لقدْ وقعَ في نفسي منه شيء؛ لما رأيت من خِلافكم إيَّاي فيه.\nقال: فخرجنْا نسأل عن رسول الله - ﷺ - وكنّا لا نعرفه، ولم نرَهُ قبل ذلك - فلقينا رجُلًا من أهلِ مكّة، فسألناه عن رسول الله - ﷺ -، فقال: هل تعرفانه؟ قلنا. لا، قال: فهل تعرفان العبّاس بن عبد المطّلب عمّه؟ قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقدمُ علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرّجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد؛ فإذا العبّاس جالس ورسول الله - ﷺ - جالس مع العبّاس؛ فسلّمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال\n_________\n= فَلِكُلّ أولية من جهة. اهـ.\n٨ - وأخرج البخاري في صحيحه -كتاب التفسير- ٨٧ - سورة (سبح اسم ربك الأعلى) عن البراء ﵁ قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبي - ﷺ - مصعب بن عمير وابن أمّ مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي - ﷺ -. الحديث).","vol":"2","page":50},{"text":"رسول الله - ﷺ - للعبّاس: هل تعرفُ هذين الرّجُلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم؛ هذا البَرَاء بن معرور سيّد قومه؛ وهذا كعب بن مالك -قال: فوالله ما أنسى قولَ رسول الله - ﷺ -: الشاعر؟ قال: نعم- قال: فقال له البَراء بن معرور: يا نبيّ الله؛ إني خرَجتُ في سفري هذا؛ وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألّا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها؛ وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيء؛ فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قِبْلَةٍ لو صبرت عليها! فرجع البَراء إلى قِبْلة رسول الله - ﷺ -؛ وصلّى معنا إلى الشام، قال: وأهلُه يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات؛ وليس ذلك كما قالوا؛ نحن أعلم به منهم.\nقال: ثم خرجْنا إلى الحجّ، وواعَدنا رسول الله - ﷺ - في العقَبة من أوسط أيام التّشريق.\nقال: فلما فرغنا من الحجِّ؛ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - ﷺ - لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام، أبو جابر. أخبرناه، وكنّا نكتُم مَنْ معنا من المشركين من قومنا أمرَنا؛ فكلّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنّك سيّد من سادتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنّا نرغبُ بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعَوْنَاه إلى الإسلام؛ وأخبرناه بميعاد رسول الله - ﷺ - إيّانا العقَبة.\nقال: فأسلم، وشهد معنا العقَبة -وكان نقيبًا- فبتْنا تلك اللّيلة مع قومنا في رِحالنا حتى إذا مضى ثُلث الليل، خرجْنا من رِحَالنا لميعاد رسول الله - ﷺ -، نتسلل مستخفين تسلُّل القَطا؛ حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقَبة؛ ونحن سبعون رجلًا، ومعهم امرأتان من نسائهم: نُسيبة بنت كعب أمّ عُمارة إحدى نساء بني مازن بن النّجار، وأسماء بنت عمرو بن عديّ، إحدى نساء بني سَلمة؛ وهي أمّ منيع؛ فاجتمعنَا بالشِّعب ننتظر رسول الله - ﷺ -؛ حتى جاءنا ومعه عَمُّه العبّاس بن عبد المطّلب وهو يومئذ على دين قومه؛ إلّا أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له؛ فلمّا جلس كان أوّل مَنْ تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشرَ الخزرج -وكانت العربُ إنما يسمُّون هذا الحيّ من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا؛ وهو في عزّ من قومه ومنَعَة في بلده؛ وإنه قد أبى إلّا الانقطاعَ إليكم واللّحُوق بكم؛ فإن كنتم تروْن أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه","vol":"2","page":51},{"text":"ممّن خالفه؛ فأنتم وما تحمّلتم من ذلك؛ وإن كنتم تروْن أنكم مُسلموهُ وخاذلوه بعد الخروج إليكم؛ فمن الآن فدَعُوه، فإنّه في عزّ ومَنَعةٍ من قومه وبلده.\nقال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلّم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربّك ما أحبَبتَ.\nقال: فتكلّم رسول الله - ﷺ - فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثمّ قال: أبايعُكم عَلى أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.\nقال: فأخذ البَراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثَك بالحقّ لنمنعنّك مما نمنَع منه أزُرَنا، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلْقة؛ ورثناها كابرًا عن كابر.\nقال: فاعترض القول -والبراء يكلّم رسول الله - ﷺ - أبو الهيثم بن التَّيّهان، حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله؛ إنّ بيننا وبين النّاس حِبالًا وإنّا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عَسيتَ إن نحنُ فعلْنا ذلك، ثم أظهرَك الله، أن ترجعَ إلى قومك، وتَدَعَنا! قال: فتبسّم رسول الله - ﷺ -، ثم قال: بل الدَّم الدّم، الهدْم الهدْم! أنتم منّي وأنا منكم؛ أحارب مَنْ حاربتم وأسالم من سالمتم.\nوقد قال رسول الله - ﷺ -: أخرجوا إليّ منكم اثنَي عشر نقيبًا؛ يكونون على قومهم بما فيهم. فأخرجوا اثني عشر نقيبًا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس (١). (٢: ٣٦٠/ ٣٦١ / ٣٦٢/ ٣٦٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث حسن فقد أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٩٤ - ٩٥ - ٩٦ - ٩٧) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب أن أخاه عبد الله بن كعب -وكان من أعلم الأنصار- حدثه أن أباه كعبًا حدثه، وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله - ﷺ - بها. قال: خرجنا في حجاج قومنا المشركين وقد صلينا ... إلى قوله وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس ذلك كما قالوا، ونحن أعلم به منهم- وهذا إسناد حسن فقد صرح ابن هشام هنا بالتحديث. ثم أخرج ابن هشام بقية رواية الطبري من الطريق نفسه. فقال: قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب حدّثه أن أباه كعب بن مالك حدثه، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق ... الحديث إلى قوله: قال كعب بن مالك: (وقد كان قال =","vol":"2","page":52},{"text":"٤٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتادة، أنّ القومَ لمّا اجتمعوا لبيعةِ رسول الله - ﷺ -، قال العباس بن عبادة بن نَضْلة الأنصاريّ، ثم أخو بني سالم بن عوف: يا معشرَ الخزرج، هلْ تدرون عَلام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنّكم تبايعونه على حرْب الأحمر والأسود من الناس؛ فإن كنتم تروْن أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة؛ وأشرافُكم قتلًا أسلمتموه؛ فمن الآن فهو والله خِزْيُ الدّنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم تروْن أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهْكة الأموال، وقتْل الأشراف فخذوه، فهو والله خيرُ الدّنيا والآخرة. قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنّة، قالوا: ابسُط يدَك، فبسطَ يده فبايعوه.\nوأما عاصم بن عمر بن قَتادة، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليشدَّ العَقْدَ\n_________\n= رسول الله - ﷺ -: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس) وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث هنا فإسناده حسن.\nوقد ذكر ابن هشام جملتين ليستا من كلام الصحابي كعب - ﵁ - وهما: بيت لعوف بن أيوب الأنصاري وكذا عبارة أخرى هي قول ابن هشام: (وهو يشرح معنى كلمة الهدم) فقال: ويقال: الهدم الهدم أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم وقد فصل ابن هشام بين هاتين العبارتين وبين قول الصحابي مالك.\nوقد ذكر الهيثمي هذه الرواية، وقال: فهذا حديث ابن مالك عن العقبة وما حضر منها رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع (المجمع ٦/ ٤٥).\nوالحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١ - ٤٦٢) بإسناد قد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث فهو إسناد حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) مختصرًا من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وقال: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه.\nوقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي في سننه (٩/ ٩) وغيرهم. وانظر الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (١١١/ ١١٢).\nوانظر تأريخ الإسلام للذهبي قسم السيرة النبوية- العقبة الثانية الصفحات (٢٩٧ - ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"2","page":53},{"text":"لرسول الله - ﷺ - في أعناقهم. وأما عبدُ الله بن أبي بكر، فقال: والله ما قال العبّاس ذلك إلّا ليؤخّر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي ابن سَلُول، فيكون أقوى لأمر القوم. والله أعلم أيّ ذلك كان؛ فبنو النّجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوّل مَنْ ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التّيّهان (١). (٢: ٣٦٣/ ٣٦٤).\n٤٦ - قال ابن حُميد، قال: سلمة، قال محمّد: وأما معبَد بن كعب بن مالك فحدّثني -قال أبو جعفر: وحدّثني سعيد بن يحيى بن سعيد- قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، قال: فحدّثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعْب عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أوّل مَنْ ضرب على يد رسول الله - ﷺ - البرَاء بن معرور، ثم تتَابع القوم؛ فلمّا بايعنا رسول الله - ﷺ - صرخ الشّيطان من رأس العَقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهلَ الجباجب هل لكم في\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن له شاهد من حديث جابر بن عبد الله عند أحمد في مسنده (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠) وفيه: فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين فقال: رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلّا ونحن نعلم أنه رسول الله إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه أجركم على الله ﷿، وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم ضيقة فذروه فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا يأخذ علينا بشرطه العباس ويعطينا على ذلك الجنة.\nوأخرجه أحمد كذلك في موضع آخر (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال الهيثمي:\nرواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح - (المجمع ٦/ ٤٦) والحديث أخرجه الحاكم كذلك في المستدرك (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن كثير على شرط مسلم (السيرة النبوية ٢/ ١٩٦).\nوحسَّنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٢٢) وقال ابن كثير: هذا إسناد جيد على شرط مسلم (السيرة ٢/ ١٩٦) والحديث أخرجه كذلك ابن حبان (١٦٨٦) وغيرهم والله أعلم.\nوأما العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري الذي ورد ذكره في رواية الطبري فسيأتي ذكره في الرواية التالية للطبري.","vol":"2","page":54},{"text":"مُذمّم والصُّباءِ معه، قد اجتمعوا على حربكم! فقال رسول الله - ﷺ -: ما يقول عدو الله؟ هذا أزَبّ العقبة، هذا ابن أزْيب؛ اسمع عدوّ الله؛ أما والله لأفْرُغَنَّ لك. ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: ارفضّوا إلى رحالكم. فقال له العبّاس بن عبادة بن نضلة: والّذي بعثَك بالحق لئن شئت لنميلنّ غدًا على أهل مِنىً بأسيافنا، فقال رسول الله - ﷺ -: لم نؤمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحاكم، قال: فرَجعنا إلى مضاجعنا، فنِمْنا عليها؛ حتى أصبحنا؛ فلمّا أصبحنا غدَتْ علينا جلَّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشرَ الخزرج؛ إنّا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا؛ وإنّه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشَبَ الحرب بيننا وبينهم منكم؛ قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه.\nقال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظرُ إلى بعض؛ وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان.\nقال: فقلت كلمة كأنّي أريد أن أشرِك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر؛ أما تستطيع أن تتّخذ وأنت سيّد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه؛ ثم رمى بهما إليّ، وقال: والله لتنعلنَّهما. قال: يقول أبو جابر: مَهْ أحفظت والله الفتى! فاردُدْ عليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردّهما؛ فأل والله صالح؛ والله لئن صدق الفأل لأسلُبنّه.\nفهذا حديث كعب بن مالك عن العَقبة وما حضر منها (١). (٢: ٣٦٤/ ٣٦٥).\n٤٧ - وقد حدَّثنا ابن حُميد -قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت- وكان أحد النقباء- قال: بايعْنا رسول الله - ﷺ - على بيعة\n_________\n(١) حديث حسن وإسناده مركب فهو من طريقين إلى ابن إسحاق، أما الأولى فضعيف لأنه من طريق ابن حميد الرازي، وأما الثانية فمن طريق سعيد بن يحيى بن سعيد عن أبيه (وهما من رجال الصحيح) عن ابن إسحاق به- والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٥): رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع. اهـ.\nوراجع ما ذكرناه في تخريج الحديث (٤٣) فلا داعي للإعادة والإطالة.","vol":"2","page":55},{"text":"الحرب؛ وكان عُبادة من الاثني عشر الّذين بايعوا في العقَبة الأولى (١). (٢: ٣٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>الهجرة إلى المدينة</span>\n٤٨ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد بن جَبْر أبي الحجاج، عن ابن عبّاس، قال: وحدّثني الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس والحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عُتَيبة، عن مقسَم، عن ابن عبّاس قال: لمّا اجتمعوا لذلك واتَّعدُوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله - ﷺ - غَدَوْا\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح لغيره، والحديث من شطرين: الأول -الكلام عن بيعة الحرب (أي بيعة العقبة الثانية) وأن عبادة بن الصامت كان ممن حضر تلك البيعة، والشطر الثاني هو الكلام عن بيعة العقبة الأولى وكون عبادة ممن حضرها- قلنا: أما الشطر الأول فقد أخرجه البيهقي بأطول مما عند الطبري كما في الدلائل (٣/ ٤٥٢) من طريق يونس عن ابن إسحاق. قال: حدثني عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله - ﷺ - بيعة الحرب على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ... الحديث).\nوأخرجه البيهقي من طريق آخر عن عبادة (الدلائل ٢/ ٤٥١) ولفظه: أنَّا بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف ... الحديث. وفيه: (وعلى أن ننصر رسول الله - ﷺ - إذا قدم علينا يثرب. بما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله - ﷺ - بايعناه عليها).\nوقد أخرج ابن كثير هذه الرواية في السيرة وقال: وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه (البداية والنهاية ٣/ ١٦١).\nوأما الشطر الثاني من رواية الطبري (وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى) فقد أخرج البخاري في صحيحه- ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (٤٣) باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - بمكة وبيعة العقبة ح ٣٨٩٣ - عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه قال: (إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله - ﷺ - وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحق ولا ننهب ولا نقضي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا في ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله.\nوأخرجه البخاري في مواضع أخرى وكذلك مسلم وأحمد ذكرناها بالتفصيل في تخريج الأثر (٤١) عند الحديث عن بيعة العقبة الأولى فراجعها هناك.","vol":"2","page":56},{"text":"في اليوم الذي اتّعدوا له: وكان ذلك اليوم يسمى الزَّحْمَة؛ فاعترضهُم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتٌّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوْه واقفًا على بابها، قالوا: مَن الشيخُ؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمع بالذي اتّعدتم له، فحضر معكم ليسْمَعَ ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكُم منه رأي ونُصحٌ، قالوا: أجَلْ، فادخُلْ، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلّهم، من كلّ قبيلة؛ من بني عبد شمس شَيبة وعُتْبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بني نَوْفل بن عبد مناف طُعَيمَة بن عديّ وجبير بن مُطعِم والحارث بن عامر بن نوفل، ومن بني عبد الدار بن قُصَيّ النَّضر بن الحارث بن كلَدَة، ومن بني أسَد بن عبد العُزّى أبو البختريّ بن هشام وزَمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حِزام، ومن بني مخزوم أبو جهل بن هِشام، ومن بني سهم نُبيه ومُنبِّه ابنا الحجاج، ومن بني جُمَح أميّة بن خلَف؛ ومَنْ كان معهم وغيرهم ممن لا يُعدُّ من قريش.\nفقال بعضُهم لبعض: إنّ هذا الرجلَ قد كان أمْره ما قد كان وما قد رأيتم؛ وإنّا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمَنْ قد اتّبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا؛ قال: فتشاوروا. ثم قال قائلٌ منهم: احبسُوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله: زُهَيرًا، والنّابغة ومَنْ مضى منهم؛ من هذا الموت حتى يصيبَه منه ما أصابهم.\nقال: فقال الشيخُ النجديّ: لا والله، ما هذا لكم برأي؛ والله لو حبستموُه -كما تقولون- لخرج أمرهُ من وراء الباب الذي أغلقتمُوه دونَه إلى أصحابه؛ فلأوشكوا أن يثبُوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا؛ ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.\nثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فنَنفيه من بلدنا؛ فإذا خرج عنّا فوالله ما نبالي أين ذهبَ، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه. فأصلحنا أمرَنا، وألفتنا كما كانت.\nقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي؛ ألم تروْا حسنَ حديثه، وحلاوة منطقه، وغَلبته على قلوب الرجال بما يأتي به! والله لو فعلتُم ذلك ما أمنتُ أن يحلّ على حيّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه","vol":"2","page":57},{"text":"عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد. أديروا فيه رأيًا غير هذا!\nقال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعدُ! قالوا: وما هو يا أبا الحكَم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة فتىً شابًّا جلْدًا، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كلّ فتىً منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدُون إليه، ثم يضربونه بها ضرْبة رجل واحد فيقتلونه فنستريح؛ فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل كلّها؛ فلم يقدر بنُو عبد مناف على حَرْب قومهم جميعًا، ورضُوا منَّا بالعقل فعقلناه لهم.\nقال: فقال الشيخ النجديّ: القول ما قال الرجُل، هذا الرأي لا رأْيَ لكم غيره.\nفتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل رسول الله - ﷺ -، فقال: لا تبتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنتَ تبيت عليه!\nقال: فلمّا كان العَتمةُ من اللّيل، اجتمعوا على بابه فترصّدوه متى ينام، فيثبون عليه. فلمّا رأى رسول الله - ﷺ - مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نمْ على فراشي، واتّشحْ ببرْدي الحضرميّ الأخضر؛ فنمْ فإنه لا يخلُص إليك شيء تكرهه منهم. وكان رسول الله - ﷺ - ينام في بُرده ذلك إذا نام (١).\n_________\n(١) هذا إسناد مركب من طريقين: أحدهما من طريق ابن حميد إلى ابن عباس وهو ضعيف لضعف ابن حميد وإن كان ابن إسحاق قد صرّح بالتحديث هنا.\nأما الطريق الثاني فهو من طريق الكلبي وهو ضعيف. والحديث أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ١٣٦) ولكنه ضعيف لإبهامه اسم شيخه في هذه الرواية. وأخرجه ابن سعد روايات عدة كلها من طريق الواقدي وهو متروك (الطبقات ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨) وقد ذكر ابن كثير هذه القصة بطولها وأشار إلى روايات الواقدي قائلًا:\nوهذه القصة التي رواها ابن إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعلي وسراقة بن مالك بن جعشم وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدم (البداية والنهاية ٣/ ١٧٤) ولقد أخرجه البيهقي في الدلائل من طرق:\nالأول (٢/ ٤٦٦): من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا مختصرًا دون ذكر اجتماعهم بدار الندوة وتفاصيل ذلك.\nالثاني (٢/ ٤٦٧): من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق معلقًا ولكن بشيء من التفصيل =","vol":"2","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ذكر فيه اجتماعهم بدار الندوة واعتراض الشيطان في صورة رجل وادعائه بأنه نجدي ... إلخ.\nالثالث (٢/ ٤٦٨): من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد عن أبيه عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. ولم يصرح فيه ابن إسحاق بالتحديث.\nالرابع (٢/ ٤٩٦): من طريق الكلبي عن زاذان عن عبد الله بن عباس مختصرًا.\nأما الذهبي فقد ذكر القصة في السيرة النبوية ثم أشار إلى طرقه التي ذكرناها سابقًا عن البيهقي فقال الذهبي:\nرواه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي عن أبيه ثنا ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (ح) قال ابن إسحاق: وحدثني الكلبي عن باذام مولى أم هانئ عن ابن عباس فذكر معنى الحديث. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٦٣) من طريق الفضل بن غانم عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به. وهذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن غانم والله أعلم.\nوأخرج ١/ ٣٤٨ - ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال: وأخبرني عثمان الجزري أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي - ﷺ - وقال بعضهم: بل اقتلوه وقال بعضهم: بل أخرجوه فأطلع الله ﷿ نبيه على ذلك فبات عليٌّ على فراشٍ النبي - ﷺ - تلك الليلة وخرج النبي - ﷺ - حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي - ﷺ - فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوا عليًّا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل خلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال- وفي إسناده كما ترى عثمان بن عمرو الجزري. قال الحافظ في التقريب: فيه ضعف. قلنا: وقد ذكرنا هذه الرواية من باب الاستشهاد (أو الاعتبار) لا من قبيل الاحتجاج به. وهذه الرواية أخرجها عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٨٩) وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٢٣٦): سنده حسن. وقال ابن كثير: إسناده حسن وهو من أجود ما روي في قصة العنكبوت على فم الغار.\nقال الألباني المحدث في السلسلة الضعيفة (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ / ح ١١٢٩) بعد نقله لكلام ابن كثير: [وهذا إسناد حسن ... إلخ].\nكذا قال (والكلام للألباني)، وليس بحسن في نقدي لأن عثمان الجزري إن كان هو عثمان بن عمرو بن ساج الجزري فقد قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ١ / ١٦٢) عن أبيه: لا يحتج به. وأورده الذهبي في الضعفاء وقال: تكلم فيه.\nوإن كان هو عثمان بن ساج الجزري ليس بينهما عمرو، فقد جنح الحافظ في \"التهذيب\" إلى =","vol":"2","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أنه غير الأول، ولا يعرف حاله، ولم يفرق بينهما في \"التقريب\" وقال: فيه ضعف.\nوابن عمرو لم يوثقه أحد غير ابن حبان، ومن المعروف تساهله في التوثيق، ولذلك فهو ضعيف لا يحتج به كما قال أبو حاتم.\nوقال الهيثمي في (المجمع ٧/ ٢٧)، رواه أحمد والطبراني وفيه عثمان بن عمرو الجزري، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. ولذلك قال المحقق أحمد شاكر في تعليقه على المسند: في إسناده نظر. ثم إن الآية المتقدمة ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ فيها ما يؤكد ضعف الحديث، لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كان بجنود لا ترى. والحديث يثبت أن نصره - ﷺ - كان بالعنكبوت وهو مما يرى. فتأمل.\nوالأشبه بالآية أن الجنود فيها إنّما هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين وكذلك قال البغوي في تفسيره (٤/ ١٧٤) للآية.\nوقال المؤرخ الإسلامي الكبير (أكرم العمري): وقد ورد حديث ضعيف جدًّا يفيد أن الرسول - ﷺ - لما بات في غار ثور أمر الله شجرة فنبتت في وجه الغار وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأن ذلك سبب صدود المشركين عن الغار ... ومثل هذه الأساطير تسربت إلى مصادر كثيرة في الحديث والسيرة (صحيح السيرة ١/ ٢٠٨، وراجع ما كتبه العمري في حاشية هذه الصفحة).\nوقصة تآمر رجالات قريش لقتل رسول الله - ﷺ - وإخبار الله سبحانه نبيه بمكرهم ذلك ومبيت علي - ﵁ - مكان الرسول - ﷺ - ورد في بداية حديث طويل أخرجه الطبراني مرسلًا عن عروة. وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٥٢): رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وحديثه حسن.\nوأخرج البزار عن أبي بشر بن معاذ العقدي ثنا عوين بن عمرو القيسي، ثنا أبو مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يحدثون أن النبي - ﷺ - لما كان ليلة بات في الغار أمر الله ﵎ شجرة فنبتت في وجه الغار فسترت وجه النبي - ﷺ -، وأمر الله ﵎ العنكبوت فنسجت على وجه الغار ... إلى آخره.\nقال البزار: لا نعلم رواه إلَّا عوين بن عمرو وهو بصري مشهور، وأبو مصعب فلا نعلم حدث عنه إلّا عوين وكان عوين ورباح أخوين.\n(كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/ ٢٩٩ / ح ١٧٤١ - باب الهجرة إلى المدينة).\nقلنا: وفيه عوين بن عمرو. قال الحافظ لا يتابع على حديثه (اللسان ٥/ ٣٥٧ / ت ٦٤٤٢).\nقلنا: فرواية الطبري (٤٨) حسنة بمجموع طرقها سوى زيادة نسج العنكبوت وإنبات الشجرة أمام الغار فغير صحيحة علمًا بأن هذه الزيادة ليست في رواية الطبري التي نحن بصددها هنا =","vol":"2","page":60},{"text":"٤٩ - قال أبو جعفر: وأذِنَ الله ﷿ لرسوله - ﷺ - عندَ ذلك بالهجرة، فحدّثنا عليّ بن نصر الجهضميّ، قال: حدَّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، وحدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُرْوة، عن عُرْوة، قال: لَمّا خرج أصحابُ رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وقَبْل أن يخرج -يعني رسول الله - ﷺ - وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمِرُوا فيها بالقتال، استأذنه أبو بكر؛ ولم يكن أمرَه بالخروج مَعَ مَنْ خرج من أصحابه، حبسه رسول الله - ﷺ -، وقال له: أنظِرْني، فإنّي لا أدري؛ لعلّي يُؤذن لي بالخروج. وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدّهما للخروج مع أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى المدينة؛ فلمّا استنظره رسول الله - ﷺ -، وأخبره بالذي يرجو من ربّه أن يأذَن له بالخروج، حَبَسهما وعَلَفهما، انتظارَ صحبة رسول الله - ﷺ -، حتى أسمنهما، فلما حبس عليه خروج النبيّ - ﷺ -، قال أبو بكر: أتطمع أن يؤذن لك؟ قال: نعم. فانتظره فمكث بذلك. فأخبرتني عائشة، أنهم بينا هم ظُهْرًا في بيتهم، وليس عند أبي بكر إلّا ابنتاه: عائشة وأسماء؛ إذا هم برسول الله - ﷺ -، حين قام قائم الظّهيرة -وكان لا يخطئه يومًا أن يأتِيَ بيتَ أبي بكر أوّل النهار وآخرَه- فلما رأى أبو بكر النبي - ﷺ - جاء ظُهْرًا، قال له: ما جاء بك يا نبي الله إلّا أمرٌ حدث؟ فلمّا دخلَ عليهم النبيّ - ﷺ - البيت، قال لأبي بكر: أخْرِجِ مَنْ عندك، قال: ليس علينا عَين، إنّما هما ابنتاي، قال: إنّ الله قد أذِن لي بالخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، الصّحابة، الصّحابة! قال: الصحابة. قال أبو بكر: خذ إحدى الرّاحلتين -وهما الرّاحلتان اللتان كان يعلِفهما أبو بكر، يُعِدُّهما للخروج، إذا أذِن لرسول الله - ﷺ - فأعطاه إحدى الرّاحلتين، فقال: خذها يا رسول الله فارتحلْها، فقال النبيّ - ﷺ -: قد أخذتُها بالثمن، وكان عامر بن فُهَيرة مُولّدًا من مُوَلّدي الأزْدِ، كان للطُّفَيل بن عبد الله بن سَخْبَرةَ، وهو أبو الحارث بن الطُّفَيل، وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمّهما، فأسلم عامر بن فُهيرة، وهو مملوك لهم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان حَسَنَ الإسلام، فلمَا\n_________\n= والله أعلم. ومعلوم أن تآمر مشركي قريش لقتله ﵊ قد ثبت بنص التنزيل الكريم والله أعلم.","vol":"2","page":61},{"text":"خرج النبيّ - ﷺ - أبو بكر، كان لأبي بكر مَنيِحةٌ من غَنمٍ تروحُ على أهله، فأرسل أبو بكر عامرًا في الغنم إلى ثور، فكان عامر بن فهَيرة يروح بتلك الغَنَم على رسول الله - ﷺ - بالغار في ثَوْر، وهو الغار الذي سمّاه الله في القرآن، فأرسل بظهرهما رجلًا من بني عبد بن عديّ، حليفًا لقريش من بني سَهْم، ثم آل العاص بن وائل؛ وذلك العَدَويّ يومئذ مشركٌ، ولكنّهما استأجراه، وهو هاد بالطّريق.\nوفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبدُ الله بن أبي بكر حين يُمسي بكلّ خبر بمكّة، ثم يصبح بمكّة ويريح عامر الغنم كلّ ليلة، فيحلُبان، ثم يسرح بُكرَةً فيصبح في رُعْيانِ النّاس، ولا يُفْطنُ له؛ حتى إذا هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أنْ قد سُكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريهما، فانطلقا وانطُلق معهما بعامر بن فُهَيرةَ يخدمُهما ويعينهما، يُردفه أبو بكر ويُعقبه على رَحْله، ليس معهما أحدٌ إلّا عامر بن فُهَيرة وأخو بني عديّ يهديهما الطّريق، فأجاز بهما في أسفلَ مكة، ثم مضى بهما حتى حاذَى بهما الساحل، أسفلَ من عُسْفان، ثم استجاز بهما حتى عارض الطّريق بعدما جاوز قُدَيدًا، ثم سلك الخَرَّار، ثم أجاز على ثنيَّة المَرَة، ثِم أخذ على طريق يقال لها المدْلجة بين طريق عَمْق وطريق الرَّوْحاء، حتى توافوْا طريق العَرْج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركُوبة؛ حتى يَطْلع على بطن رئم، ثم جاء حتى قدِم المدينة علي بني عمرو بن عوف قبل القائلة (١). (٢: ٣٧٥/ ٣٧٦ / ٣٧٧).\n_________\n(١) إسناده صحيح وإن كان عروة قد ذكر كلامًا قبل أن يقول: فأخبرتني عائشة، وهو صحيح كما عند البخاري، إلّا أن البخاري لم يذكر في نهاية الحديث التفاصيل الدقيقة عن مراحل الطريق وأسماء الأماكن التي مرّوا بها إلّا أنه اختصر في وصف طريق هجرتهما قائلًا: وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدّليل، فأخذ بهم طريق السواحل.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه -كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٠٥ / أن عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين، ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار: بكرة وعشية. الحديث وفيه [والنبي - ﷺ - يومئذ بمكة. فقال النبي - ﷺ - للمسلمين: إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهّز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله - ﷺ -: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - ﷺ - ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر -وهو الخبط- أربعة أشهر]. =","vol":"2","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوسًا في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - متقنعًا -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله - ﷺ - فاستأذن، فأذن له، فدخل. فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله - ﷺ -: نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله - ﷺ -: بالثمن. قالت عائشة: فجهزناها أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق. قالت: ثم لحق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر بغار في جبل ثور. فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل -وهو لبن منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خرِّيتًا -والخرِّيت الماهر بالهداية- وقد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور -بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل (الفتح ٧/ ٢٣١ - ٢٣٢) والحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل مختصرًا قليلًا (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ / ج ٢٣٠) عن عائشة - ﵂ - وفي آخره: فأخذ بهم طريق السواحل وهو طريق أذاخر ... أما تفاصيل الطريق وأسماء الأماكن التي مر بها رسول الله - ﷺ - مع الصديق في الهجرة المباركة فقد أورده الطبري في هذه الرواية، وكذلك أخرج الحاكم حديثًا في ذكر تفاصيل ذلك مع بعض الزيادات من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين عن عروة بن الزبير عن عائشة - ﵂ - ... وفيه: [فسلك بهما أسفل من مكة ثم مضى بهما حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما على أسفل أمج ثم عارض الطريق بعد أن أجاز قديدًا ثم سلك بهما الحجاز ثم أجاز بهما ثنية المرار ثم سلك بهما الحيفاء ثم أجاز بهما مدلجة ثقف ثم استبطن بهما مدلجة صحاح ثم سلك بهما مذحج ثم ببطن مذحج من ذي الغصن ثم ببطن ذي كشر ثم أخذ الجباجب ثم سلك ذي سلم من بطن أعلى مدلجة ثم أخذ القامة ثم هبط العرج ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبه ثم هبط بطن ريم، فقدم قباء على بني عمرو بن عوف -قال الذهبي: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- =","vol":"2","page":63},{"text":"٥٠ - وقد حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميميّ، قال: حدّثني عُروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة زوْج النبيّ - ﷺ -، قالت: كان رسول الله - ﷺ - لا يخطئه أحد طرفَي النهار أن يأتيَ بيت أبي بكر إمّا بُكْرةً، وإمّا عشيّة؛ حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكّة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله - ﷺ - بالهاجِرة، في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلمّا رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله - ﷺ - هذه السّاعة إلا لأمرٍ حدث. قالت: فلمّا دخل تأخّر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله - ﷺ -، وليس عند أبي بكر إلّا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -: أخْرِجْ عَنّي مَنْ عندك، قال: يا نبيّ الله، إنّما هما ابنتايَ، وما ذاك فداك أبي وأمّي! قال: إنّ الله ﷿ قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول الله، قال: الصّحبة.\nقالت: فوالله ما شعرتُ قَطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدًا يبكي من الفرح؛ حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح. ثم قال: يا نبيّ الله، إن هاتينِ راحلتايَ، كنت أعددتُهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقد -رجلًا من بني الدِّيل بن بكْر، وكانت أمّه امرأةً من بني سَهْم بن عمرو، وكان مشركًا- يدلّهما على الطّريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسول الله - ﷺ - أحدٌ حين خرج إلّا عليٌّ بن أبي طالب وأبو بكر الصدّيق، وآل أبي بكر؛ فأمّا عليّ، بن أبي طالب فإنّ رسول الله - ﷺ - فيما بلغني- أخبره بخروجه، وأمرَهَ أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يؤدّيَ عن رسول الله - ﷺ - الودائع التي كانت عنده للنّاس، وكان رسول الله - ﷺ - وليس بمكة أحدٌ عنده شيء يخشى عليه إلّا وضعه عند رسول الله - ﷺ -، لِمَا يُعرف من صدقه وأمانته. فلمّا أجمعَ رسول الله - ﷺ - للخروج أتى أبا بكر بن أبي قُحافة، فخرجا من خَوْخَة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عَمدَا إلى غار بثَوْر جبل بأسفل مكة، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أنْ يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارَه، ثم يأتيهما إذا\n_________\n= وسكت عنه الذهبي وصححه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٣٨)].","vol":"2","page":64},{"text":"أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخَبر، وأمَر عامرَ بن فُهَيرة مولاه أن يرعَى غنمه نهاره، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى بالغار. وكانت أسماءُ بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول الله - ﷺ - في الغار ثلاثًا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدُوه مئة ناقة لمن يردّه عليهم، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم، ويستمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخَبر، وكان عامر بن فُهَيرة مولَى أبي بكر يرعَى في رُعيان أهلِ مكّة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكّة اتّبع عامر بن فهيرة أثرَه بالغنم، حتى يُعفِّيَ عليه؛ حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبُهما الذي استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عِصامًا. فلما ارتحلا ذهبت لتعلّق السُّفرة، فإذا ليس فيها عِصامٌ فحلّت نطاقها، فجعلَتْه لها عصَامًا، ثم عَلّقتها به -فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النّطاقين؛ لذلك -فلما قَرَّب أبو بكر الرّاحلتين إلى رسول الله - ﷺ -، قَرّب له أفضلهما، ثم قال له: اركب فداك أبي وأمّي! فقال رسول الله - ﷺ -: إنّي لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهو لك يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة مولاهُ خَلْفَه يخدمُهما بالطريق (١). (٢/ ٣٧٧ / ٣٧٨/ ٣٧٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح كما سبق تخريجه في الحديث السابق (٧٠) وفيها: [وجعلت قريش حين فقدوه مئة ناقة لمن يرده عليهم] وهي عند البخاري (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٠٦) بصيغة أخرى من حديث سراقة بن جعشم أنه قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله - ﷺ - وأبي بكر دية كلِّ واحد منهما لمن قتله أو أسره ... الحديث.\nقال الحافظ: قوله (دية كل واحد) أي مئة من الإبل وصرّح بذلك عقبة وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزهري وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني: (وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما وجعلوا في النبي - ﷺ - مئة ناقة ... الحديث).\nلم يتطرق الطبري ﵀ إلى قصة أم معبد إلّا عابرًا من خلال ذكره للقصيدة التي قالها الجن وفيه:\nجزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حَلَّا خيمتي أمّ معبد =","vol":"2","page":65},{"text":"٥١ - قال أبو جعفر: وقدِم دليلهُما بهما قُباءَ، على بني عمرو بن عوف، لثْنتَي ليلةً خلَتْ من شهر ربيع الأول، يوم الإثنين حين اشتد الضُّحى، وكادت الشمس أن تعتدل (١). (٢: ٣٨١).\n_________\n= وقد ذكرنا هذه الرواية (٧١) في الضعيف، وقد ذكر أصحاب السير والمغازي أنه - ﷺ - نزل هو وصاحبه الصديق - ﵁ - في طريق الهجرة بخيمة تسمى (حيمة أم معبد) وخلاصة القصة أنها اعتذرت - ﷺ - عن إطعامهما لعدم وجود طعام في بيتها وكان لها شاة لا تدر لبنًا لهزالها فمسح ﵊ ضرع الشاة بيده الشريفة ثم حلب في إناء وشرب منه الجميع -والحديث رواه الطبراني في الكبير (٤/ ٥٦) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٥٨): وفي إسناده جماعة لم أعرفهم.\nوأخرجه ابن سعد من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي وهو كذاب (الطبقات ١/ ٢٣٠) وأخرجه ابن سيد الناس (عيون الأثر ١/ ١٨٨) وفيه من هو متهم -الكديمي- وطرق الحديث هذه ضعيفة.\nوأخرج البزار عن حديث قيس بن نعمان السكوني (وهو صحابي - ﵁ -) أنه قال: لما انطلق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال والله ما لنا شاة وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن فقال رسول الله - ﷺ - أحسبه-: فما تلك الشاة؟ فأتى بها. فدعا رسول الله - ﷺ - لها بالبركة ثم حلب عبئًا فسقاه ثم شربوا فقال: أنت الذي يزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم يقولون.\nقال: أشهد أن ما جئت به حق. ثم قال: أتبعك؟ قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا، فاتبعه بعد. (كشف الأستار ٢/ ٣٠١ / ح ١٧٤٣) وأشار الهيثمي إلى رواية البزار هذه قائلًا (المجمع ٦/ ٥٨): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. ولكن البزار يرى في رواية الصحابي هذه مخالفة لبقية روايات حديث أم معبد فقال: لا نعلم روى قيس عن النبي إلا هذا ولا نعلمه بهذا اللفظ إلا عنه وهو يخالف سائر الأحاديث في قصة أم معبد. ولكن هذا حدث به عبيد بن إياد.\nوقال الحافظ أخرجها الطبراني من حديث قيس بن النعمان بسند صحيح وسياق أتم. (الإجابة ٥/ ٥٠٦).\nولا نريد أن نطيل في ذكر قصة أم معبد ورواياتها لأن الطبري لم يذكرها إلا عابرًا كما ذكرنا ونحن بصدد تحقيق ما ذكره الطبري من الروايات ومن أراد أن يقف على باقي روايات قصة أم معبد المتبقية فليرجع إلى ما كتبه المؤرخ العمري بالتفصيل عن هذه القصة ورواياتها من مقال- فهي لا تقوم بها حجة (صحيح السيرة ١/ ٢١٢ - ٢١٥).\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد وهو من شطرين. أما الشطر الأول فهو صحيح وهو قوله (وقدم دليلهما بهما قباء على بني عمرو بن عوف) فقد أشرنا سابقًا إلى أنه جزء من حديث =","vol":"2","page":66},{"text":"٥٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزُّبَيْر، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قالوا: لما سمِعْنَا بمخرج رسول الله - ﷺ - من مكة، وتوكَّفنا قدومه، كنّا نخرج إذا صلّينا الصبح إلى ظاهِر حَرَّتنا، ننتظرُ رسول الله - ﷺ -؛ فوالله ما نَبْرَح حتى تغلبنا الشمس على الظلال؛ فإذا لم نجد ظِلًّا دخلنا بيوتنا، وذلك في أيام حارّةٍ؛ حتى إذا كان في اليوم الذي قَدِم فيه رسول الله - ﷺ - جلسنا كما كنّا نجلس؛ حتى إذا لم يبق ظلٌّ دخلنا بيوتنا، وقدِم رسول الله - ﷺ - حين دخلنا البيوت، فكان أوّل مَنْ رآه رجلٌ من اليهود، وقد رأى ما كنَّا نصنع، وإنّا كُنّا ننتظر قدومَ رسول الله - ﷺ -، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيلة هذا جَدُّكم قد جاء.\nقال: فخرجنا إلى رسول الله - ﷺ -، وهو في ظلِّ نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سِنِّه وأكثرُنا مَنْ لم يكن رأى رسول الله - ﷺ - قبل ذلك، قال: وركبه الناس، وما نعرفه من أبي بكر؛ حتى زال الظلّ عن رسول الله - ﷺ -، فقام أبو بكر، فأظلّه بردائه، فعرفناه عند ذلك (١). (٢: ٣٨١/ ٣٨٢).\n_________\n= أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٨) وفي آخره (فقدم قباء علي بني عمرو بن عوف) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.\nقلنا: وهو من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث فهو إسناد حسن والله أعلم.\nأما الشطر الثاني من رواية الطبري:\nفقد ذكره ابن هشام كذلك بلاغًا (السيرة النبوية ٢/ ١٥٦) ولكن أخرج البخاري في صحيحه كتاب (مناقب الأنصار / ج ٣٩٠٦) عن عروة بن الزبير مرسلًا من حديث طويل، وفيه (فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول) وقال ابن حجر معقبًا: وهذا هو المعتمد (الفتح ٧/ ٢٤٤).\nوأخرج الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٧٢) (عن عاصم بن عدي - ﵁ - قال: قدم رسول الله - ﷺ - يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فأقام بالمدينة عشر سنين).\nوقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٦٣): رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه (٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٠٦) عن عروة بن الزبير مرسلًا وفيه: وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله - ﷺ - من مكة فكانوا يغدون كلّ غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردّهم حرّ الظهيرة فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من =","vol":"2","page":67},{"text":"٥٣ - فأقام رسول الله - ﷺ - بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسَّس مسجدهم؛ ثم أخرجه الله ﷿ من بين أظهرهم يوم الجمعة؛ وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنّه مكث فيهم أكثرَ من ذلك. والله أعلم.\n_________\n= آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه مبيّضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون.\nفثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله - ﷺ - صامتًا فطفق من جاء من الأنصار -ممن لم ير رسول الله - ﷺ - يُحيِّي أبا بكر حتّى أصابت الشمس رسول الله - ﷺ - فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله - ﷺ - عند ذلك.\nقال الحافظ معقبًا على سند هذه الرواية عند البخاري: قوله (قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله - ﷺ - لقي الزبير في الركب) هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولًا، وقد أفرده الحاكم في وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلًا وصورته مرسل. لكن وصله الحاكم أيضًا من طريق معمر عن الزهري قال: (أخبرني عروة أنه سمع الزبير- به) (الفتح ٧/ ٢٤٣).\nقلنا: وحديث الحاكم الذي أشار إليه ابن حجر يحكي أصل القصة كما في المستدرك (٣/ ١١) عن الزهري قال: (أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع الزبير يذكر أنه لقي الركب من المسلمين كانوا تجارًا بالشام قافلين من مكة عارضوا رسول الله - ﷺ - وأبا بكر بثياب بيض حين سمعوا بخروجهم فلما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله - ﷺ - كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم حر الظهيرة فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطمًا من آطامهم لينظر إليه فبصر برسول الله - ﷺ - وأصحابه مبيّضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا صاحبكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. اهـ.\nوللحديث رواية أخرى تصلح في الشواهد وهو ما أشار إليه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٠ - ٦١) وقال: رواه البزار وفيه عبد الله بن أسلم وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره.\nقلنا: خلاصة القول: الحديث الذي رواه الطبري في قصة انتظار أهل المدينة قدوم رسول الله - ﷺ - صحيح لغيره والله أعلم.","vol":"2","page":68},{"text":"ويقول بعضهم: إنّ مقامه بقُباء كان بضعة عشر يومًا (١). (٢: ٣٨٣).\n_________\n(١) تحدث الطبري هنا عن مدة بقائه في بني عمرو بن عوف بقباء فذكر قولًا في ذلك وهو تعيين المدة بثلاثة أيام ثم خرج من عندهم في اليوم الرابع، والقول الآخر والذي نسبه إلى بني عمرو بن عوف أنه مكث فيهم أكثر وذلك قولًا آخر يحدد مدة بقائه ﵊ فيهم بضعة عشر يومًا. وقد ذكر الطبري ذلك بلا إسناد، وقد ذكر ابن إسحاق ذلك بلا إسناد أيضًا (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٥٩) دون ذكر الرأي الثالث. ولقد جمع الحافظ ابن حجر أقوال أئمة المغازي والسير في تحديد تلك الأيام في شرحه لحديث عروة المرسل (الفتح ٧/ ٢٤٤) وقال ﵀: وبه جزم ابن حبان فإنه قال: (أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس) يعني وخرج الجمعة؛ فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، وكذا قال موسى بن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليالٍ فكأنه لم يعتد بيوم الخروج ولا الدخول، وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين حكاه الزبير بن بكار، وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرب منه كما يذكر عقب هذا ... ثم عقب الحافظ على قول عروة بن الزبير في الحديث نفسه (أي ٣٩٠٦ كتاب مناقب الأنصار) فقال ﵀:\nفي حديث أنس الآتي في الباب الذي يليه أنه أقام فيهم أربع عشرة ليلة، وقد ذكرت قبله ما يخالفه والله أعلم. ثم أردف -ابن حجر قائلًا: قال- موسى بن عقبة عن ابن شهاب (أقام فيهم ثلاثًا). قال: وروى ابن شهاب عن مجمع بن حارثة (أنه أقام اثنتين وعشرين ليلة) وقال ابن إسحاق: أقام فيهم خمسًا وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك.\nقلت (والكلام للحافظ): ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس وأنس من الخزرج وقد جزم بما ذكرته فهو أولى بالقبول من غيره اهـ. (الفتح ٧/ ٢٤٤).\nوقد أخرج الذهبي من طريق عطاء بن عثمان الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس حديثًا وفيه: (فنزل عليه في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال). (تأريخ الإسلام / السيرة النبوية / ٣٣٤).\nقلنا: وإسناده ضعيف فهو من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أحاديث منكرة (الضعفاء / ت ١٥٥) وقال مسلم والدارقطني: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة (تهذيب الكمال ١٩/ ٤٤٤ / ت ٤٤٤٦).\nقلنا: وحديث أنس الذي أشار إليه الحافظ في تعيين مدة بقائه - ﷺ - أقوى سندًا وأصح من غيره، فقد أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٣٢) وفيه: (لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة نزل في علو المدينة، وفي حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ... الحديث). قلنا: فهذا نص صحيح صريح في تحديد تلك المدة ... وهذا هو الراجح والله أعلم.\nقال أبو جعفر: واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله - ﷺ - بعدما استنبيء، فقال بعضهم: كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين، وذكر من قال ذلك.","vol":"2","page":69},{"text":"٥٤ - حدّثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عمرو بن عثمان الحمصيّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، قال: هاجرَ رسول الله - ﷺ - على رأس عَشْرٍ من مُخْرَجه (١). (٢: ٣٨٤).\n٥٥ - قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل أقام بعدما استنبِيء بمكّة ثلاث عشرة سنة.\nذكر من قال ذلك:\nحدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا حجاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد -يعني ابن سلمة- عن أبي جَمْرة، عن ابن عبّاس، قال: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه (٢). (٢: ٣٨٤).\n٥٦ - حدثني محمّد بن خلف، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدَّثنا حمّاد بن سلَمة، قال: حدَّثنا أبو جَمْرَةَ الضُّبَعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِثَ رسول الله - ﷺ - لأربعين سنة (٣)، وأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة. (٢: ٣٨٤).\n٥٧ - حدّثني محمّد بن معمَر، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق، قال: حدَّثنا عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: مكَث رسول الله - ﷺ - بمكّة ثلاث عشرة سنة (٤). (٢: ٣٨٥).\n٥٨ - حدّثني عبيد بن محمد الورّاق، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث النبيّ - ﷺ - لأربعين سنة، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة (٥). (٢: ٣٨٥).\n٥٩ - وقال بعضهم: كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة:\n_________\n(١) إسناده حسن.\n(٢) إسناده صحيح وسنتحدث عنه بعد الرواية (٥٧).\n(٣) إسناده صحيح.\n(٤) إسناده صحيح، أخرجه البخاري عن روح به (كتاب مناقب الأنصار ح ٣٩٠٣). ومسلم (٤/ ١٨٢٦) رقم (١١٧/ ٢٣٥١) وبزيادة: (وتوفي وهو ابن ثلاث وستين).\n(٥) إسناده صحيح، أخرجه البخاري عن روح به (ح / ٣٩٠٢) وزاد (فهاجر عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين).","vol":"2","page":70},{"text":"ذكر من قال ذلك:\nحدّثني بذلك الحارث، عن ابن سعد، عن محمّد بن عمر، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عِكْرمة، عن ابن عباس؛ واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صِرمة بن أبي أنس، غير أنه أنشد ذلك:\nثَوَى في قُرَيشٍ خَمْسَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا! (١)\n(٢: ٣٨٦).\n٦٠ - حدثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدّثني سعيد بن أبي مريم. وحدّثني عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا أبي، قالا جميعًا: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدّثني أبو حازم، عن سَهْل بن سعد، قال: ما أصاب الناس العدَد؛ ما عدّوا من مبعث رسول الله - ﷺ -، ولا من وفاته، ولا عدُّوا إلّا من مقدَمه المدينة (٢) (٢: ٣٨٩).\n٦١ - حدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدَّثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان التأريخ في السّنة التي قدِم فيها رسول الله - ﷺ - المدينة، وفيها وُلد عبدُ الله بن الزُّبَيْر (٣). (٢: ٣٨٩).\n٦٢ - حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا يعقوب بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد أخرجه مسلم (٤/ ٢٨٢٧ / رقم ١٢٣) عن ابن عباس من طريق عمار بن أبي عمار. ورجح ابن حجر رواية البخاري في صحيحه (ح / ٣٨٥١) على رواية مسلم (١٥ سنة) والله أعلم.\n(٢) إسناده صحيح وقد أخرجه البخاري عن سهل بن سعد ولفظه: ما عدّوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدّوا إلا من مقدمه المدينة (مناقب الأنصار ح / ٣٩٣٤).\n(٣) إسناده حسن وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبي مريم عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس (المستدرك ٣/ ١٣) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تاريخه (٢/ ١٣٣) وأخرجه البخاري (ح ٣٩٣٤) من حديث سهل بن سعد، وكذلك ما أخرجه الطبري (٢/ ١٣٤) والحاكم (٣/ ١٣) من حديث عبد الله بن عباس وصححه ووافقه الذهبي كما سبق أن ذكرنا والله أعلم.\nوسنعود إلى هذه المسألة بعد الرواية (١٤٢) إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":71},{"text":"إسحاق بن أبي عبّاد؛ قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: كان التأريخ في السنَة التي قَدِم رسول الله - ﷺ - فيها، فذكر مثله (١). (٢: ٣٩٠).\n٦٣ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، قال: قدِم رسول الله - ﷺ - المدينة يوم الإثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول.\nقال أبو جعفر: فإذا كان الأمرُ في تأريخ المسلمين كالذي وصفت، فإنّه وإن كان من الهجرة، فإنّ ابتداءهم إياه قبل مقدَم النبيّ - ﷺ - المدينة بشهرين وأيام؛ هي اثنا عشر؛ وذلك أنّ أوّل السنة المحرّم، وكان قدومُ النبيّ - ﷺ - المدينة، بعد مُضِيّ ما ذكرت من السنة، ولم يؤرّخ التأريخ من وقت قدومه، بل من أول تلك السنة (٢). (٢: ٣٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>ذكر ما كان من الأمور المذكورة في أول سنة من الهجرة</span>\n٦٤ - قال أبو جعفر: قد مضَى ذكرُنا وقْت مقدَم النبيّ - ﷺ - المدينة، وموضعه\n_________\n(١) إسناده صحيح وهو حديث صحيح كما تقدم.\nتعليق على الأحاديث (٨٤ - ٩١).\nلقد ذكر ابن حجر بعضًا من هذه الروايات في الفتح ثم قال: واستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي (الفتح ٧/ ٢٦٩).\nوقال ابن كثير: اتفق الصحابة -﵃- في سنة ست عشرة ولَيل سبع عشرة أو ثماني عشرة في الدولة العمرية على جعل ابتداء التأريخّ الإسلامي من سنة الهجرة (البداية والنهاية ٣/ ٢٠٤).\nوقال ابن كثير كذلك: وقد ذكرنا هذا الفصل محررًا بأسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد، والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي سنة الهجرة وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهو قول جمهور الأئمة (البداية والنهاية ٣/ ٢٠٥).\n(٢) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح، سبق أن ذكرنا أن الطبراني أخرجه في الكبير (١٧/ ١٧٢).\nووثق الهيثمي رجاله (المجمع ٦/ ٦٣).","vol":"2","page":72},{"text":"الذي نزل فيه حين قدمها، وعلى مَنْ كان نزوله، وقَدْر مُكْثه في الموضع الذي نزله، وخبر ارتحاله عنه. ونذكر الآن ما لم نذكرْ قبلُ ممّا كان من الأمور المذكورة في بقيَّة سنة قدومه؛ وهي السَّنه الأولى من الهجرة. فمن ذلك تجميعهُ - ﷺ - بأصحابه الجمُعة في اليوم الذي ارتحل فيه من قُبَاء؛ وذلك أنّ ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامدًا المدينة، فأدركتْه الصلاة، صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، ببطن واد لهم -قد اتُّخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدًا فيما بلغني- وكانت هذه الجمعة، أوّلَ جمعة جمّعها رسول الله - ﷺ - في الإسلام، فخطب في هذه الجمعة، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل (١) (٢: ٣٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>خطبة رسول الله - ﷺ - في أولّ جمعة جَمَّعها بالمدينة</span>\n٦٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعْلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهْب، قال: حدّثني سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيّ، أنه بلغه عن خطبة رسول الله - ﷺ - في أوّلِ جمعة صلّاها بالمدينة في بني سالم بن عوف:\nالحمد لله، أحمَده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفُره، وأعادي مَنْ يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنّ محمَّدًا عبدُه ورسوله؛ أرسله بالهُدى والنور والموعظة على فَتْرَة من الرسل، وقلَّةٍ من العلم، وضلالة من النَّاس، وانقطاع من الزمان، ودُنُوٍّ من الساعة، وقُربٍ من الأجَل؛ منْ يُطع الله وَرَسُولَه فَقَد رَشدَ، ومن يعْصهما فقد غَوَى وفَرّط، وضَلّ ضلالًا بَعيدًا، وأوصيكمُ بتقوى الله، فإنه خيرُ ما أوصَى به المسلمُ المسلمَ؛ أن يَحُضّه على الآخرة، وأن يأمرَه بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرًا؛ وإنّ تقوى الله لمن عَمِلَ به على وَجلٍ ومخافة من ربّه عَوْنُ صدْق على ما تَبْغُون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرّ والعلانية، لا ينوي بذلك إلّا وجهَ الله يكن له\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد، وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق بلاغًا مع اختلاف في الألفاظ (السيرة النبوية ٢/ ١٥٩).","vol":"2","page":73},{"text":"ذكرًا في عاجل أمره، وذُخْرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كانُ من سِوَى ذلك يَوَدُّ ﴿لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. والذي صدق قوله، وأنجز وَعْدَه، لا خُلفَ لذلك، فإنَّه يقول ﷿: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرّ والعلانية، فإنَّه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، ومَنْ يتَّق الله فقد فاز فَوْزًا عظيمًا. وإنّ تقوى الله يُوَقِّي مقته، ويوقّي عقوبته، ويوقّي سَخَطه، وإنّ تقوى الله يُبيِّض الوجوه، ويرْضي الربَّ، ويرفع الدّرجة.\nخذوا بحظِّكم، ولا تفَرِّطوا في جَنْب الله؛ قد علَّمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيلَه، ليعلَم الَّذين صدقوا ويعلَم الكاذبين، فأحْسِنوا كما أحْسَن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، ولا قوّة إلا بالله. فأكثِرُوا ذكْرَ الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإن مَنْ يصلح ما بينه وبين الله يَكْفه الله ما بينه وبين النَّاس، ذلك بأنّ الله يقضي على النَّاس ولا يقضُون عليه، ويملِكُ من النَّاس ولا يملكون منه؛ الله أكبرُ، ولا قوّةَ إلّا بالله العظيم (١)! (٢: ٣٩٤/ ٣٩٥ / ٣٩٦).\n٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، أنّ رسول الله - ﷺ - ركب ناقتَه، وأرخَى لها الزّمام، فجعلَت لا تَمُرُّ بدار من دُور\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل صحيح إلى مرسله وقد أورد ابن كثير رواية ابن جرير هذه ثم قال:\nهكذا أوردها ابن جرير وفي السند إرسال (البداية والنهاية ٣/ ٢١١).\nقلنا: وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٥٢٤) بسنده إلى التابعي الجليل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: (كانت أول خطبة خطبها النبي - ﷺ - بالمدينة أنه قام فيهم فحمد الله ... الحديث). وهو مختصر عن رواية الطبري ولقد أورد ابن كثير رواية البيهقي هذه كذلك وقال عقبها: وهذه الطريق أيضًا مرسلة إلّا أنها مقوية لما قبلها وإن اختلفت الألفاظ. (البداية والنهاية ٣/ ٢١٢).\nقلنا: وقد سبق أن ذكرنا طريقة تحقيقنا لتأريخ الطبري في أننا نعدل عن رأي الجمهور إلى شروط الشافعي في قبول الحديث المرسل، وقد تحقق شرط من شروطه هنا وهو قبول الحديث المرسل إذا اختلفت مخارجه وهو هنا كذلك.\nوقد عدلنا إلى قول الشافعي لأن هذه الرواية في السيرة وليس في الحلال والحرام والله أعلم.","vol":"2","page":74},{"text":"الأنصار إلّا دعاه أهلُها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هَلمّ يا رسولَ الله! إلى العَدَد والعُدّة والمنَعة؛ فيقول لهم - ﷺ -: خَلُّوا زِمامها فإنَّها مأمورة؛ حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبرَكت على باب مسجده؛ وهو يومئذ مِرْبَدٌ لغلامين يتيمين من بني النّجار في حِجْر مُعاذ بن عَفْراء؛ يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل، ابنا عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنْم بن مالك بن النَّجار. فلما بركَتْ لم ينزل عنها رسول الله - ﷺ -، ثم وثبَتْ فسارتْ غيرَ بعيد، ورسول الله - ﷺ - واضعٌ لها زمامها لا يثْنِيها به، ثم التفتت خلْفها، ثم رجعت إلى مَبْرَكِها أوّل مرة، فبركت فيه ووضعت جِرانَها، ونزل عنها رسول الله - ﷺ -، فاحتمل أبو أيوب رحله، فوضعه في بيته، فدعَتْه الأنصار إلى النزول عليهم، فقال رسول الله - ﷺ -: المرءُ مع رحله. فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب، في بني غَنْم بن النجّار. (٢: ٣٩٦).\nقال أبو جعفر: وسألَ رسول الله - ﷺ - عن المِرْبَد لمن هو؟ فأخبره مُعاذ بن عفراء، وقال: هو ليتيمين لي، سأرضيهما. فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يُبْنى مسجدًا، ونزل على أبي أيّوب، حتى بني مسجدَه ومساكنه. وقيل: إن رسول الله - ﷺ - اشترى موضعَ مسجده، ثم بناه (١). (٢: ٣٩٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وكذلك رواه ابن هشام (مع اختلاف في صيغة الرواية) - عن ابن إسحاق معضلًا. وقد روى حديث: (دعوها فإنها مأمورة). عدد من أئمة الحديث والمغازي والسير فقد رواه البيهقي من طريق سعيد بن منصور ثنا عطاف بن خالد ثنا صديق بن موسى عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة فاستناخت راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد. فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل. فانبعثت به راحلته فقال: (دعوها فإنها مأمورة) ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت، وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله - ﷺ - عن راحلته فيه فآوى إلى الظل. فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله! إن منزلي أقرب المنازل إليك. فانقل رحلك إلي؟ قال: نعم. فذهب برحله إلى المنزل ثم أتاه رجل فقال: يا رسول الله أين تحلّ؟ قال: إن الرجل مع رحله حيث كان (البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٠٠).\nقلنا: وفي إسناده عطاف بن خالد وثقه ابن معين وابن حنبل وأبو داود وضعفه الدارقطني وابن حبان. وقال ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٧٩ / ت ١٥٤٣): والعطاف روى عنه أهل المدينة وغيرهم ويروي قريبًا من مئة حديث كما قال أحمد بن حنبل. ولم أرَ بحديثه بأسًا إذا حدّث عنه ثقة. اهـ. =","vol":"2","page":75},{"text":"٦٧ - والصحيح عندنا في ذلك، ما حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حمَّاد بن سلَمة، عن أبي التَّيّاح، عن أنس بن مالك، قال: كان موضع مسجدِ النبيّ - ﷺ - لبني النَّجار، وكان فيه نخل وحَرْث وقبورٌ من قبور الجاهليّة، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ثامنُوني به، فقالوا: لا نبتغي به ثمنًا إلّا ما عند الله. فأمَر رسول الله - ﷺ - بالنَّخْل فقطِع، وبالحرْث فأفسد، وبالقبور فنبشتْ، وكان رسول الله - ﷺ - قبل ذلك يصلّي في مرابضِ الغنم، وحيث أدركته الصلاة (١). (٢: ٣٩٦/ ٣٩٧).\n_________\n= قلنا: والذي حدث عنه هنا هو الإمام الثقة سعيد بن منصور. وقد أخرج ابن كثير أيضًا رواية أخرى للبيهقي من طريق إبراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة: فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله فقال: (دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن:\nنحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمدًا من جار\n... الحديث). ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن وقد أخرجه الحاكم في المستدرك كما يروى (البداية والنهاية ٣/ ١٩٨).\nوقال الألباني: وعلته ابن صرمة هذا. فقد قال ابن معين فيه: كذاب. خبيث وضعفه غيره (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة / ٢٤).\nقلنا: وفيه محمد بن سليمان مجهول الحال. (١/ ١٨٣). والحديث أخرجه كذلك موسى بن عقبة في مغازيه كما أخرجه ابن إسحاق معضلًا. وأخرجه ابن سعيد مطولًا ومختلفًا بعض الشيء (١/ ٢٣٦).\nاختلف رأي كل من العمري وهمام وأبو صعيلك.\nأما الأول فقد قال عن رواية ابن سعد: وأخرجها ابن سعد بسند فيه الواقدي (الطبقات ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) وبسند معضل (١/ ٢٣٧). وأما همام وأبو صعيلك فقد قالا: رواه ابن سعد في الطبقات (ج ١ ص ٢٣٦/ ٢٣٧) ورجاله ثقات وسنده متصل.\nوقالا: فيكون الحديث صحيحًا من طريق ابن سعد. علمًا بأن العمري قال: ويعتمد حديث عبد الله بن الزبير بحديث أنس فيرقى إلى الحسن لغيره.\nخلاصة القول أن للحديث روايتان معضلتان (أبي إسحاق وموسى بن عقبة)، ورواية موصولة عن عبد الله بن الزبير وهي ضعيفة وأخرى عن أنس وهي ضعيفة أيضًا. ولعلها تتقوى ببعضها وقال الأستاذ العمري في حاشية صحيح السيرة النبوية (١/ ٢١٩): ويعتضد حديث عبد الله بن الزبير بحديث أنس فيرقى إلى الحسن.\n(١) إسناده حسن والحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٣٢) =","vol":"2","page":76},{"text":"٦٨ - قال أبو جعفر: وتولَّى بناء مسجده - ﷺ - هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار (١). (٢: ٣٩٧).\n٦٩ - وفي هذه السّنة بُنِي مسجد قُباء (٢). (٢: ٣٩٧).\nوفي هذه السنة مات أبو أحَيحَة بماله بالطائف. ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السَّهْميّ فيها بمكّة.\n* * *\nوفيها بَنى رسول الله - ﷺ - بعائشة بعد مقدَمِه المدينة بثمانيَة أشهر في ذي القَعْدة في قول بعضهم، وفي قول بعضٍ: بعد مقدَمِه المدينة بسبعة أشهر، في شَوَّال،\n_________\n= عن أنس بن مالك - ﵁ -. ولفظ البخاري: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة نزل في علو المدينة، في حيّ يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاؤوا متقلدي سيوفهم. قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - على راحلته وأبو بكر ردْفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين وكانت فيه خِرَبٌ وكان فيه نخل. فأمر رسول الله - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عِضَادَتيه حجارة. قال: جعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله - ﷺ - معهم يقولون:\nاللهم إنه لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد (١/ ٥٤) باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ - (ح ١١٧٣) من طريق أبي التياح الضبعي. حدَّثنا أنس بن مالك ولفظه كلفظ البخاري السابق.\nوكذلك أخرجه البخاري في مواضع أخرى منها في كتاب الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد (ح ٤٢٨) وأخرجه النسائي في كتاب المساجد (ح ٧٠١) وغيرهم.\n(١) قلنا: ذكر الطبري هذا بلا إسناد وهو كذلك كما هو مبيّن في الروايات الصحيحة الآنفة الذكر والله أعلم.\n(٢) ذكر الطبري تأريخ بناء مسجد قباء هكذا، وتطرق إلى بنائه عابرًا كذلك في مواضع سابقة ولم يذكر بالتفصيل ما ذكره أئمة الحديث والمغازي والسير في بناء مسجد قباء.","vol":"2","page":77},{"text":"وكان تزوّجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ستّ سنين، وقد قيل: تزوّجها وهي ابنةُ سبع (١). (٣: ٣٩٨).\nقال أبو جعفر: وتزوّجها رسول الله - ﷺفيما قيل- في شوَّال، وبَنى بها حين بني بها في شَوّال (٢). (٣: ٣٩٩).\nوفيها -في قول بعضهم- وُلد عبد الله بن الزُّبير. وفي قول الواقديّ: وُلِدَ في السَّنَة الثانية من مقْدَم رسول الله - ﷺ - المدينة في شوال (٣). (٢: ٤٠٠).\nقال أبو جعفر: وكان أوَّلَ مولودٍ ولد من المهاجرين في دار الهِجْرَة (٤). (٤٠١: ٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[غزوة ذات العُشيرة]</span>\n٧٠ - قال: وفيها خرجَ رسول الله - ﷺ - يعترض لِعَيرات قريش حين أبدأت إلى الشَّام في المهاجرين -وهي غزوة ذات العُشيرة- حتى بلغ يَنْبُع؛ واستخلف على المدينة أبا سلَمة بن عبد الأسد؛ وكان يحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب. فحدثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرّقيُّ، قال: حدَّثنا محمّد بن سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمّد بن يزيد بن خُثَيم؛ عن محمد بن كعب القرظيّ؛ قال: حدّثنا أبوك يزيد بن خُثَيم، عن عمَّار بن ياسر، قال: كنت أنا وعليّ رفيقين مع رسول الله - ﷺ - في غزوة العُشَيرَة، فنزلنا منزلًا، فرَأينا رجالًا من بني مُدْلِج يعملون في نخْل لهم، فقلت: لو انطلقنا! فنظرنا إليهم كيف يعملون، فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة، ثم غَشينَا النُّعَاسُ، فعمدنا إلى صَوْر من النخل؛ فنمْنا تحته في دقْعاء من التراب، فما أيقَظنا إلَّا رسول الله - ﷺ -، أتانا وقد تَتَرَّبْنَا في ذلك التراب؛ فحرّك عليًّا برجله، فقال: قم يا أبا تراب؛ ألا أخبرك بأشقى النَّاس؟ أحمر ثمود عاقر النَاقة، والذي يضربُك [يا عَلِي] علَى هذا -يعني قَرْنَه- فيخضِب هذه منها؛ وأخذ بلحيته (٥). (٢: ٤٠٨/ ٤٠٩).\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) إسناده صحيح.\n(٤) إسناده صحيح.\n(٥) لم يصرح ابن إسحاق بالتحديث هنا ولكن ابن هشام أخرجه في السيرة مصرّحًا (أي ابن =","vol":"2","page":78},{"text":"٧١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن محمد بن خُثَيم المحاربيّ، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن محمد بن خُثَيم -وهو أبو يزيد- عن عمَّار بن ياسر، قال: كنت أنا وعليّ رفيقين، فذكر نحوه (١). (٤٠٩: ٢).\n٧٢ - وقد قيل في ذلك غير هذا القول؛ وذلك ما حدّثني به محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، قال: قيل لسهل بن\n_________\n= إسحاق) بالتحديث، والحديث رواه الحاكم في المستدرك من الطريق نفسه وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه الزيادة.\nإنما اتفقا على حديث أبي حازم عن سهيل بن سعد: قم يا أبا تراب (المستدرك ٣/ ١٤١) وسكت عنه الذهبي.\nوأخرجه الطبراني مختصرًا (مجمع الزوائد ٩/ ١٣٦).\nوقال البخاري في تأريخه: وهذا إسناد لا يعرف سماع يزيد بن محمد ولا محمد بن كعب من ابن خثيم ولا ابن خثيم في عمار- وسنرجع للحديث عن غزوة العشيرة بعد الرواية التالية.\n(١) إسناده ضعيف، راجع الرواية السابقة.\nغزوة ذات العشيرة (٢/ ٤٠٨)\nأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي خ ٣٩٤٩) - عن أبي إسحاق (كنت إلى جنب زيد ابن أرقم فقيل له: كم غزا النبي - ﷺ - من غزوة؟ قال: تسع عشرة. قال: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة. قلت: فأيهم كان أول؟ قال: العشير أو العشيرة، فذكرت ذلك لقتادة فقال: العشيرة).\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (باب غزوات النبي - ﷺ - / ح ١٢٥٤).\nولفظه عند أحمد: (سألت زيد بن أرقم - ﵁ -: كم غزا النبي - ﷺ -؟ قال: تسع عشرة غزوة. وغزوت معه سبع عشرة وسبقتني بغزوتين).\nوقال الحافظ ابن حجر: ومراده (أي مراد زيد بن أرقم) الغزوات التي خرج النبي - ﷺ - فيها بنفسه سواء قاتل أم لم يقاتل.\nلكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وأصله في مسلم. (ص ١٨١٣).\nفعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر اثنتين منها ولعلها الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ (قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة). والعشيرة كما تقدم هي الثالثة (الفتح ٧/ ٢٨١) وحديث زيد بن الأرقم (تسع عشرة غزوة أو العشير أو العشيراء) أخرجه كذلك مسلم (١٢٥٤/ ١٤٣). =","vol":"2","page":79},{"text":"سعد: إنّ بعضَ أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك تَسُبُّ عليًّا عند المنبر، قال: أقول ماذا؟ قال: تقول: أبا تراب، قال: والله ما سَمّاه بذلك إلّا رسول الله - ﷺ -، قال: قلتُ: وكيف ذاك يا أبا العبّاس؟ قال: دخل عليّ على فاطمة، ثم خرج من عندها، فاضطجع في فَيء المسجد. قال: ثم دخلَ رسول الله - ﷺ - على فاطمة، فقال لها: أين ابنُ عمِّك؟ فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد، قال: فجاءه رسول الله - ﷺ -؛ فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلَص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التّراب عن ظهره، ويقول: اجلس أبا تراب. فوالله ما سَمّاه به إلّا رسول الله - ﷺ -؛ ووالله ما كان له اسمٌ أحبّ إليه منه! (١) (٢/ ٤٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[سرية عبد الله بن جحش]</span>\n٧٣ - قال أبو جعفر الطبريّ: ولمّا رَجَع رسول الله - ﷺ - من طلب كُرْز بن جابر الفِهريّ إلى المدينة، وذلك في جُمادى الآخرة، بعث في رجب عبدَ الله بن جَحْش معه ثمانية رهْط من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ؛ فيما حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزّهريُّ ويزيد بن رُومان؛ عن عُرْوة بن الزبير بذلك.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، عن الزهريّ ويزيد بن رُومان، عن عروة، قال: وكتبَ رسول الله - ﷺ - له كتابًا -يعني لعبد الله بن جَحْش- وأمره ألّا ينظر فيه حتى يسير يومين؛ ثم ينظر فيه فيَمضي لما أمرَه به، ولا يستكرِه أحدًا من أصحابه، فلمّا سار عبدُ الله بن جحش يومين، فتح الكتاب، ونظر فيه، فإذا فيه: \"وإذا نظرتَ في كتابي هذا؛ فسِرْ حتى تنزل نَخْلة بين مكَّة والطَائف؛ فترصَّدْ بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم\" فلمّا نظرَ عبدُ الله في الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً؛ ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله - ﷺ - أن أمضيَ إلى نَخْلة، فأرصد بها قريشًا حتى آتيَه منهم بخبَر، وقد نهاني أن أستكرِهَ أحدًا منكم؛ فمن كان منكم\n_________\n(١) رجاله رجال الصحيح غير المحاربي وهو صدوق كما قال الحافظ في التقريب: وهذه الرواية تبين أنه - ﷺ - سمّى عليًّا أبا تراب في المسجد وهذا مخالف للروايتين السابقتين للطبري (قسم الضعيف) في أنه - ﷺ - سمّاه بذلك في غزوة العشيرة وحديث تسميته بأبي تراب (عندما وجده نائمًا في المسجد) في صحيح البخاري وبه يؤخذ والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":80},{"text":"يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلِقْ، ومَنْ كره ذلك فلْيرجِع؛ فأمّا أنا فماضٍ لأمر رسول الله - ﷺ -.\nفمضى ومضى معه أصحابُه، فلم يتخلَّف عنه منهم أحد، وسلَك على الحجاز؛ حتى إذا كان بمَعدِنَ فوق الفُرْع [يقال له بحْران]، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيرًا لهما كانا يَعْتقبانه، فتخلَّفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقيَّة أصحابه حتى نزل بنخْلة، فمرّت بهِ عيرٌ لقريش تحمل زَبيبًا وأدَمًا وتجارة من تجارة قريش فيها؛ عمرو بن الحضرميّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميَّان، والحكَم بن كَيسان مولى هشام بن المغيرة. فلمَّا رآهم القوم هابوهم؛ وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عُكَّاشة بن محْصَن -وقد كان حلَق رأسه- فلما رأوْه أمنوا، وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب؛ فقال القوم: والله لئن تركتم القومَ هذه الليلة ليدخُلنّ الحرم؛ فليمتنعُنَّ به منكم؛ ولئن قتلتموهم لتقتُلنَّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم؛ ثم تشجَّعوا عليهم، وأجمعوا على قتل مَنْ قدروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم؟ فرمى واقدُ بن عبد الله التميميّ عمرو بنَ الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعِير والأسيرين؛ حتى قدِموا على رسول الله - ﷺ - بالمدينة.\nقال: وقد ذكرَ بعضُ آل عبد الله بن جحش، أنّ عبد الله بن جَحْش، قال لأصحابه: إنّ لرسول الله - ﷺ - ممَّا غنمتم الخمسَ -وذلك قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس- فعزل لرسول الله - ﷺ - خُمْس الغنيمة، وقسّم سائرها بين أصحابه؛ فلمَّا قدمُوا على رسول الله - ﷺ -، قال: ما أمرتُكم بقتال في الشَّهر الحرام. فوقَّف العير والأسيرين؛ وأبَى أن يأخذ من ذلك شيئًا. فلمَّا قال ذلك رسول الله - ﷺ - سُقِط في أيدي القوم، وظنُّوا أنَهم قد هَلَكوا، وعنَّفَهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعْتُمْ ما لم تُؤْمَروا به، وقاتلتم في الشَّهرِ الحرام ولم تؤمروا بقتال! وقالت قريش: قد استحلَّ مُحمدٌ وأصحابُهُ الشَّهرَ الحرام، فسفكوا فيه الدّم وأخذوا فيه الأموال، وأسَرُوا فيه الرّجال، فقال مَنْ يردّ ذلك عليهم من","vol":"2","page":81},{"text":"المسلمين ممّن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود: تفاءل بذلك على رسول الله - ﷺ -: عمرو بن الحضرميّ قتله واقد بن عبد الله: \"عمرو\" عمرت الحرب، و\"الحضرميّ\" حضرت الحرب، و\"واقد بن عبد الله\" وقدت الحرب؛ فجعل الله ﷿ ذلك عليهم لا لهم.\nفلمَّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله ﷿ على رسوله - ﷺ -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فلمّا نزل القرآن بهذا من الأمر وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق، قبض رسول الله - ﷺ - العير والأسيرين.\nوبعثَت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكَم بن كيسان، فقال رسول الله - ﷺ -: لا نُفْدِيكموهما؛ حتى يَقدَم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقَّاص وعتبة بن غزوان- فإنَّا نخشاكم عليهما؛ فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعُتْبة، ففاداهما رسول الله - ﷺ - منهم؛ فأما الحكم بن كَيسان فأسلم فحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله - ﷺ - حتى قتل يوم بئر مَعُونة شهيدًا (١). (٢: ٤١٠/ ٤١١ / ٤١٢/ ٤١٣).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية عن عروة مرسلًا (٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢) مع بعض الاختلاف.\nوالحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير (٢/ ٢٢٩) فحديث سرية عبد الله بن جحش مرسل عند كليهما (الطبري وابن هشام) وأخرجه البيهقي في السنن (٩/ ١٢) عن عروة كذلك مرسلًا- وأحمد (٢١/ ٢٥ / الفتح الرباني) وفي إسناده انقطاع وكذلك ابن أبي شيبة (١٤/ ٣٥٢) منقطعًا ورواه البيهقي مرسلًا في سننه (٩/ ٥٨) وهذه طرق ضعيفة تتقوى ببعضها وبما أخرجه البيهقي موصولًا بسند رجاله ثقات من طريق سليمان التيمي عن الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله - ﵁ -، وقال البيهقي في السنن عقب هذه الرواية (٩/ ١١): سنده صحيح إن كان الحضرمي هو ابن لاحق- اهـ -.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٨).\nوأما من المعاصرين فقد ضعف محققا سيرة ابن هشام حديث سرية عبد الله بن جحش، إذ قال الشيخان الجليلان الدكتور همام سعيد ومحمد أبو صعيليك في نهاية تحقيقهما للخبر: فيكون الخبر ضعيفًا (سيرة ابن هشام / الحاشية ٢/ ٢٨٩).\nأما الشيخ الفاضل سيد بن عباس الحليمي فقد ذكر طرق الرواية وبيّن ضعفها غير رواية البيهقي من حديث جندب بن عبد الله فقال: وإسناده حسن إن كان حضرمي هو ابن لاحق.\n(الفصول في سيرة الرسول / ٦٠ / الحاشية). =","vol":"2","page":82},{"text":"وأما الواقديّ فإنه زعم أنّ رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله بن جحش سَرِيّةً في اثني عشر رجلًا من المهاجرين (١). (٢: ٤١٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة</span>\nقال أبو جعفر: وقال آخرون: إنّما صُرِفت القبلة إلى الكعبة لستَة عشر شهرًا مضت من سنِي الهجرة.\nذكر من قال ذلك:\n٧٤ - حدّثَنا المثنّى بن إبراهيم الآمُلِيّ، قال: حدَّثنا الحجّاج، قال: حدَّثنا همَّام بن يحيى، قال: سمعتُ قَتادة، قال: كانوا يصلُّون نحو بيتِ المقدِس، ورسولُ الله - ﷺ - قبل الهجرة، وبعدما هاجر رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم وُجِّه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام (٢). (٢: ٤١٧).\n٧٥ - حدّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: سمعتُ ابنَ زيد يقول: استقبل النبيّ - ﷺ - بيتَ المقدسِ ستَّةَ عشر شهرًا، فبلغه أن يهودَ تقول والله ما دَرَى محمَّدٌ وأصحابه أين قبلتُهم حتَّى هديناهم! فكرِهَ ذلك النبيّ - ﷺ -، ورفع وجهَه إلى السماء، فقال الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣) الآية. (٢: ٤١٧).\n_________\n= وقال الأستاذ العمري في صحيح السيرة النبوية: والحديث يرقى بمجموع طرقه إلى الصحيح لغيره (صحيح السيرة ٢/ ٣٤٧ الحاشية). والقول ما قاله العمري والله أعلم.\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده ضعيف ومتنه صحيح كما سنبين بعد الرواية التالية.\n(٣) حديث تحويل القبلة نحو الكعبة بعد ستة عشر شهرًا حديث صحيح أخرجه غير واحد من الأئمة، فقد أخرج البخاري: (عن البراء بن عازب - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - ﷺ - وقبل مكة فداروا -كما هم- قبل =","vol":"2","page":83},{"text":"وفيها كانت وقعة بدر الكبرَى بين رسول الله - ﷺ - والكفار من قُريش، وذلك في شهر رمضان منها (١). (٢: ٤١٨).\nوقال آخرون: كانتْ يوم الجمعة صبيحةَ سبع عشرة من شهر رمضان.\nذكر من قال ذلك:\n٧٦ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، قال: سمعتُ أبا إسحاق يُحدّث عن حُجَير، عن الأسود وعلْقَمة: أنّ عبد الله بن مسعود، قال: التمِسُوها في سبع عَشرة. وتلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يوم بدر، ثم قال: أو تسعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين (٢). (٢: ٤١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>ذكر وقعة بدر الكبرى</span>\n٧٧ - حدَّثنا عليّ بن نصر بن عليّ، وعبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث -قال عليّ: حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث:\n_________\n= البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ...) الحديث. (صحيح البخاري -كتاب الإيمان -باب الصلاة من الإيمان / ح ٤٠) وفي مواضع أخرى منها باب التوجه نحو القبلة وكتاب التفسير باب سيقول السفهاء ...\n(وأخرجه مسلم في صحيحه باب تحويل القبلة / ح ٥٢٥) وغيرهما.\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده صحيح والحديث أخرجه كذلك الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والبيهقي في السنن (٤/ ٣١٠) وأبو داود في سننه (ح ١٣٨٤).\nوقال الحافظ في التلخيص الحبير (٤/ ٨٩): أما غزوة بدر فمتفق عليها بين أهل السير: ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبوالأسود وغيرهم، واتفقوا على أنها كانت في رمضان، قال ابن عساكر: والمحفوظ أنها كانت في يوم الجمعة، وروي أنها كانت في يوم الإثنين وهو شاذ، ثم الجمهور على أنها كانت سابع عشرة وقيل ثاني عشرة، وجمع بينهما بأن الثاني ابتداء الخروج والسابع عشر يوم الوقعة (تلخيص الحبير ٤/ ٨٩).\nقلنا: والأرجح أن يوم الوقعة هو يوم السابع عشر ونهاية الغزوة هو التاسع عشر توفيقًا بين قولي ابن مسعود والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":84},{"text":"حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أمّا بعد، فإنك كتبتَ إليّ في أبي سفيان ومخرَجه، تَسْألني كيف كان شأنه؟ كان من شأنه أنّ أبا سُفيان بن حَرْب أقبل من الشام في قريب من سبعين راكبًا من قبائل قريش كلّها، كانوا تجارًا بالشام، فأقبلوا جميعًا معهم أموالُهم وتجارتهم، فذكروا لرسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقُتلت قتلى، وقُتِل ابن الحضرميّ في ناس بنَخْلَة، وأسِرَتْ أسارَى من قريش، فيهم بعضُ بني المغيرة، وفيهم ابن كَيسان مولاهم، أصابهم عبد الله بن جَحْش وواقد حليف بني عديّ بن كعب، في ناسٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ - بعثهم مع عبد الله بن جحش، وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش، وأول ما أصاب به بعضهم بعضًا من الحرب، وذلك قبلَ مخرج أبي سفيان وأصحابه إلى الشام. ثم إنّ أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومَن معه من ركْبان قريش مقبلين من الشام، فسلَكوا طريق الساحل، فلمّا سمع بهم رسول الله - ﷺ - ندبَ أصحابه وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلَّة عَدَدِهم، فخرجوا لا يريدون إلّا أبا سفيان والركْبَ معه؛ لا يروْنها إلّا غنيمة لهم؛ لا يظنّون أن يكون كبيرُ قتال إذا لقُوهم، وهي التي أنزل الله ﷿ فيها: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.\nفلما سمعَ أبو سفيان أنّ أصحابَ رسول الله - ﷺ - معترضون له، بعث إلى قريش: إنَّ محمدًا وأصحابه معترضون لكم، فأجيرُوا تجارتَكم، فلمّا أتى قريشًا الخبرُ -وفي عيرِ أبي سفيان؛ من بُطون كعب بن لُؤيّ كلّها- نفرَ لها أهلُ مكة؛ وهي نَفْرة بني كعب بن لُؤيّ، ليس فيها من بني عامر أحدٌ إلّا من كان من بني مالك بن حِسْل؛ ولم يَسمع بنَفرَة قريش رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه؛ حتى قدِم النبيّ - ﷺ - بدرًا- وكان طريق ركبان قريش؛ مَنْ أخذ منهم طريق الساحل إلى الشام- فخفض أبو سفيان عن بدْر، ولزِم طريقَ الساحل، وخاف الرّصَد على بدْر، وسار النبيّ - ﷺ -، حتى عرّس قريبًا من بدر، وبعث النبيّ - ﷺ - الزبير بن العوام في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر، وليسوا يحسبُون أنّ قريشًا خرجت لهم، فبينا رسول - ﷺ - قائمٌ يصلّي؛ إذ ورد بعض روايا قريش ماءَ بدر، وفيمن ورد من الرّوايا غلام لبني الحجّاج أسودُ؛ فأخذه النّفرُ الذين بعثهم رسول الله - ﷺ - مع الزبير إلى","vol":"2","page":85},{"text":"الماء، وأفلت بعضُ أصحاب العبد نحو قريش، فأقبلوا به حتى أتوْا به رسول الله - ﷺ - وهو في مُعَرّشه، فسألوه عن أبي سفيان وأصحابه؛ لا يحسبون إلّا أنه معهم، فطفِق العبد يحدّثهم عن قريش ومن خرج منها، وعن رؤوسهم، ويصدُقهم الخبر؛ وهم أكره شيء إليهم الخبر الذي يخبرهم؛ وإنما يطلبون حينئذ بالركْب أبا سفيان وأصحابه، والنبيّ - ﷺ - يصلّي؛ يركع ويسجد يرى ويَسمع ما يُصنع بالعبد، فطفقِوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم، ضربوه وكذّبوه، وقالوا: إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه؛ فجعل العبد إذا أذلَقوه بالضرب، وسألوه عن أبي سفيان وأصحابه -وليس له بهم علم؛ إنما هو من رَوَايا قريش- قال: نعم، هذا أبو سفيان، والركْب حينئذ أسفل منهم؛ قال الله ﷿: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ حتَّى بلغ- ﴿أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، فطفقِوا إذا قال لهم العبد: هذه قريش قد أتتكم ضربوه، وإذا قال لهم: هذا أبو سفيان تركوه.\nفلمّا رأى صنيعَهم النبيّ - ﷺ - انصرف من صلاته وقد سمع الذي أخبرهم، فزعموا أن رسول الله - ﷺ -، قال: والذي نفسي بيده، إنكم لتضربونه إذا صدَقَ، وتتركونه إذا كذب! قالوا: فإنه يحدّثنا أنّ قريشًا قد جاءت، قال: فإنه قد صدق؛ قد خرجت قريش تجير رِكابها، فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش، وقال: لا عِلْمَ لي بأبي سفيان، فسأله: كم القوم؟ فقال: لا أدري؛ والله هم كثير عددهم، فزعموا أن النبيّ - ﷺ -، قال: مَنْ أطعمهم أوّل مِنْ أمس؟ فسمّى رجلًا أطعمهم، فقال: كم جزائر نَحرَ لهم؟ قال: تسع جزائر، قال: فَمَنْ أطعمهم أمس؟ فسمّى رجلًا، فقال: كم نحر لهم؟ قال: عشر جزائر، فزعموا أنّ النبيّ - ﷺ - قال: القومُ ما بين التسعمئة إلى الألف. فكان نَفْرة قريش يومئذ خمسين وتسعمئة.\nفانطلق النبي - ﷺ - فنزل الماء وملأ الحِياضَ، وصفّ عليها أصحابه، حتى قدم عليه القوم، فلمّا ورد رسول الله - ﷺ - بدرًا قال: هذه مصارعُهم؛ فوجدوا النبيّ - ﷺ - قد سبقهم إليه ونزل عليه. فلمّا طلعوا عليه زعموا أنّ النبيّ - ﷺ - قال: هذه قريش قد جاءت بجلَبتها وفخرها؛ تحادُّك وتُكذّبُ رسولك! اللهمّ إني أسألك ما وعدتني.\nفلما أقبلوا استقبلهم، فحثَا في وجوههم التراب؛ فهزمَهم الله، وكانوا قبل","vol":"2","page":86},{"text":"أن يلقاهم النبيّ - ﷺ - قد جاءهم راكب من أبي سفيان والركب الذين معه: أن ارْجعوا -والركْب الذين يأمرون قريشًا بالرجْعَةِ بالجُحْفة- فقالوا: والله لا نرجع حتى ننزل بدرًا، فنقيم به ثلاثَ ليال، ويرانا مَن غشينا من أهل الحجاز؛ فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعْنا فيقاتلنا. وهم الذين قال الله ﷿: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ فالتقوا هُمْ والنبيّ - ﷺ -، ففتح الله على رسوله، وأخزى أئمة الكُفْر وشفى صدورَ المسلمين منهم. (١) (٢: ٤٢١/ ٤٢٢ / ٤٢٣/ ٤٢٤).\n٧٨ - حدّثني هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مصعب بن المِقْدام، قال: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن عليّ - ﵇ -، قال: لما قَدمْنَا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتَويناها، وأصابنا بها وعْكٌ، وكان رسول الله - ﷺ - يتخبّر عن بدر؛ فلما بلغنا أنّ المشركين قد أقبلُوا سار رسول الله - ﷺ - إلى بدر -وبدر: بئر- فسبَقْنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجلٌ من قريش، ومولىً لعُقبْة بن أبي مُعَيط؛ فأما القرشيّ فانفلت، وأمّا مولى عُقْبة فأخذناه، فجعَلنا نقول: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير، شديدٌ بأسهم؛ فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربُوه، حتى انتهوْا به إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: كم القوم؟ فقال: هم والله كثير، شديد بأسهم، فجهد النبي - ﷺ - أن يخبره كم هم، فأبى. ثم إنّ رسول الله - ﷺ - سأله: كم ينحرون من الجُزُر؟ فقال: عشرًا كلّ يوم، قال رسول الله - ﷺ -. القوم ألف.\nثم إنه أصابنَا من الليل طَشٌّ من المطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجَف نستظلُّ تحتها من المطر، وبات رسول الله - ﷺ - يدعو ربّه: اللهمّ إنْ تهلِكْ هذه العِصابة لا تُعبَد في الأرض. فلمّا أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله! فجاء الناس من تحت الشجر والحَجف، فصلى بنا رسول الله - ﷺ -، وحَرَّض على القتال، ثم قال: إنّ جَمْع قريش عند هذه الضِّلْعة من الجبل. فلما أن دنا القوم منّا وصافَفْناهم؛ إذا رجلٌ من القوم على جَمل أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله - ﷺ -: يا عليّ، نادِ لي حمزة -وكان أقربهم إلى المشركين-: مَنْ\n_________\n(١) إسناده مرسل.","vol":"2","page":87},{"text":"صاحبُ الجمل الأحمر؟ وماذا يقول لهم؟ وقال رسول الله - ﷺ -: إنْ يكن في القوم مَنْ يأمر بالخير؛ فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة، فقال: هو عتْبة بن ربيعة؛ وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: إنّي أرى قومًا مُسْتَميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير؛ يا قوم اعصبُوها اليومَ برأسي، وقولوا: جَبُنَ عُتْبة بن ربيعة؛ ولقد علمتم أنّي لستُ بأجبنِكم.\nقال: فسمعَ أبو جهل فقال: أنت تقول هذا! والله لو غيرك يقول هذا لعضضتُه! لقد ملئت رِئتُك وجوفك رُعبًا، فقال عتبة: إيّايَ تُعَيّر يا مصَفِّر استِه! ستَعلم اليومَ أيّنا أجْبَن!\nقال: فبرز عُتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد، حميّةً، فقالوا: مَنْ يبارز؟ فخرج فِتْيَةٌ من الأنصار ستّة، فقال عُتبة: لا نريدُ هؤلاء؛ ولكن يبارزُنا من بني عمّنا من بني عبد المطلب. فقال رسول الله - ﷺ -: يا عليّ قُم، يا حمزة قم، يا عُبيدة بن الحارث قم، فقتل الله عتبةَ بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عُبيدة بن الحارث؛ فقتلنا منهم سبعين، وأسرْنا منهم سبعين.\nقال: فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال: يا رسولَ الله؛ والله ما هذا أسَرني، ولكن أسَرَني رجل أجْلَح من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبْلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاريّ: أنا أسرته، فقال رسول الله - ﷺ -: لقد آزرك الله بملَكٍ كريم. قال عليّ: فأسِر من بني عبد المطّلب العباس وعَقيل ونوفل بن الحارث (١). (٢: ٤٢٤/ ٤٢٥ / ٤٢٦).\n_________\n(١) رجاله ثقات ومصعب وثقه ابن معين والدارقطني -وحديث علي هذا (لما قدمنا المدينة ...) أخرجه أبو داود (بأوجز من الطبري) في سننه (ح ٢٦٦٥ / باب في المبارزة) وأحمد في المسند (١/ ١١٧) وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٦/ ٧٦).\nقلنا: وأخرجه البزار (كشف الأستار / ١٧٦١) وأخرجه الحاكم كذلك من حديث ابن عباس (٣/ ١٨٧) والله أعلم.\nوتبقى مسألة عنعنة أبي إسحاق هنا وهو مدلّس ولكن البخاري قبل هذه العنعنة إن كان من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق وكذلك هاهنا فلا ضير والله أعلم.","vol":"2","page":88},{"text":"٧٩ - حدّثني جعفر بن محمد البزُوريّ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن عليّ، قال: لمّا أن كان يومُ بدر، وحضر البأس اتّقينا برسول الله، فكان من أشدّ الناس بأسًا، وما كان منّا أحدٌ أقربَ إلى العدوّ منه (١). (٢: ٤٢٦).\n٨٠ - حدَّثنا عمرو بن علي، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن شُعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ، قال: سمعتُه يقول: ما كان فينا فارسٌ يوم بدر غير مِقْداد بن الأسود، ولقد رأيتُنا وما فينا إلّا نائمٌ، إلّا رسول الله - ﷺ - قائمًا إلى شجرة يصلّي، ويدعو حتى الصبح (٢). (٢: ٤٢٦/ ٤٢٧).\n٨١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن مسلم الزهريّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عُروة وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، كلٌّ قد حدّثني بعض هذا الحديث؛ فاجتمع حديثهم فيما سُقتُ من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله - ﷺ - بأبي سفيان مقبلًا من الشام، ندَب المسلمين إليهم، وقال: هذه عيرُ قِريش فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعلّ الله أن يُنَفِّلكموها، فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنُّوا أنّ رسول الله - ﷺ - يلقى حَرْبًا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسَّس الأخبار، ويسأل مَنْ لقيَ من الرُّكبان تخوُّفًا على أموال الناس؛ حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أنّ محمدًا قد استنفرَ أصحابه لك ولعيرك. فحذر عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتيَ قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أنّ محمدًا قد عَرَض لها في أصحابه (٣) فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. (٢: ٤٢٧).\n٨٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال ابنُ إسحاق: وحدّثني\n_________\n(١) حديث علي هذا أخرجه أحمد في المسند وصححه العلامة شاكر ﵀، والله تعالى أعلم.\n(٢) رجاله رجال الصحيح غير حارثة بن مضرّب وهو ثقة.\n(٣) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق. وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٢٩٥ بتحقيق همام وأبو صعيليك). والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٢) مطولًا والطبراني وحسَّن الهيثمي إسناده (مجمع الزوائد ٦/ ٧٣) والحديث صحيح، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":89},{"text":"مَن لا أتَّهم عن عِكْرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ويزيد بن رُومان، عن عُروة، قال: وقد رأتْ عاتكةُ بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزَعتها، فبعثتْ إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيتُ الليلة رؤيا لقد أفظعتني، وتخوّفت أن يدخلَ على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتُمْ عليَّ ما أحدّثك [به] قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح. ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفِروا يا آل غُدَر لمصارعكم في ثلاث! فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينا هم حولَه مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها: أن انفروا يا آلُ غدر لمصارعكم في ثلاث! ثمّ مثل به بعيرهُ على رأس أبي قُبَيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذَ صخرة فأرسلها، فأقبلتْ تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقيَ بيت من بيوت مكة، ولا دارٌ من دورها إلّا دخلت منها فِلْقة.\nقال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا رأيتِ فاكتُميها ولا تذكريها لأحد.\nثم خرج العباس فلقيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة -وكان له صديقًا- فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عُتْبة، ففشا الحديث؛ حتى تحدّثت به قريش [في أنديتها].\nقال العبّاس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهْط من قريش قُعودٌ يتحدّثون برؤيا عاتكة؛ فلمّا رآني أبو جهل، قال: يا أبا الفضْل؛ إذا فرغتَ من طوافك فأقبل إلينا. قال: فلمّا فرغت أقبلتُ إليه حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطّلب؛ متى حَدَثتْ فيكم هذه النبيّة! قال: قلتُ: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطّلب، أما رضيتُم أن تتنبّأ رجالُكم، حتى تتنبّأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفرُوا في ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقًّا فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليهم كتابًا أنّكم أكذبُ أهل بيتٍ في العرب.\nقال العباس: فوالله ما كان منّي إليه كبير إلآ أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأتْ شيئًا. قال: ثم تفرّقنا؛ فلمّا أمسيتُ لم تبقَ امرأةٌ من بني عبد المطلب","vol":"2","page":90},{"text":"إلّا أتتْنِي، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم يكن عندك غَيرة لشيء مما سمعت! قال: قلت: قد والله فعلت؛ ما كان منّي إليه من كبيرٍ، وايمُ الله لأتعرّضن له؛ فإن عاد لأكفيتكموه.\nقال: فغدوتُ في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضَب، أرى أن قد فاتني منه أمرٌ أحبّ أن أدرِكه منه.\nقال: فدخلت المسجد فرأيته؛ فوالله إنّي لأمشي نحوه أتعرّضه ليعود لبعض ما قال فأقع به -وكان رجلًا خفيفًا حديدَ الوجه، حديدَ اللسان، حديد النظر- إذْ خرج نحو باب المسجد يشتدّ. قال: قلتُ في نفسي: ما له لعنه الله! أكلّ هذا فرَقًا من أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدَّع بعيره، وحوَّل رحلَه، وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللَّطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها؛ الغوث الغوث!\nقال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. فتجهّز الناس سراعًا، وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ! كلّا والله ليعلمُنّ غيرَ ذلك. فكانوا بين رجلين: إمّا خارج، وإمّا باعث مكانه رجلًا، وأوعَبَتْ قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحدٌ؛ إلَّا أنّ أبا لهب بن عبد المطلب تخلّف، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة؛ وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفْلَس بها، فاستأجره بها على أن يجزيَ عنه بعثه، فخرج عنه وتخلّف أبو لهب (١). (٢: ٤٢٨/ ٤٢٩ / ٤٣٠).\n_________\n(١) هذان إسنادان أحدهما عن ابن عباس وفيهما مبهم، والآخر مرسل، وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٢٩٦) وللحديث طرق منها ما هو مرسل كذلك كما عند الطبراني وآخره عنده ولكنه مرفوع وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٦/ ٧٣٢).\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٩) وضعفه الذهبي، ونسبه الحافظ إلى ابن مندة (الإصابة ٤/ ٣٤٧).\nوقال الشيخ إبراهيم العلي: (وبهذه الطرق يتقوى الحديث فيرتفع إلى درجة الحسن لغيره) (صحيح السيرة / ١٦٤ / الحاشية). =","vol":"2","page":91},{"text":"وأمّا عامة السلف؛ فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمئة رجل وبضْعة عشرَ رجلًا.\nذكر من قال ذلك:\n٨٣ - حدَّثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعَب بن المقْدام، وحدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد الزُّبيريّ، قالا: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: كنّا نتحدّث أنّ عدّة أصحاب بدر على عِدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر -ولم يَجُزْ معه إلّا مؤمن- ثلاثمئة وبضعة عشر (١). (٢: ٤٣٢).\n_________\n= وقال الأستاذ العمري في السيرة النبوية الصحيحة، (٢/ ٣٥٦) معلقًا على إسناد الحاكم وغيره: وثمة روايات أخرى لا تخلو من ضعف لكنها تعتضد للدلالة على صحة الحادثة.\nقلنا: واتباعًا لمنهج التحقيق الذي ذكرنا في مقدمة السيرة فإنا نذكر أمثال هذه الروايات في الصحيح وبالشروط التي ذكرنا والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده صحيح وحديث البراء هذا أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ٦ - باب عدة أصحاب بدر / ح ٣٩٥٨).\n- لقد ذكرنا الرواية (س ١٨٧) المطولة في قسم الضعيف وبينا هناك أنه ضعيف السند إلى ابن إسحاق وقد رواه ابن إسحاق مرسلًا- وأغلب الأمور الواردة في المتن ضعيفة سوى الآتي:\n١ - قوله (بعث بسبس بن عمرو الجهني) فقد أخرج مسلم في (صحيحه / باب ثبوت الجنة للشهيد / ح ١٩٠١) عن أنس - ﵁ - قال: (بعث رسول الله - ﷺ - بسبسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله - ﷺ -. قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه).\nقال: فحدثته الحديث قال: فخرج رسول الله - ﷺ - فتكلم فقال: (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانيهم في علو المدينة فقال: لا إلّا من كان ظهره حاضرًا).\nوالحديث أخرجه كذلك أحمد في مسنده (٣/ ١٣٦) ويرى الحافظ ابن حجر أن الصواب هو بسبس (أي كما عند الطبري) انظر الإصابة (١/ ١٥١).\n٢ - قوله: (فاستشار النبي - ﷺ - للناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر - ﵁ - فقال فأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض كما أمرك الله فنحن معك ... إلخ). فقد أخرجه البخاري بأوجز من هذا (باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ / ح ٣٩٥٢) عن ابن مسعود - ﵁ -: شهدت من المقداد =","vol":"2","page":92},{"text":"٨٤ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا سُفيان، عن أبي إسحاق، عن البرَاء، قال: كنّا نتحدّث أن أصحاب النبيّ - ﷺ - كانوا يوم بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، على عدّة أصحاب طالوت؛ مَنْ جاز معه النهر؛ وما جاز معه إلّا مؤمنٌ (١). (٢: ٤٣٢).\n٨٥ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي؛ عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البرَاء، بنحوه (٢). (٢: ٤٣٢).\n٨٦ - حدَّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرّمْليّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن مِسْعر، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: عِدّة أهل بدر عدّة أصحاب طالوت (٣). (٢: ٤٣٢).\n٨٧ - حدّثني أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا مِسْعَر، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، مثله (٤). (٢: ٤٣٣).\n٨٨ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنَا\n_________\n= ابن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عدل به: أتى النبي - ﷺ - وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا) ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي - ﷺ - أشرق وجهه وسرّه، يعني قوله).\nومسلم في صحيحه باب غزوة بدر (٣/ ١٤٠٤) والحديث أخرجه الطبري في تأريخه كما سنذكر بعد قليل (٢/ ٤٣٤).\n٣ - قوله (قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك ... الحديث).\nفقد أخرج مسلم في صحيحه (باب غزوة بدر / ح ١٧٧٩) عن أنس، - ﵁ - وفيه: (فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا .. الحديث).\nوأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٠).\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) إسناده صحيح.\n(٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":93},{"text":"مَعمر، عن قَتَادة، قال: كان مع النبيّ - ﷺ - يوم بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا (١). (٢: ٤٣٣).\n٨٩ - حدَّثنا محمد بن عبَيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى، قال: حدَّثنا المخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: لقد شهدتُ من المقداد مشهدًا لأنْ أكونَ أنا صاحبه أحبّ إليّ مما في الأرض من شيء؛ كان رجلًا فارسًا، وكان رسول الله - ﷺ - إذا غضب احمارّتْ وجنتاه؛ فأتاه المقدادُ على تلك الحال، فقال: أبشِرْ يا رسولَ الله؛ فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، أو يفْتَح الله لك (٢). (٢: ٤٣٤).\n٩٠ - ثم ارتحل رسول الله - ﷺ - من ذَفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحطّ منها على بلد يقال لها الدَّبَّة، وترك الحَنّان بيمين -وهو كثيب عظيم كالجبل- ثم نزل قريبًا من بَدْر، فركب هو ورجلٌ من أصحابه -كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان- حتى وقف على شَيخ من العرب؛ فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممّن أنتما! فقال له رسول الله - ﷺ -: إذا أخبرتَنا أخبرناك؛ فقال: وذاك بذلك! قال: نعم، قال الشيخ: فإنّه بلغني أنّ محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدَقَنِي الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به رسول الله - ﷺ - وبلغنِي أنّ قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان الذي حدّثني صدقني فهم اليوم بمكان\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) حديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه البخاري في صحيحه مع اختلاف يسير في الألفاظ من طريق مخارق عن طارق بن شهاب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبُّ إليّ مما عدل به: أتى النبي - ﷺ - وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ وكلنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي - ﷺ - أشرق وجهه وسَرَّه يعني قوله.\n(فتح الباري ٩/ ٤ - باب قول الله تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ / ح ٣٩٥٢).","vol":"2","page":94},{"text":"كذا وكذا -للمكان الذي به قريش- فلما فرغ من خبره، قال: ممّن أنتما؟ فقال رسول الله - ﷺ -: نحن من ماء؛ ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما \"من ماءٍ\"، أمِنْ ماءِ العِرَاق (١) \"! . (٢: ٤٣٥/ ٤٣٦).\n٩١ - ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى أصحابه؛ فلمّا أمسى بعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، في نَفرٍ من أصحابه إلى ماء بَدْر يلتمسون له الخبر عليه -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، كما حدّثني يزيد بن رومان، عن عُروة بن الزبير- فأصابوا راويةً لقريش فيها أسْلَم؛ غلام بني الحجّاج، وعَرِيض أبو يَسَار، غلام بني العاص بن سعيد؛ فأتوْا بهما رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - قائم يصلّي؛ فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش؛ بعثونا لنسقيَهم من الماء، فكره القوم خبرَهما، ورَجوا أن يكونا لأبي سفيان؛ فضربوهما، فلما أذْلَقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله - ﷺ -، وسجد سجدتين، ثم سلّم، فقال: إذَا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صَدَقَا والله! إنّهما لقريش؛ أخبراني: أين قريش؟ قالا: هم وراءَ الكثيب الذيِ ترى بالعُدْوَة القُصْوَى -والكثيب: العَقَنْقَل- فقال رسول الله - ﷺ -: لهما: كم القوم؟ قالا: كثيرٌ، قال: ما عِدَّتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال رسول الله - ﷺ -: القوم ما بين التسعمئة والألف. ثم قال لهما رسول الله - ﷺ -: فَمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عُتْبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، وأبو البختَريّ بن هشام، وحكيم بن حِزَام، ونوْفل بن خُويَلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطُعَيمَة بن عَدِيّ بن نوفل، والنضْر بن الحارث بن كَلَدة، وَزَمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمَيّة بن خلَف، ونُبيه ومُنبّه ابنا الحجاج، وسُهَيل بن\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد رواه ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان مرسلًا؛ فمحمد هذا وإن كان ثقة ولكنه لم يدرك الواقعة فقد توفي سنة ١٢١ هـ. وهو ابن أربع وسبعين سنة (كما قال الحافظ في التقريب / ت ٦٣٨١) فيكون مولده سنة (٤٧ هـ) أي: بعد بدر بـ (٤٥ سنة) والله تعالى أعلم.\nوكذلك رواه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى منقطعًا (السيرة النبوية ٢/ ٣٠٧ / بتحقيق همام).","vol":"2","page":95},{"text":"عمرو، وعمرو بن عبد ودّ. فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس، فقال: هذه مكّة قد ألْقَتْ إليكم أفْلاذَ كبِدِها (١). (٢: ٤٣٦/ ٤٣٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولمتنه ما يشهد له فقد أخرجه مسلم في صحيحه باب غزوة بدر من حديث أنس (ح ١٧٧٩) وفيه: ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف وقال: (والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم) والحديث أخرجه كذلك عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٣٤٩) كما عند الطبري بصيغة التثنية، وأبو داود في سننه باب الأسير ينال منه ويضرب (٣/ ١٣١).\nأما تخمين رسول الله - ﷺ - لعدد المشركين وتحديده بالألف فقد أخرج أحمد في المسند من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: (لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها، فأصابنا بها وعك، فكان النبي - ﷺ - يتخبّر عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله - ﷺ - إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد رسول الله - ﷺ - أن يخبره فأبى، ثم إن النبي - ﷺ - سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر لكل يوم. فقال رسول الله - ﷺ -: القوم ألف كل جزور لمئة ونيفها- أخرجه أبو داود (ح ٢٦٦٥) وأحمد في المسند (١/ ١١٧).\nوالحاكم (٣/ ١٨٨) من حديث ابن عباس وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة (مجمع الزوائد ٦/ ٧٦).\nوصحح العلامة شاكر إسناده، وقال العمري: وفيه أبو إسحاق السبيعي مدلس ولكن العلة زالت لوروده من طريق أخرى (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٥٧).\nأما قوله: (فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبده).\nفكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا (السيرة النبوية / ٢/ ٣٠٨). والله أعلم.\n* لقد ذكرنا الرواية (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٩) س / ١٢٥ وتكملته في قسم الضعيف لضعف إسناده ومتنه سوى عبارة أخيرة في تكملة الرواية (٢/ ٤٣٩) وهي: (وبعث الله السماء فأصاب رسول الله - ﷺ - وأصحابه منها ما لبّد الأرض ولم يمنعهم المسير) فقد ثبت بدليل الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].\nوبوّب له البخاري في صحيحه / كتاب المغازي، ٤ - باب قوله تعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ...﴾ [الأنفال: ٩ - ١٣] الفتح (٩/ ١٣).\nوكذلك جاء في رواية للإمام أحمد في مسنده (الفتح الرباني ٢١/ ٣٠). من حديث علي وهو يصف ليلة المعركة وفيه:\n(ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر).","vol":"2","page":96},{"text":"٩٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأنّ القومُ، بعثوا عُمَير بن وهب الجُمَحِيّ، فقالوا: احزُرْ لنا أصحابَ محمد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمئة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون؛ ولكن أمْهلوني حتى انظر؛ أللقوم كمين أم مَدَد؟ قال: فضرب في الوادي؛ حتى أبْعد فلم ير شيئًا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكني قد رأيتُ -يا معشرَ قريش- الوَلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس لهم مَنَعة ولا مَلْجأ إلّا سيوفُهم؛ والله ما أرى [أن] يقتل رجل منهم حتى يُقتل رجل منكم؛ فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك! فَرَوْا رَأيكم.\nفلمّا سمع حَكيم بن حزام ذلك، مشى في الناس، فأتى عتبةَ بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبيرُ قريش الليلة وسيّدُها، والمطاع فيها؛ هل لك ألّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر! قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دمَ حليفك عمرو بن الحضرميّ! قال: قد فعلت، أنتَ عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عَقْله، وما أصيب من ماله؛ فائتِ ابنَ الحنْظَلية؛ فإنّي لا أخشى أن يشجرُ أمرَ الناس غيرُه -يعني أبا جهل بن هشام- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قام عُتْبة بن ربيعة خطيبًا، فقال: يا معشرَ قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تَلْقوا محمدًا وأصحابه شيئًا؛ والله لئن أصبتُموه لا يزال رجلٌ ينظر في وَجْهِ رجل يكره النَّظَر إليه، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته؛ فارجعوا وخلُّوا بين محمّد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرَّضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقتُ أؤمُّ أبا جهل؛ فوجدته قد نَثَل دِرْعًا له من جِرابها؛ فهو يُهيّئها. فقلت: يا أبا الحكم؛ إنّ عُتْبةَ قد أرسلني إليك بكذا وكذا -للذي فاد- فقال: انتفخ والله سَحْرُه حين رأى محمدًا وأصحابه؛ كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد وأصحابه، وما بعتْبة ما قال؛ ولكنه قد رأى محمدًا وأصحابه أكلةَ جَزور؛ وفيهم ابنه فقد تخوّفَكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ، فقال له: هذا حَلِيفُك، يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرَك بعينيك، فقم فانشُد خُفْرتك","vol":"2","page":97},{"text":"ومقتَلَ أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ: واعمراه! واعمراه! فحميَت الحربُ، وحَقِبَ أمر الناس؛ واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسِد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة بن ربيعة.\nفلما بلغ عُتبةَ بن ربيعة قولُ أبي جهل: \"انتفخ سَحْره\"، قال: سيعلم المُصَفِّرُ اسْتَهُ من انتفخ سَحْره، أنا أم هو! ثم التمس بَيضَة يُدْخِلها في رأسه فما في الجيش بيضة تَسَعُه من عِظم هامته، فلما رأى ذلك اعتَجَر على رأسه ببُرْد له.\nوقد خرج الأسود بن عبد الأسود المخزوميّ -وكان رجلًا شرسًا سيِّيءَ الخُلق- فقال: أعاهد الله لأشْرَبنّ من حَوْضِهم ولأهْدِمنّه أو لأمُوتنّ دونه. فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة، فأطنّ قدمه بنصف ساقه؛ وهو دُونَ الحوض، فوقع على ظهره تَشْخُبُ رجله دمًا نحو أصحابه؛ ثم حَبَا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد -زَعَمَ- أن يُبِرَّ يمينَه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.\nثم خرج بعده عُتْبة بن ربيعة بين أخيه شَيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عُتْبة؛ حتى إذا فَصَل من الصفّ دعَا إلى المبارزة، فخرج إليه فتْية من الأنصار ثلاثة نفر منهم: عوف ومُعَوِّذ ابنا الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم حاجة! ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخْرِجْ إلينا أكفاءَنا من قومنا، فقال رسول الله - ﷺ -: قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا عليّ بن أبي طالب؛ فلما قاموا ودَنوْا منهم، قالوا: مَنْ أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاءٌ كِرَام! فبارز عُبيدة بن الحارث -وكان أسنّ القوم- عُتْبة بن ربيعة، وبارز حمزةُ شَيبةَ بن ربيعة، وبارز عليٌّ الوليدَ بن عتبة؛ فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليٌّ فلم يمهل الوليد أن قتله؛ واختلف عُبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبَت صاحبه، وكرَّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عُتْبة، فذفّفا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه؛ وقد قطعت رجله، فمُخُّها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":98},{"text":"قال: ألستُ شهيدًا يا رسول الله (١)! قال: بلى، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أني أحقّ بما قال منه حيث يقول:\nونُسْلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حَوْلَه ... ونَذْهَلَ عن أَبنائِنا وَالحَلائِل\n(٢: ٤٤٢ - ٤٤٤ - ٤٤٥)\n٩٣ - حدَّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدَّثنا عثامة بن عمرو السهميّ، قال: حدّثني مُسوَّر بن عبد الملك اليَربوعيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، قال: بينَا نحن عند مروان بن الحَكَم؛ إذ دخل حاجبُه، فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام، قال: ائذنْ له، فلمّا دخل حكيم بن حِزام، قال: مرحبًا بك يا أبا خالد! ادْنُ، فحال له مروان عن صدْر المجلس؛ حتى كان بينه وبين الوسادة، ثمّ استقبله مرْوان، فقال: حَدّثنا حديثَ بدْر، قال: خرجنا حتى إذا نزلنا الجُحْفَة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسْرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بَدْرًا. ثم خرجنا حتى نزلنا العُدْوة التي ذكرها الله ﷿، فجئت عُتْبة بن ربيعة، فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشَرَف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمّد إلا دَم ابن الحضرميّ؛ وهو حليفك، فتحمّل ديتَه وترجع بالناس. فقال: أنت وذاك، وأنا أتحمّل بِديَتِه، واذهبْ إلى ابن الحنظلِيّة -يعني أبا جهل- فقل له: هل لك أن ترجعَ اليوم بمَنْ معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابنُ الحضرميّ واقف على رأسه؛ وهو يقول: قد فَسَخْتُ عقْدي من عبد شمس، وعقْدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عُتْبة بن ربيعة: هل لك أن ترجعَ اليوم عن ابنِ عمك بمَنْ معك؟ قال: أما وجدَ رسولًا غيرك! قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولًا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرًا إلى عُتْبة؛ لئلا يَفُوتَني من الخبر شيء، وعتبة مُتكّئ على إيماء بن رَحَضة الغِفاريّ؛ وقد أهْدَى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سَحْرُك! فقال له عتبة: ستعلم! فَسلّ أبو جهل سيفه، فضرب به متنَ فرسه، فقال إيماء بن رَحَضة: بئس\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وراجع تعليقنا على الرواية التالية.","vol":"2","page":99},{"text":"الفأل هذا! فعند ذلك قامت الحرب (١). (٢: ٤٤٣).\n٩٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق:\n_________\n(١) في إسناده عثامة بن عمرو السهمي لم نجد له ترجمة وهذا الخبر يتقوى بالذي قبله وبما سنذكر:\n١ - فقد سبق ذكر الرواية (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥ - ٤٢٦) وذكرنا عندها ما يؤيدها وفيها: فقال: (هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ... إلخ).\nوكذلك أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -: (لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله - ﷺ - إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر فقال: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا وهو يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه كأكلة جزور ولقد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف، ثم دعا أخاه وابنه، فخرج بينهما ودعا بالمبارزة) وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (المجمع ٦/ ٧٦).\n٢ - وأما المبارزة بين الصحابة من جهة وعدد من المشركين من جهة أخرى (الوليد بن عتبة وابني ربيعة) فقد أخرج البخاري في صحيحه عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، (كتاب المغازي ح / ٣٩٦٥).\nوأخرج البخاري عن أبي ذر - ﵁ - يقسم: لنزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر ... (صحيح البخاري / ح ٣٩٦٨) وحديث المبارزة أخرجه كذلك أحمد. وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة (المجمع ٦/ ٧٦).\n٣ - وأما إرسال قريش لعمير بن وهب الجمحي ليحزر جيش المسلمين: فقد أخرجه كذلك ابن هشام من طريق ابن إسحاق مرسلًا (السيرة النبوية بتحقيق همام ٢/ ٣١٥) ورواه ابن سعد معلقًا (الطبقات ٢/ ١٦) ولقد جوّد العمري إسناده وأضاف قائلًا: إذ يغلب الظن أن شيوخ ابن إسحاق بن يسار فيه من الصحابة ولو تحقق ذلك فإن الحديث صحيح لأن جهالة الصحابي لا تضر خاصة وهم كثرة. (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٥٩).\nولم نجد للمقطع الأخير من رواية الطبري تأييدًا من رواية صحيحة وذلك من قوله (قال: ألست شهيدًا يا رسول الله؟ ... إلخ) والله أعلم.","vol":"2","page":100},{"text":"وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة؛ أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا: أكفاءٌ كرامٌ، إنما نريد قومنا، ثم تزاحف الناس؛ ودنا بعضُهم من بعض، وقد أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه ألّا يحملوا حتى يأمرهم؛ وقال: إن اكتنفكُم القوم فانضحوهم عنكم بالنَّبْل؛ ورسول الله - ﷺ - في العريش معه أبو بكر (١). (٢: ٤٤٦).\n٩٥ - فحدّثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن عكرمة بن عَمَّار، قال: حدّثني سماك الحنفيّ، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدْر، ونظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وعِدّتهم، ونظر إلى أصحابه نيّفًا على ثلاثمئة، استقبل القبلة، فجعل يدعو، يقول: اللهمّ أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهمّ إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبَد في الأرض؛ فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثمّ التزمه من ورائه، ثم قال: كفاك يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي، مناشدتك ربّك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنزل الله ﵎: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). (٢: ٤٤٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف. وأما قوله: (وقال: اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل).\nفقد أخرج البخاري من طريقين عن أبي أسيد ﵁ قال: قال لنا رسول الله - ﷺ - يوم بدر: إذا أكثبوكم -يعني أكثروكم- فارموهم واستبقوا نبلكم. (صحيح البخاري كتاب المغازي / ح ٣٩٨٤، ح ٣٩٨٥).\nوالحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٧٠) والله أعلم.\n(٢) إسناده حسن صحيح، وحديث عمر هذا أخرجه مسلم مع بعض الاختلاف فقد أخرج عن عمر ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه، مادًا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فأمده الله بالملائكة (صحيح مسلم باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر / ح ١٧٦٣).","vol":"2","page":101},{"text":"٩٦ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا الثقفيُّ -يعني عبد الوهاب- عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ النبي - ﷺ -، قال وهو في قبتّه يومَ بدر: اللهمّ إني أسألُك عهدك ووعدك؛ اللهمّ إن شئت لم تُعْبَدْ بَعْدَ اليوم!\nقال: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبُك يا نبيّ الله، فقد ألححت على ربّك - وهو في الدّرع - فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (١). (٢: ٤٤٧/ ٤٤٨).\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وقد خَفَق رسول الله - ﷺ - خفقةً وهو في العريش؛ ثم انتبه، فقال: يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله، هذا جبريل آخذ بِعنان فرسه يقوده، على ثناياه النَّقع. قال: وقد رُمِيَ مِهْجَعٌ مولى عمر بن الخطاب بسهم فقُتل؛ فكان أوّلَ قتيل من المسلمين، ثم رُمِيَ حارثة بن سُراقة، أحد بني عديّ بن النجار وهو يشرب من الحوْض فقتِل. ثم خرج رسول الله - ﷺ - فحرَّضهم، ونفّل كلّ امرئ منهم ما أصاب، وقال: والَّذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتَلَ صابرًا محتسِبًا مُقْبِلًا غير مُدْبِر؛ إلّا أدخله الله الجنة. فقال عمَيرُ بن الحُمَام، أخو بني سَلمة، وفي يده تَمَراتٌ يأكُلهنّ: بَخْ بَخْ، فما بيني وبين أن أدخلَ الجنة إلا أن يقْتلني هؤلاء! ثم قذف التَّمرَاتِ من يده، وأخذ سيفُه، فقاتل القوم حتى قُتِل وهو يقول:\nرَكْضًا إلى اللهِ بغير زادِ ... إلَّا التُّقَى وَعملِ المَعادِ\nوَالصَّبْر في اللهِ على الجهادِ ... وكلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع منها في (المغازي / ح ٣٩٥٣) ولفظه: قال النبي - ﷺ - يوم بدر: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وقال الحافظ في الفتح (٩/ ١٩٨): هذا من مراسيل الصحابة فإن ابن عباس لم يحضر ذلك ولعله أخذه عن عمر أو عن أبي بكر، ثم ذكر الحافظ حديث مسلم الآنف الذكر.","vol":"2","page":102},{"text":"غَير التُّقَى والبرّ والرَّشَادِ (١). (٢: ٤٤٨)\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية وقال: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق (وسند ابن إسحاق السابق ضعيف) ولكن ما ذكره الطبري هنا له ما يشهد له متفرقًا كما يلي:\n١ - جاء في رواية الطبري (وقد خفق رسول الله - ﷺ - خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع).\nوحكم الشيخان الجليلان (همام وأبو صعيليك) بضعف هذا الخبر وفيه نظر فقد أخرج الأموي في مغازيه كما قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٤): خفق النبي - ﷺ - خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل معتجر بعمامة آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته).\nوحسّن المحدث الألباني هذه الرواية في تحقيقه لفقه السيرة للشيخ الغزالي ﵀ (٢٤٣ / الحاشية) وكذلك حسَّن الأستاذ العمري إسناده (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٦٥) الحاشية.\nويؤيده ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٨) من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير وفي آخره: خفق رسول الله - ﷺ - خفقة في العريش ثم انتبه فقال: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع أتاك نصر الله وَعِدتُه) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخبن ولم يخرجاه وأقرّه الذهبي والحديث أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٣١).\nومن طريق أبي صالح عن علي قال: (قيل لي ولأبي بكر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال) وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه الحاكم (فتح الباري ٩/ ٢٣٧).\nوجاء تعقيب الحافظ هذا في شرحه لحديث البخاري عن ابن عباس ﵄ (أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) صحيح البخاري كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدرًا /ح ٣٩٩٥).\n٢ - أما استشهاد حارثة بن سراقة فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني ... الحديث) كتاب المغازي باب فضل من شهد بدرًا / ح ٣٩٨٢.\n٣ - وأخرج مسلم في صحيحه حديثًا وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه، فدنا المشركون فقال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ فقال رسول الله - ﷺ -: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات =","vol":"2","page":103},{"text":"٩٧ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق. وحدّثني محمد بن مسلم الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذرِيّ، حليف بني زُهرة، قال: لما التقى النَّاس، ودنا بعضُهم من بعض، قال أبو جهل: اللهمَّ أقْطَعنَا لِلرَّحم، وآتانا بما لا يُعرف؛ فأحِنْه الغداة، فكان هو المستفتِح على نفسه.\nثم إنّ رسول الله - ﷺ - أخذ حَفْنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا، ثم قال: شاهت الوُجوه! ثم نَفحهم بها، وقال لأصحابه: شُدُّوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله مَنْ قتلَ من صناديد قريش، وأسِر مَنْ أسِر منهم، فلما وضع القوم أيديَهم يأسرون، ورسول الله - ﷺ - في العريش، وسعد بن مُعاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله - ﷺ -، متوشِّحًا السيف، في نفر من الأنصار يحرُسون رسول الله - ﷺ -، يخافون عليه كَرَّةَ العدوّ، ورأى رسول الله - ﷺ - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكَرَاهيةَ لمَا يصنع الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: لكأنّك يا سعد تكره ما يصنع الناس! قال: أجلْ والله يا رسولَ الله! كانت أوّل وقعة أوقَعها الله بالمشركين؛ فكان الإثخَانُ في القتل أعجَبَ إليَّ من استبقاء الرجال (١). (٤٤٩: ٢).\n_________\n= من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة قال: فرفس بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل. صحيح مسلم (باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١) والمستدرك (٣/ ٤٢٦) والبيهقي في السنن (٩/ ٤٣) والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف ولكن أخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٨) من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: (كان المستفتح يوم بدر أبا جهل قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة، فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء العدو وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم ... الحديث).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٧٤) وأحمد في المسند (٥/ ٤٣١) وأما قوله: (ثم إن رسول الله - ﷺ - أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشًا ثم قال: شاهت الوجوه ثم نفحهم بها) فالطبري أخرج هذه الرواية بسند ضعيف مرسلًا كما نرى إلا أنه أخرجها في تفسيره (١٣/ ٤٤٢) و(١٣/ ٤٤٣) بإسنادين مرسلين صحيحين (عن عروة وقتادة).\nوقال العمري معقبًا على الروايتين المرسلتين: وهما يعتضدان لأن المرسل إذا تعددت =","vol":"2","page":104},{"text":"٩٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، قال: وحدّثني أيضًا عبد الله بن أبي بكر، وغيرهما، عن عبد الرّحمن بن عوْف، قال: كان أميّة بن خلَف لي صَديقًا بمكّة - وكان اسمي عبد عمْرو، فسمِّيتُ حين أسلمتُ: \"عبد الرحمن\"، ونحن بمكة - قال: فكان يلْقانِي ونحن بمكّة، فيقول: يا عبدَ عمرو، أرغِبْت عن اسم سمَّاكَه أبوك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرف \"الرحمن\"؛ فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به؛ أما أنتَ فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: \"يا عبد عمرو\"، لم أجبه، فقلت: اجعل بيني وبينك يا أبا عليّ ما شئت، قال: فأنت \"عبد الإله\"، فقلت: نعم، فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدّث معه؛ حتى إذا كان يومُ بدر،\n_________\n= مخارجه يقوى. وقال أيضًا: وتدل على صحة ذلك (رمي الحصى في وجوه المشركين) الآية الكريمة ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]، راجع السيرة النبوية الصحيحة. (٢/ ٣١٣) قلنا: ويؤيد رواية الطبري ما أخرجه الطبراني في الكبير (ح ٣١٢٧) عن حكيم بن حزام ﵁ قال: لما كان يوم بدر أمر رسول الله - ﷺ - فأخذ كفًّا من الحصى فاستقبلنا بها فرمى بها وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني وسنده حسن (مجمع الزوائد ٦/ ٨٤).\nوأخرج الطبراني رواية أخرى من حديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - لعليّ: ناولني كفًّا من حصى فناوله فرمى بها القوم .... الحديث وفي آخره: فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٨٤).\nأما رفع عبارة (والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم) إلى رسول الله - ﷺ - فلم نجد له طريقًا غير طريق ابن إسحاق المرسل الضعيف الآنف الذكر والله أعلم.\nلقد ذكرنا الرواية (٢/ ٤٤٩ / ٤٥٠/ ٤٥١) س ١٣٠ في قسم الضعيف لضعف الإسناد إلى ابن إسحاق ووجود مبهم في طريق ابن إسحاق كذلك، ولم نجد لمتنه الطويل ما يؤيده إلّا أن طلب رسول الله - ﷺ - من أصحابه أن يأسروا بعضًا من مقاتلي بني هاشم بدلًا من قتلهم يؤيده ما أخرجه أحمد في المسند عن علي ﵁ قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا (١/ ٨٩ / ح ٦٧٨) وصحح العلامة شاكر إسناده (٢/ ٧٦ / ٧٧).\nوقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات (المجمع ٦/ ٨٥).","vol":"2","page":105},{"text":"مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ بن أميَّة، آخذًا بيده، ومعي أدراعٌ قد استلبتُها، فأنا أحملها. فلمّا رآني قال: يا عبد عمرو! فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، قلت: نعم، قال: هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعمْ، هلُمَّ إذًا. قال: فطرحتُ الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه عليّ، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطّ! أما لكم حاجة في اللّبن! قال: ثم خرجت أمشي بهما (١). (٢: ٤٥١/ ٤٥٢).\n٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد الواحد بن أبي عوْن، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال لي أميّة بن خلف وأنا بينه وبين ابنه، آخِذٌ بأيديهما: يا عبدَ الإله، مَن الرجل منكم، المعْلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فَعل بنا الأفاعيل! قال عبد الرحمن: فوالله إنّي لأقودهما إذْ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذّب بلالًا بمكّة على أن يترك الإسلام فيخرجُه إلى رَمْضاء مكة إذا حميَتْ، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزالُ هكذا حتى تفارقَ دين محمد، فيقول بلال: أحدٌ أحَدٌ - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة بن خَلف، لا نجوتُ إن نَجَوْتَ؛ قال: قلت: أي بلال، أسيرَيّ! قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: قلت: تسمَع يا بن السوداء! قال: لا نجوتُ إن نجَا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصارَ الله، رأس الكفر أمية بن خلَف، لا نجوتُ إن نجا! قال: فأحاطوا بنا، ثم جعلونا في مثل المسَكَة وأنا أذُبُّ عنه؛ قال: فضرب رجلٌ ابنه فوقع. قال: وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ. قال: قلتُ: انجُ بنفسك، ولا نجاءَ؛ فوالله ما أغني عنك شيئًا. قال: فهبرُوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما.\nقال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالًا! ذهبت أدراعي وفجعني بأسيريَّ (٢). (٢: ٤٥٢/ ٤٥٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف والخبر أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق وصحح الشيخ العلي إسناده في حاشية صحيح السيرة (٢/ ١٧٨) والأولى أن يقال: حسن الإسناد فالمعروف من =","vol":"2","page":106},{"text":"١٠٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد: وحدّثني ثور بن زيد مولى بني الدِّيل، عن عكْرمة مولى ابنِ عبَّاس، عن ابن عبَّاس قال: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، قالا: كان مُعاذ بن عمرو بن الجَمُوح أخو بني سَلمة يقول: لما فرغ رسول الله - ﷺ - من عدوّه، أمرَ بأبي جهل أن يلتَمس في القتلى، وقال: اللهمّ لا يعجزنّك، قال: فكان أوّل مَنْ لقِيَ أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرَجة وهم يقولون: أبو الحكَم لا يُخْلَص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فصَمدْت نحوه، فلمّا أمكنني حملتُ عليه فضربته ضربة أطنَّت قدَمه بنصف ساقه؛ فوالله ما شَبَّهتُها حين طاحت إلا النّواة تَطيح من تحت مِرْضَخةِ النّوى حين يُضرب بها.\nقال: وضربني ابنُه عِكْرمة على عاتقي؛ فطرح يدي، فتعلقت بجلْدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه؛ فلقد قاتلت عامَّة يومي، وإني لأسحبها خلْفِي؛ فلما آذتْني جعلت عليها رجلي، ثم تمَطَّيت بها، حتى طرحتُها.\nقال: ثم عاش مُعاذ بعد ذلك، حتى كان في زمن عثمان بن عفان. قال: ثم مرّ بأبي جهل -وهو عقير- مُعَوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبتَه؛ فتركه وبه رمق؛\n_________\n= رواية ابن إسحاق عند أئمة الحديث تحسين حديثه إذا صرّح بالتحديث وكذلك فعل في هذه الرواية (وتصحيحه سهو من الشيخ الفاضل وإلا فلا يخفى عليه ما ذكرنا من تحسين رواية ابن إسحاق كما هو واضح في تحقيقه لروايته من طريق عبد الواحد بن عوف ويؤيد ما عند ابن هشام والطبري ما أخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت (الرحمن) قال: لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو) فلما كان في يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال: أمية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا - وكان رجلًا ثقيلًا فلما أدركونا قلت له: ابرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن بن عوف يريه ذلك الأثر في ظهر قدمه).\n(صحيح البخاري كتاب الوكالة باب إذا وكل المسلم حربيًّا في دار الحرب ح ٢٣٠١) والحديث أخرجه مسلم كذلك (ح ١٧٠٢).","vol":"2","page":107},{"text":"وقاتل معوّذ حتى قُتل، فمرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله - ﷺ - أن يُلتَمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله - ﷺ - فيما بلغني-: انظروا إنْ خفِيَ عليكم في القتلى إلى أثر جُرْح بركبتهِ؛ فإني ازدحمت أنا وهو يومًا على مأدُبة لعبد الله بن جُدعان؛ ونحن غلامان؛ وكنت أشفَّ منه بيسير؛ فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجُحِشَ في إحداهما جَحْشًا لم يزل أثرُه فيه بعد. قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رَمَق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضَبَثَ بي مرّة بمكة، فآذاني ولكزَني. ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدوّ الله! قال: وبماذا أخزاني! أعْمَدُ من رجل قَتلتموه؟ ! أخبرني لمن الدَّبْرَة [اليوم] قال: قلت: لله ولرسوله (١). (٢: ٤٥٤/ ٤٥٥).\n١٠١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أنّ ابن مسعود، كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيتَ يا رُوَيعيَ الغنم مرتقىً صعبًا! ثم احتززتُ رأسه؛ ثم جئت به رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: آللهِ الذي لا إله غيره! - وكانت يمينَ رسول الله - ﷺ - قال: قلتُ: نعم؛ والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيتُ رأسه بين يدي رسول الله - ﷺ -. قال: فحمد الله (٢) [٢: ٤٥٥/ ٤٥٦].\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأصل قصة مقتل أبي جهل في صحيح البخاري في عدة مواضع فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضرباه أبناء عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قال قتلتموه (صحيح البخاري كتاب المغازي باب قتل أبي جهل ح ٣٩٦٣).\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد ح ١٨٠٠).\nوأخرجه البخاري كذلك بأطول من روايته السابقة (صحيح البخاري كتاب الخمس باب من لم يخمس الأسلاب).\nورواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٨٣) كما عند الطبري ورواه غيرهم.\nورواه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٣٢ / تحقيق همام) من طريق محمد بن إسحاق بسند حسن والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف ولكن أخرج الطبراني (ح / ٨٤٦٨) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعًا فقلت: أي عذو الله قد أخزاك الله؟ قال: وبمَ أخزاني من =","vol":"2","page":108},{"text":"١٠٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني يزيد بن رُومان عن عُروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما أمرَ رسول الله - ﷺ - بالقتلى أن يُطرَحوا في القَلِيب طُرحوا فيه؛ إلّا ما كان من أميّة بن خلَف؛ فإنه انتفخ في دِرْعه حتى ملأها، فذهبوا ليحرّكوه، فتزايلَ لحمه فأقرّوه، وألقوا عليه ما غيَّبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القَلِيب، وقف رسول الله - ﷺ - عليهم، فقال: يا أهلَ القلِيب، هل وجدتم ما وَعَدَكم ربكم حقًّا! فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا. فقال له أصحابه: يا رسولَ الله، أتكلّم قومًا موتَى! قال: لقد علموا أن ما وعدتُهم حقّ، قالت عائشة: والناس يقولون: \"لقد سمعوا ما قلت لهم\"، وإنّما قال رسول الله - ﷺ -: \"لقد علموا\" (١). (٢: ٤٥٦).\n_________\n= رجل قتلتموه، ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء ومعه سيف له جيد، فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال: فانطلق فاستثبت فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته فقال رسول الله - ﷺ -: انطلق. فانطلقت معه فرأيته فلما وقف عليه - ﷺ - قال: هذا فرعون هذه الأمة.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٦/ ٧٩).\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح أخرجه ابن هشام بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة (كما عند الطبري) - (السيرة النبوية ٢/ ٣٣٩) بتحقيق همام وأبو صعيليك، وأخرج البخاري في صحيحه عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا ما ترى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا. قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله - ﷺ -: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.\nقال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا (صحيح البخاري كتاب المغازي ح ٣٩٧٦) والحديث رواه مسلم في صحيحه (باب عرض مقعد =","vol":"2","page":109},{"text":"١٠٢ / أ- حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق. قال: وحدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحابُ رسول الله - ﷺ - رسول الله - ﷺ -، وهو يقول من جوف الليل: يا أهلَ القلِيب، يا عُتْبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلَف، يا أبا جهل بن هشام - فعدَّدَ مَنْ كان معهم في القَلِيب - هل وجدتم ما وعدكُمْ ربّكم حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا! قال المسلمون: يا رسولَ الله؛ أتنادي قومًا قد جَيَّفوا! فقال: ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم؛ ولكنَّهم لا يستطيعون أن يجيبوني (١). (٢: ٤٥٦/ ٤٥٧).\n١٠٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدَق، عن مكحول، عَنْ أبي أمامة الباهليّ، قال: سألت عبادة بن الصّامت عن الأنفال، فقال: فينا معشرَ أصحاب بدر نزلتَ؛ حين اختلفنا في النَفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسَّمه رسول الله - ﷺ - بين المسلمين عن بَواء - يقول على السوَاء - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين (٢). (٢: ٤٥٨).\n_________\n= الميت / ٤/ ٢٢٠٣ / ح ٢٨٧٤) وأحمد في مسنده (٣/ ١٠٤) وغيرهم، والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فإسناده حسن.\nوأخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا. فسمع عمر قول النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ ! قال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بإسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا). ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر، (صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ح ٢٨٢٤) والحديث رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٨٧).\nوقد سبق أن ذكرنا روايات أخرى عند الحديث عن سند الرواية السابقة (٢/ ١٠١).\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث وسنده حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٦) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والله أعلم.","vol":"2","page":110},{"text":"١٠٤ - قال: ثمّ بعث رسول الله - ﷺ - عند الفتح عبدَ الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله - ﷺ - وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة.\nقال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوّينا التّراب على رقيَّة بنت رسولالله - ﷺ - التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله - ﷺ - خلفني عليها مع عثمان.\nقال: ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلّى قَد غَشيهُ الناس وهو يقول: قُتِل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزَمعة بن الأسود، وأبو البَختريّ بن هشام، وأميّة بن خَلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبهْ أحقٌّ هذا! قال: نعم والله يا بُنيَّ. ثم أقبل رسول الله - ﷺ - قافلًا إلى المدينة؛ فاحتمل معه النَّفَل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النَّفَلِ عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النَّجار. ثم أقبلَ رسول الله - ﷺ - حتى إذا خرج من مضيق الصَّفْراء، نزل على كَثيِب بين المضيق وبين النازية -يقال له سَيَر- إلى سَرْحة به، فقسَّم هنالك النَّفَل الَّذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السَّواء، واستُقيَ له من ماء به يقال له الأرواق (١). (٢: ٤٥٨/ ٤٥٩).\n١٠٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: قال محمد بن إسحاق: كما حدّثني بعضُ أهل العلْم من أهل مكة؛ قال: ثم خرج رسول الله - ﷺ -؛ حتى إذا كان بعرْق الظّبية، قتل عُقبْة بن أبي مُعَيط، فقال حين أمر به رسول الله - ﷺ - أن يُقتل: فمنْ للصبية يا محمد! قال: النار، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية مبدوءًا بقوله (قال) وأغلب الظن أنه يشير إلى طريق ابن إسحاق السابق (١٠٣) عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (إن النبي - ﷺ - خلف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد علي بنت رسول الله - ﷺ -، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله - ﷺ - بالبشارة قال أسامة: فسمعت الهيعة فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى وضرب رسول الله - ﷺ - لعثمان بسهمه) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي وأخرجه البيهقي في السنن (٩/ ١٧٤).\nوصحح العليّ إسناده (صحيح السيرة ١٨٨ الحاشية).","vol":"2","page":111},{"text":"الأنصاريّ؛ ثم أحد بني عمرو بن عوف (١). (٢: ٤٥٩).\n١٠٦ - قال: كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر، قال: ولما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى عِرْق الظبية حين قتل عُقبة لَقيَه أبو هند مولى فَرْوة بن عمرو البَيَاضيّ بحَميت مملوء حَيسًا، وكان قد تخلَّف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ -، وكان حجَّام رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما أبو هند امرؤٌ من الأنصار، فأنكحوه وأنكحوا إليه، ففعلوا. ثم مضَى رسول الله - ﷺ - حتى قدِم المدينة قبل الأسارى بيوم (٢). (٢: ٤٥٩/ ٤٦٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن قوله: (فقال حين أمر به رسول الله - ﷺ - أن يقتل: فمن للصبية يا محمد؟ ! قال: النار) جاء من طريقين صحيحين:\nالأول: أخرجه أبو داود في سننه -باب في قتل الأسير صبرًا- (ح ٢٦٨٦) عن مسروق قال لابن عقبة بن أبي معيط: حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ وكان غير كذاب أن رسول الله - ﷺ - أمر بعنق أبيك أن تضرب صبرًا، ثم مر به فقال: من للصبية بعدي؟ قال: لهم النار، حسبك ما رضي لك رسول الله - ﷺ -.\nوكذلك ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٦/ ٥٩).\nوالثاني: رواه الطبراني في المعجم الكبير (ح ٥٢/ ١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: فادى رسول الله - ﷺ - أسارى بدر وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف - وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرًا، قال: من للصبية يا رسول الله؟ قال: النار. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٨٩).\n(٢) إسناده ضعيف ولكن أخرج أبو داود في سننه -كتاب النكاح باب في الأكفاء ... وفيه: (إنما أبو هند رجل من الأنصار) وحسن الشيخان (همّام وأبو صعيليك) حديث أبي داود هذا والله تعالى أعلم.\nذكرنا الرواية (٢/ ٤٦٠ / ١٣٨) في قسم الضعيف ومتنه كذلك سوى قول رسول الله - ﷺ -: (استوصوا في الأسارى خيرًا فقد قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٦/ ٨٦) والله أعلم.\n(٢/ ٤٦٠ - ٤٦١): إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد ذكره ابن إسحاق عن نبيه بن وهب وهذا إسناد مرسل إلّا أن الطبراني رواه من طريق ابن إسحاق موصولًا، فقد أخرجه في الكبير (٢٢/ ٣٩٣) والصغير (١/ ٢٥٠) من حديث محمد بن إسحاق حدثني نبيه بن وهب عن أبي عزيز أخي مصعب بن عمير قال: كنت في الأسارى يوم بدر فقال رسول الله - ﷺ -: استوصوا =","vol":"2","page":112},{"text":"١٠٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني الحسنُ بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة بن مقْسَم، عن ابن عبّاس، قال: كان الذي أسر العبَّاس أبو اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليَسَر رجلًا مجموعًا، وكان العبَّاس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي اليَسَر: كيف أسرت العباس يا أبا اليَسَر؟ فقال: يا رسولَ الله؛ لقد أعانني عليه رجلٌ مارأيته قبلَ ذلك ولا بعده؛ هيئته كذا وكذا، قال رسول الله - ﷺ -: لقد أعانك عليه مَلك كريم (١). (٢: ٤٦٣).\n١٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمّد بن إسحاق، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة: يا عبَّاس، افد نفسَك وابني أخيك عَقيِل\n_________\n= بالأسارى خيرًا، وكنت في نفر من الأنصار وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز بوصية رسول الله - ﷺ - إياهم.\nوقال الطبراني: لا يروى عن أبي عزيز بن عمير إلّا بهذا الإسناد تفرّد به محمد بن إسحاق (المعجم الصغير ١/ ٢٥٠).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٦) وفيه: (أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله - ﷺ -) ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والكبير وإسناده حسن، وليس في روايتي الطبراني عبارة: (شدّ يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها أن تفتديه منك). والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف ولكن يؤيده ما أخرج أحمد في مسنده. (ح ١٨٦٠١) عن أبي إسحاق عن البراء أو غيره قال: جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره، فقال العباس: يا رسول الله ليس هذا أسرني، أسرني رجل من القوم أنزع من هيئته كذا وكذا فقال رسول الله - ﷺ - للرجل: (لقد آزرك الله بملك كريم). وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٦ / ٨٥).\nوأخرج أحمد في مسنده (ح / ٩٥٠) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي ﵁ قال: لما قدمنا المدينة .... الحديث الطويل وفي آخره: فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم فقال علي رضي الله تعالى عنه: فأسرنا وأسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلًا ونوفل بن الحارث، وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة (المجمع ٦/ ٧٦).","vol":"2","page":113},{"text":"ابن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عُتْبة بن عمرو بن جَحْدم، أخا بني الحارث بن فهر، فإنك ذو مال.\nفقال: يا رسولَ الله؛ إنّي كنتُ مُسْلِمًا؛ ولكنّ القوم استكرهوني، فقال: الله أعلم بإسلامك؛ إن يكن ما تذكر حقًّا فالله يجزيك به، فأمَّا ظاهرُ أمرك فقد كان علينا، فافْدِ نفسَك - وكان رسول الله - ﷺ - قد أخذ منه عشرين أوقيَّة من ذهب - فقال العبَّاس: يا رسولَ الله، احسبها لي في فدائي، قال: لا؛ ذاك شيء أعطاناه الله ﷿ منك، قال: فإنَّه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعتَه بمكة حيث خرجتَ من عند أم الفضل بنت الحارث، ليس معكما أحد. ثم قلتَ لها: إن أصبتُ في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولِقُثَم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا! قال: والَّذي بعثَك بالحقّ ما علِمَ هذا أحد غيري وغيرها؛ وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدَى العبَّاس نفسَه وابني أخيه وحليفَه (١). (٢: ٤٦٥/ ٤٦٦).\n١٩٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد، عن عائشة زوْج النبيّ - ﷺ -، قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أُسَرَائهم، بعثت زينب بنت رسول الله - ﷺ - في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتْها بها على أبي العاص حين بَنَى عليها.\nقالت: فلمَّا رآها رسول الله - ﷺ - رقّ لها رِقَّةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وفي طريق ابن إسحاق الكلبي اتهم بالكذب، ولكن أصل القصة في فداء العباس صحيح، وقال في مجمع الزوائد عن عباس الحديث وفيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ فقال العباس: فيّ والله نزلت حين أخبرت رسول الله - ﷺ - بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي وجدت معي فأعطاني بها عشرين عبدًا كلهم تاجر بمالٍ في يده مع ما أرجو من مغفرة الله جل ذكره.\nقلت (أي الهيثمي): في الصحيح بعضه، رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجال الأوسط رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع، (مجمع الزوائد ٧/ ٢٨).\nقلنا: والحديث صحح ابن حجر إسناده (المطالب العالية / ٤٣٠٠) والحديث أخرجه الطبري في التفسير (١٤/ ٧٣).","vol":"2","page":114},{"text":"تُطْلِقُوا لها أسيرَها وتَرُدّوا عليها الذي لها فافعلوا! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقُوه ورَدُّوا عليها الذي لها.\nوكان رسول الله - ﷺ - قد أخذَ عليه -أو وَعَدَ رسول الله - ﷺ - أن يخلّيَ سبيلَ زينب إليه، أو كان فيما شَرَط عليه في إطلاقه؛ ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله - ﷺ -، فيعلم ما هو! إلّا أنَّه لما خرج أبو العاص إلى مكَّة وخُلِّيَ سبيلُه، بعث رسول الله - ﷺ - زيدَ بن حارثة ورجلًا من الأنصار مكانه، فقال: كونا ببطن يأجَج؛ حتى تمرَّ بكما زينب فتصحباها، حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما؛ وذلك بعد بدر بشهر أو شَيعه. فلما قدِم أبو العاص مكَّة أمرها باللحوق بأبيها؛ فخرجت تجهّز (١). (٢: ٤٦٨/ ٤٦٩).\n١١٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال حدَّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمّد بن إسحاق، حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزبير، قاله: جلس عُمَير بن وهب الجُمحيّ مع صفوان بن أميَّة بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير في الحِجر -وكان عُمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ويلْقَوْن منه عناء وهم بمكَّة، وكان ابنُه وهب بن عمير في أسارَى بَدْر- فذكر أصحاب القَليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش خير بعدهم، فقال عُمَير: صدقت والله! أما والله لولا دين عليّ ليس له عندي قضاء وعيالٌ أخْشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمَّد حتى أقتله، فإنَّ لي قِبَلهم علَّةً، ابني أسيرٌ في أيديهم.\nفاغتنمها صفوان بن أمية، فقال: عليَّ دينُك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه أبو داود في سننه (٣ / ح ٢٦٩٢ باب فداء الأسير) من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبّاد بن عبد الله عن عائشة ﵂ قالت: لما بعث أهل مكة ... الحديث. وإسناده حسن.\nوفي آخره: وكان رسول الله - ﷺ - أخذ عليه أو وعده أن يخلّي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها - وأخرجه أحمد بأوجز منها (المسند ٦/ ٣٧٦) وجوّد الساعاتي إسناد ابن إسحاق (الفتح الرباني ١٤/ ١٠١) ورواية ابن إسحاق هذا في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٥٣) والله أعلم.","vol":"2","page":115},{"text":"عيالي أواسيهم ما بقُوا، لا يَسعُني شيء ويعجز عنهم، قال عمير: فاكتُم عليّ شأني وشأنك: قال: أفعل.\nقال: ثمّ إنّ عميرًا أَمر بسيفه فشُحِذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدِم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدّثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله ﷿ به، وما أراهم في عَدُوّهم؛ إذ نظر عمر إلى عُمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد، متوشِّحًا السيف، فقال: هذا الكلب عدُوّ الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشَرّ! وهو الذي حرّش بيننا، وَحَزَرَنا للقوم يوم بدر. ثمَّ دخل عمر على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا نبيّ الله، هذا عدوُّ الله عُمير بن وهب قد جاء متوشّحًا سيفه، قال: فأدْخِله عليَّ.\nقال: فأقبل عُمَر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلبّبه بها، وقال لرجال ممَّن كان معه من الأنصار: ادخُلوا على رسول الله - ﷺ -: فاجلسوا عنده، واحذروا هذا الخبيث عليه، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله. - ﷺ -\nفلمّا رآه رسول الله - ﷺ - وعمر آخذ بحمالة سيفه، قال: أرسلْه يا عمر، ادْنُ يا عمير، فدَنا ثم قال: أنعِمُوا صبَاحًا - وكانت تحيّة أهل الجاهليّة بينهم - فقال رسول الله - ﷺ -: قد أكرمنا الله بتحجَّة خير من تحيَّتك يا عمير؛ بالسَّلام تحيَّة أهل الجنّة، قال: أما والله يا محمد إن كنْت لحديث عَهد بها. قال: ما جاء بك يا عُمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: فما بالُ السَّيف في عنقك! قال: قَبحها الله من سيوف! وهل أغنت شيئًا! قال: اصدُقْني بالذي جئتَ له، قال: ما جئت إلّا لذلك، فقال: بلى، قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القَلِيب من قريش، ثم قلت: لولا دَين عليّ وعيالي لخرجتُ حتى أقتُلَ محمدًا، فتحمَّل لك صفوان بدينِك وعيالك، على أن تقتلني له. والله ﷿ حائل بيني وبينك. فقال عمير: أشهدُ أنك رسول الله؛ قد كنَّا يا رسولَ الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي؛ وهذا أمرٌ لم يَحضره إلّا أنا وصفوان؛ فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله؛ فالحمد لله الَّذِي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهّدَ شهادة الحقّ؛ فقال رسول الله - ﷺ -: فَقِّهُوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعَلَّموه القرآن، وأطلقوا له أسيرَه.","vol":"2","page":116},{"text":"قال: فَفَعَلُوا، ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جَاهِدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله؛ وإنّي أحبّ أن تأذن لي فأقدَم مكَّة فأدعُوهم إلى الله وإلى الإسلام؛ لعلّ الله أن يهديَهم! وإلا آذيتُهم في دينهم كما كنتُ أوذِي أصحابك في دينهم.\nقال: فأذن له رسول الله - ﷺ -، فلحق بمكَّة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقْعَةٍ تأتيكم الآن في أيام تنْسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قَدِم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألّا يكلّمه أبدًا ولا ينفعه بنفعٍ أبدًا. فلما قدم عُمير مكَّة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي مَنْ خالفه أذىً شديدًا فأسلم على يديه أناس كثير (١). (٢: ٤٧٢/ ٤٧٣ / ٤٧٤).\n١١١ - فلما انقضى أمرُ بدر، أنزل الله ﷿ فيه من القرآن الأنفَال بأسْرِها. حدَّثنا أحمدُ بن منصور، قال: حدَّثنا عاصم بن عليّ، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عمار، قال: حدَّثنا أبو زُمَيل، قال: حدّثني عبد الله بن عباس؛ حدّثني عُمر بن الخطاب، قال: لمَّا كان يوم بدر التقوْا، فهزم الله المشركين، فقتِل منهم سبعون رجلًا، وأسِرَ سبعون رجلًا، فلمَّا كان يومئذ شاوَرَ رسول الله - ﷺ - أبا بكر وعليًّا وعمر، فقال أبو بكر: يا نَبِيَّ الله، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان؛ فإني أرَى أن تأخذ منهم الفِدْيَة؛ فيكون ما أخذنا منهم قوّة، وعسى الله أن يهديَهم،\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف وأخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٦٦١) من طريق ابن إسحاق عن عروة (وهو مرسل صحيح) وله طريق مرسلٌ آخر عن ابن شهاب أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه كما قال الحافظ في الإصابة (٣/ ٣٦).\nوذكر الحافظ طريقًا آخر لهذا الحديث موصولًا عند ابن مندة (من طريق أبي الأزهر عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس أو غيره). والطبراني وقال: لا أعلمه إلّا عن أنس بن مالك (الإصابة ٣/ ٣٧).\nقلنا: وفي إسناد ابن مندة ضعف لأن أبا الأزهر تُكُلِّمَ في حفظه (وهو صدوق) فقد وضعنا أمثال هذه الروايات في الصحيح لتعدد مخارج المرسل الصحيح ووجود طريق آخر موصول ضعيف وخاصة فيما يتعلق بقصص إسلام الصحابة.\nولقد تحدثنا عن الشروط في ذلك بما فيه الكفاية عند حديثنا عن إسلام عدد من الأنصار على يد الصحابي الجليل مصعب بن عمير في المدينة المنورة قبل مجيء رسول الله - ﷺ - وهجرته المباركة إلى المدينة والله أعلم.","vol":"2","page":117},{"text":"فيكونوا لنا عَضُدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا بن الخطاب؟ قال: قلتُ: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنني من فلان فأضربَ عنقه، وتمكِّن حمزة من أخ له فيضرب عنقه، وتمكِّن عليًّا من عَقِيل فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هَوَادَة للكفَّار؛ هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمّتهم.\nقال: فهوي رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت أنا، فأخذ منهم الفِداء، فلمَّا كان الغدُ قال عمر: غدوتُ إلى النبيّ - ﷺ - وهو قاعِدٌ وأبو بكر، وإذا هما يبكيان، قال: قلت: يا رسول الله أخْبِرْني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجِدْ تباكيتُ لبُكائكما. فقال رسول الله - ﷺ -: للَّذِي عرض عليّ أصحابُك من الفداء. لقد عُرِض عليّ عذابُكم أدْنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ ثم أحلّ لهم الغنائم.\nفلمَّا كان من العام القابل في أحُد عُوقِبُوا بما صنعوا، قُتِل من أصحاب رسول الله - ﷺ - سبعون، وأسر سبعون، وكسرت رباعِيّتُهُ وهُشِمَتِ البَيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وفرَّ أصحابُ النبيّ - ﷺ -، وصعدوا الجبل، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، ونزلت هذه الآية الأخرى:\n﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾ (١). (٢/ ٤٧٤ / ٤٧٥).\nقال: وفي غزوة بدر انتفَل رسول الله - ﷺ - سيفه ذا الفَقَار، وكان لمُنَبّه بن الحجاج (٢). (٢/ ٤٧٨).\n_________\n(١) إسناده حسن والحديث إلى قوله (ثم أحل لهم الغنائم) أخرجه مسلم في صحيحه (باب الإمداد بالملائكة/ ح ١٧٦٣) وأحمد في مسنده (١/ ٣٠) وأخرجه الحاكم مختصرًا في المستدرك (٢/ ٣٢٩) وصحح إسناده وقال الذهبي: على شرط مسلم - والله أعلم.\n(٢) قلنا: ذكر الطبري هذه العبارة بلا إسناد ولكن جاء في بداية الحديث الذي أخرجه الترمذي والبيهقي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄: (تنفل رسول الله - ﷺ - ﷺ - سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ... الحديث) الحاكم (٢/ ٢٢١) وصححه =","vol":"2","page":118},{"text":"قال أبو جعفر: ومات في هذه السنة -أعني سنة اثنتين من الهجرة- في ذي الحجَّة عثمان بن مظعون، فدفنَه رسول الله - ﷺ - بالبقيع، وجعل عند رأسه حَجَرًا علامة لقبره (١). (٤٨٥: ٢).\n١١٢ - قال أبو جعفر: وأما الواقديّ، فإنّه زعم أنّ ابن أبي سَبْرة حدّثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر، أن عليّ بن أبي طالب - ﵇ - بنَى بفاطمة ﵍ في ذي الحجَّة، على رأس اثنين وعشرين شهرًا.\nقال أبو جعفر: فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول باطل (٢).\n(٢: ٨٦/ ٤٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة خبر كعب بن الأشرف</span>\n١١٣ - كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بُرْدة بن أسير الظَّفْرِيّ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قال: كلٌّ قد حدثني بعض حديثه، قال: قال كعب بن الأشرف - وكان رجلًا من طيء، ثم أحد بني نَبْهان، وكانت أمّه من بني النَّضير، فقال حين بلغه الخبر: ويلكم أحَقٌّ هذا! أتروْن أنّ محمدًا قتل هؤلاء الَّذين يسمِّي هذان الرجلان -\n_________\n= وأخرجه الترمذي (ح ١٥٦١) وقال: حسن غريب وصحح الساعاتي إسناده (الفتح الرباني ١٧/ ٢٢١).\n(١) صحيح.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك ولكن متنه أقرب إلى الروايات الصحيحة مما ذكره الواقدي قبل ذلك.\nولذلك قال الطبري: فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول باطل.\nقلنا: أخرج البخاري في صحيحه (المغازي / ح ٤٠٠٣) عن علي ﵁ قال: (كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان النبي - ﷺ - أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أبتني بفاطمة ﵍ بنت النبي - ﷺ - ... الحديث).\nوأخرجه مسلم (ح ١٩٧٩) وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٦٢) عن ابن مندة: (أن عليًّا ﵁ تزوج فاطمة بالمدينة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك بنحو من سنة وولدت لعلي الحسن والحسين ومحسنًا وأم كلثوم الكبرى وزينب الكبرى) والله أعلم.","vol":"2","page":119},{"text":"يعني زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة؟ وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس. والله لئن كان محمَّد أصاب هؤلاء القوم لبَطنُ الأرضِ خيرٌ لنا من ظهرها.\nفلما تيقَّن عدوُّ الله الخبر، خرج حتَّى قدم مكَّة، فنزل على المطَّلب بن أبي وَدَاعة بن ضُبَيرة السَّهمي، وعنده عاتكة بنت أسَيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، فأنزلَتْه وأكرمتْه، وجعل يحَرّض على رسول الله - ﷺ -، وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القَليب الذين أصيبوا ببدر من قريش. ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبَّبَ بأم الفضل بنت الحارث، فقال:\nأَرَاحِلٌ أنْتَ لم تَحْلُل بمَنقَبةٍ ... وتاركٌ أنت أُمَّ الفضل بالحَرَمِ!\nصفْرَاءُ رادعةٌ لو تُعْصَرُ انْعَصرت ... منْ ذي القوارير والحنَّاء والكَتم\nيرْتَجُّ ما بين كعبيها ومرْفقها ... إذا تأتّتْ قيامًا ثم لم تَقُم\nأشباهُ أُمَّ حكيمٍ إذْ تُوَاصِلُنا ... والحبْلُ منها مَتين غيرُ مُنْجَذمِ\nإحْدَى بنِي عامرٍ جُنَّ الفُؤادُ بها ... ولو تَشاء شَفتْ كعبًا من الشَّقمِ\nفرعُ النَّساءِ وفرعُ القومِ والدُها ... أهلُ التَّحِلَّةِ والإيفاءِ بالذِّمَم\nلم أرَ شمسًا بليلٍ قبلها طَلَعتْ ... حتى تجَلّتْ لنا في ليلةِ الظُّلَم\nثم شَبَّبَ بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم؛ فقال النبيّ - ﷺ - كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بُرْدة: مَنْ لي من ابن الأشرف! قال: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رَسولَ الله، أنا أقتله. قال: فافْعَل إن قَدَرْت على ذلك، فرجع محمَّد بن مسلمة، فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب. إلّا ما يعلّقُ [به] نفسه، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فدعاه فقال له: لِمَ تركتَ الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله، قلت قولًا لا أدري أفِي به أم لا! قال: إنما عليك الجَهْد، قال: يا رسول الله، إنه لابُدَّ لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلّ من ذلك!\nقال: فاجتمع في قتله محمَّد بن مسلمة وسِلْكَان بن سلامة بن وَقْش - وهو أبو نائلة أحدُ بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب من الرّضاعة - وعَبَّادُ بن بشر بن وقْش، أحد بني عبد الأشْهَل، والحارث بن أوس بن مُعاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عَبْس بن جَبْر، أخو بني حارثة. ثم قَدَّموا إلى ابن الأشرف قبل أن","vol":"2","page":120},{"text":"يأتوه سِلْكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدَّث معه ساعة، وتناشدا شعرًا -وكان أبو نائلة يقول الشعر- ثم قال: ويحك يا بن الأشرف! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتُم عليّ، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرّجل بلاءً [علينا] عادَتْنا العرب ورَموْنا عن قوسٍ واحدة، وقطعَتْ عنا السُّبُلُ حتى ضاع العِيَال، وجُهِدَتِ الأنفس، وأصبحنا قد جُهدنا وجُهد عيالُنا! فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنتُ أخبرتك يا بنَ سلامة أنّ الأمْرَ سيصير إلى ما كنت أقول، فقال سلْكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعامًا ونَرْهَنك ونُوثق ذلك، وتُحْسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم! فقال: لقد أردت أن تفضَحنَا! إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيَك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحَلْقَةِ ما فيه لك وفاء - وأراد سِلْكان ألّا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها - فقال: إنّ في الحلقة لوفاء، قال: فرجع سِلْكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبَره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله - ﷺ - (١) (٢: ٤٨٧/ ٤٨٨ / ٤٨٩).\n١١٣ / أ - حدَّثنا عليُّ بن عبد الله حدَّثنا سفيانُ قال عمروٌ: سمعتُ جابرَ بن عبد الله ﵄ يقول: \"قال رسول الله - ﷺ -: منْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقام محمدُ بن مَسْلمة فقال: يا رسول الله، أتحِبُّ أنْ أقتُلَه؟ قال: نعم. قال: فائْذَنْ لي أن أقولَ شيئًا. قال: قل: فأتاهُ محمدُ بن مسلمةَ فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سألنا صدَقةً، وإنه قد عَنّانا، وإني قد أتيتُك أستسلِفُك قال: وأيضًا والله لتملنَّه. قال: إنا قد اتبَعْناهُ، فلا نحِبُّ أن نَدَعَهُ حتى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ شأنه، وقد أردْنا أن تُسلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقَين - وحدَّثنا عمرو غيرَ مرة فلم يذكر \"وسقًا أو وَسقين\" أو فقلت له: فيه \"وسقًا أو وسقين\"؟ فقال: أرى فيه \"وسقًا أو وسقين\"- فقال: نعم. ارهَنُوني. قالوا: أيُّ شيء تريد؟ قال: ارْهَنُوني نساءَكم. قالوا: كيف نَرهَنُكَ نساءنا وأنتَ أجملُ العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نَرْهَنُكَ أبناءنا فيُسَبُّ أحُدهم فيقال: رُهِنَ بوَسْق أو وسقَين، هذا عارٌ علينا، ولكنّا نرهَنكَ اللأمَةَ. قال سفيان: يعني السلاحَ. فواعَدَهَ أن\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن أصل القصة في قتل كعب بن الأشرف صحيح، فقد أخرجه البخاري في صحيحه.","vol":"2","page":121},{"text":"يأتيه، فجاءهُ ليلًا ومعه أبو نائلةً - وهو أخو كعب من الرَّضاعة - فدَعاهم إلى الحِصْنِ، فَنزَلَ إليهم. فقالت له امرأتهُ: أينَ تخرُج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمدُ بن مَسْلمةَ وأخي أبو نائلة. وقال غيرُ عمروٍ: قالت أسمعُ صوتًا كأنهُ يَقْطُرُ منه الدَّمُ. قال: إنما هو أخي محمدُ بن مَسلمة ورضيعي أبو نائلة. إن الكريمَ لو دُعِي إِلى طَعْنةٍ بليلٍ لأجاب. قال: ويُدْخِلُ محمدُ بن مَسلمةَ معهُ رجلَين - قيل لسفيان: سماهم عمروٌ؟ قال: سَمى بعضَهم. قال عمروٌ: جاء معه برجلَين، وقال غيرُ عمرو: أبو عَبسِ بن جَبر والحارثُ بن أولسٍ وعبّاد بن بشر- قال عمرو جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائلٌ بشَعَرِه فأَشُمُّه، فإذا رأيتموني استمكَنْتُ مِنْ رِأسِه فدونكم فاضربوه. وقال مرَّةً: ثم أُشِمُّكم. فنزَلَ إليهم مُتوشِّحًا وهو يَنْفحُ منه رِيحُ الطِّيبِ فقال: ما رأيتُ كاليوم ريحًا -أي أطيبَ- وقال غيرُ عمرو: قال عندي أعْطرُ نساءِ العرب وأكملُ العرب. قال عمرو فقال: أتأذنُ لي أَنْ أَشُمَّ رأسَك؟ قال: نعم. فَشَمَّهُ، ثم أشَمَّ أصحابَه ثم قال: أتأذنُ لي؟ قال: نعم. فلما اسْتَمْكَنَ منهُ قال: دُونكم. فقَتلوه. ثُمَّ أتَوُا النبيَّ - ﷺ - فأخبروه\" (١).\n١١٤ - حدَّثنا ابنُ حميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق قال: فحدّثني ثَوْر بن زيد الدّيليّ، عن عِكْرمة مولى ابن عبّاس، عن ابن عباس، قال: مشى معهم رسول الله - ﷺ - إلى بقيع الغَرْقَد، ثم وجَّههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللَّهمَّ أعِنْهم. ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى بيته في ليلة مُقْمِرة، فأقبلوا حتى انتهوْا إلى حصنه، فهَتَفَ به أبو نائلة -وكان حديثَ عهد بعُرْس- فوثب في مِلْحَفتِهِ؛ فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ مُحاربٌ؛ وإنّ صاحبَ الحرب لا ينزِل في مثل هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة\" لو وجدني نائمًا لما أيقظنِي، قالت: والله إني لأعرِف في صوته السرّ. قال: يقول لها كعب: لو دُعِيَ الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدَّث معهم ساعة، وتحدّثوا معه، ثم قالوا له: هل لك يا بن الأشرف، أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدّث به بقية ليلتنا هذه! قال: إنْ شئتم! فخرجوا يتماشوْن، فمشوْا ساعة. ثم إنّ أبا نائلة شام يدَه في فَوْدِ\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب المغازي / ح ٤٠٣٧ / باب قتل كعب بن الأشرف.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير (باب قتل كعب بن الأشرف ح ١٨٠١) وابن هشام في السيرة (٢/ ٥١) من طريق ابن إسحاق والله أعلم.","vol":"2","page":122},{"text":"رأسه، ثم شمّ يدَه، فقال: ما رأيتُ كاللَّيلة طيبًا أعطَرَ قطّ. ثم مَشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأنّ ثمّ مشى ساعة، فعاد لمثلها، فأخذ بفودَي رأسه، ثم قال: اضربوا عدوّ الله؛ فاختلَفتْ عليه أسيافهم، فلم تُغْنِ شيئًا. قال محمَّد بن مسلمة: فذكرت مغْوَلًا في سيفي حين رأيتُ أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته، ؤقد صاح عدوُّ الله صيحة لم يبق حولَنا حِصنٌ إلّا أوقدت عليه نار. قال: فوضعته في ثُنْدوته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانَتَه، ووقع عدوُّ الله، وقد أصيب الحارث بن أوْس بن معاذ بجُرْح في رأسه أو رجله، أصابه بعضُ أسيافنا. قال: فخرجنا حتى سلكْنا علي بني أميَّة بن زيد، ثم علي بني قرَيظة، ثم على بُعاث حتى أسْنَدْنا في حرّة العُرَيض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزَفه الدّمُ، فوقفْنَا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا. قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله - ﷺ - آخر الليل وهو قائم يصلّي، فسلَّمنَا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، وتفل على جُرْح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدوِّ الله، فليس بها يهوديّ إلّا وهو يخاف على نفسه (١). (٢: ٤٩٠/ ٤٩١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام (٢/ ٥٥) من طريق ابن إسحاق فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس وإسناده حسن كما قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٣٨) وقال في المطالب العالية (ح ٤٣١٢): أخرجه إسحاق بن راهويه وإسناده حسن متصل - وتصريح ابن إسحاق بالتحديث يرد كلام الحافظ الهيثمي في المجمع (٦/ ١٩٦) رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: إن النبي - ﷺ - لما وجه محمد بن مسلمة وأصحابه إلى كعب بن الأشرف والباقي بنحوه رواه الطبراني ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى بيته وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.\nقلنا: فلا ضير لأنه صرّح بالتحديث فيكون حديثه حسنًا والله أعلم.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٠٧) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مشى معهم رسول الله - ﷺ - إلى بقيع الغرقد حين وجههم ثم قال: انطلقوا على اسم الله. اللهم أعنهم. ثم قال الحاكم: قد احتج البخاري بثور بن يزيد وعكرمة، واحتج مسلم، بمحمد بن إسحاق وهذا حديث غريب صحيح ولم يخرجاه (٢/ ١٠٧).\nوأخرجه أحمد (١/ ٢٦٦) (ح ٢٣٩٧) من طريق ابن إسحاق حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: مشى معهم. الحديث .. وأخرج أبو داود في سننه (الخراج والإمارة ح ٣٠٠٠) من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه =","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>مقتل أبي رافع اليهوديّ</span>\n١١٥ - قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة كان مقتل أبي رافع اليهوديّ - فيما قيل - وكان سبب قتله، أنَّه كان - فيما ذُكِر عنه - يُظاهر كعبَ بن الأشرف على رأس رسول الله - ﷺ -، فوجَّه إليه - فيما ذُكِر- رسول الله - ﷺ - في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبد الله بن عَتِيك. فحدّثنا هارون بن إسحاق الهمْدانيّ، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدّثني إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع اليهوديّ -وكان بأرض الحجاز- رجالًا من الأنصار، وأمَّر عليهم عبد الله بن عقبة -أو عبد الله بن عتيك- وكان أبو رافع يؤذِي رسول الله - ﷺ - ويبغي عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دَنَوْا منه وقد غربت الشمس، وراحَ النَّاس بسَرْحهم، قال لهم عبد الله بن عقبة -أو عبد الله بن عَتِيك: اجلسوا مكانكم، فإني أنطلق وأتلطَّف للبوّاب، لعلّي أدخل! قال: فأقبل حتَّى إذا دنا من الباب، تقنّع بثوبه، كأنه يقضي حاجة، وقد دخل النَّاس، فهتف به البوّاب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريدُ أن أغلق الباب. قال: فدخلت فكمَنْتُ تحت آرِيّ حمار؛ فلمّا دخل النَّاس أغلق الباب ثم عَلَّقَ الأقاليد على وَدّ. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافعِ يسْمرُ عنده في علاليّ؛ فلما ذهب عنه أهل سَمَره، فصعدتُ إليه فجعلت كلَّما فتحت بابا أغلقته عَليّ مِنْ داخل. قلت: إن القوم نَذِروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله. قال: فانتهيتُ إليه؛ فإذا هو في بيت مظلم وسْط عياله؛ لا أدري أين هو من البيت! قلت: أبا رافع!\n_________\n= وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي - ﷺ - ويحرض عليه كفار قريش وكان النبي - ﷺ - حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون والمشركون يعبدون الأوثان واليهود وكانوا يؤذون النبي - ﷺ - وأصحابه فأمر الله ﷿ نبيه بالصبر والعفو ففيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية.\nفلما أبي كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي - ﷺ - أمر النبي - ﷺ - سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه فبعث محمد بن مسلمة وذكر قصة قتله فلمّا قتلوه ... الحديث).\nوقصة كعب بن الأشرف وإيذائه بذلك النبي - ﷺ - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤) والله أعلم.","vol":"2","page":124},{"text":"قال: مَنْ هذا؟ قال: فأهوْيتُ نحو الصوت، فأضربهُ ضربة بالسيف، وأنا دَهِش فما أغنيت شيئًا وصاح؛ فخرجت من البيت ومكث غير بعيد. ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمّك الويل! إنّ رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه فأثخنه ولم أقتله. قال: ثم وضعتُ ضبيب السَّيف في بطنه، حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أني قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابًا، حتى انتهيت إلى درجة؛ فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض، فوقدت في ليلة مقمرة؛ فانكسرتْ ساقي، قال: فعصَّبتها بعمامتي، ثم إني انطلقتُ حتى جلست عند الباب، فقلت: والله لا أبرح الليلة حتى أعلَم: أقتلته أم لا؟ قال: فلما صاح الدّيك، قام الناعي عليه على السُّور، فقال: أنْعي أبا رافع ربَّاح أهل الحجاز! قال: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النَّجاء! قد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبيّ - ﷺ - فحدّثته فقال: ابسُط رجلك، فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قطُّ (١). (٢: ٤٩٣/ ٤٩٤).\n_________\n(١) إسناده حسن وقصة قتل رافع بن أبي الحقيق أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي - باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق) وكالآتي:\n١ - حدّثني إسحاق بن نَصرٍ حدثَنا يحيى بن آدمَ حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ عن أبيهِ عن أبي إسحاقَ عن البراء بن عازب ﵄ قال: \"بَعثَ رسول الله - ﷺ - رَهْطًا إلى أبي رافعٍ، فدَخَل عليه عبدُ الله بن عَتيكٍ بَيتَهُ ليلًا وهو نائمٌ فقتلهُ\" (ح ٤٠٣٨).\n٢ - حدَّثنا يوسفُ بن موسى حدثنا عُبيد الله بن موسى عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن البَراء بن عازب قال: \"بَعثَ رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافعٍ اليهوديِّ رجالًا منَ الأنصار، فأَمَّرَ عليهم عبدَ الله بن عَتيكٍ، وكان أبو رافعٍ يُؤذي رسول الله - ﷺ - ويُعينُ عليه، وكان في حصن له بأرض الحِجاز، فلما دَنَوْا منه - وقد غَرَبَتِ الشمسُ وراحَ الناس بسَرْحهم - فقال عبدُ الله لأصحابِه: اجلِسوا مَكابمم، فإني مُنطلِقٌ ومُتلطّفٌ للبوابِ لعلَي أن أدخلَ. فأقبلَ حتى دَنا من الباب، ثمَّ تَقَنَّعَ بثوبه كأنه يقضي حاجةً، وقد دَخَلَ الناسُ، فهتفَ بهِ البَوابُ: يا عبدَ الله إن كنت تُريدُ أن تدخلَ فادخلْ، فإني أريدُ أن أغلقَ البابَ. فدخلتُ فكَمَنْتُ، فلما دخلَ الناسُ أغلَقَ البابَ ثم عَلَّقَ الأغاليق على وَدٍّ. قال: فقمتُ إلى الأقاليدِ فأخذتُها ففتحتُ البابَ، وكان أبو رافعٍ يُسْمَرُ عِندَه، وكان في عَلالِيَّ لهُ، فلما ذَهبَ عنه أهلُ سَمَره صعدْتُ إليهِ فجعلتُ كلما فتحت بابا أغلقتُ عليَّ مِنْ داخلٍ. قلتُ: إن القومُ نَذِرُوا بي لم يَخْلُصوا إليَّ حتى أقتُلَه. فانتهيتُ إليه، فإذا هو في بيت مُظلِمٍ وَسْطَ عياله، لا أدري أينَ هوَ منَ البيت. فقلتُ: يا أبا رافع. قال: مَنْ هذا؟ فأهْوَيتُ نحو الصَّوت فأضربُه ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ فما أَغْنَيتُ شيئًا. وصاحَ، فخرَجتُ منَ البيت فأمْكُثُ غيرَ بعيد، ثمَّ دخلتُ إليه =","vol":"2","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقلتُ: ما هذا الصوتُ يا أبا رافِع؟ فقال: لأُمِّكَ الوَيلُ، إِنَّ رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف. قال: فأَضْرِبُهُ ضربةً أثْخَنَتْهُ ولم أقتُله. ثمَّ وضعتٍ ضبِيبَ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرَفتُ أني قَتلتُه، فجعلت أفتحُ الأبوابَ بابا بابا حتى انتهيتُ إلى درجة له، فوضعتُ رجلي وأنا أرَى أني قد انتهيتُ إلي الأرضِ فوقعت في ليلة مُقْمِرَة، فانكسرَتْ ساقي، فعَصَبْتها بعمامةٍ ثم انطلَقْتُ حتى جلستُ على الباب فقلتُ: لا أخرجُ الليلةَ حتى أعلم أقتَلْته؟ فلمّا صاحَ الدِّيكُ قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلَقْتُ إلى أصحابي فقلتُ النَّجاء فقد قَتلِ الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبيِّ - ﷺ - فحدَّثته، فقال لي: ابْسُط رجلك، فبسطتُ رِجلي فمَسَحَهَا، فكأنها لم أَشْتَكِها قط\". (ح ٤٠٣٩).\n٣ - وأخرج البخاري حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شربح هو ابن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق: قال سمعت البراء بن عازب ﵁ قال: (بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر، قال: فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارًا لهم، قال: فخرجوا بقبس يطلبونه قال: فخشيت أن أعرف، قال: فغطيت رأسي كأني أقضي حاجة، ثم نادى صاحب الباب من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن فتعشَّوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل ثم رجعوا إلى بيوتهم فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة خرجت قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة، فأخذته ففتحت به باب الحصن، قال: قلت إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل فقلت: يا أبا رافع؟ قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغنِ شيئًا قال: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: مالك يا أبا رافع؟ وغيّرت صوتي فقال: ألا أعجبك؟ لأمك الويل، دخل عليّ رجل فضربني بالسيف! قال: فعدت له أيضًا فأضربه أخرى فلم تغن شيئًا، فصاح وقام أهله. قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلقٍ على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت دهشًا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله - ﷺ - فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع قال: فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي - ﷺ - فبشرته).\n(صحيح البخاري / ٦٤) كتاب المغازي ح ٤٠٤٠.\nوذكر الهيثمي رواية أخرى أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عتيك أن النبي - ﷺ - حين بعثه هو =","vol":"2","page":126},{"text":"وفيها كانت غزوة رسول الله - ﷺ - أحُدًا؛ وكانت في شوّال يوم السبت لسبع ليالٍ خلوْن منه -فيما قيل- من سنة ثلاث من الهجرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>غزوة أُحد</span>\n١١٦ - قال أبو جعفر: وكان الَّذي هاج غزوة أحُد بين رسول الله - ﷺ - ومشركي قريش وقْعة بدر وقتل مَنْ قُتل ببدْر من أشراف قريش ورؤسائهم؛ فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزُّهريّ، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وعاصم بن عمر بن قَتادة، والحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ وغيرُهم من علمائنا؛ كلّهم قد حدّث ببعض هذا الحديث عن يوم أحُد، وقد اجتمع حديثهم كلّهم فيما سُقْتُ من الحديث عن يوم أحُد، قالوا:\nلما أصيبتْ قريش -أو من قاله منهم- يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القَلِيب، فرجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعِيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميَّة، في رجال من قريش ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر؛ فكلَّموا أبا سفيان بن حرب ومَنْ كانت له في تلك العِير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشرَ قريش، إنّ محمَّدًا قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حَرْبه، لعلَّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منَّا، ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله - ﷺ - حين فعل ذلك\n_________\n= وأصحابه لقتل ابن أبي حقيق وهو بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا محمد بن مصطفى وهو ثقة وفيه كلام لا يضر. (المجمع ٥/ ٣١٦).\nوقال الحافظ في الفتح: وذلك فيما أخرجه الحاكم في (الإكليل) من حديثه مطولًا وأوله أن الرهط الذين بعثهم رسول الله - ﷺ - إلى عبد الله بن أبي حقيق ليقتلوه وهم عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة وحليف لهم ورجل من الأنصار وأنهم قدموا خيبر ليلًا فذكر الحديث - الفتح (٩/ ٢٨٣).\nقلنا: والإكليل كتاب للحاكم مفقود والله أعلم.","vol":"2","page":127},{"text":"أبو سفيان وأصحاب العِير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تهامة؛ وكلّ أولئك قد استَعووْا على حرب رسول الله.\nوكان أبو عَزَّة عمرو بن عبد الله - ﷺ - قد منّ عليه رسول الله - ﷺ - يوم بدر.\nوكان فقيرًا ذا بنات، وكان في الأسارى، فقال: يا رسولَ الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن عليّ صلَّى الله عليك! فمنّ عليه رسول الله - ﷺ -، فقال صَفوان بن أميَّة: يا أبا عزّة، إنك امرؤٌ شاعرٌ، فأعنَّا بلسانك، فاخرج معنا. فقال: إنّ محمدًا قد منَّ عليَّ فلا أريد أن أظاهِرَ عليه، فقال: بلَى فأعنَّا بنفسك، فلك الله إن رجعتَ أن أغنيَك، وإن أصِبْتَ أن أجعل بناتِك مع بناتي يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسر ويسر. فخرج أبو عزّة يسير في تهامة، ويدعو بني كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حُذافة بن جُمح؛ إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، ودعا جبير بن مُطْعِم غُلامًا له يقال له وحشيّ، كان حبشيًّا يقذف بحربة له قَذْف الحَبشة، قلَّما يُخْطئ بها، فقال له: اخرج مع النَّاس، فإن أنت قتلت عمّ محمد بعمي طُعَيمة بن عديٍّ فأنت عَتيقٌ.\nفخرجت قريش بحدّها وجَدّها وأحابيشها، ومَن معها من بني كِنانة وأهل تِهامة، وخرجوا معهم بالظُّعُن التماس الحفيظة؛ ولئلّا يفرّوا. فخرج أبو سفيان بن حرب -هو قائد النَّاس، معه هند بنت عُتبة بن ربيعة- وخرج عِكْرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أميَّة بن خلف بِبرْزَةَ - قال أبو جعفر: وقيل ببرَّة - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثَّقفيّة؛ وهي أمَّ عبد الله بن صفوان - وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبّه بن الحجَّاج، وهي أمّ عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدّار بسُلافة بنت سعد بن شهيد - وهي أمّ بني طلحة مُسافع والجُلاس وكلاب؛ قتلوا يومئذ وأبوهم - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرَّب إحدى نساء بني مالك بن حِسْل، مع ابنها أبي عزيز بن عمير؛ وهي أمّ مُصْعَب بن عمير، وخرجت عَمْرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة؛ وكانت هند بنت عُتْبة بن ربيعة كُلَّمَا مَرَّتْ بوحشيّ أو مَرَّ بها قالت: إيه أبا دَسْمَة! اشْف واشْتَف - وكان وحشيّ","vol":"2","page":128},{"text":"يكنى أبا دَسْمة - فأقبلوا حتى نزلوا بعَينين بجبل ببطن السَّبْخَة؛ من قناة على شفير الوادي ممَّا يلِي المدينة.\nفلمَّا سمع بهم رسول الله - ﷺ - والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله - ﷺ - للمسلمين: إني قد رأيت بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْمًا، ورأيت أنِّي أدخلت يدي في درع حَصِينَة فأوّلتها المدينة؛ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام؛ وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. ونزلت قريش منزلَها من أُحُد يوم الأربعاء. فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسول الله - ﷺ - حين صلَّى الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحُد. فالتقوْا يومَ السّبت للنّصف من شوّال، وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن سَلول مع رأي رسول الله - ﷺ -، يرى رأي رسول الله - ﷺ - في ذلك: ألّا يخرج إليهم؛ وكان رسول الله - ﷺ - يكره الخروجَ من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحُد وغيرهم ممَّن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يروْن أنَّا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنا، فقال عبدُ الله بن أبي ابن سَلُول: يا رسولَ الله، أقمْ بالمدينة ولا تخرجْ إليهمْ؛ فوالله ما خرجنا منها إلى عَدوٍّ لنا قطّ إلّا أصاب منَّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فَدعْهم يا رسولَ الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم. ورماهم النِّساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله - ﷺ - الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله - ﷺ -، فلبِس لأمته؛ وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النَّجار، فصلَّى عليه رسول الله - ﷺ -؛ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا: استكرَهْنا رسول الله - ﷺ - ولم يكن ذلك لنا.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: قالوا: لما خرج عليهم رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسولَ الله؛ استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإنْ شئت فاقعُد صلى الله عليك! فقال رسول الله - ﷺ -: ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمَتَه أن يضَعها حتى يقاتل؛ فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كانوا بالشَّوط بين أُحد والمدينة انخزل عنه وعبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الناس،","vol":"2","page":129},{"text":"فقال: أطاعهم فخرج وعصاني؛ والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس! فرجع بمن اتَّبعه من الناس من قومه من أهل النِّفاق وأهل الرَّيب، واتَّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكّرُكم الله أن لا تخذلوا نبيَّكم وقومكم عند ماحضر من عدوّهم! قالوا: لو نعلم أنَّكم تقاتلون ما أسلمناكم؛ ولكنَّا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوْا عليه، وأبَوْا إلّا الانصراف عنه. قال: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم! .\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: ومضى رسول الله - ﷺ - حتى سلك في حَرّة بني حارثة، فَذبّ فرسٌ بذنبه، فأصاب كلّاب سيف، فاستلَّه، فقال رسول الله - ﷺ - وكان يُحبُّ الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف: شِمْ سيفَك، فإني أرى السيوف ستُسَلُّ اليوم. ثمّ قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: مَنْ رجُلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ، من طريق لا يمُرُّ بنا عليهم؟ فقال أبو حثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فقدّمه فنفذ به في حَرّة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلَك به في مال المِرْبع بن قيظيّ -وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر- فلمّا سمع حسن رسول الله - ﷺ - ومن معه من المسلمين، قام يَحْثِي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله؛ فإني لا أحلُّ لك أن تدخل حائطي؛ قال: وقد ذكر لي أنه أخذ حَفنة من تراب في يده، ثم قال: لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تفعلوا؛ فهذا الأعمى البصر، الأعمى القلب. وقد بَدَر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله - ﷺ - عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجَّه، ومضى رسول الله - ﷺ - على وجهه؛ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدْوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال؛ وقد سَرّحت قريش الظّهْر والكُراع في زروع كانت بالصَّمْغة من قناة للمسلمين. فقال رجل من المسلمين حينَ نهى رسول الله - ﷺ - عن القتال: أتُرعَى زروع بني قيلة ولمَّا نُضارب! وتعبَّأ رسول الله - ﷺ - للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل؛ ومعه مئتا فرس قد جَنَبُوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عِكْرمة بن أبي جهل، وأمَّرَ رسول الله - ﷺ - على الرُّماة عبد الله بن جُبَير، أخا بني عمرو بن عوف وهو يومئذ","vol":"2","page":130},{"text":"معلَمٌ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلًا، وقال: انضح عنا الخيل بالنَّبل لا يأتونا من خلْفنا إن كانت لنا أو علينا؛ فاثبت مكانك لا نؤْتيَنَّ من قِبَلك، وظاهر رسول الله - ﷺ - بين دِرْعين (١). (٢: ٤٩٩/ ٥٠٠ / ٥٠١/ ٥٠٢ وتكملته ٥٠٤ / وتكملته ٥٠٦/ ٥٠٧).\n١١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كانت أم سَمُرة بن جندَب تحت مُرَيّ بن سِنَان بن ثعلبة، عمّ أبي سعيد الخُدريّ، فكان ربيبَه، فلمّا خرج رسول الله - ﷺ - إلى أُحد، وعرض أصحابه، فردّ من استصغر ردّ سَمُرة بن جندب، وأجاز رافع بن خديج، فقال سَمُرة بن جندب لربيبه مُرَيّ بن سنان: يا أبتِ، أجاز رسول الله - ﷺ - رافع بن خديج؛ وردني وأنا أصرع رافع بن خَديج، فقال: مُرَيّ بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني، وأجزت رافع بن خَدِيج وابني يصرعه! فقال النبي - ﷺ - لرافع وسمُرة: تصارعا، فصرع سمُرة رافعًا، فأجازه رسول الله - ﷺ - فشهدها مع المسلمين.\nقال: وكان دليل النبيّ - ﷺ - أبو حَثْمَة الحارثيّ (٢). (٢: ٥٠٥/ ٥٠٦).\n_________\n(١) طريق ابن إسحاق هذا ضعيف كما سبق، إلَّا أن قوله - ﷺ -: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها) صحيح بمجموع طرقه، فقد أخرجه الطبري في تفسيره من مرسل قتادة (٧/ ٣٧٢) وأخرجه عبد الرزاق من مرسل عروة (المصنف ٥/ ٣٦٤) والبيهقي من مرسل الزهري (الدلائل ٣/ ٢٠٨) وهذه مراسيل متعددة المخارج تتقوى بما أخرجه أحمد موصولًا من حديث جابر (المسند ٣/ ٣٥١) من طريق أبي الزبير معنعنًا وهو مدلس.\nوقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٠٧ ح ١٠٠٥٧) وكذلك صححه الألباني والعمري بمجموع طرقه (انظر فقه السيرة للغزالي تحقيق الألباني والسيرة النبوية الصحيحة للعمري).\n(٢) ذكر الطبري هذا الخبر وبهذه التفاصيل عن الواقدي بلاغًا، والواقدي متروك ولم نجد ما يؤيد هذه التفاصيل من رواية صحيحة، وأما ردّه للصحابة الذين ذكرهم (لكونهم صغارًا آنذاك) فلم يثبت ذلك سوى لصحابيين هما ابن عمر والبراء ﵄ (على ما نعلم وعلمنا قاصر) فقد أخرج البخاري في صحيحه (باب غزوة الخندق ح ٤٠٩٧) عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه.\nوأخرج الطبراني في الكبير (ح ١١٦٦) عن البراء ﵁ قال: (عُرضت أنا وابن عمر =","vol":"2","page":131},{"text":"١١٨ - فحدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: لمَّا كان يومُ أحُد، ولقِيَ رسول الله - ﷺ - المشركين أجْلسَ رسول الله - ﷺ - رجالًا بإزاء الرّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير، وقال لهم: لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم، وإنْ رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا. فلمَّا لقِيَ القوم هزَم المشركين حتى رأيت النساء قد رَفعن عن سوقهنّ، وبدت خلاخيلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: مهلًا، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله - ﷺ - فأبَوْا، فانطلقوا، فلمّا أتوْهم صَرَف الله وجوههم؛ فأصيب من المسلمين سبعون (١). (٢: ٥٠٧/ ٥٠٨).\n١١٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاس، قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلوْن من شوّال، حتَّى نزل أحُدًا، وخرج النّبي - ﷺ -، فأذّن في الناس فاجتمعوا، وأمَّر الزُّبَيْر على الخيل؛ ومعه يومئذ المِقداد بن الأسود الكِنديّ،\n_________\n= على النبي - ﷺ - فاستصغرنا وشهدنا أحد). وقال الهيثمي: هو في الصحيح خلا قوله: وشهدنا أحدًا.\nورواه الطبراني: ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٠٩).\nقلنا: الذي في الصحيح هو أن ابن عمر عرض يوم أحدٍ فلم يجزه - ﷺ -، ومتن الطبراني فيه مخالفة ظاهرة لما هو أصح منه (أي حديث البخاري) والله أعلم.\n(١) هذان إسنادان كلاهما من طريق إسرائيل، والإسناد الأول حسن صحيح والحديث أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ح ٤٠٤٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ وتمامه: وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اعلُ هبل فقال النبي - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجلّ. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال وتجدون مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني. اهـ.\nوالحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٠) وأبو داود في سننه (ح ٢٦٦٢) والله أعلم.","vol":"2","page":132},{"text":"وأعطى رسول الله - ﷺ - اللّواء رجلًا من قريش يقال له مُصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطَّلب بالحسَّر، وبُعِث حمزةُ بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين؛ ومعه عِكْرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله - ﷺ - الزُّبَيْر، وقال: استقبلْ خالدَ بن الوليد؛ فكنْ بإزائِه حتَّى أوذنك، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحُنّ حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمِل اللات والعُزَّى، فأرْسلَ النبيّ - ﷺ - إلى الزُّبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد؛ فهزمه الله ومَنْ معه، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإنّ الله ﷿ وَعَدَ المؤمنين أن ينصرهم؛ وأنَّه معهم. وأنّ رسول الله - ﷺ - بعث ناسًا من الناس؛ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله - ﷺ -: كونوا هاهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن فرّ منَّا، وكونوا حرّاسًا لنا من قِبَل ظهورنا. وأنّ رسول الله - ﷺ - لمَّا هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم بعضهم لبعض، ورأوا النساء مُصْعدات في الجبل، ورأوُا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله - ﷺ -، فأدركوا الغنيمة قبلَ أن يسبقونا إليها؛ وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله - ﷺ - فنثبُت مكاننا؛ فذلك قوله لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين أرادوا الغنيمة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبيّ - ﷺ - كان يريد الدُّنيا وعرضها؛ حتى كان يومئذ (١). (٢: ٥٠٨/ ٥٠٩).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن عباس ضعيف ولكن صحَّ من طريق آخر عن ابن عباس ﵄ كما أخرج أحمد في مسنده عن عبيد الله عن ابن عباس (١ / ح ٢٦٠٩) قال: ما نصر الله ﷿ في موطن كما نصر في يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك. فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ﷿: إن الله ﷿ يقول في يوم أحد: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) يقول ابن عباس: والحسّ: القتل (حتى إذا فشلتم) إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي - ﷺ - أقامهم في موضع ثم قال:\n(احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا) فلما غنم النبي - ﷺ - وأباحوا عسكر المشركين أكبّ الرماة جميعًا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب النبي - ﷺ - فهم هكذا وشبك أصابع يديه والتبسوا فلما أحلّ الرماة تلك الخلّة التي =","vol":"2","page":133},{"text":"١٢٥ - فحدّثني بشر بن آدم، قال: حدَّثنا عمرو بن عاصم الكِلابيّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزُّبير: عَرَض رسول الله - ﷺ - سيفًا في يده يوم أحُد؛ فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقمت فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال: فأعرض عنِّي، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السَّيف بحقِّه؟ فقصت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقام أبو دُجَانة سماك بن خَرَشةَ، فقال: أنا آخذه بحقِّه؛ وما حقُّه؟ قال: حقه ألّا تقتل به مسلمًا، وألّا تفرّ به عن كافر؛ قال: فدفعه إليه. قال: وكان إذا أراد القتال أعْلِم بعصابة؛ قال: فقلت: لأنظرنّ اليوم ما يصنع، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلّا هتكه وأفراه؛ حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل، معهنّ دُفوف لهنّ، فيهنّ امرأةٌ تقول:\nنَحْنُ بناتُ طارقْ ... إنْ تُقْبلوا نُعانق\nونَبْسُط النَّمَارقْ ... أو تدْبِرُوا نُفارقْ\n_________\n= كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله - ﷺ - فضرب بعضهم، والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ورجال المسلمين حوله ... إلى آخر الحديث.\nوقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثق على ضعفه (مجمع الزوائد ٦/ ١١١) وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس وله شواهد من وجوه كثيرة (البداية والنهاية ٤/ ٢٦).\nوأما قول ابن مسعود في نهاية رواية الطبري فصحيح كما أخرج أحمد في مسنده (ح ٤٤١٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: (إن النساء يوم أحد كُن خلف المسلمين يُجهزنَ على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ: إنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: فلما خالف أصحاب رسول الله - ﷺ - وعصوا ما أمروا به. الحديث).\nوقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (مجمع الزوائد ٦/ ١١٠).\nعلمًا بأن العلامة شاكر صحح هذا الإسناد بينما ضعفه الألباني لأن حمادًا هذا سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده (فقه السيرة للغزالي ٢٧٩).\nقلنا: وما قاله المحدث الألباني قاله العقيلي نقلًا عن ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان ولكن جمهور المحدثين على أن حمادًا سمع منه قبل الاختلاط فتصحيح العلامة شاكر أرجح والله تعالى أعلم، وأما موضع الألوية وبيد من كانت فلم تصح رواية في ذلك كما قال العمري ولم تصح رواية في موضع الألوية (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٨١) والله أعلم.","vol":"2","page":134},{"text":"فِراقَ غَيرِ وامِق\nقال: فرفع السّيف ليضربَها، ثم كفّ عنها. قال: قلت: كلّ عملك قد رأيت، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها! قال: فقال: أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة (١). (٢: ٥١٠/ ٥١١).\n١٢٠ / أ- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فقال رسول الله - ﷺ -: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتَّى قام إليه أبو دُجَانة سماك بن خَرَشة أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحَنِيَ؛ فقال: أنا آخذه بحقَّه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه -وكان أبو دُجَانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلِم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم النَّاس أنه سيقاتل- فلمّا أخذ السيف من يد رسول الله - ﷺ - أخذ عصابته تلك، فعصب بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصّفَين (٢). (٢: ٥١١).\n١٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَمِ هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخْذِهنَّ قليل كثير؛ إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنَا القوم عنه يريدون النَّهب، وخلَّوْا ظهورنا للخيل؛ فأتينا من أدبَارنا وصَرخَ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتِلَ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم (٣). (٢: ٥١٣).\n١٢٢ - قال أبو جعفر: فلمّا أتيَ المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البزار (ح ١٧٨٧) والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٣) من حديث الزبير بن العوام. وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٠٩).\nوأخرجه مسلم مختصرًا من حديث أنس ﵁ (صحيح مسلم - فضائل الصحابة ح ٢٤٧٠) والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٠) والله أعلم.\n(٢) (تكملة: ١١٧): إسناده ضعيف كما سبق إلّا أن متنه صحيح كما ذكرنا في الرواية السابقة.\n(٣) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٨٨).","vol":"2","page":135},{"text":"المشركون، وكان المسلمون لمّا أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثًا: ثلث قتيل، وثلث جريح، وثلث منهزم؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وأصيبت رَبَاعِيَةُ رسول الله - ﷺ - السفْلى، وشُقَّتْ شفته، وكُلِم في وجنتيه وجبْهته في أصول شعره، وعلاه ابنُ قميئة بالسّيف على شقّه الأيمن؛ وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقاص (١). (٢: ٥١٤/ ٥١٥).\n١٢٣ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حُمَيد، عن أنس بن مالك، قال: لمَّا كان يوم أحدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله - ﷺ - وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يُفلح قومٌ خضَّبوا وجه نبيّهم بالدم. وهو يدعوهم إلى الله ﷿! فأنزل الله ﷿: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية (٢). (٢: ٥١٥).\n١٢٣ / أ- قال أبو جعفر: وقاتَل مُصعب بن عمير دون رسول الله - ﷺ - ومعه لواؤه حتى قتل؛ وكان الذي أصابه ابن قَمِيئة الليثيّ. وهو يظنّ أنَّه رسول الله - ﷺ -؛ فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدًا. فلما قتِل مُصعب بن عمير أعطى رسول الله - ﷺ - اللواءَ عليّ بن أبي طالب ﵁، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شُرَحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ؛ وكان أحدَ النّفر الَّذين يحملون اللِّواء، ثم مَرّ به سباع بن عبد العُزَّى الغُبْشانيّ -وكان يكنى بأبي نِيَار- فقال له حمزة بن عبد المطلب: هلمَّ إليّ يا بن مُقَطِّعة البُظور- وكانت أمّه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفيّ، وكانت ختَّانة بمكَّة - فلمَّا التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال وَحْشِيّ غُلامُ جبَير بن مطعِم: والله إني لأنْظُر إلى حمزة يَهُذُّ الناس بسيفه، ما يُليق شيئًا يمرُّ به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدَّمني إليه سباع بن عبد العزّى، فقال له حمزة: هلُمَّ إليّ يا بن مقطِّعة البظور! فضربه؛ فكأنما أخطأ رأسَه، وهززت حربتي حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت في لَبّته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا بلاغًا وإصابة رباعيته - ﷺ - صحيح كما سنذكر بعد قليل.\n(٢) حديث صحيح أخرجه الترمذي في سننه (كتاب التفسير ح ٣٠٠١، ٣٠٠٢) وقال: حسن صحيح وأخرجه مسلم في صحيحه (باب غزوة أحد / ١٧٩١) وأخرجه البخاري موصولًا من حديث ابن عباس (ح ٤٠٧٤) مختصرًا ومعلقًا من حديث أنس والله أعلم.","vol":"2","page":136},{"text":"نحوي، فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذتُ حربتي؛ ثم تنحَّيت إلى العسكر؛ ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كِلابَ بن طلحة؛ كلاهما يشُعره سهمًا؛ فيأتي أمّه سُلافة فَيَضَعُ رأسه في حجرها؛ فتقول: يا بنيَّ! مَنْ أصابك؟ فيقول: سمعتُ رجلًا حين رماني يقول: خذها وأنا ابن الأقلح! فتقول: أقلحيّ! فنذَرَتْ لله إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخَمْرَ. وكان عاصم قد عاهد الله ألّا يمسّ مشركًا أبدًا ولا يمسَّه مشركٌ (١). (٢: ٥١٦/ ٥١٧).\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا تفاصيل وبلا إسناد ولبعضها ما يشهد لها:\nفقد أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي باب قتل حمزة بن عبد المطلب ﵁ (ح ٤٠٧٢) حديثًا طويلًا من طريق جعفر بن عمرو بن أمية الضمري وعبيد الله بن عدي بن الخيار عن وحشي (مولى جبير بن مطعم) وفيه فلما أن خرج الناس عام عينين (وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد) خرجت مع الناس إلى القتال فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع، يا بن أم أنمارٍ مقطعة البظور، أتحادّ الله ورسوله - ﷺ -؟ قال: ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنيته حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به اهـ.\nوأخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي (ح ٤٠٨٦) من حديث أبي هريرة الطويل في سرية عاصم بن ثابت ﵁. وفي آخره (وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عطيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدّبْر فحمته من رُسُلِهم فلم يقدروا منه على شيء) وقال الحافظ في شرح هذا الحديث: ووقع عند ابن إسحاق وكذا في رواية بريدة بن سفيان أن عاصمًا لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت! سعد بن شهيد وهي أم مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم فتلهما يوم بدر وكانت نذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفِه، فمنعته الدبر، (فإن كان محفوظًا) احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الدبر تركته فيمكنوا من أخذه - وقال الحافظ كذلك.\nوفي رواية الأسود عن عروة (فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم فحالت بينهم وأن يقطعوا).\nوفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة قال: (كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا) (فتح الباري ٧/ ٤٤٤).","vol":"2","page":137},{"text":"١٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلّا أخته، عرفتْه بحسن بنانِه (١). (٢: ٥١٨/ ٥١٧).\n١٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان أوّل مَنْ عرف رسول الله - ﷺ - بعد الهزيمة وقول الناس: \"قُتِل رسول الله - ﷺ - \"- كما حدثني ابن شهاب الزهريّ - كعب بن مالك، أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهرَان تحت المغْفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشرَ المسلمين أبشروا! هذا رسول الله - ﷺ - فأشار إليّ رسول الله - ﷺ -: أن أنصت. فلمّا عرف المسلمون رسول الله - ﷺ - نهضوا به، ونهض نحو الشِّعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والحارث بن الصَّقَة، في رهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله - ﷺ - في الشِّعب أدركه أبيّ بن خلف وهو يقول: أين مُحَمَّد! لا نجَوْتُ إن نجوتَ! فقال القوم: يا رسولَ الله، أيعطف عليه رجل مِنَّا؟ قال: دعوه، فلمَّا دنا تناول رسول الله - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمَّة - قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلمَّا أخذها رسول الله - ﷺ -، انتفض بها انتفاضة تطايَرْنا عنه تطايُر الشَّعْراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تَدأدَأ منها عن فرسه مرَارًا (٢). (٢: ٥١٨).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن حميد عن أنس وكذلك البيهقي (٣/ ٢٤٥) وقال المحققان (همام وأبو صعيليك): فيكون الحديث مقبولًا لكون حميد يدلّس عن الثقات وتدليسه هنا ثابت (تهذيب سيرة ابن هشام ٣/ ١٢٠).\n(٢) إسناده ضعيف ولكن أخرج الطبراني عن كعب بن مالك قال: لما كان يوم أحد وصرنا إلى الشّعب، كنت أول من عرفته، فقلت: هذا رسول الله - ﷺ - فأشار إليّ بيده، أن اسكت، ثم ألبسني لأمته، ولبس لأمتي فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة -أو قال: بضعة وعشرين جرحًا- كل من يضربني يحسبني رسول الله. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط ثقات (المجمع ٦/ ١١٢).\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠١) وصحح إسناده ووافقه الذهبي والبيهقي في الدلائل. (٣/ ٢٣٧).","vol":"2","page":138},{"text":"١٢٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقَّاص، أنه كان يقول: والله ما حَرَصْت على قتل رجل قطّ ما حرَصْت على قتل عُتْبة بن أبي وقَّاص؛ وإن كان ما علمتُ لَسيِّيء الخلق، مبغَّضًا في قومه؛ ولقد كفاني منه قولُ رسول الله - ﷺ -: \"اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وجه رسول الله\" (١). (٥١٩: ٢).\n١٢٧ - حدَّثنا محمد بن الحُسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّديّ، قال: أتى ابن قميئة الحارثيّ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فرمى رسول الله - ﷺ - بحجر، فكسر أنفه ورباعيتَه، وشجَّه في وجهه، فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله - ﷺ - يدْعُو الناس: إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلّا طلحة وسهل بن حُنَيف، فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبسَتْ يَدُه، وأقبل أبيّ بن خَلف الجُمحي؛ وقد حلف ليقتلنّ النبي - ﷺ -، فقال: بل أنا أقتله، فقال: يا كذّاب، أين تَفِرُّ! فحمل عليه فطعنه النبيّ في جيب الدرع؛ فجرح جرحًا خفيفًا، فوقع يخورُ خُوَارَ الثور، فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة، فما يجزعك؟ قال: أليس قال: \"لأقتلنَك\"! لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم! فلم يلبث إلّا يومًا أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح (٢). (٢: ٥١٩/ ٥٢٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي- (ح ٤٠٧٣): (اشتد عضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته) وأخرج البخاري (ح ٤٠٧٤) من حديث ابن عباس ﵄: (اشتد غضب الله على قومٍ دمّوا وجه نبي الله - ﷺ -).\nوالحديث أخرجه مسلم (٢/ ١٤١٧).\n(٢) هذا إسناد مرسل، والشج في وجهه - ﷺ - وكسر رباعيته وتفرّق بعض الصحابة عنه يوم أحد صحيح كما سبق.\nوأما استماتة طلحة في الدفاع عن رسول الله - ﷺ - (مع غيره من الصحابة المعروفين وإصابة يده ﵁ أثناء ذلك فصحيح. كما أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي (ح ٤٠٦٣) عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي - ﷺ - يوم أحد). =","vol":"2","page":139},{"text":"١٢٧ / أ- وفشا في النَّاس أن رسول الله - ﷺ - قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمَنة من أبي سفيان! يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النّضر: يا قوم إن كان محمَّد قد قتِل؛ فإن ربّ محمد لم يقتل. فقاتِلوا على ما قاتل عليه محمَّد: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء! ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل؛ وانطلق رسول الله - ﷺ - يدعو النَّاس حتَّى انتهى إلى أصحاب الصخرة؛ فلمّا رأوه وَضَعَ رَجُلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه فقال: أنا رسولُ الله؛ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله - ﷺ - حيًّا، وفرح رسول الله - ﷺ - حين رأى أنّ في أصحابه مَنْ يمتنع به؛ فلمَّا اجتمعوا وفيهم رسول الله - ﷺ - ذهب عنهم الحزن؛ فأقبلوا يذكرون الفتح، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله ﷿ للذين قالوا: \"إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم\": ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ\n_________\n= وأما مقتل أبي بن خلف الجمحي على يد رسول الله - ﷺ - يوم أحُد؛ فقد ورد من ثلاثة طرق.\n(مرسل السدي (كما عند الطبري) ومرسل سعيد بن المسيب (كما عند ابن سعد) وورد موصولًا عند الواحدي في أسباب النزول ص ٥٦).\nوأما ابن سعد فقد أخرج في طبقاته (٢/ ٤٦) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبي بن خلف الجمحي أسر يوم بدرٍ فلما افتدى من رسول الله - ﷺ - قال لرسول الله - ﷺ -: إن عندي فرسًا أعلفها كل يوم فرق ذُرَةٍ لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله - ﷺ -: بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله. فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله - ﷺ - فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: استأخروا استأخروا، فقام رسول الله - ﷺ - بحربة في يده فرمى لها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعًا من أضلاعه فرجع إلى أصحابه ثقيلًا فاحتملوه حتى ولّوا به، وطفقوا يقولون له: لا بأس بك فقال لهم أبيّ: يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه، قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله ﵎: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nقلنا: وقد سبق أن جعلنا بعض الروايات المرسلة في قسم الصحيح بشرط تعدد مخارج المرسل ووجود طريق آخر موصولا ولو ضعيفًا ضعفا يسيرًا، والأمر كذلك في هذا الموضع والله أعلم.","vol":"2","page":140},{"text":"أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). (٢: ٥٢٠).\n١٢٧ / ب - فأقبل أبو سفيان حتّى أشرف عليهم، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وأهمَّهم أبو سفيان، فقال رسول الله - ﷺ -: ليس لهم أن يعلُونا؛ اللَّهمّ إنْ تقتَل هذه العصابة لا تُعْبَد! ثم نَدَب أصحابه، فرَمَوْهم بالحجارة حتى أنزلوهم؛ فقال أبو سفيان يومئذ: اعلُ هُبَل، حنظلة بحنظلة، ويومٌ بيوم بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة؛ وكان حنظلة بن أبي سفيان قُتِل يوم بدر؛ وقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم! فقال رسول الله - ﷺ - لعمر: قل: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: أفيكم محمَّد! أما إنَّها قد كانت فيكم مُثلة؛ ما أمرت بها ولا نهيت عنها، ولا سَرَّتْني ولا ساءتني؛ فذكر الله ﷿ إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ والغمّ الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغمّ الثاني: إشراف العدوّ عليهم، ﴿لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان (٢). (٢: ٥٢١).\n_________\n(١) إن كان هذا جزءًا من الرواية السابقة (٢/ ٥١٩ / ١٢٧) فالإسناد مرسل (عن السدي) وأما شجاعة أنس بن النضر ودفاعه عن رسول الله - ﷺ - حتى استشهاده (وذلك في معركة أحد) فصحيح كما أخرج البخاري (في صحيحه -كتاب المغازي ح ٤٠٤٨) عن أنس ﵁ أن عمه غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي - ﷺ - لئن أشهدني الله مع النبي - ﷺ - ليرين الله ما أُجدُّ فلقي يوم أحد فهزم الناس فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد؟ إلي أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم.\n(٢) إن كان هذا المقطع تابعًا للرواية السابقة فهو من مراسيل السدي، وأما ما ذكر من تفاصيل وعبارات مرفوعة إلى رسول الله - ﷺ - فكالآتي:\n١ - قوله ﵊: (ليس لهم أن يعلونا) فصحيح كما ذكرنا.\n٢ - قوله ﵊: (إن تقتل هذه العصابة لا تعبد) فقد أخرجه البخاري كما سبق من قوله ﵊ في غزوة بدر، وأخرجه مسلم من قوله - ﷺ - في غزوة أحد وأشار إلى ذلك الحافظ في الفتح ولا تعارض فلعله قاله - ﷺ - في الغزوتين والله أعلم. =","vol":"2","page":141},{"text":"١٢٨ - قال أبو جعفر: وأما ابنُ إسحاق، فإنه قال - فيما حدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلمة عنه -: بينا رسول الله - ﷺ - في الشِّعب؛ ومعه أولئك النَّفر من أصحابه إذ علَتْ عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله - ﷺ -: اللَّهمَّ إنَّه لا ينبغي لهم أن يعلُونا؛ فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل؛ ونهض رسول الله - ﷺ - إلى صَخْرة من الجبل ليعلوها. وقد كان بدّن رسول الله - ﷺ -، وظاهَرَ بين دِرْعَين، فلما ذهب لينهض لم يستطع؛ فجلس تحته\n_________\n= ٣ - وأما قول أبي سفيان وردّ سيدنا عمر عليه بأمر من رسول الله: - ﷺ - فصحيح كما سبق.\n٤ - وأما قصة غسيل الملائكة حنظلة فصحيح كما أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠٤) عن عبد الله بن الزبير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله فقال رسول الله - ﷺ -: إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسلته الملائكة.\nوقال الحاكم (٣/ ٢٠٥): صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ويؤيده\nما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄: أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال رسول الله - ﷺ -: (لقد رأيت الملائكة تغسلهما). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٣/ ٢٣).\nولقد أخرج الحافظ ابن كثير هذه الرواية بطولها (أي ١٢٧، أ، ب، حـ) فقال: قال ابن جرير في تأريخه: حدثنا محمد بن الحسين ثنا أحمد بن الفضل حدثنا أسباط عن السدي قال: أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله - ﷺ - بحجر فكسر أنفه ... ثم ذكر ابن كثير الخبر كما عند الطبري إلى قوله: فقال أبو سفيان يومئذ اعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر وذكر تمام القصة. ثم قال الحافظ ابن كثير: وهذا غربب جدًّا وفيه نكارة (البداية والنهاية ٤/ ٢٥).\nقلنا: ولم يوضح الحافظ ابن كثير ﵀ وجه الغرابة والنكارة في هذا الخبر ولعلّه عنى بالغرابة ما جمعه السدي في روايته الطويلة هذه (إن كانت بسند واحد) تفاصيل كثيرة لم نجدها عند غيره بسند واحد بل هي عدة أحاديث وردت بأسانيد مختلفة جمعها السدي هنا ومن عادة السدي أن يجمع مرويات عدد من الصحابة دون أن يميّز بين كلامهم (كما يفعل في التفسير) ولعل هذا من ذاك، وأما وجه النكارة فلعل الحافظ عنى بذلك قوله:\n(فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان) ولعله أراد بالنكارة عبارة أخرى هي: (وانطلق رسول الله - ﷺ - يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهمًا في قوسه فأراد أن يرميه فقال: أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله - ﷺ - حيًّا) وهذا مع كونه ضعيف السند فهو مخالف لما ثبت من أن كعب بن مالك هو الذي عرف رسول الله - ﷺ -.","vol":"2","page":142},{"text":"طلحة بن عبيد الله، فنهض حتَّى استوى عليها (١). (٢: ٥٢١ - ٥٢٢).\n١٢٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد: قال: قال رسول الله - ﷺ -، كما حدَّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزُّبير، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول يومئذ: أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع (٢). (٢: ٥٢٢).\n١٣٠ - قال أبو جعفر: وقد كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود - وكان يقال له. ابن شَعوب. قد علا أبا سفيان، فضربه شدّاد فقتله، فقال رسول الله - ﷺ -: إن صاحبكم -يعني حنظلة- لتغسلُه الملائكة. فسلوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهائعة؛ فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسَّلته الملائكة (٣). (٢: ٥٢٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق، ورواه ابن إسحاق بلاغًا إلّا أن الإمام أحمد أخرج في مسنده (ح ٢٦٠٩) حديثًا طويلًا عن ابن عباس ﵄ وفيه:\nحتى إذا طلع رسول الله - ﷺ - بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: وفرحنا حتى كأنه لي يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا، وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا ... حتى انتهى إلينا فمكث ساعة ..... الحديث.\nوقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثق على ضعفه - وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٧) وصحح إسناده ووافقه الذهبي وقال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب وسياقه عجيب (التفسير ١/ ٤١٢) والله أعلم.\nوأما مساندة طلحة لرسول الله - ﷺ - في نهوضه لقعوده فسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن له متابعة عند ابن هشام في سيرته من طريق ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير به وإسناده حسن، وأخرج الترمذي في سننه (ح ١٦٩٢) من حديث الزبير ﵁ قال: كان على النبي - ﷺ - يوم أحد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة. قال الزبير: فسمعت النبي - ﷺ - يقول: أوجب طلحة، وقال الترمذي: حسن غريب وأخرجه الحاكم (٣/ ٣٧٤) وصححه وأقره الذهبي.\n(٣) ذكر الطبري هذا بلا إسناد والحديث صحيح أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٤) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ورواه الطبراني وحسّن الهيثمي إسناده (٣/ ٢٣).","vol":"2","page":143},{"text":"١٣١ - قال أبو جعفر: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم - فيما حدَّثنا هارون بن إسحاق قال: حدَّثنا مصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابن وكيع، قال: حدّثني أبي، عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: ثمّ إن أبا سفيان أشرف علينا، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا تجيبوه؛ مرتين، ثمّ قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تجيبوه، ثم قال: أفِي القوم ابن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: أجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قُتِلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمرُ بن الخطَّاب نفسَه أن قال: كذبتَ يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك! فقال: اعْلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! فقال رسول الله - ﷺ -: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعْلَى وأجَل. قال أبو سفيان: ألا لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسول الله - ﷺ -: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال؛ أمَّا إنكم ستجدون في القوم مُثَلًا لم آمُرْ بها ولم تسؤني (١). (٢: ٥٢٦/ ٥٢٧).\n١٣٢ - وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله - ﷺكما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنيّ أخي بني النَّجار، أن رسول الله - ﷺ -، قال: مَن رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ - وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج - أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسولَ الله ما فعل؛ فنظر فوجده جريحًا في القتلَى به رمَق، قال: فقلت له: إن رسول الله - ﷺ - أمرني أن أنظر له: أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات، أبلغْ رسول الله عنِّي السَّلام، وقل له: إنّ سعدَ بن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جزي نبي عن أمته وأبلغ عني قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عُذْر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيِّكم - ﷺ - وفيكم عينٌ\n_________\n(١) حديث صحيح كما سبق أن ذكرنا فقد أخرجه البخاري في المغازي (ح ٤٠٤٣) وأحمد في مسنده (٤/ ٢٩٣) وغيرهما مع اختلاف يسير والله أعلم.","vol":"2","page":144},{"text":"تطرف، ثم لم أبرح حتَّى مات؛ فجئت رسول الله - ﷺ - فأخبرتُه خبرَه (١) (٢: ٥٢٨).\nوخرج رسول الله - ﷺ - فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطَّلب، فوجده ببطن الوادي قد بُقِرَ بَطْنُه عن كبده، ومثلَ به، فجُدِعَ أنفه وأذناه.\n١٣٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، أنّ رسول الله - ﷺ - حين رأى بحمِزة ما رأى، قال: لولا أن تحزن صفيَّة أو تكون سنَّة من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطَّير؛ ولئن أنا أظهرَني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم؛ فلمَّا رأى المسلمون حزْن رسول الله - ﷺ - وغيظه على ما فُعِل بعمِّه، قالوا: والله لئن ظهرْنا عليهم يومًا من الدهر لنَمثُلَنّ بهم مُثْلَةً لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ! (٢) (٢: ٥٢٨/ ٥٢٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، والحديث صحيح بمجموعِ طرقه فقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقين أحدهما من طريق ابن إسحاق والآخر من طريق غير ابن إسحاق وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي (المستدرك ٣/ ٢٠١) ولفظه:\n(عن زيد بن ثابت قال: بعثني رسول الله - ﷺ - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح أو ضربة بسيف ورمية بسهم فقلت له: يا سعد إن رسول الله - ﷺ - يقرأ عليك السلام ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك السلام قل له: يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله - ﷺ - وفيكم شفر يطرف قال: وفاضت نفسه ﵀).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وله طريق آخر مرسل ذكره في المطالب العالية (ح ٤٣١٧) من حديث عمرو بن يحيى المازني وطريق آخر من مرسل يحيى بن سعيد في طبقاته (٣/ ٥٢٣) أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أنه قال: لما كان يوم أحد قال رسول الله - ﷺ -: من يأتيني بخبر سعد بن الربيع ... الحديث.\nقلنا: وهذه مراسيل متعددة المخارج تتقوى بما عند الحاكم في مستدركه فيكون الحديث صحيحًا والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف، ولكن أخرج الحاكم في المستدرك (١/ ٣٦٥) عن أنس ﵁ قال: (لما كان يوم أحد مرّ رسول الله - ﷺ - بحمزة بن عبد المطلب وقد جذع ومثّل به فقال: لولا أن =","vol":"2","page":145},{"text":"١٣٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: أخبرني بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن ابن عباس. قال ابن حميد، قال سلَمة: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: إن الله ﷿ أنزل في ذلك من قول رسول الله - ﷺ - وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، إلى آخر السورة، فعفا رسول الله - ﷺ - وصبر ونهى عن المُثْلَة (١). (٢/ ٥٢٩).\n١٣٥ - قال ابن إسحاق: وأقبلَتْ - فيما بلغني - صفيَّةُ بنتُ عبد المطلب لتنظر إلى حمزة - وكان أخاها لأبيها وأمها - فقال رسول الله - ﷺ - لابنها الزُّبَيْر بن العوام: القَها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال لها: يا أمّهْ؛ إنّ رسول الله - ﷺ - يأمرك أن ترجِعي، فقالت: ولم، وقد بلغني أنه مُثِلَ بأخي وذلك في الله قليل! فما أرضانا بما كان من ذلك! لاحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله. فلمّا جاء الزبير رسول الله - ﷺ - فأخبره بذلك، قال: خَلّ سبيلها، فأتَتْهُ فنظرتْ إليه وصَلّتْ عليه؛ واسترجعَتْ واستغفرت له؛ ثم أمرَ رسول الله - ﷺ - به فَدُفِن (٢). (٢: ٥٢٩).\n_________\n= تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع فكفنه في نمرة، .. الحديث).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم والحديث أخرجه البيهقي في السنن وأبو داود (ص ٣١٣٦) وغيرهم.\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح فقد أخرج الترمذي في سننه (ح ٣١٢٩) عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: (أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون وأصيب من المهاجرِين ستة فيهم حمزة، فمثلوا بقتلاهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر لنزيدن عليهم فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، مرتين فأنزل الله ﷿ على نبيه - ﷺ - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال النبي - ﷺ -: كفوا عن القوم). وقال الترمذي حسن غريب وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٩) وصحح إسناده ووافقه الذهبي.\n(٢) حديث صحيح أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٩٠) وأبو يعلى (٢/ ٤٥) بإسناد حسن والله أعلم. وكذلك أخرجه أحمد في مسنده (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":146},{"text":"١٣٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عاصم بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، قال: لمَّا خرج رسول الله - ﷺ - إلى أُحد وقع حُسَيل بن جابر- وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقْش بن زَعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدُهما لصاحبه؛ وهما شيخان كبيران: لا أبا لك! ما تنتظر؟ فوالله إنْ بقي لواحد منّا من عمره إلّا ظِمْء حِمَار، إنَّما نحن هامة اليومِ أو غَدٍ؛ أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله - ﷺ -، لعلّ الله ﷿ يرزقنا شهادة مع رسول الله - ﷺ - فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في النَّاس، ولم يُعلَم بهما؛ فأمَّا ثابت بن وقْش فقتله المشركون، وأما حُسَيل بن جابر، اليَمَان، فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه؛ ولا يعرفونه. فقال حُذَيفة: أبي والله! قالوا: والله إنْ عرفناه. وصدقوا، قال حُذَيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين! فأراد رسول الله - ﷺ - أن يَدِيَهُ فتصدّق حُذَيفة بِديَتِه على المسلمين، فزادته عند رسول الله - ﷺ - خيرًا (١). (٢: ٥٣٠).\n١٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أتيٌّ لا يُدْرَى من أين هو، يقال له قُزْمَان، فكان رسول الله - ﷺ - يقول إذا ذُكِر له: إنّه لَمِنْ أهل النار؛ فلمَّا كان يوم أحُد، قاتل قتالًا شديدَّا، فقَتَل هو وحده ثمانيةً من المشركين أو تسعة؛ وكان شهمًا شجاعًا ذا بأس؛ فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظَفَر. قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون: والله لقد أبليت اليوم يا قُزمان؛ فأبشر! قال: بم أبشر! فوالله إن قاتلتُ إلّا على أحساب قومي؛ ولولا ذلك ما قاتلت؛ فلمّا اشتدّت عليه جراحته، أخذ سهمًا من كنانته فقطع رواهِشَه فنزفه الدم فمات؛ فأخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: أشهد أنّي رسولُ الله حقًّا (٢)! (٢: ٥٣١).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق والحديث أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وسنده حسن فقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث وأخرجه البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار (ح ٣٨٢٤) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\n(٢) إسناده ضعيف إلا أن الحديث صحيح فقد أخرجه البخاري من روايته (ح ٤٢٠٢، ٤٢٠٣) دون أن يُسمِّي الرجل ودون تسمية الغزوة إلّا أنه أخرج الروايتين في غزوة خيبر مع اختلاف =","vol":"2","page":147},{"text":"١٣٨ - قال: ومرّ رسول الله - ﷺ - بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظَفَر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم؛ فَذرَفتْ عينَا رسول الله - ﷺ - فبكى ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكيَ له! فلمّا رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حُضيْر إلى دار بني عبد الأشهل أمَرَ نساءهم أن يتحزَّمْنَ ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول الله - ﷺ - (١). (٢: ٥٣٢).\n١٣٩ - قال أبو جعفر: فلمَّا انتهى رسول الله - ﷺ - إلى أهله ناول سيفَه ابنته فاطمة، فقال: اغسِلي عن هذا دمَهُ يا بنيَّة؛ وناولها عليٌّ - ﵇ - سيفه، وقال: وهذا فاغسلي عنه؛ فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لئن كنتَ صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حُنَيف، وأبو دُجَانة سماك بن خَرَشَةَ\" (٢). (٢: ٥٣٣).\n_________\n= في الألفاظ، بينما ذكر مسلم أن ذلك كان في غزوة حنين (ح ١١٢) والله أعلم.\n(١) حديث (لكن حمزة لا بواكي له) حديث صحيح فقد أخرج أبو يعلى بإسنادين (ح ٣٥٧٦، ح ٣٦١٠) عن ابن عمر وعن أنس بن مالك ﵄:\n(لما رجع رسول الله - ﷺ - من أحد سمع نساء الأنصار يبكين فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة فقام رسول الله - ﷺ - ثم استيقظ وهن يبكين فقال: يا ويحهن ما زلن يبكين منذ اليوم ولا يبكين على هالك بعد اليوم).\nوقال الهيثمي (المجمع ٦/ ١٢٠): رواه أبو يعلى بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح والحديث أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٠) وجوّد الساعاتي إسناده (الفتح الرباني ٧/ ١٠٧) والله أعلم.\n(٢) ذكر الطبري هذا الحديث بلا إسناد والحديث صحيح أخرجه الطبراني في المعجم الكبير\n(ح ٦٥٠٧) عن ابن عباس ﵁ قال: (دخل علي بن أبي طالب على فاطمة يوم أحد فقال: خذي هذا السيف غير ذميم. فقال - ﷺ -: لئن كنت أحسنت القتال لقد أحسنه سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة). وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤) وصححه على شرط البخاري\nوالله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-235> غزوة حمراء الأسد </span>-\n(٢/ ٥٣٤) ذكر الطبري روايات ضعيفة في هذه الغزوة إلّا أن الحادثة ثابتة في السيرة فقد أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (ح ٤٠٧٧) من طريق هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا =","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>ذكر أحداث التي كانت في سنة أربع من الهجرة</span>\n- <span data-type=\"title\" id=toc-237>(غزوة الرجيع) </span>-\n١٤٠ - قال أبو جعفر: وأما غيرُ ابنِ إسحاق، فإنَّه قصّ من خبر هذه السريَّة غير الذي قصّه، والذي قصّه غيره من ذلك ما حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا جعفر بن عون العمريّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عمرو -أو عمر- ابن أَسِيد، عن أبي هُريرة، أنّ رسول الله - ﷺ - بعث عشرة رهط، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فخرجوا حتى إذا كانوا بالهَدْأة ذُكِرُوا لحيّ من هُذيل، يقال لهم: بنو لِحْيان، فبعثوا إليهم مئة رجل راميًا؛ فوجدوا مأكَلهم حيث أكلوا التَّمر، فقالوا: هذه نَوَى يثرب، ثمّ اتَّبعوا آثارهم؛ حتى إذا أحسّ بهم عاصمٌ وأصحابه التجؤوا إلى جبل، فأحاط بهم الآخرون، فاستنزلوهم، وأعطَوْهم العهدَ؛ فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافِرٍ، اللهمّ أخبر نبيَّك عنّا. ونزل إليهم ابن الدّثِنَة البيَاضِيّ، وخُبيب، ورجل آخر، فأطلق القوم أوتار قِسيِّهم،\n_________\n= أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالت لعروة: يابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر. لما أصاب رسول الله - ﷺ - ما أصاب يوم أحدٍ وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.\nقلنا: ومعلوم أن جيش الصحابة يوم أحد كان أكثر من هذا العدد وقد فسّر بعض العلماء قولها ﵂ (فانتدب لها سبعون) أي سبقوا غيرهم إلى ذلك ثم تتابع من بقي من الجيش (انظر زاد المعاد (٣/ ٢٤٣).\nوأخرج الطبراني في الكبير (ح ١١٦٣٢) عن ابن عباس ﵄ قال: لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد وبلغوا الروحاء، قال أبو سفيان: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شرّ ما صنعتم. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد أو بئر بني عيينة - فأنزل الله ﷿: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وذلك أن أبا سفيان قال للنبي - ﷺ - موعدك موسم بدرٍ حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحدًا، وتسوّقوا، فأنزل الله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الجواز وهو ثقة (المجمع ٦/ ١٢١).\nوالحديث أخرجه الطبراني موصولًا ومرسلًا.","vol":"2","page":149},{"text":"ثمّ أوْثقوهم، فجرحوا رجلًا من الثلاثة، فقال: هذا والله أوّل الغَدْر؛ والله لا أتَّبعكم. فضربوه فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وابن الدثِنَة إلى مكَّة، فدفعوا خُبيبًا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحُد؛ فبينما خُبَيب عند بنات الحارث؛ إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسَى يستحدّ بها للقتل، فما راع المرأة - ولها صبيّ يدْرج - إلّا بخُبيب قد أجلَس الصبيَّ على فَخِذِه، والموسَى في يده، فصاحت المرأة، فقال خُبَيب: أتخْشَين أنِّي أقتُله! إنّ الغدر ليس من شأننا. قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيتُ أسيرًا قطّ خيرًا منِ خُبيب؛ لقد رأيته وما بمكة من ثمرة، وإن في يده لقِطْفًا من عنب يأكله؛ إن كان إلّا رِزْقًا رزقه اللهُ خبيبًا.\nوبعث حيّ من قريش إلى عاصم ليُؤْتَوْا من لحمه بشيء، وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحُد؛ فبعث الله عليه دَبْرًا، فحصَتْ لَحمه، فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئًا، فلمَّا خرجوا بخُبَيب من الحرم ليقتلُوه، قال: ذَرُوني أُصلّي ركعتين، فتركوه فصلَّى سجدتين، فجرت سُنَّة لمن قُتل صبْرًا أن يصلِّيَ ركعتين. ثم قال خُبَيب: لولا أن يقولوا جَرعَ لزدت، وما أبالي:\n\"عَلَى أَيّ شِقٍّ كان لله مَصْرَعي\"\nثم قال:\nوذلك في ذاتِ الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْو مُمَزَّع\nاللهم أحْصِهِم عددًا، وخذهم بَدَدًا.\nثم خرج به أبو سِرْوَعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ فضربه فقتله (١). (٢: ٥٤٠/ ٥٤١).\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه مع اختلاف يسير في الألفاظ. فقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب المغازي -باب فضل من شهد بدرًا (ح ٣٩٨٩):\nعن أبي هريرة ﵁ قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - عشرة عينًا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، ختى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مئة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه.\nفقالوا: تمر يثرب فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، =","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>ذكر خبر بئر معونة</span>\n١٤١ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني سنة أربع من الهجرة- كان من السريّه التي وجَّهها رسول الله، - ﷺ - فقُتلت ببئر مَعْونة. وكان سبب توجيه\n_________\n= فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا أيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا.\nفقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيك - ﷺ -، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى - فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم (فقتلوه) فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا -وكان خبيب قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدر- فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته، فأدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده. قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك.\nقالت: والله ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة.\nوكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا؛ فلما خرجوا به من الحرم لقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا. ثم أنشأ يقول:\nفلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب سن لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر -يعني النبي - ﷺ - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل، أن يؤتوا بشيء منه يعرف - وكان قتل رجلًا عظيمًا من عظمائهم - فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا\".\nوالحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان ح ٤٠٨٦) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٢٣) وأحمد (٢/ ٢٩٥) وغيرهم.","vol":"2","page":151},{"text":"النبيّ - ﷺ - إيَّاهم لِمَا وجَّههم له ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: فأقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة بقيّة شوّال وذا القَعْدة وذا الحِجَّة والمحرَّم، ووليَ تلك الحجَّة المشركون.\nثم بعث أصحاب بئر معونة في صفَر على رأس أربعة أشهر من أحُد، وكان من حديثهم ما حدّثني أبي إسحاق بن يَسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما من أهل العلم، قالوا: قدم أبو برَاء عامر بن مالك بن جعفر ملَاعِبُ الأسنَّة - وكان سيِّد بني عامر بن صَعْصعة - على رسول الله - ﷺ - المدينة، وأهدى له هدية، فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبَلها، وقال: يا أبا بَراء، لا أقبل هديّة مشرك، فأسْلِمْ إن أردتَ أن أقبل هديّتك. ثم عرض عليه الإسلام، وأخبره بما له فيه، وما وعبد الله المؤمنين من الثَّواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلِم ولم يبعُد، وقال: يا محمَّد، إنَّ أمرك هذا الذي تدعو إليه حَسَنٌ جميل، فلو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نَجْد فدعَوْهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله - ﷺ -: إنّي أخشى عليهم أهل نجْد! فقال أبو بَرأء: أنا لهم جارٌ، فابعثهم فليدعُوا النَّاس إلى أمرك. فبعث رسول الله - ﷺ - المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المُعْنِقَ ليموت في أربعين رجلًا من أصحابه من خيار المسلمين، منهم الحارث بن الصمَّة، وحرام بن مِلْحان أخو بني عديّ بن النّجار، وعُروة بن أسماء بن الصَّلْت السُّلَميّ، ونافع بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي، وعامر بن فُهَيرة مولى أبي بكر، في رجال مُسَمَّينَ من خيار المسلمين (١). (٢: ٥٤٥/ ٥٤٦).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق مرسلًا، والخبر أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق هذا فيكون إسناد ابن هشام (٢/ ١٧٤) مرسلًا صحيحًا، وكذلك أخرجه خليفة بن خياط (تأريخ خليفة / ٧٦) وأخرجه موسى بن عقبة في مغازيه مرسل عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب (وانظر فتح الباري ٧/ ٢٤٦) وإن كان العدد الذي ذُكر فيه (٤٠ رجلًا) مخالفًا لما في صحيح البخاري وغيره (٧٠ رجلًا).\nوإلَّا فبقية التفاصيل لها ما يؤبدها من الروايات الصحيحة كما سنذكر وما في الصحيح من عددٍ أصح وألزم - وإن كان الحافظ قد ذكر وجهًا من الجمع إذ قال: (ويمكن الجمع بينه وبين الذي في الصحيح بأن الأربعين كانوا رؤساء وبقية العدد أتباعًا) (فتح الباري ٧/ ٤٤٧).\nقلنا: وما سوى الاختلاف في العدد فأصل القصة صحيح ثابت فعن كعب بن مالك رضي الله =","vol":"2","page":152},{"text":"١٤٢ - حدّثني محمد بن مرزوق، قال: حدَّثنا عمرو بن يونس، عن عكرمة، قال: حدَّثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس بن مالك في أصحاب النبي - ﷺ - الذين أرسلهم رسول الله - ﷺ - إلى أهل بئر معونة؛ قال: لا أدري، أربعين أو سبعين! وعلى ذلك الماء عامِرُ بن الطُّفَيل الجعفريّ، فخرج أولئك النَّفر من أصحاب النبيّ - ﷺ - الذين بُعثوا، حتى أتوْا غارًا مشرِفًا على الماءِ قعدوا فيه. ثم قال بعضهم لبعض: أيُّكّم يبلِّغ رسالة رسول الله - ﷺ - أهل هذا الماء؟ فقال - أراه ابن مِلْحان الأنصاري -: أنا أبلِّغ رسالة رسول الله - ﷺ -، فخرج حتى أتى حِوَاءً منهم، فاحتبى أمام البيوت، ثم قال: يا أهلَ بئر معونة، إنِّي رسولُ رسولِ الله إليكم، إنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه من كِسْرِ البيت برمح فضرب به في جَنْبه حتى خرج من الشِّقِّ الآخر، فقال: الله أكبر، فُزْتُ وربّ الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامِرُ بن الطُّفيل.\nقال إسحاق: حدّثني أنس بن مالك أنّ الله ﷿ أنزل فيهم قُرْآنًا: \"بَلِّغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربَّنا، فرضِيَ عنَّا، ورضينا عنه\"، ثم نُسِخت، فرفعت بعد ما قرأناه زمانًا، وأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ (١). (٢: ٥٤٩ - ٥٥٠).\n_________\n= عنه قال: جاء ملاعب الأسنة إلى النبي - ﷺ - بهدية، فعرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم فقال النبي - ﷺ -: فإني لا أقبل هدية من مشرك، قال: فابعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جار فبعث إليهم بقوم فيهم المنذر بن عمرو، وهو الذي يقال له المعتق ليموت أو أعتق عند الموت فاستجاش عليهم عامر بن الطفيل بني عامر فأبوا أن يطيعوه وأبو أن يحضروا ملاعب الأسنة فاستجاش عليهم بني سليم فأطاعوه فأتبعهم بقريب من مئةِ رجل رامٍ فأدركوهم ببئر معونة فقتلوهم إلَّا عمرو بن أمية.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٢٧).\n(١) حديث أنس بن مالك هذا حديث صحيح كما عند البخاري وغيره إلَّا أن الراوي لم يشك في كونهم سبعين كما عند الطبري، ولعله من أوهام شيخ الطبري محمد بن مرزوق فقد قال الحافظ: صدوق له أوهام.\nولقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ح ٤٠٩١) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدثني أنس أن النبي - ﷺ - بعث خاله - أخٌ لأم سليم - في سبعين راكبًا وكان =","vol":"2","page":153},{"text":"١٤٣ - حدَّثني العبّاس بن الوليد، قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله - ﷺ - إلى عامر بن الطُّفَيل الكلابيّ سبعين رجلًا من الأنصار. قال: فقال أميرُهم: مكانَكم حتى آتيَكم بخبر القوم! فلمّا جاءهم قال: أتؤمّنوننِي حتى أخبرَكم برسالة رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: نعم؟ فبينا هو عندهم؟ إذ وخزَه رجلٌ منهم بالسِّنان. قال: فقال الرّجل: فُزْتُ وربِّ الكعبة! فقتل، فقال عامر: لا أحسبه إلَّا أنّ له أصحابًا، فاقتصّوا أثرَه حتى أتوْهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم إلَّا رَجُلٌ واحِدٌ.\nقال أنس: فكنا نقرأ فيما نُسِخ: \"بَلِّغوا عَنّا إخْوانَنَا أنْ قَدْ لقينَا رَبَّنا، فرضيَ عنا ورضينا عنه\" (١). (٢: ٥٥٠).\n_________\n= رئيس المشركين عامر بن الطفيل خيّر بين ثلاث خصال فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر أو أكون خليفتك أو أغزوك بأهل غطفان بألفٍ وألفٍ فطعن عامرٌ في بيت أم فلان فقال غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آلِ بني فلان ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه فانطلق حرامٌ أخو أم سليم وهو رجل أعرج ورجل من بني فلان قال: كونا قريبًا حتى آتيهم فإن آمنوا كنتم قريبًا وإن قتلوني أتيتم أصحابكم فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله - ﷺ - فجعل يحدثهم وأومؤوا إلى رجلٍ فأتاه من خلفه فطعنه قال همّام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الأعرج كان في رأس جبلٍ فأنزل الله تعالى علينا ثم كان من المنسوخ.\nإنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا فدعا النبي - ﷺ - عليهم ثلاثين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله - ﷺ -.\n(١) سبق أن تحدثنا عن حديث أنس بن مالك عند الرواية السابقة وذكرنا رواية البخاري ونضيف هنا فنذكر رواية للإمام مسلم في صحيحه (باب ثبوت الجنة للشهيد ح / ١٦٧٧) من حديث أنس ﵁ قال: \"جاء ناس إلى النبي - ﷺ - فقالوا: أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم: القراء فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي - ﷺ - إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا. قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزتُ ورب الكعبة، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: (إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أن قد لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا). =","vol":"2","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٤٧) والله أعلم.\nوأخرج البخاري كذلك في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٠٩٠) عن أنس ﵁ قال: (إن رعلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله - ﷺ - على عدو فأمدَّهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان) والحديث أخرجه مسلم (باب استحباب القنوت في جميع الصلاة (ح ٦٧٧) وغيره والله أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-239> ذكر خبر جلاء بني النضير </span>-\nفي تأريخ هذا الجلاء اختلاف فصاحب المغازي ابن إسحاق يرى أن الغزوة كانت بعد أحدٍ.\nونسب الحافظ ابن حجر مذهب ابن إسحاق إلى جُلِّ أهل المغازي (الفتح ٧/ ٣٨٥) ويرى ابن القيم ﵀ رأي ابن إسحاق فيقول: بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد (زاد المعاد ٣/ ٢٤٩).\nوأما البخاري فقد ذكر غزوة بني النضير بعد غزوة بدرٍ فقال: باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله - ﷺ - في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله - ﷺ -. قال الزهري عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل وقعة أحد وقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة (فتح الباري ٧/ ٣٨٢).\nوقال الحافظ في الفتح: وصله عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أتم من هذا، ولفظه عن الزهري وهو في حديثه عن عروة: ثم كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدرٍ (فتح الباري ٧/ ٣٨٤).\nوقال الحافظ أيضًا: وروى ابن مردويه قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري: (أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدرٍ يهددونهم بإيوائهم النبي - ﷺ - وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب فهمّ ابن أبيّ ومن معه بقتال المسلمين، ... الحديث).\nوفيه: (فلما كانت وقعة بدرٍ كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم فأجمع بنو النضير على الغدر ... إلى آخره) ثم يسرد الحافظ تمام الخبر ويعقب قائلًا:\nوكذلك أخرجه عبد بن حميد في تفسير عن عبد الرزاق وفي ذلك ردّ على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد. قلت (الحافظ): فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من =","vol":"2","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أن سبب غزوة بني النضير طلبه - ﷺ - أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جلّ أهل المغازي والله أعلم. (الفتح ٧/ ٣٨٥).\nويرى الحافظ أن السهيلي ذهب مذهبًا غريبًا عندما رجّح قول الزهري (الفتح ٧/ ٣٨٥).\nويرى الأستاذ العلي (من المعاصرين) أن ما ذهب إليه ابن إسحاق هو الراجح، وأن الإمام الزهري وهم أو غلط عليه كما قال ابن القيم (انظر صحيح السيرة ٢٤٣ - ٢٤٤) ويستشهد برأي ابن القيم وابن حزم وغيرهما - ويعقب الأستاذ العلي على حديث صحيح أخرجه الحاكم عن عائشة ﵂ تقول فيها: كانت غزوة بني النضير (وهم طائفة من اليهود) على رأس ستة أشهر من بدر.\nفيقول الأستاذ الفاضل: والناظر في حديث عائشة ﵂ يرى أنه مؤيد للرأي القائل أن غزوة بني النضير كانت بعد بدرٍ بستة أشهر كما قال الزهري ﵀، وهو في سند حديث عائشة فالجواب عنه ما قال ابن القيّم رحمه الله تعالى في ذلك من الخطأ في النقل عن الزهري أو هو وهم من الزهري ﵀ والله أعلم. (صحيح السيرة ص ٢٤٤).\nقلنا: والذي نراه أقرب إلى الصحة والله أعلم هو ترتيب البخاري في صحيحه لهذه الغزوة بعد وقعة بدرٍ الكبرى واختيار البخاري هذا يؤيده ما رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٨٣) بسند صحيح من حديث عائشة ﵂.\nفقد أخرج الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: \"كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من غزوة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل والأمتعة والأموال إلَّا الحلقة يعني السلاح - فأنزل الله فيهم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ فقاتلهم النبي - ﷺ - حتى صالحهم على الجلاء، فأخلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: (لأول الحشر) فكان ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام\".\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال المحدّث الألباني: وإنما هو صحيح فقط لأن زيد بن المبارك الصنعاني وشيخه محمد بن ثور ليسا من رجالهما (فقه السيرة للغزالي / تحقيق الألباني ص ٣٠٣).\nقلنا: وهذا حديث بإسناد موصول صحيح وبه يؤخذ، وتوهيم ابن القيم وغيره للزهري مسألة فيها نظر، فاتفاق أكثر أهل المغازي لا يقاوم حديثًا صحيحًا والله أعلم.\nوأمَّا بقية الأحاديث الصحيحة في غزوة بني النضير فهي كالآتي:\n١ - فقد أخرج البخاري (كتاب المغازي / ح ٤٠٢٩) ومسلم (كتاب التفسير / ح ٣٠٣١) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: سورة الحشر، قال: قل: سورة =","vol":"2","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>غزوة ذات الرقاع</span>\n١٤٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد -يعني ابن عبد الرحمن- عن عُروة بن الزُّبير، عن أبي هُريرة، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى نجْد، حتى إذا كنَّا بذات الرّقاع من نَخْل، لقيَ جمعًا من غطفان؛ فلم يكن بيننا قتال؛ إلَّا أن الناس قد خافُوهم، ونزلت صلاة الخوف، فصَدَع أصحابَه صدعين، فقامت طائفة مواجهة العدوّ، وقامت طائفة خلْف رسول الله - ﷺ -، فكبَّر رسول الله - ﷺ -، فكبَّرُوا جميعًا، ثم ركع بِمَنْ خلْفه، وسجد بهم، فلمّا قاموا مشوا القهقرى إلى\n_________\n= النضير. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم:\n(قلت لابن عباس ﵄: سورة التوبة قال: آلتوبة؟ قال: بل هي الفاضحة ما زالت تنزل (ومنهم ومنهم) حتى ظنوا ألا يبقى منَّا أحدٌ منهم إلَّا ذكر فيها قال: قلت: سورة الأنفال قال: تلك سورة بدر. قال: قلت فالحشر؟ قال: نزلت في بني النضير). (صحيح مسلم / باب في سورة براءة والأنفال والحشر).\n٢ - وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٠٣٠) عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان الرجل يجعل للنبي - ﷺ - النخلات حتى افتتح قريظة والنضير فكان بعد ذلك يردّ عليهم).\n٣ - وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٠٣١) عن ابن عمر ﵄ قال: (حرّق رسول الله - ﷺ - نخل بني النضير وقطّع، وهي البويرة، فنزلت ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\n٤ - وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٠٣٢) عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - حرّق نخل بني النضير، قال: ولها يقول حسان بن ثابت:\nوهان على سراة لؤي ... حريق بالبويرة مستطير\nقال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث:\nأدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في نواصيها السعير\nستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أي أرضينا تضير\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه: (كتاب الجهاد والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها / ح ١٧٤٦).\nولفظه: أن رسول الله - ﷺ - قطع نخل بني النضير وحرّق ولها يقول حسان ﵁:\nوهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير\nوفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. الآية.","vol":"2","page":157},{"text":"مصافّ أصحابهم، ورجع الآخرون، فصلُّوا لأنفسهم ركعة، ثم قاموا فصلَّى بهم رسول الله - ﷺ - ركعة وجلسوا، ورجع الَّذين كانوا مواجهين العدوّ، فصلَّوا الركعة الثانية، فجلسوا جميعًا، فجمعهم رسول الله - ﷺ - بالسلام، فسلَّم عليهم (١). (٥٥٦: ٢).\n١٤٤ / أ - قال أبو جعفر: وقد اختلفت الرّواية في صفة صلاة رسول الله - ﷺ - هذه الصلاة ببطن نخْل اختلافًا متفاوتًا، كرهت ذكره في هذا الموضع خشية إطالة الكتاب، وسأذكره إن شاء الله في كتابنا المسمّى \"بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام\" في كتاب صلاة الخوف منه (٢). (٢: ٥٥٧) -.\n١٤٥ - حدَّثنا محمد بن بشّار، قال: حدَّثنا معاذ بن هِشَام، قال: حدَّثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكريّ، أنَّه سأل جابرَ بن عبد الله عن إقصار الصّلاة، أيّ يوم أنزل، أو في أيّ يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقّى عيرَ قريش آتية من الشآم؟ حتى إذا كنّا بنخْل جاء رجلٌ من القوم إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد، قال: نعم، قال: هل تخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعُك منِّي؟ قال: الله يمنعني منك. قال: فسلّ السيفَ ثم تهدّده وأوعده. ثم نادى بالرحيل\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن حديث أبي هريرة هذا في صلاة الخوف حديث صحيح فقد أخرجه أحمد والنسائي مع اختلاف يسير، فعن أبي هريرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف عام غزوة نجد، فقام إلى صلاة العصر ... الحديث.\nوفي آخره: (ثم كان السلام، فسلَّم وسلَّموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان ولكل طائفة ركعتان).\nوكذلك أخرجه أبو داود بروايتين:\nالأولى: (٢/ ١٢٤٠) من طريق حيوة وابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة يحدث عن مروان أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: عام غزوة نجد قام رسول الله إلى صلاة العصر. الحديث.\nوالرواية الثانية: عند أبي داود (٢ / ح ١٢٤١) من طريق محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن الأسود عن عروة عن أبي هريرة: خرجنا مع رسول الله إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقي جمعًا من غطفان .. فذكر معناه ولفظه على غير لفظ حيوة، وقال فيه: حين ركع بمن معه وسجد قال: فلما قاموا وامتشوا القهقرى إلى مصاف أصحابهم ولم يذكر استدبار القبلة. اهـ. والله أعلم.\n(٢) إسناده صحيح.","vol":"2","page":158},{"text":"وأخْذ السلاح. ثم نودي بالصّلاة، فصلَّى نبيّ الله - ﷺ - بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرُسهم، فصلَّى بالذين يلُونَه ركعتين، ثم تأخَّر الَّذين يلُونه على أعقابهم، فقاموا في مصافّ أصحابهم، ثمّ جاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم. ثم سلَّم، فكانت للنبيّ - ﷺ - أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين؛ فيومئذ أنزل الله ﷿ في إقصار الصّلاة، وأمِر المؤمنون بأخْذ السلاح (١). (٢: ٥٥٧).\n١٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصريّ، عن جابر بن عبد الله الأنْصاريّ؛ أن رجلًا من بني محارب يقال له فلان بن الحارث، قال لقومه من غَطَفان ومحارب: ألّا أقتلُ لكم محمدًا؟ قالوا: نعم، وكيف تقتله؟ قال: أفْتِكُ به؛ فأقبلَ إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالسٌ، وسيفُ رسول الله - ﷺ - في حجره، فقال: يا محمّد، انظرُ إلى سيفك هذا! قال: نعم، فأخذه فاستلّه، ثم جعل يهزّه ويهمّ به، فيكبته الله ﷿. ثم قال: يا محمّد، أما تخافني؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني الله منك! قال: ثم غَمَد السيف، فردّه إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ (٢). (٢: ٥٥٧/ ٥٥٨)\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري (ح / ٤١٣٦)، ومسلم في باب صلاة الخوف (٨٤٣) وغيرهما.\n(٢) إسناده ضعيف، وأصل القصة صحيح كما في الرواية السابقة ولم يعرج البخاري ولا مسلم باسم الرجل، إلَّا أن رواية الإمام الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩) ذكرت اسمه (غورث بن الحارث) ضمن حديث صححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-241>[روايات البخاري وغيره في غزوة ذات الرقاع]</span>-\nأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ب ١٤٨ / ح ٤١٣٦):\nحدثنا إسماعيل قال حدثني أخي عن سليمان عن محمد عن أبي عتيق عن ابن شهاب عن سنان بن أبي سنان الدؤليِّ عن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - في واد كثير العضاة =","vol":"2","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فنزل رسول الله - ﷺ - وتفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر ونزل رسول الله - ﷺ - تحت سمرة فعلق بها سيفه. قال جابر: فنمنا نومةً ثم إذا رسول الله - ﷺ - يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله: - ﷺ -: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتًا فقال لي: من يمنعك مني قلت له: الله فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله - ﷺ -.\nوقال أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: كنا مع النبي - ﷺ - بذات الرقاع فإذ أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي - ﷺ - فجاء رجل من المشركين وسيف النبي - ﷺ - معلق بالشجرة فاخترطه فقال له: تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله فهدده أصحاب النبي - ﷺ - وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين وكان للنبي - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان. وقال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشرٍ: اسم الرجل غورث بن الحارث وقاتل فيها محارب خَصَفة.\nوقال أبو الزبير عن جابر كنا مع النبي - ﷺ - بنخل فصلّى الخوف: وقال أبو هريرة صليت مع النبي - ﷺ - غزوة نجد صلاة الخوف وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي - ﷺ - أيام خيبر.\nوأخرج أحمد في مسنده (٣/ ١١١) عن جابر بن عبد الله قال: (قاتل رسول الله - ﷺ - محارب خصفة فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله ﷿، فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله - ﷺ -. فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن كخير آخذ، قال: أتشهد أن لا إله إلَّا الله قال: لا ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله. قال: فذهب إلى أصحابه قال: قد جئتكم من عند خير الناس).\nوأخرجه الحاكم بزيادة: (فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلاة الخوف ... إلى آخر الحديث).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٠).\nوأخرج ابن هشام من طريق ابن إسحاق قال: وحدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - إلى غزوة ذات الرقاع من نخل، على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله - ﷺ - قال: جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله - ﷺ - فقال: ما لك يا جابر؟ قال: قلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملي هذا، قال: أنخه، قال: فأنخته، وأناخ رسول الله - ﷺ -؛ ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصًا من شجرة قال: ففعلت. قال: فأخذها رسول الله - ﷺ - فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب، فركبت، فخرج والذي بعه بالحق يواهق ناقته مواهقة.\nقال: وتحدثت مع رسول الله - ﷺ - فقال لي: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قال: قلت: يا رسول الله بل أهبه لك، فقال: لا، ولكن بعنيه، قال: قلت: فسُمْنيه يا رسول الله، =","vol":"2","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: قد أخذته بدرهم، قال: قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله! قال: فبدرهمين؟ قال: قلت: لا. قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله في الثمن حتى بلغ الأوقية.\nقال: فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله، قال: نعم. قلت: فهو لك. قال: قد أخذته. قال: ثم قال: يا جابر! هل تزوجت بعد؟ قال: قلت: نعم، يا رسول الله؛ قال: أثيبًا أم بكرًا؟ قال: قلت: لا بل ثيبًا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك! قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي أصيب يوم أحد وترك بناتٍ له سبعًا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن، قال: أصبت إن شاء الله، أما إنّا لو قد جئنا صرارًا أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك. وسمعت بنا فنفضت نمارقها. قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق. قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملًا كيسًا.\nقال: فلما جئنا صرارًا أمر رسول الله - ﷺ - بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله - ﷺ - دخل ودخلنا، قال: فحدثت المرأة الحديث، وما قال لي رسول الله - ﷺ -. قالت: فدونك فسمع وطاعة، قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله - ﷺ - قال: ثم جلست في المسجد قريبًا منه، قال: وخرج رسول الله - ﷺ - فرأى الجمل فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال فأين جابر؟ قال: فدعيت له فقال: اذهب بجابر فأعطه أوقية، قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئًا يسيرًا. قال: فوالله ما زال ينمو عندي، ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا: يعني يوم الحرة). السيرة النبوية (٢/ ٢٠٧).\nقلنا: وهذا إسناد حسن فقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث والله أعلم.\nوأصل القصة في الصحيحين كما ذكرنا سابقًا ولكن دون التصريح باسم الغزوة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-242> تحديد تأريخ غزوة ذات الرقاع </span>-\nقال الإمام البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب ١٤٨ غزوة ذات الرقاع): وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلًا وهي بعد خيبر لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، ثم بدأ البخاري بذكر الروايات في هذه الغزوة إلى أن ذكر في آخرها: وقال أبو هريرة: صليت مع النبي - ﷺ - غزوة نجدٍ صلاة الخوف وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي - ﷺ - أيام خيبر. اهـ.\nوأيد الحافظ في الفتح ما ذهب إليه البخاري (فتح الباري ٧/ ٤١٨) وكذلك اختار الحافظ ابن كثير فقد قال ﵀:\nجاء في رواية الشافعي وأحمد والنسائي عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - حبسه المشركون يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعًا وذلك قبل نزول صلاة الخوف، قالوا وإنما نزلت صلاة الخوف بعُسفان كما رواه أبو عياش الزرقي قال: كنا مع النبي - ﷺ - بعسفان فصلى بنا الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا =","vol":"2","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= منهم نفلة، ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحبُّ إليهم من أموالهم وأبنائهم فنزلت (يعني صلاة الخوف) بين الظهر والعصر فصلى بنا العصر ففرقنا فريقين وذكر الحديث.\nأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي (الفصول في سيرة الرسول) (١٥٩).\nوقال الحافظ أيضًا: وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - نازلًا بين ضجنان وعسفان محاصرًا المشركين فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم أجمعوا أمركم ثم ميلوا ميلة واحدة فجاء جبريل - ﵇ - فأمره أن يقسم أصحابه نصفين ... وذكر الحديث ثم قال الحافظ:\nرواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، وقد علم بلا خلاف أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق فاقتضى هذا أن ذات الرقاع بعدها بل بعد خيبر، ويؤيد ذلك أن أبا موسى الأشعري وأبا هريرة ﵄ شهداها، أما أبو موسى الأشري ففي الصحيحين عنه أنه شهد غزوة ذات الرقاع وأنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق لما نقبت - فسميت بذلك، وأما أبو هريرة: فعن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال: نعم. قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد، وذكر صفة من صفات صلاة الخوف. أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.\nوقد ذكروا أنه كانت من الحوادث في هذه الغزوة قصة جمل جابر وبيعه من رسول الله - ﷺ - وفي ذلك نظر لأنه جاء أن ذلك في غزوة تبوك إلَّا أن هذا أنسب لما أنه كان قد قتل أبوه في أحد، وترك الأخوات فاحتاج أن يتزوج سريعًا من يكفلهن له (الفصول في سيرة الرسول / ١٦١).\nوأما من المعاصرين فكذلك يرى الأستاذ إبراهيم العلي إذ قال في كتاب السيرة النبوية:\nقال الإمام البخاري إن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة خيبر وأيده في ذلك ابن كثير في سيرته، وابن حجر في الفتح وابن القيم في زاد المعاد.\nإلَّا أن محمد بن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي قالوا: إنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين وذلك في السنة الرابعة للهجرة.\nقلت: وما في الصحيحين أصح، وأولى بالتقديم، وله من أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم ما يسنده ويقويه من قول أبي هريرة: \"صليت مع النبي - ﷺ - في غزوة نجد صلاة الخوف\" وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي - ﷺ - أيام خيبر.\nويؤيده أيضًا ما جاء من حديث أبي موسى الأشري السابق في سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم، وإخباره بأنه حضرها، وإنما جاء أبو موسى الأشعري مع جعفر بعد غزوة خيبر.\nويؤيده أيضًا ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: \"غزوت مع رسول الله - ﷺ - قبل نجد فذكر صلاة الخوف وإنما كانت إجازة النبي - ﷺ - لابن عمر بالقتال عام الخندق\" (السيرة النبوية / غزوة ذات الرقاع). =","vol":"2","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>ذكر الخبر عن غزوة الخندق</span>\n١٤٧ - وفيها: كانت غزوةُ رسول الله - ﷺ - الخندَق في شوّال؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق: وكان الذي جَرّ غزوة رسول الله - ﷺ - الخندق - فيما قيل - ما كان من إجلاء رسول الله - ﷺ - بني النَّضِير عن ديارهم (١). (٢: ٥٦٤/ ٥٦٥).\n_________\n= وأما الدكتور البوطي فله رأي مخالف (راجع فقه السيرة للبوطي / غزوة ذات الرقاع / ص ٢٩١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>زواج النبي - ﷺ - بزينب بنت جحش</span>\nلقد ذكرنا روايتي الطبري (٢١٢، ٢١٣) في قسم الضعيف لضعف الإسناد ونكارة في المتن وسنذكر هنا بعض ما صحَّ من الروايات في هذه المسألة:\nفقد أخرج البخاري من حديث أنس ﵁ قال: \"جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي - ﷺ - يقول: اتق الله ﴿أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ﴾ قال أنس: لو كان رسول الله - ﷺ - كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات\" (صحيح البخاري / كتاب التوحيد / ح ٧٤٢٠).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب النكاح / ١٤٢٨/ ٨٩) عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله - ﷺ - لزيد (فاذكرها علي) قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله - ﷺ - ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله - ﷺ - يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن وجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها بغير إذن.\nقال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله - ﷺ - أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله - ﷺ - واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله! كيف وجدت أهلك، قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به\" لفظ مسلم.\nوأخرج البخاري في صحيحه / باب تفسير ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والترمذي في سننه (٥ / ح ٣٢١٢) عن أنس قال: نزلت هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في شأن زينب بنت جحش جاء زيد يشكو فهم بطلاقها فاستأمر النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: ﴿أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. اهـ.\n(١) إسناده ضعيف وقد أخرج الطبراني عن محمد بن إسحاق قال: كانت الخندق في شوال سنة =","vol":"2","page":163},{"text":"١٤٨ - فحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، مولى آل الزُّبير، عن عُرْوة بن الزبير ومَنْ لا أتَّهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزُّهريّ، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كَعْب القُرَظيّ وعن غيرهم من علمائنا؛ وكلٌّ قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدّث ما لا يحدّث بعض، أنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود منهم سلَام بن أبي الحُقَيق النَضَريّ وحُيَيّ بن أخْطبَ النَّضَريّ، وكنانة\n_________\n= خمس وفيها مات سعد بن معاذ ﵁ وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٤٢).\nقلنا: وأما عن تأريخ الغزوة فالأكثرون على أنها كانت في شوال سنة (٥) هـ. كما قال الحافظ ابن كثير: وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة وابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا، وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أحدًا في شوال سنة ثلاث (السيرة النبوية ٣/ ١٨٠).\nوقد فصّل ابن حجر في ذكر أقوال المؤرخين والمحدثين وناقشها طويلًا (انظر فتح الباري ٧/ ٣٩٣).\nوأما من المعاصرين فكذلك الأستاذ العمري أسهب في ذكر هذه الأقوال (السيرة النبوية ٢/ ٤١٨).\nقلنا: ولا توجد رواية صحيحة من ناحية السند تذكر الغزوة (الخندق) وقعت في السنة الفلانية وإن كان أكثر المحدثين وعلماء السير على أنها وقعت في السنة الخامسة من الهجرة. ومن جانب آخر فهناك من علماء السير والمغازي وغيرهم يرى أن الغزوة لم تكن في السنة الخامسة وإنما قبلها، ومن هؤلاء موسى بن عقبة وابن حزم وليس لديهم دليلًا صريحًا في ذلك وإنما توحي ظاهر رواية صحيحة بذلك - وهي في صحيح البخاري وإن كان البخاري نفسه لم يقل بصيغة الجزم أنها وقعت في السنة الرابعة وإنما نسبها إلى موسى بن عقبة: إذ قال (كتاب المغازي): غزوة الخندق وهي الأحزاب قال موسى بن عقبة كانت في شوال سنة أربع ثم ذكر البخاري بعد هذا العنوان مباشرة رواية ابن عمر ﵄ وفيها: (أن النبي - ﷺ - عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق هو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) ورد الجمهور الاستدلال بهذه الرواية الصحيحة بأن ابن عمر ﵄ كان يوم أحد في بداية الرابعة عشرة ويوم الخندق في نهاية الخامسة عشرة والله تعالى أعلم (وانظر فتح الباري ٥/ ٢٧٨).","vol":"2","page":164},{"text":"ابن الربيع بن أبي الحُقَيق النَّضَريِّ، وهَوْذَةَ بن قيس الوائليّ، وأبو عمّار الوائليّ، في نفر من بني النَّضير ونَفر من بني وائل؛ هم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ -؛ خرجوا حتى قدموا على قريش بمكّة؛ فدَعَوْهم إلى حرْب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: إنَّا سنكونُ معكم عليه حتى نستأصِله، فقالت لهم قريشُ: يا معشرَ يهود؛ إنَّكَم أهلُ الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمَّد، أفدِينُنا خيرٌ أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولَى بالحقِّ منه. قال: فهم الذين أنزل الله ﷿ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥].\nفلمّا قالوا ذلك لقريش، سرّهم ما قالوا ونشِطوا لما دعوْهم إليه من حرب رسول الله - ﷺ -، فأجمعوا لذلك واتَّعدوا له.\nثم خرج أولئك النَّفر من يَهود حتى جاؤوا غَطفَان من قيس عَيلان فدعوْهم إلى حَرْب رسول الله - ﷺ -، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشًا تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه، فأجابوهم.\nفخرجت قريش وقائدُها أبو سفيان بن حرْب، وخرجت غَطفان وقائدها عُيَينة بن حِصن بن حذيفة بن بدر في بني فَزارة، والحارث بن عوْف بن أبي حارثة المرّي في بني مرّة، ومسعود بن رُخَيلَة بن نُوَيرَةَ بِن طَريف بن سُحْمةَ بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشْجعَ بن رَيث بن غَطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع.\nفلمّا سمع بهم رسول الله - ﷺ - وبما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة (١). (٢: ٥٦٥/ ٥٦٦).\n_________\n(١) إسناده مرسل إلَّا أن السيوطي رواه عن ابن عباس، (لباب النقول لأسباب النزول / ١٧) ويؤيده ما أخرجه الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٥١٣) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر وحوح بن عامر وهودة بن قيس، فأما وحوح وأبو عامر وهودة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء =","vol":"2","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأُول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﷿ ﴿وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.\nقلنا: وفي إسناده محمد بن أبي محمد لم يوثقه سوى ابن حبان، وحسَّن العمري إسناد هذه الرواية والله أعلم (السيرة النبوية الشريفة ٢/ ٤١٩). وأخرج الحافظ ابن كثير كذلك من طريق ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة قال: جاء حي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن، ونفك العاني ونسقي الحجيج ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾. الآية.\nثم قال الحافظ (ابن كثير): وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية قال: أنتم خير فنزلت فيهم ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ - إلى - ﴿نَصِيًرا﴾ (ابن كثير ١/ ٥١٣). ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٥١) في سبب نزول الآية وقال الهيثمي: وفيه يونس بن سليمان الجمال ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح (المجمع ٧/ ٦) والله أعلم.\nهذا ما استطعنا جمعه حول أسباب هذه الغزوة. وللأستاذ العمري عبارة جديرة بالذكر في معرض الحديث عن أسباب هذه الوقعة إذ يقول: (وتعتبر غزوة الأحزاب المدينة حلقة من حلقات الصراع العسكري بين المسلمين وقريش فالحرب معلنة بين الطرفين ولا حاجة لتلمس الأسباب الرئيسية لوقوع القتال ولكن ثمة عوامل مباشرة في التأثير يمكن بيانها) (السيرة النبوية ٢/ ٤١٨).\nلقد ذكر الرواية (٢/ ٥٦٧ / ٢١٧) في قسم الضعيف وفيها قصة مفصلة للصخرة التي اعنرضت سبيل الحفر إلَّا أن قصة الصخرة وردت في روايات أخرى صحيحة فأصلها في صحيح البخاري كجزء من حديث طويل وفيه عن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا فأخذ النبي - ﷺ - المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم ... إلى آخر الحديث. (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ٧/ ٣١٧).\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٠٣): =","vol":"2","page":166},{"text":"١٤٩ - فلما اشتدّ البلاء على النَّاس بعث رسول الله - ﷺ - كما حدثّنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة. وعن محمّد بن مسلم بن شهاب الزهريّ - إلى عُيَينة بن حصن، وإلى الحارث بن عَوْف بن أبي حارثة المرّيّ - وهما قائدا غَطَفَان - فأعطاهما ثلْث ثمار المدينة؛ على أن يرجِعَا بمَنْ معهما عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح؛ حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلَّا المراوضة في ذلك، ففَعَلا، فلما أراد رسول الله - ﷺ - أن يفعل، بعث إلى سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة؛ فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه فقالا: يا رسول الله؟ أمرق تحبُّه فنصنعه، أم شيءٌ أمرك الله ﷿ به؛ لابُدَّ لنا من العمل به، أم شيءٌ تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم؟ والله ما أصْنَعُ ذلك إلَّا أني رأيت العرب قد رَمَتْكم عن قوس واحدة، وكالبُوكم من كلِّ جانب، فأردت أن أكسِرَ عنكم شوكتَهم لأمرٍ ما ساعة. فقال له سعْد بن معاذ: يا رسولَ الله؛ قد كُنَّا نحنُ وهؤلاء\n_________\n= عن البراء بن عازب ﵁ قال: \"لما كان حين أمرنا رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله - ﷺ - فجاءنا فأخذ المعول فقال: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر: أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة).\nوالحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣١) وقال: رواه أحمد وفيه ميمون أبو عبد الله وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات وحسّن الحافظ إسناده (الفتح ٧/ ٣٩٧) وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو رواه الطبراني ولفظه:\n(أمر رسول الله - ﷺ - بالخندق فخندق على المدينة، فقالوا: يا رسول الله؟ إنا وجدنا صفاةً لا نستطيع حفرها، فقام النبي - ﷺ - وقمنا معه، فلما أتى أخذ المعول، فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط، فقال: \"فتحت فارس\" ثم ضرب أخرى وكبّر فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط فقال: \"فتحت الروم\" ثم ضرب أخرى وكبر فسمعت هدَّة لم أسمع مثلها قط فقال: \"جاء الله بحِمْيَرَ أعوانًا وأنصارًا\".\nوقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٣١): رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما حيي بن عبد الله وثقه ابن معين وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.","vol":"2","page":167},{"text":"القوم على شِرْك بالله ﷿ وعبادة الأوثان، ولا نعبد الله ولا نعرفه\" وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلَّا قِرىً أو بيعًا، أفحين أكرمَنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بك، نُعْطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة! والله لا نعطيهم إلَّا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله - ﷺ -: فأنت وذاك! فتناول سعدٌ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليَجْهدوا علينا (١). (٢: ٥٧٢/ ٥٧٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن أخرج البزار (كشف الأستار / ح ١٨٠٣) وكما ذكره الهيثمي كذلك عن أبي هريرة قال: (جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة (وإلا ملأتها عليك خيلًا ورجالًا) فقال: \"حتى أستأمر السعود: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ! يعني، يشاورهما، فقالا: لا والله، ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام؟ ! فرجع إلى الحارث فأخبره فقال: غدرت يا محمد، قال: فقال حسان بن ثابت ﵁:\nيا جار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر\nإن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر\nوأمانة النهدي حين لقيتها ... مثل الزجاجة صدعها لا يُجبر\nقال: فقال الحارث: كف عنا يا محمد لسان حسان، فلو مُزج به ماء البحر لمزج).\nوقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد شاطرنا تمر المدينة، فقال: \"حتى أستأمر السعود\" فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود. فقال: \"إني قد علمت إن العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة، وإن الحارث سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا، وننظر في أمركم بعد؟ \".\nفقالوا: يا رسول الله، أوحي من السماء، فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك وهواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك؟ فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا إياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلَّا شراء أو قرىً، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هو ذا تسمعون ما يقولون\" قالوا: غدرت يا محمد، فقال حسان بن ثابت ﵁:\nيا جار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر\nوأمانة المُري حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبر\nإن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر\nورجال البزار والطبراني فيهما: محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد / ٦/ ١٣٢).\nوللحديث روايات أخرى ضعيفة تصلح كشواهد منها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف =","vol":"2","page":168},{"text":"١٥٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن أبي ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاريّ، ثم أحد بني حارثة، أنّ عائشة أمّ المؤمنين كانت في حِصْن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أمّ سَعْد بن مُعاذ معها في الحصن.\nقالت عائشة: وذلك قبل أن يضرَب علينا الحجاب. قالت: دمرَّ سعدٌ وعليه درْعٌ مقلَّصة، قد خرجت منها ذِراعه كلُّها، وفي يده حربته يَرْقَدُّ بها ويقول:\nلَبّثْ قليلًا يَشِهَدِ الهَيجَا حَمَلْ ... لا بَأْسَ بالمَوْتِ إذَا حانَ الأجَلْ\nقالت له أمّه: الحق يا بُنَيَّ، فقد والله أخَّرْتَ.\nقالت عائشة: فقلتُ لها: يا أمّ سعد، والله لودَدْتُ أنْ دِرْعَ سعد كانت أسبغَ مما هي! قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه.\n_________\n= (١٤/ ٤٢٠) عن أبي معشر وابن سعد في طبقاته (٢/ ٧٣) وغيرهما والله أعلم.\nلقد ذكر الرواية (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤/ ٢٢٠) في قسم الضعيف إلَّا أن مقتل عمرو بن عبد ود العامري على يد علي بن أبي طالب ﵁ وذلك يوم الخندق فصحيح كما أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄ قال: قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه فأبى رسول الله - ﷺ - حتى أعطوه الدية، وقتل من بني عامر بن لؤي عمرو بن عبد ود، قتله علي بن أبي طالب مبارزة.\nوقال الحاكم: وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٢).\nوقد ذكر الأستاذ إبراهيم العلي كلامًا قيّمًا أحببنا أن نذكره هنا إذ قال في كتابه (السيرة النبوية / ٢٧٣)، (بعد أن ذكر حديث ابن عباس السابق):\nوقد جاءت قصة مبارزة علي بن أبي طالب ﵁ لعمرو بن عبد ود العامري مفصلة عند ابن إسحاق في السيرة مستقصاة ومتوفاة، إلَّا أنها مرسلة، ولم يصل بها ابن إسحاق إلى صحابي روى هذا الحديث، ولذلك لم أررد التفاصيل هنا، واقتصرت على ما ثبت عن ابن عباس ﵄، من أن قاتل عمرو بن عبد ود العامري هو علي بن أبي طالب كما مر في الحديث السابق الذي أوردناه.\nهذا ما وصلت إليه بعد بذل الجهد فقد بحثت عن إسناد لهذا الحديث مفصلًا فلم أصل إلى ذلك، فاقتصرت على ما مضى، والله تعالى أعلم، فليس كل ما أورده أهل السير وأخذ مأخذ المسلمات ثبت عند أهل الحديث والمحدثين، فاعلم هذا أخي القارئ بارك الله فيك. اهـ.","vol":"2","page":169},{"text":"قالت: فَرُمِيَ سعد بن معاذ بسهْم، فقطع منه الأكْحل، رماه (١). (٢: ٥٧٤/ ٥٧٥).\n١٥١ - فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة - حِبَّانُ بن قيس بن العرِقة أحدُ بني عامر بن لؤيّ \" فلمّا أصابه قال: خذها وأنا ابن العَرِقة؛ فقال سعدٌ: عَرَّقَ الله وجهك في النَّار! اللَّهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنَّه لا قومَ أحبّ إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوْا رسولَك، وكذّبوه وأخرجوه. اللهمّ وإن كنت قد وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تُمِتْني حتى تقرّ عيني من بني قريظة (٢). (٢: ٥٧٥).\n١٥٢ - حدَّثنا سُفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو، قال: حدّثني أبي، عن علقمة، عن عائشة، قالت: خرجتُ يوم الخَنْدق أقْفو آثار الناس، فوالله إني لأمشي إذْ سمعت وئيد الأرض خلْفي - تعنِي حِسَّ الأرض - فالتفتُّ فإذا أنا بسعد؛ فجلست إلى الأرض، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوْس - شهد بدرًا مع رسول الله - ﷺ -، حدَّثنا بذلك محمد بن عمرو - يحمل مِجَنَّه، وعلَى سعد دِرْع من حديد قد خرجت أطرافه منها.\nقالت: وكان من أعظم الناس وأطولهم.\nقالت: فأنا أتخوّفُ على أطراف سعد، فمرّ بي يرتجز، ويقول:\nلَبّثْ قليلًا يُدْرِكِ الهَيجَا حَمَلْ ... ما أَحْسَنَ المَوْتَ إذا حان الأجَلْ!\nقالت: فلمّا جاوزني قمتُ فاقتحمت حديقة فيها نَفَر من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تَسْبِغَة له - قال محمد: والتَّسبغة: المِغْفَر -\n_________\n(١) إسناده ضعيف ومتنه صحيح فيما يتعلق بسعد بن معاذ كما سنذكر بعد روايتين، وأما أن عائشة ﵂ كانت يوم الخندق في حصن بني حارثة فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير (ح ٤٣٧٨) عن رافع بن خديج ﵁ قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي - ﷺ - النساء والصبيان والذراري فيه وقال: (إن أَلَمَّ بِكُنَّ أَحَدٌ فألمعن بالسيف) إلى آخر الحديث.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات (المجمع ٦/ ١٣٣).\n(٢) إسناده ضعيف، والحديث صحيح والذي قبله كما سنذكر بعد الرواية التالية.","vol":"2","page":170},{"text":"لا تُرى إلَّا عيناه، فقال عمر: إنك لَجَرِيئة؛ ما جاء بك؟ ما يدريك لعلَّه يكون تحوُّز أو بلاء! فوالله ما زال يلومني حتى وددتُ أن الأرض تنشقّ لِي فأدخل فيها، فكشف الرجل التَّسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة؛ فقال: إنك قد أكثرت، أين الفرار، وأين التحوُّز إلَّا إلى الله ﷿!\nقالت: فَرُمِيَ سعد يومئذ بسهم، رماه رجلٌ يقال له ابن العَرِقَة؛ فقال: خذها وأنا ابنُ العَرِقَة، فقال: سعْد: عرّق الله وجهك في النار؛ فأصاب الأكحَل منه فقطعه. قال محمد بن عمرو: زعموا أنَّه لم ينقطع من أحد قطّ إلَّا لم يزل يبضّ دمًا حتى يموت. فقال سعد: اللَّهمّ لا تمِتْني حتى تقرّ عيني في بني قُريظة! وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية (١). (٢: ٥٧٥/ ٥٧٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأصله صحيح. فقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ٤/ ١٢٢) عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم الخندق ورماه رجل من قريش يقال له حبانُ بن العَرقة رماه في الأكحل فضرب النبي - ﷺ - خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله - ﷺ - من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل - ﵇ - وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعته اخرج إليهم قال النبي - ﷺ -: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله - ﷺ - فنزلوا على حكمه فردّ الحكم إلى سعد قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبي النساء والذرية وأن تقسم أموالهم.\nقال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحبّ إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك - ﷺ - وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها فانفجرت من لبَّته فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلَّا الدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذو جرحه دمًا فمات منها ﵁.\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي يعني حسّ الأرض، قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:\nلبث قليلًا يدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل\nقالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة يعني له مغفرًا. =","vol":"2","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقال عمر: ما جاء بك، لعمري والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوّز. قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلت فيها. قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله. فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلَّا إلى الله ﷿، قالت: ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له: \"خذها وأنا ابن العرقة\" فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله - ﷿ - سعد فقال: \"اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة\". قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت: فرقأ كَلْمُه وبعث الله - ﷿ - الريح على المشركين فكفى الله - ﷿ - المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة ولحق عيينة بن حصن ومن معه بنجد.\nورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ورجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسحد.\nقالت: فجاءه جبريل - ﵇ - وإنَّ على ثناياه لنقع الغبار فقال: \"لقد وضعت السلاح! والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم\".\nقالت: فلبس رسول الله - ﷺ - لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فخرج رسول الله - ﷺ - فمر علي بني غنم وهم جيران المسجد، فقال: \"من مر بكم؟ \" فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية تشبه لحيته [وسنه] ووجهه جبريل - ﵇ - قالت: فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة فلما اشتد حصْرُهُم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله، - ﷺ - فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر فأاشار إليهم أنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"انزلوا على حكم سعد بن معاذ\" [فنزلوا]. وبعث رسول الله - ﷺ - إلى سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحفّ به قومه، وقالوا له: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومن قد علمت. فقال: قد أنى لي أن لا يأخذني في الله لومة لائم.\nقال: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله - ﷺ -: \"قوموا إلى سيدكم فأنزلوه\" قال عمر: سيدنا الله، قال: \"أنزلوه\" فأنزلوه، قال رسول الله - ﷺ -: \"احكم فيهم\" قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله - ﷿ - وحكم رسوله\".\nقال: ثم دعا سعد فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئًا فابقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك.\nقالت: فانفجر كَلْمُهُ، وكان قد برأ إلَّا مثل الخرص.\nقالت: ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله - ﷺ -.\nقالت عائشة: فحضره رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني =","vol":"2","page":172},{"text":"١٥٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظيّ؛ قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليَمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسولَ الله وصحبتموه! قال: نعم يابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنّا نجهد، فقال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يابن أخي؛ والله لقد رأيتُنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق، وصلَّى هَويًّا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: مَنْ رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم [ثم يَرجع]- يشرُط له رسول الله - ﷺ - إن يرجع - أدخله الله الجنَّة؟ فما قام رجل. ثم صلَّى رسول الله - ﷺ - هَويًّا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منَّا رجل، ثم صلَّى رسول الله - ﷺ - هَويًّا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: مَنْ رجُل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرُط له رسول الله - ﷺ - الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجُلٌ من القوم من شدّة الخوف وشدّة الجوع وشدّة البرد. فلما لم يقم أحدٌ دعاني رسول الله - ﷺ - فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني. فقال: يا حذيفة؟ اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئًا حتى تأتينَا؛ قال: فذهبت فدخلتُ في القوم والريحُ وجنود الله تفعل بهم ما تفعل؛ لا تمرُّ لهم قِدْرًا ولا نارًا ولا بناء. فقام أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشرَ قريش، لينظر امرؤٌ جليسَه، قال: فأخذتُ بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: مَنْ أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشرَ\n_________\n= لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾.\nقال علقمة: فقلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.\nقال الهيثمي: في الصحيح بعضه، رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٣٨).\nقلنا: وجوّد ابن كثير إسناده والله أعلم.\nلقد ذكرنا الرواية الطويلة (٢/ ٥٧٧ - ٥٧٨ - ٥٧٩) (٢٢٣) في قسم الضعيف ولم نجد ما يؤيد هذه القصة الطويلة من طريق صحيح إلَّا أن العبارة المرفوعة إلى رسول الله - ﷺ - (الحرب خدعة) دون ذكر هذه القصة فثابتة كما عند البخاري ومسلم وغيرهما وهو حديث متواتر.","vol":"2","page":173},{"text":"قريش، إنَّكم والله ما أصبحتم بدار مُقام، لقد هلك الكُرَاع والخُفّ، وأخلَفتْنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الَّذي نكره؟ ولقينا مِنْ هذه الريح ما تروْن؛ والله ما تطمئنّ لنا قِدْرٌ، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءٌ؛ فارتحلوا فإني مرتحل.\nثم قام إلى جمَله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث؛ فما أطلق عِقَاله إلَّا وهو قائم؛ ولولا عهدُ رسول الله - ﷺ - إليّ ألا أحْدِث شيئًا حَتَّى آتيه، ثم شئت لقتلتُه بسهم. قال حذيفة:\nفرجعتُ إلى رسول الله - ﷺ -، وهو قائم يصلِّي في مِرْط لبعض نسائه مُرَحَّلٍ؛ فلمَّا رآني أدخلني إلى رحله وطرح عليّ طرف المِرْط ثم ركع وسجد؟ فأذْلَفْتُه، فلمَّا سلَّم أخبرتُه الخبر، وسمعتْ غطفان بما فعلتْ قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم (١). (٢: ٥٧٩/ ٥٨٠ / ٥٨١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ومتنه صحيح مفرقًا، فقد أخرج أحمد (٥/ ٣٩٢):\nعن محمد بن كعب القرظي قال: \"قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان:\nيا أبا عبد الله لقد رأيتم رسول الله - ﷺ - وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله كنا نجهد. قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق وصلى رسول الله - ﷺ - من الليل هويًا. ثم التفت إلينا فقال: \"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشترط له رسول الله - ﷺ - أن يرجع، أدخله الله الجنة\"؛ فما قام رجل، ثم صلى رسول الله - ﷺ - هويًا، ثم التفت إلينا فقال: \"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشترط له رسول الله - ﷺ - الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة\"، فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد.\nفلما لم يقم أحد دعاني رسول الله - ﷺ - فلم يكن لي بد في القيام حين دعاني فقال: \"يا حذيفة فاذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا\". قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل لا تقر لهم قدر، ولا نار، ولا بناء، فقام أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ إلى جليسه، فقال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي جنبي فقلت من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا منهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح الذي ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقله إلَّا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله - ﷺ - لا تحدث شيئًا حتى تأتيني ثم شئت لقتلته بسهم. =","vol":"2","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>غزوة بَنِي قريظة</span>\n١٥٤ / أ - فلما كانت الظُّهْر، أتى جبريل رسول الله - ﷺكما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزُهريّ - معتجرًا بعمامة من إستبرق، على بغْلةٍ عليها رِحَالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أقد وضعتَ السِّلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، قال جبريل:\n_________\n= قال حذيفة: ثم رجعت إلى رسول الله - ﷺ - وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني إلى رحله، وطرح عليَّ طرف المرط ثم ركع وسجد وإنه لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش وانشمروا إلى بلادهم.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد / باب غزوة الأحزاب ٣ / ح ١٧٨٨) وفيه: [فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يُصْلِي ظهره بالنار فوضعت سهمي في كبد قوسي وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله - ﷺ -: لا تذعرهم عليَّ ولو رميته لأصبته قال: فرجعت كأنما أمشي في مثل الحمام، فأتيت رسول الله - ﷺ - ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت فأخبرت رسول الله - ﷺ - فألبسني رسول الله - ﷺ - من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله - ﷺ -: قم يا نومان].\nوأخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣١) من طريق بلال العبسي عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن الناس تفرقوا عن رسول الله - ﷺ - ليلة الأحزاب فلم يبق معه إلَّا اثنا عشر رجلًا فأتاني رسول الله - ﷺ - وأنا جاثي من البرد وقال: يا بن اليمان قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب فانظر إلى حالهم. قلت: يا رسول الله: والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلَّا حياء منك من البرد. قال: فابرز الحرة وبرد الصبح انطلق يا بن اليمان ولا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إليّ. قال: فانطلقت إلى عسكرهم فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله قد تفرق الأحزاب عنه قال حتى إذا جلست فيهم قال فحسب أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم قال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه. قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني وأخذت بيده ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده فلبثت فيهم هنية ثم قمت فأتيت رسول الله - ﷺ - وهو قائم يصلي فأومُ إليّ بيده أن ادن فدنوت ثم أومأ إليّ أيضًا أن ادن فدنوت حتى أسبل عليّ من الثوب الذي كان عليه وهو يصلي فلما فرغ من صلاته قال: ابن اليمان اقعد ما الخبر؟ قلت: يا رسول الله تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلَّا عصبة توقد النار قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا ولكنا نرجو من الله ما لا يرجون).\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣١).","vol":"2","page":175},{"text":"ما وضعت الملائكةُ السِّلاحَ وما رجعت الآن إلَّا من طلب القوم؛ إن الله يأمرُك يا محمَّد بالسَّير إلى بني قُريظة، وأنا عامد إلى بني قُريظة (١). (٢: ٥٨١).\n١٥٤ / ب - فأمر رسول الله - ﷺ - مناديًا، فأذّن في النَّاس: إنّ مَنْ كان سامعًا مَطيعًا فلا يصلّينّ العصر إلَّا في بني قريظة (٢). (٢: ٥٨١).\n١٥٥ - حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا محمَّد بن عمرو، قال: حدّثني أبي عن علقمة، عن عائشة، قالت: ضرب رسول الله - ﷺ - على سعد قُبَّة في المسجد، ووضع السّلاح -يعني عند منصرف رسول الله - ﷺ - من الخندق- ووضع المسلمون السِّلاح، فجاءه جبريل ﵇، فقال: أوَضعتم السلاح! فوالله ما وضعت الملائكة بَعْدُ السلاح، اخرُجْ إليهم فقاتِلْهم، فدعا رسول الله - ﷺ - بلأمتِه فلبسها، ثم خرج وخرج المسلمون؛ فمرّ ببني غَنْم، فقال: من مَرَّ بكم؟ قالوا: مرّ علينا دِحْيَة الكلبيّ - وكان يشبَّهُ سُنَّتُه ولِحيته ووجهه بجبريل - ﵇ - حتى نزل عليهم، وسعدٌ في قُبَّته التي ضرب عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد؟ فحاصرهم شهرًا -أو خمسًا وعشرين ليلة- فلما اشتدّ عليهم الحصار قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فأشار أبو لُبابة بن عبد\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن حديث مجيء جبريل - ﵇ - إلى النبي - ﷺ - وأمره إياه بالخروج إلى بني قريظة صحيح. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: لما رجع النبي - ﷺ - من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل - ﵇ -. فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه فاخرج إليهم قال: فإلى أين قال: هاهنا وأشار إلى بني قريظة فخرج النبي - ﷺ -. \"صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب فرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم / ح ٤٤١٧). (ومسلم / الجهاد والسير / ح ١٧٦٩) وغيرهما.\n(٢) أغلب الظن أن الطبري جعل هذا الجزء تتمة للرواية السابقة (٢/ ٥٨١ / ١٥٤) فإسناده ضعيف ولكن قوله - ﷺ -: \"فلا يصلين العصر إلَّا في بني قريظة\" فصحيح مع اختلاف بسيط، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي - ﷺ - يوم الأحزاب: \"لا يصلين أحد العصر إلَّا في بني قريظة ... الحديث\". أصحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١١٩، ومسلم / ح ١٧٧٠ وغيرهما].\nوأخرج الطبراني ضمن حديث طويل عن كدب بن مالك ﵁ وفيه: (فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلَّا في بني قريظة ... الحديث).\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة (المجمع ٦/ ١٤٠).","vol":"2","page":176},{"text":"المنذر إنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن مُعاذ، فقال رسول الله - ﷺ -: انزلوا على حكمه، فنزلوا، فبعث إليه رسول الله - ﷺ - بحمار بإكَاف من لِيف، فحمِل عليه. قالت عائشة: لقد كان بَرَأ كَلْمُه حتى ما يُرى منه إلَّا مثل الْخُرْص (١). (٢: ٥٨٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن له متابع فقد أخرج أحمد عن عائشة بأطول من هذا كما ذكرنا بعد الرواية (٢/ ٥٧٥) وفيه: (فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله - ﷿ - سعد فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقأ كلمه - وبعث الله الريح على المشركين فكفى الله ﷿ المؤمنين القتال - وكان الله قويًّا عزيزًا - فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة ولحق عيينة بن حصن ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ورجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد قالت: فجاءه جبريل - ﵇ - وإنّ على ثناياه لنقع الغبار فقال: لقد وضعت السلاح والله ما وضعت الملائكة بَعْدُ السلاح اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم - قالت: فلبس رسول الله - ﷺ - لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فخرج رسول الله - ﷺ - فمرّ علي بني غنم وهم جيران المسجد فقال: من مرّ بكم؟ فقالوا: مرّ بنا دحية الكلبي وكان دحية تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل - ﵇ - قالت: فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فاستشاروا أبا لبابة بن المنذر فأشار إليهم أنه الذبح فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ فنزلوا وبعث رسول الله كمبع إلى سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وخفَّ به قومه، وقالوا له: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت. فلم يرجع إليهم شيئًا ولا يلتفت إليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى لي أن لا يأخذني في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد فلما طلع قال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه. قال عمر: سيدنا الله. قال: أنزلوه فانزلوه. قال رسول الله - ﷺ -: احكم فيهم.\nقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. فقال رسول الله: لقد حكمت فيهم بحكم الله ﷿ وحكم رسوله، قال: ثم دعا سعد فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قالت: فانفجر كلمه وكان قد برأ إلَّا مثل الخرص قالت: ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله - ﷺ - قالت عائشة: فحضره رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجري وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿رُحَمَاءُ بَينُمْ﴾ قال علقمة فقلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته). =","vol":"2","page":177},{"text":"١٥٦ - قال ابن إسحاق، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله - ﷺ -، إنَّهم مَوَالينا دون الخزْرج، وقد فعلت في موالِي الخزرج بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسول الله - ﷺ - قبل بني قُريظة حاصر بني قَينُقاع، وكانوا حلفاء الخزْرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إيَّاهم عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول، فوهبهم له. فلمّا كلّمه الأوْس قال رسول الله - ﷺ -: ألا ترضوْن يا معشرَ الأوْس أن يحكم فيهم رجل منكم! قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سَعْد بن معاذ - وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله - ﷺ - في خَيمة امرأة من أسلم يقال لها رُفَيدة في مسجده، كانت تُدَاوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة مَنْ كانت به ضَيعة من المسلمين، وكان رسول الله - ﷺ - قد قال لقومه حين أصابه السَّهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رُفَيدة، حتى أعودَه من قريب - فلما حكَّمه رسول الله - ﷺ - في بني قريظة، أتاه قومُه، فاحتملوه على حِمار قد وطَّؤوا له بوسادة من أدَمٍ - وكان رجلًا جسيمًا - ثم أقبلوا معه إلى رسول الله - ﷺ -، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحْسِنْ في مواليك؛ فإنّ رسول الله - ﷺ - إنَّما ولّاك ذلك لتُحْسِن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد أنى لسعد ألا تأخُذَه في الله لومة لائم. فرجع بعضُ مَنْ كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعَى لهم رجال بني قُريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه (١). (٢: ٥٨٦/ ٥٨٧).\n١٥٧ - قال أبو جعفر: فلما انتهى سعْدٌ إلى رسول الله - ﷺ - والمسلمين، قال رسول الله - ﷺ - فيما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو، قال: حدّثني أبي، عن علقمة: في حديث ذكره، قال: قال أبو سعيد الخُدرِيّ: فلما طلعَ - يعني سعدًا - قال رسول الله - ﷺ - قوموا إلى سيدكم -أو قال: إلى خيركم- فأنزلوه، فقال رسول الله - ﷺ -: احكم فيهم، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل مُقاتلتهم، وأن تُسْبَى ذَرَارِيُّهم، وأن تُقْسَم أموالُهم.\n_________\n= قال الهيثمي: في الصحيح بعضه. رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٣٨).\n(١) ذكره الطبري هنا عن ابن إسحاق بلا إسناد ولأكثره ما يشهد له وقد ذكرنا بعض ذلك ونعود إلى الحديث عنه بعد التكملة.","vol":"2","page":178},{"text":"فقال: لقد حكمْت فيهم بحكم الله وحكم رسوله (١). (٢: ٣٨٧).\n١٥٧ / أ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وأمَّا ابن إسحاق فإنَّه قال في حديثه: فلما انتهى سعدٌ إلى رسول الله - ﷺ - لمجر والمسلمون، قال رسول الله - ﷺ -: قوموا - إلى سيِّدكم، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إنّ رسول الله - ﷺ - قد ولّاك [أمر] مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيها ما حكمت! قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا؟ في النَّاحية التي فيها رسول الله - ﷺ -، وهو معرض عن رسول الله - ﷺ - إجلالًا له - فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، قال سعد: فإني أحكُم فيهم بأن تُقتَلَ الرّجال، وتُقسمَ الأموال، وتسبَى الذراريُّ والنساء (٢). (٢: ٥٨٧/ ٥٨٨).\n١٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: قال رسولُ الله - ﷺ - لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرْقِعَة (٣). (٢: ٥٨٨).\n١٥٩ - قال ابنُ إسحاق: ثمّ استُنْزلوا، فحبسهم رسول الله - ﷺ - في دار ابنة الحارث، امرأة من بني النجَّار، ثمّ خرجَ رسول الله - ﷺ - إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم / ح ٣٠٤٣).\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ فأرسل النبي - ﷺ - إلى سعد فأتى على حمار فلما دنا من المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم أو خيركم فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك فقال: تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم قال: قضيت بحكم الله وربما قال: بحكم الملك، وأخرجه مسلم في (كتاب الجهاد / ح ١٧٦٨) وغيرهما.\n(٢) تكملة (١٥٦): إسناده ضعيف والحديث صحيح كما سبق أن ذكرنا.\n(٣) إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ١٩٧) عن علقمة بن وقاص الليثي وإسناده مرسل ولكن الحديث صحيح كما ذكرنا ولم ترد عند البخاري ومسلم وغيرهما زيادة (من فوق سبعة أرقعة) والله أعلم.","vol":"2","page":179},{"text":"الخنادق؛ يُخرَج بهم إليه أرْسَالًا؛ وفيهم عدوّ الله حُيَيُّ بن أخطب، وكعب بن أسد؛ رأس القوم، وهم ستمئة أو سبعمئة؛ المكَثِّرُ لهم يقول: كانوا من الثمانمئة إلى التسعمئة. وقد قالوا لكعب بن أسد - وهم يُذهَب بهم إلى رسول الله - ﷺ - أرسَالًا -: يا كعب، ما ترى ما يصنع بنا! فقال كعب: في كلّ موطن لا تعقلون: ألا تروْن الداعي لا ينزع، وأنَّه من ذهِبَ به منكم لا يرجع، هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدّأبُ حتى فرغ منهم رسول الله - ﷺ -، وَأتِيَ بِحُيَيّ بن أخطب عدوّ الله وعليه حلَّة لَه فقّاحِيّة قد شقَّقها عليه من كلّ ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة لئلا يُسْلبَها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلمّا نظر إلى رسول الله - ﷺ -، قال: أما والله ما لمْتُ نفسي في عداوتك؛ ولكنه من يَخْذُلِ الله يُخْذل.\nثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنَّه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقَدَرُه، وملحمةٌ قد كتبت علي بني إسرائيل، ثم جلس فضُربت عنقه، فقال جبل بن جَوّال الثعلبي:\nلعَمْرُك مَا لامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... ولكنه مَنْ يَخْذُل اللهَ يُخْذَلِ\nلَجَاهَدَ حتَّى أَبْلَغَ النَّفْس عُذْرَهَا ... وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ (١)\n(٢: ٥٨٨/ ٥٨٩).\n١٦٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لم يقتل من نسائهم إلَّا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندي تحدَّثُ معي، وتضحك ظهرًا وبطنًا، ورسولُ الله يقتلُ رجالهم بالسوق؛ إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فُلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك مالك! قالت: أقتَل! قلت: ولمَ؟ قالت: حَدَثٌ أحدثتُه. قالت: فانطُلِقَ بها فضُربت عنقُها. فكانت\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية عن ابن إسحاق بلا إسناد. وأخرج الطبراني حديثًا وفيه: (فأخرجوا رسلًا رسلًا فضربت أعناقهم وأخرج حيي بن أخطب فقال رسول الله - ﷺ -: هل أخزاك الله قال: قد ظهرت عليّ وما ألوم نفسي فيك، فأمر به رسول الله - ﷺ - فأخرج إلى أحجار الزيت التي بالسوق فضربت عنقه ... إلى آخر الحديث).\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف (مجمع الزوئد ٦/ ١٣٩).","vol":"2","page":180},{"text":"عائشة تقول: ما أنْسَى عجبنا منها، طيبَ نفس وكثرة ضحك، وقد عرفَتْ أنها تُقْتَل (١). (٢: ٥٨٩).\n١٦١ - فلما انقضى شأدن بني قريظة انفجر جُرْحُ سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا -كما حدّثني ابن وكيع، قال: حدَّثنا ابن بشر، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو؛ قال: حدّثني أبي، عن علقمة، في خبر ذكره عن عائشة: ثم دعا سعد بن معاذ - يعني بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم - فقال: اللهمّ إنَّك قد علمت أنه لم يكن قوم أحبَّ إليّ أن أقاتلَ أو أجاهد من قوم كذَّبوا رسولك. اللهمّ إن كنتَ أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئًا فأبقني لها، وإن كنتَ قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. فانفجر كَلْمُه، فرَجَعَه رسول الله - ﷺ - إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. قالت عائشة: فحضره رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، فوالَّذي نفس محمد بيده؟ إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وإني لفي حُجرتي. قالت: وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾.\nقال علقمة: أي أمَّهْ! كيف كان يصنع رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كانت عينه\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن (وقد حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂).\nوالحديث أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ٢٧٧) وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق هذا ولفظه:\n(ما قتل رسول الله - ﷺ - امرأة قط من بني قريظة إلَّا امرأة واحدة والله إنها لعندي تضحك ظهرًا لبطن وأن رسول الله - ﷺ - ليقتل رجالهم بالسيوف إذ يقول هاتف باسمها أين فلانة قالت: أنا والله قلت: فويلك مالك. فقالت: أقتل والله، قلت: ولم؟ قالت؟ لحدث أحدثته فانطلق بها فضرب عنقها فما أنسى عجبًا منها طيبة نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٦).\nذكر الرواية (٢/ ٥٩١ / ٢٣٠) في قسم الضعيف فقد ذكره الطبري من قول ابن إسحاق بلاغًا. ولم نجد لهذه التفاصيل متابعًا أو شاهدًا والذي في الصحيح أنه - ﷺ - فعل ذلك في خيبر كما جاء في (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤٢٢٨) عن ابن عمر ﵄: (قسم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا ... الحديث).","vol":"2","page":181},{"text":"لا تَدْمَعُ على أحدٍ؛ ولكنَّه كان إذا اشتدّ وَجْدُه على أحد، أو إذا وَجَد فإنما هو آخذٌ بلحيته (١). (٢: ٥٩٢/ ٥٩٣).\nولمَّا انصرف رسول الله - ﷺ - عن الخندق، قال: الآن نَغْزوهم -يعني قريشًا - ولا يغزوننا، فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسوله - ﷺ - مكَّة (٢). (٢: ٥٩٣).\n١٦٢ - واختلف في وقت غزوة النبيّ - ﷺ - بني المصطلق؛ وهي الغزوة التي يقال لها غزوة المُرَيسيع - والمريسيع: اسم ماء من مياه خُزاعة بناحية قديد إلى الساحل - فقال: ابن إسحاق - فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عنه، أنّ رسول الله - ﷺ - غزا بني المصطلِق من خُزَاعة، في شعبان سنة ست من الهجر (٣). (٢: ٥٩٣/ ٥٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بني لِحيان</span>\n١٦٣ - قال أبو جعفر: وخرج رسول الله - ﷺ - في جُمادى الأولى على رأس ستَّة أشهر من فتح بني قُريظة إلى بني لِحيان، يطلب بأصحاب الرّجيع؛ خبَيب بن عديّ وأصحابه؛ وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب من القوم غِرَّةً. فخرج من المدينة، فسلك على غُراب (جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشأم) ثم على مَخِيض،\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن له متابع عند أحمد كما سنذكر عند الرواية (٣٨٠) فهو جزء من حديث طويل عن عائشة - ﵂ - ﵂ وقال الهيثمي بعد سرده للرواية: في الصحيح بعضه رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات.\n(المجمع ٦/ ١٣٨).\n(٢) ذكر الطبري هذا الحديث المتعلق بغزوة الخدنق ضمن حديثه عن غزوة بني قريظة ولعله ذكره عن ابن إسحاق بلاغًا (أي تابعًا للرواية التي قبلها (٢/ ٥٩٣ / ٢٣٢).\nوأما الحديث المرفوع فصحيح كما أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / غزوة الخندق) من حديث سليمان بن صرد ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - يوم الأحزاب: (نغزوهم ولا يغزونا) (مختصر صحيح البخاري / ح ١٥٥١) تحقيق الدكتور البغا.\n(٣) لقد تحدثت روايات الطبري التأريخية عن هذه الغزوة ضمن أحداث السنة السادسة للهجرة كما سيأتي.","vol":"2","page":182},{"text":"ثم على التَّراء؛ ثم صفَّق ذات اليسار، ثم على يَيْن، ثم على صُخَيْرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجَّة من طريق مكة، فأغَذّ السير سريعًا؛ حتى نزل على غُرَان؛ وهي منازل بني لحيان - وغُرَان وادٍ بين أمَج وعُسْفان - إلى بلد يقال له ساية، فوجدهم قد حذِرُوا وتمنَّعوا في رؤوس الجبال، فلمّا نزَلها رسول الله - ﷺ - وأخطأه من غزّتهم ما أراد، قال: لو أنَّا هبطنا عُسفان لرأى أهل مكَّة أنَا قد جئنا مكَّة. فخرج في مئتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه، حتى بلغا كُرَاع الغَمِيم، ثم كَرَّا وراح قافلًا.\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني ابنُ إسحاق. قال: والحديث في غزوة بني لحيان - عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، عن عبيد الله بن كعب (١). (٢: ٥٩٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولقد جاء ذكر هذه الغزوة في عدة روايات منها الصحيحة ومنها الضعيفة.\nفقد أخرج أبو داود في سننه (صلاة الخوف / ح ١٢٣٦) عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد ... الحديث، وفي آخره: فصلاها رسول الله - ﷺ - مرتين، مرة بأرض عسفان وسرة بأرض بني سليم. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٣٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nوأخرج أحمد في مسنده (٢/ ٥٢٢) والترمذي في سننه (ح ٣٠٣٨) من طريق عبد الله بن شقيق حدثنا أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم حتى من أبنائهم وأبكارهم وهي العصر ... الحديث).\nوقال الترمذي: حسن صحيح وعقب الحافظ ابن كثير على هذه الرواية قائلًا: إن كان أبو هريرة شهد هذا فهو بعد خيبر وإلا فهو من مرسلات الصحابي ولا يضر ذلك عند الجمهور والله أعلم.\nوأخرج مسلم في صحيحه (صلاة المسافرين ح ٣٠٧) عن جابر ﵁ قال: (غزونا مع رسول الله - ﷺ - قومًا من جهينة فقاتلوا قتالًا شديدًا فلما أن صلى الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم وأخبر جبريل رسول الله - ﷺ - بذلك وذكر لنا رسول الله - ﷺ - قال: وقالوا إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد ... إلخ الحديث).\nوقال الحافظ ابن كثير معقبًا على الحديث قائلًا: ولم يذكر في سياق حديث جابر عند مسلم ولا عند أبي داود الطيالسي أمر عسفان ولا خالد بن الوليد لكن الظاهر أنها واحدة (البداية والنهاية ٣/ ٢٢٧ طبعة دار الفكر).\nوأخرج البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٦٥) حديثًا في غزوة بني لحيان ولكن بسند معضل والله =","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>غزوة ذي قَرَد</span>\n١٦٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومَنْ لا أتَّهم، عن عُبيد الله بن كعب بن مالك، كلٌّ قد حَدَّثَ في غزوة ذي قَرَد بعض الحديث، أنه أوَّل من نَذِرَ بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، غدا يريد الغابة متوشحًا قوسه ونَبْله، ومعه غلام لطلحة بن عبد الله (١). (٢: ٥٩٦).\nوأما الرِّواية عن سلَمة بن الأكوع بهذه الغزوة من رسول الله - ﷺ - بعد مقدَمه المدينة، منصرفًا من مكة عام الحديبية، فإن كان ذلك صحيحًا، فينبغي أن يكون ما رُوي عن سلمة بن الأكوع كان إمّا في ذي الحجَّة من سنة ستّ من الهجرة، وإمَّا في أول سنة سبع، وذلك أنّ انصراف رسول الله - ﷺ - من مكَّة إلى المدينة عام الحديبيَة كان في ذي الحجَّة من سنة ستّ من الهجرة، وبين الوقت\n_________\n= أعلم. وأخرج ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن كعب بن مالك منقطعًا والله أعلم (٣/ ٢١٧).\nوأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٨٩) قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر أن رسول الله - ﷺ - خرج في غزوة بني لحيان وأظهر أنه يريد الشام ليصيب منهم غرة ... إلخ الرواية.\nوهذا إسناد منقطع.\nوأخرج ابن سعد في طبقاته: أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا حسين المعلّم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد مولى المهدي عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا إلى بني لحيان من هذيل وقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما والآخر بينهما (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٨٩ / طبعة دار إحياء التراث).\nوأخرج ابن سعد: أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل عن أبيه عن وهب قال أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول أول ما غزا عُسفان ثم رجع: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. (الطبقات ٢/ ٢٨٩).\n\n(١) هذا إسناد ضعيف ولكن حديث سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد صحيح كما سيأتي بعد الرواية التالية.","vol":"2","page":184},{"text":"الذي وقَّتَه ابن إسحاق لغزوة ذي قرَد والوقت الَّذِي رُوي عن سلمة بن الأكوع قريب من ستة أشهر (١). (٢: ٥٩٦).\n١٦٥ - حدَّثنا حديث سلَمة بن الأكوع الحسنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو عامر العَقَدِيّ، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عَمَّار اليماميّ، عن إياس بن سلَمة، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة -يعني بعد صلْح الحديبيَة- فبعث رسول الله. بظهره مع ربَاح غلام رسول الله - ﷺ -، وخرجتُ معه بفرس لطلحة بن عبيد الله. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرحمن بن عُيَينة قد أغار على ظَهْر رسول الله - ﷺ -، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه. قلت: يا رَباح؛ خذ هذا الفرس وأبلغْه طلحة. وأخبرْ رسول الله - ﷺ - أنّ المشركين قد أغاروا على سَرْحِه. ثم قمت على أكَمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاث أصوات: يا صَبَاحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنَّبْل، وأرتجز وأقول: \"أنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضّع\".\nقال: فوالله ما زلتُ أرميهم وأعقِر بهم، فإذا رجع إليّ فارس منهم أتيت شجرةً وقعدت في أصلها، فرميتُه فعقرْت به؟ وإذا تضايق الجبل فدخلوا في مُتَضايَق علوْت الجَبل، ثم أرَدّيهم بالحجارة؛ فوالله ما زلت كذلك حتى ما خلَقَ الله بعيرًا من ظهر رسول الله - ﷺ - إلَّا جعلته وراء ظَهْري، وَخَلّوْا بيني وبينه وحتَّى ألقوْا أكثر من ثلاثين رُمحًا وثلاثين بُرْدةً، يستخفُّون بها لا يُلْقُون شيئًا إلَّا جعلت عليه آرامًا حتَّى يعرفه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، حتى إذا انتهَوْا إلى متضايق من ثنيَّة وإذا هم قد أتاهم عُيَينة بن حِصْن بن بدر مُمِدًّا، فقعدوا يَتَضَحّوْن، وقعدت على قَرْن فوقهم، فنظر عيَينة، فقال: ما الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البَرْح، لا والله ما فارقنا هذا منذ غلّس، يرمينا حتى استنقذ كلّ شيء في أيدينا.\nقال: فليقُمْ إليه منكم أربعة. فعمَد إليَّ أربعة منهم. فلمَّا أمكنوني من الكلام، قلت: أتعرفوني؟ قالوا: مَنْ أنت؟ قلت: سلَمة بن الأكوع؛ والذي كرَّم وَجْهَ محمد لا أطلبُ أحدًا منكم إلَّا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني، قال أحدهم: أنا أظنّ، قال: فرجعوا فما برحت مكاني ذاك حتى نظرت إلى\n_________\n(١) صحيح.\nقلنا: والأرجح أنها وقعت قبل خيبر بثلاث ليال كما نصت على ذلك الرواية عند مسلم كما سيأتي.","vol":"2","page":185},{"text":"فوارس رسول الله - ﷺ - يتخلَّلون الشجر، أوّلهم الأخْرَم الأسديّ، وعلى إثْره أبو قَتادة الأنصاريّ، وعلى إثْره المِقْداد بن الأسود الكِنديّ، فأخذت بعِنان فرس الأخْرم، [فولّوا مدبرين]، فقلت: يا أخرم؛ إنّ القوم قليل، فاحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحقَ بنا رسولُ الله وأصحابه. فقال: يا سلمة، إن كنتَ تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنة حقّ والنار حقّ، فلا تحُلْ بيني وبين الشهادة. قال: فخلَّيتُه، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عُيَينة، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه، فطعنه عبدُ الرحمن فقتله، وتحوّل عبد الرحمن على فرسه، ولحِقَ أبو قتَادة عبد الرحمن فطعنه وقتله، وعقَرَ عبد الرحمن بأبي قتادة فرسه، وتحوّل أبو قتادة على فرس الأخرم؛ فانطلقوا هاربين.\nقال سلمة: فوالذي كَرَّم وجه محمد، لَتبعتُهم أعْدُو على رجليّ؛ حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد - ﷺ - ولا غبارهم شيئًا.\nقال: ويعدِلُون قبل غروب الشمس إلى شِعْب فيه ماء يقال له ذو قَرَد يشربون منه وهم عِطَاش؛ فنظروا إليّ أعدو في آثارهم، فَحلَّيتُهم عنه فما ذاقوا منه قطرة.\nقال: ويُسندون في ثنيّة ذي أثير، ويعطف عليّ واحدٌ فأرْشُقه بسهم فيقع في نُغْض كتفه، فقلت:\nخُذها وأنا ابنُ الأكوع ... واليومُ يومُ الرُّضَّع\nفقال: أكْوَعِي غُدْوَةً! قلت: نعم يا عدّو نفسه؛ وإذا فَرَسان على الثنيَّة، فجئت بهما أقودُهما إلى رسول الله - ﷺ -، ولحِقني عامر عمي بعدما أظلمت بسَطيحة فيها مِذْقَة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضّأتُ وصلّيت وشربت، ثمّ جئت إلى رسول الله - ﷺ - وهو على الماء الذي حلّيتُهم عنه، عند ذي قَرَد، وإذا رسول الله - ﷺ - قدَ أخذ تلك الإبل التي استنقذتُ من العدوّ، وكلّ رُمح، وكلّ بُردة؛ وإذا بلال قد نَحرَ ناقة من الإبل التي استنقَذت من العدوّ، فهو يشوي لرسول الله - ﷺ - من كَبدها وَسَنامها، فقلت: يا رسولَ الله، خلِّني فلأنتخِب مئةَ رجل من القوم، فأتَّبعُ القوم فلا يبقى منهم عين، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدا - وقد بانت - نواجذُه. [في ضوء النار]. ثم قال: أكنتَ فاعلًا! فقلتُ: إي والَّذي أكرمك!\nفلمَّا أصبحنا قال رسول الله - ﷺ -: إنَّهم ليُقرَّوْن بأرض غَطَفان. قال: فجاء رجلٌ من غَطَفان، فقال: نحر لهم فلان جَزورًا، فلمَّا كشطوا عنها جلدها رأوْا","vol":"2","page":186},{"text":"غُبارًا، فقالوا: أتيتمْ! فخرجوا هاربين، فلمَّا أصبحنا قال رسول الله - ﷺ -: خير فُرْساننا اليوم أبو قتادة، وخير رَجّالتنا سَلمة بن الأكْوع، ثمَّ أعطانِي رسول الله - ﷺ -[سهمين] سهم الفارس، وسهْم الراجل، [فجمعهما لي جميعًا]، ثم أردفنِي رسولُ الله وراءه على العَضباء، [راجعين إلى المدينة]. فبينما نحن نسير؛ وكان رجل من الأنصار لا يُسْبَق شَدًّا فجعل يقول: ألا من مسابق! فقال ذاك مِرَارًا؛ فلمّا سمعتُه قلتُ: أما تُكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؛ فقال: لا، إلَّا أن يكون رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأمي! ائذَنْ لي فلأسابق الرجل! قال: إن شئت، قال: فطفرت فعدوتُ، فربطتُ شَرَفًا أو شرفين فألحقه وأصكُّه بين كتفيه، فقلت: سبقتك والله! فقال: إنّي أظنّ، فسبقته إلى المدينة، فلم نمكث بها إلَّا ثلاثًا حتى خرجنا إلى خَيبر (١). (٢: ٥٩٦/ ٥٩٧ / ٥٩٨/ ٥٩٩ / ٦٠٠).\n_________\n(١) هذا إسناد حسن صحيح، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه مع اختلاف في الألفاظ (صحيح مسلم / الجهاد / ح ١٨٠٧).\nوفي آخره: (فرجعنا أي من الغزوة إلى المدينة فوالله ما لبثنا بالمدينة إلَّا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر).\nوالحديث أخرجه البخاري مختصرًا جدًّا فقد بوّب البخاري للغزوة في صحيحه قائلًا: (غزوة ذات القرد وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبي - ﷺ - خيبر بثلاث).\nثم أخرج البخاري من طريق يزيد بن أبي عبيد قال: سمعت سلمة بن الأكوع يقول: خرجت قبل أن يؤذن في الأولى وكانت لقاح رسول الله - ﷺ - ترعى بذي قرد قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله - ﷺ -. قلت: من أخذها قال: غطفان قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء فجعلت أرميهم بخبلي وكنت راميًا وأقول أنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع. وأرتجزُ حتى استنفذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة قال: وجاء النبي - ﷺ - والناس فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث إليهم الساعة فقأل: يا بن الأكوع ملكت فاسجح قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله - ﷺ - على ناقته حتى دخلنا المدينة.\nوسنذكر هنا جزءًا من حديث مسلم فيما يتعلق بهذه المسألة:\nثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله - ﷺ - بظهره مع رباح غلام رسول الله - ﷺ - وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله - ﷺ -، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله - ﷺ - أن المشركين قد أغاروا على سرحه قال: ثم قمت =","vol":"2","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثًا: يا صباحاه. ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول:\nأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع\nفألحق رجلًا منهم فأصك سهمًا في رحله، حتى خلص السهم إلى كتفه قال: قلت:\nخذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع\nقال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه. علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله - ﷺ - إلَّا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعنهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا، يستخفون ولا يطرحون شيئًا إلَّا جعلت عليه أرامًا من الحجارة، يعرفها رسول الله - ﷺ - وأصحابه.\nحتى أتوا متضايقًا من ثنية فماذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (يعني يتغذَّون) وجلست على رأس قرن فقال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح. والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا.\nقال: فليقم إليه نفر منكم. أربعة. قال: فصعد إليَّ منهم أربعة في الجبل قال: فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد - ﷺ - لا أطلب رجلًا منكم إلَّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله - ﷺ - يتخللون الشجر.\nقال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي قال: فأخذت بعنان الأخرم قال: فولوا مدبرين.\nقلت: يا أخرم! ! احذرهم، لا يقتطعون حتى يلحق رسول الله - ﷺ - وأصحابه.\nقال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله - ﷺ - بعبد الرحمن فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد - ﷺ - لنبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد - ﷺ - ولا غبارهم شيئًا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة.\nقال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكه بسهم في نغض كتفه، قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. =","vol":"2","page":188},{"text":"١٦٦ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن أوّل فارسٍ لحِقَ بالقوم مُحرز بن نَضْلة، أخو بني أسد بن خزيمة - ويقال لمحرز: الأخْرَم، ويقال له: قمير - وأنَّ الفزع لما كان، جال فرسٌ لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسًا صَنِيعًا جامًّا، فقال نساءٌ من نساء بني عبد الأشهل حين رأين الفرس يجول في الحائط بجذْع من نخل هو مربوط به: يا قُمَير، هل لك في أن تركبَ هذا الفرس - فإنَّه كما ترى - ثمّ تلحق برسول الله - ﷺ - وبالمسلمين! قال:\n_________\n= قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة. قال: قلت: نعم يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله - ﷺ -. وقال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت.\nثم أتيت رسول الله - ﷺ - وهو على الماء الذي حلأتهم عنه فإذا رسول الله - ﷺ - قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم وإذا هو يشوي لرسول الله - ﷺ - من كبدها وسنامها قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مئة رجل فاتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلَّا قتلته.\nقال: فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه في ضوء النار فقال: (يا سلمة أتراك كنت فاعلًا؟) قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: (إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان) قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر فلان جزورًا فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول الله - ﷺ -: (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخبر رجالتنا سلمة).\nقال: ثم أعطاني رسول الله - ﷺ - سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعًا ثم أردفني رسول الله - ﷺ - وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة.\nقال: فبينما نحن نسير قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًا. قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا. إلَّا أن يكون رسول الله - ﷺ -. قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي! ذرني فلأسابق الرجل. قال: (إن شئت) قال: قلت: أذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظن. قال فسبقته إلى المدينة.\n(صحيح مسلم / الجهاد -باب غزوة ذي قرد / ح ١٨٠٧).\nوالحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ١٨٢) وابن سعد في طبقاته الكبرى (٢/ ٨٢) وغيرهم والله أعلم.","vol":"2","page":189},{"text":"نعم، فأعطنيه إياه، فخرج عليه، فلم يَنْشَبْ أن بَذّ الخيل بِجَمامه حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم، ثم قال: قفوا معشرَ اللكيعَة حتى يلحق بكم مَنْ وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار.\nقال: وحَمَل عليه رجُلٌ منهم فقَتله، رجال الفرس فلم يقدروا عليه؛ حتى وقف على أريَّةٍ في بني عبد الأشهل، فلم يقتل من المسلمين غيره، وكان اسم فرس محمود ذا اللمّةِ (١). (٢: ٦٠٢).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق منقطعًا ولكن أخرج مسلم في صحيحه حديثًا طويلًا عن سلمة بن الأكوع ذكرناه في بداية هذه الغزوة وفيه تفاصيل مقتل الأخرم وسنذكر هنا الجزء المتعلق بذلك ولفظه: (فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله - ﷺ - يتخللون الشجر قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين قلت: يا أخرم احذرهم، لا يقتطعونك حتى يلحق رسول الله - ﷺ - وأصحابه قال: يا سلمة: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه ولحق أبو قتادة فارس رسول الله - ﷺ - بعبد الرحمن فطعنه فقتله ...).\n\"صحيح مسلم / باب غزوة ذي قرد / ح ١٨٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>(غزوة بني المصطلق)</span>\nوقد ذكرنا الرواية المطولة (٢٣٩) في قسم الضعيف وسنذكر هنا ما أخرجه أئمة الحديث في هذه الغزوة:\n١ - أخرج البخاري في صحيحه (باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع / ح ٢٥٤١). أن ابن عوف قال: كتبت إلى نافع فكتب إليّ أن النبي - ﷺ - أغار علي بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية حدثني به ابن عمر، وكان في ذلك الجيش. ولفظ مسلم في صحيحه (عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال؟ قال: فكتب إليّ إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله - ﷺ - علي بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ قال: يحيى أحسبه قال: جويرية أو البتة ابنة الحارث).\nوحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر ﵄ وكان في ذلك الجيش. (صحيح مسلم / باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام / ح ١٧٣٠).\nقلنا: وقد ذكرنا رواية الطبري المطولة في قسم الضعيف لضعف إسنادها ولمخالفة متنها لمتن الرواية المتفق عليها من أنهم كانوا غارين ولسنا نزعم أن ما ذهبنا إليه وهو اختيار جمهور العلماء سلفًا وخلفًا بل إن عددًا منهم لم يروا تعارضًا بين رواية ابن إسحاق ورواية الشيخين =","vol":"2","page":190},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومنهم حافظ عصره الإمام ابن حجر والذي قال: ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء ثبتوا قليلًا وقاتلوا ولكن وقعت الغلبة عليهم. (الفتح ٧/ ٤٣١).\nبينما يرى الإمام ابن قيم الجوزية أن القتال لم يقع فذلك وهم مخالف لما في الصحيح واستدل بحديث الصحيحين (أغار رسول الله - ﷺ - علي بني المصطلق وهم غارون) (وراجع زاد المعاد ٦/ ١٨٥).\nونرى صدى هذا الاختلاف بين المعاصرين فالغزالي ﵀ يستعيد الرواية الصحيحة التي تذكر حدوث الغزوة على حين غرة وإن كان لا يردها البتة ويذكر لها وجهًا من التأويل.\nوحديث الصحيحين في هذا لا موضع له إلَّا أن يكون وصفًا لمرحلة ثانية من القتال بأن يكون أخذ القوم عن غرّة جاء بعدما وقعت الخصومة بينهم وبين المسلمين وأمسى كلا الفريقين يبيّت للآخر ويستعد للنَّيل منه. (فقه السيرة / ١١).\nوتعليق المحدث الألباني على ما ذكره الغزالي من روايات ضعيفة في الغزوة تشير إلى أن الألباني ﵀ ضعف رواية ابن إسحاق.\nوأما المؤرخ المعاصر الأستاذ العمري فقد أشار إلى ضعف رواية ابن إسحاق التي رواها الطبري وابن هشام قائلًا (في الحاشية): من مراسيل ثلاثة من شيوخه الثقات ويعني شيوخ ابن إسحاق ولم يميز كلام بعضهم عن بعض بالتعدد بل جمع كلامهم وألف بينه. (السيرة النبوية الشريفة / ٢/ ٤٠٧).\nوقال العمري في الصفحة ذاتها: ورواية مسلم صريحة في أن الغارة وقعت دون إنذار لبني المصطلق لأنهم ممن بلغتهم دعوة الإسلام وقد كانوا يعتجرون في حرب مع المسلمين منذ اشتراكهم مع قريش في غزوة أحد، كما كانوا يجمعون الجموع لحرب المسلمين فبوغتوا واضطربوا ولم يتمكنوا من المقاومة قليلًا، بل إن رواية الصحيحين لا تشير إلى المقاومة ولكن ابن إسحاق ذكر وقوع قتال على ماء المريسيع ثم انهزم بنو المصطلق وقتل بعضهم وأخذ المسلمون أبناءهم ونساءهم وأموالهم فتمت قسمة ذلك بينهم (السيرة النبوية للعمري / ٤٠٧).\nقلنا: وتبويب الإمام النووي ﵀ لصحيح مسلم يشير إلى أن دعوة الإسلام بلغتهم قبل هذه الغزوة كما في (صحيح مسلم / كتاب الجهاد / باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام).\nولذلك فإن إعراض الغزالي عن رواية الصحيحين وسكون نفسه (كما قال هو) إلى رواية ابن جرير الضعيفة غير صحيح فروايات الشيخين لا تعارض بروايات تاريخية ضعيفة وما أتانا من حديث رسول الله - ﷺ - صحيحًا فعلى الرأس والعين. وكذلك الشيخ الفاضل إبراهيم العلي فإنه يرد على مقالة الغزالي تلك في السيرة ويناقش طويلًا في كتابه السيرة النبوية (٢٤٨ - ٢٤٩) ومع ذلك فإن الأستاذ العلي لا يرى تعارضًا بين رواية الصحيحين ورواية ابن إسحاق =","vol":"2","page":191},{"text":"١٦٧ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: خرجت مع عميّ في غَزاةٍ، فسمعت عبد الله بن أبيّ ابن سلول يقول لأصحابه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ والله، ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾؛ فذكرت ذلك لعمى، فذكره عميّ لرسول الله - ﷺ -، فأرسل إليّ فحدّثته، فأرسل إلى عبد الله وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، قال: فكذّبني رسول الله - ﷺ - وصدّقه، فأصابني هَيمٌّ لم يصبْني مثله قطّ، فجلست في البيت، فقال لي عميّ: ما أردتَ إلى أن كَذبك رسولُ الله ومقتَك! قال: حتَّى أنزل الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال: فبعث إليّ رسول الله - ﷺ - فقرأها، ثم قال: إنّ الله صدّقك يا زيد (١). (٢ ت ٦٠٧/ ٦٠٨).\n١٦٨ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ الذي كان من أمر أبيه. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة قال: حدَّثني محمد ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قَتادة، أنّ عبدَ الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سَلول أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، إنَّه قد بلغني أنَّك تريد قتلَ عبد الله بن\n_________\n= مستشهدًا بتوفيق الحافظ ابن حجر بينهما كما ذكرنا سابقًا والله أعلم. وأما هبوب ريح لموت كبير من المنافقين فقد أخرج مسلم في صحيحه (كتاب صفة المنافقين / ح ٢٧٨٢) عن جابر ابن عبد الله ﵁ قال: قدم رسول الله - ﷺ - من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله - ﷺ - قال: بعثت هذه الريح لموت منافق. فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات).\nقلنا: ولم تذكر هذه الرواية غزوة بني المصطلق ولا رفاعة.\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري في (صحيحه / كتاب التفسير / سورة المنافقين ح / ٤٩٠٠) عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله - ﷺ - حتى ينفضوا من حوله ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي أو لعمر فذكره للنبي - ﷺ - فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله - ﷺ - وصدقه فأصابني همّ لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله - ﷺ - ومقتك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فبعث إليَّ النبي - ﷺ - فقرأ فقال: \"إن الله قد صدقك يا زيد\".\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب صفات المنافقين وأحكامهم / ح ٢٧٧٢) وأحمد في مسنده (٤/ ٣٦٩) وغيرهم.","vol":"2","page":192},{"text":"أبيّ - فيما بلغني عنه - فإن كنت فاعلًا فمرْني به، فأنا أحملُ إليك رأسه؛ فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجلٌ أبرّ بوالده منِّي؛ وإنِّي أخشى أن تأمرَ به غيري فيقتلَه، فلا تدعْني نفسي أن انظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس فأقتلَه؛ فأقتلَ مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله - ﷺ -: بل نرفُق به، ونحسِن صحبتَه ما بقيَ معنا. وجعل بعد ذلك إذَا أحْدَثَ الحَدَثَ، كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويُعنِّفونه ويتوعَّدُونه، فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: كيف ترى يا عمر! أما والله لو قتلتهُ يومَ أمرْتَنِي بقتله، لأرعِدَت له آنف لو أمرتُهَا اليوم بقتله لقتلتْه. قال: فقال عمر: قد والله علمتُ، لأمرُ رسولِ الله أعظمُ بركة من أمري (١). (٢: ٦٠٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف كما سبق ولكن لمتنه ما يشهد له وكالآتي:\n١ - أما طلب عبد الله من رسول - ﷺ - أن يقتل والده فقد أخرجه البزار دون ذكره لغزوة بني المصطلق.\nفقد أخرج البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: مرَّ رسول الله - ﷺ - بعبد الله بن أبي وهو في ظل أطم فقال: عبر علينا ابن أبي كبشة (يعني بذلك رسول الله - ﷺ -) فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله - ﷺ -، والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه. فقال: (لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته).\nقال الهيثمي رواه البزار ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨).\nوفي رواية الترمذي في تفسير سورة المنافقين زيادة على ما في الصحيحين عن جابر ولفظه: (فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تمرّ أنّك الذليل ورسول الله - ﷺ - العزيز ففعل) (سنن الترمذي / ح ٣٣١٥).\nوقال أبو عيسى: حسن صحيح - وأما ربط هذا الطلب وتوقيته بغزوة بني المصطلق فقد جاء من طرق مرسلة أو منقطعة متعددة المخارج وتشهد لبعضها البعض ويؤيدها أصل القصة من حديث أبي هريرة عند البزار وحديث الترمذي السابق في سننه وهذه الطرق كالآتي:\nأ - طريق الطبري في تأريخه هذا وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.\n٢ - طريق الحميدي في مسنده (٢/ ٥٢٠) حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسول الله - ﷺ - الأعز وأنا الأذل قال وجاء النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله - ﷺ - إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له ولئن شئت أن آتيك برأسه لآتينك فإني أكره أن أرى قاتل أبي. =","vol":"2","page":193},{"text":"١٦٩ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة، عن عائشة زوْج النبيّ - ﷺ -، قالت: لما قسَمَ رسول الله - ﷺ - سبايا بني المصطلق، وقعت جُوَيرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس -أو لابن عمٍّ له- فكاتبتْه على نفسها - وكانت امرأة حُلْوَةٌ مُلّاحة، لا يراها أحَدٌ إلَّا أخذت بنفسه - فأتتْ رسول الله - ﷺ -\n_________\n= ٣ - وأخرج الطبراني نحوه عن عروة بن الزبير مرسلًا. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٩/ ٣١٨).\nوقال الحافظ ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٧٢) وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما (أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله - ﷺ - فإنه العزيز وأنت الذليل ... إلخ الحديث).\nوفي رواية للبزار أن عبد الله استأذن رسول الله - ﷺ - في قتل أبيه فقال - ﷺ -: لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته (المجمع ٩/ ٣٨١) وقال: رجاله ثقات. والله أعلم.\nوأما تذكير رسول الله - ﷺ - لعمر بطلبه ﵁ أن يضرب عنق عبد الله بن أبي فقد أخرج الحافظ ابن كثير من طريق ابن أبي حاتم أن عمرو بن ثابت الأنصاري وعروة بن الزبير قالا ... وفي آخر الرواية: (فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أرسل إلى عمر فدعاه فقال له رسول الله - ﷺ -: أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟ قال عمر: نعم. فقال رسول الله - ﷺ -: والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرًا)، وأنزل الله ﷿ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ - إلى قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير معقبًا: (وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلَّا فيه). (التفسير ٤/ ٣٧٢) والله أعلم.\nوأخرج البخاري (٤/ ١٤٦ / ٤٩٠٥) ومسلم (٨/ ١٩ / ح ٢٥٨٤).\nعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال الأنصاري: ياللأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمع ذلك رسول الله ﵌ فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي - ﷺ - فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي - ﷺ -: دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ... الحديث (صحيح البخاري / ح ٤٩٠٥) ومسلم (ح ٢٥٨٤).","vol":"2","page":194},{"text":"تستعينه على كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلَّا أن رأيتها على باب حُجرتي كرِهتها، وعرفت أنه سيرَى منها مثلَ ما رأيت، فدخلتْ عليه، فقالت: يا رسول الله - ﷺ -، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيِّد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يَخْفَ عليك، فوقعت في السَّهم لثابت بن قيس بن الشماس -أو لابن عمٍّ له- فكاتبتُه على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: أقضي كتابَتك وأتزوّجك، قالت: نعم يا رسولَ الله، قال: قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى النَّاس أن رسولَ الله - ﷺ - قد تزوَّج جويرية بنت الحارث، فقال النَّاس: أصهارُ رسول الله - ﷺ -، فأرسلوا ما بأيديهم.\nقالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأةً كانت أعظم بركة على قومها منها (١). (٢: ٦١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>حديث الإفك</span>\n١٧٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وأقبل رسول الله - ﷺ - من سفره ذلك -كما حدّثني أبي إسحاق، عن الزهريّ، عن عُروة، عن عائشة - حتى إذا كان قريبًا من المدينة - وكانت [معه] عائشة في سفره ذلك - قال أهل الإفك فيها ما قالوا (٢). (٢: ٦١٠/ ٦١١).\n١٧١ - حدثنا ابنُ حميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن علقمة بن وقَّاص الليثيّ وعن سعيد بن المسيَّب، وعن عُرْوة بن الزبير وعن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة ابن مسعود، قال الزهريّ: كُلّ قد حدّثني بعضَ هذا الحديث، وبعضُ القومِ كان أوعَى له من بعض. قال: وقد جمعت لك كلّ الذي حدّثني القوم.\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد عنعن ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث إلَّا أن أحمد رواه في مسنده من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن (٦/ ٢٧٧).\nوالحاكم في مستدركه (٤/ ٢٦) وأبو داود في سننه (٢ / ح ٣٩٣١).\n(٢) إسناده ضعيف والحديث صحيح كما سنذكر بعد رواية.","vol":"2","page":195},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، عن عائشة، قال: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قال: وكلّ قد اجتمعَ حديثه في خبر قصّة عائشة عن نفسها حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا: فكلٌّ قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعًا، ويحدّث بعضُهم ما لم يحدّث بعضٌ، وكلّ كان عنها ثقة، وكلٌّ قد حدّث عنها بما سمع.\nقالت عائشة: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقْرَعَ بين نسائه، فأيّتهنُ خرج سهمُها خرج بها معه؛ فلمَّا كانت غزوة بني المصطلق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع؛ فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي رسولُ الله - ﷺ -، قالت: وكان النساء إذ ذاك إنَّما يأكلن العُلَق لم يُهيّجهنّ اللَّحم فيثْقُلْنَ. قالت: وكنت إذا رُحِلَ لي بعيري جلستُ في هودجي، ثمَّ يأتي القوم الذين يرحلون لي، ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فيشدّونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسولُ الله - ﷺ - من سفره ذلك، وجَّه قافلًا، حتى إذا كان قريبًا من المدينة نزل منزلًا، فبات فيه بعضَ الليل، ثم أذَّنَ في النَّاس بالرحيل، فلمَّا ارتحل النَّاس خرجتُ لبعض حاجتي وفي عنقي عقْدٌ لي فيه جَزْعُ ظَفار، فلمَّا فرغتُ انسلّ من عنقي ولا أدري؛ فلمَّا رجعتُ إلى الرَّحْل ذهبتُ ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ النَّاس في الرحيل. قالت: فرَجعْتُ عَوْدِي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه؛ فالتمسته حتى وجدته، وجاء خلافي القوم الذين كانوا يرحِّلون لي البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنِّي فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدّوه على البعير، ولم يشكّوا أنّي فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس، قالت: فتلفَّفت بجلبابي ثمّ اضطجعت في مكاني الذي ذهبت إليه؛ وعرفت أنْ لو قد افتقدوني قد رجحوا إليَّ. قالت: فوالله إنِّي لمضطجعة، إذ مرّ بي صفوان بن المُعَطَّل السُلَمى، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبتْ مع النَّاس في العسكر؛ فلمَّا رأى سوادِي أقبل حتى وقف عليّ فعرَفني - وقد كان يراني قبل أن","vol":"2","page":196},{"text":"يُضْرَب علينا الحجابَ - فلمَّا رآني قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! أظعينة رسول الله! وأنا متلفّفة في ثيابي. قال: ما خَلَّفَك رحمكِ الله؟ قالت: فما كلَّمته، ثم قرّب البعير فقال: ارْكبي رحمكِ الله\" واستأخَّر عنِّي. قالت: فركبتُ وجاءَ فأخذ برأس البعير، فانطلق بي سريعًا يطلب الناس؛ فوالله ما أدركنا الناس، وما افتُقدت حتى أصبحت، ونزل النَّاس، فلما اطمأنّوا طلع الرجل يقودني، فقال أهلُ الإفك فِيَّ ما قالوا. فارتجّ العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك، ثمّ قدمنا المدينة، فلم أمكُثْ أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني شيء من ذلك؛ وقد انتهى الحديث إلى رسول الله - ﷺ - وإلى أبَوَيَّ، ولا يذكران لي من ذلك قليلًا ولا كثيرًا، إلَّا أنِّي قد أنكرتُ من رسول الله - ﷺ - بعض لُطْفه بي؛ كنتُ إذا اشتكيتُ رحِمني ولَطُف بي؛ فلم يفعل ذلك في شكْواي تلك، فأنكرت منه، وكان إذا دخل عليَّ وأمي تُمَرّضُني، قال: كيف تيكُم؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وَجدتُ في نفسي ممَّا رأيت من جَفائه عنِّي، فقلت له: يا رسولَ الله، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي فمرّضتْني! قال: لا عَلَيكِ! قالت: فانتقلت إلى أمّي، ولا أعلم بشيء ممَّا كان، حتى نقِهتْ من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. قالت: وكنّا قومًا عَرَبًا لا نتَّخذ في بيوتنا هذه الكُنُف التي تتّخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها؛ إنَّما كنا نخرجُ في فُسَح المدينة؟ وإنَّما كان النساء يخرجْنَ كلّ ليلة في حوائجهنّ؛ فخرجت ليلةً لبعض حاجتي، ومعي أمّ مِسْطح بنت أبي رُهْم بن المطَّلب بن عبد مناف، وكانت أمّها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، خالة أبي بكر. قالت: فوالله إنَّها لتمشي معي، إذْ عثرت في مِرْطِها، فقالت: تَعِس مِسْطح! قالت: قلتُ: بئس لعمر الله ما قلتِ لرجل من المهاجرين قد شهد بدرًا! قالت: أوَ ما بلغك الخبر يا بنتَ أبي بكر! قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالَّذي كان من قولِ أهل الإفك. قالت: قلت: وقد كان هذا! قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فوالله ما قدرتُ على أن أقْضِيَ حاجتي، ورجعت فما زِلْتُ أبكي حتى ظننتُ أنّ البكاء سيصدع كبدي، قالت: وقلت لأمّي: يغفر الله لكِ! تحدَّث الناسِ بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك؛ ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا! قالت: أي بُنيَّة خفضِي الشأن؛ فوالله قلَّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبُّها لها ضرائر إلَّا كثَّرن وكثَّر الناس عليها.","vol":"2","page":197},{"text":"قالت: وقد قام رسول الله - ﷺ - في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك. ثم قال: أيّها الناس، ما بالُ رجال يُؤذُونني في أهلِي، ويقولون عليهنّ غير الحقّ! والله ما علمتُ منهنّ إلّا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلَّا خيرًا! وما دخل بيتًا من بيوتي إلَّا وهو معي. قالت: وكان كبْر ذلك عند عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول في رجال من الخزرج؛ مع الذي قال مسطح وحَمْنَة بنت جحش - وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله - ﷺ -، [ولم تكن من نسائه امرأة تناصبني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله، وأما حمنة بنت جحش]، فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارّني لأختها زينب بنت جحش - فشقِيت بذلك.\nفلمَّا قال رسول الله - ﷺ - تلك المقالة، قال أسيد بن حُضَير أخو بني عبد الأشهل: يا رسول الله - ﷺ -، إن يكونوا من الأوْس نكْفكَهُم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرْنا بأمرك؛ فوالله إنَّهم لأهلٌ أن تضرَب أعناقهم. قالت: فقام سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك يُرى رجلًا صالحًا - فقال: كذبت لعمر الله لا تضْرَب أعناقهم! أما والله ما قلتَ هذه المقالة إلَّا أنَّك قد عرفت أنَّهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا! قال أسيد: كذبت لعمر الله! ولكنك منافق تجادل عن المنافقين! قالت: وتثاوره النَّاس حتَّى كاد أن يكون بين هذين الحيَّين من الأوْس والخزرج شرّ، ونزل رسول الله - ﷺ -، فدخل عليّ، قالت: فدعا عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد؛ فاستشارهما، فأمَّا أسامة فأثنى خيرًا وقاله، ثم قال: يا رسولَ الله، أهلُك، ولا نعلم عليهنّ إلَّا خيرًا؛ وهذا الكذب والباطل. وأمَّا عليّ فإنه قال: يا رسولَ الله؛ إنّ النساء لكثيرٌ؛ وإنك لقادرٌ على أن تستخلف؛ وسل الجازية فإنّها تَصدُقك. فدعا رسول الله - ﷺ - بَريرَة يسألها. قالت: فقام إليها عليّ فضربها ضربًا شديدًا؛ وهو يقول: اصدُقي رسول الله؛ قالت: فتقول: والله ما أعلم إلَّا خيرًا، وما كنت أعيبُ على عائشة؛ إلَا أنِّي كنتُ أعجِن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عَنه، فيأتي الدّاجن فيأكله.\nثم دخلَ عليَّ رسول الله - ﷺ - وعندي أبَوَايَ، وعندي امرأة من الأنصار؛ وأنا أبكي وهي تبكي معي؛ فجلس فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة؛ إنَّه قد كان ما بلغك من قول الناس؛ فاتَّقي الله؛ وإن كنتِ قارفْتِ سوءًا ممَّا يقول النَّاس","vol":"2","page":198},{"text":"فتوبي إلى الله؛ فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده؛ قالت: فوالله ما هو إلَّا أن قال ذلك، تقلَّص دمعي؛ حتى ما أحسُّ منه شيئًا، وانتظرتُ أبَوَيَّ أن يجيبا رسول الله - ﷺ - فلم يتكلَّما. قالت: وايمُ الله لأنا كنتُ أحقَرُ في نفسي وأصغُر شأنًا من أن ينزّل الله ﷿ فِيَّ قرآنًا يقرأ به في المساجد، ويصلَّى به، ولكنّي قد كنت أرجو أن يرَى رسول الله - ﷺ - في نومه شيئًا يكذّب الله به عنّي، لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبرًا؛ فأما قرآنٌ ينزل فيّ، فوالله لنَفسِي كانتْ أحْقَر عندي من ذلك. قالت: فلمّا لم أرَ أبْويَ يتكلمان. قالت: قلت ألا تجيبانِ رسولَ الله! قالت: فقالا لي: والله ما ندري بماذا نجيبه! قالت: وايمُ الله ما أعلمُ أهلَ بيت دخلَ عليهم ما دخلَ على آل أبي بكر في تلك الأيام! قالت: فلما استعجَما عليّ استعبرتُ فبَكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا؛ والله لئن أقررت بما يقول الناس - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدّقني، لأقولنّ ما لم يكن؛ ولئن أنا أنكرت ما تقولون لا تصدّقونني. قالت: ثم التمست اسمَ يعقوب فما أذكره؛ فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.\nقالت: فوالله ما بَرِحَ رسول الله - ﷺ - مجلسَه حتى تغشَّاه من الله ما كان يتغشَّاه، فَسُجِّيَ بثوبه، ووضعت وسادة من أدَم تحت رأسه، فأمَّا أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت؛ فوالله ما فزعت كثيرًا ولا باليت؛ قد عرفت أنّي بَريئة، وأنَّ الله غير ظالِمي، وأمَّا أبوايَ؛ فوالَّذِي نفس عائشة بيده، ما سُرّيَ عن رسول الله - ﷺ - حتى ظننت لتخرجَنَّ أنفسُهما فرَقًا أن يأتيَ من الله تحقيق ما قال الناس. قالت: ثم سُرِّيَ عن رسولِ الله - ﷺ -:، فجلس وإنَّه ليتحدّر منه مثل الجُمان في يوم شاتٍ. فجعل يمسح العرق عن جبينه، ويقول: أبشري يا عائشة؛ فقد أنزل الله براءتك، قالت: فقلت: بحمد الله وذمّكم. ثمّ خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله ﷿ من القرآن فِيّ.\nثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحَمْنة بنت جحش - وكَانوا ممَّن أفصح بالفاحشة - فضرِبُوا حَدَّهم (١).\n(٢: ٦١١/ ٦١٢ / ٦١٣/ ٦١٤ / ٦١٥/ ٦١٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤١٤١) ومسلم في صحيحه (كتاب التوبة / ح ٢٧٧٠ وكتاب النكاح / حكم =","vol":"2","page":199},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العزل ح ١٤٣٨). وغيرهما مع اختلاف يسير وتقديم وتأخير لا يضر والله أعلم.\nقال البخاري في صحيحه:\nحدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصًا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضًا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - ذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - ﷺ - معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله - ﷺ - بعد ما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوته تلك وقفل دنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه.\nقالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول قالت: فهلك من هلك وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. قال عروة:\nأخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه. وقال عروة أيضًا: لم يُسمَّ من أهل الإفك أيضًا إلَّا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناسٍ آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى وإن كبر ذلك يقال عبد الله بن أبي ابن سلول قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال:\nفإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nقالت عائشة - ﵂ -: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب =","vol":"2","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل عليّ رسول الله - ﷺ - فيسلم ثمَّ يقول: كيف تيكم؟ ثمَّ ينصرف فذلك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا قالت: وأمرنا أمر العرب الأوّل في البرية قبل الغائط وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا.\nقالت: فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلًا شهد بدرًا فقالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ ! قالت: وقلت: ما قال: فأخبرتني بقول أهل الإفك قالت: فازددت مرضًا على مرض فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله - ﷺ - فسلم ثمَّ قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ.\nقالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت: فأذن لي رسول الله - ﷺ - فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس قالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها قالت: فقلت: سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثمَّ أصبحت أبكي قالت: ودعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب - ﵁ - وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله - ﷺ - بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك.\nقالت: فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه غير أنها جارية حديثة السنن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله - ﷺ - من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا وما يدخل على أهلي إلا معي قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل فقام أسيد بن =","vol":"2","page":201},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين.\nقالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر قالت: فلم يزل رسول الله - ﷺ - يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت: وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله - ﷺ - علينا فسلم ثمَّ جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء.\nقالت: فتشهد رسول الله - ﷺ - حين جلس ثمَّ قال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف ثمَّ تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرةً فقلت لأبي: أحب رسول الله - ﷺ - عني فيما قال: فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ - فقلت لأمي: أجيبي رسول الله - ﷺ - فيما قال: قالت أمي: ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -. فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا، إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة منه لتصدقنني فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.\nثمَّ تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذ أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في أمري ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرئني الله بها فوالله ما رام رسول الله - ﷺ - مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت: فسري عن رسول الله - ﷺ - وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة أما الله فقد برأك قالت: فقالت لي أمي قومي إليه فقلت: لا والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله ﷿ قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ العشر الآيات ثمَّ أنزل الله تعالى هذا في براءتي.\nقال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال:\nفأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان =","vol":"2","page":202},{"text":"١٧٢ - فلمّا نزل هذا في عائشة وفيمنْ قال لها ما قال قال أبو بكر - وكان ينفِق على مِسْطَحِ لقرابته منه وحاجته: والله لا أنفِق على مِسْطح شيئًا أبدًا، ولا أنفعه بنفع أبدًا بعد الذي قال لعائشة، وأدخل علينا ما أدخل! قال: فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الآية.\nقالت: فقال أبو بكر: والله لأحِبُّ أن يغفر الله لي. فرجع إلى مِسْطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا (١). (٢: ٦١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>ذكر الخبر عن عُمرة النبيّ - ﷺ - التي صدَّه المشركون فيها عن البيت، وهي قصّة الحُديبية</span>\n١٧٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا الحكَم بن بشير، قال: حدَّثنا عمر بن ذرّ الهمْدانيّ، عن مجاهد، أن النبيّ - ﷺ - اعتمر ثلاث عُمَرٍ، كلّها في ذي القعدة؛\n_________\n= ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا قالت عائشة: وكان رسول الله - ﷺ - سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرًا قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - ﷺ - فعصمها الله بالورع.\nقالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك.\nقال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط ثمَّ قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحانه الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط قالت: ثمَّ قتل بعد ذلك في سبيل الله.\nوأما الجزء الأخير من رواية الطبري ونعني تنفيذ حدّ القذف بضرب مسطح وحسان وحمنة فقد أخرج الترمذي في سننه (٥ / ح ٣١٨١) عن عائشة - ﵂ - قالت: لما نزل عذري قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمَّد بن إسحاق.\nوالحديث أخرجه ابن ماجه (ح / ٢٧٦٥) وأما بالنسبة لما قالته السيدة عائشة - ﵂ - عندما علمت بنزول آيات قرآنية ببراءتها فقد أخرج البخاري في صحيحه (ح ٤١٤٣) رواية في آخرها: (فأنزل الله عذرها. قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك).\nوالله تعالى أعلم.\n(١) لقد صح هذا من قصة أبي بكر مع مسطح كما جاء في حديث البخاري ومسلم الآنف الذكر فليراجع.","vol":"2","page":203},{"text":"يرجع في كلّها إلى المدينة (١). (٢: ٦٢٠).\n١٧٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن مسلِم الزهريّ، عن عروة بن الزُّبير، عن المِسْور بن مَخرَمة ومروان بن الحَكَم؛ أنَّهما حدّثاه قالا: خرج رسولُ الله - ﷺ - عامَ الحديبيَة، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه سبعين بَدَنة، وكان النَّاس سبعمئة رجل؛ كانت كلّ بَدَنة عن عشرة نفر (٢). (٢: ٦٢٠).\n١٧٥ - وأمَّا حديث ابن عبد الأعلى؛ فحدّثنا عن محمَّد بن ثور، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عُروة بن الزُّبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة (٣). (٢: ٦٢٠).\n١٧٦ - وحدّثني يعقوب، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا عبد الله بن مبارك، قال: حدّثني معمر عن الزهريّ، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ومرْوان بن الحكَم، قالا: خرج رسولُ الله - ﷺ - من الحديبيَة في بضْعة عشر ومئة من أصحابه. . . . ثمَّ ذكر الحديث (٤). (٢: ٦٢١).\n١٧٧ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عمَّار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قدمنا مع رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولقد ذكر مجاهد العدد قائلًا: (ثلاث عمر) ولكن البخاري أخرج في صحيحه من حديث أنس - ﵁ - قال: اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل من ذي القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١٤٨).\nقلنا: واعتمادًا على حديث أنس هذا وغيره ذهب جمهور أهل الحديث وأئمة المغازي والسير إلى أنها كانت في ذي القعدة من سنة ست للهجرة.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث عن الزهري فإسناده هذا حسن (٢/ ٢٢٧). وسنتحدث عن الخلاف في عدد الجيش بعد آخر رواية في ذلك إن شاء الله.\n(٣) هذا إسناد صحيح ولعل الطبري يريد ذكر طريق آخر للحديث السابق وهو الأغلب، أم أنَّه يعني الحديث الآتي بعد قليل والله أعلم.\n(٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":204},{"text":"الحديبية، ونحن أربعة عشر ومئة (١). (٢: ٦٢١).\n١٧٨ - حدَّثنا يوسف بن موسى القَطَّان، قال: حدَّثنا هِشام بن عبد الملك وسعيد بن شُرَحْبيل المصريّ، قالا: حدَّثنا الليث بن سعد المصريّ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبير، عن جابر، قال: كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربعمئة (٢). (٢: ٦٢١).\n١٧٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان أهلُ البيعة تحت الشَّجرة ألفًا وخمسمئة وخمسة وعشرين (٣). (٢: ٦٢١).\n١٨٠ - حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا شُعْبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعتُ عبدَ الله بن أبي أوفَى، يقول: كنَّا يومَ الشَّجرة ألفًا وثلاثمئة، وكانت أسْلَمُ ثُمن المهاجرين (٤). (٢: ٦٢١).\n١٨١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمَّد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: كنَّا أصحابَ الحديبية أربعة عشر مئة (٥). (٢: ٦٢١).\n_________\n(١) إسناده حسن صحيح.\n(٢) حديث جابر في صحيح البخاري ولفظه: قال لنا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربعمئة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١٥٥، ومسلم / الإمارة / ح ١٨٥٦).\n(٣) إسناده ضعيف وكذلك نسبه الحافظ في الفتح إلى ابن مردويه من حديث ابن عباس (فتح الباري (٧/ ٤٤١) ولكن الذي في صحيح البخاري من حديث جابر: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا خمس عشرة مئة (ح ٤١٥٣).\n(٤) هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤١٥٥) عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ -: (كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمئة وكانت أسلم ثمن المهاجرين) والحديث أخرجه مسلم (ح ١٨٥٧).\n(٥) إسناده ضعيف ولكن حديث جابر صحيح.\nقال البخاري في صحيحه: حدثني عبد الله بن محمَّد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدّث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قائلًا: خرج النبي - ﷺ - عام الحديبية في بضع =","vol":"2","page":205},{"text":"١٨٢ - ثمَّ قال: مَنْ رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عنِ ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنّ رجلًا من أسْلم قال: أنا يا رسولَ الله، قال: فسلك بهم على طريق وَعْرٍ حَزْن بين شعَاب، فلما أن خرجوا منه - وقد شقّ ذلك على المسلمين، وأفضَوْا إلى أرض سَهْلة عند منقطع الوادي - قال رسول الله - ﷺ - للناس: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه. ففعلوا. فقال رسولُ الله - ﷺ -: والله إنها للحِطّة التي عُرضَتْ علي بني إسرائيل فلم يقولوها (١). (٢: ٦٢٣).\n_________\n= عشرة مئة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة وسار النبي - ﷺ - حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال: أشيروا أيها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: امضوا على اسم الله. (صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ٣٥ / ح ٤١٧٨ - ٤١٧٩).\n- أقوال العلماء في عدد أفراد الجيش المسلم:\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمئة فمن قال: ألفًا وخمسمئة جبر الكسر ومن قال: ألفًا وأربعمئة ألغاه ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء وألفًا وأربعمئة أو أكثر واعتمده النوويّ.\nوأما البيهقي فمال إلى الترجيح وقال: إن رواية من قال ألف وأربعمئة أصح (فتح الباري ٧/ ٤٤١).\nوأما من المعاصرين فقد قال المؤرخ العمري: وبلغ عدد المسلمين في الحديبية ألفًا وأربعمئة رجل، ذكر ذلك شهود العيان من الصحابة وهم جابر بن عبد الله والبراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع والمسيب بن حزن.\nوقال جابر في رواية: أنهم ألف وخمسمئة، وقال الصحابي عبد الله بن أبي أوفى أنهم ألف وثلاثمئة.\nواتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم ألف وأربعمئة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير / السيرة النبوية (٢/ ٤٣٥).\n(١) إسناده ضعيف ولكن أخرج البزار (كشف الأستار / ح ١٨١٢): عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال:\nخرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله - ﷺ -: \"إن عيون المشركين الآن على ضجنان فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل؟ \" فقال رسول الله - ﷺ - حين أمسى: \"هل =","vol":"2","page":206},{"text":"١٨٣ - قال ابن شهاب: ثمَّ أمر رسولُ الله - ﷺ - الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظَهْرَي الحَمْضِ في طريق تُخرِجه على ثنيّة المُرَار على مهبَط الحديبيَة من أسفل مكة. قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش قَتَرَة الجيش، وأنّ رسولَ الله - ﷺ - قد خالفهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله - ﷺ -، حتى إذا سلك في ثنيَّة المُرار، بركَتْ ناقته، فقال الناس: خلأتْ! فقال: ما خلأتْ، وما هو لها بخُلقٍ؛ ولكن حبَسها حابسُ الفيل عن مكة؛ لا تدعوني قريش اليومَ إلى خُطّة يسألوني صلَة الرَّحِم إلا أعطيتهم إياها. ثمَّ قال للناس: انزِلوا، فقيل: يا رسولَ الله ما بالوادي ماء ننزل عليه! فأخرجَ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَلِيب تلك القُلب فغرزه في جَوْفه. فجاش الماء بالرّيّ حتى ضربَ الناسُ عليه بِعَطَن (١). (٢/ ٦٢٣ / ٦٢٤).\n_________\n= من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب؟ \" فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنزلت فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه فقال رسول الله - ﷺ -: \"اركب\" ثمَّ نزل آخر فجعلت الحجارة (تنكبه) والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اركب\". ثمَّ وقعنا على الطريق، حتى سرنا في ثنية يقال لها: الحنظل فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل؛ قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له\".\nفجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم.\nقال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا. قال: فنزل رسول الله - ﷺ - ونزلنا.\nوقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (٦/ ١٤٤).\n(١) ذكره الطبري عن الزهري بلا إسناد ومتنه صحيح كما أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الشروط) عن المسور بن مخرمة - ﵄ - ومروان ﵀ يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرًا لقريش وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل فألحت فقالوا: خلأت القصواء فقال النبي - ﷺ - ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثمَّ قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. . . الحديث وفيه:\nوإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدّة، ويخلوا بيني وبين =","vol":"2","page":207},{"text":"١٨٤ - حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدثنا محمَّد بن ثور، عن معمَر، عن الزُّهريّ، عن عرْوة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة. وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدَّثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدَّثنا مَعْمَر، عن الزّهِريّ، عن عروة، عن المسْور بن مَخْرمة ومرْوان بن الحكم، قالا: نزَل رسولُ الله - ﷺ - بأقصى الحُدَيبِيَة على ثمَد قليل الماء؛ إنما يتبرَّضُه الناس تبرّضًا فلم يُلبِّثْه الناس أنْ نَزَحُوه، فشُكِيَ إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فنزع سهمًا من كنانته، ثمَّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صدروا عنه؛ فبينا هم كذلك جاء بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ في نفر من قومِه من خُزاعة - وكانوا عَيبَةَ نُصْحِ رسول الله - ﷺ - من أهل تِهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤي قد نزلوا أعْدَاد مياه الحديبية؛ معهم العُوذُ المطافيل؛ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبيّ - ﷺ -: إنّا لم نأتِ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا قد نهكَتْهم الحرب وأضرَّتْ بهم، فإن شاؤوا مادَدْناهم مُدَّة ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظَهْر، فإن شاؤوا أن يدخلُوا فيما دخل فيه الناس فَعَلوا وإلّا فقد جَمُّوا؛ وإن هم أبوْا فوالذي نفسي بيدِه لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالِفتي، أو ليُنَفِّذنّ الله أمره، فقال بُدَيل: سنبلغُهم ما تقول.\nفانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا؛ فإن شئتم أن نعرِضه عليكم فعْلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول: قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدّثَهم بما قال النبيّ - ﷺ -.\nفقام عروة بن مسعود الثقفيّ، فقال: أي قوْم؛ ألستُم بالوالد! قالوا: بلى، قال: أولستُ بالولد! قالوا: بلى، قال: فهل تتّهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستُمْ تعلمون أني استنفرت أهلَ عُكاظ؛ فلما بَلّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني! قالوا: بلى.\n_________\n= الناس فإن أظهر؛ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي.\n(صحيح البخاري / كتاب الشروط ح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢).","vol":"2","page":208},{"text":"رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب. قال: فإنّ هذا الرّجل قد عرض عليكم خُطَّةَ رُشْد فاقبلوها، ودعوني آتِه. فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلّم النبيّ - ﷺ -، فقال النبيّ نحوًا من مقالته لبُدَيل، فقال عروة عند ذلك: أي محمَّد، أرأيتَ إن استأصلت قومَك، فهل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك! وإن تكن الأخرى، فوالله إنّي لأرى وجوهًا وأوشابًا من الناس خلُقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوك. فقال أبو بكر: امْصص بَظْرَ اللات - واللاتُ طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون - أنحن نَفِرُّ عنه ونَدَعُه! فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما وَالذي نفسي بيده لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أجْزِك بها لأجبتك؛ وجعل يكلّم النبيّ - ﷺ -، فكلّما تكلَّم كلّمه أخذ بلحيته - والمغيرةُ بن شعبة قائمٌ على رأس النبيّ - ﷺ -، ومعه السيف وعليه المغفر؛ فكلّما أهوَى عروة بيده إلى لحية النبيِّ - ﷺ - ضرب يده بنعْل السيف، وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيته، فرفع عُروة رأسَه، فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: أي غُدَرُ؛ ألستُ أسعى في غَدْرتك! وكان المغيرةُ بن شعبة صحبَ قومًا في الجاهليّة، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمَّ جاء فأسلم، فقال النبيّ - ﷺ -: أما الإِسلام فقد قبلْنا، وأما المالُ فإنَّه مال غَدْر، لا حاجة لنا فيه.\nوإنّ عُرْوة جعل يرمُق أصحابَ النبي - ﷺ - بعينه. قال: فوالله إنْ يتنخّم النبيّ نُخامة إلا وقعت في كَفّ رجل منهم فَدلكَ بها وجهه وجلده؛ وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه؛ وإذا تكلّموا عنده خفضوا أصواتهم وما يُحِدّون النظر إليه تعظيمًا له. فرجع عُروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدتُ على الملوكِ، ووفدت على كسرى وقيصرَ والنَّجاشيّ؛ والله إنْ رأيتُ ملِكًا قطّ يُعَظّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحابُ محمّدٍ محمدًا، والله إن يتنخّم نُخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدَلكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يُحِدّون النظر إليه تعظيمًا له؛ وإنّه قد عرض عليكم خُطةَ رُشْد فاقبلوها، فقال رجل من كنانة:\nدعوني آتِه، فقالوا: ائته، فلمّا أشرفَ على النبيّ - ﷺ - وأصحابه، قال النبيّ - ﷺ -: هذا فلان، وهو من قوم يُعَظّمون الْبُدْنَ فابعثوها له، فبعِثَتْ له،","vol":"2","page":209},{"text":"واستقبله قومٌ يُلَبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدّوا عن البيت (١)!\n_________\n(١) إسناده صحيح والحديث أخرجه البخاري بأطول من هذا في صحيحه (كتاب الشروط / ح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢) ولفظه:\nعن المسور بن مخرمة ومروان رحمهما الله تعالى يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: (إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين)، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته. فقال الناس \"حل حل\" فألحت، فقالوا: خلأت القصواء فقال - ﷺ -: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل).\nثمَّ قال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) ثمَّ زجرها فوثبت. قال: \"فعدل عنهم حتى ينزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا. فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثمَّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه\".\n. . . فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله - ﷺ - من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله - ﷺ -: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره) فقال بديل: سأبلغهم ما تقول.\nقال: فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه شيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته قال: سمعته يقول: كذا وكذا.\n. . . فحدثهم بما قال النبي - ﷺ - فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ. فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ - نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك:\nأي محمَّد: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهًا وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر - ﵁ -: امصص بظر اللات. أنحن نفر عنه وندعه؟ ! =","vol":"2","page":210},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك لها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي - ﷺ - فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي - ﷺ - ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - ﷺ - ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ !\nوكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمَّ جاء فأسلم فقال النبي - ﷺ -: (أما الإِسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء) ثمَّ إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - ﷺ - بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله - ﷺ - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له.\nفرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمَّدٍ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا أخفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.\nفقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه؟ فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي - ﷺ - وأصحابه قال رسول الله - ﷺ -: (هذا فلان: وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له).\nفبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت\". فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته.\nفقالوا: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي - ﷺ -: هذا مكرز، وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي - ﷺ -.\n. . . فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنَّه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي - ﷺ -: (قد سهل الله أمركم) قال معمر قال الزهري في حديثه: \"فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي - ﷺ - الكاتب؛ فقال النبي - ﷺ -: (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ولكن اكتب \"بسمك اللهم\" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم.\nفقال النبي - ﷺ -: اكتب \"باسمك اللهم\" ثمَّ قال: (هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله) فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك ولكن اكتب محمَّد بن عبد الله. =","vol":"2","page":211},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقال النبي - ﷺ -: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمَّد بن عبد الله\".\nقال الزهري: وذلك لقوله: \"لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها\".\nفقال له النبي - ﷺ -: \"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به\" فقال سهيل: \"والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا\".\nفبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل الكعبة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمَّد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ.\nفقال النبي - ﷺ -: (إنا لم نقض الكتاب بعد) قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. قال النبي - ﷺ -: (فأجزه لي) قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: \"بلى فافعل\". قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله\".\nقال: فقال عمر بن الخطّاب: فأتيت نبي الله - ﷺ - فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام قال: قلت: لا قال: إنك آتيه ومطوِّف به.\nقال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله - ﷺ - وليس يعصي أمر ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرك أنك تأتيه العام. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به قال عمر - ﵁ -: فعملت لذلك أعمالًا.\nقال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: (قوموا، فانحروا ثمَّ احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا.\nثمَّ جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية. =","vol":"2","page":212},{"text":"١٨٥ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ؛ قال في حديثه: ثمَّ بعثوا إليه الحلَيس بن عَلْقَمة -أو ابن زَبَّان- وكان\n_________\n=. . . ثمَّ رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم (وقال يحيى عن ابن المبارك: فقدم عليه أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا. فاستأجر الأخنس بن شريق رجلًا كافرًا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم، وكتب معهما إلى رسول الله - ﷺ - يسأله الوفاء) فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين.\nفخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد\nالرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا. فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد\nلقد جربت به، ثمَّ جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه به حتى برد.\nوفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله - ﷺ -: (لقد رآى هذا ذعرًا).\nفلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثمَّ أنجاني الله منهم فقال النبي - ﷺ -: (ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد) فلما سمع ذلك عرف أنَّه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت فيهم عصابة.\nقال: فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي - ﷺ - إليهم. فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.\nوكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنَّه نبي الله - ﷺ - ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.\nوأخرج البخاري في صحيحه كتاب المغازي (غزوة الحديبية) عن المسور بن مخرمة - ﵄ - قال: (خرج النبي - ﷺ - عام الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي - ﷺ - حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك.\nقال: أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله ﷿ قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين.\nقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله). أهـ.","vol":"2","page":213},{"text":"يومئذ سيّد الأحابِيش؛ وهو أحد بلْحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلمّا رآه رسولُ الله - ﷺ - قال: إنّ هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهَدْيَ في وجهه حتى يراه، فلمّا رأى الهديَ يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده، قد أكل أوبارَه من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله - ﷺ - إعظامًا لما رأى، فقال: يا معشرَ قريش، إنّي قد رأيتُ ما لا يحلّ صدّه: الهدي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن مَحِلّهِ؛ قالوا له: اجلس، فإنما أنت رجل أعرابيٌّ لا عِلْم لك (١). (٢: ٦٢٧/ ٦٢٨).\n١٨٦ - رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب. فقام رجل منهم يقال له مِكْرَز بن حفص، فقال لهم: دَعُوني آته، قالوا: ائته، فلمّا أشرف عليهم قال النبي - ﷺ -: هذا مِكْرز بن حفص؛ وهو رجل فاجر؛ فجاء فجعل يكلِّم النبيّ - ﷺ -؛ فبينا هو يكلِّمه إذ جاء سهيل بن عمرو.\nوقال أيوب عن عكرمة: إنّه لما جاء سُهَيل قال النبي - ﷺ -: قد سَهُل لكم من أمركم (٢). (٢: ٦٢٨).\n١٨٧ - وأما الحسن بن يحيى فإنَّه حدَّثنا قال: حدَّثنا أبو عامر قال: حدَّثنا عِكرمة بن عمار اليماميّ، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، أنَّه قال: لما اصطلحنا نحن وأهلُ مكة، أتيتُ الشجرة فكسحتُ شوكها، ثمَّ اضطجعتُ في ظلّها، فأتاني أربعةُ نفر من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعُون في رسول الله - ﷺ -، فأبغضتُهم. قال: فتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلّقوا سلاحهم، ثمَّ اضطجعوا؛ فبينا هم كذلك؛ إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قُتل ابن زُنَيم! فاخترطتُ سيفي، فشددت على أولئك الأربعة وهم رقود؛ فأخذت سلاحهم\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف كما سبق ولكن أخرجه ابن هشام بسند حسن من طريق ابن إسحاق (٣/ ٣١٢) والله تعالى أعلم.\n(٢) حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب حديث صحيح كما ذكرنا سابقًا والعبارة الأخيرة التي رواها مرفوعًا (قد سهل الله من أمركم) فكذلك صحيح. كما أخرجه البخاري وإن كان الطبري لم يوضح طريق هذا السند واكتفى بقوله: (وقال أيوب عن عكرمة) فتمامه عند البخاري من حديث المسور ومروان (وقال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنَّه لمّا جاء سهيل بن عمرو قال النبي - ﷺ -: قد سهل الله أمركم). أهـ.","vol":"2","page":214},{"text":"فجعلته ضِغْثًا في يدي، ثمَّ قلت: والذي كرّم وجهَ محمَّد - ﷺ -؛ لا يرفعُ أحدٌ منكم رأسه إلَّا ضربت الذي فيه عيناه. قال: فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله - ﷺ -، وجاءَ عَمّي عامر برجل من العَبَلاتِ، يقال له مكرز؛ يقوده مجفّفًا، حتى وقفنا بهم على رسول الله - ﷺ - في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسولُ الله - ﷺ -، فقال: دعوهم يكن لهم بَدْء الفجور، فعفا عنهم. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (١). (٢: ٦٢٩/ ٦٣٠).\n١٨٨ - حدَّثنا بشر بن معاذ؛ قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أنّ رجلًا مَن أصحابِ النبيّ - ﷺ - يقال له زُنَيم، اطّلع الثنيّة من الحديبيَة، فرماه المشركون فقتلوه، فبعث رسولُ الله - ﷺ - خيلًا، فأتوْه باثني عشر رجلًا فارسًا من الكفار، فقال لهم نبيّ الله - ﷺ -: هل لكم عليّ عهد؟ هل لكم عليّ ذمة؟ قالوا: لا، قال: فأرسلهم رسولُ الله - ﷺ -؛ فأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ - إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٢). (٢: ٦٣٠).\n١٨٩ - وأمَّا ابنُ إسحاق، فإنَّه ذكر أن قريشًا إنما بعثتْ سهيل بن عمرو بعد رسالة كان رسول الله - ﷺ - أرسلها إليهم مع عثمان بن عفان.\n_________\n(١) والحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه:\nأتيت شجرة فكسحت شوكها. واضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من أهل مكة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله - ﷺ - فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا فبينما هم كذلك: إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين. قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي ثمَّ شددت على هؤلاء الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا في يدي، قال: ثمَّ قلت: والذي كرم وجه محمَّد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثمَّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله - ﷺ -.\nقال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله - ﷺ - على فرس مجفف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله - ﷺ - فقال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) فعفا عنهم رسول الله - ﷺ - وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾.\n(٢) هذا إسناد ضعيف ولكن له ما يؤيده من رواية سابقة (١٨٧) وما رواه البخاري في صحيحه عن قتل زنيم وسبب نزول الآية.","vol":"2","page":215},{"text":"حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني بعضُ أهلِ العلم أنّ رسولَ الله - ﷺ - دعا خِرَاشَ بن أميّة الخُزاعيّ، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب؛ ليبلّغ أشرافَهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله وأرادوا قتله، فمنعتْه الأحابيش، فخلَّوْا سبيلَه؛ حتى أتى رسولَ الله - ﷺ - (١). (٢: ٦٣٠/ ٦٣١).\n١٩٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، قال: حدّثني من لا أتَّهم، عن عِكْرمة مولى ابنِ عبّاس، أنّ قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم -أو خمسين رجلًا- وأمروهم أن يُطيفوا بعسكر رسول الله - ﷺ - ليُصيبوا لهم من أصحابه، فأخذُوا أخذًا، فأتِيَ بِهِمْ رسول الله - ﷺ -، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم - وقد كانوا رَمَوْا في عسكر رسول الله - ﷺ - بالحجارة والنَّبْل - ثمَّ دعا النبي - ﷺ - عُمر بن الخطّاب ليبعثَه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشرافَ قريشٍ ما جاءَ له؛ فقال: يا رسولَ الله؛ إني أخاف قريشًا على نفسي؛ وليس بمكَّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني؛ وقد عرفَتْ قريش عداوتي إيّاها، وغلظَتي عليها، ولكنِّي أدلك على رجل هو أعزّ بها منِّي، عثمان بن عفان!\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف ولكن أخرج أحمد في المسند (٤/ ٣٢٣) من حديث مروان بن الحكم والمسور - ﵄ - وفيه:\nوقد كان رسول الله - ﷺ - قبل ذلك بعث خراش بن أمية إلى مكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله - ﷺ - فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بها من بني عديّ أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان.\nقال: فدعاه رسول الله - ﷺ -، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنَّه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - ﷺ -، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله - ﷺ - ما أرسله به. فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - ﷺ - فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله - ﷺ - والمسلمين أن عثمان قد قتل.\nوالحديث أخرجه ابن هشام (٣/ ٣٠٨) من طريق ابن إسحاق والله أعلم.","vol":"2","page":216},{"text":"فدعا رسولُ الله - ﷺ - عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنَّه لم يأت لحرب؛ وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، معظّمًا لحرمته.\nفخرج عثمان إلى مكّة، فلقيَه أبَان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة -أو قبْل أن يدخلها- فنزل عن دابّته، فحمله بين يديه، ثمَّ رَدفه وأجاره؛ حتى بلّغ رسالة رسول الله - ﷺ -، فانطلق عثمان حتى أتَى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسولِ الله - ﷺ - ما أرسلَهُ به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله - ﷺ - إليهم: إن شئتَ أن تطوف بالبيت فطُفْ به؛ قال: ما كنت لأفعَل حتى يطوف به رسولُ الله - ﷺ -؛ فاحتبستْه قريش عندها، فبلغ رسولَ الله - ﷺ - والمسلمين أنّ عثمان قد قُتل (١). (٢: ٦٣١/ ٦٣٢).\n١٩١ - حدّثني يونس بن عبد الأعلَى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أنهم كانوا يوم الحديبية أربعة عشر مئة. قال: فبايعنا رسولَ الله - ﷺ -، وعمرُ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرة، فبايعناه غير الجَدّ بن قيس الأنصاريّ، اختبأ تحت بطن بعيره.\nقال جابر: بايعْنا رسول الله على ألا نَفِرّ؛ ولم نبايعه على الموت (٢). (٢: ٦٣٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولمتنه شواهد ذكرناها آنفًا وأما أسر الصحابة لعدد من مقاتلي قريش فقد أخرجه مسلم في صحيحه (باب قوله تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم) (ح ١٨٠٨).\n(من حديث أنس - ﵁ -) أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله - ﷺ - من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي - ﷺ - وأصحابه فأخذهم سلمًا فاستحياهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾.\nوالحديث أخرجه الترمذي (ح ٣٢٦٤) وقال: حسن صحيح.\n(٢) هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه / كتاب الإمارة / باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ولفظه:\n(قال جابر - ﵁ -: كنا أربع عشر مئة فبايعناه وعمر آخذ بيده، تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره).\nومن رواية أخرى لمسلم (١٨٥٨/ ٧٦) عن معقل بن يسار - ﵁ - قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي - ﷺ - يبايع الناس وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربعة عشرة =","vol":"2","page":217},{"text":"١٩٢ - وقد قيل في ذلك ما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا أبو عامر، قال: أخبرنا عِكْرمة بن عمّار اليماميّ، عن إياس بن سلَمة بن الأكوع، عن أبيه، أنّ النبيّ - ﷺ - دعا الناس للبيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه في أوّل الناس، ثمَّ بايع وبايع؛ حتى إذا كان في وسط من الناس، قال: بايعْ يا سلَمة، قال: قلت: قد بايعتُك يا رسِولَ الله في أوّل الناس! قال: وأيضًا؛ ورآني النبي - ﷺ - أعْزَلَ، فأعطاني حَجَفة أو دَرَقَةً. قال: ثمَّ إنَّ رسولَ الله بايع الناس؛ حتى إذا كان في آخرهم، قال: ألا تبايعُ يا سلمةُ! قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أوّل الناس وأوسطهم! قال: وأيضًا، قال: فبايعتُه الثالثة، فقال رسول الله - ﷺ -: فأين الدَّرَقة، والحَجَفة التي أعطيتُك؟ قلتُ: لقيَني عمّي عامر أعزَل فأعطيته إياها، فضحك رسولُ الله - ﷺ - وقال: إنك كالذي قال الأوّل: اللهمّ ابغني حبيبًا هو أحبّ إليَّ من نفسي (١). (٢: ٦٣٣).\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فبايع رسول الله - ﷺ - النَّاس، ولم يتخلَّفْ عنه أحد من المسلمين حضرها إلَّا الجَدُّ بن قيس، أخو بني سلمة، قال: كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظرُ إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضَبَأ إليها يستتر بها من الناس. ثمَّ أتى رسولَ الله - ﷺ - أن الذي كان من أمر عثمان باطل (٢). (٢: ٦٣٣).\n_________\n= مئة. قال لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه أن لا نفر.\nوالحديث أخرجه أحمد في مسنده والله أعلم.\n(١) حديث سلمة هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (باب غزوة ذي قرد / ح ١٨٠٧).\nولفظه: (قدمنا مع رسول الله - ﷺ - الحديبية ونحن أربع عشر مئة. . . . الحديث) وفيه:\nقال: ثمَّ إن رسول الله - ﷺ - دعانا إلى البيعة في أصل الشجرة فبايعه أول الناس. ثمَّ بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال: (بايعني يا سلمة) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك أول الناس قال: (وأيضًا) قال: ورآني رسول الله - ﷺ - عزلًا فأعطاني حجفة أو درقة، ثمَّ بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: (ألا تبايع يا سلمة؟) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم قال: (وأيضًا) فبايعته الثالثة فقال: (يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟) قال: قلت: يا رسول الله لقيني عامر عزلًا فأعطيتها إياه. فضحك رسول الله - ﷺ - ثمَّ قال: (إنك كالذي قال الأوّل: اللهم ابغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي).\nوالحديث أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٥٣) والبيهقيُّ في الدلائل (٤/ ١٨٢) والله أعلم.\n(٢) حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة / باب استحباب مبايعة الإمام الجيش =","vol":"2","page":218},{"text":"١٩٣ - قال ابن إسحاق: قال الزهريّ: ثمَّ بعثتْ قريش سهيلَ بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤيّ إلى رسول الله - ﷺ -؛ وقالوا له: أئت محمدًا فصالحْه، ولا يكن في صلْحه إلَّا أن يرجعَ عنّا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب أنَّه دخل علينا عنوة أبدًا.\nقال: فأقبل سُهيل بن عمرو، فلمّا رآه رسولُ الله - ﷺ - مقبلًا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلمّا انتهَى سهيل إلى رسول الله - ﷺ - تكلَّم فأطال الكلام، وتراجعا، ثمَّ جرى بينهما الصلح، فلمّا التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله! قال: بلى، قال: أو لَسْنا بالمسلمين! قال: بلى، قال: أو ليسُوا بالمشركين! قال: بلى؛ قال: فَعَلامَ نُعْطي الدنيّةَ في ديننا! قال أبو بكر: يا عُمر الزَمْ غَرْزَه؛ فإني أشهد أنَّه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنَّه رسول الله. قال: ثمَّ أتى رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ألستَ برسول الله! قال: بلى، قال: أوَلَسْنَا بالمسلمينَ! قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين! قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا! فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالفَ أمرَه، ولن يُضيِّعَني. قال: فكان عمر يقول: ما زلت أصومُ وأتصدَّقُ وأصلِّي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلّمت به؛ حتى رجوت أن يكون خيرًا (١). (٢: ٦٣٣/ ٦٣٤).\n١٩٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمَّد بن كعب القرظيّ، عن علقمة بن قيس النخعيّ، عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، قال: ثمّ دعاني رسولُ الله - ﷺ -، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سُهَيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: \"باسمك اللهمّ\" فقال رسول الله: اكتب \"باسمك اللهمّ\" فكتبتُها. ثمَّ قال: اكتب: \"هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله سهيل بن عمرو\"\n_________\n= ٣/ ١٤٨٣) والله أعلم.\n(١) سبق أن ذكرنا روايات البخاري ومسلم في الصلح الذي جرى بين رسول الله - ﷺ - وممثل قريش سهيل بن عمرو (البخاري / كتاب الشروط) ومسلم (كتاب الجهاد / باب صلح الحديبية).","vol":"2","page":219},{"text":"فقال سهيل بن عمرو: لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلْك؛ ولكن اكتب اسمَك واسم أبيك، قال: فقال رسولُ الله - ﷺ -: اكتب: \"هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله سهيل بن عمرو؛ اصطلحا على وضْع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنَّه مَنْ أتى رسولَ الله من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممنّ مع رسول الله لم ترُدَّه عليه. وأنّ بيننا عَيْبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال؛ وأنه مَنْ أحب أن يدخلَ في عَقْد رسولِ الله وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخلَ في عَقْد قريش وعهدهم، دخل فيه\" - فتواثبت خُزاعة فقالوا: نحن في عَقْد رسول الله وعهده، وتواثبتْ بنو بكر، فقالوا: نحن في عَقْد قريش وعهدها - \"وأنك ترجع عَنَّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجْنا عنك، فدخلتَها بأصحابك؛ فأقمت بها ثلاثًا، وأن معك سلاح الراكب، السيوف في القُرُب لا تدخلها بغير هذا\".\nفبينا رسول الله - ﷺ - يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جَنْدل بن سهيل بن عمرو يَرْسُف في الحديد، قد انفلتَ إلى رسولِ الله - ﷺ - قال: وقد كان أصحابُ رسول الله - ﷺ - خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح، لرؤيا رآها رسولُ الله - ﷺ -؛ فلمَّا رأوْا ما رأوْا من الصلح والرجوع، وما تحمَّل عليه رسولُ الله - ﷺ - في نفسه، دخل الناسَ من ذلك أمرٌ عظيمٌ حتى كادوا أن يهلكوا - فلمَّا رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بلَبَبِه، فقال: يا محمَّد قد لجَّت القضيَّة بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا! قال: صدقْت، قال: فجعل يَنْتِرُه بلَبَبِه، ويجرُّه ليَرُدّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرُخ بأعلى صوتِه: يا معشر المسلمين، أرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني! فزاد الناس ذلك شرًّا إلى ما بهم فقال رسولُ الله - ﷺ -: يا أبا جندل، احتسِبْ، فإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعَفين فَرَجًا ومخرجًا؛ إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم عَقْدًا وصلحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدًا، وأعطونا عهدًا، وإنا لا نغدِر بهم.\nقال: فوثب عمر بن الخطّاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل؛ فإنّما هم المشركون؛ وإنما دَمُ أحدهم دمُ كلب! .\nقال: ويُدْني قائم السيف منه، قال: يقولُ عمر: رجوت أن يأخذَ السيفَ","vol":"2","page":220},{"text":"فيضرب به أباه، قال: فضنَّ الرجل بأبيه.\nفلمّا فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين، ورجالًا من المشركين: أبا بكر بن أبي قُحافة، وعمر بن الخطّاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومِكْرز بن حفص بن الأخْيَف - وهو مشرك - أخا بني عامر بن لؤيّ، وعلي بن أبي طالب، وكتب وكان هو كاتب الصحيفة (١). (٢: ٦٣٤/ ٦٣٥ / ٦٣٦).\n١٩٥ - حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مُصعب بن المقدام، وحدّثنا سفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا أبي، قالا جميعًا: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: اعتَمر رسولُ الله - ﷺ - في ذي القَعْدة، فأبى أهلُ مكة أن يَدَعُوه يدخل مكة، حتى يقاضيَهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلمّا كتب الكتاب كتب: \"هذا ما تقاضى عليه محمَّد رسول الله؛ فقالوا: لو نعلم أنك رسولُ الله ما منعناك؛ ولكن أنت محمَّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله، وأنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف ومتنه مركب من أكثر من رواية فأما تسمية علي بن أبي طالب كاتبًا لوثيقة الصلح فقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٤٣) عن ابن عباس وصحح العمري إسناده. أهـ.\nوأخرجه البخاري في صحيحه (الصلح / ح ٢٦٩٨) عن البراء بن عازب - ﵁ - كذلك، وجاء في رواية عند أحمد في مسنده (٤/ ٣٢٥) من طريق ابن إسحاق بسند حسن حديثٌ وفيه: (بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. . . . الحديث وفيه: وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب).\nوأما روايات الصحيحين فقد ذكرت بعضًا من هذه الشروط في أحاديث متفرقة وكما يلي:\n١ - من حديث ابن عمر (صحيح البخاري / باب الصلح مع المشركين / ح ٢٧٠١).\n٢ - من حديث البراء (صحيح البخاري / ح ٢٧٠٠).\n٣ - حديث البراء (صحيح مسلم / ح ١٧٨٣) ولفظ مسلم في حديث البراء بن عازب.\n(لما أُحْصِرَ النبي - ﷺ - عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثًا ولا يدخلها إلَّا بجلبان السلاح: السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحد يمكث بها كان معه. . . إلخ الحديث).","vol":"2","page":221},{"text":"محمَّد بن عبد الله، قال لعليّ - ﵇ -: امْح \"رسولَ الله\"، قال: لا والله لا أمحاك أبدًا، فأخذه رسولُ الله - ﷺ - وليس يُحسِن يكتب - فكتب مكان \"رسول الله\" \"محمَّد\" فكتب: \"هذا ما قاضى عليه محمَّد، لا يدخل مكة بالسلاح إلا السيوف في القراب، ولا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتّبعه، ولا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها\". فلما دخلها ومضَى الأجل، أتْوا عليًّا ﵇، فقالوا له: قل لصاحبك: اخرجْ عنّا فقد مضى الأجل، فخرج رسولُ الله - ﷺ - (١). (٢: ٦٣٦/ ٦٣٧).\n١٩٦ - حدَّثنا محمَّد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمَّد بن ثور، عن معمَر، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن المِسْور بن مخرمة. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدَّثنا معمَر، عن الزّهريّ، عن عُرْوَة، عن المِسْور بن مَخْرمة ومرْوان بن الحكَم في قصة الحديبيَة: فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من قضيّته قال لأصحابه: قوموا فانحرُوا، ثمَّ احلِقُوا. قال: هو الله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرّات؛ فلمّا لم يقمْ منهم أحد، قام فدخلَ على أمّ سلَمة، فذكر لها\n_________\n(١) حديث براء هنا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الصلح) ولفظه: (اعتمر النبي - ﷺ - في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يَدعُوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله - ﷺ - فقالوا: لا نقرُّ بها. فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك لكن اكتب محمَّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمَّد بن عبد الله، ثمَّ قال لعليّ: امح رسول الله قال: والله لا أمحوك أبدًا فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب فكتب هذا ما قاضى عليه محمَّد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحدٍ إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها فلما دخل ومضى الأجل أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي - ﷺ - فتبعتهم ابنة حمزة: يا عمّ يا عمّ فتناولها عليّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍: دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي.\nفقضى بها النبي - ﷺ - لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعليّ: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخُلقي. وقال لزيد: أنت أخبرنا ومولانا).\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (باب صلح الحديبية / ح ١٧٨٣).","vol":"2","page":222},{"text":"ما لقَي من الناس، فقالت له أمّ سلمة: يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك! أخرج ثم لا تكلّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بَدَنَتَك؛ وتدعوَ حالِقك فيحلقك؛ فقام فخرج فلم يكلّم أحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك؛ نحو بدَنته ودعا حالِقه فحلقه. فلمّا رأوْا ذلك قاموا فنحرُوا؛ وجعل بعضهم يحلِق بعضًا؛ حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا (١). (٢: ٦٣٧).\n١٩٧ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حلَق رجالٌ يوم الحديبية، وقصَّر آخرون؛ فقال رسولُ الله - ﷺ -: يرحم الله المحلِّقين، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلّقين، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلّقِين، قالوا: يا رسولَ الله: والمقصِّرين؟ قال: والمقصِّرين؛ قالوا: يا رسولَ الله؛ فلِمَ ظاهرتَ الترحُّم للمحلّقين دون المقصِّرين؟ قال: لأنهم لم يشكُّوا (٢). (٢/ ٦٣٧).\n١٩٨ - حدَّثنا ابن حُميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن أبان بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: أهدى رسولُ الله - ﷺ -\n_________\n(١) إسناده صحيح والحديث جزء من الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري في صحيحه كما ذكرنا سابقًا (في كتاب الشروط من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ح / ٢٧٣١) وقد ذكرنا الحديث بطوله سابقًا والله أعلم.\nولقد ذكر البخاري بعض شروط الصلح من حديث البراء (ح / ٢٧٠٠) ومسلم (ح / ١٧٨٣) ومن حديث ابن عمر - ﵄ - عند البخاري كذلك (ح / ٢٧٠١).\nأما الإمام أحمد فقد ذكر جميع الشروط في رواية واحدة وذلك من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. وانظر صحيح ابن حبَّان (ح ١٦٩٦) والمطالب العالية (٢٠٦٤، ٤٣٤٧) والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناد الطبري إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وهذا إسناد حسن ولقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الحج / باب الحلق والتقصير).\n(عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين. قالها ثلاثًا. قال: وللمقصرين).\nورواه مسلم (كتاب الحج / باب تفضيل الحلق) وغيرهما.","vol":"2","page":223},{"text":"عامَ الحديبيَة في هداياه جملًا لأبي جهل؛ في رأسه بُرَة من فِضّة، ليغيظ المشركين بذلك (١). (٢: ٦٣٨).\n١٩٩ - رجع الحديث إلى حديث الزهريّ الذي ذكرنا قبل ثمَّ رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة - زاد ابنُ حُميد عن سلمة في حديثه، عن ابن إسحاق عن الزهريّ، قال: يقول الزهريّ: فما فُتحَ في الإِسلام فتحٌ قبلَه كان أعظمَ منه؛ إنما كان القتال حيث التقى النَّاس - فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلُّهم بعضهم بعضًا فالتقوا؛ وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلَّم أحد بالإِسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينِك السنتين في الإِسلام مثلُ ما كان في الإِسلام قبل ذلك وأكثر (٢). (٢: ٦٣٨).\n٢٠٠ - وقالوا جميعًا في حديثهم عن الزُّهْرِي، عن عُروة، عن المِسْور ومروان: فلما قدِم رسولُ الله - ﷺ - المدينة، جاءه أبو بَصير؛ - رجل من قريش - قال ابن إسحاق في حديثه: أبو بصير عُتْبة بن أسَيد بن جارية - وهو مسلمٌ، وكان ممن حُبِس بمكة، فلمّا قدِم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عَوْف والأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفيّ إلى رسول الله - ﷺ -، وبعث رجلًا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم. فقدما على رسول الله - ﷺ - بكتاب الأزهر\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن الإمام أحمد أخرجه من طريق ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث عن عبد الله بن أبي نجيح فإسناده حسن (المسند ١/ ٢٣٤).\nوالحديث أخرجه ابن هشام في السيرة وأبو داود في سننه (كتاب المناسك / باب في الهدي) من طريق ابن إسحاق كما عند الطبري والله تعالى أعلم.\n(٢) هكذا ذكر الطبري قول الزهري الإمام ﵀، وكذلك نسب ابن هشام هذا الكلام والتعليق النفيس إلى الإمام الزهري ﵀ - ولقد أيد ابن هشام ﵀ قول الزهري هذا فقال معقبًا: والدليل على قول الزهري أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة في قول جابر بن عبد الله، ثمَّ خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. أهـ.\nقلنا (المحققان): ولا غرابة في قول الزهري وتأييد ابن هشام له بل هكذا كان يعدّ الصحابة بعد ذلك يوم الحديبية فتحًا عظيمًا وبابًا واسعًا لانتصار الإِسلام. ولقد أخرج البخاري في صحيحه. (كتاب المغازي / باب غزوة الحديبية / ح ٤١٥٠) حديثًا عن البراء بن عازب - ﵄ - قال: (تعدّون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحًا ونحن نعدّ الفتح: بيعة الرضوان يوم الحديبية). . . .. إلى آخر الحديث.","vol":"2","page":224},{"text":"والأخنس، فقال رسولُ الله - ﷺ -: يا أبا بصير؛ إنَّا قد أعْطينا هؤلاء القوم ما قد علمت؛ ولا يصلح لنا في ديننا الغَدْر، وإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرَجًا ومخرجًا.\nقال: فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحُلَيفة، جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارمٌ سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال: انظر إليه؟ قال: إن شئت! فاستلّه أبو بَصير، ثمّ علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعًا حتى أتى رسولَ الله - ﷺ - وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله طالعًا، قال: إنَّ هذا رجل قد رأى فَزَعًا، فلمّا انتهى إلى رسولِ الله قال: ويلك! مالك! قال: قتَل صاحبُكم صاحبي؛ هو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشِّحًا السيف، حتى وقف على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، وفتْ ذمّتك، وأدِّيَ عنك، أسلمتني ورددتَني إليهم ثمَّ أنجاني الله منهم. فقال النبي - ﷺ -: ويلُ أمِّه مِسْعَرُ حَرْب! - وقال ابن إسحاق في حديثه: محَشّ حَرْب - لو كان معه رجالٌ! فلمّا سمع ذلك عرف أنَّه سيرُدّه إليهم. قال: فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المَرْوة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام. وبلغ المسلمين الذين كانوا احتُبسوا بمكة قولُ رسول الله - ﷺ - لأبي بصير: \"ويل أمّه محشّ حرب لو كان معه رجال\"، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص؛ وينفلت أبو جندل بن سُهَيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير؛ فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلًا منهم؛ فكانوا قد ضيّقوا على قُرَيش؛ فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبيّ - ﷺ - يناشدونه بالله وبالرّحم لَمَا أرسل إليهم! فمن أتاه فهو آمِن، فآواهم رسول الله - ﷺ -، فقدموا عليه المدينة.\nزاد ابن إسحاق في حديثه: فلمَّا بلغ سهيلَ بن عمرو قتلُ أبي بصير صاحبَهم العامريّ أسند ظهرَه إلى الكعبة، وقال: لا أؤخّر ظهري عن الكعبة؛ حتى يُودُوا هذا الرجل؛ فقال أبو سفيان بن حرب: والله إنّ هذا لهو السَّفه! والله لا يُودَى! ثلاثًا (١). (٢: ٦٣٨/ ٦٣٩).\n_________\n(١) لقد ذكرنا سابقًا أن البخاري أخرج حديث مروان ومسور - ﵄ - وفي آخر الحديث قصة أبي بصير. (صحيح البخاري / كتاب الشروط / ح ٢٧٣١) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":225},{"text":"٢٠١ - وقال ابن عبد الأعلى ويعقوب في حديثهما: ثمَّ جاءه -يعني رسولَ الله- نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله ﷿ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ - حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. قال: فطلَّق عمر بن الخطّاب يومئذ امرأتين كانتا له في الشرْك. قال: فنهاهم أن يردّوهنّ، وأمرهم أن يردُّوا الصَّداق حينئذ.\nقال رجل للزهريّ: أمِنْ أجل الفُروج؟ قال: نعم؛ فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صَفْوان بن أميّة (١). (٢: ٦٤٠).\n٢٠١ - زاد ابن إسحاق في حديثه: وهاجرتْ إلى رسول الله - ﷺ - أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط في تلك المدّة؛ فخرج أخواها عُمارة والوليد ابنا عُقْبة؛ حتى قَدِما على رسول الله - ﷺ - يسألانِه أن يردّها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية؛ فلم يفعل، أبَى الله ﷿ ذلك (٢). (٢: ٦٤٠).\n_________\n(١) هذا الجزء مكمل لحديث ابن عبد الأعلى ويعقوب السابق، وإسناد الحديث صحيح وكذلك أخرجه البخاري كما مرّ بنا في صحيحه من حديث طويل ذكرناه بطوله في قسم الصحيح فليراجع والله تعالى أعلم.\n(٢) جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه فقد قال الإمام البخاري ﵀: حدثني إسحاق أخبرنا يعقوب حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني عروة بن الزبير أنَّه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرًا من خبر رسول الله - ﷺ - في عمرة الحديبية فكان فيما أخبرني عروة عنهما أنَّه لما كاتب رسول الله - ﷺ - سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنَّه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه وأبي سهيل أن يقاضي رسول الله - ﷺ - إلا على ذلك فكره المؤمنون ذلك وأمعضوا فتكلموا فيه فلما أبي سهيل أن يقاضي رسول الله - ﷺ - إلا على ذلك كاتبه رسول الله - ﷺ - فردَّ رسول الله - ﷺ - أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأتِ رسول الله - ﷺ - أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله - ﷺ - وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله - ﷺ - أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل.\nقال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - قالت: إن رسول الله - ﷺ - كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾. =","vol":"2","page":226},{"text":"٢٠٢ - وقال أيضًا في حديثه: كان ممَّن طلَّق عمر بن الخطّاب؛ طلق امرأتَيه قُرَيبَة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان؛ وهما على شِرْكهما بمكَّة، وأمّ كلثوم بنت عمرو بن جَرْوَل الخُزاعيّة أمّ عُبيد الله بن عمر؛ فتزوّجها أبو جَهْم بن حُذافة بن غانم، رجلٌ من قومها؛ وهما على شركهما بمكة (١). (٢: ٦٤٠).\n٢٠٣ - وأما الرواية الأخرى عن سلَمة بن الأكوع في هذه السريّة، أن أميرها كان أبا بكر بن أبي قحافة؛ حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا أبو عامر، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عَمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أمَّرَ رسولُ الله - ﷺ - علينا أبا بكر؛ فغزونا ناسًا من بني فَزارة، فلمَّا دنوْنا من الماء أمرَنا أبو بكر فعرّسنا؛ فلمَّا صلَّينا الصبح، أمرنا أبو بكر فشنَنَّا الغارة عليهم. قال: فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا. قال: فأبصرت عُنُقًا من الناس؛ وفيهم النّساء والذراريُّ قد كادوا يسبقون إلى الجبل، فطرحت سهمًا بينهم وبين الجبل، فلمَّا رأوا السَّهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر؛ وفيهم امرأة من بني فَزارة عليها قَشْعُ أدَم، معها ابنة لها من أحسن العرب. قال: فنفَّلني أبو بكر ابنتها، قال: فقدمت المدينة، فلقيني رسولُ الله - ﷺ - بالسوق، فقال: يا سلَمة، لله أبوك! هب لي المرأة! فقلت: يا رسولَ الله؛ والله لقد أعجبَتْني وما كشفت لها ثوبًا. قال: فسكت عني حتى إذا كان من الغد لقيَني في السّوق، فقال: يا سلَمة، لله أبوك! هبْ لي المرأة، فقلت: يا رسولَ الله؛ والله ما كشفت لها ثوبًا؛ وهي لك يا رسولَ الله. قال: فبعث بها رسول الله إلى مكَّة؛ ففادى بها أسارى من المسلمين\n_________\n= وعن عمِّه قال: بلغنا حين أمر الله رسوله - ﷺ - أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم وبلغنا أن أبا بصير. . . فذكره بطوله.\n(صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ٣٥ / ح ٤١٨٠ - ٤١٨١) وانظر فتح الباري (ح / ٢٧١٢).\n(١) ذكرنا سابقًا حديث البخاري الطويل في غزوة الحديبية وفيه: (فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية).\nقال الحافط ابن كثير: وفي رواية عقيل عن الزهري وهو عند البخاري تعليقًا أنها قريبة بنت أبي أمية، تزوجها معاوية، والأخرى بنت جرول، تزوجها أبو الجهم، وهكذا قال ابنُ إسحاق (البداية والنهاية ٣/ ٣٩٢).","vol":"2","page":227},{"text":"كانوا في أيدي المشركين. فهذه الرواية عن سلمة (١). (٢: ٦٤٣/ ٦٤٤).\n٢٠٤ - قال محمَّد بن عمر: وفيها سريّة كُرز بن جابر الفهريّ إلى العُرنيِّين الذين قتلوا راعي رسولِ الله - ﷺ -، واستاقوا الإبل في شوّال من سنة ستّ؛ وبعثه رسول الله في عشرين فارسًا (٢). (٢: ٦٦٤).\n_________\n(١) إسناده حسن صحيح والحديث أخرجه الإمام أحمد من طريق بهز عن عكرمة بن عمار به.\nوكذلك أخرجه مسلم في صحيحه والبيهقيُّ في الدلائل (٢/ ٢٩٠) والله أعلم. ولفظ مسلم: (غزونا فزارة وعلينا أبو بكر - ﵁ - أمّره رسول الله - ﷺ - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، ثمَّ شن الغارة فورد الماء، فقتل من قتل عليه وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم - قال: القشع النطع - معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر - ﵁ - فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا فلقيني رسول الله - ﷺ - في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثمَّ لقيني رسول الله - ﷺ - من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك، فقلت: هي لك يا رسول الله. فوالله ما كشفت لها ثوبًا فبعث بها رسول الله - ﷺ - إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة) (مختصر صحيح مسلم / ح ١١٤٥ / باب في التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى / كتاب السير).\n(٢) ذكر الطبري سرية كرز إلى العُرنيِّين عن الواقدي بلا إسناد دون التطرق إلى التفاصيل وقصة عكل وعرينة صحيح كما أخرجه البخاري قال: حدثني عبد الأعلى بن حماد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة أن أنسًا - ﵁ - حدثهم أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي - ﷺ - وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمرهم رسول الله - ﷺ - بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي - ﷺ - واستاقوا الذود فبلغ النبي - ﷺ - فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.\nقال قتادة: بلغنا بعد ذلك أن النبي - ﷺ - كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.\nقال أبو عبد الله وقال شعبة وأبان وحماد عن قتادة من عرينة: وقال يحيى بن أبي كثير وأيوب عن أبي قلابة عن أنس: قدم نفر من عكل أخرجه البخاري في (كتاب المغازي / باب قصة عكل وعرينة / ح ٤١٩٢) والحديث أخرجه مسلم (باب حكم المحاربين والمرتد ح / ٦٧١) وأحمد (١/ ١٠٧) وابن ماجه (ح ٢٥٧٨) وغيرهم.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>ذكر خروج رسل رسول الله - ﷺ - إلى الملوك</span>\n٢٠٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: حدّثني أبو سُفيان بن حرب، قال: كنَّا قومًا تجّارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نَهَكَتْ أموالنِا؛ فلمَّا كانت الهُدْنَة بينَنا وبين رسول الله، لم نأمَنْ ألا نجد أمنًا؛ فخرجتُ في نَفر من قريش تُجّار إلى الشأم؛ وكان وجهُ متجرنا منها غَزَّة، فقدمناها حين ظهر هِرَقْل على مَنْ كان بأرضه من فارس؛ وأخرجهم منها، وانتزع له منهم صليبه الأعظم؛ وكانوا قد استلبوه، فلمَّا بلغ ذلك منهم، وبلغه أن صليبه قد استنقذ له - وكانت حِمْصُ منزله - خرج منها يمشي على قدميه متشكرًا لله حين ردّ عليه ما ردّ، ليصلّيَ في بيت المقدس، تُبْسَطُ له البُسط، وتلقَى عليها الرياحين، فلمّا انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته، ومعه بطارقته وأشراف الروم، أصبح ذات غَداة مهمومًا يقلّب طرفه إلى السماءِ، فقال له بطارقته: والله لقد أصبحت أيها الملك الغداةَ مهمومًا، قال: أجلْ، أُريتُ في هذه الليلة أن مُلكَ الختان ظاهرٌ! قالوا له: أيها الملك، ما نعلم أمَّةً تختتن إلَّا يهود؛ وهم في سلطانك وتحت يدك؛ فابعث إلى كلّ مَنْ لك عليه سلطان في بلادك، فمرْه فليضرب أعناقَ كلّ مَنْ تحت يديه من يهودَ، واسترحْ من هذا الهمّ. فوالله إنَّهم لفي ذلك من رأيهم يُديرونه؛ إذْ أتاه رسولُ صاحب بُصْرَى برجل من العرب، يقوده - وكانت الملوك تَهَادَى الأخبار بينها - فقال: أيها الملك؛ إنَّ هذا الرجل من العرب من أهل الشَّاءِ والإبل؛ يحدّث عن أمر حَدَث ببلاده عجب؛ فسلْه عنه.\nفلمَّا انتهى به إلى هِرَقْل رسول صاحب بُصرى، قال هرقل لتَرْجُمانه: سلْه، ما كان هذا الحدَث الَّذي كان ببلاده؟ فسأله فقال: خرج بين أظهرنا رَجُلٌ يزعُم أنَّه نبيّ، قد اتّبعه ناسٌ وصدّقوه، وخالفه ناس؛ وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة؛ فتركتهم على ذلك. قال: فلمَّا أخبره الخبر قال: جَرّدُوه، فجرَّدوه؛ فإذا هو مختُون، فقال هرقل: هذا والله الذي أريت؛ لا ما تقولون؛ أعطوه ثوبه؛ انطلق عنا. ثمَّ دعا صاحبَ شُرْطته، فقال له: قَلّب لي الشأم ظهرًا وبطنًا؛ حتى","vol":"2","page":229},{"text":"تأتيَني برجل من قوم هذا الرجل -يعني النبيّ - ﷺ -.\nقال أبو سفيان: فوالله إنّا لبغَزَّةَ، إذ هجم علينا صاحب شرطته؛ فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز؟ قلنا: نعم، قال: انطلقوا بنا إلى الملك؛ فانطلقنا؛ فلما انتهينا إليه قال: أنتم من رَهْط هذا الرجل؟ قلنا: نعم؛ قال: فأيّكم أمسّ به رحمًا؟ قلت: أنا.\nقال أبو سفيان: وايمُ الله ما رأيتُ من رجل أرى أنَّه كان أنكَر من ذلك الأغلف -يعني هرقل- فقال: ادْنُهْ فأقعدني بين يديه، وأقعد أصحابي خَلْفي، ثمَّ قال: إني سأسأله؛ فإن كَذَبَ فَردُّوا عليه؛ فوالله لو كذبتُ ما رَدُّوا عليَّ؛ ولكني كنتُ امرَأ سيدًا أتكرَّمُ عن الكذب؛ وعرفت أن أيسر ما في ذلك إنْ أنا كذبته أن يحفظُوا ذلك عليّ؛ ثمَّ يحدّثوا به عني؛ فلم أكذبه، فقال؛ أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدّعي ما يدّعي! قال: فجعلتُ أزَهّدُ له شأنه؛ وأصغِّرُ له أمره؛ وأقول له: أيّها الملك، ما يهمّك من أمره! إنَّ شأنه دون ما يبلغك؛ فجعل لا يلتفت إلى ذلك، ثمَّ قال: أنبئني عَمَّا أسألك عنه من شأنه. قلت: سَلْ عَمَّا بدا لك؛ قال: كيف نسبُه فيكم؟ قلت: محضٌ؛ أوسطنا نسَبًا. قال: فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول، فهو يتشبَّه به؟ قلت: لا. قال: فهل كان له فيكم مُلْكٌ فاستلبتموه إيّاه؛ فجاء بهذا الحديث لتردُّوا عليه ملكه؟ قلت: لا؛ قال: فأخبرني عن أتْبَاعِه منكم، مَنْ هم؟ قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث من الغِلْمان والنِّساء، وأما ذوو الأسنان والشَّرَف من قومه؛ فلم يتّبعه منهم أحدٌ. قال: فأخبِرْني عَمّنْ تَبِعه، أيحبّه ويلزمُه أم يقليه ويفارقه؟ قال: قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فأخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: قلت: سِجَالٌ يُدال علينا وندال عليه؛ قال: فأخبرني هل يَغْدِر؟ فلم أجد شيئًا ممَّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها، قلت: لا، ونحن منه في هُدْنة، ولا نأمن غَدْره. قال: فوالله ما التفت إليها منّي، ثمَّ كرّ عليّ الحديث.\nقال: سألتك كيف نسبه فيكم، فزعمتَ أنَّه مَحْضٌ، من أوسطكم نسبًا؛ وكذلك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه؛ لا يأخذه إلا من أوْسَط قومه نسبًا. وسألتك: هل كان أحدٌ من أهل بيته يقول بقوله؛ فهو يتشبَّه به؛ فزعمت أن لا؛ وسألتك: هل كان له فيكم مُلْكٌ فاستلبتموه إياه؛ فجاءَ بهذا الحديث يطلب به ملكه؟","vol":"2","page":230},{"text":"فزعمت أن لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنَّهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء؛ وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان، وسألتكُ عَمّن يتَّبعه، أيحبه ويلزمه أم يَقْلِيه ويفارقه؟ فزعمت أنَّه لا يتبعه أحدٌ فيفارقه؛ وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا؛ فلئن كنتَ صدقتني عنه ليغلبَنِّي على ما تحت قدميّ هاتين؛ ولوددت أنِّي عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك.\nقال: فقمتُ من عنده وأنا أضرب إحدى يديّ بالأخرى؛ وأقول: أي عبادَ الله؛ لقد أمرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشة! أصبح ملوك بني الأصفر يهابونَه في سلطانهم بالشام!\nقال: وقدم عليه كتاب رسول الله - ﷺ - مع دحيَة بن خليفة الكلبيّ: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمَّد رسول الله إلى هِرَقْل عظيم الروم. السَّلام على من اتَّبع الهدى. أمَّا بعد: أسْلِمْ تَسْلَم، وأسْلِمْ يُؤْتِك الله أجْرَك مرّتين؛ وإن تتولّ فإنّ إثْمَ الأكّارين عليك -يعني تِحِمَّاله (١). (٢: ٦٤٦/ ٦٤٧ / ٦٤٨/ ٦٤٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن حديث ابن عباس في هذه القصة حديث صحيح فقد أخرج البخاري عن حديث ابن عباس - ﵄ -: أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه قال: \"انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله - ﷺ - قال: فبينما أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من رسول الله - ﷺ - إلى هرقل: يعني عظيم الروم. قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.\nفقال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنَّه نبي، قالوا: نعم. قال: فدعيت في نفر من قريش. فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنَّه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي، ثمَّ دعا بترجمانه فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنَّه نبي. فإن كذبني فكذبوه.\nقال: فقال أبو سفيان: وايم الله! لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت.\nثمَّ قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: قلت: لا. قال: ومن يتبعه: أشراف الناس أم ضعفاؤُهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: بل يزيدون.\nقال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه =","vol":"2","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سجالًا يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحد قبله. قال: قلت: لا.\nقال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنَّه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها.\nوسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك فقلت: رجل يطلب ملك آبائه.\nوسألتك عن أتباعه؛ أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل.\nوسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت أن لا؟ فقد عرفت أنَّه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثمَّ يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.\nوسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت: أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم.\nوسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه. فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا، ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبلى ثمَّ تكون لهم العاقبة.\nوسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنَّه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله.\nقال: ثمَّ قال: بم يأمركم؟ فقلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلاة والعفاف.\nقال: إن يكن ما تقول فيه حقًّا، فإنَّه نبي وقد كنت أعلم أنَّه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقائه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي قال: ثمَّ دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام. أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nقال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، أكثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنًا أنَّه سيظهر حتى أدخل الله علي الإِسلام\".\nوكان ابن الناطور - صاحب إيلياء وهرقل - أسقفًا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين =","vol":"2","page":232},{"text":"٢٠٦ - حدَّثنا سفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن ابن عبَّاس، قال: أخبرني أبو سفيان بن حَرْب، قال: لمَّا كانت الهُدْنة بيننا وبين رسول الله - ﷺ - عامَ الحديبيَة، خرجتُ تاجرًا إلى الشأم. ثمَّ ذكر نحو حديث ابنِ حميد، عن سلَمة، إلا أنَّه زاد في آخره: قال: فأخذ الكتاب فجعله بين فخذيه وخاصرته (١). (٢: ٦٤٩).\n_________\n= قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم.\nفقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود. فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله - ﷺ -.\nفلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنَّه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثمَّ كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم. وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي - ﷺ - وأنه نبي.\nفأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثمَّ أمر بأبوابها فغلقت، ثمَّ اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردوهم عليّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل\".\n(صحيح البخاري / كتاب بدء الوحي، باب حديث أبي سفيان عند هرقل / ح ٧) وأخرجه مسلم (باب كتاب النبي إلى هرقل / ح ١٧٧٣) والترمذي (ح ٢٧١٨) وغيرهم والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف ولكن له متابع كما عند البخاري في صحيحه (بدء الوحي / ح ٧) عن ابن عباس - ﵄ - أن أبا سفيان بن حرب - ﵁ - أخبره (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله - ﷺ - مادًّا فيها أبا سفيان وكفار قريش. . . الحديث وفي آخره:\nثمَّ دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه. . . إلخ).\nوراجع تخريج الرواية السابقة (٢٠٦) إلا أن الطبري ذكر عام الحديبية بالتحديد وسنتطرق إلى توقيت إرساله - ﷺ - للرسل إلى الملوك بعد انتهائنا من الجزء الثاني هذا إن شاء الله تعالى. =","vol":"2","page":233},{"text":"٢٠٧ - وفيها كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى، وبعث الكتاب مع عبد الله بن حُذافة السهميّ؛ فيه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلامٌ على مَن اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله؛ وشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، إلى الناس كافَّة، ليُنذِرَ مَنْ كان حَيًّا؛ أسْلِمْ تسلَمْ فإنْ أبيت فعليك إثم المجوس.\nفمزّق كتاب رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله: مُزِّق ملكه! (١) (٢: ٦٥٤).\n٢٠٨ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، قال: وبعث عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم إلى كِسْرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمَّد رسول الله إلى كِسْرى عظيم فارس؛ سلام عَلَى من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمدًا عبده ورسوله؛ وأدعوك بدعاء الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافَّةً لأنذر من كان حَيًّا ويحقّ القول على الكافرين، فأسلم تَسلَم، فإن أبيت؛ فإن إثم المجوس عليك.\nفلمّا قرأه مزّقه، وقال: يكتب إليّ هذا وهو عبدي! (٢) (٢: ٦٥٤/ ٦٥٥).\n٢٠٩ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهريّ، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عبد الله بن حُذافة قدِمَ بكتاب رسول الله - ﷺ - على كسرى، فلمّا قرأه شقّه، فقال\n_________\n= ذكرنا الروايتين (٢٦٩/ ٢٧٠) في قسم الضعيف، أما أصل المسألة أي إرساله - ﷺ - كتابًا إلى النجاشي فصحيح كما أخرج مسلم في صحيحه (باب كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار / ح ١٧٧٤) عن أبي بن مالك - ﵁ -: أن نبي الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي - ﷺ - والحديث أخرجه الترمذي (ح ٢٧١٦) وقال: حسن صحيح غريب.\nوأما رواية الطبري: أنَّه - ﷺ - أرسل إلى النجاشي الذي أسلم وفي ذلك مخالفة لرواية مسلم والترمذي وغيرهما والله أعلم.\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد وله ما يؤيده كما سنذكر بعد الرواية (٢٠٨).\n(٢) هذا إسناد مرسل ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق بسند مرسل والحديث جزء من حديث صحيح كما سنذكر بعد روايتين.","vol":"2","page":234},{"text":"رسول الله: مُزّق ملكُه! حين بلغه أنَّه شقّ كتابه (١). (٢: ٦٥٥).\n٢١٠ - ثمَّ رجع إلى حديث يزيد بن أبي حبيب. قال: ثمّ كتب كِسْرى إلى باذان؛ وهو على اليمن: أن ابعث إِلى هذا الرّجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدَين، فلْيأتياني به؛ فبعث باذان قهرمانه وهو بابَوَيه - وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس - وبعث معه رجلًا من الفُرْس يقال له خُرّ خُسره، وكتب معهما إلى رسولِ الله - ﷺ - يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل، وكلِّمه وائْتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالًا من قريش بنَخِب من أرض الطائف فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما وفرحوا؛ وقال بعضهم لبعض: أبشِرُوا فقد نَصِب له كسرى ملك الملوك، كُفيتم الرجل! .\nفخرجا حتى قَدِما على رسول الله - ﷺ -، فكلّمه بابويه، فقال: إنَّ شاهانشاه ملك الملوك كِسْرى؛ قد كتب إلى الملك باذان، يأمره أن يبعث إليك مَنْ يأتيه بك؛ وقد بعثني إليك لتنطلق معي؛ فإن فعلتَ كتَب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفّه عنك؛ وإن أبيتَ فهو من قد علمت! فهو مهلكُك ومهلك قومك، ومخرّب بلادك؛ ودخلا على رسول الله - ﷺ - وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما؛ فكره النظر إليهما، ثمَّ أقبل عليهما فقال: ويلكُما! مَنْ أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا رَبّنا -يعنيان كسرى- فقال رسول الله: لكنّ ربّي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي. ثمَّ قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدًا، وأتى رسول الله - ﷺ - الخبرُ من السّماء أنّ الله قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه؛ فقتله في شهر كذا وكذا ليلة كذا وكذا من الليل؛ بعد ما مضى من الليل؛ سلّط عليه ابنُه شيرويه فقتله.\nرجع الحديث إلى حديث محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب.\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولمتنه ما يؤيده كما سنذكر بعد الرواية التالية: (٢١٠).\nومتنه صحيح كما سبق أن ذكرنا رواية ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه فحسبت ابن المسيب قال: (وهذا قول التابعي عبد الله بن عبد الله الذي روى الحديث عن ابن عباس) فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - أن يمزقوا كل ممزق.\n(صحيح البخاري / كتاب المغازي ح ٤٤٢٤).","vol":"2","page":235},{"text":"فدعاهما فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول! إنا قد نَقِمْنا عليك ما هو أيسرُ من هذا؛ أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك! قال: نعم، أخبراه ذلك عنّي، وقولا له: إنَّ ديني وسلطاني سيبلغُ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخُفّ والحافر؛ وقولا له: إنك إن أسلمْتَ أعطيتُك ما تحت يَدَيك؛ وملّكتُك على قومك من الأبناء؛ ثمَّ أعطى خُرّ خسره مِنْطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها له بعض الملوك.\nفخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام مَلك، وإنّي لأرى الرّجل نبيًّا كما يقول؛ ولننظرنّ ما قد قال؛ فلئن كان هذا حقًّا ما فيه كلامٌ؛ إنه لنبي مُرْسَلٌ؛ وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.\nفلم ينشب باذان أن قدم عليه كتابُ شيرويه؛ أما بعدُ فإنّي قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحلّ من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم؛ فإذا جاءك كتابي هذا فخذْ لي الطاعة ممَّن قبلَك؛ وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تُهِجْه حتى يأتيَك أمري فيه.\nفلمّا انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إنَّ هذا الرجل لرسولٌ. فأسلم وأسلمت الأبناءُ معه من فارس مَنْ كان منهم باليمن؛ فكانت حِمْيَر تقول لخرّ خُسره: ذو المعْجزَة، للمنطقة التي أعطاهُ إياها رسول الله - ﷺ - والمنطقة بلسان حمير المعجزَة - فبَنُوه اليوم ينسبون إليها خُرّ خُسره ذو المعْجزَة.\nوقد قال بابويه لباذان: ما كلّمت رجلًا قطّ أهيبَ عندي منه، فقال له باذان: هل معه شُرَطٌ؟ قال: لا (١). (٢: ٦٥٥/ ٦٥٦ / ٦٥٧).\n_________\n(١) أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٤٢٤) من حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه، فحسبت ابن المسيّب قال: فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - أن يمزقوا كل ممزق.\nوعن سعيد بن المسيّب - ﵁ - قال: كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقيصر والنجاشي كتابًا واحدًا.\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن محمَّد رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقيصر والنجاشي أما بعد: ﴿تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا =","vol":"2","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nفأما كسرى فمزق كتابه، ولم ينظر فيه فقال رسول الله - ﷺ -: (مزق ومزقت أمته).\nأخرجه الحافظ أبو عبيد في كتاب الأموال (٢٣/ ٥٩) وهذا يعني أن للحديث طريقين مرسلين ولكن مع تعدد المخارج.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢ / ١٤٧) عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود وسنده مرسل صحيح وقال المحدث الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على الرواية:\nحديث حسن أخرجه ابن جرير (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا وابن سعد في الطبقات (ج ١ ق ٢ ص ١٤٧) عن عبيد الله بن عبد الله مرسلًا أيضًا وسنده صحيح. ووصله ابن بشران في الأمالي من حديث أبي هريرة بسند واه.\n(السيرة النبوية للغزالي / تحقيق الألباني / ٣٨٩).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-252> مسألة اختلاف المؤرخين في تحديد السنة التي كانت فيها هذه البعوث إلى ملوك الأرض آنذاك </span>-\nقلنا: الواضح أن الإمام الطبري رحمه الله تعالى وهو إمام المؤرخين قد ذكر أمر هؤلاء الرسل في نهاية الأحداث التي وقعت سنة (٦) هـ. لكن الإمام البخاري أخرج الرواية التي تتحدث عن رسالة كسرى في أعقاب غزوة تبوك سنة (٩) هـ (فتح الباري ٨/ ١٢٨).\nوقد ذهب العلماء المتأخرون في ذلك مذاهب ذكرها الأستاذ العمري وناقشها نقاشًا نفيسًا فضلنا أن نذكر ما قاله وبدون تصرف: يقول الأستاذ العمري حفظه الله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>رسائل النبي - ﷺ - إلى الملوك والأمراء</span>\nأتاح صلح الحديبية الفرصة لتوسيع نطاق الدعوة إلى الإِسلام داخل الجزيرة وخارجها حيث أرسل النبي - ﷺ - دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى نجاشي الحبشة، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس حاكم مصر، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي في اليمامة وقد أرّخ الواقدي والطبري إرسال هؤلاء الرسل في ذي الحجة سنة (٦) هـ.\nوأرّخ ابن سعد ذلك في محرم من العام السابع وتابعه ابن القيم.\nتأريخ الطبري (٢/ ٢٨٨) جـ ١ مصر، وسيرة ابن هشام (٤/ ٢٧٩) ونضيف:\nبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجلندي وسند ابن هشام منقطع وبينه وبين راويه مجهول وراويه هو أبو بكر الهذلي أخباري متروك الحديث (تقريب ٢/ ٤٠١) وطبقات ابن سعد (١/ ٢٥٨) (جـ ١ بيروت) من رواية الواقدي بأسانيده إلى أربعة من الصحابة لكن الواقدي متروك عند المحدثين، ومعظم أخبار الرسل ساقها ابن سعد من هذه الطريق وقد ألف بين الروايات وجمع كلام الصحابة الأربعة - وأدخل بعضه في بعض وساقه مساقًا واحدًا وساق ابن سعد بعض أخبار إرسال بقية الرسل ولكن من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف، وعلي بن محمَّد المدائني وهو صدوق (سير =","vol":"2","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أعلام النبلاء ١٠/ ٤٠٠) لكن ما ساقه عنه لا يخلو من مطعن كالإرسال وغيره.\nكما أرّخ ابن سعد لرسالة كسرى قبل ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع للهجرة التي قتل فيها كسرى - وقد ذكر البخاري رسالة كسرى في أعقاب غزوة تبوك في العام التاسع الهجري لكن من الواضح أن البخاري لم يراع عنصر الزمن في سرد محتويات صحيحه، وقد يكون أراد الإشعار بذلك كما ذهب الحافظ ابن حجر.\nولكنه يبقى مجرد استنتاج لا يمكن القطع به، مما يقوي ما ذكرت أن ابن هشام ساق خبر خروج الرسل إلى الملوك بعد حجة الوداع في العام العاشر، رغم أن النص الذي ذكره يصرح بأن ذلك بعد عمرة الحديبية مع أن مراعاة الترتيب على أساس زمني أقوى في سيرة ابن هشام من صحيح البخاري.\nوقد نبه الحافظ ابن حجر نفسه على احتمال تصرف بعض رواة صحيح اليخاري في تقديم وتأخير بعض التراجم مثل تقديم حج أبي بكر سنة تسع على ذكر الوفود.\nومثل تقديم حجة الوداع على غزوة تبوك، كما نبه إلى أن البخاري جمع ما وقع على شرطه من البعوث والسرايا والوفود ولو تباينت تواريخهم.\nوواضح أن الاختلاف يسير بين التاريخين ووفق ابن حجر بينهما بقوله (أن دحية أرسل إلى هرقل في آخر سنة ست بعد أن رجع النبي - ﷺ - من الحديبية فوصل إلى هرقل في المحرم سنة سبع).\nويدل حديث صحيح على أن كتاب الرسول - ﷺ - كان قد وصل إلى هرقل في مدة صلح الحديبية، وقال أنس بن مالك: كتب النبي - ﷺ - إلى كل جبار يدعوهم إلى الله وسمّى منهم كسرى وقيصر والنجاشي. قال: وليس بالنجاشي الذي أسلم.\nولا شك أن مكاتبة الملوك خارج جزيرة العرب تعبير عملي عن عالمية الرسالة الإِسلامية، تلك العالمية التي أوضحتها آيات نزلت في العهد المكي مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾.\nمما يوضح خطأ النظرة القائلة بالتدرج في نطاق الدعوة من الإقليمية إلى العالمية تبعًا لاتساع النفوذ السياسي للرسول - ﷺ - فإن صفة العالمية تقررت والمسلمون مستضعفون بمكة يخافون أن يتخطفهم الناس.\nوقد أخرج البخاري في صحيحه نص كتاب الرسول - ﷺ - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل، وهو النص الوحيد الذي ثبتت صحته وفق شروط المحدثين من بين سائر نصوص الكتب التي وجهت إلى الملوك والأمراء التي ينبغي أن تنقد من جهة المتن والسند معًا قبل اعتمادها تاريخيًا فضلًا عن الاستدلال بها في مجال التشريع، ونصه كما يلي: =","vol":"2","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= \"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nوقد استشكل الحفاظ المتأخرون ورود هذه الآية - التي قيل: إنها نزلت بمناسبة قدوم وفد نجران إلى المدينة في العام التاسع - في نص الخطاب الذي أرسل في آخر العام السادس الهجري! ! وقد ذكروا بعض الحلول التوفيقية للتخلص من هذا التعارض فقالوا: إنه يجوز أن تكون الآية المذكورة قد أنزلت مرتين، ثمَّ استبعدوا ذلك وقال البعض: إن النبي - ﷺ - كتب ذلك قبل نزول الآية فوافق لفظه لفظها لما نزلت، وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة، وقيل: نزلت في اليهود.\nولا شك أن حلَّ الإشكال يتوقف على معرفة سبب النزول ولم تثبت رواية صحيحة مسندة في أنها نزلت في وقد نجران ولكن قال بذلك ابن إسحاق عن محمَّد بن جعفر بن الزبير مرسلًا وهو ثقة وفي إسناد الطبري إلى ابن إسحاق محمَّد بن حميد الرازي ضعيف.\nوقال بذلك السدي وفي إسناد الطبري إليه أسباط وهو صدوق كثير الخطأ يغرب. وكذلك قال به علي بن زيد بن جدعان مرسلًا وهو ضعيف.\nفهذه ثلاث روايات مرسلة، وفي إسنادها جميعًا ضعف، وقد ورد في تفسير الطبري ما يعارضها بإسناد حسن إلى قتادة مرسلًا وبإسناد فيه ضعف إلى ابن جريج مرسلًا.\nوبإسناد فيه ضعف إلى الربيع بن خثيم مرسلًا. فهذه ثلاث روايات مرسلة أيضًا تقول بأن الآية ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ. . .﴾ نزلت في يهود المدينة، تدعوهم إلى الكلمة السواء ومعنى ذلك أنها نزلت قبل إجلائهم وكان آخر إجلائهم في السنة الخامسة بعد الخندق وهو يعضد القول بأن نزول الآية قبل إرسال كتاب هرقل.\nولعل في إيراد البخاري لنص الخطاب في صحيحه ما يشير إلى ترجيحه للروايات القائلة بتقدم نزول الآية المذكورة وإلا ما كان ليثبت نص الكتاب في صحيحه.\nفما دامت الآية قد وردت في نص كتاب صحيح كتب في العام السادس فإن ذلك من أقوى الأدلة على تقدم نزولها قبل قدوم وفد نجران، وينبغي أن يكون نص الكتاب مرجحًا لتاريخ نزولها إلا أن تكون سببًا في استشكال نص الكتاب. أهـ.","vol":"2","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة غزوة خَيبَر</span>\n٢١١ - ثمَّ دخلت سنة سبع؛ فخرج رسولُ الله - ﷺ - في بقيّة المحرّم إلى خَيبَر واستخلَف على المدينة سباع بن عُرْفطة الغفاريّ، فمضى حتى نزل بجيشه بوادٍ يقال له الرَّجيع؛ فنزل بين أهل خَيبر وبين غَطَفان - فيما حدَّثنا ابنُ حميد قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق - ليَحُول بينهم وبين أن يُمِدُّوا أهلَ خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله - ﷺ -.\nقال: فبلغني أنّ غَطَفان لما سمعتْ بمنزلِ رسول الله - ﷺ - من خَيبر، جَمَعُوا له، ثمَّ خرجوا ليظاهروا يهودَ عليه؛ حتى إذا ساروا مَنقَلةً سمعوا خلفهم في أموالهم وأهاليهم حسًّا؛ ظنُّوا أنّ القوم قد خالفوا إليهم، فرجعُوا على أعقابهم؛ فأقاموا في أهاليهم وأموالهم؛ وخلَّوْا بين رسول الله وبين خَيبَر، وبدأ رسول الله - ﷺ - بالأموال يأخذها مالًا مالًا، ويفتتحها حِصْنًا حِصْنًا؛ فكان أوّلَ حصونهم افتتح حصن ناعم؛ وعنده قُتِل محمود بن مسلمة، ألقيتْ عليه رحًا منه فقتلته؛ ثمَّ القَمُوص؛ حصن ابن أبي الحُقَيق. وأصاب رسول الله - ﷺ - منهم سَبَايا؛ منهم صفيّة بنت حُيَيّ بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق؛ وابْنَتَي عمٍّ لها. فاصطفى رسولُ الله - ﷺ - صفيّة لنفسه، وكان دحية الكلبيّ قد سألَ رسولَ الله صفية؛ فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنَتي عمّتها؛ وفشت السبايا من خيبر في المسلمين.\nقال: ثمَّ جعل رسول الله - ﷺ - يتدنّى الحصون والأموال (١). (٣: ٩/ ١٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق. وذكره ابن إسحاق بلاغًا وأما حدوث هذه الغزوة سنة (٧) هـ؛ فقد أخرج الحافظ ابن كثير في السيرة من طريق يونس بن بكير عن محمَّد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور قالا: انصرف رسول الله - ﷺ - عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر =","vol":"2","page":240},{"text":"٢١٢ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سَهْل أخي بني حارثة، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: خرج مَرْحب اليهوديّ من حِصْنهم؛ قد جمع سلاحه وهو يرتجز؛ ويقول:\nقد علمَتْ خَيبَرُ أنِّي مَرْحَبُ ... شاكِي السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ\nأطْعَنُ أحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ ... إذَا اللُّيوثُ أَقبَلَتْ تَحَرَّبُ\nكانَ حِمَايَ للْحِمَى لا يُقْرَبُ\nوهو يقول: هَلْ من مبارز! فقال رسولُ الله - ﷺ -: من لهذا؟ فقام محمَّد بن مسلمة؛ فقال: أنا له يا رسول الله؛ أنا والله الموتور الثائر؛ قتلوا أخي بالأمس! قال: فقم إليه؛ اللهمّ أعِنْه عليه.\nفلما أن دنا كلُّ واحد منهما مِن صاحبه، دخلت بينهما شجرةٌ عُمْرِيَّةٌ من شجر العُشَر؛ فجعل أحدُهما يلوذ بها من صاحبه؛ فكلَّما لاذَ بها اقتطع بسيفه منها ما دونه منها؛ حتى برز كلُّ واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرَّجل القائم، ما بينهما فَننٌ؛ ثمَّ حمل مرحبٌ على محمَّد فضربه؛ فاتقاه بالدَّرقة فوقع\n_________\n= فنزل بالرجيع واد بين خيبر وغطفان فتخوف أن تمدهم غطفان فبات به حتى أصبح فغدا عليهم (البداية والنهاية ٣/ ٣٩٩).\nوقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث عند البيهقي (الدلائل ٤/ ١٩٧) ولفظه: (انصرف رسول الله - ﷺ - من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني خيبر فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم). وانظر فتح الباري (٧/ ٤٦٤).\nوأما استخلاف سباع بن عرفطة الغفاري على المدينة فصحيح كما أخرج الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى خيبر استعمل سباع بن عرفطة الغفاري بالمدينة. وقال الحاكم: صحيح. وأقره الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٧).\nوكذلك جاء استخلاف رسول الله - ﷺ - لسباع على المدينة من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣٤٥) والبيهقيُّ في الدلائل (٤/ ١٩٨) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":241},{"text":"سيفه فيها؛ فعَضَّتْ به فأمْسَكَتْه، وضربه محمَّد بن مسلمة حتى قتلَه (١). (٢: ١٠/ ١١).\n٢١٣ - وحدّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق عن هشام بن عروة؛ أنّ الزُّبَير بنَ العوّام خرج إلى ياسر، فقالت أمّه صفيّة بنت عبد المطلب: أيقتلُ ابني يا رسول الله؟ قال: بل ابنك يقتلُه إن شاء الله.\nفخرج الزُّبَيْر وهو يقول:\nقد علمَتْ خَيبَرُ أنِّي زبَّارْ ... قَرْمٌ لقَوم غَيرِ نِكْسٍ فَرَّارْ\nابنُ حُمَاة المَجْدِ وابْنُ الأخْيَارْ ... يَاسِرُ لا يَغْرُرْكَ جَمْعُ الكُفّار\nفَجَمْعُهم مثل السَّرَابِ الجرَّارْ\nثمَّ التقيا فقتله الزبير (٢). (٣: ١١).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث (٢/ ٣٣٣).\nفإسناده حسن، ورواه أحمد (٣/ ٣٨٥) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٥٠): رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد ثقات.\n(٢) إسناده ضعيف ولكن أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٣١) وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث فإسناده حسن.\nولقد ذكر ابن كثير قتل الزبير - ﵁ - لياسر بصيغة الشاك في صحته إذ قال: فزعم هشام بن عروة أن الزبير خرج له فقالت أمه. . . .. إلخ (البداية والنهاية ٣/ ٤٠٩).\nوقال الأستاذان الفاضلان همام وأبو صعيليك: رواه البيهقي في السنن من طريق ابن إسحاق وقد صرح عنده بالسماع وسنده متصل وقالا: فيكون الحديث صحيحًا من طريق البيهقي إن كان عبد الله بن سهل قد سمع ابن جابر (سيرة ابن هشام ٣/ ٤٦٥) الحاشية.\n(٣/ ١١ - ١٢): لقد ذكرنا الرواية (٣/ ١١ - ١٢/ ٢٧٤) في قسم الضعيف [في إسناده ميمون أبو عبد الله] قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال ابن معين: لا شيء (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٣٧ / ت ٨٩٧١).\nإلَّا أن جزءًا من المتن صحيح فإعطاء الرسول - ﷺ - الراية لعلي ثابت كما في الصحيحين.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب غزوة خيبر / ح ٤٥٩): عن سلمة - ﵁ - كان علي - ﵁ - تخلف عن النبي - ﷺ - في خيبر وكان رمدًا، فقال: أنا أتخلف عن النبي - ﷺ - فلحق به فلما بتنا الليلة التي فتحت قال: لأعطين الراية غدًا أو ليأخذن الراية غدًا رجل يحبه الله ورسوله يُفتح عليه فنحن نرجوها فقيل: هذا علي فأعطاه ففتح عليه. وأخرج البخاري (ح ٤٢١٠) من طريق أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد - ﵁ - أن =","vol":"2","page":242},{"text":"٢١٤ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا المسيّب بن مسلم الأوديّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله - ﷺ - ربما أخذته الشَّقيقة، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج. فلمّا نزل رسول الله - ﷺ - خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس. وإن أبا بكر أخذ رايةَ\n_________\n= رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدُوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - ﷺ - كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب. فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال - ﷺ -: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثمَّ ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فوالله لأنَّ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حمر النعم.\nوالحديث أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٣٣) ومسلم (باب فضائل علي ح ٢٤٠٦) وكلاهما من حديث سهل والله تعالى أعلم.\nوفي رواية مسلم: (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها).\nوأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد والسير / باب غزوة ذي قرد / ح ١٨٠٧) حديثًا طويلًا عن سلمة بن الأكوع قال:\nقدمنا الحديبية مع رسول الله - ﷺ -. . . الحديث. وفي آخره:\nقال: فأتيت عليًّا فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله - ﷺ - فبصق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال:\nقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\nإذا الحروب أقبلت تلهب\nفقال علي:\nأنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة\nأوفيهم بالصاع كيل السندرة\nقال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثمَّ كان الفتح على يديه.\nقلنا: لذا فإن الخبر الأخير من رواية الطبري (وإن كان من طريق ميمون) فصحيح من قوله: (فقال رسول الله - ﷺ -: لأعطين اللواء غدًا رجلًا بحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر فدعا عليًّا - ﵇ - وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض قال: فلقي أهل خيبر فإذا مرحب. . . إلى آخر الحديث).","vol":"2","page":243},{"text":"رسول الله؛ ثمَّ نهض فقاتل قتالًا شديدًا؛ ثمَّ رجع فأخذها عمر فقاتل قتالًا شديدًا هو أشدُّ من القتال الأوّل؛ ثمَّ رجع فأخبر بذلك رسول الله، فقال: أما والله لأعطينَّها غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يأخذها عنوة - قال: وليس ثَم عليّ - ﵇ - فتطاولت لها قريش، ورجا كلُّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك؛ فأصبح فجاء عليٌّ - ﵇ - على بعير له، حتى أناخ قريبًا من خباء رسول الله - ﷺ - وهو أرْمد، وقد عصب عينيه بشقّة بُرْد قَطَرِيّ؛ فقال رسول الله - ﷺ -: ما لك؟ قال: رمِدْتُ بعد، فقال رسول الله - ﷺ -: ادنُ منّي، فدنا فتَفَل في عينيه، فما وجعهما حتى مضى لسبيله. ثمَّ أعطاه الراية؛ فنهض بها معه وعليه حُلة أرجوان حمراء قد أخرج خَمْلُها. فأتى مدينة خيبر؛ وخرج مرحب صاحب الحصين وعليه مغْفرٌ مُعَصْفرٌ يمانٍ، وحجرٌ قد ثقَبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:\nقد علمت خيبر أنِّي مرحبُ ... شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مجرَّبُ\nفقال عليٌّ - ﵇ -:\nأنَا الذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيدَرَهْ ... أكيلُكم بالسيفِ كيل السنْدَرَهْ\nلَيثٌ بغابات شَدِيدٌ قَسْوَرَهْ\nفاختلفا ضربتين؛ فبدره عليٌّ فضربه، فقدَّ الحجرَ والمِغْفرَ ورأسَه؛ حتى وقع في الأضراس. وأخذ المدينة (١). (٣: ١٢ - ١٣).\n_________\n(١) أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧) من طريق عبد الجبار العطاردي عن يونس بن بكير به (كما عند الطبري هنا) إلا أن رواية الحاكم مختصرة (وقال الحاكم: صحيح الإسناد).\nكان رسول الله - ﷺ - ربما أخذته الشقيقة فيلبث اليوم واليومين لا يخرج فلما نزل بخيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وأن أبا بكر - ﵁ - أخذ راية رسول الله - ﷺ - ثمَّ نهض فقاتل قتالًا شديدًا ثمَّ رجع. وأما بقية المتن (ونعني مبارزة علي - ﵁ - لمرحب وسقوط مرحب قتيلًا بين يدي سيدنا علي) فصحيح كما سبق.\nوأخرج الحاكم (٣/ ٣٧) عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - أبا بكر - ﵁ - إلى بعض حصون خيبر فقاتل وجهد ولم يكن فتح.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٧).\n(٣: ١٣/ ١٤ / ١٥): ذكر ابن إسحاق هذه الرواية بلاغًا ولها ما يؤيدها من حديث ابن عمر =","vol":"2","page":244},{"text":"٢١٥ - فلما اطمأنّ رسولُ الله - ﷺ - أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سَلّام بن مشْكم شاةً مصليَّة؛ وقد سألت: أيّ عُضو من الشاة أحبُّ إلى رسول الله؟ فقيل\n_________\n= - ﵄ - عند ابن حبَّان (موارد الظمآن / ح ١٦٩٧).\nأن رسول الله - ﷺ - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى مقرهم فغلب على الأرض والنخل والزرع فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله - ﷺ - الصفراء والبيضاء (والحلقة) ويخرجون منها.\nفاشترط عليهم أن لا يكتموا شيئًا، ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عصمة، فغيبوا مسكًا فيه مال وحليًا لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.\nفقال رسول الله - ﷺ - لعم حيي (سعية): (ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟) فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله - ﷺ -: (العهد قريب والمال أكثر من ذلك).\nفدفعه رسول الله - ﷺ - إلى الزبير فمسه بعذاب، وكان حيي قبل ذلك قد دخل خربة فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله - ﷺ - ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله - ﷺ - نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها.\nفقالوا: يا محمَّد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها وكانوا لا يتفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل نخل وزرع وشيء ما بدا لرسول الله - ﷺ -. . . . الحديث وفيه:\nقال: ورأى رسول الله - ﷺ - بعين صفية خضرة فقال: (يا صفية ما هذه الخضرة؟) فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري. فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب؟ قالت: وكان رسول الله - ﷺ - من أبغض الناس إلي قتل زوجي وأبي. فما زال يعتذر إليّ ويقول: إن أباك ألب علي العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي.\nوالحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٢٢٩) وكذلك أخرج مسلم (كتاب المزارعة / ح ١٥٥١ / باب المساقاة ومعاملة الأرض بجزء من الثمر والزرع) عن ابن عمر - ﵄ - قال: أعطى رسول الله - ﷺ - خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع. . . الحديث) دون ذكر للتفاصيل الواردة عند الطبري وابن حبَّان.\nوأخرج البخاري في صحيحه كتاب المزارعة (ح ٢٢٠٦) عن ابن عمر - ﵄ - قال: (أجلى عمر - ﵁ - اليهود والنصارى من أرض الحجاز وكان رسول الله - ﷺ - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله - ﷺ - للمسلمين وأراد إخراج اليهود فيها. فسألت اليهود رسول الله - ﷺ - ليقرّهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: نقركم بها على ذلك ما شئنا فقرّوا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء).","vol":"2","page":245},{"text":"لها: الذراع؛ فأكثرتْ فيها السمّ، فسمَّتْ سائر الشاة، ثمَّ جاءت بها، فلما وضعتْها بين يدي رسول الله - ﷺ - تناول الذِّراع؛ فأخذها فلاكَ منها مُضغة فلم يُسِغها؛ ومعه بِشْر بن البَرَاء بن معرِور؛ وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله، فأما بِشْر فأساغها؛ وأما رسول الله فلفظها، ثمَّ قال: إن هذا العظم ليخبِرُني أنَّه مسمُومٌ؛ ثمَّ دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يَخْفَ عليك، فقلتُ: إن كان نبيًّا فسيُخْبَر؛ وإن كان ملكًا استرحتُ منه؛ فتجاوز عنها النبيّ - ﷺ -. ومات بشر بن البَراء من أكلَتِه التي أكل (١). (٣: ١٥).\n٢١٦ - حدَّثنا ابنُ حميد؛ قال: حدَّثنا سلمة، عن محمَّد بن إسحاق؛ عن مَرْوان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: وقد كان رسول الله - ﷺ - قال في مرضه الذي تُوفِّيَ فيه - ودخلتْ عليه أمّ بشر بن البَراء تعوده: يا أمّ بِشْر؛ إنَّ هذا الأوانَ وجدت انقطاع أبْهَرِي من الأكلة التي أكلتُ مع ابنك بخيبر.\nقال: وكان المسلمون يروْن أنّ رسول الله - ﷺ - قد مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من النبوّة (٢). (٣: ١٥/ ١٦).\n_________\n(١) هذا من كلام ابن إسحاق وكما عند ابن هشام في السيرة النبوية بلاغًا (٢/ ٢٤٠) ولكن حديث إهداء الشاة المسمومة إلى رسول الله - ﷺ - فصحيح فقد قال البخاري في صحيحه: كتاب المغازي / باب غزوة خيبر / الشاة التي سمت للنبي - ﷺ - بخيبر رواه عروة عن عائشة عن النبي - ﷺ - ثمَّ أخرج البخاري (ح ٤٢٤٩):\nحدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث حدثني سعيد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما فتحت خيبر أُهْدِيت لرسول الله - ﷺ - شاة فيها سم.\nوأخرج البخاري في صحيحه / عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - ﷺ - شاة فيها سم. . . الحديث. وفي آخره: قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح وإن كنت نبيًّا لم يضرك. (صحيح البخاري / كتاب الطب / ما يذكر في سم النبي - ﷺ - ح / ٥٧٧٧).\nوللحديث روايات عدة عند أحمد والبيهقيُّ ذكرها الحافظ ابن كثير وعلق على أسانيدها ومتونها فراجعها (البداية والنهاية ٣/ ٤٣٥).\n(٢) إسناده ضعيف، وحديث (فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم) أخرجه البخاري معلقًا (باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته / ح ٤٤٢٨) ووصله الحاكم في المستدرك من طريق الإمام أحمد بن حنبل إذ قال الحاكم: =","vol":"2","page":246},{"text":"٢١٦ / أ - قال ابن إسحاق: فلمّا فرغ رسول الله - ﷺ - من خيبر انصرف إلى وادي القُرى فحاصر أهله لياليَ، ثمّ انصرف راجعًا إلى المدينة (١). (٣: ١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>ذكر غزوة رسول الله - ﷺ - وادي القرى</span>\n٢١٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن ثور بن زيد، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: لمّا انصرفنا مع رسول الله - ﷺ - من خيبر إلى وادي القرى، نزلْنا أصلًا مع مغارِب الشمس، ومع رسول الله - ﷺ - غلامٌ له؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجُذاميّ، ثمَّ الضبيبي؛ فوالله إنا لنضع رَحْلَ رسول الله - ﷺ - إذ أتاه سهمٌ غرَب؛ فأصابه فقتله، فقلنا: هنيئًا له الجنّة! فقال رسول الله - ﷺ -: كلا والذي نفس محمَّد بيده؛ إنَّ شَمْلَتَه الآن لتُحْرَقُ عليه في النار. قال: وكان غَلَّها من فيء المسلمين يوم خيبر.\nقال: فسمعها رجلٌ من أصحاب رسولِ الله - ﷺ - فأتاه، فقال: يا رسولَ الله، أصبتُ شرَاكَين لنعلين لي، قال: فقال: يُقَدُّ لك مثلهما من النار (٢). (٣: ١٦).\n_________\n= أخبرنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا إبراهيم بن خالد ثنا رباح عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن أم بشر - ﵂ - قالت: دخلت على رسول الله - ﷺ - في وجعه الذي قبض فيه فقلت: بأبي أنت يا رسول الله ما نتهم بنفسك فإني لا أتهم بابني إلا الطعام الذي أكله معك بخيبر، وكان ابنها بشر بن البراء بن معرور مات قبل النبي - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ - وأنا لا أتهم غيرها هذا أوان انقطاع أبهري. هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٢١٩).\nوقال الحافظ معقبًا على رواية البخاري المعلقة (ح ٤٤٢٨): وقد وصله البزار والحاكم والإسماعيلي عن طريق عتبة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد. أهـ.\nقلنا: والحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٨) والله أعلم.\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن حديث أبي هريرة هذا صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / غزوة خيبر / ح ٤٢٣٤: من طريق مالك بن أنس قال حدثني ثور قال حدثني سالم مولى ابن مطيع أنَّه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبًا ولا فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثمَّ انصرفنا مع رسول الله - ﷺ - إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب فبينما هو يحط رحل =","vol":"2","page":247},{"text":"٢١٨ - وفي هذه السّفرة نام رسول الله - ﷺ - وأصحابُه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس؛ حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، قال: لمّا انصرف رسولُ الله - ﷺ - من خيبر؛ وكان ببعض الطريق، قال مِنْ آخر الليل: مَنْ رجلٌ يحفظ علينا الفجر، لعلَّنا ننام؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله أحفظ لك؛ فنزل رسولُ الله - ﷺ -، ونزل الناس فناموا؛ وقام بلال يصلي، فصَلّى ما شاء الله أن يُصلِّي ثمَّ استند إلى بعيره؛ واستقبل الفجر يرمقُه؛ فغلبته عينه، فنام فلم يُوقِظْهم إلا مسُّ الشمس؛ وكان رسول الله - ﷺ - أوّلَ أصحابه هبّ من نومه، فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال! فقال: يا رسولَ الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: صدقت. ثمَّ اقتاد رسول الله غيرَ كثير، ثمَّ أناخ فتوضّأ وتوضأ الناس، ثمَّ أمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلّى بالناس، فلمّا سلّم أقبل على الناس، فقال: إذا نسيتمُ الصلاة فصلُّوها إذا ذكرتموها، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) (٣: ١٦ - ١٧).\n٢١٩ - قال ابن إسحاق: وكان فتْح خيبر في صفر.\nقال: وشهد مع رسول الله - ﷺ - نساء من نساء المسلمين، فرضَخَ لهنّ\n_________\n= رسول الله - ﷺ - إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد فقال الناس: هنيئًا له الشهادة فقال رسول الله - ﷺ -: بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي - ﷺ - بشراك أو بشراكين فقال: هذا شيء كنت أصبته فقال رسول الله - ﷺ - شراك أو شراكان من نار\".\nوأخرجه البخاري في موضع آخر (الأيمان والنذور / ح ٦٧٠٧) ومسلم في صحيحه (باب غلظ تحريم الغلول ح ١١٥) وغيرهما.\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، والحديث أخرجه الترمذي من طريق شيخه محمود بن غيلان ثنا النضر بن شميل أخبرنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: (لما قفل رسول الله - ﷺ - من خيبر أسرى ليلة حتى أدركه الكرى. . . . إلى آخر الحديث).\nثمَّ قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أن النبي - ﷺ -. . . ولم يذكروا فيه عن أبي هريرة (سنن الترمذي / ٥ / باب (٢١) ومن سورة طه / ح ٣١٦٣).\nقلنا: والحديث أخرجه مسلم في صحيحه مسندًا عن أبي هريرة / (كتاب المساجد / ح ٦٨٠) وابن ماجه (باب من نام عن الصلاة أو نسيها / ح ٦٩٧) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":248},{"text":"رسول الله من الفَيء ولم يضربْ لهنّ بسهم (١). (٣: ١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[أمر الحجاج بن علاط السُّلَمِي]</span>\n٢٢٠ - قال: ولما فتحت خيبر قال الحجّاج بن علاط السُّلَميّ ثمَّ البَهْزيّ لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله؛ إنَّ لي مالًا بمكة عند صاحبتي أمّ شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها مُعَرِّض بن الحجاج - ومال متفرّق في تجار أهل مكة، فائْذَنْ لي يا رسولَ الله. فأذن له رسول الله - ﷺ -، ثمَّ قال: إنه لابدّ لي من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة، فوجدت بثنيّة البيضاء رجالًا من قريش يتسمّعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله، وقد بلغهم أنَّه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفًا ومنعة ورجالًا، فهم يتحسّسون الأخبار؛ فلما رأوْني قالوا: الحجاج بن علاط - ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخَبر! أخبِرْنا بأمرِ محمَّد، فإنَّه قد بلَغنا أن القاطع قد سار إلى خَيبر؛ وهي بلدة يهود وريف الحجاز. قال: قلتُ: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسرّكم. قال: فالتاطوا بجَنْبَي ناقتي يقولون: إيه يا حجّاج! قال: قلت: هُزِمُوا هزيمةً لم تسمعوا بمثلها قطّ؛ وقتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله قطّ، وأسرَ محمدٌ أسرًا، وقالوا: لن نقتلَه حتى نبعثَ به إلى مكّة فيقتلوه بين أظهرهم بمَنْ كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا فصاحوا بمكّة وقالوا: قد جاءكم الخَبر، وهذا محمَّد إنما تنتظرون أن يُقْدَم به عليكم فيُقتَل بين أظهرِكم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكّة على غرمائي؛ فإنّي أريد أن أقدَم خيبر، فأصيب من فلّ محمَّد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.\nقال: فقاموا فجمعوا مالي كأحَثِّ جَمْع سمعت به. فجئت صاحبتي فقلت: مالي - وقد كان لي عندها مال موضوع - لعلي ألحق بخيبر؛ فأصيب من فُرَصِ\n_________\n(١) قلنا: أخرج مسلم في صحيحه / كتاب الجهاد والسير / باب لا يسهم للنساء من الغنيمة / من حديث ابن عباس - ﵄ - (وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحزن من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن) الترمذي / كتاب السير / باب من يعطى من الفيء (٣/ ٥٧)،\nوأبو داود / كتاب الجهاد / باب المرأة والعبد ٣/ ١٦٩، ومسلم كتاب الجهاد / باب النساء الغازيات يرضخ لهن.","vol":"2","page":249},{"text":"البيع قبل أن يسبقَني إليه التجار. فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبرَ وجاءه عنّي، أقبل حتى وقف إلى جنبي؛ وأنا في خيمة من خيام التجّار، فقال: يا حجّاج، ما هذا الذي جئت به؟ قال: قلت: وهلْ عندك حفْظٌ لما وضعت عندك؟ قال: نعم، قلت: فاستأخرْ عَنِّي حتى ألقاك على خلاء، فإني في جَمْع مالي كما ترى؛ فانصرفَ عني حتى إذا فرغتُ من جَمْع كلّ شيءٍ كان لي بمكة، وأجمعت الخروجَ، لقيت العبّاس، فقلت: احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل؛ فإنّي أخشى الطَّلب ثلاثًا، ثمَّ قل ما شئت. قال: أفعل، قال: قلتُ فإنّي والله لقد تركتُ ابنَ أخيك عروسًا على ابنة ملكهم -يعني صفيّة بنت حيّي بن أخطب- ولقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها؛ وصارت له ولأصحابه. قال: ما تقول يا حجّاج! قال: قلت: إي والله؛ فاكتم عليَّ؛ ولقد أسلمت وما جئت إلَّا لآخذ مالي فَرَقًا من أن أغلَب عليه، فإذا مضت ثلاثٌ فأظهِرْ أمرَك؛ فهو والله على ما تحبّ. قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حُلةً له، وتخلّقَ وأخذ عصاه؛ ثمَّ خرج حتى أتى الكعبةَ، فطاف بها؛ فلما رأوْه قالوا: يا أبا الفضل؛ هذا والله التجلّد لحرِّ المصيبة! قال: كلا والذي حلفتم به! لقد افتتحَ محمدٌ خيبر، وتُرِك عروسًا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالها وما فيها؛ فأصبحَتْ له ولأصحابه. قالوا: مَنْ جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به؛ لقد دخل عليكم مسلمًا، وأخذ ماله وانطلق ليلحقَ برسول الله وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله! أفلت عدوُّ الله! أما والله لو علمْنَا لكان لنا وله شأنٌ، ولم ينشَبُوا أن جاءهم الخبر بذلك (١). (٣: ١٧/ ١٨ / ١٩).\n_________\n(١) ذكره الطبري عن ابن إسحاق بلا إسناد وخبر الحجاج بن علاط السلمي صحيح أخرجه غير واحد من الأئمة مع اختلاف يسير في الألفاظ.\nفقد أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٨) وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٥٥).\nقلنا: ولفظه من حديث أنس: لما افتتح رسول الله - ﷺ - خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالًا وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم. فأنا في حل إن أنا نلت منك، أو قلت شيئًا، فأذن له رسول الله - ﷺ - أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمَّد وأصحابه. فإنهم قد استبيحوا =","vol":"2","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأصيبت أموالهم قال: وفشا ذلك بمكة، وانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا.\nقال: وبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب، فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم.\nقال معمر: فأخبرني عثمان الجزري، عن مقسم قال: فأخذ العباس ابنًا له يقال له: قثم، فاستلقي، فوضعه علي صدره وهو يقول:\nحبّي قثم حبِّي قثم ... شبيه ذي الأنف الأشم\nنبي رب ذي النعم ... برغم أنف من رغم\nقال ثابت [عن الحجاج] عن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلي الحجاج بن علاط، فقال: ويلك ماذا جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعبد الله -﷿- خير مما جئت به. قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ علي أبي الفضل السلام، وقل له ليخل لي (في) بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر علي ما يسره، فجاء غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر أبا الفضل قال: فوثب العباس فرحًا حتى قبل بين عينيه. فأخبره ما قال الحجاج فأعتقه.\nقال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله - ﷺ - قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفي رسول الله - ﷺ - صفية بنت حييي فاتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، ولكني جئت لمال كان لي هاهنا أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله - ﷺ -، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثًا، ثم اذكر ما بدا لك.\nقال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي أو متاع، فدفعته إليه، ثم استمر به، فلما كان بعد ثلاث، أتي العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك قال: أجل لا يخزي الله ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسوله وجرت سهام الله.\nواصطفى رسول الله - ﷺ - صفية لنفسه فإن كان لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقًا. قال: فإني صادق والأمر علي ما أخبرتك.\nثم ذهب حتى أتي مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله -﵎- قد أخبرني الحجاج بن علاط: أن خيبر قد فتحها الله -﷿- علي رسوله - ﷺ - وجرت فيها سهام الله، واصطفي صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله، وما كان له من شيء هاهنا ثم يذهب.\nقال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين علي المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر فسرّ المسلمون ورد (الله -يعني) ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن علي المشركين.","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>ذكر مقاسم خيبر وأموالها</span>\n٢٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يبعثُ إلي أهل خَيبر عبدَ الله بن رواحة خارصًا بين المسلمين ويهود، فيَخْرُص عليهم؛ فإذا قالوا: تعدّيت علينا، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا؛ فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض.\nوإنما خَرَص عليهم عبد الله بن رواحة؛ ثم أصيب بمُؤتة، فكان جَبّار بن صَخْر بن خنساء، أخُو بني سلمة؛ هو الذي يخرُص عليهم بعد عبد الله بن رواحة، فأقامت يهود علي ذلك لا يري بهم المسلمون بأسًا في معاملتهم؛ حتى عَدوا في عهد رسول الله - ﷺ - علي عبد الله بن سهل، أخي بني حارثة؛ فقتلوه، فاتّهمهم رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون عليه (١). (٣: ٢٠).\n٢٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: سألتُ ابنَ شهاب الزُّهريّ: كيف كان إعطاء رسولِ الله - ﷺ - يهودَ خيبر نخيلهم حين أعطاهم النّخل علي خَرْجها؟ أبَتَّ ذلك لهم حتى قُبض، أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك؟\nفأخبرني ابنُ شهاب أنّ رسول الله - ﷺ - افتتح خيبر عَنْوةً بعد القتال؛ وكانت\n_________\n= والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٢٦٦) والطبراني في الكبير (ح ٣١٩٦) وغيرهم والله أعلم.\n(١) هذا إسناد ضعيف ولكن (خبر بعث عبد الله بن رواحة إلي أهل خيبر خارصًا) جزء من حديث صحيح ذكرنا شطرًا منه في قسم الصحيح والحديث أخرجه ابن حبان (موارد الظمآن ح ١٦٩٧) وفيه:\nوكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام يخرصها عليهم ويضمنهم الشطر، قالوا: فشكوا إلي رسول الله - ﷺ - شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله أتطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ ولأنتم أبغض الناس إلي من عدتكم القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه علي أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. والحديث أخرجه البيهقي في سننه (٩/ ١٣٧ - ١٣٨) والله أعلم.","vol":"2","page":252},{"text":"خيبر مما أفاء الله علي رسوله؛ خمّسها رسول الله وقسّمها بين المسلمين، ونزل مَنْ نزل من أهلها علي الإجْلاء بعد القتال؛ فدعاهم رسولُ الله - ﷺ - فقال: إن شئتم دفعنا إليكم هذه الأموال علي أن تعملوها؛ وتكون ثمارها بيننا وبينكم؛ وأقِرُّكم ما أقرَّكم الله. فقبلوا، فكانوا علي ذلك يعملونها. وكان رسولُ الله - ﷺ - يبعث عبدَ الله بن رواحة فيَقْسِمُ ثمرَها، ويعدل عليهم في الخرْص؛ فلما تَوفّي الله ﷿ نبيَّه - ﷺ - أقرَّها أبو بكرِ بعد النبيّ في أيديهم علي المعاملة التي كان عاملهم عليها رسول الله حتى توفِّيَ، ثم أقرَّها عمر صَدْرًا من إمارته؛ ثمّ بلغ عمرَ أنِّ رسول الله - ﷺ - قال في وجَعِه الذي قبض فيه: لا يجتمعنّ بجزيرة العرب دينان، ففحَصَ عمر عن ذلك حتى بلّغه الثَّبَتُ، فأرسَلَ إلي يهود أنّ الله قد أذِنَ في إجلائكم؛ فقد بلغني أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا يجتمعنّ بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عها من رسول الله فلْيأتني به أنفذه له؛ ومَنْ لم يكن عنده عهدٌ من رسول الله من اليهود فليتجهَّزْ للجلاء، فأجلي عمر مَنْ لم يكن عنده عهد من رسول الله - ﷺ - منهم.\nقال أبو جعفر: ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلي المدينة (١). (٣: ٢٠/ ٢١).\n_________\n(١) ذكر الطبري ما ذكر هنا من تفاصيل عن الزهري وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا وقد جمع الزهري خلاصة روايات عدة ذكرناها في قسم الصحيح سوى رواية (لم نذكرها سابقًا) أخرجها البخاري في صحيحه (كتاب الشروط ح / ٢٣٧٠): عن ابن عمر ﵄ قال: لما فَدَعَ أهل خيبن عبد الله بن عمر، قام عمر خطيبًا فقال: إنّ رسول الله - ﷺ - كان عامل يهود خيبر علي أموالهم وقال: (نقركم ما أقركم الله) وإن عبد الله بن عمر خرج إلي ماله هناك فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر علي ذلك أتاه أحد بني الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين: أتخرجنا وقد أقرّنا محمد - ﷺ - وعاملنا علي الأموال، وشرط ذلك لنا، فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله - ﷺ - (كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة).\nفقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم. قال: كذبت يا عدو الله فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتابٍ وحبالٍ وغير ذلك. اهـ.\nوأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد والسير / باب إخراج اليهود و...) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: لأخرجن اليهود والنصاري من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا).","vol":"2","page":253},{"text":"٢٢٣ - قال أبو جعفر: وفيها سريّة غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلي المَيفَعة؛ فحدّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعثَ رسول الله - ﷺ - غالبَ بن عبد الله الكلبيّ إلي أرض بني مرّة، فأصاب بها مِرْداس بن نَهيك حليفًا لهم من الحُرَقة من جُهَينة؛ قتله أسَامة بن زيد ورجلٌ من الأنصار.\nقال أسامة: لمّا غَشيناه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فلم ننزع عنه حتى قتلناه؛ فلما قدمنا علي رسول الله أخبرناه الخبر؛ فقال: يا أسامة، مَنْ لك بلا إله إلا الله! (١) (٣: ٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>[عمرة القضاء]</span>\n٢٢٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لمّا رجع رسولُ الله - ﷺ - إلي المدينة من خَيبر. أقام بها شهر ربيع الأولى وشهر ربيع الآخر وجمادي الأولى وجمادي الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوّالًا؛\n_________\n= وأخرجه الترمذي من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (لأخرجن اليهود والنصاري من جزيرة العرب فلا أترك إلا مسلمًا) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح (سنن الترمذي ٤ / ح ١٦٠٧).\n(١) إسناده ضعيف، ولكن أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلي الحرقات من جهينة / ح ٤٢٦٩) من طريق حصين أخبرنا أبو ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد ﵄ يقول: بعثنا رسول الله - ﷺ - إلي الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكفّ الأنصاريُّ فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ رسول الله - ﷺ - فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله. قلت: كان متعوذًا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.\nوأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان / باب من قتل رجلًا من الكفار بعد أن قال لا إله إلا الله) عن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله ... الحديث وفي آخره: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة. قال: قال رجل: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.","vol":"2","page":254},{"text":"يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه، ثم خرج في ذي القَعْدة في الشهر الذي صدَّه فيه المشركون معتمرًا عُمْرة القضاء مكان عُمرته التي صدُّوه عنها؛ وخرج معه المسلمون ممّن كان معه في عُمْرته تلك، وهي سنة سبع؛ فلما سمِع به أهلُ مكة خرجوا عنه؛ وتحدّثَتْ قريش بينها أنّ محمدًا وأصحابه في عسْر وجُهْد وحاجة (١). (٣: ٢٣).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف إلي ابن إسحاق وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا وأكثر أهل المغازي والسير علي أن عمرة القضاء كانت سنة سبع للهجرة ويؤيد مذهبهم ما نسبه الحافظ في الفتح إلي يعقوب بن سفيان في تاريخه عن ابن عمر ﵁. قال: كانت عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع وحسّن الحافظ إسناده (فتح الباري ٧/ ٥٥٠).\n(٢/ ٢٤) لقد ذكرنا الرواية (٢/ ٢٣ - ٢٤/ ٢٨٤) في قسم الضعيف ففي إسناده ضعيف ومتروك، وسنذكر هنا ما صح من حديث ابن عباس وغيره ﵃ في وصف عمرة القضاء.\nأخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب عمرة القضاء / ح ٤٢٥٣ / من طريق نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم علي أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم فلما أن أقام بها ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج.\nوأخرج البخاري في صحيحه في الباب نفسه (ح ٤٢٥٦) من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمي يثرب، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.\nوزاد ابن سلمة عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما قدم النبي - ﷺ - لعامه الذي استأمن قال: ارملوا ليري المشركون قوتكم والمشركون من قبل قعيقعان.\nقلنا: والملفت للنظر أن بعض المحققين الأفاضل ذكروا أن البخاري روي ذلك عن ابن عباس معلقًا (ارملوا ليري المشركون قوتكم) ولم يذكروا أن البخاري أخرج بعد هذه الرواية المعلقة رواية أخرى موصولة وبمعني مقارب عن ابن عباس كما قال:\nحدثني محمد عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: إنما سعي النبي - ﷺ - بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته.\nوأخرجه مسلم / كتاب الحج / باب استحباب الرمل في الطواف / ح ١٢٦٦ / من حديث ابن عباس ﵄ وفيه: (إن رسول الله - ﷺ - قدم مكة فقال المشركون: إن محمدًا =","vol":"2","page":255},{"text":"٢٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بَكْر؛ أنّ رسولَ الله - ﷺ - حين دخل مكّة في تلك العُمرة، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذٌ بخطام ناقته؛ وهو يقول:\nخَلُّوا بني الكُفَّارِ عن سَبِيلِهْ ... إنِّي شَهِيدٌ أَنَّه رَسُولُهْ\nخَلوا فكلُّ الخَيرِ في رسولهْ ... يا رَبِّ إنِّي مُؤمِنٌ بقيلهْ\nأَعْرِفُ حَقَّ الله في قَبُولهْ ... نحْنُ قَتَلْناكم علي تأويلهْ\nكما قَتَلْناكم علي تَنْزِيلهْ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عن مَقِيلِهْ\nويُذْهِلُ الخَلِيلَ عن خَلِيلِه (١)\n(٣: ٢٤).\n٢٢٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نَجيح، عن عطاء بن رباح ومجاهد، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله - ﷺ - تزوّج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك؛ وهو حرامٌ؛ وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب (٢). (٣: ٢٤/ ٢٥).\n_________\n= وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزل، وكانوا يحسدونه، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يرملوا ثلاثًا ويمشوا أربعًا).\nوالحديث أخرجه أحمد (١/ ٣٠٦) والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف والحديث أخرجه الترمذي في سننه (٥ / ح ٢٨٤٧) من طريق عبد الرزاق أخبرنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخلّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم علي تنزيله\nضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهب الخليل عن خليله\nفقال له عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله - ﷺ - وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي - ﷺ -: (حلّ عنه يا عمر فهي أسرع فيهم من نضح النبل).\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٣٢٢) والنسائي في الحج باب إنشاد الشعر في الحرم (٥/ ٢٠٢).\nولم ينفرد ابن إسحاق بروايته مرسلًا فقد رواه الطبراني مرسلًا كذلك ولكن عن الزهري وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ١٤٧) وفي الروايات بعض الاختلاف في الأبيات الشعرية والله أعلم.\n(٢) حديث ابن عباس في زواجه - ﷺ - ميمونة صحيح كما أخرج البخاري في صحيحه عن ابن =","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>[خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوّح]</span>\n٢٢٧ - قال: وفيها أغزي رسولُ الله - ﷺ - غالبَ بن عبد الله الليثي في صفر إلي الكَديد إلي بني الملوح.\nقال أبو جعفر: وكان من خبر هذه السرية وغالب بن عبد الله؛ ما حدّثني إبراهيم بن سَعيد الجوهريّ وسعيد بن يحيى بن سعيد -قال إبراهيم: حدّثني يحيى بن سعيد، وقال سعيد بن يحيى: حدّثني أبي- وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة؛ جَميعًا عن ابن إسحاق، قال: حدّثني يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة، عن مُسْلِم بن عبد الله بن خُبَيب الجُهنيّ، عن جندب بن مكيث الجهنيّ، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - غالب بن عبد الله الكلبيّ؛ كلب ليث، إلي بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج -وكنت في سريّته- فمضينا؛ حتى إذا كنا بقُديد لقينَا بها الحارث بن مالك -وهو ابن البَرْصاء الليثيّ- فأخذناه فقال: إنّي إنما جئت لأُسلم؛ فقال غالبُ بن عبد الله: إن كنت إنّما جئت مسلمًا، فلنْ يضرّك رِبَاطُ يوم وليلة؛ وإن كنت علي غير ذلك استوثقنا منك. قال: فأوثقه رباطًا ثم خلّف عليه رُوَيجلًا أسود كان معنا، فقال: امكث معه حتى نمرّ عليك، فإنْ نازعَك فاحتزَّ رَأسَه. قال: ثمّ مضينَا حتى أتينا بطن الكَديد، فنزلنا عُشَيشِيَةً بعد العصر، فبعثني أصحابي رَبيئَةً، فَعَمَدْتُ إلي تلّ يطلعني علي الحاضر، فانبطحت عليه -وذلك قُبَيلَ المغرب- فخرج منهم رجل، فنظر فرآني منبطحًا علي التلّ، فقال لامرأته: والله إنّي لأري علي هذا التلّ سوادًا ما كنت رأيتُه أوّل النهار؛ فانظري لا تكون الكلاب جرّت بعض أوعيتك. فنظرتْ فقالت: والله ما أفقد شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نَبْلي، فناولته فرماني بسهْم فوضعه في جنبي. قال: فنزعتهُ فوضعته، ولم أتحرّك. ثمّ رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرّك. فقال: أما والله لقد خالطه\n_________\n= عباس ﵄ قال: تزوج النبي - ﷺ - ميمونة وهو محرم وبني بها وهو حلال وماتت بسرف (كتاب المغازي باب عمرة القضاء / ح ٤٢٥٨) ومسلم في صحيحه (ح ١٤١٠) وأخرجه ابن هشام في السيرة (٣/ ٣٧٢).","vol":"2","page":257},{"text":"سهمايَ، ولو كان ربيئة لتحرّك؛ فإذا أصبحت فاتّبعي سهميّ فخذيهما لا تمضغهما عليّ الكَلاب، قال: فأمهلناهم حتى راحت رائحتُهم، حتى إذا احتلبوا وعطنوا سكنوا، وذهبت عَتمةٌ من الليل شننّا عليهم الغارة، فقتلنا مَنْ قتلنا واستقْنا النّعم، فوجّهنا قافلين؛ وخرج صَرِيخ القوم إلي القوم مُغَوِّثًا. قال: وخرجنا سِرَاعًا حتى نمرّ بالحارث بن مالك؛ ابن البرصاء، وصاحبه؛ فانطلقنا به معنا، وأتانا صَرِيخ الناس، فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلّا بطنُ الوادي مِنْ قُدَيد، بعثَ الله ﷿ من حيث شاء سحابًا ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا خالًا، فجاء بما لا يقدر أحدٌ أن يقدم عليه، فلقد رأيناهم ينظرون إلينا، ما يقدرُ أحدٌ منهم أن يقدم ولا يتقدّم؛ ونحن نحدوها سراعًا؛ حتى أسندناها في المشلّل؛ ثم حدرناها عنها، فأعجزنا القوم بما في أيدينا، فما أنسي قولَ راجزٍ من المسلمين؛ وهو يحدوها في أعقابها، ويقول:\nأبي أبو القاسم أنْ تَعَزَّبي\nفي خَضِلٍ نَباتُه مُغْلوْلِب\nصُفرٍ أعاليه كلَوْنِ المُذْهَبِ (١)\n(٣: ٢٧/ ٢٨).\n٢٢٨ - قال أبو جعفر: وكان سبب إسلام عمرو بن العاص، ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى ابن أبي أوْس، عن حبيب بن أبي أوْس، قال: حدّثني عمرو بن العاص من فيه إلي أذني، قال: لمّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعتُ رجالًا من قريش كانوا يروْن رأيي، ويسمعون منّي، فقلت لهم: تعلمون والله أنّي لأري أمر محمد يَعْلُو الأمور عُلوًّا مُنْكرًا. وإنّي قد رأيت رأيًا فما تروْن فيه؟ قالوا:\n_________\n(١) حديث جندب بن مكيث الجهني أخرجه كذلك ابن سعد في طبقاته من طريق ابن إسحاق هذا [(الطبقات الكبرى ٢/ ٣١١) طبعة دار إحياء التراث العربي].\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٦٧) وذكره الهيثمي بطوله ثم قال في آخره: قلت: عند أبي داود طرف من أوله، رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، فقد صرح ابن إسحاق بالسماع في رواية الطبراني (مجمع الزوائد ٦/ ٢٠٣).\nقلنا: وفي إسناده مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهني لم يوثقه سوى ابن حبان وقال الذهبي: تفرد به يعقوب بن عتبة، (الميزان ٤/ ١٠٥ / ت ٨٤٩٦). =","vol":"2","page":258},{"text":"وماذا رأيت؟ قلت: رأيتُ أن نلحقَ بالنجاشيّ، فنكون عنده، فإن ظهر محمدٌ علي قومنا كنّا عند النجاشيّ فلأن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإن يظهر قومنا فنحن مَنْ قد عرفوا؛ فلا يأتينا منهم إلا خيرٌ. فقالوا: إنّ هذا لرأيٌ. قلت: فاجمَعوا له ما نُهدي إليه -وكان أحبَّ ما يُهْدَي إليه من أرضنا الأدَم- فجمعنا له أدَمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده؛ إذ جاءه عمرو بن أميّة الضّمريّ -وكان رسولُ الله - ﷺ - قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه- قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلتُ لأصحابي: هذا عَمْرو بن أميّة الضمْريّ، لو قد دخلت علي النّجاشيّ وسألته إياه؛ فأعطانيه فضربتُ عنقه! فإذا فعلت ذلك رأتْ قريش أنّي قد أجزأتُ عنها حين قتلت رسول محمد.\nفدخلت عليه، فسجدتُ له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي! أهديتَ لي شيئًا من بلادك؟ قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت لك أدَمًا كثيرًا، ثم قَرَّبته إليه، فأعجبه واشتهاه؛ ثم قلت له: أيها الملك؛ إنّي قد رأيتُ رجلًا خرج من عندك؛ وهو رسول رجل عدوّ لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربةً ظننت أنه قد كسره -يعني النجاشيّ- فلو انشقّت الأرض لي لدخلتُ فيها فَرَقًا منه. ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننتُ أنك تَكْرَه هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيَك رسول رجل يأتيه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، لتقتله! فقلت: أيّها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني واتّبعه؛ فإنه والله لعلي الحقّ، وليظهرنّ عَلَى مَن خالفه كما ظهر موسى علي فرعون وجنوده.\nقال: قلت: فتبايعني له علي الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعتُه علي الإسلام، ثم خرجت إلي أصحابي؛ وقد حال رأيي عَمّا كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدًا لرسول الله لأسلم؛ فلقيتُ خالد بن الوليد -وذلك قبل الفتح- وهو مقبلٌ من مكة، فقلت: إلي أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم؛ وإن الرجل لنَبيّ، أذهب والله أسلِم؛ فحتّى متى! فقلت: والله ما جئتُ إلّا لأسلم، فقدمنا علي رسول الله - ﷺ -، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلَم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسولَ الله، إنّي أبايعك علي أن تغفرَ لي ما تقدّم من","vol":"2","page":259},{"text":"ذنبي، ولا أذكر ما تأخّر! فقال رسولُ الله - ﷺ -. يا عمرو، بايع فإنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وإنّ الهجرة تجبُّ ما قبلها. فبايعته ثم انصرفت (١). (٣: ٢٩/ ٣٠ / ٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[غزوة ذات السلاسل]</span>\n٢٢٩ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - عمرو بن العاص إلي أرض بَلِيّ وعُذْرة، يستنفر الناس إلي الشأم؛ وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت امرأةً مِنْ بَلِيّ، فبعثه رسولُ الله إليهم يستألفهم بذلك؛ حتى إذا كان علي\n_________\n(١) إسناد الطبري إلي ابن إسحاق ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وراشد مولى بن أبي أوس ليس براشد بن جندل فالأول ثقة (ابن معين وابن حبان)، وأما حبيب بن أبي أوس فهو مقبول من الثانية والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٥٤) وأحمد في المسند (٤/ ١٩٨)، وجوّد الساعاتي إسناد ابن إسحاق. الفتح الرباني (٢١/ ١٣٦) وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد ٩/ ٣٥١).\nوأما مسلم فقد أخرج قصة إسلام عمرو بن العاص مختصرًا فقد أخرج من حديث ابن شماسة المهري قال: (حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت فبكي طويلًا وحوَّل وجهه إلي الجدار فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله - ﷺ - بكذا؟ أما بشرك رسول الله - ﷺ - بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إني قد كنت علي أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله - ﷺ - مني ولا أحبّ إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو متّ علي تلك الحال لكنت من أهل النار.\nفلما جعل الله الإسلام في قلبي أتبت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي قال: ما لك يا عمرو؟ قال قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله، وما كان أحبَّ إليّ من رسول الله - ﷺ - ولا أجلّ في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو متّ علي تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.\nثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنّوا علي التراب شنًا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وانظر ماذا أراجع به رسل ربي) صحيح مسلم (كتاب الإيمان / باب كون الإسلام يهدم ما قبله / ح ١٢١).","vol":"2","page":260},{"text":"ماء بأرض جُذام، يقال له السلاسل -وبذلك سُمّيت تلك ال<span data-type=\"title\" id=toc-262>غزوة ذات السلاسل</span>- فلمّا كان عليه خاف، فبعث إلي رسول الله يستمدّه، فبعث إليه رسولُ الله - ﷺ - أبا عبيدة بن الجرّاح في المهاجرين الأولين؛ فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم، وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: لا تختلفا؛ فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو بن العاص: إنما جئتَ مددًا لي، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو؛ إنّ رسول الله قد قال لي: لا تختلفا؛ وأنت إن عصيتَني أطعتُك، قال: فأنا أميرٌ عليك؛ وإنما أنت مددٌ لي، قال: فدونَك! فصلّي عمرو بن العاص بالناس (١). (٣: ٣٢).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف إلي مرسله وخبر غزوة ذات السلاسل في صحيح البخاري وغيره، فقد بوّب البخاري في صحيحه في كتاب المغازي فقال:\n\nغزوة ذات السلاسل:\nوهي غزوة لخم وجذام قاله إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن إسْحاق عن يزيد عن عروة: هي بلاد بلى- وعذرة وبني القين. ثم أخرج البخاري (ح / ٤٣٥٨):\nقال: حدثنا إسحاق أخبرنا خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن أبي عثمان أن رسول الله - ﷺ - بعث عمرو بن العاص علي جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: ومن الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؛ قال: عمر، فعدّ رجالًا فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم.\nوأخرج الحاكم في المستدرك عن بريدة ﵁ قال: (بعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ فلما انتهوا إلي مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارًا فغضب عمر وهمّ أن ينال منه فنهاه أبو بكر ﵁ وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله - ﷺ - عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه عمر ﵁).\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٤٣).\nوأخرج الترمذي في سننه (٥ / كتاب المناقب / ح ٣٨٨٥) عن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - استعمله علي جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: يا رسول الله أي الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه مسلم (فضائل أبي بكر / ح ٢٣٨٤).\nوأخرج أبو داود في سننه (كتاب الطهارة / باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم / ح ٣٣٤) قال: حدثنا ابن المثنى، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أقيس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن =","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>[غزوة الخبط]</span>\n٢٣٠ - وحدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا عَمّي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار حدّثه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: خرجنا في بعث ونحن ثلاثمئة، وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فأصابنا جوعٌ، فكنّا نأكل الخبَط ثلاثة أشهر؛ فخرجت دابّة من البحر يقال لها العَنبر، فمكثنا نصف شهر، نأكل منها، ونحر رجلٌ من الأنصار جزائر، ثم نحر من الغد كذلك؛ فنهاه أبو عبيدة، فانتهى.\nقال عمرو بن دينار: وسمعت ذكوان أبا صالح قال: إنه قيس بن سعد (١). (٣: ٣٢/ ٣٣).\n٢٣١ - حدَّثنا ابنُ المثَنَّى، قال: حدَّثنا الضّحاك بن مخْلد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يخبر، - قال: زوَّدنا النبيّ - ﷺ - جرابًا من تمر، فكان يقبض لنا أبو عبيدة قبضة قبضة، ثم تمرة تمرة، فنمصّها ونشرب عليها الماء إلي الليل؛ حتى نَفد ما في الجراب، فكُنّا نجنِي الخبَط، فجعنا جوعًا شديدًا. قال: فألقي لنا البحر حوتًا ميتًا، فقال أبو عبيدة: جياع كلوا، فأكلنا -وكان أبو عبيدة ينصب الضِّلَع من أضلاعه فيمرّ الراكب علي بعيره تحته، ويجلس النفر الخمسة في موضع عينه- فأكلنا وادّهنّا حتى صَلَحت\n_________\n= اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا.\nقال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة وليس هو ابن جبير بن نضير. اهـ.\nقلنا: والحديث أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٣٨٥) ووصله الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (١/ ١٧٧) والله تعالى أعلم.\n(١) هذا حديث صحيح أخرجه غير واحد من الأئمة، كما سنذكر بعد الرواية التالية. ورجال إسناد الطبري رجال الصحيح غير أن أحمد بن عبد الرحمن (من رجال مسلم) صدوق تغيّر بآخرته ولقد رجع عن الأحاديث المناكير التي رواها.","vol":"2","page":262},{"text":"أجسامنا، وحسنت شحماتنا؛ فلما قدمنا المدينة قال جابر: فذكرنا ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: كُلوا رزقًا أخرجه الله ﷿ لكم، معكم منه شيء؟ -وكان معنا منه شيء- فأرسل إليه بعض القوم فأكل منه (١). (٣: ٣٣).\n_________\n(١) حديث جابر حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه من أوجه، وسنذكر تمام روايات البخاري (كتاب المغازي / ب ١٨٢).\nغزوة سيف البحر وهم يتلقون عيرًا لقريش وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح ﵁.\nحدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا قبل الساحل وأمر عليهم أبو عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمئة فخرجنا وكنا ببعض الطريق فَنِيَ الزاد فأمر أبو عبيدهَ بأزواد الجيش فجمع فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتى فَنِيَ فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة فقلت: ما تغني عنكم تمرة فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت.\nثم انتهينا إلي البحر فإذا حوت مثل الظَّرب فأكل منها القوم ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلةٍ فرحلت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما.\nحدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: بعثنا رسول الله - ﷺ - ثلاثمئة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عير قريش فأقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخَبَط فسمّيَ ذلك الجيش جيش الخبط فألقي لنا البحر دابة يقال لها العنبر فأكلنا منه نصف شهر وادّهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه فعمد إلي أطول رجل معه - قال سفيان مرةً ضليعًا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلًا - وبعيرًا فمر تحته قال جابر: وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه.\nوكان عمرو يقول أخبرنا أبو صالح أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا قال: انحر قال: نحرت. قال: ثم جاعوا قال: انحر قال: نحرت قال: ثم جاعوا قال: انحر قال: نحرت ثم جاعوا قال: انحر قال: نهيت.\nحدثنا مسدّد حدثنا يحيي عن ابن جريج قال أخبرني عمرو أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: غزونا جيش الخبط وأمَّر أبو عبيدة بن الجراح فجعنا جوعًا شديدًا فألقي البحر حوتًا ميتًا لم نَرَ مثله يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمر الراكب تحته فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول قال أبو عبيدة: كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: كلوا رزقًا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم، فآتاه بعضهم بعضوٍ فأكله.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الصيد والذبائح) والبيهقي في الدلائل (٤/ ٤٠٨) ولقد ذكر الحافظ ابن كثير روايات الصحيحجن وما عند البيهقي ثم قال: ومقتفي أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية ولكن أوردناها ها هنا تبعًا للحافظ البيهقي =","vol":"2","page":263},{"text":"٢٣٢ - قال: وفيها أغزى رسولُ الله - ﷺ - في سريّةٍ أبا قتادة إلي بطن إضَم حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ.\nوقال بعضهم: عن ابن القعقاع- عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حَدْرَد، قال: بعثَنا رسول الله - ﷺ - إلي إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قَتادة الحارث بن رِبْعيّ ومحَلّم بن جَثّامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم -وكانت قبل الفتح- مَرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ علي قَعود له، معه مُتَيِّع له ووطْب من لبن. فلمّا مَرَّ بنا سلّم علينا بتحيّة الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلّم بن جَثّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه؛ فقتله وأخذ بعيره ومتيَّعه، فلمّا قدمنا علي رسول الله - ﷺ - فأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١). (٣: ٣٥/ ٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[ذكر الخبر عن غزوة مؤتة]</span>\n٢٣٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزبير، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - بَعثَهُ إلى مؤتة في جُمادي الأولى من سنة ثمانٍ؛ واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب علي الناس، فإن أصيبَ جعفر فعبد الله بن رواحة علي الناس.\n_________\n= ﵀، فإنه أوردها بعد مؤتة، وقبل غزوة الفتح والله أعلم. (البداية والنهاية ٣/ ٥٢٨) قلنا: وأما من المعاصرين فإن العمري المؤرخ يوافق الحافظ ابن كثير في مذهبه هذا إذ يقول في كتاب السيرة النبوية: وقد أوضح ابن القيم خطأ ابن سيد الناس في تاريخ السرية في رجب سنة ثمان حيث لم يغز ولم يبعث سرية في الشهر الحرام.\nثم إن صلح الحديبية يمنع اعتراض المسلمين لقافلة قريش فلا بد أن تكون سرية الخبط قبل الصلح (٢/ ٤٣٣ / الحاشية).\n(١) حديث ابن أبي حدرد الأسلمي حديث صحيح أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٦٢٧) وأحمد في المسند (٦/ ١١) والبيهقي في الدلائل (٤/ ٣٠٥) وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٨).","vol":"2","page":264},{"text":"فتجهّز الناسُ، ثم تهيَّؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم وَدَّع الناسُ أمراء رَسُول اللهِ وسلموا عليهم وودّعوهم فلمّا ودّع عبد الله بن رَواحة مع من ودّع من أمراء رسول الله - ﷺ - بكَى، فقالوا له: ما يُبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبّ الدنيا، ولا صبابة بكم؛ ولكني سمعتُ رسول الله يقرأ آيةً من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.\nفلست أدري كيف لي بالصَّدَرِ بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:\nلكنَّنِي أسْأَلُ الرّحْمنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِف الزَّبَدَا\nأو طَعْنَةً بيَدَي حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبدا\nحتى يقولوا إذَا مَرُّوا علي جَدَثي ... أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وقد رَشَدَا! (١)\n(٣: ٣٦/ ٣٧).\n٢٣٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة وأبو تُمَيلة، عن محمد بن\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٢٥٦) عن عروة وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلي عروة.\nوكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٣٥٩) وللحديث شواهد سنذكره بعد قليل. ولكننا نذكر بإيجاز ما قاله أئمة المغازي والسير في تحديد تأريخ الغزوة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٥١١): وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: بعث رسول الله - ﷺ - الجيش إلي مؤتة في جمادي من سنة ثمان. وكذا قال ابن إسحاق وموسي بن عقبة وغيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلّا ما ذكره خليفة في تأريخه أنها كانت سنة سبع. اهـ.\nوأصل الخبر عن غزوة مؤتة وتأمير الأمراء الثلاثة في صحيح البخاري فقد أخرج في صحيحه كتاب المغازي / باب غزوة مؤتة من أرض الشام:\nعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله - ﷺ -: إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلي ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.\nوأخرج كذلك في صحيحه في الباب نفسه: عن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - نعي زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.","vol":"2","page":265},{"text":"إسحاق، عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه، قال: حدّثني أبي الذي أرضعني -وكان أحد بني مرّة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مُؤتة- قال: والله لكأنّي أنظرُ إلي جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء؛ فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتِل؛ فلما قتل جعفر أخذ الرّايَة عبدُ الله بن رَواحة؛ ثمّ تقدّم بها وهو علي فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردد، ثم قال:\nأقسمْتُ يا نَفْسُ لَتَنزِلنّهْ ... طَائِعَةً أوْ فَلَتُكْرَهِنَّهْ\nإن أجْلَبَ الناسُ وشَدُّوا الرَّنّهْ ... ما لِي أَراكِ تَكْرَهِين الجَنَّهْ!\nقد طَالمَا قد كنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ!\nوقال أيضًا:\nيا نَفْس إلَّا تُقْتَلي تَمُوتي ... هذَا حِمَامُ المَوْتِ قد صَلِيتِ\nوما تَمَنَّيتِ فقدْ أعْطِيتِ ... إنْ تَفْعَلي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ\nقال: ثم نزل؛ فلمّا نزل أتاه ابنُ عمٍّ له بعظم من لحم؛ فقال: شُدَّ بها صلبك؛ فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت؛ فأخذه من يده؛ فانتهس منه نهسَةً ثم سمع الحطْمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه؛ فتقدّم فقاتل حتى قتل؛ فأخذ الراية ثابتُ بن أقرم؛ أخو بَلْعجلان؛ فقال: يا معشَر المسلمين اصطلحوا علي رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل؛ فاصطلح الناس علي خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم؛ وحاشي بهم، ثم انحاز وتحيّز عنه حتى انصرف بالناس (١). (٣: ٣٩/ ٤٠).\n_________\n(١) إسناده إلي ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٣٧٨) وصرّح بالتحديث.\nقلنا: والحديث أخرجه أبو داود في (سننه / كتاب الجهاد / ح ٢٥٧٣) ولفظه (حدثني أبي الذي أرضعني، وهو أحد بني مرة بن عوف وكان في الغزاة غزاة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلي جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل).\nوقال: هذا الحديث ليس بالقوي. اهـ.\nقلنا: والحديث أورده الهيثمي ورواه الطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٠) وكذلك حسّنه الحافظ (فتح الباري ٧/ ٥١١) وأما من المعاصرين فقد حسّنه العمري وقال: وفيه جهالة اسم الصحابي ولا تضر (السيرة النبوية / ٢/ ٤٦٨) والألباني (صحيح سنن أبي داود ح ٢٢٤٣) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":266},{"text":"٣٣٤ - فحدّثني القاسم بن بِشْر بن معروف، قال: حدَّثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا الأسود بن شيبان، عنِ خالد بن سُمَير، قال: قَدِم علينا عبد الله بن رَبَاح الأنصاريّ -وكانت الأنصار تُفقّهُه- فغشيَه الناس، فقال: حدَّثنا أبو قتادة فارسُ رسول الله - ﷺ -، قال: بعث رسول الله جيشَ الأمراء، فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب؛ فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة؛ فوثب جعفر فقال: يا رسولَ الله؛ ما كنت أذهبُ أن تستعمل زيدًا عليَّ! قال: امض؛ فإنك لا تدري أيّ ذلك خير!\nفانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. ثم إنّ رسولَ الله - ﷺ - صعد المنبر، وأمر فنودي: الصّلاة جامعة! فاجتمع الناس إلي رسول الله، فقال: باب خير، باب خير، باب خير! أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؛ إنّهم انطلقوا فلقُوا العدوّ، فقتل زيد شهيدًا -واستغفر له- ثمّ أخذ اللواء جعفر، فشدّ علي القوم حتى قتل شهيدًا -فشهد له بالشهادة واستغفر له- ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة؛ فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا -فاستغفر له- ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد -ولم يكن من الأمراء هو أمَّر نفسه- ثم قال رسول الله - ﷺ -: اللهمّ إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره -فمنذ يومئذ سمّي خالد سيف الله- ثم قال رسول الله: أبكروا فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلّفنّ منكم أحد، فنفروا مُشاةً ورُكْبَانًا، وذلك في حرّ شديد (١). (٣: ٤٠/ ٤١).\n٢٣٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: لما أتي رسولَ الله مصابُ جعفر، قال رسول الله - ﷺ -: قد مرّ\n_________\n(١) حديث أبي قتادة هذا حديث صحيح أخرجه البيهقي من طريق الفضل بن الحباب الجمحي ثنا سليمان بن حرب به (دلائل النبوة ٤/ ٣٦٧).\nوقال الحافظ ابن كثير بعد أن أورده: ورواه النسائي وفيه زيادة حسنة، وهو أنه ﵊ لما اجتمع إليه الناس قال: باب خير، باب خير وذكر الحديث - (البداية والنهاية / ٣/ ٤٨٦) قلنا: والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٠) وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٦/ ١٥٦).","vol":"2","page":267},{"text":"جعفر البارحة في نفر من الملائكة، له جناحان، مختضب القوادم بالدّم، يريدون بيشة؛ أرضًا باليمن (١). (٣: ٤١).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف، وللحديث شواهد: فقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠٩) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: دخلت الجنة البارحة فنظرت فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكيء علي سرير.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي وأخرج الحاكم رواية أخرى في الصفحة السابقة ولكن من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا يطير مع الملائكة بجناحين).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولم يوافقه الذهبي وقال المديني: واه. (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٢٠٩).\nوقال الهيثمي في المجمع معقبًا علي رواية للحديث عند الطبراني في المعجم الكبير (ح ١٤٦٦): رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن (مجمع الزوائد ٩/ ٢٧٢).\nوحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي في سننه (ح ٣٧٦٣) وقال: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر وقد ضعفه يحيى بن معين وغيره.\nوعبد الله بن جعفر هو والد علي بن المديني. وفي الباب عن ابن عباس اهـ.\nقلنا: لقد ذكرنا رواية ابن عباس (عند الحاكم) وقال الحافظ في الفتح: إسناده جيد (فتح الباري ٧/ ٧٦).\nوأخرج البخاري في صحيحه (باب مناقب جعفر / ح ٣٧٠٩) من حديث عامر قال: (كان ابن عمر ﵄ إذا حيّا ابن جعفر قال: السلام عليك يابن ذي الجناحين).\nوقال الحافظ ابن كثير: وجاء بالأحاديث تسميته بذي الجناحين. وروي البخاري عن ابن عمر أنه كان إذا سلَّمَ على ابنه عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يابن ذي الجناحين وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه.\nوالصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر قالوا: لأن الله تعالى عوّضه عن يديه بجناحين في الجنة؛ قد تقدم ما روي في ذلك (البداية والنهاية ٣/ ٥٠١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>مسألة في نتيجة هذه الغزوة:</span>\nقال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر روايات عند أحمد ومسلم: وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم. وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدًا ﵁ قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يديّ إلا صفحة يمانية. وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا =","vol":"2","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>[ذكر الخبر عن فتح مكة]</span>\n٢٣٦ - فبينا بنو بكر وخُزاعة علي ذلك حَجَز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به، فلمّا كان صلحُ الحديبية بينَ رسول الله - ﷺ - وبين قريش كان فيما شرطوا علي رسول الله - ﷺ -، وشرط لهم -كما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا -أنه مَنْ أحَبَّ أن يدخلَ في عهد رسول الله - ﷺ - وعقْده دخلَ فيه، ومَنْ أحبّ أن يدخل في عهد قُريش وعقدهم دخل فيه؛ فدخلت بنو بكر في عَقْد قريش، ودخلت خُزاعة في عَقْد رسول الله - ﷺ -.\nفلمّا كانت تلك الهدنة اغتنمتها بنو الدِّيل، من بني بكر من خُزاعة.\nوأرادوا أن يصيبوا منهمِ [ثأرًا] بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رَزْن، فخرج نَوْفل بن معاوية الدّيلي في بني الدِّيل -وهو يومئذ قائدهم؛ ليس كل بني بكر تابعه- حتى بَيَّتَ خزاعة، وهم علي الوتير؛ ماء لهم،\n_________\n= وحده دليل مستقل والله أعلم.\nوهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وحكاه ابن هشام عن الزهري.\nقال البيهقي ﵀: إنه اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، فمنهم من ذهب إلي ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا علي المشركين وأن المشركين انهزموا. قال: وحديث أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -: ثم أخذها خالد ففتح الله علي يديه، يدل علي ظهورهم عليهم والله أعلم (البداية والنهاية ٣/ ٤٩١).\nقلنا: وقد أخرج ابن سعد في طبقاته من حديث أبي عامر ﵁ قال: (بعثني رسول الله - ﷺ - إلي الشام فلما رجعت مررت علي أصحابي وهم يقاتلون المشركين بمؤتة ... الحديث وفيه: فأخذ خالد اللواء ثم حمل علي القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاؤوا ... إلخ).\nقلنا: وإسناد ابن سعد موصول (٢/ ٣١٤) طبعة دار إحياء التراث، إلا أنه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي ضعفه غير واحد وقال الحافظ: صدوق سييء الحفظ.\nوعلى أية حال فحديثه يصبح في المتابعة والشواهد والله تعالى أعلم.\nوأما من المعاصرين فقد فسّر الأستاذ العمري الفتح المذكور في الحديث بقوله: والمراد بالفتح في هذا الحديث الصحيح إما الانسحاب المنظم الناجح، وإما أوقعه المسلمون بالروم من خسائر رغم تفوقهم العددي الكبير (السيرة النبوية ٢/ ٤٦٩).","vol":"2","page":269},{"text":"فأصابوا منهم رجلًا وتحاوزوا واقتتلوا؛ ورفَدَت قريش بني بكْر بالسِّلاح؛ وقاتل معه من قريش مَنْ قاتل بالليل مستخفيًا؛ حتى حازوا خُزاعة إلي الحَرم.\nرجع الحديث إلي حديث ابن إسحاق، قال: فلما انتهوْا إليه قالت بنو بكْر: يا نوفل، إنا قد دخلْنا الحرم إلهَك إلهَك؛ فقال: كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بني بكْر أصيبوا ثأْركم، فلعمري إنكم لتسرقُون في الحرم؛ أفلا تصيبون ثأركم فيه! وقد أصابوا منهم ليلة بَيَّتوهم بالوتير رجلًا يقال له منبّه، وكان منبّه رجلًا مفؤودًا خرج هو ورجل من قومه، يقال له تميم بن أسد -فقال له منبّه: يا تميم، انجُ بنفسك؛ فأمّا أنا فوالله إني لميّتٌ قتلوني أو تركوني؛ لقد انبتَّ فؤادي. فانطلق تميم فأفلَت، وأدركوا منبّهًا فَقتلوه- فلمّا دخلت خُزاعة مكة لجؤوا إلي دار بُدَيل بن ورْقاء الخُزاعيّ، ودار مولى لهم يقال له رافع.\nقال: فلما تظاهرتْ [بنو بكر و] قُريش علي خُزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - من العهد والميثاق بما استحلّوا من خُزاعة -وكانوا في عَقْده وعهدِه- خرج عمرو بن سالم الخُزاعيّ، ثم أحد بني كعب؛ حتى قدِم علي رسولِ الله - ﷺ - المدينة؛ وكان ذلك ممّا هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو في المسجد جالسٌ بين ظهرانَيِ الناس، فقال:\nلا همّ إنِّي ناشدٌ مُحمّدا ... حلْفَ أبينا وأبيه الأتْلدَا\nفوالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلدَا ... ثمَّتَ أَسلَمْنا فلم نَنْزِعْ يَدَا\nفانْصُر رسول الله نَصْرًا أعْتَدَا ... وادْعُ عِبَادَ اللهِ يأتوا مَدَدَا\nفيهم رسول اللهِ قد تَجَرَّدَا ... أبْيَض مثْل البَدْرِ يَنْمِي صُعدَا\nإن سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا ... في فَيلَقٍ كالبَحْر يجْري مُزْبدَا\nإنّ قريشًا أخلفوك الموْعِدا ... ونَقَضُوا ميثاقك المُؤَكَّدا\nوجعلوا لي في كَدَاء رَصَدَا ... وزعموا أَن لسْتُ أَدْعُو أَحَدا\nوَهُمْ أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بالوَتِيرِ هُجَّدَا\nفقتَّلونا رُكَّعًا وَسُجّدَا\nيقول: قد قتّلونا وقد أسلمنا. فقال رسول الله - ﷺ - حينَ سمع ذلك: قد نُصرْتَ","vol":"2","page":270},{"text":"يا عمرو بن سالم! ثم عرض لرسول الله - ﷺ - عَنَانٌ من السماء، فقال: إنّ هذه السحابة لتستَهِلّ بنصر بني كعب.\nثم خرج بُدَيل بن ورقاء في نفر من خُزاعة حتى قدِموا علي رسول الله المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم؛ ثم انصرفوا راجعين إلى مكة. وقد كان رسولُ الله - ﷺ - قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدّد العَقْد، ويزيد في المدّة (١). (٣: ٤٣/ ٤٤ / ٤٥).\n_________\n(١) إسناده إلي ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فسنده حسن وأخرجه البيهقي بأطول من هذا (دلائل النبوة ٥/ ٥). وأخرج أبو يعلى فيِ مسنده (ح ٤٣٨٠) عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان وقال: \"لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب\".\nقالت: وقال لي: \"قولي لأبي بكر وعمر يتجهزا لهذا الغزو\".\nقال: فجاءا إلى عائشة، فقالا: أين يريد رسول الله - ﷺ -؟ قال: فقالت: لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان من الدهر.\nوقال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حُبيش عن أبيه عنها، وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٢).\nوأخرج البزار عن أبي هريرة ﵁ أن قائد خزاعة قال:\nاللهم إني ناشدٌ محمدا\nحلف أبينا وأبيه الأتلدا\nانصر هداك الله نصرًا أعتدا\nوادع عباد الله يأتوا مددا\nوقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو وحديثه حسن (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٢).\nوعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - بات عندها في ليلة فقام يتوضأ للصلاة قالت: فسمعته يقول في متوضئه: \"لبيك لبيك\" ثلاثًا \"نصرت نصرت\" ثلاثًا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك لبيك لبيك ثلاثًا -نصرت نصرت ثلاثًا - كأنك تكلم إنسانًا وهل كان معك أحد؟ قال: \"هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشًا أعانت عليهم بكر بن وائل\" ثم خرج رسول الله - ﷺ - فأمر عائشة أن تجهزه، ولا تعلم أحدًا، قالت: فدخل عليها أبو بكر. فقال: يا بنية ما هذا الجهاز؟ فقالت: والله ما أدري، فقال: ما هذا بزمان غزوة بني الأصفر فأين يريد رسول الله - ﷺ -؟ قالت: والله لا علم لي، فقالت: فأقمنا ثلاثًا، ثم صلي الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشد: =","vol":"2","page":271},{"text":"٢٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوة بن الزُّبير وغيره من عُلمائنا،\n_________\n= يا رب إني ناشد محمدا\nحلف أبينا وأبيه الأتلدا\nإنا ولدناك فكنت ولدا\nثمت أسلمنا فلم تنزع يدا\nإن قريشًا أخلفوك الموعدا\nونقضوا ميثاقك المؤكدا\nوزعموا أن لست تدعو أحدا\nفانصر هداك الله نصرًا أيدا\nوادعوا عباد الله يأتوا مددا\nفيهم رسول الله قد تجردا\n[أبيض مثل البدر ينحي صعدا]\nإن سيم خسفًا وجهه تربّدا\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"لبيك لبيك\" ثلاثًا \"نصرت نصرت\" ثلاثًا، ثم خرج رسول الله - ﷺ - فلما كان بالروحاء، نظر إلي سحاب منتصب فقال: \"إن هذا السحاب لينصَبُ بنصر بني كعب\" فقال رجل من بني عدي بن عمرو أخو بني كعب بن عمرو: يا رسول الله، ونصر بني عدي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"وهل عدي إلا كعب وكعب إلا عدي\" فاستشهد ذلك الرجل في ذلك السفر ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم عمّ عليهم خبرنا حتى نأخذهم بغتة\" ثم خرج حتى نزل بمرّ، وكان أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، خرجوا تلك الليلة حتى أشرفوا علي مر، فنظر أبو سفيان إلي النيران فقال: يا بديل هذه نار بني كعب أهلك فقال: جاشتها إليك الحرب. فأخذتهم مزينة تلك الليلة وكانت عليهم الحراسة فسألوا أن يذهبوا بهم إلي العباس بن عبد المطلب فذهبوا بهم، فسأله أبو سفيان أن يستأذن له من رسول الله - ﷺ - فخرج بهم حتى دخل على النبي - ﷺ - فسأله أن يؤمّن له من آمن، فقال: \"قد أمنت من أمنت خلا أبا سفيان\" فقال: يا رسول الله، لا تحجر علي. فقال: \"من أمنت فهو آمن\" فذهب بهم العباس إلي رسول الله - ﷺ - ثم خرج بهم فقال أبو سفيان: إنا نريد أن نذهب فقال: أسفروا، وقام رسول الله - ﷺ - يتوضأ وابتدر المسلمون وضوءه ينتضحونه في وجوههم، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا فقال: ليس بملك، ولكنها النبوة وفي ذلك يرغبون.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والكبير وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٤).","vol":"2","page":272},{"text":"قالوا: لما أجمَع رسولُ الله - ﷺ - المسير إلي مكة، كتب حاطب بن أبي بَلْتَعة كتابًا إلي قُريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسولُ الله من الأمر في السَّير إليهم؛ ثمّ أعطاه امرأة -يزعمُ محمد بن جعفر أنها من مُزَينة؛ وزعم غيرُه أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب- وجعل لها جُعْلًا علي أن تُبلِّغه قريشًا. فجعلَتْه في رأسها، ثم فتلتْ عليه قُرونها، ثم خرجتْ به. وأتي رسول الله - ﷺ - الخبرُ من السماء بما صنع حاطبٌ؛ فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدْركا امرأةً قد كتب معها حاطب بكتاب إلي قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم؛ فخرجا حتى أدركاها بالحُليفة، حُليفة ابن أبي أحمد؛ فاستنزلاها، فالتمسا في رَحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليُّ بن أبي طالب: إنّي أحلِفُ ما كذب رسول الله ولا كذبنا؛ ولتُخْرِجنَّ إليّ هذا الكتاب أو لنكشفنَّك؛ فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض عنِّي، فأعرض عنها، فحلّتْ قرونَ رأسِها، فاستخرجت الكتاب منه، فدفعته إليه، فجاء به إلي رسول الله - ﷺ -، فدعا رسول الله حاطبًا؛ فقال: يا حاطب، ما حملك علي هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيَّرْتُ ولا بَدَّلْتُ، ولكنّي كنتُ امرأ ليس لي في القوم أصلٌ ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولَد، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دَعْني فلأضرب عنقه، فإنّ الرجل قد نافق، فقال رسول الله - ﷺ -: وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع إلي أصحاب بدر يوم بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! فأنزل الله ﷿ في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلي قوله ﴿وَإِلَيكَ أَنَبْنَا﴾ إلي آخر القصة (١). (٣: ٤٨/ ٤٩).\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف وخبر حاطب بن أبي بلتعة صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب فضل من شهد بدرًا (ح ٣٩٨٣) باب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلي أهل مكة (ح ٤٢٧٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁: بعثني رسول الله - ﷺ - أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن ظعينة معها كتاب فخذوا منها قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا لها: أخرجي الكتاب قالت: ما معي كتاب. قلنا: لتخرجن الكتاب أو لنقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله - ﷺ - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلي ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: يا حاطب ما هذا؟ =","vol":"2","page":273},{"text":"٢٣٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: ثم مضي رسولُ الله - ﷺ - لسفره؛ واستخلف علي المدينة أبا رُهْم كُلْثوم بن حُصين بن خلَف الغفَاريّ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسولُ الله - ﷺ -، وصام الناس معه؛ حتى إذا كان بالكَديد ما بين عُسَفان وأمج، أفطر رسولُ الله - ﷺ -، ثم مضي حتى نزل مَرَّ الظَّهْران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبَّعَتْ سليم؛ وألَّفَتْ مُزَينة وفي كلّ القبائل عدد وإسلام؛ وأوعَبَ مع رسول الله المهاجرون والأنصار، فلم يتخلّف عنه منهم أحد، فلما نزل رسول الله - ﷺ - مَرّ الظهران، وقد عُمّيَت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبرٌ عن رسول الله؛ ولا يدرون ما هو فاعلٌ؛ فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحَكيم بن حزام، وبُدَيل بن ورْقاء، يتحسسون الأخبار، هل يجدون خبرًا أو يسمعون به (١)! (٣: ٤٩/ ٥٠).\n_________\n= قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ إني كنت امرأً ملصقًا في قريش -يقول: كنت حليفًا- ولم أكن من أنفسها وكاد من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع علي من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلي قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\nوالحديث أخرجه مسلم (فضائل الصحابة / ح ٢٤٩٤) والترمذي (تفسير سورة الممتحنة / ح ٣٣٠٥) وغيرهما والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده إلي ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام (٢/ ٤٠٠) من طريق ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث فهو حسن. وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٦٤) من حديث ابن عباس قال: ثم مضي رسول الله - ﷺ - واستخلف علي المدينة أبارُهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام رسول الله - ﷺ - وصام الناس معه حتى إذا كانوا بالكديد بين عُسْفان وأمج- أفطر ثم مضي حتى نزل مرّ الظهران، في عشرة آلاف من المسلمين.\nفقال الهيثمي: في الصحيح طرف منه في الصيام. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن =","vol":"2","page":274},{"text":"٢٣٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وقد كان فيما حدّثني محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبَد بن العباس بن عبد المطلب؛ عن ابن عباس: وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقَّى رسول الله - ﷺ - ببعض الطريق؛ وقد كان أبو سُفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمتة بن المغيرة قد لَقيا رسولَ الله - ﷺ - بنيق العُقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخولَ علي رسول الله، فكلّمته أم سلَمة فيهما، فقالت: يا رسولَ الله، ابن عمك وابن عمّتك وصهرُك، قال: لا حاجةَ لي بهما، أما ابنُ عمّي فهتَك عِرْضي؛ وأما ابنُ عمّتي وصهري فهو الذي قال بمكة ما قال:\nفلمّا خرج الخبر إليهما بذلك؛ ومع أبي سفيان بُنيٌّ له فقال: والله ليأذَننّ لي أو لآخُذَنَّ بيد بُنيّ هذا؛ ثم لنذهبنّ في الأرض؛ حتى نموت عطشًا وجوعَّا. فلما بلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ - رقَّ لهما؛ ثم أذن لهما، فدخلا عليه؛ فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مَضَي منه:\nلَعَمْرِيَ إنِّي يومَ أحملُ رايةً ... لتَغْلِبَ خَيلُ اللَّاتِ خَيلَ محمدِ\nلَكَالْمُدْلِج الحيرَان أظْلم ليلُه ... فهذَا أوَانِي حينَ أُهْدَي وأَهْتَدِي\nوَهادٍ هَدَانِي غَيرَ نفْسي وَنالني ... معَ اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كلَّ مُطَرَّدِ\nأَصُدُّ وَأَنأَي جَاهِدًا عن محمدٍ ... وأُدْعي ولِولم أنتسِبْ من مِحمّدِ\nهُمُ ما هُمُ منْ لم يقل بهوَاهُمُ ... وإنْ كَان ذا رَأْيٍ يُلَمْ ويُفنَّدِ\nأُرِيد لأُرْضِيهمْ ولسْتُ بلائِطٍ ... معَ القَوم ما لم أُهْدَ فِي كلِّ مَقْعَد\nفقل لثَقِيفٍ لا أُريد قتَالها ... وقل لثَقيفٍ تلك غَيرِيَ أوْعِدِي\nوما كنتُ فِي الجيشِ الَّذي نال عامِرًا ... وَما كَان عن جَرَّي لساني ولا يدي\nقبائل جَاءتْ مِنْ بَلادٍ بعِيدَةٍ ... نَزَائعُ جَاءتْ مِنْ سُهَامٍ وسُرْدَدِ\nقال: فزعموا أنه حين أنشد رسولَ الله - ﷺ - قوله: \"ونالني مع الله من طرّدتُ كلّ مُطَرَّدِ\"؛ ضَرَبَ النبي - ﷺ - في صدره. ثم قال: أنت طرّدتَني كل مطرّد! (١). (٣: ٥٠/ ٥١).\n_________\n= إسحاق وقد صرّح بالسماع (المجمع ٦/ ١٦٤) وبقية متن الطبري صحيح كما سنذكر بعد الرواية الآتية.\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرج الحاكم قال: حدثنا محمد بن يعقوب ثنا =","vol":"2","page":275},{"text":"٢٤٠ - فلما نزل مَرّ الظهران خرج أبُو سفيان بن حرب ومعه حَكيم بن حزام.\nفحدّثنا أبو كريب، قال: أخبرَنا يُونس بن بكَير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكْرمة عن ابن\n_________\n= أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق: قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ قال: مضي رسول الله - ﷺ - وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسمعت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام وأوعب مع رسول الله - ﷺ - المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار علي قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله - ﷺ - ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﵌ ثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، فقال: \"لا حاجة لي فيهما. أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن رسول الله - ﷺ - أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - رق لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضي فيه فقال:\nلعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد\nلكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوان الحق أهدي وأهتدي\nفقل لثقيف لا أريد قتالكم ... وقل لثقيف تلك عندي فأوعدي\nهداني هاد غير نفسي ودلني ... إلي الله من طردت كل مطرد\nأفر سريعًا جاهدًا عن محمد ... وأدعي ولو لم أنتسب لمحمد\nهم عصبة من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يلم ويفند\nأريد لأرضيهم ولست بلافظ ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد\nفما كنت في الجيش الذي نال عامرًا ... ولا كل عن خير لساني ولا يدي\nقبائل جاءت من بلاد بعيدة ... توابع جاءت من سهام وسردد\nوإن الذي أخرجتم وشتمتم ... سيسعي لكم سعي امريء غير قعدد\nقال: فلما أنشد رسول الله - ﷺ - *إلي الله من طردت كل مطرد* ضرب رسول الله - ﷺ - في صدره فقال: أنت طردتني كل مطرد. (قال) ابن إسحاق: ماتت أم رسول الله - ﷺ - بالأبواء وهي تزور أخوالها من بني النجار.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح علي شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٤٤).\nقلنا: الإسناد حسن فحديث محمد بن إسحاق حسن إذا صرح بالتحديث والله أعلم.","vol":"2","page":276},{"text":"عباس، قال: لما نزلَ رسول الله - ﷺ - مرّ الظهران، قال العباس بن عبد المطلب، وقد خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة: يا صباح قريش! والله لئن بَغَتها رسولُ الله في بلادها؛ فدخل مكة عَنْوة؛ إنه لهلاكُ قريش آخر الدهر! فجلس علي بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاء، وقال: أَخرُج إلي الأراك لعلّي أري حَطّابًا أو صاحب لَبَن؛ أو داخلًا يدخل مكة؛ فيخبِرهم بمكان رسول الله؛ فيأتونه فيستأمنونه. فخرجت؛ فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حَرْب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله - ﷺ -، فسمعتُ أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم قطّ نيرانًا! فقال بُديل: هذه والله نِيرانُ خُزاعة، حَمَشَتْها الحرب! فقال أبو سفيان: خُزاعة ألأم من ذلك وأذلُّ! فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل! فقلت: نعم، فقال: لبّيك فِداك أبي وأمي! فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله ورائي قد دَلَفَ إليكم بما لا قِبَلَ لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ فقلت: تركب عَجُز هذه البغلة، فأستأمن لك رسولَ الله؛ فوالله لئن ظفِر بك ليضربَنَّ عنقك، فردفني فخرجت به أركُض بغلةَ رسول الله - ﷺ - نحو رسولِ الله - ﷺ -، فكلّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين ونظروا إليّ، قالوا: عمُّ رسول الله علي بَغْلةِ رسول الله؛ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال أبو سفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عَقْدٍ ولا عهد! ثم اشتدّ نحو النبيّ - ﷺ -، وركضت البغلة، وقد أردفتُ أبا سفيان؛ حتى اقتحمتُ علي باب القبّة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجلَ البطيءَ؛ فدخل عمر علي رسولِ الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدوّ الله؛ قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد؛ فدعْنِي أضرب عنقه؛ فقلت: يا رسولَ الله، إنّي قد أجرْتُه! ثم جلست إلي رسول الله - ﷺ - فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه اليومَ أحدٌ دوني! فلمّا أكثر فيه عُمَر، قلت: مهلًا يا عمر! فوالله ما تصنع هذا إلّا لأنه رجل من بني عبد مناف؛ ولو كان من بني عَدِيّ بن كدب ما قلت هذا. فقال: مهلًا يا عباس! فوالله لإسلامُك يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم! وذلك لأني أعلمُ أن إسلامَك كان أحبَّ إلي رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسولُ الله: اذهب فقد آمنّاه حتى تغدوَ به عليّ بالغداة. فرجع به إلي منزله؛ فلمّا أصبح غدا به علي رسول الله - ﷺ -، فلمّا رآه قال: ويحك","vol":"2","page":277},{"text":"يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلَم أن لا إله إلا الله! فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننتُ أن لو كان مع الله غيره لقد أغني عنّي شيئًا، فقال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أنّي رسول الله! فقال؛ بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أمّا هذه ففي النفس منها شيء! فقال العباس: فقلت له: ويلك! تشهّدْ شهادة الحق قبل والله أن تُضرب عنقك؛ قال: فتشهد.\nقال: فقال رسولُ الله - ﷺ - للعباس حين تشهّد أبو سفيان: انصرف يا عباس فاحبسه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمرّ عليه جنود الله، فقلت له: يا رسولَ الله، إنّ أبا سفيان رجلٌ يحبّ الفخر، فاجعل له شيئًا يكون في قومه. فقال: نَعمْ؛ مَنْ دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومَنْ دخلَ المسجد فهو آمنٌ، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمنٌ فخرجت حتى حبستُه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادي؛ فمرَّت عليه القبائل، فيقول: مَنْ هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم! فتمرّ به قبيلة، فيقول: مَنْ هؤلاء؛ فأقول: أسلم، فيقولْ ما لي ولأسلم! وتمرّ جُهينة، فيقول: ما لي ولجهينة! حتى مَرّ رسول الله - ﷺ - في الخضراء؛ كتيبة رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار في الحديد؛ لا يُري منهم إلا الحَدَق، فقال: مَنْ هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلكُ ابن أخيك عظيمًا. فقلت: ويحك إنها النبوّة! فقال: نعم إذًا، فقلتُ: الحق الآن بقومك فحذِّرهم؛ فخرج سريعًا حتى أتي مكة، فصرخ في المسجد: يا معشرَ قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به! قالوا: فمَهْ! فقال: مَنْ دخل داري فهو آمن، فقالوا: ويحك! وما تُغني عَنّا دارك! فقال: ومَنْ دخل المسجد فهو آمن، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمن (١). (٣: ٥٢/ ٥٣ / ٥٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف بسبب حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس إلا أن الطبراني روي عن ابن عباس قال: ثم مضي رسول الله - ﷺ - واستعمل علي المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله - ﷺ - وصام الناس معه.\nحتى إذا كان بالكديد -ماء بين عُسفان وأمج- فطر ثم مضي حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين وألف من مزينة سليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام وأوعب مع =","vol":"2","page":278},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رسول الله - ﷺ - المهاجرون والأنصار لم يتخلف منهم أحط، فلما نزل رسول الله - ﷺ - مر الظهران، وقد عميت الأخبار علي قريش، فلم يأتهم عن رسول الله - ﷺ - خبر ولم يدروا ما هو فاعل خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون وينظرون: هل يجدون خبرًا أو يسمعون به؟ وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقي رسول الله - ﷺ - في بعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله - ﷺ - ما بين المدينة ومكة. والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما. فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: \"لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي بمكة وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال\".\nفلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله لتأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن بالأرض حتى نموت عطشا وجوعًا فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - رق لهما. ثم أذن لهما. فدخلا فأسلما.\nفلما نزل رسول الله - ﷺ - بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلي آخر الدهر.\nقال: فجلست علي بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك. فقلت لعلي: ألقي بعض الحطّابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ - فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.\nقال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبُديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا.\nقال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حشَّها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.\nقال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي. فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم. فقال: ما لك فداك أبي وأمي؟ فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله - ﷺ - في الناس، واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ .\nقال: قلت: لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - ﷺ - فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه وحركت به، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله - ﷺ - قالوا: عم رسول الله - ﷺ - علي بغلته. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا وقام إليّ، فلما رأي أبا سفيان علي عجز البغلة قال: أبو سفيان عدو الله؟ ! الحمد لله الذي أمكن الله منك بغير عقدٍ ولا عهد، ثم خرج يشتدُّ نحو رسول الله - ﷺ - وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت علي رسول الله - ﷺ - ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا =","vol":"2","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني لأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله: إني أجرته ثم جلست إلي رسول الله - ﷺ - فأخذت برأسه فقلت: لا والله، لا يناجيه الليلة رجل دوني.\nقال: فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلًا يا عمر. أما والله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف فقال: مهلًا يا عباس، والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام أبي لو أسلم. وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلي رسول الله - ﷺ - من إسلام الخطاب.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"اذهب به إلي رحلك يا عباس، فإذا أصبحت فائتني به\" فذهبت به إلي رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به علي رسول الله - ﷺ - فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: \"ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ \".\nقال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأحلمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغني عني شيئًا.\nقال: \"ويحك يا أبا سفيان ألم يان لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في النفس منها شيء حتى الآن.\nقال العباس: قلت: ويحك يا أبا سفيان أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك. قال؛ فتشهد شهادة الحق وأسلم.\nقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا قال: \"نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن\".\nفلما ذهب لينصرف. قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها\".\nقال: فخرجت به حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله - ﷺ - أن أحبسه.\nقال: ومرت به القبائل علي راياتها فكلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: بني سليم فيقول: وما لي ولسليم.\nقال: ثم تمر القبيلة، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة حتى تعدّت القبائل -يعني جاوزت لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان. فيقول ما لي ولبني فلان. حتى مر رسول الله - ﷺ - في الخضراء (كتيبة) فيها المهاجرون والأنصار لا يري منهم سوى الحدق قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله - ﷺ - في المهاجرين والأنصار.\nقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنعم إذا. فقلت: النجاء إلي قومك.\nقال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلي صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما =","vol":"2","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس فبئس طليعة قوم.\nفقال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاء بما لا قبل لكم به من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلي دورهم وإلي المسجد.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٦٨) وقال الحافظ ابن كثير (بعد أن أشار إلي رواية ابن هشام المنقطعة): علي أنه قد روي البيهقي من طريق أبي بلال الأشعري عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بأبي سفيان إلي رسول الله - ﷺ - قال: فذكر القصة إلا أنه ذكر أنه أسلم ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله - ﷺ -. وأنه لما قال له رسول الله - ﷺ -: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قال أبو سفيان: وما تتسع داري؟ فقال: ومن دخل الكعبة فهو آمن. قال: وما تسع الكعبة؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن قال: وما يسع المسجد. فقال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.\nفقال أبو سفيان: هذه واسعة. (البداية والنهاية ٣/ ٥٤٩).\nقلنا: ولكن ابن إسحاق لم يصرح بالتحديث هنا والله تعالى أعلم.\nوقال المحدث الألباني ﵀ في تعليقه علي هذه الرواية: حديث صحيح أخرجه ابن هشام (٦٨/ ٢٢) عن ابن إسحاق معضلًا لكن وصله ابن جرير (٢/ ٣٣٠ - ٣٣٢) عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس، وحسين هذا ضعيف.\nلكن قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٥ - ١٦٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nفالظاهر أنه عنده من غير هذا الطريق الضعيف. ورواه أبو داود (٢/ ٤١) عن ابن إسحاق بإسناد آخر له عن ابن عباس وفيه رجل لم يُسَمَّ وله عنده إسناد ثالث ورجاله ثقات. لكن لم يصرح فيه ابن إسحاق بالسماع.\nثم أخرجه هو ومسلم (٥/ ١٧٢ - ١٧٣) من حديث أبي هريرة إلا أنه قال: (ومن ألقي السلاح فهو آمن، بدل: ومن دخل المسجد فهو آمن). اهـ. كلام الألباني (السيرة النبوية للغزالي / ٤١٠).\nقلنا: أما حديث أبي داود الأول الذي أشار إليه الألباني فهو ما أخرجه أبو داود (٣/ ٦٢ / ح ٣٠٢١) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمرّ الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئًا قال: (نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن).\nوالطريق الثاني فهو ما أخرجه أبو داود (٣/ ١٦٢ / ح ٣٠٢٢) من طريق ابن إسحاق عن =","vol":"2","page":281},{"text":"٢٤١ / أ- حدّثني عبدُ الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا أبان العطّار قال: حدَّثنا هشام بن عروة، عن عُروة، أنه كتب إلي عبد الملك بن مروان: أمّا بعد، فإنك كتبت إليّ تسألني عن خالد بن الوليد، هل أغار يوم الفتح؟ وبأمر مَنْ أغار؟ وإنه كان من شأن خالد يوم الفتح أنه كان مع النبيّ - ﷺ -، فلما ركب النبيّ بطنَ مَرّ عامِدًا إلي مكة، وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقّيان رسولَ الله - ﷺ -؛ وهم حين بعثوهما لا يدرون أين يتوجّه النبيّ - ﷺ - إليهم أو إلي الطائف! وذاك أيام الفتح؛ واستتبع أبو سفيان وحكيم بن حزام بُدَيلَ بن ورقاء، وأحبّا أن يصحَبهما، ولم يكن غير أبي سفيان وحكيم بن حزام وبُديل؛ وقالوا لهم حين بعثوهم إلي رسول الله - ﷺ -: لا نؤتَيَنَّ من ورائكم، فإنا لا ندري مَنْ يريد محمد! إيّانا يريد، أو هوازن يريد، أو ثقيفًا! وكان بين النبيّ - ﷺ - وبين قريش صلْح يوم الحديبية وعَهْد ومدّة، فكانت بنو بكر في ذلك الصلح مع قريش، فاقتتلتْ طائفة من بني كعب وطائفة من بني بكْر؛ وكان بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش في ذلك الصّلح الذي اصطلحوا عليه: \"لا إغلال\n_________\n= العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس قال: لما نزل رسول الله - ﷺ - مرّ الظهران قال العباس: قلت: والله لئن دخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة ... الحديث. وفيه: وإني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي قلت: هذا رسول الله والناس قال: فما الحيلة قال: فركب خلفي ورجع صاحبه فلما أصبحت غدوت به علي رسول الله - ﷺ - فأسلم. قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا قال: (نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه داره فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن).\nقال: فتفرق الناس إلي دورهم وإلي المسجد. اهـ.\nوأما الطريق الثالث الذي أشار إليه الألباني فهو من حديث أبي هريرة عند أبي داود (٣/ ١٦٣ / ح ٣٠٢٤) (ومسلم كتاب الهجرة والمغازي / باب في فتح مكة ودخولها بالقتال عنوة ومنه عليهم / ح ١١٨٢ / مختصر مسلم للمنذري).\nورواية مسلم أطول من رواية أبي داود، ولفظ مسلم: (وفدت وفود إلي معاوية ﵁ في رمضان ... الحديث وفيه: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ... إلخ) الحديث.\nقلنا: ولهذه الرواية شاهد مرسل عند الطبري (كما سيأتي) والبخاري. وقال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (ح ٤٣٦٢): هذا حديث صحيح أخرجه إسحاق بن راهويه.","vol":"2","page":282},{"text":"ولا إسلال\"، فأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فاتّهمت بنو كعب قريشًا، فمنها غزا رسول الله - ﷺ - أهلَ مكة؛ وفي غزوته تلك لقي أبا سفيان وحكيمًا وبُدَيلًا بمَرّ الظهران؛ ولم يشعروا أنّ رسولَ الله - ﷺ - نزل مَرّ، حتى طلعوا عليه، فلما رأوْه بمَرّ، دخل عليه أبو سفيان وبُدَيل وحكيم بمنزله بمَرّ الظَّهران فبايعوه، فلمّا بايعوه بعثَهم بين يديه إلي قريش، يدعوهم إلي الإسلام، فأخبرتُ أنه قال: مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن -وهي بأعلي مكة- ومن دخلَ دارَ حكيم -وهي بأسفل مكة- فهو آمن، ومن أغلق بابه وكَفّ يده فهو آمن (١). (٣: ٥٤/ ٥٥).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل وبعض متنه صحيح كما سبق، والحديث أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق بلاغًا، وأخرج البخاري بعضه مرسلًا عن عروة. إذ قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح؟ .\nحدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال: لما سار رسول الله - ﷺ - عام الفتح فبلغ ذلك قريشًا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله - ﷺ - فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة. فقال أبو سفيان: ما هذه لكأنها نيران عرفة فقال بديل: نيران بني عمر فقال أبو سفيان: عمر أقل من ذلك فرآهم ناس من حرس رسول الله - ﷺ - فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله - ﷺ -.\nفلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلي المسلمين، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي - ﷺ - تمر كتيبة كتيبة علي أبي سفيان فمرت كتيبة قال: يا عباس من هذه قال: هذه غفار. قال: ما لي ولغفار ثم مرت جهينة قال مثل ذلك ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ومرت سليم فقال مثل ذلك حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها قال: من هذه قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار.\nثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه وراية النبي - ﷺ - مع الزبير بن العوام فلما مر رسول الله - ﷺ - بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة قال: ما قال: قال: قال كذا وكذا، فقال كذب سعد ولكن هذا يوم يُعظم الله فيه الكعبة. ويوم تكسي فيه الكعبة قال وأمر رسول الله - ﷺ - أن تركز رايته بالحجون. قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله هاهنا أمرك رسول الله - ﷺ - أن تركز الراية، قال وأمر رسول الله - ﷺ - يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلي مكة من كداء ودخل النبي - ﷺ - من كُدي فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حبيش بن الأشعر وكرز بن جابر الفهري. =","vol":"2","page":283},{"text":"٢٤١ / ب- وإنّه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبيّ - ﷺ - عامدين إلى مكة، بعث في أثرهما الزُّبير وأعطاه رايته، وأمَّره علي خيل المهاجرين والأنصار وأمَره أن يغرز رايته بأعلي مكة بالحجُون؛ وقال للزُّبير: لا تبرحْ حيث أمرتُك أن تغرِز رايتي حتى آتِيَك؛ ومن ثمّ دخل رسولُ الله - ﷺ -، وأمر خالد بن الوليد -فيمن كان أسلم من قُضاعة وبني سليم وأناس، إنما أسلموا قُبَيل ذلك- أن يدخل من أسفَل مكة، وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش. وبنو الحارث بن عبد مناة ومَنْ كان من الأحابيش أمرتْهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة (١). (٣: ٥٥/ ٥٦).\n٢٤٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، أن رسول الله - ﷺ - أمر خالد بن الوليد، فدخل علي الليط أسفل مكة، في بعض الناس، وكان خالد علي المجنبة اليمنى وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله - ﷺ - ودخل رسول الله - ﷺ - من أذاخر حتى نزل بأعلي مكة وضربت هنالك قبته (٢). (٣: ٥٧).\n_________\n= (صحيح البخاري / كتاب المغازي / غزوة الفتح / ح ٤٢٨٠).\nوهذا المرسل شاهد لرواية الطبري الموصولة عن ابن عباس (٣/ ٢٤٠) والله تعالى أعلم.\n(١) أغلب الظن أن هذا جزء من الرواية السابقة وإسناد الرواية السابقة مرسل إلا أن مسلمًا أخرج في صحيحه (كتاب الجهاد / باب فتح مكة / ح ١٧٨٠) من حديث أبي هريرة وفيه:\nفقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله - ﷺ - حتى قدم مكة فبعث الزبير علي إحدي المجنبتين، وبعث خالد علي المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة علي الحسر فاخذوا بطن الوادي، ورسول الله في كتيبة. قال: فنظر فرآني فقال أبو هريرة؟ قلت لبيك يا رسول الله قال: فقال: لا يأتيني إلا أنصاري) قال: فأطافوا به، ووبشت قريش أوباشًا لها وأتباعًا فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (ترون إلي أوباش قريش وأتباعهم ثم قال بيديه إحداهما علي الأخرى حتى توافوني بالصفا) قال فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا بشيء قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم قال: فقال رسول الله - ﷺ - من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ... الحديث.\n(٢) إسناد مرسل ضعيف وله ما يشهد له عند البخاري ومسلم فأما دخوله - ﷺ - من أعلي مكة فقد =","vol":"2","page":284},{"text":"٢٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: وكانَ رسولُ الله - ﷺ - قد عهِد إلي أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة؛ ألّا يقتلوا أحدًا إلّا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نَفر سمّاهم؛ أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة؛ منهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح بن حُبَيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ- وإنما أمر رسولُ الله - ﷺ - بقتله، لأنه كان قد أسلم فارتدّ مشركًا، ففرّ إلي عُثْمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيّبه حتى أتي به رسول الله - ﷺ - بعد أن اطمأنّ أهلُ مكة، فاستأمن له رسول الله، فذُكِر أن رسولَ الله - ﷺ - صَمَتَ طويلًا، ثم قال: نعم، فلمّا انصرفَ به عثمان، قال رسول الله لمن حولَه من أصحابه: أما والله لقد صمتّ ليقومَ إليه بعضُكم فيضرب\n_________\n= قال البخاري (باب دخول النبي - ﷺ - من أعلي مكة):\n(ح / ٤٢٨٩): وقال الليث: حدثني يونس قال: أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - أقبل يوم الفتح من أعلي مكة علي راحلته مردفًا أسامة بن زيد معه بلال ومعه عثمان بن طلحة من المجنبة حتى أناخ في المسجد فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيها نهارًا طويلًا ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا فسأله أين صلي رسول الله - ﷺ - فأشار له إلي المكان الذي صلي فيه قال عبد الله فنسيت أن أسأله كم صلي من سجدة.\n(ح / ٤٢٩٠): حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة ﵂ أخبرته أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح من كداء التي بأعلي مكة.\nتابعه أبو أسامة ووهيب في كداء.\n(ح / ٤٢٩١): حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه دخل النبي - ﷺ - عام الفتح من أعلي مكة من كداء. (صحيح البخاري / كتاب المغازي).\nقلنا: وحديث دخول مكة من الجهة العليا أخرجه مسلم في صحيحه / كتاب الحج / باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والله تعالى أعلم.\nوأما جعل خالد على مجنبةٍ وكذلك تأمير أبي عبيدة علي قسم آخر من صف المسلمين فقد جاء من حديث أبي هريرة عند مسلم (ح ١٧٨٠) وقد ذكرنا شطرًا منه في تعليقنا قبل قليل ولا بأس بإعادة جزء منه هنا:\n(فقال: أقبل رسول الله - ﷺ - حتى قدم مكة فبعث الزبير علي إحدي المجنبتين وبعث خالد علي المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة علي الحسَّر فأخذوا بطن الوادي. الحديث).\nصحيح مسلم / باب فتح مكة ودخولها بالقتال /.","vol":"2","page":285},{"text":"عنقه! فقال رجلٌ من الأنصار: فهلّا أومأتَ إليَّ يا رسول الله! قال: إن النبيّ لا يقتلُ بالإشارة -وعبد الله بن خَطَل، رجلٌ من بني تيم بن غالب- وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله - ﷺ - مصدّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار؛ وكان معه موليً له يخدُمُه، وكان مسلمًا، فنزل منزلًا، وأمر المولي أن يذبح لَه تيسًا، ويصنع له طعامًا، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدَا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا؛ وكانت له قينتان: فرتني وأخري معها، وكانتا تغنّيان بهجاء رسول الله - ﷺ -، فأمر بقتلهما معه والحويرث بن نُقَيذ بن وهب بن عبد بن قصيّ، وكان ممن يؤذيه بمكة، ومقيس بن صُبابة -وإنما أمر بقتله لقتله الأنصاريّ الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلي قريش مرتدًّا- وعكرمة بن أبي جهل، وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب؛ وكانت ممن يُؤذيه بمكة. فأما عِكْرمة بن أبي جهل فهرَب إلي اليمن؛ وأسلمت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسولَ الله فأمّنه؛ فخرجت في طلبه حتى أتتْ به رسولَ الله - ﷺ -، فكان عِكْرمة يحدّث -فيما يذكرون- أنّ الّذي ردّه إلي الإسلام بعد خروجه إلي اليمن أنه كان يقول: أردت ركوبَ البحر لألحقَ بالحبشة، فلما أتيتُ السفينة لأركبها قال صاحبها: يا عبد الله، لا تركب سفينتي حتى تُوَحّدَ اللهَ، وتخلع ما دونه من الأنداد، فإني أخشي إن لم تفعل أن نهلِك فيها، فقلت: وما يركبه أحدٌ حتى يوحّد الله ويخلع ما دونه! قال: نعم؛ لا يركبه أحدٌ إلّا أخلص. قال: فقلت: ففيم أفارق محمدًا! فهذا الذي جاءنا به، فوالله إنّ إلهنا في البحر لإلهُنا في البرّ، فعرفت الإسلام عند ذلك، ودخل في قلبي. وأما عبد الله بن خَطَل، فقتله سعيد بن حريث المخزوميّ وأبو برزة الأسلميّ، اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صُبابة فقتله نُمَيلَةُ بن عبد الله؛ رجل من قومه، فقالت أخت مِقيَس:\nلَعَمْرِي لَقَدْ أخزى نُمَيلةُ رهْطَهُ ... وفَجَّعَ أضيافَ الشتَاءِ بمقيسِ\nفللَّهِ عَيْنًا مَن رأي مثلَ مِقْيَسٍ ... إذَا النُّفَسَاءُ أصبَحَتْ لم تُخَرَّسِ!\nوأما قينتَا ابن خَطَل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسولُ الله - ﷺ - بعد، فأمّنها. وأما سارَة، فاستؤمنَ لها فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجلٌ من الناس فرسًا له في زمن من عمر بن الخطاب بالأبطح، فقتلها. وأما","vol":"2","page":286},{"text":"الحويرث بن نُقَيْذ، فقتله عليّ بن أبي طالب ﵁ (١). (٣: ٥٨/ ٥٩ / ٦٠).\n_________\n(١) إسناده إلي ابن إسحاق ضعيف وذكره ابن إسحاق معضلًا ولكن قصة المشركين الذين أُهدر دمهم صحيح عند غير واحد من أئمة الحديث فقد روي الطبراني في الكبير (ح ٥٥٢٩).\nوعن سعيد بن يربوع -وكان يسمي الصرم- أن رسول الله - ﷺ - قال يوم فتح مكة:\n\"أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم: الحويرث بن نفيل، ومقيس بن صبابة، وهلال بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح\".\nفأما الحويرث فقتله علي بن أبي طالب.\nوأما مقيس بن صبابة فقتله ابن عم له لحاء.\nوأما هلال بن خطل: فقتله الزبير.\nوأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان بن عفان - ﵁ - وكان أخاه من الرضاعة.\nوقينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله - ﷺ - فقتلت إحداهما وأقبلت الأخرى، فأسلمت.\nوقال الهيثمي: روي أبو داود منه طرفًا، رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقد تقدمت أحاديث نحو هذا قبل بورقتين في هذا المعنى (المجمع ٦/ ١٧٣).\nوأخرج الحاكم في المستدرك من حديث مصعب بن سعد عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان ﵁ فجاء به حتى أوقفه علي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا ثم أقبل علي أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلي هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح علي شرط مسلم ولم يخرجاه (٣/ ٤٥) (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كان عبد الله بن أبي سرح يكتب لرسول الله - ﷺ - فلحق بالكفار فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يقتل فاستجار له عثمان ﵁ فأجاره رسول الله - ﷺ -).\nوقال الحاكم: صحيح علي شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٤٥).\nوأخرج البزار (ح ١٨٢٢) وأبو يعلى في المسند (ح ٧٥٧) عن سعد يعني -ابن أبي وقاص- قال:\nلما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله - ﷺ - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: \"اقتلوهم ولو =","vol":"2","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح\".\nفأما عبد الله بن خطل: فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارًا، وكان أشب الرجلين فقتله.\nوأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق.\nوأما عكرمة: فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص. ما ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك عليّ عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه آتي محمدًا فأضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا، قال: فجاء فأسلم وذكر الحديث.\nرواه أبو داود وغيره باختصار.\nرواه أبو يعلى والبزار وزاد:\nفأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه أحنى عليه عثمان، فلما دعا رسول الله - ﷺ - الناس للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، بأصابعه ثم أقبل فحمد الله وأثني عليه وقال: \"أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إذ رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله\".\nقالوا: يا رسول الله لو أومأت إلينا بعينك، قال: \"فإنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين\".\nوقال الهيثمي: ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٩). وأخرج أبو داود في سننه (٣/ ٥٩ / ح ٢٦٨٣) عن سعد قال: (لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله - ﷺ - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وسمّاهم وابن أبي سرح فذكر الحديث قال: وأما ابن سرح فإنه اختبأ عند عثمان. . إلى آخر الحديث).\nوأخرج أبو داود (٣/ ٥٩ / ح ٢٦٨٤) عن محمد بن العلاء قال: ثنا زيد بن حبال قال أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي قال: حدثني جدي عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال يوم فتح مكة: أربعة لا أؤمنهم في حلٍّ ولا حرمٍ فسماهم قال: وقينتين كانتا لمقيس فقتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت. قال أبو داود لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب. اهـ.\nولم يخرج البخاري ومسلم من خبر هؤلاء سوى ما جاء في خبر ابن خطل مختصرًا جدًّا فقد أخرج البخاري (كتاب المغازي / ح ٤٢٨٦) عن أنس ﵁: (أن النبي - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح، وعلي رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتله ... الحديث) وأخرجه مسلم في كتاب الحج / باب دخول النبي - ﷺ - مكة غير محرم يوم الفتح ولفظه: (أن النبي - ﷺ - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر، فلما نزعه =","vol":"2","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه) وأخرجه الترمذي / (٤ / ح ١٦٩٣) وقال حسن صحيح غريب لا نعرف كبير أحدٍ رواه غير مالك عن الزهري (سنن الترمذي ٤/ ١٧٥ / ح ١٦٩٣).\nقلنا: وكما قال أبو داود: لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب، فإنا نقول: لقد ذكر الأستاذ العمري خبر (تمكن عكرمة وعبد الله بن سعد من الوصول إلي رسول الله - ﷺ - حيث أعلنا إسلامهما وحقنا بذلك دمهما).\nثم ذكر في الحاشية كلامًا في سند الخبر فقال:\nالنسائي: سنن السيوطي: (زهر الربا ٧/ ١٠٥) وفي إسناده ضعف، وللحديث شاهدان رواهما البيهقي أحدهما في (ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٩٩) بإسناد فيه الحكم بن عبد الملك البصري، ضعيف، ويذكر \"عبد العزي بن خطل\" بدل \"عبد الله بن خطل\" -وفي اسمه خلاف- و\"أم سارة\" بدل \"عكرمة\" والآخر في (السنن الكبرى ٩/ ١٢٠) وفيه عمرو بن عثمان المخزومي مقبول ويذكره \"الحويرث بن نقيذ\" بدل \"عكرمة\" ورغم أن هذه الروايات ضعيفة لكنها تتضامن لإسناد الخبر تاريخيًا.\nوخبر مقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة في الصحيحين (صحيح البخاري ٥/ ١٨٨) و(صحيح مسلم ١/ ٥٧٠).\n(السيرة النبوية / العمري / ٤٨٠ / الحاشية).\nقلنا: أما خبر مقتل ابن خطل ففي الصحيحين كما أشار الأستاذ العمري ولكن الذي لم نفهمه كما نحب أن الأستاذ العمري لم يذكر أيًا من الروايات الصحيحة في خبر عبد الله بن أبي سرح وعكرمة (والتي ذكرناها قبل قليل) وإنما يذكر الروايات الضعيفة عند النسائي والبيهقي والله تعالى أعلم.\nقلنا: وكذلك أخرج البخاري ومسلم خبر رجل آخر لم يذكره الطبري في روايته عن ابن إسحاق.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه (باب الصلاة في الثوب الواحد / ح ٣٥٧) من حديث أم هانئ ﵂ قالت: \"ذهبت إلي رسول الله - ﷺ - عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره قال: فسلمت عليه فقال: (من هذه؟) فقلت: أنا أم هاني بنت أبي طالب. فقال: (مرحبًا بأم هانئ).\nفلما فرغ من غسله قام فصلي ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي على أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة. فقال رسول الله - ﷺ -: (لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) قالت أم هاني: وذاك ضحيً\".\nوالحديث أخرجه مسلم (باب صلاة الضحى / ح ٣٣٦) والترمذي في سننه (باب ما جاء في أمان المرأة / ح ١٥٧٩) وأبو داود / باب أمان المرأة وغيرهم.","vol":"2","page":289},{"text":"٢٤٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى بن الوجيه، عن قتادة السَّدوسيّ؛ أن رسولَ الله - ﷺ - قام قائمًا حين وقف علي باب الكعبة، ثم قال: لا إله إلا الله وحدَه، لا شريك له، صَدَقَ وعدَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزاب وحدَه. ألا كلّ مَأثرة، أو دم، أو مال يُدَّعي؛ فهو تحت قَدَمَيَّ هاتَين إلّا سِدانة البيت وسِقاية الحاجّ. ألَا وقتيلُ الخطأ مثل العَمْد؛ بالسوط والعصا، فيهما الديَة مغلّظة [مئة من الإبل]، منها أربعون في بطونها أولادها (١). (٣: ٦٠/ ٦١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح فقد أخرج أبو داود في سننه (كتاب الديات / باب في الخطأ شبه العمد / ح ٤٥٤٧) قال: حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: ثنا حماد عن خالد، عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة فكبر ثلاثًا ثم قال: (لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ... - إلى ها هنا حفظته عن مسدد - (ثم اتفقا): ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعي من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت ثم قال: إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل منها أربعون في بطون أولادها) وحديث مسدد أتم. اهـ. كلام أبي داود.\nوأخرج أبو داود (٤/ ١٨٦ / ح ٤٥٤٩) عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - بمعناه قال: خطب رسول الله - ﷺ - يوم الفتح أو فتح مكة علي درجة البيت أو الكعبة.\nوالحديث أخرجه ابن حبان (ح ١٥٢٦) وصححه، وأحمد (٢/ ١٦٤) وقال العمري عن إسناد أحمد: حسن لذاته، وعن إسناد أبي داود: صحيح (السيرة ٢/ ٤٨٥) الحاشية.\nوحسّن الألباني رواية أبي داود (٣٨٠٧) وابن ماجه (ح ٢٦٢٨) والله تعالى أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-267>[مبايعة الناس لرسول الله - ﷺ - يوم الفتح]</span>-\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ٦١ - ٦٢/ ٣١١) في قسم الضعيف فقد ذكره الطبري بلا إسناد ولم نجد رواية أخرى من غير هذا الطريق وبذكر هذه التفاصيل إلا أن مبايعته ﵊ للناس يوم فتح مكة فصحيح كما أخرج أحمد في المسند (٣/ ٤١٥) عن الأسود بن خلف ﵁: أنه رأي النبي - ﷺ - يبايع الناس يوم الفتح. قال: فجلس عند قرب دار سمرة قال الأسود: فرأيت النبي - ﷺ - جلس فجاءه الناس الصغار والكبار والنساء فبايعوه علي الإسلام والشهادة فقلت: فما الإسلام قال: الإيمان بالله. فقلت: وما الشهادة؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك.\nوأخرج البخاري في صحيحه من حديث مجاشع بن مسعود ﵁ قال: (أتيت النبي - ﷺ - بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه علي الهجرة ... الحديث) =","vol":"2","page":290},{"text":"٢٤٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وكان جميعُ مَنْ شهد فتح مكّة من المسلمين عشرة آلاف؛ من بني غفار أربعمئة، ومن أسلم أربعمئة، ومِن مُزينة ألف وثلاثة نَفر، ومن بني سُلَيم سبعمئة، ومن جُهينة ألف وأربعمئة رجل؛ وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بني تميم وقيس وأسد (١). (٣: ٦٤/ ٦٥).\n٢٤٦ - قال: وفيها هدم خالد بن الوليد العُزّى ببطن نَخْلة، لخمس ليال بقينَ من رمضان؛ وهو صنمٌ لبني شيبان؛ بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزّي، يقولون: هذا صَنمنا، فخرج إليه خالد، فقال: قد هدمته، قال: أرأيتَ شيئًا؟ قال: لا، قال: فارجع فاهدمْه، فرجع خالد إلي الصنم فهدم بيتَه، وكسر الصنم، فجعل السادنُ يقول: أعُزَّي اغضَبي بعض غضباتك! فخرجت عليه امرأة حبشيّة عريانةٌ مُوَلْولَة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتي رسولَ الله - ﷺ -، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزّي، ولا تُعبدُ العُزّي أبدًا (٢). (٣: ٦٥).\n_________\n= صحيح البخاري (كتاب الجهاد / باب لا هجرة بعد الفتح / ح ٣٠٧٧).\nومسلم (باب المبايعة بعد فتح مكة / ح ١٣٥٣) والترمذي (باب ما جاء في الهجرة / ١٥٩٠) وقال: حسن صحيح وغيرهم.\nوأما خبر هند بنت عتبة فقد قالت السيدة عائشة ﵂: (إن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله ما كان مما علي ظهر الأرض أهل أخباء أو خباء -الشك من ابن بكير- أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خبائك أو أخبائك، ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أو أخباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك، أو أخباءك، قال رسول الله - ﷺ -: وأيضًا والذي نفس محمد بيده، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسِّيك فهل عليّ من حرج أن أطعم من الذي له؟ قال - ﷺ -: لا إلا بالمعروف).\nأخرجه البخاري (باب كيف كانت يمين رسول الله / ح ٦٦٤١) ومسلم كتاب الأقضية (ح ١٧١٤) والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده إلي ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق معضلًا وأصل الخبر في عدد الجيش الفاتح ثابت في الصحيح، كما أخرج البخاري (كتاب المغازي / باب غزوة الفتح / ح ٤٢٧٦) عن ابن عباس ﵄ قال: (إن النبي - ﷺ - خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف. . الحديث).\n(٢) انظر الرواية التالية.","vol":"2","page":291},{"text":"٢٤٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - خالد بن الوليد إلى العُزّى -وكانت بنخلة، وكانت بيتًا يعظّمه هذا الحيّ من قريش وكنانة ومُضر كلها؛ وكانت سَدَنَتُها من بني شيبان، من بني سُلَيم حلفاء بني هاشم- فلما سمع صاحبها بمسير خالد إليها، علّق عليها سيفه، وأسند في الجبل الذي هي إليه فأصعد فيه، وهو يقول:\nأَيا عَزَّ شُدِّي شَدَّةً لا شَوَى لها ... على خَالِدٍ ألْقِي القِناعَ وشَمِّرِي\nويا عُزَّ إن لم تَقْتُلي اليومَ خَالدًا ... فَبوئي بإثم عَاجل أو تنصَّري\nفلما انتهي إليها خالد هَدمها، ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - (١). (٣: ٦٥).\n٢٤٨ - حدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثنا أبي. وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة؛ جميعًا عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، عن ابن شهاب الزهريّ، عن ابن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ، عن أبيه عبد الله بن أبي حَدْرد، قال: كنتُ يومئذ في خَيل خالد،\n_________\n(١) هذا إسناد معضل ولكن أخرج البيهقي من طريق أبي كريب عن ابن فضيل عن الوليد عن جمع عن أبي الطفيل قال: (لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة بعث خالد بن الوليد إلي نخلة وكانت بها العزى فأتاها وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ..... الحديث) دلائل النبوة (٥/ ٧٧) ومن طريق البيهقي أخرجه ابن كثير (٣/ ٥٨٣).\nقلنا: وهذا إسناد حسن والله تعالى أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-268>[مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك]</span>-\n(٣/ ٦٦): لقد ذكرنا روايات الطبري في هذه الغزوة في قسم الضعيف فهي ضعيفة الإسناد وجلها من طريق ابن حميد الرازي وهو ضعيف واتهمه بعض أئمة الحديث بالكذب (إضافة إلى نكارة متونها)، أما ما صح في هذه الغزوة فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلي جذيمة فدعاهم إلي الإسلام فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي - ﷺ - فذكرناه فرفع النبي - ﷺ - يده فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (مرتين).\n(كتاب المغازي / ح ٤٣٣٩).\nوالحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٥١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١١٣).","vol":"2","page":292},{"text":"فقال لي فتي منهم- وهو في السبي؛ وقد جُمِعت يداه إلي عنقِه برُمَّةٍ ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتي! قلت: نعم؛ قال: هل أنتَ آخذٌ بهذه الرُّمة فقائدي بها إلى هؤلاء النسوة، حتى أقضيَ إليهنّ حاجة، ثم تَرُدّني بعد، فتصنعوا بي ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليَسيرٌ ما سألت، فأخذت برُمّتِه فقدْتُه بها حتى أوقفته عليهنّ، فقال: اسلمي حُبَيش، علي نَفَد العيش:\nأرَيتَكِ إذْ طالبْتكم فوَجَدْتُكُم ... بحَلْيَةَ أو ألْفيتكمْ بالخَوَانِقِ!\nألم يَكُ حَقًّا أن يُنَوَّلَ عاشِقٌ ... تكَلَّفَ إدْلَاجَ السُّري والوَدَائِقِ!\nفلا ذَنْبَ لي قد قُلْتُ إذْ أَهْلُنا معًا ... أثيبي بوُدٍّ قَبْلَ إحْدَي الصَّفَائِقِ!\nأثيبي بوُدٍّ قبل أن تَشْحَط النَّوَي ... ويَنْأَي الأمِيرُ بالحبيب المفارِقِ\nفإنِّيَ لا سِرًّا لَدَيَّ أضَعْتُه ... ولا راق عَيني بعد وَجهِك رائِق\nعَلَى أنَّ ما نابَ العَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... ولا ذِكْرَ إلَّا أن يكون لوامِقِ\nقالت: وأنت فحُيّيتَ عشرًا، وسبْعًا وتْرًا، وثمانيًا تَتري! ثم انصرفتُ به، فقدِّم فضُرِبت عنقه (١). (٣: ٦٨/ ٦٩).\n_________\n(١) حديث أبي حدرد هنا هذا أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ١١٨) (والبداية والنهاية ٣/ ٥٨٢) وابن سعد في طبقاته (٢/ ١٤٩) وابن هشام (٢/ ٤٣٣) وصحح الحافظ إسناده (الفتح ٨/ ٥٨).\nوأخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ١٤٩) من طريق سفيان بن عيينة ثني عبد الملك بن نوفل بن ساحق القرشي عن عبد الله بن عصام المزني عن أبيه قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - يوم بطن نخلة فقال: اقتلوا ما لم تسمعوا مؤذنًا أو تروا مسجدًا إذ لحقنا رجلًا فقلنا له: كافر أو مسلم؟ فقال: إن كنت كافرًا فمه، قلنا له: إن كنت كافرًا قتلناك! قال: دعوني أقضِ إلي النسوان حاجة! قال إذ دنا إلي امرأة منهن فقال لها: اسلمي حبَيش علي نفد العيش.\nأريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق\nأما كان أهلًا أن ينول عاشقٌ ... تكلف إدلاج السري والودائق\nفلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرةٌ ... أثيبي بودّ قبل إحدي الصفائق\nأثيبي بود قبل أن تشحط النوي ... وينأي أميري بالحبيب المفارق\nفقالت: نعم. حييت عشرًا وسبعًا وترًا وثمانيًا تترًا، قال: فقربناه فضربنا عنقه قال: فجاءت ترشقه حتى ماتت عليه، وقال سفيان: وإذا امرأة كثيرة النخض يعني اللحم. اهـ.\nوفي رواية البيهقي من طريق النسائي (فلما قدّموا علي رسول الله - ﷺ - أخبروه الخبر فقال: أما كان فيكم رجل رحيم).","vol":"2","page":293},{"text":"٢٤٩ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن أبي فراس بن أبي سُنْبُلة الأسلميّ؛ عن أشياخ منهم، عمّن كان حضرها، قالوا: قامت إليه حين ضُربت عنقه، فأكبَّتْ عليه، فما زالت تُقبِّلُهُ حتى ماتت عنده (١). (٣/ ٦٩).\n٢٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، قال: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصُر الصلاة (٢). (٣/ ٦٩).\n٢٥١ - قال ابنُ إسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقينَ من شهر رمضان سنة ثمانٍ (٣). (٣: ٦٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح (وراجع الرواية السابقة).\n(٢) إسناده ضعيف، وأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: أقام رسول الله - ﷺ - بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.\nقال أبو داود: روي هذا الحديث عبدة بن سليمان وأحمد بن خالد الوهبي وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق ولم يذكروا فيه ابن عباس (سنن أبي داود / ٢/ ١٠ / ح ١٢٣١).\nقلنا: والروايات مختلفة في تحديد العدد وإن كان عدد من العلماء رجحوا عدد (١٩).\nفقد أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي - ﷺ - بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين (كتاب المغازي / مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح / ح ٤٢٩٩).\nوأخرجه أبو داود (٢/ ١٠ / ح ١٢٣٠) وجاءت رواية صحيحة بسبع عشرة، ورواية أخرى بـ (عشر).\nوقد تحدث الحافظ ابن حجر عن اختلاف هذه الروايات وذكر أوجه الجمع بينها عند العلماء (فتح الباري ٢/ ٥٦٢ / ح ١٠٨٠) والله تعالى أعلم.\n(٣) ذكره الطبري من قول ابن إسحاق بلاغًا وله شاهد عند أحمد والطبراني في الكبير من حديث طويل عن ابن عباس وفيه: (وخرج لعشر مضين من رمضان ...... إلخ الحديث).\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٦٨) وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب غزوة الفتح في رمضان / ح ٤٢٧٦) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -: خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك علي رأس ثماني سنين ونصف من مقدمه المدينة فسار هو ومن معه من المسلمين إلي مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا.\nوأخرجه مسلم / باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير رخصة (ح ١١١٢). ولفظ مسلم: (أن رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إلي مكة في رمضان، ... الحديث) عن =","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>ذكر الخبر عن غزوة رسول الله - ﷺ - هوازن بحنين</span>\n٢٥٢ - وكان من أمر رسولِ الله - ﷺ - وأمْر المسلمين وأمْرِ هوازن ما حدَّثنا عليّ بن نصر بن عليّ الجَهضميّ وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث -قال عليّ: حدَّثنا عبد الصّمد، وقال عبد الوارث: حدثنا أبي- قال: حدَّثنا أبان العطار، قال: حدَّثنا هشام بن عروة، عن عُروة، قال: أقام النبيّ - ﷺ - بمكّة عام الفتح نصف شهر، لم يزد علي ذلك؛ حتى جاءت هوازن وثَقيف، فنزلوا بحُنين -وحنين واد إلي جنب ذي المجاز- وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبيّ - ﷺ -، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرَج رسول الله من المدينة، وهم يظنُّون أنه إنما يريدهم حيث خرج من المدينة، فلمّا أتاهم أنه قد نزل مكة، أقبلتْ هَوازِن عامدين إلي النبيّ - ﷺ - وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والأموال -ورئيس هَوازن يومئذ مالك بن عوف أحد بني نصر- وأقبلت معهم ثَقيف؛ حتى نزلوا حُنَينًا يريدون النبيّ - ﷺ -، فلما حُدِّث النبيّ وهو بمكّة أنْ قد نزلت هوازن وثقيف بحنين، يسوقهم مالك بن عوف أحد بني نصر -وهو رئيسهم يومئذ- عمَد النبيّ - ﷺ - حتى قدِم عليهم، فوافاهم بحُنَين، فهزمهم الله ﷿، وكان فيها ما ذكر الله ﷿ في الكتاب؛ وكان الذي ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنّمها الله ﷿ رسولَه، فقسّم أموالهم فيمن كان أسلم معه من قريش (١). (٧٠: ٣).\n٢٥٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما سمعتْ هوازِنْ برسول الله - ﷺ - وما فتح الله عليه من مكة؛ جمعها مالك بن عوف\n_________\n= جابر بن عبد الله ﵁ وأخرجه من حديث ابن عباس (ح ١١١٣) ولفظه:\n(سافر رسول الله - ﷺ - في رمضان فصام حتى بلغ عُسفان ... الحديث).\nوأخرجه أبو داود في سننه (كتاب الصوم / ٢/ ٣١٦ / ح ٢٤٠٤) عن ابن عباس ولفظه: (حرج النبي - ﷺ - من المدينة إلي مكة حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فرفعه إلي فيه ليريه الناس وذلك في رمضان .... الحديث) والله تعالى أعلم.\n(١) هذا إسناد مرسل وله شواهد كما سنذكر بعد قليل.","vol":"2","page":295},{"text":"النَّصرِيّ؛ واجتمعت إليه مع هَوازن ثَقيف كلّها، فجُمعت نصر وجُشَم كلّها وسعد بن بكر وناس من بني هلال؛ وهم قليل، ولم يشهدها من قَيس عَيلان إلّا هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هَوازن كعب ولا كلاب؛ ولم يشهدها منهم أحدٌ له اسمٌ، وفي جُشم دُرَيد بن الصّمَّة شيخ كبير؛ ليس فيه شيء إلا التيمّن برأيه ومعرفته بالحرْب، وكان شيخًا كبيرًا مجرّبًا؛ وفي ثقيف سيّدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سُبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال، وجِمَاع أمرِ الناس إلي مالك بن عوف النصريّ.\nفلمّا أجمَع مالك المسيرَ إلي رسول الله - ﷺ - حطّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؛ فلمّا نزل بأوْطاس، اجتمع إليه الناس؛ وفيهم دُرَيد بن الصمّة في شِجَار له يُقادُ به؛ فلما نزَل قال: بأيّ واد أنتم؟ قالوا: بأوْطاس، قال: نعم مجالُ الخيل! لا حَزْن ضَرِس، ولا سَهْل دهس؛ ما لي أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، ويُعار الشاء، وبكاء الصغير! قالوا: ساقَ مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فقال: أين مالك؟ فقيل: هذا مالك، فدُعِي له، فقال: يا مالك، إنَّك قد أصبحتَ رئيس قومك؛ وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام؛ ما لي أسمع رُغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قال: سُقْتُ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردتُ أن أجعل خَلْف كلّ رجل أهلَه وماله ليقاتل عنهم. قال: فانقضَّ به ثم قال: راعي ضأنٍ والله! هل يردّ المنهزمَ شيءٌ! أنها إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحتَ في أهلك ومالك. ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهد منهم أحد، قال: غاب الجدُّ والحدُّ؛ لو كان يوم عَلاء ورفعة لم تَغِب عنه كعب وكلاب؛ ولوددت أنكم فعلتم ما فعلتْ كعب وكلاب؛ فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر؛ قال: ذانك الجَذعان من بني عامر! لا ينفعان ولا يضرّان، يا مالك إنّك لم تصنع بتقديم البَيضة؛ بيضة هوازن، إلي نُحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلي متمنّع بلادهم وعُلْيا قومهم؛ ثم الق الصبَّاء علي مُتُون الخيل، فإن كانت لك لحِق بك مَنْ وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحْرزتَ أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرتَ وكَبِرَ","vol":"2","page":296},{"text":"عقلك؛ والله لتطيعُنّني يا معشر هوازن أو لأتَّكئنَّ علي هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدُرَيد فيها ذكرٌ أو رأيٌ. قال دُريد بن الصمّة: هذا يوم لم أشهده؛ ولم يَفُتْني:\nيا ليتَني فيها جذَعْ ... أخُبّ فيها وأضَعْ\nأقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ ... كَأَنّها شَاةٌ صَدَعْ\nوكان دُريد رئيسَ بني جُشَم وسيّدهم وأوسطهم؛ ولكن السنَّ أدركته حتى فَنِيَ -وهو دُريد بن الصّمة بن بكر بن عَلْقمة بن جُدَاعة بن غَزيّة بن جُشَم بن معاوية بن بكْر بن هوازن- ثم قال مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القومَ فاكسِرُوا جفون سيوفكم، وشُدُّوا شَدَّةَ رجل واحد عليهم (١). (٣: ٧٠/ ٧١ / ٧٢).\n٢٥٤ - قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم رسولُ الله - ﷺ - بعث إليهم عبدَ الله بن أبي حَدْرد الأسلميّ، وأمره أن يدخلَ في الناس فيُقيم فيهم حتى يأتيَه بخبر منهم؛ ويعلم مِنْ علمهم. فانطلق ابن أبي حَدْرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتى سمع\n_________\n(١) ذكره الطبري عن ابن إسحاق بلاغًا وكذلك أخرجه ابن هشام (٢/ ٤٣٧) والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٧٦) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٢٠) وأبو يعلى (ح ١٨٦٢) وابن حبان (الموارد / ح ١٧٠٤).\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (مختصرًا) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سار إلي حنين لما فرغ من فتح مكة جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم وسعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسًا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلي رسول الله - ﷺ - وسار مع الأموال والنساء والأبناء فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - بعث عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل بالقوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد فقال ابن أبي حدرد: إن كذبتني فربما كذبت من هو خير مني فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فقال رسول الله - ﷺ -: قد كنت يا عمر ضالًا فهداك الله ﷿، ثم بعث رسول الله - ﷺ - إلي صفوان بن أمية فسأله أدراعًا مئة درع وما يصلحها من عدتها فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله - ﷺ - سائرًا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٤٩).","vol":"2","page":297},{"text":"وعلم ما قد أجمعوا له من حَرْب رسولِ الله - ﷺ -، وعلم أمر مالك وأمرَ هوازن وما هم عليه. ثم أتى رسولَ الله، فأخبره الخبر؛ فدعا رسولُ الله - ﷺ - عمرَ بن الخطاب، فأخبره خبرَ ابن أبي حَدْرد، فقال عمرُ: كذب! فقال ابن أبي حَدْرد: إنْ تكذّبْني فطالما كذّبْتَ بالحقّ يا عمر! فقال عمر: ألا تسمعُ يا رسول الله إلي ما يقول ابن أبي حَدْرد! فقال رسولُ الله - ﷺ -: قد كنتَ ضالًّا فهداك الله يا عمر (١). (٣: ٧٢/ ٧٣).\n٢٥٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: لما أجمع رسولُ الله - ﷺ - السَّيرَ إلى هَوازن ليلقاهم، ذكر له أنّ عند صفوان بن أميّة أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه، فقال: يا أبا أميّة -وهو يومئذ مشرك-: أعِرْنا سلاحك هذا نلْق فيه عدوَّنا غدًا. فقال له صفوان: أغَصْبًا يا محمد! قال: بل عارِية مضمونة حتى نؤدّيَها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مئة دِرْع بما يصلحُها من السلاح؛ فزعموا أنّ رسولَ الله - ﷺ - سأله أن يكفيَه حَمْلها ففعل.\nقال أبو جعفر محمد بن عليّ: فمضت السنّة أن العاريّة مضمونة مؤدّاة (٢). (٣: ٧٣).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية من قول ابن إسحاق وبلا إسناد ولقد صحّ أنه - ﷺ - بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليأتيه بخبر القوم كما ذكرنا قبل رواية من حديث جابر بن عبد الله عند الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٩). وصحح إسناده ووافقه الذهبي.\nوقد اتفق المؤرخ العمري والمحدث الألباني علي تصحيحه بمجموع طرقه ويكفي (للاختصار) أن نذكر تعليق العمري: وللحديث شواهد جعلت الشيخ الألباني يحكم بصحته بمجموع طرقه (إرواء العليل ٥/ ٣٤٤ - ٣٤٦) من كتاب السيرة النبوية للعمري (٢/ ٤٩٥).\n(٢) إسناده ضعيف وله شاهد من حديث أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه صفوان بن أمية ﵁ أن رسول الله - ﷺ - استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: لا بل عارية مضمونة قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله - ﷺ - أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب.\nأخرجه أحمد (٣/ ٤٠١) (٦/ ٤٦٥) وأخرجه أبو داود (٣ / ح ٣٥٦٢) عن أمة بن صفوان عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: لا بل عارية مضمونة وفي رواية أخرى لأبي داود (٣ / ح ٣٥٦٣):\nفلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعًا فقال رسول الله - ﷺ - لصفوان: إنا =","vol":"2","page":298},{"text":"٢٥٦ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: ثمّ خرجَ رسولُ الله - ﷺ -؛ ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفًا، واستعمل رسولُ الله - ﷺ - عَتّابَ بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس علي مكّة أميرًا على مَنْ غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن (١). (٣: ٧٣).\n٢٥٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: لمّا استقبلنا وادي حُنين، انحدَرْنا في واد من أودية تهامة أجوف حَطُوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا\n_________\n= قد فقدنا من أدراعًا أدراعًا فهل نغرم لك قال: لا يا رسول الله لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ. قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم.\nقلنا: وللحديث شاهد من حديث الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨) وقد ذكرناه آنفًا، ورواية أخرى عند الحاكم (٢/ ٤٧) من حديث ابن عباس وقال: صحيح الإسناد علي شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والحديث رواه النسائي وغيره وقد ذكر الحافظ ابن كثير بعض روايات الحديث (البداية والنهاية ٣/ ٥٩٣ - ٥٩٤).\n(١) هذا إسناد ضعيف، ولكن جاء تحديد جيش المسلمين يوم حنين في رواية للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم حنين، أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف ومن الطلقاء. إلي آخر الحديث (صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة الطائف / ح ٤٣٣٧).\nقلنا: وواضح من رواية الطبري أن العدد أكثر من عشرة آلاف إذا أضفنا الطلقاء، وأخرج البيهقي من طريق عبد الله بن عياض بن الحارث الأنصاري عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - أتي هوازن في اثني عشر ألفًا .... الحديث. (البداية والنهاية ٣/ ٦٠٥).\nقلنا: وحديث عياض هذا أخرجه الطبراني في الكبير، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عبد الله بن عياض ذكره ابن أبي حاتم ولم يخرجه وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٦/ ١٨٣).\nوأما عن إمرة عتاب بن أسيد علي مكة فقد حسّنه الألباني في تحقيقه للسيرة النبوية / الغزالي. وقال: ذكره ابن هشام وابن جرير (٢/ ٣٦١) عن ابن إسحاق بدون سند.\nورواه الحاكم (٣/ ٥٩٤ - ٥٩٥) عن مصعب بن عبد الله الزبيري معضلًا وعمر بن شبة في كتاب مكة عن عمر مولى عفرة معضلًا أيضًا. والمحاقلي في الجزء الخامس من الأمالي عن أنس بن مالك بسند ضعيف، ولكنه يتقوي بما قبله إن شاء الله (فقه السيرة / الغزالي / تحقيق الألباني / ٤٣٣).","vol":"2","page":299},{"text":"- قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكَمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيَّؤوا وأعدّوا- فوالله ما راعنا ونحن منحطّون إلّا الكتائب قد شدّتْ علينا شَدّة رجل واحد؛ وانهزم الناس أجمعون، فانشمروا لا يلوي أحدٌ على أحد؛ وانحاز رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ اليمين، ثم قال: أين أيها الناس! هلمّ إليَّ! أنا رسولُ الله، أنا محمد بن عبد الله! قال: فلا شيء، احتملت الإبل بعضها بعضًا، فانطلق الناس؛ إلّا أنه قد بقيَ مع رسولِ الله - ﷺ - نفرٌ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وممّن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر، وعمر، ومن أهل بيته عليٌّ بن أبي طالب، والعبّاس بن عبد المطلب، وابنُه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمَن بن عُبيد -وهو أيمن ابن أمّ أيمن- وأسامة بن زيد بن حارثة. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، أمام الناس وهوازن خلْفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه؛ فاتبعوه (١). (٣: ٧٤).\n٢٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: إنّي لمعَ رسولِ الله - ﷺ - آخذٌ بحَكمَة بغلته البيضاء، قد شجرتُها بها، قال: وكنت امرأ جسيمًا شديد الصوت، قال: ورسولُ الله - ﷺ - يقول حين رأي من الناس ما رأي: أينَ أيّها الناس! فلمّا رأى الناس لا يَلْوُون على شيء قال: يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السَّمُرَة! فناديت: يا معشرَ الأنصار، يا معشر أصحاب السَّمُرة! قال: فأجابوا: أنْ لبَّيك لبّيك! قال: فيذهبُ الرّجُل منهم يريد ليَثني بعيرَه؛ فلا يقدر علي ذلك، فيأخذ دِرْعه فيقذِفها في عُنقه، ويأخذ سيفه وتُرسه، ثم يقتحم عن بعيره فيخلِّي سبيلَه في الناس، ثم يَؤمّ الصوت، حتى ينتهيَ إلى رسول الله - ﷺ -؛ حتى إذا اجتمع إليه منهم مئة رجل استقبلوا الناس،\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف إلا أن ابن هشام أخرجه في السيرة (٢/ ٤٤٢) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله.\nقلنا: وهذا إسناد حسن أخرجه ابن حبان (الموارد / ح ١٧٠٤) وأحمد (٣/ ٣٧٦) والبيهقي (الدلائل ٥/ ١٢٠) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":300},{"text":"فاقتتلوا، فكانت الدَّعوى أوّلَ ما كانت: يا للأنصار! ثم جُعلت أخيرًا: يا للخزرج! وكانوا صُبُرًا عند الحرب؛ فأشرف رسول الله - ﷺ - في ركابه، فنظر مُجْتلدَ القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حَمِيَ الوَطِيس (١)! (٣: ٧٥).\n٢٥٩ - حدَّثنا هارونُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: كان أبو سفيان بن الحارث يقودُ بالنبيّ - ﷺ - بغلته يوم حُنين، فلمّا غَشِيَ النبيَّ - ﷺ - المشركون، نزل فجعل يرتجز، ويقول:\nأنا النبيُّ لا كَذِبْ ... أنا ابنُ عبد المطَّلِبْ\nفما رُئيَ من الناس أشدّ منه (٢). (٣: ٧٥/ ٧٦).\n٢٦٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينَا ذلك الرجل من هَوازن صاحب الراية على جملِه يصنع ما يصنع؛ إذ هَوَى له\n_________\n(١) في إسناد الطبري ضعف إلا أن ابن هشام أخرجه من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٤٤٤) وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن.\nوالحديث أخرجه مسلم وبزيادة (قال: ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد: قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدّهم كليلًا وأمرهم مدبرًا) صحيح مسلم / باب في غزوة حنين / عن ابن عباس ح (١٧٧٥) وأخرجه الحاكم (٣/ ٣٢٧) والله تعالى أعلم.\nوفي رواية مسلم أيضًا (ورسول الله - ﷺ - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته قبل الكفار ... الحديث).\n(٢) هذا حديث صحيح أخرجه البخاري من حديث ابن إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ وجاءه رجل فقال: يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين فقال: أما أنا فأشهد على النبي - ﷺ - أنه لم يول ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن وأبو سفيان آخذ برأس بغلته البيضاء يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. (صحيح البخاري / كتاب المغازي ح ٤٣١٥).\nوأخرجه البخاري من طريقين آخرين عن أبي إسحاق عن البراء (٤٣١٦، ٤٣١٧) مع اختلاف يسير في الألفاظ. اهـ.\nوالحديث أخرجه مسلم (ح ١٧٧٦) (وعند مسلم زيادة قوله - ﷺ -: اللهم نزل نصرك).\nوالترمذي (٤ / ح ١٦٨٨) وقال: وفي الباب عن علي وابن عمر وهذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":301},{"text":"عليّ بن أبي طالب ورجل من الأنصار؛ يريدانه، فيأتيه عليٌّ من خلْفه، فيضرب عُرْقُوبيَ الجمل، فوقع على عَجُزه، ووثب الأنصاريّ على الرّجل فضربه ضربة أطَنَّ قدَمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحْله. قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعتْ راجعةُ الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارَى مكتّفين؛ وقد التفت رسولُ الله - ﷺ - إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -وكان مِمّن صَبر يومئذ مع رسول الله - ﷺ -، وكان حسنَ الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثَفَر بغلته- فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمّك يا رسول الله (١)! (٣: ٧٦).\n٢٦١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكْر، أنّ رسول الله - ﷺ - التَفَت، فرأى أمّ سُليم بنت مِلْحان - وكانت مع زوجها أبي طلحة - حازمة وسطها ببُرْد لها؛ وإنّها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيتْ أن يَعُزّها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خِزَامته مع الخطام، فقال رسولُ الله - ﷺ -: أمّ سليم! قالت: نعم؛ بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! اقتُلْ هؤلاء الذين يفرُّون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهلٌ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: أوْ يكفي اللهُ يا أمّ سُليم! ومعها خنجر في يدها، فقال لها أبو طلحة: ما هذا معك يا أمّ سليم؟ قالت: خنجر أخذتْه معي؛ إن دنا منّي أحدٌ من المشركين بعجتُه به. قال: يقول أبو طلحة: - ألا تسمع ما تقولُ أمّ سليم يا رسول الله! (٢). (٣: ٧٦/ ٧٧).\n٢٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك،\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف إلّا أن ابن هشام أخرجه من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث (٢/ ٤٤٥) فإسناده حسن والله تعالى أعلم.\n(٢) هذا إسناد ضعيف وحديث أم سليم حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ قال: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله - ﷺ -: (ما هذا الخنجر؟) قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه. فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك. قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن\".\nصحيح مسلم (ح ١٨٠٩) وأحمد (٣/ ١٩٠) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":302},{"text":"قال: لقد استلبَ أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلًا وحْدَه هو قتلهم (١). (٣: ٧٧).\n٢٦٣ - قال أبو جعفر: وبعث رسولُ الله - ﷺ - في آثار مَنْ توجّه قِبَلَ أوطاس؛ فحدّثني موسى بن عبد الرحمن الكنديّ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بُرْدة، عن أبيه، قال: لما قدِم النبيّ - ﷺ - من حُنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوْطاس، فلقيَ دُرَيد بن الصّمّة، فقتل دريدًا، وهزم الله أصحابه.\nقال أبو موسى: فبعثني مع أبي عامر، قال: فرُمِيَ أبو عامر في ركْبته، رماه رجلٌ من بني جُشَم بسهم فأثبتَه في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عمّ، مَنْ رماك؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى، فقال: إنّ ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني!\nقال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدتُه، فلحقْتُه، فلما رآني ولَّى عني ذاهبًا، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي! ألستَ عربيًّا! ألا تثبت! فكرَّ، فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا ضربتين، فضربته بالسيف، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبَك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعتُه فنزَا منه الماء، فقال: يا بن أخي، انطلق إلى رسول الله، فأقرِئْه مني السلام، وقل له: إنه يقوله لك: استغفر لي.\nقال: واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا. ثمّ إنه مات (٢). (٣: ٧٩/ ٨٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وحديث أنس حديث صحيح أخرجه الحاكم (٢/ ١٣٠) وصححه وسكت عنه الذهبي، وأخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٧١ / ح ٢٧١٨) من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - يومئذ (يعني يوم حنين): من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله - ﷺ -. وقال أبو داود: هذا حديث حسن.\n(٢) رجال هذا الإسناد رجال الصحيح سوى موسى بن عبد الرحمن الكندي وهو ثقة وحديث =","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>[غزوة الطائف]</span>\n٢٦٤ - فحدّثنا عليّ بن نصر بن عليّ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمد بن\n_________\n= أبي موسى في صحيح البخاري ومسلم فقد أخرج البخاري في (صحيحه / كتاب المغازي / باب غزوة أوطاس / ح ٤٣٢٣).\nعن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال: لما فرغ النبي - ﷺ - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه.\nقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرُميَ أبو عامرٍ في ركبته رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآني ولّى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكفّ فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك قال: فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء. قال: يابن أخي أقرئ النبي - ﷺ - السلام وقل له استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا ثم مات فرجعت فدخلت على النبي - ﷺ - في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمالُ السرير بظهره وجنبه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال: قل له استغفر لي فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبدك أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس فقلت ولي فاستغفر فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا. قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى وأخرجه مسلم في صحيحه (فضائل أبي موسى وأبي عامر / ح ٢٤٩٨) والملاحظ أن في رواية الصحيحين زيادة ليست عند الطبري والله أعلم. وقال العمري في حاشية السيرة: وقد بينت رواية البخاري أن دريد بن الصمة قتل بأوطاس وأن الزبير هو الذي قتله (صحيح ٥/ ١٢٨) (السيرة النبوية ٢/ ٥٠٣).\nقلنا: أما أن دريدًا قُتل بأوطاس فذلك في رواية البخاري أما أن الزبير هو الذي قتل دريدًا فلا ندري إلى أية رواية من صحيح البخاري يشير العمري؟ والله أعلم.\nولقد جاء عند البزار الحافظ من رواية أنس ﵁ في غزوة حنين (ح ١٨٢٧) وفي آخرها:\nثم قالوا: نرى فارسًا قد أقبل قال: ويلكم وحده؟ قالوا: وحده قال: خلّوه لي قالوا: معتجر بعمامة سوداء قال دريد: ذاك والله الزبير بن العوام وهو والله قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا قال: فالتفت إليهم فقال: علام هؤلاء هاهنا؟ فمضى ومن اتبعه فقتل بها ثلاثمئة وحز رأس دريد بن الصمة فجعله بين يديه.\nوذكر الهيثمي رواية البزار هذه وقال: وفيه علي بن عاصم بن مهيب وهو ضعيف لكثرة غلطه وتماديه فيه وقد وثق وبقية رجاله ثقات (المجمع ٦/ ١٧٩).","vol":"2","page":304},{"text":"عبد الوارث، وحدّثنا عبدُ الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدَّثنا أبي، قال: أخبرَنا أبان العطار، قال: حدَّثنا هشام بن عُرْوة، عن عروة، قال: سارَ رسولُ الله - ﷺ - يوم حُنين من فوره ذلك -يعني منصرَفه من حنين- حتى نزلَ الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسولُ الله - ﷺ - وأصحابُه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحِصْن؛ لم يخرج إليه في ذلك أحدٌ منهم؛ وأسلم مَنْ حولهم من الناس كلّهم؛ وجاءت رسول الله - ﷺ - وفودُهم؛ ثم رجع النبيّ - ﷺ - ولم يحاصرهم إلّا نصفَ شهر حتى نزل الجِعْرانة؛ وبها السبْي الذي سَبَى رسولُ الله من حُنين من نسائهم وأبنائهم- ويزعمون أنّ ذلك السَّبْيَ الذي أصاب يومئذ من هوازن كانت عدّته ستّة آلاف من نسائهم وأبنائهم- فلمّا رجَع النبيّ - ﷺ - إلى الجِعْرانة، قدمتْ عليه وفود هَوازِن مُسْلِمين، فأعتق أبناءهم ونساءهم كلّهم، وأهلّ بعُمْرةٍ من الجِعْرانة؛ وذلك في ذي القعدة.\nثم إنّ رسولَ الله - ﷺ - رجع إلى المدينة، واستخلف أبا بكر رضي الله تعالى عنه على أهل مكة، وأمره أن يقيم للناس الحجّ، ويعلِّم الناس الإسلام، وأمره أن يؤمّن مَنْ حجّ من الناس؛ ورجع إلى المدينة؛ فلما قَدِمها قَدِم عليه وفود ثَقيف، فقاضوه على القضيّة التي ذكرت؛ فبايعوه، وهو الكتاب الذي عندهم كاتبوه عليه (١). (٣: ٨٢/ ٨٣).\n_________\n(١) إسناده مرسل وهو صحيح إلى مرسله (عروة)، واختلف أئمة المغازي والسير في مدة حصاره - ﷺ - لقصر الطائف فعروة بن الزبير يذكر في مرسله هذا أنه - ﷺ - لم يحاصرهم سوى نصف شهر وكذلك جاء من مرسل موسى بن عقبة كما أخرجه البيهقي عنه في السنن الكبرى (٩/ ٨٤) وبسند ضعيف إلى مرسله (موسى بن عقبة).\nوأما ابن إسحاق فاختلفت رواياته في ذلك فعنه أن الحصار استمر (٢٥) يومًا (الدلائل ٣/ ٤٨)، وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٤٧٨) شهرًا، ولم نجد رواية صحيحة موصولة فيها ذكر لعدد أيام الحصار سوى رواية عند مسلم في صحيحه / كتاب الزكاة / باب إعطاء المؤلفة قلوبهم / من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: حدثني السّميط عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينًا .... الحديث وفيه: حتى هزمهم الله قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة .... إلى آخر الحديث.\nقلنا: والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٥٨) ولقد ذكر المؤرخ الإسلامي الأستاذ العمري أقوال أئمة المغازي في مدة الحصار وناقشها وقال تعقيبًا على -رواية- مسلم وأحمد: =","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>[أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها]</span>\n٢٦٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أتى وفدُ هوازِن رسولَ الله - ﷺ - وهو بالجِعْرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يارسولَ الله، إنَّا أصلٌ وعشيرة؛ وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامننْ علينا مَنّ الله عليك! فقام رجل من هوازن -أحدُ بني سعد بن بكر، وكان بنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله - ﷺ - يقال له زهير بن صُرَد، وكان يكنى بأبي صُرَد، فقال: يا رسولَ الله؛ إنّما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنّ يكفُلْنك! ولو أننا ملَحْنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منّا بمثل ما نزلتَ به، رجوْنا عطْفه وعائدته، وأنت خير المكفولين! ثم قال:\nامنُن عَلينا رسولَ اللهِ في كَرَمٍ ... فإنَّكَ المرْءُ نرْجُوه ونَدَّخِرُ\nامننْ علَى بَيضةٍ قد عاقَها قدرٌ ... مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا، في دهرِهَا غِيَرُ\nفي أبيات قالها، فقال رسولُ الله - ﷺ -: أبناؤكم ونساؤكم أحبُّ إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسولَ الله؟ خيَّرتنَا بين أحسابنا وأموالنا، بل تردّ علينا نساءنا وأبناءَنا فهم أحبّ إلينا، فقال: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم؛ فإذا أنا صلّيت بالناس، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين\n_________\n= وقد بين ابن كثير بعد إيراده هذا الحديث عن الإمام أحمد أن السميط راويه ... وهم في مدة الحصار (البداية والنهاية ٤/ ٣٥٦). اهـ. كلام العمري.\nقلنا: وعند رجوعنا إلى كلام ابن كثير (إيراده لحديث أحمد) وجدنا تعقيب الحافظ ابن كثير كالآتى:\nوفيه (أي رواية أحمد) من الغريب قوله: أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما كانوا في اثني عشر ألفًا، وقوله: إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة وإنما حاصروها قريبًا من شهر ودون العشرين ليلة فالله أعلم (البداية والنهاية ٣/ ٦٣٨).\nقلنا: ولعل العمري أشار إلى موضع آخر لاختلاف النسخة التي اعتمدنا عن النسخة التي اعتمدها ولعل الحافظ قال هذا في كتابه الفصول في سيرة الرسول أو غير ذلك، وما رواه مسلم أصح من بقية الروايات (في مدة الحصار) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":306},{"text":"إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا؛ فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم؛ فلمّا صلى رسول الله - ﷺ - بالناس الظهر، قاموا فتكلّموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. قال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تميم فلا، وقال عُيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فَزارة فلا، [و] قال عباس بن مرداس: أمّا أنا وبنو سليم فلا، قالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله.\nقال: يقول العباس لبني سليم: . وهّنتموني! فقال رسولُ الله - ﷺ -: أمّا مَنْ تمسّك بحقه من هذا السبي منكم فله بكلّ إنسان ستّ فرائض من أوّل شيء نُصيبه، فرَدّوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم (١). (٣: ٨٦/ ٨٧).\n_________\n(١) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هذا أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٤٨٨) وأحمد (٢/ ١٨٤) ولفظه:\n(شهدت رسول الله - ﷺ - يوم حنين وجاءته وفود هوازن، فقالوا: يا محمد إنا أصل وعشيرة فمُنَّ علينا منَّ الله عليك فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك فقال: \"اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم\" قالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، نختار أبناءنا، فقال: \"ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر فقولوا: إنا نستشفع برسول الله - ﷺ - على المؤمنين وبالمؤمنين على رسول الله - ﷺ - في نسائنا وأبنائنا\".\nقال: ففعلوا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم\" وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ - وقالت الأنصار مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أما ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت لحيان: كذبت! ! بل هو لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا أيها الناس: ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن تمسك بشيء من الفيء فله علينا ستة فرائض من أول ما يفيء الله علينا\".\nثم ركب راحلته وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجؤوه إلى سمرة فخطفت رداءه فقال: \"يا أيها الناس، ردوا عليّ ردائي فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم ثم لا تلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا\".\nثم دنا من بعيره فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه السبابة والوسطى ثم رفعها فقال: \"يا أيها الناس: ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا\".\nفقام رجل معه كبة من شعر فقال: إني أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر فقال: \"أما =","vol":"2","page":307},{"text":"٢٦٥ / أ - ثم رجع الحديث إلى حديث عمرو بن شعيب، قال: فلما فرغَ رسولُ الله - ﷺ - من ردّ سبايا حُنين إلى أهلها، ركب واتّبعه الناس يقولون: يا رسولَ الله، اقسمْ علينا فيئَنا الإبل والغنم، حتى ألجؤوه إلى شجرة، فاختطفت الشجرة عنه رداءه، فقال: رُدُّوا عليَّ ردائي أيها الناس؛ فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نَعَمًا لقسمتها عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلًا ولا جَبَانًا ولا كَذّابًا. ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وَبَرَةً من سَنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال: أيّها الناس، إنه والله ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلّا الخُمس، والخُمس مردودٌ عليكم، فأدُّوا الخِياطَ والمخيط؛ فإن الغُلول يكون على أهله عارًا ونارًا وشَنَارًا يوم القيامة. فجاءَه رجلٌ من الأنصار بكُبَّة من خيوط شَعَر فقال: يا رسولَ الله أخذتُ هذه الكُبّة أعملُ بها برذعة بعير لي دَبِر، قال: أمّا نصيبي منها فلَكَ، فقال: إنه إذا بلغت هذه فلا حاجةَ لي بها، ثم طرحها من يده.\nإلى ها هنا حديث عمرو بن شعَيب (١). (٣: ٨٩/ ٩٠).\n_________\n= ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك\" فقال الرجل: يا رسول الله: أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها ونبذها).\nولقد ذكر الهيثمي رواية أحمد وقال: (رواه أبو داود باختصار شديد) رواه أحمد ورجال أحمد إسناديه ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٨٨).\nقلنا: والحديث في سنن أبي داود (٣ / ح ٢٦٩٤) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٤) والحديث حسّنه الحافظ (فتح الباري ٨/ ٣٤) والله تعالى أعلم.\n(١) جزء من حديث صحيح كما ذكرنا عند (٣/ ٨٦).\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ٩٠ / ٣٤٦) في قسم الضعيف ولم نجد ما يؤيدها وبهذه التفاصيل.\nإلا أن مسلمًا أخرج في صحيحه (باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ح ١٠٦٠):\n\"عن رافع بن خديج ﵁ قال: أعطى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس:\nأتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع\nفما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع\nوما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع\nقال: فأتم له رسول الله - ﷺ - مئة\".\nوأخرج أحمد نحوه (٣/ ٢٤٦) وذكره الحافظ في الفتح وقال: إسناده على شرط مسلم (الفتح ٨/ ٥٠). =","vol":"2","page":308},{"text":"٢٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أعطى رسولُ الله - ﷺ - عمرَ بن الخطاب جاريةً من سبي هوازن، فوهبها لي، فبعثت بها إلى أخوالي من بني جُمَح ليُصلِحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم؛ وأنا أريد أن أصيبَها إذا رجعت إليها، قال: فخرجتُ من المسجد حين فرغت؛ فإذا الناس يشتدّون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردّ علينا رسولُ الله نساءَنا وأبناءَنا، قال: قلت: تِلْكمُ صاحبتكم في بني جُمح؛ اذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها فأخذوها (١). (٣: ٨٨).\n٢٦٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني أبو عبيدة بن محمد، عن مِقْسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثيّ حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلّقًا نعْلَيه بيده، فقلنا له: هل حضرتَ رسولَ الله - ﷺ - حين كلّمه التميميُّ يوم حنين؟ قال: نعم، أقبل رَجُلٌ من بني تميم يقال له ذو الخُوَيصِرة، فوقف على رسول الله - ﷺ - وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم! فقال رسول الله: أجل؛ فكيف رأيت؟ قال: لم أركَ عدلْتَ! فغضِب رسولُ الله - ﷺ -، ثم قال: ويحك! إذا لم يكن العدل عندي، فعند\n_________\n= قلنا: وعند البخاري (في صحيحه / باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه / من حديث أنس بن مالك / أن ناسًا من الأنصار قالوا لرسول الله - ﷺ - حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق يعطي رجالًا من قريش المئة من الإبل ... الحديث) (ح ٢٩٧٨).\nوفي الباب نفسه من حديث أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر النبي - ﷺ - أناسًا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك فأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة ... إلى آخر الحديث.\n(١) إسناد الطبري ضعيف وأخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح .... الحديث. وإسناده حسن (سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩٠).\nوأخرج البخاري من طريق نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إنه كان عليّ اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به. قال: وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة قال: فمنّ رسول الله على سبي حنين فجعلوا يسقون في السكك فقال عمر: يا عبد الله انظر ما هذا؟","vol":"2","page":309},{"text":"مَنْ يكون! فقال عمر بن الخطاب: يا رسولَ الله، ألا نقتله! فقال: لا، دعوه؛ فإنه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة، يُنْظَرُ في النصل فلا يوجد شيء، [ثم في القِدْح فلا يوجد شيءٌ]؛ ثم في الفُوق، فلا يوجد شيء؛ سَبَقَ الفَرْثَ والدّمَ (١). (٣: ٩٢).\n٢٦٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي مثل ذلك؛ وسمّاه ذا الخويصرة التميمي (٢) (٣: ٩٢).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٤٩١) وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن والحديث صحيح كما سنذكر بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف ويشهد له ما قبله وما سنذكر هنا فقد أخرج البخاري في (صحيحه / كتاب المغازي / باب غزوة الطائف / ح ٤٣٣٥) عن عبد الله بن مسعود قال: (لما قسم النبي - ﷺ - قسمة حنين قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته فتغيّر وجهه ثم قال: رحمة الله على موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). وفي رواية لمسلم في صحيحه / كتاب الزكاة / باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦٢):\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"فلما كان يوم حنين آثر رسول الله - ﷺ - ناسًا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة.\nفقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله - ﷺ - قال: فأتيته فأخبرته بما قال: قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) قال: ثم قال: (يرحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا.\nوأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد ﵄): عن عبد الرحمن بن أبي نعم قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله - ﷺ - من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء. قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله.\nقال: ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال: لا لعله أن يكون =","vol":"2","page":310},{"text":"٢٦٩ - قال أبو جعفر: وقد روي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنّ الذي كلّم رسول الله - ﷺ - بهذا الكلام؛ إنما كلّمه به في مالٍ كان عليٌّ - ﵇ - بعثه من اليمن إلى رسول الله، فقسّمه بين جماعة؛ منهم عُيَينة بن حِصْن، والأقرع، وزيد الخيل؛ فقال حينئذ ما ذُكر عن ذي الخُوَيصرة أنه قاله رجل حضره (١). (٣: ٩٢).\n٢٧٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخُدرِيّ، قال: لما أعطَى رسولُ الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجَدَ هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثُرَتْ منهم القالة؛ حتى قال قائلهم: لقيَ والله رسولُ الله قومَه! فدخل عليه سعد بن عُبادة فقال: يا رسولَ الله؛ إن هذا الحيّ من الأنصار قد وجَدوا عليك في أنفسهم لما صنعتَ في هذا الفيء الذي أصبت؛ قَسَمت في قومك وأعطيمت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحيّ من الأنصار شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد! قال: يا رسول الله ما أنا إلّا من قومي! قال: فاجمَعْ لي قومَك في الحظيرة. قال: فخرج سعدٌ فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، قال: فجاءَه رجالٌ من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم، فلما اجتمعوا إليه أتاه سعدٌ فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار، فأتاهم رسولُ الله - ﷺ -، فحمد\n_________\n= يصلي فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله - ﷺ -: إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال: ثم نظر إليه وهو مقفٍ فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وأظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود.\nوالحديث أخرجه مسلم (كتاب الزكاة / ح ١٠٦٤) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٨٨).\nقلنا: وللجمع بين الروايات يمكن القول بأن الرجل اعترض مرتين مرة عند قسمة غنائم حنين كما في حديث عبد الله ومرة عند مجيء تلك الأموال من اليمن. وراجع كلام الحافظ في الفتح (٨/ ٦٩) وكلام الأستاذ العمري من المعاصرين في السيرة النبوية (٢/ ٥١٤ / الحاشية).\n(١) ذكر الطبري حديث أبي سعيد (بالمعنى) ودون إسناد والحديث متفق عليه كما ذكرنا (من حديث أبي سعيد) وراجع الرواية السابقة (٣/ ٩٢ / ٢٦٨).","vol":"2","page":311},{"text":"الله وأثنى عليه بالذي هو له أهلٌ، ثم قال: يا معشرَ الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، ومَوْجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم! ألم آتكم ضُلّالًا فهداكم الله؛ وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألّف الله بين قلوبكم! قالوا: بلَى، لله ولرسوله المنُّ والفضل! فقال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار! قالوا: وبماذا نُجيبُكَ يا رسول الله، لله ولرسوله المنُّ والفضلُ! قال: أما والله لو شئتم لقلتم فصَدَقْتم، ولَصُدّقْتم؛ أتيتنا مُكَذَّبًا فصَدَّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك؛ وجَدْتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعَاعة من الدنيا تألّفْتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم! أفلا ترضَوْن يا معشر الأنصار؛ أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالِكم! فو الذي نفس محمد بيده؛ لولا الهجرةُ لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناسُ شِعْبًا وسلكت الأنصار شِعْبًا، لسلكتُ شِعْب الأنصار! اللهمّ ارْحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار!\nقال: فبكى القوم حتى أخْضَلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قِسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله - ﷺ - وتَفرَّقوا (١). (٣: ٩٣/ ٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[عمرة رسول الله من الجعرانة]</span>\n٢٧١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم خرجَ رسولُ الله - ﷺ - من الجِعْرانة معتمرًا، وأمر ببقايا الفيء، فحبس بمِجَنّةَ،\n_________\n(١) في إسناده ابن حميد الرازي (شيخ الطبري) ضعيف ولكن له متابع عند ابن هشام فقد أخرجه من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٤٩٨) وسنده حسن والحديث أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٧٦).\nوذكر الحافظ ابن كثير حديث أبي سعيد هذا من رواية يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق (بطوله كما عند الطبري) ثم قال الحافظ عقب الحديث:\nوهكذا رواه أحمد من حديث ابن إسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح (البداية والنهاية ٣/ ٦٤١)\nقلنا: ونسبه الهيثمي إلى عبد الرزاق وأبو يعلى وأحمد، وصحح أسانيدهم (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠).\nقلنا: وصححه من المعاصرين الألباني (السيرة النبوية للغزالي / ٤٢٩).","vol":"2","page":312},{"text":"وهي بناحية مَرّ الظَّهران، فلمّا فرغ رسول الله من عُمْرته وانصرف راجعًا إِلى المدينة؛ استخلف عتّاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معَاذَ بن جبل يُفقّهُ الناس في الدين ويعلّمهم القرآن، واتُّبِع رسول الله - ﷺ - ببقايا الفيء (١). (٣: ٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>[ثم دخلت سنة تسع]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>أمر ثقيف وإسلامها</span>\n٢٧٢ - فلمّا أسلموا وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابهم؛ أمَّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص -وكان من أحدثِهم سنًّا- وذلك أنه كان أحرصَهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله؛ إني قد رأيتُ هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن (٢). (٣: ٩٩).\n_________\n(١) إسناده معضل وقد صحّ خبر عمرته من الجعرانة كما أخرج البخاري في (صحيحه / كتاب المغازي / ح ٤١٤٨) ومسلم (كتاب الحج / ح ٢١٧) من حديث قتادة قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حجّ رسول الله - ﷺ -؟ قال: حجة واحدة. واعتمر أربع مرات عمرته زمن الحديبية وعمرته من ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة من ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته.\nوأخرج البخاري في صحيحه (فضائل القرآن / ح ٤٩٨٥) من حديث يعلى بن منبه ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي - ﷺ - وهو بالجعرانة وعليه جبة. إلى آخر الحديث).\nوالحديث أخرجه مسلم (ح ١١٨٠) ولم يرد عند البخاري ومسلم ولا عند أبي داود (ح ١٩٩٣) وابن ماجه (٣٠٠٣) استخلاف عتاب بن أسيد على مكة والله أعلم.\n(٢) خبر تأمير عثمان بن أبي العاص على أهل الطائف صحيح كما أخرج ابن ماجه (باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه / ح ٣٥٤٨) عن عثمان بن أبي العاص قال: لما استعملني رسول الله - ﷺ - على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي. الحديث.\nوأخرج أبو داود في سننه (١/ ١٤٦ / ح ٥٣١) عن عثمان بن أبي العاص (قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) وإسناده صحيح.\nوأخرج ابن ماجه (١ / ح ٩٨٧) عن عثمان بن أبي العاص قال: (كان آخر ما عهد إليّ النبي - ﷺ - حين أمّرني على الطائف قال لي: يا عثمان تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم =","vol":"2","page":313},{"text":"وفي هذه السنة غزا رسول الله - ﷺ - تبوك. [ذكر الخبر عن غزوة تبوك] (١).\n٢٧٣ - ثم إنّ رسولَ الله - ﷺ - جَدَّ في سفره، فأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحضَّ أهل الغنَى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله، ورغَّبهم في ذلك، فحمل رجال من أهل الغنى فاحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحدٌ أعظمَ من نفقته (٢). (٣: ١٠٢).\n٢٧٤ - قال ابن إسحاق: وخلّف رسولُ الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلَف على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة، أخا بني غِفار، فأرجف المنافقون بعليّ بن أبي طالب، وقالوا: ما خَلّفه إلا استثقالًا له، وتخفّفًا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٌّ سلاحَه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - ﷺ - وهو بالجُرف فقال: يا نبيّ الله؛ زعم المنافقون أنّك إنّما خَلّفتَني؛ أنك استثقلتَني وتخفَّفتَ منّي! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلّفتُك لما ورائي، فارجع فاخلُفْني في أهلي وأهلك؛ أفلا ترضَى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلّا\n_________\n= فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والبعيد وذا الحاجة) اهـ وحديث عثمان بن أبي العاص أخرجه أحمد (٤/ ٢١٧) والله تعالى أعلم.\n(١) ٣/ ١٠٠ قال الحافظ في الفتح (٨/ ١١١) كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف. اهـ.\n(٢) أخرج الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن سمرة قال: (جاء عثمان ﵁ إلى النبي - ﷺ - بألف دينار حين جهز جيش العسرة ففرغها عثمان في حجر النبي - ﷺ - قال فجعل النبي يقلبها ويقول: ما ضر ما عمل بعد هذا اليوم. قالها مرارًا).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ١٠٢).\nوالحديث أخرجه الترمذي في سننه (باب مناقب عثمان بن عفان / ح ٣٧٠١) وأحمد (٥/ ٦٣) والله أعلم.\nوأما حثه - ﷺ - أصحابه على النفقة في سبيل الله وتجهيز جيش العسرة فقد جاء في صحيح البخاري / كتاب الوصايا / باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا من حديث أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حين حوصر ... الحديث وفيه: (ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم قال: فصدقوه بما قال).","vol":"2","page":314},{"text":"أنه لا نبيّ بعدي! فرجع عليٌّ إلى المدينة، ومضى رسولُ الله - ﷺ - على سفره (١). (٣/ ١٠٣: ١٠٤).\n٢٧٥ - ثم إنّ أبا خَيثَمة أخا بني سالم رجع -بعد أن سارَ رسول الله - ﷺ - أيامًا- إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط، قد رشّتْ كلُّ واحدة منهما عريشَها وبرَّدتْ له فيه ماءً، وهيَّأتْ له فيه طعامًا؛ فلمّا دخل فقام على باب العريشين؛ فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، قال: رسولُ الله في الضِّحِّ والريح، وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء، في ماله مقيمٌ! ما هذا بالنَّصَف! ثمّ قال: والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحقَ برسول الله؛ فهيّئَا لي زادًا؛ ففعلتَا. ثم قدّم ناضِحَه فارتحله، ثمّ خرج في طلب رسول الله - ﷺ - حتى أدركه حين نزل تبُوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجُمحيّ في الطريق، يطلب رسولَ الله - ﷺ -، فترافقا حتى إذا دَنَوا من تبوك قال أبو خيثمة لعُمير بن وهب: إنّ لي ذنبًا، فلا عليك أن تَخلّفَ عنّي حتى آتيَ رسولَ الله - ﷺ -. ففعل، ثم سار حتى إذا دنا من رسولِ الله - ﷺ - وهو نازل بتَبوك قال الناس: يا رسول الله، هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله: كُنْ أبا خيثمة! فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة! فلمّا أناخ أقبلَ فسلّم على رسول الله - ﷺ -، فقال له رسولُ الله: أوْلَى لك يا أبا خيثمة! ثم أخبر رسولَ الله الخبر، فقال له رسولُ الله - ﷺ - خيرًا، ودعا له بخير (٢). (٣/ ١٠٤ / ١٠٥).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق بلا إسناد وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معضلًا. ولكن استخلاف علي فثابت في الصحيح -فقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب غزوة تبوك / ح ٤٤١٦، من طريق مصعب بن سعد عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء. قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي.\nوالحديث أخرجه مسلم (باب فضائل علي ح ٢٤٠٤).\n(٢) ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق وهو كذلك في سيرة ابن هشام وفي رواية مسلم (لحديث كعب بن مالك وتوبته) إشارة إلى أصل القصة فقد جاء في (صحيح مسلم / كتاب التوبة / باب الصدق في التوبة / ح ٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك الطويل وفيه:\n(فسكت رسول الله - ﷺ - فبينما هو على ذلك إذ رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله - ﷺ -: كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري ... الحديث). =","vol":"2","page":315},{"text":"٢٧٦ - وقد كان رسولُ الله - ﷺ - حين مرّ بالحِجْر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلمّا راحوا منها قال رسولُ الله - ﷺ -: لا تشربُوا من مائها شيئًا، ولا تتوضّؤوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له؛ ففعل الناس ما أمرهم به رسولُ الله - ﷺ - إلا رجُلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خُنِقَ على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملْته الريح حتى طرحته في جبلَي\n_________\n= وأخرج الطبراني في المعجم الكبير (ح ٥٤١٩) عن سعد بن خيثمة قال:\nتخلفت عن رسول الله - ﷺ - فدخلت حائطًا فرأيت عريشًا قد رُش بالماء ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بالإنصاف، إن رسول الله - ﷺ - في السموم والحميم وأنا في الظل والنعيم فقمت إلى ناضح فاحتقبته وإلى ثمرات فتزودتها، فنادت زوجتي: إلى أين يا أبا خيثمة؟ فخرجت أريد رسول الله - ﷺ - حتى إذا كنت ببعض الطريق لقيني عمير بن وهب فقلت لما اطلعت: إنك رجل جريء وإني أعرف لِمَ جئت النبي - ﷺ - وإني امرؤ مذنب، فتخلف عني حتى أخلو برسول الله - ﷺ - فتخلف عني عمير، فلما طلعت على العسكر؛ فرآني الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كن أبا خيثمة\" فجئت فقلت: كدت أهلك يا رسول الله. فحدثته حديثي فقال لي رسول الله - ﷺ - خيرًا ودعا لي.\nوذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني وفيه يعقوب بن محمد الزهري وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٣).\nقلنا: ويعقوب بن محمد الزهري هذا ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم وأحمد. وقال ابن عدي: ليس بمعروف. فتعقبه الذهبي بقوله: قلت: سبب عدم معرفته ابن عدي به أنه ما لحق أصحابه ولا نشط كتابة حديثه عن أصحاب أصحابه وإلّا فالرجل مشهور مكثر ونقل الذهبي قول ابن سعد فيه:\nجالس العلماء وكان حافظًا وقال ابن معين: ما حدّث عن الثقات فاكتبوه (الميزان ٤/ ٤٥٤ / ت ٩٨٢٦).\nقلنا: ومثل هذا يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات والله تعالى أعلم. وفي حديث مسلم تأييد لأصل القصة أي تخلفه في بداية الغزوة ثم لحوقه برسول الله - ﷺ - إضافة إلى ما سبق فقد قال الحافظ ابن كثير بعد سرده لقصة أبي خيثمة عن ابن إسحاق معضلًا:\nوقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحوٍ من سياق محمد بن إسحاق وأبسط (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٤) وهذه الطرق تتقوى ببعضها ويؤيدها ما في رواية مسلم والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":316},{"text":"طيّئ، فأخبر بذلك رسولُ الله - ﷺ - فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحدٌ إلا ومعه صاحب له! ثم دعا للّذي أصيب على مذهبه فشُفِيَ، وأما الآخر الذي وقع بجبلَي طيّئ؛ فإنّ طيئًا هدتْهُ لرسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة.\nقال أبو جعفر: والحديث عن الرجلين (١). (٣: ١٠٥).\n٢٧٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن العبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ: فلما أصبح النّاس -ولا ماءَ معهم- شكَوْا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوَى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء (٢). (٣: ١٠٥).\n_________\n(١) هكذا ذكر الطبري هذا الخبر عن ابن إسحاق وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معضلًا (٢/ ٥٢١) ولكن ابن كثير أخرج هذه الرواية من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل الساعدي به (كما عند ابن إسحاق) (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٨).\nوهذا إسناد مرسل حسن إلى مرسله (العباس).\nوأخرج البخاري في صحيحه / باب قوله تعالى ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (ح / ٣٣٧٩).\nعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.\nوالحديث أخرجه مسلم / باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم (ح ٢٩٨١).\nوليس في رواية الصحيحين ما ورد في الشطر الأخير من رواية الطبري وابن كثير عن الرجلين والله تعالى أعلم.\n(٢) هذا إسناد مرسل ضعيف وله ما يؤيده من حديث عمر بن الخطاب ﵁ كما أخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العسرة؟ فقال عمر:\nخرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى تبوك في قيظٍ شديد، فنزلنا منزلًا، أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء حتى يظن أن رقبته تنقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويضعه على بطنه.\nفقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله: إن الله عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع الله، فقال النبي - ﷺ -: \"أتحب ذلك يا أبا بكر؟ \" قال: نعم. قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. =","vol":"2","page":317},{"text":"٢٧٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قلت لمحمود بن لَبِيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم؛ والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمّه ومن عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك؛ ثم قال محمود: لقد أخبرني رجالٌ من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقُه، كان يسير مع رسول الله - ﷺ - حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحِجْر ما كان، ودعا رسولُ الله - ﷺ - حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحَك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارَّةٌ (١). (٣: ١٠٥/ ١٠٦).\n٢٧٩ - ثمّ إنّ رسولَ الله - ﷺ - سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلّتْ ناقتُه، فخرج أصحابُه في طلَبها، وعند رسول الله - ﷺ - رجلٌ من أصحابه، يقال له عُمارة بن حزم، وكان عقَبيًّا بدريًّا، وهو عمّ بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن لُصَيب القَينُقاعيّ، وكان منافقًا، فقال زيد بن لُصَيب وهو في رحل عُمارة وعُمارة عند رسول الله - ﷺ -: أليس يزعم محمد أنه نبيّ يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسولُ الله - ﷺ - وعمارة عنده: إن رجلًا قال: إنّ محمدًا هذا يخبركم أنه نبيّ، وهو يزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! وإني والله ما أعلم إلّا ما علّمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي من شِعْب كذا وكذا قد حبستْها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتُوا بها، فذهبوا فجاؤوا بها، فرجع عُمارة بن حزم إلى أهله، فقال: والله لَعجبٌ من شيء حدّثناه رسول الله - ﷺ - آنفًا عن مقالة قائل أخبره الله عنه كذا وكذا -للذي قال زيد بن اللُّصَيب- فقال رجُلٌ ممن كان في رحْل عمارة، ولم يحضر رسول الله:\n_________\n= وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٥) وراجع تعليق الألباني (السيرة النبوية للغزالي / ٤٤٠) والحديث أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥/ ٢٣١) وجوّد الحافظ إسناده. وقال: ولم يخرجوه من هذا الوجه (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٥) والله تعالى أعلم.\n(١) شيخ الطبري هذا ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام عن طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث (٢/ ٥٢٣) ولكنه مرسل فمحمود بن لبيد لم يذكر أسماء الصحابة الذين رووا له الحادثة إلّا أن محمودًا هذا صحابي صغير كما قال الحافظ وجلّ روايته عن الصحابة (ت ٦٥١٧) فلعل روايته هذه من مراسيل الصحابة والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":318},{"text":"زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتيَ. فأقبل عمارة على زيد يَجَأ في عنقه، ويقول: يا عباد الله، والله إنّ في رَحْلِي لداهية وما أدري! اخرج يا عدوّ الله من رحلي فلا تصحبني (١). (٣: ١٠٦).\n٢٨٠ - ثم مضى رسولُ الله - ﷺ - سائرًا؛ فجعل يتخلَّف عنه الرجل فيقولون: يا رسولَ الله، تخلّف فلان، فيقول: دعوه، فإن يكُ فيه خير فسيُلْحِقه الله بكم، وإنْ يكُ غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ حتى قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإنْ يك فيه خير فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه.\nقال: وتلوّم أبو ذرّ على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعَه، فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشيًا، ونزل رسولُ الله في بعض منازله، فنظره ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسولَ الله، إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسولُ الله - ﷺ -: كن أبا ذرّ! فلمّا تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو أبو ذرّ! فقال رسولُ الله - ﷺ -: يرحم الله أبا ذرّ! يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبْعث وحده.\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بُرَيدة بن سفيان الأسلميّ، عن محمّد بن كعب القُرظيّ، قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ نزل أبو ذرّ الرّبَذَة، فأصابه بها قَدَره، ولم يكن معه أحدٌ إلّا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غَسِّلاني وكَفّناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأوّل ركْب يمرّ بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، فأقبل عبد الله بن مسعود ورهطٌ من أهل العراق عُمّارًا، فلم يَرُعْهم إلّا بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبدُ الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله! تمشي وحدَك، وتموت وحدك، وتُبْعث وحدك! ثم نزل هو وأصحابه فوارَوْه.\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن محمد بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل.","vol":"2","page":319},{"text":"ثمّ حدّثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك (١) (٣: ١٠٧).\n٢٨١ - قال: وقد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشْجَع حليفٌ لبني سلمة، يقال له مَخشيّ بن حُمَيِّر، يسيرون مع رسولِ الله - ﷺ - وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم! والله لكأنّي بكم غدًا مُقَرَّنين في الحبال؛ إرْجَافًا وترهيبًا للمؤمنين. فقال مخشيّ بن حميِّر: والله لوَدِدْتُ أنّى أقاضَى على أن يُضرب كلّ رجل منّا مئة جلدة، وأنا ننفلت أن يُنزِل الله فينا قرآنًا لمقالتكم هذه. وقال رسولُ الله - ﷺ - فيما بلغني- لعمّار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلْهم عمّا قالوا؛ فإن أنكروا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمّار فقال لهم ذلك، فأتوْا رسول الله يعتذرون إليه، فقام وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقبِها: يا رسول الله، كنّا نخوض ونلعب؛ فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وقال مخشي بن حميِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي؛ فكان الذي عُفِيَ عنه في هذه الآية مخشيّ بن حميِّر، فسمّي عبد الرحمن، وسأل الله أنْ يقتله شهيدًا لا يُعلم مكانه، فقُتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر (٢). (٣: ٢٠٨).\n_________\n(١) لم يذكر الطبري إسناد الرواية ولكنه بيّن في نهاية الصفحة أن الصحابي راوي الحديث هو عبد الله بن مسعود والذي روى عنه هو محمد بن كعب القرظي. ولقد أخرج الحافظ ابن كثير هذا الخبر بطوله من طريق رواية ابن إسحاق (يونس بن بكير) عن شيخه محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود ثم قال في نهاية الخبر: إسناده حسن ولم يخرجوه (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٤).\n(٢) ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق معضلًا، وأما متنه فلم نجد ما يشهد للشطر الأول سوى ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٦٣) عن ابن عمر بسند رجاله ثقات غير هشام بن سعد الذي قال فيه ابن عدي مع ضعفه: يكتب حديثه.\nوقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد (الميزان ٤ / ت ٩٢٢٤).\nولفظه: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ولا أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق =","vol":"2","page":320},{"text":"٢٨٢ - فلما انتهى رسولُ الله - ﷺ - إلى تبوكَ، أتاه يُحَنّة بن رُؤبة، صاحب أيلَة، فصالح رسولَ الله - ﷺ - وأعطاه الجزية، وأهل جَرْباء وأذْرُح أعطوْه الجزية، وكتب رسولُ الله - ﷺ - لكل كتابًا؛ فهو عندهم (١). (٣: ١٠٨).\n٢٨٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: رأيتُ قَباء أكيدر حين قُدِم به إلى رسول الله - ﷺ -، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجّبون منه، فقال رسول الله: أتَعْجَبون من هذا! فو الذي نفس محمد بيده\n_________\n= لأخبرن رسول الله - ﷺ -، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله - ﷺ - والحجارة تنكيه، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي - ﷺ - يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nوأما الجزء الباقي من حديث الطبري فيؤيده حديث كعب بن مالك عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٦٤) ولفظه:\n(قال مخشي بن حمير: لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منكم مئة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن. فقال رسول الله - ﷺ - لعمار بن ياسر: \"أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا؟ فإن هم أنكروا وكتموا فقل بل: قد قلتم كذا وكذا\" فأدركهم فقال لهم: فجاؤوا يعتذرون فأنزل الله ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ ...﴾ الآية فكان الذي عفا الله عنه مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا وألا يعلم بمقتله، فقتل باليمامة لا يعلم مقتله ولا من قتله ولا يرى له أثر ولا عين).\nقلنا: ورجاله ثقات والله تعالى أعلى وأعلم.\n(١) ذكر الطبري هذا الجزء من قول ابن إسحاق بلاغًا ولكن أخرج البخاري في مواضع من صحيحه منها ما أخرجه في (كتاب الزكاة / باب مرض النبي ح / ١٤١١) عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: غزونا مع النبي - ﷺ - غزوة تبوك. الحديث وفيه:\n(وأهدى ملك أيلة للنبي - ﷺ - بغلة بيضاء وكساه بردًا وكتب له ببحرهم ... إلى آخر الحديث).\nوأخرجه مسلم في (صحيحه / كتاب الفضائل / باب في معجزاته - ﷺ - / ح ١٣٩٢) من حديث أبي حميد كذلك وفيه:\n(وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء فكتب إليه رسول الله - ﷺ - وأهدى له بردًا. الحديث) والله تعالى أعلم.\nوالحديث أخرجه أحمد والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":321},{"text":"لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا! (١) (٣: ١٠٩).\n٢٨٤ - ثم انصرَف قافلًا إلى المدينة، فكان في الطريق ماء يخرج من وَشَلٍ ما يرْوي الراكبَ والراكبَين والثلاثة، بوادٍ يقال له وادي المُشَقّق، فقال رسول الله - ﷺ -: مَنْ سبقنا إلى ذلك الماء فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيَه. قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوْا ما فيه، فلما أتاه رسولُ الله - ﷺ - وقف عليه فلم يرَ فيه شيئًا؛ فقال: مَنْ سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: أوَ لم نَنْهَهم أن يستقُوا منه شيئًا حتى نأتيه! ثم لعنهم رسولُ الله، ودعا عليهم. ثمّ نزل - ﷺ -، فوضع يده تحت الوَشَل، فجعل يصبّ في يده ما شاء الله أن يصبّ، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسولُ الله - ﷺ - بما شاء الله أن يدعوَ، فانخرق من الماء -كما يقول مَنْ سمعه: إنّ له حِسًّا كحمى الصواعق؛ فشرب الناس واستقوْا حاجتهم منه، فقال رسولُ الله - ﷺ -: مَنْ بَقيَ منكم ليَسمعنّ بهذا الوادي؛ وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه (٢). (٣: ١٠٩/ ١١٠).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن أنس بن مالك وإسناده حسن (٢/ ٥٢٦).\nوأخرج مسلم في صحيحه (باب فضائل سعد بن معاذ / ح ٢٤٦٩) وأحمد في المسند (٣/ ١١١) والترمذي في سننه (ح ١٧٢٣) من حديث أنس ﵁ قال: (إن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله - ﷺ - حلة من سندس فعجب الناس منها فقال: والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا).\n(٣/ ١٠٩) لقد ذكرنا الرواية (٣/ ١٠٩ / ٣٦٦) في الضعيف. والصحيح أنه - ﷺ - مكث في تبوك عشرين ليلة كما أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩٥) من حديث جابر وابن حبان (الإحسان / ح ٢٧٣٨).\nوصححه أبو داود (ح ١٢٣٥) والله تعالى أعلى وأعلم.\n(٢) إن كان هذا الخبر تكملة للذي قبله، فإسناده مرسل وإلا فهو من كلام ابن إسحاق كما عند ابن هشام (٢/ ٥٢٧) ولمتنه ما يؤيده فقد أخرج أحمد في مسنده (٥/ ٤٠٠) عن حذيفة ﵁ قال:\n(خرج النبي - ﷺ - يوم غزوة تبوك فبلغه: أن في الماء قلة -الذي يرده- فأمر مناديًا فنادى في الناس: \"أن لا يسبقني إلى الماء أحد\" فأتى الماء وقد سبقه قوم فلعنهم).\nوقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٩٥).\nوأخرج مسلم في صحيحه / كتاب الفضائل / باب في معجزاته - ﷺ - (٤/ ١٧٨٤) عن أبي الطفيل عامر بن وائلة \"إن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - عام تبوك =","vol":"2","page":322},{"text":"٢٨٥ - قال: وقدم رسولُ الله - ﷺ - المدينةَ- وقد كان تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف أولئك الرّهط من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة- فقال رسولُ الله - ﷺ -: لا يكلّمن أحدٌ أحدًا من هؤلاء الثلاثة، وأتاه مَنْ تخلّف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله ولم يعذِرْهم الله ولا رسوله، واعتزل المسلمون كلامَ هؤلاء الثلاثة النفر، حتى أنزل الله ﷿ قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فتاب الله عليهم (١). (٣: ١١١).\n_________\n= فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: (إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي).\nقال: فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله - ﷺ - (هل مسستما من مائها شيئًا؟) قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله فيه وجهه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله - ﷺ -: (يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا).\n(١) ذكر الطبري خبر الثلاثة الذين خلفوا عن ابن إسحاق بدون إسناد. وخبره هنا مختصر جدًّا وخبرهم (من حديث كعب بن مالك) وهو أحدهم عند البخاري ومسلم وغيرهما والله تعالى أعلم.\nفقد أخرجه البخاري بطوله [كتاب المغازي / باب حديث كعب بن مالك / ح ٤٤١٨] و(مسلم / كتاب التوبة / ح ٢٧٦٩) وأحمد (٣/ ٤٥٦) والبيهقي (الدلائل ٥/ ٢٧٣) وغيرهم والله أعلم وسنذكر هنا رواية البخاري إذ قال البخاري:\nحدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها إنما خرج رسول الله - ﷺ - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن =","vol":"2","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا وعدوًا كثيرًا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم.\nفأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد الديوان).\nقال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال.\nوتجهز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقضِ شيئًا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقضِ شيئًا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه.\nفقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله - ﷺ - قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجّه قافلًا حضرنى همِّي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله - ﷺ - قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب.\nفأجمعت صدقه وأصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلًا فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تَبَسّم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال: لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك.\nفقلت: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.\nفقال رسول الله - ﷺ -: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت وثار رجال من بني =","vol":"2","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سلمة فاتبعوني فقالوا لي: ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - ﷺ - بما اعتذر إليه المتخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم: رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه.\nفاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلم عليه وهو في مجلسه، بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته.\nفقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابًا من ملك غسان فإذا فيه:\nأما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعةٍ فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.\nقال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله - ﷺ - فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.\nفقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله - ﷺ - في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ - وما يدريني ما يقول رسول الله - ﷺ - إذا =","vol":"2","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلعٍ بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون وركض إليّ رجل فرسًا وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله - ﷺ - فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك.\nقال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - ﷺ - جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ - وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله؟ قال: لا بل من عند الله.\nوكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.\nفقلت: يَا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقًا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا كذبًا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله تعالى على رسوله - ﷺ -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله - ﷺ - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - ﷺ - حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله - ﷺ - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه =","vol":"2","page":326},{"text":"٢٨٦ - قال: وقدِم رسول الله - ﷺ - المدينة من تَبُوك في شهر رمضان. وقدِم عليه في ذلك الشهر وفْدُ ثَقِيف، وقد مضى ذكر خبرهم قبل (١). (٣: ١١١).\n_________\n= أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.\n(١) صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>[أمر طيِّيء وعدي بن حاتم]</span>\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ١١٢ / ٣٧٠) في قسم الضعيف ولكننا نذكر ها هنا ما صح في خبر عدي وإسلامه ﵁:\nفقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب قصة وفد طيِّيء وحديث عدي بن حاتم (ح ٤٣٩٤) عن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد فجعل يدعو رجالًا ويسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟\nقال: بلى: أسلمت إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا فقال عدي: فلا أبالي إذًا.\nوأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المناقب / باب علامات النبوة / ح ٣٥٩٥) عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي - ﷺ - إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل فقال: يا عدي: هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله.- قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيِّيء الذين قد سعّروا البلاد- ولئن طالت بك حياة لتفتحنّ كنوز كسرى.\nقلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له. فيقولن: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى.\nفيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم قال عدي: سمعت النبي - ﷺ - يقول: اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة، فمن لم يجد شقَّ تمرة فبكلمة طيبة.\nقال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله.\nوكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم - ﷺ - يخرج ملء كفه. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات] </span>=","vol":"2","page":327},{"text":"٢٨٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، قال: فأنزل الله فيهم القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ -من بني تميم- ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: وهي القراءة الأولى (١). (٣: ١٢٠).\n_________\n= (٣/ ١٥): لقد ذكرنا الرواية (٣٧) في قسم الضعيف وسنذكر هنا ما أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب وفد بني تميم / ح ٤٣٦٥) من طريق صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين ﵄ قال: أتى نفر من بني تميم النبي - ﷺ - فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا فَرُئي ذلك في وجهه فجاء نفر من اليمن فقال: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله. اهـ.\n(٣/ ١٢٠): لقد ذكرنا الرواية (٣/ ١٢٠) في قسم الضعيف وقد ذكره الطبري من قول الواقدي بلا إسناد، والواقدي متروك ولم نجد رواية تاريخية صحيحة تحدد مدة مرضه بعشرين يومًا وما إلى ذلك كما عند الطبري إلا أن ابن إسحاق قال:\nحدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله - ﷺ - للصلاة عليه فقام إليه ... الحديث. السيرة لابن هشام (٢/ ٥٥٢).\nقلنا: وهذا إسناد حسن. وأخرج أبو داود في سننه (٣/ ١٨٤ / ح ٣٠٩٤) ثنا عبد العزيز بن يحيى ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة أن أسامة قال:\nخرج رسول الله - ﷺ - يعود عبد الله بن أبي في مرضه الذي مات فيه فلما دخل عليه عرف فيه الموت. الحديث. وهذا إسناد ضعيف ولكن أخرجه الحافظ ابن كثير من طريق ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث عن الزهري عن عروة عن أسامة فسنده حسن (السيرة لابن كثير ٤/ ٦٤).\nوأخرج البخاري في الجنائز (ح ١٢٦٩) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله - ﷺ - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه. الحديث. والله تعالى أعلم.\n(١) هذا إسناد مرسل وقد أخرج الإمام أحمد (٣/ ٤٨٨) حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس ﵁ أنه نادى رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد يا محمد.\nوذكر الحافظ هذه الرواية في ذكره لسبب نزول الآية من سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثم قال الحافظ عقب رواية أحمد هذه: وفي رواية: يا رسول الله فلم يجبه فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين وإن ذمي لشين فقال: (ذاك الله ﷿) (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٠٨). =","vol":"2","page":328},{"text":"٢٨٧ / أ - قال: وفيها نَعَى رسولُ الله - ﷺ - للمسلمين النجاشيَّ، وأنه مات في رجب سنة تسع (١). (٣: ١٢٢).\n_________\n= قلنا: وأخرج الترمذي عن البراء بن عازب في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال النبي - ﷺ -: (ذاك الله).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (سنن الترمذي / ٥ / ح ٣٢٦٧).\nوأخرج البخاري في (كتاب المغازي / وفد بني تميم) عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه قدم ركب من بني تميم على النبي - ﷺ - فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي قال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ حتى انقضت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>[قدوم رسل ملوك حمير على رسول الله بكتابهم]</span>\nلقد ذكرنا الرواية المطولة (٣/ ١٢٠ / ٣٧٣) في قسم الضعيف وذكرنا هناك عدة روايات عند أبي داود والبيهقي وغيرهما عن كتاب عمرو بن حزم مرسلًا.\nونذكر هنا ما أخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٤٤ / ح ٤٠٣٤) من حديث أنس بن مالك أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله - ﷺ - حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرًا أو ثلاث وثلاثين ناقة فقبلها.\nوالحديث أخرجه أحمد (٣ / ح ١٣٣١٤) والله تعالى أعلم.\n(١) قلنا: لقد ذكر الطبري وقت وفاة النجاشي ونسبه إلى الواقدي، والواقدي متروك وأغلب الروايات التاريخية التي وردت في قسم السيرة والخلافة الراشدة (التي وردت من طريق الواقدي) مذكورة في قسم الضعيف وقلما وافقه فيها الثقات إلا في ذكره للوفيات فوفاة صحابي أو تابعي ليس بالأمر العادي وهو أمر يجلب انتباه الجماهير من الناس ويكثر المؤرخون في ذكر الوفيات على اختلاف مشاربهم. ولقد جرينا في تحقيقنا لتاريخ الطبري على أن نذكر وفاة الصحابي أو التابعي كما اتفق عليه أكثر المؤرخين ومن ضمنهم الواقدي أحيانًا فلا ضير ولم نعتمد ما انفرد به والله تعالى أعلم.\nوبالنسبة لموت النجاشي رضي الله تعالى عنه فكذلك ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه توفي سنة تسع ونسبه إلى أكثر أئمة هذا الشأن إذ قال: وإنما وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر (فتح الباري ٧/ ٥٨٨).\nولقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٨٨٠) عن أبي سلمة وابن المسيب أن أبا هريرة أخبرهما أن رسول الله - ﷺ - نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه وقال: استغفروا لأخيكم (٣/ ١٢٢).\nلقد ذكرنا الروايتين (٣٧٤/ ٣٧٥) في قسم الضعيف وذكرنا تعقيب الحافظ ابن كثير. =","vol":"2","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما هنا فسنذكر بعض ما صحّ في حجة أبي بكر ﵁ وبصحبته علي بن أبي طالب ﵁ وذلك سنة تسع للهجرة.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب حج الناس بأبي بكر سنة تسع (ح ٤٣٦٣) عن أبي هريرة ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمّره عليها النبي - ﷺ - قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.\nوأخرج الترمذي في سننه عن ابن عباس ﵄ قال: بعث النبي - ﷺ - أبا بكر وأمره عليها النبي - ﷺ -، قبل حجة والوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف في البيت عريان. وأخرج الترمذي في سننه عن ابن عباسٍ ﵄ قال: بعث النبي - ﷺ - أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم اتبعه عليًّا فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله - ﷺ - القصواء فخرج أبو بكر فزعًا فظن أنه رسول الله - ﷺ - فإذا هو علي فدفع إليه كتاب رسول الله - ﷺ - وأمر عليًّا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فحجّا، فقام أيام التشريق، فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. وكان علي ينادي فإذا عيي قام أبو بكر فنادى بها- قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس (السنن ٥ / ح ٣٠٩٠).\nوأخرج الترمذي من حديث زيد بن يثيع قال: سألنا عليًّا بأي شيء بُعثت في الحجة. قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهد فهو إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (سنن الترمذي ٥ / ح ٣٠٩٢) وقد جمع العلماء بين هذه الروايات بأن أبا بكر أرسل أبا هريرة يؤذن في الناس ليعين عليًّا على إبلاغ ما أمره به رسول الله - ﷺ - في التأذين في الناس (راجع فتح الباري ٨/ ٣١٨).\nقلنا: ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه أحمد (٣/ ٧٩٨٢) عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله - ﷺ - فقال: ما كنتم تنادون؟ قالوا: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف في البيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله - ﷺ - عهد فإن أجله أو أمده إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسولُه، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك.\nوجوّد الحافظ ابن كثير إسناده إلّا أنه قال: لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر (البداية والنهاية ٣/ ٧١٤). =","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>[قدوم ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد]</span>\n٢٨٨ - وفيها قدم وفد سعد هُذَيم. حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني سلَمة بن كُهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كُرَيب مولى ابن عبّاس، عن عبد الله بن عبّاس، قال: بعث بنو سَعْد بن بكر ضِمَامَ بن ثعلبة إلى رسولِ الله - ﷺ - فقدم عليه فأناخ بعيرَه على باب المسجد ثم عَقَله، ثم دخل المسجد ورسولُ الله - ﷺ - جالس في أصحابه، وكان ضِمام بن ثعلبة رجلًا جَلْدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله - ﷺ - في أصحابه، فقال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قال: قال رسولُ الله: أنا ابن عبد المطلب. قال: محمد؟ قال: نعم، قال: يا بن عبد المطلب، إني سائلك ومُغْلِظٌ لك في المسألة، فلا تَجدَنّ في نفسك! قال: لا أجِد في نفسي، فسَلْ عمّا بدا لك، قال: أنشدُك بالله إلهك وإله مَن كان قبلك وإله مَنْ هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله مَنْ كان قبلك وإله مَنْ هو كائن بعدك، آلله أمَرَك أن تأمُرَنا أن نَعْبده وَحْدَه، ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا تعبد من دونه؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله مَنْ كان قبْلَك وإله مَنْ هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نُصلِّيَ هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهمّ نعم. قال: ثم جعل يذكر فرائضَ الإسلام فريضة فريضة؛ الزكاة، والصيام، والحجّ، وشرائع الإسلام كلّها، يناشده عن كلّ فريضة كما ناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدِّي\n_________\n= قلنا: ولعل رواية الحاكم توضح الأمر أكثر إذ أخرج من طريق مقسم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا بكر ﵁ وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فأتبعه عليًّا فبينا أبو بكر ببعض الطريق سمع رغاء ناقة رسول الله - ﷺ - فخرج أبو بكر فزعًا فَظن أنه رسول الله - ﷺ - فإذا علي فدفع إليه كتاب رسول الله - ﷺ - قد أمره على الموسم وأمر عليًّا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فقام علي أيام التشريق فنادى أن الله بريء من المشركين ورسولُه فسيحوا في الأرض أربعة أشهر لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي ينادي بها فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٥٢).","vol":"2","page":331},{"text":"هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتَني عنه. ثم لا أنقصُ ولا أزيد. ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. فقال رسول الله - ﷺ - حين ولّى: إن صدق ذو العَقيصتَين يدخل الجنة، قال: فأتى بعيرَه فأطلق عِقَاله، ثم خرج حتى قدِم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزّى! قالوا: مَهْ يا ضِمام! اتّق البرصَ، اتّق الجذام، اتّق الجنون! قال: وَيحكم، إنهما والله لا ينفعان ولا يضرّان؛ إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، استنقذكم به مما كنتم فيه؛ وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له؛ وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.\nقال: فوالله ما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافِدِ قومٍ كان أفضَل من ضِمام بن ثعلبة (١). (٣: ١٢٤/ ١٢٥).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف وأخرجه ابن هشام (٢/ ٥٧٣) من طريق ابن إسحاق هذا بسند حسن. وحديث ابن عباس هذا حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٦٤).\nعن ابن عباس ﵄ قال: \"بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله - ﷺ - فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله - ﷺ - في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (أنا ابن عبد المطلب).\nقال: محمد؟ قال: نعم. فقال: يابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدن في نفسك قال: (لا أجد في نفسي فسل ما بدا لك) قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال: (اللهم نعم).\nقال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: (اللهم نعم).\nقال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلاة الخمس؟ قال: (اللهم نعم).\nقال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها يناشده عند كل فريضة كما يناشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص. =","vol":"2","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة) قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: منه يا ضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون.\nقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان إن الله ﷿ قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه.\nوإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال: يقول ابن عباس ﵄: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة\".\nوالحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي (٣/ ٥٥) والله تعالى أعلم.\nوأخرجه البخاري مختصرًا في صحيحه (كتاب العلم / ح ٦٣) ومسلم (الإيمان / ح ١٢) من حديث أنس بن مالك ولفظ البخاري:\n\"بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد -والنبي - ﷺ - متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي - ﷺ -: (قد أجبتك).\nفقال الرجل للنبي - ﷺ -: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك.\nفقال: (سل ما بدا لك) فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: (اللهم نعم).\nقال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: (اللهم نعم).\nقال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: (اللهم نعم).\nقال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا، فقال النبي - ﷺ -: (اللهم نعم).\nفقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر\".\n(صحيح البخاري / كتاب العلم / باب ما جاء في العلم وقوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ / ح ٦٣).","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>ثم دخلت سنة عشر</span>\nقال الواقديّ: توفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - وعمرو بن حزم عامله بنَجْران (١). (٣: ١٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>[سريّة علي بن أبي طالب إلى اليمن]</span>\n٢٨٩ - قال: وفيها وجّه رسول الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب في سريّة إلى اليمن في رمضان. فحدّثنا أبو كريب ومحمد بن عمرو بن هيّاج، قالا: حدَّثنا يحيى بن عبد الرحمن الأزَجيّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بن عازب، قال: بعثَ رسول الله - ﷺ - خالدَ بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فكنت فيمن سار معه؛ فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبيّ - ﷺ - عليّ بن أبي طالب، وأمره أن يُقْفِل خالدًا ومَنْ معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقّب معه تركه.\nقال البَراء: فكنت فيمن عقّب معه؛ فلمّا انتهجنا إلى أوائل اليمن، بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلّى بنا عليٌّ الفجر، فلما فرغ صَفّنا صفًّا واحدًا، ثمّ تقدّم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتابَ رسولِ الله - ﷺ - فأسلمت همدان كلها في يوم واحد وكتب بذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فلما قرأ كتابه خرّ ساجدًا، ثم جلس، فقال: السلام على هَمْدان، السلام على هَمْدان! ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام (٢). (٣: ١٣١/ ١٣٢).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) في إسناده يحيى بن عبد الرحمن قال الذهبي: صويلح، وقال الدارقطني: صالح يعتبر به (الميزان / ت ٩٥٧٠) وقال الحافظ: صدوق وربما أخطأ، ولكن تابعه شريح بن مسلمة (كما عند البخاري) عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق سمعت البراء ﵁: بعثنا رسول الله - ﷺ - مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل، فكنت فيمن عقّب معه قال: فغنمت أواقٍ ذوات عدد (صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن / قبل حجة الوداع / ح ٤٣٤٩). =","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>[قدوم الجارود في وفد عبد القيس]</span>\n٢٩٠ - وفيها قَدِم وفْد عبد القيس، فحدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: قَدِمَ على رسول الله - ﷺ - الجارودُ بن عمرو بن حنَش بن المعلّى، أخو عبد القيس في وفد عبد القيس وكان نصرانيًّا (١). (٣: ١٣٦).\n٢٩١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حَدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - كلّمه؛ فعرض عليه الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد، إني قد كنت على دين؛ وإني تاركٌ ديني لدينك؛ فتضمن لي دِيني؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: نعم أنا ضامنٌ لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه. قال: فأسلم وأسلم معه أصحابه، ثم سألوا رسولَ الله الحُمْلان؟ فقال: والله ما عندي ما أحْمِلُكم عليه، فقالوا: يا رسولَ الله، إنّ بيننا وبين بلادنا ضَوَالّ من ضوالّ الناس؛ أفنتبلّغ عليها إلى بلادنا؟ قال: إياكم وإياها؛ فإنما ذلك حَرَق النار. قال: فخرج من عنده الجارود راجعًا إلى قومه -وكان حسنَ الإسلام صُلْبًا على دينه- حتى هلك؛ وقد أدرك الرِّدةَ، فلما رجع من قومه مَنْ كان أسلم منهم إلى دينهم الأوّل مع الغَرور المنذر بن النعمان بن المنذر، أقام الجارود فشهد شهادةَ الحقّ ودعا إلى الإسلام، فقال: يا أيها الناس؛ إنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وأنهى مَنْ لم يشهد (٢). (٣: ١٣٦/ ١٣٧).\n_________\n= وقال الحافظ في شرحه للحديث (ح ٤٣٤٩) أورد البخاري هذا الحديث مختصرًا وقد أورده الإسماعيلي من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر (سمعت إبراهيم بن يوسف) وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه- فزاد فيه:\n(قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي وصفنا صفًّا واحدًا ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله - ﷺ - فأسلمت هوازن جميعًا فكتب إلى رسول الله بإسلامهم فلما قرأ الكتاب خرّ ساجدًا ثم رفع جالسًا فقال: السلام على همدان (فتح الباري ٨/ ٣٩٥).\n(١) هذا إسناد معضل وسنذكر خبر وفد عبد قيس وإسلام الجارود بعد الرواية التالية.\n(٢) في إسناده الحسن بن دينار وهو متروك وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده (ح ٩١٨) عن الجارود العبدي ﵁ قال: أتيت النبي - ﷺ - أبايعه فقلت له: على أني إن تركت ديني =","vol":"2","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>[قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة]</span>\n٢٩٢ - وفيها قدم وفد بني حنيفة؛ حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: قدِم على رسولِ الله - ﷺ - وفد بني حَنيفة؛ فيهم مُسيلمة بن حبيب الكذّاب، فكان منزلهم في دار ابنة الحارث؛ امرأة من الأنصار، ثم من بني النجار (١). (٣: ١٣٧).\n٢٩٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: حَدّثني تستره بالثياب، ورسول الله جالس في أصحابه، ومعه عَسِيبٌ من سَعف النَّخل، في رأسه خُوصات، فلمَّا انتهَى إلى رسول الله - ﷺ - وهم يسترونه بالثّياب، كلّم\n_________\n= ودخلت في دينك لا يعذبني الله في الآخرة؟ قال: نعم. فقد سألت النبي - ﷺ - عن ضالة الإبل والماشية.\nوذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١/ ٣٢). وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان / ح ٥٣):\nعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي - ﷺ - قال: من القوم؟ أو الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى.\nفقالوا: يا رسول الله إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع.\nأمرهم بالإيمان بالله وحده. قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس.\nونهاهم عن أربع: عن الحنتم والدّباء والنقير والمزفَّت وربما قال: المقيَّر وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله وشرائع الدين / ح ١٧) والله أعلم.\n(١) هذا إسناد معضل ولكن قدوم مسيلمة الكذاب مع بني حنيفة صحيح كما سنذكر بعد الرواية التالية.","vol":"2","page":336},{"text":"رسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك! (١) (٣: ١٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>[قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة]</span>\n٢٩٤ - قال أبو جعفر: وفيها قدم وفدُ كِنْدة، رأسهُم الأشعث بن قيس، الكنديّ؛ فحدّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهريّ، قال: قدِم على رسول الله - ﷺ - الأشعث بن قيس في ستين راكبًا من كِندة، فدخلوا على رسول الله مسجدَه، وقد رَجَّلوا جُمَمَهُم، وتكحّلوا، عليهم جُبَب الحبرة؛ قد كفّفُوها بالحرير؛ فلمّا دخلُوا على رسولِ الله - ﷺ -، قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فما بالُ هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشَقُّوه منها فألقوْه، ثم قال الأشعث: يا رسول الله؛ نحن بنو آكل المُرار، وأنت ابن آكل المُرار، فتبسّم رسول الله، ثم قال: ناسبوا بهذا النَّسَب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. قال: وكان ربيعة والعبّاس تاجرَين؛ فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئلا مَنْ هما؟ قالا: نحن بنو آكل المُرار؛ يتعزّزان بذلك؛ وذلك أن كِنْدة كانت ملوكًا، فقال رسول الله - ﷺ -: نحن بنو النَّضْر بن كنانة لا نَقْفُو أمَّنا، ولا ننتفي من أبينا. فقال الأشعث بن قيس: هل عرفتم يا معشرَ كندة! والله\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف وخبر قدوم مسيلمة مع بني حنيفة والحوار الذي دار بينه وبين رسول الله - ﷺ - أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ح / ٤٣٧٣). من طريق نافع بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته وقدمها في بشر كثير من قومه فأقبل إليه رسول الله - ﷺ - ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف عنه قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله - ﷺ -: وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال:\nبينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إليّ في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي أحدهما العنسي والآخر مسيلمة.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الرؤيا / باب رؤيا النبي - ﷺ - ح / ٢٢٧٤].","vol":"2","page":337},{"text":"لا أسمع رجلًا قالها بعد اليوم إلا ضربته حَدَّهُ ثمانين (١). (٣: ١٣٨/ ١٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[وفْدُ بني عامر بن صَعْصَعَة]</span>\n٢٩٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدِم علَى رسول الله - ﷺ - وفدُ بني عامر؛ فيهم عامر بن الطفَيل، وأربَدُ بن قيس بن مالك بن جعفر، وجَبّارُ بن سلمَى بن مالك بن جعفر؛ وكان هؤلاء الثلاثة رؤوس القوم وشياطينهم.\nفقدم عامر بن الطّفيل على رسول الله - ﷺ - وهو يريد الغَدْر به؛ وقد قال له قومه: يا عامر؛ إنّ الناس قد أسلموا فأسلِمْ؛ قال: والله لقد كنتُ آليتُ ألّا أنتهيَ حتى تتبع العربُ عَقبِي؛ أفأنا أتّبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمت على الرجل فإني شاغلٌ عنك وجهه؛ فإذا فعلتُ ذلك فاعلُه بالسَّيف؛ فلما قدموا على رسولِ الله - ﷺ - قال عامر بن الطقيل: يا محمد خالّني؛ قال: لا والله حتى تؤمِنَ بالله وحده، قال: يا محمد خالّني، قال: وجعل يكلمه فينتظر منْ أربد ما كان أمرَهَ به، فجعل أربد لا يحير شيئًا، فلمّا رأى عامر ما يصنع أربد، قال: يا محمد خالّني، قال: لا والله حتى تؤمِنَ بالله وحدَه لا شريك له. فلما أبي عليه رسولُ الله - ﷺ - قال: أما والله لأملأنَّها عليك خيلًا حُمْرًا ورجالًا، فلما ولّى قال رسول الله: اللهمّ اكفني عامر بن الطفيل، فلما خرجوا من عند رسول الله قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنت أوصيتك به! والله ما كان على ظهر الأرض رجلٌ هو أخوف على نفسي عندي منك، وايمُ اللهِ لا أخافك بعد اليوم\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا مرسلًا (٢/ ٥٨٥) وخبر قدوم الأشعث في وفد كندة صحيح كما أخرج ابن ماجه في سننه (٢/ ٨٧١ / كتاب الحدود / ح ٢٦١٢) من حديث مسلم بن هيضم عن الأشعث بن قيس قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في وفد كندة ولا يروني إلا أفضلهم فقلت: يا رسول الله ألستم منا؟ فقال: نحن بنو النضير بن كنانة لا نقفو أمّنا ولا ننتفي من أبينا قال: فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات لأن عقيل بن طلحة وثقه ابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم (السنن مجمع الزوائد البوصيري ٢/ ٨٧١) والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٢١١) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":338},{"text":"أبدًا. قال: لا تعجلْ عليّ لا أبا لك! والله ما هممت بالذي أمرتَني به من مرة إلّا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف! قال عامر بن الطُّفَيل:\nبَعَثَ الرسولُ بمَا تَرى فكأنَّما ... عَمْدًا نَشنّ على المَقَانِب غَارَا\nوَلقَدْ وَرَدْنَ بنَا المدينَةَ شُزَّبًا ... ولَقد قَتَلْنَ بجَوِّهَا الأنْصَارَا\nوخرجوا راجعين إلى بلادهم؛ حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ﷿ على عامر بن الطُّفيل الطاعون في عنقه فقتله؛ وإنّه في بيت امرأة من بني سَلول؛ فجعل يقول: يا بني عامر؛ أغُدَّةٌ كغُدَّة البَكْر؛ وموت في بيت امرأة من بني سَلول! ثم خرج أصحابه حين واروْه؛ حتى قدموا أرضَ بني عامر؛ فلما قدموا أتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء؛ والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنَبْلي هذه حتى أقتلَه؛ فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومَين، معه جملٌ له يتبعه؛ فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرَقتْهما.\nوكان أربدُ بن قيس أخا لَبيد بن ربيعة لأمّه (١). (٣: ١٤٤/ ١٤٥).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل وأصل الخبر في (إعراض عامر بن الطفيل عن الإسلام وتهديده لرسول الله - ﷺ - ثم هلاكه) صحيح كما أخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب غزوة الرجيع (ح / ٤٠٩١):\n(عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي - ﷺ - بعث خاله أخ - لأم سليم - في سبعين راكبًا وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خيّر بين ثلاث خصال فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر أو أكون خليفتك أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألفٍ فطعن عامر في بيت أم فلان فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه. إلى آخر الحديث).\nوأخرج البيهقي من طريق الزبير بن بكار ثتنى فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤلة عن أبيها عن جدها مؤلة بن حميل قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله - ﷺ - فقال: يا عامر أسلم. فقال: على أن لي الوبر ولك المدر، قال: لا. ثم قال: أسلم فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر قال لا، فولّى وهو يقول: والله يا محمد لأملأنها عليك خيلًا جردًا ورجالًا مردًا ولأربطن بكل نخلة فرسًا فقال: اللهم اكفني عامرًا واهد قومه، فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة فوجه وأخذ رمحه وأقبل يجري وهو يقول غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتًا. (دلائل النبوة ٥/ ٣١٢).\nقلنا: وليس في رواية البخاري ولا البيهقي ذكر لأربد ومصرعه والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>[كتاب مسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه]</span>\n٢٩٦ - وفي هذه السنة كتب مُسيلمة إلى رسولِ الله - ﷺ - يدّعي أنه أشرك معه في النبوّة. حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق؛ عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان مُسيلمة بن حبيب الكذّاب كتبَ إلى رسولِ الله - ﷺ -: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلامٌ عليك؛ فإني قد أشرِكت في الأمر معك؛ وإن لنا نِصفَ الأرض ولقريش نِصْف الأرض، ولكنّ قريشًا قوم يعتدون.\nفقدم عليه رسولان بهذا الكتاب (١). (٣/ ١٤٦).\n٢٩٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن شيخ من أشجع قال ابن حميد: أمّا عليّ بن مجاهد فيقول: عن أبي مالك الأشجعيّ، عن سلمة بن نُعيم بن مسعود الأشجعيّ، عن أبيه نُعَيم - قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول لهما حين قرأ كتاب مسيلمة: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال؛ فقال: أما والله لولا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ أعناقكما.\nثم كتب إلى مسيلمة: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى مُسيلمة الكذّاب. سَلامٌ على من اتَّبَعَ الهدى؛ أما بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر (٢). (٣: ١٤٦).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف ولقد روى الطبري روايات في خبر بني حنيفة ودعيهم مسيلمة وهو هنا يشير إلى إرساله لرسولين إلى النبي - ﷺ - بكتاب وسنتحدث عن هذه الرواية بعد الرواية التالية.\n(٢) هذا إسناد ضعيف ولكن أخرج أبو داود في سننه (٣/ ٨٣ / باب في الرسل / ح ٢٧٦١):\nحدثنا محمد بن عمرو الرازي ثنا سلمة يعني ابن الفضل - عن محمد بن إسحاق قال: كان مسيلمة كتب إلى رسول الله - ﷺ - قال: وقد حدثني محمد بن إسحاق عن شيخ من أشجع يقال له: سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي عن أبيه نعيم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لهما حين قرأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما.\nقلنا: وإن كان ابن إسحاق عنعن في رواية أبي داود فإنه صرح بالتحديث كما روى يونس بن =","vol":"2","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>[حجّة الوداع]</span>\n٢٩٨ - فلمّا دخل ذو القعدة من هذه السنة -أعني سنة عشر- تجهّز النبيّ - ﷺ - إلى الحجّ، فأمر الناس بالجهاز له. فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ - ﷺ -، قالت: خرج النبيّ - ﷺ - إلى الحجّ لخمس ليال بقينَ من ذي القعدة، لا يَذكُر ولا يَذكُر الناس إلّا الحجّ؛ حتى إذا كان بسَرِف، وقد ساق رسول الله معه الهدْيَ وأشرافٌ من أشراف الناس، أمر الناس أن يُحِلّوا بعُمْرة إلّا من ساق الهدْي، وحِضْتُ ذلك اليوم؛ فدخل عليّ وأنا أبكي؛ فقال: ما لك يا عائشة؟ لعلك نَفِسْتِ! فقلت: نعم، لوددت أنّي لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر، قال: لا تفعلي؛ لا تقولِنّ ذلك؛ فإنك تقضين [كلّ] ما يقضي الحاج؛ إلّا أنك لا تطوفين بالبيت. قالت: ودخلَ رسولُ الله - ﷺ - مكة؛ فحلّ كلّ مَنْ كان لا هديَ معه، وحلّ نِساؤه بعمْرة؛ فلمّا كان يوم النحر أتيتُ بلحم بقر [كثير]، فطُرح في بيتي، قلت: ما هذا؟ قالوا: ذَبَح رسول الله عن نسائه البقر؛ حتى إذا كانت ليلة الحَصْبَة، بعثني رسولُ الله مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأقضيَ عُمْرتي من التّنعيم مكان عُمْرتي التي فاتَتْني (١). (٣: ١٤٨).\n_________\n= بكير عنه قال: فحدثني سعد بن طارق (البداية والنهاية ٣/ ٧٣٣).\nوالحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٧) وهو حديث حسن والله تعالى أعلم.\nوأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده (ح ٢٥٢) (عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله - ﷺ - فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ فقالوا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله: آمنت بالله ورسله ولو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما.\nقال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل ... إلى آخر الرواية.\nوأما قوله (قال وكان ذلك في آخر سنة عشر): فالظاهر أنه من قول ابن إسحاق (وانظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٦٠٠) والله تعالى أعلم.\n(١) هذا إسناد ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٦٠١) من طريق ابن إسحاق هذا وجوّد الحافظ ابن كثير إسناده (البداية والنهاية ٣/ ٨٢٢) وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب الحج / باب ما يأكل من البدن وما يتصدق / ح ١٧٢٠) عن عائشة رضي الله =","vol":"2","page":341},{"text":"٢٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نَجيح، قال: بعثَ رسولُ الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب إلى نَجْران، فلقيَه بمكّة؛ وقد أحرم؛ فدخل عليٌّ على فاطمة ابنة رسول الله، فوجدَها قد حلّتْ وتهيّأت، فقال: ما لك يابنة رسول الله؟ قالت: أمَرَنا رسولُ الله أن نحِلّ بعمرة؛ فأحللنا، قال: ثم أتى رسول الله - ﷺ -، فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسولُ الله: انطلق فطُفْ بالبيت، وحلّ كما حلّ أصحابك، فقال: يا رسول الله، إنّي قد أهللتُ بما أهللتَ به؛ قال: ارجع فاحلل كما حلّ أصحابك، قال: قلت: يا رسولَ الله، إني قلت حين أحرمت: اللهمّ إني أهللت بما أهل به عبدك ورسولك؛ قال: فهلْ معك من هَدْي؟ قال: قلت: لا، قال: فأشركه رسول الله - ﷺ - في هديه وثبت على إحرامه مع رسول الله؛ حتى فرغا من الحجّ، ونحر رسول الله الهدْيَ عنهما (١). (٣: ١٤٨/ ١٤٩).\n_________\n= عنها: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا الحج حتى إذا دنونا من مكة ...... الحديث.\nوأخرجه مسلم (الحج / بيان وجوه الحج) وغيرها.\n(١) هذا إسناد ضعيف ويشهد له ما أخرجه مسلم (كتاب الحج / باب إهلال النبي - ﷺ -، وهديه / ح ١٢٥٠): عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديث طويل: (في حجة النبي - ﷺ -) وفيه: (وقدم عليّ ﵁ من اليمن ببدن النبي - ﷺ - فوجد فاطمة ﵂ ممن حلّ ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان عليّ ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله - ﷺ - محرّشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج. قال قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك قال: فإن معي الهدي فلا تحل قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي - ﷺ - مئة، قال: فحل الناس كلهم وقصّروا إلا النبي ومن كان معه هدى. إلخ الحديث).\nوأخرج البخاري في صحيحه (كتاب الحج): عن جابر بن عبد الله قال: (أهلّ النبي - ﷺ - وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - ﷺ - وطلحة وقدم علي من اليمن ومعه هدي، فقال: أهللت لما أهلّ به النبي - ﷺ - فأمر النبي - ﷺ - أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدى. الحديث).\nوأخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (قدم علي ﵁ على النبي - ﷺ - من اليمن فقال: بِمَ أهللت؟ قال: بما أهل به النبي - ﷺ - فقال: لولا أن معي الهدي =","vol":"2","page":342},{"text":"٣٠٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمَر بن حزْم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجْرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عُجْرة - وكانت عند أبي سعيد الخدريّ - عن أبي سعيد، قال: شكا الناس عليّ بن أبي طالب، فقام رسول الله فينا خطيبًا، فسمعته يقول: يا أيُّها الناس؛ لا تشكُوا عليًّا، فوالله إنه لأخشى في ذات الله -أو في سبيل الله-[من أن يُشكَى] (١). (٣: ١٤٩).\n٣٠١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، قال: ثمّ مضى رسولُ الله - ﷺ - على حجّه؛ فأرى الناس\n_________\n= لأحللت) (كتاب الحج / باب من أهل في زمن النبي - ﷺ - كإهلال النبي / ح ١٥٥٨) ورواه مسلم (ح ١٢٥٠) والله تعالى أعلم.\n(١) حديث أبي سعيد هذا أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق هذا وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ١٣٤) والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٨٦) والله أعلم.\nوأخرج أحمد في مسنده (٩ / ح ٢٣٠٠٦) من حديث بريدة قال: (غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله - ﷺ - ذكرت عليًّا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله يتغيَّر فقال: (يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قلت: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) وذكره الحافظ ابن كثير ثم قال: وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن عبد الملك بن أبي غنية بإسناده نحوه.\nوهذا إسناد جيد قوي، رجاله كلهم ثقات (البداية والنهاية ٤/ ١٦٨) ولقد ذكر الحافظ ابن كثير روايات عدة حول هذه المسألة وقوله ﵊: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وتكلم عن أسانيدها.\nقلنا: ولا حجة لأهل البدع في هذه الأحاديث للطعن في خلافة سيدنا أبي بكر وأنه اغتصب حق سيدنا علي حاشا لخلفاء رسول الله - ﷺ - أن يفعلوا ذلك وإنما قال - ﷺ - ما قال: بسبب شكوى بعض الناس القادمين من اليمن وتشكيهم من معاملة أمير المؤمنين علي ﵁ وإلّا فإنه ﵊ قدم أبا بكر يصلي في الناس في مرضه الذي توفي فيه وأنه - ﷺ - قد أشار بوضوح إلى أحقية أبي بكر في الخلافة.\nكما أخرج البخاري (فضائل الصحابة / ح ٣٦٥٩) عن جبير بن مطعم أن امرأة سألت رسول الله شيئًا فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله؟ أرأيت إن جئت فلم أجدك قال أبي: كأنها تعني الموت قال: فإن لم تجديني فائتي أبا بكر).\nوالحديث أخرجه مسلم (فضائل الصحابة / ح ٢٣٨٦) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":343},{"text":"مناسكَهم، وأعلمهم سننَ حجّهم؛ وخطب الناس خطبته التي بيّن للناس فيها ما بيّن، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال:\nأيّها الناس، اسمعوا قولي؛ فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف أبدًا، أيّها الناس؛ إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقَوْا ربّكم كحرْمة يومكم هذا، وحرْمة شهركم هذا، وستلقوْن ربّكم، فيسألكم عن أعمالكم. وقد بَلّغْتُ، فمن كانت عنده أمانة فليُؤدِّها إلى من ائتمنه عليها. وإنّ كلّ ربًا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم، لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا رِبا. وإنّ ربا العباس بن عبد المطلب موضوعٌ كلّه، وأنّ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع. وإنّ أوّل دم أضَعُ دمَ ابن رِبيعة بن الحارث بن عبد المطلب -وكان مستوضَعًا في بني ليث، فقتلتْه بنو هُذيل- فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهليّة.\nأيّها الناس؛ إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعْبَد بأرضكم هذه أبدًا؛ ولكنه رضِيَ أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.\nأيّها الناس: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، ويُحَرّمُوا ما أحَلّ اللهُ؛ وإنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلَق الله السموات والأرض؛ و﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثلاثة متوالية؛ ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان.\nأمّا بعد أيها الناس؛ فإنّ لكم على نسائكم حقًّا ولهنّ عليكم حقًّا، لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشَكم أحدًا تكرهونه، وعليهنّ ألا يأتينَ بفاحشة مُبَيِّنَة؛ فإن فعلن فإنّ الله أذِن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضربًا غير مُبَرِّح، فإن انتهينَ فلهن رزقهنّ وكِسْوَتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهنّ عندكم عَوَان لا يملكن لأنفسهنّ شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله؛ فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي؛ فإنّي قد بلّغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلنْ تضلُّوا أبدًا؛ كتاب الله وسنة نبيّه.\nأيها الناس، اسمعوا قولي فإني قد بلّغت، واعقلوه. تعلَمُنَّ أن كلّ مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن","vol":"2","page":344},{"text":"طيب نفس؛ فلا تظلموا أنفسكم. اللهمّ هل بلغتُ! قال: فذكر أنهم قالوا: اللهمّ نعم، فقال رسول الله: اللهمّ اشهد (١). (٣: ١٥٠/ ١٥١).\n٣٠٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمّد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه عبّاد، قال: كان الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو على عَرَفَة، ربيعة بن أميّة بن خلف، قال: يقول له رسول الله: قل: أيُّها الناس؛ إنّ رسول الله يقول: هل تدرون أيّ شهر هذا! فيقولون: الشهر الحرام، فيقول: قل لهم: إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرْمة شهركم هذا. ثمّ قال: قلْ: إنّ رسولَ الله، يقول: أيّها الناس؛ فهل تدرُون أيّ بلد هذا؟ قال: فيصرخُ به، فيقولون: البلد\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولم نجد رواية جامعة لما ذكره الطبري هنا (من طريق ابن إسحاق) إلا أن رواية الترمذي في سننه قاربت رواية الطبري في ذكر بعض الأجزاء من المتن.\nفقد أخرج الترمذي في سننه (٤/ ٢٥٤) كتاب تفسير القرآن / باب ومن سورة التوبة (ح ٣٠٨٧) عن سليمان بن عمرو بن الأحوص حدثنا أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: (أيُّ يوم أحرم، أيُّ يوم أحرم، أيُّ يوم أحرم؟) فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله.\nقال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده ألا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله.\nألا وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وأول دم أضع من دماء الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب - كان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل.\nألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا.\nألا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نساءكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولقد جمع المحدث الألباني زيادات صحيحة إضافة إلى حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم فراجعها هناك (حجة النبي ٧١).","vol":"2","page":345},{"text":"الحرام، قال: فيقول: قل: إنّ الله حَرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوْا ربّكم، كحرمة بلدكم هذا. ثم قال: قل: أيها الناس، هل تدرون أيّ يوم هذا؟ فقال لهم، فقالوا: يوم الحجّ الأكبر، فقال: قل: إنّ الله حرّم عليكم أموالكم ودماءكم إلى أن تلقوْا ربّكم كحرمة يومكم هذا (١). (٣: ١٥١/ ١٥٢).\n٣٠٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، أنّ رسولَ الله حين وقف بعَرفة، قال: هذا الموقف - للجبل الذي هو عليه - وكلّ عرفة موقف. وقال حين وقف على قُزَح صبيحة المزدلفة: هذا الموقف، وكلّ المزدلفة موقف. ثم لما نحر بالمَنحر، قال: هذا المنحر، وكلّ مِنى منحرٌ؛ فقضى رسولُ الله - ﷺ - الحجّ وقد أراهم مناسكَهم، وعلّمهم ما افترض عليهم في حجّهم في المواقف ورمي الجمار والطواف بالبيت، وما أحلّ لهم في حجّهم وما حرّم عليهم؛ فكانت حجّة الوداع وحجّة البلاغ؛ وذلك أن رسول الله لم يحجّ بعدها (٢). (٣: ١٥٢).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف وعند البخاري ما يشهد لهذه الرواية دون ذكرٍ لربيعة بن أمية بن خلف فقد أخرج البخاري من حديث ابن عمر ﵄ قال: \"قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا قال: فإن الله -﵎- حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم - إلا بحقها - كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ألا هل بلغت ثلاثًا كل ذلك يجيبونه: ألا نعم. قال: ويحكم -أو ويلكم- لا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (صحيح البخاري / كتاب الحدود / باب ظهر المؤمن حمى إلا في حدٍّ أو حق / ح ٦٧٨٥) والله أعلم.\n(٢) هذا إسناد ضعيف وأخرج أبو داود في سننه (٣/ ١٩٣ / ح ١٩٣٥) حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: فلما أصبح يعني النبي - ﷺ - وقف على قزح فقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم.\nوأخرج أبو داود (ح ١٩٣٦٩) عن جابر مرفوعًا (وقفت هاهنا بعرفة وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا بجمع وجمع كلها موقف ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم).\nوأخرج (ح ١٩٣٧) عن جابر مرفوعًا: كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل المزدلفة موقف وكل فجاج مكة طريق. والحديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه / كتاب المناسك / (ح ٣٠١٢) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>[ذكر جملة السرايا والبعوث]</span>\n٣٠٤ - قال أبو جعفر: وقد خالف في ذلك عبد الله بن أبي بكر مَن قال: كانت مغازي رسول الله - ﷺ - ستًّا وعشرين غزوة مَنْ أنا ذاكره:\nحدَّثنا أبو كُرَيب محمد بن العَلاء، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا زُهير عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: سمعتُ منه أن رسول الله غزا تسع عشرة غزوة، وحجّ بعد ما هاجر حجةً، لم يحجّ غير حجّة الوداع. وذكر ابن إسحاق حجّة بمكة.\nقال أبو إسحاق: فسألتُ زيدَ بن أرقم: كم غزوتَ مع رسول الله؟ قال: سبع عشرة (١). (٣: ١٥٨).\n٣٠٥ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعبة، عن أبي إسحاق؛ أن عبد الله بن يزيد الأنصاريّ خرج يستسقي بالناس، قال: فصلّى ركعتين ثم استسقى. قال: فلقيتُ يومئذ زيدَ بن أرقم، قال: ليس بيني وبينه غيرُ رجل -أو بيني وبينه رجل- قال: فقلت: كم غزَا رسولُ الله - ﷺ -؟ قال: تسع عشرة غزوة، فقلت: كم غزوتَ معه؟ قال: سبع عشرة غزوة، فقلت: فما أوّلُ غزوة غزا؟ قال: ذات العُسير -أو العُشير (٢). (٣: ١٥٨/ ١٥٩).\n_________\n(١) حديث زيد بن أرقم هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / باب حجة الوداع / ح ٤٤٠٤) ولفظه: (أن رسول الله - ﷺ - غزا تسع عشرة غزوة وحجّ بعدما هاجر حجة الوداع ولم يحج بعدها. قال أبو إسحاق: وواحدة بمكة).\n(٢) حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه من طريق شعبة عن أبي إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له: كم غزا النبي - ﷺ - من غزوة قال: تسع عشرة. قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة. قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: العسيرة أو العشيرة، فذكرت لقتادة ذلك فقال: العشيرة (كتاب المغازي / ح ٣٩٤٩).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-288>[خلاصة القول في عدد غزوات الرسول - ﷺ </span>-]-\nقلنا: يبدو من كلام الإمام الطبري ﵀ أنه ينفق مع ابن إسحاق والواقدي في عدد غزوات النبي - ﷺ - ولكن الذي ثبت في الصحيح هو ستة عشر وتسعة عشر وواحد وعشرون، ولقد ناقش الحافظ ابن حجر هذه المسألة في بداية كتاب المغازي من صحيح البخاري / باب غزوة العشيرة أو العسيرة / ح (٣٩٤٩) عن أبي إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل =","vol":"2","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= له: كم غزا النبي - ﷺ - من غزوة؟ قال: تسع عشرة قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: العسيرة أو العشير فذكرت لقتادة فقال العشيرة.\nفعقب الحافظ ابن حجر على قول (تسع عشرة): كذا قال ومراده الغزوات التي خرج النبي - ﷺ - فيها بنفسه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون وإسناده صحيح.\nوأصله في مسلم، فعلى هذا فات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلها الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: قلت أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة اهـ. والعشيرة كما تقدم هي الثالثة وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو أي زيد بن أرقم.\nفقلت: ما أول غزوة غزاها أي وأنت معه؟ قال العشيرة فهو محتمل أيضًا، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك، أو عدّ الغزوتين واحدة.\nفقد قال موسى بن عقبة: قاتل رسول الله - ﷺ -: بنفسه في ثمان:\nبدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف. اهـ.\nوأهمل غزوة قريظة لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها كانت في أثرها وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب وكذا وقع لغيره عدّ الطائف وحنين واحدة لتقاربهما فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر. وقد توسع ابن سعد فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله - ﷺ - بنفسه سبعًا وعشرين وتبع في ذلك الواقدي وهو مطابق لما عده ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهلي وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، (فتح الباري ٨/ ٥).\nقلنا: ورواية مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير / باب كم عدد غزوات النبي - ﷺ - (١٤٥/ ١٨١٣).\nعن جابر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - غزا إحدى وعشرين غزوة غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرًا ولا أحدًا منعني أبي فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن غزاة غزاها.\nوقال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق بن يسار وغير واحد من أئمة هذا الشأن أنه - ﵇ - قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين ثم في أحد في شوال سنة ثلاث ثم الخندق وبني قريظة في شوال أيضًا من سنة أربع وقيل: خمس ثم في بني المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس ثم في خيبر في صفر سنة سبع ومنهم من يقول: سنة ست. والتحقيق أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست.\nثم قاتل أهل مكة في رمضان سنة ثمان وقاتل هوازن وحاصر أهل طائف في شوال وبعض ذي الحجة سنة ثمان كما تقدم تفصيله (البداية والنهاية ٤/ ١٧٨).","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>[ذكر الخبر عن حجّ رسول الله - ﷺ </span>-]\n٣٠٦ - حدَّثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: اعتمرَ رسولُ الله - ﷺ - عُمْرتين قبل أن يحجّ، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: اعتمر رسولُ الله أربعَ عُمَر؛ قد علم ذلك عبد الله بن عمر، منهنّ عُمرةٌ مع حجّته (١). (٣: ١٦٠).\n٣٠٧ - حدَّثنا محمد بن علي بن الحسن بن شَقِيق، قال: سمعت أبي، قال: حدَّثنا أبو حمزة عن مُطَرّف، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، قال: سمعت ابنَ عمر يقول: اعتمر رسولُ الله - ﷺ - ثلاث عُمَر. فبلغ عائشة، فقالت: لقد علم ابن عمر أنه اعتمر أربع عُمَر، منها عمرته التي قرن معها الحجّة (٢). (٣: ١٦٠).\n٣٠٨ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: دخلتُ أنا وعروة بن الزُّبير المسجد؛ فإذا ابن عمر جالسٌ عند حجرة عائشة، فقلنا: كم اعتمر النبيّ - ﷺ -؟ فقال: أربعًا؛ إحداهنّ في رَجب، فكرهنا أن نكذّبه ونردّ عليه، فسمعنا استنان عائشة في الحُجْرة، فقال عروة بن الزبير: يا أمَّهْ، يا أمَّ المؤمنين، أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن! فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: إنّ النبيّ - ﷺ - اعتمر أربع عُمَر: إحداهنّ في رجب، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن! ما اعتمر النبيّ عمرةً إلَّا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب (٣). (٣: ١٦٠).\n_________\n(١) حديث ابن عمر حديث صحيح كما سنذكر بعد روايتين.\n(٢) راجع الرواية التالية.\n(٣) أخرج البخاري في (صحيحه / كتاب العمرة / باب كم اعتمر النبي - ﷺ - ح / ١٧٧٥) عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر ﵄ جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى.\nقال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة، ثم قال له: كم اعتمر رسول الله - ﷺ - قال: أربعًا إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه.\nثم أخرج البخاري بعد هذا فقال (ح ١٧٧٦): قال وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة: يا أمّاه يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن رسول الله - ﷺ - اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، قالت: يرحم =","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>ذكر الخبر عن أزواج رسول الله - ﷺ - ومَنْ منهنّ عاش بعده ومن منهنّ</span>\nفارقه في حياته، والسبب الذي فارقه من أجله، ومن منهنّ مات قبله (١). (٣: ١٦٠)\n٣٠٩ - قال أبو جعفر: ولم يتزوّج رسولُ الله - ﷺ - في حياتها على خديجة حتى مضتْ لسبيلها؛ فلمّا توفِّيت خديجة تزوّج رسول الله بعدها؛ فاختلف فيمن بدأ بنكاحها منهنّ بعد خديجة، فقال بعضهم: كانت التي بدأ بنكاحها بعد خديجة قبل غيرها عائشة بنت أبي بكر الصديق. وقال بعضهم: بل كانت سوْدة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر. فأما عائشة فكانت يوم تزوّجها صغيرة لا تصلح للجِماع؛ وأما سَوْدة فإنها كانت امرأة ثيّبًا، قد كان لها قبل النبيّ - ﷺ - زوْج؛ وكان زوجُها قبل النبيّ السّكْران بن عمرو بن عبد شمس، وكان السَّكْران من مهاجرة الحبشة فتنصّر ومات بها؛ فخلف عليها رسول الله - ﷺ - وهو بمكة.\nقال أبو جعفر: ولا خلاف بين جميع أهل العلم بسيرة رسول الله - ﷺ - أنّ رسول الله - ﷺ - بني بسوْدة قبل عائشة (٢). (٣: ١٦١).\nذكر السبب الذي كان في خطبة رسول الله - ﷺ - عائشة وسودة والرواية الواردة بأولاهما كان عقد عليها رسول الله عقدة النكاح\n٣١٠ - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدَّثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة، قالت: لمَّا توفّيت خديجة، قالت خولة بنت حكيم بن أميّة بن الأوقص، امرأة عثمان بن مَظْعون وذلك بمكّة: أي رسولَ الله، ألا تزوَّج؟ فقال: ومَنْ؟ فقالت: إن شئت بكرًا وإن شئتَ ثيّبًا، قال: فمَن البِكْر؟ قالت: ابنة\n_________\n= الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط. اهـ.\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.","vol":"2","page":350},{"text":"أحبّ خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر، قال: ومَن الثيّب؟ قالت: سودة بنت زمعة بن قيس، قد آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه. قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ. فجاءت فدخلت بيت أبي بكر، فوجدتْ أمّ رُومان؛ أمّ عائشة، فقالت: أي أمّ رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة، قالت: وددتُ! انتظري أبا بكر، فإنه آتٍ، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة! أرسلني رسولُ الله أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه! فرجعتْ إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت له ذلك، فقال: ارجعي إليه، فقولي له: أنت أخي في الإسلام، وأنا أخوك، وابنتك تصلح لي. فأتت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: انتظريني حتى أرجع، فقالت أم رُومان: إن المطعم بن عديّ كان ذكرها على ابنِه، ولا والله ما وعد شيئًا قطّ فأخلف. فدخل أبو بكر على مطعم، وعنده امرأته أمّ ابنه الذي كان ذكرها عليه، فقالت العجوز: يا بن أبي قُحافة، لعلنا إن زوّجنا ابننا ابنتك أن تصبِئَه وتدخله في دينك الذي أنت عليه! فأقبل على زوجها المطعِم فقال: ما تقول هذه؟ فقال: إنها تقول ذاك. قال: فخرج أبو بكر، وقد أذهب الله العِدَة التي كانت في نفسه من عِدَته التي وعدها إياه، وقال لخولة: ادعي لي رسول الله، فدعتْه فجاء فأنكحه؛ وهي يومئذ ابنة ستّ سنين. قالت: ثم خرجتُ فدخلت على سَوْدة فقلت: أي سَوْدة، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسولُ الله يخْطبك عليه، قالت: فقالت: وددت! ادخلي على أبي فاذكري له ذلك، قالت: وهو شيخ كبير قد تخلّف عن الحجّ، فدخلت عليه، فحيّيته بتحجّة أهل الجاهليّة، ثم قلت: إن محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسلني أخطب عليه سَوْدة، قال: كفءٌ كريمٌ؛ فماذا تقول صاحبته؟ قالت: تحبّ ذلك، قال: ادعيها إليّ، فدعيت له، فقال: أي سودة، زعمتْ هذه أنّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسل يخطبك وهو كفءٌ كريم، أفتحبّين أن أزوِّجكه؟ قالت: نعم، قال: فادعيه لي، فدعتْه، فجاء فزوّجه، فجاء أخوها من الحجّ؛ عبد بن زمعة، فجعل يحثي في رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: إنّي لسفيةٌ يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوّج رسول الله سودة بنت زمعة! قال: قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزل أبو بكر السُّنْح في بني الحارث بن الخزرج، قالت: فجاء رسولُ الله فدخل بيتنا، فاجتمع","vol":"2","page":351},{"text":"إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمّي وأنا في أرجوحة بين عَذْقين يرجَّح بي، فأنزلتني ثم وفّتْ جُميمة كانت لي، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني، حتى إذا كنت عند الباب وقفت بي حتى ذهب بعض نفسي، ثم أدخلت ورسول الله جالسٌ على سرير في بيتنا. قالت: فأجلستني في حجره، فقالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهنّ وبارك لهنّ فيك! ووثب القوم والنساء فخرجوا، فبنى بي رسول الله في بيتي، ما نحرت جَزورٌ ولا ذُبحت عليّ شاة، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجَفنة كان يرسل بها إلى رسول الله - ﷺ - (١) (٣/ ١٦٢ / ١٦٣).\n٣١١ - حدَّثنا عليّ بن نَصْر، قال: حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث -وحدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطار، قال: حدَّثنا هشام بن عروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: إنك كتبت إليّ في خديجة بنت خويلد تسألني: متى توفّيت؟ وإنها توفيت قبل مُخرَج رسول الله - ﷺ - من مكة بثلاث سنين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة متوفَّى خديجة، كان رسول الله رأى عائشة مرّتين، يقال له: هذه امرأتك، وعائشة يومئذ ابنة ستّ سنين.\nثم إن رسول الله - ﷺ - بني بعائشة بعد ما قدم المدينة وهي يوم بني بها ابنة تسع سنين (٢). (٣: ١٦٣).\n_________\n(١) رجال هذا الإسناد ثقات والله تعالى أعلم.\n(٢) هذا إسناد مرسل صحيح وإن كان عروة لم يذكر سودة بنت زمعة في روايته إلا أنه ذكر (كما في الرواية السابقة) أنه - ﷺ - بني بعائشة بعدما قدم المدينة وكان عمرها آنئذ تسع سنين والله تعالى أعلم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-291> خلاصة القول في أسماء زوجات رسول الله - ﷺ - وترتيب زواجهن </span>-\n(٣/ ١٦٤): لقد ذكرنا الرواية الطويلة (٣/ ٤٠٨) والتي استغرقت الصفحات (١٦١/ ١٦٤ / ١٦٥/ ١٦٦ / ١٦٧) في قسم الضعيف فالرواية من طريق الواقدي وهو متروك ولم نجد رواية تجمع كل هذه التفاصيل من غير هذا الطريق.\nوأما ما جاء في الصحيح عن عدد أزواج النبي - ﷺ - فقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الغسل باب إذا جامع ثم عاد ح ٢٦٨) عن أنس ﵁: (كان النبي - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة). =","vol":"2","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي رواية أخرى للبخاري عن أنس ﵁ (أن نبي الله - ﷺ - كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة) (كتاب الغسل باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره ح ٢٨٤).\nوقد ذكر الحافظ في شرحه لهذا الحديث وجه الجمع بين الروايتين وقال: وفي المختارة من وجه آخر عن أنس تزوج خمس عشرة دخل منهم بإحدى عشرة ومات عن تسع (فتح الباري ١/ ٥٠٣).\nقلنا: ولقد جاء ذكر أزواج النبي - ﷺ - مع التفاصيل متفرقًا في السيرة النبوية كما مرّ بنا خلال مراجعتنا وتحقيقنا لروايات الطبري ﵀ ولقد ذكر الحافظ ابن كثير رواية من مراسيل الزهري عن ترتيب زواجهن من رسول الله - ﷺ - ثم قال: سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة كما قدمناه والله أعلم (البداية والنهاية ٤/ ٦٢).\nثم قال الحافظ ابن كثير: قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: ماتت خديجة بنت خويلد قبل أن يهاجر رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة.\nفتزوج بعد خديجة سودة بنت زمعة ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبي بكر لم يتزوج بكرًا غيرها ولم يصب منها ولدًا حتى مات، ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر، ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ثم تزوج بعدها زينب بنث جحش ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار. قال: ثم تزوج بعد جويرية صفية بنت حيي بن أخطب ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية فهذا الترتيب أحسن وأقرب مما رتبه الزهري والله أعلم (البداية والنهاية ٦٣/ ٤).\nقلنا: واختيار الحافظ ابن كثير لترتيب ابن إسحاق تؤيده الروايات المتناثرة في ثنايا السيرة بين المغازي والبعوث والسرايا والأحداث كما مر بنا في قسم الصحيح.\nوكذلك ذكر الحافظ ابن حجر ترتيب زواجهن قريبًا مما ذكره الحافظ ابن كثير فقال: لم تكن تحته امرأة سوى سودة (أي بعد وفاة خديجة في مكة وذلك قبل الهجرة).\nثم دخل على عائشة بالمدينة ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة في السنة الثالثة والرابعة ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة ثم جويرية في السادسة ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة وهؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور. اهـ. (فتح الباري ١/ ٥٠٣).\nوكذلك تحدث الإمام ابن قيم الجوزية عن هذا الترتيب مع تقديم وتأخير يسير وكما يلي: (أولاهن خديجة ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة الصديقة ثم حفصة بنت عمر ثم زينب بنت خزيمة ثم أم سلمة، ثم زينب بنت جحش وجويرية بنت، الحارث، ثم أم حبيبة وصفية بنت =","vol":"2","page":353},{"text":"٣١٢ - قال أبو جعفر: وممن لم يذكر هشام في خبره هذا ممّن روى عن رسول الله - ﷺ - أنه تزوّجه من النساء: زَينَب بنت خزيمة - وهي التي يقال لها أمّ المساكين - من بني عامر بن صعصعة، وهي زينب بنت خُزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبدمناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت قبل رسول الله عند الطّفيل بن الحارث بن المطلب، أخي عبيدة بن الحارث، توفّيت عند رسولِ الله - ﷺ - بالمدينة (١) (١٦٧: ٣).\n_________\n= حيي بن أخطب ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج بها) (زاد المعاد فصل في أزواجه ص ١٠٥ إلى ص ١١٣).\n(١) صحيح.\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ٦٨ / ٤٠٩) في قسم الضعيف إلا أن الرواية ذكرت أسماء ثلاثة من النساء إحداهن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث وهي التي تزوجها رسول الله - ﷺ - ولم يدخل بها، ثم ارتدت عن الإسلام.\nوقال الحافظ ابن كثير: وقد روى الحافظ ابن عساكر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - تزوج قتيلة أخت الأشعث بن قيس فمات قبل أن يخبرها فبرأها الله منه. فإن صحت طرق ابن عساكر إلى داود بن أبي هند فالخبر صحيح والله تعالى أعلم (وانظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور الذي اختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ٢/ ٢٨٦) والبداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٨٦) طبعة دار الفكر.\nفقد ذكر الشعبي أن عكرمة تزوج قتيلة فأراد أبو بكر أن يضرب عنقه فراجعه عمر بن الخطاب فقال: إن رسول الله - ﷺ - لم يدخل بها وإنها ارتدت مع أخيها فبرئت من الله ورسوله، فلم يزل به حتى كف عنه. اهـ.\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ١٦٨ / ٤١٠) في قسم الضعيف وقد رواها الطبري من قول الكلبي بلا إسناد والكلبي بيّن ضعفه فلا يحتج به.\nولم نجد رواية صحيحة من طريق آخر تذكر سبب تطليقها وأنها كانت تدخل على نساء قريش تدعوهن إلى الإسلام إلّا أننا ذكرناها هنا في قسم الصحيح مع بقية النساء اللواتي لم يدخل بهن رسول الله - ﷺ - بعد أن تزوجهن، وقد وردت في ذلك روايات عدة متعددة المخارج منها ما أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال: وهبن لرسول الله - ﷺ - نساء أنفسهن فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن فلم يقربهن حتى توفي ولم ينكحن بعده، منهن: أم شريك فذلك قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ (البداية والنهاية ٥٨/ ٤) والمرسل الثاني هو ما أخرجه البيهقي في الدلائل (٧/ ٢٨٨) عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال: كان جميع ما تزوج رسول الله خمس عشرة امرأة منهن أم شريك الأنصارية وهبت نفسها للنبي - ﷺ -. =","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>ذكر مَنْ خطب النبيّ - ﷺ - من النساء ثم لم ينكحهنّ</span>\n٣١٢ / أ- منهنّ أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها هِنْد، خطبها رسولُ الله - ﷺ - ولم يتزوّجها؛ لأنها ذكرتْ أنها ذات ولَد (١). (٣: ١٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>ذكر سراري رسول الله - ﷺ </span>-\n٣١٣ - وهي مارية بنت شمعون القِبْطيَّة، وريحانة بنت زيد القُرَظيَّة. وقيل: هي من بني النَّضِير. وقد مضى ذكر أخبارهما قبل (٢). (٣: ١٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>ذكر موالي رسول الله - ﷺ </span>-\n٣١٤ - فمنهم زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد، وقد ذكرنا خبره فيما مضى.\n_________\n= والمرسل الثالث: عن قتادة قال: وتزوج أم شريك الأنصارية من بني النجار وقال: إني أحب أن أتزوج من الأنصار لكني أكره غيرتهن ولم يدخل بها (دلائل النبوة ٧/ ٢٨٨) وأخرج ابن سعد قال: وأخبرنا وكيع عن شريك عن جابر عن الحكم عن علي بن الحسين أن رسول الله - ﷺ - تزوج أم شريك الدوسية (البداية والنهاية ٤/ ٢٩٠) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٢٣ / ت ٤١٣٦).\nوأخرج ابن سعد كذلك عن الشعبي قال: المرأة التي عزل رسول الله: أم شريك الأنصارية. الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٣٢٣ / ت ٤١٣٦) والله تعالى أعلم.\n(١) أخرج عبد الرزاق في مصنفه باب حق الرجل على امرأته (ح / ٢٠٦٠٣) عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: (أن رسول الله - ﷺ - خطب أم هانيء بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله إني قد كبرت ولي عيال) وإسناده صحيح.\nوعن الشعبي عن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - خطبها فذكرت أن لها صبية صغارًا فتركها وقال: خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولد طفل في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده (البداية والنهاية ٦٤/ ٤).\nوأخرج ابن سعد أخبرنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: (خطبني رسول الله فاعتذرت إليه فعذرني ... إلخ الحديث) (الطبقات ٧/ ٣٢٢ / ط. دار الفكر).\nوفي إسناده أبو صالح ضعيف. والله تعالى أعلم.\n(٢) صحيح.","vol":"2","page":355},{"text":"وثوْبان -مولى رسول الله، فأعتقه، ولم يزل معه حتى قُبض، ثم نزل حِمْص وله بها دار وقْف؛ ذكر أنه توفي سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية وقال بعضُهم: بل كان سكن الرّمْلة، ولا عقب له.\nوشُقْرَان - وكان من الحبشة، اسمه صالح بن عديّ؛ اختلف في أمرِه. قد ذكر عن عبد الله بن داود الخُرَيبيّ أنه قال: شُقْران ورثه رسولُ الله - ﷺ - عن أبيه. وقال بعضهم: شُقْران من الفرس، ونسبه فقال: هو صالح بن حول بن مهر بوذ.\nنسب شُقران مولَى رسول الله - ﷺ - في قول مَنْ نسبه إلى عجم الفرس. زعم أنه صالح بن حول بن مهربوذ بن آذر جُشْنَس بن مهربان بن فيران بن رستَم بن فيروز بن ماي بن بهرام بن رشتهري، وزعم أنهم كانوا من دَهاقين الرّيّ.\nوذكر عن مصعب الزبيريّ أنه قال: كان شُقران لعبد الرحمن بن عوف. فوهبه للنبيّ - ﷺ - وأنه أعقب؛ وأن آخرهم موتًا رجلٌ كان بالمدينة من ولده، كان له بالبصرة بقيّة.\nورُوَيفع - وهو أبو رافع مولَى رسول الله - ﷺ -، اسمه أسلم. وقال بعضهم: اسمه إبراهيم. واختلفوا في أمره؛ فقال بعضُهم: كان للعباس بن عبد المطلب، فوهبه لرسول الله - ﷺ -، فأعتقه رسول الله. وقال بعضهم: كان أبو رافع لأبي أحَيحة سعيد بن العاص الأكبر فورثه بنوه، فأعتق ثلاثةٌ منهم أنصباءهم منه، وقُتِلوا يوم بدر جميعًا؛ وشهد أبو رافع معهم بدرًا، ووهب خالد بن سعيد نصيبَه منه لرسول الله - ﷺ - فأعتقه رسولُ الله.\nوابنه البهيّ - اسمه رافع. وأخو البهيّ عُبيدة الله بن أبي رافع - وكان يكتُب لعليّ بن أبي طالب، فلما وَلِيَ عمرو بن سعيد المدينةَ دعا البهيّ، فقال: مَنْ مولاك؟ فقال: رسولُ الله، فضربه مئةَ سوط، وقال: مولى مَنْ أنت! قال: مولى رسول الله، فضربه مئة سوط؛ فلم يزل يفعل به ذلك كلّما سأله: مولى من أنت؟ قال: مولى رسول الله؛ حتى ضربه خمسمئة سوط، ثم قال: مَوْلَى مَنْ أنت؟ قال: مولاكم، فلمّا قتل عبدُ الملك عمرَو بن سعيد قال البهيّ بن أبي رافع:\nصحَّتْ ولا شَلَّتْ وَضَرَّتْ عَدُوَّهَا ... يمِينٌ هَرَاقَتْ مُهْجَةَ ابْنِ سَعِيدِ\nهُوَ ابْنُ أبي العاصِي مِرَارًا ويَنْتَمِي ... إلى أُسْرَةٍ طابتْ له وجُدُودِ\nوسَلْمان الفارسيّ - وكنيته أبو عبد الله من أهل قرية أصبهان؛ ويقال: إنه من","vol":"2","page":356},{"text":"قرية رامَهُرْمُز؛ فأصابه أسرٌ من بعض كَلْب، فبيع من بعض اليهود بناحية وادي القُرى؛ فكاتب اليهوديّ، فأعانه رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون حتى عَتَق. وقال بعضُ نسّابة الفُرس: سلْمان من كورسابور، واسمه مابه بن بوذخشان بن ده ديره.\nوسَفِينة - مولَى رسول الله - ﷺ -، وكان لأمّ سلمة فأعتقته؛ واشترطت عليه خِدْمة رسول الله - ﷺ - حياتَه، قيل: إنه أسوَد؛ واختلف في اسمه، فقال بعضهم: اسمه مِهران، وقال بعضهم: اسمه رَبَاح، وقال بعضهم: هو من عجم الفرس؛ واسمه سبيه بن مارقيه.\nوأنسة. يكنى أبا مُسَرَّح، وقيل: أبا مَسْرُوح. كان من مولَّدي السراة؛ وكان يأذن على رسولِ الله - ﷺ - إذا جلس، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ -. وقال بعضهم: أصلُه من عَجَم الفرس؛ كانت أمّه حبشيّةً وأبوه فارسيًّا. قال: واسم أبيه بالفارسية كردوي بن أشرنيده بن أدوهر بن مهرادر بن كحنكان من بني مهجوار بن يوماست.\nوأبو كَبْشَة -واسمه سُليم، قيل: إنه كان من مولّدي مكة، وقيل: من مولّدي أرض دَوْس، ابتاعه رسولُ الله - ﷺ - فأعتقه، فشهِد مع رسولِ الله بدْرًا وأحُدًا والمشاهدَ. تُوفيَ في أوّل يوم استُخلف فيه عمر بن الخطاب، سنة ثلاث عشرة من الهجرة.\nوأبو مُوَيهِبَة - قيل: إنه كان من مولَّدي مُزَينة، فاشتراه رسولُ الله - ﷺ - فأعتقه.\nورَبَاح الأسود - كان يأذن لرسولِ الله - ﷺ -.\nوفَضالة -مولى رسول الله - ﷺ - نزَلَ -فيما ذكر- الشأم.\nومِدْعَم - مولَى رسولِ الله - ﷺ -، كان عبدًا لرفاعة بن زيد الجُذَاميّ، فوهبه لرسول الله، فقتل بوادي القُرى، يوم نزل بهم رسول الله، أتاه سهم غَرَب فقتله.\nوأبو ضُمَيرة - كان بعضُ نسّابة الفرس زعم أنه من عَجم الفرس، من ولَدِ كشتاسب الملك، وأنّ اسمه واح بن شيرز بن بيرويس بن تاريشمه بن ماهوش بن باكمهير ... وذكر بعضهم أنه كان ممن صار في قَسْم رسول الله في بعض","vol":"2","page":357},{"text":"وقائعه، فأعتقه، وكتب له كتابًا بالوصيّة، وهو جَدُّ حسين بن عبد الله بن أبي ضُميرة، وأن ذلك الكتاب في أيدي ولد ولده وأهل بيته، وأنّ حسين بن عبد الله هذا قدم على المهديّ ومعه ذلك الكتاب، فأخذه المهديّ فوضعه على عينيه، ووصله بثلاثمئة دينار.\nويَسَار -وكان فيما ذكر نوبيًّا؛ كان فيما وقع في سهم رسول الله - ﷺ - في بعض غزواته فأعتقه؛ وهو الذي قتله العُرَنيُّون الذين أغاروا على لِقاح رسول الله.\nومِهْران - حدّث عن رسول الله - ﷺ - (١). (٣: ١٦٩/ ١٧٠ / ١٧١/ ١٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>ذكر من كان يكتب لرسول الله - ﷺ </span>-\n٣١٥ - ذُكِر أنّ عُثمان بن عفّان كان يكتب له أحيانًا، وأحيانًا عليّ بن أبي طالب، وخالد بن سعيد، وأبان بن سعيد، والعَلاء بن الحضرميّ.\n_________\n(١) هكذا ذكر الطبري أسماء موالي رسول الله - ﷺ - وقال الحافظ ابن كثير في كتابه (الفصول في سيرة الرسول فصل في ذكر موالي رسول الله - ﷺ - على حروف المعجم ﵃ أجمعين) وذلك حسبما أورده الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تأريخه وهم:\nأحمر ويكنى أبا عسيب وأسود وأفلح وأنس وأيمن بن أم أيمن، وباذام وثوبان بن بجدد وذكوان - وقيل: طهمان، وقيل: كيسان، وقيل: مروان، وقيل: مهران - ورافع ورباح ورويفع وزيد بن حارثة وزيد جدّ هلال بن يسار وسابق وسالم وسعيد وسفينة وسلمان الفارسي وسليم - ويكنى بأبي كبشة ذكر فيمن شهد بدرًا - وصالح (شقران) وضميرة بن أبي ضميرة وعبيد الله بن أسلم وعبيد - وعبيد أيضًا بكنى بأبي صفية -.\nوفضالة اليماني وقصير وكركره بكسرهما - ويقال بفتحهما - ومابور القبطي ومدعم وميمون ونافع ونبيل وهرمز وهشام وواقد ووردان ويسار (نوبي) وأبو أثيلة وأبو بكرة وأبو الحمراء وأبو رافع -واسمه أسلم فيما قيل- وأبو عبيد.\nفهؤلاء الذين حررهم أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في أول كتابه (تهذيب الأسماء واللغات) إلا أني رتبتهم على الحروف ليكون أسهل للكشف.\nقلنا: وإن كان الحافظ ابن كثير قد سرد هنا أسماءهم فقط إلا أنه جاء على ذكرهم بالتفصيل مع ذكر بعض الأحاديث (الصحيحة وغيرها) وفيها ذكر أسماء هؤلاء متفرقين (انظر البداية والنهاية ٤/ ٣٠٢) باب ذكر عبيده - ﵇ -، وإمائه وذكر خدمه وكتابه وأمنائه مع مراعاة الحروف في أسمائهم وذكر بعض من ذكر من أبنائهم، وقد استغرق هذا الباب الصفحات (٣٠٢/ ٣٠٣/ ٣٠٤/ ... / ٣٢٠) فليراجع وهو بحث قيم من إمام جليل ﵀ وانظر زاد المعاد (١/ ١١٤).","vol":"2","page":358},{"text":"قيل: أوّل مَنْ كتب له أبيّ بن كعب؛ وكان إذا غاب أبيّ كتب له زيد بن ثابت.\nوكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، ثم ارتدّ عن الإسلام، ثم راجع الإسلام يوم فتح مكة.\nوكتب له معاوية بن أبي سفيان، وحنظلة الأسَيِّديّ (١). (٣: ١٧٣).\n_________\n(١) ما ذكره الطبري من أسماء كتابه من الصحابة صحيح ولكنه ﵀ اقتصر على ذكر أسمائهم دون ذكر لبعض أخبارهم وابتدأ كلامه بقوله (ذُكر) بصيغه المبني للمجهول (وقيل) علمًا بأن الباب باب مهم وليس بالهين أن نمرّ هكذا على ذكر كتاب رسول الله - ﷺ - دون رواية أو خبر وذلك من المواضيع التي لم يوليها الطبري الاهتمام المطلوب كما فعل في مسألة بناء المسحد بعد الهجرة إلى المدينة وغير ذلك من المواضيع الحساسة والله تعالى أعلم.\nوسنذكر هنا بعض الروايات الصحيحة الواردة في الباب تأييدًا لما ذكره الطبري:\nفقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار باب مناقب زيد بن ثابت ح (٣٨١٠) من حديث قتادة عن أنس ﵁: (جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - أربعة كلهم من الأنصار: أبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد قال: أحد عمومتي).\nوأخرج البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد (ح ٧١٩٥)، وأبو داود في سننه كتاب العلم باب رواية حديث أهل الكتاب عن زيد بن ثابت ﵁ قال:\nأمرني رسول الله - ﷺ - فتعلمت له كتاب يهود وقال: إني والله ما آمن يهود على كتابي فتعلمته فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذقته فكنت أكتب له إذا كتب وأقرأ له إذا كتب إليه. واللفظ لأبي داود.\nعلمًا بأن البخاري ذكره معلقًا ووصله الترمذي وقال: حسن صحيح (كتاب الاستئذان والآداب ح ٢٧٢٤).\nوأخرج أبو داود في سننه (كتاب الحدود ح ٤٣٥٨) عن ابن عباس ﵄ قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله - ﷺ - وحسّن المحدث الألباني (﵀) إسناده والحديث أخرجه النسائي (ح ٤٠٨٠).\nوممن لم يذكر الطبري اسمه من الكتاب (أبو بكر الصديق ﵁) فقد قال الحافظ ابن كثير ﵀:\nوالدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله حين خرج هو وأبو بكر من الغار =","vol":"2","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فمروا على أرضهم فلما غشيهم وكان من أمر فرسه ما كان سأل رسول الله أن يكتب له كتاب أمان فأمر أبا بكر فكنب له كتابًا ثم ألقاه إليه.\nوقد روى الإمام أحمد من طريق الزهري بهذا السند أن عامر بن فهيرة كتبه فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ثم أمر مولاه عامرًا فكتب باقيه والله أعلم. (البداية والنهاية ٤/ ١٣٠).\nقلنا: وأما علي ﵁ فقد تقدم في صلح الحديبية أنه كتب وثيقة الصلح بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين. اهـ.\nوأخرج مسلم في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة فضائل أبي سفيان صخر بن حرب) عن ابن عباس ﵄ أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطينيهن. قال: نعم، قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك قال: نعم. إلخ الحديث).\nوقال الحافظ ابن كثير: قال عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم بلغني أن خالدًا بن سعيد كتب عن رسول الله كتابًا بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى محمد رسول الله - ﷺ -. إلى آخر الرواية.\nوكتب خالد بن سعيد (البداية والنهاية ٤/ ١١٩).\nوقد تحدث الحافظ ابن كثير بالتفصيل عن كتّاب رسول الله - ﷺ - من الصحابة وبعض مروياتهم فليراجع (البداية والنهاية ٤/ ١١٤) فصل وأما كتاب الوحي وغيره بِن يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم أجمعين إلى (٤/ ١٣٤).\nوكذلك ذكر الحافظ ابن عساكر أسماءهم وبعض مروياتهم وأشار الحافظ ابن كثير إلى عمل ابن عساكر هذا فقال:\n(أما كتاب الوحي فقد كتب له أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان ومحمد بن مسلمة والأرقم بن أبي الأرقم، وأبان بن سعيد بن العاص وأخوه خالد وثابت بن قيس وحنظلة بن الربيع الأسدي الكاتب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن زيد بن عبد ربه والعلاء بن عتبة والمغيرة بن شعبة وشرحبيل بن حسنة).\nوقد أورد ذلك الحافظ أبو القاسم في كتابه أتمّ إيراد وأسند ما أمكنه عن كل واحد من هؤلاء إلا شرحبيل بن حسنة وذكر فيهم السجل، كما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ وقال: هو كتب كان للنبي - ﷺ -، وقد أنكر هذا الحديث الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقال: لا يعرف في كتاب النبي - ﷺ - بل ولا في أصحابه أحد يسمى سجلًا (الفصول في سيرة الرسول / ٢٥٦ / ط. دار الكلم الطيب).\nوقال ابن القيم: فصل في كتابه - ﷺ -: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وعامر بن فهيرة وعمرو بن العاص وأبي بن كعب وعبد الله بن الأرقم وثابت بن قيس بن شماس وحنظلة بن =","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>[ذكر أسماء خيل رسول الله - ﷺ </span>-]\n٣١٦ - حدّثني الحارث، قال: أخبرنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمة عن المرتجزِ، فقال: هو الفرس الذي اشتراه من الأعرابيّ الذي شهد له فيه خُزَيمَة بن ثابت؛ وكان الأعرابيّ من بني مرّة (١). (٣: ١٧٣).\n_________\n= الربيع الأسيدي والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن رواحة وخالد بن الوليد وخالد بن سعيد بن العاص وقيل: إنه أول من كتب له ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت وكان ألزمهم لهذا الشأن وأخصهم به (زاد المعاد ١/ ١١٧).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: قد كتب الوحي لرسول الله - ﷺ - جماعة غير زيد بن ثابت أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت أسلم بعد الهجرة وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد.\nولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه الكاتب بلام العهد كما في حديث البراء بن عازب في حديث الباب.\nولهذا قال له أبو بكر: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ -، وكان زيد بن ثابت ربما غاب فكتب الوحي غيره، وقد كتب له قبل زيد بن ثابت أبي بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح.\nوممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين.\nوروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: (كان رسول الله - ﷺ - لمّا يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا ..... الحديث) (فتح الباري ١٠/ ٢٧).\n(١) لقد ذكرنا الروايتين (٤١٦/ ٤١٧) في قسم الضعيف وفي إسنادهما الواقدي وهو متروك ولم نجد رواية صحيحة تؤيد ما ذكره الواقدي سوى ذكر لاسم من أسماء خيل رسول الله - ﷺ - (ونعني اللجيف).\nفقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب اسم الفرس والحمار =","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>(ذكر أسماء بغال رسول الله - ﷺ </span>-)\n٣١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كانت دُلْدُل بغلَة النبيّ - ﷺ - أوّل بغلة رُئيت في الإسلام، أهداها له المقوقِس وأهدى له معها حمارًا يقال له عُفير؛ فكانت البغلة قد بقيَتْ حتى كان زمن معاوية (١). (٣: ١٧٤).\n_________\n= (ح / ٢٨٥٥) من طريق أبيّ بن عباس بن سهل عن أبيه عن جدّه قال: كان للنبي - ﷺ - في حائطنا فرس يقال له (اللجيف).\nوأخرج البخاري في الباب نفسه (ح ٢٨٥٧) عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان فزع بالمدينة فاستعار النبي - ﷺ - فرسًا لنا يقال له مندوب. الحديث).\nوأما الرواية الآخرى للواقدي والتي أخرجها الطبري: (٣/ ١٧٣ / ٣١٦) فلبعضها ما يؤيدها من رواية أبي داود وهي مسألة شهادة خزيمة بن ثابت ﵁ فقد أخرج أبو داود في سننه (كتاب الأقضية باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز أن يحكم به /ح ٣٦٠٧ /) من طريق عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي - ﷺ - أن النبي ابتاع فرسًا من أعرابي. . الحديث.\nوفي آخر الحديث: فطفق الأعرابي يقول: (هَلُمَّ شهيدًا فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي - ﷺ - على خزيمة فقال: بم تشهد فقال: بتصديقك يا رسول الله فجعل رسول الله - ﷺ - شهادة خزيمة بشهادة رجلين) وإسناده صحيح وليس في رواية أبي داود أن الفرس هو المرتجز وانظر سنن النسائي (ح ٤٦٤٧).\nولقد ورد اسم المرتجز (فرس) في حديث آخر عند البيهقي سنأتي على ذكره بعد قليل.\n(١) في إسناده الواقدي وقد أخرج البيهقي في السنن (١٠/ ٢٦) عن علي قال: كان للنبي - ﷺ - فرس يقال له المرتجز وحمار يقال له عفير وبغلة يقال لها دلدل وسيفه ذو الفقار ودرعه ذو الفضول (السنن الكبرى / كتاب الإيمان / باب ما جاء في تسمية البهائم والدواب) ويؤيده ما رواه البيهقي من طريق يحيى بن الجزار عن علي نحوه، وانظر البداية والنهاية (٤/ ١٤٥).\nوأخرج الطبراني في الكبير (ح ١١٢٠٨) وكانت له بغلة شهباء تسمى دلدل (وانظر مجمع الزوائد ٥/ ٢٧٢) وقال الحافظ المزي في تهذيب الكمال (١/ ٦٦) وكانت له بغلة يقال لها دلدل. اهـ.\nوقال الحافظ ابن كثير: وكانت له بغلة يقال لها الدلدل أهداها له المقوقس (الفصول في سيرة الرسول / ٢٥٨) تحقيق محيي الدين مستو. وقال ابن القيم: وكان له من البغال دلدل وكانت =","vol":"2","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شهباء أهداها له المقوض (زاد المعاد ١/ ١٣٤ / تحقيق الأرناؤوط).\nقلنا: وأما الحافظ ابن حجر فسيأتي كلامه بعد ذكرنا لحديث البخاري في صحيحه فقد أخرج كتاب الزكاة باب خرص التمر (ح ١٤٨١) من حديث أبي حميد الساعدي وأهدى ملك أيلة للنبي - ﷺ - بغلة بيضاء. إلخ الحديث) فعقب الحافظ قائلًا:\nواسم البغلة (دلدل) هكذا جزم به النووي.\nقلنا: وأخرج البخاري في صحيحه كذلك (كتاب المغازي ح ٤٣١٧) من حديث البراء في غزوة حنين وفيه: (ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - على بغلته البيضاء .... الحديث).\nوقال الحافظ معقبًا: وعند مسلم في صحيحه من حديث العباس: وكان على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي (فتح الباري ٨/ ٣٤٧).\nقلنا: وأما ما جاء في رواية الطبري عن ذكر عفير (حمار) فصحيح كما أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير ح ٢٨٥٦) من حديث معاذ ﵁ قال: كنت ردف النبي - ﷺ - على حمارٍ له يقال له عفير. الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[ذكر أسماء إبله - ﷺ </span>-]\nلقد ذكرنا روايات الطبري في هذا الباب في قسم الضعيف، وهي من طريق الواقدي، والواقدي متروك، ولقد أخرج البخاري في (صحيحه كتاب الرقاق باب التواضع / ح ٦٥٠١) عن أن ﵁ قال: كانت ناقة لرسول الله - ﷺ - تسمى العضباء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي ... الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>[ذكر أسماء لقاح رسول الله - ﷺ </span>-]\nلقد ذكرنا الروايات في ذلك في قسم الضعيف وهي من طريق الواقدي ولكن أخرج البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب غزوة ذات القرد ح (٤١٩٤) من حديث سلمة بن الأكوع: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى وكانت لقاح رسول الله - ﷺ - ترعى بذي قردٍ .. الحديث. ولم تذكر رواية البخاري وغيره أسماء اللقاح كما عند الواقدي والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>[ذكر أسماء سيوف رسول الله - ﷺ </span>-]\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ١٧٦ / ٤٢٧) في قسم الضعيف ففي إسنادها الواقدي وهو متروك ولم نجد لها متابعًا أو شاهدًا.\nوسنذكر هنا عددًا من الأحاديث التي تحدثت عن سيوف رسول الله - ﷺ -:\nفقد أخرج الترمذي في سننه (ح ١٥٦١) عن ابن عباس: (أن النبي - ﷺ - تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nقلنا: وأخرجه أحمد (١ / ح ٢٤٤٥) من حديث ابن عباس وأخرجه ابن سعد عن ابن عباس وبزيادة (واسم رايته العقاب) الطبقات الكبرى (١/ ٢٣٨).","vol":"2","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرج أبو داود في سننه (كتاب الجهاد ح ٢٥٨٣) عن أنس: (كانت قبيعة سيف رسول الله فضة).\nوالحديث أخرجه الترمذي (ح / ١٦٩١) وقال: هذا حديث حسن غريب وأخرجه النسائي (٨/ ٢١٩) ولفظه:\n(كان نعل سيف رسول الله من فضة وقبيعة سيفه فضة وما بين ذلك حلق فضة).\nقلنا: وفي أصل الحديث أو إرساله اختلاف بين العلماء علماء الحديث وممن ناقش ذلك ابن القيم وقال: إن حديث قتادة عن أنس محفوظ لاتفاق جرير بن حازم وهمام على قتادة عن أنس وكذلك رجح المباركفوري وصله والله تعالى أعلم.\nقلنا: وكذلك ورد في صحيح البخاري ذكر سيفه - ﷺ - دون تسميته والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>[ذكر أسماء دروعه - ﷺ </span>-]\nلقد ذكرنا الروايتين (٣/ ١٧٧ / ٤٢٩ - ٤٣٠) وهما من طريق الواقدي.\nوفي الصحاح والسنن وكتب السيرة غير حديث فيه ذكر لدرع رسول الله - ﷺ -.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب السلم باب الرهن في السلم ح (٢٢٥٢) عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل معلوم وارتهن منه درعًا من حديد.\nوأخرج أحمد (٥ / ح ١٥٧٢٢) وأبو داود في سننه (٣ / ح ٢٥٩٠) أن رسول الله ظاهر يوم أحد بين درعين أو لبس درعين.\nوأخرج ابن سعد في طبقاته (١/ ٢٣٩) ط. إحياء التراث. أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين وأحمد بن عبد الله بن يونس قالوا:\nأخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: (أخرج إلينا عليّ بن حسين درع رسول الله - ﷺ - فإذا هي يمانية رقيقة ذات زرافين إذا علقت بزرافينها لم تمس الأرض وإذا أرسلت مسّت الأرض). اهـ. والله تعالى أعلم.\nوإن كان هذا الإسناد صحيحًا فهذا يعني أن درعه قد احتفظ به آل بيته - ﷺ - حتى وصل إلى علي بن حسين.\nوفي صحيح البخاري من حديث الزهري أن علي بن حسين حدثه: (أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية وقتل حسين بن علي رحمة الله عليه لقيه المسور بن مخرمة فقال: هل لك إليّ من حاجة تأمرني بها؟ فقلت له: لا، فقال: هل أنت معطيّ سيف رسول الله فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه ..... إلى آخر الحديث) صحيح البخاري كتاب فرض الخمس باب ما ذكر من درع النبي وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه ح (٣١١٠). =","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>[ذكر أسماء رسول الله - ﷺ </span>-]\n٣١٨ - حدّثني ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرَنا إبراهيم -يعني ابن سعد- عن الزهريّ، قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال لي رسولُ الله - ﷺ -: إن لي أسماء؛ أنا محمد، وأحمد، والعاقب، والماحي. قال الزهري: العاقب: الذي ليس بعده أحد، والماحي: الذي يمحو الله به الكفر (١). (٣: ١٧٨).\n٣١٩ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال، أخبرنا سفيان بن حسين، قال: حدّئني الزهريّ، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه؛ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب، والحاشر؛ الذي يحشر الناس على قدمَيّ. قال يزيد: فسألت سفيان: ما العاقب؟ قال: آخر الأنبياء (٢). (٣: ١٧٨/ ١٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[ذكر صفة النبيّ - ﷺ </span>-]\n٣٢٠ - حدّثني ابنُ المثنَّى، قال: حدّثني ابن أبي عديّ، عن المسعوديّ، عن عثمان بن عبد الله بن هُرمز، قال: حدّثني نافع بن جُبير، عن عليّ بن\n_________\n(١) هذا حديث صحيح كما سنذكر بعد الرواية التالية.\n(٢) حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - ح ٣٥٣٢ / من طريق مالك بن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب\".\nوأخرج الترمذي في سننه كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي - ﷺ - ح ٢٨٤٠ / من طريق سفيان عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي\".\nوالحديث أخرجه مسلم (٤/ ١٨٢٨) وغير واحد، وقد فصّل الحافظ ابن حجر في ذكر طرق الحديث المرسلة والموصولة وفضل في شرحها في فتح الباري (٧/ ٢٤٧ - ٢٥٠) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":365},{"text":"أبي طالب، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - ليس بالطويل ولا بالقصير، ضَخْم الرأس واللحية، شثن الكفّين والقدمَين، ضَخْم الكراديس، مُشْرَبًا وجهه الحُمْرَةَ، طويل المَسْربَة إذا مشى تكفأ تَكَفّؤًا كأنما ينحطُّ من صَبَب، لم أر قبله ولا بعده مثلَه - ﷺ - (١). (١٧٩: ٣).\n٣٢١ - حدثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا أبو أحمد الزبيريّ، قال: حدَّثنا مجمَّع بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الله بن عمران عن رجل من الأنصار -لم يسمّه- أنه سأل عليّ بن أبي طالب وهو في مسجد الكوفة مُحْتَبٍ بحمَالة سيفه، فقال: انعَتْ لي نعتَ رسولِ الله - ﷺ -، فقال له عليّ: كان رسولُ الله أبيضَ اللون مُشْرَبًا حُمْرَةً، أدعج سَبْط الشعر، دقيق المَسْرُبة، سَهْل الخَدَّين، كَثَّ اللحية وذَا وفْرَةٍ؛ كأن عنقه إبريق فِضَّة؛ كان له شعر من لَبَّته إلى سرّته يجري كالقضيب\" لم يكن في إبطه ولا صدره شعر غيره، شَثْن الكفّ والقدَم؛ إذا مشى كأنما ينحدِر من صَبَب؛ وإذا مشى كأنما ينقلع من صَخْر، وإذا التفت التفت جميعًا، ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا العاجز ولا اللئيم، كأنّ العَرَق في وجهه اللؤلؤ؛\n_________\n(١) لرواية الطبري هذه متابعة عند الترمذي فقد أخرج في سننه (٤/ ٥٥٨ ح ٣٦٣٧): حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو نعيم حدثنا المسعودي عن عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - بالطويل ولا بالقصير شثن الكفين والقدمين. ضخم الرأس ضخم الكراديس طويل المسربة إذا مثى تكفأ تكفؤًا كأنما أَحَطَّ من صبب لم أر قبله ولا بعده مثله. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.\nولرواية الطبري متابعة أخرى عند أحمد من طريق نافع بن جبير عن أبيه عن علي قال: كان رسول الله - ﷺ - ضخم الهامة مُشْربًا حمرة شثن الكفين والقدمين ضخم اللحية طويل المسربة ضخم الكراديس يمشي في صبب يتكفأ في المشية. لا قصير ولا طويل لم أر قبله مثله ولا بعده.\nوأخرج الحافظ ابن كثير هذه الرواية ثم قال: وقد روي لهذا شواهد كثيرة عن علي (البداية والنهاية ٤/ ١٦١).\nوأخرج أحمد (١/ ٢٠٧ ح ٧٤٦) مسند علي بن أبي طالب عن هرمز عن نافع بن جبير عن علي ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ -: ليس بالقصير ولا بالطويل ضخم الرأس واللحية شثن الكفين والقدمين والكراديس مشربًا وجهه حمرة طويل المسربة إذا مشى تكفأ كأنما يقلع من صخر لم أر قبله ولا بعده مثله.","vol":"2","page":366},{"text":"ولَريحُ عَرَقه أطيب من المسك؛ لم أر قبله ولا بعده مثله - ﷺ - (١). (٣/ ١٧٩).\n٣٢٢ - حدَّثنا ابنُ المقدمي، قال: حدَّثنا يحيى بن محمد بن قيس الذي يقال له أبو زُكير. قال: سمعتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أنّ رسولَ الله - ﷺ - بُعث على رأس أربعين؛ فأقام بمكة عشرًا وبالمدينة عشرًا، وتوفِّيَ على رأسِ ستين؛ ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء؛ ولم يكن رسولُ الله - ﷺ - بالطويل البائن، ولا القصير؛ ولم يكن بالأبيض الأمْهَق؛ ولا الآدم، ولم يكن بالجَعْد القَطَط ولا السَّبط (٢). (٣: ١٨٠).\n_________\n(١) في إسناده راوٍ لم يُسمَّ ولقد ذكر الحافظ ابن كثير رواية أحمد السابقة (المختصرة) ثم قال:\n(قال ابن عساكر: وقد رواه عبد الله بن داود الخريبي عن مجمع فأدخل بين عمران وبين علي رجلًا غير مسمى ثم أسند من طريق عمرو بن علي الفلّاس عن عبد الله بن داود حدثنا مجمع بن يحيى الأنصاري عن عبد الله بن عمران عن رجل من الأنصار قال: سألت علي بن أبي طالب وهو محتب بحمالة سيفه في مسجد الكوفة عن نعت رسول الله فقال: كان أبيض اللون مشربًا حمرة أدعج العينين. . إلى آخر الحديث كما عند الطبري) (البداية والنهاية ٤/ ١٦١).\n(٢) حديث أنس هذا حديث صحيح فقد أخرجه البخاري دون ذكر عبارة (وتوفي على رأس ستين) فقد أخرج في صحيحه (كتاب المناقب باب صفة النبي ح ٣٥٤٧) من طريق سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يصف النبي - ﷺ - قال: كان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليس بجعد قطط ولا سبط رجل. أنزل عليه وهو ابن أربعين فلبث بمكة عثر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين وقبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.\nقال ربيعة: فرأيت شعرًا من شعره فإذا هو أحمر فسألت فقيل: أحمر من الطيب.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل باب في صفة النبي ومبعثه وسنته) عن أنس بن مالك وفيه:\n(بعثه الله ﷿ على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء).\nوكذلك أخرجه الترمذي (كما عند مسلم) سنن الترمذي ٤/ ٥٥٢ / كتاب المناقب (ح ٣٦٢٣).\nولقد وردت روايات أخرى صحيحة في عدد هذه الشعرات مع تغاير في العدد. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الروايات بالتفصيل وذكر وجه الجمع بينها عند شرحه للحديث (٣٥٤٧) عن أنس وكذلك ذكر الحافظ بعضًا من هذه الروايات. وذكر وجهًا من الجمع كما في البداية والنهاية (٤/ ١٦٧) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":367},{"text":"٣٢٣ - حدثني ابن المثنَّى قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، عن الجُرَيريّ، قال: كنت مع أبي الطُّفيل نطوف بالبيت؛ فقال: ما بقيَ أحدٌ رأى رسولَ الله - ﷺ - غيري؛ قال: وقلت: أرأيتَه؟ قال: نعم، قلت: كيف كان صفتُه؟ قال: كان أبيضَ مليحًا مقصَّدًا (١). (١٨٠: ٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>(ذكر خاتم النبوة التي كانت به - ﷺ </span>-)\n٣٢٤ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا الضّحاك بن مخلد، قال: حدَّثنا عَزْرَة بن ثابت، قال: حدَّثنا علباء، قال: حدَّثنا أبو زيد، قال: قال لي رسولُ الله - ﷺ -: يا أبا زيد، ادْنُ مني امسَحْ ظهري - وكشف عن ظهره - قال: فمسسْتُ ظهره، ثم وضعتُ أصبعي على الخاتم فغَمَزْتُها، قال: قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرٌ مجمعٌ كان على كتفيه (٢). (٣: ١٨٠).\n٣٢٥ - حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا بشر بن الوضّاح أبو الهيثم، قال: حدَّثنا أبو عقيل الدَّوْرَقيّ عن أبي نَضْرة، قال: سألت أبا سعيد الخدريّ عن الخاتم التي كانت للنبيّ - ﷺ -، قال كانت بضعةً ناشزة (٣). (٣: ١٨٠).\n_________\n(١) تابع ابن المثنى الإمام أحمد ﵀ إذ قال: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الجريري قال: كنت أطوف مع أبي الطفيل فقال: ما بقي أحد رأى رسول الله - ﷺ - غيري قلت: ورأيته؟ قال: نعم. قلت: كيف كانت صفته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا.\nوقد ذكر الحافظ ابن كثير هذا ثم قال: وقد رواه الترمذي عن بندار وسفيان بن وكيع كلاهما عن يزيد بن هارون به (البداية والنهاية ٤/ ١٥٤).\nقلنا: وأخرج مسلم في (صحيحه الفضائل باب في صفة النبي - ﷺ - ومبعثه وسنه عن الجريري عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وما على وجه الأرض رجل رآه غيري قال: فقلت له فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا. قال مسلم: مات أبو الطفيل سنة مئة وكان آخر من مات من أصحاب رسول الله - ﷺ -.اهـ.\n(٢) هذا إسناد صحيح وحديث أبي زيد، وهو عمرو بن أخطب الأنصاري حديث صحيح، أخرجه أحمد (٥/ ٧٧) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٦) وصححه ووافقه الذهبي والله أعلم.\n(٣) هذا إسناد حسن صحيح والحديث أخرجه الترمذي في الشمائل باب ما جاء في خاتم النبوة (ح ٢٢).\nوجاءت رواية أخرى عن أبي سعيد وبلفظ آخر عنه فقد ذكر الحافظ ابن كثير رواية الإمام أحمد من حديث غياث البكري قال: كنا نجالس أبا سعيد الخدري بالمدينة فسألته عن خاتم =","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>ذكر شجاعته وجوده - ﷺ </span>-\n٣٢٦ - حدثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا حمَّاد بن واقد، عن ثابت، عن أنس، قال: كان نبيّ الله - ﷺ - من أحسن الناس، وأسمح الناس، وأشجع الناس؛ لقد كان فزعٌ بالمدينة، فانطلق أهلُ المدينة نحو الصوت، فإذا هم قد تلقّوْا رسولَ الله - ﷺ - على فرس عُرْي لأبي طلحة، ما عليه سَرْج، وعليه السّيف. قال: وقد كان سبقهم إلى الصَّوْت، قال: فجعل يقول: يا أيها الناس، لم تُراعوا، لم تُراعوا! مرّتين، ثم قال: يا أبا طلحة، وجدناه بحرًا؛ وقد كان الفرس يبطّأ، فما سبقه فرسٌ بعد ذلك (١). (٣: ١٨١).\n_________\n= رسول الله - ﷺ - الذي كان بين كتفيه فقال: بأصبعه السبابة هكذا لحم ناشز بين كتفيه - ﷺ - ثم قال ابن كثير: تفرد به أحمد من هذا الوجه (البداية والنهاية ٤/ ١٧٦).\nقلنا: وقد أخرج البخاري في صحيحه حديث السائب بن يزيد (كتاب المناقب باب في خاتم النبوة ح ٣٥٤٠) ومسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب في خاتم النبوة. وفي رواية مسلم: (فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زرّ الحجلةِ).\nوأخرجه البخاري بتمامه في كتاب الوضوء ح ١٩٠ من حديث السائب بن يزيد: (ذهبت بي خالتي إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وقع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة). اهـ.\nولقد ذكر الحافظ ابن كثير الروايات الواردة في صفة خاتم النبوة وحكم على أسانيد بعضها (البداية والنهاية ٤/ ١٧٥ إلى ٤/ ١٧٨).\n(١) حديث أنس هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (كتاب الجهاد ح (٢٩٠٨) من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - أحسن الناس وأشجع الناس.\nولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي - ﷺ - وقد استبرأ الحبر وهو على فرس لأبي طلحة عُري وفي عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا ثم قال: (وجدناه بحرًا أو قال: إنه لبحر).\nوقد أخرجه البخاري في مواضع عدة منها ما جاء في كتاب الجهاد والسير باب الفرس القطوف ح (٢٨٦٧) وفي آخره: فكان بعد ذلك لا يجارى.\nوأخرجه مسلم كتاب الفضائل باب في شجاعة النبي - ﷺ - وتقدمه إلى الحرب والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":369},{"text":"٣٢٧ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - أشجع الناس، وأجودَ الناس؛ كان فزعٌ بالمدينة فخرج الناس قبل الصوت، فاستبرأ الفزعَ على فرس لأبي طلحة عُرْي، ما عليه سَرْج، في عنقه السيف. قال: وجدناه بحْرًا -أو قال: وإنه لبَحْرٌ (١). (٣: ١٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>ذكر صفة شعره - ﷺ - وهل كان يخضب أم لا</span>\n٣٢٨ - حدّثني ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا مُعاذ بن معاذ، قال: حدَّثنا حَرِيز بن عثمان، قال أبو موسى: قال مُعاذ: وما رأيتُ من رجل قطّ من أهل الشأم أفضِّلُه عليه، قال: دخلنا على عبد الله بن بُسْر، فقلت له من بين أصحابي: أرأيتَ رسولَ الله - ﷺ -؟ أشَيخًا كان؟ قال: فوضع يده على عَنْفقته، وقال: كان في عَنْفقته شعر أبيض (٢). (٣: ١٨١).\n٣٢٩ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدثنا زُهير، عن أبي إسحاق، عن أبي جُحَيفة، قال: رأيت رسولَ الله - ﷺ - عنفقتُه بيضاء، قيل: مثلُ مَنْ أنت يومئذ يا أبا جُحيفة؟ قال: أبرِي النَّبل وأريشها (٣). (٣: ١٨١).\n٣٣٠ - حدّثني ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا خالد بن الحارث، قال: حدَّثنا حُمَيد، قال: سئل أنس: أخضَب رسول الله؟ قال: فقال أنس: لم يشتدّ\n_________\n(١) حديث صحيح كما ذكرنا عند الرواية السابقة.\n(٢) رجال هذا الإسناد رجال الصحيح والحديث أخرجه البخاري في صحيحه من طريق حريز بن عثمان أنه سأل عبد الله بن بُسرٍ صاحب النبي - ﷺ - قال: أرأيت النبي - ﷺ - كان شيخًا قال: كان في عنفقته شعرات بيض. (كتاب المناقب باب صفة النبي - ﷺ - ح ٣٥٤٦). وقال الحافظ في الفتح: وفي رواية الإسماعيلي إنما كانت شعرات بيض وأشار إلى عنفقته (فتح الباري ٧/ ٢٦٣).\n(٣) حديث أبي جحيفة أخرجه البخاري من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن وهب أبي جحيفة السوائي قال: رأيت النبي - ﷺ - ورأيت بياضًا من تحت شفته السفلى العنفقة كتاب المناقب باب صفة النبي - ﷺ - (ح ٣٥٤٦) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل.","vol":"2","page":370},{"text":"برسول الله الشَّيب، ولكن خضب أبو بكر بالحنّاء والكَتَم، وخضب عمر بالحنّاء (١). (٣: ١٨٢).\n٣٣١ - حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا ابن أبي عديّ، عن حُميد، قال: سئل أنسٌ: هل خَضَب رسولُ الله - ﷺ -؟ قال: لم يُرَ من الشّيب إلّا نحوٌ من تسع عشرة أو عشرين شعرة بيضاء في مقدّم لحيته. قال: إنه لم يُشَنْ بالشَّيب، فقيل لأنس: وشَيْنٌ هو! قال: كلُّكم يكرهه؛ ولكن خضب أبو بكر بالحنّاء والكَتَم، وخضَب عمر بالحناء (٢). (٣: ١٨٢).\n٣٣٢ - حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا مُعاذ بن معاذ، قال: حدَّثنا حُميد، عن أنس، قال: لم يكن الشيبُ الذي بالنبيّ - ﷺ - عشرين شعرة (٣). (٣: ١٨٢).\n٣٣٣ - حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا حمّاد ابن سلَمة، عن سِمَاك، عن جابر بن سَمُرة، قال: ما كان في رأس رسول الله - ﷺ - من\n_________\n(١) رجال هذا الإسناد رجال الصحيح وأصل الخبر في الصحيح دون ذكر لأبي بكر وعمر.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب صفة النبي - ﷺ - (ح ٣٥٥٠) عن قتادة قال: سألت أنسًا هل خضب النبي - ﷺ - قال: (لا إنما كان شيء في صدغيه).\nوأخرجه الترمذي في الشمائل (ح ٣٠) من حديث قتادة قال: قلت لأنس بن مالك هل خضب رسول الله - ﷺ - قال: لم يبلغ ذلك إنما كان شيبًا في صدغيه ولكن أبو بكر ﵁ خضب بالحناء والكتم.\nوفي رواية أبي داود (٣ / ح ٤٢٠٩) عن ثابت عن أنس أنه سئل عن خضاب النبي - ﷺ - فذكر أنه لم يخضب ولكن قد خضب أبو بكر وعمر ﵄.\nوأخرج ابن سعد عن أنس ﵁: (ما شانه الله بالشيب وما كان فيه من الشيب ما يخضب ...) وإسناده صحيح (الطبقات الكبرى ١/ ٢٠٩).\n(٢) إسناده صحيح وأخرجه ابن ماجه من حديث أنسٍ: (لم ير من الشيب إلا نحو سبعة عشر أو عشرين شعرة في مقدم لحيته) وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات.\nوقال الحافظ ابن حجر: وقد روى ابن سعد بسند صحيح عن ثابت عن أنس قال: ما كان في رأس النبي ولحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة (فتح الباري ٧/ ٢٦٦).\n(٣) هذا جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري عن أنس ﵁ وفي آخره: (فتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء) كتاب المناقب باب صفة النبي - ﷺ - ح (٣٥٤٨).","vol":"2","page":371},{"text":"الشيْب إلَّا شعرات في مفرِق رأسه؛ وكان إذا دهنه غَطّاهنّ (١). (٣: ١٨٢).\n٣٣٤ - حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا سلّام بن أبي مطيع، عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، قال: دخلتْ زوجُ النبيّ - ﷺ - فأخرجتْ إلينا شعرًا من شعر رسول الله مخضوبًا بالحنّاء والكتَم (٢). (٣: ١٨٢).\n٣٣٥ - حدَّثنا ابنُ جابر بن الكرديّ الواسطي، قال: حدَّثنا أبو سفيان قال: حدَّثنا الضّحاك بن حُمْرَة عن غَيلان بن جامع، عن إياد بن لَقيط، عن أبي رِمْشَة، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يخضب بالحنّاء والكَتَم؛ وكان يبلغ شعره كَتِفيه أو منكبيه - الشكّ من أبي سفيان (٣). (٣: ١٨٢).\n_________\n(١) حديث سمرة هذا أخرجه مسلم (كتاب الفضائل باب في خاتم النبوة ح ٣٣٤٤) ولفظه: (كان رسول الله - ﷺ - قد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا دهن لم يتبين. .. الحديث).\nوأخرجه الترمذي في الشمائل باب ما جاء في شيب رسول الله ح ٣٢ عن جابر بن سمرة وقد سئل عن شيب رسول الله - ﷺ - فقال: كان إذا دهن رأسه لم يُر منه شيب، وإذا لم يدهن رؤي منه شيء.\nوأخرج رواية أخرى عن جابر بن سمرة: (لم يكن في رأس رسول الله - ﷺ - شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادّهن واراهُن الدّهن) وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٢/ ٦٠٧).\n(٢) هذا إسناد صحيح وأخرج البخاري في صحيحه كتاب اللباس باب ما يذكر في الشيب (ح ٥٨٩٧) حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا سلّام عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلت على أم سلمة فأخرجت إلينا شعرًا من شعر النبي؛ - ﷺ - مخضوبًا.\nوقال الحافظ في شرحه لهذه الرواية: قوله (مخضوبًا) زاد يونس بالحناء والكتم، وكذا لابن أبي خيثمة، وكذا لأحمد عن عفان وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سلام فتح الباري (١١/ ٥٤٧).\nقلنا: والحديث أخرجه ابن ماجه حدثنا أبو بكر ثنا يونس بن محمد ثنا سلّام بن أبي مطيع عن عثمان بن موهب قال: دخلت على أم سلمة قال: فأخرجت إليّ شعرًا من شعر رسول الله - ﷺ - مخضوبًا بالحناء والكتم. وإسناده صحيح والله تعالى أعلم - (سنن ابن ماجه ٢ كتاب اللباس باب الخضاب والحناء ح ٣٦٢٣).\n(٣) إسناده ضعيف وحديث أبي رمثة هذا أخرجه غير واحد ولكن صع اختلاف فقد أخرجه أبو داود في غير موضع كما في كتاب الترجل باب في الخضاب ح (٤٢٠٦) ولفظه:\n(انطلقت مع أبي نحو النبي - ﷺ - فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء وعليه بردان أخضران) وإسناده =","vol":"2","page":372},{"text":"٣٣٦ - حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهديّ، عن إبراهيم -يعني ابن نافع- عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أمّ هانئ، قالت: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - وله ضفائر أربع (١). (٣: ١٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>ذكر الخبر عن بدء مرض رسول الله الذي توفي فيه وما كان منه قبيل ذلك لما نعيت إليه نفسه - ﷺ </span>-\n٣٣٦ / أ- قال أبو جعفر: يقول الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ قد مضى ذكرُنا قبلُ ما كان من تعليم رسول الله - ﷺ - أصحابه - في حجّته التي حجّها المسمّاة حجّة الوداع، وحجّة التمام، وحجة البلاع - مناسكَهم ووصيّته إياهم، بما قد ذكرت قبل في خطبته التي خَطَبها بهم فيها.\nثم إن رسول الله - ﷺ - انصرف من سَفَره ذلك بعد فراغه من حجّه إلى منزله بالمدينة في بقيّة ذي الحجّة، فأقام بها ما بقيَ من ذي الحجّة والمحرّم والصّفَر (٢). (٣: ١٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>(ثم دخلت سنة إحدى عشرة) - ذكر الأحداث التي كانت فيها </span>-\n٣٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة وعليّ بن مجاهد، عن محمد\n_________\n= صحيح وأخرجه الترمذي في الشمائل باب ما جاء في شيب رسول الله - ﷺ - عن أبي رمثة التيمي تيم الرباب قال: أتيت النبي - ﷺ - ومعي ابن لي قال: فأريته فقلت لما رأيته: هذا نبي الله - ﷺ - وعليه ثوبان أخضران وله شعر قد علاه الشيب وشيجه أحمر. وانظر المستدرك (٢/ ١٠٧) وأخرجه يعقوب بن سفيان بلفظ الطبري ومن طريق الضحاك كذلك. (البداية والنهاية ١٦٧/ ٤) والله أعلم.\n(١) حديث صحيح أخرجه ابن ماجه (باب اتخاذ الجمة والذوائب ح (٣٦٣١) ولفظه: دخل رسول الله - ﷺ - مكة وله أربع غدائر (تعني ضفائر).\nوأخرجه أبو داود كتاب الترجل ح (٤١٩١) والترمذي (٤ / ح ١٧٨١) وقال: حسن غريب.\n(٢) صحيح.","vol":"2","page":373},{"text":"ابن إسحاق، عن عبد الله بن عمر بن عليّ، عن عبيد بن جُبَير، مولى الحكم بن أبي العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي مُوَيهبة مولى رسول الله، قال: بعثني رسولُ الله - ﷺ - من جوف الليل، فقال لي: يا أبا مويهبة، إني قد أمرْتُ أن أستغفرَ لأهل البقيع؛ فانطلق معي، فانطلقت معه، فلمّا وقف بين أظهرهم، قال: السّلام عليكم أهلَ المقابر؛ ليَهْنِ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه! أقبلت الفِتَن كقِطَع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شرٌّ من الأولى. ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيحَ خزائن الدنيا والخلْد فيها، ثم الجنة، خترت بين ذلك وبين لقاء ربّي والجنة، فاخترتُ لقاء ربّي والجنّة، قال: قلت: بأبي أنت وأمّي! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلْد فيها، ثم الجنّة. فقال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربّي والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فبدئ رسول الله - ﷺ - بوجعه الذي قُبِض فيه (١). (٣: ١٨٨).\n_________\n(١) حديث أبي مويهبة هذا أخرجه الحاكم في المستدرك مع اختلاف في الإسناد إذ أخرجه (٣/ ٥٥) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبيد الله بن عمر بن حفص عن عبيد بن حنين مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أبي مويهبة به ثم قال الحاكم بعد انتهاء الرواية (٣/ ٥٦): هذا حديث صحيح على شرط مسلم إلا أنه عجب لهذا الإسناد.\nفقد حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب من أصل كتابه ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن ربيعة عن عبيد بن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة ﵃ عن رسول الله - ﷺ - نحوه.\nووافقه الذهبي في تصحيحه على شرط مسلم (المستدرك مع التلخيص ٥/ ٥٦).\nوقال الحافظ ابن كثير: لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وإنما رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به ثم ذكر الحافظ رواية الحاكم لهذه القصة من طريق آخر إشارة إلى الرواية (٥ / ح ١٥٩٩٧) من طريق أبي النضر ثنا الحكم بن فضيل ثنا يعلى بن عطاء عن عبيد بن جبير عن أبي مويهبة به مع زيادة واختلاف يسير وفي آخر الرواية فما لبث بعد ذلك إلّا سبعًا أو ثمانيًا حتى قبض (البداية والنهاية ٤/ ١٨٧).\nقلنا: والاضطراب في السند واضح. وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات إلا أن الإسناد الأول عن عبيد بن حنين عن عبد الله بن عمرو عن أبي مويهبة والثاني عن عبيد بن حنين عن أبي مويهبة (مجمع الزوائد ٩/ ٢٤).\nوالحديث أخرجه البزار (كشف الأستار ح ٨٦٣) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":374},{"text":"٣٣٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق.\nوحدّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا عليّ بن مجاهد، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، قالت: رجح رسول - ﷺ - من البقيع، فوجدني وأنا أجدُ صُداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! قال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه! ثمّ قال: ما ضرّكِ لو متِّ قبلي فقمتُ عليك وكفّنْتك، وصلَّيت عليك، ودفنتك! فقلت: والله لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعتَ إلى بيتي فأعْرستَ ببعض نسائك، قالت: فتبسّم رسولُ الله - ﷺ -، وتتامّ به وجعه؛ وهو يدور على نسائه حتى استُعِزّ به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يُمرّض في بيتي، فأذِنَّ له.\nفخرج رسولُ الله - ﷺ - بين رجُلين من أهله: أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخطّ قَدماه الأرض، عاصبًا رأسه حتى دخل بيتي.\nقال عبيد الله: فحدّثت هذا الحديث عنها عبدَ الله بن عباس، فقال: هل تدري من الرجل؟ قلت: لا، قال: عليّ بن أبي طالب. ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع.\nثم غُمِر رسول الله - ﷺ - وإشتدّ به الوجع؛ فقال: أهريقوا عليّ من سبع قِرَب من آبار شتّى؛ حتى أخرج إلى الناس فأعهدَ إليهم، قالت: فأقعَدْناه في مخضَب لحفصة بنت عمر، ثم صبَبْنا عليه الماء حتى طَفِق يقول: حَسْبُكم، حسبكم! (١). (٣: ١٨٨/ ١٨٩).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٦٤٢) من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن وأخرجه الحاكم من غير طريق ابن إسحاق مختصرًا ولفظه:\n(أن رسول الله - ﷺ - بدأه مرضه الذي مات فيه في بيت ميمونة ﵂ فخرج عاصبًا رأسه فدخل عليَّ بين رجلين تخط رجلاه الأرض عن يمينه العباس وعن يساره رجل. قال عبيد الله: أخبرني ابن عباس أن الذي عن يساره علي).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٥٦). =","vol":"2","page":375},{"text":"٣٣٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزّهريّ، عن أيوب بن بشير، أنّ رسولَ الله - ﷺ - خرجَ عاصبًا رأسه؛ حتى جلس على المنبر؛ ثم كان أوّل ما تكلّم به أنْ صلّى على أصحاب أحُد، واستغفر لهم؛ وأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إنّ عبدًا من عباد الله خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله. قال: ففهمها أبو بكر، وعلم أنّ نفسه يُريد، فبكى، وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: على رسْلك يا أبا بكر! انظروا هذه الأبواب الشوارع اللافظة في المسجد فسُدُّوها؛ إلَّا ما كان من بيت أبي بكر؛ فإنّي لا أعلم أحدًا كان أفضل عندي في الصحبة يدًا منه (١). (٣: ١٩٠/ ١٩١).\n٣٤٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن بعض آل أبي سعيد بن المُعَلّى، أن رسولَ الله قال\n_________\n= وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ح / ٤٤٤٢) قال: حدثنا سعيد بن عفير قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين الرجُلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة قال، قلت: لا. قال ابن عباس: هو علي. وكانت عائشة زوج النبي - ﷺ - تحدث أن رسول الله - ﷺ - لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل لعلي أعهد إلى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ. قالت: ثم خرج إلى الناس فصلّى لهم وخطبهم.\n(١) هذا إسناد ضعيف وله شواهد. فقد أخرج البخاري في صحبحه كتاب الصلاة (باب الخوخة والممر في المسجد ح ٤٦٦) عن أبي سعيد الخدري قال:\n\"خطب النبي - ﷺ - فقال: (إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله) فبكى أبو بكر ﵁، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله - ﷺ - هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا. قال: يا أبا بكر لا تبك، إن من أَمَنَّ الناس عليَّ في ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر\".\nوالحديث أخرجه مسلم (باب فضائل أبي بكر الصديق ح ٢٣٨٢) وأخرجه الطبري، أي حديث أبي سعيد هذا كما سيأتي بعد روايتين.","vol":"2","page":376},{"text":"يومئذ في كلامه هذا: فإنّي لو كنت متّخذًا من العباد خليلًا لاتَّخذت أبا بكر خليلًا؛ ولكن صحبة وإخاءُ إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده (١). (٣: ١٩١).\n٣٤١ - وحدّثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّثني عمّي عبد الله بن وهب، قال: حدَّثنا مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخُدريّ أن رسولَ الله - ﷺ - جلس يومًا على المنبر، فقال: إنّ عبدًا خيّره الله بين أن يؤتيه من زَهْرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله؛ فبكى أبو بكر ثم قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! قال: فتعجّبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد يخيّر، ويقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! قال: فكان رسول الله هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به؛ فقال رسولُ الله - ﷺ -: إنّ أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متّخذًا خليلًا لاتَّخذت أبا بكر خليلًا؛ ولكن أخوّة الإسلام، لا تبق خَوْخة في المسجد إلّا خَوْخة أبي بكر (٢). (٣: ١٩١).\n٣٤٢ - حدَّثنا أحمد بن حمّاد الدُّولابيّ، قال: حدَّثنا سُفيانَ، عن سليمان بن أبي مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدَّ برسول الله - ﷺ - وجعُه، فقال: ائتوني أكتب كتابًا لا تضلّوا بعدي أبدًا. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يُتنازع - فقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ! استفهموه؛ فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني فما أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه؛ وأوصى بثلاث؛ قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفدَ بنحوٍ مما كنت أجيزهم؛ وسكت عن الثالثة عمدًا أو قال: فنسيتها (٣). (٣: ١٩٢/ ١٩٣).\n_________\n(١) انظر الرواية السابقة.\n(٢) حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح كما بيّنا قبل روايتين ولقد أخرجه البخاري في موضع آخر كما عند الطبري في قوله - ﷺ -: (إن ليس من الناس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن خلّة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر) من حديث ابن عباس (كتاب الصلاة باب الخوخة والممر في المسجد ح ٤٦٧) مختصرًا عن الرواية السابقة (٤٦٦) والله أعلم.\n(٣) لهذه الرواية متابعة عند البخاري فقد أخرج من طريق قتيبة حدثنا سفيان عن سليمان الأحول =","vol":"2","page":377},{"text":"٣٤٣ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا ابنُ عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: يوم الخميس! ثم ذكر نحو حديث أحمد بن حماد، غير أنه قال: ولا ينبغي عند نبيّ أن ينازَع (١). (٣: ١٩٣).\n٣٤٤ - حدَّثنا أبو كُريب وصالح بن سَمّال، قال: حدَّثنا وكيع، عن مالك ابن مِغْوَل، عن طلحة بن مصرَّف، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! قال: ثم نظرتُ إلى دموعه تسيل على خدَّيه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: ائتوني باللَّوح والدّواة -أو بالكَتِف والدّواة- أكتب لكم كتابًا لا تضلّون بعده. قال: فقالوا: إن رسول الله يَهْجُر (٢). (٣: ١٩٣).\n٣٤٥ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّثني عَمِّي عبد الله بن وهب، قال: أخبرَني يونس، عن الزُّهريّ، قال: أخبرَني عبد الله بن كعب بن مالك؛ أنّ ابنَ عباس أخبره أنّ عليّ بن أبي طالب خرَج من عند\n_________\n= عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه فقال ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما شأنه أهَجَر استفهموه؟ فذهبوا يردون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه وأوصاهم بثلاث. قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها).\nالحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي ح ٤٤٣١ وفي مواضع أخرى، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الوصية ح ١٦٣٧) وأحمد ١/ ٢٢٢) والله تعالى أعلم.\n(١) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح كما ذكر عند الرواية السابقة.\n(٢) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح كما ذكرنا آنفًا وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ولفظ مسلم:\n(يوم الخميس وما يوم الخميس .. ثم بكى حتى بلَّ دمعه الحصى فقلت: يابن العباس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا.) الحديث.\n(صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ح ١٦٣٧) والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":378},{"text":"رسول الله - ﷺ - في وجعه الذي تُوفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن. كيف أصبَح رسولُ الله؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا، فأخذ بيده عبّاس بن عبد المطلب، فقال: ألا تَرَى أنك بعد ثلاث عَبْدُ العصا! وإني أرَى رسول الله سيُتَوفَّى في وجعه هذا؛ وإنّي لأعرفَ وجوه بني عبد المطلب عند الموت؛ فاذهب إلى رسول الله فسلْه فيمَنْ يكون هذا الأمر؟ فإن كان فينا علِمْنَا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصَى بنا. قال عليٌّ: والله لئن سألناها رسولَ الله فمنَعنَاها لا يعطيناها النّاس أبدًا؛ والله لا أسألها رسولَ الله أبدًا (١). (٣: ١٩٣).\n٣٤٦ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن عبّاس، قال: خرج يومئذ عليّ بن أبي طالب على الناس من عند رسولِ الله - ﷺ -، ثم ذكر نحوه؛ غير أنه قال في حديثه: أحلف بالله لقد عرفت الموتَ في وجه رسول الله كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب؛ فانطلقْ بنا إلى رسول الله؛ فإن كان هذا الأمر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا أمَرنا فأوصى بنا الناس؛ وزاد فيه أيضًا: فتوفّى رسولُ الله حين اشتدّ الضُّحَى من ذلك اليوم (٢). (٣: ١٩٣).\n٣٤٧ - حدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثنا أبي، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال لنا رسولُ الله - ﷺ -: أفرغوا عليّ من سبع قِرَب من سبع آبار شتّى، لعلّي أخرج إلى الناس فأعهَدَ إليهم (٣). (٣: ١٩٣).\n٣٤٨ - قال محمد، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة، قالت: فصببنا عليه من سبع قرَب، فوجد راحةً، فخرج فصلّى بالناس، وخطَبهم،\n_________\n(١) هذا إسناد حسن صحيح والحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب مرضه ووفاته - ﷺ - ح ٤٤٤٧ والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن والله تعالى أعلم.\n(٣) رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وهو جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري مع اختلاف يسير.\nفقد أخرج البخاري (كتاب المغازي ح ٤٤٤٢) أن عائشة زوج النبيّ - ﷺ - قالت: لما ثقل رسول الله واشتد وجعه .... الحديث وفيه: قال: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعليّ أعهد إلى الناس .... إلى آخر الحديث والله أعلم.","vol":"2","page":379},{"text":"واستغفر للشهداء من أصحاب أحُد، ثم أوصى بالأنصار خيرًا، فقال: أمّا بعد يا معشر المهاجرين، إنكم قد أصبحتم تزيدون. وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم، والأنصار عيبَتي التي أويت إليها، فأكرِموا كريمهم، وتجاوزوا عن مُسِيئهم. ثم قال: إنّ عبدًامن عباد الله قد خُيّر بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله؛ فلم يفقهها إلّا أبو بكر، ظنّ أنه يريد نفسَه، فبكى، فقال له النبيّ - ﷺ -: على رِسْلك يا أبا بكر! سدُّوا هذه الأبوابَ الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر؛ فإني لا أعلم امرأ أفضلَ يدًا في الصحابة من أبي بكر (١). (٣: ١٩٤).\n٣٤٩ - حدَّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطّان، قال: حدَّثنا سُفيان، قال: حدَّثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن عائشة، قالت: لَددْنَا رسولَ الله - ﷺ - في مرضه، فقال: لا تلُدُّوني! فقلنا: كراهيَةُ المريض الدواء. فلمّا أفاق قال: لا يبقى منكم أحدٌ إلا لُدّ؛ غير العبّاس فإنه لم يشهدْكم (٢). (٣: ١٩٥).\n٣٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق في حديثه الذي ذكرناه عنه، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة قالت: ثم نزلَ رسولُ الله - ﷺ -، فدخل بيته، وتتامّ به وجعُه حتىْ غُمِر، واجتمع عنده نساء من نسائه: أمّ سلَمة، وميمونة، ونساء من نساء المؤمنين؛ منهنّ أسماء بنت عُميس، وعنده عمُّه العباس بن عبد المطلب، وأجمعوا على أن يلُدُّوه، فقال العباس: لألُدّنه، قال: فلُدّ، فلما أفاقَ رسولُ الله - ﷺ -، قال: مَنْ صنع بي هذا؟ قالوا: يا رسول الله، عمّك العباس، قال: هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الأرض - وأشار نحو أرض الحبشة - قال: ولم فعلتم ذلك؟ فقال العباس: خشينا يا رسولَ الله أن يكون بك وجع ذات الجَنْب، فقال: إن ذلك لداء ما كان الله ليعذِّبَني به، لا يبقى في البيت أحدٌ إلا لُدّ إلّا عمّي. قال: فلقد لدّت ميمونة وإنها\n_________\n(١) لم يبين الطبري إسناده إلى محمد ولكن ابن هشام أخرجه إلى قوله عن مسيئهم وقد عنعن.\nوذكره الهيثمي من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٤٠). وأما الشطر الثاني فصحيح كما سبق.\n(٢) هذا إسناد صحيح والحديث صحيح أخرجه البخاري في غير ما موضع كما سنبين بعد رواية.","vol":"2","page":380},{"text":"لصائمة لقسم رسولِ الله - ﷺ -؛ عقوبةً لهم بما صنعوا (١). (٣: ١٩٥).\n٣٥١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، أدنّ عائشة حدّثته أدنّ رسولَ الله - ﷺ - حين قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجَنْب، قال: إنّها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلّطها علي (٢). (٣: ١٩٥).\n٣٥٢ - حُدّثتُ عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني الصّقْعب بن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، أنّ رسول الله - ﷺ - ثَقُل في وجعه الذي تُوُفَيَ فيه حتى أغْمِيَ عليه؛ فاجتمع إليه نساؤه وابنته وأهلُ بيته والعبّاس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وجميعهم؛ وإن أسماءَ بنت عُميس قالت: ما وجعه هذا إلّا ذات الجنْب، فلُدّوه، فلددناه، فلما أفاق، قال: مَنْ فعل بي هذا؟ قالوا: لَدَّتْك أسماء بنت عُميس؛ ظنّتْ أنّ بك ذات الجنْب. قال: أعوذ بالله أن يُبليَني بذات الجنْب؛ أنا أكرم على الله من ذلك (٣). (٣/ ١٩٥ / ١٩٦).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف والحديث صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب الديات باب إذا أصاب قوم من رجل ح (٦٨٩٧) من طريق عبيد الله بن عبد الله قال: قالت عائشة لددنا رسول الله - ﷺ - لا تلدوني قال فقلنا: كراهية المريض بالدواء - فلما أفاق قال: (ألم أنهكن أن تلدوني؟ قال: قلنا: كراهية للدواء فقال رسول الله - ﷺ -: لا يبقى منكم أحد إلا لُدّ، وأنا أنظر إلى العباس فإنه لم يشهدكم).\nوأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ح ٤٤٥٨) عن عائشة ﵂: لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن إلا تلدوني) فقلنا: كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال: (ألم أنهكم أن تلدوني، قلنا: كراهية المريض للدواء فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لُدّ وأنا انظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم).\nوالحديث أخرجه مسلم باب كراهية التداوي باللدود ح ٢٢١٣ مختصرًا والله أعلم.\n(٢) هذا إسناد ضعيف إلى ابن إسحاق ولكن أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله وهو يصدع ... الحديث وفيه: فأفاق رسول الله فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب فقال رسول الله - ﷺ -: إنها من الشيطان وما كان الله ليسلطه عليّ لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلّا عمي العباس فلدّ أهل البيت كلهم حتى ميمونة وإنها لصائمة وذلك بعين رسول الله - ﷺ - (دلائل النبوة ٧/ ١٦٩).\n(٣) هذا إسناد ضعيف وفي إسناده أبو مخنف وهو تالف هالك. وله ما يشهد له كما ذكرنا قبل قليل.","vol":"2","page":381},{"text":"٣٥٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حَدّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عُبَيد بن السَّبَّاق، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لما ثقُل رسولُ الله - ﷺ - هبطتُ وهبط الناس معي إلى المدينة، فدخلنا على رسول الله - ﷺ -، وقد أصْمت فلا يتكلّم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليّ، فعرفتُ أنه يدعُو لي (١). (٣: ١٩٦).\n٣٥٤ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - كثيرًا ما أسمعه، وهو يقول: إنّ الله ﷿ لم يقبض نبيًّا حتى يخيّره (٢). (٣: ١٩٦).\n٣٥٥ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي، عن الأعمش، قال: [و] حدَّثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: حدَّثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدَّثنا الأعمش، وحدّثنا عيسى بن عثمان بن عيسى، عن الأعمش عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما مرض رسولُ الله - ﷺ - المرضَ الذي مات فيه، أذَّنَ بالصلاة، فقال: مُرُوا أبا بكر أنْ يُصلِّيَ بالناس، فقلت: إنّ أبا بكر رجلٌ رقيق، وإنه متى يقوم مقامَك لا يطيق! قال: فقال: مروا أبا بكر يصلِّي بالناس، فقلت مثل ذلك، فغضب، وقال: إنكنّ صواحبُ يوسف - وقال ابن وكيع: \"صواحبات يوسف\" - مُروا أبا بكر يصلِّي بالناس، قال: فخرج يُهادَى بين رجلين وقدماه تخُطّان في الأرض؛ فلما دنا من أبي بكر، تأخّر أبو بكر؛ فأشار إليه رسولُ الله - ﷺ - أن قُمْ في\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٦٥١).\nوالترمذي في سننه باب مناقب أسامة ح (٣٨١٧) وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث فإسناده حسن.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٢٠١) والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، والحديث صحيح كما أخرج البخاري في صحيحه كتاب المغازي ح (٤٤٣٥) من حديث عروة عن عائشة ﵂ قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيّر بين الدنيا والآخرة فسمعت النبي - ﷺ - يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحّة يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ الآية فظننت أنه خيّر.","vol":"2","page":382},{"text":"مقامك، فقعد رسولُ الله - ﷺ -، فصلّى إلى جنب أبي بكر جالسًا. قالت: فكان أبو بكر يصلِّي بصلاة النبيّ، وكان الناس يصلّون بصلاة أبي بكر. اللفظ لحديث عيسى بن عثمان (١). (٣: ١٩٧).\n٣٥٦ - حدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدَّثنا شُعيب بن الليث، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم، عن عائشة قالت: رأيتُ رسولُ الله - ﷺ - يموت، وعنده قدحٌ فيه ماء يُدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعنِّي على سَكْرة الموت! (٢). (٣: ١٩٧).\n٣٥٧ - حدّثني محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدثنا آدم، قال: حدَّثنا الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - وهو يموت. ثم ذكر مثله؛ إلا أنه قال:\n_________\n(١) هذا إسناد مركب وحديث عائشة هذا حديث صحيح أخرجه البخاري من طريق الأعمش هذا ولفظه: (لما مرض رسول الله - ﷺ - مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأُذن فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي - ﷺ - من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأني انظر رجليه يخطان من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي - ﷺ - أن مكانك.\nثم أتي به حتى جلس إلى جنبه) قيل للأعمش: وكان النبي - ﷺ - يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم.\nرواه أبو داود عن شعبة عن الأعمش بعضه وزاد أبو معاوية جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائمًا (صحيح البخاري كتاب الأذان باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة ح ٦٦٤).\nوأخرجه (ح ٧١٣) عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... الحديث وفي آخره: فجاء رسول الله - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائمًا وكان رسول الله - ﷺ - يصلي قاعدًا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ - والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (صحيح البخاري كتاب الأذان باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم).\n(٢) هذا حديث صحيح كما سنذكر بعد الرواية التالية.","vol":"2","page":383},{"text":"أعِنّي على سَكَرات الموت (١). (٣: ١٩٨).\n٣٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، قال: حدَّثنا أنس بن مالك، قال: لما كانَ يوم الإثنين، اليوم الذي قُبِض فيه رسولُ الله - ﷺ -، خرجَ إلى الناس وهم يصلون الصبح، فرَفَعَ السّترَ، وفتح الباب، فخرج رسولُ الله؛ حتى قام بباب عائشة، فكاد المسلمون أن يفتتنُوا في صلاتهم برسول الله - ﷺ - حين رأوه؛ فَرَحًا به، وتفرَّجوا. فأشار بيده: أن اثبتوا على صلاتكم، وتبسّم رسولُ الله فرحًا لمّا رأى من هيئتهم في صلاتهم، وما رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - أحسن هيئة منة تلك الساعة؛ ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أنّ رسولَ الله - ﷺ - قد أفاق من وجعه، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسُّنْح (٢). (٣: ١٩٨).\n_________\n(١) أخرج البخاري في مواضع عدة منها ما أخرجه في كتاب الرقاق باب سكرات الموت ح (٦٥١٠) عن عائشة ﵂ كانت تقول: (إن رسول الله - ﷺ - كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء يشك عمر فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول: (في الرفيق الأعلى) حتى قبض ومالت يده.\nوقال الحافظ في الفتح معقبًا على هذه الرواية: وقع من رواية القاسم عن عائشة عند أصحاب السنن سوى أبي داود بسند حسن بلفظ (ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت) (الفتح ١١/ ١٦٩).\nقلنا: ولفظة (أعني على سكرات الموت) جاءت في رواية ابن ماجه (١ / ح ١٦٢٣) وأحمد (٩) مسند عائشة ح ٢٤٤١٠) والترمذي (١ / ح ٩٨٠).\nقلنا: وفي إسناده موسى بن سرجس لم يوثقه أحد وروي عنه روايات. وقال الحافظ في التقريب: مستور.\nوأما من المعاصرين فقد ضعفه الألباني والله أعلم.\n(٢) هذا إسناد ضعيف والحديث صحيح فقد أخرجه البخاري في مواضع عدة من حديث أنس ﵁ منها كتاب الأذان باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة (ح ٦٨٠) عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري - وكان تبع النبي - ﷺ - وخدمه وصحبه - أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي - ﷺ - الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي - ﷺ - ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كان وجهه ورقة مصحف، ثم تبسّم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي - ﷺ - فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي - ﷺ - خارج إلى الصلاة فأشار إلينا النبي - ﷺ - أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر فتوفي من يومه. =","vol":"2","page":384},{"text":"٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: رجع رسولُ الله - ﷺ - في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حِجْري، فدخل عليَّ رجل من آل بكر في يده سواك أخضر قالت: فنظر رسول الله - ﷺ - إلى يده نظرًا عرفتُ أنه يريده، فأخذته فمضغتُه حتى ألنْته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستنّ به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسواك قبله، ثم وضعه؛ ووجدت رسول الله يثقل في حِجْري. قالت: فذهبت أنظر في وجهه، فإذا نظره قد شَخص، وهو يقول: بل الرفيق الأعلَى من الجَنّة! قالت: قلت: خُيِّرتَ فاخترتَ والذّي بعثَك بالحق! قالت: وقُبِض رسول الله - ﷺ - (١) (٣: ١٩٩).\n٣٦٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن الزبير، عن أبيه عبّاد، قال: سمعتُ عائشةَ تقول: مِات رسولُ الله - ﷺ - بين سَحْري ونَحْري وفي دوْري؛ ولم أظلم فيه أحدًا، فمن سَفهي وحداثة سنِّي أنّ رسول الله قُبِض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة؛ وقصت ألتَدِمُ مع النساء، وأضرب وجهي (٢). (٣: ١٩٩).\n_________\n= والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١١٠) وابن ماجه في السنن (١ / ح ١٦٢٤) ولفظه:\n(آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - ﷺ - كشف الستارة يوم الإثنين فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف والناس خلف أبي بكر في الصلاة فأراد أن يتحرك فأشار إليه أن اثبت وألقى السجف ومات في آخر ذلك اليوم).\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وحديث عائشة هذا حديث صحيح فقد أخرجه البخاري في أكثر من موضع فقد أخرج في صحيحه (كتاب المغازي باب مرض النبي ووفاته ح ٤٤٥٠) عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: أين أنا غدًا .... الحديث وفيه قالت عائشة:\n(فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي فقبضه الله، وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله - ﷺ - فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله - ﷺ - فاستن به وهو مسند إلى صدري) والحديث أخرجه البخاري كذلك (ح ٤٤٥١، ٨٩٠، ٣١٠٠، ٣٧٧٤) وغير ذلك من المواضع مع اختلاف يسير وزيادة ونقصان على عادة البخاري في ذكر الحديث في مواضع عدة والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث إلّا أن أحمد أخرجه في مسنده =","vol":"2","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله - ﷺ - ومبلغ سنه يوم وفاته</span>\n٣٦٠ / أ- قال أبو جعفر: أما اليوم الذي مات فيه رسول الله - ﷺ -؛ فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنّه كان يومَ الإثنين من شهر ربيع الأوّل، غير أنه اختُلِف في أيّ الأثانين كان موته - ﷺ - (١). (٣: ١٩٩/ ٢٠٠).\n٣٦١ - قال: وأقبلَ أبو بكر حَتى نزل على باب المسجد حين بلَغه الخبر، وعمَر يكلّم الناس؛ فلم يلتفت إلى شيء حتى دخلَ على رسول الله - ﷺ - في بيت عائشة؛ ورسول الله مُسَجًّى في ناحية البيت، عليه بُرْد حِبَرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه فقبَّله، ثم قال: بأبي أنت وأمّي! أما المَوْتة التي كتب الله عليك فقد ذُقْتَها، ثمّ لن يصيبَك بعدها موتةٌ أبدًا. ثم رَدَّ الثَّوْب على وجهه، ثم خرج وعمرُ يكلّم الناس، فقال: على رِسْلِك يا عمر! فأنصت، فأبى إلّا أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا يُنصِت أقبل على الناس، فلمّا سمع الناسُ كلامَه أقبلوا عليه (٢). (٣: ٢٠٠).\n_________\n= (١/ مسند السيدة عائشة / ح ٢٦٤٠٨) من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن وفيه (وفي دولتي) بدلًا من (وفي دوري) وكذلك أخرجه ابن هشام (٢/ ٣٧١).\nقلنا: وأخرج الإمام أحمد (٩ مسند عائشة ح ٢٤٩٥٩) عن عائشة ﵂ قالت: قبض رسول الله - ﷺ - ورأسه بين سحري ونحري قالت: فلما خرجت نفسه لم أجد ريحًا قط أطيب منها).\nوقال الحافظ معقبًا على هذه الرواية: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ورواه البيهقي من حديث حنبل بن إسحاق عن عفان (البداية والنهاية ٤/ ٢١٠).\n(١) صحيح.\n(٢) أغلب الظن أنه من كلام ابن إسحاق بلاغًا وهو حديث صحيح. فقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته ح ٤٤٥٣):\n١ - حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة أن عائشة أخبرته أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من سكنه بالشُنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله - ﷺ - وهو مغشي بثوب حبرة =","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>[ذكر جهاز رسول الله - ﷺ - ودفنه]</span>\n٣٦١ / أ- قال أبو جعفر: فلما بويع أبو بكر أقبلَ الناسُ على جِهازِ رسولِ الله - ﷺ -، فقال بعضهم: كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء؛ وذلك الغدُ من وفاتِه - ﷺ -.\nوقال بعضهم: إنما دُفن بعد وفاته بثلاثة أيام، وقد مضى ذكرُ بعض قائلي ذلك (١). (٣: ٢١١).\n٣٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عَبَّاد، عن أبيه عَبّاد، عن عائشة، قالت: لما أرادوا أن يَغْسِلوا النبيّ - ﷺ - اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري أنُجرّد رسولَ الله من ثيابه كما نجرّد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه! فلما اختلفوا ألقيَ عليهم السِّنَةُ حتى ما منهم رجل إلا وذقْنُه في صدره، ثم كلّمهم متكلّم من ناحية البيمت لا يُدْرى مَنْ هو: أن اغسلوا النبيّ وعليه ثيابُه؛ قالت: فقاموا إلى رسولِ الله - ﷺ - فغسّلوه وعليه قميصه يصبّون عليه الماء فوق القميص، ويدلُكونه والقميص دون أيديهم.\n_________\n= فكشف عن وجهه ثمَّ أكب عليه فقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقدْ متَّها.\n٢ - ح (٤٤٥٤): قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان منكم يعبد محمدًا - ﷺ - فإن محمدًا قد مات ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: [الشَّاكِرِينَ] وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي - ﷺ - قد مات.\n٣ - وأخرج (ح ٤٤٥٥) حدثني عبد الله بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس أن أبا بكر ﵁ قبل النبي - ﷺ - بعد موته.\n(١) صحيح.","vol":"2","page":387},{"text":"قال: فكانت عائشة تقول: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسّله إلا نِساؤه (١). (٣: ٢١٢).\n٣٦٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن حسين. قال ابن إسحاق: وحدّثني الزّهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: فلما فُرغ من غُسْل رسولِ الله - ﷺ - كُفِّن في ثلاثة أثواب: ثوبين صُحَارِيَّيْن وبُرد حِبَرَة؛ أدرج فيها إدراجًا (٢). (٣: ٢١٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد عنعن ولكن أخرجه أبو داود (٢ / ح ٣١٤١) من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث وإسناده حسن والله تعالى أعلم وانظر طبقات ابن سعد (٢/ ٢٧٧).\n(٢) حديث صحيح أخرجه البخاري كتاب الجنائز (ح ١٢٦٤) عن عائشة ﵂: إن رسول الله - ﷺ - كفّن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة. والحديث أخرجه غير واحد من الأئمة إلا أن رواية الطبري من طريق ابن إسحاق ذكرت (برد حبرة).\nوهنا إشكال ظاهر فالسيدة عائشة ﵂ قالت (كما أخرج عنها مسلم): أما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها فتركت الحلة، كفن في ثلاثة أثواب سحولية ..... الحديث. (صحيح مسلم كتاب الجنائز ح (٩٤١).\nوفي رواية ابن ماجه عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة فقيل لعائشة: إنهم كانوا يزعمون أنه قد كان كفن في حبرة فقالت عائشة: قد جاؤوا ببرد حبرة فلم يكفنوه (سنن ابن ماجه ١ كتاب الجنائز ح ٤٦٩) وإسناده صحيح.\nوكذلك أخرج أبو داود في سننه (٢ / ح ٣١٥٢) عن عائشة ﵂ وفيه:\n(فذكر لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة فقالت قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه) وإسناده صحيح.\nقلنا: فلعل محمد بن إسحاق أو أحد شيوخه من الرواة نسي عبارة: (ثم أخر عنه) كما في رواية أبي داود (كتاب الجنائز ح ٣١٤٩) عن عائشة ﵂: أدرج رسول الله - ﷺ - في ثوب حبرة ثم أُخّر عنه.\nهذا إن كان إسناد ابن إسحاق موصولًا؛ ولا نظنه كذلك لأنه عن علي بن الحسين دون ذكر اسم الصحابي فهو مرسل والله تعالى أعلم.\nلقد ذكرنا الرواية (٣/ ٢١٣/ ٤٥١) في قسم الضعيف وسنذكر هنا ما صحّ في دفنه - ﷺ - فقد =","vol":"2","page":388},{"text":"٣٦٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت محمد بن عُمارة، امرأة عبد الله -يعني ابن أبي بكر- عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمِعنا صوتَ المَسَاحي من جوف الليل ليلة الأربعاء (١). (٢١٣: ٣).\n_________\n= أخرج ابن ماجه في سننه (٨ / ح ١٥٥٦) عن سعد ﵁ قال: ألحدوا لي لحدًا وانصبوا عليّ اللبن نصبًا كما فعل برسول الله - ﷺ -.\nوأخرج ابن ماجه (١ / ح ١٥٥٧) من طريق المبارك بن فضالة حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لما توفي رسول الله - ﷺ - كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي - ﷺ -.\nوقال في الزوائد: في إسناده مبارك بن فضالة وثقه الجمهور وصرّح بالتحديث فزالت تهمة تدليسه وباقي رجال الإسناد ثقات فالإسناد صحيح وأخرج (١ / ح ١٥٥٨) عن عائشة ﵂ قالت: لما مات رسول الله - ﷺ - اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله - ﷺ - حيًّا ولا ميتًا أو كلمة نحوها.\nفأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعًا فجاء اللاحد فلحد لرسول الله - ﷺ - ثم دفن.\nوقال في الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات. اهـ.\nوأخرج الإمام مالك في موطئه (ح ٥٥٤ / كتاب الجنائز) عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا: كان بالمدينة حفاران فلما مات النبي - ﷺ - قالوا: أين ندفنه فقال أبو بكر: في المكان الذي مات فيه، وكان أحدهما يلحد والآخر يشق فجاء الذي يلحد فلحد للنبي - ﷺ -.\nوأخرجه الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا موصولًا عن عروة عن عائشة ﵂ كما في البداية والنهاية (٤/ ٢١).\nوأخرج الترمذي (كتاب الجنائز ح ١٠٢٠) عن عائشة ﵂ قالت: لما قبض النبي - ﷺ - اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته قال: ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه! ادفنوه في موضع فراشه.\nوأخرج البيهقي في الدلائل (٧/ ٢٦٠) عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله قال: لما مات رسول الله اختلفوا في دفنه .... الحديث وفيه: فقال أبو بكر: ما قبض الله نبيًّا إلا دفن حيث قبض.\nوهذا إسناد مرسل وللحديث شواهد ذكرها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٢١ - ٢٢) والله تعالى أعلم.\n(١) في إسناده فاطمة بنت عمارة لم نجد لها ترجمة ولكن أخرج أحمد (٦/ ١١٠) عن عائشة =","vol":"2","page":389},{"text":"٣٦٥ - حدَّثني ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه إسحاق بن يَسار، عن مِقْسَم أبي القاسم، مولَى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد الله بن الحارث، قال: اعتمرتُ مع عليّ بن أبي طالب في زمان عمر -أو زمان عثمان- فنزل على أخته أمّ هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عُمرته رجع وسكبتُ له غسلًا فاغتسل؛ فلمّا فرغ من غُسْله دخل عليه نفرٌ من أهل العراق؛ فقالوا: يا أبا الحسن؛ جئنا نسألك عن أمر نحبّ أن تخبرنا به! فقال: أظنّ المغيرة يحدّثكم أنه كان أحدثَ الناس عهدًا برسول الله - ﷺ - قالوا: أجل، عن ذا جئنا نسألك! قال: كذب؛ كان أحدثُ الناس عهدًا برسول الله قُثَمَ بن العبّاس (١). (٣: ٢١٤).\n٣٦٦ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، قالت: كان على رسولِ الله - ﷺ - خميصة سوداء حين اشتدّ به وجعُه، قالت: فهو يَضَعُها مرّة على وجهه، ومرّة يكشفها عنه، ويقول: قاتل الله قومًا اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ! يحذَر ذلك على أمته (٢). (٣: ٢١٤).\n_________\n= ﵂ قالت: توفي النبي - ﷺ - يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء (٦/ ١١٠) ورجاله ثقات.\nوأخرج (٦/ ٢٧٤) عن عائثة ﵂ (ما علمنا بدفنه حتى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل ليلة الأربعاء).\nوجوّد الألباني إسناده (مختصر الشمائل ص ١٩٧).\n(١) هذا إسناد ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن إلا أن رواية الطبري من طريق شيخه ابن حميد الرازي زادت لفظة (قال كذب) أي شعبة، والأغلب أنه من تلفيق ابن حميد الرازي فهو متهم بالكذب عند بعض أئمة الحديث والأكثرون على تضعيفه وهو صاحب بدعة كما لا يخفى.\nوأخرجه أحمد (١/ ١٠١) من طريق ابن إسحاق هذا ولم يذكر لفظة (كذب) والله تعالى أعلم.\nولم نذكر في قسم الصحيح أية رواية رواها ابن حميد إلّا إذا وجدنا لها تابعًا أو شاهدًا والله أعلم بالصواب.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف والحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الصلاة ح ٤٣٥) من طريق الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم =","vol":"2","page":390},{"text":"٣٦٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسول الله - ﷺ - أنه قال: لا يُتْرَك بجزيرة العرب دينان (١). (٢١٤: ٣/ ٢١٥).\nواختلف في مبلغ سنّه يوم توفي - ﷺ -، فقال بعضهم: كان له يومئذ ثلاث وستون سنة.\nذكر من قال ذلك:\n٣٦٨ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد -يعني ابنَ سلَمة- عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: أقام رسولُ الله - ﷺ - بمكّة ثلاث عشرة سنة يُوحَى إليه، وبالمدينة عشرًا؛ ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة (٢). (٣: ٢١٥).\n٣٦٩ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد، عن أبي جمرة، عن أبيه، قال: عاش رسولُ الله - ﷺ - ثلاثًا وستين سنة (٣). (٢١٥: ٣).\n٣٧٠ - حدَّثنا محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدثنا\n_________\n= بها كشفها في وجهه فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذّر ما صنعوا.\nوأخرجه في مواضع أخرى من صحيحه وأخرجه مسلم (باب النهي عن بناء المساجد على القبور ح ٥٣١) وغير واحد والله أعلم.\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرح بالتحديث فإسناده حسن (٢/ ٣٧٧) والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٥) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع (مجمع الزوائد ٥/ ٣٢٥).\n(٢) حديث ابن عباس هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - في أقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه وبالمدينة عشرًا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة صحيح مسلم كتاب الفضائل باب كم أقام النبي - ﷺ - بمكة والمدينة (١١٨، ٢٣٥١).\n(٣) رجال الإسناد ثقات.","vol":"2","page":391},{"text":"حمّاد بن سلمة، قال: حدَّثنا أبو جمرة الضُّبعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسولُ الله - ﷺ - لأربعين سنة، وأقام بمكّة ثلاث عشرة يوحى إليه، وبالمدينة عشرًا، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة (١). (٣: ٢١٥/ ٢١٦).\n٣٧١ - حدّثني أحمدُ بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّثني عمي عبد الله، قال: حدَّثنا يونس، عن الزُّهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: توفَّيَ رسولُ الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين (٢). (٣: ٢١٦).\nوقال آخرون: كان له يومئذ خمس وستون.\nذكر من قال ذلك:\n٣٧٢ - حدثني زياد بن أيّوب، قال: حدَّثنا هُشَيم، قال: أخبرنا عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: قبِض النبيّ - ﷺ - وهو ابن خمس وستين (٣). (٣: ٢١٦).\n٣٧٣ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي،\n_________\n(١) حديث ابن عباس هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ولفظه بُعث رسول الله - ﷺ - لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين. كتاب مناقب الأنصار (ح ٣٩٠٢).\n(٢) هذا إسناد حسن صحيح وحديث عائشة أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المناقب باب وفاة النبي - ﷺ - ح (٣٥٣٦) من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - توفي وهو ابن ثلاث وستين.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب كم كان سن النبي - ﷺ - يوم قبض (١١٥/ ٦٢٥٤) وغيرهما.\n(٣) حديث ابن عباس هذا حديث صحيح أخرجه أحمد (مسند عبد الله بن عباس (١ ح ١٩٤٥) ومسلم: كتاب الفضائل باب كم أقام النبي - ﷺ - بمكة والمدينة (١٢٢/ ٢٣٥٣) ولفظه:\n(أقام رسول الله - ﷺ - بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئًا وثماني سنين يوحى إليه وأقام بالمدينة عشرًا).\nوفي رواية أخرى عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت ابن عباس ﵄: كم أتى لرسول الله - ﷺ - يوم مات فقال: ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك. قال قلت: إني قد سألت الناس فاختلفوا عليّ فأحببت أن أعلم قولك فيه؟ قال: أتحسب؟ قال قلت: نعم قال: أمسك أربعين بعث لها، خمس عشرة بمكة يأمن ويخاف، وعشرًا من مهاجره إلى المدينة (كتاب الفضائل باب كم كان سِنُّ النبي - ﷺ - يوم قبض). =","vol":"2","page":392},{"text":"عن قتادة، عن الحسن، عن دغْفل -يعني ابن حنظلة- أن النبيّ - ﷺ - توفيَ وهو ابن - (١) خمس وستين سنة. (٣: ٢١٦).\nوقال آخرون: بل كان له يومئذ ستون سنة.\nذكر من قال ذلك:\n٣٧٤ - حدثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا حجاج، قال: حدَّثنا حمّاد، قال: حدَّثنا عمرو بن دينار، عن عُروة بن الزبير، قال: بُعِث رسولُ الله - ﷺ - وهو ابن أربعين، ومات وهو ابن ستين (٢). (٣: ٢١٦).\n٣٧٥ - حدَّثنا الحسينُ بن نصر، قال: أخبرَنا عبيدُ الله، قال: أخبرنا شيبان، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن أبي سلَمة، قال: حدثتني عائشة وابنُ عبّاس، أن رسولَ الله - ﷺ - لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا (٣). (٣: ٢١٦).\n* * *\n_________\n(١) الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الشمائل باب ما جاء في سنّ رسول الله - ﷺ - (ح ٣٨٣) وقال الترمذي: دغفل لا يعرف له سماع عن النبي - ﷺ - وقال البيهقي: وهذا يوافق رواية عمار ومن تابعه عن ابن عباس، ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح منهم أوثق وأكثر. . (البداية والنهاية ٤/ ١١).\nوسنذكر هذه الأقوال مع الرأي الراجح بعد انتهائنا من ذكر الروايات إن شاء الله تعالى.\n(٢) هذا إسناد مرسل وله شواهد سنذكرها بعد الرواية التالية.\n(٣) أخرج البخاري في كتاب المناقب باب صفة النبي - ﷺ - (ح ٣٥٤٧) من حديث أنس: ﵁ في صفته - ﷺ - وفيه:\n(أنزل عليه وهو ابن أربعين فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه وبالمدينة عثر سنين وقبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ... إلى آخر الرواية).\nوأخرجه من رواية أخرى عنه (ح ٣٥٤٨) وفيه: (بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتوفاه الله ... إلى آخر الحديث).\nوأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل باب صفة النبي ومبعثه وسنه ١١٣/ ٢٣٤٧) وفيه: (بعثه الله ﷿ على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء).\nقلنا: ولقد ذكر الحافظ ابن كثير رواية البخاري ومسلم في السيرة النبوية قائلًا:\nوثبت في الصحيحين من حديث مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله - ﷺ - ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق ولا بالأدم =","vol":"2","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله ﷿ على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء). (البداية والنهاية ٨/ ٤).\nقلنا: وكان الأولى بالحافظ ابن كثير أن يبين أكثر فيقول واللفظ لمسلم وإلا فإن رواية البخاري لم تذكر عبارة (وتوفاه الله على رأس ستين سنة) وإنما يفهم ذلك من معنى الرواية ولذلك قال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث أنس عند البخاري: قوله: (فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه) مقتضى هذا أنه عاش ستين سنة (فتح الباري ٧/ ٢٦٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-311> خلاصة القول في سنّه - ﷺ - يوم توفاه الله - ﷿ </span>-\nقال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى: ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح فَهُم أوثق وأكثر وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة وإحدى الروايتين عن أنس والرواية الصحيحة عن معاوية وهي قول سعيد بن المسيب وعامر الشعبي وأبي جعفر محمد بن علي رضي الله عهم.\nذكر قول البيهقي هذا الحافظ ابن كثير: ثم ذكر أسماء أخرى تكملة لما ذكره البيهقي فقال:\nقلت (أي ابن كثير): وعبد الله بن عقبة والقاسم بن عبد الرحمن والحسن البصري وعلي بن الحسين وغير واحد (البداية والنهاية ٤/ ١١).\nوقال الحافظ ابن حجر: (والحاصل أن كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور وهم ابن عباس وعائشة وأنس.\nولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاث وستين وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد وقال أحمد: وهو الثبت عندنا). (فتح الباري ٨/ ١٥١).","vol":"2","page":394},{"text":"صحيح تاريخ الطبري\nالخلافة الراشدة\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nوبإشراف عام من الدكتور\nالشيخ يحيى بن إبراهيم اليحيى\nفيما يتعلق بمرويات أبي مخنف\nالمجلّد الثالث\nدَار ابْن كَثير\nدمشق- بَيروت","vol":"3","page":1},{"text":"بسم الله الحمن الرحيم","vol":"3","page":2},{"text":"صحيح تاريخ الطبري<span data-type=\"title\" id=toc-312> الخلافة الراشدة</span>","vol":"3","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>(مقدمة في منهج تحقيقنا لتأريخ الطبري فيما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين)</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:\nفإن تأريخ الإمام الطبري فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين من أوسع المصادر التأريخية المتقدمة وأكثرها اعتناءً بالإسناد إلا أن الطبري ﵀ اعتمد [في تأريخ حروب الردة وفتوح الشام والعراق ومجريات الأحداث في هذا العهد على مرويات سيف بن عمر التيمي وبكثرة، وكذلك اعتمد مرويات أبي مخنف، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على تضعيف أبي مخنف فقال ابن حبان: رافضي يشتم الصحابة ويروي بالموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦).\nوقال ابن عدي: حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترف صاحب أخبارهم (الكامل ٦/ ٢١١٠).\nوقال ابن معين: ليس بشيء (تأريخ ابن معين ٢/ ٥٠٠) وعقب ابن عدي قائلًا: (وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمة) (الكامل الموضع السابق).\nوقال أبو حاتم: متروك الحديث (الجرح والتعديل ٧/ ١٨٢). ورأي ابن حجر فيه هو ما ذكره في لسان الميزان (٤/ ٤٩٢) لوط بن حييى - أبو مخنف - أخباري تالف لا يوثق به. تركه أبو حاتم وغيره. اهـ.\nقلنا: ولذلك وضعنا معظم روايات أبي مخنف في قسم الضعيف، وبيّنا ما في متونها من نكارة، ولم نجد له إلا روايات قليلة جدًّا توافق ما رواه الثقات. ولم","vol":"3","page":5},{"text":"نُطِل كثيرًا في نقد رواياته فقد كفانا الأستاذ يحيى اليحى ذلك في كتابه القيم (مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري - عصر الخلافة الراشدة - دراسة نقدية).\nأما بالنسبة لروايات سيف بن عمر التميمي وهي الأكثر ورودًا في عهد أبي بكر الصديق عند الطبري؛ فقد وضعنا منهجًا نرجوا أن قد التزمنا به في تحقيقنا هذا. وقبل ذكر شروطنا في التفاصيل مع مرويات سيف لا بد أن نذكر أقوال العلماء فيه ولو باختصار. أما بالنسبة للحديث؛ فهو ضعيف عند جمهور النقاد.\nقال الدارقطني: ضعيف (التهذيب ٤/ ٢٩٦).\nوقال النسائي: ضعيف (الضعفاء والمتروكين / ٥١).\nوقال العقيلي: ولا يتابع عليه، ولا على كثير من حديثه (الضعفاء الكبير ٢/ ١٧٥).\nوقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وكان يضع الحديث (المجروحين ١/ ٣٤٥). قلنا: وهذا زيادة في الجرح في ابن حبان وهو معروف بتساهله في التوثيق وتشدده في الجرح ولذلك قال الحافظ في التقريب (١/ ٢٦٢): أفحش ابن حبان القول فيه.\nأما بالنسبة للروايات التأريخية؛ فقد قال ابن حجر في التقريب: (عمدة في التأريخ). وقال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا (الميزان ٢/ ٢٥٥). ولذلك قال عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى (قسم التأريخ الإسلامي) د. خالد الغيب: ينقسم الحديث عن درجة سيف العلمية إلى قسمين:\nالأول: يتعلق بسيف المحدث.\nوالثاني: يتعلق بسيف الأخباري (استشهاد عثمان وموقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية ٢٨). ويرى المؤرخ الإسلامي المعاصر الأستاذ العمري: أن سيفًا هذا ضعيف جدًّا في التأريخ.\nقلنا: من أجل ما سبق وضعنا بعضًا من روايات سيف في قسم الصحيح بالشروط التالية:\n١ - بعد أن وجدنا لهما أصلًا صحيحًا ابتداءً بالبخاري ومرورًا ببقية كتب الحديث - وانتهاءً بالمصادر التأريخية الموثوقة.","vol":"3","page":6},{"text":"٢ - بعد أن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات ممَّا يتعلق بالمسائل العقيدية، والحلال، والحرام.\n٣ - بعد أن تأكدنا من خلوّ هذه الروايات من طعن في عدالة الصحابة، أو غمز ولمز بهم، وبتعاملهم مع بعضهم البعض.\n٤ - بعد أن تأكدنا من خلو هذه الروايات من الانحياز إلى اتجاه سياسي معروف في عهد الخلفاء الراشدين.\nأما بقية الروايات (وهي الأكثر) فقد وضعناها في الضعيف وبيَّنا ما فيها من نكارة، أو غرابة. ولقد أسهب الدكتور خالد الغيث في تقييمه لروايات سيف في رسالته الجامعية فلا نريد أن نذكر تفاصيل ذلك إلَّا أنَّا نضيف معلقة صغيرة فيما يتعلق بالطعون الواردة في روايات سيف ونفي (الطعن في عدالة الصحابة) وهو أن البلاء ليس من سيف فحسب، وإنما أكثر البلاء من تلميذه وراويته شعيب، وأغلب الروايات من طريقه، فهو المعروف بتحامله على الصحابة (ليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة وفيها تحامل على السلف / اللسان ٣/ ١٤٥).\nواعتبرنا هذه الطريق (طريق شعيب عن سيف) أشد مرويات سيف ضعفًا عند الطبري. أما أقل مرويات سيف ضعفًا أو أصحها (وليس صحيحها) فهو طريق: (حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمّي، قال: حدثنا سيف) والله أعلم.\nثانيًا: أما فيما يتعلق بالمصادر التي اعتمدنا عليها في تقسيمنا لمرويات الطبري التاريخية فهي كما يلي:\n١ - تأريخ خليفة بن خياط: فهو مؤرخ معتمد ثقة توفي (٢٤٠ هـ) أي: بعد أنه بدأ الطبري بطلب الحديث بأربع سنوات -وهو يدرس التأريخ دراسة حولية بالإضافة إلى كتابته التأريخ بصيغة أخرى هي تدوين التأريخ من خلال دراسة الشخصيات التأريخية. الأنبياء، ثم الصحابة، ثم أئمة التابعين، وذلك في كتابة القيم المعروف (طبقات خليفة).\n٢ - فتوح البلدان للبلاذري: والذي اهتم اهتمامًا بالغًا بتأريخ الفتوح وهو يعتمد الإسناد كسلفه خليفة، إلَّا أن خليفة يذكر الإسناد ويعتمده أكثر من","vol":"3","page":7},{"text":"البلاذري الذي توفي (٢٧٩ هـ). وكذلك اعتمد البلاذري الإسناد في دراسته لشخصيات الصحابة في كتابه التاريخي القيّم (أنساب الأشراف).\n٣ - والمصدر الثالث الذي اعتمدنا في مقارنتنا لروايات الطبري التأريخية هو (الطبقات الكبرى لابن سعد). وإن كان ابن سعد يعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، وهو متروك ولهذا لم نعتمد هذه الروايات إلَّا ما كان له متابعة، أو شاهد.\n٤ - ومن المصادر المتقدمة الأخرى التي اعتمدناها في تحقيقنا لمرويات الطبري التأريخية (كتاب المعرفة والتأريخ) ليعقوب بن سفيان، وكذلك (الأخبار الطوال). للدينوري ت (٢٨٢ هـ).\n٥ - ومعلوم: أن عددًا من المؤرخين الثقات برزوا في القرون التالية، ومنهم ابن عساكر الذي عاش في القرن الخامس الهجري واشتهر كتابه تأريخ دمشق وهو بحق سفر تأريخي قيَّم اعتمد فيه الإسناد ورجَّح أحيانًا بين الروايات التأريخية فذكرنا ترجيحاته واعتمدنا مختصر تأريخية (لابن منظور ﵀) وكذلك راجعنا روايات الكلاعي في كتابه (الاكتفاء) وابن الجوزي في كتابه المعروف (المنتظم).\n٦ - أما بالنسبة للأئمة المتأخرين الذين برزوا في التأريخ بالإضافة إلى كونهم أئمة في الحديث؛ فقد اعتمدنا تاريخ الإسلام للذهبي وذكرنا أحيانًا تصحيحاته وتعليقاته على الروايات التأريخية، وكذلك اعتمدنا (البداية والنهاية لابن كثير) وذكرنا ترجيحات ابن كثير وتصويباته.\n٧ - أما بالنسبة للحافظ ابن حجر؛ فقد اعتمدنا على كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وخاصة فيما يذكره عن تأريخ الصحابة واشتراكهم في حروب الردة ومعارك الفتوح مشيرًا إلى روايات الأئمة المحدثين المتقدمين في كتبهم التي اطلع عليها ذاكرًا أسانيدهم فنذكرها بأسانيدها وهو أحيانًا يحكم على هذه الأسانيد وأحيانًا يسكت عنها (من أمثال ما كتبه ابن السكن، وابن شاهين، وابن مندة، وغيرهم).\n٨ - وأخيرًا فقد رجعنا فيما رجعنا إليه إلى كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي.\n٩ - أما فيما يتعلق بالصحاح، والمسانيد، والسنن، والمستدركات،","vol":"3","page":8},{"text":"والمصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وغيره ففيها روايات تأريخية قليلة جدًّا بالنسبة لمرويات الطبري وغيره ولكننا ذكرناها قبل غيرها فهي لنا كالكنز الثمين لأنها مسندة موصولة ورجال أسانيدها ثقات في الغالب.\n١٠ - كنَّا نتمنى أن نطلع على ما كتبه الأستاذ الفاضل العمري في كتابه (تأريخ الخلفاء الراشدين) فهو مؤرخ معاصر معروف بتحريّه للروايات المسندة الصحيحة في التأريخ ونرجو أن نحصل عليه لاحقَّا إن شاء الله ومع ذلك فقد اطلعنا على بعض الرسائل الجامعية القيمة (مرويات أبي مخنف، مرويات سيف بن عمير، موقف الصحابة في الفتنة، عبد الله بن سبأ ... إلخ من الرسائل التي تطرقنا إلى ذكرها أثناء التحقيق).\nوكذلك اطلعنا على ما كتبه الأستاذ المؤرخ باشميل عن فتوح الشام فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء ولا ندعي: أننا أصبنا كبد الحقيقة في تحقيقنا للروايات التأريخية ولكنّا حاولنا جهد المستطاع أن نظهر للقارئ الكريم عظمة التأريخ الإسلامي الذي طالما شوَّهه المستشرقون حسدًا، وحقدًا، وعدوانًا، فإن أصبنا في شيء؛ فمن الله التوفيق، وإن أخطأنا؛ فمن عند أنفسنا ونستغفر الله.\n* * *","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>صحيح تأريخ أبي بكر الصديق ﵁</span>","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>نبذة من فضائل أبي بكر</span>\nوقبل الدخول في عهد الخليفة الأول - ﵁ - نقدم بين يديّ الموضوع نبذة من فضائله.\n١ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٤٦٧) حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرجَ رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقةٍ، فقعد على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: \"إنه ليس من الناس أحدٌ أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سُدُّوا كل خوخةٍ في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر\". صحيح. وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٠ و٣٥٩) وفي فضائل الصحابة (٦٧) والنسائي في فضائل الصحابة (١) وابن أبي عاصم في السنة (١٢٢٨).\n٢ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٦٢): حدثنا معلي بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، قال خالد الحذاء: حدثنا أبي عثمان، قال: حدثني (عمرو بن العاص ﵁: أن النبي - ﷺ - بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيتُهُ فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\" فقلت: من الرجال؟ قال: \"أبوها\". قلت: ثم من؟ قال: \"ثم عمر بن الخطاب\" فعد رجالًا. صحيح. وأخرجه مسلم (٢٣٨٤) والترمذي (٣٨٨٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٢١٤) وابن أبي عاصم في السنة (١٢٣٥) وعبد بن حميد في المنتخب بتحقيق مصطفى العدوي (٢٩٥) والنسائي في فضائل الصحابة (٥).\n٣ - أخرج مسلم في صحيحه رقم (٨٣٢): حدثني أحمد بن جعفر المعقري،","vol":"3","page":13},{"text":"حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة - قال عكرمة: ولقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنسًا إلى الشام وأثنى عليه فضلًا وخيرًا -. قال: قال عمرو بن عبسة السُّلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظنُّ: أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء؛ وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه؛ فإذا رسول الله - ﵌ - مستخفيًا جُرَآءُ عليه قومه، فتلطفتُ حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: \"أنا نبيٌّ\". فقلت: وما نبيٌّ؟ قال: \"أرسلني الله\"، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: \"أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله لا يشرك به شيء\". قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: \"حرٌّ، وعبدٌ\"، قال: ومعه يومئذٍ: أبو بكر، وبلال ممَّن آمن به ...\n٤ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٦١): حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله، عن عائذ الله أبي إدريس، عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي - ﵌ - إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي - ﷺ -: \"أما صاحبكم فقد غامَرَ فسلَّم\". وقال: يا رسول الله! إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ فأقبلت إليك. فقال: \"يغفر الله لك يا أبا بكر؟ \" ثلاثًا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي - ﷺ - فجعل وجه النبي - ﵌ - يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظْلَمَ (مرتين) فقال النبي - ﵌ -: \"إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ \". (مرتين) فما أوذي بعدها. صحيح.\nوأخرجه البخاري أيضًا (٤٦٤٠)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢٩٧).\n٥ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٧٥): حدثني محمد بن بشار، حدثنا يحيى عن سعيد عن قتادة: أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم: أن النبي - ﷺ - صَعدَ أُحُدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: \"اثبت أحد،","vol":"3","page":14},{"text":"فإن عليك نبيٌّ، وصدّيقٌ، وشهيدان\". صحيح.\nوأخرجه أبو داود (٤٦٥١) والترمذي (٣٦٩٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في فضائل الصحابة (٣٢)، وأحمد (٣/ ١١٢) وفي فضائل الصحابة (٢٤٦) وأبو يعلى (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n٦ - أخرج البخاري في صحيحه برقم (٣٦٦٦): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: \"من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب -يعني: الجنة- يا عبد الله هذا خيرٌ؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان\" فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: \"نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر! \". صحيح.\nوأخرجه مسلم (١٠٢٧) والترمذي (٣٦٧٤) وعزاه المزي في الأطراف للنسائي، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٦٨) وابن أبي شيبة (١٢٠١٣).\n٧ - أخرج البخاري في صحيحه برقم (٤٠٧٧): حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. قالت لعروة: يا بن أختي؟ كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله - ﵌ - ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون؛ خاف أن يرجعوا قال: \"من يذهب في إثرهم\"؟ فانتدب منهم سبعون رجلًا، كان فيهم أبو بكر، والزبير).\n٨ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٦٧٨): حدثنا إسحاق بن نصر، قال: حدثنا حسين عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو بردة عن أبي موسى قال: مرض النبي - ﵌ - فاشتد مرضه، فقال: \"مُروا أبا بكر فليصل بالناس\". فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. قال: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\". فعادت. فقال:","vol":"3","page":15},{"text":"\"مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف\". فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي، ﵌.\n٩ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٥٩): حدثنا الحميدي، ومحمد بن عبد الله قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتت امرأةٌ النبيَّ - ﷺ - فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئتُ؛ ولم أجدك -كأنها تقول الموت- قال ﵌: \"إن لم تجديني؛ فائتي أبا بكر\".\n١٠ - أخرج مسلم في صحيحه (ح / ٢٣٨٧): حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثنا صالح بن كيسان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله - ﵌ - في مرضه: \"ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنّى متمنٍّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\".\n١١ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٦٤): حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله عن يونس، عن الزهري، قال: أخبرني ابن المسيب: سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت النبي - ﵌ - يقول: \"بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذَنُوبًا، أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف. والله يغفر له ضعفه! ثم استحالت غربًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن\".\n* * *","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>ثم دخلت سنة إحدى عشر (حديث السقيفة)</span>\n١ - حدثني عليّ بن مسلم، قال: حدَّثنا عَبَّاد بن عبَّاد، قال: حدَّثنا عباد بن راشد، قال: حُدِّثنا عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عبَّاس، قال: كنت أقْرئ عبدَ الرحمن بن عَوْف القرآن، قال:\nفحجَّ عمر وحججنا معه، قال: فإني لَفِي منزلٍ بمنىً إذ جاءني عبدُ الرحمن بن عوف، فقال: شهدتُ أمير المؤمنين اليوم، وقام إليه رجلٌ فقال: إني سمعت فلانًا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعتُ فلانًا. قال: فقال أمير المؤمنين: إني لقائم العشيَّةَ في الناس فمحَذِّرُهم هؤلاء الرّهط الذي يريدون أن يغصِبوا الناس أمرَهم. قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين! إنّ الموسم يجمع رِعاع الناس وغوغاءَهم؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلِسك، وإني لخائف إن قلت اليوم مقالة ألَّا يَعُوها ولا يحفظوها، ولا يضعوها على مواضعها، وأن يطيروا بها كلَّ مطيرٍ؛ ولكن أمهل حتى تقدم المدينة، تقدم دار الهجرة والسنَّة، وتخلُص بأصحاب رسولِ الله من المهاجرين والأنصار، فتقول ما قلت متمكّنًا، فيعُوا مقالتَك، ويضعوها على مواضعها. فقال: والله لأقومنَّ بها في أوَّل مقام أقومُه بالمدينة! .\nقال: فلمَّا قدِمْنا المدينة، وجاء يوم الجمعة هَجَّرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبَقني بالتَّهجير، فجلست إلى جنبه عند المنبر، ركبتي إلى ركبته؛ فلمَّا زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرَج، فقلت لسعيد وهو مقبل: ليقولنَّ أميرُ المؤمنين اليومَ على هذا المنْبر مقالةً لم تُقلْ قبلَه. فغضب وقال: فأيَّ مقالة يقول لم تُقَل قبله؟ ! فلمَّا جلس عمر على المنبر أذَّن","vol":"3","page":17},{"text":"المؤذن، فلمَّا قضى المؤذن أذانه قام عمر، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد، فإنّي أريد أن أقول مقالة قد قُدّر أن أقولها، مَنْ وعاها، وعَقَلها، وحفظها؛ فليحدّث بها حيث تنتهي به راحلته، ومَنْ لم يعِها فإني لا أحلُّ لأحد أن يكذِبَ عليّ: إن الله ﷿ بعثَ محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرَّجْمِ، فرجم رسولُ الله ورجمنا بعده، وإني قد خشيتُ أن يطولَ بالناس زمان، فيقول قائل: والله ما نجد الرَّجْم في كتاب الله، فيَضلوا بتَرْكِ فريضة أنزلها الله، وقد كنا نقول: لا تَرْغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم إنه بلَغني أن قائلًا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانًا! فلا يَغُرَّن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فَلْتَة؛ فقد كان كذلك؛ غيرَ أن الله وَقى شرَّها؛ وليس منكم من تُقطعُ إليه الأعناق مثل أبي بكر! وإنه كان من خَبَرِنا حين توفّى الله نبيَّه - ﷺ - أن عليًّا والزُّبير ومَنْ معهما تخلَّفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلَّفت عنا الأنصار بأسْرِها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمُّهم؛ فلقيَنا رجلان صالحان قد شهدا بدرًا، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننَا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمرَكم بينكم. فقلنا: والله لنأتينَّهم! قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سَقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين أظهرهم رجلٌ مزمَّلٌ، قال: قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه؟ قالوا: وَجِعٌ، فقام رجلٌ منهم، فحمِد الله، وقال: أمَّا بعد، فنحنُ الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشرَ قريش رهطُ نَبيّنا؛ وقد دفّت إلينا من قومكم دَافّةٌ. قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزِلُونا من أصلِنا، ويغصِبونا الأمر. وقد كنت زوَّرت في نفسي مقالةً أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحدّ، وكان هو أوقرَ منّي وأحلم؛ فلمَّا أردت أن أتكلم، قال: على رِسْلِكَ! فكرهت أن أعصيَه؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئًا كنتُ زوّرت في نفسي أن أتكلَّم به لو تكلمت؛ إلا قد جاء به أو بأحسنَ منه. وقال: أما بعدُ يا معشرَ الأنصار! فإنكم لا تذكُرون منكم فضلًا إلَّا وأنتم له أهلٌ؛ وإنَّ العربَ لا تعرف هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيّ من قريش؛ وهم أوسط [العرب] دارًا ونسبًا، ولكن قد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين، فبايعوا أيَّهما شئتم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح. وإنّي والله ما كرهتُ من كلامه شيئًا غيرَ هذه الكلمة؛ إن","vol":"3","page":18},{"text":"كنت لأقَدَّم؛ فتُضْرَب عنقي فيما لا يقرّبني إلى إثم أحبُّ إليَّ من أن أؤمَّر على قوم فيهم أبو بكر. فلمَّا قضى أبو بكر كلامَه، قام منهم رجلٌ، فقال: أنَا جُذيلُها المُحَكّك، وعُذَيقُها المُرَجَّب؛ منَا أمير ومنكم أمير؛ يا معشر قريش!\nقال: فارتفعت الأصوات، وكثر اللَّغَط، فلمَّا أشفقت الاختلاف، قلت لأبي بكر: ابسُط يدك أبايعْك، فبسط يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار. ثم نزونا على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتُم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعدًا! وإنا والله ما وجدنا أمرًا هو أقوى من مبايعة أبي بكر؛ خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يحدِثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضَى، أو نخالفهم فيكون فساد (١). (٣: ٢٠٣/ ٢٠٤ / ٢٠٥/ ٢٠٦).\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحدود / ح ٦٨٣٠) عن ابن عباس ﵁ (قال: كنت: أقرئ رجالًا من المهاجرين ... الحديث) وفيه: (فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تُقطعُ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكرٍ، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايعُ هو ولا الذي بايعه تغرَّةً أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه - ﷺ -، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكروا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينَّهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ماله؟ قالوا: يُوعَك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: أما بعدُ فنحنُ أنصارُ الله. وكتيبة الإسلام وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دفَّتِ دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يغصبونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد. فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أُغضِبَهُ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر. والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم من خير فيكم فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم - فأخذ بيدي ويد =","vol":"3","page":19},{"text":"٢ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزبير، قال: إن أحدَ الرجُلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عُوَيم بن ساعدة، والآخر معْنُ بن عديّ؛ أخو بني العجلان، فأمَّا عُويم بن ساعدة فهو الذي بلَعنا: أنه قيل لرسول الله - ﷺ -: مَن الذين قال الله لهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ﴾؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم المرء منهم عُويم بن ساعدة! \" وأما معن فبلَغنا: أن الناس بكَوْا علَى رسول الله - ﷺ - حين توفَّاه الله، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبلَه؛ إنا نخشى أن نفتتن بعده. فقال معن بن عديّ: والله ما أحبُّ أني متُّ قبله حتى أصدِّقه ميتًا كما صدَّقته حيًّا. قتل مَعْنٌ يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر يوم مُسَيلمة الكذَّاب (١). (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n٣ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان عليٌّ في بيته إذْ أتِيَ\n_________\n= أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرِّبني ذلك من إثم أحبَّ إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلَّا أن تُسَوّلَ إليّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جُذيلها المحكّك، وعُذيقُها المرجَّب، منا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا معشر قريش! فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرقِتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار. ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حَضَرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكونُ فسادًا، فمن بايع رجلًا على غير مثورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا).\nوالحديث أخرجه بطوله عبد الرزاق في مصنفه (ج / ٥ / ح ٩٧٥٨) وأخرجه البخاري مختصرًا (كتاب الفضائل ح ١٦٦٨) وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٥٥) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٦٨) عن عائشة ﵂.\n(١) إسناده ضعيف ولكن أخرج أحمد، أصل الرواية: ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ثنا مالك بن أنس ثنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره ... الأثر الطويل في قصة سقيفة بني ساعدة ثم في آخره قال مالك: فأخبرني ابن شهاب عن عروة أن الرجلين الذين لقياهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي.","vol":"3","page":20},{"text":"فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيْعة، فخرج في قميص ما عليه إزارٌ ولارداءٌ، عجلًا، كراهيَةَ أن يُبْطئ عنها، حتى بايعه. ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه (١). (٣/ ٢٠٧).\n٤ - حدَّثنا أبو صالح الضَّراريّ، قال: حدَّثنا عبد الرزاق بن همَّام، عن معمَر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمةَ والعباس أتيا أبا بكر يطلُبان ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وهما حينئذ يطلبان أرضَه من فَدَك، وسهمَه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: لا نورَثُ، ما تَرَكْنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني والله لا أدَعُ أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلَّا صنعته. قال: فهجرتْه فاطمة فلم تكلّمْه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليٌّ ليلًا، ولم يؤذِن بها أبا بكر. وكان لعليّ وَجْهٌ من الناس حياةَ فاطمة، فلما توفِّيتْ فاطمة انصرفتْ وجوه الناس عن عليّ؛ فمكثتْ فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله - ﷺ -، ثم توفيت.\nقال معمر: فقال رجلٌ للزهريّ: أفلم يبايعه عليٌّ ستة أشهر! قال: لا؛ ولا أحدٌ من بني هاشم؛ حتى بايعه عليّ. فلما رأى عليٌّ انصرافَ وجوه الناس عنه ضَرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتِنا معك أحدٌ، وكره أن يأتيَه عمر لما علم من شدَّة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدَك، قال أبو بكر: والله لآتينّهم وحدِي، وما عسى أن يصنعوا بي! قال: فانطلق أبو بكر، فدخل على عليّ، وقد جَمَعَ بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمَّا بعد، فإنه لم يمنعنا من أنْ نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك، ولا نَفَاسَةٌ عليك بخيرٍ ساقه الله إليك، ولكنا كنَّا نرى: أن لنا في هذا الأمر حقًّا، فاستبددتم به علينا. ثم ذكر قرابته من رسول الله - ﷺ - وحقَّهم. فلم يزل عليٌّ يقول ذلك حتى بَكى أبو بكر.\nفلما صمت عليٌّ تشهَّد أبو بكر، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ؛ فوالله لقرابة رسول الله أحبُّ إليَّ أن أصلَ من قرابتي؛ وإني والله ما ألوتُ\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولكن أصل المتن (أي بيعة علي لأبي بكر) صحيح دون ذكر لهذه الصفة التي جاء بها علي ﵁ وأرضاه.","vol":"3","page":21},{"text":"في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غيرَ الخير؛ ولكنّي سمعت رسول الله يقول: \"لا نورَث؛ ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال\"؛ وإني أعوذ بالله لا أذكر أمرًا صنعه محمد رسول الله إلَّا صنعتُه فيه إن شاء الله.\nثم قال عليٌّ: موعدك العشيَّة للبَيعة، فلمَّا صلى أبو بكر الظُّهْرَ أقبلَ على النَّاس، ثم عذر عليًّا ببعض ما اعتذر، ثم قام عليٌّ فعظَّم من حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه. قالت: فأقبل الناس إلى عليّ فقالوا: أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبًا إلى عليّ حين قاربَ الحق والمعروف (١). (٣: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩).\n٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته؛ وهو عامد إلى حاجة له، وفي يده الدِّرَّة، وما معه غيري. قال: وهو يحدِّث نفسه، ويضرب وَحْشيَّ قدمه بدِرَّته، قال: إذ التفت إليّ فقال: يا بنَ عباس! هلْ تدري ما حملني على مقالتي هذه التي قلت حين توفَّى الله رسوله؟ قال: قلت: لا أدري يا أميرَ المؤمنين أنت أعلم، قال: والله إنْ حَمَلني على ذلك إلَّا أنّي كنتُ أقرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾؛ فوالله إنّي كنت لأظن: أن رسولَ الله سيبقى في أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها؛ فإنه للّذي حملني على أن قلتُ ما قلت (٢). (٣: ٢١٠).\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (باب قول رسول الله - ﷺ -: لا نورث ما تركنا صدقة) من طريق هشام عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وأخرجه البخاري في صحيحه (المغازي ٥/ ٨١ - باب غزوة خيبر) ومسلم في الجهاد والسير (باب قول النبي - ﷺ - لا نورث ما تركنا صدقة / ح ١٧٥٩) وكذلك رواه البخاري في مواضع أخرى عن عائشة ﵂ مع اختلاف في الألفاظ وقد استشهد بها ابن كثير ثم قال عقبها: فهذه البيعة التي وقعت من علي بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولًا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ولم يكن علي مجانبًا لأبي بكر هذه الستة الأشهر بل كان يصلي وراءه ويحضره عنده للمشورة. (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٠).\n(٢) إسناده ضعيف وهو حديث صحيح أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق [حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك] (السيرة النبوية ٢/ ٣٧٢) وصحح ابن كثير إسناده، وكذلك أخرجه الذهبي عن أنس وفي آخره، وكانت طائفة منهم بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت =","vol":"3","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= البيعة على المنبر بيعة العامة. وقال الذهبي: صحيح غريب (تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ١٢).\nوأخرج البخاري نحوه عن أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - ﷺ - وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يدبرنا -يريد ذلك أن يكون آخرهم- فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به هدي الله محمدًا وأن أبا بكر صاحب رسول الله - ﷺ - وثاني اثنين وأنه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر) اهـ.\nولقد أخرج الذهبي الروايات الصحيحة في مبايعة علي لأبي بكر ﵄ والتي أخرجها الأئمة الآخرون فقد ذكرها الحافظ ابن كثير ﵀: وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ الإسفراييني حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وابن إبراهيم بن أبي طالب قالا: حدثنا ميدار بن يسار، وحدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب حدثنا داود بن أبي هند حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله - ﷺ - واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين. ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم على غير هذا لم نبايعكم، وأخذ بيد أبي بكر. وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار. قال: فصعد أبو بكر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير. قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت: ابن عمة رسول الله - ﷺ - وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - ﷺ - فقام فبايعه. ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب. فجاء فقال: قلت: ابن عم رسول الله - ﷺ - وختنه على ابنته أن تشق عصا المسلمين. قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - ﷺ - فبايعه.\nهذا أو معناه، وقال أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، وهذا حديث يسوي بدنة بل يسوي بدرة. وقد رواه البيهقي عن الحاكم وأبي محمد بن حامد المقري كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم عن جعفر بن محمد بن شاكر عن عفان بن مسلم عن وهيب به ولكن ذكر: أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر. وفيه: أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم يرَ عليًّا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فذكر نحو ما تقدم ثم ذكر قصة الزبير بعد علي فالله أعلم- وقد رواه علي بن عاصم عن الجريدي عن =","vol":"3","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكر نحو ما تقدم وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبيّنه قريبًا.\n[قلنا: (المحققان)]: ونود أن نذكر هنا الحديث الذي أشار إليه ابن كثير.\nقال ابن كثير: (أخرج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته (لقتال المرتدين بنفسه) أخذ علي بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله. أقول لك ما قال لك رسول الله - ﷺ - يوم أحد: شِمْ سيفك؟ ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك، لا يكون للإسلام نظام أبدًا).\nثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [و] الزهري أيضًا عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرج أبي شاهرًا سيفه راكبًا على راحلته إلى وادي الفصة فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ! أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع وأمضى السيف (البداية والنهاية ٦/ ٣١٩) وانظر (كنز العمال ٣/ ١٤٣).\nولكن ما حصل من فاطمة ﵂ عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله - ﷺ - ولم تعلم بما أخبرها به الصديق ﵁. أنه قال: (لا نورث ما تركناه فهو صدقة) فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح كما سنبين ذلك في موضعه، فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك فلم يجبها إلى ذلك. لأنه رأى أن حقًّا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله - ﷺ -. وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها وهي امرأة ليست براجية العصمة عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها - ﷺ - رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ﵁ كما سنذكر في الصحيحين وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى مما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله - ﷺ -، ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه: عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وإن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصًا على الإمارة =","vol":"3","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يومًا ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله - ﷺ - أن يصلي بالناس وهو حي ... إسناده جيد ولله الحمد والمنة (البداية والنهاية ٥/ ١١٨ - ١١٩).\nقلنا: وهذا كلام نفيس وقيّم يردّ فيه الحافظ ابن كثير على تخرّصات المبتدعة الذي يجهلون الأدلة الصحيحة في بيعة علي والزبير لأبي بكر الصديق ﵃ جميعًا؛ إلا أنا نعقب على عبارة صغيرة للحافظ ابن كثير ﵀ إذ قال آنفًا: (ولم تكلم الصديق حتى ماتت).\nفنقول: هذه العبارة فيها نظر وقد أبان الحافظ ابن كثير بنفسه وهن هذه العبارة في البداية والنهاية وفي الجزء نفسه؛ إذ قال ﵀: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب حدثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور أنبأنا أبو حمزة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلَّا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت.\nوهذا إسناد جيد قوي. والظاهر أن عامرًا الشعبي سمعه من عليّ أو ممن سمعه من علي، وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك.\nقال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن علي ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق، قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك. (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>(مسك الختام فيما دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة ورد شبهات المستشرقين وأهل البدع حول ذلك):</span>\nلقد ذكرنا طرفًا من الروايات الصحيحة الواردة في سقيفة بني ساعدة وما دار فيها من حوار بين الصحابة لاختيار خليفة لرسول الله - ﷺ - وهو الإمام الأعظم الذي يدير شؤون الدولة الإسلامية (دولة الخلافة الراشدة)، وسنذكر هنا بإذن الله ما فاتنا في تحقيق روايات الطبري في هذا الموضوع فنقول وبالله التوقيق:\nإن الإمام الطبري حين كتب تأريخه هذا لم يصحح الروايات التي أخرجها ولم يضعفها (إلا نادرًا)، وإنّما جمع ما يسَّر الله له أن يجمع سواء من طرق واهية ضعيفة أو من طرق صحيحة، وكان ﵀ مطمئنًا إلى وجود حشد هائل من أئمة الجرح والتعديل وجهابذة الحديث ممن =","vol":"3","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ينخلون الروايات نخلًا ليميزوا الصحيح منها عن الضعيف حسب القواعد الحديثية التي كانت قد وضحت وبانت للعلماء - وهو الذي يقول في مقدمة تاريخه: (فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا). تأريخ الطبري (١/ ٨) أي: أن الطبري ﵀ قد برّأ عهدته من الروايات الضعيفة والموضوعة ولم يعط مبررًا للذين يتشدقون بأنهم يستقون التأريخ مما ورد في أمهات الكتب ككتاب الطبري هذا، فالرواة التالفون الهالكون مكشوفون لأئمة الجرح والتعديل وما لفقوه من أكاذيب في الطعن في الصحابة والنيل منهم قد بان زيغه وبطلانه، وجزى الله عنّا أئمة الحديث خير الجزاء.\nوأما بالنسبة لروايات حديث سقيفة بني ساعدة فالصحيحة منها مشهورة وكثيرة، ولنا فيها مندوحة عن غيرها من الروايات السقيمة ومنها:\n١ - ما أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه (كتاب الأحكام ٧/ ٢٦) وكتاب فضائل الصحابة (٤/ ١٩٣) و(٨/ ٢٦).\n٢ - وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ١٣٣) و(١/ ١٩٣) طبعة شاكر. و(٣٣/ ٦٠) الفتح الرباني. وأخرجه النسائي في (فضائل الصحابة / ٥) وصحح البوصيري إسناده (مصباح الزجاجة ١/ ١٤٦).\n٣ - وأخرجه الطبري كما مرّ بنا عن ابن عباس (٣/ ٢٠٣) كسياق البخاري في صحيحه.\nوتفيدنا هذه الروايات الصحيحة ما يلي:\n١) - حرص الصحابة على نصب الإمام الأعظم للمسلمين، وذلك واضح من خلال انشغالهم بتعيين الخليفة وتأخيرهم دفن حبيبهم وقرة عينهم - ﷺ - من أجل ذلك الأمر العظيم.\n٢) - حرص الصحابة الشديد على تولية الأولى الأجدر والأفضل بالخلافة، وذلك واضح من قول سيدنا عمر ﵁: (وليس منكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر).\n٣) - تولية الإمام الأعظم (الخليفة) كان بمشورة الصحابة أجمعين ولم يكن تولية إجبار وإكراه؛ فإن المهاجرين والأنصار دخلوا في حوار ونقاش حتى شرح الله صدورهم لكلام أبي بكر واقتنعوا به فبايعوه جميعًا ومنهم الزبير وعلي ﵃ أجمعين، وذلك واضح من قوله ﵁: (فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له).\nوقوله: (فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة).\n٤) - لم يكن نقاش الصحابة في بداية الأمر وتغاير آرائهم حرصًا منهم على المناصب والرئاسة وإنما حرصًا منهم على تولية الأفضل والأحسن، ولذلك تراهم سرعان ما انصاعوا لبيعة أبي بكر ﵁ وذلك دليل على أدبهم الجم وتربيتهم الرفيعة التي تلقوها على مائدة القرآن وتحت إشراف خير خلق الله - ﷺ - ولذلك قال، الإمام الجويني ﵀: كان =","vol":"3","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المسلمون لا يقدمون للإمامة أحدًا تشهِّيًا فيها. وقال أيضًا: وإنما قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره (لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة / ١١٦).\nأما الروايات المكذوبة والملفقة فقد بانت نكارتها في المتن وشدة ضعفها في السند ويكفي أنها من طريق التالف الهالك أبي مخنف الذي قال فيه ابن معين: ليس بشيء (تأريخ ابن معين ٢/ ٥٠٠) وقال ابن عدي: وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمة (الكامل ٦/ ٢١١٠) وقال ابن حبان: (رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات). (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦).\nوقال أبو حاتم: أبو مخنف متروك الحديث (الجرح والتعديل ٧/ ١٨٢) وقال الذهبي: لوط بن يحيى (أبي مخنف) متروك. (الضعفاء والمتروكين / ٢٥٩) وقال أيضًا: إخباري تالف لا يوثق به (ميزان الاعتدال ٣/ ٢٩٩٢).\nوأبو مخنف هذا نسي نفسه في غمر تلفيقاته وكذبه على صحابة رسول الله - ﷺ - فأخذ يخالف حتى في ذكر أسماء من شهدوا جزءًا من وقائع السقيفة؛ فقد حشر اسم عاصم بن عدي مكان معن بن عدي. والروايات الصحيحة جميعًا ذكرت معنًا ولم تذكر عاصمًا هذا. ولقد بان حقده على صحابة رسول الله حين ذكر ألفاظًا شنيعة زورًا وبهتانًا لا نجد لها أثرًا في الروايات الصحيحة، وذكر كلامًا بذيئًا في مخاصمة الحباب وعمر الكلامية لم ترد إلَّا في رواياته التالفة المكذوبة، بل إن الروايات الصحيحة السند تؤكد غير ذلك، ومنها: أن رواية أبي مخنف ذكرت أن سعد بن عبادة رفض البيعة وترك الصلاة خلف أبي بكر! وكل ذلك مخالف لما في الروايات الصحيحة، وواضح من خلال الروايات الصحيحة أن سعدًا اقتنع قناعة تامة ببيعة أبي بكر خليفة لرسول الله فبايعه وكذلك علي والزبير ﵃ أجمعين، ووصم رسوله - ﷺ - مبغضيهم بالنفاق والعياذ بالله.\n٥) - الروايات الصحيحة تؤكد إجماع الصحابة بعد انتهاء الحوار في سقيفة بني ساعدة على بيعة أبي بكر ﵃ ومنهم الإمام علي ﵁ وأرضاه؛ فقد سبق أن ذكرنا كلام الحافظ ابن كثير في ذلك واستشهاده بما أخرجه البيهقي، ونذكر هنا أيضًا ما قاله الحافظ ابن حجر في هذه المسألة إذ قال ﵀:\n(وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن عليًّا بايع أبا بكر في أول الأمر ... وكذلك أشار ابن حجر إلى أن البيهقي قد ضعف رواية الزهري، وفيه: أن رجلًا قال له: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة .. إلخ وذلك لأن الزهري لم يسنده).\nوأما الرواية الموصولة عن أبي سعيد فأصح (إرشاد الساري ٦/ ٣٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>(الرد على شُبَه المستشرقين وتلاميذهم المتغربين حول مسألة سقيفة بني ساعدة واجتماع المسلمين وحوارهم هناك)</span>\nإن اجتماع المسلمين وحوارهم في سقيفة بني ساعدة، ثم اتفاقهم بالإجماع على أحقية =","vol":"3","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي بكر بالخلافة مفخرة من مفاخر التأريخ الإسلامي، إلَّا أن الذين ينظرون من خلال نظارة سوداء إلى تأريخنا الإسلامي يرون المفخرة شبهة وتهمة. وإليك ما قاله المستشرق المعروف (بروكلمان) إذ يقول: (ما كاد الرسول يلحق بالرفيق الأعلى حتى أحدقت الأخطار بالرسالة التي وقف عليها حياته، أعني: توحيد بلاد العرب دينيًّا وسياسيًا. ففي المدينة نفسها أحدث النبأ الذي لم يتوقعه أحد اضطرابًا هائلًا شغل الناس عن كل شيء حتى عن جثمان الرسول نفسه، فلم يدفن إلا في اليوم التالي في بيت عائشة. والحق أن جميع الأحقاد السياسية التي كان النبي قد كبتها بنفوذه الأدبي لم تلبث أن ذرّت قرنها، فمن ناحية كان عدد المنافقين لا يزال في المدينة كبيرًا جدًّا، ومن ناحية ثانية كان الأنصار العريقون في المدينة يتوقون إلى التحرر من سلطان الأغلبية المتمثلة في المهاجرين ليصبحوا سادة موطنهم الوحيدين كرة أخرى، ثم إن عليًّا ابن عم النبي وزوج ابنته ادّعى لنفسه الحق في خلافته كرئيس للدولة، بوصفه أقرب الناس رحمًا إليه). (تأريخ الشعوب الإسلامية / ٨٣).\nولقد تأثر بهذه الافتراءات كثير من أساتذة الجامعات والكتاب والمؤرخون في بلادنا فها هو إبراهيم بيضوني يقول:\n(كان مؤتمر السقيفة التي دعا إليها مسلمو المدينة (الأنصار) المبادرة الأولى التي وضعت خلافة الرسول موضع التداول. فمن هناك تجاهرت الأصوات بما كان مكبوتا وتناقلت الألسن ما كان همسًا حتى ذلك الحين، ولم يكن تكتل الأنصار المبادر إلى طرح مشكلة الحكم قادرًا على أن يكون سيد الموقف وأن يمارس لعبة الذكاء المطلوبة فقد كان تجمعًا يفتقد الانسجام وإلى الزعامة، وكلتاهما من ركائز الطموح إلى السلطة ومن شروطه المبدئية، كذلك لم يكن سعد بن عبادة الخزرجي المسنّ والمريض في حجم المنصب الكبير) (ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري / ١٣).\nقلنا: (المحققان): سبحان الله العظيم كم هي عظيمة هذه الافتراءات وكم هي بعيدة عن الواقع التأريخي والروايات الصحيحة والمستوى التربوي الذي كان عليه صحابة رسول الله - ﷺ -! ! ولقد تبين لنا جليًّا من خلال تحقيقنا لروايات الطبري: أن المسألة لم تكن إثارة لأحقاد دفينة، ولا لنزاعات قبلية، ولا لأصوات مكبوتة، وإنما كان حوارًا ونقاشًا بين الصحابة لاختيار الأصلح والأفضل، وإذا كان الأمر كما يدَّعون فكيف انتهت المسألة بجلسة واحدة وبكلام يسير قال في نهايتها سعد بن عبادة لأبي بكر: صدقت. وقام الناس فبايعوا أبا بكر، وكذلك بيّنا أن الروايات التأريخية الصحيحة تؤكد: أن عليًّا بايع أبا بكر وأقرّ بالأفضلية والأولوية.\nثم إن تأخر الصحابة عن دفن رسول الله - ﷺ - وتأخر ذلك إلى اليوم التالي وانشغالهم باختيار الخليفة دليل على إجماع الصحابة على وجوب نصب خليفة للمسلمين يسوس أمورهم العامة =","vol":"3","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>(بقيّة الخبر عن أمر الكذَّاب العنسيّ)</span>\n٥ / أ- كان رسولُ الله - ﷺ - جَمَع -فيما بلغنا- لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلَّها، وأمَّرَه على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول الله - ﷺ - أيام حياته، فلم يعزِله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه فيها شريكًا حتى مات باذام، فلمّا مات فرّق عملها بين جماعة من أصحابه (١). (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n_________\n= والخاصة، وفي ذلك دليل على أصالة السياسة الشرعية وأصولها في أفهام الصحابة، لإحداثها وابتداعها كما يدعي المستشرقون وغيرهم.\nومن رجع إلى الروايات الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح يتبيّن له زيف هذه الافتراءات، والحمد لله أولًا وآخرًا.\n(١) قلنا: ذكر أئمة المغازي والسير قصة الأسود العنسي عند حديثهم عن السيرة النبوية المشرفة. وأما الطبري فقد أشار إلى الأسود العنسي إشارة عرضية خلال حديثه عن السيرة النبوية، ولهذا قال هنا بعد انتهائه من روايات سقيفة بني ساعدة وبيعة الصحابة لسيدنا أبي بكر ﵁ قال: بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي، وسنحاول إن شاء الله جمع هذه الروايات والحديث عنها متسلسلة حتى يتكون للقارئ الكريم فكرة متكاملة عن قصة الأسود العنسي في تأريخ الطبري فنقول وبالله النوفيق:\nقال الطبري رحمه الله تعالى (٣/ ١٤٦): وقد قيل: إن دعوى مسيلمة الكذاب ومن ادَّعى النبوة من الكذابين في عهد النبي - ﷺ - إنما كانت بعد انصراف النبي من حجّه المسمى حجة الوداع، ومرضته التي مرضها التي كانت منها وفاته - ﷺ -.\nثم أخرج الطبري بسنده فقال: (٣/ ١٤٧) حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال: حدثني عمّي يعقوب بن إبراهيم: حدثني سيف بن عمر وكتب بذلك إليّ السريّ يقول: حدثنا شعيب بن إبراهيم التميمي عن سيف بن عمر التميمي الأسيدي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الأنصاري عن عبيد الله مولى رسول الله - ﷺ - عن أبي مويهبة مولى رسول الله - ﷺ - قال: لما انصرف رسول الله - ﷺ - إلى المدينة بعدما قضى حجة التمام فتحلل به السير، وطارت به الأخبار لتحلل السير بالنبي - ﷺ - أنه قد اشتكى، فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة، وجاء الخبر عنهما للنبي - ﷺ - ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعدما أفاق النبي - ﷺ - ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي توفاه الله فيه.\nثم أخرج الطبري بسندين ضعيفين: الأول (٣/ ١٤٧) تحت عنوان (كتاب مسيلمة إلى رسول الله - ﷺ - والجواب عنه) وفيه: فوثب الأسود باليمن، ومسيلمة باليمامة. =","vol":"3","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي الرواية الثانية (٣/ ١٤٧) تحت عنوان (خروج الأمراء والعمال على الصدقات) وفيه: فبعث أمراءه وعماله على الصدقات على كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها ... الحديث.\nثم قال الطبري بعد ثمانين صفحة -أي بعد انتهائه من ذكر الروايات في وفاة الرسول - ﷺ - وبيعة الصحابة لأبي بكر ﵁ بالخلافة - قال (٣/ ٢٢٧):\nبقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي. ثم قال الطبري: كان رسول الله - ﷺ - جمع فيما بلغنا لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلّها، وأمّره على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول الله - ﷺ - أيام حياته، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه فيها شريكًا حتى مات باذام. فلما مات فرّق عملها بين جماعة من أصحابه. اهـ.\nثم سرد الطبري روايات مفصلة عن الأسود العنسي وارتداده وقاله عمال رسول الله - ﷺ - على أجزاء اليمن يوم ذاك، وكيف دانت له معظم اليمن في حينه وكيف استطاع رسول الله - ﷺ - وبالتعاون مع معاذ بن جبل وثلاثة من أمراء اليمن أن يقتلوا العنسي ويفرّقوا جنده، وأن خبر انتصار المسلمين في اليمن قد وصل إلى المدينة في عهد سيدنا أبي بكر بعد وفاة رسول الله - ﷺ - وذلك في أواخر شهر ربيع الأول.\nومدار هذه الروايات على سيف بن عمر التميمي، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل اتفقوا على ضعفه في الحديث أو في التاريخ فقد قال عنه ابن حجر: ضعيف في الحديث عمدة في التأريخ (التقريب ١/ ٣٤٤) وقال الذهبي: كان أخباريا عارفًا (الميزان ٢/ ٢٥٥) واعتمد ابن كثير على سيف بن عمر في البداية والنهاية في حروب الردة ومواضع أخرى من تأريخ الخلفاء، وكذلك فعل الذهبي في تأريخ الإسلام: (عهد الخلفاء الراشدين) ومع ذلك (أي كونه عارفًا بالتأريخ عند الذهبي عمدة فيه عند ابن حجر) فإننا قد انتقينا من رواياته التأريخية ما كان له أصل يقويه في الصحاح أو المسانيد والسنن.\nثم في تأريخ خليفة بن خياط أو فتوح البلدان للبلاذري أو طبقات ابن سعد من المتقدمين وإن كان (الذهبي أو ابن كثير) أيّ منهما أو كلاهما قد رجّحا شيئًا في ذلك أخذنا ذلك بعين الاعتبار. (هذا بالنسبة لأسانيد الروايات التأريخية) ثم عمدنا إلى متون هذه الأسانيد المختارة فأشرنا إلى ما في بعضها من عبارات منكرة؛ حتى لا ندع مجالًا للمستشرقين وأهل البدع من الفرق الضالة أن يشوهوا تأريخ الإسلام ويطعنوا في عدالة الصحابة التي تحدثت عن فتح الأبُلَّة على يد خالد بن الوليد ومن معه من القادة في عهد الصديق ﵁، وهي تخالف الروايات الصحيحة التي ذكرت فتح الأبلة في عهد سيدنا عمر ﵁ على يد غزوان بن عتبة، سواء كانت هذه الروايات الصحيحة عند الطبري أو غيره كما سيأتي بحث ذلك في أحداث السنة الثانية عشرة والرابعة عشرة.\nولقد توخينا الدقة والأمانة ما استطعنا ولا تزعم أننا قد أصبنا في جميع ما ذهبنا إليه فليس =","vol":"3","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ذلك إلَّا للمعصوم ﵊، وما من إمام مهما كان حافظًا إلا وذهبت عليه سنة كما قال أئمة السلف، فمن رأى في منهجنا خطأ وفي تحقيقنا فجوة وفي تصحيحنا للروايات التأريخية أو تضعيفها خطأ فليرشدنا إلى ذلك مشكورًا، وإذا وجدنا معه الدليل أخذنا به فالحقيقة ضالتنا إن شاء الله ولا نبرئ أنفسنا، وإن كنا قد أصبنا الحقيقة في اختيارنا للروايات الصحيحة فمن الله التوفيق وإن أخطأنا فمن أنفسنا ونستغفر الله.\nونزيد القارئ الكريم علمًا بأننا لم نقبل ما رواه سيف فيما يتعلق بالعقيدة، أو الحلال والحرام فإنه ضعيف في الحديث، وكذلك تتبعنا ما قاله في الفتنة، أو الطعن في عدالة الصحابة، فلم نقبله البتة. وخلاصة القول في تعاملنا مع روايات سيف بن عمر التأريخية هو أنَّا:\n١ - بحثنا عن أصل يؤيده من مصادر السنة والسير والمغازي فذكرناه.\n٢ - إن كان في أثناء الرواية التأريخية قول مرفوع إلى رسول الله - ﷺ - اعتبرناه ضعيفًا لأن سيفًا ضعيف في الحديث إلا إذا كان له متابع أو شاهد وإلَّا وضعناه في القسم الضعيف ومثال ذلك: ما رواه الطبري (٣/ ٢٣٦ / ٣٠) من طريق سيف عن ابن عمر مرفوعًا (قتل العنسي البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: من هو؟ قال: فيروز. فاز فيروز) فلم نجد من يتابع سيفًا على هذه الرواية فوضعناها في الضعيف وإن كان ﵊ قد رأى في المنام ما أوَّله بزوال الكذابين.\n٣ - وإن كان في الرواية التأريخية من الأفعال ما يخالف عدالة الصحابة ومن الأقوال ما لا يليق أن ينسب إليهم؟ وضعناه في الضعيف كما في رواية الطبري (٣/ ٢٢٣ / ١٧) منسوبًا إلى أبي بكر ﵁: أنه قال: (ألا وإن لي شيطانًا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني).\n٤ - وإذا كانت رواية سيف التأريخية مخالفة للروايات الصحيحة؛ فهذا يعني أنها ضعيفة سندًا ومتنًا فمكانها في القسم الضعيف من التأريخ، كما هو الحال في روايات سيف.\nولقد تحدث الدكتور محمد أمحزون (في كتابه القيم الذي قدم له الأستاذ فاروق حمادة وأشرف عليه). عن مرويات سيف بن عمر التميمي في تأريخ الطبري وذكر طرق الطبري إليه، وبيّن آراء العلماء في تضعيفه في الحديث وقول ابن حجر، والذهبي في رواياته التأريخية.\nوخلاصة دفاعه عن سيف في مجال الروايات التأريخية: أن له فضلًا في فضح عبد الله بن سبأ وغيره من الزنادقة، وأن روايات سيف مرشحة أكثر من غيرها لموافقة ما رواه الثقات في هذا المجال علاوة على أنها صادرة عمن شاهد تلك الوقائع والأحداث (راجع ما كتبه بالتفصيل في الصفحات ٢٢٩ - ٢٣٧).\nونضيف إلى ما كتبه الدكتور أمحزون بأنا لاحظنا أن سيف بن عمر التميمي يحاول ذكر التفاصيل الدقيقة في رواياته التاريخية عن حروب الردة والفتنة أيام سيدنا عثمان رضي الله","vol":"3","page":31},{"text":"٦ - فحدَّثني عُبيد الله بن سعد الزّهريّ، قال: حدَّثنا عمّي، قال: حدَّثنا سيف -وحدَّثني السري بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف- قال: حدَّثنا سَهْل بن يوسف عن أبيه، عن عبيد بن صَخْر بن لَوْذان الأنصاري السُّلمي وكان فيمن بعث النبيّ - ﷺ - مع عمَّال اليمن في سنة عشر بعد ما حجَّ التَّمام: وقد مات باذام، فلذلك فرَّق عملها بين شَهْر بن باذام، وعامر بن شهر الهَمْدانيّ، وعبد الله بن قيس أبي موسى الأشعريّ، وخالد بن سعيد بن العاص، والطَّاهر بن أبي هالة، ويعلَى بن أميَّة، وعمر بن حَزْم، وعلى بلاد حَضْر مَوت زياد بن لَبِيد البَيَاضيّ، وعُكَّاشة بن ثور بن أصغر الغَوْثي على السَّكاسك والسَّكون ومعاوية بن كندة، وبعث مُعاذ بن جبل معلِّمًا لأهل البلدين: اليمن وحضرموت. (٣: ٢٢٨).\n٧ - حدَّثني عبيدُ الله، قال: أخبرني عمِّي، قال: أخبرني سَيف -يعني: ابن عمر- عن أبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة، عن عبادة بن قُرْص بن عبادة، عن قُرْص الليثيّ: أن النبيَّ - ﷺ - رجع إلى المدينة بعد ما قضى حجّة الإسلام، وقد وجَّه إمارة اليمن وفرَّقها بين رجال، وأفرد كلَّ رجل بحَيِّزِه، ووجَّه إمارة حضرموت وفرَّقها بين ثلاثة، وأفرد كل واحد منهم بحيِّزه، واستعمل عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورِمَع وزَبِيد، وعامر بن شهر على هَمْدان، وعلى صنعاء ابن باذام، وعلى عَكّ والأشعريّين الطَّاهر بن أبي هالة، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري، وعلى الجنَد يعلَى بن أميّة. وكان معاذ معلِّمًا يتنقّل في عمالة كلّ عامل باليمن وحضرموت؛ واستعمل على أعمال حضرموت؛ على السَّكاسك والسَّكون عُكّاشة بن ثور، وعلي بني معاوية بن كندة عبد الله -أو المهاجر- فاشتكى فلم يذهب حتى وجَّهه أبو بكر. وعلى حضرموت زياد بن لبيد البياضيّ، وكان زياد يقوم على عمل المهاجر؛ فمات رسول الله - ﷺ - وهؤلاء عمّاله على اليمن وحضرموت؛ إلَّا مَنْ قُتِل في قتالة الأسود أو مات؛ وهو باذام، مات ففرَّق النبيّ - ﷺ - العمل من أجله. وشهر ابنُه\n_________\n= عنه، ويؤيده ما ورد عند أئمة المغازي والسير المتقدمين ولا يزيد عادة على تلك الأحداث ما ليس منها (نقول: عادة وليس دائمًا). وسنتحدث عن قصة الأسود العنسي بعد سردنا لروايات الطبري.","vol":"3","page":32},{"text":"-يعني: ابن باذام- فسار إليه الأسود فقاتله فقتله. (٣: ٢٢٨/ ٢٢٩).\n٨ - وحدَّثني بهذا الحديث السريّ عن شعيب بن إبراهيم عن سَيف. فقال فيه: عن سيف، عن أبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة. ثم سائر الحديث بإسناده مثل حديث ابن سعد الزُّهريّ. (٣: ٢٢٩).\n٩ - قال: حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: أوّل من اعترض على العَنْسيّ وكاثَره عامرُ بن شَهْر الهَمْدانيّ في ناحيته، وفيروز، وداذَوَيه في ناحيتهما، ثم تتابع الذين كتِب إليهم على ما أمروا به. (٣: ٢٢٩).\n١٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرني سَيف، قال: وحدَّثنا السرِيّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدثنا سيف عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر، قال: فبينا نحن بالجَنَد قد أقمناهم على ما ينبغي، وكتبنا بيننا وبينهم الكتب؛ إذ جاءنا كتاب من الأسْود: أيها المتورّدُون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضِنا، ووفِّروا ما جمعتم؛ فنحن أوْلى به وأنتم عَلَى ما أنتم عليه. فقلنا للرسول: مِنْ أين جئت؟ قال: من كهف خُبَّان. ثم كان وجّهه إلى نَجْران؛ حتى أخذنا في عشرٍ لمخرجه، وطابقه عوامّ مذحج. فبينا نحن ننظر في أمرنا، ونجمع جَمعنا، إذ أتينا فقيل: هذا الأسود بشَعُوب، وقد خرج إليه شهر بن باذام؛ وذلك لعشرين ليلة من منجَمه. فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون الدَّبْرَة، إذ أتانا: أنه قتل شهرًا، وهزم الأبناء، وغلب على صَنْعَاء لخمس وعشرين ليلة من منجَمه. وخرج معاذ هاربًا، حتى مرَّ بأبي موسى وهو بمأرب، فاقتحما حضرموت؛ فأما معاذ فإنه نزل في السَّكون؛ وأما أبو موسى فإنه نزل في السَّكاسك مما يلي المفُّور والمفازة بينهم وبين مأرِب، وانحاز سائر أمراء اليَمن إلى الطّاهر إلَّا عمرًا وخالدًا؛ فإنهما رجعا إلى المدينة؛ والطَّاهر يومئذ في وسَط بلاد عَكَّ بِحيال صنعاء. وغلب الأسودُ على ما بين صَهِيد -مفازة حضرموت- إلى عمل الطائف إلى البحرين قِبَل عَدن، وطابقت عليه اليمن، وعكّ بتهامة معترضون عليه؛ وجعل يستطير استطارة الحريق، وكان معه سبعمئة فارس يوم لقيَ شهرًا سوى الرّكبان؛ وكان قُوّاده قيس بن عبد يغوث المُرادي، ومعاوية بن قيس الجَنْبِيّ، ويزيد بن محرم، ويزيد بن حُصين الحارثيّ،","vol":"3","page":33},{"text":"ويزيد بن الأفْكَل الأزديّ. وثبت ملكهُ واستغلظ أمرُه، ودانَتْ له سواحل من السواحل؛ حاز عَثْر، والشَّرْجَة، والحَرْدة، وغَلافقَة، وعَدَن، والجَنَد؛ ثم صَنْعاء إلى عَمَل الطائف، إلى الأحسية، وعُلَيب؛ وعامله المسلمون بالبقية، وعامله أهلُ الردَّة بالكفر، والرجوع عن الإسلام. وكان خليفته في مذحِج عمرو بن معد يكرب، وأسند أمره إلى نفر؛ فأما أمرُ جنده فإلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز وداذويه.\nفلمَّا أثخن في الأرض؛ استخفّ بقيس وبفيروز وداذويه، وتزوَّج امرأة شهر؛ وهي ابنة عمّ فيروز؛ فبينا نحن كذلك بحضرموت ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود، أو يبعث إلينا جيشًا، أو يخرج بحضرموت خارجٌ يدّعي بمثل ما ادَّعى به الأسود، فنحن على ظهر، تزوَّج مُعاذ إلى بني بكرة -حي من السَّكون- امرأة أخوالها بنو زنكبيل يقال لها: رَمْلة، فحَدبوا لصهره علينا، وكان معاذ بها معجَبًا، فإن كان ليقول فيما يدعو الله به: اللهمَّ ابعثني يوم القيامة مع السَّكون، ويقول أحيانًا: اللهمَّ اغفر للسَّكون؛ إذ جاءتنا كتبُ النبي - ﷺ - يأمرُنا فيها أن نبعثَ الرِّجال لمجاولته أو لمصاولته؛ ونُبلِغَ كلَّ من رجا عنده شيئًا من ذلك عن النبيِّ - ﷺ -. فقام معاذ في ذلك بالذي أمر به، فعرفنا القوَّة، ووثقنا بالنصر. (٣: ٢٢٩/ ٢٣٠ / ٢٣١).\n١١ - حدَّثنا السريّ، قال: أخبرنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف، وحدَّثني عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، قال: أخبرنا المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية الدَّثِينيّ، عن الضَّحاك بن فيروز -قال السريّ: عن جُشَيش بن الديلميّ، وقال عبيد الله: عن جشنس بن الديلميّ- قال: قدِم علينا وَبَرُ بن يُحَنّس بكتاب النَّبيِّ - ﷺ -، يأمرنا فيه بالقيام على ديننا، والنهوض في الحرب، والعمل في الأسود: إمَّا غيلة وإما مصادمة؛ وأن نبلغ عنه مَن رأينا أن عنده نجدة ودينًا. فعملنا في ذلك، فرأينا أمرًا كثيفًا، ورأيناه قد تغيَّر لقيس بن عبد يغوث -وكان على جنده- فقلنا: يُخاف على دمه؛ فهو لأوّل دعوة؛ فدعوناه، وأنْبَأناه الشَّأنَ، وأبلغناه عن النبيِّ - ﷺ -، فكأنما وقعنا عليه من السماء، وكان في غمّ وضيق بأمره؛ فأجابنا إلى ما أحببنا من ذلك، وجاءنا وبر بن يحنَّس، وكاتبْنا الناسَ ودعوناهم؛ وأخبره الشيطان بشيء، فأرسل إلى قيس، وقال: يا قيس!","vol":"3","page":34},{"text":"ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته؛ حتى إذا دخل منك كلّ مدخل، وصار في العزّ مثلك؛ مال ميل عدوّك؛ وحاول ملكَك وأضمر على الغدر! إنه يقول: يا أسود! يا أسود! يا سوءة! يا سوءة! اقطف قُنَّتَه، وخذْ من قيس أعلاه؛ وإلَّا سلبك أو قطف قُنَّتَك. فقال قيس وحلَف به: كذَبَ وذي الخِمار! لأنتَ أعظمُ في نفسي وأجَلُّ عندي من أنْ أحدِّث بك نفسي؛ فقال: ما أجفاك! أتكذّب المَلَك قد صدق الملَك؛ وعرفت الآن أنك تائبٌ مما اطَّلع عليه منك.\nثم خرج فأتانا، فقال: يا جُشَيشِ! ويا فَيروز! ويا داذويه! إنه قد قال وقلت؛ فما الرأيُ؟ فقلنا: نحن على حذر؛ فإنا في ذلك؛ إذ أرسل إلينا، فقال: ألم أشرِّفْكُم على قومِكم، ألم يبلغني عنكم! فقلنا: أقِلْنا مرَّتَنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقتلكم؛ فنجوْنا ولم نكدْ؛ وهو في ارتياب من أمرنا وأمر قيس؛ ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم؛ إذ جاءنا اعتراض عامر بن شَهْر، وذي زود، وذي مُرَّان، وذي الكَلاع، وذي ظُلَيم عليه، وكاتبونا وبذلوا لنا النَّصر؛ وكاتبناهم وأمرناهم ألَّا يحركوا شيئًا حتى نُبْرم الأمْرَ -وإنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب النبيّ - ﷺ -؛ وكتب النبيّ - ﷺ - إلى أهل نَجْران؛ إلى عَرَبهم وساكني الأرض من غير العرب؛ فثبتوا فتَنحَّوا وانضمّوا إلى مكان واحد- وبلغه ذلك، وأحسّ بالهلاك، وفرّق لنا الرّأيُ. فدخلتُ على آذاد؛ وهي امرأته، فقلت: يا بنة عمّ! قد عرفت بلاءَ هذا الرجل عند قومك؛ قَتَل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وسفل بمن بقي منهم؛ وفضح النساء؛ فهل عندك من ممالأة عليه! فقالت: على أيّ أمره؟ قلت! إخراجه، قالت: أو قتله؟، قلت: أو قتله، قال: نعم والله ما خَلَق الله شخصًا أبغضَ إليَّ منه؛ ما يقوم لله على حقّ، ولا ينتهي له عن حُرْمة؛ فإذا عزمتم فأعلموني أخبركم بمَأتَى هذا الأمر. فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهِضه، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا: المَلِك يدعوك. فدخل في عشرة من مَذْحِج وهَمْدان. فلم يقدر على قتله معهم - قال السرِّيّ في حديثه: فقال: يا عيهلة بن كعب بن غوث! - وقال عبد الله في حديثه: يا عبهلة بن كعب بن غوث! أمنِّي تحصَّن بالرجال! ألم أخبرك الحقَّ، وتخبرني الكذابة! إنه يقول: يا سوءة! يا سوءة! إلا تقطع من قيس","vol":"3","page":35},{"text":"يده؛ يقطع قنّتك العليا؛ حتى ظنّ: أنه قاتله؛ فقال: إنه ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله، فمرْ بي بما أحببت؛ فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة [أن تقتلني]- قال الزهري: فإما قتلتني فموتة، وقال السّري: اقتلني فموتةٌ أهوَن عليّ من موتات أموتُها كلّ يوم - فرقّ له فأخرجه، فخرج علينا فأخبرنا وواطأنا، وقال: اعْملُوا عَملَكم؛ وخرج علينا في جمع، فقمنا مُثُولًا له، وبالباب مئة ما بين بقرة وبعير، فقام وخَطَّ خَطًّا فأقيمت من ورائه، وقام من دونها، فنحرها غير محبَّسة ولا معقَّلة، ما يقتحم الخطّ منها شيء، ثم خلَّاها فجالتْ إلى أن زَهَقت؛ فما رأيت أمرًا كان أفظع منه، ولا يومًا أوحش منه. ثم قال: أحقٌّ ما بلغني عنك يا فيروز؟ وَبَوَّأ له الحربة - لقد هممتُ أن أنْحَرَك فأتْبِعَك هذه البهيمة، فقال: اخترتَنا لِصهْرِك، وفضّلتنا على الأبناء؛ فلو لم تكن نبيًّا ما بعْنَا نَصيبَنا منك بشيء؛ فكيف وقد اجتمع لنا بك أمرُ آخرة ودنيا؛ لا تقبلنَّ علينا أمثال ما يبلغك؛ فإنَّا بحيث تحبّ. فقال: اقسِمْ هذه؛ فأنت أعلم بمَنْ ها هنا، فاجتمع إليّ أهلُ صنعاء، وجعلت آمر للرهط بالجَزور ولأهل البيت بالبقرة، ولأهل الحِلَّة بعدّة، حتى أخذ أهل كلّ ناحية بقسطهم. فلحق به قبل أن يصل إلى داره -وهو واقف عليّ- رجلٌ يسعى إليه بفيروز؛ فاستمع له، واستمع له فيروز وهو يقول: أنا قاتله غدًا وأصحابه؛ فاغدُ عليّ، ثم التفت فإذا به، فقال: مَه! فأخبره بالذي صنع، فقال: أحسنت، ثم ضرب دابّته داخلًا، فرجع إلينا فأخبرنا الخبر، فأرسلنا إلى قيس؛ فجاءنا؛ فأجمع مَلؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لتخبرَنا بما تأمر؛ فأتيتُ المرأة وقلت: ما عندك؟ فقالت: هو متحرِّز متحرِّس؛ وليس من القَصْر شيء إلّا والحَرَسُ محيطون به غير هذا البيت؛ فإنّ ظهرَه إلى مكان كذا وكذا من الطريق؛ فإذا أمسيتُم فانقُبوا عليه؛ فإنكم من دون الحرَس؛ وليس دون قتله شيء. وقالت: إنكم ستجدون فيه سِراجًا وسلاحًا. فخرجتُ فتلقَّاني الأسود خارجًا من بعض منازله، فقال لي: ما أدخلك عليّ؟ ووجَأ رأسي حتى سقطتُ - وكان شديدًا - وصاحت المرأة فأدهشتْه عنّي؛ ولولا ذلك لقتلني. وقالت: ابن عمّي جاءني زائرًا، فقصّرْتَ بي! فقال: اسكتي لا أبالك، فقد وهبته لك! فتزايلَتْ عنّي، فأتيت أصحابي فقلت: النَّجاء! الهَرب! وأخبرتُهم الخبر؛ فإنا على ذلك حَيَارَى إذ جاءني رسولُها: لا تَدَعَنَّ ما فارقُتك عليه؛ فإني لم أزَلْ به حتى اطمأنَّ؛ فقلنا لفيروز: ائتِها فتثبّت منها؛","vol":"3","page":36},{"text":"فأما أنا فلا سبيلَ لي إلى الدخول بعد النَّهي. ففعل، وإذا هو كان أفطنَ مني؛ فلما أخبرته قالت: وكيف ينبغي لنا أن ننقب على بيوت مبطّنة! ينبغي لنا أن نقلع بِطانَةَ البيت؛ فدخلا فاقتلعا البطانة، ثم أغلقاه؛ وجلس عندها كالزائر؛ فدخلَ عليها [الأسود] فاستخفَّتْه غَيرة، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم، فصاح به وأخرجه. وجاءنا بالخبر؛ فلمَّا أمسينا عملنا في أمرنا؛ وقد واطَأنا أشيَاعُنا، وعجِلْنا عن مراسلة الهمْدانتين والِحميَريِّين؛ فنقبنا البيتَ من خارج، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جَفْنة؛ واتَّقينا بفيروز؛ وكان أنجدَنا وأشدَّنا -فقلنا: انظر ماذا ترى! فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة؛ فلمَّا دنا من باب البيت سمع غطيطًا شديدًا، وإذا المرأة جالسة؛ فلمّا قام على الباب أجلسه الشَّيطان فكلَّمه على لسانه- وإنه ليغُطَّ جالسًا. وقال أيضًا: ما لي ولك يا فيروز! فخشيَ إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمَل؛ فأخذ برأسه فقتله، فدقّ عنقه، ووضع ركبته في ظهره فدقه، ثم قام ليخرج؛ فأخَذت المرأة بثوبه وهي تَرى أنه لم يقتله، فقالت: أين تَدَعُنِي! قال: أخبرُ أصحابي بمقتله؛ فأتانا فقمنا معه؛ فأردنا حزّ رأسه؛ فحرّكه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه؛ فقلت: اجلسوا عَلَى صدره؛ فجلس اثنان على صدره، وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بربرة فألجمتهُ بمِئلاة؛ وأمرَّ الشَّفْرة على حَلقه فخار كأشدّ خُوار ثور سمعته قطّ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة، فقالوا: ما هذا، ما هذا! فقالت المرأة: النبيّ يوحَى إليه! فخمد. ثم سمرنا ليلَتنا ونحن نأتمر كيف نخبرُ أشياعَنا، ليس غيرنا ثلاثتنا: فيروز وداذويه وقيس؛ فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا، ثم يُنادى بالأذان، فلما طلَع الفجر نادى داذويه بالشعار، ففزع المسلمون والكافرون، وتجمّع الحرس فأحاطوا بنا، ثم ناديت بالأذان، وتوافت خيولُهم إلى الحَرس، فناديتهم: أشهدُ أنّ محمدًا رسول الله؛ وأن عَبْهلة كذاب! وألقينا إليهم رأسَه، فأقام وَبَر الصلاة، وشَنّها القوم غارةً؛ ونادينا: يا أهل صَنْعاء، مَن دخل عليه داخل فتعلّقوا به، ومَن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به. ونادينا بمَن في الطريق: تعلَّقوا بمَن استطعتم! فاختطفوا صبيانًا كثيرين؛ وانتهبوا ما انتهبوا، ثم مضوا خارجين؛ فلمَّا برزوا فقدوا منهم سبعين فارسًا ركبانًا؛ وإذا أهلُ الدُّور والطُرق وقد وافونا بهم؛ وفقدنا سبعمئة عَيِّل فراسلونا وراسلناهم أن يتركُوا لنا ما في أيديهم، ونترك لهم ما في أيدينا؛ ففعلوا","vol":"3","page":37},{"text":"فخَرجوا لم يظفرُوا منّا بشيء؛ فتردَّدوا فيما بين صنعاء ونَجْران، وخلصت صنعاء والجَنَد، وأعزّ الله الإسلام وأهله؛ وتنافسْنا الإمارة؛ وتراجع أصحابُ النبيّ - ﷺ - إلى أعمالهم؛ فاصطلحنا على معاذ بن جبل، فكان يصلِّي بنا، وكتبنا إلى رسول الله - ﷺ - بالخبر؛ وذلك في حياة النبيّ - ﷺ -. فأتاه الخبر مِنْ ليلته، وقدمَتْ رُسُلُنا؛ وقد مات النبيُّ - ﷺ - صبيحةَ تلك الليلة؛ فأجابنا أبو بكر ﵀. (٣: ٢٣١/ ٢٣٢ / ٢٣٣/ ٢٣٤ / ٢٣٥/ ٢٣٦).\n١٢ - حدثني المريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف عن أبي القاسم وأبي محمد، عن أبي زُرعة يحيى بن أبي عمرو السَّيبانيّ، من جُنْد فلسطين؛ عن عبد الله بن فيروز الدَّيلميّ: أن أباه حدَّثه: أن النبيَّ - ﷺ - بعث إليهم رسولًا، يقال له: وَبَر بن يُحنّس الأزديّ؛ وكان منزله على داذَويه الفارسيّ، وكان الأسود كاهنًا معه شيطان وتابع له، فخرج فنزل على ملك اليمن؛ فقتل ملكها ونكح امرأته ومَلك اليمن؛ وكان باذام هلك قبل ذلك، فخلف ابنه على امرأته، فقتله وتزوّجها، فاجتمعتُ أنا وداذويه وقيس بن المكشوح المراديّ عند وَبَرَ بن يُحَنَّس رسول نبي الله - ﷺ - نأتمر بقتل الأسود. ثم إنَّ الأسود أمر الناس فاجتمعوا في رَحَبَة من صنعاء، ثمّ خرج حتى قام في وسطهم، ومعه حربة الملك، ثم دعا بفرَس الملك فأوْجرَه الحربة، ثم أرسل فجعل يجرِي في المدينة ودماؤه تسيل حتى مات. وقام وسط الرَّحبة؛ ثمّ دعا بجُزُر من وراء الخطّ فأقامها، وأعناقُها ورؤوسها في الخطّ ما يَجُزْنَه. ثمَّ استقبلهنَّ بحربَته فنحرهنّ فتصدّعْن عنه؛ حتى فرغ منهنّ، ثم أمسك حربتَه في يده، ثم أكبّ على الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: إنه يقول -يعني: شيطانه الذي معه: إنَّ ابنَ المَكْشُوح من الطغاة، يا أسود اقطع قُنَّةَ رأسه العليا. ثم أكبّ رأسه أيضًا ينظر، ثمّ رفع رأسه، فقال: إنه يقول: إنّ ابن الديلميّ من الطغاة؛ يا أسود اقطع يده اليمنى، ورجله اليمنى. فلمّا سمعتُ قولَه قلت: والله ما آمن أن يدعوَ بي، فينحرني بحربته كما نحر هذه الجُزُر؛ فجعلت أستتر بالناس لئلا يرانِي، حتى خرجت ولا أدري من حذري كيف آخذ! فلما دنوتُ من منزلي لقيني رجلٌ من قومه، فدقّ في رقبتي، فقال: انّ الملك يدعوك وأنت تَرُوغ! ارجع؛ فردَّني، فلمّا رأيتُ ذلك خشيت أن يقتلَني. قال: وكنّا لا يكاد يفارق رجلًا منا أبدًا خنجره، فأدُسّ يدي في خفّي،","vol":"3","page":38},{"text":"فأخذت خِنجَري، ثم أقبلت وأنا أريد أن أحمل عليه، فأطعنه به حتى أقتله، ثم أقتل من معه، فلمّا دنوت منه رأى في وجهي الشَّرَّ، فقال: مكانك! فوقفت، فقال: إنّك أكبرُ مَن ها هنا، وأعلمُهم بأشراف أهلها، فاقسمْ هذه الجُزُرَ بينهم. وركب فانطلق وَعلِقتُ أقسم اللَّحم بين أهل صنعاء، فأتاني ذلك الذي دقّ في رقبتي، فقال: أعطنِي منها، فقلت: لا والله ولا بَضعة واحدة؛ ألَسْتَ الذي دققتَ في رقبتي! فانطلق غضبانَ حتى أتى الأسْوَد؛ فأخبره بما لقِي منّي وقلت له. فلمَّا فرغتُ أتيتُ الأسودَ أمشي إليه، فسمعت الرَّجل وهو يشكوني إليه، فقال له الأسود: أمَّا والله لأذبحنَّه ذبحًا! فقلت له: إني قد فرغت ممَّا أمرتَني به، وقسَمْتُه بين الناس. قال: قد أحسنتَ فانصرف. فانصرفت، فبعثنا إلى امرأة الملك: إنا نريد قتل الأسود؛ فكيف لنا! فأرسلتْ إليّ: أن هلمَّ. فأتيتها، وجعلت الجارية على الباب لتُؤذِنَنا إذا جاء، ودخلتُ أنا وهي البيتَ الآخر، فحفرنا حتى نقبنَا نقبًا، ثم خرجنا إلى البيت، فأرسلنا السَّتر، فقلت: إنا نقتُله الليلة، فقالت: فتعالوْا؛ فما شعرت بشيء حتى إذا الأسود قد دخل البيت؛ وإذا هو معنا؛ فأخذتْه غَيرة شديدة، فجعل يدقّ في رقبتي، وكَفْكَفْتُه عنِّي، وخرجت فأتيتُ أصحابي بالذي صنعت، وأيقنت بانقطاع الحيلة عنّا فيه؛ إذ جاءنا رسولُ المرأة؛ ألَّا يَكْسِرنَّ عليكم أمرَكم ما رأيتُم؛ فإنِّي قد قلت له بعد ما خرجتَ: ألسْتم تزعمون أنكم أقوام أحرار لكم أحسابٌ! قال: بلى، فقلت: جاءني أخي يُسَلِّم عليّ ويكْرمني، فوقعتَ عليه تدقّ في رقبته؛ حتى أخرجته، فكانت هذه كرامتك إيَّاه! فلم أزَلْ ألومه حتى لام نفسه، وقال: أهو أخوك؟ فقلت؟ نعم، فقال: ما شعرتُ! فأقبِلوا الليلة لما أردتم.\nقال الديلميّ: فاطمأنَّتْ أنفسُنا، واجتمع لنا أمرُنا؛ فأقبلنا من الليل أنا وداذويه وقيس حتى ندخل البيت الأقصى من النَّقْب الذي نَقَبْنا، فقلت: يا قيس! أنت فارس الرب، ادخل فاقْتُل الرَّجل، قال: إني تأخذني رِعْدة شديدة عند البأس، فأخاف أن أضرب الرجل ضربةً لا تُغْني شيئًا؛ ولكن ادخل أنت يا فيروز، فإنَّك أشَبُّنا وأقوانا، قال: فوضعتُ سيفي عند القوم، ودخلت لأنظر أين رأسُ الرجل! فإذا السراج يزهر؛ وإذا هو راقد على فُرُش قد غاب فيها لا أدري أين رأسه من رجليه! وإذا المرأة جالسة عنده كانت تطعمه رمَّانًا حتى","vol":"3","page":39},{"text":"رقدَ، فأشرتُ إليها: أين رأسه؟ فأشارت إليه، فأقبلتُ أمشي حتى قمتُ عند رأسه لأنظر، فما أدري أنظرتُ في وجهِه أم لا! فإذا هو قد فَتَح عينيه؛ فنظر إليّ، فقلت: إن رجعتُ إلى سيفي خفت أن يفوتني ويأخذ عُدَّة يمتنع بها منِّي؛ وإذا شيطانه قد أنذره بمكاني وقد أيقظه، فلمّا أبطأ كلَّمنِي على لسانه؛ وإنه لينظر ويغُطُّ، فأضرب بيديّ إلى رأسه، فأخذت رأسه بيد ولحيته بيدٍ؛ ثم ألْوي عنقه فدققتها؛ ثم أقبلت إلى أصحابي، فأخذت المرأة بثوبي، فقالت: أختكم نصيحتكم! قلت: قد والله قتلتُه وأرحْتُك منه. قال: فدخلتُ على صاحبيَّ فأخبرتُهما، قالا: فارجع فاحتزّ رأسَه وائتنا به، فدخلت فبَربر فألجمته فحَززت رأسه، فأتيتهما به، ثم خرجنا حتى أتينا منزلَنا؛ وعندنا وَبَرُ بن يُحنّس الأزديّ، فقام معنا حتى ارتقينا على حِصْن مرتفع من تلك الحصون؛ فأذَّن وَبَر بن يُحنّس بالصلاة، ثم قلنا: ألا إنَّ الله ﷿ قد قتل الأسود الكذَّاب، فاجتمع الناس إلينا فرمينا برأسه، فلمَّا رأى القوم الذين كانوا معه أسْرَجوا خيولهم؛ ثم جعل كلّ واحد منهم يأخذ غلامًا من أبنائنا معه من أهل البيت الذي كان نازلًا فيهم؛ فأبصرتُهم في الغَلَس مُرْدِفي الغلمان، فناديت أخي وهو أسفل منّي مع الناس: أن تعلَّقوا بمَن استطعتم منهم؛ ألا تروْن ما يصنعون بالأبناء! فتعلَّقوا بهم؛ فحبسنا منهم سبعين رجلًا، وذهبوا منّا بثلاثين غلامًا، فلمَّا برزوا إذا هم يفقدون سبعين رجلًا حين تفقَّدوا أصحابَهم، فأتوْنا فقالوا: أرسِلوا إلينا أصحابَنَا، فقلنا لهم: أرسلوا إلينا أبناءنا، فأرسلوا إلينا الأبناء، وأرسلنا إليهم أصحابهم.\nقال: وقال رسولُ الله - ﷺ - لأصحابه: إنَّ الله قد قتل الأسوَد الكذَّاب العَنْسيَّ، قتله بيَدِ رجل من إخوانكم، وقوم أسلموا وصدَّقوا! فكنّا كأنّا على الأمر الذي كان قبل قدوم الأسود علينا وأمن الأمراءُ وتراجعوا، واعتذر الناسُ وكانوا حديثِي عهد بالجاهليَّة (١). (٣: ٢٣٦/ ٢٣٧ / ٢٣٨/ ٢٣٩).\n_________\n(١) ولقد ذكرنا هذه الروايات السبع في قسم الصحيح، وسنورد ما يؤيدها بإذن الله تعالى.\n١ - أخرج البخاري في صحيحه (٦١ - كتاب المناقب علامات النبوة في الإسلام / ح ٣٦٢١) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمَّني شأنهما فأوحيَ إليّ في المنام: أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأولتهما =","vol":"3","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كذابين يخرجان بعدي، فكان أحدهما: العنسي، والآخر: مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة\".\nوأخرج البخاري (ح ٢٢٧٤) عن ابن عباس ﵁ وفيه: فقال: فسألت عن قول النبي - ﷺ -: \"إني أرى الذي أريت فيك ما أريت\" فأخبرني أبو هريرة ... الحديث.\nوأخرج البخاري في صحيحه (٦٤ كتاب المغازي / ح ٤٣٧٩) قال عبيد الله بن عبد الله: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله - ﷺ - التي ذكر، فقال ابن عباس: ذُكِر لي: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بينا أنا نائم أريت أنه وُضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما فأُذن لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان\" فقال عبد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب.\nقال ابن حجر تعقيبًا على رواية البخاري الأخيرة الذي فيه قوله: (فقال ابن عباس: فذُكر لي): وقد وضح من حديث الباب قبله: أن الذي ذكر له ذلك هو أبو هريرة (الفتح ٨/ ٩٣) والحديث أخرجه البخاري في مواضع أخرى (ح ٤٣٧٣/ ٤٣٧٤).\nوقال الحافظ أيضًا: وكان باذام عامل النبي بصنعاء، فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة زوجة باذان فذكر القصة ... إلخ. الفتح (٨/ ٩٣).\nوهذه الروايات عند البخاري تثبت قصة كفر العنسي، وادعاءه النبوة، وقتل فيروز الديلمي له باليمن. وأنه ﵊ تنبأ بزواله، وزوال مسيلمة الكذاب.\nأما حديث (قتله فيروز فاز فيروز) فلم نجد له متابعًا عند غير (سيف بن عمر) والله أعلم.\n٢ - وردت رواية أخرى من طريق غير طريق سيف المفصلة عند الطبري أخرجها يعقوب بن سفيان في تأريخه (٣/ ٢٦٢) ثنا زيد بن المبارك و-حدثنا محمد بن الحسن الصنعاني، حدثنا سليمان بن وهب عن النعمان بن بُرزج، قال: خرج الأسود العنسي، فذكر قصة غلبته على صنعاء اليمن، وقتل باذام عامل النبي - ﷺ - واستصفى امرأته المرزبانة لنفسه فتزوجها وكانت تكرهه لما صنع بقومها، قال: فأرسلت إلى داذويه وكان خليفة باذام إلى فيروز، وإلى خرزاذ برزج، وجرجست الفارسيين، فائتمروا على قتل الأسود، وكان على بابه ألف رجل للحراسة، فجعلت المرزبانة تسفيه الخمر فكلما قال لها: شوبيه، سقئه صرفًا حتى سكر وقام فدخل الفراش وهو من ريش، وعمد داذويه وأصحابه إلى الجدار، فنضحوه بالخل، وحفروا بحديدة حتى فتحوه ودخل داذويه، وجرجست فهابا أن يقتلاه، ودخل فيروز وابن برزج فأشارت إليهما المرأة أنه في الفراش، فتناول فيروز رأسه، فعصر عنقه، فدقها، وطعنه خرزاذ بالخنجر ثم احتزّ رأسه وخرجوا. اهـ.\nقلنا: وفي إسناده محمد بن الحسن الصنعاني مختلف فيه فقد وثقه أبو زرعة (الجرح والتعديل ٧ / ت ١٢٥٢) وأبو حاتم (تهذيب الكمال / ت ٥٧٣٣) وابن حبان (٩/ ٦٩) =","vol":"3","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأبو صالح المصري (تهذيب التهذيب ٩/ ١١٤) وضعفه الدارقطني والأزدي، وقال ابن معين: لم أكتب عنه شيئًا. (سؤالات الجنيد / ٤٧). وقال الحافظ في التقريب: صدوق فيه لين.\nوهذا الرواية تتقوى برواية سيف وأصلها، وأعني: ارتداد الأسود وقتل فيروز له في البخاري كما سبق أن ذكرنا.\nوهذه الرواية ذكرها ابن حجر ونسبها إلى يعقوب بن سفيان في تأريخه، وذكر إسناده كما في الإصابة (٢/ ٣٣٠ / ت ٣٤٢١).\nثم قال الحافظ: وأورده البيهقي في الدلائل من هذا الوجه.\nقلنا: ورواية البيهقي في الدلائل (٥/ ٣٣٦) تختلف عن الرواية الأصل في تأريخ يعقوب بن سفيان بعض الشيء، وتوافق رواية سيف عند الطبري إذ عند البيهقي: فسار الأسود حتى أخذ ذمار؛ وكان باذام إذ ذاك مريضًا بصنعاء، فلما مات؛ جاء الأسود شيطانه وهو على قصر ذمار، فأخبره بموت باذام ... إلخ.\nوقال الحافظ في ترجمة داذوبه الفارسي: كان خليفة باذام عامل النبي - ﷺ - على اليمن فلما خرج الأسود العنسي الكذاب، وظفر بباذام، فقتله؛ هرب داذويه ومن تبعه، والقصة مشهورة في المغازي وممن أخرجها يعقوب بن سفيان في تأريخه ... إلخ. (الإصابة ٢/ ٣٣٠ / ٣٤٢١). ونسبه الحافظ كذلك إلى ابن منده الذي أخرجها من نفسه (الإصابة ٦/ ٣٩١).\nوراوي هذه القصة هو النعمان بن برزج الذي ذكره الحافظ في عداد المخضرمين وقال: أخرج عبيد بن محمد الكشوري في تأريخه من طريق هشام بن يوسف عن عمر بن نعيم: سمعت النعمان بن برزج؛ وكان عاش ثلاثين في الجاهلية ومئة سنة في الإسلام. وقال الحافظ: النعمان بن برزج اليماني سن أهل صنعاء. قال ابن حبان: له صحبة. وقال ابن عساكر: أدرك النبي - ﷺ - ولم يلقه، وقدم الشام في عهد عمر (الإصابة في تمييز الصحابة ٦/ ٣٩١ / ت ٨٨٩٠).\n٣ - ولقد ترجم الحافظ لـ (باذام أو باذان) الفارسي فيمن أدرك النبي - ﷺ - ولم يجتمع به سواء أسلم في حياته، أم بعده، فقال: باذان الفارسي من الأبناء الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، وكان ملك اليمن في زمانه، وأسلم باذان لما هلك كسرى وبعث بإسلامه إلى النبي - ﷺ - فاستعمله على بلاده ثم مات فاستعمل ابنه شهر بن باذان على بعض عمله.\nذكر ذلك ابن إسحاق، وابن هشام، والواقدي، والطبري، وذكره في الصحابة الباوردي وغيره، وسيأتي له ذكر في ترجمة جدجميرة في حرف الجيم وأخباره مذكورة في التأريخ والسير.\nوقال الثعلبي: هو أول من أسلم من ملوك العجم وأول من أمّر في الإسلام على اليمن. وقال =","vol":"3","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الفاكهي: حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا علي بن عاصم عن داود عن الشعبي قال: كتب النبي - ﷺ - إلى كسرى فمزق كتابه وكتب إلى باذان: \"أرسل إليه من يأمره بالرجوع إلى دين قومه فإن أبى فقاتله ... \" فذكر الحديث وفيه: قال فخرج باذان من اليمن إلى النبي - ﷺ - فلحقه العنسي الكذاب فقتله اهـ. (الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٤٦٤ / ت ٧٥٩).\nقلنا: وهذا إسناد مرسل من مراسيل الشعبي، ومعلوم: أن مراسيل الشعبي ليست كغيره فقد قال العجلي: ومرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحًا، وقاله عبد الملك بن عمير (تهذيب الكمال / ت ٣٠٢٩).\nقلنا: ومنهجنا في تحقيق تأريخ الطبري: أنَّا أخذنا بالمراسيل إذا تعددت مخارجها وذلك العدول منا عن رأي الجمهور إلى رأي الشافعي؛ لأنها روايات في التأريخ لا في الحلال والحرام والعقيدة، والله أعلم.\nوبالإضافة إلى ذلك فإن الشعبي من أئمة المغازي كما قال عبد الملك بن عمير: مرّ ابن عمر على الشعبي وهو يحدِّث بالمغازي فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ لها وأعلم بها (تهذيب الكمال ت ٣٠٢٩). ومرسل الشعبي هذا يتقوى بما ذكرنا من الروايات التي في إسنادها مقال: وبمرسل آخر هو:\n٤ - قال ابن حجر: روى أبو سعيد النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما قدم كتاب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقرأه ومزّقه كتب إلى باذان وهو عامله باليمن ... الحديث. وفي آخره فأسلم وأسلمت الأبناء من آل فارس من كان منهم باليمن جميعًا (الإصابة ١/ ٦٣٢ / ت ١٢٧٨).\nويرى المؤرخ البلاذري: أن باذام مات فتولى الرئاسة بعده داذويه (ويقال: إن باذام قد كان مات ورأس الأبناء بعده خليفة له يسمى داذويه وذلك أثبت) (فتوح البلدان / ١٤٦). ولا بأس هنا أن نذكر رأي الحافظ ابن كثير وهو إمام من أئمة التأريخ الإسلامي صاحب الموسوعة المعروفة (البداية والنهاية) فهو يرى ﵀: أن باذام عامل كسرى على اليمن أسلم فبعث إليه رسول الله - ﷺ - بنيابة اليمن بكاملها فلم يعزله منه حتى مات. فلما مات استنابه ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليفه. فبعث أولًا في سنة عشر عليًّا، وخالدًا، ثم أرسل معاذًا، وأبا موسى الأشعري، وفرّق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم: شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني على همدان، وأبو موسى على مأرب ... إلخ. (البداية والنهاية ٦/ ٣١١).\nقلنا: ومسألة بعثه - ﷺ - لعلي، وخالد ﵄؛ فثابتة في الصحيح كما أخرج البخاري في صحيحه (باب بعث رسول الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع). عن البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه ... الحديث. ورواه البخاري في مواضع أخرى مختلفة. =","vol":"3","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٥ - قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٩٢): فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي له صحبة. وقال البخاري في التأريخ الكبير (٤/ ١ / ١٣٦ / ت ٦١٦): فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي، ثم روى البخاري من طريق شيخه علي: ثنا محمد بن الحسن الصنعاني قال: أخبرني النعمان بن الزبير عن أبي صالح الأحمسي عن مر المؤذن قال: خرجت مع فيروز الديلمي في ألفين (وفي رواية في العيد): فأتيت عمر، ثم أتاه فيروز، فقال عمر: هذا فيروز قاتل الكذاب. اهـ.\n٦ - قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال: فيروز هو الذي قتل الأسود العنسي الذي كان تنبأ في اليمن (تهذيب الكمال / ت ٣٦٥).\nوأخرج المزي بسنده حديثًا عن فيروز الديلمي ﵁، والحديث أخرجه أبو داود في الأشربة، وفيه: أتينا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله! إن لنا أعنابًا ... الحديث.\nوحسن الألباني إسناده (سنن أبي داود / ٣٧١٠) وأخرجه النسائي (ح ٨٣٣٢).\n٧ - وأخرج الطبراني (١٨/ ٣٣٠ / ٨٤٨) من طريق ضمرة بن ربيعة عن فيروز الديلمي: أتينا رسول الله - ﷺ - برأس العنسي الكذاب. قال الحافظ معقبًا على سند هذا الحديث: - ضمرة لم يتابع عليه - والحافظ ابن حجر يرى: أنهم قتلوا الأسود العنسي، ثم أرسلوا في غيره ﵊، ولكن الخبر وصل إلى المدينة وقد توفي - ﷺ - وهذا موافق لما جاء في رواية سيف (خ ٢٩): وفي آخره: وكتبنا إلى رسول الله - ﷺ - بالخبر وذلك في حياة النبي - ﷺ - فأتاه الخبر من ليلته، وقدمَت رُسُلُنا، وقد مات النبي - ﷺ - صبيحة تلك الليلة فأجابنا أبو بكر ﵀. اهـ.\nوقال الحافظ: وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبي - ﷺ -. قال أبو الأسود عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي - ﷺ - بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر ﵁ (الفتح ٨/ ٩٣). وقد أشار الحافظ إلى رواية سيف هذه في الإصابة (٥/ ٢٩٠ / ت ٧٠٢٥).\nوأشار ابن عبد البر إلى فيروز الديلمي قدومه على النبي - ﷺ - وحديثه في الأشربة وعقب على حديث ضمرة بن ربيعة: (أتينا رسول الله - ﷺ - برأس الأسود العنسي): لم يتابع ضمرة (على قوله: عن الشيباني عن عبد الله الديلمي عن أبيه: أنه قدم على رسول الله - ﷺ - برأس الأسود العنسي الكذاب) أحدٌ. وقد روى حديث فيروز الديلمي في قدومه على النبي وحديثه في الأشربة عن الشيباني عن عبد الله بن الديلمي عن أبيه جماعة، لم يذكر واحد منهم فيه: أنه قدم برأس الأسود العنسي الكذاب ... ثم قال ابن عبد البرِّ: وأهل السير لا يختلفون في أن الأسود العنسي الكذاب المتنبئ في صنعاء قتل في سنة إحدى عشرة، ومنهم من يقول: قتل في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وليس ذلك عندي بشيء ...\nوالصحيح: أنه قُتلَ قبل وفاة النبي - ﷺ - وأتاه خبره وهو مريض مرضه الذي مات فيه. =","vol":"3","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا خلاف أن فيروز الديلمي ممن قتل الأسود بن كعب العنسي اليمنى (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ٣٣٠ / ت ٢١٠٩).\n٨ - أما ما ذكره سيف (في رواية الطبري) من أن معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري كانا ممن بعثهما رسول الله - ﷺ - فصحيح. فقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٣٤١): بعث رسول الله - ﷺ - أبا موسى الأشعري ومعاذًا إلى اليمن وبعث كلّ واحدٍ منهما على مخلاف، واليمن مخلافان.\n٩ - أما بالنسبة لـ (وبر بن يحنّس) الذي ورد ذكره في رواية الطبري من طريق سيف (٣٢) فسنذكر ما يؤيده بتوفيق الله تعالى: - فقد قال الحافظ -:\nوأخرج ابن السكن وابن منده من طريق عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري عن سليمان بن وهب عن النعمان بن برزج: أن وبر بن يحنّس قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إذا قدمت صنعاء فائْتِ مسجدها الذي بحيال الضّبيل - جبل بصنعاء - فصلّ فيه\". زاد ابن السكن في روايته: فلما قتل الأسود الكذاب؛ قال وبر: هذا الموضع الذي أمرني رسول الله - ﷺ - أن أصنع فيه المسجد. قال بن مندة: تفرد به الذماري (الإصابة ٦/ ٤٦٨ / ٩١٢٤).\nوقلنا: وكلام بن منده عن تفرد الذماري بهذا الحديث بحاجة إلي شيء من التفصيل؛ لأن بعض أئمة الجرح والتعديل لم يفرِّقوا بين عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري هذا وبين الشامي الذي ضعفه البخاري، وأبو الحاتم، ووثقه عمرو بن علي، وابن حبان، وقال الحافظ في التهذيب: والصواب التفريق بينهما، وكذلك فعل في التقريب فضعف الشامي، وقال عن الذماري هذا: صدوق كان يصحّف (التقريب ص ٣٦٣) فإسناد ابن مندة حسن إن شاء الله تعالى.\nوقال ابن عبد البر في ترجمة وبر بن يحنّس: وله صحبه، وهو الذي بعثه رسول الله - ﷺ - إلى داذويه الإصطخري، وفيروز الديلمي، وحشيش الديلمي باليمن ليقتلوا الأسود العنسي؛ الذي ادّعى النبوة (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤/ ١١٢ / ت ٢٧٤٥).\n١٠ - أما عمرو بن حزام الذي ورد اسمه في رواية الطبري من طريق سيف فبحاجة إلي شيء من التفصيل: فقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق ثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله - ﷺ - عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلي اليمن يفقه أهلها، ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب كتابًا ... الحديث.\nثم قال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولًا بزيادات كثيرة في الزكاه والديات وغير ذلك. ونقصان عن بعض ما ذكرناه، وقد ذكرناه في كتاب السنن. اهـ\nوقلنا: والمواضع التي أشار إليها البيهقي في الدلائل وهي كالآتي في سننه (١/ ٨٨، ٣٠٩، =","vol":"3","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١٠/ ١٢٨): وقد ضعف العلامة ابن التركماني في الجوهر النقي على حاشية سنن البيهقي\nهذا الحديث، ونقل عن ابن معين قوله: لا يصح هذا الحديث (حاشية السنن ١/ ٨٨).\nقلنا: ومن الذين ضعفوه كذلك ابن حزم في المحلى (٨١١) والنووي في المجموع (٢/ ٧٢) وقد صححه غير واحد، كما أخرجه الحاكم مختصرًا جدًّا وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٩٥)، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن / ٢٠٢) وصححه الطحاوي (٢/ ٤١٩) وابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩٨) وغيرهم.\nومن أراد المزيد عن حديث عمرو بن حزم وكتاب رسول الله - ﷺ - إلى أهل اليمن؛ فليراجع ما كتبه الأستاذ الباغندي في حاشية مسند عمر بن عبد العزيز، فقد رجَّح قول من صححوا الحديث على قول من ضعفوه، وذكر طرق الحديث المختلفة، فجزاه الله خيرًا (راجع مسند عمر بن عبد العزيز / تحقيق الباغندي / ح ٨٠). ولقد ترجم الحافظ لعمرو بن حزم بن لوذان الأنصاري في الصحابة، وقال: شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي - ﷺ - على نجران (الإصابة في تمييز الصحابة ٦/ ٥١٢ / ت ٥٨٢٦).\n١١ - أما قيس بن عبد يغوث بن المكشوح الذي تحدث عنه سيف طويلًا في رواية الطبري (٢٩) فقد قال الحافظ: واختلف في صحبته، وقيل: إنه لم يسلم إلا في خلافة أبي بكر أو عمر، لكنهم ذكروا: أنه كان ممن أعان على قتل الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن، فهذا يدلّ على أنه أسلم في عهد النبي - ﷺ - لأن النبي - ﷺ - أخبر بقتل الأسود في الليلة التي قُتل فيها وذلك قبل موت النبي - ﷺ - بيسير، وممن ذكر ذلك محمد بن إسحاق في السيرة (الإصابة ٥/ ٤٠٤ / ت ٧٣٢٨).\nوقال الحافظ: وكان ممن ارتد عن الإسلام باليمن، وقتل داذويه الفارسي، كما تقدم ذلك في ترجمته، وطلب فيروز ليقتله، ففرّ منه إلى خولان، ثم راجع الإسلام، وهاجر، وشهد الفتوح، وله في فتوح العراق آثار شهيرة في القادسية، وفي فتح نهاوند وغيرها، وتقدم له ذكر في ترجمة عمرو بن معد يكرب (الإصابة ٥/ ٤٠٤) وراجع أسد الغابة (٤٤٠٥).\nقلنا: وقد ذكرت رواية أخرى من غير طريق سيف بن عمر: أنه (أي: قيس بن المكشوح) شارك في قتل الأسود العنسي: فقد أخرج خليفة بن خياط عن أبي الحسن عن يعقوب بن داود الثقفي قال: سُئل أشياخنا بصنعاء عن مقتل الأسود العنسي، فقالوا: كنا نسمع آباءنا يذكرون: أن داذويه، وقيسًا، وفيروز دخلوا عليه بيته فحطم فيروز عنقه فقتله. (تأريخ خليفة / ١١٧).\nقلنا: وهذا إسناد ضعيف. وكذلك أخرج خليفة فقال: وحدثنا أبو الحسن عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: دخل عليه فيروز، وداذويه، وقيس (تأريخ خليفة / ١١٧).\nقلنا: وهذا إسناد مرسل، ولعل هذه الروايات (ضعيف سيف، ومرسل الزهري) والرواية =","vol":"3","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أشياخ صنعاء تتقوى ببعضها وخاصة لأنها روايات في التأريخ لا دخل لها في مسائل العقيدة، ولا الحلال والحرام، والله أعلم.\nوهناك رواية رابعة عند البلاذري تخالف هذه الروايات الثلاث؛ فقد أخرج البلاذري: قال: أخبرني بكر بن الهيثم قال: حدثني ابن أنس اليماني عمن أخبره عن النعمان بن برزج؛ أحد الأبناء: أن عامل النبي - ﷺ - الذي أخرجه الأسود عن صنعاء: أبان بن سعيد بن العاص، وأن الذي قتل الأسود العنسي هو فيروز الديلمي، وأن قيسًا وفبروز ادعيا قتله وهما بالمدينة فقال عمر: قتله هذا الأسد، يعني: فيروز (فتوح البلدان / ١٤٨) وهذا إسناد منقطع إلَّا أن قول عمر: (قتله هذا الأسد، يعني: فيروز) قد أخرج نحوه البخاري في تأريخه كما ذكرنا سابقًا وبلفظ: فقال عمر: هذا فيروز قاتل الكذاب (الكبير ٤/ ١ / ١٣٦).\n١٢ - أما زياد بن لبيد الأنصاري الذي ذكره سيف فيمن بعثهم رسول الله - ﷺ - عمالًا له على اليمن (الطبري ٢٥). فكذلك ذكره خليفة بن خياط في تأريخه: تسمية عماله - ﷺ - وفيه: وفرق اليمن فاستعمل على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص، وعلى كندة، والصدف المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري أحد بني بياضة، ومعاذ بن جبل على الجند، والقضاء، وتعليم الناس الإسلام، وشرائعه، وقراءة القرآن، وولى أبا موسى الأشعري زبيد، ورِقع، وعدن، والساحل، وجعل قبض الصدقات من العمال الذين بها إلى معاذ بن جبل. وبعث عمر بن حزم إلى بلحارث بن كعب، وأبا سفيان بن حرب إلى نجران (تأريخ خليفة / ٩٧).\nأما البلاذري فهو يقول بإجماع أصحاب المغازي والسير: أنه - ﷺ - بعث زياد بن لبيد على حضرموت، فقال: وأجمعوا جميعًا: أن رسول الله - ﷺ - ولى زياد بن لبيد حضر موت (فتوح البلدان / ٩٣).\n١٣ - أما المهاجر بن أبي أمية والذي ذكره الطبري في روايته (٢٥) من طريق سيف، وأنه كان ممن أرسله النبي - ﷺ - إلى اليمن؛ فقد أخرج الطبراني عنه، قال: وفدت على رسول الله - ﷺ - فرحب بي، وأدنى مجلسي، فلما أردت الرجوع؛ كتب ثلاث كتب: كتاب خاص بي فضَّلني فيه على قومي: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية: إن وائلًا يستسعيني ونوفلًا على الأقيال حيث كانوا من حضرموت ... الحديث). كما أشار الحافظ في الإصابة وذكر كذلك عن الزبير قوله: شهد بدرًا مع المشركين وقتل أخواه يومئذ: هشام ومسعود وكان اسمه الوليد، فغيّره النبي - ﷺ - وولَّاه لما بعث العمال على صدقات صنعاء، فخرج عليه الأسود العنسي (الإصابة ٦/ ١٨٠ / ت ٨٢٧١)، (مؤتلف الدارقطني ١٦٣)، (أسد الغابة ٥١٣٤)، (الاستيعاب ٢٥٣).\n١٤ - أما خالد بن سعيد بن العاص الذي ذكره سيف بن عمر (رواية الطبري ٢٤ - ٢٥) فقد وجدنا الحافظ قد ذكر روايتين في ذلك؛ الأولى قال فيها: وروينا في مناقب الشافعي =","vol":"3","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لمحمد بن رمضان بن شاكر: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم، حدثنا الشافعي قال: (وجَّه رسول الله - ﷺ - عليًّا، وخالدًا إلى اليمن ... الحديث).\nوالرواية الثانية فقد قال الحافظ: وأخرج محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تأريخه من طريق خلاد بن يحيى عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: (بعث رسولا الله - ﷺ - خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، وقال: \"إذا مررت بقرية ... \" الحديث. (الإصابة ٤/ ٥٦٩ / ت ٥٩٨٤).\nقلنا: أما الإسناد الأول؛ فهو معضل، وأما الإسناد الثاني؛ فهو إسناد مرسل وهو صحيح إلى مرسله. وأخرج البلاذري قال: حدثني بكر بن الهيثم قال: حدثني عبد الرزاق بن همام اليماني عن مشايخ حدثوه من أهل اليمن: أن رسول الله - ﷺ - ولى خالد بن سعيد بن العاص صنعاء، فأخرجه العنسي الكذاب عنها، وأنه ولّى المهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد الأنصاري على حضرموت والصدف، وهم ولد مالك بن مرتع بن معاوية بن كندة (فتوح البلدان). قلنا: وهذا إسناده ضعيف كما ترى.\n١٥ - أما عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري؛ فقد ترجم له الحافظ في الإصابة في تمييز الصحابة، وقال: ذكره البغوي، وغيره في الصحابة، وقال ابن السكن: له صحبة ولم يصح سند حديثه وأخرجه هو، والبغوي، والطبري من طريق سيف بن عمر بن سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخر بن لوذان قال: أمر النبي - ﷺ - عمال اليمن جميعًا فقال: \"تعاهدوا القرآن بالمذاكرة ... \" الحديث.\nوفيه: لما مات باذام فرّق النبي - ﷺ - أعماله بين شهر بن باذام، وعامر بن شهر، وأبي موسى، والطاهر بن أبي هالة، وخالد بن سعيد، وعمرو بن حزم. وأخرج ابن السكن والطبري من هذا الوجه إلى صخر: وكان ممن بعثه النبي - ﷺ - مع عمال اليمن (الإصابة ٤/ ٣٣٤ / ت ٥٣٥٩).\nقلنا: وهاتان روايتان ضعيفتان، فمدارهما على سيف بن عمر، والله أعلم.\n١٦ - أما جشيش الديلمي؛ فقد ترجم له الحافظ في الإصابة (١/ ٦٣٥ / ت ١٢٩٠) فيمن أدرك الجاهلية ولم يَرِدْ: أنه رأى النبي - ﷺ - وقال: كان ممن أعان على قتل الأسود الكذاب. ذكره الطبري، واستدركه ابن فتحون. اهـ.\nثم ذكر الحافظ رواية سيف في كتابه (الردّة) والتي فيها: أنه - ﷺ - بعث إلى جشيش وإلى داذويه وإلى فيروز يأمرهم بمحاربة الأسود العنسي. وأنه أخرجه من وجهين عن ابن عباس ثم قال:\nوكذلك ذكره الواقدي من رواية همام بن منبه (الإصابة ١/ ٦٣٥).\nقلنا: أما رواية سيف؛ فضعيفة، وكذلك رواية الواقدي، فهو متروك.\n(خلاصة القول في روايات قصة الأسود العنسي وما جرى بينه وبين عمال رسول الله - ﷺ - وأمرائه وبعوثه إلى اليمن): نقول وبالله التوفيق: لقد جعلنا الأصل في روايات الطبري حول هذا الموضوع ضعيفة لأنها من طريق سيف بن عمر، ثم حاولنا أن نجمع ما وجدناه في =","vol":"3","page":48},{"text":"١٢ / أ- حدَّثني عمر بن شبَّة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد عن أبي معْشر، ويزيد بن عياض بن جُعْدَبة، وغسّان بن عبد الحميد، وجُوَيرِيَة بن أسماء، عن مشيختهم، قالوا: أمضى أبو بكر جيشَ أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتلُ العنسيّ في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة؛ وكان ذلك أوّل فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة (١). (٣: ٢٤٠).\n١٢ / ب- وقال الواقديّ: في هذه السنة -أعني: سنة إحدى عشرة- قدِم وفد النَّخَع في النصف من المحرّم علَى رسولِ الله - ﷺ -، رأسُهم زُرارة بن عمرو، وهم آخر من قدم من الوفود.\nوفيها ماتت فاطمة ابنة رسول الله - ﷺ - في ليلة الثلاثاء لثلاث خلَوْن من شهر رَمضان؛ وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها. وذكر: أنّ أبا بكر بن\n_________\n= الصحاح، والمسانيد، والسنن، ومصادر التأريخ المعتمدة: (تأريخ ابن خليفة، فتوح البلدان للبلاذري، طبقات ابن سعد، وما رواه الحافظ من كتب ابن السكن، وابن مندة، وأبو سعيد النيسابوري وغيرهم بالأسانيد المذكورة في الإصابة).\nوالحق يقال فإن سيف بن عمر عمدة في التأريخ، كما قال ابن حجر؛ الذي لم يقل هذه العبارة اعتباطًا، وإنما سبر رواياته التأريخية، ثم قال: ضعيف في الحديث، عمدة في التأريخ، وكذلك قال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا بالتأريخ. أما ما لم نذكره في الصحيح من روايات سيف فسنعلق عليها في قسم الضعيف من عهد الخلفاء الراشدين. ولله المنة والفضل. فإن كنا قد أصبنا في تقسيمنا لروايات الأسود العنسي في تأريخ الطبري؛ فمن الله التوفيق، وإن كنا قد أخطأنا؛ فمن أنفسنا، ونستغفر الله. أما الرواية (٣٠) من طريق سيف عن ابن عمر قال: (أتى الخبر النبي - ﷺ - من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا، فقال: \"قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين\": قيل: ومن هو؟ قال: \"فيروز. فاز فيروز\". فلم نجد له متابعًا.\nوكذلك قوله في نهاية الرواية (٣٢) قال: وقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: \"إن الله قتل الأسود الكذاب العنسي، قتله رجل من إخوانكم، وقوم قد أسلموا وصدقوا\". فلم نجد من يتابع سيفًا في روايته هذه والله أعلم، إلَّا أنا ذكرنا: أن البخاري أخرج في صحيحه حديث أبي هريرة الذي فيه: أنه - ﷺ - رأى منامًا، وأوَّله بزوال كذابين يخرجان من بعده، ثم حديث ابن عباس الذي يقول فيه عبد الله ﵁: أحدهما: العنسي؛ الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة الكذاب. (صحيح البخاري ح ٤٣٧٩) والحمد لله أولًا وآخرًا.\n(١) إسناده ضعيف وقد تحدثنا عن إسناده ومتنه في روايات الطبري عن إنفاذ أبي بكر لجيش أسامة فراجعهما هناك (١٧ - ٢٣).","vol":"3","page":49},{"text":"عبد الله حدّثه عن إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح بذلك (١) (٣: ٢٤٠).\n١٣ - قال: وحدثنا ابن جريج عن الزهريّ، عن عروة، قال: توفِّيتْ فاطمة بعد النبيّ - ﷺ - بستة أشهر.\nقال الواقديّ: وهو أثبت عندنا.\nقال: وغسَّلها عليّ - ﵇ -، وأسماء بنت عُمَيس (٢). (٣: ٢٤٠).\n١٤ - وحدَّثني عُبيد الله، قال: حدثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف - وحدَّثني السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن المجالد بن سعيد، قال: لما فَصَل أسامة كفرت الأرض وتضرَّمت، وارتدّت من كلّ قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشًا وثقيفًا (٣). (٣: ٢٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>(اشرأب النفاق وارتدت العرب) والله أعلم</span>\n١٥ - وحدَّثني عُبيد الله، قال: حدَّثنا عمّي، قال: أخبرَنا سيف - وحدَّثني\n_________\n(١) وفيها ماتت فاطمة ابنة رسول الله - ﷺ - في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو غيرها، وذكر أن أبا بكر بن عبد الله حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبان بن صالح بذلك.\nهذا إسناد ضعيف ولكن الصحيح: أنها توفيت في السنة التي توفي فيها رسول الله - ﷺ -، وهو اختيار ابن كثير والذهبي (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٦)، (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ٤٣) وهو ما تثبته رواية الزهري عن عروة الآتية.\n(٢) قلنا: وعن عروة عن عائشة ﵂: أن فاطمة عاشت بعد رسول الله - ﷺ - ستة أشهر، ودفنت ليلًا. (المستدرك ٣/ ١٦٢) وكذلك عند ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٨) وقال خليفة بن خياط: وحدثني محمد بن معاوية عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، قال: لبثت بعد أبيها ستة أشهر (تأريخ خليفة / ٩٦).\nوقال ابن كثير: والصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة عاشت بعد النبي - ﷺ - ستة أشهر ودفنت ليلًا (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٨) أما سنها حين وفاتها فقد رجح الذهبي: أن سنها يوم وفاتها أربع وعشرون سنة ﵂ (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ٤٨).\n(٣) إسناده ضعيف وإن كان من أقل أسانيد سيف عند الطبري ضعفًا، ولم نجد هذه الرواية من طريق آخر مسندًا صحيحًا إلَّا أننا ذكرنا في الصحيح رواية عائشة ﵂، وصيغتها العموم دون تحديد.","vol":"3","page":50},{"text":"السّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف -عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما مات رسولُ الله - ﷺ -، وفَصل أسامة ارتدّت العرب عوامَّ أو خواصَّ؛ وتوَحَّى مسيلمة، وطُليحة، فاستغلظ أمرهما؛ واجتمع على طُليحة عوامُّ طيِّيء وأسد، وارتدَّت غَطَفان إلى ما كان من أشْجع وخواصّ من الأفناء فبايعوه، وقدّمت هوازن رِجْلًا، وأخَّرَتْ رِجْلًا، أمسكوا الصَّدقة إلَّا ما كان من ثَقِيف ولِفّها؛ فإنهم اقتدى بهم عوامّ جَدِيلة والأعجاز؛ وارتدّت خواصّ من بني سُليم؛ وكذلك سائر الناس بكلّ مكان.\nقال: وقدمت رسُل النبيّ - ﷺ - من اليَمن واليمامة وبلاد بني أسد ووفود مَن كان كاتبه النبيّ - ﷺ -، وأمِر أمرُه في الأسود، ومسيلمة، وطلحة بالأخبار والكتب؛ فدفعوا كتبَهم إلى أبي بكر، وأخبروه الخبر، فقال لهم أبو بكر: لا تبرحوا حتى تجيء رسلُ أمرائكم وغيرهم بأدْهى ممّا وصفتم وأمرّ؛ وانتقاضِ الأمور. فلم يلبَثُوا أن قَدِمَتْ كتبُ أمراء النبيّ - ﷺ - من كلّ مكان بانتقاضِ عامَّة أو خاصَّه؛ وتبسُّطهم بأنواع الميل على المسلمين، فحاربهم أبو بكر بما كان رسولُ الله - ﷺ - حاربَهم بالرّسل. فردّ رسلَهم بأمره، وأتبعَ الرّسلَ رسلًا؛ وانتظر بمصادمتهم قدومَ أسامة؛ وكان أول مَنْ صادم عَبْس، وذُبْيان، عاجلوه، فقاتلهم قبل رجوع أسامة (١). (٣: ٢٤٢/ ٢٤٣).\n١٦ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجِدْع، وحرام بن عثمان، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: لما قدِم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة، ومضى حتى انتهى إلى الرَّبَذَة يلقى بني عبس، وذُبيان، وجماعة من بني عبد مناة ابن كنانة، فلقيَهم بالأبْرَق، فقاتلهم فهزمَهم الله، وفَلَّهم، ثم رجع إلى المدينة، فلما جمَّ جند أسامة، وثاب مَن حول المدينة خرج إلى ذي القَصَّة فنزل بهم -وهو على بريد من المدينة تلقاء نَجْد - فقطّع فيها الجند، وعَقَد الألوية. عقد أحد عشر لواءً على أحد عشر جندًا، وأسَر أمير كلّ جند باستنفار مَنْ مَرّ به من المسلمين من\n_________\n(١) إسناده ضعيف ومتنه صحيح كما مر بنا في بقية أحاددث الردة وراجع تعليقنا على الحديث السابق.","vol":"3","page":51},{"text":"أهل القوّة، وتخلَّف بعضُ أهل القوّة لمنع بلادهم (١). (٣: ٢٤٨/ ٢٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>(ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة) </span>(٢)\n١٧ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدَّثنا عمي، قال: أخبرنا سيف\n_________\n(١) إسناده ضعيف وخروج أبي بكر ﵁ في بداية الأمر إلى ذي القصة معروف عند أئمة المغازي والسير؛ فقد ذكر خليفة بن خياط خروجه ﵁ إلى ذي القصة فقال: ثم خرج إلى ذي القصة واستخلف على المدينة سنان الضميري وابن مسعود على أنقاب المدينة.\nوقال خليفة: فحدثنا علي بن محمد عن عبد الله بن عمر الأنصاري عن هشام بن عروة عن أبيه: قال: خرج أبو بكر من المدينة للنصف من جمادى الآخرة (تأريخ خليفة بن خياط / ١٠١) وكذلك ذكر البلاذري في كتابه خروج أبي بكر ﵁ إلى القصَّة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردة ومعه المسلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>(مقدمة في الردة بعد وفاة رسول الله - ﷺ - وبداية خلافة أبي بكر)</span>\nقبل أن نناقش روايات الطبري في أحداث الردة والتي استغرقت ما يقرب من مئة صفحة، نود أن نذكر الحديث الصحيح عن الردة وموقف أبي بكر ﵁ منها؛ إذ من المعلوم: أنه لما انتشر خبر وفاة رسول الله - ﷺ - ارتدت طوائف من العرب كثيرة، حتى أن ابن إسحاق حصر الذين لم يرتدوا بأهل المسجدين (المدينة ومكة) فعزم سيدنا أبو بكر لقتالهم وهداه الله للصواب في ذلك في أحرج مرحلة مرت بها جماعة الصحابة ودولة الخلافة بعد وفاة رسول الله - ﷺ -.\nوأراد بعض الصحابة في بداية الأمر أن يقنعوا أبا بكر بالعدول عن رأيه فقال أبو بكر الصديق قولته المشهورة:\nوالله لو منعوني عقالًا أو عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله\". فقال أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال وقد قال: \"إلا بحقها\"، فقال عمر: فوالله ما هو إلَّا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت: أنه الحق). (صحيح البخاري، باب الاقتداء بسنن الرسول - ﷺ -)، و(مسلم، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وغيرها).\n(٢) ذكر الطبري روايات ردة طليحة، ومن انضم إليه من القبائل متفرقًا بعض الشيء، وسنذكرها معًا وهي في الجزء الثالث من تأريخه (طبعة دار المعارف).","vol":"3","page":52},{"text":"- وحدثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف - عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد وبدر بن الخليل وهشام بن عروة، قالوا: لما أرَزَتْ عَبْس وذُبيان ولِفُّها إلى البُزَاخةَ، أرسل طليحة إلى جَدِيلة والغَوْث أن ينضمُّوا إليه، فتعجَّل إليه أناس من الحَيَّينِ، وأمروا قومهم باللحاق بهم، فقدِموا على طُلَيحَة، وبعث أبو بكر عَدِيًّا قبل توجيه خالد من ذي القَصَّة إلى قومه، وقال: أدْرِكْهُمْ لا يُؤكَلُوا. فخرج إليهم ففَتلهم في الذَرْوَة والغارب، وخرج خالد في أثره، وأمره أبو بكر أن يبدأ بطيِّيء على الأكناف، ثم يكون وجهه إلى البُزاخة، ثم يثلِّث بالبُطاح، ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدِّث إليه، ويأمره بذلك. وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى خَيبر ومنصبّ عليه منها حتى يلاقيَه بالأكناف، أكناف سَلْمَى؛ فخرج خالد فازورَّ عن البُزاخة، وجَنَح إلى أجأ، وأظهر أنه خارج إلى خيبَر، ثم منصبّ علمِهم، فقعَّد ذلك طيِّئًا وبطَّأهم عن طليحة؛ وقدم عليهم عديٌّ؛ فدعاهم فقالوا: لا نبايعْ أبا الفَصِيل أبدًا، فقال: لقد أتاكم قوم ليُبيحُنَّ حريمكم، ولتُكنُّنَّه بالفحْل الأكبر؛ فشأنكم به. فقالوا له: فاستقبل الجيش فنههْه عنّا حتى نستخرج من لحق بالبُزاخة منّا، فإنا إن خالفنا طُلَيحة وهم في يديه قَتلهم أو ارْتَهنهم. فاستقبل عديٌّ خالدًا وهو بالسُّنْح، فقال: يا خالد! أمسِكْ عنِّي ثلاثًا يجتمع لك خمسمئة مقاتل تضرب بهم عدوّك؛ وذلك خيرٌ من أن تُعْجِلَهم إلى النار؛ وتشاغلْ بهم؛ ففعل. فعاد عديّ إليهم وقد أرسلوا إخوانهم؛ فأتوْهم من بُزاخة كالمدَدِ لهم؛ ولولا ذلك لم يحركوا؛ فعاد عديّ بإسلامهم إلى خالد، وارتحل خالد نحو الأنسُر يريد جَدِيلة، فقال له عديّ: إن طيِّئًا كالطائر، وإن جَدِيلة أحدُ جناحَي طيّئ؛ فأجّلْني أيامًا لعلّ الله أن ينتقذ جَدِيلة كما انتقذ الغوْث؛ ففعل، فأتاهم عديّ فلم يزل بهم حتى بايعوه؛ فجاءه بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب؛ فكان خير مولود وُلد في أرضِ طّيئ، وأعظمه عليهم بركة. (٣: ٢٥٣/ ٢٥٤).\n١٨ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: حُدَّثت: أنّ الناس لما اقتتلوا، قاتل عُيينة مع طليحة في سبعمئة من بني فزارة قتالًا شديدًا، وطُلَيحة متلفّف في كساء له بفناء بيت له من شَعَر، يتنبّأ لهم،","vol":"3","page":53},{"text":"والناس يقتتلون، فلما هزَّتْ عُيَينة الحرب، وضرَس القتال، كرَّ على طليحة، فقال: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: لا، قال: فرجع فقاتل حتى إذَا ضرَس القتال وهزَّته الحرب كرَّ عليه فقال: لا أبا لك! أجاءك جبريل بعد؟ قال: لا والله، قال: يقول عُيينة حلِفًا: حتى متى! قد والله بلَغ منّا! قال: ثم رجع فقاتل، حتى إذا بلغ كرَّ عليه، فقال: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم، قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: \"إنَّ لك رحًا كرَحاه، وحديثًا لا تنساه\"، قال: يقول عيينة: أظنَّ أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه؛ يا بني فزارة هكذا؛ فانصرفوا؛ فهذا والله كذَّاب. فانصرفوا وانهزم الناس فغَشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا؟ وقد كان أعدّ فرسه عنده، وهيّأ بعيرًا لامرأته النَّوَار، فلما أن غَشَوه يقولون: ماذا تأمرنا؟ قام فوثب على فرسه، وحمل امرأته ثم نجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فلْيفعل؛ ثم سلك الحوشيَّة حتى لحق بالشأم وارفضّ جمعه؛ وقتل الله مَن قتل منهم، وبنو عامر قريبًا منهم على قادتِهم وسادتهم؛ وتلك القبائل من سُلَيم وهوازن على تلك الحال؛ فلما أوقع الله بطُليحة وفَزَارة ما أوقع، أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله، نُسلم لحُكْمه في أموالنا وأنفسنا. (٣: ٢٥٦).\n١٩ - قال أبو جعفر: وكان سبب ارتداد عُيينة، وغطَفان، ومَن ارتدَّ من طيئ ما حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف - وحدثني السريّ قال: حدَّثنا شعيب عن سيف - عن طلحة بن الأعلم عن حبيب بن ربيعة الأسَديِّ، عن عُمارة بن فلان الأسديّ، قال: ارتدَّ طُلَيحة في حياة رسول الله - ﷺ -، فادَّعى النبوّة، فوجَّه النبيّ - ﷺ - ضِرار بن الأزور إلى عمَّاله علي بني أسد في ذلك، وأمرهم بالقيام في ذلك على كلّ مَن ارتدَّ، فأشجوْا طليحة وأخافوه، ونزل المسلمون بوَارِدَات. ونزل المشركون بسَمِيراء، فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان؛ حتى همَّ ضِرار بالمسير إلى طُليحة، فلم يَبْق [أحد] إلَّا أخذه سلَمًا، إلَّا ضربة كان ضربها بالجُراز، فنبا عنه، فشاعت في النّاس، فأُتي المسلمون وهم على ذلك بخبر موتِ نبيّهم - ﷺ - وقال ناس من الناس لتلك الضربة: إنَّ السلاح لا يُحيك في طليحة؛ فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان، وارفضَّ الناس إلى طُليحة واستطار أمرُه، وأقبل ذو الخِمارين","vol":"3","page":54},{"text":"عوفُ الجَذَمِيّ حتى نزل بإزائنا، وأرسل إليه ثُمامة بن أوْس بن لأم الطائيّ: إنّ معي من جَديلة خمسمئة، فإنْ دَهِمَكم أمر فنحن بالقُرْدُودة والإنسُر دُوَينَ الرمل. وأرسل إليه مُهَلْهِلُ بن زيد: إنّ معي حدَّ الغوث؛ فإنْ دهِمكم أمرٌ فنحن بالأكناف بحيال فَيد. وإنما تحدَّبتْ طيّئ على ذي الخمارين عوف: أنه كان بين أسَد وغَطَفَان وطيّئ حِلْفٌ في الجاهليّة، فلما كان قبل مبعث النبيّ - ﷺ - اجتمعتْ غَطَفان وأسَد على طيّئ، فأزاحوها عن دارها في الجاهلية: غَوْثها، وجَدِيلتها، فكره ذلك عَوْف؛ فقطع ما بينه وبين غَطَفان، وتتابع الحيَّانِ على الجَلاء، وأرسل عوف إلى الحيّين من طيّيء، فأعاد حِلْفهم، وقام بنصرتهم، فرجعوا إلى دُورهم، واشتدّ ذلك على غَطَفان؛ فلما مات رسولُ الله - ﷺ - قام عُيَينة بن حِصْن في غَطَفَان؛ فقال: ما أعرف حدودَ غَطَفَان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسَد؛ وإني لمجدّد الحِلْف الذي كان بيننا في القديم ومتابعٌ طليحة؛ والله لأنْ نتّبع نبيًّا من الحليفين أحبُّ من أن نتّبع نبيًّا من قريش؛ وقد مات محمد، وبَقِيَ طليحة! فطابَقُوه على رأيِه، ففعل وفعلوا.\nفلمّا اجتمعت غطفان على المطابَقة لطليحة هَرب ضرار، وقُضاعيّ، وسنان، ومَن كان قام بشيء من أمر النبيّ - ﷺ - في بني أسد إلى أبي بكر، وارفضّ مَن كان معهم، فأخبروا أبا بكر الخبر، وأمروه بالحذَر، فقال ضرار بن الأزور: فما رأيتُ أحدًا - ليس رسولَ الله - ﷺ - أمْلأَ بحرب شَعواء من أبي بكر؛ فجعلنا نخبره، ولكأنما نخبره بما له ولا عليه. وقدمتْ عليه وفودُ بني أسد، وغَطَفَان، وهَوازِن، وطيّئ، وتلقتْ وفودُ قضاعة أسامة بن زيد، فحوَّزها إلى أبي بكر؛ فاجتمعوا بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين لعاشر من مُتَوَفَّى رسول الله - ﷺ -، فعرضوا الصلاةَ على أن يُعْفوا من الزّكاة، واجتمع مَلأ مَن أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون؛ فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلًا إلا العبَّاس. ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما أجمع عليه ملؤُهم، إلَّا ما كان من أبي بكر، فإنه أبي إلَّا ما كان رسولُ الله - ﷺ - يأخذ، وأبوا، فردّهم وأجَّلهم يومًا وليلة؛ فتطايروا إلى عشائرهم. (٣: ٢٥٧/ ٢٥٨).\n٢٠ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سَهْل بن يوسف، قال: أخذ المسلمون رجلًا من بني أسَد، فأتِيَ به خالد بالغَمْر -وكان عالمًا بأمر","vol":"3","page":55},{"text":"طُليحة- فقال له خالد: حدِّثنا عنه وعما يقول لكم، فزعم أن مما أتي به: \"والحمام واليمام، والصُّرَد الصَّوَّام، قد صمنا قبلكم بأعوام، ليبلغنّ مُلْكُنا العراق، والشام\". (٣: ٢٦).\n٢١ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن أبي يعقوب سعيد بن عبيد، قال: لما أرْزَى أهل الغَمْر إلى البُزاخة، قام فيهم طليحة، ثم قال: \"أمرت أن تصنعوا رحًا ذات عُرًا، يرمي الله بها مَنْ رَمى، يهوي عليها من هوى\"، ثم عَبَّى جنوده. ثم قال: \"ابعنَوا فارسين على فرسين إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لي أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئًا حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين، فقتلهم كل قتلة، وبعثت إليك بقرّة وأصحابه (١). (٣: ٢٦٢/ ٢٦٣).\n_________\n(١) أما بقية الروايات التي لم نذكرها فقد ذكرناها في القسم الضعيف من عهد الخلفاء الراشدين.\nأولًا: ذكر الروايات عند غير الطبري من المؤرخين المتقدمين:\n١ - أخرج خليفة بن خياط من طريق علي بن محمد عن مسلمة، عن داود، عن عامر، وأبي معشر عن يزيد بن رومان: أن ألا بكر خرج إلى ذي القصة وهمّ بالمسير بنفسه. فقال له المسلمون: إنك لا تصنع بالمسير بنفسك شيئًا، ولا ندري لم تقصد؟ فأمِّر رجلًا تأمنه وتثق به وارجع إلى المدينة فإنك تركتها تغلي بالنفاق، فعقد لخالد بن الوليد على الناس، وأمَّر على الأنصار خاصة ثابت بن قيس بن شمَّاس وعليهم جميعًا خالد، وأمره أن يصمد لطليحة وأظهر أبو بكر مكيدة فقال لخالد: إني موافيك بمكان كذا وكذا (تأريخ خليفة / ١٠٢).\n٢ - وقال مسلمة عن داود، عن عامر، وعثمان بن عبد الرحمن عن الزهري: أن خالدًا سار من ذي القصّة في ألفين وسبعمئة إلى الثلاثة آلاف يريد طليحة، ووجَّه عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم بن ثعلبة الأنصاري حليف لهم من بليّ فانتهوا إلى قطن فصادفا بها حبالًا وأخذا ما معه.\nفخرج طليحة وسلمة ابنا خويلد فلقيا عكاشة وثابتًا، فقتلا عكاشة وثابتًا وسار خالد إلى بُزاخة، فلقي طليحة ومعه عيينة بن حصن الفزاري وقرّة بن هبيرة القيري، فاقتتلوا قتالًا شديدًا.\nوهزم الله طليحة وهرب إلى الشام وأسر عيينة وقرة بن هبيرة، فبعث بهما خالد إلى أبي بكر فحقن دماءهما، وتفرّق الناس عن بُزاخة، فأتى ناس غَمْرَ مرزوق، فسار إليهم خالد فقتل منهم ناسًا كثيرًا، وانهزم الآخرون بعد قتالٍ شديد (تأريخ خليفة / ١٠٢).\n٣ - وأخرج خليفة بن خياط: حدثنا بكر عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قاتل عيينة مع طليحة في سبعمئة من =","vol":"3","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بين فزارة فانهزم الناس وهرب طليحة إلى الشام وانفض جمعه. (تأريخ خليفة / ١٠٣).\nهذه ثلاث روايات عن طليحة وما جرى بينه وبين المسلمين من وقائع (عند ابن خليفة).\n٤ - قال الحافظ في الإصابة في ترجمة ثابت بن أقرم (حليف الأنصار): واتفق أهل المغازي على أن ثابت بن أقرم قتل في عهد أبي بكر، قتله طليحة بن خويلد الأسدي (الإصابة ١/ ٥٠١ / ت ٨٧٤).\n٥ - أخرج يعقوب بن سفيان في تأريخه من طريق الزهري، قال: خرج أبو بكر غازيا، ثم أمر خالدًا وندب معه الناس، وأمره أن يسير في ضاحية مضر، فيقاتل من ارتد، ثم يسير إلى اليمامة، فسار فقاتل طليحة فهزمه الله تعالى فذكر القصّة (الإصابة ٣/ ٢٥٨) (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٠).\n٦ - ونسب ابن حجر إلى محمد بن عثمان بن أبي شيبة: أنه أخرج من طريق عبد الملك بن عمير نحو ما رواه الزهري وفيها: يا أمير المؤمنين فمعاشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون مع البغضاء، قال: وأسلم طليحة إسلامًا صحيحًا ولم يُغْمَصْ عليه في إسلامه بعد، وأنشد له في صحة إسلامه شعرًا (الإصابة ٣/ ٤٤١) ثم ذكر الحافظ: أنه ناقش مع القاضي جلال الدين البلقيني رواية عند الشافعي ذكرها في الأم وفيها: (أن عمر ﵁ قتل طليحة، وعيينة بن بدر) فاستغربه البلقيني جدًّا. وقال الحافظ: ولعله (أي لفظه): قتل بالباء الموحدة أي (قَبِلَ) منهما الإسلام فالله أعلم (الإصابة ٣/ ٤٤١).\n٧ - أخرج البلاذري قال: حدثنا إبراهيم بن محمد عن عرعرة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قدم وفد بُزاخة على أبي بكر فخيّرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية. فقالوا: قد عرفنا الحرب المجلية فما السلم المخزية؟ قال: أن ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا منكم، وتردّوا إلينا ما أصبتم منا، وتدُوا قتلانا ويكون قتلاكم في النار (فتوح البلدان / ١٣٢).\nقلنا: وفي الأصل عن قيس بن مسلم عن مسلم عن طارق بن شهاب وهو تصحيف أو خطأ مطبعي وإلَّا فإن قيسًا يروي عن طارق هذا بلا مباشرة. وقد صحح الحافظ ابن حجر إسنادًا أخرجه الطبري من طريق شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: رأيت النبي - ﷺ - وغزوت في خلافة أبي بكر.\nوقال الحافظ أيضًا: وحديث طارق عن الصحابة في الكتب الستة، منهم الخلفاء الأربعة (الإصابة ٣/ ٤١٤).\nوأخرج الذهبي هذه الرواية في تأريخه عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لمَّا قدم وفدُ بزاخة وأسد وغطفان على أبي بكر يسألونه الصلح ... الخبر ... وفي آخره: وتشهدون أن قتلانا في الجنة، وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أمّا قولك: (تدون قتلانا) فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات. فاتبع =","vol":"3","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عمر. وقال عمر في الباقي: نعم ما رأيت (عهد الخلفاء الراشدين / ٣٢).\nوأخرج الحافظ ابن كثير هذه الرواية عن طارق بن شهاب مع اختلاف بسيط في الألفاظ ثم قال: ورواه البخاري من حديث الثوري بسنده مختصرًا. (البداية والنهاية ٦/ ٣٢٣).\n٨ - وأخرج ابن سعد من طريق ضعيف (الواقدي) عن عميلة الفزاري عن أبيه قال: خرج خالد بن الوليد يستعرض الناس فكلما سمع أذانًا للوقت كفّ وإذا لم يسمع أذانًا أغار، فلما دنا من القوم ببزاخة بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة أمامه يأتيانه بالخبر، وكانا فارسين، عكاشة على فرس يقال له: الرزام وثابت على فرس يقال له: المحبر، فلقيا طليحة وأخاه سلمة ابني خويلد طليعة لمن وراءهما من الناس فانفرد طليحة بعكاشة وسلمة بثابت بن أقرم فلم يلبث سلمة أن قتل ثابت بن أقرم، وصرخ طليحة بسلمة: أعنّي على هذا الرجل فإنه قاتلي. فكرّ سلمة على عكاشة فقتلاه جميعًا. وأقبل خالد بن الوليد معه المسلمون فلم يدعهم إلَّا ثابت بن أقرم قتيلًا تطؤه المطيّ فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيرًا حتى وطئوا عكاشة قتيلًا. (الطقبات ٣/ ٤٦٧).\n٩ - وأخرج ابن سعد أيضًا رواية أخرى من طريق الواقدي عن أبي واقد الليثي قال: كنّا نحن المقدمة مئتي فارس وعلينا زيد بن الخطاب، وكان ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن أمامنا، فلما مررنا بهما سيء بنا، وخالد والمسلمون وراءنا بعد، فوقفنا عليهما حتى اطلع خالد بن الوليد يسير فأمرنا فحفرنا لهما ودفنَّاهما بدمائهما وثيابهما ولقد وجدنا بعكاشة جراحات منكرة، قال محمد بن عمر (أي: الواقدي): هذا أثبت ما سمعنا في قتلهما وكان قتلهما طليحة الأسدي ببزاخة سنة اثنتي عشرة (الطقبات ٣/ ٤٦٧).\nوقال ابن سعد: شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وخرج مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة في خلافة أبي بكر، وكذلك قال ابن إسحاق. (٣/ ٤٦٦).\n١٠ - أخرج البلاذري في فتوح البلدان: أن أبا بكر أمر خالدًا أن يصمد لطليحة بن خويلد الأسدي، وكان قد ادعى النبوة، وهو يومئذ ببزاخة، وبزاخة ماء لبني أسد بن خزيمة فسار إليه خالد وقدّم أمامه عكاشة بن محصن الأسدي، حليف بني عبد شمس، وثابت بن أقرم البلوي، حليف الأنصار، فلقيهما حبال بن خويلد فقتلاه وخرج طليحة وسلمة أخوه وقد بلغهما الخبر فلقيا عكاشة وثابتًا فقتلاهما، فقال طليحة:\nذكرت أخي لما عرفت وجوههم ... وأيقنت أني ثائر بحبال\nعشية غادرت ابن أقرم ثاويًا ... وعكاشة الغنمي عند مجال\nثم التقى المسلمون وعدوهم، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مع طليحة في سبعمئة من بني فزارة، فلما رأى سيوف المسلمين قد استلحمت المشركين؛ أتاه فقال له: أما ترى ما يصنع جيش أبي الفضل، فهل جاءك جبريل بشيء، قال: نعم جاءني فقال: إن لك رحًا مثل رحاه، ويومًا لا تنساه، فقال عيينة: أرى والله إن لك يومًا =","vol":"3","page":58},{"text":"٢٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمّا فرغ خالد من أمر بني عامر وبيعتهم على ما بايعهم عليه، أوثق عُيينة بن حِصن وقُرّة بن هبيرة، فبعث بهما إلى أبي بكر، فلمّا قدِما عليه قال له قرّة: يا خليفةَ رسولِ الله! إنِّي قد كنت مسلمًا، ولي من ذلك على إسلامي عند عمرو بن العاص شهادة؛ قد مرّ بي فأكرمته وقرّبته ومنعته. قال: فدَعا أبو بكر عمرَو بن العاص، فقال: ما تعلم من أمر هذا؟ فقصّ عليه الخبر، حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصّدقة، قال له قرّة: حسبك رحمك الله! قال: لا والله؛ حتى أبلِّغ له كلّ ما قلت، فبلّغ له، فتجاوز عنه أبو بكر، وحقَن دمه (١). (٣: ٢٥٩ - ٢٦٠).\n_________\n= لا تنساه؛ يا بني فزارة هذا كذاب! وولّى عن عسكره فانهزم الناس وظهر المسلمون وأسر عيينة بن حصن فَقُدِمَ به المدينة فحقن أبو بكر دمه وخلى سبيله وهرب طليحة بن خويلد فدخل خباء له فاغتسل، وخرج فركب فرسه وأهلَّ بعمرة ثم مضى إلى مكة ثم أتى المدينة مسلمًا. وقيل: بل أتى الشام فأخذه المسلمون ممن كان غاديًا، وبعثوا به إلى أبي بكر بالمدينة فأسلم وأبلى في فتح العراق ونهاوند.\nوقال له عمر: أقتلت العبد الصالح عكاشة بن محصن؟ فقال: إن عكاشة بن محصن سُعِدَ بي وشقيت به وأنا أستغفر الله. ا. هـ. (فتوح البلدان ١٣٤) هكذا ذكره البلاذري بلا إسناد.\n(١) إسناده ضعيف ولكن له ما يشهد لأصل القصة (أي وقوع قرة بن هبيرة في الأسر ثم تجاوز أبي بكر عنه وأمره بأداء الصدقة وأنه أنكر أن يكون قد ارتد بقلبه).\nقال الحافظ في الإصابة: وهذا رواه ابن أبي داود والبغوي وابن شاهين من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن نشيط أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله - ﷺ - فلما كان في حجة الوداع نظر إليه رسول الله - ﷺ - وهو على ناقة قصيرة فقال: (يا قرّة كيف قلت حيث لقيتني) فذكره وزاد فيه: ثم بعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن العاص إلى البحرين وتوفي رسول الله - ﷺ - وعمرو هنالك ... ثم قال الحافظ (بعد قليل): وقصة مسيلمة أوردها ابن شاهين متصلة بالخبر المذكور وزاد عمر ويعني ابن العاص، فمررت بمسيلمة فأعطاني الأمان. ثم قال: إن محمدًا أرسل في جسيم الأمر وأرسلت في المحقرات. فقال: اعرض عليّ ما تقول فذكر كلامه، وفيه فقال عمرو: فقلت والله إنك من الكاذبين، فتوعدني فقال لي قرة بن هبيرة: ما فعل صاحبكم؟ فقلت: إن الله اختار له ما عنده، فقال: لا أصدّق أحدًا منكم بعد. قال: ثم لقيته بعد ذلك وقد أمّنه أبو بكر وكتب معه أن أدّ الصدقة، فقلت: ما حملك على ما قلت؟ قال: كان لي مال وولد فتخوّفت من مسيلمة وإنما أردت أني لا أصدّق من بعده أنه رسول الله (الإصابة ٥/ ٣٣٤ / ت ٧١٢١).\nأما علقمة بن علاثة الذي تحدثت عنه رواية سيف هذه فلقصته ما يؤيده عند ابن أبي شيبة في =","vol":"3","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>ذكر رِدّة هوازن وسليم وعامر</span>\n٢٣ - حدَّثنا السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سهل وعبد الله، قالا: أمّا بنو عامر فإنهم قدّموا رِجْلًا وأخروا أخرى، ونظروا ما تصنع أسد وغَطَفان؛ فلما أحيطَ بهم وبنو عامر على قادتِهم وسادتهم؛ كان قُرّة بن هُبيرة في كعب ومن لافَّها، وعلقمة بن عُلاثَة في كلاب ومَن لافَّها؛ وقد كان علقمة أسلمَ ثم ارتدّ في أزمان النبيّ - ﷺ -، ثم خرج بعد فَتْح الطائف حتى لحق بالشام؛ فلما تُوُفِّيَ النبيّ - ﷺ - أقبل مسرعًا حتى عسكر في بني كَعْب، مقدّمًا رجلًا ومؤخِّرًا أخرى؛ وبلغ ذلك أبا بكر، فبعث إليه سريّة، وأمَّر عليها القَعْقاع بن عمرو، وقال: يا قعقاع! سِرْ حتى تُغير على عَلْقمة بن عُلاثة، لعلك أن تأخذه لي أو تقتله؛ واعلم أنّ شفاء الشَّق الحوْص، فاصنع ما عندك. فخرج في تلك السريّة؛ حتى أغار على الماء الذي عليه عَلْقمة؛ وكان لا يبرح أن يكون على رِجْل؛ فسابقهم على فرسِه؛ فسبقهم مراكضةً، وأسلم أهلُه وولده، فانتسف امرأتَه وبناتِه ونساءَه، ومَن أقام من الرجال؛ فاتّقوْه بالإسلام، فقدِم بهم على أبي بكر، فجحد ولده وزوجته أن يكونوا مالؤوا علقمة، وكانوا مقيمين في الدار، فلم يبلغه إلّا ذلك، وقالوا: ما ذنبنا فيما صنع علقمة من ذلك! فأرسلهم ثم أسلم، فقبل ذلك منه (١). (٣: ٢٦١ - ٢٦٢).\n_________\n= مصنفه من طريق أشعث عن ابن سيرين قال: ارتدّ علقمة بن علاثة فبعث أبو بكر إلى امرأته وولده، فقالت المرأة: إن كان علقمة كفر فإني لم أكفر أنا ولا ولدي، قال: فذكرت ذلك للشعبي فقال: هكذا فعل بهم (الإصابة ٤/ ٤٥٦ / ت ٥٦٩١) أي: أن تابعين جليلين يرويان هذه القصة مرسلًا، فتعددت مخارج الرواية المرسلة هذه علمًا بأن مراسيل الشعبي قوية والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف وقد ذكرناه في قسم الصحيح لشواهده وقد ذكرنا بعضها عند تحقيقنا للأثر (٦٤) فراجعها هنالك وهي تتعلق بمقدم أهل علقمة بن علاثة على أبي بكر وإقرارهم بالإسلام وأنهم لم يوافقوا علقمة بن علاثة على ارتداده.\nأما لحوقه بالشام فله ما يؤيده عند أبي عوانة في صحيحه من طريق ابن أبي حدْرد الأسلمي =","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة</span>\n٢٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عبيد بن عمير، عن رجل منهم، قال: لما بلغ مسيلمة دنوُّ خالد؛ ضرب عسكره بعقرّباء، واستنفر الناس، فجعل النَّاس يخرجون إليه، وخرج مَجّاعة بن مُرَارة في سريّة يطلب ثأرًا له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته، وبادر به الشغل، فأمَّا ثأره في بني عامر، فكانت خَوْلة بنة جعفر فيهم، فمنعوه منها، فاختلجها؛ وأما ثأره في بني تميم فنعَمٌ أخَذُوا له. واستقبل خالدٌ شُرَحبيل بن حَسَنة، فقدمه وأمّر على المقدمة خالد بن فلان المخزوميّ، وجعل على المجنَّبتَين زيدًا وأبا حُذَيفة، وجعل مُسيلمة على مجنّبتيه المحكَّم والرّجَّال، فسار خالد ومعه شُرَحبيل، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة؛ هجم على جُبَيلة هجوم - المقلِّل يقول: أربعين، والمكثِّر يقول: ستين - فإذا هو مجَّاعة وأصحابه، وقد غَلَبهم الكَرَى، وكانوا راجعين من بلاد بني عامر، قد طوَوْا إليهم؛ واستخرجوا خَوْلة بنة جعفر فهي معهم، فعرّسوا دون أصل الثنيَّة؛ ثنيَّة اليمامة، فوجدوهم نيامًا وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم؛ فأنبهوهم، وقالوا: مَن أنتم؟ قالوا: هذا مَجّاعة وهذه حنيفة، قالوا: وأنتم فلا حيَّاكم الله! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بن الوليد، فأتوْه بهم؛ فظنّ خالد: أنهم جاؤوه ليستقبلوه وليتَّقوه بحاجته، فقال: متى سمعتم بنا؟ قالوا: ما شَعَرْنا بك؛ إنَّما خرجنا لثأر لنا فيمَن حولنا من بني عامر وتميم، ولو فطنوا لقالوا: تلقيناك حين سمعنا بك. فأمر بهم أن يقتلوا، فجادوا كلُّهُم\n_________\n= قال: قال محمد بن مسلمة: كنا يومًا عند رسول الله - ﷺ - فقال: يا حسان! أنشدني من شعر الجاهلية. فأنشده قصيدة الأعشى التي هجا بها علقمة بن علاثة، ومدح عامر بن الطفيل. فقال: يا حسّان لا تعد تنشدني هذه القصيدة. فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر. فقال: إن قيصر سأل أبا سفيان عنّي فتناول مني، وسأل علقمة فأحسن القول، فإن أشكر الناس للناس أشكرُهم لله تعالى. (الإصابة ٤/ ٤٥٦).","vol":"3","page":61},{"text":"بأنفسهم دُون مَجّاعة بن مرارة، وقالوا: إن كنتَ تريد بأهل اليمامة غدًا خيرًا أو شرًّا فاستبق هذا ولا تقتله؛ فقتلهم خالد وحبس مَجَّاعة عنده كالرَّهينة (١). (٣: ٢٨٦/ ٢٨٧).\n٢٥ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، عن سيف عن طلحة، عن عِكْرمة، عن أبي هريرة، وعبد الله بن سَعيد عن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال: قد كان أبو بكر بعثَ إلى الرجَّال فأتاه فأوصاه بوصيَّته، ثم أرسله إلى أهل اليمامة؛ وهو يرى أنَّه على الصدق حين أجابه. قالا: قال أبو هريرة: جلستُ مع النبيّ - ﷺ - في رهط معنا الرّجَّال بن عُنْفوة، فقال: إنّ فيكم لرجلًا ضِرْسه في النار أعظم من أحُد، فهلك القوم وبقيت أنا والرّجال، فكنت متخوّفًا لها؛ حتى خرج الرّجَّال مع مُسيلمة، فشهد له بالنبوّة؛ فكانت فتنة الرّجَّال أعظَم من فتنة مُسيلمة، فبعث إليهم أبو بكر خالدًا، فسار حتى إذا بلغ ثنيّة اليمَامة، استقبل مَجَّاعة بن مُرارَة - وكان سيّد بني حنيفة - في جِبلّ من قومه، يريد الغارة علي بني عامر، ويطلبُ دمًا، وهم ثلاثة وعشرون فارسًا ركبانًا قد عرّسوا. فبيّتهم خالد في معرَّسهم، فقال: مَتَى سمعتم بنا؟ فقالوا: ما سمعنا بكم؛ إنَّما خرجنا لنثأر بدم لنا في بني عامر. فأمر بهم خالد فَضُرِبَتْ أعناقهم، واستحيَا مجَّاعة؛ ثم سار إلى اليمامة؛ فخرج مسيلمة وبنو حَنِيفة حين سمعوا بخالد، فنزلوا بعقرباء، فحلّ بها عليهم - وهي طرف اليمامة دون الأموال - وريف اليمامة وراء ظهورهم. وقال شُرحبيل بن مُسيلمة: يا بني حنيفة، اليومَ يومُ الغَيرة، اليوم إن هزمتم تستردَفُ النّساء سبيَّات، ويُنْكحْن غير خطيبات؛ فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم. فاقتتلوا بعقرَباء، وكانت رايةُ المهاجرين مع سالم مولَى أبي حذيفة، فقالوا: تخشى علينا من نفسك شيئًا! فقال: بئس حامل القرآن أنا إذًا! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شمَّاس، وكانت العرب على راياتها ومجَّاعة أسيرٌ مع أمّ تميم في فُسطاطها، فجال المسلمون جَوْلَة، ودخل أناس من بني حَنِيفة على أمّ تميم، فأرادوا قتلَها، فمنعها مجَّاعة. قال: أنا لها جارٌ، فنِعْمَتِ الحُرَّة هي! فدفعهم عنها، وترادَّ المسلمون، فكرُّوا عليهم؛ فانهزمت بنو حنيفة، فقال\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما ورد في قصة مسيلمة الكذاب وقتله عند البخاري وغيره إن شاء الله بعد قليل.","vol":"3","page":62},{"text":"المحكّم بن الطّفيل: يا بني حنِيفة، ادخلوا الحديقة؛ فإني سأمنع أدباركم، فقاتلَ دونهم ساعة ثم قتله الله؛ قتله عبد الرحمن بن أبي بكر؛ ودخل الكفار الحديقة، وقتَل وحشِيّ مسيلمة، وضربه رجلٌ من الأنصار فشاركه فيه (١). (٣: ٢٨٧/ ٢٨٨).\n٢٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عُمَر، قال: سمعتُ رجلًا يومئذ يصرُخ يقول: قتله العبد الأسود! (٢) (٢٩١: ٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف والحديث أخرجه الطيالسي وفيه قال ابن عمر: كنت في الجيش يومئذ فسمعت قائلًا يقول في مسيلمة: قتله العبد الأسود (منحة المعبود ٢/ ١٠١).\nذكرنا هذه الروايات هنا لعدم تعلقها بمسائل الحلال والحرام والمسائل العقيدية ولا طعن فيها في عدالة الصحابة ولأصلها ما يؤيده كما سنذكر:\n١ - أخرج البخاري عن موسى بن أنس (وذكر يوم اليمامة) قال: [أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط قال: يا عمّ ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا بن أخي، وجعل يتحنط -يعني من الحنوط- ثم جاء فجلس، فذكر في الحديث انكشافًا من الناس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله - ﷺ -، بئس ما عودتم أقرانكم (فتح الباري ٦/ ٦٠ / ٦١) والحديث أخرجه خليفة بن خياط في تأريخه من حديث موسى بن أنس بن مالك قال: لما انكشف الناس يوم اليمامة أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس ... الحديث]. (تأريخ خليفة / ١٠٧).\n٢ - وأخرج البخاري عن قتادة قال: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أغرّ يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون؛ قال: وكان بئر معونة على عهد رسول الله - ﷺ - ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب (الفتح ٧/ ٤٣٣).\n٣ - وأخرج البخاري عن وحشي بن حرب في قصته عن قتل حمزة قال: (فلما قبض رسول الله - ﷺ - فخرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان. قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته (الفتح ٧/ ٤٢٥).\nقال الحافظ: قوله: (ووثب إليه رجل من الأنصار) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، كما جزم به الواقدي وإسحاق بن راهويه والحاكم (٣/ ٥٣٠).\n٤ - وأخرج خليفة في تأريخه من طريق علي وموسى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة =","vol":"3","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبيه قال: جال المسلمون حتى بلغوا الرّحال فقال السائب بن العوام: يا أيها الناس قد بلغتم الرحال فليس لأحد مفر بعد رحاله فارجعوا، فرجعوا فهزم الله المشركين وقتل مسيلمة (تأريخ خليفة ١٠٨) وهذا إسناد مرسل حسن الإسناد إلى مرسله عروة.\n٥ - وأخرج خليفة حدثنا الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس بن مالك قال: بارز البراء محكم اليمامة، فاختلفا ضربتين فضرب محكم اليمامة حَجَفة كانت مع البراء حتى عض السيف بيده وضرب البراء رجله فقطعها وأخذ سيفه فذبحه به.\n٦ - وأخرج خليفة من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس بن مالك قال: رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وفيه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة، فحمل إلى رحله يداوى فأقام عليه خالد شهرًا (تأريخ خليفة / ١٠٩).\n٧ - وأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا بكر قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، قال: حدثنا وحشي قال: لما خرج الناس إلى مسيلمة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائمًا في يده السيف وما أعرفه، فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت فيه، وضربه الأنصاري بالسيف فربّك أعلم أينا قتله (تأريخ خليفة بن خياط / ١١٠).\nقلنا: وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري كما سبق أن ذكرنا مع اختلاف يسير في الألفاظ وكذلك أخرجه ابن عبد البرّ وسمى الأنصاري: عبد الله بن زيد، وكذلك سماه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣٠).\n٨ - وأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا أبو عبيدة عن حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس قال: رمى أبو دجانة بنفسه في الحديقة فانكسرت رجله فقاتل حتى قتل - وإسناده حسن.\n٩ - وأخرج خليفة بن خياط من طريق الحسن عن سلام بن أبي مطيع عن قتادة عن ابن المسيب قال: شهداء اليمامة خمسمئة فيهم خمسون أو ثلاثون من حملة القرآن. (تأريخ خليفة / ١١١).\n١٠ - أما مُجّاعة بن مرارة بن سلمى الذي جاه ذكره في روايات سيف عند الطبري وأنه ساعد المسلمين باستشاراته العسكرية يوم اليمامة فقد ترجم له ابن حجر في الإصابة وقال: كان من رؤساء بني حنيفة وأسلم ووفد. فأخرج أبو داود عن محمد بن عيسى بن عنبسة بن عبد الواحد عن الدخيل بن إياس عن هلال بن سراج بن مُجّاعة عن أبيه عن جده مجاعة أنه أتى النبي - ﷺ - يطلب دية أخيه ... الحديث الإصابة (٥/ ٥٧٠ / ت ٧٧٣٨).\nوذكره ابن سعد في طبقاته فيمن نزل اليمامة من أصحاب رسول الله - ﷺ - (الطبقات الكبرى ٥/ ٥٤٩) وروى ابن سعد قصة لقائه بخالد في طريق اليمامة وأن مجاعة قال: والله ما أقرب =","vol":"3","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>ذكر خبر أهل البَحْرَين وردّة الحُطَم ومَن تجمّع معه بالبحرين</span>\n٢٧ - قال أبو جعفر: وكان فيما بلَغنا من خَبَر أهل البحرين وارتداد مَنِ ارتدّ منهم كما حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرَنا عَمّي يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا سَيف، قال: خرج العَلاء بن الحضرميّ نحو البحرين؛ وكان من حديث البحرين: أنّ النبيّ - ﷺ - والمنذر بن ساوى اشتكيا في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد النبيّ - ﷺ - بقليل، وارتدّ بعده أهلُ البحرين، فأمَّا عبد القيس ففاءت، وأمَّا\n_________\n= مسيلمة ولقد قدمت على رسول الله - ﷺ - فأسلمت وما غيّرت ولا بدلت. وهذه الرواية وإن كانت من طريق الواقدي ولكنها أقوى من رواية الطبري من طريق سيف في بيان السبب الذي دفع خالدًا إلى استبقائه، والسبب هنا أوجه وذلك أنه أقسم لخالدٍ أنه لم يرتد ولا زال على إسلامه ولا ينفي أنه من كبار ووجهاء بني حنيفة فاستعان به خالد على رجوع قومه إلى الإسلام.\n١١ - وأما ثمامة بن أثال فقد ترجم له الحافظ في الإصابة وقال: حديثه في البخاري من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: بعث النبي - ﷺ - خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال ... الحديث وفيه إسلام ثمامة ... ثم قال الحافظ في نهاية ترجمته: وروى ابن مندة من طريق علباء بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليامة ومنعه عن قريش ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] وإسناده حسن. (الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٥٢٦/ ت ٩٦٣).\n١٢ - أما البراء بن مالك بن النضر الأنصاري أخو أنس بن مالك فقد ترجم له الحافظ في الإصابة وأخرج روايتين في مساهمته في يوم اليمامة فقال الحافظ: وفي تأريخ السّراج من طريق يونس عن الحسن وعن ابن سيرين عن أنس: أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة: قم يا براء قال: فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل المدينة، لا مدينة لكم اليوم، وإنما هو الله وحده والجنة، ثم حمل وحمل الناس معه. فانهزم أهل اليمامة فلقي البراء محكم اليمامة فضربه البراء وصرعه فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع.\nثم قال الحافظ ابن حجر: وروى البغوي من طريق أيوب عن ابن سيرين عن أنس بن البراء قال: لقيت يوم مسيلمة رجلًا يقال له حمار اليمامة رجلًا جسيمًا بيده السيف أبيض، فضربت رجليه، فكأنما أخطأته وانقعر، فوقع على قفاه، فأخذت سيفه وأغمدت سيفي، فما ضربت به ضربة حتى انقطع [الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٤١٣ / ت ٦٣٠].","vol":"3","page":65},{"text":"بكر فتمَّت على رِدّتها؛ وكان الذي ثنَى عبدَ القيس الجارودُ حتى فاؤوا (١). (٣٠١: ٣).\n٢٨ - حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: قَدِم الجارود بن المُعَلَّى عَلَى النبيّ - ﷺ - مرتدًّا، فقال: أسلِم يا جارود، فقال: إنّ لي دينًا، قال له النبي - ﷺ -: إنّ دينك يا جارود ليس بشيء، وليس بدين؛ فقال له الجارود: فإنْ أنا أسلمت فما كان من تبعةٍ في الإسلام فعليك؟ قال: نعم. فأسلم ومكث بالمدينة حتى فَقُهَ. فلما أرادَ الخروج، قال: يا رسولَ الله، هل نجدُ عند أحد منكم ظهرًا نتبلّغ عليه؟ قال: ما أصبح عندنا ظهر. قال: يا رسول الله؛ إنَّا نَجِد بالطريق ضَوالّ من هذه الضوالّ، قال: تلك حَرقُ النار، فإيَّاك وإيَّاها. فلمَّا قدم على قومه دعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلُّهم، فلم يلبث إلّا يسيرًا حتى مات النبيّ - ﷺ -. فقالت عبد القيس: لو كان محمدٌ نبيًّا لما مات؛ وارتدوا، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم، ثم قام فخَطَبهم، فقال: يا معشَر عبد القيس! إني سائلُكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تَعْلموا قالوا: سلْ عَمَّا بدا لك، قال: تعلمون أنَّه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أو ترونه؟ قالوا: لا بل نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمدًا - ﷺ - مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنَّك سيِّدنا وأفضلُنا. وثبتوا على إسلامهم، ولم يبسطوا ولم يُبْسَط إليهم وخَلَّوْا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين، فكان المنذر مشتغلًا بهم حياته، فلمَّا مات المنذر حُصِر أصحاب المنذر في مكانين حتى تنقَّذهم العلاء (٢). (٣: ٣٠١/ ٣٠٢).\n٢٩ - قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه، قال: لمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليَمامة بعث أبو بكر ﵁ العَلاء بن الحضرميّ. وكان العَلاء هو الذِي كان رسولُ الله - ﷺ - بعثه إلى المنذر بن ساوى العبديّ، فأسلم المنذر، فأقام بها العلاء أميرًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنورد ما يؤيده بعد الرواية (١١٥) إن شاء الله تعالى.\n(٢) إسناده ضعيف وهو أقل أسانيد سيف ضعفًا عند الطبري.","vol":"3","page":66},{"text":"لرسول الله - ﷺ -، فمات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفَّى رسولِ الله - ﷺ -، وكان عمرو بن العاص بعُمان، فتوفّي رسولُ الله - ﷺ - وعمرو بها فأقبل عمرو، فمرّ بالمنذر بن ساوى وهو بالموت فدخل عليه فقال المنذر له: كم كان رسُول الله - ﷺ - يجعل للميّت من المسلمين من ماله عند وفاته؟ قال عمرو: فقلت له: كان يجعل له الثّلُث؛ قال: فما ترى لِي أن أصنع في ثلُث مالي؟ قال عمرو: فقلت له: إن شئت قسمتَه في أهل قرابتك، وجعلتَه في سبيل الخير؛ وإن شئت تصدّقت به فجعلته صدقةً مُحَرّمة تجري من بعدك على مَنْ تصدّقت به عليه. قال: ما أحبّ أن أجعل من مالي شيئًا محرّمًا كالبَحيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحامِي ولكن أقسمه، فأنفذه على مَنْ أوصيتُ به له يصنع به ما يشاء.\nقال: فكان عمرو يعجب لها من قوله. وارتدّت ربيعة بالبحرين فيمَن ارتدّ من العرب، إلا الجارود بن عمرو بن حَنَش بن مُعَلَّى؛ فإنه ثبت على الإسلام ومَن معه من قومه، وقامَ حين بلغته وفاة رسولِ الله - ﷺ - وارتداد العرب، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وأكفر من لا يشهد. واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدّت، فقالوا: نردُّ الملْكَ في آل المنذر، فملَّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يُسَمَّى الغَرور، وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف: لستُ بالغَرُور؛ ولكنّي المغرور.\n٣٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيفٌ، عن إسماعيل بن مسلم، عن عُمَير بن فلان العَبْدِيّ، قال: لمَّا مات النبيّ - ﷺ - خرج الحُطَمُ بن ضُبَيعة أخو بني قيس بن ثعلبة فيمَن اتّبعه من بكر بن وائل على الرّدّة، ومَنْ تأشَّب إليه من غير المرتدّين ممَّن لم يزل كافرًا، حتى نزل القَطِيف وهَجَر، واستغوى الخطّ ومن فيها من الزُّطّ والسَّيابجة، وبَعث بعثًا إلى دارِين، فأقاموا له ليجعلَ عبدَ القَيس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم، يمدُّون المنذر والمسلمين؛ وأرسل إلى الغَرور بن سُوَيد، أخي النعمان بن المنذر؛ فبعثه إلى جؤاثَى، وقال: اثبت، فإني إن ظفرت ملَّكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة. وبعث إلى جؤاثى، فحصرهم وألحُّوا عليهم فاشتدّ على المحصورين الحصر، وفي المسلمين المحصورين رَجُل من صالح المسلمين يقال له عبد الله بن حذَف؛ أحد بني أبي بكر بن كِلاب، وقد اشتدّ عليه وعليهم الجوع","vol":"3","page":67},{"text":"حتى كادوا أن يهلكوا. وقال في ذلك عبد الله بن حَذَف:\nألا أبْلغْ أبا بَكْر رسولًا ... وفِتْيانَ المدينة أجمعينَا\nفهل لكُمُ إلى قومٍ كِرَامٍ ... قُعُود في جُؤاثى مُحْصَرينا!\nكأنَّ دِمَاءَهُمْ في كلِّ فَجّ ... شُعَاعُ الشَمس يغْشَى الناظرينا\nتوكّلْنا على الرَّحمن إنَّا ... وَجَدْنا الصَّبْرَ للمتوكِّلينا (١)\n(٣: ٣٠٢/ ٣٠٣ / ٣٠٤).\n_________\n(١) إسناده معضل وإليك ما ورد في الباب (كما علمنا):\n١ - قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن ردة أهل البحرين: إلا قرية تسمى جواثى (كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة) كما ثبت في البخاري عن ابن عباس (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٢).\n٢ - قال الحافظ في ترجمة المنذر بن ساوى: وكان عامل البحرين وكتب إليه النبي - ﷺ - مع العلاء بن الحضرمي قبل الفنح فأسلم. ذكره ابن إسحاق وغير واحد وزاد الواقدي: ثم استقدم النبي - ﷺ - العلاء بن الحضرمي واستخلف المنذر بن ساوى مكانه. وأخرج الطبراني من طريق أبي مجلز عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: كتب النبي - ﷺ - إلى المنذر بن ساوى: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم له ذمة الله ورسوله) ونسبه ابن الأثير الجزري إلى ابن مندة وأبي نعيم من طريق أبي مجلز عن أبي عبيدة به (أسد الغابة ٥/ ٢٥٥ / ت ١٥٠٦).\nوقال الحافظ أيضًا: وذكر أبو جعفر الطبراني: أن المنذر هذا مات بالقرب من وفاة النبي - ﷺ - وحضره عمرو بن العاص فقال له: كم جعل النبي - ﷺ - للميت من ماله عند الموت؟ قال: الثلث. قال: فما ترى أن أصنع في ثلثي؟ قال: إن شئت قسمته في سبيل الخير وإن شئت جعلت غلّته تجري بعدك على من شئت قال: ما أحب أن أجعل شيئًا من مالي كالسائبة ولكن أقسمه. قال الرّشاطي: لم يذكره ابن عبد البر. قلت (أي: ابن حجر): هو على شرطه ولو لم يثبت أنه وفد (الإصابة ٦/ ١٧٠ / ت ٨٢٣٤).\n٣ - أخرج ابن سعد في طبقاته عن العلاء بن الحضرمي: أن رسول الله - ﷺ - بعثه منصرفه من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين، وكتب رسول الله - ﷺ - إلى المنذر بن ساوى معه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام. وخلى بينه العلاء بن الحضرمي وبين الصدقة يجتبيها ... إلى آخره. وهو من طريق الواقدي وهو ضعيف.\n٤ - وأخرج خليفة بن خياط في (ردة البحرين) قال أبو عبيدة عن حماد عن علي بن زيد عن الحسن: أن الخطم شدّ الجارود وثاقًا. وفي إسناده علي بن زيد وهو ضعيف ولكن استشهدنا به لأنه من روايته عن الحسن وهو من الملازمين له وهذه الرواية ليست في الحلال والحرام ولا في العقيدة ولا طعن فيها في عدالة الصحابة والله أعلم.","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة مسيرة خالد إلى العراق وصلح الحيرة</span>\n٣١ - حَدّثني عمر بن شَبَّة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بالإسناد الّذي قد تَقدّم ذكرُه عن القوم الذين ذكرتهم فيه: أنّ أبا بكر ﵀ وجَّه خالدَ بن الوليد إلى أرضِ الكوفة، وفيها المثنَّى بن حارثة الشَّيبانيّ، فسار في المحرّم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة، وفيها قُطْبة بن قَتادة السَّدُوسيّ (١). (٣: ٣٤٣).\n٣٢ - قال أبو جعفر: وأمَّا الواقديّ، فإنه قال: اختُلف في أمر خالد بن الوليد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمَامة إلى العراق. وقائل يقول:\n_________\n= وأخرج أيضًا: قال علي: فحدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: وبعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي إلى البحرين - وكانوا ارتدوا إلا نفرًا ثبتوا مع الجارود فالتقوا بجؤاثى فهزمهم الله وقتل منهم مقتلة. وهذا إسناد صحيح.\nوأخرج أيضًا: عن ابن إسحاق معضلًا قال: حدثنا بكر عن ابن إسحاق قال: حاصرهم العلاء بجؤاثى حتى كاد المسلمون يهلكوا من الجهد، فسمعوا أصواتًا كثيرة شديدة، فقال عبد الله بن حذف: دعوني أهبط من الحصن فآتيكم بالخبر، فنزل من الحصن فأخذوه فقالوا: من أنت؟ فانتسب وجعل ينادي: يا أبجراه، فعرفه أبجر فمنّ عليه، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم: أن القوم سكارى، فبيتهم العلاء فيمن معه فقتلوهم قتلًا شديدًا (تأريخ خليفة ١١٦).\n٥ - وذكر ابن سعد الجارود (الطبقات الكبرى ٥/ ٥٥٩) فيمن كانوا بالبحرين من أصحاب رسول الله - ﷺ - وذكر قصة قدومه على رسول الله - ﷺ - (بلا إسناد) وقال في آخر القصة: وكان الجارود قد أدرك الردة فلما رجع قومه مع المعرور بن المنذر بن النعمان قام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام. وقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -، وأكفر من لم يشهد وقال رضينا بدين الله من كل حادث وبالله الرحمن نرضى به ربًا.\n٦ - أما عبد الله بن حذف (أو حذق) فقد ترجم له الحافظ ابن حجر فيمن أدرك النبي - ﷺ - ولم يره وقال: ذكره وثيمة في (كتاب الردة) فيمن ثبت على إسلامه وأنشد له في ذلك قوله:\nألا أبلغ أبا بكر رسولًا ... وفتيان المدينة أجمعينا\n... إلخ (كما عند الطبري). (الإصابة في تمييز الصحابة ٥/ ٦٥ / ت ٦٣٢٢).\n(١) إسناده ضعيف، ولمتنه ما يؤيده كما سنذكر بعد.","vol":"3","page":69},{"text":"رجع من اليمامة، فقدم المدينة، ثم سار إلى العراق من المدينة على طريق الكُوفة؛ حتى انتهى إلى الحِيرة. (٣: ٣٤٣).\n٣٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدّثَنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنّ أبا بكر ﵀ كتَبَ إلى خالد بن الوليد يأمُره أن يسير إلى العراق، فمضى خالدٌ يريد العراق، حتى نزل بقُرَيّات من السّواد، يقال لها: بانِقيا وبارُوسْما وألَّيس؛ فصالحه أهلُها، وكان الذي صالحه عليها ابن صَلوبا، وذلك في سنة اثنتي عشرة، فقبل منهم خالد الجِزْية وكتب لهم كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد لابن صلوبا السَّواديّ - ومنزله بشاطئ الفُرات - إنَّك آمن بأمان الله - إذْ حَقن دمه بإعطاء الجزية - وقد أعطيتَ عن نفسك وعن أهل خَرْجك وجزيرتك ومَنْ كان في قريتيك - بانقيا وباروسما - ألف درهم، فقبلتُها منك، ورضيَ مَن معي من المسلمين بها منك، ولك ذمَّة الله وذمَّة محمَّد - ﷺ -، وذمَّة المسلمين على ذلك. وشهد هشام بن الوليد.\nثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة، فخرج إليه أشرافُهم مع قَبيصة بن إياس بن حيَّة الطائيّ - وكان أمَّره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر - فقال له خالد ولأصحابه: أدعُوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن أجبتم إليه فأنتمْ من المسلمين، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم؛ فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم الجِزية فقد أتيتُكم بأقوام هم أحرصُ علَى الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم.\nفقال له قَبيصة بن إياس: ما لنا بحرْبك من حاجة، بل نقيم على دِيننا، ونعطيك الجِزْية. فصالحهم على تسعين ألف درهم، فكانت أوّل جزية وقعت بالعراق، هي القُرَيّات الَّتي صالح عليها ابن صلوبا (١). (٣: ٣٤٣/ ٣٤٤).\n٣٤ - قال أبو جعفر: وأمَّا هشام بن الكلبيّ؛ فإنه قال: لمَّا كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن يسير إلى الشام؛ أمره أن يبدأ بالعراق فيمرّ بها؛ فأقبل خالد منها يسير حتى نزل النِّباج.\nقال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الخطَّاب حَمزة بن عليّ، عن رجل\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن له ما يؤيده من الشواهد كما سنذكر بعد روايتين.","vol":"3","page":70},{"text":"من بكْر بن وائل: أن المثنى بن حارثة الشَّيباني، سار حتى قدِم على أبي بكر ﵀، فقال: أمِّرْنِي على مَنْ قِبَلي من قومي، أقاتل مَن يلِيني من أهل فارس، وأكفِيك ناحيتي، ففعل ذلك، فأقبل فجمع قومَه وأخذ يُغير بناحية كَسْكَر مرّة، وفي أسفل الفرات مرّة، ونزل خالد بن الوليد النِّباج، والمثَنَّى بن حارثة بخَفَّانَ معسكرٌ؛ فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتَيه، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر يأمره فيه بطاعتهِ؛ فانقضّ إليه جوادًا حتى لحق به، وقد زعمت بنو عِجْل: أنَّه كان خرج مع المثنَّى بن حارثة رجلٌ منهم يقال له: مذعور بن عديّ، نازع المثنَّى بن حارثة، فتكاتبا إلى أبي بكر؛ فكتب أبو بكر إلى العِجْليّ يأمره بالمسير مع خالد إلى الشام، وأقرّ المثنَّى على حاله، فبلغ العجليُّ مصرَ، فشرُف بها وعظم شأنه، فدارُه اليوم بها معروفة؛ وأقبل خالد بن الوليد يسير، فعرض له جابانُ صاحِب ألّيس، فبعث إليه المثنَّى بن حارثة، فقاتله فهزمه، وقتل جُلّ أصحابه إلى جانب نهرٍ ثَمَّ يُدعى نهر دم لتلك الوقعة؛ وصالح أهلَ ألَّيس، وأقبل حتى دنا من الحِيرة، فخرجت إليه خيول ازاذبه صاحب خيل كسرى الَّتي كانت في مسَالح ما بينه وبين العرب، فلقُوهم بمجتَمع الأنهار، فتوجَّه إليهم المثنّى بن حارثة، فهزمهم الله.\nولمَّا رأى ذلك أهلُ الحيرة خرجوا يستقبلونه، فيهم عبد المسيح بن عمرو بن بُقَيلة وهانئ بن قَبيصة، فقال خالد لعبد المسيح: من أين أثَرُك؟ قال: من ظَهْر أبي، قال: من أيَنَ خرجت؟ قال: من بطن أمّي، قال: ويحك! علَى أيّ شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويلَك! في أقي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك! تعقل؟ قال: نعم وأقيِّد، قال: إنَّما أسألك، قال: وأنا أجيبُك، قال: أسلِمٌ أنت أم حربٌ؟ قال: بل سِلْم، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسَّفِيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه. ثم قال لهم خالد: إنِّي أدعُوكم إلى الله وإلى عبادتِه وإلى الإسلام، فإن قبلتم فلكم ما لَنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجِزْية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبُّون الموت كما تحبّونَ أنتم شرب الخمر. فقالوا: لا حاجة لنا في حَرْبِك، فصالحهم على تسعين ومئة ألف درهم، فكانت أوّلَ جزية حملت إلى المدينة من العراق. ثم نزل على بانِقْيا، فصالحه بُصْبُيرى بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان، وكتب لهم كتابًا، وكان","vol":"3","page":71},{"text":"صالح خالد أهل الحيرة على أن يكونوا له عيونًا، ففعلوا (١). (٣: ٣٤٤/ ٣٤٥).\n٣٥ - قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني المجالد بن سعيد، عن الشَعبى، قال: أقرأني بنو بُقيلة كتابَ خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد بن الوليد إِلى مرازبة أهل فارس؛ سلام على من اتَّبع الهدى، أمَّا بعدُ، فالحمدُ لله الذي فضَّ خَدَمتكم، وسلب مُلْككم، ووهَّن كيدَكم. وإنَّه مَن صلَّى صلاتنا؛ واستقبَل قبلتَنا، وأكلَ ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الَّذي له مالنا، وعليه ما علينا، أمَّا بعد، فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إليّ بالرُّهُن، واعتقدوا منِّي الذّمة، وإلّا فوالَّذي لا إله غيره لأبعثنّ إليكم قومًا يحبُّون الموت كما تحبّون الحياة.\nفلما قرؤوا الكتاب، أخذوا يتعجَّبُون، وذلك سنة اثنتي عشرة (٢) (٣: ٣٤٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا ولبعضه ما يؤيده وسنذكره، وبعضه مخالف لما هو أصح منه سندًا كما سنبين بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا وسنبين ما خالف رواية الثقات بعد ذكر شواهده ومتابعاته:\n١ - أخرج سعيد بن منصور في السنن (٢/ ٢٠٤) وابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/ ٢٣١٣) قدوم خالد بن الوليد إلى الحيرة وصنيعه (ح ١٥٥٧٥) كلاهما (سعيد وابن أبي شيبة) من طريق مجالد بن سعيد قال: أخبرنا عامر (الشعبي) قال: كتب خالد إلى مرازبة فارس وهو بالحيرة ودفعه إلى ابن بقيلة قال عامر: وأنا قرأته عند ابن بقيلة:\nبسم الله الرحمن الرحيم: من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، سلام على من اتبع الهدى فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: أحمد الله الذي فضّ خدمتكم وفرق كلمتكم ووهن بأسكم وسلب ملككم فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلي بالرهن، واعتقدوا في الذمة، وأجيبوا إلى الجزية فإن لم تفعلوا فوالله الذي لا إله إلا هو لأسير إليكم بقوم يحبون الموت كحبكم الحياة، والسلام على من اتبع الهدى.\nواللفظ لابن أبي شيبة وليس فيها زيادة، فلما قرأ الكتاب أخذوا يتعجبون وذلك سنة اثنتي عشرة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة من طريق زكريا بن أبي زائدة عن خالد بن سلمة القرشي عن عامر الشعبي مع اختلاف بسيط في الألفاظ (ح ١٥٥٧٦).\n٢ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ح ١٥٥٧٧) حدثنا جعفر بن عون قال: أخبرنا يونس عن أبي السفر قال: لما قدم خالد بن الوليد إلى الحيرة نزل على المرازبة قال فأتى بالسم فجعله في راحته وقال: باسم الله، فاقتحمه، فلم يفره بإذن الله شيئًا. قلنا: وإسناده صحيح.\n٣ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٢ / ح ١٥٥٧٨) حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي قال حدثنا حسن بن =","vol":"3","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صالح عن الأسود بن قيس عن أبيه قال: صالحنا أهل الحيرة على ألف درهم ورحل، قال: قلت: يا أبه ما كنتم تصنعون بالرحل، قال: لم يكن لصاحب لنا رحل. قلنا: وإسناده صحيح.\n٤ - قال خليفة: قال علي بن محمد وأبو عبيدة وأبو اليقظان وغيرهم: صالح بن صلوتا على أليس وقرى السواد في صفر في سنة اثنتي عشرة على ألف دينار (تأريخ خليفة بن خياط / ١١٨).\n٥ - وأخرج خليفة: حدثني من سمع يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه عن الشعبي قال: صالح أهل أليس خالدًا يوم السبت لثلاث مضين من رجب سنة اثنتي عشرة على ألف دينار وافتتح هرمز جودونهر الملك وباروسما. وصالحه عبد المسيح (بن عمرو) بن بقيلة وإياس بن قبيصة الطائي على تسعين ألفًا ثم سار إلى الأنبار وصالحوه ووجه المثنى بن حارثة الشيباني إلى سوق بغداد فأغار عليهما (تأريخ خليفة / ١١٨).\nقلنا: وفي إسناده مجهول.\n٦ - ورواية الطبري (٣/ ٣٤٣ / ١٥١) أخرجه ابن الجوزي بتمامه من طريق ابن إسحاق عن صالح بن كيسان (المنتظم في تأريخ الأمم والملوك ٤/ ٩٧).\n٧ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٢ / ح ١٥٥٨٠) من حديث وائل وفيه قول خالد ﵁ (أما بعد: فإني أعرض عليكم الإسلام فإن أقررتم به فلكم ما لأهل الإسلام وعليكم ما على أهل الإسلام، وإن أبيتم فإني أعرض عليكم الجزية فإن أقررتم بالجزية فلكم ما لأهل الجزية، وعليكم ما على أهل الجزية، وإن أبيتم فإن عندي رجالًا يحبون القتال كما تحب فارس الخمر).\nوقد ذكر ابن حجر في ترجمته للمثنى بن حارثة الشيباني: أن عمر بن شبة قال: إن المثنى طلب من أبي بكر ﵁ أن يبعثه على قومه ليقاتل بهم أهل السواد وفارس ثم أمده بخالد بن الوليد فكان ذلك ابتداء فتوح العراق (باختصار من الإصابة ٥/ ٥٦٩) وكذلك نسب الحافظ إلى أبي عمر أن الصديق ﵁ بعثه في صدر خلافته إلى العراق (الإصابة في تمييز الصحابة ٥/ ٥٦٩ / ت ٧٧٣٦).\nقلنا: والملاحظ أن أجزاء من روايات أبي مخنف التأريخية هذه موافق لما عند غيره كما ذكرنا وبصفة مخالفة لما عندهم - فقد ذكرت رواية أبي مخنف (٣/ ٣٤٣ / ١٥١) أن خالدًا ﵁ صالح وجهاء أهل الحيرة على تسعين ألف درهم ولكن الرواية الصحيحة عند ابن أبي شيبة في مصنفه كما ذكرنا بينت أنه ﵁ صالحهم على ألف درهم ورحل - ومن المصادر التأريخية المتقدمة التي وافقت رواية أبي مخنف في كون المثنى هو الذي طلب من الصديق أن يوليه الإمارة في تلك المناطق مصدر تأريخي معروف هو نهاية الأدب للنويري (١٩/ ١٠٦) و(الخراج لقدامة بن جعفر / ٣٥٣) أما ذكر أسماء المناطق التي كانت موقع إغارة =","vol":"3","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المثنى ﵁ فلم نجدها في غير رواية أبي مخنف إلَّا أن مصدرًا تأريخيًا متقدمًا كالأخبار الطوال للدينوري قد ذكر الإغارة هذه دون تحديد أسماء المناطق (الأخبار الطوال / ١١١). ويؤيده ما جاء في نهاية الأدب (١٩/ ١١٠) من أن خالدًا هزم آزاذبه جيشه، ولقد أجاد الدكتور يحيى اليحيى في كتابه القيم (مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري) في تقييم روايات أبي مخنف في هذه المسألة فراجعها هناك (ص ١٣٤ إلى ص ١٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>خبر عين التمر</span>\n(٣/ ٣٧٦) لقد ذكرنا الرواية (٣/ ٣٧٦ / ٢٠٠) في قسم الضعيف فإسناده ضعيف لأنه من طريق شعيب عن سيف وفي متنه مخالفة لما هو أصح منه كما ذكرنا في الضعيف وسنذكره هنا أيضًا وفي متنه نكارة كذلك، فخالد بن الوليد كان حريصًا على حقن الدماء وإذا طلب منه الكفار أمانًا أعطاهم ذلك وصالحهم بشروط الإسلام المعروفة في الحروب. وفحوى رواية سيف هذه: أنه ﵁ فتح عين تمر عنوة بينما وردت الآثار الأصح إسنادًا بأنه صالح أهل عين تمر، كما أخرج يحيى بن آدم قال: حدثنا حسن بن صالح عن أشعث عن الشعبي قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين تمر قال: وكتب بذلك إلى أبي بكر ﵁ فأجازه (كتاب الخراج ٥٢ / ح ١٤١).\nقلنا: ومما لا شك فيه: أن الشعبي كان من العارفين بمسائل الخراج والجزية والعهود التي تثبت على الفتوحات الإسلامية. كما أخرج يحيى بن آدم قال: حدثنا شريك: وكان عامر من أخبر الناس بهذه الأمور (كتاب الخراج / ٤٩ / ح ١٢٤).\nورواية يحيى هذه أخرجها البلاذري من طريق شيخه الحسين بن الأسود عن يحيى بن آدم به (فتوح البلدان / ٣٤٦) والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>خبر دومة الجندل</span>\nذكرنا (حبر دومة الجندل) في قسم الضعيف واستغرق خبرها صفحة ونصف الصفحة من تأريخ الطبري (٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩) وبداية الخبر عند الطبري هكذا:\nخبر دومة الجندل:\nقالوا: ثم ذكر الطبري القصة وأغلب ظننا أنه يعني بقوله: (قالوا): (طلحة بن عبد الرحمن والمهلب بن عقبة ومحمد) الذي روى عنهم سيف في الرواية السابقة لهذا الخبر ونعني (٣/ ٣٧٧ / ٢٠١) ولذلك ألحقنا (حبر دومة الجندل) بهذه الرواية (في قسم الضعيف) وقد جاءت بعدها مباشرة.\nووجدنا فيها عبارات غريبة لم يذكرها غير (شعيب عن سيف) أغلب ظننا: أنها من قبل شعيب (راوية سيف) فهو المعروف بتحامله على السلف الصالح (راجع قسم الضعيف).\nإلَّا أنا ذكرنا العنوان (خبر دومة الجندل) لوجود ما يؤيد أصل الواقعة فقد أخرج يعقوب بن سفيان من طريق أبي الأسود عنه قال: لما فرغ خالد من اليمامة أمره أبو بكر بالمسير إلى =","vol":"3","page":74},{"text":"٣٦ - وفيها تزوّج عمر ﵀ عاتكة بنت زيد. وفيها مات أبو مرثَد الغنويّ. وفيها مات أبو العاصي بن الربيع في ذي الحجة؛ وأوصى إلى الزبير، وتزوج عليّ - ﵇ - ابنته. وفيها اشترى عمر أسلم مولاه (١). (٣: ٣٨٥).\n٣٧ - واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بهم فيها أبو بكر ﵀.\nذِكْر من قال ذلك:\nحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن العَلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولَى الحُرَقة، عن رجل من بني سَهْم، عن ابن ماجدة السَّهميّ، أنه قال: حجّ أبو بكر في خلافته سنة اثنتي عشرة، وقد عارمتُ غلامًا\n_________\n= الشام فسلك عين التمر فسبى ابنة الجودي من دومة الجندل ومضى إلى الشام فهزم عدو الله (٢/ ٢١٦ / ت ٢٢٠٦) والطبري ذكر دومة الجندل كذلك في رواية أخرى ذكرناها في الضعيف (٣/ ٣٨٥ / ٢٠٦): أن خالدًا انتصر في دومة الجندل ثم رجع إلى الحيرة سنة (١٢ هـ) إلّا أن البلاذري له رأي آخر إذ يقول ﵀: وكان شخوص خالد إلى الشام في شهر ربيع الآخر ويقال في شهر ربيع الأول سنة ١٣ هـ. وقال قوم: إن خالدًا أتى دومة من عين التمر ففتحها، ثم أقبل إلى الحيرة فمنها مضى إلى الشام وأصحّ من ذلك مضيه من عين التمر (فتوح البلدان / ٣٥٠) وكذلك ذكر ابن الجوزي خبر دومة الجندل مختصرًا (المنتظم في تأريخ الأمم والملوك ٤/ ١٠٨).\n(١) قال الحافظ ابن حجر: أخرج ابن سعد بسند حسن عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب كانت عاتكة تحمت عبد الله بن أبي بكر فجعل لها طائفة من ماله على ألا تتزوج بعده، ومات فأرسل عمر إلى عاتكة أن قد حرّمت ما أحل الله لك، فردّي إلى أهله المال الذي أخذته، ففعلت فخطبها عمر فنكحها (الإصابة في تمييز الصحابة ٢٢٨/ ٨ / ت ١١٤٥٢).\nوأخرج الحاكم بسند صحيح عن قتادة أن عليًّا تزوج أمامة (بنت أبي العاص) بعد موت خالتها فاطمة (الإصابة ٨/ ٢٠٩ / ت ١٠١٨٢).\nوقال الحافظ: قال إبراهيم المنذر: مات أبو العاص بن الربيع في خلافة أبي بكر في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وفيها أرّخه ابن سعد، وابن إسحاق، وأنه أوصى إلى الزبير بن العوام وكذا أرّخه غير واحد (الإصابة ٨/ ٢٠٩ / ت ١٠١٨٢) وكذلك قال الذهبي في تأريخ الإسلام في أحداث سنة اثنتي عشرة (عهد الخلفاء الراشدين / ٧٥): وقد تزوج علي أمامة بعد موت خالتها فاطمة (أي بنت أبي العاص) وكذلك ذكر أبي مرثد الغنوي ﵁ فيمن توفوا سنة اثنتي عشرة (عهد الخلفاء / ٧٧).","vol":"3","page":75},{"text":"من أهلي، فعضّ بأذني فقطع منها -أو عضضتُ بأذنه فقطعت منها- فرُفع شأننا إلى أبي بكر، فقال: اذهبوا بهما إلى عمر فلينظر، فإن كان الجارح قد بَلغ فليُقدْ منه. فلما انتُهيَ بنا إلى عمر ﵁، قال: لَعَمْرِي لقد بلغَ هذا! ادعوا لي حجَّامًا. قال: فلمّا ذكر الحجام، قال: أما إنّي قد سمعتُ النَّبيّ - ﷺ - يقول: قد أعطيت خالتي غلامًا، وأنا أرجو أن يبارك الله لها فيه، وقد نهيتُها أن تجعله حجَّامًا أو قصّابًا أو صائغًا؛ فاقتصّ منه (١). (٣: ٣٨٦).\n٣٨ - وذكر الواقديّ، عن عثمان بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبي وَجْزة يزيد بن عبيد، عن أبيه، أنّ أبا بكرٍ حجّ في سنة اثنتي عشرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵀ (٢). (٣: ٣٨٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف لأنه من طريق الواقدي.\nقلنا: والروايتان السابقتان تتفقان في أنه ﵁ حجّ سنة اثنتي عشرة أي أنه حج في أواخر خلافته ﵁ وهذا ما يكرره الطبري في الرواية (٣/ ٣٨٧ / ٢١١) عن ابن إسحاق معضلًا. ولكن الطبري نفسه ذكر قولًا آخر هو أنه ﵁ لم يحج بنفسه وإنما بعث عمرًا ليحج بالناس أو عبد الرحمن بن عوف (٣/ ٣٨٦ / ٢١٠) عن ابن إسحاق معضلًا.\nقلنا: وكلا القولين عند الطبري بإسناد ضعيف إلّا أنّا ذكرنا الروايتين (٢٠٨، ٢٠٩) في قسم الصحيح لأن لهما ما يؤيد أصلهما من أنه حج في خلافته ﵁ فقد أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن نوفل أنه سأل عروة بن الزبير فقال: (قد حج النبي - ﷺ - فأخبرتني عائشة ﵂ أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم تكن له عمرة. ثم حجّ أبو بكر ﵁ فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم حج عمر ﵁ مثل ذلك ... الحديث). (فتح الباري ٣/ ٥٨٠ / ٧٥٥).\nوكذلك أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته (فتح الباري ٣/ ٥٩٥).\nفهاتان الروايتان في الصحيح تؤكدان استمرار الخلفاء على سيرته - ﷺ - من بعد وفاته وإلا فما الداعي للاستدلال بفضل الخلفاء الراشدين في عهد رسول الله - ﷺ - وإنما العبرة من ذكر فعلهم أنهم ساروا على سنته من بعد وفاته - ﷺ - ومرادنا من ذكر هاتين الروايتين أنه ﵁ حج في خلافته فذلك تأييد لما ورد في الروايتين الضعيفتي الإسناد عند الطبري والله أعلم.","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n٣٩ - ففيها وَجَّه أبو بكر ﵀ الجيوشَ إلى الشام بعد منصرَفه من مكَّة إلى المدينة.\nحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، قال: لما قَفَل أبو بكر من الحجّ سنة اثنتي عشرة جهّز الجيوش إلى الشام، فبعث عمرو بن العاص قِبَلَ فلسْطِين، فأخذ طريق المُعْرِقة على أيلَة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجرَّاح وشُرحبيل بن حَسَنة - وهو أحد الغَوْث - وأمرهم أن يسلُكوا التَّبُوكيَّة على البلقاء من عَلْياء الشام (١). (٣: ٣٨٧).\n٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي صفيَّة التَّيمي؛ تَيم بن شيبان، وطلحة عن المغيرة، ومحمد عن أبي عثمان، قالوا: أمرَ أبو بكر خالدًا بأن ينزلَ تَيماء، ففصل ردءًا حتَّى ينزل بتَيماءَ؛ وقد أمره أبو بكر ألّا يبرَحها، وأنْ يدعُوَ مَن حَوْله بالانضمام إليه، وألّا يقبل إلّا ممَّن لم يرتدّ، ولا يقاتل إلّا من قاتله؛ حتى يأتيَه أمرُه. فأقام فاجتمع إليه جموع كثيرة؛ وبلغ الرّوم عِظَمُ ذلك العسكر، فضربوا على العرب الضَّاحية البعوث بالشام إليهم؛ فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك، وبنزول من استنفرت الرّوم؛ ونفر إليهم من بَهْراء وكلْب وسليح وتَنُوخ ولَخْم وجُذام وغَسَّان من دون زِيزاءَ بثلاث؛ فكتب إليه أبو بكر: أن أقدم ولا تُحْجِم واستنصر الله؛ فسار إليهم خالد، فلمَّا دنا منهم تفرّقوا وأعروا منزلهم؛ فنزله ودخل عامة مَن كان تجمَّع له في الإسلام\" وكتب خالد إلى أبي بكر بذلك؛ فكتب إليه أبو بكر: أقدِم ولا تقتحمنّ حتى لا تُؤتَى مِن خلفك. فسار فيمن كان خرج معه من تَيماء وفيمَن لحق به من طَرَف الرمل؛ حتى نزلوا فيما بين آبل وزِيزاء والقسطل؛ فسار إليه\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه خليفة عن ابن إسحاق معضلًا ومختصرًا (تأريخ خليفة ١١٩) وأخرجه الذهبي كما عند خليفة (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٨١) وسنذكر ما يؤيده بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥) إن شاء الله.","vol":"3","page":77},{"text":"بطْريقٌ من بطارقة الرُّوم، يُدعى: باهان، فهزمه وقتل جندَه، وكتب بذلك إلى أَبي بكر واستمدّه. وقد قدم على أبي بكر أوائلُ مستنفرِي اليمن ومَن بين مكَّة واليمن، وفيهم ذو الكَلاع، وقدم عليه عِكْرمة قافلًا وغازيًا فيمَن كان معه من تِهامة وعُمان والبحرين والسَّرْو. فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدّلوا من استبدل، فكلّهم استبدل، فسُمّيَ ذلك الجيش جيش البِدال. فقدموا على خالد بن سعيد، وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشام، وعناه أمرُه. وقد كان أبو بكر ردّ عمرو بن العاص على عِمالة كان رسولُ الله - ﷺ - ولّاها إيَّاه من صدقات سعد هُذَيم، وعُذْرة، ومَنْ لَفَّها من جُذام، وحَدَس قبل ذهابه إلى عُمان. فخرج إلى عُمان وهو على عِدَةٍ من عمله؛ إذا هو رجع. فأنجز له ذلك أبو بكر.\nفكتب أبو بكر عند اهتياجه للشام إلى عمرو: إني كنت قد رددتُك على العمل الذي كان رسولُ الله - ﷺ - ولّاكه مرّة، وسمّاه لك أخرى؛ مبعثَك إلى عُمان إنجازًا لمواعيد رسول الله - ﷺ -؛ فقد وليتَه ثم وليتَه؛ وقد أحببتُ - أبا عبد الله - أن أفرّغَك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه؛ إلّا أنْ يكون الذي أنتَ فيه أحبَّ إليك. فكتب إليه عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعبد الله الرامِي بها، والجامعُ لها، فانظر أشدّها وأخشاها وأفضلَها فارمِ به شيئًا إن جاءك من ناحية من النواحي. وكتب إلي الوليد بن عقبة بنحو ذلك، فأجابه بإيثار الجهاد (١). (٣: ٣٨٨/ ٣٨٩).\n٤١ - كتب إليّ السريّ عن شُعَيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كتبَ أبو بكر إلى عمرو، وإلى الوليد بن عُقْبة - وكان على النّصف من صدقات قُضاعة - وقد كان أبو بكر شيَّعهما مبعثَهما على الصدقة، وأوصى كلّ واحد منهما بوصيَّة واحدة: اتَقِ الله في السرّ والعلانية؛ فإنه مَنْ يتّق الله يجعلْ له مخرجًا، ويرزقه مِنْ حيث لا يحتسب؛ ومن يتَّق الله يكفِّرْ عنه سيِّئاته ويُعظِم له أجرًا. فإن تقوى الله خيرُ ما تَوَاصَى به عباد الله؛ إنَّك في سبيل من سبُل الله؛ لا يَسَعُك فيه الإذهان والتفريط والغفلة عمَّا فيه قِوام دينكم، وعصمة\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في الباب بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٠).","vol":"3","page":78},{"text":"أمركم، فلا تَنِ ولا تفتُر. وكتب إليهما: استخلفا على أعمالكما، واندُبا مَنْ يليكما.\nفولَّى عمروٌ على عُليا قضاعة عَمرَو بن فلان العذريّ، وولَّى الوليدُ على ضاحية قضاعة مما يلي دُومة امرأ القيس، وندبا الناس، فتتامّ إليهما بشر كثير، وانتظرا أمرَ أبي بكر.\nوقام أبو بكر في الناس خطيبًا، فحمِد الله وأثنَى عليه، وصلَّى على رسوله، وقال: ألا إنّ لكلّ أمر جوامعَ، فمن بلَغها فهي حسبُه؛ ومن عمل لله كفاه الله. عليكم بالجدّ والقصد؛ فإنّ القصد أبلَغ؛ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجرَ لمن لا حِسْبة له، ولا عمل لمن لا نيَّة له، ألا وإنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لَمَا ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يُخَصَّ به، هي التجارة التي دلّ الله عليها، ونجَّى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة.\nفأمدّ عمرًا ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه، وأمَّره على فِلِسطين، وأمَره بطريق سمَّاها له؛ وكتب إلى الوليد وأمَرَه بالأرْدُنّ، وأمدّه ببعضهم؛ ودعا يزيد بن أبي سفيان، فأمّره على جُند عظيم، هم جمهور مَن انتدب له، وفي جنده سُهَيل بن عَمرو وأشباهه من أهل مكَّة، وشيَّعه ماشيًا. واستعمل أبا عبيدة بن الجرّاح علَى من اجتمع [إليه]، وأمَّره على حِمْص وخرج معه وهما ماشيان والناس معهما وخلفهما، وأوْصَى كلّ واحد منهما (١). (٣: ٣٩٠).\n٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم، ومبشِّر عن سالم، ويزيد بن أسيد الغسانيّ عن خالد، وعبادة، قالوا: ولمَّا قدِم الوليد على خالد بن سعيد فسانده، وقدمت جنود المسلمين الَّذين كان أبو بكر أمدّه بهم وسُمّوا جيش البِدال، وبلغه عن الأمراء وتوجُّههم إليه، اقتحم على الرّوم طلبَ الحُظْوة، وأعرى ظهرَه، وبادر الأمراء بقتال الرّوم، واستطرد له باهان فأرَزَ هو ومَن معه إلى دمشق؛ واقتحم خالد في الجيش ومعه ذو الكَلاع، وعِكْرمة، والوليد حتى ينزل مَرْج الصُّفَّر؛ من بين الواقوصة ودِمشق؛ فانطوت\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في الباب بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":79},{"text":"مسالح باهان عليه، وأخذوا عليه الطرق ولا يشعر، وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطِر في الناس، فقتلوهم. وأتى الخبرُ خالدًا، فخرج هاربًا في جريدة، فأفلت مَن أفلت من أصحابه على ظهور الخيل والإبل، وقد أجهِضوا عن عسكرهم؛ ولم تنته بخالدِ بن سعيد الهزيمة عن ذي المروة، وأقام عِكْرِمة في الناس ردءًا لهم، فردّ عنهم باهان وجنوده أن يطلُبوه، وأقام من الشام على قريب، وقد قدم شرحبيل بن حَسَنة وافدًا من عند خالد بن الوليد، فندب معه النَّاس، ثم استعمله أبو بكر على عمل الوليد، وخرج معه يوصيه، فأتى شرحبيل على خالد، ففصل بأصحابه إلّا القليل، واجتمع إلى أبي بكر أناسٌ، فأمَّر عليهم معاوية، وأمرَه باللحاق بيزيد، فخرج معاوية حتى لحق بيزيد؛ فلما مرّ بخالد فصل ببقيّة أصحابه (١). (٣: ٣٩١).\n٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنّ عمر بن الخطاب لم يزلْ يكلّم أبا بكر في خالد بن الوليد وفي خالد بن سعيد؛ فأبى أن يعطيَه في خالد بن الوليد، وقال: لا أشِيم سيَفًا سلَّه الله على الكُفَّار، وأطاعه في خالد بن سعيد بعد ما فعل فَعْلته. فأخذ عمرو طريق المُعْرِقة، وسلك أبو عبيدة طريقه، وأخذ يزيد طريق التبوكيَّة؛ وسلك شُرحبيل طريقه، وسمّى لهم أمصار الشام، وعرف أن الرُّوم ستشغلهم؛ فأحبّ أن يصعّد المصوّب ويصوّب المصعِّد؛ لئلا يتواكلوا، فكان كما ظنّ وصاروا إلى ما أحبّ (٢). (٣: ٣٩١).\n٤٤ - كتب إليَّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن مبشَّر وسهل وأبي عثمان، عن خالد وعبادة وأبي حارثة، قالوا: وأوعَبَ القوّاد بالنَّاس نحو الشام وعكرمهَ ردءٌ للناس، وبلغ الرُّوم ذلك؛ فكتبوا إلى هِرَقل؛ وخرج هرقل حتى نزل بحِمْص، فأعدّ لهم الجنودَ، وعبّى لهم العساكر؛ وأرادَ اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة جندِه، وفضول رجاله؛ وأرسل إلى عمرو أخاه تَذَارِق لأبيه وأمّه، فخرج نحوهم في تسعين ألفًا، وبعث مَن يسوقهم، حتَّى نزل صاحب\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في الباب بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٢) سنذكر ما ورد في فتوح الشام في السنة ثلاث عشرة بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":80},{"text":"الساقة ثنيَّة جِلَّق بأعلى فلسطين، وبعث جَرَجة بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه، وبعث الدُّراقص فاستقبَل شُرحبيل بن حَسَنة، وبعث الفِيقار بن نَسْطُوس في ستّين ألفًا؛ نحو أبي عبيدة، فهابهم المسلمون، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفًا؛ سوى عكرمة في ستَّة آلاف؛ ففزِعوا جميعًا بالكتُب وبالرّسل إلى عمرو: أن ما الرأي؟ فكاتبهم وراسلهم: إنّ الرأي الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلَب من قلَّة؛ وإذا نحن تفرّقْنا لم يبق الرّجل منا في عدد يُقْرِن فيه لأحد ممّن استقبلنا وأعِذَ لنا لكل طائفة منّا. فاتَّعَدوا اليَرْموك ليجتمعوا به، وقد كتب إلى أبي بكر بمثل ما كاتبوا به عمرًا؛ فطلع عليهم كتابه بمثل رأي عمرو، بأن اجتمعوا فتكونوا عسكرًا واحدًا، والقَوْا زحوف المشركين بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله؛ والله ناصرٌ مَن نصره، وخاذلٌ من كَفره، ولن يؤتَى مثلُكم من قلة؛ وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتُوا مِنْ تلقاء الذنوب؛ فاحترسوا من الذّنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين وليصَلّ كلّ رجل منكم بأصحابه.\nوبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته: أن اجتمعُوا لهم، وانزلوا بالرُّوم منزلًا واسمع العَطَن، واسمع المطَّرَد، ضيّق المهرَب؛ وعلى الناس التَّذارق وعلى المقدمة جَرجَة، وعلى مجنَّبتيه باهان والدُّراقص، وعلى الحرب الفيقار؛ وأبشروا فإن باهان في الأثر مددٌ لكم. ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهي على ضفَّة اليَرموك، وصار الوادي خَنْدقًا لهم؛ وهو لِهْبٌ لا يدرك؛ وإنما أراد باهان وأصحابهُ أن تستفيق الرُّوم ويأنسوا بالمسلمين؛ وترجع إليهم أفئدتهم عن طِيَرَتها.\nوانتقل المسلمون عن عسكرِهم الذي اجتمعوا به؛ فنزل عليهم بحذائهم على طريقهم؛ وليس للرُّوم طريق إلّا عليهم. فقال عمرو: أيّها الناس! أبشِروا، حُصِرت والله الرُّوم! وقلَّمَا جاء محصور بخير. فأقاموا بإزائهم وعلى طريقهم؛ ومخرجهم صفر من سنة ثلاث عشرة وشهرَيْ ربيع، لا يقدرون من الرّوم على شيء؛ ولا يخلصُون إليهم؛ اللهْبُ - وهو الواقوصة - من ورائهم، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرْجةً إلا أديل المسلمون منهم؛ حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول؛ وقد استمدُّوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر؛ فكتب إلى خالد","vol":"3","page":81},{"text":"ليلحق بهم، وأمره أن يخلّف على العراق المثنّى؛ فوافاهم في ربيع (١). (٣: ٣٩٢/ ٣٩٣).\n٤٥ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد، وطلحة، وعمرو، والمهلَّب، قالوا: ولما نزل المسلمون اليرمُوك، واستمدُّوا أبا بكر، قال: خالد لها. فبعث إليه وهو بالعراق، وعَزَم عليه واستحثَّه في السَّير، فنفذ خالد لذلك؛ فطلع عليهم خالد؛ وطلع باهان على الرُّوم، وقد قدَّم قدّامَه الشَّمامِسةَ، والرّهبان، والقسِّيسين؛ يُغْرونهم ويحضّونهم على القتال؛ ووافق قدوم خالد قدومَ باهان، فخرج بهم باهان كالمقتدر؛ فولي خالد قتاله، وقاتل الأمراءُ مَنْ بإزائهم؛ فهزم باهان، وتتابع الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقَهم؛ وتيمَّنت الروم بباهان؛ وفرح المسلمون بخالد وحَرِد المسلمون. وحَرِب المشركون وهم أربعون ومئتا ألف؛ منهم ثمانون ألف مقيَّد، وأربعون ألفًا منهم مسلسل للموت، وأربعون ألفًا مربَّطُون بالعمائم، وثمانون ألف فارس وثمانون ألف راجل، والمسلمون سبعة وعشرون ألفًا ممّن كان مقيمًا؛ إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف؛ فصاروا ستة وثلاثين ألفًا.\nومرض أبو بكر ﵀ في جمادى الأولى، وتُوُفِّيَ للنصف من جمادى الآخرة، قبل الفتح بعشر ليال (٢). (٣: ٣٩٢/ ٣٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>خبر اليَرْموك</span>\nقال أبو جعفر: وكان أبو بكر قد سمّى لكلّ أمير من أمراء الشام كُورَةً؛ فسمَّى لأبي عُبيدة بن عبد الله بن الجرّاح حِمْص، وليزيد بن أبي سفيان دِمَشق؛ ولشُرحبيل بن حَسَنة الأردنَّ، ولعمرو بن العاصِ ولعلقمة بن مُجَزّز فِلسطين، فلمّا فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مِصْر. فلمَّا شارفوا الشام، دهم كلَّ أمير منهم قومٌ كثير، فأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد، وأن يلقوْا جمعَ المشركين بجمع المسلمين.\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٢) سنذكر ما ورد في فتوح الشام في السنة ثلاث عشرة بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":82},{"text":"ولما رأى خالد أنّ المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم: هل لكم يا معشر الرؤساء في أمْرٍ يُعزّ الله به الدّين، ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه؟ !\n٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغسَّاني، عن خالد وعبادة، قالا: توافَى إليها مع الأمراء والجنود الأربعة سبعةٌ وعشرون ألفًا وثلاثة آلاف من فُلّال خالد بن سعيد، أمَّر عليهم أبو بكر معاويةَ وشُرحبيل، وعشرة آلاف من أمداد أهل العراق مع خالد بن الوليد سوى ستَّة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردءًا بعد خالد بن سعيد؛ فكانوا ستّة وأربعين ألفًا، وكلّ قتالهم كان على تساند، كلّ جند وأميره، لا يجمعهم أحدٌ؛ حتَّى قدم عليهم خالد من العراق. وكان عسكر أبي عبيدة باليرْموك مجاورًا لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شُرَحبيل مجاورًا لعسكر يزيد بن أبي سفيان؛ فكان أبو عبيدة ربَّما صلَّى مع عمرو وشُرحبيل مع يزيد. فأما عمرو ويزيد فإنَّهما كانا لا يصلِّيان مع أبي عبيدة وشُرحبيل، وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك؛ فعسكر على حِدَة؛ فصلَّى بأهلِ العراق، ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقُون بمدَدِ الرّوم؛ عليهم باهان، ووافق الروم وهو نِشاط بمددهم، فالتقوا، فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادَهم إلى الخنادق - والواقوصة أحد حدوده - فلزموا خندقهم عامّة شهر، يُحَضِّضُهم القسِّيسون، والشَّمَامشة، والرّهبان، وينعَوْن لهم النَّصرانيَّة، حتى استبصروا. فخرجوا للقتال الذي لم يكن بعد قتال مثله، في جمادى الآخرة.\nفلمَّا أحسّ المسلمون خروجَهم، وأرادوا الخروجَ متساندين، سار فيهم خالد بن الوليد؛ فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: إن هذا يومٌ من أيّام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلِصوا جهادَكم، وأريدوا الله بعملكم؛ فإن هذا يومٌ له ما بعده؛ ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبية؛ على تسانُد وانتشار؛ فإن ذلك لا يحلّ ولا ينبغي. وإنّ مَن وراءَكم لو يعلم علمَكم حال بينكم وبين هذا؛ فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي تروْن أنَّه الرّأي من واليكم ومحبَّته، قالوا: فهات، فما الرأي؟ قال: إنّ أبا بكر لم يبعثْنا إلّا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون، لقد جمعكم. إن الذي أنتم فيه أشدُّ على المسلمين ممَّا قد","vol":"3","page":83},{"text":"غشيَهم، وأنفعُ للمشركين من أمدادهم؛ ولقد علمت: أنّ الدنيا فرّقت بينكم، فاللهَ الله، فقد أفرِدَ كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له. إنّ تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله - ﷺ -. هلمّوا فإنّ هؤلاء تهيَّؤوا، وهذا يوم له ما بعده، إنْ رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردّهم، وإن هزمونا لم نُفلح بعدها. فهلمّوا فلْنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضُنا اليوم، والآخر غدًا، والآخر بعد غد؛ حتى يتأمَّر كلّكم، ودعوني ألِيكُم اليوم.\nفأمَّروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطولُ ممَّا صاروا إليه؛ فخرجت الرُّوم في تعبية لم يرَ الراؤون مثلها قطّ، وخرج خالد في تعبية لم تُعبِّها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستَّة وثلاثين كُردوسًا إلى الأربعين، وقال: إنّ عدوّكم قد كثُر وَطَغَى، وليس من التعبية تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس. فجعل القلب كراديسَ، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شُرَحْبيل بن حَسنة. وجعل الميسرة كَراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان. وكان على كُرْدوس من كراديس أهلِ العراق القَعْقاع بن عمرو، وعلى كُرْدوس مذعور بن عديّ، وعياض بن غَنْم على كرْدوس، وهاشم بن عتبة على كُرْدوس، وزياد بن حنظلة على كُردوس، وخالد في كُردوس؛ وعلى فالّة خالد بن سعيد دحْيَة بن خليفة على كُردوس، وامرؤ القيس على كُرْدُوس، ويزيد بن يحنَّس على كُردوس، وأبو عبيدة على كُردوس، وعكْرمة على كُردوس، وسهيل على كُردوس، وعبد الرحمن بن خالد على كُردوس - وهو يومئذ ابن ثمانيَ عشرة سنة - وحبيب بن مَسلمة على كُرْدوس، وصفوان بن أميّة على كُردوس، وسعيد بن خالد على كُرْدوس، وأبو الأعور بن سفيان على كُرْدوس، وابن ذي الخِمار على كُرْدُوس؛ وفي الميمنة عُمارة بن مُخشّى بن خُوَيلِد على كُردوس؛ وشُرَحْبيل على كُردوس ومعه خالد بن سعيد، وعبد الله بن قيس على كُردُوس؛ وعمرو بن عَبسَة على كُرْدوس، والسِّمط بن الأسود على كُردوس، وذو الكَلاع على كُردوس، ومعاوية بن حُدَيج على آخر؛ وجُنْدب بن عمرو بن حُمَمَة على كُردوس، وعمرو بن فلان على كردوس؛ ولَقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبني ظَفَر من بني فزارة على كُرْدوس، وفي","vol":"3","page":84},{"text":"المَيسَرة يزيد بن أبي سفيان على كُرْدوس، والزُّبير على كُرْدوس، وحَوْشب ذو ظُليم على كُرْدوس، وقيس بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن -حليف لبني النَّجَّار- على كُردوس، وعِصْمة بن عبد الله - حليف لبني النجار من بني أسد - على كُردوس، وضِرار بن الأزور على كُردوس، ومسروق بن فلان على كُرْدُوس، وعُتْبة بن ربيعة بن بَهْز - حليف لبني عِصْمة - على كُردوس، وجارية بن عبد الله الأشجعيّ - حليف لبني سلِمة - على كُردوس، وقَباث على كردوس.\nوكان القاضي أبو الدرداء، وكان القاصَّ أبو سفيان بن حرب، وكان على الطَّلائع قَباث بن أشيَم؛ وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود (١). (٣: ٣٩٣/ ٣٩٤ / ٣٩٥/ ٣٩٦).\n٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغَسَّاني، عن عبادة وخالد؛ قالا: شهد اليَرْموكَ ألفٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فيهم نحو من مئة من أهل بدر. قالا: وكان أبو سفيان يسيرُ فيقِف على الكراديس، فيقول: الله اللهَ! إنكم ذَادةُ العرب، وأنصارُ الإسلام، وإنهم ذَادة الرُّوم وأنصار الشرك! اللهمّ إنّ هذا يومٌ من أيَّامك؛ اللهم أنزلْ نصرك على عبادك!\nقالا: وقال رجل لخالد: ما أكثرَ الرومَ وأقلّ المسلمين! فقال خالد: ما أقلَّ الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثُر الجنود بالنَّصر وتقلّ بالخذلان؛ لا بعدد\n_________\n(١) وذكرنا هذه الرواية في الصحيح لورود ما يؤيدها سوى عبارة واحدة ضعفها واضح للعيان وأغلب الظن أنها من دسّ شعيب تلميذ سيف فهو المعروف بتحامله على السلف كما سبق.\nوهذه العبارة هي قولة خالد للأمراء الأربعة: (ولقد علمت أن الدنيا قد فرقت بينكم) فإن الروايات الأخرى التي سبقت هذه الرواية والتي بعدها تؤكد أن الأمراء الأربعة قد اختاروا أسلوب القتال الانفرادي أو ما سماه الراوي (متساندين) وذلك تنفيذًا لأوامر الخليفة الذي أرسلهم في بداية الأمر بهذه الخطة الحربية وما دخل الدنيا وأنى لها أن تدخل في نفوس أناس خرجوا من ديارهم وابتعدوا عنها مسافات شاسعة ليحاربوا جيوشًا نظامية لأعتى إمبراطوريتين في العالم آنذاك تفوقهم أضعافًا مضاعفة إلا أنها الشهادة في سبيل الله تحدوهم وهو ما تبينه روايات شعيب نفسه وغير شعيب. والحمد لله الذي وفقنا لمعرفة الدسّ في الروايات التاريخية هذه، فله المن والفضل! .","vol":"3","page":85},{"text":"الرِّجال؛ والله لوددت أنّ الأشقر بَراءٌ من توجّيه؛ وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفِيَ في مسيره - قالا: فأمر خالد عِكرمة والقَعْقاع، وكانا على مجنَّبتي القَلْب، فأنشبا القِتال، وارتجز القعقاع وقال:\nيا ليتني ألقاك في الطِّرادِ ... قبلَ اعتِرام الجَحْفَلِ الوَرَّادِ\nوأنت في حَلْبتك الورادِ\nوقال عِكْرمة:\nقد عَلِمتْ بَهْكَنةُ الجواري ... أنِّي على مَكْرُمةٍ أحامِي\nفنشب القتال، والتحمَ النَّاس، وتطارد الفرسان؛ فإنَّهم على ذلك؛ إذ قدم البريد من المدينة؛ فأخذته الخيول؛ وسألوه الخَبر؛ فلم يخبرهم إلّا بسلامة، وأخبرهم عن أمداد؛ وإنما جاء بموت أبي بكر ﵀ وتأمير أبي عبيدة، فأبلغوه خالدًا، فأخبره خبَر أبي بكر، أسرّه إليه، وأخبره بالَّذي أخبر به الجندَ. قال: أحسنتَ فقفْ، وأخذ الكتاب وجعله في كنانته؛ وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند؛ فوقف محميَة بن زُنَيم مع خالد؛ وهو الرسول، وخرج جَرَجة؛ حتى كان بين الصفَّين، ونادى: ليخرجْ إليّ خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فوافقه بين الصّفَّين؛ حتى اختلفت أعناق دابَّتيهما، وقد أمَّن أحدُهما صاحبه، فقال جَرَجَة: يا خالد! اصدقْني، ولا تكذِبْني؛ فإنّ الحرّ لا يكذِب، ولا تخادعني؛ فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله: هل أنزل الله على نبيّكم سيفًا من السماء فأعطاكه، فلا تسلَّه على قوم إلّا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فبمَ سُميت سيف الله؟ قال: إن الله ﷿ بعث فينا نبيَّه - ﷺ -، فدعانا فنفرْنا عنه ونأينا عنه جميعًا. ثم إنّ بعضنا صدّقه وتابعه؛ وبعضنا باعده وكذّبه؛ فكنت فيمن كذّبه وباعده وقاتله. ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا؛ فهدانا به، فتابعناه. فقال: \"أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين! \". ودعا لي بالنّصر؛ فسُمِّيت سيف الله بذلك؛ فأنا من أشدّ المسلمين على المشركين. قال: صدقتَني، ثم أعاد عليه جَرَجة: يا خالد! أخبرْني إلامَ تدعوني؟ قال: إلى شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمنْ لم يُجبْكم؟ قال: فالجِزْيَة ونمنعهم، قال: فإن لم يعطِها، قال: نؤذنه بحرب، ثم نقاتله. قال: فما منزلةُ الَّذِي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر","vol":"3","page":86},{"text":"اليوم؟ قال: منزلتُنا واحدة فيما افترضَ الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأوّلنا وآخرنا. ثم أعاد عليه جَرَجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالدُ مثل ما لكم من الأجر والذُّخْر؟ قال: نعم، وأفضل؛ قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ قال: إنَّا دخلْنا في هذا الأمر، وبايَعْنا نبينا - ﷺ - وهو حيّ بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحقّ لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا، أن يُسْلِم ويبايع؛ وإنكم أنتم لم تروْا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحُجَج؛ فَمنْ دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونيَّة كان أفضَل منَّا. قال جرجة: بالله لقد صدَقتني ولم تخادعْني ولم تألّفني! قال: بالله لقد صدقتُك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة! وإنَّ الله لَوليُّ ما سألت عنه. فقال: صدقتَني؛ وقلب التّرس ومال مع خالد، وقال: عَلِّمْني الإسلام، فمال به خالد إلى فَسطاطه، فشنّ عليه قِربَة من ماء، ثم صلَّى ركعتين؛ وحملت الرُّوم مع انقلابه إلى خالد؛ وهم يروْن أنَّها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عِكرمة والحارث بن هشام. وركب خالدٌ ومعه جَرجة والرُّوم خلال المسلمين؛ فتنادَى الناس، فثابوا، وتراجعت الرُّوم إلى مواقفهم، فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيُّوف، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة من لدن ارتفاع النهار إلى جُنُوح الشمس للغروب، ثم أصِيبَ جرجَة ولم يصلِّ صلاة سجد فيها إلا الرّكعتين اللَّتين أسلم عليهما، وصلَّى الناس الأولى والعصر إيماءً، وتضعضع الروم، ونَهَد خالد بالقلب حتَّى كان بين خيلهِم ورجْلهم، وكان مقاتلهُم واسعَ المطَّرد، ضيّق المهرب؛ فلمَّا وجدت خيلُهم مذهَبًا؛ ذهبت وتركوا رَجْلهم في مصافِّهم؛ وخرجت خيلُهم تشتدّ بهم في الصحراء، وأخَّر النَّاس الصلاة حتى صلّوا بعد الفتح. ولما رأى المسلمون خيلَ الروم توجَّهت للهَرب؛ أفرجوا لها، ولم يحرّجوها؛ فذهبت فتفرّقت في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرّجْل ففضّوهم؛ فكأنما هُدِم بهم حائط؛ فاقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم فعَمَدوا إلى الواقوصة، حتى هوى فيها المقترنون وغيرُهم، فمَنْ صبر من المقترنين للقتال هوى به من خشَعتْ نفسُه، فيهوي الواحد بالعشرة لا يطيقونه؛ كلَّما هوى اثنان كانت البقيَّة أضعف، فتهافت في الواقوصة عشرون ومئة ألف؛ ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق؛ سوى مَنْ قُتِل في المعركة من الخيل والرّجل؛ فكان سهم الفارس يومئذ ألفًا وخمسمئة، وتجلّل الفيقار وأشرافٌ من","vol":"3","page":87},{"text":"أشراف الرُّوم برانسَهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحبّ أن نرى يوم السَّوء إذْ لم نستطع أن نرى يوم السرور؛ وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانيَّة؛ فأصيبوا في تزمّلهم (١). (٣: ٣٩٦/ ٣٩٧ / ٣٩٨/ ٣٩٩ / ٤٠٠).\n٤٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة؛ قالا: أصبح خالد من تلك اللَّيلة، وهو في رِواق تَذارِق، لمَّا دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله، وقاتل الناسُ حتى أصبحوا (٢). (٣: ٤٠٠/ ٤٠١).\n٤٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عُميس، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة -وكان شهد اليَرْموك هو وعُبادة بن الصامت- أنّ النساء قَاتلْنَ يوم اليَرْموك في جَوْلة، فخرجت جُوَيرِية بنة أبي سفيان في جَوْلة، وكانت مع زوجها [وأصيبت] بعد قتال شديد، وأصيبت يومئذ عينُ أبي سفيان، فأخرج السهم من عينه أبو حثْمة (٣). (٣: ٤٠١).\n٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وخالد: وكان ممَّن أصيب في الثلاثة الآلاف الَّذين أصيبوا يوم اليَرْموك عِكرمة، وعمرو بن عِكْرمة، وسلمَة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد - وأثبِت خالد بن سعيد فلا يُدرَى أين ماتَ بَعْد - وجُنْدَب بن عمرو بن حُمَمَة الدَّوْسِيّ، والطّفَيل بن عمرو، وضرار بن الأزور أثبت، فبقَي، وطُلَيب بن عُمَير بن وَهْب من بني عبد بن قُصيّ، وهَبَّار بن سُفْيان، وهشام بن العاصي (٤). (٣: ٤٠٢).\n٥١ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سَيف، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: لقي خالدًا مقدمَه الشام مغيثًا لأهل اليرموك رجلٌ من يوم العرب، فقال: يا خالد! إنّ الروم في جمع كثير؛ مئتي ألف أو يزيدون؛ فإنْ رأيت أن ترجعَ عَلَى حامِيتك فافعل؛ فقال خالد: أبالرّوم تخوّفني؟ ! والله لودِدْتُ أنّ\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٢) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٣) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٤) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":88},{"text":"الأشقر بَراءٌ من تَوَجّيه، وأنَّهم أضعفوا ضعْفَهم، فهزمهم الله على يديه! (١) (٤٠٢: ٣).\n٥٢ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بن ميمون، قالوا: وقد كان هرقل حجّ قبل مهزم خالد بن سعيد، فحجّ بيت المقدس، فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقُرْب الجنود منه، فجمع الرُّوم، وقال: أرى من الرأي ألّا تقاتِلُوا هؤلاء القوم، وأن تُصالحوهم؛ فوالله لأن تُعطوهم نصفَ ما أخرجت الشام؛ وتأخذوا نصفًا وتقِرَّ لكم جبال الرُّوم؛ خيرٌ لكم من أن يبلغوكم على الشام، ويشاركوكم في جبال الرّوم؛ فنخر أخوه ونخر خَتَنُه؛ وتصدّع عنه مَن كان حوله؛ فلمَّا رآهم يعصونه ويردّون عليه بعث أخاه، وأمَّر الأمراء، ووجَّه إلى كلّ جند جندًا. فلما اجتمع المسلمون، أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين، فنزلوا بالواقوصة، وخرج فنزل حِمْص، فلمَّا بلغه أن خالدًا قد طلع على سُوَى، وانتسف أهلَه وأموالهم، وعَمَد إلى بُصْرَى وافتتحها وأباح عَذْراء، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم! فإنَّه لا قِوامَ لكم مع هؤلاء القوم؛ إنّ دينهم دينٌ جديد يجدّد لهم ثِبارَهم، فلا يقوم لهم أحد حتى يُبْلَى. فقالوا: قاتِل عن دينك ولا تُجبّن النَّاس، واقض الذي عليك؛ قال: وأيَّ شيء أطلب إلّا توفيرَ دينكم!\nولما نزلت جنود المسلمين اليَرْموك، بعث إليهم المسلمون: إنَّا نريد كلامَ أميركم وملاقاته؛ فدعُونا نأتِه ونكلّمه، فأبلغوه فأذِن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان كالرسول، والحارث بن هشام وضِرار بن الأزور وأبو جَنْدل بن سُهيل؛ ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رِواقًا في عسكره وثلاثون سُرادِقًا، كلُّها من ديباج؛ فلمَّا انتهوْا إليها أبوْا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحلّ الحرير فابْرز لنا. فبرز إلى فُرُش ممهَّدة؛ وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم! هذا أوّلُ الذُّلّ، أما الشام فلا شام؛ وويل للروم من المولود المشؤوم! ولم يتأتّ بينهم وبين المسلمين صُلْح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه، واتَّعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح (٢). (٣: ٤٠٢/ ٤٠٣).\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٢) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":89},{"text":"٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُطَّرح، عن القاسم، عن أبي أمامة وأبي عثمان، عن يزيد بن سنان، عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم؛ قالوا: لمَّا كان اليوم الَّذِي تأمّر فيه خالد؛ هزم الله الرُّوم مع الليلِ، وصعد المسلمون العَقَبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل الله صناديدَهم ورؤوسهم وفرسانهم، وقتل الله أخا هِرَقْل، وأخِذ التَّذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دُون مدينة حِمْص، فارتحل فجعل حِمْص بينه وبينهم، وأمَّر عليها أميرًا وخلَّفه فيها، كما كان أمَّر على دمشق، وأتبع المسلمون الرُّوم حين هزموهم خيولًا يَثْفِنونهم. ولمَّا صار إلى أبي عبيدة الأمرُ بعد الهزيمة؛ نادى بالرّحيل، وارتحل المسلمون بزحْفهم حتى وضعوا عساكرَهم بمَرْج الصُّفَّر. قال أبو أمامة: فبُعِثت طليعة من مرَج الصُّفَّر، معي فارسان؛ حتى دخلت الغُوطة فجُسْتها بين أبياتها وشجراتها، فقال أحد صاحبَيّ: قد بلغتَ حيث أمِرت فانصرف لا تهلكْنا، فقلت: قِفْ مكانَك حتى تصبح أو آتيَك. فسِرْتُ حتى دفعت إلى باب المدينة؛ وليس في الأرض أحدٌ ظاهر، فنزعت لجام فرسِي وعلَّقت عليها مخلاتها، وركزت رمحي، ثم وضعت رأسي فلم أشعُر إلّا بالمفتاح يحرَّك عند الباب ليُفتح؛ فقصت فصلَّيت الغداة، ثم ركبت فرسي، فحملت عليه، فطعنت البوّاب فقتلته، ثم انكفأت راجعًا؛ فخرجوا يطلبونني، فجعلوا يكفّون عنِّي مخافة أن يكون لي كمين، فدفعت إلى صاحبي الأدْنى الَّذي أمرتُه أن يقف، فلمَّا رأوْه قالوا: هذا كمين انتهى إلى كمينه. فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني، فسِرْنا حتى انتهينا إلى المسلمين؛ وقد عزم أبو عبيدة ألّا يبرح حتى يأتيَه رأيُ عمر وأمْرُه؛ فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دِمَشق، وخلّف باليَرْمُوك بشير بن كعب بن أبيّ الحميريّ في خَيْل (١). (٣: ٤٠٣/ ٤٠٤).\n٥٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنّ أبا بكر ﵀ حين سار القوم خرج مع يَزيد بن أبي سفيان يُوصيه، وأبو بكر يمشي ويزيد راكب، فلمَّا فرغ من وصيَّته قال: أقرئُك\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":90},{"text":"السلام، وأستودعك الله. ثم انصرف ومضى يزيد، فأخذ التَّبُوكيَّة ثم تبعه شُرَحبيل بن حَسَنة ثم أبو عبيدة بن الجرّاح مددًا لهما على رُبْع، فسلكوا ذلك الطريق، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل بغَمْر العَرَبات، ونزلت الرُّوم بثَنِيَّة جِلّق بأعلَى فلسطين في سبعين ألفًا، عليهم تَذَارِق أخو هِرَقْل لأبيه وأمِّه. فكتب عَمْرو بن العاص إلى أبي بكر، يذكر له أمرَ الرُّوم ويستمدُّه. وخرج خالد بن سعيد بن العاصي، وهو بمرج الصُّفَّر من أرض الشام في يوم مَطير يستمطر فيه؛ فتعاوَى عليه أعلاجُ الروم، فقتلوه، وقد كان عمرو بن العاص كتب إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمدّه.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحِيرة، يأمره أن يمدّ أهلَ الشام بِمَن معه من أهل القوّة، ويخرج فيهم، ويستخلف على ضَعفة النَّاس رجلًا منهم؛ فلمَّا أتى خالدًا كتابُ أبي بكر بذلك، قال خالد: هذا عمل الأعيسر بن أمّ شَمْلَة -يعني: عمر بن الخطاب- حسدني أن يكون فتْح العراق على يديّ. فسار خالد بأهل القوّة من الناس وردّ الضعفاء والنّساء إلى المدينة، مدينة رسول الله - ﷺ -، وأمّر عليهم عُمير بن سعد الأنصاريّ، واستخلف خالد على مَن أسلم بالعراق من رَبيعة وغيرهم المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ. ثم سار حتى نزل على عَين التَّمْر، فأغار على أهلها، فأصاب منهم، ورابط حِصْنًا بها فيه مقاتلةٌ كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم، فضرب أعناقهم، وسَبَى من عَين التَّمْر ومن أبناء تلك المرابِطة سبايا كثيرة، فبعث بها إلى أبي بكر؛ فكان مِن تلك السَّبَايا أبو عَمْرة مولى شبّان؛ وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وأبو عبيدة مولى المعلَّى من الأنصار من بني زُريق، وأبو عبد الله مولى زُهرة، وخَير مولى أبي داود الأنصاريّ ثم أحد بني مازن بن النَّجار، ويَسار وهو جدّ محمد بن إسحاق مولى قيس بن مَخْرمة بن المطَّلب بن عبد مناف، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاريّ ثم أحد بني مالك بن النَّجار، وحُمران بن أبان مَوْلى عثمان بن عفان. وقَتَل خالد بن الوليد هلال بن عَقّة بن بشر النّمَريّ وصلَبه بعين التّمر، ثم أراد السَّير مفوّزًا من قُراقر - وهو ماء لكلب إلى سُوَى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال - فلم يهتدِ خالد الطريق، فالتمس دليلًا، فدُلّ على رافع بن عميرة الطائيِّ؛ فقال له خالد: انطلق بالنَّاس،","vol":"3","page":91},{"text":"فقال له رافع: إنَّك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال؛ والله إنّ الراكب المفرد ليخافُها على نفسه وما يسلُكها إلا مغرّرًا؛ إنها لخمس ليال جِياد لا يُصاب فيها ماء مع مَضَلَّتها، فقال له خالد: ويحك! إنه والله إنْ لي بدٌّ من ذلك، إنه قد أتتني من الأمير عَزمة بذلك، فمرْ بأمرك، قال: استكثروا من الماء؛ مَنِ استطاع منكم أن يصرّ أذن ناقته على ماء فليفعل؛ فإنها المهالك إلا ما دفع الله؛ ابْغنِي عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا مَسانَّ. فأتاه بهنّ خالد، فعمد إليهنّ رافع فظمَّأهن، حتى إذا أجهدهنّ عطشًا أوردهنّ فشربن حتى إذا تملأَن عمَد إليهنّ، فقطع مشافرهنّ، ثم كَعمهنّ لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهنّ.\nثم قال لخالد: سر؛ فسار خالد معه مُغِذًّا بالخيول والأثقال؛ فكُلَّمَا نزل منزلًا افتظّ أربعًا من تلك الشَّوارف؛ فأخذ ما في أكراشها، فسقاه الخيل؛ ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء؛ فلما خشِيَ خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد: ويحكَ يا رافع! ما عندك؟ قال: أدركتَ الرِّيّ إن شاء الله؛ فلمَّا دنا من العلَمين، قال للناس: انظروا هل ترون شُجيرة من عَوْسج كقِعْدة الرجل؟ قالوا: ما نراها. قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! هلكتم والله إذًا وهلكتُ؛ لا أبالكم! انظروا، فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقيَّة، فلمَّا رآها المسلمون كبَّروا وكبَّر رافع بن عميرة؛ ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينًا، فشربوا حتى رَويَ النَّاس، فاتّصلتْ بعد ذلك لخالد المنازل، فقال رافع: والله ما وردتُ هذا الماءَ قطّ إلا مرةً واحدة، وردته مع أبي وأنا غلام، فقال شاعر من المسلمين:\nلله عَينا رافِعٍ أنّى اهْتَدَى ... فَوّزَ من قُراقرٍ إلى سُوَى!\nخمْسًا إذا ما سارها الجَيشُ بكى ... ما سارها قَبْلك إنسيٌّ يُرَى\nفلمَّا انتهى خالد إلى سُوَى، أغار على أهله - وهم بَهْراء - قبيل الصُّبح، وناس منهم يشربونَ خَمْرًا لهم في جَفْنة قد اجتمعوا عليها، ومغنِّيهم يقول:\nألا علّلانِي قبل جيش أبي بكرِ ... لعلّ منايانا قريب وما نَدْرِي\nألا علّلاني بالزُّجاج وكرِّرا ... عَليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجْرِي\nألا علّلاني من سُلافة قهوةٍ ... تسلِّي همومَ النفس من جيِّدِ الخمرِ\nأظُنُّ خيولَ المسلمين وخالدًا ... ستطرُقكمْ قبل الصَّبَاح من البِشْرِ","vol":"3","page":92},{"text":"فهل لكُمُ في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصراتِ من الخِدْر!\nفيزعمون: أن مغنّيَهم ذلك قتِل تحت الغارة، فسال دمُه في تلك الجفنة. ثم سار خالدٌ على وجهه ذلك، حتى أغار على غَسَّان بمرْج راهط، ثم سار حتى نزلَ على قناة بُصْرَى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشُرَحْبيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان؛ فاجتمعوا عليها، فرابطوها حتى صالحت بُصرى على الجِزْية، وفتحها الله على المسلمين، فكانتْ أوّلَ مدينة من مَدائن الشام فتحت في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعًا إلى فِلِسطين مددًا لعمرو بن العاص، وعمرو مقيم بالعَرباتِ مِنْ غَوْر فِلِسطين، وسمعت الرُّوم بهم، فانكشفوا عن جلَّق إلى أجْنادِين؛ وعليهم تَذَارق أخُو هِرَقْل لأبيه وأمِّه - وأجنادين بلد بين الرّملة وبيت جَبْرين من أرض فلسطين - وسار عمرو بن العاص حينَ سمع بأبي عبيدة بن الجرّاح وشُرَحبْيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان حتى لقيَهم، فاجتمعوا بأجنادين؛ حتى عسكروا عليهم (١). (٣: ٤٠٥/ ٤٠٦ / ٤١٥/ ٤١٦ / ٤١٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن ذكرناه في قسم الصحيح لورود ما يقوي بعضه ولكن وردت عبارات زيادات تنمُّ عن غضب خالد عندما جاءه أمر سيدنا أبي بكر ﵁ بلحاقه مع نصف جيش المسلمين في العراق بجيوش الفاتحين في الشام، وأن خالدًا ﵁ اتهم عمرًا ﵁ بوقوفه وراء هذه الأوامر وتذكر هذه الروايات الضعيفة سندًا: أن خالدًا قال: هذا حسد من عمر حسدني على فتح العراق وأن يكون على يدي فأحبّ أن يجعلني مددًا لعمرو ...\nوفي رواية الطبري كلام لا يليق بتعامل الصحابة مع بعضهم البعض وحاشاهم أن يقولوا ذلك إذ جاء فيه أن خالدًا قال: (هذا عمل الأعيسر بن أم شملة؛ يعني: عمر بن الخطاب ... حسدني أن يكون فتح العراق على يديّ)، وللوقوف على هذه العبارات راجع كلّا من (تأريخ الطبري ٣/ ٤١٥) وتهذيب تأريخ دمشق (١/ ١٣١) وفتوح الشام للأزدي (ص ٦٨).\nقلنا: (وبالله التوفيق): بالإضافة إلى كون هذه (الزيادة) ضعيفة الإسناد فإنها شاذة تخالف تمامًا ما هو أصح منها في الروايات التي تحدثت عن ردة فعل خالد بن الوليد لمسألة أمره بالتوجه نحو الشام. وكذلك تخالف ما ذكره أئمة المغازي والسير في قضية تقدير عمر له وأما مسألة عزل سيدنا عمر لسيف الله خالد بعد ذلك فمسألة بعيدة تمامًا عن الحقد والضغينة وما إلى ذلك. وإنما مسألة موازين إسلامية، وتقدير عسكري، وبُعْد استراتيجي (كما يقولون) ودراسة لطبيعة المرحلة الزمنية، ومراعاة للمصلحة المشتركة، كما سنبين إن شاء الله تعالى كالآتي:\n١ - هنالك رواية توضح ردة فعل خالد لما هو أشدّ من أمره بالتوجه إلى الشام ألا وهو أمر =","vol":"3","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عزله عن قيادة الجيش وإسناد ذلك إلى أبي عبيدة ﵁؛ فقد أخرج ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٣٦) وأحمد في المسند (٤/ ٩٠) عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد فقال خالد: بعث عليكم أمين هذه الأمة سمعت رسول الله - ﷺ - يقوله، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة!) وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد الملك بن عمير لم يدرك أبا عبيدة (مجمع الزوائد ٩/ ٣٥١).\n٢ - أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٤٣٠) من حديث الثوري: قيل لعمر عند موته: استخلف فقال: لو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته ثم قدمت على ربي فقال لي: من استخلفت على أمة محمد؟ فقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: (حالد سيف من سيوف الله سلّه على المشركين) وكذلك أخرج (٢/ ٤٣٠) أن عمر ﵁ قال عند وفاة خالد ﵁: (على مثل أبي سليمان تبكي البواكي).\n٣ - وفي الجانب الآخر فإن خالدًا ﵁ لم يكن طالبًا للإمارة بل كان محبًا للجهاد تواقًا إلى الشهادة في سبيل الله فقد قال الحافظ ابن حجر: قال ابن المبارك في كتاب الجهاد عن حماد بن زيد: حدثنا عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل - ثم شك حماد في أبي وائل - قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مَظَانّه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد أن لا إله إلا الله من ليلة بتُّها أنا متترسٌ والسماء تهلني تمطر إلى صبح، حتى نغير على الكفار؛ ثم قال: إذا أنا متُّ فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عدّة في سبيل الله ثم توفي (الإصابة ٢/ ٢١٩ / ت ٢٢٠٦) وأخرج ابن سعد أن خالدًا قال عند موته: ما كان في الأرض من ليلة أحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبّح بهم العدو، فعليكم بالجهاد.\nفهذا هو سيف الله خالد عشق الجهاد وصهوة الجياد وغبار المعركة في سبيل الله حتى نهاية حياته: وقبل الرمق الأخير أوصى بسلاحه وفرسه عدة في سبيل الله من بعده، فأين ذلك الأفق الرفيع الذي يعيش فيه صحابة رسول الله - ﷺ - وأين ذلك الخبط والتشويه لعدالة الصحابة؟ ! .\nولو فرضنا أن سيدنا خالد حقًّا قد قال عبارته هذه [هذا عمل الأعيسر بن أم شملة -يعني: عمر بن الخطاب- حسدني أن يكون فتح العراق على يديّ].\nنقول: إن صحت نسبة هذه العبارة إلى خالد ﵁ فهو توهم منه أدركه بعد ذلك وتراجع عنه، والدليل على ذلك ما صح عنه حين مرضه الأخير لما عاده أبو الدرداء إذ مال خالد بن الوليد: [قد وجدت عليه في نفسي أمورًا لمّا تدبرتها في مرضي هذا وحضرني من الله حاضر عرفت: أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل] أي: أن خالدًا تيقن أخيرًا وأقر بأن عمرًا ﵁ لم يفعل ما فعل إلّا لحكمة لم يدركها خالد يومها وإنما أدركها متأخرًا وأن فعلته كانت في سبيل الله لا حقدًا ولا حسدًا. =","vol":"3","page":94},{"text":"٥٥ - قال أبو جعفر: وأمَّا أبو زيد؛ فحدّثني عن عليّ بن محمد بالإسناد الذي قد ذكرت قبلُ: أن أبا بكر ﵀ وجَّه بعد خروج يزيد بن أبي سفيان موجّهًا إلى الشام بأيام شُرَحبيلَ بن حَسَنة - قال: وهو شُرَحْبيل بن عبد الله بن المطاع بن عمرو، من كِنْدة، ويقال من الأزد - فسار في سبعة آلاف، ثم أبا عبيدة بن الجرّاح في سبعة آلاف، فنزل يزيد البَلْقاء، ونزل شُرحبيل الأرْدُنّ - ويقال بُصْرَى - ونزل أبو عبيدة الجابِية، ثم أمدّهم بعمرو بن العاص، فنزل بغَمْر العرَبات، ثم رغِب الناس في الجهاد؛ فكانوا يأتون المدينة فيوجّههم أبو بكر إلى\n_________\n= والدليل الثاني الذي يردّ هذه الزيادة المنكرة هي قولة سيدنا عمر الشهيرة عندما عزل خالدًا قائلًا: \"حتى يعلم الناس أن الله ينصر دينه لا خالدًا\" ولا نريد أن نطيل هنا بل سنذكر بالتفصيل في مسألة عزل خالدٍ ﵁ والله الموفق.\nأما الرواية التي تؤيد رواية الطبري هذه في قصة عبوره الصحراء في رواية مسندة جاءت في المعرفة والتاريخ للإمام يعقوب بن سفيان الفسوي الجزء الثالث تحقيق المؤرخ العمري ص ٢٩٧ - ٢٩٨: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ح. وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو بكر بن الطبري، قالا أنبأ أبو الحسين بن الفضل القطان، أنبأ عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا راشد بن داؤد الصغاني، حدثني أبو عثمان الصغاني شراحيل بن مرثد قال: بعث أبو بكر الصديق ﵁ خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة فلما قدمناها قاتلونا قتالًا شديدًا فظفرنا بهم.\nوهلك أبو بكر واستخلف عمر بن الخطاب فبعث أبا عبيدة بن الجراح إلى الشام ودمشق، واستمد أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد أن سر إلى أبي عبيدة بالشام فدعا خالد بن الوليد الدليل فقال: في كم نأتي الحيرة؟ فقال: في كذا وكذا. فعطّش خالد بن الوليد الإبل ثم أساقها واستسقى وسقى الخيل، ثم كمّ أفواه الإبل وأدبارها. وقال له الدليل إن أصبحت عند الشجرة فقد نجوت ونجا من معك. فسار خالد بمن معه فأصبح عند إضاءة الفجر عند الشجرة فنحر الإبل ثم سقى ما في بطونها الخيل وأطعم لحومها الناس وسقى المسلمين من المزاد التي كانت تحمل معه ... إلخ الرواية.\nورواية يعقوب بن سفيان هذه تخالف الروايات التي ذكرناها سابقًا والتي تبيّن أن أبا بكر ﵁ هو الذي أمر خالدًا بالمسير إلى الشام، وعلى أية حالٍ فإن بيت القصيد من هذه الرواية التي هي أصح سندًا من رواية ابن حميد الرازي لم تذكر الزيادة الشاذة التي تُنسب إلى خالد ولم تصحّ كما ذكرنا سابقًا، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":95},{"text":"الشَّام فمنهم مَن يصير مع أبي عبيدة، ومنهم مَن يصير مع يزيد، يصير كلّ قوم مع من أحبّوا.\nقالوا: فأوّل صُلْح كان بالشام صلح مَآبَ؛ وهي فسطاط ليست بمدينة، مرّ أبو عبيدة بهم في طريقه، وهي قرية من البَلْقاء، فقاتلوه، ثم سألوه الصُّلْح فصالحهم. واجتمع الرُّوم جمعًا بالعَرَبة من أرضِ فلسطين؛ فوجَّه إليهم يزيدُ بن أبي سفيان أبا أمامة الباهليّ؛ ففضَّ ذلك الجمع.\nقالوا: فأوّل حرب كانت بالشام بعد سريّة أسامة بالعَرَبة. ثم أتوا الدّاثنة - ويقال: الدّاثن - فهزمهم أبو أمامة الباهليُّ، وقتل بِطْريقًا منهم. ثم كانت مَرْج الصّفَّر، استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاصي، أتاهم أدْرُنْجار في أربعة آلاف وهم غارُّون، فاستُشهد خالد وعدّة من المسلمين.\nقال أبو جعفر: وقيل: إنّ المقتول في هذه الغزوة كان ابنًا لخالد بن سعيد، وإنّ خالدًا انحاز حين قُتل ابنه، فوجَّه أبو بكر خالد بن الوليد أميرًا على الأمراء الذين بالشام، ضمَّهم إليه؛ فشخص خالد من الحِيرة في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمئة - ويقال: في خَمْسمئة - واستخلف على عَمَلهِ المثنَّى بن حارثة، فلَقيه عدوّ بَصَنْدَوْدَاء، فظفر بهم، وخلَّف بها ابن حَرام الأنصاريّ؛ ولقيَ جمعًا بالمُصيّخ، والحُصَيد، عليهم ربيعة بن بُجير التَّغلبِيّ، فهزمهم وسَبَى وغَنِم، وسار ففوّز من قُراقِر إلى سُوَى؛ فأغار على أهل سُوَى؛ واكتسح أموالهم، وقتل حُرْقُوص بن النُّعمان البَهرانيّ، ثم أتى أرَك فصالحوه، وأتى تَدْمُر فتحصّنوا، ثم صالحوه؛ ثم أتى القريتين، فقاتلهم، فظفر بهم، وغَنِم، وأتى حُوَّارين؛ فقاتلهم فهَزَمهم وقتلَ وسبَى، وأتى قُصَم فصالحه بنو مَشْجَعة من قُضاعة، وأتى مَرْج راهِط، فأغار على غَسَّان في يوم فِصْحهم، فقتل وسَبَى، ووجَّه بُسْر بن أبي أرطاة وحبيب بن مَسْلَمة إلى الغوطة، فأتوْا كنيسة فسَبوا الرّجال والنِّساء، وساقُوا العِيال إلى خالد.\nقال: فوافى خالدًا كتابُ أبي بكر بالحيرة منصرفَه من حجّهِ: أن سِرْ حتَّى تأتيَ جموعَ المسلمين باليَرْموك، فإنهم قد شَجُوا وأشْجَوْا، وإيّاك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشجِ الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجَى من الناس نزعك. فليهنئك أبا سليمان النيَّة والحُظوة؛ فأتمِم يُتمم الله لك،","vol":"3","page":96},{"text":"ولا يدخلنَّك عُجب فتخسَر وتُخْذَل؛ وإيّاك أن تُدِلّ بعمل، فإن الله ﷿ له المنّ، وهو وليّ الجَزاء.\nرجع الحديث إلى حديث أبي زيد عن علي بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره، قال: وأتَى خالدٌ دمشقَ فجمع له صاحِب بصرى، فسار إليه هو وأبو عُبيدة؛ فلقيَهم أدرنجا، فظفِر بهم، وهزمهم؛ فدخلوا حصنَهم؛ وطلبوا الصُّلْح، فصالحهم على كلّ رأس دينار في كلِّ عام وجريب حنطة. ثم رجع العدوُّ للمسلمين، فتوافَتْ جنود المسلمين والرُّوم بأجنادين، فالتقَوْا يوم السبت لليلتين بقِيَتا من جُمادى الأولى سنة ثلاث عشرة؛ فظهر المسلمون، وهزم الله المشركين، وقتل خليفة هِرَقل، واستشهد رجالٌ من المسلمين؛ ثم رجع هِرَقْل للمسلمين، فالتقوْا بالواقوصة فقاتلوهم؛ وقاتلهم العدوّ، وجاءتهم وفاة أبي بكر وهم مصافُّون وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب (١). (٣: ٤٠٦/ ٤٠٧ / ٤١٨/ ٤١٩).\n٥٦ - كتب إليَّ السريّ عنِ شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظَفر بن دهي، ومحمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلَّب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سِياه الأحمريّ، قالوا: كان أبو بكر قد وجَّه خالدَ بن سعيد بن العاصي إلى الشام حيث وجَّه خالد بن الوليد إلى العراق، وأوصاه بمثل الَّذي أوصى به خالدًا. وإن خالد بن سعيد سار حتى نزلَ على الشام ولم يقتحم؛ واستجلب النَّاس فعزَّ، فهابته الرُّوم، فأحجموا عنه، فلم يصبر على أمر أبي بكر ولكن تورّدها فاستطردت له الرُّوم، حتى أوردوه الصُّفَّر، ثم تعطَّفُوا عليه بعد ما أمِن؛ فوافقوا ابنَه سعيد بن خالد مستمطِرًا؛ فقتلوه هو ومَن معه، وأتى الخبرُ خالدًا، فخرج هاربًا؛ حتى يأتي البرّ، فينزل منزلًا، واجتمعت الرُّوم إلى اليَرْموك؛ فنزلوا به، وقالوا: والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن تورّد بلادنا بخيوله.\nوكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بالَّذي كان، فكتب أبو بكر إلى عمرو بن العاص - وكان في بلاد قُضاعة - بالسَّير إلى اليرموك، ففعل. وبعث أبا عبيدة بن\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":97},{"text":"الجراح ويزيد بن أبي سفيان، وأمر كلّ واحد منهما بالغارة، وألّا تُوغلوا حتى لا يكون وراءكم أحدٌ من عدوِّكم.\nوقدم عليه شُرَحبْيل بن حَسَنة بفتح من فتوح خالد، فسرّحه نحو الشام في جُنْد، وسمّى لكلّ رجل من أمراء الأجناد كورةً من كور الشام، فتوافوا باليَرْموك، فلمّا رأت الروم توافيَهم ندموا على الذي ظهر منهم، ونَسوا الذي كانوا يتوعّدون به أبا بكر، واهتموا وهمَّتهم أنفسهم، وأشْجَوْهم وشجوا بهم، ثم نزلوا الواقوصة. وقال أبو بكر: والله لأنْسِيَنّ الرُّوم وساوسَ الشيطان بخالد بن الوليد، فكتب إليه بهذا الكتاب الَّذي فوق هذا الحديث، وأمَره أن يستخلِف المثنَّى بن حارثة على العِراق في نصف الناس، فإذا فتح الله على المسلمين الشَّام، فارجعْ إلى عملك بالعراق. وبعث خالد بالأخماس إلّا ما نفّل منها مع عُمَير بن سعد الأنصاريّ وبمسيره إلى الشام. ودعا خالد الأدلَّة، فارتحل من الحيرة سائرًا إلى دُومة، ثم طعن في البرّ إلى قراقر، ثم قال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم! فإني إن استقبلتها حبستني عن غِياث المسلمين، فكلّهم قال: لا نعرف إلا طريقًا لا يحمل الجيوش، يأخذه الفذّ الراكب، فإيَّاك أن تغرّر بالمسلمين. فعزم عليهم ولم يُجِبْه إلى ذلك إلّا رافع بن عُميرةَ على تهيُّبٍ شديد، فقام فيهم، فقال: لا يختلفنّ هَدْيُكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أنّ المعونة تأتي على قدر النيَّة، والأجر على قدر الحِسْبة؛ وإنّ المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له، فقالوا له: أنت رَجُلٌ قد جمع الله لك الخير، فشأنَك. فطابقوه ونووا واحتسبوا، واشتهوا مثلَ الذي اشتهى خالد، فأمرهم خالد، فتروَّوا للشَّفة لخمس، وأمر صاحب كلّ خيل بقدر ما يسقيها، فظمَّأ كل قائد من الإبل الشُّرُفِ الجِلال ما يكتفي به، ثم سَقْوها العَلَل بعد النَّهلِ؛ ثم صرُّوا آذان الإبل وكعموها، وخلَّوا أدبارها، ثم ركبوا من قراقر مفوّزين إلى سُوَى - وهي على جانبها الآخر ممَّا يلي الشام - فلما ساروا يومًا افتظّوا لكل عِدّة من الخيل عشرًا من تلك الإبل فمزجوا ما في كُروشها بما كان من الألبان، ثم سَقَوا الخيلَ، وشربوا للشفة جَرْعًا، ففعلوا ذلك أربعة أيام (١). (٣: ٤٠٨/ ٤٠٩).\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":98},{"text":"٥٧ - قال أبو جعفر الطبريّ: وشاركهم محمَّد وطلحة، قالوا: لما نزل بسُوَى وخشِيَ أن يفضحهم حرُّ الشمس؛ نادى خالد رافعًا: ما عندك؟ قال: خير، أدكتم الرِّيّ، وأنتم على الماء! وشجَّعهم وهو متحيّر أرمد، وقال: أيُّها النَّاس، انظروا عَلمَين كأنهما ثَدْيان. فأتوْا عليهما، وقالوا: عَلَمان، فقام عليهما فقال: اضربوا يمْنةً ويَسْرَةً - لعَوْسجة كقِعدة الرجل - فوجدوا جِذْمها، فقالوا: جذمٌ، ولا نرى شجرة، فقال: احتفروا حيث شئتمْ، فاستثاروا أو شالًا وأحساءً رَواءً، فقال رافع: أيّها الأمير، والله ما وردتُ هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته إلّا مرّة وأنا غلام مع أبي. فاستعدُّوا ثم أغاروا والقوم لا يروْن أنّ جيشًا يقطع إليهم (١). (٣: ٤٠٩/ ٤١٠).\n٥٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظفر بن دهي، قال: فأغار بنا خالد من سُوَى على مُصَيَّخ بَهْرَاءَ بالقُصْوانَى - ماء من المياه - فصبَّح المُصَيَّخ والنَّمِر؛ وإنهم لغارّون، وإن رفقة لتشرب في وجه الصُّبْح، وساقيهم يغنِّيهم، ويقول:\nألا صبّحاني قَبْلَ جَيشِ أبي بكرِ\nفضُربت عنُقه، فاختلط دمُه بخمره (٢). (٣: ٤١٠).\n٥٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بإسناده الذي تقدّم ذكره، قال: ولمّا بلغ غسَّان خروج خالد على سُوى وانتسافها، وغارتُه على مصيَّخ بَهْراء وانتسافها، فاجتمعوا بمرْج راهط، وبلغ ذلك خالدًا، وقد خلّف ثُغور الرُّوم وجنودها ممَّا يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، صمد لهم؛ فخرج من سُوَى بعد ما رجع إليها بسبْي بَهْراء، فنزل الرُّمانَتين -عَلَمين على الطِريق- ثم نزل الكَثَب، حتى صار إلى دمشق، ثم مَرْج الصُّفَّر، فلقِيَ عليه غَسّان وعليهم الحارث بن الأيهَم، فانتسف عسكرهم وعيالاتِهم. ونزل بالمَرْج أيَّامًا، وبعث إلى أبي بكر بالأخماس مع بلال بن الحارث المُزَنيّ، ثم خرج من المرْج حتى ينزل قناة بُصْرَى؛ فكانت أوّلَ مدينة افتُتحت بالشام على\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٢) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":99},{"text":"يديْ خالد فيمن معه من جُنُود العراق، وخرج منها، فوافَى المسلمين بالواقُوصة، فنازلهم بها في تسعة آلاف (١). (٣: ٤١٠/ ٤١١).\n٦٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: ولما رجع خالدٌ من حجِّه وافاه كتاب أبي بكر بالخُروج في شَطْر الناس، وأن يخلّف على الشَّطْر الباقي المثنَّى بن حارثة، وقال: لا تأخذنْ نجدًا إلّا خلَّفت له نجدًا، فإذا فتح الله عليكم فاردُدْهم إلى العراق، وأنت معهم، ثم أنت على عَمَلِك. وأحضر خالدٌ أصحابَ رسول الله - ﷺ - واستأثر بهم على المثنَّى، وترك للمثنَّى أعدادهم من أهل القناعة ممن لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقيَ، فاختلج مَن كان قدِم على النبيّ - ﷺ - وافدًا أو غير وافد، وترك للمثنَّى أعدادَهم من أهل القناعة، ثم قسَم الجند نصفين، فقال المثنّى: والله لا أقيم إلّا على إنفاذ أمر أبي بكر كلِّه في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف، وبالله ما أرجو النَّصر إلّا بهم، فأنَّى تُعرِيني منهم! فلما رأى ذلك خالد بعد ما تلكَّأ عليه أعاضه منهم حتى رضيَ، وكان فيمن أعاضه منهم فُرات بن حيَّان العجليّ، وبَشِير بن الخَصَاصِيّة، والحارث بن حسّان الذُّهليَّان، ومعبَد بن أمّ معبد الأسلميّ، وعبد الله بن أبي أوفى الأسلميّ، والحارث بن بِلال المُزنيّ، وعاصم بن عمرو التميميّ؛ حتى إذا رضيَ المثنَّى وأخذ حاجَتَه؛ انجذب خالد فمضَى لوجهه وشيَّعه المثنَى إلى قُراقر، ثم رجع إلى الحيرة في المرحّم، فأقام في سلطانه، ووضع في المسلحة التي كان فيها على السَّيب أخاه، ومكان ضرار بن الخطاب عتبةَ بن النّهاس، ومكان ضرار بن الأزور مسعودًا أخاه الآخر، وسدّ أماكن كل مَن خرج من الأمراء برجالٍ أمثالهم من أهل الغَناء، ووضع مذعور بن عديّ في بعض تلك الأماكن، وأستقام أهل فارس - على رأس سنة من مقدَم خالد الحيرة، بعد خروج خالد بقليل؛ وذلك في سنة ثلاث عشرة - على شَهْرَبَراز بن أردشير بن شهريار ممّن يُناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجَّه إلى المثنَّى جندًا عظيمًا عليهم هُرْمُز جاذوَيه في عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتبت المسالح إلى المثنَّى بإقباله، فخرج المثنَّى من الحِيرة نحوه، وضمّ إليه المسالح، وجعل على مجنَّبَتَيه المُعَنَّى ومسعودًا ابنَي حارثة، وأقام له ببابل، وأقبلَ هُرمز جاذويه، وعلى مجنَّبَتيه\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":100},{"text":"الكوكبد والخرُكبْذ. وكتب إلى المثنَّى: من شهر براز إلى المثنَّى؛ إني قد بعثتُ إليك جندًا من وخش أهل فارس، إنما هم رُعاة الدّجاج والخنازير؛ ولست أقاتلك إلّا بهم. فأجابه المثنَّى: من المثنَّى إلى شهر براز؛ إنما أنتَ أحدُ رجلين: إما باغٍ فذلك شرٌّ لك وخيرٌ لنا، وإمَّا كاذب فأعظم الكذّابين عقوبةً وفضيحة عند الله في الناس الملوك. وأما الذي يدلّنا عليه الرأي؛ فإنَّكم إنما اضطررتم إليهم؛ فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدّجاج والخنازير. فجزع أهلُ فارس من كتابه، وقالوا: إنما أتِيَ شهربراز من شؤم مولده ولؤم مَنشئه - وكان يسكن ميسان - وبعض البلدان شَينٌ على مَنْ يسكنه.\nوقالوا له: جرّأت علينا عدوَّنا بالَّذي كتبت به إليهم؛ فإذا كاتبت أحدًا فاسْتَشِرْ. فالتقوْا ببابل، فاقتتلوا بعُدوة الصَّراة الدُّنيا على الطريق الأوّل قتالًا شديدًا.\nثم إن المثنّى وناسًا من المسلمين اعتورُوا الفيل - وقد كان يفرّق بين الصفوف والكراديس - فأصابوا مقتَله، فقتلوه وهزموا أهلَ فارس، واتّبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى جازوا بهم مسالِحَهُمْ، فأقاموا فيها، وتتبَّع الطلب الفالَّة؛ حتى انتهوْا إلى المدائن؛ وفي ذلك يقول عَبْدة بن الطبيب السعديّ، وكان عَبْدة قد هاجَر لمهاجَرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل؛ فلما آيسته رجع إلى البادية، فقال:\nهل حَبْلُ خَولَة بَعْدَ البَيْن موصولُ ... أم أنت عنها بَعِيدُ الدارِ مشغولُ!\nوللأَحِبَّة أيّامٌ تَذكَّرُها ... وللنّوى قبل يوم البين تأويل\nحَلَّتْ خُوَيلةُ في حَيّ عَهِدتهُمُ ... دُونَ المَدائنِ فيها الدِّيكُ والفيلُ\nيُقارِعون رؤوَس العُجْم ضاحِيَةً ... مِنْهُم فوارِسُ لا عُزلٌ ولا مِيلُ\nالقصيدة. وقال الفرزدق يعدّد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنّى وقَتْلَه الفيل:\nوبَيْتُ المُثنّى قاتِلِ الفيلِ عَنْوةً ... ببابلَ إذ في فارِسٍ مُلكُ بابِل\nومات شهر براز منهزَمَ هرمز جاذويه.\nواختلف أهل فارس، وبقي ما دون دِجْلة وبُرْس من السَّواد في يدي المثنَّى والمسلمين.","vol":"3","page":101},{"text":"ثم إنّ أهل فارس اجتمعوا بعد شهر براز على دُخْت زَنان ابنة كسرى؛ فلم ينفذ لها أمرٌ فخُلعت.\nومُلِّكَ سابور بن شهربراز. قالوا: ولما ملك سابور بن شهر براز قام بأمره الفَرُّخزاذ بن البِنْدَوان، فسأله أن يزوّجه آزَرْمِيدُخْت ابنة كِسْرى، ففعل، فغضبت من ذلك، وقالت: يا بن عَمّ! أتزوّجني عبدي؟ ! قال: استحْيِي من هذا الكلام ولا تعيديه عليّ، فإنَّه زوجُك، فبعثت إلى سِياوَخْش الرازيّ - وكان من فتَّاك الأعاجم - فشكَتْ إليه الَّذي تخاف، فقال لها: إن كنتِ كارهة لهذا فلا تعاودِيه فيه، وأرسلي إليه وقولي له: فليقل له فليأتك؛ فأنا أكفيكه. ففعلت وفعل؛ واستعدّ سياوَخْش، فلمَّا كان ليلة العُرْس أقبل الفرُّخزاذ حتى دخلَ، فثار به سياوَخْش فقتله ومَن معه، ثم نَهدَ بها معه إلى سابور، فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه، ومُلّكَتْ آزر ميدخت بنت كسرى، وتشاغلوا بذلك؛ وأبطأ خبر أبي بكر على المسلمين فخلّف المثنّى على المسلمين بشير بن الخصاصيَّة، ووضع مكانه في المسالح سعيدَ بن مُرّة العِجْلي؛ وخرج المثنَّى نحو أبي بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين، وليستأذنه في الاستعانة بمن قد ظهرت توبتُه وندمُه من أهل الرّدة مِمن يستطعمه الغزوَ، وليخبره أنه لم يخلّف أحدًا أنشط إلى قتال فارس وحربهما ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة وأبو بكر مريض، وقد كان مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشام - مرضته التي مرض فيها - بأشهر، فقدم المثنَّى وقد أشفى، وعقد لعمر، فأخبره الخبر، فقال: عليّ بعمر، فجاء فقال له: اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إنِّي لأرجُو أن أموتَ من يومي هذا - وذلك يوم الإثنين - فإن أنا مِتّ فلا تمسينّ حتى تندُب الناس مع المثنَّى، وإن تأخِّرتُ إلى الليل فلا تُصْبحنّ حتى تندب الناس مع المثنَّى، ولا تشغلنَّكم مصيبة وإن عَظُمت عن أمر دينكم، ووصية ربِّكم، وقد رأيتُنِي متوفَّى رسولِ الله - ﷺ - وما صنعت، ولم يصَب الخلق بمثله؛ وبالله لو أنِّي أنِي عن أمر رسوله؛ لخذلَنا، ولعاقبَنا، فاضطرمت المدينة نارًا. وإن فتح الله على أمراء الشام؛ فاردُدْ أصحابَ خالد إلى العراق، فإنَّهم أهله وولاة أمره وحدّه وأهل الضّراوة منهم والجراءة عليهم.\nومات أبو بكر ﵀ مع الليل، فدفنه عمرُ ليلًا، وصلى عليه في المسجد، وندب الناس مع المثنَّى بعد ما سُوِّيَ على أبي بكر، وقال عمر: كان","vol":"3","page":102},{"text":"أبو بكر قد عَلِم أنه يَسُوءني أنْ أؤمّر خالدًا على حرب العراق؛ حين أمرني بصرف أصحابي، وترَك ذكره.\nقال أبو جعفر: وإلى آزر ميدخت انتهى شأن أبي بكر، وأحدُ شِقَّي السَّواد في سلطانه، ثم مات وتشاغل أهلُ فارس بينهم عن إزالة المسلمين عن السَّواد، فيما بين ملك أبي بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنَّى مع أبي عبيد إلى العراق، والجمهور من جُنْد أهل العراق بالحيرة، والمسالح بالسّيب، والغارات تنتهي بهم إلى شاطئ دِجْلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم. فهذا حديث العراق في إمارة أبي بكر من مبتدئه إلى منتهاه (١). (٣: ٤١١/ ٤١٢ / ٤١٣/ ٤١٤).\n٦١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبَير، عن عُروة بن الزبير: أنَّه قال: كان على الرّوم رجل منهم يقال له: القُبُقْلار؛ وكان هِرَقل استخلفه على أمَرَاء الشام حين سار إلى القسطنطينيّة، وإليه انصرف تذَارق بمنْ معه من الروم. فأمّا علماء الشام فيزعُمون أنّما كان على الرّوم تَذارِق. والله أعلم (٢). (٣: ٤١٧).\n٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة، قال: لما تدانَى العسكران بعث القُبُقْلار رجلًا عربيًّا - قال: فحدّثت: أنّ ذلكَ الرجل رجلٌ من قضاعة من تزيد بن حَيدَان، يقال له ابن هزارف - فقال: ادْخُل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يومًا وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال: فدخل في النَّاس رجلٌ عربي لا ينكَر؛ فأقام فيهم يومًا وليلة، ثم أتاه فقال له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سَرق ابنُ ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رُجِم؛ لإقامة الحقّ فيهم. فقال له القبقلار: لئن كنتَ صدقتني لبَطنُ الأرض خيرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولودِدْتُ: أنّ حظّي من الله أن يخلَّى بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصُرهم عليّ. قال: ثم تزاحف النَّاس، فاقتتلوا، فلما رأى القُبُقْلار ما رأى من قتال المسلمين؛ قال للروم: لفُّوا رأسِي بثوب، قالوا له: لِمَ؟ قال: يوم البئيس، لا أحبّ أن أراه!\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n(٢) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).","vol":"3","page":103},{"text":"ما رأيت في الدُّنيا يومًا أشدّ من هذا! قال: فاحتزَّ المسلمون رأسَه، وإنّه لملفَّف.\nوكانت [وقعة] أجنادين في سنة ثلاث عشرة لليلتين بقِيَتَا من جُمادى الأولى. وقتل يومئذ من المسلمين جماعةٌ؛ منهم سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبّار بن الأسود بن عبد الأسد، ونعيم بن عبد الله النحَّام، وهشام بن العاصي بن وائل، وجماعة أخَر من قُريش. قال: ولم يسمَّ لنا من الأنصار أحدٌ أصيب بها.\nوفيها تُوُفِّي أبو بكر لثمانِ ليالٍ بقينَ -أو سبع بقينَ- من جُمادى الآخرة (١). (٣: ٤١٧/ ٤١٨).\n_________\n(١) سنذكر ما ورد في فتوح الشام بعد الرواية (٣/ ٤١٧ / ٢٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>ذكر ما ورد عند غير الطبري في فتوحات الشام في السنة الثالثة عشرة في عهد الخليفة الأول الصديق ﵁ وأرضاه</span>\n١ - أخرج البخاري في صحيحه (٦ / كتاب الجهاد / ح ٣٠٦٩) عن ابن عمر ﵁ (أنه كان على فرس يوم لقي المسلمون وأمير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد، بعثه أبو بكر، فأخذه العدو، فلما هزم العدو رد خالد فرسه).\nوروى عبد الرزاق: العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك (٥/ ١٩٤) أخرجه عن معمر عن أيوب عن نافع به (الفتح ٦/ ٢١٢).\n٢ - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ١٩٤ / ح ٩٣٥٣) عن ابن عمر قال: أبق لي غلام يوم اليرموك ثم ظهر عليه المسلمون فردّوه إليّ. وإسناده صحيح.\n٣ - وأخرج البخاري في صحيحه أيضًا (كتاب الجهاد / ح ٣٠٦٨) عن نافع: أن عبدًا لابن عمر أبق فلحق بالروم فظهر عليه خالد بن الوليد فردَّه على عبد الله وأن فرسًا لابن عمر عارَ فلحق بالروم فظهر عليه فردّوه على عبد الله.\n٤ - وأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي قال: لما أراد أبو بكر غزو الروم دعا عليًّا وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبا عبيدة بن الجراح، ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم فدخلوا عليه - قال عبد الله بن أبي أوفى: وأنا فيهم - فقال: إن الله ﷿ لا تحصى نعماؤه ولا يبلغ جزاءها الأعمال. فله الحمد، قد جمع الله كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا به ولا تتخذوا إلهًا غيره فالعرب اليوم بنو أم وأب، وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته العليا مع أن للمسلمين في ذلك الحظّ الوافر لأنه من هلكَ منهم هلكَ شهيدًا، ومما عند الله خير للأبرار، ومن عاشَ عاش مدافعًا عن الدين مستوجبًا على الله ثواب =","vol":"3","page":104},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المجاهدين، وهذا رأيي الذي رأيت، ما شار امرؤ عليَّ برأيه، فقام عمر بن الخطاب فقال: الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ قد والله أردت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت. فما قضى أن يكون حتى ذكرته، فقد أصبتَ أصاب الله فيك سبيل الرشاد، سرّب إليهم الخيل إثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال، والجنود تتبعها الجنود، فإن الله ناصر دينه ومعز الإسلام وأهله.\nثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال: يا خليفة رسول الله! إنها الروم وبنو الأصفر، حدّ حديد وركن شديد، ما أرى أن تقحم عليهم إقحامًا. ولكن نبعث الخيل فنغير في قواصي أرضهم ثم نرجع إليك. فإذا فعلوا ذلك بهم مرارًا أضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم فقووا بذلك على عدوهم، ثم تبعث إلى أراضي أهل اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعًا إليك. فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت أغزيتهم. ثم سكت وسكت الناس. قال: فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون؟ فقال عثمان بن عفان: إني أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيًا تراه لعامّتهم صلاحًا فاعزم على إمضائه، فإنك غير ظنين. فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان، ما رأيت من رأي فامضه، فإنا لا نخالفك ولا نتهمك. وذكروا هذا وأشباهَه، وعليٌّ في القوم لم يتكلم. قال أبو بكر: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نُصرت عليهم إن شاء الله. فقال: بشّرك الله بخير! ومن أين علمت ذلك؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يزال هذا الدين ظاهرًا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون\". فقال: سبحان الله ما أحسن هذا الحديث. لقد سررتني به سرّك الله.\nثم إن أبا بكر ﵁ قام في الناس فذكر الله بما هو أهله وصلى على نبيه - ﷺ - ثم قال: أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام، وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على كل دين فتجهزوا عباد الله إلى عزو الروم بالشام، فإني مؤمّرٌ عليكم أمراء وعاقد لكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم لتحسُن نيتكم وشربكم وأطعمتكم. فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ فسكت القوم، فوالله ما أجابوا فقال عمر: يا معشر المسلمين ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله - ﷺ - وقد ﴿دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أما إنه ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ لابتدرتموه. فقام عمرو بن سعيد فقال: يا بن الخطاب! ألنا تضرب الأمثال أمثال المنافقين؟ ! فما منعك مما عِبت علينا فيه أن تبتدئ به؟ ! فقال عمر: إنه يعلم أني أجيبه لو يدعوني، وأغزو لو يغزيني. قال عمرو بن سعيد: ولكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، إنما نغزو لله، فقال عمر: وفّقك الله فقد أحسنت. فقال أبو بكر لعَمرو: اجلس رحمك الله فإن عمر لم يُرد بما سمعت أذى مسلم ولا تأنيبه، إنما أراد بما سمعت أن ينبعث المتثاقلون إلى =","vol":"3","page":105},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأرض إلى الجهاد. فقام خالد بن سعيد فقال: صدق خليفة رسول الله - ﷺ - اجلس ابن أخي. فجلس. وقال خالد: الحمد لله الذي لا إله إلا هو الذي بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فالله مُنجز وعده ومظهر دينه ومهلك عدوه، ونحن غير مخالفين ولا مختلفين، وأنت الوالي الناصح الشفيق. ننفر إذا استنفرتنا ونطيعك إذا أميرتنا. ففرح بمقالته أبو بكر وقال: جزاك الله خيرا من أخ وخليل. فقد كنت أسلمت مرتغبًا وهاجرت محتسبًا، وقد كنت هربت بدينك من الكفار لكيما يطاع الله ورسوله وتعلو كلمته، وأنت أمير الناس، فسر يرحمك الله. ثم إنه نزل، ورجع خالد بن سعيد فتجهز، وأمر أبو بكر بلالًا فأذن في الناس أن انفروا أيها الناس إلى جهاد الروم بالشام، والناس يرون أن أميرهم خالد بن سعيد، وكان الناس لا يشكون أن خالد بن سعيد أميرهم، وكان أول خلق الله عسكر، ثم إن الناس خرجوا إلى معسكرهم من عشرة وعشرين وثلاثين وأربعين وخمسين ومئة كل يوم، حتى اجتمع أناس كثير. فخرج أبو بكر ذات يوم ومعه رجال من الصحابة حتى انتهوا إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة لم يرض عدتها للروم. فقال لأصحابه: ما ترون في هؤلاء؟ أن نشخصهم إلى الشام في هذه العدة؟ فقال عمر: ما أرضى هذه العدة لمجموع بني الأصفر. فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: نحن نرى ما رأى عمر، فقال: ألا أكتب كتابًا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد فنرغبهم في ثوابه؟ فرأى ذلك جميع أصحابه، قالوا: نعم ما رأيت، افعل. فكتب:\nبسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله - ﷺ - إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن: سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد وأمرهم أن ينفروا خفافًا وثقالًا ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والجهاد فريضة مفروضة. والثواب عند الله عظيم، وقد استنفرنا المسلمين إلى جهاد الروم بالشام وقد سارعوا إلى ذلك. وقد حسُنت في ذلك نيتهم وعظمت حسبتيهم، فسارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه ولتحسن نيتكم فيه، فإنكم إلى إحدى الحسنيين، إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة، فإن الله ﵎ لم يرض من عباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق ويُقروا بحكم الكتاب. حفظ الله لكم دينكم، وهدى قلوبكم، وزكَّى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين. وبعث بهذا الكتاب مع أنس بن مالك ﵁. (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور ١/ ١٨١ - ١٨٤) و(تاريخ دمشق لابن عساكر ١/ ١٢٦).\n٥ - وأخرج ابن عساكر كذلك عن سعيد بن المسيب أنه قال:\nلما بعث أبو بكر الجنود نحو الشام: يزيد بن أبي سفيان وعمره بن العاص وشرحبيل بن حسنة قال: لما ركبوا مشى أبو بكر مع أمراء جنوده يودّعهم حتى بلغ ثنيّة الوداع فقالوا: يا خليفة رسول الله أتمشي ونحن ركبان؟ ! فقال: إني احتسبت خُطاي هذه في سبيل الله، =","vol":"3","page":106},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي رواية: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمهما الله على النار\" ثم جعل يوصيهم فقال: أوصيكم بتقوى الله اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله فإن الله ناصرٌ دينه ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تجبُنوا ولا تُفسدوا في الأرض، ولا تعصُوا ما تؤمرون. فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله فادعوهم إلى ثلاث خصال فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام، فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفوا عنهم. ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن هم فعلوا فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجرين. وعليهم ما على المهاجرين. وإن هم دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم على دار المهاجرين فأخبروهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي فرض على المؤمنين. وليس لهم في الفيء والغنائم شيء حتى يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام فادعوهم إلى الجزية فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم فقاتلوهم، إن شاء الله، ولا تعزقن نخلًا ولا تحرِّقنها، ولا تعقروا بهيمة، ولا شجرة تثمر، ولا تهدموا بيعة، ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصًا، فإذا وجدتم أولئك فاضربوا أعناقهم إن شاء الله (مختصر تأريخ دمشق ١/ ١٨٨).\n٦ - وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن جبير أن أبا بكر الصديق كان جهّز بعد النبي - ﷺ - جيوشًا على بعضها شرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، فساروا حتى نزلوا الشام فجمعت لهم الروم جموعًا عظيمة، فحُدِّث أبو بكر بذلك فأرسل إلى خالد بن الوليد وهو بالعراق، وكتب أن انصرف بثلاثة آلاف فارس فأمدّ إخوانك بالشام، والعجل العجل، فأقبل خالد مُغِذًا جوادًا، فاشتق الأرض بمن معه حتى خرج إلى خُمَير، فوجد المسلمين معسكرين بالجابية، وتسامع الأعراب الذين كانوا في مملكة الروم بخالد ففزعوا له، ففي ذلك يقول قائلهم:\nألا يا اصبحينا قبل خيل أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري\nفنزل خالد على شرحبيل بن حسنة ويزيد وعمرو فاجتمع هؤلاء الأربعة أمراء. وسارت الروم من أنطاكية وحلب وقنسرين وحمص وما دون ذلك، وخرج هرقل كراهية لمسيرهم متوجهًا نحو الروم وسار باهان الرومي ابن الرومية إلى الناس بمن كان معه (مختصر تأريخ دمشق ١/ ١٨٩ - ١٩٠).\n٧ - وأخرج ابن عساكر: حدث أبو عثمان الصغاني شراحيل بن مرثد قال:\nبعث أبو بكر الصديق ﵁ في خلافته خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام. قال: فكنت ممن سار مع خالد إلى اليمامة. فلما قدمنا قاتلنا قتالًا شديدًا وظفرنا بهم. وهلك أبو بكر واستخلف عمر بن الخطاب فبعث أبا عبيدة بن =","vol":"3","page":107},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الجراح إلى الشام، فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر، فكتب عمر إلى خالد أن سر إلى أبي عبيدة بالشام فدعا خالد بن الوليد الدليل فقال: في كم تأتي إلى الحيرة؟ فقال: في كذا وكذا. قال: فعطش خالد الإبل ثم سقاها، واستسقى وسقى الخيل، ثم كعم أفواه الإبل وأدبارها، وقال له الدليل: إن أنت أصبحت عند الشجرة نجوت ونجا من معك، وإن أصبحت دون الشجرة هلكت وهلك من معك، فسار خالد بمن معه فأصبح عند إضاءة الفجر عند الشجرة فنحر الإبل، وسقى ما في بطونها الخيل، وأطعم لحومها المسلمين وسقى المسلمين من المزاد التي كانت تحمل معه، ثم أتى الحيرة أو الكوفة، فصالحه أسقفها.\nقال ابن عساكر: كذا قال، وإنما كان هذا بعد رجوعه عن الحيرة. وأبو عبيدة كان بالشام في أيام أبي بكر. (مختصر تاريخ دمشق ١/ ١٩٠ - ١٩١).\n٨ - أخرج ابن الجوزي: أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا عبد الصمد بن المأمون، أخبرنا ابن حيوية، حدثنا البغوي، حدثنا أبو نصر بن التمار، حدثنا ابن الحكم عن نافع عن ابن عمر قال: بعث أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان إلى الشام ومشى معهم نحوًا من ميلين فقيل: يا خليفة رسول الله، لو انصرفت. فقال: لا. إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرّمها الله على النار، ثم بدا له الانصراف، فقام في الجيش، فقال: أوصيكم بتقوى الله، لا تعصوا، ولا تغلوا، ولا تجبنوا، ولا تهدموا بيعة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوا زرعًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا، ولا صبيًّا صغيرًا، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم للذي حبسوا أنفسهم له فذروهم وما حبسوا أنفسهم له، وستردون بلدا يغدو عليكم ويروح فيه ألوان الطعام فلا يأتيكم لون إلَّا ذكرتم اسم الله عليه. المنتظم في تأريخ الأمم والملوك (٤/ ١١٥ - ١١٦).\n٩ - وأخرج ابن الجوزي (تأريخ الأمم والملوك ٤/ ١١٩) وأحممد في المسند (١/ ٤٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٢ / ح ١٥٦٨٠) عن عياض الأشعري قال: (شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض، (وليس عياض هذا بالذي حدث عنه سماك) قال: وقال عمر ﵁: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه، إنه جاش إِلينا الموت واستمددناه. فكتب إلينا: إنه قد جاء في كتابكم تستمدوني، وإني إمدكم على من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا، الله ﷿، فاستنصروه، فإن محمدًا - ﷺ - قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم، وقتلناهم أربعة فراسخ) (وفي مصنف ابن أبي شيبة: في أربعة فراسخ).\nقال: وأصبنا أموالًا فتشاوروا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب، قال: فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنفران وهو خلفه على فرس عربي، واللفظ لابن الجوزي. =","vol":"3","page":108},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١٠ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ح ١٥٦٨٢): حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب عمّن حدثه أنه لم يُسمع صوت أشد من صوته وهو تحت رايته يوم اليرموك وهو يقول: هذا يوم من أيام الله، اللهم نزل نصرك؛ يعني: أبا سفيان. وهذه الرواية عند الذهبي في تأريخ الإسلام مع بعض الاختلاف في المسند والمتن: إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن المسيب عن أبيه: قال: خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم إلّا صوت رجل يقول: (يا نصر الله اقترب! يا نصر الله اقترب!) فرفعت رأسي فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان (عهد الخلفاء الراشدين / ١٤٠) وكذلك أخرجه الحافظ ابن كثير عن سعيد بن المسيب عن أبيه (البداية والنهاية ٧/ ١٤). والخبر عند يعقوب بن سفيان في المعرفة والتأربخ (٣/ ٣٠٠).\n١١ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٨٦): ثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: لما أسلم عكرمة بن أبي جهل أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله والله لا أترك مقامًا قمته لأصد به عن سبيل الله إلّا قمت مثله في سبيل الله، ولا أترك نفقة أنفقتها لأصد بها عن سبيل الله إلّا أنفقت مثلها في سبيل الله، فلما كان يوم اليرموك نزل فترجل فقاتل قتالًا شديدًا فقتل فوجد به بضع وسبعون من بين طعنة وضربة ورمية.\n١٢ - وقال الحافظ ابن كثير: وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أبو معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم. الذين يقاتلونكم أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني ونركب الحرام، وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني (البداية والنهاية ٧/ ١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>خلاصة القول في فتوحات الشام في عهد الخليفة الراشد الأول الصديق ﵁ وأرضاه</span>\nقلنا: (المحققان):\n- قبل أن نذكر مآثر هذه الفتوحات المباركة، والدور القيادي الذي قام به خليفة رسول الله - ﷺ - في توجيه القادة وإرسال المدد ورسم المخطوط العريضة والتأكيد على المبادئ الإسلامية في الحروب- نقول: قبل ذلك نودّ أن نتحدث بعض الشيء عن اختلاف المؤرخين في تحديد السنة الهجرية التي كانت فيها واقعة اليرموك الكبرى- فنقول وبالله التوفيق: =","vol":"3","page":109},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما روايات الطبري التأريخية فإنها تؤكد حدوثها في السنة الأخيرة من خلافة الصديق ﵁ وبإمرة سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، أما البلاذري وهو المعاصر للطبري وتوفي قبله (٢٧٩ هـ) فله رأي آخر إذ يقول: وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة ١٥ هـ (فتوح البلدان / ١٨٦) وكذلك ذكر خليفة بن خياط هذه المعركة ضمن أحداث سنة خمس عشرة ونقل عن الكلبي قوله: كانت الواقعة يوم الإثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة (تاريخ خليفة / ١٣٠) هذا بالنسبة للمؤرخين المتقدمين الثلاثة الذين اعتمدناهم كأساس في مقارناتنا للروايات التأريخية- أما الطبقة الوسطى (من الناحية الزمنية) من المؤرخين الذين اعتمدنا أقوالهم في المسائل الخلافية (التأريخية) فهم ابن عساكر والكلاعي وابن الجوزي (راجع المقدمة) فقد نقل ابن كثير في كتابه فقال:\nوأما الحافظ ابن عساكر ﵀ فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. وقال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. وقال خليفة بن خياط: قال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك يوم الإثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. قال ابن عساكر: وهذا هو المحفوظ، وأما ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه (البداية والنهاية ٧/ ٤).\nهذا بالنسبة لرأي ابن عساكر كمؤرخ إسلامي معتمد، عصره وسط بين المتقدمين كالطبري والمتأخرين كالذهبي وابن كثير وغيرهما.\nأما ابن الجوزي فقد ذكر خبر اليرموك ضمن أحداث سنة ١٣ من الهجرة.\nقلت: وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ.\nأما سيف بن عمرو وأبو جعفر الطبري فذكرا واقعة اليرموك في سنة (١٣) هـ وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعا لابن جرير (البداية والنهاية ٧).\nوأما الذهبي فإنه يرجح في (تأريخ الإسلام) كون هذه المعركة قد حدثت في سنة (١٥ هـ) إذ يقول: كانت وقعة مشهورة نزلت الروم اليرموك في رجب سنة خمس عشرة وقيل: سنة ثلاث عشرة وأراه وهمًا (عهد الخلفاء الراشدين / ١٣٩).\nقلنا: هذه أقوال الأئمة من المتقدمين إلى المتأخرين ممن علمنا آراءهم أما من المعاصرين فكنا نودّ أن نحصل على كتاب الأستاذ الكبير العمري عن عهد الخلفاء الراشدين فهو من المتثبتين في ذكر الروايات التأريخية، ونرجو أن نحصل عليه لاحقًا إن شاء الله.\nأما الدكتور الفاضل باشميل والمعروف بكتاباته التأريخية عن فتوح العراق والشام وغير ذلك فقد ذهب في كتابه القيّم إلى صحة الرأي الذي يحدد سنة (١٣) هـ تأريخًا لمعركة اليرموك، =","vol":"3","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومع ذلك فهو يذكر الآراء المختلفة ويناقشها بالتفصيل (ص ١٣٣ - ١٤١) ورغم أننا لا نوافقه في قوله بأن البلاذري انفرد بالقول بأن معركة اليرموك الكبرى الشهيرة إنما دارت عام (١٥ هـ) وليس عام (١٣ هـ) فقد ذكرنا آراء بقية المؤرخين في ذلك، ولكننا نرى أن الدكتور باشميل كان دقيقًا في نقده وتحليله للروايات التأريخية في هذه المسألة، والحق يقال، فإن القارئ لكتاب باشميل في الفتوحات يتبيّن له الدقة الفائقة والتخطيط العسكري السليم واليقين القوي والحنكة والحكمة عند قادة الإسلام الفاتحين وعظمة هذا الدين العظيم الذي يفعل بصاحبه الأعاجيب.\nأما بالنسبة لمسألة الخلاف هذا بين عام (١٣) و(١٥) هـ. والذي أراد المستشرقون أن يجعلوه من بين نقاط الضعف في تدوين التاريخ الإسلامي وخاصة عهد الخلافة الراشدة، فإن باشميل له رأي قيم وخلاصته: أن الطبري يؤكد تكرار القتال في اليرموك قبل أجنادين ومعركة اليرموك الكبرى، وإذا كان الطبري قد بوّب لمعركة اليرموك قبل معركة أجنادين (في فلسطين) فإنه قد ذكر أثناء سياقه عن أحداث الواقعتين أن أجنادين وقعت قبل اليرموك، فأجنادين وقعت في (٢٨) من جمادى الأولى (١٣ هـ) بينما اليرموك انتهت في شهر رجب (١٣ هـ) كما يذكر الطبري نفسه فلعل التقديم والتأخير هذا خطأ فني ولعله حدث من بعض النساخ وحتى لو وقع من الطبري فهذا خطأ بسيط في تدوين التأريخ (لا يلام عليه من هو في مثل عصر الطبري)، ونحن نضيف إلى قول الأستاذ باشميل بأن نقول: ولعل الطبري أو تلاميذه ذكروا معركة اليرموك وبوّبوا لها قبل أجنادين (علمًا بأنهم ذكروا أن تأريخ أجنادين قبل اليرموك).\nوقال الحافظ ابن حجر: ووقعة اليرموك كانت أول خلافة عمر بين المسلمين والروم سنة ثلاث عشرة وقيل: سنة خمس عشرة ويؤيد الأول قوله في الحديث الذي بعده، لأن سن عبد الله بن الزبير كان عشر سنين (الفتح ٧/ ٣٤٩).\nوذلك لسبب قوي جدًّا وهو أن معركة اليرموك هي المعركة الفاصلة في فتوحات الشام فالذي ينتصر في هذه المعركة تفتح له أبواب الشام والعكس بالعكس، وكما كان خالد ﵁ يدرك هذه الحقيقة ويبيّنها لقيادة أركانه وأمرائه قائلًا: (إن هذا اليوم له ما بعده) ولهذه الأهمية قدّموا ذكر اليرموك على غيرها والله أعلم. وأخيرًا وليس آخرًا فإنا (المحققان) نرى: من الراجح ما ذكره سيف في أنها كانت سنة (١٣ هـ) وإن كان سيف ضعيفًا، وذلك لسبب بسيط هو أنا لو جمعنا رواية البخاري السابقة الذكر مع رواية عبد الرزاق الصحيحة الإسناد في مصنفه لرجحت كفة رواية سيف القائلة بأنها وقعت عام (١٣ هـ) وليس (١٥ هـ).\nفالبخاري روى في صحيحه عن ابن عمر ﵁: (أنه كان على فرس يوم لقي المسلمون، وأسير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد بعثه أبو بكر فأخذه العدو، فلما هزم العدو رد خالد فرسه. والرواية الأخرى عند البخاري: أن عبدًا لابن عمر أبق فلحق بالروم =","vol":"3","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فظهر عليه خالد بن الوليد فرده على عبد الله، وأن فرسًا لابن عمر عار فلحق بالروم فظهر عليه فرده على عبد الله) (الفتح ٦/ ٢١١).\nورواية عبد الرزاق الصحيحة في مصنفه (٥/ ١٩٤) عن نافع: أن العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك. فحاصل الروايتين أن اليرموك كانت في عهد أبي بكر ﵁ والأمير كان خالدًا يومئذ فرد ما فقده ابن عمر ﵁ ومعلوم: أن سيدنا عمر قد عزل خالدًا عن إمارة الجيوش عند توليه الخلافة وانتهت إمرة خالد لتلك الجيوش (في الشام) بانتهاء معركة اليرموك. نقول قولنا هذا فإن كان صوابًا فمن الله التوفيق وإن كان خطأ فمن أنفسنا، ونستغفر الله.\n٢ - نرجع إلى ذكر مآثر التأريخ الإسلامي في عهد الفتوحات المباركة فنقول وبالله التوفيق: إن هذه المعارك تبيّن بكل جلاء: أن هذه المعارك كانت معارك العقيدة وأن المجاهدين كانوا مدفوعين بدافع الإيمان. فالجهاد في سبيل الله، ولو كان في سبيل مغانم ومكاسب دنيوية؛ لقبلوا بعروض قواد الروم المغرية وأن الصحابة ومن معهم من تابعين لو وضعوا الأمور مواضع مادية وحسبوا لها بالحسابات الأرضية لكانوا هم الأخسرين في جميع المقاييس المعهودة، إلا أن العقيدة ونعني عقيدة التوحيد هي التي استقرت في قلوبهم فأذابوا الجبال وركبوا الأهوال وداسوا هيبة أكبر الجيوش النظامية وأكثرها عدة وعتادًا وإلّا قل لي بربك أين التناسب بين عددهم وعدد أعدائهم فالمسلمون لم يجاوزوا أربعين ألفًا بينما عدد الروم بين مئة وعشرين ألفًا في أدنى حد إلى ثلاثمئة ألف في أقصى حد كما ذكرت الروايات التأريخية. والروم في مملكتهم والمسلمون خارج ديارهم وأهليهم، وبينهم وبين الخلافة مفاوز وأمراء.\n٣ - سر انتصار جماعة الصحابة ومن معهم في تلك المعارك هو ما ذكرته الروايات الآنفة الذكر: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم ومن أجل أنا (أي الروم) نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض فقال: أنت صدقتني. فلتنظر الأمة اليوم في أي الجهتين تقف هي، وعندها فلتنتظر النصر الرباني ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾.\n٤ - الروايات التأريخية التي ذكرناها في قسم الصحيح تؤكد لنا بكل جلاء عظمة الإسلام المتمثلة في الرحمة والشفقة والعدالة والإحسان حتى في ساحات الوغى، وذلك واضح من خلال توصيات الصديق ﵁ وهو يودع الجيوش ويعيّن الأمراء ويوجههم إلى أرض المعركة: (أوصيكم بتقوى الله، لا تعصوا، ولا تغلوا، ولا تجبنوا، ولا تهدموا بيعة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوا زرعًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا =","vol":"3","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>ذكر مرض أبي بكر ووفاته</span>\n٦٣ - وقال غير مَن ذكرت في سبب مرض أبي بكر الذي توفي فيه ما حدّثني الحارثُ، قال: حدّثَنا ابنُ سعد، قال: أخبَرنَا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد الليثيّ عن محمد بن حمزة، عن عمرو، عن أبيه، قال: وأخبرنا\n_________\n= ولا صبيًّا صغيرًا، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم للذي حبسوا أنفسهم له فذروهم وما حبسوا أنفسهم له).\nهذه مبادئ الحرب الإسلامية تذكرها الروايات التأريخية كصفحة مشرقة في السياسة الشرعية التي اتبعتها الخلافة الراشدة يوم أن كانت الدنيا ترزح تحت ظلم ووحشية القوتين الكسروية والقيصرية فأين دعاة حقوق الإنسان الذين يتشدقون بالكلمات الرنانة؟ ! أين هم من القتل والسلب والنهب وذبح الأطفال واغتصاب النساء واتباع سياسة الأرض المحروقة وغير ذلك من الفظائع والمظالم التي تحدث يوميًا في الحروب الصليبية الحديثة في البوسنة ثم كوسوفو على مرأى ومسمع من منظمات حقوق الإنسان وأدعياء الحضارة والمدنية؟ ! .\nومهما حاول المستشرقون أن يثيروا الشبهات حول التأريخ الإسلامي ويتشبثوا بالروايات الموضوعة والمختلفة، فهذه هي الروايات الموثوقة مفخرة لكل موحد على مدار الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\n٥ - إن الإسلام هو سر العظمة في إبراز هذه القيادات والعبقريات، ففي أي مجال كان سيدنا أبو بكر وعمر وسيف الله خالد وأبو عبيدة وغيرهم يصرفون طاقاتهم وعبقرياتهم قبل الإسلام؟ ما الذي تغيّر في قلب الصحراء هل أنشئت كليات للأركان الحربية أم أكاديميات عسكرية أم مركز دراسات استراتيجية؟ كلّا إنها صفوة البشرية وخيرتها وخبرها من بعد الأنبياء تربّت على يد خير خلق الله محمد - ﷺ - وفي المسجد النبوي الشريف وفي ساحات بدرٍ وأحدٍ والخندق بعد شِعْب أبي طالب وطريق الهجرتين ثم انطلقت هذه الجماعة المباركة منبعثة بقضاء الله وقدره لتنقذ البشرية من عبودية العبيد إلى عبادة الله الواحد الأحد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.\n٦ - إن الذي يدرس هذه الروايات بدقة يذهل أمام التخطيط والتنفيذ المترابطين والإمارة والطاعة المتلازمتين، والصبر والتحمل الشديدين، والإيمان والتوق إلى الشهادة القويين عند المسلمين الفاتحين قيادة وجندًا، وجزى الله عنا الأستاذ باشميل خير الجزاء فقد شرح هذه التفاصيل بلغة العصر وبأسلوب شيق وبارع يدخل الشعور بعظمة التأريخ الإسلامي في قلب القارئ وهو يتحدث عن معارك الفتوح في الشام في كتابه المعروف (حروب الإسلام في الشام في عهود الخلفاء الراشدين). فليراجع هناك.","vol":"3","page":113},{"text":"محمَّد بن عبد الله، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشة. قال: وأخبَرنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عمر بن الحسين مولى آل مظعون، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا: كان أوّل ما بدَأ مرضُ أبي بكر به أنَّه اغتسلَ يوم الإثنين لسبع خَلَوْن من جمُادى الآخرة، وكان يومًا باردًا فَحُمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة؛ وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يُصَلِّي بالنَّاس؛ ويدخل الناس يعودونه؛ وهو يَثْقل كلّ يوم، وهو نازل في داره التي قطع له رسول الله - ﷺ - وجَاه دار عثمان بن عفان اليوم، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه؛ وتوفي أبو بكر مُسْيَ ليلة الثلاثاء؛ لثماني ليالٍ بقين من جُمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وكانت خلافتُه سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال (١). (٣: ٤١٩/ ٤٢٠).\n٦٤ - وكان أبو مَعْشَر يقول: كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، فتُوُفِّي، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ مجتمَعٌ على ذلك في الروّايات كلِّها، استوفى سنّ النبي - ﷺ -، وكان أبو بكر وُلد بعد الفيل بثلاث سنين (٢). (٣: ٤٢٠).\n٦٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا جَرير عن يحيى بن سعيد، قال: قال سعيد بن المسيَّب: استكمل أبو بكر بخلافته سنَّ رسول الله - ﷺ - فتوفِّيَ وهو بسنّ النبي - ﷺ - (٣). (٣: ٤٢٠).\n٦٦ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم عن يونس بن إسحاق، عن أبي السَّفر، عن عامر، عن جرير، قال: كنت عند معاوية فقال: توفِّيَ النَّبيّ - ﷺ - وهو ابنُ ثلاث وستين سنة، وتوفِّيَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة (٤). (٣: ٤٢٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرج الحاكم كذلك عن عائشة ﵂ قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر: أنه اغتسل يوم الإثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يومًا باردًا فحمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة.\n(٢) إسناده ضعيف وهو صحيح.\n(٣) إسناده ضعيف وهو صحيح.\n(٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":114},{"text":"٦٧ - وحدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير، قال: قال معاوية: قُبِض رسولُ الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين، وقُتِل عمر وهو ابن ثلاث وستين، وتُوفِّيَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين (١). (٣: ٤٢٠).\n٦٨ - وقال عليّ بن محمد في خبره الذي ذكرت عنه: كانت ولاية أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يومًا، ويقال: عشرة أيام (٢). (٣: ٤٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>ذكر الخبر عمّن غسَّله والكفن الذي كفّن فيه أبو بكر ومن صلَّى عليه والوقت الذي صلِّي عليه فيه والوقت الذي توفِّي فيه</span>\n٦٩ - حدّثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدّثني مالك بن أبي الرّحَّال عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفِّي أبو بكر ﵀ بين المغرب والعشاء (٣). (٣: ٤٢١).\n٧٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا يحيى بن واضح عن محمد بن عبد الله، عن عطاء وابن أبي مُلَيكة: أنّ أسماءَ بنت عُمَيس، قالت: قال لي أبو بكر: غَسِّليني، قلت: لا أطيق ذلك، قال: يعينُك عبد الرحمن بن أبي بكر، يصبّ الماء (٤). (٣: ٤٢١).\n_________\n(١) إسناده صحيح، وحديث معاوية في سن أبي بكر ﵁ في صحيح. مسلم (٤/ ١٨٢٦) وعند الترمذي (٥ / كتاب المناقب / ح ٣٦٥٣) حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن جرير بن عبد الله عن معاوية بن أبي سفيان: أنه قال: سمعته يخطب يقول: مات رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين وأبو بكر وعمر وأنا ابن ثلاث وستين. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) إسناده ضعيف ولكن له ما يشهد له كما ذكرنا عند الروايات الآنفة الذكر.\n(٤) إسناده ضعيف ونسب السيوطي إلى ابن أبي الدنيا: أنه أخرج عن ابن أبي ملكة: أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ويعينها عبد الرحمن بن أبي بكر (تأريخ الخلفاء / ٧٨) وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبادة بن قيس قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة قال لعائشة: أغسلي ثوبي هذين وكفنيني بهما، فإنما أبوك أحد رجلين إما مكسو أحسن الكسوة، أو مسلوب أسوأ السلب (تأريخ الخلفاء للسيوطي / ٧٨).\nوأخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٠٤) قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا أبو معشر عن =","vol":"3","page":115},{"text":"٧١ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا ابن عُيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، سألها أبو بكر: في كم كُفّن النبيّ - ﷺ -؟ قالت: في ثلاثة أثواب، قال: اغسلوا ثوبَيَّ هذين -وكانا ممشَّقَين- وابتاعوا لي ثوبًا آخر. قلت: يا أبَهْ! إنَّا موسرون، قال: أي بُنيَّة! الحيُّ أحقُّ بالجديد من الميِّت، وإنما هما للمُهْلة والصَّديد (١). (٣: ٤٢١).\n٧٢ - حدّثني العبَّاس بن الوليد، قال: أخبرَنا أبي قال: حدَّثنا الأوزاعيّ؛ قال: حدّثني عبد الرحمن بن القاسم: أنّ أبا بكر توُفِّيَ عشاءً بعد ما غابت الشمس ليلَةَ الثلاثاء، ودفن ليلًا ليلة الثلاثاء (٢) (٣: ٤٢١).\n٧٣ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا غَنَّام عن هشام، عن أبيه: أنّ أبا بكر مات ليلة الثلاثاء ودُفن ليلًا (٣). (٣: ٤٢١).\n٧٤ - حدّثني أبو زيد، عن عليّ بن محمد بإسناده الذي قد مَضَى ذكرِه: أنّ أبا بكر حُمِلَ على السَّرِير الذي حُمِل عليه رسولُ الله - ﷺ -، وصلَّى عليه عمر في مسجد رسولِ الله - ﷺ -، ودخل قبره عمر، وعثمان؛ وطلحة؛ وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ وأراد عبد الله أن يدخلَ قَبره، فقال له عمر: كُفِيت (٤). (٣: ٤٢٢).\n_________\n= هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن أبا بكر غسلته أسماء بنت عميس.\n(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي - ﷺ -؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله - ﷺ -؟ قالت: يوم الإثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذ وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة. فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح) (الفتح ٣/ ٢٩٧).\nقلنا: ورواية الطبري والبخاري متفقتان على أنه أوصى أن يكفن في ثلاثة أثواب إلا أن رواية الطبري ذكرت: أنه أوصى أن يزاد على ثوبين ثوب، بينما رواية البخاري تؤكد: أنه ﵁ كان له ثوب فأوصى أن يزاد عليه ثوبان. ورواية البخاري أصح كما هو معلوم. والله أعلم.\n(٢) إسناده صحيح وانظر الأثر السابق.\n(٣) إسناده صحيح وانظر الأثر السابق.\n(٤) إسناده ضعيف وأخرج ابن سعد قال أخبرنا الفضل بن دكين قال أخبرنا خالد بن إلياس عن =","vol":"3","page":116},{"text":"٧٥ - حدّثني عليّ بن مسلم الطوسيّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيك، قال: أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم بن محمد، قال: دخلتُ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقلت: يا أمَّهْ! اكشفي لي عن قبر النبيّ - ﷺ - وصاحبيه؛ فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مُشرِفَة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء؛ قال: فرأيتُ قبرَ النبيّ - ﷺ - مقدَّمًا وقبر أبي بكر عند رأسه، وعمر رأسه عند رِجْلِ النبيّ - ﷺ - (١). (٣: ٤٢١/ ٤٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>ذكر نسب أبي بكر واسمِه وما كان يُعرف به</span>\n٧٦ - حدّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بإسناده الذي قد مَضى ذكرُه: أنَّهم أجمعوا على أن اسم أبي بكر عبد الله، وأنه إنما قيل له: عَتيق عن عتقه. قال: وقال بعضهم: قيل له ذلك، لأنّ النبيّ - ﷺ - قال له: أنت عَتِيقٌ من النار (٢). (٣: ٤٢٤).\n٧٧ - حدّثني الحارثُ، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة عن معاوية بن إسحاق، عن أبيه، عن عائشة: أنها سُئلت: لِمَ سُمِّيَ أبو بكر عتيقًا؟ فقالت: نظر إليه النبيّ - ﷺ - يومًا، فقال: هذا عتيق الله من النار.\n_________\n= صالح بن يزيد مولى الأسود قال: كنت عند سعيد بن المسيب فمرّ عليه عليّ بن حسين فقال: أين صُلّى على أبي بكر؟ فقال: بين القبر والمنبر (الطبقات ٣/ ٢٠٧). وأخرج كذلك ثنا الفضل بن دكين قال أخبرنا خالد بن إلياس عن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار عن أبيه: أن عمر كبّر على أبي بكر أربعًا (الطبقات ٣/ ٢٠٧). أما نزول عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن إلى حفرة قبره ﵃ أجمعين وقول ابن عمر ﵄: فأردت أن أنزل فقال عمر: كفيت، فقد أخرجه ابن سعد كذلك (٣/ ٢٠٨) من طريق الواقدي وهو متروك.\n(١) والحديث أخرجه ابن سعد من طريق ابن أبي فديك به (الطبقات ٣/ ٢٠٩).\n(٢) قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨١): وما ذكرناه في أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله هو الصحيح المشهور وقيل: اسمه عتيق. والصواب الذي عليه كافة العلماء: أن عتيقًا لقب له لا إسم، ولُقِّب عتيقًا لعتقه من النار كما ورد في حديث رواه الترمذي، وقيل: لعتاقة وجهه؛ أي: حسنه وجماله، قاله مصعب بن الزبير والليث بن سعد وجماعة (وكذلك ذكر السيوطي قول النووي هنا في تأريخ الخلفاء / ٣١).","vol":"3","page":117},{"text":"واسم أبيه عثمان، وكنيته أبو قحافة، قال: فأبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيم مُرّة بن كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك، وأمُّه أمّ الخير بنت صَخْر بن عامر بن كعب بن سَعْد بن تَيم بن مُرّة (١). (٣: ٤٢٥).\n٧٨ - وقال الواقديّ: اسمه عبد الله بن أبي قُحافة -واسمه عثمان- بن عامر. وأمّه أمّ الخير، واسمها سَلْمى بنت صَخْر بن عامر بن كعب بن سعد بن تَيم بن مُرّة (٢). (٣: ٤٢٥).\n٧٩ - وحدثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وَهْب، قال: أخبرَني ابن لَهيعة عن عُمارة بن غزيّة، قال: سألتُ عبدَ الرحمن بن القاسم عن اسم أبي بكر الصديق، فقال: عتيق؛ وكانوا إخوةً ثلاثة بني أبي قُحافة: عتيق، ومُعْتق، وعُتَيْق (٣). (٣: ٤٢٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو في طبقات ابن سعد (٣/ ١٦٩) وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة ﵂ قالت: والله إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله - ﷺ - وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر فقال النبي - ﷺ -: (من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر) وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله فغلب عليه اسم عتيق (المستدرك ٣/ ٦٢) وأخرج الترمذي (٣٦٧٩) عن عائشة ﵂: أن أبا بكر دخل على النبي - ﷺ - فقال: \"يا أبا بكر! أنت عتيق الله من النار\". فمن يومئذ سمي عتيقًا.\nوأخرج الطبراني والبزار عن عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر عبد الله، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أنت عتيق من النار\". فسمّي عتيقًا وجوّد السيوطي إسناده (تأريخ الخلفاء / ٣٣).\n(٢) وكذلك قال أبو عبيد الله محمد بن يزيد في رسالة (تأريخ الخلفاء ص ٢٢، واسم أم أبي بكر أم الخير سلمى بنت صخر بنت عامر.\n(٣) فيه ابن لهيعة وهو ضعيف إلا ما كان من طريق رواية العبادلة عنه وهذه منها، فهي حسنة الإسناد. وكذلك روى الطبراني عن القاسم بن محمد: أنه سأل عائشة ﵂ عن اسم أبي بكر فقالت: عبد الله، فقال: إن الناس يقولون: عتيق، قالت: إن أبا قحافة كادن له ثلاثة أولاد سمّاهم عتيقًا ومعتقًا ومعيتقًا.","vol":"3","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>ذكر أسماء قضاته وكتّابه وعُمَّاله عل الصدقات</span>\n٨٠ - حدَّثنا محمد بن عبد الله المُخَرّمي، قال: حدَّثنا أبو الفتح نَصْر بن المغيرة، قال: قال سفيان -وذكره عن مِسْعَر: لمَّا ولي أبو بكر؛ قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال -يعني: الجزاء- وقال عمر: أنا أكفيك القضاء. فمكث عمر سنةً لا يأتيه رجلان (١). (٣: ٢٦).\n٨١ - قال أبو جعفر: وكان ﵁ سخيًّا ليِّنًا، عالمًا بأنساب العرب؛ وفيه يقول خِفاف بن نَدْبة -ونَدْبة أمُّه، وأبوه عمير بن الحارث- في مرثيته أبا بكر:\nأبْلَجُ ذو عُرْفٍ وذو مُنكَرٍ ... مُقَسّمُ المعروف رَحْبُ الفِناء\nللمجْدِ في منزلِهِ بادِيًا ... حوْضٌ رفيعٌ لم يَخُنْهُ الإزاء\nواللهِ لا يُدْرِكُ أيَّامَهُ ... ذو مِئزَرٍ حافٍ ولا ذو رِدَاء\nمَنْ يَسْعَ كي يُدْرِكَ أيّامَهُ ... يجْتَهِدِ الشَّدَّ بأرضٍ فَضاء\n(٣: ٤٢٧) (٢).\n٨٢ - وكان -فيما ذكر الحارث عن ابن سعد، عن عمرو بن الهيثم أبي قَطَن؛ قال: حدثنا الربيع عن حَيَّان الصائغ، قال: كان نقش خاتم أبي بكر ﵀: \"نعم القادر الله\" (٣) (٣: ٤٢٧).\n٨٣ - قالوا: ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأيامًا، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو ابن سبع وتسعين سنة (٤) (٣: ٤٢٧).\n* * *\n_________\n(١) وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٨٧) أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء.\nوقوّى الحافظ إسناده (الفتح ١٣/ ١٢٩).\n(٢) الأبيات في الكامل للمبرد (٣/ ٧٦) - بشرح المرصفي مع اختلاف في الرواية (محمد أبو الفضل).\n(٣) إسناده صحيح.\n(٤) وكذلك قال الحافظ ابن حجر: مات أبو قحافة سنة أربع عشرة وله سبع وتسعون سنة (الإصابة / ٤/ ٣٧٥ / ت ٥٤٥٨).","vol":"3","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>صحيح تاريخ عمر بن الخطاب ﵁</span>","vol":"3","page":121},{"text":"ذكر استخلاف عمر بن الخطاب (١) وعقد أبو بكر في مرضته التي توفي فيها لعمر بن الخطاب\n٨٤ - قال أبو جعفر: وقال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن أبي النّضر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: دعا أبو بكر عثمان خاليًا، فقال: اكتُب:\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nهذا ما عهد أبو بكر بن أبي قُحافة إلى المسلمين، أمَّا بعد. قال: ثمّ أغمِيَ عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أمَّا بعد؛ فإني قد استخلفتُ عليكم عمرَ بن الخطاب، ولم آلُكم خيرًا منه، ثم أفاق أبو بكر، فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه،\n_________\n(١) ذكر استخلاف عمر\nوقبل أن ندخل في الحديث عن ذكر استخلاف عمر بن الخطاب نذكر نبذة من فضائله:\n١ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٣٦٩٧): عن ابن عمر ﵄ قال: (كنا في زمن النبي - ﷺ - لا نعدلُ بأبي بكر أحدًا ثم عُمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم) صحيح. وأخرجه أبو داود رقم (٤٦٢٧).\n٢ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٣٦٨٠): عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله - ﷺ - إذ قال: \"بينا أنا نائم رأيتُني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرته فوليت مدبرًا\" فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله! صحيح.\nوأخرجه مسلم (٢٣٩٥) وابن ماجه حديث رقم (١٠٧) وأحمد (٢/ ٣٣٩) وابن أبي عاصم في السنة (١٢٧٠) والنسائي في فضائل الصحابة (٢٧).\n٣ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٦٦٣٢): عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي - ﷺ - وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي - ﷺ -: \"لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك! \". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبُّ إليّ من نفسي! فقال النبي - ﷺ -: \"الآن يا عمر\" صحيح.\nوأخرجه أحمد رقم (٥/ ٢٩٣).\n٤ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٣٦٨٧): عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (سألني ابن عمر عن بعض شأنه -يعني عمر- فأخبرته فقال: ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله - ﷺ - من حين قبض كان أجدّ وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب). صحيح.","vol":"3","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٥ - أخرج الترمذي ﵀ رقم (٣٦٨٢): عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه\" صحيح لغيره.\nوقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر أو قال ابن الخطاب فيه -شك خارجة- إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٩٥) وفي فضائل الصحابة (٣١٣ - ٣١٤) وعبد بن حميد في المنتخب رقم (٧٥٦)، (٧٥٧) وابن حبان (موارد الظمآن ٢١٨٥).\n٦ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٤٠٢): حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا هشيم عن حميد عن أنس قال: قال عمر: (وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا (رسول الله) لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وآية الحجاب. قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البرُّ والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي - ﷺ - في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت الآية). صحيح.\nوأخرجه الترمذي مختصرًا (٢٩٦٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه مختصرًا (١٠٠٩) وعزاه المزي للنسائي، وأخرجه أحمد (١/ ٢٣ - ٢٤ و٣٦) وفي فضائل الصحابة (٤٣٤) و(٤٣٥) وابن أبي عاصم في السنة (١٢٧٧).\n٧ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٤٦٧٢): عن ابن عمر ﵄ قال: (لما توفي عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله - ﷺ - فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه ثم قام يصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلي عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: \"إنما خيّرني الله -أو أخبرني الله- ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فقال: سأزيده على سبعين\". قال: فصلى عليه رسول الله - ﷺ - وصلينا معه ثم أنزل الله عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ صحيح.\nوأخرجه مسلم (٢٤٠٠) وأحمد بنحوه (٢/ ١٨).\n٨ - أخرج الإمام مسلم ﵀ رقم (٢٣٩٩): عن ابن عمر قال: قال عمر: (وافقت ربي في ثلاث، في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدرٍ) صحيح.\nوأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٢٧٧).\n٩ - أخرج البخاري ﵀ (١٣٦٦): عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃: أنه قال: (لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دُعيَ له رسول الله - ﷺ - ليصلي عليه، فلما قام رسول الله - ﷺ - وثبتُ إليه فقلت: يا رسول الله! أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا: كذا وكذا وكذا؟ ! -أعدد عليه قوله- فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: \"أخّر عني يا عمر\". فلما أكثرت عليه قال: \"إني خُيِّرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له؛ لزدت =","vol":"3","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عليها\". قال: فصلى عليه رسول الله - ﷺ - ثم انصرف لم يمكث إلا بسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله - ﷺ - يومئذ والله ورسوله أعلم. صحيح.\nوأخرجه الترمذي (٣٠٩٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وعزاه المزي للنسائي، وأخرجه أحمد (١/ ١٦).\n١٠ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٣٦٨٣): عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله - ﷺ - وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب فأذن لي رسولُ لله - ﷺ - فدخل عمر ورسول الله - ﷺ - يضحك فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال النبي - ﷺ -: \"عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب! \". قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله! ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله - ﷺ -؟ ! فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إيهًا يا بن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك! \". صحيح.\nوالحديث أخرجه مسلم (٢٣٩٦) وعزاه المزي في الأطراف للنسائي وأخرجه أحمد (١/ ١٧١ و١٨٧) وفي فضائل الصحابة (٣٠١)، (٣٠٢) و(٣٢٦) وأبو يعلى في المسند (٢/ ١٣٢) والنسائي في فضائل الصحابة (٢٨).\n١١ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٣٦٧٧): عن ابن عباس ﵄ قال: (إني لواقف في قومٍ فدعوا الله لعمر بن الخطاب -وقد وضع على سريره- إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كنت كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"كنت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر\". فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما. فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب). صحيح.\nوأخرجه مسلم (٢٣٨٩) وابن ماجه (٩٨) والنسائي في فضائل الصحابة (١٤) وأحمد (١/ ٣١٢) وفي فضائل الصحابة (٣٢٧).\n١٢ - أخرج البخاري ﵀ رقم (٣٦٨٤): حدثنا قيس قال: قال عبد الله: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر). صحيح.\nوأخرجه أحمد في (فضائل الصحابة ٣٦٨)، (٣٧٢) وابن سعد في الطبقات (٣/ ١ / ١٩٣) وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٠٢٢).\n١٣ - أخرج البخاري رقم (٤٦٤٢): عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان =","vol":"3","page":125},{"text":"فكبَّر أبو بكر، وقال: أراك خِفْتَ أن يختلف الناس إن افتُلتتْ نفسي في غَشيتي! قال: نعم، قال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وأهله، وأقرّها أبو بكر ﵁ من هذا الموضع (١). (٣: ٤٢٩).\n_________\n= القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا فقال عُيينة لابن أخيه: يا بن أخي لك وجهٌ عند هذا الأمير! فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر فلما دخل عليه قال: هِي يا بن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى هم به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافًا عند كتاب الله). صحيح.\nوأخرجه القطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (٥٠٦).\n(١) إسناده ضعيف إلّا أن متنه صحيح.\n١ - والحديث أخرجه البيهقي (مع اختلاف بسيط) في السنن الكبرى (٨/ ١٤٩) باب الاستخلاف بسند فيه انقطاع من طريق يوسف بن محمد يقول: بلغني أن أبا بكر أوصى في مرضه فقال لعثمان. . . إلخ.\n٢ - ولكن قال البيهقي (ورواه) محمد بن عبد الرحمن بن المجبر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موصولًا.\n٣ - وأخرج أبو الهلال العسكري قال: أخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال: لما استقر بأبي بكر الوجع أرسل إلى علي وعثمان ورجال من المهاجرين والأنصار فقال: قد حضر ما ترون ولا من قائم يأمركم فإن شئتم اخترتم لأنفسكم وإن شئتم اخترت لكم، قالوا: بل اختر لنا، فقال لعثمان: اكتب؛ هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يتوب الفاجر ويؤمن الكافر ويصدق الكاذب؛ عهد وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وقد استخلف -ثم رهقته غشية- فكتب عثمان عمر بن الخطاب فلما أفاق قال: أكتبت شيئًا؟ قال: نعم كتبت عمر بن الخطاب فقال: رحمك الله أما أنك لو كتبت لنفسك لكنت لها أهلًا فاكتب قد استخلفت عمر بن الخطاب بعدي ورضيته لكم. . . إلخ (الأوائل / ١٤٨) وهذا إسناد معضل كما ترى.\n٤ - وأخرج ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: أطفنا بغرفة أبي بكر الصديق في مرضته التي قبض فيها قال: فقلنا: كيف أصبح أو كيف أمسى خليفة رسول الله - ﷺ -؟ قال: فاطلع علينا اطلاعة، فقال: ألستم ترضون بما أصنع؟ قلنا: بلى قد رضينا قال: وكانت عائشة هي تمرّضه قال: فقال: أما إني قد كنت حريصًا على أن أوقد للمسلمين فيئهم مع أني قد أصبت من اللحم واللبن فانظروا إذا رجعتم مني فانظروا ما كان عندنا فأبلغوه عمر: قال: فذاك حيث عرفوا أنه استخلف عمر =","vol":"3","page":126},{"text":"٨٥ - قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرًا، وكان منزله بالسُّنْح، ثم تحوّل إلى المدينة. فحدّثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب قال: وأخبرنا مُوسى بن محمَّد بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد الرحمن بن صبيحة التميميّ، عن أبيه، قال: وأخبرَنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: وأخبَرنا محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قال: وأخبرنا أبو قُدامة عُثْمان بن محمد عن أبي وَجْزة، عن أبيه؛ قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدّثني ببعضه، فدخلَ حديثُ بعضهم في حديث بعض، قالوا: قالت عائشةُ: كان منزل أبي بالسُّنْح عند زوْجته حَبيبة بنة خارجة بن زيد بن أبي زُهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجرة من سَعَف؛ فما زادَ على ذلك حتى تحوّل إلى منزله بالمدينة؛ فأقام هنالك بالسُّنْح بعد ما بويع له ستَّة أشهر، يغدُو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له، وعليه إزار ورِداء ممشَّق، فيوافِي المدينةَ فيصلي الصَّلَواتِ بالنَّاس، فإذا صلَّى العشاء؛ رجع إلى أهله بالسُّنْح؛ فكان إذا حَضر صلَّى بالناس وإذا لم يحضر صلَّى بهم عمر بن\n_________\n= قال وما كان عنده دينار ولا درهم، ما كان إلّا خادم ولقحة ومحلب، فلما رأى ذلك عمر يُحْمل إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده (الطبقات الكبرى ٣/ ١٩٢).\nقلنا: وهذا إسناده صحيح.\n٥ - وأخرج ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن مسلمة عن ثابت عن سمية عن عائشة أن أبا بكر قال لها: يا عائشة ما عندي من قال إلّا لقحة وقدح فإذا أنا مِتُّ فاذهبوا بهما إلى عمر. فلما مات ذهبوا بها إلى عمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده (الطبقات الكبرى ٣/ ١٩٣).\nوهذا إسناد صحيح وإن كان في حفظ حماد مقال إلّا أنه من أثبت الناس في ثابت ولذا أخرج له مسلم في صحيحه عن ثابت والله تعالى أعلم.\n٦ - وأخرج ابن سعد في طبقاته كذلك أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي (الطبقات ٣/ ١٩٢). ورجال هذا الإسناد ثقات وإن كان الأعمش مدلسًا فيشهد له ما ذكرنا قبله من الروايات الصحيحة.","vol":"3","page":127},{"text":"الخطاب. قال: فكان يُقيم يوم الجمعة صدرَ النَّهار بالسُّنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقَدَر الجمعة، فيُجمِّع بالنَّاس. وكان رجلًا تاجرًا، فكان يغدُو كلّ يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع؛ وكانت له قطعة غنم تروحُ عليه؛ وربَّما خرج هو بنفسه فيها؛ وربما كُفِيَهَا فرُعيت له، وكان يحلب للحيّ أغنامَهم، فلمَّا بويع له بالخلافة قالتْ جارية من الحيّ: الآن لا تُحْلبُ لنا منائحُ دارنا، فسمعها أبو بكر، فقال: بلَى لعمري لأحلبنّها لكم؛ وإني لأرجو ألّا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه. فكان يحلُب لهم، فربما قال للجارية من الحيّ: يا جارية! أتحبّين أن أرعَى لك، أو أصرِّح؟ فربما قالت: ارْعَ، وربما قالت: صرّح؛ فأيّ ذلك قالتْه فعل؛ فمكث كذلك بالسُّنْح ستَّة أشهر؛ ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها، ونَظَر في أمرِه، فقال: لا والله، ما تصلِح أمور الناس التِّجارة، وما يصلِحُهم إلّا التفرُّغ لهم والنَّظر في شأنهم، ولا بدّ لعيالي مما يُصلِحُهم. فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يُصلِحُه ويُصْلح عياله يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر. وكان الذي فرضوا له في كلّ سنة ستَّة آلاف درهم؛ فلما حضرتْه الوفاة، قال: ردُّوا ما عندَنا من مال المسلمين؛ فإني لا أصيبُ من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي الَّتي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم؛ فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحًا وعبدًا صَيقلًا، وقطيفة ما تُساوي خمسة دراهم؛ فقال عمر: لقد أتعب مَن بعده (١). (٣: ٤٣١/ ٤٣٢ / ٤٣٣).\n٨٦ - وقال عليّ بن محمد -فيما حدّثني أبو زيد عنه في حديثه عن القوم الذين ذكرتُ روايته عنهم- قال أبو بكر: انظروا كم أنفقت منذ وُلِّيتُ من بيت المال فاقضوه عنِّي. فوجدوا مبلَغه ثمانية آلاف درهم في ولايته (٢). (٣: ٤٣٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف فهو من طريق الواقدي ولبعضه ما يشهد له كما سنذكر بعد قليل ولقد أخرج الطبري بعضه فيما سبق عند حديثه عن أبي بكر ﵁ وصفاته وعلّقنا على تلك الروايات في حينها.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيد هذه الرواية وما قبلها فنقول وبالله التوفيق:\n١ - أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٣) أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون عن محمد قال: توفي أبو بكر الصديق وعليه ستة آلاف كان قد أخذها من بيت المال فلما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أحبَّ. =","vol":"3","page":128},{"text":"٨٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حَدّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن القاسم بن محمد، عن أسماءَ بنة عُمَيس، قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: استخلفتَ على الناس عُمر، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه؛ فكيف به إذا خلا بهم! وأنت لاقٍ ربَّك فسائلك عن رعيَّتك؟ ! فقال أبو بكر -وكان مضطجعًا: أجلسوني، فأجلسوه، فقال لطلحة: أبالله تفرّقني؟ ! -أو أبالله تخوّفني؟ ! - إذا لقيت الله ربِّي فساءلني قلت: استخلفتُ على أهلِك خيرَ أهلك (١). (٣: ٤٣٣).\n٨٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك (٢) (٣: ٤٣٣).\n_________\n= أن لا يدع لأحد بعد مقالًا وأنا ولي الأمر من بعده وقد رددتها عليكم. اهـ. وإسناده صحيح إلى ابن سيرين. وكذلك سبق أن ذكرنا قبل قليل رواية ابن سعد في طبقاته (٣/ ١٩٢) من حديث أنس ﵁ وفي آخرها وما كان عنده دينار ولا درهم، ما كان إلّا خادم ولقحة ومحلب، فلما رأى ذلك عمر يُحمل إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. ا. هـ. وكذلك ذكرنا آنفًا رواية ابن سعد الأخرى (٣/ ١٩٣) من طريق عائشة ﵂ أن أبا بكر قال لعائشة: ما عندي من مالٍ إلا لقحة وقدح فإذا أنا متُّ فاذهبوا بهما إلى عمر. . . إلخ.\n(١) إسناده ضعيف ومتنه صحيح كما سنذكر بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده:\n١ - أخرج البيهقي (٨/ ١٤٩) باب الاستخلاف: أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبأ أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ثنا الحسن بن مكرم ثنا سعيد بن عامر ثنا صالح بن رستم أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة أم المؤمنين ﵂ لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان فقالوا: يا خليفة رسول الله ماذا تقول لربك غدًا إذا قدمت عليه وقد استخلفت علينا ابن الخطاب؟ ! قال: فأجلساه فقال: أبالله ترهبوني؟ ! أقول: استخلفت عليهم خيرهم. اهـ.\nقلنا: وفي إسناده صالح بن رستم (أبو عامر الخزاز) ضعفه ابن معين وابن أبي حاتم ولكن وثقه أبو داود الطياليسي والعجلي وقال أحمد: صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ ابن عدي: عزيز الحديث ولعل جميع ما أسنده خمسون حديثًا وقد روى عنه يحيى القطان مع شدة استقصائه. وهو عندي لا بأس به ولم أر له حديثًا منكرًا (راجع تهذيب الكمال ٣/ ٤٧ / ت ٢٨١٢) و(الكامل لابن عدي ٤/ ٧٢ / ت ٩٢٢) وأخرج له مسلم والأربعة ووثقه البزار (راجع تهذيب التهذيب ٤/ ٣٩١) وقال الحافظ في التقريب: صدوق كثير الخطأ =","vol":"3","page":129},{"text":"٨٩ - قال أبو جعفر: قد تقدّم ذكرنا وقت عقد أبي بكر لعُمر بن الخطاب الخلافة، ووقت وفاة أبي بكر، وأنّ عمر صلَّى عليه، وأنه دفن ليلةَ وفاته قبل أن يُصْبح الناس، فأصبح عمر صبيحةَ تلك الليلة، فكان أوّل ما عمل وقال -فيما ذُكِر- ما حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد، عن أبيه؛ قال: لمَّا استُخلِف عمر صعِد المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمِّنوا عليهنّ، فكان أوّل منطق نطق به حين استُخلِف (١). (٣: ٤٣٣).\n٩٠ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، قال: كان أوّل كتاب كتبه عمر حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند\n_________\n= وسكت المحرران عن قول الحافظ هذا (تحرير التقريب ٢/ ٢٨٦١) وكان الأولى أن يقولا: صدوق والله تعالى أعلم فإسناد البيهقي حسن والله أعلم.\n٢ - وأخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٧٤) قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل قال أخبرنا عبيد الله بن أبي زياد عن يوسف بن ماهك عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة استخلف عمر فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت؟ قال: عمر. قالا: فماذا أنت قائل لربك؟ ! قال: أبالله تفرقاني؟ ! لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول: استخلفت عليهم خير أهلك.\nوفي إسناده عبيد الله بن أبي زياد. قال الحافظ: ليس بقوي. فعقب المحرران (شعيب وبشار) بقولهما: بل ضعيف يعتبر به (تحرير التقريب ٢/ ٤٢٩٢) وهو كما قالا.\nفهذه الرواية تتقوى بالتي قبلها وخلاصة القول أن الأسانيد الثلاثة لهذه الرواية (طريق ابن إسحاق عند الطبري، وطريق الضحاك بن مخلد عند ابن سعد، وطريق ابن أبي مليكة عند البيهقي) تجعل الرواية ترقى إلى درجة الحسن بمجموع طرقه وإن كنا نرى رواية البيهقي (من طريق صالح بن رستم) حسنة لثقتها والله تعالى أعلم.\n(١) رجاله ثقات ولكن الأعمش مدلّس وقد عنعن هنا ولم يصرح بالتحديث، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٢٧٤) أخبرنا معاوية الضرير عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبيه قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليّني وإني ضعيف فقوّني وإني بخيل فسخّني.\nوأخرج ابن سعد كذلك قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة عن جامع بن شداد عن ذي قرابة له قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ثلاث كلمات إذا قلتها فأمِّنوا عليها: اللهم إني ضعيف فقوّني، اللهم إني غليظ فلينّي اللهم إني بخيل فسخّني (الطبقات الكبرى ٣/ ٢٧٥) ولقد علمنا من الروايتين السابقتين أن (ذي قرابة له) هو أبوه فالإسناد صحيح بمجموع طرقه والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":130},{"text":"خالد: أوصيك بتقوى الله الذي يبقَى ويفنَى ما سواه؛ الذي هدانا من الضّلالة، وأخرجَنا من الظُّلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحقّ عليك، لا تُقدِّم المسلمين إلى هَلَكة رجاء غنيمة؛ ولا تُنزلهم منزلًا قبل أن تستريده لهم؛ وتعلمَ كيف مأتاه؛ ولا تبعث سريّة إلا في كَثْف من الناس؛ وإيّاك وإلقاء المسلمين في الهلَكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك؛ فغمِّضْ بَصَرك عن الدنيا، وألْه قلبك عنها؛ وإيّاك أن تُهلِكَك كما أهلكتْ مَن كان قبلك، فقد رأيتَ مصارعَهم (١). (٣: ٤٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>ذكر غزوة فِحْل وفتح دمشق</span>\n٩٠ / أ- حدّثني عمر عن عليّ بن محمد بإسناده، عن النّفر الذين ذكرت\n_________\n(١) في إسناده عيسى بن يزيد ولم يبين الطبري اسمه بالكامل أو لقبه وأغلب الظن أنه عيسى بن يزيد بن داب الليثي فهو الذي يروي عن صالح بن كيسان ويروي عنه حكام قال البخاري وغيره: منكر الحديث، وإن كان بعض علماء الجرح والتعديل يرونه منكر الحديث ولكنه خبير بالتأريخ كما قال ابن حجر: كان أخباريًا علامة نسابة لكن حديثه واه. (لسان الميزان ٥/ ٣٩٣ / ت ٦٥١٠).\nوقال الخطيب: كان عالمًا بأيام الناس حافظًا للسير (تأريخ بغداد ١١/ ١٤٨ / ت ٥٨٤٥) وروايته هذه رواية تأريخ وليست برواية حديث ولذلك بحثنا في الروايات التأريخية الصحيحة عن ما يؤيده، فأما عزله لخالد وتأميره لأبي عبيدة على قيادة الجيش فذلك ما اتفق عليه المؤرخون كما سبق أن ناقشنا، وأما كون أول كتاب كتبه هو إلى أبي عبيدة فلم نجد نصًّا تأريخيًا صحيحًا وصريحًا يؤكد ذلك، إلّا أننا نستطيع أن نقول بأن كتابه إلى أبي عبيدة كان من أوائل ما كتب ﵁ فمعركة اليرموك كانت في السنة الأولى أو الثانية من خلافته، وقد أرسل ﵁ كتابًا إلى أبي عبيدة وبقية القادة يذكرهم بتقوى الله كما ذكرنا قبل وسنعيد الاستشهاد به هنا: فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (١ / ح ٣٤٤ طبعة شاكر) عن سماك قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض -وليس عياض هذا بالذي حدث سماكًا- قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبنا إليه أن قد جاش إلينا الموت أو استمددناه. فكتب إلينا: أنه قد جاءني كتابكم تستمدوني وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا؛ الله ﷿، فاستغفروه فإن محمدًا - ﷺ - قد نصر يوم بدرٍ في أقلّ من عددكم فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني قال: فقاتلناهم فهزمناهم.\nوصحح العلامة شاكر إسناده والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":131},{"text":"روايتَهم عنهم في أول ذكري أمرَ أبي بكر: أنَّهم قالوا: قدِم بوفاة أبي بكر إلى الشأم شدّاد بن أوْس بن ثابت الأنصاريّ ومَحْمِيَة بن جَزْء، ويَرْفأ، فكتموا الخبرَ الناس حتى ظفر المسلمون -وكانوا بالياقوصة يقاتلون عدوَّهم من الروم؛ وذلك في رجب- فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبي بكر وولايته حَرْب الشأم، وضمّ عمر إليه الأمراءَ، وعزلِ خالد بن الوليد (١). (٣: ٤٣٤).\n٩١ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ المسلمون من أجنَادين ساروا إلى فِحْل من أرض الأردنّ؛ وقد اجتمعت فيها رافضة الروم، والمسلمون على أمرائهم وخالد على مقدّمة الناس. فلمَّا نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها؛ وهي أرض سَبْخة، فكانت وحلًا، ونزلوا فِحْلًا -وبيسانُ بين فلسطين وبين الأردن- فلما غشيَها المسلمون ولم يعلموا بما صنعت الرومِ، وحلت خيولُهم، ولقوا فيها عَناءً، ثم سلَّمهم الله -وسميت بَيسان ذات الرَّدغَة لما لقي المسلمون فيها- ثم نهضوا إلى الروم وهم بفِحْل؛ فاقتتلوا فهُزمت الروم، ودخل المسلمون فِحْلًا ولحقت رافضة الروم بدمشق؛ فكانت فِحْل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، على ستّة أشهر من خلافة عمر. وأقام تلك الحجَّة للناس عبد الرحمن بن عوف. ثم ساروا إلى دمشق وخالد على مقدّمة الناس؛ وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له: باهان بدمشق -وقد كان عمر عزلَ خالدَ بن الوليد واستعمل أبا عبيدة على جميع الناس- فالتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم هزم الله الرّومَ، وأصاب منهم المسلمون، ودخلت الروم دمشق؛ فغلَّقوا أبوابَها وجَثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فُتحت دمشق، وأعطوا الجزية، وقد قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يقرئ خالدًا الكتاب حتى فتحت دمشق، وجرى الصُّلْح على يدي خالد، وكتب الكتاب باسمه. فلما صالحت دمشق لحِق باهان -صاحب الروم الّذي قاتل المسلمين- بهرقل. وكان فتح دمشق\n_________\n(١) لقد مضى الكلام عن عزل خالدٍ عن إمرة الجيش وإسناد القيادة لأبي عبيدة ووصول الخبر إلى المسلمين وهم في الياقوصة، وسنتحدث مرة أخرى وبالتفصيل عن هذا العزل ودواعيه وسنرد على شبهات المستشرقين وسنحاول الجمع بين الروايات التاريخية المتعارضة في هذا العزل إن شاء الله تعالى بعد قليل.","vol":"3","page":132},{"text":"في سنة أربع عشرة في رجب، وأظهر أبو عبيدة إمارتَه وعَزْلَ خالد؛ وقد كان المسلمون التقوْا هم والرّوم ببلد يقال له: عين فِحْل بين فلسطين والأردنّ، فاقتتلوا به قتالًا شديدًا، ثمّ لحقت الروم بدمشق (١). (٣: ٤٣٤/ ٤٣٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ويشهد لأصله ما أخرجه خليفة بن خياط فحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده قال: كان خالد على الناس فصالحهم، فلم يفرغ من الصلح حتى عزل وولي أبو عبيدة فأمضى أبو عبيدة صلح خالد ولم يغيّر الكتاب والكتاب عندهم باسم خالد. وهذا إسناد صحيح ولكن خليفة لم يقبله لأن في متنه غرابة ظاهرة فقال ﵀: هذا غلط لأن عمر عزل خالدًا حين ولي.\nقلنا: ولا نرى غرابة في توقيت هذا العزل لأن العزل كان على مرحلتين (حسب استنباطنا من الروايات التأريخية في هذه المسألة) أي أن العزل الأول لخالد كان من القيادة العامة للجيش (أو ما يسمى بهيئة الأركان)، أما الثاني والذي نفذه أبو عبيدة بعد فتح دمشق كان عزلًا لخالد حتى من قيادته كجناح من أجنحة الجيش والله أعلم.\nوإلى هذا الرأي ذهب كذلك الأستاذ الفاضل باشميل وإن لم يقدم دليلًا على ذلك. ويؤيد ما نذهب إليه والله أعلم حديثًا رواه الإمام أحمد في مسنده يؤكد أن خالدًا كان أميرًا يوم اليرموك مع بقية القادة كأبي عبيدة وغيره ومعلوم أن اليرموك كانت بعد تولي عمر الخلافة بمدة ولم تكن متزامنة بعد توليه الخلافة فيتقوى قولنا في أنه عزله مرتين مرة عند توليه الخلافة إذ عزله من قيادة هيئة الأركان (أو كما تسميه الروايات إمرة جميع الجند) والثانية خلال معركة اليرموك وهذه كانت عن إمارة جناح من أجنحة الجيش وأبلغه أبو عبيدة بخبر العزل بعد انتهاء المعركة.\nأخرج أحمد في مسنده (١ / ح ٣٤٤ طبعة شاكر) عن سماك قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض وليس عياض هذا بالذي حدث سماك. . .\nإلخ الحديث. وصحح العلامة شاكر إسناده وإن كان ترجيحنا هذا لا ينفي قوة الرأي المقابل فللحديث وجه آخر يستدل به على أن عمرًا ﵁ عزل خالدًا عن القيادة العامة للجيش عند اليرموك. إذ جاء في تكملة الحديث الآنف الذكر: وقال عمر: إن كان قتال فعليكم أبو عبيدة (مسند أحمد ١ / ح ٣٤٤).\nوهذا الحديث يؤيد روايات سيف الضعيفة المسند التي ذكرت أن خالدًا سار مددًا إلى جيوش الشام بأمر أبي بكر الذي لم يعينه قائدًا عامًا لهم وإنما كان ذلك عن تشاور منهم (الأمراء الخمسة) فجاء أمر عمر بعزله.\nوخليفة يرى أن خالدًا لم يصالحهم وإنما فتح الباب الذي كان عليه عنوة وهو الباب الشرقي (كما عند غير خليفة) أما باب الجابية فقد فتحه أبو عبيدة صلحًا إذ قال خليفة [سنة أربع عشرة (فتح دمشق)] فيها فتحت دمشق: سار أبو عبيدة بن الجراح ومعه خالد بن الوليد فحاصرهم =","vol":"3","page":133},{"text":"خبر دمشق من رواية سيف:\n٩٢ - كتب إليَّ السّريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة؛ قالا: لما هزم الله جُنْد اليَرْموك، وتهافت أهلُ الواقوصة، وفُرغ من المقاسم والأنفال، وبُعِث بالأخماس، وسُرّحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليَرموك بشير بن كعب بن أبَى الحِمْيَريّ كَيلا يُغتال بردّةٍ؛ ولا تقطع الرُّوم على موادّه، وخرج أبو عبيدة حتى ينزل بالصُّفَّر؛ وهو يريد اتباع الفالة؛ ولا يدري يجتمعون أو يفترقون؛ فأتاه الخبر بأنَّهم أرَزوا إلى فِحْل، وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حِمص، فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أم بفِحْل من بلاد الأردنّ. فكتب في ذلك إلى عمر، وانتظر الجواب، وأقام بالصّفَّر، فلمَّا جاء عمرَ فتحُ اليرموك أقرّ الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلّا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضمّ خالدًا إلى أبي عبيدة، وأمر عمرًا بمعونة الناس؛ حتى يصير الحرب إلى فِلَسطين، ثم يتولَّى حربَها. (٣: ٤٣٦).\n٩٢ / أ- رجع الحديث إلى حديث سيف عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة، قالا: ولمَّا جاء عمرَ الكتاب عن أبي عُبيدة بالذي ينبغي أن يبدأ به كتب إليه: أمَّا بعد؛ فابدؤوا بدمشق، فانْهَدوا لها، فإنَّها حِصن الشأم وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهلَ فِحْل بخيل تكون بإزائهم في نحورهم وأهلَ فلسطين وأهل حِمْص؛ فإن فتحها الله قبل دمشق فذَاك الَّذي نحبّ، وإن تأخَّر فتحُها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق مَن يمسك بها، ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تُغيروا على فِحْل، فإن فتح الله عليكم؛ فانصرف أنت وخالد إلى حِمْص، ودَعْ شُرَحْبيل وعمرًا وأخلِهما بالأردنّ وفلسطين، وأميرُ كلّ بلد وجُنْد على الناس حتى يخرجوا من إمارته. فسرّح أبو عبيدة إلى فِحْل عشرة قُوّاد: أبا الأعور السُّلَميّ، وعبدَ عمرو بن يزيد بن عامر الجُرَشيّ، وعامرَ بن حَثْمة، وعمرو بن كُليب من يَحْصُب، وعُمَارة بن الصَّعِق بن كعب، وصَيفيَّ بن عُلْبة بن شامل، وعمرَو بن\n_________\n= فصالحوه وفتحوا له باب الجابية وفتح خالد أحد الأبواب عنوة وأتم لهم أبو عبيدة الصلح (تأريخ خليفة / ١٢٥). ورواية ابن إسحاق الضعيفة هذه تبيّن أن فتح دمشق كان بعد فِحْل وهذا الذي رجحه غير واحد من أئمة التأريخ على ما رواه سيف من أن فتح دمشق كان قبل وقعة فحل وسنرجع إلى الحديث عن ذلك بعد الرواية التالية.","vol":"3","page":134},{"text":"الحبيب بن عمرو، ولبدة بن عامر بن خَثْعمة، وبِشْرَ بن عصْمة، وعُمارة بن مُخش قائد الناس؛ ومع كلّ رجل خمسة قوّاد؛ وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا مَن يحتمل ذلك منهم، فساروا من الصُّفَّر حتَّى نزلوا قريبًا من فِحْل، فلمَّا رأت الرُّوم: أنّ الجنود تريدهم، بثقُوا المياه حوْلَ فِحْل، فأردِغتْ الأرض، ثم وحلَت، واغتمّ المسلمون من ذلك، فحبسوا عن المسلمين بها ثمانين ألف فارس. وكان أوّلَ محصور بالشأم أهل فِحْل، ثم أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة ذا الكَلاع حتَّى كان بين دمشق وحِمْص ردءًا. وبعث عَلْقمة بن حكيم ومَسْروقًا فكانا بين دمشق وفلَسطين، والأمير يزيد. ففصَل، وفصَل بأبي عبيدة من المرْج؛ وقدّم خالد بن الوليد، وعلى مجنّبَتيه عمرو وأبو عبيدة وعلى الخيل عياض، وعلى الرَّجْل شُرَحبيل، فقدِموا على دمشق، وعليهم نسطاس بن نُسْطُورس؛ فحصَروا أهلَ دمشق، ونزلوا حواليها، فكان أبو عبيدة على ناحية، وعمرو على ناحية، ويزيد على ناحية، وهِرَقل يومئذ بحِمْص، ومدينة حِمْص بينه وبينهم. فحاصروا أهلَ دمشق نحوًا من سبعين ليلة حِصارًا شديدًا بالزُّحوف والتَّرامِي والمجانيق؛ وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغِياث، وهِرَقل منهم قريب وقد استمدّوه. وذو الكَلاع بين المسلمين وبين حِمْص على رأس ليلة من دمشق؛ كأنه يريد حِمْص، وجاءت خيولُ هِرقل مغيثةً لأهل دمشق، فأشجتْها الخيول الَّتي مع ذي الكَلاع، وشغلتها عن النَّاس، فأرَزوا، ونزَلوا بإزائه، وأهلُ دمشق على حالهم.\nفلمَّا أيقن أهلُ دمشق: أن الأمداد لا تصلُ إليهم فشلوا ووَهنوا وأبلسوا وازداد المسلمون طمعًا فيهم؛ وقد كانوا يروْن أنَّها كالغارات قبل ذلك، إذا هجم البرد قفَل الناس، فسقط النَّجم والقوم مقيمون، فعند ذلك انقطع رجاؤهم، وندِموا على دخول دمشق، ووُلد للبِطريق الَّذي دخل على أهل دمشق مولودٌ؛ فصنع عليه، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا يُنيم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء؛ عيونُه ذاكية وهو معنيٌّ بما يليه، قد اتَّخذ حبالًا كهيئة السلاليم وأوْهاقًا، فلمَّا أمسى من ذلك اليوم نَهَد ومَنْ معه من جنده الذين قدم بهم عليهم، وتقدّمهم هو والقعقاع بن عمرو، ومذعور بن عديّ، وأمثاله من","vol":"3","page":135},{"text":"أصحابه في أول يومه، وقالوا: إذا سمعتم تكبيرَنا على السّور فارقَوْا إلينا، وانْهدوا للباب. فلما انتهى إلى الباب الذي يَليه هو وأصحابه المتقدّمون رَمَوْا بالحبال الشُّرَف وعلى ظهورهم القِرَب التي قطعوا بها خندقهم. فلمَّا ثبت لهم وَهَقان تسلَّق فيهما القعقاع ومذعور، ثم لم يدعا أحبولةً إلّا أثبتاها -والأوْهاق بالشُرَف- وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثرَه ماءً، وأشدّه مدخلًا، وتوافوا لذلك، فلم يبقَ ممّن دخل معه أحدٌ إلا رقى أو دنا من الباب؛ حتى إذا استَووْا على السُّور حَدَر عامَّة أصحابه، وانحدَر معهم؛ وخلَّف مَنْ يحمي ذلك المكان لمن يرتقي، وأمرهم بالتَّكبير، فكبَّر الذين على رأس السور، فنهَد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحِبال بشَرٌ كثير، فوثَبُوا فيها، وانتهى خالد إلى أوّل مَن يليه فأنامهم، وانحدر إلِي الباب، فقتل البوّابين، وثار أهلُ المدينة، وفرخ سائر الناس؛ فأخذوا مواقفهم، ولا يدرون ما الشأن! وتشاغل أهلُ كلّ ناحية بما يليهم، وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم مِن داخل، حتَّى ما بقيَ ممَّا يلي باب خالد مقاتل إلا أنيم. ولما شدّ خالد على من يليه؛ وبلغ منهم الذي أراد عَنْوة أرَزَ من أفلت إلى أهل الأبواب التي تَلِي غيرَه؛ وقد كان المسلمون دَعَوْهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا، فلم يفجأهم إلّا وهم يَبُوحون لهم بالصُّلح، فأجابوهم وقبلوا منهم، وفتحوا لهم الأبواب، وقالوا: ادخلوا وامنعونَا من أهلِ ذلك الباب. فدخل أهلُ كلّ باب بصلح ممَّا يليهم، ودخل خالد مما يليه عَنْوة، فالتقى خالد والقوّاد في وسطها؛ هذا استعراضًا وانتهابًا، وهذا صلحًا وتسكينًا؛ فأجْرَوا ناحيةَ خالد مُجْرَى الصّلح، فصار صلْحًا، وكان صلح دمشق على المقاسمة، الدينار والعقار، ودينارٌ عن كل رأس، فاقتسموا الأسلاب؛ فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القوّاد، وجَرَى على الديار ومَنْ بقي في الصّلح جَريب من كلّ جَريب أرض؛ ووَقف ما كان للملوك ومَن صوّب معهم فَيئًا، وقسموا لذي الكَلاع ومَن معه، ولأبي الأعور ومَن معه، ولبشير ومَن معه، وبعثوا بالبِشارة إلى عمر، وقدم على أبي عبيدة كتاب عمر؛ بأن اصرِف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحثّ إلى سعد بن مالك، فأمَّر على جُند العراق هاشم بن عُتْبة، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنَّبَتيه عمرو بن مالك الزُّهري ورِبْعيّ بن عامر، وضربوا بعد دمشق نحو سعد، فخرج","vol":"3","page":136},{"text":"هاشم نحو العراق في جُنْد العراق؛ وخرج القوّاد نحو فِحْل وأصحاب هاشم عشرة آلاف إلّا من أصيب منهم، فأتمّوهم بأناس ممّن لم يكن منهم؛ ومنهم قيس والأشتر، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياءَ، فنزلا على طريقها، وبقي بدمشق مع يزيد بن أبي سفيان من قوّاد أهلِ اليمن عددٌ؛ منهم عمرو بن شِمْر بن غزيَّة، وسَهْم بن المسافر بن هَزْمة، ومشافع بن عبد الله بن شافع. وبعث يزيد دحْية بن خليفة الكلبيّ في خيل بعد ما فتح دمشق إلى تَدْمُر، وأبا الزهراء القُشَيريّ إِلى البَثَنِيَّة، وحَوْران، فصالحوهما على صلح دمشق، ووليَا القيام على فتْح ما بُعثا إليه (١). (٣: ٤٣٧/ ٤٣٦ / ٤٣٨/ ٤٣٩ / ٤٤٠).\n_________\n(١) ١ - أخرج البلاذري في (فتوح البلدان / ١٦٩) حدثني القاسم بن سلّام قال: حدثنا أبو مسهر عن يحيى بن حمزة عن أبي المهلب الصغاني عن أبي الأشعث الصغاني أو أبي عثمان الصغاني أن أبا عبيدة أقام بباب الجابية محاصرًا لهم أربعة أشهر.\n٢ - أما ابن عساكر فقد أخرج عن أبي عثمان الصغاني هذا قوله: حاصرنا دمشق فنزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية ونزل خالد بن الوليد على باب الشرقي وكان أبو الدرداء في مسلحة برزة، قال: فحاصرناها أربعة أشهر قال: وكان راهب دمشق قد طلب من خالد بن الوليد الصلح. . . إلخ وفيه: أن خالدًا دخل صلحًا من باب الشرقي والتقى (بيزيد بن أبي سفيان الذي دخلها قسرًا من باب الصغير) عند المقسلاط - (مختصر تأريخ ابن عساكر ١/ ٢٠٣).\n٣ - وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي ﵀ قال: كنت عند ابن سراقة حين أتاه أهل دمشق النصارى بعهدهم فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق إني أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم ألّا تُسكن ولا تهدم؛ شهد يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة وقضاعي بن عامر وكتب في رجب من سنة أربع عشرة. (مختصر تأريخ ابن عساكر ١/ ٢٠٤).\n٤ - وأخرج ابن عساكر عن عباس بن سهل بن سعد أنه قال: تولى أبو عبيدة حصار دمشق، وولي خالد بن الوليد القتال على الباب الذي كان عليه وهو الباب الشرقي، فحاصر دمشق بعد موت أبي بكر حولًا كاملًا وأيامًا، ثم إنه لما طال على صاحب دمشق انتظار مدد هرقل ورأى المسلمين لا يزدادون إلّا كثرة وقوة. وأنهم لا يفارقونه أقبل يبعث إلى أبي عبيدة بن الجراح يسأله الصلح، وكان أبو عبيدة أحبّ إلى الروم وسكان الشام من خالد، وأن يكون الكتاب منه أحبّ إليهم فكانت رسل صاحب دمشق إنما تأتي أبا عبيدة بن الجراح وخالد يلح على أهل الباب الذي يليه فأرسل صاحب الرجال إلى أبي عبيدة فصالحه وفتح له باب الجابية وألح خالد بن الوليد على الباب الشرقي ففتحه عنوة ققال خالد لأبي عبيدة: اِسبهم فإني قد فتحتها عنوة. فقال أبو عبيدة: إني قد أمنتهم فتمم لهم أبو عبيدة الصلح وكتب لهم كتابه. . . (مختصر ابن عساكر ص ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦). =","vol":"3","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٥ - وأخرج ابن عساكر عن أبي حذيفة قوله: وولي أبو عبيدة حصار دمشق وولي خالد بن الوليد القتال على باب الشرقي وولاه الخيل إذا كان يوم يجتمع فيه المسلمون للقتال فحاصروا دمشق بعد هلاك أبي بكر حولًا كاملًا وأيامًا وساق الحديث (مختصر تأريخ ابن عساكر / ١/ ٢٠٨).\n٦ - وأخرج ابن عساكر أخبرنا أبو القاسم أن أبا الفضل عمر بن عبيد الله، أن علي بن محمد بن عبيد الله، نا حنبل بن إسحاق، نا عاصم بن علي، نا أبو معشر قال: استخلف أبو بكر في شهر ربيع الأول حين توفي رسول الله - ﷺ - ومات لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الإثنين في سنة ثلاث عشرة فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلَّا عشر ليالٍ، قال: وكان فتح دمشق في العام المقبل في رجب سنة أربع عشرة. . . إلخ (تأريخ مدينة دمشق لابن عساكر (المجلد ٥٣) ص ٣٣٥ مؤسسة الرسالة تحقيق سكينة الشهابي).\n٧ - وقال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٤٧٧ / ت ٤٤١٨): وأخرج ابن سعد بسند حسن أن معاذ بن جبل بلغه أنّ بعض أهل الشام استعجز أبا عبيدة أيام حصار دمشق، ورجّح خالد بن الوليد فغضب معاذ وقال: بأبي عبيدة يظن، والله إنه لمن خيرة من يمشي على الأرض.\n٨ - أما البلاذري فهو يرى أن خالدًا قد دخل دمشق صلحًا وأن أبا عبيدة أقره على ذلك وقال: يجيز على المسلمين أدناهم، وأجاز صلحه- والبلاذري يرى أن هذا أثبت من رواية فتحه عنوة من قبل خالد، وصلحًا من قبل أبي عبيدة - (فتوح البلدان / ١٦٧) ولكن المحققين الفاضلين لكتاب البلاذري (عبد الله الطّباع وعمر الطّباع) قد ذكرا قولًا لمحمد بن عساكر وفيه:\nاعتمد المؤلف على الرواية في فتح دمشق من باب الجابية عنوة بيد أبي عبيدة ﵁ وأكدّ ذلك بقوله هنا والخبر الأول أثبت، وهو على الحقيقة أضعف الروايات في فتح دمشق والصحيح الثابت بالأخبار والآثار: أنّ خالدًا ﵁ دخلها من الباب الشرقي قسرًا ودخلها أبو عبيدة سلمًا من باب الجابية، هذا من حيث صحة الأخبار (حاشية فتوح البلدان / ١٦٨).\n٩ - وأخرج البلاذري: وحدثني القاسم بن سلام قال حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: دخل يزيد دمشق من الباب الشرقي صلحًا فالتقيا بالمقسلاط فأمضيت كلّها على الصلح (فتوح البلدان / ١٦٩).\n١٠ - وأخرج البلاذري: حدثني القاسم قال حدثنا أبو مسهر عن يحيى بن حمزة عن أبي المهلب الصغاني عن أبي الأشعث الصغاني أن أبا عبيدة أقام بباب الجابية محاصرًا لهم أربعة أشهر (فتوح البلدان / ١٦٩).\n١١ - أما الكلاعي فهو يرى أن سيف بن عمر التميمي قد خالف في روايته التأريخية (ما تقدم =","vol":"3","page":138},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من المساق والتأريخ في أمر دمشق) ويشير الكلاعي إلى رواية ابن إسحاق التي ذكرت فتح فحل قبل دمشق -ويقول الكلاعي: وزعم (أي سيف) أن فحلًا كانت بعد دمشق خلافًا لما ذكره ابن إسحاق أنها كانت قبلها وأن رافضة فحل هم الذين صاروا إلى دمشق.\n١٢ - أما ابن الجوزي فهو يرى أن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة في رجب، وكان حصارها ستة أشهر (المنتظم في فتوح البلدان / ٤/ ١٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>(خلاصة قولنا في فتح دمشق)</span>\n١ - يكاد يجمع المؤرخون المتقدمون ومن بعدهم على أن فتح دمشق كان في سنة (١٣ هـ).\n٢ - اختلفت آراء المؤرخين في تحديد المعركة السابقة هل هي معركة فتح دمشق أم فحل، ومنشأ اختلافهما اختلاف رواية سيف بن عمر مع رواية ابن إسحاق وكلاهما ضعيف في إسناده.\n٣ - وإذا اختلف المؤرخون في كون خالد فتح جزءًا من مدينة دمشق عنوة أو صلحًا وبعكسه فعل أبو عبيدة، فإنهم جميعًا اتفقوا على أن جزءًا منها فتح عنوة والآخر صلحًا ثم التقى الجناحان داخل المدينة وكانت النتيجة النهائية هو إمضاء الصلح.\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحًا أو عنوة؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح؛ لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحًا، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسرًا؟ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحًا احتياطًا (البداية والنهاية ٧/ ٢٣).\n٤ - ونحن لا نرى غرابة في اختلاف الروايات (ونعني الروايات التي ذكرت كتاب الصلح باسم أبي عبيدة أو التي ذكرت ذلك باسم خالد). لأن الأمر الصادر من الخليفة بعزله النهائي شاع بعد فتح دمشق فلا ضير إن توجه قسم من الروم إلى خالد ليكتب لهم الصلح (وهو القائد الذائع الصيت بشجاعته المرهوب الجانب في الحروب). أو توجه قسم منهم إلى أبي عبيدة ليمضي لهم الصلح.\nوقال ابن كثير: ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح وهذا هو الأنسب والأشهر، فإن خالدًا كان قد عزل عن الإمارة، وقيل: بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة فالله أعلم (البداية والنهاية ٧/ ٢٣).\n٥ - اختلفت الروايات في مدة الحصار (أي: حصار المسلمين لدمشق) فأقل الروايات ذكرت المدة سبعين يومًا وأكثرها حولًا أو يزيد.\n٦ - إن النقلة السريعة التي نقل بها الإسلام جماعة الصحابة ومن تبعهم من التابعين تدل على عظمة عقيدة التوحيد التي ما إن تستقر في النفوس حتى تتحول إلى حركة ساعية للخير لا تبالي المصاعب والمشقات وحصار مدينة كدمشق محاطة بأسوار منيعة شيء جديد على الجيش =","vol":"3","page":139},{"text":"ذكر أمر فحل من رواية سيف:\nقال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر فحل إذ كان في الخبر الذي فيه من الاختلاف ما ذكرت من فتوح جند الشام والأمور التي تستنكر وقوع مثل هذا الاختلاف الذي ذكرته في وقته لقرب بعض ذلك من بعض.\n_________\n= الفاتح ولكن ذلك الجديد لم يفتَّ من عضدهم وصبرهم وجهادهم -إن الناقد المنصف إذا تمعّن في الروايات التأريخية هذه يضحك على الذين يجعلون من الاقتصاد وغير ذلك دافعًا لجهاد المسلمين ومحفزًا يدفعهم نحو النصر- ألا هزلت أفكار المستشرقين ومن يتطفل على موائدهم- ألا إن السر كان في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>مسألة تجريد خالد ﵁ من نصف ما يملك وذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁</span>\nذكرنا الرواية (٣/ ٤٣٦ / ٢٩٨) في قسم الضعيف ولكننا ذكرنا هنا في قسم الصحيح (بعد ذكر بيسان وطبرية) ما رواه ابن عساكر عن أبي الدرداء حين عاد خالدًا في مرضه الأخير وفيه يقول خالد ﵁: [قد كنت وجدت عليه في نفسي من أمور لمّا تدبرتها في مرضي هذا عرفت: أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل؛ كنت وجدت عليه في نفسي حيث بعث إليّ من يقاسمني مالي حتى أخذ فرد نعل وأخذت فرد نعل، فرأيته فعل ذلك بغيري من أهل السابقة ومن شهد بدرًا، وكان يغلظ على وكانت غلظته على غيري نحوًا من غلظته عليّ، وكنت أدلّ عليه بقرابة، فرأيته لا يبالي قريبًا، ولا لوم لائم في غير الله، فذاك الذي أذهب ما كنت أجد عليه] مختصر تأريخ دمشق لابن منظور (٨/ ٢٥) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان به: وهذه الوقعة مفخرة من مفاخر التأريخ الإسلامي وخاصة الخلافة الراشدة إذ يعاقب الإمام الأعظم (الخليفة) أحد قادته ولا يبالي بالقرابة ولا بلومة لائم ويجرده من نصف ماله حتى يأخذ منه أبسط الأشياء خشية أن يكون قد حاز شيئًا ولو يسيرًا من مال المسلمين بغير حق، ولا يفرق بين قائد عسكري مرموق وبين أبسط شخص في الرعية، فأين هذه المفخرة من مخازي التأريخ الغربي قديمًا وحديثًا وذلك عندما توضع الأوسمة والنياشين وتوزع الهبات والهدايا على قادة عسكريين ظلمة بمجرد انتصارهم في معركة من المعارك. حقًّا لا وجه للمقارنة بين الثرى والثريا.\nفهؤلاء الصليبيون (ورثة الوثنية اليونانية) يقاتلون في سبيل الشيطان والمال والشهرة والجاه وغير ذلك فلا يهم عندهم أن يضعوا الأموال في غير محلها. . . أما الصحابة الكرام فهم خير خلق الله بعد الأنبياء. . . خرجوا جهادًا في سبيل الله وإعلاء لكلمة الله. . .\nويا عجبًا كيف تتحول المفخرة إلى شبهة عندما تُكتب بقلم من تتلمذ على موائد الغرب وتشرّب قلبه بالحقد على التأريخ الإسلامي وكل ما هو إسلامي، والحمد لله على نعمه التي أنعمها على هذه الأمة ومنها أنها أمة الإسناد كما قال الحافظ وغيره.","vol":"3","page":140},{"text":"٩٣ - فأما ما قال ابنُ إسحاق من ذلك وقصّ من قصّته، فقد تقدّم ذكرِيه قبل. وأمَّا السَّرِيّ فإنَّه فيما كتب به إليّ، عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيِد الغسَّانيّ وأبي حارثة العبشمي، قالا: خلَّف النَّاسُ بعد فتح دمشق يزيدَ بن أبي سفيان في خَيله في دِمشق، وساروا نحو فِحْل، وعلى الناس شُرَحبيل بن حَسَنة، فبعث خالدًا على المقدّمة وأبا عبيدة وعمرًا على مجنَّبتيه، وعلى الخيل ضِرار بن الأزْور، وعلى الرَّجْل عياض، وكرهوا أن يصمُدوا لهرقل، وخَلْفهم ثمانون ألفًا، وعلِموا: أنّ مَنْ بإزاء فِحْل جُنَّة الرّوم وإليهم ينظرون، وأن الشام بعدهم سِلْم. فلما انتهوْا إلى أبي الأعور، قدّموه إلى طَبَرِيَّة، فحاصرهم ونزلوا على فِحْل من الأردن، -وقد كان أهل فِحْل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرَزُوا إلى بَيسان- فنزل شُرَحبيل بالناس فِحْلًا، والروم بَيسان، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر بالخبر، وهم يحدّثون أنفسهم بالمقام، ولا يريدون أن يَرِيموا فِحْلًا حتَّى يرجع جواب كتابهم من عند عمر، ولا يستطيعون الإقدام على عدوِّهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال؛ وكانت العرب تسمّي تلك الغزاة فِحْلًا وذاتَ الرَّدَغة وبَيسان، وأصاب المسلمون من ريف الأردنّ أفضلَ ممَّا فيه المشركون؛ مادّتهم متواصِلة، وخصبهم رَغْد؛ فاغترّهم القوم، وعلى القوم سَقَلِاّر بن مِخْراق؛ ورجوا أن يكونوا على غِرَّة، فأتوْهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم، فهم على حَذر. وكان شُرَحبيل لا يبيت ولا يصبح إلّا على تعبية، فلمَّا هجموا على المسلمين غافصوهم، فلم يناظروهم، واقتتلوا بفِحْل كأشدّ قِتال اقتتلوه قطّ ليلتَهم ويومَهم إلى الليل، فأظلم الليلُ عليهم وقد حاروا، فانهزموا وهم حيارَى، وقد أصيب رئيسهم سَقَلّار بن مخراق؛ والذي يلِيه فيهم نسطورس، وظفِر المسلمون أحسنَ ظفر وأهنأه، وركبوهم وهم يَرْون أنهم على قَصْد وجدَد، فوجدوهم حيارَى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتُهم وحَيرتهم إلى الوَحَل، فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم؛ وقد وحِلوا فركبوهم؛ وما يمنعون يد لامس؛ فوخَزُوهم بالرّماح، فكانت الهزيمة في فِحْل؛ وكان مقتلهم في الرّداغ، فأصيب الثمانون ألفًا، لم يُفلِت منهم إلّا الشريد؛ وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البُثوق فكانت عونًا لهم على عدوّهم، وأناةً من الله ليزدادوا بصيرة وجِدًّا،","vol":"3","page":141},{"text":"واقتسموا ما أفاء الله عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فِحْل إلى حِمْص، وصرفوا سُمَيْر بن كعب معهم، ومضَوْا بذي الكَلاع ومَن معه، وخلّفوا شُرَحبيل ومن معه (١). (٣: ٤٤٢/ ٤٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>ذكر بَيْسان</span>\n٩٣ / أ- ولمَّا فرغ شُرَحبيل من وقعة فِحْل؛ نَهَد في النَّاس ومعه عمرو إلى أهل بَيسَان، فنزلوا عليهم، وأبو الأعور والقوّاد معه على طَبريَّة، وقد بلغ أفناءَ أهل الأردنّ ما لقيت دمشق، وما لقي سقلّار والرّوم بفِحْل وفي الردَغة، ومسيرُ شرحبيل إليهم، ومعه عمرو بن العاص والحارث بن هشام وسُهيل بن عمرو،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\nولقد تحدثنا عن فتح دمشق بالتفصيل وسنزيد هنا ما لم نذكره هناك مع إضافة الحديث عن فحل دمشق والله أعلم:\nجاء في المعرفة والتأريخ ليعقوب الفسوي عند الحديث عن أحداث سنة (١٣ هـ) ضمن خلافة سيدنا عمر ﵁ ما يلي:\nأخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي، نا أبو بكر الخطيب ح، وأخبرنا أبو القاسم السمرقندي، نا أبو بكر بن الطبري، قالا: أنبأنا أبو الحسن بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، نا حامد بن يحيى، نا صدقة -يعني: ابن سابق- عن محمد بن إسحاق قال: استخلف عمر على رأس اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يومًا من مهاجر رسول الله - ﷺ - وكان أمر الناس إلى خالد بن الوليد والأمراء على منازلهم فساروا قبل فِحل من الأردن، وكانت فِحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وعلى رأس ستة أشهر من خلافة عمر - (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٥).\nثم ذكر رواية أخرى: قال: ونا يعقوب، حدثني سلمة عن أحمد بن حنبل، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر: قال: وكانت فحل في ولاية عمر لستة أشهر مضين منها. (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٥).\nثم ذكر رواية ثالثة: قال: ونا يعقوب، نا إبراهيم، نا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وقال حسان بن عبد الله بن لهيعة: عن أبي الأسود عن عروة قالا: كانت وقعة أجنادين وفحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ولما توفي أبو بكر واستخلف عمر نزع خالد بن الوليد وأمّر أبا عبيدة بن الجراح على الأجناد (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٦) وهذه روايات منها معضلة، ومنها ما هي مرسلة ولكنها متعددة المخارج تذكر جميعها: أن وقعة فحل كانت سنة (١٣ هـ) والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"3","page":142},{"text":"يريد بيسان؛ وتحصّنُوا بكلّ مكان، فسار شُرَحبيل بالنَّاس إلى أهلِ بَيسان، فحصروهم أيامًا، ثم إنَّهم خرجُوا عليهم فقاتلوهم، فأناموا مَن خرج إليهم، وصالحوا بقيَّة أهلها، فقبِل ذلك على صلْح دمشق. (٣: ٤٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>طبَريَّة</span>\n٩٣ / ب- وبلغ أهلَ طَبرِيَّة الخبر، فصالحوا أبا الأعور، على أن يبلغهم شُرَحبيل، ففعل؛ فصالحوهم وأهل بَيسان على صلح دمشق؛ على أن يشاطروا المسلمين المنازلَ في المدائن، وما أحاط بها ممَّا يصلُها، فيدَعون لهم نصفًا، ويجتمعون في النِّصف الآخر، وعن كلّ رأس دينار كلَّ سنة، وعن كلّ جريب أرض جَريب بُرّ أو شعير؛ أيّ ذلك حُرِث، وأشياء في ذلك صالحوها عليه، ونزلت القوّاد وخيولُهم فيها، وتمّ صلح الأردنّ، وتفرّقت الأمداد في مدائن الأردنّ وقراها، وكُتب إلى عمر بالفتح (١). (٣: ٤٤٤).\n_________\n(١) واضح من خلال سرد الطبري لخبر بيسان وطبرية أنه تكملة لرواية سيف (٣/ ٤٤٢ / ٣٠٤) ولم نجد عند غيره (أي: سيف) هذه التفاصيل إلّا أن لأصل الخبر شاهدًا (ويعني فتح بقية الأردن عنوة خلا طبرية) فقد:\n١ - أخرج ابن عساكر عن خليفة قال: وحدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه، وذلك بأمر أبي عبيدة (تأريخ مدينة دمشق لابن عساكر / المجلد ٥٣ / ص ٣٣٦).\n٢ - في تأريخ خليفة: حدثنا عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم على ألا يمنعوا من أعيادهم ولا يهدم شيء من كنائسهم، صالح على ذلك أهل المدينة وأخذ سائر الأرض عنوة. (تأريخ خليفة / ١٢٦).\n٣ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن عدة، منهم: أبو بشر مؤذن مسجد دمشق: أن المسلمين لما قدموا الشام. . . الخبر وفيه: ثم ولي أبو عبيدة بن الجراح أمر الشام كلّه وأمّره الأمراء في الحرب والسلم من قبل عمر بن الخطاب ﵁ وذلك أنه لما استخلف كتب إلى خالد بن الوليد بعزله وولى أبا عبيدة، ففتح شرحبيل بن حسنة طبرية صلحًا بعد حصار أيّام على أن أمن أهلها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكنائسهم ومنازلهم إلّا ما جلوا عنه وخلّوه، واستثنى لمسجد المسلمين موضعًا، ثم إنهم نقضوا في خلافة عمر، واجتمع إليهم قوم من الروم وغيرهم، فأمر أبو عبيدة عمرو بن العاص، بغزوهم فسار إليهم في أربعة آلاف فافتتحها على مثل صلح شرحبيل ويقال: بل فتحها شرحبيل ثانية، وفتح شرحبيل جميع مدن الأردن وحصونها =","vol":"3","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على هذا الصلح فتحًا يسيرًا بغير قتال، ففتح بيسان وفتح موسية وفتح أفيق وجُرَش وبيت رأس وقَدَس، والجولان وغلب على سواد الأردن وجميع أرضها.\nقال أبو حفص: قال أبو محمد سعيد بن عبد العزيز: وبلغني: أن الرضين بن عطاء قال: فتح شرحبيل عكا وصور وصفّورية، وقال أبو بشر المؤذن: إن أبا عبيدة وجّه عمرو بن العاص إلى سواحل الأردن فكثر به الروم، وجاءهم المدد من ناحية هرقل وهو بالقسطنطينية فكتب إلى أبي عبيدة يستمده فوجّه أبو عبيدة يزيد وعمرو إلى سواحل الأردن، فكتب أبو عبيدة بفتحها لهما وكان لمعاوية في ذلك بلاء حسن وأثر جميل. (فتوح البلدان / ١٦٠).\n٤ - وقال ابن عساكر (بعد أن ذكر رواية خليفة عن المغيرة في فتح الأردن كلها عنوة خلا طبرية):\nوقال ابن الكلبي نحوه وقالا (أي: خليفة والكلبي): - وبعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا، (تأريخ مدينة دمشق مجلد ٥٣/ ٣٣٦). وكذلك قال ابن كثير: قال خليفة بن خياط: حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه. وهكذا قال ابن الكلبي وقالا (أي: خليفة والكلبي): بعث أبو عبيدة خالدًا فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا (البدابة والنهاية ٧/ ٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>الأسباب الحقيقية وراء عزل سيدنا عمر لخالد ﵁:</span>\n١ - لقد كتب الله النصر لسيفه المسلول خالد بن الوليد ﵁ في المعارك الواحدة تلو الأخرى حتى أنه أصبح في نظر أعداء الله أسطورة وبطلًا خارقًا فكان قادة الروم يتصورونه سيفًا أنزله الله من السماء على رسوله محمد - ﷺ -، ويبدو: أن سيدنا عمر ﵁ خشيَ أن تنتقل هذه الفكرة إلى أوساط الجيش الإسلامي وتترسخ في أذهانهم فكرة الربط بين الانتصارات هذه وقيادة خالد لجيوش الفتح. ولم يكن عمر يخشى ذلك على الصحابة وإنما من دخل بعدهم ممن دخل الإسلام حديثًا وقد سبق أن ذكرنا رواية ابن سعد أن بعض (أهل الشام) استعجز أبا عبيدة حصار دمشق ورجّح خالد بن الوليد فغضب معاذ وقال: أبأبي عبيدة يُظنّ! والله إنه لمن خيرة من يمشي على الأرض. وحسن الحافظ إسناده (الإصابة ٣/ ٤٧٧ / ت ٤٤١٨).\nفأراد عمر ﵁ أن يمحو هذا الوهم من أذهان الناس ويبين لهم عمليًّا أن النصر من عند الله وليس من عند خالد وإنما هو (أي خالد) عامل من بين عوامل كثيرة من عوامل النصر وجندي من جنوده سبحانه لا يحصيها إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾.\nوأخرج خليفة بن خياط من طريق معاذ عن ابن عون عن محمد قال: لما ولي عمر قال: لأعزلن خالدًا حتى يعلم: أن الله إنما ينصر دينه (تأريخ خليفة / ١٢٢) وأخرج ابن سعد في طبقاته الكبرى (٣/ ٢٨٤) أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن زيد قال: أخبرنا أيوب =","vol":"3","page":144},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب: لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى مثنى بن شيبان حتى يعلما أن الله إنما كان ينصر عباده وليس إياهما كان ينصر.\nوهذا إسناد مرسل صحيح ومتنه يؤدي إلى معنى آخر وهو خشية عمر من أن يدخل العجب إلى قلبيهما (خالد والمثنى) فأراد أن يبعدهما عن هذا التلبيس خشية أن يقعوا فيه، والصحابة وإن كانوا عدولًا ولكنهم غير معصومين والله تعالى أعلم.\n٢ - وإذا كان لعزل خالد سبب آخر فنراه والله أعلم ما ذكره الحافظ وغيره من أن طريقة تعامل أبي بكر ﵁ مع عماله وقادته تختلف عن طريقة عمر ﵁ وذلك من سعة أصول السياسة الشرعية التي تعاملا بها ﵄، فعمر كان يفرض على قادته وأمرائه أن يرجعوا إليه في كل صغيرة وكبيرة بينما الصديق كان يترك صغائر الأمور ودقائقها لقادته بعد أن يختار الرجل المناسب منهم في المكان المناسب.\nقال الزبير بن بكار (وهو أحد أئمة التأريخ الإسلامي من المتقدمين): وحدثني محمد بن مسلم، عن مالك بن أنس. قال؛ قال عمر لأبي بكر اكتب إلى خالد لا يعطي شيئًا إلّا بأمرك، فكتب إليه بذلك فأجابه خالد: إما أن تدعني وعملي وإلّا فشأنك بعملك، فأشار عليه عمر بعزله فقال أبو بكر: فمن يجزي عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا. قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار فمشى أصحاب النبي - ﷺ - إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج وأنت محتاج إليه ومالك عزلت خالدًا وقد كفاك. قال: فما أصنع؟ قالوا: تحزم على عمر فيقيم وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله ففعل، فلما ولِّيَ عمر كتب إلى خالد: ألّا تعطى شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر. فقال عمر: ما صدقت الله؛ إن كنت أشرت على أبي بكر بأمرٍ فلم أنفذه. فعزله (الإصابة ٢/ ٢١٩ / ت ٢٢٠٦).\nولقد توفي خالد ﵁ وقد أيقن أن أمير المؤمنين عمر هو خير من يجعله وصيًا على تركته (قد جعلت وصيتي وتركتي وإنفاذ عهدي إلى عمر بن الخطاب) (ابن عساكر / ترجمة خالد).\n٣ - لقد كان خالد ﵁ كأي قائد (عسكري ميداني) ينظر إلى الأمور ويتفاعل معها بنظرة عسكرية. أما الخليفة عمر ﵁ فكان يرى الأمور ويسوسها بنظرة أكثر شمولية سياسية وعسكرية وغير ذلك وليس نظرة عسكرية فقط، فأصول السياسة الشرعية التي كان عمر يتعامل بها لا تختص بالجانب العسكري فقط وإنما جوانب أخرى مجتمعة، وليس غريبًا في التأريخ البشري الطويل وحتى يومنا هذا أن يعزلَ الرؤساءُ قادةَ الجيش، ويستبدلونهم بين الآونة والأخرى، ولا يلزم في ذلك دائمًا الأغراض والعوامل النفسية وما إلى ذلك (فكيف إذا كان الأمر متعلقًا بأحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتبع سنتهم وبالإضافة إلى ذلك فهم صحابة أجمع العلماء على عدالتهم سلفًا وخلفًا).","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود</span>\n٩٤ - قال أبو جعفر: وقد مضى ذكري ما رُوي عن سيف، عَمَّن رَوى عنه؛ أنّ وقعة اليرموك كانتْ في سنة ثلاث عشرة؛ وأنَّ المسلمين وَرَد عليهم البريد بوفاة أبي بكر باليَرْموك، في اليوم الذي هُزِمت الروم في آخره، وأنّ عمر أمرهم بعد فراغهم من اليَرْموك بالمسير إلى دمشق، وزعم أنّ فِحْلًا كانت بعد دمشق؛ وأنّ\n_________\n= والمتدبر للروايات التأريخية يتبيّن: أن حروب الردة وشراستها كانت تقتضي من القيادة الإسلامية في المدينة والمتمثلة بسيدنا أبي بكر ﵁ أن تختار رجلًا عسكريًا شديدًا جدًّا نظرًا لخطورة الموقف وحراجته، وقد ارتدت الجزيرة جُلّها سوى مكة والمدينة وشيئًا مما حولهما- وكذلك بعد حروب الردة وبداية معارك الفتوح في العراق والشام، فلم يعهد المسلمون في معاركهم السابقة شراسة الفرس وطول صبرهم وكثرة عددهم، ولم يعهدوا كذلك جيوشًا نظامية هائلة الأعداد والعتاد كجيوش الروم، فكان لا بد أن يكون رأس الحربة رجالًا أشداء كخالد، كأنهم خلقوا للمجالدة والمبارزة واقتحام قلب العدو. ولكن الأمور اختلفت بعد فتح قسط كبير من بلاد الشام والعراق وأصبحت طوائف وأقوام كثيرة تحت حكم المسلمين فكان لا بد أن يروا بأم أعينهم رحمة الإسلام وشفقته ويده الحانية، فتألف قلوبهم الإسلام ويعتنقوه، فكان الرجل المناسب هو أبو عبيدة ﵁ أمين هذه الأمة.\nوإن كان خالد خلال تلك المعارك (كقائد ميداني) لم يبلغ في تقييمه للأمور سعة إدراك عمر كخليفة وكقائد عام لجميع الجيوش، فإن خالدًا ﵁ قد أدرك في نهاية حياته ما أدركه عمر فأنصفه وتكلم بكلمات تُكمم أفواه المستشرقين وأعداء التأريخ الإسلامي. فقد أخرج ابن عساكر (ترجمة خالد) ﵀: دخل أبو الدرداء على خالدٍ في مرض موته، فقال له خالد: يا أبا الدرداء لئن مات عمر؛ لترين أمورًا تنكرها، فقال أبو الدرداء: وأنا والله أرى ذلك. فقال خالد: قد وجدت عليه في نفسي في أمور، لما تدبّرتها في مرضي هذا وحضرني من الله حاضر؛ عرفت أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل، كنت وجدت عليه في نفسي حين بعث إليّ من يقاسمني مالي حتى أخذ فرد نعل وأخذت فرد نعل، ولكنه فعل ذلك بغيري من أهل السابقة وممن شهد بدرًا، وكان يغلظ عليّ، وكانت غلظته على غيري نحوًا من غلظته عليّ، وكنت أدلّ عليه بقرابته، فرأيته لا يبالي قريبًا ولا لوم لائم في غير الله. فذلك الذي أذهب عني ما كنت أجد عليه، وكان يكثر على عنده، وما كان ذلك إلا على النظر: فقد كنت في حرب ومكابدة وكنت شاهدًا وكان غائبًا، فكنت أعطي على ذلك، فخالفه ذلك من أمري.\n[مختصر تأريخ دمشق لابن عساكر] (٨/ ٢٥) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان به.","vol":"3","page":146},{"text":"حروبًا بعد ذلك كانت بين المسلمين والرُّوم سوى ذلك، قبل شخوص هِرَقل إلى قسطنطينية، سأذكرها إن شاء الله في مواضعها.\nوفي هذه السنة -أعنِي سنة ثلاث عشرة- وجَّه عمر بن الخطاب أبا عُبيد بن مسعود الثقفيّ نحو العراق. وفيها استُشهد في قول الواقديّ.\nوأمَّا ابن إسحاق؛ فإنه قال: كان يوم الجِسْر، جِسْرِ أبي عُبيد بن مسعود الثَقَفيّ في سنة أربع عشرة (١). (٣: ٤٤١/ ٤٤٢).\n٩٥ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل، عن القاسم ومُبشِّر، عن سالم، قال: كان أوّلَ بعث بعثه عمر بعثُ أبي عبيد، ثم بعث يعلَى بن أميَّة إلى اليمن وأمَره بإجلاء أهل نجْران، لوصيَّة رسولِ الله - ﷺ - في مرضه بذلك، ولوصيَّة أبي بكر ﵀ بذلك في مرضِه، وقال: ائْتِهِم ولا تفتنْهم عن دينهم، ثمّ أجْلهم، مَن أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامْسح أرض كلّ مَنْ تُجْلِي منهم، ثمّ خيّرهم البلدان، وأعْلِمهم أنَّا نُجليهم بأمر الله ورسوله؛ ألّا يُتْرك بجزيرة العرب دينان؛ فلْيخرجوا؛ مَن أقام على دينه منهم؛ ثم نعطيهم أرضًا كأرضهم، إقرارًا لهم بالحقّ على أنفسنا، ووفاء بذمَّتهم فيما أمر الله من ذلك بدلًا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالرّيف (٢). (٣: ٤٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>خبر النّمارق</span>\n٩٦ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن سهل ومبشّر بإسنادهما، ومُجالدٍ عن الشعبيّ، قالوا: فخرج أبو عُبيد ومعه سعد بن عبيد، وسَلِيط بن قيس؛ أخو بني عديّ بن النجار، والمثنَّى بن حارثة أخو بني شيبان، ثم أحد بني هند (٣). (٣: ٤٤٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن متنه صحيح كما سنرى بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وله ما يقويه (أي الشطر المتعلق ببعث أبي عبيد) أما الشطر الثاني منه (أي إجلاء أهل نجران) فسنرجع إليه في حينه إن شاء الله.\n(٣) إسناده ضعيف وهو صحيح كما سنذكر بعد قليل عن حديثنا عن واقعة الجسر إن شاء الله.","vol":"3","page":147},{"text":"٩٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن أبي عمران الجُعْفيّ، قال: ولَّت حربَها فارس رُستَمَ عشر سنين، وملَّكوه، وكان منجّمًا عالمًا بالنجوم، فقال له قائل: ما دعاك إلى هذا الأمر وأنت ترى ما ترى! قال: الطَّمَع وحبّ الشَّرَف. فكاتب أهل السَّواد، ودسّ إليهم الرؤساء، فثاروا بالمسلمين؛ وقد كان عهد إلى القوم: أنّ الأمير عليكم أوّل مَنْ ثار، فثار جابان في فُرات بَادَقْلَى، وثار الناس بعده، وأرَز المسلمون إلى المثنَّى بالحيرة، فصمد لِخَفَّان، ونزل خَفَّان حتى قدم عليه أبو عبيد وهو الأمير على المثنَّى وغيره، ونزل جابان النَّمارق، فسار إليه أبو عبيد من خَفَّان، فالتقوْا بالنّمارق؛ فهزم الله أهلَ فارس، وأصابوا منهم ما شاؤوا وبَصُر مَطَر بن فضّة -وكان ينسب إلى أمّه- وأبَيٌّ برجل عليه حَليٌ؛ فشدّا عليه فأخذاه أسيرًا، فوجداه شيخًا كبيرًا فزهد فيه أبيّ ورغب مَطرَ في فدائه، فاصطلحا على أنّ سلبه لأبيّ، وأن إساره لمَطر، فلما خَلص مطر به، قال: إنَّكم معاشر العرب أهل وفاء، فهل لك أن تؤمّني وأعطيَك غلامَين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا! قال: نعم، قال: فأدخِلْني على مَلِككم؛ حتى يكون ذلك بمشهد منه، ففعل فأدخله على أبي عبيد، فتمَّ له على ذلك؛ فأجاز أبو عبيد، فقام أبيّ وأنَاس من ربيعة؛ فأما أبيّ فقال: أسرتُه أنا وهو على غير أمان؛ وأمَّا الآخرون فعرفوه، وقالوا: هذا الملك جابان؛ وهو الذي لقينا بهذا الجمع، فقال: ما تروْني فاعلًا معاشر ربيعة؟ أيؤمِّنه صاحبكم وأقتله أنا! معاذ الله من ذلك! وقسَّم أبو عبيد الغنائم، وكان فيها عِطْر كثير ونَفَل، وبعث بالأخماس مع القاسم (١). (٣: ٤٤٩/ ٤٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>السَّقاطية بكَسْكر</span>\n٩٨ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقال أبو عبيد حين انهزموا وأخذوا نحو كَسْكَر ليلجؤوا إلى نَرْسِي -وكان نَرْسِي ابن خالة كسرى؛ وكانت كسكر قطيعة له، وكان النِّرْسِيان له، يحميه لا يأكله بشرٌ، ولا يغرسه غيرهم أو ملك فارس إلّا مَنْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وله ما يقويه كما سنذكر.","vol":"3","page":148},{"text":"أكرموه بشيء منه، وكان ذلك مذكورًا من فِعْلهم في النَّاس، وأنّ ثَمرهم هذا حِمىً، فقال له رستم وبوران: اشخص إلى قطيعتك فاحمها من عدوّك وكن رجلًا، فلمَّا انهزم الناس يوم النَّمارق، ووجَّهت الفالَّة نحو نَرْسي -ونَرْسي في عسكره- نادى أبو عبيد بالرّحيل، وقال للمجرّدة: اتبعوهم حتى تُدخِلوهم عسكر نَرْسِي، أو تبيدوهم فيما بين النَّمارق إلى بارق إلى دُرْنا. وقال عاصم بن عمرو في ذلك:\nلَعَمْرِي وما عمري عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالخِزْي أهلُ النَّمارِقِ\nبأيدِي رِجالٍ هاجروا نحو ربِّهمْ ... يجوسونهم ما بين دُرْنا وبارِقِ\nقتلناهُم ما بين مَرْجٍ مُسَلّح ... وبين الهَوافِي من طريق البَذارِقِ\nومضى أبو عُبَيد حين ارتحلَ من النَّمارق حتى ينزل على نَرْسي بكَسْكر -ونَرْسِي يومئذ بأسفل كَسْكر- والمثنَّى في تعبيته الّتي قاتل فيها جابان، ونَرْسي على مجنَّبتيه ابنا خاله -وهما ابنا خال كسرى بِندَوَيه وتِيرَويه ابنا بسْطام- وأهل بارُوسْما ونهر جَوْبَر والزّوابي معه إلى جنده، وقد أتى الخبر بُوران ورستمَ بهزيمة جابان، فبعثوا إلى الجالِنُوس، وبلغ ذلك نَرْسِي وأهل كَسْكَر وبارُوسْما ونهر جَوْبَر والزّاب، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة، وعاجَلَهم أبو عُبيد فالتقوْا أسفل من كَسْكر بمكان يدعى السَّقاطية فاقتتلوا في صحارى مُلْس قتالًا شديدًا، ثمّ إنّ الله هزم فارس، وهرب نَرْسِي، وغُلِب على عسكره وأرضه، وأخرب أبو عبيد ما كان حول معسكرهم من كسكر، وجمع الغنائم، فرأى من الأطعمة شيئًا عظيمًا، فبعث فيمَن يليه من العرب فانتفلوا ما شاؤوا، وأخذت خزائن نَرْسِي؛ فلم يكونوا بشيء ممَّا خزن أفرح منهم بالنّرسِيان؛ لأنّه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم؛ فاقتسموه فجعلوا يُطعمونه الفلاحين؛ وبعثوا بخُمسه إلى عمر، وكتبوا إليه: إنّ الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها، وأحببنا أن تروها، ولتذكروا إنعام الله وإفضاله.\nوأقام أبو عبيد وسرّح المثنَّى إلى بارُوسما، وبث والقًا إلى الزَّوابي وعاصِمًا إلى نهر جَوْبر؛ فهزموا مَن كان تجمّع وأخربوا وسبوْا، وكان ممَّا أخرب المثنَّى وسَبى أهل زَنْدَوَرْد وبسوسيا، وكان أبو زَعْبل من سَبْي زَنْدوَرْد؛ وهرب ذلك الجند إلى الجالِنوس، فكان ممَّن أسر عاصم أهل بيتيق من نهر جوبر، وممَّن","vol":"3","page":149},{"text":"أسر والق أبو الصَّلْت، وخرج فرُّوخ وفَرْوَنداذ إلى المثنَّى، يطلبان الجزاء والذّمة، دفعًا عن أرضهم، فأبلغهما أبا عبيد: أحدهما بارُوسْما والآخر نهر جوبر، فأعطياه عن كلّ رأس أربعة، فرّوخ عن باروسما وفرونداذ عن نهر جَوْبر، ومثل ذلك الزّوابي وكَسْكر، وضمّنا لهم الرّجال عن التعجيل، ففعلوا وصاروا صُلْحًا، وجاء فرُّوخ وفرونداذ إلى أبي عُبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس من الألوان والأخبصة وغيرها؛ فقالوا: هذه كرامة أكرمناك بها، وقِرّى لك. قال: أأكرمتم الجند وقريتمُوهم مثله؟ قالوا: لم يتيسَّر ونحن فاعلون؛ وإنما يتربَّصون بهم قدوم الجالِنُوس وما يصنع، فقال أبو عُبيد: فلا حاجة لنا فيما لا يسع الجند، فردّه، وخرج أبو عُبيد حتى ينزل ببارُوسما فبلغه مسير الجالِنوس (١). (٣: ٤٥٠/ ٤٥١ / ٤٥٢).\n٩٩ - كتب إليّ السريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن النضر بن السريّ الضّبيّ، قال: فأتاه الأنْدَرْزَغَر بن الخركبذ بمثل ما جاء به فرُّوخ وفرونداذ. فقال لهم: أأكرمتُم الجند بمثلِه وقريتموهم؟ قالوا: لا، فردّه، وقال: لا حاجة لنا فيه؛ بئس المرءُ أبو عبيد؛ إن صحب قومًا من بلادهم أهراقوا دماءَهم دُونه، أو لم يُهريقوا فاستأثر عليهم بشيء يصيبه! لا والله لا يأكل ممَّا أفاء الله عليهم إلا مثْل ما يأكل أوساطهم (٢)! (٣: ٤٣٢).\n١٠٠ - قال أبو جعفر: وقد حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق بنحو من حديث سيف هذا عن رجاله في توجِيه عمر المثنَّى وأبا عبيد بن مسعود إلى العراق في حرب مَن بها من الكُفَّار وحروبهم، ومن حاربهم بها؛ غير أنه قال: لما هُزِم جالنوس وأصحابه، ودخل أبو عبيد باروسما، نزل هو وأصحابه قريةً من قراها؛ فاشتملت عليهم، فصُنع لأبي عبيد طعامٌ فأتِيَ به؛ فلمَّا رآه قال: ما أنا بالذي آكل هذا دون المسلمين! فقالوا له: كُلْ فإنَّه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وهو يؤتَى في منزله بمثل هذا أو أفضل؛ فأكل، فلمَّا رجعوا إليه سألهم عن طعامهم، فأخبروه بما جاءهم من الطعام (٣). (٣: ٤٥٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهده الصحيحة إن شاء الله.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف وسنذكر شواهده بعد قليل.","vol":"3","page":150},{"text":"١٠١ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وقد كان جابان ونَرْسِي استمدّا بوران، فأمدتهما بالجالنوس في جُنْدجابان، وأمِر أن يبدأ بنَرْسي؛ ثم يقاتل أبا عُبيد بعد، فبادره أبو عُبيد، فنهض في جنده قبل أن يدنُوَ، فلمَّا دنا استقبله أبو عبيد، فنزل الجالِنُوس بباقُسياثا من بارُوسما، فنَهد إليه أبو عُبيد في المسلمين؛ وهو على تعبيته؛ فالتقوْا على باقُسياثا، فهزمهم المسلمون وهرب الجالنوس، وأقام أبو عُبيد، قد غلَب على تلك البلاد (١). (٣: ٤٥٢/ ٤٥٣).\n١٠٢ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن النَّضرْ بن السريّ، والمجالد بنحو من وقعة باقُسياثا (٢). (٣: ٤٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>وقعة القَرْقس</span>\n١٠٣ - ويقال لها: القُسّ قَسّ النَّاطِف، ويقال لها: الجِسر، ويقال لها: المَرْوحَة.\nقال أبو جعفر الطبريّ ﵀: كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ولمَّا رجع الجالنوس إلى رستمَ ومَن أفلت من جنوده، قال، رستم: أيُّ المعجم أشدّ على العرب فيما ترون؟ قالوا: بَهْمَن جاذويه؛ فوجهه ومعه فيَلة ورذ الجالِنوس معه، وقال له: قدّم الجالنوس، فإن عاد لمثلها فاضرب عنقه، فأقبل بهمن جاذويه ومعه \"دِرَفْش كابيان\" راية كَسرى -وكانت من جلود النَّمِر، عرض ثمانية أذرع في طول اثني عشر ذراعًا- وأقبل أبو عبيد، فنزل المرْوحة، موضع البُرْج والعاقول، فبعث إليه بهمن جاذويه: إمّا أن تعبروا إلينا ونَدَعكم والعبور وإمّا أن تَدَعونا نعبر إليكم! فقال الناس: لا تعبر يا أبا عُبيد، ننهاك عن العبور! وقالوا له: قل لهم: فليعبروا -وكان من أشدّ الناس اصَعيه في ذلك سَلِيط- فلجّ أبو عبيد، تركَ الرّأي، وقال: لا يكونون أجرأ على الموت منَّا؛ بل نعبُر إليهم، فعبروا إليهم وهم في منزل\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وراجع الحديث عن واقعة الجسر بعد قليل.","vol":"3","page":151},{"text":"ضيّق المطّرد والمذهب، فاقتتلوا يومًا -وأبو عبيد فيما بين الستّة والعشرة- حتى إذا كان من آخر النهار، واستبطأ رجلٌ من ثَقِيف الفتح، ألّف بين الناس، فتصافحوا بالسيوف وضرب أبو عبيد الفيل، وخبط الفيلُ أبا عبيد، وقد أسرعت السيوف في أهلِ فارس، وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة، ولم يبقَ ولم يُنتظر إلا الهزيمة، فلما خُبِط أبو عبيد، وقام عليه الفيل جال المسلمون جولَة، ثم تمّوا عليها، وركبهم أهلُ فارس، فبادر رجل من ثَقِيف إلى الجسر فقطعه، فانتهى النَّاس إليه والسيوف تأخذهم من خَلْفهم، فتهافتوا في الفرات، فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف، من بين غريق وقتيل، وحمى المثنَّى الناس وعاصمٌ والكلَج الضّبِّي ومذعور، حتى عقدوا الجسر وعبّروهم ثم عبروا في آثارهم، فأقاموا بالمروحة والمثنّى جَرِيح، والكلَج ومذعور وعاصم -وكانوا حماة الناس- مع المثنَّى، وهرب من الناس بشرٌ كثير على وجوههم؛ وافتضحوا في أنفسهم، واستحيَوْا ممَّا نزل بهم، [وبلغ ذلك] عمر عن بعض مَنْ أوى إلى المدينة فقال: عبادَ الله! اللهمّ إنّ كلّ مسلم في حلٍّ منِّي، أنا فئة كلّ مسلم، يرحم الله أبا عُبيد! لو كان عَبَر فاعتصم بالخَيف، أو تحيّزَ إلينا ولم يستقتِل لكنّا له فئة!\nوبينا أهلُ فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر أن النَّاس بالمدائن قد ثاروا برستمَ، ونقضوا الذي بينهم وبينه فصاروا فرقتين: الفَهْلوج على رستم، وأهل فارس على الفَيرُزان؛ وكان بين وقعة اليَرْموك والجِسر أربعون ليلة، وكان الذي جاء بالخبر عن اليَرْموك جرير بن عبد الله الحميريّ؛ والذي جاء بالخبر عن الجسر عبد الله بن زيد الأنصاريّ -وليس بالَّذي رأى الرؤيا- فانتهى إلى عمر وعمر على المنبر. فنادى عمر: الخبر يا عبد الله بن زيد! قال: أتاك الخبر اليقين؛ ثم صعد إليه المنبر فأسرّ ذلك إليه.\nوكانت اليرموك في أيام من جمادى الآخرة، والجسر في شعبان (١). (٣: ٤٥٤/ ٤٥٥).\n١٠٤ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن المجالد\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يقويه بعد قليل.","vol":"3","page":152},{"text":"وسعيد بن المَرْزُبان، قالا: واستعمل رستم على حرب أبي عُبيد بهمن جاذويه؛ وهو ذو الحاجب، وردّ معه الجالنوس ومعه الفيَلة، فيها فيل أبيض عليه النَّخل، وأقبل في الدَّهْم، وقد استقبله أبو عُبيد حتى انتهى إلى بابل؛ فلمَّا بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه؛ فعسكر بالمرْوحَة.\nثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به وقالوا: إمَّا أن تعبروا إلينا وإمَّا أن نعبر، فحلف ليقطعنّ الفرات إليهم، وليمحّصنّ ما صنع، فناشده سَلِيط بن قيمس ووجوه النَّاس، وقالوا: إنّ العرب لم تلق مثل جنود فارس منذ كانوا، وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزُّهاء والعُدّة بما لم يلقَنَا به أحد منهم؛ وقد نزلتَ منزلًا لنا فيه مجال وملجأ ومرجع؛ من فَرّة إلى كَرّة. فقال: لا أفعل، جبُنت والله! وكان الرَّسول فيما بين ذي الحاجب وأبي عبيد مردانْشاه الخصيّ؛ فأخبرهم أنّ أهل فارس قد عيَّروهم؛ فازداد أبو عبيد مَحَكًا، وردّ على أصحابه الرأي، وجبّن سَلِيطًا، فقال سليط: أنا والله أجرأ منك نفسًا؛ وقد أشرنا عليك الرأيّ فستعلم! (١). (٣: ٤٥٦/ ٤٥٥).\n١٠٥ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن الأغرّ العِجليّ، قال: أقبل ذو الحاجب حتى وقف على شاطئ الفُرات بقُسّ النَّاطف، وأبو عبيد معسكرٌ على شاطئ الفرات بالمَرْوحة فقال: إما أن تعبُروا إلينا وإما أن نعبُر إليكم. فقال أبو عبيد: بل نعبُر إليكم. فعقد ابن صلوبا الجسر للفريقين جميعًا؛ وقبل ذلك ما قد رأت دَوْمة امرأة أبي عبيد رُؤيا وهي بالمَرْوحة: أن رجلًا نزل من السماء بإناء فيه شراب، فشرب أبو عُبيد وجَبْر في أناس من أهله؛ فأخبرت بها أبا عبيد، فقال: هذه الشهادة، وعهد أبو عبيد إلى الناس، فقال: إن قتِلتُ فعلَى الناس جَبْر، فإن قتل فعليكم فلان، حتى أمَّر الذين شربوا من الإناء على الولاء من كلامه. ثم قال: إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنَّى، ثم نَهَد بالناس فعبَر وعبروا إليهم، وعضَّلت الأرض بأهلها، وألحم الناس الحربَ. فلمَّا نظرت الخيول إلى الفيَلة عليها النخل؛ والخيل عليها التَّجَافيف والفرسان عليهم الشُّعُر رأت شيئًا منكرًا لم تكن ترى مثله، فجعل\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يقويه بعد قليل.","vol":"3","page":153},{"text":"المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفِيَلة والجلاجل فرّقت بين كراديسهم، لا تقوم لها الخيلُ إلّا على نِفار، وخَزقهم الفُرْس بالنّشّاب، وعضّ المسلمين الألم؛ وجعلوا لا يصلون إليهم، فترجَّل أبو عبيد وترجَّل الناس، ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف؛ فجعلت الفِيَلة لا تحمل على جماعة إلّا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة، وقطّعوا بُطُنَها واقلبوا عنها أهلها؛ وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلَّق بِبطانه فقطعه؛ ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك؛ فما تركوا فيلًا إلا حطّوا رحله؛ وقتلوا أصحابه، وأهوى الفيل لأبي عُبيد، فنفح مِشْفره بالسيف، فاتَّقاه الفيل بيده؛ وأبو عبيد يتجرثمه؛ فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل، وقام عليه، فلما بصُر الناس بأبي عبيد تحت الفيل، خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء الذي كان أمَّره بعده، فقاتل الفيل حتى تنحَّى عن أبي عبيد، فاجترّه إلى المسلمين، وأحرزوا شِلوه؛ وتجرثم الفيلَ فاتّقاه الفيل بيده، دأبَ أبي عبيد وخبطه الفيل. وقام عليه وتتابع سبعة من ثَقيف، كلُّهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت. ثم أخذ اللواء المثنَّى، وهرب النَّاس، فلما رأى عبد الله بن مَرثَد الثقفيّ ما لقيَ أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس، بادرهم إلى الجسر فقطعه، وقال: يا أيَّها الناس، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا. وحاز المشركون المسلمين إلى الجِسر، وخشع ناس فتواثبوا في الفُرات؛ فغرق من لم يصبِر وأسرعوا فيمن صبَر، وحَمى المثنّى وفرسانٌ من المسلمين الناس، ونادى: يا أيُّها الناس! إنَّا دونكم فاعبُروا على هِينتكم ولا تدهَشوا؛ فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تغرِّقوا أنفسكم. فوجدوا الجسر وعبد الله بن مرثَد قائم عليه يمنع الناس من العبور، فأخذوه فأتوا به المثنَّى، فضربه وقال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ليقاتلوا، ونادى مَن عبر فجاؤوا بعلوج، فضمّوا إلى السفينة التي قُطِعتْ سفائنها، وعبر الناس، وكان آخر من قتِل عند الجسر سَلِيط بن قيس، وعَبَر المثنَّى وحمى جانبه، فاضطرب عسكره، ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم؛ فلمَّا عبر المثنَّى [وحمى جانبه] ارفضّ، عنه أهلُ المدينة حتى لحقوا بالمدينة وتركها بعضهم ونزلوا البوادي وبقي المثنَّى في فلَّة (١). (٣: ٤٥٦/ ٤٥٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد قليل.","vol":"3","page":154},{"text":"١٠٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعطية والنّضر، أنّ أهل المدينة لما لحقوا بالمدينة وأخبروا عمّن سار في البلاد استحياءً من الهزيمة، اشتدّ على عمر ذلك ورحمهم. قال الشعبيّ: قال عمر: اللهمّ كلّ مسلم في حلّ مِنّي، أنا فئة كلّ مسلم، مَن لقي العدوّ ففظِع بشيء من أمره فأنا له فئة؛ يرحم الله أبا عُبَيد لو كان انحاز إليّ لكنت له فئة! وبعث المثنَّى بالخبر إلى عمر مع عبد الله بن زيد، وكان أوّل من قدم على عمر (١). (٣: ٤٥٨).\n١٠٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة بنة عبد الرحمن، عن عائشة زوْج النبيّ - ﷺ -، قالت: سمعتُ عمر بن الخطاب حين قدم عبد الله بن زيد، فنادى: الخبر يا عبد الله بن زيد! وهو داخل المسجد، وهو يمرّ على باب حُجرتي، فقال: ما عندك يا عبد الله بن زيد؟ ! قال: أتاك الخبرُ يا أمير المؤمنين! فلمَّا انتهى إليه أخبره خبرَ الناس، فما سمعت برجل حضر أمرًا فحدّث عنه كان أثبتَ خبرًا منه. فلما قدم فلّ الناس، ورأى عمر جَزَع المسلمين من المهاجرين والأنصار من الفِرار، قال: لا تجزعوا يا معشر المسلمين! أنا فئتكم، إنما انحزتم إليّ (٢) (٤٥٩: ٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح كما سنذكر بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>واقعة الجسر، أو جسر أبي عبيدة أو وقعة القرقس أو قس الطنافس</span>\nذكرنا هذه الروايات في قسم الصحيح وإن كان إسنادها ضعيفًا [٩٥/ ٩٦ / ٩٧/ ٩٨ / ٩٩/ ١٠٠ / ١٠١/ ١٠٢ / ١٠٣/ ١٠٤ / ١٠٥/ ١٠٦ / ١٠٧].\nوهذه الروايات الثلاث عشرة عند الطبري جلّها من رواية سيف، وقد وضحنا سابقًا: أن سيفًا يذكر تفاصيل المعارك والأحداث وبدقة عجيبة لا تكاد توجد عند غيره كاملة، ولكننا واعتبارًا بضعفه في الحديث وإن كان معتمدًا في التأريخ عند أئمة التأريخ الذين ذكرناهم فلم نذكر رواياته التأريخية في قسم الصحيح إلا بعد شروط منها:\n١ - أن تكون لقصة روايته أصل.\n٢ - أن لا يكون حديثًا مرفوعًا.\n٣ - أن لا تكون الرواية في العقيدة أو الانتصار لمذهب سياسي معروف آنذاك. =","vol":"3","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٤ - أن لا تكون الرواية في مسائل الحلال والحرام.\n٥ - وبعد ما سبق: ألا تكون رواية سيف مخالفة لما هو أصح إسنادًا.\nوسنذكر هنا ما يشهد لأصل القصة (أي وقعة الجسر) وأن عمرًا ﵁ بعث أبا عيد بن مسعود ومعه المثنى بن حارثة وغيره وأنه ﵁ استشهد بعد معركة حامية مع الفرس، ثم كان أنجى الله بقية المسلمين على يد المثنى ومن معه كما سنذكر:\n١ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح (١٢/ ٥٥٦ / ح ١٥٥٨٣) حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن قيس قال: كان أبو عبيد بن مسعود عبر الفرات إلى مهران فقطعوا الجسر خلفه فقتلوه هو وأصحابه قال: فأوصى إلى عمر بن الخطاب قال: فرثاه أبو محجن الثقفي فقال:\nأمسى أبو خير خلاء بيوته ... بما كان يغشاه الجياع الأرامل\nأمسى أبو عمر ولدى الجسر منهم ... إلى جانب الأبيات حرم ونابل\nفما زلت حتى كنت آخر رائح ... وقتل حولي الصالحون الأماثل\nوقد كنت في نحر خيارهم ... لدى القتل يرمى نحرها والشواكل\nوأخرج بإسناد صحيح (١٢/ ٥٥٦ / ح ١٥٥٨٤) حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن قيس قال: عبر أبو عبيد بن مسعود يوم مهران في أناس فقطع بهم الجسر فأصيبوا قال: قال قيس: فلما كان يوم مهران؛ قال أناس فيهم خالد بن عرفطة لجرير: يا جرير لا والله لا نريم عن عرضتنا هذه، فقال: اعبر يا جرير بها إليهم، فقلت: أتريدون أن تفعلوابنا ما فعلوا بأبي عبيد، إنا قوم لسنا لساح أن نبرح أو أن نريم العرصة حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فعبره المشركون فأصيب يومئذ مهران وهم عند النخيلة، وإسناده صحيح.\n٢ - وأخرج الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٣٩ / ح ١٥٨١٢) حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا ابن عون عن محمد: أن عمر رحمة الله عليه بلغه قتل أبي عبيد فقال: لو تحيّز إليّ، إن كنت لفئة! وإسناده صحيح.\nوأخرجه كذلك ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/ ٥٥٧ / ح ١٥٥١٧). ثنا وكيع قال ثنا ابن عون عن ابن سيرين قال: لما بلغ عمر قتل أبي عبيد الثقفي، قال: إن كنت له فئة لو انحاز إليّ. وأخرجه ابن الأثير الجزري في أسد الغابة في ترجمة أبي عبيد بن مسعود (٦/ ٢٠١ / ت ٦٠٨٣) بسنده المتصل من طريق عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين به ونقل ابن حجر في الإصابة عن البلاذري قوله: يقال إن الفيل برك على أبي عبيد فمات تحته فأخذ الراية أخوه الحكن فقُتل، فأخذها جبير بن أبي عبيد فقتل (الإصابة ٦/ ٢٢٣ / ت ١٠٢٢٦).\nوقال ابن عبد البر في ترجمته: صاحب يوم الجسر المعروف بجسر أبي عبيد. وقال أيضًا: وولى (أي عمر) أبا عبيد بن مسعود الثقفي وذلك سنة ثلاث عشرة فلقي أبو عبيد جابان بين الحيرة والقادسية ففض جمعه، وقتل أصحابه، وأسره ففدى جابان نفسه منه، ثم جمع =","vol":"3","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يزدجر جموعًا عظيمة ووجهم نحو أبي عبيد فالتقوا بعد أن عبر أبو عبيد الجسر في المضيق فاقتتلوا قتالًا شديدًا وضرب أبو عبيد شفر الفيل وضرب أبو محجن عرقوبه وقتل أبو عبيد وذلك في آخر شهر رمضان أو أول شوال من سنة ثلاث عشرة واستشهد يومئذ من المسلمين ألف وثمانمئة (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤/ ٢٧٢ / ت ٣١٠٧).\n٣ - وقد ذكر خليفة بن خياط نحوًا مما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب من طريق بكر عن ابن إسحاق معضلًا ثم ذكر بعد ذلك أن القتل استحرّ في المسلمين فمضوا نحو الجسر، وفي نهاية المعركة عقد المثنى الجسر وعبر المسلمون واستشهد يومئذ من المسلمين ألف وثمانمئة ويقال أربعة آلاف بين قتيل وغربق، وانحاز بالناس المثنى بن حارثة الشيباني فبعث عمر جرير بن عبد الله البجلي. وقد ذكر خليفة هذه الرواية بلا إسناد ولكنه أسنده آخرًا إذ قال: وقال الوليد بن هشام عن أبيه عن جده نحو ذلك وإن لم يذكر خليفة سنده عن الوليد بن هشام في هذه الرواية والله أعلم (تأريخ خليفة / ص ١٢٥). وكذلك ذكر الذهبي وقعة الجسر في أحداث سنة أربع عشرة ولكنه عندما تحدث عنها بالتفصيل أكّد سنة ثلاث عشرة وذكر أربع عشرة بصيغة التمريض فقال: كان عمر قد بعث في سنة ثلاث عشرة جيشًا، عليهم أبو عبيد الثقفي، فلقي جابان في سنة ثلاث عشرة، وقيل: في أول سنة أربعة عشرة (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ١٢٧).\n٤ - وذكر البلاذري في فتوح البلدان (ص ٣٥٠ - ٣٥١) هذه الوقعة وسمّاها (يوم قُسّ الناطف وهو يوم الجسر) بلا إسناد ثم ذكر رواية مسندة في ص (٣٣٥) حدثني أبو عبيد القاسم بن سلّام قال: حدثنا محمد بن كثير، عن زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم قال: عبر أبو عبيد في ناسٍ من أصحابه فقطع المشركون الجسر، فأصيب ناس من أصحابه، قال إسماعيل وقال أبو عمرو الشيباني: كان يوم مهران في أول السنة والقادسية في آخرها. اهـ. وإسناده صحيح.\n٥ - وأخرج البلاذري في فتوح البلدان (٣٥٤) حدثني عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا داود بن أبي هند قال: أخبرني الشعبي: أن عمر وجّه جرير بن عبد الله إلى الكوفة بعد قتل أبي عبيد أوّل من وجّه، وقال: هل لك في العراق وأنفلك الثلث بعد الخمس؟ قال: نعم -وخبر وقعة الجسر ذكره الدينوري كذلك في الأخبار الطوال ص (١١٣) والنويري في نهاية الأرب (٢/ ١٨٣) والله تعالى أعلم - أما المدائني فقد ذكر كما نقل عنه الكلاعي أن تحرك عمر لهذا البعث إنما كان بكتاب المثنى إليه يستمده ويحرضه على أرض فارس واستعمل على البعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي الاكتفاء / ٤/ ١١٥) أما خبر نجران فسنعود إليه لاحقًا إن شاء الله.\n٦ - قال الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري كتاب المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد: ووقع عند أحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس نحو حديث قتادة في =","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>البوَيْب</span>\n١٠٨ - كتبَ إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وبعث المثنَّى بعد الجسر فيمَن يليه من الممِدّين، فتوافوْا إليه في جمع عظيم، أو بلغ رستَم والفَيرُزان ذلك، وأتتهم العيون به وبما ينتظرون من الأمداد، واجتمعا على أن يبعثا مِهْران الهمَذانيّ؛ حتى يريا مِن رأيهما، فخرج مِهْران في الخيول وأمَراه بالحيرة، وبلغ المثنَّى الخبر وهو معسكر بمرْج السِّباخ بين القادسيَّة وخَفَّان في الذين أمدّوه من العرب عن خبر بشير وكِنانة - وبشير يومئذ بالحيرة - فاستبطن فُرات بادَقْلى، وأرسل إلى جرير ومَن معه: إنَّا جاءنا أمر لم نستِطع معه المقام حتى تقدموا علينا. فعجِّلوا اللّحاق بنا، وموعدكم البُوَيب.\n_________\n= عدة من قتل من الأنصار وزاد: ويوم مؤتة سبعون، وصححه أبو عوانة وأخرجه الحاكم في (الإكليل) ولفظه (عن أنس أنه كان يقول: يا رب سبعين من الأنصار يوم أحد، وسبعين يوم بئر معونة، وسبعين يوم مؤتة، وسبعين يوم مسيلمة) ثم أخرج من طريق إبراهيم بن المنذر أن هذه الزيادة خطأ - ثم أسند من وجهين عن سعيد بن المسيب فذكر بدل يوم مؤتة يوم جسر أبي عبيد، قال إبراهيم بن المنذر: وهذا هو المعروف. قلت (ابن حجر): وهي وقعة بالعراق كانت في خلافة عمر. اهـ. (فتح الباري ٧/ ٣٧٦).\nقلنا: وكذلك ذكر ابن عساكر بعث عمر لأبي عبيد الثقفي إلى العراق ضمن أحداث سنة ثلاث عشرة اعتمادًا على ما ذكره خليفة بن خياط، ونقل ابن عساكر عن ابن إسحاق قوله: (وفيها \"أي ١٣\") بعث عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي إلى العراق، فلقي جابان بين الحيرة والقادسية ففض جمعه وأسره وقتل مردانشاه ففدى جابان نفسه بغلامين وهو لا يعرف. قال: ثم سار إلى كسكر فلقي نرسي فهزمهم الله - ثم أغار على مسلحة بالسن فانهزموا (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور ١٩/ ٢٧).\nوالحديث الذي أخرجه البلاذري في فتوح البلدان (كما ذكرنا) من طريق أبي عبيد وجدناه بصيغة أوضح وأطول في كتاب الأموال (٨٤ / ح ٢١٨) إذ قال الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني محمد بن كثير عن زائدة بن قدامة عن إسماعيل بن قيس قال: عبر أبو عبيد بانقيا في ناس من أصحابه فقطع المشركون الجسر، فأصيب ناس من أصحابه ثم كان يوم مهران بعد ذلك فيهم يومئذ خالد بن عرفطة، والمثنى بعد حارثة وجرير بن عبد الله، قال قيس: فعبر إليهم المشركون فأصيب منهم يومئذ مهران وهم عند النخيلة.","vol":"3","page":158},{"text":"وكان جرير مُمِدًّا له، وكتب إلى عِصمة ومَن معه، وكان ممِدًّا له بمثل ذلك، وإلى كل قائد أظلَّه بمثل ذلك، وقال: خذوا على الجَوْف، فسلكوا القادسيَّة والجَوْف، وسلك المثنَّى وسط السَّواد، فطلع على النَّهرين ثم على الخوَرْنَق، وطلع عصمة على النَّجَف، ومَن سلك معه طريقه، وطلع جرير على الجوْف ومَن سلك معه طريقه، فانتهوْا إلى المثنَّى، وهو على البُويب، ومِهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البُويب ممَّا يلي موضع الكوفة اليوم، وعليهم المثنّى وهم بإزاء مِهران وعسكره. فقال المثنّى لرجل من أهل السواد: ما يقال للرُّقْعة التي فيها مِهران وعسكره؟ قال: بَسُوسْيا. فقال: أكْدَى مِهران وهلك! نزل منزلًا هو البَسوس، وأقام بمكانه حتى كاتبه مِهران: إمّا أن تعبُروا إلينا، وإمّا أن نعبَر إليكم؛ فقال المثنَّى: اعبُروا؛ فعبر مِهْران، فنزل على شاطئ الفرات معهم في الملطاط، فقال المثنّى لذلك الرجل: ما يُقال لهذه الرقعة التي نزلها مِهران وعسكره؟ قال: شُوميا - وذلك في رمضان - فنادى في الناس: انهدوا لعدوّكم، فتناهدوا، وقد كان المثنى عَبَّى جيشه، فجعل على مجنَّبتيه مذعورًا والنُّسَير، وعلى المجرّدة عاصمًا، وعلى الطلائعِ عِصْمة، واصطفّ الفريقان؛ وقام المثنَّى فيهم خطيبًا، فقال: إنكم صُوّام؛ والصوم مَرَقَّة ومَضعفة؛ وإنّي أرى من الرأي أن تُفطِروا ثم تقوَوْا بالطعام على قتال عدوّكم. قالوا: نعم، فأفطروا؛ فأبصر رجلًا يستوفز ويستنتلِ من الصّفّ، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: هو ممَّنّ فرّ من الزّحف يوم الجِسر؛ وهو يريد أن يستقتِل، فقرعه بالرّمح، وقال: لا أبالك! الزَمْ موقفَك، فإذا أتاك قِرنك فأغْنِه عن صاحبك ولا تستقتل، قال: إني بذلك لَجدير، فاستقرّ، ولزم الصّفّ (١). (٣: ٤٦٠/ ٤٦١ / ٤٦٢).\n١٠٩ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيبانيّ بمثله (٢). (٣: ٤٦٢).\n١١٠ - كتب إليّ السريّ بن يحيى، عن شُعيب بن إبراهيم، عن سيف بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد سرد هذه الروايات.\n(٢) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":159},{"text":"عمر، عن عطيَّة والمجالد بإسنادهما، قالا: وقدما على عُمر غُزاة بني كنانة والأزْد في سبعمئة جميعًا، فقال: أيّ الوجوه أحبّ إليكم؟ قالوا: الشأم، أسلافنا أسلافنا! فقال: ذلك قد كُفيتموه؛ العراقَ العراقَ! ذَرُوا بلدة قد قَلَّل الله شوكتها وعددَها، واستقبلوا جهاد قوم قد حوَوْا فنون العيش، لعلّ الله أن يورثَكم بقِسْطكم من ذلك فتعيشوا مع مَن عاش من الناس، فقال غالب بن عبد الله الليثيّ وعرفجة البارقيّ، كلّ واحد منهما لقومه، وقاما فيهم: يا عشيرتاه! أجيبوا أميرَ المؤمنين إلى ما يرى، وأمضوا له ما يُسكنكم. قالوا: إنَّا قد أطعناك وأجبنا أميرَ المؤمنين إلى ما رأى وأراد. فدعا لهم عمر بخير وقاله لهم، وأمَّر على بني كنانة غالب بن عبد الله وسرّحه، وأمَّر على الأزْد عَرْفجة بن هَرْثمة وعامَّتُهم من بارق، وفرحوا برجوع عَرْفجة إليهم. فخرج هذا في قومه، وهذا في قومه، حتى قدما على المثنّى (١). (٣: ٤٦٣).\n١١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وجاء رِبْعِيّ في أنَاس من بني حنظلة، فأمَّره عليهم وسرّحهم، وخرجوا حتى قدم بهم على المثنَّى، فرأس بعده ابنه شَبَث بن رِبْعيّ، وقدم عليه أناسٌ من بني عمرو، فأمَّر عليهم رِبْعِيّ بن عامر بن خالد العَنُود، وألحقه بالمثنَّى، وقدم عليه قومٌ من بني ضبَّة، فجعلهم فرقتين، فجعل على إحدى الفرقتين ابن الهَوْبَر، وعلى الأخرى المنذر بن حسَّان، وقدم عليه قُرْط بن جمَّاع في عبد القيس، فوجَّهه، وقالوا جميعًا: اجتمع الفيرزان ورستَم على أن يبعثَا مِهْران لقتال المثنَّى واستأذنا بُوران - وكانا إذا أرادَا شيئًا دنَوَا من حجابها حتى يكلّماها به - فقالا بالذي رأيا وأخبراها بعدد الجيش - وكانت فارس لا تُكثِر البعوث؛ حتى كان من أمر العرب ما كان - فلمَّا أخبراها بكثرة عدد الجيش، قالت: ما بالُ أهلِ فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟ وما لكما لا تبعثان كما كانت الملوك تبعث قبل اليوم! قالا: إنَّ الهيبة كانت مع عدوّنا يومئذ، وإنها فينا اليوم؛ فمالأتْهما وعرفت ما جاءاها به، فمضى مِهْران في جنده حتى نزلَ من دون الفرات والمثنّى وجنده على شاطئ الفرات؛ والفرات بينهما؛ وقدم أنس بن هلال النَّمَرِيّ ممدًّا للمثنَّى في أناس من النَّمِر نصارى\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":160},{"text":"وجلّاب جلبوا خيلًا، وقدم ابن مِرْدَى الفِهْريّ الثغلبيّ في أناس من بني تَغْلِب نصارى وجلّاب جلبوا خيلًا - وهو عبد الله بن كُلَيب بن خالد - وقالوا حين رأوا نزولَ العرب بالعجم: نقاتل مع قومنا، وقال مهران: إمَّا أن تعبُروا إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم، فقال المسلمون: اعبُروا إلينا، فارتحلوا من بَسُوسْيا إلى شُومِيا، وهي موضع دار الرّزق (١). (٣: ٤٦٤/ ٤٦٥).\n١١٢ - كتب إليَّ السَّريّ عن شُعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن مُحَفِّز، عن أبيه: أنّ العَجم لمَّا أذِن لهم في العبور ونزلوا شوميا موضع دار الرّزق، فتعبَّوْا هنالك؛ فأقبلوا إلى المسلمين في صُفوف ثلاثة مع كلّ صفّ فيل، ورَجْلُهم أمام فيلهم، وجاؤوا ولهم زَجَل، فقال المثنَّى للمسلمين: إنّ الَّذي تسمعون فَشَل، فالزموا الصَّمْت وائتمِروا هَمْسًا، فدنوا من المسلمين وجاؤوهم من قِبَل نهر بني سُليم نحو موضع نهر بني سُلَيم، فلمَّا دنوا زحفوا، وصُفَّ المسلمون فيما بين نهر بني سليم إليوم وما وراءها (٢). (٣: ٤٦٥).\n١١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، قالا: وكان على مجنَّبتَي المثنَّى وبُسْر بن أبي رُهْم، وعلى مجرَّدته المُعنَّى، وعلى الرَّجْل مسعود، وعلى الطلائع قبل ذلك اليوم النُّسَير، وعلى الرّدء مذعور؛ وكان على مجنبتي مِهران ابنُ الآزاذبه مرزُبان الحيرة ومَرْدانْشاه. ولمّا خرج المثنّى؛ طاف في صفوفه يعهد إليهم عهدَه، وهو على فرسه الشَّمُوس - وكان يُدعَى الشَّموس من لين عريكته وطهارته، فكان إذا ركبه قاتَل؛ وكان لا يركبه إلّا لقتال ويدَعُه ما لم يكن قتال - فوقف على الرّايات رايةً رايةَ يحضّضهم، ويأمرهم بأمرِه، ويهزّهم بأحسن ما فيهم، تحضيضًا لهم، ولكلّهم يقول: إنّي لأرجو ألا تُؤتَى العرب اليوم من قِبَلكم؛ والله ما يسرُّني اليوم لنفسي شيء إلّا وهو يسرّني لعامّتكم؛ فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنَّى في القول والفعل، وخلَط النَّاس في المكروه والمحبوب؛ فلم يستطع أحدٌ منهم أن يعيب له قولًا ولا عملًا، ثم قال: إنَي مكبّر ثلاثًا فتهيّؤوا؛ ثم احمِلوا مع الرابعة، فلمَّا كبَّر أوّل تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أوّل تكبيرة؛ وركدت حَرْبُهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يقويه بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد سرد الروايات.","vol":"3","page":161},{"text":"مَلِيًّا، فرأى المثنَّى خللًا في بعض صُفوفه، فأرسل إليهم رجلًا، وقال: إنّ الأمير يقرأ عليكم السّلام، ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم، فقالوا: نعم! واعتدلوا، وجعلوا قبل ذلك يروْنه وهو يمدّ لحيته لما يرى منهم، فاعتنوْا بأمر لم يجئ به أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه، فرأوه يضحك فَرَحًا والقوم بنو عِجْل. فلمَّا طال القتالُ واشتدّ، عمَد المثنَّى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس! إنَّك امرؤ عربيّ، وإن لم تكن على ديننا؛ فإذا رأيتَني قد حملت على مِهران فاحمِل معي، وقال لابن مِرْدَى الفِهْر مثلَ ذلك فأجابه، فحمل المثنَّى على مِهران؛ فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنَّباث تقتَتِل، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المشركون ولا المسلمون، وارتُثَّ مسعود يومئذ وقُوّاد من قُؤاد المسلمين؛ وقد كان قال لهم: إن رأيتمونا أصِبنا؛ فلا تَدَعوا ما أنتم فيه؛ فإنّ الجيش ينكشف ثم ينصرف؛ الزموا مصافَّكم، واغْنُوا غَناء من يليكم، وأوجِع قلبَ المسلمين في قلْب المشركين، وقتَلَ غلام من التغلبيّين نصرانيّ مِهران واستوى على فرسه، فجعل المثنَّى سلبه لصاحب خَيله؛ وكذلك إذا كان المشرك في خيل رجل فقتل وسلب فهو للذي هو أمير على مَن قتل؛ وكان له قائدان: أحدهما جَرير والآخر ابن الهوبر؛ فاقتسما سلاحَه (١). (٣: ٤٦٥/ ٤٦٦).\n١١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وقف المثنَّى عند ارتفاع الغُبار؛ حتى أسفر الغبار، وقد فنِيَ قلب المشركين، والمجنَّبات قد هز بعضها بعضا، فلمَّا رأوه وقد أزال القلب، وأفنى أهلَه، قويت المجنَّبات - مجنَبات المسلمين - على المشركين وجعلوا يردّون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنَّى والمسلمون في القلْب يدعُون لهم بالنَّصر، ويرسل عليهم مَنْ يذمُرهم، ويقول: إنّ المثنَّى يقول: عاداتكم في أمثالهم؛ انصروا الله ينصركم؛ حتى هزموا القوم، فسابقهم المثنَّى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الأعاجم، فافترقوا بشاطئ الفرات مصعِّدين ومصوّبين، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلُوهم، ثمّ جعلوهم جُثثًا؛ فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رِمَّةً منها. ولما ارتُثّ مسعود بن حارثة يومئذ - وكان صُرع قبل\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد قليل.","vol":"3","page":162},{"text":"الهزيمة، فتضعضع مَن معه، فرأى ذلك وهو دَنِف - قال: يا معشر بكر بن وائل! ارفعوا رايَتكم، رفعكم الله! لا يهولنكم مَصْرعي، وقاتل أنس بن هلال النمَرِيّ يومئذ حتى ارتُثّ، ارتثَّه المثنَّى، وضمَّه وضمّ مسعودًا إليه. وقاتل قُرْط بن جَمَّاع العبديّ يومئذ حتى دقَّ قنًا، وقطع أسيافًا، وقتِل شَهْربراز من دهاقين فارس وصاحب مجرّدة مِهران.\nقال: ولما فرغوا؛ جلس المثنَّى للناس من بعد الفراغ يحدّثهم ويحدّثونه، وكلَّما جاء رجل فتحذث قال له: أخبرْني عنك؛ فقال له قُرْط بن جمّاح: قتلتُ رجلًا فوجدتُ منه رائحة المسك، فقلتُ: مِهران، ورجوت أن يكون إيّاه، فإذا هو صاحب الخيل شَهْربراز، فوالله ما رأيتهُ إذ لم يكن مِهران شيئًا.\nفقال المثنَّى: قد قاتلت العرب والعجم في الجاهليَّة والإسلام؛ والله لمئة من العجم في الجاهليَّة كانوا أشدّ عليّ من ألف من العرب، ولمئة اليومَ من العرب أشدّ عليّ من ألف من العجم؛ إن الله أذهب مصدوقتَهم، ووهَّن كيدَهم؛ فلا يروعنَّكم زُهّاء تروْنه، ولا سَواد ولا قِسِيٌّ فُجٌّ، ولا نِبال طوال، فإنَّهم إذا أعجِلوا عنها أو فقدوها، كالبهائم أينما وجَّهتموها اتَّجهت.\nوقال رِبْعيّ وهو يحدّث المثنَّى: لمّا رأيتُ ركود الحرب واحتدامها، قلتُ: تترّسوا بالمجانّ، فإنهم شادّون عليكم؛ فاصبروا لشدّتَين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة؛ فأجابوني والله! فوفَّى اللهُ كفالتي.\nوقال ابن ذي السَّهمين محدّثَّا: قلت لأصحابي: إنّي سمعت الأميرَ يقرأ ويذكر في قراءته الرُّعْب؛ فما ذكره إلا لفضل عنده؛ اقتدوا برايتكم، وليَحْمِ راجلَكم خيلُكم، ثم احملوا، فما لقول الله من خُلْف؛ فأنجز الله لهم وعده، وكان كما رجوت.\nوقال عَرْفجة محدّثًا: حُزْنا كتيبةً منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون الله تعالى قد أذِن في غَرَقِهم، وسلَّى عنَّا بها مصيبة الجسر، فلمَّا دخلوا في حدّ الإحراج، كرّوا علينا، فقاتلناهم قتالًا شديدًا حتى قال بعض قومي: لو أخَّرتَ رايَتك! فقلت: عليّ إقدامُها، وحملت بها على حاميتهم فقتلتُه، فولّوْا نحو الفُرات، فما بلغه منهم أحد فيه الرّوح.","vol":"3","page":163},{"text":"وقال رِبْعِيّ بن عامر بن خالد: كنت مع أبي يوم البُويب - قال: وسُمِّيَ البُويب يوم الأعشار - أحصي مئة رجل، قتل كلّ رجل منهم عشرة في المعركة يومئذ، وكان عُرْوة بن زيد الخيل من أصحاب التّسعة، وغالِب في بني كنانة من أصحاب التسعة، وعرفجة في الأزْد من أصحاب التسعة.\nوقتِل المشركون فيما بين السَّكون اليوم إلى شاطى الفرات، ضفَّة البويب الشرقيّة؛ وذلك: أنّ المثنّى بادرهم عند الهزيمة بالجَسْرَ، فأخذه عليهم، فأخَذوا يَمْنة ويَسْرة، وتبِعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى اللَّيل، وندم المثنَّى على أخذه بالجسر، وقال: لقد عجزتُ عجزة وَقَى الله شرّها بمسابقتي إيّاهم إلى الجسر وقَطْعِه؛ حتى أحرجتُهم؛ فإني غير عائد؛ فلا تعودوا ولا تقتدوا بي أيّها الناس! فإنها كانت منّي زلَّة لا ينبغي إحراج أحد إلّا مَن لا يقوى على امتناع، ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين، منهم خالد بن هلال ومسعود بن حارثة، فصلَّى عليهم المثنَّى، وقدّمهم على الأسنان والقرآن؛ وقال: والله إنَّه ليُهوِّن عليّ وجْدي أن شهِدوا البُويب، أقدَموا وصبَرُوا، ولم يجزَعوا ولم ينكِلوا، وإن كان في الشهادة كفَّارة لِتجوُّز الذنوب (١). (٣: ٤٦٦/ ٤٦٧ / ٤٦٨).\n١١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقد كان المثنَّى وعصمة وجرير أصابُوا في أيَّام البُويب على الظّهر نُزْل مِهْران غنمًا ودقيقًا وبقرًا، فبعثوا بها إلى عِيالات مَن قدم من المدينة وقد خلَّفوهنّ بالقوادس، وإلى عِيالات أهل الأيَّام قبلَهم، وهم بالحيرة. وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العِيالات الَّذين بالقوادس عَمْرو بن عبد المسيح بن بُقَيلة، فلمَّا رُفِعوا للنسوة فرأين الخيلَ، تصَايحن وحسبنها غارةً، فقمْنَ دون الصبيان بالحجارة والعُمُد، فقال عمرو: هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش! وبشّروهنّ بالفتح، وقالوا: هذا أوّله، وعلى الخيل التي أتتهم بالنُّزل النُّسَير؛ وأقام في خيله حاميةً لهم، ورجع عمرو بن عبد المسيح فبات بالحيرة، وقال المثنَّى يومئذ: من يتبع الناس حتَّى ينتهي إلى السِّيب؟\nفقام جرير بن عبد الله في قومه، فقال: يا معشر بَجِيلة! إنَّكم وجميع مَن\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد القصة بعد قليل.","vol":"3","page":164},{"text":"شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخُمس غدًا من النَّفَل مثل الذي لكم منه؛ ولكم رُبع خمسه نفَلًا من أمير المؤمنين؛ فلا يكوننَّ أحدٌ أسرع إلى هذا العدوّ ولا أشدّ عليه منكم للذي لكم منه، ونِيَّة إلى ما ترجون؛ فإنما تنتظرون إحهدى الحُسنَيَين: الشهادة والجنَّة أو الغنيمة والجنَّة.\nومال المثنَّى على الَّذين أرادوا أن يستقتلوا من مُنهزِمة يوم الجسر، ثم قال: أين المستبسل بالأمس وأصحابه! انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السِّيب، وابلغوا من عدوّكم ما تغيظونهم به، فهو خيرٌ لكم وأعْظَمُ أجرًا؛ واستغفروا الله إنّ الله غفورٌ رحيم (١). (٣: ٤٦٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد القصة بعد قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>وقعة البويب عند الطبري وغيره</span>\nلقد تطرقنا إلى ذكر هذه الوقعة عند حديثنا عن وقعة الجسر وسنتحدث ما ذكرناه هناك ونضيف إليه ما لم نذكر قبل:\n١ - أخرج الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني محمد بن كثير عن زائدة بن قدامة عن إسماعيل عن قيس قال: عبر أبو عبيد نانقيا في ناس من أصحابه فقطع المشركون الجسر فأصيب ناس من أصحابه ثم كان يوم مهران بعد ذلك فيهم يومئذ خالد بن عرفطة والمثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله، قال قيس: فعبر إليهم المشركون فأصيب منهم يومئذ مهران وهم عند النخيلة (الأموال ٨٤ / ح ٢١٨) وإسناده صحيح.\n٢ - وأخرج الحافظ ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ح ١٥٥٨٢) ثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: كان مهران أول السنة وكانت القادسية في آخر السنة فجاء رستم فقال: إنما كان مهران يعمل عمل الصبيان.\n٣ - وأخرج (١٢ / ح ١٥٥٨٥) ثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن قيس قال: قال لي جرير: انطلق بنا إلى مهران فانطلقت معه حيث أقبلوا فقال لي: لقد رأيتني فيما هاهنا في مثل حريق المنار بطعنوني من كل جانب بنيازكهم فلما رأيت الهلكة جعلت أقول: يا فرسي ألا يا جرير! فسمعوا صوتي فجاءت قيس ما يردهم مني حتى يخلصوني: قلت قد عبرت شهرًا ما أرفع لي حيًّا من أثر النيازك قال: قال قيس: لقد رأينا غوض دجلة وإن أبواب المدائن لمعلقة. وإسناده صحيح.\n٤ - وأخرج (١٢ / ح ١٥٨٨) ثنا محبوب القواريري عن حنش بن الحارث النخعي قال: ثنا أشياخ النخع: أن جريرًا لما قتل مهران نصب أو رفع رأسه على رمح.\n٥ - ولقد ذكر الكلاعي في كتابه القيّم (الاكتفاء) تفاصيل هذه الوقعة وقارن بين مرويات سيف =","vol":"3","page":165},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-352> ثم دخلت سنة أربع عشرة - ذكر ابتداء أمر القادسية</span>\n١١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن خُلَيد بن ذَفْرَة، عن أبيه، قال: كتب المثنَّى إلى عُمر باجتماع فارس على يَزْدَجرد وببعوثهم، وبحالِ أهل الذمَّة، فكتب إليه عمر؛ أن تَنَحَّ إلى البَرّ، وادعُ مَن يليك، وأقم منهم قريبًا على حدود أرضك وأرضهم؛ حتى يأتيَك أمري.\nوعاجلتهم الأعاجم فزاحفتهم الزُّحوف، وثار بهم أهل الذمَّة؛ فخرج المثنَّى بالناس حتى ينزلَ الطّفّ، ففرّقهم فيه من أوّله إلى آخره، فأقام ما بين غُضَيّ إلى القُطْقُطانة مسالحه، وعادت مسالحُ كسرى وثغورُه، واستقرّ أمرُ فارس وهم في\n_________\n= ومرويات المؤرخ المعروف المدائني. فقال: وذكر المدائني: أن يزدجر وجه مهران بعد وقعة الجسر وأمره أن يبعث المسالح إلى أداني أرض العرب، ويقتل كل عربي قدر عليه، وفيما ذكره الطبري عن سيف أن رستم والفيرزان هما اللذان رأيا إنفاذ مهران بعد أن طالعا برأيهما في ذلك ابنة كسرى وذلك عندما علما بتوافي أمداد العرب إلى المثنى (الاكتفاء / ٤/ ١٣٩).\nقلنا: ولا يشكل هذا الخلاف شيئًا يذكر لأن كلا الراويين أو المؤرخين (سيف والمدائني) اتفقا على قيادة مهران لمعركة البويب مقابل الجيش الإسلامي.\nوأخيرًا فإن الروايات التأريخية التي تحت أيدينا تختلف في مسألة إمارة الجيش أكانت للمثنى وحده أم كان المثنى أميرًا وجرير أميرًا، وكلا النوعين من الروايات بتفس الدرجة من ضعف الإسناد أما رواية الحافظ أبو عبيد الفاسم بن سلام وهي صحيحة الإسناد توضح أن ثلاثة من القادة كانوا في ذلك الجيش (أي يوم البويب). وهم خالد بن عرفطة والمثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله - ومن مراجعة أخرى للروايات التي ذكرناها في قسم الصحيح يتبين لنا أن المثنى كان يدير القيادة العامة وأن جريرًا كان رأس الحربة في قيادة المقدمة التي كسرت شوكة العدوّ. ولو راجعنا روايات الفتوح بصورة عامة فإننا نرى أن جيش المدد يكون تحت قيادة الجيش الميداني السابق في أرض المعركة، وإلا فما معنى أن يستقل جيش المدد بنفسه ولا يقبل بإمارة الجيش الأصلي، ولذلك نميل إلى كون الروايات التي سمّت المثنى بن حارثة كقائد عام للجيش أقوى وأظهر والله تعالى أعلم.\nومن الأمور التي تميز بها الإمام الكلاعي في سرده للروايات التأريخية: أنه يقارن أحيانًا بين المصادر ويرجح أحيانًا وهو يقول في هذه المسألة: [والأظهر مما تقدم من الأخبار: أن المثنى كان الأمير في تلك الحرب]. الاكتفاء (٤/ ١٤٨).","vol":"3","page":166},{"text":"ذلك هائبون مُشْفِقُون، والمسلمون متدفِّقون قد ضَرُوا بهم كالأسد ينازَع فريستَه، ثم يعاود الكرّ، وأمراؤهم يكفكفونهم بِكتاب عمر وأمداد المسلمين (١). (٣: ٤٨٢).\n١١٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: قد كان أبو بكر استعمل سعدًا على صدقات هوازن بنجْد، فأقرّه عمر، وكتب إليه فيمن كتب إليه من العُمَّال حين استنفر الناس أن ينتخب أهلَ الخيل والسّلاح ممَّن له رأي ونجدة، فرجع إليه كتاب سعد بمَن جمع الله له من ذلك الضرب؛ فوافق عمرَ وقد استشارهم في رجل، فأشاروا عليه به عند ذكره (٢). (٣: ٤٨٢).\n١١٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، عن ماهان، وزياد بإسناده، قالوا: وأمدّ عمر سعدًا بعد خروجه بألفَي يمانيّ، وألفي نجديّ مُؤْدٍ من غَطفَان وسائر قَيس، فقدِم سعد زَرُودَ في أوّل الشتاء، فنزلها وتفرّقت الجنود فيما حولَها من أمواه بني تميم وأسد، وانتظر اجتماع الناس، وأمْر عمر، وانتخب من بني تميم والرّباب أربعة آلاف؛ ثلاثة آلاف تميمي، وألف رِبي، وانتخب من بني أسد ثلاثة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا على حدّ أرضهم بين الحَزْن والبَسيطة، فأقاموا هنالك بين سَعْد بن أبي وقّاص وبين المثنَّى بن حارثة، وكان المثنَّى في ثمانية آلاف؛ مِنْ ربيعة ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة؛ أربعة آلاف ممَّن كان انتخب بعد فصول خالد، وأربعة آلاف كانوا معه ممَّن بقيَ يوم الجسر، وكان معه من أهل اليمن ألفان من بَجِيلة، وألفان من قُضاعة؛ وطيِّيء ممَّن انتُخبوا إلى ما كان قبل ذلك، على طيّئ عديّ بن حاتم، وعلى قُضاعة عمرو بن وَبَرة، وعلى بَجِيلة جرير بن عبد الله؛ فبينا النَّاس كذلك -سعد يرجو أن يقدَم عليه المثنَّى، والمثنَّى يرجو أن يقدَم عليه سعد- مات المثنّى من جراحته التي كان جُرِحها يوم الجِسْر، انتقضت به؛ فاستخلف المثنَّى على النَّاس بشير بن الخَصاصيَّة، وسعد يومئذ بزَرُود، ومع بشير يومئذ وجوهُ أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر المتابعات والشواهد في نهاية سردنا لهذه الروايات.\n(٢) إسناده ضعيف وسنتحدث عن وقعة القادسية بعد قليل.","vol":"3","page":167},{"text":"العراق، ومع سعد وفود أهل العراق الَّذين كانوا قدموا على عمر، منهم فُرات بن حيَّان العجلي وعتيبة، فردّهم مع سعد (١). (٣: ٤٨٦).\n١١٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة، عن ابن سيرين، وإسماعيل بن أبي خالد عن قَيس بن أبي حازم، قالا: لمَّا بلغ سعدًا فصولُ رستم إلى ساباط؛ أقام في عسكره لاجتماع الناس؛ فأمّا إسماعيل فإنه قال: كتب إليه سعد أنّ رستم قد ضرب عسكره بساباط دون المدائن وزحف إلينا؛ وأمَّا أبو ضَمْرة فإنه قال: كتب إليه أنّ رستم قد عسكر بسَاباط، وزحف إلينا بالخيول والفيول وزُهاء فارس، وليس شيء أهمَّ إليَّ ولا أنا له أكثر ذكرًا منّي لما أحببت أن أكون عليه؛ ونستعين بالله، ونتوكَّل عليه، وقد بعث فلانًا وفلانًا وهم ما وصفت (٢). (٣: ٤٩٥).\n١٢٠ - حدثني محمد بن عبد الله بن صَفْوان الثّقفيّ، قال: حدَّثنا أمَيَّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسيَّة، ومعه النَّاس، قال: لا أدري لعلَّنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك، والمشركون ثلاثون ألفًا أو نحو ذلك. فقالوا لنا: لا يدي لكم ولا قوّة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا، قال: قلنا: لا نرجع؛ وما نحن براجعين، دنكانوا يضحكون من نَبْلنا، ويقولون: \"دُوك دوك\"، ويشبّهونها بالمغازل. قال: فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا: ابعثوا إلينا رجلًا منكم، عاقلًا يبيِّن لنا ما جاء بكم؛ فقال المغيرة بن شعبة: أنا، فَعَبَر إليهم فقعد مع رستم على السرير، فنخَروا وصاحوا، فقال: إنَّ هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم، قال رستم: صدقت، ما جاء بكم؟ قال: إنَّا كنا قومًا في شرٍّ وضلالة؛ فبعث الله فينا نبيًّا، فهدانا الله به ورزقنا على يديه؛ فكان ممَّا رزقنا حَبّة زُعمت تنبُتُ بهذا البلد؛ فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عن هذه، أنزلونا هذه الأرضَ حتى نأكل من هذه الحبَّة، فقال رستم: إذًا نقتلُكم، فقال: إن قتلتمونا دَخلْنا الجنَّة، وإن قتلناكم دخلتم النار؛ أو أدّيتم الجِزْية،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده بعد سرد الروايات في الباب.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر ما ورد في قصة القادسية عند غير الطبري بعد انتهائنا من سرد روايات الطبري.","vol":"3","page":168},{"text":"قال: فلمّا قال: أدّيتم الجزية، نخروا وصاحوا، وقالوا: لا صلحَ بيننا وبينكم، فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعمر إليكم، فاستأخَر المسلمون حتى عَبَر منهم مَن عبر، فحملوا عليهم فهزموهم.\nقال حصين: فحدّثني رجل منَّا يقال له عُبيد بن جَحْش السُّلميّ، قال: لقد رأيتُنا وإنّا لنَطَأ على ظهور الرجال، ما مسَّهم سلاح، قتل بعضهم بعضًا، ولقد رأيتُنا أصبْنا جِرابًا من كافور، فحسبْناه ملحًا لا نشكّ أنه مِلْح؛ فطبخنا لحمًا، فجعلنا نُلقيه في القِدْر فلا نجد له طعمًا، فمرّ بنا عِباديّ معه قميص فقال: يا معشرَ المُعرِبين! لا تفسدُوا طعامَكم، فإنَّ ملح هذه الأرض لا خيرَ فيه، هل لكم أن تأخذوا هذا القميصَ به؟ فأخذناه منه، وأعطيناه منَّا رجلًا يلبسه، فجعلنا نُطيف به ونعجب منه، فلمَّا عرفنا الثياب؛ إذا ثمن ذلك القميص درهمان. قال: ولقد رأيتُني أقربُ إلى رجل عليه سِواران من ذهب، وسلاحُه، فجاء فما كلّمته حتى ضربتُ عنقه.\nقال: فانهزموا حتى انتهوا إلى الصَّراة؛ فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن؛ فكان المسلمون بكُوثَى وكان مسلحة المشركين بدَير المسلاخ، فأتاهم المسلمون فالتقوْا، فهُزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دِجلة، فمنهم مَن عبر من كَلْواذَى، ومنهم مَن عبَر من أسفل المدائن، فحصروهم حتى ما يجدون طعامًا يأكلونه، إلّا كلابَهم وسنانيرهم، فخرجوا ليلًا، فلحقوا بجَلولاء، فأتاهم المسلمون؛ وعلى مقدّمة سعد هاشم بن عُتْبة، وموضع الوقعة التي ألحقهم منها فريد. قال أبو وائل: فبعث عمر بن الخطاب حذيفةَ بن اليمان على أهل الكوفة، ومُجاشع بن مسعود على أهل البصرة (١). (٣: ٤٩٦/ ٤٩٧).\n١٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: وعجَّ أهلُ السَّواد إلى يَزْدَجرد بن شهريار، وأرسلوا إليه: أن العرب قد نزلوا القادسيَّة بأمر ليس يُشبه إلّا الحرب، وإن فعل العرب مذ نزلوا القادسيَّة لا يبقى عليه شيء؛ وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات؛ وليس فيما\n_________\n(١) حديث أبي وائل هذا أخرجه غير الطبري من الحفاظ مع اختلاف بسيط كما سنذكر بعد سردنا للروايات.","vol":"3","page":169},{"text":"هنالك أنيس إلّا في الحصون، وقد ذهب الدوابّ وكلّ شيء لم تحتمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلّا أن يستنزِلونا، فإن أبطأ عنّا الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك المُلُوك الَّذين لهم الضّياع بالطفّ، وأعانوهم عليه، وهيَّجوه على بعثه رستم.\nولما بدا ليزدَجِرْد أن يرسلَ رستَم أرسلَ إليه، فدخل عليه، فقال له: إنِّي أريد أن أوَجهك في هذا الوجه؛ وإنما يُعَدّ للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم، وقد ترى ما جاء أهلَ فارس مِن أمر لم يأتِهم مثلُه منذ وليَ آلُ أردشير، فأراه أن قد قبِل منه، وأثنى عليه. فقال له الملك: قد أحبُّ أن انظر فيما لديك لأعرفَ ما عندك، فصفْ لِي العرب وفعلَهم منذ نزلوا القادِسيَّة، وصف لي العَجَم وما يلقوْن منهم.\nفقال رستم: صفَهَ ذئابٍ صادفت غِرَّةً من رِعاء فأفسدت. فقال: ليس كذلك؛ إني إنما سألتك رجاء أن تُعرِب صفتهم فأقوّيك لتعمل على قَدْر ذلك فلم تُصِبْ، فافهم عنِّي؛ إنَّما مَثَلُهم ومثَلُ أهل فارس كَمَثل عُقَاب أوفَى على جبل يأوي إليه الطير بالليل، فتبيت في سَفْحه في أوكارها، فلمّا أصبحت تجلَّت الطير، فأبصرته يرقبها، فإن شذّ منها شيء اختطفه، فلمّا أبصرته الطير لم تنهض من مخافته؛ وجعلت كلَّما شذ منها طائر اختطَفه، فلو نهضت نهضةً واحدة ردَّته؛ وأشدُّ شيء يكون في ذلك أن تنجُوَ كلُّها إلا واحدًا؛ وإن اختلفت؛ لم تنهض فرقة إلَّا هلكت؛ فهذا مثلُهم ومثل الأعاجم؛ فاعمل على قَدْرِ ذلك. فقال له رستُم: أيّها الملك، دَعْني؛ فإنَّ العرب لا تزالُ تهاب العجم ما لم تُضَرِّهم بي؛ ولعلّ الدولة أن تثبت بي فيكون الله قد كَفَى، وتكون قد أصبْنَا المكيدة ورأيَ الحرب؛ فإنّ الرّأي فيها والمكيدة أنفع من بعض الظَّفر. فأبَى عليه، وقال: أيّ شيء بقي! فقال رستم: إنَّ الأناة في الحرْب خيرٌ من العجلة، وللأناة اليومَ موضع، وقتال جيش بعد جيش أمثلُ من هزيمة بمرّة وأشدّ على عدوِّنا، فلجَّ وأبَى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط، وجعلت تختلف إلى الملك الرُّسل ليرى موضعًا لإعفائه وبعثةِ غيره، ويجتمع إليه النَّاس. وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبَل الحيرة وبني صلوبا، وكتب إلى عمر بذلك. ولما كثرت الاستغاثة على يَزْدَجرد من أهل السَّواد على يدي الآزاذمرد بن الآزاذبه جشعت نفسه، واتّقى الحرب برستم،","vol":"3","page":170},{"text":"وترك الرّأي - وكان ضيّقًا لجوجًا - فاستحثّ رستم، فأعاد عليه رستم القول، وقال: أيَّها الملك! لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها؛ ولو أجدُ من ذلك بدًّا لم أتكلَّمْ به، فأنشدك الله في نفسِك وأهلك ومُلْكك؛ دعني أقم بعسكري وأسرّح الجالنوس؛ فإن تكن لنا فذلك؛ وإلّا فأنا على رِجْل، وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدًّا ولا حيلة؛ صَبَرْنا لهم؛ وقد وهَّنَّاهم وحسَّرناهم ونحن جامُّون. فأبى إلّا أن يسير (١). (٣: ٥٠٣/ ٥٠٤).\n١٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السريّ الضبيّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا نزل رستم بساباط، وجمع آلة الحرب وأدَاتها بعثَ على مقدّمته الجالنوس في أربعين ألفًا، وقال: ازحف زحفًا، ولا تنْجذب إلَّا بأمري؛ واستعملَ على ميمنته الهُرْمزان، وعلى ميسرته مِهْران بن بَهْرام الرازيّ، وعلى ساقته البيرزان، وقال رستم ليشجّع الملك: إن فتح الله علينا القوم، فهو وجْهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم، إلى أن يقبلوا المسالمة أو يرضوْا بما كانوا يرضوْن به. فلمّا قدمت وفود سعد على الملك، ورجعوا من عنده؛ رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها، وأحسّ بالشرّ، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب، وسأل الملك أن يُمضيَ الجالنوس، ويُقيم حتَّى ينظر ما يصنعون، وقال: إن غَناء الجالنوس كغَنائي، وإن كان اسمي أشدّ عليهم من اسمه، فإن ظفِر فهو الذي نريد، وإن تكن الأخرى وجهْتُ مثله، ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما؛ فإني لا أزال مرجوًّا في أهل فارس، ما لم أهزَم ينشَطون، ولا أزال مهيبًا في صدور العرب، ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم؛ فإن باشرتهم اجترؤوا آخرَ دهرهم، وانكسر أهلُ فارس آخرَ دهرهم، فبعث مقدّمته أربعين ألفًا؛ وخرج في ستين ألفًا، وساقته في عشرين ألفًا (٢). (٣: ٥٠٤/ ٥٠٥).\n١٢٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السّريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: كان الذي جرّأ يزدجِرد على إرسال رستم غلام جابان منجِّم كسرى، وكان من أهل فُرات بادَقلَى، فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسير\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما ورد في القادسية عند غير الطبري بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنتحدث عن قصة القادسية بعد سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":171},{"text":"رستم وحرب العرب اليوم؟ فخافه على الصّدق فكذبه، وكان رستم يعلَم نحوًا من علمه، فثقُل عليه مسيرُه لعلمه، وخفَّ على الملكِ لما غرّه منه، وقال: إنِّي أحبّ أن تخبرَنِي بشيء أراه أطمئنّ به إلى قولك، فقال الغلام لزُرنا الهنديّ: أخبِره، فقال: سَلْنِي، فسأله فقال: أيها الملك! يُقبل طائر فيقع على إيوانِك فيقع منه شيء في فيه هاهنا - وخطّ دارةً - فقال العبد: صدَق، والطائر غراب، والذي في فيه درهم، وبلغ جابان: أنّ الملك طلبه، فأقبل حتَّى دخل عليه، فسأله عمَّا قال غلامُه، فحسِب فقال: صدق ولم يُصب؛ هو عقعق، والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا، ينزو الدرهم فيستقرّ هاهنا - ودوّر دارة أخرى - فما قاموا حتَّى وقع على الشُّرفات عَقعق، فسقط منهُ الدرهم في الخط الأول، فنزا فاستقرّ في الخطّ الآخر، ونافر الهنديُّ جابان حيث خَطَّأه؛ فأتيا ببقرة نَتُوج؛ فقال الهنديُّ: سَخْلتها غرّاء سَوداء، فقال جابان: كذبْتَ، بل سوداء صبغاء، فنُحرت البقرة فاستُخرجت سخلتها، فإذا هي ذنَبها بين عينيها، فقال جابان: من هاهنا أتِيَ زرنا، وشجّعاه على إخراج رستم، فأمضاه، وكتب جابان إلى جُشْنَسْماه: إنّ أهل فارس قد زال أمرهم، وأدِيلَ عدوُّهم عليهم، وذهب مُلك المجوسيَّة، وأقبل مُلك العرب، وأديل دينهم؛ فاعتقد منهم الذمَّة، ولا تخلُبنَّك الأمور، والعجل العجل قبل أن تُؤخذ! فلمّا وقع الكتاب إليه خرج جشنسماه إليهم حتى أتى المعنَّى؛ وهو في خيل بالعَتيِق، وأرسله إلى سعد، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومَن استجاب له وردّه، وكان صاحبَ أخبارهم، وأهدى للمعنّى فالوذق، فقال لامرأته: ما هذا؟ فقالت: أظنّ البائسة امرأته أراغت العصيدةَ فأخطأتْها، فقال المعنَّى: بؤسًا لها (١). (٣: ٥٠٦/ ٥٠٧).\n١٢٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا فصَل رستم، وأمر الجالنوس بالتقدّم إلى الحيرة؛ أمره أن يصيبَ له رجلًا من العَرب، فخرج هو والآزاذمرد سريَّةً في مئة؛ حتى انتهيا إلى القادسيَّة، فأصابا رجلًا دون قنطرة القادسيّة فاختطفاه، فنفر النَّاس فأعجزوهم إلّا ما أصاب المسلِمون في أخْرَياتهم. فلمَّا انتهيا إلى النَّجَف\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"3","page":172},{"text":"سرّحا به إلى رستم، وهو بكُوثَى، فقال له رستم: ما جَاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله، قال: وما هو؟ قال: أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تُسْلموا. قال رستم: فإن قُتلتم قبل ذلك؟ قال: في موعود الله أن من قُتِل منَّا قبل ذلك أدخله الجنة. وأنجز من بقي منّا ما قلت لك، فنحن على يقين. فقال رستم: قد وُضِعْنا إذًا في أيديكم! قال: ويحك يا رستم! إنّ أعمالكم وضعتْكم فأسلمكم الله بها؛ فلا يغرنَّك ما ترى حولَك، فإنك لست تُحإول الإنس؛ إنما تحاول القضاءَ والقدر! فاستشاط غضبًا، فأمر به فضرِبت عنقه، وخرج رستم من كُوثَى؛ حتى ينزل ببُرس، فغصب أصحابُه الناسَ أموالهم ووقعوا على النساء، وشربوا الخمور، فضجّ العلُوج إلى رستم، وشكَوْا إليه ما يلقوْن في أموالهم وأبنائهم، فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس! والله لقد صدَق العربيّ؛ والله ما أسلَمنا إلا أعمالنا، والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حربٌ أحسنُ سيرةً منكم، إنّ الله كان ينصركم على العدوّ، ويمكّن لكم في البلاد بحُسن السيرة وكفِّ الظلم والوفاءِ بالعهود والإحسان؛ فأمَّا إذ تحوَّلتم عن ذلك إلى هذه الأعمال، فلا أرى الله إلا مغيّرًا ما بكم، وما أنا بآمنِ أن ينزع الله سلطانه منكم. وبعث الرجال، فلقطوا له بعض من يُشكى فأتِيَ بنفر، فضرب أعناقهم، ثم ركب ونادى في الناس بالرّحيل، فخرج ونزل بحيال دير الأعور، ثم انصبّ إلى الملطاط؛ فعسكر ممّا يلي الفرات بحيال أهلِ النَّجَف بحيال الخَوَرْنق إلى الغَرِيَّيْن، ودعا بأهل الحيرة، فأوعدهم وهمّ بهم، فقال له ابن بُقَيلة: لا تجمع علينا اثنتين: أن تعجز عن نُصرتنا، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا. فسكت (١). (٣: ٥٠٧/ ٥٠٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>يوم أرماث</span>\n١٢٥ - كتبَ إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال رستم: إنَّما ضَغَا الثعلب حين مات الأسد - يذكرّهم موتَ كسرى - ثم قال لأصحابه: قد خشيتُ أن تكونَ هذه سنة القرود، ولما عَبر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"3","page":173},{"text":"أهل فارس أخذوا مصافَّهم، وجلس رستم على سريره وضُرب عليه طيّارة، وعبَّى في القلب ثمانية عشر فيلًا، عليهَا الصناديق والرّجال، وفي المجنَّبتين ثمانية وسبعة، وعليها الصناديق والرّجال، وأقام الجالِنوس بينه وبين ميمنته والبِيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان يزدجرد وضع رجلًا على باب إيوانه؛ إذ سرّح رستم، وأمرَه بلزومه وإخباره وآخر حيث يسمعه من الدار، وآخر خارج الدار، وكذلك على كل دعوة رجلًا؛ فلما نزل رستم، قال الذي بساباط: قد نزل، فقال الآخر ... حتى قاله الذي على باب الإيوان؛ وجعل بين كلّ مرحلتَين على كلّ دعوة رجلًا؛ فكلّما نزل وارتحل أو حدث أمرٌ قاله؛ فقاله الذي يليه، حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان؛ فنظّم ما بين العتيق والمدائن رجالًا، وترك البُرُد، وكان ذلك هو الشأن.\nوأخذ المسلمون مصافَّهم، وجُعِل زُهرة وعاصم بين عبد الله وشُرَحبيل، ووكّل صاحب الطلائع بالطِّراد، وخلَط بين الناس في القلب والمجنَّبات، ونادى مناديه: ألا إنّ الحسد لا يحلّ إلّا على الجهاد في أمر الله يا أيّها الناس؛ فتحاسدوا وتغَايروا على الجِهاد، وكان سعد يومئذ لا يستطيعُ أن يركبَ ولا يجلس، به حُبون، فإنَّما هو على وجهه في صدره وسادة، هو مُكِبّ عليها، مُشرِف على الناس من القَصْر، يرمي بالرّقاع فيها أمرُه ونهيُه، إلى خالد بن عُرْفُطة، وهو أسفل منه؛ وكان الصفّ إلى جنب القَصْر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدًا مُشرِفًا (١). (٣: ٥٣٠/ ٥٣١).\n١٢٦ - كتب إليّ السريُّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وأرسل سعدٌ الذين انتهى إليهم رأيُ الناس، والذين انتهت إليهم نجدتُهم وأصناف الفَضْل منهم إلى الناس، فكان منهم من ذوي الرأي النَّفرُ الذي أتوا رستم المغيرةُ، وحُذَيفة، وعاصم؛ وأصحابهم؛ ومن أهل النجدة طُلَيْحة، وقَيس الأسديّ، وغالب، وعمرو بن مَعْديكرب وأمثالهم، ومن الشعراء الشَّمَّاخ والحُطَيئَة، وأوس بن مَغْواء، وعبْدة بن الطبيب؛ ومن\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولبعضه ما يقويه كما سنذكر بعد قليل.","vol":"3","page":174},{"text":"سائر الأصناف أمثالهم. وقال قبل أن يُرسلهم: انطلقوا فقومُوا في النَّاس بما يحقّ عليكم ويحقّ عليهم عند مواطن البأس؛ فإنَّكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شُعراء العرب وخُطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس، فذكِّروهم وحَرّضوهم على القتال. فساروا فيهم، فقال قيس بن هُبَيرة الأسَديّ: أيُّها الناس! احمَدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يَزِدْكم، واذكروا آلاءَ الله، وارغَبوا إليه في عاداته؛ فإنّ الجنّة أو الغنيمة أمامكم؛ وإنه ليس وراء هذا القصْر إلا العراء والأرض القَفْر، والطراب الخُشْن، والفلوات التي لا تقطعها الأدِلّة.\nوقال غالب: أيُّها الناس! احمَدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدْكم، وادعوه يُجبْكم؛ يا معاشر مَعَدّ! ما علَّتُكم اليوم وأنتم في حصونكم -يعني: الخيل- ومعكم من لا يعصيكم -يعني: السيوف- اذكروا حديث الناس في غدٍ؛ فإنه بكم غدًا يُبْدَأ عنده، وبمن بعدكم يُثنَّى.\nوقال ابن الهُذيل الأسديّ: يا معاشر معدّ! اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم كأسود الأجَم، وترَبَّدوا لهم تربُّد النُّمور، وادَّرِعوا العَجاج، وثقوا بالله، وغُضّوا الأبصار، فإذا كلَّت السيوف فإنها مأمورة، فأرسلوا عليهم الجنادل، فإنها يؤذن فيما لا يؤذن للحديد فيه.\nوقال بُسْر بن أبي رُهْم الجُهَنيّ: احمَدوا الله، وصدّقوا قولكم بفعل، فقد حمِدتم الله على ما هداكم له ووحّدتموه ولا إله غيره، وكبّرِتموه، وآمنتم بنبيّه ورُسُله فلا تَموتُنّ إلا وأنْتم مُسْلِمُون؛ ولا يكوننّ شيء بأهون عليكم من الدُّنيا، فإنها تأتي مَن تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرُب منكم لتميلَ بكم. انصُرُوا الله ينصُركم.\nوقال عاصم بن عمرو: يا معاشرَ العرب! إنَّكم أعيانُ العرب، وقد صمدتم الأعيان من العجم؛ وإنما تخاطرون بالجنَّة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنّ على دنياهم أحوطَ منكم على آخرتكم. لا تحدِثوا اليوم أمرًا تكونون به شَيئًا على العَرَب غدًا.\nوقال ربيع بن البلاد السعديّ: يا معاشرَ العرب! قاتلوا للدّين والدُّنيا؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ","vol":"3","page":175},{"text":"لِلْمُتَّقِينَ﴾، وإن عظَّم الشيطان عليكم الأمْرَ، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل.\nوقال رِبْعيّ بن عامر: إنّ الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزّيادة، وفي الصبر الرّاحة، فعَؤدوا أنفسَكم الصبر تعتادوه، ولا تعوّدوها الجَزَع فتعتادوه.\nوقام كلّهم بنحو من هذا الكلام، وتواثَق الناس، وتعاهدوا، واهتاجوا لكلّ ما كان ينبغي لهم، وفعل أهلُ فارس فيما بينهم مثلَ ذلك، وتعاهدوا وتواصوْا؛ واقترنوا بالسلاسل؛ وكان المقترنون ثلاثين ألفًا (١). (٣: ٥٣٣/ ٥٣٤ / ٥٣٥).\n١٢٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: مرّ بنا عمرو بن معديكرب وهو يحضّض الناس س بين الصّفين، وهو يقول: إنَّ الرجل مِن هذه الأعاجم إذا ألقى مِزراقه؛ فإنَّما هو تيس. فبينا هو كذلك يحرّضنا إذ خرفي إليه رجلٌ من الأعاجم، فوقف بين الصّفَّين فرمى بنُشَّابة، فما أخطأت سِيَةَ قوسِه وهو متنكِّبها، فالتفت إليه فحمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بِمنْطَقتهِ، فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا؛ منَّا كسر عنقَه، ثم وضع سيفه على حَلْقه فذبحه؛ ثم ألقاه، ثم قال: هكذا فاصنعوا بهم! فقلنا: يا أبا ثَور! مَن يستطيع أن يصنع كما تصنع (٢)؟ !\n١٢٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: كانت -يعني: وقعة القادسيَّة- في المحرّم سنة أربع عشرة في أوله. وكان قد خرج من الناس إليهم، فقال له أهل فارس: أحِلْنا، فأحالهم على بَجِيلة، فصرفوا إليها ستَّة عشر فيلًا (٣). (٣: ٥٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>يوم أغواث</span>\n١٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عن القادسية بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر ما يقويه بعد سرد هذه الروايات.\n(٣) إسناده ضعيف وسنذكر ما يقويه بعد سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":176},{"text":"وكان سعد قد تزوّج سلْمَى بنت خَصَفة؛ امرأة المثنَّى بن حارثة قبله بشَراف، فنزل بها القادسيَّة، فلمَّا كان يوم أرماث، رجال الناسُ، وكان لا يُطيق جِلْسةً إلَّا مستوفِزًا أو على بطنه؛ جعل سعد يَتَمَلمل ويحُول جَزَعا فوق القصر؛ فلمَّا رأت ما يصنع أهلُ فارس، قالت: وامُثنَّيَاهُ ولا مُثنَّى للخيل اليوم! - وهي عند رجل قد أضجره ما يَرى من أصحابه وفي نفسه - فلطَم وجهها، وقال: أين المثنَّى من هذه الكتيبة التي تدورُ عليها الرّحى! -يعني: أسدًا وعاصمًا وخيله - فقالت: أغَيرةً وجُبْنًا! قال: والله لا يعذِرني اليوم أحد إذا أنتِ لم تعذريني وأنتِ تَرَينَ ما بي، والناس أحقُّ ألّا يعذِروني! فتعلَّقها الناس؛ فلمَّا ظهر النَّاس؛ لم يبقَ شاعر إلّا اعتدّ بها عليه، وكان غير جَبان، ولا ملوم، ولمَّا أصبح القوم من الغد أصبحوا على تعبية، وقد وكّل سعد رجالًا بنقل الشهداء إلى العُذيب ونقلِ الرّثيث؛ فأمَّا الرّثيث فأسلِمَ إلى النساء يقمْن عليهم إلى قضاء الله ﷿ عليهم؛ وأمَّا الشُّهداء فدفنوهم هنالك على مُشَرّق - وهو وادٍ بين العُذيب وبين عين الشمس في عُدْوتَيه جميعًا؛ الدنيا منهما إلى العُذَيب والقُصَوى منهما من العُذيب - والنَّاس ينتظرون بالقتال حَمْلَ الرّثِيث والأموات؛ فلمَّا استقلَّت بهم الإبل وتوجَّهت بهم نحو العُذَيب طلعت نواصي الخيل من الشأم - وكان فتح دِمَشْق قبل القادسيَّة بشهر - فلمَّا قدم على أبي عُبَيدة كتاب عمر بصَرف أهلِ العراق أصحاب خالد؛ ولم يذكر خالدًا ضنَّ بخالد فحبسه وسرّح الجيش؛ وهم ستة آلاف؛ خمسة آلاف من ربيعة ومُضر وألف من أفناء اليَمن من أهل الحجاز؛ وأمَّر عليهم هاشم بن عُتبة بن أبي وقَّاص، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو، فجعله أمامه؛ وجعل على إحدى مجنّبتَيه قيس بن هُبيرة بن عبد يغوث المراديّ - ولم يكن شهد الأيّام، أتاهم وهم باليرموك حين صُرِف أهل العراق وصُرف معهم - وعلى المجنَّبة الأخرى الهَزهاز بن عمرو العِجليّ، وعلى الساقة أنس بن عبَّاس. فانجذب القعقاع وطوى وتعجَّل، فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارًا؛ وهم ألف، فكُلَّما بلغ عشرة مَدَى البَصَر سرَّحوا في آثارهم عشرة، فقدّم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى النَّاس فسلَّم عليهم، وبشّرهم بالجنود، فقال: يا أيّها الناس! إنّي قد جئتكم في قوم؛ والله أن لو كانوا بمكانكم، ثم أحشوكم حسدوكم حُظْوتَها، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع. فتقدّم ثم نادى: مَن يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يُهْزَم","vol":"3","page":177},{"text":"جيشٌ فيهم مثل هذا، وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: مَن أنت؟ قال: أنا بهْمَن جاذَوَيه، فنادى: يا لِثارات أبي عبيد وسَلِيط وأصحاب يوم الجِسْر! فاجتلدا، فقتله القعقاع، وجعلت خيله تَرِد قِطَعًا، وما زالت ترِدُ إلى الليل وتنشّط الناس؛ وكأن لم يكن بالأمس مصيبة؛ وكأنَّما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبيّ وللحاق القِطَع، وانكسرت الأعاجم لذلك، ونادى القعقاع أيضًا: مَن يبارز؟ فخرج إليه رجلان: أحدهما البِيرزان والآخر البِندوان؛ فانضمّ إلى القعقاع الحارث بن ظبَيْان بن الحارث أخو بني تَيم اللّات، فبارز القعقاع البِيرزان، فضر به فأذرى رأسَه، وبارز ابن ظَبْيان البِندوان، فضر به فأذرى رأسَه، وتورَّدهم فرسان المسلمين، وجعل القعقاع يقول: يا معاشِرَ المسلمين! باشروهم بالسيوف، فإنَّما يُحْصَد الناس بها! فتواصَى النَّاس، وتشايعوا إليهم، فاجتلدوا بها حتَّى المساء، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئًا ممَّا يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتْل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فِيل، كانت توابيتها تكسَّرت بالأمس، فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان الغد (١). (٣: ٥٤٢/ ٥٤٣ / ٥٤٤).\n١٣٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سُليم بن عبد الرحمن السعديّ، عن أبيه، قال: كان يكون أوّل القتال في كلّ أيامها المطاردة، فلمَّا قدم القعقاع قال: يا أيّها الناس! اصنعوا كما أصنع، ونادَى: مَنْ يبارزُ؟ فبرز له ذو الحاجب فقتلَه، ثم البِيرزان فقتله، ثم خرج الناس من كلِّ ناحية، وبدأ الحرب والطِّعان، وحمل بنو عمّ القعقاع يومئذ، عشرة عشرة من الرجَّالة، على إبل قد ألبسوها فهي مجلَّلة مبرقعة، وأطافت بهم خيولُهم، تحميهم، وأمرهم أن يحملوا على خيلهم بين الصّفين يتشبَّهون بالفيَلة، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلَّا نفرت بهم خيلهم، وركبتهم خيول المسلمين، فلمَّا رأى ذلك الناس استنُّوا بهم، فلقيَ فارس من الإبل يوم أغواث أعظَم ممَّا لقي المسلمون من الفيَلة يوم أرماث.\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد قليل.","vol":"3","page":178},{"text":"وحمل رجلٌ من بني تميم ممَّن كان يحمي العشيرة يقال له: سواد، وجعل يتعرَّض للشهادة، فقُتل بعدما حمل، وأبطأت عليه الشهادة؛ حتى تعرَّض لرستم يريده، فأصيب دونه (١). (٣: ٥٤٥).\n١٣١ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: قَتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين في ثلاثين حملة، كلَّما حمل حملة قتل فيها، فكان آخرهم بُزُرْجُمِهر الهمَذانيّ، وقال في ذلك القعقاع:\nحَبَوْتُهُ جَيَّاشةً بالنّفس ... هَدَّارةً مثلَ شُعاع الشمسِ\nفي يوم أغواثٍ فَلَيْلِ الفُرْس ... أَنْخُسُ بالقوم أشَدَّ النَّخْس\nحتى تَفِيضَ مَعْشَري ونَفْسي\nوبارز الأعْوَر بن قُطبة شَهْرَبَرازَ سِجْستان، فقتل كلّ واحد منهما صاحبه، فقال أخوه في ذلك:\nلم أرَ يومًا كان أحلَى وأمَرْ ... من يوم أغواثٍ إذِ افترَّ الثَّغَرْ\nمن غير ضَحْكٍ كان أَسْوَا وَأَبَرّ (٢)\n(٣: ٥٤٧).\n١٣٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد؛ وشاركهم ابن مِخراق عن رجل من طَيّئ، قالوا: وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف النهار؛ فلمَّا عدَل النهار تزاحف الناس، فاقتتلوا بها صَتيتًا حتى انتصف الليل؛ فكانت ليلة أرماث تُدعى الهَدْأة، وليلة أغواث تُدعى السَّواد، والنّصف الأول يدعى السَّواد، ثم لم يزل المسلمون يروْن في يوم أغواث في القادسيَّة الظَّفَر، وقتلوا فيه عامّة أعلامهم؛ وجالت فيه خيل القلب، وثبتَ رَجْلهم؛ فلولا أن خيلهم كرّت أخذ رستم أخذًا، فلمَّا ذهب السواد بات النَّاس على مثل ما بات عليه القوم ليلة أرماث؛ ولم يزل المسلمون ينتمون لَدُن أمسوا حتى تفايؤوا. فلمَّا أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: إن تمّ الناس على الانتماء فلا تُوقِظْني، فإنهم أقوياء على عدوّهم؛ وإن سكتوا ولم\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عن متابعات وشواهد روايات القادسية (عند الطبري) بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر شواهده بعد سرد الروايات.","vol":"3","page":179},{"text":"ينْتَم الآخرون فلا توقظني، فإنَّهم على السَّواء فإن سمعتَهم ينتمون فأيقظِني؛ فإن انتماءهم عن السَّوء.\nفقالوا: ولما اشتدّ القتال بالسواد، وكان أبو مِحْجَن قد حُبس وقُيّد، فهو في القصر، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره وردّه، فنزل، فأتى سلْمَى بنت خَصَفة، فقال: يا سلمى يا بنت آل خَصَفة! هل لكِ إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلِّين عنِّي وتُعيرينني البَلقاء؛ فلله عليَّ إن سلَّمني الله أن أرجع إليكِ حتى أضعَ رجلي في قَيدي، فقالت: وما أنا وذاك! فرجع يرسُف في قيوده، ويقول:\nكَفَى حَزَنًا أن تَرْدِيَ الخَيْلُ بالقَنا ... وأُترَكَ مشدودًا عليَّ وثاقيا\nإذا قُمْتُ عَنَّاني الحديدُ وأُغلِقَتْ ... مصاريعُ دوني قد تُصِمُّ المُناديا\nوقد كنتُ ذا مالٍ كثيرةٍ وإخْوَةٍ ... فقد تركوني واحدًا لا أخَا لِيَا\nولله عَهْدٌ لا أخيسُ بعهده ... لئن فُرِجَتْ ألَّا أزورَ الحوانيا\nفقالت سَلْمى: إنِّي استخرتُ الله ورضيتُ بعهدك، فأطلقَتْه. وقالت: أمَّا الفَرَس فلا أعِيرها؛ ورجعتْ إلى بيتها، فاقتادها فأخرجها من باب القصر الذي يلِي الخندق فركبها؛ ثم دبّ عليها؛ حتى إذا كان بحيال الميمنة كبَّر، ثم حمل على ميسرة القَوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفَين؛ فقالوا: بسرجها، وقال سعيد والقاسم: عُرْيًا؛ ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبَّر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصّفَين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلْف المسلمين إلى القلب فندَر أمام النَّاس، فحمل على القوم يلعب بين الصّفّين برمحه وسلاحه؛ وكان يقصِف الناس ليلتئذٍ قصْفًا منكرًا وتعجَّب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروْه من النَّهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه، وجعل سعد يقول وهو مُشرِف على النَّاس مُكِبّ من فوق القصر: والله لولا مَحْبس أبي مِحْجَن لقلتُ: هذا أبو مِحْجن وهذه البلقاء! وقال بعض الناس: إنْ كان الخَضِر يشهد الحروب فنظنّ صاحب البلقاء الخَضِر، وقال بعضهم: لولا أنّ الملائكة لا تُباشر القتال لقلنا: مَلَكٌ يثبِّتنا؛ ولا يذكره الناس ولا يأبهون له؛ لأنَّه بات في محبسه، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون،","vol":"3","page":180},{"text":"وأقبل أبو محْجَن حتى دخل من حيث خرج؛ ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجلَيه في قيديه، وقال:\nلقد علِمَتْ ثَقيفٌ غيرَ فَخْرٍ ... بأنّا نحن أكرَمُهم سُيُوفا\nوأكثَرُهُمْ دروعًا سابغَاتٍ ... وأصبَرُهم إذا كَرِهوا الوُقُوفا\nوأنّا وَفدُهم في كلّ يومٍ ... فإن عَمِيُوا فَسَل بِهِمُ عَرِيفا\nوليلةَ قادِسٍ لم يَشْعُروا بي ... ولم أُشْعِرْ بمَخْرَجِيَ الزُّحُوفَا\nفإِن أُحْبَسْ فذلكُمُ بلائي ... وإنْ أترَك أَذيقُهُمُ الحُتوفا\nفقالت له سلْمى: يا أبا مِحْجَن! في أيّ شيء حبسك هذا الرجل؟ قال: أمَّا والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته؛ ولكني كنت صاحبَ شراب في الجاهليَّة، وأنا امرؤ شاعر يدِبّ الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحيانًا، فيُساء لذلك ثنائي؛ ولذلك حبسني، قلت:\nإذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى أصل كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظامي بعد موتي عُرُوقها\nولا تَدْفِنِّي بالفَلاة فإِنني ... أخافُ إذا ما متُّ ألا أذوقها\nوتُرَوِّي بخمر الحُصِّ لَحدِي فإنني ... أسيرٌ لها من بعدِ ما قد أسوقُها\nولم تزل سلْمى مغاضبة لسعد عشيَّة أرماث، وليلة الهدأة، وليلة السواد؛ حتى إذا أصبحتْ أتته وصالحتْه وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن، فدعا به فأطلقه، وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جَرَم، والله لا أجيب لساني على صفة قبيح أبدًا (١). (٣: ٥٤٧/ ٥٤٨ / ٥٤٩/ ٥٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>يوم عِماس</span>\n١٣٣ - كتب إليَّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، وابن مخراق عن رجل من طيّئ، قالوا: فأصبحوا من اليوم الثالث؛ وهم على مواقفهم؛ وأصبحت الأعاجم على مواقفهم، وأصبح ما بين النَّاس كالرِّجلة الحَمراء -يعني: الحَرَّة- ميل في عرض ما بين الصفين، وقد قتل\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتطرق إلى ذكر الروايات الصحيحة عند غير الطبري بعد قليل إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":181},{"text":"من المسلمين ألفان من رثيث ومَيّت، ومن المشركين عشرة آلاف من رثيث وميّت. وقال سعد: مَنْ شاء غَسَل الشهداء، ومن شاء فليدفنْهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قتلاهم فأحرزوهم، فجعلوهم من وراء ظهورهم، وأقبل الذين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر، ويُبلِّغون الرّثيث إلى النساء، وحاجب بن زيد على الشهداء، وكان النِّساء والصبيان يحفرون القبور في اليومين: يوم أغواث، ويوم أرماث، بِعُدْوتَي مشَرّق، فدُفن ألفان وخمسمئة من أهل القادسيَّة وأهل الأيّام، فمرّ حاجب وبعض أهلِ الشهادة ووُلاةِ الشهداء في أصل نخلة بين القادسيَّة والعُذَيْب، وليس بينهما يومئذ نخلة غيرها، فكان الرّثيث إذا حُملوا فانتهيَ بهم إليها وأحدهم يَعقِل سألهم أن يقفوا به تحتها يستَرْوح إلى ظلِّها، ورجل من الجرْحَى يُدعى بُجَيرًا، يقول وهو مستظلّ بظلها:\nألا يا اسْلَمِي يا نَخْلَةً بين قادِسٍ ... وبين العُذَيبِ لا يُجاورُكِ النَّخْلُ\nورجل من بني ضبَّة، أو من بني ثوْر يُدعى غَيلان، يقول:\nأَلا يا اسلَمِي يا نخلةً بين جَرْعةٍ ... يجاورُكِ الجُمّانُ دونكِ والرَّغلُ\nورجل من بني تيم الله، يقال له: رِبْعيّ يقول:\nأيا نخلة الجرعاءِ يا جَرْعةَ العِدَى ... سقَتْكِ الغوادي والغيوث الهواطِل\nوقال الأعور بن قطبة:\nأيا نخلة الرُّكبان لا زُلْتِ فانضرِي ... ولا زال في أكناف جَرْعَائِكِ النَّخل\nوقال عوف بن مالك التميمي - ويقال التيميّ تَيم الرّباب:\nأَيا نخلةً دون العُذَيب بتَلْعةٍ ... سُقِيتِ الغَوادِي المُدْجناتِ من النّخل (١)\n(٣: ٥٥٠/ ٥٥١).\n١٣٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وبات القعقاع ليلته كلَّها يسرّب أصحابَه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الأمس، ثم قال: إذا طلعتْ لكم الشمس، فأقبلوا مئة مئة، كلّما توارى عنكم مئة فليتبعها مئة؛ فإن جاء هاشم فذاك وإلّا جدَّدتم للناس رَجاءً وجدًّا، ففعلوا،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده بعد قليل وأرقام هذه الرواية أقرب إلى الصحة من غيرها وأبعدها عن المبالغة من غيرها كما سنرى والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":182},{"text":"ولا يشعر بذلك أحدٌ، وأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم؛ وخلَّوْا بينهم وبين حاجِب بن زيد وقتلى المشركين بين الصّفَّين قد أضيعوا، وكانوا لا يعرضون لأمواتهم، وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين مكيدة فتحها ليشدّ بها أعضاد المسلمين. فلمَّا ذرّ قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيلَ، وطلعت نواصيها كبَّر وكبَّر الناس، وقالوا: جاء المَدَد، وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاؤوا من قِبَل خَفَّان، فتقدمَ الفرسان وتكتَّبت الكتائب، فاختلفوا الضرب والطَّعن، ومددُهم متتابع؛ فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، وقد طلعوا في سبعمئة، فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يوميه، فعبَّى أصحابه سبعين سبعين، فلمَّا جاء آخر أصحاب القعقاع خرَج هاشم في سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث - ولم يكن من أهل الأيَّام؛ إنما أتى من اليمن اليَرموك - فانتدب مع هاشم، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب؛ كبَّر وكبَّر المسلمون؛ وقد أخذوا مصافَّهم، وقال هاشم: أوّل القتال المطاردة ثم المراماة؛ فأخذ قوسَه، فوضمع سهمًا على كَبِدها، ثمّ نزع فيها، فرفعت فرسُه رأسها، فخلّ أذنها، فضحك وقال: واسوأتاه من رمية رجل! كلّ من رأى ينتظره! أين ترون سهمي كان بالغًا؟ فقيل: العتيق، فنزّقها وقد نزع السهم، ثم ضربها حتى بلغت العتيق، ثم ضربها فأقبلت به تخرقها، حتى عاد إلى موقفه، وما زالت مَقَانبه تطلع إلى الأولى، وقد بات المشركون في علاج توابيتهم، حتى أعادوها، وأصبحوا على مواقفهم، وأقبلت الفِيَلة معها الرجّالة يحمُونها أن تقطعَ وُضُنها، ومع الرّجَّالة فرسان يحمونهم، إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل وأتباعه؛ ليُنفِّروا بهم خيلَهم فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأنّ الفيل إذا كان وحْده ليس معه أحد كان أوحشَ، وإذا أطافوا به كان آنس، فكان القتال كذلك، حتى عدَل النهار، وكان يومُ عِماس من أوّله إلى آخره شديدًا؛ العرب والعجم فيه على السواء، ولا يكون بينهم نُقطة إلّا تعاوَرَها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجِرْد، فيبعث إليهم أهل النَّجَدات ممَّن بقي عنده، فيَقْوَون بهم، وأصبحت عنده للَّذي لقيَ بالأمس الأمداد على البُرد، فلولا الذي","vol":"3","page":183},{"text":"صنع الله للمسلمين بالذي ألهم القعقاعَ في اليومين وأتاح لهم بهاشم، كسر ذلك المسلمين (١). (٣: ٥٥١/ ٥٥٢).\n١٣٥ - كتب إليّ السَّريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي كِبْران الحسن بن عُقبة: أنّ قيس بن المكشوح، قال مقدَمَه من الشأم مع هاشم، وقام فيمن يليه، فقال لهم: يا معشرَ العرب! إنّ الله قد منّ عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمَّد - ﷺ -، فأصبحتم بنعمة الله إخوانًا. دَعْوَتُكم واحدة، وأمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدُو بعضكم على بعض عَدْوَ الأسْد، ويختطف بعضكم بعضًا اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، وتنجَّزوا من الله فتح فارس؛ فإنّ إخوانكم من أهل الشأم قد أنجز الله لهم فتح الشام، وانتثال القصور الحُمر والحصون الحُمر (٢). (٣: ٥٥٤).\n١٣٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثيّ، عن الشعبيّ، قال: قال عمرو بن معد يكرب: إنّي حاملٌ على الفيل ومَنْ حوله - لفيل بإزائهم - فلا تَدَعوني أكثر من جَزْر جَزور؛ فإن تأخَّرْتم عنّي فقدتم أبا ثور؛ فإنِّي لكم مثل أبي ثور! فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف. فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار، فقال أصحابه: ما تنتظرون! ما أنتم بخُلَقاء أن تُدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسَهم، فحملوا حملة، فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه، وإنْ سيفه لفي يده يضاربهم، وقد طُعن فرسه، فلمَّا رأى أصحابه، وانفرج عنه أهل فارس أخذ برجْل فرس رجل من أهل فارس، فحرّكه الفارسيّ، فاضطرب الفوس، فالتفت الفارسيّ إلى عمرو؛ فهمّ به وأبصره المسلمون؛ فغشُوه، فنزل عنه الفارسيّ، وحاضر إلى أصحابه، فقال عمرو: أمكِنوني من لجامه، فأمكنوه منه فركبه (٣). (٣: ٥٥٤).\n١٣٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبديّ، عن الأسود بن قيس، عن أشياخ لهم شهدوا القادسية، قالوا: لمّا كان يوم عِماس؛ خرج رجل من العجم حتى إذا كان بين الصّفين هدر وشقشق ونادى:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف وسنتطرق إلى الشواهد والمتابعات بعد انتهائنا من سرد روايات الطبري هذه.","vol":"3","page":184},{"text":"مَنْ يبارز؟ فخرج رجل منَّا يقال له شَبْر بن علقمة - وكان قصيرًا قليلًا دميمًا - فقال: يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرّجل! فلم يُجبه أحدٌ؛ ولم يخرج إليه أحد، فقال: أما والله لولا أن تزدروني لخرجت إليه، فلمَّا رأى أنه لا يُمنع أخذ سيفه وحَجَفته، وتقدّم، فلمَّا رآه الفارسيّ هدَر، ثم نزل إليه فاحتمله، فجلس على صدره، ثم أخذ سيفه ليذبحه ومِقْوَدُ فرسه مشدود بمِنْطقه، فلما استلّ السيف حاص الفرس حيصة فجذبه المقود، فقلبه عنه، فأقبل عليه وهو يُسْحب، فافترشه، فجعل أصحابه يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم؛ فوالله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه. فذبحه وسلبه، ثم أتى به سعدًا، فقال: إذا كان حين الظُّهر فائتني، فوافاه بالسَّلَب، فحمِد الله سعد وأثنى عليه، ثم قال: إنِّي قد رأيتُ أن أنحله إيَّاه، وكلّ مَن سلب سلبًا فهو له، فباعه باثني عشر ألفًا (١). (٣: ٥٥٤/ ٥٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>ليلة القادسيّة</span>\n١٣٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة وزياد، قالوا: وأصبحوا ليلة القادسيَّة؛ وهي صُبْحة ليلة الهرير، وهي تسمّى ليلة القادسيَّة، من بين تلك الأيام والناس حَسْرَى، لم يغمضوا ليلتهم كلَّها، فسار القعقاع في النَّاس، فقال: إن الدّبْرة بعد ساعة من بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإنّ النّصر مع الصّبر، فآثروا الصّبر على الجزَع؛ فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، وصمدوا لرستم، حتى خالطوا الَّذيِن دونه مع الصُّبح. ولما رأت ذلك القبائل قامَ فيها رجال، فقام قيس بن عبد يَغوث والأشعث بن قيس وعمرو بن معديكرب وابن ذي السَّهمَين الخثعميّ وابن ذي البُرْدَينِ الهلاليّ، فقالوا: لا يكوننّ هؤلاء أجدّ في أمر الله منكم، ولا يكوننّ هؤلاء - لأهل فارس - أجرأ على الصوت منكم؛ ولا أسخَى أنفسهًا عن الدنيا، تَنافسوها، فحملهوا ممَّا يليهم حتى خالطوا الَّذِين بإزائهم، وقام في ربيعة رجال، فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى؛ فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرْأة! فكان أوّل مَن زال حين قام قائم الظهيرة الهُرْمزان والبيرزان، فتأخَّرا وثبتا\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده بعد قليل.","vol":"3","page":185},{"text":"حيث انتهيا، وانفرج القلْب حين قام قائم الظهيرة، وركد عليهم النَّقْع، وهبَّت ريحٌ عاصف، فقلعت طيَّارة رستم عن سريره، فهوت في العتيق؛ وهي دَبُور، ومال الغبار عليهم، وانتهى القعقاع ومَن معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين طارت الرّيح بالطيّارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة، فاستظلّ في ظلّ بغل وحِمْله، وضرب هلال بن عُلَّفة الحِمْل الذي رستم تحته؛ فقطع حباله، ووقع عليه أحد العِدْلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به؛ فأزال من ظهره فَقارًا، ويضربه ضربة فنفحت مِسْكًا، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه؛ فتناوله وقد عام؛ وهلال قائم، فأخذه برجله، ثم خرج به إلى الجُدّ، فضرب جبينه بالسَّيف حتى قتله، ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال، وصعد السرير، ثم نادى: قتلتُ رستم وربّ الكعبة! إليّ! فأطافوا به وما يُحسُّون السرير ولا يروْنه؛ وكبَّروا وتنادَوْا، وانبتّ قلب المشركين عندها وانهزموا، وقام الجالنوس على الرّدْم، ونادى أهل فارس إلى العبور، وانسفر الغبار؛ فأمَّا المقترنون فإنَّهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبِّر، وهم ثلاثون ألفًا، وأخذ ضِرار بن الخطاب \"دِرَفْشِ كابيان\"، فعُوّض منها ثلاثين ألفًا، وكانت قيمتها ألف ألف ومئتي ألف، وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى مَنْ قتلوا في الأيَّام قبله (١). (٣: ٥٦٣/ ٥٦٤).\n١٣٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عَطيَّة، عن عمرو بن سَلمة، قال: قتَل هلال بن عَلَّفة رستمَ يوم القادسيّة (٢). (٣: ٥٦٤).\n١٤٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما انكشف أهلُ فارس؛ فلم يبقَ منهم بين الخَنْدق والعتيق أحد، وطبّقت القتلى ما بين قُدَيس والعتيق أمر سعد زُهرة باتّباعهم، فنادى زهرة في المقدّمات، وأمر القعقاعَ بمَن سفَل، وشُرَحْبيل بمن علا، وأمر خالد بن عُرْفَطة بسَلْب القتلى وبدَفْن الشهداء، فدُفن الشهداء، شهداء ليلة الهرير ويوم القادسيَّة حول قُديْس ألفان وخمسمئة وراءَ العتيق بحِيال مُشرِّق، ودُفن شهداء ما كان قبل ليلة الهرير على مشرِّق، وجُمعت الأسلاب والأموالُ فجُمع منها شيءٌ لم يُجمَع\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر متابعات وشواهد القصة بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"3","page":186},{"text":"قبله ولا بعده مثله؛ وأرسل سعد إلى هلال، فدعَا له، فقال: أين صاحبُك؟ قال: رميتُ به تحت أبغُل؛ قال: اذهبْ فجئ به، فذهب فجاء به، فقال: جَرّدْه إلّا ما شئتَ، فأخذ سلبه فلم يَدَعْ عليه شيئًا، ولما رجع القعقاع وشُرحبيل قال لهذا: اغدُ فيما طلب هذا، وقال لهذا: اغد فيما طلب هذا؛ فعلا هذا، وسفَل هذا، حتى بلغا مقدار الخرّارة من القادسيَّة، وخرج زُهرة بن الحَويَّةِ في آثارهم، وانتهى إلى الرّدْم وقد بثقوه ليمنعوهم به من الطَّلَب، فقال زهرة: يا بُكَيْر، أقدِم، فضرب فرسه، وكان يقاتل على الإناث، فقال: ثبِي أطلالُ، فتجمَّعت وقال: وَثْبًا وسورة البَقَرَةِ! ووثب زهرةُ - وكان على حصان - وسائرُ الخيل فاقتحمته، وتتابع على ذلك ثلاثمئة فارس، ونادى زُهرة حيث كاعت الخيل: خذوا أيّها الناس على القنطرة، وعارضونا، فمضى ومضى الناس إلى القنطرةِ يتَّبعونه فلحق بالقوم والجالنوس في آخرِهم يحميهم، فشاوله زهرة، فاختلفا ضربتين، فقتله زهرة، وأخذ سلبَه، وقتلوا ما بين الخرّارة إلى السَّيلَحين، إلى النَّجَف؛ وأمسَوا فرجعوا فباتوا بالقادسيّة (١). (٣: ٥٦٥/ ٥٦٦).\n١٤١ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شُبْرُمَة، عن شقيق، قال: اقتحمنا القادسيَّة صدرَ النهار، فتراجَعْنا وقد أتى الصلاة؛ وقد أصيب المؤذّن، فتشاحَّ النَّاس في الأذان حتى كادوا أن يجتلدوا بالسيوف، فأقرع سعد بينهم؛ فخرج سهم رجل فأذَّن (٢). (٣/ ٥٦٦).\n١٤٢ - ثم رجع الحديث: وتراجع الطلبُ الّذين طلبوا مَنْ علا على القادسيَّة ومَن سفَل عنها، وقد أتَى الصلاة وقد قتل المؤذن فتشاحّوا على الأذان، فأقرع بينهم سعد، وأقاموا بقيَّة يومهم ذلك وليلتَهم حتى رجع زهرة، وأصبحوا وهم جميعٌ لا ينتظرون أحدًا من جندهم، وكتب سعد بالفتح وبعدّة مَنْ قتلوا ومن أصيب من المسلمين، وسمِّي لعُمَر مَن يعرف مع سعد بن عُمَيلة الفزاريّ (٣). (٣: ٥٦٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر متابعات وشواهد القصة بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده بعد قليل.\n(٣) سنذكر ما يؤيده بعد قليل.","vol":"3","page":187},{"text":"١٤٣ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المَرْزبان، قال: خرج زهرة حتى أدرك الجالنوس؛ ملكًا من ملوكهم؛ بين الخرَّارة والسَّيلَحين، وعليه يارقَان وقُلْبان وقُرْطان على بِرْذَوْن له قد خَضِدَ، فحمل عليه، فقتله، قال: والله إنَّ زهرة يومئذ لعلَى فرس له ما عنانها إلا من حَبْل مضفور كالمِقْودِ، وكذلك حزامها شَعْرٌ منسوج، فجاء بسلبه إلى سعد، فعرف الأسارى الذين عند سعد سلَبه، فقالوا: هذا سلَب الجالنوس، فقال له سعد: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم، قال: مَنْ؟ قال: الله، فنفَّله سلبَه (١). (٣: ٥٦٧).\n١٤٤ - كتب إليَّ السَّريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم، قال: كان سعد استكثر له سلبَه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّي قد نفَّلت مَنْ قتل رجلًا سلبَه؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفًا (٢). (٣: ٥٦٧).\n١٤٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: غير برادع الرّحال، قد عرضوا فيها الجريد، يتَّرسون بها عن أنفسهم، وما عامَّة ما وضعوه على رؤوسهم إلا أنساع الرّحَال، يطوي الرجل نِسْع رحْله على رأسه يتَّقي به، والفُرس فيما بينها من الحديد واليلامق؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وسعد في القصر ينظر، معه سلمَى بنت خَصَفة؛ وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة، فجالت الخيل، فرعبت سلمَى حين رأت الخيل جالت، فقالت: وامثنَّياه ولا مُثنَّى لي اليوم! فغار سعد فلطم وجهها، فقالت: أغَيرةً وجُبْنًا\" فلمَّا رأى أبو مِحْجن ما تصنع الخيل حين جالت، وهو ينظر من قصر العُذيب وكان مع سعد فيه، قال:\nكَفَى حَزَنًا أن تَرْدِيَ الخْيل بالقنا ... وأُتْرَكَ مشدودًا عَليّ وثاقِيا\nإذا قمْتُ عَنَّاني الحديدُ وأُغلقَتْ ... مَصاريعُ دوني لا تُجِيبُ المُناديا\nوقدْ كُنْتُ ذَا مالٍ كثيرٍ وإخوة ... فقَدْ تَركوني واحِدًا لا أخا لِيا\nفكلَّم زَبْراءَ أمَّ ولد سعد - وكان عندها محبوسًا، وسعد في رأس الحصن ينظر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"3","page":188},{"text":"إلى الناس - فقال: يا زَبْراءُ، أطلقيني ولك عليَّ عهد الله وميثاقه: لئن لم أقتل لأرجعنّ إليك حتى تجعلي الحديد في رجليّ، فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلْقَاءَ وخلَّت سبيله، فجعل يشدّ على العدوّ وسعد ينظر، فجعل سعد يعرف فرسَه ويُنكرها، فلمَّا أنْ فرغوا من القتال؛ وهزم الله جموع فارس، رجع أبو مِحْجن إلى زَبْراء، فأدخل رِجْله في قيده، فلمّا نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه تعرق، فعرف: أنها قد رُكِبَتْ، فسأل عن ذلك زَبْراء، فأخبرته خبر أبي مِحْجن فخلّى سبيله (١). (٣: ٥٧٥).\n١٤٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: وقد كان عمرو بن مَعْديكرب شهِد القادسيَّة مع المسلمين (٢). (٣: ٥٧٦).\n١٤٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سُليم بن عبد الرحمن السعديّ، عن عثمان بن رجاء السعديّ، قال: كان سعد بن مالك أجرَأ النَّاس وأشجعَهمْ: إنه نزل قصرًا غير حصين بين الصّفَّين، فأشرف منه على النَّاس، ولو أعراه الصّفّ فُواقَ ناقة أخِذ برُمَّته؛ فوالله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه (٣)! (٣: ٥٨٠).\n١٤٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد والمهلَّب وطلحة، قالوا: وكتب سعد بالفتح وبعدّة مَنْ قتلوا، وبعدّة مَن أصيب من المسلمين، وسَمَّى لعمر مَن يعرف مع سعد بن عُمَيلة الفزاريّ، وشاركهم النَّضْر بن السريّ عن ابن الرُّفيل بن مَيسور، وكان كتابه: أمَّا بعد: فإن الله نصرَنا على أهل فارس، ومنحهم سُنَن مَن كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل وزِلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعِدّة لم ير الراؤون مثل زُهائها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلَبَهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتّبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام وفي الفجاج؛ وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان، وفلان، ورجال من المسلمين لا نَعلَمُهم، اللهُ بهم عالم،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهده بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وهو صحيح كما سنذكر.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"3","page":189},{"text":"كانوا يُدَوُّون بالقرآن إذا جنّ عليهم الليل دَويَّ النحل، وهم آساد النَّاس، لا يشبههم الأسود، ولم يفضُل مَن مضى منهم مَن بقي إلّا بفضل الشهادة؛ إذ لم تُكتَبَ لهم (١). (٣: ٥٨٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>متابعات وشواهد روايات الطبري في معركة القادسية</span>\n١ - أخرج الحافظ ابن أبي شيبة بسند صحيح في مصنفه (١٢ / ح ١٥٥٩٠): حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن قيس وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢٧٧) من طريق هيثم عن إسماعيل عن قيس قال: شهدت القادسية وكان سعد على الناس وجاء رستم فجعل عمرو بن معديكرب الزبيدي بمر على الصفوف ويقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا أشداء أغنى شأنًا إنما الفارسي تيس هوان يلقي بنيزكه، قال: وكان معهم أسوار لا تسقط له نشابة فقلنا له: يا أبا ثور! اتق ذاك، قال: فإنا لنقول ذاك إذ رمانا فأصاب فرسه، فحمل عمرو عليه فاعتنقه ثم ذبحه فأخذ سلبه سواري ذهب كانا عليه ومنطقة وقباء ديباح، وفر رجل من ثقيف فخلا بالمشركين فأخبرهم فقال: إن الناس في هذا الجانب وأشار إلى بجيلة قال: فرموا إلينا ستة عشر فيلًا عليها المقاتلة وإلى سائر الناس فيلين، قال: وكان سعد يقول يومئذ: سابجيلة، قال قيس: وكنا ربع الناس يوم القادسية، فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين ... إلى آخر الحديث.\nوقال ابن كثير: وقد روى محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم البجلي وكان ممن شهد القادسية قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدًا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة، قال: وكنا ربع الناس، قال: فوجهوا إلينا ستة عشر فيلًا وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا. قال: وكان عمرو بن معديكرب الزبيدي يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا فإنما الفارسي تيس. قال: وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له نشابة. فقلنا له: يا أبا ثور نق ذاك الفارسي فإنه لا تسقط له نشابة فوجه إليه الفارسي ورماه بنشابة فأصاب فرسه وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقًا من ديباح. قال؛ وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف فقتل الله رستمًا، وكان الذي قتله رجل يقال له: هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه واطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتل هنالك الجالينوس، قتله زهرة بن حوية التميمي، ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره =","vol":"3","page":190},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ميزان وقبان، حتى أن منهم من يقول: من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان، ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن وجلولا على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. اهـ. (البداية والنهاية ٧/ ٤٦).\n٢ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/ ٥٦٠ / ح ١٥٥٩١) حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن قيس قال: كان سعد قد اشتكى قرحة في رجله يومئذ فلم يخرج إلى القتال، قال: فكانت من الناس انكشافة قال: فقالت امرأة سعد وكانت قبله تحت المثنى بن حارثة الشيباني: لا مثنى للخيل، فلطمها سعد، فقال: جبنًا وغيرةً. قال: ثم هزمناهم. وإسناده صحيح.\n٣ - أخرج سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢١١) وابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/ ١٥٥٩٣): حدثنا أبو معاوية عن عمرو بن مهاجر عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه قال: أتى سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، قال: وكان بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: فصعدوا به فوق العذيب لينظر إلى الناس، قال: واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما التقى الناس قال أبو محجن:\nكفى حزنًا أن تردي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودًا عليّ وثاقيا\nفقال لابنة خصفة (امرأة سعد): أطلقيني ولك عليّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم، قال: فحلته حين التقى الناس، قال: فوثب على فرس لسعد يقال لها: البلقاء، قال: ثم أخذ رمحًا ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، قال: وجعل الناس يقولون: هذا ملك! لما يرونه يصنع. قال: وجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن، وأبو محجن في القيد. قال: فلما هُزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعدًا بالذي كان من أمره، قال: فقال سعد: والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، قال: فخلى سبيله. قال: فقال أبو محجن: قد كنت أشربها حيث كان يقام عليّ الحد فأطهر منها، فأما إذا بهرجتني فلا والله لا أشربها. اهـ. وإسناده صحيح.\n٤ - وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في مصنفه (١٢ / ح ١٥٥٩٤) حدثنا عفان قال ثنا أبو عوانة قال ثنا حصين عن أبي وائل قال: جاء سعد بن أبي وقاص حين نزل القادسية ومعه الناس، قال: فما أدري لعلنا ألا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفًا أو نحو ذلك، معهم الفيول، قال: فلما نزلوا قالوا لنا: ارجعوا! إنا لا نرى لكم عددًا، ولا نرى لكم قوة ولا سلاحًا فارجعوا، قال: قلنا: ما نحن براجعين، قال: وجعلوا يضحكون بنبلنا ويقولون: دوك - يُشبهونها بالمغازل، قال: فلما أبينا عليهم قالوا: ابعثوا إلينا رجلًا عاقلًا يخبرنا بالذي جاء بكم من بلادكم، فإنا لا نرى لكم عددًا ولا عدة، قال: فقال المغيرة بن شعبة: أنا. قال: فعبر إليهم. قال: فجلس مع رستم على السرير، قال: =","vol":"3","page":191},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فنخر ونخروا حين جلس معه على السرير، قال: قال المغيرة ما زادني في مجلسي هذا ولا نقص صاحبكم. قال: فقال: أخبروني ما جاء بكم من بلادكم؟ فإني لا أرى لكم عددًا ولا عدة، قال: فقال: كنا قوم في شقاء وضلالة فبعث الله فينا نبينا فهدانا الله على يديه ورزقنا على يديه فكان فيما رزقنا حبة زعموا: أنها تنبت بهذه الأرض، فلما أكلنا منها وأطعمنا منها أهلينا قالوا: لا خير لنا حتى تنزلوا هذه البلاد فنأكل هذه الحبة، قال رستم: إذًا نقتلكم. قال: فإن قتلتمونا دخلنا الجنة وإن قتلناكم دخلتم النار، وإلا أعطيتم الجزية قال: فلما قال: أعطيتم الجزية قال: صاحوا ونخروا وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم قال: فقال المغيرة: أتعبرون إلينا أو نعبر إليكم. قال فقال رستم: بل نعبر إليكم قال: فأستأخر منه المسلمون حتى عبر منهم من عبر قال: فحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم وهزموهم قال حصين: كان ملكهم رستم من أهل أذربيجان، قال حصين: وسمعت شيخًا منا يقال له: عبيد بن جحش: قال: لقد رأيتنا نمشي على ظهور الرجال، نعبر الخندق على ظهور الرجال، ما مسهم سلاح قد قتل بعضهم بعضًا، قال: ووجدنا جرابًا فيه كافور، قال: فحسبناه ملحًا لا نشك فيه أنه أملح قال: فطبخنا لحمًا فطرحنا منه فيه، - فلما لم نجد له طعمًا فمر بنا عبادي معه قميص، قال: فقال يا معشر المغربين لا تفسدوا طعامكم فإن ملح هذه الأرض لا خير فيه، هل لكم أن أعطيكم فيه هذا القميص قال: فأعطانا به قميصًا، فأعطيناه صاحبا لنا فلبسه، قال: فجعلنا نطيف به ونعجب منه قال: فإذا ثمن القميص حين عرفنا الثياب درهمان، قال ولقد رأيتني أشرت إلى رجل وإن عليه لسوارين من ذهب وإن سلاحه تحت في قبر من تلك القبور، وأشرت إليه فخرج إلينا، قال: فما كلمناه حتى ضربنا عنقه فهزمناهم حتى بلغوا الفرات، قال: فركبنا فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن قال: فنزلنا كوثى قال: ومسلحة للمشركين بدير المسلاخ فأتتهم خيل المسلمين تقاتلهم، فانهزمت مسلحة المشركين حتى لحقوا بالمدائن وسار المسلمون حتى نزلوا على شاطئ دجلة، وعبر طائفة من المسلمين من كلواذي من أسفل من المدائن فحصروهم حتى ما يجدون طعامًا إلا كلابهم وسنانيرهم، إلى آخر الرواية التي سنذكر تكملتها عند الحديث عن وقعة جلولاء ونهاوند إن شاء الله تعالى وإسناد الرواية صحيح والله أعلم.\n٥ - وأخرج الحافظ ابن أبي شيبة أيضًا (١٢ / ح ١٥٦٠١): حدثنا أبو الأحوص عن الأسود عن قيس عن شبر بن علقمة قال: بارزت رجلًا يوم الفادسية من الأعاجم فقتلته وأخذت سلبه فأتيت به سعدًا، فخطب سعد أصحابه ثم قال: هذا سلب شبر وهو خير من اثني عشر ألف درهم، وإنّا قد نفلناه إياه، وإسناده صحيح.\n٦ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٢/ ١٥٦٠٦): حدثنا الفضل بن دكين قال ثنا حنش بن الحارث قال: سمعت أبي يذكر قال: قدمنا من اليمن، نزلنا المدينة فخرج علينا عمر فطاف في النخع ونظر إليهم فقال: يا معشر النخع! إني أرى الشرف فيكم متربعًا، فعليكم بالعراق وجموع =","vol":"3","page":192},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فارس، فقلنا: يا أمير المؤمنين! لا بل الشام نريد الهجرة إليها، قال: لا بل العراق، فإني قد رضيتها لكم، قال: حتى قال بعضنا: يا أمير المؤمنين لا إكراه في الدين، قال: فلا إكراه في الدين، عليكم بالعراق قال: فيها جموع العجم ونحن ألفان وخمسمئة قال: فأتينا القادسية فقتل من النخع واحد وكذا وكذا رجلا من سائر الناس ثمانون، فقال عمر: ما شأن النخع؛ أصيبوا من بين سائر الناس أفر الناس عنهم؟ قالوا: لا بل وُلّوا أعظم الأمر وحدهم - وإسناده حسن والله أعلم.\n٧ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٢ / ح ١٥٦٠٨) حدثنا أبو أسامة عن مسعر عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة قال: كتب عمر إلى سعد وغيره من أمراء الكوفة: أما بعد: فقد جاءني ما بين العذيب وحلوان وفي ذلكم ما يكفيكم إن اتقيتم وأصلحتم، قال: وكتب: اجعلوا بينكم وبين العدو مفازة، وفي إسناده أبو بكر بن عمرو بن عتبة ترجم له ابن أبي حاتم فسكت عنه (٤/ ٢ / ١٥١٤). وأخرج سعيد بن منصور الشطر الأخير من هذه الرواية في سننه (٢/ ٣٤٥) من طريق مسعر به.\n٨ - وأخرج الحافظ عبد الرزاق في مصنفه (١/ ١٩٥ / ح ٧٦٠) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه فأنكر ذلك عبد الله ... الحديث.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٥٦٢٠) حدثنا هيثم قال: أخبرنا حصين عن محارث بن دثار عن ابن عمر قال: اختلفت أنا وسعد بالقادسية في المسح على الخفين - وإسناده صحيح.\n٩ - أخرج ابن خياط في تاريخه (١٣١) حدثني غير واحد عن أبي عوانة عن حصين عن أبي وائل قال: كان المسلمون ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية ورستم في ستين ألفًا - وفي أول إسناده مبهم وإن كان الشطر الأول من متنه يوافق ما ذكرنا من الرواية الصحيحة في عدد المسلمين يوم ذاك إلّا أن (ستين ألفًا) أي: عدد المشركين يخالف الرواية الصحيحة التي ذكرناها في تحديد عدد المشركين الفرس بـ (٣٠ ألفًا) وعلى أية حال فإننا لا نرى في ذلك غضاضة لأن من السهل على المسلمين أن يحصوا جندهم إلّا أن إحصاء عدد المشركين تخمين ظني، واستنادًا إلى قوة الإسناد فإننا نرى: أن أقوى الآراء في تحديد عدد المشركين هو القول القائل بأنهم كانوا (٣٠) ألفًا لأنه أصح إسنادًا من الرواية التي حددتها بـ (٦٠) ألفًا ومع ذلك فإن عدد (٦٠) ألفًا وارد وأقرب إلى الصحة من بقية الأرقام المبالغ فيها جدًّا كمن قال بأن المشركين كانوا (مئة ألف أو يزيدون) وهي روايات ضعيفة السند كما بينّا والله تعالى أعلم.\n١٠ - وأخرج خليفة (تأريخ خليفة / ١٣١) من طريق يزيد بن زريع عن الحجاج عن حميد بن هلال عن خالد بن عمير قال: كانوا أربعين ألفًا. قال الحجاج: فحدثني عبد الله: أنه كان معهم سبعون فيلًا. اهـ. =","vol":"3","page":193},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرج خليفة عن ابن إسحاق (معضلًا): كان رستم في ستين ألفًا من أحصن ديدانه والمسلمون ستة آلاف أو سبعة.\nوأخرج (تأريخ خليفة / ١٣٢) حدثنا من سمع شريكًا عن عبيدة عن إبراهيم قال: كانوا ما بين الثمانية آلاف إلى التسعة آلاف وجاءهم قدر ألفين فأقاموا قدر شهر لا يلقاهم العدو، وفي إسناده مبهم (من سمع شريكًا). وأخرج (تأريخ خليفة / ١٣٢) قال ابن زريع: عن حجاج عن حميد بن هلال عن خالد بن عمير قال: أمدّهم أهل البصرة بألف وخمسمئة كنت فيهم.\n١١ - قال البخاري في صحيحه / كتاب الأذان / ٩ - باب الاستهام في الأذان: ويذكر: أن أقوامًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد. اهـ. وعقب الحافظ ابن حجر على قول البخاري هذا قائلًا:\nقوله: (ويذكر أن أقوامًا اختلفوا) أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أبي عبيد كلاهما عن هيثم عن عبد الله بن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان في القادسية فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم. وهذا منقطع (فتح الباري ٢/ ٩٦).\nقلنا: ورواية البيهقي التي أشار إليها ابن حجر هي في السنن الكبرى (١/ ٤٢٩).\n١٢ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني العباس بن الوليد النرسي قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد عن مجالد، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة: ابعث قيس بن مكشوح إلى القادسية فيمن انتدب معه، فانتدب معه خلق فقدم متعجلًا في سبعمئة؛ وقد فتح على سعد فسألوه الغنيمة، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر إن كان قيس قدم قبل دفن القتلى فاقسم له نصيبه (فتوح البلدان / ٣٥٨) وهذا إسناد مرسل. وأخرج البلاذري. حدثني أحمد بن سلمان الباهلي عن السَّهمي، عن أشياخه: أن سلمان بن ربيعة غزا الشام مع أبي أمامة الصُّعديّ بن عجلان الباهلي فشهد شاهد المسلمين هناك ثم خرج إلى العراق فيمن خرج من المدد إلى القادسية متعجلًا فشهد الواقعة وأقام بالكوفة وقتل ببُلُنْجُر (فتوح البلدان / ٣٦١) وفي إسناده مبهم.\nوذكر البلاذري عن بشر بن ربيعة عن عمرو الخثعمي (بلا إسناد) أنه قال: واستشهد يومئذ سعد بن عبيد الأنصاري فاغتم عمر لمصابه وقال: لقد كان قتله ينغص عليّ هذا الفتح. (فتوح / ٣٦٥).\n١٣ - وأخرج ابن عساكر في تأريخه: أن عمرًا كتب إلى سعد: أي فارسٍ أيام القادسية كان أفرس، وأي راجل كان أرجل، وأي راكب كان أثبت؟ فكتب إليه: لم أر فارسًا مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة ويقتل في كل حملة كميًّا. (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ٢١/ ٩١).\n١٤ - أخرج الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج (٢٩) حدثني حصين عن أبي وائل قال: جاء سعد بن أبي وقاص ﵁ حتى نزل بالقادسية ومعه الناس قال: فما أدري لعلنا كنا =","vol":"3","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، بين ذلك، والمشركون يومئذ ستون ألفًا أو نحو ذلك معهم الفيول ... إلى آخر الرواية الطويلة التي ذكرناها آنفًا عن أبي وائل، وإسناده حسن.\n١٥ - وأخرج أبو يوسف قال: وحدثني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كانت بجيلة يوم القادسية ربع الناس قال: ولحق رجل من ثقيف بالفرس يومئذ فقال لهم: إن بأس الناس هاهنا لبجيلة قال: فوجهوا لنا ستة عشر فيلًا وإلى سائر الناس فيلين. (الخراج / ٣١) وإسناده حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>مسألة إجلاء نصارى نجران عن الجزيرة من قبل سيدنا عمر ﵁</span>\nسنذكر هنا ما يؤيد رواية الطبري في إجلاء أهل نجران فقد قال البخاري في صحيحه: (وعامل الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاء بالبذر فلهم كذا) وقال الحافظ معقبًا على قول البخاري هذا: وصله ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد: أن عمرًا أجلى أهل نجران واليهود والنصارى واشترى بياض أرضهم وكرومهم، فعامل عمر الناس إن هم جاؤوا بالبقر والحديد من عندهم فلهم الثلثان ولعمر الثلث وإن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وعاملهم في النخل على أن لهم الخمس وله الباقي، وعاملهم في الكرم على أن لهم الثلث وله الثلثان وهذا مرسل. قلنا: وخبر ابن أبي شيبة هذا الذي أشار إليه الحافظ هو في المصنف برقم (١٤/ ٥٥٠) ثم قال الحافظ: وأخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز، قال: لما استخلف عمر أجلى أهل نجران وأهل فدك وتيماء وأهل خيبر، واشترى عقارهم وأموالهم واستعمل يعلى بن منية فأعطى البياض ... إلى آخر الرواية ثم قال الحافظ: وهذا مرسل أيضًا.\nقلنا: ورواية البيهقي هذه في السنن الكبرى (٦/ ١٣٥) ثم قال الحافظ: فيتقوى أحدهما بالآخر (الفتح ٥/ ١٥ - ١٦) والحديث أخرجه كذلك الطحاوي في (شرح معاني الآثار ٤/ ١١٤) ولفظه: إن عمر بن الخطاب بعث يعلى بن منية إلى اليمن فأمر أن يعطيهم الأرض ... \" لخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>مسألة اختلاف المؤرخين في تحديد السنة التي وقعت فيها القادسية مع بيان مذهب الأكثرين في ذلك</span>\nلقد سرد الطبري روايات مطولة في أحداث معركة القادسية وتفاصيلها، ثم ذكر في نهاية المطاف ثلاثة آراء:\nالأول: أنها وقعت سنة أربع عشرة. =","vol":"3","page":195},{"text":"١٤٩ / أ - قال: والثَّبَت عندنا: أنَّها كانت في سنة أربع عشرة.\nوأما محمد بن إسحاق فإنه قال: كانت سنة خمس عشرة، وقد مضى ذكري الروايةَ عنه بذلك. (٣: ٥٩٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>ذكر أحوال أهل السواد</span>\n١٥٠ - كتب إليَّ السَّريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن عامر الشَّعبيّ، قال: قلت له: السّواد ما حاله؛ قال: أخِذ عَنْوَةً، وكذلك كلّ أرض إلّا الحصون، فجلا أهلها؛ فدُعوا إلى الصّلح والذمة، فأجابوا وتراجعوا، فصاروا ذمَّة، وعليهم الجِزاء، ولهم المَنَعة، وذلك هو السنَّة، كذلك صنع رسول الله - ﷺ - بدُومة، وبقيَ ما كان لآل كسرى ومَن خرج معهم فيئًا لمن أفاءه الله عليه (١). (٣: ٥٨٧).\n١٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: عامَّة ما أخذ المسلمون عَنْوة فدعوهم إلى\n_________\n= الثاني: أنها وقعت سنة خمسة عشرة وبهذا قال ابن إسحاق.\nالثالث: أنها وقعت سنة ستة عشرة وهو قول الواقدي وهو متروك.\nأما الطبري فقد اختار الرأي الأول إذ قال: والثبت عندنا أنها كانت في سنة أربع عشرة (تأريخ الطبري (٣/ ٥٩٠) وهذا الرأي هو الواضح من خلال مرويات سيف.\nوأما خليفة بن خياط فهو يوافق محمد بن إسحاق في أنها وقعت سنة خمس عشرة للهجرة (تأريخ خليفة / ١٣١) وكذلك ذكر الذهبي هذه المعركة ضمن أحداث سنة خمس عشرة (تاريخ الإسلام عهد الخلفاء / ١٤٢ - ١٤٤) أما الباقون فقد ذهبوا إلى ما رجحه الطبري؛ أي: أنها وقعت سنة (١٤ هـ) ومنهم ابن الجوزي في كتابه المنتظم (٤/ ١٦٠) وابن كثير في كتابه (البداية والنهاية (٧/ ٤٨).\nوقال ابن كثير أيضًا: وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة (سنة خمس عشرة) وتبعهم في ذلك شيخنا الذهبي والمشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم (البداية والنهاية ٧/ ٦٣).\nولقد ناقش الأستاذ المؤرخ (أحمد عادل كمال) هذه المسألة في كتابه القيّم (القادسية).\nقلنا: ونميل نحن (المحققان) إلى كونها وقعت سنة (١٤ هـ) وأما قول من قال بأنها حدثت سنة (١٦ هـ) فبعيد والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"3","page":196},{"text":"الرجوع والذمَّة، وعرضوا عليهم الجِزاء فقبلوه ومنعوهم (١). (٣: ٥٨٧).\n١٥٢ - وعن سيف عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: قلت له: إنّ أناسًا يزعُمون أن أهل السّواد عبيد، فقال: فعلام يؤخذ الجِزاء من العبيد؟ أخِذ السَّواد عَنْوة، وكلّ أرض علمتَها إلّا حصنًا في جبل أو نحوه. فدُعوا إلى الرجوع فرجعوا، وقبل منهم الجِزاء، وصاروا ذمَّة؛ وإنَّما يُقْسَم من الغنائم ما تُغنِّم؛ فأمَّا ما لم يُغْنَم وأجاب أهله إلى الجِزاء من قبل أن يُتغنَّم، فلهم جرت السنَّة بذلك (٢). (٣: ٥٨٧).\n١٥٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة، عن عبد الله بن المستورِد، عن محمد بن سيرين، قال: البلدان كلّها أخذت عَنْوة إلّا حصون قليلة، عاهدوا قبل أن يُنزَلوا، ثم دُعوا -يعني الذين أخذوا عَنْوة- إلى الرّجوع والجِزاء، فصاروا ذمَّة أهل السَّواد، والجبَل كلّه أمر لم يزل يُصنع في أهل الفيء، وإنما عمل عمر والمسلمون في هذا الجِزاء والذمَّة على إجريًّا ما عمل به رسول الله - ﷺ - في ذلك، وقد كان بعث خالد بن الوليد من تَبُوك إلى دُومة الجنْدل، فأخذها عَنْوة، وأخذ ملِكها أكَيدِرَ بن عبد الملك أسيرًا، فدعاه إلى الذمَّة والجزاء، وقد أخذت بلاده عَنْوة، وأخذ أسيرًا؛ وكذلك فعل بابني عريض، وقد أَخذا فادّعيا أنهما أودّاؤه، فعقد لهما على الجِزاء والذمَّة، وكذلك كان أمر يُحنَّه بن رُؤية صاحب أيلة. وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصّة، مَن روى غير ما عمل به الأئمة العدول المسلمون، فقد كذب وطعن عليهم (٣). (٣: ٥٨٧/ ٥٨٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\nلقد سبق أن ذكرنا بعض هذه الروايات عند الحديث عن بدايات فتوح العراق بقيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁ وسنذكر هنا ما لم نذكر:\n١ - أخرج أبو يوسف فقال: حدثني مجالد عن الشعبي أنه سئل عن أهل السواد فقال: لم يكن لهم عهد فلما رضي منهم بالخراج صار لهم عهد، فأما غيره من الفقهاء فقالوا: ليس لهم عهد إلا لأهل الحيرة وأهل عين التمر وأهل ألّيس وبانقيا. وإسناده مرسل. (الخراج / ٢٨). =","vol":"3","page":197},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٢ - وأخرج يحيى بن آدم القرشي من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن محمد بن قيس عن الشعبي مثله (أي سئل الشعبي في زمن عمر بن عبد العزيز عن أهل السواد: ألهم عهد؟ فقال: لم يكن لهم عهد فلما رضي منهم بالخراج صار لهم عهد. (الخراج / ح ١٢٦).\n٣ - وأخرج يحيى بن آدم من طريق شريك حجاج عن الحكم عن ابن مغفل قال: ليس لأهل السواد عهد إلا أهل الحيرة وأليس وبانقيا. قال شريك: إن أهل بانقيا كانوا دلوا جرير بن عبد الله على مخاضة وأهل أليس كانوا أنزلوا أبا عبيدة ودلوه على شيء. قال يحيى: أظنه؛ يعني: عورة العدو (الخراج ح ١٣٩).\n٤ - وأخرج يحيى من طريق حسن بن صالح عن أشعث عن الشعبي قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين التمر قال: وكتب بذلك إلى أبي بكر ﵁ فأجازه. (الخراج / ح ١٤١).\n٥ - وأخرج يحيى من طريق أبي زيد عن أشعث عن ابن سيرين قال: السواد منه صلح ومنه عنوة فما كان منه عنوة فهو للمسلمين وما كان منه صلحًا فلهم أموالهم، ورجاله ثقات (الخراج / ح ١٤٨).\n٦ - وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر قال: لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلا قسمتها (كتاب الأموال / ٦٠ / ح ١٤٨) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين:\nأما الأول منها: فحكم رسول الله - ﷺ - في خيبر وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها وبذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص من أرض مصر وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس، كذلك يروى عنه.\nوأما الحكم الآخر: فحكم عمر في السواد وغيره وذلك أنه جعله فيئًا موقوفًا على المسلمين ما تناسلوا ولم يخمسه، وهو الرأي الذي أشار به عليه علي بن أبي طالب ﵁، ومعاذ بن جبل ﵁ (الأموال / ٦١).\n٧ - وأخرج أبو عبيد القاسم من طريق هيثم قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين أو ثلاثًا فوفد عمار بن ياسر إلى عمر ومعه جرير بن عبد الله وقال عمر لجرير: يا جرير لولا أني قاسم مسؤول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم، ففعل جرير ذلك فأجازه عمر بثمانين دينارًا. (الأموال / ح ١٥٤).\nوراجع ما ذكرنا من الروايات في هذه المسألة عند الحديث عن فتح الحيرة وعين التمر على يد خالد ﵁، والله أعلم.","vol":"3","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>ذكر بناء البَصْرة</span>\n١٥٤ - قال أبو جعفر: وفي سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطّاب ﵀ - فيما زعم الواقديّ - الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة، وكتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك.\nوفي هذه السنة -أعني: سنة أربع عشرة- وجَّه عمر بن الخطاب عُتْبة بن غَزْوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمَن معه، وقطع مادّة أهلِ فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائنيّ وروايته.\nوزعم سيف أن البصرة مُصّرت في ربيع سنة ست عشرة، وأنّ عُتبة بن غَزْوان إنَّما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جَلولاء وتَكْرِيت والحِصْنين؛ وجَّهه إليها سعد بأمر عمر (١). (٣: ٥٩٠).\n١٥٤ / أ - وأمَّا محمد بن بَشَار، فإنَّه حدَّثنا، قال: حدَّثنا صفوان بن عيسى الزُّهريّ، قال: حدَّثنا عمرو بن عيسى أبو نَعامة العَدَويّ، قال: سمعت خالد بن عُمَير وشُوَيسًا أبا الرُّقاد، قالا: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان، فقال له: انطلق أنت ومَن معك؛ حتَّى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم، فأقيموا، فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمِرْبَد وجدوا هذا الكذّان. قالوا: ما هذه البَصرةُ؟ فساروا حتى بلغوا حيال الجِسْر الصغير، فإذا فيه حَلْفاء وقصبٌ نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفُرات، فأتوه فقالوا: إنّ هاهنا قومًا معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل في أربعة آلاف أسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى؛ اجعلوا في أعناقهم الحبال، وائْتُوني بهم، فجعل عتبة يَزْجَل، وقال: إني شهدت الحرب مع النبيّ - ﷺ -؛ حتى إذا زالت الشمس، قال: احملوا؛ فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، فلم يبق منهم أحد إلّا صاحب الفرات، أخذوه\n_________\n(١) ذكرنا عبارة الطبري هذه التي نقل فيها رأي سيف وغيره دون أن نعقب عليها، وهذه مسألة اختلف فيها المؤرخون كذلك، وسنعرج عليها بعد ذكر الروايات الصحيحة في هذا الباب إن شاء الله تعالى ونذكر الرأي الظاهر فيها، والله أعلم.","vol":"3","page":199},{"text":"أسيرًا، فقال عتبة بن غَزْوان: ابغوا لنا منزلًا هو أنزه من هذا - وكان يوم عِكاك وَومَد - فرفعوا له منبرًا، فقام يخطب، فقال: إنَّ الدنيا قد تصرّمت وولَّت حَذّاء، ولم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء، ألا وإنَّكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، وقد ذكر لي: لو أنّ صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفًا، ولتُملأنّها؛ أوعجِبتم! ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرة أربعين عامَّا، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ بزحام، ولقد رأيتُني وأنا سابع سبعة مع النبيّ - ﷺ -، ما لنا طعام إلا ورق السَّمُر، حتى تقرّحت أشداقنا؛ والتقطت بُردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منَّا من أولئك السبعة من أحدٍ إلا وهو أمير مِصْر من الأمصار، وسيُجرِّبون الناس بعدنا (١). (٣: ٥٩١/ ٥٩٢).\n١٥٥ - فيما حدّثني عمر، قال: حدَّثنا المدائنيّ عن النّضر بن إسحاق السُّلَمي، عن قطبة بن قتادة السّدُوسيّ - يُغير بناحية الخُرَيبة من البصرة، كما كان\n_________\n(١) هذا إسناد لا بأس به وأخرجه كذلك الترمذي في كتاب الشمائل (ح ٣٧٥) من طريق محمد بن بشار وبالإسناد نفسه، وأخرج جزءًا منه في السنن (أبواب صفة جهنم ح / ٢٧١٤) وفيه قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا - منبر البصرة -: وإن الصخرة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عامًا ما تقضي إلى قرارها - وحسنه الألباني.\nوأخرج مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٧٨ / ح ٢٩٦٧) ثنا شيبان بن فروخ ثنا سلمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما حضرتم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقي من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها مقرًا ووالله لتملأن جهنم، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - ﷺ - مالنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلّا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا - وإنها لم تكن نبوة قط إلّا تناسخت حتى يكون عاقبتها ملكًا فستعبرون وتجربون الأمراء بعدنا) اهـ.\nوأخرج مسلم رواية أخرى بعد هذه الرواية مباشرة من طريق إسحاق بن عمر بن سليط ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن خالد بن عمير وقد أدرك الجاهلية: قال: خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميرًا على البصرة فذكر نحو حديث شيبان.","vol":"3","page":200},{"text":"المثنّى بن حارثة الشيبانيّ يُغير بناحية الحبيرة، فكتب إلى عمر يُعلمه مكانه، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قِبَله من العجم، فنفاهم من بلادهم. وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهو المرأة، فكتب إليه عمر: إنَّه أتاني كتابك أنَّك تغيرُ على مَنْ قِبَلك من الأعاجم، وقد أصبت ووُفِّقت؛ أقم مكانك، واحذر على مَن معلى من أصحابك حتى يأتيَك أمري. فوجَّه عمر شريح بن عامر، أحد بني سعد بن بَكْر إلى البصرة؛ فقال له: كن ردءًا للمسلمين بهذه الجيزة، فأقبلَ إلى البصرة، فترك بها قطبة، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة للأعاجم، فقتلوه، وبعث عمر عُتْبة بن غزوان (١). (٣: ٥٩٣).\n١٥٦ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن عبد المَلِك بن حذيفة ومحمد بن الحجّاج، عن عبد الملك بن عُمَير، قال: إن عمر قال لعتبة بن غزوان إذ وجَّهه إلى البصرة: يا عتبة! إنّي قد استعملتك على أرض الهند، وهي حوْمة من حوْمة العدوّ، وأرجو أن يكفيَك الله ما حولها، وأن يُعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرميّ أن يُمدّك بعَرْفجة بن هرثمة؛ وهو ذو مجاهدة العدوّ ومكايدته؛ فإذا قدم عليك فاستشره وقرّبه، وادع إلى الله؛ فمن أجابك فاقبل منه، ومَنْ أبي فالجزية عن صَغَار وذلّة، وإلّا فالسيف في غير هوادة. واتّق الله فيما وُلِّيت، وإيّاك أن تنازعك نفسك إلى كِبْر يفسد عليك إخوتك، وقد صحبتَ رسول الله - ﷺ - فعززتَ به بعد الذِّلَّة، وقوي به بعد الضعف، حتى صرتَ أميرًا مسلّطًا ومَلِكًا مطاعًا، تقول فيُسمع منك، وتأمر فيطاع أمرُك، فيالها نعمة؛ إن لم ترفعك فوق قدرك وتُبطرك على مَنْ دونك! احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية؛ ولَهِيَ أخوَفُهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنّم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك، إنّ الناس أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتّق مصارع الظالمين (٢). (٣: ٥٩٣/ ٥٩٤).\n١٥٧ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل\n_________\n(١) في إسناده النضر بن إسحاق السُّلَمي لم يوثقه سوى ابن حبان.\n(٢) إسناده ضعيف ولبعضه ما يشهد له كما ذكرنا وسنذكره إن شاء الله.","vol":"3","page":201},{"text":"الهمدانيّ وأبو مخنف، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، قال: قدم عتبة بن غزوان البصرة في ثلاثمئة، فلما رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أنزل أقصى البَرّ من أرض العرب، وأدنى أرض الرّيف من أرض العجم؛ فهذا حيث واجب علينا فيه طاعة إمامنا. فنزل الخُرَيبة وبالأبلّة خمسمئة من الأساورة يحمونها. وكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عُتْبة فنزل دون الإجّانة، فأقام نحوًا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلَّة فناهضهم عُتْبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسيّ وقسامة بن زهير المازنيّ في عشرة فوارس، وقال لهما: كونا في ظهرنا، فتردّا المنهزم، وتمنعا مَن أرادنا من ورائنا. ثم التقوْا فما اقتتلوا مقدار جَزْر جَزور وقسمِها؛ حتى منحهم الله أكتافهم، وولّوا منهزمين؛ حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره، فأقاموا أيامًا، وألقى الله في قلوبهم الرّعب، فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خفّ لهم، وعَبَروا إلى الفُرات، وخلَّوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعًا وسلاحًا وسبيًا وعينًا، فاقتسموا العين، فأصاب كلَّ رجل منهم درهمان، وولَّى عُتْبة نافعَ بن الحارث أقباضَ الأبُلَّة؛ فأخرج خُمسه، ثم قسّم الباقي مَنْ أفاءه الله عليه؛ وكتب بذلك مع نافع بن الحارث (١). (٣: ٥٩٤).\n١٥٨ - وعن حارثة بن مُضرّب، قال: فُتحت الأبُلَّة عَنوة، فقسم بينهم عتبة كَكَّة -يعني: خبزًا أبيض-. وعن محمَّد بن سيرين مثله.\nقال الطَّبريّ: وكان ممَّن سُبِيَ من مَيسان يَسار أبو الحسن البصريّ، وأرطَبان جدّ عبد الله بن عون بن أرطَبان (٢). (٣: ٥٩٦).\n_________\n(١) هذه رواية بإسنادين أحدهما من طريق أبي مخنف وهو تالف والثاني من طريق (أبي إسماعيل الهمداني) فإن كان هو إسماعيل الهمداني الذي ذكره الحافظ المزي في تهذيب الكمال والحافظ ابن حجر في التهذيب فالإسناد حسن والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف ولكن يشهد له (دون تقسيم الخبز الأبيض) ما سبق من الروايات. وكذلك ما أخرجه خليفة بن خياط قال: ثنا عبد الله بن ميمون عن عوف عن الحسن قال: افتتح عتبة بن غزوان الأبلة فقتل من المسلمين سبعون رجلًا في موضع مسجد الأبلة ثم عبر إلى الفرات فأخذها عنوة (تاريخ خليفة / ١٢٨) وإسناده مرسل وهو صحيح إلى مرسله الحسن.\nوأخرج خليفة كذلك: صفوان بن عيسى قال: نا أبو نعامة عن خالد بن عمير العدوي قال: مرّ عتبة بن غزوان بموضع المربد فوجد الكذَان الغليظ فقال: هذه البصرة انزلوها باسم الله. (تأريخ خليفة / ١٢٨). =","vol":"3","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرج خليفة: مسلم والضحاك قالا: أخبرنا سوادة بن أبي الأسود عن قتادة أن عمر بعث عتبة بن غزوان فغزا الأبلة (١٢٧). وأخرج كذلك: مرحوم بن عبد العزيز قال حدثني أبي عن خالد بن عمير العدوي قال: عزونا مع عتبة بن غزوان الأبلة فافتتحناها ثم عبرنا إلى الفرات (تأريخ خليفة / ١٢٧).\nوأخرج الدينوري في الأخبار الطوال (١٢٣) أن عتبة بن غزوان ﵁ كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁: أما بعد فإن لله الحمد وله الحمد فتح علينا الأبلة وهي مرفأ سفن البحر من عمان والبحرين وفارس والهند والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله.\nوقد أشار محمد حميد الله في كتابه القيم (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة) ص ٤١٩ إلى أن خبر كتاب عتبة بن غزوان إلى عمر عن فتح الأبلة وجوابه مذكور في كتاب الأموال لابن زنجويه (خطية) ورقة ٢١ / ب والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>مسألة اختلاف المؤرخين في تاريخ بناء البصرة بعد فتح مينائها المعروف آنذاك بالأبلة</span>\nأكثر المؤرخين على أن عتبة بن غزوان هو الأمير الذي فتح منطقة الأبلة بما فيها الميناء (الثغر) ثم سفاها البصرة وخطط لمساكنها وبنى مسجدها، ولكن اختلف المؤرخون في تحديد سنة غزوها وفتحها وسنة تمصيرها وسنة وفاة أميرها الأول الصحابي الجليل عتبة بن غزوان ﵁ وأرضاه.\nوإليك أخي القارئ ما علمنا في هذه المسألة (وعلمنا قاصر ونسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا وأن ينفعنا بما علمنا):\n١ - أما المؤرخ المتقدم (خليفة بن خياط) ت ٢٢٦ هـ، فهو يرى أن الأبلة (البصرة) فتحت على يد عتبة بن غزوان ﵁ وأن قول قطبة بن قتادة السدوسي في أنها غزيت سنة (١٢ هـ) بإمرة خالد بن الوليد غلط، ويشير خليفة إلى ما رواه هو في تأريخه عن عون بن كهمس عن عمران بن حديد قال: حدثنا رجل يقال له مقاتل عن قطبة بن قتادة السدوسي ... وفي آخره قال (أي: قطبة): وحمل علينا خالد بن الوليد في خيله فقلنا: إنا مسلمون، فتركنا وغدونا معه الأبلة فقسمناها بأيدينا (تأريخ خليفة / ١١٧) ولقد ذكر ابن حجر أن الحسن بن سفيان أخرج هذه الرواية في مسنده عن خليفة (شباب) عن عون به (الإصابة ٥/ ٢٣٩ / ت ٧١٣٥).\nويرى خليفة أن الصواب أن خالدًا قد مرّ مرورًا بالبصرة ولم يفتحها (هذا مفاد كلام خليفة في ص ١٢٨). =","vol":"3","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلنا: عون بن كهمس هذا قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول، وسنرجع إلى هذه الرواية لاحقًا.\nويرى خليفة بن خياط: أن عتبة بن غزوان فتح البصرة وكانت تسمى آنذاك (الأبلّة) سنة (١٤ هـ) ثم عبر الفرات أو غزاها والذي افتتح الفرات هو مجاشع بن مسعود بولاية عتبة إياه ... ويذكر خليفة هذا الخبر نقلًا عن علي بن محمد المدائني عن بعض أشياخه (تأريخ خليفة / ١٢٧).\n٢ - أما الطبري فقد ذهب إلى ما ذهب إليه خليفة من قبله؛ أي: أن البصرة فتحت سنة (١٤ هـ) ولقد ذكرنا رواياته هذه في قسم الصحيح من خلافة سيدنا عمر ﵁ فراجعها هناك.\n٣ - أما البلاذري فهو يرى أن عتبة بن غزوان بدأ بناء مساكن البصرة ومسجدها سنة (١٤ هـ) بأمر من سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ويذكر هذا الخبر من طريق شيخه علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة (فتوح البلدان / ٤٨٣).\n٤ - أما الخطيب البغدادي فقد نحى منحىً آخر في إثبات السنة التي فيها بُنيت البصرة فهو يبحث في وفاة أمير البصرة (عتبة بن غزوان) ومدة ولايته ومن ثم يرجّح متى كان البدء ببناء البصرة.\nفالخطيب أخرج عدة روايات منها ما أخرجه بسنده إلى عمرو بن علي: أنه قال: مات عتبة سنة سبع عشرة، قدم المدينة في الهجرة وهو ابن أربعين سنة فتوفي وهو ابن سبع وخمسين (تاريخ بغداد ١/ ١٥٦) وأخرج بسنده إلى أبي بكر بن البرقي قال: ومات عتبة بن غزوان بطريق البصرة سنة سبع عشرة ويقال عشرين، وهو الذي مصّر البصرة واختط بها المنازل وبنى مسجدها بقصب وهو الذي افتتح الأبلة، وكانت ولايته بالبصرة ستة أشهر ولاه إياها عمر بن الخطاب (تأريخ بغداد / ١٥٧). ثم أبدى الخطيب رأيه في هذه المسألة بعد سرده لروايات عدة. (قائلًا): والأشبه بالصواب أن عتبة مات سنة سبع عشرة لأن المدائن فتحت سنة سنة عشرة ثم مُصّرت البصرة بعد ذلك ونزلها المسلمون على ما شرحناه فيما تقدم، وعتبة أول من اختطها وسكنها، فالله أعلم (تأريخ بغداد ١/ ١٥٧).\nقلنا: وكذلك يوافق رأي يعقوب بن سفيان رأي الخطيب في أن عتبة بن غزوان توفي بالبصرة سنة سبع عشرة (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣٠٥). ولا بأس هنا أن نستذكر ما رجحه الطبري في تأريخه عندما ردّ روايات سيف التأريخية التي ذكرت أن فتح الأبلّة على يد خالد، فقال (الطبري) ﵀: وهذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح، وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر ﵀، وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة (تأريخ الطبري ٣/ ٣٥٠). ولكن الطبري ﵀ لم يرجح متى بدأ عتبة بن غزوان بتمصير البصرة -. =","vol":"3","page":204},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-363> ثم دخلت سنة خمس عشرة </span>-\nقال ابن جرير: قال بعضهم: فيها مصَّر سعد بن أبي وقّاص الكُوفة؛ دلّهم عليها ابن بُقَيلة؛ قال لسعد: أدلُّك على أرض ارتفعت عن البقّ، وانحدرت عن\n_________\n= وعودًا على بدء نقول: لقد اعتبر خليفة بن خياط أن قول قطبة بن قتادة السدوسي (في أن فتح البصرة كان على يد خالد في عهد أبي بكر) غلط وبيّن: أن خالدًا إنما مرّ بالأبلة ولم يفتحها وثقيفًا على كلام خليفة، نقول: الراجح كما قال خليفة والطبري أي أن وقعة الأبلة (البصرة حاليًا) كانت على يد عتبة بن غزوان سنة (١٤ هـ)، إلا أنا نرى وجهًا للجمع بين الروايتين (إن صحت رواية قطبة بن قتادة من طريق عون بن كهمس) فالأبلة منطقة واسعة وميناؤها المعروف بالأبلة كذلك (أو خرج الهند) جزء من هذه المدينة الواسعة، فلعلّ خالدًا مرّ بأطرافها ولكن لم يصل إلى الميناء الرئيسي وحارب من كان في المنطقة الخارجة عن الميناء وانتصر عليهم ولكنه لم يذهب أبعد من ذلك ولم يصل إلى الميناء الرئيسي وذلك سنة (١٣ هـ)، حتى جاءت سنة (١٤ هـ) فغزاها عتبة بن غزوان وفتح ميناءها المعروف ثم بدأ بعد ذلك بتمصيرها والله تعالى أعلم.\nأما الكلاعي الذي عاش في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الهجري وهو محدث ومؤرخ معتمد فقد قال: والأخبار في شأن هذين المصرين (يعني البصرة والكوفة) بوهم ظاهرها الاختلاف المتباين في وقت عمارة المسلمين لها فأكثرها على أن ذلك كان بعد المدائن وبعد جلولاء، ثم ذكر الكلاعي الرأي الآخر المخالف لهذا الرأي والذي ذكره الطبري عن خالد بن عمير العدوي وعقب قائلًا: ولعلّ نزول المسلمين بهذين الموضعين كان متقدمًا على تمصيرهما وبنيانهما بزمان، ومع ذلك فلا يرتفع الخلاف في ذلك بين الأخبار كل الارتفاع، والله تعالى أعلم. (الاكتفاء ٤/ ٣٠٧).\nقلنا: وما دام الحديث عن بناء البصرة وتمصيرها فمن الجدير بالذكر هنا أن نشير إلى معجزة من معجزات الرسول ﵊؛ فقد أخبر عن بناء هذه المدينة وسمّاها باسمها قبل فتحها بسنين طويلة ولم تكن يومها معروفة بالبصرة وإنما كان ثغرها (ميناؤها) يسمّى بالأبلة. فقد أخرج أبو داود في سننه (٤ / كتاب الملاحم / باب في ذكر البصرة / ح ٤٣٠٦) عن مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي يقول: ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له: دجلة يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين. وحسنه الألباني، وكذلك أخرج أبو داود في الباب نفسه (ح ٤٣٠٧) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا أنس إن الناس يمصرون أمصارًا وإن مصرًا منها يقال له: البصرة أو البصيرة. وصححه الألباني.","vol":"3","page":205},{"text":"الفلاة! فدلّهم على موضع الكوفة اليوم (١). (٣: ٥٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>ذكر فتح حمْص</span>\n١٥٩ - حكى الطبريّ عن سيف في كتابه، عن أبي عثمان، قال: ولما بلغ هرقل الخبر بمقتل أهل المرْج أمر أمير حمص بالسَّير والمضيّ إلى حِمْص، وقال: إنّه بلغني أنّ طعامهم لحوم الإبل، وشرابهم ألبانها، وهذا الشتاء فلا تقاتلوهم إلّا في كلّ يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد، هذا جُلّ طعامهم وشرابهم. وارتحل من عسكره ذلك، فأتى الرُّهاء، وأخذه عامله بحمص، وأقبل أبو عبيدة حتى نزل على حِمْص، وأقبل خالد بعده حتى ينزل\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا مقالته هكذا مبهمًا (قال بعضهم) وسنذكر ما يحضرنا في تمصير الكوفة وتأريخها وبالله التوفيق:\n١ - أخرج أبو يوسف قال: وحدثني حصين عن أبي وائل قال: جاء سعد بن أبي وقاص ﵁ حتى نزل القادسية (أو حين نزل القادسية) ... الخبر وفي آخره: فلما هزم سعد المشركين بجلولاء ولحقوا بنهاوند، رجع فبعث عمار بن ياسر فسار حتى نزل بالمدائن، فأراد أن ينزلها بالناس فاجتواها الناس وكرهوها، فبلغ عمر ﵁ ذلك فسأل: هل يصلح بها الإبل؟ قالوا: لا، لأن بها البعوض. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل ارجعوا، فلقي سعد عباديًا فقال: أنا أدلكم على أرض ارتفعت عن البقة وتطأطأت عن السبخة وتوسطت الريف وظعنت في أنف البرية قالوا: هات. قال: أرض بين الحيرة والفرات. فاختط الناس الكوفة ونزلوها (الخراج / ٣٠) وإسناده حسن.\n٢ - وأخرج البلاذري عن محمد بن سعد عن الواقدي (وهو متروك) أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص يأسره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة وقيروانًا ... إلخ وفيه: فتحول إلى الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل وأنزل القبائل منازلهم وبنى مسجدها وذلك سنة (١٧ هـ). (فتوح البلدان / ٣٨٧).\nوأخرج البلاذري كذلك عن شيخه علي بن المغيرة الأثرم قال: وحدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى عن أشياخه قال: وأخبرني هشام بن الكلبي عن أبيه ومشايخ الكوفيين قالوا: لما فرغ سعد بن أبي وقاص من وقعة القادسية ... الخبر وفيه: ثم افتتح المدائن وأخذ أسبانبر وكردبنداذ عنوة فأنزلها جندها فاجتووها فكتب إلى سعد أن حوّلهم إلى سوق الحكمة. وبعضهم يقول: إلى كويفة والكوفة (فتوح البلدان / ٣٨٧). ولا يخفى ضعف هذا الإسناد. والله أعلم.","vol":"3","page":206},{"text":"عليها، فكانوا يُغادون المسلمين ويراوحونهم في كلّ يوم بارد؛ ولقيَ المسلمون بها بردًا شديدًا، والرّوم حصارًا طويلًا، فأمّا المسلمون فصبروا ورابطوا، وأفرغ الله عليهم الصَّبْر، وأعقبهم النصر، حتى اضطرب الشتاء، وإنّما تمسَّك القوم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء (١). (٣: ٥٩٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، ولقد تطرقنا إلى فتح حمص عند الحديث عن فتوح الشام والأردن وغير ذلك فراجعها هناك، وسنعيد ذكر بعضه وغيره والله تعالى أعلم.\n١ - أخرج خليفة بن خياط في تاريخه ضمن أحداث سنة خمس عشرة بسند ضعيف، قال الكلبي: ثم خرج أبو عبيدة يريد حمص فسألوه الصلح وقدم خالدًا أمامه فقاتلوه قتالًا شديدًا، ثم هزمت الروم حتى دخلوا مدينتهم فحصرهم فسألوه الصلح على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم وعلى أرض حمص مئة ألف دينار (تأريخ خليفة / ١٣٠).\nوأخرج خليفة قال: وحدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على المدينة على ما صالح عليه أهل دمشق، وأخذ سائر مدائنهم عنوة (تأريخ خليفة / ١٣٠).\nقلنا: وهذا إسناد مرسل. وقال خليفة: وحدثني حاتم بن مسلم عمن حدثه عن ابن إسحاق نحوه. قلنا: وهذا إسناد ضعيف كما ترى.\n٢ - وأخرج البلاذري قال: حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف أن أبا عبيدة الجراح لما فرغ من دمشق قدّم أمامه خالد بن الوليد وملحان بن زيَّاد الطائي ثم اتبعهما فلمّا توافوا بحمص قاتلهم أهلها، ثم لجؤوا إلى المدينة وطلبوا الأمان والصلح فصالحوه على مئة ألف وسبعين ألف دينار (فتوح البلدان / ١٧٨). وهذا إسناد ضعيف جدًّا لأنه من طريق أبي مخنف وهو تالف ولكن متنه كما ترى يقارب رواية الكلبي عند ابن خياط وهي ضعيفة الإسناد كذلك.\nوأخرج البلاذري كذلك قال: وحدثني أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما افتتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق، استخلف يزيد بن أبي سفيان على دمشق وعمرو بن العاص على فلسطين وشرحبيل على الأردن، وأتى حمص فصالح أهلها على نحو صلح بعلبك ثم خلف بحمص عبادة بن الصامت الأنصاري. إلخ (فتوح البلدان ١٧٩) وإسناده معضل كما ترى. وذكر البلاذري عن الواقدي وغيره أن أبا عبيدة قدم حمص بعد أن استخلف على دمشق يزيد بن أبي سفيان فنزل بباب الرّستن، فصالحه أهل حمص على أن أمنهم على أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم وأرحامهم (فتوح البلدان / ١٧٩).\nوأخرج كذلك قال: حدثني أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز وحدثني موسى بن إبراهيم التنوخي، عن أبيه عن مشايخ أهل حمص قال: استخلف أبو عبيدة عبادة بن الصامت الأنصاري على حمص (فتوح البلدان / ١٨٠). وقد ذكر خليفة بن خياط فتح حمص ضمن أحداث سنة أربع عشرة فقال: قال ابن إسحاق وغيره: وفيها - يعنون سنة أربعة عشرة - فتحت حمص وبعلبك صلحًا على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة، ويقال: في سنة خمس عشرة (تاريخ خليفة / ١٢٧) وقد ذكر خليفة هذا عن ابن إسحاق بلاغًا كما ترى والله أعلم. =","vol":"3","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>حديث قِنَّسرين</span>\n١٦٠ - وعن أبي عثمان وجارية، قالا: وبعث أبو عبيدة بعد فتح حِمْص خالدَ بن الوليد إلى قِنَّسْرين، فلمّا نزل بالحاضر زحف إليهم الرّوم، وعليهم مِيناس، وهو رأس الرّوم وأعظمُهم فيهم بعد هرَقل، فالتقوْا بالحاضر، فقتِل مِيناس ومَن معه مقتلةً لم يُقتَلوا مثلها، فأما الرّوم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأمّا أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب، وأنّهم إنما حُشروا ولم يكن من رأيهم حربُه، فقبل منهم وتركهم. ولمّا بلغ عمَر ذلك قال: أمّر خالد نفسَه؛ يرحم الله أبا بكر؛ هو كان أعلمَ بالرّجال منِّي، وقد كان عزله والمثنَّى مع قيامه، وقال: إنّي لم أعزلهما عن ريبة؛ ولكن الناس عظّموهما، فخشيت أن يوكّلوا إليهما. فلمّا كان من أمره وأمر قِنَّسرين ما كان، رجع عن رأيه. وسار خالد حتى نزل قِنّسرين، فتحصّنوا منه، فقال: إنكم لو كنتم في السحاب لحمَلنا الله إليكم أو لأنزلكم الله إلينا. قال: فنظروا في أمرهم، وذكروا ما لقيَ أهلُ حمص؛ فصالحوه على صُلْح حمص، فأبى إلَّا على إخراب المدينة فأخربها، واتّطأت حمْص وقنّسرين؛ فعند ذلك خَنس هرَقل؛ وإنّما كان سبب خنوسه أنّ خالدًا حين قتل مِيناس ومات الرّوم على دمه، وعقد لأهل الحاضر وترك قِنَّسرين، طلع من قبَل الكوفة عمر بن مالك من قبل قَرْقيسيَا، وعبد الله بن المُعتمّ من قِبَل الموْصل، والوليد بن عقبة من بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة، وطووا مدائن الجزيرة من نحو هرَقل، وأهل الجزيرة في حرّان والرّقة ونَصِيبين وذواتَها لم يُغرِضوا غرضهم؛ حتى يرجعوا إليهم؛ إلَّا أنهم خلّفوا في الجزيرة الوليدَ لئلّا يؤتَوْا من خلفهم؛ فأدرب خالد وعياض ممّا يلي الشأم، وأدرب عمر وعبد الله مما يلِي الجزيرة؛ ولم يكونوا أدربوا قبله؛ ثم رجعوا، فهي أوّل مُدرِبة كانت في الإسلام سنة ست عشرة. فرجع خالد إلى قِنّسرين فنزلها، وأتته امرأته، فلمّا عزله قال: إنّ عمر ولّاني الشأم حتى إذا صارت بثنيّةً وعَسَلًا عَزلني.\nقال أبو جعفر الطبريّ: ثم خرج هِرقل نحو القسطنطينية، فاختُلِف في حين شخوصه إليها وتركه بلاد الشأم، فقال ابن إسحاق: كان ذلك سنة خمس عشرة؛","vol":"3","page":208},{"text":"وقال سيف: كان سنة ستّ عشرة (١). (٣: ٦٠١/ ٦٠٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\nأخرج البلاذري قال: حدثني هشام بن عمار الدمشقي قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن أبي عبد العزيز عن عبادة بن نُسَيّ عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة قِنسرين مع السّمِط (أو قال: شرحبيل بن السمط) فلما فتحها أصاب فيها بقرًا وغنمًا فقسم فينا طائفة منها وجعل بقيتها في المغنم (فتوح البلدان / ١٩٧).\nقلنا: وهذا إسناد صحيح (والله تعالى أعلم) وإن هشام بن عمار الدمشقي قد تقوى فإنا قد أخذنا بروايته هذه لأمرين:\nالأول: لوجود الشواهد وإن كان أقلها ضعيفة.\nوالثاني: لأنا اتبعنا ما عرف عن ابن حجر بالاستقراء في أنه لا يعتد أحيانًا على الراوي (في أمثال محمد بن إسحاق) إذا عنعن ولم يعرج بالتحديث وذلك في الحلال والحرام والأصول ولكنه يعتد في المغازي والسير ويقارن بين روايات ابن إسحاق وغيره من المؤرخين الثقات الذين لم يدلسوا، وللمزيد راجع مقدمتنا لتأريخ الطبري، والله تعالى أعلم.\n٢ - وقد أخرج خليفة بن خباط: حدثنا عبد الله بن المغيرة حدثني أبي أن أبا عبيدة بعث عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قِنسرين فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية وافتتح سائر أرض قنسرين عنوة (تأريخ خليفة / ٢٣٦).\nوقد نسب ابن عساكر كذلك هذا الخبر إلى خليفة عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه به (تأريخ دمشق المجلد الثالث والخمسون / ٢٣٦، تحقيق الشهابي).\nقلنا: وشيخ خليفة في هذه الرواية (عبد الله بن المغيرة) لم نجد له ترجمة، والله تعالى أعلم، وقد ذكر أبوه الخبر مرسلًا.\n٣ - وأخرج البلاذري من طريق شيخه هشام بن عمار عن الوليد عن الأوزاعي أن أبا عبيدة فتح قِنسرين وكورها سنة (١٦ هـ) (فتوح البلدان / ١٨٩)، وهذا إسناد مرسل أيضًا. وأخرج البلاذري كذلك من طريق شيخه أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن أشياخه وعن بقية بن الوليد عن مشايخ من أهل العلم قالوا ... الخبر ... وفيه: وقدم عليه أبو عبيدة بعد أن فتح قِنسرين ونواحيها وذلك في سنة (١٦ هـ) وهو محاصر إيليا. إلخ. (فتوح البلدان / ١٨٩).\n٤ - وأخرج ابن عساكر (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور ١/ ٢٠٣) عن أبي عثمان الصنعاني قال: لما فتح الله علينا دمشق خرجنا مع أبي الدرداء في مسلحة برزة ثم تقدمنا مع أبي عبيدة بن الجراح ففتح الله بنا حمص، ثم تقدمنا مع شرحبيل بن السمط أوطأ الله بنا ماء دون النهر -يعني: الفرات- وحاصرنا عانات وأصابنا لأواء وقدم علينا سليمان في مدد لنا.\nوهذه الرواية عند أبي عثمان الصنعاني في تأريخ يعقوب بن سفيان (٣/ ٢٩٩) تحقيق العمري وفيه تصحيف أبي الجماهر محمد بن عثمان الصنعاني قال: لما فتح الله دمشق. والصواب =","vol":"3","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>ذكر فتح بيت المقدس</span>\n١٦١ - وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: افتتحت إيلياء وأرضها على يدي عمر في ربيع الآخر سنة ستّ عشرة (١). (٣: ٦١٠).\n١٦٢ - وعن رجاء بن حيوَة، عمّن شهد؛ قال: لما شخص عمر من الجابية إلى إيلياء، فدنا من باب المسجد، قال: ارقبُوا لي كعبًا، فلمّا انفرق به الباب، قال: لبَّيك، اللهم لبّيك، بما هو أحبُّ إليك! ثم قصد المحراب؛ محراب داود - ﵇ -، وذلك ليلًا، فصلى فيه، ولم يلبث أن طلع الفجر، فأمر المؤذّن بالإقامة، فتقدّم فصلّى بالناس، وقرأ بهم \"ص\"، وسجد فيها، ثم قام، وقرأ بهم في الثانية صدْرَ \"بني إسرائيل\"، ثم ركع ثم انصرف، فقال: عليّ بكعب، فأتِي به، فقال: أين ترى أن نجعل المصلّى؟ فقال: إلى الصخرة، فقال: ضاهيتَ والله اليهوديّة يا كعب، وقد رأيتك وخلعَك نعليك، فقال: أحببتُ أن أباشره بقدميّ، فقال: قد رأيتُك، بل نجعل قبلته صدره، كما جعل رسول الله - ﷺ - قبلة مساجدنا صدورَها، اذهب إليك، فإنا لم نؤمر بالصّخرة، ولكنّا أمِرنا بالكعبة، فجعل قبلته صدَره، ثم قام من مُصلّاه إلى كُناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني إسرائيل، فلمّا صار إليهم أبرزوا بعضها، وتركوا سائرها، وقال: يا أيّها الناس! اصنعوا كما أصنع، وجثا في أصلها، وجثا في فَرْج من فروج قبائله، وسمع التكبير من خلْفه، وكان يكره سُوء الرِّعةَ في كلّ شيء، فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبّر كعب وكبّر الناس بتكبيره فقال: عليّ به فأتِيَ به، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنه قد تنبّأ على ما صنعت اليوم نبيّ منذ خمسمئة سنة، فقال: وكيف؟ فقال: إنّ الرّوم أغاروا علي بني إسرائيل فأدِيلوا\n_________\n= ما نقلناه من تأريخ ابن عساكر وذلك لأن أبا الجماهر محمد بن عثمان ولد سنة ١٤٠ هـ بينما دارت المعركة سنة ١٦ أو ١٧ هـ وأما أبو عثمان الصنعاني الذي أثبتنا اسمه فهو تابعي أدرك الصديق ﵁ وشهد اليمامة مع خالد وفتح دمشق (تهذيب الكمال ١٢/ ٤١٠).\nوأما أبو الجماهر فهو أحد رجال السند والله تعالى أعلم. ولقد ذكر يعقوب بن سفيان هذه المعركة ضمن أحداث سنة (١٤ هـ).\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده بعد قليل.","vol":"3","page":210},{"text":"عليهم، فدفنوه، ثم أدِيلوا فلم يفرغوا له حتى أغارت عليهم فارس فبَغوا علي بني إسرائيل، ثم أديلت الرّوم عليهم إلى أن وَلِيتَ، فبعث الله نبيًّا على الكُناسة، فقال: أبشرِي أورى شَلَم! عليكِ الفاروق ينقِّيك مما فيك، وبعث إلى القسطنطينيّة نبيّ؛ فقام على تلّها، فقال: يا قُسطنطينيّة، ما فعل أهلك ببيتي! أخربوه وشبّهوك كعرشي؛ وتأوّلوا عليّ، فقد قضيت عليك أن أجعلك جَلْحاء يومًا ما، لا يأوي إليك أحد، ولا يستظلّ فيك على أيدي بني القاذر سَبَأ وودّان؛ فما أمسوْا حتى ما بقي منه شيء. وعن ربيعة الشاميّ بمثله؛ وزاد: أتاك الفاروق في جندي المُطيع، ويُدركون لأهلك بثأرك في الرّوم، وقال في قسطنطينيّة: أدعُك جَلْحاء بارزة للشمس، لا يأوي إليك أحد، ولا تظلِّينه (١) (٣: ٦١١/ ٦١٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولبعضه ما يشهد له كما سنذكر إن شاء الله تعالى.\nأخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٨٢) أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أنبأنا بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا أيوب الطائي عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عمر عن بعيره ونزع خميما أو قال موقيه، ثم أخذ عظام راحلته وخاض المخاضة فقال له أبو عبيدة بن الجراح: لقد فعلت يا أمير المؤمنين فعلًا عظيمًا عند أهل الأرض نزعت خفيك وقدمت راحلتك وخضت المخاضة. قال: فصك عمر بيده في صدر أبي عبيدة فقال أوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة! أنتم كنتم أقل الناس وأذل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلك الله تعالى. وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي والله أعلم.\n٢ - أخرج خليفة بن خياط (في أحداث سنة ستة عشرة) قال: حدثنا بكر عن ابن إسحاق قال أخبرنا محمد بن طلحة بن ركانة عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: خرج أهل إيلياء إلى عمر فصالحوه على الجزية وفتحوها - (تأريخ خليفة / ١٣٥) قلنا: وشيخ خليفة في هذا الإسناد هو بكر بن سليمان البصري ترجم له البخاري فسكت عنه، وأما أبو حاتم فقد قال: مجهول، فرده الذهبي قائلًا روى عنه شهاب بن معمر وخليفة بن خياط ولا بأس به إن شاء الله تعالى. (ميزان الاعتدال ١/ ٣٤٥ / ت ١٢٨٣).\nوكذلك قال الحافظ ابن حجر في اللسان (٢/ ٩٠ / ت ١٧٢٧) وبكر هذا راوية ابن إسحاق في السيرة وتأريخ الخلفاء كما هو معروف - وإسناد خليفة هذا لا بأس به (والله أعلم) إلى سالم بن عبد الله إلَّا أن سالمًا لم يعاصر هذه الأحداث، فلعله أخذه عن أبيه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، والله تعالى أعلم.\nأما البلاذري فقد ذكر ثلاث روايات في فتح بيت المقدس.","vol":"3","page":211},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٣ - أما الأولى فقد قال فيها: حدثني القاسم بن سلام قال حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب: أن عمر بن الخطاب بعث خالد بن ثابت الفهمي إلى بيت المقدس في جيش وهو يومئذ بالجابية فقاتلهم فأعطوه على ما أحاط به حصنهم شيئًا يؤذونه، ويكون للمسلمين ما كان خارجًا فقدم عمر فأجاز ذلك ثم رجع إلى المدينة (فتوح البلدان / ١٨٩). ورواية البلاذري هذه في كتاب الأموال للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام مع شيء من التفصيل وفيه: وكتب إلى عمر يخبره بالذي صنع الله له فكتب إليه (أن قف على حالك حتى أقدم عليك) فوقف خالد عن قتالهم، وقدم عمر مكانه ففتحوا له بيت المقدس على ما بايعهم عليه خالد بن ثابت قال: فبيت المقدس يسمى فتح عمر بن الخطاب (كتاب الأموال / ١٥٢ / ح ٤٢٩). ورجال هذا الإسناد ثقات إلَّا أن في حفظ عبد الله بن صالح (كاتب الليث) شيء ولقد ناقش المحرران قول الحافظ (صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة) فقالا: بل صدوق في حفظه شيء حسن الحديث في المتابعات (تحرير التقريب ٢ / ت ٣٣٨٨).\nقلنا: ونحن نرى: أنهما لو قالا بكلام الحافظ ابن عدي في الكامل؛ لكان أولى؛ إذ قال فيه (بعد سرده لرواياته وأقوال العلماء فيه): وهو عندي مستقيم الحديث إلَّا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد الكذب وقد روى عنه يحيى بن معين كما ذكرت (الكامل ٤ / ت ١٠١٥) قلنا: وكذلك حسن أبو زرعة الرازي حديثه، والله أعلم.\n٤ - وأخرج البلاذري كذلك قال: وحدثني هشام بن عمار عن الوليد عن الأوزاعي أن أبا عبيدة فتح قنسرين وكورها سنة ١٦ هـ، ثم أتى فلسطين فنزل إيلياء فسألوه أن يصالحهم فصالحهم سنة ١٧ هـ؛ على أن يقدم عمر ﵀ فينفذ ذلك ويكتب لهم به (فتوح البلدان / ١٨٩). وإسناد الرواية عند البلاذري أقوى من هذه الرواية كما ترى وإن كانا متفقين في المتن إلَّا في تحديد السنة، والله تعالى أعلم.\n٥ - والرواية الثالثة إذ قال البلاذري: حدثني أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن أشياخه وعن بقية بن الوليد عن مشايخ من أهل العلم قالوا ... إلخ. وفيه: وقدم عليه أبو عبيدة بعد أن فتح قِنسرين ونواحيها وذلك في سنة ١٦ هـ وهو محاصر إيليا. وإيلياء مدينة بيت المقدس، فيقال: إنه وجّهه إلى أنطاكية من إيلياء وقد عذر أهلها ففتحها ثم عاد فأقام يومين أو ثلاثة، ثم طلب أهل إيلياء من أبي عبيدة الأمان والصلح، على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام من أداء الجزية والخراج والدخول فيما دخل فيه نظراؤهم، على أن يكون المتولي للعقد لهم عمر بن الخطاب نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق ثم صار إلى إيلياء فأنفذ صلح أهلها، وكتب لهم به وكان فتح إيلياء في سنة ١٧ هـ. وقد روي في فتح إيلياء وجه آخر (فتوح البلدان / ١٨٩). =","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>ذكر فرض العطاء وعمل الديوان</span>\n١٦٣ - وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين الفروض، ودوّن الدّواوين، وأعطى العطايا على السابقة، وأعطى صفوان بن أميّة، والحارث بن هشام،\n_________\n= قلنا: وهذا إسناد ضعيف كذلك لإبهام أسماء بعض الرواة (عن أشياخه، عن مشايخ من أهل العلم) والله تعالى أعلم.\n٦ - وأخرج أحمد في مسنده (١/ ٣٨) في قصة سيدنا عمر مع كعب الأحبار حديثًا وفيه: لما دخل بيت المقدس قال: أصلي حيث صلى رسول الله - ﷺ - فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (١ / ح ٦٦١٠) من طريق نافع عن أسلم مولى عمر قال: لما قدم عمر الشام صنع له رجل من عظماء النصارى طعامًا ودعاه فقال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من الصور التي فيها، يعني: التماثيل.\nقلنا: ومعروف عند علماء التأريخ أن أمير المؤمنين عمرًا ﵁ سافر إلى الشام أكثر من مرة، وسنعود إلى الحديث عن أسفاره هذه في أحداث السنة (١٧ هـ) إن شاء الله تعالى عندما يتحدث عنها الطبري في الجزء الرابع من تأريخه.\nونرجع إلى حديثنا عن فتح بيت المقدس:\nوفي تأريخ يعقوب بن سفيان: ثم فتح الجابية وإيلياء سنة ست عشرة (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣٠٥).\n٧ - وأخرج ابن عساكر بسنده المتصل إلى الليث بن سعد ﵀ أنه قال فيما قال: ... ثم كانت إيلياء وتسرع لسنة سبع عشرة (تأريخ دمشق، المجلد الثالث والخمسون / ٣٣٤) تحقيق سكينة الشهابي.\nأما بالنسبة للأئمة المتأخرين فقد ذكر الذهبي فتح بيت المقدس ضمن أحداث سنة ست عشرة (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ١٦٢).\nوأما تلميذه ابن كثير فقد قال: قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علاق قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ستة عشرة، وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية. وقال أبو زرعة الدمشقي: عن دحيم عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرغ ثم قدم سنة ثماني عشرة (البداية والنهاية ٧/ ٥٨).\nقلنا: وإسناد الأول إلى يزيد بن عبيدة مرسل صحيح. قلنا: ورواية ابن كثير هذه عند ابن عساكر في تأريخه ورقم هذه الرواية عن يزيد بن عبيدة في مختصر تأريخ دمشق لابن منظور. (١/ ٢٢٤).","vol":"3","page":213},{"text":"وسُهيل بن عمرو في أهل الفتح أقلّ ما أخذ مَن قبلهم، فامتنعوا من أخذه وقالوا: لا نعترف أن يكون أحد أكرم مِنّا، فقال: إنّي إنّما أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب؛ قالوا: فنعم إذًا، وأخذوا، وخرج الحارث وسُهَيل بأهليهما نحو الشأم، فلم يزالا مجاهدين حتى أصِيبا في بعض تلك الدّروب؛ وقيل: ماتا في طاعون عَمْواس (١). (٣: ٦١٣).\n١٦٣ / أ - ولما أراد عمر وضعَ الديوان؛ قال له عليّ، وعبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك، قال: لا، بل أبدأ بعمّ رسول الله - ﷺ -، ثم الأقرب فالأقرب؛ ففرض للعبّاس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمَن بعد بدر إلى الحُديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحُديبِية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف؛ في ذلك مَن شهد الفتح، وقاتل عن أبي بكر، ومَن ولي الأيام قبل القادسيّة، كلُّ هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشأم ألفين ألفين؛ وفرض لأهل البَلاء البارع منهم ألفين وخمسمئة، ألفين وخمسمئة، فقيل له: لو ألحقت أهلَ القادسيّة بأهل الأيّام! فقال: لم أكَن لألحقهم بدرجة مَن لم يدركوا، وقيل له: قد سوّيت من بَعُدتْ داره بمَن قربت داره وقاتلهم عن فناف، فقال: مَن قربت داره أحقّ بالزيادة، لأنهم كانوا ردءًا للُّحوق وشجىً للعدوّ، فهلّا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوّينا بين السابقين منهم والأنصار! فقد كانت نُصرة الأنصار بفنائهم؛ وهاجر إليهم المهاجرون من بعد؛ وفرض لمن بعد القادسيّة واليرموك ألفًا ألفًا، ثم فرض للروادف: المثنّى خمسمئة خمسمئة، ثم للروادف الثّلِيث بعدهم ثلاثمئة ثلاثمئة، سوَّى كلَّ طبقة في العطاء، قويَّهم وضعيفهم، عربَهم وعَجمهم، وفرض للرّوادف الرّبيع على مئتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم وهم أهل هَجَر والعباد على مئتين، وألحق بأهل بدر أربعة من غير أهلها: الحسن، والحسين، وأبا ذَرٍّ، وسلمان. وكان فرض للعبّاس خمسة وعشرين\n_________\n(١) ذكر الطبري: أن عمل الفاروق هذا كان في سنة (١٥ هـ) ولا نستطيع أن نجزم بذلك اعتمادًا على الروايات التأريخية المعروفة، ولكن المتفق عليه بين أئمة التأريخ: أن عمرًا ﵁ هو الذي بدأ بعمل الدواوين وكان ذلك بعد الفتوح، أما السنة فمختلف فيها كما سنبين إن شاء الله.","vol":"3","page":214},{"text":"ألفًا - وقيل: اثني عشر ألفًا - وأعطى نساء النبيّ - ﷺ - عشرة آلاف عشرة آلاف؛ إلَّا من جرى عليها الملك، فقال نسوة رسول الله - ﷺ -: ما كان رسول الله - ﷺ - يفضّلنا عليهنّ في القِسمة؛ فسوِّ بيننا، ففعل وفضَّل عائشة بألفين لمحبّة رسول الله - ﷺ - إيّاها فلم تأخذ؛ وجعل نساء أهل بدر في خمسمئة خمسمئة، ونساءَ مَن بعدهم إلى الحديبيَة على أربعمئة أربعمئة؛ ونساء من بعد ذلك إلى الأيّام ثلاثمئة ثلاثمئة، ونساء أهل القادسيّة مئتين مئتين، ثم سوّى بين النساء بعد ذلك؛ وجعل الصبيان سواء على مئة مئة، ثم جمع ستين مسكينًا، وأطعمهم الخبز، فأحصوْا ما أكلوا، فوجدوه يخرج من جَريبتين، ففرض لكلّ إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر.\nوقال عمر قبل موته: لقد هممتُ أن أجعلَ العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، ألفًا يجعلها الرجل في أهله، وألفًا يزوّدها معه، وألفًا يتجهّز بها، وألفًا يترفّق بها، فمات قبل أن يفعل (١). (٣: ٦١٤/ ٦١٥).\n_________\n(١) ذكر الطبري مقالته هذه بلا إسناد، وسنحاول ذكر ما ورد في هذه المسألة وبالله التوفيق.\n١ - أخرج الحافظ الحجة أبو عبيد القاسم بن سلّام في كتاب الأموال (٢١١ / ح ٥٤٨): حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال ... الخبر، وفيه: ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله ﵎ جعلني له خازنًا وقاسمًا، إني بادٍ بأزواج رسول الله - ﷺ - فمعطيهن ثم المهاجرين الأولين ثم أنا باد بأصحابي، أُخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا، ثم الأنصار تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ... ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء فلا يلومن رجل إلَّا مناخ راحلته - وإسناده مرسل صحيح، ولكن روي موصولًا فقد أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٤٧٥ / ٤٧٦) بسند حسن عن ناشرة بن سمي النيرني قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول في يوم الجابية وهو يخطب الناس: إن الله ﷿ جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمه له، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي - ﷺ - ثم أشرفهم. ففرض لأزواج النبي - ﷺ - عشرة آلاف إلَّا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة ﵂: إن رسول الله - ﷺ - كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر ثم قال: إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا خرجنا من ديارنا ظلمًا وعدوانًا، ثم أشرفهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف ولمن كان شهد بدرًا من الأنصار أربعة آلاف ولمن شهد أحدًا ثلاثة آلاف ... إلخ الرواية.\nوالحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب المناقب، باب فضائل خالد بن الوليد. (٨٢٨٣) (٥/ ٧٧).\n٢ - وأخرج أبو عبيد (٢١١ / ح ٥٤٩): حدثنا أبو النضر وعبد الله بن صالح عن الليث بن =","vol":"3","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سعد عن محمد بن عجلان قال: لمَّا دوَّن عمر الديوان قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك فابدأ. قال: لا. إن رسول الله - ﷺ - أمامنا فبرهطه نبدأ ثم بالأقرب فالأقرب، وهذا إسناد مرسل كذلك.\n٣ - وأخرج (٢١١ / ح ٥٥٠): حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: لما افتتح عمر العراق والشام وجبى الخراج جمع أصحاب النبي - ﷺ - فقال: (إني قد رأيت أن أفرض العطاء لأهله الذين افتتحوه فقالوا: نعم الرأي ما رأيت يا أمير المؤمنين. فقال: فيمن نبدأ؟ قالوا: ومن أحق بذلك منك؟ ابدأ بنفسك. قال: لا ولكني أبدأ بآل رسول الله - ﷺ -، فكتب عائشة أم المؤمنين في اثني عشر ألفًا، وكتب سائر أزواج النبي - ﷺ - في عشرة آلاف، ثم فرض بعد أزواج النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب خمسة آلاف ولمن شهد بدرًا من بني هاشم). وهذا إسناد مرسل.\n٤ - وأخرج (٢١٢ / ح ٥٥٣): حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد الفهمي عن ابن شهاب: (أن عمر حين دون الدواوين فرض لأزواج رسول الله - ﷺ - اللائي نكح نكاحًا، في اثني عشر ألف درهم، وفرض لجويرية وصفية ستة آلاف لأنهما كانتا ممن أفاء الله على رسوله، وفرض للمهاجرين الذين شهدوا بدرًا أربعة آلاف. أربعة آلاف. وعمّ بفريضته المهاجرين الذين فرض لهم كل صريح من الذين شهدوا بدرًا وحليف ومولى شهد بدرًا، وجعل مثل ذلك حلفاء الأنصار ومواليهم، ولم يفضل أحدا منهم على أحد) وإسناده مرسل.\n٥ - وأخرج أبو عبيد كذلك (٢١٢ / ح ٥٥٤): حدثنا أحمد بن يونس عن أبي خيثمة، حدثنا أبو إسحاق عن مصعب بن سعد: أن عمر أول ما فرض الأعطية: فرض لأهل بدر من المهاجرين والأنصار ستة آلاف ستة آلاف. وفرض لنساء النبي - ﷺ - ففضل عليهن عائشة؛ وفرض لها اثنتي عشر ألفًا ولسائرهن عشرة آلاف عشرة آلاف، وفرض للمهاجرات الأول أسماء بنت عميس وأسماء بنت أبي بكر وأم عبد أم عبد الله بن مسعود ألفًا ألفًا. وهذا إسناد مرسل أيضًا.\n٦ - وأخرج (٢١٣ / ح ٥٥٥): حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: فرض عمر لأهل بدر خمسة آلاف، خمسة آلاف، وقال لأفضلتهم على من سواهم. ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير أن زكريا بن أبي زائدة يدلس إلَّا أنه لم يدلس عن إسماعيل بن أبي خالد كما علمنا والله أعلم.\n٧ - وأخرج أبو يوسف قال: وحدثني محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ﵁ قال: قدمت من البحرين بخمسمئة ألف درهم فأتيت عمر بن الخطاب ﵁ ... الخبر، وفيه: فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين دوّن للناس دواوين يعطون عليها، فاشتهى عمر ذلك ففرض للمهاجرين خمسة =","vol":"3","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= آلاف خمسة آلاف وللأنصار ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ولأزواج النبي - ﷺ - اثنتي عشر ألفًا ... إلخ. (الخراج / ٤٥).\nوهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n٨ - وأخرج أبو يوسف قال: وحدثني أبو معشر قال: حدثني مولى عمرة وغيره قال: لما جاءت عمر بن الخطاب ﵁ الفتوح وجاءت الأموال قال ..... الخبر، وفيه: لا أجعل من قاتل رسول الله - ﷺ - كمن قاتل معه، ففرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرًا أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبي - ﷺ - اثني عشر ألفًا اثني عشر ألفًا إلَّا صفية وجويرية فإنه فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف فأبيا أن يقبلا، فقال لهما: إنما فرضت لهن للهجرة. فقالتا: لا إنما فرضت لهن لمكانتهن من رسول الله - ﷺ - وكان لنا مثله فعرف ذلك عمر ففرض لهما اثني عشر ألفًا. وفرض للعباس عم رسول الله - ﷺ - اثني عشر ألفًا ... وفيه كذلك وفرض للحسن والحسين خمسة آلاف خمسة آلاف ألحقهما بأبيهما لمكانتهما من رسول الله - ﷺ -، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين ... إلخ (الخراج / ٤٣).\nإسناده ضعيف ولكن يشهد له ما قبله من الروايات، والله تعالى أعلم.\n٩ - وأخرج أبو بوسف قال: وحدثني محمد بن إسحاق عن أبي جعفر: أن عمر ﵁ لما أراد أن يفرض للناس وكان رأيه خيرًا من رأيهم قالوا له: ابدأ بنفسك. قال: لا فبدأ بالأقرب من رسول الله - ﷺ - ففرض للعباس ثم لعلي ﵄ حتى والى بين خمس قبائل حتى انتهى إلى بني عدي بن كعب. (الخراج / ٤٤).\nوهذا إسناد مرسل.\n١٠ - وأخرج أبو يوسف قال: وحدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبي عمن شهد عمر ﵁ قال: لما فتح الله عليه وفتح فارس والروم وجمع أناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فقال: ما ترون؟ فإني أرى أن أجعل عطاء الناس في كل سنة وأجمع المال فإنه أعظم للبركة. قالوا: اصنع ما رأيت، فإنك إن شاء الله موفق، قال: ففرض الأعطيات فدعا باللوح فقال: فمن أبدأ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك فقال: لا والله؟ ولكن أبدأ ببني هاشم رهط النبي - ﷺ - وهذا إسناد مرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>شبهة المستشرقين ومن تبعهم من المتغربين حول أهداف الفتوحات الإسلامية اقتصادية وغير ذلك وكلها مختلقة ولا أساس لها من الصحة</span>\nيقول المستشرق الألماني المشهور بروكلمان: فلما تم لجند أبي بكر فتح جنوبي العراق في سهولة ويسر غير متوقعين، تذكر المسلمون في حماسة شديدة الهدف الذي سبق للنبي أن عينه وهو احتلال الأرض المقدسة، ومهما يكن من أمر فقد كان فريق من العرب يعيشون في ظل الإمبراطورية البيزنطية كما كان فريق منهم يعيشون في ظل الإمبراطورية الفارسية، فمن =","vol":"3","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الضروري أن يحمل إليهم إخوانهم المؤمنون ببركات الإسلام وآلائه، ويضموهم إلى الدولة القومية التي أنشؤوها منذ وقت قريب (تأريخ الشعوب الإسلامية / ٩٣).\nويقول أيضًا: وكان من الطبيعي أن تصبح الغنائم التي وقعت في أيدي العرب هناك - والتي تتحدث عنها الروايات حديثًا حافلًا بالعجائب - حافزًا قويًّا للعرب في الجزيرة لاسيما عندما اضطروا إلى تجهيز النجدات لتحل محل الخسائر التي ألمت بهم في الأرواح (تأريخ الشعوب الإسلامية / ٩٧).\nأما الدكتور إبراهيم البيضوني فهو يناقش دوافع الفتوح في عهد الخلافة الراشدة ويقول بعد التي واللتيا:\nوهكذا فإن الزعم بأن المقاتل العربي المسلم كان يبحث عن ضالته في الحملات العسكرية وراء حدود شبه الجزيرة العربية هربا من الجوع، لا يعبر بدقة عن واقع كان يختلف تمامًا عن هذا التصور، كما أن الاندراج تحت لواء العقيدة وفق مخطط تبشيري للدعوة إلى الإسلام ليس كافيا بدوره لتعبئة جماعات كان الإيمان الصحيح يعوز بعضها، ومن هنا فإن الاعتماد على دافع محدد لمناقشة حركة الفتوح يبدو عميقًا ولا ينتهي إلى نتائج إيجابية؛ لأن أكثر من عامل ساهم معًا في تهيئة الأجواء المناسبة لتحقيق انتصارات العرب الساطعة في العراق والشام وأفريقية ... إن القضايا الحيوية في التأريخ سياسية كانت أم اجتماعية تأخذ مسارها الخلاق عبر تمازج عضوي بين مثالية المبدأ وبين واقعية المصلحة المشتركة (ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري / ٣٩).\nقلنا: وهذه رؤى مادية لتفسير التأريخ الراشدي لا تكاد تفهم الأسباب الحقيقية والدوافع الكامنة وراء هذه الحركة العجيبة من الفتوح والتي وضعها البيضوني نفسه قائلًا: إذ أن قضية الفتوحات أثارت جدلًا ولا تزال خاصة وأن الانتصارات المذهلة التي سجلتها، وما رافقها في انتشار واسع خلال مدة وجيزة من الوقت، ما يجعل الباحث أمام قضية شائكة أقرب إلى الكفر وهو يتحرى جوانبها المختلفة.\nونحن نقول: الروايات التأريخية التي وردت بأسانيد صحيحة (منها ما ذكرنا ومنها ما سنذكر بعد قليل) تؤكد تمامًا خلاف ما ذهب إليه أصحاب التفسير المادي للتأريخ وكل مستشرق ومتغرب، وإلّا قل لي بربك: أيّة مصلحة مادية تطغى على فراق الأهل والأحباب في جزيرة العرب ثم الذهاب إلى بلاد بعيدة عن الموطن الإسلامي ومناجزة أغنى دولتين في العالم القديم (الفارسية والبيزنطية). ولو كان المال دافعًا لاستحوذ الصحابة على الغنائم التي وقعت تحت أيديهم ولم يسلموها لقادة الجيش كالذي وقعت يداه على تاج كسرى وجواهره فسلّمه للقائد المسلم وهو متلثم حتى لا يعرفه الناس فيقل أجره عند الله.\nوقل لي بربك: ما هذا الدافع المادي والمصلحة المشتركة التي تدفع أبا عبيدة أن يبقى مع الآلاف من جنده ليواجهوا جميعًا الموت بالطاعون في الشام؟ ! ألا أن الامتثال لأمر الله =","vol":"3","page":218},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-369> ثم دخلت سنة ست عشرة </span>-\nقال أبو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينة بهُرسير، وافتتحوا المدائن وهرب منها يزدجرد بن شهربار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينة بَهُرَسير</span>\n١٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عن عَمْرة بنة عبد الرحمن بن أسعد، عن عائشة أمّ المؤمنين، قال: لما فتح الله ﷿ وقتل رُستم وأصحابه بالقادسيَّة وفُضّت جموعهم، اتّبعهم\n_________\n= ورسوله هو الدافع وراء أعمالهم العظيمة تلك، ولقد ذكرنا عدة روايات في بيان أسباب الفتوحات الإسلامية أثناء حديثنا عن فتوح الشام والعراق ونرى أن يكون مسك الختام برواية تأريخية مسندة موصولة صحيحة جاءت على لسان صحابي جليل لتسكت جميع المتقولين والمغترين والمساكين الذين يحملون شهادات الدكتوراه ولكن كما قال سبحانه ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.\nفأولئك لا يستطيعون أن يفهموا أو لا يريدون أن يفهم الناس تأريخهم الزاهر كما هو في واقع الأمر، وكما كان فلقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٥١) من طريق حديث معاوية بن قرة قال: (لما كان يوم القادسية بعث بالمغيرة بن شعبة إلى صاحب فارس فقال: ابعثوا معي عشرة فبعثوا فشد عليه ثيابه ثم أخذ حجفة ثم انطلق حتى أتوه فقال: ألقوا لي ترسًا فجلس عليه فقال العلج: إنكم معاشر العرب قد عرفت الذي حملكم على المجيء إلينا، أنتم قوم لا تجدون في بلادكم من الطعام ما تشبعون منه فخذوا نعطيكم من الطعام حاجتكم فإنا قوم مجوس وإنا نكره قتلكم إنكم تنجسون علينا أرضنا، فقال المغيرة: والله ما ذاك جاء بنا ولكنا كنا قومًا نعبد الحجارة والأوثان فإذا رأينا حجرًا أحسن من حجر ألقيناه وأخذنا غيره، ولا نعرف ربًا حتى بعث الله إلينا رسولًا من أنفسنا فدعانا إلى الإسلام فاتبعناه ولم نجئ للطعام، إنا أمرنا بقتال عدونا ممن ترك الإسلام ولم نجئ للطعام، ولكنا جئنا لنقتل مقاتلتكم ونسبي ذراريكم، وأما ما ذكرت من الطعام فإنا لعمري ما نجد من الطعام ما نشبع منه وربما لم نجد ريًا من الماء أحيانًا فجئنا إلى أرضكم هذه فوجدنا فيها طعامًا كثيرًا وماء كثيرًا، فوالله لا نبرحها حتى تكون لنا أو لكم، فقال العلج بالفارسية: صدق).\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وكذلك نسبه الهيثمي إلى الطبراني في الكبير، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (المجمع: ٦/ ٢١٥). =","vol":"3","page":219},{"text":"المسلمون حتى نزلوا المدائن، وقد ارفضّت جموعُ فارس، ولحقوا بجبالهم، وتفرّقت جماعتهم وفرسانهم، إلَّا أنّ الملك مقيم في مدينتهم، معه مَن بقيَ من أهل فارس على أمره (١). (٤: ٦/ ٧).\n١٦٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن رجل، عن أبي عثمان النّهديّ في قيام سعد في الناس في دعائهم إلى العُبور بمثله، وقال: طبّقنا دجلة خَيلًا ورَجْلًا ودوابّ حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد، فخرجتْ بنا خيلنا إليهم تنفض أعرافها، لها صهيل، فلما رأى القوم ذلك انطلقوا لا يلْوُون على شيء، فانتهينا إلى القصر الأبيض، وفيه قوم قد تحصّنوا، فأشرف بعضهم فكَلّمنا، فدعوناهم وعرضنا عليهم، ففلنا: ئلاث تختارون منهنّ أيَّتَهنّ شئتم، قالوا: ما هنّ؟ قلنا: الإسلام فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فمناجزتكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم، فأجابنا مجيبُهُم: لا حاجة لنا في الأولى ولا في الآخرة، ولكن الوُسطى (٢). (٤: ١٠/ ١١).\n١٦٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة بمثله. قال: والسفير سلمان (٣). (٤: ١١).\n١٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان أبي مالك، قال: لما دخل سعد المدينة الدنيا، وقطع القوم الجسر، وضموا السفن، قال المسلمون: ما تنظرون بهذه النطفة! فاقتحم رجل، فخاض الناس فما غرق منهم إنسان ولا ذهب لهم متاع، غير أنّ رجلًا من المسلمين فقد قَدَحًا له انقطعت عِلاقته، فرأيته يطفح على الماء (٤). (٤: ١٣).\n١٦٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: لما رأى المشركون المسلمين وما يهُمُّون به بعثوا مَن يمنعهم من العبور، وتحمّلوا فخرجوا هُرّابًا، وقد أخرج يَزْدَجِرد - قبل ذلك\n_________\n(١) إسناده ضعيف وله ما يشهد له كما سنذكر بعد سردنا لهذه الروايات في قسم الصحيح إن شاء الله تعالى.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة المدائن بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٣) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة المدائن بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٤) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة المدائن بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":220},{"text":"وبعدما فُتِحت بَهُرسير - عياله إلى حُلوان، فخرج يَزْدَجِرد بعدُ حتى ينزل حُلوان، فلحق بعياله، وخلّف مِهران الرازيّ والنّخيرجان - وكان على بيت المال - بالنّهروان، وخرجوا معهم بما قدروا عليه من حُرّ متاعهم وخفيفه، وما قدروا عليه من بيت المال، وبالنساء والذّراريّ، وتركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفضول والألطاف والأدهان ما لا يُدرَى ما قيمته، وخلّفوا ما كانوا أعدّوا للحصار من البقر والغنم والأطعمة والأشربة، فكان أوّل مَن دخل المدائن كتيبة الأهوال، ثم الخَرْسَاء، فأخذوا في سككها لا يلقْون فيها أحدًا ولا يُحسُّونه إلَّا من كان في القصر الأبيض، فأحاطوا بهم ودعوْهم، فاستجابوا لسعد على الجِزاء والذمّة، وتراجع إليهم أهلّ المدائن على مثل عهدهم! ليس في ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم، ونزل سعد القصر الأبيض، وسرّح زهرةَ في المقدّمات في آثار القوم إلى النَّهروان، فخرج حتى انتهى إلى النّهروان، وسرّح مقدار ذلك في طلبهم من كلّ ناحية (١). (٤: ١٣/ ١٤).\n١٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان أبي مالك، قال: لما عَبَر المسلمون يوم المدائن دِجْلة، فنظروا إليها يعبُرون، جعلوا يقولون بالفارسيّة: \"ديوان آمد\". وقال بعضهم لبعض: والله ما تقاتلون الإنس وما تقاتلون إلَّا الجنّ. فانهزموا (٢). (٤: ١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>ذكر ما جُمع من فيء أهل المدائن</span>\n١٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وعُقبة، وعمرو، وأبي عمر، وسعيد، قالوا: نزل سعد إيوان كسرى، وقدّم زُهرة، وأمره أن يبلغ النّهروان، فبعث في كلّ وجه مقدار ذلك لنفي المشركين وجمع الفُيوء، ثمّ تحوّل إلى القصر إلى ثالثة، ووكّل بالأقباض عمرو بن عمرو بن مقرّن، وأمره بجمْع ما في القصر والإيوان والدّور وإحصاء ما يأتيه به الطلب؛ وقد كان أهلُ المدائن تناهبوا عند الهزيمة غارةً، ثم طاروا في كلّ وجه،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة المدائن بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة المدائن بعد سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":221},{"text":"فما أفلت أحدٌ منهم بشيء لم يكن في عسكر مِهْران بالنّهروان ولا بخيط، وألحّ عليهم الطلب فتنقّذوا ما في أيديهم، ورجعوا بما أصابوا من الأقباض، فضمُّوه إلى ما قد جُمع؛ وكان أوّل شيء جمِع يومئذ ما في القصر الأبيض ومنازل كسرى وسائر دور المدائن (١). (٤: ١٦/ ١٧).\n١٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس العجليّ، عن أبيه، قال: لما قُدم بسيف كسرى على عمر ومِنْطقته وزِبْرجه، قال: إنْ أقوامًا أدّوْا هذا لَذَوُو أمانة! فقال عليّ: إنّكَ عففت فعفّت الرعيّة (٢). (٤: ٢٠).\n١٧٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبيّ، قال: قال عمر حين نظر إلى سلاح كسرى: إن أقوامًا أدَّوْا هذا لذوو أمَانة (٣). (٤: ٢٠).\n١٧٣ - كتب إليّ السريّ: عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما نزل سعد المدائن، وقسم المنازل، بعث إلى العيالات، فأنزلهم الدُّور وفيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جَلولاء وتَكريت والمَوصِل، ثم تحوّلوا إلى الكوفة (٤). (٤: ٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا - فيما زعم لسيف - ستين ألفًا</span>\n١٧٤ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كُرَيب، عن نافع بن جُبَير، قال: قال عمر مَقْدَم الأخماس عليه حين نظر إلى سلاح كسرى وثيابه وحُليه، مع ذلك سيف النعمان بن المنذر، فقال لجُبير: إنّ أقوامًا أَدُّوْا هذا لَذوو أمانة! إلى مَنْ كنتم تنسبون النعمان؟ فقال جُبير: كانت العرب تنسبُه إلى الأشلاء، أشلاء قَنص، وكان أحد بني عجم بن قَنص، فقال: خذ سيفه فنفّله\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٣) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٤) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":222},{"text":"إياه، فجهل الناس \"عجم\"، وقالوا \"لَخْم\". وقالوا جميعًا: وولّى عمر سعدَ بن مالك صلاة ما غلب عليه وحَرْبه، فولي ذلك؛ وولّى الخراجَ النعمان وسويدًا ابني عمرو بن مقرّن: سويدًا على ما سَقى الفرات، والنعمان على ما سقت دِجْلة، وعقدوا الجسور، ثم ولّى عملهما، واستعفيا حُذيفة بن أسِيد، وجابر بن عَمرو المزنيّ، ثم ولّى عملهما بعدُ حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنَيف (١). (٤: ٢٣).\n* * *\nقال: وفي هذه السنة -أعني سنة ستّ عشرة- كانت وقعة جَلُولاء، كذلك حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق. وكتب إليّ السريّ يذكر: أن شعيبًا حدّثه عن سيف بذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة</span>\n١٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: لما أقمنا بالمدائن حين هبطناها واقتسمنا ما فيها، وبعثنا إلى عمر بالأخماس، وأوطنَّاها؛ أتانا الخبر بأنّ مِهْران قد عسكر بجلُولاء، وخندق عليه؛ وأنّ أهل الموصل قد عسكروا بتَكريت (٢). (٤: ٢٣/ ٢٤).\n١٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طيبة البَجَليّ، عن أبيه بمثله؛ وزاد فيه: فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إلى سعد: أن سرّح هاشم بن عتبة إلى جَلُولاء في اثني عشر ألفًا، واجعل على مقدّمته القعقاع بن عمرو، وعلى ميمنته سِعْر بن مالك، وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة، واجعل على ساقته عَمْرو بن مُرّة الجهنيّ (٣). (٤: ٢٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة جلولاء بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.\n(٣) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة جلولاء بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":223},{"text":"١٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد والوليد بن عبد الله والمجالد وعُقْبة بن مكرَم، قالوا: وأمر هاشم القعقاع بن عمرو بالطلب، فطلبهم حتى بلغ خانِقين، ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حُلوان نحو الجبال، وقدم القعقاع حُلوان، وذلك أنّ عمر كان كتب إلى سعد: إن هزم الله السَّواد الجندين، جند مهران وجند الأنطاق؛ فقدّم القعقاع؛ حتى يكون بين السَّواد والجبل، على حدّ سوادكم، فنزل القعقاع بحُلوان في جند من الأفناء ومن الحمْراء، فلم يزل بها إلى أن تحوَّل الناس من المدائن إلى الكوفة، فلما خرج سعد من المدائن إلى الكوفة لحق به القعقاع؛ واستعمل على الثغر قُبَاذ - وكان من الحمراء، وأصله من خُراسان - ونفّل منها من شهدها، وبعض من كان بالمدائن نائيًا (١) (٤: ٢٨).\n١٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وسعيد، وعمرو، قالوا: وجمع سعد مَن وراء المدائن، وأمر بالإحصاء فوجدهم بضعة وثلاثين ومئة ألف، ووجدهم بضعة وثلاثين ألف أهل بيت، ووجد قِسْمتَهم ثلاثة لكلّ رجل منهم بأهلهم؛ فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن أقِرّ الفلاحين على حالهم؛ إلَّا مَن حارب أو هرب منك إلى عدوّك فأدركتَه، وأجْرِ لهم ما أجريت للفلاحين قبلهم؛ وإذا كتبتُ إليك في قوم فأجْرُوا أمثالهم مُجراهم، فكتب إليه سعد فيمن لم يكن فلاحًا فأجابه: أما مَن سوى الفلّاحين فذاك إليكم ما لم تَغنموه -يعني تقتسموه- ومَن ترك أرضه من أهل الحرب فخلّاها فهي لكم؛ فإن دعوتموهم وقبلتم منهم الجِزاء ورددتموهم قبل قسمتها فذمّة، وإن لم تدعوهم ففيء لكم لمن أفاء الله ذلك عليه. وكان أحظَى بفيء الأرض أهل جَلُولاء، استأثروا بفيء ما وراء النّهروان، وشاركوا الناس فيما كان قبل ذلك، فأقرّوا الفلاحين ودعوا مَن لجّ، ووضعوا الخراج على الفلاحين وعلى من رجع وقبِل الذّمة، واستصفوْا ما كان لآل كسرى ومَن لجّ معهم فيئًا لمن أفاء الله عليه، لا يُجاز بيع شيء من ذلك فيما بين الجبل إلى الجبل من أرض العرب إلَّا من أهله الذين أفاء الله عليهم، ولم يجيزوا بيعَ ذلك فيما بين الناس -\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة جلولاء بعد انتهائنا من سرد هذه الروايات.","vol":"3","page":224},{"text":"يعني: فيمن لم يُفئه الله تعالى عليه ممن يعاملهم ممن لم يفئه الله ﷿ عليه - فأقرّه المسلمون؛ لم يقتسموه؛ لأن قسمته لم تتأتّ لهم؛ فمن ذلك الآجام ومَغيض المياه وما كان لبيوت النار ولسكك البُرُد، وماكان لكسرى ومن جامعه، وما كان لمن قُتل، والأرحاء، فكان بعضُ من يُرِقّ يسأل الولاة قسْم ذلك؛ فيمنعهم من ذلك الجمهور، أبَوْا ذلك، فانتهوا إلى رأيهم ولم يجيبوا، وقالوا: لولا أن يضرب بعضكم وجوهَ بعض لفعلنا؛ ولو كان طلبُ ذلك منهم عن ملأ لقسمها بينهم (١). (٤: ٣٠/ ٣١).\n١٧٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ليس لأحد من أهل السواد عَقْد إلَّا بني صَلوبا، وأهل الحيرة، وأهل كَلواذَى، وقُرى من قرى الفُرات، ثم غدروا، ثم دُعوا إلى الذمّة بعدما غدروا. وقال هاشم بن عُتبة في يوم جَلُولاء:\nيومُ جَلولاءَ ويومُ رُستَمْ ... ويومُ زَحْفِ الكوفةِ المُقَدَّمْ\nويومُ عَرْضِ النَّهَرِ المحرَّمْ ... من بين أيّامٍ خَلوْنَ صُرَّمْ\nشَيَّبْنَ أصْداغي فَهنَّ هُرَّمْ ... مِثْلُ ثَغامِ البَلدِ المحرَّمْ\nوقال أبو بُجيذ في ذلك:\nويومَ جَلُولاء الوَقيعةِ أَصْبَحَتْ ... كتائبُنا تَرْدِي بأسْدٍ عَوَابِسِ\nففضَّتْ جموعَ الفرْسِ ثُمَّ أنَمْتُهم ... فتبًّا لَأَجْسادِ المجوسِ النَّجائسِ!\nوأفَلَتهنَّ الفيرزانُ بجرْعَةٍ ومِهْرَانَ ... أرْدَتْ يومَ حَزِّ القَوَانسِ\nأقاموا بِدارٍ لِلَمنِيَّة مَوْعِد ... وللتُّرْبِ تحْثوها خَجوجُ الرَّوامِسِ (٢)\n(٤: ٣٣/ ٣٤)\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر شواهد وقعة جلولاء بعد سرد هذه الروايات.\n(٢) إسناده ضعيف ولكن أخرج يحيى بن آدم بسنده عن عبد الله بن مغفل المزني قال: لا يباع أرض دون الجبل إلَّا أرض صلوبا وأرض الحيرة فإن لهم عهدًا (الخراج / ٥١ / ح ١٣٦).\nوأخرج كذلك من طريق آخر عن عبد الله بن مغفل المزني قال: لا يصلح بيع أرض ما دون الجبل إلَّا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة (الخراج / ٥١ / ح ١٣٨).\nوأخرج من طريق ثالث عن عبد الله بن مغفل قال: ليس لأهل السواد عهد إلَّا أهل الحيرة وأليس وبانقيا (الخراج / ٥٢/ ١٣٩). ولقد تحدثنا بالتفصيل عن هذه الروايات سابقًا والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":225},{"text":"١٨٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: وقد كان عمر ﵁ كتب إلى سعد: إنْ فتح الله عليكم جَلولاء، فسرّح القعقاع بن عمرو في آثار القوم حتى ينزل بحُلوان، فيكون ردءًا للمسلمين ويحرز الله لكم سوادكم. فلما هزم الله ﷿ أهلَ جلولاء؛ أقام هاشم بن عتبة بجلولاء، وخرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم إلى خانِقين في جند من أفْناء الناس ومن الحمراء، فأدرك سبْيًا من سبيِهم، وقتل مقاتِلة مَنْ أدرك، وقتل مِهْران وأفلت الفيرزان؛ فلما بلغ يَزْدجرد هزيمةُ أهل جلولاء ومصاب مِهران، خرج من حلوان سائرًا نحو الرّيّ، وخلف بحُلوان خيلًا عليها خسْرَوْشُنُوم، وأقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على رأس فرسخ من حلوان خرج إليه خُسْرَوْشنوم، وقدم الزّينبي دِهْقان حُلوان، فلقيه القعقاع فاقتتلوا فقتل الزينبيّ، واحتقّ فيه عميرة بن طارق وعبد الله، فجعله وسلبه بينهما، فعدّ عميرة ذلك حُقْرة وهرب خُسْرَوْشنوم، واستولى المسلمون على حُلوان، وأنزلها القعقاع الحمراء، وولّى عليهم قُباذ، ولم يزل القعقاع هنالك على الثغر، والجِزاء بعدما دعاهم، فتراجعوا، وأقرّوا بالجزاء إلى أن تحوّل سعد من المدائن إلى الكوفة، فلحق به، واستخلف قُباذ على الثغر، وكان أصلُه خراسانيًّا (١). (٤/ ٣٤ - ٣٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد الواردة في الباب عند غير الطبري في مسألة وقعة جلولاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>ذكر ما ورد في فتح المدائن ووقعة جلولاء من روايات تأريخية \"عند غير الطبري</span>\"\nيقول أغلب المؤرخين؛ المتقدمين منهم، والمتأخرين بأن جيوش الفرس قد انسحبت بعد خسارتها المنكرة في وقعة القادسية إلى المدائن.\n١ - سبق أن ذكرنا رواية ابن أبي شيبة بإسناد صحيح في مصنفه (١٢ / ح ٥٥٩٤) عن أبي وائل، وهي رواية طويلة عن قصة القادسية وانتصار المسلمين فيها، وجاء فيها:\nقال: فركبنا فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن قال: فنزلنا كوثى، قال: ومسلحة للمشركين بدير المسلاخ فأتتهم خيل المسلمين فقاتلتهم، فانهزمت مسلحة المشركين حتى لحقوا بالمدائن، وسار المسلمون حتى نزلوا على شاطئ دجلة، وعبر طائفة من المسلمين من كل واد من أسفل من المدائن فحصروهم حتى ما يجدون طعامًا إلَّا كلابهم وسنانيرهم، =","vol":"3","page":226},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال: فتحملوا في ليلة حتى أتوا جلولاء، قال: فسار إليهم سعد بالناس وعلى مقدمتهم هاشم بن عتبة، قال: وهي الواقعة التي كانت قال: فأهلكهم الله وانطلق، فلمّا وصل إلى نهاوند، قال وقال أبو وائل: إن المشركين لما انهزموا في جلولاء؛ أتوا نهاوند ... إلخ الرواية) .. وإسناده صحيح كما سبق.\n٢ - والحديث السابق أخرجه كذلك أبو يوسف كما أشرنا آنفًا قال: وحدثني حصين عن أبي وائل وفيه: فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن فنزلوا كوثى، وبها مسلحة للمشركين بدير المسالح فأتهم خيلنا فقاتلتهم، فانهزمت مسلحة للمشركين، حتى لحقوا بالمدائن وسرنا حتى نزلنا على شاطئ دجلة فعبرت طائفة منا من علو الوادي أو من أسفل المدائن فحصرناهم حتى ما وجدوا طعامًا إلَّا كلابهم وسنانيرهم فتحملوا في ليلة حتى أتوا جلولاء فسار إليهم سعد بالناس وفي مقدمتهم هاشم بن عتبة، قال: فهي الوقعة التي كانت، فأهلكهم الله وانطلق يهزمهم إلى نهاوند ... إلخ (الخراج / ٣٠) وإسناده حسن كما ذكرنا.\n٣ - وأخرج البلاذري قال: حدثني عفان بن مسلم - قال أخبرنا هيثم قال أخبرنا حصين قال أخبرنا أبو وائل قال: لما انهزم الأعاجم من القادسية؛ اتبعناهم فاجتمعوا بكوثى، فاتبعناهم ثم انتهينا إلى دجلة، فقال المسلمون: ما تنتظرون بهذه المنطقة أن نخوضها، فخضناها فهزمناهم (فتوح البلدان / ٣٧٥).\nوإسناده صحيح.\n٤ - وأخرج خليفة بن خياط: وحدثني علي بن محمد عن أبي الذيال عن حميد بن هلال: أن أول من عبر هلال بن علّفة، ويقال: أول من عبر هلال بن علقمة، ويقال: أول من عبر رجل من عبد القيس (تأريخ خليفة / ١٣٤).\n٥ - وأخرج البلاذري من طريق محمد بن سعد عن الواقدي (وهو متروك) عن ابن أبي سبرة، عن ابن غيلان عن أبان بن صالح قال: لما انهزمت الفرس في القادسية قدم فلّهم المدائن فانتهى المسلمون إلى دجلة وهي تطفح بماء لم يُر مثله قط، وإذا الفرس قد رفعوا السفن والمعابر إلى الجيزة الشرقية وحرقوا الجسر فاغتم سعد والمسلمون إذ لم يجدوا إلى العبور سبيلًا، فانتدب رجل من المسلمين فسبح بفرسه وعبر فسبح المسلمون ثم أمروا أصحاب السفن فعبّروا الأثقال، فقال الفرس: والله ما تقاتلون إلَّا جنًّا فانهزموا - وهذا إسناد ضعيف لأنه من طريق الواقدي وهو متروك إلَّا أن لمتنه ما يشهد له من الروايات السابقة وغيرها والله أعلم (فتوح البلدان / ٣٦٧).\nوأخرج خليفة بن خياط أبو الحسن عن حباب بن موسى عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: عبر سعد في أربعمئة فكانوا يتحدثون على ظهورها كما يتحدثون على الأرض. وفي إسناده انقطاع.\nقال ابن كثير بعد ذكر وقعة المدائن: وقد توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنه (أي من سعد) راضٍ =","vol":"3","page":227},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ودعا له فقال: \"اللهم أجب دعوته وسدد رميته\". والمقطوع به (والكلام لابن كثير) أن سعدًا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلَّمهم (البداية والنهاية ٦/ ٦٦).\n٧ - وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٢٥) عن الحسن: أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِيَ بثروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جُعشُم قال: فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلها في يديه فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال: الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج ... وذكر الحديث، وإسناده مرسل.\nقلنا: أما هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري ابن أخي سعد يعرف بالمد من مسلمة الفتح، وقتل بصفين مع علي (تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١١٦ / ت ٣١٣، الذهبي).\n٨ - أخرج خليفة: عثام بن علي عن الأعمش عن شمر بن عطية قال: كانت السهام بجلولاء ثلاثة آلاف سهم (تأريخ خليفة / ١٣٧) وإسناده منقطع بين خليفة وعثام بن علي.\n٩ - وأخرج خليفة قال: حدثنا غير واحد عن أبي عوانة عن حصين عن أبي وائل قال: سُمّيت جلولاء فتح الفتوح (تأريخ خليفة / ١٣٧) وفي إسناده مبهم غير واحد.\nوقد ذكر ابن كثير وقعة المدائن وجلولاء في أحداث سنة ١٦ هـ، أما شيخه ابن كثير فقد ذكر وقعة جلولاء تارة في أحداث سنة ست عشرة اعتمادًا على الطبري (١٦) وقال في أحداث سنة (١٧) هـ: يقال كانت فيها وقعت جلولاء المذكورة (١٦٥). أما خليفة فقد ذكر المدائن ضمن أحداث سنة (١٥ هـ) وجلولاء ضمن أحداث (١٧) هـ وأخرج: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة قال: كانت سنة تسع عشرة. وهذه رواية شاذة في متنها.\n١٠ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ح ١٥٦٢٦) حدثنا أبو أسامة قال: أخبرنا الصلت بن بهرام حدثنا جميع بن عمير الليثي عن عبد الله بن عمر قال: شهدت جلولاء فابتعت من الغنائم بأربعين ألف فقدمت بها على عمر فقال: ما هذا؟ قلت: ابتعت من الغنائم بأربعين ألفًا، فقال: يا صفية احفظي بما قدم به عبد الله بن عمر، عزمت عليك أن تخرجي منه شيئًا. قالت: يا أمير المؤمنين! وإن كان غير طيب؟ ! قال: ذاك لك. قال: فقال لعبد الله بن عمر: أرأيت لو انطلق بي إلى النار أكنت مفتدي. قلت: نعم ولو بكل شيء أقدر عليه، قال: فإنني كأنني شاهدتك يوم جلولاء وأنت تبايع ويقولون: هذا عبد الله بن عمر صاحب رسول الله - ﷺ - وابن أمير المؤمنين وأكرم أهله عليه، وأنت كذلك، قال: فإن يرخصوا عليك بمئة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، وإني قاسم، وسأعطيك من الربح أفضل ما يربح رجل من قريش أعطيك ربع الدرهم درهمًا، قال: فخلى عليَّ سبعة أيام ثم دعا النجار فباعه بأربعمئة ألف فأعطاني ثمانين ألف، وبعث بثلاثمئة ألف وعشرين ألفًا إلى سعد فقال: اقسم هذا المال بين الذين شهدوا الواقعة، فإن كان مات فهيم أحد فابعث =","vol":"3","page":228},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بنصيبه إلى ورثته. والحديث أخرجه أبو عبيدة من طريق زائدة عن الصلت بن بهرام به (الأموال / ٧١/ ٢٥٩).\n١١ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ح ١٥٦٢٨): حدثنا وكيع ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أتي عمر بغنائم من غنائم جلولاء فيها ذهب وفضة، فجعل يقسمها بين الناس، فجاء ابن له يقال له عبد الرحمن فقال: يا أمير المؤمنين! اكسني خاتمًا، قال: اذهب إلى أمك تسقيك شربة من سويق، قال: فوالله ما أعطاه شيئًا.\n١٢ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٢ / ح ١٥٦٢٩) حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا هشام بن سعد قال ثنا زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن الأرقم صاحب بيت مال المسلمين يقول لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين! عندنا حلية من حلية جلولاء وآنية ذهب وفضة فرأى فيها رأيك، فقال: إذا رأيتني فارغًا فائتني، فجاء يومًا فقال: إني أراك اليوم فارغًا يا أمير المؤمنين! قال: ابسط لي نطعًا في الحبر، فبسطت له نطعًا ثم أتى بذلك المال فصب عليه فجاء فوقف عليه ثم قال: اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، وقلت: ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، اللهم إنا لا نستطيع إلَّا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم فاجعلني أنفقه في حق وأعوذ بك من شره. اهـ.\n١٣ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٢ / ح ١٥٦٢٣) حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عاصم الأحول، قال: سأل صبيح أبا عثمان النهدي وأنا أسمع فقال له: هل أدركت النبي - ﷺ -؟ قال: نعم أسلمت على عهد النبي - ﷺ - وأديت إليه ثلاث صدقات ولم ألقه وغزوت على عهد عمر غزوات، شهدت فتح القادسية، وجلولاء، وتستر، ونهاوند، وأذربيجان، ومهران، ورستم، فكنا نأكل السمن، ونترك الودك، فسألته عن الظروف فقال: لم تكن تسأل عنها. يعني: طعام المشركين.\n١٤ - أخرج البلاذري قال: حدثني الحسين بن الأسود قال: حدثني يحيى بن آدم قال: أخبرنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حيب قال: كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص حين فتح السواد: أما بعد فقد بلغني كتابك، تذكر: أن الناس سألوك أن تقسم بينهم ما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي فانظر ما أجلب عليه أهل العسكر بخيلهم وركابهم من مال أو كراع فاقسمه بينهم بعد الخمس واترك الأرض والأنهار لعمَّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لم يبقَ بعدهم شيء (فتوح البلدان / ٣٧٠).\nقلنا: ورواية البلاذري هذه متابعة صحيحة، فقد تابع الحسين بن الأسود عن يحيى بن آدم الراوي الحسن بن علي بن عفان الكوفي (وهو ثقة) كما في كتاب الخراج ليحيى بن آدم رواية تلميذه الحسن بن علي بن عفان وإن كان الإسناد من طريق ابن لهيعة فلا خير لأنه من رواية =","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>(ذكر فتح تَكْرِيت)</span>\n١٨٠ / أ - وكان في هذه السنة -أعني سنة ست عشرة في رواية سيف- فتحُ تَكريت، وذلك في جُمادى منها (١) (٤: ٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>ذكر وقعة قرقيسياء</span>\n١٨٠ / ب - قال: وفيها ماتت مارية أمّ ولد رسول الله - ﷺ -، أمّ إبراهيم،\n_________\n= عبد الله بن المبارك عنه، ورواية العبادلة عنه صحيحة والله تعالى أعلم - وتتمة الرواية في كتاب الخراج يحيى بن آدم: وقد كنت أمرتك (أي: أمر عمر سعدًا ﵄): أن تدعو الناس ثلاثة أيام فمن استجاب لك وأسلم قبل القتال فهو رجل من المسلمين له مالهم وله سهم في الإسلام، ومن استجاب لك بعد القتال وبعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين وماله لأهل الإسلام، لأنهم أحرزوه قبل إسلامه، فهذا أمري وعهدي إليك ولا عشور على مسلم، ولا على صاحب ذمة؛ إذا أدّى المسلم زكاة ماله، وأدى صاحب الذمة جزيته التي صالح عليها، إنما العشور على أهل الحرب؛ إذا استأذنوا أن يتجروا في أرضنا، فأولئك عليهم العشور (الخراج / ٤٨ / ح ١٢١).\n(١) قلنا: اختلف المؤرخون في السنة التي فتح فيها تكريت والطبري هنا ذكر فتح تكريت سنة (١٦ هـ) أما خليفة بن خياط فقد قال: وفيها فتحت تكريت سنة تسع عشرة (١٩) (تأريخ خليفة / ١٤١). وأما من المتأخرين فقد ذكر الذهبي فتح تكريت ضمن أحداث سنة (١٦ هـ) (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ١٦٢) وكذلك فعل ذلك تلميذه ابن كثير فذكر فتح تكريت ضمن وقائع سنة (١٦ هـ).\nولم تذكر رواية الطبري من طريق سيف (٤/ ٣٥ / ٤٦٦) هنا لأنها ضعيفة السند ولم نجد لها إلَّا شواهد ضعيفة جدًّا (فراجعها في قسم الضعيف) إلَّا أنّا وجدنا عن ابن أبي شيبة رواية حسنة إن شاء الله تتحدث عن فتح تكريت دون ذكر السنة سنذكرها هنا:\nفقد أخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٥٩): حدثنا شاذان قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي العلاء قال: كنت فيمن افتتح تكريت فصالحناهم على أن يبرزوا لنا سوقًا وجعلنا لهم الأمان قال: فأبرزوا لنا سوقًا قال: فقتل ض منهم فجاء قسهم قال: أجعلتهم لنا ذمة نبيكم - ﷺ - وذمة أمير المؤمنين وذمتكم ثم أخذتموها، فقال أميرنا: إن أقمتم شاهدين ذوي عدل على قاتله أقدناكم وإن شئتم حلفتم وأعطيناكم الدية، وإن شئتم حلفنا لكم ولم نعطيكم شيئًا ... الخبر.\nقلنا: وهذه هي رواية حماد بن سلمة عن عطاء وقد تغير عطاء بأخرةٍ، إلَّا أن الجمهور من المحدثين على أنه سمع من عطاء قبل الاختلاط (تحرير التقريب ١/ ٣١٨ / ت ١٤٩٩).","vol":"3","page":230},{"text":"وصلّى عليها عمر، وقبرها بالبَقِيع، في المحرّم (١) (٤: ٣٨).\n١٨٠ / جـ - قال: وفيها كتب التأريخ في شهر ربيع الأول (٢). (٤: ٣٨).\n١٨١ - حدثني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نُعيم بن حمّاد، قال: حدَّثنا الدراورديّ عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: جمع عمرُ بن الخطاب الناسَ، فسألهم من أيّ يوم نكتب؟ فقال عليّ: من يوم هاجر رسول الله - ﷺ -، وترك أرضَ الشرك. ففعله عمر (٣). (٤: ٣٨/ ٣٩).\n١٨٢ - وحدثني عبد الرحمن، قال: حدّثني يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان التأريخ في السنة التي قدِم فيها رسول الله - ﷺ - المدينة، وفيها وُلد عبد الله بن الزبير (٤). (٤: ٣٩).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-377> ثم دخلت سنة سبع عشرة </span>-\nففيها اختُطت الكوفة، وتحوّل سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بن عمرو وروايته (٥). (٤: ٤٠).\n_________\n(١) قلنا: وكذلك ذكر الذهبي أن مارية توفيت سنة (١٦ هـ) وقال: وكانت أهداها المقوقس إلى النبي - ﷺ - سنة ثمان وعاش ابنها إبراهيم - ﵇ - عشرين شهرًا وصلى عليها عمر ودفنت بالبقيع (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ١٦٣) وانظر الإصابة (٤/ ٤٠٥ / ت ١٩٨٤) وهذا هو رأي خليفة بن خياط كذلك (تأريخ خليفة / ١٣٥).\n(٢) ولقد سبق أن تحدثنا عن السنة الي بدأ التأريخ الإسلامي المبارك كما في قسم صحيح السيرة، وسردنا جمحع الروايات في الباب وميّزنا الصحيحة منها عن الضعيفة ونقلنا كذلك قول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: اتفق الصحابة ﵃ في سنة ست عشرة وقيل سبع أو ثماني عشرة في الدولة العمرية على جعل ابتداء التأريخ الإسلامي في سنة الهجرة (البداية والنهاية ٣/ ٢٠٤).\n(٣) إسناده ضعيف؛ فنعيم بن حماد مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٤) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٤) إسناده صحيح، والحديث صحيح كما تقدم في صحيح السيرة النبوية.\n(٥) قلنا: سبق أن ذكرنا بعض الروايات الصحيحة (عند ابن أبي شيبة وأبي عبيد القاسم بن سلام =","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف</span>\n١٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأصحابهما، قالوا: كتب عمر إلى سعد: أنبئني ما الذي غيّر ألوان العرب ولحومَهم؟ فكتب إليه: إن العرب خدَّدهم وكفى ألوانهم وخُومة المدائن ودِجلة؛ فكتب إليه: إن العرب لا يوافقها إلَّا ما وافق إبلَها من البلدان، فابعث سلمان رائدًا وحذيفة - وكانا رائدي الجيش - فليرْتادا منزلًا برّيًّا بحريًّا، ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جِسر، ولم يكن بقي من أمر الجيش شيء إلَّا وقد أسنده إلى رجل، فبعث سعد حذيفة وسلمان، فخرج سلمان حتى يأتيَ الأنبار، فسار في غربيّ الفرات لا يرضى شيئًا، حتى أتى الكوفة. وخرج حذيفة في شرقيّ الفُرات لا يرضى شيئًا حتى أتى الكوفة، والكوفة على حَصْباء - وكلّ رملة حمراء يقال لها: سِهْلة، وكلّ حصباء ورمل هكذا مختلطين فهو كوفة - فأتيا عليها، وفيها دِيرات ثلاثة: دير حُرقة، ودير أم عمرو، ودير سِلسلة، وخِصاصٌ خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصلَّيا، وقال كلّ واحد منهما: اللهمّ ربّ السماء وما أظلَّت، وربّ الأرض وما أقلتْ، والريح وما ذَرَتْ، والنجوم وما هوَتْ، والبحار وما جَرَتْ، والشياطين وما أضلّت، والخِصاص وما أجنّتْ؛ باركْ لنا في هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات، وكتب إلى سعد بالخبر (١). (٤: ٤١).\n١٨٤ - حدّثني محمد بن عبد الله بن صفوان، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، قال: لما هزِم الناس يوم جَلُولاء؛ رجع سعد بالناس، فلمّا قدم عمار خرج بالناس إلى المدائن فاجتووْها؛\n_________\n= وأبي يوسف القاضي) في تمصير الكوفة ولم يترجح عندنا تاريخ محدد لتمصير الكوفة، ونعيد ذكر قسم منها هنا مع إضافة روايات أخرى وذلك بعد انتهائنا من سرد الروايات الضعيفة الإسناد ولكن لها ما يشهد لها أو لبعضها (كما سنبيّن إن شاء الله) مع مراعاة الشروط الأربعة التي ذكرناها في البداية عند حديثنا عن مرويات سيف التأريخية وقبولها أو رفضها، والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد بعد سردنا لهذه الروايات.","vol":"3","page":232},{"text":"قال عمَّار: هل تصلح بها الإبل؟ قالوا: لا؛ إنّ بها البعوض، قال: قال عمر: إنّ العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل .. قال: فخرج عمار بالناس حتى نزل الكوفة (١). (٤: ٤١).\n١٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلَد بن قيس، عن أبيه، عن النُّسَير بن ثور، قال: ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذّباب، وكتِب إلى سعد في بعثه رُوَّادًا يرتادون منزلًا بريًّا بحريًّا، فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلَّا ما أصلح البعير والشاة؛ سأل من قِبَله عن هذه الصفة فيما بينهم، فأشار عليه مَن رأى العراق من وجوه العرب باللّسان - وظهْر الكوفة يقال له: اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى العين، عين بني الحذاء، كانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانَه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو المِلطاط، وما كان يلي الطين منه فهو النِّجاف - فكتب إلى سعد يأمره به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>فتوح المدائن قبل الكوفة</span>\n١٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: فتوح المدائن السّواد وحُلوان وماسَبذان وقَرْقِيسِياء؛ فكانت الثغور ثغور الكوفة أربعةَ: حُلْوان عليها القعقاع بن عمرو، وماسَبَذَان عليها ضِرار بن الخطاب الفِهريّ، وقَرْقِيسياء عليها عمر بن مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، والموصل عليها عبد الله بن المعتمّ، فكانوا بذلك، والناس مقيمون بالمدائن بعدما تحوّل سعد إلى تمصير الكوفة، وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور مَن يمسك بها ويقوم عليها؟ فكان خليفة القعقاع على حُلوان قُباذ بن عبد الله، وخليفة عبد الله على الموصل مسلم بن عبد الله، وخليفة ضرار رافع بن عبد الله، وخليفة عمر عشنّق بن عبد الله، وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الأساورة، ويرفعوا عنهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما ورد في الروايات الصحيحة في تمصير الكوفة والسبب في ذلك.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد الواردة في تمصير الكوفة بعد قليل.","vol":"3","page":233},{"text":"الجزاء، ففعلوا. فلما اختطّت الكوفة وأذِن للناس بالبناء، نقل الناس أبوابَهُم من المدائن إلى الكوفة فعققوها على ما بينوا وأوطنوا الكوفة. وهذه ثغورهم، وليس في أيديهم من الرّيف إلَّا ذلك (١). (٤: ٤٩).\n١٨٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن عامر، قال: كانت الكوفة وسوادها والفروج: حُلوان، والموصل، وماسَبَذان وقَرْقِيسياء. ثم وافقهم في الحديث عمرو بن الريان عن موسى بن عيسى الهمْدانيّ بمثل حديثهم، ونهاهم عمّا وراء ذلك، وليأذن لهم في الانسياح. وقالوا جميعًا: وَلِيَ سعد بن مالك على الكوفة بعدما اختُطَّت ثلاث سنين ونصفً سَوى ما كان بالمدائن قبلها، وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وماسَبَذان وقَرْقيسياء إلى البصرة، ومات عتبة بن غزوان وهو على البصرة فَظِع بعمله، وسعد على الكوفة فوَلّى عمر أبا سبْرة مكان عتبة بن غزوان، ثم عزل أبا سَبْرة عن البصرة، واستعمل المغيرة، ثم عزل المغيرة، واستعمل أبا موسى الأشعريّ (٢) (٤: ٥٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد الواردة في الكوفة بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف وسنذكر الشواهد الواردة في تمصير الكوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>الشواهد الواردة في تمصير الكوفة والسبب في ذلك التمصير مع ذكر أسماء ولاة الكوفة والبصرة والأوائل (أي: في عهد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁)</span>\n١ - سبق أن أخرجنا رواية ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح (١٢ / ح ١٥٥٩٤) من طريق حصين عن أبي وائل وفي آخرها: قال حصين: لما هُزِمَ المشركون من المدائن لحقهم بجلولاء ثم رجع وبعث عمار بن ياسر، فسار حتى نزل المدائن قال: وأراد أن ينزلها بالناس فاجتواها الناس وكرهوها، فبلغ عمر: أن الناس كرهوها فسأل: هل يصلح بها الإبل؟ قالوا: لا. لأن بها البعوض، قال: فقال عمر: فإن العرب لا تصلح بأرض لا يصلح بها الإبل، قال: فارجعوا قال: فلقي سعد عباديًا قال: فقال: أنا أدلكم على أرضٍ ارتفعت عن البقعة وتطأطأت من السبخة وتوسطت الريف وطعنت في أنف التربة. قال: أرض بين الحيرة والفرات. وقول حصين هذا روي موصولًا عن أبي وائل كما سيأتي:\n٢ - فقد ذكرنا آنفًا رواية القاضي أبي يوسف في الخراج (٢٩) قال: وحدثني حصين عن أبي وائل ..... الخبر وفي آخره كما عند ابن أبي شيبة وفيها زيادة (ذكر اسم الكوفة): قال: (أي: العبادي) أرض بين الحيرة والفرات. فاختط الناس الكوفة ونزلوها - وإسناده حسن.\n٣ - وقد أخرج خليفة بن خياط هذا الخبر عن نزول المسلمين بالمدائن ثم إنهم (اجتووها) ... وفي آخر الخبر: فدلنا على الكوفة فاختط الناس ونزلوا. (تأريخ =","vol":"3","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خليفة / ١٣٨) حدثني من سمع أبا محصن عن حصين عن أبي وائل وإن كان الإسناد منقطعًا فيشهد له ما قبله من المتابع الموصول.\nولقد ذكر خليفة هذا الخبر ضمن أحداث سنة سبع عشرة، وإن كان خليفة قد ذكر في مكان آخر سنة (١٨ هـ) بناء الكوفة، والله تعالى أعلم.\nوكذلك يرى ابن حجر في فتح الباري إذ يقول: ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة اعتمادًا على قول خليفة بن خياط (الفتح ٢/ ٢٧٧).\nأما عن ولاة الكوفة والبصرة الذين وردت أسماؤهم في الروايتين الأخيرتين عند الطبري فيشهد له ما عند البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁ ... إلخ. (راجع الفتح ٢/ ٢٧٦) والرواية عند أبي عوانة في صحيحه (٢/ ١٥٠) بلفظ مختلف عن جابر بن سمرة وكذلك أخرج عبد الرزاق هذا الخبر عن جابر بن سمرة في مصنفه (٢/ ٣٦٠). وهذا تأكيد على أنه ﵁ ولى سعد بن أبي وقاص الكوفة.\nأما عن ولاة البصرة فقد نقل الحافظ في الفتح (٣/ ١٩٧) أن ابن شبة (المؤرخ الثقة المعروف وهو من شيوخ الطبري) قال: إنَّ أبا موسى كان أميرًا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ﵁، ولقد استشهد الحافظ بقول ابن شبة هذا وهو يعلق على رواية البخاري في صحيحه عن أبي بردة بن أبي موسى ﵁ قال: وجع أبا موسى وجعًا فغشي عليه ... الحديث وقال بعده (ابن شبة): وإن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة ... إلخ.\nوأخرج الطبري في تفسير (الآية ٢٣٨ من سورة البقرة / ح ٥٤٨٠ طبعة شاكر) حدثنا محمد بن المبارك أخبرنا الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد الله بن قيس زمن عمر صلاة الغداة: قال فقلت لرجل من أصحاب النبي - ﷺ - إلى جنبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة - وصحح العلامة شاكر إسناده وعزاه إلى الطحاوي (١/ ١٠١) وعبد الله بن قيس هو أبو موسى الأشعري - أما بالنسبة لعتبة بن غزوان فقد سبق أن ذكرنا في قسم الصحيح عند الحديث عن فتح البصرة: أنه أول والٍ على البصرة من قبل عمر ثم توفي بعد ولايته بستة أشهر والله تعالى أعلم.\nأما البلاذري فقد ذكر أن تمصير الكوفة كان سنة ١٧ هـ نقلًا عن محمد بن سعد عن شيخه الواقدي (وهو متروك) (فتوح البلدان / ٣٨٧).\nوكذلك أخرج من طريق ضعيف: أن سعدًا اختط الكوفة وسكنها مع المسلمين بعد فتح المدائن وذكر ما جرى من المراسلة بين عمر وسعد في شأن موضوع الكوفة (فتوح البلدان / ٣٨٧) وكذلك أخرج البلاذري نحوًا من هذا بسنده عن الهيثم بن عدي وهو ضعيف (فتوح البلدان / ٣٩٠). =","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحبُ الروم</span>\n١٨٧ / أ - وفي هذه السنة قصدت الرّوم أبا عبيدة بن الجرَّاح ومَن معه من جند المسلمين بحمْص لحربهم؛ فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة، وهو فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وسعيد - قالوا: أوّلُ ما أذِن عمر للجند بالانسياج: أن الرّوم خرجوا، وقد تكاتبوا هم وأهلُ الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمْص، فضَمّ أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حِمْص، وأقبل خالد من قِنَّسرين حتى انضمّ إليهم فيمن انضمّ من أمراء المسالح، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصّن إلى مجيء الغِياث، فكان خالد يأمره أن يناجزَهم، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصّن، ويكتب إلى عمر، فأطاعهم وعصَى خالدًا، وكتب إلى عمر [يخبره] بخروجهم عليه، وشغلِهم أجنادَ أهل الشأم عنه، وقد كان عمر اتّخذ في كلّ مِصْر على قدره خيولًا مِن فضول أموال المسلمين عُدّة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس. فلمّا وقع الخبر لعمر كتب إلى سعد بن مالك: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرّحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حِمْص، فإنّ أبا عبيدة قد أحِيط به، وتقدّمْ إليهم في الجدّ والحثّ.\nوكتب أيضًا إليه أن سرّح سُهيل بن عديّ إلى الجزيرة في الجند وليأتِ الرَّقة فإنّ أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الرّوم على أهلِ حمص؛ وإن أهل قرقيساء لهم سَلَف، وسرّحْ عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان إلى نصِيبين، فإن أهل قَرْقِيسياء لهم\n_________\n= أما الذهبي فقد ذكر بناء الكوفة ونزول الناس فيها ضمن أحداث سنة (١٨ هـ) اعتمادًا على إحدى روايتي خياط في تاريخه (تأريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين / ١٧٠).\nخلاصة القول: أن المؤرخين اختلفوا في تحديد سنة بناء الكوفة بين سنة (١٧ هـ) و(١٨ هـ) وهذا اختلاف يسير ولعلهم بدؤوا بناءها سنة (١٧ هـ) وانتهوا منها وسكنوها في بداية سنة (١٨ هـ) والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":236},{"text":"سلَف، ثم لينفُضا حرّان والرُّهاء. وسرّحْ الوليد بن عُقْبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتَنُوخ وسرِّح عياضًا، فإنْ كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعًا إلى عياض بن غنْم - وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدّين لأهل الشأم، وممّن انصرف أيامَ انصرف أهل العراق ممدّين لأهل القادسيّة، وكان يُرافد أبا عبيدة - فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حِمْص؛ وخرج عياض بن غَنْم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفِراض وغير الفِراض؛ وتوَجّه كلّ أمير إلى الكُورة التي أمِّر عليها. فأتى الرّقة، وخرج عمر من المدينة مغيثًا لأبي عبيدة يريد حِمْص حتى نزل الجابية. ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الرّوم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأنّ الجنود قد ضربت من الكوفة، ولم يدروا: الجزيرة يريدون أم حمص! فتفرّقوا إلى بلدانهم وإخوانهم، وخلَّوا الرّوم، ورأى أبو عبيدة أمرًا لما انفضوا غير الأوّل، فاستشار خالدًا في الخروج، فأمره بالخروج، ففتح الله عليهم. وقدم القعقاع بن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة، وقدم عمر فنزل الجابية، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المَدد عليهم في ثلاث، وبالحُكْم في ذلك. فكتب إليهم أن أشركوهم، وقال: جزى الله أهلَ الكوفة خيرًا! يكفون حوْزتهم ويُمِدّون أهل الأمصار (١). (٤: ٥٠/ ٥١ / ٥٢).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه القصة الطويلة بلا إسناد وقد تحدثنا بالتفصيل عن فتح حمص في أحداث سنة (١٥ هـ) وأنها فتحت على يد أبي عبيدة عامر بن الجراح مع من تحت إمرته من القادة فراجعها هناك (٣: ٥٩٩/ ١٥٩).\nأما هذه الوقعة الثانية فهي قصة محاصرة الروم ومن تحالف معهم من نصارى العرب لأبي عبيدة وجيشه بعد فتح حمص بمدة (سنة ١٦ أو ١٧ هـ على الأغلب) فلما أن جاء المدد من العراق وغيره انفضّ نصارى العرب ثم خرج المسلمون بقيادة أبي عبيدة من حمص (التي تحصنوا فيها) وهزموا الروم بإذن الله، ولهذه القصة أصل صحيح فلقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٨٧) حدثنا وكيع ثنا هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن أبيه لما أتى أبو عبيدة الشام حُصِرَ هو وأصحابه وأصابهم جهد شديد فكتب إليه عمر: سلام عليكم، أما بعد فإنه لم تكن شدة إلَّا جعل الله بعدها فرجًا ولن يغلب عسر يسرين، وكتب إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: وكتب إليه أبو عبيدة: سلام عليكم أما بعد فإن الله قال: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي =","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>ذكر فتح الجزيرة</span>\n١٨٨ - وأما في رواية سيف، فإن الخبر في ذلك، فيما كتب به إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد؛ قالوا: خرج عياض بن غَنْم في أثر القَعقاع، وخرج القُوّاد -يعني: حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددًا لأبي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص- فسلكوا طريق الجزيرة على الفِراض وغيرها، فسلك سُهيل بن عديّ وجنده طريقَ الفِراض حتى انتهى إلى الرّقة، وقد ارفضّ أهلُ الجزيرة عن حِمْص إلى كُوَرهم حين سمعوا بمُقْبَل أهل الكوفة، فنزل عليهم، فأقام محاصرَهم حتى صالحوه، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين أهل العراق وأهل الشأم؛ فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة؛ فرأى أن يقبَل منهم؟ فبايعوه وقبل منهم؛ وكان الذي عقد لهم سُهَيل بن عديّ عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروْا ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا مُجرَى أهل الذّمة، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، فسلك على دِجْلة حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بَلَد حتى أتى نصيبين، فلقوه بالصّلح، وصنعوا كما صنع أهل الرَّقة، وخافوا مثل الذي خافوا؛ فكتبوا إلى عياض، فرأى أن يقبل منهم، فعقد لهم عبد الله بن عبد الله، وأجروْا ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا مُجرى أهل الذّمة، وخرج الوليد بن عُقْبة حتى قدم على بني تغلِب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلَّا إياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بقلِّيّتِهِمْ، فاقتحموا أرض الرّوم، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب. ولما أعطى أهل الرّقة ونَصِيبين الطاعة ضمّ عياض سهيلًا وعبد الله إليه فسار بالناس إلى حَرّان، فأخذ ما دونها. فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى\n_________\n= الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ ... إلى آخر الآية. قال: فخرج عمر بكتاب أبي عبيدة فقرأ على الناس فقال: يا أهل المدينة إنما كتب أبو عبيدة يُعرِّض بكم ويحثكم على الجهاد، قال زيد قال أبي: إني لقائم في السوق إذ قبل قوم مبيّضين قد هبطوا في الثنية فيهم حذيفة بن اليمان يبشرون، قال: فخرجت أشتد حتى دخلت على عمر فقلت: يا أمير المؤمنين! أبشر بنصر الله والفتح، فقال عمر: الله أكبر رب قائل لو كان خالد بن الوليد. قلنا: وإسناده صحيح.","vol":"3","page":238},{"text":"الجزية فقبل منهم، وأجرى مَن أجاب بعد غَلْبِه مُجْرى أهل الذّمة، ثم إنّ عياضًا سرّح سُهيلًا وعبد الله إلى الرُّهاء، فاتقوهما بالإجابة إلى الجِزية، وأجرى مَن دونهم مجراهم؛ فكانت الجزيرة أسهلَ البلدان أمرًا، وأيسره فَتْحًا، فكانت تلك السهولة مهجَنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بن غَنْم:\nمَن مُبْلِغُ الأقوامِ أن جُموعَنا ... حَوَتِ الجَزيرَةَ يوم ذاتِ زِحامِ\nجَمعُوا الجَزيرَةَ والغِياثَ فَنَفَّسُوا ... عَمَّنْ بِحِمْصَ غَيابَةَ القُدَّامِ\nإنَّ الأعِزَّةَ والأكارِمَ مَعْشَرٌ ... فَضُّوا الجزيرَةَ عن فِراخِ الهامِ\nغَلَبُوا المُلوكَ على الجَزيرةِ فانتَهَوْا ... عن غَزْو مَنْ يأوي بلادَ الشامِ\nولما نزل عمر الجابية، وفرغ أهلُ حمص أمدّ عياض بن غَنْم بحبيب بن مسلمة، فقدم على عياض مددًا، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضمّ إليه عياض بن غَنْم إذ ضمّ خالدًا إلى المدينة، فصرفه إليه، وصرف سهيل بن عديّ وعبد الله بن عبد الله إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بن مَسْلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عُقْبة على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.\nقالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم: إنه بلغني أنّ حيًّا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك؛ فوالله لتُخرجنّه أَو لننبِذنّ إلى النصارى؛ ثم لنخرجنّهم إليك. فأخرجهم ملك الرّوم، فخرجوا فتمّ منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عديّ بن زياد، وخَنَس بقيّتهم، فتفرقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم؛ فكلّ إياديّ في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف؛ وأبَى الوليد بن عقبة أن يقبل من بني تغلِب إلَّا الإسلام؟ فقالوا له: أمّا من نُقّب على قومه في صلح سعد ومَن كان قِبَله فأنتم وذاك، وأمّا من لم ينقب عليه أحد ولم يُجْرِ ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلَّا الإسلام، فدعْهم على ألا يُنصِّروا وليدًا، واقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على ألا يُنَصّروا وليدًا، ولا يمنعوا أحدًا منهم من الإسلام، فأعطَى بعضهم ذلك فأخذوا به، وأبي","vol":"3","page":239},{"text":"بعضهم إلَّا الجِزاء، فرضيَ منهم بما رضيَ من العِبَاد وتَنُوخ (١). (٤: ٥٣/ ٥٤ / ٥٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر بعض الشواهد لقصة فتح الجزيرة ونذكر بقية الروايات في قسم الضعيف.\nاتفق أئمة التأريخ المتقدمون والمتأخرون على أن فتح الجزيرة كان بعد فتح معظم العراق وفتح معظم أرض الشام، والجزيرة هي المنطقة المحصورة بين الفرات ودجلة وشطره في العراق والآخر في الشام، ولا خلاف بين المؤرخين: أن الصحابي الجليل عياض بن غنم الفهري هو الذي قاد الجيوش المجاهدة لفتح هذه البلاد، وإن كان فتحها أسهل بكثير من فتح أرض السواد ومدن الشام وذلك لأن أهلها أيقنوا أنهم بين فكي كماشة؛ ولذلك قال ابن عبد البر القرطبي في ترجمة عياض بن غنم: عياض بن غنم لا أعلم خلافًا: أنه افتتح عامة بلادَ الجزيرة والرقة وصالحه وجوه أهلها، ونقل عن البخاري قوله: وهو عامل عمر بالشام (الاستيعاب ٣/ ٣٠٤ / ت ٢٠٣٧). ولكن الخلاف بين المؤرخين في مسألة فتحها عنوة أو صلحًا، ويبدو من خلال الروايات التاريخية الضعيفة وغيرها أن أغلب هذه الأرض فتحت صلحًا ولقد ذكرنا معظم روايات الطبري في فتح الجزيرة في قسم الضعيف، وذكرنا معها روايات أخرى ضعيفة السند كذلك، وسنذكر هنا بعض الروايات الضعيفة السند وأخرى صحيحة (ولكنها قليلة) وهي تتقوى ببعضها فهي مراسيل متعددة المخارج نأخذ بها في التاريخ فقط وبالشروط التي ذكرنا آنفًا. وتصلح شواهد لهذه القصة إن شاء الله تعالى:\n١ - أخرج خليفة: حدثنا وكيع بن الجراح قال أخبرنا ثور عن عبد الرحمن بن عائذ: أن خالد بن الوليد دخل حمامًا بآمد، وذكر فيه حديثًا (تأريخ خليفة / ١٣٩).\nقلنا: وهذا إسناد صحيح، والخبر يدل على مشاركة خالد في فتوح الجزيرة منها (آمد).\n٢ - وأخرج البلاذري قال: حدثنا شيبان بن فروخ قال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن السفاح الشيباني: أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين ولحقت طائفة منهم ببعدٍ من الأرض. فقال النعمان بن زرعة أو زرعة بن النعمان: أنشدك الله في بني تغلب فإنهم قوم من العرب نائفون من المجزية، وهم قوم شديدة نكايتهم فلا يُعَنْ عدوك عليك بهم، فأرسل عمر في طلبهم فردّهم وأضعف عليهم الصدقة (فتوح البلدان / ٢٥٠).\nقلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات غير السفاح الشيباني فهو مقبول، والإسناد مرسل.\n٣ - وأخرج البلاذري قال: حدثني عمرو الناقد قال: حدثني أبو معاوية عن الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس قال: صالحَ عمر بن الخطاب بني تغلب بعدما قطعوا الفرات وأرادوا اللحاق بأرض الروم على أن لا يصبغوا صبيًّا ولا يكرهون على دينهم وعلى أن عليهم =","vol":"3","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصدقة مضعفة قال: وكان داود بن كردوس يقول: ليست لهم ذمة؛ لأنهم قد صبغوا في دينهم يعني: العمودية (فتوح البلدان / ٢٥١).\nقلنا: وداود بن كردوس لم يوثقه سوى ابن حبان والله أعلم.\n٤ - وأخرج البلاذري قال: فحدئني الحسين بن الأسود قال: حدثني يحيى بن آدم عن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري قال: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلَّا نصارى تغلب، أو قال: نصارى العرب (فتوح البلدان / ٢٥١).\nوهذا إسناد مرسل ولكن يقويه ما أخرج البلاذري في فتوحه وغيره عن غير الزهري، والله أعلم.\nوذكر البلاذري في أنساب الأشراف (القسم الخامس / ٥٩٥/ ٧٤٧) في ترجمة عياض بن غنم: أسلم قبل الفتح، وشهد الحديبية مع النبي - ﷺ - وولَّاه عمر الجزيرة، وكان أبو عبيدة استخلفه اهـ.\n٥ - وقال الحافظ في الإصابة: أخرج ابن مندة من طريق الزهري عن عروة عن عياض بن غنم: أنه رأى نبطًا يشمَّسون في الجزية فقال لعاملهم: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. وقد قيل في هذا عن عروة عن هشام بن حكيم. ثم قال الحافظ: أورده ابن مندة في ترجمة عياض بن غنم الفهري، أو الأشعري، وعروة لم يدرك الفهري، لكن قد أخرج ابن مندة من طريق عائذ عن جبير بن نفير: أن عياض بن غنم وقع على صاحب داريا حين فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم ... فذكر القصة وفيها: فقال عياض لهشام: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يقل له علانية) - ثم قال الحافظ: وأخرجه الحاكم في المستدرك من هذا الوجه، ووقع عنده عياض بن غنم الأشعري، وأظن الأشعري وهمًا والله أعلم. (الإصابة في تمييز الصحابة / ٤/ ٦٣١ / ت ٦١٥٦).\nقلنا: وحديث ابن مندة أخرجه لمسلم في صحيحه (٤/ ٢٠١٨) وأحمد في مسنده (٣/ ٤٠٤) والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٠٥).\nقلنا: وعند البيهقي (٩/ ٢٠٥) باب النهي عن التشديد في جباية الجزية من طريق الزهري عن عروة: أن هشام بن حكيم ﵁ وجد رجلًا وهو على حمص يشمس ناسًا من القبط ... إلخ. وفي صحيح مسلم (ناسًا من النبط). وقد ذكر خليفة بن خياط فتح الجزيرة في أحداث سنة (١٨ هـ).\nولقد ذكر ابن كثير فتح الجزيرة ضمن سنة (١٧ هـ) وأما شيخه الذهبي فقد ذكر فتح الجزيرة ضمن أحداث سنة (١٨ هـ) فقال: وفي أوائلها وجّه أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة فوافق أبا موسى قد قدم من البصرة فمضيا فافتتحا حرّان ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل: صلحًا (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ١٨٦).","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>خروج عمر بن الخطاب إلى الشام</span>\nوفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- خرج عمر من المدينة يريد الشام حتى بلغ سَرْغ في قول ابن إسحاق، حدثنا بذلك ابن حميد عن سلمة، عنه، وفي قول الواقديّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>ذكر الخبر عن خروجه إليها:</span>\n١٨٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: خرج عُمر إلى الشأم غازيًا في سنة سبع عشرة؛ حتى إذا كان بسرْغ لقيَه أمراء الأجناد، فأخبروه: أنّ الأرض سقيمة، فرجع بالناس إلى المدينة. وقد كان عمر (١). (٤: ٥٧).\n١٩٠ - كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزّهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس: خرج غازيًا، وخرج معه المهاجرون والأنصار. وأوعب الناسُ معه، حتى إذا نزل بسرْغ، لقيَه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرحبيل بن حَسَنة؛ فأخبروه أنّ الأرض سقيمة، فقال عمر: اجمع إليّ المهاجرين الأولين، قال: فجمعتُهم له، فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجتَ لوجهٍ تريد فيه الله وما عنده، ولا نرى أن يصدّك عنه بلاء عرض لك، ومنهم القائل: إنه لبَلاء وفَناء ما نرى أن تقدم عليه؛ فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني، ثم قال: اجمعْ لي مهاجِرة الأنصار، فجمعتُهم له، فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين، فكأنما سمعوا ما قالوا: فقالوا مثله. فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني، ثم قال: اجمعْ لِي مهاجِرة الفَتْح من قريش، فجمعتُهم له، فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان، وقالوا: ارجع بالناس، فإنه بلاء، وفناء. قال: فقال لي عمر: يا بنَ عباس، اصرخْ في الناس فقل: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إني مُصبح على ظَهْر، فأصبِحُوا عليه قال: فأصبح عمر على ظَهْر، وأصبح\n_________\n(١) إسناده ضعيف وله متابع كما سيأتي.","vol":"3","page":242},{"text":"الناس عليه، فلما اجتمعوا عليه قال: أيّها الناس! إني راجع فارجعوا، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قَدر الله! قال: نعم فرارًا مَن قدَر الله إلى قَدَر الله؛ أرأيت لو أن رجلًا هبط واديًا له عُدْوتان: إحداهما خَصبَة والأخرى جَدْبة، أليس يرعى مَنْ رعَى الجدْبة بقَدر الله، ويرعَى مَن رَعى الخِصبة بقَدر الله! ثم قال: لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة! ثم خلا به بناحية دون الناس؛ فبينا الناس على ذلك؛ إذْ أتى عبدُ الرحمن بن عوف - وكان متخلّفًا عن الناس لم يشهدهم بالأمس - فقال: ما شأن الناس؟ فأخبر الخبر، فقال: عندي من هذا علم، فقال عمر: فأنت عندنا الأمين المصدّق، فماذا عندك؟ قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدِموا عليه، وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فِرارًا منه\"؛ ولا يخرجنَّكم إلَّا ذلك، فقال عمر: فللَّهِ الحمد! انصرفوا أيها الناس! فانصرف عنهم (١). (٤: ٥٧/ ٥٨).\n١٩١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهريّ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وسالم بن عبد الله بن عمر: أنهما حدّثاه: أن عمر رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف، فلما رجع عمر، رجع عمّال الأجناد إلى أعمالهم (٢). (٤: ٥٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الرواية الآتية إن شاء الله.\n(٢) إسناده ضعيف والحديث صحيح.\nولقد أخرج البخاري عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام - قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبروهم أن الوباء قد وقع في الشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس أو أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي الأنصار فدعوتهم، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداها خصيبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن =","vol":"3","page":243},{"text":"١٩٢ - واختُلف في خبر طاعون عَمَواس وفي أيّ سنة كان، فقال ابن إسحاق ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه، قال: ثم دخلت سنة ثماني عشرة؛ ففيها كان طاعون عَمَواس، فتفانى فيها الناس، فتوفيَ أبو عبيدة بن الجراح؛ وهو أمير الناس، ومُعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسُهَيل بن عمرو، وعُتْبة بن سهيل، وأشرافُ الناس (١). (٤: ٦٠).\n١٩٣ - وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حُدِّثنا عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعْشر، قال: كان طاعون عَمَواس والجابية في سنة ثمانيَ عشرة (٢) (٤: ٦٠).\n_________\n= رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ! قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه\". قال: فحمد الله عمر ثم انصرف (الفتح ١٠/ ١٨٩).\nوأخرج البخاري من حديث عبد الله بن عامر قال: إن عمر خرج إلى الشام فلما كان بسرغ بلغه: أن الوباء وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه\" (الفتح ١٠/ ١٩٠).\nوالحديث أخرجه مسلم (٤/ ١٧٤١) وفي آخره قال: فسر إذًا! فسار حتى أتى المدينة، وكذلك أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٩٧).\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح كما سنذكر بعد الرواية الآتية.\n(٢) إسناده ضعيف وله ما يشهد له: فقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٦٤) عن عروة بن رويم قال: توفي أبو عبيدة بن الجراح بفحل في الأردن سنة ثماني عشرة وكذلك أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣٦٣) عن يحيى بن بكير وقال الحافظ في الإصابة (٣/ ٤٨٧ / ت ٤٤١٨): اتفقوا على أنه مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة، وأرَّخه بعضهم سنة سبع عشرة وهو شاذ. اهـ.\nوهذه الرواية عند ابن سعد في طبقاته بسند ضعيف (٣/ ٤١٤) فالرواية بمجموع طرقها حسنة - والله تعالى أعلم - وأخرج الحاكم رواية أخرى في موت معاذ بن جبل وفيها ذكر طاعون عمواس فقد أخرج في المستدرك (٣/ ٢٦٩) بإسناد مرسل عن موسى بن عقبة قال: مات سنة ثماني عشرة في طاعون عمواس وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وكذلك أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٣٦) وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٤٦١): =","vol":"3","page":244},{"text":"١٩٤ - حدَّثنا أبنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن شعبة بن الحجاج، عن المخارق بن عبد الله البَجَليّ، عن طارق بن شهاب البَجَليّ، قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدّث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم أن تخفُّوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تَنَزَّهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونَزِهها حتى يُرفع هذا الوباء؛ سأخبركم بما يكرَه مما يتَّقى، من ذلك أن يظن مَنْ خرج أنه لو أقام مات، ويظنّ مَن أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظنّ هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزّه عنه؛ إني كنت مع أبي عبيدة بن الجرَّاح بالشأم عام طاعون عَمَواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ ذلك عمرَ، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أمّا بعد، فإنه قد عرضتْ لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضَعه من يدك حتى تقبل إليّ. قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثمَّ كتب إليه: يا أمير المؤمنين! إني قد عرفت حاجتك إليّ، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضيَ الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فحلِّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين! ودَعْني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكَى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأنْ قدْ. قال: ثم كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلتَ الناس أرضًا غَمِقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نَزِهة. فلما أتاه كتابه دعاني، فقال: يا أبَا موسى! إنّ كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتدْ للناس منزلًا حتى أتبعك بهم، فرجعتُ إلى منزلي لأرتحل، فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه، فقلت له: والله لقد كان في أهلي حَدَث، فقال: لعلَّ صاحبتك أصيبت! قلت: نعم، قال: فأمر ببعيره فرحِّل له، فلما وضع رجلَه في غَززه طُعِن، فقال: والله لقد أصِبْت. ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورُفِع عن الناس الوباء (١). (٤: ٦٠/ ٦١).\n_________\n= والصواب ما قال موسى بن عقبة: أنه مات في طاعون عمواس؛ وهو ابن ثمان وثلاثين والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف ولكن له متابع فقد أخرج الطحاوي كذلك من طريق شعبة بن الحجاج عن =","vol":"3","page":245},{"text":"١٩٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب الأشعريّ، عن رابة - رجل من قومه، وكان قد خلَف على أمه بعد أبيه، كان شهد طاعون عَمَواس - قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبًا، فقال: أيّها الناس! إنّ هذا الوجَع رحمة بكم ودعوة نبيكم محمد - ﷺ -، وموت الصالحين قبلَكم، وإنّ أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظَّه. فطُعِن فمات، واستُخلِف على الناس مُعاذ بن جبَل. قال: فقام خطيبًا بعده، فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجع رحمة رَبكم، ودعوة نبيكم وموْت الصالحين قبلكم، وإن مُعاذًا يسأل الله أن يقسم لآل مُعاذ منه حظهم، فطُعِن ابنه عبد الرحمن بن مُعاذ، فمات. ثمّ قام فدعا به لنفسه، فطعِن في راحته؛ فلقد رأيتُه ينظر إليها ثم يقبِّل ظهرَ كفه، ثم يقول: ما أحبّ أنّ لي بما فيك شيئًا من الدنيا، فلما مات استُخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام خطيبًا في الناس؛ فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجَع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبَّلوا منه في الجبال. فقال أبو وائلة الهُذَليّ: كذبت والله! لقد صحبتُ رسولَ الله - ﷺ - وأنت شرّ من حماري هذا! قال: والله ما أردّ عليك ما تقول، وايمُ الله لا نقيم عليه! ثم خرج وخرج الناس فتفرّقوا، ورفعه الله عنهم. قال:\n_________\n= قيس بن مسلم قال: سمعت طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري وفيه: إني كنت مع أبي عبيدة وأن الطاعون قد وقع بالشام، وأن عمر كتب إليه (إذا أتاك كتابي هذا فإني أعزم عليك، إن أتاك مصبحًا؛ لا تمسِ حتى تركب، وإن أتاك ممسيًا؛ لا تصبح حتى تركب إليّ فقد عرضت لي إليك حاجة لا غنى لي عنك فيها) فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: إن أمير المؤمنين أراد أن يستبقي من ليس بباقي. فكتب إليه أبو عبيدة: (إني في جند من المسلمين إنْ فررت من المناة والسير لن أرغب بنفسي عنهم وقد عرفنا حاجة أمير المؤمنين، فحللني من عزمتك)، فلما جاء عمر الكتاب بكى، فقيل له: توفي أبو عبيدة، قال: لا. وكان قد كتب إليه عمر: (إن الأردن أرض عميقة وإن الجابية أرض نزهة، فانهض بالمسلمين إلى الجابية، فقال لي أبو عبيدة: انطلق فبوّئ المنزلين منزلهم فقلت: لا أستطيع، قال: فذهب ليركب وقال لي رجل من الناس قال: فأخذه آخذة فطعن فمات وانكشف الطاعون - ونسبه ابن حجر إلى الهيثم بن كليب، والطحاوي، والبيهقي، وذكره مختصرًا، وحسّن إسناده (الفتح ١٠/ ١٩٩).","vol":"3","page":246},{"text":"فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص، فوالله ما كرهه (١). (٤: ٦١/ ٦٢).\nوفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- كان خروج عمر إلى الشأم الخرْجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك في قول سيف؛ وأما قول ابن إسحاق فقد مضى ذكره. (٤: ٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>ذكر الخبر عن سيف في ذلد، والخبر عمَّا ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين</span>\n١٩٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والرّبيع، قالوا: وخرج عمر وخلف عليًّا على المدينة، وخرج معه بالصحابة\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأخرج الحاكم في مستدركه (٣/ ٢٧١): حدثنا أبو العباس ثنا بحر بن نصر حدثنا ابن وهب أخبرني عثمان بن عطاء عن أبيه أن معاذ بن جبل ﵁ قام في الجيش الذي كان عليه حين وقع البلاء فقال: يا أيها الناس هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقَبْض الصالحين قبلكم ثم قال معاذ وهو يخطب: اللهم أدخل على آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة. فبينا هو كذلك إذ أتي فقيل: طعن ابنك عبد الرحمن، فلما أن رأى أباه معاذًا قال: يقول عبد الرحمن: يا أبت ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال: يقول معاذ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فمات من الجمعة إلى الجمعة آل معاذ كلهم ثم كان هو آخرهم.\nقلنا: وفي إسناده عثمان بن عطاء عن أبيه قال ابن حبان: في المجروحين (٢/ ١٠٠) أكثر روايته عن أبيه وأبوه لا يجوز الاحتجاج بروايته لما فيها من المقلوبات التي وهم فيها فلست أدري البلية في تلك الأخبار منه أو من ناحية أبيه - وقال أبو نعيم في الضعفاء / ت ١٥٥) عن أبيه أحاديث منكرة - وقال الحافظ في التقريب: عطاء بن عثمان ضعيف اهـ.\nوأخرج الطبراني في المعجم الكبير (ح ٧٢٠٩) و(ح ٧٢١٠) وأحمد في المسند (٤/ ١٩٥) و(٤/ ١٩٦) من حديث شرحبيل بن شعفة وعبد الرحمن بن غنم وكذلك (٤/ ١٩٦) من حديث أبي منيب: أن عمرو بن العاص قال في الطاعون في آخر خطبة خطب الناس فقال: إن هذا رجس، مثل السيل من ينكبه أخطأه، ومثل النار من ينكبها أخطأته ومن أقام أحرقته وآذته، فقال لشرحبيل بن حسنة: إن هذا رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبض الصالحين قبلكم، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣١٢): وأسانيد أحمد حسان صحاح.\nقلنا: وكذلك أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٧٦) من حديث عبد الرحمن بن غنم وفي آخره: (ولكنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم - ﷺ - وفاة الصالحين قبلكم).","vol":"3","page":247},{"text":"وأغذوا السير واتّخذَ أيلة طريقًا؛ حتى إذا دنا منها تنحَّى عن الطريق، واتَّبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رَحْله فرْو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلمّا تلقّاه أوائلُ الناس؛ قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم -يعني نفسه- وذهبوا هم إلى أمامهم، فجازوه حتى انتهى هو إلى أيلَة فنزلها وقيل للمتلقِّين: قد دخل أميرُ المؤمنين أيلة ونزلها. فرجعوا إليه (١). (٤: ٦٣/ ٦٤).\n١٩٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما قدم عمر بن الخطاب أيلة، ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصًا له كرابيس قد انجابَ مؤخّره عن قَعْدته من طول السير إلى الأُسقف، وقال: اغسل هذا وارقعه، فانطلق الأسقف بالقميص، ورقعه، وخاط له آخر مثلَه، فراح به إلى عمر، فقال: ما هذا؟ قال الأسقف: أمّا هذا فقميصك قد غسلتُه ورقعته، وأما هذا فكسوة لك منّي. فنظر إليه عمر ومسحه، ثم لبس قميصه، وردّ عليه ذلك القميص، وقال: هذا أنشفُهما للعرَق (٢). (٤: ٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>ذكر خبر عزل خالد بن الوليد</span>\n١٩٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المستورِد، عن أبيه، عن عديّ بن سهيل، قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولكن أخرج عمرو بن شبة عن أسلم مولى عمر ﵁ يقول: خرجت مع عمر ﵁ وهو يريد الشام حتى إذا دنا أناخ فذهب لحاجة له، قال أسلم: فطرحت فروتين بين شعبتي رَحْلي، فلما فرغ عمر ﵁ عمد إلى بعيري فركبه، وركب أسلم بعير عمر ﵁ فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، قال: فلما دنوا أشرت لهم إلى أمير المؤمنين فجعلوا يتحدثون بينهم فقال لعمر ﵁: أبصارهم إلى من لا خلاق له (كتاب أخبار المدينة / ٦/ ٣ / ٣٩) وصحح الشيخ الدويش إسناده.\n(٢) إسناده ضعيف وله ما يشهد له فقد أخرج عمر بن شبة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزل ﵁ جاءه صاحب الأرض فأعطاه عمر ﵁ قميصه ليغسله ويرفوه، وفي عاتقه خرق؛ فانطلق به فغسله ثم رقعه، وقطع قميصًا جديدًا آخر فأتاه به، وقد أعدَّ قميصه فأعطاه الجديد فرآه عليه وقال إيتني بقميصي فناوله إياه (كتاب أخبار المدينة / ٦/ ٣ / ٤٨) وحسّن الدويش إسناده.","vol":"3","page":248},{"text":"عن سُخْطة ولا خيانة، ولكنّ الناس فتِنوا به، فخفت أن يُوكِّلوا إليه ويبتَلوا به، فأحببت أن يعلموا: أنّ الله هو الصانع، وألَّا يكونوا بعرَض فتنة (١). (٤: ٦٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن معناه صحيح كما بينا سابقًا، وقد تحدثنا عن مسألة عزل خالد مرتين وأوردنا فيها الروايات الصحيحة وبينا الروايات الضعيفة جدًّا والمختلفة، ونضيف هنا ما لم نذكره في الموضعين: فلقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه حديثًا في توجيه عمر إلى الشام (١٣/ ١٥٦٧٩) حدثنا وكيع قال ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه وفي آخر الرواية يقول سيدنا عمر بعد أن جاءه خبر انتصار المسلمين (بقيادة أبي عبيدة) على الروم الذين حاصروا حمصَ [فقال عمر: الله أكبر رب قائل: لو كان خالد بن الوليد] وإسناده صحيح كما سبق.\nوكذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ١٥٦٨٩): حدثنا وكيع قال حدثنا مبارك عن الحسن قال: قال عمر لما بلغه قول خالد بن الوليد: لأنزعن خالدًا ولأنزعن المثنى حتى يعلما أن الله ينصر دينه، ليس إياهما - وإسناده مرسل صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>شبهة أثارها المستشرقون والمتغربون (حول عزل خالد) والرد عليها:</span>\nيقول إبراهيم البيضوني في كتابه (ملامح التيارات الساسية في القرن الأول الهجري / ٤٩) وهو يتحدث عن أسباب عزل خالد من قبل سيدنا عمر ﵄:\n(ولعلّ المتتبع جيدًا لأسلوب عمر في الحكم حيث شخصيته القوية طغت على الدولة بكل مظاهرها، وحيث نزعته الإدارية كانت تعمل في اتجاه تقوية المؤسسة على حساب الزعامات الأرستقراطية والعسكرية، لا بد أن يلحظ مدى حساسية العلاقة بينه وبين الشخصيات القوية، لاسيما المتاح لها فرصًا للبروز والتألق السياسي من خلال الانتصارات الحربية التي تصنعها) وكذلك يقول بيضوني (٥٥) تعليقًا على مسألة عزل عمر لسعد بن أبي وقاص: ولعل هذا التدبير (أي عزل سعد) يأتي ليؤكد مرة أخرى موقف الخليفة عمر من القيادات المهددة أكثر من غيرها لنفوذ القيادة السياسية ولأنه كان يرفض لها المزيد من التألق والشهرة فقد لجا إلى معالجة الأمر بالتغيير، منعًا لتخفيف انتصارات متكررة للقائد الواحد، وغالبًا ما تتبع هذا النهج بعض الدول الحديثة وذلك بتحديد الفترة الزمنية للقائد العسكري خوفًا من اشتهار انتصارائه في مقارعة السلطة السياسية. اهـ.\nقلنا: ولو تأملنا في عبارات البيضوني هذه لوجدنا الدسَّ والافتراء والمغالطة ولكن بأسلوب محنك وخفي - والحمد لله على نعمة الإسناد فيها نردّ هذه الافتراءات وغيرها فالروايات الصحيحة التي ذكرناها في مواضع ثلاثة في تحقيقنا هذا تؤكد أن سيدنا عمر كان يريد أن يزيل من أذهان الناس شبهة تعلّق النصر بشخصية معينة وأن الله هو الناصر الحقيقي سواء كان الفائد خالدًا أم لا - ولم تكن المسألة مسألة تناحر على السلطة كما يتصور البيضوني ويقارن بين الخلافة الراشدة وبعض الدول الحديثة وشتان بين الثرى والثريا.\nوالذي يرجع إلى الأسباب الثلاثة التي ذكرناها مؤيدة بروايات صحيحة يتبيّن له زيف هذا =","vol":"3","page":249},{"text":"١٩٩ - قال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب أمّ كلثوم ابنة عليّ بن أبي طالب، وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، ودخل بها في ذي القعدة (١). (٤: ٦٩).\n_________\n= الادعاء وعظمة التأريخ الإسلامي في عهد الخلافة الراشدة، والعجيب أن المستشرق المشهور (بروكلمان) والذي عُرِفَ بتشويهه للتأريخ الإسلامي وطعونه المختلفة، نقول العجيب أن بروكلمان كان أكثر إنصافًا من إبراهيم البيضوني في مسألة عزل خالد إذ قال: ولأسباب نجهلها انتقلت القيادة العليا من خالد إلى أبي عبيدة - (تأريخ الشعوب الإسلامية / ٩٥).\nقلنا: وإذا كان بروكلمان يجهل هذه الأسباب والبيضوني يختلقها فإن أئمة الإسناد علَّمونا كيف نجد الروايات الصحيحة فلا نجهلها ولا نخلطها بالروايات المغلوطة والحمد لله على نعمة الإسناد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه</span>\nذكرنا روايات الطبري في هذا الباب في قسم الضعيف وهي من طريق الواقدي وهو متروك - ولم نجد ما يؤيد تفاصيل مروياته في هذا الباب - أما أصل المسألة؛ أي: توسعة المسجد الحرام فقد أخرج البخاري عن عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي يزيد قالا: لم يكن على عهد النبي - ﷺ - حول البيت حائط، كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر فبنى حوله حائطًا.\nقال الحافظ: هذا مرسل معضل منقطع لأن عمرو بن دينار وعبد الله من أصلح التابعين. وأما قوله: حتى كان عمر، فمنقطع فإنهما لم يدركا عمر أيضًا، وقوله:\nجنباه الزبير هذا القدر هو الموصول من الحديث (الفتح ٨/ ٨١).\nوأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٤٧) عن عطاء: كان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن آخره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه الآن وأخرجه. وقال الحافظ: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد (الفتح ٨/ ١٩) والله أعلم.\n(١) ذكر الطبري قصة زواج عمر بن الخطاب وأم كلثوم بلا إسناد. ولقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ١٤٢): عن علي بن الحسين أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب إلى علي ﵁ أم كلثوم فقال: أنكحنيها فقال علي: إني أرصدها لابن أخي عبد الله بن جعفر فقال عمر: أنكحنيها فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده فأنكحه علي فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلَّا ما كان من سببي ونسبي\" فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله - ﷺ - نسب.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يوافقه الذهبي في المستدرك إذ قال: منقطع.\nقلنا: وله شواهد فالحديث أخرجه أحمد (٤/ ٣٢٢) من طريق جعفر بن محمد الصادق عن =","vol":"3","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبيد الله بن أبي رافع عن ابن عمر بإسناد حسن صحيح، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٤٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا ورجاله ثقات وفي إسناده موسى بن عبد العزيز العدني ضعفه ابن المديني وقال ابن معين: ليس به بأس، وكذا النسائي وبقية رجاله ثقات.\nوكذلك أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٣٧) وفي الأوسط (كما عزاه إليه الهيثمي في المجمع) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجالهما رجال الصحيح غير الحسن بن سهل وهو ثقة (مجمع الزوائد ٩/ ١٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى</span>\nلقد ذكرنا روايات الطبري في هذه المسألة في قسم الضعيف لأنها احتوت على زيادات على أصل القصة وهي زيادات منكرة، أما هنا فإنا نذكر أصل القصة وهي ثابتة ومشهورة كما قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء ٣/ ٦) قصة عمر مشهورة في جلده أبا بكرة وشبلًا ونافعًا، وخلاصة القصة: أن هؤلاء اشتبهوا في أمرهم وشبّه لهم زوجة المغيرة بن شعبة فظنوا أنها أم جميل، وأن المغيرة يواقعها في الحرام، ولكن حقيقة الأمر أن المغيرة كان مع زوجته وأن هؤلاء اتهموه ظلمًا وبهتانًا ثم أقروا بذلك ورجعوا عن اتهامهم وكذبتهم، فجلدهم عمر ﵁ بعد أن ثبت بطلان الإسهام وتبيّنت براءة المغيرة بن شعبة ﵁ - وإليك ما ورد في هذه المسألة:\n١ - أخرج البخاري في صحيحه تعليقًا (٥/ ١٨٧) قال: وجلد عمر أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعًا بقذف المغيرة ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. اهـ.\n٢ - وهذا الخبر وصله الإمام الشافعي ﵀ في الأم (١٣/ ٥١٢ / ح ٢٧٣٥٣ - طبعة دار قتيبة) أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق: أن شهادة القاذف لا تجوز فأشهد لأخْبَرَني - ثم سمى الذي أخبره - أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لأبي: تُب تُقبل شهادتك أو: إن تبت قبلت شهادتك. قال سفيان: شككت بعدما سمعت الزهري يسمّي الرجل، فسألت فقال لي: عمر بن قيس، أو هو سعيد بن المسيب فقيل لسفيان: شككت في خبره؟ فقال: لا، هو سعيد إن شاء الله تعالى.\n٣ - وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة بالزنى، ونكل زياد فحدّ عمر الثلاثة (٧ / ح ٣٥٦٤). وأخرجه كذلك عن ابن أبي عثمان النهدي بلفظ مغاير وبنفس المعنى (٧ / ح ١٣٥٦٦) وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي السابق (السنن الكبرى ١٠/ ١٥٢) والطبراني في المعجم الكبير كذلك عن أبي عثمان النهدي (٧ / ح ٧٢٢٧) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢٨٠) وقال الحافظ في الفتح بعد أن ذكر وصل الشافعي للرواية في الأم ورواية الطبري في تفسيره وعمر بن شبة في أخبار البصرة والطبراني في ترجمة هشبل بن معبد والبيهقي في رواية أبي عثمان النهدي أنه شاهد ذلك عند عمر ثم قال الحافظ: وإسناده =","vol":"3","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صحيح (فتح الباري ٥/ ٢٥٦) والله تعالى أعلم،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتيري</span>\nلقد ذكرنا روايات الطبري في فتح هذه الأماكن في قسم الضعيف لأنها من طريق شعيب عن سيف ولم نجد ما يؤيدها، وسنذكر هنا ما ورد في فتح هذه الأماكن:\n١ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٧٠) حدثنا ريحان بن سعيد قال: حدثني مرزوق بن عمرو قال: حدثني أبو فرقد قال: كنا مع أبي موسى يوم فتحنا سوق الأهواز ... إلخ.\nقلنا: وفي إسناده ريحان بن سعيد قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ وشيخه مرزوق بن عمرو لم يوثقه سوى ابن حبان والله تعالى أعلم.\n٢ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٧٢) حدثنا عفان قال حدثنا شعبة قال حدثنا أبو إسحاق عن المهلب قال: أغرنا على مناذر وأصبنا منهم، وكأنه كان لهم عهد، فكتب عمر: ردوا ما أصبتم منهم. قال: فردوا حتى ردوا النساء الحبالى وأخرجه البلاذري (فتوح البلدان / ٥٣٣) وكذلك أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١٣٩ / ح ٣٠٧٧) ولفظه (حاصرنا) وقال محققه فضيلة الشيخ هرّاس: وفيه نظر لأن فتح مناذر كان سنة ١٧ والمهلب مات سنة ٨٣ أو ٨٢ عن ٧٦ سنة فكأته ولد سنة ٦ أو ٧ يعني أنه كان عند فتح مناذر لا يتجاوز العاشرة فيبعد أن يكون قد شهد هذا الحصار. أو لعله أراد بقوله (حاصرنا) أن المسلمين حاصروها ويكون الحديث مرسلًا. قلنا: ولفظة ابن أبي شيبة (أغرنا) تجعل هذا الاحتمال بعيدًا وأما مسألة تحديد عمره بـ (٧٦) سنة فليست مؤكدة، بل ذكرها الحافظ المزي بقوله (وقال غيره) فلا نعرف نسبة مولده بالتحديد والإسناد صحيح والله أعلم.\nويجعل هذا الاحتمال بعيدًا أكثر روايةُ ابن أبي شيبة التالية:\n٣ - أخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٧٧): حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حاصرنا مدينة الأهواز فافتتحناها وقد كان ذكر صلح، فأصبنا نساء فوقعنا عليهن، فبلغ ذلك عمر فكتب إلينا (خذوا أولادهم وردوا إليهم نساءهم، وقد كان صالح بعضهم) وإسناه صحيح.\n٤ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٧٩) حدثنا عفان قال حدثنا جعفر بن كيسان قال سمعت شويسًا العدوي يقول: غزوت ميسان فسبيت جارية نكحتها حتى جاء كتاب من عمر؛ ردوا ما في أيديكم من سبي ميسان، فرددت، فلا أدري على أي حال رددت؟ حامل أو غير حامل حتى يكون أعمر بقراهم وأوفر لخراجهم. والحديث أخرجه كذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال (١٣٩ / ح ٣٧٨) وإسناده صحيح.\n٥ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني الوليد بن صالح قال: حدثني مرحوم العطار عن أبيه عن شويس العدوي قال: أتينا الأهواز وبها ناس من الزنط والأساورة فقاتلناهم قتالًا شديدًا =","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>ذكر فتح رامهرمز وتستر</span>\n١٩٩ / أ - وفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة - كان فتح رَامُهْرمُز والسّوس وتُسْتَر. وفيها أسر الهُرْمزان في رواية سيف (١). (٤: ٨٣).\n_________\n= فظهرنا عليهم وظفرنا بهم فأصبنا سبيًا كثيرًا اقتسمناهم، فكتب إلينا عمر أنه لا طاقة لكم بعمارة الأرض فخلّوا ما في أيديكم من السبي واجعلوا عليهم الخراج، فرددنا السبي ولم نملكهم (فتوح البلدان / ٥٣١).\nقلنا: ورجاله ثقات غير عبد العزيز العطار فلم يوثقه أحد، وقال الحافظ في التقريب: مقبول، فعارضه المحققان قائلين:\nبل مجهول الحال وهو كما قالا والله أعلم. والحديث كذلك أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٧١) وفيه سديس العدوي وهو تصحيف والله تعالى أعلم.\n٦ - وأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا أبو عاصم قال لنا عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: ردّ عمر الأهواز إلى الجزية بعدما قسموا بين المسلمين وغشي نساؤهم، ثم صالح السبان وأهل نهر تيري أبو موسى ثم سار إلى مناذر فحصر أهلها ثم انصرف عنها، واستخلف الربيع بن زياد الحارثي فافتتحها عنوة فقتل وسبى وقتل بها من المسلمين المهاجر بن زياد الحارثي (تأريخ خليفة / ١٣٦) وإسناده مرسل صحيح.\n٧ - ولقد ذكر خليفة بن خياط فتح نهر تيري ودست ميسان بالعراق ضمن أحداث سنة (١٥ هـ) وذكر فيها روايتين مسندتين.\nالأولى قال فيها: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده أن المغيرة بن شعبة صالحهم على ألف ألف درهم ومئة ألف درهم ثم كفروا فافتتحها أبو موسى بعده (تأريخ خليفة / ١٣١) وهذا إسناد مرسل صحيح.\nوالرواية الثانية وفيها: وحدثني علي بن محمد عن النضر بن إسحاق عن قتادة أن المغيرة بن شعبة افتتح نهر تيري عنوة وجد بها جدَّ النوشجان وهو يومئذ صاحبها (تأريخ خليفة / ١٣١).\nقلنا: وهذان إسنادان يتقويان ببعضهما وبما ذكرنا سابقًا، وأما فتح الأهواز فقد ذكرنا لخليفة رواية واحدة كما سبق وذكر خليفة عدة روايات منقطعة تؤكد أكثرها أن أبا موسى الأشعري هو الذي فتح الأهواز وذكر تلك الروايات ضمن أحداث سنة (١٧ هـ) والله تعالى أعلم.\n(١) أخرج الطبري ثلاث روايات في فتح تستر ذكرناها جميعًا في قسم الضعيف؟ ففي متن بعضها نكارة شديدة ومخالفة لما في الروايات الصحيحة التي سنذكرها هنا، فروايتا الطبري (٥١٧/ ٥١٨) تذكر أن الهرمزان أسلم خوفًا ولكن الروايات الصحيحة السند عند ابن أبي شيبة وغيره تبيّن أن الهرمزان أسلم طوعًا بعد أن أعطاه عمر ﵁ الأمان وتركه. وكذلك ورد في الرواية (٥١٧) أن عمرًا ﵁ قال عن أسباب انتصار الفرس على =","vol":"3","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العرب قبل الإسلام: (إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا) وليس الأمر كذلك ولم يثبت قول عمر هذا برواية صحيحة وكيف يعرف الهرمزان وهو فارسي بسبب انتصار المسلمين؟ ! ويرجع ذلك النصر إلى معونة الله وتأييده للمسلمين وينكره عمر، لا شك أن هذا التقول على سيدنا عمر من قبل الراوي شعيب (راوية سيف) وهو معروف بتحامله على الصحابة كما مضى - والحمد لله على نعمة الإسناد - وذكر الطبري قبل هذه الروايات بقليل رواية أخرى ونعني (٤/ ٧٧ / ٥١٥) أي: أنه ذكر فتح تستر مرتين، وسنتطرق إلى ذلك في نهاية الشواهد.\n١ - أخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٦١): حدثنا مروان بن معاوية عن حميد عن أنس قال: حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فبعث به أبو موسى معي، فلما قدمنا على عمر سكت الهرمزان ولم يتكلم، فقال له عمر: تكلم، فقال: أكلام حي أم كلام ميت؟ قال: تكلم فلا بأس! قال: إنا وإياكم معشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم فإنا كنا نقتلكم ونقصيكم، ولما أن كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان، فقال عمر: ما تقول يا أنس؟ ! قلت: يا أمير المؤمنين! تركت خلفي شوكة شديدة وعددٌ كثيرٌ، إن قتلته أيس القوم من الحياة، وكان أشد لشوكتهم، وإن استحييته طمع القوم، قال: يا أنس! أستحيي قاتل البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور؟ ! فلما خشيت أن يبسط عليه قلت: ليس إلى قتله سبيل. فقال عمر: لم؟ أعطاك؟ أصبت منه؟ قلت: ما فعلت، ولكنك قلت له؟ (تكلم فلا بأس) قال: لتجيئن بمن يشهد أو لأبدأن بعقوبتك (قال) فخرجت من عنده فإذا أنا بالزبير قد حفظ ما حفظت، فشهد عنده، فتركه وأسلم الهرمزان، وفرض له - وإسناده صحيح.\n٢ - وأخرج الحافظ ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٦٠) حدثنا قراد أبو نوح قال: حدثنا عثمان بن معاوية القرشي عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: لما نزل أبو موسى بالناس على الهرمزان ومن معه بتستر قال: أقاموا سنة أو نحوها لا يخلصون إليه، قال: وقد كان الهرمزان قتل رجلًا من دهاقنتهم وعظمائهم، فانطلق أخوه حتى أتى أبا موسى فقال: ما يجعل لي إن دللتك على المدخل، قال: سلني ما شئت قال: أسألك أن تحقن دمي ودماء أهل بيتي وتخلي بيننا وبين ما في أيدينا من أموالنا ومساكننا، قال: فذاك لك، قال: ابغني إنسانًا سابحًا ذا عقل ولب يأتيك بأمر بين، قال: فأرسل أبو موسى إلى مجزأة بن ثور السدوسي فقال له: ابغني رجلًا من قومك سابحًا ذا عقل ولب، وليس بذاك في خطره، فإن أصيب كان مصابه على المسلمين يسيرًا، وإن سلم جاءنا بسلب، فإني لا أدري ما جاء به هذا الدهقان ولا آمن له ولا أثق به، قال: فقال مجزأة: قد وجدت، قال: من هو؟ فائتِ به، قال: أنا هو، قال أبو موسى: يرحمك الله ما هذا أردت، فابغني رجلًا، قال: فقال مجزأة بن ثور: والله لا أعمد إلى عجوز من بكر بن وائل تداين أم مجزأة بابنها، قال: أما إذا أبيت فسر، فلبس الثوب الأبيض وأخذ منديلًا وأخذ معه خبزًا، ثم انطلق إلى الدهقان حتى =","vol":"3","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سنح، فأجاز المدينة فأدخله من مدخل الماء حيث يدخل على أهل المدينة، قال: فأدخله في مدخل شديد يضيق به أحيانا حتى ينبطح على بطنه، ويتسع أحيانًا فيمشي قائمًا، ويحبو في بعض ذلك حتى دخل المدينة، وقد أمر أبو موسى أن يحفظ طريق باب المدينة طريق السوق ومنزل الهرمزان، فانطلق به الدهقان حتى أراد طريق السور وطريق الباب، ثم انطلق به إلى منزل الهرمزان، وقد كان أبو موسى أوصاه أن لا تسبقني بأمر، فلما رأى الهرمزان قاعدًا وحوله دهاقنته وهو يشرب فقال للدهقان: هذا الهرمزان؟ قال: نعم. قال: هذا الذي لقي المسلمون منه ما لقوا، أما والله لأريحنهم منه قال: فقال له الدهقان: لا تفعل فإنهم يحرزون ويحولون بينك وبين دخول هذا المدخل، فأبى مجزأة إلَّا أن يمضي على رأيه على قتل العلج، فأداره الدهقان وطلب أن يكف عن قتله، فأبى، فذكر الدهقان قول أبي موسى: (اتق أن لا تسبقني بأمر) فقال: أليس قد أمرك صاحبك أن لا تسبقه بأمر، فقال: ها أنا والله لأريحنهم منه، فرجع مع الدهقان إلى منزله فأقام يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى أبي موسى فندب أبو موسى الناس معه، فانتدب ثلاثمئة ونيف، فأمرهم أن يلبس الرجل ثوبين لا يزيد عليه، وسيفه، ففعل القوم. قال: فقعدوا على شاطئ النهر ينتظرون مجزأة أن يأتيهم وهو عند أبي موسى يوصيه، ويأمره، قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: ليس لهم هم غيره - يشير إلى الموت، لأنظرن إلى ما يصنع، والمائدة موضوعة بين يدي أبي موسى، قال فكأنه استحيى ألا يتناول من المائدة شيئًا، قال: فتناول حبة من عنب فلاكها فما قدر على أن يسيغها وأخذها رويدًا فنبذها تحت الخوان، وودعه أبو موسى وأوصاه فقال مجزأة لأبي موسى: إني أسألك شيئًا فأعطنيه، قال: لا تسألني شيئًا إلَّا أعطيتكه، قال: فأعطني سيفك أتقلده إلى سيفي، فدعا له بسيفه فأعطاه إياه، فذهب إلى القوم وهم ينظرونه حتى كان في وسطه منهم فكبر ووقع في الماء ووقع القوم جميعًا، قال: يقول عبد الرحمن بن أبي بكرة كأنهم البط فسبحوا حتى جاوزوا، ثم انطلق بهم إلى الثقب الذي يدخل الماء منه فكبر، ثم دخل فلما أفضى إلى المدينة فنظر لم يقم معه إلَّا خمسة وثلاثون أو ستة وثلاثون رجلًا، فقال لأصحابه: ألا أعود إليهم فأدخلهم، فقال رجل من أهل الكوفة يقال له الجبان لشجاعته: غيرك فليقل هذا يا مجزأة! إنما عليك نفسك فامض لما أمرت به، فقال له: أصبت فمضى بطائفة منهم إلى الباب فوضعهم عليه ومضى بطائفة إلى السور فانحدر عليه علج من الأساورة معه، فنزل، فطعن مجزأة فأثبته، فقال مجزأة: امضوا لأمركم، لا يشغلنكم عني شيء فألقوا عليه برذعة ليعرفوا مكانه ومضوا وكبر المسلمون على السور وعلى باب المدينة وفتحوا الباب وأقبل المسلمون على عادتهم حتى دخلوا المدينة، قال قيل للهرمزان: هذه العرب قد دخلوا. قال: لا شك أنهم قد رحسوها، قال: من أين دخلوا؟ أمن السماء، قال: وتحصن في قصبة له، وأقبل أبو موسى يركض على فرس له عربي حتى دخل على أنس بن مالك وهو على الناس قال: لكن نحن يا أبا حمزة =","vol":"3","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لم نصنع اليوم شيئًا، وقد قتلوا من القوم من قتلوا، وأسروا من أسروا، وأطافوا بالهرمزان لقصبته إليه حتى أمنوه، ونزل على حكم عمر بن الخطاب أمير المؤمنين قال فبعث بهم أبو موسى مع أنس الهرمزان وأصحابه، فانطلقوا بهم حتى قدموا على عمر، قال فأرسل إليه أنس: ما ترى في هؤلاء؟ أدخلهم عراة مكتفين، أو آمرهم فيأخذون حليهم وبرمتهم قال: فأرسل إليه عمر، لو أدخلتهم كما تقول عراة مكتفين لم يزيدوا على أن يكونوا أعلاجًا، ولكن أدخلهم عليهم حليهم وبرمتهم حتى يعلم المسلمون ما أفاء الله عليهم، فأمرهم فأخذوا برمتهم وحليهم ودخلوا على عمر، فقال الهرمزان لعمر: يا أمير المؤمنين قد علمت كيف كنا وكنتم إذ كنا على ضلالة جميعًا كانت القبيلة من قبائل العرب ترمي نشابة بعض أساورتنا فيهربون أرض البعيدة، فلما هداكم الله فكان معكم لم نستطع أن نقاتله، فرجع بهم أنس، فلما أمسى عمر أرسل إلى أنس أن اغْدُ علي بأسراك اضرب أعناقهم فأتاه أنس فقال: والله يا عمر ما ذلك لك، قال: ولم؟ قال: إنك قد قلت للرجل: تكلم فلا بأس عليك، قال: لتأتيني على هذا ببرهان أو لأسوأنك قال: فسأل أنس القوم جلساء عمر فقال: أما قال عمر للرجل (تكلم فلا بأس عليك) قالوا: بلى، فكبر ذلك على عمر، قال: أما رفع عمر يديه - فأخرجهم عني فسيرهم إلى قرية قال له (دهلك) في البحر، فلما توجهوا بهم رفع عمر يديه فقال: اللهم اكسرها بهم، ثلاثًا، فركبوا السفينة فاندقت بهم وانكسرت وكانت قريبة من الأرض فخرجوا، فقال رجل من المسلمين: لو دعا أن يغرقهم لغرقوا، ولكن إنما قال: (اكسرها بهم) قال: فأقرهم.\n٣ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٣): حدثنا يحيى بن سعيد عن حبيب بن شهاب قال حدثني أبي قال: كنت أول من أوقد في باب تستر ورمى الأشعري فصرع، فلما فتحوها وأخذوا السبي أمرني على عشرة من قومي ونفلني برجل سوى سهمي وسهم فرسي قبل الغنيمة.\n٤ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٦٤): حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن مهزاهم عن خالد بن سيحان قال: شهدت تستر مع أبي موسى أربع أو خمس نسوة، فكت يستقين الماء ويداوين الجرحى فأسهم لهن أبو موسى.\n٥ - وأخرج (١٣ / ح ١٥٦٦٩): حدثنا عفان قال: حدثنا همام عن قتادة عن أنس أنه قال: شهدت فتح تستر مع الأشعري، قال: فلم أصلّ صلاة الصبح حتى انتصف النهار وما سرني بتلك الصلاة الدنيا جميعًا، وأخرجه ابن خياط حدثنا ابن زريع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: ... الخبر. وإسناده صحيح. (تأريخ خليفة ١٤٦).\n٦ - وأخرج خليفة بن خياط في تأريخه قال: وحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده قال: لما افتتح أبو موسى عامة رامهرمز ثم سار أبو موسى إلى تُستر فأقام عليها - وهذا إسناد مرسل صحيح - (تأريخ خليفة / ١٤٠). =","vol":"3","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٧ - وأخرج خليفة بن خياط قال: وحدثني علي عن قراد عن عثمان بن معاوية عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: أطافوا بالهرمزان فلم يخلصوا إليه حتى أمنوه، ونزل على حكم عمر، فبعث به أبو موسى وأصحابه إلى عمر (تأريخ خليفة / ١٤٧).\n٨ - وأخرج البيهقي في سننه الكبرى (٩/ ٩٦) وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢٥٢) عن أنس قال: بعث معي أبو موسى بالهرمزان إلى عمر، فجعل عمر يكلمه فلا يتكلم، فقال له: تكلم، قال: أكلام حي أم كلام ميت؟ قال: تكلم لا بأس عليك (فذكر القصة ....). فأراد قتله فقلت: لا سبيل إلى ذلك! قد قلت له تكلم لا بأس، فقال: من يشهد لك؟ فشهد لي الزبير بمثل ذلك فتركه فأسلم، وفرض له العطاء.\n٩ - وأخرج البخاري (معلقًا) قال أنس: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر -واشتد اشتعال القتال- فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلّا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، وقال أنس: ما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما عليها (الفتح ٢/ ٥٠٣) ولقد سبق أن بينا من أوصل هذه الرواية بسند صحيح.\n١٠ - ونسب الحافظ ابن حجر إلى عمر بن شبة في كتابه أخبار البصرة عن قتادة قال: حدثني أنس بن مالك أنهم فتحوا تستر وهو يومئذ على مقدمة الناس وعبد الله بن قيس -يعني: أبا موسى الأشعري- أميرهم (فتح الباري ٢/ ٥٠٤).\n١١ - وأخرج البلاذري قال: حدثنا أبو عبيدة قال: حدثنا مروان بن معاوية عن حُميد عن أنس قال: حاصرنا تُستر فنزل الهرمزان فكنت الذي أتيت به إلى عمر بعث أبي موسى فقال له عمر: تكلم، فقال: أكلام حي أم كلام ميت؟ فقال: لا بأس. فقال الهرمزان: كنا معشر العجم ما خلّى الله بيننا وبينكم نقضيكم ونقتلكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان. فقال عمر: ما تقول يا أنس؟ قلت: تركت خلفي شوكة شديدة وعدوًا كلبًا فإن قتلته؛ يئس القوم من القوم فكان أشد لشوكتهم، وإن استحييته طمع القوم في الحياة. فقال عمر: يا أنس سبحان الله قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور السَّدوسي. قلت: فليس لك إلى قتله سبيل، قال: ولِمَ؟ أعطاك، أصبت منه؟ قلت: لا ولكنك قلت لا بأس، فقال: متى؟ لتجيئن معك بمن شهد وإلّا بدأت بعقوبتك، قال: فخرجت من عنده فإذا الزبير بن العوام قد حفظ الذي حفظت فشهد لي فخلّى سبيل الهرمزان فأسلم، وفرض له عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>مسألة ذكر الطبري لفتح تستر مرتين</span>\nتبين لنا فيما سبق أن الطبري ذكر فتح تستر مرتين ضمن أحداث سنة (١٧ هـ) ولو رجعنا إلى بعض المصادر التأريخية الموثوقة لوجدنا أن بعض المؤرخين يؤكد أن المسلمين فتحوا تسترًا ثم غدر أهلها بعهدهم ففتحها المسلمون مرة أخرى:\nفقد أخرج البلاذري قال: وحدثني إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء الخراساني قال: كفيتك أن تستر كانت صلحًا فكفرت، فسار إليها =","vol":"3","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المهاجرون، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذراري، فلم يزالوا في أيدي سادتهم حتى كتب عمر: خلّوا ما في أيديكم، قال: وسار أبو موسى إلى جند يسابور. الخبر (فتوح البلدان / ٥٣٧).\nوأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٧٤): حدثنا عفان قال ثنا أبو عوانة قال حدثنا المغيرة عن سماك بن سلمة أن المسلمين لما فتحوا تستر وضعوا بها وضائع المسلمين وتقدموا لقتال عدوهم، قال: فغدر بهم دهقان تستر فأحمى لهم تنورًا وعرض لهم لحم الخنزير، والحمير، أو التنور، قال: فمنهم من أكل فترك قال فعرض على نهيب بن الحارث الضبي فأبى فوضع في التنور، قال: ثم إن المسلمين رجعوا فحاصروا أهل المدينة حتى صالحوا الدهقان، فقال ابن أخ لنهيب لعمه: يا عماه! هذا قاتل نهيب، قال: يا بن أخي! إن له ذمة، قال سماك: بلغني أن عمر بلغه ذلك فقال يرحمه الله وما عليه لو كان أكل.\nقلنا: وإسناد البلاذري (مرسل) وكذلك إسناد ابن أبي شيبة وقد ذكرناها في قسم الصحيح لأنها مراسيل متعددة المخارج وتفيد كلتاهما أن تستر فتحت ثم غدر أهلها، ثم فتحت، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>ذكر فتح السويس</span>\nقال الطبري: اختلف أهل السير في أمرها، ثم ذكر الطبري ثلاث روايات تأريخية في فتح السويس الأولى (٤/ ٨٩ / ٥٢٠) ضعيفة الإسناد جدًّا ولكن صح ما ورد فيها من أن أبا موسى صالح أهل السويس بعد حصارها ولكن في الرواية هذه أمورًا لا تتعلق بتفاصيل المعارك وإنما بشروط سياه (القائد الفارسي الذي أسلم) والمكاتبة التي جرت بين أبي موسى وسيدنا عمر (﵄) في شأن تلك الشروط ولم نجد رواية صحيحة تؤيد ذلك فذكرناها في قسم الضعيف.\nأما الرواية الثانية (٤/ ٩١ / ٥٢١) فإسنادها ضعيف وفي متنها غرابة ولم نجد في الروايات الصحيحة تأييدًا لها.\nأما الرواية الثالثة (٤/ ٩٢ / ٥٢٢) فإسنادها ضعيف جدًّا وفيها تفاصيل عن حياة دانيال لم نجدها في الروايات الصحيحة، ولكن عثور الجيش الفاتح على جثة دانيال فقد أخرجها ابن أبي شيبة (بدون هذه التفاصيل) كما سنذكر بعد قليل.\n١ - فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٦٧): حدثنا مروان بن معاوية عن حميد بن حبيب أبي يحيى أن خالد بن زيد وكانت عينه أصيبت بالسوس: قال: حاصرنا مدينتها فلقينا (حميدًا) وأمير الجيش أبا موسى، وأخذ الدهقان عهده وعهد من معه، فقال أبو موسى: اعزلهم فعزلهم وجعل أبو موسى يقول لأصحابه: إني لأرجو أن يخدعه الله عن نفسه، فعزلهم وأبقى عدو الله، فأمر به أبو موسى فنادى وبذل له مالًا كثيرًا، فأبى وضرب عنقه.","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>ذكر مصالحة المسلمين أهل جندي سابور</span>\n١٩٩ / ب- وحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- عمر بن الخطاب؛ وكان عامله على مكة عتّاب بن أسِيد، وعلى اليمن يعلَى بن أميّة، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حذيفة بن مِحْصَن، وعلى الشام مَنْ قد ذكرت أسماءهم قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقّاص، وعلى قضائها أبو قُرّة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعريّ- وقد ذكرت فيما مضى الوقتَ الذي عزل فيه عنها، والوقت الذي ردّ فيه إليها أميرًا، وعلى القضاء -فيما قيل- أبو مريم الحنفيّ، وقد ذكرت مَنْ كان على الجزيرة والموصل قبلُ. (٤: ٩٤/ ٩٥).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-395> ثم دخلت سنة ثماني عشرة- ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثَماني عشرة</span>\n١٩٩ / جـ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني: سنة ثماني عشرة- أصابت الناسَ مجاعةٌ شديدة ولَزْبة، وجُدوب وقحوط؛ وذلك هو العام الذي يسمَّى عام الرّمَادة. (٩٦: ٤).\n_________\n= قلنا: وفي رواية ابن أبي شيبة هذه تصحيف كما تبين من مراجعة الرواية عند البلاذري إذ قال: حدثني أبو عبيد القاسم بن سلّام قال: حدثنا مروان بن معاوية عن حميد الطويل عن حبيب عن خالد بن زيد المزني، وكانت عينه أصيبت بالسوس، قال: حاصرنا مدينتها وأميرنا أبو موسى فلقينا جهدًا ثم صالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة. الخبر (فتوح البلدان / ٥٣٣) وبهذا يتبين لنا: أن لفظه (فلقينا حميدًا) في رواية ابن أبي شيبة تصحيف الصواب (فلقينا جهدًا)، والله أعلم.\n٢ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٦٥): حدثنا عفان قال: حدثنا همام عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن مطرف بن مالك: أنه قال: شهدت فتح تستر مع الأشعري، قال: فأصبنا دانيال بالسوس وكذلك أخرج ابن أبي شيبة الرواية الأولى (١٣ / ح ١٥٦٦٧) من طريق آخر فقال (١٣ / ح ١٥٦٦٨): حدثنا أبو خالد عن حميد عن حبيب أبي يحيى عن خالد بن زيد عن أبي موسى بنحوه:\nأما خليفة بن خياط فقد ذكر فتح السوس ضمن أحداث سنة (١٨ هـ) فقال: وفيها افتتح جُند يسابور والسوس صلحًا صالحهم أبو موسى ثم رجع إلى الأهواز (تأريخ خليفة / ١٤٠).","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>ذكر القحط وعام الرمادة</span>\n١٩٩ / د- حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: دخل سنة ثماني عشرة، وفيها كان عام الرّمادة وطاعون عَمَواس، فتفانَى فيها الناس (١). (٤: ٩٦).\n٢٠٠ - وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حُدّثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت الرّمادة سنة ثماني عشرة، قال: وكان في ذلك العام طاعون عَمَواس (٢). (٤: ٩٦).\n٢٠١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان يزيد بن أسيد الغَسّانيّ، وأبي حارثة مُحْرِز العَبْشميّ بإسنادهم، ومحمد بن عبد الله عن كُريب، قالوا: أصابت الناس في إمارة عمر - ﵁ - سَنَةٌ بالمدينة وما حولها، فكانت تَسْفي إذا رِيحَت ترابًا كالرماد، فسمّيَ ذلك العامُ عامَ الرّمادة، فآلى عمر ألّا يذوقَ سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس من أوّل الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناسُ من أوّل الحيا، فقدمت السوقَ عُكّة من سمن ووطْب من لبن؛ فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قد أبرَّ الله يمينك، وعظّم أجرك، قدم السوق وطْب من لبن وعُكة من سمن، فابتعتها بأربعين، فقال عمر: أغليتَ بهما، فتصدّقْ بهما، فإنّي أكره أن آكل إسرافًا، وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعيّة؛ إذا لم يمسَسْنِي ما مسّهم! (٣) (٤: ٩٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح في أحداث سنة (١٧ هـ) عند الحديث عن طاعون عمواس.\n(٢) إسناده ضعيف ويتقوى بما قبله وما قد ذكرناه في قسم الصحيح (أحداث سنة ١٧ هـ) والله أعلم.\n(٣) إسناده ضعيف ولكن قصة عام الرمادة والقحط الذي أصاب المسلمين بالمدينة زمن عمر بن الخطاب - ﵁ - في الصحيح كما هو معلوم:\n١ - فقد أخرج البخاري عن أبي الأسود قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر - ﵁ - فمرت جنازة ... الحديث (فتح الباري ٥/ ٢٩٩). =","vol":"3","page":260},{"text":"قال أبو جعفر. وقال بعضهم: وفي هذه السنة استقضى عمر شُرَيح بن الحارث الكِنديّ على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن سُور الأزديّ.\nقال: وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب - ﵁ -.\nوكانت وُلاته في هذه السنة على الأمصار الوُلاةَ الذين كانوا عليها في سنة سبع عشرة (١) (٤: ١٠١).\n_________\n= وأخرج البخاري أيضًا في صحيحه عن أنس - ﵁ - أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. (فتح الباري ٣/ ٥٧٤).\nوكذلك نسب الحافظ في الفتح (٢: ٥٧٧) إلى الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع ذلك فأخرج (أي الزبير) بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: (اللهم إنه لم ينزل بلاء إلّا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك بمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس) اهـ.\n٢ - وأخرج ابن شبة في كتاب (أخبار المدينة المنورة ٦/ ٢ / ٣٠٥): عن عبد الله بن عمر: أن عمر - ﵁ - قام عام الرمادة وكانت سنة شديدة فقال بعدما أجهد في إمداد العرب بالإبل بالقمح والزيت من الأرياف كلها بلحت الأرياف مما جهدها فقام عمر - ﵁ - فقال: اللهم اجعل رزقهم في رؤوس المطر آية، فاستجاب الله له وللمسلمين، فأغاث عباده، فقال عمر - ﵁ - حين أنزل الله الغيث: الحمد لله فوالله لو لم يفرجها الله ما تركت أهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت عليهم أعدادهم من الفقراء فلم يكن اثنان ليهلكا من الطعام على ما يقيم واحدًا.\nوقال الشيخ الدويش في الحاشية: رواه البخاري في الأدب المفرد وإسناده صحيح.\n٣ - وأخرج ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٢٦) وابن شبة في أخبار المدينة المنورة (٦/ ٢ / ٣٠٩) عن أنس - ﵁ - قال: خلا الطعام بالمدينة فجعل عمر - ﵁ - يأكل الشعير فجعل بطنه يصوّت فضرب بيده على بطنه وقال: والله ما هو إلّا ماترى حتى يوسع الله على المسلمين، وصحح الدويش إسناده.\n(١) قلنا: أما حجاته فسنتحدث عنها في نهاية سيرته - ﵁ -، وأما عن توليته شريح القضاء في عهد سيدنا عمر فقد أخرج النسائي في سننه (٨/ ٢٣١) عن شريح أن عمر كتب إليه: اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن فبما قضى به الصالحون فإن لم يكن فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخير إلا تأخيرًا. والخبر في كتاب أخبار القضاة (٢/ ١٩٠).\nوذكر الحافظ في الفتح من رواية الشيباني عن عامر الشعبي عن شريح (الفتح ١٣/ ٣٠١).","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>ثم دخلت سنة تسع عشرة ذكر الأحدات التي كانت في سنة تسع عشرة</span>\nوحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب - ﵁ -.\nوكان عمّاله على الأمصار وقضاته فيها الولاة والقضاة الذين كانوا عليها في سنة ثماني عشرة. (٤: ١٠٣).\n\nثم دخلت سنة عشرين (١) ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية\n٢٠٢ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلافَ أهل السِّيَر في السنة التي كان فيها فتح مصر والإسكندرية، ونذكر الآن سبب فتحهما، وعلى يدي مَن كان؛ على ما في ذلك من اختلاف بينهم أيضًا؛ فأما ابنُ إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه: أنّ عمر - ﵁ - حين فرغ من الشام كلّها كتب إلى عمر بن العاص أن يسير إلى مصر في جُنده، فخرج حتى فتح باب اليون في سنة عشرين (٢). (٤: ١٠٤).\n٢٠٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني القاسم بن قُزْمان -رجل من أهل مصر- عن زياد بن جَزْء الزُّبيديّ: أنه حدّثه أنه كان في جند عمرو بن العاص. حين افتتح مصر والإسكندرية، قال: افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب في سنة إحدى وعشرين -أو سنة اثنتين وعشرين- قال: لما افتتحنا باب اليُون تدنّينا قُرى الرّيف فيما بيننا وبين\n_________\n(١) ذكر الطبري عدة روايات ضعيفة في تحديد السنة التي فتحت فيها مصر ولقد ذهب خليفة بن خياط والبلاذري وأبو معشر ومحمد بن إسحاق والواقدي أنها كانت سنة (٢٠ هـ) ونحن نرجح هذا القول الذي خالفه سيف بن عمر إذ قال: إنها فتحت سنة (١٦ هـ) ومعلوم أن الإسكندرية كانت بعدها، واختلفوا في ذلك فمنهم من قال: (٢٠) هـ أو (٢١) هـ، ومنهم من قال: سنة (٢٥) هـ والله تعالى أعلم. والأرجح أنها كانت في خلافة سيدنا عمر، وكان على رأس الجيش عمرو بن العاص وتحت إمرته الزبير وغيره - ﵁ - أجمعين.\n(٢) إسناده معضل وله ما يؤيده كما سنذكر بعد قليل.","vol":"3","page":262},{"text":"الإسكندرية قريةً فقريةً؛ حتى انتهينا إلى بَلْهيب -قرية من قرى الريف، يقال لها: قرية الريش- وقد بلغت سبايانا المدينة ومكّة واليمن.\nقال: فلما انتهينا إلى بَلْهيب؛ أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص: إني قد كنت أخرِج الجزية إلى من هو أبغض إليّ منكم معشر العرب لفارس والروم، فإن أحببتَ أن أعطيَك الجزية على أن تردّ عليّ ما أصبتم مِن سَبايا أرضِي؛ فعلتُ.\nقال: فبعث إليه عمرو بن العاص: إنّ ورائي أميرًا لا أستطيع أن أصنع أمرًا دونه، فإن شئت أن أمسِك عنك وتُمسِك عنِّي حتى أكتب إليه بالذي عرضتَ عليّ، فإن هو قبِل ذلك منك قبلتُ، وإن أمرني بغير ذلك مضيتُ لأمره. قال: فقال: نعم. قال: فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب -قال: وكانوا لا يُخفون علينا كتابًا كتبوا به- يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال: وفي أيدينا بقايَا من سَبْيهم. ثم وقفنا ببَلْهيب؛ وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا\" فقرأه علينا عمرو وفيه: أما بعد: فإنه جاءني كتابك تذكر: أنّ صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيَك الجزية على أن تردّ عليه ما أصيب من سبايا أرضه؛ ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحبُّ إليّ من فيء يقسَم، ثم كأنّه لم يكن؛ فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيَك الجِزْية، على أن تُخيّروا مَنْ في أيديكم من سَبْيهم بين الإسلام وبين دين قومه؛ فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين؛ له ما لهم وعليه ما عليهم، ومَن اختار دين قومه، وُضع عليه من الجزية ما يوضَع على أهل دينه، فأما مَن تفرّق من سبيِهم بأرض العرب فبلغ مكّة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردّهم، ولا نحبّ أن نصالحه على أمر لا نَفِي له به. قال: فبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين. قال: فقال: قد فعلتُ. قال: فجمعنا ما في أيدينا من السبَايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرّجل ممن في أيدينا، ثمّ نخيّره بين الإسلام وبين النصرانيّة؛ فإذا اختار الإسلام كبّرنا تكبيرة هي أشدّ من تكبيرنا حين تُفتح القرية؛ قال: ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانيّة نخرت النصارى، ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجِزْية، وجزعنا من ذلك جزعًا شديدًا؛ حتى كأنّه رجل خرج منا إليهم. قال: فكان ذلك الدَّأب حتى فرغنا","vol":"3","page":263},{"text":"منهم، وقد أتِي فيمن أتينا به بأبي مريم عبد الله بن عبد الرحمن -قال القاسم: وقد أدركته وهو عَرِيف بني زُبَيد- قال: فوقفناه، فعرضنا عليه الإسلام والنصرانيّة -وأبوه وأمه وإخوته في النصارى- فاختار الإسلام، فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا، حتى شققوا عليه ثيابه، ثم هو اليومَ عريفنا كما ترى. ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، وإنّ هذه الكُناسة التي ترى يا بن أبي القاسم لَكُناسة بناحية الإسكندرية حولها أحجار كما ترى، ما زادت ولا نقصت، فمن زعم غير ذلك: أنّ الإسكندرية وما حولها من القرى لم يكن لها جزية ولا لأهلها عهد؛ فقد والله كذب! قال القاسم: وإنما هاج هذا الحديثَ أن ملوك بني أميّة كانوا يكتبون إلى أمراء مصر: أنّ مصر إنما دخلت عَنْوة؛ وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا (١). (٤: ١٠٥/ ١٠٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وله ما يؤيده كما سنذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>شواهد قصة فتح مصر والإسكندرية</span>\n١ - أخرج البلاذري قال: وحدثني عمرو الناقد عن عبد الله بن وهب المصري عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بُرْدة عن سفيان بن وهب الخولاني قال: لمّا فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير فقال: اقسمها يا عمرو فأبى فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر، فكتب إلى عمر في ذلك فكتب إليه عمر أقرّها حتى يغزو منها حَبَلُ الحبلة. (فتوح البلدان / ٣٠٠) وهذا الإسناد وإن كان فيه ابن لهيعة فهو من رواية عبد الله بن وهب عنه وروايته عن ابن لهيعة حسنة، والله أعلم.\nوقال البلاذري عقب هذه الرواية: قال: وقال عبد الله بن وهب وحدثني ابن لهيعة عن خالد بن ميمون عن عبد الله بن المغيرة عن سفيان بن وهب بنحوه (فتوح البلدان / ٣٠٠).\n٢ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي فراس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: اشتبه على الناس أمر مصر فقال قوم: فتحت عنوة وقال آخرون: فتحت صلحًا، والثَّلْج في أمرها أن أبي قدمها فقاتله أهل اليونة ففتحها قهرًا وأدخلها المسلمون وكان الزبير أولّ من علا حصنها فقال صاحبها لأبي: إنه قد بلغنا فعلكم بالشام، ووضعكم الجزية على النصارى واليهود وإقراركم الأرض في أيدي أهلها، يعمرونها ويؤدون خراجها، فإن فعلتم بنا مثل ذلك كان الردّ عليكم من قتلنا وسبينا وإجلائنا، قال: فاستشار أبي المسلمين فأشاروا عليه أن يفعل ذلك، إلا نفر منهم سألوا أن يقسم الأرض بينهم فوضع على كل حالم دينارين جزية إلّا أن يكون فقيرًا، وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرداب حنطة، وقسطي زيت وقسطي عسل، وقسطي خل رزقًا للمسلمين ... إلخ. وفي آخر الرواية: وكتب عليهم =","vol":"3","page":264},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بذلك كتابًا وشرط لهم إذا وفوا بذلك أن لاتباع نساؤهم وأبناؤهم ولا يُسْبوا، وأن تُقرّ أموالهم وكنوزهم في أيديهم، فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر فأجازه، وصارت الأرض أرض خراج، إلّا أنه لما وقع هذا الشرط والكتاب ظن بعض الناس أنها فتحت صلحًا.\nقال: ولما فرغ ملك اليونة من أمر نفسه ومن معه في مدينته صالح عن جميع أهل مصر على مثل صلح اليونة ... إلخ. (فتوح البلدان / ٣٠٢).\n٣ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني بكر بن الهيثم عن عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي علاقة عن عقبة بن عامر الجهني قال: كان لأهل مصر عهد وعقد كتب لهم عمرو أنهم آمنون على أموالهم ودمائهم ونسائهم وأولادهم لا يباع منهم أحد، وفرض عليهم خراجًا لا يزيد عليهم وأن يدفع عنهم خوف عدوهم، قال عقبة: وأنا شاهد على ذلك (فتوح البلدان / ٣٠٦).\n٤ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني عمرو عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن أنعم عن أبيه عن جده وكان ممن شهد فتح مصر قال: فتحت مصر عنوة بغير عهد ولا عقد (فتوح البلدان / ٣٠٨).\nقلنا: وإذا أخذنا بعين الاعتبار قول عبد الله بن عمرو بن العاص في رواية البلاذري (فتوح البلدان / ٣٠٢) إلّا أنه لما وقع هذا الشرط والكتاب ظنّ بعض الناس أنها فتحت صلحًا. اهـ.\nقلنا: فلا اختلاف حقيقي بين هذه الروايات المتباينة ظاهرًا والله أعلم.\n٥ - وأخرج ابن خياط في أحداث سنة عشرين للهجرة قال: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وغيرهم أن عمر كتب إلى عمرو بن العاص أن سر إلى مصر فسار، وبعث عمر الزبير بن العوام مددًا له ومعه عمير بن وهب الجمحي وبسر بن أرطأة العامري وخارجة بن حذافة، حتى أتى باب أليون فامتنعوا ففتحها عنوة وصالحه أهل الحصن، وكان الزبير أول من ارتقى سور المدينة ثم اتبعه الناس بعد، وكلم الزبير بن العوام عمرًا أن يقسمها بين من افتتحها فكتب عمرو إلى عمر فكتب عمر أكلة وأكلات خير من إفرازها (تأريخ خليفة / ١٤٢) وذكر الذهبي هذه الرواية في تأريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين ولكن بلفظة: (أكلة وأكلات خير من أكلة أقرّوها) - وإسناد خليفة هذا إسناد مرسل ولكن يتقوى بما ذكرنا قبله والله أعلم.\n٦ - وأخرج خليفة ضمن أحداث سنة (٢١) هـ قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن عن عبد الله بن وهب قال: نا حرملة بن عمران أن أبا تميم حدّثه: أنه شهد فتح الإسكندرية الآخرة وعليهم عمرو بن العاص (تأريخ خليفة / ١٥٠).\n٧ - وأخرج الكندي قال: حدثنا محمد بن زبّان بن حبيب الحضرمي، أخبرنا الحارث بن =","vol":"3","page":265},{"text":"٢٠٣ / أ- قال: وقال الواقديّ: وفي هذه السنة عَزَل قدامةَ بن مظعون عن البحرين، وحَدّه في شرب الخمر.\nوفيها استعمل عُمر أبا هريرة على البحرين واليمامة (١). (١١٢: ٤).\n٢٠٣ / ب- وفيها قسم عمر خيبرَ بين المسلمين، وأجلَى اليهود منها؛ وبعث أبا حبِيبة إلى فَدَك فأقام لهم نصف ...، فأعطاهم؛ ومضى إلى وادي القرى فقسمها.\nوفيها أجْلى يهودَ نَجْران إلى الكُوفة فيما زعم الواقديّ (٢). (١١٢: ٤).\n_________\n= مسكين قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص قدم مصر بثلاثة آلاف وخمسمئة ثُلُثهم من غامق ثم مُدَّ بالزبير بن العوام اثني عشر ألفًا (ولاة مصر / ٣٢) وهذا إسناد مرسل.\n(١) قلنا: لا يخفى علينا أن الواقدي متروك إلّا أن لما قاله هنا من حدّ قدامة وعزله وتولية أبي هريرة أصل، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين وكان شهد بدرًا، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصة - ﵃ - (فتح الباري ٧/ ٣٧١).\nوأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٤٠) فقدم الجارود العقدي على عمر فقال: إن قدامة سكر، فقال: من يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة. فشهد أبو هريرة أنه رآه سكران يقيء، فأرسل إلى قدامة، فقال له الجارود: أقم عليه الحد. فقال له عمر: أخصم أنت أم شاهد؟ فصمت ثم عاوده فقال: لتمسكن أو لأسوءنك. فقال: ليس في الحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني. فأرسل عمر إلى زوجته هند بنت الوليد فشهدت على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني أريد أن أحدك. فقال: ليس لك ذلك لقول الله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ فقال: أخطأت التأويل فإن بقية الآية ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ فإنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرّم الله عليك ثم أمر فجلد ففاضه قدامة ثم حجّوا جميعًا فاستيقظ عمر من نومه فزعًا، فقال: عجلوا بقدامة، أتاني آت فقال: صالح قدامة فإنه أخوك، فاصطلحا. اهـ.\nوصحح الحافظ إسناد هذه الرواية في الفتح (٧/ ٣٧٢).\n(٢) قلنا: أما تحديد السنة بالضبط فلا نستطيع الترجيح ولكن إجلاء اليهود من جزيرة العرب وقسمة خيبر وفدك فصحيح فقد أخرج البخاري عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - قال: لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبًا خرج فقال: إن رسول الله - ﷺ - عامل يهود خيبر على أموالهم وقال: نقركم ما أقركم الله وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ما له هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين! أتخرجنا =","vol":"3","page":266},{"text":"٢٠٣ / جـ- قال الواقديّ: وفيها مات أسَيد بن الحُضَير في شعبان.\nوفيها ماتت زينب بنت جحش (١). (٤: ١١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>ثم دخلت سنة إحدى وعشرين</span>\n٢٠٣ / د- قال أبو جعفر: وفيها كانت وقعة نِهاوَنْد في قول ابن إسحاق؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه.\nوكذلك قال أبو معشر؛ حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن\n_________\n= وقد أقرنا محمد - ﷺ - وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا، فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله - ﷺ -: كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قِلاصُك ليلة بعد ليلة؟ فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم. فقال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك (الفتح ٥/ ٣٨٥).\nثم يذكر الحافظ في الفتح سببين لإجلاء عمر - ﵁ - يهود خيبر عن الجزيرة. والأول هو قوله ﵊: لا يجتمع بجزيرة العرب دينان.\nوالآخر قول عثمان بن محمد الأخنسي: لما كثر العيال في أيدي المسلمين وقووا على العمل في الأرض أجلاهم عمر ونسبه إلى عمر بن شبة في أخبار المدينة المنورة.\nقلنا: وفي رواية لمسلم صحيحة (٣/ ١١٨٧) حتى أجلاهم إلى تيماء وأريحاء. ورواية مسلم هذه عند البخاري بلفظ مختلف وفي آخرها: فقال لهم رسول الله - ﷺ -: نقركم بها على ذلك (ما شئنا) فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء (فتح الباري ٥/ ٢٦).\nوقد أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٦/ ١٣٥) عن عمر بن عبد العزيز مرسلًا: لما استخلف عمر أجلى أهل نجران وأهل فدك وتيماء وأهل خيبر واشتركما عقارهم وأموالهم ... إلخ.\nوكذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٤/ ٥٥٠) مرسلًا عن يحيى بن سعيد أن عمر أجلى أهل نجران واليهود والنصارى واشترى بياض أرضهم وكرومهم.\nوذكر الحافظ في الفتح (٥/ ١٦) هاتين الروايتين المرسلتين وقال عقبهما: فيتقوى أحدهما بالآخر.\n(١) قلنا: وكذلك اختار الذهبي ذلك فذكره فيمن توفوا سنة (٢٠ هـ) (عهد الخلفاء / ٢٠٦) وانظر الوفيات لابن قنفذ (٤٨/ ٢٠) (الإصابة ١/ ٤٩ / ت ١٨٥) (تأريخ خليفة / ٧٧).\nوذكر الذهبي كذلك زينب بنت جحش فيمن توفوا في هذه السنة (تأريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين / ٢١١).\nوانظر تأريخ خليفة (١٤٩) والوفيات لابن قنفذ (٣٣/ ٢٠) (الإصابة ٤/ ٣١٤).","vol":"3","page":267},{"text":"إسحاق بن عيسى، عنه.\nوكذلك قال الواقديّ. (٤: ١١٤) (١).\n_________\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-401> الأخبار الصحاح والحسان في خبر فتح نهاوند بقيادة النعمان</span>\n١ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ١٥٦٤٠): حدثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو عمران الجوني عن علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس وأصبهان وآذربيجان فقال: أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعت أحد الجناحين مال الرأس بالجناح الآخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس، فدخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن مقرن يصلي، فقعد إلى جنجه فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك قال: أما جابيًا فلا، ولكن غازيًا، قال: فإنك غازٍ، فوجهه وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه، قال: ومعه الزبير بن العوام وعمرو بن معد يكرب وحذيفة وابن عمر والأشعث بن قيس، قال: فأرسل النعمان المغيرة بن شعبة إلى ملكهم وهو يقال له: ذو الجناحين، فقطع إليهم نهرهم فقيل لذي الجناحين: إن رسول العرب هاهنا، فشاور أصحابه فقال: ما ترون؟ أقعد له في بهجة الملك وهيئة الملك أو في هيئة الحرب؟ قالوا: لا بل اقعد له في بهجة الملك. فقعد على سريره ووضع التاج على رأسه وقعد أبناء الملوك سماطين عليهم القرطة وأساور الذهب والديباج، قال: فأذن للمغيرة فأخذ بضبعه رجلان ومعه رمحه وسيفه قال: فجعل يطعن برمحه في بسطهم يخرقها ليتطيروا حتى قام بين يديه، قال: فجعل يكلمه والترجمان يترجم بينهما:\nإنكم معشر العرب أصابكم جوع وجهد فجئتم، فإن شئتم مرناكم ورجعتم! قال: فتكلم المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا معشر العرب كنا أذلة يطؤوننا ولا نطؤهم ونأكل الكلاب والجيفة وأن الله ابتعث منا نبيًّا في شرف منا، أوسطنا حسبًا وأصدقنا حديثًا، قال: فبعث النبي - ﷺ - بما بعثه به، فأخبرنا بأشياء وجدناها كما قال، وأنه وعدنا فيما وعدنا أنا سنملك ما هاهنا ونغلب، وأني أرى هاهنا نبرة وهيئة ما من خلفي بتاركها حتى يصيبها، قال: فقالت لي نفسي لو جمعت جراميزك فوثبت فقعدت مع العلج على سريره حتى يتطير، قال: فوثبت وثبة فإذا أنا معه على سريره، فجعلوا يطؤوني بأرجلهم ويجروني بأيدبهم فقلت: إنا لا نفعل هذا برسلكم فإن كنت عجزت أو استحمقت فلا تؤاخذوني، فإن الرسل لا يفعل بهم هذا، فقال الملك: إن شئتم قطعنا إليهم. فسلسلوا كل خمسة وستة وعشرة في سلسلة حتى لا يفروا، فعبرنا إليهم فصاففناهم فرشقونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إنه قد أسرع في الناس، قد خرجوا، قد أسرع فيهم؛ فلو حملت؟ قال النعمان: إنك لذو مناقب وقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ولكن شهدت مع رسول الله - ﷺ -، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وتنزل النصر، ثم قال: إني هاز لوائي ثلاث هزات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ وأما الثانية فلينظر الرجل =","vol":"3","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلى شعبه ويرمّ من سلاحه، فإذا هززت الثالثة فاحملوا، ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل النعمان فلا يلوين عليه أحد، وإني داعي الله بدعوة فأقسمت على كل امرئ مسلم لما أمّن عليها، فقال: اللهم ارزق النعمان اليوم الشهادة في نصر وفتح عليهم. قال: فأمن القوم، وهز لواءه ثلاث هزات ثم قال: سل درعه ثم حمل وحمل الناس، قال وكان أول صريع قال فأتيت عليه فذكرت عزمته فلم ألو عليه وأعلمت علمًا حتى أعرف مكانه، قال: فجعلنا إذا قتلنا الرجل شغل عنا أصحابه قال: ووقع ذو الجناحين عن بغلة له شهباء فانشق بطنه، ففتح الله على المسلمين، فأتيت مكان النعمان وبه رمق فأتيته بأداوة فغسلت عنه وجهه فقال: من هذا؟ فقلت معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قلت: فتح الله عليهم، قال: لله الحمد، اكتبوا ذلك إلى عمر، وفاضت نفسه، واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس قال: فأرسلوا إلى أم ولده: هل عهد إليك النعمان عهدًا، أم عندك كتاب؟ قال: سفط فيه كتاب، فأخرجوه فإذا فيه: إن قتل النعمان ففلان، وإن قتل فلان ففلان، قال حماد: قال علي بن زيد فحدثنا أبو عثمان قال: ذهبت بالبشارة إلى عمر فقال: ما فعل النعمان؟ قلت: قتل. قال: ما فعل فلان؟ قلت: قتل، قال: ما فعل فلان؟ قلت: قتل. فاسترجع، قلت: وآخرون لا نعلمهم، قال: لا نعلمهم لكن الله يعلمهم وإسناده حسن وإن كان فيه حماد بن سلمة وفيه مقال إلّا أن روايته هذه ليست في الأصول ولها ما يشهد لها عند البخاري وغيره كما سنذكر إن شاء الله تعالى.\nوالرواية هذه ذكرها الهيثمي في المجمع وقال: أخرجه الطبراني [مجمع الزوائد ٦/ ٢١٥] وكذلك أخرجه خليفة بن خياط مختصرًا عن رواية ابن شيبة والطبراني من طريق موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان .... الخبر (تأريخ خليفة ١٤٨ - ١٤٩) والبلاذري في (فتوح البلدان / ٤٢٥) عن معقل بن يسار.\n٢ - وأخرج البخاري في صحيحه عن جبير بن حية قال: بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان فقال: إني مستشيرك في مغازيّ هذه، قال؛ نعم مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس. وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس. فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس. فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى. وقال بكر وزياد جميعا عن جبير بن حية قال: فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدوّ، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم. فقال المغيرة: سل عما شئت. قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد. نمص الجلد والنوى من الجوع. =","vol":"3","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ونلبس الوبر والشعر. ونعبد الشجر والحجر فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين -تعالى ذكره وجلت عظمته- إلينا نبيًّا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا - ﷺ - عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم (فتح الباري ٦/ ٢٩٨).\n٣ - وأخرج البلاذري في فتوح البلدان (٤٢٧) وخليفة بن خياط في (تأريخه / ١٤٧) أما البلاذري فقال: وحدثنا القاسم بن سلّام قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن النهاس بن قهم عن القاسم بن عوف عن أبيه عن السائب بن الأقرع أو عن عمر بن السائب عن أبيه شك الأنصاري.\nوأما خليفة فقد قال: حدثنا الأنصاري قال: نا النهاس بن قهم بن عوف عن أبيه عن رجل عن السائب بن الأقرع قال: ثم ذكر الخبر وأوله: زحف إلى المسلمين زحف لم يُرَ مثله، فذكر حديث عمر فيما همّ به من الغزو بنفسه وتوليته النعمان ابن مقرن، وأنه بعث إليه بكتابه مع السائب وولّى السائب الغنائم، وقال: لا ترفعن باطلًا ولا تحبسن حقًّا ثم ذكر الواقعة، قال: فكان النعمان أول مقتول يوم نهاوند، ثم أخذ حذيفة الراية، ففتح الله عليهم، قال السائب: فجمعت تلك الغنائم ثم قسمتها، ثم أتاني ذو العوينتين، فقال: إن كنز النخير خان في القلعة، قال فصعدتها فإذا أنا بسفطين فيهما جوهر لم أر مثله قط، قال: فأقبلت إلى عمر وقد راث عنه الخبر وهو يتطوف المدينة ويسأل، فلما رآني قال: ويلك ما وراءك فحدثته بحديث الوقعة ومقتل النعمان وذكرت له شأن السفطين، فقال: اذهب بهما فبعهما ثم اقسم ثمنهما بين المسلمين فأقبلت بهما إلى الكوفة فأتاني شاب من قريش يقال له: عمرو بن حريث فاشتراهما بأعطية الذرية والمقاتلة، ثم انطلق بأحدهما إلى الحيرة فباعه بما اشتراهما به مني وفضل الآخر فكان ذلك أول لهوة مال أتخذه.\nواللفظ للبلاذري وفي رواية خليفة بعض الاختلاف في ذكر التفاصيل وفيها: زحف لهم أهل ماه وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل الري وأهل قومس وأهل أذربيجان وأهل نهاوند فبلغ عمر الخبر فشاور المسلمين فاختلفوا، ثم قال علي: يا أمير المؤمنين! ابعث إلى أهل الكوفة فليسر ثلثاهم وتدع ثلثهم في حفظ ذراريهم وتبعث إلى أهل البصرة. فقال: أشيروا عليّ من أستعمل عليهم؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت أفضلنا رأيًا وأعلمنا بأهلك. فقال: لأستعملن عليهم رجلًا يكون لأول أسنة يلقاها ... وفي آخر الرواية: ثم التقوا يوم الجمعة\nفأقبل النعمان بن مقرن على يزيد بن أحوى قريب من الأرض يقف على أهل كل راية فيخطبهم ويحضهم ويقول: إن هؤلاء القوم قد أخطروا لكم خطرًا وأخطرتم لهم خطرًا عظيمًا، أخطروا لكم جواليق ورثة وأخطرتم لهم الإسلام وذراريكم فلا أعرفن رجلًا وكل قرنه إلى غيره؛ فإن ذلك لؤم ولكن شغل كل رجل منكم قرنه، إني هاز الراية فليومَّ كل رجلٍ =","vol":"3","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= منكم من ضيعته وليتيسّر ثم هازها الثانية فليقف كل رجل منكم موقفه، ثم هاز الثالثة فحامل فاحملوا على بركة الله، ولا يلتفت أحد منكم، فكان النعمان أول قتيل، وأخذ حذيفة الراية ففتح الله عليهم (تأريخ خليفة / ١٤٨).\n٤ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٣٦) حدثنا أبو أسامة قال: ثنا إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي قال: بينا أنا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن، فسأله عمر عن الناس قال فذكروا عند عمر من أصيب يوم نهاوند: فقالوا قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم فقال عمر: لكن الله يعرفهم قالوا: ورجل اشترى نفسه، يعنون عوف بن أبي حية أبا سبيل الأحمسي. قال مدرك بن عوف: ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين يزعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة. فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا، قال إسماعيل: وكان أصيب وهو صائم فاحتمل وبه رمق فأبى أن يشرب الماء حتى مات اهـ. وإسناده صحيح.\n٥ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٣٧): حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن أبي عثمان قال: أتيت عمر بنعي النعمان بن مقرن فوضع يده على رأسه وجعل يبكي. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩٣) والبلاذري في (فتوح البلدان / ٤٢٧) قال: وحدثني أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو أسامة وأبو عامر العقدي، وسلم بن قتيبة جميعًا عن شعبة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت عمر بن الخطاب لمّا جاء نعي النعمان بن مقرن وضع يده على رأسه وجعل يبكي. وأخرج البلاذري رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي وبلفظ: أنا ذهبت بالبشارة إلى عمر فقال: ما فعل النعمان فقلت: قتل. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى. فقلت: قتل والله آخرون لا أعلمهم. قال: ولكن الله يعلمهم. (فتوح البلدان / ٤٢٧).\n٦ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٣٨): حدثنا غندر عن شعبة عن إياس بن معاوية قال: جلست إلى سعيد بن المسيب قال: إني لأذكر عمر بن الخطاب حين نعي النعمان بن مقرن.\n٧ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٤٦): حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الصلت وأبي مدافع قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن مع النعمان بن مقرن: إذا لقيتم العدو فلا تفروا، وإذا غنمتم فلا تغلوا، فلما لقينا العدو قال النعمان للناس: لا تواقعوهم -وذلك يوم الجمعة- حتى يصعد أمير المؤمنين المنبر يستنصر قال: ثم واقعناهم فانقض النعمان وقال: سجُّوني ثوبًا وأقبلوا على عدوكم ولا أهولنكم، قال: ففتح الله علينا، قال: وأتى عمر الخبر أنه أصيب النعمان وفلان وفلان ورجال لا نعرفهم يا أمير المؤمنين! قال: لكن الله يعرفهم.\n٨ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٤٩): حدثنا سهل بن يوسف عن حميد عن أنس قال: =","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند</span>\n٢٠٤ - قال أبو جعفر: وقد كان -فيما ذكِر لي- بعث عمر بن الخطّاب - ﵁ - السائبَ بن الأقرع، مولى ثَقِيف -وكان رجلًا كاتبًا حاسبًا- فقال: الحقْ بهذا الجيش فكن فيهم؛ فإنْ فتَح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئَهم، وخذ خمس الله وخمس رسوله؛ وإن هذا الجيش أُصيبَ، فاذهب في سواد الأرض، فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.\nقال السائب: فلما فتح الله على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظامًا، فوالله إني لأقسم بين الناس، إذ جاءني عِلْج من أهلها فقال: أتُؤْمنني على نفسي\n_________\n= كان النعمان بن مقرن على جند أهل الكوفة وأبو موسى على جند أهل البصرة.\n٩ - وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٣٥): حدثنا حسين عن زائدة عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: أبطأ على عمر خبر نهاوند وخبر النعمان فجعل يستنصر.\n١٠ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٤٧): حدثنا غندر عن شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت أبا مالك وأبا مسافع من مزينة يحدثان: أن كتاب عمر أتاهم مع النعمان بن مقرن بنهاوند: أما بعد فصلوا الصلاة لوقتها، وإذا لقيتم العدو فلا تفروا، وإذا ظفرتم فلا تغلوا (وراجع مجمع الزوائد للهيثمي ٦/ ٢١٥).\n١١ - وأخرج الطبري في تأريخه (٤/ ١٤١ / ٧٨٣) في ذكر الخبر عن أصبهان فقال: وقد روي عن معاقل بن يسار أن الذي كان أميرًا على جيش المسلمين حين غزوا أصبهان النعمان بن مقرن.\nثم قال الطبري ذكر الرواية بذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وعمرو بن علي قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار: أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان ... الخبر كما هو مطولًا عند ابن أبي شيبة ولكن ذكر (فوجهه إلى أصبهان) وهذا إسناد صحيح إلّا أن ذكر أصبهان هنا شاذ يخالف ما جاء واشتهر وصحّ من قيادة النعمان لجيوش الفاتحين في نهاوند واستشهاده فيها، فيحمل ما في هذه الرواية على أنها في وقعة نهاوند لا في أصبهان، ويؤيد ما ذهبنا إليه ترجيح ابن كثير إذ يقول:\nوقيل: إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن فإنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه.\nوالصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان الذي كان نائب الكوفة (البداية والنهاية ٧/ ١١٤).","vol":"3","page":272},{"text":"وأهلي وأهل بيتي؛ على أن أدلك على كُنوز النَّخيرجان -وهي كنوز آل كسرى- تكون لك ولصاحبك، لا يَشركك فيها أحد؟ قال: قلت: نعم، قال: فابعث معي من أدلّه عليها، فبعثت معه، فأتى بسَفَطين عظيمين ليس فيهما إلا اللؤلؤ والزّبَرجد والياقوت؛ فلما فرغت من قَسْمِي بين الناس احتملتهما معي؛ ثم قدِمت على عمر بن الخطاب؛ فقال: ما وراءك يا سائب؟ ! فقلت: خير يا أميرَ المؤمنين! فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستُشهد النعمان بن مقرّن ﵀. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: ثم بكى فنشَج، حتى إنّي لأنظر إلى فروع مَنكِبيه من فوق كَتده. قال: فلما رأيتُ ما لقي قلت: والله يا أميرَ المؤمنين ما أصيبَ بعده من رجل يُعرف وجهه. فقال: المستضعَفون من المسلمين؛ ! لكنّ الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوهَهم وأنسابَهم، وما يصنعون بمعرفة عمر ابن أمّ عمر! ثم قام ليدخل، فقلت: إنّ معي مالًا عظيمًا قد جئت به، ثم أخبرته خبر السَّفَطَين، قال: أدخِلْهما بيتَ المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك. قال: فأدخلتُهما بيت المال، وخرجت سريعًا إلى الكوفة. قال: وبات تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما أصبح بعث في أثري رسولًا، فوالله ما أدركني حتى دخلتُ الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عُرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثنِي في طلبك، فلم أقدر عليك إلّا الآن. قال: قلت: ويلك! ماذا ولمَ؟ قال: لا أدري والله! قال: فركبتُ معه حتى قدمتُ عليه، فلما رآني قال: ما لي ولابن أمّ السائب! بل ما لابن أمّ السائب وما لي! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؛ ! قال: ويحك! والله ما هو إلّا أن نمت في الليلة التي خرجتَ فيها، فباتت ملائكة ربي تسحَبُني إلى ذينك السفطَين يشتعلان نارًا، يقولون: لنكويَنّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين؛ فخذهما عنّي لا أبالك والحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. قال: فخرجتُ بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشِيَني التجار، فابتاعهما منّي عمرو بن حُريث المخزوميّ بألفي ألف؛ ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم، فباعهما بأربعة آلاف ألف؛ فما زال أكثرَ أهل الكوفة مالًا بعد (١). (٤/ ١١٦ / ١١٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو صحيح.","vol":"3","page":273},{"text":"٢٠٥ - حدَّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدَّثنا أسد بن موسى، قال: حدَّثنا المبارك بن فضالة، عن زياد بن حُدَير، قال: حدّثني أبي: أنّ عمرَ بن الخطاب - ﵁ -، قال للهرمزان حين آمنه: لا بأس، انصح لي، قال: نعم، قال: إنّ فارس اليوم رأس وجناحان؛ قال: وأين الرأس؟ قال: بنهاوند مع بُنْدار؛ فإنّ معه أساورة كسرى وأهل أصبهان، قال: وأين الجناحان؟ فذكر مكانًا نسيته، قال: فاقطع الجناحين يَهِنِ الرأس. فقال عمر: كذبت يا عدوّ الله! بل أعْمد إلى الرأس فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يعصِ عليه الجناحان. قال: فأراد أن يسير إليه بنفسه، فقالوا: نذكّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسيرَ بنفسك إلى حلبة العجم؛ فإن أُصبت لم يكن للمسلمين نظام؛ ولكن ابعث الجنود، فبعث أهل المدينة فيهم عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وفيهم المهاجرون والأنصار؛ وكتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن سرْ بأهل البصرة، وكتب إلى حُذيفة بن اليمان أن سرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا جميعًا بنهاوند؛ وكتب: إذا التقيتم فأميرُكم النُّعمان بن مقرّن المزنيّ؛ فلما اجتمعوا بنهاوند، أرسل بُنْدار العِلْج إليهم: أن أرسلوا إلينا رجلًا نكلّمه؛ فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة. قال أبي: كأني أنظر إليه؛ رجلًا طويلَ الشعر أعورَ؛ فأرسلوه إليه، فلمّا جاء سألناه، فقال: وجدتُه قد استشار أصحابه؛ فقال: بأيّ شيء نأذن لهذا العربيّ؟ بشارتنا وبهجتنا ومُلْكنا، أو نتقشف له فيما قبَلنا حتى يزهد؟ فقالوا: لا، بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدّة، فتهيؤوا بها، فلما أتيناهم كادت الحِراب والنيازك يلتمع منها البصر، فإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب على رأسه التاج. قال: فمضيت كما أنا ونكّسْت، قال: فدفِعت ونُهنهت، فقلت: الرسل لا يفعل بهم هذا، فقالوا: إنما أنت كلْب، فقلت: معاذ الله! لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه؛ فانتهروني، وقالوا: اجلس. فأجلسوني. قال -وتُرجِم له قوله: إنكم معشرَ العرب أبعدُ الناس من كلّ خير، وأطول الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قَذرًا، وأبعده دارًا؛ وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشّاب إلّا تنجُّسًا لجيَفكم؛ فإنكم أرجاس؛ فإن تذهبوا نُخَلّ عنكم، وإن تأتُوا نرِكم مصارعَكم؛ قال: فحمِدْت الله، وأثنيت عليه، فقلت: والله ما أخطأتَ من صفتنا شيئًا، ولا من نعتِنا، إنْ كنا لأبعدَ الناس دارًا، وأشدَّ","vol":"3","page":274},{"text":"الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس من كلّ خير، حتى بعث الله ﷿ إلينا رسولَه - ﷺ -؛ فوعدنا النصر في الدّنيا، والجنة في الآخرة؛ فوالله ما زلنا نتعرّف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتحَ والنصر؛ حتى أتيناكم؛ وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبَكم على ما في أيديكم؛ أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إنّ الأعور قد صَدقكم الذي في نفسه. قال: فقمتُ وقد والله أرعبتُ العلِج جهدِي. قال: فأرسل إلينا العلِجُ: إمّا أن تعبُروا إلينا بنهاوند؛ وإمّا أن نعبرُ إليكم. فقال النعمان: اعبروا، قال أبي: فلم أرَ والله مثلَ ذلك اليوم، إنهم يجيئون كأنهم جبال حديد؛ قد تواثقوا ألّا يفِرّوا من العرب، وقد قرن بعضهم بعضًا؛ سبعة في قِران، وألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: من فرّ منا عقره حسك الحديد. فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أرَ كاليوم فشلًا، إنّ عدوّنا يتُركون يتأهّبون لا يُعْجلون، أما والله لو أن الأمر لي لقد أعجلتهم -وكان النعمان بن مقرّن رجلًا ليّنًا- فقال له: فالله ﷿ يُشهِدك أمثالها فلا يُحزنْك ولا يعيبُك موقفك، إنه والله ما منعني من أن أناجزهم إلّا شيء شهدته من رسول الله - ﷺ -؛ إنّ رسولَ الله كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النهار لم يعجِل حتى تحضر الصلاة، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال؛ فما منعني إلّا ذلك. اللهمّ إني أسألُك أن تُقِرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يُذَلّ به الكفّار، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، أمّنوا يرحمكم الله! فأمّنّا وبكينا. ثم قال: إني هازٌ لوائي فتيسَّروا للسلاح، ثم هازٌّ الثانية، فكونوا متأهّبين لقتال عدوّكم، فإذا هززتُ الثالثة فليحمل كلُّ قوم على مَنْ يليهم من عدوّهم على بركة الله.\nقال: وجاؤوا بحسَك الحديد. قال: فجعل يلبث حتّى إذا حضرت الصلاة وهبّت الأرواح كبّر وكبّرنا، ثم قال: أرجو أن يستجيب الله لي؛ ويفتح عليّ، ثم هزّ اللواء، فتيسّرنا للقتال، ثم هزّه الثانية فكنّا بإزاء العدوّ، ثم هزّه الثالثة.\nقال: فكبّر وكبّر المسلمون، وقالوا: فتحًا يعزّ الله به الإسلامِ وأهله، ثم قال النّعمان: إنْ أُصبت فعلَى الناس حُذيفة بن اليمان؛ وإن أصيب حُذيفة ففلان؛ وإنْ أصيب فلان ففلان؛ حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة، ثم هزّ اللواء الثالثة، فحمل كلّ إنسان على مَن يليه من العدّو. قال: فوالله ما علمت من المسلمين أحدًا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله، حتى يُقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا،","vol":"3","page":275},{"text":"فما كنّا نسمع إلّا وقعَ الحديد على الحديد، حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلمّا رأوْا صبرنا وأنّا لا نبرح العرْصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة؛ بعضهم على بعض في قياد، فيُقتلون جميعًا، وجعل يعقِرهم حسك الحديد الذي وضعوا خلفهم. فقال النعمان - ﵁ -: قدّموا اللواء، فجعلنا نقدّم اللواء، ونقتلهم ونهزِمهم. فلما رأى أن الله قد استجاب له ورأى الفتح، جاءته نُشّابة فأصابت خاصرته، فقتلتْه. قال: فجاء أخوه معقل فسجّى عليه ثوبًا، وأخذ اللواء فقاتل، ثم قال: تقدّموا نقتلهم ونهزمهم؛ فلما اجتمع الناس قالوا: أين أميرنا؟ قال معقِل: هذا أميركم، قد أقرّ الله عينه بالفتح؛ وختم له بالشهادة. قال: فبايع الناس حُذيفة وعمر بالمدينة يستنصر له، ويدعو له مثل الحبْلى.\nقال: وكُتِب إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين؛ فلما أتاه قال له: أبشِرْ يا أمير المؤمنين بفتح أعزّ الله به الإسلام وأهله، وأذلّ به الكفر وأهله! قال: فحمِد الله ﷿، ثم قال: آلنّعمان بعثك؟ قال: احتسِب النّعمان يا أمير المؤمنين، قال: فبكى عمر واسترجع. قال: ومَن ويحك! قال: فلان وفلان؛ حتى عدّ له ناسًا كثيرًا، ثم قال: وآخرون يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فقال عمر وهو يبكي: لا يضرّهم ألّا يعرفهم عمر؛ ولكنّ الله يعرفهم (١). (٤: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩/ ١٢٠).\n_________\n(١) إسناده حسن صحيح والخبر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٥٦٤٠) وأخرجه البخاري باختصار عن رواية الطبري هذه. وكتب محقق الطبري الشيخ (محمد أبو الفضل إبراهيم): حدثنا المبارك بن فضالة عن زياد بن حدير قال حدثني أبي ثم قال في الحاشية: كذا في البلاذري وفي (ط) جبير تحريف (٤/ ١١٧).\nقلنا: بل الصحيح زياد بن جبير كما في البخاري: زياد بن جبير بن حيّة. وجبير هذا هو الذي شهد معركة نهاوند أما زياد بن حدير (على قول محقق الطبري محمد أبو الفضل) فيروي عن عمر بن الخطاب بلا واسطة فليس بحاجة إلى أبيه ليروي عن عمر - ﵁ - وأما أبوه (حدير) فلم تذكر لنا كتب التراجم أنه روى عن عمر.\nفالأصوب أن يكون الإسناد كالآتي: مبارك بن فضالة عن زياد بن جبير عن أبيه (جبير بن حية) والإسناد حسن صحيح والله أعلم.\nوأما عبارة (كذبت يا عدو الله) فلعلها زيادة منكرة عن أصل الرواية فلا وجود لها لا عند البخاري ولا عند ابن أبي شيبة ولا غيرهما ممن رووا هذه الرواية ولعلها من (أسد بن موسى) والله أعلم.","vol":"3","page":276},{"text":"٢٠٦ - وأما سيف، فإنه قال: -فيما كتب إليّ السريّ يذكر: أن شُعيبًا حدّثه عنه؛ وعن محمّد والمهلّب وطلحة وعمر وسعيد- إنّ الذي هاج أمر نهاوند أنّ أهلَ البصرة لما أشجوا الهُرمزان، وأعجلوا أهلَ فارس عن مصاب جند العلاء، ووطئوا أهل فارس؛ كاتبوا ملكهم؛ وهو يومئذ بمَرْو، فحرّكوه، فكاتب الملك أهلَ الجبال من بين الباب والسند وخُرَاسان وحلُوْان، فتحرّكوا وتكاتبوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ويُبرموا فيها أمورَهم، فتوافى إلى نهاوند أوائلُهم.\nوبلغ سعد الخبر عن قُباذ صاحب حُلوان، فكتب إلى عمر بذلك، فنزا بسعد أقوام، وألّبوا عليه فيما بين تراسل القوم واجتماعهم إلى نهاوند، ولم يشغلْهم ما دهم المسلمين من ذلك؛ وكان ممن نهض الجرّاح بن سنان الأسديّ في نفر، فقال عمر: إنّ الدليل على ما عندكم من الشرّ نهوضُكم في هذا الأمر، وقد استعدّ لكم من استعدّوا، وأيم الله لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم وإن نزلوا بكم. فبعث عمر محمدَ بن مسلمة، والناس في الاستعداد للأعاجم، والأعاجم في الاجتماع -وكان محمد بن مسلمة هو صاحب العمّال الذي يقتصّ آثار مَنْ شُكِيَ زمان عمر- فقدم محمد على سعد ليطوفَ به في أهل الكوفة، والبعوث تضرَب على أهل الأمصار إلى نهاوند، فطوّف به على مساجد أهل الكوفة، لا يتعرّض للمسألة عنه في السرّ، وليست المسألة في السرّ من شأنهم إذْ ذاك؛ وكان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد إلّا قالوا: لا نعلم إلّا خيرًا، ولا نشتهي به بدلًا، ولا نقول فيه، ولا نعين عليه، إلّا مَنْ مالأ الجرّاح بن سنان وأصحابه؛ فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءًا، ولا يسوغ لهم، ويتعمَّدون ترك الثناء، حتى انتهوْا إلى بني عبس، فقال محمد: أنشد بالله رجلًا يعلم حقًّا إلّا قال! قال أسامة بن قتادة: اللهمّ إن نشدتَنا فإنه لا يقسم بالسويّة، ولا يعدِلُ في الرعيّة، ولا يغزو في السريّة. فقال سعد: اللهمّ إن كان قالها كاذبًا ورئاءً وسمعة فأعمِ بصرَه، وأكثر عياله، وعرّضه لمضلّات الفتن. فعمِيَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسّها؛ فإذا عُثر عليه قال: دَعْوةُ سعد الرّجل المبارك. ثم أقبل على الدّعاء على النّفر، فقال: اللهمّ إن كانوا خرجوا أشرًا وبطرًا وكذبًا فاجهد بلاءهم؛ فجُهد بلاؤهم، فَقُطِّع الجرّاح بالسيوف","vol":"3","page":277},{"text":"يوم ثاوَرَ الحسنَ بنَ عليّ ليغتاله بساباط، وشُدِخ قبيصة بالحجارة، وقُتل أربد بالوَجْء وبنعال السيوف. وقال سعد: إنّي لأوّل رجل أهرق دمًا من المشركين؛ ولقد جمع لي رسول الله - ﷺ - أبوْيه، وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتُني خُمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أنّي لا أحسن أن أصلّي، وأن الصيد يُلهيني. وخرج محمد به وبهم إلى عمر حتى قدموا عليه، فأخبره الخبر، فقال: يا سعد! ويحك، كيف تُصَلِّي! فقال: أطيل الأولَيين، وأحذف الأُخْريين، فقال: هكذا الظنّ بك! ثم قال: لولا الاحتياط لكان سبيلُهم بيّنًا. ثمّ قال: مَنْ خليفتُك يا سعد على الكوفة؛ قال: عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، فأقرّه واستعمله؛ فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد؛ وأما الوقعة ففي زمان عبد الله.\nقالوا: وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزْدَجِرد الملك، فتوافَوْا إلى نهَاوند، فتوافَى إليها من بين خُراسان إلى حُلوان؛ ومن بين الباب إلى حلوان، ومن بين سِجستان إلى حُلوان؛ فاجتمعت حلَبة فارس والفهْلوج أهل الجبال من بين الباب إلى حُلوان ثلاثون ألف مقاتل؛ ومن بين خراسان إلى حُلوان ستون ألف مقاتل، ومن بين سِجِسْتان إلى فارس وحُلوان ستون ألف مقاتل؛ واجتمعوا على الفيرُزان، وإليه كانوا توافَوْا وشاركهم موسى (١). (٤: ١٢٠/ ١٧٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وله ما يشهد له فأما حشد الفرس لجموعهم من مختلف الأنحاء وتوجههم نحو نهاوند فقد جاء بيانه عند ذكر الشواهد والمتابعات لقصة نهاوند عند الطبري، أما ما أثاره بعض أهل الكوفة من تهم حول سلوك الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ومن ثم تحري سيدنا عمر لذلك علمًا بأن المسلمين كانوا في وقت حرج في مواجهة حشود الفرس نحو نهاوند وأخيرًا فثبوت براءة سعد من هذه التهم كيف لا وهو من السابقين الأوائل وهو أول من رمى بسهم (في سبيل الله) في الإسلام ويؤيد ما ذكره الطبري ما يلي:\n١ - أخرج البخاري في صحيحه عن قيس قال: (سمعت سعدًا - ﵁ - يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي - ﷺ - وما لنا من طعام إلّا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليصنع كما يصنع البعير أو الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام لقد خبت إذًا وضلّ عملي، وكانوا وشوا به إلى عمر قالوا: لا يحسن يصلي) (فتح الباري ٧/ ١٠٤).\n٢ - وأخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: (شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر - ﵁ -، فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال أبو إسحاق: أما أنا =","vol":"3","page":278},{"text":"٢٠٧ - وروي عن أبي وائل في سبب توجيه عمرَ النعمانَ بن مقرّن إلى نهَاوند، ما حدّثني به محمد بن عبد الله بن صَفوان الثَّقَفِيّ، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوَانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: كان النُّعمان بن مقرّن على كَسْكَر، فكتب إلى عمر: مَثَلِي ومثَل كَسْكر كمثل رجل شابّ وإلى جنبه مُومسة تلوّنُ له وتعَطّر، فأنشُدك الله لما عزلتني عن كَسْكر، وبعثتَني إلى جيش من جيوش المسلمين!\nقال: فكتب إليه عمر: أن ائت الناس بِنهاوند، فأنت عليهم. قال: فالتقوْا، فكان أوّلَ قتيل، وأخذ الراية أخوه سُويد بن مقرّن، ففتح الله على المسلمين؛ ولم يكن لهم -يعني: للفرس- جماعة بعد يومئذ؛ فكان أهل كلّ مصر يغزُون عدوَّهم في بلادهم (١). (٤: ١٢٦).\n_________\n= والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه رجلًا أو رجالًا -إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة. ولم يدع مسجدًا إلا ويثنون معروفًا- حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، قال: أما إذا نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن) (فتح الباري ٢/ ٢٧٦).\n(١) شيخ الطبري هنا: (محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، ترجم له ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحً ولا تعديلًا، والحديث أخرجه أبو يوسف القاضي عن حصين بن عبد الرحمن مرسلًا (الخراج / ٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>ذكر الخبر من أصفهان</span>\nلقد ذكرنا رواية الطبري في فتح أصبهان وهي تكملة (٤/ ٥٦٢) في قسم الضعيف وهي من طريق شعيب عن سيف وهذا طريق ضعيف كما سبق. وخلاصة رواية سيف عند الطبري (٤/ ١٣٩ - ١٤٠/ ٥٦٢) أن فتح أصبهان كان في عهد سيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - وأن قائد الجيش الفاتح كان عبد الله بن عبد الله بن عتبان وفي مقدمة جيشه عبد الله بن ورقاء الرياحي ومن أمرائه كذلك عبد الله بن ورقاء الأسدي وعصمة بن عبد الله بن عبيدة بن سيف بن عبد الحارث وأن عبد الله بن ورقاء الرياحي الذي كان على مقدمة الجيش تبارز مع =","vol":"3","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كبار مقاتلي الفرس (مشهربراز جاذويه- ويدعى الشيخ) فقتله فكان فتح رستاق الشيخ ثم جَيّ وأخيرًا مركز أصبهان وصالح أهلها، فلما وصل أبو موسى مددًا لجيش عبد الله كان عبد الله قد أجرى الصلح مع أهل المدينة.\nولم أجد رواية صحيحة تؤيد ما ذكر سيف من تفاصيل المعركة ولكننا وجدنا روايات عدة في فتح أصبهان وفي بعضها ضعف ولكنها أقل الروايات ضعفًا في هذا الباب أي أصحها والله أعلم.\n١ - أخرج الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا عفان بن مسلم ثنا أبو عوانة عن داود الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: فتحت أصبهان في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - (أخبار أصبهان / ١/ ٢٠) ورجاله ثقات.\nوهذا القول في فتح أصبهان يتفق مع قول البلاذري (وكان فتح أصبهان في سنة ٢٣ أو ٢٤ هـ) (فتوح البلدان / ٤٣٨).\n٢ - أخرج البلاذري: حدثني محمد بن سعد مولى بني هاشم قال حدثنا موسى بن إسماعيل عن سليمان بن مسلم عن خاله بشير بن أبي أمية أن الأشعري غزا بأصبهان فعرض عليهم الإسلام فعرض عليهم الجزية فصالحوه عليها، فباتوا على صلح، ثم أصبحوا على غدرٍ فقاتلهم وأظهره الله عليهم، قال محمد بن سعد أحسبه عن أهل قم (فنوح البلدان / ٤٣٧).\n٣ - وأخرج خليفة بن خياط، قال: حدثني عثمان القرشي عن عباد بن راشد عن الحسن قال: افتتح أبو موسى أصبهان (تأريخ خليفة / ١٦١) وعباد بن راشد صدوق يخطئ كثيرًا، وعثمان القرشي (شيخ خليفة) إن كان هو أبو عبد الرحمن بن حصين فهو صدوق وخليفة يقول أحيانًا: حدثني أبو عبد الرحمن القرشي والله أعلم.\nولقد ناقش الأستاذ عبد الغفور البلوشي محقق (طبقات المحدثين بأصبهان) في صفحتين مسألة فتح أصبهان واختلاف المؤرخين في ذكر أسماء قادة الجيش الفاتح، وخلص إلى القول بأن الذين شاركوا في فتح أصبهان هم عبد الله بن ورقاء الرياحي وعبد الله بن الحارث بن ورقاء الأسدي.\nفتبين أن الذي اشترك في فتح أصبهان عبد الله بن ورقاء الرياحي وعبد الله بن الحارث بن ورقاء الأسدي كما ذكر الطبري وأبو نعيم (١/ ٢٤، ٦٣) وابن الأثير في الكامل (٣/ ٨ و٩) حيث قال: وبعث عمر إلى أصبهان عبد الله بن عبد الله وكان شجاعًا وأمده بأبي موسى وجعل على مجنبته عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله وسار عبد الله فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند نحو أصبهان، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لأصبهان فاقتتلوا قتالًا شديدًا ودعا الشيخ إلى البراز فبرز له عبد الله بن ورقاء الرياحي فقتله، وانهزم أهل أصبهان، ثم سار عبد الله بن ورقاء الرياحي إلى جيّ فحاصرهم وقاتلها ... إلخ (طبقات المحدثين بأصبهان ١/ ٢٦٠ / ٢٦١) الحاشية. =","vol":"3","page":280},{"text":"٢٠٧ / أ- وفي هذه السنة أمر عمر جيوشَ العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت، وأمر بعض مَن كان بالبَصْرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير إلى أرض فارس وكَرْمان وأصبهان، وبعض مَنْ كان منهم بناحية الكوفة وماهاتها إلى أصبهان وأذربيجان والرّيّ، وكان بعضهم يقول: إنما كان ذلك من فعل عمر في سنة ثماني عشرة. وهو قول سيف بن عمر. (٤: ١٣٧).\n٢٠٨ - حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم وعمرو بن عليّ، قالا: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا حماد بن سلَمة، عن أبي عمران الجَوْنيّ، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يَسار؛ أنّ عُمر بن الخطاب شاور الهُرْمزان، فقال: ما ترى؟ أبدأ بفارس، أم بأذْرَبيجان، أم بأصبهان؟ فقال: إنّ فارس وأذْرَبيجان الجناحان، وأصبهان الرّأس. فإن قطعت أحدَ الجناحين قام الجناح الآخر؛ فإن قطعت الرأس وقع الجناحان؛ فابدأ بالرأس. فدخل عمر المسجد والنعمان بن مقرّن يصلّي؛ فقعد إلى جنبه، فلمّا قضى صلاتَه، قال:\n_________\n= قلنا: وكذلك أخرج الحافظ أبو نعيم بسنده المتصل إلى عبد الرحمن بن عمر رُسته أنه سأل عبد الرحمن بن مهدي عن أصبهان فقال: عنوة. فقلت: إن بعضهم يقولون: إن بعضها صلح، فقال: قد وجّه إليها الجيش (ذكر أخبار أصبهان ١/ ٣١).\nوأخرج رواية أخرى بسنده المتصل إلى الإمام أحمد بن حنبل أنه قال عن أصبهان: إنها فتحت صلحًا (ذكر أخبار أصبهان ١/ ٣١).\nوأخيرًا فلقد ذكر الإمام المحدث المؤرخ الذهبي فتح أصبهان ضمن أحداث سنة (٢٣ هـ) فقال: وفيها رجع أبو موسى من أصبهان وقد افتتح بلادها (تأريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين / ٢٥٠) ونحن نرى والله أعلم أن أبا موسى هو الذي قاد الجيش الفاتح لأصبهان، وهذا ما أكده الحافظ الذهبي في ترجمته لأبي موسى الأشعري ضمن ذكره لأسماء الذين توفوا في عهد أمير المؤمنين معاوية - ﵁ - والله أعلم.\nوإن كان هؤلاء القادة قد شاركوا في فتحها فلا بأس ولعلها فتحت وصالح أهلها ثم نقضوا ففتحها أبو موسى فتحًا نهائيًا، والله تعالى أعلم.\nولقد ناقش الأصبهاني اختلاف المؤرخين في نسبة الفتح إلى القادة القادمين من البصرة أو الكوفة ولكنه لم يرجح، والله تعالى أعلم.\nوقد روي عن معقِل بن يَسَار أنّ الذي كان أميرًا على جيش المسلمين حين غزوْا أصبهان: النعمان بن مقرّن.","vol":"3","page":281},{"text":"إنّي أريد أن أستعملَك؛ قال: أمّا جابيًا فلا؛ ولكن غازيًا؛ قال: فأنت غاز. فوجهه إلى أصبَهان، وكتب إلى أهل الكوفة أن يُمِدّوه، فأتاها وبينه وبينهم النهر، فأرسل إليهم المغيرة بن شعبة، فأتاهم؛ فقيل لمَلِكهم وكان يقال له ذو الحاجبين: إن رسولَ العرب على الباب، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ أقعد له في بَهْجة الملك؛ فقالوا: نعم، فقعد على سريره، ووضع التّاج على رأسه؛ وقعد أبناء الملوك نحو السمّاطين عليهم القِرَطة وأسورة الذهب وثياب الديباج. ثم أذن له فدخل ومعه رمحه وتُرْسه، فجعل يطعن برمحه بُسُطهم ليتطيّروا، وقد أخذ بضُبعيه رجلان، فقام بين يديه، فكلمه ملكُهم، فقال: إنكم يا معشرَ العرب أصابكم جوع شديد فخرجتم؛ فإن شئتم أمِرْناكم ورجعتم إلى بلادكم. فتكلّم المغيرة؛ فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إنا معاشر العرب؛ كنا نأكل الجيفَ والمَيتة، ويطؤنا الناس ولا نطؤهم؛ وإنّ الله ﷿ ابتعث منا نبيًّا، أوسطنا حسبًا، وأصدقنا حديثًا -فذكر النبيّ - ﷺ - بما هو أهلُه- وإنه وعدنا أشياء فوجدناها كما قال؛ وإنه وعدنا أنا سنظهر عليكم، ونغلب على ما هاهنا. وإنّي أرى عليكم بِزّة وهيئة ما أرى مَن خلْفي يذهبون حتى يصيبوها.\nقال: ثمّ في نفسي: لو جمعت جراميزِي، فوثبت وثبة، فقعدت مع العِلْج على سريره لعلّه يتطيّر! قال: فوجدت غفلة؛ فوثبت؛ فإذا أنا معه على سريره. قال: فأخذوه يتوجّؤونه ويطؤونه بأرجلهم. قال: قلت: هكذا تفعلون بالرسل! فإنا لا نفعل هكذا، ولا نفعل برسلكم هذا. فقال الملك: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم. قال: فقلت: بل نقطع إليكم. قال: فقطعنا إليهم فتسلسلوا كلّ عشرَة في سلسلة، وكلّ خمسة، وكلّ ثلاثة. قال: فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعُوا فينا؛ فقال المغيرة للنعمان: يرحمك الله! إنه قد أسرع في الناس فاحمل، فقال: والله إنك لذو مناقب؛ لقد شهدتُ مع رسولِ الله - ﷺ - القتال؛ فكان إذا لم يقاتِل أوّل النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس، وتهبّ الرياح، وينزل النصر.\nقال: ثمّ قال: إني هازّ لوائي ثلاث مرات؛ فأما الهَزّة الأولى فقضى رجل حاجته وتوضّأ، وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه وفي شِسْمعه فأصلحه، وأما الثالثة فاحملوا، ولا يلوينّ أحدٌ على أحد؛ وإن قتِل النعمان فلا يَلْو عليه أحد؛","vol":"3","page":282},{"text":"فإنّي أدعو الله ﷿ بدعوةٍ؛ فعزمت على كلّ امرئ منكم لمَا أمّن عليها! اللهمّ أعطِ اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم؛ وهزّ لواءه أوّل مرة، ثم هز الثانية، ثم هزّه الثالثة، ثم شَلّ درعه، ثم حمل فكان أوّل صريع، فقال معقل: فأتيتُ عليه؛ فذكرت عزمتَه، فجعلت عليه عَلَمًا، ثمّ ذهبت -وكنا إذا قتلنا رجلًا شُغِل عنا أصحابه- ووقع ذو الحاجبين عن بغلته فانشقّ بطنُه، فهزمهم الله؛ ثم جئتُ إلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب، فقال: مَن أنت؟ قلت: معقِل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم، قال: الحمدُ لله، اكتبوا بذلك إلى عمر؛ وفاضت نفسه.\nواجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وفيهم ابن عمر وابن الزُّبَيْر، وعمرو بن معديكرب وحُذيفة، فبعثوا إلى أمّ ولده، فقالوا: أما عهدَ إليك عهدًا؟ فقالت: هاهنا سَفَط فيه كتاب، فأخذوه، فكان فيه: إنْ قُتل النعمان ففلان، وإن قتل فلان ففلان (١). (٤: ١٤١/ ١٤٢ / ١٤٣).\n٢٠٨ / أ- وقال الواقديّ: في هذه السنة -يعني سنة إحدى وعشرين- مات خالد بن الوليد بحمْص، وأوصى إلى عمر بن الخطاب. (٤: ١٤٤).\n٢٠٨ / ب- قال الواقديّ: وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت؛ وكان عاملَه على مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين والشام ومصر والبصرة مَنْ كان عليها في سنة عشرين، وأما الكوفة فإنّ عامله عليها كان عمّار بن ياسر، وكان إليه الأحداث، وإلى عبد الله بن مسعود بيت المال، وإلى عثمان بن حُنَيف الخرَاج، وإلى شُريح -فيما قيل- القضاء (٢). (٤: ١٤٥).\n_________\n(١) رجاله ثقات غير حماد بن سلمة وهو ثقة إلّا أنه تغيّر حفظه بأخرةٍ وفي حديثه هذا تصحيف فذكر (أصبهان) بدلًا من (نهاوند) وبقية التفاصيل كلها حدثت في نهاوند كما في الطرق الصحيحة الأخرى، وأغلب الظن أنه من قبل حماد، والله أعلم.\n(٢) قلنا: هكذا قاله الواقدي بلا إسناد وأما عن حجاته - ﵁ - فسنتحدث في نهاية عهده - ﵁ - وأما عن تولية عمار وعبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف. فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٥٥) والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٨٨) عن حارثة بن مضرّب قال: قرئ علينا كتاب عمر بن الخطاب: أما بعد فإني بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرًا وابن مسعود =","vol":"3","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ذكر فتح هَمَذان</span>\n٢٠٨ / ب- قال أبو جعفر: ففيها فتِحت أذْرَبيجان، فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت أذْرَبيجان سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وكذلك قال الواقدي (١). (٤: ١٤٦).\n_________\n= معلمًا ووزيرًا وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا وافتدوا بهما وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي. واللفظ لابن سعد وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وزاد ابن سعد في روايته: (وبعث عثمان بن حنيف على السواد ...) الخبر.\nوأما عن توليته شريح القضاء فقد تحدثنا عنه في قسم الصحيح والله أعلم.\n\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-405> فتح أذربيجان</span>\nتحدث الطبري عن فتح أذربيجان بلا إسناد، والأغلب أنه تتمة الرواية السابقة لها (٤/ ١٥٣ / ٥٥٦) وهو ضعيف الإسناد ولم نجد رواية صحيحة تؤيد ما ذكر سيف في تفاصيل دقيقة إلا أننا سنذكر هنا ما وجدنا في فتح أذربيجان عند البلاذري وخليفة بن خياط:\nفقد ذكر خليفة فتح أذربيجان ضمن أحداث سنة (٢٢ هـ) وذكر عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي وعلي بن محمد المدائني صاحب التأريخ أن أمير المسلمين يوم فتح أذربيجان كان المغيرة بن شعبة - ﵁ - ثم ذكر عن أبي عبيد أنه نسب الإمرة إلى حبيب بن مسلمة الفهري وذكر قولًا ثالثًا دون أن يسنده إلى قائله (ويقال: افتتحها عتبة بن فرقد) ثم أخرج خليفة:\n١ - قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: نا التيمي عن أبي عثمان قال: جاءنا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد (تأريخ خليفة / ١٥١). ورجال هذا الإسناد ثقات إلا أن التيمي لم يوثقه غير ابن حبان وروى له أبو داود في سننه ويؤيده الخبر الآتي:\n٢ - أخرج البلاذري قال: وحدثني العباس بن الوليد النَّرسي قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: كنت مع عتبة بن فرقد حين افتتح أذربيجان فصنع سفطين من خبيص وألبسهما الجلود واللبود، ثم بعث إلى عمر مع سحيم مولى عتبة، فلما قدم عليه قال: ما الذي جئت به أذهب أم ورق؟ وأمر به فكشف عنه، فذاق الخبيص فقال: إن هذا لطيب أُثْر أكُلُّ المهاجرين أكل منه شِبَعَهُ؟ قال: لا إنما هو شيء خصَّك به، فكتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد: أما بعد فليس من =","vol":"3","page":284},{"text":"٢٠٨ / د- وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عامله على مكة عتَّاب بن أسيد، وعلى اليمن يعلَى بن أميَّة، وعلى سائر أمصار المسلمين الذين كانوا عمّاله في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل. (٤: ١٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>ذكر عزل عمَّار عن الكوفة</span>\n٢٠٨ / هـ- وفي هذه السنة عَزَل عمرُ بن الخطاب عمّارًا عن الكوفة؛ واستعمل أبا موسى في قول بعضهم؛ وقد ذكرت ما قال الواقديّ في ذلك قبل. (٤: ١٦٣).\n٢٠٩ - كتب إليَّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطُّفَيل، قال: قيل لعمّار: أساءك العزل؟ فقال: والله ما سرّني حين استعمِلت، ولقد ساءني حين عُزلت (١). (٤: ١٦٣).\n_________\n= كدّك ولا كدّ أمك ولا كدّ أبيك لا نأكل إلّا ما يشبع منه المسلمون في رحالهم. إلا أن البلاذري نفسه أخرج روايتين أخريتين هما:\n٣ - وحدثني المدائني عن علي بن مجاهد عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: عزل عمر حذيفة عن أذربيجاد واستعمل عليها عتبة بن فرقد السلمي فبعث إليه بأخبصة قد أدرجها في كرابيس ... الخبر. وفي آخره: وقال عتبة: قدمت من أذربيجان وافدًا على عمر فإذا بين يديه عضلة جزور (فتوح البلدان / ٤٥٧).\n٤ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني عبد الله بن معاذ العبقري عن أبيه، عن سعد بن الحكم، عن عتبة، عن زيد بن وهب، قال: لمّا هزم الله المشركين بنهاوند رجع أهل الحجاز إلى حجازهم، وأهل البصرة إلى بصرتهم وأقام حذيفة بنهاوند في أهل الكوفة، فغزا أذربيجان فصالحوه على ثمانمئة ألف درهم (فتوح البلدان / ٤٥٨).\nقلنا: ومن هذه الروايات وغيرها من الروايات (الضعيفة السند) عند البلاذري يتبيّن لنا أن أذربيجان فتحت أكثر من مرّة على يد أكثر من واحد من القادة المسلمين وذلك لأنهم نقضوا عهدهم أكثر من مرة والله تعالى أعلم، وسنعود إلى ذكر فتح أذربيجان عند ذكر الفتوحات في خلافة عثمان - ﵁ -.\n(١) إسناده ضعيف ولقد أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٥٦) قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن عبد الله قال: أخبرنا داود عن عامر (الشعبي) قال: قال عمر لعمّار: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عزلتني.\nقلنا: وهذا إسناد مرسل صحيح. والله تعالى أعلم.\nولم نجد رواية صحيحة تبيّن سبب العزل ولكن حديثي العهد بالإسلام كانوا يشون بأمرائهم =","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>ذكر مصير يَزدَجِرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك</span>\n٢٠٩ / أ- وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكانت عمّالهُ على الأمصار فيها عمّاله الذين كانوا عليها في سنة إحدى وعشرين غير الكوفة والبَصْرة؛ فإن عامله على الكوفة وعلى الأحداث كان المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبا موسى الأشعريّ. (٤: ١٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ذكر الخبر عن فتح توَّج</span>\n٢١٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خرجْنا مع مجاشع بن مسعود غازِين توّج، فحاصرناها، وقاتلناهم ما شاء الله، فلمّا افتتحناها وحَوينا نَهْبَها نهبًا كثيرًا، وقتلنا قتلَى عظيمة؛ وكان عليّ قميصٌ قد تخرّق؛ فأخذت إبرة وسِلْكًا وجعلت أخِيط قميصي بها. ثم إنّي نظرت إلى رجل في القتْلَى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حَجَرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته؛ فلما جمعت الرّثَّة، قام مجاشع خطيبًا، فحمِد الله، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تَغُلّوا، فإنه من غَلّ جاء بما غَلّ يوم القيامة. رُدّوا ولو المخيَط. فلما سمعتُ ذلك نزعت القَميص فألقيته في الأخماس (١). (٤: ١٧٥).\n_________\n= إلى أمير المؤمنين فتحقق - ﵁ - من أمرهم فتثبت براءة أمرائه مما اتهموا به كما مرّ بنا في قسم الصحيح مرات عديدة. وقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٥٦) أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سعيد قال: وشى رجل بعمار إلى عمر فبلغ ذلك عمّارًا فرفع يديه فقال: اللهم إن كان كذب عليّ فابسط له في الدنيا واجعله مُوَطأ العقب. اهـ.\n(١) إسناده ضعيف، ولكن له متابع فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٧٥) حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا عاصم بن كليب الحرمي قال: حدثني أبي قال: حاصرنا توج وعلينا رجل من بني سليم يقال له: مجاشع بن مسعود قال: فلما فتحناها قال: وعَلَيَّ قميص خلق، قال: فانطلقت إلى قتيل من القتلى الذين قتلنا، قال: فأخذت قميص بعض أولئك القتلى، قال: وعليه الدماء، قال: فغسلته بين أحجار ودلكته حتى أنقيته ولبسته ودخلت القرية فأخذت إبرة وخيوطًا فخيط قميصي، فقام مجاشع فقال: يا أيها الناس لا تغلوا شيئًا، من =","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>فتح إصطَخر</span>\n٢١١ - قال: وقصد عثمان بن أبي العاص لإصطَخر؛ فالتقى هو وأهل إصْطَخر بجُور فاقتتلوا ما شاء الله. ثم إنّ الله ﷿ فتح لهم جُور؛ وفتج المسلمون إصطَخر، فقتلوا ما شاء الله، وأصابوا ما شاؤوا، وفرّ مَن فرّ؛ ثمّ إن عثمان دعا الناس إلى الجِزاء والذمّة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهِرْبِذ وكلّ من هرب أو تنحى؛ فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وقد كان عثمان لمّا هزم القوم جمع إليه ما أفاء الله عليهم، فخمّسه، وبعث بالخُمس إلى عمر، وقسّم أربعة أخماس المغنم في الناس، وعفّت الجند عن النّهاب، وأدّوا الأمانة، واستدقّوا الدنيا. فجمعهم عثمان؛ ثم قام فيهم، وقال: إنّ هذا الأمر لا يزال مقبِلًا؛ ولا يزال أهله معافين مما يكرهون، ما لم يَغُلُّوا، فإذا غَلُّوا رأوْا ما ينكرون ولم يسدّ الكثير مسدّ القليل اليوم. (٤: ١٧٥).\n٢١٢ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سُفيان، عن الحسن، قال: قال عُثمان بن أبي العاص يوم إصْطَخر: إنّ الله إذا أراد بقوم خيرًا كفّهم، ووفّر أمانتهم، فاحفظوها؛ فإنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة؛ فإذا فقدتموها جُدِّد لكم في كلّ يوم فقدان شيء من أموركم.\n_________\n= غل شيئًا جاء به يوم القيامة ولو كان مخيطًا قال: فانطلقت إلى ذلك القميص فنزعته وانطلقت إلى قميصي فجعلت أفتقه حتى والله يا بني جعلت أمزق قميصي توقيًا على الخيط أن يقطع، فانطلقت بالقميص والإبرة والخيط الذي كنت أخذته من المقاسم فألقيته فيها، ثم ما ذهبت من الدنيا حتى رأيتهم يغلون الأسواق، فإذا قلت: أي شيء؟ قالوا: نصيبنا من الفيء أكثر من هذا.\nوأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة أو غيره قال: قطع عثمان والحكم فلقوا شهرك بريستهر فافتتحوها فجاء برأس شهرك رجل من اليحمد يقال له: جديد بن مالك أو مالك بن جديد إلى عثمان بن أبي العاص، فنزلوا توج وابتنوا بها البناء ثم تحوّلوا عنها (تأريخ خليفة / ١٤٢).\nوأخرج خليفة بن خياط في تأريخه: عن أبي أسامة قال: أخبرنا العلاء بن المنهال عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: حاصرنا توّج وعلينا مجاشع بن مسعود ففتحناها (تأريخ خليفة / ١٤٢). قلنا: وإن كان هذا الإسناد منقطعًا فقد رواه ابن أبي شيبة موصولًا كما سبق قبل قليل، والله أعلم.","vol":"3","page":287},{"text":"ثم إنّ شهرك خلع في آخر إمارة عمر وأوّل إمارة عثمان، ونشَّط أهلَ فارس، ودعاهم إلى النقض، فوُجِّه إليه عُثمان بن أبي العاص ثانيةً، وبعِث معه جنود أمِدّ بهم، عليهم عُبيد الله بن مَعْمر، وشِبْل بن معبد البَجَلِيّ، فالتقوْا بفارس، فقال شهرك لابنه وهو في المعركة؛ وبينهم وبين قرية تدعى ريشَهْر ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخًا: يا بنيّ! أين يكون غَدَاؤنا؟ هاهنا أو ريشهر؟ فقال: يا أبتِ إن تركونا فلا يكون غداؤنا هاهنا ولا ريشهر، ولا يكونَنّ إلّا في المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، قتل فيه شهرك وابنه، وقتل الله جلّ وعزّ منهم مقتلة عظيمة، وولي قتلَ شَهْرك الحكَم بن أبي العاص بن بشر بن دُهمان أخو عثمان (١). (٤: ١٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>ذكر فتح فَسا ودارابِجَرْدَ</span>\n٢١٣ - كتبَ إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنذكر ما يقوي هاتين الروايتين ونعود لذكر إصطخر في عهد سيدنا عثمان إن شاء الله:\n١ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٧٨) حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا عبد الله بن الوليد عن عمر بن محمد بن حاطب قال: سمعت جدي محمد بن حاطب قال: ضرب علينا بعث إلى إصطخر فجعل الفارس للقاعد ثلاثًا.\n٢ - وأخرج خليفة بن خياط قال: وحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده قال: لم يزالوا في الحصن حتى كتب لهم عمر كتابًا وأجلهم أربعة أشهر يذهبون حيث شاؤوا فذهبوا إلى إصطخر (تأريخ خليفة / ١٤٢) وإسناده مرسل صحيح ويتأيد بما ذكرنا سابقًا في فتح توّج وما سنذكر في فتح إصطخر والله أعلم.\nوخليفة بن خياط يرى أن إصطخر التي حدثت سنة ٢٣ هـ هي غزوة إصطخر الأولى ونسب ذلك إلى ابن إسحاق كما حدثه شيخه بكر عن ابن إسحاق قال: إصطخر الأولى سنة ٢٣ هـ ولم تفتح (تأريخ خليفة / ١٥٢).\nقلنا: وهذا إسناد معضل والله أعلم.\nوأخرج خليفة بن خياط ضمن أحداث سنة ٢٣ هـ (غزوة إصطخر): وحدثني الوليد بن هشام قال حدثني أبي عن جدي قال: غزا عثمان بن أبي العاص من توّج سنوات في خلافة عمر، وعثمان يغزو صيفًا ويرجع فيشتو بتوَّج (تأريخ خليفة / ١٥٢). وهذا إسناد مرسل والله أعلم.","vol":"3","page":288},{"text":"والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد سارية بن زُنَيم فَسا وَدارَابجرْد، حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله. ثم إنهم استمدّوا، فتجمّعوا وتجمّعت إليهم أكراد فارس، فدَهم المسلمين أمرٌ عظيم، وجمع كثير؛ فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم؛ وكان أرِيَهم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها؛ أحيط بهم، وإن أرَزُوا إلى جبل من خلفهم؛ لم يؤتَوا إلّا من وجه واحد. ثمّ قام فقال: يا أيّها الناس؛ إني رأيت هذين الجمعين -وأخبر بحالهما- ثم قال: يا سارية! الجبلَ، الجبلَ! ثمّ أقبل عليهم، وقال: إنّ لله جنودًا، ولعلّ بعضها أن يبلِّغهم؛ ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد؛ فهزمهم الله لهم؛ وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم (١). (٤: ١٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعيّ والأكراد</span>\n٢١٤ - حدّثني عبد الله بن كَثير العبديّ، قال: حدَّثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو جَناب، قال: حدَّثنا أبو المحجَّل الرّدينيّ عن مخْلَد البكريّ، وعلقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيدة: أنّ أميرَ المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان؛ أمّر عليهم رجلًا من أهل العلم والفقه؛ فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سلَمة بن قيس الأشجعي فقال: سِرْ باسم الله، قاتِلْ في\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولأصله ما يشهد له، فقد أخرج ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٣٥) عدة روايات في قولة سيدنا عمر - ﵁ -: (يا سارية الجبل يا سارية الجبل) فمن هذه الطرق التي ذكرها ابن كثير طريق عبد الله بن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر وجّه جيشًا ورأس عليهم رجلًا يقال له: سارية، قال: فبينا عمر يخطب فجعل ينادي يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! ثلاثًا. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديًا: يا سارية الجبل! ثلاثًا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصح بذلك. اهـ.\nوقال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد جيد حسن، ثم ذكر ابن كثير طرقًا أخرى لهذه الرواية عند الواقدي واللالكائي وقال في آخرها: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا والله أعلم.","vol":"3","page":289},{"text":"سبيل الله من كفر بالله؛ فإذا لقيتم عدوَّكم من المشركين؛ فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة؛ وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم؛ فلهم مثلُ الذي لكم، وعليهم مثل الذي عليكم؛ فإن أبوْا فادعوهم إلى الخراج؛ فإن أقرّوا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم؛ وفرّغوهم لخراجهم؛ ولا تكلّفوهم فوق طاقتهم؛ فإن أبوْا؛ فقاتلوهم؛ فإن الله ناصركم عليهم؛ فإن تحصّنُوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله؛ فلا تنزلوهم على حكم الله؛ فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم! وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمّة الله وذمّة رسوله؛ فلا تعطُوهم ذمّة الله وذمّة رسوله؛ وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم؛ فلا تغلّوا ولا تغدِروا ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا. قال سلمة: فسرنا حتى لقِينَا عدوّنا من المشركين، فدعوْناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين، فأبوْا أن يسلِموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوْا أن يُقرّوا، فقاتلناهم فنصرَنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرّية، وجمعنا الرّثّة؛ فرأَى سلَمة بن قيس شيئًا من حِلْية، فقال: إنّ هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فتطيب أنفسكم أن نبعث به إلى أمير المؤمنين، فإنّ له بُرُدًا ومَؤونة؟ قالوا: نعم، قد طابت أنفسنا. قال: فجعل تلك الحِلية في سَفَط، ثم بعث برجل من قومه، فقال: اركب بها؛ فإذا أتيت البَصْرة فاشتر على جوائز أمير المؤمنين راحلتين؛ فأوقِرْهما زادًا لك ولغلامك، ثم سِرْ إلى أمير المؤمنين.\nقال: ففعلت، فأتيتُ أمير المؤمنين وهو يغدّي الناسَ متّكئًا على عصا كما يصنع الراعي وهو يدور على القِصاع، يقول: يا يرفأ؛ زدْ هؤلاء لحمًا، زِدْ هؤلاء خبزًا، زدْ هؤلاء مَرَقة، فلما دُفعتُ إليه، قال: اجلس؛ فجلست في أدنَى الناس؛ فإذا طعام فيه خشونة طعامي، الذي معي أطيبُ منه. فلما فرغ الناس من قصاعهم قال يا يرفأ! ارفع قِصاعك ثمّ أدْبِر؛ فاتّبعته فدخل دارًا، ثم دخل حجرة، فاستأذنت وسلمت، فأذن لي، فدخلت عليه فإذا هو جالسٌ على مِسْح متّكئ على وسادتين من أدُم محشوّتين ليفًا؛ فنبذ إليّ بإحداهما، فجلست عليها، وإذا بَهْوٌ في صفّة فيها بيت عليه سُتَير، فقال: يا أم كلثوم! غداءنا! فأخرجت إليه خُبزة بزيت في عُرْضها ملح لم يُدَقّ، فقال: يا أمّ كلثوم! ألا","vol":"3","page":290},{"text":"تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا؟ قالت: إني أسمع عندك حِسَّ رجل، قال: نعم ولا أراه من أهل البلد -قال: فذلك حين عرفت أنه لم يعرفني- قالت: لو أردتَ أن أخرج إلى الرجال لكسوتَنِي كما كسا ابنُ جعفر امرأته، وكما كسا الزُّبَيْر امرأته، وكما كَسَا طلحة امرأته! قال: أوَ مَا يَكفيك أن يقال: أمّ كُلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، وامرأة أمير المؤمنين عمر! فقال: كلْ؛ فلو كانت راضيةً لأطعمتْك أطيبَ من هذا. قال: فأكلتُ قليلًا -وطعامي الذي معي أطيب منه- وأكل، فما رأيت أحدًا أحسن أكلًا منه ما يتلبّس طعامهُ بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاؤوا بعُسّ من سُلْت فقال: أعط الرّجل، قال: فشربت قليلًا، سويقي الذي معي أطيب منه، ثمّ أخذه فشربه حتى قَرَع القدح جبهته، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا. قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فرويَ؛ حاجتي يا أمير المؤمنين! قال: وما حاجتك؟ قال: قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، قال: مرحبًا بسلمَة بن قيس ورسولهِ! حدّثني عن المهاجرين كيف هم؟ قال: قلت: هم يا أميرَ المؤمنين كما تحبّ من السلامة والظَّفر على عدوّهم. قال: كيف أسعارهم؟ قال: قلت: أرخص أسعار. قال: كيف اللحم فيهم فإنها شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها؟ قال: قلت: البقرة فيهم بكذا، والشاة فيهم بكذا يا أميرَ المؤمنين! سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوْناهم إلى ما أمرتَنا به من الإسلام فأبوْا، فدعوْناهم إلى الخراج فأبوْا، فقاتلناهم فنصرَنا الله عليهم، فقتلْنا المقاتلة، وسبينا الذّرّية، وجمعنا الرّثّة؛ فرأى سلمة في الرثّة حِلْية، فقال للناس: إنّ هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فتطيب أنفسكم أنْ أبعثَ به إلى أمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم. فاستخرجت سَفَطي، فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب ثمّ جعل يده في خاصرته، ثم قال: لا أشبع الله إذًا بطن عمر! قال: فظنّ النساء أني أريد أن أغتاله، فجئن إلى الستر، فقال: كفّ ما جئت به، يا يرفأ! جَأ عنقه. قال: فأنا أصلح سَفَطي وهو يجأ عنقي! قلت: يا أميرَ المؤمنين! أبْدِعَ بي، فاحملني، قال: يا يرفأ أعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيتَ أفقر إليهما منك فادفعهما إليه. قلت: أفعل يا أمير المؤمنين! فقال: أمَّا والله لئن تفرّق المسلمون في مشاتِيهم قبل أن يقسَم هذا فيهم لأفعلنّ بك وبصاحبك الفاقرة.","vol":"3","page":291},{"text":"قال: فارتحلتُ حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لي فيما اختَصصتني به! اقسم هذا في الناس قبل أن تصيبني وإيّاك فاقرة، فقسمه فيهم، والفصّ يباع بخمسة دراهم وستة دراهم؛ وهو خير من عشرين ألفًا (١). (٤: ١٨٦/ ١٨٧ / ١٨٨).\n٢١٥ - وأما السّريّ فإنه ذكر -فيما كتب به إليّ يذكر عن شعيب، عن سيف، عن أبي جناب، عن سليمان بن بُريدة- قال: لقيت رسولَ سلمة بن قيس الأشجعيّ، قال: كان عمر بن الخطاب إذا اجتمعَ إليه جيشٌ من العرب ... ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير عن جعفر بن عون؛ غير أنه قال في حديثه: عن شعيب عن سيف: وأعطوهم ذِمم أنفسكم. قال: فلقينا عدوّنا من الأكراد، فدعوناهم.\nوقال أيضًا: وجمعنا الرِّثّة، فوجد فيها سلَمة حُقّتين جوهرًا، فجعلها في سَفط.\nوقال أيضًا: أوَ مَا كفاكِ أن يقال: أمّ كُلثوم بنت عليّ بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطّاب! قالت: إنّ ذلك عني لقليل الغَناء، قال: كل.\nوقال أيضًا: فجاؤوا بعُسٍّ من سُلْت، كلّما حرّكوه فارَ فوقه مما فيه؛ وإذا تركوه سكن. ثم قال: اشرب، فشربت قليلًا؛ شرابي الذي معي أطيب منه، فأخذ القَدَح فضرب به جبهته، ثم قال: إنك لضعيفُ الأكل، ضعيف الشرب.\nوقال أيضًا: قلت: رسول سلمة، قال: مرحبًا بسلَمة وبرسوله؛ وكأنما خرجتَ من صلبه؛ حدّثْني عن المهاجرين.\nوقال أيضًا: ثم قال: لا أشبع الله إذًا بطن عمر! قال: وظنّ النساء أني قد اغتلتُه، فكشفن الستر، وقال: يا يرفأ، جأ عنقه، فوجأ عنقي وأنا أصيح، وقال: النَّجَاء؛ وأظنّك ستبطئ. وقال: أما والله الذي لا إله غيره لئن تفرّق الناس\n_________\n(١) في أول إسناده عبد الله بن كثير بن حسن العبدي (شيخ الطبري) لم نجد له ترجمة، وإسناده ... وله متابع كما سيأتي.","vol":"3","page":292},{"text":"إلى مشاتيهم ... وسائر الحديث نحو حديث عبد الله بن كثير (١). (٤: ١٨٩/ ١٩٠).\n٢١٦ - وحدّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدَّثنا أسد بن موسى، قال: حدَّثنا شهاب بن خِراش الحوشبيّ، قال: حدَّثنا الحجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر، عن شقيق بن سلمة الأسديّ، قال: حدَّثنا الذي جرى بين عمر بن الخطاب وسلَمة بن قيس، قال: ندب عمر بن الخطاب الناس إلى سلمة بن قيس الأشجعيّ بالحيرة، فقال: انطلقوا باسم الله ... ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير، عن جعفر (٢). (١٩٠: ٤).\n٢١٧ - قال أبو جعفر: وحجّ عمر بأزواج رسول الله - ﷺ - في هذه السنة؛ وهي آخر حَجّة حجّها بالناس؛ حدّثني بذلك الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، عن الواقديّ (٣). (٤: ١٩٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ويؤيده ما سيأتي.\n(٢) إسناده حسن والله أعلم.\n(٣) إسناده ضعيف إلّا أن المعنى صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم عن أبيه عن جده: أذن عمر - ﵁ - لأزواج النبي - ﷺ - في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (فتح الباري / ٤/ ٨٦) والحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٢٦) بزيادة في المتن والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>مسألة حجات عمر - ﵁ </span>-\nدأب الطبري أن يذكر في نهاية كل سنة من سني حكم الخليفة الفاروق - ﵁ -: أنه حج بيت الله الحرام، ولم نجد رواية مستقلة مسندة موصولة صحيحة تتحدث عن حجه - ﵁ - في كل سنة على حدة.\nإلّا أن الحافظ ابن حجر نسب إلى سعيد بن منصور: أنه روى عن ابن عباس - ﵄ -: أنه قال: (حججت مع عمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمي الجمرة) (فتح الباري ٣/ ٦٢٣).\nوإذا كانت هذه الرواية صحيحة فهذا يعني: أنه حج في جميع سني حكمه أو أنه حج في أغلبها والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>تحديد يوم وفاة سيدنا عمر - ﵁ </span>-\nلقد أخرج الطبري عدة روايات في ذلك ضعيفة الأسانيد والأرجح أنه توفي لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة من سنة (٢٣ هـ) وهذا هو رأي أبي معشر وعثمان الأخنس والواقدي وكذلك =","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>ذكر نسب عمر - ﵁ </span>-\n٢١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق. وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر وهشام بن محمد. وحدّثني عُمر، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قالوا جميعًا في نسب عمر: هو عمرُ بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن رِباح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ. وكنيته أبو حفص، وأمّه حَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (١). (٤: ١٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>تسميته بالفاروق</span>\nقال أبو جعفر: وكان يقال له: الفاروق.\nوقد اختلف السلف فيمن سمّله بذلك، فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله - ﷺ -.\nذكر من قال ذلك: (٤: ١٩٥).\nوقال بعضهم: أوّل مَنْ سمّاه بهذا الاسم أهل الكتاب.\nذكر من قال ذلك:\n٢١٩ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب: بلغنا\n_________\n= أخرج خليفة بن خياط في تأريخه فقال: روى ابن علية عن سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن طلحة قال: قُتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة (تأريخ خليفة / ١٥٢) والله تعالى أعلم.\n(١) مركب من ثلاثة أسانيد ضعيفة ولكن المعنى صحيح ولقد بوّب البخاري في صحيحه في مناقب الصحابة فقال: باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي - ﵁ - (فتح الباري ٧/ ٥٠) وكذلك قال ابن شبة في نسب سيدنا عمر هو: عمر بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قُرْط بن رزاح بن عدي بن كعب ويكنى أبا حفص وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (تأريخ المدينة ٦/ ٢ / ٢١٩)، وطبقات ابن سعد (٣/ ٢٦٥).","vol":"3","page":294},{"text":"أنّ أهل الكتاب كانوا أوّلَ مَن قال لعمر: الفاروق؛ وكان المسلمون يأثُرون ذلك من قولهم؛ ولم يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - ذكر من ذلك شيئًا (١). (٤: ١٩٥/ ١٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>ذكر صفته</span>\n٢٢٠ - حدَّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدَّثنا وكيع عن سفيان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ بن حُبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد -أو في جنازة زينب- آدم طُوالًا أصلعَ أعسرَ يَسرًا، يمشي كأنه راكب (٢). (٤: ١٩٦).\n٢٢١ - حدَّثنا هنّاد؛ قال: حدَّثنا شريك عن عاصم، عن زِرّ، قال: رأيت عمر يأتي العيد ماشيًا حافيًا أعسَر أيسَر متلبِّبًا بُرْدًا قَطَريًّا، مشرفًا على الناس كأنه على دابّة؛ وهو يقول: أيّها الناس؛ هاجروا ولا تهجَّروا (٣). (٤: ١٩٦).\n٢٢٢ - وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا شُعيب بن طلحة عن أبيه، عن القاسم بن محمد، قال: سمعتُ ابنَ عمر يصفُ عمر يقول: رجل أبيض، تعلوه حُمرة، طُوال، أشيب، أصلع (٤). (٤: ١٩٦).\n٢٢٣ - وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا خالد بن أبي بكر، قال: كان عُمر يصفّر لحيتَه، ويرجّل رأسه بالحِنّاء (٥). (٤: ١٩٦).\n_________\n(١) إسناده مرسل صحيح.\n(٢) إسناده صحيح وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.\n(٣) في إسناده شريك وفي حفظه شيء ولكن يؤيده ما قبله وكذلك قال الحافظ في ترجمته: وأخرج ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر طويلًا جسيمًا أصلع أشعر شديد الحمرة كثيرة السَّبَلة في أطرافها صهوبة، وفي عارضيه خفَّة. وروى يعقوب بن سفيان في تأريخه بسند جيد إلى زرّ بن حبيش قال: رأيت عمر (أعسر) أصلع آدم، قد فرع الناس كأنّه على دابة ... الخبر. الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٤٨٤ / ت ٥٧٥٢).\n(٤) إسناده ضعيف ولكن له ما يشهد له.\n(٥) إسناده ضعيف ولكن لبعضه ما يشهد له فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٣٢٧) قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت بن أنس قال: كان عمر يخضب بالحناء. =","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>ذكر مولده ومبلغ عمره</span>\n٢٢٣ / أ- وقال آخرون: توفِّي وهو ابن ثلاث وستين سنة. (٤: ١٩٧).\nذكر من قال ذلك:\n٢٢٤ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن داود، عن عامر، قال: مات عُمَر وهو ابن ثلاث وستين سنة (١). (٤: ١٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>ذكر بعض سِيَره</span>\n٢٢٥ - وحدّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: إذا كنت في منزلة تسعني وتعجِز عن الناس فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوةً للناس (٢). (٤: ٢٠١).\n٢٢٦ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيل عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: لئن عشت إنْ شاء الله لأسيرنّ في الرعيّة حَوْلًا، فإني\n_________\n= وإسناده صحيح وأخرجه ابن سعد عن ابن عمر أيضًا (٣/ ٣٢٧).\n(١) إسناده مرسل وهو صحيح فقد سبق أن تحدث الطبري ﵀ عن وفاة سيدنا عمر عند حديثه عن وفاة سيدنا أبي بكر - ﵁ - كما أخرج الطبري (٣/ ٤٢٠) عن جرير قال: كنت عند معاوية فقال: توفي النبي - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين سنة وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة. وإسناده صحيح وكذلك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق آخر عن معاوية - ﵁ - (٣/ ٤٢) والحديث كما ذكرنا أخرجه الترمذي (٥ / ح ٣٦٥٣) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>ذكر وقت إسلامه</span>\nذكر الطبري رواية ابن سعد عن الواقدي في تحديد وقت إسلام عمر - ﵁ -، والواقدي متروك وله رواية أخرى عند ابن سعد (الطبقات الكبرى / ٣/ ٢٦٩) أنه أسلم بعد أربعين رجلًا وعشرة نسوة.\nقلنا: ولم نجد رواية صحيحة تؤيد ما ذهب إليه الواقدي في أيٍّ من روايتيه إلّا أن الصحيح: أنه - ﵁ - من السابقين الأوائل إلى الإسلام وإن إسلامه كان عزًّا للمسلمين (راجع القسم الصحيح من العهد المكي من السيرة النبوية الشريفة).\n(٢) إسناده مرسل صحيح.","vol":"3","page":296},{"text":"أعلمُ أنّ للناس حوائج تقطع دوني؛ أما عمّالهم فلا يرفعونها إليّ؛ وأمّا هم فلا يصلون إليّ، فأسير إلى الشام؛ فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين؛ والله لنعمَ الحوْل هذا! (١). (٤: ٢٠١/ ٢٠٢).\n٢٢٧ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا سفيان، عن يحيى، قال: أخبرني سالم، عن أسلم، قال: بعثني عمر بإبل من إبل الصدقة إلى الحِمَى، فوضعت جَهازي على ناقة منها؛ فلما أردت أن أُصدِرها، قال: اعرِضْها عليّ، فعرضتُها عليه، فرأى متاعي على ناقة منها حسناء، فقال: لا أمّ لك! عَمَدت إلى ناقة تغني أهلَ بيت المسلمين! فهلّا ابن لَبون بوّالًا، أو ناقةً شَصُوصًا! (٢) (٢٠٢: ٤).\n٢٢٨ - حدّثني عمر بن إسماعيل بن مجالد الهمْدانيّ، قال: حدثنا أبو معاوية عن أبي حيان، عن أبي الزّنباع، عن أبي الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب: إن هاهنا رجلًا من أهل الأنبار له بَصر بالديوان؛ لو اتخذته كاتبًا! فقال عمر: لقد اتّخذتُ إذًا بِطانةً من دون المؤمنين (٣). (٤: ٢٠٢).\n٢٢٩ - ما حدَّثنا به محمد بن المثنّى، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا شعبة عن يحيى بن حضَين، سمع طارق بن شهاب يقول: قال عمر في عمّاله: اللهمّ إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم؛ ولا ليضربوا أبشارهم، مَن ظلَمه أميره فلا إمْرة عليه دوني (٤). (٤: ٢٠٣).\n٢٣٠ - وحدّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطبَ الناس يوم الجمعة، فقال: اللهمّ إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينَهم وسنّة نبيّهم؛ وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن\n_________\n(١) مرسل صحيح وكذلك أخرجه ابن شبة (أخبار المدينة ٦/ ٣ / ٣٨).\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) إسناده ضعيف ومتنه صحيح.\n(٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":297},{"text":"يعدِلوا؛ فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ (١). (٤: ٢٠٣/ ٢٠٤).\nذكر الخبر الوارد عنه بذلك:\n٢٣١ - حدَّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا قُرّة بن خالد، عن بكر بن عبد الله المُزنِيّ، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف فضرَبه، فجاءت المرأة ففتحته؛ ثم قالت له: لا تدخل حتى أدخل البيت وأجلس مجلسي، فلم يدخل حتى جلست، ثم قالت: ادخل، فدخل، ثم قال: هل من شيء؟ فأتته بطعام فأكل، وعبد الرحمن قائم يصلّي، فقال له: تَجَوّز أيّها الرجل؛ فسلم عبد الرحمن حينئذ، ثم أقبل عليه، فقال: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؛ ! قال: رُفقة نزلتْ في ناحية السوق خشيتُ عليهم سُرّاق المدينة، فانطلق فلنحرسهم! فانطلقا فأتيا السوق، فقعدا على نَشَزٍ من الأرض يتحدّثان، فرفع لهما مصباح، فقال عمر: ألم أنْهَ عن المصابيح بعد النوم! فانطلقا، فإذا هم قوم على شراب لهم، فقال: انطلق فقد عرفته، فلما أصبح أرسل إليه فقال: يا فلان! كنتَ وأصحابك البارحة على شراب. قال: وما علمُك يا أميرَ المؤمنين؛ ! قال: شيء شهدته؛ فقال: أوَ لم ينهك الله عن التجسّس! قال: فتجاوز عنه.\nقال بكر بن عبد الله المُزنيّ: وإنّما نهى عمر عن المصابيح؛ لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمِي بها في سقف البيت فيحترق، وكان إذْ ذاك سقف البيت من الجريد (٢). (٤: ٢٠٥).\n٢٣٢ - قال أبو جعفر: وكان - ﵁ - شديدًا على أهل الرِّيَب، وفي حقّ الله صلىبًا حتى يستخرجه، وليّنًا سهلًا فيما يلزمه حتى يؤدّيَه، وبالضعيف رحيمًا رؤوفًا. حدّثني عبيد الله بن سعيد الزُّهريّ، قال: حدَّثنا عمّي، قال: حدَّثنا أبي، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عجلان: أنّ زيد بن أسلم حدّثه عن أبيه: أنّ نفرًا من المسلمين كلّموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: كلّم عمر بن الخطاب؛ فإنه قد أخشانا حتى والله ما نستطيع أن ندِيم إليه أبصارنا. قال: فذكر\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) إسناده مرسل صحيح.","vol":"3","page":298},{"text":"ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر، فقال: أوَقد قالوا ذلك! فوالله لقد لِنت لهم حتى تخوّفت الله في ذلك؛ ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، وايم الله لأنا أشدّ منهم فرَقًا منهم منّي! (١) (٤: ٢٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>تسمية عمر - ﵁ - أمير المؤمنين</span>\n٢٣٢ / أ- قال أبو جعفر: أوّلُ مَنْ دُعِيَ أمير المؤمنين عمرُ بن الخطاب، ثم جرت بذلك السنّة، واستعمله الخلفاء إلى اليوم. (٤: ٢٠٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>وضعه التأريخ</span>\n٢٣٢ / ب- قال أبو جعفر: وكان أوّل مَن وضع التاريخ وكتبه -فيما حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر- في سنة ستّ عشرة في شهر ربيع الأول منها، وقد مضى ذكري سبب كتابه ذلك؛ وكيف كان الأمر فيه.\nوعمر - ﵁أوّل مَنْ أرّخ الكتب، وخَتم بالطين. وهو أوّل مَن جمع الناس على إمام يصلِّي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان (٢). (٤/ ٢٠٩).\n_________\n(١) رجال إسناده رجال الصحيح غير ابن عجلان وهو صدوق إلا أن أحاديث أبي هريرة اختلطت عليه، وروايته هذه ليست من أحاديث أبي هريرة، والله تعالى أعلم.\n(٢) لقد أخرج الطبري في هذه المسألة روايتين بإسنادين ضعيفين ولكن ما قاله من أنه - ﵁ - أول من سُمِّي أمير المؤمنين فصحيح:\nفقد أخرح ابن شبة عن الشفاء - ﵂ - (وكانت من المهاجرات الأول) وفيها (أي: الرواية) فوثب (عمرو) فدخل على عمر - ﵁ - فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال عمر: يا عمرو ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما دخلت فيه أو لأفعلن! قال: قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين فهما والله أصابا (اسمك فأنت الأمير ونحن المؤمنون، قال: فجرى الكتاب في ذلك اليوم). ونسبه الهيثمي إلى الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح المجمع (٩/ ٦١) والله أعلم.\nوأما عن جمعه - ﵁ - الناس على إمام يصلي بهم التراويح في رمضان فأصله في =","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>حمله الدّرّة وتدوينه الدواوين</span>\n٢٣٢ / جـ - وهو أوّل مَن حمل الدّرّة، وضرب بها؛ وهو أوّل مَن دَوّن للناس في الإسلام الدواوين، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم العطاء (١). (٢٠٩: ٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>شيء من سيره مما لم يمض ذكره</span>\n٢٣٣ - وحدّثني عمر، قال: حدَّثنا عليّ عن مسلمة بن محارب، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن أبي صعصعة عن الأحنف، قال: أتى عبد الله بن عمير عمر؛ وهو يفرض للناس -واستشهد أبوه يوم حُنين- فقال: يا أمير المؤمنين! افرض لي. فلم يلتفت إليه، فنخسه، فقال عمر: حسِّ! وأقبل عليه فقال: مَن أنت؟ قال: عبد الله بن عمير، قال: يا يرفأ، أعطه ستمئة، فأعطاه خمسمئة،\n_________\n= صحيح البخاري، كما أخرج عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ليلة من رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ... الحديث. فتح الباري (٤/ ٢٩٥).\n(١) أما عن تدوينه الدواوين فالمصادر التأريخية جلّها تقول بذلك، ولقد أورد الطبري عدة روايات في ذلك كلها من طريق الواقدي وهو متروك، ولقد تحدث الطبري عن هذه المسألة في الجزء الثالث من تأريخ الملوك والرسل كذلك ولقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى، (٦/ ٣٥٠) وأبو يوسف في (الخراج / ٤٥) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قدم إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - من البحرين قال: وصليت معه العشاء فلما رآني سلمت عليه فقال: ما قدمت به فقلت: بخمسمئة ألف ... الخبر. وفيه: يا أمير المؤمنين إني رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانًا يعطون الناس عليه. قال: فدون الدواوين ... إلخ. ومحمد بن عمرو صدوق له أوهام وروايته هذه في التأريخ لا في الأصول والله تعالى أعلم.\nوأخرج البيهقي في السنن (٦/ ٣٥٠) رواية أخرى في هذا المعنى عن أبي معشر عن عمر مولى غفرة وغيره.","vol":"3","page":300},{"text":"فلم يقبلها، وقال: أمرَ لي أمير المؤمنين بستمئة، ورجع إلى عمر فأخبره، فقال عمر: يا يرفأ! أعطهِ ستمئة وحُلّة، فأعطاه فلبس الحلّة التي كساه عمر، ورمى بما كان عليه، فقال له عمر: يا بُنيّ، خذ ثيابك هذه فتكون لمهنة أهلك، وهذه لزينتك (١). (٤: ٢٢١/ ٢٢٢).\n٢٣٤ - وحدّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا سُفيان عن حبيب، عن أبي وائل، قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت؛ لأخذت فضولَ أموالِ الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين (٢). (٤: ٢٢٦).\n٢٣٥ - وحدّثنا ابن بشار، قال! حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: كان الوفد إذا قدِموا على عمر - ﵁ - سألهم عن أميرهم، فيقولون خيرًا، فيقول: هل يعود مرضاكم؟ فيقولون: نعم؛ فيقول: هل يعود العبد؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضّعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا لِخصلة منها: لا؛ عَزله (٣). (٤: ٢٢٦).\n_________\n(١) رجاله ثقات غير مسلمة بن محارب لم يوثقه غير ابن حبان.\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) إسناده صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>قصة الشورى</span>\n(٤/ ٢٢٧): ذكر الطبري ثلاث روايات في هذه (قصة الشورى) التي أمر بها سيدنا عمر - ﵁ - حين حضرته الوفاة: الأولى عند الحديث عن وفاته - ﵁ - وفي إسنادها متروك (٤/ ١٩٠ / ٥٨٧). والثانية (٤/ ٢٢٧ / ٦٥٨) رواية ضعيفة جدًّا كما ذكرنا. والثالثة (٤/ ٢٣٤ / ٦٥٩) كالرواية الأولى في إسنادها متروك كما ذكرنا هناك، ولكن في هذه الروايات بعض المسائل الصحيحة، وفيها ما فيها من الطامات والمخالفات ما نبّه إليها أئمة الحديث والجرح والتعديل وقد ذكرناها في قسم الضعيف، أما هنا فسنذكر ما صح إسناده كي نظهر مفخرة أخرى من مفاخر التأريخ الإسلامي ظهورًا صافيًا نقيًا جليًّا للعين تحرق شمسه أعين الحاقدين على تأريخ الصحابة الكرام من مبتدعة أو مستشرقين أو متغرّبين:\n١ - أخرج البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب - ﵁ - قبل أن يصاب بأيام بالمدينة ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف =","vol":"3","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل. قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا. قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب. قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب -وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس- فما هو إلّا أن كبر فسمعته يقول: قتلني، أو: أكلني -الكلب- حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شمالًا إلّا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال: يا بن عباس، انظر من قتلني فجاء ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدّعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا، فقال: إن شئت فعلت -أي إن شئت قتلنا- قال: كذبت بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم؟ ! فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ.\nفقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه. فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا: أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله - ﷺ - وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وودت أن ذلك كفاف لا عليّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: يا بن أخي! ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: إن وفي له مال آل عمر فأدوه من أموالهم، وإلّا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّعني هذا المال. انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام -ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا- وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويسنأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي. فلما أقبل: قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني. فأسند رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين! أذنت. قال: الحمد لله ما كان من =","vol":"3","page":302},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شيء أهم إليّ من ذلك، فإذا أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف! قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر -أو الرهط- الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راضٍ. فسمى عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن. وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر -وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذلك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرًا؛ الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم: أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب وقادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله - ﷺ - أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلّا طاقتهم. فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لننظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ ولله عليّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله - ﷺ - والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان! فبايعه فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه اهـ. (فتح الباري ٧/ ٧٤ - ٧٥ - ٧٦) وهذه الرواية عند ابن أبي شيبة في مصنفه (١٤/ ٥٧٤).\n٢ - وأخرج البخاري رواية أخرى من طريق المسور بن مخرمة (ح: ٧٢٠٧) وفيه: فتشاوروا فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنا منكم على هذا الأمر ولكنكم إن شئتم؛ اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا متها فبايعنا عثمان، قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا، فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعدًا، فدعوتهما =","vol":"3","page":303},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= له، فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي عليًّا، فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن للصبح فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد -وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر- فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد: يا علي! إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا. فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>عمّال عمر - ﵁ - على الأمصار</span>\nوكان عامل عمر بن الخطاب - ﵁ - في السنة التي قُتل فيها؛ وهي سنة ثلاث وعشرين -على مكّة: نافع بن عبد الحارث الخُزاعيّ، وعلى الطائف: سُفيان بن عبد الله الثَّقفيّ، وعلى صنعاء: يعلَى بن مُنْية؛ حليف بني نوفل بن عبد مناف، وعلى الجَنَد: عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة: المغيرة بن شعبة؛ وعلى البصرة: أبو موسى الأشعريّ، وعلى مصر: عمرو بن العاص؛ وعلى حِمْص: عُمير بن سعد، وعلى دمشق، معاوية بن أبي سفيان؛ وعلى البحرين، وما والاهما: عثمان بن أبي العاص الثقفيّ. (٤/ ٢٤١).","vol":"3","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>صحيح تاريخ عثمان بن عفان - ﵁ </span>-","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>فضائل أمير المؤمنين عثمان ﵁ </span>(١)\n_________\n(١) فضائل أمير المؤمنين عثمان ﵁\n١ - أخرج البخاري في صحيحه (ح ٣٦٩٥): عن أبي موسى ﵁: \"أن النبي ﵌ دخل حائطًا وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال له: ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه فإذا عثمان بن عفان\" صحيح.\nقال حماد: وزاد فيه عاصم: أن النبي - ﷺ - كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه -أو- ركبته فلما دخل عثمان غطاها. وأخرجه مسلم (٢٤٠٣) والترمذي (٣٧١٠) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في فضائل الصحابة (٣١) وأحمد (٤/ ٣٩٣).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه (ح ٢٤١٧): عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان على حِراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله - ﷺ -: \"اهدأ فما عليك إلا نبيّ أو صديق أو شهيد\" صحيح. وأخرجه الترمذي (٣٦٩٦) وقال: وهذا حديث صحيح. وأحمد والنسائي في فضائل الصحابة (١٠٣).\n٢ - أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ح ٣٦٩٦): حدثني أحمد بن شبيب بن سعيد قال: حدثني أبي عن يونس بن شهاب قال: أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد الأسود قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه، فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك. قال: يا أيها المرء منك - قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك - فانصرفت فرجعت إليهما إذ جاء رسول عثمان فأتيته، فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه بعث محمدًا ﵌ بالحق وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ولرسوله - ﷺ -، فهاجرت الهجرتين وصحبت رسول الله ﵌ ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. قال: أدركت رسول الله ﵌؟ قلت: لا. ولكن خلص إليّ من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. قال: أما بعد فإن الله بعث محمدًا - ﷺ - بالحق فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين -كما قلت- وصحبت رسول الله ﵌ وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله ثم عمر مثله، ثم استخلفت أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما =","vol":"3","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا عليًّا فأمره أن يجلدهُ فجلده ثمانين. صحيح. وأخرجه أحمد مختصرًا (١/ ٧٥) وفي فضائل الصحابة (٧٩١).\n٣ - وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (ح ٢٤٠٢): عن سعيد بن العاص أن عائشة زوج النبي - ﷺ - وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله - ﷺ - وهو مضطجع على فراشه لابسٌ مِرْط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استاذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: \"اجمعي عليك ثيابك\" فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت فقال عائشة: يا رسول الله ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"إن عثمان رجلٌ حييٌّ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليّ في حاجته\" صحيح.\nوأخرجه أحمد (١/ ٧١ و١٥٥ و١٦٧)، (٦/ ١٥٥) وأبو يعلى (٨/ ٢٤٢) وأحمد في فضائل الصحابة (٧٩٣) وابن أبي عاصم (١٢٨٧) والبخاري في الأدب المفرد (٦٠٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٤).\n٤ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه (ح ٢٤٠١): أن عائشة قالت: كان رسول الله ﵌ مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله - ﷺ - وسوّى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك! فقال: \"ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة\". صحيح.\n٥ - وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (ح ٣٦٩٨): حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان وهو ابن موهب - قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر قال: يا بن عمر\" إني سائلك عن شيء فحدثني عنه. هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: هل تعلم أنه تغيب يوم بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. فقال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك أما فراره يوم أحد فاشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله - ﷺ - وكانت مريضة فقال له رسول الله - ﷺ -: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ يبطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﵌ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله - ﷺ -: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. صحيح.","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>ثم دخلت سنة أربع وعشرين ولاية سعد بن أبي وقّاص الكوفة</span>\n٢٣٦ - وفي هذه السنة عزَل عثمانُ المغيرةَ بن شعبة عن الكوفة، وولّاها سعد بن أبي وقاص فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ، قال: كان عمر قال: أوصِي الخليفةَ من بعدي أن يستعمل سعد بن أبي وقّاص، فإنّي لم أعزِلْه عن سوء، وقد خشيتُ أن يلحقه من ذلك. وكان أوّل عامل بعث به عثمان سعد بن أبي وقاص على الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة، والمغيرة يومئذ بالمدينة، فعمِل عليها سعد سنة وبعض أخرى، وأقرَّ أبا موسى سنوات (١) (٤: ٢٤٤).\n_________\n= وأخرجه الترمذي (٣٧٠٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد (٢/ ١٠١) وفي فضائل الصحابة (٧٣٧).\n(١) إسناده ضعيف، ولكن مسألة توصية عمر ﵁ لسعد بن أبي وقاص وردت في عموم وصيته ﵁ كما في رواية البخاري وغيره: فسمى عليًّا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن وفيه أيضًا (رواية البخاري المطولة في قصة وفاة سيدنا عمر والشورى): فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذلك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين والأنصار (فتح الباري ٧/ ٧٥) وهذه الرواية الصحيحة تؤيد ما عند الطبري من رواية سيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>غزوة أذربيجان وأرمينية</span>\nذكرنا الروايتين (٤/ ٢٤٦ / ح ٦٧٢) و(٤/ ٢٤٧ / ح ٦٧٣) في قسم الضعيف لأنهما من طريق أبي مخنف وهو راوٍ تالف. وكذلك تحدثنا عن فتح أذربيجان ضمن أحداث سنة (٢٢ هـ) ونعود سرة أخرى لنزيل اللبس إن شاء الله ونوضح الأمور أكثر فنقول وبالله التوفيق: - من خلال مراجعتنا للروايات التاريخية وآراء المؤرخين المعتمدين تبيّن لنا ما يلي -:\nلقد فتح المسلمون أذربيجان مرات عدة كلما نقض أهلها عقدهم مع المسلمين، ولذلك شارك في الفتح عدة قادة وعلى مراحل مختلفة.\n١ - فأول من فتحها حذيفة ﵁ في عهد سيدنا عمر ﵁.\n٢ - ثم نقضت عهدها ففتحها عتبة بن فرقد وصالحها على ما صالح عليه سلفه حذيفة.\n٣ - وإن صحت رواية البلاذري عن فروة بن لقيط الأزدي فإن هذه المدينة نقضت عهدها للمرة الثالثة ففتحها الوليد بن عقبة الذي كان واليًا على الكوفة في خلافة سيدنا عثمان ﵁. =","vol":"3","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>ثم دخلت سنة سبع وعشرين </span>(١)\n_________\n= ٤ - وبقي حذيفة مع الفاتحين وتحت إمرة غيره من القادة حول أذربيجان حتى حضر إلى المدينة في عهد سيدنا عثمان ﵁.\nوإليك أخي القارئ الكريم ما جمعنا من الروايات التاريخية والحديث في فتح أذربيجان:\n١ - أخرج البلاذري في فتوحه قال: وحدثني العباس بن الوليد النرسي قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: كنت مع عتبة بن فرقد حين افتتح أذربيجان فصنع سفطين من خبيص وألبسهما الجلود واللبود، ثم بعث إلى عمر مع سحيم مولى عتبة، فلما قدم عليه قال: ما الذي جئت به أذهب أم ورق؟ وأمر به فكشف عنه فذاق الخبيص فقال: إن هذا لطيب أثر أكُلُّ المهاجرين أكل منه شِبَعَهُ؟ قال: لا إنما هو شيء خصّك به، فكتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد، أما بعد فليس من كدّك ولا كدّ أمك ولا كدّ أبيك، لا نأكل إلا ما يشبع منه المسلمون في رحالهم (فتوح البلدان / ٤٥٧) وإسناده صحيح.\n٢ - وأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: نا التيمي عن أبي عثمان النهدي قال: جاءنا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد (تاريخ خليفة / ١٥١) وهذا إسناده صحيح.\nورواية خليفة والملاذري تقوي روايته والله أعلم.\n٣ - وأخيرًا نذكر حديثًا طويلًا في مسألة جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير ٦٥ / السورة ٩ ب ج ٥/ ٢٠) عن زيد بن ثابت وفيه (حتى قدم حذيفة بن اليمان على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية، وأذربيجان مع أهل العراق .. إلى آخر الرواية).\nولقد ذكر خليفة بن خياط فتح أذربيجان ضمن أحداث سنة (٢٢ هـ) (تأريخ خليفة / ١٥٧) فقال: حدثنا عن ابن إسحاق قال: فتحت سنة اثنين وعشرين وذكر خليفة رأيًا آخر فقال: وقال أبو عبيد: افتتحها حبيب بن مسلمة الفهري بأهل الشام عنوة ومعهم أهل الكوفة في خلافة عمر ومعهم حذيفة بعد قتال شديد. (تأريخ خليفة / ١٥١).\nوذكر في أحداث سنة (٢٨ هـ) فقال فيها غريب أذربيجان أمير الناس الوليد بن عقبة وقدم عبد الله بن سبيل الأحمسي فأعطوه الصلح الذي كان صالحهم عليه حذيفة (تاريخ خليفة / ١٦٠).\nقلنا: ولم يترجح لدينا أيٌّ من التواريخ المختلفة التي ذكرها المؤرخون لضعف الأسانيد ولكن المرجح لدينا أنها فتحت عدة مرات من قبل حذيفة أولًا في عهد سيدنا عمر ثم من قبل عتبة بن فرقد في عهد عمر ثم فتحها الوليد بن عقبة أو حبيب بن مسلم الفهري ومعهم حذيفة والله أعلم.\n(١) روى الطبري عدة روايات في عزل عمرو بن العاص بعد سنتين من خلافته وتولية عبد الله بن =","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة</span>\nفمما ذُكر أنه كان فيها فتح قُبرس، على يد معاوية، غزاها بأمر عثمان إيّاه؛ وذلك في قول الواقديّ. (٤/ ٢٥٨).\nوقال بعضهم: كانت قبرس سنة سبع وعشرين، غزاها - فيما ذكر - جماعة من أصحاب رسول لله - ﷺ -، فيهم أبو ذَرّ وعبادة بن الصامت؛ ومعه زوجته أمّ حرام والمقداد وأبو الدّرداء، وشدّاد بن أوس (١). (٤: ٢٥٨).\n_________\n= سعد بن أبي سرح على مصر، وتكاد المصادر التاريخية تجمع على ذلك، ثم ذكر الطبري في ما رواه أن عبد الله بن أبي السرح بدأ بغزو إفريقية تنفيدأ لأمر أمير المؤمنين عثمان ﵁ وهذا ما تؤكده أكثر المصادر التاريخية ولكن روايات الطبري في هذا الفتح ضعيفة فهي من طريق شعيب عن سيف أو من طريق الواقدي وهو متروك.\nولقد أخرج الكندي رواية في عزل عمرو وتولية عبد الله بن أبي سرح وهي من حديث الليث (مرسلًا) (ولاة مصر / ٣٤) وكذلك أخرج الكندي عن أبي أويس قال: (غزونا مع عبد الله بن سعد إفريقية في خلافة عثمان سنة سبع وعشرين) (ولاة مصر / ٣٦) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. وكذلك أخرج الذهبي رواية مصعب بن عبد الله عن أبيه والزبير بن خبيب قالا: قال ابن الزبير هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومئة ألف فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألف واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح (تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء ١/ ٣١٨) والبداية والنهاية (٧/ ١٥٢). وهذا إسناد ضعيف.\nقلنا: وفي هذه الروايات الضعيفة تفاصيل لم تتأكد من روايات صحيحة إلا أن هذه الروايات الضعيفة (سواء عند الطبري أو غيره) تؤكد جميعها على قيادة عبد الله بن أبي سرح لجيش المسلمين في فتح إفريقية وذلك في عهد سيدنا عثمان، ولعلها تتقوى ببعضها لتؤكد هذا المعنى، والله تعالى أعلم.\n(١) قلنا: وروى الطبري روايات عدة في فتح قبرس ابتداءً من (٤/ ٢٥٨) وحتى (٤/ ٦٦٢) وهي من طريق ضعيف (شعيب عن سيف) إلا رواية واحدة (٤/ ٦٦٢ / ٩٤٥) عن الليث معضلًا. ولقد ذكرنا الروايات جميعًا في قسم الضعيف ولم نجد لتفاصيلها متابعًا أو شاهدًا، إلّا أن غزو معاوية لقبرس في عهد أمير المؤمنين عثمان واشتراك عبادة بن الصامت وأم حرام في تلك الغزاة صحيح كما:\n١ - أخرج البخاري عن أنس عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت: نام النبي - ﷺ - يومًا قريبًا مني ثم استيقظ يتبسم، فقلت: ما أضحكك؟ قال: \"أناس من أمتي عرضوا عليّ يركبون هذا =","vol":"3","page":311},{"text":"٢٣٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، عن خالد بن مَعْدان، قال: أوّل مَن غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمانَ عثمان بن عفان، وقد كان استأذن عمر فيه فلم يأذن له؛ فلما ولي عثمان لم يزل به معاوية؛ حتى عزم عثمان على ذلك بأخرَة، وقال: لا تنتخب الناس، ولا تُقْرع بينهم؛ خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعِنْه، ففعل واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسيّ حليف بني فَزازة، فغزا خمسين غَزاة من بين شاتية وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب؛ وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده، وألّا يبتليَه بمصاب أحد منهم، ففعل، حتى إذا أراد الله أن يصيبَه وحدَه؛ خرج في قارب طليعةً، فانتهى إلى المرْقَى من أرض الروم، وعليه سُؤّال يعترّون بذلك المكان، فتصدّق عليهم، فرجعت امرأة من السؤّال إلى قريتها، فقالت للرجال: هل لكم في عبد الله بن قيس؟ قالوا: وأين هو؟ قالت: في المرقَى، قالوا: أي عدوّة الله! ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس؟ فوبّختْهم، وقالت: أنتم أعجز من\n_________\n= البحر الأخضر كالملوك على الأسرّة\". قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها فأجابها مثلها، فقالت: ادْع الله أن يجعلني منهم فقال: \"أنت من الأولين\". فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصرعت فماتت (فتح الباري ٦/ ١٣)، فتح الباري (٦/ ٧ باب تمني الشهادة / ح ٢٧٩٩).\n٢ - وأخرجه البخاري في مواضع عدة مختصرًا، ومنها ما أخرجه من حديث عمير بن الأسود العنسي أن أم حرام ﵂ سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا\". قالت أم حرام: قلت يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: \"أنت فيهم\". قال النبي - ﷺ -: \"أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم\". فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: \"لا\" (فتح الباري ٦/ ٩٣ باب ما قيل في قتال الروم / ح ٢٩٢٤). ثم ذكر الحافظ في الفتح: قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول صن غزا مدينة قيصر (فتح الباري ٦/ ١٠٢) وفي رواية مسلم: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت (صحيح مسلم / ٣/ ١٥١٨ / ح ١٩١٢) وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٦١) وابن سعد في ترجمة أم حرام (الطبقات الكبرى ٨/ ٤٣٥) أما عن تحديد الوقعة هل كانت في سنة (٢٧) أم (٢٨) هـ والأرجح أنها كانت سنة (٢٨) وقال الحافظ في الفتح: وأرخها (أي: خليفة) في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جزم ابن أبي حاتم.","vol":"3","page":312},{"text":"أن يخفى عبد الله على أحد. فثاروا إليه، فهجموا عليه، فقاتلوه وقاتلهم، فأصيب وحده؛ وأفلت الملّاح حتى أتى أصحابه، فجاؤوا حتى أرقوا، والخليفة منهم سفيان بن عوف الأزديّ، فخرج فقاتلهم، فضجِر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم، فقالت جارية عبد الله: واعبد الله! ما هكذا كان يقول حين يقاتل! فقال سفيان: وكيف كان يقول؟ قالت:\nالغمَرات ثم ينجلِينا\nفترك ما كان يقول، ولزم: \"الغمرات ثم ينجلينا\". وأصيب في المسلمين يومئذ، وذلك آخر زمان عبد الله بن قيس الجاسيّ، وقيل لتلك المرأة بعد: بأيّ شيء عرفتيه؟ قالت: بصدَقته؛ أعطى كما يُعطي الملوك؛ ولم يقبِض قبضَ التجّار (١). (٤: ٢٦٠/ ٢٦١).\n٢٣٧ / أ - وقال الواقديّ: غزا معاوية في سنة ثمان وعشرين قُبرس، وغزاها أهل مصر وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرْح، حتى لقوا معاوية، فكان على الناس (٢). (٤: ٢٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>ثم دخلت سنة تسع وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة</span>\nففيها عزَل عثمان أبا موسى الأشعريّ عن البصرة، وكان عاملَه عليها ستّ سنين، وولّاها عبدَ الله بن عامر بن كُريز، وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، فقدِمها. وقد قيل: إنّ أبا موسى إنما عمِل لعثمان على البصرة ثلاث سنين (٣) (٢٦٤: ٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولأصلها ما يشهد لها وسبق شروطنا في التعامل مع روايات سيف في تأريخ الخلفاء الراشدين، مما ذُكر: أنه كان فيها فتح قبرس على يد معاوية، غزاها بأمر عثمان إيّاه وذلك في قول الواقدي.\n(٢) قال الحافظ الذهبي الإمام المحدث المؤرخ: وقلَّ من مات وضبط موته في هذه السنوات كما ترى (تاريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ٣٢٤).\n(٣) ذكر الطبري عدة روايات في سبب العزل كلها ضعيفة، ولم نجد لها متابعًا أو شاهدًا ذكرنا جميعها في قسم الضعيف، وسنذكر ها هنا ما ورد في مسألة العزل هذه، فقد ذكر خليفة بن =","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة</span>\nوفي هذه السنة -أعني سنة تسع وعشرين- زاد عثمان في مسجد رسول الله - ﷺ - ووسّعه، وابتدأ في بنائه في شهر ربيع الأول؛ وكانت القَصّة تحمَل إلى عثمان من بطن نَخْل؛ وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عُمُده من حجارة فيها رصاص، وسقْفه ساجًا، وجعل طوله ستين ومئة ذراع، وعرضه مئة وخمسين ذراعًا، وجعل أبوابه على ما كانت عليه على عهد عمر، ستّة أبواب (١) (٤: ٢٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>ثم دخلت سنة ثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة</span>\nفممّا كان فيها غزوة سعيد بن العاص طَبرِستان في قول أبي معشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وفي قول الواقديّ وقول عليّ بن محمد المدالنيّ: حدّثني بذلك عمر بن شبّة عنه.\n_________\n= خياط ضمن أحداث سنة (٢٩ هـ): ولاية ابن عامر على البصرة وفارس: فيها عزل عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة وعثمان بن أبي العاص عن فارس وجمع ذلك لعبد الله بن عامر بن كريز ثم أخرج خليفة فقال: فحدثني الوليد بن هشام قال: حدثني أبي عن جدي عن الحسن قال: قال أبو موسى يقدم عليكم غلام كريم الجدات والعمات، يجمع له الجندان، فقدم ابن عامر. وسمعت أبا اليقظان ذكر نحو ذلك وقال قوم: ابن عامر وهو ابن أربع أو خمس وعشرين سنة. (تأريخ خليفة / ٦١).\nقلنا: وفي هؤلاء الرواة الذين وثقهم ابن حبان (الابن والأب والجد) احتملنا روايتهم من مثلهم التأريخية وإن كان في حفظه شيء شريطة أن لا يخالفوا ما أجمع عليه أئمة الحديث من عدالة الصحابة، والله أعلم.\n(١) قلنا: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًّا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد عمر فيه وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - ﷺ - باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا. ثم غير عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (فتح الباري ١/ ٦٤٣).\nوفي صحيح مسلم (١/ ٣٧٨) عن محمود بن لبيد الأنصاري قال: لما أراد عثمان بناء المسجد كره الناس ذلك، وأحبوا أن يدعوه على هيئته.","vol":"3","page":314},{"text":"وأما عليّ بن محمد المدائنيّ، فإنه قال - فيما حدّثني به عنه عمر -: لم يغزُها أحدٌ حتى قام عثمان بن عفان ﵁، فغزاها سعيد بن العاص سنة ثلاثين (١). (٤: ٢٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيدًا عليها</span>\n٢٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن عون بن عبد الله، قال: جاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود، فقالوا:\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>ذكر الخبر عنه عن غزوة سعيد بن العاص طبرستان</span>\nقلنا: أخرج الطبري ثلاث روايات ضعيفة في فتح طبرستان في سنة (٣٠ هـ) وفي إسناد اثنين منهما علي بن مجاهد وهو متروك، والرواية الثالثة منقطعة الإسناد وفيها من لم نجد له ترجمة.\nولكن ما ذكر الطبري في المقدمة (٤/ ٢٦٩) من أن سعيد بن العاص كان على رأس الجيش الفاتح لطبرستان، وذلك في عهد عثمان ﵁ فصحيح كما فيما يأتي:\nأخرج الحاكم في المستدرك (١/ ٣٣٥) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٦١) والسهمي في (تأريخ جرجان / ٤٧) وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٢٩٣) وأحمد في المسند (٥/ ٤٠٦) عن ثعلبة بن زهدم الحنظلي قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقال سفيان ... فوصف مثل حديث ابن عباس وزيد بن ثابت. واللفظ لأحمد، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولفظ السهمي في تأريخ جرجان (٤٧): فقام حذيفة فصف الناس خلفه صفين صف خلفه وصف موازي العدو. اهـ. وكذلك أخرج السهمي (تأريخ جرجان / ٤٦) وأحمد في المسند كلاهما من طريق سليم بن عبد السلولي قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان ومعه نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فاؤْمر أصحابك يقومون طائفتين طائفة خلفك وطائفة بإزاء العدو فتكبر ويكبرون جميعًا ثم تركع ويركعون جميعًا ثها ترفع ويرفعون جميعًا ثم تسجد ويسجد معك الطائفة التي تليك والطائفة التي بإزاء العدو قيام بإزاء العدو، فإذا رفعت رأسك ... الحديث. وفي إسناده سليم بن عبد السلولي لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، ولكن يشهد له ما ذكرنا قبله من طريق (ثعلبة بن زهدم) والله أعلم.\nوكذلك ذكر خليفة (فتح طبرستان) ضمن أحداث سنة (٣٠ هـ) فقال: وفيها غزا سعيد بن العاص طبرستان، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":315},{"text":"الوليد يعتكف على الخمر؛ وأذاعوا ذلك حتى طرح على ألسن الناس، فقال ابن مسعود: من استتر عنّا بشيء لم نتتبع عورته، وأنهتك ستره؛ فأرسل إلى ابن مسعود فأتاه فعاتبه في ذلك، وقال: أيُرْضَى من مثلك بأن يجيب قومًا موتورين بما أجبت عليّ! أيّ شيء أستتر به! إنما يقال هذا للمريب، فتلاحيا وافترقا على تغاضُب، لم يكن بينهما أكثر من ذلك (١). (٤: ٢٧٤/ ٢٧٥).\n٢٣٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وأتِي الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حدّه، فقال: وما يُدريك أنه ساحر! قال: زعم هؤلاء النّفر - لنفر جاؤوا به -: أنه ساحر، قال: وما يُدرِيكم أنه ساحر! قالوا: يزعم ذاك، قال: أساحر أنت؟ قال: نعم، قال: وتدرِي ما السحر؟ قال: نعم، وثار إلى حمار، فجعل يركبه من قبَل ذَنبه، ويُريهم أنه يخرج من فمه واستِه. فقال ابن مسعود: فاقتله. فانطلق الوليد، فنادوا في المسجد: أنّ رجلًا يلعب بالسحر عند الوليد، فأقبلوا، وأقبل جُندَب - واغتنمها - يقول: أين هو؟ أين هو؟ حتى أريَه! فضربه، فاجتمع عبد الله والوليد على حبسِه؛ حتى كتب إلى عثمان، فأجابهم عثمان أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه. وإنه لصادق بقوله فيما ظنّ من تعطيل حدّه. وعزّروه، وخلَّوْا سبيله. وتقدم إلى الناس في ألّا يعملوا بالظّنون، وألّا يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيد المخطئ، ونؤدّب المصيب. ففعل ذلك به، وتُرك لأنه أصاب حدًّا، وغضب لجُندب أصحابُه، فخرجوا إلى المدينة، فيهم أبو خُشَّة الغِفاريّ وجَثامة بن الصّعب بن جَثّامة ومعهم جُندب، فاستعفوْه من الوليد، فقال لهم عثمان: تعملون بالظنون، وتخطئون في الإسلام، وتخرجون بغير إذن؛ ارجعوا. فردّهم، فلما رجعوا إلى الكوفة، لم يبق موتورٌ في نفسه إلّا\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن يشهد له ما أخرج أبو داود في سننه (٤/ ٢٧٢) عن زيد بن وهب قال: أتي ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ منه، وأخرجه عبد الرزاق بلفظ: قيل لابن مسعود: هلك الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرًا - (المصنف ١٠/ ٢٣٢) ورجاله ثقات إلّا أن الأعمش مدلّس - وهذا عن شأن التجسس، أما مسألة اتهام الناس للوليد بن عقبة بشرب الخمر وجلد عثمان له فسنتحدث عنه بعد الرواية الآتية.","vol":"3","page":316},{"text":"أتاهم، فاجتمعوا على رأي فأصدروه، ثم دخلوا على الوليد - وكان ليس عليه حجَّاب - فدخل عليه أبو زينب الأزديّ وأبو مورِّع الأسديّ، فسلَّا خاتَمه، ثم خرجا إلى عثمان، فشهدا عليه؛ ومعهما نفر ممن يعرف من أعوانهم. فبعث إليه عثمان، فلما قدم أمر به سعيدَ بن العاص، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أنشدك الله! فوالله إنهما لخصمان موتوران.\nفقال: لا يضرّك ذلك؛ إنما نعمل بما ينتهي إلينا، فمن ظلَم فالله وليّ انتقامه، ومن ظُلِم فالله وليّ جزائه (١). (٤: ٢٧٥/ ٢٧٦).\n* * *\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن أصل القصة في قتل الساحر أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب بسند حسن عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت الذي يلعب بين يدي الوليد بن عقبة فيرى أنه يقطع رأس رجل ثم يعيده فقام إليه جندب بن كعب فضرب وسطه بالسيف، وقال: قولوا له فليحي نفسه الآن، قال: فحبس الوليد جندبًا وكتب إلى عثمان ﵁، فكنب عثمان أن خلّ سبيله فتركه.\nأما اتهام أهل الكوفة للوليد بن عقبة فقد أخرج البخاري (٧/ ٢٢٦) ومسلم (١١/ ٢١٩) عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان في أخيه الوليد بن عقبة وكان أكثر الناس فيما فعل به ... الحديث. وفيه قال عثمان: يابن أخي، أدركت رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، ولكن قد خلص إليَّ من عمله ما خلص إلى العذراء في سترها، قال: فتشهد عثمان فقال: إن الله قد بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله، وآمنت بما بعث به محمد - ﷺ - وهاجرت الهجرتين المباركتين قلت - وصحبت رسول الله - ﷺ - وبايعته، والله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم استخلف الله أبا بكر فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف عمر فوالله ما عصيته ولا غششته ثم استخلفت أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم عليّ؟ قال: بلى! قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ ! فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق. قال: فجلد الوليد أربعين جلدة وأمر عليًّا أن يجلده وكان هو يجلده.","vol":"3","page":317},{"text":"ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر أريس (١) أخبار أبي ذرّ رحمه الله تعالى\nوفي هذه السنة -أعني: سنة ثلاثين- كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب إشخاصه إيّاه منها إليها أمور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها (٢). (٤: ٢٨٣).\n_________\n(١) ذكر الطبري رواية في تغيير رسول الله - ﷺ - خاتمه بأمر من جبريل ثم اتخاذه خاتمًا من ورق ... إلخ.\nولقد ذكرنا تلك الرواية في قسم الضعيف وفي إسنادها عبد الله بن عيسى الخزاز (أبو خلف) وهو منكر الحديث. ولقد جاءت في روايته أمور فيها نكارات وأمور أخرى لها ما يشهد لها سنذكرها هاهنا:\nكما أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب أو فضة .. الحديث وفي آخره: فلبس الخاتم بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع من عثمان في بئر أريس (فتح الباري ١٠/ ٣٣١).\nوفي رواية أخرى عند البخاري عن أنس ﵄: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس قال: فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط. قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فننزح البئر فلم نجده (الفتح ١٠/ ٣٤١) (ح / ٥٨٧٩) والله تعالى أعلم.\nوأخرجه مسلم في صحيحه (٢٠٩١/ ٥٤) باب لُبْس النبي - ﷺ - خاتمًا من ورق نقشه محمد رسول الله ولُبْس الخلفاء له من بعده.\nوأخرج مسلم كذلك (٢٠٩٢/ ٥٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما أراد رسول الله - ﷺ - أن يكتب إلى الروم قال: قالوا: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا. قال: فاتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله - ﷺ - نقشه: محمد رسول الله.\n(٢) (وهذا يعني: أن الطبري استشنع روايات باطلة كثيرة روجها المبتدعة فلم يروها ﵀) ولقد ذكرنا رواية الطبري من طريق شعيب عن سيف (٤/ ٧٢٥) في قسم الضعيف لما فيها من نكارة وأما ما فيها من أمور صحيحه فسنذكر لها شواهد (وأعني خلاف معاوية وأبي ذر وخروج الأخير إلى الربذة بعد استئذان الخليفة).\n١ - فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر ﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب فقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك ما كتب إلى عثمان ﵁ =","vol":"3","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>ذكر هرب يزدجرد إلى خراسان</span>\nقال: وفي هذه السنة زاد عثمان النّداء الثالث على الزّوراء، وصلّى بِمنى أربعًا.\n_________\n= يشكو فيّ فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحجت فكنت قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمَّروا عليَّ حبشيًّا لسمعت وأطعت (فتح الباري ٣/ ٣١٩).\n٢ - وأخرج ابن سعد خبرًا بسند حسنٍ عن عبد الله بن الصامت وفيه أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج إلى الربذة (الطبقات الكبرى ٤/ ٢٣٢).\nوهاتان الروايتان (رواية البخاري، وابن سعد) إضافة إلى رواية الطبري تؤكد: أن خروج أبي ذر إلى الربذة واعتزاله الناس كان بناءً على رغبته فأجازه عثمان، ولعلّه رآه خيرًا لأن المستوى الرفيع من الزهد والتقشف الذي يدعو إليه أبو ذر ليس واجبًا على كل مسلم وإنما الواجب في المال هو أداء حقه كالزكاة وما إلى ذلك من نفقة الأهل والعيال ومن تجب نفقته، ولكن عامة الناس لا يدركون ذلك (جلّهم) والاختلاف في تفسير الآية واردٌ في أمهات التفسير فلا ضير، ولكن عثمان ﵁ خشي أن تؤخذ آراؤه على غير محملٍ ولم يهن أبا ذر بل أكرمه وطلب منه أن لا يقطع صلته تمامًا بالحياة اليومية للمسلمين في عاصمة الخلافة (المدينة) بل يتردد إليه بين الحين والآخر، وفرض له من المال ما يقتات به وزيادة، فأين هذا الأدب الجمّ بين الصحابة من افتراءات المبتدعة والمستشرقين ومن تربوا على موائدهم؟ ! والحمد لله على نعمة الإسناد.\n٣ - أما قول أبي ذر في رواية الطبري عندما وصل إلى المدينة ورأى المباني قد كثرت حتى وصلت إلى منطقة سلع: (بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار) فصحيح، فقد أخرج البخاري في صحيحه (٤/ ١١٣) عن أسامة بن زيد ﵁ قال: أشرف النبي - ﷺ - على أُطم من آطام المدينة فقال: (هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر). وأخرج الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤٤) أنه - ﷺ - قال لأبي ذر: \"إذا بلغ البنيان سلعًا فاخرج منها\". وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواية البخاري والحاكم تدل على نبوءة تنبأ بها رسول الله - ﷺ - وهي من دلائل إعجازه، وتدلّ على حب الموحدة، ولم يكن السبب الوحيد لاعتزال أبي ذر، وإنما امتثالًا لأمر رسول الله - ﷺ - الذي أخبره به، كما أن عثمانًا ﵁ لم يتنازل عن الخلافة لأسباب؛ أقواها امتثاله لأوامر رسول الله وصبره على البلاء والفتنة علمًا من أنه كان متيقنًا من أنهم سيقتلونه! فهل هذه مفخرة أم شبهة؟ ! اللهم إنما نبرأ إليك من مقولات المبتدعة والجاهلين!","vol":"3","page":319},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان ﵁ (١). (٤: ٢٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين غزوة الصواري </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>شخوص عبد الله بن عامر إلى خراسان وما قام به من فتوح </span>(٣)\n_________\n(١) قلنا: ذكر الطبري هذا الخبر عن علي بن محمد المدائني بلا إسناد.\nوأما قوله: (زاد عمان النداء الثالث على الزوراء) فصحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه عن السائب بن زيد قال: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عمان ﵁ - وكثر الناس - زاد النداء الثالث على الزوراء (فتح الباري ٢/ ٣٩٣ / ح ٩١٢).\nوفي صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٣٦) عن ابن أبي ذئب: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. وكذلك في صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٦٩) وسنن ابن ماجه (١/ ٣٥٩) عن الزهري (زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها: الزوراء).\nوفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ (أن نبي الله وأصحابه كانوا بالزوراء) والزوراء بالمدينة عند السوق. (صحيح مسلم ٤/ ١٧٨٣).\n(٢) ذكر الطبري عن أبي معشر قوله: إن هذه الغزوة وقعت سنة (٣٤ هـ) وذكر الطبري في ذلك عدة روايات كلها ضعيفة ذكرناها في قسم الضعيف.\nوأغلب المؤرخين ذكروا هذه الغزوة ضمن أحداث سنة (٣٤ هـ):\n١ - خليفة بن خياط (تأريخ خليفة / ١٦٨).\n٢ - الكندي (ولاة مصر / ٣٦).\n٣ - وقال الحافظ الذهبي ضمن ذكره لأحداث سنة (٣٤ هـ): كانت غزوة الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية وأميرها ابن أبي سرح (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٤٢٠) والله تعالى أعلم. وسميت هذه الغزوة بذات الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها.\n(٣) قلنا: لقد ذكر الطبري عدة روايات في فتح خراسان من قبل عبد الله بن عامر ذكرنا جميعها في قسم الضعيف وأسانيدها بين الضعيف جدًّا وبين التالف، ولم نجد لها متابعًا أو شاهدًا من رواية تاريخية صحيحة، والله أعلم.\n١ - ولقد نسب الحافظ في الفتح إلى ابن حزم إخراجه عن الحسن البصري أنه قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمئة من الصحابة فكان الرجل منهم يصلي بنا فيقرأ الآيات من السور ثم يركع. ثم قال الحافظ: أخرجه ابن حزم محتجًا به (فتح الباري / ٢/ ٢٩٩) وأخرج البخاري (تعليقًا): وكره عثمان ﵁ أن يحرم من خراسان أو كرمان فعقب الحافظ معقبًا: وصله سعيد بن منصور حدثنا هيثم حدثنا يونس بن عبيد أخبرنا الحسن هو البصري أن =","vol":"3","page":320},{"text":"ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين (١) ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة\nوفي هذه السنة ماتَ عبدُ الرحمن بن عوف ﵁؛ زعم الواقديّ: أنّ\n_________\n= عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه. (فتح الباري ٣/ ٤٩٢).\n٢ - ونسب الحافظ إلى عبد الرزاق أنه أخرجه، فقال: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: أحرم عبد الله بن عامر من خراسان فقدم على عثمان فلامه وقال: غزوت وهان عليك نسكك.\n٣ - وأخرج خليفة قال: وحدثني أبو الحسن عن مسلمة عن داود بن أبي هند: لما افتتح ابن عامر أرض فارس وذلك سنة ثلاثين هرب يزدجر بن كسرى فاتبعه ابن عامر ومجاشع بن مسعود السلمي. (تأريخ خليفة / ١٦٤) وهذا إسناد مرسل صحيح.\nونسب الحافظ في الفتح إلى أحمد بن سيار في تأريخ مرو من طريق داود بن أبي هند أنه قال: (لما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرمًا، فاحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان لامه على ما صنع، ثم قال الحافظ: وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضًا (فتح الباري ٣/ ٢٩٢).\nقلنا: ويعني بهذه الأسانيد (إسناد أحمد بن سيار، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور). والله تعالى أعلم.\nوذكر الحافظ الذهبي هذه الأحداث ضمن سنة (٣٠) هـ فذكر الخبر عن داود بن أبي هند ونسبه إلى خليفة.\n(١) تحدث الطبري من (٤/ ٣٠٤) إلى (٤/ ٣٠٧) عن المعركة التي دارت في بلنجر، بين المسلمين وأعدائهم (بالتفصيل) ولم نجد رواية تأريخية صحيحة تؤكد ما جاء في روايات الطبري الضعيفة في هذا الباب، والشيء الذي تأكد لنا من خلال روايات ابن أبي شيبة في مصنفه أن معركة شديدة وقعت بين الطرفين شارك فيها حذيفة بن اليمان وكان القائد فيها سلمان بن ربيعة (وهو ما ذكره الطبري كذلك) وأن المسلمين لم ينتصروا فيها، كما:\nأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٥٠): حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل: غزونا مع سلمان بن ربيعة بلنجر .. الخبر وفيه ابن عياش ولكنه يتقوى بالذي بعده؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٥٢) حدثنا ابن إدريس عن مسعد عن أبي حصين عن الشعبي عن مالك بن صحار قال: غزونا بلنجر فلم يفتحوها ... الخبر.\nوهذا إسناد صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة (١٣ / ح ١٥٦٥٣): حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء ومحمد بن سوقة عن الشعبي قال: لما غزا سلمان بلنجر أصاب في قسمته صرة من مسك ... الخبر.\nوأخرج (١٣ / ح ١٥٦٥٥) حدثنا ابن إدريس قال سمع أباه وعمه يذكران، قالا: قال سلمان: قتلت بسيفي هذه مئة مستلئم كلهم يعبد غير الله ... الخبر. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":321},{"text":"عبد الله بن جعفر حدّثه بذلك عن يعقوب بن عُتْبة، وأنه يوم مات كان ابنَ خمسٍ وسبعين سنة (١). (٤: ٣٠٧).\nقال: وفيها مات العبّاس بن عبد المطلب؛ وهو يومئذ ابن ثمان وثمانين سنة؛ وكان أسنّ من رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين (٢). (٤: ٣٠٧).\nقال: وفيها مات عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵀؛ الذي أُرِيَ الأذان (٣). (٣٠٧: ٤).\nقال: وفيها توفّيَ عبد الله بن مسعود بالمدينة، فدفن بالبَقيع ﵀ فقال قائل: صلّى عليه عمّار، وقال قائل: صلّى عليه عثمان (٤). (٤: ٣٠٧).\n_________\n(١) قلنا: لقد ذكر الطبري هذا عن الواقدي وكذلك ذكر الذهبي عبد الرحمن بن عوف فيمن توفوا سنة (٣٢ هـ) وقال فيه: أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الستة أصحاب الشورى (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٣٩١) ثم أخرج عنه ﵁ أنه قال: كان اسمي عبد عمرو، فسماني رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن.\nقلنا: والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٠٦) وابن سعد في طبقاته (٣/ ١٢٤) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الذهبي: توفي سنة اثنتين وثلاثين وله خمس وسبعون سنة ودفن في البقيع ﵁ (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء / ٣٩٦) وانظر (تأريخ خليفة / ١٦٦) و(الاستيعاب ٢/ ٣٩٣) (الإصابة ٢/ ٤١٦ / ت ٥١٧٩).\n(٢) قلنا: وأما خليفة فقد ذكر وفاته ضمن أحداث سنة (٣٣ هـ) (تأريخ خليفة / ١٦٨)، أما الحافظ الذهبي فقد ذكر وفاة العباس ﵁ ضمن أحداث سنة (٣٢ هـ) (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٣٧٣) وانظر طبقات ابن سعد (٤/ ٣٣) (الإصابة ٢/ ٢٧١ / ت ٤٥٠٧).\n(٣) قلنا: وكذلك قال خليفة بن خياط في تأريخه (١٦٦).\n(٤) قلنا: قال الذهبي: كان من السابقين الأولين، شهد بدرًا والمشاهد كلها (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٣٨٠).\nوأخرج الحاكم في المستدرك عنه ﵁: كنّاني النبي - ﷺ - أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي (المستدرك ٣/ ٣١٣) وقال الذهبي: توفي عبد الله بالمدينة، وكان قدمها فمرض أيامًا ودفن بالبقيع وله ثلاث وستون سنة (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٣٨٩) وانظر الطبقات الكبرى (٣/ ١٦١) وتأريخ خليفة (١٦٦) والإصابة (٢/ ٣٧٠ / ت ٤٩٥٤).","vol":"3","page":322},{"text":"وفيها مات أبو طلحة ﵀ (٤: ٣٠٨) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>ذكر الخبر عن وفاة أبي ذرّ</span>\nقال: وفيها مات أبو ذَرّ ﵁ في رواية سيف (٢). (٣٠٨: ٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ذكر تسيير من سيّر من أهل الكوفة إليها </span>(٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة</span>\nفزعم أبو معشر أن غزوة الصواري كانت فيها؛ حدّثني بذلك أحمد عمّن حدّثه، عن إسحاق، عنه. وقد مضى الخبر عن هذه الغزوة وذكر من خالف أبا معشر في وقتها.\n_________\n(١) قلنا: وكذلك اختار خليفة بن خياط في (تأريخه / ١٦٦) وأما الذهبي فقد ذكر وفاته ضمن أحداث سنة (٣٤ هـ) وقال: واسمه زيد بن سهل بن الأسود أحد بني مالك بني النجار كان من النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا والمشاهد بعدها (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٤٢٥) وقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٥٠٧) من طريق عفان بن مسلم عن حماد عن أنس أنه غزا البحر فمات فلم يجدوا جزيرة إلا بعد سبعة أيام فدفنوه ولم يتغيّر. وصحح الذهبي إسناده (عهد الخلفاء / ٤٢٧) وانظر طبقات ابن سعد (٣/ ٥٠٧) و(الإصابة / ١/ ٥٦٧ / ت ٢٩٠٥).\n(٢) قلنا: وكذلك ذكر الحافظ الذهبي وفاته ضمن أحداث سنة (٣٢ هـ) وقال: اسمه جندب بن جنادة على الصحيح (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ٤٠٥) وانظر تاريخ خليفة (١٦٦) وقال خليفة: وأبو ذر مات فيها قبل ابن مسعود. والإصابة (٤/ ٦٤ / ت ٣٨٤) والوفيات لابن قنفذ (٥١/ ٣١).\n(٣) ذكرنا رواية الطبري الطويلة (٤/ ٣١٧ - ٣١٨ - ٣١٩ - ٣٢٠ - ٣٢١/ ٧٧٩) في قسم الضعيف لأننا لم نجد رواية مسندة تؤيدها ولكن يجدر بنا هنا أن نذكر ما قاله الأستاذ الفاضل خالد الغيث في رسالته القيّمة (استشهاد عثمان ووقعة الجمل ص ٦٨): إن الفتنة التي حصلت في مجلس سعيد بن العاص ﵁، وقيام بعض من في المجلس بضرب عبد الرحمن بن خنيس الأسدي وما تلا ذلك من تسيير جماعة من القراء من الكوفة إلى الشام واستقبال معاوية لهم تكاد تكون محل إجماع بين المصادر. (بتصرف).","vol":"3","page":323},{"text":"وفيها كان ردّ أهل الكوفة سعيدَ بن العاص عن الكوفة (١). (٤: ٣٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان</span>\nوفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن عثمان بن عفان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه.\nذكر الخبر عن صفة اجتماعهم لذلك وخبر الجَرَعة (٢): (٤: ٣٣٠).\n٢٤٠ - حدّثني جعفر، قال: حدّئنا عمرو وعليّ بن حسين عن أبيه، عن هارون بن سعد، عن أبي يحيى عمير بن سعد النخَعيّ: أنه قال: كأنّي أنظر إلى الأشتر مالك بن الحارث النَّخَعيّ على وجهه الغبار، وهو متقلد السيف، وهو يقول: والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفَنا -يعني سعيدًا وذلك يوم الجَرَعة، والجَرَعة مكانٌ مُشرف قُرْبَ القادسيّة- وهناك تلقاه أهلُ الكوفة (٣). (٤: ٣٣٥).\n٢٤١ - حدّثني جعفر، قال: حدَّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدَّثنا حسين عن أبيه، عن هارون بن سعد، عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ، عن أبي البَخْتَريّ الطائيّ، عن أبي ثَوْر الحَدائيّ - وحَدَاء حيٌّ من مُراد -: أنه قال: دفعتُ إلى حذيفةَ بن اليَمان وأبي مسعود عُقْبة بن عمرو الأنصاريّ وهما في مسجد الكوفة يومَ الجَرَعة، حيث صَنَع الناسُ بسعيد بن العاص ما صنعوا، وأبو مسعود يُعظِم ذلك، ويقول: ما أرى أن تُرَدّ على عَقبيها حتَّى يكونَ فيها دماء، فقال حذيفة: والنّه لتُرَدّنّ على عَقبيها، ولا يكون فيها محْجَمة من دم، وما أعلم منها اليوم شيئًا إلّا وقد علمتهُ ومحمد - ﷺ - حيّ؛ وإنّ الرجل ليُصبح على الإسلام ثم يُمْسي وما معه منه شيء، ثم يقاتل أهل القبْلة ويقتله الله غدًا، فينكص قلبه، فتعلوه اسْتُه. فقلت لأبي ثَوْر: فلعلّه قد كان، قال: لا والله ما كان. فلما رجع سعيد بن العاص إلى عثمان مطرودًا؛ أرسل أبا موسى أميرًا على الكُوفة، فأقرُّوه عليها (٤) (٤: ٣٣٥/ ٣٣٦).\n_________\n(١) قلنا: راجع ما كتبناه ضمن أحداث سنة (٣١) هـ.\n(٢) إسناده صحيح.\n(٣) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.\n(٤) إسناده ضعيف ولكن لقصة يوم الجرعة أصل كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه (صحيح =","vol":"3","page":324},{"text":"وفي هذه السنة مات أبو عَبْس بن جَبْر بالمدينة، وهو بدريّ. ومات أيضًا مِسْطح بن أثاثة، وعاقل بن أبي البُكَير من بني سعد بن ليث، حليف لبني عديّ، وهما بدريّان.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عثمانُ بن عفان ﵁ (١). (٤: ٣٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر مسير من سار إلى ذي خُشُب من أهل مصرَ وسبب مسير مَنْ سار إلى ذي المروة من أهل العراق</span>\n٢٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الأسَديّ، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاويةُ يطمع فيها بعد مَقدَمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمَعوا إليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدَا به الرّاجز:\n_________\n= مسلم بشرح النووي ١٨/ ١٨) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: (جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس فقلت ليهراقن اليوم هاهنا دماء، فقال ذاك الرجل: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله إنه لحديث رسول الله - ﷺ - حدثنيه، قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول الله - ﷺ - فلا تنهاني، ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه أسأله فإذا الرجل حذيفة).\n(١) قلنا: وكذلك ذكر الذهبي وفاة أبي عبس بن جبر في سنة (٣٤ هـ) وقال: اسمه على الأصح: عبد الرحمن، وقال أيضًا: شهد بدرًا وغيرها ... وتوفي بالمدينة وصلى عليه عثمان (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء / ٤٢٨) وانظر طبقات ابن سعد (٣/ ٤٥١) و(الإصابة ٤/ ١٣٠ / ت ٧٣٤).\nوأما مسطح بن أثاثة فقد قال ابن سعد في طبقاته (٣/ ٥٣): عاش ستًّا وخمسين سنة اهـ.\nوكذلك ذكر الذهبي وفاته ضمن أحداث سنة (٣٤ هـ) وقال: إنه هو المذكور في حديث الإفك، شهد بدرًا والمشاهد كلها (عهد الخلفاء الراشدين / ٤٢٤) وانظر الإصابة (٣/ ٤٠٨ / ت ٧٩٣٥).\nوأما عاقل بن أبي بكير فقد قال ابن سعد: غافلًا، فغيره النبي - ﷺ - (الطبقات ٣/ ٣٨٨) وذكر الذهبي وفاته ضمن أحداث سنة (٣٤ هـ) (عهد الخلفاء الراشدين / ٤٢١) وأما ابن سعد فقد ذكر أنه قتل يوم بدرٍ شهيدًا وهو ابن أربع وثلاثين سنة (الطبقات / الموضع السابق) ونسبه الحافظ إلى موسى بن عقبة وابن إسحاق وغيرهما وسماه عاقل بن البكير (الإصابة ٣ / ت ٤٣٧٩).","vol":"3","page":325},{"text":"إن الأميرَ بعده علِيُّ ... وفي الزبير خَلَفٌ رضيُّ\nقال كعب: كَذبتَ! صاحب الشَّهْباء بعده -يعني: معاوية- فأخبِر معاوية، فسأله عن الذي بلغه، قال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنّها والله لا تصل إليك حتى تُكذّب بحديثي هذا. فوقعتْ في نفس معاوية.\nوشارَكَهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان، عن رَجاء بن حَيوة وغيره. قالوا: فلما وردَ عثمانُ المدينة ردّ الأمرِاءَ إلى أعْمالهم، فمضَوا جميعًا، وأقام سعيد بعدَهم، فلما ودّع معاويةُ عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدًا سيفه، متنكّبًا قَوسَه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعليّ، فقام عليهم، فتوكّأ على قوسه بعد ما سلّم عليهم، ثم قال: إنّكم قد علمتم أنّ هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منكم أحد إلّا وفي فصيلته من يَرْئِسه، ويستبدّ عليه، وتقطع الأمرَ دونَه، ولا يُشهِده، ولا يؤامرُه، حتى بعث الله جلّ وعزّ نبيَّه - ﷺ -، وأكرم به من اتبعه، فكانوا يُرَئَسون من جاء من بعده، وأمرهم شُورَى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقُدْمة والاجتهاد؛ فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبعا لهم، وإن أصغَوا إلى الدّنيا وطلبوها بالتغالُب سُلِبوا ذلك، وردّه الله إلى من كان يرئِسُهم. وإلّا فليَحذروا الغِيَرَ، فإنّ الله على البَدَل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إنّي قد خلّفت فيكم شيخًا فاستوصُوا به خيرًا، وكانفوه تكونوا أسعدَ منه بذلك، ثم ودّعهم ومضى؛ فقال عليّ: ما كنتُ أرى أنّ في هذا خيرًا؛ فقال الزبير: لا والله، ما كان قطّ أعظمَ في صدرك وصدورنا منه الغَداة.\nرجع الحديث إلى حديث سيف، عن شيوخه:\nوكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج: يا أميرَ المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يَهجم عليك مَن لا قِبَل لك به، فإنّ أهل الشام على الأمر لم يزالوا. فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله - ﷺ - بشيء؛ وإن كان فيه قَطع خَيطِ عنقي. قال: فأبعثُ إليك جندًا منهم يقيم بين ظَهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينةَ أو إياك. قال: أنا أقَتِّر على جيران رسول الله - ﷺ - الأرزاق بجندٍ تساكنهم، وأضيّق على أهل دار الهجرة والنصرة! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتُغتالنَّ أو لتُغزَيَنّ! قال: حسبيَ الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجَزُور، وأين","vol":"3","page":326},{"text":"أيسار الجَزور! ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى. وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعَهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميعَ من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم. واتّعدوا يومًا حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ذلك لأحد منهم، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإنّ يزيد بن قيس الأرحبيّ ثار فيها، واجتمع إليه أصحابُه، وعلى الحرب يومئذ القَعقاع بن عمرو - فأتاه فأحاط النَّاس بهم وناشَدوهم؛ فقال يزيد للقَعقاع: ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء! فوالله إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي إلا أنّي أستعفي ومَن ترى من إمارة سعيد، فقال: استعفى الخاصةُ من أمر قد رضيَتْه العامة؟ ! قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يُظهروا غيرَ ذلك، فاستقبلوا سعيدًا، فردّوه من الجَرَعة، واجتمع الناسُ على أبي موسى، وأقرّه عثمان رضي الله تعالى عنه. ولما رجع الأمراء لم يكن للسّبئيّة سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعَهم من أهل الأمصار أن يتوافَوْا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهَروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياءَ لتطير في الناس، ولتُحقَّق عليه؛ فتوافَوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزوميًّا وزُهْريًّا، فقال: انْظُرا ما يريدون، واعلما علمَهم - وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب، فاصطَبَرا للحقّ، ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثُّوهما وأخبِروهما بما يريدون، فقالا: مَن معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نَفر، فقالا: هل إلّا؟ قالوا: لا! قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعنْاها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجّاج حتى نقدم فنحيطَ به فنخلَعه، فإنْ أبى قتلناه. وكانت إيّاها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهمّ سلِّم هؤلاء، فإنك إن لم تُسلّمهم؛ شقُوا.\nأمَّا عمار فحَمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعَرَكه. وأما محمد بن أبي بكر فإنه أُعِجب حتى رأى أنّ الحقوق لا تلزمه، وأمّا ابن سهلة فإنه يتعرّض للبلاء، فأرسل إلى الكوفيين والبصريّين، ونادى: الصلاة جامعة! وهم عنده في أصل المنبر، فأقبلَ أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرَهم خبرَ القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعًا: اقتُلهم، فإنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنةُ الله","vol":"3","page":327},{"text":"فاقتلوه\". وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا أحلّ لكم إلّا ما قتلتموه وأنا شريكُكم.\nفقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصِّرهم بجهدنا، ولا نُحادّ أحدًا حتى يركب حدًّا، أو يبديَ كُفرًا، إنّ هؤلاء ذَكروا أمورًا قد علموا منها مثلَ الذي علمتم، إلّا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليُوجبوها عليَّ عند مَن لا يعلم.\nوقالوا: أتمّ الصلاة في السفر، وكانت لا تُتَمُّ، ألا وإنّي قدمت بلدًا فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين؛ أوَ كذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.\nوقالوا: وحميتَ حمىً؛ وإني واللهِ ما حمَيتُ، حُمِيَ قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلّا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رِعْيةٍ أحدًا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازُع، ثم ما منعوا ولا نحَّوْا منها أحدًا إلّا من ساق درهمًا؛ ومَا لِي مِن بعير غيرُ راحلتين، ومَا لِي ثاغية ولا راغية، وإنّي قد وُلِّيتُ، وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءَ، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرَين لحجّي، أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.\nوقالوا: كان القرآن كتُبًا، فتركتَها إلّا واحدًا، ألا وإنّ القرآن واحد، جاء من عندِ واحد؛ وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء؛ أكذلك؟ قالوا: نعم، وسألوه أن يقيلهم.\nوقالوا: إنِّي رددتُ الحَكَم وقد ستره رسولُ الله - ﷺ -. والحَكَم مَكَيّ، سيّره رسول الله - ﷺ - من مكة إلى الطائف، ثم ردّه رسول الله - ﷺ -، فرسول الله - ﷺ - سيّره، ورسولُ الله - ﷺ - ردّه؛ أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.\nوقالوا: استعملتَ الأحداث. ولم أستعمل إلّا مجتمِعًا محتمِلًا مرضيًّا، وهؤلاء أهلُ عملهم، فسَلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولّى مَن قبلي أحدثَ منهم، وقيل في ذلك لرسول الله - ﷺ - أشدُّ مما قيل لي في استعماله أسامة؛ أكذاك؟ قالوا: اللهمّ نعم، يعيبون للناس ما لا يفسّرون.\nوقالوا: إنِّي أعطيتُ ابن أبي سَرْح ما أفاء الله عليه. وإني إنما نفلتُه خُمسَ ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مئة ألف، وقد أنفذ مثلَ ذلك أبو بكر وعمر","vol":"3","page":328},{"text":"﵄، فزعم الجُند أنهم يَكرهون ذلك، فرددتُه عليهم وليس ذاك لهم، أكذاك؟ قالوا: نعم.\nوقالوا: إني أحبّ أهل بيتي وأعطيهم؛ فأما حبّي فإنه لم يمِلْ معهم على جوْر، بل أحمل الحقوق عليهم، وأمَّا إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي، ولا أستحلّ أموال المسلمين لنفسي؛ ولا لأحد من الناس؛ ولقد كنت أعطي العطيّة الكبيرة الرغيبة من صُلْب مالي أزمانَ رسولِ الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄؛ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحينَ أتيت على أسنان أهل بيتي، وفَنيَ عمري، وودّعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا! وإني والله ما حملت على مصْرٍ من الأمصار فضلًا فيجوزَ ذلك من قاله؛ ولقد رددتُه عليهم، وما قدم عليّ إلا الأخماس، ولا يحلّ لي منها شيء؛ فوليَ المسلمون وضْعها في أهلها دوني؛ ولا يُتَلفَّت من مال الله بفلْس فما فوقه؛ وما أتبلّغ منه ما آكل إلّا مالي.\nوقالوا: أعطيت الأرض رجالًا؛ وإنّ هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت؛ فمَن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومَن رجع إلى أهله لم يُذْهب ذلك ما حوى الله له؛ فنظرت في الذي يُصيبهم مما أفاء الله عليهم، فبعتُه لهم بأمرهم من رجال أهل عقارٍ ببلاد العرب، فنقلتُ إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني.\nوكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أميّة، وجعل ولده كبعض مَن يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكَم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مئة ألف، وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب.\nولانتْ حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبي المسلمون إلّا قتلَهم، وأبَى إلّا تركهم؛ فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج؛ فتكاتبوا وقالوا: موعدُكم ضواحي المدينة في شوّال؛ حتى إذا دخل شوّال من سنة اثنتي عشرة، ضربوا كالحُجّاج فنزلوا قرب المدينة (١). (٤: ٣٤٣/ ٣٤٤ / ٣٤٥/ ٣٤٦ / ٣٤٧/ ٣٤٨).\n_________\n(١) إسناد هذه الرواية ضعيف ولكن لمتنه (في أغلب مفرداته) ما يشهد له إلا ما سنوضح بطلانه، =","vol":"3","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا خبر مهم شرحه أئمة الهدى في مواضع عدة لأنه يوضح التهم الموجّهة إلى سيدنا عثمان من قبل رؤوس الفتنة وتفنيدها من قبل سيدنا عثمان واحدًا فواحدًا - وسنذكر عدة روايات في ذلك إن شاء الله - ويتبين لنا بعدها أنه ﵁ كان على صواب وحق في تصرفاته التي أغاظتهم ومع ذلك رجع عن بعض هذا الصواب إخمادًا لنار الفتنة وحفاظًا على جماعة المسلمين وهيبة الخلافة التي أضحت رمزًا لعزة المسلمين وشوكتهم وهي كذلك - ويتبين لنا أيضًا أن بعضًا من هذه الأمور لم تصبح أصلًا وانفرد بها سيف وعليها مضى المؤرخون ولكننا ذكرنا هذه الرواية في قسم الصحيح لغلبة جانب الصحة على غير ذلك كما سنبين إن شاء الله تعالى:\n١ - أما ما جاء في رواية سيف هذه من أن أهل الكوفة رفضوا ولاية سعيد بن العاص وقبلوا ولاية أبي موسى فأقرهم عثمان على ذلك؛ فهو صحيح كما سبق أن ذكرنا في موضعه، وفي هذا ردّ على أهل البدع والمستشرقين والمتغربين الذين يزعمون أن سيدنا عثمان لم يكن يأبه لرأي العامّة والرعية بل كان يسمع من أقربائه من بني أمية فقط، وهذه الرواية وما يؤيدها من الصحيح تكذب ما قالوا فهو ﵁ سمع لأهل الكوفة وليسوا من أقربائه ولم يسمع كلام معاوية ﵁ وهو قريبه، ولم يكن معزولًا عن جماهير الأمة بسوار من بني أمية لاهيًا عن معاناة الناس ومشاكلهم كما يحلو لبعض الحاقدين أن يقولوا ذلك.\n٢ - وأما إتمام سيدنا عثمان للصلاة في السفر وهي من الأمور التي عابوه عليها واستغربوه فلا ضير عليه، ورواية سيف تؤكد بوضوح: أنه ﵁ كان يتأول ذلك بأنه قدم بلدًا فيه أهله فأتم لذلك - وهو بتأوله خرج من كونه مخالفًا لسنة رسول الله - ﷺ - لما سنذكر وهذه المسألة ليست بغريبة على فقه الصحابة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: (الصلاة أول ما فرضت ركعتان؛ فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) فقال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان (أبواب التقصير ٢/ ٣٦) ولذلك قال ابن حجر في الفتح: والمنقول: أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان أثناء سفره فله حكم المقيم (فتح الباري / ٦٦٥).\nويقول أيضًا: والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عبادة بن عبد الله بن الزبير قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذ قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام أتم الصلاة (فتح الباري ٢/ ٦٦٥). وراجع مسند أحمد (٤/ ٩٤).\n٣ - أما جمع القرآن فكما قال الإمام القاضي أبو بكر العربي: فتلك حسنته العظمى وخصلته الكبرى وإن كان وجدها كاملة، لكنه أظهرها ورد الناس إليها وحسم مادة الخلاف فيها وكان =","vol":"3","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه حسبما بيناه في كتب القرآن وغيرها (العواصم من القواصم ٦٦) قلنا: وفي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير (ك ٦٥ السورة ٩ ب ج ٥/ ٢١٠) وغيره من المواضع، وكذلك أحمد في مسنده عن زيد بن ثابت حديثًا طويلًا في جمع القرآن وفي آخره: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر، حتى قدم حذيفة بن اليمان على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينجة وأذربيجان مع أهل العراق فحدّثه حذيفة عن اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. ولا أدري كيف يجرؤ أعداء الإسلام على ذكر الأمور التي أثارها أصحاب الفتنة على سيدنا عثمان ليقولوا لأبناء الأمة المسلمة انظروا إلى هذه الأمور التي انتقدها المعارضون لحكم سيدنا عثمان، فنقول لهم: هل هذه منقبة ومفخرة أم شبهة وتهمة؟ ! ولا بأس هنا أن نذكر تعليقًا للأستاذ الهمام محب الدين الخطيب في حاشيته على العواصم من القواصم / ص ٦٩: إذ يقول محب الدين ﵀: جاء في كتاب تأريخ القرآن لأبي عبد الله الديحاني (ص ٤٦) من شيعة عصرنا: أن علي بن موسى المعروف بابن طاووس (٥٨٩ - ٦٦٤) وهو من علمائهم نقل في كتابه (سعد السعود) عن الشهرستاني في مقدمة تفسيره عن سويد بن علقمة قال: سمعت علي بن أبي طالب - ﵇ - يقول: أيها الناس! الله الله! إياكم والغلوّ في أمر عثمان وقولكم: حراق المصاحف، فوالله ما حرقها إلّا عن ملأ من أصحاب رسول الله - ﷺ - جَمَعَنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي اختلف الناس فيها، يلقى الرجل فيقول قراءتي خير من قراءتك وهذا يجر إلى الكفر؟ فقلنا: ما الرأي؟ قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافًا. فقلنا: نعم ما رأيت ا. هـ.\n٤ - أما قول سيف في هذه الرواية من أن سيدنا عثمان ردّ الحكم بعد أن سيّره رسول الله - ﷺ - إلى الطائف، وبيان عثمان للناس أن رسول الله سيره ثم ردّه، فلم يخالف بذلك سنة رسول الله - ﷺ - هكذا معنى رواية سيف - ولكن العلماء نفوا أن يكون ذلك صحيحًا أي: أن سيفًا انفرد بذلك.\nفقال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما ردُّ الحكم فلا يصح (العواصم / ٧٧) وقال محب الدين في الحاشية مفسرًا لكلام القاضي: أي لم يصح زعم البغاة على عثمان أن عثمان خالف بذلك ما يقتضيه الشرع. اهـ.\nوأما ابن تيمية فقد قال: وقضية نفي الحكم ليست في الصحاح ولا لها إسناد يعرف به أمرها. =","vol":"3","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أيضًا: وأما قصة الحكم فإنما ذكرت مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه فلم يكن هناك نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان (منهاج السنة ٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n٥ - وأما قول سيدنا عثمان في رواية سيف عند الطبري (وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مئة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر ﵄ فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم أكذاك؟ قالوا: نعم) وهذا يعني أن رواية سيف تؤكد أن سيدنا عثمان قد أعطى لابن أبي سرح خمس الخمس وهو ما فعله أبو بكر وعمر ولم ينكر عليهما أحد، أي: أن فعلته ﵁ صواب وأقرّ خصومه بذلك ثم تراجع عن هذا الصواب إرضاء للأمة ودرءًا للفتنة وسدًا لبابها. وأما القاضي أبو بكر بن العربي فقد قال في ردّ هذه الشبهة: وأما عطاؤه خمس إفريقية لواحد فلم يصح.\nفقال الخطيب في الحاشية: والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور (العواصم / ١٠٠).\nقلنا: ومرّ بنا: أن عمر رضي الله عظ قد زاد فيما قسمه لجرير بن عبد الله حين وجهه وقومه إلى العراق لنجدة جيش المثنى بن حارثة بعد أن انكسر المسلمون في معركة الجسر وقتل أبو عبيد ﵁ وأرضاه.\n٦ - وأما اعتراض خصومه عليه كما في رواية سيف من أنه زاد في الحمى فقد تبين بما لا يخفى أن هذا الحمى كان لأموال الصدقة التي كثرت في نهاية عهد عمر وخلافة سيدنا عثمان ﵃ أجمعين.\nقلنا: ومسألة الحمى لإبل الزكاة أو الموقوفة للجهاد في سبيل الله ومصالح المسلمين فلا ضير كما هو معلوم عند الفقهاء استنادًا إلى ما أخرجه البخاري وغيره عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا حمى إلا لله ورسوله\" كتاب المساقاة (ك ٤٢ ب ١١).\nوفي رواية أحمد في مسنده (ح ٥٦٥٥) عن ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - حمى النقيع للخيل وفيه قال حماد بن خالد وهو من رواة الحديث: يا أبا عبد الرحمن! خيله؟ قال: خيل المسلمين. ومعلوم أن هذا الحمى اتسع في عهد سيدنا عمر حتى وصل الربذة ولم ينكر عليه أحد، كيف وهذا الحمى في خدمة الجهاد والمصلحة العامة للمسلمين ودولتهم والله أعلم. وسنأتي فيما بعد على ذكر حديث صحيح أخرجه ثلاثة من أئمة التاريخ والحديث: (الطبري ٤/ ١٠٥٧)، و(خليفة بن خياط في تأريخه / ١٩٦) و(ابن شبة في تأريخ المدينة المنورة ٦/ ٣ / ٣٥١) وفيه من الحوار الذي دار بين عثمان ﵁ والخارجين عليه يبيّن فيه لهم بعض الحقائق ومنها قوله ﵁: (فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة فلما =","vol":"3","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد إبل الصدقة) وراجع تفاصيل هذه الرواية القيمة في موضعها مع بقية تفاصيلها.\n٧ - وإنصافًا لسيدنا عثمان ﵁ نقول ونردد ما جاء في رواية الطبري هذه: (وإني قد وُلَّيتُ وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءً، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجّي؛ أكذلك؟ قالوا: نعم).\nقلنا: وكيف ينسى أهل البدع والضلال أنه ﵁ جهز جيش الصحابة يوم العسرة وكان من أثرياء قريش حتى أصبح حاله كما ذكر عن نفسه حين كان خليفة ﵁، ولكن ماذا نقول لقوم قد أعدّوا أنفسهم مسبقًا للنيل من خلفاء رسول الله - ﷺ - فأذهانهم محشوة بالافتراءات وأنفسهم مهيأة لإلقاء التهم والشبه فلا حول ولا قوة إلا بالله!\n٨ - أما العبارة التي قلنا عنها: إنها غير صحيحة وردت في رواية سيف هذه فهي العبارة الأخيرة من الرواية وهي: (وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطي ...). وهذه العبارة لم نجد ما يؤيدها من رواية مسندة صحيحة في جميع المصادر التأريخية التي بين أيدينا، وعلى هذه العبارة الضعيفة وأمثالها يعتمد المستشرقون في افنراءات بينما يرفضون وجود شخصية كعبد الله بن سبأ لأنها من طريق سيف كما يزعمون، فكيف يقبلون بهذه الزيادة وهي من طريق سيف. أم أنهم ينتقون من الروايات ما يوافق أهواءهم وإن كان ضعيف السند أو موضوعه، ويغضون الطرف عن أمور لا توافق هواهم وإن كانت صحيحة الأسانيد، والحمد لله على نعمة الإسناد.\nولو فرضنا جدلًا: أن هذه العبارة صحيحة، أي: أنه ﵁ قسم ماله وأرضه في بني أمية، فما الخطأ في هذا ولماذا لا نفرق بين من قسّم مال المسلمين بين أقربائه وبين من فرّق ماله وأرضه بين أقاربه صلة لأرحامه؟ ! وكل المسلمين شيعة وسنة ومتأخرين ومتقدمين ومعاصرين يعلمون علم اليقين: أنه ﵁ من أغنى أغنياء قريش في الجاهلية ثم في عهد النبي - ﷺ - حتى أنه جهز جيش العسرة. فقد أخرج البخاري في صحيحه قال: وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن: أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي - ﷺ - تعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: ومن حفر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قال: فصدقوه بما قال:\nهكذا رواه البخاري دون أن يوصل ما بينه وبين عبدان (فتح الباري ٥/ ٤٧٧) ولكن وصله الدارقطني في سننه (٤/ ١٩٩) من طريق القاسم بن محمد المروزي عن عبدان وكذلك نسب الحافظ في الفتح وصله إلى الحافظ الإسماعيلي في مستخرجه (فتح الباري ٥/ ٤٧٧) وكذلك أخرجه النسائي في سننه (٦/ ٢٣٦)، وينسب رواية للترمذي: أنه ﵁ جهز جيش =","vol":"3","page":333},{"text":"٢٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهلُ مصر في أربع رِفاق على أربعة أمراء، المقلّل يقول: ستمئة، والمكثر يقول: ألف. على الرّفاق عبد الرحمن بن عُدَيس البلَويّ، وكنانة بن بشر التُّجيبيّ، وعروة بن شيبم الليثيّ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، وسواد بن رومان الأصبحيّ، وزرع بن يشكر اليافعيّ، وسودان بن حُمران السَّكونيّ، وقُتيرة بن فلان السَّكُونيّ، وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العَكّيّ، ولم يجترئوا أن يُعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب؛ وإنما أخرجوا كالحُجّاج، ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكوفة في أربع رِفاق، وعلى الرّفاق زيد بن صُوحان العبْديّ، والأشتر النخعيّ، وزياد بن النضْر الحارثيّ، وعبد الله بن الأصمّ، أحد بني عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر؛ وعليهم جميعًا عمرو بن الأصمّ. وخرج أهلُ البصرة في أربع رفاق، وعلى الرّفاق حُكَيم بن جبلة العبديّ، وذَريح بن عبّاد العبديّ، وبشر بن شُرَيح الحُطَم بن ضُبيعة القيسيّ وابن المَحرِّش بن عبد بن عمرو الحنفيّ وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعًا حُرقوص بن زهير السعديّ، سوى مَن تلاحق بهم من الناس. فأمّا أهلُ مصر فإنهم كانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهلُ البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير.\nفخرجوا وهل على الخروج جميع، وفي الناس شتى؛ لا تشكّ كلّ فرقة إلّا أنّ الفُلْج معها، وأن أمرَها سيتمّ دون الأخْرَيين؛ فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب، وناس من أهل الكوفة\n_________\n= العسرة بثلاثمئة بعير (سنن الترمذي ٥/ ٦٢٥) فأين كان المتخرصون يومئذ من هذا الإنفاق العظيم؟ ! أم أن أعداء التأريخ الإسلامي يصمون آذانهم عن هذا ويفتحون أعينهم على روايات غير صحيحة. وكان غنيًّا قبل أن يكون خليفة ثم وزع ماله وأراضيه بين أقاربه فما الخطأ في هذا؟ لِمَ نسكت عندما يجهز جيشًا من ماله الخاص ولماذا نقوم ولا نقعد عندما يوزع ماله الخاص على أهل بيته ويبقى زاهدًا كأي فرد من أفراد المجتمع. هذا إن كان ما قاله سيف صحيحا (ولا نعلمه كذلك) وقد انفرد به. والله أعلم.\nوأما قصة نفيه للحكم فليست صحيحة وليس لها إسناد صحيح أو حسن، وكما قال ابن تيمية: وقصة نفي الحكم ليست من الصحاح ولا لها إسناد يعرف به أمرها (منهاج السنة ٩/ ٢٦٥).","vol":"3","page":334},{"text":"فنزلوا الأعوَص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامّتهم بذي المرْوَة. ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النّضْر وعبد الله بن الأصمّ، وقالا: لا تَعجلوا ولا تُعجِلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا؛ فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا؛ فهم إذا علموا علْمنا أشدّ؛ وإنّ أمرنا هذا لبَاطل؛ وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلًا، لَنرجعنَّ إليكم بالخبر.\nقالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي - ﷺ - وعليًّا وطلحة والزبير، وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت، ونستعفي هذا الواليَ من بعض عمّالنا، ما جئنا إلّا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلّهم أبَى، ونهى وقال: بَيْض ما يُفْرِخَنَّ، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوْا عليًّا ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوْا الزبير؛ وقال كلّ فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرّقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتَهم، فأتى المصريون عليًّا وهو في عسكر عند أحجار الزّيت، عليه حلّة أفوافٍ معتمّ بشقيقة حمراء يمانية، متقلّد السيف، ليس عليه قميص، وقد سزح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسنُ جالس عند عثمان، وعليّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جَيش ذي المرْوة وذي خُشب ملعونون على لسان محمد - ﷺ -، فارجعوا لا صحِبكم الله! قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك.\nوأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلّم البصريّون عليه وعرَضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المرْوة وذي خُشب والأعوَص ملعونون على لسان محمّد - ﷺ -.\nوأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى؛ وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جَيش ذي المَروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد - ﷺ -، فخرج القوم وأرَوْهم أنهم يرجعون، فانفشّوا عن ذي خشُب والأعوص، حتى انتهوا إلى عساكرهم؛ وهي ثلاث مراحل؛ كي يفترق أهلُ","vol":"3","page":335},{"text":"المدينة، ثم يكرُّوا راجعين. فافترق أهل المدينة لخروجهم.\nفلما بلغ القوم عساكرَهم كرُّوا بهم، فبغتوهم، فلم يفجأ أهلَ المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان، وقالوا: مَن كفّ يده فهو آمن.\nوصلَّى عثمان بالناس أيامًا؛ ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدًا من كلام، فأتاهم الناس فكلّموهم، وفيهم عليّ، فقال: ما ردّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا؛ وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا؛ كأنما كانوا على ميعاد. فقال لهم عليّ: كيف علمتم يا أهلَ الكوفة ويا أهل البصرة بما لقيَ أهل مصر؛ وقد سرتم مراحل؛ ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمرٌ أبرِم بالمدينة! قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرّجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلّون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدقّ من التراب؛ وكانوا لا يمنعون أحدًا من الكلام، وكانوا زُمَرًا بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع.\nوكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدّهم: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعدُ؛ فإن الله ﷿ بعث محمدًا بالحق بشيرًا ونذيرًا، فبلّغَ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه؛ وخلَّف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدّر، فأمضاها على ما أحبّ العباد وكرهوا، فكان الخليفةُ أبو بكر ﵁ وعمرُ ﵁، ثم أدخلتُ في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس عليّ، على غير طلَب مني ولا محبّة؛ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعًا غير مستتبع، متّبعًا غير مبتدِع، مقتديًا غير متكلف. فلما انتهت الأمورُ، وانتكث الشرُّ بأهله؛ بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا تِرةٍ فيما مضى إلّا إمضاء الكتاب؛ فطلبوا أمرًا وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر، فعابوا عليّ أشياء مما كانوا يرضوْن، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها؛ فصبرتُ لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين وأنا أرى وأسمع؛ فازدادوا على الله ﷿ جُرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله - ﷺ - وحرَمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب؛ فهم","vol":"3","page":336},{"text":"كالأحزاب أيّام الأحزاب أو مَنْ غزانا بأحُد إلّا ما يُظهرون؛ فمن قدر على اللحاق بنا فلْيَلْحَق.\nفأتى الكتاب أهلَ الأمصار، فخرجوا على الصّعبة والذّلول؛ فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهريّ، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حُديج السّكونيّ، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو.\nوكان من المحضّضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عُقْبةُ بن عمرو وعبد الله بن أبي أوفَى وحنظلة بن الربيع التميميّ في أمثالهم من أصحاب النبي - ﷺ -. وكان من المحضّضين بالكوفة من التابعين أصحابُ عبد الله مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وشُريح بن الحارث، وعبد الله بن عُكَيم؛ في أمثالهم؛ يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها؛ يقولون: يا أيها الناس! إن الكلام اليوم وليس به غدًا، وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غدًا، وإنّ القتال يحلّ اليوم ويحرُم غدًا، انهضوا إلى خليفتكم، وعصْمة أمرِكم.\nوقام بالبصرة عمران بن حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي - ﷺ - يقولون مثل ذلك، ومن التابعين كعب بن سُور، وهرِم بن حَيّان العبديّ، وأشباه لهما يقولون ذلك! وقام بالشام عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبيّ - ﷺ - يقولون مثل ذلك، ومن التابعين شريك بن خُباشة النُّميريّ، وأبو مسلم الخوْلانيّ، وعبد الرحمن بن غَنْم بمثل ذلك، وقام بمصر خارجة في أشباه له؛ وقد كان بعض المحضّضين قد شهد قدومهم، فلمَّا رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم.\nولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين مسجدَ رسول الله - ﷺ - خرج عثمان فصلَّى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدَى، اللهَ اللهَ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد - ﷺ -؛ فامحوا الخطايا بالصواب؛ فإن الله ﷿ لا يمحو السيّئ إلّا بالحسن.\nفقام محمد بن مسلمة، فقال: أنا أشهدُ بذلك، فأخذه حُكَيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغِني الكتاب، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قُتَيرة فاقعده؛ وقال فأفظَع؛ وثار القوم بأجمعهم، فحصَبُوا الناس","vol":"3","page":337},{"text":"حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صُرع عن المنبر مغشيًّا عليه، فاحتُمل فأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدَهم إلّا في ثلاثة نفر؛ فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حُذيفة، وعمَّار بن ياسر؛ وشمّر أناس من الناس فاستقتلوا؛ منهم سعد بن مالك، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ؛ فبعث إليهم عثمان بعزْمةٍ لَمَا انصرفوا. فانصرفوا، وأقبل عليٌّ ﵇ حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزُّبَيْر حتى دخل عليه؛ يعودُونه من صرعته؛ ويشكُون بثّهم، ثم رجعوا إلى منازلهم. (١) (٤: ٣٤٨/ ٣٤٩ / ٣٥٠/ ٣٥١ / ٣٥٢/ ٣٥٣).\n٢٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، قال: قلت له: هل شهدت حَصْر عثمان؟ قال: نعم؛ وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد، فإذا كثُر اللغط جثوتُ على ركبتيّ أو قمت؛ فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله؛ فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة، يُعظمون ما صنعوا. وأقبلوا على أهل المدينة يتوعّدونهم؛ فبينا هم كذلك في لَغطهم حَوْل الباب، فطلع عثمان؛ فكأنما كانت نارٌ طَفِئت، فعمَد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل، فأقعده رجل، وقام آخر فأقعده\n_________\n(١) إسناده ضعيف والمتن متكون من عدة مقاطع لأغلبها ما يؤيدها كما سنذكر إلّا أن فيه مقطعًا يخالف ما ورد في الروايات الصحيحة وهي عبارة: وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم ... إلخ ص ٥١).\nفقد أخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة (٢/ ٥٦١) عن عائشة قالت: لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله - ﷺ - على عهد سأصبر عليه، قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله - ﷺ - عهد إليه فيما يكون من أمره. وصحح الألباني إسناده.\nوكذلك أخرج المحب الطبري في الرياض النضرة (٣/ ٦٨) عن شداد بن أوس حديثًا وفيه: ثم دخلوا على عثمان فقال له علي: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول الله - ﷺ - لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر وإني والله لأرى القوم إلا قاتلوك فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان: أنشد الله رجلًا رأى الله حقًّا وأقرّ لي عليه حقًّا أن يهريق في سبيلي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه فيّ.\nأما بقية مقاطع الرواية (٤/ ٢٤٣) فسنذكر ما يشهد لها بعد الرواية التالية.","vol":"3","page":338},{"text":"آخر، ثم ثار القوم فحصَبوا عثمان حتى صرُع، فاحتُمِل فأُدخِل، فصلى بهم عشرين يومًا، ثم منعوه من الصلاة (١). (٤/ ٣٥٣).\n٢٤٥ - ما حدّثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو نضْرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريّ، قال: سمع عثمان أنّ وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، وكان في قرية له خارجة من المدينة -أو كما قال- فلمّا سمعوا به، أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه -قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة أو نحوًا من ذلك- قال: فأتوْه، فقالوا له: ادعُ بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، قال: فقالوا له: افتح التاسعة - قال: وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. قال: قالوا له: قف، فقالوا له: أرأيت ما حَمَيتَ من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري! قال: فقال: امضِه؛ نزلت في كذا وكذا. قال: وأما الحِمَى فإنّ عمر حَمَى الحمى قبلي لإبل الصّدَقة، فلما وليت زادت إبلُ الصدقة فزدت في الحِمَى لما زاد في إبل الصدقة، امضِه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضِه، نزلت في كذا وكذا - قال: والذي يتولى كلام عثمان يومئذ في سنّك، قال: يقول أبو نضرة، يقول ذاك لي أبو سعيد، قال أبو نُضْرة: وأنا في سنك يومئذ، قال: ولم يخرج وجهي يومئذ، لا أدري - ولعله قد قال مرة أخرى: وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرَج. قال: فعرفها، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قال: فأخذوا ميثاقه - قال: وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطًا - قال: وأخذ عليهم ألَّا يشقوا عَصًا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم -أو كما أخذوا عليه- قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألّا يأخذ أهل المدينة\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن أصل الرواية أي منع الوفود القادمة إلى المدينة لعثمان بن عفان ﵁ في إمامة الناس في الصلاة عند البخاري في صحيحه، إذ أخرج عن عبد الله بن عدي بن الخيار: أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم. (فتح الباري ٢/ ٢٢١).","vol":"3","page":339},{"text":"عطاء، فإنما هذا المال من قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله - ﷺ -. قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين.\nقال: فقام فخطب، فقال: إنّي ما رأيت والله وفدًا في الأرض هم خير لحوْباتِي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ. وقد قال مرّة أخرى: خشيت من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضَرْع فليحتلب؛ ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال من قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله - ﷺ -. قال: فغضِب الناس، وقالوا: هذا مكر بني أميّة.\nقال: ثم رجع الوفد المصريون راضين؛ فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرّض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم، لمّ يفارقهم ويتبيَّنُهم. قال: قالوا له: مَا لَك؟ إن لك لأمرًا! ما شأنك؟ قال: فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر؛ ففتّشوه؛ فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلّبهم أو يقتلهم أو يقطّع أيديهم وأرجلَهم من خلاف. قال: فأقبلوا حتى قدِموا المدينة، قال: فأتوْا عليًّا، فقالوا: ألم تر إلى عدوّ الله! إنه كتب فينا بكذا وكذا؛ وإنّ الله قد أحلّ دمه، قم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم؛ إلى أن قالوا: فلم كَتبتَ إلينا؟ فقال: والله ما كتبتُ إليكم كتابًا قطّ؛ قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون!\nقال: فانطلق عليّ، فخرج من المدينة إلى قرية. قال: فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا! قال: فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلّا هو ما كتبتُ ولا أملَلْت ولا علمت. قال: وقد تعلمون أنّ الكتاب يكتَب على لسان الرّجل، وقد ينقَش الخاتم على الخاتم. قال: فقالوا: فقد والله أحلّ الله دَمك، ونقضت العهد والميثاق. قال: فحاصروه (١). (٤: ٣٥٤ - ٣٥٥ - ٣٥٦).\n_________\n(١) إسناده صحيح وكذلك أخرجه خليفة بن خياط في تأريخه: حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبي قال: قال نا أبو نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فقالوا: ادعُ بالمصحف فدعا به فقالوا: افتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ =","vol":"3","page":340},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تَفْتَرُونَ﴾ فقالوا له: قف أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لك أم على الله تفتري! فقال: امضه نزلت في كذا وكذا، فأقام الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زادت إبل الصدقة امضه، قال فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول: امضه نزلت في كذا وكذا فما يزيدون فأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطًا وأخذ عليهم ألا يشقوا عصًا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين فبينما هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ويفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطّع أيديهم وأرجلهم، فاقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليًّا فقالوا: ألم تر إلى عدوّ الله كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحل دمه فقم معنا إليه. قال: والله لا أقوم معكم قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابًا فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا كتابًا بكذا وكذا فقال إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يمين بالله لا إله إلّا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق، وحصروه في القصر ﵁ (تأريخ خليفة / ١٦٩). وإسناده صحيح - وكذلك أخرجه ابن شبة في تأريخ المدينة من طريق سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: خطبنا عثمان بن عفان ﵁ فقال: إن ركبًا نزلوا ذا الحليفة وإني خارج إليهم فمن شاء أن يخرج فليخرج؟ قال: فكنت فيمن خرج يعني: أبا سعيد - قال: فأتيناهم فإذا هم في حظائر سقفٍ، أبصرناهم من خلال الحائط وإذا شاب قاعد في حجره المصحف فقال: يا أمير المؤمنين ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فقال: إن عمر ﵁ حمى حمى، وإن الصدقة زادت فزدت في الحمى، فمن شاء أن يرعى فليرع، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: يا أمير المؤمنين أحسنت! ثم قالوا: يا أمير المؤمنين هل على بيت الله إذن؟ قال: كنت أرى أن الجهاد أفضل من الحج فإن كان ذلك من رأيكم فقد أذنا للناس فمن أراد أن يحج فليحج، أتوب إلى الله وأستغفره. فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين في خصال سألوه عنها فتاب منها ورجع عنها كل ذلك يقولون: قد أحسنت يا أمير المؤمنين. قال: فانفروا وتفرقوا ثم قام خطيبًا فقال: ما رأيت ركبًا كانوا في نفس أمير المؤمنين خيرًا من هؤلاء الركب. والله إن قالوا إلا حقًّا، وإن سألوا إلا حقًّا. فرجعوا إليه فأشرف عليهم فقال: ما رجعكم إليّ بعد إعطائكم الحق؟ قالوا: كتابك. قال: ويلكم لا تهلكوا أنفسكم وتهلكوا أمتكم والله إن كتبتها ولا أمليتها فقال الأشتر: إني والله لأسمع حلف رجل أراه قد مُكِر به ومُكِر بكم قال: فوثبوا عليه فوطؤوه حتى ثقل ثقلا قال: فوقف عليهم سعد بن مالك فقال: أفبما قتلكم! ! تركتموه وهو في خطيئته تطهر منها قتلتموه! ! =","vol":"3","page":341},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فجعلوا يقرعونه بالرماح حتى سقط لجنبه وجعل يقول: هلّم فاقتلوني فلقد أصابت أمي اسمي إذ سمتني سعدًا. وأقبل الأشتر فنهاهم وقال: يا عباد الله اتخذتم أصحاب محمدًا بدُنًا؟ ! وخرج سعد يدعو ويقول: اللهم إني فررت بديني من مكة إلى المدينة وأنا أفرّ به من المدينة إلى مكة (أخبار المدينة المنورة ٦/ ٣ / ٣٥١) وقال الدويش في الحاشية: رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أبا سعيد مولى أبي أسيد وهو ثقة كما أشار إلى ذلك الهيثمي في (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٩). اهـ.\nقلنا: فهؤلاء ثلاثة من أئمة الحديث والتأريخ (الطبري، خليفة بن خياط، ابن شبة) ثلاثتهم رووا هذه الرواية المهمة من طريق أبي نضرة به، ولكن الطبري زاد زيادة لم نجدها عند خليفة ولا عند ابن شبة وهو قوله: (وقالوا: هذا مكر بني أمية) أما بقية الرواية فهي متفقة في المعنى عند الثلاثة إلا في مواضع يسيرة كقوله عند الطبري: (ثم أخذوا بأشياء لم يكن عنده منها مخرج) بينما العبارة غير موجودة أصلًا عند خليفة بل هي هكذا (فما يزيدون فأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطًا وأخذ عليهم ألّا يشقوا عصًا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين) أما عند عمر بن شبة فهي هكذا: (فقالوا: والله لقد أحسنت يا أمير المؤمنين في خصال سألوه عنها فتاب فيها ورجع عنها كل ذلك وهم يقولون: قد أحسنت يا أمير المؤمنين قال: فانفروا وتفرقوا).\nعلى أية حال هذه الرواية الصحيحة تبيّن أمورًا اتفق عليها المؤرخون الثلاثة:\n١ - كان سيدنا عثمان واسع الصدر مهتمًا بأمور رعيته لا يحجبه عنهم حاجب وذهب بنفسه لملاقاة وفود الغاضبين عليه ليحاورهم ويجد ما عندهم ويرضيهم.\n٢ - فنّد سيدنا عثمان ما راود الوفود من شبهات حول سياسته في إدارة الحكم.\n٣ - اقتنعوا بما شرحه لهم أمير المؤمنين وخرجوا من عنده راضين.\n٤ - قام بعض المغرضين بتزوير كتاب باسم أمير المؤمنين وزوروا ختمه وكذلك زوّروا كتابًا باسم سيدنا علي كل ذلك لأنهم لم يرضوا بالوئام والصفاء الذي عاد إلى صفوف الأمة المسلمة.\nونعود إلى ذكر بقية الشواهد للرواية السابقة (٤/ ٧٤٤):\n٢ - أخرج خليفة بن خياط في تأريخه قال: ثنا ابن علية قال أخبرنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: (قلت لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم، فائذن لنا. فقال: أذكر الله رجلًا أهرق في دمه، أو قال دمًا) (تأريخ خليفة / ١٧٣) وإسناده حسن.\n٣ - أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\". (فتح الباري ٤/ ٩٧).","vol":"3","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>ذكر الخبر عن قتل عثمان ﵁</span>\n٢٤٦ - حدثني أحمد بن إبراهيم؛ قال: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أنّ جَهْجاهًا الغِفاريّ أخذ عصًا كانت في يد عثمان، فكسرها على ركبته، فرمى في ذلك المكان بأكله (١). (٤: ٣٦٧).\n٢٤٧ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا معتمِر بن سليمان التيميّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو نَضْرة عن أبي سعيد مولى أبي أسَيد الأنصاريّ، قال: أشرف عليهم عثمان ﵁ ذات يوم، فقال: السلام عليكم، قال: فما سمع أحدًا من الناس ردّ عليه إلّا أن يردّ رجل في نفسه، فقال: أنشدُكم بالله هل علمتم أني اشتريت رومة من مالِي يستعذَب بها، فجعلت رِشائي منها كرِشاء رجل من المسلمين! قال: قيل: نعم. قال: فما يمنعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر! قال: أنشدكم الله هل علمتم أنّي اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم، قال: فهل علمتم أحدًا من الناس مُنع أن يصلّى فيه قبلي! قال: أنشدكم الله، هل سمعتم نبيّ الله - ﷺ - يذكر كذا وكذا؛ أشياء في شأنه، وذكْرَ الله إياه أيضًا في كتابه المفصّل. قال: ففشا النهي.\nقال: فجعل الناس يقولون: مهلًا عن أمير المؤمنين، قال: وفشا النهي، قال: وقام الأشتر - قال: ولا أدري يومئذ أو في يوم آخر - فقال: لعله قد مكر به وبكم! قال: فوطئه الناس، حتى لقي كذا وكذا، قال: فرأيته أشرف عليهم مرّة أخرى، فوعظهم وذكَّرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة. وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أوّلَ ما يسمعونها؛ فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم. قال: ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه. قال: وذاك أنه رأى من الليل أنّ نبيّ الله - ﷺ - يقول: \"أفطر عندنا الليلة\" (٢). (٤: ٣٨٣).\n_________\n(١) رجاله ثقات وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٨٨).\n(٢) إسناده ضعيف، وأما منع عثمان الصحابة ومن معهم من التابعين من الدفاع عنه وأمرهم بالرجوع فسمعوا له وأطاعوا إلا ثلاثة من الشباب أو أربعة، فقد أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب (٨/ ٤٥) عن كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب قال: شهدت مقتل عثمان، فأخرج من الدار أمامي أربعة من شبان قريش ملطخين بالدم محمولين، كانوا يدرؤون عن =","vol":"3","page":343},{"text":"٢٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: وأحرقوا الباب وعثمان في الصّلاة، وقد افتتح: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ - وكان سريع القراءة، فما كرثه ما سمع، وما يخطئ وما يتتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه:\nقد عَلِمَتْ ذاتُ القرونِ الميلِ ... والحَلْي والأنامِلِ الطُّفولِ\nلتصْدُقَنَّ بَيعَتي خَليلي ... بِصارمٍ ذي رَوْنَقٍ مَصْقولِ\nلا أسْتَقيلُ إنْ أقلْتُ قيلي\n_________\n= عثمان ﵁: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم. وإسناده حسن صحيح.\nوذكرنا الرواية (٤/ ٣٨٥ / ٨٢٥) في قسم الضعيف لما فيها من عبارات لا تليق بصحابة رسول الله وأغلب الظن أن رواية سيف (أي شعيب) المعروف بتحامله على الصحابة هو الذي زاد هذه العبارات على أصل القصة عند المؤرخين والمحدثين، وأما محاولة أم حبيبة للدخول على أمير المؤمنين عثمان ﵁ وهو محاصر ومنعها من ذلك فقد حصل كما أخرج الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: (لما اشتد أمرهم يوم الدار قالوا: فمن فمن؟ قال: فبعثوا إلى أم حبيبة فجاؤوا بها على بغلة بيضاء وملحفة قد سترت فلما دنت من الباب قالوا: ما هذا؟ قالوا: أم حبيبة قالوا: لا والله لا تدخل، فردّوها) (فضائل الصحابة ١/ ٤٩٢). وصحح المحقق إسناده.\nوليست في هذه الرواية: أنهم ضربوا وجه بغلتها وقالوا لها كاذبة وقطعوا حبل البغلة بالسيف وكادت تقتل ومالت بها راحلتها وما إلى ذلك من الاختلاقات التي لم ترد من رواية صحيحة بالأصل أنهم منعوها فحسب - ولكن ما تقول لراوٍ كشعيب ينتهز الفرص للنيل من صحابة رسول الله - ﷺ - وقد نسي أن باب الإسناد له بالمرصاد وكذلك فإن رواية (سيف من طريق شعيب) جاءت بعبارة (وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة) وحاشا للسيدة عائشة أم المؤمنين أن تهرب بحجة أنها تحج والوقائع المشهورة تكذب ذلك، فكيف تخرج في وقعة الجمل إلى البصرة بعيدًا عن المدينة ثم لا تملك الشجاعة أن تجلس في مدينة رسول الله - ﷺ - ولا ضير أن نقول: إنها كانت في ذلك الحين في مكة أو إنها أرادت أن تكون بعيدة عن الفتنة حتى لا تأثم، ولقد عزا الحافظ ابن حجر إلى الطبري من أنها كانت في مكة حين قتل سيدنا عثمان، وصحح الحافظ إسناده. (الفتح ١٣/ ٣٨).","vol":"3","page":344},{"text":"وأقبل أبو هريرة، والناس محجمون عن الدّار إلا أولئك العُصبة، فدسروا فاستقتلوا، فقام معهم، وقال: أنا أسوتكم؛ وقال: هذا يوم طابَ امْضَرْب -يعني أنه حَلّ القتال، وطاب وهذه لغة حِمير- ونادى: يا قوم، مَالِي أدعُوكُم إلى النَّجَاةِ وتَدْعُونني إلى النَّارِ! وبادر مروان يومئذ ونادى: رجل رجل، فبرز له رجل من بني لَيث يدعَى النّبَاع؛ فاختلفا، فضربه مروان أسفل رجليه، وضربه الآخر على أصل العُنق فقلبه، فانكبّ مروان، واستلقى، فاجترّ هذا أصحابه، واجترّ الآخر أصحابه؛ فقال المصريون: أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير، فقال المغيرة: مَن يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد، وهو يقول:\nأضربُهُمْ باليابِس ... ضَرْبَ غَلامٍ بائس\nمن الحياةِ آيِس\nفأجابه صاحبه ... وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس، فقال الذي قتله: إنا لله! فقال له عبد الرحمن بن عُديس: مَا لك؟ قال: إني أُتِيت فيما يرى النائم، فقيل لي: بشّر قاتلَ المغيرة بن الأخنس بالنار؛ فابتُليت به، وقَتَل قَباث الكِنانيّ نِيار بن عبد الله الأسلميّ، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤوها ولا يشعر الذين بالباب، وأقبلت القبائل على أبنائهم؛ فذهبوا بهم إذ غُلبوا على أميرهم، وندبوا رجلًا لقتله، فانتدَب له رجل، فدخل عليه البيت، فقال: اخلعها وندَعك، فقال: ويحك! والله ما كشفتُ امرأةً في جاهليّة ولا إسلام، ولا تغنّيت ولا تمنيّت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله - ﷺ -؛ ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله ﷿، وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة، ويهين أهل الشقاء.\nفخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علِقنا والله؛ والله ما ينجينا من الناس إلا قتله، وما يحلّ لنا قتله؛ فادخَلوا عليه رجلًا من بني ليث، فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثيّ؛ فقال: لستَ بصاحبي، قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي - ﷺ - في نفر أن تُحفَظُوا يوم كذا وكذا؟ قال؛ بلى، قال: فلن تضيع؛ فرجع وفارق القوم، فأدخلوا عليه رجلًا من قريش، فقال: يا عثمان! إني قاتلُك، قال: كلّا يا فلان، لا تقتلني! قال: وكيف؟ قال: إنّ رسول الله - ﷺ - استغفر لك","vol":"3","page":345},{"text":"يوم كذا وكذا؛ فلن تقارف دمًا حرامًا. فاستغفر ورجع، وفارق أصحابه فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله، وقال: يا قومِ لا تسلّوا سيفَ الله عليكم؛ فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم! إنّ سلطانكم اليوم يقوم بالدِّرّة؛ فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم! إنّ مدينتكم محفوفة بملائكة الله؛ والله لئن قتلتموه لتتركَنّها؛ فقالوا: يا بنَ اليهودية؛ وما أنت وهذا! فرجع عنهم.\nقالوا: وكان آخر مَن دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر، فقال له عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب! هل لي إليك جُرْم إلّا حقَّه أخذتُه منك! فنكل ورجع.\nقالوا: فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قُتَيرَةُ، وسُودان بن حمران السَّكونيّان، والغافقيّ؛ فضربه الغافقيّ بحديدة معه، وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف، فاستقرّ بين يديه؛ وسالت عليه الدماء؛ وجاء سُودان بن حمران ليضربه، فانكبّت عليه نائلة بنت الفَرافصة، واتّقت السيف بيدها، فتعمّدها، ونفح أصابعها، فأطنَّ أصابع يدِها وولّت؛ فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة، وضرب عثمان فقتله، ودخل غِلمة لعثمان مع القوم لينصروه - وقد كان عثمان أعتق مَن كَفّ منهم - فلمّا رأوا سودان قد ضربه، أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت؛ وأخرجوا مَن فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى. فلما خرجوا إلى الدار، وثبَ غلام لعثمان آخر على قُتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا؛ حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة - والرجل يدعى كلثوم بن تُجِيب - فتنحّت نائلة، فقال: ويح أمِّكِ من عَجِيزة ما أتمَّكِ! وبصُر به غلام لعثمان فقتله وقتِل، وتَنادَى القوم: أبصر رجل مَنْ صاحبه، وتنادَوْا في الدار: أدركوا بيت المال لا تُسبَقوا إليه؛ وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم؛ وليس فيه إلّا غِرارتان، فقالوا: النَّجاء؛ فإن القوم إنَّما يحاولون الدنيا، فهربوا وأتوْا بيت المال فانتهبوه، وماج الناس فيه، فالتّانئ يسترجع ويبكي، والطارئ يفرح. وندم القوم، وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلّا يشهد مقتله، فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو؛ قال: إنا لله وإنا إليه","vol":"3","page":346},{"text":"راجعون؛ رحم الله عثمان. وانتصر له؛ وقيل: إن القوم نادمون؛ فقال: دبَّروا دبَّروا، ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية. وأتى الخبرُ طلحةَ، فقال: رحم الله عثمان! وانتصر له وللإسلام؛ وقيل له: إن القوم نادمون، فقال: تبًّا لهم! وقرأ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وأتي عليٌّ فقيل: قُتِل عثمان، فقال: رحم الله عثمان، وخلَف علينا بخير! وقيل: ندم القوم، فقرأ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ...﴾ الآية. وطُلِب سعد، فإذا هو في حائطه، وقد قال: لا أشهد قتلَه، فلما جاءه قتلُه؛ قال: فررنا إلى المُدْنية تُدْنِينا؛ وقرأ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. اللهمّ أندِمْهم ثم خذهم (١). (٤: ٣٨٩/ ٣٩٠ / ٣٩١/ ٣٩٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن له ما يشهد له كما سنذكر:\n١ - أخرج الترمذي في سننه وحسنه (٥/ ٣٣٥) والطبراني كما ذكر الهيثمي (المجمع ٩/ ٩٣) وقال: رجاله ثقات، والبخاري في التأريخ الكبير (١/ ١ / ٢٦٢) حديثًا مطولًا عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام وفيه قال عبد الله بن سلام ﵁: فلا تعجلوا إلى هذا الشيخ أمير المؤمنين بقتل اليوم، فإني أقسم بالله لقد حضر أجله نجده في كتاب الله، ثم أقسم لكم بالله الذي نفسي بيده لا يقتله رجل منكم إلّا لقي الله ﷿ يوم القيامة مشلًّا يده مقطوعة، ثم اعلموا أنه ليس للوالد على ولده حق إلا هذا الشيخ عليكم مثله، وقد أقسم لكم بالله ما زالت الملائكة بهذه المدينة منذ دخلها رسول الله - ﷺ - إلى اليوم، وما زال سيف الله بعد إذ غمد عنكم؛ فلا تطردوا جيرانكم من الملائكة. فلما قال ذلك لهم قاموا يسبونه ويقولون كذب اليهودي ... إلخ الرواية. وأخرج أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٧٤) بسند صحيح عن عبد الله بن سلام: لا تقتلوا عثمان فإنكم إن فعلتم لم تصلوا جميعًا أبدًا.\n٢ - وأخرج ابن سعد بإسناد رجاله ثقات (إلا أن فيه الأعمش وهو ثقة يدلس) عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت على عثمان يوم الدار ففلت: يا أمير المؤمنين! طاب امْضَرْبُ فقال: يا أبا هريرة! أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي؟ قال: قلت لا، قال: فإنك والله إن قتلت رجلًا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا قال: فرجعت ولم أقاتل.\n٣ - وأخرج ابن عبد البر بسند حسن عن كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب قال: شهدت مقتل عثمان ... الرواية وفي آخره وقال محمد بن طلحة: فقلت له: هل نرى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ قال: معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان: يا بن أخي لست بصاحبي - وكلمه بكلام - فخرج ولم يند بشيء من دمه) (الاستيعاب ٨/ ٤٦).\n٤ - وأخرج خليفة بن خياط في تأريخه قال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: فتح عثمان الباب ووضع المصحف بين يديه فدخل عليه رجل =","vol":"3","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقال: بيني وبينك كتاب الله فخرج وتركه - ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله فأهوى إليه بالسيف فاتقاه بيده فقطعها فلا أدري أبانها أم قطعها ولم يبنها - فقال: أما والله إنها لأول كف خطت المفصل (تأريخ خليفة / ١٧٤) وهذا إسناد صحيح.\nوكذلك أخرج خليفة قال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن الحسن أن ابن أبي بكر أخذ بلحيته فقال عثمان: لقد أخذت مني مأخذًا أو قعدت مني مقعدًا ما كان أبوك ليقعده فخرج وتركه (تأريخ خليفة / ١٧٤). ورجال هذا الإسناد ثقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>أسماء الخارجين الذين شاركوا في قتل سيدنا عثمان ﵁</span>\n١ - أخرج ابن سعد في طبقاته بسند حسن عن كنانة قال: (رأيت قاتل عثمان في الدار رجلًا أسود من أهل مصر يقال له: جبلة باسطًا يديه يقول: أنا قاتل نعثل) (الطبقات الكبرى ٣/ ٨٣).\n٢ - وأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا أبو داود قال: أخبرنا محمد بن طلحة قال: أخبرنا كنانة مولى صفية قال: (شهدت مقتل عثمان قال: قلت من قتله؟ قال: رجل من أهل مصر يقال له: حمار) (تأريخ خليفة / ١٧٥) وإسناده حسن.\n٣ - أخرج خليفة في تأريخه قال: وفي حديث: المعتمر عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: (دخل عليه رجل من بني سدوس يقال له: الموت الأسود فخنقه خنقة قبل أن يضرب بالسيف) (تأريخ خليفة / ١٧٤) ورجاله ثقات.\n٤ - وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب (٨/ ٤٥) حديث كنانة وفيه: فقلت (أي: محمد بن طلحة) لكنانة: من قتله؟ قال: قتله رجل من أهل مصر يقال له: جبلة بن الأيهم ثم طاف بالمدينة ثلاثًا يقول: أنا قاتل نعثل. وإسناده حسن.\nوفي متون هذه الروايات اضطراب وكلها من طريق كنانة مولى صفية. وقد دفع الأستاذ خالد محمد الغيث هذا الاختلاف وقال: (بعد نقاش) مما سبق يلاحظ أن الذي قتل عثمان ﵁ يعد شخصًا واحدًا ذا ألقاب عدة فهو الموت الأسود، وهو رجل أسود من أهل مصر، يقال له: جبلة بن الأيهم، وهو عبد الله بن سبأ (ابن السوداء) الذي جاء إلى المدينة مع وفد مصر (استشهاد عثمان ووقعة الجمل / ١٣٠).\n٥ - ونسب الحافظ ابن كثير إلى ابن عساكر: أنه روى عن ابن عون: أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه فضربه سواد بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله (البداية والنهاية ٧/ ١٩٤).\nوأما عن محمد بن أبي بكر فقد أخرج ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٩٤) رواية الطبراني وفيها: (إن محمد بن أبي بكر طعنه بمشقاص كانت في يده) ثم عقب ابن كثير قائلًا: هذا حديث غريب جدًّا وفيه نكارة - اهـ.\nوسبق أن ذكرنا قول الحافظ ابن كثير: ويروى: أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشقاص في أذنه =","vol":"3","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حتى دخلت في حلقه، والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها، فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. (البداية والنهاية ٧/ ١٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>خلاصة في الفتنة أيام عثمان</span>\nأخرج خليفة بن خياط في تأريخه قال: حدثنا عبد الأعلى بن الهيثم قال: حدثني أبي قال: قلت للحسن: أكان فيمن قتل عثمان أحد صن المهاجرين والأنصار؟ قال: لا كانوا أعلاجًا من أهل مصر (تأريخ خليفة / ١٧٦).\nأولًا: عدم ثبوت مشاركة الصحابة في الفتنة أيام عثمان ﵁، فلقد أكدت الروايات الصحيحة التي ذكرنا والتي سنذكرها هنا: أن الصحابة لم يشتركوا في هذه الفتنة، وأما أعيان الصحابة كعلي، وعائشة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وغيرهم كثير فقد وقفوا إلى جانب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، أما البقية وهم قليلون جدًّا فقد اعتزلوا الفتنة وخاصة في آخر أيامها ولكنهم لم يكونوا أبدًا في صف الخارجين على سيدنا عثمان بن عفان ﵁ بل كانوا ضد الخارجين، ولعلّ بعض الناس يقول: ولكن عمّارًا قد شارك في الفتنة فنقول لهم: بيننا وبينكم الإسناد فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، ولقد بيّنا كذب وزيف الروايات التي ذكرت ذلك، وسنذكر بعد قليل رواية صحيحة في إعلان عمارٍ ﵁ أنه لم يشارك في ذلك.\nوأما أبناء الصحابة فلم يثبت مشاركة أحدٍ منهم سوى محمد بن أبي بكر وقد ثبت كما ذكرنا أنه تراجع عن موقفه قبل مقتل سيدنا عثمان بقليل، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٩٣): ويروى: أن محمدًا بن أبي بكر طعنه بمشقاص في أذنه حتى دخلت في حلقه. والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. اهـ.\nوإليك قائمة بأسماء أعيان الصحابة ومواقفهم من مقتل سيدنا عثمان ورأيهم في قتله، وذلك اعتمادًا على روايات صحيحة سنذكرها إزاء كل صحابي:\n١ - سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي الله عنه وأرضاه:\nأخرج البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١ / ٦٨) وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٨) بسند حسّنه المحقق عن عميرة بن سعد قال: كنا مع علي على شاطئ الفرات فمرت سفينة مرفوع شراعها، فقال علي: يقول الله ﷿ ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ والذي أنشأها في بحر من بحاره! ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله. =","vol":"3","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرج أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٥) وصحح المحقق إسناده وابن عساكر (في تأريخ دمشق / ٤٧٦) عن سالم بن أبي الجعد قال: (كنا مع ابن الحنفية في الشِّعب فسمع رجلًا ينتقص عثمان وعنده ابن عباس، فقال: يا عباس! هل سمعت أمير المؤمنين عشية سمع الضجّة من قبل المربد فبعث فلان بن فلان فقال: اذهب فانظر ما هذا الصوت، فجاء فقال: هذه عائشة تلعن قتلة عثمان والناس يؤمِّنون فقال علي: وأنا ألعن قتلة عثمان في السهل والجبل، اللهم العن قتلة عثمان! اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل! ثم أقبل ابن الحنفية عليه وعلينا فقال: أما فيَّ وفي ابن عباس شاهدا عدل؟ قلنا: بلى، قال: قد كان هذا).\nوأخرج أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٢) وابن سعد في طبقاته (٣/ ١٠٣) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: رأيت عليًّا رافعًا حضينه يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان! وأخرج أبو نعيم في كتاب الإمامة (٣٢٩ / ح ١٣٨) عن قيس بن عباد قال: سمعت عليًّا ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ﵁، ولقد طاش عقلي يوم قتلٍ، وانكسرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله تعالى أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله - ﷺ -: ألا أستحي ممن تستحيي منه الملائكة. وإني لأستحي من الله تعالى أن أبايع وعثمان قتيل على وجه الأرض لم يدفن بعد - وأخرجه الحاكم كذلك عن قيس بن عباد وزاد فيه: فانصرفوا فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين! فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى. قال الحاكم (المستدرك ٣/ ٩٥): هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، ولقد بيّن الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية أن الحافظ ابن عساكر اعتنى بجمع هذه الأحاديث ثم قال ابن كثير: ولقد نهى عنه (أي نهى عن المشاركة في الفتنة أيام عثمان) فلم يسمعوا منه، ثبت ذلك عنه من طريق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ولله الحمد والمنة. (البداية والنهاية ٧/ ١٩٣).\n٢ - الزبير بن العوام:\nأكدت كتب الحديث أن زبيرًا ﵁ كان يتألم بعد مقتل عثمان لأنه لم يقف في وجه الخارجين عليه، فكان يرى نفسه مقصرًا في حق عثمان. فقد أخرج الحافظ أبو نعيم عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة يوم الجمل: اللهم إن كنا أدهنا في أمر عثمان ﵁ وإنا لا نجد من الممانعة، اللهم فخذ لعثمان مني حتى ترضى! (الإمامة / ٣٢٧ / ح ١٣٤).\nوأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (٤٤٧) أن الزبير بن العوام ﵁ لما أتاه الخبر بمقتل عثمان وكان قد خرج من المدينة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله عثمان! =","vol":"3","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وانتصر له وقيل له: إن القوم نادمون فقال: دبروا دبروا وفي رواية: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية.\n٣ - أم المؤمنين عائشة ﵂:\nأخرج خليفة بن خياط في تأريخه (١٧٦) قال: حدثنا أبو قتيبة قال: نا يونس بن أبي إسحاق عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قالت عائشة غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقلب المصفى؛ قتلتموه.\nوأخرج خليفة في (تأريخه / ١٧٦) من طريق محمد بن عمرو قال: نا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن مسروق قال: قالت عائشة: تركتموه كالثوب من الدنس ثم قربتموه تذبحونه كما يذبح الكبش. قال مسروق: فقلت هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه فقالت عائشة: والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسواد في بياض حش جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أن كتب على لسانها. وقال ابن كثير بعد سرده لهذه الرواية: وهذا إسناد صحيح إليها (البداية والنهاية ٧/ ١٩٥).\nوأخرج البلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٥٩٦) عن عائشة ﵂ قالت: (ليتني كنت نسيًا منسيًا قبل أمر عثمان: فوالله ما أحببت له شيئًا إلا منيت بمثله حتى لو أحببت أن يقتل لقتلت) وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٦٢) وصحح المحقق إسناده.\n٤ - أبو هريرة ﵁:\nذكرنا سابقًا ما ورد من روايات صحيحة تذكر: أنه ﵁ دافع عن سيدنا عثمان بلسانه وأراد أن يحميه بسيفه ويقاتل عنه، فنهاه سيدنا عثمان فامتثل لأمر خليفة المسلمين. وكذلك أخرج ابن عساكر في (تأريخ دمشق / ٤٩٣) عن أبي مريم قال: رأيت أبا هريرة يوم قتل عثمان وله ضفيرتان وهو ممسك بهما وهو يقول: قتل والله عثمان على غير وجه الحق.\n٥ - ابن مسعود ﵁:\nأخرج ابن أبي شيبة في (مصنفه ١٥/ ٢٠٤) عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لئن قتلوا عثمان؛ لا يصيبوا منه خلفًا).\n٦ - حذيفة بن اليمان (أمين سر رسول الله - ﷺ -):\nأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢١٠) وابن سعد في طبقاته (٣/ ٨٠) عن ميمون بن مهران قال: لما قتل عثمان، قال حذيفة هكذا وحلّق بيده، وقال: فتق في الإسلام فتق لا يرتقه جبل. وروى البخاري في الصغير (١/ ٨٠) وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ٢٠٦) أنه قال ﵁: حين ذكر قتل عثمان [اللهم إني لم أشهد، ولم أقتل، ولم أرض!].\n٧ - طلحة بن عبيد الله:\nذكر المحب الطبري في الرياض النضرة (٣/ ٥٧) أن الدارقطني أخرج في (فضائل الصحابة) أن حوارًا دار بين طلحة وعثمان ﵄ فقال طلحة في نهاية الحوار: (اللهم لا أعلم =","vol":"3","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عثمان إلا مظلومًا) وأخرجه ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٨٥) من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد وفي آخره فقال طلحة: (اللهم نعم). ثم انصرف.\nوأخرج ابن عساكر عنه ﵁ حين أتاه نبأ مقتل سيدنا عثمان قال: يرحم الله عثمان، وانتصر له وللإسلام! وقيل له: القوم نادمون، فقال: تبًا لهم وقرأ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (تأريخ دمشق / ٤٧).\nوأخرج الخطيب البغدادي بسنده المتصل عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أشرف عثمان بن عفان ذات يوم على الناس فقال: أفيكم أبو محمد؟ يقول ذلك ثلاث مرات -يعني: طلحة بن عبيد الله ... - وفيه: يا طلحة أنشدك الله هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن لكل نبي رفيقًا في الجنة وأن رفيقي عثمان. قال: اللهم نعم. قال: فقام طلحة من ذاك المجلس فلم يُر فيه. (موضح أوهام الجمع والتعريف ٢/ ٢٧١) وهذه روايات تتقوى ببعضها والله أعلم.\n٨ - سعد بن أبي وقاص:\nأخرج البلاذري عن عبد المجيد بن سهيل قال: قال سعد بن أبي وقاص حين رأى الأشتر وحكيم بن جبلة وعبد الرحمن بن عديس: إن امرأ هؤلاء أمراؤه لأمرؤ سوء. (أنساب الأشراف ١/ ٥٩٠) (ابن عساكر / ٤٠٤).\nولما جاءه نبأ مقتل أمير المؤمنين عثمان وكان في بستانه قال: [(فررنا إلى المدينة بديننا فصرنا اليوم نفرّ من المدينة بديننا) وقرأ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (اللهم أندمهم ثم خذهم) (ابن عساكر / ٤٤٧)].\n٩ - سعيد بن زيد:\nروى ابن شبة (تأريخ المدينة ٤/ ١٢٤٢) وابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٠٤) عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد يقول: والله لو أن أحدًا انقضّ فيما فعلتم في ابن عفان كان محقوقًا أن ينقضّ).\n١٠ - ابن عباس:\nأخرج (ابن عساكر / ٢١٢) عن ابن عمر قال: لقيت ابن عباس وكان خليفة عثمان على الموسم - موسم الحج - عام القتل، فأخبرته بقتله، فعطم أمره وقال: (والله إنه من الذين يأمرون بالقسط) فتمنيت أن أكون قد قتلت يومئذ.\n١١ - عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه:\nولقد لفق المبتدعة من نسج خيالهم روايات كثيرة عن مشاركة عمار في هذه الفتنة، وأن سيدنا عثمان أدّبه في مسألة فحمل عمار في نفسه شيئًا من الكراهية لعثمان! وكل ذلك غير صحيح وكما قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: (فإذا طعن وقال: ضرب عمارًا. قيل له: هذا =","vol":"3","page":352},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= غير ثابت عنه، ولو ثبت ذلك فللأئمة أن يؤدبوا رعيتهم إذا رأى موجبًا له). (كتاب الإمامة / ٣١٥).\nقلنا: ولو فرضنا جدلًا أن ضرب عثمان لعمار قد ثبت ثم ماذا؟ ! ألم يثبت في صحيح البخاري أن عثمانًا قد أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة بعد أن ثبت بحقه ما يوجب الجلد، علمًا بأن المبتدعة والمستشرقين ينهمونه بأنه قد حابى الوليد بن عقبة فأين الرواية الصحيحة من افتراءاتهم؟ ! .\nومن أراد المزيد من هذه المواقف الصادقة فليراجع ما كتبه الدكتور (محمد أبو محزون) في كتابه القيّم: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (٢/ ١٤ - ٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>ردّ على المستشرق بروكلمان ومن تتلمذ على فكره حول الفتنة في زمن سيدنا عثمان وموقف الصحابة آنذاك</span>\nيبدو أن بروكلمان (ومن سار على نهجه) يتصور أن الناس لا يستطيعون أن يدرسوا الروايات التأريخية، وأن النقد والتقييم حكر على من عادى التاريخ الإسلامي، وسأذكر بعض ما ذكر من تحريف وتزوير في هذه المسألة:\nيقول بروكلمان: وفي سنة (٦٥٣ م) ظهر الاختلاف في قراءات القرآن أثناء غزو أرمينية بين جيوش الشام وجيوش العراق (وإذا كان التوتر بين سكان هذين القطرين كان على أشده آنئذ) فقد كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك الخلاف على آي القراءات القرآنية إلى اشتباكات عنيفة بين الجنود (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٢) وكنت أتمنى لو أنه جاء ولو برواية تاريخية ونسبها إلى مصدر تاريخي مهما كان، ولكنه بعلم في قرارة نفسه أنه لم تحصل أبدًا ما سماها اشتباكات عنيفة بين الجنود من أجل الاختلاف في القراءة! ! !\nويقول بروكلمان (وبدون تردد): واستطاع خصوم الخليفة في المدينة وعلى رأسهم علي، وطلحة، والزبير أن يفيدوا من الاستياء العام (تأريخ الشعوب الإسلامية ١١٢).\nولا أدري ما أقول في ردّ هذا الافتراء العظيم؛ والأدلة الصحيحة التي ذكرنا والتي لم نذكر تبيّن جميعها: أن عليًّا ﵁ كان على رأس المدافعين عن خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وأعلنها مرارًا وتكرارًا: أنه لم يحرّض عليه بل دفع بولديه حماية له، وذكرنا ما ثبت من أنه ﵁ كان يلعن قاتليه على الملأ، وإذا لم تكن جميع الأدلة الصحيحة التي ذكرنا شافية للغليل فإلى تلاميذ بروكلمان نذكر هذه الرواية زيادة على ما ذكرنا وتكذيبًا لافتراء أستاذهم، فقد أخرج ابن عساكر عن قيس بن عباد قال: سمعت عليًّا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي وجاؤوني للبيعة فقلت: إني والله لأستحي من الله أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله - ﷺ -: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة، وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: اللهم إني مشفق =","vol":"3","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لما أقدم عليه ثم جاء عزمة فبايعت، فلما قالوا: يا أمير المؤمنين! فكأن صدع قلبي وانسكبت عبرة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>افتراء بروكلمان حول موقف سيدنا عثمان من الفتنة</span>\nيقول بروكلمان: [عندئذ طلب إليه الثائرون بتسليم أن يستقيل ما دام من الممكن أن يجري شيء كهذا من غير علمه، ولكن عثمان رفض في أنفة وكبر] (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٤) ولو قال بروكلمان عن غير عثمان ﵁ أنه يتكبر؛ لكان الأمر أهون أما الرجل الذي يقطر حياء وأدبًا، ولو كان متكبرًا يا بروكلمان فكيف سمحت له الأنفة والكبرياء أن يخرج إليهم ويسمع من يمثلهم وهو شاب صغير بينما أمير المؤمنين قد طعن في السن! ! إن من الغرابة وليس من الغرابة في نفس الوقت أن تقول هذا، فمن الغرابة أن تقول هذا لأن الوقائع تكذب ما تقول وليس من الغرابة لأنك لا تفهم أو تريد ألا تفهم أو يفهم الناس السبب الحقيقي وراء رفض عثمان ﵁ لطلب العزل والإقالة، وإليك ما صح سندًا ومتنًا حتى تتبين لك الأسباب الحقيقية لهذا الرفض:\nأخرج ابن ماجه في سننه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عثمان! إن ولّاك الله هذا الأمر يومًا، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه\" يقول ذلك ثلاث مرات، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٢٥).\nوأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن عائشة ﵂ قالت: (لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله - ﷺ - على عهد سأصبر عليه. قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله - ﷺ - عهد إليه فيما يكون من أمره) وصححه الألباني (السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٥٦١). وأحاديث كثيرة ذكرت في فضائل الصحابة تؤكد: أن إصراره على عدم التنازل عن الخلافة كان امتثالًا منه لأوامر رسول الله - ﷺ -. وكان ﵀ ورضي عنه يعلم أنه سيقتل فأيَّة أنفة وأيُّ كبر يا بروكلمان! أم أنه الكبر الذي ورثته من أسلافك المستشرقين الذي يأنفون ويتكبرون أن يروا حضارة لا تمتُّ إلى الغرب بصلة ولها تأريخ مشرف لا تحلمون حتى به ناهيك عن وقوعه في بلادكم، وهذه مذابح الثورة والثورة المضادة في أيام الثورة الفرنسية ومذابحها الرهيبة خير شاهد وليس ببعيد وكم وكم وكم من أمثلة؟\nويقول بروكلمان أيضًا: (فانقضُّوا على المنزل من الأرض المجاورة وقتلوا الخليفة الذي كان يتلو القرآن في هدوء من غير أن يشترك في المعركة) (تأريخ الشعوب / ١١٤).\nويا ليت بروكلمان بيّن لنا ما السبب في هذا الهدوء العجيب الذي تحلّى به الخليفة وهو محاصر بين سيوف شهرت للانقضاض عليه، وهذه رواية تبين السبب وتبطل العجب:\nفقد أخرج أحمد في فضائل الصحابة عن مسلم (أبي سعيد) مولى عثمان ﵁ قال: (أعتق عثمان بن عفان عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل، فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا في إسلام، قال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - البارحة في النوم، ورأيت أبا بكر، وعمر، =","vol":"3","page":354},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه). وقال محققه وصي الله: وإسناده حسن (فضائل الصحابة ١/ ٤٩٧).\nوأخيرًا فإن بروكلمان يفجّر قذيفة أخرى من قذائف الحقد والدس على التاريخ الإسلامي فيقول: (فحاصروه في منزله حيث لم يدافع عنه غير نفر قليل من أنسابه وبعض الموالي والعبيد، أما المحرضون الفعليون للثورة: علي، وطلحة، والزبير؛ فآثروا أن يتباعدوا إنقاذًا للمظاهر) (تأريخ الشعوب / ١١٤).\nأما قول بروكلمان: (فحاصروه في منزله حيث لم يدافع عنه غير نفر قليل) فالروايات الصحيحة المستفيضة تذكر: أن الصحابة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ وغيره طلبوا من الخليفة أن يأذن لهم فيهجموا هجمة رجل واحد، ويذبحوا جيش الخارجين عن المدينة، ولكنه أقسم عليهم ألّا يريقوا دمًا من أجل الدفاع عنه، فسمعوا، وأطاعوا للخليفة، وطاعته واجبة. وهذا سيدنا علي خير شاهد على نكذيب بروكلمان؛ إذ يقول عنه شداد بن أوس: فرأيت علي بن أبي طالب خارجًا من منزله معتمًا بعمامة رسول الله متقلدًا سيفه أمامه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار ... إلخ وفيه: يقول علي: فمرنا فلنقاتل فقال عثمان: أنشد الله رجلًا رأى حقا وأقرّ أن لي عليه حقًّا أن يهريق في سبيلي ملء محجمة من دم، أو يهريق دمه فيّ، فأعاد علي ﵁ عليه القول، فأجابه بمثلٍ ما أجابه. قال (أي: شداد بن أوس الصحابي الجليل راوي الحديث): فرأيت عليًّا خارجًا من الباب وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا بذلنا المجهود. (المحب الطبري / الرياض النضرة ٣/ ٦٨).\nوأخرج ابن سعد في طبقاته: أن زيد بن ثابت ﵁ جاء إلى عثمان ﵁ وهو محاصر في الدار فقال زيد: (هذه الأنصار في الباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله. مرتين. قال: فقال عثمان: أما القتال فلا) الطبقات الكبرى (٣/ ٧٠) وابن أبي شيبة (٨/ ٦٨٢) وإسناده صحيح والله أعلم.\nوأخرج ابن سعد (الطبقات ٣/ ٧١) عن ابن سيرين قال: كان مع عثمان يومئذ في الدار سبعمئة لو يدعهم لضربوهم إن شاء الله حتى يخرجوهم من أقطارها؛ منهم ابن عمر، والحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، وإسناده صحيح.\nقلنا: وإذا كان في الدار فقط (٧٠٠) فما بال الذين في أرجاء المدينة الأخرى؟ ! والحق يقال: إن جمع الصحابة قد تفرق عن الدار بأمر أمير المؤمنين فاستغل القتلة ذلك وتسوروا الدار فقتلوه ﵁. ولكن الصحابة مع ذلك لم يتحملوا أن يتركوه وحده تماما وبالذات الذين ذكرهم، فهم كانوا بين أمرين: الطاعة لأمر الخليفة، والخوف عليه إن أطاعوه وتركوه وحده، وتوفيقًا بين الأمرين خرجوا ولكنهم تركوا حوله فلذات أكبادهم (أبناءهم) الذين هم قرة أعينهم تركوهم ليدافعوا عن الخليفة المظلوم؛ فهل كان (عبد الله بن الزبير) من أنسبائه أم كان ابنًا للزبير الذي يزعم بروكلمان زورًا: أنه المحرض الفعلي للثورة؟ وماذا يقول =","vol":"3","page":355},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بروكلمان عن الحسن بن علي هل هو من أقربائه، وإذا كان مروان بن الحكم من أقربائه فماذا عن البقية وهل يضحي الإنسان في هذا الموقف العصيب بولده؟ وإذا كانوا محرّضين حقيقيين للثورة فلماذا يجازفون بأولادهم في سبيل حماية من ثاروا ضده؟ ! ألا إنه التغاضي عن الحقائق. ولقد أثبتنا بالروايات الصحيحة: أن عليًّا ﵁ لم يكن يومًا محرّضًا على الخروج على أمير المؤمنين عثمان ولم ترد رواية صحيحة تؤكد ذلك عن الزبير.\nولم نجد رواية صحيحة ولا واحدة عن اشتراك أحد من الصحابة في قتل سيدنا عثمان، فهم برآء من دمه وعلى رأسهم علي ﵁، ولم نجد رواية واحدة صحيحة تثبت اشتراك الصحابة في التحريض على الفتنة إلّا طلحة بن عبيد الله وحتى طلحة هذا فقد ثبت أنه تراجع عن رأيه قبل مقتل عثمان بأيام وانسحب من جمع القوم الخارجين على مرأى ومسمع من الناس، وأعلنها بأعلى صوته أن نعم لما يقوله الخليفة المظلوم.\nأشرف عثمان على المسجد فإذا طلحة جالس في شرق المسجد قال: يا طلحة! قال: لبيك قال: نشدتك بالله هل تعلم أن رسول الله - ﷺ - قال: من يشتري قطعة يزيدها في المسجد، فاشتريتها من مالي، قال طلحة: اللهم نعم، فقال: يا طلحة قال: لبيك قال: نشدتك بالله هل تعلمني حملت في جيش العسرة على مئة؟ قال طلحة اللهم نعم. ثم قال طلحة: اللهم لا أعلم عثمان إلا مظلومًا. رواه الدارقطني في فضائل الصحابة (الرياض النضرة للمحب الطبري ٣/ ٥٧).\nوفي رواية أخرى نحو هذه أخرجها الحافظ ابن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه: أنه شهد حصار عثمان وفيه أن عثمان حاور طلحة حوارًا رقيقًا ثم قال في آخره: يا طلحة نشدتك بالله أتعلم أن رسول الله - ﷺ - قال: إنه ليس من نبي إلّا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة وإن عثمان بن عفان هذا -يعني- رفيقي في الجنة فقال طلحة: اللهم نعم، ثم انصرف (البداية والنهاية ٧/ ١٨٦) ومع أن طلحة ﵁ قد تراجع عن موقفه بعدما أدرك صواب موقف عثمان وابتعد عن الفتنة ثم برئ من المشاركة في حصار وقتل سيدنا عثمان، إلّا أنه ظل طول حياته يتألم من ذلك ويندم وبالغ في الندم حتى أنه خرج للمطالبة بدمه كما وردت بذلك رواية صحيحة عند ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٦٤ / ح ١٩٦٢٧) عن حكيم بن جابر قال: سمعت طلحة بن عبيد الله يوم الجمل يقول: إنا كنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد بدًّا من المبالغة) وهذه الرواية تحتمل معنيين، المعنى الأول: أنه ﵁ سارع في بيعة علي لأنه داهن في موقف الفتنة ولم يدافع عن عثمان بأعلى صوته كما فعل عبد الله بن عباس، علمًا بأن موقف طلحة كان معاتبة ولم يكن مطالبة بالقتل وحاشاه أن يفعل، والمعنى الآخر: أنه بالغ في ندمه على مشاركته في معاتبة عثمان ومحاسبته حتى أنه خرج يطالب بدمه مبالغة في إظهار الندم، ويؤيد هذا المعنى الثاني إحدى روايتي الحديث: (إنا كنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد بدًا من المبالغة) ونحن نرجح المعنى الثاني، والدليل على هذا الرجحان أن لصحابي آخر موقفًا ليس ببعيد، فعبد الله بن عمر فبالرغم من أنه لم يشارك في الفتنة واعتزلها =","vol":"3","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلا أنه ندم بعد مقتل سيدنا عثمان لأنه لم يشارك في تكذيب الخارجين عليه وحثهم عن الرجوع عن المدينة. كما روى البلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٥٩٥) عن طريق نافع بن عمر ﵄ قال: ما زال ابن عباس ينهى عن قتل عثمان ويعظم شأنه حتى جعلت ألوم نفسي على أن لا أكون قلت مثل ما قال: أي: أنه ﵁ كان يتمنى أنه قد نهى الناس عن التحريض على الفتنة وتخويفهم من إثم ذلك وندم على تركه ذلك الفعل، وهكذا طلحة ندم على إصغائه بعض الوقت للإشاعات وعلى عدم مقارعته لمثيري الفتنة بالحجة والبرهان، وإن كانت مشاركته ﵁ لم يكن بدليل قطعي، وإنما كان اجتهادًا منه، ثم تبين له بعد ذلك: أنه اجتهاد خاطئ كما قال الذهبي في تفسير قوله: (إنا كنا داهنا في أمر عثمان) إن المداهنة هنا (تمغفل وتأليب فعله باجتهاد) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>أسباب الفتنة أيام أمير المؤمنين عثمان ودور السبئية فيه أتباع عبد الله بن سبأ</span>\nأما عن أسباب الفتنة فقد راجعنا ما كتب الباحثون والمهتمون بالتاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا ومقارنته بما صح رواية في موضوع الفتنة خلصنا إلى هذه الأسباب:\n١ - عند انتهاء النصف الأول من خلافة سيدنا عثمان ﵁ كانت الفتوحات الإسلامية بلغت أوسع مدى لها مقارنة بالسنين الماضية من الفتوحات، ولقد استشهد في هذه المعارك كثير من الصحابة الأجلاء بالإضافة إلى ما استشهد منهم في معارك الردة في عهد سيدنا أبي بكر ﵁، مما اضطر سيدنا عثمان للسماح للعرب المسلمين (الذين ارتدوا في الماضي ثم رجعوا بعد ذلك) بالمشاركة في الفتوحات، فكانت الفتوحات بابا واسعًا دخل منه كثير من أعراب الجزيرة واليمن، ولم يكن هؤلاء بالدرجة المناسبة من التربية الإيمانية والتعليم الشرعي بحيث يكونوا مؤهلين لفهم إنجازات سيدنا عثمان لجمع الناس على مصحف وما إلى ذلك، بالإضافة إلى حسد بعضهم صحابة رسول الله - ﷺ - الذين فتح الله عليهم بالغنائم فانتعشت أحوالهم المعاشية، فتصوروا ذلك ثراء غير مشروع ونسوا أو تناسوا: أن هؤلاء الصحابة ﵃ سبقوا إلى الإسلام، وضحوا بالغالي والنفيس، وعانوا الأمرّين، واستشهد منهم المئات بينما تأخر هؤلاء الأعراب والقبائل في إسلامهم، ثم ما لبثوا أن نقضوا بعد وفاة رسول الله - ﷺ - وارتدوا وحاربوا هؤلاء الصحابة مرة أخرى وقتلوا منهم من قتلوا، ولكنه الحسد يعمي الأبصار والبصائر فلا يرى إلا نعمة الغير، وبعض هؤلاء والله أعلم كانوا طرفًا من أطراف الفتنة.\n٢ - إن فتح المسلمين لبلاد مختلفة أي بالنتيجة إلى دخول أقوام شتى مختلفة المشارب والمذاهب في دين الإسلام منهم نصارى العرب في العراق والشام ومنهم الفرس ومنهم الأقباط وما إلى ذلك، وكان من هؤلاء نفر يحملون في أنفسهم حقدًا على الإسلام من أمثال الذي قتل سيدنا عمر وغيرهم كثير هنا وهناك كانوا يتحينون الفرص للنيل من عزة الإسلام =","vol":"3","page":357},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والطعن في عدالة أئمة المسلمين وكان هؤلاء النفر طرفًا من أطراف الفتنة، والذي ثبت أن من هؤلاء النفر من حرّض على الفتنة وقدم من العراق ومصر، وثبت كما سبق بالسند عن كنانة مولى صفية قال: قتله رجل من أهل مصر يقال له: جبلة (المطالب العالية ٤ / ح ٤٤٥٢) وحسن المحقق إسناده.\nوفي رواية أخرى: رأيت قاتل عثمان في الدار رجلًا أسود من أهل مصر (الطبقات الكبرى ٣/ ٨٣) وإسناده صحيح وسبق أن ذكرنا رواية خليفة: قتله أعلاج من أهل مصر.\n٣ - كان بعض الشباب المتحمس للإسلام والذي لم يفقه الإسلام كما فقهه الصحابة لا يفهمون ما اجتهد عثمان في باب السياسة الشرعية، وقد كان عمر ﵁ ومن قبله أبو بكر ﵁ قد اجتهدا وفعلا ما فعل سيدنا عثمان، ولكن طوائف من الناس وعلى رأسهم هؤلاء الشباب لم يفهموا ذلك، فأبو بكر ﵁ جمع القرآن في مصحف من قبل فلم تحدث الفتنة وعزل سيدنا عمر أناسًا وعين عمالًا آخرين فلم لم تحدث الفتنة؟ !، وزاد سيدنا عمر في الحمى ولم تحدث فتنة من أجل ذلك، فلم حدثت في عهد سيدنا عثمان؟ !، إنه سبب مهم ولذلك نفرده بسبب مستقل وإن كان متممًا للسبب الثالث فنقول:\n٤ - إن الشطر الثاني من عهد سيدنا عثمان وكذلك فترة خلافة سيدنا علي عصر يختلف عن عصر أبي بكر وعمر، فسيدنا عمر لم يكن محققًا للعدالة بجهوده الفردية وإنما كان يعتمد في ذلك على قاعدة قوية من رعايا أو (محكومين) على مستوى عالي من التربية الإيمانية، ولكن عدد هؤلاء قل، أو قلت نسبتهم بدخول الجموع الغفيرة (من الأقوام الحديثة الإسلام) في المجتمع الإسلامي وهجرة كثير من الصحابة إلى أماكن الفتوح والأمصار التي بيت حديثًا، فالأداة التنفيذية لم تبق على حالها في النصف الأخير من عهد سيدنا عثمان ﵁ وكان من بين هؤلاء الشباب بعض أولاد الصحابة مثل محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، وكان من حماس محمد بن أبي بكر وعدم إدراكه لما عند سيدنا عثمان من فقه واسع نقول: كان لذلك الحماس وعدم الإدراك أثر في مشاركة محمد بن أبي بكر في الفتنة ولكنه تراجع في نهاية المطاف، وكذلك محمد بن أبي حذيفة الذي أكرمه عثمان ﵁ إكرامًا لوالده الذي قتل في حروب الردة، والروايات التي تذكر دور محمد بن أبي حذيفة في إثارة الفتنة بين أهل مصر ضد عثمان هي روايات ضعيفة سواء عند الطبري أو غيره، والرواية الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح تذكر: أن ممثل أهل مصر كان شابًّا يشير إلى سيدنا عثمان أن يقرأ سورة السابعة ظنًّا من هذا الأب وأمثاله أن عثمان بن عفان نسي هذه الآية ولم يعلم معناها، وهذا الظن محض جهل، ولقد فند سيدنا عثمان كل شبهاتهم واحدة بعد الأخرى كما مر بنا في قسم الصحيح فلا داعي للإعادة هنا.\n٥ - يبقى هنالك بُعْدٌ غامض في إذكاء نار الفتنة، وهذا البعد محل خلاف بين الباحثين =","vol":"3","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المعاصرين وإن كان محل إجماع كثير المصادر التأريخية المتقدمة والمتأخرة، ونعني بذلك دور عبد الله بن سبأ ومن على شاكلته:\nولقد انقسم المعاصرون في حقه إلى طوائف:\n١ - الطائفة الأولى: بالغت في إبراز دور عبد الله بن سبأ والسبئية من أمثال سعيد الأفغاني في كتابه (عائشة والسياسة) وهو باحث سني.\n٢ - الطائفة الثانية: بالغت في تقليل دور عبد الله بن سبأ والسبئية إلى حد إنكار وجود هذه الشخصية التأريخية من أمثال مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى) وهو باحث شيعي.\n٣ - الطائفة الثالثة: لم تنكر دوره ولكن بين هؤلاء وهؤلاء، ولقد استقرأ سليمان بن حمد العودة في كتابه (عبد الله بن سبأ) معظم كتابات المعاصرين عن شخصية ابن سبأ ودوره في إحداث الفتنة، ولقد حصل على رسالة الماجستير برسالته هذه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكتابه المذكور ثري بمادة علمية غزيرة فصّل فيها وأجاد وأغنانا عناء التفصيل فجزاه الله خيرًا، ولكنا هنا نذكر زبدة أو خلاصة ترجّح لدينا والله أعلم فنقول وبالله التوفيق:\nأولًا: أما نفي مرتضى العسكري لوجود شخصية عبد الله بن سبأ فنفي لا يستند إلى دليل قوي، وهو تغافل عن حقائق تأريخية وإنكار حتى لمصادر التأريخ والفقه الشيعي (الذي يعتبر من رواده المعاصرين) ولقد سبق إلى ذلك كل من علي الوردي وآخرين من كتاب الشيعة ولسنا بصدد مناقشة حول تضعيف أو تقوية ما أورده الكيثي من روايات مسندة عن عبد الله بن سبأ، فلسنا مختصين في كتب رجال الشيعة ولكننا نحاوره في نقده للروايات المنقولة في كتب السنة. وخلاصة قوله: إن سيف بن عمر التميمي هو المصدر الرئيس لذكر عبد الله بن سبأ كما في تأريخ الطبري بالإضافة إلى كتب الملل والنحل التي ذكرت ابن سبأ بلا إسناد، ثم اعتمد من جاء بعدهم على مرويات سيف أو أقوال أهل الملل والنحل كابن إسماعيل الأشعري والشهرستاني وغيرهم.\nوعندما يتحدث عن مؤرخ موثوق ومشهور كابن عساكر، وابن حجر، والذهبي فإنه يقول: هؤلاء وغير هؤلاء نهلوا من معين سيف تارة وأخرى من معين مؤلفي الفرق والملل والنحل (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى / ١٧١).\nويبدو أن مرتضى العسكري يعتقد: أن القراء لا يستطيعون الرجوع إلى هذه المصادر التي ذكر بعضها وتغافل عن بعضها الآخر أو يتمنى العسكري ذلك، وردًا على كلام العسكري، وجواد مغنية، وعلي الوردي نقول:\n١ - ليس الجاحظ بأول من ذكر عبد الله بن سبأ وإنما ذكره من قبل حبجب البغدادي (٢٤٥ هـ) في كتابه (المحبّر / ٣٠٨).\n٢ - وذكر عبد الله بن سبأ يعود إلى قبل ذلك بقرن ونصف من الزمان، فقد أخرج ابن عساكر =","vol":"3","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في تأريخ دمشق بسنده الموصول إلى الإمام الجليل عامر الشعبي الذي ولد في عهد سيدنا عمر وتوفي سنة (١٠٣ هـ) كما في ترجمة عبد الله بن سالم وعبد الله بن أبي عائشة) من تأريخ دمشق عن الشعبي قال: أول من كذب عبد الله بن سبأ، وهذه الرواية ليست من طريق سيف كما يدعي مرتضى العسكري.\n٣ - وكذلك ذكر ابن سبأ إمام آخر وهو الحسن بن محمد بن الحنفية الذي توفي سنة ٩٥ هـ وعلى قول الذهبي (الكاشف ١/ ٢٧) فقد ذكره في رسالته الإرجاء قائلًا: (ومن خصومة السبئية التي أدركنا إذ يقولون: هدينا لوحي ضلّ عنه الناس) ولم نطلع على هذه الرسالة التي اطلع عليها سليمان حمد العودة في مخطوط باسم الإيمان، رسالة الإرجاء للحسن بن محمد بن الحنفية ص ٢٤٩ / ب (عبد الله بن سبأ) ص ٥٤.\n٤ - يبدو أن العسكري يتغاضى عن إمامين حافظين متقدمين ذكرا روايات مسندة عن ابن سبأ من طريق لا يمر بسيف الراوي، وأحدهما هو أبو يعلى (في مسنده) والثاني ابن أبي عاصم في كتاب السنة.\nأما ابن أبي عاصم فقد أخرج قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن حسن الأسدي حدثنا هارون بن صالح عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي الجلاس قال: سمعت عليًّا يقول لعبد الله السبائي: ويلك ما أفضى إلى رسول الله - ﷺ - بشيء كتمه أحد من الناس ولقد سمعته يقول: \"إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا وإنك منهم\".\nوأبو الجلاس كوفي من الثالثة مجهول الحال، إلا أن لابن عساكر روايات صحيحة أو حسنة سنأتي على ذكرها، ولكنا ذكرنا رواية ابن أبي عاصم حتى نؤكد ورود خبره من غير طريق سيف عند غير واحد من أئمة الحديث علمًا بأن هذه الرواية أخرجها كذلك الحافظ أبو يعلى في مسنده (١/ ١٢٨).\n٥ - أما ابن عساكر فقد أخرج في تأريخ دمشق (ترجمة عبد الله بن سالم) روايات عدة نذكر منها:\nقال ابن عساكر: قرأنا على أبي عبيد الله بن يحيى بن الحسن عن أبي الحسين الدنبوسي أن أحمد بن عبيد بن الفضل ح، وعن أبي نعيم محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز: أن علي بن محمد بن خزفة قالا: نا محمد بن الحسين نا ابن أبي خيثمة نا محمد بن عمار نا سفيان عن عمار الدهني قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت المسيب بن نجبة أتى به يلببه -يعني: ابن السوداء- وعلي على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله. والرواية الأخرى عند ابن عساكر: أنا أبو محمد بن أبي نصر: أن خيثمة بن سليمان نا أحمد بن زهير بن حرب نا عمرو بن مرزوق: أن شعبة عن سلمة بن كهيل قال علي بن أبي طالب: ما لي ولهذا الحميت الأسود -يعني: عبد الله بن سبأ- وكان يقع في أبي بكر وعمر. =","vol":"3","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والرواية الثالثة عند ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم يحيى بن بطريق بن بشرى وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة قالا: نا أبو الحسين بن مكي نا أبو القاسم المؤمل بن أحمد بن محمد الشيباني، نا يحيى بن محمد بن صاعد، نا بندار، نا محمد بن جعفر نا شعبة عن سلمة عن زيد بن وهب عن علي قال: ما لي ولهذا الحميت الأسود. ولقد ذكر الأستاذ سليمان بن حمد العودة هذه الروايات في رسالته (عبد الله بن سبأ) بعد أن حذف أسانيدها ولكنه قال في حاشية رسالته (ص ٩٨): وقد أرسلت للشيخ ناصر الدين الألباني (جزاه الله خيرًا) أسانيد هذه الروايات لدراستها فضبطها بين صحيح وحسن وصحيح لغيره، والألباني مشهود له بطول الباع في دراسة الأسانيد اهـ.\nقلنا: ولقد ذكر ابن عساكر روايات أخرى كذلك (من طرق غير طريق سيف) ولا نريد أن نطيل في ذكرها، ولكن نعرج أخيرًا على ما قاله أئمة الجرح والتعديل في عبد الله بن سبأ.\nقال ابن حبان في كتاب المجروحين (٢/ ٢٥٣): كان الكلبي سبئيًا من أصحاب عبد الله بن سبأ من أولئك الذين يقولون: إن عليًّا لم يمت وأنه راجع إلى الدنيا ... ومعلوم أن ابن حبان كان من المعاصرين للطبري ويوفي سنة (٣٥٤ هـ) وهو من أئمة الجرح والتعديل المتقدمين بالإضافة إلى كونه إماما محدثا.\nويقول الحافظ ابن حجر: وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ (لسان الميزان ٣/ ٢٩٠).\nويقول الحافظ الذهبي: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن عليًّا حرقه بالنار. (ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢٦) ولا ننسى أن نذكر أن البلاذري المتوفى في سنة (٢٧٩) هـ ذكر ابن سبأ وأنه قدم على علي يسأله عن رأيه في أبي بكر وعمر (أنساب الأشراف / تحقيق باقر المحمودي / ٣٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>ولكن ماذا عن دور عبد الله بن سبأ في الفتنة</span>؟\nبعد أن تبين لنا وجود شخصية تأريخية كعبد الله بن سبأ وهو من يهود اليمن (أظهر إسلامه وأخفى كفره ونفاقه) نقول: هل كان لعبد الله بن سبأ دور في الفتنة أيام سيدنا عثمان ﵁؟\nوالذي نقوله والله أعلم: إننا لا نستطيع تحديد دورٍ معين لضلوع ابن سبأ في هذه الفتنة ولا ننفيه كذلك ولا نستبعده للأسباب الآتية:\n١ - إذا كان اليهود قد حاولوا قتل رسول الله - ﷺ - بالإضافة إلى إثارة الشبهات والشكوك فمن باب أولى أن يشاركوا في فتنة حول صحابي من صحابته.\n٢ - ذكرت روايات ابن عساكر الصحيحة والحسنة: أنه كان ينال من الخلفاء الراشدين، ويؤذي سيدنا علي باختلاق الأوهام حول شخصيته، ووصل الحد به إلى إعلان ألوهية علي ﵁، ولا يستبعد أن يكون كل ذلك غطاء لضلوعه في الفتنة، ولا نرى غرابة في =","vol":"3","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>ذكر الخبر عن الوقت الذي قتل فيه عثمان ﵁</span>\n٢٤٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: قتِل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضتْ من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر ﵁ (١) (٤: ٤١٦).\nوقال آخرون: قتل يوم الجمعة ضحوةً.\nذكر من قال ذلك:\n٢٥٠ - ذكر عن هشام بن الكلبيّ: أنه قال: قُتل عثمان ﵁ صبيحةَ الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام (٢). (٤: ٤١٧).\n_________\n= غموض وخفاء الدور الذي لعبه -إن صح- في إذكاء نار الفتنة فاليهود على عادتهم يخنسون ويختفون عن الأنظار إذا لم تكن الشوكة لهم ويلعبون دورهم في الخفاء إذا ما كانت الدولة والجولة والصولة لغيرهم، فلا ضير إن أدّى ابن سبأ دوره بخفاء ونوع من الإيهام والتلبيس ولذلك جاءت الروايات التاريخية (حول دوره) غامضة أو ضعيفة، والله تعالى أعلم.\nوعلى أية حالٍ فلا مبرر لتضخيم دوره في إحداث الفتنة، وقصارى ما يقال: إن له دورًا شارك فيه مع الطوائف الأخرى التي ذكرنا في أسباب الفتنة، والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف ولكن له ما يشهد كما سنذكر بعد الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف وله ما يشهد له، فقد جاء من طريق أبي عثمان النهدي قوله: (إن عثمان قتل في أوسط أيام التشريق) المسند (٢/ ١٠) وصحح العلامة شاكر إسناده.\nوكذلك أخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ٥٧٤) عن نافع: أن عثمان رأى في الليلة التي قتل في صبيحتها أن النبي - ﷺ - أتاه فقال له: أفطر عندنا يا عثمان. فقتل وهو صائم. وقال خالد الغيث: ورجال إسناده ثقات وقال الحافظ ابن كثير: ثم كان قتله ﵁ في الجمعة بلا خلاف، قال سيف بن عمر عن مشايخه (في آخر ساعة) منها ونص عليه مصعب بن الزبير وآخرون.\nوقال آخرون: ضحوة نهارها وهذا أشبه (البداية والنهاية ٧/ ١٩٨) قلنا: وهذا هو الأرجح والله تعالى أعلم.\nأما عن تعيين ذلك بالثاني عشر أو الثامن عشر فإن الحافظ ابن كثير يرى أن الصحيح هو (١٨ من ذي الحجة) إذ يقول: وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور =","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>ذكر نسبه</span>\n٢٥٠ / أ - هو عثمان بن عفّان بن العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ. وأمه أرْوَى ابنة كُريز بن ربيعة بن حَبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وأمها أم حَكِيم بنت عبد المطّلب (١). (٤: ٤٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>ذكر أولاده وأزواجه</span>\n٢٥٠ / ب- رقيّة، وأم كلثوم ابنتا رسول الله - ﷺ -؛ ولدت له رقية عبدَ الله. وفاختة بنة غَزْوان بن جابر بن نُسَيب بن وُهَيب بن زيد بن مالك بن عبد بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن قيس بن عَيلان بن مُضَر ولدت له ابنًا، فسماه عبد الله؛ وهو عبد الله الأصغر، هَلَك.\nوأمّ عمرو بنت جُنْدب بن عمرو بن حُمَمة بن الحارث بن رفاعة بن سَعْد بن ثعلبة بن لؤيّ بن عامر بن غَنْم بن دُهْمان بن مُنْهِب بن دَوْس، من الأزد؛ ولدت له عمرًا، وخالدًا، وأبانًا، وعمر، ومريم.\nوفاطمة بنة الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له الوليد، وسعيدًا، وأمَّ سعيد بني عثمان.\nوأمّ البنين بنت عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ؛ ولدت له عبد الملك بن عثمان، هلك.\nورملة ابنة شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ؛ ولدت له عائشة، وأمّ أبان، وأمّ عمرو بنات عثمان.\nونائلة ابنة الفَرافصة بن الأحْوَص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حِصْن بن\n_________\n= (٧/ ١٩٨) ويقول أيضًا عن هذا التأريخ: على الصحيح المشهور (٧/ ١٩٩).\n(١) هو عثمان بن عفان بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصّي وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب، وكذلك قال ابن سعد في طبقاته (٣/ ٥٣).","vol":"3","page":363},{"text":"ضَمْضم بن عديّ بن جناب بن كلب؛ ولدت له مريم بنة عثمان (١) (٤: ٤٢٠).\n٢٥٠ / جـ - فهؤلاء أزواجه اللّواتي كنّ له في الجاهليّة والإسلام، وأولاده: رجالهم ونساؤهم. (٤: ٤٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>ذكر الخبر عمن كان يصلي بالناس في مسجد رسول الله - ﷺ - حين حُصِر عثمان</span>\n٢٥١ - قال محمد: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: جاء المؤذّن إلى عثمان فآذنه بالصّلاة، فقال: لا أنزل أصلّي؛ اذهب إلى مَنْ يصلي. فجاء المؤذن إلى عليّ، فأمر سهل بن حُنَيف، فصلّى اليوم الذي حُصِر فيه عثمان الحصر الآخِر؛ وهو ليلةَ رُئيَ هلال ذي الحجّة، فصلى بهم؛ حتى إذا كان يوم العيد صلى عليَّ العيد، ثم صلى بهم حتى قتل ﵁ (٢).\n_________\n(١) وراجع طبقات ابن سعد (٣/ ٥٤) وأخرج البخاري في صحيحه (٢/ ٤ / ٢٠٣) أن رقية ﵂ مرضت مرض الموت لما خرج النبي - ﷺ - إلى بدر وكان - ﷺ - قد خلَّف عثمان عليها ليمرضها وقال له: (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه).\n(٢) ذكر الطبري ثلاثة أخبار في هذه المسألة وهي من طريق الواقدي وهو متروك وقد ذكرنا روايتين منها في الضعيف ورواية أخرى نذكرها هاهنا ولها ما يشهد لها (٤٢١): في إسنادها الواقدي ولها ما يشهد لها:\n١ - فقد أخرج البخاري في صحيحه (٢/ ٥٦ - باب إمامة المفتون والمبتدع- ح ٦٩٥) عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور فقال: إنك إمام عامّة ونزل بك ما نرى، ويصلّي لنا إمام فتنة ونتحرج! فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسن الناس فأحسن وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم.\nوأخرجه عمر بن شبة عنه ولفظه: (دخلت على عثمان ﵁ وهو محصور وعلي ﵁ يصلي بالناس فقلت ... الحديث) وإسناده صحيح (أخبار المدينة المنورة ٦/ ٤ / ٧١) وأخرج ابن شبة من روايات عدة أن السهل بن حنيف أو أبا أمامة بن سهل بن حنيف كان يصلي بالناس وعثمان ﵁ محصور (أخبار المدينة ٦/ ٤ / ٧٤).\nوقال الحافظ في الفتح: وقد صلّى بالناس يوم حصر عثمان أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري لكن بإذن عثمان ورواه عمر بن شبة بسند صحيح (فتح الباري ٢/ ١٨٩).\nوأخرج الطحاوي في (شرح معاني الآثار ٤/ ١٨٤ / باب أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام) =","vol":"3","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي عبيد مولى أزهر قال: صليت مع علي بن أبي طالب ﵁ العيد وعثمان بن عفان ﵁ محصور فصلى علي بن أبي طالب ﵁ ثم خطب ... الحديث). وإسناده صحيح.\nوكذلك أخرجه عمر بن شبة في أخبار المدينة المنورة (٦/ ٤ / ٧١) ووهم الدويش ﵀ عندما نسبه إلى البخاري ومسلم، والأصوب أن رواية أبي عبيد في البخاري: ثم شهدته مع علي بن أبي طالب فصلى قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال ... الحديث. ولعلّ الدويش عنى بقوله: (متفق عليه) أي حضور أبي عبيد صلاة العيد وعلي ﵁ يخطب (بعد أن صلى) (ثم قال الحديث ...) والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>صحيح تاريخ علي بن أبي طالب - ﵁ </span>-","vol":"3","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ </span>- (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وفي هذه السنة بويع لعليّ بن أبي طالب بالمدينة بالخلافة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>ذكرُ الخبر عن بيعة من بايعه، والوقت الذي بويع فيه</span>\nاختلف السلف من أهل السِّيَر في ذلك، فقال بعضُهم: سأل عليًّا أصحابُ\n_________\n(١) فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁\n١ - أخرج الإمام البخاري في صحيحه (٣٧٠٢): عن سلمة قال: \"كان عليٌّ قد تخلَّف عن النبي ﵌ في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله - ﷺ -؟ ! فخرج عليٌّ فلحق بالنبي - ﷺ - فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله - ﷺ -: لأعطين الراية -أو ليأخذن الراية- غدًا رجلٌ يحبه الله ورسوله -أو قال يُحب اللهَ ورسولهَ- يفتح الله عليه. فإذا نحن بعلي، وما نرجوه فقالوا: هذا عليّ فأعطاه رسول الله - ﷺ - الراية ففتح الله عليه\" صحيح، وأخرجه مسلم (٢٤٠٧).\n٢ - أخرج الإمام البخاري في صحيحه (٤٢١٠) عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: \"لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - ﷺ - كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفُذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا غير لك من أن يكون لك حمر النعم\". صحيح وأخرجه مسلم (٢٤٠٦) والنسائي في فضائل الصحابة (٤٦) وأحمد (٥/ ٣٣٣) وفي الفضائل (١٠٣٧) والنسائي في الخصائص (١٦).\n٣ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٧٨): عن عدي بن ثابت عن زر قال: قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي - ﷺ - إليّ: \"أن لا يحبَّني إلا مؤمن ولا يبغِضني إلا منافق\" صحيح وأخرجه الترمذي (٣٧٣٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١١٤) والنسائي في فضائل الصحابة (٥٠) وأحمد (١/ ٨٤ و٩٥ و١٢٨) وفي الفضائل (٩٤٨) و(٩٦١) والنسائي في الخصائص (٩٧ و٩٨ و٩٩) وابن أبي عاصم في السنة =","vol":"3","page":369},{"text":"رسول الله - ﷺ - أن يتقلّد لهم وللمسلمين، فأبى عليهم؛ فلما أبَوْا عليه، وطلبوا إليه، تقلد ذلك لهم.\nذكر الرواية بذلك عمن رواه:\n٢٥٢ - حدّثني جعفر بن عبد الله المحمّديّ، قال: حدَّثنا عمرو بن حمّاد وعليّ بن حسين، قالا: حدَّثنا حسين عن أبيه، عن عبد الملك بن أبي سليمان الفَزاريّ، عن سالم بن أبي الجعْد الأشجعيّ، عن محمّد بن الحنفيّة، قال:\n_________\n= (١٣٢٥) والخطيب في تأريخ بغداد (١٤/ ٤٢٦).\n٤ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٢٤١٧): عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان على حراء هو، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد\". صحيح.\nوأخرجه الترمذي (٣٦٩٦) وقال: هذا حديث صحيح، وأخرجه أحمد (٢/ ٤١٩) وفي فضائل الصحابة (١٠٦١) والنسائي في فضائل الصحابة (١٠٣).\n٥ - أخرج الإمام أحمد (٥/ ٤١٩): عن رياح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا! قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله - ﷺ - يوم غدير خُم يقول: \"من كنت مولاه فإن هذا مولاه\" قال رياح: فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفرٌ من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري\" صحيح.\nوأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٩٦٧) وابن أبي عاصم في السنة (١٣٥٥) والطبراني في المعجم الكبير (٤٠٥٢ و٤٠٥٣).\n٦ - أخرج الإمام البخاري في صحيحه (٤٤٨١): عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁: أقرؤُنا أبيٌّ، وأقضانا عليّ، وإنا لندع من قول أبيّ وذاك أن أُبيًا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله - ﷺ - وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ صحيح.\nوأخرجه أحمد (٥/ ١١٣).\n٧ - أخرج الإمام البخاري في صحيحه (٣٧٠٣): حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: أن رجلًا جاء إلى سهل بن سعد فقال: هذا فلان -لأمير المدينة- يدعو عليًّا عند المنبر قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له: أبو تراب، فضحك، قال: والله ما سماه إلا النبي - ﷺ - وما كان له اسم أحبّ إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلًا، وقلت: يا أبا عباس! كيف ذلك؟ قال: دخل على على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد فقال النبي - ﷺ -: أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد. فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول: اجلس يا أبا تراب! مرتين. صحيح، وأخرجه مسلم (٢٤٠٩).","vol":"3","page":370},{"text":"كنتُ مع أبي حين قُتل عثمان ﵁، فقام فدخل منزلَه، فأتاه أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إنّ هذا الرّجل قد قُتل، ولا بدّ للناس من إمام، ولا نجد اليومَ أحدًا أحقَّ بهذا الأمر منك؛ لا أقدمَ سابقةً، ولا أقربَ من رسول الله - ﷺ -. فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا؛ فقالوا: لا، والله ما نحن بفاعلين حتى نُبايعَك؛ قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خَفِيًّا، ولا تكون إلّا عن رضا المسلمين. قال سالم بن أبي الجعْد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتيَ المسجد مخافة أن يُشْغَب عليه؛ وأبى هو إلا المسجد، فلمّا دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس (١). (٤: ٤٢٧).\n٢٥٣ - وحدّثني جعفر، قال: حدَّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدَّثنا حسين، عن أبيه، عن أبي ميمونة، عن أبي بشير العابديّ، قال: كنت بالمدينة حين قتِل عثمان ﵁، واجتمع المهاجرون والأنصار، فيهم طلحة، والزُّبير، فأتوا عليًّا فقالوا: يا أبا حسن! هلمَّ نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمْركم، أنا معكم فمن اخْتَرْتمُ فقد رضيتُ به، فاختاروا والله، فقالوا: ما نَخْتار غيرَك؛ قال: فاختلفوا إليه بعد ما قتل عثمان ﵁ مِرارًا، ثم أتوْه في آخر ذلك، فقالوا\n_________\n(١) في إسناده مجهول الحال ولكن متنه صحيح، فقد أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٥٧٣) قال: حدثنا إسحاق بن يوسف عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي وعثمان محصور قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة. قال: فقام علي فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خلِّ لا أم لك قال: فأتى عليٌّ الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير. فقالوا: لا والله ما نعلم أحدًا أحق بها منك! قال: فإن أبيتم عليَّ فإن بيعتي لا تكون سرًّا ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني، قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس اهـ.\nوإسناده صحيح ورواية الطبري ذكرت: (فلما دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه) بدل الناس وكذلك رواية الخلال في السنة (٤١٧) فلما دخل جاء المهاجرون والأنصار فبايعوه فبايعه الناس.\nورواية الطبري والخلال موضحة لبعض التفاصيل التي وردت مجملة عند أحمد، والله أعلم.","vol":"3","page":371},{"text":"له: إنه لا يَصْلح الناس إلّا بإمْرة، وقد طال الأمر، فقال لهم: إنكم قد اختلفتم إليّ وأتيتم، وإنّي قائل لكم قولًا إن قبِلْتمُوه قبلت أمْرَكم، وإلا فلا حاجة لي فيه. قالوا: ما قلتَ من شيء قبلناه إن شاء الله. فجاء فصعد المنبرَ، فاجتمع الناس إليه، فقال: إني قد كنت كارِهًا لأمركم، فأبيتم إلّا أن أكون عليكم؛ ألا وإنه ليس لي أمرٌ دونكم، إلّا أن مفاتيح مالِكم معي، ألا وإنه ليس لي أنْ آخذَ منه درهمًا دونكم، رضيتم؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهمّ اشهد عليهم، ثمّ بايعهم على ذلك.\nقال أبو بشير: وأنا يومئذ عند منبر رسول الله - ﷺ - قائم أسمع ما يقول (١). (٤: ٤٢٧/ ٤٢٨).\n٢٥٤ - وحدّثني محمد بن سنان القزّاز، قال: حدَّثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدَّثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد عن الحسن، قال: رأيت الزبير بن العوّام بايع عليًّا في حَشٍّ من حِشّان المدينة (٢). (٤: ٤٢٩).\n_________\n(١) في إسناده مجهول الحال ولكن متنه صحيح فقد أخرج البلاذري عن الحسن بلفظ: رأيت الزبير يبايع عليًّا ... الخبر. (أنساب الأشراف / ترجمة علي / ٢١٦) وإسناده صحيح.\n(٢) إسناده ضعيف ولكن بيعة الزبير لعلي ثابتة فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٧٤) قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا جعفر بن زياد عن أبي الصيرفي عن صفوان بن قبيصة عن طارق بن شهاب .. الخبر وفيه يقول علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: إن طلحة والزبير بايعا طائعين غير مكرهين -وإسناده حسن صحيح- وأخرجه ابن شبة في تأريخ المدينة من طريق حيان بن بشر عن يحيى بن آدم عن جعفر بن زياد به (٦/ ٥ / ١١٥) وإسناده حسن وكذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٧).\nقال: حدثنا عبد الله حدثنا زائدة عن عمرو بن قيس عن زيد بن وهب ... الخبر وفيه: فقال علي لطلحة والزبير: ألم تبايعاني؟ فقالا: نطلب يوم عثمان. وصحح الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٥٧) وهذا يعني أنهما أقرّا ببيعتهما له، ولم ينكراه.\nوأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٧١) والطبري في تأريخه (٤/ ٤٩٧) حدثنا ابن إدريس عن حصين عن عمر بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال: قدمنا المدينة ونحن نريد الحج .. وفيه أنه لقي طلحة والزبير فسألهما: (ما تأمراني به وترضيانه لي فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولًا؟ فقال علي، ثم قال (الأحنف): أتأمراني به وترضيانه لي؟ قال: نعم ثم انطلق حتى إذا أتى مكة جاء الخبر بقتل عثمان فلقي أم المؤمنين عائشة وكانت وقتذاك بمكة فقال لها: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: عليًّا، قال: تأمريني به وترضينه لي؟ قالت: نعم. ثم قال =","vol":"3","page":372},{"text":"٢٥٥ - وأخبرنا عليّ بن مسلم، قال: حدَّثنا حَبّان بن هلال، قال: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن عوف، قال: أما أنا فأشهد أني سمعتُ محمد بن سيرين يقول: إنّ عليًّا جاء فقال لطلحة: ابسط يدك يا طلحة لأبايعك، فقال طلحة: أنت أحقّ، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدَك، قاله: فبسط عليّ يده فبايَعه (١). (٤: ٤٣٤).\n٢٥٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الحارث الوالبيّ، قال: جاء حُكَيم بن جبلة بالزّبير حتى بايع؛ فكان الزُّبَيْر يقول: جاءني لصٌّ من لُصوص عبد القيس فبايعت واللُّجّ على عنقي (٢). (٤: ٤٣٥).\n_________\n= الأحنف: فمررت على علي بالمدينة فبايعته ثم رجعت إلى أهل البصرة ولا أرى الأمر إلَّا قد استقام) ورجاله ثقات غير عمر بن جاوان فقد وثقه ابن حبان وروى له النسائي، وقال الذهبي: ثقة.\nوالخبر أخرجه الطبري من وجه آخر عن عمر بن جاوان (٤/ ٤٩٩) وصحح الحافظ إسناده في فتح الباري (١٣/ ٣٨) وحسّنه المالكي (بيعة علي ﵁ / ١١٢) قلنا: وتحسين المالكي أقرب، والله أعلم.\n(١) إسناده مرسل فابن سيرين لم يدرك الحادثة، ولكن له ما يشهد له كما ذكرنا سابقًا في (٤/ ٤٢٩).\n(٢) إسناده ضعيف ومتنه صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>خلاصة القول في بيعة علي ﵁</span>\nتؤكد الروايات الصحيحة: أن الصحابة والتابعين أسرعوا إلى بيعة سيدنا علي ﵁ خليفة للمسلمين في اليوم الذي قتل فيه سيدنا عثمان، ومن لم يستطع مبايعته في ذلك اليوم فقد بايعه في اليوم الثاني، والبيعة كانت في المسجد النبوي وقد ذكرنا رواية محمد بن الحنفية عند أحمد بسند صحيح، وسنذكر هنا رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسند صحيح عن المسور بن مخرمة، وجاء فيها: [فرقي على المنبر، فقيل: ذاك علي على المنبر، فمال الناس فبايعوه] وقال حسن بن فرحان المالكي صاحب كتاب (بيعة علي بن أبي طالب): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وكما ترى فهي لا تذكر خلافًا بين الناس في بيعة علي ﵁.\nقلنا: والقول ما قاله؛ وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٢٨) حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني أبو بكر بن عياش عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة. الخبر وفيه يقول الأشتر (ولكني رأيت طلحة والزبير والقوم بايعوا عليًّا طائعين غير مكرهين). وصحح الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٥٨) وهذه الرواية الصحيحة تكذب الروايات الضعيفة التي تذكر أن الأشتر =","vol":"3","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سلّ سيفه وأجبر الزبير، وطلحة على البيعة.\nوأخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ١١٤) عن الأسود بن يزيد النخعي قال: لما بويع علي بن أبي طالب ﵁ على منبر رسول الله - ﷺ - قال خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي علي على المنبر:\nإذا نحن بابعنا عليًّا فحسبنا ... أبو الحسن فما نخاف من الفتن\nوجدناه أولى الناس بالناس إنه ... أطب قريش بالكتاب وبالسنن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>كلمة أخيرة في بيعة طلحة والزبير هل كانت كرهًا أم لا</span>\nلقد ذكرنا أدلة صحيحة فيما سبق: أن بيعة الزبير وطلحة لسيدنا علي ثابتة وهنالك روايات تشير إلى أنهما بايعا تحت الإكراه وبحثنا عنها فما وجدنا فيها رواية صحيحة السند يحتج بها، ولقد اجتهد كثيرون من الأخوة الأفاضل المعاصرين في تفنيد هذه الأقوال ومنهم محمد أمخزون في كتابه (تحقيق مواقف الصحابة) وكذلك حسن بن فرحان المالكي في رسالته الممتازة (بيعة علي ﵁ في ضوء الروايات الصحيحة) ودراسة المالكي شيقة وعلمية وجديرة بالدراسة والتمعن، وكذلك ما كتبه د. أمخزون، ولا نريد أن نطيل هنا أكثر مما ذكرنا، فمن أراد المزيد فليراجع ما كتباه في هذا الموضوع فقد اتفقا في نتيجة بحثهما القيّم على أمر طيب، فجزاهما الله خيرًا.\nوأما كلمتنا الأخيرة (المحققان) فنقول وبالله التوفيق:\nالذي ترجح لدينا أن الزبير وطلحة ﵄ كانا يرغبان الناس في بيعة علي، وذلك واضح من رواية الأحنف بن قيس، وأنهما بايعا أول الناس طائعين راغبين.\nفقد أخرج ابن أبي شيبة في صنفه (١٥/ ٢٦٠): حدثنا غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبي يقول: بلغ علي بن أبي طالب أن طلحة يقول: إنما بايعت واللج على قفاي فأرسل ابن عباس فسألهم قال: فقال أسامة: (أما واللج على قفاه فلا ولكن بايع وهو كاره) وإسناده صحيح والفرق واضح بين الكاره والمكره وأخذًا بالاعتبار قول أسامة (ولكن بايع وهو كاره) نقول:\nإن كان هناك احتمال آخر فهو أنهما كانا كارهين لحظة البيعة لأنهما كانا يريان ضرورة الحسم في مسألة قتلة عثمان والقصاص منهم قبل إجراء البيعة، وإلا فإنهما لم يختلفا في أولوية علي ﵁ وأحقيته بالخلافة، ولو كانت كراهيتهما من أجل عدم قناعتهما بأحقية علي؛ لقالا له عندما سألهما بعد ذلك: ألم تبايعاني؟ فكان عليهما أن يقولا: نعم بايعناك ولكن كارهين غير مقتنعين بخلافتك، ولكنهما أجابا بأنهما يطلبان دم عثمان ليس إلا، أي: أنهما كانا يريان ذلك أشد ضرورة، ونحن لا نشك أن أمر الخلاقة أولى وأن عليًّا كان مع الأصوب والأولى. =","vol":"3","page":374},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد أخرج الحافظ الذهبي عن يحيى بن سليمان أنه قال: قال أبو مسلم الخولاني وجماعة لمعاوية أنت تنازع عليًّا؟ هل أنت مثله؟ فقال: لا. والله إني لأعلم أن عليًّا أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه وأنا أطالب بدمه؟ فَائْتوا عليًّا فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان، وأسلّم له ... الخبر (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) (البداية والنهاية ٨/ ١٢٩) وجوّد الحافظ إسناده (فتح الباري ١٣/ ٩٢).\nوروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد بإسناده أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام عسكروا ناحية ... الخبر وفيه: وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا علي معاوية فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا وأقرب منك إلى رسول الله - ﷺ - وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان وإنه أدى قتلة، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام (البداية والنهاية ٧/ ٢٧٠).\nقلنا: (المحققان): الكلّ يعلم أن سيد الأنصار (سعد بن عبادة) اقتنع بأحقية أبي بكر للخلافة ولكنه لم يبايع حتى توفي ﵁، فهل كان ذلك قدحًا في إجماع الصحابة على بيعة أبي بكر ﵁؟ كلا. وكذلك الحال مع معاوية ﵁ فقد كان مقرًا بأحقية علي ﵁ للخلافة ولكنه كان يرى أن يحاسب قتلة عثمان أولًا ويعاقبوا حفاظًا على هيبة الخليفة وحتى لا يتخذها الناس عادة كلما كرهوا من أميرهم شيئًا قاموا إليه فقتلوه. ونحن لسنا بصدد هذه المسألة فالأرجح عندنا هو ما ذهب إليه علي ﵁ من أن الأولى والأوجب هو توطيد دعائم الخلافة وعطاء البيعة، ثم معاقبة قتلة عثمان بعد استقرار الأمور، ولكن بيت القصيد هنا هو أن تخلف أحد أعيان الصحابة أو اثنين عن البيعة لا يقدح في إجماع الصحابة على أحقية سيدنا علي بالخلافة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>إجماع أهل الحل والعقد من الصحابة على بيعة علي ﵁</span>\nوخلاصة القول فإن أهل الحل والعقد من الصحابة والذين كانوا وقتها في مكة والمدينة قد بايعوا سيدنا عليًّا خليفة رابعًا للمسلمين وبهم تنعقد البيعة باتفاق أهل السنة والجماعة وبقية الناس تبع لهم في ذلك؛ ولذلك قال الإمام الأشعري ﵀: (وتثبت إمامة علي بعد عثمان ﵁ بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع أحدًا من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على عدله وفضله) (الإبانة عن أصول الديانة / ٧٨) وقال الإمام أحمد بن حنبل رمز أهل السنة والجماعة: علي ﵀ إمام عادل، ويقول أيضًا: ما يدفع علي من الخلافة، وقد سماه جماعة من أصحاب رسول الله أمير المؤمنين منهم عمار بن ياسر، وأبو مسعود. (السنة ٣/ ٤١٣) وقال ابن سعد في طبقاته: لما قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عثرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وبويع لعلي بن أبي طالب ﵀ بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة =","vol":"3","page":375},{"text":"٢٥٧ - حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يَحْيى بن مَعِين، وقال: حدَّثنا هِشام بن يوسف قاضي صَنْعاء، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن موسى بن عُقْبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ قال: لما خرج طَلْحةُ، والزّبير، وعائِشة ﵃؛ عرضوا الناس بذَاتِ\n_________\n= والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهيل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله وغيرهم. (الطبقات ٣/ ٣١).\nوقال الإمام سليمان بن طرخان (المتوفى ١٤٣ هـ): بايع عليًّا أهل الحرمين وإنما البيعة (لأهل الحرمين) أنساب الأشراف (٢/ ٢٠٨) يعني بذلك أنهم أهل الحل والعقد آنذاك، والله تعالى أعلم.\nوقبلهم جميعًا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: والله ما كانت بيعة علي إلا كبيعة أبي بكر وعمر ﵃. (منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين / ٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>موقف عمرو بن العاص ومعاوية من بيعة علي ﵃ جميعًا</span>\nأما عمرو بن العاص ﵁ فقد ثبت عنه في صحيح مسلم (١/ ١١٢) أنه ندم ندمًا شديدًا وعاتب نفسه عتابًا شديدًا عند موته لأنه رفض بيعة علي ﵁ وحارب ضده، وهذا يعني: أنه ﵁ اعترف بأن رفضه لبيعة علي كان خطأ تاب منه، فماذا يقول المرجفون ولم يبق اسم في سماء أعيان الصحابة إلا معاوية ﵁؟ ! ونحن نقول بكل ثقة: لم نجد رواية صحيحة تؤكد أن معاوية كان ينازع عليًّا على الخلافة، وإنما كان يريد أن يأخذ بحق ابن عمه المظلوم أولًا ثم يبايع وقد وردت رواية صحيحة تؤكد إقرار سيدنا معاوية لسيدنا علي بالأحقية بالإمامة العظمى (الخلافة).\nوأما أهل الشام فلم يثبت أنهم بايعوا معاوية قبل موت علي بل كانوا يسمون معاوية أميرًا وعليًّا أميرًا للمؤمنين حتى استشهد علي ﵁، فمنذ ذلك الوقت أصبحوا يسمون معاوية أميرًا للمؤمنين.\nلقد ذكرنا الرواية (٤/ ٤٥١ - ٤٥٢/ ٩٣٤) في قسم الضعيف، ففي إسناده التالف الهالك أبو مخنف، ولم نجد ما يشهد لما ورد في الرواية غير مسألة إرسال أم سلمة لابنها مع علي ﵁ فقد أخرج ذلك الحاكم في المستدرك (٣/ ١١٩) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":376},{"text":"عِرْق، واستَصغَروا عروة بن الزُّبَيْر وأبا بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هِشام فرَدُّوهما (١) (٤: ٤٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>ثم دخلت سنة ست وثلاثين نزول أمير المؤمنين ذا قار</span>\n٢٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، في محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما نزل عليٌّ ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وأرسل الحسنَ بن على وعمارًا بعد ابن عباس والأشتر، فخفّ في ذلك الأمر جميعُ من كان نَفر فيه، ولم يقدُم فيه الوجوه أتباعَهم فكانوا خمسة آلاف أخذ نصفهم في البرّ ونصفهم في البحر، وخفّ مَن لم ينفر فيها ولم يعمل لها. وكان على طاعته ملازمًا للجماعة فكانوا أربعة آلاف، فكان رؤساء الجماعة: القعقاع بن عمرو، وسعْر بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب. وكان رؤساء النّفّار: زيد بن صُوحان، والأشتر مالك بن الحارث، وعديّ بن حاتم، والمسيّب بن نَجَبَة، ويزيد بن قيس ومعهم أتباعهم وأمثال لهم ليسوا دونهم إلَّا أنهم لم يؤمّروا؛ منهم حُجْر بن عديّ، وابن مَحْدُوج البكريّ، وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم. فبادروا في الوقعة إلا قليلًا، فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاعَ بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا بن الحنظليّة - وكان القعقاع من أصحاب النبي - ﷺ - فادعُهما إلى الألْفة والجماعة، وعظِّم عليهما الفُرْقَة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة منّي؟ فقال:\n_________\n(١) وكذلك أخرج أحمد في المسند (١/ ٨٩) وأبو يعلى (١/ ٤٤٥) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: (رددت يوم الجمل استصغرت).\nذكرنا الرواية (٤/ ٤٥٥ / ٩٤٢١) في قسم الضعيف لضعف إسنادها ونكارة في متنها إلا أن الفقرة الأخيرة من الرواية (ونعني حث عبد الله بن سلام عليًّا ﵄ على ألا يسير إلى العراق) لها ما يؤيدها فقد أخرج أبو يعلى في مسنده (١/ ٢٥٩) من طريق إسحاق بن إسرائيل وفيه أن عليًّا ﵁ قال: أتاني عبد الله بن سلام وقد وضعت قدمي في الغرز فقال لي: لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف. وقال الهيثمي بعد أن ذكره: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير إسحاق بن إسرائيل فهو ثقة مأمون (مجمع الزوائد ٩/ ١٤١).","vol":"3","page":377},{"text":"نلقاهم بالّذي أمرتَ به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأيٌ اجتهدنا الرّأي وكلّمناهم على قدر ما نَسْمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها. فخرج القعقاعُ حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة ﵂ فسلّم عليها، وقال: أي أمَّهْ؛ ما أشخصك وما أقدمكِ هذه البلدة؟ قالت: أي بنيّ، إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزّبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أمَّ المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: مُتابعان، قال: فأخبراني ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنُصلحن، ولئن أنكرناه لا نُصلح. قالا: قتلة عثمان ﵁، فإنّ هذا إن تُرك كان تَرْكًا للقرآن؛ وإن عمِل به كان إحياء للقرآن. فقال: قد قَتَلْتُما قتلةَ عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قَتْلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليومَ، قتلتم ستمئة إلّا رجلًا، فغضب لهم ستة آلاف. واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الّذي أفلتَ -يعني: حرقوص بن زُهير- فمنعه ستة آلاف وهم على رِجْل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون؛ وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا عليكم فالّذي حذِرتم وقرِبتم به هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تكرهون؛ وأنتم أحميتم مُضَر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نُصرةً لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدَث العظيم والذنب الكبير. فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التّسكين، وإذا سكن اختُلِجُوا، فإن أنتم بايعتمونا؛ فعلامةُ خير، وتباشير رَحْمة، ودرَكٌ بثأر هذا الرّجل، وعافية، وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرَة هذا الأمر واعتسافه؛ كانت علامة شرّ، وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هَزاهِزهَا، فآثروا العافية؛ ترزقوها، وكونوا مَفاتيح الخير كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرَّضوا له فيصرعنا وإياكم. وايم الله إني لأقول هذا، وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ ألّا يتمّ حتى يأخذ الله ﷿ حاجتَه من هذه الأمة التي قل متاعُها، ونزل بها ما نزل، فإنّ هذا الأمر الّذي حدَث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرّجل الرّجل، ولا النّفر الرجلَ، ولا القبيلة الرجلَ.\nفقالوا: نعم إذًا! قد أحسنت وأصبت المقالةَ؛ فارجع فإن قَدم عليٌّ وهو على","vol":"3","page":378},{"text":"مثل رأيك صلَح هذا الأمر. فرجع إلى عليّ فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصّلح؛ كَرِه ذلك مَن كرهه، ورضيَه مَنْ رضيه.\nوأقبلت وُفود البصرة نحو عليّ حين نزل بذي قار، فجاءت وفود تميم وبكْر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أيّ حال نهضوا إليهم، وليعلِموهم أنّ الذي عليه رأيُهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالٌ علَى بالٍ. فلمّا لقُوا عشائرَهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرُهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثلَ مقالتهم، وأدخلوهم على عليّ فأخبروه خبرَهم؛ سأل عليٌّ جرير بن شرِس عن طلحة والزّبير، فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثّل له:\nألا أَبْلغ بَني بَكْرٍ رَسولا ... فَلَيسَ إلى بَني كَعب سَبيلُ\nسَيَرْجِعُ ظُلْمَكُمْ مِنْكُمْ عَلَيكُم ... طَويلُ الساعِدَينِ له فُضولُ\nوتمثّل عليٌّ عندها:\nألَمْ تَعْلمْ أَبا سِمْعانَ أنَّا ... نَرُدُّ الشَّيخَ مِثلَكَ ذا الصُّداعِ!\nويَذْهَلُ عَقْلهُ بالحربِ حَتى ... تقومَ فيَسْتجيبَ لِغَيرِ داعِ\nفدافَعَ عن خُزاعَةَ جَمْعُ بَكْرٍ ... وما بك يا سُراقَةُ مِنْ دِفاعِ\nرجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: فأرسل عمران بن حُصين في الناس يخذّل من الفريقين جميعًا، كما صنع الأحنف، وأرسل إلى بني عديّ فيمن أرسل، فأقبل رسولُه حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إنّ أبا نُجَيد عمران بن الحُصين يقرئكم السلام، ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حَضَن مع أعنُز خضْر وضأن، أجزُّ أصوافها، وأشرَب ألبانَها أحبُّ إليّ من أن أرميَ في شيء من هذين الصفين بسهم. فقالت بنو عديّ جميعًا بصوت واحد: إنا والله لا نَدَع ثقلَ رسول الله - ﷺ - لشيء. يَعنُون: أمّ المؤمنين.\nرجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: وأهل البصرة فِرَق: فرقة مع طلحة، والزبير، وفرقة مع عليّ، وفرقة لا ترى القتال مع أحد من الفريقين، وجاءت عائشة ﵂ من منزلها الذي كانت فيه حتى نزلت في مسجد الحُدّان في الأزْد، وكان القتال في ساحتهم، ورأس الأزد يومئذ صَبْرة بن شَيْمان، فقال له كعب بن سور: إنّ الجموع إذا تراءَوا لم تستطع، وإنما هي","vol":"3","page":379},{"text":"بحور تَدفَّق، فأطِعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك، فإني أخاف ألّا يكون صُلح، وكن وراءَ هذه النطفة، ودع هذين الغارَين من مُضَر وربيعة، فهما أخَوان، فإن اصطلحا فالصّلح ما أردنا، وإن اقتتلا كنا حكَّامًا عليهم غدًا - وكان كعبٌ في الجاهليَّة نصرانيًّا - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانيَّة؛ أتأمرني أن أغيبَ عن إصلاح بين الناس، وأن أخذُل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردّوا عليهم الصلح، وأدَع الطلبَ بدم عثمانَ! لا والله لا أفعلُ ذلك أبدًا، فأطبق أهلُ اليمن على الحضورِ (١). (٤: ٤٨٧/ ٤٨٨ / ٤٨٩/ ٤٩٠ تكملة ٥٠٢/ ٥٠٣ / ٥٠٤).\n٢٥٩ - وأما الذي يرويه المحدّثون من أمر الأحنف، فغير ما رواهُ سيفٌ عمن ذكر من شيوخه. والذي يرويه المحدّثون من ذلك ما حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت حُصينًا يذكر عن عمرو بن جأوان، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينةَ ونحن نريد الحجّ، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا؛ إذ أتانا آتٍ، فقِال: قد فزِعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نَفر في وسط المسجد، وإذا عليّ، والزّبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، وإنا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان؛ فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مُلَيئة له صفراء قد قنَّع بها رأسه، فقال: أهاهنا عليّ؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا الزُّبَيْر؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلّا هو؛ أتعلمون أنّ رسول الله - ﷺ - قال: من يبتَعْ مِرْبد بني فلان؛ غفر الله له! فابتعتُه بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفًا، فأتيتُ النبيّ - ﷺ - فقلت: يا رسولَ الله! قد ابتعته، قال: \"اجعله في مسجدنا وأجرُهُ لك\"! قالوا: اللهمّ نعم، وذكر أشياء من هذا النوع. قال الأحنف: فلقيتُ طلحةَ والزّبير فقلتُ: من تأمُراني به، وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرّجل إلّا مقتولًا، قالا: عليّ؟ قلتُ: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم، فانطلقتُ حتى قدِمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتلُ عثمان ﵁ وبها عائشة\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولم نجد فيه طعنًا في عدالة الصحابة ولبعضه ما يشهد له كما سنذكر كل ذلك بعد قليل تحت عنوان (ما صح في خبر وقعة الجمل عند الطبري وغيره).\nأما الأبيات الشعرية فلم تصح من رواية مسندة موصولة والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":380},{"text":"أمّ المؤمنين ﵂، فلقيتُها فقلت: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: عليّ، قلتُ: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم؛ فمررتُ على عليّ بالمدينة فبايعتُه، ثمّ رجعت إلى أهلي بالبصرة ولا أرى الأمر إلّا قد استقامَ، قال: فبينا أنا كذلك، إذ أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة، وطلحة، والزّبير قد نزلوا جانب الخُرَيبة، فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دَم عثمان ﵁، فأتاني أفظعُ أمر أتاني قطّ! فقلت: إنّ خذْلاني هؤلاء ومعهم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله - ﷺ - لَشديد، وإنّ قتالي رجلًا ابن عمّ رسول الله - ﷺ - قد أمروني ببيعته لشديد. فلما أتيتهم قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان ﵁، قُتل مظلومًا؛ فقلت: يا أمّ المؤمنين! أنشدك بالله أقلتُ لك: مَن تأمريني به؟ فقلت: عليّ؟ فقلتُ: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت: نعم! قالت: نعم! ولكنه بدّل. فقلت: يا زُبير يا حواريّ رسول الله - ﷺ - يا طلحة! أنشدكما الله، أقلتُ لكما: ما تأمراني؟ فقلتما: عليّ. فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم! قالا: نعم! ولكنه بدّل. فقلتُ: والله لا أقاتِلُكم ومعكم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله - ﷺ - ولا أقاتِل رجلًا ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، أمرتموني ببيعته؛ اختاروا مني واحدة من ثلاث خِصال: إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجِم حتى يقضيَ الله ﷿ من أمره ما قضى، أو ألحق بمكة فأكون فيها حتى يقضي الله ﷿ من أمره ما قضى، أو أعتزل فأكونُ قريبًا. قالوا: إنا نأتمر، ثم نرسل إليك. فائتمروا فقالوا: نفتح له الجسرَ ويخبرهم بأخباركم! ليس ذاكم برأي، اجعلوه هاهنا قريبًا حيث تطؤون على صِماخه وتنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين، فاعتزل معه زُهاءٌ على ستة آلاف.\nثم التقى القوم فكان أوّل قتيل طلحة ﵁، وكعب بن سُور معه المصحف يذكِّر هؤلاء وهؤلاء، حتى قتل مَنْ قتل منهم، ولحق الزبير بسَفوان، من البصرة كمكان القادسيَّة منكم، فلقيه النَّعِر؛ رجل من مجاشع، فقال: أين تذهب يا حواريّ رسول الله - ﷺ -؟ إليّ فأنت في ذمتِي لا يوصَل إليك؛ فأقبل معه؛ فأتى الأحنف خبره فقيل: ذاك الزُّبَيْر قد لقي بِسَفوان فما تأمر؟ قال: جمَع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثم يلحق ببيته، فسمعه","vol":"3","page":381},{"text":"عمير بن جُرموز وَفضَالة بن حابس، ونُفيع؛ فركبوا في طلبه، فلقوه مع النَّعِر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزُّبَيْر وهو على فرس له يقال له ذو الخِمار، حتى إذا ظنّ أنه قاتِله نادى عمير بن جُرموز: يا نافع! يا فضالة! فحملوا عليه فقتلوه (١). (٤: ٤٩٧/ ٤٩٨ / ٤٩٩).\n٢٦٠ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: معتمِر بن سليمان، قال: نبّأني أبي عن حصين، قال: حدَّثنا عمرو بن جأوان (رجل من بني تميم) وذاك أني قلت له: أرأيتَ اعتزال الأحنف ما كان؟ فقال: سمعت الأحنفَ يقول: أتيتُ المدينةَ وأنا حاجّ؛ فذكر نحوه. الحمد لله على ما قضى وحَكَم (٢)! (٤: ٤٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>نزول علي الزاوية من البصرة</span>\n٢٦١ - حدَّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا أبو نعامة العدويّ عن حُجَير بن الربيع، قال: قال لي عمران بن حصين: سرْ إلى قومك أجمعَ ما يكونون، فقم فيهم قائمًا، فقل: أرسلَني إليكم عمران بن حصين صاحبُ رسول الله - ﷺ -، يقرأ عليكم السلام ورحمةَ الله، ويحلف بالله الذي لا إله إلَّا هو! لأن يكون عبدًا حبشيًّا مجدَّعًا يرعَى أعنزًا حضنيّاتٍ في رأس جبل حتى يدركَه الموت أحبّ إليّ من أن يرمى بسهم واحد بين الفريقين؛ قال: فرفع شيوخُ الحيّ رؤوسهم إليه، فقالوا: إنا لا نَدَع ثقلَ رسول الله - ﷺ - لشيء أبدًا (٣).\n_________\n(١) رجال إسناده ثقات غير عمرو بن جأوان فلم يوثقه غير ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة، ولقد صحح الحافظ ابن حجر إسناد هذه الرواية في فتح الباري (١٣/ ٣٨) إلا أن قول عائشة وزبير (ولكنّه بدّل) لم يصح من طريق آخر والله أعلم. وكذلك اعتزال أبي الأحنف صحيح كما ورد في البخاري أنه ذهب لينضم إلى جيش علي ﵁ في وقعة الجمل فحثه أبو بكرة على الاعتزال في الفتنة كما سنذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما بيعة الأحنف بن قيس لعلي بالخلافة فثابت والله تعالى أعلم.\n(٢) رجال إسناده ثقات غير عمرو بن جأوان فقد وثقه ابن حبان وروى له النسائي وصحح الحافظ إسناد هذه الرواية (فتح الباري ١٣/ ٣٨) والله أعلم.\n(٣) إسناده حسن صحيح.","vol":"3","page":382},{"text":"٢٦٢ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن فِطْر بن خليفة، عن منذر الثوريّ، عن محمد بن الحنفيّة، قال: أقبلْنا من المدينة بسبعمئة رجل، وخرج إلينا من الكوفة سبعة آلاف، وانضمّ إلينا مَن حولنا ألفان، أكثرهم بكر بن وائل، ويقال: ستة آلاف (١). (٤: ٥٠٥/ ٥٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>خبر وقعة الجمل من رواية أخرى</span>\n٢٦٣ - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشَّهيد، قال: سمعتُ أبا بكر بن عيّاش يقول: قال علقمة: قلت للأشتر: قد كنتَ كارهًا لقتل عثمان ﵁، فما أخرجكَ بالبصرة؟\nقال: إنّ هؤلاء بايعوه، ثم نكثوا -وكان ابن الزبير هو الذي أكره عائشةَ على الخروج- فكنت أدعو الله ﷿ أن يلقِّيَنِيه، فلقيني كفّةً لكفّة، فما رضيت بشدّة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه فصرعتُه.\nقلنا فهو القائل: (اقتُلوني ومالِكًا؟) قال: لا، ما تركته وفي نفسي منه شيء، ذاك عبدُ الرحمن بن عتّاب بن أسيد، لقيني فاختلفنا ضربتين، فصرَعَني وصرعْتُه، فجعل يقول: \"اقتُلُوني ومالِكًا\"، ولا يَعلَمون مَن مالِك، فلو يعلمون؛ لقتلوني.\nثم قال أبو بكر بن عياش: هذا كتابك شاهده (٢). (٤: ٥٢٠).\n٢٦٤ - حدّثني به المغيرة عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قلت للأشتر: حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن طلحة بن النضر، عن عثمان بن سليمان، عن عبد الله بن الزبير، قال: وقف علينا شابّ، فقال: احذَروا هذين الرّجلين؛ فذكره - وعلامة الأشتر: أنّ إحدى قدميه بادية من شيء يجدُ بها - قال: لما التقينا قال الأشتر: لما\n_________\n(١) إسناده حسن وهذا أصح ما ورد في تحديد عدد الجيش الذي كان تحت إمرة الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب ﵁ في يوم معركة الجمل والله تعالى أعلم.\n(٢) صحح الحافظ ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ١٧).","vol":"3","page":383},{"text":"قصد لي سوّى رمحه لرِجلي، قلت: هذا أحمقَ، وما عسى أن يدرك مني لو قطعها ألستُ قاتلَه؟ !\nفلما دنا مني جمع يديه في الرمح، ثم التمس به وجهي، قلتُ: أحدُ الأقران (١). (٤: ٥٢٠).\n٢٦٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن جرير، قال: حدَّثني الزبير بن الخرّيت، قال: حدّثني شيخٌ من الحرَمين يقال له: أبو جُبير، قال: مررتُ بكعب بن سُور وهو آخذ بخِطام جملِ عائشة ﵂ يومَ الجمل، فقال: يا أبا جُبير! أنا والله كما قالت القائلة:\nبُنَيَّ لا تبِنْ ولا تُقاتِلْ\nفحدّثني الزبير بن الخرّيت، قال: مرّ به عليّ وهو قتيل، فقام عليه فقال: واللهِ إنك -ما علمتُ- كنتَ لصليبًا في الحقّ، قاضيًا بالعدل، وكيتَ وكيتَ؛ فأثنى عليه (٢). (٤: ٥٢٨).\n٢٦٦ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي؛ قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، قال: حدّثني ابن عون، عن أبي رَجاء، قال: ذكروا يومَ الجمل فقلتُ: كأنّي أنظر إلى خِدْر عائشةَ كأنه قنفذ مما رُمِيَ فيه من النّبل، فقلت\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) رجاله ثقات وفيهم من أئمة الحديث كابن المبارك إلّا أبا جبير (شيخ من الحرمين) فإن كان هو مولى الحكم بن عمرو فهو مقبول عند الحافظ وصالح عند الذهبي، وأما كعب بن سور فقد ورد أنه كان في جيش عائشة ﵂ وكان يرغب في الصلح حتى أنه حمل بيده مصحفًا (بأمر من عائشة) ووقف بين الصفين يدعو إلى الصلح فجاءه سهم فقتله ﵁ وهو من كبار التابعين الذين ولدوا على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يروه ولقد أرسله عمر بن الخطاب ﵁ إلى البصرة قاضيًا (الإصابة ٥/ ٤٨٠ / ت ٧٥٠٦) و(الاستيعاب / ت / ٢٢٢١).\nوكذلك أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٨٨ تهذيب بدران) عن عائشة ﵂: أنها طلبت من كعب بن سور أن يتقدم بكتاب الله ويدعوهم إليه فدفعت إليه مصحفًا وأقبل القوم الذين في عسكر علي وأمامهم السبئية الذين يخافون أن يجري الصلح فاستقبلهم كعب بالمصحف وعلي ﵁ من خلفهم يزعهم وينهاهم ويأبون إلا إقدامًا فرشقوه -أي: كعب- بالنبال فسقط صريعًا اهـ.","vol":"3","page":384},{"text":"لأبي رجاء: أقاتلتَ يومئذ؟ قال: واللهِ لقد رميتُ بأسهم فما أدري ما صَنعْن (١). (٤: ٥٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>بعثة الأشتر إلى عائشة بجَمل اشتراه لها وخروجها من البَصرة إلى مكّة</span>\n٢٦٧ - حدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، قال: لما فرغوا يوم الجمل أمرني الأشتر فانطلقت فاشتريتُ له جملًا بسبعمئة درهم من رجل من مَهْرة، فقال: انطلِق به إلى عائشة فقل لها: بعث به إليكِ الأشتر مالكُ بن الحارث، وقال: هذا عِوَض من بعيرك، فانطلقْت به إليها، فقلت: مالكٌ يقرئكِ السلام ويقول: إنّ هذا البعير مكان بعيرك؛ قالت: لا سَلّم الله عليه؛ إذ قتل يَعسوبَ العرب -تَعني: ابن طلحة- وصنع بابن أختي ما صنع! قال: فرددته إلى الأشتر، وأعلمتُه، قال: فأخرَج ذراعين شعراوين؛ وقال: أرادوا قتلي فما أصنع! (٢) (٤: ٥٤١/ ٥٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>ما قال عمَّار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل</span>\n٢٦٨ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي عن سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: سمعت أبا يزيد المدينيّ يقول: قال عمّار بن ياسر لعائشة - ﵂ - حين فرغ القوم: يا أمّ المؤمنين! ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد إليك! قالت: أبو اليَقظان! قال: نعم، قالت: والله إنّك -ما علمتُ- قوّال بالحق؛ قال: الحمد لله الذي قضى لِي على لسانك (٣). (٤: ٥٤٥/ ٥٤٦).\n_________\n(١) إسناده صحيح.\n(٢) إسناده حسن وفي متنه غرابة.\n(٣) صحح الحافظ إسناده (فتح الباري ١٣/ ٦٣).","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>دعاء علي معاوية إلى الطاعة والجماعة</span>\nوفي هذه السنة مات قُدَامة بن مظعون، فيما زعم الواقديّ (١). (٤: ٥٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>ثم دخلت سنة سبع وثلاثين مقتل عمار بن ياسر</span>\n٢٦٩ - حدَّثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدَّثنا محمد بن فُضَيل، قال: حدَّثنا مسلم الأعور، عن حبّة بن جُوَين العُرَنيّ، قال: انطلقتُ أنا وأبو مسعود إلى حُذَيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحبًا بكما، ما خلّفتما من قبائل العرب أحدًا أحبّ إليّ منكما، فأسندته إلى أبي مسعود، فقلنا: يا أبا عبد الله! حدَّثنا فإنا نخاف الفِتَن؛ فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سميّة، إني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإنّ آخر رزقه ضَياح من لبن\". قال حبّة: فشهدتُه يومَ صِفِّين وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا، فأتِي بضَياح من لبن في قدَح أرْوح له حلقة حمراء، فما أخطأ حُذَيفة مقياسَ شعرة، فقال:\nاليوم ألقى الأحبَّهْ ... محمّدًا وحزبَهْ\nوالله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر؛ لعلِمنا أنا على الحقّ وأنهم على الباطل، وجعل يقول: الموت تحت الأسَل، والجنة تحت البارقة (٢). (٥: ٣٨/ ٣٩).\n_________\n(١) وفي هذه السنة مات قدامة بن مظعون فيما زعم الواقدي.\nقلنا: وكذلك ذكر الذهبي وفاته ضمن أحداث سنة (٣٦ هـ) وقال: قدامة بن مظعون أبو عمر الجمحي، توفي فيها عن ثمان وستين سنة. شهد بدرًا واستعمله عمر على البحرين (عهد الخلفاء الراشدين / ٥٣٢) وكذلك ذكر خليفة بن خياط أنه مات سنة ٣٦ (تأريخه ١٩١).\nوطبقات ابن سعد (٣/ ٤٠١) والإصابة (٣/ ٣٢٢ / ت ٧١٠٣).\n(٢) إسناده ضعيف إلا أن له متابعًا، وحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري ١/ ٦٤٢) وأخرجه غير البخاري ومنهم الحاكم فقد أخرج في المستدرك (٣/ ٣٩١) كما عند الطبري (٥/ ٣٨) من طريق مسلم الأعور عن حبة العرني قال: دخلنا مع ابن مسعود الأنصاري على حذيفة بن اليمان أسأله عن الفتن فقال دوروا مع =","vol":"3","page":386},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كتاب الله حيث ما دار وانظروا الفئة التي فيها ابن سمية فاتبعوها فإنه يدور مع كتاب الله حيث ما دار قال: فقلنا له: ومن ابن سمية؟ قال عمار، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول له: لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية تشرب شربة ضياح تكن آخر رزقك من الدنيا. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح عال ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. قلنا: في تصحيحهما نظر فمسلم بن كيسان الأعور (أبو عبد الله ضعيف) وحبة ابن جوين العرني صدوق له أغلاط وكان غاليًا في التشيع (التقريب / ١٠٨١) فكيف يكون صحيحًا!؟ ولعل الحافظين الجليلين صححا متن الحديث لا إسناده (وهذا أغلب الظن) فلم يقل الحاكم صحيح الإسناد والذهبي.\nويبدو: أنهما صححا الحديث لوجود ما يشهد لشطرين منه (الثاني والثالث) فأما الثاني (تقتلك الفئة الباغية) فقد أخرجه البخاري كما ذكرنا -وأما الشطر الثالث فقد أخرجه الحاكم (٣/ ٣٨٩) وفيه: اليوم نلقى حبيبنا محمدًا - ﷺ - عهد إليَّ (إن آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن) وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد (٤/ ٣١٩) وكذلك أخرج الحاكم (٣/ ٣٨٩) عن أبي البختري أن عمار بن ياسر أتي بشربة من لبن فضحك فقيل له: ما يضحكك؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: آخر شراب أشربه حتى أموت هذا. وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nإلا أن الشطر الأول من الحديث وفيه أن عمار يدور حيث دار الكتاب فلم نجد له متابعًا ولا شاهدًا إلا ما أخرجه الذهبي منقطعًا في (سير أعلام النبلاء ١/ ٤١٥) والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>خاتمة المطاف فيما ورد من الروايات الصحيحة في وقعة الجمل</span>\n١ - سبق أن ذكرنا بيعة كل من الزبير وطلحة ﵄ للخليفة الراشد الرابع علي ﵁ وذلك في فضل البيعة وإجماع الصحابة على بيعته في قسم الصحيح، وكذلك علمنا أن طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃ كانوا يوصون الناس بالبيعة لعلي ﵁ وسنعيد الرواية في ذلك هنا:\nأخرج الطبري (٤/ ٤٩٧) عن الأحنف بن قيس حديثًا طويلًا وفيه: فلقيت طلحة والزبير فقلت: من تأمراني، وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولًا، قالا: علي. قلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. فانطلقت حتى قدمت مكة فبينما نحن إذ أتانا قتل عثمان ﵁ وبها عائشة أم المؤمنين ﵂، فلقيتها فقلت: من تأمريني أن أبايع، قالت: علي. قلت: تأمريني به، وترضينه لي؟ فقالت: نعم، فمررت على علي بالمدينة فبايعته ثم رجعت إلى أهلي بالبصرة ولا أرى الأمر إلا قد استقام، قال: فبينا أنا كذلك، إذ أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير قد نزلوا جانب الخريبة ... الرواية. وفيه كذلك: (فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أقلت لك من تأمريني به؟ فقلت: عليّ! فقلت: أتأمريني به وترضينه لي؟ قلت: نعم. قالت: نعم ولكنه بدَّل. فقلت: يا زبير يا حواري =","vol":"3","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رسول الله - ﷺ - يا طلحة! أنشدكما الله أقلت لكما: ما تأمراني، فقلتما: عليّ؟ فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما نعم، قالا: نعم ولكنه بدَّل. فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله - ﷺ - ولا أقاتل رجلًا ابن عم رسول الله - ﷺ - أمرتموني ببيعته ... إلخ).\nقلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات غير محمد بن جأوان الذي رواه عن الأحنف بن قيس فقد وثقه ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة. والحديث أخرجه الطبري مرة أخرى ولكن بسند آخر من طريق عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس (٤/ ٤٩٩) وصحح الحافظ ابن حجر إسناده (فتح الباري ١٣/ ٣٨).\nقلنا: وفي النفس شيء من لفظة (قالا: نعم. ولكنه بدّل) فإن عائشة والزبير وطلحة ﵃ نصحوا الناس ببيعة علي، ولم يخرجوا لأن عليًّا ﵁ بدل، وإنما خرجوا إصلاحًا بين الناس، وطلبًا للقصاص من قتلة عثمان، لذا فإنا نرجح أن هذه العبارة (ولكنه بدّل) عبارة شاذة والأرجح أنهم سكتوا ولم يقولوا: (بدل) والذي يدفعنا إلى ذلك هو ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رواية عن عبد الله بن بديل الخزاعي (١٥/ ٢٨٥ / ح ١٩٦٧٧) وفي الرواية أنه قال لعائشة ﵂: (يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني، فقلت: الزم عليًّا؟ فسكتت) وجوّد ابن حجر إسناد هذه الرواية (الفتح ١٣/ ٦٢). وكذلك كان جواب عائشة لعمار بعد انتهاء المعركة عندما عاتبها على خروجها فلم تسكت فحسب بل مدحت عمارًا، وأثنت عليه بأنه قوّال للحق، وسنتحدث عن هذه الرواية بعد قليل (٤/ ٥٤٥ / ح ١٣٤٢).\nوإن كانت هذه العبارة: (ولكنه بدَّل) من مقولة عائشة والزبير وطلحة ﵃ فتأويل ذلك أنهما قصدا بذلك أن عليا ﵁ أرجأ مسألة القصاص من القتلة حتى إشعار آخر؛ ريثما تستتب الأمور وتستقر دعائم الخلافة بعد فتنة مقتل سيدنا عثمان الخليفة الراشد الثالث ﵁.\n٢ - كان أمير المؤمنين علي ﵁ يرى أن الأوجب أن تستقر أمور الخلافة أولًا ولا يتعجل في التحقيق في ملف الفتنة وملاحقة الجناة، وذلك لأن الفتنة حديثة العهد والقتلة ينتمون إلى قبائل ولهم صلات بأهل بعض الأمصار، فإذا فعل ذلك اشتعلت الفتنة أكثر، فلا بد من إطفاء النيران حتى تتوضح الأمور للناس وعندها يمكن القصاص من قتلة عثمان دون إثارة أية ضجة؛ ولذلك أرسل عمارًا والحسن إلى الكوفة يوضحان لأهل الكوفة والمجاهدين فيها وأعيان البلد أن الواجب هو طاعة الإمام الأعظم فيما يقوم به من سياسة شرعية وأن عليهم أن يطيعوا ولي الأمر، وأن طاعة الخليفة تُقدم في هذه الحالة على طاعة السيدة عائشة على جلالة قدرها فإنها اجتهدت في موقفها هذا، وقرار علي أصوب، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل قال: (لما بعث علي عمارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم؛ خطب =","vol":"3","page":388},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عمّار، فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (الفتح ٧/ ١٣٣). وحديث البخاري هذا يدل على محبة عمار لأم المؤمنين عائشة ﵂ وتقديره لها (بالرغم من أن خروجها كان مبنيًّا على اجتهاد خاطئ وهي من بين كبار فقهاء الصحابة).\nوهناك رواية أخرى تسُد أفواه المبتدعة والحاقدين على التأريخ الإسلامي؛ فقد أخرج الترمذي في سننه (٥ / ح ٣٨٨٨): حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن غالب: أن رجلًا نال من عائشة ﵂ عند عمار فقال: اغرب مقبوحًا منبوحًا أتؤذي حبيبة رسول الله - ﷺ -؟ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح (ومنهم أئمة الحديث كسفيان وابن مهدي) غير عمرو بن غالب وهو ثقة فقد وثقه النسائي وابن حبان ولم نعلم فيه جرحًا وصحح الترمذي حديثه والله تعالى أعلم. ويرى الأستاذ خالد الغيث في رسالته القيمة: أن عمارًا ﵁ قال كلامه هذا عن عائشة ﵂ بناءً على عدم معرفته بحقيقة خروج أصحاب الجمل، وهو أنهم قد خرجوا للإصلاح بين الناس. اهـ.\n(استشهاد عثمان ووقعة الجمل / ١٨٥) وكلام الأستاذ خالد الغيث فيه نظر؛ فإن الروايات الصحيحة تؤكد أنهم خرجوا إصلاحًا بين الناس وهذا مقصد من مقاصدهم، أما المقصد الآخر فهو خروجهم طلبًا للقصاص من قتلة سيدنا عثمان ولو أننا نعلم أنهم ما خرجوا بهدف القتال كما تؤكد الروايات الصحيحة وكل ذلك يتبين من الآتي:\n٣ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٧ / ح ١٩٦٧٩) عن زيد بن وهب (فقال علي لطلحة والزبير: ألم تبايعاني؟ فقالا: نطلب بدم عثمان) وإسناده حسن. أي أن من مقاصد خروجهما الإسراع بالقصاص من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وهذا مقصد واحد أرادا تحقيقه من خلال المصالحة بين الناس لا القتال.\nكما: أخرج الإمام أحمد في المسند (٦/ ٥٢): لما أقبلت عائشة ﵂ مياه بني عامر ليلًا نبحت الكلاب، قالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلّا أنني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ﷿ ذات بينهم. قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال لها ذات يوم: (كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب) وفي رواية أخرى لأحمد (المسند ٦/ ٩٧): (ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله - ﷺ - قال لنا: أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب. فقال لها الزبير: ترجعين؟ ! عسى الله ﷿ أن يصلح بك بين الناس).\nقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٢١٢): وهذا إسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ١٧٨).\nوهذا الحديث العظيم يدل على أن الإصلاح كان الهدف الرئيسي لخروج عائشة والزبير =","vol":"3","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وطلحة ﵃ إلى جانب طلب الإسراع بالقصاص من قتلة سيدنا عثمان ﵁.\nوهناك رواية أخرى تؤكد القصد الإصلاحي لخروج الصحابة الثلاثة ﵃ إلى البصرة، فقد أخرج الحاكم من طرق المستدرك (٣/ ٣٦٦) و(٣/ ٣٦٧) وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٢) حديثًا طويلًا يفيد: أن الزبير عزم على الرجوع والانحياز خارجًا فاعترضه ابنه عبد الله قائلًا: (ما لك؟ قال: ذكرني علي حديثًا سَمعته من رسول الله - ﷺ - وإني راجع، وقال ابنه: وهل جئت للقتال؟ إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح هذا الأمر).\nوقال الذهبي: والحديث فيه نظر (٣/ ٣٦٦).\nولقد ذكر ابن كثير طرق هذه الرواية عند البيهقي وغيره وقال بعد ذلك: وعندي أن الحديث الذي أوردناه إن كان صحيحًا عنه فما رجعه سواه (البداية والنهاية ٧/ ٢٥٣) وأما الأستاذ خالد بن محمد الغيث فقد ذكر طرق الحديث وما فيها من علل وخلص إلى أن الحديث ضعيف الإسناد (استشهاد عثمان / ٢٠٢) والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>حقيقة تأريخية لا يفهمها المستشرقون</span>\nبعد سردنا لهذه الأدلة الصحيحة الدامغة القاطعة نقول: إن المؤرخين الغربيين: لا يفهمون الجانب الروحي من التأريخ الإسلامي، وإذا فهموه؛ فهم في شك منه فهم لا يعرفون تفسيرًا للتأريخ إلّا من خلال المصالح الاقتصادية والعوامل المادية الأخرى، ولكنهم لا يدركون البعد المعنوي للتأريخ الإسلامي والذي يتجلّى حتى في أحلك الظروف وأقساها؛ فهذا هو طلحة يندم لأنه يسكت عن الذين ظلموا سيدنا عثمان وخرجوا عليه وألّبوا الناس عليه، فكان الزبير يحسّ في قرارة نفسه أنه مقصر في حق سيدنا عثمان فلم يدافع عنه كما كان يجب ولم يقف في طريق السبئية ومثيري الفتنة، فلما أن قتل المجرمون سيدنا عثمان حزّ في نفس الزبير ألمًا وحسرة فخرج يطالب بدمه وكان يتمنى أن ينال المتاعب والمشاق عسى أن تكون كفارة لقعوده وقصوره عن نصرة سيدنا عثمان بل كان يتمنى أن يُسفك دمه كما سُفك دم عثمان ﵄ عسى أن يكون بذلك قد كفر عن إثم القعود.\nولقد أخرج الحافظ أبو نعيم الأصفهاني من طريق محمد بن إسحاق السراج ثنا محمد بن الصباح أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة يوم الجمل: اللهم! إن كنا هادنًا في أمر عثمان ﵁ وإنا لا نجد من الممانعة اللهم فخذ لعثمان مني حتى يرضى. (كتاب الإمامة ٣٢٧ / ح ١٣٤).\nقلنا: وهؤلاء الرواة ثقات والله تعالى أعلم.\n٤ - كانت السيدة عائشة ﵂ والزبير وطلحة ﵄ ينوون الإصلاح بين الناس، وكان اعتقادهم الراجح أن الناس يستحون من منزلة أم المؤمنين فيهدؤون =","vol":"3","page":390},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا يتنازعون والفتنة كانت على أوجها بين أهل البصرة كما تصف الرواية الصحيحة الإسناد عند خليفة بن خياط في تأريخه (١٨٢) عن أبي رجاء العطاردي: أتيت طلحة بن عبيد الله وقد غش ٤ يه الناس وهو على دابته فجعل يقول: يا أيها الناس أتنصتون؟ فجعلوا يركبونه ولا ينصتون فقال: أف أف فراش نار وذبان طمع.\nوكانت السيدة عائشة ترى أنها بمنزلتها في قلوب المسلمين فهي أمهم بنص كتاب الله كما في (مغازي الزهري / ١٥٤) أن عائشة ﵂ قالت: إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا. ويؤيد رواية الزهري هذه ما ذكرنا من رواية أحمد الصحيحة من أن الزبير حثّها على عدم الرجوع عسى أن يراها الناس فيصلح الله بها بينهم.\n٥ - كان خروج سيدنا علي ﵁ قاصدًا الكوفة ولكن عند وصوله إلى ذي قار علم بالاضطراب الشديد الحاصل في البصرة كما وصفت رواية خليفة السابقة، وخشي أمير المؤمنين على أن تحدث فتنة أعظم من الفتنة في عهد سيدنا عثمان فقصد البصرة من ذي قار ومعه أهل الكوفة، والروايات الصحيحة تؤكد أن الطرفين كانا حريصين كلّ الحرص على تجنب القتال وحلّ المسألة سلميًّا، ولكن قتلة عثمان ومثيري الفتنة كالسبئية وغيرهم لم يرق لهم الصلح فحرّضوا بين الطرفين وهكذا اشتعل القتال كما تؤكد المصادر التأريخية الموثوقة ومع ذلك بقي أعيان الصحابة وعلى رأسهم علي وطلحة والزبير وعائشة موقف المدافع قدر الاستطاعة خشية إراقة المزيد من الدماء، ولذلك قال ابن تيمية ﵀: (ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر، فأثاروا الفتنة، وبدؤوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير وقالوا لعلي: إنهم حملوا قبل ذلك، فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفاعًا عن نفسه، ولم يكن لعلي ولا طلحة والزبير غرض في القتال أصلًا وإنما كان الثأر من قتلة عثمان) (منهاج السنة ٦/ ٤٦٦).\n٦ - ولم يكن أحد من الطرفين مدافعا عن قتلة عثمان أو صحبًا لهم وإنما كانا يدعوان على هؤلاء القتلة علمًا منهما بأنهما هم أساس الفتنة، كما أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٥) بسند صحيح عن محمد بن الحنفية قال: (بلغ عليًّا: أن عائشة تلعن قتلة عثمان في المربد، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال: وأنا ألعن قتلة عثمان لعنهم الله في السهل والجبل. قال مرتين، أو ثلاثًا).\n٧ - لم يكن لأحد من الطرفين من الصحابة رغبة في القتال وأثناء المعركة كان أحدهم يتمنى أن يقتل مظلومًا، وبعد انتهاء المعركة القصيرة التي دامت لفترة ما بين الظهر وغروب الشمس تألم الطرفان ألمًا شديدًا، فالقتال لم يكن هدفهم وإنما الصلح كان هدف الطرفين وما كان بحسبان الطرفين أن الأمر سيصل إلى القتال ولكن مثيري الفتنة أشعلوا القتال بين الطرفين فقتل من قتل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. =","vol":"3","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة بسند صحيح (٢/ ٥٨٩) عن قيس بن عباد ﵃ قال: قال علي ﵁ لابنه الحسن يوم الجمل: يا حسن ليت أباك مات من عشرين سنة، قال فقال له الحسن: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني لم أو الأمر يبلغ هذا.\nوأخرجه كذلك ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٨٢) وجوّد الهيثمي إسناده (المجمع ٩/ ١٥٠) أي أنه لم يكن يظن أن الأمر يصل إلى درجة القتال واقعًا بين الطرفين.\nوكذلك بالنسبة للطرف الآخر فقد أخرج البزار في البحر الزخار (٣/ ١٩٠) وأحمد في (المسند ١/ ١٦٥) عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: قلنا للزبير -يعني في قصة الجمل-: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل -يعني: عثمان- بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه -يعني: بالبصرة- فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله - ﷺ - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (لم نكن نحسب أنّا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت). وكذلك أخرج الطبري في تفسيره (٩/ ٢١٨) عن الحسن البصري قال: (قال الزبير: لقد خوفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله - ﷺ - وما ظننا أن خصصنا بها).\nوهاتان الروايتان تبين لنا أمرين: الأول: أن الزبير ﵁ لم يكن هدفه القتال حين خروجه صوب البصرة -والأمر الثاني: أن الزبير أكد أنه لم يكن من المجموعة (الخاصة) التي شاركت في فتنة عثمان وإنما كان من (العامة) الذين لم يظلموا سيدنا عثمان في حقيقة الأمر.\nالطابع الدفاعي للمعركة:\nبعد ما تبيّن لنا نوايا الطرفين وأنهما ما كانا يقصدان القتال، ولم يكونا يتوقعان ذلك يومًا من الأيام نقول:\nلعلّ أحد المبتدعة يقول فلماذا إذًا تقاتلوا؟ فنقول وبالله التوفيق: إن قيادة الجيشين من الصحابة ومن معهم من التابعين كانوا يتحاشون القتال قدر المستطاع ولكن مثيري الفتنة، والسبئية، وقتلة عثمان حرّشوا بين الصفين وحملوا عليهما فبدأ القتال الذي لم يتمناه علي ولا طلحة ولا الزبير ولا عائشة، وحتى الذين كانوا مع السيدة عائشة ﵂ قاتلوا دفاعًا عنها لأنها أم المؤمنين وبقية مما ترك رسول الله - ﷺ -.\nوالحديث الذي أخرجه الطبري في تأريخه خير دليل على كلامنا هذا؛ فقد أخرج (٤/ ٥٠٣) عن حجير بن ربيع (وهو تابعي جليل) أنه قال: قال لي عمران بن حصين سر إلى قومك أجمع ما يكونون فقم فيهم قائمًا فقل: أرسلني إليكم عمران بن حصين صاحب رسول الله - ﷺ - يقرأ عليكم السلام ورحمة الله، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لأن يكون عبدًا حبشيًّا مجدَّعًا يرعى أعنزًا حضينات في رأس جبل حتى يدركه الموت أحبّ إليّ من أن يرمى بسهم واحد بين الفريقين؛ قال: فرفع شيوخ الحيّ رؤوسهم إليه، فقالوا: إنا لا ندع ثقل رسول الله - ﷺ - لشيء أبدًا. وإسناده حسن صحيح. =","vol":"3","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا يعني: أن قبيلة حجير بن ربيع لم يصبروا على أن يروا هودج أم المؤمنين يضرب بالنبال وهم ساكتون فأرادوا أن يدفعوا عنها وأقسموا على ذلك وإن كان ذلك غالي الثمن من حياتهم، فهي رخيصة عندهم دفاعًا عن زوجة رسول الله - ﷺ - في الدنيا والآخرة.\nولقد ذكرنا مرارًا في أماكن أخرى: أن سيدنا عليًّا ﵁ اتبع كل وسيلة لمنع حدوث القتال بين الصفين، وكذلك السيدة عائشة عندما أرسلت قاضي البصرة ودفعت إليه بمصحف فوقف بين الصفين ليوقف القتال ولكن جاء أجله فرحمه الله.\n٨ - ولم يتوانَ الطرفان في بذل كافة مساعيهم الحميدة لمنع حدوث المصيبة باقتتال المسلمين حتى قبل المعركة بلحظات لم يتوقف كل طرف من محاولة تهدئة الآخر خشية وقوع ما لا يحمد عقباه من الاقتتال، كما فعل أمير المؤمنين علي مع الزبير وطلحة وعائشة ﵃ ولم يمنعه منصبه كإمام عام للمسلمين أن يحاورهم بنفسه عسى أن يستنقذ ولو نفسًا واحدة من القتال؛ فيلقى الزبير ويحاوره ويستجيش في نفسه معاني الأخوة الإيمانية والسمع والطاعة فيقنع الزبير ويخرج من ساحة المعركة قبل بدء القتال. كما قال الحافظ ابن حجر: روى ابن أبي خيثمة في (تاريخه) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (إنا لمع علي لما التقى الصفان فقال: أين الزبير؟ فجاء فجعلنا ننظر إلى يد علي يشير بها، إذ ولّى الزبير قبل أن يقع القتال).\nوكما أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا علي بن عاصم عن حصين عن عمرو بن جأوان عن الأحنف قال: لما انحاز الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع (تاريخ خليفة / ١٨٦) ورجاله ثقات غير عمرو بن جأوان فقد وثقه ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة.\nوكذلك أخرج يعقوب بن سفيان في المعرفة والتأريخ (٣/ ٤٠١) من طريق عمرو بن جأوان قال: (فانطلق الزبير منصرفًا فقتله عمرو بن حرموز بوادي السياع) ... وحتى في لحظة الالتحام العصيبة لم يكلّ الطرفان عن محاولاتهم الإصلاحية السليمة ولما أن أيقن سيدنا علي: أن القتال واقع لا محاولة حاول أن لا يكون جيشه هو البادئ بالقتال فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٦) عن زيد بن وهب قال: (فكف علي يده حتى بدؤوه بالقتال) ... إلخ الخبر. وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ٦٢): وحتى في لحظة الالتحام العصيبة لا يكلّ الطرفان من حيث الجانب المقابل بالتوقف عند هذا الحد فقد أخرج يعقوب بن سفيان عن عمرو بن جأوان قال: (لما التقوا قام كعب بن سور ومعه المصحف ينشدهم الله والإسلام فلم ينشب أن قتل) (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣١٢). وأخرجه خليفة بن خياط موصولًا عن عمرو قال: سمعت الأحنف بن قيس (تأريخ خليفة / ١٨٥) كما سنذكر بعد قليل.\n٩ - كثرت الروايات الضعيفة في تحديد عدد الجيش الذي كان مع علي ﵁ ولكنّا وجدنا أصح رواية هي ما أخرجه الطبري (٤/ ٥٠٥) عن محمد بن الحنفية قال: أقبلنا من =","vol":"3","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المدينة بسبعمئة رجل، ورحل إلينا من الكوفة سبعة آلاف وانضم إلينا من حولنا ألفان أكثرهم بكر بن وائل. وإسناده حسن.\nووقعت المعركة بقدر الله دون أن يكون في حسبان علي، وعائشة، وطلحة، والزبير ﵃ أجمعين وكان وقت بدء المعركة بعد الظهر وانتهت قبل غروب الشمس فكانت معركة قصيرة. كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٦) عن زيد بن وهب قال: فكف علي يده حتى بدؤوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل أحد فقال علي: لا تتموا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن. وصحح الحافظ إسناده في الصحيح (١٣/ ٦٣).\n١٠ - وكان أول قتيل طلحة بن عبيد الله ﵁ كما أخرج خليفة بن خياط قال: فحدثنا علي بن عاصم قال: حدثنا حصين قال: حدثني عمرو بن جأوان قال: سمعت الأحنف بن قيس قال: لما التقوا كان أول قتيل طلحة بن عبيد الله، وخرج كعب بن سور من البصرة معه المصحف ناشره بين الصفين يناشد الناس في دمائهم فقتل وهو بتلك الحال (تأريخ خليفة / ١٨٥) ورجاله ثقات غير عمرو بن جأوان وثقه ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة.\nوكم كان عدد القتلى من الطرفين؟ نقول: بالغت الروايات التأريخية في عدد القتلى كما بالغت في عدد الجيشين ولقد ذكرنا أصح رواية في تعداد جيش علي ﵁ (٩٧٠٠ مقاتل) وأما عن القتلى فلم نجد رواية يحتج بها لتحديد العدد فكلها روايات ضعيفة أو ضعيفة جدًّا، إلا أن خليفة بن خياط ذكر أسماء القتلى فكانوا مئة ونرجح ألا يزيد العدد عن المئة بكثير نظرًا لقصر الفترة الزمنية التي استغرقتها المعركة فلم تدم إلا ساعات ما بين الظهر وغروب الشمس، وللأستاذ خالد الغيث تحليل نفيس يصل في نهايته إلى أن عدد القتلى كان ضئيلًا جدًّا لأسباب: منها تحرج كل فريق من القتال لما يعلمون من عظم حرمة الدم المسلم، وقياسًا بعدد شهداء المسلمين في معارك الفتوحات فكانت في اليرموك مثلًا ثلاثة آلاف شهيد وكانت في القادسية ثمانية آلاف وخمسمئة شهيد علمًا بأنها استمرت عدة أيام وأخذًا بعين الاعتبار شراسة معارك الفتوح وحدّتها أما هذه فكانت قصيرة، ويخلص في نهاية الأمر إلى أن قتلى معركة الجمل لا يتجاوز المئتين وهذا هو الرقم الذي ترجح عندي من خلال الحيثيات السابقة (استشهاد عثمان / ٢١٥ / بتصرف).\n١١ - وما هي إلا ساعات حتى انفض الجمع المقاتل ولم يبق حول هودج عائشة ﵂ أحد بحلول الغروب كما سبق.\nوحرصًا من أمير المؤمنين علي (وهو القائد المنتصر ميدانيًا) نقول: حرصًا منه على حقن دماء المسلمين أصدر أوامره بعدم ملاحقة المنسحبين من ساحة المعركة وعدم إيذاء الجرحى، =","vol":"3","page":394},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخير شهادة على ذلك من كان في الطرف الآخر (أصحاب عائشة، وطلحة، والزبير ﵃ أجمعين).\nفقد أخرج الشافعي في الأم (٤/ ٢١٦) عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال: ما رأيت أحدًا أكرم غلبة من أبيك -يعني: عليًّا- ما هو إلّا أن ولّينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر، ولا يذفف على جريح.\nوأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ١٨٦) خبرًا وفيه: (فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي: لا تتموا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن).\nوصحح ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ٦٢) وباعتقادنا أن هذه التعليمات التي أصدرها الخليفة الراشد كانت سببًا آخر من أسباب ضآلة القتلى، والله تعالى أعلم.\n١٢ - ونعود مرة أخرى لنثبت: أن الجمعين لم يكونا راغبين في القتال وإلّا قولوا لنا بربكم: ماذا يكون شعور القائد بعد أن تكون له الغلبة؟ يفرح، وينتشي، ولكن عليًّا كرّم الله وجهه يحزن حزنًا لا يقل عن حزن الطرف المقابل فيأتيه قاتل الزبير ﵁ عمرو بن جرموز ويتصور أن سيدنا علي سيقلده نوط شجاعة (كما يقال في عصرنا هذا) ولكن سيدنا عليّا يبشره بنار جهنم كما أخرج الترمذي في سننه (٥/ ٦٤٦) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٦٧) (بشر قاتل ابن صفية بالنار) (مرفوعًا). وصحح الحافظ إسناده في الفتح (٦/ ٢٦٤) وكما يقول ابن حجر: فقتله عمرو بن جرموز وجاء إلى علي متقربًا بذلك فبشره بالنار (الفتح ٧/ ١٠٢) ويكفي الزبير: أنه خرج من أرض المعركة قبل نشوبها وفرّ بدينه الذي كان أكبر همه كي لا يموت ظالمًا في الفتنة، وكانت أمنيته أن يموت مظلومًا عسى ألا يبوء بالإثم، كما أخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير (الفتح ٦/ ٢٦٢) قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه فقال: يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أر مظلوم وإني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا وإن أكبر همي لديني.\nونحن نقول (والله أعلم): ولعلّ الذين ماتوا ظالمين في هذه المعركة هم قتلة عثمان الذين حرّضوا على القتال والفتنة من السبئية أو غيرهم والله أعلم.\nولم يكن علي ﵁ حزينًا على الزبير فحسب الذي امتنع بكلامه وانسحب فقتل مظلومًا وهو ينجو بنفسه من الفتنة، نقول: بل كان حزينًا أيضًا على كل من قتل كما كان حريصًا على دم كل مقاتل من الطرفين وما أن وقف متأملًا ما آلت إليه المعركة بعد انجلاء غبارها.\nحدّث سليمان بن صرد قال: جئت إلى الحسن فقلت: اعذرني عند أمير المؤمنين حيث لم أحضر الوقعة -يعني: الجمل- فقال الحسن: ما يصنع بهذا؟ لقد رأيته يلوذ بي وهو يقول: (يا حسن ليتني متُّ قبل هذا بعشرين سنة) وقال البوصيري: رجاله ثقات (المطالب العالية ٤/ ٣٠٢) وعندما تفقد قتلى الجانبين بعد انتهاء المعركة وجد من بينهم كعب بن سور (قاضي =","vol":"3","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= البصرة والذي كان يدافع عن عائشة ويطلب الصلح معًا) يقول: عندما رأى علي ﵁ جثته قال: والله إنك -ما علمت- كنت لصليبًا في الحق قاضيًا بالعدل وكيت وكيت فأثنى عليه. (الطبري ٤/ ٥٢٨) قسم الصحيح.\nوكانت السيدة عائشة ﵂ كلما تذكرت المعركة تألمت، وكما أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤٢) كانت ﵂ إذا قرأت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ بكت حتى يبتلّ خمارها. وكما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨١) أنها قالت: وددت أني كنت غصنًا رطبًا ولم أسر مسيري هذا، وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٨) أنها ﵂ قالت: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي.\nوأخرج الذهبي من طريق ابن علية عن أبي سفيان بن العلاء المازني عن أبي عتيق قال: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرونيه فلما مر قيل لها: هذا ابن عمر، قالت: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلًا قد غلب عليك وظننت أنك لا تخالفيه (يعني: ابن الزبير) قالت: أما أنك لو نهيتني ما خرجت (تعني: مسيرها في فتنة يوم الجمل).\n١٣ - وفي خضم المعركة تنخلع قلوب المؤمنين لهودج أم المؤمنين زوجة رسول الله - ﷺ - ويخشون أن يقتلها من لا يعرف قدر أم المؤمنين عائشة من السبئيين وقتلة عثمان ومن اغترّ بهم من حديثي الإسلام ضعاف الإيمان، فيحوط الفرسان الشجعان بهودج أمهم ويمسكون بخطام الناقة ولا يهمهم أن يسقطوا صرعى دون أمّهم ﵂ وأرضاها وهذا أثناء المعركة، ولقد سبق أن تحدثنا عن هذا قبل قليل (الطبيعة الدفاعية للمعركة).\nوأما بعد انتهاء المعركة وسقوط المدافعين من حول الهودج وانقضاض البقية يأتي دور الطرف المقابل، فيسارعون إلى هودج أمهم بعد عقر الجمل إيذانًا بانتهاء المعركة، ولتطمئن أم المؤمنين، فليس الأعيان في الأبطال في الطرف الآخر بأقل حمية وغيرة ودفاعًا عن أمهم أم المؤمنين ﵂، ومع كل ما حصل لم يزد أصحاب علي على أن عاتبوها عتابًا نديًا، واعتذروا إن كان بدر من أحد المقاتلين (الذين لا يعرفون قدرها) كلامًا يسوؤها ويشترون لها ناقة ويرجعونها معززة مكرمة.\nفقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٨٥ / ح ١٩٦٧٧) عن عبد الرحمن بن أبزى حديثًا فيه: (انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال: يا أم المؤمنين! أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني؟ فقلت: الزم عليًّا، فسكتت. فقال: اعقروا الجمل فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي، فأمر بها فأدخلت بيتًا) اهـ.\nوجوّد الحافظ إسناده (الفتح ١٣/ ٦١) وفي رواية الطبري التي ذكرنا في قسم الصحيح (٤/ ٥٣٧) ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أول من دخل، فسلّم عليها فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك منهما؟ قال: نعم ذاك =","vol":"3","page":396},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الذي قال (أعق أمٍّ نعلمُ) وكذب والله! إنك لأبرُّ أمٍّ نعلمُ ... الخبر.\nوكما تذكرت السيدة عائشة وهي في خضم الأحداث قول الرسول الحبيب - ﷺ -: \"كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب\" فتنوي الرجوع من لحظتها، وكذلك سيدنا علي ﵁ يرجع أم المؤمنين إلى مأمنها في المدينة وهو يتمثل أمر رسول الله - ﷺ - كما أخرج البزار (كشف الأستار ٤/ ٩٣) وأحمد (٦/ ٣٩٣) عن أبي رافع ﵁ قال لعلي بن أبي طالب: \"سيكون بينك وبين عائشة أمر\". قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: \"لا ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها\". وحسّن الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٦٢).\nوماذا عن عمّار بن ياسر ﵁؟ والذي كان من أوائل أصحاب علي ﵁ والمدافعين عن موقف أمير المؤمنين ماذا يقول للسيدة عائشة التي وقفت في الطرف المقابل: أخرج الطبري في تأريخه (٤/ ٤٤٥) عن أبي يزيد المديني أنه قال: قال عمَّار بن ياسر لعائشة ﵂حين فرغ القوم-: يا أم المؤمنين ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد إليك! قالت: أبو اليقظان! قال: نعم، قالت: والله إنك ما علمت قوّال بالحق، قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك. وصحح الحافظ ابن حجر إسناده في الفتح (١٣/ ٦٣) ولفظه في الفتح [ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾].\nسبحان الله مع كلّ ما لحق بها وبأصحابها من أذى لا يمنعها من الإقرار بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه.\nوأخيرًا نقول: هكذا تصور لنا الروايات الصحيحة التأريخ الإسلامي العظيم فماذا يقول أعداء هذا التأريخ؟ ! هذا ما سنبحثه مختصرًا في الأسطر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>ردّ شبهات بروكلمان حول معركة الجمل</span>\nلقد ذكرنا قبل قليل ما بينت الروايات الصحيحة من معالم معركة الجمل وكيف: أن هذه الروايات الصحيحة تؤكد عدالة الصحابة وصدقهم على ما عاهدوا عليه، وتحرّيهم الأفضل والأولى وإن كلفهم ذلك غاليًا. وأظن أن الذي (يراجع خاتمة المطاف فيما ورد في معركة الجمل) ينشرح صدره لما يقرأ من تأريخ الخلافة الراشدة وسيرة الصحابة الأجلّاء ﵃.\nولكن من يقرأ كتابات المستشرقين ومن تبعهم من المتغرّبين يسمع العجب العجاب، وكعادتهم فإن المستشرقين يعتمدون كثيرًا على الروايات المكذوبة أو الضعيفة جدًّا ليطعنوا في تأريخ الخلافة الراشدة، وأحيانًا يختلقون أمورًا وتفاصيل لم نجدها حتى في الروايات الضعيفة، ولا نريد أن نطيل أكثر، وسنقتصر على مقاطع من كتاب تأريخ الشعوب الإسلامية للمستشرق الألماني المعروف بروكلمان، فكتاباته ليست عنّا ببعيد:\n١ - يقول بروكلمان: (ولم يكن لعلي جيش في المدينة (يثرب) ومن هنا تعين عليه أن يغادرها =","vol":"3","page":397},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أيضًا ففي تشرين الأول سنة ٦٥٦ سار إلى العراق يصحبه مئة رجل تقريبًا) (تأريخ الشعوب الإسلامية ١١٦).\nوللرد على هذه الفرية والتزييف نقول للمعجبين بآراء بروكلمان: أما قول بروكلمان لم يكن لعلي جيش في المدينة، ومن هنا تعين عليه أن يغادرها. فباطل لا أساس له وإجماع أهل المدينة على بيعته وبضمنهم طلحة والزبير خير دليل على كثرة جيوشه وأتباعه وأعوانه.\nولا أدري لماذا حاول بروكلمان وأمثاله أن يقلبوا الحقائق ويجعلوا من المفخرة شبهة ... إن الناقد المنصف يعلم جيدًا أن سيدنا عليًّا بخروجه من المدينة المنورة وتوجهه نحو العراق يكون معرضًا أكثر لمن يتربص به من السبئية ومثيري الفتنة ومن حولهم، ولكنه يفعل ذلك حفاظًا على أمن الخلافة الإسلامية فينتقل بالعاصمة إلى الكوفة ذلك البلد الذي لم يمض على تمصيره عشر سنوات ومعظم أهله من قبائل اليمن لا الحجاز وهو يعلم أن ذلك سيكلفه غاليًا، ولكن ماذا نقول لمن لبس نظارة سوداء فلمح الصفحات البيضاء من تأريخ الخلافة الراشدة وكأنها سوداء؟ إلا أنه الحقد على الإسلام والجهل بحقائقه. وحتى ندعم كلامنا بالرواية نقول: أخرج أحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٦٩٤) عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى ينبع عائدًا لعلي بن أبي طالب فقال له: يا أبا الحسن! ما يقيمك بهذا البلد إن أصابك أجلك لم يلك إلّا أعراب جهينة، فلو احتملت إلى المدينة فأصابك أجلك وليك أصحابك فصلّوا عليك، فقال: يا أبا فضالة! إن رسول الله - ﷺ - عهد إليّ أن لا أموت حتى أوقر ثم تُخضب هذه -يعني: لحيته- من هذه -يعني ناصيته-) وحسَّن المحقق إسناده وأخرجه المحب الطبري (الرياض النضرة ٣/ ٢٢٨) فماذا يقول الأستاذ بروكلمان؟ !\nوأما قول (بروكلمان): ففي تشرين الأول سنة (٦٥٦) سار إلى العراق بصحبة مئة رجل تقريبًا ... فلا والله ما أنصف بل ظلم الحقيقة فجهلها أو تجاهلها. ولقد سبق أن ذكرنا رواية محمد بن الحنفية، وسنعيد ذكرها هنا دحضًا لهذا التزييف وهذا الحطّ من مكانة الخليفة الراشد الرابع ﵁ وأرضاه.\nفقد أخرج الطبري في تأريخه (٤/ ٥٠٥) عن محمد ابن الحنفية قال: أقبلنا من المدينة بسبعمئة رجل. وإسناده حسن فلا أدري ماذا فعل بروكلمان بـ (٦٠٠ رجل) حذفهم من العدد الأصلي (٧٠٠) ولم يذكر إلا مئة! ! وهكذا تثبت لنا نعمة الإسناد أنه ﵁ خرج من المدينة يصحبه سبعمئة رجل لا مئة والحمد لله أولًا وآخرًا.\nويقول بروكلمان واصفًا خروج الصحابي الجليل الزبير بن العوام من البصرة قائلًا: (وقُتِلَ فيما هو يفر). ويبدو أنه لا يفهم القيم التي آمن بها أولئك الرعيل الأول، فالزبير لم يفر وإنما اقتنع بكلام سيدنا علي، وخشي أن يكون آثمًا في خروجه وتبيّن له أن عليًّا على صوابٍ فانحاز وانصرف، ولو كان خروجه بعد المعركة لكان لقول بروكلمان احتمال ولو ضعيفًا، =","vol":"3","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر</span>\n٢٧٠ - قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمَة بن كُهَيل، عن كثير بن بَهْز الحضرميّ، قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكمَ إلا لله، فقام آخرُ فقال مِثلَ ذلك، ثم تَوالى عدّة رجال يحكّمون، فقال عليّ: الله أكبر؛ كلمة حقّ يلتمس بها باطل! أما إنّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمَه، ولا نمنعكم الفيءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا؛ ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (١). (٥: ٧٣).\n_________\n= ولكن الرواية التي ذكرنا في قسم الصحيح بينت أنه ﵁ انصرف قبل وقوع المعركة فهل هذا الفرار جبنًا أم فرار بالدين يا بروكلمان؟ !\nويقول بروكلمان: (ولم يكادوا يبلغون البصرة حتى فتكوا غدرًا بأميرها الذي آثر أن ينتظر الأمر من علي على أن ينضم إليهم حتى إذا وقفوا إلى السيطرة على المدينة [البصرة] نشب الخلاف بين طلحة والزبير) (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٥).\nويا عجبًا لبروكلمان كيف يقلب الحقائق؟ ! ويا ليته اعتمد على الروايات الضعيفة، فإنها لم تذكر أن طلحة والزبير ﵄ فتكا بأمير البصرة غدرًا، فالرواية التي رواها التالف الهالك أبو مخنف ذكرت أنهم أرادوا أن يقتلوه ولكن لم يفعلوا، والرواية الضعيفة الثانية وهي رواية سيف تذكر أنهم نتفوا لحيته فبلغ الأمر للسيدة عائشة فأمرت بإطلاق سراحه، والرواية الأصح من هاتين تذكر أن أصحاب الزبير وطلحة أوقفوا أمير البصرة ليس إلّا، فمن أين جاء هذا الزعم بأنهم قتلوه؟ لا ندري! !\nوأما قول بروكلمان: (حتى إذا وقفوا إلى السيطرة على المدينة) فغير صحيح كما تبيّن لنا من الروايات الصحيحة، بل لم يتحقق أملهم في استتباب الأمن في البصرة، وكان أهل البصرة انقسموا إلى مؤيد للخليفة، أو مؤيد للمطالبين بدم عثمان، أو معتزل الموقف لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.\nوأما قوله: (نشب الخلاف بين طلحة والزبير) فهذا أمر ذكرته الروايات الضعيفة التي رواها مجهول الحال شعيب عن شيخه الضعيف سيف، ولم ترد رواية صحيحة (فيما نعلم) لإثبات ما يقوله بروكلمان.\nوالحمد لله على نعمة الإسناد.\n(١) في إسناده أبو مخنف وهو هالك، ولكن لمتنه ما يشهد له فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه =","vol":"3","page":399},{"text":"٢٧١ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن سَميع الحنفي؛ عن أبي رَزين، قال: لما وقع التحكيم ورجع عليّ من صفين رجعوا مُباينين له، فلمّا انتهوْا إلى النَّهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحَرُوراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئًا، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رجعتَ لهم عن كُفرك. فخطب النَّاس في صلاة الظهر، فذكر أمرَهم فعابه؛ فوثبوا من نواحِي المسجد يقولون: لا حُكمَ إلا لله. واستقبله رجل منهم. واضع إصبعيه فِي أذنيه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ فقال عليّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (١). (٥/ ٧٣ / ٧٤).\n٢٧٢ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثَ بن أبي سُليم يذكر عن أصحابه، قال: جعل عليّ يقلّب يديه يقول يديه هكذا وهو على المنبر، فقال: حُكْمُ الله ﷿ يُنتَظر فيكم مرّتين، إنّ لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتِلونا (٢). (٥: ٧٤).\n٢٧٣ - حدّثني يعقوب، قال: حدّثني إسماعيل، قال: أخبرَنا أيُّوب عن حُميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ذَعِرًا يجرّ رداءه، فقالوا: لم تُرَعْ؟ فقال: والله لقد ذَعَرْتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خبّاب\n_________\n= (١٥/ ٣٢٧) عن كثير بن نمير قال: بينا أنا في الجمعة وعلي بن أبي طالب على المنبر إذ جاء رجل فقال: لا حكم إلا لله، ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله ثم قاموا من نواحي المسجد يحكمون الله فأشار عليهم بيده: اجلسوا نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغى بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، الآن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا ثم أخذ في خطبته. وإسناده حسن.\n(١) إسناده حسن فقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي رزين في مصنفه (١٥/ ٣١٣) ولفظه: (ولما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء ... الخبر).\n(٢) انظر الرواية السابقة والتي قبلها.","vol":"3","page":400},{"text":"صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم؛ قالوا: فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدِّث به عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر فتنةً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبدَ الله المقتول -قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: \"ولا تكن يا عبد الله القاتل\"- قال: نعم؛ قال: فقدّموه على ضِفّة النهر، فضربوا عنقَه، فسال دمُه كأنه شِراكُ نعل، وبَقَروا بطنَ أمّ ولده عمّا في بطنها (١). (٥: ٨١).\n٢٧٤ - قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حُميد بن هلال: إنّ الخارجة التي أقبلتْ من البصرة جاءت حتى دنتْ من إخوانها بالنَّهر، فخرجتْ عِصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهدّدوه وأفزعوه، وقالوا له: مَن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خبّاب صاحبُ رسول الله - ﷺ -، ثم أهَوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا رَوْع عليك! فحدِّثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبيّ - ﷺ -، لعلّ الله ينفعنا به! قال: حدّثني أبي، عن رسول الله - ﷺ -: \"أنّ فتنة تكون، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموتُ فيها بدنُه، يمسِي فيها مؤمنًا ويصبحُ فيها كافرًا، ويصبح فيها كافرًا ويمسِي فيها مؤمنًا\"، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، [فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثَنَى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمانَ في أوّل خلافته وفي آخرِها؟ قال: إنه كان محقًّا في أوّلها وفي آخرها؛ قالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشدّ تَوقِّيًا على دينه، وأنفَذُ بصيرةً. فقالوا: إنك تتّبع الهوى، وتُوالِي الرّجال على أسمائها لا على أفعالها]، والله لنقتلنّك قتِلة ما قتلناها أحدًا، فأخذوه فكَتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حُبلى مُتِمٌّ حتى نزلوا تحت نَخْل مَواقر، فسقطتْ منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلِّها، وبغير ثمن! فَلَفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير لأهل الذمّة فضربَه بسيفه، فقالوا: هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحبَ\n_________\n(١) إسناده حسن وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٣٢٣) عن أبي مجلز وعن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس (١٥/ ٣١٥) ونسبه الحافظ إلى يعقوب بن سفيان وصحح سنده (الفتح ١٢/ ٢٩٧).","vol":"3","page":401},{"text":"الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس، إني لَمُسلِم؛ ما أحدثتُ في الإسلام حَدَثًا، ولقد أمّنتموني، قلتم: لا رَوْع عليك! فجاؤوا به فأضجَعوه فذَبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبَلوا إلى المرأة، فقالت: إنّي إنما أنا امرأة، ألّا تتقون الله! فبَقَروا بطنَها، وقتَلوا ثلاثَ نسوةٍ من طيّئ، وقتلوا أمَّ سِنان الصيّداويّة، فبلغ ذلك عليًّا ومن معه من المسلمين مِن قتلهم عبد الله بن خبّاب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارثَ بن مرّة العبديّ ليأتيَهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتبَ به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليُسائلهم، فخرج القومُ إليه فقتلوه، وأتى الخبرُ أميرَ المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! عَلام تَدَع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالِنا! سِرْ بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سِرْنا إلى عدوّنا من أهل الشام. وقام إليه الأشعث بن قيس الكِنْديّ فكلّمه بمثل ذلك. وكان الناس يَرَوْن: أن الأشعث يَرَى رأيَهم لأنه كان يقول يومَ صِفيّن: أنصفنَا قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر عليًّا بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك، فنادى بالرحيل، وخرج فعَبَر الجسر فصلّى ركعتين بالقنطرة، ثم نزل ديرَ عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دَباها، ثم على شاطئ الفرات، فلقيَه في مسيره ذلك منجّم، أشار عليه بسير وقتٍ من النهار، وقال له: إن سرتَ في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرًّا شديدًا. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنَى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجِّم لقال الجهّال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجّم فظفر (١). (٥: ٨١/ ٨٢ / ٨٣).\n_________\n(١) في إسناده أبو مخنف وهو تالف إلا أن لمتنه ما يشهد له كما في الرواية السابقة وشواهدها الصحيحة والله أعلم.\nإلّا أن أبا مخنف زاد في تفاصيل الحادثة وتوحي روايته بأن الناس هم الذين حرّضوا سيدنا علي على قتالهم، ولعل ذلك حصل من الناس ولكن عليًّا أعزرهم قبل ذلك وأنذرهم بأنه لا يقاتلهم حتى يقاتلوا أو يحدثوا فسادًا فلما فعلوا كان من البديهي أن يقاتلهم، وهو أفقه من أتباعه فهو من كبار فقهاء الصحابة ومع ذلك فلا ضير في حث أتباعه له على قتال الخوارج =","vol":"3","page":402},{"text":"٢٧٥ - وممّا يصحِّحه أيضًا ما حدّثني به عُمارة الأسديّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نعيم، قال: حدّثني أبو مريم أن شَبَث بنَ رِبْعيّ وابن الكوّاء خرَجَا من الكُوفة إلى حَروراء، فأمر عليٌّ الناسَ أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم، فأرسل إليهم: بئسَ ما صنعتمْ حين تدخلون المسجدَ بسلاحكم! اذهَبوا إلى جبّانة مُراد حتى يأتيَكم أمري.\nقال أبو مريم: فانطلقْنا إلى جبانة مُراد فكنّا بها ساعة من نهار، ثم بلغَنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: ففلت: أنطلق أنا حتى أنظرَ إليهم، فانطلقت حتى أتخلّل صفوفَهم، حتى انتهيت إلى شَبَث بن رِبعيّ وابن الكوّاء وهما واقفان متورّكان على دابّتيهما، وعندهما رسل عليٍّ وهم يناشدونَهما الله لمّا رجعا بالناس! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجَلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إلى بعض رسل عليّ فعقر دابته، فنزل الرجل وهو يسترجع، فحمل سرجَه، فانطلق به وهم يقولون: ما طلبُنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله، فمكثنا ساعة، ثم انصرفوا إلى الكُوفة كأنه يوم فِطْر أو أضحَى.\nقال: وكان عليٌّ يحدّثنا قبل ذلك: أنّ قومًا يَخرجون من الإسلام يَمرُقون\n_________\n= ففيهم من فقهاء الصحابة الكبار كعبد الله بن عباس حبر الأمة ﵃ أجمعين، وَكذلك زاد أبو مخنف في روايته: (فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام) فلم ترد عند ابن أبي شيبة ولا في رواية الطبري (٥/ ٨١). والذي يزيدنا شكًّا في هذه الزيادة: أن عليًّا ﵁ كان في هدنة مع معاوية ﵁ فلماذا هذا التذكير بجيش الشام في هذه المناسبة بالذات وتسميتهم بالعدو، ومن عادة أبي مخنف أن يكيل التهم في رواياته إلى جيش معاوية ويصفهم بأسوأ الألقاب، والأرجح أن عليًّا ﵁ كان يرغب في حقن دماء المسلمين فلما رضي الطرفان بتحكيم كتاب الله والهدنة اعتبر علي ﵁ توقف القتال وحقن دماء المسلمين فتحاكما عند ابن أبي شيبة، ورواية مسلم في صحيحه تؤكد ما رجحنا وخلاف ما جاء في رواية أبي مخنف (فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا بالشام) بينما رواية مسلم تؤكد: أن عليًّا هو الذي طلب منهم التوجه إلى قتال الخوارج بدلًا من التوجه إلى قتال الشام كما ذكرنا في قسم الصحيح عند سرد الروايات الواردة في قصة الخوارج، والله تعالى أعلم.\nوكان غير أبي مخنف يقول: كانت الوقعة بين عليّ وأهل النّهر سنة ثمان وثلاثين، وهذا القول عليه أكثرُ أهل السِّيَر.","vol":"3","page":403},{"text":"من الدين كما يَمرُق السهم من الرميّة، علامتهم رجل مخْدَج اليد. قال: وسمعتُ ذلك منه مرارًا كثيرة، قال: وسمعه نافع \"المخدج\" أيضًا حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلي في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل، وقد كنت كسوتُه بُرْنُسًا، فلقيته من الغد، فسألتُه: هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حَرُوراء؟ فقال: خرجت أريدُهم حتى إذا بلغت إلى بني سعد، لقيَني صِبيان فنزَعوا سلاحِي، وتلعّبوا بي، فرجعت حتى إذا كان الحوْل أو نحوه خرج أهل النّهر، وسار عليّ إليهم، فلم أخرج معه وخرج أخي أبو عبد الله. قال: فأخبرني أبو عبد الله: أن عليًّا سار إليهم حتى إذا كان حذاءَهم على شطّ النّهروان أرسل إليهم يناشدُهم اللهَ ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسُلُه تختلف إليهم، حتى قَتَلوا رسولَه، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتَلَهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدَج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجدهُ، حتى قال بعضهم: لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشّره وقال: يا أمير المؤمنين! قد وجدناه تحت قَتيلين في ساقِيَة. فقال: اقطَعوا يدَه المخدَجة، وائْتُوني بها، فلما أُتِي بها أخذَها ثم رَفَعها، وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذبتُ.\nقال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: \"فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه، خرج أهل النهر\": أنّ الحرب التي كانت بين عليّ وأهل حَرُوراء كانت في السنة التي بعد السنة التي كان فيها إنكار أهل حَروراءَ على عليّ التحكيم، وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبلُ، وإذا كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبي مريم، كان معلومًا أنّ الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين (١). (٥: ٩١/ ٩٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة سبع وثلاثين- عبيد الله بن عبّاس، وكان عامل عليٍّ على اليَمَن ومخاليفِها. وكان على مكة والطائف قُثَم بن العبّاس، وعلى المدينة سهل بن حُنَيف الأنصاريّ، وقيل: كان عليها تمّام بن العباس. وكان على البصرة عبد الله بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسود\n_________\n(١) إسناده حسن وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٢٥) والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":404},{"text":"الدُّؤَليّ، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلى خُراسانَ خليد بن قرّة اليربوعيّ.\n٢٧٦ - وقيل: إن عليًّا لما شخص إلى صِفِّين استَخلَف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ؛ حدّثني أحمد بن إبراهيم الدّوْرقيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريس، قال: سمعتُ ليثًا ذكر عن عبد العزيز بن رُفَيع: أنه لما خرج عليّ إلى صِفيّن استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ عقبة بن عمرو. وأمّا الشام فكان بها معاوية بن أبي سُفْيان (١). (٥: ٩٢/ ٩٣).\n_________\n(١) إسناده مرسل صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>الأخبار الصحاح في وقعة صفين والتحكيم ومسك الختام في ذلك</span>\nاعتمد الطبري في نقل هذه الوقائع على مرويات أبي مخنف وهي لا تصح ولا يحتج بها فقد قال فيه الدارقطني: بل الواقدي خير من ملء الأرض مثل هؤلاء (الرد على البكري / ١٨).\nوقال الجوزجاني: يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦) وقال الذهبي: إخباري تالف لا يوثق به (الميزان ٣/ ٢٩٩٢).\nوقال علي بن محمد الكناني (لوط بن يحيى: كذاب تالف) (تنزيه الشريعة ٩٨) وعلى الطبري اعتمد من جاء بعده (في وصف أحداث صفين) وهي روايات كاذبة تالفة مليئة بالأكاذيب والطعن في الصحابة. وأما كيل التهم والشتائم المتبادلة وتكفير الطرف المقابل فحدث ولا حرج، وأما ما صحّ عن وقعة صفين فقد جمعنا ما وجدناه في كتب الحديث والتأريخ وهي كما يلي:\n١ - كان سبب الخلاف الذي أدى إلى معركة صفين هي إصرار معاوية ﵁ ومن معه على ضرورة التعجل في القصاص من قتلة عثمان ﵁، وذلك ما كان يراه أمير المؤمنين علي ﵁ مثيرًا لفتنةٍ أخرى في ذلك الوقت الذي لم تستتب الأمور فيه بعد، ولم يكن السبب في هذه المعركة هو منافسة معاوية ﵁ لسيدنا علي على الخلافة بل كان يقرّ، ويعترف علنًا بأن علي أولى منه بهذا الأمر، كما أخرج شيخ البخاري يحيى بن سليمان الجعفي في كتاب (صفين) عن أبي مسلم الخولاني أنه (قال لمعاوية: أنت تنازع عليًّا في الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا. وإني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه؟ فائتوا عليًّا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليًّا فكلموه فلم يدفعهم إليه) (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) وجوّد الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٨٦).\n٢ - وأخرج ابن عساكر (تأريخ دمشق ١٦/ ٣٦٠ أ) والطبري (٦/ ١٦١) عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي: أنه قال: كان علي بالعراق يدعى أمير المؤمنين، وكان معاوية بالشام يدعى الأمير، فلما مات علي دعي معاوية بالشام أمير المؤمنين. وإسناده حسن، وهذه =","vol":"3","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشهادة من سعيد بن عبد العزيز تقطع الطريق على كل الروايات المكذوبة والتي رواها الهالك أبو مخنف وخاصة إذا علمنا: أن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أعلم الناس بأمر الشام (راجع تهذيب التهذيب ٤/ ٦٠) وهذا يؤكد إجماع الأمة على إمامة علي شاميهم وعراقيهم وحجازيهم، ولكن أهل الشام عاهدوا معاوية على الأخذ بحق الخليفة المظلوم عثمان ﵁ والقصاص من قتلته، ولم يكن يروه خليفة يومئذٍ، ولم يبايعوه بالخلافة ما زال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيًّا ﵁.\nوإذا كان ذلك كذلك فهذا من أدلة بطلان قصة التحكيم بين أبي موسى وعمرو بن العاص وأن أبا موسى خلع صاحبه علي وأما عمرو بن العاص فقد ثبت صاحبه معاوية، وذلك لأن أهل الشام كانوا يرون في معاوية أميرًا وأما علي فهو أمير المؤمنين وخليفتهم، فما الداعي إذًا إلى خلع علي وتثبيت معاوية الذي لم يبايع أصلًا في حياة علي كخليفة للمسلمين؟ وأما بقية الأدلة على بطلان رفع المصاحف في صفين وخلع علي وتثبيت معاوية فسنذكرها بعد قليل إن شاء الله.\n٣ - وبالمقابل فإن أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه لم يكن ليتهم معاوية في دينه (حاشاه) ولكن كان يرى في جيشه طائفة شقت عصا الطاعة وخرجت على الخليفة بغير حق، وكان ﵁ حريصًا على حقن دماء المسلمين في صفين، وكان يتمنى أن تراق هذه الدماء في ساحات أخرى؛ كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه في قصة الخوارج وحث علي لجنوده على قتالهم بعد أن قتلوا وأفسدوا، وفيه: (فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم! !) صحيح مسلم (٢/ ٧٤٨).\nوسنذكر الحديث بطوله إن شاء الله في قصة الخوارج.\n٤ - وكذلك كان رأي أعيان الصحابة في صف علي ﵁ ومن أشهرهم: عمار بن ياسر الذي وردت في حقه روايات كثيرة ورأيه من رأي سيدنا علي ﵁ وإلّا لما قاتل معه. وقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٩٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ٢٩٧) وأحمد في المسند (٤/ ٣١٩) حديثًا عن عمار ﵁ وأرضاه، وفيه: (لا تقولوا: كفر أهل الشام، ولكن قولوا: فسقوا، وظلموا).\nوهذا كان رأي عمار حتى استشهد ﵁، فهو كان يرى في الجيش المقابل طائفة بغت على خليفة المسلمين وخرجت عليه فارتكبت بذلك فسقًا وظلمًا، وهذا هو معنى الضلالة التي قالها عمار في حق جيش أهل الشام. كما أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٩٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ٢٩٧) وأحمد في المسند (٤/ ٣١٩) عن عمار ﵁ أنه قال: (والذي نفسي بيده لو ضربنا حتى يبلغوا شعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة) واللفظ لأحمد، ولفظ ابن أبي شيبة (مصلحتنا)، ولفظ الحاكم (صاحبنا) وقوله: (أنهم على الضلالة) أي بخروجهم على الإمام الأعظم =","vol":"3","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (الخليفة) وعدم دخولهم في طاعته، ففسقوا بذلك كما قال عمار (ولكن قولوا فسقوا وظلموا)، وخروجهم هذا هو البغي المقصود في حديث رسول الله - ﷺ - لعمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) فتح الباري (١/ ٦٤٢) و(٦/ ٣٦).\n٥ - وكان في جيش علي كبار الصحابة من البدريين وأهل بيعة الرضوان كما أخرج خليفة بن خياط: حدثنا أبو غسان قال: نا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن جعفر -أظنه ابن أبي المغيرة- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: شهدنا مع علي ثمانمئة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منا ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر (تأريخ خليفة / ١٩٦).\nوإسناده حسن، ونسب الشيخ العربي التباني إلى يحيى بن سليمان الجعفي: أنه أخرج بسند جيد في كتابه (صفين) أنه شهد مع علي تسعون بدريًا.\n٦ - أما عن تفاصيل المعركة وأمراء الأجناد وحملة الألوية في الجيشين فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٢) من حديث حجر بن عنبس: (قيل لعلي يوم صفين: قد حيل بيننا وبين الماء قال: أرسلوا إلى الأشعث فجاء فقال: ائتوني بدرع ابن سهر - رجل من بني براء - فصبها عليه ثم أتاهم فقاتلهم حتى أزالهم عن الماء) وإسناده حسن. وأخرجه خليفة بن خياط ثنا أبو نعيم قال: نا موسى بن قيس قال: سمعت حجر بن عنبس قال: حيل بين علي والماء، فقال: أرسلوا إلى الأشعث بن قيس فأزالهم عن الماء، ثم التقى الناس يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين، ولواء علي مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وفي ميسرة علي ربيعة وعليهم ابن عباس وفي ميمنته على أهل اليمن عليهم الأشعث بن قيس وعلي في القلب في مضر البصرة والكوفة.\nولواء معاوية مع المخارق بن الصباح الكلاعي وفي ميسرة معاوية مضر عليهم ذو الكلاع وفي ميمنته أهل اليمن ومعاوية في الشهباء أصحاب البيض والدروع (تأريخ خليفة / ١٩٣).\nولم نجد رواية أخرى صحيحة تتحدث عن تفاصيل أخرى، وكلّ ما ورد في مرويات أبي مخنف التالفة لم تؤيدها ولا رواية صحيحة، والله تعالى أعلم.\n٧ - قلنا فيما مضى: إن عليًّا ﵁ كان حريصًا على حقن ما أمكن من دماء المسلمين في وقعة الجمل، وهكذا كانت سياسته في صفين فالاقتتال بين طائفتين من المسلمين بغت إحداهما (أهل الشام) على الأخرى (جيش أمير المؤمنين) فواجب الإمام علي أن يرجع هؤلاء إلى السمع والطاعة وكفى، وهمه أن يبلغ ذلك الهدف بأقل دمٍ مراق ولذلك كانت سياسة سيدنا علي في معركة صفين ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٥) والبيهقي في السنن (٨/ ١٨٢) عن أبي أمامة قال: (شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يطلبون موليًا ولا يسلبون قتيلًا). وإسناده صحيح (إرواء الغليل ٨/ ١١٤).\nفبالله عليكم هل شهد التأريخ البشري عدالة ورحمة مثل هذه الوقعة الراشدية؟ ! إن =","vol":"3","page":407},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحكومات في عصرنا هذا (الديمقراطية والسلام والمدنية كما يقولون) نقول: إن الحكومات سواء كانت شرعية أم لا لا تتوانى عن سحق معارضيها ولا تتلكأ لحظة واحدة في إبادتهم عن بكرة أبيهم، وما إبادة الملابين في الاتحاد السوفييتي عنا ببعيد، وما مجازر دكتاتور تشيلي عنا ببعيد، وما مجزرة الجيش الصيني في ساحة الحرية عنا ببعيد عندما داست الدبابات مئات الطلاب العزل، وما مجازر الصرب عنا ببعيد، وما المجازر التي تقوم بها الأقليات القبلية الحاكمة في أفريقية وغيرها ضد المعارضة ببعيد، فهل سمعنا أحدًا من هؤلاء أمر أتباعه بان لا يجهزوا على جريح ولا يطلبون موليًا ولا يسلبون قتيلًا، وأي دستور وضعي يقول: إذا رجعت الفئة الباغية إلى السمع والطاعة فهي معِ غيرها إخوة، والإمام علي كان يعمل بقول الله تعالى في حكم الطائفة الباغية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾.\n٨ - وأما عن عدد القتلى في وقعة صفين فقد بالغت الروايات الضعيفة والمنكرة في عددها مبالغة كبيرة كما بالغت في عدد القتلى في وقعة الجمل، ولم ترد غير رواية صحيحة واحدة تتحدث عن القتلى من الصحابة الذين كانوا في جيش علي ﵁، وقد ذكرناها آنفًا من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال: شهدنا مع علي ثمانمئة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منا ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر (تأريخ خليفة / ١٩٦) وإسناده حسن، أما سوى ذلك فلم نجد رواية صحيحة فيها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>ما صحّ في مسألة التحكيم</span>\nأما تحاكم كل من علي ومعاوية ﵄ إلى كتاب الله، ورضاهم بذلك؛ فصحيح، وأما رفع المصاحف على رؤوس الرماح؛ فلا يصح.\n٩ - فقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير ٦/ ٤٥) عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين. فقال (يعني رسول معاوية): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ فقال علي: نعم.\nوأخرج ابن أبي شيبة (١٥/ ٣١٨) وأحمد في المسند (٢٣/ ١٤٥ / بترتيب الساعاتي) عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل في مسجد أهله وفيه: (قال: كنا بصفين فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتلٍّ فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف وادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فقال علي: نعم وأنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله) وإسناده حسن صحيح. وكيف لا يقبل سيدنا علي بتحكيم كتاب الله ووقف القتاله وهو الحريص على حقن دماء المسلمين؛ ولذلك =","vol":"3","page":408},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رضي بذلك التحاكم وعدّه فتحًا كما في آخر رواية ابن أبي شيبة فقال علي -في صفين-: أيها الناس! إن هذا فتح.\nوهذا تكذيب لروايات أبي مخنف المفتراة التي تزعم: أن عليًّا أكره على قبول التحكيم وعلى هذه الروايات المختلفة اعتمد المستشرقون وغيرهم، وما دروا وما أدركوا نظرة سيدنا علي لطبيعة القتال في صفين وحرصه الشديد على حقن دماء المسلمين حتى ولو كلّفه ذلك حياته الخاصة، كما بينت رواية أخرى لابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٣) عن أبي صالح: أن عليًّا قال لأبي موسى: احكم ولو يحزّ عنقي ...\n١٠ - وقد راجت واشتهرت قصة لقاء أبي موسى وعمرو بن العاص ثم احتيال عمرو على أبي موسى الأشعري وانخداع أبي موسى وخلعه لصاحبه علي وتثبيت عمرو لصاحبه معاوية، وكل ذلك كذب مفترى لا أساس له من الصحة، ولقد نبه القاضي أبو بكر بن العربي على كذب من قال بهذه القصة وكذلك غيره، والعجيب: أن المستشرق الألماني المشهور بروكلمان والمعروف بتحريفه للتأريخ الإسلامي شكك في صحة هذه القصمة بينما يدندن حولها دعاة التغريب وأصحاب البدع، فقد قال بروكلمان في كتابه (تأريخ الشعوب الإسلامية / ١١٨): (ومع أن هذه الحادثة قد تكون وهمية).\nوقد ذكرنا الروايات التأريخية في ذلك وبيّنا ضعفها الشديد في قسم الضعيف فإذا كان ذلك غير صحيح وغير واقع، فما الذي جرى إذًا من الحوار بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄؟ هذا ما سنبينه إن شاء الله الآن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>حقيقة ما دار بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في وقعة صفين</span>\n١١ - أخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٣/ ٢٦٢) والبخاري في التاريخ الكبير مختصرًا عن الحصين بن المنذر: أن معاوية أرسله إلى عمرو بن العاص فقال له: إنه بلغني عن عمرو بعض ما أكره، فائته فاسأله عن الأمر الذي اجتمع عمرو وأبو موسى فيه كيف صنعتما فيه؟ قال (أي: عمرو بن العاص): قد قال الناس، وقالوا، ولا والله ما كان ما قالوا، ولكن اجتمعت أنا وأبو موسى قلت له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى: أنه في النفر الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض. قال فقلت: أين تجعلني من هذا الأمر ومعاوية؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما) وقال المحقق (د. يحيى اليحيى): رجاله ثقات (مرويات أبي مخنف / ٤٠٨).\n١٢ - وهكذا فلا أصل لكون أبي موسى رجلًا ضعيفًا خُدعَ من قبل الداهية عمرو بن العاص الذي أخفى شيئًا وأعلن الآخر. فلا أبو موسى ضعيف ولا عمرو بن العاص مراوغ حاشاهما أن يكونا كذلك كما قال ابن العربي: وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا ثقفًا عالمًا حسبما بيناه في كتاب سراج المريدين: أرسله النبي - ﷺ - إلى اليمن مع معاذ وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم، =","vol":"3","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وزعمت الطائفة التأريخية الركيكة: أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه .. وهذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط وإنما هو شيء أخبر به المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع (العواصم / ١٧٧).\nقلنا: والذي يعرف سيرة عمرو بن العاص يتبين له كذب ما افتراه الرواة المبتدعة، والضعفاء، فقد أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٥٧) عن قبيصة بن جابر وهو الذي شهد الجمل مع علي: (قد صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أبين ولا أنصع رأيًا ولا أكرم جليسًا منه ولا أشبه سريرة بعلانية منه).\nوأخرج الترمذي في سننه (ح ٣٨٤٣): أن رسول الله - ﷺ - قال: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. وحسنه الألباني (٣/ ٢٣٦ / ح ٣٠٢٠) - هذه هي صورة الصحابي الجليل عمرو بن العاص في الحديث والتأريخ، فليخسأ المبتدعة الكذابون من أمثال أبي مخنف وغيره.\nوأما أبو موسى فلم يكن ضعيف الرأي ولا مغفلًا ولا جاهلًا حتى ينخدع بهذه السهولة ويخلع من عنقه بيعة خليفةٍ راشد أجمع أهل الحرمين والبدريون وأهل بيعة الرضوان على إمامته، كيف يفعل ذلك أبو موسى ويعرّض الأمة الإسلامية لخطر العيش بدون خليفة في ذلك الظرف الدقيق، إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يدفنوا جثمان حبيبهم - ﷺ - حتى اختاروا خليفته، فكيف يجازفون بخلع خليفة اختاروه عن رضا وهو من هو مكانة ومنزلة؟ ! وهل عرف المبتدعون علم أبي موسى حتى يفتروا عليه هذه الفرية، فقد روى الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٤٠) عن أبي البختري قال: أتينا عليًّا فسألناه عن أصحاب محمد - ﷺ - قال: عن أبيهم تسألوني؟ قلنا: أبو موسى. قال: صبغ في العلم صبغة).\nوأما عن فطنته وحكمته ورجاحة عقله (وهو قاض لرسول الله - ﷺ - على اليمن) فقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٤/ ١٠٨) عن أنس قال: بعثني الأشعري إلى عمر فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: يركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنه لكيّس ولا تسمعها إياه.\nوأخيرًا وليس آخرًا بالنسبة لما ذكره أبو مخنف في مروياته من اللعن بين علي ومعاوية فقد بحثنا فيما بين أيدينا من مراجع التاريخ وكتب الحديث فلم نجد رواية صحيحة ولا حسنة ولا مرسلة صحيحة تثبت: أن عليًّا ﵁ كان يلعن معاوية وأصحابه، ولا قنت معاوية على علي ولم يلعنه، ولم يأمر بذلك، فكل ذلك لم يصح كما قال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (٧/ ٢٨٤).\nوكيف يلعن الصحابة بعضهم بعضًا ورسول الله - ﷺ - يقول: (ليس المؤمن بطعان ولا بلعان) رواه الترمذي في السنن وصححه الألباني (٢/ ١٨٩ / ح ١١١٠) وقال ﵊: \"لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة\" (صحيح مسلم / كتاب البر والصلة والأدب / ١٦/ ١٤٩). فالروايات التي ذكرت أن عليًّا ومعاوية كانا يلعنان (أحدهما الآخر) =","vol":"3","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= منكرة سندًا ومتنًا، والحمد لله على نعمة الإسناد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>الخطبة الشافية حول حديث: (عمار تقتلك الفئة الباغية)</span>\nنسمع بين الحين والآخر أن أهل البدع يحتجون بهذا الحديث الصحيح على أن جيش معاوية ومن معه ﵃ خارجون عن الملّة والعياذ بالله، وأمثال هؤلاء كمثل الذي يقرأ قوله الله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ثم يسكت ولا يكمل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.\nوكما هو معلوم لدى فقهاء الأمة جميعًا: أن الحكم في المسألة المعينة لا يصدر إلّا بعد جمع جميع الأدلة وفهمها لنعلم العام من الخاص والمطلق من المقيد وما إلى ذلك، ولفهم هذا الحديث لا بدّ لنا أن نجمع ما ذكرناه متناثرًا في ثنايا هذا (الصحيح) فنقول وبالله التوفيق:\n١ - مما لا شك فيه: أن معاوية ﵁ ومن معه كعمرو بن العاص وغيرهم اجتهدوا فأخطؤوا، وكان خروجهم على سيدنا علي بغيًا ولكن هذا البغي لم يخرجهم من دائرة الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فالله سبحانه سمّى الفئة الباغية ضمن المؤمنين فلم يخرجهم بغيهم من دائرة الإسلام، وإنما أراد علي أن يصلح أول الأمر تطبيقًا للآية الكريمة وكذلك معاوية ﵄، ثم استخدم علي القتال حتى يدخلهم في طاعة أمير المؤمنين، وخروج جيش معاوية ﵁ على علي ظلم أراد عليًّا أن يمنعهم منه، وهذا قول عمار خير دليل على تكذيب أهل البدع والضلال؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٩٠) عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: لا تقولوا: كفر أهل الشام ولكن قولوا: فسقوا وظلموا.\nولعلّ بعض المبتدعة يقولون: ولكن عمارًا ﵁ أقسم بالله أن الصف الآخر على ضلالة فما قولكما؟ نقول وبالله التوفيق:\nأولًا: إن رواية ابن أبي شيبة السابقة تبيّن أن ضلالتهم هو ظلم أو فسق لأنهم خرجوا على الإمام الأعظم (الخليفة) وذلك نتيجة لاجتهادهم الخاطئ، ولو علموا في حينها أن اجتهادهم خاطئ لما أقدموا على القتال كما سنبين بعد قليل.\nثانيًا: إن عبارة (وأنهم على ضلالة) تفهم على حقيقتها إذا لم ندع الرواية بتراء؛ فتصام الرواية: (لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة) وهذا لفظ أحمد (المسند ٤/ ٣١٩) وفي لفظ آخر (لعرفت أن مُصْلحتنا) وهذا اللفظ لابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٧) وأما لفظ الحاكم (لعرفت أن صاحبنا) المستدرك (٣/ ٣٩٢) وهذا يعني أن عمارًا يعلم أن في الجيشين مصلحون وكذلك مفسدون؛ وهم مثيرو الفتنة من قتلة عثمان السبئية ومن تحولوا فيما بعد إلى الخوارج ولذلك نسب الحق إلى مصلحيهم.\n٢ - لم يكن أحد ممن مع سيدنا معاوية ﵁ يتمنى أن يكون في جيش يضم أفرادًا من =","vol":"3","page":411},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بينهم قتلة سيدنا عمار ﵁، ولمّا علم جيش معاوية بذلك تألم كثير منهم وتبيّن لهم خطأ اجتهادهم وتغيّر لون الصحابي الجليل عمرو بن العاص (كما في رواية) وفي رواية أنه نبّه معاوية إلى هذا الحادث الخطير، فأخذ سيدنا معاوية يبحث عن مبرر يدفع به عنه وعن جيشه إثم قتل عمار ﵁ حتى لا يكون من الفئة الباغية، وهذا جانب آخر من الجوانب الروحية أو المعنوية في التأريخ الإسلامي، فما خرج معاوية وعمرو إلّا بعد قناعتهما بصحة اجتهادهما في الخروج، وعندما تبيّن قتل عمار ﵁ دبّ الشك في صحة اجتهادهما (وهذا ما لا يفهمه المستشرقون أو لا يكادون يدركونه) فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٤٠ / ح ٢٠٤٢٧) عن معمر عن ابن طاووس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أخبره قال: لما قتل عمار بن ياسر، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار. وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تقتله الفئة الباغية، فقام عمرو يرجع فزعًا حتى دخل على معاوية فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال له: قتل عمار، فقال له معاوية: فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه تحت رماحنا أو قال بين سيوفنا.\nقلنا: وهذا إسناد صحيح. ونقول للمستشرقين: انظروا إلى قول الراوي (فقام عمرو فزعًا) فلو كان طالبًا للدنيا والملك فلماذا الفزع وقد قتل من الجيش المقابل علم من الأعلام؟ ألا إنه خشية الصحابة من أن يكونوا قد أخطؤوا في اجتهادهم فلم يكونوا بذلك مع الفرقة التي هي أقرب من الحق وأولى به (صف علي) وماذا يقول المبتدعة والمستشرقون في قول معاوية ومحاولة دفع تهمة القتل عن جيشه فهل كان معاوية حريصًا على قتله؟ وهذا الحديث الصحيح أخرجه كذلك الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق (٣/ ٣٨٦) وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة ووافقه الذهبي وأخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وفيها: (أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاؤوا به فألقوه بين رماحنا، قال: فتنادوا في عسكر معاوية إنما قتل عمارًا من جاء به) رواه الطبري وأحمد باختصار وأبو يعلى بنحو الطبراني والبزار بقوله: تقتل عمارا الفئة الباغية عن عبد الله بن عمر وحده، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٢٤١).\nقلنا: وكذلك أخرجه ابن سعد من وجه آخر وفيه: (فلما كان يوم صفين ذهبت انظر في القتلى فإذا عمار بن ياسر مقتول فقال هُني فجئت إلى عمرو بن العاص وهو على سريره فقلت: يا أبا عبد الله قال: ما تشاء؟ قلت: انظر أكلمك، فقام إليّ فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: تقتله الفئة الباغية، فقلت: هو ذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصرت به عيني مقتولًا، قال: فانطلق فأرنيه، فذهبت به فأوقفته عليه فساعة =","vol":"3","page":412},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رآه انتقع لونه) (الطبقات الكبرى ٣/ ٢٥٤) أي حينما رأى عمرو بن العاص جثمان عمار تغيّر لونه واصفر.\n٣ - ونقول لأهل البدع وأعداء التأريخ الإسلامي: وإذا لم يكفكم هذا فإليكم آخر: فكما أن عليًّا ﵁ تألم لمقتل الزبير الذي كان في الصف المقابل وعندما دخل قاتل الزبير بشره علي بنار جهنم (وذلك بعد انتهاء معركة الجمل)؛ فكذلك عمرو بن العاص عندما جاءه رجلان يدّعي كل منهما أنه قتل عمارًا ظنًّا منهما أن الصحابي الجليل عمرو بن العاص سيكافئهما، ولكن خاب ظنهما فما أن رآهما عمرو يختصمان حتى بشرهما بالنار، فقد أخرج الحاكم في مستدركه (٣/ ٣٨٦) حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا المعتمد بن سليمان عن أبيه عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو أن رجلين أتيا عمرو بن العاص يختصمان في دم عمار بن ياسر وسلبه، فقال عمرو بن العاص: يختصمان في دم عمار بن ياسر وسلبه، فقال عمرو: خفيا عنه فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (اللهم أولعت قريش بعمار إن قاتل عمار وسالبه في النار) قال الحاكم: وتفرّد به عبد الرحمن بن المبارك وهو ثقة مأمون عن معتمر عن أبيه، فإن كان محفوظًا فإنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n٤ - وأخيرًا وليس آخرًا وقطعًا لدابر الشك نذكّر القارئ الكريم بقول رسول الله - ﷺ - للحسن بن علي: \"إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٣٦١) وهذا دليل قطعي على أن الطرفين (وإن بغى أحدهما) لم يخرجا من دائرة الإسلام والإيمان بنص الكتاب والسنة.\n٥ - وأخيرًا وليس آخرًا فقد صح عن رسول الله - ﷺ - قوله: (تمرق مارقة عند فرقة من الناس تقتلهما أولى الطائفتين بالحق) صحيح مسلم (٧/ ١٦٧) وفي رواية أخرى: (تمرق مارقة من الناس يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق) صحيح مسلم (٧/ ١٦٨).\nوهذا يعني أن كل طائفة كانت على الحق إذا كان بمعنى الإسلام والتوحيد، ولكن إحداهما كانت أقرب إلى الحق بمعنى اتخاذ القرار الصائب شرعًا وهو ما كان عليه علي والمصلحون من أصحابه كما قال عمار، أما مثيرو الفننة والسبئية فليسوا منهم، ولم تمض فترة قليلة حتى كشف الله زيف كثير منهم فخرجوا على علي ﵁ فقاتلهم وانتصر عليهم، وهذا يعني أيضًا أن طائفة علي كانت أقرب إلى الحق بمعنى الصواب في اتباع أمير المؤمنين وعدم الخروج عليه، وكانت طائفة معاوية مخطئة في اجتهادها فلم تصب الصواب بخروجها على ولي الأمر الشرعي.\nولقد أدرك سيدنا معاوية بعد ذلك أنه أخطأ وكان جوابه لمن اعترض عليه (كالمسور بن مخرمة) بأنه أخطأ ولكنه يرجو ربًا غفورًا أن يغفر له ويعفو عنه، وكذلك ندم عمرو بن العاص ندمًا شديدًا وظل كذلك طوال حياته ولم يَنْسَ حتى وهو ينازع سكرات الموت فيثني على =","vol":"3","page":413},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عمار، وعلي ﵄، ومن معهما ﵃ أجمعين وغفر الله لنا ولهم والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>الأخبار الصحاح في قتال علي ﵁ للخوارج ومسك الختام في ذلك</span>\n١ - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يقسم قسمًا إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال: \"ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ ! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل\". فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: \"فدعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، وهو قدحه، فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد منه شيء قد سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة سن الناس\". قال أبو سعيد؟ فاشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله - ﷺ - وأشهد أن عليًّا بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس وأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي - ﷺ - الذي نعته) فتح الباري (٦/ ٧١٥، ١٣/ ٤٢٦). وأخرج البخاري عن أبي سلمة وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية أسمعت النبي - ﷺ -؟ قال: لا أدري ما الحرورية. سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"يخرج في هذه الأمة - ولم يتعل: منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم\". (فتح الباري ١٢/ ٢٩٥).\nوهذا من الإعجاز الذي أوتيه رسول الله - ﷺ - من ناحيتين، الأولى أنه - ﷺ - أخبر عن أوصافهم (الخوارج) والثانية: أخبر عن زمن ظهورهم (على حين فرقة من الناس).\n٢ - وأما سبب ظهور فرقة الخوارج وشقهم لجيش علي ﵁ فهو جهلهم بحقائق الأمور ومعاني الآيات القرآنية وضحالة فقههم وإدراكهم لمقاصد الشرع وأصول الدين.\nفقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٣٢٧) عن كثير بن نمير قال: بينا أنا في الجمعة وعلي بن أبي طالب على المنبر إذ جاء رجل فقال: لا حكم إلا لله ثم قام آخر فقال: لا حكم إلا لله ثم قاموا من نواحي المسجد يحكمون الله، فأشار عليهم بيده: اجلسوا نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يُبتغى بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، الآن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا، ثم أخذ في خطبته. وإسناده حسن والحديث أخرجه الطبري (٥/ ٧٣) من طريق أبي مخنف.\n٣ - أخرج الطبري (٥/ ٧٣) عن أبي رزين قال: لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين؛ =","vol":"3","page":414},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رجعوا مباينين له، فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل علي في الناس الكوفة، ونزلوا بحروراء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئًا، فخرج إليهم عليّ فكلمهم حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة فأتاه رجل فقال: إن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر، فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلّا لله، واستقبله رجل منهم واضع إصبعيه في أذنيه فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ اهـ.\nوإسناده حسن وأخرجه ابن أبي شيجة في مصنفه (١٥/ ٣١٣) ولفظه: (ولما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء ... الخبر).\n٤ - وأخرج الطبري (٥/ ٨١) من طريق أيوب عن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم قال: دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - ﷺ - ذَعِرًا يجرّ رداءه، فقالوا: لم تُرَع؟ فقال: والله لقد ذعرتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم. قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثًا يحدث به عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول - قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: (ولا تكن يا عبد الله القاتل) - قال: نعم، قال: فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عمّا في بطنها.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ٣٢٣) عن أبي مجلز وعن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس (١٥/ ٣١٠) وصحح الحافظ إسناده في الفتح ونسبه كذلك إلى يعقوب بن سفيان (الفتح ١٢/ ٢٩٧).\n٥ - أخرج الطبري (٥/ ٧٣) الخوارج، وابن أبي شيبة (١٥/ ٣١٢) عن أبي رزين قال: لما كانت الحكومة بصفين وباين الخوارج عليًّا رجعوا مباينين له وعلي في عسكره حتى دخل علي الكوفة مع الناس بعسكره، ومضوا هم إلى حروراء في عسكرهم، فبعث علي إليهم ابن عباس فكلمهم فلم يقع منهم موقعًا، فخرج علي إليهم فكلمهم حتى أجمعوا هم وعلي على الرضا. فرجعوا حتى دخلوا الكوفة على الرضا منه ومنهم، فأقاموا يومين أو نحوًا من ذلك قال: فدخل الأشعث بن قيس وكان يدخل على علي فقال: إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن كفرك، فلما أن كان الغد الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فخطب فذكرهم ومباينتهم الناس وأمرهم الذي فارقوه فيه، فعابهم وعاب أمرهم قال: فلما نزل علي عن المنبر تنادوا من نواحي المسجد لا حكم إلا لله فقال علي: حكم الله أنتظر فيكم، ثم قال بيده هكذا يسكتهم بالإشارة وهو على المنبر حتى أتى رجل منهم واضعًا أصبعيه في أذنيه وهو يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وفي الطبري بزيادة [قال علي: ﴿فَاصْبِرْ =","vol":"3","page":415},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾]، وإسناده حسن.\n٦ - أخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٢) عن عبد الله بن شداد (أن عليًّا لما بلغه ما عيبوا عليه وفارقوه عليه فأمر مؤذنًا فأذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا من قد حمل القرآن، فلما امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس! فناداه الناس يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق يتكلم بما رأينا منه فما يزيد؟ ! قال: أصحابكم أولئك الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله يقول الله في كتابه في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا﴾ فأمة محمد - ﷺ - أعظم حرمة أو ذمة من رجل وامرأة ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية. وكتب علي بن أبي طالب. وقد جاء سهيل بن عمرو فكتب رسول الله - ﷺ - بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله - ﷺ - فاكتب محمد رسول الله فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشًا ... الحديث) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى وإسناده ثقات (المجمع ٦/ ٢٣٧).\n٧ - وقد بذل سيدنا علي وأصحابه جهدًا كبيرًا لإقناع الخوارج بالرجوع إلى الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة نبيه وكان سيدنا علي يرسل ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن يجادلهم بالتي هي أحسن حتى رجع منهم أربعة آلاف (راجع المستدرك ٢/ ١٥٠، ومجمع الزوائد ٦/ ١٤١، وخصائص علي / ١٩٥).\n٨ - وأما الوقعة المشهورة التي وقعت بين الخوارج من جهة وبين علي بن أبي طالب ﵁ من جهة أخرى فهي التي وقعت عند (النهروان) ونصر الله فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقُتل فيها الخوارج شر قتلة، ولم يقتل من جيش علي إلا اثنان في أصح رواية - وظهرت أثناء المعركة معجزة أخرى من معجزات الرسول - ﷺ - فكبّر لها علي وقال: صدق الله وبلّغ رسوله.\nفقد أخرج النسائي في (خصائص علي / ١٩٠) عن زيد بن وهب أنهم قتلوا جميعًا في النهروان ا. هـ. وصحح الدكتور يحيى اليحيى إسناده والله أعلم.\n٩ - أخرج مسلم في صحيحه (٢/ ٧٤٨) عن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي ﵁ الذبن ساروا إلى الخوارج فقال علي ﵁: أيها الناس إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضيَ لهم على لسان نبيهم - ﷺ - لا تكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد وليس له ذراع =","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>الخريت بن راشد وإظهاره الخلاف على علي</span>\nوحجّ بالناس في هذه السنة قُثَم بن العبّاس من قِبَل عليّ - ﵇ - حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان قُثَم يومئذ عامِلَ عليّ على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن العباس، وعلى البصرة عبد الله بن العباس (١). (٥: ١٣٢).\n_________\n= على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على بركة الله، فقال سلمة بن كهيل: فنزَّلني زيد بن وهب منزلًا حتى قال: مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعوا فوحَّشوا برماحهم، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المُخْدَج فالتمسوه، فلم يجدوه فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض قال: أخِّروهم. فوجدوه مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلّغ رسوله قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين اللهَ الذي لا إله إلا هو! لسمعت هذا الحديث من رسول الله - ﷺ -؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو .. حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له.\n١٠ - أخرج الطبري في تأريخه (٥/ ٩١ - ٩٢) بإسناد حسن عن أبي مريم: (أن شبث بن ربعي وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء ... كان معلومًا أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين) ا. هـ (٥/ ٩٢).\nقلنا: وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٢٥) والله أعلم.\n١١ - وأما عن حكم علي بن أبي طالب في الخوارج وطبيعة تعامله معهم في ضوء السياسة الشرعية: فقد مرّ بنا أنه ﵁ عهد إليهم أن لا يمنعهم من المساجد ولا يمنعهم من الفيء إن هم شاركوا، ولا يبدؤهم بقتال حتى يسفكوا الدم ويفسدوا في الأرض. أما عن حكمه فيهم فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٣٢) عن طارق بن شهاب قال: كنت عند علي فسئل عن أهل (النهر) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلّا قليلًا، قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا. وإسناده حسن. والله تعالى أعلم.\n(١) صحيح.","vol":"3","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>ثم دخلت سنة أربعين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>ذكر الخبر عن مقتل عليِّ بن أَبي طالب</span>\n٢٧٧ - وفي هذه السنة قُتِل عليّ بن أبي طالب - ﵇ -، واختُلف في وقت قتلِه، فقال أبو معشر ما حدّثني به أحمد بن ثابت، قال: حُدّثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قُتل عليّ في شهر رمضانَ يوم الجمعة لسبعِ عشرة خلتْ منه سنة أربعين (١). (٥: ١٤٣).\n٢٧٨ - وحدّثني أبو زيد، قال: حدّثني أبو الحسن، قال: حدّثني أيوب بن عمر بن أبي عمرو، عن جعفر بن محمد، قال: قُتل عليٌّ وهو ابنُ ثلاث وستين سنة. قال: وذلك أصحّ ما قيل فيه (٢). (٥: ١٥١).\n٢٧٩ - حدّثني عمر، قال: حدَّثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ، قال: حدَّثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: قتل عليّ - ﵇ - وهو ابنُ ثلاث وستين سنة (٣). (٥: ١٥١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأخرج الطبراني في الكبير (١/ ٩٥ / ح ١٦٤) ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ثنا يحيى بن بكير قال: قتل علي بن أبي طالب يوم الجمعة يوم سبعة عشر من شهر رمضان سنة أربعين. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٦) وقال: رجاله ثقات. اهـ.\nواتفق المؤرخون على سنة استشهاده ﵁ في سنة (٤٠) هـ، وأما بالنسبة لتحديد اليوم فقد اختلفوا وخليفة بن خياط يرى أنه ﵁ قتل صبيحة يوم الجمعة. فيتفق ذلك مع أبي معشر (تأريخ خليفة / ١٩٨)، وأما ابن سعد فقد ذكر في طبقاته (٣/ ٣٧) أنه طعن يوم الجمعة ولكنه توفي ﵁ ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين. اهـ.\nوأغلب المؤرخين على أنه قتل ﵁ في شهر رمضان، وقال الحافظ ابن كثير: وحاصل الأمر أن عليًّا قتل يوم الجمعة سحرًا وذلك لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان من سنة أربعين (وقيل: قتل في ربيع الأول) والأول هو الأصح والأشهر والله أعلم (البداية والنهاية ٧/ ٣٤٣).\n(٢) هذا إسناد معضل ولكن له ما يشهد له وسنذكر ما ترجح لدينا بعد انتهائنا من سرد الروايات أي بعد (٥/ ١٥٢ / ٢٨٢).\n(٣) في إسناده الحماني وهو ضعيف وأخرجه ابن سعد قال أخبرنا الفضل بن دكين عن شريك عن أبي إسحاق قال: توفي علي وهو يومئذ ابن ثلاث وستين (الطبقات ٣/ ٣٨).\nقلنا: وشريك صدوق يخطئ كثيرًا. وانظر تعليقنا بعد (٥/ ١٥٢).","vol":"3","page":418},{"text":"وقال هشام: وليَ عليٌّ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنة وأشهر؛ وكانت خلافتُه خمسَ سنيِن إلا ثلاثة أشهر، ثم قَتَله ابن مُلجم -واسمهُ عبد الرحمن بن عمرو- في رمضان لسبع عشرة مضتْ منه، وكانت ولايتهُ أربعَ سنين وتسعة أشهر، وقُتل سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستّين سنة (١). (٥: ١٥١).\n٢٨٠ - وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد، عن محمّد بن عمر، قال: قُتل عليّ - ﵇ - وهو ابن ثلاث وستين سنة صبيحةَ ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضانَ سنة أربعين، ودُفن عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة (٢). (٥: ١٥١/ ١٥٢).\n٢٨١ - وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمرَ، قال: حدَّثنا عليّ بن عمر وأبو بكر السّبْريّ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعتُ محمد ابنَ الحنفيّة يقول: سنة الجحاف [حين] دخلت سنة إحدى وثمانين هذه ولي خمسٌ وستون سنة، قد جاوزتُ سنّ أبي؛ قيل: وكم كانت سنُّه يوم قُتِل؟ قال: قُتِل وهو ابن ثلاث وستين سنة (٣). (٥: ١٥٢).\n٢٨٢ - وقال الحارث: قال ابن سعد: قال محمد بن عمر كذلك، وهو الثَّبَت عندنا (٤). (٥: ١٥٢).\n_________\n(١) قلنا: ذكر الطبري هذا عن هشام بلا إسناد وما قاله هشام رجحه غير واحد من أئمة التأريخ كما سنذكر بعد قليل.\n(٢) في إسناده الواقدي ولكن ذهب إليه غير واحد من المؤرخين وقال ابن كثير وحاصل الأمر أن عليًّا قتل يوم الجمعة سحرًا وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين، و(قيل قتل في ربيع الأول) والأول هو الأصح الأشهر (البداية والنهاية ٧/ ٣٤٣).\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك وكذلك أخرجه الحاكم (٣/ ١٤٥) من طريق الواقدي وسكت عنه وقال الذهبي: فيه الواقدي.\n(٤) قلنا: ولقد ذكرنا الرواية (٥/ ١٥١ / ١٢١١) في قسم الضعيف وإسناده ضعيف جدًّا وفيه أن الحسن بن علي كان يقول: قتل أبي وهو ابن ثمان وخمسين سخة. وكذلك أخرج الطبراني في الكبير (١ / ح ١٦٦) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي علي وهو ابن ثمان وخمسين، وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٥) وقال: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه الحاكم (المستدرك ٣/ ١٤٤) وسكت عنه. وكذلك الذهبي. =","vol":"3","page":419},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه يعقوب بن سفيان كذلك وصحح عبد السلام علوش إسناده في تحقيقه للمستدرك (٤/ ١٢٣ / ح ٤٧٤٩).\nقلنا: وتصحيحه هذا فيه نظر وسكوت الحاكم والذهبي يشككنا في صحنه وعند البحث وجدنا أن محمد بن علي بن الحسين لم تصح روايته عن جده علي بن أبي طالب بل أرسله عنه وعن جديه الحسن والحسين كما قال العلائي: أرسل عن جديه الحسن والحسين وجده الأعلى علي - (جامع التحصيل / ت ٧٠٠).\nوقال ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٤٨): مات سنة أربع عشرة ومئة بالمدينة وكان له يوم مات ثلاث وستون سنة. اهـ.\nقلنا: إذا كان ذلك كذلك فإنه ولد بعد وفاة جده الحسن بن علي وتوفي جده الآخر (الحسين بن علي) وعمره يقرب من العاشرة، وحتى لو ثبت عنه أنه روى عن جده الحسين فقد أرسل في روايته هذه فالإسناد مرسل.\nوعقب الدكتور بشار على رواية لابن سعد في طبقاته (٥/ ٣٢٤) عن جعفر بن محمد قال: سمعت محمد بن علي يذاكر فاطمة بنت حسين شيئًا من صدقة النبي - ﷺ - فقال: هذه توفي لي ثمانيًا وخمسين ومات لها ا. هـ.\nقال بشار: إن صحت هذه الرواية فلا بد أن يكون مولده سنة ستين أو نحوها وعليه فلا يصح سماعه من الصحابة الذين ماتوا قبل سنة سبعين في الأقل.\nوقد أشار ابن حجر في التهذيب إلى نحو هذا الكلام وأسهب فيه (حاشية تهذيب الكمال ١٦/ ١٤١).\nقلنا: وعلى هذا فإسناد الحاكم غير متصل ولا يصح والله أعلم. وأما قول الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٥) عن رجال الطبراني: (ورجاله رجال الصحيح) فليس كذلك ففي سنده حسين بن زيد بن علي وهو ضعيف فقد ضعفه ابن المديني وابن معين وأبو حاتم ووثقه الدارقطني وحده (تحرير التقريب ١ / ت ١٣٢١).\nولقد أشار الشيخ حمدي السلفي في حاشية المعجم الكبير (١/ ٩٥ / ح ١٦٥) فقال: قال مجمع الزوائد (٩/ ١٤٥) ورجاله رجال الصحيح وكذا (١٦٦).\nقلنا: ولم نجد في (٩/ ١٤٥) ذكرًا للرواية (١/ ٩٥ / ١٦٥) ولا تعقيبًا على رجال سنده إلّا أن الرواية المذكورة في المجمع هي رواية (ابن ثمان وخمسون سنة) أي (١/ ٩٦ / ١٦٦ - الطبراني) والله أعلم.\nخلاصة القول: الروايات الواردة في تحديد سن سيدنا علي ﵁ كلها ضعيفة سواء التي حددتها بـ (٥٨) أو (٦٣) ولكن الروايات التي حددت عمره بـ (٦٣) وإن كانت ضعيفة وفي بعض الأحيان ضعيفة جدًّا إلا أنها من أوجه متعددة ولقد رجّح غير واحد من أئمة التأريخ أن عمره ﵁ (٦٣) سنة كما قال الحافظ ابن كثير: ودفن بالكوفة عن ثلاث وستين =","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>ذكر الخبر عن قدر مدّة خلافته</span>\n٢٨٣ - حدّثني أحمد بن ثابت، قال: حُدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعْشر، قال: كانت خلافةُ عليّ خمسَ سنين إلا ثلاثة أشهر (١). (٥: ١٥٢).\n٢٨٤ - وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد قال: قال محمّد بن عمر: كانت خلافة عليّ خمسَ سنين إلا ثلاثة أشهر (٢). (٥: ١٥٢).\n٢٨٥ - حدّثني أبو زيد، قال: قال أبو الحسن: كانت ولايةُ علي أربعَ سنين وتسعة أشهر، ويومًا أو غيرَ يوم (٣). (٥: ١٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>ذكر نسبه - ﵇ </span>-\n٢٨٦ - هو عليُّ بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبدُ مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (٤). (١٥٣: ٥).\n_________\n= سنة وصححه الواقدي وابن جرير وغير واحد (البداية والنهاية ٧/ ٣٤٣).\nوقال الحافظ الذهبي: قال أبو جعفر الباقر: قتل علي وهو ابن ثمان وخمسين وعنه رواية أخرى أنه عاش ثلاثًا وستين، وكذا روي عن ابن الحنفية وقال أبو إسحاق السبيعي وأبو بكر بن عياش، وينصر ذلك ما رواه ابن جريج عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب أنه أخبره أن عليًّا توفي لثلاث أو أربع وستين سنة (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ٦٥٢).\n(١) إسناده ضعيف وانظر تعليقنا بعد الرواية التالية.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٣) إسناده معضل وأما عن مدة خلافته فالأرجح أنها كانت أربع سنين وتسعة أشهر أي كما قال أبو معشر والواقدي خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وهذا ما يترجح إذا ما رجعنا إلى تأريخ بيعته أميرًا للمؤمنين بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁ في (١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ هـ).\nوقتل علي بن أبي طالب في (١٧ رمضان سنة ٤٠ هـ) والله أعلم وقال ابن كثير: (وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر) البداية والنهاية (٧/ ٤٤٣).\n(٤) وكذلك قال ابن سعد في طبقاته الكبرى (٣/ ١٩) وقال الحافظ في ترجمته: علي بن أبي طالب الهاشمي ﵁ ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن (الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٤٦٤ / ت ٥٧٠٤). =","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده</span>\n٢٨٦ / أ- فأوّل زوجةٍ تزوّجها فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، ولم يتزوّج عليها حتى توفِّيتْ عنده، وكان لها منه من الولد: الحسنُ والحسين، ويُذْكر أنه كان لها منه ابن آخر يسمى مُحْسِنًا توفي صغيرًا، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى.\nثم تزوّج بعدُ أمَّ البنين بنت حزام - وهو أبو المجْل بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب - فولد لها منه: العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، قُتِلوا مع الحسين - ﵇ - بكَرْبَلاء، ولا بقيّة لهم غير العباس.\nوتزوّج ليلى بنة مسعود بن خالد بن مالك بن رِبعيّ بن سَلْمى بن جَنْدل بن نَهشَل بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فولدتْ له عُبَيد الله، وأبا بكر، فزعم هشام بن محمد أنهما قُتِلا مع الحسين بالطَّفّ. وأما محمد بن عمرَ فإنه زعم أن عبيد الله بن عليّ قتله المختار بن أبي عُبيد بالمذار، وزعم أنه لا بقيّة لعبيد الله ولا لأبي بكر ابني عليّ - ﵇ -.\nوتزوّج أسماءَ بنة عُميس الخثعميَّة، فولدتْ له - فيما حُدّثت عن هشام بن محمد - يحيى ومحمدًا الأصغر، وقال: لا عَقِب لهما.\nوله من الصّهباء - وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بُجَير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عُتْبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غَنْم بن تغلب بن وائل، وهي أمّ ولد من السبي الذين أصابهم خالدُ بن الوليد حين أغار على عين التَّمْر علي بني تغلب بها-: عمر بن عليّ، ورقية بنة عليّ، فعُمِّر عمر بن عليّ حتى بلغ خمسًا وثمانين سنة، فحاز نصفَ ميراث عليّ ﵇، ومات بيَنْبع.\nوتزوج أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع بن عبد العُزّى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها زينب بنتُ رسول الله - ﷺ -، فولدت له محمدًا الأوسط.\n_________\n= وقال الذهبي: علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. أمير المؤمنين أبو الحسن القرشي، الهاشمي وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية (عهد الخلفاء الراشدين / ٦١٢).","vol":"3","page":422},{"text":"وله محمد بن علي الأكبر، الذي يقال له: محمد بن الحنفيّة، أمه خَوْلة بنة جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيدبن ثعلبة بن يَربوع بن ثعلبة بن الدُّول بن حَنِيفة بن لُجيم بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل، توفِّيَ بالطائف فصلّى عليه ابنُ عبّاس.\nوتزّوج أمّ سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتِّب بن مالك الثَّقفيّ، فولدت له أمّ الحسن ورملة الكبرى.\nوكان له بنات من أمهات شتّى لم يسمّ لنا أسماء أمهاتهنّ؛ منهنّ أم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأمّ كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأمّ الكرام، وأمّ سلمة، وأمّ جعفر، وجُمانة، ونفيسة بنات عليّ - ﵇ -؛ أمهاتهنّ أمهات أولادٍ شتى.\nوتزوّج محيّاة بنة امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُلَيم من كلب، فولدتْ له جارية، هلكتْ وهي صغيرة. قال الواقديّ: كانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: مَن أخوالُكِ؟ فتقول: وه، وه (تعني: كَلْبًا).\nفجميع ولدِ عليّ لصلبه أربعة عشر ذَكَرًا، وسبعَ عشرةَ امرأة. (٥: ١٥٣/ ١٥٤ / ١٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>ذكر وُلاته</span>\n٢٨٧ - وكان وإليه على البَصرة في هذه السنة عبدُ الله بن العباس، وقد ذكرْنا اختلافَ المختلفِين في ذلك، وإليه كانت الصَّدَقات والجند والمعاون أيّام ولايته كلّها، وكان يستخلف بها إذا شخص عنها على ما قد بيّنْتُ قبلُ.\nوكان على قضائها من قِبَل عليّ أبو الأسود الدؤليّ (١)، وقد ذكرت ما كان من توليته زيادًا عليها، ثم إشخاصه إياه إلى فارسَ لحربها وخَراجِها، فقتل وهو بفارسَ، وعلى ما كان وجّهه عليه.\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة بن خياط: ولى ابن عباس في خلافة علي أبا الأسود الدؤلي اليمن وعليها عبيد الله بن عباس (تأريخ خليفة / ٢٠٠).","vol":"3","page":423},{"text":"وكان عامله على البحرين وما يليها واليَمَن ومخاليفِها عُبيد اللهِ بن العباس، حتى كان من أمره وأمر بُسر بن أبي أرطاةَ ما قد مضى ذكرُه.\nوكان عامله على الطائف ومكّة وما اتصل بذلك قُثَم بن العباس.\nوكان عامله على المدينة أبو أيّوب الأنصاريّ، وقيل: سهل بن حُنيف، حتى كان من أمره عند قدوم بُسْر ما قد ذُكِر قبل (١). (٥: ١٥٥/ ١٥٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>ذكر بيعة الحسن بن علي</span>\n٢٨٨ - وفي هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيلياء؛ حدّثني بذلك موسى بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد - وكان قبل يدعَى بالشأم أميرًا - (٢). (٥: ١٦١).\n٢٨٩ - وحدثت عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كان عليّ - ﵇ - يُدعَى بالعراق أميرَ المؤمنين، وكان معاوية يدعَى بالشام: الأمير، فلما قُتل عليّ - ﵇ - دُعِيَ معاوية: أمير المؤمنين (٣). (٥: ١٦١)\n* * *\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) في إسناده إسماعيل بن راشد مجهول ولمتنه ما يشهد له.\n(٣) إسناده ضعيف ومتنه صحيح كما ذكرنا في قصة التحكيم ووقعة صفين فليراجع.","vol":"3","page":424},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ الخلافة في عهد الأمويين\nللإمام أبي جعفر بن جرير الطبري\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nراجع فصولًا منه وأبدى ملاحظاته كل من\nأ. د أكرم ضياء العمري وأ. د عماد الدين خليل\nالمجلد الرابع\nدار ابن كثير\nدمشق - بَيروت","vol":"4","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"4","page":2},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ الخلافة في عهد الأمويين","vol":"4","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"4","page":4},{"text":"مقدمة\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد: فهذا قسم آخر من صحيح تأريخ الطبري نقدّمه للقارئ الكريم. بعد أن انتهينا من تحقيق مرويات الطبري المتعلقة بتأريخ القرن الهجري الأول وهذا الجزء الذي بين أيدينا والذي يبدأ بـ (١٠١ هـ) وينتهي إلى (١٢٦ هـ) هو تتمة لتأريخ الخلافة في عهد الأمويين ويشمل عهد أحد أبرز الخلفاء الأواخر (منهم) وهو أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك الذي به ختمت أبواب السياسة والحزم والجهاد (بالنسبة للأمويين).\nولقد راعينا في تخريجنا لمرويات هذا الجزء وتفاصيله ما ذكرنا من الشروط اللازمة لإعادة كتابة التأريخ الإسلامي كما ذكرها الأساتذة المعروفون في هذا المجال إلّا أننا تساهلنا في هذا الجزء بعض الشيء وفي مواضع معينة (كتفاصيل بعض المعارك والفتوح ولنا في ذلك ما يبرر لأننا لاحظنا الآتي (خلال تخريجنا للروايات) ازدياد عدد الروايات التي لا إسناد لها شيئًا فشيئًا وقلة عدد المرويات المسندة تدريجيًا كلما تقدمنا عند الطبري.\nولذلك أخذنا بعين الاعتبار قاعدة الأستاذ العمري (ففي الأبحاث التأريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة لأن فيها ما يدل على أصلها ويمكن التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند (دراسات تأريخية ص ٢٦) وأخذنا بعين الاعتبار ما ذكره الأستاذ العمري في كتابه السابق: أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التأريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التأريخية التي دوّنها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها وإذا رفضنا","vol":"4","page":5},{"text":"منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تأريخنا ستشكِّل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع]، ص ٢٧ / المصدر السابق.\nولكننا في الوقت نفسه أخذنا بعين الاعتبار أيضًا ما قاله الأستاذ العمري: (وعندما يقوم المؤرخون اليوم بمحاولة تدقيق مصادرنا التأريخية ونقد متونها فإن بالإمكان الاستفادة من قواعد نقد الحديث وعلم الرجال في ترجيح الروايات التأريخية المتعارضة كأن تكون إحدى الروايتين المتعارضتين بإسناد متصل رجاله ثقات والأخرى وردت بإسناد منقطع أو عن طريق رواة مجروحين فعندئذ ينبغي ترجيح الرواية الأولى على الثانية) [المصدر السابق / ص ٢٧].\nوإضافة إلى هذه القاعدة الجليلة لأستاذنا فإننا قد اعتمدنا شيئًا آخر وخاصة فيما يتعلق بالتهم الكبيرة الملصقة بسيرة الخلفاء والعلماء وقادة الفتح الإسلامي (آنذاك) والفتن الكبيرة التي حصلت إذ لم تقبل في تلك المسائل إلّا الروايات المسندة الموصولة الصحيحة ولقد استخدمنا في الجزء السابق (٤١ - ١٠١ هـ) قاعدة الأستاذ العمري: وكما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التاريخية ينبغي أن يشتد على قدر تعلّق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الأهواء ويسقط عندها الرواة كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد والفتن التي حدثت في حياة الصحابة ... إلخ) [المصدر السابق ص ٢١١].\nوأخذنا بعين الاعتبار كذلك هدفنا الذي ذكرناه من بين أهداف هذا المشروع العلمي ألا وهو الوصول إلى حقيقة الواقعة التأريخية دون تقصير أو مبالغة ولذلك جعلنا نصب أعيننا قول أستاذنا الفاضل عمر عبيد حسنة: إن من الخطأ التربوي والثقافي والديني أيضًا الاقتصار على إبراز الجوانب المشرقة وتضخيمها في التأريخ الإسلامي وتصوير مجتمع المسلمين على أنه مجتمع ملائكة معصومين من الخطأ وتغييب أو إسقاط فترات الانكسار والهزيمة والسقوط التي قد تمثل النقاط السوداء والسلبية في مسيرة الأمة إذا ما تمّت معايرتها بالقيم وإن كانت مساحتها في التاريخ الإسلامي لا تكاد تذكر أمام الإنجازات العظيمة والعطاء الحضاري [قيم المجتمع الإسلامي / ١١] ولا داعي لتكرار القواعد والأسس التي وضعها الأساتذة الأفاضل من أمثال (الدكتور عماد الدين خليل والدكتور أكرم العمري والدكتور يحيى اليحيى والدكتور الشهرزوري والدكتور محمد أمحزون) فقد ذكرنا","vol":"4","page":6},{"text":"أكثرها في مقدمة الكتاب وإنما أردنا التذكير ببعضها هنا ولقد ذكرنا الحوادث المتعلقة بالفتوح والمعارك التي حصلت للدفاع عن تخوم الخلافة في قسم الصحيح إذا وجدنا ما يؤيد وقوعه من مصدر تأريخي لمؤرخ ثقة كخليفة بن خياط والبسوي وابن سعد والبلاذري وغيرهم وإذا لم نجد من يؤيد الطبري في حدوث وقعة معينة ولم يذكره الطبري بسند صحيح وضعنا تلك الحادثة في قسم المسكوت عنه والضعيف - فإن كان ما فعلت صوابًا فمن الله التوفيق وإن أخطأنا فمن أنفسنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nغرة صفر / ١٤٢٣ هـ","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن عليّ - ﵇ - الأمرَ إلى معاوية ودخول معاويةَ الكوفة، وبيعة أهل الكوفة معاويةَ بالخلافة (١). (٥: ١٦٢)\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا ثلاث روايات: الأولى (عن الصلح بين الحسن ومعاوية ﵄) (من مراسيل الزهري) وهو مرسل ضعيف كما بينا في قسم الضعيف فهو من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وهو وإن كان من أصحاب الزهري إلّا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا.\nوقال أحمد في روايته عن الزهري: مناكير أو كما قال: وقد ظهرت هنا بعض أوهامه عن الزهري فقد زاد عما في الصحيح زيادات لم نجد لها متابعًا أو شاهدًا، والرواية الثانية كذلك من الطريق نفسه (مرسل الزهري) حول الصلح بين معاوية وقيس بن سعد ﵄.\nوالرواية الثالثة: في رجوع الحسن والحسين إلى المدينة وإسنادها ضعيف جدًّا، وقد ذكرنا هذه الروايات الثلاث في قسم الضعيف أما هنا فسنذكر أصل القصة في ما جرى من الصلح بين أمير المؤمنين معاوية والسيد الجليل الحسن بن علي ﵄.\n١ - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: (استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها - فقال معاوية - وكان والله خير الرجلين -أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه.\nفأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك، فما سألهما شيئًا إلا قالا نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. (فتح الباري ٥/ ٣٦١).\n٢ - ورواية أخرى صحيحة تبيّن بوضوح القصد الإصلاحي لسيدنا الحسن بن علي ﵁ إذ تنازل عن الخلافة لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين ومصداقًا لقول رسول الله - ﷺ -: \"إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" أي بصيغة الإخبار.\nوالحديث الذي أشرنا إليه ابتداءً هو ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٠) عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم =","vol":"4","page":9},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد ثم أبتزها بائتاس أهل الحجاز؟\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وذكره الحافظ ابن كثير من طريق محمد بن سعد ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن يزيد قال سمعت جبير بن نفير الحضرمي يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن علي إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب بين يدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله ثم أثيرها ثانيًا في أهل الحجاز. (البداية والنهاية ٨/ ٤٣).\n٣ - وأخرج يعقوب بن سفيان قال: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عون بن موسى سمعت هلال بن خباب: جمع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر - قصر المدائن - فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا. (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣١٧).\nمراجعة لروايات الطبري حول صلح سيدنا الحسن مع سيدنا معاوية ﵃ أجمعين. قبل أن نبدأ مراجعتنا هذه نود أن نذكر هنا أن مدة خلافة سيدنا الحسن ﵁ متممة للخلافة الراشدة، وذلك للحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن النبي - ﷺ -: \"الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ... \" الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث حسن [سنن الترمذي (ح ٢٢٢٦)].\nوقال الحافظ ابن كثير في شرحه لهذا الحديث: إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كماله ثلاثين سنة من موت رسول الله - ﷺ - فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. [البداية والنهاية (٨/ ١٦)].\nقلنا: والخلافة المشار إليها في الحديث الآنف هي الخلافة الراشدة وإلَّا فإن الخلافة الإسلامية امتدت قرونًا وقد أخبر ﵊ عن تولي آخرين بيَّنت رواية أخرى عند أبي داود مرفوعًا: \"خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء\". [سنن أبي داود (ح ٤٦٤٦٩)].\nوكنا قد انتهينا من تحقيق وتخريج مرويات الطبري فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين وصلح الحسن مع معاوية ﵄ وخلافة سيدنا معاوية في نهاية سنة ١٩٩٨ م وعند مراجعتي للمسودة سنة ١٤٢٢ هـ (٢٠٠١ م) اطلعت على رسالة دكتوراه قيمة كتبها الأستاذ الفاضل الدكتور خالد بن محمد الغيث من جامعة أم القرى [مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري].\nوكعادتنا بعد انتهاءنا من كل جزء من أجزاء الطبري فإننا ننظر فيما كتبه المعاصرون سواء =","vol":"4","page":10},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كانت رسائل جامعية، أو غيرها، فإن زادوا علينا ولم نتوصل إليه نحن أثناء التحقيق نشير إلى ما توصلوا إليه وننسب الفضل إلى أهله.\nوما لم نوافقهم عليه بيناه مع الالتزام بأدب الخلاف - وكذلك بالنسبة لكتاب الأستاذ غيث فموقفنا من كتابه يتضح في ثلاثة مواقف: - زاد علينا مرات؛ ووافقناه مرات؛ وخالفناه مرات.\nأما الذي زاد علينا، فقد كتب في صلح الحسن مع معاوية ﵄ فصلًا ولقد أجاد في بحثه هذا، وقسم الصلح إلى مراحل واحتج بالأدلة الصحيحة من مختلف المصادر الموثوقة وبين خطأ الروايات الضعيفة، ولعلنا نختلف معه في شيء يسير كما سنذكر (١١٣ - ١٧٠) من كتابه فمن أراد أن يُلِمَّ بتفاصيل هذا الصلح فليراجعه هناك وجزى الله الأستاذ غيث عنا وعن التاريخ الإسلامي خير الجزاء.\nوأما الموضع الآخر ففي فصله المعنون أو الموسوم [تراجم رجال أسانيد الطبري] فقد قال في ترجمة أبي عمر المدني، لعله سعيد بن سلمة بن أبي الحسام العدوي مولاهم (ترجمة ٤١).\nوقال في ترجمة أبي محمد الأموي: لعله إسماعيل بن عمرو بن سعيد (ترجمة ١٠١) وقد ذكر في هاتين الترجمتين احتمالًا لم يخطر على بالنا فزاد علينا جزاه الله خيرًا وحلَّ لنا إشكالًا.\nووافقناه في موضع مع اختلاف يسير، فقد قال في ترجمة عبد الرحمن بن صبح الأزدي: لعله عبد الرحمن بن صبيح الذي قال عنه الرازي: إنه سمع أبا هريرة ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا [ترجمة ٦٢].\nوالذي قلناه في ترجمة عبد الرحمن هذا: عبد الرحمن بن صبيح الأزدي والذي في تاريخ الطبري (صبح) وهو تصحيف والصواب ابن صبيح. والله أعلم.\nوأما المواضع التي لم نوافقه فيها فهي كالآتي:\n١ - قال الأستاذ الفاضل (الغيث) -في ترجمة إسماعيل بن راشد السلمي-: أورده ابن حبان في ثقاته في طبقة أتباع التابعين [ترجمة ١٢].\nقلنا: والفرق معلوم لدى الأستاذ غيث بين الراوي الذي أورده ابن حبان في الثقات وسكت عنه ابن أبي حاتم وبين الراوي الذي أورده ابن حبان في الثقات ولكن لم يسكت عنه ابن أبي حاتم كما هو الحال في هذا الراوي (إسماعيل بن راشد السلمي) فصحيح أن ابن حبان أورده في الثقات إلَّا أن ابن أبي حاتم قال: مجهول نقلًا عن أبيه. فالأصل أنه مجهول ولا عبارة في هذه الحالة بذكر ابن حبان له في كتاب الثقات.\n٢ - قال الأستاذ الغيث في كتابه القيم [مرويات خلافة معاوية]- في ترجمة أبي إسماعيل =","vol":"4","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الهمداني: لعله إسماعيل بن مجالد الهمداني شيخ علي بن محمد المدائني (ترجمة ١٣) أ. هـ.\nقلنا: وهذا احتمال مستبعد للآتي:\nلم يذكر الأئمة الذين ألَّفوا في الأسماء والكنى وغير ذلك من التراجم أن كنية إسماعيل بن مجالد هو أبو إسماعيل ولكن قالوا: بأن كنيته أبو عمر.\nوالسبب الآخر أننا لم نجد في أسماء الرواة الذين رووا عن الشعبي من اسمه أبو إسماعيل أو إسماعيل بن مجالد.\nوكذلك لم نجد في ترجمة إسماعيل بن مجالد أنه يروي عن الشعبي، وإسناد الطبري هكذا [المدائني عن أبي إسماعيل الهمداني وعلي بن مجاهد قالا، قال الشعبي].\nقلنا: وإن كان هذا يحتمل الانقطاع [قالا: قال] فلم يصرحا بالتحديث والله أعلم.\n٣ - وقال الأستاذ غيث في ترجمة عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي: أورده ابن حبان في ثقاته. [ترجمة ٦٥].\nواكتفى الأستاذ غيث بهذا القدر، (وفاته أو نسي والله أعلم) قول ابن حبان فيه: مستقيم الحديث، وفرق بين ذكره في الثقات وبين ذكره مع توثيقه.\nوكذلك فاته توثيق الخطيب البغدادي له بقوله: من أئمة الحديث سمع أباه. [تاريخ بغداد (٩/ ٣٧١ / ت ٤٩٤٦)].\nوعندما ترجم له ابن أبي حاتم ذكر أسماء رواة ثلاث عنه وهم ثقات:\nوقال: روى عنه، علي بن الحسين بن الجنيد حافظ حديث الزهري. [الجرح والتعديل (٦/ ٥ / ت ٢٧) و(١/ ٩٦ / ١، ٢٦٤، ٣١٠)].\nونحن نرى لهذا الأمر أهمية فالأستاذ غيث حكم على عدد من مرويات الطبري في مسألة الصلح بأنها ضعيفة، وهي من طريق [عبد الله بن أحمد بن شبويه عن أبيه عن سليمان عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري].\nوبيان سبب ضعفها، فقد ذكر في ترجمة يونس بن يزيد أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وإن كان ثقة.\nوقال في ترجمة شيخ الطبري [عبد الله بن أحمد]: أورده ابن حبان في الثقات ومعلوم أن ابن حبان متساهل في التوثيق، وقد ذكرنا ما فات الأستاذ غيث في ترجمة عبد الله.\nوبالنتيجة فإن الأستاذ غيث قال عن مرويات الطبري في مسألة الصلح هذه: احتوت الروايات الضعيفة التي أخرجها الطبري عن الصلح على إساءة بالغة لشخص الحسن بن علي ﵁ حيث اتهمته للصلح من أجل الدنيا ومتاعها الفاني. [مرويات خلافة معاوية / ص ١١٣].\nوللتعليق على كلام الأستاذ غيث نقول:\nأما أنها روايات ضعيفة فنعم، ولقد ذكرناها في قسم الضعيف لأنها ليست على شرط الكتاب =","vol":"4","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (صحيح تاريخ الطبري) وخاصة فيما يتعلق بسيرة الصحابة وهم عدول، ولكن ليست شديدة الضعف، ولولا أنها:\nأولًا: خالفت شرطنا الذي ذكرناه في قسم الصحيح.\nوثانيًا: لأن الرواية الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه وغيره عن أئمة الحديث والتاريخ فيها كفاية وغنية وهي تغنينا عن الروايات الضعيفة، ولكن مرويات الطبري في هذا العلم ليست شديدة الضعف ولولا السببين الآنفي الذكر لحوّلناها من الضعيف إلى قسم الصحيح. علمًا بأن الحافظ ابن حجر قد صحح إسناد الطبري هذا من باب تساهله في تصحيح الروايات التاريخية فقال: وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال: جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة وكان لا يحب القتال ولكن يريد أن يشترط على معاوية لنفسه. [الفتح ١٣/ ٦٧].\n٤ - هذا فيما يتعلق بالإسناد، أما فيما يتعلق بالمتن فقد استوقفتنا عبارة الأستاذ الفاضل، احتوت الروايات الضعيفة التي أخرجها الطبري عن الصلح إساءة بالغة لشخص الحسن بن علي ﵄ حيث اتهمته بالسعي للصلح من أجل الدنيا ومتاعها الفاني.\nوتعقيبًا على هذا القول نقول: صحيح أننا ندافع عن عدالة الصحابة لأن أئمة الحديث وفقهاء أهل السنة والجماعة اتفقوا على عدالتهم استنادًا إلى النصوص الصريحة الصحيحة وهم نقلة الشريعة ولكن هذا لا يعني أن ننفي عنهم الطبجعة البشرية (الطبائع العادية) أو ننفي عنهم كل سلوك نظنه إساءة إلى عدالة الصحابة فسيدنا الحسن لم يقم بالصلح سعيًا وراء متاع الدنيا الفاني، وهذا ما اتفقنا فيه مع الأستاذ غيث.\nولكن حرص الحسن ﵁ على حصوله على بعض الشروط وفيها ما فرض له من المال سنويًا لا يعني إساءة لشخص الحسن ولا خدشًا في عدالته.\nوالملفت للنظر أن الأستاذ غيث نفسه قد ذكر الفوائد التي استنبطها الحافظ ابن حجر من رواية الصلح عند البخاري.\nومنها: جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شروطه. [ص: ١٣٦].\nوكذلك نقل الأستاذ غيث شرح الحافظ ابن حجر لقول الحسن: وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه إلَّا المال، فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والأقوات [ص ١٣٥] وانظر [الفتح ١٣/ ٧٠].\nوكذلك نقل الأستاذ غيث قول الحافظ: إنا (أي أهل البيت)، جبلنا على الكرم والتوسعة =","vol":"4","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على أتباعنا من الأهل والموالي وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة.\n[ص ح ١٣٤] وانظر [الفتح ١٣/ ٦٩].\nوبعد هذا التوضيح يدرك القارئ الكريم أن طلب الحسن لشروط مالية لنفسه لا ضير فيه ولا طعن فيه لعدالته ﵁ وإضافة في التوضيح على كلام ابن حجر نقول:\nإن أئمة أهل البيت (في حينه) كانوا من أكثر الناس سخاءً وصلةً لأرحامهم أسوةً بجدهم ﵊، (وصلة الأرحام يكون بالمال غالبًا)، أضف إلى ذلك فإن الحسن وأباه ﵄ كانا إمامي عدل وخليفتين للمسلمين وتعود الناس أن يقصدوهم في طلب المال قضاءً لحاجاتهم، وتصور السخاء والإمامة والانتساب إلى النبي وعترته إذا اجتمعوا في رجل سيد كالحسن الذي شهد له جده ﵊ بالسيادة فكيف يكون قصد الناس إليه وكيف يكون سخاؤه؟ وكم سيكون إنفاقه على الناس؟ وأما على نفسه فالكل يعرف زهد أئمة أهل البيت في حياتهم الخاصة ﵃ وأرضاهم.\nوكذلك أشارت رواية البخاري ﵀ أن سيدنا الحسن كان حريصًا على ضمان شروطه. قال: فمن في بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سالهما شيئًا إلّا قالا: نحن لك به فصالحه.\nوأما عن مراحل الصلح فقد أجاد الأستاذ غيث كما ذكرنا فليراجع في موضعه من الكتاب القيم [مرويات خلافة معاوية].\nولقد ذكرنا في حينه رواية البخاري في صحيحه عن هذا الصلح (ح ٢٥٥٧) ورواية الحاكم [٣/ ٣١٧] ورواية يعقوب بن سفيان (٣/ ٣١٧) في المعرفة والتاريخ.\nوفيما يلي بعض الروايات في الباب.\nوأخرج ابن سعد في طبقاته من طريق عبد الله بن بكر (ثقة) حدثنا حاتم بن أبي صغيرة (ثقة) عن عمرو بن دينار (ثقة): (أن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة فلما توفي علي بعث إلى الحسن فاصلح ما بينه وبينه سرًّا وأعطاه معاوية عهدًا إن حدث به حدث والحسن حيّ ليسمينه وليجعلن الأمر إليه فلما توثق منه الحسن -قال ابن جعفر-: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي وقال: يا هاهنا اجلس فجلست، فقال: إني قد رأيت رأيًا وإني أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين ساوية وبيني هذا الحديث فقد طالت الفتنة وسفكت الدماء وقطعت الأرحام والسبل وعطلت الفروج [يعني الثغور].\nقال ابن جعفر: (جزاك الله خيرًا عن أمة محمد فأنا معك، فقال: ادع لي الحسين ...) الخبر. [الطبقات (١/ ٣٣٠)].\nوانظر [سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٦٤)، واللفظ هنا من سير أعلام النبلاء. انظر [تهذيب ابن عساكر ٤/ ٢٢٤)].\nوهذه الرواية توكيد لرواية البخاري من أن الحسن ومعاوية ﵄ كانا يرغبان في =","vol":"4","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصلح وحقن دماء المسلمين. ومن أئمة أهل البيت من يؤيد الحسن كعبد الله بن جعفر، ومن عداهم ممن لم يرغبوا في الصلع قد نزلوا على رأيه لأنه أكبر ولد عليّ وقد سماه ﵊ سيدًا وصدق رسول الله - ﷺ -.\nوأخرج يعقوب بن سفيان النسوي بإسناد رجاله بين الثقة والصدوق فقال [٣/ ٣١٨]:\nثنا سعيد بن منصور عن عون بن موسى عن هلال بن خباب.\nوأخرج الخطيب البغدادي من طريقين:\nعن سعيد بن منصور عن عون بهن موسى عن هلال بن خباب.\nومن طريق اين سعد عن موسى بن إسماعيل: عن عون بن موسى عن هلال بن خباب قال: (جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر المدائن فقال: يا أهل العراق لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت بقتلكم أبي ومطعنكم بغلتي (وفي الميزان، فخذي) وانتهابكم ثقلي (أو قال: ردائي) عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا، قال: ثم نزل فدخل القصر) واللفظ لموسى بن إسماعيل [تاريخ بغداد (١/ ١٣٦)].\nقلنا: والخبر أخرجه الذهبي في الميزان في ترجمة سكين بن عبد العزيز [ت ٩٢٧٢] والله أعلم.\nوقالا لهيثمي: وعن ابن سيرين أن الحسن بن علي قال:\n(لو نظرتم ما بين جابرس إلى جابلق ما وجدتم رجلًا جده نبي غيري وأخي وإني أرى أن تجتمعوا على معاوية وإن أدري لعله فتنة لكم وشاع إلى حين).\nقال معمر (الراوي): جابرس وجابلق: المشرق والمغرب.\nرواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح [مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٨)].\nوأخرج الإسماعيلي الخطيب من طريق حماد بن زيد عن علي بن زيد وهشام عن الحسن .. الخبر (في صلح الحسن ومعاوية) وفي آخره قال: (فنظر إليهم أمثال الجبال في الربد، فقال: أضرب هؤلاء بعضهم ببعض في ملك من ملك الدنيا؟ لا حاجة لي به). [الإصابة (٢/ ٧٣)].\nوأخرج ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب قال:\n(لما قتل علي سار الحسن في أهل العراق، ومعاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد له من بعده، فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار). [الإصابة (٢/ ٧٣)].\nوعلى أية حال فإن الحسن لم يكن يرغب في القتال في الفتنة من أول عهده، ولكنه انتظر =","vol":"4","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ظرفًا مناسبًا وأمرًا مهيئًا كي يعلن صلحه في توقيت مناسب، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وصدقت نبوءة جده ﵊ فيه.\nوإذا كانت الأمة الإسلامية قد نعمت بالأمن والأمان لعقدين من الزمان في عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ فقد جعل الله لذلك - بقدره - سببين:\nالأول: تفضل أمير المؤمنين الحسن بن علي للصلح على القتال وتقديم المصلحة الأخروية على الدنيوية.\nوالسبب الثاني: هو ما رزقه الله من الدهاء والحلم والحكمة والسياسة لسيدنا معاوية ﵁ بالإضافة إلى رغبته كذلك في الصلح كما كان يرغب أخوه في الله الحسن بن علي.\nوإذِا اقتتل الأخوان يومًا فلا يخرجان بذلك من دائرة الإيمان لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].\nوسبق أن ذكرنا رواية الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٠) عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، فقال: (قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد ...) الخبر.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والله أعلم.\nوكما قال الحافظ ابن حجر، فإنه (أي: الحسن) ترك الملك لا لقلةٍ ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما راه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة. [الفتح (١٣/ ٦٦)].\nولقد سرد الأستاذ الفاضل خالد بن محمد الغيث بعضًا من هذه الروايات وزاد عليها روايات لم نذكرها نحن وهي صحيحة، وقسَّم الصلح إلى مراحل وبين من خلالها أن محاولة اغتيال الحسن ﵁ تكررت مرة قبل الصلح ومرة بعدها.\nوالذي نراه - والله أعلم - أنه جرت له محاولة اغتيال مرة واحدة، ولو طعنوه مرتين لذكر قائلًا: وطعني في فخذي مرتين. (مثلًا)، ولم نجد رواية صحيحة تذكر ذلك. وما ذكره البلاذري وغيره - مما ذكره الأستاذ غيث عند حديثه عن المرة الثالية - ذكر بلا إسناد، والله أعلم.\nويبدو لنا ومن خلال الروايات أن الحسن راسل معاوية سرًّا في بداية الأمر كما تبين رواية ابن سعد [فلما توفي علي بعث إلى الحسن فاصلح الذي بينه وبينه سرًّا]، ثم بدأ الحسن يتحدث إلى أقرب المقربين إليه ابن عمه وأخيه، ثم لمَّا كان الوقت المناسب أعلن الصلح على الملأ.\nولقد سرد الأستاذ جميع روايات الصلح سريها وعلنيَّها إلَّا أنه لم يشر إلى ذلك في شرحه للمراحل. وتوفيقًا بين رواية البخاري ورواية ابن سعد الصحيحة عن عمرو بن دينار نقول: =","vol":"4","page":16},{"text":"١ م- حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن الجارود بن أبي سَبْرة، قال: صالح الحسنُ - ﵇ - معاوية، وشخَص إلى المدينة، فبعث معاوية بُسْر بن أبي أرطاة إلى البصرة في رجب سنة إحدى وأربعين وزياد متحصّن بفارس، فكتب معاوية إلى زياد: إن في يديك مالًا من مال الله، وقد ولِّيت ولاية فأدِّ ما عندك من المال، فكتب إليه زياد: إنه لم يَبقَ عندي شيء من المال، وقد صرفتُ ما كان عندي في وجهه، واستودعتُ بعضه قومًا لنازلة إنْ نزلت، وحملتُ ما فَضَل إلى أمير المؤمنين رحمةُ الله عليه، فكتب إليه معاوية: أن أقبِل إليّ ننظر فيما ولِّيت، وجرى على يديك، فإن استقام بيننا أمرٌ فهو ذاك، وإلا رجعتَ إلى مأمنِك؛ فلم يأته زياد، فأخذ بُسْر بني زياد الأكابر منهم، فحبسهم: عبد الرحمن، وعبيد الله، وعبّادًا، وكتب إلى زياد: لتقدمنّ على أمير المؤمنين أو لأقتلنّ بنيك، فكتب إليه زياد: لستُ بارحًا من مكاني الذي أنا به حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، فإن قتلتَ\n_________\n= الأقرب إلى الواقعة التأريخية أن فترة زمنية قصيرة كانت بين الصلح السري والعلني والله تعالى أعلم.\nولقد فصل الحافظ ابن حجر في الفتح حول هذه المسألة التاريخية، وعلق على قول ابن بطال: ذكر أهل العلم بالأخبار أن عليًّا لما قتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل في أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى: يا معاوية إني اخترت ما عند الله فإن يكن هذا الأمر لك ... إلخ.\nفقال ابن حجر: والمحفوظ أن كلام الحسن الأخيير إنما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في الدلائل من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي قال: (لما صالح الحسن بن علي معاوية قال له معاوية: قم فتكلم، فقام فحمد الله فأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى وإن أعجز العجز الفجور ألا وإن الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق له مني، أو حق لي تركته لإرادته إصلاح المسلمين وحقن دمائهم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حيين ثم استغفر الله ونزل).\n[الفتح (١٣/ ٦٣)].\nقلنا: والخبر أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٦ / ٢٠٩) عن الشعبي بلفظ (شهدت الحسن بن علي ﵁ بالنخيلة حين صالحه معاوية ﵁ فقال معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم وأخبر الناس أنك قد سلمت هذا الأمر لي ...).\nالخبر وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٥) والله أعلم.","vol":"4","page":17},{"text":"مَن في يديك مِن وَلَدي فالمصير إلى الله سبحانه، ومن ورائنا وورائِكم الحساب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فهمّ بقتلهم، فأتاه أبو بكرة فقال: أخذتَ ولدي وولد أخي غلمانًا بلا ذَنْب، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل؛ قال: إن على أخيك أموالًا قد أخذها فامتنع من أدائها؛ قال: ما عليه شيء، فاكفف عن بني أخي حتى آتِيَك بكتاب عن معاوية بتخلِيتَهم، فأجّله أيامًا، قال له: إن أتيتَني بكتاب معاوية بتخلِيتَهم وإلا قتلتُهم أو يُقبل زياد إلى أمير المؤمنين، قال: فأتى أبو بكرة معاويةَ فكلّمه في زياد وبنيه، وكتب معاوية إلى بُسر بالكفّ عنه وتَخلية سبيلهم، فخلّاهم (١). (٥: ١٦٨/ ١٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nوولّى معاوية في هذه السنة مَرْوانَ بن الحكم المدينة، فاستقضَى مَرْوانُ عبد الله بن الحارث بن نوفل، وعلى مكّة خالد بن العاص بن هشام، وكان على الكوفة من قبَله المغيرةُ بن شُعبة، وعلى القضاء شُريح، وعلى البَصْرة عبد الله بن عامر، وعلى قضائها، عمرو بن يثربيّ، وعلى خُراسان قيس بن الهيثم من قِبَل عبد الله بن عامر (٢). (٥: ١٧٢).\n_________\n(١) رجاله ثقات.\n(٢) قلنا: أما المغيرة بن شعبة فقد ذكرنا في عهد سيدنا علي ﵁ أنه كان واليًا على الكوفة وبقي كذلك في عهد أمير المؤمنين معاوية وذلك ثابت عند علماء السنة والسير والمغازي وأخرج مسلم في صحيحه (٢/ ٦٤٣) حديثًا وفيه: (قال علي بن ربيعة أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة).\nوأخرج الترمذي في سننه (٣/ ٣٢٥): مات رجل من الأنصار يقال له قرظة بن كعب، فنيح عليه فجاء المغيرة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال النوح في الإسلام وفي رواية أخرى لمسلم عن علي بن ربيعة: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب (صحيح مسلم ٢/ ٦٤٣).\nوكذلك كان شريح على قضاء الكوفة وأما تولية مروان بن الحكم على المدينة من قبل أمير المؤمنين معاوية ﵁ فثابت. =","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عمّا كان فيها من أحداث</span>\nوفيها مات عمرو بن العاص بمصرَ يومَ الفِطْر، وقيلَ كان عمل عليها لعمرَ بن الخطاب ﵁ أربعَ سنينَ، ولعثمان أربعَ سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهرًا (١). (٥: ١٨١).\nوفيها مات محمد بن مسلَمة في صفر بالمدينة، وصلّى عليه مروانُ بن الحكَم (٢). (١٨١: ٥).\n_________\n= كما أخرج البخاري في صحيحه عن يوسف بن ماهك قال: (كان مروان على الحجاز استعمله معاوية ... الخبر ...) (فتح الباري ٨/ ٤٣٩).\nوأخرج النسائي في تفسيره أثرًا من طريق محمد بن زياد الجمحي قال: (كان مروان عاملًا على المدينة ..) تفسير النسائي (٢/ ٢٩٠).\nوالأحاديث العديدة تبين أنه كان في عهد معاوية أميرًا على المدينة وحفظت لنا كتب الصحاح والسنن التعامل الحسن بين مروان والصحابة كما سنذكر في حينه.\nوقال الحافظ تعقيبًا على رواية البخاري في صحيحه عن أبي صالح السمان قال (رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ... الحديث). فقال الحافظ: زاد الإسماعيلي (ومروان يومئذ على المدينة) قال الحافظ: ومروان إنما كان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية (فتح الباري ١/ ٦٩٣) والله تعالى أعلم.\nوأما عامل معاوية على مكة فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٥٠١) عن عطاء (أن عبد الرحمن بن أبي بكر طاف في إمارة عمرو بن سعيد على مكة -يعني في خلافة معاوية- فخرج عمرو إلى الصلاة ... إلخ). وقال الحافظ في الفتح (٥/ ١٤٧): والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم (صحيح مسلم ١/ ١٢٥).\n(١) قلنا: وكذلك قال خليفة بن خياط (تأريخ خليفة / ٢٠٦).\nواختار الذهبي فقال: فيها توفي عمرو بن العاص على الصحيح وعبد الله بن سلام الحبر ومحمد بن مسلمة (تأريخ الإسلام- عهد معاوية / ١١).\n(٢) قلنا: وكذلك ذكر خليفة بن خياط وفاة محمد بن مسلمة الأنصاري ضمن وفيات سنة (٤٣ هـ) (تأريخ خليفة / ٢٠٦) وسبق أن ذكرنا قبل قليل اختيار الذهبي في هذه المسألة والله أعلم.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث</span>\nغزو بُسر بن أرطاة البحر - ذكر الإمام المؤرخ خليفة بن خياط ذلك ضمن أحداث سنة (٣٣ هـ) إذ قال: وفيها شتّى بسر بن أرطاة. بأرض الروم (تأريخ خليفة / ٢٠٦) وكذلك ذكره الذهبي ضمن أحداث سنة (٣٣ هـ) فقال: وفيها شتَّى بُسر بن أرطأة بأرض الروم مرابطًا (عهد معاوية / ١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>(استلحاق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه)</span>\nوكانت العمّالُ في الأمصار فيها العُمّال الذين ذكرْنا قبلُ أنهم كانوا العمّال في سنة ثلاث وأربعين (١). (٥: ٢١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>ثم دخلت سنة خمس وأربعين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة</span>\nوكانت الوُلاة والعُمّال على الأمصار في هذه السنة من تقدم ذكره قبل: المُغيرة بن شُعْبة على الكُوفة، وشُريح على القضاء، وزياد على البَصرة، والعُمّال من قد سميَّت قبلُ (٢). (٥: ٢٢٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nاختلف المؤرخون في تحديد اسم الأمير الذي شتَّى ولكنهم اتفقوا على حدوث ذلك في هذه السنة كما ذكر الطبري (٣). (٩: ٢٢٧).\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) وخليفة بن خياط (تأريخ خليفة / ٢٠٨).\nويبدو أن الحافظ الذهبي لم يذكر أسماء الأمراء لاختلافهم فيه ولكنه ذكر ما لا خلاف فيه عندهم وهو كما قال (وفيها شتى المسلمون بأرض الروم والله أعلم) (عهد معاوية / ١٦). [غزوة بسر بن أرطاة (أذنة)] =","vol":"4","page":20},{"text":"(وكان العمال والولاة فيها العمال والولاة في السنة التي قبلها) (١) (٥: ٢٢٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>ثم دخلت سنة سبع وأربعين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حديج </span>(٢)\n_________\n= لقد ذكر الطبري هذه الغزوة ضمن أحداث سنة (٥٠) هـ إلّا أنا ذكرناها هنا لأن يعقوب بن سفيان أخرج روايةً مسندة من طريق ابن بكير: حدثني الليث بن سعد قال: وفي سنة ست وأربعين غزوة بسر وشريك لأذنة (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣١٩).\nوكذلك أخرج ابن عساكر هذا الخبر في تأريخ دمشق (١٠/ ٦)، والله أعلم.\n(١) صحيح.\n(٢) لقد ذكر الطبري هذا الخبر عن الواقدي بلا إسناد ورأينا مناسبًا هنا أن نذكر أسماء ولاة مصر في عهد أمير المؤمنين معاوية (مما وجدناه بروايات مسندة والله أعلم).\n١ - عمرو بن العاص: وليها في عهد معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر بعد مقتل سيدنا عثمان ﵁، وذكر الكندي اسمه مرتين الأولى عندما أصبح أول أمير لمصر في عهد أمير المؤمنين ثم ذكره مرة أخرى وهذه الثانية فقال: ثم وليها عمرو بن العاص ولايته الثانية عليها من قبل معاوية، وأخرج الكندي قال حدثنا ابن قديد: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال حدثني نعيم بن حماد عن المبارك عن حرملة بن عمران عن أبي فراس قال: مات عمرو بن العاص ولم يترك إلا سبعة دنانير وكانت وفاة عمرو ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين واستخلف ابنه عبد الله على صلاتها وخراجها) - ولاة مصر (٧٥).\nقلنا: وفي إسناد نعيم بن حماد مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب.\nثم ذكر الكندي ثامن والٍ على مصر وهو عتبة بن أبي سفيان، وأخرج الكندي قال: حدثني عمي الحسين بن يعقوب التجيبي قال: حدثني أحمد بن يحيى بن وزير قال: حدثني عبد العزيز بن أبي ميسرة الحضرمي عن أبيه قال: لما وفد عتبة على معاوية في وجود الخبر استخلف عبد الله بن قيس التجيبي من بني زميلة على الخبر وقدم عتبة على معاوية فسأل عنه الوفد فقال: ما تقولون في أميركم؟ فقال أبو عبادة بن عوف المعافري أحد بني حليف: يا أمير المؤمنين حوتُ بحر، ووعل برّ، فقال معاوية لعتبة: اسمع ما تقول فيك رعيتك؟ فقال: صدقوا يا أمير المؤمنين وليتني الصلاة وزويت عني الخراج، فأكره أن أظهر لهم فيسألوني عليها (ولاة مصر / ٥٩) وذكر الكندي أنه عزل عن مصر سنة (٤٧ هـ).\nثم ذكر الكندي تاسع ولاة مصر وهو (عقبة بن عامر) فقال: ثم وليها عقبة بن عامر من قبل معاوية وجمع له صلاتها وخراجها =","vol":"4","page":21},{"text":"وكانت الوُلاة والعُمّال على الأمصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمّال والولاةَ في السنة التي قبلها (١). (٥: ٢٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nوحجّ بالناس في هذه السنة مَرْوانُ بن الحكم في قول عامة أهل السِّيرَ (٢) (٥: ٢٣١).\nوكانت وُلاة الأمصار وعمّالُها في هذه السنة الذين كانوا في السنة التي قبلَها (٣). (٣: ٢٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>ثم دخلت سنة تسع وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفكان فيها مشتى مالك بن هُبيرة السَّكونيّ بأرض الروم. (٥: ٢٣٢) (٤).\n_________\n= ثم ذكر الكندي اسم الوالي العاشر على مصر (مسلمة بن مخلد) فقال: ثم وليها مسلمة بن مخلد الأنصاري من قبل معاوية وجمع له الصلاة والخراج والمعترب، ثم أخرج الكندي قال: حدثني علي بن سعيد قال نا ابن أبي عمر قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن سبرة قال سمعت مجاهدًا يقول: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ بسورة البقرة فما ترك ألفًا ولا واوًا. (ولاة مصر / ٦٣).\nثم قال الكندي: وتوفي مسلمة بن مخلد وهو والٍ عليها بخمس بقين من رجب سنة اثنتين وستين (٦٢) وهذا يعني أنه كان آخر والٍ على مصر في عهد أمير المؤمنين معاوية والله تعالى أعلم.\n(١) صحيح.\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) عن زيادة بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة بن شعبة، قام فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار، والسكينة، حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم؛ فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد؛ فإني أتيت النبي - ﷺ - قلتُ: أبايعك.\nعلى الإسلام - فشرط عليّ والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني =","vol":"4","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لناصح لكم ثم استغفروا ثم ينزل (فتح الباري ١/ ١٦٨).\nثم عقب الحافظ على هذا الحديث قائلًا: كان المغيرة واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته عروة وقيل استناب جرير المذكور ولهذا خطب الخطبة المذكورة حكى ذلك العلائي في أخبار زياد ... وقال الحافظ: قوله (استعفوا أميركم) كذا في معظم الروايات بالعين المهملة، وفي رواية ابن عساكر (استغفروا) بغين وزيادة راء وهي رواية الإسماعيلي في المستخرج (فتح الباري ١/ ١٦٩).\nقلنا: وهذه لروايه عند ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٧/ ٤٥ ب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>(ولاية زياد على الكوفة)</span>\nقلنا: وأما جمع العراق لزياد في عهد معاوية فصحيح ولا خلاف فيه بين أئمة التاريخ أضف إلى ذلك أن خليفة بن خياط قد أخرج رواية في هذه الولية من طريق الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه قالا: وجمعت العراق لزياد سنة خمسين فكان على شرطه بالبصرة عبد الله بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع، وعلى شرطه بالكوفة شداد بن الهيثم الهلالي، وكاتب الخراج زاذان فروخ وكاتب المرسائل عبد الرحمن بن أبي بكرة وجبير بن حية، وحاجبيه مهران مولاه ومات وهو ابن ثلاث وخمسين (تأريخ خليفة / ٢١٢).\nوقال الحافظ في الفتح (٣/ ٦٣٧): وأمر زياد على العراقَيْن البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين اهـ.\nوأما عن مسألة استلحاق معاوية لزياد فقد قال الحافظ في الفتح: وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد، وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي تحت عبيد المذكور فولدت زيادًا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في خلافة معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا ولده، فاستلحقه وزوج ابنه ابنته، وأمر زيادًا على العراقين البصرة والكوفة، جمعهما له ومات سنة ثلاث وخمسين (الفتح ٧/ ٦٣٧) وراجع صحيح مسلم (١/ ٨٠).\nوالمسند (١/ ٢٥ - ٢٦) والفتح (١٢/ ٥٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-505> سمرة بن جندب أمير البصرة </span>-\nلقد عمل الصحابي الجليل سمرة بن جندب أميرًا على البصرة أيام الخليفة الأموي معاوية ﵁ وكان شديدًا على الخوارج الحرورية الذين خسروا معركتهم أما جيش سيدنا علي في النهروان ولقد أثنى عليه علماء التابعين كالحسن البصري وابن سيرين وغيرهم أما المبتدعة الحاقدين كالخوارج ومن على شاكلتهم فقد لفقوا أكاذيب كثيرة حول سيرته ولم نجد رواية صحيحة السند تؤكد أن سمرة سفك دماء المسلمين سوى الخوارج الذين أعلنوا =","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>[خروج قريب وزحّاف]</span>\n٢ م- حدّثني عمر قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جَرير، قال: حدَّثنا غسّان بن مضرَ، عن سعيد بن زيد، قال: خرج قَريب وزحّاف، وزياد بالكُوفة، وسَمُرة بالبصرة، فخرجا ليلًا، فنزلا بني يشَكر، وهم سبعون رجلًا، وذلك في رمضان، فأتوا بني ضبَيعة وهم سسبعون رجلًا، فمرّوا بشيخ منهم يقال له حكّاك، فقال حين رآهم: مرحبًا بأبي الشَّعْثاء! فرآه ابن حُصين فقتَلوه وتفرّقوا في مساجد الأزْد، وأتت فرقةٌ منهم رَحْبة بني عليّ، وفرقة مسجدَ المعادل، فخرج عليهم سيفُ بن وَهْب في أصحاب له، فقتَل مَنْ أتاه، وخرج على قَريب وزحّاف شبَابٌ من بني عليّ وشبابٌ من بني راسب، فرمَوْهم بالنَّبل، قال قريب: هل في القوم عبدُ الله بن أوس الطاحيّ؟ وكان يناضله؛ قيل: نعم؛ قال: فهلمّ إلى البراز؛ فقتله عبدُ الله وجاء برأسه، وأقبل زيادٌ من الكوفة فجعل يؤنِّبه، ثم قال: يا معشر طاحِيةً، لولا أنكم أصبتم في القوم لنفيتُكم إلى السجن. قال: وكان قَريبُ من إياد، وزخاف من طَيّئ، وكانا ابني خالة، وكانا أوّل من خرج بعد أهل النَّهر.\nقال غسّان: سمعت سعيدًا يقول: إنّ أبا بلال قال: قريب لا قرّبه الله، وايمُ\n_________\n= الحرب على إمامة المسلمين منذ عهد أمير المؤمنين علي ﵁.\nولقد أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب من طريقين عن طريق (أحمد بن حنبل) أحدهما قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الصمد ثنا أبو هلال ثنا عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين قال: كان سمرة ما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث - يحب الإسلام وأهله - وأخرجه ابن عبد البر كذلك من طريق عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ثنا محمد بن علي بن مروان عن أحمد بن حنبل به (الاستيعاب / ٢/ ٢١٤).\nوقال ابن الأثير الجزري: وكان شديدًا على الخوارج وكان إذا أتي بواحد منهم قتله، ويقول شر قتلى تحت أديم السماء يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء فالحرورية ومن قاربهم في مذهبهم يطعنون عليه وينالون منه (أسد الغابة ٢ / ت ٢٢٤٣).\nولقد تحدثنا عن هذا الصحابي الجليل بالتفصيل في قسم الضعيف (٥/ ٢٣٧).","vol":"4","page":24},{"text":"الله لأن أقع من السماء أحبّ إليّ من أن أصنع ما صنع -يعني الاستعراض (١). (٥: ٢٣٧/ ٢٣٨).\n٣ م- حدّثني عمر، قال: حدَّثنا زهير، قال: حدّثني وهب، قال: حدّثني أبي أن زيادًا اشتدَّ في أمر الحرورّية بعد قَريب وزحّاف، فقتلهم وأمر سَمُرة بذلك، وكان يستخلفه على البَصرة إذا خرج إلى الكوفة، فقتل سَمُرة منهم بَشَرًا كثيرًا (٢). (٥: ٢٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>فتح إفريقية وبناء القيروان</span>\nوكان معاوية بن أبي سفيان قد بعث قبل أن يولي مسلمة مصر وأفريقية\n_________\n(١) رجاله ثقات وأخرجه خليفة بن خياط قال حدثنا وهب قال: حدثني غسان بن مضر قال: حدثني سعيد بن يزيد (تأريخ خليفة / ٢٢١)، مع ذكر بعض التفاصيل الأخرى والسند عند خليفة (سعيد بن يزيد) بدلًا من (سعيد بن زيد) وقال المحقق في الأصل زيد والتصويب من الحاشية.\nقلنا: بل الأصوب ما كان في أصل المخطوطة (سعيد بن زيد) ويؤيد ذلك ما عند الطبري (سعيد بن زيد) وهو ثقة والله تعالى أعلم.\nوأخرج خليفة بن خياط قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثني أبي عن جرير بن يزيد قال خرج قريب وزحاف في إمارة زياد في سبعين رجلًا. وذلك في شهر رمضان فأتوا بني ضبيعة وهم في مسجدهم فلقوا رجلًا منهم يقول له رؤبة بن المخبل فقتلوه قال وهب فحدثني الزبير بن الخريب عن أبي لبيد: أن رؤبة بن المخبل قال في العشية التي قتل في ليلتها في شيء حدَث به: -\nإن كنت صادقًا فرزقني الله الشهادة قبل أن أرجع إلى بيتي. فلقوه تلك الليلة قبل أن يصل إلى منزله فقتلوه ثم أتوا مسجد بني قطيعة (تأريخ خليفة / ٢٢٠).\nقلنا: إن كان الراوي جرير بن يزيد فهو ضعيف ولا نظنه هو لأمرين:\nالأول: أن أصل المخطوطة كما ذكر المحقق هو كالآتي: (جرير بن زيد).\nالثاني: أنه كذلك عند الطبري جرير بن زيد هذا ثقة وخليفة دمج هنا روايتين من طريق وهب، الرواية الأولى من طريق وهب عن أبيه عن جرير بن زيد ورجاله رجال الصحيح. والثاني من طريق وهب عن الزبير بن خريت عن أبي لبيدة ورجاله ثقات والله أعلم.- وهذا لا يعني أن جرير بن حازم لم يرو عن جرير بن يزيد الضعيف بل روى عنه كما سيأتي بعد قليل، وكما أخرج خليفة كذلك في مواضع أخرى والله أعلم.\n(٢) إسناده مرسل صحيح ويؤيده ما قبله.","vol":"4","page":25},{"text":"عقبة بن نافع الفهري إلى إفريقية فافتتحها واختط قيروانها (١). (٥: ٢٤٠).\nوفي هذه السنة مات أبو موسى الأشعريّ، وقد قيل: كانت وفاة أبي موسى سنة اثنتين وخمسين (٢). (٥: ٢٤٠).\n_________\n(١) قلنا: لقد ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد ونسب شطرًا منه إلى الواقدي وهو متروك إلا أن معناه صحيح فقد فتح القائد المسلم عقبة إفريقية واختط القيروان.\nفقد قال خليفة في تأريخه: وفيها (أي: ٥٠ هـ) وجه معاوية عقبة بن نافع إلى أفريقية فخطّ القيروان وأقام بها ثلاث سنين ثم أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال لما افتتح عقبة بن نافع أفريقية وقف على القيروان فقال: يا أهل الوادي إنا جالّون إن شاء الله فاظعنوا -ثلاث مرات-. قال فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحت دابة، حتى يهبطن بطن الوادي ثم قال: انزلوا باسم الله (تأريخ خليفة / ٢١٠) ورجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن عمرو وهو صدوق. والله أعلم - وكذلك اختار الذهبي سنة (٥٠ هـ) للحديث عن هذه الواقعة فقال: وفيها أنفذ معاوية عقبة بن نافع إلى إفريقية فخط القيروان وأقام بها - (عهد معاوية / ٢٠).\nولم نجد اختلافًا بين المصادر التأريخية في نسبة فتح إفريقية وبناء القيروان إلى عقبة بن نافع في عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ وأرضاه - وانظر الاستيعاب (٣/ ١٠٧٦) وفتوح البلدان للبلاذري (٥٧٤) ونهاية الأدب (٢٠/ ٣٢٨).\n(٢) قلنا: وكذلك ذكر خليفة بن خياط وفاة أبي موسى ضمن أحداث سنة (٥٠ هـ) في الكوفة (تأريخ خليفة / ٢١١).\nوكذلك ذكر الحافظ الذهبي وفاته ضمن وفيات سنة ٥٠ هـ (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٣٩).\nقلنا: ولأبي موسى فضل سنّ سنة المصافحة كما أخرج أحمد في مسند (٣/ ١٥٥) عن أنس\nقال: قال رسول الله - ﷺ - (يقدم عليكم غدًا قوم أرق قلوبًا للإسلام منكم) قال فقدم الأشعريون\nفيهم أبو موسى فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون:\nغدًا نلقى الأحبه ... محمدًا وحزبه\nفلما أن قدموا تصافحوا فكانوا أول صن أحدث المصافحة، وإسناده صحيح وأخرجه أحمد (٣/ ١٠٥) وابن سعد (٤/ ١٠٦) عن أنس ﵁.\nوأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (٤٣١) عن سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف صاحب معاوية أن أبا موسى قدم على معاوية فنزل في بعض الدور بدفق فخرج معاوية من الليل يستمع قراءته. =","vol":"4","page":26},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-508> ذكر هروب الفرزدق من زياد</span>-\nوفي هذه السنة كانت وفاةُ الحكمِ بن عمرو الغفاريّ بمَرْوَ منصرفَه من غزوة أهل جبل الأشهل (١). (٥: ٢٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو (جبل الأشهل) وسبب هلاكه</span>\n٤ م- حدّثني عمر، قال: حدّثني حاتم بن قبَيصة، قال: حدَّثنا غالب بن سليمان، عن عبد الرحمن بن صُبْح، قال: كتب إليه زياد: والله لئن بقيتُ لك لأقطعنّ منك طابَقًا سحتًا، وذلك أنّ زيادًا كتب إليه لما وَرَد بالخبر عليه بما غنم: إنّ أمير المؤمنين كتب إلّي أن أصطفيَ له صفرأءَ وبيضاء والروائع فلا تحرّكنّ شيئًا حتى تخرِج ذلك.\nفكتب إليه الحكم: أما بعد، فإنّ كتابَك ورد، تذكُر أنّ أمير المؤمنين كتب إليك أن أصطفيَ له كلَّ صفراءَ وبيضاء والروائع، ولا تحرّكَنّ شيئًا؛ فإن كتاب الله ﷿ قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه واللهِ لو كانت السموات والأرض رَتْقًا على عبد اتّقى الله ﷿ جعل الله ﷾ له مخرجًا.\nوقال للناس: اغدوا على غنائمكم، فغدا الناس، وقد عزل الخُمْس، فقسم بينهم تلك الغنائم؛ قال: فقال الحكَم: اللهمّ إن كان لي عندَك خير فاقبضني؛\n_________\n= وقال الذهبي وفتحت أصبهان على يده وتستر وغير ذلك ولم يكن في الصحابة أطيب صوتًا منه (عهد معاوية / ١٤٥).\n(١) قلنا: وكذلك ذكر خليفة بن خياط وفاته ضمن وفيات سنة (٥٠ هـ) (تأريخ خليفة / ٢١١).\nوكذلك ذكره الذهبي ضمن وفيات سنة (٥٠ هـ).\nوقال: للحكم صحبة ورواية ونزل البصرة وكان رجلًا صالحًا فاضلًا قد ولي غزو خراسان فسباهم وغنم وتوفي بمرو - وقال أيضًا وكان محمود السيرة توفي سنة خمس وأربعين وقيل سنة خمسين (عهد معاوية / ٤١)، وانظر طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨، ٢٩).\n(صفة الصفوة ١/ ٦٧٢).","vol":"4","page":27},{"text":"فمات بخُراسان بمَرْو (١). (٥: ٢٥١/ ٢٥٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-510> ثم دخلت سنة إحدى وخمسين </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان</span>\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيدُ بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربيّ (٢). (٥: ٢٨٦).\n_________\n(١) في إسناده حاتم بن قبيصة مجهول الحال، والحديث رواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتأريخ قال حدثنا سليمان بن حرب قال ثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن الحسن قال: غنم الحكم بن عمرو بخراسان غنائم فيها ذهب وفضة، فكتب زياد أو ابن زياد أن أمير المؤمنين كتب أن أستصفي كل صفراء وبيضاء. قال فقال الحكم: لو أن السموات والأرض كانتا رتقًا على رجل فاتقى الله ﷿ لجعل الله ﷿ له من ذلك مخرجًا. قال فدعا القوم فقسم بينهم غنائمهم. قال الحسن: فمات الحكم في الطريق ولم يلتق به (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٥).\nقلنا: ورجال إسناده رجال الصحيح - وهذه الرواية لم تذكر الزيادة التي أخرجها الطبري من طريق حاتم بن قبيصة (كتب زياد والله لئن بقيت لك لأقطعن منك طابقًا سحتًا).\nوأخرج البلاذري قال: وحدثني أبو عبد الرحمن الجعفي قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل من أهل الصغانيان كان يطلب معنا الحديث أتدري من فتح بلادك؟ قال: لا.\nقال: فتحها الحكم بن عمرو الغفاري (فتوح البلدان / ٥٧٧).\nوقال الحافظ ابن حجر: والصحيح أنه لما ورد عليه كتاب زياد بالعتاب دعا على نفسه فمات (الإصابة ٢/ ٩٣ / ت ١٧٨٩).\nوأخرج ابن عساكر عن قتادة: لما انتهى الحكم بن عمرو إلى زياد كتب بذلك إلى معاوية وجعل كتاب الحكم في جوب كتابه .. الخبر) وفي آخره قال معاوية: (أتأمروني أن أعمد إلى رجل آثر كتاب الله على كتابي وسنة رسول الله - ﷺ - على سنتي فأقطع يديه ورجليه؟ بل أحسن وأجمل وأصاب فكانت هذه مما يعد من مناقب معاوية) (مختصر تأريخ ابن عساكر / ترجمة معاوية / ٥٢).\n(٢) قلنا: أما زياد وشريح وعميرة بن يثربي فقد سبق أن ذكرنا ذلك، وأما سعيد بن العاص فقد ذكر الحافظ ابن كثير من طريق سفيان الثوري عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم قال: رأبت الحسين بن علي قدم يومئذ سعيد بن العاص فصلى على الحسن، وقال: لولا أنها سنة ما قدمته (البداية والنهاية ٨/ ٤٦). =","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين</span>\nكانت عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمّال عليها الذين كانوا في سنة إحدى وخمسين (١) (٢٨٧: ٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي</span>\nوفي هذه السنة كانت وفاة الرّبيع بن زياد الحارِثيّ، وهو عامل زِياد على خُراسان (٢). (٥: ٢٩١).\nوكان العامل فيها على المدينة سعيدَ بن العاص، وعلى الكوفة بعد موت زياد عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة بعد موت زياد سمُرة بن جندب، وعلى خُراسانَ خُلَيد بن عبد الله الحنفيّ (٣). (٥: ٢٩٢).\n_________\n= قلنا: وفي إسناده سالم بن أبي حفصة صدوق الحديث إلا أنه شيعي غالي (التقريب / ت ٢١٧١).\nقلنا: وإن كان الشطر الأول من الرواية صحيحًا فإن من قوله (لولا أنها سنة ما قدمته) في النفس شيء ولعلّه من غلوّ سالم في التشيع وليس من كلام الحسن والله أعلم.\n(١) صحيح.\n(٢) ذكر الطبري وفاته ضمن أحداث سنة (٥٣) هـ ولكن الذهبي ذكر وفاته ضمن أحداث سنة (٦٠) هـ وقال: ولي خراسان لمعاوية وكان الحسن البصري كاتبًا له.\nوذكر الذهبي عن أبي أحمد الحاكم في (الكنى) قوله: لما بلغ الربيع بن زياد مقتل حجر بن عدي دعا فقال: اللهم إن كان للربيع بن زياد عندك خير فاقبضه إليك وعجّل فزعموا أنه لم يبرح من مجلسه حتى مات ﵀ (عهد معاوية / ٢٠٦).\nقلنا: وإن صح هذا فهذا يعني أن اختيار الطبري أقرب في أن الربيع توفي سنة ٥٣ هـ والله أعلم.\n(٣) صحيح.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-515> ذكر عزل معاوية سعيدًا واستعمال مروان</span>-\nذكر الطبري عدة روايات في سبب هذا العزل ولكنها معضلة الإسناد أو في إسنادها مبهم وفي بعضها نكارة وذكرناها جميعًا في قسم الضعيف.\nوأما بالنسبة لتعاقب سعيد بن العاص ومروان بن الحكم على ولاية المدينة فقد سبق وأن =","vol":"4","page":29},{"text":"وكان على المدينة في هذه السنة مَرْوانُ بن الحَكَم، وعلى الكوفة عبد الله خالد بن أسيد؛ وقال بعضهم: كان عليها الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبدُ الله بن عَمرو بن غَيلان (١). (٥: ٢٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>ثم دخلت سنة ست وخمسين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>(ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد)</span>\nوفيها دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد (٢).\n_________\n= ذكرنا ثبوت ولاية مروان على المدينة في عهد معاوية كما عند البخاري - وأما سعيد بن العاص فقد ذكر ابن كثير رواية من طريق سفيان الثوري عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم قال: رأيت الحسين بن علي قدّم يومئذ سعيد بن العاص فصلّى على الحسين وقال لولا أنها سنة ما قدمته (البداية والنهاية ٨/ ٤٦).\nقلنا: وفي إسناده سالم بن أبي حفصة صدوق في الحديث إلا أنه شيعي غالي (التقريب / ت ٢١٧١).\nقلنا: ومغالاته في التشيع واضح في هذه الرواية وإن كان الشطر الأول منه صحيحًا.\n(١) صحيح.\n(٢) أخرج الطبري أربع روايات في هذه المسألة أسانيدها ضعيفة جدًّا وسنذكر هنا أصح ما ورد في الباب (وإن كان فيه مقال والله أعلم).\n١ - أما معاوية ﵁ فقد أجمع أهل الحل والعقد على بيعته أميرا للمؤمنين بعد أن صالحه سيدنا الحسن بن علي ﵄ وسلّم له الخلافة ولم يكن ببال معاوية في بداية حكمه أن يولي ابنه يزيد ولكن تولدت في ذهنه هذه الفكرة فيما بعد فقد ذكر الحافظ ابن كثير عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلما فرغت من أمري قلت: يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمر من بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: يكون بين جماعة إما كريم قريش سعيد بن العاص، وإما فتى قريش حياء ودهاء وسخاء، عبد الله بن عامر وإما الحسن بن علي فرجل سيد كريم وإما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله الشديد في حدود الله مروان بن الحكم وإما رجل فقيه عبد الله بن عمر، وإما رجل يتردد الشريعة مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير (البداية والنهاية ٨/ ٨٨).\nقلنا: وعبد الملك وقبيضة كلاهما ثقة فإن صحّ هذا يعني أن أمير المؤمنين معاوية ﵁ كان لا يفكر في تولية ابنه يزيد حتى وفاة الحسن بن علي ﵁ لأن سياق الرواية يدل على أن الحسن كان حيًّا في حينه.\n٢ - وعلى ما يبدو (والله أعلم) فإن مشاركة ابنه يزيد مع كبار الصحابة في غزو القسطنطينية =","vol":"4","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ونجاحه في بعض مهامه المناطة به وخاصة بعد وفاة الحسن دفعت معاوية ﵁ إلى التفكير في تولية زياد الحكم من بعده واستتباب الأمور له قبل أن يتوفاه الله ظنًّا منه أن كلمة المسلمين ستجتمع على ابنه يزيد وينعم المجتمع الإسلامي بالأمن فاجتهد معاوية ﵁ فاختار ابنه يزيد للخلافة من بعده ولكن اجتهاده هذا كان مرجوحًا لأنه بذلك أحدث شرخًا كبيرًا بتعطيله ركنًا أساسيًا من أركان السياسة الشرعية وأعني ركن الشورى والله أعلم - ونحن لا نظن بصحابة رسول الله - ﷺ - إلا خيرًا فنقول: أراد أمير المؤمنين معاوية أن يجمع أمر المسلمين من بعده على رجل أنسب للحكم فوجد ابنه الرجل المناسب فاجتهد فلم يصب في اجتهاده وخالف الشورى فلم يأخذ برأي أهل الحل والعقد قبل أن يعلن عن اجتهاده هذا، نعم هذا ما نظنه في معاوية ﵁ وإن كنا أمرنا باجتناب الظن. فاجتنابنا للظن في حق الصحابة أولى ولم ترد رواية صحيحة السند تبين أن معاوية أراد شرًّا بالمسلمين حين ولاهم ابنه من بعده ولا يستبعد أن يكون لعاطفة الأبوة دور في ذلك الاختيار ولكن لا دليل على ذلك ولقد ذكر ابن كثير فقال:\nولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته وكان ظن أن لا يقوم أحد من الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به:\nإني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدًا.\n٣ - ولقد قلنا في بداية حديثنا هذا أن الروايات التي تتحدث عن أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد لا تخلو أسانيدها من مقال ولكن أعرضنا عن الروايات الضعيفة الأسانيد جدًّا وسنذكر أقلها ضعفًا أي أصحّ ما علمنا في الباب والله أعلم. فلقد أخرج خليفة:\nحدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: نا النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد، حجَّ فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدِمَ معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحقُّ بهذا الأمر منه، ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافَهُ، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا بن عمر فإنك قد كنتَ تحدثني أنك لا تحب أن تَبيت ليلةً سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تَشُقَّ عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذِّرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل. =","vol":"4","page":31},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر، وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد وأخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوَدِدتَ أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لترُدّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنَّها عليك جذعة ثم وثب فقام.\nفقال معاوية: اللهم اكفنيه بمَا شئت، ثم قال: على رِسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام - فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك - حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير إنما أنت ثعلب روَّاغ كلما خرج من جحر دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كلنت قد مللتَ الإمارة فاعتزلها، وهلُمَّ ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ ! لا نجمع البيعة لكما والله أبدًا.\nثم قام، فراح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عواز، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد! قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال: أهل الشام لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: منه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام. (تأريخ خليفة / ٢١٣، ٢١٤).\nقلنا: ورجال هذا الإسناد رجاله الصحيح سوى النعمان بن راشد وهو صدوق سيئ الحفظ.\n٤ - وأما ما ورد من تهديد سيدنا معاوية لأعيان الصحابة (العبادلة الأربعة) وممارسة التخويف والضغط فلا يصح إسناده ومن ذلك ما أخرجه خليفة من طريق جويرية بن أسماء قال: (سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية ... الخبر) وهذا يعني أن في الإسناد مجاهيل فكيف نعتمد عليها في الاحتجاج والله أعلم.\n٥ - ولعل من قائل يقول إذا كان هذا الأمر المستحدث (ولاية العهد لابن الخليفة) مخالفًا لأصول السياسة الشرعية المتبعة في عهد الخلافة الراشدة فلماذا بايع عدد من الصحابة ليزيد وفي مقدمتهم فقيه الصحابة عبد الله بن عمر؟\nقلنا: إنهم فعلوا ذلك اعتمادًا على أصل من أصول السياسة الشرعية ألا وهو الأخذ بالمصلحة الشرعية الراجحة عند (خوف الفتنة) وافتراق الأمة، كما أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: نا سفيان عن محمد بن المنكدر. قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرًا رضينا وإن كان بلاءً صبرنا - (تأريخ خليفة / ٢١٧). =","vol":"4","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح- وفي رواية أخرى أخرجها خليفة أوضح من سابقتها إذ قال خليفة:\nوحدثنا عبد الرحمن قال: نا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا؟ قلنا: نعم. قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق، أرأيتم بابًا لو دخل فيه أمة محمد وسِعهم، أكانَ يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ ! قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يأتيك من الحياء إلا خير\" (تأريخ خليفة / ٢١٧).\nقلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير داود بن عبد الله الأودي وهو ثقة، مجدع الأطراف (البداية والنهاية ٨/ ٨٣).\nقلنا: وإن كان إسناد هذا القول إلى معاوية صحيحًا فهو بيت القصيد وفي رواية أخرى ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٨٧) عن ابن سيرين وقال رجاله رجال الصحيح وخلاصته أن عمرو بن حزم الأنصاري استأذن على معاوية ثم دار بينهم حوار حول من الأولى بالحكم بعد معاوية هل أبناء الصحابة المعروفون ومنهم علية القوم الذين نالوا شرف الصحبة حين كانوا في مقتبل عمرهم (كعبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر).\nوتحدث معه عمرو بكل صراحة ووضوح أداءً منه لفريضة النصح لإمام المسلمين وعامتهم وتقبل معاوية هذا النصح الجريء وأبدى قناعاته قائلًا (وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، فابني أحق من أبنائهم).\nقلنا: وهذا يعني أنه - ﵁ - كان يرى ابنه أولى بالحكم منهم وبالإضافة إلى حرصه على جمع المسلمين على رجل من بعده يحفظ للأمة المسلمة أمانها وأمنها فوقع اختياره على ابنه يزيد ولم يصب في اجتهاده.\nوكان معاوية يدعو ربه قائلًا (اللهم إن كنت تعلم أني وليته لأنه فيما أراه أهلًا لذلك، فأتم له ما وليته وإن كنت وليته لأني أحبه فلا تتم ما وليته).\nولقد بيّن الإمام الذهبي اسم هذا الصحابي الذي روى عنه حميد بن عبد الرحمن الحميري إذ قال الذهبي ﵀: وقال حميد بن عبد الرحمن: دخلنا على بشير وكان صحابيًّا حين استخلف يزيد فقال: يقولون إنما يزيد ليس بخير أمة محمد - ﷺ - وأنا أقول ذلك، ولكن يجمع الله أمة محمد أحب إليّ من أن تفترق. (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٦٩). =","vol":"4","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان</span>\nوكان العامل على المدينة في هذه السنة مَرْوان بن الحكم، وعلى الكوفة الضحّاك بن قيس، وعلى البَصرة عُبيد الله بن زياد، وعلى خُراسان سعيد بن عثمان (١). (٥: ٣٠٤)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-519> ثم دخلت سنة سبع وخمسين </span>-\nوكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحّاك بن قيس، وعلى البصرة عُبيد الله بن زياد، وعلى خُراسان سعيد بن عثمانَ بن عفّان (٢). (٥: ٣٠٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>ذكر قتل عروة بن أديّة وغيره من الخوارج</span>\nوفي هذه السنة اشتدّ عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم صبرًا جماعةً كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبرًا عروة بن أديّة، أخو أبي بلال مرداس بن أدَيّة.\n_________\n= وأما بيعة عبد الله بن عمر فسنرجع للحديث عنها إن شاء الله عند الحديث عمّا حدث بعدما خلع الناس يزيد بن معاوية، إذ أخرج الإمام أحمد في مسنده عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد، ثم قال أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله ... إلخ\".\nوقال العلامة شعيب أرناؤوط عن إسناده وهو إسناد صحيح على شرط الشيخين (مسند أحمد (٩/ ٨٠٥ / ح ٥٠٨٨)، والله تعالى أعلم.\nوروى أحمد ومسلم والترمذي (لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد وقال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر، إلا أن يكون الإشراك بالله -أن يبايع رجل رجلًا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته- فلا يخلصن أحد منكم يزيد، ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون الفيصل بيني وبينه).\n(١) صحيح.\n(٢) وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة / ٢٢٤).","vol":"4","page":34},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-521> ذكر سبب قتله إيّاهم:</span>\n٥ م- حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عيسى بن عاصم الأسديّ، أنّ ابن زياد خرج في رِهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أديّة أخو أبي بلال، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كنَّ في الأمم قبلنا، فقد صِرْن فينا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وخَصْلتين أخريين لم يحفظهما جرير. فلما قال ذلك ظنّ ابن زياد أنه لم يجترئ على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه، فقام ورَكِب وتَرك رِهانه، فقيل لعُرْوة: ما صنعتَ! تعلمنَّ والله ليقتلنّكَ، قال: فتوارى، فطَلَبه ابنُ زياد، فأتى الكُوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطِعتْ يداه ورِجْلاه، ثم دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: أرَى أنك أفسدتَ دنيايَ وأفسدتُ آخرتَك؛ فقَتَله، وأرسل إلى ابنته فقتلها (١). (٥: ٣١٢/ ٣١٣).\n٦ م- حدّثني عمر، قال: حدَّثنا زُهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: حدّثني يونس بن عبيد؛ قال: خرج مِرداس أبو بلال -وهو من بني ربيعة بن حنظلة- في أربعين رجلًا إلى الأهواز، فبعث إليهم ابنُ زياد جيشًا عليهم ابن حصن التميميّ، فقتلوا في أصحابه وهزموه، فقال رجلٌ من بني تَيم الله بن ثعلبة:\nأَألَفا مُؤْمِنٍ منكم زَعمتمْ ... ويَقتُلُهمْ بآسَكَ أَربَعونا\nكذبتُمْ ليس ذاك كما زَعمتمْ ... ولكِنّ الخوارجَ مؤمِنونا\nهي الفِئةُ القليلة قد عَلمتُمْ ... على الفِئةِ الكثيرة يُنْصَرُونا\nقال عمر: البيت الأخير ليس في الحديث، أنشدنيه خلّاد بن يزيدَ الباهليّ (٢). (٥: ٣١٣/ ٣١٤).\nوكان الوالي على المدينة الوليدُ بن عُتبة بن أبي سُفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بَشير، وعلى قضائها شُرَيح، وعلى البَصرة عُبيد الله بن زياد، وعلي قضائها هشامُ بن هُبيرة، وعلى خُراسانَ عبدُ الرحمن بن زياد، وعلى سجِستَان\n_________\n(١) رجاله ثقات.\n(٢) رجاله ثقات.","vol":"4","page":35},{"text":"عبّاد بن زياد، وعلى كَرْمان شريك بن الأعور من قِبَل عُبيد الله بن زياد (١). (٥: ٣٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>ثم دخلت سنة ستين</span>\nقال الطبري: ففي هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة بن أبي أمية رودس (٥/ ٣٢٢) ولكنه لم يذكر في ذلك رواية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان</span>\nوفي هذه السنة هلك معاويةُ بن أبي سُفْيانَ بدمشق، فاختُلف في وقت وفاته\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) لقد أخرج يعقوب بن سفيان قال: نا زيد وعبد العزيز قالا: نا ابن وهب حدثني الليث بن سعد عن رشيد بن كيسان الفهمي قال:\nكنا برودس وأميرنا جنادة بن أمية الأزدي، فكتب إلينا معاوية بن أبي سفيان: إنه الشتاء ثم الشتاء فتأهبوا له، فقال تُبيع بن امرأة كعب الأحبار تقفلون إلى كذا وكذا، فقال الناس: وكيف نقفل وهذا كتاب معاوية: إنه الشتاء ثم الشتاء، فأتاه بعض أهل خاصته من الجيش فقال: ما يسميك الناس إلا الكذاب لما تذكر لهم من القفل الذي لا يرجونه. فقال تبيع: فإنهم يأتيهم إذنهم في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا، وآيةُ ذلك أن تأتي ريح فتقلع هذه التينة التي في مسجدهم هذا، فانتشر قوله فيهم فأصبحوا ذلك اليوم في مسجدهم ينتظرون ذلك، وكان يومًا لا ريح فيه، فانتظروا حتى احتاجوا إلى المقيل والغداء وملوا فانصرفوا إلى مساكنهم أو إلى مراكبهم حتى إذا انتصف النهار، وقد بقي في المسجد بقايا من الناس، فأقبلت ريح عصار، فأحاطت بالتينة فاقتلعتها، وتصايح الناس في منازلهم: خرت التينة، خرَّت التينة، فأقبلوا من كل مكان حتى اجتمعوا على الساحل، فرأوا شيئًا لائحًا يتجول في الماء حتى تبين لهم أنه قارب، فأتاهم بموت معاوية وبيعة يزيد ابنه، وأذنهم بالقفل؛ فشكروا تُبَيعًا وأثنوا عليه خيرًا، ثم قالوا: وأخرى قد بقيت قد دخل الشتاء، ونحن نخاف أن تنكسر مراكبنا، فقال تبيع: لا ينكسر لكم عود يضركم، ولا ينقطع لكم حبل يضركم حتى تردوا بلادكم، فساروا فسلمهم الله ﷿. (المعرفة والتأريخ ١/ ٣٢٣).\nأما خليفة فقد ذكر هذه الغزوة ضمن أحداث سنة (٥٩) هـ فقد أخرج خليفة بن خياط قال: قال بقي: وقُرئ على يحيى بن عبد الله بن بكير وأنا أسمع عن الليث قال: وفي سنة تسع وخمسين غزوة جنادة الحجري وعلقمة بن الأخثم رودس (تأريخ خليفة ٢٢٧).","vol":"4","page":36},{"text":"بعد إجماعِ جميعهم على أنّ هلاكه كان في سنة ستّين من الهجرة (١). (٥: ٣٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>ذكر الخبر عن مدة ملكه</span>\n٧ م- حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني من سمع إسحاقَ بن عيسى يذكر عن أبي معشر، قال: بويع لمعاوية بأذْرُحَ، بايعه الحسنُ بن عليّ في جُمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وتوفِّيَ معاوية في رجب سنة ستين، وكانت خلافتُه تسع عشرةَ سنةً وثلاثةَ أشهر (٢). (٥: ٣٢٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>ذكر العلة التي كانت فيها وفاته</span>\n٨ م- حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ، عن سليمان بن أيوب، عن الأوزاعيّ وعليّ بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن ميمون، عن أبيه؛ أنّ معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إنّ رسولَ الله - ﷺ - كساني قميصًا فرفعتُه. وقلّم\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) إسناده ضعيف وهو صحيح، وقد مر بنا قبل قليل قول الطبري (فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة وفي رجب منها).\nوكذلك أكد الحافظ ابن كثير كلام الطبري هذا (البداية والنهاية (٨/ ١١٩).\nوأخرج يعقوب بن سفيان قال نبأنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث قال: توفي معاوية في رجب لأربع ليالٍ خلت منه سنة ستين فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣٢٤) وكذلك أخرجه خليفة عن الليث قال: وفي سنة ستين توفي أمير المؤمنين معاوية في رجب لأربع ليالٍ خلت منه (تأريخ خليفة ٢٢٩).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-526> ذكر مدة عمره </span>-\nذكر الطبري عدة روايات جميعها ضعيفة منها ما هو من طريق الواقدي وهو متروك ومنها ما في إسنادها مجهول واختلفت هذه الروايات بين الأعداد (٧٣ سنة، ٧٥ سنة، ٧٨ سنة، ٨٥ سنة) ولم يرجح الذهبي أيًا منها في كتابه (تأريخ الإسلام) ولكن تلميذه ابن كثير رحمه الله تعالى قال:\nوكان عمره إذ ذاك ثمانيًا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم (البداية والنهاية ٨/ ١٤٦).","vol":"4","page":37},{"text":"أظفاره يومًا، فأخذتُ قُلامتَه فجعلتُها في قارورة، فإذا متّ فألبسوني ذلك القميصَ، وقطّعوا تلك القُلامةَ، واسحَقوها وذُرُّوها في عيني، وفي فيّ، فعسى الله أن يرحَمني ببَركتها! ثم قال متمّثلًا بشِعر الأشهب بن رُمَيلة النَّهشليّ يمدح به القُباع:\nإذا مُتّ ماتَ الجُودُ وانقطعَ النَّدَى ... من الناس إلَّا من قليل مصَرَّدِ\nورُدَّتْ أكُفُّ السائلينَ وأَمْسَكوا ... من الدّينِ والدنيا بخِلفٍ مُجدَّدِ\nفقالت إحدى بناته -أو غيرها: كلّا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك؛ فقال متمثلًا:\nوإذا المنيّة أنشبتْ أظفارَها ... ألفَيتَ كُلَّ تَميمةٍ لا تَنفعُ\nثم أغمِيَ عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره في أهله: اتقوا الله ﷿، فإنّ الله سبحانه يقي من اتّقاه، ولا واقيَ لمن لا يتقي الله، ثم قضى (١). (٥: ٣٢٦/ ٣٢٧).\n٩ م- حدَّثنا أحمد، عن عليّ، عن محمد بن الحكم، عمّن حدّثه أنّ معاوية لما حُضر أوصى بنصف ماله أن يُردّ إلى بيت المال، كان أراد أن يَطِيب له الباقي، لأنّ عمر قاسم عمّاله (٢). (٥: ٣٢٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>ذكر الخبر عن نسبه وكنيته</span>\n١٠ م- أما نسبه فإنه ابن أبي سُفيان، واسم أبي سُفْيان صَخْر بن حَرْب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب، وأمّه هند بنت عتبة بن\n_________\n(١) إسناده مركب من طريقين، الأول فمن طريق علي بن مجاهد وهو متروك أما الثاني فمن طريق الأوزاعي عن عبد الأعلى بن ميمون عن أبيه وعبد الأعلى ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات والله أعلم.\nوأخرجه البلاذري من طريق هشام بن عمار عن عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي به (الأنساب / ٤/ ١٥٣ / ح ٤٣١).\n(٢) وأخرجه البلاذري فبين اسم الذي أبهمه الطبري وذلك من طريق المدائني عن محمد بن الحكم عن أبيه (أنساب الأشراف ٤/ ٢٨ / ٩٧٩).","vol":"4","page":38},{"text":"ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وكنيته أبو عبد الرحمن (١). (٥: ٣٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>ذكر نسائه وولده</span>\nمن نسائه مَيسون بنت بَحْدل بن أنيَف بن وَلْجة بن قُنافة بن عديّ بن زهير بن حارثة بن جناب الكلبيّ، ولدت له يزيدَ بن معاوية، قال عليّ: ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمةً - ربّ المشارق - فماتت صغيرة، ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية (٢). (٥: ٣٢٩).\nومنهنّ كَتْوة بنت قرظة أخت فأختة، فغزا قُبْرُسَ وهي معه، فماتت هنالك (٣). (٥: ٣٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره</span>\n١١ م- حدّثني عبد الله بن أحمد بن شَبّوَيه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المُبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبريّ، قال: قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصرَ ودهاءَهما وعندكم معاوية! (٤). (٥: ٣٣٠).\n١٢ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبو صالح سليمان بن صالح قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بُرْدة، قال: دخلتُ على معاوية حيث أصابته قَرْحتُه، فقال: هلمّ يابن أخي نحوي فانظر، فنظرتُ فإذا هي قد سُبِرتْ، فقلت: ليس عليك بأس يا أميرَ المؤمنين، فدخل يزيدُ فقال معاوية: إن وليتَ من أمر الناس شيئًا\n_________\n(١) وراجع طبقات خليفة (١٠/ ١٣٩)، (السير والمغازي / ٢٥١) والذهبي (عهد معاوية / ٣٠٦).\n(٢) صحيح.\n(٣) صحيح.\n(٤) إسناده صحيح وأخرجه ابن عساكر، تأريخ دمشق (١٦/ ٣٦٠).","vol":"4","page":39},{"text":"فاستوصِ بهذا، فإن أباه كان لي خليلًا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يرَه (١). (٥: ٣٣٢).\n١٣ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن حرملة بن عمران، قال: أتى معاوية في ليلة أنّ قيصرَ قصد له في الناس، وأنّ ناتِل بن قيس الجُذاميّ غلب فلسطين وأخذ بيتَ مالها، وأنّ المصريّين الذين كان سَجَنهم هَرَبوا، وأنّ عليّ بن أبي طالب قصد له في الناس، فقال لمؤذّنه: أذّن هذه الساعة -وذلك نصف الليل- فجاءه عمرو بن العاص، فقال: لم أرسلت إليّ؟ قال: أنا ما أرسلت إليك؛ قال: ما أذّن المؤذّن هذه الساعة إلّا من أجلي؛ قال: رُمِيتُ بالقِسيّ الأربع، قال عمرو: أما هؤلاء الذين خرجا من سجنك، فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله ﷿، وهم قوم شُراةٌ لا رحلة بهم، فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديتّه، فإنك ستؤتَى بهم، وانظر قيصرَ فوادعْه، وأعطِه مالًا وحُللًا من حُلَل مصر، فإنّه سيرضى منك بذاك، وانظر ناتل بن قيس، فلَعَمري ما أغضبه الدّين، ولا أراد إلا ما أصاب، فاكتب إليه وهب له ذلك، وهنّئه إياه، فإن كانت لك قدرةٌ عليه، وإن لم تكن لك فلا تأسَ عليه، واجعل حدّك وحديدَك لهذا الذي عنده دمُ ابن عمِّك.\nقال: وكان القوم كلُّهم خرجوا من سجنه غير أبرَهة بن الصبّاح، قال معاوية: ما منعك من أن تخرج مع أصحابك؟ قال: ما منعني منه بغضٌ لعليّ، ولا حبٌّ لك، ولكني لم أقدر عليه، فخلَّى سبيلَه (٢). (٥: ٣٣٣/ ٣٣٤).\n١٤ م- حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عبد الله، وهشام بن سعد، عن عبد الملك بن عُمير، قال: أغلَظَ رجلٌ لمعاوية فأكثر، فقيل له: أتَحلَم عن هذا؟ فقال: إني لا أحولُ بين الناس وألسنتهِم ما لم يَحوُلوا بيننا وبين مُلكِنا (٣). (٥: ٣٣٦).\n_________\n(١) إسناده صحيح وأخرجه ابن سعد مختصرًا (٤/ ٨٣) والبلاذري في (أنساب الأشراف ٤/ ٤٦).\n(٢) رجاله ثقات ومنهم الإمام عبد الله بن المبارك غير أن حرملة بن عمر لم يدرك معاوية فقد ولد بعد وفاة معاوية بعشرين سنة والله أعلم.\n(٣) رجاله ثقات.","vol":"4","page":40},{"text":"١٥ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن مَعمَر، عن همّام بن منبّه، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: ما رأيت أحدًا أخلقَ للمُلك من معاوية، إن كان ليردُ الناس منه على أرجاءِ وادٍ رحْب، ولم يكن كالضّيق الخُضْخض، الحصِر -يعني ابن الزُّبَيْر (١). (٥: ٣٣٧).\n_________\n(١) إسناده صحيح وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (ح ٢٠٩٨٥) والخبر أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٢٧) من طريق همام بن منبه قال: سمعت ابن عباس دون زيادة (ابن الزبير) ولعل هذه الزيادة مدرجة من أحد الرواة والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>الخليفة المجاهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - (٤١ - ٦٠) ه</span>ـ\nلقد أمرنا ربنا ﷾ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، وأمرنا سبحانه أن نتعظ وننتفع من تأريخ السالفين الغابرين فللتأريخ البشري سنن لا نتخلف عنها مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ وقد وضّح القرآن الكريم عديدًا من السنن التأريخية لا مجال لذكرها هنا ولكنا نريد أن نقول ردًّا على أستاذ للتأريخ معروف قال في إحدى المؤتمرات المفتوحة: إننا نحن المسلمون نكتب أو نقرأ أحيانًا تأريخنا كما نريد لا كما هو، فنقول: أولًا هذا هو ميزان السند وماله من ضوابط نستطيع أن نميز به مبدئيًا بين الغث والسمين بين الواقعة التأريخية كما هي وبين زيادة الضعفاء وافتراء الكذابين وتحريف المبتدعة الغالين.\nوبالإضافة إلى السند فلمتن الرواية التأريخية قواعد أخرى لا تخفى على الناقد البصير.\nونحن في تحقيقنا هذا بعد أن ميّزنا الرواية التأريخية الصحيحة السند عن ضعيفها وجدنا أن المتن المنكر لا بد له من سند منكر يتكئ عليه أو على الأقل سند شديد الضعف لا ينجبر ضعفه، ولقد تبيّن لنا في تحقيقنا لعهد الخلفاء الراشدين أن لا مطعن (على سيرة الخلفاء الأربعة) يستند إلى دليل تأريخي صحيح - وناقشنا التفاصيل في حينها- وأما بالنسبة لحكم الصحابي الجليل معاوية - ﵁ - فبعد فرزنا للروايات التأريخية الصحيحة (ونسأل الله أن قد وفقنا في ذلك) نقول:\nلقد اجتهد معاوية - ﵁ - بصفته إمامًا أجمع المسلمون على بيعته بعد صلحه مع الحسن نقول اجتهد فأصاب في مرات عديدة ولم يصب في مرتين نسأل الله أن يرزقه أجر الاجتهاد ويغفر له ويرحمه.\nأما الأولى: التي اجتهد فيها ولم يصب فهو اشتراطه أن لا يبايع أمير المؤمنين علي - ﵁ - حتى يقيم القصاص من قتلة سيدنا عثمان - ﵁ - وكان يتأول بذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ولكنه لم يصب في اجتهاده هذا فلم يصب في =","vol":"4","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خروجه على طاعة الإمام الأعظم فكان أمير المؤمنين علي أولى بتفسير الآية فهو ولي أمر عثمان قبل معاوية، ولكن اجتهاده هذا وخروجه ذلك لا يطعن في عدالته كصحابي وهذا هو مذهب أئمة أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا. عليه الصحابة من خروجه على الإمام وغير ذلك- وكما قال المسور: (فلم أدع شيئًا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت نعم إن لي ذنوبًا إن لم يغفرها هلكت بسببها، قال فما الذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة مني فوالله لما إليّ من إصلاح الرعايا وإقامة الحدود والإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمور العظام لا يحصيها إلا الله ولا نحصيها أكثر مما نذكر من العيوب والذنوب وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات والله على ذلك ما كنت لأخيّر بين الله وغيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه قال: (أي المسور بين مخرمة) ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمني قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير).\nوالحديث أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة - ورجاله رجال الصحيح (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦).\nوقال ابن كثير: وقد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه.\nقلنا: وأخرجه ابن عساكر كذلك من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قدم المسور وافدًا على معاوية ... إلخ (مختصر تأريخ دمشق / ترجمة معاوية / ٤٧).\nوكذب من قال من المستشرقين بأن معاوية - ﵁ - خرج على أمير المؤمنين علي لأنه ينافسه على السلطة أو لأنه لا يحبه وغير ذلك من الأسباب الواهية وقد ذكرنا في خلاصة القول في وقعة صفين أن معاوية كان يقرّ بأحقية خلافة سيدنا علي ويرى عليًّا خيرًا وأفضل من سابقه ولكن اشتراط القصاص من قتلة عثمان قبل أن يبايع لعلي وكان ذلك منه اجتهادًا وإلا فهو يعلم فضل عليٍّ في العلم والحزم والإدارة والسبق إلى الإسلام.\nوغير ذلك وقد كررنا مرارًا رواية أبي مسلم الخولاني عندما قال لمعاوية: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: إني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه ... الخبر) (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) و(البداية والنهاية ٨/ ١٢٩) ورجاله ثقات.\nونزيد هنا رواية أخرى أخرجها ابن عساكر في تأريخ دمشق (ترجمة معاوية) عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فهو أعلم- قال أريد جوابك ... الخبر) وفيه ما يدل على غضب معاوية من كلام الرجل إذ تتمة الخبر كالآتي:\n(قال ويحك لقد كرهت رجلًا كان رسول الله - ﷺ - يغرّه بالعلم غرًا ولقد قال له أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي -ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه =","vol":"4","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكان إذا أشكل على عمر شيء قال: ها هنا علي، قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان فبلغ ذلك عليًّا.\nفقال جزاه الله خيرًا، سمعت رسول الله - ﷺ - بأذني وإلا صُمّتا يقول له: \"أنت يا معاوية أحد أمناء الله، اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد\".\n(مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ترجمة معاوية / ٦).\nفلنا: ولم نحصل على الجزء الأصلي من تأريخ دمشق (قبل اختصاره) والذي يحتوي على هذا الخبر كي نتحقق من سنده هل صحَّ أم لا؟ علمًا بأن والله أعلم.\nوأخرج ابن عساكر أيضًا عن المغيرة قوله: لما جاء قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله. فقال لها ويحك؛ إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. (مختصر تأريخ دمشق / ترجمة معاوية / ٣٩).\nولقد سردنا هذه الروايات لنبين أن معاوية - ﵁ - ما كان يقاتل عليًّا منافسة على السلطة ولا جهلًا ولا إنكارًا لفضله وعلمه ولا بغضًا له وإنما وقف معاوية موقفه هذا اجتهادًا منه وظنًا منه أن موقفه صواب وعمل بالآي الكريم في حق ولي المقتول في الطلب بدم القتيل وكما أخرج الطبري (٥/ ٣٣٢) عن أبي بردة حين دخل على معاوية وفيه: (فإن أباه كان لي خليلًا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يره). وإسناده صحيح.\nقال ابن عباس:\nكنتُ جالسًا عند النبي - ﷺ - وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذْ أقبل عليُّ بن أبي طالب فقال رسولُ الله - ﷺ - لمعاوية: أتحبُّ عليًّا يا معاوية؟ فقال معاوية. إي والله الذي لا إله إلا هو إني لأحبُّه في الله حُبًّا شديدًا. فقال رسولُ الله - ﷺ -: إنها ستكونُ بينكم هنيهة. قال معاوية: ما يكونَ بعد ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي - ﷺ -: عَفُوُ الله ورضوانُه، والدخول إلى الجنة. قال معاوية: رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوالروايات في اعتراف معاوية بأفضلية علي كثيرة منها خاصة في فضل علي ومنها عامة في فضائل علي وبقية الخلفاء الراشدين من قبله كما ذكر الذهبي رواية المدائني عن أبي عبيد الله عن عبادة بن نُسي: قال خطبنا معاوية فقال: إن من زرع قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خيرٌ مني كما أن من كان قبلي خيرٌ مني، اللهم قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي - (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ٣١٦) وهو عند البلاذري (أنساب الأشراف ٤/ ١ / ح ١٦٢) من طريق سعيد بن عامر الخزرجي عن عبادة بن نسي قال: خطب معاوية فقال: \"إني كزرع مستحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلّا من أنا خير منه كما أن من =","vol":"4","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كان قبلي كان خيرًا مني، وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني أحببت لقاءك فأحبّ لقائي وبارك لي فيه\".\nوقال الحافظ ابن كثير: قال ابن أبي الدنيا حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: \"أيها الناس إن من زرع قد استحصد وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خيرٌ مني، وإنما يليكم من هو شرٌ مني، كما كان من وليكم قبلي خيرٌ مني ... الخبر\" (البداية والنهاية ٨/ ١٤٤).\nوكما قال الحافظ المحدث والمفسر والمؤرخ ابن كثير ﵀: \"ثم ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي فجرى بينهما قتال عظيمٍ كما قدمنا وكان الحق والصواب مع علي ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام -كما ثبت في الحديث الصحيح \"تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق\" البداية والنهاية (٨/ ١٢٩).\nقلنا: وهذا يعني أن عليًّا والمصلحين من جيشه هم أقرب إلى الحق والصواب في موقفهم، أما معاوية فاجتهد فلم يصب في اجتهاده - ولم يكن سيدنا معاوية فيما بعد مصرًا على صواب اجتهاده بل كان يرى أنه لم يوافق كثيرًا من الصحابة في موقفهم وإن كان أخطأ في اجتهاده فهو يرجو ربه الكريم العفو الحليم -كما أخرج الطبري (٥/ ٣٣٢) من حديث حميد بن هلال عن أبي بردة قال: دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته ... الخبر وفي آخره - إن وليت من أمر الناس شيئًا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلًا غير أني رأيت في القتال ما لم يره، وإسناده صحيح -كما بيّنا-.\nوكما جاء في حديث المسور بن مخرمة عندما دخل على معاوية وانتقده بما أخذ.\nثانيًا: واجتهد معاوية - ﵁ - كإمام للمسلمين فاختار ابنه يزيد خلفًا له في حكم المسلمين.\nولقد كان تولي يزيد الحكم خطوة مغايرة لما عرفه الناس في عهد الخلافة الراشدة - صحيح أن الناس قد بايعوا الحسن بن علي من بعد استشهاد والده - ﵄ - إلَّا أن سيدنا علي لم يدع الناس إلى بيعة ابنه الحسن من بعده.\nولقد اجتهد الإمام معاوية واجتهاده ذو شقين أصاب في شقه الأول وأخطأ في شقه الثاني، فقد خشي سيدنا معاوية على الأمة أن تمزقها الفرقة والفتنة إن لم تكن اصطلحت على خليفة من بعده وكان يرى ابنه من بين بقية أبناء الصحابة أجدر الناس بسياسة الأمور وإدارة الحكم وإن لم يكن أفضلهم علمًا وأورعهم وكان يرى في تولية يزيد ضمانًا للأمن والاستقرار والهدوء السياسي الذي دام عقدين من الزمان في ظل حكم أمير المؤمنين معاوية - ﵁ - =","vol":"4","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فسيدنا معاوية كان على حق وصواب عندما أيقن بضرورة اجتماع الأمة على خليفة من بعده، ولكنه لم يصب - ﵁ - في اختياره ليزيد.\nوأما عاطفة الأبوة فلا ننفي ولا نثبت بل نسكت عن هذه المسألة ولم نهتد فيها إلى الراجح، ولا نقول أكثر من هذا في حق صاحب رسول الله - ﷺ - وكاتب وحيه والخليفة الذي أجمعت الأمة على بيعته حتى سمّي ذلك العام بعام الجماعة.\nوللعلامة ابن خلدون كلام نفيس ﵀ في هذه المسألة إذ يقول: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة العامة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ.\nوقال أيضًا: وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان الظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه. [المقدمة / ٢١٠].\nويبدو أن عددًا من الصحابة رفضوا -بداية الأمر- تولية يزيد من بعد أبيه ولكن عددهم تقلّص حتى صاروا على عدد الأصابع ولكنهم من أهل الحل والعقد يومئذٍ، ولقد كثرت الروايات المكذوبة والمزيفة التي تتحدث عن تفاصيل ما جرى بينهم وبين معاوية - ﵃ - أجمعين.\nولم نجد فيها رواية صحيحة تصلح للاحتجاج بها سوى ما أخرجه أبو نعيم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر \"أن معاوية أخبر أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية قال: فلما قدم معاوية وسأله عن الأحوال ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فتفاوضا معه في أمر يزيد ثم دعا معاوية بن الزبير، فقال له: هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب روّاغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر. فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق ولكن أكره أن أبايع رجلين أيكما نطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت حللت الأمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك، فقام معاوية حين أبوا عليه، فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبًا وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة\" [حلية الأولياء (/ ٣٣٠)].\nقلنا: ورجال إسناد أبي نعيم ثقات والله أعلم.\nوسنفصل في مسألة البيعة ليزيد بولاية العهد عند حديثنا عن عهد يزيد [٦٠ - ٦٤] هـ إن شاء الله تعالى. =","vol":"4","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والآن فهذه الصورة الحقيقية المشرقة لشخصية وسلوك أمير المؤمنين معاوية- بعيدًا عن تشويه المبتدعة والضعفاء والساقطين - في ميزان الجرح والتعديل - مع شيء من مناقبه.\n١ - وأما عن مناقبه فيكفيه - ﵁ - منقبة ومفخرة وذخرًا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا .... الحديث\" (فتح الباري ٦/ ١٢٠).\n٢ - ولقد ثبت أن دعا له رسول الله - ﷺ - دعاءً طيبًا مباركًا فقال ﵊ لمعاوية: \"اللهم علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب\".\nوقال الذهبي: هذا الحديث رواته ثقات (عهد معاوية / ٣٠٩) والحديث أخرجه الترمذي في سننه (كتاب المناقب / ٣٨٤) وحسّنه وأخرجه أحمد (٤/ ٢١٦).\nوأخرجه البلاذري من وجه آخر عن عقبة بن رويم اللخمي ولفظه: دعا رسول الله - ﷺ - لمعاوية فقال: \"اللهم أهده واهدِ به وعلمه الكتاب والحساب وقه العذاب\". (أنساب الأشراف ٤/ ١ / ح ٣٦٤).\nونقل ابن كثير قول ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس \"أنه كان كاتب النبي - ﷺ - منذ أسلم\" أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: \"اللهم علم معاوية الكتاب\" وبعده حديث ابن أبي عميرة \"اللهم اجعله هاديًا مهديًا\" قلت (ابن كثير): وقد قال البخاري في كتاب المناقب (ذكر معاوية بن أبي سفيان): حدثنا الحسن بن بشر ثنا المعافر عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال أوتر معاوية بعد العشاء بركعة فقال: دعه فإنه صحب رسول الله - ﷺ - حدثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلّا بواحدة قال: أصاب إنه فقيه. (البداية والنهاية ٨/ ١٣٥).\n٣ - ومن مناقبه الأخرى كما ذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال الإمام أحمد: حدثنا روح ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال: سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الإدواة بعد أبي هريرة فتبع رسول الله - ﷺ - بها -وكان أبو هريرة قد اشتكى- فبينما هو يوضِّئ رسول الله - ﷺ - إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني سأبتلى بعمل لقول النبي - ﷺ - حتى ابتليت\". تفرد به أحمد.\nورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن أبي إسحاق الهمداني سعيد بن زنبور بن ثابت عن عمرو بن يحيى بن سعيد. ورواه ابن مندة من حديث بشر بن الحكم عن عمرو بن يحيى به وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده عن معاوية قال: اتبعت رسول الله - ﷺ - بوضوء. فلما توضأ نظر إليّ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل، =","vol":"4","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فما زلت أظن أني مبتلى بعمل حتى وليت، ورواه غالب القطان عن الحسن قال سمعت معاوية يخطب وهو يقول: صببت يومًا على رسول الله - ﷺ - وضوءه فرفع رأسه إليّ فقال: \"أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، قال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا\".\nوروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله - ﷺ - \"إن ملكت فأحسن\" قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف، إلّا أن للحديث شواهد. (البداية والنهاية ٨/ ١٢٦).\n٤ - والعجيب أن الدكتور يوسف العش الذي شغل مناصب منها عمادة كلية الشريعة بدمشق (وأستاذ التأريخ كذلك) فقد ألّف كتابًا قيّمًا بعنوان (الدولة الأموية) واعتمد في أحداث الفتنة على الروايات الصحيحة بعد تمحيصها من الروايات الضعيفة وأجاد في مواضع كثيرة في الكتاب إلّا أنه أخْفق في تقييمه لبعض جوانب شخصية معاوية - ﵁ - إذ قال: إن مهمة الخلافة عند معاوية هي صيانة الأمة وإدارتها وتوطيد الحكم فيها أكثر منها توثيق الأحكام الفقهية وإدخال تلك الأحكام في حياة الأفراد والإشراف عليها في أعمالهم الجزئية، الخلافة في نظره تخدم الفكرة الإسلامية عامة لا الأحكام الشرعية خاصة\" (الدولة الأموية / ١٤٠).\nويقول الأستاذ يوسف العش ﵀ \"غاية الحكم عند معاوية هي رفع مستوى الأمة بإجمالها لا تحقيق العدالة الفردية، وهو قد يتساهل في بعض الأحكام التفصيلية أمام المصلحة العامة، ومنذ عصر معاوية نرى قاعدة في الحكم الإسلامي هي تقديم مصلحة الدولة عامة على تفاصيل الأحكام الفقهية وعلى مصلحة الأفراد الخاصة\" (الدولة الأموية / ١٤٠).\nولقد تدارك الأستاذ العش بعض ما قاله هنا فقال بعد أسطر \"ولا يوجد في الواقع اختلاف بين تلك المصالح العليا وبين التفاصيل الفقهية إلا في حالات معينة\" (الدولة الأموية / ١٤١).\nوعلى أية حال فكلام الدكتور العش ذو تشعبات طويلة وبحاجة إلى نقد كبير إلا أننا نركز هنا على قوله: \"إن مهمة الخلافة عند معاوية هي صيانة الأمة وإدارتها وتوطيد الحكم فيها أكثر منها توثيق الأحكام الفقهية وإدخال تلك الأحكام في حياة الأفراد والإشراف عليها في أعمالهم الجزئية\" فنقول وبالله التوفيق:\nلا يوجد اختلاف بين المصالح العليا للأمة المسلمة وبين التفاصيل الفقهية حتى في الحالات المعينة التي قالها الدكتور العش: هذا أولًا. وثانيًا: فإن أمير المؤمنين معاوية كان مهتمًا بأصول السياسة الشرعية اهتمامًا بالغًا وفي الوقت عينه كان متتبعًا للأحكام الفقهية وحريصًا على تطبيقها في الحياة اليومية للناس وحتى إن كانت جزئية وسنبدأ بذكر الأمثلة ابتداءً من المخطوط العامة للسياسة الشرعية وانتهاءً بالأحكام الفقهية والتفاصيل الجزئية: =","vol":"4","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المثال الأول: أخرج ابن عساكر (مختصر تأريخ ابن عساكر لابن منظور / ترجمة معاوية / ٥٠):\nوعن أبي قَبِيل حُيَيّ بن هانئ:\nأن معاوية صَعِد المِنْبَر يوم الجمعة فقال عند خُطْبته: أيها الناس! إنَّ المال مالُنا، والفَيءَ فيئُنا، مَنْ شئنا أعطيناه، ومَنْ شئنا منعناه، فلم يُجِبْه أحد، فلما كان الجمعة الثانية قال مثل ذلك، فلم يُجِبْه أحد، فلما كانت الجمعةُ الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجلٌ ممن حضر المسجد فقال: يا معاوية! كلًّا، إنما المالُ مالُنا، والْفيءُ فيئنا، مَنْ حال بيننا وبين هؤلاء بأسيافنا، فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأُدخل عليه قال القوم: هلك الرجل. ففتح معاوية الأبواب، فدخل الناسُ عليه، فوجدوا الرجلَ معه عليّ السرير، فقال معاوية للناس إنَّ هذا أحيانى أحياهُ الله، سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: سيكون أئمةٌ من بعدي، يقولون فلا يُرَدُّ عليهم قولُهم، يتقاحَمُونِ في النار كما تَقَاحَمُ القِرَدَةُ، وإني تكلَّمْتُ أَوَّلَ جُمعةٍ فلم يردَّ عليَّ أحَد، فخشِيتُ أنْ أكون منهم: ثم تكلَّمتُ الثانية فلم يردَّ عليَّ أحد، فقلتُ في نفسي: إني من القوم، فتكلمتُ الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل فردَّ عليّ، فأحياني أحياهُ الله، فرجوتُ أن يُخرجني الله منهم، فأعطاه وأجازه.\nقيل: إنَّ هذا القائل لمعاوية هذا القول أبو بَحْرِيَّة عبد الله بن قيس السَّكْوني.\nوقد أورد الحافظ الذهبي هذه الرواية بالسند فقال: قال سويد بن سعيد ثنا قمام بن إسماعيل بالإسكندرية سمعت أبا قبيل حييّ بن هانئ يخبر عن معاوية: وصعد المنبر يوم الجمعة ... الحديث كما عند ابن عساكر).\nثم قال الحافظ الذهبي: هذا حديث حسن (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ٣١٤).\nقلنا: وهذا يعني أن سيدنا معاوية - ﵁ - كان يذكّر الناس وعلى منبر الجمعة بأصل التناصح والأخذ عليّ يد الحاكم وتقويمه إن خالف الشرع.\nالمثال الثاني: أخرج أبو داود في سننه (٣/ ٣٥٧) والترمذي (٣/ ٦١٩) وأبي مريم الأسدي أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله عن حاجته يوم القيامة، فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس\".\nوجوّد الحافظ إسناده (فتح الباري ١٣/ ١٤٣).\nقلنا: وهذه من اهتمامات معاوية - ﵁ - بمصلحة الأفراد الخاصة واتباع الحكم الشرعي متمثلًا في أوامر الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ -.\nالمثال الثالث: أخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ح ١٦٣) قال:\nحدثنا هشام بن عمّار حدثنا إسماعيل بن عَيّاش عن صَفْوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الهَوْزَني عن أبي عامر الهَوْزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكّة أُخبر برجل قاصٍّ يقصّ على أهل مكّة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أُمرتَ بالقصص؟ فقال: =","vol":"4","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لا، قال: فما حملك على أنْ تقصّ بغير إذْن؟ قال: إنّما ننشر علمًا علّمناه الله، قال: لو كنتُ تقدّمتُ إليك لقطعتُ طابقًا منك.\nقلنا: وصفوان بن عمر وأبو عامر الهوزني ثقتان وبقية رجال الإسناد لا تنزل مرتبتهم عن الصدوق وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهو حمصي وشيخه الذي روى عنه هنا هو صفوان وهو حمصي أيضًا فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى- وهذا يعني أن معاوية كان مهتمًا بالتفاصيل الفقهية وكان حريصًا على إدخالها في حياة الناس خلاف ما قاله الأستاذ العش.\nالمثال الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن حمران بن أبان عن معاوية - ﵁ - أنه قال: \"إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا النبي - ﷺ - فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر\" (فتح الباري ٧/ ١٣٠).\nوأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٠٢) عن أبي سلمة قال: إن معاوية قال وهو على المنبر لكثير ابن الصلت: اذهب إلى عائشة فاسألها فقال أبو سلمة فقمت معه، وقال ابن عباس لعبد الله بن الحارث: \"اذهب معه، فجئناها فسألناها\" وصحح الحافظ إسناده (فتح الباري ٣/ ١٢٧) وهذا يعني أن معاوية - ﵁ - كان مهتمًا بتفاصيل الأحكام الفقهية في مختلف المجالات ويزيدنا إيضاحًا المثال الخامس.\nالمثال الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - يوم عاشوراء عام حج على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. (فتح الباري ٤/ ٢٨٧).\nالمثال السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان (عام حج) على المنبر فتناول قصة من شعر وكانت في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة: أين علماؤكم؟ سمعت النبي - ﷺ - ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم. (فتح الباري ٦/ ٥٩١).\nوفي رواية أخرى عن سعيد بن المسيب \"قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا، فأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعل هذا غير اليهود، وإن النبي - ﷺ - سماه الزور، يعني الوصال في الشعر\" (فتح الباري ٦/ ٥٩٥).\nوهذا اهتمام من سيدنا معاوية بأسلمة الحياة اليومية العادية حتى لو كان متعلقًا بالحياة الأسرية الخاصة.\nالمثال السابع: أخرج البخاري في صحيحه (فتح الباري ١١/ ٣٩٨) عن الشعبي حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء سمعته من =","vol":"4","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النبي - ﷺ - فكتب إليه سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال؛ وإضاعة المال وكثرة السؤال\".\nالمثال الثامن: أخرج البخاري في صحيحه عن وارد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبي - ﷺ - يقول: خلف كل صلاة، فأملى على المغيرة قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وقال ابن جريج: أخبرني عدة أن واردًا أخبره بهذا، ثم وفدت بعد إلى معاوية فسمعته يأمر الناس بذلك القول (فتح الباري ١١/ ٥٢١).\nالمثال التاسع: أخرج البخاري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (فتح الباري ١٣/ ٣٤٥).\nالمثال العاشر: قال الحافظ ابن كثير: روى أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد عن همام بن إسماعيل عن أبي قبيل قال: كان معاوية يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس - يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان -يعني ليجري الرزق (البداية والنهاية ٨/ ١٣٧).\nوالأمثلة كثيرة ولا نريد أن نطيل في ذكرها ولكننا ذكرناها في معرض نقدنا وردّنا على تقييم الدكتور العش ﵀ لبعض جوانب شخصية معاوية ومنهجه في الحكم - وهذا لا يعني أننا وضعنا الدكتور يوسف العش في صف أعداء التأريخ الإسلامي، كلا فالرجل حاول أن يتجنب الروايات الضعيفة والمختلفة في تحليل أحداث الفتنة أيام عثمان - ﵁ - واكتفى بالاحتجاج بالروايات الصحيحة وأبدى تحليلًا قيمًا في غير موضع من كتابه ولعلنا لا نلومه ﵀ فيما أخطأ فيه وذلك للسبب الآتي:\nإن توارث الروايات الضعيفة لقرون طويلة دون تقسيمها إلى شطرين صحيح وضعيف وتداولها في الكتب التأريخية المتعاقبة ثم العمل الخطير الذي قام به المستشرقون في بداية القرن العشرين الميلادي عندما جاؤوا بصفة مستشارين في وزارة المعارف في مختلف البلدان العربية (إبان الاستعمار البريطاني والفرنسي وغيرهما) وقيامهم بالإشراف على تأليف كتب التأريخ من ثم اعتماد الروايات الموضوعة والضعيفة جدًّا لكتابة التأريخ الإسلامي ومن تربَّى على تلك الكتب أجيال وأجيال أقول مع كل تلك التراكمات تكونت في أذهاننا صورة خاطئة عن الحكم الإسلامي طول تأريخنا الطويل ومن تلك الصور تلك الصورة المشوهة لسيدنا معاوية - ﵁ -، ولو رجعنا ولو مرة واحدة إلى صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح والسنن والمسانيد والمستدركات لتغيّرت الصورة تمامًا في أذهاننا فهذه الكتب =","vol":"4","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تختلف عن كتب الأخباريين الذين يجمعون في كتبهم بين الضعيف والصحيح والغث والسمين، والحمد لله على نعمة الإسناد.\n٥ - لقد أعطتنا الروايات التي اختلقها المبتدعة والكذابون كأبي مخنف والواقدي وغيرهما صورة وهمية تبيّن لنا أن معاوية - ﵁ - كان يرفل بالنعيم ويلبس كذا ويأكل كذا ويمشي كذا ... إلخ ما تصوره لنا الروايات الواهية وتزيد عليها أقلام الكتاب المعاصرين المتغربين من مسلمين ونصارى ممن أطلقوا العنان لأقلامهم فصوّروا في كتبهم ومقالاتهم سيدنا معاوية رجلًا يلبس الملابس المرصعة باللؤلؤ والمرجان ويمشي في الناس في موكب مهيب ويجلس على كرسي ملكي فخم مفخم ... إلخ.\nونحن نقول: إن كان معاوية - ﵁ - قد اهتم ببناء دار الخلافة على طراز جديد فقد كان له مبرره \"إني في بلاد لا يمتنع فيها من جواسيس العدو، ولابدّ لهم مما يرهبهم من آلة السلطان\".\nولم نجد رواية صحيحة السند تحكي عن ترف معاوية - ﵁ - في البناء والملبس والمركب لذلك أعرضنا عنها ويبدو لنا والله أعلم أن معاوية كان يهتم ببعض الشكليات المتعلقة بدار الخلافة إظهارًا لهيبة المسلمين أمام الروم المتاخمين للشام في الحدود الشمالية والذين لا يفهمون إلّا ظاهرًا من الحياة الدنيا ولكن معاوية - ﵁ - لم يكن ليهتم بتلك الشكليات حين ينزل إلى السوق يختلط بالناس وحين يذهب إلى المسجد أو إلى الحج وما إلى ذلك ولم نجد رواية صحيحة تذكر عن موكب معاوية وخدمه وحشمه.\nأخرج ابن عساكر عن يونس بن حلبس قال: رأيت معاوية في سوق دمشق على بغلة له، وخلفه وصيف قد أردفه، عليه قميص مرقوع الجيب وهو يسير في أسواق دمشق (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ٥٣٠) وإسناده كما ذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس به (البداية والنهاية ٨/ ١٣٧) وهذا إسناد ضعيف والله تعالى أعلم.\nوأخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ح ٢٠٣) حدثني هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: قال عمرو بن العاص وذكر معاوية وهو بمصر: إن إمامكم ممن سهّل الله خليقته، وقوّم طريقته، وأحسن صيغته، فمن كانت النعمة تُبطره، إنها لتذلله وتوصره\".\nقلنا: وأما شيخ البلاذري (هشام بن عمار) فصدوق، وأما الوليد بن مسلم فثقة، وأما مروان بن جناح فلا بأس به والله أعلم.\n٦ - ومع كل ما ذكرنا من روايات في البخاري وغيره تدل على تواضع معاوية للعلماء وسماعه لنصيحتهم فلا زالت تراكمات القرون الطويلة تحجب الرؤية الواضحة لمكانة أمير المؤمنين معاوية - ﵁ - وأرضاه كيف لا وهو صاحب رسول الله وكاتب الوحي عنده ولعلّ هذه =","vol":"4","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الرواية تزيدنا علمًا بخلق معاوية الرفيع وأدبه الجم وسلوكه النبيل فقد قال الحافظ ابن كثير: قال الزهري حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة ... الخبر وفيه: \"فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه - ﷺ - من الهدى ودين الحق والذي سن الخلفاء بعده وحضت معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم تترك له عذرًا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة العاملة بأمر رسول الله - ﷺ -، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، وأنت أهل أن تطاعي، وتكلمت هي ومعاوية كلامًا كثيرًا فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعت خطيبًا ليس رسول الله - ﷺ - أبلغ من عائشة (البداية والنهاية ٨/ ١٣٤).\n٧ - حلم معاوية وسعة صدره وصبره على من طعن فيه وأغلظ له.\nقال الحافظ الذهبي: وكان يضرب المثل بحلم معاوية، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٣٥).\nوأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٦/ ٣٦٧ / أ) عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلًا أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلًا، ولا أبعد أناة منه.\nوأخيرًا فلنتعرف على رأي إمامين كبيرين من أئمة السلف وهما: (الإمام الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي) وكلاهما من أعلم الناس بأهل الشام: فقد أجادا وأوجزا وأبلغا في مقالهما-.\nأخرج أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي قال: أدركت خلافة معاوية وعدة من الصحابة منهم أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت وسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديده، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم وأخذوا عن رسول الله - ﷺ - تأويل القرآن، ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيب وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدًا من جماعة من أمة محمد - ﷺ - (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦).\nوقال الحافظ ابن كثير أيضًا: وقال أبو زرعة عن دحيم عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويُشتوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعًا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية =","vol":"4","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أن قال: شد خناق الروم (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦).\n٨ - مقتل حجر بن عدي - ﵁ - في عهد سيدنا معاوية.\nولعل البعض من أهل الأهواء والبدع يطعنون في حكم سيدنا معاوية وعدله ويقولون: إنه - ﵁ - قتل حجرًا وأصحابه وليس له ذلك.\nقلنا: إذا كان جمهور أهل السنة والجماعة يرون اجتهاد الإمام علي في قتال معاوية لأنه خرج عليه اجتهادًا صائبًا، فبالطريقة نفسها وبالمكيال نفسه نقول: إن الروايات التأريخية صحيحها وضعيفها تبين أن حجرًا قد أعلن العصيان والخروج على ولي الأمر الذي أجمعت الأمة قاطبة على بيعته كما قال ابن حزم ﵀:\nثم سلَّم الحسن الأمر إلى معاوية وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منه بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته) [الفصل (٥/ ٦)].\nقلنا: والشريعة التي أجازت للإمام علي أن يقاتل من بغى وخرج عليه كذلك تجيز لمعاوية أن يقاتل من خرج عليه، وحرَّض الناس على العصيان المسلح مصداقًا لقوله - ﷺ -: \"من أتاكم وأمركم جميعًا على رجل واحدٍ يريد أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه\" [صحيح مسلم مع شرح النووي (٢/ ٢٤٢)].\nعلمًا بأن سيدنا معاوية اشتهر بالحلم والصفح وهذا يعني أن حجرًا قد جاوز الحد وبلغ مبلغًا غير مأمون على وحدة الأمة فرأى معاوية في قتله ضمانًا لوحدة الأمة كما أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق الإمام أحمد بن حنبل عن عفان بن مسلم عن ابن علية عن أيوب بن كيسان عن عبد الله بن أبي مليكة قال: \"لما قدم معاوية دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرًا؟ قال: يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرٌ من استحيائه في فسادهم\" وهذا إسناد صحيح والله أعلم.\nوأخيرًا فإن سيدنا معاوية - ﵁ - خليفة من الخلفاء الاثني عشر الذين أخبر عنهم - ﷺ - لاعتبارات كثيرة.\nمنها: كون الأمة قد أجمعت على بيعته فسُمّي ذلك العام عام الجماعة، ومعلوم أن إحدى روايات حديث الخلفاء الاثني عشر بلفظ: \"لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة\" كما في سنن أبي داود.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء الأنبياء، بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا يكون نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر\" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: \"فُوا ببيعة الأول فالأول ... \" الحديث. =","vol":"4","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقوله - ﷺ -: \"فتكثر\" دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرًا. [مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤)].\nقلنا: ولو أضاف الإمام ابن تيمية ﵀ دليلًا آخر لكان أحسن ألا وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"يكون اثنا عشر أميرًا\" فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: \"كلهم من قريش\" [صحيح البخاري كتاب الأحكام (ح ٧٢٢٢)].\nوفي رواية مسلم: \"اثنا عشر خليفة\" وفي رواية أبي داود في سننه \"اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة\".\nقلنا: ولقد أجمعت الأمة على بيعة أمير المؤمنين معاوية وسمي ذلك العام بعام الجماعة فكيف لا يطلق عليه اسم خليفة؟\nقال المباركفوري: المراد بخلافة النبوة هي الخلافة الكاملة وهي منحصرة في الخمسة فلا يعارض الحديث \"لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يملك اثنا عشر خليفة\" لأن المراد به مطلق الخليفة. [تحفة الأحوذي (٦/ ٣٩٦)].\nولقد استوقفتنا عبارات الأستاذ الفاضل محمد قطب ومنها قوله: ولقد عمل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز على تصحيح الأوضاع والرجوع إلى الصورة المثالية التي كانت عليها زمن الخلفاء الراشدين ... إلخ.\nولا أحد يختلف مع الأستاذ محمد قطب في عدالة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وصلاحه وزهده ... إلخ، ولكن الذي يعاتب عليه الأستاذ محمد أنه في الوقت الذي أشاد بعامين ونصف من عهد عمر بن عبد العزيز وأثنى عليه .. فإنه لم يول ذلك الإهتمام بعقدين من الزمان من عهد أمير المؤمنين معاوية نعِمَ الناس فيها بالأمن والأمان والجهاد قائم، والمسلمون في عز وكرامة وفي مقدمتهم أئمة أهل البيت.\nوإذا صار عمر بن عبد العزيز خليفةً راشدًا - بالقياس لا بالنص وهو تابعي فإن أمير المؤمنين معاوية أولى بذلك اللقب وهو صحابي جليل وكاتب وحي رسول الله - ﷺ -، وهو خير من عمر بن عبد العزيز بنص حديث رسول الله - ﷺ - \"خير القرون قرني\".\nولقد سئل المعافي بن عمران، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟\nفقال: أتجعل رجلًا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ ! معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله [البداية والنهاية (٨/ ١٣٨)].\nوإذا كان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد أكرم آل بيت رسول الله - ﷺ - لسنتين ونصف فإن أمير المؤمنين معاوية قد أكرم آل بيت رسول الله - ﷺ - وحباهم بكرمه وسخائه واحترامه لعقدين من الزمان حكيم فيها أرض الخلافة الإسلامية، وأئمة أهل البيت يومها على أحسن حال، وكان مروان واليًا لمعاوية على المدينة فكان الحسن والحسين يصليان خلفه أيام سيدنا معاوية ولم =","vol":"4","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تكن بينهما وبين مروان والي معاوية يومها إحنٌ ولا ضغائن، كما أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ١٧٥ أ) من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه: \"أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان فقيل: أما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ قال: لا والله\".\n[وانظر البداية والنهاية (٨/ ٣٥٨)].\nوإذا كان عمر بن عبد العزيز حليمًا فقد كان معاوية أحلم. ولقد قبل سيدنا معاوية من الناس معارضتهم السلمية برحابة صدر وقبل منهم نصحهم وعمَّ الأمن البلاد والعباد.\nونحن نذكر الأستاذ الفاضل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ولا نتهمه بشيء -معاذ الله- ولكن مناقشتنا هذه تؤكد مقولتنا التي كررناها مرارًا في هذا البحث ألا وهي أن مجرد وجود الروايات المكذوبة في مثالب بني أمية في تاريخ كالطبري وغيره يكفي لرسوخ كثير من المفاهيم الخاطئة في أذهان الناس عن سيرة الخلفاء المسلمين.\nولقد ذكرنا جوانب من سيرة الخليفة الصالح معاوية - ﵁ - فلا داعي للتكرار ولكننا نذكر في هذا المقام مثالًا واحدًا فقط نتبين من خلاله تواضع معاوية - ﵁ - وحرصه على اتباع النصوص الشرعية.\nفقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي مجلز قال: دخل معاوية على عبد الله بن الزبير وابن عامر، وكان الشيخ أوزنهما، قال: فقال: منه قال رسول الله - ﷺ -: \"من أحب أن يتمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\" [مسند أحمد (ح ١٦٨٣٠)].\nوهذه درة من درر التاريخ الإسلامي سجلها لنا الإمام أحمد - ﵁ -.\nفالخليفة الذي حكم شطر العالم يومها يكره قيام الناس له ويذكر في ذلك حديثًا عن رسول الله - ﷺ -.\nوما من مثال من أمثلة العدل والزهد والحلم في سيرة عمر بن عبد العزيز إلَّا ويقابلها مثال على ذلك في سيرة معاوية - ﵁ -.\nولقد ذكرنا في قسم الصحيح قسطًا منها: كارتداءه - ﵁ - ثوبًا مرقعًا، وركوبه بغلته مع غلام له واحد، وتجوله في السوق في دار الخلافة، وحواره مع المسور بن مخرمة، وغير ذلك كثير من علامات عدله وحكمه وصلاحه وجهاده.\nوكذلك ذكرنا في حينه أنه - ﵁ - أوصى ولاته أن يحثوا الناس على الكتابة إليه كلما رأوا ظلامة أو حيفًا - ﵁ - وأرضاه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nهذه هي الصورة المشرقة لأمير المؤمنين معاوية الذي كان أميرًا عشرين عامًا في عهد الخلفاء الراشدين ثم تسلّم الخلافة من الحسن صلحًا فكان أمير للمؤمنين عشرين عامًا إلا قليلًا.\nنعمت أرض الخلافة في عهده بالأمان والاستقرار وخمدت الفتن ونشطت الفتوحات مرة أخرى وشيدت المدن كالقيروان وغيرها كل ذلك وأرض الخلافة توسعت وترامت أطرافها =","vol":"4","page":55},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ودخل في الإسلام أقوام كثيرون مختلفة مشاربهم وثقافاتهم وكانوا حديثي عهد بالإسلام فسخر الله لهذه الأمة معاوية - ﵁ - داهية العرب والمسلمين فساسهم خير سياسة.\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوالحمد لله، وبعد:\nفقد آلينا على أنفسنا أن نمحص روايات الطبري فيما يتعلق بتاريخ الخلفاء الراشدين، والخليفة الأموي معاوية - ﵃ - أجمعين وحاولنا ما استطعنا بتوفيق الله وعنايته أن نميز بين الضعيف والصحيح ومن هنا فصاعدًا \"أي: من بداية عهد يزيد وحتى نهاية عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز\" نبدأ بتطبيق منهج مغاير بعض الشيء لما اتبعناه في المراحل السابقة.\nولكن الأصل الذي لم نتغافل عنه ولن نتغافل عنه إن شاء الله حتى نهاية تحقيقنا لتاريخ الطبري هو الذَبّ عن عدالة الصحابة وبيان التزوير والتشويه الذين لحقا بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين ولعل التساهل الذي نبديه فيما يأتي هو قبولنا رواية الراوي الذي سكت عنه ابن أبي حاتم وذكره ابن حبان في الثقات شريطة أن تخلو روايته من النكارة ومن مسائل تتعلق بالعقيدة أو الحلال والحرام، وتخلو كذلك من الطعن في عدالة الصحابة.\nوالجديد أيضًا في منهجنا من سنة (٦٠ هـ) فصاعدًا هو قبولنا لأخبار عزل الولاة وتعيين آخرين غيرهم أو تعيين القضاة وتمصير المدن وبعض أحداث الفتوح دون اشتراط سند موصول والاكتفاء برأي عدة مؤرخين متقدمين (ثقات) كالطبري وابن سعد وابن خياط وغيرهم.\nونحن في هذه المسائل الآنفة الذكر نتبع مناهج معروفة لبعض أساتذة التاريخ الكبار المعتمدين كالأستاذ العمري الفاضل الذي أشار في كتابه القيم (السيرة النبوية الصحيحة) إلى اعتماد شيء من التساهل في كتابة التاريخ العام يقول الأستاذ أكرم ضياء العمري -حفظه الله-: وأما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير والخطر الناجم عنه كبير لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع، إن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من حلقاته وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية.\nلكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا =","vol":"4","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى (أي الأحاديث) نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة.\nونظرًا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي معظمها تسرد الروايات بالأسانيد فلا بد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة الحديثية ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة لأن فيها ما يدل على أصلها، ويمكن التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند. [دراسات تاريخية للأستاذ العمري (٢٦ - ٢٧) مع تقديم وتأخير في بعض المقاطع].\nونعود مرّة أخرى إلى ما نحن بصدده فيما يتعلق بتاريخ العقود المتبقية من تاريخ القرن الأول الفاضل، والمصادر المتقدمة التي استعنَّا بها في المقارنة.\n١ - تاريخ خليفة بن خياط (٢٤٠ هـ) تحقيق الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري.\n٢ - طبقات ابن سعد (٢٣٠ هـ).\n٣ - المعرفة والتاريخ للفسوي (٢٢٩ هـ).\n٤ - أنساب الأشراف للبلاذري (٢٢٩ هـ).\n٥ - بعض الروايات النادرة التي أخرجها البخاري ومسلم، وهي وإن كانت قليلة جدًّا ولكنها ثمينة المتن والمعنى.\n٦ - بالإضافة إلى مصادر أخرى كتاريخ مكة، وكتاب فتوح البلدان، وكتاب المتوارين، وكتاب المحن لأبي العرب، والمعارف لابن قتيبة، وغيرها من المصادر التي سنذكرها أثناء التحقيق.\nولعل الجديد في قراءتنا الجديدة هذه أننا نستشهد ببعض الروايات الضعيفة (ضعفًا خفيفًا) ونبين ما يؤيدها من روايات صحيحة أو بالعكس فإننا نشير إلى مخالفة متونها للروايات التاريخية الصحيحة وكذلك بعض الروايات الضعيفة جدًّا لنبين مواضع التزوير والتشويه وأحيانًا نعرج على مقالات المؤرخين المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة الاستشراقية وغيرها من جامعات الغرب التي تسعى إلى إظهار روايات المتروكين والكذابين كالواقدي وأبي مخنف والكلبي ... إلخ في مقابل طمس الروايات التاريخية الصحيحة وذلك خدمة لأغراض معروفة. ونحن بدورنا نبين الخطأ في مقالات هؤلاء ونحاول أن نبين حقائق الوقائع التأريخية ومن خلالها ندافع عن عدالة الصحابة ونظهر الوجه المشرق للتاريخ الإسلامي ونستدل بالروايات التاريخية الصحيحة عند الطبري وغيره لنحصل على تلك الدرر الثمينة =","vol":"4","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التي تكمن في خبايا وصفحات التاريخ الإسلامي وأخذنا على عاتقنا أن نبين حقيقة لطالما ذكرها أساتذتنا الأفاضل (العمري، وابن خليل ... وغيرهم كثير) وهي: أن تاريخ الرعيل الأول بكل ابتلاءاته ومحنه وبكل انتصاراته وشموخه هو تاريخ عقيدة والذين شاركوا في تسجيل صفحاته وتسطير مآثره فعلوا ذلك بدافع من عقيدة التوحيد ورابطة الإيمان وسنثبت هذه المقولة عند تناولنا لتفاصيل ذلك التاريخ، إن شاء الله تعالى.\nولعل بعض الباحثين يعتقد أن نقد الرواية التاريخية أمر مستحدث يأخذ به من يريد أن يكتب التاريخ كما يتمنى وخاصة عند المؤرخين المعاصرين الملتزمين بالمنهج الإسلامي في البحث وليس الأمر كذلك فلو رجعنا إلى المؤرخين المتقدمين العمالقة كالطبري مثلًا الذي ترك لنا هذا السفر الضخم نراه يؤكد وجود روايات غير صحيحة في تاريخه جمعها من باب المقارنة بين المصادر التاريخية المختلفة ومن باب الأمانة العلمية ولقد عاش الطبري في عصر كانت فيه علوم الرواية وتراجم الرجال معروفة لدى العلماء فلعله لهذا السبب ولأسباب أخرى يميز في تاريخه بين الضعيف والصحيح، ومن قبله كان العلامة المؤرخ خليفة بن خياط علمًا من أعلام التاريخ الإسلامي (وهو ثقة عند أئمة الحديث) ولقد ترك للأمة كتابه القيم (تاريخ خليفة) وهو تاريخ حولي - لم يحكم فيه ابن خياط على الأسانيد والمتون ولكنه تجنب روايات المتروكين والكذابين والوضاعين فلم يرو عن أبي مخنف (لوط بن يحيى) وأمثاله.\nواعتمد في أحايين كثيرة على رواة ثقات معروفين ولقد قام الأستاذ العمري بتحقيق تاريخ خليفة الذي كان مخطوطًا فزاده بهاءً وأظهر قيمته العلمية جزاه الله خيرًا. وكلما راجعنا أسماء المؤرخين عقدًا بعد عقد وقرنًا بعد قرن وجدنا مسألة النقد التاريخي معروفة لديهم وإن لم يعتمدوه كثيرًا بينما نجد النقد واضحًا عند الحافظين الذهبي وابن كثير (خاصة) في كتابه المعروف البداية والنهاية ووصولًا إلى المؤرخين المعاصرين ومنهم الأستاذ العمري صاحب كتاب الخلافة الراشدة التي اعتمد فيها تطبيق القواعد الحديثية على الرويات التاريخية وأشرف على رسائل جامعية كثيرة في هذا المجال.\nوكذلك انتهج هذا المنهج كثيرون من المؤرخين، وأسماؤهم كثيرة متقدمين ومتأخرين ومعاصرين [صاحب العواصم الإمام المالكي ابن العربي .. محب الدين الخطيب ... إلخ].\nونرى من الضروري هنا أن ندعم منهجنا هذا بنصوص من كتابات العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى:\nيقول العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى: وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها.\nويتحدث أيضًا عن الحكايات التاريخية بالذات لأن العلماء تساهلوا فيها فهي ليست كالرواية =","vol":"4","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في الحلال والحرام فيقول ﵀: الحكايات مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد. المقدمة (١/ ٩).\nوالحمد لله الذي أغنانا عن تعاريف الفرنجة وغيرهم في التاريخ يقول العلامة ابن خلدون وهو يعرف التاريخ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَل تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال تطوف بها الأندية. (المقدمة ١/ ٣).\nولكن للتاريخ وجه آخر عند العلامة ابن خلدون إذ يقول: وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو كذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يُعَدّ في علومها. (١/ ٣).\nثم يبين ابن خلدون كيفية إدخال الروايات المكذوبة في أمهات الكتب دون أن يشعر كثير من الناس يقول ابن خلدون:\nوإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهمّوا فيها وابتدعوا زخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير من بعدهم واتبعوها وأدوها إلينا كما سمعوها ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل (المقدمة ١/ ٤).\nونحن بدورنا نحاول أن نستبعد هذه الروايات الباطلة وندافع عن عدالة الصحابة ونبرز الوجه المشرق للتاريخ الإسلامي ولا ندعي أننا سبقنا غيرنا في هذا الميدان (كما بينا سابقًا) بل نرجو أن نكون قد ضربنا ضربة المعول الأخيرة كي نجلّي وجه التاريخ الإسلامي المشرق. والحمد لله أولًا وآخرًا وعلى الله التوكل ومنه التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>يزيد بن معاوية (٦٠ - ٦٤ ه</span>ـ)\nقبل أن نناقش روايات الطبري ضمن أحداث هذه السنين نودّ أن نرجع إلى عهد أمير المؤمنين معاوية - ﵁ - فالتاريخ الإسلامي عبارة عن حلقات مترابطة فيما بينها مؤثرة في بعضها البعض تباعًا.\nولقد لخص ابن كثير -رحمه الله تعالى- عقدين من الزمان من حكم الخليفة معاوية - ﵁ - بكلمة وجيزة قيمة فقال -﵀-: إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي كما تقدم فانعقدت الكلمة على معاوية وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض والمسلمون معه في راحة =","vol":"4","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>خلافة يزيد بن معاوية سنة ٦٠</span>\nوفي هذه السنة بويع ليزيدَ بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه، للنّصف من رجب في قول بعضهم، وفي قول بعضهم: لثمانٍ بقِينَ منه - على ما ذكرنا قبلُ من وفاة والده معاوية - فأقرّ عُبيَد الله بن زياد على البَصرة، والنُّعمان بن بشير على الكوفة (١).\n_________\n= وعدلٍ وصفح وعفوٍ.\n[البداية والنهاية (٦/ ٣١٥)].\nقلنا: لقد نعمت الأمة خلال عقدين من الزمان (٤١ - ٦٠ هـ) بالأمن والأمان والجهاد قائم كما قال ابن كثير والمسلمون وأهل الذمة في راحة وعدل وصفح وعفو ولقد جعل الله لذلك الأمن والعفو والعدل سببين (بقدره سبحانه) الأول تسامح الإمام الحسن بن علي وزهده في الدنيا وإيثاره المصلحة العامة للأمة على ما سواها واختيار ما عند الله من الجزاء الكبير على عرض الدنيا الزائل فاصطلح مع معاوية - ﵄ - فضم بذلك الشق الآخر من الأمة إلى الشق الذي كان في صف معاوية فبايعت الأمة لمعاوية وأجمعت على ذلك وجمعها الله على كلمة سواء فسمي ذلك العام بعام الجماعة.\nوالسبب الثاني: هو ما وهبه الله من صفات قيادية لسيدنا معاوية كالحكمة ورحابة الصدر ورجاحة العقل وبعد النظر وتضلع في العلم الشرعي وأصول السياسة الشرعية وذكرنا في وقته كيف أن سيدنا معاوية انتفع بكلمات قالها له رسول الله - ﷺ -: \"يا معاوية إذا ملكت فأحسن\".\n(١) لقد كان تولي يزيد الحكم خطوة مغايرة لما عرفه الناس في عهد الخلافة الراشدة، صحيح أن الناس قد بايعوا للحسن بن علي بعد أبيه - ﵄ - إلّا أن سيدنا علي لم يَدْعُ الناس إلى بيعة ابنه من بعده، وعلى أية حال فإن الخلافة إنما تنعقد ويتم برضيّ من الأمة متمثلة بأهل الحل والعقد ولو أوصى الخليفة لمرشح من بعده فلا بد لأهل الحل والعقد أن ينظروا في ذلك وذلك يطول شرحه وليس محله هنا.\nونرجع إلى المسألة من الناحية التاريخية فنقول:\nلقد اجتهد الإمام معاوية واجتهاده ذو شقين أصاب في الأول وأخطأ في الثاني، فقد خشي سيدنا معاوية - ﵁ - على الأمة أن تمزَّقها الفرقة والفتنة إن لم تكن اصطلحت على خليفة من بعده وكان يرى ابنه من بين بقية أبناء الصحابة أجدر الناس بسياسة الأمور وإدارة الحكم وإن لم يكن أفضلهم علمًا وورعًا، وكان يرى في تولية يزيد ضمانًا للأمن والاستقرار والهدوء السياسي الذي دام عقدين من الزمان في ظل حكمه - ﵁ -، فسيدنا معاوية أصاب عندما أيقن بضرورة إجماع الأمة على خليفة قبل أن يموت ولكنه أخطأ في اختياره ليزيد لذلك المنصب أما عاطفة الأبوة فلا نستطيع أن ننفيه ولا نثبته كذلك. =","vol":"4","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا نقول أكثر من هذا في حق كاتب وحي رسول الله - ﷺ - وخليفة المسلمين الذي بايعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم من وجهاء الصحابة - ﵃ - وأرضاهم.\nقال العلامة ابن خلدون: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة العامة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذٍ من بني أمية. إن بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان الظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة ذلك وعدالتهم مانعة منه. اهـ. (مقدمة ابن خلدون ص ٢١٠).\nوجزى الله ابن خلدون عن المسلمين وتاريخهم خيرًا فلا نزيد عليه فقد كفانا ردَّ هذه الشبهة، والحمد لله أولًا وآخرًا.\nولقد رَوى الطبري أخبارًا في هذه المسألة ذكرناها جميعًا في قسم الضعيف فلا تصح منها رواية ولو واحدة، وفي متونها نكارات وكذلك روى غير الطبري روايات أخرى تتهم سيدنا معاوية بتهم باطلة منها أنه - ﵁ - تحدَّث مع العبادلة من الصحابة من أهل الحل والعقد فأبوا أن يبايعوا ليزيد ولكن معاوية صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له\" فقال أهل الشام: والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الأشهاد وإلا ضربنا أعناقهم. فقال: \"سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر لا أسمع هذه المقالة من أحدٍ منكم بعد اليوم\"، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر وهم يقولون: لا والله ما بايعنا، فيقول الناس: بلى وارتحل معاوية فلحق بالشام. اهـ.\nولو رجعنا إلى أصل الرواية لوجدناها عند خليفة في تاريخه (ص ٢١٣) من طريق النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة.\nولو راجعنا أقوال أئمة الجرح والتعديل في النعمان بن راشد لوجدناها كما يلي:\nقال أحمد: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير.\nوقال النسائي: ضعيف كثير الغلط.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوذكره العقيلي وابن الجوزي وابن عدي في الضعفاء.\nقلنا: فإذا كان هذا حال النعمان بن راشد فكيف نعتمد على متن رواية بهذا الإسناد وحتى لا يزعم بعض الناس أننا نكتب التاريخ كما نتمنى وكما يحلو لنا نذكر هنا رأي الأستاذ العش =","vol":"4","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= -﵀- وهو يشكك في تلك الروايات التاريخية المتعلقة بولاية العهد ليزيد. يقول الدكتور يوسف العش: ونجد في هذه المناسبة رواية تبين لنا موقف معاوية من الأمر فيقال لنا: إن معاوية سافر بألف فارس إلى المدينة ليحصل على بيعة النفر الثلاثة المهمين - أي: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ومعهم ابن عباس - لكن هؤلاء أدركوا عواقب الأمور، فخرجوا إلى مكة هاربين، ولحق بهم معاوية إلى مكة، وجمعهم، وكلمهم في شأن البيعة فأجابه عنهم ابن الزبير فحضه ... إلخ. وفيه يقول معاوية: وسأذهب بكم إلى المسجد الجامع وعلى رؤوسكم السيف، فمن خالف أمري أصابه السيف، وسار بهم إلى المسجد، وخطب في الناس يقول: إن هؤلاء النفر الذين يرجع إليهم الأمر قد وافقوا على بيعة يزيد، فهلموا إليها، وسكت النفر فأقبل الناس عليها. وقد رفض كثير من المؤرخين هذه الرواية لأنها تخالف طبع معاوية، ونحن لا ندري أنرفضها أم نقبلها، فإنا إذا رفضناها افترضنا أن معاوية ترك القرشيين الأولين أحرارًا في المبايعة لابنه، وفي هذا خطر كل الخطر.\nوإذا قبلناها نراها تخالف طبع معاوية، فهو لم يكن ليجرد ألف فارس يسير بهم ويجبر الصحابة بهذه الرواية التمثيلية، والذي يبقى أمامنا هو أن نفترض أنه سافر إلى الحجاز، ووجد أسلوبًا حكيمًا يبايع فيه الناس ابنه بمحضر من هؤلاء النفر دون أن يظهروا عدم رضاهم عن بيعته، ودون أن يبايعوه بأنفسهم.\nوالحق أن هؤلاء لم يبايعوا يزيد، ويظهر ذلك في وصية معاوية لابنه حين وفاته، إذ يوصيه بعدم التواني بأخذ البيعة منهم. أهـ[الدولة الأموية (ص ١٦٣ - ١٦٤)].\nقلنا: وهذه الرواية التي ناقشها الدكتور العش وشكك في صحتها هي في حقيقة الأمر غير صحيحة الإسناد والمتن والحمد لله.\nقلنا: وبعد بحث طويل في كتب الحديث والتراجم والتاريخ لم نجد رواية تاريخية صحيحة السند ولا غرابة في متنها أو نكارة سوى رواية واحدة في حلية الأولياء رجال إسنادها ثقات، وهي الرواية الوحيدة (حسب علمنا القاصر) التي تبين ما دار بين معاوية وبقية الصحابة من أهل الحل والعقد من الذين سكنوا بجوار الحرمين الشريفين ولم نجد فيها حشوًا.\nفقد أخرج الحافظ أبو نعيم من طريق صالح بن كيسان عن الزهري قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر: أن معاوية أخبر أن عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية، قال: فلما قدم معاوية مكة تلقاه عبد الله بن الزبير بالتنعيم فضاحكه معاوية وسأله عن الأحوال، ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر فتفاوضا معه في أمر يزيد، ثم دعا معاوية ابن الزبير فقال له: \"هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب روّاغ لا تخرج من جحر إلَّا دخلت في =","vol":"4","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= آخر\". فقال ابن الزبير: \"ليس بي شقاق ولكن أكره أن أبايع رجلين أيكما نطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت مللت الإمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك\". فقام معاوية حين أبوا عليه، فقال: \"ألا إن حديث الناس ذات غور وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبًا وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة\". [حلية الأولياء (/ ٣٣٠)].\nوليس في هذه الرواية ما يؤكد أن معاوية قد أعلن للناس أن هؤلاء الصحابة قد بايعوا ليزيد ولكن فيه أنه - ﵁ - حاورهم ودخل معهم في جدال بالحسنى وتبين له أن بعض الناس يقولون عنهم ما لم يتقولوه، وسنبين فيما بعد أسباب امتناعهم ثم قبول بعضهم البيعة فيما بعد.\nأصول السياسة الشرعية كانت واضحة لا كما يقول المستشرقون ومن تأثر برأيهم من أن فقهاء الأمة استحدثوا هذه الأصول بعد قرون.\nقلنا: إن الحوار الطويل والنقاش الذي دار بين مؤيدي ولاية العهد ليزيد وبين معارض ذلك من الصحابة يدلان دلالة واضحة على أن مسألة الشورى في الحكم، وأصول السياسة الشرعية الأخرى كانت واضحة المعالم عند السلف الصالح لعلمهم الجمِّ بأدلة الكتاب والسنة لا كما يقول الدكتور الموصلي من الجامعة في بيروت من أن بعض مسائل السياسة الشرعية ابتدعها الفقهاء بعد قرون عدة من أمثال الماوردي وغيره والمناقشة التي دارت في سقيفة بني ساعدة بين الصحابة - ﵃ - وما تمخضت عنها من نتائج وكذلك استخلاف أبي بكر لعمر - ﵁ - وترك عمر الأمر شورى بين عددٍ من أهل الحل والعقد، وطلب سيدنا علي من أهل الحل والعقد وغيرهم من وجهاء الأمة أن يبايعوا له علانية من على المنبر وبرضىً منهم، وكذلك ما دار بين الموالين لتولية يزيد والمعارضين لذلك من الصحابة كل ذلك على ثبوت فقه الحكم وإدارته من ذلك العهد المبكر اعتمادًا على أدلة الكتاب والسنة وسنرى ذلك خلال مناقشتنا لهذه الروايات التاريخية القيمة الثمن ومنها:\nأخرج البخاري في صحيحه [كتاب التفسير (ح ٤٨٢٧)] عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فقالت عائشة: من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلَّا أن الله أنزل عذري.\nقلنا: والشيء الذي قاله عبد الرحمن بن أبي بكر هو ما بينته رواية ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًا حسنًا وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر، أهِرَقلية؟ إن أبا بكر والله ما جعلها في أحدٍ من ولده ولا أحدٍ من أهل بيته =","vol":"4","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولا جعلها معاوية في ولده إلَّا رحمةً وكرامة لولده -. [تفسير ابن كثير (سورة الأحقاف آية ١٧)].\nقلنا: وهذا يعني أن سلف هذه الأمة من الصحابة الكرام كانوا على علم واطلاع واسعين بأصول السياسة الشرعية وقواعد الخلافة الراشدة وكان الراجح عندهم أن يكون الأمر شورى بين الأمة وتحت إشراف أهل الحل والعقد.\nوالحق يقال: فإن الروايات التاريخية الصحيحة تؤكد أن الخليفة معاوية - ﵁ - استشار أهل الحل والعقد واحترم رأيهم وأكرمهم ولم يعاقبهم على رأيهم وإن كان مخالفًا (صراحة) لرأيه هو - ﵁ - في مسألة ولاية العهد، والرواية التالية تؤكد ذلك، والحوار السابق واللاحق دليل على أن ذلك التاريخ تاريخ عقيدة.\nعن محمد بن سيرين قال: لما أراد معاوية أن يستخلف يزيد بعث إلى عامل المدينة أن أوفد إليَّ من تشاء، قال: فوفد إليه عمرو بن حزم الأنماري، فاستأذن، فجاء حاجب معاوية يستأذن، فقال: هذا عمرو بن حزم قد جاء يستأذن، فقال: ما حاجتهم إلي؟ قال: يا أمير المؤمنين، جاء يطلب معروفك، فقال معاوية: إن كنت صادقًا فليكتب ما شاء، فأعطه ما شاء ولا أراه.\nقال: فخرج إليه الحاجبُ فقال: ما حاجتك؟ اكتب ما شئتَ فقال: سبحان الله، أجيء إلى باب أمير المؤمنين فأحجب عنه؟ أحِبُّ أن ألقاه فأكلمه.\nفقال معاوية للحاجب: عده يوم كذا وكذا إذا صلى الغداةَ، فليجئ قال: فلما صلَّى معاوية الغداة، أمر بسرير فجعل في إيوانٍ له، ثم أخرج الناس عنه، فلم يكن عنده أحد سوى كرسي وضع لعمرو، فجاء عمرو، فاستأذن، فأذن له فسلم عليه، ثم جلس على الكرسي، فقال له معاوية: حاجتك؟ قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لعمري لقد أصبح ابن معاوية واسط الحَسَب في قريش، غنيًّا عن الملك، غنيًّا إلَّا عن كل خير، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله لم يسترع عبدًا رعيةً إلَّا وهو سائله عنها [كيف صنع فيها؟] \".\nوإني أذكرك الله يا معاوية في أمة محمد - ﷺ - بمن تستخلف عليها. قال: فأخذ معاوية ربوة وأخذ يتنفس في غداة قرّ، وجعل يمسح العرق عن وجهه ثلاثًا، ثم أفاق، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإنك امرؤ ناصح، قلت: برأيك بالغٌ ما بلغ، وإنه لم يبق إلَّا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم، حاجتك؟ قال: ما لي حاجة.\nقال: ثم قال له أخوه: إنما جئنا من المدينة نضرب أكبادها من أجل كلماتٍ؟ قال: ما جئت إلّا لكلمات.\nقال: فأمر لهم بجوائزهم.","vol":"4","page":64},{"text":"وفي هذه السنة وجّه أهلُ الكوفة الرسل إلى الحسين - ﵇ - وهو بمكّة يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمّه مُسلم بن عَقِيل بن أبي طالب - ﵁ - (١). (٥: ٣٤٧).\n* * *\n_________\n= قال: وخرج لعمرٍو مثله.\nأخرجه أبو يعلى في مسنده (ح ٧١٧٤) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد (٧/ ٢٤٩ / ح ١٢٠٧٨).\nقلنا وهذه الرواية تؤكد مقولتنا السابقة من أن ذلك التاريخ تاريخ عقيدة، فالخوف من الجليل هو الذي دفع هذا الصحابي الجليل أن يقطع تلك المسافات الطويلة ليقول للخليفة ما يراه واجبًا عليه امتثالًا لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: \"الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\".\nذكر الطبري رواية وضعناها في قسم الضعيف وهي (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وهي من طريق الواقدي المتروك، ولم نجد لأغلب المتن ما يؤيده وفيه من تلفيقات الواقدي ما فيه فذكرنا الرواية في قسم الضعيف ولكن ورد ضمن السياق متن مرفوع صحيح، وإن كان السند بهذه الحالة ضعيف وهو عن أبي شريح مرفوعًا، فقد أخرج البخاري في صحيحه [كتاب جزاء الصيد (ح ١٨٣٢)] من طريق المقبري عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول الله - ﷺ - الغد من يوم فتح مكة فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به \"إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله - ﷺ - ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب\" فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخزية.\nقلنا: والحديث أخرجه أحمد (ح ١٦٣٧٧) وفي أوله: لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه يغزو ابن الزبير أتاه أبو شريح فكلمه وأخبره بما سمعه من رسول الله - ﷺ - ... الحديث. وليس في الروايات الصحيحة تفاصيل هزيمة جيش عمرو بن الزبير ولا أسره وما إلى ذلك مما ذكرها الواقدي مع مبالغاته وأوهامه المعروفة.\n(١) ثم أخرج الطبري رواية مطولة في هذه الحادثة ذكرناها في قسم الضعيف (٥/ ٣٤٧ - ٣٤٩) ففي إسنادها مجهول وضعيف وفي متنها ما يخالف الرواية الصحيحة الأخرى التي أخرجها الطبري نفسه بعد صفحات كما سنذكر.","vol":"4","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>مقتل الحسين بن علي - ﵄ - وتفاصيل الوقعة المشهورة بكربلاء</span>\nقال أبو جعفر: حدّثني الحسين بن نصر قال: حدَّثنا أبو ربيعة، قال: حدَّثنا أبو عوَانة، عن حصين بن عبد الرحمن قال: بَلَغنا أنّ الحسين - ﵇ - ... وحدّثنا محمد بن عمار الرازيّ، قال: حدَّثنا سعيد بن سليمان، قال: حدَّثنا عباد بن العوّام قال: حدَّثنا حصين، أنّ الحسين بن عليّ - ﵇ - كتب إليه أهلُ الكوفة: إنه معك مئة ألف، فبعث إليهم مسلم بن عَقِيل، فقدم الكوفة، فنزل دارَ هانئ بن عُروة، فاجتمع إليه الناس، فأخبر ابن زياد بذلك، زاد الحسين بن نَصْر في حديثه: فأرسل إلى هانئ فأتاه، فقال: ألم أوقّرْك! ألم أكرمْك! ألم أفْعَلْ بك! قال: بلى، قال: فما جزاءُ ذلك؟ قال: جزاؤه أن أمنعك، قال: تمنعني! قال: فأخذ قضيبًا مكانه فضربه به، وأمَرَ فكُتِفَ ثم ضرِب عنقه، فبلغ ذلك مسلم بن عقِيل، فخرج ومعه ناس كثير، فبلغ ابنَ زياد ذلك، فأمر بباب القصر فأغلِق، وأمر مناديًا فنادى: يا خيلَ اللهِ اركبي، فلا أحد يجيبه، فظنّ أنه في ملإ من الناس.\nقال حصين: فحدّثني هلال بن يسَاف قال: لقيتُهم تلك اللَّيلة في الطريق عند مسجد الأنصار، فلم يكونوا يمرّون في طريق يمينًا ولا شِمالًا إلا وذهبت منهم طائفة؛ الثلاثون والأربعون، ونحو ذلك، قال: فلمّا بلغ السوق، وهي ليلة مظلمة، ودخلوا المسجد، قيل لابن زياد: والله ما نرى كثيرَ أحَد، ولا نسمع أصواتَ كثير أحد، فأمر بسقف المسجد فقُلع، ثم أمر بحراديّ فيها النيران، فجعلوا ينظرون، فإذا قريب خمسين رجلًا. قال: فنزل فصعِد المنبر وقال للناس: تميّزوا أرباعًا أرباعًا؛ فانطلق كلّ قوم إلى رأس رُبْعهم، فنهض إليهم قومٌ يقاتلونهم، فجُرح مسلم جراحةً ثقيلة، وقتل ناس من أصحابه، وانهزموا؛ فخرج مسلم فدخل دارًا من دُور كِندة، فجاء رجل إلى محمد بن الأشعث وهو جالس إلى ابن زياد، فسارّه، فقال له: إنّ مسلمًا في دار فلان، فقال ابن زياد: ما قال لك؟ قال: إنّ مسلمًا في دار فلان، قال ابن زياد لرجلين: انطلِقا فأتِياني به، فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدتْ له النار، فهو يغسل عنه الدّماء، فقالا","vol":"4","page":66},{"text":"له: انطلقْ، الأميرُ يدعوك، فقال: اعقدا لي عقدًا؛ فقالا: ما نملك ذاك؛ فانطلق معهما حتى أتاه فأمر به فكُتِف ثمّ قال: هِيهْ هِيهْ يا بن خليّة - قال الحسين في حديثه: يا بن كذا - جئتَ لتنزعَ سلطاني! ثم أمر به فضربتْ عنقُه. قال حصين: فحدّثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصةَ إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة، فلا يدَعون أحدًا يلِج ولا أحدًا يخرج، فأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى لقيَ الأعراب، فسألهم، فقالوا: لا والله ما ندري، غير أنا لا نستطيع أن نلِجِ ولا نخرج، قال: فانطلق يسير نحوَ طريق الشأم نحو يزيد، فلقيتْه الخيول بكرْبَلاء، فنزل يناشدهم الله والإسلام، قال: وكان بعث إليه عمر بن سعد وشَمر بن ذي الجَوْشن وحُصين بن تميم، فناشَدهَم الحسين اللهَ والإسلامَ أن يسيّروه إلى أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، فقالوا: لا، إلا على حكم ابن زياد؛ وكان فيمن بعث إليه الحُرّ بن يزيد الحَنظلَيّ ثم النَّهْشَليّ على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يَعرِضون عليكم! والله لو سألكم هذا التُّرك والدَّيلم ما حلّ لكم أن تردّوه! فأبَوْا إلا على حكم ابن زياد، فصرف الحرُّ وجهَ فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلَهم، فلما دنا منهم قلب ترسَه وسلَّم عليهم، ثمّ كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم، فقتل منهم رجلين، ثم قتِل رحمة الله عليه.\nوذكر أن زُهير بن القين البَجليّ لقي الحسينَ وكان حاجًّا، فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبي بحريّة المراديّ ورجلان آخران وعمرو بن الحجّاج ومعن السُّلميّ، قال الحصين: وقد رأيتهما.\nقال الحصين: وحدّثني سعد بن عبيدة، قال: إنّ أشياخًا من أهل الكوفة لَوُقوف على التلّ يبكون ويقولون: اللهم أنزِل نصرك، قال: قلت: يا أعداء الله، ألا تنزلون فتنصرونه! قال: فأقبل الحسين يكلّم من بعث إليه ابن زياد، قال: وإني لأنظر إليه وعليه جبّة من بُرُود، فلما كلّمهم انصرف، فرماه رجلٌ من بني تميم يقال له: عمر الطُّهَويّ بسهم، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلِّقًا في جبّته، فلما أبوْا عليه رجع إلى مصافّه، وإني لأنظر إليهم، وإنهم لقريب من مئة رجل، فيهم لصُلب عليّ بن أبي طالب - ﵇ - خمسة، ومن بني هاشم ستة","vol":"4","page":67},{"text":"عشر، ورجل من بني سُلَيم حليفٌ لهم، ورجلٌ من بني كنانة حليفٌ لهم، وابن عمر بن زياد.\nقال: وحدّثني سعد بن عبيدة، قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فسارَّه وقال له: قد بعث إليك ابن زياد جُوَيرَيةَ بن بدر التميميّ، وأمرَه إن لم تقاتل القومَ أن يضربَ عُنقَك؛ قال: فوثب إلى فرسه فركبه، ثم دعا سلاحه فلبسه، وإنه على فرسه، فنهض بالناس إليهم فقاتَلوهم، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد، فوُضع بين يديه، فجعل يَنكُت بقضيبه، ويقول: إنّ أبا عبد الله قد كان شمِط؛ قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله، وكان أحسن شيء صنعَه أن أمر لهنّ بمنزل في مكان معتزل، وأجرَى عليهنّ رزقًا، وأمر لهنّ بنفقة وكسوة. قال: فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر -أو ابن ابن جعفر - فأتيَا رجلًا من طيِّيء فلجآ إليه، فضرب أعناقهما، وجاء برؤوسهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد؛ قال: فهمّ بضرب عنقه، وأمر بداره فهدمت.\nقال: وحدّثني مولى لمعاوية بن أبي سُفْيان قال: لما أتِيَ يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه، قال: رأيته يبكي، وقال: لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا (١).\n_________\n(١) ورجال إسناد الطبري هنا ثقات، وأغلب المتن موصول خلا ما ذكره الحصين مرسلًا (٥/ ٣٩١) في بداية الرواية وكذلك ما ذكر أثناء الرواية وهو قوله: وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجًّا فأقبل معه وخرج إليه ابن أبي بحرية المرادي ورجلان آخران وعمرو بن الحجاج ومعن السلمي، قال الحصين وقد رأيتهما (٥/ ٣٩٢).\nوكذلك روى الحصين السطرين الأخيرين عن مولى لمعاوية أبهم اسمه والله أعلم، وانظر البداية والنهاية (٣/ ٣٨٣).\nوأخرج أبو زرعة بهذا الإسناد فقال: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبَّة برود ورماه رجل يقال له عمرو بن خالد الطهوي بسهم فنظرت إلى السهم معلقًا بجبته. [البداية والنهاية (٦/ ٣٨٢)].\nقلنا: ولا نجد في رواية الطبري هذه من المبالغات التي ذكرها أبو مخنف في رواياته الملفقة المليئة بالحشو والكذب وحتى رواية الطبري حين تكون مرسلة (عن الحصين فقط) ففيها غرابة أو نكارة وعندما يرويها الحصين موصولة (عن سعد بن عبيدة أو هلال بن سياف) فلا نكارة فيها ولا غرابة. =","vol":"4","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ونكرر هنا قولنا السابق: \"إن أي ضعف في السند يؤثر بالسلب على متن الرواية التاريخية مبالغةً أو نسيانًا أو قلبًا للحقائق أو حشوًا أو طعنًا في عدالة الصحابة وما إلى ذلك\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>الإمام الحسين بن علي يتراجع عن اجتهاده ويتبين له صواب جمهور الصحابة فيما خالفوه من الرأي</span>\nهذه الرواية الصحيحة عند الطبري عن خروج الحسين واستشهاده - ﵁ - تؤيد أن الحسين بن علي - ﵄ - كان رجلًا حصيفًا عاقلًا ما كان ليلقي بنفسه في المهالك كما يصور الشلبي وغيره من أنه يشبه ملاكًا صغيرًا طاهرًا كطفل يمد يده إلى القمر ليبلغه، ولولا أنه وثق بتلك العهود والعقود والأيمان التي أرسلها شيعة الكوفة لما خرج - ﵁ -.\nولكنه حين وصل إلى الميدان وعاين الأمر بأمِّ عينيه أراد أن يفاوض ويذهب إلى يزيد ليبايعه أو يذهب إلى الثغور مجاهدًا بعدما تبين له صواب اجتهاد الصحابة ورجحان رأيهم ولكن كتائب الفاسق عبيد الله نفّذوا فعلتهم الشنيعة فأخزاهم الله من قتلةٍ مجرمين لم يراعوا حرمة رسول الله - ﷺ - في آل بيته وريحانته سيد شباب أهل الجنة - ﵁ - وأرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>محنة الأمة باستشهاد الإمام الجليل الحسين بن علي - ﵂ </span>-\nقلنا: الذي ثبت تاريخيًا أن الحسين بن علي - ﵄ - بعث ابن عمه مسلم بن عقيل - ﵁ - إلى الكوفة ليتأكد من صحة وصدق بيعة شيعة الكوفة له ولكي يوطد الأمر ويكتب إليه بذلك فكان أن قتل مسلم بن عقيل - ﵁ - في أواخر سنة ستين [تاريخ الذهبي ٦٠ - ٨١ هـ / ١٧١] ولقد وردت روايات موضوعة وأخرى شديدة الضعف أكثرها من طريق رواة متروكين كذابين وضاعين كأبي مخنف (لوط بن يحيى) والواقدي والكلبي ولقد وضعناها جميعًا في قسم الضعيف، وحاول الأئمة المتأخرون أن ينقوا التاريخ الإسلامي من هذه الروايات ومع ذلك فقد ذكروا بعضها كما فعل ابن كثير ﵀ ثم قال: وللشيعة الرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة وفيما ذكرنا كفاية وفي بعض ما أوردناه نظر ولولا أن ابن جرير الطبري وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته. أ. هـ[البداية والنهاية] (٦/ ٤٢٣)].\nولقد ذكر الكذاب الوضاع أبو مخنف أباطيل وتهم في رواياته منها أن ابن الزبير شجع الحسين بن علي على الخروج إلى الكوفة كي يقتل ويخلو له الجو ... إلى آخر ذلك الحشو والنكارة وقد ذكرنا جميع رواياته في الضعيف والحمد لله على نعمة الإسناد حقًّا إن قول الطبري في مقدمته بوجود روايات مستشفعة في تاريخه ينطق تمامًا على روايات أبي مخنف الباطلة.\nورأينا لزامًا أن نذكر هنا في قسم الصحيح الروايات التاريخية الصحيحة التي تبين رأي =","vol":"4","page":69},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصحابة الواضح في عدم جدوى خروجه - ﵁ - وأنه لم يقتنع برأيهم حتى خرج ثم اقتنع باجتهادهم ولكن بعد فوات الأوان وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.\n١ - عبد الله بن الزبير - ﵁ - ورأيه في خروج الحسين\nرافضًا ظلم يزيد وولاته ورافضًا البيعة ليزيد.\nمن الضروري أن نبين رأي ابن الزبير أولًا لأن عددًا من المؤرخين تأثروا بالروايات المكذوبة والضعيفة للطعن في عدالة الصحابة وتشويه العلاقة بين فرسي الرهان (الحسين وعبد الله) وأخوي الدرب الشاق وحاملي راية تغيير المنكر ونشر العدل، والروايات التي تتهم ابن الزبير بأنه شجع الحسين على الخروج هي من طريق التالف الهالك أبي مخنف أو من طريق آخر فيه مجهول العين.\nأما الروايات التي اعتمدناها فتبين غير ذلك إذ أن ابن الزبير - ﵁ - حذر الحسين بن علي - ﵁ - من الخروج إلى الكوفة لأن شيعة الكوفة تسببوا في قتل أبيه وجرح أخيه.\nأخرج يعقوب بن سفيان قال: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب قال: قال ابن الزبير للحسين أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبَّ إليَّ من أن تستحل بي يعني مكة. [البداية والنهاية (٦/ ٣٦٩)].\nقلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات سوى عبد الله بن شريك فهو صدوق وثقة عند بعضهم. وشيخه بشر بن غالب بن جناده وذكره ابن حبان في الثقات وهو غير بشر بن غالب الكوفي المتروك وغير بشر بن غالب الأسدي المجهول. [وانظر لسان الميزان (تر ١٦٣٩) وثقات ابن حبان (٤/ ٦٩)].\nوأخرج الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب بن عبد الله، أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال: سمعت رجلًا يحدث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: \"أتتني بيعة أربعين ألفًا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي\" فقال ابن الزبير: \"أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ \" قال هشام: فسألت معمرًا عن الرجل، فقال: هو ثقة. [البداية والنهاية (٦/ ٣٧٠)].\nقلنا: ولا يخفى وجود مجهول في هذا الإسناد إلَّا أنه يتعاضد بالذي قبله وإن كان في متنه غرابة والله أعلم.\n٢ - رأي عبد الله بن عباس - ﵄ -\nروى سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في =","vol":"4","page":70},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الخروج فقلت: \"لولا أن يُزْرَى بي وبك لنشبت يدي في رأسك\" فقال: \"لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إليّ من أن أستحل حرمتها -يعني الحرم- فكان ذلك الذي تسلي نفسي عنه.\n[الطبراني (ح ٢٨٥٩) ورجاله ثقات وانظر البداية والنهاية (٥/ ٦٦٥) وتاريخ الإسلام للذهبي (/ ١٠٦)].\nوقال الذهبي - معقبًا على رأي ابن المسيب: \"لو أن الحسين لم يخرج لكان خيرًا له\" - قلت (الذهبي): وهذا كان رأي ابن عمر وأبي سعيد وابن عباس وجابر وجماعة سواهم وكلّموه في ذلك كما تقدم في مصرعه. [تاريخ الإسلام (٦٠ - ٨٠ هـ / ١٠٦)].\nقلنا: وتأييدًا لكلام الذهبي الآنف الذكر نورد رواية البزار (ح ٢٦٤٣) والطبراني (ح ٦١٠) عن الإمام الشعبي قال: لمَّا أراد الحسين بن علي أن يخرج إلى أرض العراق أراد أن يلقى ابن عمر فسأله عنه فقيل إنه في أرض له فأتاه ليودعه فقال له: إني أريد العراق فقال: لا تفعل فإن رسول الله - ﷺ - قال: \"خُيرتُ بين أن أكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدًا. فقيل لي: تواضع، فاخترت أن أكون نبيًّا عبدًا\" وإنك بضعة من رسول الله - ﷺ - فلا تخرج قال: فأبى فودعه وقال: أستودعك الله من مقتول.\nوقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات [مجمع الزوائد (٩/ ١٩٢)].\nويورد الحافظ ابن كثير رواية أخرى في نفس المعنى إلَّا أنها تبين أن ابن عمر هو الذي لحق بالحسين يمنعه من الخروج، قال الحافظ ابن كثير: وقال غير واحد عن شبابة بن سوار قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليالٍ فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم؟ قال: لا تأتهم، فأبى، فقال ابن عمر: إني محدثك حديثًا، إن جبريل أتى النبي - ﷺ - فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا وإنك بضعة من رسول الله، والله ما يليها أحدٌ منكم أبدًا وما صرفها الله عنكم إلَّا للذي هو خير لكم فأبى أن يرجع، قال: فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: \"أستودعك الله من قتيل\".\nوقال يحيى بن معين، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن مينا قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: \"عجل حسين قدره والله لو أدركته ما تركته يخرج إلَّا أن يغلبني. ببني هاشم فتح هذا الأمر وببني هاشم يختم فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان.\nقلت (ابن كثير): وهذا مع حديث ابن عمر يدلّ على أن الفاطميين أدعياء كذبة لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نصَّ عليه غير واحد من الأئمة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله. [البداية والنهاية (٦/ ٣٦٩)]. =","vol":"4","page":71},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-536> إرسال الرأس الشريف إلى عبيد الله</span>\nفي الصحيح أخرج البخاري في صحيحه عن أنس - ﵁ - أتي عبيد الله برأس الحسين بن علي فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس كان أشبههم برسول الله - ﷺ - وكان مخضوبًا بالوسمة. [صحيح البخاري / كتاب فضائل أصحاب النبي (ح ٣٧٤٨)].\nورواية أنس عند الطبراني (ح ٢٨٧٨) والبزار (ح ٢٦٤٩) بلفظ: \"جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول: لقد كان أحسبه جميلًا فقلت: والله لأسؤونك إني رأيت رسول الله - ﷺ - يلثم حيث بقع قضيبك، قال: فانقبض\".\nقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني بأسانيد ورجاله وثقوا. [مجمع الزوائد (٩/ ١٩٥)].\nخلاصة القول: من الثابت تاريخيًا أن الرأس الشريف وضع بين يدي الفاسق عبيد الله بن زياد، وأما إرساله إلى يزيد ووضعه بين يديه فلم يثبت من طريق موصول صحيح.\nوإنما ورد في مرسل الليث بن سعد، ومن طريق الحصين عن رجل أبهم اسمه (مولى لمعاوية)، ورواية ثالثة عند الطبراني من طريق فيه مجهول الحال وآخر ضعيف جدًّا، ورواية رابعة عند ابن أبي الدنيا ذكرها ابن كثير [البداية والنهاية (٦/ ٤١١)] بإسناد فيه مجهول وآخر (سالم بن أبي حفصة) قال النسائي والدولابي: ليس بثقة وقال ابن حبان يقلب الأخبار ويهم في الروايات (المجروحين (١/ ٣٤٢) هذا بالإضافة إلى غلوه في التشيع كما قال ابن سعد في طبقاته (٦/ ٣٣٦) وهذا حال أقل الروايات الموصولة ضعفًا في هذه المسألة فما بالك بروايات أبي مخنف التالف الهالك الوضاع؟\nوالحق يقال: أننا لم نجد رواية موصولة صحيحة السند تثبت أن رأس الحسين وضع بين يدي يزيد إلّا أن كتب التاريخ تذكر ذلك ووردت بذلك آثار غير صحيحة الإسناد.\nولعل ذلك دفع الحافظ الناقد ابن كثير ﵀ إلى إبداء قولين أو رأيين في هذه المسألة فهو يقول تارةً: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام (٦/ ٣٧٥) ويقول تارة أخرى: وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيره ابن زياد إلى الشام أم لا؟ على قولين: الأظهر منهما أنه سيره إليه وقد وردت في ذلك آثار كثيرة والله أعلم. [البداية والنهاية (٦/ ٤١١)].\nقلنا: ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر التاريخية روايةً ولو واحدة موصولة السند صحيحة تثبت ذلك.\nبل إن الرواية الصحيحة - التي سنذكرها بعد قليل - عن شاهد عيان ثقة (هو الإمام زين العابدين) تؤكد أنهم دخلوا على يزيد وليس فيه ذكر إدخال الرأس الشريف، ولذلك فإننا نرجح القول الأول لابن كثير وهو أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام. =","vol":"4","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-537> من شارك في جريمة قتل الإمام حسين بن علي - ﵄ </span>-؟\nللإجابة على هذا السؤال نقول: الذين باؤوا بإثم ذلك الظلم العظيم هم. أولًا: شيعة الكوفة يومها الذين أرسلوا إليه بالكتب وبايعوه وواعدوه ثم تخلوا عنه وتركوه وحده في الميدان ينظرون إليه وهو يقتل وليس هذا اتهامًا باطلًا فلا أحد يستطيع أن ينكر أن الشيعة من أهل الكوفة قد أرسلوا إليه كتبهم بالبيعة ثم تخلوا عنه وجمهور الصحابة يومها كانوا على يقين من وهن وزيف بيعة أولئك وعدم ثباتهم عليه بل إن أخاه الحسن بن علي - ﵁ - الذي سماه رسول الله - ﷺ - سيدًا كان يخشى على أخيه الحسين (قبل عقد من استشهاده) من خيانة أهل العراق.\nفقد أخرج يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ١٧٨) قال: حدثنا أبو بكر: ثنا سفيان: ثني عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن يزيد الأصم قال: \"أتيت الحسن بن علي فأتي بضبارة كتب وأنا عنده ... الخبر\".\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٧٠) عن يزيد بن الأصم ولفظه: \"خرجت مع الحسن ... الخبر، وفيه؛ فقال: يا جارية هات المخضب فصب فيه ماء، وألقى الكتب في الماء فلم يفتح منها شيئًا ولم ينظر إليه، فقلت: يا أبا محمد ممن هذه الكتب؟ قال: من أهل العراق من قوم لا يرجعون إلى حقٍ ولا يقصرون عن باطل أما فإني لست أخشاهم على نفسي ولكني أخشاهم على ذلك وأشار إلى الحسين\". اهـ.\nوإسناد النسوي صحيح والله أعلم.\nوثانيًا: عبيد الله بن زياد وجنده وأما يزيد وإن لم يكن قد أمر بقتله إلّا أن ابن زياد قائد من قواده ترك له الحبل على الغارب فأراد ابن زياد أن يثبت حكم أميره يزيد فباع آخرته بدنيا غيره.\nوللعلامة المؤرخ محمود شاكر رأي مقارب لما قلناه أثناء التحقيق وزيادة بيان على قولنا فهو يرى أن يزيدًا لم يكن سببًا رئيسًا في قتل الحسين فهو في الشام وعبيد الله في العراق ولم يكن يزيد يومها قد تمكن من استتباب الأمور ولم يكن قويًّا بل إن عبيد الله كان ظاهرًا أمره في العراق. [وانظر التاريخ الإسلامي (٤/ ٢٥)].\nقلنا: وتوكيدًا لرأي العلامة شاكر نقول: إن ابن زياد كان أقوى تأثيره على من هم فوقه في المسؤولية فقد استطاع فيما بعد (كما سنرى) أن يغير رأي مروان بن الحكم كي يعرض عن الذهاب إلى عبد الله بن الزبير وبيعته فأثناه عن الذهاب إلى الحجاز فكان سببًا في سفك دماء كثيرة أراد مروان أن يتجنبها ويوافق الأمة في إجماعها وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.\nرأي الحافظ ابن كثير كإمام ناقد من أئمة أهل السنة والجماعة في مسألة استشهاد الحسين بن علي - ﵄ - وأرضاهما =","vol":"4","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الحافظ ابن كثير ﵀: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا، من كون الشمس كسفت يومئذِ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجرٌ إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرّت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري أن الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس بما كان معه يومئذٍ إلَّا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلَّا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٣)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>رأي الحافظ ابن كثير في روايات الطبري (غير الصحيحة)</span>\nوأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذي قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون، وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٣)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>مبرر من قاتل الحسين بن علي - ﵄ </span>-\nقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاث المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها وتتهم على نبيها - ﷺ - فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديمًا وحديثًا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة - قبحهم الله - وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة.\nفلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون من الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيًا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد =","vol":"4","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرًا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٤)].\nقلنا: لقد كان الحافظ ابن كثير -﵀- دقيقًا في الأسطر الأخيرة ولا يدرك تلك الدقة إلَّا من خاض غمار البحث التاريخي وبأمانة ونزاهة والله تعالى اعلم.\nلكن استوقفتنا عبارة أخرى للحافظ ابن كثير تخالف تمامًا ما رواه هو في هذه المسألة وما قاله كذلك كمؤرخ فهو يقول في موضع آخر حينما يتحدث عن موقف يزيد عن مقتل الحسين بن علي - ﵄ -: [لم يأمر بقتله ولم يسوؤه].\nقلنا: وأما قوله: [لم يأمر بقتله] فصحيح كما ذكرنا وكما سنذكر مرة أخرى.\nوأما قوله: [ولم يسوؤه] فغير صحيح والعجيب أن ابن كثير قال بصيغة الجزم أن يزيدًا بكى حين علم بمقتل الحسين وحزن حزنًا شديدًا، وقال ابن مرجانة: بغضني إلى الناس .. إلخ. وروى نحو هذا روايات عدةٍ وسنضيف إليها وإلى ما ذكرنا آنفًا رواية الإمام الثقة الَّذي حضر هذه المحنة وشهد معاناتها بنفسه ألا إنه الإمام العلم زين العابدين علي بن الحسين - ﵄ - ورواية زين العابدين أخرجها اثنان من الأخباريين الثقات (المدائني وأبو عرب التميمي) مع اختلاف يسير في الألفاظ.\nفقد روى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن عمرو بن دينار حدثنا محمد بن علي عن أبيه قال: \"قُتل الحسين وأدخلنا الكوفة فلقينا رجل فأدخلنا منزله فألحفنا فنمت فلم أستيقظ إلّا بحس الخيل في الأزقة فحملنا إلى يزيد فدمعت عينه حين رآنا وأعطانا ما شئنا ... الخبر\". [سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٢٠)].\nقلنا: ورجال هذا الإسناد بين الثقة والصدوق، والخبر أخرجه أبوالعرب التميمي المؤرخ المعروف عن علي بن الحسين وفيه: \"والله ما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج ولا بقتله حين قتل\" - وفي آخِره - \"فقال له النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين اصنع بهم ما كان يصنع رسول الله لو رآهم بهذه الهيئة. فقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد بنات رسول الله سبايا! ! ! فبكى حتى كادت نفسه تخرج وبكى أهل الدار حتى علت أصواتهم ثم قال: خلوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمام فاغسلوهم واضربوا عليهم القباب ففعلوا وأمال عليهم المطبخ وكساهم وأخرج لهم جوائز كثيرة، ثم قال: لو كان بينه وبينهم نسب ما قتلهم ثم رجعوا إلى المدينة\".\n[المحن (١٣٤ - ١٣٥)].\nوهذه الرواية الصحيحة مع كثير من الروايات التي ذكرها ابن كثير تؤكد أن يزيدًا ساءه مقتل الحسين بن علي - ﵄ - والله أعلم. =","vol":"4","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-540> موقف الإنسان المسلم من هذه الواقعة المؤلمة كما يراه الحافظ ابن كثير</span>\nيقول ﵀: فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله - ﵁ -، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله - ﷺ - التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدًا وشجاعًا وسخيًا، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع رياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتمًا كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتمًا، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتمًا، وكذلك الصديق كان أفضل منه، ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتمًا، وكذلك رسول الله - ﷺ - سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحدٌ يوم موتهم مأتمًا يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحدٌ أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٥)].\nقلنا: ومصاب الأمة في ريحانة رسول الله - ﷺ - جزء من مصائب وابتلاءات أُخَرْ وكان ذلك قدرًا مقدورًا.\nأخرج الطبراني (ح ٤١١١) عن عمارة بن يحيى بن خالد بن عرفطة قال: كنا عند خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين بن علي - ﵄ - فقال لنا خالد: هذا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -: \"إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي\".\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار ورجال الطبراني رجال الصحيح غير عمارة، وعمارة وثقه ابن حبان. [مجمع الزوائد (٩/ ١٩٤)].\nقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعًا إلّا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها\". رواه الإمام أحمد وابن ماجه. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٥)].\nوللعلامة ابن خلدون كلام رائع في تقييم موقف الحسين بن علي وبقية الصحابة - ﵃ - أجاد فيه ﵀ ودافع فيه عن عدالة الصحابة وهكذا ينبغي أن يكون الأدب مع =","vol":"4","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك مَقتَل الحسين رضوان الله عليه، قُتل فيها في المحرّم لعشر خلوْن منه، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، قال: حدّثني مُحَدّث عن إسحاق بن\n_________\n= صحابة رسول الله - ﷺ - وخلاصة كلام ابن خلدون: أن الإمام الحسين بن علي اجتهد في خروجه إلى العراق واجتهاده ذو شقين: ديني ودنيوي.\nأما الديني فأصاب فيه، وأما الدنيوي فأخطأ فيه - ﵁ - وأصاب غيره من الصحابة الذين نصحوه بعدم الخروج وكما يقول ابن خلدون: [أخطأ في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه منوط بظنه وكان ظنه القدرة على ذلك ولقد عذله ابن العباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية أخوه وغيره في مسيره إلى الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله.\nوأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام والعراق ومن التابعين لهم فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقًا لا يجوز لما ينشأ عنه من الهرج والدماء فأقصروا عن ذلك ولم يتابعوا الحسين بن علي ولا أنكروا عليه ولا أثموه لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسن وقعودهم عن نصره فإنهم أكثر الصحابة ولم يروا الخروج.\nويقول أيضًا: \"وكان الحسين يستشهد بهم (وهو بكربلاء) على فضله وحقه ويقول سلوا جابر بن عبد الله، وأبا سعيد وأنس بن مالك وسهل بن سعيد وزيد بن أرقم وأمثالهم ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره ولا تعرّض لذلك لعلمه أنهم على اجتهاد وإن كان هو على اجتهاد ... \".\nويقول أيضًا: \"والحسين فيها شهيد مثاب وهو على حق واجتهاد وأن الصحابة الآخرين على حق واجتهاد أيضًا\" [عن مقدمة ابن خلدون وبتصرف (٢١٧)].\nوقال ابن خلدون: \"ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذٍ في شأنه فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير - ﵄ - ومن اتبعهما في ذلك، ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به لأن شوكة يزيد يومئذٍ هي عصابة بني أمية وجمهور أهل الحل والعقد من قريش وتستبع عصبية مضر أجمع وهي أعظم من كل شوكة ولا تطاق مقاومتهم .. والكل مجتهدون (أي: الصحابة) ولا ينكر على أحد من الفريقين فمقاصدهم في البِرِّ وتحرّيه معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم\" (١/ ٢١٢).","vol":"4","page":77},{"text":"عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وهشام بن الكلبيّ؛ وقد ذكرْنا ابتداءَ أمر الحسين في مسيره نحوَ العراق وما كان منه في سنة ستين، ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة إحدى وستين وكيف كان مَقتلُه (١). [٥: ٤٠٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>ذكر خبر ولاية سَلْم بن زياد على خراسان وسجستان</span>\nقال: وخرج سلم وأخرج معه أمّ محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقَفيّ، وهي أوّل امرأة من العرب قُطِع بها النهر.\nقال: وذكر مَسلمَة بن محارب وأبو حفص الأزديّ عن عثمان بن حفص الكرمانيّ أن عُمّال خُراسان كانوا يَغزُون، فإذا دخل الشتاءُ قفلوا من مغازيهم إلى مَرْو الشاهِجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خُراسان في مدينة من مدائن خُراسان ممّا يلي خوارَزْم، فيتعاقدون ألّا يغزُوَ بعضهم بعضًا، ولا يهيجَ أحد أحدًا، ويتشاورون في أمورهم، فكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم في غزو تلك المدينة فيأبون عليهم، فلما قَدِم خُراسان غزا فشتا في بعض مغازيه؛ قال: فألحّ عليه المهلب، وسأله أن يوجّهه إلى تلك المدينة، فوجّهه في ستة آلاف - ويقال أربعةِ آلاف - فحاصرهم، فسألهم أن يُذعِنوا له بالطاعة، فطلبوا إليه أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم، فأجابهم إلى ذلك، فصالحوه على نيّف وعشرين ألف ألف، قال: وكان في صلحهم أن يأخذ منهم عروضًا، فكان يأخذ الرأسَ بنصف ثمنه، والدابة بنصف ثمنها، والكَيمُخت بنصف ثمنه، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظيَ بها المهلب عند سلم، واصطفى سلم من ذلك ما أعجبه، وبعث به إلى يزيدَ مع مَرزُبان مرْو، وأوفد في ذلك وفدًا.\nقال مسلمة وإسحاق بن أيّوب: غزا سلْم سمرقند بامرأته أمّ محمد ابنة عبد الله، فولدتْ لسلم ابنًا، فسمّاه صُغْدي (٢). [٥: ٤٧٣].\n* * *\n_________\n(١) قلنا: وكذلك أرخ خليفة لمقتله فقال: مقتل الحسين بن علي لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين. [تاريخ خليفة (٢٢١)].\n(٢) قول الطبري: قال: أي: علي بن المدائني ومسلمة ذكره ابن حبان في الثقات وهو الذي =","vol":"4","page":78},{"text":"وفي هذه السنة عَزلَ يزيدُ عمرَو بن سعيد عن المدينة وولّاها الوليدَ بن عتبة، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: نزع يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد، لهلالِ ذي الحجة، وأمَّر الوليدَ بنَ عتبة على المدينة، فحجّ بالناس حجّتين سنة إحدى وستين وسنة اثنتين وستين (١).\nوكان عامل يزيد بن معاوية في هذه السنة على البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة في آخرها الوليد بن عتبة، وعلى خُراسان وسجستان سَلْم بن زياد، وعلى قضاء البَصْرة هشام بن هُبَيرة، وعلى قضاء الكُوفة شُريح.\nوفيها أظهر ابن الزبير الخلافَ على يزيدَ وخلَعَه، وفيها بويع له. [٥: ٤٧٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة</span>\nوكان عزلُ يزيد عَمرًا عن الحجاز وتأميرُه عليها الوليدُ بن عُتبة في هذه السنة - أعني سنة إحدى وستين؛ قال أبو جعفر: حدّثت عن محمد بن عمر قال: نزع يزيدُ عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذي الحجة سنة إحدى وستين وولّى الوليد بن عُتبة، فأقام الحجّة سنة إحدى وستين بالناس، وأعاد ابن ربيعة العامريّ على قضائه.\n_________\n= يروي عن أبيه عن معاوية وهو يذكر الروايات فيرسلها عادة إلّا في أحايين قليلة كما ها هنا فلم يرسل الرواية وإنما رواها عن عثمان بن حفص الكرماني وعثمان هذا إن كان التومني فقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب. (٨/ ٤٥٥) وإن كان الذي يروي عن معاوية فقد ذكره ابن حبان في الثقات (الزرقي) (٥/ ١٥٥) وله ترجمة في التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٢١٧) وأغلب الظن أنه هو، الذي روى عنه مسلمة بن محارب في هذه الرواية.\nوأما مصالحة أهل خوارزم وما يليها لسلم فقد أيده البلاذري كذلك إذ قال: ثم ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد فصالحه أهل خوارزم على أربعمئة ألف وحملوها إليه وقطع النهر معه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي وكانت أول عربية عبر بها النهر فأعطاه أهلها ألف دية وولد له ابن سماه الصغدي وأتى سمرقند. [فتوح البلدان (٢٤٧)].\n(١) قلنا: وكذلك قال خليفة بن خياط عن ابن نمير (تاريخ خليفة ٢٢٦).","vol":"4","page":79},{"text":"وحدّثني أحمد بن ثابت، قال: حدِّثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حجّ بالناس في سنة إحدى وستين الوليدُ بن عُتبة، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل السير.\nوكان الوالي في هذه السنة على الكوفة والبَصرة عُبيد الله بن زياد، وعلي قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء البَصرة هشام بن هُبيرة، وعلى خُراسان سَلْم بن زياد (١). [٥: ٤٧٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>عبد الله بن الزبير يتثاقل عن طاعة يزيد</span>\nحدَّثنا نوح بن حبيب القومِسيّ، قال: حدَّثنا هشام بن يوسف.\nوحدّثنا عبيد الله بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر المَدينيّ قال: حدَّثنا هشام بن يوسف -واللفظ لحديث عبيد الله- قال: أخبرني عبد الله بن مصعب، قال: أخبَرَني موسى بن عُقبْة، عن ابن شهاب، قال: أخبَرَني عبد العزيز بن مروان، قال: لما بعث يزيد بن معاوية بن عِضاه الأشعريّ ومسْعدَةَ وأصحابهما إلى عبد الله بن الزبير بمكة ليُؤْتَى به في جامعة لتبَرّ يمين يزيد، بعث معهم بجامعة من ورق وبُرنُس خَزّ، فأرسلني أبي وأخي معهم وقال: إذا بَلَّغتْه رُسلُ يزيد الرسالة فتعرَّضا له، ثم ليتمثّلْ أحدُكما:\nفخُذها فليست للعزيز بخُطَّةٍ ... وفيها مقالٌ لامرئٍ متذلِّلِ\nأَعامِرَ إنّ القومَ سامُوك خُطَّةً ... وذلك في الجيران غَزْل بمِغزل\nأراكَ إذا ما كنتَ للقوم ناصِحًا ... يقالُ له بالدَّلو أَدْبرْ وأَقبل\nقال: فلما بلغته الرسلُ تعرّضنا، فقال لي أخي: اكفِنيها، فسَمِعَني، فقال: أي ابني مروان، قد سمعتُ ما قلتما، وعلمتُ ما ستقولانه، فأخبِرا أباكما:\nإنِّي لَمِنْ نَبْعةٍ صُمٍّ مكاسِرُها ... إذا تَناوَحَتِ القَصْباءُ والعُشَرُ\nفلا أَلينُ لغير الحقّ أسأَلهُ ... حتى يلين لِضِرس الماضِغ الحَجَرُ\n_________\n(١) قلنا: وقال خليفة: على البصرة عبد الرحمن بن أذينة العبدي حتى وقعت الفتنة، وشريح على الكوفة، وعلى المدينة عبد الله بن عثمان البتي. [القضاء في خلافة يزيد / تاريخ خليفة (ص ٢٥١)].","vol":"4","page":80},{"text":"قال: فما أدري أيّهما كان أعجبَ!\nزاد عبد الله في حديثه، عن أبي عليّ، قال: فذاكرت بهذا الحديث مُصعبَ بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر، فقال: قد سمعتُه من أبي عليّ نحوَ الذي ذكرت له، ولم أحفظ إسنادَه (١). [٥: ٤٧٦].\n_________\n(١) لرواية الطبري هذا ما يؤيدها، ولكن بألفاظ مختلفة والمعنى واحد (تثاقل ابن الزبير عن طاعة يزيد)، فقد أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٣١) بسند حسن من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٤٩) من طريق سعيد بن أبي إسحاق السبيعي ثنا هشام بن عروة عن أبيه أن يزيد بن معاوية كتب إلى عبد الله بن الزبير إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب وجامعة من فضة وحلفت لتأتيني في ذلك قال: فألقى الكتاب وقال:\nلا ألين لغير الحق أنملة ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\nوأخرج الفاكهي ثني أبو بكر محمد بن صالح قال: ثنا علي بن عبد الله قال: ثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن مصعب عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد العزيز بن مروان قال: \"بعث يزيد بن معاوية بن عضاه الأشعري وعبد الله بن مسعدة الفزاري وبعث الوقوف ببرنس من خز وجامعة ليؤتى بابن الزبير ليبر بيمينه\". [أخبار مكة (ح ١٦٥٣)].\nوعن عروة بن الزبير قال: \"لما مات معاوية تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة يزيد بن معاوية أظهر شتمه فبلغ ذلك يزيد فأقسم لا يؤتى به إلّا مغلولًا وإلّا أرسل إليه فقيل لابن الزبير ألّا نصنع لك أغلالًا من فضة تلبس عليها الثوب وتبرّ قسمه فالصلح أجمل بك قال: فلا أبر الله بقسمه ثم قال:\nولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\nثم قال: والله لضربة بسيف في عز أحب إليَّ من ضربة بسوط في ذل، ثم نظر إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية. اهـ.\n[جزء من خبر رواه الطبراني، وقال الهيثمي: وفيه عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو زرعة وغيره. [مجمع الزوائد (٧/ ٢٥٥)].\nقلنا: وبعض أئمة الحديث يفرقون بين عبد الملك بن عبد الرحمن الشامي والذماري، فالشامي منكر الحديث، وأما الذماري فقد قال أبو حاتم شيخ وسكت عنه البخاري وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ: صدوق كان يصحف والله أعلم.\nوأخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا أبو الحسن عن بقية بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما بلغ يزيد بن معاوية أن أهل مكة أرادوا ابن الزبير على البيعة فأبى أرسل النعمان بن بشير الأنصاري وهمام بن قبيصة النميري إلى ابن الزبير يدعوانه إلى البيعة ليزيد على أن يجعل =","vol":"4","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عمّا كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدَم وفد أهلِ المدينة على يزيدَ بن معاوية </span>(١)\nوحجّ بالناس في هذه السنة الوليدُ بن عتبة، وكانت العمال في هذه السنة على العراق وخُراسان العُمَّال الذين ذكرتُ في سنة إحدى وستين.\n_________\n= ولاية الحجاز أو ما شاء وما أحب لأهل بيته من الولاية فقدما على ابن الزبير فعرضا عليه ما أمرهما به يزيد، فقال ابن الزبير: أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر ويدع الصلاة ويتبع الصيد؟ فقال همام بن قبيصة: أنت أولى بما قلت منه، فلطمه رجل من قريش فرجعا إلى يزيد فغضب وحلف لا يقبل بيعته إلَّا وفي يده جامعة. [تاريخ خليفة (٣١٧)].\nقلنا: ولم نجد لبقية بن عبد الرحمن ترجمة.\nورواية أخرى أخرجها ابن عساكر من طريق شعيب بن إسحاق ثنا هشام بن عروة عن أبيه أن يزيد كتب إلى ابن الزبير إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيدٍ من ذهب وجامعة من فضة وحلفتُ لتأتيني في ذلك. قال: فألقى الكتاب وقال:\nولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\n[تاريخ دمشق (/ ٤٥١) تاريخ الإسلام للذهبي (/ ٤٤٣)]. وقلنا: وهذا إسناد صحيح.\nوأخرج خليفة قال: قال أبو الحسن - رجل من أهل مكة - عن صالح بن كيسان عن عبد العزيز بن مروان قال: بعث يزيد بن عضاه الأشعري إلى ابن الزبير يدعوه لبيعته ومعه جامعة من فضة وبرنس خز فقدم على ابن الزبير وهو جالس بالأبطح ومعه أيوب بن عبد الله بن زهير بن أبي أمية المخزومي وعلى مكة يومئذٍ الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة فكلمه ابن عضاه وابن الزبير ينكت في أرض فقال له أيوب: يا أبا بكر ألا أراك غرضًا للقوم فرفع ابن الزبير رأسه، فقال: قلتم حلف ألا يقبل بيعتي حتى يؤتى بي في جامعة، لا أبر الله قسمه وتمثل ابن الزبير:\nولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\nثم قال: والله لا أبايع يزيد ولا أدخل في طاعته. اهـ[تاريخ خليفة (٢٥١)].\n(١) قلنا: لقد ذكر الطبري هذا المقدم ضمن أحداث سنة ٦٢ هـ وذكر التفاصيل من طريق التالف الهالك أبي مخنف فذكرناها في قسم الصحيح وأبو مخنف بارع في تلفيق الأخبار والتزوير والتشويه. =","vol":"4","page":82},{"text":"وفي هذه السنة وُلدَ -فيما ذُكِر- محمد بن عبد الله بن العبّاس [٥: ٤٨١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيدَ بن معاوية عثمانَ بنَ محمد بن أبي سُفْيان من المدينة، وإظهارِهم خلعَ يزيد بن معاوية، وحصارِهم من كان بها من بني أميّة (١) [٥: ٤٨٢].\n_________\n= وكتب التاريخ تذكر أن وفد المدينة كان برئاسة عبد الله بن حنظلة الذي اتهم يزيد بشرب الخمر وتأخير الصلاة وما إلى ذلك من الأمور المفسقة ولذلك خلع الناس من أهل مكة والمدينة يدهم من طاعة يزيد لما أذاعه عبد الله ومن معه إلَّا عددًا من أصحاب أهل الحل والعقد من الصحابة من أهل الحرمين كابن عمر وغيره وكان لابن عمر وآرائه وقع كبير في نفوس الناس ورأيه يؤخذ بعين الاعتبار عند بني أمية ومعارضيهم على حدٍّ سواء وسنتطرق إلى موقف ابن عمر ﵄ فيما بعد.\nولكننا نذكر هنا رواية تاريخية تنفي هذه التهم عن يزيد بن معاوية والذي ينفي هذه التهم هو علم من أعلام آل بيت رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>محمد بن الحنفية ينفي التهم الموجهة إلى يزيد</span>\nروى المدائني (الإخباري الصدوق) من طريق صخر بن جويرية عن نافع قال: فمشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى وقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. قال: ما رأيت منه ما تذكرون وقد أقمت عنده فرأيته مواظبًا للصلاة متحريًا الخير يسأل عن الفقه، قال: كان ذلك منه تصنعًا ورياءً. [تاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ٢٧٤)] وانظر البداية والنهاية (٥/ ٧٤٦). قلنا: ومعلوم أن ابن الحنفية سيد مطاع في قومه وهو علم من أعلام آل البيت وخاصة بعد وفاة الحسن واستشهاد الحسين ﵄.\n(١) قلنا: من المعروف عند علماء التاريخ أن أهل المدينة خلعوا يزيدًا بعد رجوع الوفد من عند يزيد وتردد الأخبار بينهم بالتهم الموجهة إلى يزيد ولكن عددًا من كبار الصحابة من أهل الحل والعقد لم يروا الصواب في ذلك وسنناقش هذه المسألة فيما يأتي:\nأخرج البخاري في صحيحه [كتاب الفتن] عن نافع قال: لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة\"، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن =","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>وقعة الحرة</span>\nقال أبو جعفر الطبريّ: فحدّثني أحمد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر، قالا: كانت وقعة الحرّة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجّة سنة ثلاث وستين، وقال بعضهم: لثلاثِ ليالٍ بقِين منه.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزُّبَيْر، حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر، عن ابن عوف، قال: حجّ ابن الزبير بالناس سنة ثلاث وستين، وكان يسمّى يومئذ العائذ، ويرون الأمرَ شُورَى، قال: فلما كانت ليلة هلال المحرّم ونحن في منزلنا إذ قدم علينا سعيدٌ مولى المِسْور بن مخرَمَة، فخبّرنا بما أوقع مسلم بأهل المدينة وما نيل منهم، فجاءهم أمرٌ عظيم، فرأيت القوم شهروا وجدّوا وأعدّوا وعرفوا أنه نازل بهم (١). [٥: ٤٩٤].\n_________\n= يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلَّا كانت الفيصل بيني وبينه. [صحيح البخاري / كتاب الفتن (ح ٧١١١)].\nوكعادة ابن حجر -﵀- فإنه في شرح الأحاديث يذكر الروايات التي أخرجها غير البخاري لبيان ما أبهمه البخاري أو لزيادة في البيان والتأكيد وكذلك فعل عند شرحه لهذا الحديث فقال: وفي رواية أبي العباس السراج في تاريخه عن أحمد بن منيع وزياد بن أيوب عن عفان عن صخر بن جويرية عن نافع قال: \"لما انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه ... \". [فتح الباري (٦/ ٥٧٥)].\n(١) وانظر تاريخ خليفة إذ ذكر وقعة الحرة ضمن أحداث سنة ٦٣ هـ[تاريخ خليفة (ع ٢٢٨)].\nهذه الوقعة المؤلمة ليست الأولى التي أصابت أصحاب رسول الله - ﷺ - ولقد قتل من أصحاب رسول الله - ﷺ - وفي عهده ﵊ جمع يوم بئر معونة، واستحرّ بهم القتل في حروب الردة ولكن الفاجعة هنا أن الفتل استحرّ بهم من قبل جيش الشام وكان الأولى بذلك الجيش أن يدافع عن ثغور الخلافة في وجه الروم بدلًا من سفك دماء المسلمين وهذه الوقعة تؤكد مقولة بعض المؤرخين: من أن يزيد لم يكن حازمًا في إدارة الحكم وأنه لم يتابع تنفيذ الأمور بنفسه على عكس أبيه ﵁ وبذلك ترك المجال للأمراء والقادة الميدانيين أن يتصرفوا كما يبدو لهم دون الرجوع إليه، وسنتطرق إلى ذلك عند حديثنا عن وفاة يزيد ورأي المؤرخين في سيرته. =","vol":"4","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والذي يهمنا هنا أن نثبت الحقائق كما أخبرت الروايات الصحيحة وأن ننفي عن التاريخ الإسلامي المبالغات والإفتراءات والتزوير والكذب وتشويه الحقائق التاريخية، والله المستعان.\nقبل أن نذكر تفاصيل الوقعة نود أن نذكر كلامًا وجيزًا للمؤرخ خليفة بن خياط وهو يصور لنا الوضع السياسي للمدينة المنورة قبل حدوث المعركة ببرهة زمنية قصيرة.\nقال خليفة بن خياط: قال أبو اليقظان: دعوا إلى الرضا والشورى وأقروا على قريش عبد الله بن مطيع العدوي وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، وأخرجوا من المدينة بني أمية، وقال غيره خلعوا يزيد فأرسل إليهم جيشًا عليه مسلم بن عقبة، [تاريخ خليفة (٢٣٧)].\nقلنا: ولقد بالغت بعض كتب التاريخ في أرقام وأعداد القتلى في هذه الوقعة ولقد أخذنا على أنفسنا أن نرفض الأخبار إن لم تكن مسندة موصولة صحيحة فيما يتعلق بأحداث الفتنة إذ الفتنة مرتع خصب للوضاعين والكذابين والحاقدين على أعلام التاريخ الإسلامي علمًا بأننا تساهلنا في قبول الوفيات بدون إسناد واكتفينا بذكر تلك الوفيات في مصدر تاريخي متقدم موثوق أو عدة مصادر لأننا على يقين أن موت صحابي أو تابعي يترك أثرًا كبيرًا في نفوس معاصريه فتبقى في ذاكرتهم تلك السنة التي توفي فيها.\nوبالذات في هذه الوقعة الشهيرة فإن المؤرخ المتقدم الثّقة خليفة بن خياط قد ذكر أسماء الذين قتلوا في هذه الفاجعة ولا يتجاوز عددهم الأربعمئة، فلماذا كل هذه المبالغات؟ ولماذا هذا التهويل؟ ولماذا هذا التشويه للحقائق التاريخية ثم إن في متون الروايات التاريخية (التي تبالغ في ذكر أعداد القتلى) نكارة شديدة فالمدينة المنورة كباقي مدن الحجاز شديدة الحرارة ولم يكن يومها للناس فرق انتشال الضحايا أو ثلاجات ضخمة لحفظ الجثث فكيف لا تتعفن آلاف الجثث، وكيف لا يمتلئ جو المدينة بالعفونة، وكيف لا تتفشى الأمراض المعدية وكيف يستطيع الناس العيش في المدينة بسهولة بعد الحادثة وآثار آلاف الضحايا قريبة شاخصة حقًّا إن الوضاعين والكذابين يتركون ثغرات في رواياتهم فتتكشف عوراتهم بالإضافة إلى ضعف الإسناد ومن المتعارف عند علماء الحديث وأئمة النقد أن الرواية تتعرض لتمحيص السند والمتن قبل القبول بها ومن خلال المتون يحكم العلماء على الرواة والله أعلم.\nونضرب مثالًا على ذلك فنقول مما لا شك فيه أن الأخباري الصدوق المدائني كغيره كثير من معاصريه جمعوا الروايات دون تمحيصها وهو يروي في هذه الحادثة عن شيخ من أهل المدينة أنه سأل الزهري كم كان القتلى يوم الحرة؟ فيجيب الزهري أكثر من عشرة آلاف! ! ! قلنا: أما الشيخ الذي سأل الزهري فمجهول فكيف نعتمد على أمثال هذه الرواية في تثبيت هذا العدد الضخم؟ . =","vol":"4","page":85},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ونرجع الآن إلى رواية عروة بن الزبير الآنفة الذكر لنكملها:\nقال عروة: \"فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام وأمره بقتال أهل المدينة فإذا فرغ من ذلك سار إلى مكة. قال: فدخل مسلم بن عقبة المدينة وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله - ﷺ - وعبث فيها وأسرف في القتل ثم خرج منها فلما كان ببعض الطريق مات\". وسبق أن ذكرنا تعليق الهيثمي على إسناد هذه الرواية في مجمع الزوائد وتعقيبنا على كلام الإمام الهيثمي هناك.\nولنا عند هذا الجزء من متن الرواية وقفة:\nأما قوله: \"وهرب منه يومئذٍ بقايا أصحاب رسول الله\". ففيها غرابة لأن من بين أسماء القتلى عدد من الصحابة من المهاجرين والأنصار أي أن القتل استحر بالجميع صحابة وتابعين. علمًا بأن الإمام الحاكم أخرج هذه الرواية بهذا اللفظ كذلك موجزًا [المستدرك (٥/ ٥٤٩)] وسكت عنه.\nبينما ذكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية ونسبها إلى الطبراني بلفظ: \"فدخل مسلم بن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل ثم سار إلى مكة فمات ببعض الطريق\". [الفتح (/ ٥٧٦)].\nوكذلك أخرج الفاكهي في أخبار مكة رواية عروة الآنفة الذكر وليس فيها عبارة: \"وهرب منه بقايا أصحاب رسول الله - ﷺ - \" ولعلّ العبارة تصحيف من بعض الرواة إلَّا أن يكون المعنى أن عددًا من الصحابة اعتزلوا الفريقين المتصارعين كأبي سعيد الخدري وغير واحد منهم فلما دخل مسرف بن عقبة المدينة تركوها كي لا ينالهم بطش ذلك المسرف وإلَّا فالصحابة الذين برزوا للقتال قتلوا هنالك ولم يتركوا ساحة المعركة وشجاعة الصحابة معروفة.\nأما قول الراوي: \"وأسرف في القتل\". فصحيح.\nإلَّا أننا لم نجد رواية تاريخية صحيحة تؤكد أن يزيد بن معاوية أمر باستحلال المدينة لثلاثة أيام أو أن جيش الشام استحل المدينة لثلاثة أيام، ولعل الجيش استحل المدينة لثلاثة أيام كتصرف فردي من قائد الجيش، ولا نستطيع أن نثبت هذا الاستحلال.\nوالحق يقال: فإن الطرفين قد استماتا في القتال فكانت تلك الاستماتة سببًا في وقوع ذلك العدد من القتلى، ونحن لا نقول ما نقول بناءً على الظن والحدس والتخمين بل إن الرواية التاريخية الصحيحة تؤكد أن عددًا من أهل المدينة بايعوا عبد الله ابن غسيل الملائكة على الموت وكان يومها أميرًا على الأنصار، وعبد الله بن مطيع الأمير على من سواهم. [وانظر الفتح (٦/ ٢٢٠)].\nفقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن تميم قال: \"لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت قال: =","vol":"4","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر خبر وفاة يزيد بن معاوية</span>\nوفيها هلك يزيدُ بن معاوية، وكانت وفاته بقرية من قُرى حمصَ يقال لها حُوّارين من أرض الشأم لأربع عشرةَ ليلةً خلتْ من ربيع الأوّل سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين سنةً في قول بعضهم.\nحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، عن هشام بن الوليد المخزوميّ، أن الزّهريّ كتب لجدّه أسنانَ الخلفاء، فكان فيما كَتَب من ذلك: ومات يزيدُ بن معاوية وهو ابن تسع وثلاثين؛ وكانت ولايتُه ثلاثَ سنين وستة أشهر في قول بعضهم، ويقال: ثمانية أشهر.\nوحدّثني أحمد بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، أنه قال: توفِّي يزيد بن معاوية يومَ الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول، وكانت خلافتُه ثلاثَ سنين وثمانيةَ أشهر إلا ثمان ليالٍ، وصلّى على يزيدَ ابنُه معاوية بن يزيد (١). [٥: ٤٩٩].\n_________\n= لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله - ﷺ -، وكان شهد الحديبية\". [صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١٦٧].\nوسبب آخر لكثرة القتلى هو خيانة بني حارثة لأهل المدينة وإدخالهم جيش الشام على حين غرة عليهم فوقع كثير من القتل كما قال الحافظ ابن حجر -﵀- وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال: \"جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة. [فتح الباري (/ ٥٧٦)].\n(١) قال خليفة -متحدثًا عن وفيات سنة ٦٤ هـ-: قرئ على ابن بكير وأنا أسمع عن الليث قال: توفي أمير المؤمنين يزيد في سنة أربع وستين ليلة البدر في شهر ربيع الأول. [خليفة (٢٤٧)].\nوقال خليفة أيضًا: وفيها مات يزيد بن معاوية بحوارين من بلاد حمص وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية ليلة البدر في شهر ربيع الأول، وأمه ميسون ابنة بحدل الكلبية، ومات وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقالوا: ابن بضع وأربعين سنة، وكانت ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يومًا. [تاريخ خليفة (٢٥٠)].","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>ذكر عدد ولده</span>\nفمنهم معاوية بن يزيدَ بن معاوية، يُكنَى أبا ليلى، وهو الذي يقول فيه الشاعر:\nإني أَرَى فتنةً قدْ حانَ أَوَّلُهَا ... والمُلكُ بعد أَبى لَيلى لِمَنْ غلَبَا\nوخالد بن يزيدَ -وكان يُكنَى أبا هاشم، وكان يقال: إنه أصاب عَمَل الكيِمياء- وأبو سُفْيان، وأمُّهما أمّ هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، تزوّجها بعَد يزيد مروان، وهي التي يقول لها الشاعر:\nانْعمِي أُمَّ خالدِ ... ربَّ ساعٍ لقاعِدِ\nوعبد الله بن يزيدَ، قيل: إنه من أرْمى العرب في زمانه، وأمُّه أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر، وهو الأُسوار، وله يقول الشاعر:\nزعمَ الناسُ أن خيرَ قريش ... كلِّهمْ حِينَ يُذْكَرُ الأُسوَارُ\nوعبد الله الأصغر، وعُمر، وأبو بكر، وعُتْبة، وحرَب، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد؛ لأمّهاتِ أولادٍ شتَّى (١).\n_________\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-551> وقفة عند شخصية يزيد بن معاوية وحكمه ٦٠ - ٦٤ ه</span>ـ\nاختلف أهل العلم في حكمهم على تصرفات يزيد ومدى مسؤوليته عن المصائب التي حلّت بالأمة في عهده، وكان لقادته وولاته النصيب الأوفى من إثم هذه الفواجع.\nفمن الناس من يعتبر يزيدًا وبعض قواده كعبيد الله بن زياد من الذين تنطبق عليهم صفات الفئة التي حذّر من تصرفاتها رسول الله - ﷺ - فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يُهلكُ الناس هذا الحي من قريش\" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: \"لو أن الناس اعتزلوهم\". [صحيح البخاري / المناقب / ح ٣٦٠٤].\nوفي إحدى روايات أحمد والنسائي. (فساد أمتي).\nوالمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن وقد وقع الأمر كما أخبر ﵊ وانظر [فتح الباري (١٤/ ٥٠٠)].\nونريد (هنا) أن نشير إلى إمارة الصبيان فعند بعض العلماء أنها بدأت بتولي يزيد سنة (٦٠) هـ فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ وهو يشرح قول النبي - ﷺ -: \"هلكة أمتي على يد أغيلمة =","vol":"4","page":88},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سفهاء من قريش\": وأولهم يزيد (والكلام لابن حجر) كما دل عليه قول أبي هريرة في دعائه: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان، فإن يزيد كان غالبًا ينتزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار ويولّيها الصغار من أقاربه. [فتح الباري (١٤/ ٥٠١)].\nومن خلال دراستنا لسلوك يزيد وتصرفاته للأمور وتعامله مع الأحداث وعلاقاته مع أمراءه وقواده خلصنا إلى ما يلي:\nلقد أطلق يزيد لعماله وقادة جيوشه قدرًا كبيرًا من حرية العمل والتعامل مع الأحداث دون أن يتابعهم عن كثب ويسأل الناسى عن تقييمهم لهؤلاء الولاة -أي: بالعكس مما كان يفعله أبوه معاوية ﵁- صحيح أن يزيد كان يريد ضبط الحكم وسيادة النظام إلَّا أنه بعلاقته هذه مع ولاته فسح المجال أمام قواده لارتكاب فاجعتين:\n(الأولى) في كربلاء على يد أميره الفاسق عبيد الله والذي قال فيه الإمام الذهبي: كان جميل الصورة قبيح السريرة.\n(والثانية) في المدينة المنورة (وقعة الحرة) على يد مسلم بن عقبة الذي سماه أئمة التاريخ مُسْرف بن عقبة.\nوعندما أراد الحسين بن علي ﵄ أن يتجه نحو الشام ليضع يده في يد يزيد لم يتريث عبيد الله بين زياد ولم يرجع إلى يزيد في البت في المسألة. بل شرع في تنفيذ جريمته التي تركت جرحًا كبيرًا في جسد الأمة.\nصحيح أن يزيدًا لم يأمر بسفك دم الحسين في كربلاء، وابن غسيل الملائكة وغيره من الصحابة والتابعين في المدينة إلَّا أن له حظًا من الإثم لأنه (وكما يقول الأستاذ العش ﵀): الرأس القائم على النظام والمسؤول عنه. ويقول العش أيضًا: إنه (أي: يزيد) لم يكن يواجه المصاعب والمشاكل بجد وكفاءة وكان يصدر الأوامر إلى قواده وأمرائه، لكنها أوامر مقتضبة غير مدروسة بتفاصيلها وليست فيها خطة بينه موحدة ولا تستقيم الأوامر كما نعرف إلَّا إذا كانت وسائل العمل وخطته واضحة بينة حتى إذا ترك وضع الخطة السياسية لقائد الجيش وضع خطته بناءً على أساس حربي قاسٍ وقد تستهويه خطته فتدفعه إلى أبعد مما يفكر، وكان يزيد يترك لقواده وضع المخططات فتأتي بنتائج لعله لم يقصدها. [الدولة الأموية (١٧٩)].\nقلنا: وبالإضافة إلى ما سبق فإن يزيد كان على العكس تمامًا من والده الحليم السياسي البارع الخليق بالملك، فقد كان يزيد سريع الانفعال والغفسب وكان كما يقول العش: يلجأ إلى السيف كلما حمي الوطيس فهو رجل حرب أكثر منه رجل سياسة (١٨٠ - المصدر السابق).\nوحتى تكتمل الصورة في تحليل لنفسية وشخصية الخصوم الذين وقفوا ضد يزيد، ولقد قال الأستاذ العش كلامًا قيما نوافقه في بعضه ولا نوافقه في بعضه الآخر، فهو يضع بجزء من المسؤولية في هذه الفواجع على من خرجوا على يزيد كذلك لأنهم كما يقول العش: =","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>خلافة معاوية بن يزيد</span>\nوفي هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيدَ بن معاوية بن أبي سُفْيان بالشأم بالخلافة، ولعبد الله بن الزُّبير بالحجاز (١) [٥: ٥٠١].\nولما هلك يزيدُ بن معاوية مكث الحُصَين بن نُمير وأهل الشأم يقاتلون ابنَ الزُّبَيْر وأصحابه بمكة -فيما ذكر هشام عن عوانة- أربعين يومًا، قد حصروهم حصارًا شديدًا، وضيَّقوا عليهم، ثمّ بلغ موتُه ابن الزبير وأصحابه، ولم يبلغ الحصينَ بن نمير وأصحابه (٢) [٥: ٥٠١]\n_________\n= \"يشابهونه بعاطفتهم وقلة رويتهم فأهل الكوفة مثلًا تثور عاطفتهم نحو الحسين فيدعونه إليهم مع أن البيعة معقودة ليزيد في أعناقهم وهم لا يكتمون عاطفتهم إلَّا حين يَجِدُّ الجد فيتبين لهم أنهم أمام خطر الجزاء العنيف\". (١٨٢).\nثم يقول العش: والحسين نفسه كان عاطفيًا شديد العاطفة دفعته عاطفته إلى أن يذهب إلى الكوفة بالرغم من كل ما حذر به ... إلخ.\nوأن الآخرين كانوا ينصحونه بالذهاب إلى اليمن أو البقاء في مكة وفي ذلك حكمة ... إلخ. قلنا: أما أن الحسين بن علي ﵄ كان عاطفيًا فلعله، ولا عيب في ذلك، ولكن أن يكون الدافع من وراء خروجه العاطفة فلا، ولقد اجتهد ﵄ فكان اجتهاده ذو شقين أصاب في شقه الديني وأخطأ في تقديراته الدنيوية، أضف إلى ذلك فإنه أراد أن يجنب الحرم المكي القتال بعد أن أيقن بقرب المواجهة مع جند الوالي على الكوفة من قبل يزيد كما أخرج الطبراني (ح ٢٨٥٩) عن ابن عباس ﵄ قال: \"استشارني الحسين في الخروج، فقلت: لولا أن يزرى بي وبك لنشبت يدي في رأسك، فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن استحل حرمتها -يعني الحرم- فكان ذلك الذي سلى نفسي عنه\".\nوقال الهيثمي: رجاله ثقات، وانظر البداية والنهاية (٥/ ٦٦٥) وتاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ١٠٦) أ. هـ.\n(١) قلنا: وقال خليفة: واستخلف (أي: يزيد) ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية فأقرّ عمال أبيه ولم يولّ أحدًا ولم يزل مريضًا حتى مات وهو ابن إحدى وعشرين سنة. [تاريخ خليفة (٢٥٠)].\nوقال أيضًا: وفي سنة أربع وستين دعا ابن الزبير إلى نفسه وذلك بعد موت يزيد بن معاوية فبويع في رجب لسبع خلون من سنة أربع وستين ولم يكن يدعو إليها ولا يدعى لها حتى مات يزيد. [خليفة (٢٥٢)].\n(٢) قلنا: ثم ساق الطبري رواية تؤيد ما قاله من أن خبر موت يزيد وصل إلى ابن الزبير وهو محاصر وفي متنه نكارة بل نكارات وسبحان الله وبحمده ما وجدنا في متن رواية نكارة إلَّا =","vol":"4","page":90},{"text":"وقال عَوانة: استخلف يزيد بن معاوية ابنَه معاوية بن يزيد، فلم يمكث إلا أربعين يومًا حتى مات.\nوحدّثني عمر، عن عليّ بن محمد قال: لما استُخلف معاوية بن يزيدَ وجمع عُمَّال أبيه، وبويع له بدمشق، هلك بها بعد أربعين يومًا من ولايته.\nويُكنى أبا عبد الرّحمن، وهو أبو ليلى، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن\n_________\n= وفي السند مجهول أو متروك أو كذاب أو راوٍ شديد الضعف.\nوالخبر أخرجه الطبري (٥/ ٥٠١) عن زياد بن جيل (أو حبل) والذي قال فيه أبو حاتم: شيخ مجهول. [الجرح والتعديل (٣ / تر ٢٣٨١)].\nومن نكارة متنه أن ابن الزبير قال لحصين بن نمير: \"إن طاغيتكم قد مات\" ولم يكن يزيد في نظر ابن الزبير طاغية ولعل أكثر ما يراه فيه أنه إمام فاسق، ولم يكن من أدب الصحابة أن يطلقوا هذه اللفظة: (طاغية) بهذه السهولة على كل من هبَّ ودبَّ.\nوثاني النكارات: أن زياد بن جيل أخبر أن خبر موت يزيد قد وصل إلى المحاصَرِين في مكة بينما لم يصل إلى جيش الشام الذي كان يحاصر ابن الزبير فكيف وصل الخبر إلى المحاصِرين وهم في داخل الطوق ولم يصل إلى من يحاصرهم وهو في الخارج (حصين) علمًا بأن حصينًا أولى بسماع الخبر ومعرفته بذلك من البريد الذي يصل لأنه من أمراء وقادة الخلافة فكيف لا يطلع على البربد ويطلع عليه عدوه المحاصَر؟ !\nقلنا: ولعل أصحَّ خبر في الباب ما أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن جويرية بن أسماء، قال حدثني بُرْد مولى آل الزبير، أن حصينًا بعث إلى ابن الزبير: إني أحب لقاءك قال: فموعدك بعد العتمة بأعلى مكة، فخرج ابن الزبير بعد أن صلى بالناس إلى المكان الذي وعده فيه وليس عليه سلاح، وأقبل ابن نمير وعليه الدرعُ والسيف ولقد لبس مِمْطرًا، فلما أراد الجلوس بدت نعل السيف، فقال له ابن الزبير: أغدْرًا يابن نمير؟ قال: لا ولكني خفت أصحابك ثم قال له: أبايعك غدًا بين الركن والمقام أنا وجميع أصحابي على أن تنتقل إلى الشام فتسكنها ونقاتل عنك الناس ما بقيت أرواحنا، فقال: إن لي أمراء لستُ أقطع أمرًا دونهم فاناظرهم ثم يأتيك رأيي، فرجع فأخبر ابن صفوان وذويه، فقالوا: أتخرج من بلدٍ نصرك الله به، وتفارق حرم الله وأمنه، وتستعين بقوم رموا بيت الله لا خلاق لهم؟ فأرسل إلى الحصين: إن أصحابي قد أبوا أن يتحولوا إلى الشام، قال: فهل أنت مؤمّني وأصحابي حتى نطوف بالبيت ثم ننصرف عنك؟ فأمنهم فطافوا ثم انصرفوا. [أنساب الأشراف (٤/ ٣٥٠ / ٩٠٧)].\nقلنا: ورجال إسناد البلاذري بين الثقة والصدوق، وبرد مولى آل الزبير ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات ولا نكارة في المتن أو غرابة والله أعلم.","vol":"4","page":91},{"text":"عُتبة بن ربيعة، وتوفِّي وهو ابن ثلاث عشرة سنةً وثمانية عشر يومًا (١).\nوفي هذه السنة بايع أهلُ البصرة عبيد الله بن زياد، على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناسُ على إمام يرتضُونه لأنفسهم، ثم أرسل عبيد الله رسولًا إلى الكُوفة يدعوهم إلى مِثل الذي فعل من ذلك أهل البصرة، فأبوْا عليه، وحصبوا الوالي الذي كان عليهم، ثمّ خالفه أهلُ البصرة أيضًا، فهاجت بالبصرة فتنة، ولحق عبيد الله بن زياد بالشأم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد</span>\nوحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حَماد بن سلَمة، عن عليّ بن يزيد، عن الحسن، قال: كتب الضحاك بن قيس إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلامٌ عليك، أمّا بعد، فإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا (٣) [٥: ٥٠٤].\n_________\n(١) وقال خليفة متحدثًا عن وفاة معاوية بن يزيد: ولم يزل مريضًا حتى مات وهو ابن إحدى وعشرين سنة، ويقال: عشرين سنة وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكانت ولايته نحوًا من شهر ونصف.\nويقال: مات معاوية بعد أبيه يزيد بأربعين يومًا وهو ابن ثمان عشرة سنة. [خليفة (٢٥٠)].\nوأرخ الحافظ ابن كثير لوفاة معاوية بن يزيد بسنة ٦٤ هـ وقال: وكان في مدة ولايته مريضًا لم يخرج إلى الناس، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس ويسدّ الأمور ...\nوقال أيضًا: وصلى عليه خالد (أخوه) وقيل: عثمان بن عنبسة، وقيل: الوليد بن عتبة وهو الصحيح، فإنه أوصى بذلك. [البداية والنهاية (٦/ ٤٧١)].\n(٢) قلنا: سنتطرق إلى هروب عبيد الله بن زياد بعد (٥/ ٥١١) إن شاء الله.\n(٣) قلنا: في إسناده علي بن زيد، وهو ضعيف، وأخرجه أحمد من طريق على هذا في مسنده بأطول منه وفيه متن مرفوع (٣/ ٤٥٣).\nوقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني من طرق فيها علي بن زيد وهو سيئ الحفظ وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح. [مجمع الزوائد (٧/ ٣٠٨)].\nقلنا: والصحيح أن النعمان بن بشير كتب إلى قيس بن الهيثم، كما أخرج أحمد بسند حسن: =","vol":"4","page":92},{"text":"حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن حمّاد، قال: حدَّثنا محمد بن أبي عُيَينة، قال: حدّثني شهرك، قال: شهدتُ عُبيدَ الله بن زياد حين مات يزيد بن معاوية قام خطيبًا، فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال:\nيا أهل البصرة، انسبوني، فوالله لتجدُنّ مُهاجرَ وَالدي ومولدي فيكم، وداري، ولقد وليتُكُم وما أحصَى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصَى اليومَ ديوانُ مقاتِلتكم ثمانين ألفًا، وما أحصى ديوان عُمالكم إلا تسعين ألفًا، ولقد أحصيَ اليوم مئة وأربعين ألفًا، وما تركتُ لكم ذا ظِنَّةٍ أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا، وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفي، وقد اختلف أهلُ الشأم، وأنتم اليوم أكثرُ الناس عددًا، وأعرَضُه فِناءً، وأغناه عن الناس، وأوسَعُهُ بلادًا، فاختاروا لأنفسكم رجلًا ترْتضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أوّلُ راض مَن رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشأم على رجل ترتَضُونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جدِيلتكم حتى تُعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجةٌ، وما يستغنِي الناس عنكم.\nفقامت خُطباءُ أهل البصرة فقالوا: قد سمعنا مقالتَك أيُّها الأمير، وإنا والله ما نعلم أحدًا أقوى عليها منك، فهلمَّ فلنبايعْك؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم؛ فأبوْا عليه، وأبَى عليهم، حتى كرّروا ذلك عليه ثلاث مرّات، فلما أبوْا بَسَط يدَه فبايعوه، ثمّ انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظنّ ابن مرجانة أنَّا نستقاد له في الجماعة والفُرقة، كَذبَ والله! ثمّ وثبوا عليه (١). [٥: ٥٠٤ - ٥٠٥].\n_________\n= أن النعمان بن بشير كتب إلى قيس بن الهيثم: \"إنكم إخواننا وأشقاؤنا وأنّا شهدنا لكم ولم تشهدوا وسمعت ولم تسمعوا وأن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \"إن بين يدي الساعة فتنًا كأنها قطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ويبيع فيها أقوام خلاقهم بعرض من الدنيا\". [المسند (٤/ ٢٧٧)].\n(١) قلنا: ولقد تحدثنا عن رجال هذا الإسناد فيما سبق، راجع المقدمة أو رجال تاريخ الطبري.\nولقد أخرج البلاذري من طريق زهير بن حرب عن وهب بن جرير عن أبيه عن صعب بن زيد قال: لما مات يزيد بن معاوية نعاه ابن زياد، وقال: اختاروا لأنفسكم، قالوا: قد رضينا =","vol":"4","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>(الأصح من بين عدة روايات ضعيفة)</span>\nقال أبو عبيدة: فسمعتُ غيلانَ بن محمد يحدّث عن عثمان البَتّي، قال: حدّثني عبد الرحمن بن جَوْشن، قال: تبعتُ جنازةً فلما كان في سوق الإبل إذا رجلٌ على فرس شهباء متقنّعٌ بسلاح وفي يده لواء، وهو يقول: أيها الناس، هلموا إليّ أدعُكم إلى ما لم يدعُكم إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم، -يعني عبدَ الله بن الزبير. قال: فتجمّع إليه نُوَيس، فجعلوا يصفِّقون على يديه، ومضينا حتى صلينا على الجنازة، فلمّا رجعنا إذا هو قد انضمّ إليه أكثرُ من الأوّلين، ثم أخذ بين دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصّلت السلميّ ودار الحارثيّين قِبَلَ بني تميم في الطريق الذي يأخذ عليهم، فقال: ألا مَن أرادني فأنا سَلمَة بن ذُؤيب- وهو سلمَة بن ذُؤيب بن عبد الله بن محكم بن زيد بن رياح بن يربوع بن حنظلة-\n_________\n= بك، ثم خرجوا فجعلوا يمسحون أيديهم بجدار دار الإمارة ويقولون: هذه بيعة ابن مرجانة واجترأ الناس عليه حتى جعلوا يأخذون دوابه من مربطه. [أنساب الأشراف (٤/ ٤١٩ / ١٠٧٤)].\nقلنا: وصعب بن زيد هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول. [الجرح والتعديل (٤/ ٤٥٠)]. ولكن أصل الروايتين في بيعة أهل البصرة ليزيد (كما في رواية الطبري والبلاذري) جاءت في رواية أخرى عند البلاذري قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا وهب بن جرير، حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد قال: بايعوا عبيد الله بن زياد ثم قالوا: أخرج لنا إخواننا، وكانت السجون مملوءة من الخوارج، فقال: لا تفعلوا فإنهم يفسدون عليكم، فقالوا: لا بد من إخراجهم، فجعلوا يخرجون ويبايعونه فما تتامّ آخرهم حتى جعلوا يغلظون له. [أنساب الأشراف (٤/ ٤١٩ / ١٠٧٣)].\nقلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات ومنهم من هو من رجال الصحيح. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>تدهور الأوضاع في معظم الأمصار بعد وفاة يزيد بن معاوية سنة ٦٤ ه</span>ـ\nالذي يقرأ تاريخ المدة التي تلت وفاة يزيد يتبين له حجم الاضطرابات ومدى هيجان الناس واضطراب أمورهم وتدهور أحوالهم.\nولقد أخرج الطبري روايات عدة تصف حال الناس في تلك الأيام وأكثرها في قسم الضعيف، ونحاول هنا في قسم الصحيح أن نذكر ما صحَّ سنده وبعضًا من الضعيف الذي هو أخف ضعفًا.","vol":"4","page":94},{"text":"قال: فلقيَني عبد الرحمن بن بكر عند الرّحبة، فأخبرته بخبر سلَمة بعد رجوعي، فأتى عبد الرحمن عبيدَ الله فحدّثه بالحديث عنّي، فبعث إليّ، فأتيتُه، فقال: ما هذا الذي خبّر به عنك أبو بَحْر؟ قال: فاقتصصت عليه القِصّة حتى أتيتُ على آخرها، فأمر فنودي على المكان: الصلاة جامعة، فتجمّع الناس، فأنشأ عبيد الله يقصّ أمره وأمرهم، وما قد كان دعاهم إلى مَنْ يرتضونه، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفَّكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم ما قلتم، وإني آمرُ بالأمر فلا يُنفَّذ، ويُردّ عليّ رأي، وتحُول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثم هذا سلَمة بن ذُؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يفرّق جماعتَكم، ويضرب بعضكم جباهَ بعض بالسيف، فقال الأحنف صَخْر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النَّزَّال بن مُرَّة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والناس جميعًا: نحن نأتيك بسلَمة؛ فأتوا سلَمة، فإذا جمعُهُ قد كَثُف، وإذا الفَتْق قد اتّسع على الرّاتق، وامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك قَعَدُوا عن عبيد الله بن زياد فلم يأتوه (١). [٥: ٥٠٧ - ٥٠٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجهًا إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد]</span>\nقال أبو جعفر: وأمّا عمر فحدّثني قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، عن الزُّبَيْر بن الخِرِّيت، عن أبي لبيد الجَهْضَميّ، عن الحارث بن قيس، قال: عَرَض نفسه -يعني عُبيد الله بن زياد-\n_________\n(١) وقول الطبري: (قال أبو عبيدة) لا يعني انقطاع السند بل قال ذلك في معرض روايته عن أبي عبيدة إذ قال في (٥/ ٥٠٦): وحدثني أبو عبيدة، وذلك من عادة الطبري في تاريخه فهو روى عن أبي عبيدة عن شيخه يونس بن حبيب الجرحي في (٥/ ٥٠٦) ثم عن أبي عبيدة عن غيلان في (٥/ ٥٠٧)، ومن قبل عن أبي عبيدة عن عمير بن معن الكاتب (٥/ ٥٠٧). أي: أن شيخ الطبري (أبا عبيدة) حدثه عن ثلاثة من شيوخه (معمر، غيلان، يونس) كل برواية.\nورواة الطبري في إسناده الثالث (٥/ ٥٠٧) بين الثقة والصدوق سوى غيلان فقد ذكره البخاري (١ / تر ٣٧٦) في التاريخ الصغير وروى له من طريق معمر عنه كما عند الطبري، والله أعلم.","vol":"4","page":95},{"text":"عليّ، فقال: أمّا والله إني لأعرف سوءَ رأي كان في قومك؛ قال: فوقفتُ له، فأردفتُه على بغلتي -وذلك ليلًا- فأخذتُ علي بني سُلَيم، فقال: مَن هؤلاء؟ قلت: بنو سُلَيم؛ قال: سَلِمنا إن شاء الله؛ ثم مَرَرْنا ببني ناجية وهم جُلوسٌ ومعهم السلاح -وكان الناس يتحارَسون إذ ذاك في مجالسهم- فقالوا: مَن هذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا: امضِ راشِدًا، فلما مضينا قال رجل منهم: هذا والله ابن مرْجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كُورِ عمامته، فقال: يا أبا محمد، مَن هؤلاء؟ قال: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية؛ قال: نَجوْنا إن شاء الله، ثمّ قال: يا حارث، إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير عليك؟ قد علمتَ منزلةَ مسعود بن عمرو في قومه وشَرَفَه وسنَّه وطاعةَ قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره، فهي وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل صدع عليك أمر قومِك؛ قلت: نعم؛ فانطلقتُ به، فما شعر مسعودٌ بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالسٌ ليلتئذٍ يوقِد بقضيب على لبنةٍ، وهو يعالج خُفَّيه قد خلع أحدَهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهِنا عرفَنا وقال: إنه كان يُتَعَوَّذُ من طوارق السوء، فقلتُ له: أفتُخْرِجه بعدما دخل عليك بيتَك! قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود -وامرأة عبد الغافر يومئذ خَيرةُ بنت خُفاف بن عمرو- قال: ثمّ رَكِبَ مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة مِن قومه، فطافوا في الأزد ومجالسِهم، فقالوا: إنّ ابن زياد قد فُقِدَ، وإنا لا نأمن أن تلطّخوا به، فأصبحوا في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أين توجّه؟ فقالوا: ما هو إلا في الأزد (١). [٥: ٥١٠ - ٥١١].\nقال وهب: حدَّثنا الزبير بن الخرِّيت، عن أبي لبيد، أنّ أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرَهم النعمان بن صُهْبان الراسبيّ ورجلًا من مضرَ ليختارا لهم رجلًا\n_________\n(١) قلنا: ورجال إسناد الطبري هذا بين الثقة والصدوق، وأبو لبيد الجهضمي صدوق ناصبي، وقد قبلنا روايته هنا لأنها ليست من باب الانتصار لمذهب الناصبية؛ والله أعلم.\nوالخبر أخرجه البلاذري مختصرًا من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي عن وهب به. [أنساب الأشراف (٤/ ٤٢٠)].\nويمضي الطبري في رسم الأحداث المتسارعة في البصرة بعد اضطراب الأمور فيروي بالإسناد نفسه عن أبي لبيد وهو شاهد على تلك الأحداث. =","vol":"4","page":96},{"text":"فَيُولّوه عليهم، وقالوا: من رضيتما لنا فقد رَضيناه، وقال غير أبي لبيد: الرجل المضريّ قيسُ بن الهيثم السُّلَميّ. قال أبو لبيد: ورأيُ المضريّ في بني أمية، ورأيُ النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحدًا أحقَّ بهذا الأمر من فلان -لرجل من بني أميَّة- قال: وذلك رأيُك؟ قال: نعم؛ قال: قد قلّدتُك أمري، ورضيتُ من رضيتَ. ثمّ خرجا إلى الناس، فقال المضريّ: قد رضيتُ من رضِيَ النعمان، فمن سقى لكم فأنا به راضٍ؛ فقالوا للنعمان: ما تقول! فقال: ما أرى أحدًا غيرَ عبد الله بن الحارث -وهو ببّة- فقال المضريّ: ما هذا الذي سمّيتَ لي؟ قال: بلى، لعَمري إنه لهوَ، فرضيَ الناس بعبد الله وبايعوه (١). [٥١٢: ٥].\nقال أبو عبيدة: فحدّثني زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، عن ناشب بن الحسحاس وحميد بن هلال، قالا: أتينا منزلَ الأحنف بحضرة المسجد، قالا: فكنّا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجْمَر فقالت: ما لَك وللرياسة! تجمَّرْ فإنما أنت امرأة؛ فقال: است المرأة أحقُّ بالمجْمر؛ فأتَوْه فقالوا: إنّ عُلَيّة بنت ناجية الرياحيّ -وهي أخت مَطرَ، وقال آخرون: عزّة بنت الحرّ الرياحيةِ- قد سُلِبتْ خَلاخيلها من ساقَيها، وكان منزلُها شارعًا في رحبة بني تميم على المِيضأة، وقالوا: قَتلوا الصّباغ الذي على طريقك، وقتلوا المُقعَد الذي كان على باب المسجد، وقالوا: إنّ مالك بن مسمع قد دخل سكّة بني العدوّية من قِبل الجبّان، فحرّق دورًا، فقال الأحنف: أقيموا البيّنة على هذا، ففي دون هذا ما يُحِلّ قتالهم؛ فشهدوا عندَه على ذلك، فقال الأحنف: أجاء عبّاد؟ وهو عبّاد بن حصين بن يزيدَ بن عمرو بن أوس بن سيف بن عزم بن حِلَّزة بن بيان بن سعد بن الحارث الحبِطة بن عمرو بن تميم؛ قالوا: لا، ثمّ مكث غيرَ طويل، فقال: أجاء\n_________\n(١) ولقد تحدثنا عن هذا الإسناد آنفًا، وقلنا: رجاله بين الثقة والصدوق.\nثم إن الطبري ﵀ أخرج روايات مختلفة أغلبها من طريق شيخه معمر بن المثنى وبأسانيد مخنلفة تصف تلك الفترة المليئة بالتقلبات وهيجان الناس واضطرابهم وأكثرهم تتعلق بعبيد الله بن زياد وتعامله مع الناس وتعامل الناس معه بعد موت يزيد بن معاوية واستغرقت الصفحات (٥/ ٥٠٤ - ٥٢٢).\nومنها الرواية [٥: ٥١٨ - ٥١٩] التي أخرجها الطبري بسند حسن.","vol":"4","page":97},{"text":"عبّاد؟ قالوا: لا؛ قال: فهل هاهنا عَبْس بن طلْق بن ربيعة بن عامر بن بسْطام بن الحَكم بن ظالم بن صَرِيم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد؟ فقالوا: نعم؛ فدعاه، فانتزع مِعجرًا في رأسه، ثم جَثَا على ركبتيه، فعقده في رُمح ثم دفعه إليه، فقال: سر. قالا: فلما ولّى قال: اللهمّ لا تُخزِها اليوم، فإنك لم تخزها فيما مضى. وصاح الناس: هاجت زبراء -وزبراء أمَة للأحنف، وإنما كنوا بها عنه- قالا: فلما سار عَبْس جاء عبّاد في ستين فارسًا فسأل، ما صنع الناس؟ فقالوا: ساروا؛ قال: ومَنْ عليهم؟ قالوا: عبس بن طلق الصّريميّ؛ فقال عبّاد: أنا أسير تحت لواء عبس! فرجع والفرسان إلى أهله (١). [٥: ٥١٨ - ٥١٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد</span>\nوفيها كانت فتنة عبد الله بن خازم بخُراسان.\nذكر الخبر عن ذلك:\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرنا مسلمة بن محارب، قال: بعث سلم بن زياد بما أصاب من هدايا سمرقند وخُوارَزم إلى يزيدَ بن معاوية مع عبد الله بن خازم، وأقام سلم واليًا على خُراسانَ حتى مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، فبلغ سلمًا موته، وأتاه مقتل يزيد بن زياد في سجستان وأسرُ أبي عبيدة بن زياد، وكتم الخبر سلم، فقال ابن عَرَادة:\nيا أَيُّها الملِكُ المُغَلِّقُ بابَهُ ... حدَثَتْ أُمورٌ شأْنُهُنَّ عظيمُ\nقَتْلى بجُنْزةَ والذينَ بكابلٍ ... ويزيدُ أعلِنَ شأْنُهُ المكتُومُ\n_________\n(١) وإسناده حسن.\nولعل القارئ العادي يمر بهذه الرواية ولا يلقي بالًا لهذا الحوار الذي دار بين الأحنف ومن حوله من الناس إلَّا أن العارف بأحوال الأحنف يتبين خطورة ذلك الموقف من خلال هذا الحوار فالأحنف وهو الفصيح الأديب الكثير الحياء وصاحب الأدب الجمَّ والخلق الكريم ما كان لينطق بهذه العبارة التي يرددها أهل السوق عندما يتشاجرون بالكلام، ولكن شدة الفتنة وعظم الهول الذي أحاط بالناس قد اضطره للتلفظ بهذه العبارة غير اللائقة.\nوأما أحوال الناس في خراسان فلم يكن بأحسن من أحوالهم في العراق وفيها كانت الفتنة كذلك كما يروي لنا الطبري:","vol":"4","page":98},{"text":"أَبَني أُمَيّةَ إنَّ آخِرَ مَلِكِكُمْ ... جسدٌ بِحوَّارِينَ ثُمَّ مُقِيمُ\nطَرقَتْ مَنِيَّتُهُ وعِنْدَ وسادِه ... كوبٌ وَزِقٌّ رَاعِفٌ مَرثومُ\nومرِنَّةٌ تبْكي على نَشْوانِهِ ... بالضَّنْجِ تَقْعُدُ تارةً وتقومُ\nقال مسلمة: فلما ظهر شعر ابن عرَادة أظهر سلمٌ موتَ يزيدَ بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناسَ إلى البيعة على الرّضا حتى يستقيم أمرُ الناس على خليفة، فبايعوه، ثم مكثوا بذلك شهرين، ثم نكثوا به (١). [٥: ٥٤٥].\nقال عليّ بن محمد المدائنيّ: حدَّثنا الحسن بن رشيد الجُوزَجانيّ، عن أبيه، قال: لما مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيدَ وثب أهلُ خُراسان بعُمّالهم فأخرجوهم، وغلب كلُّ قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب ابن خازم على خُراسان، ووقعت الحرب. [٥٤٦: ٥].\nقال أبو جعفر: وأخبرنا أبو الذّيال زهير بن هُنيد، عن أبي نعامة، قال: أقبل عبد الله بن خازم فغلب على مرْوَ، ثم سار إلى سليمان بن مرثد فلقيَه بمرْوَ الرَّوذ، فقاتله أيامًا، فقتل سليمان بن مرثد عبد الله بن خازم وتوجَّه إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمئة، وبلغ عمرًا إقبالُ عبد الله إليه وقتله أخاه سليمان، فأقبل إليه، فالتقَوْا على نهر قبل أن يتوافَى إلى ابن خازم أصحابُه، فأمرَ عبد الله من كان معه فنزلوا، فنزل وسأل عن زهير بن ذؤيب العدويّ، فقالوا: لم يجئ حتى أقبل وهو على حاله، فلما أقبل قيل له: هذا زهير قد جاء؛ فقال له عبد الله: تقدّم، فالتَقَوْا فاقتتلوا طويلًا، فقتِل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع عبد الله بن خازم إلى مَرْو (٢). [٥: ٥٤٧].\n_________\n(١) ومسلمة بن محارب هو شيخ المدائني الذي يروي عنه كثيرًا من أخبار بني أمية وهو يروي عن أبيه عن معاوية. ذكره ابن حبان في الثقات.\nوهو أخباري مأمون كما نقل الذهبي في الميزان (راجع المقدمة) وهو هنا أرسل روايته هذه. وللطبري رواية [٥: ٥٤٦] ضعيفة السند صحيحة المعنى.\n(٢) قلنا: وأبو الذيال وشيخه صدوقان ولقد لخص الحافظ ابن كثير بعض الشيء في وصف تلك الأيام العصيبة من تاريخ الأمة والتي تؤكد صدق حدس معاوية وأنه كان على صواب حين أصرَّ على عدم ترك الأمة دون أن يعيّن لها من يحكمها من بعده، ولقد تحدثنا في حينه عن اجتهاده ﵁ وإصابته في شق من اجتهاده وخطئه في شقه الثاني ﵁ وأرضاه، وما حصل من اضطراب وهيجان وهرْج في صفوف الأمة خير دليل على رجحان =","vol":"4","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبة</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبةَ، وكانت قد مال حيطانُها مما رُميَت به من حجارة المجانيق، فذكر محمد بن عمر الواقديّ أنّ إبراهيم بن موسى حدّثه عن عكرمة بن خالد، قال: هدم ابن الزبير البيتَ حتى سوّاه بالأرض، وحفر أساسه، وأدخل الحِجْر فيه، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس، ويصلُّون إلى موضعه، وجعل الرّكن الأسوَد عنده في تابوت في سَرَقةٍ من حرير، وجعل ما كان من حُليّ البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبَة في خزانة البيت، حتى أعادها لمّا أعاد بناءَه.\nقال محمد بن عمر: وحدّثني معقل بن عبد الله، عن عطاء، قال: رأيت ابنَ الزُّبَيْر هدم البيت كله حتى وضعه بالأرض (١). [٥: ٥٨٢].\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير.\n_________\n= عقل سيدنا معاوية وحدسه الصادق ﵁ وأرضاه.\nقال ابن كثير: واستفحل ابن الزبير ببلاد الحجاز وما والاها، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة هناك، واستناب على أهل المدينة أخاه عبيد الله بن الزبير، وأمره بإجلاء بني أمية عن المدينة فأجلاهم فرحلوا إلى الشام، وفيهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوًا من أربعة أمراء من بينهم، ثم اضطربت أمورهم، ثم بعثوا إلى ابن الزبير وهو بمكة يجلبونه لأنفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلي بهم. [البداية والنهاية (٦/ ٢٩)].\n(١) أما إسناد الطبري فلا يستقيم لأنه من طريق الواقدي وهو متروك إلَّا أن الحدث الذي تحدث عنه الواقدي في المتن فصحيح فقد أخرج مسلم في صحيحه [ح ٤٠٢/ ١٣٣٣] عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحرّبهم -أو يجزئهم- على أهل الشام فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها -أو أصلح ما وهي منها، فقال ابن عباس: ... الحديث، وفيه (فنقضوه حتى بلغوا به الأرض) ... إلى آخر الحديث. الذي سنذكره في نهاية الفصل عند الحديث عن سيدنا عبد الله بن الزبير بعد انتهاءنا من فترة حكمه ﵁ وأرضاه.","vol":"4","page":100},{"text":"وكان عامله على المدينة فيها أخوه عبيد الله بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطميّ، وعلى قضائها سعيد بن نِمرْان.\nوأبَى شُرَيح أن يقضي فيها، وقال فيما ذكر عنه: أنا لا أقضي في الفتنة. وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن مَعمَر التيمي، وعلى قضائها هشامُ بن هُبيرة، وعلى خُراسان عبد الله بن خازم (١). [٥: ٥٨٢].\n_________\n(١) كذلك قال خليفة: [البصرة هشام بن هبيرة الليثي واعتزل شريح فاستقضى مصعب على الكوفة سعيد بن نمران الهمداني] [تاريخ خليفة (٢٦٦)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>خلاصة ما جرى بين جيش الشام والضحاك بن قيس الأمير من قِبَل عبد الله بن الزبير على دمشق</span>\nقلنا: لقد دأبنا على المقارنة بين روايات الطبري وغيره وحاولنا جهدنا أن نذكر الروايات الصحيحة عند غيره كخليفة وابن سعد والبلاذري وغيرهم، والرواية التالية التي سنذكرها تبين أن أوضاع الناس بالشام لم تكن بأحسن منها في العراق (بعد موت يزيد بن معاوية) وسنذكر الرواية ثم نناقش السند والمتن إن شاء الله.\nأخرج ابن سعد: أنا المدائني، عن خالد بن يزيد، عن أبيه.\nوعن مسلمة بن محارب، عن حرب بن خالد، وغير واحد: أن معاوية بن يزيد لمَّا مات دعا النعمان بن بشر بحمص إلى ابن الزبير، ودعا زفر بن الحارث أمير قنسرين إلى ابن الزبير، ودعا الضحاك بدمشق إلى ابن الزبير سرًّا لمكان بني أمية وبني كلب، وبلغ حسان بن مالك بن بحدل وهو بفلسطين، وكان هواه في خالد بن يزيد، فكتب إلى الضحاك كتابًا يعظم فيه حق بني أمية ويذم ابن الزبير، وقال للرسول: إن قرأ الكتاب، وإلَّا فاقرأه أنت على الناس، وكتب إلى بني أمية يعلمهم فلم يقرأ الضحاك كتابه، فكان في ذلك اختلاف، فسكنهم خالد بن يزيد، ودخل الضحاك الدار، فمكثوا أيامًا، ثم خرج الضحاك فصلى بالناس، وذكر يزيد فشتمه، فقام إليه رجل من كلب فضربه بعصًا، فاقتتل الناس بالسيوف، ودخل الضحاك داره، وافترق الناس ثلاث فرق، فرقة زبيرية، وفرقة بحدلية هواهم في بني أمية، وفرقة لا يبالون، وأرادوا أن يبايعوا الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، فأبى وهلك تلك الليالي، فأرسل الضحاك إلى مروان، فأتاه هو وعمرو بن سعيد الأشدق، وخالد وعبد الله ابنا يزيد، فاعتذر إليهم وقال: اكتبوا إلى حسان حتى ينزل الجابية ونسير إليه، ونستخلف أحدكم، فكتبوا إلى حسان، فأتى الجابية، وخرج الضحاك وبنو أمية يريدون الجابية، فلما استقلت الرايات موجهة قال معن بن ثور ومن معه من أشراف قيس للضحاك: دعوتنا إلى بيعة رجل أحزم الناس وأيًا وفضلًا وبأسًا، فلما أجبناك خرجت إلى هذا الأعرابي تبايع لابن أخيه؟ قال: فما العمل؟ قالوا: تصرف الرايات، وتنزل فتظهر البيعة =","vol":"4","page":101},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لابن الزبير، ففعل وتبعه الناس، وبلغ ابنَ الزبير، فكتب الضحاك بإمرة الشام، ونفي من بمكة والمدينة من الأمويين، فكتب الضحاك إلى الأمراء الذين دعوا إلى ابن الزبير فأتوه، فلقيهم بأذرعات عبيد الله بن زياد مقبلًا من العراق، فحدثوه، فقال لمروان: سبحان الله، أرضيت لنفسك بهذا، أتبايع لأبي خبيب وأنت سيد قريش وشيخ بني عبد مناف! والله لأنت أولى بها منه، قال: فما ترى؟ قال: الرأي أن ترجع وتدعو إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشًا ومواليها، فرجع ونزل عبيد الله بباب الفراديس، فكان يركب إلى الضحاك كل يوم، فعرض له رجل فطعنه بحربة في ظهره، وعليه من تحت الدرع، فانثنت الحربة، فرجع عبيد الله إلى منزله، فاتاه الضحاك يعتذر، وأتاه بالرجل فعفا عنه، وعاد يركب إلى الضحاك، فقال له يومًا: يا أبا أنيس، العجب لك وأنت شيخ قريش، تدعو لابن الزبير وأنت أرضى عند الناس منه، لأنك لم تزل متمسكًا بالطاعة، وابن الزبير مشاق مفارق للجماعة، فأصغى إليه ودعا إلى نفسه ثلاثة أيام، فقالوا: قد أخذت عهودنا وبيعتنا لرجل، ثم تدعو إلى خلعه من غير حدث أحدث! وامتنعوا عليه، فعاد إلى الدعاء لابن الزبير، فأفسده ذلك عند الناس، فقال عبيد الله بن زياد: من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون، بل يبرز ويجمع إليه الخيل فاخرج عن دمشق وضم إليك الأجناد، فخرج ونزل المرج، وبقي ابن زياد بدمشق، وكان مروان وبنو أمية بتدمر، وابنا يزيد بالجابية عند حسان فكتب عبيد الله إلى مروان: ادع الناس إلى بيعتك، ثم سر إلى الضحاك فقد أصحر لك، فبايع مروان بنو أمية، وتزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، واجتمع خلق على بيعة مروان، وخرج ابن زياد فنزل بطرف المرج، وسار إليه مروان في خمسة آلاف، وأقبل من حوارين عباد بن زياد في ألفين من مواليه، وكان بدمشق يزيد بن أبي النمس فأخرج عامل الضحاك منها، وأمر مروان بسلاح ورجال، فقدم إلى الضحاك زفر بن الحارث الكلابي من قنسرين، وأمده النعمان بن بشير بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، فصار الضحاك في ثلاثين ألفًا، ومروان في ثلاثة عشر ألفًا أكثرهم من رجاله ولم يكن في عسكر مروان غير ثمانين عتيقًا نصفها لعباد بن زياد، فأقاموا بالمرج عشرين يومًا يلتقون في كل يوم، وكان على ميمنة مروان عبيد الله بن زياد، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد الأشدق، فقال عبيد الله: إنا لا ننال من الضحاك إلَّا بمكيدة، فادع إلى الموادعة، فإذا أمنوا فكرّ عليهم، فراسله مروان، فأمسك الضحاك والقيسية عن القتال، وهم يطمعون أن مروان يبايع لابن الزبير، فأعدّ مروان أصحابه وشدَّ على الضحاك، ففزع قومه إلى راياتهم، ونادى الناس: يا أبا أنيس أعجزًا بعد كيس! فقال الضحاك نعم أنا أبو أنيس عجزٌ لعمري بعد كيس، والتحم الحرب، وصبر الضحاك فترجل مروان وقال: قبح الله من يوليهم اليوم ظهره حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين، فقتل الضحاك، وصبرت قيس على رايتها يقاتلون عندها، فاعترضها رجل بسيفه، فكان إذا سقطت الراية تفرق أهلها، ثم انهزموا فنادى منادي مروان =","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>ثم دخلت سنة خمس وستين</span>\nقال أبو جعفر: وكان هلاك مروانَ في شهر رمضانَ بدمشق، وهو ابن ثلاث وستين سنة في قول الواقديّ؛ وأمّا هشام بن محمد الكلبي فإنه قال: كان يومَ هَلَك ابنَ إحدى وستين سنة؛ وقيل: تُوفِّي وهو ابن إحدى وسبعين سنة؛ وقيل: ابن إحدى وثمانين سنة؛ وكان يُكنى أبا عبد الملك، وهو مروان بن الحكَم بن\n_________\n= لا تتبعوا موليًا. [تاريخ الإسلام للذهبي (/ ١٣٤ - ١٣٦)، تهذيب تاريخ دمشق (٧/ ١٠ - ١٢)]. قلنا: وهذا إسناد مركب فالمدائني الأخباري المعروف يرويه من طريقين: (الأول): من طريق خالد بن يزيد عن أبيه. (والثاني): من طريق مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد. وفي الأول: خالد بن يزيد ضعيف. والطريق الثاني فيه: مسلمة بن محارب ذكره ابن حبان في الثقات وأثنى عليه كما نقل الذهبي، وحرب بن خالد ثقة، والطريقان يعتضدان ببعضهما ويتبين لنا من المتن ما يلي:\n١ - أن ولاة الشام قد بايعوا لعبد الله بن الزبير سوى الضحاك الذي دعا إلى بيعته سرًّا وهو على دمشق ثم أصبح أميرًا من قمل ابن الزبير على الشام وخاض المعارك ضد مروان وابن زياد وانتصروا عليه في آخر الأمر.\n٢ - وأن مروان سار يريد البيعة لابن الزبير بعد أن أعلن الضحاك بيعته لعبد الله بن الزبير وطُرد ابن زياد من العراق وبنو أمية من الحجاز إلَّا أن الطاغية عبيد الله أثناه عن ذلك، وإلَّا كانت الأمة تتجه نحو الاجتماع على ابن الزبير والله أعلم.\n٣ - ذكرت هذه الرواية أعداد الجيشين (جيش الزبيريين) بقيادة الضحاك حوالي (٣٠.٠٠٠) (وجيش مروان) بما يقارب (١٣.٠٠٠) وهذان العددان بعيدان من المبالغة التي نراها في الروايات غير الصحيحة (٦٠ ألف وما إلى ذلك).\n٤ - تبين هذه الرواية أن مروان بن الحكم وابن زياد انتصرا على الضحاك بمكيدة وحيلة وذلك يبين دهاء مروان وبني أمية بصورة عامة وبساطة أمراء ابن الزبير كالضحاك بن قيس ولقد كان لهزيمة الضحاك أثرًا كبيرًا في انحسار حكم ابن الزبير ﵁.\n٥ - تبين العبارة الأخيرة من الرواية (فنادى منادي مروان لا تتبعوا موليًّا) أن بني أمية لم يكونوا طلاب قتل وسفك إذا ما كانت المعارضة غير مسلمة وإنما كانوا شديدين على من يخرج عليهم للإطاحة بهم وكان شأنهم إكرام أعلام أهل البيت الذين لم يخرجوا عليهم، وإكرام معاوية ﵁ للحسن والحسين ﵄ ومن بعدهما أكرم بنو أمية ابن الحنفية وزين العابدين وغيرهما- وسنعود إلى هذه الرواية مرة أخرى أثناء حديثنا عن أسباب ذهاب إمارة ابن الزبير ﵁.","vol":"4","page":103},{"text":"أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، وأمُّه آمنة بنت علقمة بن صَفْوان بن أميّة الكنانيّ، وعاش بعد أن بويع له بالخلافة تسعة أشهر؛ وقيل: عاش بعد أن بويع له بالخلافة عشرة أشهر إلّا ثلاث ليال، وكان قبل هلاكه قد بعث بعثَين: أحدهما إلى المدينة، عليهم حُبَيش بن دُلجَة القَينيّ، والآخر منهما إلى العراق، عليهم عُبيد الله بن زياد، فأما عبيد الله بن زياد فسار حتى نزل الجزيرة، فأتاه الخبر بها بمَوْت مروان، وخرج إليه التوّابون من أهل الكوفة طالبين بدَم الحسين، فكان من أمرهم ما قد مضى ذكرُه، وسنذكر إن شاء الله باقيَ خبره إلى أن قُتل (١). [٥: ٦١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع بالبصرة الطاعونُ الذي يقال له الطاعون الجارف، فهلك به خلقٌ كثير من أهل البَصْرة.\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي عن المصعب بن زيد أن الجارفَ وقع وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر على البصرة، فماتت أمه في الجارف، فما وجدوا لها من يحمِلها حتى استأجروا لها أربعة عُلُوج فحملوها إلى حُفْرتها وهو الأمير يومئذ (٢).\n_________\n(١) قال خليفة: قرئ على يحيى بن بكير وأنا أسمع عن الليث قال- في سنة ٦٥ هـ-: دخل مروان مصر في هلال شهر ربيع الآخر من مصر في جمادى الآخرة ثم توفي في مستهل رمضان. [تاريخ حليفة (٢٥٧)].\nوقال ابن كثير: وكانت وفاته بدمشق عن إحدى، وقيل: ثلاث وستين سنة. وقال أبو معشر وغير واحد-: كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة. [البداية والنهاية (٧/ ٥٢)].\n(٢) رجال ثقات سوى المصعب بن زيد.\nقال ابن كثير: قال ابن جرير: وفي هذه السنة (٦٥) كان الطاعون الجارف بالبصرة، وقال ابن الجوزي في المنتظم: كان في سنة (٦٤) وقد قيل: إنما كان في سنة (٦٩)، وقال ابن كثير: وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره وكان معظمه بالبصرة. [البداية والنهاية (٧/ ٥٦)].","vol":"4","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>مقتل نافع بن الأزرق واشتداد أمر الخوارج</span>\nوفي هذه السنة اشتدّت شوكة الخوَارج بالبصرة، وقتل فيها نافعُ بن الأزرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>ذكر الخبر عن مقتله:</span>\nحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا زهير بن حرب، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، عن محمد بن الزبير، أن عبيد الله بن عبيد الله بن مَعمر بعث أخاه عثمان بن عبيد الله إلى نافع بن الأزرق في جيش، فلقيهم بدولاب، فقُتِل عثمان وهُزِمَ جيشُه (١). [٥: ٦١٣].\nقال عمر: قال زهير: قال وهب: وحدّثنا محمد بن أبي عيينة، عن سبْرة بن نخْف، أنّ ابن معمر عبيد الله بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق، فهُزِم جندهُ وقُتِل؛ قال وهب: فحدّثنا أبي أنّ أهل البَصْرة بعثوا جيشًا عليهم حارثةُ بن بدر، فلقيهم، فقال لأصحابه:\nكَرْنبُوا ودَوْلِبُوا ... وحيثُ شئتمْ فأذهَبُوا (٢)\n[٥: ٦١٣].\nحدَّثنا عمر، قال: حدَّثنا زهير، قال: حدَّثنا وهب، قال: حدَّثنا أبي ومحمد بن أبي عيينة، قالا: حدثنا معاوية بن قرّة، قال: خرجنا مع ابن عُبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحُوز، وقُتِل ابن عُبيس (٣). [٥: ٦١٣].\n_________\n(١) رجال هذا الإسناد ثقات سوى محمد بن الزبير ضعفه غير واحد (تهذيب ٥٨٠٩) ولكن المتن يشهد له ما سيذكر الطبري بعد قليل.\n(٢) في إسناده سبرة بن نخف ذكره ابن حبان في الثقات والذي روى عنه ابن أبي عيينة كذلك ذكره ابن حبان في الثقات، وهو معروف بالحكايات لا بالحديث وترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه، وانظر الخبر الآتي.\n(٣) هذا إسناد صحيح ولا يضر محمد بن أبي عيينة فقد تابعه جرير، وهو ثقة من رجال الصحيح والله أعلم.\nوقال الحافظ ابن كثير: وفي هذه السنة (٦٥ هـ) اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة وفيها قتل =","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>ثم دخلت سنة ست وستين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة دَعَا المثنَّى بن مخرِّبة العبديّ إلى البيعة للمختار بالبصرة أهلها؛ فحدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمَّد، عن عبد الله بن عطيَّة اللَّيثي وعامر بن الأسود، أن المثنّى بن مخرّبة العبديّ كان مِمَّن شهد عينَ الوَرْدة مع سليمانَ بن صُرَد، ثمّ رجع مع مَن رجع مِمَّن بقي من التَّوّابين إلى الكوفة، والمختار محبوس، فأقام حتَّى خرج المختار من السجن، فبايعه\n_________\n= نافع بن الأزرق وهو رأس الخوارج ورأس البصرة مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة ... إلى أن قال: وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية وهو من الصحابة. [البداية والنهاية (٧/ ٥٣)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>كلمة عن سليمان بن صرد وحركة التوابين</span>\nلقد ذكر الطبري هذه الأخبار من طرق واهية ذكرناها في قسم الضعيف والذي في كتب التاريخ أن سليمان بن صرد كان من بين وجهاء القبائل الذين أرسلوا بيعتهم إلى الحسين بن علي ﵄ ولكنهم تخاذلوا عن نصرته حين وصل إلى العراق وتركوه لسيوف عبيد الله بن زياد، فلما استشهد الحسين بن علي ﵄ ندم سليمان ندمًا شديدًا وأحسَّ بالذنب الذي اقترفه في حق الحسين ﵁ فخرج على والي العراق ودارت معركة المسماة (عين الوردة) وقتل سليمان بن صرد مع بعض أصحابه ونجى بعضهم كالمثنى بن مخرمة العبدي.\nوأخرج أبو العزب التميمي الأخباري في كتابه المحن [ذكر قتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة].\nقال: حدثنا عيسى بن مسكين وسعيد بن إسحاق عن محمد بن سحنون أن سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة قتلهما مقدمة عبيد الله بن زياد وكان على مقدمته شريك بن ذي الكلاع فقتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وإنما خرجا مع جماعة يطلبون دم الحسين. [المحن / ١٩١].\nقلنا: ولقد كانت وقعة عين الوردة سنة (٦٥ هـ) وأنظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٦٤٩).","vol":"4","page":106},{"text":"المثنَّى سرًّا، وقال له المختار: الحقْ بَبَلدك بالبصرة فارْعَ الناسَ، وأسِرّ أمْرَكَ، فقدم البصرة فدعا، فأجابه رجالٌ من قومه وغيرهم فلمَّا أخرج المختارُ ابنَ مطيع من الكوفة ومَنَعَ عمرَ بنَ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من الكوفة خرج المثنَّى بن مخرّبة فاتَّخذ مسجدًا، واجتمع إليه قومه، ودعا إلى المختار، ثمّ أتى مدينة الرّزق فعسكر عندَها، وجمعوا الطعامَ في المدينة، ونحَروا الجُزُر، فوجَّه إليهم القُباعُ عبَّادَ بن حصين وهو على شُرْطته، وقيس بن الهيثم في الشّرَط والمقاتلة، فأخذوا في سكَّة الموالي حتَّى خرجوا إلى السَّبخة، فوقفوا، ولزِم الناسُ دورَهم، فلم يخرج أحد، فجعل عبَّاد ينظر هل يرى أحدًا يسأله! فلم ير أحدًا؛ فقال: أما هاهنا رجلٌ من بني تميم؟ فقال خليفة الأعور مولى بني عديّ، عديّ الرِّباب: هذه دار ورَّاد مولَى بني عبد شَمْس؛ قال: دُقّ الباب، فدقَّه، فخرج إليه ورَّاد، فشَتَمه عبَّاد وقال: ويَحْك! أنا وَاقفٌ هاهنا، لِمَ لَمْ تخرج إليَّ! قال: لم أدر ما يوافقك، قال: شُدَّ عليك سلاحَك واركب، ففعل، ووَقفَوا، وأقبل أصحابُ المثنَّى فواقفوهم، فقال عبَّاد لورّاد: قف مكانَك مع قيس، فوقف قيس بن الهيثم وورّاد، ورجع عبَّاد فأخذ في طريق الذّبَّاحين، والنَّاس وقوفٌ في السَّبَخة، حتَّى أتى الكلأ، ولمدينة الرّزَق أربعة أبواب: باب مِمَّا يلي البصرة، وباب إلى الخلّالين، وبابٌ إلى المسجد وبابٌ إلى مهب الشمال؛ فأتى الباب الَّذِي يلِي النهر مِمَّا يلي أصحاب السقَط، وهو بابٌ صغيرٌ، فوقف ودعا بسلَّم فوضعه مع حائط المدينة، فصعد ثلاثون رجلًا، وقال لهم: الزموا السطح، فإذا سمعتم التكبير فكروا على السطوح، ورجع عبَّاد إلى قيس بن الهيثم وقال لورّاد: حَرّشِ القومَ؛ فطارَدَهم ورّاد، ثم التبس القتال فقُتِل أربعون رجلًا من أصحاب المثنَّى، وقُتِل رجل من أصحاب عبَّاد، وسمع الَّذين على السطوح في دار الرزق الضجَّة والتكبير، فكبَّروا، فهرب من كان في المدينة، وسمع المثنَّى وأصحابه التكبير من ورائهم، فانهزموا، وأمر عبَّاد وقيس بن الهيثم الناسَ بالكفّ عن اتباعهم وأخذوا مدينة الرّزق وما كان فيها، وأتى المثنَّى وأصحابُه عبدَ القيس ورجع عبَّاد وقيس ومَنْ معهما إلى القُباع فوجّههما إلى عبد القيس، فأخذ قيس بن الهيثم من ناحية الجسر، وأتاهم عبَّاد من طريق","vol":"4","page":107},{"text":"المِرْبد، فالتَقَوْا فأقبل زياد بن عَمْرو العَتَكيّ إلى القُباع وهو في المسجد جالس على المنبر، فدخل زياد المسجدَ على فرسه؛ فقال: أيُّها الرجل. لتردّن خيلَك عن إخواننا أو لنقاتلنَّها. فأرسل القُباع الأحنفَ بنَ قيس وعمرَ بنَ عبد الرحمن المخزوميّ ليُصلحا أمرَ الناس، فأتَيَا عبد القيس، فقال الأحنف لبكْر والأزْد وللعامَّة: ألستم على بيعة ابن الزبير! قالوا: بلى، ولكنَّا لا نُسلِم إخوانَنَا. قال: فمروهم فليخرجوا إلى أيّ بلاد أحبّوا، ولا يُفسدوا هذا المِصرَ على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاؤوا، فمشى مالكُ بن مُسِمْعَ وزيادُ بن عمرو ووجوهُ أصحابهم إلى المثنَّى، فقالوا له ولأصحابه: إنَّا والله ما نحن على رأيكم، ولكنَّا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإنَّ من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون، فقَبِل المثنَّى قولَهما وما أشارا به، وانصرف. ورجع الأحنف وقال: ما غَبِنت رأيي إلا يومِي هذا، إني أتيت هؤلاء القومَ وخلَّفت بكرًا والأزد ورائي، ورجع عبّاد وقيس إلى القُباع، وشخص المثنَّى إلى المختار بالكُوفة في نفرٍ يسير من أصحابه، وأصيب في تلك الحرب سُويد بن رئاب الشَّنّيّ، وعقبة بن عشيرة الشنِّيّ، قَتَلَه رجل من بني تميم وقُتل التميميّ فَوَلَغ أخو عقبة بن عشيرة في دَم التميميّ، وقال: ثأري. وأخبر المثنَّى المختار حين قَدم عليه بما كان من أمر مالك بن مِسمعَ وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبّهما عنه حتَّى شخص عن البصرة، فطَمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أمَّا بعد، فاسمعا وأطيعا أوتِكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنَّة، فقال: مالكٌ لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاقَ إعطاءَنا الدنيا والآخرة! فقال زياد لمالك مازحًا: يا أبا غسَّان، أمَّا أنا فلا أقاتل نسيئةً، مَن أعطانا الدّراهَم قاتَلْنا معه، وكتب المختارُ إلى الأحنف بن قيس.\nمن المختار إلى الأحنف ومَن قِبَله، فسَلْم أنتم، أمَّا بعد، فويلُ أمّ ربيعةَ من مضَر، فإنّ الأحنفَ مُورد قومَه سَقَر، حيث لا يستطيع لهم الصَّدَر، وإني لا أملك ما خُطّ في القَدَر، وقد بلغني أنَّكم تسمُّونني كذّابًا.\nوقد كُذّب الأنبياء من قَبْلي، ولستُ بخير من كثير منهم.\nوكتب إلى الأحنف.","vol":"4","page":108},{"text":"إذا اشتريتَ فَرسًا من مالِكَا ... ثمّ أخذتَ الجَوْبَ في شِمالِكَا\nفاجعلْ مِصاعًا حذما مِن بالِكا (١) [٦: ٦٦ - ٦٩]\nحدّثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة، قال: حدَّثنا الحسن بن حمَّاد، عن حِبّان بن عليّ، عن المجالد، عن الشَّعبيّ، قال: دخلتُ البَصْرة فقعدتُ إلى حَلْقة فيها الأحنف بن قيس، فقال لي بعضُ القوم: مَن أنْتَ؟ قلت: رجلٌ من أهل الكوفة، قال: أنتم موالٍ لنا؛ قلت: وكيف؟ قال: قد أنقذناكم من أيدي عبيدكم مِن أصحاب المختار، قلتُ: تدري ما قال شيخُ هَمْدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف بن قيس: وما قال؟ قلت: قال:\nأَفَخَرْتُمْ أَنْ قَتَلتمْ أَعبُدًا ... وهزمتمْ مَرَّةً آلَ عزَلْ\nوإذَا فاخَرْتُمُونا فاذْكُروا ... ما فعلْنا بكُم يومَ الجمَلْ\nبينَ شيخٍ خاضبٍ عُثْنُونَهُ ... وفتى أبيضَ وضَّاح رِفَلْ\nجاءَنا يَهْدِجُ في سابغةٍ ... فذَبَحْناه ضُحىً ذَبْحَ الحمَلْ\nوعفْونا فَنَسِيتُمْ عفوَنا ... وكَفَرتُمْ نِعْمَةَ اللهِ الأجَلّ\nوقَتَلتمْ خَشَبِيِّين بهمْ ... بدلًا من قومِكمْ شرَّ بَدَلْ\nفغضب الأحنف، فقال: يا غلام، هات تلك الصحيفة. فأتِيَ بصحيفة فيها: بسم الله الرّحمن الرحيم. من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس، أمَّا بعد، فويلُ أم ربيعةَ ومضرّ، فإنّ الأحنف مُوردٌ قومَه سَقرَ، حيثُ لا يَقدرون على الصَّدَر، وقد بلغني أنَّكم تُكذّبوني، وإن كُذّبتُ فقد كُذّب رسلٌ مِن قَبْلي، ولستُ أنا خيرًا منهم. فقال: هذا منَّا أو منكم! (٢) [٦: ٦٩ - ٧٠].\n_________\n(١) وهذا إسناد مرسل متعدد المخارج ذكرناه هنا في قسم الصحيح والله أعلم.\n(٢) وفي إسناده مجالد تُكلّم فيه، وقال الحافظ: ليس بالقوي، وقال الهيثمي: وتكلم فيه ووثق.\nولقد تابع حبان بن علي غير واحد في روايته هذه عن مجالد عن الشعبي.\nفقد أخرج الفسوي: قال ثنا أبو عثمان سعيد بن يحيى الأموي ثنا عمي محمد بن سعيد ثنا المجالد عن الشعبي قال: كنت أجالس الأحنف فأفاخر جلساءه من أهل البصرة بأهل الكوفة. فقال: أنتم خول لنا استنقذناكم من عبيدكم فذكرته كلمة قالها أعشى همدان .. إلخ الرواية. [المعرفة والتاريخ للفسوي / تحقيق الأستاذ العمري (٢/ ٣٠)]. =","vol":"4","page":109},{"text":"قال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة عبدُ الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير مِن قِبَل أخيه عبد الله، وعلى البصرة الحارثُ بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشامُ بن هُبيرة، وكانت الكوفة بها المختار غالبًا عليها، وبخُراسان عبد الله بن خازم [٦: ٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>ثم دخلت سنة سبع وستين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث مقتل عبيد الله بن زياد</span>\nوحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، قال: حدّثني الحسن بن كثير، قال: كان شريكُ بن جدير التغلِبيّ مع عليّ - ﵇ -، أُصيبتْ عينه معه، فلمَّا انقضت حربُ عليّ لحق ببيت المقدس، فكان به، فلمَّا جاءه قتلُ الحسين، قال: أعاهِدُ الله إن قدرت على كذا وكذا -يَطلُب بدم الحسين- لأقتلنّ ابنَ مرجانة أو لأموتنّ دونَه، فلمَّا بلغه أن المختار خرج يَطلُب بدم الحسين أقبل إليه. قال: فكان وجَّهه مع إبراهيم بن الأشتر، وجُعِل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إنِّي عاهدتُ الله على كذا وكذا، فبايعه ثلثمئة على الموت، فلمَّا التقَوا حَمَل فجعل يَهتِكها صفًّا صفًّا مع أصحابه حتَّى وصلوا إليه، وثار الرّهَج فلا يُسمَع إلا وقع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد؛ التَّغلبيّ وعبيدُ الله بن زياد، قال: وهو الَّذِي يقول:\n_________\n= وأخرج الفسوي كذلك من طريق أبي عثمان عن أبيه عن مجالد عن الشعبي به، وفي آخره قلت (الشعبي): يغفر الله لك أبا بحر كنا نمزح ونضحك. قال: لتخبرني ممن هو؟ قلت: يغفر الله لك، قال: لتخبرني، قلت: من أهل الكوفة، قال: فكيف تفاخر أهل البصرة وهذا منكم؟ .\nوأخرجه الفسوي مختصرًا من طريق الحميدي عن سفيان عن مجالد عن الشعبي به اهـ.\nقلنا: فمدار هذه الرواية على مجالد وهو ليس بالقوي عند الحافظ ابن حجر، وقال الهيثمي: فيه كلام وقد وثق والله أعلم.","vol":"4","page":110},{"text":"كلُّ عيش قد أَرَاهُ قَذِرًا ... غير رَكز الرمحِ في ظلّ الفَرَسْ (١)\n[٦: ٩٠ - ٩١]\n_________\n(١) رجال هذا الإسناد ثقات وبعضهم رجال الصحيح سوى الحسن بن كثير فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٦٧) وسماه البجلي، وترجم له أبو حاتم، وقال العجلي: الكوفي وفي نسخة البجلي وذكر له ثلاثة من الرواة وسكت عنه. [الجرح والتعديل (٣/ ٣٤ / تر ١٤٣)].\nومثل هذا قبلنا روايته التاريخية بالشروط الثلاثة التي ذكرناها في المقدمة.\nولعلَّ أصحَّ من هذه الرواية ما رواه البلاذري.\nإذ أخرج البلاذري قال: حدثنا خلف بن سالم وأبو خيثمة قالا: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، حدثني إبراهيم الأشتر قال: مَرَّ بي ابن زياد يوم الخازر فسطع منه المسك وأنا لا أعرفه، فظننت أنه رجل له منزلة في القوم ومال فقصدت له فضربته على رأسه بالسيف فخرَّ بين قوائم برذونه يخور كخوار الثور فنظرت فإذا هو ابن زياد. [أنساب الأشراف (١/ ٢٥١)].\nقلنا: وأيًّا كان قاتل عبيد الله بن زياد فقد تخلصت الأمة بمقتله من أمير جائر طالما نهره أصحاب رسول الله - ﷺ - وزجروه وأمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر والظلم وبخس الناس أشيائهم كما سنذكر إن شاء الله في خلاصتنا عن أسباب زوال سلطان بني أمية وذلك في نهاية حوادث سنة (١٣٦ هـ) ولقد وصفه الإمام الذهبي خير وصف إذ قال -في ترجمته-: وكان جميل الصورة قبيح السريرة.\nوقال أيضًا: قيل: كانت أمّه مرجانة من بنات ملوك الفرس. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤٥ تر ١٤٥)].\nقلنا: ولعل البعض يُرجع السبب في ظلم عبيد الله بن زياد وإمعانه في حرب الحسين بن علي ﵄ إلى تربية أمه مرجانة لأنها كانت حاقدة على المسلمين الذين سلبوا آباءهم ملكهم الكسروي بسبب الفتوحات الإسلامية العظيمة، ولكن هذا احتمال وظن وتخمين ليس إلَّا ولا أحد ينكر أن عددًا من الصحابة تزوجوا نساء فارسيات فأنجبن لهم خيرة العلماء والفضلاء والأئمة والمؤرخ المنصف لا يئبت هذه الأمور بمجرد الظن والحدس والتخمين والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>كلمة عن المختار بن عبيد الله الثقفي وحركته الهدامة</span>\nقلنا: لقد أخرج الطبري روايات كثيرة عن المختار هذا الذي ادعّى النبوة وتلوّن بألوان عدة وتقلب بين ولاآت متعددة وأحدث بلبلة كبيرة في المجتمع الإسلامي وانتهت حركته بمقتله سنة (٦٧ هـ)، ولقد ذكرنا معظم هذه الروايات في قسم الضعيف وذكرنا أقلّها ضعفًا في قسم الصحيح آنفًا مع رواية أو روايتين صحيحة ذكرناها كذلك في الصحيح. =","vol":"4","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولقد حاول الإمام الحافظ الذهبي -﵀ أن يلخص ما كتبه المؤرخون المتقدمون في أخبار المختار الكذاب أودعها كتابه القيم سير أعلام النبلاء وسنذكر ما قاله بتصرف واختصار.\nوقبل أن نذكر خلاصة الذهبي نودّ أن نذكر حديثًا ورد في هذه المسألة التاريخية [والحديث جزء من دلائل نبوته ﵊].\nفقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه [كتاب فضائل الصحابة / باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها / ح ٢٥٤٥] وفي آخر الحديث قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: أما إن رسول الله - ﷺ - حدثنا \"أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا) فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه\".\nقال النووي -في شرح حديث أسماء هذا-: وقولها في الكذاب: (فرأيناه) تعني به المختار بن أبي عبيد الثقفي كان شديد الكذب ادَّعى أن جبريل يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف. [شرح صحيح مسلم (١٦/ ١٠٠)].\nوأخرج أحمد في مسنده بسند حسن عن رفاعة قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، فأردت أن أضرب عنقه ... إلخ. [مسند أحمد (٥/ ٢٢٣)].\nوالحديث أخرجه البلاذري أيضًا عن رفاعة بن شداد. [أنساب الأشراف (١/ ٢٣٣)].\nقال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- في خلاصته: ونشأ المختار فكان من كبراء ثقيف وذوي الرأي والفصاحة والشجاعة والدهاء وقلّة الدين وقد قال النبي - ﷺ -: \"يكون في ثقيف كذاب ومبير\" فكان الكذاب هذا ادَّعى أن الوحي يأتيه وأنه يعلم الغيب وكان المبير الحجاج قبَّحهما الله. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٣٩ / تر ١٤٤)].\nوقال الذهبي أيضًا: وكان المختار قد سار من الطائف بعد مصرع الحسين إلى مكة، فأتى ابن الزبير، وكان قد طُرِدَ لِشَرِّه إلى الطائف فأظهر المناصحة، وتردد إلى ابن الحنفية، فكانوا يسمعون منه ما يُنكر. فلما مات يزيد، استأذن ابن الزبير في الرواح إلى العراق، فركن إليه، وأذن له، وكتب إلى نائبه بالعراق عبد الله بن مطيع يوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير، ويثني على ابن الحنفية، ويدعو إليه، وأخذ يشغب على ابن مطيع، ويمكر ويكذب، فاستغوى جماعةً، والتفت عليه الشيعة، فخافه ابن مطيع، وفرّ من الكوفة، وتمكن هو، ودعا ابن الزبير إلى مبايعة محمد بن الحنفية، فأبى، فحصره، وضيق عليه، وتوعًده، فتألمت الشيعة له، ورد المختار إلى مكة، ثم بعث معه ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة على خراج الكوفة، فقدم المختار وقد هاجت الشيعة للطلب بالثأر، وعليهم سيمان بن صُرد، فأخذ المختارُ يفسدهم، ويقول: إني جئت من قبل المهدي ابن الوصي، يريد ابن الحنفية، فتبعه خلق، وقال: إن سيمان =","vol":"4","page":112},{"text":"حدّثت عن عليّ بن حَرْب المَوْصليّ، قال: حدّثني إبراهيمُ بن سليمانَ\n_________\n= لا يصنع شيئًا، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة، ولا خبرة له بالحرب.\nوخاف عمر بن سعد بن أبي وقاص، فذهب عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير وإبراهيم بن محمد إلى ابن صرد، فقالا: إنكم أحبُّ أهلِ بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، قفوا حتى نتهيأ. قال ابن صرد: قد خرجنا لأمرٍ ولا نرانا إلَّا شاخصين، فسار، ومعه كل مستميت، ومرُّوا بقبر الحسين، فبكوا، وأقاموا يومًا عنده وقالوا: يا رب قد خذلناه، فاغفر لنا، وتب علينا؛ ثم نزلوا قرقيسيا، فتم المصاف بعين الوردة، وقتل ابن صرد وعامَّة التوابين، ومرض عبيد الله بالجزيرة، فاشتغل بذلك وبقتال أهلها عن العراق سنةً وحاصر الموصل.\nوأما المختار، فسجن مُدَّة، ثم خرج، فحاربه أهل الكوفة، فقتل رفاعة بن شداد، وعبد الله بن سعد، وعدة، وغلب على الكوفة وهرب منه نائب ابن الزبير، فقتل جماعةً ممن قاتل الحسين، وقتل الشمر بن ذي الجوشن، وعُمَرَ بن سعد، وقال: إن جبريل ينزل عليَّ بالوحي، واختلق كتابًا عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة، وثار إبراهيم بن الأشتر في عشيرته، فقتل صاحب الشرطة، وسُرَّ به المختار، وقوي، وعسكروا بدير هند، فحاربهم نائب ابن الزبير، ثم ضَعُفَ واختفى، وأخذ المختار في العدل. وحسن السيرة. وبعث إلى النائب بمالٍ، وقال: اهرب، ووجد المختار في بيت المال سبعة آلاف ألف درهم، فأنفق في جيشه، وكتب إلى ابن الزبير: إني رأيت عاملك مراهنًا لبني أمية، فكم يسعني أن أُقره، فانخدع له ابن الزبير، وكتب إليه بولاية الكوفة، فجهز ابن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد في آخر ست وستين. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١ / تر ١٤٤)].\nوقال الذهبي: ووقع المصاف، فقتل ابن زياد، قدَّه ابن الأشتر نصفين. وكان بطل النخع، وفارس اليمانية فدخل الموصل، واستولى على الجزيرة، ثم وجَّه المختار أربعة آلاف فارس في نصر محمد بن الحنفية، فكلموا ابن الزبير، وأخرجوه من الشعب، وأقاموا في خدمته أشهرًا، حتى بلغهم قتلُ المختار، فإن ابن الزبير علم مَكرَهُ، فندب لحربه أخاه مصعبًا، فقدم محمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي إلى البصرة يستصرخان الناس على الكذاب، ثم التقى مصعب وجيش المختار، فقتل ابن الأشعث، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وانفل الكوفيون، فحصرهم مصعب في دار الإمارة، فكان المختار يبرز في فرسانه، ويقاتل حتى قتله طريف الحنفي وأخوه طرَّاف في رمضان سنة سبع وستين. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤٣ / تر ١٤٤)].\nولفد أرخ خليفة بن خياط لمقتل المختار بن أبي عبيد ضمن أحداث سنة (٦٧ هـ) وقال: دخل عليه القصر طريف وطراف أخوان من بني حنيفة فقتلاه. (تاريخ خليفة / ٢٦٤).","vol":"4","page":113},{"text":"الحنفِيّ، ابن أخي أبي الأحوص، قال: حدَّثنا محمد بن أبان، عن علقمة بن مَرْثد، عن سُوَيد بن غَفْلة، قال: بَينا أنا أسيرُ بظهْر النّجف إذ لَحقني رجل فَطعنني بمِخْصَرة مِن خَلفي، فالتفتُّ إليه، فقال: ما قولُك في الشيخ؟ قلتُ: أيّ الشيوخ؟ قال: عليّ بن أبي طالب؛ قلتُ: إني أشهد أني أحبّه بسَمعي وبصري وقلبي ولساني، وقال: وأنا أشهِدك أني أبغِضه بسَمْعي وبصري وقلبي ولساني، فسِرْنا حتى دخلْنا الكوفة، فافترقْنا، فمكَث بعد ذلك سِنينَ -أو قال: زمانًا- قال: ثمّ إني لفي المسجد الأعظم إذ دخل رجلٌ معتمّ يتصفح وجوهَ الخلق، فلم يزل ينظر فلم يُرَ لُحىً أحمق من لُحَى همْدان، فجلس إليهم، فتحوّلتُ فجلستُ معهم، فقالوا: من أين أقبلتَ؟ قال: من عند أهلِ بيتِ نبيّكم، قالوا: فماذا جئتنَا به؟ قال: ليس هذا موضع ذلك، فوعدهم من الغد موعدًا، فَغَدا وغدوت، فإذا قد أخرج كتابًا معه في أسفله طابع من رصاص، فدفعه إلى غلام، فقال له: يا غلام، اقرأه -وكان أميًّا لا يكتب- فقال الغلام: بسم الله الرحمن الرّحيم، هذا كتابٌ للمختار بن أبي عُبيد كتبه له وصيّ آلِ محمد؛ أمّا بعد فكذا وكذا.\nفاستفرَغَ القوم البُكاء، فقال: يا غلام، ارفَع كتابَك حتى يُفيق القوم، قلتُ: معاشر هَمْدان، أنا أشهَد بالله لقد أدركني هذا بظَهر النّجف، فقَصَصتُ عليهم قصّتَه، فقالوا: أبَيتَ واللهِ إلَّا تَثْبيطًا عن آل محمد، وتَزْيِينًا لنَعْثَلِ شَقّاقِ المَصَاحِف، قال: قُلتُ: معاشرَ همْدان، لا أحدّثكم إلا ما سمعت أُذنَاي، ووعاه قلبي من عليّ بن أبي طالب - ﵇ -، سمعتُه يقول: لا تُسمّوا عثمانَ شَقاقَ المصَاحف، فوالله ما شقّقها إلّا عن ملإ منّا أصحاب محمد، ولو وليتُها لعَملتُ فيها مثلَ الذي عمل، قالوا: آللهَ أنتَ سمعتَ هذا من عليّ؟ قلت: والله لأنا سَمعتُه منه، قال: فتفرّقوا عنه، فعند ذلك مال إلى العبيد، واستعان بهم، وصنع ما صنع (١). [٦: ١١٣ - ١١٤].\nقال أبو جعفر: وكان العاملُ لابن الزُّبَيْر في هذه السنة على المَدينة جابرُ بن\n_________\n(١) في إسناده محمد بن أبان ضعفه غير واحد.\nوأما دفاع علي ﵁ عن عثمان ﵁ فصحيح كما ذكرنا في موضعه عند الحديث عن الفتنة أيام عثمان ﵁ فلينظر هناك. وأبهم الطبري اسم من حدثه عن علي الموصلي. والله أعلم.","vol":"4","page":114},{"text":"الأسودُ بن عوف الزّهْريّ، وعَلَى البَصرة والكوفة أخوه مُصعَب، وعلى قضاءِ البَصْرة هشِامُ بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة عبدُ الله بن عُتبة بن مسعود، وعلى خُراسان عبدُ الله بن خازم السُّلَميّ، وبالشأم عبدُ الملك بن مَرْوان. [٦: ١٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>ثم دخلت سنة تسع وستّين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو</span>\nففيها كان خروجُ عبد الملك بن مَرْوان -فيما زعَم الواقديّ- إلى عينِ وَرْدة، واستَخلف عمرَو بن سعيد بن العاص على دِمشق فتحصّن بها، فَبَلَغ ذلك عبدَ الملك، فرجع إلى دمَشق فحاصره -قال: ويقال: خرج معه- فلمَّا كان ببُطْنانِ حَبيب، رجع إلى دِمشقِ فتحصّن فيها، ورجع عبد الملك إلى دِمشق.\nوأمَّا عَوانة بن الحَكَم فإنَّه قال -فيما ذكَر هشام بن مُحمَّد عنه: - إنّ عبدَ الملك بن مَرْوان لمَّا رجع من بُطْنَان حبيب إلى دمَشق مَكَث بدِمَشق ما شاء الله، ثمّ سار يريد قَرقِيِسياءَ، وفيها زُفَر بن الحارث الكلابِيّ ومعه عَمرُو بن سعيد، حتَّى إذا كان ببُطنان حَبيب فَتَك عَمرُو بن سعيد، فرجع لَيلًا ومعه حُميد بن حُريث بن بَحْدل الكلبيّ وزُهير بن الأبرد الكلبيّ، حتى أتى دمشقَ وعليها عبدُ الرّحمن بن أمّ الحَكَم الثَّقَفيّ قد استَخلفَه عبدُ الملك، فلمَّا بلغه رجوعُ عَمرو بن سعيد هَرَب وترَك عملَه، ودخَلَها عمرو فَغَلَب عليها وعلى خَزائنها.\n* * *\nوقال غيرُهما: كانت هذه القصّة في سنة سبعين، وقال: كان مسير عبد المَلك من دِمشقَ نحوَ العراق يريد مُصعب بنَ الزُّبَيْر، فقال له عمرو بن سعيد بن العاص: إنَّك تَخرُج إلى العراق، وقد كان أبوك وعَدَني هذا الأمرَ من بعده، وعلى ذلك جاهدت معه، وقد كان من بلائي معه ما لم يَخفَ عليك، فاجعل لي هذا الأمر من بَعدِك، فلم يُجبه عبدُ الملك إلى شيء، فانصرف عنه","vol":"4","page":115},{"text":"عمرو راجعًا إلى دِمشقَ، فرجع عبدُ الملك في أَثره حتَّى انتهى إلى دِمشق (١) [٦: ١٤٩].\nقال الطبري: وأقام الحجَّ للناس في هذه السنة عبدُ الله بن الزبير.\nوكان عاملَه فيها على المصرَين: الكوفة والبَصْرة أخوه مصعب بن الزُّبَيْر وكان على قضاء الكوفة شُرَيح وعلى قضاء البَصْرة هِشام بن هُبيرة وعلى خُراسان عبدُ الله بن خازم. [٦: ١٤٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففي هذه السَّنة ثارت الرّوم، واستجاشوا على مَن بالشأم من ذلك من المسلمين، فصالح عبد الملك ملكَ الروم، على أن يؤدّى إليه في كلّ جمعة ألفَ دينار خوفًا منه على المسلمين (٢). [٦: ١٥٠].\nقال الطبري: وحجّ بالنَّاس في هذه السَّنة عبدُ الله بن الزُّبَيْر.\nوكان عُمَّاله على الأمصار في هذه السنة عمَّاله في السنة الَّتي قبلها على المعاون والقضاء (٣). [٦: ١٥٠].\n_________\n(١) وقال خليفة - ضمن ذكره لأحداث سنة (٧٠ هـ) -: خلع عمرو بن سعيد العاص عبد الملك بن مروان. [تاريخ خليفة / ٢٦٣].\nوذكر الحافظ الذهبي خروج الأشدق (عمرو بن سعيد) ومقتله ضمن أحداث سنة (٦٩ هـ).\n[البداية والنهاية (٧/ ١١٨)].\nوذكر ابن كثير رأيًا للواقدي يجمع بين الروايتين وهو أن عبد الملك حاصره سنة (٦٩ هـ) وقتله سنة (٧٠ هـ) والله أعلم.\n(٢) وقال خليفة: كتب إليَّ بكار عن محمد بن عائذ قال: تخلَّى أهل الشام عن الغزو عام الردعة فأخذ خمس أموالهم من العطاء سنة سبعين. [تاريخ خليفة / ٢٦٢].\n(٣) قلنا: وكذلك قال خليفة: أن ابن الزبير حجَّ بالناس هذه السنة. [تاريخ خليفة / ٢٦٢].","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك مسيرُ عبد الملك بن مَرْوان فيها إلى العراق لحرب مُصعب بن الزبير (١). [٦: ١٥١].\nفحدّثني عمر بن شَبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: أقبل عبدُ الملك من الشأم يريد مُصعبًا -وذلك قبل هذه السنة، في سنة سبعين- ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسِيد، فقال خالد لعبد الملك: إن وجَّهتَني إلى البصرة وأتْبعْتَني خيلًا يسيرة رجوتُ أن أغلب لك عليها. فوجَّهه عبد الملك، فقدمها مستخفيًا في مواليه وخاصّته، حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهليّ (٢). (١٥٢: ٦).\nقال عمر: قال أبو الحسن: قال مسلمة بن محارب: أجار عمرو بن أصمع خالدًا، وأرسل إلى عبَّاد بن الحُصين وهو على شُرطة ابن معمرَ -وكان مُصعب إذا شخص عن البصرة استخلَف عليها عبيدَ الله بن عبيد الله بن معمر- ورجا عمرو بن أصمع أن يبايعه عبَّاد بن الحُصين- بأنّي قد أجَرْتُ خالدًا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لي ظَهرًا. فوافاه رسولُه حين نزل عن فرسه، فقال له عبّاد: قل له: والله لا أضع لبدَ فرسي حتى آتيَكَ في الخيل. فقال عمرو لخالد: إني لا أغرّك، هذا عبَّاد يأتينا الساعة، ولا والله ما أقدر على منعك، ولكن عليك بمالك بن مسْمَع.\nقال أبو زيد: قال أبو الحسن: ويقال إنَّه نزل على عليّ بن أصمع، فبلغ ذلك عبَّادًا فأرسل إليه عبَّاد: إني سائر إليك (٣). [٦: ١٥٢].\nحدّثني عمر بن شبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن مسلمة وعَوانة أنّ\n_________\n(١) ثم أخرج الطبري رواياتٍ عدةٍ منها الموصولة والمرسلة والمعضلة وكالروايات التي تلي هذه الرواية.\n(٢) وإسناد الطبري إلى المدائني صحيح، وهو بدوره رواه معضلًا، وانظر الرواية التي تليها.\n(٣) قلنا: وهذه رواية أخرى رواها الطبري مرسلًا عن مسلمة بن محارب والسطر الأخير رواه عن المدائني معضلًا.","vol":"4","page":117},{"text":"خالدًا خرج من عند ابن أصمع يركُض، عليه قميص قُوهيّ رقيق، قد حَسَره عن فخذيه، وأخرَج رجليه من الرّكابين؛ حتى أتى مالكًا، فقال: إني قد اضطررتُ إليك، فأجرْني، قال: نعم، وخرج هو وابنه، وأرسل إلى بكْر بن وائل والأزد؛ فكانت أوّل راية أتته رايةُ بني يشكرُ. وأقبل عبَّاد في الخيل، فتواقَفُوا، ولم يكن بينهم، فلما كان من الغد غدوْا إلى حُفرة نافع بن الحارث التي نُسبت بعدُ إلى خالد، ومع خالد رجال من بني تميم قد أتوْه؛ منهم صعصعة بن معاوية، وعبد العزيز بن بشْر، ومرّة بن مِحْكَان، في عدد منهم؛ وكان أصحاب خالد جُفريَّة ينسبون إلى الجُفْرة، وأصحاب ابن معمر زُبَيريَّة، فكان من الجُفْريَّة عبيد الله بن أبي بَكْرة وحُمْران والمغيرة بن المهلّب، ومن الزبيريّة قيس بن الهيثم السُّلَميّ، وكان يستأجر الرجل يقاتلون معه، فتقاضاه رجل أجرةً فقال: غدًا أعطيكها، فقال غَطَفان بن أنيف، أحد بني كعب بن عمرو:\nلِبئس ما حكَمت ياجلاجِلُ ... النَّقْدُ دَينٌ والطِّعانُ عاجِلُ\nوأنْتَ بالبابِ سميرٌ آجِلُ\nوكان قيس يعلّق في عنق فرسه جلاجل، وكان على خيل بني حنظلة عمرو بن وبرة القحيفيّ، وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كلّ يوم، فيعطيهم عشرة عشرة، فقيل له:\nلبئس ما حكمت يابنَ وَبرَة ... تُعطَى ثلاثينَ وتُعْطِي عَشَرهْ\nووجَّه المصعب زَحْر بن قيس الجُعْفيّ مَددًا لابن معمَر في ألف، ووجَّه عبدُ الملك عبيد الله بنَ زياد بن ظَبْيانَ مددًا لخالد، فكَره، أن يدخلَ البَصرة، وأرسل مطرَ بنَ التّوأم فرجع إليه فأخبره بتفرّق الناس، فَلحق بعبد الملك (١). (٦/ ١٥٢ - ١٥٣).\nقال أبو زيد: \"قال أبو الحسن: حدّثني مسلمة أنّ المُصعَب لمَّا انصَرف عبدُ الملك إلى دمَشق لم يكن له همَّة إلّا البصرة، وطَمِع أن يُدرك بها خالدًا، فوجده قد خرج، وأمّن ابنُ مَعمر النَّاس، فأقام أكثرهم، وخاف بعضهم مُصعَبًا\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل متعدد المخارج، ولذا ذكرنا الرواية في قسم الصحيح.","vol":"4","page":118},{"text":"فشخص، فغضب مُصعَب على ابن مَعمَر، وحلف ألّا يوليه، وأرسل إلى الجُفريّة فسبَّهم وأنّبهم (١). (٦/ ١٥٤).\nحدّثني عمر، قال: حدَّثنا محمَّد بن سَلّام، عن عبد القاهر بن السَّريّ، قال: همَّ أهلُ العراق بالغَدْر بمُصعَب، فقال قيسُ بن الهيثم: ويحكم! لا تُدخلوا أهلَ الشأم عليكم، فوالله لئن تَطعَّموا بعيشكم لَيُصْفِينّ عليكم منازلَكم، والله لقد رأيتُ سيّدَ أهل الشأم على باب الخليفة يفرح إن أرسَلَه في حاجة، ولقد رأيتُنا في الصّوائف وأحدُنا على ألف بعير، وإنّ الرجل من وجوههمْ ليَغزُو على فرسه وزادهُ خَلْفَه.\nقال: ولمَّا تدَانَى العسكران بدَير الجاثَليق من مَسْكنَ، تَقدّم إبراهيمُ بن الأشتر فحَمَل على محمَّد بن مَرْوان فأزاله عن موضعه، فوجَّه عبدُ الملك بن مروان عبدَ الله بن يزيد بن معاوية، فقرب من محمد بن مروان، والتقى القومُ فَقُتِل مُسلم بن عمرو الباهليّ، وقتِل يَحيَى بن مبشِّر، أحد بني ثعلبة بن يَرْبوع، وقتل إبراهيم بن الأشتر، فهرب عتَّاب بن وَرْقاء -وكان على الخيل مع مصعَب- فقال مصعب لقطنَ بن عبد الله الحارثيّ: أبا عثمان، قدّم خيلك، قال: ما أرى ذلك، قال: ولِمَ؟ قال: أكرَه أن تُقتَل مذْحجٌ في غير شيء، فقال لحجَّار بن أبجَر: أبا أسيد، قدّم رايتَك، قال: إلى هذه العَذرة! قال: ما تتأخَّر إليه والله أنتن وألأم؛ فقال لمحمَّد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيس مثل ذلك، فقال: ما أرَى أحدًا فَعَلَ ذلك فأفْعله. فقال مصعب: يا إبراهيم ولا إبراهيمَ ليَ اليوم! [٦: ١٥٧ - ١٥٨].\nحدّثني أبو زيد، قال: حدّثني محمَّد بن سلام، قال: أخبِر ابنُ خازم بمسير مُصعب إلى عبد الملك، فقال: أمَعَه عمر بن عُبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استَعمله على فارس، قال: أفمعَه المهلَّبِ بن أبي صفرة؟ قيل: لا، استعمله على الموصل، قال: أفمعَه عبَّاد بن الحُصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة، فقال: وأنا بخُراسان!\nخُذينِي فجُرّينِي جَعارِ وأَبْشِري ... بلَحْمِ امِرئٍ لم يَشْهَدِ اليوْمَ ناصِرُهْ\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل صحيح.","vol":"4","page":119},{"text":"فقال مصعب لابنه عيسى بن مُصعَب: يا بُنيّ، اركَب أنتَ ومن معك إلى عمِّك بمكَّة فأخبره ما صنع أهلُ العراق، ودّعني فإني مقْتول.\nفقال ابنهُ: واللهِ لا أخبر قريشًا عنك أبدًا، ولكن إن أردت ذلك فالحقْ بالبصرة فهم على الجماعة، أو الحَقْ بأمير المؤمنين، قال مصعب: واللهِ لا تتحدّث قريش أني فررت بما صنعتْ ربيعةُ من خذلانها حتى أدخُل الحرمَ مُنْهزِمًا، ولكن أقاتل، فإنْ قُتلت فلعَمْري ما السَّيف بعار، وما الفرار لي بعادة ولا خُلُق، ولكن إن أردت أن تَرجع فارجع فقاتلْ، فرجع فقَاتل حتَّى قتل. [٦: ١٥٨].\nقال عليّ بن محمَّد عن يحيى بن سعيد بن أبي المُهاجر، عن أبيه إن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان: إنّ ابن عمِّك يعطيك الأمان، فقال مصعب: إنّ مثلي لا ينصرف عن مثلِ هذا الموقف إلَّا غالبًا أو مغلوبًا. [٦: ١٥٨ - ١٥٩].\nقال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ ما ذكرتُ من مَقتَل مصعب والحرب الَّتي جرتْ بينه وبين عبد الملك كانت في سنة اثنتين وستين، وأن أمر خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ومصيره إلى البَصْرة من قِبَل عبد الملك كان في سنة إحدى وسبعين، وقُتِل مصعب في جُمَادَى الآخرة (١). [٦: ١٦٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفة</span>\nوفي هذه السَّنة دخل عبدُ الملك بن مروان الكوفةَ وفرّق أعمال العراق والمصرَين الكوفة والبصرة على عُمَّاله في قول الواقِديّ؛ وأمَّا أبو الحسن فإنَّه ذكرَ أنّ ذلك في سنة اثنتين وسبعين.\nوحدّثني عمرُ، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: قُتِل مصعب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلتْ من جمادى الأولى أو الآخرة سنة اثنتين وسبعين (٢). [٦: ١٦٢].\n_________\n(١) قلنا: ولقد أرخ خليفة لمقتل مصعب بسنة (٧٢ هـ) [تاريخ خليفة (٢٦٤)].\nوأرخ ابن كثير لمقتله بسنة (٧١ هـ) ونسب ذلك إلى الجمهور. [البداية والنهاية (٧/ ١٢٤)].\n(٢) لقد سبق أن تحدث الطبري عن تاريخ مقتله ونسب إلى الجمهور المؤرخين وعلماء التراجم والوفيات أنه قتل سنة (٧١ هـ) وانظر صحيح الطبري (٦/ ١٦٢)، والبداية والنهاية (٧/ ١٢٤). =","vol":"4","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>الخليفة عبد الملك يستقبل الوفود التي جاءت لبيعته بعد مقتل مصعب</span>\nوقال عليّ بن محمَّد: حدّثني القاسم بن مَعْن وغيرُه أنّ مَعْبَد بنَ خالد الجَدَليّ قال: ثمّ تقدّمْنا إليه معشرَ عَدْوان، قال: فقدَّمنا رجلًا وَسيما جَمِيلًا، وتأخَّرت -وكان مَعبد دميمًا- فقال عبدُ الملك: من؟ فقال الكاتب: عَدْوان، فقال عبدُ الملك:\nعَذيرُ الحيِّ من عَدْوا ... نَ كانوا حَيَّةً الأَرضِ\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-576> لماذا انتصر عبد الملك وخسر مصعب بن الزبير المعركة وقتل</span>\nمما لا شك فيه أن الله ﷾ جعل لتاريخ البشرية سننًا ولابد للباحث أن يستخلص العبر ويجد الأسباب الظاهرة المؤدية إلى الحدث، وما ذكرنا من روايات الطبري في قسم الصحيح تبين ما يلي:\nلقد أخطأ مصعب بن الزبير حين أرسل قواده المعتمدين إلى الأطراف بعيدًا عنه، فعبد الله بن خازم في خراسان وهو أحد قواده المعتمدين ولطالما حاول عبد الملك استمالته، والمهلب بن أبي صفرة ذلك القائد الشجاع المعروف ببراعته في الحرب بعيدًا عنه، وعبَّاد بن حصين في البصرة، وعمر بن عبيد الله بن معمر استعمله على فارس، وأخيرًا فإن إبراهيم بن الأشتر مقتول.\nبالإضافة إلى عوامل أخرى فإن بعض القواد أصيبوا بالملل من تواصل الفتن والمعارك بين المسلمين دون جدوى: إضافةً إلى من استماله عبد الملك ورغبه فخذل مصعبًا في وقت حاسم وصعب، والله أعلم.\nولا بأس بأن نستشهد برأي مؤرخ معاصر ويتحدث عن المعركة بين عبد الملك ومصعب:\nيقول الدكتور يوسف العش -﵀- ودخل الصراع الآن بين عبد الملك وعبد الله بن الزبير في مرحلة أخيرة فمصعب سائد في العراق وابن مروان في الشام لكن لكلا الرجلين متاعب في بلده، فمصعب يحارب الخوارج وجيشه يحوي العديد من الشيعة الذين أعمل القتل فيهم مع جيش المختار فكانوا ولا ريب يحقدون عليه للنفوس التي ذهب دمها هدرًا. [الدولة الأموية / ١٩٨].\nويقول العش: وكان ابن مروان يعرف حال العراق معرفة جيدة ويعرف أهله ويعرف السبيل إلى استماله قلوبهم وخير ما يتخذه لذلك هو التفريق بين مصعب وقواده، وقواد مصعب يؤخذون بالدهاء والمال والإمارة. [الدولة الأموية / ٢٠٠].","vol":"4","page":121},{"text":"بغى بعضُهُمُ بَعْضًا ... فَلَم يَرْعَوْا على بَعضِ\nومنهمْ كانتِ السَّادَا ... ت والمُوفُون بالقَرْضِ\nثمّ أقبلَ على الجميل فقال: إيه! فقال: لا أدري، فقلتُ مِن خَلْفِه:\nومنهمْ حَكَمٌ يقضِي ... فلا يُنقَض ما يَقضِي\nومنهمْ من يجِيزُ الحـ ... ـجَّ بالسُّنة والفَرْضِ\nوهُمْ مُذْ ولدِوا شَبّوا ... بسِر النسب المحض\nقال: فتركني عبدُ الملك، ثمّ أقبَل على الجميل فقال: من هو؟ قال: لا أدري؛ فقلتُ مِن خلفه: ذو الإصبع؛ قال: فأقبَل على الجميل فقال: ولِمَ سمّي ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري؛ فقلتُ مِن خلفهِ: لأنّ حيَّةً عضّت إصبعَهَ فقطَعَتْها، فأقْبَل على الجميل فقال: ما كان اسمُه؟ فقال: لا أدري؛ فقلتُ من خلفه: حُرْثان بن الحارث، فأقبَل على الجميل، فقال: من أيِّكُم كان؟ قال: لا أدري، فقلت مِن خلفِه: مِن بني ناج، فقال:\nأبَعْدَ بني ناجٍ وسَعْيِك بينهمْ ... فلا تُتْبِعنْ عَينَيك ما كان هالِكَا\nإذا قُلْتُ مَعْرُوفًا لأُصلِح بينهمْ ... يقول وُهَيبٌ: لا أُصالح ذَلكا\nفأَضحِي كظَهْر العَير جُبّ سَنَامُهُ ... تُطيفُ به الِولدانُ أحدبَ بَاركا\nثمّ أقبَل على الجميل، فقال: كم عطاؤك؟ قال: سَبْعمئة، فقال لي: في كَمْ أنتَ؟ قلتُ: في ثلثمئة؛ فأقبل على الكاتبَينِ، فقال: حُطَّا من عطاء هذا أربعمئة، وزيداها في عطاء هذا فرجعتُ وأنا في سبعمئة، وهو في ثلثمئة (١). [٦: ١٦٣ - ١٦٤].\n_________\n(١) قلنا: الخبر بطوله في تهذيب الكمال للحافظ المزي في ترجمة القاضي الكوفي الثقة معبد بن خالد الجدلي الذي أخرج له الستة ووثقه غير واحد. (تهذيب / تر ٦٦٦٣).\nقال الحافظ المزي: وقال محمد بن جرير الطبري: حدثني عمر بن شبة، قال: ثني علي بن محمد، قال: ثني القاسم بن معن وغيره أن معبد بن خالد الجدلي قال: ثم تقدمنا إليه معشر عدوان يعني إلى عبد الملك بن مروان بعد قتل مصعب ... إلى قوله-: وهو في ثلاثمئة. اهـ.\nقلنا: ورجال إسناد الطبري في هذه الرواية بين الثقة والصدوق.\nوالقاسم بن معن. قال فيه أبو حاتم: صدوق ثقة، وكان أروى الناس للحديث والشعر وأعلمه بالعربية والفقه؛ توفي سنة ١٧٥ هـ. [تهذيب الكمال / تر ٥٤١٦].","vol":"4","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>ذكر خبر ولاية خالد بن عبد الله على البصرة</span>\nوفي هذه السنة بعث عبدُ الملك خالدَ بن عبد الله على البَصرة واليًا، حدّثني عمر، قال: حدّثني علي بن محمَّد، قال: مكث حمرانُ على البصرة يسيرًا، وخرج ابن أبي بَكرة حتَّى قَدِم على عبد الملك الكوفة بعد مقتل مُصعَب، فولَّى عبدُ الملك خالدَ بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة وأعمالِها، فوجَّه خالدٌ عُبيدَ الله بن أبي بَكْرة خليفَته على البصرة، فلمَّا قَدِم على حُمْران، قال: أقَدْ جئت لا جئت! فكان ابنُ أبي بَكْرة على البَصْرة حتَّى قدِم خالد (١). [٦: ١٦٥].\nقال الطبري: وفي هذه السنة رَجع عبدُ الملك -فيما زَعَم الواقديّ- إلى الشأم.\nقال: وفيها نزَع ابنُ الزبير جابرَ بنَ الأسودَ بن عوف عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف. قال: وهو آخر وال لابن الزُّبَيْر على المدينة، حتَّى قدم عليها طارقُ بن عَمرو مولى عثمان، فَهَرب طلحة، وأقام طارقٌ بالمدينة حتَّى كتب إليه عبد الملك.\nوحَجَّ بالناس في هذه السَّنة عبدُ الله بن الزُّبَيْر في قول الواقديّ (٢). [٦: ١٦٥ - ١٦٦].\n_________\n(١) هذا إسناد معضل، والطبري هنا يتحدث عن الفراغ المؤقت الذي تركه قتل مصعب بن الزبير مما أدى إلى صراع على منصب ولاية البصرة بين حمدان وابن أبي بكرة حتى قدم خالد بن عبد الله واليًا عليها من قبل عبد الملك بن مروان سنة (٧١ هـ).\nوسنذكر أسماء الولاة والقضاة بعد انتهاءنا من سيرة عبد الملك بن مروان استنادًا إلى ما ذكره الخليفة بن خياط في تاريخه، وقد تحدثنا عن طريقتنا هذه في المقدمة فلا داعي للتكرار.\n(٢) قال خليفة: وفيها (٧٢) ولَّى عبد الملك أخاه بشر بن مروان الكوفة وغلب طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان على المدينة ودعا إلى بيعة عبد الملك وأخرج طلحة بن عبد الله بن عوف وكان واليًا لابن الزبير. [تاريخ خليفة / ٢٦٥].\nذكر الطبري الوقعة الكبيرة التي كانت بين القائد المسلم الشجاع المهلب بن أبي صفرة، وبين الأزارقة من الخوارج وذلك لعدة أشهر ضمن أحداث سنة (٧٢ هـ). [٦/ ١٦٨].\nوكذلك ذكر الحافظ ابن كثير هذه الوقعة ضمن أحداث سنة (٧٢ هـ) [البداية والنهاية (٧/ ١٣٢)].","vol":"4","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>أمر عبد الله بن خازم السُّلمي مع عبد الملك</span>\nوفي هذه السنة كتب عبدُ الملك إِلى عبد الله بن خازم السّلَميّ يدعوه إلى بَيعته ويُطعِمه خُراسانَ سبعَ سنين، فَذكر عليُّ بن محمَّد أن المفضَّل بنَ محمَّد ويحيى بن طُفَيل وزُهيرَ بنَ هُنَيد حدّثوه -قال: وفي خبر بعضِهم زيادةٌ على خبر بعض- أنّ مُصعَب بنَ الزبير قُتِل سنة اثنتين وسبعين وعبدُ الله بن خازم بأبْرشَهْر يُقاتِل بحِير بن وَرْقاء الصُّرَيميّ صُرَيم بن الحارث؛ فكَتَب عبدُ الملك بن مروان إلى ابن خازم مع سورة بن أشْيم النُّمَيريّ: إنّ لك خُراسانَ سبعَ سنين على أن تُبايع لي.\nفقال ابنُ خازم لسَوْرة: لولا أن أحرّب بين بني سُلَيم وبني عامر لقتلتُك ولكن كلْ هذه الصحيفة، فأكلَها.\nقال: وقال أبو بكر بن محمَّد بن واسع: بل قدِم بعهد عبد الله بن خازم سوادةُ بن عُبيد الله النُّمَيريّ (١). [٦: ١٧٦].\n_________\n(١) قلنا: لقد ذكر الطبري مقتل أمير خراسان عبد الله بن خازم ضمن أحداث سنة (٧٢ هـ) لكن ابن الأثير ذكره ضمن أحداث سنة (٧١ هـ).\nوقال ابن كثير: وهكذا حكى شيخنا عن الدولابي، وكذا رأيت لشيخنا الذهبي والذي ذكره ابن جرير في سياق تاريخه أنه قتل سنة (٧٢ هـ) [البداية والنهاية (٧/ ١٣٥)] والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>عهد عبد الله بن الزبير ﵄ ٦٤ - ٧٣ ه</span>ـ\nوهو أمير المؤمنين وخليفتهم عند عددٍ من الأئمة المتقدمين والمتأخرين.\nقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: وعند ابن حزم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك. [البداية والنهاية].\nوقال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-: إن صحت خلافة مروان فإنه خارج على ابن الزبير باغ فلا يصح عهده إلى ولديه إنما تصح إمامة عبد الملك من يوم قتل ابن الزبير. [تاريخ الإسلام (٦١ - ٨١ هـ / ١٣٣).\nوقال الذهبي -في ترجمة عبد الملك بن مروان-: بويع بعهدٍ من أبيه في خلافة ابن الزبير وبقي على مصر والشام، وابن الزبير على باقي البلاد مدة سبع سنين. [تاريخ الإسلام (٦١ - ٨١ هـ / ١٣٧)]. =","vol":"4","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الذهبي في موضع آخر: وتمكن ابن الزبير وبايعه أهل الحرمين واليمن والعراق وخراسان، واستناب على العراق وما يليه أخاه مصعب بن الزبير، وتفرقت الكلمة وبقي في الوقت خليفتان أكبرهما ابن الزبير. [دول الإسلام (/ ٤٨)].\nوقال الخطيب البغدادي: فكانت خلافته (أي: عبد الملك بن مروان) من مقتل ابن الزبير إلى أن توفي ثلاث عشر سنة وأربعة أشهر. [تاريخ بغداد (١٠/ ٣٩١)].\nوقال الحافظ ابن كثير: فلما مات يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد من بعده قريبًا استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدًّا، وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الإسلامية ... ولكن عارضه مروان بن الحكم في ذلك وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير ثم جهز السرايا إلى العراق. [البداية والنهاية (٧/ ١٥١)].\nوقال الشيخ الحصيني، وكثير من العلماء يرون أن بيعة مروان غير منعقدة شرعًا (أي: حتى وفاة ابن الزبير) لوقوعها من سكان دمشق فقط ولسبقها ببيعة ابن الزبير المنعقدة بإجماع جمهور المسلمين. (١/ ٩١).\nوكعادتنا فإننا نحاول أن نكتب خلاصة في كل مسألة تاريخية مختلف فيها بعد أن نميز بين روايات الطبري الصحيحة والضعيفة منها ونحاول في كل خلاصة أن نردَّ على الشبهات المثارة حول شخصيات الصحابة وعدالتهم وكذلك نفعل في مسألتنا هذه وقبل أن ندخل في التفاصيل نودّ أن نذكر هنا تتمة رواية عروة بن الزبير وهو شاهد على تلك الأحداث حتى تتكون للقارئ الكريم صورة ولو موجزة عن أحداث تركت أثرها في التاريخ الإسلامي.\nوتتمة رواية عروة كالآتي قال: ثم مات مروان، ودعا عبد الملك لنفسه، وقام، فأجابه أهل الشام، فخطب على المنبر وقال: من لابن الزبير منكم؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين، فأسكته، ثم عاد فأسكته، ثم عاد فقال: أنا يا أمير المؤمنين، فإني رأيت في النوم أني انتزعت جبته فلبستها، فعقد له في الجيش إلى مكة حتى وردها على ابن الزبير فقاتله بها، فقال ابن الزبير لأهل مكة: احفظوا هذين الجبلين، فإنكم لن تزالوا بخير أعزة ما لم يظهروا عليهما، فلم يلبثوا أن ظهر الحجاج ومن معه على أبي قبيس، ونصب عليه المنجنيق فكان يرمي به ابن الزبير ومن معه في المسجد، فلما كانت الغداة التي قتل فيها ابن الزبير، دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر، وهي يومئذٍ ابنة مئة سنة، لم يسقط لها سن، ولم يفقد لها بصر، فقالت لابنها: يا عبد الله، ما فعلت في حزبك؟ قال: بلغوا مكان كذا وكذا، قال: وضحك ابن الزبير، فقال: إن في الموت لراحة، قالت: يا بني، لعلك تتمناه لي؟ ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر بذلك عيني، وإما أن تقتل فاحتسبك، قال: ثم ودعها، قالت له: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل.\nوخرج عنها، ودخل المسجد، وقد جعل مصراعين على الحجر الأسود يتقي بهما أن يصيبه =","vol":"4","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المنجنيق، وأتى ابن الزبير آتٍ وهو جالسٍ عند الحجر الأسود، فقال: ألا نفتح لك باب الكعبة فتصعد فيها، فنظر إليه عبد الله ثم قال له: من كل شيء تحفظ أخاك إلَّا من نفسه -يعني: أجله- وهل للكعبة حرمة، ليست لهذا المكان؟ ! والله لو وجدوكم متعلقين بأستار الكعبة لقتلوكم فقيل له: ألا تكلمهم في الصلح؟ قال: أو حين صلح هذا؟ والله لو وجدوكم فيها لذبحوكم جميعًا، وأنشد يقول:\nولست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما\nأنافس سهمًا إنه غير بارح ... ملاقي المنايا أيَّ حرف تيمما\nثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول: ليكن أحدكم سيفه كما يكن وجهه، لا ينكسر فيدفع عن نفسه بيده، كأنه امرأة، والله ما لقيت زحفًا قط إلَّا في الرعيل الأول ولا ألمت جرحًا قط إلَّا أن آلم الدواء.\nقال: فبينما هم كذلك، إذ دُخل عليهم من باب بني جمح، فيهم أسود، قال: من هؤلاء؟ قيل: أهل حمص، فحمل عليهم ومعه سيفان، فأول من لقيه الأسود، فضربه بسيفه حتى أطن رجله فقال له الأسود: أخ يا بن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يابن حام، أسماء زانية؟ ثم أخرجهم من المسجد وانصرف، فإذا قوم قد دخلوا من باب بني سهم فقال من هؤلاء؟ قيل: أهل الأردن، فحمل عليهم، وهو يقول:\nلا عهد لي بغارةٍ مثل السَّيلِ ... لا ينجلي غبارها حتى الليل\nفأخرجهم من المسجد فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني مخزوم، فحمل عليهم وهو يقول:\nلو كان قرني واحدًا كفيته\nوقال: وعلى ظهر المسجد من أعوانه من يرمي عدوه بالآجر وغيره، فحمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى فلقت رأسه، فوقف وهو يقول:\nولسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما\nقال: ثم وقع، فأكب عليه موليان له، وهما يقولان:\nالعبد يحمي ربه ويحتمي\nقال: ثم سير إليه فحز رأسه.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري وثقه ابن حبان، وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره. [مجمع الزوائد (٧/ ٢٥٥)].\nقلنا: وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة مع اختلاف في بعض المقاطع (ح ١٦٥٢) وبعض أئمة الحديث يفرقون بين عبد الملك بن عبد الرحمن الشامي والذماري، فالشامي منكر الحديث، وأما الذماري فقد قال أبو حاتم: شيخ وسكت عنه البخاري وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ: صدوق كان يصحف. =","vol":"4","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-580> مواقف الصحابة من البيعة والصراع بين ابن الزبير ﵁ وبني أمية من جهة أخرى</span>\nونذكر منهم: (عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحنفية، والحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ أجمعين).\nأما ابن عباس: فكان بادي الرأي ميالًا إلى بيعة ابن الزبير.\nوأما ابن عمر: فقد بايع ليزيد بعد وفاة أبيه معاوية ﵁.\nوأما ابن الحنفية: فقد امتنع عن البيعة لأحدٍ منهم.\nوأما الحسين: فقد رفض البيعة ليزيد ومضى إلى ربه شهيدًا يشكو ظلم يزيد وولاته.\nوأما ابن أبي بكر فرفضه واضح كما ذكرنا في الفصل السابق، وسنذكر تفاصيل أقوالهم.\n١ - موقف عبد الله بن عمر في هذه المحنة التي مرت بها الأمة:\nلم يكن عبد الله بن عمر يومًا ليشك في صلاح وورع عبد الله بن الزبير إلَّا أنه كان يرى في بيعة يزيد إخمادًا لنار الفتنة وإخراجًا للأمة من حالة الفوضى وقد ذكرنا رواية البخاري في صحيحه يوم أن رفض ابن الزبير بيعة يزيد فجمع عبد الله بن عمر ﵄ ولده وحشمه وقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ينصب لكل غادر لواءٌ يوم القيامة) وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع برجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلَّا كانت الفيصل بيني وبينه\". [صحيح البخاري (ح ٧١١١)].\nوسنرجع مرة أخرى إلى رأي ابن عمر ﵄ في نهاية المطاف حين يمر بجسد عبد الله بن الزبير ﵄ مصلوبًا فيقول قولته المشهورة: \"والله لقد كنتَ ما علمتُ صوامًا قوامًا لأمة أنت أشرها أمة خير\". وقال هذا مع اعتراضه على موقفه: \"ألم أنهك عن هذا\".\nوخلاصة القول: فإن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر نهى عبد الله بن الزبير ﵃ عن الاستمرار في موقفه من بني أمية بعد وفاة يزيد، وذلك درءًا للفتنة والاقتتال بين المسلمين، ومن ثم إضعاف شوكتهم وقد حصل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.\n٢ - موقف أبي سعيد الخدري وأبو برزة الأسلمي ﵄: أخرج البخاري في صحيحه (ح ٧١١٢): عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل عُلّيَّه له من قصب، فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد - ﷺ - حتى بلغ بكم ما ترون =","vol":"4","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذه الدنيا أفسدت بينكم إن ذاك بالشام والله إن يقاتل إلَّا على دنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلَّا على دنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلَّا على الدنيا\".\n٣ - عبد الله بن عباس وموقفه من ابن الزبير ﵃:\nكان ابن عباس ﵄ يرى أحقية عبد الله بن الزبير بالخلافة للمواهب والصفات التي رزقها وتحلى بها إلَّا أن الجفاء الذي أبداه ابن الزبير تجاه ابن عباس أثر في موقف ابن عباس فصار على الحياد وانضم إلى محمد بن الحنفية لا يبايع للذي بالشام ولا للذي بالحجاز.\nأخرج البخاري في صحيحه / كتاب التفسير: حدثني عبد الله بن محمد، قال: حدثني يحيى بن معين، حدثنا حجاج، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيء فغدوت على ابن عباس فقلتُ: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل حرم الله؟ فقال: \"معاذ الله إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية محلين وإني والله لا أحله أبدًا قال: قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه أمَّا أبوه فحواري النبي - ﷺ - يريد الزبير- وأما جده فصاحب الغار -يريد أبا بكر- وأما أمه فذات النطاق -يريد أسماء- وأما خالته فأم المؤمنين -يريد عائشة- وأما عمته فزوج النبي - ﷺ - يريد خديجة- وأما عمة النبي - ﷺ - فجدته -يريد صفية- ثم عفيف في الإسلام قارئ للقرآن والله إن وصلوني وصلوني من قريب وإن ربوني ربوني أكفاء كرام فآثر عليَّ التويتات والأسامات والحميدات -يريد أبطنًا من بني أسد: بني تويت وبني أسامة وبني أسد- أن ابن أبي العاص برز يمشي القدمية، يعني عبد الملك بن مروان وإنه لوى ذنبه، يعني ابن الزبير\". [صحيح البخاري (ح ٤٦٦٥)].\nوأخرج البخاري: حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة: دخلت على ابن عباس فقال: \"ألا تعجبون لابن الزبير قام في أمره هذا؟ \" فقلت: لأحاسبن نفسي له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر ولهما كانا أولى بكل خير منه، وقلت: ابن عمة النبي - ﷺ - وابن الزبير، وابن أبي بكر، وابن أخي خديجة، وابن أخت عائشة، فإذا هو يتعلى عني ولا يريد ذلك، فقلت: ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي فيدعه، وما أراه يريد خيرًا، وإن كان لا بد لأن يربني بنو عمي أحب إليَّ من أن يربني غيرهم\" [ح ٤٦٦٦].\nوسنذكر طرفًا من شرح الحافظ ابن حجر لمفردات الروايتين:\nأما قول ابن عباس: [وأين بهذا الأمر] أي: الخلافة ليست ببعيدة عنه لماله من الشرف بأسلافه الذين ذكرهم ثم صفته التي أشار إليها بقوله: \"عفيف في الإسلام قارئ للقرآن\" وفي رواية ابن قتيبة من طريق محمد بن الحكم عن عوانة، ومن طريق يحيى بن سعد عن الأعمش قال: قال ابن عباس -لما قيل له: بايع لابن الزبير- \"أين المذهب عن ابن الزبير\". [فتح الباري (١/ ٢٥٥)].\n\"وإن ربوني\" من التربية. \"أكفاء\" أي: أمثال. \"كرام\" أي: في أحسابهم وظاهر هذا أن مراد =","vol":"4","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن عباس بالمذكورين بنو أسد رهط ابن الزبير.\nثم قال الحافظ ابن حجر: ثم رأيت بيان ذلك واضحًا فيما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه في الحديث المذكور فإنه قال بعد قوله: ثم عفيف في الإسلام قارئ للقرآن \"وتركت بني عمي إن وصلوني وصلوني عن قريب\" أي: أذعنت له وتركت بني عمي فآثر علي غيري، وبهذا يستقيم الكلام. [الفتح (١/ ٢٢٦)].\n\"التويتات\": نسبة إلى بني تويت بن أسد.\n\"الأسامات\": نسبة إلى بني أسامة بن أسد.\n\"الحميدات\": نسبة إلى بني حميد بن زهير بن الحارث بن أسد.\nوتجتمع هذه الأبطن مع خويلد بن أسد جد عبد الله بن الزبير.\nثم نقل الحافظ ابن حجر شرح الأزرقي: قال الأزرقي: كان ابن الزبير إذا دعا الناس في الإذن بدأ ببني أسد علي بني هاشم وبني عبد شمس وغيرهم، فهذا معنى قول ابن عباس: \"فآثر علي التويتات. إلخ\" قال: فلما ولي عبد الملك بن مروان قدم بني عبد شمس ثم بني هاشم وبني المطلب وبني نوفل ثم أعطى بني الحارث بن فهر قبل بني أسد وقال: لأقدمن عليهم أبعد بطن من قريش، فكان يصنع ذلك مبالغة منه في مخالفة ابن الزبير، وجمع ابن عباس البطون المذكورة جمع القلة تحقيرًا لهم. [فتح الباري (١/ ٢٢٦)].\nقوله في الرواية (٤٦٦٦): \"لأحاسبن نفسي\". أي: لأناقشنها في معونته ونصحه. الخطابي.\nوقال الداودي: معناه: لأذكرن من مناقب ابن الزبير ما لم أذكر من مناقبهما وإنما صنع ابن عباس ذلك لاشتراك الناس في معرفة مناقب أبي بكر وعمر بخلاف ابن الزبير فما كانت مناقبه في الشهرة كمناقب الشيخين فأظهر ذلك ابن عباس وبينه للناس إنصافًا منه لابن الزبير، فلما لم ينصفه ابن الزبير رجع عنه ابن عباس. [انظر الفتح (١/ ٢٢٦)].\nوقوله: \"فإذا هو يتعلى عني\". أي: يترفع عليَّ متنحيًا عني. \"ولا يريد بذلك\". أي: لا يريد أن أكون من خاصته.\nوقوله: \"ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي\". أي: أبدأ بالخضوع له ولا يرضى مني بذلك [الفتح (١/ ٢٢٦)].\nونتيجةً لتلك العلاقة التي وصفها ابن عباس أروع وصف (في رواية البخاري) تنحى ابن عباس وانضم إلى رجل آخر من آل البيت وهو محمد بن الحنفية.\nقال ابن حجر: وروى الفاكهي من طريق سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: \"كان ابن عباس وابن الحنفية بالمدينة، ثم سكنا مكة، وطلب منهما ابن الزبير البيعة فأبيا حتى يجتمع الناس على رجل، فضيق عليهما فبعثا رسولًا إلى العراق فخرج إليهما جيش في أربعة آلاف فوجدوهما محصورين، وقد أحضر الحطب فجعل على الباب يخوفهما بذلك، =","vol":"4","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرجوهما إلى الطائف\". وذكر ابن سعد أن هذه القصة وقعت بين ابن الزبير وابن عباس في سنة ست وستين. [فتح الباري (١/ ٢٢٤)].\nقلنا: وإسناد الفاكهي صحيح، ولنا هنا وقفة فهذه رواية صحيحة توضح أن ابن الزبير أمر بإحضار الحطب، أو أن أتباعه فعلوا ذلك ووضع الحطب أمام دارهما (على الباب) تخويفًا لهما لكي يبايعا ابن الزبير.\nأما بقية الروايات والتي لم تَصِح أسانيدها فقد بالغت كثيرًا، وذكرت أن بيتهما كان محاطًا بالحطب من كل جانب وما إلى ذلك من المبالغات والكذب والذي نفهمه من الروايات الصحيحة السابقة أن ابن عباس كان يرى ابن الزبير خليقًا بالخلافة إلَّا أنه لم يبايع فعليًا ثم تنحى رويدًا رويدًا، وابتعد عن مجلس ابن الزبير ينتظر اجتماع الناس على خليفة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>تاريخ عقيدة ودُرَّةٌ من درر التاريخ الإسلامي</span>\nإن التفسير المنصف لوقائع ذلك التاريخ الخاص بذلك الرعيل الأول يبين لنا أن ذلك التاريخ تاريخ عقيدة فابن عمر ﵄ لا يبايع ليزيد في حياة أبيه معاوية ﵁ كي لا تجتمع بيعتان في عنقه فيكون بذلك مخالفًا أوامر رسول الله - ﷺ - ومن خالف أمر رسول الله - ﷺ - عصى الله، ولكن الأمر بختلف في نظر ابن عمر نفسه حين يتغير الوقت ويموت معاوية فالناس يومها أضحوا بلا خليفة فيسارع ابن عمر لبيعة يزيد خشية أن يبيت وليس في عنقه بيعة كي لا يموت ميتةً جاهلية.\nوقد أخرج ابن سعد في طبقاته بسند موصول عن ابن عمر وهو يعظ أخاه (في الإسلام) الذي أراد أن يفر من المدينة أيام بيعة يزيد فيقول ابن عمر: \"يابن عمَّ لا تفعل فإني شهدت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية\" [الطبقات الكبرى (٥/ ١٤٤)].\nوهذا ابن عباس وابن الحنفية ينئيان بأنفسهما عن البيعة ليزيد أو ابن الزبير ويعرّضان أنفسهما للخطر من الجانبين ويتحملان كل ذلك حتى يجتمع أمر الناس على خليفة فينضمون إليهم ولا يكونوا سببًا لشق صف المسلمين وجماعتهم.\nوها هو عبد الله بن حنظلة ابن غسيل الملائكة يبايع الناس على الموت ويقاتل حتى الرمق الأخير رفعًا للظلم والحيف الواقع على الأمة لأنه مقتنع بفسق يزيد وفجوره فأين مقولات أعداء الإسلام والذين تربوا على موائد المستشرقين ممن يقحمون العوامل الاقتصادية والتناحر القبلي وما إلى ذلك في أتون هذه الأحداث.\nوالذي نريد أن نقوله: أن الأمة الإسلامية يومها خرجت بدافع التدين والتقوى كي لا تكون راضية بالظلم فتكون آثمة ومن اعتزل القتال فعل ذلك بدافع التدين كذلك كما شرحنا آنفًا وأما مروان ومن ناصره فقد أخمدوا من عارضهم استتبابًا للأمن (برأيهم وزعمهم) وفي أقل =","vol":"4","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أحوالهم وأضعف إيمانهم فإنهم ما كانوا ليجهزوا على جريح أو يتبعوا موليًا خارجًا من ساحة المعركة كما أمر مروان بعد مقتل الضحاك بن قيس ﵁، بأن لا يتبعوا موليًا.\nوسنذكر آراء الأئمة المتقدمين والمتأخرين في تحديد الأمصار التي بايعت لابن الزبير بالخلافة.\nقال الليث بن سعد: أظهر الضحاك بيعة ابن الزبير بدمشق ودعا له، فسار عامة بني أمية وحشمهم وأصحابهم حتى لحقوا بالأردن، وسار مروان وبنو بحدل إلى الضحاك. [تاريخ الإسلام (/ ١٣٣).\nوأخرج أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن شيخه أبي مسهر (عبد الأعلى بن مسهر) قال: بويع لمروان بن الحكم بايع له أهل الأردن وطائفة من دمشق وسائر الناس زبيريون. [فتح الباري (١/ ٥٧٨)].\nوانظر تاريخ الإسلام (٣/ ٢٣٣).\nوأخرج خليفة بن خياط قال: ثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وأبو اليقظان وغيرهما قالوا: قدم ابن الزياد الشام وقد بايعوا ابن الزبير ما خلا أهل الجابية ثم ساروا إلى مرج راهط. [تاريخ خليفة (٣١٧)].\nوأما خلاصة ما رواه الطبري فيذكره ابن حجر في أسطر يقول في آخرها:\nإن ابن زياد هرب إلى الشام فوصل الشام فوجد مروان قد همَّ أن يرحل إلى ابن الزبير ليبايعه ويستأمن لبني أمية فثنى رأيه عن ذلك وجمع من كان يهوى بني أمية وتوجهوا إلى دمشق وقد بايع الضحاك بن قيس بها لابن الزبير وكذا النعمان بن بشير بحمص وكذا ناتل بن قيس بفلسطين ولم يبق على رأي الأمويين إلَّا حسان بن بحدل وهو خال يزيد بن معاوية، وهو بالأردن فيمن أطاعه فكانت الوقعة بين مروان ومن معه وبين الضحاك بن قيس بمرج الرهط فقتل الضحاك وتفرق جمعه وبايعوا حينئذٍ مروان بالخلافة في ذي القعدة منها. [فتح الباري (١/ ٥٧٨)].\nوأما خليفة بن خياط -﵀- فيقول: وقد كان أهل الشام بايعوا ابن الزبير ما خلا أهل الجابية ومن كان من بني أمية ومواليهم وابن زياد. [تاريخ خليفة (٣٢٦)].\nوأخيرًا نذكر رأي اثنين من الأئمة المتأخرين (ابن كثير، وابن حجر): أما ابن حجر -﵀- فيقول: وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها إلَّا الأردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم حتى همَّ أن يرحل إلى ابن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة. [فتح الباري (/ ٥٧٥)].\nوقال ابن كثير -﵀-: واستفحل ابن الزبير ببلاد الحجاز وما والاها وبايعه الناس بعد يزيد بيعة هناك [استناب على أهل المدينة أخاه عبيد الله بن الزبير وأمره بإجلاء بني أمية عن =","vol":"4","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المدينة فأجلاهم فرحلوا إلى الشام ... إلخ]. [البداية والنهاية (٦/ ٣٠)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>مقومات ابن الزبير ﵄ للخلافة</span>\n١ - المكانة الدينية والاجتماعية:\nوقد ذكر ابن عباس بعضها في الحديث الذي أخرجه البخاري برقم (٤٦٦٥). وهو صحابي جليل وهو أول مولود في الإسلام في المدينة، وأبوه حواري رسول الله - ﷺ -، وجدّه صاحب الغار، وأمه الصحابية الجليلة أسماء بنت أبي بكر ﵂، وخالته أم المؤمنين عائشة ﵂، وجدته عمة النبي - ﷺ - صفية ... إلخ.\nكل هذه الصفات وغيرها شاركت في إعطاء ابن الزبير تلك المكانة والمهابة بين الناس.\n٣ - الشجاعة:\nالتي اتصف بها ابن الزبير وهي ضرورية للقائد الناجح، فقد أخرج الزبير بن بكار: حدثني خالد بن وضاح: حدثني أبو الخصيب نافع مولى آل الزبير، عن هشام بن عروة قال:\nرأيت الحجر من المنجنيق يهوي حتى أقول: لقد كاد أن يأخذ لحية ابن الزبير وسمعته يقول: \"والله لا أبالي إذا وجدت ثلاثمئة يصبرون صبري لو أجْلَبَ عليّ أهل الأرض\". [تاريخ دمشق (٤/ ٤٦٨) تاريخ الإسلام (٣/ ٤٤٥)].\nوقال عثمان بن أبي طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في شجاعةٍ ولا عبادةٍ ولا بلاغةٍ. [تاريخ دمشق (١/ ٤١٧)].\n٣ - كان الناس يرون في ابن الزبير رمزًا من رموز التقوى والصلاح والعبادة والورع:\nقال حماد بن زيد، عن ثابت البناني: كنت أَمرُّ بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك. [البدإية والنهاية (٧/ ١٤٤)].\nوقال الحميدي عن سفيان بن عيينة: عن هشام بن عروة: عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة تصفقها الريح والمنجنيق يقع هاهنا وهاهنا.\nقال سفيان: كأنه لا يبالي ولا يعده شيئًا. [البداية والنهاية (٧/ ١٤٥)].\nوقال الليث: عن مجاهد: لم يكن أحدٌ يطيق ما يطيقه ابن الزبير في العبادة. [البداية والنهاية (٧/ ١٤٦)].\nوروى سفيان: عن ابن جريج: عن ابن أبي صليكة قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس قال: \"كان عفيفًا في الإسلام قارئًا للقرآن صوامًا قوامً\". [البداية والنهاية (٧/ ١٥٦)].\nقلنا: ونختتم هذه الفقرة بقول عبد الله بن عمر ﵄ وهو يصف ابن الزبير وقد مرَّ به مصلوبًا على عقبة المدينة، وقد سمع ما ردده بعض رجال الحجاج من أن ابن الزبير أشر هذه الأمة فقال ابن عمر: \"السلام عليك يا أبا حُبيب، السلام عليك يا أبا حُبيب، السلام عليك يا أبا حُبيب، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما =","vol":"4","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمتُ صوَّامًا قوّامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمةٌ أنت أشرها لأمة خير\". [صحيح مسلم / فضائل الصحابة (ح ٢٥٤٥)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>هل كان ابن الزبير بخيلًا</span>؟\nقلنا: لقد عهدنا الإمام الذهبي محدثًا ناقدًا يبين الروايات التاريخية المكذوبة ولكن أحيانًا يختفي هذا الحس النقدي عند الذهبي رويدًا رويدًا كلما تقدم في الحوليات، وكذلك فعل الحافظ ابن كثير؛ إلَّا أن الثاني انتقد الروايات التاريخية وناقش المتون واختار الروايات الصحيحة أكثر من الحافظ الذهبي ﵀.\n[هذا ما لاحظناه أثناء تحقيقنا لتاريخ الطبري].\nونحن نرى والله أعلم أن الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير مظلومٌ تاريخيًا فعلى سبيل المثال لا الحصر نرى إمامًا حافظًا كالذهبي يصف ابن الزبير ببخل ظاهر ثم يذكر روايتين للاستدلال على بخله فيقول:\n\"وكان في ابن الزبير بخل ظاهر مع ما أوتي من الشجاعة\". [تاريخ الإسلام سنة ٦١ - ٨٠ هـ (٤٤٤)].\nوالرواية الأولى التي ذكرها الذهبي كالآتي:\nقال الثوري: عن عبد الملك بن أبي بشير: عن عبد الله بن مساور قال: سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير في البخل ويقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"المؤمن لا يشبع وجاره وابن عمه جائع\" [تاريخ الإسلام (٣/ ٤١٤)]. وانظر تاريخ دمشق (٨/ ٤٥٦) والبداية والنهاية.\nقلنا: وعبد الله بن مساور هذا الذي يروي عن ابن عباس مجهول كما قال ابن أبي حاتم والذهبي، فكيف نبني على رواية المجهول بخل ابن الزبير؟\nالرواية الثانية: من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي: عن ليث بن أبي سليم قال: كان ابن عباس يكثر أن يعنف ابن الزبير بالبخل. [تاريخ الإسلام (٣/ ٤٤٤)].\nقلنا: وليث بن أبي سليم هذا ضعفه جمهور أئمة الجرح والتعديل واختلط اختلاطًا شديدًا أدى إلى ترك الرواية عنه كما قال الحافظ ابن حجر: صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك.\nوقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم كل ذلك منه في اختلاطه تركه يحيى القطان، وابن مهدي، وابن حنبل، وابن معين.\nوالحق يقال: إننا (المحققان) كنا نتمنى أن نجد إمامًا ولو واحدًا من أئمة أهل السنة والجماعة ينفي عن ابن الزبير تهمة البخل وبعد بحث وعناء وجدنا بتوفيق الله كلامًا للقاضي عياض يساوي عندنا ذهب الدنيا كلها وزيادة. فلقد قال الإمام الفاضل القاضي عياض - في شرحه =","vol":"4","page":133},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لصحيح مسلم المسمى \"إكمال المعلم\" وهو يشرح قول عبد الله بن عمر وهو يصف عبد الله بن الزبير: \"وصولًا للرحم\" -: وهذا أصحُّ من قوْل من بخَّله [أي: وصفه بالبخل] ونسبه لذلك من أصحاب الأخبار لإمساكه مال الله عمن لا يستحق وقد عدَّه صاحب كتاب الأجواد فيهم وهو الذي يثبه أفعاله وشيمته. [إكمال المعلم (٧/ ٥٨٨ / ح ٢٥٤٥)].\nفجزى الله القاضي عياض عن المسلمين خير الجزاء ووفقنا لإظهار عصمة الأنبياء وعدالة الصحابة بعيدًا عن التزوير والتشويه والتحريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>مقتل الضحاك بن قيس وخسارة جيشه في مرج راهط</span>\nنقطة تحول لصالح مروان ومن بعده لعبد الملك.\nقال الإمام الذهبي -﵀- مُبْديًا رأيه في هذه المسألة: ثم قوي أمر مروان، وقُتل الضحاك، وبايعه أهل الشام، وسار في جيوشه إلى مصر فأخذها، واستعمل عليها ولده عبد العزيز، وعاجلته المنية، فقام بعده ابنه عبد الملك، فلم يزل حتى أخذ البلاد، ودانت له العباد. [تاريخ الإسلام (٣/ ٤٤٣)].\nقلنا: ولم تدم فترة حكم مروان أكثر من أشهر وخلفه من بعده ابنه عبد الملك وقد استقر له الشام ومصر كما قال الفاكهي: ثم مات مروان فدعا عبد الملك إلى نفسه وقام فأجابه أهل الشام. [أخبار مكة (٢/ ٣٧٥)].\nوقال المؤرخ خليفة بن خياط -﵀-: ولما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أهل الشام لمروان فبقي تسعة أشهر ومات وعهد إلى ابنه عبد الملك. [تاريخ خليفة (٢٥٩)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>أسباب انحسار إمارة ابن الزبير وانتصار عبد الملك وجيش الشام بقيادة الحجاج</span>\nلقد ذكرنا رواية عروة بن الزبير كما أخرجها الطبراني وفيها تفاصيل محاصرة الحجاج لابن الزبير، وعروة خير شاهد، ودليل على تلك التفاصيل وذكرنا ما يؤيد تلك الرواية في وقتها فلا داعي للإعادة.\nوسنتناول هنا الأسباب التي نراها عوامل لتقهقر خلافة عبد الله بن الزبير ﵁:\nأولًا: إن استجابة الصحابة الممثلين لأهل الحل والعقد كان أفضل لو جعلها ابن الزبير ﵁ شورى بينهم ولكنه لم يفعل ﵁ بل دعى إلى نفسه بعد موت معاوية بن يزيد فبايعه الناس.\nوسنذكر هنا رأي المؤرخ الكبير خليفة بن خياط -رحمه الله تعالى- قال ابن خياط: وإنما كان الزبير يدعو قبل ذلك إلى أن تكون شورى بين الأمة فلما كان بعد ثلاثة أشهر من وفاة يزيد بن =","vol":"4","page":134},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= معاوية دعا إلى بيعة نفسه فبويع له بالخلافة لتسع خلون من رجب سنة أربع وستين. [تاريخ خليفة (٣٢٤)].\nويؤيد رأي ابن خياط هذا ما رواه البلاذري في أنساب الأشراف قال حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة: حدثنا وهب بن جرير: عن نافع أن ابن الزبير لم يُدْعَ له بالخلافة حتى مات يزيد، وقال نافع: كنت تحت منبره يوم دعا إلى نفسه وكان قبل ذلك يدعو إلى الشورى. [أنساب الأشراف (٤/ ٣٥١ / ٩٠٨)].\nقلنا: وإسناد البلاذري هذا حسن صحيح والله أعلم.\nقلنا: ولذلك تنحى ابن الحنفية وغيره، وامتنعوا عن البيعة حتى يجتمع الناس على رجل من المسلمين.\nثانيًا: كان الضحاك بن قيس بمثابة رأس الحربة والخط الدفاعي الأول وهزيمة جيشه ومقتله ﵁ كان بمثابة بداية النهاية لحكم ابن الزبير ﵁ ولعلَّ شخصية الضحاك بن قيس كانت سببًا من أسباب تلك الخسارة، بالإضافة إلى خديعة ومكر ابن زياد فقد بينت الروايات التي ذكرناها أنه كان مترددًا في أمره فتارة يدعو إلى ابن الزبير سرًّا ثم يعلن ذلك ثم يدعو إلى نفسه ثم يرجع عن ذلك، وأخرى يريد أن يبايع لمروان، وهكذا.\nوكل ذلك تسبب في زعزعة موقعه القيادي في نظر الناس كما أشارت رواية المدائني، وبالرغم من شجاعته في الحرب وكثرة جنده مقارنة مع جند مروان وعبيد الله بن زياد إلَّا أنَّه تميز بالبساطة فلم يكن خِبًّا إلَّا أن الخِبَّ عبيد الله بن زياد خدعه حين أشار على مروان بمكيدة وحيلة لم يفطن إليها الضحاك فقتل وخسر المعركة بعد أن تظاهر مروان وجنده بالمهادنة والصلح حتى أمن الضحاك جانبهم فباغتوه وهو غير متأهب.\nثالثًا: لقد أمَّر عبد الله بن الزبير أخاه مصعبًا على العراق، وبالرغم من شجاعة مصعب ونباهته إلَّا أن العراق كان قبل مصعب وأثناء حكم مصعب وبعده مصدرًا للاضطرابات والفتن أضرَّت بكل من حكم العراق من الولاة.\nوكذلك خراسان وبالمقابل فإن الجناح الذي وقع تحت سيطرة مروان من العالم الإسلامي يومها (الشام، ومصر) امتاز بالهدوء والاستقرار وخاصة بعد مقتل الضحاك بن قيس وتولي عبد الملك بن مروان أمر الام ومصر مما زاد في تثبيت دعائم حكم مروان وبنيه.\nرابعًا: لقد كان بنو مروان في عمل دؤوب وشغل شاغل وتقدم مستمر بينما كان ابن الزبير بطيئًا في خطواته وقد ينتظر ولا يحسم كما قال ابن عباس ﵁ في رواية البخاري: \"وإن ابن أبي العاص يمشي القدمية\". أي: عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أي: أنه برز يطلب ما ينبغي من الأمور وتقدم بالهمة والفعل بينما قال في ابن الزبير: \"وإنه لوّى ذنبه\" أي: تأخر ابن الزبير بالفعل، أي: أنه وقف فلم يتقدم ولم يتأخر ولا وضع الأشياء مواضعها، ولم يتم له ما أراده. =","vol":"4","page":135},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الحافظ ابن حجر: وكان الأمر كما قال ابن عباس فإن عبد الملك لم يزل في تقدم من أمره إلى أن استنفذ ما كان ولم يزل ابن الزبير في تأخر إلى أن قتل رحمه الله تعالى. [فتح الباري (٩/ ٢٢٧)].\nقلنا: والشجاعة وحدها لا تكفي في هذه المواقف بل يضاف إليها السياسة والحنكة والإقدام.\nخامسًا: لقد كان طرد بني أمية وأميرهم من المدينة خطأ سياسيًا فادحًا إذ ساعد ذلك في تجمعهم مع بعض في الشام الذي عرف أهله بمساندة بني أمية، ومن ثَمَّ جيَّشوا الجيوش وانطلقوا من هناك لحرب ابن الزبير ﵁.\nسادسًا: لقد تغير الناس عما كانوا عليه أيام عمر بن الخطاب ﵁ وتوفي عدد كبير من الصحابة فكان لا بدَّ من ابن الزبير أن لا يحاسب الناس ويعاملهم كما يفعل مع نفسه من الشدة في العبادة والورع بل كان المتوقع أن يلين لهم ويعطيهم ويتحمل منهم الأذى ويتقبل المعارض بصدر رحب ويأتلف عوامهم وخواصهم، ولكنه لم يفعل بل آذى ابن الحنفية وابن عباس وحصرهما لأنهما لم يبايعيا له وذلك واضح في قول ابن عباس ﵁ وهو يقارن بين معاوية ﵁ وابن الزبير ﵁.\nقال ابن عباس ﵁: \"ما رأيتُ رجلًا كان أخلق للملك من معاوية كان الناس يردون بيته على أرجاء وادٍ، ليس بالضعيف الحصر العصص المتعصب يعني ابن الزبير\". أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح [المصنف (ح ٢٠٩٨٥)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>الردّ على شبهات أثارها الأستاذ أحمد شلبي (أستاذ التاريخ) حول شخصية عبد الله بن الزبير ﵁</span>\nيصوّر لنا الأستاذ الشلبي غريزة حب السلطة الواضحة في شخصية ابن الزبير ولكن دونها عوائق وحواجز فبنو هاشم وبنو أمية أعرق محتدًا وأوسع جاهًا، وأكثر أنصارًا، ومن هنا دبَّ فيه عامل الغيظ (والكلام لأحمد شلبي) وإذا اجتمع الغيظ والذكاء والحرمان كانت النتيجة نارًا ملتهبة يمتد لهيبها فيحرق الكثيرين وهذا هو المفتاح الذي يبرز لنا حقيقة هذا الرجل طموح للرياسة وإدراك أن دونها عقبات وعجز عن مقابلة هذه العقبات وجهًا لوجه وحيل مختلفة فيها حنق وغيظ لإزالة هذه العقبات من طريقه. [التاريخ الإسلامي (٢) الدولة الأموية (٢١٨)].\nقلنا: سبحان الله كيف سمح شلبي لنفسه أن يصف هذه الصحابي الجليل بهذه الأوصاف التي هي من نسج خياله، وخيال المتروكين الهالكين كأبي مخنف والواقدي.\nولقد أكدت جميع المصادر التي ذكرنا أن معظم الأمصار والأجناد قد استجابوا لابن الزبير حين بويع بالخلافة سوى الجابية أو الأردن على خلاف بين المؤرخين وذكرنا كل ذلك في =","vol":"4","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حينه وحتى اليعقوبي الذي يستشهد بآرائه لم يستطع أن يخفي تلك الحقيقة وذكر أن البلاد والعباد قد مالوا إلى ابن الزبير بعد إعلان بيعته وموت معاوية بن يزيد فأين قلة الأنصار يا أستاذنا الفاضل ثم هل شققت صدر ابن الزبير لترى فيه الغيظ والحقد والشعور بالحرمان - اللهم عفوك -.\nثم يستطرد في كيل التهم لابن الزبير ﵁ ويقول: أن ابن الزبير تظاهر بالموت وترك خالته وحدها هدفًا للسيوف والحراب يوم وقعة الجمل.\nقلنا: والذي ذكره ابن كثير في البداية والنهاية خلاف ما قاله الشلبي فلم يتظاهر ابن الزبير بالموت بل جرح يومئذٍ بضعًا وأربعين جراحة ولم يوجد إلَّا بين القتلى وبه رمق ولا ندري لو كانت بأحدنا جراحة واحدة فقط فماذا يفعل؟\nثم قال شلبي: لقد لجأ عبد الله بن الزبير إلى حيلة سبق أن شرحناها وهي أن دفع الحسين ليستجيب لنداء الكوفة وهو يعرف طببعة الغدر في رجالها وطبيعة الخيانة وسقط الحسين فقوي الأمل في نفس عبد الله.\nولقد بينا أثناء حديثنا عن موقف الصحابة من مسير الحسين ﵁ إلى العراق أن تلك المقولة غير صحيحة فهي من رواية التالف الهالك أبي مخنف ورواية أخرى في إسنادها مجاهيل.\nوذكرنا في حينها رواية الإمام النسوي ورجال إسنادها ثقات وفيها أن ابن الزبير نهى الحسين عن المسير إلى العراق فماذا يقول شلبي؟\nوفي الصفحة (٢١٩) يتحدث الشلبي عن الظروف التي جنى ثمارها ابن الزبير كوقعة كربلاء ثم وقعة الحرة، وحرق الكعبة بالمنجنيق كل ذلك زاد السخط العام على يزيد ومن بعده مروان.\nونحن لا ننكر هذه العوامل التي ذكرها الشلبي وهي كما قال ولكن لسنا موافقين له في قوله: \"فلما مات يزيد وانقسم الأمويون على أنفسهم حانت للرجل الرابض في مكة الفرصة التي ينتظرها فتلقاها وبنى مجده على أساسها ومن الواضح أنه لم يخرج مرة لقيادة جيش ولم يجازف مرة ليحمي ما حصل عليه من ملك كما سنرى فيما بعد موقفه مع الحصين بن نمير وإنما بقي في مكة.\nقلنا: إن كان يعني بقوله: (لم يخرج مرة لقيادة جيش) أنه لم يشارك في قيادة معركة بصورة عامة فهذا غلط تاريخي كبير وشجاعة ابن الزبير في قيادة طلائع الجيش الفاتح في بعض مناطق المغرب واضحة للعيان وقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية مسندًا، وبين أنه دخل قلب جيوش البربر وقضى على مَلِكِهم ومُلْكِهم\nوإن كان الأستاذ الشلبي يعني بذلك أنه لم يخرج من مكة أثناء الحصار ليقود الجيش فتلك خطته الحربية ولكل قائد خطة دفاعية كانت أو هجومية وليس ذلك بدليل على جُبْنِه حاشاه =","vol":"4","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهو الشجاع الذي يشهد له خصمه بشجاعته قبل صديقه.\nوبلغ السيل الزبى وطفح الكيل حين اتهم الأستاذ الشلبي ابن الزبير بأنه تطاول على رسول الله - ﷺ - وترك الصلاة على النبي في خطبته بحجة أن له أهل سوء يشرئبون لذكره. (ص ٢٢١).\nحاشا لابن الزبير أن يقول ذلك وحاشا لأهل بيت رسول الله - ﷺ - أن يكونوا كذلك ولكنه الأستاذ الشلبي الذي يريد أن يجعل من الروايات المكذوبة مصدرًا من مصادره للحكم على صحابي جليل وصفه صحابة رسول الله - ﷺ - كما في صحيح مسلم بأنه صوام قوام وصولٌ للرحم، ومعلوم أن الشلبي اعتمد في هذه الفرية على اليعقوبي المعروف ببدعته والذي لم يرو ذلك بسند يستحق الذكر كعادته فإنه يسرد الأحداث بلا إسناد وكذلك أشار الشلبي إلى العقد الفريد كمصدر آخر ومعلوم أن العقد الفريد كتاب أشعار وخطب ونوادر قبل أن يكون كتاب تاريخ، وابن عبد ربه يسوق هذا الخبر وغيره بلا إسناد مستقيم وقد عقب عليه الحافظ ابن كثير حين نسب خبرًا لا يصح إلى ولاة بني أمية.\nفقال الحافظ ابن كثير -﵀-: لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت وربما لا يفهم أحدٌ من كلامه ما فيه من التشيع وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ. [البداية (٨/ ٦)].\nويقول الأستاذ الشلبي: لم تكن لهذا الرجل فلسفة ولم تكن ثورته ثورة مباديء بل لم تكن ثورة عسكرية أيضًا وأنه لذلك مسؤول عن الدماء التي أراقها ليحقق لنفسه حلمًا وليبني لنفسه مجدًا. (ص ٢٢٢).\nونحن لا نريد أن نتأثر بردة الفعل فنقول بل كانت له فلسفة وكان ثوريًا ... إلخ، فهذه مصطلحات غريبة عن ذلك التاريخ.\nوالشلبي يعني بقوله: (لم تكن لابن الزبير فلسفة ولم تكن ثورته ثورة مبادئ). أي: أن ابن الزبير لم يفعل ما فعل بدافع التدين ورفع الظلم عن الأمة ما إلى ذلك من المبادئ التي تجعل حركته هادفة لتحقيق غايات نبيلة، وهنا نحب أن نذكر ببعض ما ذكرنا آنفًا وفي ذلك ردّ واضح على خيالات الشلبي:\n١ - لم يكن ابن الزبير مقتنعًا بكفاءة يزيد للخلافة لأنه متهم بشرب الخمر وتأخير الصلاة، ولأن أهل الحل والعقد لم يجتمعوا عليه.\n٢ - أراد ابن الزبير أن يرجع بالأمة إلى ما كانت عليه في السالف وأن يجعل الخلافة كما كانت عليه أيام رشدها على منهج النبوة وخير مثال على ذلك بناءه الكعبة على أصولها الإبراهيمية تنفيذًا لأمره ﵊، وسنتحدث عن حادثة بناء الكعبة وما فيها من دلالات بعد حين إن شاء الله.\n٣ - إذا كانت الأمة قد بايعت لابن الزبير بأغلبية أمصارها سوى مصر أو مصرين فلماذا يكون مسؤولًا عن تلك الدماء ولا يكون يزيد ومن بعده مروان ثم عبد الملك هم المسؤولون عن =","vol":"4","page":138},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إراقة هذه الدماء علمًا بأن إمامة هؤلاء لا تصح عند ابن حزم وغيره من المتقدمين والذهبي وغيره من المتأخرين.\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى: فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبًا استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدًّا وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الإسلامية وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها ولكن عارضُه مروان بن الحكم في ذلك وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير ثم جهز السرايا إلى العراق. [البداية والنهاية (٧/ ١٥٠)].\nوأما الإمام الذهبي فهو يرى أن مروان هو الخارج على الخليفة ابن الزبير ولا تصح إمامة عبد الملك بن مروان إلَّا من بعد مقتل ابن الزبير ﵁. قال الذهبي ﵀: عبد العزيز بن مروان أمير مصر وولي عهد المؤمنين بعد أخيه عبد الملك بعهد من مروان إن صححنا خلافة مروان فإنه خارج على ابن الزبير باغٍ فلا يصح عهده إلى ولديه إنما تصح أمامة عبد الملك من يوم مقتل ابن الزبير. [تاريخ الإسلام (٣/ ١٣٣)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>حادثة احتراق الكعبة وبناؤها من جديد على أصولها الإبراهيمية في إمارة عبد الله بن الزبير ﵁</span>\nأخرج مسلم في صحيحه كتاب الحج (ح ٤٠٢/ ١٣٣٣):\nعن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية، حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجزئهم -أو يحربهم- على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا علي في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي - ﷺ -، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثًا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي - ﷺ - قال: \"لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت لها بابًا فيدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه\".\nقال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يُدخل منه، =","vol":"4","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه.\nوأخرج مسلم أيضًا في صحيحه / كتاب الحج (ح ٤٠٤/ ١٣٣٣).\nعن أبي قزعة، أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير، حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر، فإن قومك قصروا في البناء\"، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا.\nقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على ما بينى ابن الزبير. اهـ.\nقلنا: ولهذه الرواية الصحيحة دلالات نودُّ أن نقف عندها قليلًا:\n١ - كان ابن الزبير ﵁ وقافًا عند كتاب الله متبعًا لسنة رسول الله - ﷺ - وهو بذلك صاحب مبادئ لا كما اتهمه الأستاذ الشلبي عفا الله عنه وكان واعيًا لمقاصد الشرع إذ قال ﵁:، فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس\". أي: أن الناس ليسوا بحديثي عهد بالجاهلية كما كانوا قبل ذلك بعقودٍ من الزمن.\n٢ - لم يكن عبد الملك صاحب تلك الصورة السيئة التي رسمتها روايات الضعفاء والمجاهيل من أنه ترك المصحف منذ أن تولى الحكم والدليل على ذلك قوله في رواية مسلم: \"لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بينى ابن الزبير\".\nونحن نرى -والله أعلم- من خلال دراستنا للروايات التاريخية الصحيحة أن عبد الملك لم يكن تواقًا إلى القتال ولم يكن يحب سفك الدماء، إنما اضطر لذلك (حسب اعتقاده) لاستتباب الأمن والحفاظ على وحدة الأمهْ ولقد كان أبوه من قبل (مروان) قد أمر جنوده بعدم ملاحقة الهاربين من جيش الضحاك بعد خسارتهم في المعركة.\nوقد روى جرير بن حازم، عن نافع قال:، لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان\". [ابن سعد (٥/ ٢٣٤)، تاريخ بغداد (١٠/ ٣٨٩)، الذهبي (٣/ ١٣٩ و١٤٠)].\nولقد ذكرت كتب التاريخ أن عبد الملك حين أفضى إليه الأمر والمصحف في حجره يقرأه أطبقه وقال: هذا آخر عهدي بك، أو هذا فراق بيني وبينك. اهـ.\nولما تتبعنا أصل الرواية وجدنا عند الخطيب البغدادي في تأريخه الرواية الأولى (١٠/ ٣٨٩) عن ابن عائشة قال: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف ... إلخ.\nقلنا: وابن عائشة الذي توفي (سنة ٢٢٨ هـ) بينه وبين اليوم الذي تولى فيه عبد الملك (سنة =","vol":"4","page":140},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٦٥ هـ) مفاوز فكيف علم بقوله: عبد الملك هذه علمًا بأن إسناد الخطيب إلى ابن عائشة لا يخلو من مجهول؟\nوالرواية الثانية عند الخطيب (١٠/ ٣٩٠) من طريق ثعلب عن ابن الأعرابي.\nقال: لما سلم على عبد الملك بن مروان بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك. اهـ.\nقليا: وابن الأعرابي لم يدرك الحادثة والراوي عنه ثعلب (مجهول) ولم نجد للخالع ترجمة فأنّى يستقيم هذا الإسناد وكيف نقول بأن هذا الانقلاب حصل في سلوك وشخصية عبد الملك اعتمادًا على هذين الإسنادين المهلهلين؟\nولسنا بصدد الدفاع عن أخطاء عبد الملك بن مروان فالرجل خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا ولكننا في الوقت نفسه ننفي عن التاريخ الروايات المختلفة التي بالغت في ذم بني أمية حتى إنك لا ترى فيهم إمامًا صالحًا يستحق الذكر سوى معاوية ﵁ وعمر بن عبد العزيز وليس الأمر كذلك.\nوختامه مسك: أسماء بنت أبي بكر والمثل الأعلى للأم المؤمنة.\nقلنا: يوم أن كان العالم مبهورًا ببريق الشيوعية وبهرجها الزائف أوائل هذا القرن كان الأدب الروسي يصور لنا صورة لأم تتأثر بابنها الشيوعي الكادح يومًا فيومًا ثم تبدأ الأم بتوزيع منشورات الثورة وقام الأدباء الروس والعرب على حدٍّ سواء يروجون لرواية الأم ومؤلفه الشيوعي مكسيم كوركي.\nولم يكلف الأدباء العرب أنفسهم عناء البحث في تاريخ الإسلام العظيم ليستخرجوا تلك الدرة الثمينة من أعماق بحر التاريخ الإسلامي إنها أم وليست كسائر الأمهات إنها المؤمنة الموحدة الصابرة المكافحة المجاهدة أسماء بنت أبي بكر تعلم أن ابنها محاصر من قبل أعداءه ومحاط بالسيوف والرماح ينتظره جلاد كالطاغية الحجاج فما يكون منها إلَّا أن تحثه على الصبر والجهاد لرفع الظلم وبيع الدنيا مقابل الشهادة أيُّ أمٍّ هذه التي تحث ابنها على الثبات ثم تراه مصلوبًا فلا تولول ولا تشق جيبًا ولا تلطم خدًا؟ ثم تغسل الشلو الممزق بيديها الكريمتين الحانيتين حقًّا إن هذا لتاريخ عقيدة فأين أدعياء العلم والتاريخ الذين تربوا على موائد المستشرقين وكيف يفسرون تصرف هذه الأم وابنها البطل ألاما أعظم مفردات التاريخ الإسلامي، وما أعظم فرية المفترين واختلاق الرواة المجهولين والمتروكين واصطياد الباحثين المرضى في خضم الروايات المكذوبة والموضوعة، والحمد لله على نعمة الإسناد.\nوهذه هي الرواية الصحيحة في ذلك:\nأخرج مسلم في صحيحه: عن أبي نوفل، رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مرَّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد =","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>فصل نذكر فيه الكتَّاب من بدء أمر الإسلام</span>\nروى هشام وغيره أنّ أوّل من كتب من العرب حرب بن أميَّة بن عبد شمس بالعربيَّة، وأنَّ أوّل من كتب بالفارسيَّة بيوراسب، وكان في زمان إدريس، وكان أول من صنّف طبقاتِ الكتَاب وبيّن منازلهم لهراسب ابن كاوغان بن كيمُوس.\nوحُكِي أن أبرويز قال لكاتِبه: إنما الكلام أربعةُ أقسام:\nسؤالُك الشيءَ، وسؤالُك عن الشيء، وأمرُك بالشيء، وخبرك عن الشيء؛ فهذه دعائمُ المقالات إن التُمس لها خامس لم يوجَد، وإن نقص منها رابعٌ لم تَتِمّ، فإذا طلبتَ فأسجح، وإذا سألتَ فأوضح، وإذا أمرْت فاحْتم، وإذا أخبرت فحقّق.\nوقال أبو موسى الأشعريّ: أوّل من قال: أما بعدُ داود، وهي فصلُ الخِطاب الذي ذكره الله عنه.\nوقال الهيَثْم بن عَديّ: أوّل مَن قال: أما بعدُ قسّ بن ساعدةَ الإياديّ.\n_________\n= كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، إن كنتَ، ما علمتُ، صوامًا، قوامًا، وصولًا للرحم، أما والله، لأمة أنت أشرها لأمة خير.\nثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليَّ من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سبتي، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف، حتى دخل عليها. فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يابن ذات النطاقين. أنا والله، ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله - ﷺ -، وطعام أبي بكر من الدواب.\nوأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله - ﷺ - حدثنا: \"إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا\"، فأما الكذاب فرأيناه، وأمَّا المبير فلا إخالك إلَّا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجعها.\n[صحيح مسلم / فضائل الصحابة / ح ٢٢٩/ ٢٥٤٥].","vol":"4","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>أسماء من كتب للنبيّ - ﷺ </span>-\nعلي بن أبي طالب - ﵇ - وعثمان بن عفان ﵁، كانا يكتبان الوحْيَ؛ فإن غابا كتبه أبيُّ بن كعب وزيدُ بن ثابت.\nوكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبي سُفْيان يكتُبان بين يديه في حوائجه.\nوكان عبد الله بن الأرقم بن عبد يَغُوثَ والعلاءُ بن عُقبة يَكتُبان بين القوم في حوائجهم، وكان عبد الله بن الأرقم ربما كتب إلى الملوك عن النبيّ - ﷺ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>أسماء من كان يكتب للخلفاء والولاة</span>\nوكتَب لأبي بكر عثمانُ، وزيدُ بن ثابت، وعبدُ الله بن الأرقم وعبدُ الله بن خلَف الخُزاعيّ، وحَنْظلةَ بن الربيع.\nوكَتَب لعمرَ بن الخطاب زيدُ بن ثابت، وعبدُ الله بن الأرقم، وعبدُ الله بن خَلَف الخُزاعيّ أبو طلحة الطلَحات على ديوان البَصْرة، وكتب له على ديوان الكوفة أبو جَبِيرةَ بن الضحّاك الأنصاريّ.\nوقال عمرُ بن الخطّاب لكتّابه وعُمّاله: إنّ القوّة على العمل ألّا تؤخِّروا عملَ اليوم لغَد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءَبتْ عليكم الأعمال، فلا تَدْرون بأيها تبدؤون، وأيِّها تأخذون، وهو أوّلُ مَنْ دوَّن الدَّواوين في العَرَب في الإسلام.\nوكان يكتُب لعثمانَ مروانُ بن الحَكَم، وكان عبدُ الملك يكتُب له على ديوان المدينة، وأبو جَبِيرة الأنصاريّ على ديوان الكوفة، وكان أبو غطفان بن عوف بن سعد بن دينار من بني دُهمان من قيس عَيلان يَكتُب له، وكان يكتُب له أهيبُ مولاه، وحمران مولاه.\nوكان يكتُب لعليّ - ﵇ - سعيدُ بن نِمْران الهمدانيّ، ثمّ وليَ قضاءَ الكوفة لابن الزُّبَيْر، وكان يكتب له عبد الله بن مسعود، ورُوي أنّ عبد الله بن جُبير كتب له. وكان عُبيدُ الله بن أبي رافع يكتُب له، واختلف في اسم","vol":"4","page":143},{"text":"أبي رافع، فقيل: اسمُه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: عبدُ الرحمن.\nوكان يَكتُب لمعاوية على الرّسائل عبيد بن أوْس الغَسّانيّ، وكان يَكتب له على ديوان الخَراج سَرجُون بن منصور الرّوميّ، وكتب له عبدُ الرحمن بن درّاج، وهو مَولَى معاوية، وكَتَب على بعض دواويِنه عُبيدُ الله بن نصر بن الحجاج بن عَلاء السُّلَميّ.\nوكان يَكتُب لمعاويَة بن يزيدَ الرّيانُ بن مسلم، ويَكتُب له على الديوان سرجُون، ويُروَى أنه كتب له أبو الزعَيزِعة.\nوكَتَب لعبد الملك بن مروان قبيصةُ بن ذؤيب بن حَلجلة الخُزاعيّ، ويُكْنى أبا إسحاق، وكتَب على ديوان الرسائل أبو الزعَيزعة مولاه.\nوكان يَكتُب للوليد القَعقاعُ بن خالد -أو خُليد العبْسيّ وكتب له على ديوان الخراج سليمانُ بن سعد الخُشَنيّ، وعلى ديوان الخاتِم شُعيبُ العُمَانيّ مولاه، وعلى ديوان الرّسائل جناح مولاه. وعلى المستَغلّات نُفيع بن ذُؤَيب مولاه.\nوكان يكتُب لسليمان سليمانُ بن نعيم الحِمْيريّ.\nوكان يَكتُب لمسلَمة سميع مولاه، وعلى ديوان الرسائل اللّيث بن أبي رُقَيّة مولَى أمّ الحَكَم بنت أبي سُفْيان، وعلى ديوان الخراج سليمانُ بن سعد الخُشَنيّ، وعلى ديوان الخاتَم نُعَيمُ بن سلامة مَولىً لأهل اليمن من فِلَسْطين، وقيل: بل رجاء بن حَيوَة كان يتقلّد الخاتَم.\nوكان يَكتب ليزيدَ بن المهلب المغيرةُ بن أبي فَرْوة.\nوكان يكتب لعمرَ بن عبد العزيز اللّيثُ بن أبي رقيّة مولى أمّ الحَكَم بنت أبي سُفْيان، ورَجاء بن حَيوة، وكتب له إسماعيلُ بن أبي حكيم مولى الزُّبَيْر، وعلى ديوان الخراج سليمانُ بن سعد الخُشَنيّ. وقلّد مكانَه صالح بن جُبير الغَساني - وقيل: الغُدَانيّ - وعَديّ بن الصبّاح بن المثنى، ذكَر الهيثمُ بن عَديّ أنه كان من جِلّة كُتّابه.\nوكَتَب ليزيدَ بن عبد الملك قبل الخلافة رجل يقال له يزيد بن عبد الله، ثمّ استكتب أسامةَ بن زيد السَّلَيحيّ.","vol":"4","page":144},{"text":"وكَتَب لهشام سعيدُ بن الوليد بن عمرو بن جَبَلة الكلبيّ الأبْرَش، ويُكنّى أبا مخاشع، وكان نصر بن سَيّار يتقلّد ديوان خراج خُرَاسان لهشام. وكان من كتّابه بالرُّصافة شعيبُ بن دينار.\nوكان يكتب للوليد بن يزيدَ بكير بن الشمّاخ، وعلى ديوان الرسائل سالمُ مولَى سعيد بن عبد الملك، ومِن كتّابه عبدُ الله بن أبي عمرو، ويقال: عبد الأعلى بن أبي عمرو، وكتب له على الحضرة عَمْرو بن عُتْبة.\nوكَتَب ليزيد بن الوليد الناقص عبدُ الله بن نُعَيم، وكان عَمرو بن الحارث مولى بني جُمَح يتولّى له ديوانَ الخاتَم، وكان يتقلد له ديوانَ. الرسائل ثابتُ بن سليمانُ بن سعد الخُشَنيّ - ويقال الرّبيع بن عرعرة الخُشَنيّ - وكان يتقلد له الخراجَ والدّيوانَ الذي للخاتَم الصغير النّضرُ بن عَمْرو من أهل اليَمَن.\nوكَتَب لإبراهِيمَ بن الوليد بن أبي جمعة، وكان يتقلّد له الديوانَ بفِلسطين، وبايع الناس إبراهيم -أعني ابنَ الوليد- سوى أهل حِمْصَ، فإنهم بايعوا مروان بنَ محمد الجَعْديّ.\nوكَتَب لمروانَ عبدُ الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وَهْب العامريّ، ومُصعَب بن الربيع الخَثْعميّ، وزيادُ بن أبي الوَرْد. وعلى ديوان الرسائل عثمانُ بن قيس مولى خالد القَسْريّ، وكان من كتّابه مخلَد بن محمد بن الحارث - ويُكنْى أبا هاشم - ومن كتّابه مُصعب بن الرّبيع الخَثْعميّ، ويُكْنَى أبا موسى، وكان عبدُ الحميد بن يحيى من البلاغة في مكان مَكين، ومما اختير له من الشعر:\nتَرحّلَ ما ليس بالقَافِل ... وأعقَبَ ما ليسَ بالزَّائلِ\nفلَهْفي على الخَلَفِ النازلِ ... ولَهفي على السلفِ الراحلِ\nأُبكِّي على ذا وأَبكي لذا ... بكاءَ مُولَّهةٍ ثاكِلِ\nتُبَكِّي منِ ابن لها قاطعٍ ... وتبكي على ابنٍ لها واصلِ\nفليستْ تفتَّر عن عَبْرةٍ ... لها في الضّمير ومن هامِل\nتقضَّت غَوايَاتُ سُكْرِ الصّبَا ... وردَّ التُّقَى عَنَنَ الباطِلِ\nوكَتَب لأبي العباس خالدُ بن بَرْمَك، ودفع أبو العباس ابنتَه رَيْطة إلى خالد بن","vol":"4","page":145},{"text":"بَرْمك حتى أرضعتْها زوجتُه أم خالد بنت يزيد بلِبان بنت لخالد تُدعَى أمَّ يحيى، وأرضعت أم سلمة زوجة أبي العبَّاس أمّ يحيى بنت خالد بلبان ابنتها رَيطة، وقلَّد ديوان الرسائل صالح بن الهَيثم مولى رَيطة بنت أبي العبَّاس.\nوكَتَب لأبي جعفر المنصور عبدُ الملك بن حُميد مولى حاتم بن النعمان الباهليّ من أهل خُراسان، وكتب له هاشم بن سعيد الجُعْفيّ وعبدُ الأعلى بن أبي طَلْحة من بني تميم بواسِطَ، ورُوي أن سليمانَ بنَ مخلد كان يَكتُب لأبي جعفر، وممَّا كان يَتمثّل به أبو جعفر المنصور:\nوما إنْ شَفى نفسًا كأَمرِ صريمةٍ ... إذا حاجة في النفس طال اعتراضُها\nوكَتَبَ له الرّبيع، وكان عُمارةُ بن حَمزةَ من نُبلاء الرّجال، وله:\nلا تَشْكوَنْ دهْرًا صَححْتَ بِهِ ... إنَّ الغِنَى في صِحّة الجسمِ\nهَبْك الإِمامُ أَكنتَ منتفِعًا ... بغضارةِ الدّنيا مع السُّقْم!\nوكان يتمثَّل بقول عبد بني الحَسْحَاس:\nأَمِنْ أُمَيّةَ دمعُ العين مَذْروفُ ... لو أن ذا منكَ قبل اليومِ معروفُ\nلا تُبكِ عينَك إنَّ الدْهَر ذو غِيَرٍ ... فيه تفرَّقَ ذو إِلْفٍ ومألوفُ\nوكَتَب للمهديّ أبو عُبيد الله وأبانُ بن صدقة على ديوان رسائله، ومحمَّد بن حُمَيد الكاتب على ديوان جُنْده ويعقوب بن داود، وكان اتَّخذه على وَزارته وأمْره، وله:\nعَجبًا لتصريفِ الأُمو ... رِ محبَّةَ وكراهيَهْ\nوالدَّهرُ يَلعَب بالرِّجا ... ل له دوائرُ جاريهْ\nولابنه عبد الله بن يعقوب - وكان له محمَّد ويعقوبُ، كلاهما شاعرٌ مجيدٌ:\nوزع المَشيبُ شراستي وغَرامى ... ومَرَى الجفونَ بمُسْبَلٍ سَجّامِ\nولقد حَرَصتُ بأن أُوارِي شخصه ... عن مقلتيَّ فرُمْتُ غَيرَ مرام\nوصبغتُ ما صَبَغَ الزمانُ فلم يدمْ ... صِبغي ودامت صبغةُ الأَيام\nلا تَبعدنَّ شبيبةٌ ذيّالةٌ ... فارقتُها في سالفِ الأَعوام\nما كان ما استصحَبْت من أَيَّامها ... إلَّا كبعضِ طوارقِ الأَحلامِ\nولأبيه:","vol":"4","page":146},{"text":"طَلِّق الدنيا ثلاثًا ... واتَّخِذ زوْجًا سِواها\nإنَّها زَوْجةُ سَوءٍ ... لا تُبالي مَنْ آتَاها\nواستوزر بعدَه الفَيْض بن أبي صالح، وكان جوادًا.\nوكتب للهادي موسى عُبيدُ الله بن زياد بن أبي ليلى ومحمَّد بن حُمَيد.\nوسأل المهديّ يومًا أبا عُبيد الله عن أشعار العرب، فصنَّفها له، فقال: أحكمُها قول طَرفة بن العَبْد:\nأرى قبر نحامٍ بخيلٍ بماله ... كقَبْرِ غَويٍّ في البَطالة مُفْسدِ\nترى جُثوتَيْنِ من تُرابٍ عليهما ... صفائحُ صُمٌّ من صفيحِ مصمَّدِ\nأرَى الموتَ يعْتام الكرامَ ويَصطفِي ... عقيلةَ مالِ الفاحِش المتشدِّدِ\nأَرَى العَيشَ كنزًا ناقصًا كلّ ليلة ... وما تَنقُص الأيام والدهر يَنفَدِ\nلعمرُك إِنَّ الموتَ ما أخطأَ الفتى ... لكالطوَلِ المُرْخَى وثِنْياه باليَدِ\nوقوله:\nوقد أرانا كِلانا هَمَّ صاحبِه ... لو أن شيئًا إذا ما فاتَنا رَجعَا\nوكان شيءٌ إلى شيءٍ ففرَّقَه ... دَهرٌ يكرُّ على تفريقِ ما جمَعا\nوقول لبيد:\nألا تَسأَلانِ المرءَ ماذا يُحاولُ ... أنَحْبٌ فيُقضَى أم ضلالٌ وباطلُ\nألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ\nأَرَى الناسَ لا يدرون ما قدرُ أَمرِهمْ ... بلى كلُّ ذي رأيٍ إلى الله واسِلُ\nوكقول النابغة الجَعْديّ:\nوقد طال عهدي بالشّباب وأَهلِه ... ولاقيتُ رَوْعاتٍ تُشيبُ النَّواصيَا\nفلم أَجِدِ الإِخوانَ إلَّا صحابةً ... ولم أَجِدِ الأَهلين إلَّا مثاويا\nألم تعْلمي أن قد رُزِئتُ مُحارِبًا ... فما لكِ منه اليوم شيءٌ ولا لِيا\nوكقول هُدْبَة بن خَشْرَم:\nولستُ بِمفراحٍ إذا الدهرُ سرَّني ... ولا جازع من صَرفه المتقلِّبِ\nولا أَبتغي الشرَّ والشرُّ تاركي ... ولكن مَتَى أُحَملْ على الشَّرِّ أَركبِ\nوما يَعرف الأَقوامُ للدَّهر حَقَّهُ ... وما الدّهُر مِما يكرهون بمُعتِبِ","vol":"4","page":147},{"text":"وللدهر في أهل الفتى وتِلادِهِ ... نصيب كَحزِّ الجازِرِ المتشعِّب\nوكقول زيادة بن زيد؛ وتمَثل به عبدُ الملك بن مروان:\nتذكَّر عن شَحْطٍ أُميمةَ فارْعَوي ... لها بعد إكثارٍ وطُول نحيب\nوإنَّ امرأَ قد جرّب الدهر لم يخَفْ ... تقلُّبَ عَصْرَيه لغيرُ لبيبِ\nهل الدهرُ والأَيام إلَّا كما تَرَى ... رزيئةُ مالٍ أو فراقُ حبيبِ\nوكلّ الذي يأتي فأنتَ نَسيبُهُ ... ولستَ لشيءٍ ذاهبٍ بنَسيبِ\nوليس بعيدٌ ما يجيء كمقبِلٍ ... ولا ما مَضَى من مُفْرِح بقَريبِ\nوكقول ابن مُقبِل:\nلمَّا رأت بَدل الشَّبابِ بكتْ له ... والشَّيب أَرْذلُ هذه الأبدالِ\nوالناس همهُمُ الحياةُ ولا أرَى ... طول الحياة يَزيدُ غير خَبالِ\nوإذا افتقرتَ إلى الذَّخائر لم تَجِدْ ... ذخرًا يكون كصالح الأَعمال\nووزر له يحيى بن خالد، ووَزَر للرشيد ابنه جعفر بن يحيى بن خالد، فمن مَلِيح كلامه: الخطّ سِمَة الحِكمة، به تفصَّل شُذورُها، ويُنظمَ منثورُها، قال ثمامة: قلتُ لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون الاسم محيطًا بمعناك، مُخبِرًا عن مَغْزاك، مُخرجًا من الشركة، غير مستعانٍ عليه بالفِكرة. قال الأصمعيّ: سمعتُ يحيى بنَ خالد يقول: الدنيا دُوَل، والمال عاريّة، ولنا بمن قَبلَنا أسْوة، وفينا لمن بعدنا عِبْرة.\nونأتي بتسمية باقي كُتَّاب خلفاء بني العباس إذا انتهينا إلى الدّولة العبّاسيّة إن شاء الله تعالى. [٦: ١٧٨ - ١٨٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين</span>\nوفي هذه السنة عَزَل عبدُ الملك خالدَ بن عبد الله عن البَصرة وَوَلَّاها أخاه بِشْر بن مروان، فصارت ولايتُها وولايةُ الكوفة إليه، فشخص بِشر لمَّا وُلِّيَ مع الكوفة البصرة إِلى البصرة واستَخلف على الكوفة عمرو بنَ حريث. وفيها غزا محمَّد بن مروان الصائفة فهزم الرّوم (١). (٦/ ١٩٤).\n_________\n(١) انظر تاريخ خليفة (٢٦٧).","vol":"4","page":148},{"text":"وقيل: إنّه كان في هذه السنة وقعةُ عثمانَ بن الوليد بالرّوم في ناحية أرْمينيةَ وهو في أربعمئة آلاف والروم في ستين ألفًا، فهزَمَهم وأكثرَ القَتلَ فيهم.\nوأقام الحجّ في هذه السَّنة للناس الحجَّاج بن يوسف وهو على مكَّة واليمن واليمامة، وعلى الكوفة والبصرة - في قول الواقديّ - بشر بن مروان، وفي قول غيره على الكوفة بشر بن مَرْوان، وعلى البصْرة خالد بن عبد الله بن خالدِ بن أسِيد. وعلى قضاء الكوفة شُرَيح بن الحارث. وعلى قَضاء البَصْرة هشامُ بن هُبيرة. وعلى خُراسانَ بُكَير بن وِشاح (١). [٦/ ١٩٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>ثمّ دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\n[قال أبو جعفر:] فمما كان فيها من ذلك عَزْلُ عبد الملك طارقَ بن عمرو عن المدينة، واستعمالُه عليها الحجَّاج بن يوسف، فقدِمها - فيما ذكر - فأقام بها شهرًا ثمّ خرج معتمرًا.\nوفيها كان - فيما ذُكِر - نَقْضُ الحجَّاج بن يوسفَ بنيان الكعبة الَّذي كان ابنُ الزبير بناه، وكان إذ بناه أدخل في الكعبة الحِجْر، وجعل لها بابَين، فأعادها الحجَّاجُ علي بنائها الأوّل في هذه السنة، ثمّ انصرف إلى المدينة في صفر، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبَّث بأهل المدينة ويتعنَّتهم، وبنى بها مسجدًا في بني سلمة، فهو يُنسَب إليه (٢). [٦: ١٩٥].\n* * *\n_________\n(١) ذكر خليفة ضمن أحداث سنة (٧٣ هـ) تحت عنوان القضاة - كعادته بعد وفاة كل خليفة - البصرة: هشام بن هبيرة واعتزل شريح فاستقضى مصعب على الكوفة سعيد بن نمران الهمداني (ص ٢٦٦).\nوقال خليفة: وفيها -أي: ٧٣ هـ - ولى عبد الملك أخاه بشر بن مروان الكوفة (ص ٢٦٥).\nوقال خليفة: وحج الحجاج بن يوسف بالناس سنة ٧٣ هـ. [تاريخ خليفة (٢٦٧)].\n(٢) قال الحافظ ابن كثير: الحجاج لم ينقض بناء الكعبة جميعًا بل هدم الحائط الشمالي حتى أخرج الحجر من البيت ثم سدّه وأدخل في جوف الكعبة. فأفضل من الأحجار وبقية الحيطان الثلاثة بحالها. [البداية والنهاية (٧/ ١٥٩)].","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>ذكر الخبر عن حرب المهلب للأَزارقة</span>\nوفي هذه السنة وُلِّيَ المهلَّبُ حَرْبَ الأزارِقة مِن قِبَل عبد الملك. [٦: ١٩٥].\nوحجَّ بالناس في هذه السنة الحجّاج بن يوسفَ، وكان وَلى قضاءَ المدينة عبدَ الله بنَ قيس بن مَخرَمة قبل شخُوصِه إلى المدينة كذلك، ذُكر ذلك عن محمَّد بن عمر (١). [٦: ٢٠١].\nوكان على المدينة ومكّةَ الحجّاجُ بن يوسف، وعلى الكوفة والبَصرة بشْرُ بن مَرْوان، وعلى خُراسانَ أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضاء الكُوفة شُريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشامُ بن هُبَيرة، وقد ذُكِر أنّ عبدَ الملك بن مروانَ اعتمر في هذه السنة، ولا نعلَم صحّةَ ذلك (٢) [٦: ٢٠١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>ثمّ دخلت سنة خمس وسبعين ذكرُ الخبر عمَّا كان فيها من الأحدات</span>\nفمن ذلك غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قِبَل مَرْعش (٣) [٦: ٢٠٢].\nوفي هذه السنة ولّى عبدُ الملك يحيى بن الحكم بن أبي العاص المدينة.\nوفي هذه السنة وَلّى عبدُ الملك الحَجّاجَ بنَ يوسفَ العراقَ دون خُراسان وسِجِسْتان.\n* * *\n_________\n(١) قال خليفة بن خياط: وأقام بالحج للناس (أي: الحجاج) ضمن أحداث سنة ٦٤ هـ. [تاريخ خليفة (٢٦٨)].\n(٢) قلنا: وهذه من النوادر في تاريخ الطبري، فالطبري لا يصحح خبرًا يورده ولا يضعفه على طول تاريخه إلَّا في مواضع قليلة جدًّا لا تعدو عدد الأصابع ومنها هذا الموضع.\nولقد قال خليفة: فيها جمع عبد الملك لأخيه بشر بن مروان العراق وقدم البصرة سنة أربع وسبعين في ذي الحجة. [تاريخ خليفة (٢٦٨)].\n(٣) وكذلك أرخ خليفة نقلًا عن بكار عن محمد بن عائذ. [تاريخ خليفة (٢٦٨)].","vol":"4","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>ولاية الحجاج على الكوفة وخطبته في أهلها</span>\nوفيها قدم الحجاج الكوفة (٧٥ هـ). [٦: ٢٠٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>ثم دخلت سنة ست وسبعين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>نقش الدنانير والدراهم يأمر عبد الملك بن مروان</span>\nوفي هذه السَّنة أمر عبدُ الملك بن مروان بنَقْش الدّنانير والدَّراهم.\nذكرَ الواقديّ: أنّ سعدَ بن راشد حدّثه عن صالح بن كَيسانَ بذلك.\nقال: وحدّثني ابن أبي الزّناد، عن أبيه، أن عبدَ الملك ضرب الدراهمَ والدَّنانير عامَئذ، وهو أوّل من أحدَثَ ضرْبَها.\nقال: وحدّثني خالدُ بن أبي ربيعة عن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيلُ الجاهلية الَّتي ضرَبَ عليها عبدُ الملك اثنين وعشرين قيراطًا إلّا حبَّةً، وكان العشرةُ وزنَ سَبْعة.\nقال: وحدّثني عبد الرحمن بن جرير اللَّيثيّ عن هلال بن أسامة قال: سألتُ سعيدَ بن المسيِّب في كَمْ تَجِب الزكاة من الدّنانير؟ قال: في كلّ عشرين مثقالًا بالشأميّ نصفُ مثقال، قلت: ما بالُ الشأمي من المصريّ؟\nقال: هو الَّذي تُضرب عليه الدّنانير، وكان ذلك وزنْ الدّنانير قبل أن تُضرَب الدّنانير، كانت اثنين وعشرين قيراطًا إلّا حبَّة، قال سعيد، قد عرفتهُ، قد أرسلتُ بدَنانيرَ إلى دِمَشق فضُرِبتْ على ذلك (١). [٦: ٢٥٦].\n_________\n(١) قلنا: نادرًا ما نذكر روايات الواقدي في قسم الصحيح فهو متروك عند أئمة الحديث، ومن تلك المواضع ما ذكره هنا عن ضرب الدراهم والدنانير في عهد عبد الملك، ولكلامه هذا (أي: الواقدي) ما يؤيده كما سنذكره.\nفقد قال المدائني: ضرب الحجاج الدراهم آخر سنة ٧٥ هـ، ثم أمر بضربها في جميع النواحي سنة ٧٦ هـ، [فتوح البلدان (٢٧٧)].\nوقال البلاذري: حدثني داود الناقد، قال: ثني أبو الزبير الناقد، قال: ضرب عبد الملك شيئًا من الدنانير في سنة (٧٤ هـ) ثم ضربه سنة (٧٦ هـ). [فتوح البلدان (٢٧٨)]. =","vol":"4","page":151},{"text":"وفي هذه السَّنة: وفد يحيى بن الحَكَم على عبد الملك بن مَرْوان ووَلِيَ أبانُ بن عثمانَ المدينَةَ في رجب.\nوفيها استُقضيَ أبانُ بن نوفل بن مُساحقِ بن عَمرو بن خِداش من بني عامر بن لؤيّ.\nوفيها وُلِد مروانُ بن محمَّد بن مَرْوان.\nوأقام الحجّ للناس في هذه السنة أبانُ بن عثمانَ وهو أميرٌ على المدينة، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت، عمّن ذَكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ.\nوكان على الكوفة والبصرة الحجَّاج بن يوسف، وعلى خُراسان أميَّة بن عبدُ الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيحْ، وعلى قضاء البَصْرة زُرَارة بن أوفى (١). (٦/ ٢٥٦).\n_________\n= وقال ابن الجوزي: أنبأنا محمد بن عبد الملك قال: أنبأنا محمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا أبو علي بن الصواف قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قال: ثنا وكيع قال: حدثني هارون بن محمد قال: ثنا زبير: عن عبد الرحمن بن المغيرة الجزامي: عن: ابن أبي الزناد: عن أبيه: أن عبد الملك أول من ضرب الدنانير والدراهم في سنة خمس وسبعين.\nوقال وكيع: وأخبرني محمد بن الهيثم قال: سمعت ابن بكير يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن. [المنتظم (٢٩٥/ ١٦٤٩)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>عبد الملك والحجاج وتوحيد لغة دواوين الخلافة</span>\nقال البلاذري: وحدثني عمر بن شبة: ثني عاصم أبو النبل قال: أنبأنا سهل بن أبي الصلت قال: أجَّل الحجاج صالح بن عبد الرحمن أجلًا حتى قلب الديوان. [فتوح البلدان (١٨٢)].\nقلنا: وسنتحدث عن هذا الإنجاز الحضاري في خلاصتنا عن عهد عبد الملك بعد انتهائنا من ذكر وفاته إن شاء الله.\n(١) انظر قوائم الولاة والحُجاج في نهاية عهد عبد الملك.","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>ثم دخلت سنة سبع وسبعين </span>(١)\nوقد قيل: في قتال الحجَّاج شبيبًا بالكُوفة ما ذكره عُمر بن شَبَّة.\nقال: حدّثني عبدُ الله بن المغيرة بن عطيَّة قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا مزاحم بن زُفر بن جسَّاس التَّيميّ، قال: لما فضّ شبيبٌ كتائبَ الحجَّاجِ أذن لنا فدخلنا عليه في مَجلِسه الَّذي يبيت فيه وهو على سرير عليه لِحاف، فقال: إني دعوتُكم لأمر فيه أمان ونظر، فأشيروا عليَّ، إنّ هذا الرجل قد تبَحْبَح بُحْبُوحَتَكم، ودخل حَريمَكم، وقتل مُقاتِلتكم، فأشيروا عليّ؛ فأطرَقوا، وفَصَل رجل من الصّفّ بكرسيَه فقال: إنْ أذن لي الأميرُ تكلَّمت، فقال: تكلم، فقال: إنّ الأمير والله ما راقبَ اللهَ، ولا حَفِظ أميرَ المؤمنين، ولا نَصَح للرعيَّة، ثمّ جلس بكرسيه في الصفّ.\nقال: وإذا هو قُتَيبة. قال: فَغضِب الحجَّاج وألقَى اللحاف. ودَلَّى قَدَميه من السرير كأني أنظر إليهما؛ فقال: من المتكلِّم؟ قال: فخرج قُتيبةُ بكُرسيِّه من الصّفّ فأعاد الكلام، قال: فما الرأي؟ قال: أن تَخرُج إليه فتحاكِمَه؛ قال: فارتد لي مُعسكرًا ثم اغدُ إليّ، فقال: فخرجْنا نَلعَن عَنْبسة بنَ سعيد، وكان كلَّم الحجَّاج في قُتيبة، فجعله من أصحابه، فلمَّا أصبَحْنا وقد أوصَينَا جميعًا. غَدونا في السلاح، فصلَّى الحجَّاج الصّبح ثم دخل، فجعل رسوله يخرج ساعةً بعد ساعة فيقول: أجاء بعدُ؟ أجاء بعدُ؟ ولا ندري مَن يريد! وقد أفعمت المقصورةُ بالناس، فخَرَج الرسولُ فقال: أجاء بعدُ؟ وإذا قُتيبةُ يمشي في المسجد عليه قباء هرويّ أصفر، وعمامة خزّ أحمر، متقلِّدًا سيفًا عريضًا قصيرَ الحمائل كأنَّه في إبطِه، قد أدخل بِرْكة قَبائه في مِنطَقتِه، والدّرع يصفق ساقَيه فَفُتح له الباب فدخل ولم يُحْجَب، فَلَبِث طويلًا ثمّ خرج، وأخرج معه لِواءً منشورًا، فصلَّى الحجَّاج ركعتين، ثم قام فتكلَّم، وأخرج اللواء من باب الفيل، وخرج الحجَّاج يتبعه، فإذا بالباب بغلة شَقراء غرّاءُ محجَّلة فركِبها وعارضه الوُصَفاء بالدّوابّ، فأبَى غيرَها، وركب النَّاسُ.\n_________\n(١) روايات الطبري التي صورت لنا جانبًا من المعارك التي دارت بين الحجاج وقواده من جهة والقائد الخارجي شبيبًا من جهة أخرى.","vol":"4","page":153},{"text":"وركب قُتيبة فرسًا أغرّ محجَّلًا كُميتًا كأنَّه في سَرْجه رُمّانة من عُظْم السَّرج، فأخذ في طريق دارِ السقاية حتَّى خرج إلى السَّبَخة وبها عسكر شبيب، وذلك يوم الأربعاء، فتواقَفوا، ثمّ غَدوْا يومَ الخميس للقتال، ثمّ غادوهم يوم الجمعة، فلمَّا كان وقت الصلاة انهزمت الخوارج (١). [٦: ٢٧٢ - ٢٧٣].\nقال أبو زيد: حدّثني خلّاد بن يزيد، قال: حدَّثنا الحجَّاج بن قتيبة، قال: جاء شبيبٌ وقد بعث إليه الحجَّاج أميرًا فقَتَله، ثم آخر فقَتله أحدهما أعْيَنُ صاحبُ حَمَّام أعْيَن، قال: فجاء حتى دخل الكوفة ومعه غزالة، وقد كانت نذرتْ أن تُصلِّيَ في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران، قال: ففعلتْ. قال: واتّخذ شبيب في عسكره أخْصاصًا، فقام الحجَّاج فقال: لا أراكم تَناصَحون في قتال هؤلاء القوم يا أهلَ العراق! وأنا كاتبٌ إلى أمير المؤمنين ليُمِدّني بأهل الشأم، قال: فقام قُتيبَة فقال: إنَّك لم تنصح لله ولا لأمير المؤمنين في قِتالهم (٢). [٦: ٢٧٣].\nقال عمرُ بن شَبّة: قال خَلّاد: فحدّثني محمَّد بن حفص بن مُوسى بن عُبيد الله بن مَعمر بن عثمان التميميُّ أنّ الحجَّاج خَنَق قُتيبة بعِمامته خَنْقًا شديدًا (٣). [٦: ٢٧٣].\nثم يكمل الطبري روايته الآنفة من طريق خلاد بن يزيد (٦/ ٢٧٣) فيقول:\nثمّ رجعَ الحديثُ إلى حديث الحجَّاج وقتيبة، قال: فقال: وكيف ذاك؟ قال: تَبعث الرجل الشريف وتبعث معه رَعاعًا من الناس فينهزمون عنه، ويَستَحيي\n_________\n(١) قلنا: راوي هذا الخبر مزاحم بن زفر بن الحارث (وليس الجساس).\nوهو الذي قاتل مع قتيبة فيما وراء النهر، وثقه ابن معين، وقال ابن حبان: كان من خير الرجال وكان غازيًا مع قتيبة بن مسلم [الثقات (٧/ ٥١١) والجرح والتعديل (٨/ ٤٠٥).\nوجساس تصحيف والصحيح مزاحم بن الحارث والله أعلم.\nورواية الطبري هذه تؤيدها الرواية التي تليها:\n(٢) قلنا: خلاد بن يزيد قال فيه أبو حاتم: شيخ، وقال ابن شبة: كان في الجبال الرواسي نبلًا.\n[تهذيب (٣/ ١٧٦)]، وقال الحافظ: صدوق جليل.\n(٣) قلنا: ورجال هذا الإسناد بين الثقة والصدوق، ومحمد بن حفص ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٧١).","vol":"4","page":154},{"text":"فيقاتل حتَّى يُقتَل؛ قال: فما الرأي؟ قال: أن تَخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيؤاسُونك بأنفسهم، قال: فلعنه مَنْ ثَمّ، وقال الحجَّاج: والله لأبرُزنّ له غدًا؛ فلمَّا كان الغدُ حضرَ الناس، فقال قتيبة: اذكرْ يمينَك أصلح الله الأمير! فلعنوه أيضًا. وقال الحجَّاجُ: اخرج فارتدْ لي مُعسكَرًا، فذهب وتهيَّأ هو وأصحابُه فخرجوا، فأتى على موضع فيه بعضُ القَذَرَ: موضع كُناسة، قال: ألقُوا لي هاهنا، فقيل: إنّ الموضع قَذِر، فقال: ما تَدعونني إليه أقذَر، الأرض تحتَه طيِّبة، والسماءُ فوقه طيِّبة، قال: فنزل وصَف الناس وخالد بن عَتَّاب بن وَرْقاء مسخوط عليه فليس في القوم، وجاء شبيب وأصحابه فقرّبوا دوابَّهم، وخرجوا يمشون، فقال لهم شبيب: الهُوا عن رَمْيكم، ودِبُّوا تحت تِراسِكم، حتَّى إذا كانت أسنَّتهم فوقَها، فأزِلقوها صُعُدًا، ثمّ ادخُلوا تحتَها لتستقِلوا فتُقطِّعوا أقدامهم، وهي الهزيمة بإذن الله، فأقبلوا يدِبّون إليهم. وجاء خالد بن عَتَّاب في شاكريَّته، فدار من وراء عسكرهم، فأضرم أخْصاصَهم بالنار، فلمَّا رأوْا ضوءَ النار وسمعوا مَعْمَعتَها التفتوا فرأوها في بيوتهم، فولّوا إلى خَيلِهم وتَبِعهم الناسُ، وكانت الهزيمة، ورضيَ الحجَّاج عن خالد، وعَقَد له على قتالهم.\nقال: ولمَّا قَتَل شبيبٌ عَتابًا أراد دخول الكوفة ثانية، فأقبَل حتى شارَفها فوجّه إليه الحجَّاج سيف بن هانئ ورجلًا معه ليأتياه بخبر شبيب، فأتيا عسكره، ففطن بهما، فقتل الرجل، وأفلت سيفٌ، وتَبِعه رجل من الخوارج، فأوثب سيفٌ فرسه ساقية، ثمّ سأل الرجل الأمان على أن يُصدقه، فآمنه، فأخبره أنّ الحجَّاج بعثه وصاحبَه ليأتياه بخبر شبيب.\nقال: فأخبرْه أنا نأتيه يوم الإثنين، فأتى سيف الحجَّاج فأخبره؛ فقال: كَذَب وماق، فلمَّا كان يومَ الإثنين توجَّهوا يريدون الكوفة، فوجَّه إليهم الحجَّاجُ الحارثَ بن معاوية الثَّقفيّ، فلقيه شبيب بزُرارَة فقتله، وهزم أصحابَه ودنا من الكوفة فبعث البَطِين في عشرة فوارس يرتاد له مَنزِلًا على شاطئ الفرات في دارِ الرّزْق، فأقبل البَطِين وقد وجَّه الحجَّاج حَوشبَ بنَ يزيدَ في جمع من أهل الكوفة، فأخذوا بأفواه السِّكَك، فقَاتَلَهم البَطِين فلم يقْوَ عليهم، فبعث إلى شبيب فأمدّه بفوارس، فعَقَروا فرس حَوْشب وهزموه ونجا، ومضى البَطين إلى دار الرّزِق، وعسكر على شاطئ الفرات، وأقبَل شبيب فنزل دون الجِسْر، فلم","vol":"4","page":155},{"text":"يوجِّه إليه الحجَّاج أحدًا، فمضى فنزلْ السَّبَخة بين الكُوفة والفُرات، فأقام ثلاثًا لا يوجِّه إليه الحجَّاج أحدًا، فأشير على الحجَّاج أن يخرج بنفسه، فوجَّه قتيبةَ بن مسلم، فهيَّأ له عسكرًا ثم رجع، فقال: وجدتُ المأتى سَهْلًا، فسِر على الطائر الميمون؛ فنادى في أهل الكوفة فخرجوا، وخرج معه الوجوهُ حتَّى نزلوا في ذلك العسكر وتواقفوا، وعلى مَيمنة شبيب البَطِين، وعلى مَيسَرته قَعْنب مولَى بني أبي ربيعة بن ذهل، وهو في زُهاء مئتين، وجعل الحجَّاج على ميمنته مطرَ بن ناجية الرّياحيّ. وعلى ميسرته خالد بن عَتَّاب بن وَرْقاء الرّياحيّ في زُهاء أربعة آلاف، وقيل له: لا تُعَرّفْه موضعَك، فتنكَّر وأخفى مكانَه، وشبَّه له أبا الورد مولاه. فنظر إليه شبيب، فحمل عليه، فضربه بعمود وزنُه خمسة عشر رِطْلًا فقتَله، وشبّه له أعيَن صاحب حمَّام أعيَن بالكوفة، وهو مولَى لبكر بن وائل فقتلَه، فركب الحجَّاج بغلَة غَرّاء محجَّلة.\nوقال: إن الدّين أغرُّ محجَّل، وقال لأبي كعب: قدّم لواءك، أنا ابن أبي عَقِيل، وحمل شبيب على خالد بن عَتَّاب وأصحابه، فبلغ بهم الرَّحبَة، وحمَلوا على مطر بن ناجية فكشفوه، فنزل عند ذلك الحجَّاج وأمَرَ أصحابَ مَصقلة بن مُهَلهل الضَّبيّ لجامَ شبيب، فقال: ما تقول في صالح بن مُسَرّح؟ وبِمَ تَشهدَ عليه؟ قال: أعَلى هذه الحال، وفي هذه الحَزَّة! والحجَّاج ينظُر، قال: فبرئ من صالح، فقال مَصقلة: برئ الله منكَ.\nوفارقوه إلا أربعين فارسًا هم أشدّ أصحابه، وانحاز الآخرون إلى دار الرّزْق، وقال الحجَّاج: قد اختَلفوا، وأرسل إلى خالد بن عَتَاب فأتاهم فقاتَلَهم فقُتِلت غَزالةُ ومَرّ برأسِها إلى الحجَّاج فارسٌ فعرفه شبيبٌ، فأمر عُلوان فشدّ على الفارس فقتَلَه وجاء بالرأس، فأمر به فغُسل ودفنه وقال: هي أقرب إليكم رُحْمًا - يَعني غزالة.\nومضى القومُ على حامِيتَهم، ورجع خالدٌ إلى الحجَّاج فأخبره بانصراف القوم، فأمرَه أن يحمل على شبيب فحمل عليهم، وأتبعه ثمانية، منهم قعنب والبَطِين وعُلْوان وعيسى والمهذَّب وابن عُوَيمر وسِنان، حتَّى بلغوا به الرّحبة، وأتِي شبيب في موقفه بخُوط بن عُمَير السَّدوسيّ، فقال له شبيب: يا خُوط، لا حُكْمَ إلَّا لله، فقال: لا حُكم إلّا لله، فقال شبيب: خُوط من أصحابكم،","vol":"4","page":156},{"text":"ولكنَّه كان يخاف، فأطلقه، وأتِيَ بعُمَير بن القَعْقَاعِ، فقال له: لا حُكم إلّا لله يا عُمَير، فجعل لا يفقه عنه، ويقول: في سبيل الله شبابي، فردّد عليه شبيبٌ: لا حُكْمَ إلّا لله، ليتخلَّصه، فلم يفقهْ، فأمر بقتله، وقُتل مصاد أخو شَبِيب، وجعل شبيب ينتظِر النّفرَ الَّذين تبعوا خالدًا فأبطؤوا، ونعسٍ شبيب فأيقَظَه حبيب بن خدرة، وجعل أصحابُ الحجَّاج لا يُقدِمون عليه هيبة له، وسار إلى دار الرّزْق، فجمع رثَّه مَن قُتل من أصحابه، وأقبل الثمانية إلى موضع شبيب فلم يجدوه، فظنوا أنَّهم قتلوه، ورجع مطرٌ وخالدٌ إلى الحجَّاج فأمَرَهما فأتبعا الرّهط الثمانية، وأتبع الرّهط شبيبًا، فمضوا جميعًا حتَّى قطعوا جِسر المدائن، فدخلوا دَيرًا هنالك وخالد تقْفُوهم، فحصرهم في الدَّير، فخرجوا عليه فهزموه نحوًا من فرسخين حتَّى ألقَوْا أنفسَهم في دِجْلة بخيلهم، وألقَى خالدٌ نفسَه بفرسه فمرَّ به ولواؤه في يده، فقال شبيب: قاتله الله فارسًا وفرَسَه! هذا أشدّ الناس. وفرسُه أقوى فرس في الأرض، فقيل له: هذا خالدُ بن عتَاب، فقال: مُعْرقٌ له في الشجاعة، واللهِ لو علمتُ لأقحمتُ خلفه ولو دَخَل النار (١). [٦: ٢٧٣ - ٢٧٦].\n_________\n(١) لقد سبق الكلام عن هذا الإسناد فلينظر. ولقد أرخ خليفة بن خياط لهذه الأحداث، فقال: ذكر أحداث سنة (٧٧ هـ): فيها بعث الحجاج عتاب بن ورقاء الرياحي إلى شبيب فلقيه بسواد الكوفة فقُتل عتاب وانهزم أصحابُه ..\nويذكر خليفة أن شبيب هزم عدة من قواد الحجاج، ثم غرق هو بعد أن قطع جسر دجيل الذي كان عليه. [خليفة (٢٧٥)].\nوخلاصة هذه الصفحات التي ذكرها الطبري بالإضافة إلى ما قاله خليفة تفيد أن شبيبًا كان قائدًا شجاعًا خاض معارك شرسة ضد جيوش الخلافة بعد أن أعلن العصيان المسلح وعاث في الأرض فسادًا، وقتل عددًا من الأمراء الذين قاتلوه، ثم مات غرقًا فانتهت حركته الخارجية يومها.\nولقد أطال الطبري في ذكر تفاصيل المعارك التي دارت بين جيوش الحجاج وقوات الفائد الخارجي شبيب وسلفه صالح بن مسرح استغرقت الصفحات (٦/ ٢٢٤ - ٢٨٤) وجُلَّ هذه الروايات من طريق التالف الكذاب أبي مخنف وفيها من المبالغات والنكارات والحشو الكثير.\nورحم الله الطبري لو أعرض عن هذه الروايات واكتفى بأصح الروايات في الباب لكان خيرًا من بعده.\nوهذه من المآخذ على منهج الطبري ﵀ ذكرناه في غير موضع.","vol":"4","page":157},{"text":"قال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، وهو أميرٌ على المدينة، وكان على الكوفة والبَصْرة الحجّاج بن يوسف، وعلى خُراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد.\nوحدّثني أحمدُ بن ثابت، عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حجّ أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجّتين سنة ستّ وسبعين وسنه سبع وسبعين (١). (٦: ٣١٨).\nوقد قيل: إنّ هلاك شبيب كان في سنة ثمان وسبعين، وكذلك قيل في هلاك قطريّ وعبيدة بن هلال وعبد ربه الكبير (٢). (٦: ٣١٨).\nوغَزا في هذه السنة الصائفةَ الوليدُ (٦: ٣١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>ثم دخلت سنة ثمان وسبعين</span>\nذكر الخبر عن الكائن في هذه السنة من الأحداث الجليلة:\nفمن ذلك عَزْلُ عبد الملك بن مروان أميَّة بن عبد الله عن خُراسان وضمّه خُراسان وسجستَانَ إلى الحجّاج بن يوسف. فلما ضمّ ذلك إليه فرّق فيه عمّاله.\nذكر الخبر عن العمّال الذين ولّاهم الحجّاج خُراسان وسجستان وذكر السّبب في توليته من ولَّاه ذلك وشيئًا منه.\nذكر أنّ الحجاج لما فرغ من شَبيب ومطرّف شخص من الكُوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل - وقد قيل: إنه استخلف عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحَضْرميّ، ثمّ عزَلَه، وجعل مكانَه المغيرة بن عبد الله - فقدِم عليه المهلَّب بها، وقد فرغ من [أمر] الأزارقة.\nفقال هشام: حدّثني أبو مخنَف عن أبي المُخارق الراسبيّ، أنّ المهلّب بن أبي صُفْرة لما فرغ من الأزارقة قَدِم على الحجاج - وذلك سنة ثمان وسبعين - فأجلَسه معه، ودعا بأصحاب البلاء من أصحاب المهلّب، فأخذ الحجّاج لا يَذكر\n_________\n(١) انظر تاريخ خليفة (٢٧٥).\n(٢) انظر تاريخ خليفة (٢٧٥).","vol":"4","page":158},{"text":"له المهلَّب رجلًا من أصحابه ببلاء حسن إلا صدّقة الحجّاج بذلك، فحملَهَم الحجّاج وأحسَنَ عطاياهم، وزاد في أعطياتهم، ثمّ قال: هؤلاء أصحاب الفِعال، وأحقّ بالأموال، هؤلاء حُماةُ الثغور، وغيظ الأعداء.\nقال هشام عن أبي مخنَف: قال يونسُ بن أبي إسحاق: وقد كان الحجّاج ولّى المهلَّب سِجستان مع خُراسان، فقال له المهلّب: ألا أدلّك على رجل هو أعلَم بسجستان منّي، وقد كان ولي كابُل وزابُل، وجباهم وقاتَلَهم وصالحهَم؟ قال له: بلى، فمن هو؟ قال عبيد الله بن أبي بَكْرة.\nثمّ إنه بعث المهلّب على خُراسان وعبيد الله بن أبي بَكْرة على سجستان، وكان العامل هنالك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وكان عاملًا لعبد الملك بن مَرْوان، لم يكن للحجاج شيءٌ من أمره حين بُعث على العراق حتى كانت تلك السنة، فعزلَه عبدُ الملك وجمع سلطانه للحجّاج، فمضى المهلب إلى خُراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان، فمكث عُبيد الله بن أبي بَكْرة بقية سنته.\nفهذه رواية أبي مخنَف عن أبي المخارق، وأما عليّ بن محمد فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن خُراسان وسجستانَ جُمعتا للحجّاج مع العراق في أول سنة ثمان وسبعين بعد ما قتل الخوارج، فاستعمل عبيد الله بن أبي بَكْرة على خراسان، والمهلّب بن أبي صفرة على سجستان، فكره المهلب سجستان، فلقيَ عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العَبْشَميّ - وكان على شُرْطة الحجاج - فقال: إنَّ الأمير ولّاني سجستان، وولى ابنَ أبي بَكْرة خُراسان، وأنا أعرَف بخراسان منه، قد عرفتها أيام الحَكَم بن عمرو الغِفاريّ، وابنُ أبي بَكْرة أقوى على سجستان منّي، فكلِّم الأمير يحوّلني إلى خُراسان وابن أبي بَكْرة إلى سجستان؛ قال: نعم، وكلِّم زاذان فَرُّوخ يُعينُني؛ فكلمه، فقال: نعم، فقال عبد الرحمن بن عبيد للحجّاج: وليتَ المهلب سجستان وابن أبي بَكْرة أقوى عليها منه، فقال زاذان فَرّوخ: صَدَق، قال: إنّا قد كتبنا عهدَه؛ قال زاذان فروخ: ما أهْوَن تحويل عهدهِ! فحوّل ابن أبي بكرة إلى سجستانَ، والمهلّب إلى خُراسان، وأخذ المهلّب بألف ألف من خَراج الأهواز، وكان ولاها إيّاه خالد بن عبد الله، فقال المهلب لابنه المغيرة: إنّ خالدًا ولّاني الأهواز، وولّاك","vol":"4","page":159},{"text":"إصْطَخْر، وقد أخذني الحجاج بألف ألف، فنصفٌ عليّ ونصف عليك، ولم يكن عند المهلَّب مالٌ، كان إذا عزل استقرَض؛ قال: فكلم أبا ماويَّة مولى عبد الله بن عامر - وكان أبو ماوية على بيتِ مال عبد الله بن عامر - فأسلف المهلّب ثلثمئة ألف، فقالت خَيرَةُ القُشَيرية امرأة المهلب: هذا لا يفي بما عليك؛ فباعت حُليًّا لها ومتاعًا، فأكمَل خمسمئة ألف، وحمل المغيرة إلى أبيه خَمسمئة ألف فحملها إلى الحجّاج، ووجّه المهلب ابنه حبيبًا على مقدّمته، فأتى الحجّاج فودّعه، فأمر الحجّاج له بعشرة آلاف وبغلة خضراء، قال: فسار حبيبٌ على تلك البغلة حتّى قَدِم خُراسانَ هو وأصحابُه على البريد، فسار عشرين يومًا، فتلقاهم حين دخلوا حملُ حطب، فنفرَت البغلة فتعجّبوا منها ومن نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير. فلم يعرض لأمية ولا لعمّاله، وأقام عشرةَ أشهر حتى قدم عليه المهلّب سنة تسع وسبعين (١). (٦/ ٣١٩ - ٣٢١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة الوليدُ بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكان أمير المدينة في هذه السنة أبانُ بن عثمان، وأميرَ الكوفة والبَصرة وخُراسان وسجستان وكرمان الحجّاجُ بن يوسف، وخليفتَه بخُراسان المهلّبُ، وبسجستان عُبيد الله بن أبي بَكْرة، وعلى قضاء الكوفة شُريح، وعلى قضاء\n_________\n(١) قلنا: هاتان روايتان:\nالأولى: من طريق التالف أبي مخنف.\nوالثانية: من طريق الأخباري الصدوق المداني عن شيخه المفضل بن محمد وهو ثقة إذا روى في التاريخ فقط على رأي الخطيب البغدادي ولعل هذه هي المرة الأولى التي نذكر فيها رواية أبي مخنف في قسم الصحيح لخلوها من نكارة أو طعن في عدالة الصحابة ولموافقتها (في أغلب المتن لرواية المدائني عن المفضل ولا نقطع بصحة الحوار الذي دار بين الحجاج وأمراءه وغيره من تفاصيل. ولكن الرواية أقرب إلى الصحة (ونعني أصل الرواية).\nولقد أخذنا على أنفسنا أن نستنفذ كافة السبل المتاحة والمقبولة لإنقاذ العدد الأكبر من الروايات التاريخية وانتشالها من بين ركام التلفيقات والأكاذيب والأغاليط ووضعها في قسم الصحيح وحسب الضوابط التي كررناها مرارًا.\nوما أبرئ نفسي ولا أدعي العصمة من السهو والخطأ والنسيان.","vol":"4","page":160},{"text":"البَصرة - فيما قيل - موسى بن أنَسَ (١). (٦: ٣٢١).\nوأغزَى عبد الملك في هذه السنة يحيى بنَ الحَكَم. (٦: ٣٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nفمن ذلك ما أصاب أهل الشأم في هذه السنة من الطّاعون حتى كادوا يفنَوْن من شدّته، فلم يغزُ في تلك السنة أحدٌ - فيما قيل - للطاعون الذي كان بها. وكثرة الموت.\nوفيها - فيما قيل -: أصابت الرّوم أهلَ أنطاكية (٦: ٣٢٢).\nوفي هذه السنة قدم المهلّب خُراسانَ أميرًا، وانصرف عنها أمية بن عبد الله، وقيل استعفى شُريح القاضي من القضاء في هذه السنة، وأشار بأبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، فأعفاه الحجّاج وولّى أبا بُرْدة (٢).\nوحَجَّ بالناس في هذه السنة - فيما حدّثني أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر - أبانُ بن عثمان، وكذلك قال الواقديّ وغيرُه من أهل السير.\nوكان أبان هذه السنة أميرًا على المدينة من قِبَل عبد الملك بن مروان وعلى العراق والمشرق كلّه الحجّاج بن يوسف (٣).\nوكان على خُراسانَ المهلب من قبَل الحجاج.\nوقيل: إنّ المهلب كان على حربها، وابنه المغيرة على خَراجها، وعلى قضاء الكوفة أبو بُرْدة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس (٤). (٣٢٤: ٦).\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد عبد الملك.\n(٢) قلنا: بينما أرخ خليفة بسنة ٧٨ هـ لتولية الحجاج المهلب على خراسان [تاريخ خليفة ص ٢٧٩].\n(٣) انظر خليفة ص ٢٧٧.\n(٤) انظر قوائم العمال في نهاية عهد عبد الملك.","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>ثم دخلت سنة ثمانين</span>\nذكر الأحداث الجليلة التي كانت في هذه السنة.\nوفي هذه السنة جاء - فيما حدّثت عن ابن سعد، عن محمد بن عمر الواقديّ - سيل بمكة ذهب بالحجّاج، فغَرِقت بيوتُ مكة فسمّي ذلك العامُ عامَ الجُحَاف، لأنّ ذلك السيل جَحَف كلّ شيء مَرّ به.\nقال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن رفاعة بن ثعلبة، عن أبيه، عن جدّه قال: جاء السيلُ حتى ذهب بالحُجّاج ببطن مكة، فسمي لذلك عامَ الجُحاف، ولقد رأيتُ الإبل عليها الحمولة والرجال والنساء تَمرّ بهم ما لأحد فيهم حيلة، وإني لأنظر إلى الماء قد بلغ الركنَ وجاوَزَه (١). (٦: ٣٢٥).\nوفي هذه السنة كان بالبَصرة طاعونُ الجارف، فيما زعم الواقديّ (٢). [٦: ٣٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>ذكر خبر غزو المهلّب ما وراء النهر</span>\nوفي هذه السنة قطع المهلب نهرَ بَلْخ فنزل على كِسّ، فذكر عليّ بن محمد، عن المفضّل بن محمد وغيره أنه كان على مقدّمة المهلب حين نزل على كسّ أبو الأدهم زيادُ بن عمرو الزِّمّانيّ في ثلاثة آلاف وهم خمسةُ آلاف إلا أنّ أبا الأدهم كان يُغني غَناءَ ألفَين في البأس والتدبير والنصيحة قال: فأتى المهلب وهو نازل على كسّ ابن عمّ ملك الخُتَّل، فدعاه إلى غزو الخُتّل، فوجّه معه ابنه يزيد، فنزل في عسكره، ونزل ابن عمّ الملك - وكان الملك يومئذ اسمه السّبْل - في عسكره على ناحية، فبيّت السَّبْل ابن عمه، فكبر في عسكره، فظن ابن عمّ السبْل أنّ العرب قد غَدَرُوا به، وأنهم خافُوه على الغدر حين اعتزل عسكرَهم، فأسره السبلُ، فأتى به قلعتَه فقتله، قال: فأطاف يزيدُ بن المهلب بقلعة السَّبْل،\n_________\n(١) وقال قتيبة: وكان سيل الجحاف الذي ذهب بالحجاج بمكة المكرمة سنة ثمانين. [المعارف ص ٣٥٧].\n(٢) قلنا: بينما ذكر خليفة أن الطاعون أصاب أهل الشام في هذا العام. [خليفة ص ٢٧٨].","vol":"4","page":162},{"text":"فصالحوه على فدية حملوها إليه، ورجع إلى المهلب فأرسلت أمّ الذي قتله السبل إلى أمّ السبل: كيف تَرجين بقاء السبل بعد قتل ابن عمه، وله سبعة إخوة قد وترهم! وأتت أمّ واحد فأرسلت إليها: إن الأسد تقلّ أولادُها، والخنازير كثير أولادها.\nووجّه المهلب ابنه حبيبًا إلى رَبِنْجَن فوافى صاحب بُخارى في أربعين ألفًا، فدعا رجل من المشركين إلى المبارزة، فبرز له جبلة غلام حبيب، فقتل المشرك، وحمل على جمعهم، فقتل منهم ثلاثة نفر، ثمّ رجع ورجع العسكر، ورجع العدوّ إلى بلادهم، ونزلتْ جماعةٌ من العدوّ قرية، فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف. فقاتلهم فظفر بهم، فأحرَقَها، ورجع إلى أبيه فسميت المحترقة، ويقال إن الذي أحرقها جَبَلة غلام حبيب.\nقال: فمكث المهلب سنتين مقيمًا بكسّ، فقيل له: لو تقدّمتَ إلى السغْد وما وراء ذلك! قال: ليتَ حَظِّي من هذه الغَزْوة سلامة هذه الجُنْد، حتى يرجعوا إلى مَرْو سالمين.\nقال: وخرج رجلٌ من العدو يومًا، فسأله البزار، فبرز إليه هريم بن عديّ، أبو خالد بن هريم وعليه عمامةٌ قد شَدّها فوق البَيضة، فانتهى إلى جَدْوَل، فجاوَلَه المشرك ساعة فقتله هُرَيم وأخذ سلَبه، فلامَه المهلب، وقال: لو أصبت ثم أمددتُ بألفِ فارس ما عَدَلوكَ عندي، واتهم المهلبُ وهو بكس قومًا من مضرَ فحبسهم بها، فلما قفل وصار صُلْحٌ خلّاهم، فكتب إليه الحجاج: إن كنت أصبتَ بحبسهم فقد أخطأت في تخليتهم؛ وإن كنتَ أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم. فقال المهلب: خفتُهم فحبستهم، فلما أمنتُ خلّيتهم.\nوكان فيمن حبَس عبد الملك بن أبي شيخ القشيريّ. ثم صالح المهلبُ أهلَ كس على فدية، فأقام ليقبضها، وأتاه كتابُ ابن الأشعث بخَلْع الحجاج ويدعوه إلى مساعدته على خَلْعه، فبعث بكتاب ابن الأشعث إلى الحجَّاج (١). (٦: ٣٢٥ - ٣٢٦).\n_________\n(١) قلنا: لو أفصح المدائني الصدوق عن شيوخه الذبن أبهم أسماءهم لقلنا هذا إسناد مرسل متعدد المخارج ولا نستطيع أن نثبت هذه التفاصيل بهدا الإسناد ولعلَّ في المتن نكارة إلَّا أننا ذكرنا هذه الرواية هنا لنثبت عبور المهلب لنهر كسّ ضمن أحداث هذه السنة. والله أعلم.","vol":"4","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>[تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رُتبيل]</span>\nوفي هذه السنة وجّه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك؛ وقد اختلف أهل السيرَ في سبب ذلك. (٦: ٣٢٦).\nوحجّ بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت. عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال محمّد بن عمر الواقديّ.\nوقال بعضهم: الذي حجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك وكان على المدينة في هذه السنة أبانُ بن عثمان، وعلى العراق والمشرق كلِّه الحجَّاجُ بن يوسف، وعلى خُراسان المهلّب بن أبي صُفرة من قِبَل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بُرْدة بن أبي موسى، وعلى قضاء البَصْرة موسى بن أنس وأغزَى عبدُ الملك في هذه السنة ابنه الوليد. (٦: ٣٢٩ - ٣٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففي هذه السنة كان فتح قَاليقلا، حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: أغزَى عبدُ الملك سنة إحدى وثمانين ابنه عُبيدَ الله بنَ عبد الملك، ففتَح قاليقَلا. (٦: ٣٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>ذكر الخبر عن خلاف ابن الأشعث على الحجّاج</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الحجّاجَ ومَن معه من جُند العراق، وأقبلوا إليه لحريه في قول أبي مخنَف، وروايته لذلك عن أبي المخارِق الراسبيّ، وأما الواقديّ فإنه زعم أنّ ذلك كان في سنة اثنين وثمانين.\nذكر الخبر عن السبب الذي دعا عبد الرحمن بن محمّد إلى ما فعل من ذلك","vol":"4","page":164},{"text":"وما كان من صنيعه بعد خلافه الحجّاج في هذه السنة: قد ذكرنا فيما مضى قبلُ ما كان من عبد الرحمن بن محمد في بلاد رُتْبيل، وكتابه إلى الحجّاج بما كان منه هناك، وبما عُرِض عليه من الرأي فيما يستقبل من أيامه في سنة ثمانين، ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة إحدى وثمانين في رواية أبي مخنَف، عن أبي المخارق (١). (٦: ٣٣٤).\nوحج بالناس في هذه السنة سليمانُ بن عبد الملك، كذا حدّثني أحمدُ بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي مَعَشر، وكذلك قال الواقديّ، وقال: في هذه السنة وُلد ابنُ أبي ذئب.\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة أبانُ بن عثمان، وعلى العراق والمشرق الحجاجُ بن يوسف، وعلى حرب خُراسانَ المهلَّب، وعلى خَراجها المغيرة بن مهلب من قبل الحجاج، وعلى قَضاء الكوفة أبو بُرْدة بن أبي موسى، وعلى قَضاء البصرة عبد الرحمن بن أذَينة (٢). (٦: ٣٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها</span>\nخبر الحرب بين الحجاج وابن الأَشعث بالزاوية (٣) (٣٤٢: ٦)\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>[وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث]</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت وقعة دَير الجمَاجم بين الحجَّاج وابن\n_________\n(١) قال خليفة وهو يتحدث عن أخبار سنة (٨١ هـ) تحت عنوان - ابن الأشعث يخلع الحجاج فيها خلعَ ابن الأشعث بسجستان وأقبل يريد الحجاج فحدثني أبو الحسن وأبو اليقظان أن ابن الأشعث لما أجمع المسير إلى العراق دعا ذرًا (أبا عمر بن ذر الهمذاني) فكساه ووصله وأمره أن يحضض الناس. (تاريخ خليفة: ٢٧٩) وقال خليفة: فحدثني محمد بن معاذ عن أبيه عن جدته قالت: سمعت منادي ابن الأشعث يقول: أين الذين بايعوا بالرَّجح. [تاريخ خليفة: ٢٨٠].\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة بعد نهاية عهد عبد الملك.\n(٣) قلنا: وكذلك أرخ خليفة لهذا الحدث، وقال: فيها وقعة الزاوية بالمحرم. [تاريخ خليفة ص ٢٨٠].","vol":"4","page":165},{"text":"الأشعث في قول بعضهم: قال الواقديّ: كانت وقعةُ دير الجماجم في شعبان من هذه السنة (١) (٦: ٣٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>[خبر وفاة المهلَّب بن أبي صفرة]</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفِّيَ المهلب بن أبي صُفْرة (٢) (٦: ٣٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[ذكر خبر بناء مدينة واسط]</span>\nوفي هذه السنة: بنى الحجّاج واسطًا (٣). (٦: ٣٨٣).\n_________\n(١) قلنا: وقال ابن قتيبة: وحدثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان لابن الأشعث أربع وقعات: وقعة بالأهواز، ووقعة بالزاوية، ووقعة بدير الجماجم، ووقعة بدجيل. [المعارف ص ٣٥٧].\n(٢) ثم ذكر الطبري خبرًا في وفاته ووصيته والسبب في موته ذكرناه في قسم الضعيف فهو يروي الخبر عن المفضل بن محمد الضبي وهو ضعيف عند أئمة الحديث علَّامة في التاريخ عند الخطيب ولم نذكر روايته في الصحيح إلَّا إذا تابعه آخرون والله أعلم.\nولقد لخص البلاذري أعمال المهلب العظيمة بقوله: فولى الحجاج خراسان المهلب بن أبي صفرة سنة ٧٩ هـ فغزى بلادًا كثيرة وفتح الختل وقد انتقضت وفتح خجنده فأدت إليه السغد الأتاوة وغزا كسّ ونسف ورجع فمات بزاغول من مرو الروذ بالشوهة [فتوح البلدان ص ٢٤٩].\nقلنا: وهذا فيما يتعلق بفتوحه فقط، أما أعماله الأكبر هو بلاءة الحسن في الوقوف في وجه الخوارج سواءً تحت راية ابن الزبير أو بني أمية ونال رضا الجميع واعترف القاصي والداني بفضله في ردّ كيد الخوارج وخبرته الجيدة في دحرهم والصبر على حربهم فرحمه الله رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته آمين.\nوقال الحافظ ابن حجر: من ثقات الأمراء وكان عارفًا بالحرب فكان أعداءه يرمونه بالكذب، من الثانية وله رواية مرسلة قال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أميرًا أفضل منه مات سنة اثنتين وثمانين علي الصحيح [تقريب ٤٢٤].\nوقال الحافظ الذهبي في ترجمة المهلب بن أبي صفرة: الأمير البطل قائد الكتائب أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة غزا الهند وولي الجزيرة لابن الزبير وحارب الخوارج ثم ولي خراسان توفي سنة ٨٢ هـ[مختصر سير أعلام النبلاء: تر ٥٣٢].\n(٣) قلنا: ثم ذكر الطبري خبرًا في سبب هذا البناء ولكن بلا إسناد ولم نجد لكثير من تفاصيل المتن ما يؤيده سوى التقاء الحجاج براهب في الموضع الذي شيَّد فيه مدينة واسط، فيؤيده =","vol":"4","page":166},{"text":"وفي هذه السنة عزَل عبدُ الملك - فيما قال الواقديّ - عن المدينة أبان بنَ عثمان، واستعمَل عليها هشام بن إسماعيل المخزوميّ.\nوحجّ بالناس في هذه السنة هشامُ بن إسماعيلَ، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت، عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكان العمّال في هذه السنة على الأمصار سوى المدينة هم العمّال الذين كانوا عليها في السنة التي قبلها، وأمّا المدينة فقد ذكرنا من كان عليها فيها (١). (٦: ٣٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كانت غزوةُ عبد الله بن عبد الملك بن مَرْوان الرّوم، ففتَحَ فيها المَصّيصَة، كذلك ذكرَ الواقديّ (٢). (٦: ٣٨٥).\n_________\n= ما أخرجه بحشل (أسلم بن سهل الرازي الواسطي المتوفى ٢٩٢ هـ).\nقال: حدثنا أبو خالد يزيد بن مخلد بن عبد الرحمن بن يزيد الصيرفي قال: ثني أبي، عن عوانة الحكم بن عوانة الكلبي، عن أبيه قال: كنت مع الحجاج وهو يرتاد موضعًا فبينا نحن نطوف إذ رأى راهبًا راكبًا على حمار ... الخبر، وفيه فقال الحجاج لأصحابه انزلوا ثم أمر بالتقدير ... إلخ [تاريخ واسط ص ٣٢].\nولقد أيد البلاذري في فتوحه ما قاله الطبري في السنة التي بنيت فيها واسط، فقد أخرج البلاذري قائلًا:\nحدثني يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال: أول مسجد بني بالسواد مسجد المدائن بناه سعد وأصحابه ... الخبر، وفي آخره وأحدث الحجاج مدينة واسط في سنة (٨٣ هـ) أو سنة (٨٤ هـ) وبنى مسجدها فسميت واسط القصب. [فتوح البلدان ص ١٧٦]. اهـ.\nوأخرج البسوي قال: ثنا الحميدي قال: ثنا سفيان قال: ثنا عبد الملك بن أعين قال: سمعت عبد الرحمن بن أذينة بواسط القصب حين قدم الحجاج واسط وابتنى الخضراء يحدث عن أبيه. [المعرفة والتاريخ ٣: ١١٤)].\nقلنا: ولعلّ هذه الرواية الأخيرة تتحدث عن بناء دار الإمارة في واسط بعد اكتمال المدينة نفسها أو أن الحجاج بني الخضراء مع بداية بناء المدينة والله أعلم.\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة بعد نهاية عهد عبد الملك.\n(٢) قلنا: وقال خليفة بن خياط: قال ابن الكلبي في هذه السنة غزا عبد الملك بن مروان أرض =","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>[فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس]</span>\nوفي هذه السنة فَتحَ يزيدُ بن المهلّب قلعةَ نيزك بباذغيس. [٦: ٣٨٦].\nوحجّ بالناس في هذه السنة هشامُ بن إسماعيلَ المخزوميّ، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذَكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها الذين سمّيتُ قبلُ في سنة ثلاث وثمانين (١). (٦: ٣٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>ثم دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>غزو المفضّل باذغيس وأخْرون</span>\nوفي هذه السنة غزا المفضّل باذَغيس ففتَحها.\nذكر الخبر عن ذلك:\nذكَر عليّ بن محمد، عن المفضّل بن محمد، قال: عزل الحجَّاج يزيد، وكتَبَ إلى المفضّل بولايته على خُراسان سنة خصس وثمانين، فوليها تسعة أشهر، فغزا باذغيس ففتَحَها وأصاب مغنمًا، فقسَمه بين الناس، فأصاب كلّ رجل منهم ثمانمئة درهم، ثمّ غزا أخْرون وشُومان، فظفِر وغَنِم، وقَسمَ ما أصاب بين الناس، ولم يكن للمفضّل بيت مال، كان يُعطي الناس كلّما جاءه شيء، وإن غنم شيئًا قسَمَه بينهم، فقال كعبٌ الأشقريّ يمدح المفضّلِ:\nترى ذا الغِنَى والفَقر من كلّ مَعشَرٍ ... عصائبَ شتَّى ينْتَوُون المفضَّلا\n_________\n= الروم حتى بلغ أرض طرندة. وفيها بنى عبد الملك المصيصة [ص ٢٩٢].\nأي: أن خليفة يذكر أن بناء المصيصة كان على يد عبد الملك بن مروان، بينما يذكر الحافظ ابن كثير أن عبد الله بن عبد الملك بن مروان فتح المصيصة نقلًا عن الواقدي في سنة (٨٤ هـ) [البداية والنهاية (٧: ٢٠١)]. ولا نستطيع أن نرجح أيًّا منهما على الآخر فالواقدي كابن الكلبي ولم نجد مؤرخًا متقدمًا يذكر ذلك غيرهما أو متأخرًا حقق في ذلك والله أعلم.\n(١) انظر قوائم الولاة والعمال في نهاية عهد عبد الملك.","vol":"4","page":168},{"text":"فمن زائرٍ يرجُو فَواضِلَ سَيْبِه ... وآخَرَ تقضِي حاجَة قد ترحَّلا\nإذا ما انتَوَينا غير أرضكَ لم نَجِد ... بها منتوًى خَيرًا ولا مُتَعَلَّلا\nإذا ما عَدَدنا الأكرَمين ذَوي النُّهى ... وقد قدّموا من صالحٍ كنت أوَّلا\nلعَمْري لقد صال المفضَّلُ صَوْلَةً ... أباحَتْ بشُومَانَ المناهل والكلا\nويوم ابن عبَّاس تناولتَ مثلها ... فكانت لنا بين الفَريقين فَيصَلا\nصَفتْ لك أخلاقُ المُهَلَّبِ كُلُّها ... وسُرْبِلْتَ من مَسْعاتِه ما تَسَرْبَلا\nأَبُوك الذي لم يسْع ساعٍ كسعيِه ... فأَوْرَثَ مَجْدًا لم يكن مُتنَحَّلا (١)\n(٦: ٣٩٧ - ٣٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[بيعة عبد الملك لابنيه: الوليد ثم سليمان]</span>\nوفي هذه السنة بايع عبدُ الملك لابنيه: الوليد، ثمّ من بعده لسليمان، وجعلهما وليَّي عهد المسلمين، وكتب ببيعته لهما إلى البُلدان، فبايع الناس، وامتنع من ذلك سعيد بن المسيَّب، فضربه هشام بن إسماعيل -وهو عامل عبد الملك على المدينة- وطافَ به وحَبَسه، فكتب عبدُ الملك إلى هشام يلومُه على ما فَعل من ذلك. وكان ضربه ستّين سَوْطًا، وطاف به في تبان (٢).\nوحدّثني الحارث، عن ابن سعد، أنّ محمد بنَ عمر أخبَره، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبد العزيز بن مروانَ تُوفِّيَ بمصر في جمادى سنة أربع وثمانين، فعقد عبدُ الملك لابنيه الوليد وسليمان العهد، وكتب بالبَيعة لهما إلى البُلْدان، وعامِلُه يومئذ هشامُ بن إسماعيل المخزوميّ، فدعا الناسَ إلى البَيعة، فبايعَ الناسُ، ودعا سعيد بن المسيّب أن يبايع لهما، فأبى وقال: لا حتى أنظَر، فضرَبه هشام بن إسماعيل ستين سَوْطًا، وطاف به في تُبان شَعر حتى بلغ به رأسَ الثنيّة، فلما كرّوا به قال: أين تكُرّون بي؟ قالوا: إلى السجْن؛ قال: والله لولا أني، ظننتُ أنه الصَّلْب لما لَبِست هذا التُّبّان أبدًا فردّه إلى السجن، وحَبَسه، وكتَب إلى عبد الملك يُخبِره بخلافه، وما كَان من أمره.\n_________\n(١) قلنا: والخبر أخرجه الحافظ المزي بتمامه مع أبيات الشعر في تهذيب الكمال في ترجمة المفضل بن المهلب بن أبي صفرة [ترجمة ٦١٥٤].\n(٢) انظر الخبر الذي يليه وتعليقنا.","vol":"4","page":169},{"text":"فكتب إليه عبدُ الملك يلومُه فيما صَنَع ويقول: سعيدٌ واللهِ كان أحوَجَ أن تصل رحمَه من أن تضربَه، وإنا لنعلم ما عندَه من شِقاق ولا خلاف (١). (٤١٦: ٦ - ٤١٧).\nوحجّ بالناس في هذه السنة هشامُ بن إسماعيل المخزوميّ، كذلك حدَّثنا أحمدُ بن ثابت عمن ذكره. عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ.\nوكان العامل على المشرق في هذه السنة مع العراق الحجّاج بن يوسف. (٤١٧: ٦).\n_________\n(١) قلنا: ولم نتعود أن نذكر روايات الطبري (فيما خلا الوفيات) في قسم الصحيح فهو متروك إلَّا أنه ها هنا قد توبع ومتنه صحيح فيما يتعلق بأصل المسألة (دعوة أمير المدينة الناس لبيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك ورفض ابن المسيب لتلك البيعة ومحنته بسبب ذلك). إلَّا أن الواقدي لم يذكر سبب امتناع ابن المسيب عن هذه البيعة بينما تبين الروايات الأخرى التي سنذكرها أن ابن المسيب امتنع عن ذلك لأن السنة النبوية الشريفة نهت الأمة المسلمة عن البيعة لاثنين في آن واحدٍ منعًا لتفرقة الصف المسلم وغير ذلك. والحق يقال: فإن ابتكار هذه البدعة (البيعة لخليفتين) كانت سببًا آخر من أسباب القلاقل والفتن وخاصة بين القادة والأمراء مما أضاف عاملًا آخر إلى عوامل انحسار بني أمية وتخلفهم عن إدارة الخلافة في عام ١٣٢ هـ وانتقالها إلى بني العباس كما سنذكر بعد انتهائنا من أحداث سنة ١٣٦ هـ.\nوقد أخرج البسوي في المعرفة والتاريخ قال: حدثنا سعيد بن أسيد قال: ثنا ضمرة عن رجاء بن جميل الأيلي قال: قال عبد الرحمن بن عبد القاري لسعيد بن المسيب حين قدم للبيعة للوليد وسليمان المدينة من بعد أبيهما: إني مشير عليك بخصال ثلاث، قال: وما هنَّ؟ قال: تغير مقامك فإنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل. قال: ما كنت لأترك مقامًا أقومه منذ أربعين سنة. قال: أو تخرج معتمرًا، قال: ما كنت لأنفق مالي وأجهد نفسي في شيء ليس فيه نية. قال: فما الثالثة؟ قال: تبايع. قال: أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما عليَّ؟ قال: وكان أعمى. قال رجاء فدعاه هشام إلى البيعة ...... إلى آخر الخبر وفيه أن عبد الملك أمر والي المدينة أن يضربه ثلاثين سوطًا لأنه قال على الملأ لا أبايع لاثنين. [المعرفة والتاريخ (١: ٤٧٦)].\nوأخرج البسوي ثنا الربيع بن روح الحمصي ثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد قال: جاءت بيعة الوليد وسليمان بن هشام بن إسماعيل وهو أمير المدينة فدعا سعيد بن المسيب وهو مع قومه من بني مخزوم إلى أن يبايع لهما فأبى أن يفعل فجلده ... إلخ. [المعرفة والتاريخ (١: ٤٧٨)].","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>ثمّ دخلت سنة ستّ وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>خبر وفاة عبد الملك بن مروان</span>\nفممّا كان فيها من ذلك هلاكُ عبد الملك بن مروان، وكانَ مهلَكه في النصف من شوّال منها. حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفي عبد الملك بن مروان يوم الخميس للنصف من شوال سنة ستٍّ وثمانين، فكانت خلافتُه ثلاثَ عشرة سنة وخمسة أشهر.\nوأما الحارث فإنه حدّثني عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدّثني شُرَحبيل بن أبي عَوْن، عن أبيه، قال: أجمَعَ الناسُ على عبد الملكِ بن مَرْوان سنة ثلاث وسبعين.\nقال ابنُ عمر: وحدّثني أبو معشر نجيح، قال: مات عبدُ الملك بن مروانَ بدمشقَ يومَ الخميس للنصف من شوال سنة ست وثمانين، فكانت ولايتُه منذ يوم بُويع إلى يوم تُوفِّيَ إحدى وعشرين سنةً وشهرًا ونصفًا، كان تسع سنين منها يقاتل فيها عبد الله بن الزبير، ويسلَّم عليه بالخلافة بالشأم، ثمّ بالعراق بعد مَقتَلٍ مصعب، وبقيَ بعد مقتَل عبد الله بن الزبير واجتماع الناسِ عليه ثلاثَ عشرةَ سنة وأربعة أشهر إلا سبعَ ليال.\nوأما عليّ بن محمد المدائنيّ، فإنه - فيما حدَّثنا أبو زيد عنه - قال: مات عبد الملك سنة ست وثمانين بدمشق، وكانت ولايتُه ثلاثَ عشرَة سنةً وثلاثة أشهُر وخمسةَ عشَر يومًا (١). (٦: ٤١٨).\n_________\n(١) ولروايات الطبري ما يؤيدها:\nفقد قال خليفة بن خياط: مات عبد الملك بن مروان سنة (٨٦ هـ) فحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده، وعبد الله بن مغيرة عن أبيه قالا: مات عبد الملك بدمشق يوم النصف من شوال سنة (٨٦ هـ) وهو ابن ثلاث وستين [تاريخ خليفة: ٢٩٣] وقال الحافظ ابن كثير: وفيها (٨٦ هـ) في النصف من شوال توفي أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان [البداية والنهاية ٢١٨: ٧)].","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>ذكر الخبر عن مبلغ سنِّه يومَ تُوفِّي</span>\nاختَلَفَ أهلُ السِّيَر في ذلك، فقال أبو معشر فيه - ما حدّثني الحارثُ عن ابن سعد، قال: أخَبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو معشر نَجيح. قال: مات عبدُ الملك بن مروانَ وله ستّون سنةً.\nقال الواقديّ: وقد رُوي لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنةً قال: والأوّل أثبت. وهو على مولده، قال: وولد سنة ست وعشرين في خلافة عثمان بن عَفّان ﵁، وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابنُ عشر سنين وقال المدائنيّ عليّ بن محمد - فيما ذكر، أبو زيد عنه: ماتَ عبدُ الملك وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>ذكر نسبه وكنيته</span>\nأمّا نسبُه، فإنه عبدُ الملك بن مروانَ بن الحكَم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. وأمّا كنيَتُه فأبو الوليد. وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة، وله يقول ابن قيس الرُّقيّات:\nأَنْتَ ابْن عائِشَةَ الَّتي ... فضَلَتْ أُرُومَ نسَائِها\nلم تَلتَفِتْ للدَاتَها ... ومَضَتْ على غُلَوائِها (١)\n(٤١٩: ٦).\n_________\n(١) قال خليفة: ولد عبد الملك في المدينة في دار مروان في بني حديلة سنة ٢٣ هـ. ويقال: سنة ست وعشرين. [ص ٢٩٣].\nوقال الحافظ ابن كثير: وكان عمره يوم مات ستين سنة، قاله أبو معشر، وصححه الواقدي، وقيل: ثلاثًا وستين سنة، قاله المدائني. [البداية والنهاية (٧: ٢١٩)].\nوتأكيدًا لأسماء الولاة والقضاة في عهد عبد الملك بن مروان فإننا نذكر قوائم أسمائهم كما ذكرها المؤرخ المتقدم الثقة خليفة فقال: تسمية ولاة عبد الملك.\nالمدينة: لما قتل مصعب بن الزبير، وذلك سنة اثنتين وسبعين، غلب طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان على المدينة، فلما قتل عبد الله بن الزبير ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف مكة والمدينة والطائف، وذلك سنة ثلاث وسبعين، فكان الحجاج يستخلف على المدينة إذا أتى مكة عبد الله بن قيس بن مخرمة، ثم ولي الحجاج العراق فشخص، وولى عبد الملك بن مروان يحيى بن الحكم بن مروان، واستخلف أبان بن عثمان فأقرَّه =","vol":"4","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الملك ثم عزله في سنة ثلاث وثمانين، وولى هشام بن إسماعيل المخزومي، فلم يزل واليًا حتى مات عبد الملك.\nمكة: شخص الحجاج سنة خمس وسبعين، واستخلف على مكة قيس بن مخرمة، فعزله عبد الملك، وولى نافع بن علقمة بن صفوان، فلم يزل عليها حتى مات عبد الملك.\nاليمن: محمد بن يوسف حتى مات عبد الملك.\nالبصرة: ولّاها عبد الملك حين قتل مصعب خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقدمها في آخر سنة اثنتين وسبعين ثم عزله، وضمها إلى بشر بن مروان بن الحكم، فقدمها بشر في ذي الحجة آخر سنة أربع وسبعين، فأقام بها شهرًا ثم مات واستخلف خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فعزله عبد الملك بن مروان، وولّى الحجاج فمقدم العراق في رجب سنة خمس وسبعين، فولى الحكم بن أيوب الثقفي البصرة سنة خمس وسبعين، فلم يزل فيها حتى خلع ابن الأشعث وقدم البصرة، وذلك في أول سنة اثنتين وثمانين، فلحق الحكم بن أيوب بالحجاج، وولاها ابن الأشعث عبد الله بن إسحاق بن الأشعث، ثم عزله وولى رجلًا من آل عبد الله بن مغفل غامديًا فيما زعم حاتم بن مسلم. ثم هزم ابن الأشعث فولاها الحجاج الحكم بن أيوب.\nالكوفة: ولاها عبد الملك حين قتل مصعب قطن بن عبد الله الحارثي أشهر ثم عزله، وولى بشر بن مروان نحوًا من سنتين، ثم ضم إليه البصرة، فشخص بشر واستخلف عمرو بن حريث المخزومي، ثم قدم الحجاج سنة خمس وسبعين فولاها الحجاج عروة بن المغيرة بن شعبة، ويقال ولّى حوشب بن رويم الشيباني، ثم عزله، فولى البراء بن قبيصة الثقفي ثم عزله، وولّى عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، فأخرجه مطر بن ناجية الرياحي ودعا إلى ابن الأشعث، ثم قدمها ابن الأشعث، ثم خرج إلى دير الجماجم واستخلف عبد الله بن إسحاق بن الأشعث، ثم قدمها الحجاج حين هزم ابن الأشعث من الجماجم، ثم شخص إلى البصرة وولى عمير بن هاني من أهل دمشق ثم عزله وولى المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الصلاة وزباد بن جرير بن عبد الله على الشرط حتى مات عبد الملك. خراسان: كتب عبد الملك عام قتل مصعب إلى عبد الله بن خازم بولايته على خراسان، بعث بالكتاب مع سورة بن أبجر الدارمي فقال له ابن خازم: لولا أني أكره أن أضرب بين بني تميم وسليم لقتلتك ولكن كل كتابك، فأكله، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاء الصريمي إن قتلته أو أخرجته من خراسان فأنت الأمير، فقتل بكيرٌ ابنَ خازم، وأقام واليًا حتى قدم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وولّى أمية، ثم عزله وولى المهلب بن أبي صفرة في سنة تسع وسبعين، ثم مات المهلب في سنة اثنتين وثمانين، واستخلف ابنه يزيد، فأقره عبد الملك سنتين أو أكثر، ثم ضمَّ خراسان إلى الحجاج، فولَّاها الحجاج قتيبة بن مسلم، فقدمها في سنة ست وثمانين قبل وفاة عبد الملك بن مروان. =","vol":"4","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سجستان: ولّاها عبد الملك عبد الله بن علي بن عدي بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزيز بن عبد شمس، ثم عزله وضمها مع خراسان إلى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وذلك سنة ثلاث وسبعين، فولّاها أمية ابنه عبد الله بن أمية نحوًا من ثلاث سنين فعزله عبد الملك وولى محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقلته شبيب الحروري بالأهواز قبل أن يصل إليها، وذلك سنة سبع وسبعين. ثم عزل أمية وضمت إلى الحجاج فولاها عبيد الله بن أبي بكرة سنة ثمان وسبعين، فمات عبيد الله سنة تسع وسبعين، واستخلف ابنه أبا برذعة، فكتب الحجاج إلى المهلب أن وجه رجلًا من قبلك إلى سجستان، فوجه وكيع بن بكر بن وائل الأزدي، ثم ولاها الحجاج عبد الرحمن بن محمد الأشعث سنة ثمانين، فخلع الحجاج وسار إلى العراق واستخلف، وذلك في آخر سنة إحدى وثمانين، ثم ولى الحجاج عمارة بن تميم القيني أو اللخمي، ثم عزله وولّى عبد الرحمن بن سليم، وذلك سنة أربع وثمانين، ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن ولِّ مسمع بن مالك سجستان، فولاه فلم يزل عليها حتى مات، فولى ابن أخيه محمد بن شيبان، فعزله الحجاج وولى الأشعث بن بشر الكلبي، ثم عزله وضمها إلى قتيبة بن مسلم، فبعث قتيبة أخاه عمرو بن مسلم، ثم قدمها قتيبة، ثم شخص عنها، واستخلف عبد ربه بن عبد الله بن عمر الليثي، وذلك كله سنة ست وثمانين وبعض سنة سبع وثمانين، فلم يزل عبد ربه واليًا حتى عزل قتيبة سنة ثلاث وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>القضاة</span>\nقضاة البصرة: ولّى عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله بن أسيد البصرة سنة اثنتين وسبعين عند قتل مصعب بن الزبير، فاستقضى خالد على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة، فلم يزل قاضيًا حتى قدم الحجاج بن يوسف فأقرّه، ثم ولى الحجاج هشام بن هبيرة الليثي، ثم ولى عبد الرحمن بن أذينة العبدي.\nالكوفة: لما اجتمع الناس على عبد الملك عند قتل مصعب أعاد شريحًا ثم قدم الحجاج، فأقره على القضاء، ثم استعفاه فأعفاه وولى أبا بردة بن أبي موسى الأشعري، ثم استعفاه بعد الجماجم فأعفاه فاستقضى أبا بكر بن أبي موسى الأشعري، فلم يزل قاضيًا حتى مات، ثم استقضى عامر بن شراحيل الشعبي.\nالمدينة: غلب عليها طارق بن عمرو مولى عثمان حين قتل مصعب بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك، ثم ولاها عبد الملك الحجاج بن يوسف سنة ثلاث وسبعين، فاستقضى الحجاج عبد الله بن قيس بن مخرمة، فلم يزل قاضيًا حتى شخص الحجاج إلى العراق واستخلفه على المدينة، ثم ولى عبد الملك عمه يحيى بن الحكم على المدينة سنة ست وسبعين، واستخلف أبان بن عثمان فأقرّه عبد الملك، فاستقضى أبان بن عثمان نوفل بن =","vol":"4","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مساحق العامري فلم يزل قاضيًا حتى عزل أبان سنة ثلاث وثمانين، وولى عبد الملك المدينة هشام بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومي، واستقضى هشام عمرو بن خلدة الزرقي حتى مات عبد الملك.\nالشام: قاضي عبد الملك أبو إدريس الخولاني.\nالسند: ولاها الحجاج بن بوسف سعيد بن أسلم الكلابي سنة ثمان وسبعين، فقتله محمد ومعاوية ابنا الحارث العلافيان من بني سامة بن لؤي، فولاها الحجاج مجاع بن سِعْر أحد بني صرَّة بن عبيد سنة تسع وسبعين، فمات مجاع، فولاها الحجاج محمد بن هارون بن ذراع النميري سنة ثمانين، فلم يزل عليها حتى مات عبد الملك.\nالبحرين: بعث عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله فقتل أبا فديك، ثم ولاها عبد الملك بن أسيد بن الأخنس بن شريق الثقفي. ولاها الحجاج سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، فمات فاستخلف ابنه موسى بن سنان بن سلمة، فولى الحجاج سعيد بن حسان الأسيدي، ثم ولى زياد بن الربيع الحارثي، ثم عزله سنة تسع وسبعين، وولى محمد بن صعصعة الكلابي، فولاها محمد بن صعصعة عبد الملك بن عبد الله العوذي فخرج عليه الريان النكري فهرب عبد الملك وهرب محمد، وبعث الحجاج يزيد بن أبي كبشة، فقتل الريان وصلبه، ثم قفل يزيد فولاها الحجاج قطن بن زياد بن الربيع الحارثي، فلم يزل عليها حتى مات الحجاج والوليد.\nعمان: بعث إليها الحجاج موسى بن سنان بن سلمة، وذلك سنة كذا وسبعين، ثم غلب عليها سعيد وسليمان ابنا عباد، فبعث الحجاج طفيل بن حصين البهراني فأخرجهما منها، فكتب إليه الحجاج: أن يستخلف ويقفل، فاستخلف حاجب بن شيبة فمات بها فغلب عليها ابن عباد، فوجه الحجاج مجاع بن سِعْر ثم صرفه عنها، وولى محمد بن صعصعة، فقتله ابن عباد، فبعث الحجاج سورة بن الحر فقتل ابن عباد، وولاها الحجاج سعيد بن حسان الأسيدي.\nمصر: ولّاها عبد العزيز بن صروان، فمات عبد العزيز سنة أربع وثمانين فولاها عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك، فلم يزل واليًا حتى مات عبد الملك، وذلك سنة ست وثمانين ولاها عبد الملك حسان بن النعمان سنة أربع وسبعين، فخرج منها قافلًا سنة ثمان وسبعين، فاستخلف سفيان بن مالك الفهمي، وقدم على عبد الملك فردَّه، فلم يمضه عبد العزيز، وولى موسى بن نصير سنة تسع وسبعين بدر بن سفيان بن مالك.\nإفريقية: موسى بن نصير سنة تسع وسبعين، فلم يزل عليها حتى مات عبد الملك، وقد كان عبد الملك ولّى قبل موسى حسان بن النعمان الغساني، فلم ينفذه عبد العزيز وهو على مصر، وأنفذه موسى بن نصير. =","vol":"4","page":175},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الجزيرة: ولاها عبد الملك أخاه محمد بن مروان، فلم يزل عليها حتى مات عبد الملك والوليد.\nأرمينية وأذربيجان: ضمهما إلى محمد بن مروان سنة ثلاث وثمانين حتى مات عبد الملك، فعزل محمد بن مروان سنة خمس وثمانين، واستخلف على أرمينية وأذربيجان عبد الله بن حاتم بن النعمان الباهلي، فمات عبد الله، وولى محمد بن مروان عبد العزيز بن حاتم بن النعمان.\nاليمامة: يزيد بن هبيرة، ثم إبراهيم بن عربي الليثي حتى مات عبد الملك.\nالصائفة: مالك بن عبيد الله الحنفي ثم ولى ابنه الوليد بن عبد الملك ثم محمد بن مروان بن الحكم، ثم عمرو بن محرز الأشجعي. [تاريخ خليفة بن خياط].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>خلافة عبد الملك بن مروان (٧٣ - ٨٦ ه</span>ـ)\nقلنا: سبق أن ذكرنا رواية الطبري من طريق شيخه الثقة وهو عمر بن شبة ينقل رأي الأخباري الصدوق المدائني إذ يقول: مات عبد الملك سنة ست وثمانين وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يومًا [الطبري ٦: ٤١٧] أي أنه عدَّ ولايته المعتبرة من بعد وفاة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵁.\nوقال الخطيب البغدادي في ترجمة عبد الملك بن مروان: فكانت خلافته من مقتل ابن الزبير إلى أن توفي ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر [تاريخ بغداد (١٠: ٣٩١)].\nوقال الحافظ ابن كثير: وهو أمير المؤمنين عند ابن حزم وطائفة.\nقال الذهبي: إن صحت خلافة مروان فإنه خارج على ابن الزبير باغ فلا يصح عهده إلى ولديه إنما تصح إمامة عبد الملك من يوم قتل ابن الزبير. [تاريخ الإسلام ٦٠ - ٨١ هـ: ١٣٣].\nولقد ذكرنا ما جرى من الحوادث الجسام من بعد وفاة معاوية بن يزيد وحتى وفاة الصحابي الجليل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الذي حكم الشطر الأكبر من أرض الخلافة مدة سبع سنين.\nوفي هذه الأسطر القليلة نذكر القارئ الكريم ببعض أعمال الخليفة عبد الملك بن مروان من بعد وفاة ابن الزبير.\nولقد ذكرنا آنفًا زيف الروايات التي تذكر أنه أطبق المصحف ساعة توليه الحكم وقال: هذا فراق بيني وبينك وذكرنا أنه من علماء المدينة المعروفين يومها لدى الناس، وأنه حتى آخر أيامه كان يجلس في حلقات العلم، ولا بأس أن نكرر هنا رواية مسلم التي ذكرناها آنفًا.\nفقد أخرج مسلم عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله - ﷺ -: =","vol":"4","page":176},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر فإن قومك قصّروا في البناء)، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بينى ابن الزبير. [صحيح مسلم: كتاب الحج: ح ٤٠٤: ١٣٣٣].\nومن أعمال عبد الملك الحضارية: ضرب الدنانير ولقد ذكرنا روايات الطبري في هذا الباب آنفًا وكذلك رواية ابن الجوزي عن مالك بن أنس ﵁: \"أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن\" [المنتظم ٢٩٥: ١٦٤٩].\nقال الأستاذ يوسف العش ﵀: فليست القضية قضية إنشاء مصنع للنقود، ونقل السكة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية فحسب بل يدخل في هذا الأمر وزن النقود وشكلها: أما وزنها فله علاقة بالزكاة فيجب أن يسهل وزن النقد أداء الزكاة بحسب الأصول الشرعية، وهكذا جعل عبد الملك وزن الدراهم متفقًا مع حسابات الزكاة بحيث لا تكون هنالك صعوبات في حساب إخراجها فجعل الدرهم ستة دوانق بحيث أصبح العشرة دراهم سبعة مثاقيل. [الدولة الأموية: ص ٢٢٥].\nوقال الحافظ ابن كثير - في ترجمة عبد الملك -: سمع عثمان بن عفان وشهد الدار مع أبيه، وهو ابن عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة اثنتين وأربعين. [البداية والنهاية (٧: ٢١٢)].\nقلنا: والإسلام أمرنا أن نقول الحق ولو على أنفسنا فالخليفة عبد الملك خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، والله أعلم، بما فعل وللأمانة التاريخية أمام الله أولًا ثم أمام المسلمين نقول: إن عبد الملك يتحمل قسطًا وافرًا من الظلم الذي مارسه الحجاج بعد أن سلطه على العراق وسائر المشرق - مهما كانت نواياه - والظلم الذي مارسه الحجاج كان معول هدمٍ في عهد الأمويين بقي أثره حتى أفل نجمهم والله تعالى أعلم.\nومعلوم لدى الناس جميعًا أن الإنسان حين تقترب منيته وتحين ساعة المفارقة يرق قلبه وتصغر الدنيا في عينه ويندم على سيئاته، ويتمنى لو أنه لم يتقلد منصبًا حتى لا يحمل ظلم الناس وكذلك كان حال عبد الملك -رحمه الله تعالى- فقد قال سعيد بن عبد العزيز - لما احتضر عبد الملك -: أمر بفتح أبواب قصره فلما فتحت سمع قصارًا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا: قصَّار (أي: الذي يصبغ الثياب ويقصرها) فقال: يا ليتني كنت قصارًا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسبب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفرُّ إليهم، وقال: لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يومًا بيوم واشتغلت بعبادة ربي ﷿ وطاعته. [البداية والنهاية (٢١٨: ٧)].\nوأخيرًا فإننا نريد أن نربط بين أعمال الخلفاء الراشدين وآثار سنتهم في الحكم المتبقية من =","vol":"4","page":177},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بعدهم. فمعلوم لدينا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ دوّن الدواوين، ومنها ديوان العطاء وديوان الخراج و... إلخ.\nوديوان العطاء: يختص بتوزيع الأعطية على الرعايا جميعًا (ما يسمى اليوم بحقوق المواطنين، وخاصة المجاهدين، ويسجل في هذا الديوان أسماء الناس واستحقاقاتهم).\nنعم كان الإسلام يعرف هذا منذ عهد قديم (قبل أربعة عشر قرنًا) ولكن ما نقول لمستشرق أغمض عينيه فلا يرى حسنة من حسنات التاريخ الإسلامي!\nومن الأعمال الحضارية التي طوّرها عبد الملك هو ذلك العمل التجديدي في ديوان الخراج الذي يعتمد على الأرقام والحساب وهو ديوان يتضمن أسماء الأراضي الزراعية ومقادير محاصيلها مع مقدار الخراج الموضوع عليها وكانت هذه المعلومات تكتب بلغة البلاد المفتوحة (أي: الفارسية في العراق، والقبطية في مصر، والرومية بالشام) فعمد عبد الملك إلى توحيد لغتها فأصبحت جميعًا بلغة القرآن (العربية) وبذلك أصبح عصب مهم من اقتصاد الخلافة واضحًا ومفتوحًا أمام الخليفة بعد أن كان صعبًا عليه أن يقرأها دون الاستعانة بمترجمين أو دون استدعاء القائمين عليها ولكن بعد توحيد لغة الدواوين أصبح الاقتصاد الإسلامي في قبضة الخلافة وذلك إنجاز إداري في غابر الزمان لو تدبره المنصف لتبين له عظمة التاريخ الإسلامي.\nوأخيرًا فإن خلفاء بني أمية (خلا اليزيدين؛ يزيد بن معاوية، ويزيد بن الوليد الفاسق) كانوا يتولون الحج كل عام أو يرسلون من ينوب عنهم من الأمراء، فالناس يرون الخليفة يصلي الصلوات الخمس ويحكم في قضاياهم ويدير شؤونهم ويتولون الحج ويشاركون مع سائر الأمة في شعائر الحج ومناسكه.\nكما أخرج ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا محمد بن بكر الرساني قال: أخبرنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن محمد بن صهيب أنه رأى عبد الملك بن مروان يبتاع بمنى بدنة. [الطبقات الكبرى (٥: ٢٣٥)].\nقلنا: والثابت تاريخيًا أن عبد الملك قد أمر بتعريب الدواوين وكتابتها جميعًا بلغة القرآن [المصدر الأول من مصادر هذا الدين] وأمر بضرب النقود كذلك، وبهاتين العمليتين الحضاريتين أضاف إلى جهود الفتوحات والدعوة الإسلامية أمورًا أخرى أدت بالنتيجة إلى قوة نظام الخلافة ووحدة الصف من الشرق إلى الغرب وكما اعترف أحد المستشرقين (المعادين للتاريخ الإسلامي) وهو: أندريه مايكل إذ قال: لقد أقام الأمويون نظامًا من أقوى النظم التي عرفتها البشرية بأسرها، وبفضلهم دخل الإسلام في ذروة العصور الوسطى .... وكان لهذا الحدث عواقب يصعب حسابها فلأول مرة تقع هاتان المنطقتان من مصب أنهار السند إلى أسبانيا تحت سلطة واحدة وتندمج في مجال اقتصادي واحد وتنظمها ثقافة واحدة. [الإسلام وحضارته: الباب الرابع: ٩٧].","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>خلافة الوليد بن عبد الملك</span>\nوفي هذه السنة بُويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة، فَذُكر أنه لما دَفَن أباه وانصرف عن قَبره، دخل المسجدَ فصعد المنبرَ، واجتَمَع إليه الناس، فخطَب فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون! واللهُ المستعان على مصيبتنا بموتِ أميرِ المؤمنين، والحمدُ لله على ما أنعَم به علينا من الخلافة. قومُوا فبايعوا (١). (٦: ٤٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>ولاية قتيبة بن مسلم على خُراسان من قِبَل الحجاج</span>\nوفي هذه السنة قَدِم قتيبةُ بن مسلمِ خُراسان واليًا عليِها من قبَل الحجّاج، فذكر عليّ بن محمد أنّ كُليب بن خَلف، أخبَره عن طُفيل بن مِرداس العميّ والحسنَ بن رُشيد، عن سليمانِ بن كثير العميّ، قال: أخبرَني عمّي قال: رأيت قُتيبَة بنَ مُسلم حين قَدِم خُراسان في سنة ست وثمانين، فقدَم والمفضّلُ يَعرِض الجُندَ، وهو يريد أن يَغْزُوَ أخْرون وشُومان، فَخَطَب الناس قتيبة، وحثّهم على الجهاد، وقال:\nإنّ الله أحلّكم هذا المَحلّ ليُعزَّ دينَه، ويذبَّ بكم عن الحُرُمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدوّ وقَمًا، ووعد نبيه - ﷺ - النصر بحديث صادق، وكتاب ناطق، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. ووعَدَ المجاهدين في سبيله أحسنَ الثواب، وأعظمَ الذُّخْر عندَه فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم أخَبر عمن قُتل في سبيله أنه حيّ مرزوق، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ\n_________\n(١) قلنا: وقال خليفة: ثم بويع الوليد بن عبد الملك في النصف من شوال سنة (٨٦ هـ) (ص ٣٠٢).\nوكذلك أرخ الحافظ ابن كثير لذلك بالنصف من شوال سنة (٨٦ هـ) [البداية والنهاية (٢٦٠: ٧)].","vol":"4","page":179},{"text":"يُرْزَقُونَ﴾. فتنجَّزوا موعودَ ربكم ووطِّنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم، وإيّاي والهُوَيني (١). (٦: ٤٢٤).\nوفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم.\nوفيها حَبس الحجّاج بن يوسفَ يزيدَ بنَ المهلَّب، وعَزَل حبيبَ بن المهلَّب عن كرمان، وعبد الملك بن المهلب عن شُرْطته.\nوحَجّ بالناس في هذه السنة هشامُ بن إسماعيلَ المخزوميّ، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ.\nكان الأمير على العراق كله والمشرق كلّه الحجاج بن يُوسف، وعلى الصّلاة بالكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقَيل، وعلى الحرب بها من قبل الحجّاج زيادُ بن جرير بن عبد الله. وعلى البَصْرة أيوب بن الحَكَم، وعلى خُراسان قُتيبة بن مُسلِم (٢). (٤٢٦: ٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففي هذه السنة عَزَل الوليدُ بن عبد الملك هشامَ بنَ إسماعيل عن المدينة، وورَدَ عزلُه عنها - فيما ذُكر - ليلةَ الأحد لسبعِ ليال خلَوْن من شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين. وكانت إمرته عليها أربعَ سنين غيرَ شهر أو نحوه (٣). (٦: ٤٢٧).\n_________\n(١) هذا إسناد مركب، فالخبر رواه المدائني من طريقين لا يخلو واحد منهما من مجهول أو ضعيف، ولم نجد في المتن نكارة أو غرابة، وراجع المقدمة للمزيد من التعليق على هذا الإسناد المركب.\nولقد قال خليفة بن خياط: ثم ضمَّ (أي عبد الملك) خراسان إلى الحجاج فولّاها الحجاج قتيبة بن مسلم فقدمها سنة (٨٦ هـ) قبل وفاة عبد الملك. [تاريخ خليفة (ص ٢٩٧)].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الوليد.\n(٣) قال خليفة: مات عبد الملك، وعليها هشام بن إسماعيل المخزومي فأقره الوليد سنتين ثم عزله وولى عمر بن عبد العزيز بن مروان سنة (٨٧ هـ) حتى أولها أو آخر سنة (٨٦ هـ) فأقام بها إلى سنة (٩٣ هـ) [ص ٣١٥].","vol":"4","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>خبر إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة</span>\nوفي هذه السنة ولّى الوليدُ عمرَ بنَ عبد العزيز المدينة، قال الواقديّ: قدمها واليًا في شهر ربيع الأوّل؛ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وُلد سنة اثنتين وستين (١). (٦: ٤٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>خبر صلح قتيبة ونيزك</span>\nوفي هذه السنة قَدِم نَيزَك على قُتيبة، وصالح قتيبةُ أهلَ باذَغيس على ألّا يَدخُلها قتيبة.\nذكر الخبر عن ذلك:\nذَكَر عليّ بن محمد أن أبا الحَسَن الجُشميّ أخبَرَه عن أشياخ من أهل خُراسان، وجبلة بن فرّوخ عن محمد بن المثنّى، أنّ نيزك طَرْخان كان في يديه أسراءُ من المسلمين، وكتب إليه قُتيبة حينَ صالح مَلِكَ شُومان فيمن في يدَيه من أسرَى المسلمين أن يُطلِقهم، ويهدّده في كتابه، فخافَه نيزك، فأطلق الأسرى، وبَعث بهم إلى قتيبة، فوجّه إليه قتيبة سُليمًا الناصح مولَى عُبيد الله بن أبي بَكرة يدعوه إلى الصّلح وإلى أن يؤمِّنه، وكتب إليه كتابًا يحلِف فيه بالله: لئن لم يقدم عليه ليغزونّه، ثمّ ليطلبنّه حيث كان، لا يُقلع منه حتى يَظفَر به أو يموتَ قبل ذلك. فقَدم سُلَيم على نَيزَك بكتاب قتيبة - وكان يستنصحه - فقال له: يا سليم، ما أظنّ عند صاحبك خيرًا، كتَبَ إليّ كتابًا لا يُكتَب إلى مثلي! قال له سليم: يا أبا الهَيّاج، إنّ هذا رجل شديد في سلطانه، سَهْل إذا سُوهل، صعب إذا عُوسِر، فلا يمنعْك منه غلظة كتابه إليك، فما أحسن حالكَ عندَه وعندَ جميع مُضَر! فقَدِم نيزك مع سُلَيم على قُتيبة، فصالحه أهلُ باذَغيس في سنة سبع وثمانين على ألّا يَدخُل باذَغيس (٢). (٦: ٤٢٨ - ٤٢٩).\n_________\n(١) وكذلك أرخ الحافظ ابن كثير لمقدم عمر أميرًا على المدينة. [البداية والنهاية (٧: ٢٢١)].\n(٢) قال خليفة: فيها (٨٧ هـ) قدم نيزك طرخان على قتيبة بن مسلم فصالحه وأطلق من في يده من الأسارى. [تاريخ خليفة: ص ٣٠٣].","vol":"4","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>خبر غزو مسلمة بن عبد الملك أرض الروم</span>\nوفي هذه السنة غزا مَسلَمة بن عبد الملك أرض الرّوم ومعه يزيدُ بن جُبَير، فلقي الرّوم في عدد كثير بسوسَنة من ناحية المَصيصَة.\nقال الواقديّ: فيها لاقَى مسلمةُ مَيمونًا الجُرْجمانيّ ومع مَسلمة نحو من ألفِ مُقاتِل من أهل أنطاكية عند طُوانة، فقَتَل منهم بَشَرًا كثيرًا، وفَتَح الله على يديه حُصونًا (١). (٤٢٩: ٦).\nوقيل: إن الذي غَزَا الرّوم في هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح الله على يديه حصنَ بولق وحصن الأخرم وحصن بولس وقمقم، وقتل من المستعربة نحوًا من ألف مقاتل. وسبى ذراريَّهم ونساءهم. (٦: ٤٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>خبر غزو قتيبة بِيكَنْد</span>\nوفي هذه السنة غزا قتيبة بيكَنْد.\nذكر الخبر عن غَزْوَتِه هذه:\nذكَر عليّ بن محمّد أن أبا الذّيال أخبَره عن المهلّب بن إياسو، عن أبيه، عن حسين بن مُجاهد الرّازيّ وهارون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق وغيرهم، أن قتيبة لما صالحَ نيزك أقام إلى وَقْت الغَزو، ثمّ غزا في تلك السنة -سنة سبع وثمانين- بيكند، فسار من مَرْوَ وأتى مَرْوَ الرُّوذ، ثمّ أتى آمُلَ! ثمّ مضى إلى زَمّ فقَطَع النهر، وسار إلى بيكَنْد -وهي أدنى مدائنِ بُخارى إلى النهر، يقال لها مدينة التجّار على رأس المَفازة من بُخارى- فلما نزل بعَقْوَتهم استنصَروا الصُّغْد، واستمدّوا من حولهم، فأتَوْهم في جمع كثير، وأخذوا بالطريق، فلم ينفذ لقتيبة رسولٌ، ولم يصل إليه رسول، ولم يجر له خبرٌ شَهْرَين، وأبطأ خبرُه على الحجّاج، فأشفَق الحجّاج على الجند، فأمر الناس بالدّعاء لهم في المساجد، وكتب بذلك إلى الأمصار وهم يَقتتلون في كلّ يوم.\n_________\n(١) انظر تاريخ خليفة (ص ٣٠٤).","vol":"4","page":182},{"text":"قال: وكان لقُتيبة عينٌ يقال له تنذر من العجم، فأعطاه أهل البخاري الأعلى مالًا على أن يفثأ عنهم قتيبة؛ فأتاه، فقال: أخْلني، فنَهَض الناسُ واحتَبَس قتيبةُ ضرارَ بنَ حصين الضّبيّ، فقال تنذر: هذا عاملٌ يَقدُم عليك، وقد عُزل الحجاج، فلو انصرفتَ بالناس إلى مروَ! فدعا قتيبة سيَاه مولاه، فقال: اضرب عُنُقَ تنذر، فقتَلَه، ثم قال لضرار: لم يبق أحدٌ يَعلَم هذا الخبر غَيري وغيرك، وإنّي أعطي اللهَ عَهْدًا إن ظَهَر هذا الحديثُ من أحد حتى تَنْقَضيَ حربُنا هذه لألحقنّك به؛ فأملك لسانَك، فإنّ انتشار هذا الحديث يَفُتّ في أعضاد الناس. ثمّ أذن للناس.\nقال: فدخلوا، فَراعَهم قَتلُ تنذر، فوَجَموا وأطرَقوا، فقال قتيبة: ما يَروعُكم من قتل عبد أحانه الله! قالوا: إنا كنا نظنّه ناصحًا للمسلمين، قال: بل كان غاشًّا فأحانَه الله بذنْبه، فقد مضى لسبيله، فاغدُوا على قتال عدوّكم، والقوهم بغير ما كنتم تلقَونهم به، فغدا الناس متأهِّبين، وأخذوا مصافَّهم، ومَشَى قتيبة فحضّ أهل الرايات، فكانت بين الناس مُشاوَلة، ثم تزاحَفوا والتقَوا، وأخذت السيوفُ مأخذَها، وأنزَل اللهُ على المسلمين الصبرَ، فقاتلوهم حتى زالت الشمس، ثمّ مَنَح اللهُ المسلمين أكتافَهم، فانهزَموا يريدون المدينة، وأتبعهم المسلمون فشَغَلوهم عن الدخول فتفرّقوا، وركبهم المسلمون قَتلًا وأسرًا كيف شاؤوا، واعتصم من دخَل المدينة بالمدينة، وهم قليل، فوَضَع قتيبةُ الفَعَلة في أصلها ليَهدِمها، فسألوه الصلحَ فصالحهم، واستعمل عليهم رجلًا من بني قُتيبة.\nوارتحل عنهم يريدُ الرّجوع، فلما سار مرحلةً أو ثنتين، وكان منهم على خَمسة فراسخ نَقَضوا وكَفَروا، فقتلوا العاملَ وأصحابَه، وجدّعوا أنُوفَهم وآذانَهم، وبلغ قتيبة فرجع إليهم، وقد تحصّنوا، فقاتَلَهم شهرًا، ثمّ وضع الفعلة في أصل المدينة فعلّقوها بالخشب، وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدِم، فسقط الحائط وهم يعلّقونه، فقتل أربعين من الفَعَلة، فطلبوا الصّلح، فأبى وقاتَلَهم، فظفِر بهم عَنْوة، فقتل من كان فيها من المُقاتلة، وكان فيمن أخذُوا في المدينة رَجُل أعوَر كان هو الذي استجاش التُّرْك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا أفدي نفسي، فقال له سُلَيم الناصح: ما تَبذُل؟ قال: خمسة آلاف","vol":"4","page":183},{"text":"حريرة صينية قيمتُها ألف ألف، فقال قتيبة: ما تَرَون؟ قالوا: نرى أنّ فداءه زيادة في غنائم المسلمين، وما عسى أن يبلغ من كَيد هذا! قال: لا والله لا تُروَّع بك مسلمةٌ أبدًا، وأمَرَ به فقُتِل (١). (٦: ٤٢٩ - ٤٣١).\nقال عليّ: قال أبو الذّيال، عن المهلّب بن إياس، عن أبيه والحسن بن رُشيد، عن طُفَيل بن مِرْداس، أنّ قتيبة لما فتح بيكنْد أصابوا فيها من آنية الذهب والفضّة ما لا يُحصَى، فولى الغنائم والقَسْم عبد الله بن وَألان العدويّ أحد بني ملكان - وكان قتيبة يسمِّيه الأمينَ ابنَ الأمين - وإياس بن بَيهَس الباهليّ، فأذابا الآنيَة والأصنام فرَفَعاه إلى قتيبة، ورَفعا إليه خَبَث ما أذابا، فوهبه لهما، فأعطيا به أربعين ألفًا، فأعلماه فرَجع فيه وأمَرَهما أن يُذيباه فأذاباه، فخرج منه خمسون ومئة ألف مثقال -أو خمسون ألف مثقال- وأصابوا في بيكَنْد شيئًا كثيرًا، وصار في أيدي المسلمين من بيكَنْد شيء لم يُصيبوا مثلَه بخُراسان. ورجع قتيبة إلى مرو، وقَوى المسلمون، فاشترَوا السلاح والخيلَ، وجُلبتْ إليهم الدّوابّ، وتَنافَسوا في حُسن الهيئَة والعُدّة، وغالوا بالسلاح حتى بَلَغ الرّمح سبعين؛ وقال الكُمَيت:\nويومَ بيكَنْدَ لا تُحصَى عجائبهُ ... وما بُخارَاءُ ممّا أخطأ العَدَدُ\nوكان في الخزائن سلاحٌ وآلةٌ من آلة الحرب كثيرة، فكَتَب قتيبةُ إلى الحجّاج يستأذنه في دَفْع ذلك السلاح إلى الجُنْد، فأذن له، فأخرجوا ما كان في الخزائن من عُدَّة الحرب وآلة السَّفَر. فقَسَمه في الناس، فاستعدّوا، فلما كان أيامُ الربيع ندب الناسَ وقال: إنّي أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حَمْل لزاد، وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى الإدفاء؛ فسار في عدّة حَسَنة من الدّوابّ والسلاح، فأتى آمُلَ، ثم عبرَ من زَمّ إلى بُخارَى، فأتى نُومشكَث - وهي من بُخارى - فصالحوه (٢). (٦: ٤٣١ - ٤٣٢).\n_________\n(١) هذا إسناد مركب من إسنادين أحدهما من طريق المدائني عن هارون بن عيسى عن يونس بن أبي إسحاق فهو عن المدائني عن أبي الذيال (الهنيد) عن المهلب بن إياس عن أبيه عن حسين بن مجاهد الرازي وكلا الطريقين لا يخلو من مجهول أو ضعيف ولعلهما يعتضدان ببعضهما إذا أخذنا بعين الاعتبار تساهل العلماء في رواية التاريخ ونحن نأخذ بذلك بشرط خلو المتن من النكارة والله أعلم. وانظر الرواية التي تليها.\n(٢) قلنا: وهاتان روايتان عند الطبري عن فتح هذه الأماكن، وكذلك أرخ خليفة بن خياط [تاريخ =","vol":"4","page":184},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة - فيما حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر - عمر بن عبد العزيز، وهو أميرٌ على المدينة.\nوكان على قضاء المدينة في هذه السنة أبو بكر بن عمرو بن حَزْم من قبَل عُمَر بن عبد العزيز.\nوكان على العراق والمشرق كلِّه الحجّاج بن يوسف. وخليفته على البَصْرة في هذه السنة - فيما قيل - الجَرَّاح بن عبد الله الحكَميّ. وعلى قضائها عبد الله بن أذَينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ. وعلى خراسان قتيبة بن مسلم (١). (٦: ٤٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>خبر فتح حصن طُوانة من بلاد الرّوم</span>\nفمن ذلك ما كان من فَتْح الله على المسلمين حِصنًا من حصون الرّوم يُدعَى طُوانة في جُمادَى الآخرة، وشتَوا بها، وكان على الجيش مسْلمة بن عبد الملك، والعبّاس بن الوليد بن عبد الملك (٢). (٦: ٤٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[ذكر غزو قتيبة نومشَكث ورامِيثَنه]</span>\nوفي هذه السنة غزا قتيبة نومشكث وراميثَنه.\nذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه:\n_________\n= خليفة: ٣٠٣].\nوقال البلاذري: وفتح قتيبة بيكندوش ونسف والشاش وغزا فرغانة وفتح بعضها، وغزا السغد وأشروسنة. [فتوح البلدان: ٢٥٢].\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الوليد بن عبد الملك.\n(٢) وقال خليفة: وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك فرابطا بأنطاكية وشتوا بها فجمعت لهم الروم جمعًا كثيرًا فزحفوا إليهم فهزم الله الروم وقتل منهم بشرًا كثيرًا (يقال خمسون ألفًا) وفتح الله جرثومة وطوانة. اهـ. [تاريخ خليفة: ٣٠٥].","vol":"4","page":185},{"text":"ذكَر عليّ بن محمد، أنّ المفضّل بن محمد أخبَرَه عن أبيه ومصعب بن حيّان، عن مولى لهم أدرك ذلك، أن قتيبة غزا نومشَكَث في سنة ثمان وثمانين، واستخلَف على مرْو بشّار بن مُسلم، فتلقّاه أهلُها، فصالحهم، ثم صار إلى راميثنه فصالحه أهلُها، فانصرف عنهم وزحَفَ إليه الترك، معهم السُّغد وأهل فَرْغانة، فاعتَرَضوا المسلمين في طريقهم، فلَحقوا عبد الرحمن بن مسلم الباهليّ وهو على الساقة، بينه وبين قُتيبة وأوائل العسكر ميلٌ، فلما قربوا منه أرسل رسولًا إلى قتيبة بخبره، وغشيه الترك فقاتلُوه، وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس، فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلُهم، وقد كاد الترك يستعملونهم، فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصَبَروا، وقاتلوهم إلى الظهر، وأبلَى يومئذ نيزكَ وهو مع قتيبة، فهَزَم اللهُ الترك، وفض جمعهم، ورجع قتيبةُ يُريدُ مَرْوَ وقطع النهر من الترمذ يريد بلخ، ثم أتى مَرْو. وقال الباهليّون: لقي الترك المسلمين عليهم كُورمغانون التركي ابن أخت ملك الصّين في مئتي ألف، فأظهر اللهُ المسلمين عليهم (١). (٦: ٤٣٦ - ٤٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>ذكر ما عمل الوليد من المعروف</span>\nوفي هذه السنة كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمرَ بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر الآبار في البلدان.\n_________\n(١) هذا إسناد مركب:\nالأول: من طريق المفضل بن محمد عن أبيه، والمفضل ثقة في التاريخ ضعيف في الحديث.\nوالثاني: من طريق مصعب بن حيان لبنه الحافظ وذكره ابن حبان في الثقات ورواه مصعب عن مولى أدرك تلك الحوادث (أبهم اسمه).\nولعل الطريقان تعتضدان ببعضهما من باب التساهل في رواية التاريخ ما لم يكن في المتن نكارة.\nولقد قال خليفة متحدثًا عن حوادث سنة (٨٨ هـ) فيها غزا قتيبة بن مسلم نومشكث فتلقاه أهلها فصالحوه ثم سار إلى راميثنة فصالحه أهلها وانصرف فزحف إليهم الترك ومعهم الصغد، وأهل فرغانة .... فأظهر الله المسلمين. [تاريخ خليفة: ص ٣٠٥].\nوكذلك قال البلاذري: وغزا (أي: قتيبة) تومشكث وكرمينية سنة ٨٨ هـ. [فتوح البلدان: ص ٢٥١].","vol":"4","page":186},{"text":"قال محمد بن عمر: حدّثني ابنُ أبي سَبْرة، قال: حدّثني صالح بن كيسان، قال: كتب الوليدُ إلى عمَر في تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة، وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك، وكتب الوليدُ إلى خالد بن عبد الله بذلك. قال: وحَبَس المجذَّمين عن أن يخرجوا على الناس، وأجرى عليهم أرزاقًا، وكانت تجرى عليهم.\nوقال ابن سبرة، عن صالح بن كيسان؛ قال: كتب الوليدُ إلى عمر بن عبد العزيز أن يعمل الفوّارة التي عند دار يزيدَ بن عبد الملك اليومَ، فعملها عمر وأجرى ماءها، فلما حجّ الوليد وقَف عليها، فنظر إلى بيت الماء والفوّارة فأعجبته، وأمر لها بقُوّام تقومون عليها، وأن يُسقى أهلُ المسجد منها، ففُعل ذلك (١). (٦: ٤٣٧).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عمرُ بن عبد العزيز في رواية محمّد بن عمر. ذكرَ أنّ محمد بن عبد الله بن جُبير -مولى لبني العباس- حدّثه عن صالح بن كَيسان، قال: خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة -يعني سنة ثمان وثمانين- بعدّة من قريش، أرسل إليهم بصلات وظَهْر للحُمولةِ، وأحرموا معه من ذي الحُلَيفة، وساق معه بُدْنًا، فلما كان بالتّنعيم لقيَهم نَفر من قريش، منهم ابن أبي مُلَيكة وغيره، فأخبروه أنّ مكّة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاجّ العطش، وذلك أن المطر قلَّ، فقال عمر: فالمَطْلب ها هنا بيِّن، تعالوا نَدْع الله. قال: فرأيتُهم دَعَوا ودعا معهم، فألحّوا في الدعاء. قال صالح: فلا والله إن وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل، وسَكَبت السماء، وجاء سَيلُ الوادي، فجاء أمرٌ خافَه أهلُ مكة، ومُطرت عرفةُ ومنى وجُمْعٌ، فما كانت إلا عُبْرًا، قال: ونبتت مكة تلك السنة للخِصْب (٢). (٦: ٤٣٧ - ٤٣٨).\nوأمّا أبو مَعشر فإنه قال: حجّ بالناس سنة ثمان وثمانين عمرُ بن الوليد بن\n_________\n(١) قلنا: سنتحدث عن أعمال الوليد ﵀ بعد انتهائنا من فترة حكمه إن شاء الله.\n(٢) وكذلك قال خليفة: أقام الحج عمر بن عبد العزيز [ص ٣٠٦].","vol":"4","page":187},{"text":"عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه (١). (٤٣٨: ٦).\nوكانت العمّال على الأمصار في هذه السنة العمّال الذين ذكرْنا أنهم كانوا عمّالها في سنة سبع وثمانين (٢). (٦: ٤٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>ثمّ دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>خبر غزو مسلمة أرض الرُّوم</span>\nفمن ذلك افتتاحُ المسلمين في هذه السنة حصنَ سُورية، وعلى الجيش مسلمة بن عبد الملك، زعم الواقديّ أن مَسلمَة غزا في هذه السنة أرض الرّوم، ومعه العبّاس بن الوليد ودخلاها جميعًا ثمّ تفرّقا، فافتتح مسلمة حصنَ سُورية، وافتتح العبّاس أذروليّة، ووافق من الرّوم جَمْعًا فهزَمهم.\nوأما غيرُ الواقديّ فإنه قال: قصد مسلمة عموريّة فوافق بها للرّوم جَمعًا كثيرًا، فهَزَمهم الله، وافتتح هِرَقْلةَ وقمودية.\nوغزا العبّاس الصائفة من ناحية البُدَنْدُون (٣). (٦: ٤٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>خبر غزو قتيبة بخارى</span>\nقال عليّ: أخبَرَنا أبو الذّيّال عنِ المهلّب بن إياس، وأبو العلاء عن إدريس بن حنظلة، أنّ قتيبة غزا وَرْدان خُذَاه ملك بُخارى سنة تسع وثمانين فلم\n_________\n(١) قلنا: الذي اختاره ابن كثير في البداية والنهاية أن عمر بن عبد العزيز هو الذي حج بالناس هذه السنة. [البداية والنهاية (٧: ٢٢٤)].\n(٢) انظر قوائم العمال بعد نهاية عهد الوليد.\n(٣) قلنا: قول الطبري هنا (وزعم الواقدي) دليل على تشكيكه في خبره هنا لذلك عارضه بقول الآخرين.\nولقد قال خليفة: وفيها (٨٩ هـ) غزا مسلمة بن عبد الملك عمورية فلقي جمعًا من المشركين فهزمهم الله. [تاريخ خليفة: ٣٠٦].","vol":"4","page":188},{"text":"يُطِقْه، ولم يظفر من البلد بشيء، فرجع إلى مرو، وكتب إلى الحجاج بذلك، فكَتَب إليه الحجاج: أنْ صَوّرها لي، فبعث إليه بصُورتها، فكتَبَ إليه الحجّاج: أن ارجع إلى مراغتك فتُبْ إلى الله مما كان منك، وائْتها من مكانِ كذا وكذا (١). (٤٣٩: ٦ - ٤٤٠).\nوفيها غَزَا مسلمة بن عبد الملك التُّرك حتى بلغ الباب من ناحية أذْربيجان، ففتح حُصونًا ومدائنَ هنالك.\nوحَجَّ بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذَكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر.\nوكان العمّال في هذه السنة على الأمصار العمال في السنة التي قَبْلَها، وقد ذكرناهم قَبْل (٢). (٦: ٤٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nففي هذه السنة غزا مَسْلمةُ أرضَ الرّوم - فيما ذكر محمد بن عمَر - من ناحية سُورية، ففتَحَ الحُصونَ الخمسةَ التي بسُورية.\nوغزا فيها العباس بن الوليد؛ قال بعضهم: حتى بَلَغ الأرزَن؛ وقال بعضُهم: حتى بَلَغ سُورية. وقال محمد بن عمر: قولُ من قال: حتى بَلَغ سُورية أصحّ.\nوفيها قَتَل محمّدُ بن القاسم الثقفيّ داهرَ بن صصّة مَلِك السِّند، وهو على جيش من قِبَل الحجّاج بن يوسف (٣). (٦: ٤٤٢).\n_________\n(١) قال خليفة: فيها (٨٩ هـ): غزا قتيبة بن عسلم وردان خذاه ملك بخارى فلم يطقهم فرجع. [تاريخ خليفة: ص ٣٠٥].\n(٢) انظر قوائم العمال بعد نهاية عهد الوليد بن عبد الملك.\n(٣) قلنا: قال البلاذري: وحدثني علي بن محمد المدائني عن أبي محمد الهندي عن أبي الفرج قال: لما قتل داهر غلب محمد بن القاسم على بلاد السند [فتوح البلدان: ٢٦١].\nوقال البلاذري أيضًا: ثم إن محمدًا (ابن القاسم) احتال لعبور مهران حتى عبره مما يلي بلاد راسل ملك قصة من الهند على جسر عقده وداهر مستخف به لاه عنه ولقيه محمد والمسلمون وهو على فيل وحوله الفيلة ومعه التكاكره فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يسمع بمثله وترجل داهر =","vol":"4","page":189},{"text":"وفيها استَعملَ الوليد قُرَّةَ بن شريك على مصرَ موضع عبد الله بن عبد الملك.\nوفيها أسرت الرّومُ خالد بن كَيسان صاحبا البحر، فذهبوا به إلى مَلِكهم، فأهداه ملك الروم إلى الوَليد بن عبد الملك. (٦: ٤٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>[خبر فتح بخارى]</span>\nوفيها فَتَح قُتيبةُ بُخارَى، وهَزَم جُموعَ العدوّ بها.\nذكر الخبر عن ذلك:\nذكر عليّ بن محمد أن أبا الذّيال أخبَرَه عن المهلّب بن إياس؛ وأبا العلاء عن إدريس بن حَنْظلة؛ أنّ كِتَاب الحجّاج لمّا ورد على قتيبة يأمره بالتوبة مما كان، من انصرافه عن وَرْدان خُذاه ملك بُخارى قبل الظفر به والمصير إليه. ويعزفه الموضَع الذي ينبغي له أن يأتي بلده منه، خرج قُتيبة إلى بُخارى في سنة تسعين غازيًا، فأرسل وردان خذاه إلى السُّغد والتُّرك ومن حملهم يستنصرونهم، فأتوْهم وقد سَبَق إليها قتيبةُ فحَصرهم، فلمّا جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم ليقاتلوهم، فقالت الأزْد: اجعَلونا على حدة، وخَلُّوا بيننا وبين قتالهم. فقال قتيبة: تقدَّموا؛ فتقدّموا يقاتلونهم وقتيبةُ جالسٌ. عليه رداءٌ أصفر فوق سلاحه، فصبَروا جميعًا مليًّا، ثمّ جال المسلمون، وركبهم المشركون فحطموهم حتى دخلوا في عسكر قتيبة وجازوه حتى ضرب النساءُ وجوه الخيل وبكين، فكرّوا راجعين، وانطوت مُجنّبتَا المسلمين على الترك، فقاتلوهم حتى ردّوهم إلى مواقفهم، فوقف الترك على نَشَز، فقال قتيبة: من يويلُهم لنا عن هذا الموضع؟ فلم يقدم عليهم أحد، والأحياء كلّها وقوفٌ.\nفمشى قتيبة إلى بني تميم، فقال: يا بني تميم، إنكم أنتم بمنزلة الحطميّة، فيولم كأيّامكم، أبي لكم الفداء! قال: فأخذ وكيع اللواءَ بيَده، وقال: يا بني تميم، أتسلمونني اليوم؟ قالوا: لا يا أبا مطرّف - وهريم بن أبي طَلْحة المُجاشعيّ على خيل بني تميم ووكيع رأسُهم، والناس وقوف - فأحجَموا جميعًا، فقال\n_________\n= وقاتل فقتل عند المساء وانهزم المشركون فقتلهم المسلمون. [فتوح البلدان: ٢٦١].","vol":"4","page":190},{"text":"وكيع: يا هُريمُ، قَدِّم، ودفع إليه الرّاية، وقال: قدّم خيلَك فتقدّم هُرَيم، ودبّ وكيع في الرجال، فانتهى هُريم إلى نهر بينه وبين العدوّ فوقف، فقال له وكيع: اقحم يا هُرَيم، قال: فنظر هُرَيم إلى وكيع نظرَ الجَمَل الصَّؤول وقال: أنا أقحم خيلي هذا النهرَ، فإن انكشفت كان هلاكُها! والله إنك لأحمق؛ قال: يا بن اللَّخناء، ألا أراك تردّ أمري وحَذَفه بعمود كان معه، فضَرَب هريم فرسَه فأقحمه، وقال: ما بعد هذا أشدّ من هذا، وعبر هُريم في الخَيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فدعا بخَشَب، فقَنْطر النهر وقال لأصحابه: من وطّن منكم نفسه على الموت فليعبُر، ومن لا فلْيثبت مكانَه؛ فما عبَر معه إلا ثمانمئة راجل، فدبّ فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا حتى دنا من العدوّ، فجعل الخيل مجنّبتين، وقال لهريم: إني مُطاعن القوم، فاشغلهم عنّا بالخيل، وقال للناس: شُدّوا، فحملوا فما انثنوا حتى خالطوهم، وحمل هريم خيله عليهم فطاعنوهم بالرّماح فما كفّوا عنهم حتى حَدّروهم عن موقفهم، ونادى قتيبة: أما تَرَون العدوّ منهزمين! فما عبرَ أحدٌ ذلك النهر حتى ولَّى العدوُ منهزمين، فأتبعهم الناسُ، ونادى قتيبة: من جاء برأس فله مئة.\nقال: فزعم موسى بن المتوكّل القُريعيّ، قال: جاء يومئذ أحدَ عشرَ رجلًا من بني قُرَيع، كلّ رجل يجيء برأس، فيقال له: من أنت؟ فيقول: قُريعيّ. قال: فجاء رجل من الأزْد برأس فألقاه، فقالوا له: من أنت؟ قال: قُريعيّ؛ قال: وجَهم ابن زحر قاعد، فقال: كَذَب والله أصلحك الله! إنه لابن عمي؛ فقال له قُتيبة: ويحك! ما دعاك إلى هذا؟ قال: رأيتُ كلَّ من جاء قُريعيّ: فظننتُ أنه ينبغي لكلّ من جاء برأس أن يقول قُريعي قال: فضحك قُتيبة.\nقال: وجُرح يومئذ خاقان وابنُه، ورجع قتيبةُ إلى مَرْوَ، وكتب إلى الحجّاج: إني بعثتُ عبدَ الرحمن بنَ مسلم، ففتح الله على يديه.\nقال: وقد كان شهد الفتحَ مولى للحجّاج، فقَدم فأخبرَه الخبر، فغَضب الحجّاج على قتيبة، فاغتمّ لذلك. فقال له الناس. ابعثْ وَفْدًا من بني تميم وأعطهم وأرضهم يُخبروا الأميرَ أنّ الأمرَ على ما كتبْتَ، فبعثَ رجالًا فيهم عُرام بن شُتير الضّبيّ، فلمّا قدموا على الحجّاج صاح بهم وعاتبهم ودعا بالحجّام بيَده مقراض فقال: لأقطِّعنّ ألسنتكم أو لتصدقُنَّني، قالوا: الأميرُ قتيبة، وبعث","vol":"4","page":191},{"text":"عليهم عبدَ الرحمن، فالفتحُ للأمير والرأسِ الذي يكون على الناس، وكلّمه بهذا عُرام بن شُتير، فسَكن الحجّاج (١). (٦: ٤٤٢ - ٤٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>غدر نِيزَك</span>\nوفي هذه السنة غَدَرَ نيزَك، فنقض الصّلح الذي كان بينه وبين المسلمين وامتنع بقلعته، وعاد حَرْبًا، فغَزاه قُتيبة.\nذكر الخبر عن سبب غدره وسبب الظَّفَر به:\nقال علي: ذَكَر أبو الذّيال، عن المهلّب بن اياس والمفضَّل الضّبيّ، عن أبيه، وعليّ بن مجاهد وكُليب بن خَلَف العميّ؛ كلّ قد ذكر شيئًا فألّفته؛ وذَكَر الباهليّون شيئًا فألحقتُه في خَبَر هؤلاء وألفتُه؛ أن قتيبة فَصَل من بخارَى ومعه نيزَك وقد ذعَره ما قد رأى من الفُتوح، وخاف قتيبة: فقال لأصحابه وخاصّته؛ مُتَّهم أنا مع هذا، ولستُ آمَنُه؛ وذلك أنّ العربيّ بمنزلة الكَلْب؛ إذا ضربتَه نَبَح، وإذا أطعَمْته بَصْبَص واتّبعك، وإذا غَزوْته ثمّ أعطيته شيئًا رضيَ، ونسيَ ما صنعتَ به، وقد قاتَلَه طرْخونُ مرارًا، فلما أعطاه فدية قبلها ووضيَ، وهو شديد السَّطْوة فاجر فلو استأذنت ورجعتُ كان الرأي، قالوا: استأذنه. فلما كان قتيبة بآمُل استأذَنَه في الرّجوع إلى تُخارِسْتان، فأذن له، فلما فارق عسكرَه متوجِّهًا إلى بَلْخَ قال لأصحابه: أغذُّوا السَّيرَ؛ فساروا سيرًا شديدًا حتى أتَوا النّوبهار فنَزَل يصلّي فيه وتبرّك به. وقال لأصحابه: إني لا أشك أنّ قتيبة قد نَدِم حين فارقنَا عسكرَهُ على إذنه لي، وسيُقدم الساعةَ رسوله على المغيرة بن عبد الله يأمره بحبْسي، فأقيموا ربيئةً تنظر، فإذا رأيتم الرسولَ قد جاوَز المدينةَ وخرج من الباب فإنه لا يبلغ\n_________\n(١) ولم نجد هذه التفاصيل التي ذكرها الطبري في الخبر في مكان آخر من المصادر التاريخية إلّا أن أصل الخبر (أي: فتح بخارى من قبل قتيبة في هذه السنة) أكده كل من خليفة بن خياط والبلاذري.\nقال خليفة: فيها (٩٠ هـ) غزا قتيبة بن مسلم وردان خذاه الغزوة الثانية وأرسل وردان خذاه إلى الصغد والترك ومن حولهم يستنصرهم فلقيهم قتيبة فهزمهم الله وففق جمعهم. [تاريخ خليفة: ٣٠٦].\nوقال البلاذري: وغزا قتيبة بخارى ففتحها صلحًا [فتوح البلدان: ص ٢٥١].","vol":"4","page":192},{"text":"البُروقان حتى نبلغ تخارِستان، فيبعث المغيرة رجلًا فلا يُدرِكنا حتى ندخلَ شعب خُلم؛ ففعلوا.\nقال: وأقبل رسولٌ من قِبَل قتيبة إلى المغيرة يأمُرُه بحبس نيزَك. فلما مرّ الرّسول إلى المغيرة وهو بالبُروقان - ومدينة بَلْخ يومئذ خَراب - ركب نيزَك وأصحابه فمضَوا، وقَدم الرسولُ على المغيرة فركب بنفسه في طلبه، فوَجَدَه قد دَخَل شعب خُلم، فانصرف المغيرة، وأظهَر نيزَك الخلع، وكتب إلى أصبهبذ بَلْخ وإلى باذام ملِك مَرْوَروذ، وإلى سهرب ملك الطالقان، وإلى ترسُل ملك الفارياب. وإلى الجوزجانيّ ملك الجُوزجان يدعوهم إلى خَلْع قتيبة، فأجابوه، وواعَدَهم الرّبيع أن يجتمعوا ويغزُوا قتيبة. وكتب إلى كابل شاه يستظهِر به، وبعث إليه بثَقَله ومالِه، وسأله أن يأذَن له إن اضطر إليه أن يأتيَه ويؤمِّنَه في بلاده، فأجابه إلى ذلك وضَمَّ ثَقَله.\nقال: وكان جبْغويه مَلِك تخارستان ضعيفًا، واسمه الشذّ، فأخذه نيزَك فقيَّده بقَيد من ذَهَب مخافة أن يشغَب عليه - وجبغويه ملك تخارستان ونيزَك من عبيده - فلما استوثق منه وضَعَ عليه الرّقبَاء، وأخرج عامل قُتيبَةَ من بلاد جبْغويه، وكان العامل محمد بن سُليم الناصح، وبلغ قتيبة خلعَه قبل الشتاء، وقد تفرّق الجند فلم يَبقَ مع قتيبة إلا أهل مَرْو، فبعث عبد الرّحمن أخاه إلى بَلْخ في اثني عشر ألفًا إلى البروقان، وقال: أقم بها، ولا تُحدث شيئًا، فإذا حَسَر الشتاء فعَسْكِرْ وسِرْ نحو تخارستان، واعلم أني قريب منك، فسار عبدُ الرّحمن فنزل البروقان، وأمهَل قتيبة حتى إذا كان في آخر الشتاء كتَبَ إلى أبرشهر وبيوَرْد وسَرَخْس وأهل هَراة ليقدَموا قبل أوانِهم الّذي كانوا تقدَمون عليه فيه [٦: ٤٤٥ - ٤٧٧).\nوحَجّ بالنّاس في هذه السنة عمرُ بن عبد العزيز، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشَر. وكذلك قال محمد بن عمر.\nكان عمرُ بن عبد العزيز في هذه السنة عامل الوليد بن عبد الملك على مكّة والمدينة والطائف. وعلى العراق والمشرق الحجّاج بن يوسف، وعامل الحجّاج على البَصْرة الجرّاح بن عبد الله. وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى الكوفة زياد بن جَرير بن عبد الله. وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى. وعلى خُراسان قتيبة بن مُسلم، وعلى مصر قُرّة بن قُرّة بن شَريك. (٦: ٤٤٧).","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج</span>\nوفي هذه السنة هَرَب يزيدُ بن المهلّب وإخوته الذين كانوا معه في السجن مع آخرين غيرهم، فلَحقوا بسُليمان بن عبد الملك مستجيرين به من الحجّاج بن يوسف، والوليد بن عبد الملك (١). (٦: ٤٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها غزا - فيما ذَكَر محمّد بن عمَر وغيرُه - الصائفةَ عبدُ العزيز بن الوليد، وكان على الجيش مسلَمة بن عبد الملك.\nوفيها غزا أيضًا مسلَمة الترْك؛ حتى بلغ البابَ من ناحية أذْرَبيجان، ففُتح على يديه مدائنُ وحُصون.\nوفيها غزا موسى بن نُصير الأندلس، ففتُح على يديه أيضًا مدائنُ وحصون (٢). (٦: ٤٥٤).\nوفي هذه السنة قَتَل قتيبةُ بن مسلم نيزَكَ طَرْخان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>تتمَّة خبر قتيبة مع نِيزك</span>\nقال الطبري: رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد وقصّة نيزَك وظَفَر قُتيبة به حتى قتله (٣).\nيقول الطبري: ولما قدم مَنْ كان قتيبةُ كتب إليه يأمره بالقُدوم عليه من أهل\n_________\n(١) ثم ذكر الطبري الخبر في سبب تخلصهم من سجن الحجاج وذلك من طريق المتروك هشام عن شيخه الهالك أبي مخنف ولقد ذكرنا الرواية في قسم الضعيف.\n(٢) قلنا: الأحداث التي لم يعطها الطبري حقها مسألة فتوح الأندلس على يدي القائدين الجليلين (طارق وموسى) والله أعلم.\n(٣) انظر الرواية وإسنادها آنفًا [٦: ٤٤٥ - ٤٤٦ - ٤٤٧]، والطبري هنا يكمل تلك الرواية السابقة كعادته في قطع سلسلة الأحداث لتوالي السنين لأن تأريخه حولي كما نعلم.","vol":"4","page":194},{"text":"أبْرَشَهْر وبيورْد وسرْخس وهرَاةَ على قتيبة، سار بالناس إلى مَرْوَروذ واستَخلَف على الحرب حمّاد بن مسلم، وعلى الخَراج عبد الله بن الأهتم. وبلغ مَرزُبان مَرْوَروذ إقبالُه إلى بلاده، فَهَرَب إلى بلاد الفُرْس. وقَدِم قتيبة مَرْوَروذ فأخذ ابنين له فقَتَلهما وصلَبهما، ثمّ سار إلى الطالقان فقام صاحبُها ولم يحاربْه، فكفّ عنه، وفيها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، واستعمل على الطالقان عمرو بن مسلم، ومضى إلى الفارياب، فخرج إليه ملك الفارياب مُذْعنًا مقرًّا بطاعته، فرضيَ عنه، ولم يقتل بها أحدًا، واستعمَل عليها رجلًا من باهلة، وبلغ صاحبُ الجُوزجان خبرُهم، فترك أرضَه وخَرَج إلى الجبال هاربًا، وسار قتيبةُ إلى الجُوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين، فقَبل منهم، فلم يَقتُل فيها أحدًا، واستعمل عليها عامرَ بنَ مالك الحمّانيّ، ثمّ أتى بَلْخ فلقيَه الأصبهبَذ في أهلِ بَلْخ، فدخلها فلم يُقِم بها إلّا يومًا واحدًا.\nثم مضى يَتبع عبدَ الرحمن حتى أتى شعب خُلْم، وقد مضى نيزَك فعسكَر ببَغْلان، وخلف مُقاتلةً على فم الشّعب ومَضايقِه يمنعونه، ووضع مقاتِلَةً في قَلْعة حصينة من وراء الشِّعب، فأقام قتيبة أيّامًا يقاتلهم على مَضِيق الشِّعب لا يقدر منهم على شيء، ولا تقدِر على دخوله، وهو مَضيقٌ، الوادي يجري وسَطه، ولا يَعرف طريقًا يُفضي به إلى نِيزَك إلا الشِّعب أو مفازة لا تحتَمل العساكر، فبقي متلدِّدًا يلتمس الحيَل.\nقال: فهو في ذلك إذْ قَدِم عليه الرّوب خان مَلِك الرّوب وسمنْجان، فاستأمَنَه على أن يدلّه على مَدخَل القَلْعة التي وراءَ هذا الشِّعب، فآمنه قتيبة، وأعطاه ما سأله، وبعث معه رجالًا ليلًا، فانتهى بهم إلى القَلْعة التي من وراء شِعْب خُلْم، فطرَقُوهم وهم آمنون فقتَلوهم، وهرب مَنْ بقيَ منهم ومن كان في الشِّعب، فدخل قتيبة والناسُ الشِّعب، فأتى القلعة ثمّ مضى إلى سِمنْجان ونيزَك ببغْلان بعين تدعى فَنْج جاه، وبين سِمنْجان وبَغْلان مفازة ليست بالشديدة.\nقال: فأقام قتيبة بسمنْجانَ أيامًا، ثمّ سار نيزَك، وقدّم أخاه عبد الرحمن، وبلغ نيزَك فارتحَل من منزله حتى قطع وادي فَزغانة، ووجّه ثقلَه وأمواله إلى كابُل شاه، ومضى حتى نَزلَ الكرْز وعبد الرّحمن بن مسلم يَتبعه، فنزل عبدُ الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قُتيبة أسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فَرْسخان،","vol":"4","page":195},{"text":"فتحرّز نيزَك في الكرز وليس إليه مسلَك إلا من وجه واحد، وذلك الوجه صَعْب لا تُطيقه الدّوابّ، فحصَرَه قتيبة شهرَين حتى قلّ ما في يد نيزَك من الطعام، وأصابهم الجُدَرِيّ وجُدِّر جبغويه، وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سُليمًا الناصح، فقال: انطلِق إلى نيزَك واحتَلْ لأنْ تأتيَني به بغيرِ أمان، فإنْ أعياك وأبَى فآمنه، واعلم أني إن عاينتُك وليس هو معك صلبتُك؛ فاعمل لنفسك. قال: فاكتب لي إلى عبد الرحمن لا يُخالفني؛ قال: نعم. فكتب له إلى عبد الرحمن فقَدم عليه، فقال له: ابعثْ رجالًا فليكونوا على فمِ الشِّعب. فإذا خرجت أنا ونيزَك فلْيَعطفوا من ورائنا فيَحُولوا بينَنا وبين الشِّعب. قال: فبعث عبدُ الرحمن خَيلًا فكانوا حيث أمَرَهم سُلَيم، ومضَى سُليم وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقي أيامًا والأخْبِصة أوقارًا، حتى أتى نيزَك، فقال له نيزَك: خذلْتني يا سليم، قال: ما خذلْتُك، ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك، خلعتَ وغدرتَ، قال: فما الرأي؟ قال: الرأيُ أن تأتيَه فقد أمحكته. وليس ببارح موضعَه هذا. قد اعتزم على أن يشتُوَ بمكانه؛ هلك أو سلم، قال: آتيه على غيرِ أمان! قال: ما أظنه يؤمنك: لما في قلبه عليك، فإنك قد ملأتَه غيظًا، ولكن أرى ألّا يعلم بك حتى تَضَع يدَك في يده، فإني أرجو إن فعلتَ ذاك أن يستحييَ ويعفوَ عنك، قال: أترى ذلك؟ قال: نعم، قال: إنّ نفسي لتأبَى هذا، وهو إنْ رآني قتَلني، فقال له سليم: ما أتَيتُك إلا لأشيرَ عليك بهذا، ولو فعلتَ لرجوتُ أن تَسلَم وأن تعودَ حالُك عندَه إلى ما كانت؛ فأما إذْ أبيتَ فإني منصرف. قال: فنغدّيك إذًا، قال: إني لأظنكم في شُغل عن تَهيئة الطعام، ومعنا طعامٌ كثير.\nقال: ودعا سليم بالغَداء فجاؤوا بطَعام كثير لا عَهدَ لهم بمثله منذ حصروا، فانتهبه الأتراك، فغمّ ذلك نيزَك، وقال سليم: يا أبا الهيّاج، أنا لك من الناصحين، أرى أصحابَك قد جُهِدوا، وإن طال بهم الحصار وأقمتَ على حالك لم آمَنْهم أن يستأمنوا بك، فانطَلق وائْتِ قُتيبة، قال: ما كنتُ لآمنَه على نفسي، ولا آتيه على غير أمان؛ فإنّ ظنّي به أنه قاتلي وإن آمنني، ولكنّ الأمان أعذَر لي وأرجَى، قال: فقد آمنك أفتتّهمني! قال: لا، قال: فانطلق معي، قال له أصحابه: اقبل قولَ سليم، فلم يكن ليقولَ إلا حقًّا، فدعا بدوابّه وخرج مع سليم، فلما انتهَى إلى الدرجة التي يُهبط منها إلى قرار الأرض قال: يا سليم،","vol":"4","page":196},{"text":"من كان لا يعلم متى يَموت فإني أعلَم متى أمُوت، أموتُ إذا عاينْتُ قُتيبة؛ قال: كلّا أيقتلُك مع الأمان! فركب ومضَى معه جبغويه - وقد بَرَأ من الجُدَريّ - وصُولُ وعثمانُ ابنا أخي نيزَك - وصول طَرْخان خليفة جبْغويه، وخنس طرخان صاحب شرطه - قال: فلما خرج من الشِّعب عطفت الخيلُ التي خلفها سليم على فوّهة الشعب؛ فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزَك لسُلَيم: هذا أوّل الشرّ؛ لا تفعل، تخلُّف هؤلاء عنك خيرٌ لك.\nوأقبَل سليم ونيزَك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مُسلم، فأرسل رسولًا إلى قتيبة يُعلِمه، فأرسَل قتيبةُ عمرو بن أبي مهزَم إلى عبد الرحمن؛ أن اقدم بهم عليّ، فقَدِم بهم عبدُ الرحمن عليه، فحبَس أصحابَ نيزَك، ودفع نيزَك إلى ابن بسّام اللّيثي، وكتب إلى الحجّاج يستأذنه في قتل نيزَك، فجعل ابن بسام نيزَك في قُبّته، وحفر حول القبة خَنْدقًا، ووَضَع عليه حَرَسًا، ووجّه قتيبةُ معاويةَ بن عامر بن علقمة العُلَيميّ، فاستخرج ما كان في الكُرز مَنْ مَتاع ومن كان فيه، وقَدِم به على قتيبة، فحبسهم ينتظر كتابَ الحجاج فيما كتب إليه، فأتاه كتابُ الحجاج بعد أربعين يومًا يأمُره بقَتْل نيزَك. قال: فدعا به فقال: هل لك عندي عَقْد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟ قال: لي عند سليم؛ قال: كذبتَ، وقام فدَخَل ورَدَّ نيزَك إلى حَبْسه، فمكث ثلاثة أيام لا يَظهرَ للناس. قال: فقام المهلب بن إياس العدويّ، وتكلّمِ في أمْر نيزَك، فقال بعضهم: ما يحِلّ له أن يقتله، وقال بعضهم: ما يحلّ له تركُه، وكثرت الأقاويلُ فيه.\nوخرج قتيبة اليومَ الرابع فجلس وأذن للناس، فقال: ما تَروْن في قَتْل نيزَك؟ فاختَلَفوا، فقال قائلٌ: اقتله، وقال قائل: أعطيتَهُ عَهْدًا فلا تَقتُله؛ وقال قائل: ما نأمنه على المسلمين. ودخل ضرار بن حصين الضبيّ فقال: ما تقول يا ضرار؟ قال: أقول: إنّي سمعتك تقول: أعطيتُ اللهَ عَهْدًا إنْ أمكتَك منه أن تقتُلَه، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدًا، فأطرَق قُتيبةُ طويلًا، ثمّ قال: والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلتُ: اقتُلُوه، اقتُلُوه، اقتُلوه؛ وأرسَل إلى نيزَك فأمر","vol":"4","page":197},{"text":"بقتله وأصحابه فقتِل مع سبعمئة (١). (٦: ٤٥٤ - ٤٥٨).\nقال عليّ: أخبَرَنا مصعَب بن حيّان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس نيزك مع محفَن بن جَزْء الكلابيّ، وسوّار بن زَهْدم الجَرْميّ، فقال الحجاج: إن كان قُتيبة لحقيقًا أن يَبعَث برأسِ نيزَك مع وَلَدِ مُسْلم، فقال سَوَّار:\nأقولُ لمحفَنٍ وجَرى سنيحٌ ... وآخَرُ بارح مِنْ عَنْ يَمِيني\nوَقَدْ جَعلَتْ بوائقُ من أمورٍ ... ترفَّع حولَه وتكفّ دوني\nنشدْتُكَ هَلْ يسُرّك أن سَرْجي ... وسَرْجك فوق أبغُل باذيينِ\nقال: فقال محْفَن: نعم وبالصّين. (٦: ٤٥٨ - ٤٥٩).\nقال عليّ: أخَبَرنا حمزة بن إبراهيم وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريرة؛ عن مَرْزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة دعا يومًا بنيزَك وهو محبوس، فقال: ما رأيُك في السَّبَل والشذّ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلتُ إليهما؟ قال: لا؛ قال: فأرسَل إليهما قتيبة فقَدما عليه، ودعا نيزَك وجبغويه فَدخَلا، فإذا السَّبَل والشذّ بين يديه على كرسيّين، فجلسا بإزائهما، فقال الشذّ لقتيبة: إن جبغويه - وإن كان لي عدوًّا - فهو أسَنّ منّي، وهو المَلِك وأنا كَعَبْده، فائْذن لي أدنُ منه، فأذن له، فدنا منه. فقبّل يده وسجَد له، قال: ثم استأذَنَه في السَّبَل، فأذن له فَدنَا منه فمبّل يده، فقال نيزك لقتيبة: ائذن لي أن من الشذّ، فإني عَبْدُه، فأذن له، فدنا منه فقبّل يَده، ثم أذن قتيبة للسَّبَل والشذّ فانصرَفَا إلى بلادهما، وضم إلى الشذّ الحجَّاج القينيّ، وكان من وُجوه أهلِ خُراسان. وقتل قتيبةُ نيزَك، فأخذ الزبيرُ مولَى عابس الباهليّ خُفًّا لنيزَك فيه جوهر، وكان أكثرَ من في بلاده مالًا وعقارًا؛ من ذلك الجوهر الذي أصابه في خُفّة، فسَوّغه إياه قُتَيبة، فلم يَزَل مُوسرًا حتى هَلَك بكابُل في ولاية أبي داود. (٦: ٤٥٩).\n_________\n(١) قلنا: ثم يذكر الطبري عن المدائني عن الباهليين قولًا مغايرًا وهو أن قتيبة لم يعطه العهد ولا الأمان ... إلخ وقد ذكرنا قول الباهليين في الضعيف فلم يبين المدائني من هؤلاء الباهليين.","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>ولاية خَالِد بن عبد الله القسْريّ على مكة</span>\nوفي هذه السنة ولَّى الوليدُ بن عبد الملك مكةَ خالدَ بنَ عبد الله القَسْريّ فلَم يزل واليًا عليها إلى أن مات الوليد (١). (٦: ٤٦٤).\nوحجّ بالناس في هذه السنة الوليدُ بن عبد الملك، حدّثني أحمدُ بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي مَعشر، قال: حجّ الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين (٢). (٦: ٤٦٥).\nقال: وأقام الحجّ الوليد بن عبد الملك.\nوكانت عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمّال الذين كانوا عمالها في سنة تسعين، غير مكة فإنّ عاملَها كان في هذه السنة خالد بن عبد الله القَسْريّ في قول الواقديّ.\nوقال غيرُه: كانت ولايَة مكّة في هذه السنة أيضًا إلى عمر بن عبد العزيز (٣). (٦: ٤٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>ثمّ دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك غَزْوة مَسلمةَ بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرضَ الرّوم، ففُتح على يَدي مسلمةَ حُصون ثلاثة، وجَلا أهلُ سُوسَنَة إلى جَوْف أرض الرّوم.\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والعمال في نهاية عهد الوليد بن عبد الملك.\n(٢) قلنا: والطبري يكرر هذه العبارة بعد قليل (أي حج الوليد). قلنا: وقال خليفة - ضمن حديثه عن أحداث سنة (٩١ هـ): وأقام الحج الوليد بن عبد الملك. [ص ٣٠٣].\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>فتح الأندلس</span>\nوفيها غزا طارِقُ بن زياد مولَى موسى بن نصير الأندلسَ في اثني عشرَ ألفًا، فلقي مَلك الأندلس (١). (٦: ٤٦٨)\nوفيها غَزَا - فيما زَعَم بعضُ أهل السيَر - قتيبةُ سجسْتانَ يريد رُتبيل الأعظم والزّابل، فلما نزَل سجسْتانَ تلقته رُسُلُ رُتبِيل بالصُّلح، فَقبل ذلك وانصرف، واستَعمَل عليهم عبد ربّه بن عبد الله بن عُمَير اللَّيثيّ (٢). (٦: ٤٦٨)\nوحَجّ بالناس في هذه السنة عمرُ بن عبد العزيز وهو على المدينة، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر. وكذلك قال الواقديّ وغيرُه.\nوكان عُمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها في السنة التي قَبْلَها (٣). (٤٦٨: ٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>ثمّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nفممّا كان فيها من ذلك غَزْوة العبّاس بن الوليد أرضَ الرّوم، فتَح الله على يديه سَمَسْطِيَّة (٤). (٤٦٩: ٦).\nوفيها كانت أيضًا غَزْوة مَرْوان بن الوليد الرّومَ، فبَلَغ خَنْجَرة وفيها كانت غزوة مَسلَمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم، فافتَتح ماسا وحصن الحديد وغَزالةَ\n_________\n(١) قال خليفة بن خياط: وفيها وجه موسى بن نصير مولاه طارقًا فأتى طنجة وهي على ساحل البحر وعبر إلى الأندلس فلقيه ملكها فقتل وسبى وأسر. [تاريخ خليفة: ص ٣٠٧].\nوذكر البلاذري في فتوح البلدان (ص ١٤١): أن طارق بن زياد غزا الأندلس في سنة (٩٢ هـ) وفتحها وانظر البداية والنهاية (٧: ٢٢٣).\n(٢) وقال خليفة: وفيها افتتح قتيبة شومان وكس ونسف فكتب إليه الحجاج أن سر إلى رتبيل. [تاريخ خليفة: ٣٠٧].\n(٣) انظر قوائم العمال في نهاية عهد الوليد. اهـ.\n(٤) انظر خليفة [ص ٣٠٩].","vol":"4","page":200},{"text":"وبرجمة من ناحيةِ ملطية (١). (٦: ٤٦٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد</span>\nوفيها قتل قتيبة ملك خام جرد، وصالحَ ملك خُوارَزْم صُلْحًا مجدّدًا (٢). (٤٦٩: ٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>فتح سمرقند</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا قُتيبة بن مُسلم منصرفَه من خُوارزم سَمَرقْند، فافتَتَحها (٣). (٦: ٤٧٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>فتح طليطلة</span>\nوفي هذه السنة عَزَل موسى بن نُصير طارقَ بنَ زياد عن الأندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة (٤). (٦: ٤٨١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز</span>\nوفيها عُزِل عمر بن عبد العزيز عن المدينة. (٦: ٤٨١)\n_________\n(١) المصدر السابق نفسه.\n(٢) قلنا: وكذلك أرخ خليفة لهذا الصلح فقال: وفيها (أي: ٩٣ هـ) غزا قتيبة بن مسلم خوارزم فصالحوه على عشرة آلاف رأس ثم سار إلى سمرقند فقاتلوه قتالًا شديدًا وحاصرهم حتى صالحوه على ألف ألف ومئتي ألف. [تاريخ خليفة (ص ٣٠٩)].\n(٣) انظر خليفة [٣٠٩].\n(٤) قال خليفة: وفيها (٩٣ هـ) غزا موسى بن نصير بلاد المغرب فحدثني بكر بن عطية عن عوانة قال: غزا موسى بن نصير في المحرم سنة (٩٣ هـ) فأتى طنجة ثم عبر لا يأتي مدينة حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه ثم سار إلى قرطبة. [خليفة (ص ٣٠٨)].\nونسب البلاذري إلى طارق بن زياد فتح مدينة طليلطة بعد معارك طويلة.","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>فتوح محمد بن القاسم الثقفي</span>\nوفيها (٩٣) افتتح محمد بن القاسم الثقفي الديبل، ثم سار إلى بيرون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من غَزْوة العباس بن الوليد أرضَ الرّوم، فقيل: إنه فَتَح فيها أنطاكية.\nوفيها غَزَا - فيما قيل - عبدُ العزيز بن الوليد أرضَ الرّوم حتى بلَغ غَزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطيّ أرض بُرْج الحمام، ويزيد بن أبي كَبشة أرضَ سُورِية.\nوفيها كانت الرَّجفة بالشأم.\nوفيها افتَتَح القاسمُ بن محمد الثقفيّ أرض الهناء (٦: ٤٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جُبَير</span>\nوفي هذه السنة قتل الحجاجُ سعيد بنَ جُبَير.\nذكر الخبر عن مقتله:\n_________\n(١) قلنا: ولقد قال خليفة: فحدثني عون بن كهمس بن الحسن قال: حدثني أبي قال: كنت مع محمد بن القاسم فجاءنا داهر في جمع كثير ومعه سبعة وعشرون فيلًا، فعبرنا إليهم فهزمهم الله وهرب داهر. قال أبي: ثم عبرنا إليهم واتبع عصابة من المسلمين العدو، فقتلوهم، ثم رجعوا إلى العسكر، فلما كان في الليل أقبل داهر ومعه جمع كثير مصلتين فقُتل داهر وعامة أصحابه وانهزم الآخرون واتبعهم محمد بن القاسم حتى أتى مدينة برْهما فخرج إليه قوم منهم فقاتلوهم فألجاهم إلى مدينتهم فحصرهم حتى فتحها. [تاريخ خليفة (ص ٣٠٨)].\nقلنا: وشيخ خليفة هنا (عون بن كهمس) ذكره ابن حبان في الثقات (٨: ٥١٥) وأبوه كهمس ثقة أخرج له الستة وهو شاهد على هذه المعارك كما في قوله: (كنت مع محمد بن القاسم فجاءنا داهر).","vol":"4","page":202},{"text":"وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع من خرَج عليه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج جعله على عطاء الجُنْد حين وجّه عبدَ الرحمن إلى رُتْبيل لقتاله، فلما خلع عبدُ الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خَلَعه معه، فلما هُزِم عبدُ الرحمن وهَرَب إلى بلاد رُتْبيل هَرَب سعيد.\nفحدّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عياش، قال: كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان - وكان سعيد، قال الطبريّ: أظنه أنه لما هَرَب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكَتَب إليه -: إنّ سعيدًا عندَك فخُذْه فجاء الأمرُ إلى رجل تحرَّج، فأرسل إلى سعيد: تحوَّلْ عني، فتنحَّى عنه، فأتى أذْرَبيجان، فلم يزَل بأذْرَبيجان فطَال عليه السنون، واعتَمَر فخَرَج إلى مكة فأقامَ بها، فكان أناس من ضربه يستخفُون فلا يُخبرون بأسمائهم. قال: فقال أبو حَصِين وهو يحدّثنا هذا. فبلَغنا أنّ فلانًا قد أمِّر على مكة. فقلت له: يا سعيد، إنّ هذا الرجل لا يُؤمَن، وهو رَجُل سَوْء، وأنا أتقيه عليك، فاظعَن واشخص، فقال: يا أبا حَصين، قد والله فررت حتى استحييتُ من الله! سيجيئُني ما كَتَب الله لي. قلتُ: أظنك والله سعيدًا كما سمتْك أمك. قال: فقَدِم ذلك الرجل إلى مَكة، فأرسلَ فأخذ فلان له وكلّمه. فجعل يديره (١). (٦: ٤٨٧ - ٤٨٨).\nوذكر أبو عاصم عن عمر بن قيس، قال: كتَبَ الحجاج إلى الوليد: إنّ أهلَ النفاق والشقاق قد لجؤوا إلى مكة، فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أنْ يأذَن لي فيهم! فكتَبَ الوليدُ إلى خالد بن عبد الله القَسْريّ؛ فأخَذ عطاءً وسعيد بنَ جُبَير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار؛ فأما عمرو بن دينار وعطاء فأرسلا لأنهما مكيّان، وأما الآخَرون فبعث بهم إلى الحجّاج، فمات طلقٌ في الطريق، وحُبِس مجاهدٌ حتى مات الحجاج. وقُتِل سعيدُ بن جُبير. (٦: ٤٨٨).\n_________\n(١) قلنا: وهذا إسناد حسن والله أعلم.\nوكذلك الحافظ الأزدي، فقد أخرجه في كتاب المتوارين قال: ثنا أبو علي النرسي ثنا أحمد بن عبد الله بن شابور ثنا واصل (وهو عبد الأعلى) ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين قال: أتيت سعيد بن جبير بمكة فقلت: إن هذا الرجل قادم (يعني: خالد بن عبد الله القسري) ولم تبعد ولا آمنه عليك فاطعني واخرج. قال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله ﷿. إلى آخر الرواية. [المتوارين (١: ٥٦)].","vol":"4","page":203},{"text":"حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا الأشجعيّ، قال: لما أقبل الحرَسِتان بسعيد بن جُبير نزَل منزلًا قريبًا من الرَّبذَة، فانطلَق أحد الحرَسيين في حاجته وبقي الآخَر، فاستيقَظ الذي عندَه، وقد رأى رُؤْيا، فقال: يا سعيد، إني أبرأ إلى الله من دمك! إنّي رأيتُ في منامي؛ فقيل لي: ويلَك! تبرّأ من دَمِ سعيد بن جُبَير. اذهبْ حيث شئتَ لا أطلُبك أبدًا؛ فقال سعيد: أرجو العافية - وأرجو، وأبى حتى جاء ذاك؛ فنزَلا من الغد، فأري مثلها، فقيل: ابرَأ من دمِ سعيد. فقال: يا سعيد، اذهَبْ حيثُ شئتَ إني أبرأ إلى الله من دَمِك، حتى جاء به (١). (٦: ٤٨٨ - ٤٨٩).\nقال وهب بن جَرير: حدَّثنا أبي، قال: سمعت الفضل بن سويد قال: بعَثَني الحجاج في حاجة، فجيء بسعيدِ بن جُبَير، فرجعتُ فقلت: لأنظرن ما يصنَع، فقمتُ على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد، ألم أشرِكْك في أمانتي! ألم أستَعْمِلْك! ألم أفْعَل! حتى ظننتُ أنه يخلي سبيله؛ قال: بلى، قال: فما حَمَلك على خروجك عليّ؟ قال: عُزِم عليّ. قال: فطار غَضبًا وقال: هيه! رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقًّا، ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حَقًّا!\nاضرِبا عنقَه، فضمربت عُنقُه، فنَدَر رأسه عليه كمّة بيضاء لا طية صغيرة (٢). (٤٨٩: ٤).\nوحُدّثت عن أبي غسانَ مالك بن إسماعيل، قال: سمعتُ خلف بنَ خليفة يَذكُر عن رجل قال: لما قُتل سعيدُ بن جبير فنَدرَ رأسُه لله، هلل ثلاثًا: مرّة يُفصح\n_________\n(١) قلنا: وأما شيخ الطبري، وشيخ شيخه فمعروفان.\nوأما الأشجعي فهو عبيد الله بن عبيد الرحمن وهو: ثقة روى عن سعيد بن جبير. والله أعلم.\n(٢) قلنا: هذا الخبر أخرجه ابن سعد في طبقاته قال: أخبر وهب ابن جرير بن حازم قال: ثني أبي قال: سمعت الفضل بن سويد يحدث وكان في حجر الحجاج، وكان أبوه أوصى إلى الحجاج قال: بعثني الحجاج في حاجة، فقيل: قد جيء بسعيد بن جبير، فرجعت لأنظر ما يصنع به. . وفي آخر الخبر: فندر رأسه في قلنسية بيضاء لا طية كانت على رأسه. [الطبقات الكبرى (٦: ٢٦٥)].\nورجال إسناد ابن سعد ثقات سوى الفضل بن سويد (راوي الخبر) ولا بأس بحديثه كما قال أبو حاتم والله أعلم.","vol":"4","page":204},{"text":"بها، وفي الثِّنتَين يقول مِثلَ ذلك فلا يُفصِح بها (١). (٦: ٤٨٩).\nقال أبو جعفر؛ وكان يقال لهذه السنة سنةُ الفُقَهاء، ماتَ فيها عامّة فُقَهاء أهل المدينة، مات في أوّلها عليّ بن الحُسَين - ﵇ -، ثمّ عُروة بن الزُّبَيْر، ثم سعيدُ بن المسيّب، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام (٢). (٤٩١: ٦).\nواستقضَى الوليدُ في هذه السنة بالشأم سليمانَ بن حبيب.\nواختلف فيمن أقامَ الحج للناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حَدّثني أحمدُ بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى عنه - قال: حَجّ بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة أربع وتسعين.\nوقال الواقديّ: حجّ بالناس سنة أربع وتسعين عبدُ العزيز بن الوليد بن عبد الملك - قال: ويقال: مَسلَمة بن عبد الملك.\nوكان العاملُ فيها على مكة خالد بن عبد الله القَسْريّ. وعلى المدينة عثمان بن حيّان المُرّيّ، وعلى الكوفة زياد بن جَرير، وعلى قَضائها أبو بكر بن أبي موسى. وعلى البَصْرة الجرّاح بن عبد الله، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرّة بن شريك، وكان العراق\n_________\n(١) قلنا: ولم يفصح الطبري عن اسم شيخه الذي حدثه عن أبي غسان وقد أخرج الأزدي قال: ثنا أبو أحمد السعدي: ثنا محمد بن أعين: ثنا ابن أبو المقابري: ثنا خلف بن خليفة: ثنا رجل من الحرس. . إلخ كما عند الطبري [المتوارين (١: ٦١)].\nوقال الحافظ ابن كثير: وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله أكثرها لا تصح. [البداية والنهاية (٢٤٦: ٧)].\n(٢) قلنا: أما علي بن الحسين فقد اختلف الأئمة في تاريخ وفاته: فأما الذين أرخو لوفاته بسنة (٩٤ هـ) هم: ابن معين، وابن نمير، والزبير بن بكار، ومصعب الزبيري، وغيرهم.\nوقال مصعب: وكان يقال لهذه السنة سنة القضاء لكثرة من مات فيها منهم.\nوأما يعقوب بن سفيان فقد روى عن إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى قال: توفي أنس بن مالك، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير سنة (٩٣ هـ).\n[تهذيب الكمال (تر ٤٦٣٩) و(تر ٢٣٤٢)].","vol":"4","page":205},{"text":"والمشرق كله إلى الحجاج (١). (٦: ٤٩١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nففيها كانت غَزْوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرضَ الرّوم، ففتَحَ اللهُ على يديه ثلاثةَ حُصون فيما قيل: وهي: طولس، والمرزبانين، وهَرَقْلة، وفيها فتح آخر الهند إلا الكَيرَج والمَنْدَل. (٦: ٤٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>بقية الخير عن غزو الشاش</span>\nوفيها غزا قُتيبة بن مُسلِم الشاش.\nذكر الخبر عن غزوته هذه:\nرجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد، قال: وبعث الحجاج جيشًا من العراق فقدموا على قتيبة سنة خمس وتسعين، فغزا، فلما كان بالشاش -أو بكُشماهن- أتاه موتُ الحجاج في شوّال، فغمَّه ذلك، وقَفَل راجعًا إلى مَرْوَ.\nوتمثل:\nلَعمري لنِعمَ المرءُ من آلِ جَعفَرٍ ... بحَورَانَ أمسى أعلَقَتْه الحَبَائلُ\nفإنْ تَحْيَ لا أملَلْ حياتي وإن تَمُتْ ... فما في حَيَاة بَعد مَوتِكَ طائلُ\nقال: فرجع بالناس ففرّقهم، فخلَّف في بخارَى قومًا، ووجّه قومًا إلى كسّ ونَسَف، ثمّ أتَى مَرْوَ فأقام بها، وأتاه كتابُ الوليد: قد عَرَف أميرُ المؤمنين بلاءَك وجِدك في جهادِ أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعُك وصانع بك كالذي يجب لك، فالمم مغازيك، وانتظرْ ثوابَ ربك، ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبَك؛ حتى كأني أنظرُ إلى بلادك والثغر الذي أنتَ به (٢). (٦: ٤٩٢ - ٤٩٣).\nوفيها مات الحجاج بن يوسفَ في شوّال - وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة حقًّا.\n(٢) وقال خليفة: وفيها (٩٥) غزا قتيبة الشاش غزوة ثانية فأتته وفاة الحجاج فرجع إلى مروان.\n[تاريخ خليفة (ص ٣١٢)].","vol":"4","page":206},{"text":"وقيل: ابن ثلاث وخمسين سنة - وقيل: كانت وفاتُه في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان (١). (٦: ٤٩٣).\nوفيها استخلف الحجاج لما حضرته الوفاةُ على الصلاة ابنَه عبدَ الله بن الحجاج. وكانت إمرةُ الحجاج على العراق فيما قال الواقديّ عشرين سنة.\nوفي هذه السنة افتَتَح العبّاس بن الوليد قِنَّسْرين.\nوفيها قُتِلَ الوضّاحيّ بأرض الرّوم ونحو من ألفِ رجل معه.\nوفيها - فيما ذكر - وُلد المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ.\nوفيها ولّى الوليدُ بن عبد الملك يزيدَ بنَ أبي كَبْشة على الحَرْب والصلاة بالمصرين: الكوفةَ والبَصْرة، وولَّى خراجَهما يزيدَ بنَ أبي مسلم.\nوقيل: إن الحجاج كان استخْلَف حين حضرتْه الوَفاة على حرب البلدين والضَلاة بأهلهما يزيد بن أبي كَبْشة، وعلى خراجهما يزيدَ بنَ أبي مسلم،\n_________\n(١) قلنا: وقال خليفة: وفيها مات الحجاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. [تاريخ خليفة (ص ٣١٢)].\nقلنا: ولمسيرة الحجاج أثر سيئ في تاريخ الأمويين، وبقي ذلك الأثر السَّيئ في أذهان الناس، وكان عاملًا من العوامل التي دفعت بالأمة إلى نصرة وتأييد الدعوة إلى الرضا من آل محمد والذي قام بأعبائه بنو العباس كما سنذكر عند حديثنا عن أسباب انحسار بني أمية وظهور بني العباس، وتسلمهم إدارة الخلافة فيما بعد.\nوللإمام الذهبي تقييم بعبارات وجيزة لخص فيها أعمال الحجاج وذكر رأيه فيه كإمام حافظ ناقد مؤرخ:\nقال الذهبي: أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلًا وكان ظلومًا جبارًا ناصبيًا خبيثًا سافكًا للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء وفصاحة وبلاغة وتعظيمًا للقرآن، قد سُمَتُ من سوء سيرته في تاريخي الكبير وحصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره للصلوات إلى أن استأصله الله فنسبُه ولا نُحبّه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان.\nوله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله من توحيد في الجملة، ونظراء ظلمة الجبابرة والأمراء.\n[سير أعلام النبلاء (٤: ٣٤٣: تر ١١٧)].","vol":"4","page":207},{"text":"فأقرّهما الوليد بعدَ موتِ الحجاج على ما كان الحجاج استخلَفهما عليه. وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم، أقرّهم بعدَه على أعمالهم التي كانوا عليها في حَياته.\nوحَجَّ بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ.\nوكان عُمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، إلا ما كان من الكُوفة والبَصْرة، فإنهما ضُمّتَا إلى مَن ذكرتُ بعد موتِ الحَجّاج (١). (٦: ٤٩٣ - ٤٩٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>ثم دخلت سنة ستّ وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nففيها كانت - فيما قال الواقديّ - غَزْوَة بِشْر بن الوَليد الشاتية، فقَفَل وقد ماتَ الوليد. (٦: ٤٩٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك</span>\nوفيها كانت وَفاةُ الوَليد بن عبد الملك، يومَ السبت في النّصف من جُمادَى الآخِرة سنة ست وتسعين في قول جميع أهل السَير (٢). (٦: ٤٩٥).\nواختُلف في قَدْر مذة خلافته، فقال الزُّهْري في ذلك - ما حُدّثت عن ابن وَهْب عن يونس عنه: ملك الوليدُ عشرَ سنين إلا شهرًا.\nوقال أبو معشر فيه ما حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكَرَه، عن إسحاقَ بن عيسى، عنه: كانت خلافةُ الوليدِ تسعَ سنينَ وسبعةَ أشهر. وقال هشام بن\n_________\n(١) انظر قائمة الولاة بعد وفاة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ﵀.\n(٢) قلنا: وقال خليفة في تأريخه: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن المغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم أن الوليد توفي يوم السبت في النصف من شهر ربيع الأول.\nوقال بعضهم: الآخر سنة ست وتسعين وهو ابن أربع وأربعين. [تاريخ خليفة (ص ٣١٤)].","vol":"4","page":208},{"text":"محمد: كانت ولايةُ الوَليد ثمان سنين وستة أشهر.\nوقال الواقديّ: كانت خلافتُه تسعَ سنين وثمانيةَ أشهر وليلتين.\nواختلف أيضًا في مبلَغ عمره، فقال محمد بن عمر: توفي بدِمَشق وهو ابنُ ست وأربعين سنة وأشهر.\nوقال هشامُ بن محمد: توفي وهو ابنُ خمس وأربعين سنة.\nوقال عليّ بن محمد: تُوُفَي وهو ابنُ اثنتين وأربعين سنةً وأشهر.\nوقال علي: كانت وفاةُ الوليدِ بدَير مُرَّان، ودفِنَ خارجَ باب الصّغير. ويقال: في مَقابر الفَراديس.\nويقال: إنه توفي وهو ابنُ سبع وأربعين سنة.\nوقيل: صلى عليه عمرُ بن عبد العزيز (١). (٦: ٤٩٥)\nوكان له - فيما قال عليّ - تسعة عشر ابنًا: عبد العزيز، ومحمّد، والعباس، وإبراهيم، وتمَّام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشّر، ومسرور، وأبو عُبيدة، وصَدَقة، ومنصور، ومروان، وعَنْبسة، وعمر، ورَوْح، وبِشْر، ويزيد، ويحيى.\nأمُّ عبد العزيز ومحمد وأمّ البنين بنتَ عَبد العزيز بن مَرْوان، وأم أبي عُبيدة فزارّية، وسائرهم لأمهات شتى. (٦: ٤٩٦)\nذكر الخبر عن بعض سيره:\nحدّثني عُمَر، قال: حدّثني عليّ، قال: كان الوليدُ بن عبد الملك عند أهل الشأم أفضل خلائفهم، بني المساجدَ مسجدَ دمَشق ومسجدَ المدينة، ووضَع المَنار، وأعطَى الناسَ، وأعطَى المُجَذَّمين، وقال: لا تسألوا الناس. وأعطَى كلَّ مُقْعَد خادمًا، وكلَّ ضَرير قائدًا. وفُتِحَ في ولايته فُتوع عِظام، فتَحَ موسى بنَ نُصير الأندلس، وفتَح قتيبة كاشْغَر، وفتَح محمد بن القاسم الهند.\n_________\n(١) قلنا: وقال خليفة: وكانت خلافته تسع سنين وخمسة أشهر وأيام [ص ٣١٤].","vol":"4","page":209},{"text":"قال: وكان الوليدُ يمرّ بالبقال فيَقف عليه فيأخذ حُزْمة البَقْل فيقول: بكَمْ هذه؟ فيقول: بفَلْس؛ فيقول: زدْ فيها.\nقال: وأتاه رجلٌ من بني مخزوم يسألُه في دَينِه، فقال: نعم، إن كنت مستحقًا ذلك، قال: يا أميرَ المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقًّا لذلك مع قرابتي! قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، قال: ادْنُ مني، فدَنا منه، فنَزَع عمامتَه بقَضيب كان في يده، وقَرَعه قَرَعات بالقَضيب، وقال لرجل: ضُمَّ هذا إليك، فلا يُفارقك حتى يقرأ القرآن، فقام إليه عثمانُ بن يزيدَ بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ عليّ دينًا، فقال: أقرأتَ القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشرَ آيات من الأنفال، وعشْر آيات من براءة، فقرأ، فقال: نَعَم، نَقْضي عنكم، ونصل أرحامَكم على هذا.\nقال: ومَرِض الوليدُ فرهقتْه غشْيَة، فمكث عامة يومِه عندَهم ميتًا، فبُكيَ عليه، وخرجت البُرُد بموته، فقَدِم رسولٌ على الحجاج، فاسترْجَع، ثمّ أمر بحبل فَشُدّ في يديه. ثم أوثق إلى أسطوانة، وقال: اللهمّ لا تسلط عليَّ من لا رحمةَ له، فقد طالما سألتُك أن تجعل منيتي قبل مَنِيته! وجعل يدعُو، فإنه لكذلك إذ قَدِم عليه بريدٌ بإفاقته.\nقال عليّ: ولما أفاق الوليدُ قال: ما أحدٌ أسَرَّ بعافية أميرِ المؤمنين من الحجاج؛ فقال عمرُ بن عبد العزيز: ما أعظم نعمةَ الله علينا بعافيتك، وكأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر فيه أنه لما بلغه برؤك خرّ الله ساجدًا، وأعتق كل مملوك له، وبعث بقوارير من أنْبَج الهند فما لَبث إلا أيامًا حتى جاء الكتاب بما قال:\nقال: ثمّ لم يمُت الحجّاجُ حتى ثَقُل على الوَليد، فقال خادمٌ للوليد: إني لأوضّئ الوليدَ يومًا للغَداء، فمدّ يدَه، فجعلتُ أصبّ عليه الماء، وهو ساه والماء يسيلُ ولا أستطيعُ أن أتكلم، ثمّ نضَح الماءَ في وجهي، وقال: أناعسٌ أنتَ! ورَفَع رأسه إليّ وقال: ما تَدْري ما جاء الليلة؟ قلتُ: لا؛ قال: وَيحَك!","vol":"4","page":210},{"text":"مات الحجاج! فاسترجعتُ. قال: اسكُتْ ما يُسرّ مولاك أن في يده تفاحةً يشُمّها (١). (٤٩٦: ٦ - ٤٩٧).\n_________\n(١) <span data-type=\"title\" id=toc-658>[وقفة عند سيرة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك] (٨٦ - ٩٦ ه</span>ـ)\nعرف الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بأعمال صالحة وفتوح ذكرتها كتب التاريخ فقد أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة (كما قال السيوطي) وكان مع ذلك يُخَتِّنُ الأيتام، ويُرَتِّبُ لهم المؤدبين، ويُرتِبُ للزمْنى من يخدمهم وللأضراء من يقودهم وعمّر المسجد النبوي ووسعه ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء وحرّم عليهم سؤال الناس وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتمَّ الضبط، قال ابن أبي عبلة: رحم الله الوليد وأين مثل الوليد؟ افتتح الهند والأندلس وبنى مسجد دمشق وكان يعطيني قطع الفضة أقسمها على قرّاء مسجد بيت المقدس. [تاريخ الخلفاء (ص ٢٢٤)].\nونود هنا أن نذكر رأي الأخباري الصدوق المدائني ﵀: إذ أخرج ابن جرير قال: حدثني عمر بن شبة: حدثنا علي بن محمد المدائني قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم بني المساجد بدمشق، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادمًا، وكل ضرير قائدًا، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظامًا، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، فتح الأندلس والهند والسند وأقاليم بلاد العجم حتى دخلت جيوشه إلى الصين.\n[انظر البداية والنهاية (٧: ٣١٢) وتاريخ الطبري (٦: ٤٩٧)].\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: بني الوليد بن عبد الملك جامع دمشق على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة، وبنى المسجد النبوي ووسعه حتى دخلت الحجرة النبوية التي فيها القبر فيه. وله آثار حسان جدًّا ثم كانت وفاة الوليد في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة أعني: سنة ست وتسعين. [البداية والنهاية (٧: ٣١٢)].\nومن واجب المؤرخ المسلم الملتزم أن يبحث في أمهات الكتب ليكشف عن زيف أهل البدع والأهواء من المؤرخين الذين شوّهوا كثيرًا من الحقائق التاريخية ونسبوا إلى بعض الخلفاء ما ليس فيهم كالواقدي إذ وصف الوليد بأنه جبار وتبعه بعض الأئمة المتأخرين كالسيوطي ﵀.\nولكن تلك الفرية لم تنطل على الحافظ المؤرخ المحدث المفسر ابن كثير فرد على الواقدي المتروك المبتدع فريته تلك إذ قال الواقدي: \"وكان الوليد جبارًا ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب\". فرده ابن كثير قائلًا: يُرادُ بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع. [البداية والنهاية (٧: ٣١٢)].\nوقد استوقفتنا رواية عند البسوي قال: أخبرنا ابن وهب: حدثني الليث: عن عقيل: عن ابن =","vol":"4","page":211},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن الوليد بن عبد الملك أرسل إليه بالظهيرة في ساعة لم يكن يرسل إليه في مثلها فوجده في قيطون صغير له بابان باب يدخل عليه فإذا هو قاطب عينيه فأشار إليَّ أن اجلس، فجلست بين يديه مجلس الخصم وليس عنده إلَّا ابن الديان قائمًا بسيفه فقال: ما تقول فيمن يسب الخلفاء أترى أن يقتل؟ قال: فسكت، فانتهرني وقال: ما لك لا تتكلم؟ فسكت فعاد لمثلها فقلت: أقتل يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكنه سبَّ الخلفاء. قال: فقلت: فإني أرى أن ينكل به فيما أنهك من جهة الخلفاء. قال: فرفع رأسه إلى ابن الريان قال: وما أظنه إلَّا أنه يقول اضربوا رقبته، فقال: إنه فيهم لتائه (أو لنابه)، ثم حوّل وركه فدخل إلى أهله. فقال لي ابن الريان: به انقلب. [المعرفة والتاريخ (١: ٦٠٣) تاريخ دمشق (٤٥: تر ٥٢٤٢)].\nقلنا: وهذه الرواية تبين لنا ما يلي:\nلقد تأثر الوليد بن عبد الملك بما انتهى إلى أسماعه من أن الخصوم يسبون الخلفاء ويتعرضون لهم ومع ذلك لم يصدر أمرًا بعقوبة أو شيء ولكنه استدعى عمر بن عبد العزيز المعروف بعلمه وورعه وتقواه ومعارضته للمظالم. ويبدو أن تلك الأقوال قد استفزت الوليد وأثارت غضبه حتى دفع به إلى أن يستدعي عمر بن عبد العزيز في وقت لم يكن يستدعي فيه في الأيام العادية ومعلوم أن الوليد عاش ردحًا من الزمن يصارع الخصوم ويقاتل لتثبيت دعائم حكمه ولكنه لم يأمر بقمع المعارضة السلمية كما يذكر بعض الباحثين والناقدين والله أعلم.\nولعل في الوليد حدّة أو شدة، والحدّة شيء وما يدّعيه البعض من أنه كان جبارًا عنيدًا شيء آخر والله أعلم.\nوأما عن ظلمه بإبقاء الحجاج على المشرق فقد تحدثنا عنه بما فيه الكفاية وذلك من مثالبه التي لا تخفى. وإن كان البعض يحاول إيجاد مبررات لتولية الحجاج كما ذكر الشيخ الحصيني المؤرخ عن هؤلاء البعض فقال: (ومن رأى وتصفح تاريخ الخوارج وما كانت عليه العراق من الفتن وتكالب رؤوس الخوارج على الخلفاء وصلابتهم وثباتهم على مبدئهم وغايتهم التي يرمون إليها، وما استولى على نفوس الناس من العامة والقواد إذ ذلك من الملل من الحرب وسآمة الخوض فيها بل من سماع ذكرها على الموقف الذي كان فيه عبد الملك، وعذره في اختيار الحجاج عاملًا على العراق وخصوصًا مع ما عرف به أهله من التسرع للفتنة والخفة والانصياع فيها واتباعهم كل صائح إليها مع ابتلائهم واختيار أنجح المؤثرات فيهم فعلم بالاختبار الرجل فرماهم به (أي رمى الخوارج من أهل العراق وغيرهم بالحجاج). اهـ (ص ٩٣).\nقلنا: ومهما كانت المبررات فلا عذر في تولية الحجاج والنصوص النبوية تنهى الإمام عن تولية الضعيف والذي ليس بأهل فكيف بتولية الظالم والغليظ الجلف؟\nونختتم وقفتنا هذه بذكر جانب من الأعمال الصالحة التي قام بها الخليفة الوليد بن =","vol":"4","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الملك وهي الفتوحات التي أنجزت في أيام حكمه كما ذكرها السيوطي.\nفيها [٨٧ هـ] فتحت بيكند وبخارى وسردانية ومطمورة وقميتم وبحيرة الفرسان عنوة.\nوفي [٨٨ هـ] فتحت جرثومة وطوانة.\nوفي [٨٩ هـ] فتحت جزيرة تافورقة وميورقة.\nوفي [٩١ هـ] فتحت نسف وكسّ وشومان ومدائن وحصون من بحر أذربيجان.\nوفي [٩٢ هـ] فتح إقليم الأندلس بأسره ومدينة أرمابيل وقتربون.\nوفي [٩٣ هـ] فتحت الديبل وغيرها ثم الكرخل وبرهم وباجة والبيضاء وخوارزم وسمرقند والصغد.\nوفي [٩٤ هـ] فتحت كابل وفرغانة والشاش وسندرة وغيرها.\nوفي [٩٥ هـ] فتحت الموقان ومدينة الباب.\nوفي [٩٦ هـ] فتحت طوس وغيرها وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة وله إحدى وستون سنة.\nوقال الحافظ الذهبي في ترجمة الوليد: أقام الجهاد في أيامه وفتحت فيها الفتوحات العظيمة كأيام عمر بن الخطاب. [تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٢٠٩)].\nوقال الحافظ ابن كثير: وفتح في ولايته (الوليد) فتوحات كثيرة عظامًا وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، فتح الأندلس وأقاليم بلاد العجم حتى دخلت جيوشه إلى الصين.\n[البداية والنهاية (٧: ٣١١)].\nوقديمًا قالوا: الحق ما شهد به الأعداء.\nنعم فالحق سبحانه يجري أحيانًا قولة صادقة على لسان هؤلاء الذين طالما شَوّهوا التاريخ الإسلامي فها هو أندريه مايكل يقول:\n(لقد أقام الأمويون نظامًا من أقوى الأنظمة التي عرفتها البشرية بأسرها وبفضلهم دخل الإسلام في ذروة العصور الوسطى).\nويقول أيضًا: (وكان لهذا الحدث عواقب يصعب حسابها فلأول مرة تقع هاتان المنطقتان - من مصب أنهار السند إلى أسبانيا - تحت سلطة واحدة وتدمج في مجال اقتصادي واحد وتنظمها ثقافة واحدة). [الإسلام وحضارته أندريه مايكل (ص ٩٧)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[أسماء الولاة والقضاة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك]</span>\nكما ذكرها خليفة بن خياط.\nقال خليفة: تسمية عمال الوليد بن عبد الملك والحجاج.\nعلى البصرة: الحكم بن أيوب في ولاية الوليد، ثم عزله وولى طلحة بن سعيد الجهني من أهل دمشق، ثم عزله وولى عمرو بن سعيد العوذي من أهل دمشق، ثم عزله وولي مهاصر بن سحيم الكناني من أهل حمص، ثم عزله وولى قطن بن مدرك الكلابي، ثم عزله =","vol":"4","page":213},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وولى الجراح بن عبد الله الحكمي، فلم يزل واليًا حتى مات الحجاج والوليد.\nالكوفة: عروة بن المغيرة بن شعبة الثقفي سنة خمس وتسعين، وزياد بن جرير بن عبد الله الشرط حتى مات الحجاج، فولاها يزيد بن أبي كبشة حرملة بن عمير اللخمي حتى مات الوليد.\nخراسان: قتيبة بن مسلم حتى مات الحجاج والوليد.\nسجستان: كانت إلى قتيبة، فولاها قتيبة عبد ربه بن عبد الله بن عمير الليثي، ثم عزله وولى النعمان بن عوف اليشكري في ولاية الوليد حتى مات الحجاج والوليد.\nالبحرين: ولّاها الحجاج قطن بن زياد بن الربيع الحارثي سنة تسع وسبعين فلم يزل واليًا حتى مات عبد الملك والوليد والحجاج.\nعمان: عبد الرحمن بن سليم الكلبي، ثم عبد الجبار بن سبرة المجاشعي حتى مات الحجاج.\nالسندت محمد بن القاسم بن أبي عقيل سنة خمس وتسعين.\nمكة: مات عبد الملك وعليها نافع بن صفوان، فأقرّه الوليد سنتين ثم عزله، وولى خالد بن عبد الله القسري، وذلك سنة تسع وثمانين، فلم يزل واليًا حتى مات الوليد.\nالمدينة: مات عبد الملك وعليها هشام بن إسماعيل المخزومي، فأقرَّه الوليد سنتين، ثم عزله وولي عمر بن عبد العزيز بن مروان سنة سبع وثمانين حتى أولها أو آخر سنة ست وثمانين، فأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين، ثم عزل واستخلف على المدينة أبا بكر بن حزم، فعزله الوليد وولاها عثمان بن حيان المري، فلم يزل واليًا حتى مات الوليد.\nاليمامة: مات عبد الملك وعليها إبراهيم بن عربي فأقره الوليد.\nالجزيرة: أقرَّ عليها حتى مات محمد بن مروان بن الحكم مع أرمينية وأذربيجان.\nمصر: مات عبد الملك وعليها ابنه عبد الله بن عبد الملك، فأقره الوليد ثم عزله.\nومن عمال الوليد عليها قرة بن شريك العبسي.\nإفريقية: مات عبد الملك وعليها موسى بن نصير، فأقام سنتين، ثم شخص إلى الوليد سنة خمس وتسعين، واسنخلف ابنه عبد الله بن موسى حتى مات الوليد.\nاليمن: أقرَّ عليها محمد بن يوسف حتى مات الوليد.\nالشامات:\nدمشق: عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك حتى مات الوليد.\nالأردن: ابنه عمر بن الوليد حتى مات الوليد.\nفلسطين: سليمان بن عبد الملك.\nحمص: العباس بن الوليد حتى مات الوليد.\nالموسم: سنة ست وثمانين: هشام بن إسماعيل.","vol":"4","page":214},{"text":"قال عمر: قال عليّ: وأخبرنا أبو عاصم الزّياديّ عن الهِلْواث الكلبيّ، قال: كنا بالهِنْد مع محمد بن القاسم، فقَتَل الله داهِرًا، وجاءنا كتاب من الحجاج أن اخلَعوا سليمانَ، فلما ولي سليمانُ جاءنا كتابُ سليمانَ: أن ازرَعوا واحرُثوا، فلا شأمَ لكم، فلم نزلْ بتلك البلاد حتى قام عمرُ بن عبد العزيز فأقفَلنا. (٤٩٩: ٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>[فتح قتيبة كاشغر وغزو الصين]</span>\nوفي هذه السنة افتتح قتيبةُ بن مسلم كاشغر، وغَزَا الصين.\nذكر الخبر عن ذلك:\nرَجْع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد بالإسناد الذي ذكرتُ قبلُ قال: ثمّ\n_________\n= سبع وثمانين: عمر بن عبد العزيز.\nثمان وثمانين: عمر بن الوليد بن عبد الملك.\nتسع وثمانين: عمر بن عبد العزيز.\nتسعين: عمر بن عبد العزيز.\nإحدى وتسعين: الوليد بن عبد الملك.\nاثنتين وتسعين: عمر بن عبد العزيز.\nثلاث وتسعين: عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك.\nأربع وتسعين: مسلمة بن عبد الملك.\nخمس وتسعين: بشر بن الوليد بن عبد الملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>القضاة</span>\nقضاء المدينة: ولى الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز المدينة سنة ست وثمانين في آخرها أو في أول سنة سبع، فولى عمر القضاء عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، ثم عزله واستقضى أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ثم عزله الوليد وولى عثمان بن حيان المري، ثم ولى أبا بكر بن حزم المدينة سنة ثلاث وتسعين.\nوعلى الكوفة: عامر الشعبي.\nوفي سنة ست وتسعين: فيها جمع سليمان بن عبد الملك العراق ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وولى الخراج صالح بن عبد الرحمن.\n[تاريخ خليفة (ص ٣١٤ - ٣١٧)].","vol":"4","page":215},{"text":"غزا قتيبةُ في سنة ست وتسعين، وحَمَل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يُحرِز عياله في سَمرقَنْد خوفًا من سليمان، فلما عبر النهر استعمل رجلًا من مواليه يقال له الخُوارَزْمِيّ على مَقطَع النهر، وقال: لا يجوزَن أحدٌ إلا بجَواز؛ ومَضى إلى فَرْغانة، وأرسَل إلى شِعْب عصام من يُسَهّل له الطريق إلى كاشغر، وهي أدنَى مدائن الصين، فأتاه موتُ الوَليد وهو بفرْغانة.\nقال: فأخبَرنا أبو الذّيال عن المهلب بن إياس، قال: قال إياس بن زُهير: لما عبر قتيبةُ النهرَ أتيتهُ فقلت له: إنك خرجتَ ولم أعلم رأيك في العِيال فنأخذَ أهبْةَ ذلك. وبَنيَّ الأكابر معي، ولي عيال قد خلَفْتهم وأم عجوز، وليس عندهم مَن يقوم بأمرِهم، فإن رأيت أن تَكتُب لي كتابًا مع بعض بَنيَّ أوجّهه فيقدم عليّ بأهلي! فكتَبَ، فأعطاني الكتابَ فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخَر، فألوَيت بيدي، فجاء قومٌ في سفينة فقالوا: مَن أنتَ؟ أين جَوازك؟ فأخبرتُهم، فقَعدَ معي قومٌ وردّ قومٌ السفينةَ إلى العامل، فأخبروه. قال: ثمّ رجعوا إليّ فحملوني، فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائعٌ، فرميتُ بنفسي، فسألَني عن الأمر، وأنا آكلُ لا أجيبه، فقال: هذا أعرابيّ قد ماتَ من الجوع، ثمّ ركبتُ فمضيتُ فأتيتُ مروَ، فحملت أمي، ورجعتُ أريدُ العسكر، وجاءنا موتُ الوَليد، فانصرفتُ إلى مرْو.\nوقال: وأخبرَنا أبو مخنف، عن أبيه، قال: بعث قتيبةُ كثير بن فلان إلى كاشغَر، فسبَى منها سَبْيًا، فختم أعناقَهم مما أفاء الله على قُتيبة، ثمّ رجع قتيبة وجاءهم موتُ الوليد.\nقال: وأخبرَنَا يحيى بن زَكرياء الهَمْدانيّ عن أشياخ من أهلِ خرُاسان والحَكَم بن عثمان، قال: حدّثني شيخ من أهل خُراسانَ. قال: وَغَل قتيبة حتى قرب من الصين. قال: فكتَبَ إليه مَلِك الصين أن ابعثْ إلينا رجلًا من أشراف مَن مَعَكم يُخبرنا عنكم، ونُسائِله عن دينكم. فانتخَب قتيبةُ من عسكره اثني عشرَ رجلًا - وقال بعضهم: عشرة - من أفناء القبائل، لهم جَمال وأجْسام وألسُن وشُعور وبأس، بعد ما سأل عنهم فوَجَدهم مِن صالح مَن هم منه. فكلّمهم قتيبةُ، وفاطَنَهم فرأى عقولًا وَجمالًا، فأمر لهم بعُدّة حسنة من السلاح والمَتاع الجيّد من الخَزّ والوَشْي والليّن من البَياض والرّقيق والنعال والعِطْر، وحَملَهم","vol":"4","page":216},{"text":"على خيول مطهّمة تُقادُ معهم، ودوابّ يرَكَبونها. قال: وكان هُبيرة بن المشَمْرَج الكلابيّ مفوهًا بسيطَ اللسان، فقال: يا هُبيرة، كيف أنتَ صانع؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كُفيتَ الأدبَ وقلْ ما شئت أقُله. وآخذ به، قال: سِيروا على بركة الله، وبالله التوفيق، لا تَضعوا العمائمَ عنكم حتى تقدموا البلادَ، فإذا دخلتمْ عليه فأعلموهُ أني قد خفتُ ألّا أنصرِفَ حتى أطأ بلادَهم، وأختمَ ملوكهم، وأجْبي خَراجَهم.\nقال: فساروا، وعليهم هبيرة بن المشَمرَج، فلما قدموا أرسلَ إليهم مَلِكُ الصين يدعوهم، فدَخلَوا الحمام، ثمّ خرجوا فلبسوا ثيابًا بيضا تحتها الغَلائل، ثم مَسّوا الغالية، وتدخّنوا ولبسوا النعال والأردية. ودخلوا عليه وعندَه عظماءُ أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحدٌ من جلسائه فنَهضوا، فقال الملك لمَن حَضَره: كيف رأيتم هؤلاء؛ قالوا: رأينا قومًا ما هُمْ إلّا نساء، ما بقيَ منا أحد حين رآهم ووَجَد رائحتَهم إلا انتشَر ما عندَه.\nقال: فلما كان الغد أرسَل إليهم فَلِبسوا الوشيَ وعَمائمَ الخَزّ والمَطارِف، وغدَوْا عليه، فلما دخلوا عليه قيل لهم: ارجِعوا، فقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة أشبَهُ بهيئة الرّجال من تلك الأولى، وهم أولئك، فلما كان اليوم الثالث أرسَلَ إليهم فشَدّوا عليهم سلاحَهم، ولَبسوا البَيضَ والمَغافِرَ، وتقلَّدوا السيوف، وأخَذوا الرّماح، وتنكبوا القسِيّ، وركبِوا خيولَهم، وغَدوا فنَظَر إليهم صاحبُ الصين فرأى أمثال الجِبال مُقْبِلة، فلما دَنوا ركزوا رِماحَهم، ثمّ أقَبلوا نحوَهم مشمّرين، فقيل لهم قبلَ أن يدخلوا: ارجعوا، لما دَخَل قلوبَهم من خَوْفهم.\nقال: فانصَرَفوا فَركِبوا خيولهم، واختَلَجوا رِماحَهم، ثم دفعوا خيولَهم كأنهم يتطارَدون بها، فقال المَلِك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثلَ هؤلاء قطّ، فلما أمسَى أرسَل إليهم الملك، أن ابعَثوا إليّ زعيمَكم وأفضَلَكم رجلًا، فبَعثوا إليه هُبَيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم عظيمَ مُلْكي، وإنه ليس أحدٌ يمَنَعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة البَيضة في كفِّي وأنا سائلك عن أمر فإنْ لم تَصدقني قَتلتُكم. قال: سَل؛ قال: لِمَ صَنعتم من الزيّ في اليوم الأول والثاني والثالث؟ قال: أما زيُّنا الأوّل فلِباسنا في أهالينا وريحنا","vol":"4","page":217},{"text":"عندَهم، وأما يومُنا الثاني فإذَا أتينا أمراءنَا، وأما اليومُ الثالث فَزّيّنا لعدّونا، فإذا هاجَنَا هيج وفزع كنا هكذا، قال: ما أحسنَ ما دبّرتم دَهْركم! فانصرِفوا إلى صاحبكم فقولوا له: يَنصرِف، فإني قد عرفتُ حِرصَه وقلة أصحابه، وإلا بعثتُ عليكم من يُهلِككم ويُهلِكه، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أوّل خيلهِ في بلادك وآخِرها في منابت الزّيتون! وكيف يكون حَرِيصًا من خلّف الدنيا قادرًا عليها وغَزاك! وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنّ لنا آجالًا إذا حَضَرْت فأكرمها القتلُ، فلسنْا نَكرهه ولا نَخافُه؛ قال: فما الذي يُرضِي صاحبَك؟ قال: إنه قد حلف ألّا ينصرف حتى يطأ أرضَكم، ويختم ملوكَكم، ويُعطَى الجِزْية، قال: فإنا نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من ترابِ أرضِنا فيطؤه، ونَجث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونجث إليه بِجزية يرضاها، قال: فدعا بصِحاف من ذهب فيها تُرابٌ، وبَعث بحرير وذهب وأربعةِ غِلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجازهم فأحسَنَ جَوائزهم، فساروا فقَدِموا بما بَعَث به، فَقِبل قتيبةُ الجِزْية، وختم الغِلْمة وردّهم، ووَطئ التراب، فقال سوادة بن عبد الله السَّلُوليّ:\nلا عَيبَ في الوَفْدِ الذينَ بَعَثتَهُمْ ... للصين إِنْ سَلَكوا طريقَ المَنَهج\nكسرُوا الجفونَ على القذَى خوفَ الرَّدَى ... حاشَا الكريم هُبَيرةَ بن مُشَمرجِ\nلَم يَرضَ غيرَ الخَتْمِ في أَعناقِهم ... ورهائِنٍ دُفِعَتْ بِحَملِ سَمَرَّج\nأَدَّى رسالتَك التي استَرعَيتَهُ ... وأَتاك مِن حِنثِ اليمين بمخرجِ\nقال: فأوفَد قتيبةُ هبيرةَ إلى الوليد، فمات بقربةَ من فارِسَ، فرَثاه سوادَةُ، فقال:\nللهِ قبرُ هُبيرَة بن مُشمرَجٍ ... ماذا تَضَمَّنَ من نَدىً وجَمَال!\nوبديهةٍ يَعيَا بها أَبناؤها ... عند احتفالِ مَشاهدِ الأَقوال\nكان الربيعَ إذا السّنون تَتَابعَت ... والليثَ عند تَكعكع الأَبطالِ\nفَسَقَتْ بقربةَ حيثُ أَمسى قبرُه ... غرٌّ يَرُحنَ بمسبِلٍ هطَّالِ\nبكَتِ الجيادُ الصافنات لفَقدِه ... وبَكاه كلُّ مُثَقَّفٍ عَسَّالِ\nوبكتْهُ شُعْثٌ لم يجدنَ مُواسِيًا ... في العام ذي السَّنَوات والإِمحالِ\nقال: وقال الباهليّون: كان قتيبة إذا رجع من غَزاتِه كلّ سنة اشتَرَى اثنَي عشر فرسًا من جِياد الخيل؛ واثنى عشرَ هجينًا، لا يُجاوز بالفرَس أربعة آلاف، فيقام","vol":"4","page":218},{"text":"عليها إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو وعَسكَر قيّدت وأضمِرتْ، فلا تقطَع نهرًا بخيل حتى تخفّ لُحومُها، فيَحمِل عليها من يَحمِله في الطلائع، وكان يبعثِ في الطلائع الفُرسان من الأشراف، ويبعث معهم رجالًا من العجم فمن يستنصح على تلك الهجن، وكان إذا بعث بطَليعة أمرَ بلَوْح فنُقِش، ثمّ يشقّه شقّتين فأعطاه شقّة، واحتبس شقة، لئلا يمثَل مثلها، ويأمره أن يَدفِنها في موضع يصفُهُ له من مخاضَة معروفة، أو تحتَ شجرة معلومة، أو خربة، ثمّ يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادِقٌ في طليعته أم لا.\nوقال ثابت قُطنة العَتَكيّ يذكر مَنْ قُتِل من ملوك الترك:\nأَقَرَّ العَينَ مقتلُ كارزنكٍ ... وكَشْبيز وما لاقَى بيار\nوقال الكُميتُ يَذكُر غَزوة السُّغْد وخُوارزْم:\nوبعدُ في غزوةٍ كانت مُباركةً ... تردِي زراعةَ أَقوامٍ وتَحتَصِدُ\nنالتْ غَمامتُها فِيلًا بَوابِلهَا ... والسُّغْد حين دنا شؤبُوبُها البَرِدُ\nإِذ لا يزالُ له نَهبٌ يُنَفَّلهُ ... منَ المقاسِمِ لا وَخْشٌ ولا نَكَدُ\nتلك الفُتوحُ التي تُدْلي بِحُجَّتِهَا ... على الخليفةِ إِنَّا معشرٌ حُشُدُ\nلَم تَثنِ وجهَكَ عن قومٍ غَزوتَهُم ... حتى يُقال لهم: بُعدًا وقد بعِدُوا\nلم ترضَ مِن حِصنهمْ إِن كان ممتَنِعًا ... حتى يُكَبَّرَ فيه الواحدُ الصَّمَدُ (١)\n(٦: ٥٠٠ - ٥٠٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>خلافة سليمان بن عبد الملك</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة بُويع سليمانُ بن عبد الملك بالخلافة، وذلك في اليوم الذي تُوفِّي فيه الوليدُ بن عبد الملك، وهو بالرَّمْلة (٢). (٦: ٥٠٥).\nوفيها عَزَل سليمانُ بن عبد الملك عثمانَ بن حيّان عن المدينة، ذكرَ\n_________\n(١) ولقد ذكر الحافظ ابن كثير هذه الأحداث ضمن وقائع سنة (٩٦) [البداية والنهاية (٧: ٢٨٨)].\n(٢) وانظر تاريخ خليفة (ص ٣١٤).\nوقال الحافظ ابن كثير: بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة (٩٦ هـ) وكان سليمان بالرملة [٧: ٣١٣].","vol":"4","page":219},{"text":"محمد بن عمرَ، أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة ستّ وتسعين.\nقال: وكان عملُه على المدينة ثلاثَ سنين. وقيل: كانت إمرتُه عليها سنتين غير سَبْعِ ليال (١). (٦: ٥٠٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>خبر مقتل قتيبة بن مسلم</span>\nوفي هذه السنة قُتِل قتيبة بن مسلمِ بخُراسان (٢). (٦: ٦٠٥)\nوكذلك قال خليفة (ص ٣١٨).\nذكر الخبر عن سبب مقتله:\nوكان سبب ذلك أن الوليد بنَ عبد الملك أراد أن يجعلَ ابنهَ عبدَ العزيز بن الوليد وليّ عهدِه، ودَسّ في ذلك إلى القوّاد والشعراء، فقال جرير في ذلك:\nإِذا قيلَ أَيّ الناس خيرُ خليفةٍ؟ ... أشارَتْ إِلى عبد العزيزِ الأَصابعُ\nرَأَوْهُ أَحقَّ الناس كلِّهِم بها ... وما ظَلموا، فبايَعوه وسَارعُوا\nوقال أيضًا جرير يحضّ الوَليد على بيَعة عبد العزيز:\nإِلى عبد العزيزِ سَمَت عيونُ الرَّ ... عيّةِ إِذ تَحيَّرَت الرِّعاءُ\nإِليه دَعتْ دَواعِيهِ إِذا مَا ... عمَادُ المُلكِ خَرَّت والسَّماءُ\nوقال أُولو الحكومةِ من قُرَيش ... علينا البيعُ إِن بلغ الغلاءُ\nرَأَوْا عبدَ العزيز وليَّ عَهْدٍ ... وما ظلموا بذاكَ ولا أَسَاؤُوا\nفماذا تنظرونَ بها وفيكمْ ... جسُورٌ بالعظائم واعتلاءُ!\nفَزَحِلفها بِأَزْمَلِهَا إِليه ... أميرَ المؤمنين إِذا تَشاءُ\nفإِنَّ الناسَ قد مَدُّوا إِليه ... أكُفَّهُمْ وقد بَرِحَ الخفاءُ\nفبايَعهَ على خلَعْ سليمانَ الحجاجُ بن يوسفَ وقتيبة، ثم هلك الوليد وقامَ سليمانُ بن عبد الملك، فخافه قتيبة. (٦: ٥٠٦ - ٥٠٧)\n_________\n(١) انظر تاريخ خليفة (ص ٣١٥).\n(٢) وكذلك قال خليفة (ص ٣١٨).","vol":"4","page":220},{"text":"قال عليّ بن محمد: أخبَرَنا بِشْرِ بن عيسى والحَسَن بن رشيد وكُلَيب بن خَلَف عن طُفيل بن مِرْداس، وجَبَلة بن فروخ عن محمد بن عزيز الكِنْديّ، وجَبَلة بن أبي روّاد ومسلمة بن محارب عنِ السَّكِن بن قتَادة؛ أن قتيبةَ لما أتاه موتُ الوليدِ بن عبد الملك وقيامُ سليمان. أشفقَ من سليمانَ لأنه كان يَسعى في بَيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج. وخاف أن يولّي سليمانُ يزيدَ بنَ المهلب خُراسان. قال: فكتب إليه كتابًا يُهنّئه بالخلافة. ويعزّيه على الوليد. ويُعلمه بلاءَه وطاعتَه لعبد الملك والوليد. وأنه له على مِثل ماكان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يَعزِلْه عن خُراسان. وكتب إليه كتابًا آخرَ يُعلِمه فيه فتُوحَه ونِكايتَه وعظمَ قَدرِه عند مُلوك العَجَم، وهيبته في صدورهم، وعظم صوته فيهم، ويذمّ المهلب وآل المهلَّب. ويحلف بالله لئن استعمل يزيدَ على خُراسان ليخلعنّه. وكتب كتابًا ثالثانيه خَلْعُه. وبعث الكُتُب الثلاثة مع رجل من باهِلة. وقال له: ادفع هذا الكتاب، فإن كان يزيدُ بن المهلب حاضرًا، فقرأه ثم ألقاه إليه؛ فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قَرَأه وألقاه إلى يزيدَ؛ فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأ الأوّل ولم يدفعْه إلى يزيد؛ فاحتبس الكتابَين الآخرَين.\nقال: فقَدِم رسولُ قتيبةَ فدخل على سليمانَ وعندَه يزيدُ بن المهلب. فَدَفَع إليه الكتاب، فقرأه. ثم ألقاه إلى يزيد. فدفع إليه كتابًا آخرَ فقرأه، ثمّ رَمَى به إلى يزيدَ، فأعطاه الكتاب الثالث. فقرأه فتمعرَّ لونُه ثم دَعَا بطِين فختمه ثم أمسكه بيده (١). (٥٠٧: ٦ - ٥٠٨).\nرجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد. قال: ثمّ أمر - يَعنيِ سليمان - برسولِ قتيبةَ أن يُنزَّل. فحوِّل إلى دار الضيافة. فلما أمسَى دعا به سليمان. فأعطاه صُرّةً فيها دنانير. فقال: هذه جائزتُك. وهذا عهدُ صاحبك على خُراسان فسرْ، وهذا رسولي معك بعَهْده. قال: فخرج الباهليّ، وبعث معه سليمانُ رجلًا منِ عبد القيس. ثمّ أحد بني لَيث يقال له صَعْصعة -أو مُصعَب - فلما كان بحُلوان تلقاهم الناس بخَلْعِ قُتيبة. فرجع العبديّ، ودفع العهدَ إلى رسول قتيبة. وقد\n_________\n(١) قلنا: هذا إسناد مركب رواه المدائني من عدة طرق فيها من لم نعرفهم وفيهم من ذكره ابن حبان في الثقات كجبلة بن رواد، ومسلمة بن محارب وهو أخباري مأمون كما نقل الذهبي في الميزان. (راجع التراجم في المقدمة).","vol":"4","page":221},{"text":"خلع، واضطرب الأمرُ. فدفع إليه عهدَه، فاستشار إخوتَه. فقالوا: لا يَشق بك سليمان بعدَ هذا (١). (٥٠٨: ٦).\nوفي هذه السنة عَزَل سليمانُ بن عبد الملك خالدَ بنَ عبد الله القَسريّ عن\n_________\n(١) وانظر خليفة (ص ٣١٨). وانظر تعليقنا السابق على الإسناد.\nقلنا: وهذه الرواية التي اعتمدناها في الصحيح تبين أسباب خروج قتيبة ورفضه البيعة لسليمان بن عبد الملك ولقد ذكر الحافظ الناقد ابن كثير سببًا آخر وجيهًا فرأينا لزامًا أن نذكر رأيه كإمام من أئمة التاريخ.\nقال ابن كثير ﵀: وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على عدم مبايعة سليمان بن عبد الملك وأراد الدعوة لنفسه لما تحت يده من العساكر ولما فتح من البلاد والأقاليم.\n[البداية والنهاية (٧: ٢٨٨)].\nقلنا: وكذلك أرخ خليفة بن خياط لمقتل قتيبة بن مسلم الباهلي فقال ضمن أحداث سنة (٩٦ هـ): وفيها قتل قتيبة بن مسلم حدثني عبد الله بن المغيرة قال: ثني أبي: عن عبد الله بن أبي حاضر الأسدي قال: أتيت حصين بن المنذر حين سار إلى قتيبة فقال لي: ما صنع القوم؟ قلت: ما أراهم إلَّا قاتليه إن يصلوا إلى قتله، فأطرق طويلًا ثم قال: يابن أبي حاضركم ترى في هذا العسكر من فرس ودابة وبغل وحمار؟ قلت: مئة ألف. قال: فوالله لو انتخبوا من ذلك عشرة آلاف، ثم انتخبوا من العشرة آلاف ألفًا، ثم بعثوا كل واحد في وجه يطلبون مثل قتيبة ما قدروا عليه. [تاريخ خليفة (ص ٣١٣)].\nقلنا: وكل مسلم غيور يتألم للخاتمة التي ختم بها قتيبة حياته بعد كل تلك البطولات والفتوحات، ولكن الحافظ ابن كثير كتب مقالة رائعة في ذلك فقال: (وقد كان قتيبة بن مسلم من سادات الأمراء وخيارهم وكان من القادة النجباء الكبراء والشجعان وذوي الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى الله على يديه خلق لا يحصيهم إلَّا الله، فأسلموا ودانوا لله ﷿، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئًا كثيرًا كما تقدم ذلك مفصلًا مبينًا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده. ولكن زل زلة كان فيها حتفه وفعل فعلة رغم فيها أنفه وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه وفارق الجماعة، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته ويضاعف به حسناته والله يسامحه ويعفو عنه ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء. [البداية والنهاية (٩: ١٦٧)].\nوقال الحافظ الذهبي عن قتيبة بن مسلم الباهلي: أحد الأبطال الشجعان ومن ذوي الحزم والدهاء والرأي والفناء. وهو الذي فتح خوارزم وبخارى وسمرقند وكانوا قد نقضوا وارتدوا ثم إنه افتتح فرغانة وبلاد الترك في سنة ٩٥ هـ ولما بلغه موت الوليد نزع الطاعة فاختلف عليه جيشه ...... فقتلوه في ذي الحجز سنة ست وتسعين. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣ / تر ٥٣٧)].","vol":"4","page":222},{"text":"مكّة، وولّاها طَلْحة بنَ داودَ الحضْرَميّ.\nوفيها غزا مَسلَمة بن عبد الملك أرضَ الرّوم الصائفةَ، ففتح حِصْنًا يقال له حِصْن عَوْف.\nوفي هذه السنة تُوُفِّي قرّة بن شريك العَبْسيّ وهو أميرُ مصرَ في صفر في قول بعض أهل السّيَر.\nوقال بعضهم: كان هلاكُ قرّة في حياة الوليد في سنة خمس وتسعين في الشهر الذي هلك فيه الحجّاج.\nوحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ، كذلك حدّثني أحمدبن ثابت عمّن ذكَرَه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيرُه.\nوكان الأميرُ على المدينة في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وعلى مكة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى حَرْب العراق وصلاتها يزيد بن المهلّب، وعلى خرَاجها صالح بن عبد الرّحمن، وعلى البَصرة سُفْيان بن عبد الله الكِنْديّ من قبَل يزيد بن المهلّب، وعلى قضاء البَصْرة عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حَرْب خُراسان وكيعُ بن أبي سُود (١). (٦: ٥٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>ثمّ دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة عن الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القُسْطنطينيّة واستعماله ابنَه داودَ بن سليمان على الصائفة، فافتتح حصنَ المرأة. (٦: ٥٢٣).\nقال عليّ بن محمد: حدَّثنا مسلَمة بن مُحارِب وأبو العَلاء التّيميّ والطفيل بن مِرْداس العمّي وأبو حفص الأزْديّ عمّن حدّثه عن جَهْم بن زَحْر بن قيس، والحسن بن رشيد عن سليمانَ بن كثير، وأبو الحسن الخُراسانيّ عن الكَرَمانيّ،\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد سليمان.","vol":"4","page":223},{"text":"وعامر بن حفص وأبو مخنَف عن عثمانَ بن عمرو بن محصَن الأزديّ وزهير بن هنيد وغيرهم - وفي خبر بعضهم ما ليس في خبر بعض، فألّفت ذلك - أنّ سليمان بنَ عبد الملك ولى يزيدَ بنَ المهلَّب العِراقِ ولم يولِّه خُراسان، فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الملك بن المهلب وهو بالشأم ويزيدُ بالعراق: كيف أنتَ يا عبدَ الملك إنْ وليتُك خُراسان؟ قال: يجدني أميرُ المؤمنين حيثُ يحبّ، ثمّ أعرضَ سليمانُ عن ذلك. قال: وكتب عبدُ الملك بن المهلب إلى جرير بن يزيدَ الجَهْضميّ وإلى رجال من خاصّته: إنّ أمير المؤمنين عَرَضِ عليّ ولاية خُراسانَ فبلغ الخبرُ يزيدَ بنَ المهلب، وقد ضَجِر بالعراق، وقد ضيّق عليه صالح بنُ عبد الرحمن، فليس يصل معه إلى شيء، فدعا عبد الله بن الأهتم، فقال: إني أريدك لأمر قد أهمَّني، فأحبّ أن تَكفينيه، قال: مُرْني بما أحببْت، قال: أنا فيما ترى من الضيق، وقد أضجَرني ذلك، وخُراسان شاغِرةٌ برجلها، وقد بَلَغني أنّ أميرَ المؤمنين ذكَرَها لعبدِ الملك بن المهلب، فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرِّحني إلى أميرِ المؤمنين، فإني أرجو أن آتيَك بعَهْدك عليها، قال: فاكتم ما أخبرْتُك به، وكتب إلى سليمان كتابين: أحدهما يَذكُر له فيه أمرَ العراق. وأثنى فيه على ابن الأهتم وذكَر له علمه بها، ووجّه ابن الأهتم وحمَله على البَريد، وأعطاه ثلاثين ألفًا. فسار سبعًا، فقَدم بكتاب يزيدَ على سليمان، فدخل عليه وهو يتغدَّى، فجلس ناحيةً، فأتيَ بدجاجَتين فأكَلَهما.\nقال: فدخل ابنُ الأهتم فقال له سليمان: لك مجلسٌ غيرُ هذا تعود إليه. ثمّ دعا به بعدَ ثالثة، فقال له سليمان: إنّ يزيدَ بنَ المهلب كتب إليّ يذكُر علمَك بالعراق وبخُراسان، ويُثْني عليك، فكيف علمُك بها؟ قال: أنا أعلَم الناس بها؛ بها وُلدتُ، وبها نشأتُ، فلي بها وبأصْلها خبر وعِلم. قال: ما أحوَجَ أميرَ المؤمنين إلى مثلك يُشاوره في أمرها! فأشرْ عليّ برَجُل أولِّيه خُراسان، قال: أميرُ المؤمنين أعلم بمن يريد يولي، فإن ذكر منهم أحدًا أخبرتُه برأيي فيه، هل يَصلُح لها أو لا؛ قال: فسمَّى سليمانُ رجلًا من قريش؛ قال: يا أمير المؤمنين، ليس من رجال خُراسان، قال: فعبدُ الملك بن المهلب، قال: لا، حتى عدّد رجالًا، فكان في آخر من ذكر وكيع بن أبي سُود، فقال: يا أميرَ المؤمنين، وكيعٌ رجلٌ شجاعٌ صارم بَئيس مقدام. وليس بصاحبها مع هذا، إنه لم يقُد ثلاثمئةٍ قط فرأى","vol":"4","page":224},{"text":"لأحد عليه طاعة. قال: صدقتَ ويْحك، فمن لها قال: رجلٌ أعلَمه لم تُسمّه، قال: فمن هو؟ قال لا أبوح باسمه إلا أن يَضمَن لي أميرُ المؤمنين ستر ذلك. وأن يُجيرَني منه إنْ علم؛ قال: نعم، سَمّه مَن هو؟ قال: يزيدُ بن المهلب؛ قال: ذاك بالعراق، والمُقام بها أحبّ إليه من المقام بخُراسان، قال: قد علمتُ يا أميرَ المؤمنين، ولكن تُكرِهه على ذلك، فيَستخلف على العراق رجلًا ويسير؛ قال: أصبتَ الرأيَ. فكَتَب عهدَ يزيد على خُراسان، وكتب إليه كتابًا: إن ابنَ الأهتم كما ذكرتَ في عَقْلِه ودينه وفضله ورأيه. ودفع الكتابَ وعَهْد يزيدَ إلى ابن الأهتم، فسار سَبْعًا. فقدم على يزيدَ فقال له: ما وراءك؟ قال: فأعطاه الكتاب، فقال: ويحك! أعندَك خير؟ فأعطاه العهد، فأمر يزيدُ بالجهاز للمسير من ساعته، ودعا ابنه مخلَدًا فقدّمه إلى خراسان. قال: فسار من يومِه، ثمّ سار يزيدُ واستخلف على واسطَ الجَرّاح بنَ عبد الله الحَكَميّ، واستعمَل على البَصْرة عبدَ الله بن هلال الكلابيّ، وصيّر مروانَ بن المهلب على أموالِه وأمورِه بالبَصرة، وكان أوثَقَ إخوتِه عندَه، ولمروان يقول أبو البَهاء الإياديّ:\nرأيتُ أبا قبيصةَ كلَّ يومٍ ... على العَلَّاتِ أكرَمَهُمْ طِبَاعَا\nإذَا ما هُمْ أَبوْا أن يَسْتطيعوا ... جسِيمَ الأَمْرِ يحْمِل ما اسْتَطَاعَا\nوإنْ ضاقت صدُورُهُم بأَمرٍ ... فضلتَهُمُ بذاك ندىً وبَاعَا\n(٦: ٥٢٤ - ٥٢٦).\nوفي هذه السنة شَخَص يزيدُ بن المهلّب إلى خُراسانَ أميرًا عليها، فذكر عليّ بن محمد عن أبي السريّ المروزي الأزْديّ، عن عمه، قال: وليَ وكيع خُراسان بعد قتل قُتيبةَ تسعةَ أشهر أو عشرة. وقدم يَزيدُ بن المهلب سنة سبع وتسعين (١). (٦: ٥٢٨).\nقال عليّ: فذَكَر المفضّل بن محمد عن أبيه، قال أدنَى يزيدُ أهلَ الشأم وقومًا من أهل خراسان، فقال نهارُ بن تَوْسِعة:\nوما كنَا نُؤمِّلُ من أَمِيرٍ ... كما كُنَّا نؤمّلُ من يزيدِ\n_________\n(١) وقال خليفة: مات الوليد وعليها (أي: خراسان) قتيبة بن مسلم فخلع سليمان فقتل قتيبة وتولى أمر الناس وكيع بن أبي الأسود الفدّاني فعزله يزيد بن المهلب وولى ابنه مخلد بن يزيد ثم قدمها يزيد ثم شخص واستخلف ابنه مخلدًا حتى مات. (ص ٣٢٤).","vol":"4","page":225},{"text":"فأَخْطَأَ ظنُّنَا فيه وقِدْمًا ... زهِدْنا في معاشَرَة الزَّهيد\nإذا لم يُعطِنا نَصَفًا أَميرٌ ... مشَينَا نحْوَهُ مِثلَ الأُسُود\nفمهلًا يا يَزيدُ أنِبْ إلينا ... ودَعْنَا من معَاشرَةِ العبيدِ\nنَجِيءُ فلا نَرَى إلَّا صُدودًا ... على أنا نُسلم من بعيدِ\nونَرجعُ خائبينَ بلا نوالٍ ... فما بَالُ التجَهُّمِ والصُّدُودِ!\n(٥٢٨: ٦).\nقال عليّ: أخبرَنا زيادُ بن الرّبيع. عن غالب القطّان، قال: رأيتُ عمَر بنَ عبد العزيز واقفًا بعَرفات في خلافة سليمان. وقد حَجّ سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: العَجَب لأمير المؤمنين، استعمَل رجلًا على أفضل ثَغْر للمسلمين! فقد بلَغَني عمّن يقدم من التجار من ذلك الوَجْه أنه يُعطي الجارية من جواريه مثل سهم ألفِ رجل. أما والله ما الله أراد بولايته - فعرفتُ أنه يعني يزيدَ والجهنية - فقلتُ: يشكر بلاءَهم أيام الأزارقة. (٦: ٥٢٨ - ٥٢٩)\nوفي هذه السنة حجّ بالناس سليمانُ بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمن ذكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (١). (٦: ٥٢٩).\nوفيها عَزَل سليمانُ طلحةَ بن داودَ الحضْرميّ عن مكة، قال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن نافع عن ابن أبي مُلَيكة، قال: لما صدَر سليمانُ بن عبد الملك من الحجّ عَزَل طلحةَ بنَ داودَ الحضْرميّ عن مكة، وكان عَمَلُه عليها ستة أشهر، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالدبن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.\nوكانت عُمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان، فإن عامِلَها على الحَرْب والخَراج والصّلاة يزيدُ بن المهلب.\nوكان خليفته على الكوفة - فيما قيل - حَرْملة بن عُمير اللَّخْميّ أشهُرًا، ثمّ\n_________\n(١) انظر خليفة (ص ٣٢٠).","vol":"4","page":226},{"text":"عزَلَه وولّاها بشير بن حسّان النَّهْديّ (١). (٦: ٥٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القُسْطَنْطينيّة، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه، فشَتَا بها وصاف. (٥٣٠: ٦).\nوفي هذه السنة فُتِحتْ مدينَة الصّقالبة، قال محمد بن عمر: أغارتْ بُرْجان في سنة ثمان وتسعين على مَسلَمة بن عبد الملك وهو في قلّة من الناس، فأمَدّه سليمانُ بن عبد الملك بمَسْعدة -أو عَمْرو بن قَيس - في جَمْع فمَكَرتْ بهم الصّقالبة، ثمّ هزمَهم اللهُ بعد أن قَتَلوا شَراحيلَ بن عبد بن عَبدَة. (٣٣٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[غزو جرجان وطبرستان]</span>\nوفي هذه السنة غزا يزيدُ بن المهلب جُرْجان وطَبرسْتان (٢). (٦: ٥٣٢).\nوأما غيرُ أبي مخنَف، فإنه قال في أمر يزيدَ وأمرِ أهلِ جُرْجان ما حدّثني أحمد بن زُهير، عن عليّ بن محمد، عن كُليب بن خَلَف وغيره؛ أن سعيدَ بن العاص صالح أهلَ جُرْجان، ثمّ امتنَعوا وكَفروا، فلم يأتِ جُرْجان بعدَ سعيد\n_________\n(١) انظر قائمة الولاة في نهاية عهد سليمان. قال خليفة: فيها (٩٧ هـ) غزا يزيد بن المهلب جرجان.\nوحدثني حاتم بن مسلم: عن يونس بن أبي إسحاق أنه شهد ذلك مع يزيد بن المهلب. قال: صالحهم على خمسمئة ألف درهم (ص ٣١٩).\nوحدثني الوليد بن هشام: عن أبيه: عن جده قال: صالحهم يزيد على خمسمئة ألف درهم يؤدونها كل عام. (ص ٣١٩).\n(٢) وقال خليفة: فيها (٩٧ هـ) غزا يزيد بن المهلب جرجان، وحدثني حاتم بن مسلم: عن يونس بن أبي إسحاق أنه شهد ذلك مع يزيد بن المهلب قال: صالحهم يزيد على خمسمئة ألف درهم يؤدونها كل عام. [تاريخ خليفة (ص ٣١٩)].","vol":"4","page":227},{"text":"أحد، ومَنَعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلُك طريقَ خُراسانَ منِ ناحيته أحدٌ إلا على وَجَل وخَوْف من أهلِ جُرْجان؛ كان الطريق إلى خُراسان من فارسِ إلى كَرمان، فأوّل من صيّر الطريقَ من قومس قُتيبة بن مسلم حينَ وليَ خُراسان. ثم غزا مصقَلة خُراسانَ أيام معاويةَ في عشرة آلاف، فأصيب وجنده بالرُويَان، وهي متاخمةُ طبَرسْتان فهلكوا في وادٍ من أوديَتها، أخَذ العدوّ عليهم بمضايِقه، فقتلُوا جميعًا، فهو يُسمَّى وادي مصقَلة.\nقال: وكان يُضرَب به المَثَل: حتى يَرجعَ مصقلة من طَبرسْتان، قال عليّ عن كُليب بن خَلَف العَمّى عن طُفَسا بن مرْداس العميّ وإدريس بن حَنْظلة: إنّ سعيدَ بنَ العاص صالح أهل جُرْجان، فكانوا يجيئون أحيانًا مئة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مئتي ألف، وأحيانًا ثلثمئة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منَعوه، ثم امتنعوا وكَفَروا فلم يُعطُوا خَراجًا، حتى أتاهُم يزيدُ بن المهلب فلم يُعازّه أحدٌ حين قَدِمها، فلما صالح صول وفتح البُحيرة ودهستان صالح أهلَ جُرْجَانَ على صُلْح سعيد بن العاص. (٦: ٥٣٦).\nحدّثني أحمد عن علي، عن كُلَيب بن خَلَف العمي، عن طُفيل بن مِرْداس، وبشر بِن عيسى عن أبي صَفْوان، قال علي: وحدّثني أبو حفص الأزْديّ عن سليمان بن كثير، وغيرهم؛ أنّ صولا التركيّ كانَ ينزل دهستان والبُحيرة - جزيرة في البَحْر بَينَها وبين دهستان خمسة فراسخ، وهما من جُرجَان مما يلي خُوارَزم - فكان صول يُغير على فيروزَ بن قول، مَرْزبان جُرْجان، وبينهم خمسة وعشرون فَرْسخًا، فيصيب من أطرافهم ثمّ يرجع إلى البُحيرة ودهسْتان، فوقع بين فَيروز وبينَ ابن عمّ له يقال له المرْزُبان منازعة، فاعتَزَله المَرْزُبان، فنزل البياسان، فخاف فيروز أن يُغيرَ عليه الترك، فخرج إلى يزيد بن المهلب بخُراسان، وأخذ صُول جُرْجان، فلما قَدِم على يزيدَ بن المهلب قال له: ما أقدَمك؟ قال: خفتُ صُولا، فهَرَبْتُ منه، قال له يزيد: هل من حيلة لقتاله؟ قال: نعم، شيء واحد، إن ظفرتُ به قتلتُه، أو أعطى بيده، قال: ما هُوَ؟ قال: إن خرَج مِنْ جرجان حتى يَنزِل البُحَيرة، ثم أتيتَهُ ثَمَّ فحاصرْتَهُ بها ظفرتَ به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتابًا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيمَ بجُرْجان، واجعلْ له على ذلك جُعْلًا، ومنِّه، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرّبُ به إليه لأنه يعظمه،","vol":"4","page":228},{"text":"فيتحوّل عن جُرجانَ، فيَنزل البُحيرة. (٦: ٥٣٦ - ٥٣٧).\nفكتَبَ يزيدُ بن المهلب إلى صاحب طَبَرسْتَان: إني أريد أن أغزوَ صولا وهو بجُرْجان، فخفتُ إن بَلَغه أني أريدُ ذلك أن يتحوّل إلى البحيرة فينزلها، فإن تحوّل إِليها لم أقدر عليه؛ وهو يسمَع منك ويستنصحك، فإن حَبستَه العام بجُرجان فلم يأت البُحيرة حملتُ إليك خمسينَ ألفَ مثقال؛ فاحتلْ له حيلةً؛ تَحبسه بجُرجان، فإنه إن أقام بها ظَفرتُ به، فلما رأى الإصبهبذ الكتابَ أراد أن يتقرّب إلى صُول، فبعث بالكتاب إليه، فلما أتاه الكتابُ أمَر الناسَ بالرّحيل إلى البُحيرة وحمل الأطعمة ليتحصّن فيها، وبَلَغ يزيدَ أنه قد سار من جُرْجان إلى البحيرة، فاعتزَم على السَّير إلى الجُرْجان، فخرج في ثلاثين ألفًا، ومعه فيروزُ ابنُ قول، واستخلَف على خُراسان مخلَد بن يزيد، واستَخلف على سَمَرقنْد وكس ونَسَف وبُخارى ابنه معاوية بن يزيد، وعلى طَخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب. وأقبَل حتى أتى جُرْجان - ولم تكن يومئذ مدينة إنما هي جبال مُحيطةٌ بها، وأبوابٌ ومخارم، يقوم الرجلُ على باب منها فلا يقدم عليه أحدٌ - فدخلها يزيد لم يعازّه أحد، وأصابَ أموالًا، وهَرَب المَرْزُبان، وخرج يزيد بالناس إلى البُحيرة، فأناخَ على صول، وتمثّل حينَ نَزَل بهم:\nفخرّ السيفُ وارْتَعَشَتْ يَداهُ ... وكانَ بنَفسِهِ وُقِيَستْ نُفُوسُ\nقال: فحاصَرَهم، فكانَ يخرُج إليه صُول في الأيَّام فيُقاتله ثمّ يرجع إلى حِصْنه، ومع يزيد أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة، ثم ذكر من قصة جَهْم بن زَحْر وأخيه محمد نحوًا مما ذكره هشام، غير أنه قال في ضَرْبة التركى ابنَ أبي سبرة: فنَشَب سَيف التركي في دَرَقة ابن أبي سَبْرة.\nقال علي بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، عن عَنْبسة، قال: قاتَلَ محمد بن أبي سبْرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتَورُوه بأسيافهم، فانقطع في يده ثلاثة أسياف.\nثم رّجع إلى حديثهم؛ قال: فمكثوا بذلك - يعني الترْك - محصُورين يَخرجون فيقَاتلون، ثمّ يَرجعون إلى حِصنهم ستة أشهر، حتى شربوا ماء الأحساء، فأصابهم داءٌ يسمَّى السؤاد، فَوَقَع فيهم الموتُ، وأرسَل صُول في ذلك يطلبُ الصّلح، فقال لزيدُ بن المهلب: لا، إلا أن ينؤل على حُكْمي، فأبى. فأرسَل","vol":"4","page":229},{"text":"إليه: إني أصالِحُك على نفسي ومالي وثلثمئة من أهلِ بيتي وخاصّتي، على أن تؤمّنني فتنزل البُحيرة. فأجابَه إلى ذاك يزيدُ، فخرج بمالِه وثلثمئة ممن أحَبّ، وصار مع يزيدَ، فقَتلَ يزيدُ من الأتراك أربعةَ عشر ألفًا صَبْرًا، ومنَّ على الآخرين فلم يَقتُل منهم أحدًا. وقال الجُنْد ليزيدَ: أعطنا أرزاقَنا، فدَعَا إدريس بن حنظلة العمّيّ، فقال: يا بن حَنْظلة، أحْصِ لنا ما في البُحَيرة حتى نُعطِيَ الجندَ، فدَخَلها إدريسُ، فلم تقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: فيها ما لا أستَطيع إحصاءَه، وهو في ظُروف، فنُحصي الجواليق ونعلّم ما فيها، ونقول للجند: ادخُلوا فخذُوا، فمن أخَذَ شيئًا عرّفَنا ما أخَذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعَسَل. قال: نعْمَ ما رأيت، فأحصَوا الجَواليق عَدَدًا، وعَلّموا كلّ جوالق ما فيه، وقالوا للجند: خُذُوا، فكان الرجلُ يخرُج وقد أخذ ثيابًا أو طعامًا أو ما حَمَل من شيء فيُكتَب على كلّ رجل ما أخَذ، فأخذوا شيئًا كثيرًا. (٦: ٥٣٧ - ٥٣٨).\nقال عليّ: قال أبو محمد الثَّقَفيّ: أصاب يزيدُ بن المهلب تاجًا بجُرْجان فيه جَوْهر، فقال: أتَرون أحدًا يزَهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع الأزديّ، فقال: خذْ هذا التاجَ فهو لك؛ قال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمتُ عليك، فأخذَه، وخرج فأمر يزيدُ رجلًا ينظر ما يصنع به، فلقِيَ سائلًا فدَفَعه إليه، فأخذ الرجلُ السائل، فأتَى به يزيدَ وأخبَرَه الخبر، فأخذ يزيدُ التاجَ، وعَوَّض السائل مالًا كثيرًا (١). (٦: ٥٣٩).\nقال عليّ: وكان سليمانُ بن عبد الملك كلما افتَتح قتيبةُ فَتْحًا قال ليزيد بن المهلب: أما تَرَى ما يَصنَع الله على يدي قُتيبة؛ فيقول ابنُ المهلب: ما فعلَتْ جُرْجان التي حالت بين الناس والطريق الأعظم، وأفسدَت قُومِس وأبرشَهْر! ويقول: هذه الفتوحُ ليستْ بشيء، الشأنُ في جُرجانَ، فلما ولي يزيدُ بن المهلب لم يكن له همة غير جُرْجان. قال: ويقال: كان يزيدُ بن المهلب في\n_________\n(١) الخبر أورده الطبري من طريق المدائني عن شيخه أبو محمد الثقفي ولا نستغرب هذا الخبر فجيوش الفاتحين كانت تضم في حناياها كثيرًا من الزهاد والعباد والعلماء والصالحين، والله أعلم.","vol":"4","page":230},{"text":"عشرين ومئة ألف، معه من أهل الشأم ستون ألفًا (١). (٦: ٥٣٩).\nقال عليَّ في حديثه، عن شيوخه، الذين قد ذكرتُ أسماءَهم قبلُ وكتب يزيدُ إلى سليمان بن عبد الملك:\nأما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فَتْحًا عظيمًا، وصَنَع للمسلمين أحسَنَ الصُّنْع، فلرَبّنا الحمدُ على نِعمه وإحسانه، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جُرجان وطَبَرستان، وقد أعيا ذلك سابُورَ ذا الأكْتاف وكسرى بن قُباذ وكسرى بن هُرْمُز. وأعيَا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومَن بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين؛ كرامةً من الله له، وزيادة في نعمه عليه. وقد صار عندي من خُمس ما أفاءَ اللهُ على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذي حقٍّ حقه من الفيء والغَنيمة ستةُ آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله.\nفقال له كاتبه المغيرة بن أبي درّة مولَى بني سَدُوس: لا تكتُب بتسمية مال، فإنك مِنْ ذلك بين أمرين: إما استكْثرَه فأمَرَك بحَمله، وإما سخَت نفسُه لك به فسوّغكَه فتكلفت الهديّة. فلا يأتيه من قبَلك شيء إلا استقبله، فكأني بك قد استغرقت ما سمّيت ولم يقع منه موقعًا، ويبقى المالُ الذي سميت مخلّدًا عندهم عليك في دواوينهم، فإن وليَ وال بعدَه أخذَك به، وإن ولي من يتحامَل عليك لم يرض منك بأضعافه، فلا تمضِ كتابَك، ولكن اكتب بالفتح، سَلهْ القُدومَ فتُشافههُ بما أحببتَ مُشَافهةً، ولا تقصّر، فإنك إن تقصّر عما أحببتَ أحرَى من أن تكثِّر.\nفأبى يَزيدُ وأمضَى وقال: بعضُهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف (٢). (٥٤٤: ٦ - ٥٤٥).\n_________\n(١) لم نورد هذا الخبر في قسم الصحيح لنثبت صحة هذا الحوار بين الخليفة سليمان وأحد قواده (يزيد بن المهلب) فهذا رأي المدائني كمؤرخ فلعل الخبر ثابت، أو غير ثابت، وإنما أوردناه لعبارة في المتن تؤكد ما ذكرته الروايات السابقة من أن جرجان على الطريق الرئيسي المؤدي إلى ما وراء جرجان من البلاد وكان لا بد من فتحها مرة أخرى بعد أن كفر أهلها ونقضوا صلحهم القديم والله أعلم.\n(٢) قلنا: وقد مضى الحديث عن هذا الإسناد آنفًا، وهذه مفخرة من مفاخر التاريخ الإسلامي.","vol":"4","page":231},{"text":"وفي هذه السنةَ فُتِحت مدينة الصّقالبة.\nوفيها غزا داود بن سليمانَ بن عبد الملك أرضَ الرّوم، ففَتح حِصْنَ المرأة مما يليَ مَلطيَة.\nوحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أميرٌ على مكة، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت. عمن ذَكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سَبْع، وقد ذكرْناهم قبلُ، غير أنّ عامل يزيد بن المهلب على البَصْرة في هذه السنة كان - فيما قيل - سُفْيان بن عبد الله الكِنْديّ (١). (٦: ٥٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>وفاة سليمان بن عبد الملك</span>\nفمن ذلك وفاةُ سليمانَ بن عبد الملك، تُوفِّيَ - فيما حُدثت عن هشام، عن أبي مخنَف - بدابِق من أرض قِنَّسْرين يوم الجمعة لعشر ليال بقينَ من صفر، فكانت ولايتُه سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام.\nوقد قيل: توفِّي لعشرِ ليال مضين من صفر. وقيل: كانت خلافتُه سَنَتين وسبعة أشهر وقيل: سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام.\nوقد حدّث الحسن بن حماد، عن طلحة أبي محمد، عن أشياخه، أنهم قالوا: استخلفَ سليمان بن عبد الملك بعد الوليد ثلاث سنين. وصلى عليه عمرُ بن عبد العزيز.\nوحدثني أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر، قال: توفِّي سليمانُ بن عبد الملك يومَ الجمعة لعشر خلوْنَ من صفر سنة تسع\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الخليفة سليمان.","vol":"4","page":232},{"text":"وتسعين، فكانت خلافتُه ثلاثَ سنين إلا أربعة أشهر (١). (٦: ٥٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>ذكر الخبر عن بعض سيره</span>\nحدّثتُ عن عليّ بن محمد، قال: كان الناسُ يقولون: سليمانُ مفتاحُ الخَير، ذَهَب عنهم الحجاج، فولى سليمانُ، فأطلق الأسارى، وخَلَّى أهلَ السجون، وأحسنَ إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز، فقال ابن بِيض:\nحاز الخلافة والداكَ كلاهُمَا ... من بَينِ سُخْطَةِ سَاخِطٍ أو طَائعِ\nأبَوَاكَ ثمّ أخُوكَ أَصْبَحَ ثالثًا ... وعلى جَبِينِكَ نورُ مُلكِ الرابعِ\n(٥٤٦: ٦).\nحدثني عبدُ الله بن أحمد، قال: حدّثني، أبي قال: حدّثني سليمان قال: حدّثني عبد الله بن محمد بن عُيَينة، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس، قال: شهد سليمانُ بن عبد الملك جَنَازةً بدابِق، فدُفنتْ في حقل، فجعلَ سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول: ما أحسنَ هذه التربة! ما أطيَبها! فما أتى عليه جمعةٌ -أو كما قال- حتى دُفن إلى جنب ذلك القبر (٢). (٥٤٩: ٦).\n_________\n(١) وقال خليفة: حدثني الوليد بن هشام: عن أبيه: عن جده، وعبد الله بن مغيرة: عن أبيه قالا: مات سليمان بدابق يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة ٩٩ هـ وهو ابن ثلاث وأربعين. [تاريخ خليفة (ص ٣٢٢)].\nقلنا: وهذان إسنادان يعتضدان ببعضهما، وبذلك تؤيد رواية المؤرخ خليفة (بسنده الموصول) رواية الطبري المسندة عن أبي معشر، والله تعالى أعلم.\n\n(٢)<span data-type=\"title\" id=toc-671> الخليفة سليمان بن عبد الملك (٩٦ - ٩٩ ه</span>ـ)\nقال الحافظ السيوطي في ترجمته: وكان فصيحًا مفوّهًا مؤثرًا للعدل محبًا للغزو، ومولده سنة ستين، ومن محاسنه أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير فكان يمتثل أوامره في الخير فعزل عمال الحجاج، وأخرج من كان في سجن العراق وأحيا الصلاة لأول ميقاتها. [تاريخ الخلفاء (ص ٢٢٦)].\nوقال محمد بن سيرين: يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحياء الصلاة لمواقيتها وإختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز. =","vol":"4","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي أيامه فتح جرجان وحصن الحديد وسردانية وطبرستان والسقالبة ومات غازيًا ﵀ بدابق في صفر سنة ٩٩ هـ.\nوقال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة سليمان: وكان فصيحًا مفوها عادلًا محبًا للغزو. [تر ٦٧٣].\nوقال الدينوري: وكانت ولايته سنة ست وتسعين فافتتح بخير وختم بخير لأنه رد المظالم إلى أهلها ورد المسيرين وأخرج المسجونين الذين كانوا بالبصرة واستخلف عمر بن عبد العزيز وأغزى مسلمة أخاه الصائفة حتى بلغ القسطنطينية فأقام بها حتى مات سليمان. [المعارف (ص ٣٦٠)].\nوأخيرًا فإننا نذكر هنا رواية تاريخية مسندة أخرجها المؤرخ البسوي ﵀ قال: ثني عبد الرحمن: ثنا الوليد قال: ثني عبيد الله قال: دخلت على الحجاج فأشار بيده فقلت: عبيد الله بن يزيد بن أبي مسلم الثقفي. قال: قد فرضنا لك في كذا وكذا، قال عبيد الله: فلما مات الحجاج في بقية خلافة الوليد، تولى يزيد بن أبي مسلم على العراق أربعة أشهر، فلما هلك الوليد، وولي سليمان عزله وولى يزيد بن المهلب العراق، فأشخصه إلى سليمان فقدم عليه وهو بالبقاء، فأوقفه للناس فما أتى أحد يتكلم فيه بشيء إلَّا أن رجلًا من أهل المدينة أدلى بأن يزيد قد نال منه بالعراق لطمة، فسأله القود منه، فأقاده، فلطمه لطمة أخضرت منها عينيه، فلما رأى سليمان أن أحدًا لا يتبعه بمظلمة أدخله عليه وجعل يسائله عن أمور الناس وعن سيرة الحجاج وأعماله، فكلما أخبره ببعض ما يكره يقول: ويحك يا يزيد ما ترى الله صانعًا بالحجاج يوم القيامة؟ قال: فسكت يزيد، فلما أكثر عليه قال: أقول يا أمير المؤمنين إن الله سيجعله ثالثًا لأبيك وأخيك وبينهما فإن دخلا الجنة فعاملهما والمنفذ لأمرهما، وإن دخلا النار فما سؤالك عنه ... إلخ الخبر. [المعرفة والتاريخ (٢: ٤٨١ - ٤٨٢)].\nقلنا: وهذه الرواية تؤكد أن خلفاء بني أمية كانوا مهتمين برأي الناس في ولاتهم (نقول: بصورة عامة وخاصة سيدنا معاوية وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهشام وغيرهم) وتؤكد كذلك خطأ من اعتمد على الروايات الضعيفة جدًّا والتي تزعم أن الخليفة الأموي أطلق قولة لا قود من العمال والله تعالى أعلم.\nوكما قررنا في حديثنا عن خلافة معاوية ﵁ أن الأمة نعمت في عهده بالأمن والأمان ولقد جعل الله لذلك سببين بقدره:\nالأول: تنازل الحسن من منصبه لأخيه معاوية حقنًا للدماء وتفضيلًا للجزاء الأخروي.\nوالسبب الآخر: هو ما رزقه الله معاوية من صفات قيادية حميدة ذكرناها في وقتها.\nفكذلك كان لسليمان بن عبد الملك الحظ الأوفر من عدالة عمر بن عبد العزيز وكما روى أبو مهر عن سعيد بن عبد العزيز قال: كانت خلافة سليمان كأنها خلافة عمر بن عبد العزيز =","vol":"4","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كان إذا أراد شيئًا قال له: ما تقول يا أبا حفص، قال فعهد إلى عمر من بعده فأقام من بعده فأقام سنتين. إلخ. [تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٥: ١٦٧: تر ٥٢٤٢)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>تسمية عمال سليمان بن عبد الملك</span>\nمكة: أقرَّ عليها خالد بن عبد الله القسري، ثم عزله وولى داود بن طلحة، ثم عزله وولى عبد العزيز بن عبد الله حتى مات سليمان.\nالمدية: مات الوليد وعليها عثمان بن حيان المري، فعزله سليمان وولى أبا بكر بن حزم في شهر رمضان سنة ست وتسعين حتى مات سليمان.\nاليمن: عروة بن محمد بن عطية السعدي من بني سعد بن بكر بن معاوية.\nالبصرة: ولاها يزيد بن المهلب في خلافة سليمان بن عمير الكندي، وعزل عنها الجراح، وذلك سنة مئة، ثم ولاها يزيد بن عبد الله بن بلال الكلابي، ثم عزله وولى مروان بن المهلب حتى مات سليمان.\nالكوفة: مات الوليد وعليها حرملة بن عمير، فأقره يزيد بن المهلب أشهرًا، ثم عزله وولى بشر بن حسان المهري، ثم عزله وولَّى سفيان بن حريش الخولاني حتى مات سليمان.\nخراسان: مات الوليد وعليها قتيبة بن مسلم، فخلع سليمان، فقتل قتيبة وتولى أمر الناس وكيع بن أبي سود الغدَّاني، فعزله يزيد بن المهلب وولى ابنه مخلد بن يزيد، ثم قدمها يزيد، ثم شخص واستخلف ابنه مخلدًا حتى مات سليمان.\nسجستان: ولاها يزيد أخاه مدركًا ثم عزله، وولى ابنه معاوية بن يزيد حتى مات سليمان.\nالسند: كتب سليمان بن عبد الملك إلى صالح بن عبد الرحمن أن يأخذ آل بني عقيل ويحاسبهم، فولى صالح حبيب بن المهلب حرب الهند ويزيد بن أبي كبشة الخراج، فأقام بها يزيد بن أبي كبشة أقل من شهر، ثم مات واستخلف أخاه عبيد الله بن أبي كبشة فعزله صالح وولى عمران بن النعمان الكلاعي، ثم جمع حربها وخراجها لحبيب بن المهلب.\nالبحرين: ولاها يزيد بن المهلب الأشعث بن عبد الله بن الجارود، فأخرجه منها مسعود ابن أبي زينب العبدي من بني محارب وغلب عليها، وذلك سنة ست وتسعين.\nإفريقية: أقر عليها عبد الله بن موسى بن نصير، ثم عزله سنة سبع وتسعين، ويقال: محمد بن يزيد مولى ريحانة بنت أبي العاص سنة سبع وتسعين.\nعمان: ولاها صالح بن عبد الرحمن عبد الرحمن بن قيس الليثي، ثم ولاها يزيد بن المهلب أخاه زياد بن المهلب.\nاليمامة: ولاها سليمان سفيان بن عمرو العقيلي، ثم نوح بن هبيرة.\nأرمينية: عبد العزيز بن حاتم بن النعمان، ولم تغز أرمينية حتى مات سليمان.\nالموسم: سنة ست وتسعين: أبو بكر بن عمرو بن حزم. =","vol":"4","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>خلافة عمر بن عبد العزيز</span>\nوفي هذه السنة استُخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه:</span>\nحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثني الهيثم بن واقد، قال: استُخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يومَ الجمعة لعشر مضَين من صفر سنة تسع وتسعين.\nقال محمد بن عمر: حدّثني داود بن خالد بن دينار، عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حَيوة، يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمانُ بن عبد الملك ثيابًا خُضرًا من خَزّ، ونظر في المرآة، فقال: أنا والله الملك الشابّ، فخرج إلى الصّلاة فصلى بالناس الجمعة. فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقُل عهدَ في كتاب كتبَه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلُغ فقلت: ما تصنع يا أميرَ المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظُر فيه. ولم أعزم عليه، قال: فمكث يومًا أو يومين، ثمّ خرّقه، فدعاني، فقال: ما ترى في داودَ بن سليمان؟ فقلت: هو غائب عنك بقُسْطنطينية وأنت لا تدري أحَيٌّ هو أم ميت! فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيَك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أنظر من يذكر، قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعْلَمُه والله خيرًا فاضلًا مسلمًا؛ فقال: هو والله على ذلك، ثم قال: والله لئن وليته ولم أوَلّ أحدًا سواه لتكوننّ فتنة، ولا يتركونه أبدًا يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعدَه، ويزيد بن عبد الملك غائب على الموسم، قال: فيزيد بن عبد الملك أجعلُه بعدَه، فإن ذلك مما يسكنهم ويرضَوْن به؛ قلتُ: رأيك. قال: فكتب.\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتابٌ من عبد الله سليمان أمير المؤمنين\n_________\n= وسبع وتسعين: سليمان بن عبد الملك.\nوثمان وتسعين: عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. [تاريخ خليفة (ص ٣٢٣ - ٣٢٥)].","vol":"4","page":236},{"text":"لعُمَر بن عبد العزيز، إني قد ولّيتك الخلافةَ من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيُطمَعَ فيكم.\nوختم الكتاب، وأرسل إلى كعب بن حامد العبسيّ صاحب شُرَطه فقال: مُرْ أهلَ بيتي فليجتمعوا؛ فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا، ثمّ قال سليمانُ لرجاء بعد اجتماعهم: اذهبْ بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أنّ هذا كتابي، وأمرُهم فليبايعوا من وليت فيه؛ ففعل رجاء، فلما قال رجاء ذلك لهم قالوا: ندخل فنسلِّم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ فدخلوا فقال لهم سليمانُ في هذا الكتاب - وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إليه في يد رجاء بن حَيوة - عهدي، فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سمّيت في هذا الكتاب. فبايَعوه رجلًا رجلًا، ثمّ خرج بالكتاب مختومًا في يد رجاء بن حَيوة.\nقال رجاء: فلما تفرّقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسندَ إليّ من هذا الأمر، فأنشدك الله وحُرْمتي ومَوَدّتي إلا أعلَمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتيَ حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة! قال رجاء: لا والله ما أنا بمُخبرك حَرْفًا؛ قال: فذهب عمرُ غضبان.\nقال رجاء: لقيني هشام بن عبد الملك، فقال: يا رجاء، إنّ لي بك حُرمةً ومودّةً قديمةً، وعندي شكر، فأعْلِمْني هذا الأمر، فإن كان إليّ علمتُ، وإن كان إلى غيري تكلّمتُ، فليس مثلي قصّر به، فأعلمِني فلك اللهُ عليّ ألّا أذكر من ذلك شيئًا أبدًا. قال رجاء: فأبيت فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا مما أسِرَّ إليّ.\nقال: فانصرف هشام وهو قد يئس، ويضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: فإلى من إذًا نُحِّيَتْ عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ قال رجاء: ودخلتُ على سليمان فإذا هو يموت، فجعلتُ إذا أخذَتْه السَّكْرة من سَكَرات الموت حرّفتُه إلى القبلة، فجعل يقول حين يُفيق: لم يأنِ لذلك بعدُ يا رجاء، ففعلت ذلك مرّتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئًا، أشهدُ أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. قال: فحرّفته ومات؛ فلما غمّضته سجَّيته بقطيفة خضراء، وأغلقتُ البابَ، وأرسلت إليّ زوجتُه تقول:","vol":"4","page":237},{"text":"كيف أصبَح؟ فقلتُ: نائم، وقد تَغطَّى، فنظر الرّسول إليه مغطًّى بالقطيفة، فرجع فأخبرَها فقبِلَتْ ذلك، وظنّتْ أنه نائم، قال رجاء: وأجلستُ على الباب من أثق به، وأوصيتُه ألّا يبرح حتى آتيَه، ولا يدخل على الخليفة أحد.\nقال: فخرجتُ فأرسلتُ إلى كعب بن حامد العبسيّ، فجمَعَ أهل بيت أمير المؤمنين، فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت: بايعوا، فقالوا: قد بايعنا مرّة ونبايع أخرى! قلتُ: هذا عهد أمير المؤمنين، فبايعوا على ما أمَرَ به ومن سمّى في هذا الكتاب المختوم، فبايَعوا الثانية؛ رجلًا رجلًا. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيتُ أني قد أحكمتُ الأمر، قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون! وقرأتُ الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشامُ بن عبد الملك: لا نبايعه أبدًا، قلتُ: أضرب والله عنقَك، قُم فبايع، فقام يجرّ رجليه.\nقال رَجاء: وأخذتُ بضَبْعَي عمر بن عبد العزيز فأجلستُه لما وقع فيه وهشام يسترجع على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه، فلما انتهى هشام إلى عمر قال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! حين صارت إليّ لكراهته [إياها]، والآخَر يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث نُحِّيَتْ عني.\nقال: وغُسل سليمانُ وكفّن وصلّى عليه عمرُ بن عبد العزيز؛ قال رجاء: فلما فُرغ من دفنه أتيَ بمراكب الخلافة: البَراذين والخيل والبغال ولكلّ دابة سائس، فقال: ما هذا! قالوا: مَركَب الخلافة، قال: دابتي أوفَق لي، وركب دابّته، قال: فصُرفت تلك الدوابّ، ثمّ أقبل سائرًا، فقيل: منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي أيوب وفي فُسطاطي كفاية حتى يتحوّلوا، فأقام في منزله حتى فرّغوه بعدُ؛ قال رجاء: فلما كان المساء من ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادعُ لي كاتبًا، فدعوتُه وقد رأيتُ منه كلَّ ما سَرَّني، صَنَع في المراكب ما صنَعَ، وفي منزل سليمان؛ فقلتُ: كيف يصنع الآن في الكتاب؟ أيصنع نُسخًا، أم ماذا؟ فلما جلس الكاتب أملَى عليه كتابًا واحدًا من فيه إلى يد الكاتب بغير نُسخة، فأملى أحسنَ إملاء وأبلغَه وأوجزَه، ثمّ أمر بذلك الكتاب أن يُنسخ إلى كلّ بلد.\nوبلغ عبدَ العزيز بن الوليد - وكان غائبًا - موتُ سليمان بن عبد الملك، ولم يعلم ببيعة الناس عُمَر بن عبد العزيز، وعهدِ سليمان إلى عمر، فعقد لواء ودعا","vol":"4","page":238},{"text":"إلى نفسه، فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سليمان، فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: قد بلغني أنك كنتَ بايعتَ من قبلك، وأردتَ دخول دمشق، فقال: قد كان ذاك، وذلك أنه بلغني أنّ الخليفة سليمان لم يكن عقَد لأحد، فخفت على الأموال أن تنتهَب، فقال عمر: لو بويعتَ وقمتَ بالأمر ما نازعتُك ذلك، ولقعدتُ في بيتي، فقال عبد العزيز: ما أحبّ أنه ولى هذا الأمر غيرُك. وبايع عمر بن عبد العزيز، قال: فكان يُرجى لسليمان بتوليته عمرَ بن عبد العزيز وترك ولده (١). (٦: ٥٥٠ - ٥٥٣).\n_________\n(١) قلنا: هذا الخبر الذي ساقه الطبري من طريق الواقدي استغرق (٤) صفحات، ولمتنه ما يشهد له وإن كان لنا مآخذ على تفاصيل ذكرها الواقدي كما سنشير بعد قليل.\nوهذه روايات تؤيد رواية الواقدي الآنفة:\n١ - قال الوليد بن مسلم: عن عبد الرحمن بن حسان الكناني قال: (لما مرض سليمان بدابق قال: يا رجاء أستخلف ابني، قال: ابنك غائب ... الخبر، وفيه: فمن ترى؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قال: أتخوف من بني عبد الملك أن لا يرضوا. قال: قوله ومن بعده يزيد بن عبد الملك وتكتب كتابًا وتختمه وتدعوهم إلى بيعته مختوم عليها فكتب العهد وختمه فخرج رجاء وقال: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب. . إلى آخر الخبر). [سير أعلام النبلاء (٥: ١٢٤: تر ٤٨)].\n٢ - وأخرج ابن سعد قال: أخبرنا علي بن محمد عن جرير بن حازم عن هزان بن سعيد قال: حدثني رجاء بن حيوة قال: لما ثقل سليمان بن عبد الملك رآني عمر في الدار أخرج وأدخل وأتردد فدعاني فقال لي: يا رجاء أذكرك الله والإسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين أو تشير بي عليه إن استشارك فوالله ما أقوى على هذا الأمر، فأنشدك الله إلَّا صرفت أمير المؤمنين عني. فانتهرتُه وقلت: إنك لحريص على الخلافة لتطمع أن أشير عليه بك، فاستحيا ودخلت، فقال لي سليمان؟ يا رجاء من ترى لهذا الأمر وإلى من ترى أن أعهد؟ قلت: يا أمير المؤمنين اتق الله فإنك قادم على الله وسائلك عن هذا الأمر وما صنعت فيه. قال: فمن ترى؟ فقلت: عمر بن عبد العزيز. قال: كيف أصنع بعهد أمر المؤمنين عبد الملك إلى الوليد وإليّ في ابني عاتكة أيهما بقي؟ قلت: تجعلهما من بعده.\nقال: أصبت ووفقت، جئني بصحيفة. فأتيته بصحيفة فكتب عهد عمر ويزيد من بعده وختمها، ثم دعوت رجالًا فدخلوا عليه فقال لهم: إني قد عهدت عهدي في هذه الصحيفة ودفعتها إلى رجاء وأمرته أمري وهو في الصحيفة، اشهدوا واختموا الصحيفة. فختموا عليها وخرجوا فلم يلبث سليمان أن مات فكففت النساء عن الصياح وخرجت إلى الناس فقالوا: يا رجاء كيف أمير المؤمنين. قلت: لم يكن منذ اشتكى أسكن منه الساعة. قالوا: لله الحمد! فقلت: ألستم تعلمون أن هذا عهد أمير المؤمنين وتشهدون عليه؟ قالوا: بلى، قلت: =","vol":"4","page":239},{"text":"وفي هذه السنة وجّه عمر بن عبد العزيز إلى مَسلَمة وهو بأرض الروم وأمَرَه بالقُفول منها بمن معه من المسلمين، ووجَّه إليه خيلًا عتاقًا وطعامًا كثيرًا، وحثّ الناس على معونتهم، وكان الذي وجّه إليه الخيل العِتاق - فيما قيل - خمسمئة فَرس (١). (٦: ٥٥٣).\nوفي هذه السنة أغارت الترك على أذْربيجان، فقتلوا من المسلمين جماعةً،\n_________\n= أفترضون به؟ قال هشام: إن كان فيه رجل من ولد عبد الملك وإلَّا فلا. قلت: فإن فيه رجل من ولد عبد الملك؟ قال: فنعم إذًا. قال فدخلت فمكثت ساعة ثم قلت للنساء: اصرخن، وخرجت فقرأت الكتاب والناس مجتمعون وعمر في ناحية الرواق. [الطبقات الكبرى (٥: ٣٣٩)].\nقلنا: وشيخ ابن سعد صدوق وبقية رجال الإسناد ثقات سوى هزان بن سعيد فقد ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه.\nوالملاحظ أن متن الرواية عند ابن سعد خالية من المبالغة وما إلى ذلك، أما الواقدي فقد ذكر في روايته (كما عند الطبري) مثلًا (٦: ٥٥٢): (فلما فرغ من دفنه أتي بمراكب الخلافة البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس، فقال ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة. قال: دابتي أرفق لي).\nقلنا: وهذه من مبالغات الواقدي وإلَّا فقد روى ابن سعد أيضًا من طريق أنهم جاؤوا بدواب سليمان دون تفصيل وتهويل ومبالغة هكذا (دواب سليمان) كما أخرجه ابن سعد من طريق محمد بن معن الغفاري عن إسماعيل بن إبراهيم كاتب كان لزياد بن عبيد الله عن أبيه قال: لما انصرف عمر عن قبر سليمان إذا دواب سليمان قد عرضت له. [الطبقات (٥: ٣٤٠)].\nولعل أصح رواية تاريخية (وهي أقرب إلى الواقع) تذكر أنهم جاؤوا بدابة سليمان (هكذا بصيغة المفرد) وهذا يوافق ما ذكرنا من الروايات في قسم الصحيح من أن سليمان كان مجاهدًا لا يبالي بالأبهة وكثرة المراكب بل كان من بين رعاياه من يركب مراكبًا خيرًا من فرس الخليفة أو بغلته.\nنقول: ولعل أصح رواية تاريخية هي التي أخرجها ابن سعد في طبقاته، قال أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن يونس الثقفي: عن سيار أبي الحكم قال: كان أول ما أنكر من عمر بن عبد العزيز أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك أتي بدابة سليمان التي كان يركب فلم يركبها، وركب دابته التي جاء عليها فدخل القصر وقد مهدت له فرش سليمان التي كان يجلس عليها فلم يجلس عليها، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد .... إلخ [الطبقات الكبرى لابن سعد (٥: ٣٤٠)].\n(١) وقال خليفة: وفيها (٩٩ هـ) حمل الطعام والدواب إلى مسلمة بن عبد الملك إلى بلاد الروم .... وأذن لهم بالقفول. [تاريخ خليفة (ص ٣٢٦)].","vol":"4","page":240},{"text":"ونالوا منهم، فوجّه إليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهليّ، فقتل أولئك الترك، فلم يُفلت منهم إلا اليسير، فقدم منهم على عمرَ بخناصرة بخمسين أسيرًا (١). (٦: ٥٥٣ - ٥٥٤).\nوفيها عزل عمرُ يزيد بن المهلَّب عن العراق، ووجّه على البصرة وأرضها عديّ بن أرطاة الفَزاريّ، وبعث على الكوفة وأرضها عبدَ الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الأعرج القرشيّ، من بني عديّ بن كعب، وضمّ إليه أبا الزّناد، فكان أبو الزّناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن، وبعث عديّ في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميريّ.\nوحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وكان عامل عمر على المدينة.\nوكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرّحمن، وعلى البَصرة وأرضها عديّ بن أرطاة، وعلى خُراسانَ الجرّاح بن عبد الله. وعلى قَضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرّة المُزَنيّ، وقد ولي فيما ذكر قبلَه الحسن بن أبي الحسن، فشكا، فاستقصى إياس بن معاوية.\nوكان على قضاء الكوفة - في هذه السنة فيما قيل - عامر الشعبيّ، وكان الواقديّ يقول: كان الشعبيّ على قضاء الكوفة أيامَ عمر بن عبد العزيز من قبَل عبد الحميد بن عبد الرحمن، والحسن بن أبي الحسن البَصْريّ على قضاء البَصْرهَ من قبَل عديّ بن أرطاة، ثمّ إن الحسن استعفَى من القضاء عَدِيًّا، فأعفاه وولَّى إياسًا (٢). (٦: ٥٥٤).\n_________\n(١) وقال خليفة: وفيها (٩٩ هـ) أغارت الترك على أذربيجان فحدثني أبو خالد عن أبي البراء وغيره أن الترك أصابوا من الناس فصار إليهم عبد العزيز بن حاتم الباهلي فقتل الله الترك فلم يفلت منهم إلَّا الشريد. [تاريخ خليفة (ص ٣٢٦)].\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد عمر بن عبد العزيز.","vol":"4","page":241},{"text":"ثم دخلت سنة مئة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها (١) (٦: ٥٥٥)\n_________\n(١) قلنا: لقد تحدث الطبري ﵀ عن أحداث ومعارك وقعت في بداية هذه السنة (١٠٠ هـ) كخروج الخارجة على عمر بن عبد العزيز في العراق بقيادة الخارجي (بسطام، شوذب، اليشكري) وذكر أن الواقعة انتهت بمفاوضات وحوار بين رسل عمر بن عبد العزيز والخوارج أدت إلى هدنة أو ما شابهها، وقد ذكرنا تلك الروايات في قسم الضعيف والله أعلم.\nومن الذين روى عنهم (أخبار هذه المعارك ثم المفاوضات) الواقدي وهو متروك ومتنه يخالف ما رواه الطبري نفسه وفي نفس الصفحة عن أبي عبيدة (معمر بن مثنى) ولكن بإسناد معضل وفي آخر الرواية أن بعضهم دسَّ السم لعمر بن عبد العزيز فمات بعده بقليل. وهذه الرواية بالإضافة إلى ضعف إسنادها ففي متنها نكارة فالطبري ذكر هذه الأحداث في بداية وقائع سنة (١٠٠ هـ) بينما توفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة (١٠١ هـ).\nونعود إلى مسألة الحوار الذي دار بين عمر بن عبد العزيز والخوارج فقد ذكرها كذلك المؤرخ الثقة ابن عبد الحكم في كتابه سيرة عمر بن عبد العزيز ومعلوم أنه ذكر أسانيد مروياته في مقدمة كتابه فقال: عن أنس بن مالك والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن لهيعة وبكر بن مضر وغيرهم من أهل العلم ممن لم أسم بجميعهم في هذا الكتاب على ما سميت أو رسمت ..... إلخ [سيرة عمر بن عبد العزيز (ص ١٧)].\nثم ذكر ابن عبد الحكم في (ص ١١٠ - ١١١) عن محمد بن الزبير الحنظلي أنه كان واحدًا من الوفد الذي بعثه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى شوذب الحروري (بسطام) الذي كان يقود الخوارج يومها حين خرجوا على الإمام من الجزيرة الفراتية، وكانت النتيجة أن بعث شوذب رجلين من قبله إلى عمر أحدهم شيباني فلما وصلا إلى دار الخلافة جرى بين الطرفين حوار حضره عبد الملك ابن الخليفة، وكاتبه مزاحم.\nوهذه مقاطع من ذلك الحوار الطويل:\nقال عمر: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا آمنًا ولم يسفكوا دمًا ولم يأخذوا مالًا؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع عبد الله بن وهب الراسبي استعرضوا الناس فقتلوهم وعرضوا لعبد الله بن خباب صاحب النبي - ﷺ - فقتلوه وقتلوا جاريته ..... إلخ.\nوفيه أيضًا: أفلستم أنتم اليوم تبرؤُون ممن يخلع الأوثان وممن يشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دمه؟ وتلقون من يأبى ذلك من سائر الأمم =","vol":"4","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>خبر القبض على يزيد بن المهلّب</span>\nوفي هذه السنة حُمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمرَ بن عبد العزيز.\nذكر الخبر عن سبب ذلك، وكيف وصل إليه حتى استوثق منه: اختلَف أهلُ السيَر في ذلك (١). (٥: ٥٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين، وخرج منها لأيام بقيت من شهر رمضان سنة مئة (٢). (٦: ٥٥٨).\n_________\n= من اليهود والنصارى فتعرفون دمه ويأمن عندكم؟ فقال الذي في جيشه: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذًا من حجتك أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنني بريء ممن خالفك. فقال للشيباني: فأنت ما تقول؟ قال: ما أحق ما قلت وما أحسن ما وصفت ولكن أكره أن أفتئت على المسلمين بأمر لا أدري ما حجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل عندهم حجة لا أعرفها، قال: فأنت أعلم. قال: فأمر للجيش بعطائه وأقام عنده خمس عشرة ليلة ثم مات. ولحق الشيباني بقومه فقتل معهم. اهـ.\n[وانظر سيرة عمر بن العزيز لابن عبد الحكم (ص ١١٠ - ١١١)].\n(١) قلنا: ثم ذكر الطبري خبرًا في كيفية ذلك من طريق هشام بن محمد وهو متروك عن شيخه التالف لوط بن يحيى وقد ذكرناه في قسم الضعيف (٥: ٥٥٦ - ٥٥٧).\n(٢) قلنا: ثم ذكر الطبري رواية مطولة ذكرناها في قسم الضعيف ففي إسنادها مجاهيل ومتروك وفي المتن نكارة ونظرًا لأهمية هذه الرواية فقد بحثنا طويلًا في المصادر التاريخية المتقدمة ثم درسنا ما كتب المعاصرون حول هذه المسألة فوجدنا عجبًا وتوصلنا في النهاية إلى درة من درر التاريخ الإسلامي.\nوتوكيدًا لمقولتنا التي ذكرنا ها مرارًا وهي كالآتي:\nإن مجرد وجود الروايات المختلقة والمكذوبة والتي سماها الطبري (المستشفة) وعدم تمييزها إلى صحيح وضعيف وبقاءها هكذا لقرون طويلة جعل الناس يعتقدون بصحة ما ورد فيها ومنها مسألة الباب هنا وكما يقول المؤرخ العلامة شاكر رحمه الله تعالى في موسوعة التاريخ الإسلامي واتهم الخلفاء الأمويون أنهم كانوا يبقون الجزية على من أسلم حرصًا على =","vol":"4","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= دخل بيت المال. وصدق شاكر ﵀ فإن عددًا من كتاب الغرب المهتمين بالتاريخ ومعهم بعض المؤرخين من بني جلدتنا قالوا بذلك. يقول أستاذان للتاريخ الإسلامي والعربي وهما يقدمان لسفر كبير من أسفار التاريخ الإسلامي: (والباحث في تاريخ العصر الأموي يجد أن السلطات الأموية لم تشجع في الغالب على الدخول في الإسلام لأسباب مالية وإذا لم تكن السلطة قد تولت نشر الإسلام فمن يتولى ذلك؟).\nوقبل أن نفند هذه التهمة من أساسها نودُّ أن نذكر دفاعًا جميلًا للأستاذ شاكر رحمه الله تعالى إذ يقول: إن وضع الجزية عمن أسلم أمر شرعي فهل يجرؤ الخليفة على التساهل فيه؟ وأين دور العلم؟ ... إن كل ما حدث أن الجراح بن عبد الله الحكمي عامل عمر بن عبد العزيز على خراسان قد أخذ الجزية من جماعة ثم أسلموا فلم يُعِدْ لهم ما أخذ منهم فأرسل إليه الخليفة قولته المشهورة: \"إن الله قد بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا\" [التاريخ الإسلامي (٤: ٣٦)].\nوأما دفاعنا عن هذه المسألة فكالآتي وبالله التوفيق:\nلم يثبت لا من طريق صحيح ولا حسن ولا من مظان الحسن أن الجراح بن عبد الله الحكمي قد فعل ذلك بل العكس صحيح والرواية الصحيحة في ذلك منقبة من مناقب الجراح ثم درة من درر التاريخ الإسلامي والفتح الإسلامي. إن الكذابين والوضاعين والمتروكين يتجهون دائمًا نحو أبرز قادة الفتح ليلصقوا بهم التهم ابتداءً من سيدنا خالد بن الوليد وانتهاءً بالجراح وقتيبة بن مسلم وغيرهم.\nفالجراح ﵀ كان صالحًا عابدًا مجاهدًا محبًا للشهادة في سبيل الله (كما سنذكر ضمن أحداث سنة ١١٢ هـ) ولكن أصحاب الأهواء والمتروكين أبوا إلَّا أن ينسجوا حوله الأكاذيب - ولعلّ أصحّ رواية تاريخية في هذا الباب هو ما أخرجه الإمام ابن سعد في طبقاته تبين حقيقة الأمر حتى يتبين للقارئ مدى التعريف والتشويه الذي أدخله المجاهيل والمتروكون على الواقعة التاريخية:\nقال ابن سعد؛ حدثنا أحمد بن محمد بن الوليد (وهو من شيوخ ابن سعد الثقات) قال: حدثنا عبد الرحمن بن حسن (من شيوخ الشافعي): عن أبيه (الحسن بن القاسم الأزرق) من رواة الشافعي غير سثمهور: أن عمر بن عبد العزيز كتب وهو خليفة إلى عامله على خراسان الجراح بن عبد الله بن الحكم يأمره أن يدعو أهل الجزية إلى الإسلام فإن أسلموا قبل إسلامهم ووضع الجزية عنهم وكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين فقال له رجل من أشراف أهل خراسان: إنه والله ما يدعوهم إلى الإسلام إلَّا أن توضع عنهم الجزية فامتحنهم بالختان، فقال: أنا أردهم عن الإسلام بالختان؟ هم لو قد أسلموا فحسن إسلامهم كانوا إلى الطهرة أسرع فأسلم على يده نحو من أربعة آلاف. [الطبقات الكبرى (٥: ٣٨٦)].\nأين هذه الرواية من الرواية الملفقة التي اختلطت بافتراءات المتروك الكذاب علي بن مجاهد =","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيريّ خُراسان</span>\nوكان سبب ذلك - فيما ذُكر لي - أنّ الجرّاح بن عبد الله لما شُكيَ، واستقدمه عمر بن عبد العزيز، فقدم عليه عزَله عن خراسان لما قد ذكرت قبل.\nثم إنّ عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان، قال - فيما ذكر عليّ بن محمد عن خارجة بن مصعب الضبعيّ وعبد الله بن المبارك وغيرهما: ابغوني رجلًا صدوقًا أسأله عن خُراسان، فقيل له: أبو مجلز لاحق بن حميد. فكتب فيه، فقدم عليه - وكان رجلًا لا تأخذه العين - فدخل أبو مجلز على عمر في جفّة الناس فلم يُثْبتْهُ عمر وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل:\nدخل مع الناس ثم خرج، فدعا به عمر فقال: يا أبا مجلز، لم أعرفك، قال: فهلا أنكرتني إذ لم تعرفني! قال: أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله،\n_________\n= الكابلي [الطبري (٥٥٨: ٦)]. وهذا يعني أن هذه الحادثة من مناقب الجراح ثم عمر بن عبد العزيز ثم جوهرة من جواهر التاريخ الإسلامي والحمد لله أولًا وآخرًا.\nهذا بالنسبة للجراح بن عبد الله، وأما بالنسبة لغير الجراح فقد حصلت حادثة أخرى مشابهة ولكن في الغرب الإسلامي وبالتحديد في مصر وذلك في عهد عمر بن عبد العزيز يوم أن كان الوالي من قبله هو حيان بن شريح فلعلّ بعض الأخباريين قد خلط بين الروايتين بينما حدثت إحداهما في أقصى الشرق في خراسان والأخرى في مصر في الغرب من العاصمة دمشق وكلا الروايتين من مفاخر التاريخ الإسلامي أما الأولى فقد ذكرناها وأما الثانية فقد أخرج ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن: عن أبيه: أن حيان بن شريح عامل عمر بن عبد العزيز على مصر كتب إليه أن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية، فكتب إليه عمر أما بعد: فإن الله بعث محمدًا داعيًا ولم يبعثه جابيًا فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطو كتابك وأقبل. [الطبقات الكبرى (٥: ٣٨٤).\nورجال هذا الإسناد ثقات، وهذا من مناقب عمر بن عبد العزيز وهذه الرواية تدل على أن الأمويين لم يأخذوا الجزية أو لم يعيدوها على من أسلموا وإنما خطر على بال الوالي على مصر أن يفعل ذلك ولكن استأذن الخليفة العادل في ذلك فلم يأذن له. والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"4","page":245},{"text":"قال: يكافئ الأكفاء، ويعادي الأعداء، وهو أمير يفعل ما يشاء، ويقدم إن وجد من يساعده. قال: عبد الرحمن بن نعيم، قال: ضعيف لين يحبّ العافية، وتأتي له، قال: الذي يحبّ العافية وتأتي له أحبّ إليّ، فولاه الصّلاة والحرب، وولّى عبد الرحمن القشيريّ، ثم أحد بني الأعور بن قشير الخراج، وكتب إلى أهل خراسان: إني استعملتُ عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم عن غير معرفة مني بهما ولا اختيار، إلا ما أخبرتُ عنهما؛ فإن كان على ما تحبّون فاحمدوا الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (١). (٦: ٥٦١).\nقال عليّ: وحدّثنا أبو السريّ الأزديّ، عن إبراهيم الصائغ، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم:\nأما بعدُ، فكن عبدًا ناصحًا لله في عباده، ولا يأخذك في الله لومة لائم؛ فإنّ الله أولى بك من الناس، وحقّه عليك أعظم، فلا تولِّين شيئًا من أمر المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استُرعِيَ، وإياك أن يكون ميلك ميلًا إلى غير الحقّ، فإنّ الله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبنّ عن الله مذهبًا؛ فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه.\nقال عليّ: عن محمد الباهليّ وأبي نهيك بن زياد وغيرهما: إن عمر بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نُعيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشيّ، فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر بن عبد العزيز، وبعد ذلك حتى قُتل يزيد بن المهلّب، ووجّه مسلمة سعيدَ بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف، وليها في شهر رمضان من سنة مئة، وعزل سنة اثنتين ومئة، بعد ما قتل يزيد بن المهلب.\nقال عليّ: كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستّة عشر شهرًا. (٦: ٥٦١ - ٥٦٢).\n_________\n(١) أما المدائني فصدوق وقد رواه عن شيخين. أحدهما: الإمام الحجة المحدث ابن المبارك.","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>أوّل الدّعوة</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني سنة مئة- وجّه محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس من أرض الشراة مَيْسرة إلى العراق، ووجّه محمد بن خُنَيس وأبا عكرمة السراج - وهو أبو محمد الصادق - وحيّان العطار خال إبراهيم بن سلمة إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكميّ من قِبَل عمر بن عبد العزيز، وأمرهم بالدّعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا، ثم انصرفوا بكُتبِ مَن استجاب لهم إلى محمد بن عليّ، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها مَيسرة إلى محمد بن عليّ، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن عليّ اثني عشر رجلًا نُقباء، منهم سليمان بن كثير الخزاعيّ، ولاهز بن قريظ التميميّ، وقحطبة بن شبيب الطائيّ، وموسى بن كعب التميميّ، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني عمرو بن شيبان بن ذُهْل، والقاسم بن مجاشع التميميّ وعمران بن إسماعيل أبو النجم، مولى لآل أبي مُعيط ومالك بن الهيثم الخزاعيّ وطلحة بن رُزَيق الخزاعي وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى لخزاعة. وشِبْل بن طهمان أبو عليّ الهرويّ؛ مولىً لبني حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة؛ واختار سبعين رجلًا، فكتب إليهم محمد بن عليّ كتابًا ليكون لهم مثالًا وسيرة يسيرون بها (١). (٦: ٥٦٢).\nوحج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ (٢). (٦: ٥٦٣).\nوكان عمّال الأمصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبلُ ما خلا عامل خراسان؛ فإن عاملها كان في آخرها عبد الرحمن بن نُعيم على الصّلاة والحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج (٣). (٦: ٥٦٣).\n_________\n(١) قلنا: جعل الطبري هذه السنة (١٠٠ هـ) تاريخًا لبداية الدعوة لآل محمد من قبل بني العباس ومن آزرهم وكذلك أرخ جمهور المؤرخين والمتأرخين والله أعلم.\n(٢) قلنا: وكذلك قال خليفة في تاريخه (ص ٣٢٧).\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>ثم دخلت سنة إحدى ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه</span>\nفمن ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز (١) (٥٦٤: ٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>خبر وفاة عمر بن عبد العزيز</span>\nوفي هذه السنة توفِّي عمر بن عبد العزيز، فحدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفي عمر بن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومئة.\nوكذلك قال محمد بن عمر، حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عمرو بن عثمان. قال: مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومئة.\nوقال هشام عن أبي مخنف: مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سَمْعان في سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، ومات بدير سَمْعان.\nحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عمّي الهيثم بن واقد، قال: وُلدتُ سنة سبع وتسعين، واستخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، فأصابني من قسمه ثلاثة دنانير، وتوفي بخُناصرة يوم الأربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومئة، وكان شَكْوه عشرين يومًا، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، ودفن بدير سَمْعان.\n_________\n(١) قلنا: أما خليفة فقد ذكر أن عمر بن عبد العزيز ﵁ حبس يزيد بن المهلب في سنة (٩٩ هـ) وبقي محبوسًا حتى مات. [تأريخ خليفة (ص ٣٢٦)].","vol":"4","page":248},{"text":"وقد قال بعضهم: كان له يوم توفِّي تسع وثلاثون سنة، وخمسة أشهر (١). (٥٦٥: ٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>ذكر بعض سيَره</span>\nذكر عليّ بن محمد أن كليب بن خلف حدّثهم عن إدريس بن حنظلة، والمفضل، عن جدّه، وعليّ بن مجاهد عن خالد: أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولي الخلافة إلى يزيد بن المهلّب:\nأما بعد، فإن سليمان كان عبدًا من عبيد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه واستخلَفني ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإنّ الذي ولّاني الله من ذلك وقدّر لي ليس عليّ بهيِّن، ولو كانت رغبتي في اتّخاذ أزواج واعتقاد أموال، كان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليتُ به حسابًا شديدًا، ومسألة غليظة، إلا ما عافى الله ورحم، وقد بايع مَنْ قِبَلنا فبايع من قِبَلك.\nفلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب، ألقاه إلى أبي عيينة، فلما قرأه قال: لستُ من عمّاله، قال: ولم؟ قال: ليس هذا كلام مَنْ مضى من أهل بيته، وليس يريد أن يسلك مسلكهم. فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا.\nقال: ثم كتب عمر إلى يزيد استخلف على خراسان، وأقبل، فاستخلف ابنه مخلدًا (٢). (٦: ٥٦٦ - ٣٦٧).\n_________\n(١) وقال خليفة بن خياط - متحدثًا عن أحداث سنة (١٠١ هـ) حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز مات يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سمعان من أرض حمص ... وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر. [تاريخ خليفة (ص ٣٢٨)].\nوقال الحافظ ابن كثير: مات يوم الجمعة .... وقال أيضًا: وقيل في يوم الأربعاء لخمس وقيل لعشر بقين من رجب من هذه السنة -أعني سنة إحدى ومئة- عن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل: إنه جاوز الأربعين بأشهر والله أعلم وكانت خلافته (كما ذكر غير واحد) كانت سنتين وخمس أشهر وأربعة أيام. [البداية والنهاية (٧: ٣٣٧)].\n(٢) قلنا: وقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٥: ٣٧٩): أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا =","vol":"4","page":249},{"text":"قال عليّ: وحدثنا عليّ بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن منصور، عن ميمون بن مهران، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أنّ العَمَل والعلم قريبان، فكن عالمًا بالله عاملًا، فإنّ أقوامًا علموا ولم يعملوا، فكان علمُهم عليهم وبالًا. (٦: ٥٦٧).\nقال وأخبرنا مصعب بن حيّان، عن مقاتل بن حيّان، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن:\nأما بعد، فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين. (٦: ٥٦٧).\nقال عليّ: أخبرنا كليب بن خلف، عن طفيل بن مرداس، قال: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السريّ، أن اعمل خانات في بلادك فمن مرّ بك من المسلمين فاقرُوهم يومًا وليلة، وتعهّدوا دوابّهم، فمن كانت به علة فاقرُوه يومين وليلتين، فإن كان منقطعًا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده.\nفلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان: إن قتيبة غَدَر بنا، وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فائذن لنا فليفد منّا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظُلامنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإنّ بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم، فوجّهوا منهم قومًا، فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان بن أبي السريّ:\nإن أهل سمرقند قد شكَوا إليّ ظلمًا أصابهم، وتحاملًا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة.\nقال: فأجلس لهم سليمان جُمَيع بن حاضر القاضي الناجيّ، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحًا جديدًا أو ظفرًا عنوةً، فقال أهل السُّغْد: بل نرضى بما كان، ولا نجدِّد حربًا. وتراضوا بذلك،\n_________\n= محمد بن أبي عيينة المهلبي قال: قرأت رسالة عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن المهلب: سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو أما بعد فإن سليمان بن عبد الملك كان عبدًا من عباد الله قبضه الله على أحسن أحواله وأحيانه فرحمه الله.","vol":"4","page":250},{"text":"فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمِنونا وأمنّاهم، فإن حُكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا.\nقال: وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال مَنْ وراء النهر من المسلمين بذراريّهم. قال: فأبوا وقالوا: لا يسعنا مَرْو، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمرُ: اللهمّ إني قد قضيت الذي عليّ، فلا تغزُ بالمسلمين، فحسْبُهم الذي قد فتح الله عليهم. (٦: ٥٦٧ - ٥٦٨).\nقال: وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائيّ - وكان قد ولّاه الخراج بعد القُشيري: إنّ للسلطان أركانًا لا يثبت إلا بها، فالوالي رُكنٌ، والقاضي ركنٌ، وصاحب بيت المال ركنٌ، والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهمَّ إليّ، ولا أعظم عندي من ثغر خُراسان، فاستوعب الخراج وأحرِزة في غير ظلم، فإن يك كَفافًا لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إليّ حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم.\nقال: فقدم عُقْبة فوجد خراجهم يفضُل عن أعطياتهم، فكتب إلى عمر فأعلمه، فكتب إليه عمر: أن اقسم الفضل في أهل الحاجة.\nوحدّثني عبد الله بن أحمد بن شبّوية، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحة، عن داود بن سليمان الجُعفيّ، قال: كتب عمر بن عبد العزيز:\nمن عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد، سلام عليك؛ أما بعد؛ فإنّ أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدّة وجَوْر في أحكام الله وسنّة خبيثة استنّها عليهم عمال السوء، وإن قَوام الدّين العدلُ والإحسان، فلا يكوننّ شيء أهمَّ إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خرابًا على عامر، ولا عامرًا على خراب، انظر الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رِفْق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذنّ في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هديّة النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصُّحُف، ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراجَ على من أسلم من أهل الأرض؛ فاتّبع في ذلك أمري؛ فإني قد وليتك","vol":"4","page":251},{"text":"من ذلك ما ولّاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب؛ حتى تراجعَني فيه. وانظر من أراد من الذرّية أن يحجّ، فعجل له مئة يحجّ بها، والسلام.\nحدَّثنا عبد الله بن أحمد بن شبّوية، قال: حدثني أبي، قال: حدَّثنا سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن شهاب بن شريعة المجاشعيّ، قال: ألحق عمر بن عبد العزيز ذراريَّ الرّجال الذين في العطايا أقرع بينهم، فمن أصابته القُرعة جعله في المئة، ومَنْ لم تُصبه القُرعة جعله في الأربعين، وقسم في فقراء أهل البصرة كلّ إنسان ثلاثة دراهم؛ فأعطى الزّمنى خمسين خمسين. قال: وأراه رزق الفَطْم.\nحدّثني عبد الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الفُضيل، عن عبد الله قال: بلغني أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشأم:\nسلام عليكم ورحمة الله، أمّا بعد؛ فإنه مَنْ أكثر ذكر الموت قل كلامُه، ومن علم أن الموت حقّ رضي باليسير، والسلام.\nقال عليّ بن محمد: وقال أبو مجْلز لعمر: إنك وضعتنا بمنقطع التراب، فاحمل إلينا الأموال. قال: يا أبا مجلز: قلبتَ الأمر، قال: يا أمير المؤمنين أهو لنا أم لك؟ قال: بل هو لكم إذا قَصّر خراجكم عن أعطياتكم، قال: فلا أنت تحمله إلينا، ولا نحمله إليك، وقد وضعت بعضه على بعض. قال: أحمله إليكم إن شاء الله.\nومرض من ليلته فمات من مرضه، وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهرًا.\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفى عمارة بن أكيمة الليثيّ، ويكنى أبا الوليد، وهو ابن تسع وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>زيادة في سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبي جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان</span>\nروى عبد الله بن بكر بن حبيب السَّهْمي، قال: حدَّثنا رجل في مسجد الجُنابذ، أنّ عمر بن عبد العزيز خطب الناس بخُناصرة، فقال: أيّها الناس،","vol":"4","page":252},{"text":"إنكم لمْ تُخْلَقُوا عَبَثًا، ولن تُتركُوا سُدى؛ وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، وقد خاب وخسر مَنْ خرج من رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، وحُرِم الجنة التي عرضها السمواتُ والأرضُ، ألا واعلمُوا أنما الأمان غدًا لمن حذر الله وخافه، وباع نافذًا بباق، وقليلًا بكثير، وخوفًا بأمان. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلّفها بعدكم الباقون كذلك حتى تردّ إلى خير الوارثين! وفي كلّ يوم تشيّعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبَهُ، وانقضى أجله، فتغيّبونه في صَدْع من الأرض، ثمّ تَدعونه غير موسَّد ولا ممهَّد، قد فارق الأحبّه، وخلع الأسبابَ، فسكن التراب وواجه الحساب، فهو مرتهَن بعمله، فقير إلى ما قدّم، غنيّ عمّا ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه. وايم الله إني لأقولُ لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي؛ فأستغفر الله وأتوب إليه. وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسدّ من حاجته ما قدرتُ عليه، وما منكم أحد يسعه ما عندنا إلا وددتُ أنه سَدَاي ولحمتي، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء. وايم الله أن لو أردت غير هذا من الغَضارة والعيش؛ لكان اللسان مني به ذلولًا عالمًا بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنّة عادلة، يدلّ فيها على طاعته، وينهى عن معصيته.\nثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى النَّاس حوله، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات ﵀.\nروى خلف بن تميم، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن سعد، قال: بلَغني أنّ عمر بن عبد العزيز مات ابنٌ له، فكتب عامل له يعزّيه عن ابنه، فقال لكاتبه: أجبه عني، قال: فأخذ الكاتب يبري القلم، قال: فقال للكاتب: أدقّ القَلم، فإنه أبقى للقرطاس، وأوجز للحروف، واكتب:\nبسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنَّ هذا الأمر أمرٌ قد كنا وطّنّا أنفسنا عليه، فلمّا نزل لم ننكره، والسلام.\nروى منصور بن مزاحم، قال: حدَّثنا شعيب -يعني ابن صفوان- عن ابن عبد الحميد، قال: قال عمر بن عبد العزيز: مَن وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدّى واجب حقِّه؛ فاتقوا الله، فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منجية في العواقب فالزموها.","vol":"4","page":253},{"text":"الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإنّ في القنوع سَعة وبُلْغة وكَفافًا، إن أجل الدنيا في أعناقكم، وجهنم أمامكم، وما ترون ذاهب، وما مضى فكأن لم يكن، وكلٌّ أمواتٌ عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق؛ وبعد فراغه وقد ذاق الموت، والقوم حوله يقولون: قد فرغ ﵀! وعاينتم تعجيل إخراجه، وقسمة تُراثه ووجهه مفقود، وذكره منسيّ، وبابه مهجور، وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتّقوا هول يوم لا تُحْقر فيه مثقال ذرّة في الموازين.\nروى سهل بن محمود؛ قال: حدَّثنا حرملة بن عبد العزيز، قال: حدّثني أبي، عن ابن لعمر بن عبد العزيز، قال: أمرنا عمرُ أن نشتري موضع قبره، فاشتريناه من الراهب، قال: فقال بعض الشعراء:\nأَقولُ لما نَعى النَّاعُونَ لي عمَرا ... لا يَبعَدَنَّ قِوامُ العدْل والدِّين\nقَدْ غادَرَ القومُ باللحد الذي لحدوا ... بِدَير سَمْعَان قسطاسَ الموازِينِ (١)\n(٥٦٨: ٦ - ٥٧٢).\nروى عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، قال: قال عمر بن عبد العزيز: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومَنْ لم يعدّ كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرّضا قليل، ومُعَوَّل المؤمن الصبر، وما أنعم الله على عبد نعمةً ثم انتزعها منها فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيرًا مما انتزع منه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.\nوقدم كتابُه على عبد الرحمن بن نعيم:\nلا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه، ولا تُحدثنّ كنيسة ولا بيت نار، ولا تجرّ الشاة إلى مذبحها، ولا تحدّوا الشَّفرة على رأس الذّبيحة، ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عُذْر. (٥٧٢: ٦).\n_________\n(١) ويؤيد رواية الطبري ما أخرجه ابن سعد (٥: ٤٠٥) قال: أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الدواسي ومحمد بن عبد الله الأسدي ومعن بن عيسى والعلاء بن عبد الجبار قالوا: ثنا محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره قبل أن يموت بعشرة دنانير.","vol":"4","page":254},{"text":"روى عفّان بن مسلم، عن عثمان بن عبد الحميد، قال: حدّثنا أبي، قال: بلغنا أنّ فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: اشتدّ علزُه ليلةً، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفًا له يقال له مرثد، فقلتُ له: يا مرثد، كنْ عند أمير المؤمنين، فإن كانت له حاجة كنتَ قريبًا منه. ثم انطلقنا فضربنا برؤوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرثدًا خارجًا من البيت نائمًا، فأيقظته فقلت: يا مرثد، ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، قال: يا مرثد؛ اخرج عني! فوالله إني لأرى شيئًا ما هو بالإنس ولا جان، فخرجت فسمعته يتلو هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال: فدخلت عليه فوجدته قد وجّه نفسه، وأغمض عينيه (١). (٦: ٥٧٢ - ٥٧٣).\n_________\n(١) قلنا: والطبري يروي هذا الخبر بإسناد منقطع، وقد أخرجه ابن سعد من طريق وهب بن جرير بن حازم قال: حدثنا أبي قال: سمعت المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك كنت أسمع بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار فلما كان اليوم الذي قبض فيه ... الخبر وفي آخره: فدخلت عليه فإذا هو ميت قد استقبل القبلة وأغمض نفسه ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه.\n[الطبقات الكبرى (٥: ٤٠٧)].\nقلنا وإسناد ابن سعد إلى فاطمة رجاله رجال الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[تسمية عمال عمر بن عبد العزيز]</span>\nالبصرة: عدي بن أرطأة الفزاري حتى مات عمر.\nالكوفة: عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب حتى مات عمر.\nخراسان: الجراح بن عبد الله الحكمي، ثم كتب إليه فاستخلف عبد الرحمن بن نعيم الغامدي.\nسجستان: الجراح بن عبد الله، ثم ضمها إلى عبد الرحمن بن نعيم، وذلك سنة مئة، ثم بعث يزيد بن المهلب أخاه مدركًا حين خلع، فمنعه عبد الرحمن دخولها حتى قتل يزيد.\nالسند: ولاها عدي بن أرطاة عبد الملك بن مسمع بن مالك بن مسمع ثم عزله وولى عمرو بن مسلم الباهلي حتى مات عمر.\nالبحرين: صلت بن حريث بعث إلى عدي منها بخوارج، ثم عزله عدي وولى عبد الكريم بن المغيرة أظنه باهليًا.\nعمان: عمرو بن عبد الله أبي طلحة الأنصاري. =","vol":"4","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= اليمامة: زرارة بن عبد الرحمن.\nمكة: أقر عليها عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد حتى مات.\nالمدينة: أقر عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حتى مات، وزعم عثمان بن عثمان أن محمد بن قيس بن مخرمة قد تولى المدينة لعمر بن عبد العزيز.\nاليمن: أقرَّ عليها عروة بن محمد حتى مات.\nالجزيرة وأرمينية وأذربيجان: ولى عبد العزيز بن حاتم بن النعمان أرمينية، ثم ولاها عدي بن عدي، فاستخلف سوادة أبا الصباح بن سوادة الكندي على الجزيرة.\nالشامات:\nدمشق: عبد بن الحساس العذري.\nالأردن: عبادة بن نسيّ الكندي.\nفلسطين: النضر بن بريم بن أبرهة بن الصباح.\nحمص: يزيد بن حصين السكوني.\nقنسرين: الوليد بن هشام بن الوليد بن عقبة.\nالبلقاء: الحارث بن عمرو طائي.\nمصر: أيوب بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح.\nإفريقية: عزل عنها محمد بن يزيد، وولى عبد الله بن مهاجر الأنصاري مولى لهم، ثم ولى إسماعيل بن عبيد الله مولى بني مخزوم، فقدمها سنة مئة، فأسلم عامة البربر في ولايته، وكان حسن السيرة حتى مات عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>القضاة</span>\nقضاء البصرة: حدثنا عامر بن حفص: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة أن اجمع ناسًا ممن قبلك فشاورهم في إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجوشني، واستقض أحدهما فجمع عدي ناسًا فحلف القاسم أن إياسًا أعلم بالقضاء وأصلح له مني، فولاه عدي. فحدثني سهل بن يوسف قال: نا خالد الحذاء قال: قال لي إياس بن معاوية إن هذا الرجل قد بعث إليَّ فانطلقت معه، فدخل على عدي، ثم خرج ومعه حرسي فقال: أبي أن يعفيني، فأتى المسجد، وصلى ركعتين، ثم قال للحرسي: قدِّم. فما قام حتى قضى سبعين قضية، ثم خرج إياس من البصرة في قِصَّةٍ كانت، فولى عدي الحسن بن أبي الحسن.\nقضاء الكوفة: القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.\nقضاء المدينة: أبو طوالة واسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم حتى مات عمر.\nالموسع: سنة تسع وتسعين أبو بكر بن عمرو بن حزم، وسنة مئة أبو بكر أيضًا.","vol":"4","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان</span>\nوفيها ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان، وكنيته أبو خالد، وهو ابن تسع وعشرين سنة في قول هشام بن محمد؛ ولما ولي الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وولّاها عبد الرحمن بن الضحّاك بن قيس الفهريّ، فقدمها - فيما زعم الواقديّ - يوم الأربعاء لليال بقين من شهر رمضان فاستقضى عبدُ الرحمن سلمةَ بن عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ (١).\nبويع له بعهدٍ من أخيه سليمانَ بن عبد الملكِ، أن يكونَ وليَّ العهدِ من بعدِ عمرَ بن عبد العزيزِ، فلمّا توفِّي عمرُ في رجبٍ من هذه السنةِ -أعني سنةَ إحدى ومئةٍ- بايعه الناسُ البيعةَ العامَّةَ، وعمرُه إذ ذاك تسعٌ وعشرون سنةً، فعزَل في رمضانَ منها عن إمرةِ المدينةِ أبا بكرٍ بنَ محمدِ بن عمرٍو بن حزمٍ، وولَّى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس [البداية والنهاية ٧/ ١٨٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>خبر خلع يزيد بن المهلّب يزيدَ بن عبد الملك</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة لحق يزيد بن المهلّب بالبصرة، فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها عديّ بن أرطاة الفَزاريّ، فحبسه وخلع يزيد بن عبد الملك.\nذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك وما كان من أمره وأمر يزيد في هذه السنة:\nقد مضى ذكر خبَر هرب يزيد بن المهلّب من محبسه الذي كان عمر بن\n_________\n(١) وكذلك أرخ خليفة لتولية يزيد بن عبد الملك ضمن أحداث سنة ١٠١ هـ[خليفة / ٢٠٦] وأخرج ابن عساكر بسنده عن سعد بن إبراهيم قال استخلف يزيد بن عبد الملك يوم توفي عمر يعني لست بقين من رجب سنة إحدى ومئة [تاريخ دمشق / ٦٥/ ٣١٠].\nوأما عزل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وتولية المدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري فكذلك أرخ له خليفة في تأريخه / ص ٢١٣.","vol":"4","page":257},{"text":"عبد العزيز حبسه فيه، ونذكر الآن ما كان من صنيعه بعد هربه في هذه السنة- أعني سنة إحدى ومئة.\nولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه عمر، وبلغه هرب يزيد بن المهلب، فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن يأمره أن يطلبه ويستقبله، وكتب إلى عديّ بن أرطأة يعلمه هربه، ويأمره أن يتهيأ لاستقباله، وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته (١).\nقال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضّحاك بن قيس الفهريّ، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال محمد بن عمر.\nوكان عبد الرحمن عامل يزيد بن عبد الملك على المدينة، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وكان على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى قضائها الشَّعبيّ، وكانت البصرة قد غلب عليها يزيد بن المهلّب، وكان على خُراسان عبد الرحمن بن نُعَيم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>ثم دخلت سنة اثنتين ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان فيها من مَسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إيّاهما لحربه.\n* * *\nوفيها قتل يزيد بن المهلّب، في صَفر (٣).\n_________\n(١) وقال خليفة بن خياط: وفي سنة إحدى ومئة دخل يزيد بن المهلب البصرة ليلة البدر في شهر رمضان فحاربه عدي بن أرطاة وهو أمير البصرة [تأريخ خليفة / ٢٠٦] وانظر الحاشية رقم (١) وتعليقنا على الخبر في الصفحة التالية.\nفسنتحدث عن روايات مقتله ضمن أحداث سنة ١٠٢ هـ.\n(٢) لقد وافق خليفة بن خياط الطبري في أسماء الولاة على هذه الأمصار ضمن أحداث سنة ١٠١ هـ[تاريخ خليفة / ٢٠٧].\n(٣) وكذلك أرّخ خليفة لمقتله بسنة ١٠٢ هـ في يوم الجمعة [تاريخ خليفة / ٢٠٨] وأخرج خليفة =","vol":"4","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواية في ذلك: حدثني شهاب قال حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال شهدت دار الإمارة بواسط يوم جاء قتل يزيد بن المهلب، ومعاوية بن يزيد قاعد، فأتي بعدي بن أرطأة وابنه محمد بن عدي ومالك وعبد الملك ابني مسمع والقاسم بن مدلم وعبد الله بن عمر المصري فضرب أعناقهم [تأريخ خليفة / ٢٠٩] وقال الذهبي في ترجمة يزيد بن المهلب: قتل في صفر سنة اثنتين ومئة [تأريخ الإسلام / حوادث ١٠١ - ١٢٠ هـ ص ٢٨٣].\nوقال ابن كثير ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٠٢ هـ \"ففيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب\" البداية والنهاية [٧/ ١٨١].\nولقد ذكر الطبري روايات عدة ذكر فيها تفاصيل هذه الوقعة وكلها من طريق التالف الهالك أبي مخنف ولم نجد لتفاصيلها ما يؤيدها ولعل الشيء الذي وافق فيه أبو مخنف الرواية الصحيحة أن الإمام التابعي الحسن البصري كان معارضًا لخروج يزيد بن المهلب ولكنه لم يستطع أن يذكر هذه الحقيقة مجردًا بل لفَّق بجنبها أمورًا غير صحيحة ونسبها إلى الحسن البصري، والبصري منها براء ومنها أن الحسن لعن بني أمية كذلك وسبّهم وشتمهم وأعلن أنه لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء بينما الرواية الصحيحة (كما سنذكر بعد قليل) تؤكد أنه كان يدعو الناس إلى الصبر وعدم الخروج وخاصة بعد أن انعقدت البيعة ليزيد بن عبد الملك وبايعه العامة بعد بيعة أهل الحل والعقد.\nفقد أخرج البلاذري \"حدثني أبو الربيع الزهراني ثنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر قال: قلت للحسن: إن أكرهني يزيد بن المهلب على الخروج معه فهل عليّ؟ قال: تناشده قلت: فإن أبي قال: فكن عبد الله المقتول قال: فخرجت إلى مكة فسألت مجاهدًا فقال لي مثل قول الحسن\" [جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣١٣ / ٣٥٠١].\nوأخرج البلاذري حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن الحسن أنه قال في يزيد بن المهلب \"كلما نعر لهم ناعر اتبعوه هذا عبد الله بن المهلب\"-[كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣٠٩ / ٣٤٩٧] وهذا إسناد صحيح.\nوأخرج البلاذري: وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا وهب بن جرير بن حازم ثنا عمر بن يزيد قال: سمعت الحسن أيام المهلب يقول: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا لم يلبثوا أن يفرّج الله عنهم-[٨/ ٣٠٩ / ٣٤٩٧].\nولذلك صحّ قول الحافظ ابن كثير ﵀ [وكان الحسن البصري في هذه الأيام يحرّض الناس على الكفّ وترك الدخول في الفتنة وينهاهم أشدّ النهي وذلك لما وقع من الشرّ الطويل العريض في أيام ابن الأشعث وما قتل بسبب ذلك من النفوس العديدة وجعل الحسن يخطب الناس ويعظم في ذلك ويحرّضهم على الكف\" البداية والنهاية [٧/ ١٨١].","vol":"4","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>ولاية مسلمة بن عبد الملك على العراق وخراسان</span>\nفلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حَرْب يزيد بن المهلب، جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخُراسان في هذه السنة، فلما ولّاه يزيد ذلك، ولّى مسلمة الكوفة ذا الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب - فيما قيل - شبيبُ بن الحارث التميميّ، فضبطها، فلمّا ضُمّت إلى مسلمة بعث عاملًا سنة ١٠٢. عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبيّ، وعلى شُرْطتها وأحداثها عمر بن يزيد التميميّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>ذكر استعمال مسلمة سعيد خذينة على خراسان</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجّه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وهو الذي يقال له سعيد خُذينة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>عزل مسلمة عن العراق وخراسان</span>\nوفي هذه السنة عُزِل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام (٣).\n_________\n(١) قال خليفة \"حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن المغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: جمع يزيد بن عبد الملك لأخيه مسلمة العراق سنة إحدى ومئة في آخرها أو في أول سنة اثنتين ومئة وعزله آخر سنة أو أول سنة ثلاث ومئة فكان على شرط مسلمة بالكوفة قطن بن حبّة الكلبي وعلى شرط الكوفة العريان بن الهيثم بن الأسود النخعي وعلى شرط البصرة عبد الرحمن بن سليم الكلبي\" [تاريخ خليفة / ٢١٠].\nقلت وهذه طرق تتعاضد ببعضها وتؤيد ما ذكره الطبري سوى أشياء يسيرة.\nوكذلك أرخ ابن كثير لولاية مسلمة على العراق وخراسان بسنة ١٠٢ هـ[البداية / ٧/ ١٨٢].\n(٢) وقد وافق خليفة بن خياط الطبري في هذا فقال \"وفي سنة اثنتين ومئة بعث مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز على خراسان\" [تاريخ خليفة- ٢١٠].\nوقد ذكر الطبري سببًا لتسميته بـ (خذينة) ولا يصح ذلك سندًا ويخالف متنه ما يرويه الطبري في مكان آخر كما هو مبيّن في قسم الضعيف. [وانظر البداية والنهاية ٧/ ١٨٢].\n(٣) سبق أن ذكرنا رواية خليفة المسندة التي تذكر تولية مسلمة ومن ثم عزله وهي كالآتي: =","vol":"4","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>ذكر خبر قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية</span>\nوفيها -أعني سنة اثنتين ومئة- قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية وهو وال عليها (١).\nوفي هذه السنة استعمل عمر بن هبيرة بن مُعيَّة بن سكين بن خَديج بن مالك بن سعد بن عديّ بن فزارة على العراق وخراسان.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ (٢).\nوكان العامل على المدينة عبد الرحمن بن الضّحّاك، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وعلى الكوفة محمد بن عمرو ذو الشامة، وعلى\n_________\n= \"حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: جمع يزيد بن عبد الملك لأخيه مسلمة العراق سنة إحدى ومئة في آخرها أو في أول سنة اثنتين ومئة وعزله آخر سنة أو أول سنة ثلاث ومئة ... إلخ الرواية\" [تأريخ خليفة / ٢١٠] ولقد ذكر الطبري في سبب عزله كلامًا دون إسناد وأيًّا كان السبب فهذا العزل منقبة من مناقب الخليفة لأنه عامل شقيقه معاملة أيّ والٍ آخر في التعيين أو العزل.\n(١) هذا الخبر لم يذكر الطبري إسناده، يؤيده ما ذكره المؤرخ المتقدم خليفة بن خياط ضمن أحداث سنة (١٠٢ هـ) \"وفيها وثب الجند على يزيد بن أبي مسلم فقتلوه. فحدثني أبو اليقظان عن الوضاح من خيثمة قال: حدثني داود بن أبي هند قال حدثني محمد بن يزيد الأنصاري قال: بعثني عمر بن عبد العزيز حين ولي فأخرجت من في السجون من حبس سليمان ما خلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، فلما مات عمر ولاه يزيد بن عبد الملك أفريقية وأنا بها، فأخذت فأتى بي في شهر رمضان عند الليل فقال محمد بن يزيد؟ فقلت: نعم. قال الحمد لله الذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد فطال ما سألت الله أن يمكنني منك. قلت: وأنا طال ما سألت الله أن يعيذني منك. قال: فوالله ما أعاذك الله مني ولو أن ملك الموت سابقني إليك لسبقته. قال وأقيمت المغرب قال: فصلى ركعة فثار به الجند فقتلوه وقالوا: خذ أيّ الطريق شئت\" [تأريخ خليفة / ٢٠٩ /] وانظر البداية والنهاية [٧/ ١٨٣].\n(٢) وأما الإمرة على العراق وخراسان فسنذكر ما يؤيدها بعد ذكرنا لوفاة الخليفة كالعادة.\nوأما حجّ عبد الرحمن بن الضحاك في هذه السنة كما نقل الطبري عن أبي معشر والواقدي فقد أيده خليفة كذلك بقوله ضمن ذكره لأحداث سنة ١٠٢ هـ \"وأقام الحجّ عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري\" [تأريخ خليفة / ٢١٠].","vol":"4","page":261},{"text":"قضائها القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، وعلى خراسان سعيد خُذينة، وعلى مصر أسامة بن زيد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>ثم دخلت سنة ثلاث ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>عزل سعيد خذينة عن خراسان </span>(٢)\nقال الطبري: وفي هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسلة (٣).\nوفيها ضمّت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهريّ، فجمعت له مع المدينة.\nوفيها ولى عبد الواحد بن عبد الله النضريّ الطائف، وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد عن مكة (٤).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهريّ، كذلك قال أبو معشر والواقدي (٥).\nوكان عامل يزيد بن عاتكة في هذه السنة على مكة والمدينة عبد الرحمن بن الضحاك، وعلى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضْريّ، وعلى العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وعلى خراسان سعيد بن عمرو الحرشيّ من قِبَل عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن\n_________\n(١) راجع قوائم الولاة في نهاية عهد يزيد بن عبد الملك.\n(٢) ووافق خليفة بن خياط الطبري في هذا [انظر تأريخ خليفة / ٥١٤] وانظر قوائم الولاة فيما بعد وكذلك أرخ ابن كثير لهذا العزل والتولية [٧/ ١٨٣] البداية والنهاية.\n(٣) وقال خليفة وفيها (١٠٣ هـ) غزا العباس بن الوليد أرض الروم [تأريخ خليفة / ٢١١].\n(٤) انظر قوائم الولاة بعد نهاية عهد يزيد بن عبد الملك.\n(٥) وكذلك قال خليفة \"وأقام الحج عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري\" [خليفة / ٢١١] و[البداية والنهاية ٧/ ١٨٣].","vol":"4","page":262},{"text":"مسعود، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>استعمال ابن هبيرة سعيدًا الحَرشيّ على خراسان</span>\nوفيها استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحَرشيّ على خراسان.\nذكر الخبر عن سبب استعماله الحَرَشيّ على خراسان:\nذكر عليّ بن محمد عن أصحابه أنّ ابن هبيرة لما ولي العراق، كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلَى يوم العَقْر، ولم يذكر الحَرشيّ، فقال يزيد بن عبد الملك: لِمَ لم يذكر الحرشيّ؟ فكتب إلى ابن هبيرة: وَلِّ الحرشيّ خراسان. فولّاه، فقدم الحرشيّ على مقدمته المجشّر بن مزاحم السلميّ سنة ثلاث ومئة، ثم قدم الحَرَشيّ خراسان، والناس بإزاء العدوّ، وقد كانوا نُكبوا، فخطبهم وحثَّهم على الجهاد، فقال: إنكم لا تقاتلون عدوّ الإسلام بكثرةٍ ولا بعُدّة، ولكن بنصر الله وعزّ الإسلام، فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله وقال:\nفلَسْتُ لعامر إنْ لم تَروني ... أمامَ الخَيلِ أطعَنُ بالعوالي\nفأَضرِبُ هامَةَ الجَبَّارِ منهُمْ ... بعَضْب الحدِّ حودِثَ بالصَّقالِ\nفما أنا في الحُرُوبِ بُمُستكينٍ ... ولا أخشى مُصاوَلَةَ الرِّجالِ\nأبَى لي والدِي من كلِّ ذَمٍّ ... وخالِي في الْحوادِثِ خَيرُ خال\nإذَا خَطَرتْ أَمامي حيُّ كَعْب ... وزَافَتْ كالجِبالِ بنُو هِلال (٢)\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية أحداث سنة ١٠٥ هـ.\n(٢) وقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٠٣) هـ فيها جمع يزيد بن عبد الملك لعمر بن هبيرة الفزاري فعزل عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص.\nوولّي سعيد بن عمرو الحرشي فكفرت الصفر وساروا بأهاليهم وأموالهم وسار إليهم سعيد بن عمرو الحرشي فسألوه الصلح على أن يرجعوا إلى بلادهم ويؤدوا الجزية فخرج بعضهم وبقي بعضهم ثم خرجوا على الناس يضربونهم يمينًا وشمالًا فقتلهم سعيد عن آخرهم\" تأريخ خليفة / ٢١٠].\n[وانظر البداية والنهاية ٧/ ١٨٣].","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>ثم دخلت سنة أربع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عن المدينة ومكة وذلك للنصف من شهر ربيع الأول وكان عامله على المدينة ثلاث سنين.\nوفيها ولّى يزيد بن عبد الملك المدينة عبد الواحد النضري (١).\nوولي المدينة عبد الواحد بن عبد الله بن بشر فأقام بالمدينة لم يقدم عليهم والٍ أحبّ عليهم منه - وكان يذهب مذاهب الخير لا يقطع أمرًا إلا استشار فيه القاسم وسالمًا (٢).\nوفي هذه السنة غزا الجراح بن عبد الله الحكمي وهو أمير على أرمينية وأذربيجان أرض الترك ففتح على يديه بلنجر (٣).\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الخليفة يزيد بن عبد الملك.\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) وافق خليفة في هذا الطبري فقال ضمن حديثه عن أحداث سنة (١٠٤) هـ تحت عنوان: ولاية الجراح على أرمينية وفتح بلنجر: وفيها عزل يزيد بن عبد الملك معلق بن صفار عن أرمينية وولاها الجراح بن عبد الله الحكمي فغزا الجراح فافتتح بلنجر يوم الأحد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع ومئة ثم لقي الجراح ابن خاقان دون الباب فرسخين على نهر أرّان فاقتتلوا قتالًا شديدًا فانهزم ابن خاقان وتبعهم المسلمون يقتلونهم ففتلوا جمعًا كثيرًا وسبوا .... ثم أخرج خليفة رواية فقال: فحدثني أبو خالد عن أبي البراء النميري قال: سأل أهلها الجراح الصلح على أن يحولهم وينزلهم رستاق حيزان فحوّلهم ثم سار إلى رستاق يزغوا فأقام أيامًا وسألوه الصلح على أن يحولهم إلى رستاق ميلة. قال أبو البراء: أخبرني سوادة - وكان شيخًا صدوقًا - قال النافع الجراح ببلنجر فخرج رجل من المسلمين فقال: من يشري لله نفسه فأجابته جماعة ما بلغت عدتهم ثلاثين رجلًا فكسروا جفون سيوفهم وشدّوا على عجل الربض فأجلوا الرجال عنها وأخذوا عجلة، وكانت العجل موصولة بعضها ببعض فلما انحدرت العجلة تبعها بقية العجل حتى صارت كلها في عسكر المسلمين وهي نحو من ثلاثمئة عجلة ثم شدّوا على أهل بلنجر فخرج القوم من الباب وأفلت صاحب بلنجر على ظهر برذونه واستولى الجراح على بلنجر ثم سار الجراح إلى الأتراك وهم أربعون أهل بيت فسألوه الموادعة على أن يكونوا معه على الخزر فقبل ذلك منهم وسار إلى ورثان [تأريخ خليفة / ٢١٢] =","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>ولاية مسلم بن سعيد على خراسان</span>\nوفي هذه السنة ولّى عمرُ بن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة بن عمرو بن خُوَيلد الصّعق خراسان بعد ما عزل سعيد بن عمرو الحَرَشيّ عنها.\nذكر الخبر عن سبب توليته إياها:\nذكر عليّ بن محمد أنّ أبا الذيَّال وعليّ بن مجاهد وغيرهما حدّثوه، قالوا: لما قتل سعيد بن أسلم ضمّ الحجّاج ابنَه مسلم بن سعيد مع ولده، فتأدّب ونبُل، فلما قدم عديّ بن أرطاة أراد أن يولِّيَه، فشاور كاتبه، فقال: ولّه ولايةً خفيفة ثم ترفعه، فولّاه ولاية، فقام بها وضبطها وأحسن؛ فلما وقعت فتنة يزيد بن المهلب حمل تلك الأموال إلى الشام، فلما قدم عمر بن هبيرة أجمع على أن يولّيَه ولاية، فدعاه ولم يكن شاب بعد، فنظر فرأى شيبةً في لحيته، فكبّر (١).\n_________\n= وانظر تأريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات ١٠١ - ١٢٠ هـ ص ١٢ إذ قال ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٠٤ هـ \"وفيها كانت وقعة نهر الرّان فالتقى المسلمون والكفار وعلى المسلمين الجرّاح بن عبد الله الحكمي وعلى أولئك ابن الخاقان وذلك بقرب باب الأبواب ونصر الله الإسلام وركب المسلمون أقفية الترك قتلًا وأسرًا وسبيًا\" وانظر البداية والنهاية [٧/ ١٨٤].\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية من طريق المدائني الصدوق بسندين أحدهما عن أبي الذيال وهو صدوق ولقد ذكرنا سابقًا أن الطبري اطلع على كتب المدائني ومروياته وحفظها عن طريق شيوخ ثقات كعمر بن شبة وغيره، ومن باب التساهل في قبول روايات التأريخ وبالشروط التي ذكرنا فقد بدأنا بقبول قول الطبري ذكر المدائني عن فلان عن فلان وذلك ابتداءً من تأريخ القرن الهجري الثاني أي بعد (١٠١) هـ والاحتمال الآخر قائم وهو أن الطبري اطلع على كتب ومرويات أخرى للمدائني من دون إجازة فيقول ذكر المدائني إذا ذكر الطبري الرواية عن المدائني معضلًا (أي من قوله) لم نقبله في الصحيح وإذا ذكره مسندًا موصولًا من طريق رواة ثقات قبلناه في الصحيح إن لم يخالف ما هو أصح منه وكذلك إذا كان مرويًّا مرسلًا ولكنه متعدد المخارج والله أعلم.\nوما ذكره خليفة يوافق ما ذكره الطبري هنا ويؤيده. قال خليفة \"خراسان: كان بها عبد الرحمن بن نعيم الغامدي فلما خلع .... إلى أن قال ثم عزله وولّى سعيد بن عمرو الحرشي سنة ثلاث ومئة ثم عزله وولّى مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي سنة أربع ومئة\" تأريخ خليفة / ٢١٤ وانظر البداية والنهاية [٧/ ١٨٤].","vol":"4","page":265},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النَّضْريُّ؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ (١).\nوكان العامل على مكة والمدينة والطائف في هذه السنة عبدُ الواحد بن عبد الله النَّضْريّ، وعلى العراق والمشرق عمر بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة حسين بن الحسن الكِنديّ، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يَعْلَى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>ثم دخلت سنة خمس ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك غزوة الجرّاح بن عبد الله الحَكَميّ اللّان؛ حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بَلَنْجَر، ففتح بعض ذلك، وجلَّى عنه بعض أهله، وأصاب غنائم كثيرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>ذكر موت يزيد بن عبد الملك</span>\nوفي هذه السنة مات الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، لخمس ليال\n_________\n(١) ووافق خليفة ما ذكره الطبري عن أبي معشر والواقدي فقال \"وأقام الحج (في سنة ١٠٤) عبد الواحد بن عبد الله النضري\" تأريخ خليفة / ٢١٢ وانظر البداية والنهاية [٧/ ١٨٤].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) وكذلك أرّخ خليفة لهذه الواقعة \"وفيها غزا الجراح بن عبد الله اللان حتى أتى مدائن من وراء بلنجر فافتتح بعضها وأجلى بعضها وقتل وغنم، وذلك سنة خمس ومئة\" [تأريخ خليفة / ٢١٣].\nولكن خليفة ذكر ضمن أحداث هذه السنة ما لم يذكره الطبري هنا فقال: وفيها زحف جابان في جمع كثير من الترك نحو أرمينية وزحف الجراح بن عبد الله الحكمي فالتقوا بموضع يقال له - الزم - بين الكر والرسى في شهر رمضان فاقتتلوا أيامًا ثم هزم الله المشركين. قال أبو خالد قال أبو البراء حدثني مالك بن أدهم قال: كنا مع الجراح فقاتلناهم حتى حجز الليل بيننا وفتح الله على المسلمين\" [خليفة / ٢١٣] فقال الذهبي: \"وفيها (١٠٥ هـ) زحف الخاقان وخرج من الباب في جمع عظيم من الترك وقصد أرمينية فسار إليه الجراح الحكمي فاقتتلوا أيامًا ثم كانت الهزيمة على الكفار وذلك في شهر رمضان\". تأريخ الإسلام.","vol":"4","page":266},{"text":"بقين من شعبان منها؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ.\nوقال الواقديّ: كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق، وهو يوم مات ابن ثمان وثلاثين سنة:\nوقال بعضهم: كان ابنَ أربعين سنة.\nوقال بعضهم: ابن ست وثلاثين سنة؛ فكانت خلافته في قول أبي معشر وهشام بن محمد وعليّ بن محمد أربعَ سنين وشهرًا، وفي قول الواقديّ أربع سنين.\nوكان يزيد بن عبد الملك يكنَّى أبا خالد؛ كذلك قال أبو معشر وهشام بن محمد والواقديّ وغيرهم.\nوقال عليّ بن محمد: توفِّي يزيد بن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين سنة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة خمس ومئة.\nوقال: ومات بإربَد من أرض البلقاء، وصلّى عليه ابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة سنة، وهشام بن عبد الملك يومئذ بحِمْص؛ حدثني بذلك عمر بن شبّة، عن عليّ.\nوقال هشام بن محمد: توفِّي يزيد بن عبد الملك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (١).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري ﵀ مختلف الآراء الواردة في تحديد عمر الخليفة يزيد بن عبد الملك وتحديد مدة خلافته والسنة التي توفي فيهما مع ذكر الشهر واليوم ومكان وفاته رحمه الله تعالى.\nولا خلاف بين المؤرخين في سنة وفاته (أي ١٠٥ هـ).\nوقد لخّص المؤرخ المتقدم خليفة ما ورد في ذلك بإسنادين يؤيد أحدهما الآخر \"فحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن المغيرة عن أبيه وغيرهم أن يزيد بن عبد الملك - أمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية - ولد بدمشق سنة إحدى أو اثنتين وسبعين، ومات بإربد من بلاد البلقاء يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومئة، صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك وهو ابن أربع أو ثلاث وثلاثين وكانت ولايته أربع سنين وشهرًا\" [تأريخ خليفة / ٢١٣]. =","vol":"4","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذه الرواية توافق ما ذكره الطبري عن أبي معشر والواقدي في تأريخ وفاته والله أعلم.\nوأخرج ابن عساكر روايات عدة تؤيد ما ذكره الطبري من تأريخ وفاته فقد أخرج عن أبي حفص الفلاس وأبي عمر الضرير ومحمد بن يزيد وغيرهم أنه توفي سنة خمس ومئة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه وأن ولايته كانت أربع سنين وشهرا [تأريخ دمشق / المجلد ٦٥ / تر ٨٣١٣] وقال ابن كثير وكانت خلافته أربع سنين وشهرًا على المشهور [البداية والنهاية ٧/ ١٨٥].\nلقد دأبنا ومنذ بداية تخريجنا لروايات هذا القسم من تأريخ الطبري أن نذكر أسماء الولاة والقضاة كما ذكرها خليفة بن خياط في نهاية عهد كل خليفة ولقد وافق خليفة في جلّها ما ذكره الطبري فاتفاقهما يؤكد صحة هذه الأسماء والمناصب، إلا أن الطبري يفرّقها بين السنين وخليفة يذكرها مجتمعة في نهاية سيرة كل خليفة - وما نذكره عن خليفة توثيق لمعلومات الطبري - قال خليفة في تأريخه ضمن حوادث سنة ١٠٥ هـ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>تسمية عمال يزيد بن عبد الملك</span>\nالمدينة: عزل عنها أبا بكر بن حزم وولّاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري سنة إحدى ومئة. ثم عزله وولّى عبد الواحد بن عبد الله من بني نصر بن معاوية سنة أربع ومئة فلم يزل عليها حتى مات.\nمكة: عزل عنها عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد فضمّها مع الطائف إلى عبد الرحمن\nبن الضحاك بن قيس سنة ثلاث ومئة ثم عزله وضمها مع الطائف إلى عبد الواحد بن عبد الله\nالنضري سنة أربع ومئة حتى مات يزيد.\nاليمن: أقرَّ عليها عروة بن محمد.\nالبصرة: خلع يزيد بن المهلب، فقدم البصرة ليلة القدر من شهر رمضان سنة إحدى ومئة. وبها عديّ بن أرطاة، فظهر عليها يزيد فحبسه ثم سار إلى واسط، واستخلف على البصرة أخاه مروان بن المهلب، فلما قتل يزيد - وذلك سنة اثنتين في صفر - تراضى أهل البصرة بشبيب المازني أبي عيسى بن شبيب، ثم قدَّم مسلمة بن عبد الملك وهو على العراق عبد الرحمن بن سليم الكلبي مسلحة، ثم ولّى مسلمةُ عبد الملك بن بشر بن مروان، ثم ولّى يزيد بن عبد الملك عمر بن هبيرة الفزاري العراق، فقدم سنة ثلاث ومئة، فولى البصرة سعيد بن عمرو الحرشي، ثم حسان بن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري من أهل دمشق، ثم فراس بن سمي الفزاري وهو زوج أم عمر بن هبيرة حتى مات يزيد.\nالكوفة: مات عمر بن عبد العزيز وعليها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب =","vol":"4","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأقرّه يزيد بن عبد الملك، ثم عزله مسلمة بن عبد الملك وهو والي العراق وولّاها محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم عزله ابن هبيرة سنة ثلاث ومئة وولى الصعر بن عبد الله من مرة غطفان حتى مات يزيد بن عبد الملك.\nخراسان: كان بها عبد الرحمن بن نعيم الغامدي، فلما خلع يزيد بن المهلب بعث أخاه مدركًا فمنعه عبد الرحمن من الدخول، فلما قدم مسلمة على العراق بعث سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، فأقرَّه ابن هبيرة، ثم عزله وولّى سعيد بن عمرو الحرشي سنة ثلاث ومئة ثم عزله وولّى مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي سنة أربع ومئة.\nسجستان: ولّاها يزيد بن عبد الملك القعقاع بن سويد من بني منقر بن عبيد من أهل الكوفة، فعزله ابن هبيرة وولّى السيال بن المنذر بن عوف بن النعمان.\nالسند: مات عمر وعليها عمرو بن مسلم، ثم ولّاها يزيد بن المهلب فلانًا الشيباني حين غلب على البصرة يزيد بن وداع بن حميد الأزدي، فلم يزل عليها حتى قدم عيها هلال بن أحوز من قبل مسلمة بن عبد الملك، وذلك سنة اثنتين ومئة، ثم ولّاها ابن هبيرة سنة ثلاث ومئة عبيد الله بن علي السلمي، ثم عزله وولّى عبد الحميد بن عبد الرحمن من مرة غطفان حتى مات يزيد بن عبد الملك.\nالبحرين واليمامة: ردّ عليها إبراهيم بن عربي.\nأرمينية: ولّاها يزيد بن عبد الملك معلق بن صفار بن فلحس بن جنب الجمار بن موقد النار البهراني من أهل حمص سنة ثلاث ومئة، ثم عزله سنة أربع ومئة، وولّى الجراح بن عبد الله الحكمي.\nالجزيرة: فايد بن محمد الكندي، والعرس بن قيس بن شعبة بن الأرقم الكندي.\nأفريقية: يزيد بن أبي مسلم في ذي القعدة سنة إحدى ومئة فقتل بها، فولّى يزيد بن عبد الملك بشر بن صفوان سنة اثنتين ومئة ثم خرج بشر وافدًا إلى يزيد بن عبد الملك، واستخلف يحيى بن ماعصة الكلبي سنة خمس ومئة فقدم وقد مات يزيد.\nمصر: بشر بن صفوان الكلبي، ثم ولّاه أفريقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>القضاة</span>\nقضاء البصرة: ولّى مسلمة بن عبد الملك البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، فاستقضى عبد الملك بن بشر النضر بن أنس بن مالك، ثم ولّى مسلمة بن عبد الملك موسى بن أنس بن مالك سنة اثنتين ومئة، ثم قدم ابن هبيرة فولّى عبد الملك بن يعلى سنة ثلاث ومئة. الكوفة: أقرَّ عليها القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ثم عزله سنة ثلاث واستقضى الحسين بن الحسن الكندي.\nالمدينة: ولّاها يزيد عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، فاستقضى مسلمة بن عبد الله بن سلمة المخزومي، ثم ولي البصرة سنة أربع فاستقضى عبد الواحد بن عبد الله النضري =","vol":"4","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثم عزله وولّى سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت حتى مات يزيد.\nالموسم: سنة إحدى واثنتين وثلاث ومئة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وسنة أربع عبد الواحد النضري.\nالصائفة: عبد الرحمن بن سليم الكلبي حتى مات يزيد.\nالشرط: كعب بن حامد العبسي حتى مات.\nالخراج والجند والرسائل: \"صالح بن جبير الغداني ثم عزله وولّى أسامة بن زيد\" مولى لأهل اليمن.\nالخاتم والخزائن وبيوت الأموال: مطير مولاه.\nقال حاتم بن مسلم: على الخاتم أسامة بن زيد.\nالحرس: غيلان ختن أبي معن.\nقال حاتم: وعلى الحرس أبو مالك السكسكي.\nحاجبه: خالد مولاه. [تأريخ خليفة بن خياط / ٢١٣ - ٢١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>الجدل الدائر حول شخصية الخليفة يزيد بن عبد الملك وسيرته</span>\nبعد مراجعتنا المتكررة ودراستنا الحثيثة وبإشراف أساتذتنا الأفاضل توصّلنا إلى نتيجة تُسرُّ كل باحث جاد وملتزم يروم الوصول إلى الحقيقة التأريخية، والنتيجة هي أن يزيد بن عبد الملك هو الخليفة المفترى عليه من قبل المتروكين والوضاعين والكذابين الذين ألّفوا حول سيرته الشائعات فجمعها الجمّاعون حتى وصلت إلى أمهات كتب التأريخ وهي تلفيقات لا أصل لها وسنتطرق إليها واحدة تلو الأخرى:\nأولًا: قصة تعلّق يزيد بن عبد الملك بالجاريتين حبابة وسلامة قصة غير صحيحة سندًا ولا متنًا وللأسباب الآتية:\nأ - لم ترد من طريق مسند موصول صحيح ولا حسن ولا من مظان الحسن ولا خفيف الضعف.\nوأصلها في مصدرين تأريخيين متقدمين الأول تأريخ الطبري وقد أخرجه الطبري معضلًا عن المدائني، والمدائني ولد بعد وفاة يزيد بن عبد الملك بربع قرن من الزمان أو أكثر- والمصدر الثاني هو أنساب الأشراف للبلاذري الذي روى هذا الخبر من طريق متروكين كذابين كابن جعدية والهيثم بن عدي وغيرهما فكيف نعتمد على وضاعين ومتروكين في إثبات هذه التهمة على خليفة حكم الأمة لسنين ولم نسمع عالمًا من علماء الأمة كالحسن البصري وغيره يذكر هذه الحادثة علمًا بأن العلماء لم يتوانوا عن نهي الأمراء عن المنكر وتنبيههم إلى كل مخالفة شرعية، والروايات التأريخية شاهدة على ذلك بل إن كثيرًا من هؤلاء العلماء تعرضوا للسجن أو الضرب لكثرة انتقادهم للأئمة الظلمة فكيف سكتوا عن هذه =","vol":"4","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المسألة ولم يذكرها إلا الرواة المتروكون أو الكذابون الهالكون وكذلك أخرج ابن عساكر رواية هذه القصة من طرق لا تخلو من مجهول أو مجهولين.\nب - هذه الروايات المكذوبة تذكر أنه ﵀ توفي كمدًا وهمًا وغمًّا على وفاة تلك الجارية بينما الرواية التأريخية المسندة الموصولة عند ابن عساكر تذكر أنه مات بالسلّ، والسلّ مرض عضوي عبارة عن التهاب الرئتين بالجرثومة المعروفة - وأعراضها معروفة لدى الناس وخاصة أنها كانت يومها مستعصية على العلاج [انظر تأريخ دمشق / مجلد ٥٦/ ٨٣١٣].\nج - لماذا كل هذا التبذّل والتمسكن والمذلة من خليفة يحكم شطر العالم ومن أجل جارية؟ وباستطاعة الخليفة أن يتزوج أجمل منها وأحسن منها وهو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الذي تتمناه كل فتاة جميلة ومن أرفع وأنبل العوائل - ألا إنه خيال المتروكين الذين لم يكن لهم همّ إلّا الوضع في مثالب أئمة المسلمين.\nد - وأخيرًا فإن المصادر التأريخية كلها تشهد بأن الخليفة يزيد بن عبد الملك واجه أكبر خطرين هددا الخلافة يومها. الأول: هو الخطر الداخلي الذي تمثل بحركة التمرد التي قادها يزيد بن المهلب الذي استولى على البصرة وأرسل نوابه في الأصقاع (الكوفة- واسط- خراسان- الأهواز) واشتدت شوكته فجرد له الخليفة جيشًا بقيادة أخيه مسلمة ودحره دحرًا مبينًا.\nوأما الخطر الثاني: فهو خطر الأقوام المتاخمة لحدود الخلافة في الشمال الشرقي سواء كانوا تركًا أو صغدًا أو من عاونهم وقد جرّد لهم الجيوش القوية وخاض المسلمون في عهده غمار حروب دامية هناك انتهت بانتصار المسلمين وهزيمة أعدائهم شرّ هزيمة ولو كان الخليفة يزيد غارقًا في اللهو والحب والهيام والغرام فكيف استطاع أن يحزم أمره ويواجه تلك المصاعب الداخلية والخارجية في آن واحد وأن يقود الأمة إلى برّ الأمان ويسلّمها إلى الخليفة الحازم العادل من بعده هشام بن عبد الملك؟ ولا نقول أكثر من هذا في ردّ هذه الشبهة.\nثانيًا: التغييرات الإدراية (من عزل وتنصيب) والتي قام بها يزيد بن عبد الملك كانت هادفة وفي مصلحة الأمة كما سنبين:\nتذكر المصادر التأريخية كما بيّنا آنفًا أن بزيد بن عبد الملك أمر بعزل سعيد المعروف بخذينة ونصب مكانه سعيد بن عمرو الحرشي واليًا على خراسان وكان سعيد هذا بطلًا من أبطال الفتح المشهورين فانزعج منه الترك وخافوه خوفًا شديدًا وتقهقروا من بلاد الصفد إلى ما وراء ذلك من بلاد الصين وغيرها (انظر البداية والنهاية ٧/ ٣٦٦).\nوهذا يعني أن الإداري الجديد أزاح خطرًا كبيرًا عن حدود الخلافة الإسلامية آنذاك.\nثم إن يزيد بن عبد الملك أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك على رأس جيش كبير لدحر تمرد يزيد بن المهلب وإخماد نار الفتنة في العراق وما جاورها ففعل ذلك بنجاح فولّاه العراق حتى هدأت الأوضاع هناك ثم عزله في نهاية سنة (١٠٢ هـ). =","vol":"4","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بعد أن خمدت نار الفتنة والمعروف عن مسلمة أنه قائد عسكري يستطيع أن يدير الولاية في حالات الطوارئ والحرب وكذلك ولّاه من بعد يزيدًا أخوه هشام مرارًا قيادة الجيوش الفاتحة أي أن يزيدًا كان يضع الرجل المناسب في المكان المناسب.\nوهذا مثال ثالث: فالمصادر التأريخية تذكر أن الخليفة يزيد بن عبد الملك عزل والي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك لهفوة بدت منه وعيّن مكانه عبد الواحد النضري والذي أبدى بدوره سيرة حسنة في الناس وعدلًا وتسامحًا وكان يشاور في أمره كله علماء المدينة يومها من أمثال القاسم وسالم [وانظر الطبري ٧/ ١٤] وأخيرًا فإن الخلفاء من قبل يزيد ومن بعده عزلوا وعيّنوا مرارًا لمصلحة راجحة بدت لهم فكان ماذا؟\nثالثًا: على عكس ما تصوره الروايات الملفقة فإن الروايات التأريخية الصحيحة تبيّن أن الخليفة يزيد بن عبد الملك كان يجالس العلماء ويحضر حلقات دروسهم ويتواضع لهم فقد روى الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: بينما نحن عند مكحول إذ أقبل يزيد بن عبد الملك فهممنا أن نوسع له فقال مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس يتعلم التواضع [البداية والنهاية ٧/ ٣٦٩] [ابن عساكر ١٨/ ٣٣٩].\nرابعًا: إن جيوش الخلافة في عهد أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك كانت تدك قلاع الكفر شرقًا وغربًا وتفتح الأقاليم أمام الدعوة الإسلامية وتلك من مزايا يزيد بن عبد الملك الحسنة رحمه الله تعالى ففي عهده أغزى بشر بن صفوان (والي إفريقية) عمرو بن فاتك الكلبي في البحر فغنم وسلم وذلك سنة أربع ومئة (تأريخ خليفة / ٣٣٨) وفي عهده غزا القائد الفاتح الجراح الحكمي حدود أرمينية وفتح الله على يديه (بلنجر) وهزم ابن خاقان الترك في معركة ضارية على نهر أرّان ثم صالح أهلها وسار نحو ورثان في حدود أذربيجان (خليفة / ٣٣٨) وتوغّل الجراح في تلك البلاد حتى أتى مدائن من وراء بلنجر ففتح بعضها وأجلى بعضها وذلك سنة (١٠٥) هـ وانظر خليفة (٣٣٩) ولقد تحدثنا عن هذه المعارك أثناء تخريجنا لروايات الطبري المتعلقة بعهد الخليفة يزيد فلا داعي للتكرار أكثر من ذلك.\nخامسًا: لماذا لم يحافظ يزيد بن عبد الملك على المستوى الرفيع الذي رجعت إليه إدارة الخلافة أيام ابن عبد العزيز؟\nصحيح أن يزيد بن عبد الملك لم يحافظ على ذلك المستوى اللائق بالخلافة ولكن لماذا؟\nأما قول من قال بأن يزيد بن عبد الملك عمد إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز من قبله مما لا يوافق هواه فردّه فهذا غير صحيح وبحثت عن أصل هذا القول فوجدته عند البلاذري وقد أخرجه من طريق المدائني عن أبي جزي وأبو جزي هذا متروك كذاب [قال فيه ابن معين: من المعروفين بالكذب ووضع الحديث وقال النسائي والرازي والدارقطني: متروك. وقال الفلاس: أجمع أهل العلم بالحديث أنه لا يروى عن جماعة أحدهم نصر بن طريق (أبي جزي) وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وقال أحمد لا يكتب حديثه! ! ! فبالله عليكم =","vol":"4","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كيف يعتمد على كذاب وضاع متروك في إثبات هذه التهمة؟؟؟\nولقد أراد الرجل أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز في بداية عهده ولكنه توقف وأخفق فلم يكن صاحب همة عالية كسلفه ولم يكن وازع التقوى عنده قويًّا كسلفه أضف إلى ذلك أن ابتعاد العلماء عن مجلس حكمه كان عاملًا آخر يضاف إلى العوامل الأخرى، والحق يقال فإن عمر بن عبد العزيز لم يرتفع إلى ذلك المستوى الرفيع بجهوده الفردية، وإنما كان حوله كوكبة من العلماء والقضاة شكلوا بطانة صالحة ومجلس شورى يعينونه على العدل والإحسان وإنصاف المظلوم، والحق يقال فإن التأريخ السياسي الإسلامي ليس تأريخ أسرة بعينها [أموية كانت أو عباسية] وإنما هو تأريخ الأمة بأسرها؛ شارك في تسطير صفحاته العلماء والأمراء والسواد الأعظم من ورائهم.\nوخلاصة القول: إن الخليفة يزيد بن عبد الملك كان شديدًا على أعداء الله في الخارج، وشديدًا على الخوارج وغيرهم من أهل البدع في الداخل؛ فلا غرابة أن ينسج المتروكون من أهل البدع روايات وأغاليط في مثالبه وينشروها بين الناس حتى تصل إلى أسماع الأخباريين الذين كان همّهم الجمع سامحهم الله دون تمييز الروايات إلى غث وسمين والله المستعان.\nولا ذنب للرجل في كل ما اتهموه به سوى أنه جاء من بعد خليفة عادل أطبقت شهرته الآفاق- وأراد يزيد أن يسلك مسلك سلفه ولكنه لم يستطع أن يرتفع إلى ذلك الأفق الرفيع الذي بلغه عمر بن عبد العزيز ولكنه كذلك لم يتدنّى إلى ذلك المستوى الهابط كما تصوره روايات التالفين الهالكين.\nوهذا مثال آخر يؤكد ما قلنا - فقد ارتفعت قيادة الأمة مرة أخرى في عهد هشام بن عبد الملك إلى مستوى مرموق لعدّة عوامل منها همة الخليفة هام وحزمُهْ وإرادته القوية إضافة إلى كوكبة من العلماء البارزين أحاطوا به كالسوار أو انبروا للتربية والتعليم الطوعي والمنظم فالزهري لازمه طيلة حكمه والحسن البصري كان موجهًا للجماهير في البصرة وميمون بن مهران في الجزيرة وغير واحد في الحجاز كما سنذكر في حينه- أمّا في عهد يزيد بن عبد الملك فإنه كان يتودد إلى العلماء ويحضر حلقات دروسهم ولكنهم يبتعدون عنه ولعلَّ قرابته من الحجاج أخافت الناس والعلماء فابتعدوا عنه ولعل أسبابًا أخرى، ولكن لله ثم للتأريخ نقول: إن ابتعاد العلماء عن مجلسه كان عاملًا آخر أوهن في عزيمة يزيد وبدلًا من العلماء أحاط به بعض الوصوليين الذين لم يعينوه على ما أعين عليه ابن عبد العزيز وهذه أسباب من القدر الكوني التأريخي: أخرج يعقوب بن سفيان البسوي من طريق سعيد عن ضمرة عن رجاء قال: قدم يزيد بن عبد الملك إلى بيت المقدس فأراد رجاء بن حيوة على أن يصحبه فأبى واستعفى- فقال له عقبة بن وساج: إن الله ينفع بمكانك قال إن أولئك الذين تريدون قد ذهبوا\". [المعرفة والتأريخ ٢/ ٣٧٠] علمًا بأن يزيد كان يتودد إلى رجاء ويجزل له العطاء فقد أخرج يعقوب بن سفيان قال: حدئني سعيد بن أسد قال حدثنا ضمرة عن رجاء بن =","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>خلافة هشام بن عبد الملك</span>\nوفي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان منها وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر.\nحدثني عمر بن شبة قال: حدثني علي قال: حدثنا أبو محمد القرشي وأبو محمد الزيادي والمنهال بن عبد الملك وسحيم بن حفص العجفي قالوا: ولد هشام بن عبد الملك عام قُتل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين (١).\n_________\n= أبي سلمة قال: كان يزيد بن عبد الملك يجري على رجاء بن حيوة ثلاثين دينارًا في كل شهر .... إلخ. [المعرفة والتأريخ ٢/ ٣٧٠] وقد أخرج ابن عساكر من طريقين عن محمد بن سلام وإبراهيم بن يعقوب (واللفظ لإبراهيم) قال كتب يزيد بن عبد الملك إلى هشام أخيه: أما بعد فإنه بلغ أمير المؤمنين أنك استبطأت حياته وتمنّيت وفاته، ونحلت قولًا للخلافة وذلك فيك فاعلمن أنه ليس ذلك الذين عهد إلينا عبد الملك وأمرنا به ووصّانا، أمرنا بالتواصل والتزاور والاجتماع إن الفرقة شين. قال فكتب إليه جوابًا لكتابه:\nأما بعد فإن هذا زمان الغدر والعيش الكدر نشأت فيه ناشئة ابتغوا الرزق من كل ناحية ووضعوا له الأبواب وارتقوا إليه بالأسباب والله ما حدثت نفسي بهذا في سرّ ولا علانية بل جعل الله يومي قبل يومك وولدي قبل ولدك فلا خير في العيش بعدك\" [تأريخ دمشق / مجلد ٦٥ / ص ٣٠٦]. وهذا يعني أن بطانة سيئة حاولت أن توقع بينه وبين أخيه وتزيّن له ما لا يُحمد عقباه مما ذكر هشام وهذا يذكّرنا بأصل من أصول التفسير الإسلامي للتأريخ والذي ورد في السنة النبوية حول البطانة الصالحة والبطانة السيئة والله أعلم.\nومع كل ذلك فلا زالت الأمة يومها بخير، ولقد كان كثير من الولاة والقضاة والقادة والعلماء على درجة عالية من اليقظة والورع والتقوى، وقد أخرج البلاذري من طريق الأخباري الصدوق المدائني عن المفضل بن فضالة قال: بعث ابن هبيرة إلى الحسن والشعبي فاجتمعا عنده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك عبد من عباد الله أخذ عهده لهم وأعطوه عهودهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه أمور لا أجد من إنفاذها بدًّا، والحسن ساكت فقال له: ما تقول يا أبا سعيد؟ قال: إن الله مانعك من يزيد، وإن يزيدًا غير مانعك من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك أمر من السماء فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فلا يوسعه إلا عملك. يابن هبيرة إني أنهاك عن الله أن تتعرض له، فإن الله إنما جعل السلطان ناصرًا لدين الله وعباده فلا تركبوا عباد الله بسلطان الله فتذلوهم وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. [كتاب جمل من أنساب الأشراف / ٨/ ٣٤٦٢].\n(١) وكذلك أرخ خليفة لتولية هشام بن عبد الملك منصب الخلافة [تاريخ خليفة / ٢١٣] وقال =","vol":"4","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>ذكر ولاية خالد القسري على العراق</span>\nوفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق وما كان إليه من عمل المشرق وولّى ذلك كله خالد بن عبد الله القسري في شوال.\nذكر عبد الرزاق أنّ حماد بن سعيد الصنعانيّ أخبره قال: أخبرني زياد بن عبيد الله. قال: أتيت الشّأم، فاقترضت؛ فبينا أنا يومًا على الباب -باب هشام - إذ خرج عليّ رجل من عند هشام، فقال لي: ممّن أنت يا فتى؟ قلت: يمانٍ، قال: فمن أنت؟ قلت: زياد بن عبيد الله بن عبد المَدان، قال: فتبسم، وقال: قم إلى ناحية العسكر فقل لأصحابي: ارتحلوا فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عني، وأمرني بالمسير، ووكّل بي من يخرجني قال: قلت: مَنْ أنت يرحمك الله؟ قال: خالد بن عبد الله القسريّ، قال: ومُرْهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابي وبرذوني الأصفر. فلما جُزْت قليلًا ناداني، فقال: يا فتى، وإن سمعت بي قد وُلّيت العراق يومًا فالحق بي. قال: فذهبتُ إليهم، فقلت: إنّ الأمير قد أرسلني إليكم بأنّ أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ وأمره بالمسير. فجعل هذا يحتضنني وهذا يقبِّل رأسي، فلما رأيتُ ذلك منهم، قلت: وقد أمرني أن تعطوني منديل ثيابه وبِرْذونه الأصفر، قالوا: إي والله وكرامةً، قال: فأعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، فما أمسى بالعسكر أحد أجودَ ثيابًا منّي، ولا أجودَ مركبًا منّي. فلم ألبث إلا يسيرًا حتى قيل: قد وُلِّيَ خالد العراق، فركبني من ذلك همّ. فقال لي عريف لنا: ما لي أراك مهمومًا! قلت: أجل قد وُلّي خالد كذا وكذا، وقد أصبتُ ها هنا رُزَيقًا عشت به، وأخشى أن أذهب إليه فيتغيَّر عليَّ فيفوتني ها هنا وها هنا، فلست أدري كيف أصنع! فقال لي: هل لك في خصلة؟ قلت: وما هي؟ قال: توكّلني بأرزاقك وتخرج، فإن أصبتَ ما تحبّ فلي أرزاقك، وإلّا رجعتَ فدفعتها إليك، فقلت نعم.\n_________\n= الذهبي \"وبويع لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومئة\" ثم نقل الذهبي قول أبي أحمد الحاكم: استخلف وعمره أربع وثلاثون سنة\" [تأريخ الإسلام المجلد السابق / ٢٨٢].\nوقال ابن كثير: بويع له بالخلافة يوم الجمعة بعد موت أخيه لخمس بقين من شعبان من هذه السنة -أعني سنة خمس ومئة- وله من العمر أربع وثلاثون سنة وأشهر لأنه ولد لما قتل أبوه عبد الملك مصعب بن الزبير في سنة ثنتين وسبعين. [البداية والنهاية ٧/ ١٨٥].","vol":"4","page":275},{"text":"وخرجت، فلما قدمت الكوفة لبست من صالح ثيابي، وأذن للناس، فتركتُهم حتى أخذوا مجالسَهم، ثم دخلت فقمت بالباب، فسلمت ودعوت وأثنيت، فرفع رأسه، فقال: أحسنت بالرّحب والسعة، فما رجعتُ إلى منزلي حتى أصبت ستمئة دينار بين نَقْد وعَرَض.\nثم كنت أختلفُ إليه، فقال لي يومًا: هل تكتب يا زياد؟ فقلت: أقرأ ولا أكتب، أصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك، وبقي لك واحدة فيها غنى الدّهر قال: قلت: أيها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قال: وماذا حينئذ! قلت: تشتري غلامًا كاتبًا تبعث به إليّ فيعلمني، قال: هيهات! كبرتَ عن ذلك. قال: قلت: كلّا، فاشترى غلامًا كاتبًا حاسبًا بستين دينارًا، فبعث به إليّ. فأكببتُ على الكتاب، وجعلت لا آتيه إلا ليلًا، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبتُ ما شئت وقرأت ما شئت. قال: فإنّي عنده ليلةً، إذ قال: ما أدري هل أنجحت من ذلك الأمر شيئًا؟ قلت: نعم، أكتب ما شئت، وأقرأ ما شئت، قال: إنِّي أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذكونه، فإذا طومار، فقال: اقرأ هذا الطومار، فقرأت ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الريّ، فقال: اخرج فقد ولّيتك عملَه، فخرجت حتى قدمت الرّيّ، فأخذت عامل الخراج، فأرسل إليّ: إن هذا أعرابيّ مجنون، فإنّ الأمير لم يولّ على الخراج عربيًّا قطّ، وإنما هو عامل المعونة، فقل له: فليقرّني على عملي وله ثلثمئة ألف، قال: فنظرتُ في عهدي، فإذا أنا على المعونة، فقلت: والله لا انكسرت، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتني على الرّيّ، فظننت أنك جمعتها لي. فأرسل إليّ صاحب الخراج أن أقرّه على عمله ويعطيني ثلثمئة ألف درهم، فكتب إليَّ أن اقبل ما أعطاك، واعلم أنّك مغبون، فأقمت بها ما أقمت، ثم كتبت: إني قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولّاني الشرطة (١).\n_________\n(١) الخبر أخرجه بطوله البلاذري قال: حدثنا بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن حماد بن سعيد الصنعاني عن زياد بن عبيد الله قال: أتيت الشام .... إلى آخر الخبر مع اختلاف في الألفاظ والأسماء كقوله قلت \"رجل من اليمن أنا زياد بن عبيد الله بن عبد الله الحارثي [جمل من =","vol":"4","page":276},{"text":"وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن عبد الله النَضْريّ وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكِنديّ، وعلى قضاء البَصْرة موسى بن أنس. وقد قيل إنّ هشامًا إنما أستعمل خالد بن عبد الله القسريّ على العراق وخراسان في سنة ست ومئة، وإن عامله على العراق وخراسان في سنة خمس ومئة كان عمر بن هبيرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>ثم دخلت سنة ست ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nففي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله النضْري وعن مكة والطائف، وولّى ذلك كله خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة ست ومئة، فكانت ولاية النَّضْريّ على المدينة سنة وثمانية أشهر (٢).\nوفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة.\nوفيها غزا (الحجاج بن عبد الملك) اللّان، فصالح أهلَها، وأدّوا الجزْية (٣).\nوفيها ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب.\n_________\n= أنساب الأشراف / المجلد التاسع / ص ٣٦٧٥ - ٣٦٧٦] وأما عبد الرزاق فهو الإمام المصنف وحماد بن سعيد الصنعاني قال الذهبي في ترجمته: ما أرى به بأسًا [الميزان مع ذيل الميزان / تر ٢٥٠١].\n(١) راجع قوائم العمال والقضاة في نهاية عهد هشام وأما قول الطبري \"وقد قيل إن هشامًا إنما استعمل خالد بن عبد الله القسري على العراق وخراسان في سنة ست ومئة، فقد ذهب إليه بعض المؤرخين المتقدمين كخليفة بن خياط (تأريخ خليفة / ٢١٧) والإمام المتأخر (الذهبي) تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ١٤].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام بن عبد الملك.\n(٣) وهذا تصحيف والصواب الجراح بن عبد الله. وقال خليفة متحدثًا عن وقائع سنة (١٠٦ هـ) وفيها غزا سعيد بن عيد الملك أرض الروم (تأريخ خليفة / ٢١٧) وقال: فحدثني أبو خالد عن أبي براء النميري قال أوغل الجراح بن عبد الله الحكمي في ارض الخزر فصالحته اللان وأعطوه الجزية والخراج (خليفة / ٢١٦).","vol":"4","page":277},{"text":"وفيها مات الإمام طاووس مولى بحير بن رَيسان الحميريّ بمكة وسالم بن عبد الله بن عمر، فصلّى عليهما هشام. وكان موت طاووس بمكة وموت سالم بالمدينة (١).\nوفيها استقضى إبراهيم بن هشام: محمد بن صفوان الجمحي ثم عزله واستقضى الصلت الكندي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[خبر غزو مسلم بن سعيد الترك]</span>\nوفي هذه السنة غزا مسلم بن سعيد الترك فورد عليه عزله من خراسان من خالد بن عبد الله وقد قطع النهر لحربهم وولاية أسد بن عبد الله عليها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>حجّ هشام بن عبد الملك</span>\nوحجّ بالناس في هذه السنة هشام بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن\n_________\n(١) قال خليفة بن خياط وفي سنة ست ومئة مات طاووس بن كيسان وصلى عليه هشام بن عبد الملك [تاريخ خليفة / ٢١٧] وذكر الذهبي ضمن أسماء من توفي في هذه السنة كلًّا من طاووس الكيساني وسالم بن عبد الله بن عمر [تأريخ الإسلام / حوادث ووفيات ١٠١ - ١٢٠ هـ].\n(٢) انظر قوائم القضاة في آخر عهد هشام بن عبد الملك.\n(٣) وكذلك قال خليفة فيها (١٠٦ هـ) غزا مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة فرغانة فلقيه الزحف من الترك فقتل ابن أخي خاقان وجماعة من المشركين وذلك في ولاية ابن هبيرة ثم قدم خالد بن عبد الله القسري واليًا على العراق فولّى خالد أخاه أسد بن عبد الله على خراسان ولقي مسلم بن سعيد وقفل بالجيش وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة ست ومئة [تأريخ خيفة / ٢١٦].\nوقال الذهبي وفيها (١٠٦ هـ) غزا مسلم بن سعيد بن أسلم فرغانة فلقيه ابن خاقان في جمع كبير من تركستان فقتل ابن أخي خاقان في طائفة كبيرة (تأريخ الإسلام / وفيات وحوادث ١٠١ - ١٠٢ هـ / ١٤].\nولقد ذكر الطبري رواية طويلة [٧/ ٣٢ - ٣٥] من طريق المدائني عن أشياخه وكان علينا أن نذكرها هنا في قسم الصحيح من باب التساهل في رواية التأريخ وبالشروط التي ذكرنا في المقدمة ولكن بها نكارات ولم نجد ما يؤيد تفاصيلها من طريق آخر والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":278},{"text":"ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره لا خلاف بينهم في ذلك (١).\nوفي هذه السنة قدم خالد بن عبد الله القسري أميرًا على العراق (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>ولاية أسد بن عبد الله القشري على خراسان</span>\nوفيها استعمل خالد أخاه أسد بن عبد الله أميرًا على خراسان (٣).\nوكان العامل على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي وعلى العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسري وعامل خالد على صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى وعلى شرطتها مالك بن المنذر بن الجارود وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس وعلى خراسان أسد بن عبد الله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>ثم دخلت سنة سبع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها غزا الصائفة معاوية بن هشام وعلى جيش الشأم ميمون بن مهران فقطع البحر حتى عبر إلى قبرص وخرج معهم البعث الذي كان هشام أمر به في حجته سنة ست فقدموا في سنة سبع على الجعائل غزا منهم نصفهم وقام النصف وغزا البر مسلمة بن عبد الملك (٥).\n_________\n(١) وقال خليفة ضمن حديثه عن أحداث سنة (١٠٦ هـ) وأقام الحج هشام بن عبد الملك (تأريخ خليفة / ٢١٧).\nوقال الذهبي: وفيها حجّ بالناس خليفة الوقت هشام والله أعلم (تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ١٥].\nوسنتحدث عن حجته هذه إن شاء الله عند الحديث عن سيرة هشام.\n(٢) وانظر خليفة فقد وافق الطبري في هذا [تأريخ خليفة / ٢١٦] وانظر تأريخ الإسلام للذهبي / المجلد السابق / ١٤].\n(٣) وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة / ٢١٦].\n(٤) انظر قوائم العمال والولاة والقضاة في آخر عهد هشام.\n(٥) وكذلك قال خليفة نقلًا عن ابن الكلبي - وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فبلغ عسكره =","vol":"4","page":279},{"text":"وفيها وقع بالشأم طاعون شديد (١).\nوفي هذه السنة غزا أسد جبال نمرون ملك الفرشتان مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يديه فهم اليوم يتولون اليمن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>[غزو الغُور]</span>\nوفيها غزا أسد الغور وهي جبال هراة (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وهشام وغيرهما (٤).\nوكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها الذين ذكرناهم قبل في سنة ستة مئة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>ثم دخلت سنة ثمان ومئة</span>\nففيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك حتى بلغ قيسارية مدينة الروم مما يلي الجزيرة فتحها الله على يديه.\nوفيها أيضًا غزا إبراهيم بن هشام ففتح أيضًا حصنًا من حصون الروم (٦).\n_________\n= (مختصرًا) [تأريخ خليفة / ٢١٧] وكذلك قال ابن الجوزي (المنتظم ٧/ ١١٧) وابن كثير [البداية والنهاية ٧/ ١٨٦].\n(١) وقال خليفة: وفي ذلك العام وقع طاعون شديد بالشام (تأريخ خليفة ٢١٧) وكذلك قال ابن الجوزي (المنتظم ٧/ ١١٧).\n(٢) كذلك قال ابن الجوزي في المنتظم [٧/ ١١٧] وابن كثير [البداية والنهاية ٧/ ١٨٦].\n(٣) ولكن خليفة جعلها ضمن أحداث سنة (١٠٨) هـ[تأريخ خليفة / ٢١٨] وأوردها (الغزوة) ابن الأثير كالطبري ضمن أحداث سنة (١٠٧ هـ) الكامل.\n(٤) هكذا نقل الطبري عن أبي معشر والواقدي وهشام وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢١٧].\n(٥) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٦) وكذلك قال ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٢٠) وابن كثير (٧/ ١٩٠) وقال خليفة وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة اليمني (تأريخ خليفة / ٢١٨) وقال الذهبي (وفيها غزا ولد =","vol":"4","page":280},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي.\nوكان العمال في هذه السنة على الأمصار في الصلاة والحروب والقضاء هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>ثم دخلت سنة تسع ومئة ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nفما كان فيها من ذلك غزوة عبد الله بن عقبة بن نافع الفهري على جيش في البحر وغزوة معاوية بن هشام أرض الروم ففتح حصنًا بها يقال له طيبة له وأصيب معه قوم من أهل أنطاكية (٢).\nوفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن خراسان وصرف أخاه أسدًا عنها (٣).\nفلما تعصّب أسد وأفسد الناس بالعصبية كتب هشام إلى خالد بن عبد الله: اعزل أخاك. فعزله (٤).\n_________\n= الخليفة معاوية بن هشام أرض الروم) [تأريخ الإسلام / ١٨].\n(١) وانظر قوائم الولاة والعمال في نهاية عهد هشام.\n(٢) هكذا قال الطبري (طيبة) وقال خليفة وفيها (١٠٩) غزا معاوية بن هشام أرض الروم وافتتح حصنًا يقال له الغطاسين (تأريخ خليفة / ٢١٩) وفي الكامل لابن الأثير (طيبة) [الكامل ٥/ ١٤٥]- وكذلك قال ابن الجوزي (المنتظم ٧/ ١٣١).\n(٣) بينما ذكر خليفة أن ذلك العزل حصل سنة ١٠٨ هـ[تأريخ خليفة / ٢٣٣] ذكر ابن الجوزي ذلك ضمن أحداث سنة (١٠٩ هـ) تبعا للطبري كعادته [المنتظم ٧/ ١٣٩].\n(٤) لقد قال الطبري هذا الكلام بعد رواية استغرقت الصفحات (٧/ ٤٧ - ٤٨ - ٤٩) نقلًا عن المدائني وذكرنا الرواية في قسم المسكوت عنه ولم نجد لتفاصيله ما يؤيده إلّا أن خلاصة الرواية وأصلها أن أسدًا اتبع سياسة سيئة في أهل خراسان وأظهر فيها العصبية فعزله هشام بن عبد الملك ولهذا في الأصل ما يؤيده كما سنذكر رواية في ذلك بإسناد حسن وذلك ضمن أحداث سنة ١٢٠ هـ إن شاء الله عند الحديث عن عزل خالد بن عبد الله القسري عن العراق.","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>ولاية أشرس بن عبد الله على خراسان</span>\nوفي هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس بن عبد الله السُّلميّ، فذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذيّال العدويّ ومحمد بن حمزة، عن طرخان ومحمد بن الصلت الثقفيّ أن هشام بن عبد الملك عزل أسد بن عبد الله عن خراسان، واستعمل أشرس بن عبد الله السُّلميّ عليها، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسريّ - وكان أشرس فاضلًا خيّرًا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم - فسار إلى خُراسان، فلما قدمها فرحوا بقدومه، فاستعمل على شُرطته عميرة أبا أمية اليشكريّ ثم عزله وولّى السمط، واستقضى على مرْو أبا المبارك الكنديّ. فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتل بن حيَّان، فأشار عليه مقاتل بمحمد بن زيد فاستقضاه، فلم يزل قاضيًا حتى عزل أشرس (١).\nوحجّ في هذه السنة إبراهيم بن هشام كذلك حدثني أحمد بن نابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وغيره (٢).\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام وعلى البصرة والكوفة خالد بن عبد الله وعلى الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة اليزني وعلى شرطتها بلال بن أبي بردة وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله الأنصاري من قبل خالد بن عبد الله وعلى خراسان أشرس بن عبد الله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>ثم دخلت سنة عشر ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك التّرك؛ سار إليهم نحو باب اللّان حتى لقيَ خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريبًا من شهر، وأصابهم مطر\n_________\n(١) أما المدائني فصدوق وكذلك أبو الذيال العدوي - وقال خليفة ثم عزله هشام (أي عزل أسدًا) سنة ثمان ومئة وولّى أشرس بن عبد الله السلمي ثم عزله سنة ثلاث عشرة ومئة (تأريخ خليفة / ٢٣٣) وذكر ابن الجوزي تولية الأشرس ضمن أحداث سنة ١٠٩ - (المنتظم ٧/ ١٣١).\n(٢) وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة / ٢١٩) وابن كثير (البداية والنهاية ٧/ ١٩٠).\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الخليفة هشام.","vol":"4","page":282},{"text":"شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مَسْلمة فسلك على مسجد ذي القرنين (١).\nوفيها غزا - فيما ذكر - معاوية بن هشام أرض الروم ففتح صماله وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري وكان على جيش البحر فيما ذكر الواقدي - عبد الرحمن بن معاوية بن خديج (٢).\nقال عليّ: وخرج أشْرس غازيًا فنزل آمُل، فأقام ثلاثة أشهر، وقدّم قطَن بن قُتَيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل الصُّغْد وأهلُ بُخارى؛ معهم خاقان والترك، فحصروا قطَن بن قتيبة في خَنْدقه، وجعل خاقان ينتخب كلّ يوم فارسًا، فيعبرُ في قطعة من الترك النهر. وقال قوم: أقحموا دوابَّهم عُرْيًا، فعبروا وأغاروا على سرْح الناس، فأخرج أشرس ثابت قُطْنة بكفالة عبد الله بن بِسْطام بن مسعود بن عمرو، فوجّهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بآمُل حتى استنقذوا ما بأيديهم؛ ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين، ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلًا يقال له مسعود - أحد بني حَيّان - في سريّة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فأصيب رجال من المسلمين وهزِم مسعود؛ حتى رجع إلى أشرس، فقال بعض شعرائهم:\nخابَتْ سَرِيَّة مَسْعُودٍ وما غَنِمَتْ ... إلا أَفانِينَ من شَدٍّ وتَقْريبِ\n_________\n(١) هكذا قال الطبري وقال خليفة عن أبي خالد (ضعيف) عن أبي البراء النميري قال: قصد مسلمة إلى تلميس فلقي طاغية الخزر في جمع كثير قريبًا من الباب فاقتتلوا أيامًا كثيرة ثم هزمهم الله وذلك يوم الخميس لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة عشر ومئة (تاريخ خليفة / ٢١٩) ثم قال خليفة نقلًا عن أبي البراء أنه قال: حدثني عبد الله بن أسيد الكلابي أن مسلمة قفل من باب اللّان فلقيه الخزر فناوشوه حتى حجز بينهم الليل وقفل مسلمة سالمًا (تأريخ خليفة / ٢١٩) ونقل خليفة عن ابن الكلبي كذلك أنه قال: كان قتال مسلمة إياهم نحوًا من شهر في مطر شديد ثم هزمهم الله (تأريخ خليفة / ٢١٩) وقال ابن الجوزي ما قاله الطبري كعادته ولكن دون ذكر لمسجد ذي القرنين (المنتظم ٧/ ١٣٥) وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٠) [تأريح الإسلام / ٢٠].\n(٢) قال خليفة: وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم وافتتح حصنين من حصونهم صملة والبوة [تأريح خليفة / ٢١٩] وذكر ابن الجوزي ما ذكره الطبري (المنتظم ٧/ ١٣٥) وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٠) وانظر تأريخ الإسلام للذهبي [المجلد السابق / ٢١].","vol":"4","page":283},{"text":"حَلُّوا بأَرضٍ قِفَارٍ لا أَنِيسَ بها ... وَهُنَّ بالسَّفح أمثالُ اليعاسيبِ\nوأقبل العدوّ، فلما كانوا بالقرب لقيَهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جَوْلة، فقتل في تلك الجوْلة رجال من المسلمين، ثم كرّ المسلمون وصبروا لهم، فانهزم المشركون، ومضى أشرس بالناس؛ حتى نزل بيكند، فقطع العدوّ عنهم الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم، فأصبحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم يُنبطوا، وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التي قطعوا عنهم المياه منها، وعلى مقدّمة المسلمين قطن بن قُتيبة، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمئة، وعجز الناس عن القتال، ولم يبقَ في صفّ الرّباب إلا سبعة، فكاد ضرار بن حصين يؤسَرُ من الجهد الذي كان به، فحضّ الحارث بن سُريج الناس، فقال: أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرًا عند الله من الموت عطشًا. فتقدّم الحارث بن سُريج وقَطَن بن قُتيبة وإسحاق بن محمد، ابن أخي وكيع في فوارس من بني تميم وقيس، فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا وارتووا.\nقال: فمرّ ثابت قُطنة بعبد الملك بن دثار الباهليّ، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في آثار الجهاد؟ فقال: أنظرني ريثما أغتسل وأتحنّط، فوقف له حتى خرج ومضيا، فقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقُتِل ثابت في عدّة من المسلمين؛ منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبديّ وعبد الملك بن دثار الباهليّ والوجيه الخُراسانيّ والعقّار بن عقبة العوديّ. فضمّ قطن بن قتيبة وإسحاق بن محمد بن حسان خيلًا من بني تميم وقيس؛ تبايعوا على الموست، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم فكشفوهم؛ وركبهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى حجزهم الليل، وتفرّق العدوّ. فأتى أشرس بُخارى فحصر أهلها (١).\nقال عليّ بن محمد، عن عبد الله بن المبارك: حدّثني هشام بن عُمارة بن\n_________\n(١) هذا الخبر أخرجه الطبري من طريق المدائني الذي لم ينسبه إلى أحدٍ من شيوخه والروايات التالية المسندة والموصولة منها تتعاضد معًا لتؤكد أصل القصة والله أعلم.","vol":"4","page":284},{"text":"القعقاع الضبيّ عن فُضيل بن غَزْوان، قال: حدّثني وجيه البُنانيّ ونحن نطوف بالبيت، قال: لقيَنا الترك، فقتلوا منّا قومًا، وصُرعتُ وأنا أنظر إليهم، يجلسون فيستقُون حتى انتهوا إليّ، فقال رجل منهم: دعوه فإن له أثرًا هو واطئه، وأجلًا هو بالغُه؛ فهذا أثر قد وطئته، وأنا أرجو الشهادة. فرجع إلى خراسان؛ فاستشهد مع ثابت (١).\nقال: فقال الوازع بن مائق: مرّ بي الوجيه في بغلين يوم أشرس، فقلت: كيف أصبحت يا أبا أسماء؟ قال: أصبحتُ بين حائر وحائز؛ اللهمّ لفّ بين الصفين؛ فخالط القوم وهو متنكّب قوسه وسيفه، مشتمل في طَيلسان واستُشهد، واستُشهد الهيثم بن المنخّل العبديّ (٢).\nقال عليّ، عن عبد الله بن المبارك، قال: لما التقى أشرس والترك، قال ثابت قُطْنة: اللهمّ إنّي كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفَك الليلة؛ والله لا ينظر إليّ بنو أمية مشدودًا في الحديد؛ فحمل وحمل أصحابُه، فكذب أصحابُه وثبت؛ فرُمِيَ بِرْذونه فشبّ، وضربه فأقدم، وضُرب فارتُثّ: فقال وهو صريع: اللهمّ إني أصبحتُ ضيفًا لابن بسطام، وأمسيت ضيفك؛ فاجعل قِرايَ من ثوابك الجنة (٣).\nوفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بُردة؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء (٤).\n_________\n(١) أما المدائني فصدوق وابن المبارك هو الإمام الثبت الثقة وهشام بن عمارة ترجم له ابن أبي حاتم وقال روى عنه ابن المبارك وذكره ابن حبان في الثقات وفضيل بن غزوان ثقة من كبار السابعة توفي بعد ١٤٠ هـ.\n(٢) لم يبيّن الطبري من روى هذا الخبر عن الوازع هل هو الفضيل بن غزوان أم المدائني ولكن أصل الخبر من استبسال وجيه البناني واسثشهاده يؤيده الخبر.\n(٣) وهذه هي الرواية الرابعة ذكرها الطبري من طريق المدائني عن الإمام المحدث ابن المبارك وقد أرسله ابن المبارك (هنا) والمتن يؤيد ما ذكره المدائني في الرواية (٥٥) معضلًا من استبسال ثابت فطنة واستشهاده رحمه الله تعالى والروايات بمجموعها تتعاضد والله أعلم.\n(٤) انظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد هشام.","vol":"4","page":285},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (١).\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خُراسان أشرس بن عبد الله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرَى وغزوة سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيساريّة (٣).\nوفيها ولّى هشام الجرّاح بن عبد الله الحكَمي على أرمينية (٤).\nوفيها عزل هشام أشرَس بن عبد الله السُّلميّ عن خُرسان، وولاها الجُنيدَ بن عبد الرحمن المرّيّ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>ذكر السبب الذي من أجله عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد</span>\nذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذّيال، قال: كان سببُ عزل أشرس أنّ\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة بن خياط (تاريخ خليفة / ٢١٩).\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٣) وكذلك قال خليفة وفيها غزا سعيد بن هشام الصائفة أيضًا مما يلي الجزيرة فبلغ قيسارية [تأريخ خليفة / ٢٢٠] والبداية والنهاية ٧/ ١٩٤ وابن الجوزي ٧/ ١٤٣ / المنتظم].\n(٤) وقال خليفة: وفيها عزل هشام بن عبد الملك أخاه مسلمة عن أرمينية وأذربيجان وولى الجراح بن عبد الله الحكمي الولاية الثانية [تأريخ خليفة / ٢٢٠].\n(٥) بينما ذكر خليفة أن هشام بن عبد الملك عزل أشرس عن خراسان وولاها الجنيد بن عبد الرحمن سنة (١١٣ هـ) [تأريخ خليفة / ٢٣٣] وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٤) والمنتظم لابن الجوزي (٧/ ١٤٣).","vol":"4","page":286},{"text":"شدّاد بن خالد الباهليّ شخص إلى هشام فشكاه، فعزله واستعمل الجُنَيد بن عبد الرحمن، على خراسان سنة إحدى عشرة ومئة (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي وكان إليه من العمل في هذه السنة ما كان إليه في السنة التي قبلها وقد ذكرت ذلك قبل (٢).\nوكان العامل على العراق خالد بن عبد الله وعلى خراسان الجنيد بن عبد الرحمن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خَرْشنَة، وحرق فرنديّة من ناحية مَلَطيَة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>ذكر خبر قتل الجراح الحكمي</span>\nوفيها سار الترك من اللّان، فلقيهم الجرّاح بن عبد الله الحكَميّ فيمن معه من أهل الشأم وأذْرَبيجان، فلم يتتامّ إليه جيشُه، فاستُشهد الجرّاح ومن كان معه\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر من طريق المدائني (الأخباري الصدوق) عن أبي الذيال وهو مقبول كما قال ابن حجر - وأما عزل أشرس وتولية الجنيد من قبل الخليفة هشام فصحيح على اختلاف بين الطبري وخليفة في السنة أي هي (١١١ هـ) أم (١١٣ هـ) ولكن الغرابة في هذا المتن أن هشامًا عزل الأشرس بمجرد شكوى من شداد وهذا مخالف لطبع هشام الذي كان يتأنى في عزل الولاة حتى يتأكد من أمرهم والله أعلم.\n(٢) وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة / ٢٢٠) وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٤٣) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٤).\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٤) وذكر خليفة وفيها (١١٢ هـ) غزا معاوية بن هشام فافتتح خرشنة من ناحية ملطية [تأريخ خليفة / ٢٢٢] وكذلك قال ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٥٣) وابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٩٤).","vol":"4","page":287},{"text":"بمرج أردبيل؛ وافتتحت الترك أردبيل؛ وقد كان استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية (١).\nذكر محمد بن عمر أنّ الترك قتلت الجراح بن عبد الله ببلَنْجَر، وأن هشامًا لما بلغه خبرُه دعا سعيد بن عمرو الحَرَشيّ، فقال له: إنه بلغني أن الجرّاح قد انحاز عن المشركين. قال: كلّا يا أمير المؤمنين، الجرّاح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدوّ، ولكنه قُتِل، قال: فما الرأي؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دوابّ البريد؛ ثم تبعث إليّ كلّ يوم أربعين دابّة عليها أربعون رجلًا، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافونني. ففعل ذلك هشام.\nفذُكر أن سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثةَ جموع وفودًا إلى خاقان بمَنْ أسَروا من المسلمين وأهل الذمّة، فاستنقذ الحَرشيّ ما أصابوا وأكثروا القتل فيهم (٢).\n_________\n(١) هذه روايات عدة في تلك الوقعة الشديدة الوقع على المسلمين والتي قتل فيها خلق من المسلمين وفي مقدمتهم القائد الفاتح الشجاع الجراح بن عبد الله الحكمي مع عددٍ من الحفاظ ووجوه الناس ثم أنزل الله نصره على المسلمين بقيادة سعيد بن عمرو الحرشي الذي هزم الترك واسترد أسرى المسلمين من رجالٍ ونساء وقد ذكر الطبري هذا الخبر كما ترى تارة عن المدائني من قوله وتارة من طريق الواقدي صاحب المغازي وهو مجمع على ضعفه مع سعة علمه ولكن يؤيد ما ذكره الطبري ما ورد في تأريخ خليفة بن خياط وغيره.\n(٢) قال خليفة: وفيها زحف الجراح من برذعة سنة اثنتي عشرة ومئة، فقدم أذربيجان فعسكر في مرج سبلان، وفعقد عليه جسرًا فهو اليوم يدعى: جسر الجراح.\nقال أبو خالد: قال أبو براء: \"زحف الجراح سنة اثنتي عشرة ومئة إلى ابن خاقان وهو محاصر أهل أردبيل: فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل الجراح ﵀ لثمان بقين من شهر رمضان سنة اثنتي عشرة ومئة، وغلبت الخزر على أذربيجان وساحت خيولهم حتى بلغوا قريبًا من الموصل ونصبوا على أردبيل المجانيق وأهل أردبيل يقاتلونهم فلما طال عليهم الحصار أسلموها، ودخلها الخزر فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية.\nقال أبو خالد: قال أبو الخطاب: حدثني رجل من بني سليم قال: قتل الجراح بأرشق.\nقال أبو الخطاب: لما قتل الجراح وجَّهَ هشام بن عبد الملك سعيد بن عمرو الحرشي، ووجَّه معه فرسان العرب على البريد، فمضى سعيد بن عمرو حتى قدم برذعة.\nقال أبو خالد: قال أبو براء: حدثني عبد الله بن عبد الله العامري: أن سعيد بن عمرو الحرشي لقيَ ابن خاقان فبيَّتهم فقتلهم مقتلة عظيمة، وهرب طاغية الخزر وكتب بالفتح إلى هشام بن عبد الملك.\nقال ابن الكلبي: استشهد الجراح ومن معه بمرج أردبيل، وقد كان استخلف أخاه =","vol":"4","page":288},{"text":"وذكر عليّ بن محمد أنّ الجنيد بن عبد الرحمن قال في بعض ليالي حربه التّرك بالشِّعب: ليلةٌ كليلة الجراح ويومٌ كيومه؛ فقيل له: أصلحك الله! إن الجراح سير إليه فقُتِلَ أهل الحجى والحفاظ فجنّ عليه الليل فانسلّ الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بأذربيجان وأصبح الجراح في قلّة فقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>ذكر وقعة الجنيد مع الترك</span>\nوفي هذه السنة كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشِّعب. وفيها قتل سَوْرة بن الحرّ؛ وقد قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة ثلاث عشرة ومئة.\n_________\n= الحجاج بن عبد الله فأتاهم الحرشي فهزمهم الله واستنقذ ما في أيديهم. [تأريخ خليفة / ٢٢١].\nوأصل الوقعة ذكرها البلاذري كذلك في كتابه فتوح البلدان وخلاصة ما ذكره أن الجراح التقى المشركين واستمر القتال ثلاثة أيام وكانت النتيجة استشهاد القائد المجاهد الجراح ثم أنقذ الله المسلمين بسعيد بن عمرو الحرشي فجعله سببًا لانتصار المسلمين وهزيمة أعدائهم شرّ هزيمة - وانظر (فتوح البلدان للبلاذري / ٢٩٠).\nقال الحسن الزرقي: كان الجراح بن عبد الله على خراسان كلها حربها وصلاتها ومالها (سير أعلام النبلاء / ٥/ ١٩٠].\nوقال سليم بن عامر: دخلت على الجراح فرفع يديه فرفع الأمراء أيديهم فمكث طويلًا ثم قال لي يا أبا يحيى هل تدري ما كنّا فيه؟ قلت لا وجدتكم في رغبة فرفعت يدي معكم، قال سألنا الله الشهادة فوالله ما بقي منهم أحد في تلك الغزاة حتى استشهد [سير أعلام / ٥/ ١٩٠].\nوقال أبو سفيان الحميري كان الجراح على أرمينية وكان رجلًا صالحًا فقتله الخزر ففزع الناس لقتله في البلاد (سير ٥/ ١٩٠).\nوفي هذه السنة وجّه هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار في شتاء شديد البرد والمطر والثلوج فطلبهم فيما ذكر - حتى جاز الباب في آثارهم وخلف الحارث بن عمرو الطائي بالباب *.\n* وذكر خليفة عن ابن الكلبي: خرج مسلمة بن عبد الملك في شوال سنة اثنتي عشرة ومئة في طلب الترك في شدة المطر والثلج حتى جاوز الباب وخلف الطائي في بنيان الباب وتحصينه (تاريخ خليفة / ٢٢١).","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت:</span>\nذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازيًا في سنة اثنتي عشرة ومئة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجّه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفًا وإبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف في وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ أحد بني أبان بن دارم، فكتب سورة إلى الجنيد: إن خاقان جاش بالترك، فخرجتُ إليهم فما قدرتُ أن أمنع حائط سمرقند؛ فالغوث! .\nفأمر الجنيد الناس بالعُبور، فقام إليه المجشّر بن مزاحم السلميّ وابن بسطام الأزْديّ وابن صُبْح الخَرَقيّ، فقالوا: إن التُرك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفًّا ولا زحفًا، وقد فرَّقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالنيروذ، والبختريّ بهراة، ولم يحضرك أهل الطالقان، وعمارة بن حريم غائب. وقال له المجشِّر: إن صاحب خراسان لا يعبر النهر في أقلّ من خمسين ألفًا؛ فاكتب إلى عمارة فليأتك، وأمهل ولا تعجل، قال: فكيف بسورة ومَن معه من المسلمين! لو لم أكن إلا في بني مُرّة، أو من طلع معي من أهل الشأم لعبرتُ. وقال: أليس أحقَّ الناسِ أن يَشهَدَ الوغى وأن يقتل الأبطال ضَخْمٌ على ضخم وقال:\nما علَّتي ما علّتي ما عِلّتي! ... إنْ لم أقاتِلْهُمْ فجُزّوا لِمَّتي\nقال: وعبر فنزل كِسَّ؛ وقد بعث الأشهب بن عبيد الحنظليّ ليعلم علمَ القوم، فرجع إليه وقال: قد أتوْك فتأهبْ للمسير.\nوبلغ الترك فعَوّروا الآبار التي في طريق كِسّ وما فيه من الركايا، فقال الجنيد: أيّ الطريقين إلى سَمرَقند أمثل؟ قالوا: طريق المحرَقة. قال المجشِّر بن مزاحم السلميّ: القتل بالسيف أمثلُ من القتل بالنار؛ إن طريق المحترقة فيه الشّجر والحشيش ولم يُزْرَع منذ سنين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيتَ خاقان أحرق ذلك كله، فقتلنا بالنار والدخان؛ ولكن خذ طريق العَقَبة، فهو بيننا وبينهم سواء.\nفأخذ الجُنيد طريقَ العَقَبة، فارتقى في الجبل، فأخذ المجشّر بعنان دابته، وقال: إنه كان يقال: إنّ رجلًا من قيس مترَفًا يهلك على يديه جند من جنود","vol":"4","page":290},{"text":"خراسان؛ وقد خِفْنا أن تكونه. قال: أفْرخْ رَوْعك، فقال المجشِّر: أمّا إذا كان بيننا مثلك فلا يُفْرَخ. فبات في أصل العقبة، ثم ارتحل حين أصبح؛ فصار الجُنيد بين مرتحل ومقيم؛ فتلقى فارسًا، فقال: ما اسمك؟ فقال: حرب؟ قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن محرَبة، قال: من بني مَن؟ قال: من بني حَنْظلة، قال: سلط الله عليك الحرْب والحرَب والكلب. ومضى بالناس حتى دخل الشِّعب وبينه وبين مدينة سَمْرقند أربعة فراسخ، فصبّحه خاقان في جمع عظيم، وزحف إليه أهلُ الصُّغد والشاش وفَرْغانة وطائفة من الترك. قال: فحمل خاقان على المقدّمة وعليها عثمان بن عبد الله بن الشّخِّير، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم؛ وجاؤوهم من كلّ وجه؛ وقد كان الإخْريد قال للجنيد: ردّ الناس إلى العسكر؛ فقد جاءك جمع كثير؛ فطلع أوائل العدوّ والناس يتغدّوْن، فرآهم عبيد الله بن زهير بن حيّان، فكره أن يُعلِم النَّاس حتى يفرغوا من غدائهم؛ والتفت أبو الذّيال، فرآهم، فقال: العدوّ! فركب الناس إلى الجنيد، فصيّر تميمًا والأزد في الميمنة وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل؛ وعلى مجفّفة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حيّان، وعلى المجرّدة عمر -أو عمرو- بن جرفاس بن عبد الرحمن بن شقران المنقريّ، وعلى جماعة بني تميم عامر بن مالك الحمانيّ، وعلى الأزد عبد الله بن بِسْطام بن مسعود بن عمرو المعنيّ؛ وعلى خيلهيم: المجفّفة والمجرّدة فُضَيل بن هناد وعبد الله بن حوذان؛ أحدهما على المجففة، والآخر على المجرّدة - ويقال: بل كان بشر بن حوذان أخو عبد الله بن حوذان الجهضميّ - فالتقوا وربيعة ممّا يلي الجبل في مكان ضيّق؛ فلم يقدم عليهم أحد؛ وقصد العدوّ للميمنة وفيها تميم والأزْد في موضع واسع فيه مجال للخيل. فترجّل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك، فقال له أبوه: يا حيّان، انطلق إلى أخيك فإنه حَدَث وأخاف عليه، فأبى، فقال: يا بُنيّ، إنك إن قتِلت على حالك هذه قُتِلت عاصيًا. فرجع إلى الموضع الذي خلّف فيه أخاه والبرذوْن؛ فإذا أخوه قد لحق بالعسكر، وقد شدّ البرذون، فقطع حيّان مِقوَده وركبه؛ فأتى العدو؛ فإذا العدوّ قد أحاط بالموضع الذي خلف فيه أباه وأصحابه، فأمدّهم الجُنيد بنصر بن سيار في سبعة معه؛ فيهم جميل بن غزوان العدويّ، فدخل عبيد الله بن زهير معهم، وشدُّوا على العدو فكشفوهم ثم كرُّوا عليهم؛ فقتلوا جميعًا، فلم يفلت منهم أحد ممن كان في ذلك","vol":"4","page":291},{"text":"الموضع، وقُتل عبيد الله بن زهير وابن حوذان وابن جِرْفاس والفُضيل بن هَنّاد.\nوجالت الميمنة والجُنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأزْد - وقد كان جفاهم - فقال له صاحب راية الأزد: ما جئتنا لتحبوَنا ولا لتكرمنا؛ ولكنّك قد علمت أنه لا يوصَل إليك ومنّا رجل حيّ؛ فإن ظفرنا كان لك؛ وإن هلكنا لم تبْك علينا. ولعمري لئن ظفرنا وبقيتُ لا أكلّمك كلمة أبدًا. وتقدّم فقتل. وأخذ الرّاية ابن مُجّاعة فقُتل، فتداول الرّاية ثمانية عشر رجلًا منهم فقتلوا، ففتل يومئذ ثمانون رجلًا من الأزْد.\nقال: وصبَر الناس يقاتلون حتى أعيَوْا؛ فكانت السيوف لا تحيك ولا تقطع شيئًا، فقطع عبيدُهم الخشب يقاتلون به، حتَّى ملّ الفريقان فكانت المعانقة، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزة بن مُجّاعة العتكيّ ومحمد بن عبد الله بن حَوْذان الجهضميّ، وعبد الله بن بسطام المعنّي وأخوه زُنيم والحسن ابن شيخ والفُضيل الحارثيّ - وهو صاحب الخيل - ويزيد بن المفضّل الحُدّانيّ؛ وكان حجَّ فأنفق في حجه ثمانين ومئة ألف؛ فقال لأمه وحشيَّة: ادعي الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له، وغُشي عليه؛ فاستُشهد بعد مَقْدَمه من الحج بثلاثة عشر يومًا، وقاتل معه عبدان له؛ وقد كان أمرهما بالانصراف فقاتلا؛ فاستُشهدا.\nقال: وكان يزيد بن المفضّل حمل يوم الشّعب على مئة بعير سويقًا للمسلمين؛ فجعل يسأل عن الناس، ولا يسأل عن أحد إلا قيل له: قد قتل؛ فاستقدم وهو يقول: لا إله إلا الله؛ فقاتل حتى قُتِل.\nوقاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حَوْذان وهو على فرس أشْقر، عليه تجفاف مذهّب، فحمَل سبع مرات يقتل في كلّ حملة رجلًا، ثم رجع إلى موقفه، فهابه من كان في ناحيته، فناداه تَرجمان للعدوّ: يقول لك الملك: لا تقبل وتحوّل إلينا؛ فنرفض صنَمنا الذي نعبده ونعبدك؛ فقال محمد: أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الأصنام وتعبدوا الله وحده. فقاتل واستُشهد.\nوقتل جُشَم بن قرط الهلاليّ من بني الحارث، وقُتِل النَّضْر بن راشد العبديّ؛ وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون، فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرَّجًا بالدماء؟ فشقّت جيبها ودعت بالويل؛ فقال: حسبك، لو أعولتْ عليّ كلّ أنثى لعصيتُها شوقًا إلى الحُور العين؛ ورجع فقاتل حتى استُشهد رحمه","vol":"4","page":292},{"text":"الله. قال: فبينا النّاس كذلك إذ أقبل رَهَج، فطلعت فُرسان؛ فنادى منادي الجُنيد: الأرضَ، الأرضَ! فترجّل وترجّل الناس، ثم نادى منادي الجُنيد: ليخندق كلّ قائد على حياله؛ فخندق الناس، قال: ونظر الجُنيد إلى عبد الرحمن بن مكية يحمل على العدوّ، فقال: ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له: هذا ابن مكيّة، قال: ألسان البقرة! لله درّه أيّ رجل هو! وتحاجزوا، وأصيب من الأزْد مئة وتسعون.\nوكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة، فأرسل الجنيد إلى عبد الله بن معمر بن سمير اليشكريّ أن يقف في الناحية التي تلي كسّ ويحبس من مرّ به، ويحوز الأثقال والرّجالة؛ وجاءت الموالي رجّالة، ليس فيهم غير فارس واحد والعدوّ يتبعونهم؛ فثبت عبد الله بن معمَر للعدوّ، فاستُشهد في رجال من بَكْر، وأصبحوا يوم السَّبت، فأقبل خاقان نصفَ النهار؛ فلم ير موضعًا لقتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصد لهم، فقالت بكر لزياد: القوم قد كَثرونا، فخلّ عنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا، فقال لهم: قد مارست سبعين سنة، إنكم إن حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم؛ ولكن دعوهم حتى يقربوا، ففعلوا، فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجُنيد، وقال خاقان يومئذ: إنّ العرب إذا أحرِجوا استقتلوا؛ فخلّوهم حتى يخرجوا؛ ولا تَعرّضوا لهم؛ فإنكم لا تقومون لهم.\nوخرج جوارٍ للجنيد يولولْنَ؛ فانتدب رجال من أهل الشأم، فقالوا: الله الله يا أهل خراسان! إلى أين؟ وقال الجنيد؟ ليلة كليلة الجرّاح، ويوم كيومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحرّ</span>\nوفي هذه السنة قتل سَوْرة بن الحرّ التميميّ.\nذكر الخبر عن مقتله:\nذكر عليّ عن شيوخه: أن عبيد الله بن حبيب قال للجنيد: اختر بين أن تهلك أنت أو سورة، فقال: هلاك سورة أهون عليّ، قال: فاكتب إليه فليأتِك في أهل سَمرقَند؛ فإن الترك إن بلغهم أن سورة قد توجّه إليك انصرفوا إليه فقاتلوه. فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم - وقيل: كتب أغثني - فقال عبادة بن السليل المحاربيّ","vol":"4","page":293},{"text":"أبو الحكم بن عبادة لسَوْرة: انظر أبْرَد بيت بسَمرَقند فنمْ فيه، فإنك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير أم رضي. وقال له حُلَيس بن غالب الشيبانيّ: إن التّرك بينك وبين الجنيد؛ فإن خرجت كرّوا عليك فاختطفوك.\nفكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج؛ فكتب إليه الجُنيد: يا بن اللخناء، تخرج وإلا وجّهت إليك شدّاد بن خالد الباهليّ - وكان له عدوًّا - فاقدَم، وضع فلانًا بفرخشاذ في خمسمئة ناشب، والزم الماء فلا تفارقه.\nفأجمع على المسير، فقال الوَجَف بن خالد العبديّ: إنك لمهلك نفسَك والعرب بمسيرك؛ ومهلك من معك، قال: لا يُخْرَج حملي من التّنّور حتى أسير؛ فقال له عبادة وحُليس: أما إذ أبيتَ إلا المسير فخذ على النهر، فقال: أنا لا أصل إليه على النهر في يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه؛ فإذا سكنت الزُّجَل سرتُ فأعبره.\nفجاءت عيون الأتراك فأخبروهم، وأمر سَوْرة بالرحيل؛ واستخلف على سَمَرقند موسى بن أسود؛ أحد بني ربيعة بن حنظلة، وخرج في اثني عشر ألفًا، فأصبح على رأس جبل؛ وإنما دلّه على ذلك الطريق عِلْج يسمى كارتقبد؛ فتلقّاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ: فقال أبو الذيّال: قاتلهم في أرض خَوّارة، فصبر وصبروا حتى اشتدّ الحرّ.\nوقال بعضهم: قال له غوزك: يومك يوم حارّ فلا تقاتلهم حتى تحمَى عليهم الشمس وعليهم السلاح. تثقلهم. فلم يقاتلهم خاقان؛ وأخذ برأي غوزك، وأشعل النار في الحشيش، وواقفهم وحال بينهم وبين الماء، فقال سَوْرة لعبادة: ما ترى يا أبا السليل؟ قال: أرى والله أنه ليس من الترك أحد إلا وهو يريد الغنيمة؛ فاعقِرْ هذه الدوابّ وأحرِق هذا المتاع، وجرّد السيف؛ فإنهم يُخلّون لنا الطريق. قال أبو الذّيال: فقال سَوْرة لعبادة: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي، قال: فما ترى الآن؟ قال: أن ننزل فنُشرع الرّماح، ونزحف زحفًا، فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر، قال: لا أقوى على هذا؛ ولا يقوى فلان وفلان. . وعدّد رجالًا؛ ولكن أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنه يقاتل فأصكّهم؛ سلمتُ أم عَطبتُ؛ فجمع الناس وحملوا فانكشفت الترك، وثار الغُبار فلم يبصروا، ومن وراء الترك اللِّهبُ فسقطوا فيه، وسقط فيه العدوّ والمسلمون، وسقط سَورة","vol":"4","page":294},{"text":"فاندقّت فخذه، وتفرّق الناس، وانكشفت الغمة والناس متفرّقون، فقطعتهم الترك، فقتلوهم فلم ينجُ منهم غير ألفين - ويقال: ألف - وكان ممن نجا عاصم بن عمير السَّمرقنديّ، عرفه رجل من الترك فأجاره؛ واستُشهد حُليس بن غالب الشيبانيّ، فقال رجل من العرب: الحمد لله؛ استُشهد حُلَيس، ولقد رأيته يرمي البيت أيام الحجاج ويقول: درّى عُقاب، بلبن وأخشاب؛ وامرأة قائمة، فكلّما رمى بحَجر قالت المرأة: يا ربّ بي ولا ببيتك! ثم رُزق الشهادة.\nوانحاز المهلَّب بن زياد العجليّ في سبعمئة ومعه قريش بن عبد الله العبديّ إلى رُستاق يسمى المرغاب؛ فقاتلوا أهل قَصْر من قصورهم؛ فأصيب المهلّب بن زياد، وولَّوا أمرهم الوجَف بن خالد، ثم أتاهم الأشكند صاحب نَسف في خَيل ومعه غوزك، فقال غوزك: يا وَجَف، لكم الأمان، فقالت قريش: لا تثقوا بهم؛ ولكن إذا جنّنا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سَمَرقند؛ فإنا إن أصبحنا معهم قتلونا.\nقال: فعصوْه وأقاموا، فساقوهم إلى خاقان؛ فقال: لا أجيز أمان غَوْزك، فقال غوزك للوجَف: أنا عبد لخاقان من شاكر يّتذه، قالوا: فلمَ غرزتنا؟ فقاتلهم الوجف وأصحابه، فقُتلوا غير سبعة عشر رجلًا دخلوا الحائط. وأمسوا، فقطع المشركون شجرة فألقوْها على ثلمة الحائط؛ فجاء قريش بن عبد الله العبديّ إلى الشجرَة فرمى بها؛ وخرج في ثلاثة فباتوا في ناووس فكمنوا فيه وجبن الآخرون فلم يخرجوا، فقتلوا حين أصبحوا. وقتل سَوْرة؛ فلما قُتل خرج الجنيد من الشِّعب يريد سمرقند مبادرًا، فقال له خالد بن عبيد الله بن حبيب: سِر سر، ومجشّر بن مزاحم السّلميّ يقول: أذكرك الله أقم؛ والجنيد يتقدّم، فلما رأى المجشِّر ذلك نزل فأخذ بلجام الجنيد، فقال: والله لا تسير ولتنزلنّ طائعًا أو كارهًا، ولا ندعك تُهلكنا بقول هذا الهجريّ. انزل. فنزل ونزل الناس فلم يتتامّ نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشّر: لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا! فلما أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة، رجال الناس، فقال الجنيد: أيّها الناس؛ إنها النّار؛ فتراجعوا، وأمر الجنيد رجلًا فنادى: أيّ عبد قاتَلَ فهو حرٌ؛ فقاتل العبيد قتالًا شديدًا عجب الناس منه؛ جعل أحدهم يأخذ اللِّبد فيجوبه ويجعله في عنقه، يتوقَّى به. فسر الناس بما رأوْا من صبرهم، فكرّ العدوّ، وصبر الناس","vol":"4","page":295},{"text":"حتى انهزم العدوّ، فمضوا، فقال موسى بن النعر للناس: أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله إن لكم منهم ليومًا أرْوَنان. ومضى الجُنيد فأخذ العدوّ رجلًا من عبد القيس فكتفوه، وعلّقوا في عنقه رأس بلعاء العنبريّ بن مجاهد بن بلعاء؛ فلقيه الناس فأخذ بنو تميم الرأس فدفنوه، ومضى الجُنيد إلى سَمرقند؛ فحمل عيال مَن كان مع سَوْرة إلى مَرْو، وأقام بالسُّغْد أربعة أشهر؛ وكان صاحبَ رأي خراسان في الحرب المجشِّر بن مزاحم السُّلميّ وعبد الرحمن بن صبح الخَرَقيّ وعبيد الله بن حبيب الهجريّ، وكان المجشِّر يُنزل الناس على راياتهم، ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه في ذلك، وكان عبد الرحمن بن صبح إذا نزل الأمر العظيم في الحرب لم يكن لأحد مثل رأيه؛ وكان عبيد الله بن حبيب على تعبئة القتال، وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة والعلم بالحرب؛ فمنهم الفضل بن بسّام مولى بني ليث وعبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم والبَختريّ بن مجاهد مولى بني شيبان.\nقال: فلما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجُنيد سيفَ بن وصّاف العجليّ من سَمرقند إلى هشام، فجبُن عن السير وخاف الطريق، فاستعفاه فأعفاه؛ وبعث نهار بن تَوْسعة أحد بني تيم اللات وزُمَيل بن سُوَيد المرِّيّ؛ مرّة غطفان. وكتب إلى هشام: إن سَوْرة عصاني، أمرتُه بلزوم الماء فلم يفعل، فتفرّق عنه أصحابه، فأتتني طائفة إلى كِسّ، وطائفة إلى نَسَف، وطائفة إلى سَمرقند، وأصيب سورة في بقيّة أصحابه.\nقال: فدعا هشام نهارَ بن توسعة، فسأله عن الخبر فأخبره بما شهد، فقال نهار بن توسعة:\nلعمرُكَ ما حابَيتني إذْ بَعَثتَني ... ولكنَّما عَرّضتني للمَتَالفِ\nدعوتَ لها قومًا فهابوا ركوبَها .. وكنتُ امْرأ رَكَّابة للمَخاوف\nفأَيقنتُ إنْ لم يَدْفَع اللهُ أَنني ... طعامُ سِباعٍ أَو لطَيرٍ عوائفِ\nقَرينُ عَراكٍ وهوَ أيسَرُ هالك ... عليك وقد زَمَّلْتَهُ بِصَحَائِفِ\nفإني وإن آثرتَ منه قَرابَةً ... لأعظمُ حظًا في حِبَاءَ الخلائف\nعلى عهدِ عثمانٍ وفَدْنا وقبْلَهُ ... وكنَّا أُولي مجد تليدٍ وطارِفٍ\nقال: وكان عراك معهم في الوفد، وهو ابن عمّ الجنيد، فكتب إلى الجنيد:","vol":"4","page":296},{"text":"قد وجَّهت إليك عشرين ألفًا مددًا؛ عشرة آلاف من أهل البصرة عليهم عمرو بن مسلم، ومن أهل الكوفة عشرة آلاف عليهم عبد الرحمن بن نُعيم، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها تِرسَة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفًا.\nقال: ويقال إن الجُنيد أوفد الوفد إلى خالد بن عبد الله، فأوفد خالد إلى هشام: إنّ سَوْرة بن الحُرّ يتصيّد مع أصحاب له فهجم عليهم التّرك، فأصيبوا. فقال هشام حين أتاه مصاب سورة: إنا لله وإنا إليه راجعون! مُصاب سَوْرة بن الحرّ بخراسان والجرّاح بالباب! وأبْلى نصر بن سيّار يومئذ بلاء حسنًا، فانقطع سيفه، وانقطع سيور ركابه؛ فأخذ سيور ركابه؛ فضرب بها رجلًا حتى أثخنَه، وسقط في اللهب مع سَوْرة يومئذ عبد الكريم بن عبد الرحمن الحنفيّ وأحد عشر رجلًا معه. وكان ممّن سلم من أصحاب سَوْرة ألف رجل، فقال عبد الله بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيط مبنيّة بين السماء والأرض؛ فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لعبد الله بن بسطام وأصحابه، فقتلوا من غدٍ؛ فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت رائحة المسك ساطعة. قال: ولم يشكر الجُنيد لنصر ما كان من بلائه، فقال نصر:\nإنْ تحسُدُوني على حُسن البلاءِ لكُمْ ... يومًا فمِثْلُ بَلائي جَرَّ لي الحَسَدَا\nيأبَى الإلهُ الذي أعلى بقدرتِه ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عَضُدا\nوضَربيَ التركَ عنكم يوم فَرْقِكُمُ ... بالسِّيفِ في الشِّعب حتى جاوز السَّنَدَا\nقال: وكان الجُنيد يوم الشِّعب أخذ في الشِّعب، وهو لا يرى أنّ أحدًا يأتيه من الجبال، وبعث ابنَ الشِّخِّير في مقدمته، واتخذ ساقةً؛ ولم يتخذ مجنَّبتين.\nوأقبل خافان فهزم المقدّمة، وقتل مَنْ قتل منهم، وجاءه خاقان من قبَل ميسرته وجبغويه من قِبَل الميمنة، فأصيب رجال من الأزْد وتميم، وأصابوا له سرادقات وأبنية، فأمر الجنيد حين أمسى رجلًا من أهل بيته، فقال له: امش في الصفوف والدرّاجة، وتسمّع ما يقول الناس؛ وكيف حالهم؛ ففعل ثم رجع إليه، فقال رأيتُهم طيبةً أنفسهم، يتناشدون الأشعار، ويقرؤون القرآن؛ فسرّه ذلك، وحمد الله.\nقال: ويقال نهضت العبيد يوم الشِّعب من جانب العسكر وقد أقبلت الترك","vol":"4","page":297},{"text":"والصُّغد ينحدرون؛ فاستقبلهم العبيد وشدّوا عليهم بالعَمَد، فقتلوا منهم تسعة، فأعطاهم الجنيد أسلابهم.\nوقال ابن السِّجْف في يوم الشِّعب؛ ويعني هشامًا:\nاذكْر يَتَامَى بأَرض التُّركِ ضائعَةً ... هزْلَى كأَنهُمُ في الحائطِ الحَجَلُ\nوارحم، وإلَّا فهَبْهَا أمةً دَمِرَتْ ... لا أنَفُسٌ بَقِيَتْ فيها ولا ثَقَلُ\nلا تأمُلَنَّ بقاءَ الدَّهر بَعدَهَمُ ... والمَرْءُ ما عاشَ ممْدودٌ له الأَمَلُ\nلاقَوْا كتائبَ مِنْ خاقانَ مُعْلِمَةً ... عنهم يَضيقُ فضاءُ السَّهلِ والجبلُ\nلَمَّا رَأَوْهُمْ قَليلًا لَا صرِيخَ لهمْ ... مدُّوا بأَيديهمُ لله وابْتَهَلوا\nوَبَايَعُوا رَبَّ موسى بيعةً صَدَقت ... ما في قُلوبِهمُ شكٌّ وَلَا دغَلُ\nقال: فأقام الجُنيد بسَمَرْقَنْد ذلك العام، وانصرف خاقان إلى بُخارى وعليها قَطَن بن قتيبة، فخاف الناس الترك على قَطَن، فشاورهم الجنيد، فقال قوم: الزم سَمَرْفند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود. وقال قوم: تسير فتأتي رَبِنْجَن، ثم تسير منها إلى كِسّ، ثم تسير منها إلى نَسَف، فتصل منها إلى أرض زَمّ؛ وتقطع النهر وتنزل آمُل، فتأخذ عليه بالطريق.\nفبعث إلى عبد الله بن أبي عبد الله، فقال: قد اختلَف الناس عليّ - وأخبره بما قالوا - فما الرأي؟ فاشترط عليه ألا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال أو نزول أو قتال، قال: نعم؛ قال: فإني أطلب إليك خِصالًا، قال: وما هي؟ قال: تخندق حيثما نزلْت؛ ولا يفوتنّك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر، وأن تطيعني في نزولك وارتحالك. فأعطاه ما أراد. قال: أما ما أشار به عليك في مُقامك بسَمَرْقند حتى يأتيك الغياث، فالغياث يبطئ عنك، وإن سرتَ فأخذت بالناس غيرَ الطريق فتتَّ في أعضادهم؛ فانكسروا عن عدوّهم، فاجترأ عليك خاقان؛ وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن أخذت بهم غير الطريق تفرّق الناس عنك مبادرين إلى منازلهم، ويبلغ أهل بخارى فيستسلموا لعدوّهم؛ وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدوّ؛ والرأي لك أن تعمد إلى عيالات مَنْ شهد الشِّعب من أصحاب سَوْرة فتقسّمهم على عشائرهم وتحملهم معك؛ فإني أرجو بذلك أن ينصرك الله على عدوّك، وتعطى كلَّ رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرسًا.","vol":"4","page":298},{"text":"قال: فأخذ برأيه، فخلّف في سمرقند عثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير في ثمانمئة: أربعمئة فارس وأربعمئة راجل، وأعطاهم سلاحًا. فشتم الناس عبدَ الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم، وقالوا: عرّضنا لخاقان والترك، ما أراد إلا هلاكنا!\nفقال عبيد الله بن حبيب لحرب بن صبح: كم كانت لكم الساقة اليوم؟ قال: ألف وستمئة، قال: لقد عُرِّضنا للهلاك. قال: فأمر الجنيد بحمْل العيال.\nقال: وخرج والناس معه، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسيّ وزياد بن خَيران الطائيّ، فسرّح الجُنيد الأشهب بن عبيد الحنظليّ، ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له: كلما مضيت مرحلة فَسَرّحْ إليّ رجلًا يعلمني الخبر.\nقال: وسار الجُنيد؛ فلما صار بقصْر الريح أخذ عطاء الدّبُوسيّ بلجام الجُنيد وكبحَه، فقرع رأسه هارون الشاشيّ مولى بني حازم بالرّمح حتى كسره على رأسه، فقال الجنيد لهارون: خلّ عن الدبوسيّ، وقال له: مالك يا دبوسيّ؟ فقال: انظر أضعف شيخ في عسكرك فسلّحه سلاحًا تامًّا، وقلّدْه سيفًا وجعبة وتِرسًا، وأعطه رمحًا، ثم سر بنا على قدر مشيه؛ فإنا لا نقدر على السوق والقتال وسرعة السير ونحن رجّالة. ففعل ذلك الجُنيد؛ فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا له بكَرْمِينيَة أوّل يوم من رمضان. فلما ارتحل الجُنيد من كرْمِينيَة قدم محمد بن الرُّنديّ في الأساورة آخر الليل؛ فلما كان في طرف مفازة كَرْمِينية رأى ضعف العدوّ؛ فرجع إلى الجنيد فأخبره؛ فنادى منادي الجنيد: ألا يخرج المكتَّبون إلى عدوّهم؟ فخرج الناس، ونشبت الحرب، فنادَى رجل: أيها الناس، صرتم حروريّة فاستقتلتم. وجاء عبد الله بن أبي عبد الله إلى الجنيد يضْحك، فقال له الجنيد: ما هذا بيوم ضحك! فقيل له: إنه ضَحِك تعجّبًا، فالحمد لله الذي لم يلقك هؤلاء إلا في جبال معطّشة؛ فهم على ظهر وأنت مخندق آخر النهار كالّين وأنت معك الزّاد، فقاتلوا قليلًا ثم رجعوا. وكان عبد الله بن أبي عبد الله قال للجُنيد وهم يقاتلون: ارتحل، فقال الجنيد: وهل من حيلة؟ قال: نعم، تمضي برايتك قَدْر ثلاث غِلاء، فإنّ خاقان ودّ أنك أقمت فينطوي عليك إذا شاء. فأمر بالرحيل وعبد الله بن أبي عبد الله على الساقة.","vol":"4","page":299},{"text":"فأرسل إليه: انزل، قال: أنزل على غير ماء! فأرسل إليه: إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك؛ فنزل وأمر الناس أن يسقوا، فذهب الناس الرّجالة والناشبة؛ وهم صَفّان؛ فاستقوْا وباتوا، فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله بن أبي عبد الله: إنكم معشَر العرب أربعة جوانب؛ فليس يعيب بعضهم بعضًا؛ كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه: مقدَّمة - وهم القلب - ومجنِّبتان وساقة؛ فإن جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانبًا منكم - وهم الساقة - كان بوارُكم، وبالحَري أن يفعل؛ وإنا أتوقّع ذلك في يومي، فشدُّوا الساقة بخيل. فوجّه الجُنَيد خيل بني تميم والمجففة، وجاءت الترك فمالت على الساقة؛ وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا، فاشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلْم بن أحوَز على رجل من عظماء الترك فقتله. قال: فتطيّر الترك، وانصرفوا من الطَواويس؛ ومضى المسلمون؛ فأتوا بُخَارى يوم المهرجان. قال: فتلقّوْنا بدراهم بخارية، فأعطاهم عشرة عشرة، فقال عبد المؤمن بن خالد: رأيتُ عبد الله بن أبي عبد الله بعد وفاته في المنام فقال: حدّث الناس عني برؤيا يوم الشعب (١). اهـ.\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\n_________\n(١) لرواية المدائني عن شيوخه ما يؤيده من قول خليفة بن خياط وقد ذكرنا في المقدمة أننا ومن باب التساهل في رواية التأريخ قبلنا ما رواه الطبري عن الفتوحات الإسلامية في عهد الأمويين وإن لم يكن مسندًا موصولًا ولكن بشرط خلو المتن من النكارات وتأييد ذلك من قبل مؤرخ آخر ثقة كابن خياط أو البلاذري وابن سعد والبسوي وغيرهم - ولقد قال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١١٣) هـ فيها خرج الجنيد بن عبد الرحمن من مرة غطفان غازيًا يريد طخارستان فجاشت الترك بسمرقند فسار الجنيد حتى كان على أربع من سمرقند فلقيه خاقان فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى أمسوا فتحاجزوا وكتب الجنيد إلى سورة بن أبجر من بني أبان بن دارم وهو وإليه على سمرقند يأمره بالقدوم عليه فأتاه فلقيته الترك قبل أن يصل إلى الجنيد فقتل سورة بن أبجر وعامة جيشه وقتل معه مجاهد بن بلعاء العنبري ثم لقيهم الجنيد فهزمهم الله ومضى الجنيد فدخل سمرقند [تأريخ خليفة / ٢٢٢] وكذلك ذكر الذهبي أحداث هذه الوقعة تبعًا لخليفة بن خياط ضمن أحداث سنة (١١٣) هـ[تأريخ الإسلام - وفيات وحوادث سنة ١٠١ - ١٢٠ هـ ص ٣٠٧] والله أعلم.","vol":"4","page":300},{"text":"وقد قيل: إن الذي حجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن هشام (١).\nوكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها الذين كانوا في سنة إحدى عشرة ومئة، وقد ذكرناهم قبل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>قتل عبد الوهاب بن بخت</span>\nفممّا كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بُخت، وهو مع البطّال عبد الله بأرض الرّوم (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة - في قول أبي معشر - سليمان بن هشام بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وقال بعضهم: الذي حجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي (٤).\nوكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم الذين كانوا عمالها في سنة إحدى عشرة واثنتي عشرة وقد مضى ذكرنا لهم (٥).\n_________\n(١) ذكر الطبري اسم إبراهيم بن هشام بصيغة الجزم بينما ذكر حجّة سليمان بصيغة التمريض أي أنه يميل إلى أن الذي حجّ هذه السنة هو إبراهيم وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٢].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٣) وقال خليفة قتل سنة ثلاث عشرة ومئة [طبقات خليفة / ٢٠١١].\nوقال الحافظ ابن كير ضمن ذكره لوفيات سنة ١١٣ هـ عبد الوهاب بن بخت ... روى عن أنس وابن عمر وأبي هريرة وحديثه عن أنس مرفوعًا نضّر الله امرأ سمع مقالتي هذه فوعاها ... الحديث] وقال مالك كان كثير الحج والعمرة والغزو حتى استشهد ولم يكن أحق بما في رحله من رفقائه وكان سخيًّا جوادًا استشهد ببلاد الروم مع الأمير أبي محمد عبد الله البطال ودفن هناك ﵀ [البداية والنهاية ٧/ ١٩٥].\n(٤) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٣] وابن كثير [البداية والنهاية ٧/ ١٩٥] أي: سليمان بن هشام بن عبد الملك والله أعلم.\n(٥) انظر قوائم الولاة في نهاية خلافة هشام.","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئة ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام على الصّائفة اليمنى؛ فذُكر أنّ معاوية بن هشام أصاب رَبَض أقرن، وأن عبد الله البطال التقى وقسطنطين في جَمْعٍ فهزمهم؛ وأسر قسطنطين؛ وبلغ سليمان بن هشام قيساريّة (١).\nوفي هذه السنة عزلَ هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن المدينة، وأمّر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم. قال الواقديّ: قدم خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الأول؛ وكانت إمْرة إبراهيم بن هشام على المدينة ثماني سنين.\nوقال الواقديّ: في هذه السنة ولي محمد بن هشام المخزوميّ مكة.\nوقال بعضُهم: بل ولي محمد بن هشام مكة سنة ثلاث عشرة ومئة، فلما عزل إبراهيم أقرّ محمد بن هشام على مكة (٢).\nوفي هذه السنة وقع الطاعون - فيما قيل - بواسط وفيها قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعدما هزم خاقان وبنى الباب فأحكم ما هنالك (٨٣).\nوفي هذه السنة ولّى هشام مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان.\nواختلف فيمَن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمّن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومئة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم؛ وهو على المدينة.\nوقال بعضهم حجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة فأقام\n_________\n(١) وكذلك ذكر خليفة بن خياط [تأريخ خليفة / ٢٢٣] وابن الجوزي [المنتظم ٧/ ١٥٩] وابن كثير [البداية والنهاية ٧/ ١٩٦].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام والمنتظم [٧/ ١٥٩] [والبداية والنهاية ٧/ ١٩٦].","vol":"4","page":302},{"text":"خالد بن عبد الملك تلك السنة لم يشهد الحج. قال الواقدي: حدثني بهذا الحديث.\nعبد الله بن جعفر عن صالح بن كيسان.\nقال الواقدي: وقال لي أبو معشر: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومئة خالد بن عبد الملك ومحمد بن هشام على مكة. قال الواقدي: وهو الثبت عندنا (١).\nوكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها غير أن عامل المدينة في هذه السنة كان خالد بن عبد الملك وعامل مكة والطائف محمد بن هشام وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام أرضَ الروم (٣).\nوفيها وقع الطاعون بالشام (٤).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل؛ وهو أمير مكة والطائف كذلك قال أبو معشر، فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه (٥).\nوكان عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها في سنة أربع عشرة ومئة، غير أنه اختُلف في عامل خراسان في هذه السنة، فقال المدائنيّ: كان عاملها الجنيد بن\n_________\n(١) وهذا يعني أن الطبري يرجح الرأي الأول الذي رواه عن أبي معشر أي أن خالد بن عبد الملك هو الذي كان على الحج سنة ١١٤ هـ وهذا ما يؤيده خليفة بن خياط [تأريخ خليفة / ٢٢٣] وانظر (البداية والنهاية ٧/ ١٩٦).\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٣) وكذلك ذكر خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٤] وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٦٤) وابن كثير [البداية والنهاية ٧/ ١٩٦].\n(٤) وانظر المنتظم لابن الجوزي (٧/ ١٦٤) والبداية والنهاية [٧/ ١٩٦].\n(٥) وقال خليفة: وأقام الحج محمد بن هشام بن إسماعيل [تأريخ خليفة / ٢٢٤] وابن الجوزي (المنتظم ٧/ ١٦٤) والبداية والنهاية [٧/ ١٩٦].","vol":"4","page":303},{"text":"عبد الرحمن، وقال بعضهم. كان عاملها عمارة بن حُرَيم المرّيّ. وزعم الذي قال ذلك أنّ الجنيد مات في هذه السنة، واستُخلف عمارة بن حُرَيم، وأما المدائنيّ فإنه ذكر أن وفاة الجنيد كانت في سنة ست عشرة ومئة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بن هشام أرض الروم الصائفة. وفيها كان طاعون شديد بالعراق والشأم وكان أشد ذلك - فيما ذكر - بواسط (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله خراسان</span>\nوفيها كانت وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي خراسان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>ذكر خلع الحارث بن سريج</span>\nوفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله (٤).\nوحجّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ العهد؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره (٥).\nوكانت عمال الأمصار في هذه السَّنة عمالها في التي قبلها إلا ما كان من\n_________\n(١) يبدو من كلام الطبري أنه يرجح الرأي القائل بأن عامل خراسان في سنة (١١٥ هـ) هو الجنيد وانظر قوائم الولاة في آخر عهد هشام بن عبد الملك.\n(٢) وانظر المنتظم لابن الجوزي (٧/ ١٦٩) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٧).\n(٣) هكذا ذكر الطبري ويؤيده ما رواه هو عن المدائني كما مرّ قبل قليل (٧/ ٩٢) ولقد ذكر الذهبي وفاة الجنيد ضمن وفيات سنة ١١٥ هـ[تأريخ الإسلام (المجلد السابق / ٣١١) وانظر الوافي بالوفيات [١١/ ٢٠٤].\n(٤) ولكن خليفة ذكر هذا الحدث ضمن أحداث سنة (١١٥ هـ) [تأريخ خليفة / ٢٢٤].\n(٥) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٤] وانظر المنتظم [٧/ ١٧٠].","vol":"4","page":304},{"text":"خُراسان فإن عاملها في هذه السنة عاصم بن عبد الله الهلاليّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرى وغزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصّائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرّق سراياه في أرض الروم (٢).\nوفيها بعث مروان بن محمد - وهو على أرمينية - بعثين، فافتتح أحدهما حصونًا ثلاثة من اللّان ونزل الآخر على تُومانشاه، فنزل أهلها على الصلح (٣).\nوفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بن عبد الله، فولّاها خالد أخاه أسدَ بن عبد الله.\nوقال المدائنيّ: كان عزل هشام عاصمًا عن خراسان وضمّ خراسان إلى خالد بن عبد الله في سنة ستّ عشرة ومئة (٤).\nوحجّ بالناس في هذه السنة خالد بن عبد الملك (٥).\nوكان العامل فيها على المدينة وعلى مكة والطائف محمد بن هشام بن\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٢) والذي قاله خليفة هو أن معاوية بن هشام سار حتى بلغ سيرة، وبلغت سراياه سردة أرض الروم [تأريخ خليفة / ٢٢٥].\n(٣) ذكر خليفة من طريق أبي خالد عن أبي البراء قال فيها بعث مروان بن محمد وهو والي أرمينية وأذربيجان ببعثين إلى جبل القبق فافتتح أحد البعثين ثلاثة حصون من اللان ونزل البعث الآخر على تومان شاه فنزل تومان شاه على حكم مروان بن محمد فبعث به مروان إلى هشام بن عبد الملك فرده هشام إلى مروان فأعاده مروان على مملكته [تأريخ خليفة / ٢٢٥] وانظر المنتظم لابن الجوزي ٧/ ١٧٤.\n(٤) ذكر خليفة هذا العزل وهذه التولية دون ذكر للسنة [تأريخ خليفة / ٢٣٣] وانظر المنتظم لابن الجوزي (٧/ ١٧٤).\n(٥) وكذلك ذكر خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٥].","vol":"4","page":305},{"text":"إسماعيل وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (١).\nوفيها توفيت فاطمة بنت علي وسكينة ابنة الحسين بن علي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بن عبد الملك أرض الروم (٣).\nوفي هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها محمد بن هشام بن إسماعيل. ذكر الواقديّ أن أبا بكر بن عمرو بن حَزْم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بإمْرته على المدينة؛ فصعد المنبر، وصلى بالنّاس ستة أيام، ثم قدم محمد بن هشام من مكة عاملًا على المدينة (٤).\nوفي هذه السنة مات عليّ بن عبد الله بن العباس؛ وكان يكنى أبا محمد، وكانت وفاته بالحُمَيمة من أرض الشأم؛ وهو ابن ثمان -أو سبع- وسبعين سنة (٥).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة والمدينة والطائف.\nوقد قيل إنما كان عامل المدينة في هذه السنة خالد بن عبد الملك، وكان إلى\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٢) وكذلك ذكر الذهبي في تأريخ الإسلام (وفيات سنة ١٠١ - ١٢٠ / ص ٣١٣) وكذلك قال ابن حجر (تقريب التهذيب / تر ١١٧٢٧) في ترجمة فاطمة وأما في ترجمة سكينة فقد ذكر الذهبي مرة أخرى أنها توفيت في ربيع الأول من سنة ١١٧ هـ على قول الواقدي وغيره [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٢٧٣] وانظر وفيات الأعيان (٢/ ٣٩٤).\n(٣) وكذلك ذكر ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٨٦) ولكن خليفة ذكر اسم معاوية بن هشام فقط في هذه الغزوة [تأريخ خليفة / ٢٢٦].\n(٤) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام بن عبد الملك.\n(٥) وكذلك قال خليفة بن خياط [تأريخ خليفة / ٢٢٦].","vol":"4","page":306},{"text":"محمد بن هشام فيها مكة والطائف؛ والقول الأول قول الواقديّ (١).\nوكان على العراق خالد بن عبد الله، وإليه المشرق كله، وعامله على خُراسان أخوه أسد بن عبد الله، وعامله على البصرة وأحداثها وقضائها والصّلاة بأهلها بلال بن أبي بُرْدة، وعلى أرمينية وأذْرَبيجان مَرْوان بن محمد بن مروان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>ذكر الخبر عن مقتل المغيرة بن سعيد ونفر معه</span>\nوفي هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في نفر، فأخذهم خالد فقتلهم.\nذكر الخبر عن مقتلهم:\nأما المغيرة بن سعيد، فإنه كان - فيما ذكر - ساحرًا. حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا جرير، عن الأعمش، قال: سمعت المغيرة بن سعيد، يقول: لو أردتُ أن أحيي عادًا أو ثمودًا وقرونًا بين ذلك كثيرًا لأحييتهم. قال الأعمش: وكان المغيرة يخرج إلى المقبرة فيتكلم، فيُرى مثل الجراد على القبور؛ أو نحو هذا من الكلام (٣).\n_________\n(١) وكذلك ذكر خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٦].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٣) هذان خبران بإسنادين ضعيفين ولكنهما يتعاضدان في توكيد أصل الخبر ولهما ما يؤيدهما كما سنذكر فقد روى حماد بن زيد عن ابن عون قال لنا إبراهيم: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم فإنهما كذابان (ميزان الاعتدال / تر ٩١٩٤) وقال جرير بن عبد الحميد كان المغيرة بن سعيد كذابًا ساحرًا (المصدر السابق) وروى أبو معاوية عن الأعمش أنه سأل المغيرة بن سعيد أكان عليّ يحيي الموتى قال إي والذي نفسي بيده لو شاء أحيا عادًا وثمودًا [ميزان الاعتدال / تر ٩١٩٤].\nوقال الحافظ ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد فيما يُروى عنه من الزور عن علي ﵁ هو (أي المغيرة بن سعيد) دائم الكذب، على أهل البيت [الكامل ٦/ ١٨٣٧]. =","vol":"4","page":307},{"text":"وذكر أبو نعيم، عن النّضر بن محمد، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قدم علينا رجلٌ من أهل البَصْرة يطلب العلم؛ فكان عندنا، فأمرتُ جاريتي يومًا أن تشتري لي سمكًا بدرهمين، ثم انطلقت أنا والبصريّ إلى المغيرة بن سعيد، فقال لي: يا محمد، أتحب أن أخبرك، لم افترق حاجباك؟ قلت: لا، قال أفتحبّ أن أخبرك لم سماك أهلك محمدًا؟ قلت: لا، قال: أما إنك قد بعثت خادمك يشتري لك سمكًا بدرهمين. قال: فنهضنا عنه. قال أبو نعيم: وكان المغيرة قد نظر في السحر، فأخذه خالد القسريّ فقتله وصلبه (١).\nقال أبو جعفر: وحجّ في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحجّ معه ابن شهاب الزهري في هذه السنة (٢).\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله القسري وعامل خالد على خراسان أخوه أسد بن عبد الله - وقد قيل إن أخا خالد أسدًا هلك في هذه السنة واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهراني.\nوقيل: إن أسدًا أخا خالد بن عبد الله إنما هلك في سنة عشرين ومئة.\nوكان على أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (٣).\n_________\n= وروى شبابة قال: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور سمعت المغيرة بن سعيد الكذاب يقول: إن الله يأمر بالعدل - عليّ - والإحسان - فاطمة - وإيتاء ذي القربى الحسن والحسين - وينهى عن الفحشاء والمنكر قال فلان أفحش الناس والمنكر فلان [ميزان الاعتدال مع الذيل / تر ٩١٩٤] و[تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٤٧٦ / تر ٥٦٩].\n(١) انظر الحاشية السابقة.\n(٢) وقد وافق خليفة بن خياط قول الطبري هنا (تأريخ خليفة / ٢٢٧).\n(٣) سنذكر أسماء الولاة في نهاية عهد خليفة الوقت (يومها) هشام وأما عن موت أسد فقد ذكر الطبري أنه توفي سنة ١١٩ بصيغة التوكيد ولكن ذكر سنة ١٢٠ هـ بصيغة التمريض وهو الذي أخذ به خليفة [تأريخ خليفة / ٢٣٣] و[تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٣٢٢] وكذلك أرخ ابن حجر لوفاته [تقريب / تر ٤٥٧] والعجيب من الطبري أنه ذكر هنا وفاة أسد العتري وذكر قول من أرخ لوفاته بسنة (١٢٠) بصيغة التمريض بينما أفرد لوفاته عنوانًا خاصًّا في بداية أحداث سنة (١٢٠ هـ) والله أعلم.","vol":"4","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>ثم دخلت سنة عشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصّائفة وافتتاحه - فيما ذكر - سندرة، وغزوة إسحاق بن مسلم العُقيليّ وافتتاحه قلاع تومانشاه وتخريبه أرضه، وغزوة مَرْوان بن محمد أرض الترك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>خبر وفاة أسد بن عبد الله القسريّ</span>\nوفيها كانت وفاة أسد بن عبد الله في قول المدائنيّ (٢).\nوفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن أعماله التي كان ولاه إياها كلها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالد حين صحّ عزمه على عزله</span>\nقال عمر قال علي عن بشر بن عيسى عن أبيه قال: قال حسان النبطي هيّأت لهشام طيبًا فإني لبين يديه وهو ينظر إلى ذلك الطيب إذ قال لي: يا حسان في كم يقدم القادم من العراق إلى اليمن؟ قال: قلت لا أدري فقال:\nأمرتك أمرًا حازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما\n_________\n(١) وكذلك ذكر خليفة فيما يتعلق بالصائفة [تأريخ خليفة / ٢٢٧] وكذلك ذكر ابن الجوزي (كعادته) ما ذكره الطبري هنا [المنتظم ٧/ ١٩٩].\n(٢) ذكر الطبري وفاته مرة أخرى وبصيغة التوكيد ضمن أحداث سنة ١٢٠ هـ عن المدائني.\nوكذلك ذكر خليفة بن خياط [تأريخ خليفة ٢٣٣] وابن الجوزي [المنتظم ٧/ ١٩٩] والذهبي [تأريخ الإسلام / وفيات ١٠١ - ١٢٠ هـ / ص ٣٢٢] وابن حجر [تقريب التهذيب / تر ٤٥٧].\n(٣) وهذا ما ذكره خليفة من طرق عدة فقال حدثنا الوليد بن هام عن أبيه عن جده وعبد الله بن المغيرة عن أبيه وأبو اليقظان عامر بن حفص وغيرهم قالوا: جمعت العراق لخالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز البجلي في سنة ست ومئة وعزل سنة عشرين ومئة [تأريخ خليفة / ٢٢٧].","vol":"4","page":309},{"text":"قال فلم يلبث إلا قليلًا حتى جاء كتاب يوسف من العراق قد قدمها وذلك في جمادى الآخرة سنه عشرين ومئة (١).\nوذكر الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، أنّ هشامًا أزمع على عَزْل خالد، وكان سبب ذلك أنه اتخذ بالعراق أموالًا وحفر أنهارًا؛ حتى بلغت غَلته عشرين ألف ألف؛ منها نهر خالد، وكان يُغل خمسة آلاف ألف وباجَوّى وبارُمّانا والمبارك والجامع وكُورة سابور والصِّلح، وكان كثيرًا ما يقول: إنني والله مظلوم؛ ما تحت قدميّ من شيء إلا وهو لي -يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع السواد (٢).\nوكان هشام حسودًا متيقظًا، فبلغه ذلك فأحفظه، وأصرّ عليه فكلّم خالدًا أخلاؤه وصنائعه العُريان بن الهيثم، وبلال بن أبي بُردة، وغيرهما. فقالوا: نشيرُ عليك برأي قد أصبناه ورأيناه صوابًا، فيه دوام نعمتك، وكبت أعاديك. قال: وما هو؟ قالوا: قد بلغنا عن أمير المؤمنين هشام ما غمّنا من سؤاله وقتًا بعد وقتٍ عن غلاتك وأموالك، فاكتب إليه فاعرض عليه أموالك. فقال: والله ما يعارضني شكٌّ في نصيحتكم، ولكني - والله - لا أعطي الدنيّة، ولا أخرج عن يدي درهمًا قسرًا فما فوقه أبدًا. قالوا: فإن هشامًا أعذر منك، ولّاك ولا تملك شيئًا، وقد عرفت شرهه وحرصك، فإن هو قبض ما تعرض عليه فعلينا جمعه لك ثانية، فلما كان في سنة تع عشرة ومئة كتب إليه هشام: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمرٌ لم يحتمله منك إلا لِما أحبَّ\n_________\n(١) عمر هو ابن شبة ثقة وشيخه علي المدائني صدوق وبشر بن عيسى ذكره ابن حبان في الثقات أما أبوه فلم نجد له ترجمة وخبر عزل خالد وتولية يوسف العراق متفق عليه عند المؤرخين المتقدمين والمتأخرين كما سبق وسنذكر بعد قليل ما يؤيده والله أعلم.\n(٢) الهيثم بن عدي متروك ولكن توبع فيه فقد أخرجه البلاذري قال حدثنا العمري (حفص بن عمر) عن ابن عياش به [البلاذري ٩/ ٣٧١٢] ولعلّ أصحّ رواية في الباب هو ما أخرجه المؤرخ الثقة: الزبير بن بكار المتوفى (سنة ٢٥٦ هـ) قال حدثني أبو الحسن المدائني (صدوق) عن قحذم مولى آل أبي بكرة (ذكره ابن حبان في الثقات ولم نعلم فيه جرحًا) وكان قحذم كاتبًا ليوسف بن عمر قال: لما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق اتخذ أموالًا وضياعًا، وحفر أنهارًا، فكان يستغل عشرين ألف ألف درهم بالعراق، منها نهر خالد، وكان يغلّ خمسة آلاف ألف درهم، والجامع، والمبارك ولؤبة سابور، والصلح.","vol":"4","page":310},{"text":"من رب صنيعته قبلك، واستتمام معروفه عندك، وكان أمير المؤمنين أحق من استصلح ما فسد منك، فإن تعُدْ لمثل مقالتك وما بلغ أمير المؤمنين عنك، رأى في معاجلتك بالعقوبة رأيه، إنّ النعمة إذا طالت بالعبد ممتدة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستغل النعمة، ونسب ما في يده إلى جبلته وبيته ورهطه وعشيرته، فإذا نزلت به الغير، وانكشط عنه عماية الغنى والسلطان، ذل منقادًا وندم قسرًا، وتمكّن منه عدوه قادرًا عليه، قاهرًا له، ولو أراد أمير المؤمنين إفسادك لجمع بينك وبين من شهد فلتات خطلك، وعظيم زللك، حيث تقول لجلسائك: والله ما زادني العراق رفعةً ولا شرفًا ولا ولّاني أمير المؤمنين شيئًا لم يكن مَنْ كان قبلي ممّن هو دوني يلي مثله. ولو ابتليت ببعض مقاوم الحَجّاج أهل العراق في تلك المضايق بمثل الجماعات التي لَقي، لعلمتَ أنك من بَجيلة، ولقد خرج عليك أربعون رجلًا فغلبوك على بيت مالك وخزائنك، فما استطعتم إلا بأمانٍ، ثم أخفرتَ ذِمّتك، فيهم رزين وأصحابه، ولعمري لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بلفظ في مجلسك، وجحودك فضله عليك في تصغير عظيم ما أنعمَ به عليك، فحلَّ العقدة، ونقض الصنيعة، وردَّك إلى منزلة أنت أهلها، لكنتَ له مستحقًّا، ولقد حشدَ جدُّك يزيد بن أسد مع معاوية يوم صفّين، وعرض دينه ودمه فما اصطنع إليه، ولا ولّاه ما اصطنع إليك أمير المؤمنين وولّاك، وقِبَلَه من أشراف أهل اليمن والبيوتات مَنْ قبيلتُه أكرم من قبيلتك من كندة وغسّان وآل ذي يَزن وذي كلاع وذي رُعَين في نظرائهم من بيوتات قومهم، كلُّهم أكرم أوليّة، وأشرف أسلافًا من آل عبد الله بن يزيد. ثم آثرك أمير المؤمنين بولاية العراق، بلا بيت عظيم، ولا شرف قديم ولَهذه البيوت تغمرك وتعلوك، وتُسكتك وتتقدمك في المحال والمجامع عند ابتداء الأمور وأبواب الخلفاء. ولولا ما أحبّ أمير المؤمنين من ردّ غربك لعاجلك بالتي كنتَ أهلها، وإنها لقريبٌ منك مأخذها، سريع مكروهها، فمنها - إن اتّقى الله أمير المؤمنين - زوال نعمة الله عليك، وحلول نقمته بك، فيما صنعت وارتكبت بالعراق من أهله، واستعانتك باليهود والنصارى والمجوس، تولِّيهم أموال المسلمين وخراجَهم، وتسلّطهم عليهم، نزعَ بك إلى ذلك عرق سوءٍ من التي قامت عنك، فبئس الجنين أنت عُديّ نفسه، وإن الله لما رأى إحسان أمير المؤمنين إليك وسوءَ قيامك بشكره، قلب قلبه لك فأسخطه عليك، حتى قبحت أمورك عنده، وآيسه","vol":"4","page":311},{"text":"مع شكرك ما ظهر له من كفرك النعمة عندك، فأصبحتَ تنتظر غير النعمة وزوال الكرامة، وحلول الخزي، فتأهب لنوازل عقوبة الله بك، فإن الله عليك أوجد، ولما عملت أكره، فقد أصبحت وذنوبك أعظم من أن يبكّتك بها أمير المؤمنين ذنبًا ذنبًا، ومن يرفع عليك عنده يُبكّتك منها بما نسيته وأحصاه اللهُ عليك، ولقد كان لأمير المؤمنين زاجر عنك بما عرفك من التسرع إلى حماقاتك في غير واحدة، منها القرشي الذي تناولته بالحجاز ظالمًا، فضربك الله بالسوط الذي ضربته به، مفتضحًا على رؤوس رعيتك، ولعلّ أمير المؤمنين أن يعود عليك بمثلها، فإن فعل فأنت أهلها، وإن صفح فأهلُه هو، والله لو لم يستدلّ أمير المؤمنين على ضعف نحائزك، وسوء تدبيرك إلا فسالة دخلائك وبطانتك وعمّالك، والغالبة عليك جاريتك الرائقة، بائعة العهود، ومُشغلة الرجال، مع ما أتلفتَ من مال الله بالمبارك اثني عشر ألف ألف درهم، والله أن لو كنت من ولد عبد الملك لما احتمل لك أمير المؤمنين ما أفسدت من أموال الله، وضيّعت من أمور المسلمين، وسلّطتَ من ولاة السوء على جميع كوَر الإسلام، تُحمَل إليك هدايا النيروز والمهرجان، خالسًا لأكثرها، رافعًا لأقلّها مع كثرة مساويك المتروك تقريرك بها، ومناصبتك أمير المؤمنين في موالاة حسّان ووكيله في ضياعه، وأحوازه في العراق، وسيكون لك ولأمير المؤمنين نبأ إن لم يعفُ عنك، ولكنه يظن الله طالبك بأمور، غير تارك لتكشيفك عنها، وحملك الأموال ناقصة عن وظائفها التي جباها عمر بن هبيرة، وترك رفع محاسبتك سنة كذا وكذا لما وليتَ من خراج العراق، وتوجيهك أخاك أسدًا إلى خراسان، مظهرًا بها العصبية، متحاملًا على هذا الحيّ من مضرَ، قد أتت أمير المؤمنين عيونه بتصغيره لهم، واحتقاره إياهم، ناسيًا لحديث زَرْنَب وقِصص الهجريّين كيف كانت في يزيد بن أسد، فإذا خلوتَ أو توسَّطتَ مَلأ فاعرف نفسَك، واحذر رواجع البغي عليك، وعاجلات العقوبة، فإنّ ما بعد كتاب أمير المؤمنين هذا أفسدُ لك، وأشدُّ عليك، فإن أمير المؤمنين قد تأنّى فيئك، وأمّلَ رجعتك، واستنظرَ توبتك، وقِبَل أمير المؤمنين خلف كثير في أحسابهم وبيوتاتهم وأديانهم، وفيهم عِوَضٌ منك، واللهُ من ورائك إن شاء الله، وكتب [عبد الله بن] سالم، مولى أمير المؤمنين سنة تسع عشرة ومئة.","vol":"4","page":312},{"text":"فلما دخلت سنة عشرين ومئة كتب هشام إلى يوسف بن عمر وهو عامل اليمن بولايته على العراق لما بلغه من شهامته ورجولته وخبثه، ..... الرواية وفي آخرها: وعذب يوسفُ خالدًا، من غير أن يبلغ نفسه، ثم أتاه كتاب هشام في استخلاصه إلى ما قبله، فوجّهه إليه، فخلّى سبيله، فكان مقيمًا بالشام إلى أن مات هشام في سنة خمس وعشرين ومئة، فردّه الوليد بن يزيد إلى يوسف بالعراق فعذّبه حتى قتله (١). [الأخبار الموفقيات / ٢٤٨].\nوفي هذه السنة قدم يوسف بن عمر العراق واليًا عليها، وقد ذكرت سبب ولايته عليها.\nوفي هذه السنة ولَّى خراسان يوسف بن عمر جُديعَ بن عليّ الكرماني وعزل جعفر بن حنظلة (٢).\nوفي هذه السنة عزل الكرماني عن خراسان ووليها نصر بن سيَّار بن ليث بن رافع بن ربيعة بن جريّ بن عوف بن عامر بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وأمّه زينب بنت حسان من بني تغلب (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وقد قيل: إن الذي حجّ بهم فيها سليمان بن هشام وقيل: حجّ بهم يزيد بن هشام (٤).\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام وعلى العراق والمشرق كله يوسف بن عمر. وعلى خراسان نصر بن سيار - وقلى جعفر بن حنظلة - وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلمي من قبل يوسف بن عمر\n_________\n(١) ورجال هذا الإسناد بين الثقة والصدوق كما ذكرنا في مقدمة الخبر وفحذم كاتب والي العراق ذكره ابن حبان في الثقات ولم نعلم فيه جرحًا فقد وضعنا رواية من هذا حاله في قسم الصحيح إذا لم يكن في المتن ما يتعلق بأمور العقيدة أو التشريع أو طعنًا في عدالة الصحابة أو نكارة والله أعلم.\n(٢) انظر قوائم الولاة بعدُ.\n(٣) انظر الحاشية السابقة.\n(٤) لقد ذكر الطبري الرأي الأول بصيغة الجزم وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٢٧].","vol":"4","page":313},{"text":"وعلى قضائها عامر بن عبيدة الباهلي وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>ذكر الخبر عن ظهور زيد بن عليّ</span>\nوفيها قُتل زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب في قول الواقديّ في صفر؛ وأما هشام بن محمد فإنه زعم أنه قتل في سنة اثنتين وعشرين ومئة، في صفر منها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه</span>\nوقد قيل: إن هشام بن عبد الملك إنما استقدم زيدًا من المدينة عن كتاب يوسف بن عمر؛ وكان السبب في ذلك - فيما زعم أبو عبيدة - أن يوسف بن عمر عَذّب خالد بن عبد الله. فادّعى خالد أنه استوح زيد بن عليّ وداود بن عليّ بن عبد الله بن عباس ورجلين من قريش: أحدهما مخزوميٌّ والآخر جُمَحيٌّ مالًا عظيمًا، فكتب بذلك يوسف إلى هشام، فكتب هشام إلى خاله إبراهيم بن هشام - وهو عامله على المدينة - يأمره بحملهم إليه فدعا إبراهيم بن هشام زيدًا وداود، فسألهما عما ذكر خالد، فحلفا ما أودعهما خالد شيئًا، فقال: إنكما عندي لصادقان؛ ولكن كتاب أمير المؤمنين قد جاء بما تريان، فلا بدّ من إنفاذه. فحملهما إلى الشأم، فحلفا بالأيمان الغلاظ ما أودعهما خالد شيئًا قطّ، وقال داود: كنت قدمت عليه العراق، فأمر لي بمئة ألف درهم، فقال هشام: أنتما\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٢) يبدو أن الطبري يميل إلى تثبيت سنة (١٢١ هـ) كتأريخ لمقتله ﵁ ويضعف قول من قال أنه قتل سنة ١٢٢ بينما قال خليفة بن خياط أنه قتل سنة ١٢٢ هـ[تأريخ خليفة / ٢٢٩].\nوقال الذهبي: وقد اختلف في تأريخ مصرعه على أقوال: فقال مصعب الزبيري قتل في صفر سنة عشرين ومئة وله اثنتان وأربعون سنة وقال أبو نعيم قتل يوم عاشوراء سنة اثنين وعشرين ومئة رواه ابن سعد وقال هشام بن الكلبي والليث بن سعد والهيثم بن عدي وغيرهم قتل سنة اثنتين وعشرين ومئة وقال الزبير بن بكار قال محمد بن الحسن قتل زيد يوم الإثنين ثاني صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة / تأريخ الإسلام / حوادث ووفيات ١٢١ - ١٤٠ هـ / ١٠٨.","vol":"4","page":314},{"text":"عندي أصدق من ابن النصرانيّة، فاقدما على يوسف، حتى يجمع بينكما وبينه فتكذّباه في وجهه (١).\nولرواية ضمرة بن ربيعة عن مهلب ما يؤيده (مختصرًا) فقد أخرج البلاذري بإسناده المركب (حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وقرأت على المدائني عن أشياخ ذكرهم وأخبرني عبد الله بن صالح ﵀ عن عبثر بن القاسم بن زبيد، وابن كناسة قالوا: كان زيد بن علي رضي الله تعالى عنه مع خالد بن عبد الله القسري في أصحابه في الكوفة، وخالد والي العراق. وكان داود بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله تعالى عنهم مع خالد أيضًا، فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق مكان خالد بلغه أن خالدًا أودع زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم وداود بن علي بن عبد الله بن العباس مالًا، فَحَلَفا\n_________\n(١) هذا الخبر أورده الطبري عن أبي عبيدة بصيغة التمريض فيما زعم.\nولكن له ما يؤيده فقد أخرج ابن العديم (بغية الطلب ٩/ ٤٠٣٧) وابن عساكر (١٩/ ٤٧١) عن ضمرة بن ربيعة قال: إنما كان سبب وجود زيد بالعراق أنه -يعني يوسف بن عمر - سأل القسري وابنه عن ودائعهم فقالوا: لنا عند داود بن علي وديعة وعند زيد بن علي وديعة فكتب بذلك إلى هشام فكتب هشام إلى صاحب المدينة في إشخاص زيد بن علي وكتب إلى صاحب البلقاء في إشخاص داود بن علي إليه فقدما على هشام، فأما داود بن علي فحلف لهشام أنه لا وديعة لهم عندي فصدّقه - وأذن له بالرجوع وأما زيد بن علي فأبى أن يقبل منه وأنكر أن يكون لهما عنده شيء فقال أقدم على يوسف فقدم على يوسف فجمع بينه وبين يزيد وخالد فقال إنما هو شيء تبردت به مالي عنده شيء فصدّقه وأجازه يوسف وخرج بريد المدينة فلحقه رجال من الشيعة فقالوا له: ارجع فإن لك عندنا الرِّجال والأموال فرجع وبلغ ذلك يوسف، قال ضمرة فسمعت مهلبًا يقول: أمر يوسف بالصلاة جامعة فمن لم يحضر المسجد فقد حلت عليه العقوبة قال: فاجتمع الناس وقالوا ننظر ما هذا الأمر ثم نرجع قال فاجتمع الناس فأمر الأبواب فأخذ بها فبنى عليهم قال وأمر الخيل فجالت في أزقة الكوفة قال فمكث الناس ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في المسجد يؤتى الناس من منازلهم بالطعام يناوبهم الشرط والحرس، قال فخرج زيد على تلك الحال فلم يلبث أن ترتفع الشمس حتى قتل من يومه لم يخرج معه إلا جُميع فأخذه رجل في بستان له مصرف الماء عن الساقية وحفر له تحت الساقية ودفنه وأجرى عليه الماء قال وغلام له سندي في بستان له ينظر فذهب إلى يوسف فأخبره فبعث فاستخرجه ثم صلبه. قال ضمرة فمن يومئذ سمعت الرافضة أتوا إلى يزيد فقالوا سُبَّ أبا بكر وعمر نقوم معك وننصرك فأبى فرفضوا ذلك فسموا يومئذ روافض فالزيدية لا تستحلّ الصلاة خلف الشيعة] اهـ.","vol":"4","page":315},{"text":"على ذلك فقبل يمينهما، وانصرفا إلى مكة فلقيهما نصر بن خزيمة العبسي فدعاهما إلى الخروج فأجابه زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال داود لزيد: يا بن عمر لا تفعل فإنهم يَغُرُّوْنَك ويُسلمونك. قال عبد الله بن صالح في حديثه عن ابن كناسة، وأنشد داود:\nأنا ابن بجدتهم عِلْمًا وتَجْربَةً ... فَاسْألْ بِسَعْدٍ تجِدْني أَعْلَم الناس (١)\n[كتاب جمل من أنساب الأشراف ٣/ ١٣٥٧].\nوذكر عن زيد أنه حلف لهشام على أمر؛ فقال له: لا أصدّقك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله لم يرفع قَدْر أحدٍ عن أن يرضى بالله، ولم يضع قَدرَ أحدٍ عن ألا يُرْضى بذلك منه، فقال له هشام: لقد بلغني يا زيدُ أنك تذكر الخلافة وتتمنّاها، ولستَ هناك وأنت ابن أمة! فقال زيد: إن لك يا أمير المؤمنين جوابًا، قال: تكلم، قال: ليس أحدٌ أولَى بالله، ولا أرفع عنده منزلة من نبيّ ابتعثه؛ وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء، وولد خيرهم محمدًا - ﷺ -، وكان إسماعيل ابن أمَة وأخوه ابنَ صريحة مثلك؛ فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر؛ وما على أحد من ذلك جدَّه رسول الله - ﷺ - ما كانت أمه [أمَةً] فقال له هشام: اخرج، قال: أخرج ثم لا تراني إلا حيث تكره، فقال له سالم: يا أبا الحسين؛ لا يظهرنّ هذا منك (٢).\n_________\n(١) أما الإسناد الأول فتالف والثاني فقد أبهم المدائني أسماء شيوخه ولكن الجزء الثالث من هذا الإسناد المركب فرجاله ثقات ولكن البلاذري خلط المتون ﵀. فلعل نكارة أو غرابة من ضعيف يختلط مع متن صحيح لراوٍ ثقة والحالة هذه والله أعلم.\n(٢) ومتن رواية البلاذري لم تتحدث عن وفود زيد بن علي ومن معه إلى دار الخلافة في دمشق بل اختصر متن هذه المسألة واقتصر على ما جرى بين زيد بن علي ووالي العراق والله أعلم.\nذكر الطبري هذه الرواية بلا إسناد وقد أخرج ابن عساكر.\n٢ - وأخرج ابن عساكر من طريق يموت بن المزرع (لا بأس به) عن محمد بن حميد اليشكري (ثقة) عن معاذ بن أسد (ثقة) قال أقرّ ابن لخالد بن عبد الله القسري على زيد بن علي وداود بن علي بن عبد الله بن العباس وأبو سلمة المخزومي ومحمد بن عمر بن علي وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنهم قد أزمعوا على خلع هشام بن عبد الملك فقال هشام لزيد قد بلغني كذا وكذا؟ قال ليس كما بلغك يا أمير المؤمنين قال بلى قد صحّ عندي ذلك. قال أحلف لك فقال وإن حلفت فأنت غير مصدق فقال زيد إن الله لم يرفع من قدرِ أحدٍ أن =","vol":"4","page":316},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يحلف بالله فلا يصدق فقال له هشام اخرج عني قال إذًا لا تراني إلا حيث تكره فلما خرج من بين يدي هشام قال: من أحبّ الحياة ذلّ، فقال له الحاجب يا أبا الحسين لا يسمعن هذا منك أحد (١٩/ ٤٦٧) وهذا إسناد غير موصول.\nهذه الرواية تخالف رواية الطبري التي ذكرت أن هشامًا صدّقهم عندما أقسموا له بالأيمان المغلظة وأخرج ابن عساكر من طريق يموت بن المزرع عن أبي مسلم عبد الله بن مسلمٌ حدثني أبي عن أبيه قال: دخل زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك وكان زيد لأم ولد فقال هشام: يا زيد بلغني أن نفسك تسمو بك إلى الإمامة والإمامة لا تصلح لأبناء الإماء. فقال له زيد يا أمير المؤمنين إن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ كان لأمة وقد كانت له النبوة وكان صادق الوعد وكان عند ربه مرضيًا والنبوة أكبر من الإمامة ... إلخ الرواية [تأريخ دمشق / ١٩/ ٤٦٨].\nوأما عن إقناع شيعة الكوفة للإمام زيد بالخروج على خليفة الوقت هشام فصحيح كما مرّ بنا في الروايات السابقة ويؤيدها ما أخرجه ابن عساكر عن زكريا بن أبي زائدة قال: لما حججت مررت بالمدينة فقلت لو دخلت على زيد بن علي بن الحسين فسلمت عليه ... الرواية ... وفي آخرها: فخرجت من عنده فمضيت فقضيت حجتي ثم انصرفت إلى الكوفة فبلغني قدومه فأتيته فسلمت عليه ومسألته عما قدم له فأخبرني بكتب من كتب إليه يسأله القدوم عليه فأشرت عليه بالانصراف فلحقه القوم فردوه [تأريخ دمشق ١٩/ ٤٦٩] ولرواية الطبري وروايات ابن عساكر ما يؤيدها من رواية البلاذري من طريق المدائني عن عبد الله بن مسلم الفهري قال دخل زيد بن علي على هشام فلما مثل بين يديه لم ير لنفسه موضعًا - يجلس فيه فعلم أنه إنما فعل ذلك على عمد، فقال يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ فوق أن يؤمر بتقوى الله ولا أحد دون أن يأمر به فقال: لا أم لك، قال: أم لم تلدني؟ قال: أنت الذي تنازعك نفسك الخلافة ... إلخ الخبر) وفيه الحوار الذي ذكرته رواية الطبري وابن عساكر .. والمدائني صدوق وعبد الله بن سلم إن كان البصري فهو معروف كما قال ابن حجر وصدوق كما قال علي بن الحسين بن الجنيد (لسان الميزان / تر ٤٦٢٩).\nومسألة لقاء الإمام زيد بالخليفة هشام قبل سفر الأول إلى العراق مذكورة في روايات عدة تؤكد أن هشام بن عبد الملك لم يكن ليّن الكلام مع زيد بل كان حواره استفزازًا لزيد الذي كان سريع الانفعال وخرج مغضبا كما تؤكد رواية أخرى فقد أخرج ابن عساكر من طريق عباد بن يعقوب - رافضي صادق - قال: حدثنا يونس بن أبي يعفور- ثقة - عن الزهري - ثقة إمام - قال كنت على باب هشام بن عبد الملك قال فخرج من عنده زيد بن علي وهو يقول والله ما كره قوم الجهاد في سبيل الله إلَّا ضربهم الله تعالى بالذل) [تأريخ دمشق ١٩/ ٤٥٥].\nولا ندري ماذا عنى زيد بهذه العبارة هل عنى أنه ترك الجهاد مع الجيوش الفاتحة على أطراف الخلافة وبقي في المدينة منشغلًا عن الجهاد أم أنه يعتبر الخروج على هشام جهادًا؟ الله =","vol":"4","page":317},{"text":"وأما غير أبي مخنف فإنه قال ما ذكر عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم أن زيد بن علي لما قدم على يوسف قال له يوسف: زعم خالد أنه قد أودعك مالًا قال: أنّى يودعني مالًا وهو يشتم آبائي على منبره فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة فقال له: هذا زيد زعمت أنك قد أودعته مالًا وقد أنكر فنظر خالد في وجههما ثم قال أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ إثمًا في هذا؟ وكيف أودعه مالًا وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر قال فشتمه يوسف ثم رده (١).\nوقال عبيد بن جناد، عن عطاء بن مسلم الخفَّاف، قال: كتب هشام إلى\n_________\n= أعلم.\nولقد أخرج الطبري رواية (ذكرناها في قسم الضعيف) عن محمد بن عبد العزيز الزهري (منكر الحديث) قال: لما قدم زيد بن علي على هشام بن عبد الملك ..... الرواية وفي آخرها فقال (أي زيد) والله لا يحب الدنيا أحدٌ إلَّا ذلّ فلما صار إلى هشام قضى حوائجهُ ثم مضى نحو الكوفة) ... إلخ وقد أخرج البلاذري رواية أخرى نحو رواية الطبري [كتاب جمل من أنساب الأشراف ١٨/ ٣٦١٠].\n(١) لم يذكر الطبري الواسطة بينه وبين عبيد بن جناد والذي يبدو لنا أنه عمر بن شبة فقد أخرج البلاذري هذا الخبر مع اختلاف يسير من طريق عمر بن شبة عن عبيد بن جناد عن عطاء بن معلم وعمر بن شبة هو المؤرخ الثقة المعروف وعبيد صدوق ولكن عطاء ضعيف يعتبر به وله ما ينكر أحيانًا ومتنه هنا له ما يؤيده إلَّا أن عبارة (يشتم آبائي على منبره) غير صحيح بل محرّف وهو من تخليط وأخطاء عطاء بن مسلم فلم يصح عن خالد القسري أنه كان يشتم آباء زيد بن علي على المنبر ولو فعله لنقله الثقات إلينا ولو فعله لم يسكت عنه الحسن البصري وأمثاله وهم كثيرون لطالما عرّضوا أنفسهم لغضب الوالي وقالوا كلمة الحق وهم روّاد في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير باللسان - بل لعلّ الصواب هنا أن خالدًا كان يذمّ آباء زيد بن علي (﵃ أجمعين انتهاءًا بسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) وكان له رأي سوء كان يبديه ولكن لم يتفوه به على منبره كما أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أحمد سمعت ابن معين قال خالد بن عبد الله القسري كان واليًا لبني أمية وكان رجل سوء وكان يقع في علي بن أبي طالب (تأريخ دمشق ٦/ ١٦٠).\nوأخرج ابن عساكر من طريق عمر بن شبة ثنا أبو نعيم عن الفضل بن الزبير أنه سمع القسري يقع في علي بن أبي طالب [تأريخ دمشق ٦/ ١٦٠] فلو صح هذان الخبران يكون الصواب أنه كان يقع في سيدنا علي ﵁ في مجلسه لا على منبره والله أعلم بالصواب.\nولذلك قال الذهبي في ترجمة خالد القسري: صدوق لكنه ناصبي بغيض ظلوم [الميزان / ١/ ٦١٧] وأما بقية المتن فصحيح كما ذكرنا آنفًا.","vol":"4","page":318},{"text":"يوسف أن أشخِصْ زيدًا إلى بلده، فإنه لا يقيم ببلد غيره فيدعُوَ أهله إلا أجابوه، فأشخصه، فلما كان بالثعلبيَّة -أو القادسية- لحقه المشائيم -يعني أهل الكوفة- فردُّوه وبايعوه، فأتاه سلمة بن كُهيل، فاستأذن عليه، فأذن له، فذكر قرابته من رسول الله - ﷺ - وحقه فأحسن. ثم تكلم زيد فأحسن، فقال له سلمة: اجعل لي الأمان، فقال: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي الأمان! وإنما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه، ثم قال: لك الأمان، فقال: نشدتُك بالله، كم بايعك؟ قال: أربعون ألفًا، قال: فكم بايع جدَّك؟ قال: ثمانون ألفًا، قال: فكم حصل معه؟ قال ثلثمئة، قال: نشدتُك الله أنت خير أم جدّك؟ قال: بل جدّي، قال: أفقَرْنُك الذي خرجتَ فيهم خير أم القَرْن الذي خرج فيهم جدُّك؟ قال: بل القَرْن الذي خرج فيهم جدّي، قال: أفتطمع أن يفيَ لك هؤلاء، وقد غدر أولئك بجدّك! قال: قد بايعوني، ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم، قال: أفتأذن لي أن أخرج من البلد؟ قال: لمَ؟ قال: لا آمن أن يحدث في أمر حدثٌ فلا أملك نفسي، قال: قد أذنتُ لك، فخرج إلى اليمامة، وخرج زيد فقتل وصلب. فكتب هشام إلى يوسف يلومه على تركه سلمة بن كُهيل يخرج من الكوفة، ويقول: مقامه كان خيرًا من كذا وكذا من الخيل تكون معك (١).\n_________\n(١) إن الطبري في قوله (وقال عبيد بن جناد) أمين جدًّا في نقله للخبر فهو قد اطلع على صحف ورسائل وكتب في التأريخ كثيرة وقد أجازه شيوخه في رواية كتب الأخباريين الذين لم يلقهم فشيخه عمر بن شبة هو الواسطة بينه وبين كتب المدائني وغيره وعلى ما يبدو فإنه قد اطلع على مرويات أخرى للمدائني وعبيد بن جناد وغيرهما كثير ولكن دون إجازة من شيوخه فهو يقول استنادًا إلى اطلاعه الشخصي فيتول (قال) المدائني أو (عبيد بن جناد كما ها هنا وعبيد ثقة إلا أن عطاء بن مسلم ضعيف يعتبر به وهو عند ابن حجر صدوق يخطئ كثيرًا - وقد ذكر هنا جزءًا يسيرًا من رسالة الخليفة هشام إلى وإليه على العراق يأمره فيه أن يبذل جهده في إقناع زيد بالرحيل عن الكوفة والرجوع إلى المدينة - ثم ذكر الطبري رواية أخرى مطولة في ذكر تفاصيل الرسالة التي أرسلها هشام إلى وإليه على العراق وقد ذكرنا الرواية في قسم الضعيف (٧/ ١٦٩) وقد ذكرها الطبري بلا إسناد ومتنها الطويل يخالف ما ذكره البلاذري عن هذه الرسالة التي شاهدها هو وقرأها بنفسه فقد قال البلاذري وقرأتُ في كتاب سالم كاتب هشام كتابًا نُسْخَتُه: \"أما بعد فقد عرفتَ حال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت، ووضعهم إياهم في غير مواضعهم لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم، ونحلتهم إياهم عظيم ما هو كائن مما استأثر الله بعلمه دونهم حتى حملوه على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة، وقد قدم =","vol":"4","page":319},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي - كذلك قال أبو مَعْشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت. عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال الواقديّ وغيره (١).\nوكان عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة محمد بن هشام، وعامله على العراق كلّه يوسف بن عمر، وعامله على أذرَبيجان وأرمينية مَرْوان بن محمد، وعلى خراسان نصر بن سيّار، وعلى قضاء البصرة عامر بن عُبيدة، وعلى قضاء الكوفة ابن شُبُرمة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[خبر مقتل زيد بن علي] </span>(٣)\nوفي هذه السنة قتل كلثوم بن عياض القُشيريّ الذي كان هشام بن عبد الملك\n_________\n= زيد بن علي على أمير المؤمنين في خصومة، فرأى رجلًا جدلًا لَسِنًا حُوَّلًا قُلَّبًا، خليقًا بصوغ الكلام وتمويهه واجترار الرجال بحلاوة لسسانه، وكثرة مخارجه في حُجَجه، وبما يدلي به عند الخصام من العُلُوِّ على الخصم بالقوة المؤدية إلى الفَلْج، فَعَجِّل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تدعه العام قِبَلكَ [أنساب الأشراف / ٩/ ١٣٦٠].\nوهذه الصيغة التي ذكرها البلاذري أقرب إلى الصحة وأبعد عن التلفيقات التي يدخلها الرواة الوضاعون على رسائل الخلفاء وخطب الأمراء وفيها تأييد لفحوى المسألة التي أرادها الخليفة هشام وكما ورد في رواية الطبري الضعيفة [فعجّل إشخاصه إلى الحجاز] ورواية الطبري التي ذكرنا هنا في قسم الصحيح وفي أولها: كتب هشام إلى يوسف بن عمر أن أشخص زيدًا إلى بلده (٧/ ١٦٨) والله أعلم.\n(١) وكذلك وافق خليفة قول أبي معشر والواقدي (تأريخ خليفة / ٢٢٨).\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام بن عبد الملك.\n(٣) مقتل الإمام زيد بن علي ﵁: لقد ذكرنا أصحّ ما ورد في خبر خروج ومقتل الإمام زيد بن علي حشره الله في زمرة الشهداء والصديقين وقد فاتتنا رواية اختصرت مسألة خروجه ومقتله فقد أخرج ابن عساكر وابن العديم كلاهما من طريق المؤرخ الصدوق خليفة قال: ثنا أبواليفظان عن جويرية بن أسماء وغيره أن زيد بن علي قدم على يوسف بن عمر فأجازه وأحسن إليه ثم شخص إلى المدينة فأتاه ناس من أهل الكوفة فقالوا له ارجع فليس يوسف =","vol":"4","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بشيء فنحن نأخذ لك الكوفة فبايعه ناس كثير وخرج معه ناس كثير فاقتتلوا فقتل زيد فيها يعني سنة اثنين وعشرين ومئة) ا. هـ.\n[تأريح دمشق / ٩/ ٤٧٨] [بغية الطلب ٩/ ٤٠٤٩] وأما أبو اليقظان فقد سبق أن ترجمنا له وشيخه جويرية بن أسماء صدوق من السابعة روى عن الزهري وكان يافعًا يوم استشهد الإمام زيد والله أعلم وقال ابن سعد في ترجمة سلمة بن كهيل: توفي سنة ١٢٢ هـ حين قتل زيد بن علي بالكوفة [الطبقات الكبرى / ص ٣٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>خلاصة القول في خروج الإمام زيد واستشهاده ﵁ مستقاة من أصح الروايات في الباب وكما ذكرنا</span>\nالإمام زيد بن علي إمام من أئمة أهل السنة والجماعة.\nأخرج ابن عساكر من طريقين عن هاشم بن البريد عن زيد بن علي قال: أبو بكر الصديق إمام الشاكرين ثم قرأ ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] [تأريخ دمشق ١٩/ ٤٦٠] وأخرج من طرق عن هاشم بن البريد عن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر وعمر البراءة من علي [المصدر السابق ١٩/ ٤٦٢] وأخرج من طريق يعقوب بن شيبة عن أحمد بن داود الحداني قال سمعت عيسى بن يونس وسئل عن الرافضة والزيدية فقال: أما الرافضة فأول ما ترفضت: جاؤوا إلى زيد بن علي حين خرج فقالوا: تبرّأ من أبي بكر وعمر حتى تكون معك فقال بل أتولّاهما وأبرأ ممن يبرأ منهما، قالوا إذًا نرفضك فسميت الرافضة وقال: وأما الزيدية فقالوا نتولاهما ونبرأ ممّن يتبرأ منهما فخرجوا مع زيد فسميت الزيدية -[تأريخ دمشق ١٩/ ٤٦٤].\nأما عن طموحه إلى الخلافة فقد وردت الروايات التأريخية بأنه كان يرى نفسه أهلًا لها ولا يقل عن هشام بن عبد الملك في أهليته إن لم يكن خيرًا منه فقد أخرج ابن عساكر خبرًا من طريقين أحدهما عن عبد الله بن عبد الرحمن الزهري.\nوالآخر عن عبد الكريم بن شعيب الحجبي والخبر يؤكد أن الإمام زيد بن علي قد أعلن على ملًا من الناس وكبرائهم في المسجد النبوي أنه ليس أقل شرفًا من هشام بن عبد الملك أو أن هشام ليس خيرًا منه [تأريخ دمشق / ١٩/ ٤٦٩ و٤٧٠].\nوكانت العلاقة بينه وبين ولاة هشام طيبة وخاصة والي العراق القشري وقد بقي خمسة عشر عامًا في عهد الخليفة هشام لا يدعو إلى خروج أو عصيان حتى كانت سنة (١٢١ هـ) فاستدعاه الخليفة لما بلغه عنه من توقان نفسه إلى الخلافة وما إلى ذلك - ولكن الخليفة لم يحمد لقياه هذه المرة فقال الإمام زيد كلمته المعروفة: والله لن ترى مني إلا ما تكره ثم شخص إلى العراق والتقى بواليه يوسف بن عمر فأكرمه وأجزل عطاءه وما زال به حتى اقتنع بالرحيل عن الكوفة والسفر إلى موطنه في الحجاز إلّا أن شيعة الكوفة وكعادتهم مع آبائه أعطوه البيعة =","vol":"4","page":321},{"text":"بعثه في خيول أهل الشأم إلى إفريقيّة؛ حيث وقعت الفتنة بالبربر (١).\nوفيها قتل عبد الله البطَّال في جماعة من المسلمين بأرض الروم (٢).\n_________\n= وأثنوه عن السفر إلى الحجاز وزيّنوا له الأمر وكانت كلماتهم ووعودهم الزائفة أوقع في نفسه من كلام من عذله ومنعه من الخروج على خليفة الوقت وممن عذله ابن عمه وسلمة بن كهيل وغيرهما ولكن قدّر الله وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وإليك أخي القارئ رأي أئمة أهل السنَّة والجماعة من المؤرخين الحفاظ في الإمام وخروجه.\nقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام زيد بن علي ﵄: وكان أحد العلماء الصلحاء بدت منه هفوة فاستشهد فكانت سببًا لرفع درجته في آخرته [تأريخ الإسلام / أحداث ووفيات ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ١٠٥].\nوقال ابن عماد الحنبلي: ضمن حديثه عن أحداث سنة ١٢٢ هـ: وفيها قتل الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين ﵃ بالكوفة وقال أيضًا: وكان من أمر زيد ﵁ أن هشامًا لما عرف كماله واستجماعه لخلال الفضل كتب إلى عامله على الكوفة يوسف بن عمر بن أبي عقيل الثقفي يأمره أن يوجه زيدًا إلى الحجاز - ففعل - فلما بلغ يزيد العذيب (واد بظاهر الكوفة) لحقته الشيعة وأخبروه أن الناس مجمعة عليه ولم يزالوا به حتى رجع [شذرات الذهب / ٢/ ٩٢].\nوقال الذهبي أيضًا: وكان ذا علم وجلالة وصلاح هذا وخرج فاستشهد وقدم على متولي العراق يوسف بن عمر فأحسن جائزته ثم سيَّره فأتاه قوم من الكوفة فقالوا ارجع نبايعك فما يوسف بشيء فأصغى إليهم وعسكر فبرز لحربه عسكر يوسف فقتل في المعركة [سير أعلام ٥/ ١٧٨].\n(١) صحيح أن كلثوم بن عياش قتل في معركة شرسة أيام فتنة للبربر إلّا أن مقتله لم يكن في سنة ١٢٢ هـ كما ذكر الطبري وإنما سنة ١٢٤ هـ كما ذكر الإمام الحجة الليث بن سعد وهو أقرب إلى أخبار هذه الوقعة وهو مصري (ت ١٧٥ هـ) فقد أخرج ابن عبد الحكم قال: حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد قال: ثم وجّه هشام على أفريقية كلثوم بن عياض القيسي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين ومئة فلما قدم كلثوم أفريقية أمر أهل أفريقية بالجهاز والخروج معه إلى البربر، وقال أيضًا: حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد قال قتل كلثوم في سنة أربع وعشرين ومئة [فتوح مصر / ١٤٥ - ١٤٦].\nوكذلك ذكر خليفة بن خياط أن كلثوم بن عياض قدم واليًا على إفريقية في سنة (١٢٣) وقتل سنة ١٢٤ هـ[تأريخ خليفة / ٢٣٠] والله أعلم.\n(٢) أما خليفة فقد ذكر أن البطال قتل بأرض الروم سنة ١٢١ هـ / تأريخ خليفة / ٢٢٩ وكذلك ذكر الذهبي وفاته ضمن أحداث سنة ١٢١ هـ ونسبه إلى خليفة [تأريخ الإسلام / ٦] وقال ابن كثير وفي هذه السنة قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم ولم يزد ابن جرير =","vol":"4","page":322},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام المخزوميّ، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر؛ وكذلك قال الواقديّ وغيره (١).\nوكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل؛ إلا أنّ قاضي الكوفة كان - فيما ذكر - في هذه السنة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوحجّ بالناس في هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي أيضًا (٣).\nوكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها وقد ذكرتهم قبل (٤).\n_________\n= على هذا فقد ذكر هذا الرجل الحافظ ابن عساكر في تأريخه الكبير فقال: ثم سرد ابن كثير سيرة هذا البطل الشجاع وأخباره كما ذكر ابن عساكر ثم عقب قائلًا: فهذا ملخص ما ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة، وهي كذب وافتراء ووضع بارد وجهل كبير [البداية والنهاية ٧/ ٢٠٧].\nوقال الذهبي في ترجمته: رأس الشجعان والأبطال وقال أيضًا ولكن كذب عليه جهلة القصاص وحكوا عنه من الخرافات ما لا يليق [دول الإسلام ١/ ٧٩].\n(١) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٣٠].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.\n(٣) ووافق خليفة قول الطبري هنا [تأريخ خليفة / ٢٣٠].\n(٤) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.","vol":"4","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>ابتداء أمر أبي مسلم الخُراساني </span>(١)\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي (٢).\nوكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة اثنتين وعشرين ومئة وفي سنة ثلاث وعشرين ومئة وقد ذكرناهم قبل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزوة النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة.\n_________\n(١) مع الأسف الشديد لم نجد أحدًا من المؤرخين المتقدمين (فيما نعلم) يتحدث عن بدء عمل الدعوة العباسية بإسناد موصول أو منقطع، وإنما ذكروا تلك الأخبار بلا إسناد ولقد ذكر الطبري ضمن أحداث سنة ١٢٤ هـ أن بكير بن ماهان اشترى غلامًا وهو في السجل وكان هذا الغلام المجهول هو أبو مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس وفي إسناد الخبر مجهولون ورواه بسند آخر وبصورة مغايرة ولكن دون إسناد والذي نميل إليه أن بني العباس لم يكونوا بهذه السذاجة فيختاروا غلامًا مجهولًا لمجرد نبوغه وذكاءه وأدبه بل الذي نميل إليه أن أبا مسلم كان معروف الأب والجد كما أخرج ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله المرثدي ثنا أبو إسحاق الصلحي ثني أبو مسلم محمد بن عبد المطلب بن فهم بن محرز وهو من ولد أبي مسلم قال: كان اسم أبي مسلم صاحب الدعوة إبراهيم بن عثمان بن يسار وكان يكنى أبا إسحاق وولد بأصبهان ونشأ بالكوفة وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السراج فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين فقال إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن العباس: لما عزم على توجيهه إلى خراسان غيّر اسمك ... إلى آخر الرواية وتكنّى أبا مسلم وتوجه أبو مسلم لشأنه وهو ابن تسع عرة سنة وزوّجه إبراهيم بن محمد بن علي: بنت عمران بن إسماعيل الطائي وهي بخراسان مع أبيها تزوجها وقت خروجه إلى خراسان] [تأريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٠/ ٢٠٧ / ٥٣٥٢] و[تأريخ دمشق / ٣٥/ ٤١٠].\n(٢) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٣١].\n(٣) انظر قوائم الولاة في آخر عهد هشام.","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-746>خبر وفاة هشام بن عبد الملك</span>\nومن ذلك وفاة هشام بن عبد الملك بن مروان فيها، وكانت وفاته - فيما ذكر أبو معشر - لستّ ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى؛ عنه.\nوكذلك قال الواقديّ والمدائنيّ وغيرهما؛ غير أنهم قالوا: كانت وفاتُه يوم الأربعاء لستّ ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر، فكانت خلافتُه في قول جميعهم تسعَ عشرة سنة، وسبعة أشهر وأحدًا وعشرين يومًا في قول المدائنيّ وابن الكلبيّ، وفي قول أبي معشر: وثمانية أشهر ونصفًا، وفي قول الواقديّ: وسبعة أشهر وعشر ليالٍ.\nواختلف في مبلغ سنه، فقال هشام بن محمد الكلبيّ: توفِّيَ وهو ابن خمس وخمسين سنة. وقال بعضهم توفِّيَ وله اثنتان وخمسون سنة.\nوقال محمد بن عمر: كان هشام يوم تُوفِّيَ ابن أربع وخمسين سنة. وكانت وفاته بالرُّصافة وبها قبره، وكان يكنى أبا الوليد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>ذكر بعض سيَر هشام</span>\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن وَسْنان الأعرجيّ،\n_________\n(١) لا خلاف بين المؤرخين في أنه توفي ﵀ سنة ١٢٥ هـ ولا خلاف بينهم كما ذكر الطبري في أنه حكم تسع عشرة سنة وبضعة أشهر والخلاف في الأشهر فقط فالمدائني والكلبي يرى أنه حكم (١٩) عامًا وسبعة أشهر وعشرين يومًا، وأبو معشر يرى الأشهر المضافة سبعة أشهر وعشرين يومًا والواقدي يرى الأشهر المضافة سبعة أشهر وعشر ليالٍ.\nوكذلك اختلفوا في سنه يوم توفي - ولفد أخرج خليفة في تأريخه من طرق تتعاضد ببعضها قال حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده (أي قحذم الذي أدرك هشام فكان كاتبًا لواليه على العراق) وعبد الله بن مغيرة عن أبيه، وأبي اليقظان وغيرهم قالوا: مات هشام بن عبد الملك بالرصافة يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومئة وهو ابن ثلاث وخمسين وصلى عليه الوليد بن يزيد بن عبد الملك [تاريخ خليفة / ٢٣٢] وانظر [البداية والنهاية ٧/ ٢١٦)] وتأريخ الإسلام [المجلد السابق / ٢١٤].","vol":"4","page":325},{"text":"قال: حدّثني ابن أبي نُحَيلة عن عقَّال بن شَبَّة قال: دخلتُ على هشام، وعليه قبَاء فنَك أخضر، فوجّهني إلى خُراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قَباء فَنَك أخضر، فجعلت أتأمّل هذا، أهو ذاك أم غيره؟ فقال: هو والله الذي لا إله إلا هو ذاك، ما لي قَباء غيره. وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم. قال: وكان عقَّال مع هشام. فأما شبّة أبو عَقّال؛ فكان مع عبد الملك بن مروان، وكان عقّال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشوّ عَقْلًا (١).\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ، قال: قال مروان بن شجاع؛ مولى لمروان بن الحكم: كنت مع محمد بن هشام بن عبد الملك، فأرسل إليّ يومًا، فدخلتُ عليه، وقد غضب وهو يتلهَّف، فقلتُ: ما لك؟ فقال: رجل نَصرانيٌّ شجَّ غلامي - وجعل يشتمه - فقلت له: على رِسْلك! قال: فما أصنع؟ قلت: ترفعه إلى القاضي، قال: وما غير هذا! قلت: لا، قال خصيّ له: أنا أكفيك، فذهب فضربه. وبلغ هشامًا فطلب الخصيّ، فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، وقال الخصيّ: بلى والله لقد أمرتَني، فضرب هشام الخصي وشتم ابنَه (٢).\nحدّثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، قال: قال جعفر بن سليمان: قال لي عبد الله بن عليّ: جمعتُ دواوين بني مروان، فلم أرَ ديوانًا أصحّ ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام (٣).\n_________\n(١) الخبر أخرجه البلاذري (٨/ ٣٥٦) وفيه ريسان الأعرجي بدل وسنان - ولفظه دخلت على هشام وعليه قباء أخضر. إلخ وليس فيه (فنك) وشيخ الطبري هنا ثقة والمدائني صدوق ولم نجد لوسنان ترجمة وأما ابن أبي نحيلة فقد ترجم له عقال بن عساكر وعقال بن شبة ذكره ابن حبان في الثقات ولآخر الخبر ما يشهد له [وأما ما ترون من جمعي المال وصونه لكم] فله ما يؤيده كما سنذكر في الخلاصة فبما بعد عند الحديث عن السياسة المالية لهشام بن عبد الملك.\n(٢) رجال هذا الإسناد بين الثقة والصدوق وهو دليل ساطع على احترام حقوق أهل الذمة أيام الخلافة الإسلامية وعدالة هشام مع رعيته.\n(٣) رجال هذا الإسناد بين الثقة والصدوق إلى عبد الله بن علي والخبر أخرجه البلاذري [كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣٩١] ويشهد له الذي بعده.","vol":"4","page":326},{"text":"حدثنا أحمد، قال: قال عليّ: قال غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحدٌ من بني مَرْوان أشدّ نظرًا في أمر أصحابي ودواوينه، ولا أشدّ مبالغة في الفَحْص عنهم من هشام (١).\nحدّثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمير بن يزيد، (عن أبي خالد) قال: حدّثني الوليد بن خليد، قال: رآني هشام بن عبد الملك، وأنا على بِرْذون طُخَاريّ، فقال: يا وليد بن خليد، ما هذا البرذون؟ قلت: حملني عليه الجُنيد، فحسدني وقال: والله لقد كثرت الطُّخاريّة، لقد مات عبد الملك فما وجدنا في دوابه برذونًا طُخاريًّا غير واحد، فتنافسه بنو عبد الملك أيهم يأخذه؛ وما منهم أحدٌ إلا يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من عبد الملك شيئًا (٢).\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، قال: قال قحذم كاتب يوسف: بعثني يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفِّي، وحبّة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ، فدخلت عليه فدنوت منه، فلم أر وجْهه من طول السرير وكثرة الفُرش، فتناول الحَجَر والحبّه، فقال: أكتب معك بوزنهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ هما أجلّ عن أن يُكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما! قال: صدقت، وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله، اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار (٣).\n_________\n(١) أما شيخ الطبري أحمد فثقة والمدائني صدوق وأما غسان بن عبد الحميد فقد ذكره ابن حبان في الثقات والخبر أخرجه البلاذري [المصدر السابق / ٨/ ٣٥٧٩] وهو يتقوى بالذي قبله، وهذه شهادة ذات أهمية بالغة فهي شهادة من خصومه بني العباس؛ فعبد الله بن علي عمّ الخليفة العباسي الأول وهو هنا بشهد أن الخليفة هشام كان إداريًا من الدرجة الأولى حازمًا دقيقًا في إدارة الخلافة.\n(٢) في إسناد الطبري تصحيف والصواب عن أبي خلدة (خالد بن دينار) وإسناد الطبري حسن صحيح إلى الوليد بن خليد والخبر أخرجه ابن عساكر بتمامه [٦٣/ ١٢٩] وفي هذا الخبر من مناقب هشام ومثالبه أما الذي من مثالبه فلا يليق بخليفة مسلم يحكم شطر العالم القديم يحسد بعض رعاياه.\nوأما الذي من مناقبه أن من بين رعايا الخليفة من يملك عربة أو دابة فارهة (برذون طخاري- أي عتيق فاره) لا يملكه الخليفة ولا يسلبه منه وهذه درة من درر التأريخ الإسلامي.\n(٣) شيخ الطبري ثقة والمدائني صدوق وقحذم ذكره ابن حبان في الثقات وقال: لم نعلم فيه =","vol":"4","page":327},{"text":"وفي هذه السنة ولي الخلافة بعد موت هشام بن عبد الملك الوليدُ بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وليَها يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومئة في قول هشام بن محمد الكلبيّ.\nوأما محمد بن عمر فإنه قال: استُخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلْون من شهر ربيع الآخر من شهر خمس وعشرين ومئة.\nوقال في ذلك عليّ بن محمد مثل قول محمد بن عمر (١).\n* * *\n_________\n= جرحًا ومن ذكره ابن حبان في الثقات وقال: لم نعلم فيه جرحًا قبلنا روايته في التأريخ إذا لم يكن في متن خبره ما يتعلق بالعقيدة أو التشريع وليس فيه طعن في عدالة الصحابة ولا يخالف رواية من هو أوثق منه ولا نكارة فيه - وهذه الرواية تضاف إلى الروايات الأخرى التي تؤكد أن خالدًا استغلّ منصبه في العراق وصارت لديه ثروة كبيرة يوزعها على الناس دون ضابط مما دفع الخليفة هشام إلى عزله عن العراق وقد قطعنا على أنفسنا أن نبيّن حقيقة الواقعة التأريخية دون أن نختار ما يروق لنا ونترك ما لا يروق. والله الموفق.\n(١) وكذلك قال خليفة أي أنه ولي الخلافة سنة (١٢٥) هـ في شهر ربيع الآخر [تأريخ خليفة ٢٣١] وانظر [تأريخ الإسلام / أحداث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>الخليفة هشام بن عبد الملك ١٠٥ هـ - ١٢٥ هـ \"مناقبه ومثالبه</span>\"\nمناقبه:\n١ - كان هشام إداريًا حازمًا دقيقًا:\nلقد ذكرنا في قسم الصحيح قبل قليل رواية الطبري المسندة الموصولة (ورجال إسناده بين ثقة وصدوق) يشهد فيها عمّ الخليفة العباسي (عبد الله بن علي) أنه فتّش دواوين خلفاء بني مروان فوجد دواوين هشام بن عبد الملك أصحّها وأصلحها للعامة والسلطاان سواءً بسواء - والرواية الثانية عن - غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحدٌ من بني مروان أشد نظراص في أمر أصحابه ودواوينه ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام.\n٢ - السياسة المالية لهشام بن عبد الملك:\nلقد عرف هشام رحمه الله تعالى بحرصه على المال العام فضبط موارد ومخارج بيت المال- ولقد ذكرنا الرواية في قسم الصحيح وفيها يقول هشام: وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم، وسنذكر هنا ما يؤيد هذا المفهوم فقد أخرج ابن عساكر عن أبي عمير بن النحاس (ثقة) حدثني أبي قال: كان لا يدخل بيت مال هشام مال حتى يشهد أربعون قسامة لقد أخذ من حقه ولقد أعطي لكل ذي حق حقه [مختصر تأريخ دمشق ٩٩/ ٢٧ وتأريخ =","vol":"4","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الإسلام / أحداث ووفيات / ١٢١ - ١٤٠ هـ / ٢٨٣].\nوأخرج البلاذري حدثني محمد بن أنس الأسدي عن ابن كناسة الأسدي قال: قدم رصافة هشام رجل من بني أسد، ثم من بني فقعس على هشام، فدخل عليه حين جلس للعامة، فقال: يا أمير المؤمنين أتت علينا سنونٌ ثلاثٌ أجحفت بالأموال ونحبت قلوب الرجال، فأما الأولى منهنّ فأذابت الشحم، وأما الثانية فَنَحَضَتِ اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحظرونها عنهم وتمنعونها ذوي خلّتهم، وإن تكن لكم فتصدقوا فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قال هشام: هذه حاجتك في خاصتك، فما حاجتك في عامتك؟ قال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة، فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله أن أنفق على من أقحمته السنة حتى يأتي الله بالحيا والخصب. وكتب بمثل ذلك إلى إبراهيم بن هشام عامله بالمدينة فأنفقا، فاحتسب بألفي ألف درهم، واحتسب إبراهيم بسبعين ألف دينار فسميت السنة سنة خالد. [كتاب جمل من أنساب الأشراف / ٨/ ٣٥٨٤].\nوأخرج البلاذري: حدثنا محمد بن الأعرابي عن المفضّل الضبيّ قال: دخل قرواش بن حبيب على هشام في غمار الناس فقال: إنا أنضاء سفر، وفَلّ سنة، وعندكم أموال فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تمنعونهم إياها، وإن تكن بينكم وبينهم فقد أسأتم الأثرة وتركتم النِّصْفَة. فقال هشام: نحن أقفال عند الله مفاتيحها، فإذا أذن في شيء فتحنا له [المصدر السابق / ٨/ ٣٥٨٠].\nوأخرج البسوي من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده قال (كنت عند هشام بن عبد الملك جالسًا فأتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين إن عبد الملك أقطع جدي قطيعة فأقرها الوليد وسليمان حتى إذا استخلف عمر رحم الله عمر - نزعها ... الخبر وفيه قال (أي هشام) والله إن فيك لعجبًا تذكر من أقطع جدك ومن أقرها في يده فلا ترحّم عليه وتذكر من نزعها فترحّم عليه فأنا قد أمضينا ما صنع عمر- رحم الله عمر - قُمْ) المعرفة والتأريخ ١/ ٦٠٤.\n٣ - تواضع هشام بن عبد الملك للعلماء والعامة على حد سواء:\nأ - أخرج ابن الجوزي من طريق عمير بن مرداس قال ثنا الحميدي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله فقال له يا سالم: سلني حاجة فقال له إني لأستحي من الله أن أسأل في بيت الله غيره فلما خرج في أثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة فقال له سالم من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة فقال من حوائج الدنيا فقال له ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها [المنتظم ٧/ ١١٤].\nب - وأخرج البسوي قال: ثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان بن عيينة حدثني أبي قال حجّ هشام بن عبد الملك فطاف في البيت ومعه سالم بن عبد الله فأراد أن يدخل الحجر فزاحمه =","vol":"4","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سالم هكذا وأشار سفيان بمنكبيه، فطاف من وراء الحجر، قال سفيان: شهده أبي [المعرفة والتأريخ ٢/ ٢٢٦].\nج - أخرج البلاذري من طريق المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة ماؤها يغمر الكعبين وقد وضع له كرسي فجلس عليه فلما رآني دعا لي بكرسي ثم جلس يسائلني فأقبلت أحدثه ثم قال: يا خالد لربّ خالدٍ جلس مجلسك كان أحب إليّ منك -يعني خالد بن عبد الله القسري- قال: فقلت: يا أمير المؤمنين لو تفضلت عليه بصفحك وتغمّدته بحلمك؟ فقال: إن خالدًا أدلَّ فأملَّ وأوجف فأعجف فسكت [كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣٦٠٠] ومسلمة أخباري مأمون وأما خالد بن صفوان فقد قال فيه الذهبي أحد فصحاء العرب ومن مشاهير الأخباريين [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٨١].\nوهذه أمثلة على تواضع هشام واختلاطه بالعامة والخاصة في الأيام العادية ومشاركة الناس في مناسباتهم وأحزانهم وما إلى ذلك فقد صح عن هشام بن عبد الملك أنّه صلّى على عددٍ من أئمة التابعين حين حضر جنازتهم - فكان يحج معهم ويزاحمونه عند الحجر ويموتون فيصلي عليهم ويدخل عليه الناس في وقت استجمامه وراحته - يا ترى كم تتغيّر الصورة لو قبلنا فقط روايات المؤرخين الثقات وبأسانيدهم الصحيحة بدلًا من أكوام الروايات المهلهلة التي لفّقها أبو مخنف والكلبي وغيرهما - ولقد أخرج ابن عساكر من طريق أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيد قال دخل عقال بن شبة على هشام فأراد أن يقبل يده فمنعه وقال مَهْ لا يفعل هذا من العرب إلا الهلوع ولا من العجم إلا الخضوع [٤٠/ ٤٨١].\n٤ - حب هشام لمجالس العلم والعلماء وتكفله لمعاشهم والسؤال عنهم واستشارتهم في أمور الحكم:\nأ - معلوم لدى المؤرخين (متقدمين ومتأخرين) أن الإمام الزهري رحمه الله تعالى كان كالظل للخليفة هشام يشير عليه في أمور الخير ويعينه على الحكم بكتاب الله وسنة نبيّه وكان هشام يُحُبه ويُجلّه - فقد أخرج البسوي من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يملي على بعض ولده فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمئة حديث ثم خرج الزهري من عند هشام فقال أين أنتم يا أصحاب الحديث فحدثهم تلك الأربعمئة حديث ثم أقام هشام شهرًا ... إلى آخر الخبر [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٤٠ / و١/ ٦٣٠] وأخرج البسوي قال: حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه: أن هشام بن عبد الملك قضى دين ابن شهاب ثمانين ألف درهم [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٣٠] وهذا إسناد صحيح وأخرج ابن العديم من طريق الوليد بن شجاع قال حدثني محمد بن شعيب بن شابور قال أخبرنا الوليد بن سليمان بن أبي الساري عن رجاء بن حيوة أنه حدثه قال: كتب هشام بن =","vol":"4","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الملك إلى عامله أن يسأله عن حديث قال رجاء فكنت قد نسيته لولا أنه كان عندي مكتوبًا [بغية الطلب ٨/ ٣٦٢٣].\nوأخرج الفسوي من طريق محمد بن أبي عمر عن سفيان قال: قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما النجاة من هذا الأمر؟ قال: يسير. قال وما ذاك؟ قال لا تأخذن شيئًا إلا من حلّه ولا تضعنّ شيئًا إلّا في حقه قال ومن يطيق ذلك يا أبا حازم؟ قال من طلب الجنة وهرب من النار [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٧٩].\n٥ - هشام كان يجد من يعينه على الحق ويزيد الذي سبقه لم يجد.\nلعلّ القارئ الكريم يتسائل وما علاقة هذه المسألة بمناقب خليفة الوقت هشام - فأقول وبالله التوفيق:\nإن الباحث المنصف حين يتدبّر روايات التأريخ الصحيحة يجد أن كوكبة من العلماء برزوا في عهد عمر بن عبد العزيز أعانوه على عمله الإصلاحي والتغييري نحو إرجاع الخلافة إلى ما كان عليه أيام الراشدين ومعاوية وكذلك هشام وإن لم يصل إلى مستوى ابن عبد العزيز ولكنه بلغ قمة سامقة أعانه في ذلك البلوغ كوكبة من العلماء كالزهري وغيره ليس فقط في ميدان تذكير الحاكم بالحق والخير وإعانته على البرّ وإنما في مجال ترشيد الناس وتربيتهم وتوجيههم فكانوا بذلك مدارس عظيمة لتنشئة الجيل على الهدى والحق- فقال البسوي سعيد (بن عبد العزيز) قال كان سليمان بن موسى يقول إذا جاءنا العلم من الحجاز عن الزهري قبلناه وإذا جاءنا من الجزيرة عن ميمون بن مهران قبلناه وإذا جاءنا من العراق عن الحسن قبلناه وإذا جاءنا من الشام عن مكحول قبلناه] قال سعيد: فكان هؤلاء الأربعة علماء الناس في خلافة هشام] [المعرفة والتأريخ ٢/ ٤١٠] وهذا يذكرنا بما تعلّمناه من أساتذتنا من أن التأريخ الإسلامي تأريخ أمة وليس تأريخ أسر حاكمة ونضيف إلى كلامهم الكريم فنقول: إن الأمة بكل صنوفها حكامًا ومحكومين شاركوا في تسطير صفحات ذلك التأريخ بما فيه من قمم، وبما فيه غير ذلك، ولقد كان هشام حريصًا على تولية العلماء مناصب في إدارته؛ فقد أخرج الأصبهاني في حلية الأولياء عن التابعي الجليل إبراهيم بن أبي عبلة قال: أرسل إليّ هشام بن عبد الملك فقال: لي يا إبراهيم إنا قد عرفناك صغيرًا واختجرناك كبيرًا فرضينا سيرتك وحالك وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي واشركك في عملي وقد وليتك خراج مصر فقلت (أي إبراهيم) أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك وكفى به جازيًا ومثيبًا وأما الذي أنا عليه فمالي بالخراج بصر ومالي عليه قوة، قال: فغضب حتى اختلج وجهه وكان في عينه (حول) فنظر إلي نظر منكظًا ثم قال: لتلين طائعًا أو لتلين كارهًا؟ قال فأمسكت عن الكلام حتى رأيت غضبه انكسر وسورته قد طفئت فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم؟ قال: نعم قلت: إن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾. =","vol":"4","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فوالله يا أمير المؤمنين ما أغضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنت بأحق أن تغضب علي إذا أبيت، ولا تكرهني إذا كرهت. قال: فضحك حتى بدت نواجذه.\nثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقهًا، لقد رضينا عنك ووافيناك (تهذيب الحلية ٢/ ١٩٥ / تر ٣٢١).\nوقبل أن نغادر هذه المسألة نقول: ليس هذا فقط من صنف العلماء وإنما كان من بين قواده وأمراءه وخاصة (أقاربه) من يعينه على الحق كخاله وأخيه (مسلمة) وأخيه الآخر محمدًا فمسلمة كان قائدًا شجاعًا صالحًا شديدًا على أعداء الخلافة الإسلامية.\nوكثير من القادة والعلماء كانوا يسمعون ويطيعون للخليفة هشام ومن قبله يزيد وعمر بن عبد العزيز وسليمان ولكن في طاعة الله فإذا أمر بمعصية لم يسمعوا له بل أنكروا عليه ولكن بالحجة واللسان دون اللجوء إلى السيف الذي طالما فرّق الجماعة وأحدث جراحات في الأمة وكان هذا دأب كثير من أئمة المسلمين كمحمد بن الحنفية وابن عباس وأنس بن مالك ﵃ ومن بعدهم الحسن البصري وغير واحد فالحسن البصري والشعبي عندما سألهما والي العراق في عهد يزيد هل ينفذ أوامر الخليفة بحذافيرها أم يسمع له في المعروف والحق فقط فأشارا عليه بالسمع في الطاعة فقط فإن يزيدًا لا يملك له عند الله شيئًا ولا يغني عنه.\nوأمر الله أولى بالاتباع فقد أخرج البلاذري من طريق المدائني عن المفضل بن فضالة قال بعث ابن هبيرة إلى الحسن والشعبي فاجتمعا عنده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك عبد من عباد الله أخذ عهده لهم وأعطوه عهودهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه أمور لا أجد من إنفاذها بُدًّا، والحسن ساكت فقال له لما بقول يا أبا سعيد؟ قال: إنّ الله مانعك من يزيد وإن يزيدًا غير مانعك من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك أمر من السماء فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فلا يوسعه إلا عملك، يابن هبيرة إني أنهاك عن الله أن تتعرض له، فإن الله إنما جعل السلطان ناصرًا لدين الله وعباده فلا تركبوا عباد الله بسلطان الله فتذلوهم، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. [كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣٤٦٢].\nورواية أخرى أخرجها الكندي المصري (أبو عمر) قال:\nحدَّثنا أبو بشر الدُولابيّ قال: حدَّثني معاوية بن صالح الأشعري قال: أخبرني منصور بن أبي مُزاحم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ولَّى هشام أخاه محمدًا مصر فقال له: أنا أليها على أنك إن أمرتني بخلاف الحقّ تركتُها. فقال: ذلك لك، فوليها شهرًا فأتاه كتاب لم يعجبه فرفض العمل وانصرف إلى الأردن وكان منزله بها في قرية يقال لها ريسون فكتب: أتترك مصر لريسون حسرة ستعلم يومًا أيّ بيعتك إربح قد أدرك هشام مثل هذا. فأجابه محمد: إنّي لست أشكّ في أن أربح البيعتين ما صنعت [كتاب الولاة والقضاة / ٧٣]. =","vol":"4","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٦ - الجهاد ومعارك الفتوح أيام الخليفة هشام بن عبد الملك. (١٠٥ - ١٢٥ هـ) لو راجعنا أسماء القادة والأمراء الذين ولّاهم هشام على الجيوش الفاتحة لتبيّين لنا أن هشام كان يرسل أبناءه وإخوانه وأبناء عمومته على رأس الجيوش الفاتحة - بالله عليك أخي القارئ كم حقائق تأريخية طمست في خضم الروايات الملفقة - فها هو الخليفة هشام يختار أقرب المقربين إليه ليحاربوا في بلادٍ سحيقة البعد منقطعة الطرق فيها عدو شرس تمرّن على الكرّ والفرّ والغدر والحيلة! ! !\nإلا أنها عقيدة التوحيد حين استقرت في تلك النفوس فدفعتها إلى تسجيل تلك الصفحات الناصعة من التاريخ الإسلامي ولكن أنّى لأقلام مستشرقة أن تذكر هذه الدرر وهذه الصفحات الناصعة البياض وإليك أسماء القادة والأمراء المجاهدين في عهده:\n١ - معاوية بن هشام بن عبد الملك (ابن الخليفة).\n٢ - سليمان بن هشام بن عبد الملك (ابن الخليفة).\n٣ - مسلمة بن عبد الملك (أخو الخليفة).\n٤ - محمد بن مروان (ابن عم الخليفة هشام).\nحركة الفتوحات والجهاد في عهد الخليفة هشام: غزا معاوية بن هشام أرض الروم فبعث ابن بطَّال (البطل المعروف) إلى حنجرة ففتحها (تاريخ خليلة / ٣٢٥).\nوفي سنة (١٠٩ هـ) غزا مسلمة بن عبد الملك وسرع الجيوش في أذربيجان فشتّوا بها (خليفة / ٣٢٥).\nوفي سنة (١٠٩ هـ) غزا معاوية بن هشام أرض الروم وافتتح حصنًا يقال له القطاسين (خليفة / ٣٥٢) وفي سنة (١١٠ هـ) غزا معاوية أرض الروم وافتتح حصنين من حصونهم صملة والبوة (ص ٣٥٣) (والطبري ٧/ ٥٤) وفي سنة (١٢١ هـ) هزم سعيد بن جممرو الحرشي ابن خاقان وقتل منهم مقتلة عظيمة فهرب طاغية الخزر وكتب إلى هشام بن عبد الملك (خليفة / ٣٥٧) (وانظر أحداث ١١٣ هـ عند الطبري ٥/ ٨٨) وفي سنة (١٢١ هـ) غزا مروان بن محمد من أرمينية غزوة السائحة فدخل من باب اللان ضمر بأرض اللان حتى خرج منها إلى بلاد الخزر ضمر ببلنجر وسمندر فانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان فهرب خاقان (خليفة / ٣٦٤).\nوفي سنة (١٢١ هـ) خرج مروان بن محمد منطلقًا من أرمينية فأتى قلعة بيت السري وحصن نحو مسلم ثم دخل أرض تومان وصالح ملكها ثم سار إلى أرض زروبكرزان (تاريخ خليفة / ٣٦٧) وفي سنة (١١٤ هـ) سار مروان غازيًا حتى جاوز نهر أرم (خليفة / ٣٥٩) وفي سنة (١١٤ هـ) النقى البطل المسلم المعروف بابن بطال مع قسطنطين فهزم الله العدو وأسر قسطنطين في هذه المعركة (تاريخ خليفة / ٣٦٠) وفي سنة (١١٦ هـ) أغزى أرض السوس وأرض السودان فظفر وأصاب ذهبًا كثيرًا (خليفة / ٣٦١) وما ذكرناه جزء من فتوحات أخرى =","vol":"4","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حدثت في عهد أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك الذي كان حريصًا على إلقاء جذوة الجهاد متقدة وقدّم من أجل ذلك أبناءه وأخاه وابن عمه في مقدمة الجيوش الفاتحة ويوم أن جاء البشير إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بالفتح وانتصار المسلمين على خاقان فكبر (البشير) على الباب وهشام يكبر لتكبيره حتى انتهى إليه فقال الفتح يا أمير المؤمنين وأخبره فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر (الطبري ٧/ ١٢٦) فرحم الله الخليفة العادل الزاهد المجاهد هشام بن عبد الملك وبهت أعداء الإسلام وأعداء تأريخه العظيم.\n٧ - وهذه آراء بعض أئمة التأريخ في هشام بن عبد الملك:\nقال الحافظ ابن كثير: لما مات هشام بن عبد الملك مات ملك بني أمية وتولّى وأدبر أمر الجهاد في سبيل الله واضطراب أمرهم جدًّا وإن كانت تأخرت أيامهم بعده نحوًا من سبع سنين ولكن في اختلاف وهيج وما زالوا كذلك حتى خرج عليهم بنو العباس فاستلبوهم نعمتهم وملكهم وقتلوا منهم خلقًا وسلبوهم الخلافة] البداية والنهاية ٩/ ٣٦٩ وقال المدائني والهيثم وغيرهما: السوّاس من بني أمية ثلاث: معاوية، وعبد الملك، وبهشام اختتمت أبواب السياسة وحسن السير [شذرات الذهب ٢/ ١٠٥] وقال عماد الدين أبو الفداء: وكان هشام حازمًا سديد الرأي غَزيرَ العقل [المختصر بأخبار البشر ١/ ٢٠٥] هذا بالإضافة إلى شهادة خصومه بني العباس وقد ذكرناها في قسم الصحيح من قبل.\nونختتم مناقبه بكلام المؤرخ الإمام الثقة ابن الجوزي إذ قال نقلًا عن علماء السير:\nقال علماء السير: كان هشام إذا صلّى الغداة كان أول من يدخل عليه صاحب حرسه فيخبره بما حدث في الليل ثم يدخل عليه موليان له صع كل واحد منهما مصحف فيقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره حتى يقرأ عليهما جزأه، ويدخل الحاجب فيقول فلان بالباب وفلان وفلان فيقول ائذن، فلا يزال الناس يدخلون عليه فإذا انتصف النهار وضع طعامه ورفعت الستور فيدخل الناس وأصحاب الحوائج وكاتبه قاعد خلف ظهره فيقوم أصحاب الحوائج فيسألون حوائجهم، فيقول لا ونعم، والكاتب خلفه يرفع بما يقول حتى إذا فرغ من طعامه وانصرف الناس صار إلى قائلته فإذا صلى الظهر دعى بكاتبه فناظره فيما ورد من أمور الناس حتى يصلي العصر ثم يأذن للناس فإذا صلى العشاء الآخرة حضر سمّاره؛ الزهري وغيره [المنتظم ٧٢/ ٩٨].\nوأما مثالب الخليفة هشام بن عبد الملك:\n١ - تأخّره في عزل والي العراق خالد بن عبد الله القسري:\nومن باب عدم بخس الناس أشياءهم نقول: إن خالدًا قام بأعمال خير، منها: استصلاح الأراضي الزراعية وحفر الأنهار، وإكرام أئمة أهل البيت كالإمام زيد وأبناء عمومته - وكان في الوقت نفسه حربًا على الزنادقة وأهل البدع والأهواء وكما قال ابن كثير كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد وقد نسب إليه =","vol":"4","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صاحب العقد أشياء لا تصح لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع [البداية: ١/ ٢٢] وكذلك قال الذهبي: إن من حسناته قَتلهُ مغيرة بن سعيد الكذاب [سير أعلام ٥/ ٤٣٢] ولعل ذلك كان سببًا دفع أهل البدع والأهواء إلى نسج روايات ملفقة عن سوء سلوكه وحكمه ولكن كل ذلك لا يخفي ما ذكرته الروابات الصحيحة من إسرافه وتبذيره للمال العام وإنفاقه على الناس دون ضابط على العكس تمامًا من الخليفة يزيد بن عبد الملك وتأخّر هشام في عزله من مثالبه رحمه الله تعالى.\nوالنقد نفسه يوجه إلى هشام لعدم عزله يوسف بن عمر بعد قتله لإمام من أئمة أهل البيت ألا وهو زيد بن علي ﵁.\n٢ - بالرغم من حزم هشام وصبره وتواضعه فَقَدْ فَقَدَ توازنه المعهود حين بلغه أن يزيد يطمح إلى الخلافة وازداد حنقًا عندما حاوره في سنة (١٢١ هـ) وعلم من فصاحته وبلاغته ومنطقه الأخّاذ، فأساء معاملته وأغلظ في الكلام معه ولم يكرمه حق الإكرام الذي يستحق كإمام من أئمة أهل البيت الكرام، فكانت تلك المواجهة الكلامية السيئة التي قابل بها زيدًا سببًا أو شرارة أذكت روح الإباء والخروج عند الإمام زيد كما قال ابن عساكر: وفد على هشام بن عبد الملك فرأى منه جفوة فكان ذلك سبب خروجه وطلبه للخلافة [تأريخ دمشق ١٩/ ٤٥٠ / تر ٢٣٤٤].\nوالمعروف عن هشام كرهه الشديد لسفك الدماء وكان حريصًا على إقناع زيد بأي شكل من الأشكال بالرجوع إلى الحجاز وترك الكوفة ولقد طلب من والي العراق وبإلحاح أن يسرع في حثه على العودة إلى الحجاز وقد نجح في ذلك لولا تشبث شيعة الكوفة به وهو خارج الكوفة. وسوء تعامله مع الإمام زيد في لقائهما الأخير سنة (١٢١ هـ) من مثالبه الكبيرة وقد ترك أثره من بعد هشام.\nقال خليفة تحت عنوان: تسمية عمال هشام بن عبد الملك:\nمكة والمدينة والطائف: محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي سنة ست ومئة في جمادى الأولى، فلم يزل واليًا على مكة حتى مات هشام.\nالمدينة: ولاها مع مكة محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم عزله سنة أربع عشرة ومئة وولى خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، ثم عزله سنة تسع عشرة ومئة، وكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فكان يصلي بالناس حتى قدم محمد بن إبراهيم بن هشام سنة تسع عشرة، فلم يزل واليًا حتى مات هشام.\nاليمن: ولاها هشام يوسف بن عمر الثقفي، فقدمها لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست ومئة، فلم يزل واليًا حتى كتب إليه في سنة عشرين ومئة بولايته على العراق، فسار واستخلف ابنه الصلت بن يوسف. ثم ولّاها أخاه القاسم بن عمر، فلم يزل واليًا حتى مات هشام. =","vol":"4","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= البصرة: ولّاها خالد بن عبد الله القسري عند ولايته العراق أبان بن ضبارة بن عفير بن سيف بن ذي يزن من أهل حمص.\nوالشرط: عقبة بن عبد الأعلى الكلاعي من أهل دمشق، ثم ولّى الشرط مالك بن المنذر بن الجارود العبدي، فقدمها في ذي القعدة سنة ست ومئة، ثم عزل مالك بن المنذر بن الجارود وولّى بلال بن أبي بردة سنة، ثم ولّى النضر بن عمر المُقرئ الحميري من أهل دمشق الصلاة، ثم عزله في آخر سنة عشر ومئة، وجمع الصلاة والشرط والقضاء لبلال بن أبي بردة حتى عزل خالد عن العراق سنة عشرين ومئة، وولى يوسف بن عمر الثقفي العراق فبعث الوازع بن عباد الكلبي فأخذ بلالًا، ثم ولّى يوسف كثير بن عبد الله السلمي ويكنى أبا العاج ثم عزله سنة اثنتين وعشرين ومئة وولّى القاسم بن محمد فلم يزل واليًا حتى مات هشام.\nالكوفة: ولاها خالدُ بن عبد الله عبد الملك بن جزء بن حدرُجان الأزدي من أهل فلسطين، ثم عزله وولّى إسماعيل بن أوسط البجلي، ثم عزله وولى عبد الله بن عمرو البجلي ثم عزله وولّى أخاه عاصم بن عمرو، ثم عزله وولى ضبيس بن عبد الله البجلي، ثم عزله وولّى نوفًا الأشعري، ثم عزله وولّى زياد بن عبيد الله الحارثي، ثم عزل خالدا سنة عشرين ومئة وولّى يوسف بن عمر، فولّى الحكم بن الصلت الثقفي، ثم عزله وولّى يوسف بن محمد بن القاسم الثقفي، ثم عزله وولّى محمد بن عبيد الله الثقفي، ثم عزله وولى زياد بن صخر اللخمي، ثم عزله وولّى عبيد الله بن العباس الكندي، ثم عزله وولّى أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، فأقام جمعة حتى هرب يوسف بن عمر.\nخراسان: ولّى خالد بن عبد الله أخاه أسد بن عبد الله خراسان، ثم عزله هشام سنة ثمان ومئة وولى أشرس بن عبد الله السلمي ثم عزله سنة ثلاث عشرة ومئة وولّى الجنيد بن عبد الرحمن من مرة غطفان، ثم عزله سنة خمس عشر ومئة وولّى عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، ثم جمعت لخالد بن عبد الله الثانية فولّى أخاه أسد بن عبد الله، فمات أسد سنة عشرين ومئة قبل عزل خالد بقليل، واستخلف جعفر بن حنظلة البهراني ثم ولّى هشام نصر بن سيار الليثي حتى مات هشام.\nسجستان: ولّاها خالد بن عبد الله يزيد بن الغريف الهمداني، ثم الأصفح الكندي أبا خالد بن الأصفح الكندي، ثم عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فلم يزل واليًا حتى عزل خالد وولّى يوسف بن عمر العراق، فولّاها محمد بن حجر بن قيس العبدي، ثم إبراهيم بن عاصم العقيلي فمات إبراهيم فولّاها يوسف حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالي، فلم يزل واليًا حتى مات هشام.\nالسند: أقرَّ عليها خالد بن عبد الله الجنيد بن عبد الرحمن من مرة غطفان سنتين، ثم عزله وولّى تميم بن زيد القيني، ثم عزله وولّى الحكم بن عوانة، فقتلت الميذ الحكم، =","vol":"4","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= واستخلف محمد بن عرار الكلبي، فعزله يوسف سنة اثنتين وعشرين ومئة وولّى عمرو بن محمد بن القاسم، فلم يزل واليًا حتى مات هشام.\nالبحرين: عمال خالد عليها محمد بن زياد بن جرير بن عبد الله البجلي وهزان بن سعيد، ويحيى بن إسماعيل، ويحيى بن زياد بن الحارث الحارثي.\nوعمال يوسف على البحرين: عبد الله بن شريك النميري، ومحمد بن حسان بن سعد الأسيدي، وغلب عليها المسيب بن فضالة نحوًا من ثلاث سنين.\nاليمامة: ولاها هشام المهاجر بن عبد الله من بني أبي بكر بن كلاب فمات المهاجر فولّاها ابنه حتى قتل الوليد.\nمصر: ولّى هشام محمد بن عبد الملك بن مروان ثم ولّاها عبيدة بن الحبحاب مولى بني سلول.\nإفريقية: كان عليها بشر بن صفوان الكلبي، فخرج عنها وافدًا إلى يزيد بن عبد الملك، واستخلف يحيى بن ماعصة الكلبي، فرد هشام بشر بن صفوان إليها فقدمها سنة ست، فلم يزل واليًا حتى مات سنة تسع ومئة، واستخلف نعّاس بن قرط الكلبي فعزله هشام وولّى عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، فقدمها سنة عشر ومئة، ثم شخص عنها واستخلف عقبة بن عبد الله بن قدامة التجيبي، ثم جمعها لعبيدة بن الحبحاب مع مصر، فقدمها سنة عشر ومئة، ثم عزله سنة ثلاث وعشرين ومئة وولّاها كلثوم بن عياض، ثم ولى حنظلة بن صفوان الكلبي فقدمها في النصف من جُمادى الأولى سنة أربع وعشرين فلم يزل بها إلى سنة تسع وعشرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>القضاة في ولاية هشام بن عبد الملك</span>\nالبصرة: \"ولى خالد بن عبد الله ثمامة بن أنس بن مالك قضاء البصرة، ثم عزله سنة تسع ومئة وجمع القضاء لبلال بن أبي بردة، فلم يزل قاضيًا حتى قدم يوسف بن عمر سنة عشرين ومئة فولى عبد الله بن بريدة الأسلمي\"، فلم يلبث أن مات فاستقضى عامر بن عبيدة الباهلي، فلم يزل قاضيًا حتى مات هشام والوليد، ووقعت الفتنة فاعتزل.\nالكوفة: أقر خالد الحسين بن الحسن الكندي عليها ثم عزله، ثم سعيد بن أشوع الهمداني، ثم محارب بن دثار سنة ثلاث عشرة ومئة ثم الحكم بن عتيبة العجلي، ثم أعاد ابن أشوع فلم يزل قاضيًا حتى مات، ثم ولّى عيسى بن المسيب البجلي، ثم قدم يوسف بن عمر فعزل عيسى بن المسيب وولّى عبد الله بن شُبرمة الضبي، ثم عزله وولاه بيت المال وولّى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حتى مات هشام والوليد.\nالمدينة: ولى هشام إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المدينة فاستقضى محمد بن صفوان الجمحي، ثم استقضى الصلت بن زبيد بن الصلت ثم عزل إبراهيم بن هشام سنة أربع عشرة، وولى المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص فاستقضى =","vol":"4","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة</span>\nقال الطبري: قد مضى ذكر سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له بالخلافة بعد أخيه هشام بن عبد الملك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[تولية الوليد نصر بن سيار على خراسان وأمره مع يوسف بن عمر]</span>\nوفي هذه السنة ولّى الوليدُ نصرَ بن سيّار خراسان كلها وأفرده بها (٢).\n[تولية الوليد بن يزيد خاله يوسف الثقفي على المدينة ومكة] (٣).\n_________\n= خالد أبا بكر بن عبد الرحمن بن حويطب من بني عامر بن لؤي، ثم عزله واستقضى محمد بن صفوان الجمحي، ثم عزل هشام خالدًا سنة تسع عشرة ومئة، وكتب إلى أبي بكر (بن محمد) بن عمرو بن حزم فلم يزل قاضيًا حتى مات. [تأريخ خليفة / (١) ٢٣٢ - ٢٣٥].\n(١) قد ذكر الطبري أن العلاقة بين هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك كانت سيئة والسبب واضح فقد عرف عن الوليد فسقه وعدم التزامه وشربه للخمر.\nثم ذكر الطبري رواية غير صحيحة السند مضطربة المتن وقد تكلّمنا عنها بما فيه الكفاية في القسم الثاني (الضعيف والمسكوت عنه) ونثبت هنا ما نراه أصحّ رواية في الباب والله أعلم.\nفقد أخرج ابن الجوزي من طريق علي بن الحسن الهسنجاني حدثنا أصبغ بن الفرج قال سمعت ابن عيينة يقول إن الوليد بن يزيد أمر بقبّة من حديد أن تعمل وتركب على أركان الكعبة ويخرج لها أجنحة لتظله إذا حج وطاف فعملت ولم يبق إلا أن تركب فقام الناس في ذلك؛ الفقهاء والعباد وغضبوا في ذلك وقالوا لا يكون هذا قط وكان من أشدهم في ذلك كلامًا وقيامًا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن وكتب إلى الوليد بذلك [المنتظم ٧/ ٢٣٧] وهذا إسناد صحيح وابن عيينة معاصر لتلك الأحداث وكان سنه يوم قتل الوليد عشرون سنة.\nولكن بعض الرواة الغلاة المبتدعة حرّفوا هذه الرواية وزاد عليها بعض المؤرخين المنحازين كما ذكرنا في قسم الضعيف فليراجع.\n(٢) ذكر الطبري هنا أن الوليد هو الذي ولّى نصرًا خراسان أو جمعها كلها له ولكن خليفة ذكر أن نصرا تولّى خراسان أيام هشام وبقي عليها حتى توفي هشام وأيام الوليد كذلك [تأريخ خليفة ٢٣٣ / و٢٣٨] والله أعلم.\n(٣) قال خليفة: كتب الوليد إلى محمد بن هشام بن إسماعيل وهو وال على مكة لهشام بن عبد الملك فقدم عليه واستخلف على المدينة محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. =","vol":"4","page":338},{"text":"وفي هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاري (١).\nوتوفي محمد بن علي في مستهلّ ذي القعدة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكان بين وفاته ووفاة أبيه علي سبع سنين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن زيد بن علي</span>\nوفي هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بخراسان (٣).\nوكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[ذكر بقية أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك]</span>\nفمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص الوليد بن يزيد.\nذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قُتِل:\nقد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما وليَ الخلافة وأفضت إليه، لم يزدد في\n_________\n= فعزله الوليد وجمعها ليوسف بن محمد بن يوسف مع مكة والطائف حتى قتل الوليد (تأريخ خليفة / ٢٣٨].\n(١) كذلك قال خليفة [٢٣٩].\n(٢) وكذلك أرخ ابن كثير [البداية والنهاية ٧/ ٢١٨] والذهبي [تاريخ الإسلام / المجلد السابق / ٢٢٥] وانظر وفيات الأعيان [٤/ ١٨٨].\n(٣) ذكر الطبري في خبر مقتله ﵁ رواية عن ابن الكلبي المتروك عن أبي مخنف التالف الهالك ولم نجد ما يؤيد تفاصيل تلك الرواية من مصدر موثوق.\n(٤) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الوليد.","vol":"4","page":339},{"text":"الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفُسَّاق إلا تماديًا وحدًّا - تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها - فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده، فكرهوا أمرَه.\nوكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه إفساده على نفسه بني عفيه بني هشام وولد الوليد، ابني عبد الملك بن مروان، مع إفساده على نفسه اليمانية، وهم عُظْم جند أهل الشأم.\nذكر بعض الخبر عن إفساده بني عمّيه هشام والوليد:\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، عن المنهال بن عبد الملك، قال: كان الوليد صاحبَ لهو وصيد ولذات؛ فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي فيها الناس حتى قُتل؛ ولم يزل ينتقل ويتصيد، حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتدّ علي بني هشام؛ فضرَب سليمان بن هشام مئة سوط وحلَق رأسه ولحيته، وغَرّبه إلى عَمّان فحبسه بها؛ فلم يزل بها محبوسًا حتى قتل الوليد.\nقال: وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عمر بن الوليد، فيها فقال: لا أردّها، فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك. قال: وحبس الأفقم يزيدَ بن هشام، وأراد البيعة لابنيه الحكَم وعثمان فشاور سعيد بن بَيهس بن صُهيب، فقال: لا تفعل؛ فإنهما غلامان لم يحتلما؛ ولكن بايع لعَتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فغضب وحبسه حتى مات في الحبس. وأراد خالد بن عبد الله على البَيعة لابنيه فأبى، فقال له قوم من أهله: أرادك أمير المؤمنين على البَيعة لابنيه فأبيتَ، فقال: ويحكم! كيف أبايع مَنْ لا أصلّي خلفه، ولا أقبل شهادته! قالوا؛ فالوليد تُقبل شهادته مع مُجونه وفسقه! قال: أمْر الوليد أمر غائب عني ولا أعلمه يقينًا؛ إنما هي أخبار الناس؛ فغضب الوليد على خالد (١).\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، عن يزيد بن مصَاد الكلبيّ، عن\n_________\n(١) أحمد بن زهير ثقة وشيخه علي المدائني صدوق والمنهال ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر مقبول من الثالثة [تقريب / تر ٤٧٠٦) ومثل هذا قبلنا روايته في قسم الصحيح وبالشروط التي ذكرنا في المقدمة وكررناها مرارًا أثناء البحث.\nوهذه الرواية تذكر مجونه وفسقه وبعده عن إدارة شؤون الناس وظلمه لرعيته وخاصة أقربائه وأبناء عمومته.","vol":"4","page":340},{"text":"عمرو بن شَراحيل، قال: سيّرنا هشام بن عبد الملك إلى دَهْلك؛ فلم نزل بها حتى مات هشام، واستُخلف الوليد، فكُلِّم فينا فأبى، وقال: والله ما عمل هشام عملًا أرْجَى له عندي أن تناله المغفرة به من قَتْله القَدَريّة وتسييره إياهم. وكان الوالي علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلمي، وكان يقول: لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهرًا حتى يقتل؛ ويكون قتلُه سبب هلاك أهل بيته. قال: فأجمع على قتل الوليد جماعة من قُضاعة واليمانيَة من أهل دمشق خاصة، فأتى حُرَيث وشبيب بن أبي مالك الغسانّي ومنصور بن جُمهُور ويعقوب بن عبد الرحمن وحِبال بن عمرو؛ ابن عمّ منصور، وحميد بن نصر اللخميّ والأصبغ بن ذؤالة وطُفيل بن حارثة والسَّريّ بن زياد بن عِلاقة خالدَ بن عبد الله، فدعوْه إلى أمرهم فلم يجبهم، فسألوه أن يكتم عليهم، فقال: لا أسمَي أحدًا منكم. وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يفتكُوا به في الطريق. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخّر الحجّ العام، فقال: ولم؟ فلم يخبره، فأمر بحبسه وأن يُستأدَى ما عليه من أموال العراق (١).\n_________\n(١) في هذا الإسناد حذف لاسم الواسطة بين المدائني ويزيد بن مصاد كما أشار الحافظ ابن عساكر عند تخريجه لهذا الخبر من طريق الطبري فقال (ابن عساكر) أظنه أسقط عمر بن مروان بن علي بن محمد ويزيد بن مصاد والله أعلم [تأريخ دمشق / ٤٦/ ٧٥].\nوأما عن إسناد رواية الطبري فشيخه ثقة والمدائني صدوق ولكن لم نجد ليزيد بن مصاد ترجمة سوى ما ذكره ابن عساكر دون جرح أو تعديل أما راوي الخبر (شاهد) فقد وثقه أبو زرعة وغيره [تأريخ دمشق ٤٦ / تر ٥٣٥١] وللشطر الأخير من الرواية ما يشهد لها كما سنذكر ولعلّ إدراجًا في المتن [لا يعيش إلا ثمانية عشر شهرًا] فعلى عادة الرواة المجاهيل وغيرهم من بعض القصاص يروون أخبارًا تحدد وفاة كل خليفة سواء كان ذلك عن طريق رؤيا أو تنبؤ أو إخبارًا من منجم، وكل ذلك غير صحيح.\nولقد أخرج ابن عساكر ويخره من طريق ابن أبي خيثمة عن ابن أبي الشيخ عن أبي سفيان الحميري (وصالح بن سليمان) قالا: أراد الوليد بن يزيد أن يحجَّ وهو خليفة فاتّعد فتية من وجوه اليمن أن يفتكوا به في طريقه وسألوا خالدًا القسري أن يكون معهم فأبى، قالوا فاكتم علينا قال نعم فأتاه خالد فقال يا أمير المؤمنين دع الحج عامك هذا فإني خائف عليك قال ومن الذي تخافهم عليَّ؟ فسمّهم لي قال قد نصحتك ولن أسمّيهم لك قال إذا أبعث بك إلى عدوك يوسف بن عمر قال وإن فعلت، قال فبعث به إلى يوسف بن عمر فعذبه حتى قتله ولم يسمّ له القوم [مختصر تأريخ دمشق ٢٦/ ٣٧١] وبغية الطلب لابن العديم.\nوابن أبي خيثمة هو الإمام الثقة وشيخه سليمان بن أبي الشيخ الواسطي نزيل بغداد وثقه =","vol":"4","page":341},{"text":"حدثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: دخل أبي بشرُ بن الوليد على عمّي العباس، فكلّمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرادّه، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويردّ عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصّواب فيما يقول عمّي، فقال العباس: يا بني مروان؛ إني أظنّ الله قد أذن في هلاككم؛ وتمثّل قائلًا:\nإني أَعِيذُكُمُ باللهِ مِنْ فِتنٍ ... مثلِ الجبالِ تَسَامَى ثم تندَفعُ\nإنَّ البريَّةَ قد مَلَّتْ سِياسَتكُمْ ... فاسْتَمْسِكُوا بِعَمُود الدينِ وارتَدعُوا\nلا تلحِمُنَّ ذِئابَ الناسِ أنفُسَكُم ... إنَّ الذئاب إذا ما أُلحِمتْ رَتَعُوا\nلا تَبْقَرُنَّ بأَيديكم بُطونَكمُ ... فثَمّ لا حَسَرةٌ تغْني ولا جَزعُ (١)\nحدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدثنا عمرو بن مروان الكلبي، قال: حدّثني رَزين بن ماجد، قال: غَدَوْنا مع عبد الرحمن بنَ مصاد، ونحن زُهاء ألف وخمسمئة؛ فلما انتهينا إلى باب الجابية ووجدناه مغلقًا، ووجدنا عليه رسولًا للوليد، قال: ما هذه الهيئة وهذه العُدّة! أما والله لأعلمنّ أمير المؤمنين. فقتله رجل من أهل المِزّة، فدخلنا من باب الجابية، ثم أخذنا في زُقاق الكلبيّين، فضاق عنا، فأخذ ناس منا سوق القمح؛ ثم اجتمعنا على باب المسجد، فدخلنا على يزيد، فما فرغ آخرُنا من التَّسليم عليه؛ حتى جاءت\n_________\n= أبو داود وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٧٤ / تأريخ بغداد / ٩/ ٥١) وأبو سفيان الحميري صدوق وسط ولقد ولد سنة ١١٢ هـ كما جزم كشل صاحب تأريخ واسط / ١٧٥ / وهذا يعني أنه عاصر تلك الأحداث في الرابعة عشر من عمره ولكنه نزيل واسط ورحل إلى بغداد ولم نجد من يذكر أنه كان في الشام حين نوى الوليد الحج ودار الحوار بينه وبين القسري ولم يحضر ذلك الحوار بلا شك، وصاحبه الذي شاركه في هذه الرواية ليس بالمرضي كما قال الذهبي في الميزان وهذه طرق تتعاضد ببعضها والله أعلم.\n(١) لرواية الطبري هذه ما يؤيدها فقد أخرج خليفة بن خياط قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني عبد الله بن واقد الجرمي وكان شهد قتل الوليد قال: لما أجمعوا على قتل الوليد قلدوا أمرهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وبايعه من أهل بيته عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فخرج يزيد بن الوليد فأتى أخاه العباس ليلًا فشاوره في قتل الوليد فنهاه عن ذلك إلى آخر الخبر كما سنذكر بعد قليل. [تأريخ خليفة / ٢٣٧].","vol":"4","page":342},{"text":"السَّكاسك في نحو ثلثمئة، فدخلوا من باب الشرقيّ حتى أتوا المسجد، فدخلوا من باب الدّرَج، ثم أقبل يعقوب ابن عُمير بن هانئ العبسيّ في أهل داريّا، فدخلوا من باب دمشق الصغير، وأقبل عيسى بن شبيب التغلَبيّ في أهل دُومَة وحرَسْتا، فدخلوا من باب تُوما، وأقبل حُمَيد بن حبيب اللخميّ في أهل دير المرّان والأرْزَة وسَطْرا، فدخلوا من باب الفراديس، وأقبل النَّضْر بن الجَرَشيّ في أهل جَرَش وأهل الحديثة ودير زكَّا، فدخلوا من باب الشرقيّ، وأقبل ربْعيّ بن هاشم الحارثيّ في الجماعة من بني عُذْرة وسَلامان، فدخلوا من باب توما، ودخلت جُهَينة ومن والاهم مع طلحة بن سعيد، فقال بعض شعرائهم:\nفجاءَتهُمْ أنصارهُمْ حين أَصْبَحُوا ... سكاسِكُها أهلُ البُيُوتِ الصَّنادِدِ\nوكلبٌ فجاؤُوهُمْ بِخَيلٍ وعُدَّةٍ ... منَ البَيض والأَبدانِ ثمّ السَّواعِدِ\nفأَكرمْ بهم أحياءَ أنصار سُنَّةٍ ... همُ مَنَعُوا حُرْماتِها كلَّ جاحدِ\nوجاءتهُمُ شعبان والأَزدُ شُرَّعًا ... وعَبْسٌ ولخمٌ بين حامٍ وذائِد\nوغَسّانُ والحَيَّانِ قيسٌ وتَغْلِبٌ ... وأَحْجَمَ عنها كل وانٍ وزاهِدِ\nفما أَصْبَحُوا إلا وهُمْ أَهلُ مُلكِها ... قَد استَوثَقوا من كلِّ عاتٍ وماردِ (١)\nحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني قُسَيم بن يعقوب ورَزين بن ماجد وغيرهما، قالوا: وجّه يزيد بن الوليد عبدَ الرحمن بن مصاد في مئتي فارس أو نحوهم إلى قَطَن؛ ليأخذوا عبدَ الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، وقد تحصّن في قصره، فأعطاه الأمانَ فخرج إليه، فدخلْنا القصر، فأصبنا فيه خُرْجَين، في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار. قال: فلما انتهينا إلى المِزّة قلت لعبد الرحمن بن مَصاد: اصرف أحد هذين الخُرْجين إلى منزلك أو كليهما، فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما أبدًا، فقال: لقد عجلتُ إذًا بالخيانة، لا والله لا يتحدّث العرب أني أوّل من خان في هذا الأمر، فمضى به إلى يزيد بن الوليد. وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فأمره فوقف بباب الجابية، وقال: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معُونة. وقال\n_________\n(١) هذا إسناد حسن إلى رزين بن ماجد، ورزين هذا الذي شهد الوقعة لعلّه الأعرج مولى آل عباس يروي عن علي بن عبد الله بن عباس [الثقات ٦/ ٣٠٨] والله أعلم.","vol":"4","page":343},{"text":"لبني الوليد بن عبد الملك ومعه منهم ثلاثة عشر: تفرّقوا في الناس يرَوْنكم وحضورهم، وقال للوليد بن رَوْح بن الوليد: أنزل الرّاهب، ففعل (١).\nحدثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: قال نوح بن عمرو بن حويّ السكسكي: خرجنا إلى قتال الوليد في ليالٍ ليس فيها قمر؛ فإن كنت لأرى الحصى فأعرف أسوَده من أبيضه. قال: وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليدُ بن خالد، ابن أخي الأبرش الكلبيّ في بني عامر - وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز - فلم تقاتل ميسرة الوليد ميمنةَ عبد العزيز، ومالوا جميعًا إلى عبد العزيز بن الحجاج. قال: وقال نوح بن عمرو: رأيت خدَم الوليد بن يزيد وحشَمه يوم قُتِل يأخذون بأيدي الرجال، فيدخلونهم عليه.\nوقتل الوليد بن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة مشة لست وعشرين ومئة، كذلك قال أبو معشر؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر الواقديّ وعليّ بن محمد المدائنيّ.\nواختلفوا في قَدْر المدة التي كان فيها خليفةً؛ فقال أبو معشر: كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره. عن إسحاق بن عيسى، عنه.\nوقال هشام بن محمد: كانت خلافته سنة وشهرين واثنين وعشرين يومًا.\nواختلفوا أيضًا في مبلغ سنّه يوم قتل، فقال هشام بن محمد الكلبيّ: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقال محمد بن عمر: قتل وهو ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم، قتل وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وقال آخرون: وهو ابن إحدى\n_________\n(١) هذا إسناد حسن إلى قسيم ورزين اللذين شهدا الحادثة أي أن (عمرو بن مروان الكلبي) رواه عن شاهدين هما رزين وقد تقدمت ترجمته وقسيم بن يعقوب وقسيم هذا لعله قسيم مولى عمارة الذي يروي عن قزعة ويروي عنه أبان بن صالح [الجرح والتعديل ٧/ ١٤٨ / تر ٨٢٣] والثقات [٧/ ٣٤٨] وإلا لم ندر من هو والله أعلم.","vol":"4","page":344},{"text":"وأربعين سنة، وقال آخرون: ابن خمس وأربعين سنة، وقال بعضهم: وهو ابن ست وأربعين سنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>خبر قتل خالد بن عبد الله القسري</span>\nوفي هذه السنة قتل خالد بن عبد الله القسري (٢).\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا أقوال الأخباريين المشهورين في تتبع هذه الأمور (أبو معشر - الواقدي والمدائني) وكذلك ذكر خليفة تأريخ مقتله من طرق فقال حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: قتل الوليد بالنجراء من تدمر على أميال يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومئة وهو ابن خمس وثلاثين أو ست وثلاثين [تأريخ خليفة / ٢٣٦] وانظر تأريخ دمشق لابن عساكر [٦٣ / تر ٨٠٦٤] وأنساب الأشراف [٨/ ٣٧٨٨].\n(٢) لقد ذكر الطبري مقتله ضمن أحداث سنة ١٢٦ هـ ولكن خليفة ذكر وفاته ضمن أحداث سنة ١٢٥ هـ والخلاف ليس كبيرًا لأنهما متقفان على أن مقتله كان في أول عهد الوليد بن يزيد فقد قال خليفة: وفي سنة خمس وعشرين ومئة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر فقدم عليه، فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري ومحمدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزوميين وأمره بقتلهم فحدثني إسماعيل بن إبراهيم العتكي قال: حدثني السري بن مسلم أبو بشر بن السري قال: رأيتهم حين قدم بهم يوسف بن عمر الحيرة وخالد في عباءة في شق محمل فعذّبهم حتى قتلهم [تأريخ خليفة / ٢٣٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>خلاصة القول في الوليد بن يزيد بن عبد الملك (١٢٥ - ١٢٦ ه</span>ـ)\nأكدت الروايات التأريخية التي ذكرنا والمصادر التأريخية المتقدمة والمتأخرة أن الوليد بن يزيد الذي لم يدم حكمه أكثر من سنة وشهرين كان فاسقًا شروبًا للخمر مستهترًا ظالمًا عذّب كثيرًا من أقاربه وأمراء سلفه هشام بن عبد الملك ﵀.\nوإليك أخي القارئ الكريم آراء الأئمة المؤرخين فيه:\nقال الطبري: وكلان شاعرًا شروبًا للخمر [تأريخ الطبري ٧/ ٢٥٣] وقال ابن خلدون: ولما ولي الوليد لم يقلع عما كان عليه من الهوى والمجون [تأريخ ابن خلدون ٣/ ١٢٨].\nوقال الذهبي: مقت الناس الوليد بن يزيد لفسقه وتأثموا من السكوت عنه وخرجوا عليه [تأريخ الإسلام حوادث السنوات / ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ٢٩١].\nوقال ابن كثير: لكن الذي يظهر أنه كان عاصيًا شاعرًا ماجنًا متعاطيًا للمعاصي [البداية والنهاية ٧/ ٤٣٩].\nولقد أخذنا على أنفسنا أن لا نميل مع الهوى ونحاول جهدنا أن نصل إلى حقيقة الواقعة =","vol":"4","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التأريخية - ولا نريد أن نزيّف الحقائق ونشؤهها ونظهر التاريخ الإسلامي كما نريد ولكن كما هو دون تحريف أو مبالغة ونقول هنا من باب بيان الحقيقة التأريخية أن الوليد بن يزيد (١٢٥ - ١٢٦ هـ) كان فاسقًا شاربًا للخمر ظالمًا لم يستحق الخلافة فخلعته الأمة بقيادة بني أمية أنفسهم ولكنه لم يصل إلى حدّ الزندقة أو الكفر والعياذ بالله بل كان يصلي الصلوات ويؤدي المناسك ولكن غلب عليه فسقه وفجوره وظلمه وكعادة المتروكين فإنهم قد جعلوا من الحبة قبّة وزادوا في مثالب الرجل وكما بيّنا في قسم المسكوت عنه أن أحدهم أقرّ بأن الشعراء قالوا على لسانه شعرًا في ذم اليمانيّين كي يحرّضوهم عليه إضافة إلى أن أهل البدع من القدرية والغيلانية كانوا قد تضرروا في عهد سلفه هشام فاغتنموا أقرب فرصة لشفاء أحقادهم وصبِّ جام غضبهم على خليفته الوليد بن يزيد الذي كان يترحم على هشام لفتكه بأهل الضلال، إضافة إلى أن تأريخ بني أمية كتب في عهد بني العباس (خصومهم التقليديين) فلا غرابة في المبالغة والدسّ والتزوير، يقول ابن خلدون: ولقد ساءت المقالة فيه كثيرا وكثير من الناس نفوا ذلك عنه وقالوا إنها من شناعات الأعداء ألصقوها به [٣/ ١٢٨].\nثم يذكر ابن خلدون رواية عن شبيب بن شبة قال: كنا جلوسًا عند المهدي فذكر الوليد ... الرواية) وفيها [لقد أخبرني عنه (الكلام للفقيه ابن علانة) من كان يشهده في ملاعبه وشربه ويراه في طهارته وصلاته فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المصيبة المصبغة ثم يتوضأ بثياب بيض نقية فيلبسها ويشتغل بربه أترى هذا فعلٍ من لا يؤمن بالله؟ فقال المهدي: بارك الله عليك يابن علانة وإنما كان الرجل محسودا في خلاله ومزاحمًا بكبار عشيرته بيته وبني عمومته مع ما كان يصاحبه من الأشرار، حتى أوجد لهم به السبيل على نفسه وكان من خلاله قرض الشعر ونظم الكلام البليغ] (ابن خلدون ٣/ ١٢٨) ولهذه الرواية ما يؤيدها عند الطبري من رواية ذكرناها في قسم المسكوت عنه (٧/ ٢٤٦) وفيه يردّ الوليد على أبناء عمومته الذين حاصروه: ألم أزد في أعطياتكم ألم أرفع المؤن عنكم ألم أعط فقراءكم ألم أخدم زمناكم؟ فقال (أي يزيد بن عنبسة السكسكي) إنا ما ننقم عليه في أنفسنا ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرَّم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله، قال حسبك يا أبا السكاسك فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وإنّ فيما أُحلّ لي لسعة عما ذكرت. قلت ويؤيد ما ورد في هذا المتن من زيادته في عطائهم وخدمة مرضاهم وزمناهم ما أخرجه البلاذري من طريق المدائني عن الهيثم ومسلمة قالا: استعمل الوليد بن يزيد العمال وجاءته البيعة من الآفاق فأجرى على زمنى أهل الشام وعميانهم وكساهم وأمر لكل إنسان منهم بجائزة وخادم يخدمه وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسى وزاد في أعطياتهم عشرات نقصهم إياها يزيد بن الوليد بعد ذلك فسمي يزيد الناقص [كتاب جمل من أنساب الأشراف / ٨/ ٣٧٥٩].\nقلت والهيثم متروك إلا أن متابعه مسلمة بن محارب أخباري مأمون. ومن باب عدم بخس =","vol":"4","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الناس أشياءهم نقول إن الوليد الفاسق (١٢٥ - ١٢٦ هـ) لم يخل من خير تمامًا فقد كان سخيًّا في مساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين كما ذكرنا آنفا مع كرهه للمبتدعة كأتباع غيلان وغيرهم الذين لاقوا الأمرّين في عهد هشام بن عبد الملك وكان الوليد يكره هشام كرهًا شديدًا ولا يترحم عليه إلا حين يُذكر أهل البدع فيقول لو كان له من الأعمال ما يرجى بسببه المغفرة له فبمحاربته أهل البدع وما عدا هاتين الخصلتين فإن عمله السيئ هو الطاغي على سيرته وقد أجمع المؤرخون على كونه فاسقًا شاربًا للخمر ظالمًا والحق يقال كذلك فإن الحسّاد من بني قومه وخصومه وكذلك المبتدعة والوضاعون زادوا وبالغوا وضخموا وأضافوا إلى مثالبه بل تقولوا على لسانه أشعار الهجاء وغيره كما ذكرنا آنفًا.\nوبالنتيجة فإن الذين خرجوا عليه وتحت راية بني أمية أنفسهم لم يكونوا جميعًا من الصلحاء والأولياء [وهذه كلمة حق نقولها في وجه من يقول بأن القوم يكتبون التأريخ بمنهج انتقائي كما يريدون] بل حقيقة الواقعة التأريخية تؤكد أن الجموع المتألبة والخارجة عليه كانت تضم الصالحين والعبّاد والعلماء الذين كرهوا سيرته السيئة وفسقه ورأوا الواجب في تغييره بالإضافة إلى أهل البدع من بقايا الغيلانية والقدرية انتقامًا لأسلافهم الذين اضطهدوا من قبل الخليفة السابق وبالإضافة إلى بني عمومته ممن نافسوه السلطة ونازعوه وذلك أيام الفننة عادي وواقع فقد أخرج البلاذري قال: وحدثني هشام بن عمار (صدوق) عن صَدَقة بن خالد (ثقة ت ١٧٠ هـ) قال: دعا يزيد إلى نفسه فبايعة أهل المزة وأكثرهم غيلانية وقدرية وبايعه أهل الشام ودمق وجميع من أنكر سيرة الوليد وشغله بالهوى ولعبه وبالشرب ... [جمل من أنساب الأشراف / ٣٧٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>قوائم الولاة والقضاة وغيرهم في عهد الوليد بن يزيد (١٢٥ - ١٢٦ ه</span>ـ)\nلقد ذكرنا أسماء الولاة في كل سنة كما أثبتها الطبري وكعادتنا فإننا نؤيد كلام الطبري بما ذكره خليفة والذي وافق الطبري في أسماء الولاة ومدة حكمهم في أغلب الأحيان وما لم يوافقه ذكرناه في موضعه وهذه قائمة بأسماء العمال والقضاة والكتبة أيام الوليد بن يزيد كما ذكرها المؤرخ المتقدم الثقة خليفة بن خياط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>تسمية عمال الوليد بن يزيد:</span>\nالمدينة: كتب الوليد إلى محمد بن هشام بن إسماعيل وهو وال على مكة لهشام بن عبد الملك، فقدم عليه واستخلف على المدينة محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فعزله الوليد وجمعها ليوسف بن محمد بن يوسف مع مكة والطائف حتى قتل الوليد. اليمن: الضحاك بن زمل حتى قتل الوليد. =","vol":"4","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= البصرة: كان القاسم بن محمد بن القاسم عليها حتى مات هشام، فأقرّه الوليد حتى قتل.\nالكوفة: عبيد الله بن العباس الكندي، ثم عزله يوسف وولى أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، فأقام جمعة حتى هرب يوسف بعد قتل الوليد.\nخراسان: أقرَّ عليها نصر بن سيار الليثي حتى قتل الوليد.\nسجستان: حرب بن قطن بن قبيصة الهلالي حتى قتل الوليد.\nالسند: عمرو بن محمد بن القاسم الثقفي حتى قتل الوليد.\nالبحرين: محمد بن حسان بن سعيد الأسدي حتى قتل الوليد، ويقال: قتل بشر بن سلام العبدي المسيب بن فضالة وبقي حتى قدم ابن هبيرة.\nاليمامة: المهاجر بن عبد الله الكلابي حتى قتل الوليد.\nإفريقية: مات هشام وعليها حنظلة بن صفوان، فلم يزل واليًا حتى قتل الوليد، وخرج سنة تسع ومئة.\nعمان: ولاها يوسف بن عمر الفيض بن محمد بن كردم بن بيهس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>القضاة</span>\nقضاء البصرة: عامر بن عبيدة حتى قتل الوليد ووقعت الفتنة فاعتزل.\nالكوفة: ابن أبي ليلى حتى قتل الوليد.\nالمدينة: ولاها يوسف بن محمد بن يوسف سعد بن إبراهيم، ثم عزله وولى يحيى بن سعيد حتى قتل الوليد.\nالموسم: يوسف بن محمد بن يوسف سنة خمس وعشرين ومئة.\nالجزيرة وأرمينية وأذربيجان: مروان بن محمد بن مروان بن الحكم حتى قتل الوليد، فاستخلف مروان على أرمينية وأذربيجان عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي وانصرف إلى الشام.\nالصائفة: الغمر بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.\nشرط الوليد: عبد الرحمن بن حنبل الكلبي، ثم عزله وولى عبد الله بن عامر الكلاعي.\nكاتب الرسائل: سالم مولى سعيد بن عبد الملك، ثم كتب له ابنه عبد الله بن سالم.\nالخراج والجند: عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، ثم ولى الحجاج بن عمير.\nالخاتم والخزائن وبيوت المال: عبد الرحمن بن حنبل الكلبي مع الشرط.\nالخاتم الصغير: رباح بن أبي عمارة.\nحاجبه: عيسى بن مقسم.\nالحرس: غيلان ختن أبي معن.","vol":"4","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>ولاية يوسف بن عمر العراق</span>\nحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده، وعبد الله بن مغيرة عن أبيه، وأبو اليقظان، وغيرهم قالوا: جمع هشام بن عبد الملك بن مروان العراق ليوسف بن عمر الثقفي سنة عشرين ومئة فكان على شرطة الحيرة العباس بن سعد بن مرة (مرة غطفان)، وجعل شرط البصرة والكوفة إلى عمالها يولّون من شاؤوا وكاتب الخراج قحذم بن سليمان مولى آل بكرة.\nوعلى رسائل الخليفة: رشد بن مولاه وعلى رسائل العمال: عقبة.\nقتل يوسف سنة سبع وعشرين ومئة وهو ابن نيّف وستين سنة [تأريخ خليفة: ٢٣٩ - ٢٤٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص</span>\nوفي هذه السنة بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك؛ الذي يقال له يزيد الناقص وإنما قيل: يزيد الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد بن يزيد في أعطياتهم وذلك عشرة عشرة، فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة؛ وردّ أعطياتهم إلى ما كانت عليه أيام هشام بن عبد الملك.\nوقيل: أوّل من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد، حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: شتم مروان بن محمد يزيدَ بن الوليد فقال: الناقص بن الوليد؛ فسمّاه الناس الناقصَ لذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>ذكر اضطراب أمر بني مروان</span>\nوفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان وهاجت الفتنة (٢).\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة بن خياط (تأريخ خليفة / ٢٤٠) وكذلك ابن كثير إذ قال: بويع له بالخلافة بعد مقتل الوليد بن يزيد وذلك ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة في هذه السنة - أعني سنة ست وعشرين ومئة [البداية والنهاية ٧/ ٢٢٣].\n(٢) أجمعت المصادر التاريخية على هيجان الفتن واضطراب الأمور بعد وفاة هشام بن عبد الملك =","vol":"4","page":349},{"text":"ذكر الخبر عما حدث فيها من الفتن:\nفكان في ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد ما قتل الوليد بن يزيد بعمَّان. فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد قال: لما قتل الوليد خرج سليمان بن هشام من السجن، وكان محبوسًا بعمَّان، فأخذ ما كان بعمَّان من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>ذكر خلاف أهل حمص</span>\nوفيها كان وثوب أهل حمص بأسباب العباس بن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد.\nذكر الخبر عن ذلك:\nحدّثني أحمد عن عليّ، قال: كان مروان بن عبد الله بن عبد الملك عاملًا للوليد على حمص، وكان من سادة بني مروان نبلًا وكرمًا وعقلًا وجمالًا، فلما قُتل الوليد بلغ أهلَ حمص قتلُه، فأغلقوا أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وسألوا عن قتله، فقال بعض من حضرهم: ما زلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم؛ حتى جاء العباس بن الوليد، فمال إلى عبد العزيز بن الحجاج، فوثب أهل حمص فهدموا دار العباس وانتهبوها وسلبوا حرمه، وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه، فخرج إلى يزيد بن الوليد. وكاتبوا الأجناد، ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد؛ فأجابوهم. وكتب أهل حمص بينهم كتابًا؛ ألّا يدخلوا في طاعة يزيد؛ وإن كان وليَّا عهد الوليد حيَّين قاموا بالبيعة لهما وإلا جعلوها لخير من يعلمون؛ على أن يُعطيهم العطاء من المحرّم إلى المحرَّم، ويعطيهم للذريّة، وأمَّرُوا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين، فكتب إلى مروان بن عبد الله بن عبد الملك وهو بحمص في دار الإمارة، فلما قرأه قال: هذا كتاب حضره من الله حاضر، وتابعهم على ما أرادوا.\n_________\n= وخاصة عند مقتل الوليد الفاسق وتولية يزيد حتى نهاية إدارة الأمويين للخلافة سنة ١٣٢ هـ كما قال ابن كثير: ولكن لم تطل أيامه فإنه توفي من آخر هذه السنة واضطربت عليه الأمور وانتشرت الفتن واختلفت كلمة بني مروان. البداية والنهاية [٧/ ٢٢٣].","vol":"4","page":350},{"text":"فلما بلغ يزيدَ بن الوليد خبرهم، وجّه إليهم رسُلًا فيهم يعقوب بن هانئ، وكتب إليهم: إنه ليس يَدْعو إلى نفسه، ولكنه يدعوهم إلى الشورى. فقال عمرو بن قيس السَّكونيّ: رضينا بوليّ عهدنا -يعني ابن الوليد بن يزيد- فأخذ يعقوب بن عمير بلحيته، فقال: أيها العَشَمة، إنك قد فيّلت وذهب عقلُك؛ إن الذي تعني لو كان يتيمًا في حجرك لم يحلّ لك أن تدفع إليه ماله، فكيف أمر الأمَة! فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم.\nوكان أمر حمص لمعاوية بن يزيد بن حُصَيْن، وليس إلى مروان بن عبد الله من أمرهم شيء، وكان معهم السّمط بن ثابت، وكان الذي بينه وبين معاوية بن يزيد متباعدًا. وكان معهم أبو محمد السفيانيّ فقال لهم: لو قد أتيتُ دمشق، ونظر إليّ أهلها لم يخالفوني. فوجّه يزيد بن الوليد مسرور بن الوليد والوليد بن رَوْح في جمع كبير، فنزلوا حُوّارين، أكثرهم بنو عامر من كلب. ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام فأكرمه يزيد، وتزوّج أخته أم هشام بنت هشام بن عبد الملك. وردّ عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، ووجَّهه إلى مسرور بن الوليد والوليد بن رَوْح، وأمرهما بالسمع والطاعة له. وأقبل أهل حِمْص فنزلوا قرية لخالد بن يزيد بن معاوية (١).\nحدّثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني عمرو بن محمد ويحيى بن عبد الرحمن البهرانيّ، قالا: قام مروان بن عبد الله، فقال: يا هؤلاء؛ إنكم خرجتم لجهاد عدوّكم والطلب بدم خليفتكم وخرجتم مخرجًا أرجو أن يعظم الله به أجركم ويحسن عليه ثوابكم. وقد نجم لكم منهم قرن. وشال إليكم منهم عُنُق ولست أرى المضي إلى دمشق وتخليف هذا الجيش خلفكم فقال السمط: هذا والله العدوّ القريب الدار، يريد أن ينقض جماعتكم وهو ممايل للقدريّة. قال فوثب الناس على مروان بن عبد الله فقتلوه وقتلوا ابنه ورفعوا رأسيهما للناس وإنما أراد السمط بهذا الكلام خلاف معاوية بن يزيد فلما قتل مروان بن عبد الله ولّوا عليهم أبا محمد السفياني وأرسلوا إلى سليمان بن هشام إنا آتوك فأقم بمكانك فأقام.\n_________\n(١) لم يسند المدائني كلامه هنا إلى أحدٍ من شيوخه وله ما يتابعه في الروايات الآتية.","vol":"4","page":351},{"text":"قال فتركوا عسكر سليمان ذات اليسار ومضوا إلى دمشق وبلغ سليمان مضيّهم، فخرج مُغِذًّا فلقيهم بالسليمانية - مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء دمشق على أربعة عشر ميلًا (١) -.\nقال علي: فحدثني عمرو بن مروان بن بشار والوليد بن علي قالا: لما بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجاح فوجهه في ثلاثة آلاف، وأمره أن يثبت على ثنية العقاب ودعا هشام بن مصاد فوجّهه في ألف وخمسمئة وأمره أن يثبت على عقبة السلامة وأمرهم أن يمد بعضهم بعضًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>ذكر خلاف أهل الأردن وفلسطين وفي هذه السنة وثب أهلُ فلسطين والأردنّ على عاملهم فقتلوه</span>\nذكر الخبر عن أمرهم وأمر يزيد بن الوليد معهم:\nحدّثني أحمد، عن علي بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال:\nحدثني رجاء بن رَوْح بن سلامة بن روح بن زنباع، قال: كان سعيد بن عبد الملك عاملًا للوليد على فلسطين، وكان حسن السيرة، وكان يزيد بن سليمان سيّد ولد أبيه، وكان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين، فكان أهلُ فلسطين يحبّونهم لجوارهم؛ فلما أتى قتلُ الوليد - ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع - كتب إلى يزيد بن سليمان: إن الخليفة قد قُتِل فاقدم علينا نولّك أمرنا. فجمع له سعيد قومه، وكتب إلى سعيد بن عبد الملك - وهو يومئذ نازل بالسبع: ارتحل عنّا، فإنّ الأمر قد اضطرب؛ وقد ولينا أمرنا رجلًا قد رضينا أمره. فخرج إلى يزيد بن الوليد، فدعا يزيد بن سليمان أهل فلسطين إلى\n_________\n(١) عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص الأموي عم عبد العزيز بن أبان روى عنه ابنه خالد بن عمرو ووفد على هشام بن عبد الملك (ابن عساكر ٤٦/ ٣٢٤ / تر ٥٣٨٩) ويحيى بن عبد الرحمن البهراني أغلب الظن أنه تصحيف والصواب أنه يحيى بن عبيد البهراني الكوفي روى عنه الأعمش وشعبة قال أبو حاتم صدوق [الجرح والتعديل ٩/ ١٧٢ / تر ٧٠٣].\nوهذا يعني أن عمر بن مروان روى هذه الحادثة من طريقين يتعاضدان من طريق عمرو بن محمد ويحيى البهراني.\n(٢) هذا الخبر أخرجه المدائني من طريقين [عمرو بن مروان والوليد بن علي].","vol":"4","page":352},{"text":"قتال يزيد بن الوليد، وبلغ أهل الأردنّ أمرهم، فولَّوا عليهم محمد بن عبد الملك - وأمرُ أهل فلسطين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح - وبلغ يزيد أمرهم، فوجّه إليهم سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني (١).\nقال عليّ: قال عمرو بن مروان: حدّثني محمد بن راشد الخُزاعيّ أنّ أهل دمشق كانوا أربعة وثمانين ألفًا، وسار إليهم سليمان بن هشام. قال محمد بن راشد: وكان سليمان بن هشام يرسلني إلى ضِبعان وسعيد ابني روح وإلى الحكم وراشد ابني جرو من بلقين، فأَعِدُهم وأمنّيهم على الدخول في طاعة يزيد بن الوليد، فأجابوا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>خطبة يزيد بن الوليد بن عبد الملك</span>\nثم خطب يزيد بن الوليد بعد قَتْل الوليد، فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه محمد - ﷺ -.\nأيها الناس؛ إني والله ما خرجت أشَرًا ولا بطرًا ولا حرصًا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي؛ إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمْني ربي؛ ولكني خرجتُ غضبًا لله ورسوله ودينه، داعيًا إلى الله وكتابه وسنة نبيه - ﷺ -؛ لمّا هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبّار العنيد، المستحلّ لكل حرمة، والرّاكب لكلّ بدعة؛ مع أنه والله ما كان يصدّق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب؛ وإنه لابنُ عمّي في الحسب، وكفيِّي في النسب؛ فلما رأيتُ ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألّا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا العنوان ثم جاء بالخبر من طريق رجاء بن روح ذكره عبد الرزاق في مصنفه فقال كتب رجاء بن روح إلى الثوري ... إلخ وذكره الذهبي في ترجمة أيوب بن سويد ولم نعلم أحدًا وثقه أو جرحه وللخبر ما يؤيد من الرواية التالية.\n(٢) أما محمد بن راشد الخزاعي فقد وثقه أحمد وابن معين وقال أبو حاتم كان صدوقًا حسن الحديث [الجرح والتعديل ٧/ ٢٥٣] [العلل ٢/ ٤٢] وهذه الأخبار تتعاضد ببعضها لتؤكد حدوث الفوضى والهيجان والصراع عبى السلطة وتدهور الأمور إلى أسوأ بعد وفاة هشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى.","vol":"4","page":353},{"text":"أجابني من أهل ولايتي، وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي.\nأيها الناس، إنّ لكم عليَّ ألا أضع حجرًا على حجر، ولا لبنة على لبنة؛ ولا أكري نهرًا، ولا أكثر مالًا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدًا، ولا أنقل مالًا من بلدة إلى بلدة حتى أسدَّ ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يُعينُهم؛ فإن فَضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه؛ ممن هو أحوج إليه، ولا أجمّركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونَكم؛ فيأكل قويّكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم، وإنّ لكم أعطياتكم عندي في كل سنة وأرزاقكم في كلّ شهر؛ حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيتُ لكم بما قلت؛ فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف فلكم أن تخلعوني؛ إلا أن تستتيبوني؛ فإن تبت قبلتم مني، فإن علمتم أحدًا ممن يُعرَفُ بالصلاح يُعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه؛ فأنا أوّل مَن يبايعه، ويدخل في طاعته.\nأيّها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، إنما الطاعة طاعة الله؛ فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية، فهو أهل أن يُعصَى ويُقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم (١).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الخطبة بدون إسناد وقد أوردها خليفة بإسناد.\nقال خليفة: فحدثني إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثني إبراهيم بن إسحاق: أن يزيد بن الوليد قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعد: أيها الناس إني والله ما خرجتُ أشرًا، ولا بطرأ، ولا حرصًا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، ولا تزكية عملي، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجتُ غضبًا لله ودينه، وداعيًا إلى كتابه وسنة نبيِّه حين دَرَلسَت معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد، المستحل الحرمة، والراكب البدعة، والمُغَيِّر السُّنة، فلمّا رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمةٌ لا تقلِعُ اعنكم على كثرة من ذنوبكم، وقسوة من قلوبكم، وأشفَقْتُ أن يدعو كثيرًا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم، فاستخرتُ الله في أمري، وسألتُهُ ألا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهلي وأهل ولايتي، وهو ابن عمي في نسبي وكفئي في حسبي، فأراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، ولاية من الله وعونًا بلا حول منا ولا قوة، ولكن بحول الله وقوته وولايته وعونه. أيها الناس: إن لكم عندي إن وليتُ أموركم =","vol":"4","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد</span>\nوفي هذه السنة أخذ يزيد بن الوليد لأخيه إبراهيم بن الوليد على الناس البيعة، وجعله وليّ عهده، ولعبد العزيز بن الحجاح بن عبد الملك بعد إبراهيم بن الوليد؛ وكان السبب في ذلك - فيما حدثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد - أن يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومئة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده. قال: فلم تزل القَدرِية يحثُّونه على البيعة، ويقولون له: إنه لا يحلّ لك أن تهمل أمْرَ الأمة فبايع لأخيك؛ حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده (١).\n_________\n= ألا أضع لبنة على لبنة، ولا حجرًا على حجر، ولا أنقل مالًا من بلد إلى بلد حتى أسد ثغره، وأقسم بين مسالحه ما يقوون به، فإن فضل فضلٌ رددته إلى البلد الذي يليه وهو أحوج إليه حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين وتكونوا فيها سواء ولا أجمِّر بعوثكم فتفتتنوا ويفتتن أهاليكم، فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدًا هو أقوى عليها مني فأردتم بيعته فأنا أول من بايع ودخل في طاعته، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم\" [تأريخ خليفة / ٢٣٨، وانظر البيان والتبيين للجاحظ [٢/ ١٤١].\n(١) ذكر الطبري هنا من طريق شيخه الثقة عن المدائني الأخباري وهو صدوق أن يزيدًا قد بايع لأخيه من بعده بالخلافة تحت تأثير من الناس وخاصة القدرية إلّا أن خليفة قال غير ذلك وذكر بطريق مسند موصول أن يزيد بن الوليد لم يوصِ له بالخلافة وإنما تقوّلوا عليه أثناء موته وصدقهم الناس فقد أخرج خليفة بن خياط قال: فحدثني العلاء بن برد بن سنان قال حدثني أبي قال حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة فأتاه قطن فقال أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم فقطب وقال بيده على جبهته: أنا أولّي إبراهيم! ! ثم قال يا أبا العلاء إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت أمر نهيتك عن الدخول في أوله فلا أشير عليك في آخره قال: وأصابته إغماءة حتى ظننت أنه قد مات ففعل ذلك غير مرة. قال فقعد قطن فافتعل عهدًا على لسان يزيد بن الوليد ودعا ناسًا فأشهدهم عليه، قال أبي لا والله ما عهد إليه يزيد شيئًا ولا إلى أحدٍ من الناس [تأريخ خليفة / ٢٤١] قلت وراوي الخبر وهو الشاهد على الحادثة ثقة. ولكن أبنه العلاء بن برد وهو شيخ خليفة فقد ضعفه أحمد وترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه وذكره ابن حبان في الثقات [ميزان / تر ٦١٥٢] [الجرح والتعديل ٦ / تر ١٩٥٠] [الثقات ٨/ ٥٠٢].\nوسواء أكانت رواية خليفة صحيحة أم لا فإن البيعة تمت لأخيه من بعده ولا نستبعد رواية =","vol":"4","page":355},{"text":"وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، وولّاها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. قال محمد بن عمر: يقال إن يزيد بن الوليد لم يولِّه، ولكنه افتعل كتابًا بولايته المدينة، فعزله يزيد عنها، وولّاها عبد العزيز بن عمر، فقدمها لليلتين بقيتا من ذي القعدة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>[ذكر خبر وفاة يزيد بن الوليد]</span>\nوفي هذه السنة مات يزيد بن الوليد، وكانت وفاته سلخ ذي الحجة من سنة ست وعشرين ومئة، قال أبو معشر ما حدثني به أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: توفِّيَ يزيد بن الوليد في ذي الحجة بعد الأضحى سنة ست وعشرين ومئة، وكانت خلافته في قول جميع من ذكرنا ستة أشهر، وقيل كانت خلافته خمسة أشهر وليلتين.\nوقال هشام بن محمد: ولي ستة أشهر وأيامًا. وقال عليّ بن محمد: كانت ولايته خمسة أشهر واثني عشر يومًا.\nوقال علي بن محمد: مات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومئة، وهو ابن ست وأربعين سنة.\nوكانت ولايته فيما زعم ستة أشهر وليلتين، وتوفي بدمشق.\nواختلف في مبلغ سنه يوم توفِّي فقال هشام توفي وهو ابن ثلاثين سنة (٢).\nوقيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التي كان الوليد زادها الناس في\n_________\n= خليفة فلقد كانت الفتنة يومها واقعة وأمور الناس مضطربة والصراع على السلطة قائم فلا عجب إن وقع هذا والله أعلم.\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد يزيد.\n(٢) وانظر وفاته في تأريخ الإسلام للذهبي [وفيات وحوادث ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ٣١٣] فقد ذكر أنه توفي في سابع ذي الحجة من سنة ست وعشرين دكانت خلافته ستة أشهر ناقصة وانظر البداية والنهاية لابن كثير [٧/ ٢٢٦] إذ ذكر وفاته ضمن وفيات سنة ١٢٦ هـ وذلك في ذي الحجة وقال ابن كثير وكانت مدة ولايته ستة أشهر على الأَشْهَر. ا. هـ.","vol":"4","page":356},{"text":"قول الواقدي وأما علي بن محمد فإنه قال سبّه مروان بن محمد فقال: الناقص ابن الوليد فسماه الناس الناقص (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مَروان في قول الواقديّ، وقال بعضهم: حجّ بالناس في هذه السنة عمر بن عبد الله بن عبد الملك. بعثه يزيد بن الوليد، وخرج معه عبد العزيز وهو على المدينة ومكة والطائف.\nوكان عامله على العراق في هذه السنة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ابن أبي لَيلى، وعلى أحداث البصرة المسور بن عمر بن عبّاد. وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى خراسان نصر بن سيار الكنانيّ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>خلافة أبي إسحاق إبراهيم بن الوليد</span>\nثم كان إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان غير أنه لم يتتم له أمر فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: لم يتمّ لإبراهيم أمره، وكان يسلّم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمرة؛ وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمرة؛ فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه وقتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.\nوقال هشام بن محمد: استخلف يزيد بن الوليد أبا إسحاق إبراهيم بن الوليد؛ فمكث أربعة أشهر ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومئة. ثم لم يزل حيًّا حتى أصيب في سنة اثنتين وثلاثين ومئة، أمه أمّ ولد.\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: كانت ولاية إبراهيم بن الوليد سبعين ليلة (٣).\n_________\n(١) لقد نسب الطبري هذا القول قبل صفحات إلى المدائني والواقدي فلينظر ولم نجد لهذه التسمية سببًا بإسناد موصول صحيح والله أعلم.\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) انظر البداية والنهاية [٨/ ٣] والمنتظم [٧/ ٢٥٧].\nلقد درجنا على ذكر العمال والقضاة كما ذكرها خليفة في نهاية عهد كل خليفة وهو في أغلبه مؤيد لما ذكره الطبري في نهاية كل سنة والله أعلم. =","vol":"4","page":357},{"text":"قال خليفة: تسمية عمال يزيد بن الوليد:\nولّى العراق منصور بن جمهور الكلبي، ويقال: افتعل عهدًا على لسانه، ولي نحوًا من أربعين يومًا وجعل على شرطه الحجاج بن أرطاة الفقيه.\nمكة والمدينة والطائف: ولاها يزيد بن الوليد عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، ثم عزله وولاها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز.\nالبصرة: قتل الوليد وعليها محمد بن القاسم بن محمد، فهرب فاصطلح أهل البصرة على عبد الله بن عبد الله بن أمية يقال له: الأفوه، فصلى بها جمعة، ثم قدم جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، ثم ولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز العراق، فكتب إلى عبد الله بن أبي عثمان فصلى بالناس حتى قدم ابن سهيل، ويقال: ولى عبد الله بن عمر بعد عبد الله بن أبي عثمان سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة المخزومي، فأخرجه أهل البصرة فولى عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان، وبعث الضحاك بن قيس الخارجي حين غلب عمارة.\nالكوفة: ولاها منصور بن جمهور عبيد الله بن العباس، فعزله ابن عمر وولى أخاه عاصم بن عمر.\nسجستان: قتل الوليد وعليها حرب بن قطن، فولاها منصور بن جمهور محمد بن عزار فعزله ابن عمر وولاها حرب بن قطن فأقام شهرًا ثم خرج عنها واستخلف سوار بن الأشعر المازني فلم ترض بكر بن وائل، وقاتلوا تميمًا، فبعث ابن عمر سعيد بن عمرو من آل سعيد بن العاص فلم ترض تميم وبكر.\nخراسان: نصر بن سيار حتى انقضى أمر بني أمية.\nالسند: لما عزل منصور بن جمهور عن العراق أتى السند فغلب عليها ونزل العسكر وسماها المنصورية.\nإفريقية: عبد الرحمن بن حبيب غلب عليها (١).\n_________\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-769> القضاء</span>\nقضاء البصرة: اعتزل عامر بن عبيدة في الفتنة. =","vol":"4","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد</span>\nفمما كان فيها من ذلك مسير مروان بن محمد إلى الشأم والحرب التي جرت بينه وبين سليمان بن هشام بعين الجرّ.\nذكر ذلك والسبب الذي كانت عنه هذه الوقعة:\nقال أبو جعفر: وكان السبب ما ذكرتُ بعضه؛ من أمر مسير مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد إلى الجزيرة من أرمينية، وغلَبته عليها، مظهرًا أنه ثائر بالوليد، منكرٌ قتله، ثم إظهاره البيعة ليزيد بن الوليد بعد ما ولّاه عمل أبيه محمد بن\n_________\n= الكوفة: ابن أبي ليلى.\nالمدينة: ولاها عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان سعد بن إبراهيم، ثم عزل يزيد عبد العزيز بن عبد الله وولى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فعزل سعد بن إبراهيم واستقضى عثمان بن عمر التيمي. [تأريخ خليفة: ٢٤٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>خلاصة القول في أمير المؤمنين يزيد بن الوليد بن عبد الملك (١٢٦ ه</span>ـ)\nقال الحافظ ابن كثير في وصفه [وهو من سادات بني أمية وكان ينسبُ إلى الصلاح والدّين والورع فبايعه الناس على ذلك] (البداية والنهاية ٧/ ٢٢٠) وقال أيضًا في ترجمته [كان عادلًا، ديّنًا محبًا للخير مبغضًا للشر قاصدًا للحق] البداية والنهاية [٧/ ٢٢٦].\nوقد ذكرنا خطبته في قسم الصحيح وتبدو فيها ملامح إصلاحية إلّا أنها جاءت بعد فوات الأوان ونضوج الدعوة العجاسية وكانت الإدارة الأموية للخلافة قد أصيبت بالهرم بعد وفاة هشام بن عبد الملك - يقول العلامة ابن خلدون وربما عند آخر الدولة قوة تتوهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء فاعتبر ذلك، ولا تغفل سر الله تعالى وحكمته في اطراد وجوده على ما قدّر فيه ولكل أجل كتاب. [المقدمة / ٢٧٥] ويقول الأستاذ يوسف العش ﵀: ولقد حاول يزيد بن الوليد وهو يزيد الثالث أن يقوم بالإصلاح كما وعد فأخذ في التقشف وأنقص أعطيات الجند التي كان زاد فيها سلفه فأعادها إلى ما كانت عليه فسماه الناس بالناقص [الدولة الأموية / ٣٠٤].","vol":"4","page":359},{"text":"مروان، وإظهاره ما أظهر من ذلك، وتوجيهه وهو بحرّان محمد بن عبد الله بن عُلاثة وجماعة من وجوه أهل الجزيرة. فحدثني أحمد، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: لما أتى مَرْوانَ موتُ يزيد أرسل إلى ابن عُلاثة وأصحابه فردّهم من مَنْبج، وشخص إلى إبراهيم بن الوليد، فسار مَرْوان في جند الجزيرة، وخلّف ابنه عبد الملك في أربعين ألف من الرَّابطة بالرقة. فلما انتهى إلى قِنَّسرين، وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشْر، كان ولاه قنَّسرين فخرج إليه فصافّه، فنادى الناس، ودعاهم مرْوان إلى مبايعته، فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسيّة، وأسلموا بشرًا وأخًا له يقال له مسرور بن الوليد، - وكان أخا بشر لأمه وأبيه - فأخذه مرْوان وأخاه مسرور بن الوليد؛ فحبسهما وسار فيمن معه من أهل الجزيرة وأهل قِتسرين، متوجّهًا إلى أهل حِمْص؛ وكان أهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بن الوليد أن يبايعوا إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج، فوجّه إليه إبراهيم عبدَ العزيز بن الحجاج وجندَ أهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، وأغذّ مَرْوان السَّير، فلما دنا من مدينة حمْص، رحل عبد العزيز عنهم، وخرجوا إلى مَرْوان فبايعوه، وساروا بأجمعهم معه، ووجّه إبراهيم بن الوليد الجنودَ مع سليمان بن هشام، فسار بهم حتى نزل عين الجَرّ، وأتاه مروان وسليمان في عشرين ومئة ألف فارس ومروان في نحو من ثمانين ألفًا فالتقيا، فدعاهم مَرْوان إلى الكفّ عن قتاله، والتخلية عن ابني الوليد: الحكَم وعثمان، وهما في سجن دمشق محبوسان، وضمِن عنهما ألا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما، وألا يطلبا أحدًا ممن ولى قتله؛ فأبوْا عليه، وجدُّوا في قتاله؛ فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، واستحرّ القتل بينهم؛ وكثر في الفريقين. وكان مَرْوان مجرّبًا مكايدًا، فدعا ثلاثة نفر من قوّاده - أحدهم أخ لإسحاق بن مسلم يقال له عيسى - فأمرهم بالمسير خلف صَفّه في خيله وهم ثلاثة آلاف، ووجّه معهم فَعلة بالفؤوس، وقد ملأ الصفّان من أصحابه وأصحاب سليمان بن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرْج، وبين العسكرين نهر جرّار، وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشَّجَر، فيعقدوا جسورًا، ويجوزوا إلى عسكر سليمان، ويغيروا فيه.","vol":"4","page":360},{"text":"قال: فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلّا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلْفهم، فلما رأوْا ذلك انكسروا؛ وكانت هزيمتهم، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحَردهم عليهم، فقتلوا منهم نحوًا من سبعة عشر ألفًا، وكفّ أهلُ الجزيرة وأهل قنَّسرين عن قتلهم، فلم يقتلوا منهم أحدًا، وأتوا مروان من أسرائهم بمثل عدّة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم. فأخذ مَرْوان عليهم البَيْعة للغلامَين: الحكم وعثمان، وخلّى عنهم بعد أن قوّاهم. بدينار دينار، وألحقهم بأهاليهم، ولم يقتل منهم إلّا رجلين يقال لأحدهما يزيد بن العقّار وللآخر الوليد بن مَصاد الكلبيّان؛ وكانا فيمن سار إلى الوليد ووليَ قتله. وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسريّ معهم، فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بن هشام إلى دمشق؛ وكان أحدهما -يعني الكلبيّين- على حرس يزيد والآخر على شُرَطه؛ فإنه ضربهما في موقفه ذلك بالسياط، ثم أمر بهما فحبسا فهلكا في حبسه.\nقال: ومضى سليمان ومَن معه من الفلّ حتى صبّحوا دمشق، واجتمع إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج رؤوس من معهم. وهم يزيد بن خالد القسري وأبو علاقة السكسكي والأصبغ بن ذؤالة الكلبي ونظراؤهم فقال بعضهم لبعض: إن بقي الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان ويخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدًا من قتلة أبيهما والرأي أن نقتلهما. فولّوا ذلك يزيد بن خالد ومعهما في الحبس أبو محمد السفياني ويوسف بن عمر فأرسل يزيد مولى لخالد يقال له أبا الأسد في عدة من أصحابه فدخل السجن فشدخ الغلامين بالعمد وأخرج يوسف بن عمر ليقتلوه وضربت عنقه. وأرادوا قتل أبي محمد السفياني فدخل بيتًا من بيوت السجن فأغلقه وألقى خلفه الفرش والوسائد، واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها، حتى قيل قد دخلت خيل مروان المدينة وهرب إبراهيم بن الوليد، وتغيَّب وأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة (١).\n_________\n(١) للخبر تتمة سيذكرها الطبري فيما بعد وبالإسناد نفسه وانظر تعليقنا (٧/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"4","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة دعا إلى نفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة، وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مَرْوان، فهزمه عبدُ الله بن عمر، فلحق بالجبال فغلب عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله ودعائه الناس إلى نفسه</span>\nوكان إظهار عبد الله بن معاوية الخلاف على عبد الله بن عمر ونصبِه الحرب له - فيما ذكر هشام عن أبي مخنف - في المحرَّم سنة سبع وعشرين ومئة. وكان سبب خروجه عليه - فيما حدثني أحمد، عن عليّ بن محمد، عن عاصم بن حفص التميميّ وغيره من أهل العلم - أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدم الكوفة زائرًا لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، يلتمس صلته، لا يريد خروجًا، فتزوَّج ابنة حاتم بن الشرقيّ بن عبد المؤمن بن شَبَث بن رِبْعيّ، فلما وقعت العصبيَّة قال له أهل الكوفة: ادعُ إلى نفسِك، فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مَرْوان، فدعا سرًّا بالكوفة وابن عمر بالحيرة، وبايعه ابن ضَمْرة الخُزاعيّ، فدسّ إليه ابن عمر فأرضاه، فأرسل إليه: إذا نحن التقينا بالناسِ انهزمتُ بهم. وبلغ ابن معاوية، فلما التقى الناس قال ابن معاوية: إنّ ابن ضمْرة قد غَدَر، ووعد ابن عمر أن ينهزم بالناس؛ فلا يهولنكم انهزامه، فإنه عن غَدْر يفعل. فلما التقوْا انهزم ابن ضَمْرة، وانهزم الناس، فلم يبق معه أحد، فقال:\nتَفرَّقَتِ الظباءُ على خِداشٍ ... فما يَدْرِي خداش ما يَصِيُد\nفرجع ابنُ معاوية إلى الكوفة، وكانوا التقوْا ما بين الحيرة والكوفة، ثم خرج إلى المدائن فبايعوه، وأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج فغلب على حلْوان والجبال (١).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري خبر ظهور عبد الله بن معاوية بن جعفر هذا عن طريق شيخه الثقة أحمد عن شيخه الصدوق المدائني عن الأخباري عاصم بن حفص وهو النسابة أبو يقظان وقد مرّت ترجمته ويؤيده ما أخرجه خليفة عن شيخه إسماعيل بن إبراهيم فقد قال خليفة: خبر بيعة عبد الله بن معاوية بالكوفة وفيها وهي سنة سبع وعشرين ومئة بايع أهل الكوفة عبد الله بن =","vol":"4","page":362},{"text":"وأما أبو عُبيدة: فإنه ذكر أن عبد الله بن معاوية وإخوته دخلوا القصر فلما أمسَوْا قالوا لعمر بن الغضبان وأصحابه: يا معشرَ ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا؛ وقد أعلَقْنا دماءَنا في أعناقكم؛ فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم؛ وإن كنتم تَرَوْن الناس خاذلينا وإيّاكم؛ فخذوا لنا ولكم أمانًا؛ فما أخذتم لأنفسكم فقد رضينا لأنفسنا، فقال لهم عمر بن الغضبان: ما نحن بتاركيكم من إحدى خَلَّتين: إما أن نقاتل معكم، وإما أن نأخذ لكم أمانًا كما نأخذ لأنفسنا، فطِيبوا نفسًا، فأقاموا في القصر، والزيديّة على أفواه السكك يَغْدُو عليهم أهل الشأم ويروحون، يقاتلونهم أيامًا. ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدّية ولعبد الله بن معاوية أمانًا؛ ألَّا يتبعوهم ويذهبوا حيث شاؤوا. وأرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر وإخراج عبد الله بن معاوية، فأرسل إليه ابنُ الغضبان فرحّله ومَن معه من شيعته ومَن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل الكوفة، فسار بهم رسلُ عمر حتى أخرجوهم من الجَسْر فنزل عمر من القصر (١).\n_________\n= معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية فحدثني إسماعيل بن إبراهيم قال قدم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر وأخواه الحسن ويزيد ابنا لمعاوية على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الكوفة في ولاية يزيد بن الوليد فأكرمهم وحملهم وأجرى عليهم كل يوم ثلاثمئة درهم فلما مات يزيد وبايع إبراهيم بن الوليد مروان ثار ناس من الشيعة فدعوا إلى بيعة ابن معاوية وكان الذي فعل ذلك هلال بن الورد مولى بني عجل وأتوا به وأدخلوه القصر وبايعه أهل الكوفة وإسماعيل بن عبد الله ومن كان من أهل الشام بالكوفة ودخل فأقام أيامًا يبايعه الناس وأتته بيعته من المدائن ومن كل وجه وخرج يوم الأربعاء يريد ابن عمر فلم يكن بينهم قتال ثم أصبح الناس غادين إلى القتال فقتل مكبر بن الحواري في ناس كثير من أهل اليمن مع ابن معاوية وانهزم فدخل القصر وبقيت الزيدية فقاتلوا قتالًا شديدًا ولزموا أفواه السكك حتى أخذ لجد الله بن معاوية وأخويه أن يأخذوا حيث شاؤوا من البلاد ولا يتبعوا وأرسل ابن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثري يأمره بنزول القصر وإخراج ابن معاوية فأرسل إليه عمر بن الغضباء فرحله ومن معه من شيعته ومن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل الكوفة فسارت بهم رسل عمر حتى أخرجوهم من الجسر ونزل عمر القصر ثم بعث ابن عمر إسماعيل بن عبد الله أميرًا [تأريخ خليفة / ٣٩٤ - ٣٩٥].\n(١) هذا الخبر ذكره الطبري ونسبه إلى الأخباري اللغوي الثقة أبي عبيدة (معمر بن مثنى) من قوله ويؤيده ما ذكره خليفة كما ذكرنا في تخريج الرواية السابقة فهاتان روايتان للطبري ورواية لخليفة تتأيّد ببعضها والله أعلم وإن كان في متونها اختلاف يسير فالفحوى واحد كما ترى.","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج إلى مَرْو</span>\nوفي هذه السنة وافى الحارث بن سريج مَرْو، خارجًا إليها من بلاد الترك بالأمان الذي كتب له يزيد بن الوليد، فصار إلى نصر بن سيار، ثم خالفه وأظهر الخلاف له، وبايعه على ذلك جمع كبير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>خلافة مروان بن محمد</span>\nوفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بن محمد بالخلافة:\nذكر الخبر عن سبب البيعة له:\nحدّثني أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد مولى عثمان بن عفان، قال: لما قيل: قد دخلت خيلُ مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد وتغيّب، فانتهب سليمان ما كان في بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجند، وخرج من المدينة، وثار مَنْ فيها من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مَرْوان دمشق فنزل عالية، وأتِيَ بالغلامين مقتولين وبيوسف بن عمر فأمر بهم فدفِنوا، وأُتِي بأبي محمد السفيانيّ محمولًا في كُبُوله، فسلم عليه بالخلافة، ومروان يومئذ يسلَّم عليه بالإمرة، فقال له: منه، فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشده شعرًا قاله الحكم في السجن.\nقال: وكانا قد بلغا، ووُلد لأحدهما وهو الحكم والآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين، قال: فقال الحكم:\nأَلا مَنْ مبْلِغٌ مَرْوانَ عنِّي ... وعَمى الغَمْرَ طال بذا حَنِينا\nبأنِّي قد ظُلمتُ وَصارَ قَوْمِي ... على قَتْلِ الوَلِيد متابِعِينا\nأَيذْهَب كلبهم بِدَمِي ومالي ... فلا غَثًّا أَصَبْتُ وَلا سمينا\n_________\n(١) ذكر الطبري عنوان الخبر كعادته قبل سرده للرواية المسندة في ذلك ويؤيد ذكر هذا العنوان ما ذكره خليفة كما سنذكر عند الحديث عن مقتل الحارث بن سريج وأما تفاصيل عودته كما ذكر الطبري عن المدائني عن شيوخه، فلم نجد ما يؤيدها والله أعلم.","vol":"4","page":364},{"text":"ومَرْوانٌ بأَرْضِ بَنِي نِزارٍ ... كليثِ الغاب مفْتَرِسٌ عَرِينا\nأَلَمْ يَحْزُنكَ قَتْل فَتَى قرَيشٍ ... وشَقُّهُمُ عصا المسْلِمينا\nأَلا فاقْرَ السَّلامَ على قُرَيشٍ ... وقيسٍ بالجَزِيرَةِ أَجْمَعينا\nوسادَ الناقِصُ القَدَرِيّ فينًا ... وأَلقَى الحَرْبَ بَينَ بَنِي أَبينا\nفلوْ شَهدَ الفَوَارس من سلَيمٍ ... وكعْب لَمْ أَكنْ لهمُ رَهينا\nوَلو شَهدَتْ لُيوثُ بَني تمِيمٍ ... لما بِعْنا تُرَاثَ بَنِي أَبِينا\nأَتُنْكَثُ بَيعَتِي منْ أَجْلِ أُمِّي ... فقد بايعتُمُ قَبْلِي هَجينا\nفلَيتَ خُؤلتي من غير كَلْبٍ ... وكانت في ولادَة آخَرينا\nفإِنْ أَهْلِك أَنَا وَوَلِيُّ عَهْدِي ... فمرْوان أَمِير المؤمِنِينا\nثم قال: ابسط يدك أبايعك، وسمعه مَن مع مروان من أهل الشام؛ فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن الحُصين بن نمير ورؤوس أهل حمص، فبايعوه، فأمرهم أن يختاروا لولاية أجنادهم، فاختار أهلُ دمشق زامل بن عمرو الجبرانيّ، وأهل حِمْص عبدَ الله بن شجرة الكنديّ، وأهل الأردنّ الوليدَ بن معاوية بن مروان، وأهل فلسطين ثابتَ بن نعيم الجذاميّ الذي كان استخرجه من سجن هشام وغدر به بأرمينيَة، فأخذ عليهم العهود المؤكّدة والأيمان المغلظة على بيعته، وانصرف إلى منزله من حَرّان (١).\n_________\n(١) هذا الخبر تتمة الروايات السابقة والخبر يرويه الطبري عن مخلد بن محمد وقد سبقت ترجمته قبل صفحات في المقدمة ولا نستطيع أن نجزم بصحة كل هذه التفاصيل الدقيقة عن مسار مروان من مكانه وحتى تمام بيعته في دمشق إلّا أن الفقرات الرئيسية من المتن هي من مظان الصحيح (بالنسبة للخبر التأريخي) يؤيدها ما أخرجه خليفة بإسناد مرسل وآخر موصول عن شاهد عيان فقد أخرج خليفة ضمن تدوينه لوقائع سنة ١٢٧ هـ بعنوان: خبر بيعة مروان بن محمد وخلع إبراهيم بن الوليد: فيها وقعت الفتنة، قال إسماعيل بن إبراهيم قتل الوليد بن يزيد ومروان بن محمد بن مروان بأرمينية واليًا فلما أتاه قتل الوليد دعا الناس إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه فلما أتاه وفاة يزيد بن الوليد دعى قيسًا وربيعة ففرض لستة وعشرين ألفًا من قيس وسبعة آلاف من ربيعة فأعطاهم أعطياتهم وولى على قيس إسحاق بن مسلم العقيلي وعلى ربيعة المساور بن عقبة ثم خرج يريد الشام واستخلف على الجزيرة أخاه عبد العزيز بن محمد بن مروان فلقيه وجوه قيس: الوثيق بن الهذيل بن زفر ويزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري وأبو الورد بن الهذيل بن زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي في أربعة آلاف من قيس (أو خمسة آلاف) فساروا معه حتى قدم حلب وبها بشر ومسرور ابنا الوليد بن =","vol":"4","page":365},{"text":"قال أبو جعفر: فلما استوتْ لمروان بن محمد الشام وانصرف إلى منزله بحرّان طلب الأمان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهم، فقدم عليه سليمان - وكان سليمان بن هشام يومئذ بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكْوانيّة - فبايعوا مروان بن محمد (١).\n_________\n= عبد الملك أرسلهما إبراهيم بن الوليد حين بلغه مسير مروان فصاف القوم فخرج أبو الورد بن الهذيل بن زفر في ثلاثمئة وكبروا وحملوا على مروان حتى كانوا قريبًا منه ثم حولوا وجههم وقلبوا أترستهم ولحقوا بمروان وحمل مروان ومن معه فانهزم مسرور وبشر من غير قتال فأخذهما مروان فحبسهما حتى أتى حمص فدعاهم إلى المسير معه والبيعة لوليّي العهد الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد وهما محبوسان عند إبراهيم بن الوليد بدمشق فبايعوه وخرجوا معه حتى أتى عسكر سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد قتال شديد وحوى مروان عسكره وبلغ عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ما لقي سليمان وهو معسكر في ناحية أخرى فأقبل إلى دمشق وخرج إبراهيم بن الوليد من دمشق ونزل باب الجابية وتهيأ للقتال ومعه الأموال على العجل ودعى الناس فخذلوه وأقبل عبد العزيز بن الحجاج وسليمان بن هشام فدخلا مدينة دمشق يريدان قتل الحكم وعثمان ابني الوليد وهما في السجن وجاء يزيد بن خالد بن عبد الله القسري فدخل السجن فقتل يوسف بن عمرو والحكم بن عثمان ابني الوليد بن يزيد وهم الحملان / تأريخ الخليفة / ثم أخرج خليفة: قال إسماعيل فحدثني عبد الله بن واقد الجرمي أن يزيد بن خالد قتلهما ويقال ولي قتلهما مولى لخالد بن عبد الله يقال له أبو الأسد شدخهما بالعمد وأتاهم رسول إبراهيم فتوجه عبد العزيز بن الحجاج إلى داره ليخرج عياله فثار به أهل دمشق فقتلوه واحتزوا رأسه فأتوا به أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية وكان محبوسًا مع يوسف بن عمر وأصحابه فأخرجوه فوضعوه على المنبر في قيوده ورأس عبد العزيز بين يديه وحلوا قيوده وهو على المنبر فخطبهم وبايع لمروان وشتم يزيد وإبراهيم ابني الوليد وأشياعهم وأمر بجسد عبد العزيز فصلب على باب الجابية منكوسًا وبعث برأسه إلى مروان بن محمد وبلغ إبراهيم فخرج هاربًا واستأمن أبو محمد لأهل دمشق فأمنهم مروان ورضي عنهم ثم أتى يزيد بن خالد بن بزيد بن معاوية وأبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية ومحمد بن عبد الملك بن مروان وأبو بكر بن عبد الله بن يزيد فأذن لهم وكان أول من تكلم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية فسلم عليه بالخلافة وعزاه على الوليد وابنيه الحكم وعثمان ابني الوليد فقال وأصيب الغلامان إنا لله إن كانا الحملين الذين يؤكلان ويوضعان ثم بايعوه ثم أتى دمشق فأمر بيزيد بن الوليد فنبش وصلب وأتته بيعة أهل الام [تأريخ خليفة / ٣٩٣] وانظر تعليقنا على الرواية التالية. وأما نبش قبر يزيد بن الوليد فمسألة فيها نظر.\n(١) ويؤيده خليفة في قوله هذا إذ قال: وفيها (١٢٧ هـ) أتى إبراهيم بن الوليد مروان بن محمد =","vol":"4","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>ذكر الخبر عن انتقاض أهل حمص على مروان</span>\nوفي هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشام فحاربهم (١).\nوفي هذه السنة دخل الضّحاك بن قيس الشيباني الكوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكّمًا ودخوله الكوفة، ومن أين كان إقباله إليها</span>\nاختلف في ذلك من أمره، فأما أحمد، فإنه حدّثني عن عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: كان سبب خروج الضحاك أنّ الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حرَوريّ يقال له سعيد بن بهدل\n_________\n= بالجزيرة فخلع نفسه وبايعهُ فقبل منه وأمنه وسار إبراهيم فنزل الرقة على شاطئ الفرات ثم أتاه كتاب سليمان بن هشام يستأمنه فأمنه فأتاه فبايعه واستقامت لمروان بن محمد وكانت ولاية إبراهيم بن الوليد المخلوع أشهرًا، وأخرج ابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال بايع الناس مروان بن محمد يوم الإثنين النصف من صفر سنة سبع وعشرين ومئة [تأريخ دمشق / ٥٧/ ٣٢٦] وأخرج عن محمد بن يزيد قال: ثم بويع مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وكنيته أبو عبد الملك لأربع عشرة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومئة [تأريخ دمشق / ٥٧/ ٣٢٧] وأخرج عن إسماعيل الخطي قال: واستخلف مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وبويع له بدمشق يوم الإثنين للنصف من صفر سنة سبع وعشرين ومئة [تأريخ دمشق / ٥٧/ ٣٢٨] وانظر البداية والنهاية لابن كثير [٨/ ٧ - ٨ - ٩ - ١٠].\n(١) ووافق خليفة بن خياط الطبري في هذه المسألة دون التفاصيل بينما أورد الطبري رواية مطوّلة ذكر فيها تفاصيل كثيرة وسبالغات لم نجد لها ما يؤيدها من مصدر آخر موثوق ولقد دأبنا على ذكر الأمور التي اتفق عليها خليفة والطبري في قسم الصحيح وخاصة إذا أوردا الخبر بالإسناد وإن كان في إسناد أحدهما مجهول شريطة أن لا نعلم فيه جرحًا ولم نجد في المتن نكارة.\nوبالنسبة لانتقاض أهل حمص على مروان فقد أيد ذلك خليفة فقال وفيها خلع أهل حمص ودمشق مروان فسار مروان حتى أتى حمص فظهر عليهم فقتل رؤساء من رؤسائهم وأمر بهدم ناحية من مدينتهم ونادى في الناس بالأمان ثم وجه الوليد بن معاوية بن مروان إلى ثابت بن نعيم وهو بطبرية فحاصر أهلها وانهزم ثابت وقتل من أصحابه مقتله عظيمة وهرب ثابت فأتى فلسطين مستخفيًا وأتبعه مروان عمرو بن الوضاح وأبا الورد فعلم بمكانه فأخذ فبعث به إلى مروان بدمشق فقطع يديه ورجليه / تأريخ خليفة / ٣٩٤ وانظر [البداية والنهاية ٨/ ١٠ - ١١].","vol":"4","page":367},{"text":"الشيبانيّ في مئتين من أهل الجزيِرة؛ فيهم الضحّاك، فاغتنم قتلَ الوليد واشتغال مرْوان بالشام، فخرج بأرض كَفرْتُوثا، وخرج بِسطام البيهسيّ وهو مفارق لرأيه في مثل عِدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه؛ فلما تقارب العسكران وَجه سعيد بن بهدل الخَيبريّ - وهو أحد قواده، وهو الذي هزم مَرْوان - في نحو من مئة وخمسين فارسًا ليبيّته، فانتهى إلى عسكره وهم غازُون، وقد أمر كلّ واحد منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به رأسَه، ليعرف بعضهم بعضًا، فبكّروا في عسكرهم فأصابوهم في غرّة، فقال الخيبريّ:\nإن يك بسْطامٌ فإني الخَيبَرِي ... أَضْرِبُ بالسَّيف وأَحْمِي عَسْكَري\nفقتلوا بِسطامًا وجميعَ من معه إلا أربعة عشر، فلحِقوا بمروان، فكانوا معه فأثبتهم في روابطه، وولّى عليهم رجلًا منهم يقال له مقاتل، ويكنى أبا النعثل، ثمّ مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تَشْتيت الأمر بها واختلاف أهل الشام، وقتال بعضهم بعضًا مع عبد الله بن عمر، والنضْر بن سعيد الحرَشيّ وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضريّة، مع ابن الحرَشى بالكوفة؛ فهم يقتتلون فيما بينهم غَدوة وعشيّة.\nقال: فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه؛ واستخلف الضحاك بن قيس من بعده؛ وكانت له امرأة تسمى حوْماء، فقال الخيبريّ في ذلك:\nسَقى الله يا حَوْماءُ قَبْرَ ابْنِ بَهْدَلٍ ... إِذا رَحَل السارونَ لَمْ يَتَرَحَّل\nقال: واجتمع مع الضَّحاك نحوٌ من ألف ثمّ توّجه إلى الكوفة، ومرّ بأرض الموصل، فاتّبعه منها ومن أهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النَّضْر بن سعيد الحَرَشيّ ومعه المضريّة، وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة، فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحَرشيّ، فصار أمرهم واحدًا، ويدًا على قتال الضحاك، وخندقا على الكوفة، ومعهما يومئذ من أهل الشام نحوٌ من ثلاثين ألفًا، لهم قوّة وعدّة، ومعهم قائد من أهل قِنَّسْرِين، يقال له عبّاد بن الغُزَيِّل في ألف فارس، قد كان مروان أمدّ به ابن الحَرَشيّ، فبرزوا لهم، فقاتلوهم، فقتِل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيزِ وجعفر بن عباس الكنديّ، وهزموهم أقبح","vol":"4","page":368},{"text":"هزيمة، ولحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسِط، وتوجّه ابنُ الحَرشيّ - وهو النّضر - وجماعة المضريّة وإسماعيل بن عبد الله القسْريّ إلى مَرْوان، فاستولى الضحاك والجزريّة على الكوفة وأرضها، وجَبَوُا السواد. ثم استخلف الضحاك رجلًا من أصحابه - يقال له مِلْحان - على الكوفة في مئتي فارس، ومضى في عظْم أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط، فحاصره بها؛ وكان معه قائد من قواد أهل قِنَّسرين يقال له عطية الثعلبي - وكان من الأشدّاء - فلما تخوّف محاصرة الضّحاك خرج في سبعين أو ثمانين من قومِه متوجهًا إلى مَرْوان، فخرج على القادسيّة، فبلغ مِلْحان ممرُّه، فخرج في أصحابه مبادرًا يريده، فلقيه على قنطرة السَّيلَحِين - ومِلْحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارسًا - فقاتله فقتله عطية وناسًا من أصحابه، وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة، ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان (١).\nوأما أبو عبيدة معمر بن المثنَّى، فإنه قال: حدثني أبو سعيد، قال: لما مات سعيد بن بَهدل المرّيّ، وبايعت الشراة للضحاك، أقام بشهرزُور وثابت إليه الصُّفْريّة من كلّ وجه حتى صار في أربعة آلاف، فلم يجتمع مثلهم لخارجيّ قطّ قبله. قال: وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر، فانحط مروان من أرمينيَة حتى نزل الجزيرة، وولِّي العراق النَّضْر بن سعيد - وكان من قوّاد ابن عمر - فشخص إلى الكوفة، ونزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضريّة إلى النّضر واليمانية إلى ابن عمر، فحاربه أربعة أشهر، ثم أمدّ مروان النَّضْر بابن الغزيِّل، فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك في سنة سبع وعشرين ومئة، فأرسل ابن عمر إلى النّضْر: هذا لا يريد غيري وغيرك، فهلمَّ نجتمع عليه [فتعاقدا عليه]، وأقبل ابن عمر، فنزل تلّ الفتح وأقبل الضّحاك ليعبر الفرات، فأرسل إليه ابن عمر حمزة بن الأصبغ بن ذؤالة الكلبي ليمنَعه من العبور، فقال عبيد الله بن العباس الكنديّ: دعه يعبر إلينا، فهو أهون علينا من طلبه. فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفُّه عن ذلك، فنزل ابنُ عمر الكوفة، وكان يصلي في مسجد\n_________\n(١) لقد تحدثنا عن رجال هذا الإسناد في المقدمة وسيورد الطبري روايات أخرى للمقارنة ولكنها متحدة في الفحوى وهي جميعًا تحكي خروج الضحاك الخارجي وسيطرته على الكوفة وقتاله كما سيأتي.","vol":"4","page":369},{"text":"الأمير بأصحابه، والنضر بن سعيد في ناحية الكوفة يصلِّي بأصحابه، لا يجامع ابن عمر ولا يصلي معه؛ غير أنهما قد تكافآ واجتمعا على قتال الضحاك، وأقبل الضحاك حين رجع حمزة حتى عَبَر الفرات، ونزل النُّخَيلة يوم الأربعاء في رجب سنة سبع وعشرين ومئة، فخفّ إليهم أهلُ الشام من أصحاب ابن عمر والنضر، قبل أن ينزلوا، فأصابوا منهم أربعة عشر فارسًا وثلاث عشرة امرأة. ثم نزل الضحاك وضرب عسكره، وعبَّى أصحابه، وأراح، ثم تغادوا يوم الخميس، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكشفوا ابنَ عمر وأصحابَه، وقتلوا أخاه عاصمًا؛ قتله البِرْذَون بن مرزوق الشيبانيّ، فدفنه بنو الأشعث بن قيس في دارهم، وقتلوا جعفر بن العباس الكنديّ أخا عبيد الله، وكان جعفر على شرْطة عبد الله بن عمر، وكان الذي قتل جعفرًا عبد الملك بن علقمة بن عبد القيس، وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابنَ عمّ له يقال له شاشلة، فكرّ عليه شاشلة، وضربه رجل من الصُّفْريّة، ففلق وجهه.\nقال أبو سعيد: فرأيته بعد ذلك كأنّ له وجهين، وأكبّ عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحًا، فقالت أم البرذون الصُّفْرِيّة:\nنَحْنُ قَتَلْنَا عاصمًا وجَعْفَرا ... والفارِسَ الضَّبّيَّ حِينَ أَصْحَرا\nونَحْن جئنا الخَنْدق المقَعَّرا\nفانهزم أصحاب ابن عمر، وأقبل الخوارج، فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعة؛ فوالله ما تتاممنا حتى هَزُمونا، فدخلنا خنادقنا، وأصبحنا يوم السبت؛ فإذا الناس يتسللون ويهربون إلى واسط، ورأوا قومًا لم يروْا مثلهم قطّ أشدّ بأسًا؛ كأنهم الأسْد عند أشبالها، فذهب ابن عمر ينظر أصحابَه، فإذا عامّتهم قد هربوا تحت الليل، ولحق عظْمهم بواسط فكان ممّن لحق بواسط النضر بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور بن جمهور والأصبغ بن ذؤالة وابناه: حمزة وذؤالة، والوليد بن حسان الغسانيّ وجميع الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن بقي من أصحابه مقيمًا لم يبرح (١).\n_________\n(١) وهذه هي الرواية الثانية التي أخرجها الطبري وهي من مرويات الأخباري الثقة معمر بن المثنى والذي يرويه بدوره عن شاهد عيان (أبي سعيد) ويؤيد الروايتين ما أخرجه خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٢٧ هـ، قال خليفة: وفي هذه السنة وهي سنة سبع وعشرين ومئة مات =","vol":"4","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سعيد بن بحدل الخارجي فحدثني إسماعيل بن إبراهيم أن سعيد بن بحدل لما حضرته الوفاة بشهرزور اجتمع إليه قواده فدعاهم أن يستخلف عليهم رجلًا منهم ... إلخ وفيه أن قادة الخوارج اختاروا الضحاك أميرا عليهم بعد عملية الشورى.\nثم أخرج خليفة قال: قال إسماعيل بن إبراهيم حدثني الوليد بن سعيد الشيباني أن سعيد بن بحدل جعلها شورى بين ستة منهم الضحاك والخيبري وشيبان وعبيدة بن سوار التغلبي وكان غائبًا بأذربيجان فبايعوا الضحاك ثم قدم عبيدة فأبى أن يرضى بالضحاك فقالوا له لتدخلن فيما دخلنا فيه أو لنسعدنك برماحنا فبايعه ثم وجه الضحاك حبناء بن عصمة الشيباني في خيل إلى تكريت فغلب عليها فبعث بمالها إلى الضحاك ووجه أبا الريش خالد بن الريش إلى حولايا وأرضها فلقي جميع بن مقرن الكلبي وحريث بن أبي الجهم فقتل جميع وانهزم حريث فأتى المدائن ووجه عبد الله بن عمر الأصبغ بن ذؤالة فنزل المدائن فأقبل أبو الريش وعبثل وحبناء بن عصمة فالتقوا جميعًا بالمدائن فقطع الأصبغ بن ذؤالة الجسر وانصرف إلى الكوفة وأقبل الضحاك بن قيس يريد الكوفة فنزل دير الثعالب في ثلاثة آلاف والمكثر يقول في أربعة آلاف وبعث عبد الله بن عمر عبد الله بن العباس الكندي في عشرة آلاف فتواقفوا وبينهم الفرات فقال مسكين يا عبيد الله اختر إن شئت أن تعبر إلينا ولك الذمة ألا نحركك حتى تقطع جميع من معك وإما أن تعطينا مثل ذلك فنعبر إليكم فأبى ذلك عبيد الله وانصرف إلى الكوفة وعبر مسكين الفرات وأقبل الضحاك فنزل بشاطئ الفرات وضرب الناس معابر فعبروا وسار مسكين فوجد ابن عمر وأهل الشام وأهل الكوفة على أفواه السكك وقد خندقوا وذلك يوم الأربعاء لليالٍ خلون من شعبان سنة سبع وعشرين ومئة فاقتحم أصحاب مسكين الخنادق فأصيب منهم سبعة عشر إنسانًا من رجل وامرأة وبلغ ذلك الضحاك فبعث حبناء بن عصمة في ناس وعزم عليهم ألا يقاتلوا تلك الليلة وأقبل الضحاك فيمن معه فحمل عليهم حتى إذا كان حيث تناله النشاب أنزل من كل كردوس عصابة نشطوا للقتال فلم يلبث أهل الشام أن انهزموا وعبروا الخنادق فدخلوا الكوفة ثم رجعوا من ساعتهم وذلك يوم الخميس فرجعوا إلى مواقفهم وحمل بعضهم عليهم فقتل عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن العباس وانهزم أهل الشام ثم غدا ابن عمر يوم الجمعة وحضض الناس ووجه الأصبغ بن ذؤالة في عشرة آلاف فأخذ المحجة كأنه يريد الشام والضحاك ومن معه وقوف وهو يريد أن يخالفهم إلى عسكرهم وقد كان بلغهم فخلفوا شيبان في العسكر فانطلق الأصبغ ومن معه حتى إذا كانوا بإزاء الضحاك على ابن عمر وعليهم فلم يلو أحد منهم على صاحبه فلما جنّهم الليل خرج أهل الشام من الكوفة متوجهين في كل وجه فلم يبقٍ فيها منهم أحد فأصبح ابن عمر فخرج متوجهًا إلى واسط فنادى الضحاك ألا تتبعوا موليًا ولا تجرحوا أحدًا وقد أجلناكم يا أهل الشام ثلاثًا فمن دخل فيما دخلنا فيه فله ما لنا ومن أحب أن يتوجه حيث شاء من الأرض فليتوجه آمنًا فمن أتاهم ألحقوه بهم ومن شخص لم يعرضوا له وبعث حبناء بن عصمة إلى =","vol":"4","page":371},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على المدينة والطائف حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره (١).\nوكان العامل على العراق النَّضر بن الحرشيّ وكان من أمره وأمر عبد الله بن عمر والضحاك الحَرُوريّ ما قد ذكرت قبلُ. وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرمانيّ والحارث بن سُرَيج (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان</span>\nفمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان (٣).\n_________\n= قصر الكوفة فباع الفيء وأصاب خزائن كثيرة وسلاحًا وأموالًا فلما كان أول يوم من شهر رمضان سار الضحاك إلى واسط فاستخلف على الكوفة ملحان وسار الضحاك حتى نزل على ابن عمر بواسط فقاتله وفارس أهل الشام والقائم بتلك الحرب منصور بن جمهور فقتل جحشنة ابن أخي منصور في تلك الحرب وحمل منصور على عكرمة فقتله [تأريخ خليفة / ٣٩٧] فهذه الروايات اللطبري وخليفة) وإن اختلفت في التفاصيل ولكنها تتحد في أصل الخبر ألا وهو خروج الضحاك الخارجي وجريان الأمور في بداية المعارك لصالحه ووصوله إلى الكوفة وحصاره لواسط وللخبر تتمة كما سيأتي. وانظر البداية والنهاية (٨/ ١٣) فقد ذكر ابن كثير الخبر مختصرًا.\n(١) قال خليفة: وأقام الحج سنة سبع وعشرين ومئة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بين مروان [تأريخ خليفة / ٣٩٨].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد مروان.\n(٣) وكذلك قال خليفة: وفي هذه السنة وهي سنة ثمان وعشرين ومئة لجأ الحارث بن سريج إلى الكرماني وإلى الأزد، وقال: تعالوا نقاتل هذا الباغي يعني نصر بن سيار فقاتلوا نصرًا فهزموه فلما جنّ نصرًا الليلُ خرج متوجهًا إلى أبرشهر فطمع الحارث أن تجتمع عليه تميم وشامهم فقالوا نحن معك فمال إليهم فاجتمعت مضر مع الحارث وبايعوه واجتمعت اليمن وربيعة مع الكرماني فاقتتلوا فقتل الحارث لا يدرى من قتله وهزمت تميم وغلب الكرماني على مرو وكتب العهود وفي ذلك يقول نصر بن سيار في قتل الحارث بن سريج:\nيا مدخل الذلّ على قومه بعدًا ... وسحقًا لك من هالك\nما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك\n(تأريخ خليفة / ٤٠٥). =","vol":"4","page":372},{"text":"قال عليّ: قال زهير بن الهُنيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة؛ مدينة مَرْو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه وبين عسكر بِشْر فرسخان، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث: تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال: لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بِشْر في قرية الدّرزِيجان، فأقام معهم وقال: ما كنتُ لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضرِيّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكِرمانيّ مضريّ غير سَلَمة بن أبي عبد الله، مولى بني سُلَيم؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبدًا فإني لم أره إلا غادرًا ومهلّب بن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلا في خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانيّ مرارًا، يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرَّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء، فالتقوْا يومًا من أيامهم، وقد شرب مَرثد بن عبد الله المجاشعيّ، فخرج سكران على بِرْذون للحارث، فطُعن فصُرع، وحماه فوارس من بني تميم؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، وقال: كدتَ تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برْذونك، امرأتي طالق إن لم آتك ببرذَوْن أفرَه من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ قالوا: برذون عبد الله بن دَيسَم العَنَزيّ - وأشاروا إلى موقفه - حتى وصل إليه، فلما غشيَه رمى ابن ديسم نفسه عن برْذوْنه، وعلّق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان بِرْذونك، فلقي مخلد بن الحسن مرثدًا، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتَك! فنزل عنه، وقال: خذه، قال أردت أن تفضحني! أخذتَه منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك أيامًا، ثم ارتحل الحارث ليلًا، فأتى حائط مَرْو فنقب بابا، ودخل الحائط، فدخل الكِرماني، وارتحل، فقالت المضريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مَرّة، فترجّل. فقال: أنا لكم فارسًا\n_________\n= وأما ما ذكره الطبري من تفاصيل كثيرة فلم نجد لها ما يؤيدها ولم يروه الطبري بطريق مسند موصول صحيح. فذكرناها في قسم المسكوت عنه فليراجع هناك (٧/ ٣٣٠ - ٣٤٠).","vol":"4","page":373},{"text":"خير مني لكم راجلًا، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل وهو بين حائط مَرْو والمدينة، فقتِل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصُلِب الحارث وصَفتْ مَرْو لليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل:\nيا مُدْخِلَ الذلِّ على قومِهِ ... بعْدًا وسُحْقًا لك مِنْ هالِكِ!\nشُؤمُكَ أَرْدَى مُضرًا كلَّها ... وغضَّ مِنْ قَومِكَ بالحارِكِ\nما كانتِ الأَزدُ وأَشياعُها ... تطْمَعُ فِي عمرو ولا مالكِ\nولا بَنِي سَعْدٍ إذا أَلجَمُوا ... كُلَّ طِمِرٍّ لونُهُ حالِكِ\nويقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازنيّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجيّ</span>\nوفي هذه السنة قُتِل الضحاك بن قيس الخارجي، فيما قال أبو مخنف، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه.\nذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:\nذكر أنّ الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، وبايعه منصور بن جُمْهور، ورأى عبد الله بن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه: إن مقامكم عليّ ليس بشيء؛ هذا مروان فسرْ إليه؛ فإن قاتلته فأنا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه.\nفذكر هشام، عن أبي مخنف، أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقيَ مَرْوان بكفَرْتوثَا من أرض الجزيرة، فقتِل الضحاك يوم التقوْا.\nوأما أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم عنه أن الضّحاك لما قتل عطية الثعلبيّ صاحبَه\n_________\n(١) هذا الخبر ذكره الطبري من مرويات المدائني الصدوق الأخباري عن زهير بن هنيد (أبي الذيال) وهو صدوق حسن الحديث وفي متن هذه الرواية ما يقوي رواية خليفة السابقة مع مثيلتها (أي رواية الطبري) من هزيمة الحارث ومقتله وانتصار الكرماني مع اليمانية الذين تحالفوا معه.","vol":"4","page":374},{"text":"وعاملَه على الكوفة مِلْحان بقنطرة السَّيلحِين، وبلغه خبرُ قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط، وجّه مكانه من أصحابه رجلًا يقال له مطاعن؛ واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته، فدخل وصلى خلفه، وانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط، ودخل الضّحاك الكوفة، وكاتبه أهلُ الموصل ودعوْه إلى أن يقدم عليهم فمكَّنوه منها؛ فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهرًا، حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ عامل لمرْوان؛ وهو رجل من بني شَيبان من أهل الجزيرة يقال له القَطِران بن أَكْمَه، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطِران في عدّة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضَّحاك على الموصل وكورها. وبلَغ مَرْوان خبرُه وهو محاصِرٌ حِمْص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير فيمن معه من رَوابطه إلى مدينة نَصِيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نصِيبين في جماعة روابطه، وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية، وخلّف بحزان قائدًا في ألف أو نحو ذلك، وسار الضحاك من الموْصل إلى عبد الله بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوّة لكثرة من مع الضحاك؛ فهم فيما بلغنا عشرون ومئة ألف، يرزق الفارس عشرين ومئة والراجل والبغال المئة والثمانين في كلّ شهر؛ وأقام الضحاك على نَصِيبين محاصرًا لها، ووجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبدر الذّكوانيّ مولى سليمان بن هشام، في أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرّقة، فقاتلهم مَنْ بها من خيل مروان؛ وهم نحو من خمسمئة فارس، ووجّه مَرْوان حين بلغه نزولهم الرَّقة خيلًا من روابطه، فلما دنوا منها انقشع أصحابُ الضَّحاك منصرفين إليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيّفًا وثلاثين رجلًا، فقطعهم مَرْوان حين قدم الزَقة، ومضى صامدًا إلى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغزّ من أرض كَفرْتوثا، فقاتله يومَه ذلك؛ فلما كان عند المساء ترجّل الضحاك وترجَّل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه، وأحدقت بهم خيولُ مروان فألحُّوا عليهم حتى قتلوهم عند العَتَمة، وانصرف مَنْ بقي من أصحاب الضَّحاك إلى عسكرهم، ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضّحاك قد قُتِل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل. وجاءهم بعض مَن عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بخبره ومقتله،","vol":"4","page":375},{"text":"فبكوْه وناحوا عليه، وخرج عبد الملك بن بشر التغلبيّ القائد الذي كان وجّهه في عسكرهم إلى الرّقة حتى دخل عسكر مَرْوان، ودخل عليه فاعلمه أنّ الضحاك قتِل، فأرسل معه رسلًا من حرَسه، معهم النيران والشَّمْع إلى موضع المعركة، فقلّبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوْا به مَرْوان، وفي وجهه أكثر من عشرين ضَرْبة، فكبّر أهل عسكر مَرْوان، فعرف أهل عسكر الضحاك أنهم قد علموا بذلك، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة، فطيِف به فيها (١).\n_________\n(١) أورد الطبري هذين الخبرين أحدهما عن التالف أبي مخنف مختصرًا والثاني بسنده الموصول عن مخلد بن محمد (انظر المقدمة) وقد أوردنا روايات أبي مخنف المختصرة جدًّا كهذه في قسم الصحيح شريطة أن تكون مؤيّدةً بروايات أخرى من مصادر موثوقة وكما الحال هاهنا فإن رواية الطبري الثانية عن مخلد بن محمد تؤيد هذه الحادثة وأعني مقتل الضحاك الخارجي سنة ١٢٨ هـ في العراق في معركة أمام جيش عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وكذلك أخرج خليفة بن خياط عدة روايات تؤيد وقوع هذه الحادثة وهزيمة الضحاك ومقتله مع اختلاف يسير في بعض التفاصيل لا تؤثر على أصل الخبر وإليك أخي القارئ الكريم ما أخرجه خليفة.\nقال خليفة: قال إسماعيل بن إسحاق فحدثني الوليد بن سعيد قال خرج منصور يومًا فحمل على عبد الملك بن علقمة فطعنه فأنفذ الرمح من ظهره فقتله فتقوضت صفوف الضحاك وانصرفوا جزعًا عليه يقال كان القتال ستة أشهر ويقال سنة حتى صالحه ابن عمر فأرسل ابن عمر إلى الضحاك على أن يعطيه الرضا ويقره على عمله (تأريخ خليفة / ٣٩٧) ثم أخرج خليفة: قال إسماعيل فحدثني عون بن يزيد الباهلي قال إني بواسط إذ رأيت عبد الله بن عمر أتى الضحاك فأعطاه الرضا وفي ذلك قال سبيل بن عزرة الضبعي:\nألم تر أن الله أظهر دينه ... وصلت قريش خلف بكر بن وائل\n[تأريخ خليفة بن خياط / ٣٩٨].\nولما كان خليفة والطبري يتبعان نظام الحوليات في تدوين التأريخ فانهما يجزّئان الحادثة ويقطعانها بين السنين وإلى هنا كانت الروايات عند خليفة (عن معارك الضحاك) ضمن أحداث سنة ١٢٧ هـ ثم بدأ بتتمة الحديث عن خروج الضحاك ومقتله ضمن أحداث سنة ١٢٨ هـ وكما فعل الطبري من بعده، فقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٢٨ هـ: خبر القتال بين الضحاك ومروان: فيها (أي ١٢٨ هـ) سار الضحاك بين قيس حتى أتى الموصل فخرج إليه عاملها فقتله الضحاك واستولى على المدينة فبلغ مروان فكتب إلى ابنه عبد الله بن مروان وهو يومئذ على الجزيرة يامره أن ينزل بنصيبين وسار إليه الضحاك فحاصره نحوًا من شهرين فلم يظفر منه بشيء وبثّ الخيول في الغارة على أرض الجزيرة حتى بلغت خيله الرقة، واجتمعت إلى الضحاك ملوك أهل الشام ممن هرب من مرو من قريش وغيرهم وسار =","vol":"4","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مروان يريد نصيبين فرحل من عين الوردة فنزل الأكدر ثم رحل من الأكدر يوم الإثنين زحفًا على تعبئة، ورجالته تمشي وخيوله مجففات وهو في القلب فاستقبله الضحاك على قريب من فرسخين من عسكر الضحاك قريبًا من صلاة الظهر، قال إسماعيل فحدثني السري بن مسلم والوليد بن سعيد أن العسكرين لما تقاربا قام إلى الضحاك أشراف من معه من أهل الشام فقالوا له: إنه والله ما اجتمع إلى داع دعا إلى هذا الرأي منذ كان الإسلام ما اجتمع معك فتأخر وقدم من خيلك ورجالتك وفرسانك من يلقى هذا الطاغية فقال إني والله ما لي في دنياكم هذه حاجة وإنما أردت هذا الطاغية وقد جعلت لله عليّ إن رأيته أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيني وبينه وعليّ دين سبعة دراهم في كميّ منها ثلاثة دراهم، ثم أقبل مروان فالتقوا فاقتتلوا حتى غابت الشمس وقتل الضحاك في المعركة ولا يعلم به وحجز بينهم الليل ورجع الفريقان إلى معسكرهم وقتل منهم نحو من ستة آلاف وأكثر القتلى أصحاب الضحاك وقتل من الشراة نحو من ثمانمئة امرأة وأمر مروان حين أصبح فنصب راية أمان ودعا إليها وخرج الخيبري ودعى في شراته: من أراد الجنة والموت فلينتدب معي فانتدب معه ثلاثمئة وخمسون فارسًا فحملوا على مروان في القلب فانكشف وأعرى القلب وشدّ رجل من الخوارج على مروان فضربه بالسيف على عاتقه فقطع الحمائل وسقط الجفن وضربه مروان فأصاب يده وولّى هاربًا [تأريخ خليفة / ٤٠٠]. قلت وهذا إسناد مركب والسري شاهد عيان كما سيأتي فقد أخرج خليفة بعد هذا: قال إسماعيل حدثني السري وكان شهد ذلك اليوم قال هاجت يومئذ ضبابة فما كان الرجل ببصر عرف فرسه ولا سوطه ومضى فلّ مروان في كل وجه، وبقي ابنه عبد الله بن مروان في الميمنة وإسحاق بن مسلم في الميسرة على حالهما لا يعلمان حال مروان وجاء الخيبري فدخل عسكر مروان فقطع أطناب رواقه وقعد على سريره وتفرّق أصحابه حول الحجرة في النهب والقتل وشعارهم يا خيبري ولا يعلم سائر أصحاب الخيبري بالأمر للنقع والضباب ولا يرون الخيبري إلا وقد قتل فلما رأى من في عسكر مروان قلتهم ثار مولى لمحمد بن مروان وكان في حرسه رجل يقال له سليمان بن مسروح من البرابرة فنادى في العبيد من اتبعني فهو حرّ فاجتمع إليه من العبيد وغمرهم نحو من ثلاثة آلاف رجل أو أربعة آلاف رجل فقتل الخيبري وانجلت الضبابة عن مجنبتي مروان - عبد الله بن مروان وإسحاق بن مسلم - فرأوا أعلام الشراة في موضع مروان فقالوا قد قتل الخيبري واحتمله أصحابه فدفنوه فلم يقدروا على رأسه ولا جسده وخرج مولى لمروان يقال له غزوان يركض على فرسه حتى أتي مروان فأخبره الخبر فرجع مروان إلى عسكره وتابعت الشراة مكانهم فارتحل شيبان راجعًا حتى نزل الزابين من أرض الموصل فخندق على نفسه وأتاه مروان فقاتلهم عشرة أشهر كل يوم راية مروان مهزومة ثم انحدر على ماه ثم على الصيمرة ثم أتى جزيرة بركاوان ثم أتى عمان فقاتلوه فقتل بها [تأريخ خليفة / ٤٠١]. =","vol":"4","page":377},{"text":"وقيل: إن الخيبريّ والضحاك إنما قتِلا في سنة تسع وعشرين ومئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>ذكر الخبر عن مقتل الخيبريّ وولاية شيبان</span>\nوفي هذه السنة كان أيضًا - في قول أبي مخنف - قتل الخيبريّ الخارجيّ، كذلك ذكر هشام عنه.\nذكر الخبر عن مقتله:\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثني أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: لما قتِل الضحاك أصبح أهل عسكره بايعوا الخيبريّ، وأقاموا يومئذ وغادوه من بعد الغد، وصافُّوه وصافّهم، وسليمان بن هشام يومئذ في مواليه وأهل بيته مع الخيبريّ؛ وقد كان قدم على الضحاك وهو بنَصِيبين، وهم في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوّج فيهم أخت شيبان الحَروريّ الذين بايعوه بعد قتل الخيبريّ، فحمل الخيبري على مَرْوان في نحو من أربعمئة فارس من الشُّراة، فهزِم مَرْوان وهو في القلب، وخرج مروان من المعكسر هاربًا، ودخل الخيبريّ فيمن معه عسكره، فجعلوا ينادون بشعارهم: يا خيبريّ يا خيبريّ، ويقتلون مَنْ أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مَرْوان فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبريّ على فرشه. وميمنة مروان عليها ابنه عبد الله ثابتة على حالها، وميسرته ثابتة عليها إسحاق بن مسلم العُقَيليّ، فلما رأى أهل عسكر مَرْوان قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيد من أهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبريّ وأصحابه جميعًا في حجرة مَرْوان وحولها، وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزمًا، فانصرف إلى عسكره وردّ خيوله عن مواضعها ومواقفها، وبات ليلته تلك في عسكره. فانصرف أهل عسكر الخيبريّ فولّوْا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ. وكان مروان يوم الخيبريّ بعث محمد بن سعيد، وكان من ثقاته وكتابه إلى الخيبريّ، فبلغه أنه مالأهم وانحاز إليهم يومئذ، فأتِيَ به\n_________\n= وكذلك أورد ابن كثير خبر خروج الضحاك وَقْتله ضمن أحداث سنة ١٢٨ هـ[البداية والنهاية ٨/ ١٦].","vol":"4","page":378},{"text":"مروان أسيرًا فقطع يده ورجله ولسانه (١).\nوفي هذه السنة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن عمر بن عبد العزيز؛ كذلك قال أبو معشر فيما حدثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن أسحاق بن عيسى عنه. وكذلك قال الواقديّ وغيره (٣).\nوكان العامل على المدينة ومكة والطائف - فيما ذكر - في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وبالعراق عمَّال الضحاك وعبد الله بن عمر.\nوعلى قضاء البصرة ثُمامة بن عبد الله، وبخراسان نَصْر بن سيّار وخراسان مفتونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>خبر أبي حمزة الخارجيّ مع عبد الله بن يحيى</span>\nوفي هذه السنة لقي أبو حَمْزة الخارجيّ عبدَ الله بن يحيى طالب الحق فدعاه إلى مذهبه.\nذكر الخبر عن ذلك:\nحدثني العباس بن عيسى العُقيليّ، قال: حدَّثنا هارون بن موسى الفرويّ، قال: حدثني موسى بن كثير مولى الساعديين، قال: كان أوّل أمر أبي حمزة - وهو المختار بن عوف الأزديّ السَّليميّ من البصرة - قال موسى: كان أول أمر أبي حمزة أنه كان يوافي كلّ سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مَرْوان بن محمد وإلى خلاف آل مروان. قال: فلم يزل يختلف في كلّ سنة حتى وافى عبد الله بن\n_________\n(١) هاتان روايتان للطبري تحكيان خبر قتل الخيبري الخارجي وقد تأيّد ذلك من رواية خليفة التي ذكرناها سابقًا فلينظر.\n(٢) وكذلك قال خليفة: وفي هذه السنة وهي سنة ثمان وعشرين ومئة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة واليًا على العراق وذلك قبل قتل الضحاك وبلغ الخبر المثنى بن عمران العائذي من قريش وهو عامل الضحاك على الكوفة فوجه إليه منصور ... إلخ [تأريخ خليفة / ٤٠٣].\n(٣) ووافقهم خليفة فقال: وأقام الحجّ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [تأريخ خليفة / ٤٠٣].","vol":"4","page":379},{"text":"يحيى في آخر سنة ثمان وعشرينَ ومئة، فقال له: يا رجل، أسمَعُ كلاما حسنًا، وأراك تدعو إلى حقّ، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج حتى ورد حَضْرَمَوْت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مَرْوان وآل مروان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحروريّ</span>\nفمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ أبي الدّلفاء.\nذكر الخبر عن سبب مهلكه.\nوكان سبب ذلك أنّ الخوارج الذين كانوا بإزاء مَرْوان بن محمد يحاربونه لمّا قتِل الضحاك بن قيس الشيبانيّ رئيس الخوارج والخيبريّ بعده ولَّوْا عليهم شيبان وبايعوه؛ فقاتلهم مرْوان، فذكر هشام بن محمد والهيثم بن عبدّي أن الخيبريّ لما قُتل قال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج - وكان معهم في عسكرهم: إنّ الذي تفعلون ليس برأي؛ فإن أخذتم برأي، وإلا انصرفت عنكم. قالوا: فما الرأي؟ قال: إنّ أحدكم يظفر ثم يستقتِل فيقتَل، فإني أرى أن ننصرف على حاميتنا حتى ننزل الموصل، فنخندق. ففعل، وأتبعه مروان والخوارج في شرقيّ دجلة ومروان بإزائهم؛ فاقتتلوا تسعة أشهر، ويزيد بن عمر بن هبيرة بقرقِيسيا في جُنْد كثيف من أهل الشام وأهل الجزيرة، فأمره مروان أن يسير إلى الكوفة،\n_________\n(١) سبق الحديث عن هذا الإسناد في المقدمة وأما خليفة فقد ذكر الخبر عن عبد الله بن يحيى (طالب الحق) وأبي حمزة ضمن أحداث سنة ١٢٩ هـ ولا يضر فالاختلاف ليس كبيرًا فإن الطبري قد ذكر هذا في أواخر أحداث سنة ١٢٨ هـ وعلى أية حالةٍ فقد أخرج خليفة خبر خروج طالب الحق بحضرموت فقال: وفي هذه السنة وهي تسع وعشرين ومئة خرج عبد الله بن يحيى الأعور الكندي الذي يسمى طالب الحق بحضرموت وعليها إبراهيم بن جبلة ... الخبر وفيه: ثم وجه إلى مكة رجلًا من أهل البصرة من الأزد يقال له بلج بن المثنى ثم وجه أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في عشرة آلاف وأمره يقيم بمكة [تأريخ خليفة / وانظر روايات وقعة قديد (١٢٩ هـ)].","vol":"4","page":380},{"text":"وعليها يومئذ المثنَّى بن عمران من عائذة قريش من الخوراج (١).\nوحدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثني أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال: كان مَرْوان بن محمد يقاتل الخوارج بالصّفّ، فلما قتل الخيبريّ وبويع شيبان، قاتلهم مَرْوان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ، وجعل الآخرون يكردِسون بكراديس مَرْوان كراديس تكافئهم وتقاتلهم، وتفرَّق كثير من أصحاب الطمع عنهم وخَذلوهم، وحصلوا في نحو من أربعين ألفًا، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى مدينة الموصل، فيصيِّروها ظهرًا وملجأً ومِيرةً لهم، فقبلوا رأيه، وارتحلوا ليلًا، وأصبح مروان فأتبعهم؛ ليس يرحلون عن منزل إلا نزله؛ حتى انتهوْا إلى مدينة الموصل، فعسكروا على شاطئ دِجْلة، وخندقوا على أنفسهم، وعقدوا جسورًا على دِجْلة من عسكرهم إلى المدينة؛ فكانت ميرتهُم ومرافقهم منها، وخندق مَرْوان بإزائهم، فأقام ستة أشهر يقاتلهم بكْرة وعشيّةً.\nقال: وأتِيَ مَرْوان بابن أخ لسليمان بن هشام، يقال له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان بن هشام في عسكر شيبان بالموصل؛ فهو مبارز رجلًا من فرسان مَرْوان، فأسره الرجل فأتِيَ به أسيرًا، فقال له: أنشدك الله والرحِم يا عمّ! فقال: ما بيني وبينك اليوم من رَحِم، فأمر به - وعمه سليمان وإخوته ينظرون - فقطِعَت يداه وضربت عنقه.\nقال: وكتب مَرْوان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قَرْقيسيا بجميع مَن معه إلى عُبيدة بن سوّار خليفة الضَّحاك بالعراق، فلقي خيوله بعين التَّمْر، فقاتلهم فهزمهم؛ وعليهم يومئذ المثَّنى بن عمران من عائذة قريش والحسن بن يزيد؛ ثم تجمّعوا له بالكوفة بالنُّخيلة، فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصَّرَاة ومعهم عُبيدة؛ فقاتلهِم فقتل عبيدة، وهزم أصحابه، واستباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم يكن لهم بقيّة بالعراق، واستولى ابنُ هبيرة عليها، وكتب إليه مَرْوان بن محمد من الخنادق يأمره أن يمدّه بعامر بن ضبارة المُرّيّ، فوجَّهه في نحو من ستة آلاف أو ثمانية؛ وبلغ شيبان خبرهم ومن معه من الحَرُوريّة، فوجَّهوا\n_________\n(١) انظر تعليقنا على أحداث سنة (١٢٩ هـ).","vol":"4","page":381},{"text":"إليه قائدين في أربعة آلاف، يقال لهما ابن غوث والجَوْن، فلقوا ابن ضُبارة بالسنّ دون الموصل، فقاتلوه قتالًا شَديدًا، فهزمهم ابن ضُبارة، فلما قدم فلُّهم أشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل، وأعلمهم أنه لا مقام لهم إذا جاءهم ابنُ ضبارة من خلفهم، وركبهم مروان من بين أيديهم، فارتحلوا فأخذوا على حُلْوان إلى الأهواز وفارس، ووجّه مروان إلى ابن ضُبارة ثلاثة نفر من قوّاده في ثلاثين ألفًا من روابطه؛ أحدهم مصعب بن الصّحصح الأسديّ وشقيق وعطيف [السليماني]، وشقيق الذي يقول فيه الخوارج:\nقد علِمَتْ أُخْتاك يا شقيقُ ... أَنكَ مِنْ سُكْرِك ما تُفِيقُ\nوكتب إليه يأمره أن يتبعهم، ولا يقلع عنهم حتى يُبِيرهم ويستأصلهم، فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارسَ، وخرجوا منها وهو في ذلك يستسقط مَن لحق من أخريَاتهم، فتفرّقوا، وأخذ شيبان في فرقته إلى ناحية البحرين، فقتِل بها، وركب سليمان فيمن معه من مواليه وأهل بيته السفن إلى السند، وانصرفَ مَرْوان إلى منزله من حَرّان، فأقام بها حتى شخص إلى الزّاب (١).\nوأمّا أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه - قال: أمر مروان يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان في جنود كثيرة من الشام وأهل الجزيرة بقَرْقيسيا - أن يسير إلى الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنَّى بن عمران العائذيّ؛ عائذة قريش، فسار إليه ابن هبيرة على الفرات حتى انتهى إلى عين التّمْر، ثم سار فلقي المثنَّى بالرّوْحاء، فوافى الكوفة في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومئة، فهزم الخوارج، ودخل ابن هبيرة الكوفة ثم سار إلى الصرَّاة، وبعث شيبان عُبيدة بن سوّار في خيل كثيرة، فعسكر في شرقيّ الصرَّاة، وابن هبيرة في غربيّها، فالتقوْا، فقتل عُبيدة وعدّة من أصحابه؛ وكان منصور بن جمهور معهم في دَوْر الصراة، فمضى حتى غلب على الماهَين وعلى الجبل أجمع، وسار ابنُ هبيرة إلى واسط؛ فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجّه نُبَاتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كُور الأهواز، وبعث إليه سليمان داود بن حاتم، فالتقوْا بالمريان على شاطئ دُجيل، فانهزم الناس، وقتل\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية هذه الروايات.","vol":"4","page":382},{"text":"داود بن حاتم. وفي ذلك يقول خلف بن خليفة:\nنَفْسي لدَاوُدَ الفِدَا والحِمَى ... إذ أسلَمَ الجَيشُ أَبا حاتِمِ\nمُهَلَّبيٌّ مُشْرِقٌ وَجْهُهُ ... ليسَ على المعرُوفِ بالنادِم\nسأَلتُ من يعلَمُ لي علمَهُ ... حقًّا [وما الجاهل كالعالِم]\nقالوا عَهِدْناه على مَرْقَبٍ ... يحْمِكُ كالضِّرْغامَةِ الصّارِمِ\nثمَّ انثنى منجَدِلا في دَمٍ ... يسفَحُ فَوْقَ البَدن الناعِم\nوأَقبَلَ القِبطُ على رَأْسِهِ ... واختصموا في السَّيفِ والخاتَمِ\nوسار سليمان حتى لحق بابن معاوية الجعفريّ بفارس. وأقام ابن هبيرة شهرًا. ثم وجّه عامر بن ضُبارة في أهل الشام إلى الموصل؛ فسار حتى انتهى إلى السن فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجيّ، فهزم عامر بن ضُبارة حتى أدخله السنّ فتحصّن فيها، وجعل مَرْوان يُمِدّه بالجنود يأخذون طريق البرّ؛ حتى انتهوا إلى دِجْلة، فقطعوها إلى ابن ضُبارة حتى كثروا، وكان منصور بن جُمهور يمدّ شيبان بالأموال من كُور الجبل؛ فلما كثر من يتبع ابن ضُبارة من الجنود؛ نهض إلى الجون بن كلاب فقتِل الجوْن، ومضى ابن ضُبارة مصعدًا إلى الموصل؛ فلما انتهى خبر الجوْن وقتله إلى شيبان ومسير عامر بن ضُبارة نحوه، كره أن يقيم بين العسكرين؛ فارتحل بمَنْ معه وفرسان الشام من اليمانية، وقدم عامر بن ضُبارة بمن معه على مَرْوان بالموصل، فضمّ إليه جنودًا من جنوده كثيرة، وأمره أن يسير إلى شيبان؛ فإن أقام أقام؛ وإن سار سار؛ وألّا يبدأه بقتال؛ فإن قاتله شيبان قاتله؛ وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل اتّبعه؛ فكان على ذلك حتى مرَّ على الجبل، وخرج على بيضاء إصطخر، وبها عبد الله بن معاوية في جموع كثيرة؛ فلم يتهيّأ الأمرُ بينه وبين ابن معاوية، فسار حتى نزل جيرَفت من كرْمان، وأقبل عامر بن ضُبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أيامًا، ثم ناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية، فلحق بَهَرَاة وسار ابن ضُبارة بمن معه، فلقيَ شيبان بجيرفت من كِرْمان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا وانهزمت الخوارج، واستبيح عسكرهم؛ ومضى شيبان إلى سِجِسْتان، فهلك بها؛ وذلك في سنة ثلاثين ومئة (١).\n_________\n(١) انظر تعليقنا بعد.","vol":"4","page":383},{"text":"وأما أبو عبيدة فإنه قال: لما قتِل الخيبريّ قام بأمر الخوارج شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فحارب مَرْوان، وطالت الحرب بينهما؛ وابن هبيرة بواسط قد قتل عُبيدة بن سوار ونفى الخوارج ومعه رؤوس قوّاد أهل الشام وأهل الجزيرة. فوجّه عامرَ بن ضُبارة في أربعة آلاف مددًا لمرْوان، فأخذ على باب المدائن، وبلغ مسيرهُ شيبان، فخاف أن يأتيَهم مروان، فوجّه إليه الجوْن بن كلاب الشيبانيّ ليشغله، فالتقيا بالسنّ، فحصر الجون عامرًا أيامًا.\nقال أبو عبيدة: قال أبو سعيد: فأحرجناهم والله، واضطررناهم إلى قتالنا؛ وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا؛ فلم ندَع لهم مسلكًا. فقال لهم عامر: أنتم ميّتون لا محالة؛ فموتوا كرامًا، فصدمونا صدمة لم يقم لها شيء، وقتلوا رئيسنا الجوْن بن كلاب، وانكشفنا حتى لحقنَا بشيبان، وابنُ ضُبارة في آثارنا؛ حتى نزل منّا قريبًا؛ وكنا نقاتل من وجهين؛ نزل ابن ضُبارة من ورائنا ممّا يلي العراق، ومَرْوان أمامنا مما يلي الشام؛ فقطع عنا المادّة والمِيرة، فغلت أسعارنا؛ حتى بلغ الرغيف درهمًا؛ ثم ذهب الرغيف فلا شيء يشترى بغالٍ ولا رخيص. فقال حبيب بن خدْرة لشيبان: يا أميرَ المؤمنين؛ إنك في ضِيق من المعاش؛ فلو انتقلت إلى غير هذا الموضع! ففعل ومضى شهرزور من أرض الموصل، فعاب ذلك عليه أصحابُه؛ فاختلفت كلمتهم (١).\nوقال بعضهم: لما ولي شيبان أمر الخوارج [رجع بأصحابه] إلى الموصل فاتّبعه مروان ينزل معه حيث نزل [فقاتله شهرًا ثم انهزم] شيبان حتى لحق بأرض فارس، فوجه مروان في أثره عامر بن ضُبارة [فقطع] إلى جزيرة ابن كاوان، ومضى شيبان بمن معه حتى صار إلى عُمان، فقتله جلندَى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الأزديّ (٢).\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.\n(٢) هذه عدة روايات سبقها الطبري بخلاصة من رأيه لم ينسبها إلى أحد من الأخباريين ثم روى من طريق شيخه الثقة أحمد بن زهير عن مخلد بن محمد رواية في وصف مسار المعارك بين شيبان الخارجي وجيش الخلافة ثم أخرج رواية أخرى من طريق هشام عن أبي مخنف ثم ثالثة من مرويات الأخباري النحوي الثقة أبي عبيدة (معمر بن المثنى) عن شاهد عيان للمعركة (أبي سعيد) ثم رواية رابعة نسبها إلى مبهمين وهي بمجموعها تتفق على استبسال الطرفين =","vol":"4","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على القتال وتحرك جيش الخلافة على محورين الأول بقيادة والي العراق ابن هبيرة الذي دحر الخوارج وفلولهم في الكوفة وذلك بأمر من الخليفة مروان بن محمد الذي كان يقود الجناح الآخر من جيوش الخلافة قرب الموصل وما أن صدرت الأوامر إلى ابن هبيرة حتى اتجه صوب الكوفة (هكذا تتفق هذه الروايات) وهي تتفق أيضًا على أن المثنى بن عمران العائذي كان على الكوفة من قبل شيبان فهزم جيشه وقتل وكانت الأوامر تأتيه من شيبان الذي نزل الموصل وعسكر على شاطئ دجلة ثم تتفق الروايات على أن شيبان الخارجي وبعد معارك طاحنة أصبح بين فكي كماشة فابن هبيرة أرسل إليه جيشأ بقيادة عامر بن ضُبارة الذي تقدم من الجنوب نحو الموصل بينما مروان وجيشه بين يديه بالقرب من الموصل فاضطر شيبان إلى الانسحاب هكذا تتفق هذه الروايات - وهي تتفق جميعًا على انسحاب شيبان وهزيمته ثم مقتله، إلّا أنها تختلف في مسار انسحابه والبلد الذي قتل فيه فمخلد بن محمد يحكي أنه انسحب إلى فارس ثم مع فلٍّ إلى البحرين حيث قتل هناك، بينما يذكر أبو مخنف أن الأمر انتهى بشيبان أن يصل إلى جيرفت (كرمان) وأخيرًا سجستان حيث هلك سنة ١٣٠ هـ بعد مطاردة طويلة من ابن ضُبارة (عامر).\nبينما يذكر أبو عبيدة أنه انسحب إلى شهرزور وقد اختلفت كلمة أصحابه ويكتفي بهذا بينما ينسب الطبري إلى بعض الأخباريين أن شيبان هرب إلى أرض فارس حتى وصل إلى جزيرة ابن كاوان وأخيرًا إلى عُمان حيث قتله هناك جلندى بن مسعود بن جيفر الأزدي وتتحدث هذه الروايات عن معارك في واسط وعين التمر والضراة والنخيلة. وهي تتفق تقريبًا على المقاطع الرئيسة وتختلف في تفاصيل يسيرة لا تضر، وهذه روايات متعددة المصادر تؤيد بعضها بعضًا في كثير من التفاصيل ... وليس في متونها نكارة (على ما نعلم) ويؤيدها كذلك مصدر تأريخي آخر مؤلفه إمام ثقة ومحايد لم يُعْرف بميله إلى طرف دون آخر ألا وهو خليفة بن خياط إذ قال: وفي هذه السنة (١٢٩ هـ) وجه ابن هبيرة عامر بن ضبارة من مرة غطفان إلى شيبان بن عبد العزيز اليشكري بعد أن انحاز شيبان عن مروان فوجه شيبان الجون الشيباني فالتقوا بالسن ففتل الجون وأصحابه فانحدر شيبان إلى شهرزور فكتب مروان إلى ابن ضبارة لا تقاتله وكلما ارتحل من منزل فانزله وجعل يتفرق عليه أصحابه حتى أتى ماه. (مقتل شيبان وظهور أبي مسلم الخراساني وخبر قتال نصر الكرماني) قال إسماعيل بن إسحاق ثم أتى إلى صميرة ثم أتى جزيرة أبركاوان ثم عبر إلى عمان فقتل بها وكتب ابن هبيرة إلى عامر بن ضبارة أن يقبل إلى عبد الله بن معاوية الهاشمي فلقيه بإصطخر ومعه أخواه الحسن ويزيد ... إلخ [تأريخ خليفة ٢/ ٣٩٨] وقد ذكر ابن كثير هذه المعارك باختصار معتمدًا على الطبري [البداية ٨/ ١٨].","vol":"4","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان</span>\nوفي هذه السنة أمر إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس أبا مسلم - وقد شخص من خُراسان يريده حتى بلغ قومِس - بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد (١).\nوفي هذه السنة غلب خازم بن خُزَيمة على مروَرُوذ، وقتل عامل نصر بن سيّار الذي كان عليها؛ وكتب بالفتح إلى أبي مسلم مع خُزَيمة بن خازم.\nذكر الخبر عن ذلك:\nذكر عليّ بن محمد أن أبا الحسن الجُشميّ وزهير بن هُنيد والحسن بن رَشيد أخبروه أن خازم بن خزيمة لما أراد الخروج بمرْوَرُوذ أراد ناس من تميم أن يمنعوه، فقال: إنما أنا رجل منكم، أريد مَرْو لعلي أن أغلب عليها، فإن ظفرتُ فهي لكم، وإن قُتلت فقد كفيتكم أمري. فكفّوا عنه، فخرج فعسكر في قرية يقال\n_________\n(١) هكذا أرّخ الطبري لأول ظهور علني للدعوة العباسية بخراسان على يد أبي مسلم وبأمر من إمام هذه الدعوة إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين وكذلك أرّخ خليفة لهذا الظهور الذي كان متزامنًا مع وصول عبد الله الهاشمي إلى خراسان منهزمًا وملاحقًا من قبل عامر بن ضبارة - القائد الأموي - الذي أرسله والي العراق ابن هبيرة بأمر من مروان الخليفة - وتزامن هذا الظهور أيضًا مع اقتتال الوالي على خراسان نصر بن سيّار وخصمه الكرماني فكان توقينًا مناسبًا لظهور الدعوة العباسية بعيدًا عن مركز الخلافة قال خليفة وحدثني محمد بن معاوية قال حدثني بيهس بن حبيب الرام قال ظهر أبو مسلم في رمضان سنة تسع وعشرين ومئة فجلس عبد الله بن معاوية وأخويه [تأريخ خليفة / ٤١٣]. وأخرج خليفة [مقتل شيبان وظهور أبي مسلم الخراساني وخبر قتال الكرماني] قال إسماعيل بن إسحاق ثم أتى إلى صيمرة ثم أتى جزيرة أبركاوان ثم عبر إلى عمان فقتل بها وكتب ابن هبيرة إلى عامر بن ضبارة أن يقبل إلى عبد الله بن معاوية الهاشمي فلقيه بإصطخر ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية فهزمه ابن ضبارة حتى أتى خراسان وقد ظهر أبو مسلم في شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة فحبس الهاشمي وإخوته [تأريخ خليفة / ٣٩٨] وكذلك أرخ الحافظ ابن كثير لظهور الدعوة العباسية [البداية والنهاية ٨/ ١١٩ ولقد أورد الطبري تفاصيل في ذلك عن المدائني عن شيوخه (أبهم أسماءهم ولم نجد عند خليفة أو غيره من المؤرخين المتقدمين الثقات) ما يؤيد روايات الطبري تلك فوضعنا بعضها في قسم المسكوت عنه وأخرى في قسم الضعيف ففي متونها نكارات واضحات والله أعلم. =","vol":"4","page":386},{"text":"لها كَنْجَ رُستاه، وقدم عليهم من قبل أبي مسلم النضْر بن صُبيح وبسام بن إبراهيم. فلما أمسى خازم بيّت أهلَ مَرْورُوذ، فقتل بشر بن جعفر السعديّ - وكان عاملًا لنصر بن سيار على مَرْورُوذ - في أول ذي القعدة، وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع خُزيمة بن خازم عبد الله بن سعيد وشبيب بن واج (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>ذكر خبر مقتل الكرمانيّ</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة قُتِل جُديع بن عليّ الكِرمانيّ وصُلب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>غلبة عبد الله بن معاوية على فارس</span>\nوفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب على فارس (٣).\n_________\n(١) هذا الخبر أخرجه الطبري عن المدائني الصدوق الذي رواه عن ثلاثة من شيوخه أحدهم هو الصدوق أبو الذيال (زهير بن هنيد) وانظر البداية والنهاية [٨/ ٢١].\n(٢) هكذا أرّخ الطبري (ابن جرير) لمقتل الكرماني الذي طالما نافس خصمه نصر بن سيار وقاتله وكذلك أرخ خليفة لمقتله في هذه السنة أي سنة ١٢٩ هـ[تأريخ خليفة / ٤٠٩] ثم ابن جرير الطبري فصَّل كعادته بعد هذا العنوان فجاء بخبر طويل فيه اسم القادة من الطرفين [طرف نصر والكرماني] ثم ذكر عدد القتلى من الطرفين وصفة مقتل الكرماني وكل ذلك دون إسناد أو نسبةٍ إلى أحد من الأخبارين أو الرواة أي أن الخبر بلا إسناد وفي متنه نكارة واضحة فأودعنا الخبر قسم الضعيف وكذلك الحال بالنسبة لخليفة فقد جاء برواية غير مسندة في تفاصيل المعركة ولكن مختصرًا جدًّا مقارنة برواية الطبري مع اختلاف واضح بين الخبرين فالطبري يذكر أن المعركة كانت دائرة بين نصر والكرماني وأدت إلى فضل، الكرماني بينما يذكر خليفة أن المعركة حصلت ثم اصطلح الطرفان ودخل طرف ثالث [الحارث بن سريج] وانهزم الكرماني ثم قتل على يد هؤلاء وعلى أية حال لم نجد الخبرين مسندين ولا يؤيد بعضهما بعضًا سوى في قتل الكرماني.\n(٣) لم يفرد خليفة لهذه الغلبة عنوانًا خاصًّا ولكن ذكر طرفًا من أخبار عبد الله بن معاوية بعد خروجه من العراق منهزمًا وطرفًا من معاركه في إصطخر وغيرها ومصيره إلى خراسان حيث قتله أبو مسلم الخراساني أما الطبري فقد ذكر خبرًا في سبب هذه الغلبة وكيفيتها برواية مطولة لم يؤيدها غيره كخليفة وفي المتن نكارة إضافة إلى ضعف السند وقد ذكرنا الخبر في قسم الضعيف وسنذكر أخبار عبد الله هذا فيما يأتي إن شاء الله.","vol":"4","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>مجيء أبي حمزة الخارجيّ الموسم</span>\nوفي هذه السنة وافى الموسمَ أبو حمزة الخارجيّ من قِبَل عبد الله بن يحيى طالب الحق، محكمًا مظهرًا للخلاف على مَرْوان بن محمد.\nذكر الخبر عن ذلك من أمره:\nحدّثني العباس بن عيسى العُقيليّ، قال: حدثنا هارون بن موسى الفرويّ قال: حدَّثنا موسى بن كَثير مولى الساعديّين، قال: لما كان تمام سنة تسع وعشرين ومئة، لم يدر الناس بعَرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود حرقانيّة في رؤوس الرماح وهم في سبعمئة، ففزع الناس حين رأوْهم، وقالوا: ما لكم! وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مع مَرْوان وآل مَرْوان والتبرُّؤِ منه. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان - وهو يومئذ على المدينة ومكة - فراسلهم في الهُدنة، فقالوا: نحن بحجّنا أضن، ونحن عليه أشحّ. وصالحهم على أنهم جميعًا آمنون؛ بعضهم من بعض، حتى ينفِر الناس النّفْر الأخير، وأصبحوا من الغد. فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، فلما كانوا بمنى ندَّموا عبد الواحد، وقالوا: قد أخطأتَ فيهم، ولو حملت الحاجّ عليهم ما كانوا إلا أكلَة رأس. فنزل أبو حمزة بقُرين الثعالب، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، في رجال أمثالهم، فدخلوا على أبي حَمْزة وعليه إزار قُطْن غليظ، فتقدّمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبَس في وجوههما، وأظهر الكراهة لهما، ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له، فهشّ إليهما، وتبسَّم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبد الله بن حسن: والله ما جئنا لتفضّل بين آبائنا، ولكنا بعثَنا إليك الأمير برسالة - وهذا ربيعة يخبرُكَها - فلما ذكر ربيعةُ نقْضَ العهد؛ قال بلج وأبرهة وكانا قائدين له: الساعة الساعة! فأقبل عليهم أبو حمزة، فقال: معاذ الله أن ننقض","vol":"4","page":388},{"text":"العهد أو نحبسَ، والله لا أفعل ولو قطِعت رقبتي هذه؛ ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم، فلما أبى عليهم خرجوا، فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النَّفْر نفر عبد الواحد في النَّفْر الأول، وخلى مكة لأبي حمزة، فدخلها بغير قتال (١).\nثم مضى عبدُ الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالدّيوان، فضرب على الناس البَعْث، وزادهم في العطاء عشرة عشرة. قال العباس: قال هارون: أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: كنت فيمن اكتتب، ثم محوْت اسمي (٢).\nقال العباس: قال هارون: وحدّثني غير واحد من أصحابنا أنّ عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان علَى الناس فخرجوا؛ فلما كانوا بالحَرّة لقيتهم جُزُر منحورة فمضوا (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مَرْوان حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال محمد بن عمر وغيره (٤).\nوكان العامل على مكة والمدينة عبد الواحد بن سليمان، وعلى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربيّ - فيما ذكر -\n_________\n(١) سبق الحديث عن هذا الإسناد في المقدمة وفي غير موضع. وانظر تعليقنا على الخبر الآتي.\n(٢) أما هارون فهو الفروي وهو شيخ صدوق من شيوخ النسائي كما مضى وأما أنس بن عياض (أبو ضمرة) فهو ثقة ولد سنة ١٠٤ هـ وتوفي سنة ٢٠٠ هـ وأخرج له الستة [تهذيب الكمال / تر ٥٥٨]. أي أنه قد بلغ السادسة والعثمرين من عمره في تلك الأحداث. وانظر تعليقنا على الخبر الآتي.\n(٣) انظر تعليقنا على الخبر التالي.\n(٤) هذه مجمل الروايات التي أخرجها الطبري في ذكر بداية ظهور أبي حمزة الخارجي وأصحابه بمكة - ويؤيده في ذلك خليفة برواية مسندة إذ أخرج في تأريخه قائلًا: فحدثني محمد بن علي عن إسحاق بن إبراهيم الأزهري قال لما صدر الناس عن مكة وذلك آخر سنة تسع وعشرين ومئة مضى عبد الواحد بن سليمان إلى المدينة وكتب إلى مروان يخبره بخذلان أهل مكة فعزله مروان وكتب إلى عبد العزيز بن عمر وإليه على المدينة أن يوجه جيشًا ... إلح / ٤١٣ ونلاحظ اختلافًا يسيرًا حول موقف الناس من عبد الواحد.","vol":"4","page":389},{"text":"وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار، والفتنة بها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>ذكر دخول أبي مسلم مَرْو والبيعة بها</span>\nفممّا كان فيها من ذلك دخول أبي مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة بها، ومطابقة عليّ بن جُديع الكرمانيّ إيَّاه على حرب نصر بن سيَّار (٢).\nوأما عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن الصباح مولى جبريل، أخبره عن مسلمة بن يحيى، أن أبا مسلم جعل على حَرسه خالد بن عثمان، وعلى شُرَطه مالك بن الهيثم، وعلى القضاء القاسم بن مجاشع، وعلى الديوان كامل بن مظفر، فرزق كلَّ رجل أربعة آلاف، وأنه أقام في عسكره بالماخُوان ثلاثة أشهر، ثم سار من الماخُوان ليلًا في جمع كبير يريد عسكر ابن الكرْمانيّ؛ وعلى ميمنته لاهز بن قريظ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع، وعلى مقدّمته أبو نصر مالك بن الهيثم. وخلّف على خندقه أبا عبد الرحمن الماخُوانيّ، فأصبح في عسكر شيبان؛ فخاف نصر أن يجتمع أبو مسلم وابن الكرمانيّ على قتاله، فأرسل إلى أبي مسلم يعرض عليه أن يدخل مدينة مَرْو ويوادعه، فأجابه، فوادع أبا مسلم نصر، فراسل نصر بن أحوز يومَه ذلك كله، وأبو مسلم في عسكر شيبان، فأصبح نصر وابن الكرمانيّ، فغدوا إلى القتال، وأقبل أبو مسلم ليدخل مدينة مَرْو، فردّ خيل نصر وخيل ابن الكرمانيّ، ودخل المدينة لسبع -أو لتسع- خلوْن من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومئة، وهو يتلو: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ...﴾ إلى آخر الآية. (٣)\nقال عليّ: وأخبرنا أبو الذيّال والمفضل الضبيّ، قالا: لما دخل أبو مسلم\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد مروان.\n(٢) ووافق خليفة بن خياط الطبري في هذا التأريخ كما سنذكر.\n(٣) انظر تعليقنا على الخبر الآتي.","vol":"4","page":390},{"text":"مدينة مَرْو، قال نصر لأصحابه: أرى هذا الرجل قد قويَ أمره، وقد سارع إليه الناس، وقد وادعتُه وسيتمّ له ما يريد؛ فاخرجوا بنا عن هذه البلدة وخلُّوه، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: لا، فقال: أما أنكم ستذكرون قولي. وقال لخاصته من مضر: انطلقوا إلى أبي مسلم فالقوْه، وخذوا بحظّكم منه، وأرسل أبو مسلم إلى نَصْر لاهز بن قريظ يدعوه فقال لاهز: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وقرأ قبلها آيات، ففطن نصر، فقال لغلامه: ضع لي وضوءًا؛ فقام كأنه يريد الوضوء، فدخل بستانًا وخرج منه، فركب وهرب (١).\nوقال عليّ: وأخبرنا أبو الذيّال، قال: أخبرنِي إياس بن طلحة قال: كنت مع أبي وقد ذهب عمِّي إلى أبي مسلم يبايعه، فأبطأ حتى صلَّيتُ العصر والنهار قصير؛ فنحن ننتظره؛ وقد هيَّانا له الغداء؛ فإني لقاعد مع أبي إذ مرّ نصر على بِرْذَون، لا أعلم في داره بِرْذَونًا أسرى منه، ومعه حاجبه والحكَم بن نُميلة النميريّ. قال أبي: إنه لهارب ليس معه أحد، وليس بين يديه حرْبة ولا راية، فمرّ بنا، فسلم تسليمًا خفيًّا، فلما جازَنا ضَرَب بِرْذوْنه، ونادى الحكم بن نميلة غلمَانه، فركبوا واتبعوه (٢).\nقال عليّ: قال أبو الذّيال: قال إياس: كان بين منزلنا وبين مرو أربعة فراسخ، فمرّ بنا نصر بعد العتَمة، فضجّ أهل القرية وهربوا، فقال لي أهلي وإخواني: اخرج لا تُقْتَل؛ وبكوْا؛ فخرجت أنا وعمّي المهلب بن إياس فلحقْنا نصرًا بعد هدء الليل؛ وهو في أربعين، قد قام برذْونه، فنزل عنه، فحمله بشر بن بسْطام بن عمران بن الفضل البُرْجمِيّ على بِرْذَوْنه، فقال نصر: إني لا آمن الطَّلَب، فمن يسوق بنا؟ قال عبد الله بن عرعرة الضّبَيّ: أنا أسوق بكم، قال: أنت لها، فطرد بنا ليلتَه حتى أصبحنا في بئر في المفازة على عشرين فرسخًا أو أقل، ونحن ستمئة؛ فسرْنا يومَنا فنزلنا العصر، ونحن ننظر إلى أبيات سَرَخْس\n_________\n(١) هذا إسناد متعدد المخارج وكلاهما (أبو الذيال والضبي) قد عاصرا تلك المرحلة ولكن لم يشاهدا تلك الأحداث رأي العين وإنما التقوا بشهود عيان كإياس وغيره وهذه روايات من مظان الصحيح بمجموعها ولم نجد فيها نكارة والله أعلم.\n(٢) المدائني صدوق وقد اطلع الطبري على مدوناته، وهو يروي الخبر عن شيخه الصدوق زهير بن هنيد (أبي الذيال) عن إياس الذي شهد الحادثة؛ أي أنه ترقى إلى شاهد عيان.","vol":"4","page":391},{"text":"وقصورها ونحن ألف وخمسمئة، فانطلقت أنا وعمّي إلى صديق لنا من بني حَنيفة يقال له مسكين، فبِتْنا نحن عنده لم نطعم شيئًا، فأصبحنا، فجاءنا بثَرِيدة فأكلْنا منها ونحن جياع لم نأكل يومنا وليلتنا، واجتمع الناس فصاروا ثلاثة آلاف، وأقمنا بسَرَخْس يومين؛ فلمَّا لم يأتنا أحد صار نصر إلى طُوس، فأخبرهم خبر أبي مسلم، وأقام خمسة عشر يومًا، ثم سار وسرنا إلى نيسابور فأقام بها، ونزل أبو مسلم حين هرب نصر دار الإمارة، وأقبل ابنُ الكرْمانيّ، فدخل مَرْو مع أبي مسلم، فقال أبو مسلم حين هرب نصر: يزعم نصرٌ أني ساحر؛ هو والله ساحر (١).\nوقال غير من ذكرت قوله في أمر نصر وابن الكرمانيّ وشيبان الحروريّ: انتهى أبو مسلم في سنة ثلاثين ومئة من معسكره بقرية سليمان بن كثير إلى قرية تدعى الماخُوان فنزلها، وأجمع على الاستظهار بعليّ بن جُديع ومَن معه من اليمن، وعلى دعاء نَصْر بن سيار ومَن معه إلى معاونته، فأرسل إلى الفريقين جميعًا، وعرض على كلّ فريق منهم المسالمة واجتماع الكلمة والدخول في الطاعة، فقبِل ذلك عليّ بن جُديع، وتابعه على رأيه، فعاقده عليه، فلما وثق أبو مسلم بمبايعة عليّ بن جُديع إياه، كتب إلى نصر بن سيّار أن يبعث إليه وفدًا يحضرون مقالته ومقالة أصحابه فيما كان وعده أن يميل معه، وأرسل إلى عليّ بمثل ما أرسل به إلى نَصْر.\nثم وصف من خبر اختيار قوّاد الشيعة اليمانيَة على المضريّة نحوًا مما وصف مَن قد ذكرنا الرواية عنه قبلُ في كتابنا هذا، وذكر أنّ أبا مسلم إذْ وجَّه شبل بن طهمان فيمن وجّهه إلى مدينة مَرْو وأنزله قصر بخاراخذاه؛ إنما وجهه مددًا لعليّ بن الكرمانيّ.\nقال: وسار أبو مسلم من خَنْدقه بالماخُوان بجميع مَن معه إلى عليّ بن جُديع، ومع عليّ عثمان وأخوه وأشراف اليمن معهم وحلفاؤهم من ربيعة، فلما حاذى أبو مسلم مدينة مَرْو استقبله عثمان بن جُديع في خيل عظيمة، ومعه أشراف اليمن ومن معه من رَبيعة، حتى دخل عسكر عليّ بن الكرمانيّ وشيبان بن\n_________\n(١) انظر تعليقنا على الخبر الآتي.","vol":"4","page":392},{"text":"سلمة الحروريّ ومَن معه من النقباء، ووقف على حجرة علي بن جُدَيع، فدخل عليه وأعطاه الرضا، وآمنه على نفسه وأصحابه، وخرجا إلى حجرة شيبان، وهو يسلَّم عليه يومئذ بالخلافة، فأمر أبو مسلم عليًّا بالجلوس إلى جنب شيبان، وأعلمه أنه لا يحلّ له التسليم عليه. وأراد أبو مسلم أن يُسلِّم على عليَّ بالإمْرة، فيظنّ شيبان أنه يسلم عليه. ففعل ذلك عليّ، ودخل عليه أبو مسلم، فسلّم عليه بالإمارة، وألطف لشيبان وعظمه، ثم خرج من عنده فنزل قصر محمد بن الحسن الأزديّ، فأقام به ليلتين، ثم انصرف إلى خندقه بالماخُوان، فأقام به ثلاثة أشهر، ثم ارتحل من خَنْدقه بالماخُوان إلى مَرْو لسبع خلوْن من ربيع الآخر؛ وخلّف على جنده أبا عبد الرحمن الماخُوانيّ، وجعل أبو مسلم على ميمنته لاهز بن قريظ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع، وعلى مقدّمته مالك بن الهيثم، وكان مسيره ليلًا، فأصبح على باب مدينة مَرْو، وبعث إلى علي بن جُديع أن يبعث خيله حتى وقف على باب قصر الإمارة، فوجد الفريقين يقتتلان أشدّ القتال في حائط مَرْو، فأرسل إلى الفريقين أن كُقوا، وليتفرّقْ كلّ قوم إلى معسكرهم، ففعلوا. وأرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البَختريّ، وداود بن كرّاز إلى نصر يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرّضا من آل محمد - ﷺ -.\nفلما رأى نصر ما جاءه من اليمانية والرَّبَعيهَ والعجم، وأنه لا طاقة له بهم؛ ولا بد إن أظهر قبول ما بعث به إليه أن يأتيه فيبايعه، وجعل يريثهم لما همّ به من الغدر والهرب إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى ما يأمنون فيه؛ فما تيسّر لأصحاب نصر الخروج في تلك الليلة. وقال له سَلْم بن أحوز: إنه لا يتيسّر لنا الخروج الليلة؛ ولكنا نخرج القابلة، فلما كان صبح تلك الليلة عبأ أبو مسلم كتائبَه، فلم يزل في تعبيتها إلى بعد الظهر، وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البَختريّ وداود بن كرّاز وعدّة من أعاجم الشيعة، فدخلوا على نصر، فقال لهم: لِشرّ ما عدتم، فقال له لاهز: لا بدّ لك من ذلك؛ فقال نصر: أما إذ كان لا بدّ منه؛ فإني أتوضأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم؛ فإن كان هذا رأيه وأمره أتيتُه ونعمَى لعينه، وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي، وقام نصر، فلما قام قرأ لاهز هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ","vol":"4","page":393},{"text":"لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، فدخل نصر منزله، وأعلمهم أنه ينتظر انصرافَ رسوله من عند أبي مسلم، فلما جنّه الليل، خرج من خَلْف حجرته، ومعه تميم ابنه والحكم بن نُميلة النميريّ وحاجبه وامرأته؛ فانطلقوا هُرّابًا، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزلَه، فوجدوه قد هرب؛ فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتَفهم؛ وكان فيهم سَلْم بن أحوز صاحبُ شرْطة نصر والبختريّ كاتبه، وابنان له ويونس بن عبد ربّه ومحمد بن قطَن ومجاهد بن يحيى بن حُضين [والنضر بن إدريس ومنصور بن عمر بن أبي الحرقاء وعقيل بن معقل الليثيّ، وسيار بن عمر السلميّ، مع رجال من رؤساء مُضَر] فاستوثق منهم بالحديد، [ووكل بهم عيسى بن أعين]، وكانوا في الحبس عنده حتى أمر بقتلهم جميعًا، ونزل نصر سَرَخْس فيمن اتّبعه من المضريّة، وكانوا ثلاثة آلاف، ومضى أبو مسلم وعليّ بن جُديع في طلبه، فطلباه ليلتَهما حتى أصبحا في قرية تدعى نصرانيّة؛ فوجدا نصرًا قد خلف امرأته المَرْزُبَانة فيها، ونجا بنفسه.\nورجع أبو مسلم وعليّ بن جديع إلى مَرْو، فقال أبو مسلم من كان وجّه إلى نصر: ما الذي ارتاب به منكم؟ قالوا: لا ندري، قال: فهل تكلم أحد منكم؟ قالوا: لاهز تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قال: هذا الذي دعاه إلى الهرب، ثم قال: يا لاهز؛ أتدغل في الدين! فضرب عنقه (١).\n_________\n(١) هذه الرواية المطولة التي نسبها الطبري إلى بعضهم نؤيد في مقاطعها الرئيسة ما رواه المدائني عن شيخيه المفضل الضبي وزهير بن هنيد ولم نجد فيها نكارة أو مخالفة لما هو أصح منها (على ما نعلم) فهذه روايات الطبري في دخول أبي مسلم مدينة مرو وأما خليفة فهو يذكر الخبر مختصرًا عما عند الطبري وهو في سياقه العام يؤيد ما ذكره الطبري مع اختلاف يسير واختصار شديد قال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٣٠ هـ: فيها اصطلح نصر بن سيار وابن الكرماني على أن يقاتلوا أبا مسلم فإذا فرغوا نظروا في أمورهم فدس أبو مسلم إلى علي بن الكرماني أني معك فصالح ابن الكرماني وبايعه فساروا إلى نصر جميعًا وأرسل أبو مسلم إلى ابن الكرماني أن أنشب الحرب بينكما فاقتنلوا يومهم وليلتهم فأصبح أبو مسلم غاديًا عليهم من ورائهم فلما رأى ذلك نصر أرسل إلى أبي مسلم أني معك وأنا أحق بك من ابن الكرماني وأنا أبايعك فسار أبو مسلم في أكثر من عشرة آلاف حتى أتى الدار وأرسل أصحابه فضربوا وجوه الأزد وبني تميم فانصرفوا واصطلح الناس وأرسل أبو مسلم إلى نصر أن أجب فقال =","vol":"4","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>خبر مقتل شيبان بن سلمة الخارجيّ</span>\nوفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمَة الحروريّ.\nذكر الخبر عن مقتله وسببه:\nوكان سبب مقتله - فيما ذكر - أنّ عليّ بن جُديع وشيبان كانا مجتمعين على قتال نصر بن سيار لمخالفة شيبان نصرًا؛ لأنه من عمال مَرْوان بن محمد، وأنّ شيبان يرى رأي الخوارج ومخالفة عليّ بن جُديع نصرًا، لأنه يمان ونصر مضريّ، وأن نصرًا قتل أباه وصلبه، ولِمَا بَين الفريقين من العصبية التي كانت بين اليمانية والمُضرّية؛ فلما صالح عليّ بن الكرمانيّ أبا مسلم، وفارق شيبان، تنحَّى شيبان عن مَرْو، إذ علم أنه لا طاقة له بحرْب أبي مسلم وعليّ بن جُدَيع [مع اجتماعهما على] خلافه، وقد هرب نصر من مَرْو [وسار إلى سرخس].\n[فذكر عليّ بن محمد أن أبا حفص] أخبره والحسن [بن رشيد وأبا الذيال أن المدة التي كانت بين أبي مسلم وبين شيبان] لما انقضت، أرسل أبو مسلم إلى شيبان يدعوه إلى البَيعة، فقال شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي؛ فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحلْ عن منزلك الذي أنت فيه، فأرسل شيبان إلى ابن الكرمانيّ يستنصره، فأبى. فسار شيبان إلى سَرَخْس، واجتمع إليه جمع كثير من بَكْر بن وائل. فبعث إليه أبو مسلم تسعةً من الأزْد، فيهم المنتجع بن الزُّبير؛ يدعوه ويسأله أن يكفّ، فأرسل شيبان، فأخذ رسل أبي مسلم فسجنهم، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث\n_________\n= أتوضأ فخرج من باب له آخر فركب برذونًا وخرج وترك رسل أبي مسلم قعودًا وذلك بعد العصر فأرسلوا إلى أبي مسلم أنه قد هرب وهرب أصحابه يمينًا وشمالًا وسار أبو مسلم من ليلته حتى أتى موضع ثقل نصر بأقصى مرو فأخذ أهله وولده الصغار وهرب ولده الكبار فانتهى نصر إلى سرخس ... إلخ [تأريخ خليفة / ٤١٢] ثم أخرج خليفة بن خياط قال: فحدثني عمرو بن عبيدة قال حدثني قزعة مولى نصر بن سيار قال بعث أبو مسلم إلى نصر أن أجب فخرج نصر من باب له آخر حتى خرج من المدينة وأخذ سلم بن أحوز وكان على شرطة نصر فقتل [تأريخ خليفة / ٤١٣] فهذه روايات خليفة ومن بعده الطبري أصحّ ما في هذه المسألة التاريخية وبعضها يكمل بعضًا فتبدو لنا صورة انطلاقة الدعوة العباسية واضحة والله أعلم.","vol":"4","page":395},{"text":"ببيوَرْد، يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله. ففعل، فهزمه بسّام، واتبعه حتى دخل المدينة، فقتِل شيبان وعدّة من بكر بن وائل، فقيل لأبي مسلم: إنّ بسامًا ثائر بأبيه؛ وهو يقتل البريء والسقيم، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، فقدم، واستخلف على عسكره رجلًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>قدوم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم</span>\nوفي هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم خراسان منصرفًا من عند إبراهيم بن محمد بن عليّ، ومعه لواؤه الذي عقد له إبراهيم، فوجّهه أبو مسلم حين قدم عليه على مقدّمته، وضمّ إليه الجيوش، وجعل له العزلَ والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسَّمْع والطاعة.\nوفيها وجّه قحطبة إلى نيسابور للقاء نصر؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا الذيّال والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجُشَميّ أخبروه أنّ شيبان بن سلمة الحَرُوريّ لما قتِل لحق أصحابه بنصر وهو بنيسابور، وكتب إليه النابي بن سويد العجليّ يستغيث، فوجّه إليه نصر ابنَه تميم بن نصر في ألفين، وتهيأ نصر على أن يسير إلى طُوس، ووجّه أبو مسلم قحطبة بن شبيب في قُوّاد، منهم القاسم بن مجاشع وجَهْور بن مرّار، فأخذ القاسم من قِبَل سرخس، وأخذ جهور من قِبَل أبيورد، فوجّه تميم عاصم بن عمير السغديّ إلى جهْور؛ وكان أدناهم منه، فهزمه عاصم بن عمير، فتحصّن في كبادقان، وأطلّ قحطبة والقاسم على النابي، فأرسل تميم إلى عاصم أن ارحل عن جهور وأقبل؛ فتركه، وأقبل فقاتلهم قحطبة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>ذكر خبر قتل نباتة بن حنظلة</span>\nوفي هذه السنة قُتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن عمر بن هُبيرة على جُرجان.\n_________\n(١) هذا إسناد متعدد المخارج ومن رواته زهير بن هنيد (أبو الذيال) صدوق ولم نجد في المتن نكارة، وانظر البداية والنهاية (٨/ ٢٥).\n(٢) سبق أن تحدثنا عن هذا الإسناد المركب ولقد وافق خليفة بن خياط ما ذكره الطبري من مسار جيوش العباسيين كما سنذكر ولكن خليفة يكتفي بذلك ويعرض عن ذكر التفاصيل وسيأتي الكلام عن هذا المسار بقيادة قحطبة بعد قليل.","vol":"4","page":396},{"text":"ذكر الخبر عن مقتله:\nذكر عليّ بن محمد أنّ زهير بن هُنيد وأبا الحسن الجُشميّ وجبلة بن فَرّوخ وأبا عبد الرحمن الأصبهانيّ أخبروه أن يزيد بن عمر بن هبجرة بعث نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان، ثم سار إلى الريّ، ومضى إلى جُرجان، ولم ينضمّ إلى نصر بن سيار، فقالت القيسيّة لنصر: لا تحملنا قومِس، فتحوّلوا إلى جُرجان. وخندق نباتة؛ فكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشّوه فأخره، فكان خندقه نحوًا من فرسخ (١).\n_________\n(١) هذا إسناد مركب طالما تحدثنا عنه والمدائني صدوق وشيخه زهير بن هنيد صدوق كذلك ولتراجم البقية انظر المقدمة - ثم ذكر الطبري بعد هذا المقطع أن قحطبة قدم إلى جرجان في ذي القعدة من سنة ثلاثين ومئة مع قادة جيثه وجرت المعركة وانتهت بهزيمة نباتة وابنه وانتصار جيش قحطبة - وهذا هو القدر المتفق عليه بين خليفة والطبري وأما التفاصيل الأخرى التي ذكرها الطبري ومنها خطبة قحطبة في أهل خراسان ورسالة الإمام إلى أبي مسلم وقحطبة بأنهم سينتصرون في يوم الجمعة من شهر ذي الحجة وغير ذلك فلم ترد رواية أخرى من مصدر تأريخي متقدم وموثوق لتأكيد تلك التفاصيل أضف إلى ذلك فإن في متن الطبري نكارات منها عبارة [وسلط عليهم أذلّ أمة كانت عندهم في الأرض] فإن كان يعني بهم العرب فلم يكن أهل خراسان وهم قبائل متناحرة بأحسن حالًا من العرب قبل الإسلام - وأما قول قحطبة: إن الإمام وعدهم بالنصر إذا لقوا عدوهم وأنهم سينتصرون يوم الجمعة من ذي الحجة فكل ذلك لا يصح ولعلّه من تلفيق بعض المجاهيل الذين طعنوا في خلفاء بني أمية وأئمة أهل البيت على حدٍّ سواء فالإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لم يكن متنبئًا ولا منجمًا ولا يعلم الغيب ولكن الوضاعين المجهولين تقوّلوا عليه والتقط الطبري هذه الأقاويل من أفواه الرواة دون تثبت ﵀ وأودعها سجلّه الكبير هذا - وكذلك لم يرد من مصدر متقدم ثقة أن أهل الشام قد قتل منهم عشرة آلاف في تلك المعركة من أجل ذلك كله ذكرنا الخبر في قسم الضعيف وأما خليفة فقد أيّدت مروياته ما ذكره الطبري من قدوم قحطبة إلى جرجان ونثوب المعركة بينه وبين نباتة وهزيمة نباتة ومقتله وذلك في سنة (١٣٠ هـ): فقد أخرج خليفة قال: وحدثني محمد بن معاوية (ثقة) قال حدثني بيهس بن حبيب الرام (شاهد عيان) قال ظهر أبو مسلم في رمضان سنة تسع وعشرين ومئة وهرب نصر بن سيار، فبعث أبو مسلم قحطبة بن شبيب فلقي قحطبة بن نباتة أحد بني أبي بكر بن كلاب بجرجان في ذي الحجة سنة ثلاثين ومئة فقتل نباتة وابنه حبة بن نباتة [تأريخ خليفة / ٤١٣] وسبق أن ذكر خبر خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٣٠ هـ): فيها اصطلح نصر بن سيار وابن الكرماني على أن يقاتلوا أبا مسلم ... إلخ وفيه: فأرسلوا إلى أبي مسلم =","vol":"4","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقُديد</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بقُديد بين أبي حمزة الخارجيّ وأهل المدينة.\nذكر الخبر عن ذلك:\nحدّثني العباس بن عيسى العَقيليّ، قال: حدثنا هارون بن موسى الفرْويّ، قال حدثني غير واحد من أصحابنا، أنّ عبد الواحد بن سليمان استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا، فلما كان بالحَرّة لقيتهم جُزُر مَنْحورة، فمضوْا، فلما كان بالعقيق تعلّق لواؤهم بِسَمُرة، فانكسر الرمح، فتشاءَم الناس بالخروج؛ ثم ساروا حتى نزلوا قُدَيد، فنزلوها ليلًا وكانت قرية قُديد من ناحية القصر المبنيّ اليوم، وكانت الحياض هنالك، فنزل قوم مغترّون ليسوا بأصحاب حرب، فلم يرعْهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من القصر (١).\n_________\n= أنه قد هرب (أي نصر) وهرب أصحابه يمينًا وشمالًا وسار أبو مسلم من ليلته حتى أتى موضع ثقل نصر بأقصى مرو فأخذ أهله وولده الصغار وهرب ولده الكبار فانتهى نصر إلى سرخس فأقام بها وبعث أبو مسلم إلى سرخس إبراهيم بن بسام مولى بني ليث فقاتله شيبان الحروري ومن كان بها من ربيعة فهزمهم وقتل شيبان وجمعًا كثيرًا من ربيعة وأرسل أهل طوس إلى نصر أنا معك وبايعوه فأرسل نصر ابنه تميمًا مددًا لهم في قريب من ثلاثة آلاف وأرسل أبو مسلم قحطبة واسمه زياد بن شبيب وقحطبة لقب فأتاهم قحطبة من أعلى طوس وأتتهم جنود من قبل أبيورد وأتاهم القاسم بن مجاشع في المسودة من قبل سرخس فسار عاصم بن عمير ومعه معظم الناس إلى قحطبة فهزمه فسار عاصم بن عمير حتى لحق بنصر فارتحل نصر فنزل بقومس [تأريخ خليفة / ٤١٢] فحدثني عمرو بن عبيدة قال حدثني قزعة مولى نصر بن سيار قال بعث أبو مسلم إلى نصر أن أجب فخرج نصر من باب له آخر حتى خرج من المدينة وأخذ مسلم بن أحوز وكان على شرطة نصر فقتل [٤١٢] وحدثني معاوية بن محمد قال حدثني بيهس بن حبيب الرام قال ظهر أبو مسلم في رمضان سنة تسع وعشرين ومئة فحبس عبد الله بن معاوية وأخويه ثم قتله وخلّى عن أخويه في سنة ثلاثين ومئة وهرب نصر بن سيار فبعث أبو مسلم قحطبة بن شيب فلقي قحطبة نباتة أحد بني أبي بكر بن كلاب بجرجان في ذي الحجة سنة ثلاثين ومئة فقتل نباتة وابنه حبة بن نبانة [خليفة / ص ٤١٣].\n(١) ووافق خليفة بن خياط في هذا التوقيت وأعني وقوع حادثة قديد سنة ١٣٠ هـ كما سنذكر بعد.","vol":"4","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>ذكر خبر دخول أبي حمزة المدينة</span>\nوفي هذه السنة دخل أبو حمزة الخارجيّ مدينة رسول الله - ﷺ - وسلم وهرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام (١).\nقال العباس: قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكريّاءَ أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة، قال: رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:\nتعلمون يا أهلَ المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشَرًا ولا بَطرًا ولا عبثًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عُطلتْ، وعنِّف القائل بالحق، وقتِل القائم بالقسط: ضاقت علينا الأرض بما رحُبت، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعيَ الله ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منّا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لِحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض؛ فآوانا وأيّدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعًا بنعمته إخوانًا، ثم لقينا رجالكم بقُديد، فدعوْناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكْم آل مروان؛ فشتّان لعمر الله ما بين الرّشد والغيّ. ثم أقبلوا يهرعون يزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجِرانه، وغلتْ بدمائهم مراجله، وصدّق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله ﷿ عصائب وكتائب، بكل مهنّد ذي رَوْنقٍ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضربٍ يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهلَ المدينة، إن تنصروا مرْوان وآل مرْوان يُسحتكم الله ﷿ بعذاب من عنده أو بأيدينا. ويشْفِ صُدور قوم مؤمنين. يا أهلَ المدينة، أوَّلكم خيرُ أوّل وآخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركًا عابدَ وثن، أو مشرك أهل الكتاب، أو إمامًا جائرًا. يا أهل المدينة مَنْ زعم أنّ الله ﷿ كلف نفسًا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يُؤتِها، فهو لله ﷿ عدوّ، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله ﷿ في كتابه على القويّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له مِنها ولا سهم\n_________\n(١) انظر تعليقنا على الخبر الآتي.","vol":"4","page":399},{"text":"واحد، فأخذها جميعها لنفسه، مكابرًا محاربًا لربه. يا أهلَ المدينة؛ بلغني أنكم تنتقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحدَاث، وأعراب جُفاة، ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا شبابًا أحداثًا! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيّةٌ عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله ﷿ أنفسًا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالِهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنيةٌ أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية [خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وإذا مروا بآية] شوق شهقوا شوقًا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتُضيِتْ والرماح قد أشرعت، وإلى السهام قد فُوّقَتْ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفُّوا وعيد الكتيبة لوعيد الله ﷿، ولم يستخفُّوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله ﷿! وكم من يدٍ زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، وكم من خدّ عتيق وجبين رقيق فُلِق بعَمد الحديد. رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان. أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (١).\nحدثني العباس، قال قال هارون: حدّثني جدّي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله - ﷺ -، يقول: من زَنى فهو كافر، ومن شكّ فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر، ومَنْ شكّ أنه كافر فهو كافر (٢).\nقال العباس: قال هارون: وسمعتُ جدّي يقول: كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: \"من زنى فهو كافر\" (٣).\nقال العباس: قال هارون: وحدّثني بعض أصحابنا: لما رقى المنبر قال: برَح الخفاء، أين ما بك يذهب! مَنْ زنى فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر. قال العباس: قال هارون: وأنشدني بعضهم في قُدَيد:\n_________\n(١) اخترنا هذه الخطبة لنضعها في قسم الصحيح لوجود ما يؤبدها عند خليفة كما سيأتي.\n(٢) أبو علقمة (عبد الله بن محمد الغروي) ثقة وانظر تعليقنا الأخير.\n(٣) انظر تعليقنا الآتي.","vol":"4","page":400},{"text":"ما للزمان ومالِيَهْ ... أفْنتْ قُدَيدُ رجالِيَهْ\nفَلأَبكِينَّ سَرِيرَةً ... ولأَبكينّ علانيه\nولأَبكِين إِذا شَجِـ ... ـيتُ معَ الكلابِ العاويَهْ\nفكان دخول أبي حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيَتْ من صفر.\nواختلفوا في قدْر مدتهم في مقامهم [بها]، فقال الواقديّ: كان مقامهم بها ثلاثة أشهر وقال غيره: أقاموا بها بقيَّة صفر وشهري ربيع وطائفة من جُمادى الأولى (١).\n_________\n(١) لقد أخّرنا التعليق على هذه الروايات حتى ننتهي من سردها وهي بمجموعها تفيد أن الخارجي (أبا حمزة) قد انطلق جنوبًا من اليمن في موسم الحج وفاجأ الناس بجيشه ودخل مكة دون قتال بعد انسحاب أمير مكة عبد الواحد بن سليمان ومن ثم وقعت معركة قديد بين جيش الخوارج وأهل المدينة وقتل منهم عدد كبير قدّره الواقدي بسبعمئة بينما قدّره خليفة في رواية له عن شيوخه بثلاثمئة وخطب أبو حمزة خطبته التي تعبّر عن فكر الخوارج وغلوّهم وسنذكر هنا مرويات خليفة بن خياط التي تؤيد ما ذكره الطبري وهي بمجموعها تتعاضد وقد ذكرناها هنا في قسم الصحيح والله أعلم.\nأما عن الوقعة (قديد) وحدوثها سنة ١٣٠ هـ كما ذكر الطبري فقد أخرج خليفة قال: وفي هذه السنة وهي سنة ثلاثين ومئة كانت وقعة قديد: فحدثني علي بن محمد عن إسحاق بن إبراهيم الأزهري قال لما صدر الناس عن مكة وذلك آخر سنة تسع وعشرين ومئة مضى عبد الواحد بن سليمان إلى المدينة وكتب إلى مروان يخبره بخذلان أهل مكة فعزله مروان وكتب إلى عبد العزيز بن عمر وإليه على المدينة أن يوجه جيشًا وسار أبو حمزة في أول سنة ثلاثين ومئة يريد المدينة واستخلف على مكهَ أبرهة بن الصباح الحميري وجعل على مقدمته بلج بن عقبة السعدي وخرج أهل المدينة فالتقوا بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومئة وبلج في ثلاثين ألف فارس فقال لهم خلوا طريتهنا نأتي هؤلاء الذين بغوا علينا وجاروا في الحكم ولا تجعلوا حدنا بكم فإنا لا نريد قتالكم فأبوا وقاتلوهم فانهزم أهل المدينة وجاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين بن الحر اتبع هؤلاء القوم وأجهز على جريحهم فإن لكل زمان حكمًا والإثخان في هؤلاء أمثل قال ما أرى ذلك وما أرى أن أخالف سيرة من مضى قبلي ومضى أبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاثين ومئة قال أبو الحسن عن شيخ من الأنصار والمصعب وغيرهم قال استعمل عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وراية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وأقبل أبو حمزة فنزل بإزائهم فاقتتلوا وصبر الفريقان فأصيب من قريش ثلاثمئة رجل، وأبلى يومئذ آل الزبير ... إلخ [خليفة / ٤١٤]. =","vol":"4","page":401},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثم أخرج خليفة قال: فحدثني إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرني جويرية بن أسماء قال خرج عبد العزيز بن عبد الله يريد قديدًا فسقط لواؤه فتطئر الناس [تأريخ خليفة / ٤١٥]. وجويرية ثقة من السابعة أخرج له الشيخان توفي سنة ١٧٠ هـ وقد عاصر تلك الأحداث. وأخرج خليفة قال: قال إسماعيل وحدثني غسان بن عبد الحميد (ذكره ابن حبان في الثقات ولا نعلم فيه جرحًا) قال خرج أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان مقنعًا يوم قديد لا يلتفت إلى أحدٍ ولا يكلم أحدًا مقبلًا على بثِّه حتى قتل (٤١٥) قال أبو الحسن (أي المدائني) ما سمع الناس بواكي أوجع للقلوب من بواكي قديد ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا وفيهم بكيّ قالت نائحة تبكيهم:\nما للزمان وماليه ... أفنى قديد رجاليه\nفلأبكين سريرة ... ولأبكين علانيه\n[خليفة / ٤١٥].\nوسنعود للحديث عن مصير أبي حمزة الخارجي وحيشه بعد قليل. وأما عدد القتلى من أهل المدينة يوم قديد فقد قدّره الواقدي بسبعمئة وانفرد بذلك ولا يعتمد عليه في مثل هذه الأمور إذا انفرد وقدّره خليفة بثلاثمئة وقول المدائني الذي لم يحضر الوقعة (بل ولد في تلك السنة أو بعدها): ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا وفيهم بكيّ: فمبالغة واضحة والله أعلم بالصواب وأما عن خطبة أبي حمزة الخارجي التي ذكرناها في قسم الصحيح فلها ما يؤيدها عند خليفة عن إسماعيل بن إسحاق: أن بلج قدم في الموسم فلم يشعر الناس وهم بعرفات حتى أطلعت عليهم الخيل من الجبل من طريق الطائف فاجتمع الناس إلى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان وهو والي مكة والمدينة فكره عبد الواحد قتالهم فمشى عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بينهم حتى أخذ عليهم ولهم ألا يحدثوا حدثًا حتى ينقضي أمر الموسم ففعلوا فوقف عبد الواحد بالناس ووقف بلج في أصحابه بعرفات وبجمع وأقاموا أيام منى فلما كان يوم النفر نفر عبد الواحد فأتى مكة ثم أتى أبو حمزة مكة فخطبهم على المنبر فقال يا أهل مكة تعيّروني بأصحابي تزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابًا أما إني عالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم ولولا اشتغالي بغيركم ما تركت الأخذ فوق أيديكم، نعم شباب مكتهلون في شبابهم ثقال عميَّة عن الشر أعينهم بطيّة عن الباطلِ أرجلهم قد نظر إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن إذا مرّ أحدهم باية فيها ذكر الجنة بكى شوقًا إليها وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه قد وصلوا كلالهم بكلالهم كلال ليلهم بكلال نهارهم قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام مستقلين لذلك في جنب الله موفون بعهد الله منجزون لوعد الله إذا رأوا سهام العدو فوقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انتضيت وأبرقت الكتيبة وأرعدت بصواعق =","vol":"4","page":402},{"text":"وكانت عِدّة من قُتِل من أهل المدينة بقُديد - فيما ذكر الواقديّ - سبعمئة.\nقال أبو جعفر: وكان أبو حمزة - فيما ذكر - قد قدّم طائفة من أصحابه، عليهم أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيّ، ثم أحد بني عديّ بن كدب، وبلْج بن عيينة بن الهيصم الأسديّ من أهل البصرة، فبعث مرْوان بن محمد من الشام عبدَ الملك بن محمد بن عطيَّة أحد بني سعد في خيول الشام (١) فحدّثني العباس بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن موسى، عن موسى بن كثير، قال: خرج أبو حمزة من المدينة، وخلّف بعضَ أصحابه، فسار حتى نزل الوادي (١).\nقال العباس: قال هارون: حدّثني بعضُ أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهريّ، أن مَرْوان انتخب من عسكره أربعة آلاف، واستعمل عليهم ابنَ عطيّة، وأمره بالجِدّ في السير، وأعطى كلّ رجل منهم مئة دينار؛ وفرسًا عربيَّة وبغلًا لثقَلِه، وأمره أن يمضيَ فيقاتلهم، فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى ومَن معه؛ فخرج حتى نزل بالعُلا وكان رجل من أهل المدينة يقال له العَلاء بن أفلح مولى أبي الغيث، يقول: لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجلٌ من أصحاب ابن عطيّة، فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قال: فقلت: العلاء، قال: ابن مَن؟ قلت: ابن أفلح، قال: مولى مَن؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت: بالعُلا، قال: فأين نحن غدًا؟ قلت: بغالب، قال: فما كلَّمني حتى أردفني وراءه، ومضى بي حتى أدخلني على ابن عطيّة، فقال: سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، قال: فسرّ بذلك ووهب لي دراهم (١).\n_________\n= الموت استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، مضى الشاب منهم قدمًا حتى تختلف رجلاه عن عنق فرسه قد رملت محاسن وجهه بالدماء وعفر جبينه في الثرى وأسرعت إليه سباع الأرض فكم من عين في منقار طائر طال ما بكى صاحبها من خشية الله وكم من خدٍّ رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل أرواحها الجنان ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن أو كفرة أهل كتاب أو سلطانًا جائرًا أو شادًا على عضده [تأريخ خليفة / ٤٠٨].\n(١) انظر تعليقنا فيما بعد.","vol":"4","page":403},{"text":"قال العبّاس: قال هارون: وكان أبو حمزة حين خرج ودّع أهل المدينة للخروج إلى مروان يقاتله، قال: يا أهل المدينة، إنا خارجون إلى مَرْوان؛ فإن نظفر نعدلْ في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم محمد - ﷺ -، ونقسم فيئكم بينكم؛ وإن يكن ما تَمنّون؛ فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعضُ أصحابنا أنّ الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتلُه فقتلوهم (١).\nقال محمد بن عمر: سار أبو حَمْزة وأصحابه إلى مَرْوان، فلقيهم خيلُ مرْوان بوادي القرى؛ عليها ابن عطيّة السعديّ من قيس، فأوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة، فلقيهم أهلُ المدينة فقتلوهم. قال: وكان الذي قاد جيش مَرْوان عبد الملك بن محمد بن عطية السعديّ سعد هوازن، قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربيّ، مع كلّ واحد منهم بغل، ومنهم مَن عليه درعان أو دِرْع وسنّوْر وَتجافيف؛ وعدّة لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوْا إلى مكة (١).\nوقال بعضهم: أقام ابنُ عطية بالمدينة حين دخلها شهرًا، ثم مضى إلى مكة، واستخلف على المدينة الوليد بن عُروة بن محمد بن عطية، ثم مضى إلى مكة وإلى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز؛ رجلًا من أهل الشام.\nولما مضى ابنُ عطيّة بلغ عبدُ الله بن يحيى - وهو بصنعاء- مسيرهُ إليه، فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بن يحيى، وبعث ابنه بشير إلى مروان، ومضى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى إلى مروان، ثم كتب مروان إلى ابن عطيّة يأمره أن يُغِذّ السير، ويحجّ بالناس، فخرج في نفر من أصحابه - فيما حدثني العباس بن عيسى، عن هارون - حتى نزل الجُرْف - هكذا قال العباس - ففطن له بعض أهل القرية، فقالوا: منهزمين والله، فشدّوا عليه، فقال: ويحكم! عامل الحجّ؛ والله كتب إليّ أمير المؤمنين (٢).\nقال أبو جعفر: وأما ابن عمر، فإنه ذكر أنّ أبا الزبير بن عبد الرحمن حدّثه،\n_________\n(١) انظر تعليقنا على الخبر الآتي.\n(٢) انظر تعليقنا عن الخبر الآتي.","vol":"4","page":404},{"text":"قال: خرجتُ مع ابن عطية السعديّ؛ ونحن اثنا عشر رجلًا، بعهد مَرْوان على الحجّ، ومعه أربعون ألف دينار في خُرْجه، حتى نزل الجُرْف يريد الحجّ، وقد خلَف عسكره وخيله وراءه بصنعاء؛ فوالله إنا آمنون مطمئنون؛ إذ سمعتُ كلمة من امرأة: قاتلَ الله ابنيْ جمانة ما أشأمهما! فقمت كأني أهريق الماء، وأشرفت على نَشز من الأرض؛ فإذا الدُّهْم من الرجال والسلاح والخيل والقذّافات؛ فإذا ابنا جُمانة المراديّان واقفان علينا، قد أحدقوا بنا من كلّ ناحية، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص؛ فأخرج ابن عطية كتابه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده على الحجّ وأنا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، ولكنكم لصوص؛ فرأينا الشرّ. فركب الصفر بن حبيب فرسه، فقاتل وأحسن حتى قتل؛ ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قُتِل، ثم قتل مَنْ معنا وبقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل من هَمْدَان، قالوا: من أيّ همدان أنت؟ فاعتزيت إلى بطن منهم - وكنت عالمًا ببطون هَمْدان - فتركوني، وقالوا: أنت آمن؛ وكلّ ما [كان] لك في هذا الرحل فخذْه، فلو ادّعيتُ المال كله لأعطوْني. ثم بعثوا معي فرسانًا حتى بلغوا بي صَعْدة، وأمنتُ ومضيتُ حتى قدمتُ مكة (١).\n_________\n(١) هذه عدة روايات أخرجها الطبري وبالأسانيد المعروفة التي تحدثنا عنها في المقدمة وفي غير موضع - وبعضها من طريق الواقدي المتروك وليس من عادتنا أن نذكر مرويات الواقدي (إذا انفرد) في الصحيح ولكن ذكرناها هنا لأن ما ذكره قد جاء من طريق آخر عند الطبري مسندًا وغير مسند وكذلك أخرج خليفة طرفًا من هذه التفاصيل مسندًا وغير مسند كما سنذكر فقد أخرج خليفة قائلًا: حدثنا إسماعيل العسكر وقتل منهم مقتلة عظيمة وبلغ عبد الله بن يحيى الأعور فسار في نحو ثلاثين ألفًا فنزل ابن عطية تبالة ونزل الأعور صعدة ثم اقتتلوا فانهزم الأعور فسار إلى جرش وسار ابن عطية والتقوا فاقتتلوا حتى حال بينهم الليل وأصبح ابن عطية مكانه فنزل الأعور في نحو من ألف رجل من أهل حضرموت فقاتل حتى قتل ومن معه وبعث برأس الأعور إلى مروان وسار ابن عطية حتى أتى صنعاء فثار به رجل من حمير ... الخبر وفي آخره ثم أتاه كتاب لمروان يأمره بالصلاة بالموسم فدعا أهل حضرموت إلى الصلح فصالحوه فانطلق ابن عطية في خمسة عشر رجلًا من وجوه أصحابه مبادرًا وخلف ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وأقبل ابن عطية متعجلًا فنزل واديًا من أودية مراد بقرية يقال لها شيام فشدوا عليه فقتلوه وأصحابه واحتزوا رأسه [خليفة / ٤١٧] قلت: وإلى هنا يتفق خليفة والطبري وكما ترى على الأمور الكبيرة في هذه الواقعة من خروج أبي حمزة ومقتله إلى مقتل حليفه الأعور (عبد الله بن يحيى) والله تعالى أعلم. =","vol":"4","page":405},{"text":"وكان سبب نزول نصر قومس - فيما ذكر عليّ بن محمد - أن أبا الذيَّال حدّثه والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشميّ؛ أن أبا مسلم كتب مع المنهال بن فتّان إلى زياد بن زرارة القشيريّ بعهده على نيسابور بعدما قتل تميم بن نصر والنابي بن سويد العجليّ، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرًا؛ فوجه قحطبة العكّيّ على مقدّمته. وسار قحطبة حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين؛ شهري رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومئة، ونصر نازل في قرية من قرى قومِس يقال لها بذش، ونزل مَن كان معه من قيس في قرية يقال لها الممد؛ وكتب نصر إلى ابن هبيرة\n_________\n= ابن إسحاق قال: بعث مروان بن محمد بن مروان محمد بن عطية السعدي (سعد بن بكر) في أربعة آلاف من جنده عامتهم رابطة فشرطوا على مروان إذا قتلنا الأعور قفلنا لا سلطان لك علينا فأعطاهم ذلك فأقبل ابن عطية فلقي بلجًا بوادي القرى وقد سار يريد الشام فاقتتلوا فقتل بلج وعامة أصحابه ولم يزل يقتلهم حتى دخلوا المدينة ولحق نحو من ألف رجل منهم عليهم رجل منهم يقال له الصباح من همدان فتحصن في جبل من الجبال فقاتلهم فيه ثلاثة أيام ثم انحاز ليلًا في نحو من ثلاثمئة فترقى في الجبال حتى لحق بمكة ودخل ابن عطية المدينة ثم سار إلى مكة فلقي أبا حمزة بالأبطح ومع أبي حمزة خمسة عشر ألفًا ففرق عليه ابن عطية الخيل فأتته خيل من أسفل مكة وخيل من منى وأتى هو بنفسه من أعلى الثنية فاقتتلوا حتى كاد النهار أن ينتصف وخرجت الخيل إليهم ببطن الأبطح فألجؤوهم إلى عسكرهم وقتل أبرهة بن الصباح عند بئر ميمون وقتلت معه امرأته وقتل أبو حمزة واستباح قال: فحدثني محمد بن معاوية عن بيهس أبي حبيب بن حبيب قال توجه قحطبة فلقي عامر بن ضبارة وداود فالتقوا بجابلق رستاق من أصبهان في رجب يوم السبت لسبع بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومئة فقتل عامر وانهزم داود فلحق بأبيه ولحق قحطبة بمن معه حتى حصر أهل نهاوند مع ابنه الحسن بن قحطبة [خليفة / ٤١٨] وقال خليفة أيضًا: وفي هذه السنة وهي سنة إحدى وثلاثين ومئة قتل عامر وكتب نصر بن سيار إلى مروان وابن هبيرة يستمدهما فلم يأته مدد حتى سار قحطبة فانحاز نصر فنزل الري ومرض ثم سار فمات بهمذان [تأريخ خليفة / ٤١٩].\nثم أخرج خليفة: وحدثني عمرو بن عبيدة قال حدثني قزعة مولى نصر بن سيار قال: مات نصر بساوة من أرض الري فدفناه وأجرينا الماء على قبره، قال قزعة لمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فقال إياكم والمدن الحقوا بالشام فإن تكن لبني مروان مدة كنتم معهم وإن كان غير ذلك أصابكم ما أصابهم وأنشدني لنصر بن سيار حين أبطأ المدد:\nأرى خلل الرماد وميض جمر ... خليق أن يكون له ضرام\nفإن النار بالزندين تورى ... وإن الفعل يقدمه الكلام\nأقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟","vol":"4","page":406},{"text":"يستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان؛ يعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسلَه، وكتب نَصر إلى مروان: إني وجَّهت إلى ابن هبيرة قومًا من وجوه أهل خُراسان ليعلموه أمرَ الناس من قِبَلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّني بأحد؛ وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره؛ فإن أدركه مَنْ يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فِناء.\nفكتب مَرْوان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرًا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني ليث يسأله أن يعجِّل إليه الجند، فإنّ أهل خُراسان قد كذبتُهم حتى ما رجل منهم يصدّق لي قولًا؛ فأمدّني بعشرة آلاف قبل أن تمدّني بمئة ألف، تم لا تغني شيئًا (١).\nوحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره؛ عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢) وكانت إليه مكة والمدينة والطائف.\nوكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر بن هبيرة.\nوكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربيّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور. وعلى خُراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>ذكر خبر موت نصر بن سيار</span>\nفممّا كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر وهو بقومِس. فذكر\n_________\n(١) انظر تعليقنا على خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند فيما بعد.\n(٢) هكذا قال الطبري بينما قال خليفة وأقام الحج محمد بن عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي). وانظر [خليفة بن خياط ٤١٧ و٤٣١].\nووافق ابن كثير ابن جرير الطبري فقال: قال أبو معشر وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان وقد جعلت إليه إمرة المدينة ومكة والطائف [البداية والنهاية ٨/ ٢٩].\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد مروان (سنة ١٣٢ هـ).","vol":"4","page":407},{"text":"عليّ بن محمد؛ أن زهير بن هنيد والحسن بن رشيد وجبَلة بن فرّوخ التاجيّ، قالوا: لما قُتِل نُباتة ارتحل نصر بن سيَّار من بَذش، ودخل خُوار وأميرها أبو بكر العقيليّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن إلى قُومِس في المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العباس المروزيّ إلى الحسن في سبعمئة، فلما كانوا قريبًا منه، انحاز أبو كامل وترك عسكره، وأتى نصرًا فصار معه، وأعلمه مكان القائد الذي خلّف، فوجَّه إليهم نصر جندًا فأتوْهم وهم في حائط فحصروهم، فنقب جميل بن مهران الحائط، وهرب هو وأصحابُه، وخلّفوا شيئًا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هُبيرة، فعرض له عطيف بالريّ، فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع، وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر، وقال: أبِي يتلعّب ابن هبيرة! أيَشغَب عليّ بضَغابيس قيس! أما والله لأدعنّه فليعرفنّ أنه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربّص له الأشياء. وسار حتى نزل الريّ - وعلى الريّ حبيب بن بُديل النهشليّ - فخرج عطيف من الرّيّ حين قدمها نصر إلى هَمَذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهليّ على الصَّحْصَحيَّة، فلما رأى مالكًا في هَمَذان عدل منها إلى أصبَهان إلى عامر بن ضُبارة - وكان عُطَيف في ثلاثة آلاف - وجّهه ابن هُبيرة إلى نَصْر، فنزل الريّ، ولم يأت نصرًا. وأقام نصر بالريّ يومين ثم مرض، فكان يُحْمل حَمْلًا؛ حتى إذا كان بساوَة قريبًا من هَمَذان مات بها؛ فلما مات دخل أصحابه هَمَذان. وكانت وفاة نصر - فيما قيل - لمضيّ اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وهو ابن خمس وثمانين سنة (١).\nوقيل إن نصرًا لما شخص من خُوار متوجِّهًا نحو الريّ لم يدخل الريّ ولكنه أخذ المفازة التي بين الرّيّ وهمذَان فمات بها (١).\nرجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه. قالوا: ولما مات نصر بن سيّار بعث الحسن خازم بن خزيمة إلى قرية يقال لها سِمْنان، وأقبل قَحْطبة من جُرْجان، وقدّم أمامه زياد بن زرارة القشيريّ؛ وكان زياد قد ندم على اتباع أبي مسلم، فانخزل عن قحطبة، وأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن\n_________\n(١) انظر تعليقنا على خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند فيما بعد.","vol":"4","page":408},{"text":"ضُبارة، فوجَّه قحطبة المسيّب بن زهير الضبيّ، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد، وقتِل عامة من معه، ورجع المسيَّب بن زهير إلى قحطبة، ثم سار قَحْطبة إلى قومِس وبها ابنه الحسن، فقدم خازم من الوجه الذي كان وجهه فيه الحسن، فقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الريّ. وبلغ حبيب بن بديل النهشليّ ومَنْ معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا من الريّ ودخلها الحسن، فأقام حتى قدم أبوه.\nوكتب قحطبة حين قدم الريّ إلى أبي مسلم يعلمه بنزوله الرّيّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>أمر أبي مسلم مع قحطبة عند نزوله الريّ</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مَرْو إلى نيسابور فنزلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>ذكر الخبر عما كان من أمر أبي مسلم هنالك ومن قَحْطبة بعد نزوله الريّ</span>\nولما كتب قحطبة إلى أبي مسلم بنزوله الرّيّ ارتحل أبو مسلم - فيما ذكر - من مَرْو، فنزل نيسابور وخندق بها، ووجَّه قحطبة ابنَه الحسن بعد نزوله الرّيّ بثلاث إلى هَمَذان؛ فذكر عليّ عن شيوخه وغيرهم أنّ الحسن بن قحطبة لما توجه إلى هَمَذان؛ خرج منها مالك بن أدهم ومَن كان بها من أهل الشام وأهل خُراسان إلى نَهاوَنْد، فدعاهم مالك إلى أرزاقهم، وقال: من كان له ديوان فليأخذْ رزقه، فترك قوم كثير دواوينَهم ومضوا، فأقام مالك ومَن بقيَ معه من أهل الشام وأهل خُراسان ممَّن كان مع نصر، فسار الحسن من هَمَذان إلى نهاونْد، فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمدّه قحطبة بأبي الجهْم بن عطيَّة مولى باهلة في سبعمئة، حتى أطاف بالمدينة وحصرها (١).\n_________\n(١) انظر تعليقنا على خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند فيما بعد.","vol":"4","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>ذكر خبر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتِل عامر بن ضبارة.\nذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:\nوكان سبب مقتله أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضُبارة مضى هاربًا نحو خراسان، وسلك إليها طريق كِرْمان، ومضى عامر بن ضُبارة في أثره لطلبه، وورد على يزيد بن عمر مقتلُ نباتة بن حنظلة بجُرجان؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وأبا الحسن الجشميّ والحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ وحفص بن شبيب أخبروه، قالوا: لما قُتل نباتة كتب ابنُ هبيرة إلى عامر بن ضُبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قَحْطبة - وكانا بكرْمان - فسارا في خمسين ألفًا حتى نزلوا أصبهان بمدينة جَيّ - وكان يقال لعسكر بن ضُبارة عسكر العساكر - فبعث قَحْطبة إليهم مقاتلًا وأبا حفص المهلبيّ وأبا حمَّاد المروزيّ مولى بني سُليم وموسى بن عَقِيل وأسلم بن حسان وذؤيب بن الأشعث وكُلثوم بن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن غفار والهيثم بن زياد، وعليهم جميعًا العَكيّ، فسار حتى نزل قمّ. وبلغ ابنَ ضُبارة نزول الحسن بأهل نَهاوَنْد، فأراد أن يأتيَهم مُعينًا لهم، وبلغ الخبر العَكيّ، فبعث إلى قحطبة يعلمه، فوجّه زهير بن محمد إلى قاشان، وخرج العكيّ من قمّ وخلف بها طريف بن غَيلان، فكتب إليه قحطبة يأمره أن يُقيم حتى يقدم عليه، وأن يرجع إلى قمّ، وأقبل قحطبة من الرّيّ، وبلغه طلائع العسكرين؛ فلما لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكى ضمّ عسكر العكيّ إلى عسكره، وسار عامر بن ضُبارة إليهم وبينه وبين عسكر قَحْطبة فرسخ، فأقام أيامًا، ثم سار قَحْطبة إليهم، فالتقوْا وعلى ميمنة قَحطبة العكيّ ومعه خالدبن بَرْمك، وعلى ميسرته عبد الحميد بن ربعيّ ومعه مالك بن طريف - وقحطبة في عشرين ألفًا وابن ضبارة في مئة ألف، وقيل في خمسين ومئة ألف - فأمر قَحطبة بمصحف فنُصِب على رُمْح ثم نادى: يا أهل الشام، إنا ندعُوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه وأفحشوا في القول، فأرسل إليهم قحطبة: احملوا عليهم، فحمل عليهم العكيّ، وتهايج الناس، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهلُ الشام، وقُتِلوا","vol":"4","page":410},{"text":"قتلًا ذريعًا، وحَووْا عسكرهم، فأصابوا شيئًا لا يُدرَى عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شُريح بن عبد الله (١).\nقال علي: وأخبرنا أبو الذّيال، قال: لقي قحطبة عامر بن ضُبارة؛ ومع ابن ضُبارة ناس من أهل خُراسان؛ منهم صالح بن الحجاج النميريّ وبشر بن بِسطام بن عمران بن الفضل البرجميّ وعبد العزيز بن شماس المازنيّ وابن ضُبارة في خيل ليست معه رَجَّالة، وقحطبة معه خيل ورجَّالة. فرموا الخيل بالنُّشاب، فانهزم ابن ضُبارة حتى دخل عسكره، واتّبعه قحطبة، فترك ابن ضبارة العسكر، ونادى: إليّ، فانهزم الناس وقتِل (٢).\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.\n(٢) هذه مجمل الروايات التي ذكرها الطبري في وفاة نصر بن سيار ودخول الجيوش الزاحفة بقيادة قحطبة وابنه الحسن أصبهان ومن عادة المدائني هنا أن يروي الخبر بإسناد جمعي فهو يدمج متون شيوخه ويذكر أسماءهم ثم يذكر متونهم بلا فصل بين متن وآخر ولقد دأبنا أن نذكر هذه الروايات بهذا الإسناد الجمعي في قسم الصحيح بشرط خلوها من نكارة واضحة وبشرط وجود ما يقويها من رواية خليفة وذكرنا هذه الروايات في قسم الصحيح لا يعني أننا نجزم بصحة هذه التفاصيل وإنما ذكرناها لأنها تتأيد في مفاصلها ومقاطعها الرئيسة بمرويات خليفة كما سنذكر:\nقال خليفة: سنة إحدى وثلاثين ومئة: فيها توجه قحطبة بن شبيب من جرجان بعد مقتل نباتة فبلغ ابن هبيرة فحدر عامر بن ضبارة إلى اصطخر ووجه ابنه داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة فسار داود وعامر من إصطخر إلى أصبهان وبعث ابن هبيرة مالك بن أدهم الباهلي في خيل عظيمة والمصعب بن صحصح الأسدي وغطيفًا السلمي متساندين فنزل بعضهم ماه وبعضهم همذان فوجه قحطبة ابنه الحسن إلى تلك الجيوش فبلغهم مسير الحسن فانضموا إلى نهاوند ونزل بهم الحسن فحاصرهم [تأريخ خليفة / ٤١٨] ثم أخرج خليفة:\nوخلاصة ما اتفقت عليه روايات خليفة والطبري والتي ذكرناها في قسم الصحيح أن قحطبة لاحق نصرًا الذي توجه إلى قومس ومن قومس إلى الري ومن الري متوجهًا إلى همدان حيث توفي قريبًا من همدان وفي هذه الأثناء وجّه ابن هبيرة ابنه داود مع عامر بن ضبارة لصدّ قحطبة وابنه الحسن مع جيشهما الزاحف فوقعت معركة شرسة قرب أصبهان التي توجه إليها الحسن وانتهت بهزبمة داود وابن ضبارة ومقتل ابن ضبارة ثم تجمعت فلول المنهزمين في نهاوند حيث بدأ الحصار الذي دام أشهرًا كما سنذكر وكان لموت نصر بن سيار أثرًا واضحًا في تقدم الجيوش الزاحفة من خراسان كما قال ابن كثير [فلما مات نصر بن سيار تمكن أبو مسلم الخراساني وأصحابه من بلاد خراسان وقويت شوكتهم جدًّا] البداية والنهاية: (٨/ ٢٩).","vol":"4","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>ذكر خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها</span>\nوفي هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمنْ كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمد. وقيل: كانت الوقعة بجابَلْق من أرض أصبَهان يوم السبت لسبع بقين من رجب.\nذكر الخبر عن هذه الوقعة:\nذكر عليّ بن محمد أن الحسن بن رشيد وزهير بن الهنيد أخبراه أن ابن ضُبارة لما قتِل كتب بذلك قحطبة إلى ابنه الحسن، فلما أتاه الكتاب كبّر وكبّر جنده، ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السُّغديّ: ما صاح هؤلاء بقتل ابن ضُبارة إلا وهو حقّ، فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة وأصحابه؛ فإنكم لا تقومون لهم، فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدده. فقالت الرّجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتتركوننا! فقال لهم مالك بن أدهم الباهليّ: كتب إليّ ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم عليّ. فأقاموا وأقام قحطبة بأصبهان عشرين يومًا، ثم سار حتى قدم على الحسن نهاوَنْد فحصرهم أشهرًا، ثم دعاهم إلى الأمان فأبوْا، فوضع عليهم المجانيق، فلما رأى ذلك مالك طلب الأمان لنفسه ولأهل الشام - وأهلُ خراسان لا يعلمون - فأعطاه الأمان فوفَى له قَحْطبة، ولم يقتل منهم أحدًا، وقتل من كان بنَهاوند من أهل خراسان، إلا الحكَم بن ثابت بن أبي مسعر الحنفيّ، وقتل من أهل خراسان أبا كامل وحاتم بن الحارث بن شُريح وابن نصر بن سيّار وعاصم بن عمير وعليّ بن عقيل وبَيهس بن بديل من بني سليم؛ من أهل الجزيرة، ورجلًا من قريش يقال له البختريّ، من أولاد عمر بن الخطاب - وزعموا أن آل الخطاب لا يعرفونه - وقَطَن بن حرب الهلاليّ (١).\nقال عليّ: وحدّثنا يحيى بن الحكم الهمْدانيّ، قال: حدّثني مولى لنا قال: لمّا صالح مالك بن أدهم قَحْطبة قال بيهس بن بديل: إنّ ابنَ أدهم لمصالح علينا؛ والله لأفتكنّ به؛ فوجد أهل خُراسان أن قد فتح لهم الأبواب، ودخلوا وأدخل\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية الرواية (٤٠٨).","vol":"4","page":412},{"text":"قَحْطبة من كان معه من أهل خراسان حائطًا (١).\nوقال غير عليّ: أرسل قَحْطبة إلى أهل خُراسان الذين في مدينة نَهاوند يَدْعوهم إلى الخروج إليه، وأعطاهم الأمان، فأبوْا ذلك. ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك فقبلوا، ودخلوا في الأمان بعد أن حوصروا ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوّال، وبعث أهل الشام إلى قَحْطبة يسألونه أن يشغل أهل المدينة حتى يفتحوا الباب وهم لا يشعرون، ففعل ذلك قَحْطبة، وشغل أهل المدينة بالقتال، ففتح أهل الشام البابَ الذي كانوا عليه؛ فلما رأى أهلُ خراسان الذين في المدينة خروجَ أهل الشام، سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم، فخرج رؤساء أهلِ خراسان، فدفع قحطبة كلَّ رجل منهم إلى رجُل من قوّاد أهل خراسان، ثم أمر مناديه فنادى: مَن كان في يده أسير ممّن خرج إلينا من أهل المدينة فليضرب عنقه، وليأتنا برأسه، ففعلوا ذلك، فلم يبق أحدٌ ممن كان قد هرب من أبي مسلم وصاروا إلى الحصن إلّا قتل، ما خلا أهل الشام فإنه خلَّى سبيلَهم، وأخذ عليهم ألا يمالئوا عليه عدوًّا (٢).\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية الرواية الثانية.\n(٢) قبل أن نعلق على هذه المتون نودّ أن نذكر روايات خليفة بن خياط في هذه الواقعة فقد أخرج عن بيهس بن حبيب الرام (الذي عاصر هذه الأحداث وكان في جيش ابن هبيرة في مواجهة قحطبة (١٣١ هـ) قال بيهس بن حبيب: كتب ابن هبيرة إلى مروان يخبره بقتل ابن ضبارة فوجه إليه الحوثرة بن سهيل الباهلي من بني فراس في عشرة آلاف من قيس خاصة فاجتمعت الجيوش بنهاوند وكتب ابن هبيرة بعهد مالك بن أدهم عليها قال بيهس فحاصر قحطبة أهل نهاوند نحوًا من أربعة أشهر [خليفة / ٤١٩] قال عمرو بن عبيدة عن قزعة قال: جمرنا بها حتى أكلنا دوابنا وأصابنا جوع وجهد شديد [خليفة / ٤٢٠].\nقال بيهس: ثم صالح مالك بن أدهم قحطبة وفتحت المدينة في شوال سنة إحدى وثلاثين ومئة فقتل قحطبة أهل خراسان الذين هربوا مع نصر بن سيار وقال إني لم أصالح على أهل خراسان إنما صالحت على أهل الشام وادعى مالك أنه صالح على أهل الشام وأهل خراسان، [خليفة / ٤٢٠] قال أبو الذيال: أمّن أهل الشام غير رجلين من قريش [٤٢٠] قال قزعة: أقام قحطبة رجالًا على أبواب المدينة فلم يدع أحدًا له نباهة من أهل خراسان إلّا قتله وأخذ بني نصر بن سيار فقتلهم [خليفة / ٤٢٠].\nوتتفق روايات الطبري وخليفة حول محاصرة قحطبة لنهاوند عدة أشهر اصطلح بعدها مالك بن أدهم مع قحطبة على أن يُعطى الأمان لأهل الشام فكان لهم ذلك وفتحت الأبواب =","vol":"4","page":413},{"text":"رجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: ولما أدخل قحطبة الذين كانوا بنَهاوند من أهل خُراسان ومن أهل الشام الحائط، قال لهم عاصم بن عمي: ويلكم! ألا تدخلون الحائط! وخرج عاصم فلبس درعَه، ولبس سوادًا كان معه، فلقيه شاكريّ كان له بخراسان فعرَفه، فقال: أبو الأسود؟ قال: نعم، فأدخله في سَرَب، وقال لغلام له: احتفظ به ولا تطلعنّ على مكانه أحدًا، وأمَر قحطبة: مَن كان عنده أسيرًا فليأتنا به. فقال الغلام الذي كان وُكِلَ بعاصم: إن عندي أسيرًا أخاف أن أغلَب عليه، فسمعه رجلٌ من أهل اليمن، فقال: أرنيه، فأراه إياه فعرفه، فأتى قحطبة فأخبره، وقال: رأس من رؤوس الجبابرة، فأرسل إليه فقتله، ووفَّى لأهل الشام فلم يقتل منهم أحدًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>ذكر خبر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق</span>\nوفي هذه السنة سار قَحْطبة نحو ابن هبيرة، ذكر عليّ بن محمد أن أبا الحسن أخبره وزهير بن هُنيد وإسماعيل بن أبي إسماعيل وجبلة بن فرّوخ، قالوا: لما قدم على ابن هبيرة ابنه منهزمًا من حُلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة، فقاتل قحطبة في عدد كثير لا يُحصى مع حوثرة بن سهيل الباهليّ، وكان مروان أمدّ ابنَ هبيرة به، وجعل على الساقة زياد بن سهل الغَطَفانيّ، فسار يزيد بن عمر بن هُبيرة، حتى نزل جَلُولاء الوقيعة وخندق، فاحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرتْه أيام وَقْعة جلولاء، وأقبل قحطبة حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى حُلوان، ثم تقدّم من حُلوان، فنزل خانقين، فارتحل قحطبة من خانقين، وارتحل ابن هبيرة راجعًا إلى الدّسْكرة (٢).\n_________\n= إلا أن جيش خراسان الذي انهزم من قبل ودخل نهاوند لم ينجُ من القتل فقتل شجعانهم أو على الأقل رؤساءهم.\n(١) انظر الحاشية السابقة.\n(٢) لقد وضعنا هذه الروايات التي رواها المدائني الأخباري الصدوق عن شيوخه وخاصة إذا كان فيهم رجل ثقة أو صدوق كما هاهنا أزهير بن هنيد، شربطة خلو المتن من نكارة وتأييدها من قبل خليفة في تأريخه وهو الحال هاهنا وقد أخرج خليفة هذا الخبر (مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق] ضمن أحداث سنة (١٣١ هـ) فقال نقلًا عن بيهس بن حبيب الرام (شاهد =","vol":"4","page":414},{"text":"وفي هذه السنة حجّ بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعديّ؛ سعد هوازن، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد بن عطية الذي قتل أبا حمزة الخارجيّ. وكان والي المدينة من قبَل عمه، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيره (١).\nوكان عامل مكة والمدينة والطائف في هذه السنة الوليد بن عروة السعديّ من قبَل عمه عبد الملك بن محمد، وعامل العراق يزيد بن عمر بن هبيرة.\nوعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربيّ، وعلى قضاء البصرة عبّاد بن منصور الناجيّ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>ذكر الخبر عن هلاك قحطبة بن شبيب</span>\nفممّا كان فيها هلاك قحطبة بن شبيب.\nذكر الخبر عن مهلكه وسبب ذلك:\nفكان السبب في ذلك أنّ قحطبة لما نزل خانقين مقبلًا إلى ابن هبيرة، وابن هُبيرة بجَلولاء، ارتحل ابن هُبيرة من جَلولاء إلى الدّسْكرة، فبعث - فيما ذُكر - قحطبة ابنه الحسن طليعةً ليعلم له خبرَ ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة راجعًا إلى\n_________\n= عيان): قال بيهس بن حبيب لما فرغ قحطبة من نهاوند أقبل يريد ابن هبيرة ونهض ابن هبيرة على مقدمته عبيد الله بن العباس الليثي حتى نزل براز الروز بين حلوان والمدائن قال بيهس وانتهى إلينا حوثرة بن سهيل على نهر يقال له تامرا وانضم إلينا من كان من أصحاب عامر بن ضبارة ومن خرج من نهاوند فاجتمعا في ثلاثة وخمسين ألفًا ممن يرتزق وسار الحسن بن قحطبة على مقدمة أبيه فنزل حلوان وأتاه أبوه فاجتمع القوم جميعًا وتوجه ابن هبيرة فنزل جلولاء الوقيعة ونزل قحطبة خانقين بين العسكربن أربعة فراسخ وذلك في آخر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين ومئة فجعلت طلائعنا وطلائعهم تلتقي أيامًا لا تبرح ولا يبرحون [خليفة / ٤٢١].\n(١) قال خليفة وأقام الحج الوليد بن عروة بن محمد بن عطية [خليفة / ٤٢١].\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد مروان.","vol":"4","page":415},{"text":"خندقه بجلولاء، فوجد الحسن بنَ هبيرة في خندقه، فرجع إلى أبيه فأخبره بمكان ابن هُبيرة؛ فذكر عليّ بن محمد، عن زهير بن هنيد وجبلة بن فرُّوخ وإسماعيل بن أبي إسماعيل والحسن بن رشيد، أنّ قحطبة، قال لأصحابه لما رجع ابنه الحسن إليه وأخبره بما أخبره به من أمر ابن هبيرة: هل تعلمون طريقًا يخرجنا إلى الكوفة، لا نمرّ بابنِ هُبيرة؟ فقال خلف بن المورّع الهمَذانيّ، أحد بني تميم: نعم، أنا أدلّك، فعبر به تامرًا من رُوستُقْباذ، ولزم الجادّة حتى نزل بُزُرْج سابور، وأتى عَكْبراء، فعبر دِجْلة إلى أوانا (١).\nقال عليّ: وحدّثنا إبراهيم بن يَزيد الخراسانيّ، قال: نزل قحطبة بخانقِين وابن هبيرة بجَلُولاء؛ بينهما خمسة فراسخ، وأرسل طلائعه إلى ابنِ هبيرة ليعلم علمه، فرجعوا إليه، فأعلموه أنه مقيم، فبعث قَحْطبة خازمَ بن خزيمة، وأمره أن يعبر دِجْلة، فعبَر وسار بين دجلة ودُجَيل؛ حتى نزل كوثبا؛ ثم كتب إليه قحطبة يأمره بالمسير إلى الأنبار، وأن يُحْدر إليه ما فيها من السفُن وما قدَر عليه يعبرها، ويوافيه بها بدمِمّا، ففعل ذلك خازم، ووافاه قحطبة بدِممّا، ثم عبر قحطبة الفُرات في المحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومئة.\nووجه الأثقال في البرية، وصارت الفرسان معه على شاطئ الفرات وابن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفلُّوجة العليا، على رأس ثلاثة وعشرين فرسخًا من الكوفة، وقد اجتمع إليه فَلُّ ابن ضُبارة، وأمدّه مَرْوان بحوثرة بن سهيل الباهليّ في عشرين ألفًا من أهل الشام (٢).\nوأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنف أنّ قحطبة انتهى إلى موضع مخاضة ذكِرَت له، وذلك عند غروب الشمس ليلة الأربعاء؛ لثمان خلوْن من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فلما انتهى قحطبة إلى المخاضة اقتحَم في عِدّة مِن أصحابه، حتى حمل على ابن هبيرة، وولى أصحابُه منهزمين؛ ثم نزلوا فم النيل، ومضى حوثرة حتى نزل قصْرَ ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم، فألقوا بأيديهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة (١).\n_________\n(١) بعض هذا المتن مكرر وانظر تعليقنا في نهاية هذه الروايات.\n(٢) انظر تعليقنا لاحقًا.","vol":"4","page":416},{"text":"قال عليّ: أخبرنا خالد بن الأصفح وأبو الذيّال، قالوا: وُجِد قحطبة فدفنه أبو الجهم، فقال رجل من عُرض الناس: من كان عنده عَهْد من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العَكيّ: سمعت قحطبة يقول: إن حدَث بي حدث فالحسن أمير الناس، فبايع الناس حُميدًا للحسن، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاهي، فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم قحطبة، وبايعوه، فقال الحسن: إن كان قحطبة مات فأنا ابن قحطبة. وقتل في هذه الليلة ابن نَبْهان السدوسيّ وحرب بن سلم بن أحوز وعيسى بن إياس العدويّ ورجل من الأساورة، يقال له مصعب، وادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحيى بن حُضين (١).\nقال عليّ: قال أبو الذيّال: وجدوا قحطبة قتيلًا في جدول وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جَنْبه، فظنوا أن كلّ واحد منهما قتل صاحبه (٢).\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.\n(٢) هذه مجمل روايات الطبري حول مسار قحطبة إلى العراق والتقائه بجيش والي العراق ابن هبيرة ونشوب المعركة المعروفة في الثامن من محرم سنة ١٣٢ هـ بالقرب من نهر الفرات ومقتل قحطبة بن شبيب وهزيمة جيش ابن هبيرة وتفرّقه - ولقد تحدثنا عن الأسانيد في مقدمة عهد مروان بن محمد - فلينظر.\nوأما عن روايات خليفة التي تؤيد ما ذكره الطبري في النقاط الرئيسة وقد سبق أن ذكرنا رواية خليفة في مسار قحطبة نحو حلوان ثم العراق وصولًا إلى خانقين بالقرب من جلولاء حيث عسكر ابن هبيرة.\nثم ذكر خليفة تتمة الحدث ضمن وقائع سنة ١٣٢ هـ فقال: سنة اثنين وثلاثين ومئة: خبر القضاء على ابن هبيرة بواسط: فيها لقي قحطبة بن شبيب يزيدَ بن عمر بن هبيرة فحدثني محمد بن معاوية عن بيهس بن حبيب قال بلغ ابن هبيرة أن قحطبة خرج متوجهًا نحو الموصل فقال ابن هبيرة لأصحابه ما بال القوم تنكبونا؟ قالوا: يريدون الكوفة فنادى ابن هبيرة بالرحيل ولم يحل عقدة حتى بلغ براز الروز من خندقنا على ستة فراسخ وتركنا أعلافنا وأطعمتنا وجاء قحطبة فنزل خندقنا ونزلنا وصرنا في العراء فأقام نحوًا من عشرين يومًا حتى أسمن وأجم ثم سار معارضًا لمهب الشمال حتى قطع دجلة من باحمشا وذلك في الصيف والبسر قد احمر وقلت المياه فأخاض فأقبل وأقبلنا جميعًا نريد الكوفة حتى انتهينا جميعًا إلى الفرات فنزل الفلاة ونزلنا على مسناة الفرات من أرض الفلوجة العليا وذلك يوم الثلاثاء لثمان خلون من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومئة ثم عبر قحطبة الفرات وعبر معه نحو من سبعمئة وتتام إلينا نحو ذلك وجاء ابن هبيرة ولا يشعر به فصاروا على المسناة ونحن تحتهم فطاعناهم فأزالونا =","vol":"4","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>ذكر خبر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوّدًا</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد بالكوفة، وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، وخرج عنها عامل ابن هبيرة، ثم دخلها الحسن.\nذكر الخبر عمّا كان من أمر من ذكرت:\nذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: خرج محمّد بن خالد بالكوفة في ليلة عاشوراء، وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثيّ، وعلى شُرَطه عبد الرحمن بن بشير العجليّ؛ وسوّد محمد وسار إلى القَصْر، فارتحل زياد بن صالح\n_________\n= عن مكاننا نحوًا من مئتي ذراع ثم رجحنا عليهم فهزمناهم حتى أتوا المسناة وأصابت قحطبة طعنة في وجهه فوقع في الفرات فهلك ولا نعلم به ولا يعلمون ... قال بيهس لم نزل ندافعهم ويدافعوننا حتى سقط القمر وذلك لثمان خلون من المحرم ثم مضينا لا ندري أين نسكع حتى أدركنا الناس بسوراء فقطعنا مخاضة سوراء فغرق ناس كثير وذهبت أثقال كثيرة واجتمع الناس بعدما قطعنا فنادى منادٍ من أراد الشام فهلم فذهب معه عنق من الناس ولا نعرفه ونادى آخر من أراد الجزيرة ونادى آخر من أراد الكوفة كل واحد يذهب معه عنق من الناس فقلت من أراد واسطًا فهلم فأصبحنا بقناطر السيب وأقبل ابن هبيرة فنزلنا جميعًا فم النيل وأقبل حوثرة بن سهيل ولم يكن دخل الكوفة حتى وافانا بفم النيل ثم ارتحلنا حتى دخلنا واسط يوم الجمعة يوم عاشوراء وأصبح السودان وفقدوا أميرهم فالتمسوه فأخرجوه وفيه طعنة في جبهته فدفنوه يوم الأربعاء وولوا عليهم الحسن بن قحطبة وتوجهوا إلى الكوفة وهرب زياد وكاتب لابن هبيرة يقال له عاصم بن أبي عاصم من موالي أبي سفيان بن حرب ووجه أبو سلمة الحسن بن قحطبة ومعه خازم بن خزيمة إلى واسط قال بيهس جاءنا الحسن بن قحطبة في آخر المحرم سنة اثنين وثلاثين ومئة فنزل الماحوز ثم أتانا في صفر لا يريد قتالًا إنما يريد أن يرتاد منزلًا وجاء بالفعلة ليخندق فقال الناس لابن هبيرة خلّ عنا نقاتل القوم فأبى فما زالوا حتى قال يا مسلم افتح الأبواب واستعمل ابنه داود ومحمد بن نباتة ومعن بن زائدة في القلب مما يلي الحسن بن قحطبة وخرج حوثرة بن سهيل مما يلي خازم بن خزيمة وذلك يوم الأربعاء فاقتتلنا فهزمنا وقتل منا حكيم بن المسيب من جديلة قيس وقتل يزيد بن قحطبة فلما أمسوا رجعوا وأصبحنا فدفنا قتلانا الذين على الخندق [تأريخ خليفة / ٤٢٢ - ٤٢٤] هذه الرواية المطولة رواها خليفة (الصدوق) عن شيخه محمد بن معاوية (ثقة) عن شاهد عيان شارك في المعركة (بيهس) وأخرج خليفة رواية أخرى عن شيخه الصدوق كذلك (أبي الذيال) قال: قتل قحطبة وانهزم أصحاب ابن هبيرة حتى أتوا فم النيل [تأريخ خليفة / ٤٢٣]. =","vol":"4","page":418},{"text":"وعبد الرحمن بن بشير العِجْليّ ومَنْ معهم من أهل الشام، وخلّوا القصر، فدخله محمد بن خالد، فلما أصبح يوم الجمعة - وذلك صبيحة اليوم الثاني من مهلك قحطبة - بلغه نزولُ حوثرة ومَنْ معه مدينة ابن هبيرة، وأنه تهيّأ للمسير إلى محمد، فتفرّق عن محمد عامة مَن معه حيث بلغهم نزول حَوْثرة مدينة ابن هبيرة، ومسيره إلى محمد لقتاله، إلّا فرسانًا من فرسان أهل اليمن، ممن كان هرب من مَرْوان ومواليه. وأرسل إليه أبو سلمة الخلال - ولم يظهر بعد - يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات؛ فإنه يخاف عليه لقلة مَن معه وكثرة مَن مع حوثرة - ولم يبلغ أحدًا من الفريقين هلاكُ قحطبة - فأبى محمد بن خالد أن يفعل حتى تعالى النهار، فتهيّأ حوثرة للمسير إلى محمد بن خالد؛ حيث بلغه قلّة مَن معه وخذلان العامة له، فبينا محمد في القصر إذْ أتاه بعض طلائعه، فقال له: خيلٌ قد جاءت من أهل الشام، فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد؛ إذ طلعت الرّايات لأهل الشام، فتهيَّؤوا لقتالهم، فنادى الشاميون: نحن بجَيلة، وفينا مليح بن خالد البَجليّ، جئنا لندخل في طاعة الأمير. فدخلوا، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بَحْدل، فلما رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه، ارتحل نحو واسط بمن معه، وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة وهو لا يعلم بهلكه، يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة وعجل به مع فارس؛ فقدم على الحسن بن قحطبة، فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس، ثم ارتحل نحو الكوفة، فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة والسبت والأحد وصبّحه الحسن يوم الإثنين، فأتوا أبا سلمة وهو في بني سلَمة فاستخرجوه، فعسكر بالنُّخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمّام أعين، ووجّه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هُبيرة (١).\nوأما عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن عمارة مولى جبرائيل بن يحيى أخبره، قال: بايع أهلُ خراسان الحسن بعد قحطبة، فأقبل إلى الكوفة، وعليها يومئذ عبد الرحمن بن بشير العِجليّ، فأتاه رجل من بني ضَبّة، فقال: إن الحسن داخل اليوم أو غدًا، قال: كأنك جئت تُرهبني! وضربه ثلثمئة سوط. ثم هرب فسوّد محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، فخرج في أحد عشر رجلًا، ودعا الناس إلى\n_________\n(١) انظر تعليقنا على الخبر الآتي.","vol":"4","page":419},{"text":"البيعة، وضبط الكوفة، فدخل الحسن من الغد، فكانوا يسألون في الطريق: أين منزل أبي سلمة، وزير آل محمد؟ فدلُّوهم عليه، فجاؤوا حتى وقفوا على بابِه، فخرج إليهم، فقدّموا له دابة من دوابّ قحطبة فركبها، وجاء حتى وقف في جبَّانة السَّبِيع، وبايع أهل خراسان، فمكث أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السَّبِيع - يقال له وزير آل محمد - واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ على الكوفة - وكان يقال له الأمير - حتى ظهر أبو العباس (١).\nوقال عليّ: أخبرنا جبلة بن فرّوخ وأبو صالح المروزيّ وعُمارة مولى جبرائيل وأبو السريّ وغيرهم ممّن قد أدرك أوّلَ دعوة بني العباس، قالوا: ثم وجّه الحسنَ بن قحطبة إلى ابن هبيرة بواسط، وضمّ إليه قُوّادًا، منهم خازم بن خزيمة ومقاتل بن حكيم العكيّ وخفَّاف بن منصور وسعيد بن عمرو وزياد بن مشكان والفَضْل بن سليمان وعبد الكريم بن مسلم وعثمان بن نَهِيك وزهير بن محمد والهيثم بن زياد وأبو خالد المروزيّ وغيرهم، ستة عشر قائدًا وعلى جميعهم الحسن بن قحطبة. ووجّه حُميد بن قحطبة إلى المدائن في قوّاد؛ منهم عبد الرحمن بن نعيم ومسعود بن علاج؛ كلّ قائد في أصحابه. وبعث المسيّب بن زُهير وخالد بن بَرْمك إلى دَيرقُنَّى، وبعث المهلبيّ وشَراحيل في أربعمئة إلى عَين التْمر، وبسَّام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة. فلما أتى بسام الأهواز خرج عبد الواحد إلى البَصْرة، وكتب مع حفص بن السَّبِيع إلى سفيان بن معاوية بعهدِه على البصرة، فقال له الحارث أبو غسان الحارثيّ وكان يتكهّن وهو أحد بني الدّيان: لا ينفذُ هذا العهد. فقدم الكتاب على سفيان، فقاتله سَلْم بن قتيبة، وبطل عهد سفيان. وخرج أبو سلمة فعسكر عند حمّام أعيَن، علي نحو من ثلاثة فراسخ من الكوفة، فأقام محمد بن خالد بن عبد الله بالكُوفة (٢).\n_________\n(١) انظر تعليقنا على الخبر الآتي.\n(٢) هذه روايات ثلاث في خروج محمد بن خالد بن عبد الله القسري مسوّدًا بالكوفة مستغلًا بذلك دخول الجيش العباسي المدينة وظهور أول خليفة عباسي من مخبئه ليبايعه الناس علنًا وهذه هي المرة الأولى التي ذكرنا فيها خبرًا انفرد به الطبري دون خليفة بن خياط ولم نذكر الخبر هنا لنجزم بصحة كل هذه التفاصيل وإنما لنبيّن أن هذه الروايات (وبهذه الأسانيد الضعيفة) =","vol":"4","page":420},{"text":"قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بويع لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال هشام بن محمد وأما الواقديّ فإنه قال: بويع لأبي العباس بالمدينة بالخلافة في جمادى الأولى في سنة ثنتين وثلاثين ومئة.\nقال الواقديّ: وقال لي أبو معشر: في شهر ربيع الأول سنة ثنتين وثلاثين ومئة؛ وهو الثَّبت (١).\n_________\n= تتفق على أمر واحد: خروج محمد بن خالد بن عبد القسري مسودًا بالكوفة فأزاح بذلك عقبة كبرى أما الحركة الجديدة وجنّب بذلك الجيوش الزاحفة معركة دامية في الكوفة وحولها. وأما فيما يتعلق بسفيان بن معاوية وقتاله ضد مسلم بن قتيبة والي البصرة من قبل ابن هبيرة فالذي ذكره خليفة أن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب سوّد بالبصرة (أي رفع السواد عمامة أو راية كناية عن شعار بني العباس) ودعا إلى بيعة بني هاشم فأرسل إليه سالم بن قتيبة وهو وال لابن هبيرة على البصرة يسأل أن يكف حتى ينظر ما يصنع ابن هبيرة [تأريخ خليفة / ٤٢٦] ثم أخرج خليفة عن أبي عبيدة وأبي اليقظان وغيرهما أن أعيانًا من الناس سفروا بينهما فقبل الموادعة واصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يقيم سالم في دار الإمارة وسفيان في الأزد حتى ينظروا ما يفعل ابن هبيرة فبلغ ذلك أبا سلمة الخلال فكتب إلى بلج بن المثنى بن مخرمة العبدي إن قاتل سفيان سالمًا وإلا فأنت الأمير فأجمع سفيان على القتال وسار إلى سالم وقدّم ابنه معاوية فقتل معاوية وانهزم سفيان [تأريخ خليفة / ٤٢٧].\n(١) لقد ذكر الطبري أن بيعة أبي العباس (الخليفة العباسي الأول) كانت في شهر ربيع الآخر من سنة ١٣٢ هـ وذكر هذا الرأي عن أبي معشر وهشام بن محمد الكلبي بينما ذكر عن الواقدي أنه اختلف معهم في الشهر فقال ربيع الأول بدلًا من الآخر.\nوأما خليفة فقد قال عن هذه البيعة أنها كانت ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومئة بالكوفة في بني أود في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم فركب حين أصبح فصلى بالناس يوم الجمعة وبويع ذلك اليوم بيعة العامة [تأريخ خليفة / ٤٢٤] ولقد أخرج الخطيب بسنده الموصول إلى عمر بن حفص السدوسي حدثنا محمد بن يزيد قال: واستخلف أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم سنة اثنين وثلاثين ومئة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول [تأريخ بغداد / ١٠/ ٤٧].\nوأخرج عن محمد بن أحمد بن البراء قال: أبو العباس المرتضى والقائم ... إلخ ولد بالشراة =","vol":"4","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وبويع بالكوفة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين ومئة [تاريخ بغداد / ١٠/ ٤٠٧].\nأما ابن كثير فقد قال: وفي هذه السنة (١٣٢) ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر منها أخذت البيعة [البداية والنهاية / ٨/ ٣٢].\nوأخيرًا فلا اختلاف بين المؤرخين في أن الخليفة العباسي الأول (أبا العباس) قد بويع بالخلافة يوم الجمعة سنة (١٣٢ هـ) في الكوفة ولكنهم اختلفوا في الشهر وهو اختلاف يسير فبعضهم قال من شهر ربيع الأول والآخرون قالوا من ربيع الثاني والله أعلم.\nلقد بينّا فيما مضى أننا نستشهد بما ذكره خليفة من أسماء الولاة والعمال تأييدًا لما ذكره الطبري وهما مصدران موثوقان لهذه التقاسيم الإدارية وقوائم الولاة.\nقال خليفة: تسمية عمال مروان بن محمد:\nالبصرة: كانت فتنة حتى قدم ابن هبيرة في سنة تسع وعشرين ومئة فكتب إلى المسور بن عباد بن حصين يأمره أن يصلي بالناس، فنزل دار الإمارة، فمنعته بنو سعد، واصطلح الناس على عباد بن منصور وهو قاضٍ فصلّى بالناس، \"ويقال طلب ابن هبيرة إلى عبد الله بن ...، فصلّى بالناس\" حتى قدم سلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي واليًا على البصرة من قبل ابن هبيرة، فسوَّد سفيان بن معاوية وحارب سلمًا فظهر سلم عليه ثم خرج سلم من البصرة حين سلم ابن هبيرة واستخلف على البصرة محمد بن جعفر الهاشمي من بني نوفل؛ ثم بعث أبو العباس أسد بن عبد الله بن مالك الخزاعي فصلّى بالناس جمعة، ثم ولى أبا سلمة سفيان بن معاوية.\nالكوفة: ولّاها الضحاك بن قيس ملحان الشيباني فقنل، فولّى سعدًا الخصيّ، وإنما سمي الخصي لأنه لم تكن له لحية، وهو رجل من الأزد، ثم عزله وولّى المثنى بن عمران العائذي من قريش حتى صالح ابن عمر الضحاك فانصرف الضحاك إلى مروان فولّى ابن عمر الكوفة عمر بن عبد الحميد، ثم عزله وولّى إسماعيل بن عبد الله، ثم عزله وولّى عبد الصمد بن أبان بن النعمان بن بشير الأنصاري، ثم قدم ابن هبيرة فولّى الكوفة زياد بن صالح الحارثي، فلم يزل عليها حتى أقبل قحطبة فسوَّد محمد بن خالد بن عبد الله القسري وأخرج زياد بن صالح ودعا إلى بني هاشم، فبعث ابن هبيرة حوثرة بن سهيل الباهلي فلم يصل إلى الكوفة ورجع إلى ابن هبيرة، ودخل الحسن بن قحطبة الكوفة فسلّم إلى أبي سلمة الخلال، فأقرَّ أبو سلمة محمد بن خالد بن عبد الله، ثم ظهر أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي.\nخراسان: لم يزل نصر بن سيار عليها حتى نفاه عنها أبو مسلم.\nسجستان: غلب عليها بجير بن السلهب حتى قدم ابن هبيرة، فولّى عامر بن ضبارة المري، فوجه أبو مسلم مالك بن الهيثم من أهل خراسان، ثم بعث عمر بن العباس بن عمير بن =","vol":"4","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عطارد بن حاجب بن زرارة ثم بعث إسماعيل بن عمران.\nالسند: غلب عليها منصور بن جمهور، فقتل مروان وهو بها.\nالبحرين: قتل الوليد وعليها بشر بن سلام العبدي، فلم يزل حتى قدم ابن هبيرة، فأقرَّه عليها حتى قتل مروان.\nاليمامة: غلب عليها البهيّ رجل من بني حنفية، فمات فولّى عبد الله بن النعمان الحنفي، فلم يزل عليها حتى بويع أبو العباس.\nالمدينة: أقرَّ مروان عليها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان ثم عزله سنة تسع وعشرين ومئة، وولّى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، ثم انحاز من أبي حمزة ودخل أبو حمزة المدينة فوجه مروان عبد الملك بن محمد بن عطية بن سعد بن بكر، فقتل أبا حمزة وضمَّ إليه مكة، ثم خرج عبد الملك إلى اليمن واستخلف الوليد بن عروة بن محمد بن عطية، ثم ولّاها مروان بن يوسف بن عروة بن محمد بن عطية حتى جاءت بيعة أبي العباس.\nمكة: أقرَّ عليها عبد العزيز بن عمر مع ولاية المدينة، ثم ولّاها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فانحاز عن أبي حمزة الخارجي وأقام بها أبو حمزة الخارجي، ثم خرج يريد المدينة فاستخلف أبرهة بن الصباح ثم رجع أبو حمزة فقتله عبد الملك بن محمد بن عطية، ثم خرج إلى الطائف وولّى رومي بن ماعز الكلابي ثم عزله وولّى محمد بن عبد الملك، ثم قتل عبد الملك بن محمد ببعض بلاد اليمن، فولى مروان يوسف بن عروة بن محمد، فلم يزل واليًا حتى جاءت بيعة أبي العباس.\nإفريقية: غلب عليها عبد الرحمن بن حبيب الفهري حتى قتل سنة ثمان وثلاثين ومئة.\nاليمن: لما وقعت الفتنة وثب عبد الله بن يحيى. فأخرج الضحاك بن زمل عنها، فوجه مروان عبد الملك بن محمد فقتل عبد الله بن يحيى، ثم انحدر يريد مكة فقتل ببعض البلاد غيلة فولاها مروان يوسف بن عروة مع ولاية مكة والمدينة، فبعث إلى اليمن أخاه الوليد بن عروة، فلم يزل واليًا حتى جاءت بيعة أبي العباس.\nأرمينية: قفل مروان من أرمينية عند قتل الوليد، واستخلف عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، فبعث الضحاك بن قيس مسافر بن القصاب، فقتل عاصم بن عبد الله، وبلغ الخبر مروان فولّى عبد الله بن مسلم فمات، فولّى إسحاق بن مسلم فخرج إسحاق واختار أهل برذعة مسافر بن بجير حتى قام أبو العباس.\n[تأريخ خليفة / ٤٢٩ - ٤٣٢].\nاننهى بعونه تعالى تأريخ الخلافة في عهد الأمويين قسم الصحيح ويليه فصل في تقييم معطيات تلك الفترة [٤١ - ١٣٢ هـ]، وما للأمويين وما عليهم بالإضافة إلى أسباب انحسار =","vol":"4","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأمويين وانتقال إدارة الخلافة إلى بني العباس والله ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>أسباب انحسار أمر بني أمية في الشرق الإسلامي وانتقال إدارة الخلافة إلى بني العباس</span>\nوقبل أن ندخل في التفاصيل نحاول أن نفسّر جانبًا من تأريخ القرون الأولى الفاضلة تفسيرًا إسلاميًا فبعد أن ميّزنا الصحيح من السقيم من بين الروايات التأريخية نريد أن تتوضح لدينا صورة التاريخ الإسلامي أكثر فأكثر حين نربطها بسنن وكليات عن التفسير الإسلامي للتأريخ علمًا بأن هذا التفسير لا يغفل العوامل المادية والبشرية بل هي تحتل مساحة كبيرة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وكما أننا دافعنا عن عدالة الصحابة وحاولنا ما استطعنا أن نظهر حقائق التاريخ الإسلامي كما هي ونفينا تلك الشبه الموجهة إلى الخلفاء الأمويين وأئمة أهل البيت على حد سواء فإننا نرى لزامًا أن نبيّن المظالم التي حدثت في عهد بعضهم وكانت معاول هدم في جسد الخلافة.\n١ - من السنن التأريخية التي تحدث عنها القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ وخصوص السبب لا ينفي عموم اللفظ ونسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (دولة الإسلام لا تدوم مع الظلم، ودولة الكفر تدوم مع العدل) ومن أسباب انحسار أمر بني أمية وتخليهم عن إدارة الخلافة وقوع هذه المظالم؛ أوقعة الحرة، وقعة كربلاء، حصار الكعبة، هذه الوقائع المعروفة أدت إلى استشهاد عدد من الصحابة والتابعين من بينهم سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي ﵄، وابن حواري رسول الله - ﷺ - أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵄، وابن غسيل الملائكة، وآخرون ذكرنا أسماءهم في حينها.\nأضف إلى ذلك تولي الحجاج بن يوسف إمارة العراق وما جاورها من الشرق لعقدين من الزمان واستبداده وظلمه معروف للقاصي والداني وقد ختم مظالمه بقتله إمام التابعين وسيدهم سعيد بن جبير ﵁.\nنقول إن ما سبق ذكره من المظالم ترك جرحًا كبيرًا في جسد الأمة أرّق وأقلق علماءها وخواصها قبل عوامّها، وكما هو معلوم فإنّ من الكليات التي تحدث عنها القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقد أفل نجمهم في تلك البلاد نتيجة لما كسبت أبديهم - ومع ذلك فإن الدارس لتاريخ الطبري (قسم الصحيح) فيما يتعلق بأيام الخلافة في عهد الأمويين يتبيّن له أن مساحة تلك المظالم ضئيلة بالنسبة لأعمال الخير والعدل والجهاد والإعمار ونشر الإسلام في أرجاء المعمورة والتي قام بها أولئك الخلفاء والقادة العظام ومن ورائهم أمة محمد - ﷺ - ولقد أثبتنا أن سيرة كثير من الخلفاء الأمويين راحت ضحية التزوير والتلفيق التأريخي. =","vol":"4","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يقول العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته وهو يتحدث عن توالي خلفاء بني أمية وأحوالهم (ثم تدرج الأمر في ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه وتوسطهم عمر بن عبد العزيز فنزع إلى طريقة الخلفاء الأربعة والصحابة جهده ولم يهمل ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق في مذاهبها فكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نعوا لأفعالهم وأدالوا بالدعوة العباسية فيهم وولي رجالها الأمر فكانوا من العدالة بمكان وصرفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح والطالح (المقدمة / ٩٩).\nفهذا كلام العلامة ابن خلدون يبيّن أن الناس نصروا الدعوة بقيادة بني العباس وساعدوهم لاستلام دفة الحكم الإسلامي لأنهم شعروا بأن بعض الخلفاء من بني أمية أخذوا يبتعدون شيئًا فشيئًا عن سيرة الخلفاء الراشدين والخليفة الجليل معاوية بن أبي سفيان وإن كان من بينهم من طغى عمله الصالح على غير ذلك كسليمان ومن بعده عمر بن عبد العزيز الذي بلغ أفقًا ساميًا في العدل ومن ثم يزيد بن عبد الملك، وهشام، ويزيد الملقب بالناقص.\n٢ - إن حركات الخروج المسلحة على اختلاف مشاربها قد أنهكت قوى الخلافة واستنزفت طاقاتها وهدرت أموالها العامة وأضرت بالأمة حكامًا ومحكومين وكل ذلك عامل آخر يضاف إلى بقية العوامل والأسباب.\n٣ - ولقد مارس بعض الخلفاء مخالفات شرعية كالوليد بن يزيد الملقب بالفاسق، فتعاونت الأمة فيما بينها وبقيادة بني أمية أنفسهم فأطاحوا به ونصبوا يزيد خليفة من بعده لظهور تنسكه وتدينه، ولكن الأمر ازداد سوءًا بعد وفاة يزيد هذا، فاستكمل الظلم حلقاته فكان أن نزع الله الملك من بني أمية وآتاه بني العباس مصداقًا لقوله تعالى: ﴿... تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ...﴾.\n٤ - إن ابتعاد الأمويين (في أكثر الأحيان) عن نظام الشورى فيما يتعلق باختيار الخليفة كان له الأثر الكبير في مسار الخلافة وولد هذا الابتعاد كما يقول أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل (كثيرًا من ردود الأفعال وبالتالي من حركات المعارضة المسلحة والسلمية والتي استنفذت من جسد الأمة الإسلامية الكثير من العناء والدماء بل إن بعضها تحول إلى تعصب مذهبي وصل حد الإنغلاق في عدائه مع خصومه) [تحليل للتاريخ الإسلامي / ٣٧].\n٥ - وأخيرًا فإن الهرم سبب طبيعي جعله الله بداية النهاية للأفراد والجماعات على حدّ سواء وإذا أصيبت دولة بالهرم فلا ينفع معها إصلاح الحكام المتأخرين كما حصل ليزيد الناقص سنة ١٢٦ هـ والذي سنتحدث عنه فيما بعد، ولقد عقد العلامة ابن خلدون فصلًا في مقدمته وهو الفصل السادس والأربعون يبين فيه أن الهرم إذا نزل بدولة لا يرتفع عنها، وإذا كان الهرم طبيعيًا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، فالهرم من الأمراض المزمنة =","vol":"4","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والأمور الطبيعية تتبدل. (المقدمة / ٢٧٥). قلنا ويقصد ابن خلدون بقول أمور طبيعية أي سنن كونية تأريخية لا تتبدل لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.\nويقول ابن خلدون في نهاية هذا الفصل: (وربما عند آخر الدولة قوة تتوهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء فاعتبر ذلك، ولا تغفل سر الله تعالى وحكمته في إطراد وجوده على ما قدر فيه ولكل أجل كتاب. (المقدمة / ٢٧٥).\nورحم الله المراغي المفسر وهو يفسر آية عظيمة من القرآن الكريم فيها سنة من السنن التأريخية التي تمثل أصلًا من أصول التفسير الإسلامي للتأريخ، ألا وهو قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾، قال المراغي: أي وتلك الأيام نداولها بين الناس ليقوم بذلك العدل ويستقر النظام ويعلم الناظر في السنن العامة والباحث في الحكم الإلهية أنه لا محاباة في هذه المداولة ا. هـ (تفسير المراغي ٤/ ٨٠).\nأما بقية الأسباب الآتية الذكر عن نجاح الدعوة التغييرية الجديدة فهي تتعلق ببني العباس:\n٦ - لقد رفع بنو العباس شعار (الرضا من آل محمد) وبذلك استطاع دعاة بني العباس أن يجمعوا عددًا كبيرًا من الوجهاء والقادة والعلماء حولهم - ولا داعي إلى البحث عن عوامل لم يكن لها ذكر يومها كالأحقاد الفارسية والتعصب القومي وما إلى ذلك من أقاويل المستشرقين.\nوقد بينا في قسم الصحيح أن الجيش الذي زحف من خراسان بقيادة قحطبة بن شبيب كان يتألف من عشرات الآلاف من الفاتحين من القبائل العربية التي لحقت بجيش الفتح الإسلامي بالإضافة إلى أهالي خراسان المتكونين من التركمان الفرس والعرب، ولعل البعض يتصور أن خراساني تعني فارسي وقد رد هذه الشبهة العلامة شاكر ﵀ في موسوعته التأريخية ويؤيد ذلك ما ذكره الطبري من وجود آلاف من جنود الشام والعراق والحجاز الذين رابطوا في أراضي خراسان وما تاخمها وخاضوا معارك شرسة ضد الترك والسغد وفتح الله على أيديهم بلدانًا كثيرة، ثم شاركوا في هذا التغيير الجديد وعلى أية حال لا داعي لتحميل النصوص التأريخية أكثر مما تحتمل فالأمة يومها ما كانت تعرف التعصب للفارسية، أو العربية، أو التركية بل كان شعارها ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولكن من لا يفهم التفسير الإسلامي للتأريخ يحاول أن يلوي أعناق الروايات كي يفسر ذلك التاريخ تفسيرًا ماديًا فتبدو تلك الصورة الوضاءة مشوهة بعيدة عن الحقيقة.\n٧ - لقد أبدى دعاة بني العباس وقادتهم بساطة وتواضعًا هو من صلب الخلق الإسلامي، قال ابن خلدون: وكان أبو مسلم ليس له حرس ولا حجاب ولا غلظة الملك فكان الناس يأسون بذلك (٣/ ١٤٧).\n٨ - إن أئمة أهل السنة منذ القدم يكنون لآل بيت رسول الله - ﷺ - حبًّا خاصًا وتقديرًا ليس =","vol":"4","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لغيرهم من الأئمة ومرويات الحديث مليئة بالمتون الصحيحة في مناقب آل البيت ووصايا الرسول - ﷺ - لأمته بأن يوقروا آل بيته وذلك عامل مهم وسرّ من أسرار نجاحِ الحركة التغييرية الجديدة الداعية إلى الكتاب والسنة والعودة بالخلافة إلى رشدها والرضا من آل محمد.\n٩ - إن آل علي (الحسين، زيد بن علي، وابنه يحيى، وغيرهم ﵃ وأرضاهم) كانوا متسرعين في حركاتهم ولم يسبقوا الخروج بعمل منظم ودؤوب مع طول نفس بل اعتمدوا على عواطف جياشة تجاه أهل البيت دون تنظيم لتلك العواطف والطاقات والصبر على ذلك وإعدادها لساعة الانطلاق، على عكس ما فعله بنو العباس إذ استغرقت مرحلة الإعداد فترة طويلة (قرابة ربع قرن).\n١٠ - ولا تكتمل الصورة للقارئ الكريم إلا بعد مراجعته لعوامل انحسار بني أمية واختفائهم من الساحة، إن خلفاء بني أمية فقدوا سيطرتهم على الأطراف فضلًا عن زعزعة سلطتهم داخل الشام حيث دار الخلافة وقد ساعد تولي الفاسق (الوليد بن يزيد) في كسر شوكة الخلافة والحط من هيبة الخليفة في أعين الناس.\nويروي لنا ابن خياط رواية تبين ضعف السلطة المركزية للخلافة وانهيار هيبة الخليفة إلى حدّ أمكن المتنفذين من حوله أن يزوروا كتابًا باسم الخليفة الصالح يزيد بن الوليد الملقب بالناقص، فقد أخرج خليفة: (قال: فحدثني العلاء بن برد بن سنان، قال: حدثني أبي، قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة فأتاه (قطن) فقال: إن رُسل من وراء بابك يسألونك بحق الله لمّا وليت أمرهم أخاك إبراهيم. فقطب وقال بيده على جبهته: أنا أولي إبراهيم؟ ! ثم قال لي يا أبا العلاء: إلى من ترى أعهد؟ فقلت: أمر نهيتك عن الدخول في أوله، فلا أشير عليك في آخره، قال وأصابته إغماءة حتى ظننت أنه قد مات، ففعل ذلك غير مرة، قال: فقعد قطن فافتعل عهدًا على لسان يزيد بن الوليد ودعا ناسًا فأشهدهم عليه، قال أبي: لا والله ما عهد إليه يزيد شيئًا ولا إلى أحد من الناس) (تأريخ خليفة / ٣٨٧). قلنا ورجال هذا الإسناد ثقات.\n١١ - وأخيرًا التوقيت الموفق لانطلاق أبي مسلم الخراساني ومعاونيه:\nقدر الله ﷾ لقادة الحركة التغييرية الجديدة التوفيق في اختيار الوقت المناسب للانطلاق فالخلافات بين مراكز القوى في خراسان على أشدها، والصراع بين أمراء بني أمية على أشده وهم يتنافسون منصب الخلافة كما أرخ خليفة لذلك الصراع ضمن أحداث سنة سبع وعشرين ومئة، فبوب قائلًا: (خبر بيعة مروان بن محمد وخلع إبراهيم بن الوليد، فيها وقعت الفتنة) (خليفة / ٣٩١).\nقلنا فحصل بين أمراء بني أمية ما حصل من القتال والصراع الشديد انتهى بانهيار إبراهيم بن الوليد وخلعه نفسه وبيعته لمروان بن محمد في نهاية المطاف، وفيها (أي سنة ١٢٧ هـ) خلع أهل حمص ودمشق مروان بن محمد فسار إليهم وهزمهم وقتل رؤساءهم، ومن جهة =","vol":"4","page":427},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثانية ثارت الكوفة (موطن القلاقل) بايع أهلها عبد الله بن عبد الله بن جعفر، ومن جهة ثالثة ثار الخوارج وجرت بين الطرفين معارك دامية وقد عرف عن الخوارج شراستهم في الحرب وانتهت تلك المعارك بقتل قائدهم، ولقد ذكر الطبري تفاصيل هذه المعارك، وكذلك خليفة في تأريخه (ص ٣٩٥ - ٤٠٠) ثم في سنة ١٢٩ هـ خرج طالب الحق بحضرموت (تأريخ خليفة / ٤٠٥)، واجتمعت حوله طوائف منها الإباضية، وبعد استيلاءه على صنعاء وما حولها وجه قواده كأبي حمزة إلى مكة في عشرة آلاف مقاتل وألقى في الناس خطبته المعروفة (تأريخ خليفة / ٤٠٧).\nوفي هذه السنة ١٢٩ هـ تحركت الإباضية (تأريخ خليفة / ٤١١)، وفي أواخر سنة ١٢٩ هـ وبداية ١٣٠ هـ تجهز أبو حمزة وسار نحو المدينة المنورة إلخ ما ذكره خليفة في تأريخه. نقول هذه هي الظروف التي انطلقت فيها حركة التجديد التغييرية رافعة شعار الرضا من آل محمد، فقدر الله للجموع الزاحفة أن تتقدم وتدخل المدن الواحدة تلو الأخرى ابتداءً من خراسان وانتهاء بالكوفة حيث بايع الناس أمير المؤمنين أبا العباس عبد الله سنة ١٣٢ هـ، وأرخ خليفة لأول ظهور للدعوة على الملأ برمضان من سنة ١٢٩ هـ إذ يقول خليفة رواية عن شيخه الصدوق محمد بن ساوية قال: حدثني بيهس بن حبيب الرام، قال: ظهر أبو مسلم في رمضان سنة تسع وعشرين ومئة (تأريخ خليفة / ٤٣١). وقبل أن ننتهي من هذا الفصل نعود فنقول إن الأمة بكل صنوفها شاركت في هذه الحركة التغييرية التجديدية (علماء، وقادة، وأمراء، وعامة) وكما ذكرنا في قسم الصحيح فإن ابن الأمير الأموي القسري وهو محمد بن خالد بن عبد الله القسري قد رفع الأعلام السوداء ودعا إلى البيعة لآل محمد في مدينته الكوفة فسهل دخول الحسن بن قحطبة على رأس الجيش الزاحف ودون إراقة دماء وهيأ بذلك الأجواء لخروج الخليفة العباسي الأول من مخبأه بالكوفة ليبايعه الناس علنًا وبفتح الكوفة اجتازت هذه الحركة مرحلة حرجة للغاية، وخرجت من عنق الزجاجة كما يقولون - ورواية أخرى عند الطبري -كما في قسم الصحيح تبين أن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب سليل ذلك القائد الأموي الشجاع يسوّد بالبصرة قبل دخول الجيوش الزاحفة والبصرة ثاني أكبر مدينة آنذاك بولاية العراق وكل ذلك يعني أن القيسي واليماني والخراساني والعراقي والشامي والقرشي، وبعبارة أخرى الأمة بجميع شرائحها شاركت في هذا التغيير، فأين يذهب أعداء التأريخ الإسلامي من هذه الحقيقة التأريخية؟\nوعبارات الروايات الصحيحة واضحة، منها على سبيل المثال لا الحصر: (وفي سنة اثنين وثلاثة ومئة سوّد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بالبصرة ودعي إلى بيعة ... الخبر) (تأريخ خليفة / ٤٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>الصراع القيسي اليماني بين الحقيقة والمبالغة:</span>\nإن غياب السلطة الإدارية الجازمة للخليفة (من أمثال هشام بن عبد الملك) وغياب قادة الفتح =","vol":"4","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العمالقة كالمهلب بن أبي صفرة وقتيبة والجراح وموسى بن نصير مع تدني مستوى التدين لدى بعض الخلفاء وفسوق بعضهم كالوليد الثاني الفاسق مع توقف عمليات الفتوح العظيمة كل ذلك أدى إلى بروز هذه الصراعات التي استغلها العباسيون ولكن هذه الصراعات لم تكن متأصلة أولًا ولم تظهر بوادرها إلا في عهد أسد بن عبد الله القسري والي خراسان الذي أثار هذه النعرة ولذلك عزله الخليفة هشام ولم يظهر هذا الصراع بصورة جلية ومؤثرة إلا بعد وفاة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ومن ثم اختفت بمجرد انضواء الأمة تحت قيادة الدعوة الجديدة الداعية إلى الرضا من آل محمد والرجوع بالخلافة إلى راشديتها ولو كان ذلك الصراع متأصلًا بالفعل لما اختفى بهذه السهولة وهذا يكذب مزاعم بعض المستشرقين الذين أرادوا أن يجعلوا من الصراع القبلي عاملًا متأصلًا من عوامل حركة التأريخ الإسلامي يقول الدكتور عماد الدين خليل ومنذ وفاة هشام بن عبد الملك عام (١٢٥) وحتى سقوط الدولة الأموية عام (١٣٢ هـ) أخذت الأفعال وردود الأفعال القبلية تتصاعد وتزداد استشراء وكانت من بين الثغرات العديدة التي نفذت منها الدعوة العباسية لتحقيق أهدافها (في التأصيل الإسلامي للتأريح / ٧٩).\nالصفات العامة للنظام الإداري في عهد الأمويين وآراء المؤرخين المعاصرين في تقييم ذلك ونقدنا لبعض آرائهم:\nلقد حاول كثير من أساتذة التاريخ الإسلامي المعاصرون إظهار الوجه المشرق للتأريخ الإسلامي إلّا أنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا بالكلية من تأثير الروايات الملفقة والتي رواها متروكون، أو رويت بلا إسناد (وخاصة فيما يتعلق بالقرن الأول) ولا نبرئ أنفسنا من الخطأ ولا ندعي أننا استطعنا التخلص تمامًا من تأثير هذه الروايات المتروكة ورواسبها، ولكن بذلنا ما في وسعنا لتفادي الاحتجاج بها، ولم تنج المناهج الجامعية من تأثير الروايات الضعيفة جدًّا، أو المكذوبة في مختلف أنحاء العالم وسنورد هنا مثالًا لجهد قام به أستاذان للتأريخ الإسلامي (بجامعة بغداد - كلية الآداب) فقد ألفا مجلدًا ضخمًا من خمسمئة صفحة تحت عنوان (عصر النبوة والخلافة الراشدة) وذلك سنة ١٩٨٦ م، (الكتاب المنهجي لكليتي الشريعة والآداب)، وفيه مقارنات قيمة بين النظم الإدارية والمالية في عهود مختلفة منها (الخلفاء الراشدون، عهد الأمويين، ثم العباسيين) والذي يهمنا هنا هو ما ذكره الأستاذان تحت عنوان طبيعة النظام الإداري الأموي (ص ٣٧٠) وسنذكر كلامهما فإن نوزعا فيه ذكرنا مواضع النقد: - قال المؤلفان: ومن ملاحظاتنا للنظام الإداري الأموي يمكنا أن نسخلص النقاط التالية -:\n(كان الأمويّون يدققون بعناية في اختيار الوالي الذي يولونه على الإقليم). قلنا وهذا صحيح، وإن كانت هناك حالات شاذة فلا قياس عليها وسنذكر أمثلة تؤيد قول المؤلفين. =","vol":"4","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المثال الأول: أخرج أبو نعيم في الحلية عن الوضيف بن عطاء قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد ... إلخ (تذهيب حلية الأولياء تر / ٣١٣/ ٢ / ١٧٧). قلنا والمعروف عن يزيد بن مرثد أنه إمام تابعي زاهد عابد.\nالمثال الثاني: أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن هارون أبي محمد البربري أن عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة على قضائها وخراجها (تذهيب الحلية / ٣/ ٥٥ / تر ٢٥١). ومعلوم أن ميمون بن مهران إمام تابعي جليل.\nالمثال الثالث: أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هانئ عن إبراهيم بن أبي عبلة: بعث إليَّ هشام بن عبد الملك فقال لي: يا إبراهيم إننا قد عرفناك صغيرًا، واختبرناك كبيرًا، فرضينا سيرتك وحالك، ورأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر ... الخبر (تهذيب حلية الأولياء / ٢ - ١٩٥/ ٣٢١). قلنا ولقد قال أبو نعيم في إبراهيم هذا وهو تابعي كان أمينًا قارئًا، وكان في علمه وقراءته هنيًا مريًا.\nالمثال الرابع: قال أبو نعيم في الحلية في ترجمة التابعي الجليل رجاء بن حيوة (ت ١٢١ هـ) الفقيه المفهم المطعام مثير الخلفاء والأمراء. (تهذيب الحلية / ١٧٨/ ٢ تر ٣١٥). قلنا وكان رجاء مستشارًا مخلصًا ومقربًا من سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما من خلفاء بني أمية، وهو الذي أعان سليمان على تسليم ولاية العهد إلى عمر بن عبد العزيز من بعده وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.\nالمثال الخامس: أخرج الروياني في مسنده (١/ ٣٢٦ / ح ٤٩٥) ثنا أحمد بن عبد الرحمن ثنا عمي عبد الله بن عياض عن أبيه أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان قال: دلوني على رجل كامل لخصال الخير فدلّ على أبي بردة الأشعري، فلما جاءه رآه رجلًا فائقًا، فلما كلمه رأى من مخبرته أفضل من مرآته، فقال: إني وليتك كذا وكذا من عملي فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: يا أيها الأمير ألا أخبرك بشيء حدثنيه أبي أنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، قال: هاته، قال: إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: من تولى عملًا وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل بأهل فليتبوأ مقعده من النار، وأنا أشهد أيها الأمير أني لست بأهل لما دعوتني إليه، فقال: ما زدت علي أن حرّضتنا على نفسك ورغّبتنا فيك فاخرج إلى عهدك فإني غبر معفيك، فخرج ثم أقام فيهم ما شاء الله أن يقيم، فاستأذن في القدوم عليه، فأذن له ... الخبر وفي آخره: قال أبو بردة: وأنا أسألك بوجه الله إلّا ما أعفيتني أيها الأمير من عملك، فأعفاه.\n٢ - كان الوالي على الإقليم يترك لأهل كل بلد، أو مدينة أن يختاروا لأنفسهم من يريدون ليكون عاملًا عليهم (٣٢١).\n٣ - كان الخليفة الأموي ببعد أهل الرشوة والخيانة عن الإدارة (٣٧١).\n٤ - وكان من البدع الجديدة في الإدارة الأموية إعطاء الولاية طعمة، أو ضمانًا للوالي كما فعل معاوية بن أبي سفيان حين عيّن عمرو بن العاص على مصر سنة ٣٨ هـ ... وكانت مصر =","vol":"4","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جعلت له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة على مصلحتهم، وهذه بدعة غير صحيحة في الإدارة الإسلامية إذ لا يجوز التخلي عن حقوق بيت مال المسلمين / ص ٣٧١ /، قلنا: لا يصح ما ذكره المؤلفان عن هذه البدعة الملصقة بأمير المؤمنين معاوية والله أعلم، وما ورد في هذا المجال لا يصح سندًا ولا متنًا كما ذكرنا في أثناء التحقيق.\n٥ - قال المؤلفان ومن المظاهر الجديدة في العهد الأموي الزيادة في مظاهر الأبهة والفخامة في موكب الأمير أو الوالي ويبدو أن أبا سفيان أول من بدأ بها، ولذلك قال له عمر بن الخطاب أكسرويه يا معاوية؟، قلنا هذا كلام فيه نظر ولو أكمل الأستاذان الرواية دون تركها مبتورة لكانت الصورة أوضح، فالإيضاح الذي ذكره سيدنا معاوية على استفسار أمير المؤمنين عمر ﵁ خير شاهد نستشهد به، وسنذكر معه تعليق ابن خلدون ﵀ وهو إمام من أئمة التأريخ الإسلامي، قال العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى: (ولما لقي معاوية عمر ﵄ عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزينة من العديد استنكر ذلك، وقال: أكسرويه يا معاوية؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة، فسكت ولم يخطئه لما احتج عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين، ... إلى أن يقول ابن خلدون: وأما عمر أراد بالكسروبة ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ارتكاب الباطل والظلم والبغي وسلوك سبله والغفلة عن الله وأجابه معاوية بأن القصد من ذلك ليس كسروية فارس وباطلهم وإنما قصده وجه الله فسكت (مقدمة ابن خلدون / ١٩٧).\nقلنا: وفي عبارة معاوية ﵁ (بزينة الحرب والجهاد) ما يدفع الظن المتبادر إلى الذهن من أن الأبهة التي ذكرت تعني أبهة كسرى وقيصر وأبهة الملوك من المشي على البسط والفخامة وما إلى ذلك من الأمور المعهودة، وإنما هي عدة الحرب والجهاد تخويفًا وترهيبًا لأعداء الله على حدود الخلافة. والله أعلم.\n٦ - يقول المؤلفان: تميز العديد من عمال الأمويين وولاتهم بالدهاء، والشجاعة، والقدرة الإدارية والفصاحة والبلاغة في الخطبة، والكتابة، وبالسخاء، والكرم ... إلى أن يقولا: وترك الخليفة لأهل مصر حرية اختيار شخص يعينه ويشير عليه في الشريعة والقضاء، فاختاروا الليث بن سعد كما يشير إلى ذلك الكندي (ص ٣٧٢)، وهو كما قالا.\n٧ - يقول المؤلفان كان الخليفة الأموي في اختياره لولاته وعماله يوازن بين التكتلات القبلية اليمنية والمضرية والربيعية موازنة دقيقة بحيث يرضي مختلف الأطراف، وقد نجح بعض الخلفاء الأمويّون مثل معاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك، إلى حد كبير في حفظ التوازن بين تلك التكتلات وخاصة في الأقاليم الحساسة (ص ٣٧٢). قلنا: لم يكن لهذه الموازنة مبررًا في عهد سيدنا معاوية فلم يظهر صراع بين القيسية واليمانية إلا في نهاية العهد الأموي، ولعل بوادر ذلك =","vol":"4","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصراع بدأ في نهاية عهد عمر بن عبد العزيز. وإن كنا نعتقد بأن هذا الصراع لم يظهر إلى السطح كعامل من العوامل المشتركة في إحداث التغيير إلا بعد وفاة الخليفة هشام ﵀.\n٨ - كان الخليفة الأموي يستعين بفقهاء الأقاليم، أو علماء الأمصار ويأخذ برأيهم ويشجعهم على الكتابة إليه إذا سمعوا، أو شاهدوا ظلامة وتعسف من عامل، أو والٍ (ص ٣٧٢) وتوضيحًا للحقيقة التأريخية. أقول من السنن الحسنة التي أحدثت أيام معاوية كما أخرج المدائني (أنساب الأشراف ٤/ ١٣٦)، والطبري من طريق محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: (كان عامل معاوية على المصر من الأمصار إذا أراد أن يكتب إلى معاوية نادى مناديه: من يكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب زر بن حبيش كتابًا لطيفًا ورمى به في الكتب ... الخبر)، وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٨٤) عن الشعبي قال: كتب زر بن حبيش إلى عبد الملك بن مروان كتابًا يعظه ... الخبر). أي أن هذه السنة صارت دارجة من بعد معاوية ﵁. وخلاصة القول أن سيدنا معاوية ﵁ أوصى ولاته أن يحثوا الناس على رفع شكاواهم إلى أمير المؤمنين كلما أرسل الوالي بريده إلى دار الخلافة وهذه درة من درر التأريخ الإسلامي.\n٩ - ويقول الأستاذان ورغم أن معاوية بن أبي سفيان من سنة غير صحيحة إداريًا وهي (لا قود من العمال) حيث اشتكى عنده جماعة من أهل البصرة على عامله عبد الله بن عمرو لأنه قطع يد أصحابهم ظلمًا، فأجابهم معاوية: أما القود من عمالي فلا يصح ولا سبيل إلى ذلك ولكن إذا شئتم وديت صاحبكم) ولكن لم يتبع خلفاء بني أمية هذه البدعة الإدارية (عصر النبوة والخلافة / ص ٣٧٣). قلنا: صحيح أن خلفاء بني أمية لم يتبعوا هذه البدعة لأنها لم تصح عن معاوية سندًا ولا متنًا، وأصل الرواية عند الطبري في تأريخه (٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠) وأخرجها الطبري عن الوليد بن هشام، والمدائني من قولها، وكلاهما لم يدرك تلك السنة بل ولد المدائنى بعد أكثر من ثمانين سنة من السنة التي ذكر الطبري فيها الحادثة (٥٥ هـ) الآنفة الذكر فأنّى للمدائني أن يتأكد من صحة هذا الخبر (هذا بالنسبة للإسناد)، أما المتن ففيه نكارة شديدة فكيف بسيدنا معاوية وهو من علماء الصحابة يخالف نصًّا صريحًا لرسول الله - ﷺ - (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ولقد قال رسول الله - ﷺ - كلمته هذه على الملأ وشهرتها غنية عن التعريف بها، والحق يقال فإنّ رواية الطبري معضلة الإسناد، ومنكرة المتن، وهي من الروايات الملفقة من قبل المتروكين والوضاعين تلقفها المدائني ﵀، ثم سجلها الطبري، وفي تأريخه روايات كثيرة قال عنها في مقدمة تأريخه (مستشنعة) ولا أصل لها من الصحة. إلى هنا انتهى عرضنا لهذا الكتاب الجامعي وتعليقنا على ما ذكره الأستاذان.\n١٠ - وإضافة أخرى هي التي أشار إليها الأستاذ مالك بن نبي مع بعض تعديل؛ فالأستاذ مالك يرى أن من حسنات الأمويين أنهم عملوا على تثبيت وترسيخ دعائم الحكم الإسلامي ونحن =","vol":"4","page":432},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= نقول صدق مالك فالحكم الإسلامي لم يتحول في سنة ١٣٢ هـ من ملكي إلى جمهوري أو من ليبرالي إلى اشتراكي وما إلى ذلك وإنما بقي الحكم الإسلامي على هيئة الخلافة المعهودة بل على العكس مما يقول المستشرقون فإنها رجعت لتكون أقرب إلى صورة الخلافة في أيامها الأولى قبل قرن من ذلك اليوم والتعديل الذي نريد أن نجريه على عبارة مالك هي أن الأمة كلها وبقيادة أهل الحل والعقد (في ذلك الوقت) شاركت في ترسيخ مفهوم الحكم الإسلامي الذي وضع لبنته الأولى المباركة رسول الله - ﷺ - ثم تجلت معالم الخلافة الإسلامية أيام الخلفاء الراشدين الخمسة ثم العادلين من بني أمية ... ونعني بأهل الحل والعقد هنا أمراء بني أمية وعلماء الأمة يومها سواء كانوا صحابة أو تابعين والذي يراجع أحداث ذلك القرن الفاضل يتبين له وبكل وضوح أن الأمة جمعاء قد شاركت في تسجيل ذلك التاريخ .. وقريبًا من هذا المعنى قال الأستاذ شاكر مصطفى (وبالرغم من أنها تحمل اسم العباسيين إلا أنها مرحلة متصلة الجذور والأعماق والتطورات بالمرحلة الأموية السابقة ولم تكن انعطافًا في ذلك التاريخ بقدر ما كانت تتمة واستمرارًا) [من كتاب دولة بني العباس ١/ ١٠]. ونحن نوافق الأستاذ شاكر في الشطر الأول من كلامه فالخلافة متصلة الجذور ... إلخ. ولكن لنا تعقيب على شطر كلامه الأخير ... صحيح أن الإدارة العباسية للخلافة لم تكن انعطافًا في ذلك التأريخ ولكنها كانت تجديدًا ثم استمرارًا في ذلك التاريخ.\n١١ - وأخيرًا فإن الحق ما شهد به الأعداء كما يقولون ومن بين أعداء التأريخ الإسلامي كثير من المستشرقين الذين يصطادون في الماء العكر المتكون من روايات المتروكين والوضّاعين ومن هؤلاء أندريه مايكل الذي طفحت كتاباته بتزوير التاريخ الإسلامي ومع ذلك لم يتمالك نفسه في لحظة من اللحظات واعترف بعظمة التاريخ الإسلامي وأشاد بدور الأمويين فقال (لقد أقام الأمويون نظامًا من أقوى النظم التي عرفتها البشرية بأسرها وبفضلهم دخل الإسلام في ذروة العصور الوسطى ... وكان لهذا الحدث عواقب يصعب حسابها فلأول مرة تقع هاتان المنطقتان -من مصاب السند إلى إسبانيا- تحت سلطة واحدة وتندمج في مجال إقتصادي واحد وتنظمها ثقافة واحدة) من كتاب الإسلام وحضارته الباب الرابع / ٩٧ ولا نريد أن نكرر ما قد كتبناه متفرقًا ضمن حديثنا عن سيرة الخلفاء من بني أمية مخافة السآمة والملل.\nوهكذا انتهينا من تأريخ الخلافة في عهد الأمويين (قسم الصحيح) والحمد لله. ويليه القسم المتبقي من تأريخ الطبري ابتداءً من (٧/ ٤٢١) وانتهاءًا بـ (١٠/ ١٥٢) أي ما يقرب من مجلدين ونصف ... وهو متعلق بتأريخ الخلافة في عهد العباسيين كما سجله الطبري ابتداءً من أحداث سنة ١٣٢ هـ وحتى سنة ٣٠٢ هـ حيث توقف الطبري عن كتابة هذا التأريخ.\n* * *","vol":"4","page":433},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ\nالخِلافَةُ في عَهْدِ العَبَّاسِيِّينَ\n١٣٢ هـ-١٩٣ هـ\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nاطلع على بعض فصول المجلد ووافق عليه كل من\nد. علي محمد الصلابي ود. إبراهيم الجاف\nراجع عددًا من تراجم الرُّواة\nالشيخ عقيل المقطري\nالمجلد الخامس\nدَار ابْن كَثير","vol":"5","page":1},{"text":"بِسْم الله الرّحمَن الرّحِيم","vol":"5","page":2},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ","vol":"5","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>تقريظ الأستاذ حكيم الأزهري</span>\nولابن جرير -لو علمت- مناقبٌ ... لتأريخه تزهو على كل فاضلِ\nبدا من بدء الخليقةِ وانتهى ... ثلاث مئين مع ثلاثٍ قلائلِ\nهو العروة الوثقى على الدَّهر كُلِّه ... ينال بهِ منَ رامَ كلَّ المَسائلِ\nوكُلَّ فتىً رام التواريخ بعدهُ ... عليه تسامَى مُسْتَمِدَّا لنائلِ\nهو الطبريّ الفذُّ: ذا كُم مُحَمّد ... إمامٌ هُمامُ مُسْتطابُ المناهِلِ\nوكانَ مَضى دهرٌ دهيرٌ ولم يَفز ... بتحْقيقهِ عَبْرَ القرون الأوائِلِ\nسوى ما جَرَى لم يَنْقع الغلَّ بلَّة ... وكيف يُثيرُ الرَّوْضَ قطْرَة وابلِ\nفجَدّ لهذا الأمر شَهمٌ مُكرَّمٌ ... هُمَامٌ طبيبٌ مُعْتنٍ بالفضائِلِ\nفحَقَقهُ حقا: وَخَرَّج حازمًا ... أحاديثهُ الجُلَّى: وَكُلَّ المسَائِلِ\nكذلكَ آثارَ الصَّحابَةِ كُلهِمْ ... وغيرهمو: مَنْ ناقلِينَ أماثِلِ\nفيا (طاهرًا) أعني بذاك (محّمدا) ... وَقد جَدَّ مَقرونا بخير الدّلائِلِ\nونال بما قد رامَ فضلًا وَعِزَّة ... وحاز بحارَ الفضل مَن غير ساحِل\nوزَارَةُ أوْقافٍ لـ (دَوْحَتِنا) ارْتَأت ... لهُ عَرْضَهُ في فاضِلِينَ أماثِلِ\nهُمُو سِتَّة: أوْلَوْه خَيرَ مَزيَّةً ... فنال (امتيازًا) لا يُدانَى بقابلِ\n(فعُثمان) ذاكم للـ (خَمِيس) انتِسابُهُ ... ويحيى بن ابراهيمَ يحيى لِطائِلِ\nو(اكرمُ)؟ أعنِيهِ (ألضياءَ) وَمَجْدهُ ... إلى عُمَرَ الفاروق يُنْمى بنائلِ\nوَأنعِم (عمادَ الدينْ) يسْمو وَأصْلُهُ ... مَن المَوْصِل الحَدْباءِ خير العَوائِلِ","vol":"5","page":5},{"text":"هو ابن (خليل): والأريبُ (مُحَمَّدُ) ... تَنَامَى بـ (صُبْحِي) فاضلٌ خَيرُ فاضلِ\nوَنِسْبَتُهُ (ألحلّاقُ) انعم وسادسُ الـ ... أفاضِل فينا مَجدهُ جدُّ حَافلِ\n(مُحَمَّدْ عَلي الصُّلابْ) فاضِلُ عَصره ... ومَا مِثلهُ في الحي عَدٌ الاناملِ\nأريبٌ أديبٌ ذو اعتِناءٍ وهِمّةٍ ... فريا فما تلقى لهُ مَن مُمَاثِلِ\nهمو سِتةٌ حَيَّوا كتابًا مُحَقَّقا ... لـ (طاهِرنا) المعروفِ بَين الأفاضِلِ\nأسامُوهُ عَرْضاٍ فازدْهى عِند عَرْضِهِ ... كريمًا أصيلًا في صدور المَحافِلِ\nوَفيه عَنَاءٌ أعَجَز القوم فضلُهُ ... ولو كان في التَّعدادِ عَدّ الجَحافِلِ\nفيا (بَرَزَنْجيّ) الأصول، وَسيِّدا ... شريفَ انتسابٍ للهدُاةِ الأفاضِلِ\nرزُقتَ بما هَيَّأتَ عُمْرًا وعزة ... تروحُ بها الرُّكبانُ بينَ القوافِلِ\nيقولونَ: أنعمْ طاب فينا (مُحَمّدً) ... بجُهدٍ عظيم: مُثقِلٍ كُلُّ كاهِلِ\nوَأهدَى لأهل العلم جَوهَرَ جُهْدِهِ ... كريمًا: فأحيا مِنْ يَبَابٍ وماحِلِ\nكتابٌ عظيمُ لم يُعْنَ فيهِ كما عُنِي به ... الفاضل المذكور دُونَ الأفاضلِ\nفحَقَّقهُ تَمًّا وأخرجَ لِلورى ... جَوَاهرَهُ يَرْ تادُها كُلُّ ناهِلِ\nوَقال لِسانُ الحال: يا قومُ أسْرعُوا ... إليه: فهذي عَينُ سَوْداءَ كاحِلِ\nتَجلّى سنَاها في الوَرَى: إنّ حُسْنَها ... تبَدَّى: وَأزْهى في خِضابِ الأنامِلِ\nجزى ربُّنا (هذا المحقّق) ما جزى ... أئَمة اهل الخير دِيماءَ هاطِلِ\nوصلّى الهُ العرش دَوْمًا على الذي ... اطلَّ على الدنيا بحُسن الشمائلِ\nفهلَّلت الأكوان من حُسْن سَعْدهِ ... فاسعد بالإيمان فرْحانَ جاذلِ","vol":"5","page":6},{"text":"مقدمة\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:\nوبعد فهذه مقدمة لتخريج الروايات التأريخية المتعلقة بمرحلة جديدة أي: تأريخ الخلافة في عهد العباسيين (من سنة ١٣٢ هـ فصاعدًا).\nهنالك اشتراك واضح بين مصادر الطبري عن تأريخ الخلافة في نهاية الأمويين وتأريخ الخلافة في صدر الدولة العباسية بالإضافة إلى مصادر متنوعة أخرى يضيفها الطبري إلى المصادر السابقة.\nوقد كتب أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل فصلًا بعنوان ملاحظات في مصادر الطبري عن مصدر الدولة العباسية وقسّم الأستاذ عماد في فصله هذا مصادر الطبري إلى نوعين:\nالأول: المصادر الشخصية:\nإذ قال الأستاذ عماد: اعتمد الطبري في هذه الفترة على الأشخاص رواة وأخباريين ومؤرخين وساسة وشهود عيان وتوضح ذلك سلاسل إسناده الكثيرة المتنوعة حيث جاءته مادة واسعة عن هذا الطريق، ويقف على رأس هؤلاء أولئك الشيوخ الذين أخذ الطبري عنهم بكثرة وهم:\nعلي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) الذي أخذ عنه ما يزيد عن الخمسين رواية بعضها مطول وبعضها مختصر، وعمر بن شبة (ت ٢٦٢ هـ) الذي أخذ عنه ما يزيد عن المئة رواية، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) الذي نقل عنه مواضيع اختصاصية كالحج السنوي والوفيات وعمال الأقاليم في كل سنة وتواريخ حدوث بعض الظواهر الطبيعية كالزلازل فضلًا عن عدد من الروايات في مواضيع أخرى متفرقة. (ثم الهيثم بن عدي (ت ٢٠٦ هـ). الذي أخذ عنه عددًا من","vol":"5","page":7},{"text":"الروايات انصب معظمها على بناء بغداد وسيرة أبي جعفر المنصور / ص ١٩٧.\nالثاني: يعتمد الطبري في هذه الفترة بشكل ملحوظ على الوثائق والرسائل والسجلات والدواوين، ونصوص العهود والمواثيق والخطب، والتقارير الرسمية وغيرها من الوثائق التي لها صفة رسمية أو شبه رسمية فضلًا عن عدد كبير من القصائد، وأبيات الشعر ذات العلاقة بالأحداث العامة، ومن الملاحظ أن عددًا من الوثائق التي يعتمدها الطبري ترد دون إسناد مما يشير إلى أن الطبري حصل عليها مباشرة ودونما واسطة / ص ٢٠٣ / ا. هـ.\nقلت بعد دراسة طويلة لمختلف المصادر التأريخية المتقدمة تبيّن أن كثيرًا من المصنفين المتقدمين قد تأثروا بالتيارات المخالفة لبغضها البعض كاليعقوبي والمسعودي، وأسلم منهم عدد لا بأس به، فالطبري معروف بحياده وكذلك البسوي وخليفة بن خياط فهؤلاء الثلاثة كتبوا التاريخ بالنظام الحولي وعاشوا في أزمنة متقاربة وإن لم يلتقوا فقد تعاصروا- أضف إلى ذلك فإن هؤلاء الثلاثة (الطبري- البسوي- خليفة) ثقات عند أهل الحديث فكان من المناسب جدًّا أن نقارن بين ما أخرجه الثلاثة للتثبت من وقوع حادثة تاريخية من عدمها وحكمتُ بالصحة للحوادث التي اتفق عليها الثلاثة -أي المؤرخون الثلاثة أو المصادر الثلاثة-[ولقد أخبرت أستاذنا أكرم العمري بجانب من هذا المنهج ووافقني عليه].\nوبالإضافة إلى هذه المصادر فقد استعنت بمصدر تاريخي آخر لإمام ثقة عند أئمة الحديث وهو البلاذري الذي ألف كتابه القيّم (أنساب الأشراف) واتبع في كثير من الأحيان منهج الرواية بالإسناد.\nوأخيرًا فقد استعنا بمصادر أخرى ولكن بدرجة أقل ومنها [الموفقيات للزبير بن بكار -نسب قريش للزبيري- عيون الأخبار للدينوري- طبقات ابن سعد، تاريخ دمشق لابن عساكر- تأريخ بغداد للخطيب المنتظم -لابن","vol":"5","page":8},{"text":"الجوزي- تأريخ الإسلام للذهبي- البداية والنهاية لابن كثير].\nومن باب التساهل في رواية التأريخ فقد ألحقت الروايات التأريخية بقسم الصحيح والتي جاءت من طريق رواة لم يوثقهم سوى ابن حبان (المعروف بتساهله في التوثيق) بشرط انتفاء الجرح من جهات أخرى وخلو المتن من نكارة- وأضفنا تساهلًا آخر في هذا القسم [تأريخ الخلافة في عهد العباسيين، فقد اعتبرنا قول الطبري: قال عمر بن شبة أو ذكر عمر بن شبة مقبولًا غير منقطع (بعكس ما صنعنا في تحققنا لتأريخ الخلافة الراشدة والأمويين) باعتبار أن الطبري من تلاميذ ابن شبة وقد أكثر عن شيخه (ابن شبة) واطلع على كثير من رسائل وكتب ابن شبة ولو اعتبرنا ذلك انقطاعًا لما بقي لنا من تأريخ العباسيين شيء لأن الطبري قلل من اعتماده الإسناد بصورة ملحوظة تدريجيًا وكذلك فعل خليفة والبسوي فتنازلنا عن شرطنا السابق (قال الطبري حدثني ابن شبة) من باب التساهل من رواية التأريخ ولكن بشرط خلوّ المتن من أمور تخالف الروايات الأصح منها إسنادًا ولا أريد أن أطيل الكلام أكثر مما قلت في هذه العجالة ولنا وقفات أخرى بإذنه تعالى كلما دعت الحاجة [عند الأخبار الواردة في خروج محمد ذي النفس الزكية مثلًا، وأخبار أخرى].\nوأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والسداد وحسن الخاتمة- وهذه بضاعتنا فمن رأى عيبًا في منهج هذا البحث وأهداه لنا قبلناه شاكرين لسعيه ورحم الله من أهدى إلينا عيوبنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوجزا الله عنا أساتذتنا في التأريخ والحديث خير الجزاء.\nوسنذكرهم بأسمائهم إن شاء الله في نهاية الكتاب.\nغرة شعبان من عام ١٤٢٣ للهجرة.\n* * *","vol":"5","page":9},{"text":"صحيح تأريخ الطبري\n\nتأريخ<span data-type=\"title\" id=toc-809> الخلافة في عهد العباسيين</span>\nخلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (١).\n_________\n(١) ذكر الطبري خطبة أبي العباس (أول خلفاء بني العباس) وخطبة عمّه داود بن علي وقد ذكرنا تلك الخطب في قسم الضعيف فهي إما بلا إسناد أو بإسناد مسلسل بالمجاهيل وفي متونها نكارات ذكرناها في موضعها وبعد بحث وتفتيش دؤوب وجدنا روايتين هي أصح ما روي في خطبة أبي العباس وعمه داود والله أعلم.\nالرواية الأولى: قال أبو قلابة الرقاشي (صدوق ضمن الحديث / تحرير / تر ٤٢١٠).\nعن جارود بن أبي الجارود السلمي وثقه أبو حاتم.\nقال: حدثني محمد بن أبي رزين الخزاعي (ثقة / تهذيب / ٥٢١٢). قال سمعت داود بن علي حين بويع ابن أخيه السفاح فأسند داود ظهره إلى الكعبة فقال: شكرًا شكرًا إنا والله ما خرجنا لنحتفر نهرًا ولا لنبني قصرًا، أظن عدو الله أن لن نقدر عليه، أجهل له في طغيانه وأرخى له في زمانه حتى عثر في فضل خطامه والآن أخذ القوس باريها وعاد الملك إلى نصابه في أهل بيت نبيّكم أهل الرأفة والرحمة، والله إن كنا لنسهر لكم ونحن على فرسنا أمن الأسود والأبيض ذمة الله ورسوله وذمة العباس، ها وربّ هذه البنيّة لا نهيج أحدًا ثم نزل / تأريخ الإسلام للذهبي أحداث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ٤١٢.\nالرواية الثانية: أخرج خليفة بن خياط: فحدثني عبد الله بن مغيرة عن أبيه، قال: رأيت أبا العباس حين خرج إلى الجمعة على برذون أشهب قريب من الأرض بين عمّه داود بن علي وأخيه أبي جعفر شابًّا جميلًا تعلوه صفرة فأتى المسجد فصعد المنبر فتكلم فصعد داود بن علي، فقام على عتبتين من المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه والله ما علا منبركم هذا خليفة بعد علي بن أبي طالب غير ابن أخي هذا، فوعد الناس ومناهم- قال أبي ثم رأيته في الجمعة الثانية كأن وجهه ترس وكأن عنقه إبريق فضة وقد ذهبت الصفرة والله =","vol":"5","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ما كان بينهما إلا أسبوع [تأريخ خليفة / ٢٦٨] وعبد الله بن المغيرة ترجم له البخاري وذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي في ترجمة أبيه المغيرة: وثق [الكاشف / تر ٥٥٨٣] وقبلنا هذا الإسناد في قسم الصحيح (من التأريخ) إذا لم يكن في المتن نكارة والله أعلم.\nولملاحظة تحريف الرواية الضعيفة يرجى مراجعة قسم الضعيف / ٧/ ٤٢٤ فما فوق.\nأما عن تأريخ استخلاف أبي العباس أمير المؤمنين رحمه الله تعالى.\nفقد سبق أن ذكرنا ما قاله المؤرخون في ذلك التأريخ في نهاية تأريخ الخلافة في عهد الأمويين -قسم الصحيح- ولا بأس هنا أن نذكر ما لم نذكر هناك فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده الموصول عن محمد بن يزيد قال: واستخلف أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم سنة (١٣٢ هـ) لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول / تأريخ بغداد / مجلد ١٠/ ٤٧.\nالخليفة العباسي الأول ولقب السفاح ومدى صحة هذا اللقب بالنسبة إليه ومعناه:\nأولًا: معنى كلمة السفاح -عند الرجوع إلى مصادر اللغة فإننا نجد معنيين لهذه الكلمة: الجواد الذي يبذل المال بسخاء، سفاك الدماء.\nوإن كان المقصود حقًّا (بالسفاح) الخليفة العباسي الأول فلكونه جوادًا سخيًّا منفقًا للمال، فالمتتبع لأحداث السنوات الممتدة من (١٢٩ إلى ١٣٦ هـ) يتبيّن له أن من اشتهر بالقتل هو أبو مسلم الخراساني وعمّ الخليفة عبد الله بن علي.\nأما الخليفة أبو العباس فقد اشتهر بِسخائه وأنه كان إذا وعد أحدًا بأعطية أو نفقة لم يقم من مجلسه ذلك حتى ينفذ ما وعد.\nثانيًا: استند بعض المؤرخين إلى حديث أخرجه مسلم في صحيحه ولفظه [يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثيًا لا يعدّه عدًا] صحيح مسلم كتاب الفتن / ح ٢٩١٣، وفي رواية ثانية [من خلفائكم خليفة يحثو المال حثيًا لا يعدّه عدًا] صحيح مسلم / كتاب الفتن / ح ٢٩١٤.\nولكن للحديث رواية أخرى ضعيفة السند فيها زيادة [يسمى السفاح] وهذه الزيادة أخرجها غير واحد منهم الخطيب وابن الجوزي ولفظه [يخرج منا رجل في انقطاع من الزمن وظهور من الفتن يسمى السفاح يكون عطاؤه المال حثيًا] المنتظم ٧/ ٢٩٥ / ابن الجوزي ولفظ ابن =","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>[ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزّاب]</span>\nوفي هذه السنة هُزم مروان بن محمد بالزّاب.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك:\nذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وجَبَلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزيّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزديّ وجّهه قحطبة إلى شهرزُور من نهاوند، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموْصِل وبلغ مَرْوان أن عثمان قد قُتِل، فأقبل من حرّان، فنزل منزلًا في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: بَلْوى، قال: بل عَلْوى وبُشرى، ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دِجلة وحفر خندقًا فسار إليه أبو عَوْن، فنزل الزّاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة: كلّ واحد في ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعثَ\n_________\n= أبي شيبة أي [خرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان] مصنف ابن أبي شيبة / ١٥/ ١٩٦.\nومن العلماء من قال بأن المعنيَّ بهذا السفاح الذي يحثو المال حثيًا هو الخليفة العباسي الأول أبو العباس -كمال قال السندي: الظاهر أنه الذي مضى من بني العباس- وهذا يعني أن السفاح لقب فيه مدح وإطراء للخليفة أبي العباس لاسيما ما قال بعضهم دون تثبت -هذا لو سلّمنا بأن أبا العباس هو المعنى بهذا الحديث- فمن الأئمة المؤرخين من أهل السنة والجماعة من يشكك في كون أبي العباس المقصود من هذا الحديث ومنهم الحافظ ابن كثير ﵀- إذ قال في البداية والنهاية تعليقًا على روايات الحديث وفي أن المقصود بالحديث الخليفة العباسي الذي مضى نظر (أو كلامًا بهذا المعنى).\nولا أريد أن أدخل في تفاصيل أكثر حول إطلاق هذا اللقب على الخليفة العباسي الأول فقد فصّل في ذلك أخونا المفضال الدكتور إبراهيم الشهرزوي في كتابه القيّم [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية- رسالة دكتوراه] فيلراجع.","vol":"5","page":13},{"text":"سلمة بن محمد في ألفيْن وعبد الله الطائيّ في ألف وخمسمئة وعبد الحميد بن رِبعيّ الطائيّ في ألفين، ووداس بن نَضْلة في خمسمئة إلى أبي عون، ثم قال: مَنْ يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن عليّ: أنا، فقال: سِرْ على بركة الله، فسار عبد الله بن عليّ، فقدم على أبي عون، فتحوّل له أبو عون عن سُرادقه وخلّاه وما فيه، وصيّر عبد الله بن عليّ على شُرْطته حيّاش بن حبيب الطائيّ، وعلى حَرسه نصير بن المحتفز ووجّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلًا على البريد إلى عبد الله بن عليّ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومئة، سأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة، فدُلّ عليها بالزّاب، فقاتلهم حتى أمسوْا، ورُفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبَر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن عليّ؛ فأصبح مَرْوان فقعد الجسر، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقًا أسفلَ من عسكر عبد الله بن عليّ، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غِفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن عليّ، فسرّح عبد الله بن مَرْوان إليه الوليد بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابُه، وأسِروا وقتل منهم يومئذ عِدّة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مَرْوان مع الرؤوس، فقال مروان: أدخِلوا عليّ رجلًا من الأسارَى، فأتوْه بالمخارق -وكان نحيفًا- فقال: أنت المخارق؟ فقال: لا، فأنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرؤوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم (١).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية في خبر هزيمة مروان بن محمد في معركة الزاب قرب الموصل وشيوخ المدائني هنا مجاهيل إلا أننا لم نجد في المتن نكارة ووجدنا لأصل الخبر ما يؤيده عند خليفة بن خياط فقد قال خليفة بعنوان: =","vol":"5","page":14},{"text":"وكانت هزيمة مروان بالزاب -فيما ذكر- صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>[ذكر الخبر عن قتل مروان بن محمد]</span>\nوفي هذه السنة قتِل مَروان بن محمد بن مروان بن الحكم.\nذكر الخبر عن مقتله وقتال من قاتله من أهل الشأم في طريقه وهو هارب من الطلب:\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: لما انهزم مَرْوان من الزّاب كنتُ في عسكره، قال: كان لمروان في عسكره بالزّاب عشرون ومئة ألف؛ كان في عسكره ستون ألفًا، وكان في عسكر ابنه عبد الله مثل ذلك، والزّاب بينهم، فلقيه عبد الله بن عليّ فيمن معه وأبي عون وجماعة قوّاد، منهم حُمَيد بن قحطبة؛ فلما هُزموا سار إلى حَرّان وبها أبان بن يزيد بن محمد بن مَرْوان ابن أخيه عامله عليها، فأقام بها\n_________\n= توجيه عبد الله بن علي لقتال مروان:\nوفي هذه السنة -وهي سنة اثنتين وثلاثين ومئة- بعث أبو العباس عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس لقتال مروان بن محمد وزحف مروان بمن معه من أهل الشام والجزيرة وحشدت معه بنو أمية بأنفسهم وأتباعهم فحدثني بشر بن يسار عن شيخ من أهل الجزيرة قال: خرج مروان في مئة ألف من فرسان الشام والجزيرة.\nقال أبو الذيال: \"كان مروان في مئة ألف وخمسين ألفًا فسار حتى نزل الزابين دون الموصل وسار عبد الله بن علي فالتقوا يوم السبت صبيحة إحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فهزم مروان وقطع الجسر وأتى الجزيرة فأخذ بيوت الأموال والكنوز ثم أتى دمشق وسار عبد الله بن علي حتى دخل الجزيرة. إلخ (خليفة / ٢٦٣).\n(١) وكذلك أرخ خليفة لما سبق أن ذكرنا فقد أخرج خليفة عن أبي الذيال أن الطرفين التقيا يوم السبت صبيحة إحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة (تأريخ خليفة / ٢٦٣).","vol":"5","page":15},{"text":"نيّفًا وعشرين عامًا، فلما دنا منه عبدُ الله بن عليّ حمل أهله وولده وعياله، ومضى منهزمًا، وخلّف بمدينة حرّان أبان بن يزيد؛ وتحته ابنة لمروان يقال لها أمّ عثمان، وقدم عبد الله بن عليّ، فتلقاه أبان مسوّدًا مبايعًا له، فبايعه ودخل في طاعته، فآمنه ومَن كان بحرّان والجزيرة، ومضى مَرْوان حتى مرّ بقنَّسرين وعبد الله بن عليّ متبع له، ثم مضى من قنّسرين إلى حِمْص، فتلقاه أهلها بالأسواق وبالسمع والطاعة فأقام بها يومَين أو ثلاثة، ثم شخص منها؛ فلما رأوا قِلة مَن معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم، فاتّبعوه بعدما رحل عنهم؛ فلحقوه على أميال، فلما رأى غَبَرة خيلهم أكمن لهم في واديين قائدين من مواليه، يقال لأحدهما يزيد والآخر مخلّد؛ فلما دنَوا منه وجازوا الكمينين ومضى الذراريّ صافّهم فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا مكاثرته وقتاله، فنشب القتال بينهم؛ وثار الكمينان من خلفهم؛ فهزمهم وقتلتْهم خيلُه حتى انتهوا إلى قريب من المدينة.\nقال: ومضى مَرْوان حتى مرّ بدمشق، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان؛ وهو ختَن لمروان، متزوج بابنة له يقال لها أمّ الوليد، فمضى وخلفه بها حتى قدم عبدُ الله بن عليّ عليه، فحاصره أيامًا، ثم فتحت المدينة، ودخلها عَنْوة معترضًا أهلها، وقتل الوليد بن معاوية فيمن قُتِل، وهدَم عبد الله بن عليّ حائط مدينتها، ومرّ مروان بالأرْدنّ، فشخص معه ثعلبة بن سلامة الغامليّ وكان عامله عليها، وتركها ليس عليها والٍ، حتى قدم عبد الله بن عليّ فولى عليها، ثم قدم فلسطين وعليها من قبلُ الرّماحس بن عبد العزيز، فشخص به معه؛ ومضى حتى قدم مصر، ثم خرج منها حتى نزل منزلًا منها يقال له بوصير؛ فبيّته عامر بن إسماعيل وشعبة ومعهما خيل أهل الموصل فقتلوه بها، وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان ليلة بُيِّت مروان إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاءً وقاتلتهم الحبشة، فقتلوا عبيد الله، وأفلت عبد الله في عدّة ممن معه؛ وكان فيهم بكر بن","vol":"5","page":16},{"text":"معاوية الباهليّ، فسلم حتى كان في خلافة المهديّ، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إلى المهديّ (١).\nوأما عليّ بن محمد؛ فإنه ذكر أن بشر بن عيسى والنعمان أبا السريّ ومحرز بن إبراهيم وأبا صالح المروزيّ وعمارة مولى جبريل أخبروه أنّ مروان لقي عبد الله بن عليّ في عشرين ومئة ألف وعبد الله في عشرين ألفًا (٢).\nوقتل مروان يوم قتل وهو ابن اثنتين وستين سنة في قول بعضهم وفي قول آخرين: وهو ابن تسع وستين وفي قول آخرين وهو ابن ثمان وخمسين.\n_________\n(١) انظر تعليقنا على الرواية التالية.\n(٢) هذا إسناد لا يعتمد عليه لوحده في إثبات خبر تأريخي، فَجُلُّ شيوخ المدائني هنا مجاهيل إلا أن للرواية ما يؤيدها من روايات أخرى ضعيفة الإسناد ولكنها أقلّ ضعفًا من هذه فقد مَضَت الرواية السابقة (٧/ ٤٣٧ / ٤) عن شاهد عيان شارك في الأحداث (مخلد بن محمد) بالإضافة إلى رواية خليفة التي ذكرنا طرفًا منها سابقًا وتتمة خبر خليفة كالآتي ثم أتى دمشق (أي مروان بن محمد)، وسار عبد الله بن علي حتى دخل الجزيرة ثم خرج واستخلف موسى بن كعب التميمي، ونوجه عبد الله بن علي إلى الشام وأرسل عبد الله بن علي إلى الشام فأرسل أبو العباس صالح بن علي حتى اجتمعا جميعًا ثم سار إلى دمشق فحاصروهم أيامًا، ثم افتتحوها وقتل الوليد بن معاوية، وأخذ عبد الله بن علي حين دخل دمشق يزيد بن معاوية بن مروان وعبد الله بن عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، فبعث بهما إلى أبي العباس فصلبهما وكان مدخل عبد الله بن علي دمشق في شهر رمضان سنة اثنين وثلاثين ومئة، وكان مروان يومئذ بفلسطين فهرب حتى أتى مصر وقتل عبد الله بن علي بضعة وثمانين رجلًا من بني أمية، قال أبو الذيال: كان مروان بمصر فلما بلغه دخول عبد الله بن علي دمشق عبر النيل وقطع الجسر ثم سار قبل الحبشة ووجه عبد الله بن علي وأخاه صالح بن علي في طلب مروان فجاء صالح وقد عبر مروان، فاستعمل صالح عامر بن إسماعيل أحد بني الحارث بن كعب فسرحه إلى مروان فلحقه بقرية من قرى بوصير فقتل مروان في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومئة / (تأريخ خليفة / ٢٦٤).","vol":"5","page":17},{"text":"وقتل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يومًا، وكان يكنى أبا عبد الملك وزعم هشام بن محمد أن أمه كانت أم ولد كردية انتهى (١).\n_________\n(١) وأخرج خليفة بإسناد مركب (يصلح أن يحتجّ به تأريخيًا) قال: حدثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن جده، وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: ولد مروان بالجزيرة سنة اثنتين وسبعين أمُّه أمة كانت لمصعب بن الزبير وقتل ببوصير في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة (خليفة / ٢٦٤).\nوهذا يعني أن خليفة والطبري يتفقان على كون مقتله سنة ١٣٢ هـ في أواخر ذي الحجة وأما من المتأخرين فقد قال ابن كثير وكانت وفاة مروان يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة وقيل يوم الخميس لست مضين منها سنة اثنين وثلاثين ومئة وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام على المشهور (البداية والنهاية ٨/ ٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>الجدل المثار حول شخصية مروان بن محمد الخليفة الأموي الأخير (ما له وما عليه)</span>\nلقد دأبنا أن نكتب مقالة موجزة في نهاية عهد كل خليفة نتحدث فيها عن سيرته وما أثير حول شخصيته وسلوكه، فنقول وبالله التوفيق: - إن من الظلم والحيف أن نجعل مروان بن محمد سببًا رئيسًا من أسباب انحسار حكم بني أمية في الشرق الإسلامي آنذاك ومن الحيف أيضًا أن نبرّئ ساحته تمامًا من أخطاءٍ ارتكبها فكانت نهاية المطاف- ماذا قالوا عن لقبه.\nأما عن لقبه فقد ذكرت بعض كتب التأريخ أنه لقّب (بالحمار) وذكروا لذلك تفاسير ومبررات واهية فقالوا: لأنه جاء على رأس المئة الأولى من الخلافة الإسلامية والعرب تسمى رأس المئة حمارًا، وقالوا: كان جلدًا في الحروب صابرًا، والعرب يشبهون من هذا صفته بالحمار لجلده وتحمله وما إلى ذلك وقالوا وقالوا ....\nولو كان كذلك فأين بقية الخلفاء الذين جاؤوا من بعده (على رأس كل مئة هجرية ٢٠٠ ثم ٣٠٠ ثم ٤٠٠ ... إلخ) علمًا بأن أحدًا منهم لم يلقب بالحمار! ! ! وكان فيهم من هو أشجع وأصبر من مروان فَلِمَ لم يلقب بالحمار؟\nوالحق يقال فإن هذه التسمية من باب الذم لا المدح.\nومعلوم لدى المؤرخين أن تأريخ الخلفاء الأمويين قد دوّن مبوبًا ومصنفًا في عهد العباسيين =","vol":"5","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فلا غرابة إذا اختلط الحابل بالنابل ولا غرابة إذا أضاف أهل الأهواء ما يشتهون إلى حقيقة الواقعة التأريخية وكل ما ذكره المؤرخون من روايات في هذه التسمية فقد أوردوا الخبر بسند مهلهل أو بلا إسناد ولعلّ أقلّ الأسانيد ضعفًا ما رواه الخطيب البغدادي (تأريخ بغداد ١٠/ ٥٥) والزبير بن بكار (الموفقيات / ١٧٣/ ١١٣).\nعن الربيع بن يونس قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والملوك أربعة معاوية وعبد الملك وهشام وأنا / وهذا لفظ الخطيب الذي أورد الخبر من طريق عبد الله بن مسلم وفي الزبير بن بكار زيادة ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة / فإن صحت هذه الرواية -ولا نظنها صحيحة كما سنبين- فهذا يعني أن هذا اللقب لم يطلق عليه إلا في عهد العباسيين فتلقاه الأخباريون الجماعون دون تثبت ومنهم أخذه المؤرخون دون تثبت- وهذه الرواية من طريق الربيع بن يونس حاجب الخليفة العباسي ولم نجد من يوثقه من أهل الحديث حتى ابن حبان المعروف بتساهله في التوثيق لم يذكره في كتابه الثقات وهذا يعني أنه مجهول الحال. عند أهل الحديث بالرغم من أنه غير مجهول العين وأنه كان من النبلاء الألبّاء الفضلاء كما وصفه الذهبي [سير أعلام / ٧/ ٣٣٥ / تر ١٢٠].\nوبالإضافة إلى السند فإن في المتن غرابة- فالمنصور كان يَعدّ نفسه (كغيرة من بني العباس) خليفة للمسلمين وليس ملكًا والخلاقة أعظم من الملك عند المسلمين والفرق بينهما واضح للإنسان المتعلم فكيف برجل كالمنصور فكيف يعتبر نفسه ملكًا وليس خليفة؟ !\nثم إنّ المتن يخالف رواية تأريخية أخرى سنذكرها في نهاية هذه الخلاصة يصف فيها المنصور مروان بن محمد بأنه رجل سياسي وعفيف ويترحم عليه فكيف إذًا يسميه الحمار هنا ويقول بأنه لم يكن خليقًا بالخلافة؟ فالنظر في السند والمتن يدعوان إلى الريبة في هذا الخبر والله أعلم.\nوماذا قالوا عن أصل والدته؟\nكتب التأريخ على أنها كردية كما قال البلاذري بصيغة الجزم [أنساب الأشراف / ٨/ ٣٨٦٤].\n- وكذلك ذكر ابن عساكر والذهبي [سير أعلام / ٦/ ٧٤ / ١٧] وابن كثير (٨/ ٤٢) والطبري =","vol":"5","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٧/ ٤٤٢) بصيغة غير جازمة ولعلّ البعض اتخذ ذلك فرصة للطعن في الرجل فقال كون أمه أمة أو كردية سببًا من أسباب انهيار حكمه وزوال حكم بني أمية- ورووا في ذلك أخبارًا تفيد أن هلاك أو زوال دولة بني أمية على يد خليفة أمّه أمة ... إلخ، وهذا فهم آخر، وتلفيق إضافة الرواة المبتدعة إلى حقيقة الواقعة التأريخية كما سنذكر فقد أخرج الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى عن الحجاج بن قتيبة أنه قال: وتفرّق عنّا الناس حتى بقيت أنا وأبو مروان ورجلًا من أصحابه ومعنا أم مروان فمشينا حتى تقطعت أرجلنا وأم مروان معنا فما أنَّت أنَّة واحدة ... إلخ الرواية / [تاريخ دمشق ٢/ ١١٢ / تر ١٢١]- ولقد علّق القاضي سعدي أبو جيب في كتابه مروان بن محمد- على رواية ابن عساكر هذه قائلًا: لنتأمل هذه الأم وقد شاهدت قتل ولدها (خليفة المسلمين) والتمثيل به وخرجت هاربة وأسرته تقطع غابات أفريقيا ومجاهلها مشيًا على الأقدام لم تئن أنّة واحدة وعهدنا بالنساء الشكوى والنواح لأقلّ نازلة / وقال سعدي كذلك:\nلقد تتبعت سيرة هذه الأم فلم أعثر إلا على خبر واحد يدلّ على أنها كانت شديدة الشكيمة والعزيمة / مروان بن محمد / ٥٦ /. ونضيف إلى قول القاضي سعدي، فنقول: من مبادئ الإسلام الحنيف أن الله تعالى جعل اختلاف الأقوام والألسن آية من آياته وطلب منهم التعارف والتعاون فيما بينهم ومعلوم لدى علماء الاجتماع والتأريخ أن الله ﷿ خص كل قوم بصفة بارزة فالعرب في جاهليتهم عرفوا بالسخاء وكرم الضيافة والصراحة والفصاحة والترك معروفون منذ القدم بحزمهم وبأسهم والفرس بصبرهم وتدبيرهم والكرد بشجاعتهم وبأسهم وشجاعة مروان خير دليل على ذلك فقد ربته تلك الأم المسلمة الكردية فنشأ صلب العود شديد البأس والصبر في المحن كما قال الذهبي ﵀: وكان (أي مروان) مشهورًا بالفروسية والإقدام والرحلة [تأريخ الإسلام / ١٦/ ٥٣٤].\nوقال ابن كثير: وكان شجاعًا بطلًا مقدامًا حازم الرأي لولا أن جنده خذلوه بتقدير الله ﷿ لما في ذلك من حكمة سلب الخلافة [البداية والنهاية / ٨/ ٤٢].\nوبيت القصيد هنا الآتي: بما أن الله ﷿ قد رزق كل قوم خاصية حميدة أو أكثر يعرفون بها فإن اجتماع تلك الأقوام في ظل حضارة الإسلام قد أكسب البشرية ثروة غنية وتراثًا عريقًا لأن الصفات الحميدة كلها تذوب في بوتقة الإسلام والخلافة الإسلامية ولا بأس هنا أن نذكر =","vol":"5","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبارة أوردها الطبري على لسان أحد جلساء الخليفة العباسي حيث سأله عن هذه الأقوام.\nفقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلته عن الدين، وأهل الشام حصن الأمة وأسنة الأئمة وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجال والترك منابت الصخور وأبناء المغازي [تأريخ الطبري ٧/ ٧١].\nولعل من الإنصاف أن نقول: استلم مروان بن محمد دفة إدارة الخلافة في ظرف عصيب عاصف كما قال ابن قتيبة الدينوري (٢١٣ هـ) ولم يزل مروان في تشتت من أمره واضطراب من كل النواحي عليه وهو مع ذلك يقيم للناس الحج إلى سنة ثلاثين ومئة فكان ذلك آخر ما أقام بنو أمية للناس حجهم [المعارف / ١٣٦٩].\nوالحق فإن مروان لم يجد الفرصة الكافية لاسترداد أنفاسه ولمِّ شعثه منذ اللحظة التي تولّى فيها الخلافة وحتى مقتله سنة ١٣٢ هـ، كما قال الحافظ السيوطي (ثم إنه لم يتهنَّ بالخلافة لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنين وثلاثين ومئة فخرج عليه بنو العباس) تأريخ الخلفاء / ٢٥٥ / وفي سيرته جوانب مضيئة من الحيف والظلم ألا نذكره، من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ فقد قال الحافظ ابن كثير في ترجمته: ولّاه هشام نيابة أذربيجان وأرمينية والجزيرة في سنة أربع عشرة ومئة ففتح بلادًا كثيرًا وحصونًا متعددة في ستين كثيرة وكان لا يفارق الغزو في سبيل الله وقاتل طوائف من الناس فكسرهم وقهرهم وقد كان شجاعًا بطلًا مقدامًا.\nالبداية والنهاية (٨/ ٤٢).\nومن الجوانب المضيئة في سيرته: تَقَشُّفهُ وميله إلى الخشونة في عيشه وإن كان يحب السماع وغير ذلك ولكن غلب عليه الانشغال بالحرب وكثرة والأسفار كما قال المؤرخون وأما عن تقشفه فقد أخرج البلاذري من طريق المدائني عن أبي سلمة الغفاري قال: أتيته أطلب بدم فقال لي إن الوالي وكيل الغائب فإن شئت نازعتك. وإن شئت كتبت إلى عامل المدينة آمره بالنظر فيما تدّعي بحضرة الفقهاء ... الخبر .. وفيه: فأمر بالرحيل فرحل الناس وأبطأ خروجه فقيل له إن الناس قد ركبوا وقد أبطأت قال ويحك قبائي يُخاط فَتْقٌ فيه رأيته لا والله ما عندي غيره [جُمَل من أنساب الأشراف / ٨/ ٣٨٦٤] وروى منصور بن أبي مزاحم (ثقة) قال سمعت الوزير أبا عبد الله يقول سألني المنصور ما كان أشياخك يقولون؟ .. الخبر وفي =","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>[ذكر خبر قتل إبراهيم بن محمد بن عليّ الإمام]</span>\nوفي هذه السنة قتل إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\nاختلف أهل السير في أمر إبراهيم بن محمد فقال بعضهم لم يقتل ولكنه مات سجن مروان بن محمد بالطاعون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>[ذكر خبر شخوص أبي جعفر إلى خراسان]</span>\nوفي هذه السنة شخص أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان لاستطلاع رأيه في أبي سلمة حفص بن سليمان (٢).\n_________\n= آخره فقال المنصور لله درّ مروان ما كان أحزمه وأسوسه وأعفه عن الفيء قال: (أي ابنه المهدي) فلم قتلتموه؟\nقال للأمر الذي سبق في علم الله [تأريخ الإسلام للذهبي / حوادث ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ٥٣٦].\nومع ذلك ففي سيرة مروان بن محمد الأموي جوانب مظلمة لا تليق بمن شغل هذا المنصب فقد شارك في صراع مرير على السلطة قبل تسلمه له، وسفكت دماء من أجل ذلك وإن كان قد عفا عن كثير من خصومه وآمن آخرين -وكان الأولى أن يداوي جراح الأمة ويجمع العلماء من حوله ويستشيرهم كما فعل كثير من الخلفاء من قبله، ولكن الحق أحق أن يقال ولا حول ولا قوة إلا بالله- وصدق الله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾.\n(١) وقال ابن سعد في طبقاته كما نقل عنه الذهبي (توفي إبراهيم في السجن سنة إحدى وثلاثين ومئة عن ثمان وأربعين سنة).\n(تهذيب سير أعلام النبلاء / ٧٩٩).\nوأما عن سبب موته فلم ترد رواية صحيحة ولا حسنة ولا من مظان الحسن في بيان ذلك والثابت فقط أنه توفي في السجن رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته آمين.\n(٢) ذكر الطبري خبرًا في سبب مسير أبي جعفر إلى خراسان وما كان من أمره وذكر تفاصيل كثيرة =","vol":"5","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>[ذكر الخبر عن حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط]</span>\nوفي هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة؛ وقد ذكرنا ما كان من أمر الجيش الذي لقوْه من أهل خُراسان مع قَحْطبة، ثم مع ابنه الحسن بن قحطبة وانهزامه ولَحاقه بمن معه من جنود الشأم بواسط متحصّنًا بها؛ فذكر عليّ بن محمد عن أبي عبد الله السُّلَميّ عن عبد الله بن بدر وزهير بن هنيد وبشر بن عيسى وأبي السريّ أنّ ابن هبيرة لما انهزم تفرّق الناس عنه، وخلّف على الأثقال قومًا، فذهبوا بتلك الأموال فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم! امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر، قال: بل نأتي واسطًا فننظر، قال: ما تزيد على أن تمكّنه من نفسك وتقتَل، فقال له يحيى بن حضين: إنك لا تأتي مروان بشيء أحبّ إليه من هذه الجنود، فالزم الفُرات حتى تقدم عليه؛ إياك وواسطًا؛ فتصير في حصار، وليس\n_________\n= بإسناد فيه مجهول -ولم نجد عند خليفة أو البغوي أو غيرهما من مؤرخ متقدم ثقة يؤيد هذه التفاصيل سوى ما يدلّ عليه أصل الخبر من إرسال أبي جعفر من قبل أبي العباس إلى أبي مسلم برسالة يُخيّر فيها أبا مسلم في الحكم على أبي سلمة فكان خيار أبي مسلم أن أرسل مرارًا إلى الكوفة فقتله غيلة، وقالوا قتله الخوارج، فقد أخرج البلاذري قال: حدثني أبو مسعود عن الفضل الضبيّ قال كتب أبو العباس بخطه أو بإملائه إلى أبي مسلم كتابًا مع أبي حفص حين وجهه إلى خراسان أنه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المعسر والتجاوز عن المسيء ما لم يكد دينًا وإن أمير المؤمنين قد وهب دم حفص بن سليمان لك وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك، فلما قرأ أبو مسلم الكتاب وجه مرار بن أنس إلى الكوفة لقتل حفص حيث ثقفه وكتب أنه لا يتم إحسان أحد حتى لا تأخذه في الله لومة لائم وقد قبلت من أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له. فقتل مرار أبا سلمة غيلةً وقيل قتله الخوارج وأمر أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بالصلاة عليه. [أنساب الأشراف ٣/ ١٥٥] تحقيق الدوري.","vol":"5","page":23},{"text":"بعد الحصار إلا القتل، فأبى، وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه في الأمر فيخالفه؛ فخافه إن قدم عليه أن يقتله، فأتى واسطًا فدخلَها، وتحصّن بها.\nوسرّح أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق الحسن وأصحابه، فنزلوا فيما بين الزّاب ودِجْلة؛ وضرب الحسن سرادقَه حِيال باب المضْمار، فأوّل وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء، فقال أهل الشأم لابن هبيرة: ائذن لنا في قتالهم، فأذن لهم، فخرجوا وخرج ابنُ هبيرة، وعلى ميمنته ابنه داود، ومعه محمد بن نباتة في ناس من أهل خراسان، فيهم أبو العوْد الخراسانيّ، فالتقوْا وعلى ميمنة الحسن خازم بن خزيمة، وابن هبيرة قبالة باب المضمار، فحمل خازم على ابن هُبيرة فهزموا أهل الشأم حتى ألجؤوهم إلى الخنادق، وبادر الناس باب المدينة حتى غصّ باب المضمار، ورمى أصحاب العرّادات بالعرّادات والحسن واقف، وأقبل يسير في الخيل فيما بين النهر والخندق، ورجع أهل الشأم، فكرّ عليهم الحسن، فحالوا بينه وبين المدينة، فاضطروهم إلى دجلة، فغرِق منهم ناس كثير فتلقّوههم بالسفن، فحملوهم، وألقى ابن نباتة يومئذ سلاحه واقتحم، فتبعوه بسفينة فركب وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام، ثم خرجوا إليهم يوم الثلاثاء فاقتتلوا، فحمل رجل من أهل الشام كلى أبي حفص هزار مرد، فضربه وانتمى: أنا الغلام السُّلَميّ، فضربه أبو حفص وانتمى: أنا الغلام العتكيّ، فصرعه، وانهزم أهل الشأم هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة، فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رميًّا من وراء الفصيل.\nوبلغ ابنَ هبيرة وهو في الحصار أنّ أبا أميّة التغلبيّ قد سوّد، فأرسل أبا عثمان إلى منزله، فدخل على أبي أمية في قُبّته، فقال: إنّ الأمير أرسلني إليك لأفتّش قبتك، فإن كان فيها سواد علقته في عنقك وحبلًا، ومضيت بك إليه؛ وإن لم يكن في بيتك سواد فهذه خمسون ألفًا صلة لك، فأبى أن يدَعه أن يفتشى قبّته، فذهب به إلى ابن هبيرة فحبسه، فتكلم في ذلك معن بن زائدة وناس","vol":"5","page":24},{"text":"من ربيعة، وأخذوا ثلاثةً من بني فزارة؛ فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة، فجاءهم يحيى بن حُضين، فكلّمهم فقالوا: لا نخلي عنهم حتى يخلى عن صاحبنا؛ فأبى ابنُ هبيرة، فقال له: ما تفسِد إلا على نفسك وأنت محصور؛ خلّ سبيل هذا الرجل، قال: لا ولا كرامة؛ فرجع ابنُ حضين إليهم فأخبرهم، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشر العجليّ، فقال ابن حضين لابن هبيرة: هولاء فرسانك قد أفسدتهم؛ وإن تماديت في ذلك كانوا أشدَّ عليك ممّن حصرك؛ فدعا أبا أميّة فكساه، وخلى سبيله، فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه.\nوقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سِجِستان، فأوفد الحسن بن قحطبة وفدًا إلى أبي العباس بقدوم أبي نصر عليه، وجعل على الوفد غَيلان بن عبد الله الخُزاعيّ -وكان غيلان واجدًا على الحسن لأنه سرّحه إلى رَوْح بن حاتم مددًا له- فلما قدم على أبي العباس قال: أشهدُ أنك أمير المؤمنين، وأنك حبلُ الله المتين، وأنك إمام المتقين؛ فقال: حاجتَك يا غيلان؟ قال: أستغفرك، قال: غفر الله لك، فقال داود بن عليّ: وفّقك الله يا أبا فضالة، فقال له غيلان: يا أميرَ المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك، قال: أوَليس عليكم رجل من أهل بيتي! الحسن بن قحطبة؛ قال: يا أميرَ المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك، فقال أبو العباس مثل قوله الأول، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ مُنّ علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه، وتَقَرّ أعيننا به، قال: نعم يا غيلان؛ فبعث أبا جعفر، فجعل غيلان على شُرَطه فقدم واسطًا، فقال أبو نصر لغيلان: ما أردت إلى ما صنعت؟ قال: \"به بود\" (١).\nفمكث أيامًا على الشُّرط ثم قال لأبي جعفر: لا أقوي على الشرط ولكني أدلك على من هو أجلد مني قال من هو؟ قال جمهور بن مرار قال: لا أقدر على عزلك لأن أمير المؤمنين استعملك قال اكتب إليه فأعلمه فكتب إليه أبو العباس:\n_________\n(١) كلمة فارسية معناها- سلامة كما قال محمد أبو الفضل إبراهيم والله أعلم.","vol":"5","page":25},{"text":"أن اعمل برأي غيلان، فولى شرطه جمهورًا وقال أبو جعفر للحسن: ابغني رجلًا أجعله على حرسي، قال: من قد رضيته لنفسي؛ عثمان بن نهمك. فولي الحرس (١).\nوقد قيل: إنّ أبا العباس وجّه أبا جعفر عند مقدمه من خراسان منصرفًا من عند أبي مسلم إلى ابن هبيرة لحربه، فشخص أبو جعفر حتى قدم على الحسن بن قحطبة؛ وهو محاصر بن هبيرة بواسط، فتحوّل له الحسن عن منزله، فنزله أبو جعفر، فلما طال الحصار على ابن هبيرة وأصحابه تجنّى عليه أصحابه، فقال اليمانية: لا نُعين مروان وآثاره فينا آثارُه، وقالت النزاريَّة: لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانيّة؛ وكان إنما قاتل معه الصعاليك والفتيان؛ وهمّ ابن هبيرة أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسين؛ فكتب إليه فأبطأ جوابه؛ وكاتب أبو العباس اليمانيّة من أصحاب ابن هبيرة؛ وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان؛ ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية أبي العباس فلم يفعلا؛ وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانًا، وكتب به كتابًا، مكث يشاور فيه العلماء أربعين يومًا حتى رضيَه ابنُ هبيرة، ثم أنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس، فأمره بإمضائه؛ وكان رأى أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان أبو العباس لا يقطع أمرًا دون أبي مسلم، وكان أبو الجهم عينًا لأبي مسلم على أبي العباس، فكتب إليه بأخبارِه كلها،\n_________\n(١) هذا إسناد مركب فالمدائني يسند عن أبي عبد الله السلمي عن عبد الله بن بدر ويسند ثانيًا عن زهير بن هنيد وبشر بن عيسى وأبي السري وأما عبد الله بن بدر فلم يرد اسمه في تأريخ الطبري إلا مرتين ولم يبيّن له لقبًا ولا نسبًا فلربما يكون عبد الله بن عمير وهو ثقة من الرابعة وهذه الطبقة جلّ رواياتها عن كبار التابعين ولا نستطيع أن نجزم بأنه هو وأما الإسناد الثاني ففيه زهير بن الهنيد وهو صدوق، وانظر تعليقنا الآتي.","vol":"5","page":26},{"text":"فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسَد؛ لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.\nولما تمّ الكتاب خرج ابنُ هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمئة من البخاريّة؛ فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب سلّام بن سليم، فقال: مرحبًا بك أبا خالد! انزل راشدًا؛ وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا بالقوّاد فدخلوا، ثم قال سلّام: ادخل أبا خالد؛ فقال له: أنا ومن معي؟ فقال: إنما استأذنتُ لك وحدك، فقام فدخل، ووضِعتْ له وسادة، فجلس عليها، فحادثه ساعة، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصرَه حتى غاب عنه؛ ثم مكث يقيم عنه يومًا، ويأتيه يومًا في خمسمئة فارس وثلثمئة راجل؛ فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر: أيّها الأمير، إنّ ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر، وما نقص من سلطانه شيء، فإذا كان يسير في هذه الفرسان والرّجالة، فما يقول عبد الجبار وجهور؟ ! فقال أبو جعفر لسلام: قل لابن هُبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته [نحوًا من ثلاثين].\nفقال له سلّام ذلك، فتغير وجهه، وجاء في حاشيته نحوًا من ثلاثين، فقال له سلّام: كأنك تأتي مباهيًا! فقال: إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا، فقال: ما أردنا بك استخفافًا، ولا أمرَ الأمير بما أمر به إلا نظرًا لك؛ فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة (١).\n_________\n(١) لم نذكر هذه الرواية في قسم الصحيح لنجزم بصحة التفاصيل الواردة فيها وإنما لتأكيد أصل الخبر من حدوث المفاوضات ومشي السفراء بين ابن هبيرة وأبي جعفر حتى تم الصلح ثم نكث الطرف الثاني بعهده وقتل ابن هبيرة ومن معه من قواده وقد ذكر خليفة بن خياط بسنده الموصول إلى من شهد هذه المرحلة (وأعني تحصّن ابن هبيرة بواسط وقتاله ضد جيوش الحسن بن قحطبة وأبي جعفر ثم جريان الصلح وأخيرًا قتل ابن هبيرة ومن معه وقد أخرج خليفة كل ذلك من طريق شيخه محمد بن معاوية عن بيهس بن حبيب: =","vol":"5","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسنذكر ما أخرجه خليفة ثم نعلّق (قال بيهس: جاءنا الحسن بن قحطبة في آخر المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومئة فنزل الماحوز ثم أتانا في صفر لا يريد قتالًا إنما يريد أن يرتاد منزلًا وجاء بالغفلة ليخندق، فقال الناس لابن هبيرة: خلّ عنا نقاتل القوم فأبى، فما زالوا حتى قال: يا مسلم افتح الأبواب، واستعمل ابنه داود ومحمد بن نباتهْ ومعن بن زائدة في القلب مما يلي الحسن بن قحطبة ومفرج وحوثرة بن سهيل مما يلي خازم بن خزيمة وذلك يوم الأربعاء فاقتتلخا فهُزِمنا، وقتل منا حكيم بن المشب من جديلة قيس، وقتل يزيد بن قحطبة، فلما أمسوا رجعوا وأصبحنا فدفنا قتلانا الذين على الخندق، ثم بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فبعث أخاه أبا جعفر إلى الحسن بن قحطبة ومن معه، وأم أبي العباس ريطة ابنة عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وبويع ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومئة بالكوفة في بني أود في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، فركب حين أصبح فصلى بالناس يوم الجمعة، وبويع ذلك اليوم بيعة العامة.\nقال بيهس: لما جاءنا أبو جعفر نهضوا إلينا بجماعتهم، فجعلنا نقاتلهم حتى أتتنا هزيمة مروان، فكنا في القتال شعبان وشهر رمضان وشوالًا، فجاءنا الحسن بن قحطبة في آخر شوال فقال: إلى من تمدّون أعناقكم ما بقي أحد إلا وقد دخل في طاعة أمير المؤمنين، لكم عهدُ الله وميثاقُه أنكم آمنون على كل شيء قِبَلنا، ثم أصبحنا الغد فأتانا خازم بن خزيمة فقال مثل ذلك، ثم جاءنا الحارث بن نوفل الهاشمي، ثم جاءنا إسحاق بن مسلم العقيلي، فقال: القوم يعطونكم ما تريدون فاكتتبنا بيننا وبينكم كتابًا صلحًا، وذلك في أول ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومئة على ما شئنا، على أن ابن هبيرة على رأس أمره مع خمسمئة من أصحابه ينزل خمسين يومًا مدينة الشرقية لا يبايع، فإذا تمَّت فإن شاء لحق بمأمنه، وإن شاء دخل فيما دخل فيه الناس، وما كان في أيدينا فهو لنا، ففتحنا الأبواب يوم السبت لأيام خلون من ذي القعدة، فدخلوا المدينة فجوَّلوا فيها وخرجوا ثم فعلوا مثل ذلك يوم الأحد، فلما كان يوم الإثنين دخل علج من علوجهم في خيل فتتبَّع كل دابة عليها سمة لله فأخذها وقال: هذه للإمارة.\nقال بيهس: فأخبرت أبا عثمان فأخبر ابن هبيرة فقال: غدر القوم وربّ الكعبة وقال =","vol":"5","page":28},{"text":"وفي هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر واليًا على الجزيرة وأذْرَبيجان وأرمينيَة، ووجه أخاه يحيى بن محمد بن عليّ واليًا على الموْصل.\n_________\n= لأبي عثمان: انطلق إلى أبي جعفر وأقرئه السلام وقل له: إن رأيت أن تأذن لنا في إتيانك فأذنَ له، فركب يوم الإثنين وركبنا معه من مئتين حتى انتهينا إلى الرِّواق، فنزل ابن هبيرة وأبو عثمان وسعيد وأنا فجئنا نمشي معه حتى إذا بلغنا الحجرة رفع الباب فإذا أبو جعفر قاعد، قال له ابن هبيرة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته أرخ الباب وسمعت أبا جعفر يقول: يا يزيد إنا بني هشام نتجاوز عن المسئ ونأخذ بالفضل ولست عندنا كغيرك، إن لك وفاء وأمير المؤمنين أرغب شيء في الصنيعة إلى مثلك فأبشر بما يسرك.\nقال أبو الحسن: قال له ابن هبيرة: إن إمارتكم محدثة فأذيقوا الناس حلاوتها وجنِّبُوهم مرارتها تجتبوا قلوبهم، وما زلت منتظرًا لهذه الدعوة ثم قام، فقال أبو جعفر: عجبًا لرجل يأمرني بقتل هذا.\nقال بيهس: لما كان يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومئة بعث أبو جعفر خازم بن خزيمة فقتل ابن هبيرة، وكان الذي ولي قتله عبد الله بن البختري الخزاعي، وقتل رياح بن أبي عمارة مولى لبني أمية وعبيد الله بن الحبحاب الكاتب، وقتلوا داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، وأخرج عثمان كاتب ابن هبيرة خازم بن خزيمة فقتله، وأخذ بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان، وأبان بن عبد الملك، والحوثرة بن سهيل، ومحمد بن نباتة، وقعد الحسن بن قحطبة في مسجد حسان النبطي على دجلة مما يلي المدائن فحملوا إليه قضرب أعناقهم، وأتي بحارث بن قطن الهلالي فأمر به إلى السجن، \"وطلب خالد بن سلمة المخزومي، فلم يقدر عليه فنادى مناديهم أن خالد بن سلمة آمن، فخرج بعدما قتل القوم يومًا فقتلوه أيضًا\". [تأريخ خليفة / ٢٦٠ - ٢٦١ - ٢٦٢].\nهذه هي رواية خليفة بن خياط وقد ذكر إسناده إلى الراوي (بيهس) وكان في جيش ابن هبيرة- والملاحظ أن رواية خليفة تخلو من المبالغة والحشو والأعداد الضخمة والكلمات البذيئة وهي مختصرة بالنسبة إلى ما ذكره الطبري وفد خلت من تفاصيل لا فائدة منها وهي في عمومها تؤيد ما ذكره الطبري من تحصن ابن هبيرة بواسط ومحاصرة الحسن بن قحطبة له ثم مجيء أبي جعفر مع جيشه وإحكامه للحصار حول واسط وأخيرًا مشي السفراء بينهما وإجراء الصلح وأخيرًا مقتل ابن هبيرة وابنه وقادته معه، والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":29},{"text":"وفيها عزل عمّه داود بن عليّ عن الكوفة وسوادها، وولّاه المدينة ومكة واليمن واليمامة، وولّى موضعه وما كان إليه من عمل الكوفة وسوادها عيسى بن موسى.\nوفيها عَزَل مروانُ -وهو بالجزيرة عن المدينة- الوليد بن عُروة، وولاها أخاه يوسف بن عروة؛ فذكر الواقديّ أنه قدم المدينة لأربع خلوْن من شهر ربيع الأول.\nوفيها استقضى عيسى بن موسى على الكوفة ابن أبي ليلى.\nوكان العامل على البصرة في هذه السنة سفيان بن معاوية المهلبيّ.\nوعلى قضائها الحجاج بن أرطأةَ وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى الجزيرة وأرمينيَة وأذْرَبيجان عبد الله بن محمد، وعلى الموْصل يحيى بن محمد، وعلى كُور الشأم عبد الله بن عليّ، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى خُراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن بَرْمك.\nوحجّ بالناس في هذه السنة داود بن عليّ بن عبد الله بن العباس (١).\n* * *\n_________\n(١) على عادة الطبري فإنه يذكر أسماء الولاة والقضاء في نهاية كل سنة.\nوبالنسبة إلى ما ذكره هاهنا فله ما يؤيده من تأريخ خليفة ففيما يتعلق بالجزيرة فقد قال خليفة: لما هزم مروان من الزاب سار عبد الله بن علي ودخلها ثم استخلف موسى بن كعب المراي ثم ولّى أبو العباس أخاه أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان ثم أمره أن يسير إلى مكة فيقيم الحج فسار واستخلف مقاتل بن حكيم العتكي حتى مات أبو العباس [خليفة / ٢٧١] وأما عن الكوفة فقد قال خليفة: استعمل عليها أبو العباس عمّه داود بن علي بن عبد الله بن عباس ثم عزله وبعثه فصلى بالموسم وولّى الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حتى مات أبو العباس [خليفة / ٢٧٠]. =","vol":"5","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه أبي العباس عمّه سليمان بن عليّ واليًا على البصرة وأعمالها، وكُور دجلة والبَحْرين وعُمان ومِهْرِ جانقَذق وتوجيهه أيضًا عمه إسماعيل بن عليّ على كُور الأهواز.\nوفيها قتَل داود بن عليّ من كان أخذ من بني أميّة بمكة والمدينة.\nوفيها مات داود بن عليّ بالمدينة في شهر ربيع الأول؛ وكانت ولايتُه -فيما ذكر محمد بن عمر- ثلاثةَ أشهر.\nواستخلف داود بن علي حين حضرته الوفاة على عمله ابنَه موسى؛ ولما بلغت أبا العباس وفاتُه وجّه على المدينة ومكة والطائف واليمامة خاله زيادَ بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ، ووجّه محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان على اليمن، فقدم اليمن في جمادى الأولى، فأقام زياد بالمدينة ومضى محمد إلى اليمن، ثم وجّه زياد بن عبيد الله من المدينة إبراهيمَ بن حسان السُّلميّ؛ وهو أبو حماد الأبرص- إلى المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه (١).\n_________\n= البصرة: قال خليفة: عزل عنها سفيان بن معاوية وولاها عمر بن حفص، ثم عزله سنة ثلاثة وثلاثين ومئة. [تأريخ خليفة / ٢٧٠] وأما عن الوليد بن عروة فقد ذكر خليفة أن مروان ولاها إياه ومن قبله يوسف بن عروة حتى جاءت بيعة أبي العباس [خليفة / ٢٢٦].\n(١) وسنذكر ما قاله خليفة في هذا المضمار للمقارنة بين المصدرين: تسمية عمال أبي العباس: البصرة: عزل عنها سفيان بن معاوية وولاها عمر بن حفص ثم عزله سنة ثلاث وثلاثين ومئة وولّى سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، فلم يزل عليها حتى مات أبو العباس.\nالكوفة: استعمل عليها أبو العباس عمّه داود بن علي بن عبد الله بن عباس ثم عزله وبعثه =","vol":"5","page":31},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثي كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن حدّثه عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك الواقدي وغيره (١).\nوكان على الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجا نقذق سليمان بن علي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى الأهواز إسماعيل بن علي، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى قنّسرين وحمص وكور دمشق والأردن عبد الله بن علي، وعلى فلسطين صالح بن عليّ، وعلى مصر عبد الملك بن يزيد أبو عون، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد المنصور، وعلى الموصل إسماعيل بن علي، وعلى أرمينية صالح بن صبيح، وعلى أذربيجان مجاشع بن يزيد.\nوعلى ديوان الخراج خالد بن برمك (٢).\n* * *\n_________\n= فصلى بالموسم وولّى الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حتى مات أبو العباس.\nمكة: ولاها داود بن علي مع المدينة، فمات داود واستخلف ابنه موسى بن داود فعزله أبو العباس وولى خاله زياد بن عبيد الله الحارثي مع المدينة والطائف، فولاها زياد بن عبيد الله ابن أخيه علي بن الربيع حتى مات أبو العباس.\nاليمن: ثم ولاها أبو العباس ابن خاله محمد بن يزيد بن عبيد الله فمات فجمعها أبو العباس لخاله زياد بن عبيد الله [تأريخ خليفة / ٢٧٠].\n(١) ووافقه خليفة (تأريخ خليفة / ٢٧١).\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>ثم دخلت سنة أربع وثلاثين بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>[ذكر قتال منصور بن جمهور]</span>\nوفي هذه السنة وجه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند لقتال منصور بن جمهور، وفرض لثلاث آلاف رجل من العرب والموالي بالبصرة ولألف من بني تميم خاصّة، فشخص واستخلف مكانه على شُرْطة أبي العباس المسيّب بن زُهير حتى ورد السِّنْد، ولقي منصور بن جمهور في اثني عشر ألفًا، فهزمه ومَنْ معه، ومضى فمات عطشًا في الرمال.\nوقد قيل: أصابه بطن، وبلغ خليفة منصور وهو بالمنصورة هزيمة منصور، فرحل بعيال منصور وثقله، وخرج بهم في عدّة من ثقاته، فدخل بهم بلاد الخزر (١).\n* * *\nوفيها توفّى محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن، فكتب أبو العباس إلى عليّ بن الربيع بن عبيد الله الحارثي، وهو عامل لزياد بن عبيد الله على مكة بولايته على اليمن فسار إليها (٢).\n_________\n(١) ووافقه خليفة في ذكر هذه الحادثة ولكن ذكر \"السند\" بدلًا من الهند فقال بعث أبو العباس رجلًا من بني تميم يقال له مغلس فأخذه منصور بن جمهور أسيرًا وقتل عامة أصحابه، فوجّه أبو العباس موسى بن كعب المراي فلقيه منصور بقندابيل فقتل منصورًا ودخل المنصورة موسى بن كعب فلم يزل عليها حتى مات أبو العباس (تاريخ خليفة / ٢٧١).\n(٢) راجع قوائم الولاة وقد سبق أن تطرق الطبري إلى أسماء الولاة قبل هذا الموضع مرتين.","vol":"5","page":33},{"text":"وفي هذه السنة تحوّل أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار -وذلك فيما قال الواقديّ وغيره- في ذي الحجة (١).\nوفيها عُزِل صالح بن صبيح عن أرمينيَة، وجعل مكانه يزيد بن أسيد، وفيها عُزل مجاشع بن يزيد عن أذْرَبيجان، واستعمل عليها محمد بن صول.\nوفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال، وحجّ بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى، وهو على الكوفة وأرضها.\nوكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن عليّ بن الربيع الحارثيّ، وعلى البصرة وأعمالها وكُورِ دجلة والبحرين، وعمان والعرْض ومهرجا نقذق سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى السند موسى بن كعب، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى فلسطين صالح بن عليّ، وعلى مصر أبو عوْن، وعلى موصل إسماعيل بن علي، وعلى أرمينيَة يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول.\nوعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد أبو جعفر وعلى قنَّسرين وحِمْص وكور دمشق والأردنّ عبد الله بن عليّ (٢).\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٦٩].\n(٢) أما عن أمير الحج في هذه السنة فكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٦٩). وأما عن أسماء الولاة وقوائم القضاة فسنذكر ما أورده خليفة تأكيدًا لروايات الطبري بعد ذكر وفاة أبي العباس إن شاء الله تعالى.\nابتداء من هذه السنة (١٣٥ هـ) فإننا نضيف مصدرًا تأريخيًا آخر هو كتاب المعرفة والتأريخ للإمام يعقوب بن يوسف البسوي المتوفى سنة (٢٧٧ هـ) وهو ثقة إمام وهذا يعني أننا نقارن بين مصادر تأريخية لمؤرخين ثقات من الآن فصاعدًا وهم (خليفة بن خياط والطبري والبسوي) فإذا اتفق الثلاثة على ذكر الخبر أو الحدث ولو دون سند ولم يخالفوا بذلك =","vol":"5","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ما روي بسند أصح أي أن المصادر الثلاثة المتقدمة الموثوقة اتفقت على وقوع تلك الحادثة جعلناها في قسم الصحيح، ولولا أن خليفة والطبري وكذلك البسوي قد أهملوا الإسناد شيئًا فشيئًا كلما تقدّموا في الحوليات بل يكاد يختفي الإسناد تمامًا في السنين الأخيرة.\nأقول لولا هذا التغير في منهج أولئك المؤرخين المتقدمين الثقات لما احتجنا إلى هذه القواعد والله المستعان.\nولعلّ البعض يتساءل هنا فلماذا لا تستعين بالمسعودي واليعقوبي في مقارنة الخبر التأريخي عند الطبري فأقول وبالله التوفيق إن اليعقوبي والمسعودي لا يصلان إلى المستوى الذي وصل إليه الطبري ومن قبله خليفة والبسوي من التوثيق والحياد وعدم الانحياز إلى طائفة دون أخرى وعدم التأثر بالتيارات السائدة آنذاك والله تعالى أعلم بالصواب، وقد ذكرنا تقييم أئمة الحديث والتأريخ الإسلامي لكل هؤلاء في مقدمة تحقيقنا هنا فليراجع ولا داعي للتكرار هنا والحمد لله أولًا وآخرًا.","vol":"5","page":35},{"text":"ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة (١) ذكر ما كان فيها من الأحداث\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>ذكر خبر خروج زياد بن صالح </span>(٢)\n_________\n(١) ابتداء من هذه السنة (١٣٥ هـ) فإننا نضيف مصدرًا تأريخيًا آخر هو كتاب المعرفة والتأريخ للإمام يعقوب بن سفيان البسوي المتوفى سنة (٢٧٧) هـ وهو ثقة إمام وهذا يعني أننا نقارن بين مصادر تأريخية لمؤرخين ثقات حتى الآن فصاعدًا وهم (خليفة بن حياط والطبري والبسوي) فإذا اتقف الثلاثة على ذكر الخبر أو الحدث ولو دون سند ولم يخالفوا بذلك ما روي بسند أصح أي أن المصادر الثلاثة المتقدمة الموثوقة اتفقت على وقوع تلك الحادثة، ولولا أن خليفة والطبري وكذلك البسوي قد أهملوا الأستاذ تمامًا في السنين الأخيرة أقوى لولا هذا التغيّر في منهج أولئك المؤرخين المتقدمين الثقات لما احتجنا إلى هذه القواعد والله المستعان.\nولعل البعض يتسائل هنا فلماذا لا تستعين بالمسعوي واليعقوبي في مقارنة الخبر التأريخي عند الطبري فأقول وبالله التوفيق إن اليعقوبي والمسعودي لا يصلان إلى المستوى الذي وصل إليه الطبري ومن قبله خليفة والبسوي من التوثيق والحياد وعدم الانحياز إلى طائفة دون أخرى وعدم التأثر بالتيارات السائدة آنذاك والله تعالى أعلم بالصواب، وقد ذكرنا تقييم أئمة الحديث والتأريخ الإسلامي لكل هؤلاء في مقدمة تحقيقنا هنا فليراجع، لا داعي للتكرار هنا والحمد لله أولًا وآخرًا.\n(٢) ذكر الطبري خبرًا طويلًا في خروج زياد بن صالح وبعث أبي مسلم لقواته لإخماد حركته فاستغرق ذلك صفحتين (٤٦٦ و٤٦٧) وختم الخبر بقوله (حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مرو) ولم نجد في تأريخ خليفة ولا في المعرفة والتأريخ للبسوي ما يؤيد هذه التفاصيل إلا أن البسوي أكد حدوث الخروج مختصرًا فقال: وفي هذه السنة قفل أبو مسلم من سمرقند وقدم مرو في جمادى الآخرة، وفي هذه السنة وجّه الوفود إلى أبي العباس فلما كان في شوال عسكر بباب كشميهن وأعطى الجند أرزاقهم على أن يغزو الطراز وما والاها، فخلعه زياد بن صالح الخزاعي وكتب إلى سباع بن النعمان ومحمد بن زرعة يدعوهما إلى أن يخلعاه فأبيا وأطلعا أبا مسلم على ذلك فتوجه أبو مسلم من معسكره متوجهًا إلى زياد، فقتل زيادًا في =","vol":"5","page":36},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عليّ، وهو على البصرة وأعمالها، وعلى قضائها عباد بن منصور (١).\nوكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثيّ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى مصر أبو عون، وعلى حمْص وقنَّسرين وبعلبكّ والغُوطة وحَوْران والجوْلان والأردنّ عبد الله بن عليّ، وعلى البلقاء وفلسطين صالح بن عليّ، وعلى الموصل إسماعيل بن عليّ، وعلى أرمينيَة يزيد بن أسيد، وعلى أذْرَبيجان محمد بن صَوْل، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك (٢).\n* * *\n_________\n= هذه السنة [المعرفة / ١/ ٣] والملاحظ أن البسوي خالف الطبري في بعض التفاصيل فهو يذكر أن سباع بن النعمان لم يمالئ زيادًا بينما ذكر الطبري أن سباعًا هو الذي حرّض زيادًا على الخروج والله أعلم.\n(١) وكذلك قال خليفة (٢٦) والبسوي (المعرفة والتأريخ ١/ ٣).\n(٢) انظر: قوائم القضاة والولاة فيما بعد.","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[ذكر قدوم أبي مسلم على أبي العباس]</span>\nففي هذه السنة قدم أبو مسلم العراق من خُراسان على أبي العباس أمير المؤمنين.\n* ذكر الخبر عن قدومه عليه وما كان من أمره في ذلك:\nذكر عليّ بن محمد أن الهيثم بن عديّ أخبره والوليد بن هشام عن أبيه، قالا: لم يزلْ أبو مسلم مقيمًا بخراسان، حتى كتب إلى أبي العباس يستأذنه في القُدوم عليه، فأجابه إلى ذلك، فقدم على أبي العباس في جماعة من أهل خُراسان عظيمة ومَنْ تبعه من غيرهم من الأنبار؛ فأمر أبو العباس النَّاس يتلقونه، فتلقاه الناسُ، وأقبل إلى أبي العباس، فدخل عليه فأعظمه وأكرمه؛ ثم استأذن أبا العباس في الحجّ فقال: لولا أن أبا جعفر يحجّ لاستعملتُك على الموسم، وأنزله قريبًا منه، فكان يأتيه في كلّ يوم يسلم عليه، وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدًا؛ لأن أبا العباس كان بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم وهو بنيسابور بعدما صفت له الأمور بعهده على خُراسان وبالبيعة لأبي العباس ولأبي جعفر من بعده؛ فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان، وأقام أبو جعفر أيامًا حتى فرغ من البيعة، ثم انصرف وكان أبو مسلم قد استخفّ بأبي جعفر في مقدمه ذلك، فلما قدم على أبي العباس أخبره بما كان من استخفافه به.\nقال عليّ: قال الوليد عن أبيه: لما قدم أبو مسلم على أبي العباس، قال: أبو جعفر لأبي العباس: يا أميرَ المؤمنين، أطعْني واقتل أبا مسلم؛ فوالله إنّ في","vol":"5","page":38},{"text":"رأسه لغَدْرة، فقال: يا أخي، قد عرفتَ بَلاءَه وما كان منه، فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما كان بدولتنا، والله لو بعثتَ سنَّورًا لقام مقامه، وبلغ ما بلغ في هذه الدولة، فقال له أبو العباس: فكيف نقتله؟ قال: إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليك دخلتُ فتغفلتُه فضربتُه من خلْفه ضربة أتيت بها على نفسه، فقال أبو العباس: فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يؤول ذلك كله إلى ما تريد، ولو علموا أنه قد قُتل تفرّقوا وذلّوا، قال: عزمتُ عليك إلا كففتَ عن هذا، قال: أخاف والله إن لم تتغدّه اليوم أن يتعشاك غدًا، قال: فدونكه، أنت أعلم.\nقال: فخرج أبو جعفر من عنده عازمًا على ذلك، فندِم أبو العباس وأرسل إلى أبي جعفر: لا تفعل ذلك الأمر.\nوقيل: إن أبا العباس لما أذِن لأبي جعفر في قتل أبي مسلم، دخل أبو مسلم على أبي العباس، فبعث أبو العباس خصيًّا له، فقال: اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر؛ فأتاه فوجده محتبيًا بسيفه، فقال للخَصيّ: أجالسٌ أمير المؤمنين؟ فقال له: قد تهيّأ للجلوس، ثم رجع الخصيّ إلى أبي العباس فأخبره بما رأى منه، فردَّه إلى أبي جعفر وقال له: قل له الأمر الذي عزمتَ عليه لا تُنفِذْه. فكفّ أبو جعفر (١).\n_________\n(١) هذه روايات ثلاث في قدوم أبي مسلم على أبي جعفر الأولى ذكرها الطبري بإسناد مركب من المدائني وفي الإسناد الوليد بن هشام عن أبيه وهذا إسناد مقبول في باب التأريخ بالشروط التي ذكرنا آنفًا ومن باب التساهل في رواية التأريخ قبلنا قول الطبري ذكر علي (أي: المدائني) وخاصة في الأجزاء الأخيرة من تأريخ الطبري لأنه قلّل من استعمال الإسناد بصورة كبيرة.\nوكذلك روى الخبر الثاني من طريق المدائني عن الوليد عن أبيه. وأما الثالث فقد ذكره بلا =","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>[حج أبي جعفر المنصور وأبي مسلم]</span>\nوفي هذه السنة حجّ أبو جعفر المنصور وحجّ معه أبو مسلم.\n* ذكر الخبر عن مسيرهما وعن صفة مقدمهما على أبي العباس:\nأما أبو مسلم فإنه -فيما ذُكِر عنه- لما أراد القدوم على أبي العباس، كتب يستأذنه في القدوم للحجّ، فأذن له، وكتب إليه أن أقدم في خمسمئة من الجُنْد، فكتب إليه أبو مسلم: إني قد وترتُ الناس ولستُ آمن على نفسي، فكتب إليه أن أقبِلْ في ألف؛ فإنما أنت في سلطان أهلِك ودولتك، وطريق مكة لا تحتمل العسكر؛ فشخص في ثمانية آلاف فرّقهم فيما بين نيسابور والريّ، وقدِم بالأموال والخزائن فخلّفها بالريّ، وجمع أيضًا أموال الجبل، وشخص منها في ألف وأقبل؛ فلما أراد الدّخول تلقاه القوّاد وسائر الناس، ثم استأذن أبا العباس في الحجّ، فأذن له، وقال: لولا أنّ أبا جعفر حاجّ لوليتك الموسم.\nوأما أبو جعفر فإنه كان أميرًا على الجزيرة، وكان الواقديّ يقول: كان إليه مع الجزيرة أرمينيَة وأذربيجان، فاستخلف على عمله مقاتل بن حكيم العكيّ، وقدم على أبي العباس فاستأذنه في الحج؛ فذكر عليّ بن محمد عن الوليد بن هشام عن أبيه أن أبا جعفر سار إلى مكة حاجًّا، وحجّ معه أبو مسلم سنة ست وثلاثين ومئة، فلما انقضى الموسم أقبل أبو جعفر وأبو مسلم، فلما كان بين البستان وذات عِرْق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبي العباس؛ وكان أبو جعفر قد تقدّم أبا مسلم بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث أمرٌ فالعَجل العجل، فأتاه الرسول فأخبره، فأقبل حتى لحق أبا جعفر، وأقبلا إلى الكوفة.\n_________\n= إسناد (وقيل) إلا أن فحواه يوافق الرواية الثانية (المسندة) من أن الخليفة العباسي الأول لم يقتنع بقتل أبي مسلم بالعكس من أبي جعفر المنصور.\nوسنعود إلى هذا الخبر عند الحديث عن مقتل أبي مسلم.","vol":"5","page":40},{"text":"وفي هذه السنة عقد أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ لأخيه أبي جعفر الخلافة مِنْ بعده، وجعله وليّ عهد المسلمين، ومن بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكتب العهد بذلك، وصيَّره في ثوب، وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[ذكر الخبر عن موت أبي العباس السفاح]</span>\nوفيها توفِّيَ أبو العباس أمير المؤمنين بالأنبار يوم الأحد، لثلاث عشرة خلتْ من ذي الحجة، وكانت وفاته فيما قيل بالجدريّ.\nوقال هشام بن محمد: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ذي الحجة، واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته، فقال بعضهم: كان له يوم توفِّيَ ثلاث وثلاثون سنة، وقال هشام بن محمد: كان يوم توفي ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم: كان له ثمان وعشرون سنة.\nوكانت ولايته من لَدُن قتل مَرْوان بن محمد إلى أن توُفيَ أربع سنين، ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر، وقال بعضهم:\n_________\n(١) اتفق خليفة مع الطبري في أنهما (المنصور وأبو مسلم) حجّا في هذه السنة (خليفة ٢٧٢) واتفق الثلاثة (الطبري وخليفة والبسوي) على أن أمير الحج في هذه السنة (١٣٦) كان أبو جعفر المنصور (تأريخ خليفة / ٢٧٢) (المعرفة والتأريخ ١/ ٤) وانظر خليفة (١/ ٢٧٢). أما رجوعهما قافلين بعد أداء المناسك فقد ذكره الطبري من كتب المدائني (علي) الذي رواه بدوره مسندًا عن هشام القحذمي وقد وثق، وأما قول الطبري وفي هذه السنة عقد أبو العباس ..... لأخيه أبي جعفر ... إلخ. فلم يذكره خليفة ولا البسوي وإنما ذكرا أن البيعة كانت لأبي جعفر بعد وفاة أخيه أبي العباس وفصَّل البسوي بعض الشيء فقال: وبويع لأبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عباس بمكة في المحرم يوم عاشوراء من سنة ست وثلاثين ومئة ومن بعده لعيسى بن موسى بن محمد بن علي بن العباس [المعرفة والتأريخ ١/ ٤] وانظر خليفة (٢٧٠).","vol":"5","page":41},{"text":"وتسعة أشهر، وقال الواقديّ: أربع سنين وثمانية أشهر منها ثمانية أشهر وأربعة أيام يقاتل مروان (١).\n_________\n(١) وكذلك أخرج البسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٤) فقال: حدثنا سلمة قال: حدثنا أحمد عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر: توفي أبو العباس لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة وكانت خلافته أربع سنين وعشرة أشهر واستخلف أبو جعفر عبد الله بن محمد. اهـ.\nثم أخرج البسوي رواية أخرى فقال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنّ جده زيد بن أسلم توفي سنة استخلف أبو جعفر في ذي الحجة العشر الأول سنة ست وثلاثين ومئة وكانت خلافة أبي العباس خمس سنين (١/ ٤).\nوأما خليفة فقد أخرج بسنده الموصول والمركب: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن المغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: ولد أبو العباس بالحميمة من أرض الشام سنة ثمان ومئة ومات بالأنبار يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة وهو ابن ثمان وعشرين سنة صلى عليه عيسى بن علي وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر (خليفة / ٢٧٠) وهذا يعني أن المؤرخين الثلاثة ذكروا مختلف الآراء في وفاته ولكنهم رووا ثلاثتهم أنه توفي في (١٣) ذي الحجة سنة ١٣٦ هـ والله أعلم، وأخرج الخطيب البغدادي عن أبي حسان الزيادي قال: سنة ١٣٦ هـ: فيها توفي أبو العباس بالأنبار يوم الأحد لثلاث عشرة أو إحدى عشرة خلت من ذي الحجة يوم الأحد فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر [تأريخ بغداد / ١٠/ ٤٧].\nذكر الطبري في هذه الصفحة (٧/ ٤٧١) أمورًا تتعلق بصفات أبي العباس الجسدية وعدد سراويله وقمصانه وأنه دفن في قصره وذكر هذه الأمور وغيرها دون سند وذكرها مع عبارات أخرى صحيحة ذكرها سابقًا وهي أنه حكم بعد مروان بن محمد أربع سنين وأنه دفن بالأنبار وأن أمه هي ريطة بنت عبد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثي والله أعلم، ولم نستطع أن نثبت أو ننفي تلك الأمور فذكرناها في قسم المسكوت عنه والله أعلم.","vol":"5","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>خلافة أبي جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد</span>\nوفي هذه السنة بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة؛ وذلك في اليوم الذي توفي فيه أخوه أبو العباس، وأبو جعفر يومئذ بمكة؛ وكان الذي أخذ البيعة بالعراق لأبي جعفر بعد موت أبي العباس عيسى بن موسى، وكتب إليه عيسى يُعلمه بموت أخيه أبي العباس وبالبيعة له (١).\nرجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد: فقال عليّ: حدّثني الوليد، عن أبيه، قال: لما أتى الخبرُ أبا جعفر كتب إلى أبي مسلم وهو نازل بالماء، قد تقدّمه أبو جعفر، فاقبل أبو مسلم حتى قدم عليه.\nرجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد: فلما جلس أبو مسلم، ألقى إليه الكتاب، فقرأه وبكى واسترجع، قال: ونظر أبو مسلم إلى أبي جعفر، وقد جزع جزعًا شديدًا فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال: أتخوّف شرّ عبد الله بن عليّ وشيعة عليّ، قال: لا تخفه؛ فأنا أكفيك أمره إن شاء الله، إنما عامة جندِه،\n_________\n(١) اتفقت المصادر الثلاثة على أنه بويع بالخلافة سنة (١٣٦) هـ بعد وفاة أبي العباس فقد أخرج البسوي قال: حدثنا إبراهيم المنذر قال: حدثنا زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن جده زيد بن أسلم توفي سنة استخلف أبو جعفر في ذي الحجة العشر الأول سنة ست وثلاثين ومئة (/ ١/ ٤ / المعرفة والتأريخ).\nوقال البسوي: وبويع لأبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عباس بمكة في المحرم يوم عاشوراء من سنة ست وثلاثين ومئة ومن بعده لعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن العباس وولي البيعة والإرسال إلى الوجوه كلها لأبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (المعرفة ١/ ٤) وكذلك ذكر خليفة في تأريخه أنه بويع سنة ١٣٦ هـ (خليفة / ٢٧٠).","vol":"5","page":43},{"text":"ومَن معه أهل خُراسان، وهم لا يعصونني، فُسُرّيَ عن أبي جعفر ما كان فيه، وبايع له أبو مسلم وبايع الناسُ، وأقبلا حتى قدما الكوفة، وردّ أبو جعفر زياد بن عبيد الله إلى مكة، وكان قبل ذلك واليًا عليها وعلى المدينة لأبي العباس (١).\nوقيل: إن أبا العباس كان قد عزَل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثيّ عن مكة، وولاها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس (٢).\nوفي هذه السنة قدِم عبد الله بن عليّ على أبي العباس الأنبار، فعقد له أبو العباس على الصّائفة، في أهل خراسان وأهل الشأم، والجزيرة والموصل، فسار فبلغ دلوك، ولم يُدْرِبْ حتى أتته وفاة أبي العباس (٣).\nوفي هذه السنة بعث عيسى بن موسى وأبو الجهم يزيد بن زياد أبا غسان إلى عبد الله بن عليّ ببيعة المنصور، فانصرف عبدُ الله بن عليّ بمن معه من الجيوش، قد بايع لنفسه حتى قدم حَرّان (٤).\n_________\n(١) سبق الحديث على إسناد هذه الرواية قبل صفحات.\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما سبق.\n(٣) قال البسوي ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٣٦ هـ) وغزا عبد الله بن علي الصائغة (١/ ٤) بينما تؤيد رواية خليفة بعض تفاصيل الطبري فقد قال خليفة: وفيها (أي ١٣٦ هـ) حج أبو مسلم وقد كان أبو العباس كتب إلى عبد الله بن علي. يغزو بلاد الروم والسياحة فيها فأتى عبد الله دابقًا فعسكر بها وتوافت إليه الجنود وأتته وفاة أبي العباس. [خليفة / ٢٧٢].\n(٤) قال خليفة وفي هذه السنة وهي سنة ست وثلاثين ومئة خلع عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس ودعا إلى نفسه [تأريخ خليفة / ٢٧٢] وقال البسوي: وقد كان عيسى يكتب إلى عبد الله بن علي بالبيعة لأبي جعفر فورد عليه الكتاب وهو برأس الدروب متوجهًا إلى الروم في أهل خراسان وأهل الجزيرة والشام، فرجع بالناس منصرفًا حتى نزل حران فدعا جند خراسان فألحقهم في الثمانين وجعل لهم الخواص وبايع لنفسه ... إلخ [المعرفة والتأريخ ١/ ٦] وهذا يعني أن الثلاثة (خليفة والبسوي والطبري) متفقون على أن خلع عبد الله بن علي لأبي جعفر أو دعوته إلى نفسه كان سنة (١٣٦ هـ).","vol":"5","page":44},{"text":"وأقام الحجّ للناس في هذه السنة أبو جعفر المنصور، وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل في هذه السنة، ومن استخلف عليه حين شخص حاجًّا.\nوكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وعملها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عبّاد بن المنصور، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثي، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى مصر صالح بن عليّ (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد أما حجة أبي جعفر في هذه السنة فقد مضى ذكرها والله أعلم.","vol":"5","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[ذكر خبر خروج عبد الله بن عليّ وهزيمته]</span>\nفمما كان فيها من ذلك قدُوم المنصور أبي جعفر من مكة ونزولُه الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار، واستخلف على الكوفة طَلْحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكُوفة فصلَّى بأهلها الجمعة يوم الجمعة، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم، ووافاه أبو مسلم بالحِيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها، وجمع إليه أطرافه.\nوذكر عليّ بن محمد عن الوليد، عن أبيه، أنّ عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدّواوين؛ حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده، فسلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمْر؛ وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غَسّان -واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبي العباس- إلى عبد الله بن عليّ ببيعة أبي جعفر؛ وذلك بأمرِ أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبي جعفر من بعده، فقدم أبو غسان على عبد الله بن عليّ بأفواه الدروب متوجّهًا يريد الروم؛ فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبي العباس وهو نازل بموضع يقال له دُلوك، أمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع إليه القوّاد والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العباس، ودعا الناس إلى نفسه، وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يُوجّه الجنود إلى مَرْوان بن محمد دعا بني أبيه؛ فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد، وقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو وليّ عهدي، فلم ينتدب له غيري؛","vol":"5","page":46},{"text":"فعلى هذا خرجتُ من عنده، قتلتُ من قتلت. فقام أبو غانم الطائيّ وخُفاف المروروذيّ في عدّة من قوّاد أهل خُراسان، فشهدوا له بذلك؛ فبايعه أبو غانم وخُفاف وأبو الأصبغ وجميعُ مَنْ كان معه من أولئك القوّاد، فيهم حُمَيد بن قَحْطبة وخُفاف الجرجانيّ وحيّاش بن حبيب ومخارق بن غِفار وتُرَارخُدا وغيرهم من أهل خُراسان والشام والجزيرة، وقد نزل تلّ محمد، فلما فرغ من البَيعة ارتحل فنزل حَرّان، وبها مُقاتل العكيّ -وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس- فأراد مقاتلًا على البيعة فلم يجبْه، وتحصّن منه، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حِصْنه فقتله.\nوسرّح أبو جَعفر لقتال عبد الله بن عليّ أبا مسلم، فلما بلغ عبدَ الله إقبالُ أبي مسلم أقام بحرّان، وقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنما هو أنا أو أنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بحَرّان، وقد جمع إليه الجنود والسلاح، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه، ومضى أبو مسلم سائرًا من الأنبار؛ ولم يتخلَّف عنه من القوّاد أحدٌ، وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعيّ؛ وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد قد فارق عبد الله بن عليّ، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حُميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان، وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن إبراهيم أبا داود (١).\nقال عليّ: قال هشام بن عمرو التّغلبيّ: كنت في عسكر أبي مسلم، فتحدّث الناس يومًا، فقيل: أي الناس أشدّ؟ فقال: قولوا حتى أسمع، فقال رجل: أهل خراسان، وقال آخر: أهل الشأم، فقال أبو مسلم: كلّ قوم في دولتهم أشدّ الناس، قال: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بن عليّ فصدمونا صدمةً\n_________\n(١) سبق أن تحدثنا عن هذا الإسناد وسنتحدث عن شواهد هذا الخبر بعد انتهائنا من سرد روايات الطبري في الباب.","vol":"5","page":47},{"text":"أزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا، وشدّ علينا عبد الصمد في خيل مجرّدة، فقتل منا ثمانية عشر رجلًا، ثم رجع في أصحابه، ثم تجمعوا فرموْا بأنفسهم: فأزالوا صفّنا وجُلْنَا جَوْلة، فقلت لأبي مسلم: لو حرّكتُ دابتي حتى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قال: قلت: وأنت أيضًا فتحرّك دابتك، فقال: إن أهل الحِجَى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، نادِ: يا أهل خُراسان ارجعوا؛ فإن العاقبة لمن اتقى.\nقال: ففعلت، فتراجع الناس، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال:\nمَنْ كان ينوي أَهله فلا رجَعْ ... فَرَّ من الموت وفي الموت وقَعْ\nقال: وكان قد عُمِل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللًا في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها: إنّ في ناحيتِك انتشارًا، فاتّق ألّا نؤتَى من قِبَلك؛ فافعل كذا، قدّم خيلك كذا، أو تأخّر كذا إلى موضع كذا، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض.\nقال: فلما كان يوم الثلاثاء -أو الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومئة -أو سبع وثلاثين ومئة- التقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا.\nفلما رأى ذلك أبو مسلم مكَر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة -وكان على ميمنته- أن أعْرِ الميمنة، وضُمَّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم، فلما رأى ذلك أهلُ الشأم أعرَوْا ميسرتهَم، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبي مسلم، ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مُرْ أهل القلب فليحملوا مع مَنْ بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشأم، فحملوا عليهم فحطموهم، رجال أهل القلب والميمنة.\nقال: وركبهم أهلُ خراسان، فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن عليّ لابن سراقة الأزديّ- وكان معه: يابن سراقة، ما ترى؟ قال: أرى والله أن تصبر","vol":"5","page":48},{"text":"وتقاتل حتى تموت؛ فإنّ الفرار قبيح بمثلك، وقبلُ عبتَه على مَرْوان، فقلتَ: قبح الله مَرْوان! جزع من الموت ففرّ! قال: فإني آتي العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى أبي جعفر، فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يُحصِي ما أصابوا في عسكر عبد الله بن عليّ، فغضب من ذلك أبو مسلم، ومضى عبد الله بن عليّ وعبد الصمد بن علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر، وأما عبد الله بن عليّ فأتى سليمانَ بن عليّ بالبصرة، فأقام عنده، وآمن أبو مسلم الناسَ فلم يقتل أحدًا، وأمر بالكفّ عنهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[ذكر خبر قتل أبي مسلم الخراسانيّ]</span>\nوفي هذه السنة قُتل أبو مسلم.\n* ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: حدَّثنا سلمة بن محارب ومسلم بن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الأزديّ والنعمان أبو السريّ ومحرز بن إبراهيم وغيرهم، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحجّ -وذلك في سنة ست وثلاثين ومئة- وإنما أراد أن يصلي بالناس.\nفأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبي جعفر وهو على الجزيرة وأرمينيةَ وأذْرَبيجان: إن أبا مسلم كتب إليّ يستأذن في الحجّ وقد أذنتُ له؛ وقد ظننتُ أنه إذا قدم يريد أن يسألني أن أولِّيهُ إقامة الحجّ للناس، فاكتب إليّ تستأذنني في الحج؛ فإنك إذا كنتَ بمكة لم يطمع أن يتقدّمك، فكتب أبو جعفر إلى\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.","vol":"5","page":49},{"text":"أبي العباس يستأذنه في الحجّ فأذن له، فوافى الأنبار، فقال أبو مسلم: أما وجد أبو جعفر عامًا يحجّ فيه غيرَ هذا! واضطغنها عليه (١).\n_________\n(١) قول الطبري: (حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا مسلمة بن محارب) جزء من إسناد مركب ورجال هذا الإسناد (الجزء) بين الثقة والصدوق وهو موصول إلى الراوي المعاصر للأحداث وانظر تعليقنا بعد قليل.\nثم رجع الحديث إلى حديث الأولين، قالوا: لما صدر الناس عن الموسم نفر أبو مسلم قبل أبي جعفر فتقدمه، فأتاه كتاب أبي العباس واستخلاف أبي جعفر فكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يعزّيه بأمير المؤمنين ولم يهنئه بالخلافة، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع فغضب أبو جعفر فقال لأبي أيوب: أكتب كتابًا غليظًا فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة فقال يزيد بن أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق والناس جنده وهم له أطوع وله أهيب وليس معك أحد، فأخذ برأيه فكان يتأخر ويتقدم أبو مسلم وأمر أبو جعفر أصحابه فقدموا فاجتمعوا جميعًا وجمع سلاحهم، فما كان في عسكره إلا ستة أذرع فمضى أبو مسلم إلى الأنبار ودعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له، فأتى عيسى فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة وأتاه أن عبد الله بن علي قد خلع فرجع إلى الأنبار، فدعا أبا مسلم فعقد له، وقال له: سر إلى ابن علي فقال له أبو مسلم: إن عبد الجبار بن عبد الرحمن وصالح بن الهيثم يعيباني فاحبسهما، فقال أبو جعفر: عبد الجبار على شرطي - وكان قبل على شرط أبي العباس، وصالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما، قال: أراهما آثر عندك مني!\nفغضب أبو جعفر فقال أبو مسلم: لم أرد كل هذا.\nتحدثنا عن هذا الإسناد المركب فيما سبق وهذا الخبر يبيّن أن أبا مسلم لم يخاطب المنصور بأمير المؤمنين أولًا، بل عزاه فقط ثم خاطبه بأمير المؤمنين لما أغلظ له -ولعل أبا مسلم لم يعلم بأن أبا العباس قد استخلف المنصور من بعده فكان ذلك عن غير قصد منه كما أخرج البلاذري قال وحدثني ابن الأعرابي عن المفضل قال: أتت أبا مسلم وفاة أبي العباس ولم يعلم أنه قد ولى المنصور الخلافة بعده فكتب إلى المنصور عافاك الله وامتع بك أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين ﵀ فبلغ مني أعظم مبلغ وأمسّه وجعًا فأعظم الله أجرك وأجر مصيبتك ورحم الله أمير المؤمنين وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، فلما قرأ المنصور كتابه =","vol":"5","page":50},{"text":"ثم رجع الحديث إلى حديث الذين ذكر عليّ عنهم قصة أبي مسلم في أول الخبر، قالوا: ولما انهزم عبد الله بن عليّ بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى أبو مسلم على أبي الخصيب وهمّ بقتله، وجاء القوّاد إلى أبي مسلم، فقالوا: نحن ولينا أمر هذا الرجل، وغنِمْنا عسكره، فَلِمَ يَسأل عما في أيدينا؛ إنما لأمير المؤمنين مِنْ هذا الخُمْس؟ ! .\nفلما قدم أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره أنّ أبا مسلم همّ بقتله، فخاف أن يمضيَ أبو مسلم إلى خُراسان، فكتب إليه كتابًا مع يقطين؛ أن قد وليتك مصر والشأم؛ فهي خير لك من خُراسان، فوجّه إلى مِصر من أحببت، وأقم بالشأم فتكون بقرب أمير المؤمنين؛ فإن أحبّ لقاءك أتيتَه من قريب. فلما أتاه الكتاب غضب، وقال: هو يوليني الشأم ومصر، وخراسان لي! واعتزم بالمضيّ إلى خراسان، فكتب يقطين إلى أبي جعفر بذلك.\nوأما عليّ فإنه ذكر عن شيوخه الذين تقدّم ذكرنا لهم أنهم قالوا: كتب أبو مسلم إلى أبي جعفر: أما بعد: فإني اتخذت رجلًا إمامًا ودليلًا على ما افترضه الله على خلقه؛ وكان في محلّة العلم نازلًا .. وفي قرابته من رسول الله - ﷺ - قريبًا؛ فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعًا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه؛ فكان كالذي دُلّي بغرور؛ وأمرني أن أجرّد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقِيل العثرة، ففعلت توطيدًا لسلطانكم حتى عرَّفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتَّوْبة، فإن يعف عني فقِدْمًا عُرِف به ونسِب إليه؛ وإن يعاقبني فيما قدمَت يداي وما الله بظلام للعبيد.\nوخرج أبو مسلم يريد خُراسان، مراغمًا مشاقًا، فلما دخل أرضَ العراق،\n_________\n= استشاط غضبًا [أنساب الأشراف / البلاذري / تحقيق الدوري / ١٨٥].\nوأخرج البلاذري رواية أخرى في تأييد روايته هذه [المصدر السابق].","vol":"5","page":51},{"text":"ارتحل المنصور من الأنْبار فأقبل حتى نزل المدائن، وأخذ أبو مسلم طريق حُلوان، فقال: رُبّ أمرٍ لله حُلوان، وقال أبو جعفر لعيسى بن عليّ وعيسى بن موسى ومَنْ حضره من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم، فكتبوا إليه يعظمون أمره، ويشكرون له ما كان منه، ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة الغدر، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين؛ وأن يلتمس رضاه، وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبي حميد المروروذيّ، وقال له: كلم أبا مسلم بأليَن ما تكلِّم به أحدًا، ومنِّه وأعلمه أني رافعه وصانِع به ما لم يصنعه أحد، إن هو صلح وراجع ما أحبّ؛ فإن أبي أن يرجع فقلْ له: يقول لك أمير المؤمنين: لستُ للعباس، وأنا برئ من محمد، إن مضيتَ مشاقًّا، ولم تأتني؛ إن وكلت أمرَك إلى أحد سواي. وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي؛ ولو خُضْتَ البحر لخضتُه، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك (١) ولا تقولنّ له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه، ولا تطمع منه في خير.\nفسار أبو حُميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم؛ حتى قدموا على أبي مسلم بحُلْوان، فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما، فدفع إليه الكتاب، وقال له: إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيه،\n_________\n(١) في هذه العبارة دسُّ وتحريف ولا نظنّه من قبل مسلمة بن محارب فهو أخباري مأمون ولكنه من قبل غيره من المجاهيل من شيوخ المدائني وهذه سلبية من سلبيات الإسناد المركب عند المؤرخين؛ إذ يخلطون المتون ويركبون أسانيدها فيختلط الحابل بالنابل والصواب أن المنصور قال أنا بريء أو نفيت من العباس وليس فيه ذكر للرسول محمد - ﷺ -.\nلأن المنصور خليفة مسلم صاحب عقيدة يسليمة وإيمان وإن أخطأ في الأزمات والفتن فلا ولم يصل به الحد إلى أن يقول (وأنا بريء من محمد إن لم أقتلك)، وقد أخرج البلاذري عن زهير بن مسيب وغيره أن المنصور كتب كتابًا إلى أبي مسلم لطيفًا مع أبي حميد المروروذي نفيت من العباس لئن مضيت ولم تلقني ولا وكلت أمرك إلى أحد سواي ولو خضت إليك البحر الأخضر حتى أموت أو أقتلك ... إلخ. [أنساب الأشراف / ٣/ ١٩٤].","vol":"5","page":52},{"text":"حسدًا وبغيًا؛ يريدون إزالة النعمة وتغييرَها، فلا تفسد ما كان منك؛ وكلّمه، وقال: يا أبا مسلم، إنك لم تزل أمينَ آل محمد؛ يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبطْ أجرَك، ولا يستهوينّك الشيطان. فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلِّمني بهذا الكلام! قال: إنك دعوتَنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت النبيّ - ﷺ - بني العباس، وأمرتَنا بقتال مَنْ خالف ذلك؛ فدعوتنا من أرَضين متفرّقة وأسباب مختلفة، فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا بمحبّتهم، وأعزّنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلًا إلا بما قذف الله في قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة؛ أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أمَلنا أن تُفسد أمرنا، وتفرّق كلمتنا؛ وقد قلت لنا: مَنْ خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتُكم فاقتلوني! فأقبَل على أبي نصر، فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا؟ ! ما هذا بكلامه يا مالك! قال: لا تسمع كلامه، ولا يهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقتَ ما هذا كلامه؛ ولَمَا بعد هذا أشدّ منه، فامض لأمرك ولا ترجِعْ فوالله لئن أتيتَه ليقتلنّك؛ ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدًا، فقال: قوموا، فنهضوا فأرسل أبو مسلم إلى نيزك، وقال: يا نيزك، إني والله ما رأيت طويلًا أعقَل منك، فما ترى، فقد جاءت هذه الكتب، وقد قال القوم ما قالوا؟ قال: لا أرى أن تأتيَه، وأرى أن تأتي الرّيّ فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان والرّي لك؛ وهم جندُك ما يخالفك أحدٌ، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبي كنتَ في جندك، وكانت خراسان من ورائك، ورأيت رأيك، فدعا أبا حميد، فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأي أن آتيَه، قال: قد عزمت على خلافه؟ قال: نعم، قال: لا تفعل، قال: ما أريد أن ألقاه، فلما آيسه من الرجوع، قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجَم طويلًا، ثم قال: قم، فكَسره ذلك القول ورعّبه.\nوكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود -وهو خليفة أبي مسلم بخُراسان- حين","vol":"5","page":53},{"text":"اتّهم أبا مسلم: إنّ لك إمْرَة خراسان ما بقيتُ، فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّه - ﷺ -، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلا بإذنه، فوافاه كتابه على تلك الحال؛ فزاده رُعبًا وهَمًّا، فأرسل إلى أبي حُميد وأبي مالك فقال لهما: إني قد كنت معتزمًا على المضيّ إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه؛ فإنه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكلّ ما يحبّ وقال له أبو جعفر: اصرفه عن وجهه؛ ولك ولاية خراسان؛ وأجازه فرجع أبو إسحاق إلى أبي مُسلم، فقال له: ما أنكرتُ شيئًا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد أجمعتَ على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثّل:\nما للرجال مع القضاء مَحَالةٌ ... ذَهَبَ القضاءُ بحيلة الأَقوامِ\nفقال: أمّا إذا اعتزمتَ على هذا فخار الله لك؛ واحفظْ عني واحدة؛ إذا دخلتَ عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فإنّ الناس لا يخالفونك، وكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه (١).\nقالوا: قال أبو أيوب: فدخلتُ يومًا على أبي جعفر وهو في خِباء شَعر بالرومية جالسًا على مُصلَّى بعد العصر، وبين يديه كتاب أبي مسلم فرمى به إليّ فقرأته، ثم قال: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنَّه، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون! طلبتُ الكتابة حتى إذا بلغتُ غايتها فصرتُ كاتبًا للخليفة، وقع هذا بين الناس! والله ما أرى أنا إن قُتِل يرضى أصحابُه بقتله، ولا يدَعُون هذا حيًّا؛ ولا أحدًا ممن هو بسبيل منه، وامتنع مني النوم، ثم قلتُ: لعلّ الرّجل يقدَم وهو\n_________\n(١) هذا إسناد مركب ومنه إسناد واحد فقط رجاله بين الثقة والصدوق (أحمد بن زهير عن المدائني عن مسلمة بن محارب) ومسلمة بن محارب ثقة معاصر لتلك الأحداث وانظر الرواية الآتية.","vol":"5","page":54},{"text":"اآمن؛ فإن كان آمنًا فعسى أن ينال ما يريد؛ وإن قدم وهو حَذِر لم يقدر عليه إلا في شرّ، فلو التمست حيلة! فأرسلتُ إلى سلمة بن سعيد بن جابر، فقلت له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم، فقلت: إن وليتُك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق؛ تدخل معك حاتم بن أبي سليمان أخي؟ قال: نعم، فقلت -وأردت أن يطلع ولا ينكر: وتجعل له النصف؟ قال: نعم، قلت: إنّ كَسْكَر كالت عامَ أوّل كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان عام أوّل؛ فإن دفعتُها إليك بقَبالتها عامًا أوّل أو بالأمانة أصبتَ ما تضيق به ذرعًا، قال: فكيف لي بهذا المال؟ قلت: تأتي أبا مسلم، فتلقاه وتكلمه غدًا، وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن تتولّاها أنت بما كانت في العام الأوّل؛ فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يولِّيَه إذا قدم ما وراء بابه، ويستريح ويريح نفسه، قال: فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟ قلتُ: أنا أستأذن لك؛ ودخلت إلى أبي جعفر؛ فحدثته الحديث كله، قال: فادع سلمَة، فدعوته، فقال: إن أبا أيوب استأذن لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟ قال: نعم، قال: فقد أذنتُ لك، فأقرئه السلام، وأعلمه بشوقنا إليه، فخرج سلمة فلقيه، فقال: أميرُ المؤمنين أحسنُ الناس فيك رأيًا، فطابت نفسه؛ وكان قبل ذلك كئيبًا.\nفلما قدم عليه سلمة سرّه ما أخبره به وصدّقه، ولم يزل مسرورًا حتى قدم.\nقال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمَر أميرُ المؤمنين الناس فتلقوْه؛ فلما كان عشية قدم، دخلت على أمير المؤمنين وهو في خِباء على مصلَّى، فقلت: هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقتله حين أنظر إليه، قلت: أنشدك الله؛ إنه يدخل معه الناس؛ وقد علموا ما صنع؛ فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف؛ فإذا غدا عليك رأيت رأيك، وما أردتُ بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي عليه وعلينا جميعًا من أصحاب أبي مسلم، فدخل عليه من عشيته","vol":"5","page":55},{"text":"وسلم، وقام قائمًا بين يديه، فقال: انصرف يا عبدَ الرحمن فأرحْ نفسك، وادخل الحمام؛ فإن للسفر قشَفًا، ثم اغدُ عليَّ، فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس، قال: فافْتَرى عليّ أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم؛ وقال: متى أقدر على مثل هذه الحالة منه التي رأيته قائمًا على رجليه، ولا أدري ما يحدث في ليلتي! فانصرفت وأصبحت غاديًا عليه؛ فلما رآني قال: يا بن اللخناء، لا مرحبًا بك! أنك منعتَني منه أمسِ؛ والله ما غمضتُ الليلة، ثم شتمني حتى خفتُ أن يأمر بقتلي، ثم قال: ادع لي عثمان بن نَهيك، فدعوتُه، فقال: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما أنا عبدُك، والله لو أمرتَني أن أتّكِيء على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قال: كيف أنت إن أمرتُك بقتل أبي مسلم؟ فوجَم ساعةً لا يتكلم، فقلت: مالك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله؛ قال: انطلِق فجيء بأربعة من وجوه الحرس جُلْد، فمضى؛ فلما كان عند الرّواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان؛ ارجع؛ فرجع، قال: اجلس؛ وأرسِلْ إلى مَنْ تثق به من الحرس، فأحضرْ منهم أربعة، فقال لوصيف له انطلق: فادعْ شبيب بن واج، وادعُ أبا حنيفة ورجلين آخرين؛ فدخلوا فقال لهم أمير المؤمنين نحوًا مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خَلْف الرواق؛ فإذا صفَّقت فاخرجوا فاقتلوه.\nوأرسل إلى أبي مسلم رسلًا بعضهم على إثر بعض، فقالوا: قد ركب، وأتاه وصيف، فقال: أتى عيسى بن موسى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ألا أخرج فأطوف في العسكر، فأنظر ما يقول الناس؟ هل ظن أحد ظَنًّا، أو تكلم أحد بشيء؟ قال: بلى، فخرجتُ وتلقاني أبو مسلم داخلًا، فتبسّم وسلمت عليه ودخل، فرجعت؛ فإذا هو منبطحٌ لم ينتظر به رجوعي، وجاء أبو الجهم، فلما رآه مقتولًا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبلت على أبي الجهم، فقلت له: أمرتَه بقتله حين خالف، حتى إذا قُتِل قلتَ هذه المقالة! فنبّهت به رجلًا غافلًا،","vol":"5","page":56},{"text":"فتكلم كلام أصلح ما جاءَ منه، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ ألا أردّ الناس؟ قال: بلى، قال: فمرْ بمتاع يحوّل إلى رواق آخر من أرواقك هذه، فأمر بفرُش فأخرجت؛ كأنه يريد أن يهييّء له رواق آخر، وخرج أبو الجهم، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقَل فظنوه صادقًا، فانصرفوا ثم راحوا، فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم، وأعطى أبا إسحاق مئة ألف.\nقال أبو أيوب: قال لي أمير المؤمنين: دخل عليّ أبو مسلم فعاتبتُه ثم شتمتُه، فضربه عثمان فلم يصنع شيئًا، وخرج شبيب بن واج وأصحابه فضربوه فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا بن اللخناء، العفو والسيوف قد اعتورتْك! وقلت: اذبحوه، فذبحوه (١).\n_________\n(١) مضى الحديث عن هذا الإسناد وشيوخ المدائني رووه عن شاهد عيان (أبو أيوب) وهو وزير للمنصور ولا نستطيع أن نعتمد عليه وحده في إثبات كل هذه التفاصيل إلا أننا سنذكر ما يؤيد أصل الخبر وبعضًا من هذه التفاصيل.\n١ - أخرج ابن عساكر من طريق أحمد بن مروان عن أحمد بن عباد عن محمد بن سلام الجمحي قال دخل أبو مسلم على أبي العباس فسلم عليه وعنده أبو جعفر فقال له يا أبا مسلم هذا أبو جعفر فقال يا أمير المؤمنين هذا موضع لا يؤدى فيه إلا حقك ا. هـ[تأريخ دمشق / ٣٥/ ٤١٧].\n٢ - وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يحيى الصولي عن المغيرة بن محمد حدثني محمد بن عبد الوهاب حدثني علي بن المعافى قال: كتب أبو مسلم إلى المنصور حين استوحش منه أما بعد فقد كنت اتخذت إمامًا وجعلته على العين دليلًا لقرابته والوصية التي زعم أنها صارت إليه فأعطاني عشوة الضلالة وأوهقني في ربقة الفتنة وأمرني أن آخذ بالظنة وأقتل على التهمة ولا أقبل المعذرة فهتكت بأمره حرمات حكم الله صيانتها (وفي رواية الطبري / حتم الله صونها) وسفكت دماء فرض من الله حقنها وزريت الأمر على أهله ووضعته =","vol":"5","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= منه في غير محله فإن يعف الله عني فبفضل منه وإن يعاقب فبما كسبت يداي وما الله بظلام للعبيد [تأريخ دمشق ٣٥/ ٤١٨].\nوفي رواية أخرى عند ابن عساكر [٣٥/ ٤٢٠] ونبغ في الفتنة واستجهلني بالقرآن يحرفه عن مواضعه طمعًا في قليل من الدنيا زائل ومثل لي الضلالة في صورة الهدى وأمرني أن أجرد السيف وأقتل بالظنة ... إلخ.\nقلت وهذه اتهامات وجّهها أبو مسلم إلى الإمام وهو يدافع عن نفسه ويبرر سلوكه وتصرفاته وكان الإمام يومها قد توفي.\nفكيف لنا أن نصدق أبا مسلم في ادعائه أضف إلى ذلك فإن أبا جعفر المنصور وهو المعاصر لهما وشاهد عيان في هذه المسائل قد ردّ عليه اتهامه قائلًا [ولم ينسخ لك أمرًا إلا كنت لأرشدهما تاركًا ولأغواهما موافقًا] [تأريخ دمشق ٣٥/ ٤٢٠] اهـ.\n٣ - وأخرج ابن عساكر من طريق القاضي أبي الطيب الطبري ومحمد بن الحسين قالا: ثنا المعافي بن زكريا ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، نا أبو العباس المنصوري قال: لما قتل المنصور أبا مسلم قال: رحمك الله أبا مسلم فإنك بايعتنا وبايعناك وعاهدتنا وعاهدناك ووفيت لنا ووفينا لك وإنك بايعتنا على أنه من خرج علينا قتلناه وإنك خرجت علينا فقتلناك وحكمنا عليك حكمك لنا على نفسك قال: ولما أراد المنصور قتله دس له رجالًا من القواد منهم شبيب بن واج وتقدم إليهم فقال: إذا سمعتم تصفيقي فاخرجوا إليه فاضربوه.\nفلما حضر وحاوره طويلًا ... قال المنصور: يا للعجب أتقتلهم حين عصوك وتعصيني فلا أقلتلنَّك ثم صفق فخرج القوم وبدرهم إليه شبيب فضربه فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه فقال له المنصور اضربه قطع الله يدك فقال أبو مسلم يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك قال وأي عدوٍ أعدى لي منك اضربوه فضربوه بأسيافهم حتى قطعوه إربًا إربًا [تاريخ دمشق ٣٥/ ٤٢٤].\n٤ - وأخرج ابن عساكر من طريق الصولي عن الغلابي عن يعقوب بن جعفر عن أبيه قال خطب الناس المنصورُ بعد قتل أبي مسلم فقال أيها الناس لا تنفروا فيه وإن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بيعتنا وأضحى خبثًا لنا فقد أبحنا دمه ونكث وغدر وفجر وكفر فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا [تأريخ دمشق / ٣٥/ ٤٣٥]. =","vol":"5","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٥ - وأخرج ابن عساكر من طريق أحمد بن مروان ثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: سمعت الرياشي يقول كان نصر بن مالك على شرطة أبي مسلم فلما جاءه أمر أبي جعفر بالقدوم عليه استشاره فنهاه عن ذلك وقال: لا تأمنه عليك فقال له أبو جعفر: استشارك أبو مسلم في القدوم فنهيته؟ فقال: نعم قال: وكيف ذلك؟ قال: سمعت أخاك إبراهيم يحدث عن أبيه قال: لا يزال الرجل يزداد في رأيه ما نصح لمن استشاره وكنت له كذلك وأنا اليوم لك كما كنت له ا. هـ[تأريخ دمشق ٣٥/ ٤٣٥].\nوهذا ما رواه الطبري بلا إسناد (٧/ ٤٩٤) ولفظ الطبري مختلف في عدم ذكر بعض التفاصيل ونصه: - وقدم أبو نصر على أبي جعفر فقال: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين كانت له عندي أيادٍ وصنائع فاستشارني فنصحت له وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك وشكرت، فعفا عنه فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر وقال أنا اليوم البواب، لا يدخل أحد القصر وأنا حي فقال أبو جعفر: أين مالك بن الهيثم؟ فأخبروه فرأى أنه قد نصح له. اهـ.\n٦ - أما يعقوب بن سفيان البسوي (٢٧٧ هـ) فقد أخرج (وقد قال قوم) هكذا ... خبرًا وفيه يذكر البسوي خروج عبد الله بن علي ثم قتال ضد أبي مسلم وانتصار أبي مسلم عليه وهزيمة عبد الله وقدومه إلى البصرة ... إلخ وفي آخر الخبر: وبعث أبو جعفر بيقطين بن موسى إلى أبي مسلم يأمره بإحصاء ما في عسكر عبد الله بن علي، فغضب أبو مسلم من ذلك وأجمع على الخلاف والكره وشخص أبو جعفر إلى المدائن وشخص أبو مسلم فأخذ طريق خراسان يريدها مخالفًا لأبي جعفر [المعرفة والتأريخ ١/ ٦].\nثم قال البسوي: وقتل أبو مسلم يوم الأربعاء لسبع ليالٍ خلون من شعبان في هذه السنة (١٣٧) [١/ ٦].\nولم يذكر البسوي تفاصيل مقتله.\n٧ - وأما خليفة بن خياط (٢٤٠ هـ) فقد قال: وفي سنة سبع وثلاثين ومئة لقي أبو مسلم عبد الله بن علي فاقتتلوا قتالًا شديدًا ثم انهزم عبد الله بن علي فأتى البصرة وبعث أبو جعفر سلمة بن سعيد بن جابر وكان صهر أبي مسلم كانت خالته تحت أبي مسلم فلحق أبا مسلم قبل أن يدخل الري فسأله القدوم على أبي جعفر فقدم معه وأبو جعفر بالمدائن. =","vol":"5","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>[ذكر خروج سنباذ للطلب بدم أبي مسلم ثم قتله] وفيها خرج سُنباذ يطالب بدم أبي مسلم </span>(١)\nخروج ملبد بن حرملة الشيباني (٢).\n_________\n= فقتله أبو جعفر بالرومية وذلك يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومئة، فسمعت يحيى بن المسيب قال: قتله وهو في سرادقات ثم بعث إلى عيسى بن موسى فأعلمه بذلك وأعطاه الرأس والمال فخرج به ونثر الأموال فتشاغل الناس بها، [تأريخ خليفة / ٢٧٢].\nتعليقنا على هذه الروايات جميعًا (روايات الطبري وابن عساكر وخليفة والبسوي) لم نورد هذه الروايات لتأكيد تفاصيل مقتله فحتى أبو أيوب الوزير (الذي روى عنه شيوخ المدائني تفاصيل مقتل أبي مسلم) لم يشهد ذلك المشهد بل روى الحادثة بصيغتين -ولكن الذي نستطيع قوله أن أبا مسلم كان داهية فاحتاج أبو جعفر المنصور إلى الصبر والمحاولة الواحدة تلو الأخرى لاستدراجه وأرسل الرسل والكتب والسفراء ثم استقبله بحفاوة وأكرمه حتى أوقعهُ في الشرك فكان أدهى من أبي مسلم والله تعالى أعلم.\n(١) اتفقت المصادر التأريخية المتقدمة الثلاث على خروج سنباذ سنة (١٣٧ هـ) إلا أنها لم تتفق على تفاصيل ذكرها الطبري فقال خليفة وفيها (١٣٧ هـ) استفزَّ سنباذ أهل الري فانتفضوا.\nقال أبو عبيدة: فبعث إليهم أبو جعفر محمد بن الأشعث فقتلهم وسبى ذراريهم ويقال: جمهور بن مرار العجلي [تأريخ خليفة / ٢٧٣].\nولقد سمى الطبري سنباذ هذا مجوسيًا بينما وصفه البسوي بالخارجي وذكر أنه خرج بنيسابور وسار إلى الري ثم قومس فبعث أبو جعفر جمهور بن مرار العجلي فغلبه وقتله [المعرفة والتأريح / ١/ ٦].\n(٢) اتفق خليفة والطبري والبسوي على خروج ملبّد على أبي جعفر دون الاتفاق على تفاصيل ذكرها الطبري، والطبري والبسوي على أنه خرج سنة (١٣٧ هـ) بينما ذكر خليفة أن ذلك كان سنة (١٣٨ هـ) وهو قول الواقدي لذلك كما ذكر الطبري (٩/ ٤٩٦) - قال البسوي وفيها (١٣٧ هـ) خرج حرملة الشيباني بناحية الجزيرة [المعرفة ١/ ٦] وقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٣٨ هـ). =","vol":"5","page":60},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقديّ وغيره؛ وهو على الموصل.\nوكان على المدينة زياد بن عبيد الله، والعباس بن عبد الله بن معبد على مكة، ومات العباس عند انقضاء الموسم؛ فضمّ إسماعيل عمله إلى زياد بن عبيد الله؛ فأقرَّه عليها أبو جعفر.\nوكان على الكوفة في هذه السنة عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عمر بن عامر السَّلميّ، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم، وعلى الجزيرة حُميد بن قَحْطبة، وعلى مصر صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١).\n* * *\n_________\n= وفيها خرج ملبد بن حرملة أحد بني أبي ربيعة بالموصل فوجّه إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة فقتله ويقال خرج ملبد سنة سبع وثلاثين ومئة [خليفة / ٢٧٣].\n(١) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٧٣] وأخرج البسوي قال: حدثنا سلمة قال: أحمد بن حنبل عن إسحاق عن أبي معشر: فحجّ إسماعيل بن علي سنة سبع وثلاثين ومئة [المعرفة / ١/ ٥].\nوأما بالنسبة لأسماء الولاة والقضاة في هذه السنة فانظر قوائم الولاة وأسماء القضاة فيما بعد.","vol":"5","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة وقهرًا لأهلها وهدمه سورها، وعفوه عمّن فيها من المقاتلة ومنها غزو العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس -في قول الواقدي- الصائفة مع صالح بن علي بن عبد الله، فوصله صالح بأربعين ألف دينار، وخرج معهم عيسى بن علي بن عبد الله فوصله أيضًا بأربعين ألف دينار فبنى صالح بن علي ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية.\nوقد قيل: إن خروج صالح والعباس إلى ملطية للغزو كان في سنة تسع وثلاثين ومئة (١).\nوفي هذه السنة بايع عبد الله بن علي لأبي جعفر وهو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن عليّ.\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي: وفيها (١٣٨ هـ) أغار طاغية الروم على ملطية فهدمها وعفا عمن كان فيها من المقاتلة والذرية [المعرفة / ١/ ٧].\nوقال خليفة وفيها (١٣٨ هـ) غزا صالح بن علي فنزل دابق وأقبل قسطنطين بن أليون طاغية الروم في مئة ألف فلقيه صالح فقتل وسبى وخرج سالمًا (٢٧٣).","vol":"5","page":62},{"text":"[ذكر خلع جمهور بن مرّار بن منصور] وفيها خلع جمهور بن مرار العجلي المنصور (١) [ذكر خبر قتل ملبد الخارجي]\nوفي هذه السنة قتل ملبد الخارجي (٢).\nوحج بالناس في هذه السنة الفضْل بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقدي وغيره، وذكر أنه كان خرج من عند أبيه من الشأم حاجًّا، فأدركته ولايته على الموسم والحجّ بالناس في الطريق، فمرّ بالمدينة فأحرم منها.\nوزياد بن عبيد الله على المدينة ومكة والطائف، وعلى الكوفة وسوادها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وأبو داود خالد بن إبراهيم على خراسان، وعلى مصر صالح بن عليّ (٣).\n* * *\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها خلع جمهور بن مرار العجلي فتوجه إليه محمد بن الأشعث فقتله (المعرفة والتأريخ ٧/ ٤٩٧).\n(٢) لقد مرّ ذكر خروج ملبد ضمن أحداث سنة (١٣٧ هـ) وذكرنا في حينها أن الطبري والبسوي يتفقان على سنة (١٣٧ هـ) كتأريخ لخروج ملبد بينما يرى خليفة أنه خرج وقتل سنة ١٣٨ هـ ويذكر سنة (١٣٧ هـ) بصيغة التمريض قال خليفة: وفيها (أي سنة ١٣٨ هـ) خرج ملبد بن حرملة أحد بني ربيعة بالموصل فوجّه إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة فقتله، ويقال: خرج ملبد سنة سبع وثلاثين ومئة [تأريخ خليفة / ٢٧٣].\n(٣) أما الحج فقد اتفق الثلاثة (الطبري وخليفة والبسوي) على أن أمير الحج في هذا العام (١٣٨ هـ) هو الفضل بن صالح بن علي [المعرفة / ١/ ٦] [خليفة / ٢٧٣] وأما أسماء الولاة والقضاة فانظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة</span>\nوغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهراني. وفيها عزل سليمان بن علي عن ولاية البصرة (١) وعما كان إليه من أعمالها- وقد قيل: إنه عزل عن ذلك في سنة أربعين ومئة.\nوفيها ولّى المنصور ما كان إلى سليمان بن علي من عمل البصرة سفيان بن معاوية وذلك فيما قيل يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان.\nوحجّ بالناس في هذه السنة العباس (٢) بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.\nوكان على مكة والمدينة والطائف زياد بن عبيد الله الحارثي وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم (٣).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة: خرج جعفر بن حنظلة البهراني فأتى ملطية وهي خراب فعسكر وخرج عبد الواحد فأتى ملطية فزرع وطبخ كلسًا كثيرًا، ثم قفل فوجّه الطاغية فحرق الزرع [تأريخ خليفة / ٢٧٤].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) أما الحج فكذلك قال خليفة: وأقام الحج العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس [تأريخ خليفة / ٢٧٤] والبسوي إذ قال: وفي سنة تسع وثلاثين ومئة حجّ العباس بن محمد بالناس [المعرفة / ١/ ٧].","vol":"5","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>ثم دخلت سنة أربعين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>[ذكر هلاك أبي داود عامل خراسان وولاية عبد الجبار] </span>(١)\nوفيها خرج أبو جعفر حاجًّا فأحرم من الحيرة ثم رجع بعدما قضى حجته إلى المدينة فتوجه منها إلى بيت المقدس (٢).\nوكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان فإن عاملها كان عبد الجبار (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>ثم دخلت سنة إحدى وأربعين بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>[ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي إليه] </span>(٤)\nوفي هذه السنة فُرغ من بناء المصيصة على يدي جبرائيل بن يحيى الخراساني (٥).\n_________\n(١) ووافقه البسوي في ذلك وقال: وكان أبو مسلم استخلفه حين شخص إلى العراق ققتل يمرو ليلة الجمعة من شهر ربيع الأول سنة أربعين ومئة [المعرفة والتأريخ ١/ ٩].\n(٢) وقال خليفة وأقام الحج أمير المؤمنين أبو جعفر [تأريخ خليفة / ٢٧٤].\nوقال البسوي وخرج أبو جعفر حاجًّا فأحرم من الحيرة وأقام للناس الحج وعلى المدينة ومكة زياد بن عبيد الله الحارثي وصدر أبو جعفر مصدره على الحج إلى المدينة فتوجه منها إلى بيت المقدس ووفد إليه الليث بن سعد [المعرفة / ١/ ٩].\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٤) انظر التعليق رقم / ١ / ص ٦٨.\n(٥) قال خليفة بن خياط وفيها (١٤٠ هـ) كتب أمير المؤمنين أبو جعفر إلى صالح بن علي يأمره ببناء مدينة المصيصة فوجه جبريل بن يحيى فرابط بها حتى بناها وفرغ منها ستة إحدى وأربعين ومئة [تأريخ خليفة / ٢٧٤].","vol":"5","page":65},{"text":"ورابط محمد بن إبراهيم الإمام بمَلطْية:\nواختلفوا في أمر عبد الجبار وخبره، فقال الواقديّ: كان ذلك في سنة ثنتين وأربعين ومئة، وقال غيره: كان ذلك في سنة إحدى وأربعين ومئة (١).\nوذكر عن عليّ بن محمد أنه قال: كان قدوم عبد الجبار خراسان لعشر خلوْن من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئة، ويقال لأربع عشرة ليلة، وكانت هزيمته يوم السبت لستّ خلوْن من ربيع الأول سنة ثنتين وأربعين ومئة (٢).\nوذكر عن أحمد بن الحارث، أن خليفة بن خياط حدّثه، قال: لما وجّه المنصور المهديَّ إلى الريّ -وذلك قبل بناء بغداد؛ وكان توجيهه إياه لقتال عبد الجبار بن عبد الرحمن، فكفى المهديّ أمْرَ عبد الجبار بمن حاربه وظفر به- كرِه أبو جعفر أن تبطل تلك النفقات التي أنفقت على المهديّ؛ فكتب إليه أن يغزوَ طبَرستان، وينزل الريّ، ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ؛ وكان الأصبهبذ يومئذ محاربًا للمصمُغان ملك دُنباوند معسكرًا بإزائه؛ فبلغه أن الجنودَ دخلت بلاده، وأن أبا الخصيب دخل سارِية، فساء المصمُغان ذلك، وقال له: متى صاروا إليك صاروا إليّ؛ فاجتمعا على محاربة المسلمين؛ فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده، فحارب المسلمين، وطالت تلك الحروب، فوجّه أبو جعفر عمر بن العلاء الذي يقول فيه بشار:\nفقُلْ للخليفة إنْ جئتَهُ ... نَصيحًا ولا خَيرَ في المُتَّهَمْ\nإذا أَيقَظتْك حُرُوبُ العِدا ... فَنبِّهْ لها عُمَرًا ثمّ نَمْ\nفَتىً لا يَنامُ على دِمْنَةٍ ... ولا يَشْرَبُ الماءَ إلا بِدمْ\nوكان توجيهه إياه بمشورة أبْرويز أخي المصمُغان، فإنه قال له: يا أمير\n_________\n(١) انظر التعليق رقم / ١ / ص ٦٧.\n(٢) انظر التعليق رقم / ١ / ص ٦٧.","vol":"5","page":66},{"text":"المؤمنين؛ إن عمر أعلم الناس ببلاد طَبَرِستان، فوجَهه؛ وكان أبرويز قد عرف عمر أيام سنباذ وأيام الروانديّة فضمّ إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة، فدخل الرُّويان ففتحها، وأخذ قَلْعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب، فألحّ خازم على القتال، ففتح طبَرستان، وقتل منهم فأكثر، وصار الأصبهبذ إلى قلعته، وطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره، فكتب المهديّ بذلك إلى أبي جعفر، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلى وعدّة معه، فأحصوْا ما في الحِصْن وانصرفوا، وبدا للأصبهبذ، فدخل بلاد جِيلان من الدَّيلم، فمات بها؛ وأخذِت ابنته -وهي أمّ إبراهيم بن العباس بن محمد- وصمدت الجنود للمصمُغان؛ فظفروا به وبالبحترية أم منصور بن المهديّ، وبصيمر أم ولد عليّ بن رَيطة بنت المصمُغان، فهذا فتح طبرستان الأول.\nقال: ولما مات المصمُغان تحوّز أهل ذلك الجبل فصاروا حَوْزيّة لأنهم توحّشوا كما توحّش حمر الوحش (١).\nوعلى الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكيّ من أهل خراسان (٢).\n* * *\n_________\n(١) هذه طرق ثلاث ذكرها الطبري (٥٢ - ٥٣ - ٥٤] في تأكيد خبر خروج عبد الجبار بن عبد الرحمن ومن قبله (٥٠) ثم ذكر رواية مطولة وفيها تفاصيل كثيرة ذكرناها في قسم المسكوت عنه.\nلأن سنده لا يصح ولم تتأيد تلك التفاصيل من مصادر أخرى- ولعل الرواية (٥٤) هي أقل الروايات ضعفًا من بين روايات الطبري هذه والله تعالى أعلم.\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":67},{"text":"وفيها تُوفِّيَ موسى بن كعب؛ وهو على شُرَطِ المنصور، وعلى مصر والهند وخليفته على الهند عيينة ابنه.\nوفيها عُزل موسى بن كعب عن مصر، ووليها محمد بن الأشعث ثم عزل عنها، ووليها نَوْفل بن الفُرات.\nوحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على قِنَّسرين وحمص ودمشق، وعلى المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى خُراسان المهديّ، وخليفته عليها السريّ بن عبد الله، وعلى مصر نَوْفل بن الفرات (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما يعد. وأما فيما يتعلق بحجة صالح بن علي بن عبد الله (والي قنسرين، وحمص ودمشق) فكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٧٥] والبسوي [المعرفة والتأريخ ١/ ٩].","vol":"5","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[ذكر خبر نكث إصبهبذ طبرستان العهد]</span>\nوفي هذه السنة نقض إصبهبذ طَبَرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين.\n* ذكر المخبر عن أمره وأمر المسلمين:\nذكر أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الإصبهبذ وما فعل بالمسلمين، وجّه إليه خازم بن خزيمة وروْح بن حاتم ومعهم مرزوق أبو الخصيب مولى أبي جعفر، فأقاموا على حصنِه محاصرين له ولمن معه في حصنه، وهم يقاتلونهم حتى طال عليهم المقام، فاحتال أبو الخصيب في ذلك فقال لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي؛ ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب الحصن فقال له: إني رُكِب مني أمرٌ عظيم؛ ضُرِبتُ وحُلِق رأسي ولحيتي، وقال له: إنما فعلوا ذلك في تهمةٍ منهم لي أن يكون هواي معك، وأخبره أنه معه، وأنه دليل له على عورة عسكرهم، فقبل منه ذلك الإصبهبذ، وجعله في خاصّتِه وألطفه؛ وكان باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء يرفعه الرجال، وتضعه عند فتحه وإغلاقه؛ وكان قد وكّل به الإصبهبذ ثقاتٍ أصحابه، وجعل ذلك نُوَبًا بينهم، فقال له أبوالخطيب: ما أراك وثقت بي، ولا قبلت نصيحتي! قال: وكيف ظننتَ ذلك؟ قال: لتركك الاستعانة بي فيما يعينك، وتوكيلي فيما لا تثق به إلا بثقاتك؛ فجعل يستعين به بعد ذلك، فيرى منه ما يحبّ إلى أن وثق به، فجعله فيمن ينوب في فتح باب مدينته وإغلاقه؛ فتولَّى له ذلك حتى أنس به، ثم كتب أبو الخصيب إلى رَوْح بن حاتم وخازم بن خزيمة، وصيّر الكتاب في نُشّابة، ورماها إليهم، وأعلمهم أن قد ظفر","vol":"5","page":69},{"text":"بالحيلة، ووعدهم ليلة، سمّاها لهم في فتح الباب، فلما كان في تلك الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة، وسبَوا الذراريّ، وظُفر بالبحتريّة، وهي أم منصور بن المهدي، وأمّها باكند بنت الإصبهبذ الأصمّ -وليس بالإصبهبذ الملك؛ ذاك أخو باكند- وظفر بشَكْلة أم إبراهيم بن المهديّ، وهي بنت خونادان قَهرمان المصمُغان، فمصّ الإصبهبذ خاتمًا له فيه سمّ فقتل نفسه، وقد قيل: إن دخول رَوح بن حاتم وخازم بن خزيمة طَبَرستان كان في سنة ثلاث وأربعين ومئة (١).\nوفي هذه السنة بني المنصور لأهل البصرة قبْلتهم التي يصلون إليها في عيدهم بالحمّان، وولى بناءه سلمة بن سعيد بن جابر، وهو يومئذ على الفُرات والأبُلَّة من قِبَل أبي جعفر، وصام أبو جعفر شهر رمضان، وصلى بها يوم الفطر (٢).\nوفيها تُوُفّي سليمان بن عليّ بن عبد الله بالبَصْرة ليلة السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة، وصلّى عليه عبد الصمد بن عليّ (٣).\nوفيها عُزِل عن مصر نوفل بن الفرات، ووليها محمد بن الأشعث، ثم عُزل\n_________\n(١) قال البسوي: وفي هذه السنة نقض أهل طبرستان العهد وقتلوا من فيها من المسلمين فتوجه إليهم خازم بن خزيمة وروح بن حاتم ومعهم أبو الخصيب فحاصروا طبرستان وطال مقامهم فقال أبو الخصيب: اجلدوا ظهري واحلقوا رأسي ولحيتي ففعلوا به، ولحق بأصبهذ فأمنه وأكرمه ووكله بحفظ الباب، ففتح للمسلمين الباب في بعض الليالي فدخلوا المدينة فقتلوا من بها وسبوا الذرية، ومصَّ الإصبهذ خاتمًا له فيه سمٌّ فمات إلى النار. [المعرفة / ١/ ١١].\n(٢) قال البسوي وفيها (أي: ١٤٢ هـ) صام أبو جعفر بالبصرة وصلى بهم العيد [المعرفة / ١/ ١١] وقال خليفة وفيها قدم المنصور أمير المؤمنين أبو جعفر البصرة فنزل عسكره بجسر الأكبر وأقام الحج إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس [تأريخ خليفة / ٢٧٥].\nأي أن الثلاثة اتفقوا على هذا الخبر (صلاة أبي جعفر بالبصرة صلاة العيد سنة ١٤٢ هـ).\n(٣) وكذلك قال البسوي: وفيها توفي سليمان بن علي بالبصرة ليلة السبت لسبع بقين من جمادى الآخرة، وقد شارف الستين وصلى عليه عبد الصمد بن علي [المعرفة والتأريخ ١/ ١١].","vol":"5","page":70},{"text":"عنها محمد ووليها نوفل بن الفرات، ثم عزل نَوْفل ووليها حميد بن قحطبة (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٢) وكان العامل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر حميد بن قحطبة (٣).\nوفيها -في قول الواقدي- ولَّى أبو جعفر أخاه العباس بن محمد الجزيرة والثغور وضمّ إليه عدّة من القوّاد، فلم يزل بها حينًا (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٧٥) والبسوي في المعرفة والتأريخ [١/ ١٠].\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[غزو الدّيلم]</span>\nففي هذه السنة ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذكر أن أبا جعفر اتصل به عن الدّيلم إيقاعهم بالمسلمين وقتلهم منهم مقتلة عظيمة، فوجّه إلى البصرة حبيب بن عبد الله بن رغبان، وعليها يومئذ إسماعيل بن عليّ، وأمره بإحصاء كل مَنْ له فيها عشرة آلاف درهم فصاعدًا، وأن يأخذ كلّ من كان ذلك له بالشخوص بنفسه لجهاد الدّيلم، ووجّه آخر لمثل ذلك إلى الكوفة (١)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>[عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف]</span>\nوفيها عُزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، ووليَ ما كان إليه من ذلك السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، وأتى السريّ عهده على ذلك وهو باليمامة، فسار إلى مكة، ووجّه أبو جعفر إلى اليمامة قُثَم بن العباس بن عبد الله بن عباس (٢).\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي: ووجه أبو جعفر في هذه السنة إلى البصرة فجعل على من كان يملك عشرة آلاف درهم فصاعدًا أن يوجه رجلًا إلى قتال الديلم وذلك أنهم نالوا من المسلمين [المعرفة ١/ ١٢].\n(٢) قال خليفة ضمن سرده لأحداث (١٤٣ هـ) وعزل أبو جعفر الهيثم بن معاوية عن مكة وولَّى السري بن عبد الله [تأريخ خليفة / ٢٧٦]. =","vol":"5","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>[عزل حميد بن قحطبة عن مصر]</span>\nوفيها عُزل حُميد بن قحطبة عن مصر، ووليَها نوفل بن الفرات، ثم عزل نوفل ووليَها يزيد بن حاتم.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبيد الله بن عباس، وكان يومئذ إليه ولاية الكوفة وسوادها (١).\nوكان والي مكة فيها السري بن عبد الله بن الحارث، ووالي البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم (٢).\n* * *\n_________\n= وقال البسوي: وعُزِل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف وولّي مكانه السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب [المعرفة ١/ ١٣].\n(١) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ١٢] وخليفة [تاريخ خليفة / ٢٧٥].\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>.\nوفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور، وخلف على عسكره والميرة خازم بن خزيمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>[ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن]</span>\nوفي هذه السنة ولّى أبو جعفر رياح بن عثمان المري المدينة وعزل محمد بن خالد بن عبد الله القسري عنها (٢).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة [تاريخ خليفة / ٢٧٦] والبسوي [١/ ١٣].\n(٢) وكذلك قال البسوي: وفيها (أي: ١٤٤ هـ) عُزل محمد بن عبد الله القسري عن المدينة وولي مكانه رياح بن عثمان المري [المعرفة ١/ ١٣].\nوقال خليفة: وفيها (١٤٤ هـ) ولي رياح بن عثمان المرّي المدينة [تأريخ خليفة / ٢٧٦].","vol":"5","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وخروج أخيه إبراهيم بن عبد الله بعده بالبصرة ومقتلهما (١).\n_________\n(١) لقد خصص الطبري ﵀ مساحة كبيرة نسبيًا من تأريخه لخروج محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم في المدينة والبصرة تباعًا [ما يقرب من ١١٨ صفحة] من المجلد السابع يقول الأستاذ عماد الدين خليل [وهي الثورة الوحيدة التي بسطها الطبري في هذا العدد الواسع من الصفحات فقد أورد عددًا كبيرًا من الروايات واعتمد على عدد من الرواة على رأسهم عمر بن شبة وأسهب في الجزئيات والمسائل الثانوية كالحديث عن سيف محمد ذي النفس الزكية وصفاته مثلًا وعرض روايات تتفق أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى ... إلخ] (ص ٢١٢).\nقلت (البرزنجي): جلّ روايات الطبري عن هذه الواقعة مستقاة من كتب المؤرخ المشهور عمر بن شبة وهو ثقة.\nفقد روى عنه ما يربو على الـ (١٥٠) رواية من طريقه ولكن وللأسف الشديد فإن عمر بن شبّة رواها بدوره بأسانيد مسلسلة بالضعفاء والمجاهيل أو المتروكين حتى لو روى عن شيخه الثقة محمد بن يحيى (أبي غسان) فإن شيخ محمد بن يحيى مجهول مثلًا وفي متون بعضها الكثير من النكارات والطامات.\nوبالرغم من أننا قبلنا قول الطبري في هذه المرحلة (العصر العباسي الأول قال عمر بن شبة أو ذكر عمر بن شبة) ولم نعتبره انقطاعًا من باب التساهل في رواية التأريخ باعتبار أن الطبري قد اطلع على كتب شيخه عمر بن شبة. (أي بالعكس مما اتبعناه في تأريخ الفرن الهجري الأول فلم نقبل في الغالب إلا قوله حدثني عمر بن شبة).\nأقول ومع هذا التساهل (هنا) فإننا لم نجد رواية ولو واحدة بسند موصول صحيح أو حسن أو من مظان الحسن لنذكره في قسم الصحيح هنا، ناهيك عن الأسانيد المسلسلة بالمجاهيل أو المجاهيل والوضاعين والمتروكين وسكتنا عن أقلها ضعفًا فذكرناها في قسم المسكوت عنه. =","vol":"5","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإليك سردًا عامًّا وسريعًا لتراجم الرواة الذين وردت أسماؤهم في أسانيد هذه الأخبار.\n١ - عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه (٧٩/ ٥٢٩) ذكره ابن حبان في الثقات وقال يروي عن أبيه عن جده، في حديثه بعض المناكير [الثقات ٨/ ٤٩٢] ولم يوثقه أحد فيما نعلم.\n٢ - نصر بن قديد (أبو صفوان) كذبه ابن معين ومشاه غيره وذكره البخاري في الضعفاء [اللسان / تر ٨٨٥٥].\n٣ - محمد بن الحسن بن زبالة: ليس بثقة كان يسرق الحديث- قاله ابن معين [الجرح ٧/ ٢٢٧].\n٤ - عبد العزيز بن عمران: قال النسائي متروك الحديث وقال البخاري منكر الحديث لا يكتب حديثه [تهذيب / تر ٤٠٥٣].\n٥ - جهم بن عثمان (٧/ ٥٥٥) قال أبو حاتم مجهول / الجرح والتعديل ٢/ ٥٢٢ / تر ٢١٦٩.\n٦ - إسماعيل بن يعقوب (٧/ ٥٥٨) ضعيف الحديث وله حكاية منكرة عن مالك [الجرح والتعديل ٢/ ٢٠٤ / تر ٦٩٠] [لسان الميزان / تر ١٣٩٥].\n٧ - محمد بن مسعر بن العلاء: [اتهمه ابن عساكر بالوضع ودافع عنه الحافظ ابن حجر في اللسان لأن البلاء من الذي روى عنه [اللسان تر ٨٠٨١ و٨٠٨٢].\n٨ - السندي بن شاهك مولى أبي جعفر (٧/ ٥٢٣) مجهول الحال.\n٩ - عبد الله بن محمد بن عمر بن علي (٥/ ٥٢٩) وثقه الدارقطني وابن خلفون [سؤالات البرقاني ٨٥]، قال ابن المديني ثقة [تهذيب الكمال / ٣٥٣٤ وإكمال مغلطاي / ٢/ ٣٢٢] إلا أن الراوي عنه (ابنه) وفي حديثه بعض مناكير كما قال ابن حبان ولم يوثقه أحدهم.\n١٠ - علي بن أبي طالب الراوي (٧/ ٥٥٧) ذكرت كتب التراجم ثلاثة من الرواة بهذا الاسم أحدهم الذي سمع هيصم بن شداخ كوفي قال ابن معين ليس بشيء (كان بعد المئتين) والثاني هو البزار البصري ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٦١) يروي عن الوقاص عن مكحول عن حذيفة روى عنه أبو حاتم والثالث شيخ أسند عنه ابن عساكر وسمى جده صبيح بن الحسن وانظر لسان الميزان [تر ٥٨٩٥] ولم يبيّن الطبري كنيته ولا لقبه.\n١١ - علي بن الجعد (٧/ ٥٥٩) ثقة ولد في بداية خلافة بني العباس وهو ثقة رمي بالتشيع [تهذيب / تر ٤٦٢٣].\n١٢ - عبد الله بن نافع بن ثابت صدوق توفي سنة ٢١٦ وهو ابن سبعين [تهذيب / تر ٣٥٩٥].","vol":"5","page":76},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١٣ - عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير لم نجد راويًا بهذا الاسم سوى ما ذكره ابن حبان في الثقات فقال: عثمان بن المنذر عن الحكم بن محمد الثقفي عداده في أهل الشام روى عنه الوليد بن مسلم [الثقات ٨/ ٤١٥] ولا نظنه هو الذي ذكره الطبري هنا (٧/ ٥٩٣) والله أعلم.\n١٤ - عبد الملك بن قريب الأصمعي (٧/ ٥٩٦) وثقه ابن معين. وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر صدوق سُنّي من التاسعة ت ٢١٦ هـ أخرج له مسلم [تحرير / تر ٤٢٠٥].\n١٥ - المسور بن عبد الملك مقبول من السادسة [تحرير التقريب / ٦٦٧١].\n١٦ - سليمان بن مجالد (٧/ ٦١٥) مقبول من السابعة إن كان الحزامي وهو من أتباع التابعين [الثقات ٧/ ٤٩٩].\n١٧ - بشر بن ميمون الشووي (٧/ ٦١٦) لم نجد راويًا بهذا الاسم والنسب إلا أن ابن أبي حاتم ترجم لبشر بن ميمون ونقل عن ابن معين قوله لا بأس به وقال أبو حاتم أحاديثه منكرة [لسان الميزان / تر ١٦٥٥].\n١٨ - عباد بن كثير (٧/ ٦٠٤) متروك من السابعة [تحرير / تر ٣١٣٩].\n١٩ - سعيد بن نوح بن مجالد الضبعي: عن شيوخ أبي حاتم وقال فيه كان صدوقًا من خيار عباد الله [الجرح / ٤ / تر ٢٩٠].\n٢٠ - إسحاق بن إبراهيم الموصلي: - قال الذهبي في ترجمة أبيه (إبراهيم) كان مطربًا لعابًا مترفًا سامحه الله وله أخبار في الأغاني وهو والد إسحاق بن إبراهيم العلامة الأديب وإبراهيم الموصلي المطرب ولد ١٢٥ هـ وتوفي ١٨٨ هـ[تأريخ بغداد ٦١/ ١٧٠) وسير أعلام النبلاء ٩ / تر ٢٢].\nوجلّ من تبقّى من رواة الطبري في مسألة خروج ذي النفس الزكية فهو: إمّا مجهول العين أو مجهول الحال أو متروك سوى من سنذكر أثناء سردنا للروايات كالمدائني وهو صدوق (وهو الأخباري المعروف) والواقدي وهو متروك وأبو عاصم النبيل وهو الثقة المعروف وغيره كما سنذكر إن شاء الله.\nوسامح الله الطبري سوّد صفحات من تأريخه هذا بروايات مكذوبة تتحدث عن الصورة التي عذّب بها أبو جعفر عبد الله بن حسن وأقاربه وكلها روايات لا تصح ولا هي حتى من نطاق =","vol":"5","page":77},{"text":"قال أبو زيد: حدثني عبيد الله بن محمد بن حفص قال حدثني أبي قال رحل محمد وإبراهيم بن أبي جعفر فأتيا عدن ثم سارا إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة (١).\nقال: وحدثني الفضل بن دكين أبو نعيم قال: حبس من بني حسن ثلاثة عشر رجلًا وحبس معهم العثماني وابنان له في قصر ابن هبيرة، وكان في شرقي الكوفة مما يلي بغداد فكان أوّل من مات منهم إبراهيم بن حسن ثم عبد الله بن حسن فدفن قريبًا من حيث مات وإلا يكن بالقبر الذي يزعم الناس أنه قبره، فهو قريب منه.\nوكان والي مكة في هذه السنة السري بن عبد الله ووالي المدينة رياح بن عثمان المرّي، ووالي الكوفة عيسى بن موسى ووالي البصرة سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوّار بن عبد الله وعلى مصر يزيد بن حاتم (٢).\n* * *\n_________\n= الحسن، ولا خفيفة الضعف.\nبل أقلّ ما يقال عن أسانيدها أنها منقطعة أو مسلسلة بالمجاهيل ونحو ذلك - بل الصحيح أنه سجنهم ومات منهم من مات في سجنه ﵃ أجمعين، والحق يقال فإن المنصور أساء التصرف معهم كما قال ابن كثير وذكر ذلك في الخلاصة فيما بعد.\n(١) أما شيخ ابن شبة (عبيد الله) فهو ثقة كما ذكرنا في الحاشية سابقًا وأما أبوه فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢) وسكت عنه أبو حاتم (٧/ ١٢٩٤).\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":78},{"text":"وحدثني عبد الملك بن قريب الأصمعي قال رأيت الرشيد أمير المؤمنين بطوس متقلدًا سيفًا فقال لي يا أصمعي ألا أريك ذا الفقار؟ قلت بلى جعلني الله فداك قال: استل سيفي فاستللته فرأيت فيه ثمان عشرة فقارة (١).\nوفي هذه السنة استخلف عيسى بن موسى على المدينة كثير بن حصين حين شخص عنها بعد مقتل محمد بن عبد الله بن حسن، فمكث واليًا عليها شهرًا ثم قدم عبد الله بن الربيع الحارثي واليًا عليها من قبل أبي جعفر المنصور (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع فهرب منهم </span>(٣)\nقال وحدثني عثامة بن عمرو السهمي قال: حدثني المسور بن عبد الملك قال لما حبس ابن الربيع أبا بكر بن أبي سبرة وكان جاء بجباية طيئ وأسد فدفعهما إلى محمد؛ أشفق القرشيون على ابن أبي سبرة، فلما خرج السودان على ابن الربيع خرج ابن أبي سبرة من السجن فخطب الناس ودعاهم إلى الطاعة وصلّي بالناس حتى رجع ابن الربيع (٤).\n_________\n(١) الأصمعي ثقة عن ابن معين كما ذكرنا أنفًا وخلاصة الخبر والذي قبله (في الضعيف) أن ذا الفقار (السيف المعروف) الذي قد ورثه محمد ذي النفس الزكية وبالنتيجة وقع في يدي خلفاء بني العباس انتهاءً بالرشيد. والله تعالى أعلم.\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.\n(٣) انظر تعليقنا الآتي.\n(٤) هذان خبران يعتضدان ببعضهما ويؤيدهما ما ذكر مصعب الزبيري صاحب كتاب نسب قريش - وأما المنسور بن عبد الملك فهو مقبول من السابعة وأما عثامة والحارث بن إسحاق فلم نجد لهما ترجمة ويؤيد أصل الخبرين من دعوة ابن أبي سبرة إلى طاعة أمير المؤمنين أبي جعفر بعد مقتل ذي النفس الزكية ووقوع ابن أبي سيرة في الأسر أقول يؤيد هذا ما قاله مصعب الزبيري: خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة على المنصور =","vol":"5","page":79},{"text":"قال: وحدثني محمد بن يحيى قال حدثني الحارث بن إسحاق قال: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد علمه حتى أتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران\n_________\n= وكان أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة على صدقات أسد وطيئ قدم على محمد بن عبد الله بأربعة وعشرين ألف دينار فدفعها إليه فكانت قوة لمحمد بن عبد الله، فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة، قتله عيسى بن موسى قيل لأبي بكر: اهرب قال: ليس مثلي يهرب فأخذ أسيرًا فطرح في حبس المدينة ولم يحدث فيه عيسى بن موسى شيئًا غير حبسه فولّى المنصور جعفر بن سليمان المدينة وقال له بأن بيننا وبين أبي بكر بن عبد الله رحمًا وقد أساء وقد أحسن فإذا قدمت عليه فأطلقه وأحسن جواره، وكان الإحسان الذي ذكره المنصور من أبي بكر أن عبد الله بن الربيع الحارثي قدم المدينة بعد ما شخص عيسى بن موسى ومعه جنده فعاثوا بالمدينة وأفسدوا، فوثب عليهم سودان المدينة والصبيان والرعاع والنساء فقتلوا منهم وطردوهم وانتهبوا عبد الله بن الربيع وجنده وخرج عبد الله حتى نزل بئرًا في طريق العراق على خمسة أميالٍ من المدينة وعم السودان فكسروا السجن وأخرجوا أبا بكر وحملوه حتى جاؤوا به المنبر وأرادوا كسر حديده فقال لهم ليس على هذا فوت دعوني حتى أتكلم فقالوا له: فاصعد المنبر وتكلم فأبى وتكلم أسفل من المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - ﷺ - ثم حذرهم القتنة وأمرهم بالسمع والطاعة فافترق الناس على كلامه فاجتمع القرشيون فخرجوا إلى عبد الله بن الربيع فضمنوا له ما ذهب له ومن جنده وتأمّر على السودان أحدهم زنجي يقال له وثيق فمضى إليه محمد بن محمدان بن إبراهيم بن محمد بن طلحة فلم يزل يخدعه حتى دنا إليه فقبض عليه وأمر من معه فأوثقوه فشُدَّ في الحديد ورجع عبد الله بن الربيع وضمنوا ما ذهب من متاعه فردوا ما وجدوا منه وغرموا لجنده وكتب بذلك إلى المنصور فقبل منهم ورجع أبو بكر إلى الحبس حتى قدم عليه جعفر بن سليمان فأطلقه وأكرمه وسار بعد ذلك المنصور فاستقضاه ومات ببغداد [نسب قريش / ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠].\nقلت ومصعب الزبيري كان يومها في الثامنة من عمره وسمع أخبار هذه الواقعة من شُيوخه مالك وغيرهم كما قال: ما رأيت أحدًا من علمائنا يكرمون أحدًا ما يكرمون عبد الله بن حسن بن حسن وخبر مصعب هذا يؤيد الخبرين الضعيفين آنفًا ولولا التساهل في رواية التأريخ ما تعاضدت هذه الأسانيد ببعضها والله أعلم.","vol":"5","page":80},{"text":"ومحمد بن عبد العزيز، وغيرهما فاجتمعوا عنده، فقال أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت فوالله لئن تمت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى؛ إنه لاصطلام البلد وأهله، والعبيد في السوق بأجمعهم فأنشدكم الله إلا ذهبتم إليهم فكلمتموهم! فكلموهم فقالوا مرحبًا بكم يا موالينا والله ما قمنا إلا أنفة لكم مما عمل بكم فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[ذكر الخبر عن بناء مدينة بغداد]</span>\nوفي هذه السنة أسست مدينة بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور ذكر الخبر عن سبب بناء أبي جعفر إياها (١).\nوذكر عن السري عن سليمان بن مجالد أن المنصور وجّه في حشر الصناع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة فأحضروا وأمر باختيار قومٍ من ذوي الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة فكان ممن أحضر لذلك: الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأمر بخط\n_________\n(١) غفر الله للإمام الطبري لقد سبق وأن ذكر تفاصيل لا قيمة لها عن خروج ذي النفس الزكية ﵀ استغرقت صفحات طويلة ويا ليتها كانت من طرق هي من مظان الحسن على أقل تقدير ولكنها من طرق واهية جدًّا، بينما لم يول مسألة بناء بغداد بلد العلماء والحكماء ودار الخلافة -وهو عمل حضاري- اهتمامًا ذي بال بل خصص لها صفحات قليلة جدًّا بالنسبة لما سبقه من خبر الخروج وحتى هذه الصفحات سوّدها بأخبار منكرة نكارة شديدة حول استخدام أبواب سليمان وسؤال المنجمين وما إلى ذلك من الأخبار الموضوعة والملفقة جمعها الطبري وأودعها تأريخه ووقف أمامها بأعصاب باردة والعجيب أن خليفة والبسوي كذلك لم يكونا بأحسن حالًا من الطبري في خبر بناء بغداد فبينما أغفل خليفة هذه المسألة ذكره البسوي بعبارة موجزة لا تتجاوز سطرًا واحدًا، وقال الخطيب البغدادي عن محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب: إن أبا جعفر تحول من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها ثم رجع إلى الكوفة، وذلك بعد مئة سنة وأربع وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيام من الهجرة [تأريخ بغداد / ١/ ٦٧] وانظر تعليقنا (٨٩) وما بعده من الخلاصة.","vol":"5","page":81},{"text":"المدينة وحفر الأساسات وضرب اللبن وطبخ الآجر فبدئ بذلك وكان أول ما ابتدئ به في عملها سنة خمس وأربعين ومئة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>[ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتله]</span>\nوفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله بن حسن بالبصرة فحارب أبا جعفر المنصور وفيها قتل أيضًا (١).\nذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان، فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص قال حدثني أبي: قال لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن أشفق محمد وإبراهيم من ذلك فخرجا إلى عدن فخافا بها وركبا البحر حتى صارا إلى السند فسعي بهما إلى عمر بن حفص فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر (٢).\nوذكر عمر بن شبة أن سعيد بن نوح الضبعي ابن ابنة أبي الساج الضبعي حدثه قال: حدثتني منة بنت أبي المنهال قالت نزل إبراهيم في الحي من بني ضبيعة في دار الحارث بن عيسى وكان لا يرى بالنهار، وكان معه أم ولد له فكنت أتحدث إليها ولا ندري من هم حتى ظهر فأتيتها فقلت إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي، لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين، مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالحجاز ومرة باليمن (٣).\nقال وحدثني أبو الحسن الحذاء قال أخذ أبو جعفر الناس بالسواد فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد (٤).\n_________\n(١) انظر تعليقنا في الحاشية رقم / ٣ / من الصفحة التالية.\n(٢) هذا الخبر معاد. انظر (٧/ ٥٢٢ / ٧٣).\n(٣) أما سعيد فهو صدوق من شيوخ أبي حاتم والخبر يعتضد بما قبله.\n(٤) خالد بن خداش بن عجلان صدوق يخطئ من العاشرة [تحرير / ١٦٢٣] وانظر تعليقنا الآتي.","vol":"5","page":82},{"text":"وحدثني علي بن الجعد قال: رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلُبس الثياب السود حتى البقالين، إن أحدهم ليصبغ الثوب بالأنفاس ثم يلبسه (١).\nوحدثني خالد بن خداش بن عجلان مولى عمر بن حفص قال حدثني جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بني يزيد بن أبي حاتم، أتى سفيان معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة فقال ادفع إليّ فوارس آتك بإبراهيم وبرأسه قال: أو مالك عمل! ! اذهب إلى عملك قال فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر (١).\nوحدثني خالد بن خداش قال سمعت عدة من الأزد يحدثون عن جابر بن عماد وكان على شرطة سفيان -أنه قال لسفيان قبل خروج إبراهيم بيوم: إني مررت في مقبرة بني يشكر فصيّحوا بي ورموني بالحجارة فقال له: أما كان لك طريق (٢)!\nوحدثني أبو عمر الحوضي حفص بن عمر قال: مرّ عاقب صاحب شرطة سفيان يوم الأحد قبل ظهور إبراهيم بيوم في مقبرة بني يشكر، فقيل له هذا إبراهيم يريد الخروج فقال كذبتم ولم يصرّح على ذلك (٣).\n_________\n(١) خالد وإن كان صدوقًا لم يشهد الواقعة ولكنه روى الخبر عمّن شهدوا ذلك ولم يسمّهم ولكن يؤيده ما رواه ابن شبة عن راوٍ ثقة كما في الخبر الآتي.\n(٢) أبو عمر الحوضي ثقة من رجال البخاري توفي سنة ٢٢٥ هـ[تهذيب الكمال / تر ١٣٩٧].\nولم نورد هذا الخبر ولا الخبرين قبله (٨٨ - ٨٩) لنجزم بصحة التفاصيل الواردة في هذه المتون وإنما لتأكيد أصل الخبر وهو أن سفيان بن معاوية والي البصرة من قبل الخليفة العباسي كان يغضُّ الطرف عن إبراهيم ونشاطه ونشاط أتباعه فهذه أخبار غير موصولة السند ولكنها تتأيد ببعضها لتأكيد أصل الخبر والله أعلم.\n(٣) هذان خبران يعتضدان ببعضهما والثاني رواه عمر بن شبة عن علي بن الجعد (شاهد عيان) وهو ثقة كما سبق أن ذكرنا.","vol":"5","page":83},{"text":"اختلف في وقت قدوم إبراهيم البصرة فقال بعض: كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان في سنة خمس وأربعين ومئة (١).\nقال سليمان بن أبي شيخ: حدثني أبو الصعدي قال: أتانا هارون بن سعد العجلي من أهل الكوفة، وقد وجهه إبراهيم من البصرة الطهوي وكان معه ممن يشبه الطهوي في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبي، وكان شجاعًا وكان ممن قدم به -أو قدم عليه- عبدويه كروام الخراساني، وكان من فرسانهم صدقة بن بكار وكان منصور بن جمهور يقول: إذا كان معي صدقة بن بكار فما أبالي من لقيت فوجَّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف في قول بعضهم وقال بعضهم في عشرين ألفًا، وكانت بينهم وقعات (٢).\n_________\n(١) انظر تعليقنا في الحاشية رقم / ٢ / في الصفحة السابقة.\n(٢) وأخرج خليفة ما يؤيد أصل الخبر كما سنذكر إن شاء الله:\nأما البسوي (المؤرخ المتقدم الثقة ٢٧٧ هـ) فقد ذكر خبرهما مقتضبًا فقد ذكر ضمن وقائع سنة (١٤٤ هـ) أن أبا جعفر حجّ بالناس وأخذ في طريقه عبد الله بن الحسن وأصحابه فيما اتهمهم به من أمر إبراهيم ومحمد ابني عبد الله أخذهم من الرَّبذة (المعرفة ١/ ١٣).\nوقال ضمن ذكره لأحداث سنة (١٤٥ هـ) وفيها قتل محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن (المعرفة والتأريح / ١/ ١٣) وأما خليفة فقد فصل بعض الشيء فقال ضمن حديثه عن أحداث سنة ١٤٥ هـ:\nخروج محمد -النفس الزكية- وأخوه إبراهيم:\nوفيها خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة في رجب، فشدَّ رياح بن عثمان المري، وخرج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة في أول ليلة من شهر رمضان، فبعث أبو جعفر عيسى بن موسى وعلى مقدمته حميد بن قحطبة فالتقوا، وولّى المدينة كثير بن الحصين أحد بني عبد الدار، فاستقضى عبد العزيز بن المطلب، ثم عزله أبو جعفر وولّى عبد الله بن الربيع الحارثي فاستقضى محمد بن عبد العزيز الزهري. =","vol":"5","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال مسلمة بن ثابت: خرج إبراهيم بن عبد الله أول ليلة من شهر رمضان وخرجنا معه فأتى مقبرة بني يشكر، وتوافت إليه جماعة كنت فيهم، ثم سار حين أصبح فأتى دار الإمارة وبها سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب واليًا، فسلَّم الدار من غير قتال.\nفسمعت يسار بن عبد الله قال: حضرت يومئذ وأقبل جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي في مواليهما ومن انضم إليهما نحو من ثلاثة آلاف، فوجه إبراهيم الطهوي فلقيهما في سكة المربد حضرة مسجد الحرورية، فلم يلبث جعفر ومحمد أن انكشفا.\nوسمعت أبا مروان قال: حضرتهم يومئذ وجعل أصحاب جعفر ومحمد ينضحونهم بالنبل.\nقال: فنظرت إلى الطهوي وضع جبهته على قربوس سرجه وانتضى سيفه وشدّ على القوم؛ فضرب يد صاحب علمهم فأبانها وسقط العلم وانهزموا.\n\"وصلى إبراهيم بالناس يوم الفطر\"، وأتاه نعي أخيه وهو على المنبر، ثم خرج إبراهيم من البصرة واستخلف ابنه الحسن بن إبراهيم حتى أتى باجميرا من سواد الكوفة، فلقيه عيسى بن موسى، فقتل إبراهيم في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئة، وقتل معه بشير الرحال وجماعة كثيرة، وقد كان إبراهيم وجَّه المغيرة بن الفَزْع التميمي أحد بني كعب بن سعد بن تميم إلى الأهواز، فأخذها بعد قتال شديد، وجَّهَ إلى واسط فأخذها وتنازع سلمة بن عبد الحميد مولى بني راسب وسليمان بن مجاهد مولى بني ضبيعة، فغلب سليمان بن مجاهد وصلّى بالناس يوم الجمعة ولم يحضرها كبير أحد. [تأريخ خليفة / ٢٢٧].\nوأخيرًا فهذه هي الرواية الأخيرة عند خليفة في الباب: حدثنا خليفة قال: حدثني أبي أن أباه أخبره أنه شهد الجمعة فلم يصل في المسجد تمام صف، ثم قدم جعفر بن سليمان بن علي، فصلّى بالناس يوم النحر، وأقام السري بن عبد الله بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الحج للناس [٢٧٧].\nوأما خليفة فغنيٌّ عن التعريف وأما أبوه فهو من رواة الحديث ترجم له ابن أبي حاتم وسكت عنه [الجرح والتعديل / ٣ / تر ١٨٥٣] وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٣١) وأما جد خليفة فقد وثقه ابن معين [الجرح / ١/ ٢ / ٣٧٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>خلاصة القول في خبر خروج محمد (النفس الزكية) وأخيه (١٤٥ - ١٤٦ ه</span>ـ)\nهذه الفتنة نقطة تحوّل خطير قلما تنبّه لذلك المؤرخون -وللسيوطي لفتة جديرة بالتوقف =","vol":"5","page":85},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عندها إذ يقول: ضمن حديثه عن أحداث سنة ١٤٥ هـ وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئًا واحدًا [تأريخ الخلفاء / ٢٦١] وإن كان لنا تحفظ على العبارة فالمنصور ليس الوحيد المسوؤل عن تدهور هذه العلاقة فبني عبد الله بن حسن بن الحسن أيضًا لهم دور في تدهور هذه العلاقة إلا أن أحدًا من المؤرخين لا يشك في أن إلحاح المنصور في طلبهما والتضييق عليهما كان نقطة البداية لتدهور هذه العلاقة عمليًّا وسنرجع إلى هذه النقطة بعد قليل.\nخلاصة ما ذكره الأئمة المؤرخون المتقدمون الثقات كالبسوي وخليفة والزبير وابن سعد وغيرهم هو الآتي:\nخرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي ﵃ أجمعين -خرجا على أبي جعفر المنصور- وحبس المنصور أباهما وأقاربهم معهم ومات عدد منهم في السجن ولا يصح أنه عذّبهم.\nوكانت العلاقة طيبة بين آل العباس وآل علي قبل هذه الحادثة وكان أبو العباس (الخليفة الأول) يكرم أباهما عبد الله بن الحسن ويجزل عطاءه -حتى حكم المنصور فكانت المصيبة والفتنة بين الطرفين وخرج محمد بن عبد الله في الحجاز أولًا ثم دارت المعركة بين الطرفين واستبسل محمد في القتال حتى وقع صريعًا في ساحة المعركة رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وبعد مقتله أو قبل ذلك بقليل خرج أخوه إبراهيم أي أن خروجهما لم يكن متزامنًا مما ساعد العباسيين على القضاء عليهما- فخرج إبراهيم بالبصرة ولقي المصير نفسه ومات أبوهما وأقاربهما في السجن، وعندما علم المنصور بخبر مقتل إبراهيم بكى بكاءً مرًا، والواقع: أن المنصور قد أخطأ إذ أساء التصرف مع عبد الله بن حسن حتى أحْرَجه فأخرج ولديه محمدًا وإبراهيم وكان مع آل حسن جبارًا قاسيًا ولكنه الملك ولابدّ (برأيه) من المحافظة عليه، واللين فيه يخرجه من بين يديه والقسوة تثبته فقبّح الله الدنيا وزخرفها وغرورها [٥/ ١٢٢] قلت: ولقد أورد الطبري بإسناد لا يصحّ أن الإمام مالك ﵁ أفتى بالخروج مع محمد ذي النفس الزكية وهذا لا يصح سندًا ولا متنًا بل الصحيح أن الإمام مالك اعتبر الأمر فتنة واعتزل الناس ولزم بيته حتى قتل ذو النفس الزكية ولا يصح كذلك قول بعضهم أن =","vol":"5","page":86},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب وكان عامل أبي جعفر على مكة وكان والي المدينة في هذه السنة عبد الله بن الربيع الحارثي ووالي الكوفة وأراضيها عيسى بن موسى، ووالي البصرة سلم بن قتيبة الباهلي وكان على قضائها عباد بن منصور وعلى مصر يزيد بن حاتم (١).\n* * *\n_________\n= أبا حنيفة أفتى للناس بالخروج مع محمد بن عبد الله بن حسن على أمير المؤمنين المنصور والله تعالى أعلم.\nوسنذكر موقف الإمام مالك في قسم الضعيف (٧/ ٥٦٠) إن شاء الله.\n(١) أما عن أمير الحج في هذه السنة فكذلك قال خليفة (٢٧٧) والبسوي (١/ ١٣) وأما عن العزل والتولية للعمال فانظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد أبي جعفر.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>ثم دخلت سنة ست رأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>[خبر استتمام بناء بغداد وتحوّل أبي جعفر إليها]</span>\nفمما كان فيها من ذلك استتمام أبي جعفر مدينة بغداد. ذكر محمد بن عمر أن أبا جعفر تحوّل من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد في صفر سنة ستّ وأربعين ومئة فنزلها وبنى مدينتها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها</span>.\nقد ذكرنا قبلُ السبب الباعث لأبي جعفر علي بنائها والسبب الذي من أجله اختار البقعة التي بنى فيها مدينته ونذكر الآن صفة بنائه إياها (٢).\n_________\n(١) وكذلك أرّخ البسوي إذ قال: ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٤٦ هـ: وفيها فرغ أبو جعفر من بناء مدينة السلام ونزوله إياها، ونقل الخزائن وبيوت الأموال والدواوين إليها [المعرفة والتأريخ ١/ ١٤].\n(٢) ذكر الطبري أسبابًا عدة دفعت أبا جعفر لبناء مدينة بغداد ولعلها كذلك (٧/ ٦١٤) وذكر في خبر آخر (٧/ ٦١٦) أنه سأل الناس عن حرّها والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوام فكان اختيارًا مناسبًا من بين عدة مواضع مقترحة وكل ذلك احتمالات واردة أضف إلى ذلك فإن الخلفاء وابتداءً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بدؤوا بتمصير الأمصار وبناء المدن الجديدة انطلاقًا من الهدف الإسلامي الكبير (عمارة الأرض) ثم اقتفى الخلفاء سنة سيدنا عمر ﵁ في تخطيط المدن وبنائها -وقد أولى الخطيب البغدادي خبر بناء بغداد اهتمامًا وأفرد لذلك فصلًا بعنوان باب ذكر خبر بناء مدينة السلام وأخرج عن محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب أن أبا جعفر تحوّل من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها ثم رجع إلى الكوفة، وذلك بعد مئة سنة وأربع وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيام من الهجرة قال وفرغ أبو جعفر من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام بعد مئة سنة وخمس وأربعين سنة وأربعة أشهر وثمانية أيام للهجرة [تأريخ بغداد / ١/ ٦٧].","vol":"5","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>[ذكر الخبر عن عزل سلم بن قتيبة عن البصرة]</span>\nوغزا الصائفة في هذه السنة جعفر بن حنظلة البهراني (١).\nوفي هذه السنة عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة وولّاها محمد بن سليمان بن علي (٢).\nوفي هذه السنة عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع وولَّى مكانه جعفر بن سليمان فقدمها في شهر ربيع الأول.\nوعزل أيضًا في هذه السنة عن مكة السري بن عبد الله ووليها عبد الصمد بن علي وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس كذلك قال محمد بن عمر وغيره (٣).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي في [المعرفة والتأريخ ١/ ١٥].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد وانظر خليفة (٢٧٨) و(البسوي ١/ ١٥).\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد وأما عن الحج. كذلك قال البسوي (١/ ١٥) وخليفة (تاريخ خليفة / ٢٧٧).","vol":"5","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>المنصور- المهدي- الهادي- الرشيد</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد: فقد قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي قراءة \"فتثبتوا\" [الحجرات: ٦].\nفي هذه الآية أصل عظيم من الأصول التي اعتمدها أئمة الحديث - فإن كان الرجل المعروف في ذلك الوقت ... لا يؤخذ بخبَره لأنه فاسق؛ فكيف تعتمد على مجهول العين حين يرويَ لنا خبرًا يتهم فيه أئمة أهل البيت أو خليفة المسلمين بشربِ الخمر وما إلى ذلك؟\nولو كان الأمر متوقفًا عند هذا الحدّ لكان الأمر أهون ولكن مجهول العين هذا يروي عن مجهول الحال مثلًا (كاتب لصاحب الخراج وما إلى ذلك اسمه فلان من البلدة الفلانية).\nوبالأسانيد (المسلسلة بمجاهيل العين والحال) جاءت الأخبار في اتهام الخلفاء بتهم لا تصح ولم تثبت من طريق ولو ضعيف وقد تبيّن لي من خلال تخريجي للروايات التأريخية المتعلقة بهذه المرحلة الهامة من تأريخ الخلافة أن الخليفة المهدي والهادي وهارون الرشيد وغيرهم. بريئون من كل تلك التهم والأباطيل من اللهو والشرب وما إلى ذلك وبالأخص فإن المهدي والرشيد كانا قد قضيا مدة حكمهما بين غزوٍ وحجّ وتثبيت لأركان الخلافة ولم أجد ما يؤخذ عليهما (في سيرة حكمهما). سوى ما ابتدعاه من البحبحة في الإنفاق وإن كنت لم أجد من بين تلك الروايات ما هو صحيح السند في تثبيت إسرافهم في الإِنفاق على","vol":"5","page":90},{"text":"الشعراء والأدباء إلّا أن التساهل في قبول الرواية التأريخية وكثرة الروايات الضعيفة في ذلك تشير إلى أصل المسألة وذلك غير موافق لأصول السياسة الشرعية ونصوصها وسنبيّن ذلك أكثر عند ذكرنا لسيرة المهدي وكذلك الرشيد إن شاء الله تعالى. بالإضافة إلى قتل جعفر البرمكي وغير ذلك من المظالم التي سنذكرها في حينها.\nوقد أُمرنا أن لا نبخس الناس أشياءهم فنذكر المحاسن كما المساويء وكفى بالمرء فضلًا أن تُعَدَّ معايبه.\nولعلّ أول من تنبّه للتشويه التأريخي الحاصل لسير خلفاء بني العباس هو العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى:\nفبعد أن تحدّث عن نقد الأسانيد والمتون التأريخية وعرضها على موازين معينة لمعرفة صدقها من كذبها سرد بعض الأمثلة عن التزوير والتشويه للروايات التأريخية ومنها ردّه للروايات التأريخية المكذوبة التي تتهم جزافًا الخليفة العباسي المجاهد هارون الرشيد بشرب الخمر، يقول ابن خلدون: وأما ما تموّه به الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر، واقتران سكره بسكر الندمان فحاش لله \"ما علمنا عليه من سوء\". وأين هذا من حال الرّشيد، وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري، ومكاتبته سفيان الثوري، وبكائه من مواعظهم، ودعائه بمكة في طوافه، وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها.\nويستطرد قائلًا: إن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته، ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب وأقلع.\nوأيضًا فقد كان من العلم والسذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين","vol":"5","page":91},{"text":"لذلك ولم يكن بينه وبين جده أبي جعفر بعيد زمن، إنما خلفه غلامًا. وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها. وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطّأ: \"يا أبا عبد الله إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابًا ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، ووطئه للناس توطئة\" قال مالك: \"فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ\". [مقدمة ابن خلدون: ٤٥ - ٤٦].\nقلت وَرَدُّ ابن خلدون لهذه الأخبار من باب نقد المتون وبيان ما فيها من نكارات -أما نقد الأسانيد (أو النقد من الخارج) فقد بيّناه في مواضعه من تأريخ الطبري وبيّنَّا، عدم صحة هذه الروايات إسنادًا ناهيك عن هشاشة متونها كما بين ابن خلدون وكما سنبيّن في مواضعه إن شاء الله، والله الموفق.\nولكي نكون منصفين فإننا نقول من خلال تحقيقنا لمئات الروايات التأريخية من تأريخ الطبري وجدنا الآتي:\nانبرى كثير من الخلفاء -سواء بسواء من بني أمية أو من بني العباس- (وهم من آل بيت رسول الله - ﷺ -) - أقول انبرى هؤلاء لمحاربة أهل البدع الداعين إلى بدعهم والزنادقة والملاحدة وبالمقابل انبرى أهل الباع فوضعوا روايات مختلقة في مثالبهم أو بحثوا في سيرهم فجعلوا من الحبة قبة وسنضرب مثلًا يتعلق بخلفاء بني العباس. فقد عرف المهدي. بعدائه لأهل الأهواء والبدع وعُرِف عنه بسخائه وكثرة عطائه بل إنه -إذا صح التعبير- هو الخليفة العباسي الذي بدأ بما يسمى البحبحة في الإنفاق فأبوه المنصور كان حريصًا حرصًا شديدًا على المال العام وكذلك كان المهدي إلّا أنه بدأ ينفق على العلماء والفقهاء ثم منح بعض الشعراء المداحين جوائز سخية -فبدأ الوضاعون باستغلال ذلك والمبالغة في وصف عطايا المهدي حتى ذكروا أعدادًا خيالية غير واقعية، ولكن عوار هذه الروايات تظهر بمجرد دراسة متأنية للأسانيد، فقد أخرج الخطيب ومن طريقه ابن عساكر خبرًا","vol":"5","page":92},{"text":"عن عبد العزيز بن الماجشون أنه دخل وبعض الشعراء على المهدي وأخذوا يقولون الشعر حتى أجازهم المهدي كل واحد عشرة آلاف دينار أو يزيد وحين نرجع إلى إسناد هذه الرواية [تأريخ بغداد / ٥/ ٣٩٥] [وتأريخ دمشق / ٥٣/ ٤٣٢] نجد في الإسناد طامات -فهو من طريق أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي الذي قال الدارقطني فيه: ليس بالقوي يأتي بالمعضلات / ميزان / تر ٥٨٧] وفيه أيضًا عبد الملك بن عبد العزيز الذي ضعفه أكثر أئمة الجرح والتعديل [تحرير تقريب / تر ٢١٩٥] فكيف نصدق بأنه أنفق هذه المبالغ السخية من طريق راوٍ يأتي بالطامات؟ -والحمد لله على نعمة الإسناد- وسنتطرق إلى هذه المسألة كرة أخرى عند الحديث عن سيرة المهدي إن شاء الله تعالى. ولا بأس أن نذكر هنا بعض النقاط الهامة فيما يتعلق بالمنهج الذي اتبعناه في تخريجنا لروايات الطبري التأريخية للفترة الممتدة من سنة (١٤٧ هـ) وحتى (١٩٣ هـ) وإن كان فيه بعض التكرار فللتذكير فقط! .\n١ - إذا حجّ الخليفة في عامٍ ما أو خرج مجاهدًا إلى الثغور فإن الجموع الغفيرة من الأمة سَتُشاهده -وإذا عيّن واليًا على العراق أو الشام- مثلًا، أو قاضيًا للمدينة -فإن الأمرَ معاين بل معروف ومشهور فالناس في مصر أو العراق أو الحجاز يرون يوميًا واليهم أو قاضيهم ومثل هذه الأمور نذكرها في قسم الصحيح إذا اتفق مؤرخان من المؤرخين الثقات المتقدمين المعروفين بعدم انحيازهم إلى فئة معينة (أي لا تتأئر مروياتهم بأهل البدع والأهواء) - فإذا قال الطبري أن الخليفة العباسي حجّ في سنة كذا ووافقه البسوي أو خليفة أو كلاهما ذكرنا الخبر في قسم الصحيح وكذلك أمر الصائفة والتولية والعزل ... إلخ.\n٢ - أما إذا دخل رجل على الخليفة ودار بينهما حوار ولم يكن معهما إلا وزير أو حاجب والله رابعهما احتجنا إلى طريق مسند موصول صحيح أو حسن أو من مظان الحسن أو من طرق متعددة ضعيفة ولكنها تتعاضد ببعضها كي نثبت الخبر","vol":"5","page":93},{"text":"في قسم الصحيح- وإلّا كيف نقبل اتهامًا بالفساد معا إلى ذلك من طريق منقطع مسلسل بالمجاهيل؟؟ ! !\n٣ - في حالتين نادرتين. لم نجد ما يؤيد أخبار الطبري لا عند البسوي ولا عند خليفة (وهما مؤرخان ثقتان متقدمان يتبعان النظام الحولي في تأريخهما كما عند الطبري) - فأعاننا الله بتوفيقه وكرمه في الموضعين بمصدرين كالآتي:\nأ- لقد أيَّد أبو حنيفة الدينوري (٢٨٢ هـ) وهو مؤرخ صدوق ما ذكره الطبري من شُخوص الرشيد إلى الري سنة (١٨٩ هـ) ومسيره إلى خراسان سنة (١٩١) أو (١٩٢) فذكرنا خبري الطبري في قسم الصحيح.\nب- لم نجد ما يؤيد الطبري عند حديثه عن نقض الروم لصلحهم مع المسلمين سنة (١٦٧ هـ) لا عند البسوي ولا خليفة ولا الدينوري ولو تركنا الخبر لم نجد من أحداث سنة (١٦٧ هـ) سوى خبر الحج فاضطررنا إلى الاستعانة بكتاب المنتظم لابن الجوزي وهو مؤرخ ثقة ولكنه ليس متقدمًا ولكنه يتبع النظام الحولي في كتابة التأريخ ويتبع أسلوب الإسناد أحيانًا كثيرة وهي المرة الوحيدة التي استشهدنا بكتابه منعًا لحدوث فراغ في كتابة التأريخ والله أعلم.\nوللمزيد عن منهج هذا التحقيق راجع مقدمتنا في المجلد السابق قسم الصحيح والله المستعان.\n* * *","vol":"5","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة ذكر الأخبار عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمما كان فيها من ذلك إغارة استرخان الخوارزميّ في جَمْع من الترك على المسلمين بناحية إرمينية وسبيُه من المسلمين وأهلِ الذّمة خلقًا كثيرًا، ودخولُهم تفليس، وقتلهم حرب بن عبد الله الراونديّ الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، وكان حربٌ هذا -فيما ذُكِر- مقيمًا بالموصل في ألفين من الجُنْد، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة. وكان أبو جعفر حين بلغه تحزّب الترك فيما هناك وجّه إليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى، وكتب إلى حرب يأمره بالمسير معه؛ فسار معه حَرْب، فَقُتِلَ حرب وهُزم جبرئيل، وأصيب من المسلمين من ذكرت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن عليّ بن عباس] </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>[ذكر خبر البيعة للمهديّ وخلع عيسى بن موسى]</span>\nوفي هذه السنة خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهديّ، وجعله وليّ عهد من بعده، وقال بعضهم: ثم مِنْ بعده عيسى بن موسى (٣).\n_________\n(١) ووافقه البسوي في أصل الخبر فقال وفيها (أي ١٤٧ هـ) خرج الترك وسبوا سبابا كثيرة من المسلمين وأهل الذمة ودخلوا تفليس وهزموا جبريل بن يحيى البجلي وقتلوا حرب بن عبد الله [المعرفة والتأريخ: ١/ ١٦].\n(٢) وكذلك أرّخ البسوي لوفاته فقال وفيها (أي ١٤٧ هـ) مات عبد الله بن علي بمدينة السلام وقد نيف على الخمسين [المعرفة والتاريخ: ١/ ١٦].\n(٣) وكذلك أرّخ البسوي لهذه البيعة فقال: وبايع الناس المهدي محمد بن عبد الله بن أبي جعفر أمير المؤمنين وولي عهدهم من بعد أبيه أبي جعفر بمكة يوم الخميس لثلاث =","vol":"5","page":95},{"text":"وكانت ولاية عيسى بن موسى الكوفة وسوادها وما حولها ثلاث عشرة سنة؛ حتى عزله المنصور، واستعمل محمد بن سليمان بن عليّ حين امتنع من تقديم المهديّ على نفسه.\nوقيل: إنّ المنصور إنما ولّى محمد بن سليمان الكوفة حين ولّاه إياها ليستخفّ بعيسى؛ فلم يفعل ذلك محمد، ولم يزل معظمًا له مبجّلًا (١).\nوفي هذه السنة ولّى أبو جعفر محمد بن أبي العباس -ابن أخيه- البَصْرة فاستعفى منها فأعفاه، فانصرف عنها إلى مدينة السلام، فمات بها، فصرخت امرأته البغوم بنت عليّ بن الربيع: واقتيلاه! فضربها رجل من الحَرس بجلويز على عَجيزتها، فتعاوره خدمٌ لمحمد بن أبي العباس فقتلوه! فطُلّ دمه. وكان محمد بن أبي العباس حين شخص عن البصرة استخلف بها عُقبْة بن سلم، فأقره عليها أبو جعفر إلى سنة إحدى وخمسين ومائة (٢).\n_________\n= عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة سبع وأربعين ومائة [المعرفة والتأريخ: ١/ ١٦] وكذلك قال خليفة بن خياط ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٤٧ هـ) وفيها بايع أبو جعفر لابنه المهدي وخلع عيسى بن موسى وكان ولي عهد بعد أبي جعفر [تأريخ خليفة: ٢٧٨].\nوقد ذكر الطبري أخبارًا طويلة ومختلفة في سبب هذه البيعة وذلك الخلع ولم يصح منها خبر ولم نجد ما يؤيد تلك الأخبار عند الأئمة الثقات من المؤرخين الذين سبقوا الطبري أو عاصروه فذكرنا تلك الأخبار في قسم الضعيف والمسكوت عنه فليراجع وإنما أصل الخبر ثابت اتفق عليه الثلاثة (خليفة والبسوي والطبري) فأثبتناه هنا. في قسم الصحيح.\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.\n(٢) وقال البسوي وفيها (١٤٧ هـ) عزل محمد بن سليمان عن البصرة وولي عليها محمد بن أبي العباس [المعرفة ١/ ١٦] ولم نجد من يؤيد قصة امرأته البغوم فالله أعلم.","vol":"5","page":96},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة المنصور (١).\nوكان عامله فيها على مكة والطائف عمّه عبد الصمد بن عليّ. وعلى المدينة جعفر بن سليمان. وعلى الكوفة وأرضها محمد بن سليمان. وعلى البصرة عُقْبة بن سلم. وعلى قضائها سوّار بن عبد الله. وعلى مصر يزيد بن حاتم (٢).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي [المعرفة والتأريخ ١/ ١٦] وخليفة بن خياط [تأريخ خليفة / ٢٧٨].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد (نهاية عهد المنصور).","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك توجيه المنصور حُميد بن قحطبة إلى إرمينية لحرب الترك الذين قَتلوا حَربْ بن عبد الله، وعاثوا بتَفْليسَ، فسار حُميد إلى إرمينية، فوجدهم قد ارتحلوا، فانصرف ولم يلق منهم أحدًا (١).\nوفي هذه السنة عسكر صالح بن عليّ بدابق -فيما ذكر- ولم يَغْزُ.\nوحج بالنّاس فيها جعفر بن أبي جعفر المنصور (٢).\nوكانت ولاة الأمصار في هذه السنة ولاتها في السنة التي قبلها (٣).\n* * *\n_________\n(١) قال خليفة: فيها (١٤٨ هـ) وجه أبو جعفر الحسن بن قحطبة فأتى كمخ من بلاد الجزيرة فامتنعوا فقفل ولم يصنع شيئًا [تأريخ خليفة / ٢٧٨].\n(٢) وكذلك قال البسوي [١/ ١٦] وخليفة.\n(٣) انظر قوائم ولاة الأمصار والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفَمِمّا كان فيها من ذلك غَزوة العباس بن محمد الصائفَة أرض الروم، ومعه الحسن بن قَحْطبة ومحمد بن الأشعث، فهلك محمّد بن الأشعث في الطريق (١).\nوفي هذه السنة استتمَّ المنصور بناءَ سُور مدينة بغداد، وفَرَغ من خندقها وجميع أمورها (٢).\nوفيها شخص إلى حديثة الموْصل، ثم انصرف إلى مدينة السلام (٣).\nوحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٤).\nوفي هذه السنة عُزِل عبد الصمد بن عليّ عن مكة، ووليَها محمد بن إبراهيم (٥).\nوكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال الذين كانوا عمالها في سنة سبع\n_________\n(١) أكد البسوي أصل الخبر فقال وفيها (أي ١٤٩ هـ) غزا العباس بن محمد الروم [المعرفة والتأريخ ١/ ١٧].\n(٢) وقال البسوي كذلك: وفيها (١٤٩ هـ) استتم بناء سور خندق مدينة السلام وجميع أمورها [المعرفة ١/ ١٧].\n(٣) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ١٧].\n(٤) وكذلك قال البسوي [١/ ١٧].\n(٥) وكذلك قال البسوي [١/ ١٨].","vol":"5","page":99},{"text":"وأربعين ومائة وسنة ثمان وأربعين ومائة؛ غير مكة والطائف؛ فإنّ واليهما كان في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المنصور.","vol":"5","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>[ذكر خروج أستاذسيس]</span>\nفممّا كان فيها من ذلك خروج أستاذسيس في أهل هَراة وباذَغيس وسجِسْتان وغيرها من عامّة خُراسان، وساروا حتى التقوْا هم وأهل مَرْو الروذ، فخرج إليهم الأجثم المرْورُّوذِيّ في أهل مَرْو الرّوذ، فقاتلوه قتالًا شديدًا حتى قتِل الأجثم، وكثر القتل في أهل مَرْوالرّوذ، وهزم عدّة من القوّاد؛ منهم معاذ بن مسلم بن معاذ وجبرئيل بن يحيى وحمّاد بن عمرو وأبو النّجْم السِّجستانيّ وداود بن كرّاز، فوجّه المنصور وهو بالبردَان خازم ابن خزيمة إلى المهديّ؛ فولاه المهديّ محاربة أستاذ سيس، وضمّ القوّاد إليه (١).\nوكتب خازم بما فتح الله عليه، وأهلك عدوّه إلى المهديّ، فكتب بذلك المهديّ إلى أمير المؤمنين المنصور (٢).\n_________\n(١) ذكر خليفة بن خياط هذا الخبر مختصرًا ومجزّءًا بين سنتين فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٤٩ هـ: وفيها خرج أشناشيش (بدلًا من أشاذيس] فوجّه إليه أمير المؤمنين جبريل بن يحيى ومعاذ بن مسلم فهزمهما ثم قال ضمن حديثه عن أخبار سنة (١٥٠ هـ) وفيها قتل أشناشيش تأريخ خليفة [٢٧٩]. أما البسوي ففصَّل بعض الشيء قائلًا:\nوخرج في هذه السنة أهل هراة، وأهل باذغيس وغيرهم من أهل خُراسان، وكانوا في نحو من ثلاثمائة ألف مقاتل، فغلبوا على عامة خُراسان، وغلبوا على مَرو الرّوذ، وقتلوا فيها قتلًا ذريعًا، وقاتلهم عدة من القواد منهم: جبريل بن يَحيى، ومُعاذ بن مُسلم، وحمَّاد بن يَحيى، وأبو النَّجم السّجستاني، فهزموا جميعًا، فوجه إليهم أبو جعفر خازم بن خزيمة، فقتلهم فأكثر فيهم القتل، وبلغ عدة من قتل منهم نحو سبعين ألفًا، ولجأ العلج إلى جبل فيمن.\n(٢) انظر تعليقنا السابق (٨/ ٣١ / ١) فقد ذكرنا قول خليفة والبسوي في خروج أستاذسيس - =","vol":"5","page":101},{"text":"وأما محمد بن عمر، فإنه ذكر أن خروج أستاذسيس والحريش كان في سنة خمسين ومائة، وأن أستاذسيس هُزم في سنة إحدى وخمسين ومائة (١).\nوفي هذه السنة عزل المنصورُ جعفر بن سليمان عن المدينة، وولاها الحسن بن يزيد بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه (١).\nوفيها تُوفِّيَ جعفر بن أبي جعفر المنصور، الأكبرُ بمدينة السلام، وصلى عليه أبوه المنصور، ودُفن ليلًا في مقابر قريش (٢) ولم تكن للناس في هذه السنة صائفة؛ قيل إن أبا جعفر كان ولّى الصائفة في هذه السنة أسَيدًا، فلم يدخل بالناس أرض العدّو، ونزل مرج دابِق.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٣) وكان العامل على مكة والطائف في هذه السنة عبدُ الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس -وقيل كان العامل على مكة والطائف في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد- وعلى المدينة الحسن بن زيد العلويّ، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن عليّ، وعلى البصرة عُقْبة بن سلم، وعلى قضائها سَوّار، وعلى مصر يزيد بن حاتم (٤).\n* * *\n_________\n= وأما ما نقله الطبري حتى قول الواقدي فهو كذلك يؤكد خروجهما مع اختلاف بسيط في ذكر السنة التي هزم فيها أهي سنة (١٥٠ هـ) أم (١٥١ هـ) والله أعلم.\n(١) انظر: قوائم الولاة في نهاية عهد المنصور.\n(٢) وهكذا قال البسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ١٩).\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٧٩) والبسوي في المعرفة (١/ ١٨).\n(٤) انظر قوائم القضاة والولاة بعد نهاية عهد المنصور، وأما قوله وقيل كان العامل على مكة والطائف في هذه السنة محمد بن إبراهيم فقد ذكر البسوي بصيغة الجزم [المعرفة ١/ ١٩]. وذكر البسوي كذلك أن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن (أي العلوي) كان على المدينة في هذه السنة (١٥٠ هـ) المعرفة (١/ ١٩).","vol":"5","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك ما كان من إغارة الكُرْك فيها في البحر على جُدَّةَ؛ ذكر ذلك محمد بن عمر.\nوفيها ولّى عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة إفريقيّة، وعُزِل عن (السند) وولّى موضعه هشام بن عمرو التغلبيّ (١).\nذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السِّنْد وتوليته إياه إفريقيّة واستعماله على السِّنْد هشام بن عمرو (٢).\nوفي هذه السنة قدم على المنصور ابنه المهدي من خراسان وذلك في شوال منها (٣).\n_________\n(١) في هذا الخبر إيجاز أما مدينة السند فقد ذكر خليفة أن المنصور ولّى عمر بن حفص هزار مرد واليًا عليها ثم عزله بعد ذلك [تأريخ خليفة / ٢٨٥].\nوذكر عن ولاة أفريقية فيما ذكر ...... ثم ولاها أبو حفص عمر بن هزار مرد فأقام بها زمانًا ثم قتل [المصدر السابق / ٨٥].\n(٢) ولقد بيّن الطبري ما قد أوجزه آنفًا فبيّن أن المنصور عزل عمر بن حفص عن السند ووجهه إلى إفريقية ليكون واليًا عليها وولّى مكانه (أي على السند) هشام بن عمرو وانظر قوائم الولاة في نهاية عهد المنصور.\n(٣) لقد ذكر الطبري ضمن أحداث سنة (١٥١ هـ) أن المهدي ابن أمير المؤمنين قدم من الري على أبيه في العراق ووافقه البسوي في ذلك فقال وفيها (أي ١٥١ هـ) قدم المهدي من الري وذلك في شوال [المعرفة والتأريخ ١/ ٢٠] وأما ما ذكره الطبري من أن المنصور أجاز في ذلك اليوم أهل بيته بجوائز وما إلى ذلك فلم يؤيده البسوي ولا خليفة ولا غيرهما من الثقات من أهل التأريخ ولم يذكره الطبري بسند وقد ذكرناه في القسم الآخر فلينظر.","vol":"5","page":103},{"text":"وفي هذه السنة جَدّد المنصور البيْعة لنفسه ولابنه محمد المهديّ من بعده، ولعيسى بن موسى من بعد المهديّ على أهل بيته في مجلسه في يوم جمعة؛ وقد عمّهم بالإذن فيه؛ فكان كلُّ مَن بايعه منهم يقبّل يده ويد المهديّ، ثم يمسح على يد عيسى بن موسى ولا يقبّل يده (١).\nوغزا الصّائفة في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد (٢).\nوزعم الواقديّ أن أبا جعفر ولّى معن بن زائدة في هذه السنة سِجسْتان (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٤).\nوكان العامل على مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن عليّ، وعلى البصرة جابر بن تَوْبة الكِلابيّ، وعلى قضائها سَوّار بن عبد الله، وعلى مِصْر يزيد بن حاتم (٥).\n* * *\n_________\n(١) أما تقبيل يد الخليفة وولي عهده فلم يذكر مؤرخ ثقة معاصر أو سابق للطبري ما يؤيده وأما أصل الخبر في تجديد البيعة فقد أيده البسوي إذ قال: وفيها (أي ١٥١ هـ) جدّد أبو جعفر البيعة لنفسه وابنه المهدي ولعيسى بن موسى بعد المهدي على أهل بيته بمحضر منه في مجلسه وذلك في يوم جمعةٍ عمهّم بالإذن [المعرفة ١/ ٢٠].\n(٢) وكذلك قال البسوي [المعرفة والتأريخ ١/ ٢٠].\n(٣) وكذلك قال خليفة ولكن بصيغة الجزم لا بصيغة التشكيك كما ذكر الطبري آنفًا، فقال خليفة: ضمن ذكره لأسماء عمّال سجستان .... ومعن بن زائدة قتل بها سنة إحدى وخمسين ومائة [تأريخ خليفة / ٢٨٥].\n(٤) وكذلك قال خليفة في تأريخه [٢٧٩] والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٢٠).\n(٥) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك كان من قَتْل الخوارج فيها معنَ بن زائدة الشيبانيّ ببُسْت سِجِسْتان (١).\nوفيها غزا حُميد بن قَحْطبة كابُل، وكان المنصور ولّاه خراسان في سنة ثنتين وخمسين ومائة.\nوغزا -فيما ذكر- الصائفة عبدُ الوهاب بن إبراهيم ولم يُدْرِب.\nوقيل إن الذي غزا الصائفة في هذه السنة محمد بن إبراهيم (٢).\nوفيها عزل المنصور جابر بن توْبة عن البصرة، وولّاها يزيد بن منصور (٣).\nوفيها قتل أبو جعفر هاشم بن الأشتاخَنج، وكان عصى وخالف في إفريقيّة، فحمِل إليه هو وابن خالد المرّوروذيّ، فقتل ابن الأشتاخَنج بالقادسيّة، وهو متوجّه إلى مكة.\nوحجّ بالناس في هذه السنة المنصور؛ فذكر أنه شخص من مدينة السّلام في شهر رمضان، ولا يعلم بشخوصه محمد بن سليمان، وهو عامله على الكوفة\n_________\n(١) وكذلك ذكر البسوي [المعرفة والتأريخ ١/ ٢١] ولكن خليفة ذكر أنه قتل قبل ذلك بسنة [تأريخ خليفة / ٢٨٥].\n(٢) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٨٠] والبسوي [المعرفة ١/ ٢١] ولكنه ذكر محمد بن إبراهيم بدلًا من عبد الوهاب والله أعلم.\n(٣) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٨٠].","vol":"5","page":105},{"text":"يومئذ، ولا عيسى بن موسى ولا غيرهما من أهل الكوفة حتى قرُب منها (١).\nوفيها عزل يزيد بن حاتم عن مصر ووليها محمد بن سعيد (٢).\nوكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمال في السنة الخالية إلا البَصْرة فإن عاملها في هذه السنة كان يزيد بن منصور، وإلّا مِصْر فإن عاملها كان في هذه السنة محمد بن سعيد (٣).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٢١] أما خليفة فقد وافقهما في ذكر حجته فقط فقال: أقام الحج أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين [تأريخ خليفة / ٢٨٠].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك تَجهِيز المنصور جيشًا في البحر لحرب الكرك، بعد مقدمه البَصْرة، منصرفًا من مكة إليها بعد فراغه من حجه، وكانت الكرك أغارتْ على جُدّة، فلما قدم المنصور البصرة في هذه السنة جهز منها جيشًا لحربهم، فنزل الجسر الأكبر حين قدمها - فيما ذكر. وقدْمته هذه البصرة القَدْمة الآخرة (١).\nوقيل إنه إنما قدمها القدمة الآخرة في سنة خمس وخمسين ومائة، وكانت قدمته الأولى في سنة خمس وأربعين ومائة، وأقام بها أربعين يومًا، وبنى بها قصرًا ثم انصرف منها إلى مدينة السلام (٢).\nوفيها توفِّي عبيد بن بنت أبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضى مكانه شَرِيك بن عبد الله النّخَعِيّ (٣).\nوفيها غزا الصّائفة معيوف بن يحيى الحَجوريّ، فصار إلى حصن من حصون\n_________\n(١) وقال البسوي مصدر أبو جعفر من الحج إلى البصرة فبنى بها قصرًا ونزل الجسر الأكبر وجهز جيشًا في البحر لقتال السند [المعرفة ١/ ٢١] وأما خليفة فقد تحدث عن معارك بين جيش الخلافة وغيرهم ولكن سمّاهم بغير ما ورد هنا فقال: وفيها (أي ١٥٣ هـ) دخل الميذُ نهر الأمير بدجلة البصرة فقتلوا وسبوا. حدثني نضلة أنه شهدهم يوم .. نهر الأمير وقاتلهم وجماعة معه حتى صاروا إلى بوارجهم واستنقذوا ما في أيديهم [تاريخ خليفة / ٢٨٠]. وهذا يعني أن خليفة روكما الحادثة عمّن شهدها.\n(٢) لقد ذكر الطبري هذا الرأي بصيغة التمريض (قيل) وأما بناء القصر ببصرة فقد أيده البسوي كما ذكرنا آنفًا [المعرفة ١/ ٢١].\n(٣) راجع قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد المنصور.","vol":"5","page":107},{"text":"الروم ليلًا، وأهله نيام، فسبى وأسر مَنْ كان فيه من المقاتلة، ثم صار إلى اللاذقيّة المحترقة، ففتحها وأخرج منها ستة آلاف رأس من السَّبْي سوى الرّجال البالغين (١).\nوفيها ولّى المنصور بكَّارَ بن مسلم العُقيليّ على إرمينيَة (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن أبي جعفر المهديّ (٣).\nوكان على مكة والطائف يومئذ محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد بن الحسن، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى قضائها سوّار، وعلى مصر محمد بن سعيد (٤).\nوذكر الواقديّ أن يزيد بن منصور كان في هذه السنة والي اليمن من قِبَل أبي جعفر المنصور (٣).\n* * *\n_________\n(١) لم نجد ذكرًا إلّا لأصل الخبر (غزا معيوف الصائفة) أما التفاصيل فلم يذكره البسوي ولا خليفة ولا غيرهما من المؤرخين الثقات المعاصرين للطبري أو السابقين له وقد قال البسوي وفيها (أي ١٥٣ هـ) غزا معيوف بن يحيى الجحدري الصائفة ولم يدرب (المعرفة ١/ ٢١) وكذلك قال خليفة [٢٨٠].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٨٠) والبسوي في المعرفة (١/ ٢١).\n(٤) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المنصور.","vol":"5","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك خروجُ المنصور إلى الشام ومسيره إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم إلى إفريقيّة في خمسين ألفًا -فيما ذُكِر- لحرب الخوارج الذين كانوا بها، الذين قتلوا عامله عمر بن حفص. وذكر أنه أنفَق على ذلك الجيش ثلاثةً وستين ألف ألف درهم (١).\nوفيها ولّى عبد الملك بن ظَبْيان النميريّ على البصرة (٢).\nوغزا الصائفة في هذه السنة زُفَر بن عاصم الهلاليّ فبلغ الفرات (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم، وهو عامل أبي جعفر على مكة والطائف (٤).\nوكان على المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان. وعلى قضائها سوّار بن عبد الله وعلى السِّنْد هشام بن عمرو، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد (٥).\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي: وفيها خرج أبو جعفر إلى بيت المقدس [المعرفة ١/ ٢٣] ولم يذكر شيئًا عن بعث الجيوش إلى أفريقية لقتال الخوارج وكذلك لم يذكره خليفة.\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) اتفق الطبري وخليفة حول إمرة زفر بن عاصم الصائفة لهذه السنة إلّا أنه اختلف في وصف مسيره فقال وولى أبو جعفر زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي فدخل المصيصة حتى أتى القزة وبث السرايا فغنم وخرج من درب مرعش [تأريخ خليفة / ٢٨١].\n(٤) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٢٢].\n(٥) انظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد المنصور.","vol":"5","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقيّة وقتلُه أبا عاد وأبا حاتم ومَنْ كان معهما، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القَيروان (١).\nوفيها وجَّه المنصور ابنَه المهديّ لبناء مدينة الرّافقة، فشخص إليها، فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسوّر سورها وخندقها، ثم انصرف إلى مدينته (٢).\nوغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السّلمِيّ (٣).\nوفيها استعمل المنصور على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب (٤) وفي هذه السنة عزل المنصور عن الكوفة محمد بن سليمان بن عليّ، في قول بعضهم، واستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيِّب بن زهير (٦).\nوأما عمر بن شبّة فإنه زعم أنه عزل محمد بن سليمان عن الكوفة في سنة ثلاث وخمسين ومائة، وولّاها عمرو بن زهير الضبّيّ أخا المسيّب بن زهير في هذه السنة. قال: وهو حفر الخندق بالكوفة (٥).\nوفي هذه السنة أيضًا عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة، واستعمل\n_________\n(١) قال البسوي وفيها خرج يزيد بن حاتم إلى إفريقية ففتحها [المعرفة ١/ ٢٣].\n(٢) أما تفاصيل البناء فلم يذكرها البسوي ولا خليفة وإنما ذكر البسوي أصل الخبر فقال: وفيها وجّه أبو جعفر ابنه المهدي لبناء الرافقة [المعرفة ١/ ٢٣].\n(٣) وقال البسوي: وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسد السلمي [المعرفة ١/ ٢٣] بدلًا من (أسيد).\n(٤) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٥) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":110},{"text":"عليها عبد الصّمد بن عليّ، وجعل معه فُلَيْح بن سليمان مشرفًا عليه (١).\nوكان على مكة والطائف محمَّد بن إبراهيم بن محمد، وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد (٢).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال البسوي دون ذكر لفليح بن سليمان [المعرفة ١/ ٢٣].\n(٢) انظر قوائم الولاة في آخر عهد المنصور.","vol":"5","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nوفي هذه السنة عزل المنصور الهيثم بن معاوية عن البصرة وأعمالها، واستعمل سوّار بن عبد الله القاضي على الصلاة، وجمع له القضاء والصّلاة. وولّى المنصور سعيد بن دعْلج شُرَط البصرة وأحداثها (١).\nوفي هذه السنة غزا الصائفةَ زُفَرُ بن عاصم الهلاليّ (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن عليّ (٣).\nوكان العامل على مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيمًا بمدينة السلام، وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة؛ وكان إليه مع مكة الطائف. وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى الأحداث والجوالي والشُّرط وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد بن دعْلج، وعلى الصلاة بها والقضاء سؤار بن عبد الله، وعلى كور دِجْلة والأهواز وفارس عُمارة بن حمزة، وعلى كِرْمان والسِّنْد هشام بن عمرو، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد (٤).\n* * *\n_________\n(١) وقال خليفة فيها (١٥٦ هـ) عزل الهيثم بن معاوية وولّى سوار مع القضاء [تأريخ خليفة / ٢٨١].\n(٢) وقال خليفة وغزا زفر بن عاصم الهلالي بلاد الروم فاغار على قنبة وقونية أخليفة / ٢٨١].\n(٣) وكذلك قال البسوي [١/ ٢٣].\n(٤) انظر قوائم الولاة والقضاة وغيرهم في نهاية عهد المنصور.","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصرَه الذي على شاطئ دجلة؛ الذي يدعَى الخُلْد، وقسّم بناءه على مولاه الربيع وأبان بن صدَقة (١).\nوفيها قُتل يحيى أبو زكرياء المحتسب؛ وقد ذكرنا قبلُ سببَ قتله إياه.\nوفيها حوّل المنصور الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكَرْخ وغيره من المواضع، وقد مضى أيضًا ذكرُنا سبب ذلك قبل (٢).\nوفيها ولّى المنصور جعفرَ بن سليمان على البحرين، فلم يتمّ ولايته، ووجّه مكانه أميرًا عليها سعيد بن دعْلج؛ فبعث سعيد ابنَه تميمًا عليها (٣).\nوفيها تُوُفِّيَ سوّار بن عبد الله وصلّى عليه ابنُ دعلج، واستعمل المنصور\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها (١٥٧ هـ) ابتنى أبو جعفر قصره التي تعرف بالخلد [المعرفة ١/ ٢٥] قلت: والواضح من قول الطبري والبسوي أن المنصور لم يطلق عليه اسم الخلد وإنما سمّاه الناس (ولعل ذلك بسبب إعجابهم ببنائه الغريب) والرواية التأريخية المسندة تذكر أن المنصور كان يعاقب من يطلق على قصره أو ناحية من نواحي بغداد بالخلد فقد أخرج المؤرخ المتقدم الثقة البلاذري قال: حدثني عبد الله بن المبارك وغيره قالوا: أتمّ المنصور بناء مدينة بغداد سنة سبع وخمسين وتولى ناحية منه الربيع وناحية أخرى أبان بن صدقة قال عبد الله بن مالك: وأنا يومئذ مع أبان وكان المنصور يعاقب من سمّاه الخلد ويقول الدنيا دار فناء وإنما الخلد في الجنة [أنساب الأشراف ٣/ ٢٩٦].\n(٢) قال البسوي: وفيها نقل أبو جعفر الأسواق من المدينة ومدينة الشرقية إلى باب الكرخ وباب الشعير والمحول، وهي السوق التي تعرف بالكرخ وأمر ببنائها من ماله على يدي الربيع مولاه [المعرفة والتأريخ ١/ ٢٥].\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":113},{"text":"مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبريّ (١).\nوفيها عقد المنصور الجسر عند باب الشعير وجرى ذلك على يد حُميد القاسم الصّيرفيّ، بأمر الربيع الحاجب (٢).\nوفيها عُزِل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر، واستُعمل عليها مَطر مولى أبي جعفر المنصور (٣).\nوفيها وُلّى معبد بن الخليل السِّنْد، وعُزِل عنها هشام بن عمرو، ومعبد يومئذ بخُراسان؛ كتب إليه بولايته (٤).\nوغزا الصائفة فيها يزيد بن أسيَد السّلميّ، ووجَّه سنانًا مولى البطّال إلى بعض الحُصون، فسبى وغنم (٥).\nوقال محمد بن عمر: الذي غزا الصائفةَ في هذه السنة زُفر بن عاصم.\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٦).\nقال محمد بن عمر: كان على المدينة -يعني إبراهيم هذا.\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٢) وقال البسوي وفيها عقد الجسر عند باب الشعير [المعرفة ١/ ٢٥].\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٤) بينما قال خليفة أن المنصور عزل هشام بن عمرو التغلبي وولى سعيد بن الخليل رجلًا من بني تميم (تأريخ خليفة / ٢٨٥).\n(٥) وقال خليفة وغزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي فغنم وسلم [خليفة / ٢٨١].\n(٦) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٨١) والبسوي في المعرفة (١/ ٢٤).","vol":"5","page":114},{"text":"وقال غيرُه: كان على المدينة في هذه السنة عبد الصمد بن عليّ، وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى الأهواز وفارس عُمارة بن حمزة، وعلى كَرْمان والسِّنْد معبد بن الخليل، وعَلى مصر مَطر مولى المنصور (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفي هذه السنة نزل المنصور قصره الذي يعرف بالخلد (١) وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث فلقي العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>[ذكر الخبر عن وفاة أبي جعفر المنصور] </span>(٣)\nوفيها شخص أبو جعفر من مدينة السلام، متوجهًا إلى مكة؛ وذلك في شوّال، فنزل - فيما ذكر- عند قصر عبْدوَيَهْ، فانقضّ في مقامه هنالك كوكب، لثلاث بقين من شوّال بعد إضاءة الفجر، فبقى أثرُه بَيِّنًا إلى طلوع الشمس، ثم مضى إلى الكوفة، فنزل الرُّصافة، ثم أهلّ منها بالحجّ والعُمرة، وساق معه الهدي وأشعرَه وقلَّده؛ لأيامٍ خلت من ذي القعدة. فلما سار منازل من الكوفة عرضَ له وجعه الذي توفِّيَ منه (٣).\nواختلف في مبلغ سِنِّه يوم توفِّي، فقال بعضهم: كان يوم توفِّي ابن أربع وستين سنة.\nوقال بعضهم: كان يومئذ ابن خمس وستين سنة.\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها (١٥٨ هـ) نزل أبو جعفر قصره الذي لم يخلد فيه [المعرفة ١/ ٢٦] ولم يذكر الطبري هنا أن المنصور سمّاه الخلد وقد ذكرنا آنفًا (٨/ ٥٢ / ١) أن البلاذري ذكر في كتابه أنساب الأشراف أنه كان يعاقب من يطلق عليه ذلك ويقول إنما الخلد في الجنة.\n(٢) وقال خليفة: وفيها غزا معيوف بن يحيى فقتل وسبى [تاريخ خليفة: ٢٨٢].\n(٣) انظر تعليقنا (٨/ ٦٢ / ١).","vol":"5","page":116},{"text":"وقال بعضهم: كان يوم توفِّيَ ابن ثلاث وستين سنة.\nوقال هشام بن الكلبيّ: هلك المنصور وهو ابن ثمان وستين سنة.\nوقال هشام: ملك المنصور اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يومًا.\nواختُلف عن أبي معشر في ذلك، فحدثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: توفِّيَ أبو جعفر قبل يوم التروية بيوم يوم السبت، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام (١).\n_________\n(١) أصح رواية في هذا الباب ما أخرجه خليفة إذ قال: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: ولد أبو جعفر بالحميمة من أرض الشام ومات ببئر ميمون يوم .... لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة وهو ابن أربع وستين سنة وصلى عليه عيسى بن موسى [تأريخ خليفة / ٢٨٢] وقد أخرج خليفة هذا الخبر بإسناد مركب الأول (الوليد بن هشام عن أبيه عن جده) وقد قبلنا هذا الإسناد في قسم الصحيح من التأريخ لأن رجاله (على الأقل) مذكورون في ثقات ابن حبان، ولا نعلم فيهم جرحًا ولا نكارة في متنهم هذا أضف إلى ذلك فإن أحدهم وثقه غير ابن حبان كذلك، وقد تحدثنا عن هذا الإسناد، في التأريخ مرارًا -أما ما ذكره مبهمًا عن أبي معشر فيؤيده ما أخرجه خليفة من أنه توفي قبل يوم التروية من ذي الحجة سنة ١٥٨ (تأريخ خليفة ١/ ٢٨٢) ووافقهما البسوي [المعرفة ١/ ٢٦] ورواية الطبري (٨/ ٦٢ / ٢) أخرجه البسوي بتمامه مسندًا فقال حدثنا سلمة قال أحمد عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال حج أبو جعفر ..... الخبر [المعرفة ١/ ٢٥].\nوأخرج ابن عساكر بسنده المتصل إلى أبي حفص الفلّاس أنه قال: مات قيل التروية بيوم يوم السابع من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين بمكة [تأريخ دمشق / تر ٣٥٢٣/ ٣٤٧] فالله تعالى أعلم.\nوقال الحافظ ابن كثير: ودخل (أي المنصور) مكة فتوفي بها ليلة السبت لست مضين من ذي الحجة وصُلّيَ عليه ودفن بكداء عند ثنية المعلى التي بأعلى مكة [البداية والنهاية ٨/ ٧٢]. وانظر المنتظم لابن الجوزي [٨/ ٢٠٤].","vol":"5","page":117},{"text":"وروى عن ابن بكَّار عنه أنه قال: إلا سبع ليال.\nوقال الواقديّ: كانت ولاية أبي جعفر اثنتين وعشرين سنة إلا ستة أيام.\nوقال عمر بن شبَّة: كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير يومين.\nحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عليّ (١).\n_________\n(١) أما الحج فقد قال البسوي موافقًا لما ذكره الطبري (٨/ ٦٢) وفي سنة ثمان وخمسين ومائة حجّ بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد (المعرفة والتأريخ ١/ ٢٥).\n• تأكيدًا لما ذكره الطبري (مفرّقًا) على السنين عن أسماء الولاة والقضاة فإننا نذكر قوائم الولاة والقضاة كما ذكر الطبري بعد انتهاء من عهد كل خليفة وسنرى بعد صفحات أن الطبري نفسه يبدأ باتباع أسلوب خليفة هذا، قال خليفة بن خياط في تأريخه: تسمية عمال أبي جعفر.\nالمدينة: أقر عليها زياد بن عبيد الله الحارثي، ثم عزله سنة إحدى وأربعين ومائة وولاها محمد بن خالد بن عبد الله القسري ثم عزله سنة ثلاث وأربعين وولى رياح بن عثمان المري فخرج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب في رجب سنة خمس وأربعين فشدّ رياح بن عثمان، فوجه أبو جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي فقتل محمد بن عبد الله وولى المدينة كثير بن الحصين أحد بني عبد الدار فولي شهرًا، ثم عزله وولى عبد الله بن الربيع الحارثي، ثم عزله أبو جعفر سنة ست وأربعين وولّى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم عزله سنة تسع وأربعين ومائة وولّى عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب.\nمكة: أقر عليها زياد بن عبيد الله الحارثي مع ولاية المدينة ثم عزله سنة إحدى وأربعين ومائة وولّى العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس ثم عزله وولّى إسماعيل بن أيوب المخزومي، ثم عزله وولّى الهيثم بن معاوية العتكي في سنة إحدى وأربعين، ثم عزله وولّى السري بن عبد الله بن الحارث سنة ثلاث وأربعين، ثم عزله وولّى عبد الصمد بن علي، ثم عزله وولّى محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم عزله وولّى محمد بن عبد الله الكثيري حتى مات.\nاليمن: أقرَّ عليها عبد الله بن الربيع الحارثي، ثم عزله وولّى معن بن زائدة الشيباني في =","vol":"5","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سنة اثنتين وأربعين ومائة، ثم عزله وولّى الحجاج بن منصور، ثم عزله وولّى الفرات بن سالم، ثم ولاها يزيد بن منصور حتى مات أبو جعفر.\nالبصرة: أقر عليها سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم عزله وولى سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، فقدم في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، ثم عزله وولى عمر بن جعفر هزارمرد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ثم عزله سنة أربعين ومائة وولى عبد العزيز بن عبد الرحمن الأزدي، ثم عزله وولى سوار بن عبد الله مع القضاء، ثم عزله وولى عمر بن جعفر هزارمرد الثانية في سنة اثنتين وأربعين ومائة، ثم ولاه السند وولى أبا الجمل عيسى بن عمرو السكسكي البصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم عزله وولى إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس في هذه السنة أيضًا سنة ثلاث وأربعين ومائة، فخرج إسماعيل واستخلف محمد بن سليمان بن علي، ثم عزله وولى سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، فخرج إلى أبي جعفر واستخلف ابنه المغيرة بن سفيان، ثم قدم سفيان وخرج إبراهيم بن عبد الله في شهر رمضان، فسلَّم إليه سفيان من غير قتال، ثم خرج إبراهيم من البصرة في شوال واستخلف ابنه الحسن بن إبراهيم، وقتل إبراهيم في ذي القعدة وغلب على البصرة سليمان بن مجاهد مولى لبني ضبيعة، ثم قدم جعفر بن سليمان فصلى بالناس يوم النحر، \"ثم ولى أبو جعفر سلم بن قتيبة فولى شهرين، ثم عزله وولى محمد بن أبي العباس\" فلقبه أهل البصرة أبا الدبس، وذلك سنة ست وأربعين. ثم خرج محمد بن أبي العباس سنة تسع وأربعين، واستخلف عقبة بن سلم الهنائي فأقره أبو جعفر، \"ثم خرج عقبة بن سلم سنة خمسين، واستخلف ابنه نافع بن عقبة، فعزله\" وولى جابر بن توبة الكلابي، ثم عزله وولى يزيد بن منصور سنة اثنتين وخمسين فولي شهرًا، ثم عزله، وولى عيسى بن عمرو أبا الجمل الولاية الثانية، ثم عزله وولى عبد الملك بن أيوب النميري سنة ... وخمسين ثم عزله وولى الهيثم بن معاوية سنة خمس وخمسين، ثم عزله، وولى سوار بن عبد الله الصلاة وابن دعلج على الأحداث سنة خمس وخمسين ومائة، فمات سوّار في آخر سنة ست وخمسين ومائة في آخر ذي الحجة، وصلى بالناس عبيد الله بن الحسن، فأقرَّه أبو جعفر على الصلاة. =","vol":"5","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الكوفة: أقرَّ عليها عيسى بن موسى، ثم عزله سنة تسع وثلاثين وولى محمد بن سليمان ثماني سنين، ثم عزله وولى عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير حتى مات أبو جعفر.\nخراسان: وليها بعد أبي مسلم أبو داود من بني ذهل، ثم عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، ثم خازم بن خزيمة ناحية، وجبريل بن يحيى ناحية، ثم أسد بن عبد الله، ثم عبد الله بن مالك الخزاعي، ثم أبو عون الحمصي، ثم حميدبن قحطبة مات بها واستخلف ابنه عبد الله بن حميد.\nسجستان: من عمال أبي جعفر عليها: إبراهيم بن حميد بن محمد المروزي، ومعن بن زائدة قتل بها سنة إحدى وخمسين ومائة، واستخلف معن يزيد بن مزيد، فعزله المهدي في ولاية أبي جعفر وولى تميم بن عمر من بني تميم الات بن ثعلبة، ثم عزله وولى عبيد الله بن العلاء حتى مات أبو جعفر.\nالسند: موسى بن كعب ثم شخص واستخلف اينه عيينة بن موسى فلم يزل واليًا حتى قدم عمر بن حفص هزارمرد سنة ثلاث وأربعين ومائة، فلم يسلَّم إليه عيينة وحاربه فحاصره عمر بالمنصورة أحد عشر شهرًا، ثم سأله عيينة الصلح على أن يشخص عنها فصالحه فشخص عنها عيينة واستقامت البلاد لعمر بن حفص، ثم كتب إليه أبو جعفر يأمره بالشخوص، فشخص واستخلف أخاه لأمه جميل بن صخر، ثم عزله وولى هشام بن عمرو التغلبي، ثم شخص إلى أبي جعفر واستخلف أخاه بسطام بن عمرو ثم عزله أبو جعفر وولى سعيد بن الخليل رجلًا من بني تميم، فمات بالمنصورة واستخلف ابنه محمد بن سعيد فلم يزل عليها حتى مات أبو جعفر.\nالبحرين: من عمال أبي جعفر عليها عبد ربه بن شريط بن عبد ربه، وعقبة بن سلم، ويزيد بن عبد الله الهلالي.\nاليمامة: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس.\nالجزيرة: كان أبو جعفر ولاها مقاتل بن حكيم العكي في خلافة أبي العباس، ثم سار عبد الله بن علي بعد موت أبي العباس، فحصر مقاتل بن حكيم في مدينة حرّان حتى دفعها على صلح، فبعث أبو جعفر أبا مسلهم إلى عبد الله بن علي فالتقوا بنصيبين في =","vol":"5","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جمادى سنة سبع وثلاثين ومائة، فانهزم عبد الله بن علي فولى أبو جعفر الجزيرة مخارق بن العقار، ثم ولى حميد بن قحطبة، ثم العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم موسى بن سليم رجل من أهل خراسان، ثم موسى بن مصعب مولى اليمن.\nإفريقية: قتل عبد الرحمن سنة ثمان وثلاثين ومائة، وبايع الناس العباس بن حبيب فحاربه عيينة بن عبد الرحمن بن حبيب، فقتل العباس ودخل القيروان في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين ومائة، فثار عاصم بن جميل فخرج حبيب بن عبد الرحمن من القيروان، فولّى أهل إفريقية حميد بن حريث المعافري وكان قاضيهم، ثم دخلها عاصم بن جميل في المحرم سنة أربعين ومائة ثم قتل عاصم بن جميل ثم دخلها عبد الرحمن بن خالد بن عمران بن أيوب السهمي سنة إحدى وأربعين ومائة فقتله مكرز بن جميل بن عبد الملك بن أبي الجعد وثار أبو الخطاب الإباضي فقتل مكرزًا ودخل القيروان وأخذ بيعة الناس فولى أبو جعفر محمد بن الأشعث فقتل أبا الخطاب سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم ثار به الجند وأخرجوه وولّوا عيسى بن موسى قائدًا من قواد أبي جعفر، فعزله أبو جعفر وولى الأغلب بن سالم من بني تميم، فثار به الحسن بن حرب الكندي فقتل الأغلب ثم قتل المخارق بن عقّار الطائي وغلب عليها، فكتب إليه أمير المؤمنين بولايته.\nثم ولاها أبو جعفر عمر بن حفص هزارمرد فأقام بها زمانًا، ثم قتل فقام بأمر الناس أخوه لأمه جميل بن صخر، ثم حاربه أبو حاتم رجل من البربر - زمانًا ثم أعطاه أبو حاتم أمانًا وصارت إفريقية في يد أبي حاتم فوجّه أبو جعفر يزيد بن حاتم فهزم أبا حاتم ونفاه عن البلاد حتى مات أبو جعفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>القضاء</span>\nالبصرة: استقضى أبو جعفر سوار بن عبد الله العنبري سنة ومات آخر سنة ست وخمسين فولّى عبيد الله بن الحسن العنبري.\nالكوفة: أقرّ عليها ابن أبي ليلى فمات سنة (١٤٨) فاستقضى أبو جعفر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم شريك النخعي حتى مات أبو جعفر. =","vol":"5","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المدينة: كان عليها ابن أبي سبرة ثم ولى بالمدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري سنة ١٤١ هـ فاستقضى عبد العزيز بن المطلب، ثم عزل محمد بن خالد سنة (١٤٣) وولى رياح بن عثمان المري فأقرَّ، ثم ولي كثير بن حصين أحد بني عبد الدار، فأقر عبد العزيز بن المطّلب ثم عزل أبو جعفر كثير بن الحصين وولّى عبد الله بن الربيع الحارثي فأقرّ عبد العزيز بن عبد المطلب ثم عزل أبو جعفر عبد الله بن الربيع في سنة (١٤٦ هـ) وولى جعفر بن سليمان بن علي فأقر عبد العزيز بن عبد المطلب على القضاء ثم عزله جعفر بن سليمان بن علي وولى الحسن بن زيد بن الحسن بن علي في رمضان (١٤٩ هـ) فاستقضى عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر فتوفي عبد الله بن عبد الرحمن فاستقضى الحسن بن عمران التيمي ثم عزله وولى ربيعًا المخزومي أيامًا، ثم عزله وولى الكثيري، ثم عزل أبو جعفر الحسن بن زيد وولى عبد الصمد بن علي بن عبد الله في سنة خمس وخمسين ومائة، فاستقضى عبد الصمد عبد الله بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.\nالموسم: كتبنا في تأريخ السنين كل سنة من قام بالحج.\nالشرط: شرط أبي جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ثم المسيب بن زهير الضبي. وكان حمزة يسير بين يديه بالحربة، والمسيَّب بن حرب العدوي، ثم ضمَّ الحربة إلى المسيب حتى مات أبو جعفر.\nالرسائل: أبو أيوب المورياني.\nكاتب الخراج: يزيد بن الفيض.\nرسائل الفتوح: عبد الملك بن حميد.\nبيوت الأموال: أبان بن صدقة حتى مات أبو جعفر.\nالخزائن: سليمان بن مجالد فمات فولّى ابن أخيه إبراهيم بن صالح بن مجالد حتى مات أبو جعفر.\nديوان جند خراسان وصوافي الأرض وأحوازها: عبد الملك بن حميد ثم عزله وولّى على أرض البصرة عمارة بن حمزة، وعلى خراج الكوفة عمرو بن صليع، ثم عزله وولّى ثابت بن موسى، وعلى خراج الشام وجند الشام ابن رغبان.","vol":"5","page":122},{"text":"وذكر عن أحمد بن خالد، قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم الفهريّ، قال: خطب المنصور ببغداد في يوم عَرَفة - وقال قوم: بل خطب في أيام منى - فقال في خطبته: أيها الناس؛ إنما أنا سلطان الله في أرضه؛ أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه؛ أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه؛ قد جعلني الله عليه قُفلا، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقَسْم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يُقفلني أقفلني؛ فارغبوا إلى الله أيها الناس، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه؛ إذ يقول ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) أن\n_________\n= وعلى زمام الجند: إسحاق بن صالح بن مجالد.\nوعلى الحرس والخاتم: عثمان بن نهيك فمات عثمان فولّى عيسى بن نهيك فمات عيسى فولّى أبا العباس الطوسي.\nوعلى ديوان الخاتم: أبو منصور الكاتب من أهل خراسان.\nحاجبه: عيسى بن نجيح مولاه، ثم أبو الخصيب مولاه، ثم الربيع مولاه، ثم بويع المهدي. [تاريخ خليفة ٢٨٤ - ٢٨٧].\n(١) الخبر أخرجه ابن عساكر من طريقين يتعاضدان ببعضهما الأول كما عند الطبري عن إسماعيل الفهري قال سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه بمشيئته، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله تعالى عليه قفلًا إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، وإذا شاء أن يُقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى الله تعالى، أيّها الناس، وسألوهُ، في هذا اليوم الشريف الذي وهب للمرء فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ. ...﴾ أن يوفقني للصواب. ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لإعطائكم وقسمة أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب [تأريخ دمشق / المجلد ٣٢ / تر ٣٥٢٣/ ٣١١].\nوأخرج ابن عساكر من طريق مبارك الطبري عن أبي عبيد الله قال: =","vol":"5","page":123},{"text":"يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لأعطياتكم، وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، إنه سميع قريب.\nوذكر عن داود بن رشيد عن أبيه، أنّ المنصور خطب فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له .. فاعترضه معترض عن يمينه، فقال: أيّها الإنسان، أذكّرك مَنْ ذكرت به ... فقطع الخطبة ثم قال: سمعًا سمعًا؛ لمن حفظ عن الله وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارًا عنيدًا، وأن تأخذَنِي العزّة بالإثم، لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. وأنتَ أيها القائل؛ فوالله ما أردتَ بها وجه الله؛ ولكنّك حاولتَ أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهوْن بها! ويلك لو هممتُ! فاهتبلها إذ غفرت، وإياك وإياكم معشر الناس أختها؛ فإنّ الحكمة علينا نزلتْ، ومن عندنا فصلت، فردُّوا الأمر إلى أهله، تورِدوه مواردَه، وتُصدروه مصادرَه ... ثم عاد في خطبته، فكأنه يقرؤها من كفه فقال: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (١).\n* * *\n_________\n= سمعت أبا جَعْفَر المَنْصُور بعرفات يخطب فقال في آخر خطبته: يا أيها الناس، أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده ونصره، وخازنه على فيئه أعمل فه بمشيئته، وأقسم بإرادته، وأعطيته، قد جعلني عليه قفلًا إن شاء أن يفتحني لأعطائكم، وقسم أرزاقكم فتحني، وإن شاء أن يقفلني عليها قَفَلَني، فارغبوا إلى الله، وأسألوه في هذا اليوم الشريف الذي ذهب للمرء فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أن يوفقني للصواب، والرشاد، ويلهمني الرأفة والرحمة والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم.\n[تأريخ دمشق / المجلد السابق / ٣١١].\nوهذان طريقان يتعاضدان ببعضهما إن شاء الله تعالى.\n(١) الخبر له ما يؤيده فقد أخرجه ابن عساكر من طريقين الأول من طريق ابن قتيبة عن المعلّى بن أيوب أن المَنْصُور خطب بمكة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ومضى في =","vol":"5","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>ذكر الخبر عن بعض سيره (أي المنصور) </span>(١)\n_________\n= كلامه، فلما انتهى إلى: أشهد أن لا إله إلّا الله، قام رجل عن أقصى المسجد فقال: اذكرْ من تذكر، فسكت المنصور ثم قال: سمعنا لمن سمع عن الله، وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارًا عصيًا وأن تأخذني العزّة بالإثم، لقد ضللتُ إذًا، وما أنا من المهتدين، وأنت والله أيها القائل ما الله أردت بهذا، ولكن حاولت إلى أن يقال: قام، فقال، فعوقب، فصبر، وأهونْ بقائلها. ويلك فإذا سهوت أنا فمن يعلم: وإياكم، مَعْشَر الناس، وأختها، فإن الموعظة علينا نزلت، ومن عندنا أبينت، فردوا الأمر إلى أهله يصدروه كما أوردته.\nثم رجع إلى خطبته كأنه يقرأها عن كفّه، فقال: وأشهد أن مُحَمَّدًا عبده ورسوله. [تأريخ دمشق / المجلد السابق ٣٢/ ٣١١ - ٣١٢]. ثم أخرجه ابن عساكر عن طريق أبي العيناء (محمد بن القاسم) عن الأصمعي قال:\nصعد أبو جعفر المنصور المنبر فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به، وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين اذكر من أنت في ذكره، فقال أبو جعفر: مرحبًا مرحبًا، لقد ذكرت جليلًا، وخوّفت عظيمًا، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت وأنت يا قائلها. فأحلفُ بالله، ما اللهَ أردتَ بها، وإنّما أردتَ أن يقال: قام فقال، فعوقب فصبر، فأهون بها من قائلها واهتبلها الله، ويلك، إنّي غفرتها وإياكم مَعْشَر الناس وأمثالها، وأشهد أن مُحَمَّدًا عبده ورسوله، فعاد إلى خطبته فكأنما يقرأها من قرطاس [المجلد السابق ٣٢/ ٣١٢].\nوالخبر أخرجه الخطيب [تأريخ بغداد ١٠/ ٥٥] وأبو العيناء ليس قويًّا في الحديث ولكنه حافظ للأخبار فهذه طرق تتعاضد ببعضها. والله أعلم.\n(١) لقد ذكر الطبري ضمن حديثه عن سيرة المنصور روايات كثيرة استغرقت الصفحات (٧١ - ١٠٧) ولكنه وللأسف الشدبد فإن الطبري أورد هذه الأخبار بأسانيد مسلسلة بالمجاهيل وهي أخبار في ظاهرها مناقب للخليفة المنصور ولكن في ثنايا بعضها مثالب =","vol":"5","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وطامات - والتزامًا منا بالمنهج الذي بيناه في المقدمة فإننا لم نعتمد على هذه الروايات في تأكيد صحة متونها سواء ما يتعلق بالمناقب والمثالب.\nوجزى الله الطبري خيرًا فإنه تعامل مع أخبار سير الخلفاء بصورة مغايرة لأخبار الحج والجهاد والتولية والعزل فهذه أمور تشاهدها جموع غفيرة وأهل كل بلدة يعلمون من الوالي أو القاضي عليهم أما ما يدور من حديث خاص بين الخليفة وفردٍ من رعاياه فلا بد من إسناد لدراسته قبل دراسة المتن لمعرفة صحّة الخبر من ضعفه.\nولقد ذكرنا روايتين من روايات الطبري وهما (٨/ ٨٩) و(٨/ ٩٠) فإن لهما متابعات أو شواهد كما ذكر آنفًا.\nوما سواهما فقد وضعناها في قسم المسكوت عنه والضعيف ولجلاء سيرة المنصور ولو نسبيًا والتعرف على جوانب شخصيته فقد استشهدنا بروايات الخطيب وابن عساكر والبسوي والزبير بن بكار وغيرهم من الأئمة الثقات والله الموفق.\nالخليفة المنصور - شيء من سيرته ما له وما عليه.\nأولًا: المنصور يُجِلُّ العلم والعلماء ويرغب في تولية العلماء العاملين أمور البلاد من ولاية وقضاء وغير ذلك:\nأخرج البسوي قال حدثني شعيب بن الليث قال قال أبي (أي الليث بن سعد الفقيه) ودّعت أبا جعفر أمير المؤمنين ببيت المقدس فقال أعجبني ما رأيت من عقلك ولقد فرحت إذْ أبقى الله في الرعية مثلك -قال شعيب- فقال لي أبي لا تحدّث بهذا عنّي ما دمت حيًّا -قال- وقال أبو جعفر: ألا تنظر لي رجلًا استعمله على مصر ..... الخبر) وفي آخره: فقال (أي المنصور) فما يمنعك أنت؟ قلت (أي الليث) أنا لا أقوى وأنا ضعيف، قال لي: أنت قوي ولكن ضعفت نيتك في العمل لي [المعرفة والتأريخ ٢/ ٤٤١] [تأريخ بغداد ١٣/ ٥]. [سير أعلام النبلاء / ٨/ ١٤٦ / تر ١٢] قلت وهذا إسناد صحيح.\nثانيًا: الخليفة المنصور يتقبل نصائح العلماء والعبّاد والزهاد من رعيته ومن حوله من المستشارين الصالحين. =","vol":"5","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرج ابن عساكر من طريق علي بن الحسن عن أبيه عن بكر بن العابد قال: قال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور إني لأعلم رجلًا إن صلح صلحت الأمة قال ومن هو؟ قال أنت [تأريخ دمشق / المجلد / ٣٢١].\nوقد سبق في قسم الصحيح [٨/ ٩٠] الخبر الدال على قبول الرشيد نصيحة رعيته له على رؤوس الأشهاد من فوق منبر الجمعة.\nوأخرج القاضي وكيع قال حدثني أبو يعلى قال حدثني الأصمعي قال: كتب أبو جعفر أمير المؤمنين إلى سوّار في شيء كان عنده خلاف الحق فَلَمْ يُنَفِّذ سوار كتابه، وأمضى الحكم عليه فاغتاظ أمير المؤمنين عليه وتوعّده فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوّار مضاف إليك وتزيين خلافتك فأمسك [أخبار القضاة / ٢٧١].\nوهذه الروايات وغيرهما مما سنذكر إن شاء الله في سيرة المهدي والرشيد تؤكد مقولتنا من أن الخليفة يومها كان على رأس حلقة من الحكم الشوروي الجماعي ولم يكن العدل أمرًا متروكًا لمزاج الخليفة كما يزعم البعض.\nثالثًا: نزاهة القضاة واستقلالية القضاء عن إدارة الخلافة والإمارة أخرج الإمام المؤرخ الحجة العجلي ﵀ في كتابه القيم تأريخ الثقات بإسنادٍ عالٍ فقال حدثني أبي (أي عبد الله بن صالح وهو ثقة من التاسعة كما قال ابن حجر في التقريب (تر ٣٤١٠) ولد سنة ١٤١ هـ وتوفي ٢١١ هـ أي أنه عاش في العصر العباسي الأول] كتب أبو جعفر إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى فلان القائد، فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها لفلان التاجر، فلست أخرجها من يديه إلا ببيّنة، فكتب إليه أبو جعفر: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى فلان القائد، فكتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يدي فلان التاجر إلا بحق، فلما جاءه الكتاب قال أبو جعفر: ملأتها والله عدلًا، صار قضاتي تردني إلى الحق [تأريخ الثقات ٢/ ٢١٠].\nوالخبر أخرجه ابن عساكر من طريق العجلي هذا [تأريخ دمشق / ٣٢/ ٣٥]. وهذا الخبر يدل على نزاهة القاضي واستقلالية القضاء.\nوعلى أمر آخر هام فهو يدلّ على أن البيئة من حول الحاكم أو الخليفة كانت تأطره على =","vol":"5","page":127},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحق وتردّه إلى الحق كلما ابتعد عنه وأن الخليفة يرى ويسمع تشجيعًا وحثًا وعونًا ممن حوله على إقامة العدل فإقامة العدل والحكم به بين الناس كان أمرًا جماعيًا تعاون عليه أهل الحل والعقد يومها لا كما يقول بعض العوام في أيامنا هذه من أن العدل كان أمرًا متروكًا لمزاج الخليفة والسلطان في العصور الإسلامية الأولى - ويرد قولهم وشبهتهم قول المنصور [صار قضاتي تردني إلى الحق ....] والحمد لله على نعمة الإسناد - وفي كتاب أخبار القضاة لوكيع وغيره من الكتب عشرات الأمثلة الدالة على استقلالية ونزاهة القضاء يومها - وهذا مثال آخر: فقد أخرج ابن عساكر من طريق محمَّد بن أبي بكر الموصلي عن نُمير المدني قال:\nقدم علينا أمير المؤمنين المَنْصُور المدينة ومُحَمَّد بن عمران الطلحي على قضائه، وأنا كاتبه فاستعدى الجمالون على أمير المؤمنين في شيء ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتابًا بالحضور معهم، وإنصافهم فقلت تعفيني من هذا فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب، فكتبت ثم ختمه فقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به إلى الربيع، وجعلت أعتذر إليه فقال لا عليك فدخل عليه بالكتاب، ثم خرج الربيع فقال للناس، وقد حضر وجوه أهل المدينة والأشراف وغيرهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا أعلمن أحدًا قام إلّي، إذا خرجت، أو تدانى بالسّلام، ثم خرج والمسيب بين يديه، والربيع، وأنا خلفه، وهو في إزار ورداء، فسلّم على الناس، فما قام إليه أحد ثم مضى حتى بدأ بالقبر، فسلّم على رَسُول الله - ﷺ - ثم التقت إلى الربيع فقال: يا ربيع ويحك أخشى إن رآني ابن عمران أن يدخل قلبه لي هيبة، فيتحول عن مجلسه، وبالله لئن فعل لا وليَ لي ولاية أبدًا.\nفلما رآه وكان متكئًا أطلق رداءه عن عاتقه ثم احتبى به، ودعا بالخصوم وبالجمالين، ثم دعا بأمير المؤمنين، ثم ادّعى عليه القومُ، فقضى لهم عليه، فلما دخل الدار قال للربيع: اذهب فإذا قام وخرج من عنده من الخصوم فادعه فقال: يا أمير المؤمنين ما دعا بك إلّا بعد أن فرغ من الناس جميعًا، فلما دخل عليه سلم، فقال: جزاك الله عن دينك وعن نبيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، قد أمرتُ لك بعشرة آلاف =","vol":"5","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= دينار، فاقبضها، وكانت عامة أموال مُحَمَّد بن عِمْرَان من تلك الصلة. [تأريخ دمشق / المجلد ٣٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧].\nوانظر الخبر في الجليس الصالح الكافي [٢/ ٢٨].\nوانظر أخبار القضاة فقد أخرجه القاضي وكيع من طريق آخر عن نمير فقال: أخبرنا أبو ظاهر الدمشقي أحمد بن بشر بن عبد الوهاب قال حدثني أبو عبيد الله قال حدثني أبو يعقوب قال: حدثني نمير الشيباني قال كنت كاتبًا لمحمد بن عمران وهو على قضاء المدينة فحج أبو جعفر ... الخبر] وفيه بعض الاختلاف عن رواية ابن عساكر وبعض زيادات يسيرة منها (فقال الذي على رأسه (أي على رأس القاضي ينادي الناس) بأي شيء أنادي؟ أبا الخلافة أو باسمه؟ قال: باسمه، فناداه فتقدم إليه فقضى عليه ...) أخبار القضاة / ١٢٧ / تحقيق سعيد اللحام.\nرابعًا: إكرامه للعلم والعلماء وإعانتهم على قضاء ما عليهم.\nقال الذهبي: وروى عمر بن عليّ المقدمي عن هشام بن عروة أنه دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين اقض عني دَيني، قال: وكم دينك؟ قال: مائة ألف، قال: وأنت في فقهك وفضلك تأخذ دينًا مائة ألف ليس عندك قضاؤها! قال: يا أمير المؤمنين، شب فتيان من فتياننا فأحببت أن أبوئهم وخشيت أن ينتثر عليّ من أمرهم ما أكره فبوَّأتهم، واتخذت لهم منازل وأولمت عنهم ثقة بالله، ثم بأمير المؤمنين، قال: فردّد عليه \"مائة ألف! ! \" استعظامًا لها، ثم قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف، فقال: يا أمير المؤمنين فاعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس، فإني سمعت أبي يحدّث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال \"من أعطي عطيّة وهو بها طيّب النفس بورك للمعطي والمعطى\" قال: فإني بها طيّب النفس. وهذا حديث مرسل [تأريخ الإسلام / ٣٢٢].\nقلت: وقول الذهبي هذا حديث مرسل أي الجزء المرفوع إلى النبي - ﷺ - (من أعطى ...) أما الحوار الذي دار بين الخليفة وهشام فقد رواه كما ترى عمر بن علي المقدمي وهو ثقة من رجال الصحيحين عن هشام بن عروة وهو ثقة إمام، وأخرج ابن عساكر من طريق الفضل بن الحباب (ثقة عالم مسند العصر - لسان الميزان / تر ١٣٤٠ / قال سمعت محمد بن سلام الجمحي (صدوق- ميزان الاعتدال / تر ٧٦١١] قال: قيل =","vol":"5","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= للمنصور: هل بقي من لذّات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعُد في مسطبة وحولي أصحاب الحديث، فيقول المُسْتَمْلي: من ذكرتَ رحمك الله؟ قال فغدا عليه الوزارء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم إنما هم الدَّنِسَة ثيابهم، المشققة أرجلهم الطويلة شعورهم، بُرُدُ الآفاق، ونقلة الحديث [تأريخ دمشق / المجلد السابق / ٣٢٩].\nوالخبر أخرجه الذهبي من طريق أبي خليفة عن محمد بن سلام وفي آخره: المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقلة الحديث [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٤٧٠] وأخرجه ابن كثير بلفظ: وقطاع المسافات تارة بالعراق وتارة بالحجاز وتارة بالشام [البداية والنهاية: ١٠/ ١٣٤].\nوأخرج وكيع قال أخبرنا أبي قال بشر بن المفضل قال حدثنا سوار قال ما تركت في نفسي شيئًا إلا كلمت به أبا جعفر قال قلت له يا أمير المؤمنين إن الحسن كان يقول: إن تصديق القول العمل فمن صدق عمله قوله فذاك ومن لا فقد هلك أو كما قال الحسن فقال أبو جعفر صدق الحسن [أخبار القضاة ٢/ ٦٢] قلت: وبشر بن المفضل ثقة عابد [تقريب / تر ٧٠٣].\nخامسًا: تقشف المنصور وابتعاده عن مظاهر الزينة وفاخر اللباس المعتاد عند الملوك:\nأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن الحسن بن دريد حدثنا الرياشي عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور قميصه مرقوعًا فقالت: خليفة وقميصه مرقوع! ! ! فقال ويحك أما سمعت قول ابن هرمة:\nوقد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلقًا وجيب قميصه مرقوع [تأريخ دمشق] / ٣٢٨ /\nقلت ومحمد بن الحسن بن دريد يؤخذ بروايته في التأريخ فقد قال في ترجمته الخطيب البغدادي؛ كان رأس أهل العلم في حفظ اللغة والأنساب والأشعار وقال الدارقطني: كان واسع الحفظ جدًّا [تأريخ بغداد / ٢/ ١٩٥] والرياشي [العباس بن الفرج] ثقة عالم بالشعر واللغة [تهذيب الكمال / تر ٣١٣٣] والجمحي صدوق كما سبق.\nولهذا قال أبو بكر الجعابي: تخالطه أبّهة الملوك بزيّ النساك تقبله القلوب وتتبعه العيون [تاريخ الإسلام ٤٦٦]. =","vol":"5","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد سبق أن ذكرنا ضمن أحداث الأعوام الماضية من حكمه أنه تقدّم الناس يقارع أعداء الخلافة من الراوندية الذين اقتحموا عليه دار الخلافة فأبدى شجاعة فائقة واخترق صفوف أهل البدع وهزمهم مع قليل ممن حوله كانوا حاضرين آنذاك بينهما جند الخلافة في الثغور والأمصار.\nسادسًا: الحالة الاقتصادية في عهد الخليفة المنصور أبي جعفر رحمه الله تعالى قال الذهبي (الإمام الحافظ المؤرخ): وكان في هذا الوقت رخاء الأسعار بالعراق حتى بيع الكبش بدرهم والحمل بأربعة دوانيق والتمر ستون رطلًا بدرهم والزيت ستة عشر رطلًا بدرهم والسمن ثمانية بدرهم - قال أبو نعيم: أنا رأيتُ يُنادى في جبّانة كندة لحم الغنم ستون رطلًا بدرهم والعسل عشرة دراهم [تأريخ الإسلام المجلد السابق / ص ٣٤].\nوقال الخطيب البغدادي بعد أن ذكر رخص الأسعار في بغداد آنذاك: ولهذا الأمن والرخص كثر ساكنوها وعظم أهلوها وكثر الدارج في أسواقها وأزقتها حتى كان المار لا يستطيع أن يجتاز من أسواقها لكثرة زحام أهلها [تأريخ بغداد / ١٠/ ٩٩] قلت وفي هذا العصر الذي رخص فيه الأسعار كان الخليفة المنصور لا يبالي إذا لبس قميصًا مرقوعًا ما دام حريصًا على المال العام.\nولكي تتكون في ذهن القارئ الكريم صورة للخليفة المسلم المنصور نحاول أن نقارن أحداث عهده بأحداث هذا العصر ففي هذه الأيام وفي بلد كفنزويلا مثلًا يخرج المعارضون للرئيس إلى الشوارع فتتصدى لهم قوات الشرطة بالهراوات وخراطيم المياه والرصاص أحيانًا والرئيس محاط بالمئات من أنصاره وقواته الخاصة ورجال أمنه في قصره لكن هل يستطيع الرئيس الفنزويلي (الذي يطلق عليه بأنه المدافع عن الفقراء والكادحين) أن ينزل مع قوات الشرطة إلى الشارع ليتصدى للمعارضين ويحاربهم - كلا وألف لا -.\nبينما الخليفة المنصور رحمه الله تعالى كان في مقدمة حرسه ومعاونيه حينما هَبّ عليه المبتدعة من الراوندية وغيرهم وهو راكب بغلة أو فرسًا يقاتلهم ويتقدم الصفوف لا يبالي أصيب أم لا؟ ! !\nسابعًا: الحركة العلمية في عهد المنصور رحمه الله تعالى: قال الحافظ الذهبي: وفي =","vol":"5","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هذا القصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج التصانيف - بمكة وصنف سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه وصنف الليث بمصر وابن لهيعة وابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودوّنت كتب العربية واللغة والتأريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة فَسَهُلَ ولله الحمد تناول العلم وأخذ الحفظ يتناقص فلله الأمر كله. [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ص ١٣].\nوأخيرًا المنصور ما له وما عليه:\nسبق وأن ذكرنا مرارًا أن تأريخ القرون الفاضلة هو تأريخ تطبيق عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام والممتد إلى سنة (٢٢٠ هـ تقريبًا) كما حدّده بعض علماء الإسلام إذ به ينتهي عمر الجيل الفاضل الثالث (أتباع التابعين) انظر فتح الباري شرح ح / ٣٦٥١ فضائل الصحابة (وهذا التأريخ العظيم وبالرغم مما تخلله من مصائب ومحن وفتن ودماء أريقت لتثبيت الحكم فإنه في الجملة تأريخ مليء بأمثلة العدل والصدق واستقلالية القضاء وإجلال العلماء ونشر العدل بين الناس والفتوحات وسدّ الثغور وإصلاح الرعية وقد شوّه المبتدعة وأهل الأهواء ذلك التأريخ وشوّهوا سيرة كثير من الخلفاء حتى أصبح البعض يتصور أن الإسلام لم يطبّق إلا في عقود قليلة جدًّا من تلك القرون وذلك لا يصح.\nوقد تحدثنا عن مواضع تشويه وتزوير سيرة الخلفاء الماضين ونقول هنا ونحن بصدد سيرة المنصور أبي جعفر إن الرجل مظلوم تأريخيًا ولا بد من بيان الحقيقة.\nوإذا كان شيء يعاب على المنصور فهو شدّته مع الخارجين على الخلافة تلك الشدة كانت السبب في إراقة دماء بعضها بحق لأن أهل البدع اقتحموا دار الخلافة وكادوا أن يسقطوها وبعضها الآخر بغير حق وأعني ما دار بينه وبين أبناء عمومته (محمد وإبراهيم) ابني عبد الله بن الحسن ﵁ أبناء العمومة أجمعين (بني العباسي وبني علي) وإن كان المنصور قد أعياه الطلب في أثرهما وسلك طرقًا عدة لاسترضائهما قبل =","vol":"5","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المعركة فليس وحده الملام وإنما أولاد عمومته كذلك وعلى أية حال فالله أعلم بتلك الدماء ولم سفكت وقد أدرك المنصور أنه ارتكب كبيرًا.\nفقد أخرج ابن عساكر من طرق عدة أنه استغفر الله من أمورٍ عظام ارتكنها وطلب المغفرة عند احتضاره (راجع ترجمته في تأريخ دمشق) منها ما أخرجه من طريق الحكم بن عثمان قال: قال المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين عند موته: اللهم إنك تعلم أني قد ارتكبت من الأمور العظام جرأة مني عليك وإنك تعلم أني أطعتك في أحبِّ الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله مخلصًا منًّا لك لا منًّا عليك\" قال: ثم خرجت نفسه [تأريخ دمشق / المجلد السابق / ٣٤٣]. ولقد لخّص الحافظ الذهبي القول فيه قائلًا في ترجمته: وقد مر من أخباره في الحوادث ما يدلّ على أنه كان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزمًا ورأيًا وجبروتًا، وكان جمّاعًا للمال، تاركًا للَّهو، واللعب، كامل العقل، جيّد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه، وكان في الجملة يرجع إلى عدل وديانة وله حظ من صلاة وتديّن، وكان فصيحًا بليغًا مُفَوَّهًا، خليقًا للإمارة. [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٤٦٦].\nقلت وقد ذكرنا من أخباره كما أخرجه الحفاظ (الطبري والبلاذري والبسوي وخليفة والخطيب البغدادي وابن عساكر وابن كثير والذهبي وغيرهم) ما يدلّ على أنه كان خليفة حازمًا ذا هيبة متقشفًا في ملبسه [يشبه في ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك] بعيدًا عن اللهو والعبث مجلًا للعلماء والقضاة والزهاد انتعشت الحالة الاقتصادية والمسيرة العلمية في عهده فعسى الله أن يغفر لعبده ولجميع عباده الموحدين. فَلِمَ لا نذكر كل هذه الحسنات مع ذكرنا لأخطائه وقد أمرنا أن لا نبخس الناس أشياءهم.\nفكيف إذا كان أحد الناس هو المنصور الخليفة المسلم الذي حكم شطر العالم القديم لعقدين من الزمان وزيادة، وبدأ ببناء المدن تأسّيًا بالسلوك الحضاري الذي أرساه الخليفة الراشد الفاروق ومن بعده عدد من خلفاء بني أمية وازدهرت الحركة العلمية في عهده وبرز أولئك الأئمة الأعلام في سنيّ حكمه وانتعشت الحالة الاقتصادية وتعززت هيبة القضاء والعدل ... إلخ ولا ننكر أخطاءه بل ذكرناها ولم ينكرها هو ﵀ بل أقرّ بها والله خير الحاكمين.","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>خلافة المهدي</span>\nوفي هذه السنة بُويع للمهدي بالخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بمكة؛ صَبِيحة الليلة التي تُوفِّيَ فيها أبو جعفر المنصور.\nوذلك يوم السبت لستّ ليال خلونَ من ذي الحجّة سنة ثمان وخمسين، كذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر وغيرهما (١).\nوقال الواقديّ: وبويع له ببغداد يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة (٢).\nوأمّ المهديّ أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شَمَّر الحِميريّ (٣).\n_________\n(١) جلُّ المؤرخين على أن المهدي بويع سنة (١٥٨ هـ) بعد وفاة والده المنصور في الحجاز بينما المهدي في بغداد، ويبدو أن قادة ووزراء وحاجب المنصور قد بايعوا للمهدي في غيابه عند وفاة المنصور ثم أرسلوا إليه بالبيعة والبردة وغير ذلك. فوصله البريد بعد أيام إلى بغداد (محل إقامته يومها) - دار الخلافة - كما ذكر الخطيب البغدادي: واستخلف يوم مات المنصور بمكة وقام بأمر بيعته الربيع بن يونس وأتاه بالخبر منارة البربري مولاه يوم الثلاثاء لست عشرة ليلة خلت من ذي الحجة والمهدي إذ ذاك ببغداد فأقام بعد قدوم منارة يومين لم يظهر الخبر ثم خطب الناس يوم الخميس ونعى لهم المنصور وبويع بيعة العامة وذلك في سنة ثمان وخمسين ومائة [تأريخ بغداد ٥/ ٣٩١] وهكذا تتبيّن الصلة بين روايتي الواقدي وهشام الأولى كما ذكرها الطبري مع رواية الواقدي.\n(٢) أي أن الناس بايعوا له في غيابه بمكة ثم بويع له بعد منتصف ذي الحجة من نفس السنة ببغداد [تأريخ بغداد / ٣٩١] وانظر البداية والنهاية [٨/ ٧٦].\n(٣) وأخرج الخطيب عن أبي حسان الزيادي قال: سنة ثمان وخمسين ومائة بها بويع =","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>خلافة المهدي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس </span>(١)\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي وكان المنصور -فيما ذكر- أوصى بذلك (٢).\nوكان العامل في هذه السنة على مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وعلى المدينة عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي أخو المسيب بن زهير - وقيل: كان العامل عليها إسماعيل بن أبي إسماعيل الثقفي. وقيل إنه مولى لبني نصر من قيس - وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي وعلى ديوان خراجها ثابت بن موسى وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى قضاء بغداد مع قضاء الكوفة شريك بن عبد الله.\nوقيل كان القاضي على بغداد يوم مات المنصور عبيد الله محمد بن صفوان\n_________\n= المهدي. . وأمه أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن شهر .... إلى أن قام من ولد ذي رعين من حمير [تأريخ بغداد / ٥/ ٣٩٢] وانظر [تأريخ خليفة / ٢٨٢] والمعرفة والتاريخ للبسوي [١/ ٢٥].\n(١) اتفقت المصادر التأريخية ومنها (تأريخ الطبري والمعرفة والتأريخ للبسوي وتأريخ خليفة) على أن المهدي قد بويع له كخليفة للمسلمين سنة ١٥٨ هـ وذلك بعد وفاة أبيه المنصور. وقد أخرج البسوي قال: حدثنا سلمة قال أحمد عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال حجّ أبو جعفر في سنة ثمان وخمسين ومائة وتوفي قبل يوم التروية بيوم وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنة غير ثلاثة أيام، وبايع الناس محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس [المعرفة ١/ ٢٥] وكذلك ذكر خليفة بيعة المهدي كأمير للمؤمنين ضمن ذكره لأحداث سنة (١٥٨ هـ) [انظر تأريخ خليفة / ٢٨٢].\n(٢) وكذلك قال البسوي (المعرفة والتأريخ ١/ ٢٥) وخليفة (تأريخ خليفة / ٢٨٢) إلّا أنهما لم يذكرا أن ذلك كان بتوصية من المنصور قبل أن يموت.","vol":"5","page":135},{"text":"الجمحي وشريك بن عبد الله على قضاء الكوفة خاصة، وقيل إن شريكًا كان إليه قضاء الكوفة، والصلاة بأهلها.\nوكان على الشرط ببغداد يوم مات المنصور -فيما ذكر- عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقيل كان موسى بن كعب.\nوعلى ديوان خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة. وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري، وعلى أحداثها سعيد بن دعلج (١).\nوأصاب الناس -فيما ذكر محمد بن عمر- في هذه السنة وباء شديد.\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة في آخر عهد المهدي.","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزوة العباس بن محمد الصّائفة فيها حتى بلغ أنقرة؛ وكان على مقدّمة العباس الحسنُ الوصيف في الموالي، وكان المهديّ ضمّ إليه جماعة من قُوّاد أهل خُراسان وغيرهم. وخرج المهديّ فعسكر بالبَرَدان وأقام فيه حتى أنفذ العباس بن محمد، ومن قطع عليه البعث معه، ولم يجعل للعباس على الحسن الوصيف ولاية في عَزْل ولا غيره، قفتح في غزاته هذه مدينة للرّوم ومطمورة معها، وانصرفوا سالمين لم يُصبْ من المسلمين أحد (١).\nوهلك في هذه السنة حُميد بن قحطبة، وهو عامل المهديّ على خُراسان، فولّى المهديّ مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد.\nوفيها ولِّيَ حمزة بن مالك سِجسْتان، وولِّيَ جبرئيل بن يحيى سَمَرْقَنْد (٢).\nوفيها بنى المهديّ مسجد الرّصافة (٣).\nوفيها بنى حائطها، وحفر خندقها.\nوفيها عزل المهديّ عبدَ الصمد بن عليّ عن المدينة؛ مدينة الرسول - ﷺ - عن مَوْجدة، واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكَثيريّ ثم عزله، واستعمل عليها مكانه عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجُمَحِيّ (٤).\n_________\n(١) وذكر خليفة أصل الخبر فقال مختصرًا: ودخل العباس وبثّ سراياه فَقَفَل سالمًا غانمًا [تأريخ خليفة / ٢٨٣].\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة في آخر عهد المهدي.\n(٣) وكذلك قال البسوي [المعرفة والتأريح / ١/ ٢٦].\n(٤) وذكر البسوي الجزء الثاني من التولية والعزل فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة =","vol":"5","page":137},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة يزيد بن منصور -خال المهديّ- عند قدومه من اليمن؛ فحدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى؛ عن أبي معشر. كذلك قال محمد بن عمر الواقديّ وغيره وكان انصراف يزيد بن منصور من اليمن بكتاب المهديّ إليه يأمره بالانصراف إليه وتوليته إياه الموسمَ وإعلامه اشتياقه إليه وإلى قربه (١).\nوكان أمير المدينة في هذه السنة عبيد الله بن صفوان الجُمحيّ، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكنديّ، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك بن عبد الله، وعلى صلاة البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان النميريّ، وعلى أحداثها عُمارة بن حمزة؛ وخليفته على ذلك المسورَ بن عبد الله بن مسلم الباهليّ؛ وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن. وعلى كُور دِجْلة وكُور الأهواز وكُور فارس عُمارة بن حمزة. وعلى السِّند بِسطام بن عمرو، وعلى اليمن رجاء بن روْح، وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة (٢).\n_________\n= (١٥٩ هـ): وفيها عزل محمد بن عبد الله الكثيري عن المدينة واستعمل عليها عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي [المعرفة ١/ ٢٧].\nتحدث الطبري قبل هذه الصفحة وبالتحديد في (٨/ ١٢١) عن مسألة عزل عيسى بن موسى من ولاية العهد ومنحه لابن المهدي (موسى الهادي) وذكر تفاصيل لم نجد لها ما يؤيدها من مصدر آخر ثقة، إلّا أن البسوي وهو مؤرخ ثقة متقدم ذكر أصل الخبر فقال وفيها (أي ١٥٩ هـ) عزم المهدي بالبيعة لابنه موسى وخلع عيسى بن موسى [المعرفة ١/ ٢٧].\n(١) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٢٦] وخليفة في تأريخه (٢٨٣).\n(٢) انظر قوائم العمال والقضاة في آخر عهد المهدي.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>ثم دخلت سنة ستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[ذكر خروج يوسف البرم]</span>\nفمن ذلك ما كان من خروج يوسف بن إبراهيم، وهو الذي يقال له يوسف البَرْم بخُراسان منكرًا هو ومَن تبعه ممن كان على رأيه على المهديّ -فيما زُعم- الحال التي هو بها وسيرته التي يسير بها، واجتمع معه -فيما ذكر- بَشر من الناس كثير، فتوجّه إليه يزيد بن مزيد فلقيه، واقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد، وبعث به إلى المهديّ، وبعث معه من وجوه أصحابه بعدّة؛ فلما انتهى بهم إلى النّهروان حُمِل يوسف البَرْم على بعير قد حُوِّل وجهه إلى ذَنب البعير وأصحابه على بعير، فأدخلوهم الرّصافة على تلك الحال، فأدخلوه على المهديّ، فأمر هَرْثمة بن أعين فقطع يَدَي يوسف ورجْليه، وضرب عنقه وعنق أصحابه، وصلبَهم على جِسْر دِجلة الأعلى، مما يلي عسكر المهديّ، وإنما أمر هرثمة بقتله؛ لأنه كان قتل أَخًا لهرثمة بخراسان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>[ذكر خبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي] </span>(٢).\nوفيها كانت وفاة عبيد الله بن صفوان الجمحي وهو والٍ على المدينة فولى\n_________\n(١) وقال خليفة مؤكدًا أصل الخبر: فيها (أي ١٦٠ هـ) خرج يوسف البرم بخراسان فلقيه سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم بن عمرو فهزمه سعيد واستباح عسكره [تأريخ خليفة / ٢٨٣].\n(٢) لقد ذكر البسوي ضمن أحداث سنة (١٥٩ هـ) كما ذكرنا عزم المهدي على خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد ولقد جاء في الأخبار الموفقيات ما يؤيد أصل الخبر وخطبة عيسى بن موسى مع اختصار عمَّا ذكره الطبري دون ذكر لبقية التفاصيل التي أودعناها قسم المسكوت عنه (انظر ٨/ ١٢٥) فقد أخرج الزبير بن بكار عن شبيب بن =","vol":"5","page":139},{"text":"مكانه محمد بن عبد الله الكثيري فلم يلبث إلَّا يسيرًا حتى عزل وولّى مكانه زفر بن عاصم الهلالي وولى المهدي قضاء المدينة فيها عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي (١).\nوفيها خرج عبد السلام الخارجي فقتل.\nوفيها عزل بسطام بن عمرو عن السند واستعمل عليها روح بن حاتم (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة واستخلف على مدينته حين شخص عنها ابنه موسى وخلَّف معه يزيد بن منصور خال المهدي وزيرًا له ومدبرًا لأمره (٣).\nوكان على صلاة الكوفة وأحداثها في هذه السنة إسحاق بن الصباح الكندي وعلى قضائها شريك وعلى البصرة وأحداثها وأعمالها المفردة وكور دجلة\n_________\n= شيبة الأخباري البصري المعروف المتوفى سنة ١٦٢ هـ أن عيسى بن موسى عيَّ فاشتهيت أن أسمع كلامه فأرسل إليّ المهدي ذات ليلة بكَّر إلى المسجد، ليخلع عيسى بن موسى فغدوت ودنوت إلى المنبر فجاء المهدي وصعد المنبر حتى صار على قلّته وجاء عيسى بن موسى فصعد وهو يعصر عينه حتى صار دونه بقية فقلت جاء ما كان يقال فيه فغمزه المهدي بقائم سيفه فقام وقال اللهم لك الحمد وإليك الشكر وأنت المستعان اللهم إنك تعلم أني لا أخلعها إلّا لحقن دماء المسلمين وقد خلعت البيعة عن نفسي وبايعت لموسى (بن المهدي) ثم ولى وجهه إلى المهدي فمسح يده على يده) الأخبار الموفقيات / ١٦٦.\nقلت وهذا الخبر يؤيد ما ذكره الطبري في (٨/ ١٢٥) من أن عيسى بن موسى خطب الناس وأخبرهم بأنه خلع نفسه من ولاية العهد وتنازل عن ذلك جمعًا لكلمة المسلمين وتقديمًا لمصلحتهم وألفتهم وما إلى ذلك والله أعلم.\n(١) انظر قوائم الولاة في آخر عهد المهدي.\n(٢) انظر قوائم الولاة في آخر عهد المهدي.\n(٣) وقال خليفة فأقام الحج المهدي أمير المؤمنين [تأريخ خليفة / ٢٨٣] وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٢٧].","vol":"5","page":140},{"text":"والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس محمد بن سليمان وكان على قضاء البصرة فيها عبيد الله بن الحسن، وعلى خراسان معاذ بن مسلم، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح وعلى السند روح بن حاتم وعلى إفريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان من ذلك خروج حكيم المقنّع بخُراسان من قرية من قرى مَرْو، وكان -فيما ذكر- يقول بتناسخ الأرواح، يعود ذلك إلى نفسه، فاستغوى بشرًا كثيرًا، وقوى وصار إلى ما وراء النهر، فوجّه المهديّ لقتاله عدّة من قُوّاده؛ فيهم مُعاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خُراسان، ومعه عُقْبة بن مسلم وجبرئيل بن يحيى وليث مولى المهديّ، ثم أفرد المهديّ لمحاربته سعيدًا الحرَشيّ، وضمّ إليه القوّاد؛ وابتدأ المقنّع بجمع الطعام عُدّةً للحصار في قلعة بكشّ (١).\nوفيها غزا الصَّائفة ثمامة بن الوليد، فنزل دابق، وجاشت الرّوم وهو مغترّ، فأتت طلائعه وعيونه بذلك، فلم يحفل بما جاءوا به، وخرج إلى الرّوم، وعليها ميخائيل بسرعَان الناس، فأصيب من المسلمين عِدّة، وكان عيسى بن عليّ مرابطًا بحصن مَرْعش يومئذ، فلم يكن للمسلمين في ذلك العام صائفة من أجل ذلك (٢).\n_________\n(١) ذكر البسوي أصل الخبر فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٦١ هـ): وفيها خرج المقنع بخراسان [المعرفة ١/ ٢٧].\n(٢) بينما ذكر خليفة هذا الخبر مفرقًا بين أحداث ١٦٠ و١٦١ هـ. فقال ضمن حديثه عن وقائع (سنة ١٦٠ هـ): الصائفة: ثمامة بن الوليد بن القعقاع بن خليد العبسي فغنم وسلم [تأريخ خليفة / ٢٨٣] ثم قال عند ذكره الأحداث سنة (١٦١ هـ): فيها خرج ميخائيل البطريق من ناحية درب الحدث فأتى عقبة حرتنا فظفر بأهلها وأتى قرية غندران فقتل وسبى وحرقها بالنار ثم أتى مرعش وفيها عيسى بن علي مرابطًا فخرج إليه سالم البرنسي فقاتله فلم يصل إلى شيء ثم أتى جيحان فبعث ثمامة بن الوليد وكان غازيًا بالروم ملالة بن حكمة في طلب ميخائيل فلحقه بالدرب فأصيب ملالة وأصحابه [المصدر السابق / ٢٨٨].","vol":"5","page":142},{"text":"وفيها أمر المهديّ ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي كان أبو العباس بناها من القادسيَّة إلى زُبالة وأمر بالزيادة في قصور أبي العباس، وترك منازل أبي جعفر التي كان بناها على حالها، وأمر باتّخاذ المصانع في كلّ منهل، وبتجديد الأميال والبرَك، وحفر الرّكايا مع المصانع، وولّى ذلك يقطين بن موسى، فلم يزل ذلك إليه إلى سنة إحدى وسبعين ومائة، وكان خليفة يقطين في ذلك أخوه أبو موسى.\nوفيها أمر المهديّ بالزيادة في مسجد الجامع بالبصرة، فزيد فيه من مقدّمه ممَّا يلي القبلة، وعن يمينه مما يلي رحبة بني سُليم، وولّى بناء ذلك محمد بن سليمان وهو يومئذ والي البصرة (١).\nوفيها أمر المهديّ بنزع المقاصير من مساجد الجماعات وتقصير المنابر وتصييرها إلى المقدار الذي عليه منبر رسول الله - ﷺ -، وكتب بذلك إلى الآفاق فعُمل به (٢).\nوفيها ولّى نصر بن محمد بن الأشعث السند مكان روح بن حاتم وشخص إليها حتى قدمها ثم عزل (٣) وفيها استقضى المهدي عافية بن يزيد الأزدي فكان هو وابن علاثة يقضيان في عسكر المهدي في الرصافة، وكان القاضي بمدينة الشرقية عمر بن حبيب العدوي (٤).\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها (١٦١ هـ) أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام ومسجد رسول الله - ﷺ - ومسجد الجماعة بالبصرة فزيد فيها وعليها [المعرفة والتأريخ ١/ ٢٨].\n(٢) لم يورد البسوي ولا خليفة هذا الخبر بشكله هذا وإنما قال البسوي: وفيها فرغ المهدي من مقصورة مدينة رسول الله - ﷺ -[المعرفة ١/ ٢٨].\n(٣) ذكر خليفة أن المهدي عيّن روح بن حاتم واليًا على السند سنة ١٥٩ هـ إلى أن عزله وأعاد نصر بن محمد الخزاعي ثم جاءه عهده وهو بالبلد ثم شخص عنها ثم عزله [تأريخ خليفة / ٢٩١].\n(٤) قال خليفة بعد انتهائه من أحداث سنة (١٦٩ هـ) وذكره لعمال وقضاة المهدي: (وقضى =","vol":"5","page":143},{"text":"وفيها عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة واستعمل عليها عبد الصمد بن علي (١).\nوفيها عزل محمد بن سليمان أبا ضمرة عن مصر في ذي الحجة المهديُّ وولاها سلمة بن رجاء (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة موسى بن محمد بن عبد الله الهادي، وهو وليّ عهد أبيه (٣).\nوكان عامل الطائف ومكة واليمامة فيها جعفر بن سليمان وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكندي وعلى سوادها يزيد بن منصور (٤).\n* * *\n_________\n= للمهدي عافية بن يزيد الأودي وابن علاثة العقيلي) - تأريخ خليفة ٢٩١ - وانظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٢) ذكر الطبري أسماء عددٍ من الولاة الذين عزلهم المهدي في سنة ١٦١ هـ واستبدلهم بآخرين وسنذكر ما يؤيد ذلك من كتاب خليفة بن خياط وذلك في نهاية عهد المهدي إن شاء الله تعالى.\n(٣) وكذلك قال البسوي (المعرفة ١/ ٢٨) وخليفة في تأريخة (٢٨٨).\n(٤) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها ولّى ثمامة بن الوليد العبسي الصائفة فلم يتم ذلك وفيها خرجت الروم إلى الحدث فهدموا سورها (١).\nوغزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثلاثين ألف مرتزق سوى المطوعة.\nفبلغ حَمّة أذرولية فأكثر التخريب والتحريق في بلاد الروم من غير أن يفتح حصنًا ويلقى جمعًا وسمّته الروم التنين (٢).\nوفيها عُزل عليّ بن سليمان عن اليمن، وولِّيَ مكانه عبد الله بن سليمان (٣).\nوفيها عُزِل سلمة بن رجاء عن مصر، ووليها عيسى بن لقمان، في المحرّم، ثم عزل في جُمادى الآخرة، ووليَها واضح مولى المهديّ، ثم عزل في ذي القَعْدة ووليَها يحيى الحَرَشيّ (٤).\nوفيها ظهرت المحمّرة بجُرْجان، عليهم رجل يقال له عبد القهار، فغلب\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها: ولي ثمامة بن الوليد العبسي الصائفة ثم عزل وولي الحسن بن قحطبة مكانه فساح في بلاد الروم وحرق وخرب وفتح حصنًا [المعرفة ١/ ٢٩].\n(٢) سبق في تعليقنا (٤) أن ذكرنا طرفًا من هذا الخبر، وقال خليفة وفيها (أي ١٦٢ هـ) غزا الحسن بن قحطبة فأتى بطنة وبث سراياه فهدّم وحرق وسبى ووجّه ابنه محمد بن الحسن إلى عمورية ثم أتاها الحسن فكانت بينهم مناوشة ثم انصرف [تأريخ خليفة / ٢٨٨].\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المهدي.\n(٤) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المهدي.","vol":"5","page":145},{"text":"على جُرجان، وقتل بشرًا كثيرًا، فغزاه عمر بن العلاء من طَبَرِسْتان، فقتل عبد القهار وأصحابه (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن جعفر بن المنصور (٢)، وكان العباس بن محمد استأذن المهديّ في الحجّ بعد ذلك، فعاتبه على ألّا يكون استأذنه قبل أن يولِّي الموسم أحدًا فيوليه إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، عمدًا أخّرْتُ ذلك لأني لم أرِد الولاية.\nوكانت عمال الأمصار عمالها في السنة التي قبلها. ثم إن الجزيرة كانت في هذه السنة إلى عبد الصمد بن عليّ وطَبَرِستان والرُّويان إلى سعيد بن دَعْلَج، وجُرجان إلى مهلهل بن صفوان (٣).\n* * *\n_________\n(١) وقال خليفة وفيها (أي ١٦٢ هـ) خرج المحمرة بجرجان (تأريخ خليفة / ٢٨٨).\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخة (٢٨٨) والبسوي (١/ ٢٩).\n(٣) انظر قوائم العمال فيما بعد.","vol":"5","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك ما كان فيها من هلاك المقنع، وذلك أن سعيدًا الحرشي حصر بكش فاشتد عليه الحصار فلما أحسّ بالهلكة شرب سمًّا وسقاه نساءه وأهله فمات وماتوا -فيما ذكر- جميعًا ودخل المسلمون قلعته، واحتزوا رأسه ووجّهوا به إلى المهدي وهو بحلب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>[ذكر خبر غزو الروم] </span>(٢)\nوفي هذه السنة وفي سفرته هذه صار المهدي إلى بيت المقدس فصلى فيه ومعه العباس بن محمد والفضل بن صالح وعلي بن سليمان وخاله يزيد بن منصور (٣).\nوفيها عزل المهدي إبراهيم بن صالح عن فلسطين فسأله يزيد بن منصور حتى ردّه عليها (٤).\nوفيها ولّى المهدي ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وإرمينية، وجعل كاتبه\n_________\n(١) ذكر خليفة ما يؤيد أصل الخبر فقال وفيها (أي ١٦٣) قتل سعيد الحرشي المقنع بخراسان [تأريخ خليفة / ٢٨٨].\n(٢) ذكر خليفة ما يؤيد أصل الخبر فقال وفيها (أي ١٦٣ هـ) غزا هارون أمير المؤمنين في خلافة أبيه الصائفة [تأريخ خليفة / ٢٨٨].\n(٣) وقال البسوي وأتى المهدي بيت المقدس فصلى فيه [المعرفة ١/ ٣٠].\n(٤) راجع قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد المهدي.","vol":"5","page":147},{"text":"على الخراج ثابت بن موسى وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك (١).\nوفيها عَزل زُفَر بن عاصم عن الجزيرة، وولَّى مكانه عبد الله بن صالح بن عليّ، وكان المهديّ نزل عليه في مسيره إلى بيت المقدس، فأعجِب بما رأى من منزله بسَلَمية (٢).\nوفيها عزل معاذ بن مسلم عن خُراسان وولاها المسيّب بن زهير (٣).\nوعزل فيها يحيى الحَرشيّ عن أصبهان، وولّى مكانه الحكم بن سعيد (٤).\nوعزل فيها سعيد بن دَعْلج عن طَبَرستان والزُويان، وولّاهما عمر بن العلاء (٥).\nوفيها عزل مُهلهل بن صفوان عن جُرجان، وولّاها هشام بن سعيد (٦).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عليّ بن المهديّ (٧).\nوكان على اليمامة والمدينة ومكة والطائف فيها جعفر بن سليمان، وعلى الصلاة والأحداث بالكُوفة إسحاق بن الصباح، وعلى قضائها شريك، وعلى البصرة وأعمالها وكور دِجْلة والبحرين وعُمان والفُرَض وكور الأهواز وكُور فارس\n_________\n(١) راجع قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد المهدي.\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) وقال خليفة وفيها عزل المهدي معاذ بن مسلم عن خراسان وولّى المسيب بن زهير [تأريخ خليفة / ٢٨٨].\n(٤) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٥) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٦) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٧) وكذلك قال البسوي (المعرفة ١/ ٢٩) وخليفة في تأريخه [٢٨٨].","vol":"5","page":148},{"text":"محمد بن سليمان، وعلى خُراسان المسّيب بن زهير، وعلى السِّند نصر بن محمد بن الأشعث (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزوة عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من دَرب الحدَث، فأقبل إليه ميخائيل البِطْريق -فيما ذكر- في نحو من تسعين ألفًا، فيهم طازاذ الأرمني البطريق، ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف، فأراد المهديّ ضرب عنقِه، فكُلِّم فيه فحبسه في المطبق (١).\nوفيها عزل المهديّ محمد بن سليمان عن أعماله، ووجّه صالح بن داود على ما كان إلى محمد بن سليمان، ووجّه معه عاصم بن موسى الخراسانيّ الكاتب على الخراج، وأمره بأخذ حمّاد بن موسى كاتب محمد بن سليمان وعبيد الله بن عمر خليفته وعماله وتكشيفهم (٢).\nوفيها وجّه المهدي صالح بن أبي جعفر المنصور من العَقَبة عند انصرافه عنها إلى مكة ليحجّ بالناس، فأقام صالح للناس الحجّ في هذه السنة (٣).\nوكان العامل على المدينة ومكة والطائف واليمامة فيها جعفر بن سليمان وعلى اليمن منصور بن يزيد بن منصور، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها هاشم بن\n_________\n(١) وقال خليفة وفيها (أي ١٦٤ هـ) غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الصائفة فانهزم فغضب عليه المهدي وحبسه في المطبق وأراد قتله [تأريخ خليفة / ٢٨٨].\n(٢) انظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد المهدي.\n(٣) وقال البسوي حجّ بالناس صالح الفقير بن عبد الله بن محمد المنصور [المعرفة ١/ ٣٠].\nوكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٨٩).","vol":"5","page":150},{"text":"سعيد بن منصور، وعلى قضائها شريك بن عبد الله، وعلى صلاة البصرة وأحداثها وكُور دِجْلة والبحرين وعُمان والفرض وكُور الأهواز وفارس صالح بن داود بن عليّ، وعلى السِّند، سطيح بن عمر، وعلى خُراسان المسيّب بن زهير، وعلى الموصِل محمد بن الفضل. وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن، وعلى مصر إبراهيم بن صالح، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى طَبَرِسْتان والرّويان وجُرجان يحيى الحَرَشِيّ، وعلى دَنْبَاوَنْد وقُومِس فراشة مولى أمير المؤمنين، وعلى الرّيّ خلَف بن عبد الله، وعلى سِجسْتَان سعيد بن دعلج (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>غزوة هارون بن المهدي الصائفة ببلاد الروم</span>\nفمن ذلك غزوة هارون بن محمد المهدي الصائفة، ووجّهه أبوه -فيما ذكر- يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازيًا إلى بلاد الروم وضمّ إليه الربيع مولاه. فوغل هارون في بلاد الروم فافتتح ماجدة ولقيته خيول نقيطا، قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد، فأرجل يزيد، ثم سقط نقيطا فضربه يزيد حتى أثخنه وانهزمت الروم وغلب يزيد على عسكرهم (١).\nوفيها عزل خلف بن عبد الله عن الرّي وولاها عيسى مولى جعفر (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن أبي جعفر المنصور (٣).\nوكانت عمّال الأمصار في هذه السنة هم عمالها في السنة الماضية غير أن العامل على أحداث البصرة والصلاة بأهلها كان روح بن حاتم وعلى كُور دجلة والبحرين وعمان وكسكر وكور الأهواز وفارس وكرمان كان المعلى مولى أمير المؤمنين المهدي، وعلى السند الليث مولى المهدي (٤).\n* * *\n_________\n(١) وقال خليفة: فيها (أي ١٦٥ هـ) غزا أمير المؤمنين في خلافة أبيه الصائفة حتى نزل بالخليج وقفل سنة ست وستين ومائة [تأريخ خليفة / ٢٨٩] وقال البسوي وفيها وجّه هارون ابنه غازيًا إلى بلاد الروم حتى بلغ الخليج الذي عليه القسطنطينية وصاحب ملك الروم يومئذ امرأة أليون، وهادنها هارون بعد جهد جهد المسلمبن مع خوف شديد [المعرفة ١/ ٣٢].\n(٢) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٣) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٣١] وخليفة في تأريخه (٢٨٨).\n(٤) انظر قوائم الولاة فيما بعد وأما ما يتعلق بالبصرة وتولية روح بن حاتم فقد ذكره خليفة ضمن أحداث سنة (١٦٦ هـ) [تأريخ خليفة / ٢٨٩].","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عمّا كانَ فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك قفول هارون بن المهدي ومن كان معه من خليج قسطنطينية في المحرم لثلاث عشرة ليلة بقيت منه وقدمت الروم بالجزية معهم وذلك فيما قيل- أربعة وستون ألف دينار عدد الرومية وألفان وخمسمائة دينار عربية وثلاثون ألف رطل مرعزي (١).\nوفيها أخذ المهدي البيعة على قوّاده لهارون بعد موسى بن المهدي وسمّاه الرشيد (٢).\nوفيها عزل عبيد الله بن الحسن عن قضاء البصرة وولّى مكانه خالد بن طليق بن عمران بن حصين الخزاعي فلم تحمد ولايته فاستعفى أهل البصرة منه (٣).\nوفيها عزل جعفر بن سليمان عن مكة والمدينة، وما كان إليه من العمل (٤).\nوفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان وجعل على قضائه أبا يوسف سنة ١٦٦ هـ يعقوب بن إبراهيم (٥).\n_________\n(١) وكذلك ذكر خليفة قفول هارون بعد جهاده على تخوم الخلافة مع الروم ضمن ذكره لأحداث سنة ١٦٦ هـ[تأريخ خليفة / ٢٨٩]. دون ذكر لهذه التفاصيل.\n(٢) وقال البسوي: وفيها عقد المهدي البيعة لهارون ولاية العهد بعد موسى [المعرفة والتأريخ ١/ ٣٢].\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المهدي.\n(٤) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المهدي.\n(٥) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد المهدي.","vol":"5","page":153},{"text":"وفيها تحوّل المهدي إلى عيساباذ فنزلها، وهي قصر السلامة، ونزل الناس بها معه، وضرب بها الدنانير والدراهم (١).\nوفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس وضمّ إليه معها سجستان فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدي (٢).\nوفيها ولّى إبراهيم بن يحيى بن محمد على المدينة؛ مدينة رسول الله - ﷺ -، وعلى الطائف ومكة عبيد الله بن قُثَم.\nوفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليَمنَ، واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربَعيّ (٣).\nوفيها خَلّى المهديّ عبد الصمد بن عليّ من حبسه الذي كان فيه (٤).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد (٥).\nوكان عامل الكوفة في هذه السنة على الصلاة وأحداثها هاشم بن سعيد، وعلى صلاة البصرة وأحداثها رَوْح بن حاتم، وعلى قضائها خالد بن طَليق، وعلى كور دجلة وكَسْكَر وأعمال البصرة والبَحرين وكور الأهواز وفارس وكرمان\n_________\n(١) وأيده البسوي فقال: وفيها (أي ١٦٦ هـ) تحوّل المهدي إلى عيساباذ فنزلها (المعرفة ١/ ٣٢).\n(٢) وقال البسوي وفيها ولي الفضل بن سليمان على خراسان وقدم على عمله لخمسٍ بقين من شهر ربيع الأول وعزل المسيب بن زهير وأقام الفضل إلى سنة سبعين ومائة [المعرفة ١/ ٣٢].\n(٣) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٤) وقال البسوي وفيها خلّى المهدي عبد الصمد بن علي [المعرفة ١/ ٣٢].\n(٥) انظر تأريخ خليفة (٢٨٩) والمعرفة والتأريخ (١/ ٣٢).","vol":"5","page":154},{"text":"المعلى مولى أمير المؤمنين، وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسيّ، وعلى مصر إبراهيم بن صالح، وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم، وعلى طَبَرِستان والرُّويان وجُرْجان يحيى الحَرَشيّ. وعلى دَنْباوند وقُومِس فَراشة مولى المَهديّ، وعلى الرّيِّ سعد مولى أمير المؤمنين (١).\nولم يكن في هذه السنة صائفة؛ للهُدْنة التي كانت فيها.\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة في آخر عهد المهدي.","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه المهديّ ابنَه موسى في جَمْع كثيف من الجُنْد، وجهاز لم يُجهَّز -فيما ذكر- أحد بمثله، إلى جُرجان لحرب ونَدْاهُرْمُز وشَرْوين صاحِبَي طبرستان وجعل المهديّ حين جهز موسى إليها أبان بن صدقة على رسائلة، ومحمد بن جُميل على جنده، ونُفَيعًا مولى المنصور على حجابته، وعليّ بن عيسى بن ماهان على حرسه، وعبد الله بن خازم على شُرَطه؛ فوجَّه موسى الجنود إلى وانداهرمز وشروين، وأمرّ عليهم يزيد بن مَزْيد، فحاصرهما (١).\nوفيها تُوُفِّيَ عيسى بن موسى بالكوفة، وولى الكوفة يومئذ رَوْح بن حاتم، فأشهد روحُ بن حاتم على وفاته القاضيَ وجماعة من الوجوه، ثم دُفن (٢).\nوفيها جدّ المهديّ في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق وقتلهم، وولّى أمرهم عمر الكلواذيّ، فأخذ يزيدَ بن الفيض كاتب المنصور، فأقر -فيما ذكر- فحبس، فهرب من الحبس، فلم يقدَر عليه (٣).\n_________\n(١) ذكر البسوي أن المهدي توجه بنفسه إلى طبرستان وكفى [المعرفة ١/ ٣٣] ومع ما ذكره الطبري فهذا يعني أن المهدي وجّه من هناك ابنه موسى لقتال المشركين والله أعلم.\n(٢) وقال البسوي: وفيها (أي ١٦٧ هـ) توفي عيسى بن موسى بالكوفة فأشهد الناس على وفاته روح بن حاتم وهو واليها وصلى عليه روح وكان يوم مات ابن خمس وستين سنة [المعرفة ١/ ٣٣].\n(٣) أما حرص الخليفة المهدي على صيانة العقيدة الإسلامية من البدع والأهواء وتتبع الزنادقة والقضاء عليهم بعد التأكد من التهمة وإصرارهم عليها فقد صح أن المهدي رحمه الله تعالى كان كذلك إمامًا للسنة قامعًا للبدعة. ولذلك نرى أهل الأهواء والبدع قد نشروا أخبارًا كاذبة في مثالب المهدي ولكن دراسة متأنية لهذه الأخبار تبيّن زيفها =","vol":"5","page":156},{"text":"وفيها أمر المهديّ بالزيادة في المسجد الحرام، فدخلت فيه دور كثيرة. وولّى بناء ما زيد فبه يقطين بن موسى، فكان في بنائه إلى أن توفِّيَ المهديّ (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد وهو على المدينة ثم توفِّيَ بعد فراغه من الحَجّ وقدومه المدينة بأيام، وولِّيَ مكانه إسحاق بن عيسى بن عليّ (٢).\nوفيها طُعن عقبة بن سلم الهُنائيّ بعيساباذ، وهو في دار عمر بن بزيغ؛ اغتاله رجل، فطعنه بخنجر، فمات فيها (٣).\nوكان العامل على مكّة والطائف فيها عبيد الله بن قُثَم، وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثيّ، وعلى اليمامة عبد الله بن مُصعب الزُّبيريّ، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها رَوْح بن حاتم، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان التيميّ، وعلى كور دِجْلة وكسْكَر وأعمال البصرة والبحرين وعُمان وكُور الأهواز وفارس وكَرْمان المعلى مولى المهديّ.\nوعلى خراسان وسِجِسْتان الفَضْل بن سليمان الطوسيّ.\n_________\n= وكذبها - قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: ذكر ابن أبي الدنيا أن المهدي كتب إلى الأمصار يزجر أن يتكلم أحد من أهل الأهواء في شيء منها [سير أعلام النبلاء / ٧/ ٤٠٢ / تر ١٤٧].\n(١) وكذلك قال البسوي وزاد فقال: وفي هذه السنة هدم المسجد الحرام مما يلي الوادي وأمر المهدي بشراء الدور التي من وراء الوادي فصير طريقًا للناس وأدخل الطريق والوادي الذي كان طريقًا ومسيلًا للسيل في المسجد الحرام وولي هدمه وبناءه يقطين بن موسى وإبراهيم بن صالح بأمر المهدي فسمعت أرباب تلك الدور قالوا: عوضنا لكل ذراع ذراعًا من مكان آخر ودفع إلينا لكل ذراع مائة دينار [المعرفة ١/ ٣٤].\n(٢) وكذلك قال البسوي [١/ ٣٢] و[١/ ٣٣].\n(٣) وكذلك أرخ خليفة لقتله [تأريخ خليفة / ٢٨٩].","vol":"5","page":157},{"text":"وعلى مصر موسى بن مصعب. وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم.\nوعلى طبرستان والرُّويان عمر بن العلاء، وعلى جرجان وَدنْباوند وقُومِس فراشة مولى المهديّ، وعلى الرّيّ سعد مولى أمير المؤمنين (١).\n* * *\n_________\n(١) راجع قوائم الولاة والقضاة في آخر عهد المهدي.","vol":"5","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من نقض الروم الصلح الذي كان جرى بينهم وبين هارون بن المهدي الذي ذكرناه قبل وغدرهم وذلك في شهر رمضان من هذه السنة فكان بين أول الصلح وغدر الروم ونكثهم به اثنان وثلاثون شهرًا فوجّه علي بن سليمان وهو يومئذ على الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر بن البطال في سرية إلى الروم فغنموا وظفروا (١) وحجّ في هذه السنة عليّ بن محمد المهدي الذي يقال له ابن ريطة (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (٨/ ٣٠٣).\n(٢) وكذلك قال البسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٣٤).","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>[ذكر الخبر عن خروج المهدي إلى ما سبذان]</span>\nفمما كان فيها من ذلك خروج المهدي في المحرم إلى ماسبذان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>[ذكر الخبر عن موت المهدي] </span>(٢)\nوكانت وفاته - فيما قال أبو معشر والواقديّ - في سنة تسع وستين ومائة، ليلة الخميس لثمان بقين من المحرّم؛ وكانت خلافته عشر سنين وشهرًا ونصف شهر.\nوقال بعضهم: كانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يومًا؛ وتوفِّيَ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.\nوقال هشام بن محمد: ملَك أبو عبد الله المهديّ محمد بن عبد الله سنة ثمان وخمسين ومائة، في ذي الحجّة لستّ ليالٍ خلوْن منه؛ فملك عشر سنين وشهرًا واثنين وعشرين يومًا، ثم توفِّيَ سنة تسع وستين ومائة، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (٣).\n_________\n(١) أما البسوي فقد وافق الطبري على خروج المهدي إلى ماسبذان إلّا أنه أرخ له بسنة (١٦٨ هـ) (انظر المعرفة ١/ ٣٥).\n(٢) انظر تعليقنا الآتي.\n(٣) قال البسوي حدثنا سلمة قال أحمد عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال توفي المهدي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بماسبذان ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم فكانت خلافته عشر سنين وخمسة وأربعين يومًا وليلة. ومعه ابنه هارون فولي الصلاة عليه وأخذ البيعة على من كان حاضرًا لموسى أخيه ولنفسه بعده وانصرف سنة تسع وستين ومائة ثم استخلف موسى بن محمد سنة تسع وستين ومائة [المعرفة ١/ ٣٥]. =","vol":"5","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال خليفة: فيها مات أمير المؤمنين المهدي بماسبذان لثمان بقين من المحرم وصلى عليه ابنه هارون بن المهدي وهو ابن ثمان وأربعين. ولد بالحميمة من أرض الشام سنة إحدى وعشرين ومائة ويقال مات وهو ابن ثلاث وأربعين وقال عبد العزيز: ابن إحدى وأربعين كانت ولايته عشر سنين وشهرًا ونصف [تأريخ خليفة / ٢٩٠] والذي اختاره الحافظ ابن كثير أنه توفي وله من العمر ثلاث وأربعون سنة أي ما قاله خليفة في تأريخه ونقله الطبري عن الكلبي فقال ابن كثير: وكانت وفاته في المحرّم من هذه السنة أعني سنة تسع وستين ومائة. وله من العمر ثلاث وأربعون سنة على المشهور وكانت خلافته عشر سنين وشهرًا وكسورًا [البداية والنهاية ٨/ ٩٤].\nوالمهدي ﵀ كان شغله الشاغل الجهاد في سبيل الله وضبط أمور الخلافة وتامين الثغور وكان يعبّيءُ الجيوش ويجعل في مقدمتها أولاده وقواده -شأنه شان الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وغيره كثير من خلفاء المسلمين الذين تأسوا برسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين من بعده- وللمزيد عن تأريخ وفاته ﵀ ومن صلى عليه وأين دفن راجع تأريخ بغداد للحافظ الخطيب الجزء الخامس / ٣٩١ - ٣٩٧ / تر ٢٩١٧] وتأريخ دمشق لابن عساكر / المجلد الثالث والخمسون / ص ٤٤٧ - ٤٥٣] فقد ذكر كلّ منها وبالإسناد الموصول إلى كبار الأخباريين والنسابة متونًا في تحديد مكان وفاته وزمانه وما إلى ذلك. منها ما أخرجه الخطيب عن أبي الحسن بن البراء قال ومات المهدي بالرذمن ماسبذان لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة وكان نقش خاتمه العزة لله وكان عمره ثلاثًا وأربعين سنة وخلافته عشر سنين وشهر وخمسة أيام [تأريخ بغداد ٥/ ٤٠٠] وأخرج ابن عساكر بسنده الموصول إلى الفلاس (أبي حفص) أنه ﵀ ملك عشر سنين وشهرًا ونصف ومات لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة [تأريخ دمشق / ٥٣/ ٤٥١].\nقال خليفة بن خياط رحمه الله تعالى بعد ذكره لوفاة الخليفة المهدي ونهاية عهده سنة ١٦٩ هـ:\nتسمية عمال المهدي:\nالمدينة: مات أبو جعفر وعليها عبد الصمد بن علي فعزله المهدي، وولّى =","vol":"5","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، ثم عزله وولّى عبيد الله بن صفوان الجمحي، ثم عزله وولّى جعفر بن سليمان بن علي سنة ستين، ثم عزله سنة ست وستين وولّى إبراهيم بن يحيى بن محمد، فتوفي فولّى إسحاق بن يحيى حتى مات المهدي.\nمكة: مات أبو جعفر وعليها محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، فعزله المهدي وجمعها لجعفر بن سليمان مع المدينة، ثم وليها عبيد الله بن قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس، ثم أحمد بن إسماعيل حتى مات المهدي.\nاليمن: أقرَّ عليها يزيد بن منصور، ثم عزله وولّى رجاء بن روح من ولد روح بن زنباع، ثم علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم سليمان بن يزيد الحارثي، ثم عبد الله بن سليمان الهاشمي.\nالبصرة: مات أبو جعفر وعلى الصلاة عبيد الله بن الحسن، وعلى الأحداث سعيد بن دعلج فعزلهما المهدي وولى عبد الملك بن أيوب النميري، ثم عزله سنة ستين ومائة وولّى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم عزله وولّى صالح بن داود سنة خمس وستين ومائة، فخرج صالح واستخلف مولاه أبا مقاتل ثم ولاها روح بن حاتم حتى مات المهدي.\nالكوفة: مات أبو جعفر وعليها عمرو بن زهير أخو المسيب بن زهير الضبيّ، ثم عزله المهدي وولّى عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي، ثم عزله وولى شريك بن عبد الله النخعي القاضي، فاستعمل شريك على الأحداث إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث، ثم عزل المهدي شريكًا وولى إسحاق بن الصباح، ثم عزله وولى هاشم بن سعيد بن منصور ابن خاله، ثم عزله وولّى موسى بن عيسى حتى مات المهدي.\nخراسان: مات أبو جعفر وعليها عبد الله بن حميد بن قحطبة واليًا لأبيه، فعزله المهدي وولّى أبا عون الحمصي ثم عزله وولّى معاذ بن مسلم سنة ستين.\nثم عزله وولّى المسيب بن زهير سنة ثلاث وستين، ثم عزله وولّى أبا العباس الطوسي سنة خمس وستين حتى مات المهدي. =","vol":"5","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سجستان: ولاها المهدي حمزة بن مالك بن زهير بن محمد العائذي، ثم سعيد بن دعلج فمات واستخلف تميم بن سعد فولّى المهدي محمد بن جعفر بن الأشعث.\nالسند: مات أبو جعفر وعليها محمد بن معبد بن الخليل، رجل من بني تميم، فعزله المهدي وولّى روح بن حاتم سنة تسع وخمسين ومائة، ثم عزله وأعاد نصر بن محمد الخزاعي، ثم جاءه عهده وهو بالبلد ثم شخص عنها، ثم عزله وولّى سفيح بن عمرو أخا هشام بن عمرو التغلبي، ثم عزله وولّى الليث مولاه حتى مات المهدي. الجزيرة: مات أبو جعفر وعليها موسى بن مصعب، فعزله المهدي وولى المسيب بن زهير، ثم عزله وولى عبد الصمد بن علي، ثم الفضل بن صالح، ثم علي بن سليمان بن علي، ثم عمران بن المنهال، ثم علي بن سليمان الثانية، ووليها عبد الملك بن صالح مرتين وعبد الله بن صالح.\nإفريقية: مات جعفر وعليها يزيد بن حاتم فأقره المهدي حتى مات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>القضاء</span>\nالبصرة: مات أبو جعفر وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري فأقرَّه المهدي، ثم عزله في سنة تسع وستين ومائة وولاها خالد بن طليق من ولد عمران بن حصين أشهرًا، ثم عزله وولى عمر بن عثمان من تيم قريش.\nالكوفة: مات أبو جعفر وعليها شريك بن عبد الله النخعي فأقرَّه المهدي وقضي للمهدي عافية بن يزيد الأودي وابن علاثة العقيلي.\nالمدينة: ولى المهدي عند قيامه محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت فاستقضى عبد العزيز بن المطلب حتى عزل محمد بن عبد الله، وولي المدية عبيد الله بن صفوان فأقرّ عبد العزيز ثم صار قضاء المدينة إلى الخليفة فولاها المهدي من قبله محمد بن عمران التيمي ثم سعيد بن سليمان بن مساحق.\nالموسم: قد كتبنا (والكلام لخليفة) من حجّ بالناس في تأريخ السنين. =","vol":"5","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>ذكر بعض سير المهدي وأخباره </span>(١)\n_________\n= الشرط: نصر بن مالك ثم مات فولَّى المهدي حمزة بن مالك، ثم ولّي عبد الله بن مالك.\nكاتب الرسائل: أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله ثم عزله وولّى عمر بن بزيع.\nوعلى ديوان خراسان: بكر بن معاوية الباهلي ثم عزله.\nوعلى ديوان النفقات وبيوت الأموال والخزائن والرقيق وديوان الشام:\n- أبو سمير مولى لبني فهر من أهل الشام واسمه أيوب وقال حاتم بن مسلم: أيوب بن أبي سمير.\nوقال حاتم: كاتب الديوان إبراهيم بن صالح، فمات فولى أبا الوزير عمر بن مطرف.\nوعلى ديوان جند خراسان: عبد الجبار بن شعيب.\nوعلى بيت المال: فرج بن فضالة.\nوالمظالم: سلام مولاه.\nوالخاتم: خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الهمداني، فمات فولى علي بن يقطين.\nحاجبه، مولاه الربيع، ثم الحسن بن ربيع [تأريخ خليفة ٢٩٠ - ٢٩١ - ٢٩٢].\n(١) أخرج الطبري روايات عديدة في مناقب المهدي وسيرته وجوانب من أخباره وضعناها جميعًا في قسم المسكوت عنه والضعيف. وذلك لأننا لم نقبل ما فيه من المثالب والتزوير بإسناد مسلسل بالمجاهيل ولم نقبل بالمقابل ما جاء في مناقب المهدي بالأسانيد نفسها حتى نكون ملتزمين بالحياد ومحتكمين إلى الإسناد قبل المتن والله أعلم.\nولكي تتكون لدينا صورة ولو مقاربة إلى حقيقة الأمر فيما يتعلق بسيرة المهدي - الخليفة العباسي - فإننا سنذكر هنا روايات مسندة موصولة أخرجها ابن عساكر أو الخطيب أو =","vol":"5","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= غيرهما رجال أسانيدها ثقات أو هي ضعيفة ولكن ضعفًا خفيفًا وعلى الأقل فهي أحسن حالًا بكثير من أسانيد الطبري التي روى بها أخبار سير المهدي -والله أعلم- فنقول وبالله التوفيق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>أمير المؤمنين المهدي (ما له وما عليه)</span>\nأولًا: المهدي يكرم العلماء ويجلّ العلم.\nأخرج ابن عساكر من طريق أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو، أنبأنا أبو خليد قال: قال مالك بن أنس: - قال لي أمير المؤمنين المهدي: يا أبا عبد الله ألك دار؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين لأحدثنك حديثًا حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن نسب الرجل داره، فأمر لي بثلاثة آلاف درهم [تأريخ دمشق / ٥٣/ ٣٣١].\nالمهدي: يروي الحديث ويحثّ على متابعة سيرة الراشدين في السياسة الشرعية أما رواية الحديث فقد أخرج ابن عساكر والخطيب من طريقه حديث الجهر بالبسملة وأما الثاني فقد أخرج القاضي وكيع حدثني إبراهيم بن علي العدوي حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير حدثنا علي بن مسهر قال لي المهدي حين ولّاني ما تقول في شهادة الزور؟ قلت يا أمير المؤمنين فيها أقاويل قول شريح. . الخبر وقول عمر بن الخطاب. وفي آخره قال المهدي خذ بقول عمر: أما علمت أن الله وضع الحق على لسان عمر [أخبار القضاة / طبعة عالم الكتب / ٦٣٠] وإبراهيم وعلي بن مسهر ثقتان وعبد الغفار ذكره ابن حبان في الثقات [٨/ ٤٢١] ولم نعلم فيه جرحًا.\nثانيًا: الخليفة محمد المهدي يقبل نصح الرعية له ويبكي عند التذكرة: فقد أخرج الخطيب البغدادي ومن طريقه ابن عساكر من طريق أبو همام حدثني إبراهيم بن أعين قال: قال صالح المري دهلت على المهدي ها هنا بالرصافة فلما مثلت بين يديه قلت يا أمير المؤمنين أحمد الله ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس بالله ﷿ أحملهم لغلظة النصيحة فيه، وجدير بمن له قرابة برسول الله - ﷺ - أن يرث أخلاقه، ويأتم بهديه، وقد ورثك الله من العلم، وإنارة الحجة ميراثًا قطع به عذرك، فمهما اذعيت من حجة، أو ركبت من شبهة [لم] يصح لك برهان من الله ﷿ [حل] بك من سخط الله ﷿ بقدر ما تجاهلته من العلم، وأقدمت عليه من شبهة الباطل، واعلم =","vol":"5","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أن رسول الله - ﷺ - خصم من ولي أمته، يبتزها أحكامها، ومن كان مُحَمَّد - ﷺ - خصمه كان الله ﷿ خصمه، فأعد لمخاصمة الله ﷿ ومخاصمة رسول الله - ﷺ - حججًا تضمن لك النجاة أو استسلم للهلكة، واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله ﷿ ... الخبر وفي آخره- فبكى المهدي [تأريخ بغداد ٩/ ٣٠] و[تأريخ دمشق ٥٣/ ٤٢٣].\nقلت أما أبو همام (الوليد بن شجاع) فهو ثقة من العاشرة [تقريب / تر ١٤٢٨] وأما إبراهيم بن أعين فليس هو الشيباني الضعيف وإنما البصري العجلي على الأغلب ذكره ابن حبان في الثقات وأثنى عليه غيره، وأما صالح المرّي فهو مشهور بالوعظ والتذكير والبكاء من خشية الله ولا عجب أن يعظ الخليفة بهذه الصيغة على ضعف في روايته للحديث وعلى ما يبدو فإن المهدي أسكنه بغداد ليعظه ويذكره عن قرب فقد قال ابن حبان في ترجمته من أهل البصرة أقدمه المهدي إلى بغداد فسمع منه البغداديون وقال ابن الأعرابي كان الغالب على صالح كثرة الذكر والقراءة بالتحزين وقال عفان كان شديد الخوف من الله كأنه ثكلى إذا قصَّ [سير أعلام ٨/ ٤٢] و[تهذيب الكمال / ت ٢٧٩٦].\nثالثًا: تساهل المهدي في الجوائز والمنح (على غير عادة أسلافه ومنهم المنصور أبوه) التي أغدقها على الشعراء والأدباء.\nلقد عُرِف عن المنصور ﵀ حرصه على المال العام حتى وصفه بعض الرواة المجاهيل بالبخل ولا يصح ذلك ولقد بلغ من حرصه أن العالم الجليل المعروف هشام بن عروة دخل عليه وطلب منه أن يؤدي عنه دينه البالغ مئة ألف دينار فلم يؤدّ عنه سوى عشرة آلاف أي عشر المبلغ ولم يكن يغدق على الشعراء والمداحين.\nبينما فتح المهدي بابا على نفسه مخالفًا لما كان عليه أبوه المنصور ومعظم خلفاء بني أمية وجميع الخلفاء الراشدين - وتبعه في تلك الخصلة المرفوضة في ميزان السياسة الشرعية.\nفقد أخرج ابن عساكر من طريق الحسين بن علي الأزدي نا محمد بن عمر الجرجاني عن المفضل الضبي:\nقال: كنتُ يومًا جالسًا على باب منزلي، أحتاج إلى درهم، وعلي دين عشرة آلاف =","vol":"5","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= درهم، إذ جاءني رسول المهدي فقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: وما بغية أمير المؤمنين لعلّ ساعيًا سعى بي إليه، ثم دخلت منزلي ولبست ثيابي وصرت إليه، فلما مثُلتُ بين يديه سلّمت عليه، فقال: وَعَلَيكَ السّلام، وأومأ إليّ بالجلوس، فجلستُ، فلما سكن جاشي قال لي: يا مُفَضَّل ما أفخر بيت قالتهُ العرب؟ فأرتجَ عليّ ساعة ثم قلت: يا أمير المؤمنين بيت الخنساء؛ فاستوى جالسًا وكان مُتكئًا ثم قال: أي بَيت؟ قلت: قولها:\nوإنّ صخرًا لتأتَمُّ الهدَاة به ... كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ\nفقال: قد قلت له، وأبي عليّ، وأوما إلى إِسْحَاق بن بزيع، قلت: الصواب مع أمير المؤمنين، ثم قال: يا مفضل حدثني، فحدثته حتى انتصف النهار، وقال: يا مفضل كيف حالك؟ قلت: يا أمير المؤمنين كيف يكون حال مَنْ عليه عشرة آلاف درهم وليس معه درهم؟ فقال: يا إسحاق أعْطه عشرة آلاف درهم قضاء لدينه، وعشرة آلاف درهم يستعين بها على دهره، وعشرة آلاف درهم يصلح بها من شأنه [تأريخ دمشق / مجلد ٥٣/ ٤٤١].\nوهناك روايات كثيرة ضعيفة الإسناد تتعاضد مع بعضها لتؤكد الأصل الذي ذكرناه (ثالثًا) وإن كان في متونها مبالغة واضحة.\nرابعًا: سماحة الخليفة المهدي وسعة صدره:\nأخرج الخطيب البغدادي من طريق أبي خليفة ثنا رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة قال: كان المهدي يصلي بنا الصلوات في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها فأُقيمت الصلاة يومًا فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبتُ إلى الله في الصلاة خلفك فَمُرْ هؤلاء أن ينتظروني فقال انتظروه رحمكم الله ودخل إلى المحراب ووقف إلى أن قيل له قد جاء الرجل فَكَبَّر فعجب الناس من سماحة أخلاقه [تأريخ بغداد ٥/ ٤٠٠] وأخرجه الخطيب كذلك من طريق أبي شعيب الحراني ثنا أبو زيد قال سمعت الضحاك قال قدم المهدي علينا البصرة فخرج يصلي العصر فقام إليه أعرابي فقال يا أمير المؤمنين مر =","vol":"5","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المؤذن لا يقيم حتى أتوضأ [تأريخ بغداد ٥/ ٣٩٩] ورجال هذا الإسناد ثقات ومنهم الضحاك شيخ البخاري في الصحيح.\nخامسًا: استقلالية القضاء في عهد المهدي استمرارًا للحال من قبله وبقاءه على ذلك المنوال من بعده.\nالأمثلة كثيرة على ذلك ولقد ذكرنا في عهد كثير من الخلفاء أمثلة تبيّن مدى استقلالية القضاء في العصور الفاضلة الأولى - وحجر الأساس في استقلالية القضاء في الإسلام قول الرسول ﵊ - والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها -أو كما قال عليه الصلاة السلام فكونه - ﷺ - إمامًا عامًا لم يمنعه من سريان حكم القضاء على أقرب المقربين إليه.\nلو بدر من ذلك المقرّب شيء يخالف شرع الله.\nثم تتابع الخلفاء الراشدون في الحفاظ على استقلالية القضاء فها هو أمير المؤمنين علي ﵁ يرفع دعواه إلى القاضي ضد يهودي أخذ درعه فيطالبه القاضي شريح بالبينة وهو أمير المؤمنين والخبر معروف والأمثلة كثيرة على مدى تأريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين وفد ضربنا لذلك مثالًا عند ذكر سيرة المنصور العباسي وقد أحصى القاضي وكيع في كتابه أخبار القضاة عشرات الأمثلة الدالة على نزاهة واستقلالية القضاء في القرون الفاضلة ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما أخرجه وكيع من طريق شيخه الثقة أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيري (ثقة) أن القاضي (الأَوْقض) قضى على المهدي في دار ابن جدعان لصالح خصمه [أخبار القضاة / ١/ ٢٦٦].\nسادسًا: أبو عبيد الله وزير المهدي:\nمعاوية بن عبيد الله الأشعري المعروف بأبي عبيد الله الوزير ظل وزيرًا للمهدي سنين طويلة قال الذهبي في ترجمته أحد رجال الكمال حزمًا ورأيًا وعبادة وخيرًا [سير أعلام النبلاء / ٧/ ٣٩٨ / تر ١٤٤] وقال الخطيب في ترجمته: كاتب المهدي ووزيره كتب الحديث وطلب العلم. وكان خيرًا فاضلًا عابدًا. وكان المهدي يعظمه ولا يخالفه في شيء يشير عليه [تأريخ بغداد / ١٣/ ١٩٦ / تر ٧١٧٤] والعجيب أن كتب التأريخ كتأريخ الأمم والملوك للطبري لم تذكر كثيرًا من أخباره وهو الوزير الصالح =","vol":"5","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>خلافة الهادي</span>\nوفي هذه السنة بويع لموسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة، يوم توفي المهدي وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان وكانت وفاة المهدي بماسبذان ومعه ابنه هارون، ومولاه الربيع ببغداد خلفه بها (١). وفي هذه السنة هلك الربيع مولى أبي جعفر المنصور (٢).\n_________\n= الخيّر العابد بينما لو كان سيئًا خبيثًا لرأيت أقلام الوضاعين والمبتدعين تنبري لتلفيق الروايات عنه وعن سيرته ثم يجمعها الجماعون ويودعونها كتبهم وكم مستشار صادق عالم أو وزير صدق ظُلم تأريخيًا.\nولم نجد في بطون أمهات كتب التأريخ أخبارًا عن العلاقة بين القاضي الصالح والمستشار المأمون رجاء بن حيوة والخليفتين سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وبين المهدي وأبي عيد الله الوزير ما يشفي الغليل والله المستعان.\n(١) وقال خليفة ثم بويع موسى بن المهدي بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في المحرم سنة تسع وستين ومائة وأمّه الخيزران [تأريخ خليفة / ٢٩٤] وقال البسوي ثم استخلف موسى بن محمد سنة تسع وستين ومائة [المعرفة: ١/ ٣٥].\nأما ما ذكر الطبري من أخبار في كيفية رجوع الرشيد إلى بغداد بعد دفن أبيه المهدي في ماسبذان واستشارة وزرائه في ذلك وشغب الجند على الربيع في بغداد وما إلى ذلك فلم يذكره الطبري بإسناد ولو شبه صحيح ولم نجد ما يؤيد تلك التفاصيل من مصدر متقدم موثوق فتركناها في قسم المسكوت عنه والضعيف والله تعالى أعلم.\n(٢) الربيع حاجب المنصور ووزيره وقد ترجم له الخطيب البغدادي في تأريخ بغداد (٨/ ٤١٤ / تر ٤٥٢١) وكذلك ابن عساكر (١٨/ ٨٥) وانظر تأريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات ١٦١ - ١٧٠) ص ١٨٦ والبداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٩٤) ولم يوثقه =","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>ذكر بقية الخبر عن الأحدات التي كانت سنة تسع وستين ومائة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[خروج الحسين بن علي بن الحسن بفخ]</span>\nومما كان فيها خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المقتول بفخ (١).\n_________\n= أحد من رجال الحديث فهو مجهول الحال عندهم وقد أخرج الخطيب حديثًا من طريقه مسندًا ولفظه كان رسول الله - ﷺ - إذ جاء الشتاء دخل البيت ليلة الجمعة وإذا جاء الصيف خرج ليلة الجمعة وإذا لبس ثوبًا جديدًا حمد الله وصلى ركعتين وكسا الخلق [تأريخ بغداد ٨/ ٤١٤].\nوعلّق الحافظ ابن كثير على هذا الخبر قائلًا: وقد أورد الخطيب في ترجمته حديثًا من طريقه ولكنه منكر في صحته عنه نظر والله أعلم [البداية والنهاية ٨/ ٩٤] قلت وهذا يعني أنه مجروح عند أهل الحديث إذا ثبت أن العلة فيه لا فيمن روى عنه كما دافع ابن كثير عنه ولا يصحّ ما يروجه البعض من أن الربيع كان رجلًا ماكرًا حقودًا واشيًا بل جلّ الروايات الضعيفة ناهيك عن الصحيحة تؤكد أنه كان يخفف من شدة غضب الخليفة ويشير عليه بالتروّي والحلم وقال الذهبي في ترجمته وكان من رجال الدهر حزمًا ورأيًا ودهاءً [تأريخ الإسلام / وفيات وحوادث سنة ١٦١ - ١٧٠ هـ / ص ١٨٧ / تر ١٢] قلت ومن أجل هذه الصفات اختاره المنصور لذلك المنصب والله أعلم.\n(١) على عادة الطبري ﵀ في ذكر هذه الأحداث لم يأت بالتفاصيل من طريق مسند موصول صحيح بل أسانيد منقطعة من طريق مجاهيل أو وضاعين وسراق حديث كأحمد بن معاوية بن بكر الباهلي (٨/ ٢٠٣) وغيره.\nوقد أيّد البسوي وخليفة أصل الخبر وتأريخه فقد أخرج البسوي قال حدثني شهاب بن عباد القيسي قال حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: قال عليّ من يصول بهؤلاء القوم -يعني أهل الكوفة- فقال- صال بالسهم الأخيب قال شهاب حدثنا هذا سفيان =","vol":"5","page":170},{"text":"وغزا الصائفة في هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب وقد كانت الروم أقبلت مع البطريق إلى الحدث فهرب الوالي والجند وأهل الأسواق.\nفدخلها العدو ودخل أرض العدو معيوف بن يحيى فبلغ مدينة أشنة فأصابوا سبايا وأسارى وغنموا (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور (٢) وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمريّ، وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم، وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبي سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن تسنيم الحواري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها وصدقاتها وبهقباذ الأسفل موسى بن عيسى، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان، وعلى جرجان الحجج مولى الهادي وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي (٣).\n_________\n= سنة قتل الحسين بفخّ منذ إحدى وخمسين سنة وحدثني (والكلام هنا للبسوي) شهاب هذا في سنة إحدى وعشرين ومائتين [المعرفة ١/ ٣٧].\nوقال خليفة: وفيها خرج الحسين بن عليّ وتوجّه إلى مكة في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة فلقيه العباس بن محمد وموسى بن عيسى ومحمد بن سليمان بن علي وكانوا وافوا الحج فقتل بفخ قبل الحج [تأريخ خليفة / ٢٩٤].\n(١) وقال خليفة وبعث موسى معيوف بن يحيى لغزو الصائفة وبَثَّ السرايا وغنم [تأريخ خليفة / ٢٩٤].\nبينما قال البسوي (متحدثًا عن الشق الأول من خبر الطبري): وفي هذه السنة زحف طاغية الروم فهدم مدينة الحدث [المعرفة والتأريخ ١/ ٣٧].\n(٢) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٣٥] وخليفة في تأريخه [٢٩٤].\n(٣) انظر قوائم الولاة والقضاة فيما بعد.","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>ثم دخلت سنة سبعين ومائة [ذكر الخبر عن وفاة الهادي] </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومَنْ صلى عليه</span>\nقال أبو معشر: تُوفِّي موسى الهادي ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول؛ حدَّثنا بذلك أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق.\nوقال الواقديّ: مات موسى بعيساباذ للنصف من شهر ربيع الأول.\nوقال هشام بن محمد: هلك موسى الهادي لأربع عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول ليلة الجمعة في سنة سبعين ومائة.\nوقال بعضهم: تُوفِّيَ ليلة الجمعة لستة عشر يومًا منه؛ وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر.\nوقال هشام: ملك أربعة عشر شهرًا، وتوفِّيَ وهو ابن ستّ وعشرين سنة.\nوقال الواقدي: كانت ولايته سنة وشهرًا واثنين وعشرين يومًا.\n_________\n(١) وأخرج البسوي قال: حدثنا سلمة قال أحمد عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وتوفي موسى بن محمد سنة سبعين ومائة فاستخلف هارون [المعرفة ١/ ٣٧].\nوقال خليفة فيها (أي ١٧٠ هـ) مات أمير المؤمنين موسى بن المهدي بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي، ثم أخرج خليفة قال: حدثني الوليد بن هشام وعبد الله بن المغيرة وغيرهما قالوا: ولد موسى بالري سنة ست وأربعين ومائة ومات بمدينة السلام يوم النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو ابن أربع وعشرين سنة [تأريخ خليفة / ٢٩٤].","vol":"5","page":172},{"text":"وقال غيرهم: تُوفيَ يوم السبت، لعشر خَلَتْ من ربيع الأول -أو ليلة الجمعة- وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكانت خلافته سنة وشهرًا وثلاثة وعشرين يومًا، وصلى عليه أخوه هارون بن محمد الرشيد. وكانت كنيته أبا محمد، وأمه الخيزُران أم ولد، ودفن بعيساباذ الكُبرى في بُستانه (١).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري هنا عدة آراء في تحديد اليوم الذي توفي فيه أو الليلة من شهر ربيع الأول من سنة ١٧٠ هـ فالروايات تتفق على أنه توفي سنة ١٧٠ هـ في شهر ربيع الأول إلّا أنها اختلفت في اليوم وإن كانت متقاربة (١٤ - ١٥ - ١٦).\nواختلفت كذلك في سنيّ حكمه - وأما خليفة فقد ذكر عن الوليد بن هشام وعبد الله بن المغيرة أنه توفي ﵀ يوم النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو ابن أربع وعشرين سنة [تأريخ خليفة / ٢٩٤] ونقل عن عبد العزيز بن ثابت أن هارون ابنه صلى عليه وكانت ولايته سنة وشهرين وعشرين يومًا [تأريخ خليفة / ٢٩٤] وقال البسوي: وقال أهل التأريخ كانت خلافته سنة وشهرًا وأيامًا [المعرفة ١/ ٣٧].\nكعادتنا بعد انتهائنا من عهد كل خليفة فإننا نذكر قوائم الولاة والقضاة كما ذكرها خليفة في نهاية عهد الخليفة المعين تأكيدًا لما ذكره الطبري مفرقًا في نهاية أحداث كل سنة هجرية، قال خليفة بن خياط في تأريخه: تسمية عمال موسى (الهادي).\nمكة: عبيد الله بن قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس حتى مات موسى.\nاليمن: إبراهيم بن سلم بن قتيبة حتى مات موسى.\nالبصرة: مات المهدي وعليها روح بن حاتم، فعزله موسى وولى محمد بن سليمان بن علي حتى مات.\nالكوفة: مات المهدي وعليها موسى بن عيسى فأقره موسى حتى مات.\nخراسان: مات المهدي وعليها أبو العباس الطوسي فأقره موسى حتى مات.\nسجستان: مات المهدي وعليها تميم بن سعد فعزله موسى وولى كثير بن سلم حتى مات.\nالسند: مات المهدي وعليها الليث مولاه، فكتب إليه موسى أن ينحدر فانحدر واستخلف ابنه محمد بن الليث فمات موسى قبل أن يصل إليه. =","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>خلافة هارون الرشيد</span>\nبويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي وكانت سِنُّه يوم ولّي اثنين وعشرين سنة، وقيل كان يوم بويع بالخلافة ابن إحدى وعشرين سنة. وأمّه أم ولد يمانية جرشية يقال لها خيزران وولد بالرّي لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة في خلافة المنصور (١).\nوفي هذه السنة عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن مدينة الرسول - ﷺ - وما كان إليه من عملها وولّى ذلك إسحاق بن سليمان بن علي (٢).\nوفيها ولد محمد بن هارون الرشيد - وكان مولده - فيما ذكر أبو حفص\n_________\n= الجزيرة: ولاها رجلًا من أهل خراسان يكنى أبا هريرة وولاها إبراهيم بن صالح.\nإفريقية: أقرّ عليها يزيد بن حاتم حتى مات موسى.\n[تأريخ خليفة: ٢٩٤ - ٢٩٥].\n(١) انظر تعليقنا على الأخبار الواردة في (٨/ ٢١٣) وانظر المعرفة والتأريخ للبسوي (١/ ٣٨) وتأريخ خليفة (٢٩٥) إذ قال ثم بويع أمير المؤمنين الرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه الخيزران في النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين [تأريخ خليفة / ٢٩٥]. والذي اختاره الحافظ ابن كثير أنه (أي هارون) بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه الهادي وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة [البداية والنهاية (٨/ ٩٦)].\n(٢) وقال البسوي واستخلف هارون (أي في سنة ١٧٠ هـ) وولى إسحاق بن سليمان وعزل العمري (المعرفة ١/ ٣٨).","vol":"5","page":174},{"text":"الكرماني عن محمد بن يحيى بن خالد - يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة وكان مولد المأمون قبله في ليلة الجمعة النصف من شهر ربيع الأول (١).\nوفيها عمرت طَرَسُوس على يدي أبي سُليم فرَج الخادم التركيّ ونزلها الناس (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون الرّشيد من مدينة السّلام، فأعطى أهل الحَرَمَين عطاء كثيرًا، وقسم فيهم مالًا جليلًا (٣).\nوقد قيل: إنه حجّ في هذه السنة وغزا فيها، وفي ذلك يقول داود بن رَزِين:\nبِهارونَ لاحَ النُّورُ في كل بَلْدَةٍ ... وَقامَ بِهِ في عَدْلِ سيرتهِ النَّهْجُ\nإِمام بِذاتِ اللهِ أَصْبَحَ شُغْلُهُ ... وَأَكثرُ ما يُعْنَى بِهِ الغزْوُ وَالحَجُّ\nتضيقُ عُيونُ الناس عَن نُورِ وجْهِهِ ... إِذا ما بَدا للنَّاسِ مَنْظَرُهُ البَلْجُ\nوَإنَّ أَمينَ اللهِ هارونَ ذا النَّدَى ... يميلُ الذي يَرْجوهُ أَضعافَ ما يَرْجو\nوغزا الصائفة في هذه السنة سليمان بن عبد الله البَكائيّ (٤).\nوكان العامل فيها على المدينة إسحاق بن سليمان الهاشميّ، وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قُثَم، وعلى الكوفة موسى بن عيسى، وخليفته عليها ابنه\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها (أي ١٧٠ هـ) ولد المأمون ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول ليلة مات موسى وفيها ولد محمد بن هارون يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من شوال [المعرفة ١/ ٣٨].\n(٢) يتفق خليفة كذلك على عمارة طرسوس في عهد الرشيد إلّا أنه أرخ له بسنة (١٧١ هـ) تأريخ خليفة / ٢٩٦.\n(٣) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٣٧) وخليفة في تأريخه (٢٩٥).\n(٤) أما خليفة فقد أرخ لهذه الغزوة بسنة (١٧١ هـ) انظر تأريخ خليفة (٢٩٦).","vol":"5","page":175},{"text":"العباس بن موسى، وعلى البصرة والبحرين والفُرَض وعُمان واليمامة وكُور الأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها أمر هارون بإخراج مَنْ كان في مدينة السلام من الطالبيّين إلى مدينة الرسول - ﷺ -، خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن عليّ بن أبي طالب، وكان أبوه الحسن بن عبد الله فيمن أشخِص (١).\nوخرج الفضل بن سعيد الحَروريّ فقتله أبو خالد المرْوَرُّوذيّ.\nوفي هذه السنة كان قدوم رَوْح بن حاتم إفريقيّة (٢) وخرجت في هذه السنة الخيزُران إلى مكة في شهر رمضان، فأقامت بها إلى وقت الحجّ فحجّت (٣).\nوحجّ بالنَّاس في هذه السنة عبد الصمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٤).\n* * *\n_________\n(١) وقال البسوي ضمن ذكره لأحداث سنة (١٧١ هـ) وفيها أُخرج من كان بالمدينة -مدينة السلام- من آل أبي طالب إلى المدينة ليقيموا بها [المعرفة ١/ ٣٨].\n(٢) أما قدوم روح فكذلك أرّخ خليفة بن خياط لتوليته على إفريقية وقدومه ولكنه قال سنة إحدى أو اثنتين وسبعين [تأريخ خليفة / ٣٥٧] وأما حجة الخيزران فكذلك ذكر البسوي [المعرفة ١/ ٣٨].\n(٣) أما قدوم روح فكذلك أرّخ خليفة بن خياط لتوليته على إفريقية وقدومه ولكنه قال سنة إحدى أو اثنتين وسبعين [تأريخ خليفة / ٣٠٧] وأما حجة الخيزران فكذلك ذكر البسوي [المعرفة ١/ ٣٨].\n(٤) وكذلك قال البسوي (المعرفة ١/ ٣٨) وخليفة في تأريخه (٢٩٦).","vol":"5","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها عزل الرشيد يزيد بن مزيد عن أرمينية وولّاها عبيد الله بن المهدي (١).\nوغزا الصائفة فيها إسحاق بن علي (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة يعقوب بن أبي جعفر المنصور (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة والقضاة في آخر عهد الرشيد.\n(٢) أما خليفة فقد ذكر الصائفة في هذه السنة إلّا أنه قال غزا زفر بن عاصم الهلالي الصائفة [تأريخ خليفة / ٢٩٦] فالله أعلم.\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٩٦) أما البسوي فقد قال: حجّ بالناس سليمان بن أبي جعفر وقد قيل بل يعقوب بن أبي جعفر [المعرفة ١/ ٣٨].","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>[ذكر خبر وفاة محمد بن سليمان] </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>[ذكر وفاة الخيزران أم الهادي والرشيد]</span>\nوفيها توفيت الخيزران أمّ هارون الرشيد وموسى الهادي (٢).\nوفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، وولاها ابنه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث (٣).\nوحجّ بالناس فيها هارون، وذكر أنه خرج محرمًا من مدينة السلام (٤).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة: مات محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة وهو أميرها في رجب واستخلف ثم ولّى أمير المؤمنين سليمان بن أبي جعفر [تأريخ خليفة / ٢٩٦].\nوانظر تأريخ بغداد للخطيب البغدادي (٥/ ٢٩١).\n(٢) وأخرج الخطيب البغدادي عن أبي حسان الزيادي أن الخيزران ماتت في ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة [تأريخ بغداد / ١٤/ ٤٣١ / تر ٧٨٠٠].\nوقال الحافظ ابن كثير: واتفق موتها ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة [البداية والنهاية ٨/ ٩٨].\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الرشيد.\n(٤) وكذلك قال خليفة (٢٩٦) والبسوي إذ قال: حجّ بالناس هارون بن محمد الرشيد وهي السنة التي قسم فيها للناس عامّة صغيرهم وكبيرهم درهمًا درهمًا [المعرفة ١/ ٣٩].","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها ولَّى الرشيد إسحاق بن سليمان الهاشمي السّند ومكران (١) وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف وأبوه حيّ (٢) وغزا الصائفة عبد الملك (٣).\nوحجّ بالناس فيها هارون الرشيد، فبدأ بالمدينة، فقسم في أهلها مالًا عظيمًا ووقع الوباء في هذه السنة بمكة فأبطأ عن دخولها هارون، ثم دخلها يوم التروية فقضى طوافه وسعيه ولم ينزل مكة (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٢) انظر قوائم القضاة في آخر عهد المهدي.\n(٣) وقال خليفة ولم تك صائفة غيرَ أن عبد الملك بن صالح وجه ابنه عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ عقبة الركاب فأصاب سبيًا وخريثًا [تأريخ خليفة / ٢٩٦].\n(٤) وقال خليفة أقام الحج أمير المؤمنين هارون أيضًا [تأريخ خليفة / ٢٩٦] وقال البسوي: ووقع الوباء بمكة وخرج أمير المؤمنين هارون حاجًّا فلما بلغه الوباء تباطأ في طريقه إلى أن دخل مكة يوم التروية فطاف وسعى وتوجه من ساعته إلى منى [المعرفة ١/ ٤١] وأما توزيع المال العظيم على الناس فقد ذكره البسوي ضمن أحداث السنة التي قبلها (١٧٣) فقال حجّ بالناس هارون الرشيد وهي السنة التي قسّم فيها للناس عامة صغيرهم وكبيرهم درهمًا درهمًا [المعرفة ١/ ٣٩].","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر وولاها خاله الغطريف ابن عطاء (١).\nوغزا الصائفة فيها عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية (٢).\nوحجّ بالناس فيها هارون الرشيد (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة فيما بعد.\n(٢) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة / ٢٩٧].\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه [٢٩٦] والبسوي في المعرفة [١/ ٤١].","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة</span>\nفمن كان ما كان من تولية الرشيد الفضل بن يحيى كور الجبال وطبرستان ودوبناوند وقومس وإرمينية وأذربيجان (١).\nوفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالدّيلم (٢).\nوحجّ في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور. وحجّت معه فيما ذكر الواقدي زبيدة زوجة هارون وأخوها معها (٣).\n* * *\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها (أي ١٧٦ هـ) ولي الفضل بن يحيى الجبال وكاتب يحيى بن عبد الله العلوي وكان علج الجبال قد قبله على الأمان أن لا يخذله ولا يسلمه فوفى له بذلك ووجه أبا البختري إلى العلج: يا هذا تزعم أنه ابن نبيكم: أفصادق هو؟ قال: نعم: قال فإني لم أكن لأخذ له - فوجد هارون على أبي البختري فقال يا أمير المؤمنين أو كان يجوز أن أقول غير ما قلت ثم إن يحيى بن عبد الله جنح إلى الصلح فطلب الأمان لنفسه ولعددٍ غير مسمّين، سمّى العدد ولم يظهر [المعرفة ١/ ٤٣].\nقلت: وهذا يعني أن الطبري والبسوي يتفقان على خروج يحيى بن عبد الله ثم صلحه مع هارون ولكنهما لا يتفقان على كل تلك التفاصيل التي ذكرها الطبري كعادته في الإسهاب في ذكرها والله أعلم.\n(٢) انظر التعليقة السابقة.\n(٣) انظر التعليقة السابقة.","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك عزل الرشيد فيما ذكر - جعفر بن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بن سليمان وعزله حمزة بن مالك عن خراسان وتوليته إياها الفضل بن يحيى إلى ما كان يليه من الأعمال من الري وسجستان (١).\nوغزا الصائفة فيها عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي (٢).\nوحجّ بالناس فيها هارون الرشيد (٣).\n* * *\n_________\n(١) أما البسوي فقد ذكر أن الغطريف عزل في هذه السنة عن خراسان وانصرف خليفة داؤد بن يزيد وقدم حمزة بن مالك يوم السبت لست خلون من المحرم سنة سبع وسبعين ومائة خليفة للفضل بن يحيى بن برمك على خراسان وسجستان [المعرفة ١/ ٤٤].\nوانظر قوائم الولاة في آخر عهد الرشيد.\n(٢) أما خليفة فهو يؤيد حدوث الصائفة في هذه السنة إلا أنه يرى أن الذي تولى إمارة الصائفة فيها هو عبد الله بن صالح بن علي فالله أعلم [تأريخ خليفة / ٢٩٧].\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٢٩٧) والبسوي في المعرفة (١/ ٤٣).","vol":"5","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها خرج الوليد بن طريف الشاري بالجزيرة وحكم بها ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين ثم مضى إلى إرمينية (١).\nوحجّ بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي وكان على مكة (٢).\n* * *\n_________\n(١) وذكر خليفة الخبر مختصرًا فقال وفيها (أي ١٧٨ هـ) خرج الوليد بن طريف ببلاد الجزيرة [تأريخ خليفة / ٢٩٨] ولكنه فصّل في الخبر عند حدثه عن وقائع سنة (١٨٠ هـ) كما سيأتي.\n(٢) وكذلك قال البسوي (المعرفة ١/ ٤٤) وخليفة في تأريخه (٢٩٧).","vol":"5","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بن شرحيبل (١).\nوفيها ولَّى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحميري (٢). وفيها عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن الحجبة وولاها الفضل بن الربيع (٣).\nوفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدّت شوكته، وكثر تبعه، فوجَّه الرّشيد إليه يزيد بن مزيد الشيبانيّ، فراوغه يزيد، ثم لقيه وهو مغترّ فوق هيت، فقتله وجماعة كانوا معه، وتفرّق الباقون، فقال الشاعر:\nوائلٌ بعضها يقتل بَعْضًا ... لا يفُلُّ الحديدَ إلَّا الحديدُ\nوقالت الفارعة أخت الوليد:\nأيا شجَرَ الخابورِ مالك مُورقًا ... كأَنكَ لم تجزَع على ابن طَريفِ\nفَتىً لا يُحِبّ الزَّادَ إلَّا مِنَ التُّقى ... وَلا المال إلا مِن قنًا وسُيوفِ (٤)\nواعتمر الرّشيد في هذه السنة في شهر رمضان، شكرًا لله على ما أبلاه في الوليد بن طريف، فلمَّا قضى عمرتَه انصرف إلى المدينة، فأقام بها إلى وقت\n_________\n(١) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الرشيد.\n(٢) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الرشيد.\n(٣) انظر قوائم الولاة في نهاية عهد الرشيد.\n(٤) بينما ذكر خليفة هذه التفاصيل ضمن أحداث سنة (١٨٠ هـ) وفصّل أكثر مما ذكر الطبري واتفق خبر خليفة مع خبر الطبري على أن يزيد بن مزيد قتله وذكر كذلك البيتين ونسبهما إلى أخت الوليد وهي ترثيه [تأريخ خليفة / ٢٩٩].","vol":"5","page":185},{"text":"الحجّ، ثم حجّ بالناس، فمشى من مكّة إلى منًى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشيًا، ثم انصرف على طريق البصرة.\nوأما الواقديّ فإنه قال: لما فرغ من عُمرته أقام بمكة حتى أقام للناس حجّهم (١).\nوفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرفة من مكة فقدمها في المحرم منها فنزله المحدّثة أيامًا، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة، ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بن خالد حتى نظر إليه وسكر نهر الأبلة ونهر معقل حتى استحكم أمر سيحان ثم شخص عن البصرة لاثنتي عشرة ليلة بقيتْ من المحرم، فقدم مدينةَ السلام، ثم شخص إلى الحيرة، فسكنها وابتنى بها المنازلَ، وأقطع مَنْ معه الخِطط، وأقام نحوًا من أربعين يومًا، فوثب به أهلُ الكوفة، وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص من مدينة السلام إلى الرَّقة، وسأتخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرّقة محمدًا الأمين، وولّاه العراقين (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ (٣).\n* * *\n_________\n(١) أما خليفة فقد ذكر أن هارون حجّ بالناس [تأريخ خليفة / ٢٩٨] ولم يزد على ذلك وكذلك ذكر البسوي [المعرفة ١/ ٤٤].\n(٢) هذا الخبر (٨/ ٢٦٦ - ٢٦٧) عن سفر أمير المؤمنين الرشيد إلى البصرة بعد قفوله من مكة ذكره خليفة مختصرًا فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٨٠ هـ): وفيها قدم أمير المؤمنين هارون مكة القدمة الثانية فدخل البصرة يوم الإثنين لعشر خلون من المحرم [تأريخ خليفة / ٢٩٨].\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه [٢٩٨] والبسوي في المعرفة [١/ ٤٥].","vol":"5","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرف من مكة فقدمها في المحرم منها فنزل المحدّثة أيامًا، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة، ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بن خالد حتى نظر إليه وسكر نهر الأبلة ونهر معقل حتى استحكم أمر سيحان ثم شخص عن البصرة.\nلاثنتي عشرة ليلة بقيتْ من المحرم، فقدم مدينة السلام، ثم شخص إلى الحيرة، فسكنها وابتنى بها المنازلَ، وأقطع مَنْ معه الخِطط، وأقام نحوًا مَن أربعين يومًا، فوثب به أهلُ الكوفة، وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص من مدينة السلام إلى الرَّقة، واستخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرّقة محمدا الأمين، وولّاه العراقين (١).\nوحج بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها توفِّي الحسن بن قحطبة وحمزة بن مالك (٣).\n_________\n(١) هذا الخبر (٨/ ٦٦ - ٦٧) عن سفر أمير المؤمنين الرشيد إلى البصرة بعد قفوله من مكة ذكره خليفة مختصرًا فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٨٠ هـ): وفيها قدم أمير المؤمنين هارون مكة القدمة الثانية فدخل البصرة يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم [تأريخ خليفة / ٢٩٨].\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخه [٢٩٨] والبسوي في المعرفة [١/ ٤٥].\n(٣) وكذلك أرّخ الخطيب البغدادي لوفاة الحسن بن قحطبة الطائي القائد (تأريخ بغداد ٧/ ٤٠٤).","vol":"5","page":187},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة هارون الرشيد فأقام للناس الحجّ ثم صدر معجلًا وتخلّف عنه يحيى بن خالد ثم لحقه بالغمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه فردّ إليه الخاتم وسأله الإذن في المقام فأذن له فانصرف إلى مكة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة</span>\nفكان فيها انصراف الرشيد من مكة ومسيره إلى الرقة وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة وضمّه إياه إلى جعفر بن يحيى، ثم توجّهه إياه إلى مدينة السلام ومعه من أهل بيته جعفر بن أبي جعفر المنصور وعبد الملك بن صالح ومن القواد علي بن عيسى فبويع له بمدينة السلام حين قدمها وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همدان وسمّاه المأمون (٢).\nوحجّ بالناس فيها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر تأريخ خليفة (٣٠١) والمعرفة والتاريخ للبسوي (١/ ٤٦).\n(٢) انظر المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٦٧) وفيما ذكره البسوي من مسير الخليفة من رقة إلى دار السلام ضمن أحداث السنة التالية (١٨٣) ما يشير ضمنًا إلى رجوعه من مكة إلى الرقة ثم إلى بغداد وفي ذلك تأييد لشيء من خبر الطبري من مسير الرشيد والله تعالى أعلم.\n(٣) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٤٦) وخليفة في تأريخه (٣٠٢).","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة</span>\nوفيها مات موسى بن جعفر بن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضي (١).\nوفيها حجّ بالناس العباس بن موسى الهادي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر ترجمته في تأريخ بغداد ١٣/ ٢٧ وقد حبسه المهدي ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه العهود أن لا يخرج على أبناء عمومته من بني العباس فأعطاه المواثيق والعهود أن لا يخرج فأكرمه وردّه إلى الحجاز سالمًا غانمًا وبقي هناك حتى وفاة المهدي ثم لما حجّ الرشيد والتقى به عند قبر الرسول - ﷺ - أبدى الإمام موسى الكاظم ﵁ ما يدلّ على تعاليه على الخليفة وأنه أعلى منه مقامًا، فأحسّ منه الرشيد ما يخافه الملوك على ملكهم فحبسه وتوفي سنة ١٨٣ هـ لخمسٍ من رجب وانظر وفيات الأعيان (٥/ ٣٠٨) والبداية والنهاية [٨/ ١١٠].\n(٢) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٤٧) وخليفة في تأريخه (٣٠٢).","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفًا إليها من الرقة في الفرات في السفن فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا (١).\nوحجّ بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي (٢).\n* * *\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها قدم هارون مدينة السلام وكان مسيره من الرِقة في السفن في الفرات، وفيها أخرج البقايا على عماله لما مضى من سنيّ خلافته وألزم بعضهم العشر وبعضهم الخمس وترك لبعض ما عليه [المعرفة ١/ ٤٨] وليس في خبر البسوي ذكر لحبسٍ أو لضربٍ وما إلى ذلك.\n(٢) انظر تأريخ خليفة (٣٠٢) والمعرفة والتأريخ للبسوي (١/ ٥٠).","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة</span>\nوفيها مات عبد الصمد بن علي ببغداد في جمادى الآخرة ولم يكن ثُغر قط فأُدخل القبر بأسنان الصبي، وما نقص له سن (١).\nووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين (٢).\nوحجّ بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي (٣).\n* * *\n_________\n(١) وقال البسوي وفيها (١٨٥ هـ) توفي عبد الصمد بن علي وهو ابن تسع وسبعين سنة صلى عليه هارون أمير المؤمنين [المعرفة ١/ ٥٠] وانظر خليفة (٣٠٢).\n(٢) وقال البسوي وفيها (١٨٥ هـ) وقعت صاعقة في المسجد الحرام في شهر رمضان فحرقت ظلة وقتلت رجلين [المعرفة ١/ ٥٠].\n(٣) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٥٠) وخليفة في تأريخة (٣٠٢).","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفَفيها كان خروج عليّ بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا فقتله بها وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان (١).\nقال: وحجَّ هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة ست وثمانين ومائة، وخلّف بالرّقة إبراهيم بن عثمان بن نَهيك العكيّ على الحرَم والخزائن والأموال والعسكر، وأشخص القاسم ابنه إلى مَنْبج، فأنزله إياها بمن ضمّ إليه من القوّاد والجند، فلما قضى مناسكَه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين، أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، أحدهما على محمّد بما اشترط عليه من الوَفاء بما فيه من تسليم ما وَلِيَ عبدُ الله من الأعمال، وصيَّر إليه من الضيّاع والغَلّات والجواهر والأموال، والآخر نسخة البَيعة التي أخذها على الخاصّة والعامّة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد، وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم (٢).\n* * *\n_________\n(١) وقال خليفة وفيها خرج أبو الخصيب - رجل من أهل نسا - فغلب على طوس وسرخس وقتل بمرو، قتله علي بن عيسى بن ماهان [تأريخ خليفة / ٣٠٢].\n(٢) وذكر البسوي أصل الخبر فقال: وفي سنة ست وثمانين ومائة حجّ بالناس هارون وفيها كتب الكتابين [المعرفة ١/ ٥٠].\nوقال خليفة أقام الحج أمير المؤمنين هارون وجدّد البيعة لابنيه محمد المخلوع وعبد الله المامون وكتب بينهما شروطًا وعلّق الكتاب في الكعبة [تأريخ خليفة / ٣٠٢].","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>[ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة]</span>\nفمما كان فيها من ذلك قتل الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد وإيقاعه بالبرامكة (١).\nقال وقتل جعفر بن يحيى في ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثلاثين سنة. وكانت الوزارة إليهم سبع عشر سنة (٢).\n_________\n(١) وقال خليفة وفيها (أي ١٨٧ هـ) قتل أمير المؤمنين جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك بالأنبار في أول ليلة من صفر [تأريخ خليفة / ٣٠٣] وانظر تعليقنا الآتي.\n(٢) وكذلك قال خليفة دون ذكر سنيّ عمره يوم قتل وانظر خليفة (٣٠٣) وأخرج الخطيب البغدادي بسنده الموصول عن أبي حسان الزيادي قال سنة سبع وثمانين ومائة فيها قتل جعفر بن يحيى بن خالد في أول يوم من صفر بالغمر من أرض الأنبار [تأريخ بغداد / ٧/ ١٦٠ / تر ٣٦٠٦].\nولقد أورد الطبري أخبارًا عدة فيما يتعلق بالأسباب المباشرة وغير المباشرة لنكبة البرامكة وقتل جعفر. إلّا أنها مسلسلة بالمجاهيل فضلًا عن الإنقطاع أو الإعضال والمعروف عن الروايات التأريخية أنها إذا جاءت بهذه الأسانيد ففي متونها غرائب ومبالغات كثيرة - وقد ذكرناها في قسم الضعيف والمسكوت عنه إلّا أن الروايات التأريخية (بمجموعها) الواردة في الباب تؤكد أن جعفرًا أصبح منافسًا للخليفة لما له من المكانة في قلوب الناس بل أخذ يزاحمه في الإنفاق وإدارة الأمور حتى كاد يغلبه ولقد أجاد العلامة ابن خلدون في إجمال تلك الأسباب وقبل أن نذكر كلام ابن خلدون نذكر روايات أخرجها الخطيب أسانيدها أقرب إلى الصحة (بكثير) من أسانيد الطبري، قال الخطيب في ترجمة جعفر بن يحيى: كان (أي جعفر) من علو القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها وكان سمح =","vol":"5","page":193},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر؛ فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر وكان أيضًا من ذوي الفصاحة والبلاغة إلى أن قال: وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علّمه وفقهه وغضب الرشيد عليه في آخر أمره فقتله اهـ. [تأريخ بغداد / ٧/ ١٥٢ / تر ٣٦٠٦] وهذا تقييم لجعفر من قبل إمام مؤرخ محدث كالخطيب البغدادي اعتنى بجمع أخبار بغداد ومن سكنها ولو لمدة يسيرة أو مرّ بها، يقول فأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر ثم يقول: وكان من ذوي الفصاحة والبلاغة .. إضافة إلى تعلمه وتفقُّهه على يدي قاضي القضاة أبي يوسف - فالرجل إذًا كان يملك مقومات عدة من مقومات القيادة جعلت من حوله يحذر منه أضف إلى ذلك كثرة الوشاة والسعاة مع طموحات الرجل إلى ما هو أسمى وأعلى والله أعلم بالسرائر وكل هذه احتمالات تعتمد على روايات ضعيفة.\nأخرج الخطيب من طريق علي بن عمر الحافظ ثنا إبراهيم بن حماد ثنا عبد الله بن أبي سعد ثني محمد بن أحمد بن المبارك العبدي ثني عبد الله بن علي - أبو محمد - قال لما غضب على البرامكة أصيب في خزانة جعفر بن يحيى في جرة ألف دينار في كل دينار مائة دينار على أحد جانبي كل دينار:\nوأصفر من ضرب دار الملو ... ك يلوح على وجهه جعفر\nيزيد على مائة واحدًا ... متى نعطه معسرًا يوسر\n[المصدر السابق ٧/ ١٥٥]. وأخرج من طريق ابن محمد المذحجي ثني أبو عبد الرحمن مؤدب محمد بن عمران بن يحيى بن خالد قال أمر جعفر بن يحيى أن تضرب دنانير في كل دينار ثلاثمائة مثقال ... الخبر كما في الرواية السابقة (بيتي الشعر) [المصدر السابق ٧/ ١٥٩].\nوالخبر الأول مع الأبيات ذكره الجهيشاري فقال: وقد ذكر الحارث بن أبي أسامة في كتاب أخبار الخلفاء ... ثم ذكر الخبر مع البيتين [الوزراء والكتاب ٢٤١].\nوبما أن جعفر البرمكي قد تأثر بعلم أبي يوسف وفقهه فقد كان مجلًا للعلماء وأهل العلم مكرمًا لهم فقد أخرج الخطيب عن طريق الحارث بن أبي أسامة قال ثني إسماعيل بن محمد - ثقة - قال لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل =","vol":"5","page":194},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بالبرامكة حَوّل وجهه إلى الكعبة وقال اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة [تأريخ بغداد / ٧/ ١٦٠].\nومع الأسف الشديد لم يذكر الطبري رواية مسندة موصولة ولو من مظانّ الحسن في ذكر الأسباب المباشرة وغير المباشرة المؤدية إلى نكبة البرامكة ورئيسهم جعفر بن يحيى إلّا أن الروايات التي هي أقرب إلى الصحة عند غيره مع الروايات الضعيفة مع ما ذكره المؤرخون الأقدمون من تقييمهم للنكبة وأسبابها تؤيد ما ذكره العلامة ابن خلدون في تفسيره لهذه النكبة وسنذكر طرفًا من عبارات ابن خلدون دون غيرها فهذه هي عبارات مجملة عامة دون ذكرٍ لتفاصيل غير مؤكدة:\nيقول العلامة ابن خلدون في مقدمته:\n(وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدّولة واحتجافهم أموال الجباية).\nويقول أيضًا: فعظمت آثارهم وبعد صيتهم (وعمروا مراتب الدّولة وخططها بالرّؤساء من ولدهم وصنائعهم واحتازوها (عمّن سواهم) ثم يرجع ابن خلدون بعض الشيء إلى الوراء فيقول موضحًا سبب هذه الحظوة والكرامة لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون ولي عهد وخليفة، حتى شبّ في حجره ودرج من عشّه وغلب على أمره، وكان يدعوه: يا أبت. فتوجّه الإيثار من السلطان إليهم وعظمت الدّالة منهم، وانبسط الجاه عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه، وخضعت لهم الرّقاب، وقصرت عليهم الآمال، وتخطّت إليهم من أقصى التّخوم هدايا الملوك وتحف الأمراء.\nفالنتيجة كما يراها ابن خلدون قد بدأت بعد كل هذا بسعي الوشاة والحاسدين فيقول: فكشفت لهم وجوه المنافسة والحسد، ودبّت إلى مهادهم الوثير من الدّولة عقارب السعاية [المقدمة لابن خلدون / ٤٤ - ٤٥ - ٤٦].\nوأما من الأساتذة المعاصرين فقد كتب الدكتور يوسف العش -﵀- فصلًا بحث فيه جوانب نكبة البرامكة وقال في مقدمته وقد اختلف المؤرخون اختلافًا كبيرًا حول أسباب نكبة البرامكة - وسنذكر ما قالوه في ذلك لكنا نرى بادئ ذي بدءٍ أن تفسير النكبة مرتبط بسياسة البرامكة نفسها، وإذا بحثنا هذه السياسة وجلونا نواحيها تمكنا أن نفهم كيف آل الأمر بالرشيد إلى أن ينكب البرامكة وإلى أن يفعل فيهم ما فعل [ثم =","vol":"5","page":195},{"text":"وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة فوهبه لله وجعله قربانًا له ووسيلة، وولاه العواصم (١).\n_________\n= يبحث الأستاذ العش المواضبع التالية - سياسة البرامكة مع آل علي - سياسة البرامكة مع العصبية العربية - سياسة البرامكة في المال والتنظيم - سياسة البرامكة القومية. وذكرنا لهذه الأمور لا يعني أننا نوافق الأستاذ العش في كل ما ذكر فعلى سبيل المثال ذكر أن جند العباسية من العجم بلغت خمسمائة ألف رجل كما ذكر الطبري (٦/ ٤٦٤) وهذا لا يصح سندًا ولا متنًا بل هو أمر مبالغ فيه. ويذكر الأستاذ العش الأسباب المباشرة وغير المباشرة ويقول في آخرها: وقد يكون كل ما ذكروه ذا أثر في النكبة وقد تكون تضافرت جممع الأسباب فأدت إلى النكبة لكنا لا نعلم بالضبط والتأكيد كيف فكر الرشيد بقتل جعفر؟ وكيف انتهى به الأمر إلى ذلك؟ إن هناك صعوبة ولا ريب في كشف الأمر فهارون قد استمر بقية حياته وهو غير نادم على نكبتهم فهو لم يطلق سراحهم حتى بعد أن قتل جعفر بزمن بعيد [من تأريخ عصر الخلافة العباسية للدكتور يوسف العش ٦٤ - ٧٠].\nقلت إن الأستاذ العش ﵀ كان دقيقًا في بحثه هذا عندما قال: [لكننا لا نعلم بالضبط والتأكيد كيف فكر الرشيد بقتل جعفر وكيف انتهى به الأمر إلى ذلك؟ إن هناك صعوبة ولا ريب في كشف الأمر ... إلخ] ويؤيد كلام العش هذا ما أخرجه محمد بن عبدوس الجهشياري عن الذي نفذ أمر الرشيد بقتل جعفر وهو الخادم مسرور الكبير الذي لا يعلم لقتله سببًا سوى حسد الحساد وسعي الواشين وذلك سبب ولكنه ليس السبب الوحيد لكن حقيقة الأمر بقي سرًّا في صدر هارون لايعلم كنهه إلّا الله فقد أخرج الجهشياري قال: قال عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألت مسرور الكبير في أيام المتوكل -وكان قد عمّر إليها ومات فيها- عن سبب قتل الرشيد جعفر وإيقاعه بالبرامكة فقال: كأنك تريد ما تقول العامة فيما ادعوه من أمر المرأة وأمر المجامر التي اتخذها للبخور في الكعبة؟ فقلت له ما أردت غيره فقال (أي مسرور) لا والله ما لشيء من هذا أصل، ولكنه من ملل موالينا وحسدهم] كتاب الوزراء والكتاب / ٢٥٤.\n(١) قال خليفة وفيها (أي ١٨٧ هـ) وجّه أمير المؤمنين هارون ابنه القاسم على صائفة الروم =","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>[ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح] </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>[ذكر الخبر عن دخول القاسم بن الرشيد أرض الروم]</span>\nوفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحاصرها، ووجّه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا، فبعثت إليه الروم تبذل له ثلاثمائة وعشرين رجلًا من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم إلى ذلك ورحل عن قرة وحصن سنان صلحًا.\nومات علي بن عيسى بن موسى في هذه الغزاة بأرض الروم، وهو مع القاسم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>[ذكر الخبر عن نقض الروم الصلح]</span>\nوفي هذه السنة نقض صاحب الروم الصلح الذي كان جرى بين الذي قبله وبين المسلمين، ومنع ما كان ضمنه الملك لهم قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك:</span>\nوكان سبب ذلك أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحب الروم\n_________\n= ومعه عبد الملك بن صالح وأهل الثغور فدخل درب الصفصاف حتى أتى قرّة فأرسل إليه نقفور يسأله أن ينصرف ويعطيه ثلاثمائة وعشرين أسيرًا من المسلمين ففعل وانصرف [خليفة / ٣٠٣].\n(١) لم يذكر خليفة ولا البسوي مسألة غضب هارون على عبد الملك وإنما ذكر خليفة أن هارون الرشيد عزل عبد الملك بن صالح سنة (١٨٨ هـ) دون أن يذكر سببًا لهذا العزل [تأريخ خليفة / ٣٠٣].\n(٢) انظر تعليقنا [٨/ ٣١٠].","vol":"5","page":197},{"text":"وصاحبتهم يومئذ - ريني - وقد ذكرنا قبل سبب الصلح الذي كان بين المسلمين وبينها - فعادت الروم على ريني فخلعتها - وملّكت عليها نقفور والروم تذكر أن نقفور هذا من أولاد جفنة من غسان وأنه قبل الملك كان يلي ديوان الخراج، ثم ماتت ريني بعد خمسة أشمهر من خلع الروم إياها؛ فذكر أن نقفور لما ملك واستوسقت له الروم بالطاعة، كتب إلى الرشيد:\nمن نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب؛ أما بعد؛ فإن الملكة التي قبلي، أقامتك مقام الرّخّ، وأقامت نفسها مقام البَيدق، فحملتْ إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهنّ؛ فإذا قرأت كتابي فاردُدْ ما حصل قِبَلك من أموالها، وافتدِ نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك.\nقال: فلما قرأ الرّشيد الكتاب، استفزّه الغضب حتى لم يمكن أحدًا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه خوفًا من زيادة قول أو فعل يكون منهم، واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبدّ برأيه دونَه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. والسلام.\nثم شخص من يومِه، وسار حتى أناخ بباب هِرَقْلَة، ففتح وغنِم، واصطفى وأفاد، وخرّب وحرّق، واصطلم. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤدّيه في كلّ سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع من غزوته، وصار بالرّقة نقض نقفور العهد، وخان الميثاق. وكان البرد شديدًا، فيئس نقفور من رَجْعته إليه، وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه؛ فما تهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقًا عليه وعلى أنفسهم من الكرّة في مثل تلك الأيام، فاحتيل له بشاعر من أهل خُرّة يكنى أبا محمد عبد الله بن يوسف - ويقال: هو الحجاج بن يوسف التيميّ، فقال:","vol":"5","page":198},{"text":"نَقَضَ الذِي أَعْطَيتَهُ نِقْفور ... وعليه دائرةُ الْبَوارِ تَدورُ\nأَبْشِرْ أَميرَ المؤمنين فإنه ... غُنْمٌ أَتاكَ بهِ الإِلهُ كبيرُ\nفلقَدْ تَباشَرَتِ الرَّعيَّة أَنْ أَتى ... بالنَّقْضِ عَنْهُ وافِدٌ وَبشيرُ\nوَرَجَتْ يمينَكَ أَنْ تعجَلَ غَزوَة ... تشفي بالنفوسَ مكانُها مَذْكورُ\nأَعْطاكَ جِزْيمهُ وطأْطأَ خَدَّهُ ... حَذَرَ الصَّوارِم والرَّدَى مَحْذورُ\nفأجرْتَه من وقعها وكأنها ... بأكفنا شُعَلُ الضرام تطيرُ\nوصرفت بالطّول العساكر قافلًا ... عنه وجارك آمنٌ مسرور\nنقفور إنك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور\nأظننت حين غدرت أنك فعلت ... هبلتك أمك ما ظننت غرور\nألقاك حَينُك في زواجر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور\nإن الإمام على اقتسارك قادرٌ ... قربت ديارك أم نأت بك دور\nليس الإمام وإن غفلنا غافلًا ... عمّا يسوس بحزمه ويُديرُ\nملكٌ تجرَّد للجهاد بنفسه ... فعدوّه أبدًا به مقهور\nيا من يريد رضا الإله بسعيه ... واللهُ لا يخفى عليه ضمير\nلا نصح ينفع من يغُشُّ إمامه ... والنّصح من نصائحه مشور\nنصح الإمام على الأنام فريضة ... ولأهلها كفّارة وطهور\nوقال التيميّ:\nلَجَّتْ بِنِقْفورَ أسبابُ الرَّدَى عَبَثا ... لمَّا رَأَتْهُ بِغِيلِ الليثِ قَدْ عَبثا\nومنْ يَزُرْ غِيلَهُ لا يَخْلُ مِنْ فَزَعٍ ... إنْ فاتَ أَنيابَهُ والمِخْلَبَ الشَّبِثا\nخانَ العُهودَ وَمَنْ يَنكُثْ بِها فعَلَى ... حَوْبائهِ، لا على أَعدائِهِ نكثَا\nكانَ الإِمامُ الذِي تُرْجَى فواضِلهُ ... أَذاقَهُ ثمرَ الحِلْمِ الذي وَرِثا\nفرَدّ أُلفَتهُ مِنْ بَعدِ أَنْ عَطَفتْ ... أَزواجُهُ مَرِهًا يُبْكينَهُ شعِثَا\nفلما فرغ من إنشاده، قال: أوَ قد فعل نقفور ذلك! وعلم أن الوزراء قد","vol":"5","page":199},{"text":"احتالوا له في ذلك، فكرّ راجعًا في أشدّ محنة وأغلظ كلفة، حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى رضي وبلغ ما أراد، فقال أبو العتاهية:\nأَلا نادَتْ هِرَقلَةُ بالخَرابِ ... مِنَ المَلِكِ المُوَفَّقِ بِالصوَابِ\nغدا هارونُ يَرْعُدُ بالمنايا ... ويَبْرُقُ بالمُذَكَّرَةِ القِضابِ\nوَرَاياتٍ يَحِلّ النَّصْرُ فيها ... تَمُرّ كأَنَّها قِطَعُ السَّحابِ\nأمير المؤمنين ظفرتْ فاسلَمْ ... وأبْشِرْ بالغنيمة والإيابِ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>[خبر مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك]</span>\nوفيها قتل - في قول الواقدي عثمان بن نهيك وأما غير الواقدي فإنه قال في سنة ثمان وثمانين ومائة (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي (٣).\n* * *\n_________\n(١) الخبر الطويل (٨/ ٣٠٧ - ٣١٠) مع الأبيات الشعرية التي ذكرها الطبري ونسبها إلى قائليها تتحدث عن نقضٍ للصلح مرتين الأولى بعد أن أطاح الروم بملكتهم ريني وملكوا عليهم نقفور فألغى ما اتفقت عليه (ريني) مع المسلمين والمرة الثانية عندما نقض نقفور ما أبرمه بنفسه مع خليفة المسلمين وكانت النتيجة فتح هرقلة وانتصار المسلمين انتصارًا باهرًا ولم يذكر البسوي ولا خليفة هذه التفاصيل إنما ذكرها الجهشياري (محمد بن عبدوس) الكاتب الأخباري المتقدم في كتابه (الوزراء والكتاب) ولكن بصورة مختصرة مع بعض الأبيات وأما خليفة فقد ذكر الخبر مختصرًا ضمن أحداث ووقائع سنة (١٩٠ هـ) كما سنذكر إن شاء الله وانظر تعليقنا (٨/ ٣٢٢ / ١).\n(٢) قال خليفة وفيها (١٨٧ هـ) قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك (تأريخ خليفة / ٣٠٣).\n(٣) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٥١) وخليفة في تأريخه (٣٠٣).","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>[ذكر خبر غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة]</span>\nفممّا كان فيها من ذلك غَزْو إبراهيم بن جبريل الصَائفَة، ودخوله أرضَ الروم من درب الصَّفْصاف، فخرج للقائه نِقْفور، فورَدَ عليه من ورائه أمرٌ صرفه عن لقائه، فانصرف، ومرّ بقوم من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وانهزم. وقتِل من الرّوم - فيما ذكر - أربعون ألفًا وسبعمائة، وأخذ أربعة آلاف دابة (١).\nوفيها رابط القاسم بن الرشيد بدَابِق (٢).\nوحجّ بالناس فيها الرشيد، فجعل طريقه على المدينة، فأعطى أهلها نصف العطاء؛ وهذه الحجّة هي آخر حَجّة حجّها الرشيد؛ فيما زعم الواقديّ وغيره (٣).\n* * * *\n_________\n(١) وقال خليفة وولّى ابنه القاسم بن هارون فوجّه القاسمُ بن هارون بنَ جبريل فدخل من درب الحدث فلقي العدو بمرج عذراء فهزم الله العدو [تأريخ خليفة / ٣٠٣] أي أن موقع المعركة درب الحدث بدلًا من الصفصاف أما النتيجة فقد اتفق الطبري وخليفة على أنها كانت الغلبة للمسلمين وهزيمة العدو.\n(٢) انظر تعليقنا السابق.\n(٣) وقال خليفة أقام الحج أمير المؤمنين هارون [تأريخ خليفة / ٣٠٣]. وكذلك ذكر البسوي [١/ ٥٢] أما قول الطبري آخر حجة حجها الرشيد فيما زعم الواقدي وغيره (أي شك الطبري في تقرير الواقدي هذا). ومن الغير: الأخباري أبو جعفر محمد بن حبيب إذ قال عن حجة الرشيد في هذه السنة وكانت آخر حجّاته (المحبّر / ٣٨).","vol":"5","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>[ذكر خبر شخوص الرشيد إلى الري] </span>(١)\nوولّى هارون في طريقه محمد بن الجنيد الطريق ما بين همذان والري وولّى عيسى بن جعفر بن سليمان عمّان فقطع البحر من ناحية جزيرة ابن كاوان، فافتتح حصنًا بها وحاصر آخر، فهجم عليه ابن مخلد الأزدي وهو غارٌّ، فأسره وحمله إلى عمان في ذي الحجة وانصرف الرشيد بعد ارتحال علي بن عيسى إلى خراسان عن الري بأيام فأدركه الأضحى بقصر اللصوص فضحى بها ودخل مدينة السلام يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى وطوى بغداد ولم ينزلها ومضى من فوره متوجهًا إلى الرقة فنزل السيحين (٢).\n_________\n(١) قال أبو حنيفة الدينوري (المتوفى ٢٨٢ هـ) وفي سنة تسع وثمانين ومائة سار إلى الري فأقام بها شهرًا ثم انصرف نحو مدينة السلام وضحّى بقصر اللصوص ثم دخل بغداد ولم ينزلها ومضى حتى انتهى إلى السالحين وهي من مدينة السلام على ثلاثة فراسخ فبات بها ثم سار عامدًا الرقة حتى وافاها وأمر عند ممره ببغداد بخشبة جعفر بن يحيى أن تحرق وأقام بالرقة بقية ذلك اليوم [الأخبار الطوال / ٣٩٠].\nوالعلامة الدينوري صدوق طويل الباع كبير الدائرة كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته وهو معاصر للطبري وتوفي قبله بثلاثة عقود [سير أعلام / ١٣/ ٤٢٢].\n(٢) قال أبو حنيفة الدينوري (المتوفى ٢٨٢ هـ) وفي سنة تسع وثمانين ومائة سار إلى الري فأقام بها شهرًا ثم انصرف نحو مدية السلام وضحّى بقصر اللصوص ثم دخل بغداد ولم ينزلها ومضى حتى انتهى إلى السالحين وهي من مدينة السلام على ثلاثة فراسخ فبات بها ثم سار عامدًا الرقة حتى وافاها وأمر عند ممره ببغداد بخشبة جعفر بن يحيى أن =","vol":"5","page":202},{"text":"وحجّ بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى (١).\n* * *\n_________\n= تحرق وأقام بالرقة بقية ذلك اليوم [الأخبار الطوال / ٣٩٠].\nوالعلامة الدينوري صدوق طويل الباع كبير الدائرة كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته وهو معاصر للطبري وتوفي قبله بثلاثة عقود [سير أعلام / ١٣/ ٤٢٢].\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٣) والبسوي في المعرفة [١/ ٥٢].","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>[ذكر خبر ظهور خلاف رافع بن ليث]</span>\nفمن ذلك ما كان من ظهور رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند مخالفًا لهارون وخلعه إياه، ونزعه يده من طاعته (١).\nوفي هذه السنة غزا الرشيد الصائفة، واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرقة وفوض إليه الأمور وكتب إلى الآفاق بالسمع والطاعة ودفع إليه خاتم المنصور يتيمّن به وهو خاتم الخاصة نقشه \"الله ثقتي آمنت به\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>[فتح الرشيد هرقلة]</span>\nوفيها فتح الرشيد هرقلة، وبثّ الجيوش والسرايا بأرض الروم؛ وكان دخْلها - فيما قيل - في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق؛ سوى الأتباع وسوى المطوّعة وسوى من لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك علي ذي الكلاع ووجّه داود بن عيسى بن موسى سائحًا في أرض الروم في سبعين ألفًا، وافتتح\n_________\n(١) وقال خليفة وفيها (١٩٠ هـ) خلع رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند ووجّه إليه علي بن عيسى بن ماهان وهو والي خراسان - ابنه عيسى بن علي فهزم عيسى [تأريخ خليفة / ٣٠٤] ثم ذكر خليفة أنه قتل عيسى بن علي بن عيسى بنسف [المصدر السابق / ٣٠٤] أي أن شأن رافع قد تعاظم وتوسع في استيلائه عل الأراضي المجاورة وهو ما سيذكره الطبري ضمن أحداث سنة (١٩١) هـ في (٨/ ٣٢٣).\n(٢) وقال خليفة وفيها غزا أمير المؤمنين الروم وفرّق القواد في بلادهم، وأقام أمير المؤمنين بطوانة وسأله الطاغية أن ينصرف ويعطيه مالًا فأبى إلَّا أن يعطيه فدية ويبعث إليه بجزية عن رأسه ورأس ابنه فبعث إليه بثلاثين ألف دينار جزية [تأريخ خليفة / ٣٠٤].","vol":"5","page":204},{"text":"شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودَبْسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصّفْصاف وملَقوبية - وكان فتح الرشيد هرقلة في شَوّال - وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يومًا عليها، وولّى حُمَيد بن مَعيوف سواحل بحر الشأم إلى مصْر، فبلغ حُميد قُبْرُس، فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفًا، فأقدمهم الرّافقة، فتولّى بيعهم أبو البختريّ القاضي، فبلغ أسقف قُبرس ألفي دينار (١).\nوكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب؛ واتخذ قلنسوة مكتوبًا عليها \"غاز حاجٌّ\"، فكان يلبسها، فقال أبو المعالي الكلابيّ:\nفَمنْ يَطلُبْ لقاءَكَ أَو يُرِدْهُ ... فَبِالحَرَمَين أَو أَقصى الثغورِ\nففِي أَرْضِ العَدُوِّ على طِمِرٍّ ... وفي أَرضِ التَّرفّهِ فَوْقَ كُورِ\nوما حازَ الثغورَ سِواكَ خَلْقٌ ... مِنَ المُتخلَّفينَ على الأُمورِ (٢)\nثم صار الرّشيد إلى الطُّوَانة، فعسكر بها، ثم رحل عنها، وخلَّف عليها عقبة بن جعفر، وأمره ببناء منزل هنالك، وبحث نقفور إلى الرشيد بالخرَاج والجزية، عن رأسه وولّى عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار؛ منها عن رأسه أربعة دنانير؛ وعن رأس ابنه استبراق دينارين، وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هِرَقلة كتابًا نسخته:\nلعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم. سلام عليكم، أما بعد أيها الملك، فإِنّ لي إليك حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرَقلة، كنت قد خطَبتُها على ابني، فإن رأيتَ أن تسعفني بحاجتي فعلت. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.\n_________\n(١) المرجع السابق نفسه.\n(٢) انظر تعليقنا (٨/ ٣٢٢ / ١) وأما الأبيات فقد ذكرها الخطيب كذلك ونسبها إلى أبي الشفلى وانظر تأريخ بغداد (١٤/ ٦).","vol":"5","page":205},{"text":"واستهداه أيضًا طيبًا وسرادقا من سرادقاته؛ فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرَت وزُيِّنَت وأجْلِست على سرير في مضربه الذي كان نازلًا فيه، وسلِّمت الجارية والمضرَب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل من العطر، وبعث إليه من التمور والأخبصة والزّبيب والترياق، فسلَّم ذلك كله إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقْفور وقْر دراهم إسلامية على بُرذون كُميت كان مبلغه خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بُزْيون، واثني عشر بازيًا، وأربعة أكلب من كلاب الصّيد، وثلاثة براذين. وكان نقفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان، واشترط الرشيد عليه ألا يعمّر هرقلة وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة آلاف دينار (١)\n_________\n(١) قبل أن نستعين بخبر خليفة نذكر ما قاله المؤرخ المتقدم المعاصر للطبري وهو كما قال ابن النديم أحد الكتاب الأخباريين المترسلين / الفهرست ١٤١ / قال الجهشياري (محمد بن عبدوس):\nوكان الرشيد قد أحبّ الغزو، وكان من رسمه أن يَحُجَّ سنة ويغزو سنة، وكان يَلْبَسُ دُرَّاعة قد كتب من خلفها حاجّ، ومن قدَّامِها غاز، فطلب \"نِقْفُور\" الهُدْنة على أن يؤدّي إليه عن كلّ حالم ممن عنده من الروم دينارًا، سواه وسوى ابنه، فأبى الرشيد ذلك، ثم تراضيا على الصّلح، وأشار عليه يحيى بن خالد بقبوله إياه، فصالحه وهادنه، فانصرف عنه، ولما صار بالرقة نكث \"نِقفور\" وغدر، فكره يحيى بن خالد أن يُعرّف الرشيد ذلك فيغتمّ له، ويرجع باللوم عليه، لما كان من مَشُورَته عليه بمصالحته، فأمر عبد الله بن محمد الشاعر، المعروف بالمكي أن يقول في ذلك شعرًا، وينشده الرشيد، فقال:\nنَقَضَ الّذي أَعْطَيتَهُ \"نِقْفُورُ\" ... فعليه دائرة البَوَارِ تَدُورُ\nأَبْشِرْ أَميرَ المؤمنين فإنه ... فَتْحٌ أَتَاكَ بهِ الإلهُ كَبيرُ\nفقال الرشيد ليحيى: قد علمت أنك احتلت في إسماعي هذا الخبر على لسان المكي ونهض نحوُ الروم، فافتتح هِرَقلة [كتاب الوزراء / ٢٠٧].\nقلت والخبر بهذه الصيغة مع أبيات الشعر ذكره الطبري آنفًا (٨/ ٣٠٧ - ٣١٠) ولم يؤرخ =","vol":"5","page":206},{"text":"وحجّ بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي (١).\n* * *\n_________\n= الجهشياري للصلح ولا للمعركة التي دارت بين الطرفين وعلى ما يبدو فإن الغدر تكرر من نقفور، كما ذكرنا في (٨/ ٣١٠) وأما الدينوري فقد ذكر هذه الأحداث ضمن وقائع سنة (١٩٠ هـ) وكذلك خليفة مع اختلاف يسير وعهدنا بالطبري أنه أدق في ذكر هذه التفاصيل من معاصريه والله تعالى أعلم.\nقال خليفة: وفيها (أي ١٩١ هـ) غزا أمير المؤمنين الروم وفرّق القواد في بلادهم وأقام أمير المؤمنين بطوانة وسأله الطاغية أن ينصرف ويعطيه مالًا، فأبى إلَّا أن يعطيه فدية وبعث إليه بجزية عن رأسه ورأس ابنه فبعث إليه بثلاثين ألف دينار جزية [تأريخ خليفة / ٣٠٤].\nوقال أبو حنيفة الدينوري (ت ٢٨٠ هـ) وهو أخباري صدوق: فما دخلت سنة تسعين ومائة خرج غازي [(أي الرشيد) أرض الروم حتى أوغل فيها وانتهى إلى هرقلة فافتتحها [الأخبار الطوال / ٣٩١].\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٤) والبسوي في المعرفة (١/ ٥١).","vol":"5","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من خروج خارجيّ يقال له ثروان بن سيف بناحية حَوْلايا؛ فكان يتنقّل بالسواد، فوجّه إليه طوق بن مالك فهزَمه طوق وجرحه، وقتل عامة أصحابه، وظنّ طوق أنه قد قتل ثروان، فكتب بالفتح، وهرب ثروان مجروحًا (١).\nوفيها غلُظ أمر رافع بن ليث بسَمَرْقند.\nوفيها كتب أهل نَسَف إلى رافع يعطونه الطاعة، ويسألونه أن يوجّه إليهم منْ يعينهم على قتل عيسى بن عليّ، فوجَّه صاحب الشاش في إتراكه قائدًا من قوّاده، فأتوْا عيسى بن عليّ، فأحدقوا به وقتلوه في ذي القعدة، ولم يعرضوا لأصحابه (٢).\nوفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيريّ أرضَ الروم في عشرة آلاف، فأخذت الرّوم عليه المضيق، فقتلُوه على مَرْحلتين من طَرَسوس في خمسين رجلًا، وسلِم الباقون (٣).\nوفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة (٤).\n_________\n(١) لم يذكر خليفة هذا الخروج ضمن أحداث سنة (١٩١ هـ) وإنما سياق حديثه عن قتل ثروان الشاري لسلم بن سلم بن قتيبة في البصرة سنة (١٩٢ هـ) يشير ضمنًا إلى أن ثروان هذا قد تحرك قبل ذلك بقليل.\n(٢) وذكر خليفة هذا الخبر مختصرًا جدًّا فقال وفيها قتل رافع بن الليث عيسى بن علي بن عيسى بنسف [تأريخ خليفة / ٣٠٤].\n(٣) كذلك ذكر خليفة هذا الخبر مختصرًا فقال: وفيها غزا يزيد بن مخلد بن يزيد بن عمر بن هبيرة فسلم وغنم [تأريخ خليفة / ٣٠٤].\n(٤) كذلك ذكر خليفة في تأريخه (٣٠٤) ولكنه لم يزد على أن ذكر أصل الخبر ولكن =","vol":"5","page":208},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي وكان والي مكة (١).\n* * *\n_________\n= الطبري استطرد في ذكر الأخبار الواردة في أسباب هذا العزل ذكرناها في القسم الآخر لورودها بلا أسانيد ولم نجد لها ما يؤيدها من قول مؤرخ ثقة متقدم محايد. سوى أن أبا حنيفة الدينوري (٢٨٢ هـ) ذكر أن الرشيد بلغه سوء سيرة علي بن عيسى وأنه أظهر الجور مما أدى إلى خروج رافع عليه فعزله والله أعلم [الأخبار الطوال / ٣٩١ /].\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٤) والبسوي في المعرفة [١/ ٥٣].","vol":"5","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحدات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>[ذكر الخبر عن مسير الرشيد إلى خراسان]</span>\nوفيها وافَى الرّشيد من الرّقّة في السّفُن مدينة السلام، يريد الشخوص إلى خُراسان لحرب رافع؛ وكان مصيره ببغداد يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر، واستخلف بالرّقة ابنه القاسم، وضمّ إليه خُزيمة بن خازم، ثم شخص من مدينة السلام عشيّة الإثنين، لخمس خلوْن من شعبان بعد صلاة العصر، من الخيزُرانيّة، فبات في بستان أبي جعفر، ثم سار من غد إلى النهروان، فعسكر هنالك، وردّ حمادًا البربريّ إلى أعماله، واستخلف ابنه محمدًا بمدينة السلام (١).\nوفيها تحرّك الخرمية بناحية أذربيجان فوجّه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فارس فأسر وسبى ووافاه بقرماسين فأمر بقتل الأسارى وبيع السَّبي (٢).\n_________\n(١) لم يتحدث خليفة ولا البسوي عن هذا المسير ولكن أبا حنيفة الدينوري وهو أخباري متقدم ثقة معاصر للطبري ذكر مسير الرشيد إلى خراسان وخرج عامدًا لأرض خراسان ليتولى حرب رافع بنفسه إلَّا أنه ذكر هذا المسير ضمن أحداث سنة (١٩١ هـ) [الأخبار الطوال / ٣٩١] فلعله بدأ المسير في نهاية ١٩١ وبداية ١٩٢ والله أعلم.\n(٢) وقال خليفة وفيها خرج الخرمية بالجبل فأغزاهم أمير المؤمنين (هارون) خزيمة بن خازم فقتل وسبى [تأريخ خليفة / ٣٠٤] وكذلك ذكر الدينوري أن القائد الميداني الذي هزمهم هو عبد الله بن مالك الخزاعي [الأخبار الطوال / ٣٩٢].","vol":"5","page":210},{"text":"وفيها مات عيسى بن جعفر بطرارستان وقيل بالدسكرة وهو يريد اللحاق بالرشيد (١).\nوفيها تحرّك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطفّ البصرة (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر تأريخ بغداد (١١/ ٤٤٣) وطبقات خليفة (١/ ٤٠٢).\n(٢) وقال خليفة فيها قتل ثروان الشاري سلم بن سلم الباهلي بطف البصرة [تأريخ خليفة / ٣٠٤].\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٤) والبسوي (المعرفة ١/ ٥٣).","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>[ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحيى]</span>\nفمن ذلك وفاة الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة في المحرم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>[ذكر الخبر عن مقام الرشيد بطوس] </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>[ذكر الخبر عن موت الرشيد]</span>\nوتوفِّي - فيما ذكر في موضع يدعى المثقب في دار حميد بن أبي غانم، نصف الليل ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح ومن خدمه مسرور وحسين ورشيد.\nوكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا أولها ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وآخرها ليلة السبت لثلاث ليالٍ خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nوقال هشام بن محمد: استخلف أبو جعفر الرشيد هارون بن محمد ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وهو يومئذ\n_________\n(١) انظر التأريخ لابن معين (/ ٤٧٥) وسير أعلام النبلاء [٩/ ٩١ / تر ٢٩].\n(٢) قال الدينوري (٢٨٢ هـ) وسار الرشيد حتى وافى مدينة طوس فنزل في دار حميد الطوسي ومرض بها مرضًا شديدًا ثم توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة يوم السبت لخمسٍ خلون من جمادى الآخرة وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرًا ونصفًا [الأخبار الطوال / ٣٩٢].","vol":"5","page":212},{"text":"ابن اثنتين وعشرين سنة، وتوفي ليلة الأحد غرّة جمادى الأولى - وهو ابن خمس وأربعين سنة - ثلاث وتسعين ومائة إلى فملك ثلاثًا وعشرين سنة وشهرًا وستة عشر يومًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>ذكر ولاة الأمصار في أيام هارون الرشيد </span>(٢)\nولاة المدينة: إسحاق بن عيسى بن عليّ، عبد الملك بن صالح بن عليّ،\n_________\n(١) كلّ الروايات تتفق على أنه ﵀ تولى الخلافة في ذي الحجة سنة (١٧٠ هـ) وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nوقال خليفة سنة ثلاث وتسعين ومائة فيها مات أمير المؤمنين هارون بطوس من أرض خراسان ليلة السبت غرّة جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن سبع وأربعين [تأريخ خليفة / ٣٠٥].\nوالذي اختاره ابن كثير أن الرشيد توفي يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة [البداية والنهاية ٨/ ١٣٣].\n(٢) لقد تحدث الطبري عن تعيين الولاة وعزلهم بالتفصيل ضمن حديثه عن أحداث السنين المتعاقبة وهو ها هنا يلخص أسماء الولاة كما فعل خليفة بن خياط من قبل وانظر الآتي: وهذه أسماء الولاة والقضاة كما ذكرها خليفة تأكيدًا لكلام الطبري مع اختلاف يسير لا يضر. قال خليفة بن خياط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>تسمية عمال أمير المؤمنين هارون</span>\nمكة: أقرَّ عليها عبيد الله بن قثم ثم عزله وولّى العباس بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم عزله وولّى سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي ثم إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، كانت الولاية لأبيه موسى بن عيسى فولاه، ثم عبد الله بن قثم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم عبد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان الصالحي ثم عبيد الله بن قثم بن عباس بن عبيد الله بن عباس فمات.\nثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم العباس بن موسى بن عيسى بن =","vol":"5","page":213},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= موسى، فاستخلف طلحة بن بلال ثم ولّى علي بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد فاستخلف محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي سلمة المخزومي القاضي، ثم حماد البربري مولى أمير المؤمنين ثم محمد بن عبد الله بن سعيد بن المغيرة بن عمرو بن عثمان بن عفان، ثم سليمان بن جعفر بن سليمان مات بها، ثم أحمد بن إسماعيل بن علي ثم الفضل بن عباس بن محمد بن علي ثم ولّى القاضي محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي سلمة حتى مات هارون.\nاليمن: ولّى خاله الغطريف، فوجّه الغطريف ابن خالته الوليد، ثم قدمها الغطريف ووليها محمد بن إبراهيم فوجّه ابنه إبراهيم بن محمد، ثم عزله وولّى ابنه العباس بن محمد ووليها أحمد بن إسماعيل وأيوب بن جعفر بن سليمان، والعباس بن سعيد مولاه وعبد الله بن مصعب الزبيري، وإبراهيم بن عبيد الله الحجبي، ومحمد بن خالد بن برمك، وحماد البربري حتى مات هارون.\nالبصرة: ولاها محمد بن سليمان بن علي، فمات محمد في رجب (١٧٣ هـ) ثم ولاها أمير المؤمنين سليمان بن أبي جعفر ثم عزله في آخر سنة (١٧٤ هـ) وولى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، واستخلف المهلب بن المغيرة، فقدم خزيمة بن خازم البصرة وصلّى بالناس يوم الجمعة وادّعى عهدًا، ثم عزل عيسى وولّى جعفر بن سليمان بن علي، فولّى ابنه سليمان بن جعفر ثم عزله وولَّى جعفر بن أبي جعفر أمير المؤمنين، ثم عزل سنة ثمان وسبعين ومائة وولى عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، مشخص في شوال سنة ثمان وسبعين ومائة واستخلف مالك بن علي الخزاعي، ثم ولّى إسحاق بن سليمان بن علي في آخر ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائة، ثم عزله سنة تسع وسبعين ومائة وولّى سليمان بن جعفر بن أبي جعفر أمير المؤمنين، ثم عزله وولّى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر أمير المؤمنين فخرج واستخلف المهلب بن المغبرة، ثم عزل المهلب وولّى محمد بن زهير الغامدي، ثم عزل عيسى وولّى الحسين بن جميل مولى أمير المؤمنين، ثم عزله وولّى إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، فلم يزل على البصرة حتى مات هارون، وكان يستخلف إذا شخص عبد الملك الأنصاري إمام المسجد. =","vol":"5","page":214},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الكوفة: مات موسى وعليها موسى بن عيسى بن علي، فوجهه أمير المؤمنين هارون إلى مصر، وولّى ابنه العباس بن موسى، ثم عزله وولّى يعقوب بن أبي جعفر أمير المؤمنين، فلم يأتها واستخلف الحجواني يحيى بن بشر بن حجوان الحارثي، ثم عزله وولّى موسى بن عيسى، ثم عزله وولى العباس بن موسى بن عيسى شهرين، ثم عزله وولى إسحاق بن الصباح الكندي ثلاثة أشهر، ثم عزله وولّى جعفر بن جعفر بن أبي جعفر، فلم يأتها، وولّى منصور بن عطاء الخراساني مولى بني ليث، ثم عزل وولّى موسى بن عيسى حتى مات أمير المؤمنين هارون.\nخراسان: أقرَّ عليها أبا العباس الطوسي، ثم عزله وولّى جعفر بن محمد بن الأشعث، ثم العباس بن جعفر، ثم الحسن بن قحطبة أيامًا، ثم الغطريف خال أمير المؤمنين، ثم حمزة بن مالك، ثم الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، فولاها الفضل عمر بن حمل اليربوعي، ثم عزل الفضل بن يحيى وولّى منصور بن يزيد، ثم جعفر بن يحيى بن خالد فلم يسر إليها وولاها علي بن عيسى بن ماهان، ثم عزل سنة إحدى وتسعين ومائة، وولاها هرثمة بن أعين حتى مات أمير المؤمنين هارون.\nسجستان: مات موسى وعليها كثير بن سلم، فشغب الجند، فجاءهم أصرم بن عبد الحميد الطائي من قبل خراسان، ثم ولّى عبد الله بن حميد بن قحطبة، ثم عثمان بن عمارة بن حريم، ثم داود بن يزيد من قبل الغطريف، ثم يزيد بن جرير من قبل الفضل بن يحيى بن خالد، ثم إبراهيم بن جرير من قبل الفضل بن يحيى أيضًا، ثم الحسين بن علي من قبل علي بن عيسى بن ماهان، ثم يزيد بن جرير من قبل علي بن عيسى بن ماها أيضًا، ثم علي بن الحسن بن قحطبة، ثم أصرم بن عبد الحميد الطائي، فمات بها \"واستخلف رجلًا من أهلها يقال له: ابن سلمة، ثم علي بن عيسى بن ماهان\" فولاها مولى له، ثم أحمد بن الحصين القومسي، ثم الحكم بن سنان الباهلي من قبل هرثمة حتى مات هارون.\nالسند: ولاها الليث مولى أمير المؤمنين، ثم عزله وولاها البرنسي سالم مولى أمير المؤمنين، فمات بها واستخلف ابنه إبراهيم بن سالم، فوليها سنة ثم عزل ووليها إسحاق بن سليمان بن علي، ثم عزل ووليها محمد بن طيفور الحيري ويقال: مولى =","vol":"5","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أمير المؤمنين، ثم عزله وولى سعيد بن سلم بن قتيبة، فوجَّهَ أخاه كثير بن سلم، ثم عزله وولى محمد بن عدي ابن أخت هشام بن عمرو فمنعه أهل المولتان وولّى عبد الرحمن بن سليمان، ثم هرج واستخلف عبد الله بن العلاء الضبي، ثم ولى أيوب بن جعفر بن سليمان بن علي، فوجَّهَ أيوب على مقدمته سليمان بن سعيد بن زيد، ثم مات أيوب قبل أن يدخلها، فولى داود بن يزيد بن حاتم، فلم يزل عليها حتى مات هارون.\nالجزيرة: من عمال هارون عليها محمد بن خالد بن برمك، ومحمد بن إبراهيم، وخزيمة بن خازم، ويزيد بن مزيد، ثم سليمان بن أبي جعفر، ثم محمد بن جميل، ثم خزيمة بن خازم الولاية الثانية حتى مات هارون.\nمصر: جعفر بن يحيى بن خالد، فلم يسر إليها، وولاها ابن المسيب بن زهير، ثم ولاها هارون إبراهيم بن صالح، ثم عزله وولاها مسلمة بن يحيى أخا جبريل بن يحيى، ثم موسى بن عيسى، ثم إسحاق بن سليمان، ثم هرثمة بن أعين، ثم عبيد الله بن المهدي، ثم حوي بن جوين العدوي، ثم الليث بن الفضل مولى لهم، ثم حسين بن جميل مولى أمير المؤمنين، ثم ابن ماعز الكلبي.\nإفريقية: أقرَّ عليها يزيد بن حاتم حتى مات يزيد، واستخلف ابنه داود بن يزيد، ثم عزله سنة إحدى أو اثنتين وسبعين، وولى روح بن خاتم فمات سنة أربع أو خمس وسبعين، واستخلف ابنه قبيصة بن روح، فعزله وولى نصر بن حبيب سنةً ونصفًا، ثم ولى الفضل بن روح فثار به الجند وعليهم رجل من أهل هراة يقال له: عبدويه، فقتل الفضل وغلب على البلاد، ثم قدم هرثمة بن أعين فأمن عبدويه وحمله إلى بغداد، ثم وليها محمد بن مقاتل العكي، فثار به رجل من الأبناء يقال له: تمام، فأخرج محمدًا وغلب عليها، ثم رجع محمد فأخرج تمامًا وغلب عليها وصارت في يده، فثار به الأبناء فأخرجوه وولَّوا إبراهيم بن الأغلب بن سالم، فجاء عهد من قبل أمير المؤمنين، فلم يزل واليًا حتى مات هارون.\nالموسم: قد كتبنا من قام بالحج في كتاب تاريخ السنين كل سنة. =","vol":"5","page":216},{"text":"محمد بن عبد الله، موسى بن عيسى بن موسى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عليّ بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبد الله بن مُصعب الزبيريّ، بكّار بن عبد الله بن مصعب، أبو البَخْتريّ وهب بن وهب.\n_________\n=<span data-type=\"title\" id=toc-942> القضاء</span>\nقضاء البصرة: ولاها عبد الرحمن بن محمد المخزومي، ثم عزله وولى عمر بن حبيب العدوي سنة اثنتين وسبعين ومائة، ثم عزل سنة إحدى وثمانين ومائة وولى معاذ بن معاذ، ثم عزل سنة إحدى وتسعين ومائة وولى محمد بن عبد الله الأنصاري، ثم عزل سنة اثنتين وتسعين ومائة وولى عبد الله بن سوار بن عبد الله العنبري فمات أمير المؤمنين وهو قاضٍ.\nالكوفة: أقَرَّ عليها القاسم بن معن، ثم عزله وولى نوح بن دراج مولى النخع، ثم عزله وولى شريكًا، ثم عزله وولى حفص بن غياث، ثم الحسن بن زياد اللؤلؤي.\nالمدينة: لم يذكر لها قاضيًا.\nكان قاضي هارون أبو يوسف فمات أبو يوسف فاستقضى وهب بن وهب - أبا البختري - وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي فمات فاستقضى الحسين بن الحسن العوفي.\nالشرطة: خزيمة بن خازم ثم المسيب بن زهير فكان ابنه محمد بن المسيب يسير بالحربة بين يديه ثم عبد الله بن مالك.\nقال أبو الحسن: مات موسى وعلى شرطه عبد الله بن مالك فأقرّ هارون ثم عزله وولى وهب بن إبراهيم وسماه: وهب بن عثمان وطرح اسم إبراهيم، مات هارون وهو على شرطه.\nكاتب الرسائل: إسماعيل بن صبيح من أهل حران وكتب له يحيى بن سليم.\nالديوان والخراج والجند: أبو صالح فضمَّ ذلك إلى إسماعيل بن صبيح.\nحاجبه: بشير بن ميمون مولاه ثم محمد بن خالد بن برمك ثم الفضل بن الربيع.\nكان وزيره وصاحب أمره كله يحيى بن خالد بن برمك ثم ابنه جعفر بن يحيى ثم قتله فصار الفضل بن الربيع [تأريخ خليفة: ٣٠٦ - ٣٠٧ - ٣٠٨].","vol":"5","page":217},{"text":"ولاة مكة: العباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، موسى بن عيسى بن موسى، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قُثَم بن العباس، محمد بن إبراهيم، عبيد الله بن قُثَم، عبد الله بن محمد بن عمران، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، العباس بن موسى بن عيسى، عليّ بن موسى بن عيسى، محمد بن عبد الله العثمانيّ، حماد البربريّ، سليمان بن جعفر بن سليمان، أحمد بن إسماعيل بن عليّ، الفضل بن العباس بن محمد.\nولاة الكوفة: موسى بن عيسى بن موسى، يعقوب بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، إسحاق بن الصباح الكنديّ، جعفر بن جعفر بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، موسى بن عيسى بن موسى.\nولاة البصرة: محمد بن سليمان بن عليّ، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد، جعفر بن سليمان، جعفر بن أبي جعفر، عبد الصمد بن عليّ، مالك بن عليّ الخزاعي، إسحاق بن سليمان بن عليّ؛ سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين؛ إسحاق بن عيسى بن عليّ.\nولاة خراسان: أبو العباس الطوسيّ، جعفر بن محمد بن الأشعث، العباس بن جعفر، الغطريف بن عطاء، سليمان بن راشد على الخراج، حمزة بن مالك، الفضل بن يحيى، منصور بن يزيد بن منصور، جعفر بن يحيى خليفته بها، عليّ بن الحسن بن قَحْطبة، عليّ بن عيسى بن ماهان، هَرْثمة بن أعينَ.\n* * *","vol":"5","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>ذكر بعض سير الرشيد </span>(١)\n_________\n(١) أورد الطبري ﵀ أخبارًا كثيرة في مناقب الرشيد وسيره استغرقت الصفحات (٨/ ٣٤٧ وحتى ٨/ ٣٦٤) وعلى عادته فقد ذكر هذه الأخبار بأسانيد منقطعة مسلسلة بالمجاهيل وأحيانًا بلا إسناد وحتى لا نحيد عن المنهج الصحيح في قبول الروايات التأريخية فإننا سجلناها جميعًا في قسم المسكوت عنه والضعيف حتى لو كانت الروايات في مناقبه فكما أننا لا نقبل الروايات المكذوبة في قسم الصحيح فكذلك لا نقبل الروايات الأخرى في مناقبه في قسم الصحيح لأن أسانيدها كذلك غير صحيحة ولكي تتكون لدينا صورة أقرب إلى الواقعة التأريخية وأقرب إلى الصحة من غيرها فإننا حاولنا أن نجمع ما استطعنا من روايات صحيحة الإسناد أو روايات مسندة موصولة ضعيفة ولكن ضعفًا خفيفًا أو ما ورد من طرق تتعاضد كما فعلنا في (ذكر سير المنصور) وندعم الروايات كذلك بآراء الحفاظ المؤرخين من أعلام الإسلام كالذهبي وابن كثير وغيرهما.\nأولًا: حرص أمير المؤمنين الرشيد على الجهاد وحفظ ثغور المسلمين اقتداءً بابن عمّه خاتم الأنبياء محمد - ﷺ - والخلفاء الراشدين من بعده.\nأخرج الخطيب البغدادي من طريق إبراهيم بن الجنيد قال سمعت علي بن عبد الله يقول قال أبو معاوية الضرير حدثتُ هارون الرشيد بهذا الحديث يعني [قول النبي - ﷺ -: وددت أني أُقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أُقتل] قال: فبكى هارون حتى انتحب ثم قال يا أبا معاوية ترى لي أن أغزو؟ قلت يا أمير المؤمنين مكانك في الإسلام أكبر ومقامك أعظم ولكن ترسل الجيوش قال أبو معاوية: وما ذكرت النبي - ﷺ - بين يديه إلَّا قال صلى عليه على سيدي [تأريخ بغداد ١٤/ ٧] قلت وإبراهيم بن الجنيد البغدادي ثقة وشيخه ابن المديني وشيخ شيخه راوي الخبر من رجال الصحيح.\nوالمتتبع لسيرة الرشيد يرى أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا كما قال الشاعر: وأكثر ما يعني به الغزو والحج [صحيح تأريخ الطبري ٨/ ٢٣٤] وقد توفي وهو يشرف على المجاهدين ويعبئهم ويقودهم في تخوم خراسان فرحمه الله تعالى. آمين. =","vol":"5","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثانيًا: توقير الرشيد لأهل العلم:\nأخرج الخطيب البغدادي.\nعن علي بن المديني يقول سمعت أبا معاوية يقول: صبَّ على يدي رجل بعد الأكل لا أعرفه فقال يا أبا معاوية تدري من يصب على يديك؟ قلت: لا، قال: أنا قلت أنت أمير المؤمنين! ! قال نعم: إجلالًا للعلم [تأريخ بغداد ١٤/ ٨]. وابن المديني شيخ البخاري في الصحيح وشيخه ثقة. [سير أعلام / ٩/ ٢٨٨ تر ٨١].\nثالثًا: رقة قلب الرشيد وبكاؤه من خشية الله.\nأخرج الخطيب من طريق يحيى بن أيوب العابد قال سمعت منصور بن عمار يقول ما رأيت أغزر دمعًا عند الذكر من ثلاثة: فضيل بن عياض وأبو عبد الرحمن الزاهد وهارون الرشيد [تأريخ بغداد / ١٤/ ٨].\nقلت ورجال هذا الإسناد كالآتي: أما يحيى بن أيوب العابد فهو من شيوخ مسلم (الثقات) في صحيحه [تهذيب الكمال / تر ٦٧٩٣] وأما شيخه راوي الخبر (منصور بن عمار) فقد اشتهر بالوعظ الحسن كما قال ابن عدي وأحاديثه يشبه بعضه بعضًا وأرجو أنه لا يتعمد الكذب وإنكار ما يرويه لعلّه من جهة غيره.\nرابعًا: مجلس الخليفة الرشيد مجلس المناظرات العلمية والاستشارات الفقهية والتذكير بالآخرة وأحيانًا مجلس مباريات شعرية علاوة على قضايا الحكم والإدارة والجهاد.\nمما لا شك فيه أن هارون الرشيد ﵀ كان يحب الشعر والشعراء ويجيز عليه بجوائز سنيّة وذلك خروج عن نهج الخلافة الراشدة في الحكم ولم يكن معروفًا في عهد الأمويين إلَّا نادرًا ولكنه بدأ بالظهور في عهد الخليفة المهدي (محمد بن عبد الله) وازداد وضوحًا في عهد الرشيد وذلك من المآخذ التي أخذت عليه ولا مانع من تشجيع الشعر والشعراء والأدباء للرقيّ بالمستوى الثقافي عامة في المجتمع ولكن إغداق الجوائز سَخِيّة على الشعراء والمادحين غير مقبول في السياسة الشرعية. وهذه من مثالبه ﵀ لكنها تغمر في خضم محاسنه من الجهاد ونشر العدل واستقلالية القضاء والرخاء الاقتصادي والازدهار العلمي في عهده. =","vol":"5","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولطالما اجتمع في مجلس الخليفة الرشيد كبار علماء الأمة من سلفنا الصالح نذكر هنا مثالًا واحدًا:\nفقد روى ابن أبي حاتم عن أبي بشر الدولابي عن محمد بن إدريس (وراق الحميدي) عن الحميدي عن الشافعي أنه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن ثم تعصبوا عليه ووشوا به إلى الرشيد هارون أنه (أي الشافعي) يروم الخلافة، فحمل على بغل في قيدٍ إلى بغداد فدخلها في سنة أربع وثمانين ومائة وعمره ثلاثون سنة، فاجتمع بالرشيد فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يديه وأحسن القول فيه محمد بن الحسن وتبيّن للرشيد براءته مما نسب إليه وأنزله محمد بن الحسن عنده [البداية والنهاية ٨/ ١٥٢].\nولقد حرص الخلفاء العباسيون (وهم من آل بيت النبي - ﷺ -) أن يصطحبوا العلماء في حلّهم وترحالهم وكذلك القضاة: فها هو عبد الله بن محمد بن عمران الذي تولَّى قضاء المدينة عدة مرات للمهدي ومن بعده للمنصور يصحبه الرشيد في رحلته الأخيرة فيموت عند أمير المؤمنين بطوس [أخبار القضاة ١/ ٢٢٩].\nخامسًا: بعض أقوال العلماء في ترجمتهم له:\nقال الذهبي في ترجمته: وكان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حجّ وجهاد وغزوٍ وشجاعة ورأي، وكان يحب المديح ويجيز الشعراء ويقول الشعر [سير أعلام ٩/ ٢٨٧ / تر ٨١].\nوقال الذهبي أيضًا ردًّا على من اتهمه دون تَثَبُّت: حجّ (أي هارون) غير مرةٍ وله فتوحات ومواقف مشهودة ومنها فتح مدينة هرقلة ومات غازيًا بخراسان وقبره بمدينة طوس، عاش خمسًا وأربعين سنة وصلى عليه ولده صالح توفي في ثالث جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة [سير أعلام ٩/ ٢٩٠].\nوأما عن علاقته بأبناء عمومته من آل علي فقد قال: وأحسن إلى العلوية.\nقلنا والروايات التأريخية الصحيحة كما ذكر تؤيد أقوال الذهبي السابقة الذكر وقال ابن كثير في ترجمته: وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارًا وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية .... ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة سبعين ومائة كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحجًّا بنفسه ولذلك قال أبو المعالي: =","vol":"5","page":221},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فمن يطلب لقاءك أو يُرِدْهُ ... فبالحرمين أو أقصى الثغور\nفَفي أرض العدو على طِمْرِ ... وفي أرض التّرفّهِ فوق كورِ\nوما حاز الثغور سواك خلق ... من المستخلفين على الأمور\n[البداية والنهاية ٨/ ١٢٩] وانظر الأبيات في صحيح تأريخ الطبري (٨/ ٣٢١).\nسادسًا: العلامة المؤرخ ابن خلدون يردّ على الروايات الكاذبة عن الرشيد وسيرته قال ابن خلدون: إن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته، ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب وأقلع.\nويقول ابن خلدون أيضًا: وأمّا ما تموّه به الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاش لله \"ما علمنا عليه من سوء\" وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري ومكاتبته سفيان الثوري وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكة في طوافه، وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها [مقدمة ابن خلدون / ٤٤، قلت ولم يرد من طريق صحيح ولا حسن ولا من مظان الحسن ولا من طريق حتى ضعيف خفيف الضعف ما يثبت أنه كان مُنْشَغِلًا بالشراب وما إلى ذلك والحمد لله على نعمة الإسناد. ونرجع إلى نقد العلامة ابن خلدون لمتون تلك الروايات المكذوبة إذ يقول: وأيضًا فقد كان من العلم والسذاجة (أي البساطة) بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك ولم يكن بينه وبين جده أبي جعفر بعيد زمن، إنما خلفه غلامًا وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها. وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطأ \"يا أبا عبد الله إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابًا ينتفعون به تجنّب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة\" قال مالك فوالله لقد علّمني التصنيف يومئذ [مقدمة ابن خلدون / ٤٦].\nسابعًا: وهذه مقتطفات من ترجمة الإمام الحافظ السيوطي لأمير المؤمنين هارون الرشيد. =","vol":"5","page":222},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال السيوطي: وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين ...\nوقال: وكان يبكي على نفسه وإسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة وله شعر.\nوقال: ودخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه فقال له ابن السماك تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه.\nوكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.\nفقال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة فمرّ هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليَّ منه، لو مات لرأيت أمورًا عظامًا [تأريخ الخلفاء للسيوطي / ٢٨٤].\nثامنًا: المستشار العلمي للخليفة الرشيد وصراحته في مناصحة الخليفة ومستوى فهمه لمقاصد السياسة الشرعية.\nونعني بهذا المستشار الإمام الفقيه الثقة أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ﵄ - فقد ألّف كتابًا قيّمًا خاصًّا بالسياسة الشرعية وتحديدًا - السياسة المالية مع بيان أصول عامة في السياسة الشرعية وهذه مقتطفات من ذلك الكتاب [كتاب الخراج لأبي يوسف]:\nيا أمير المؤمنين، إن الله وله الحمد قد قلَّدك أمرًا عظيمًا: ثوابه أعظم الثواب، وعقابه أشد العقاب. قلدك أمر هذه الأمة فأصبحتَ وأمسيت وأنت تبنى لخلق كثير قد استرعاكهم الله وائتمنك عليهم وابتلاك بهم وولَّاك أمرهم، وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد فيهدمه على من بناه وأعان عليه. فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعيَّة، فإن القوَّة في العمل بإذن الله. [كتاب الخراج / ٣٣].\nوهذه نصيحة أخرى جديرة أن تكتب بماء الذهب: يقول أبو يوسف مخاطبًا الخليفة: إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر يزيد من الخراج وتكثر به عمارة البلاد والبركة مع العدل تكون وهي تفقد مع الجور، والخراج المأخوذ مع =","vol":"5","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الجور تنقص البلاد به وتخرب، هذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يجبى السواد مع عدله في أهل الخراج وإنصافه لهم ورفعه الظلم عنهم مائة ألف ألف، والدرهم إذ ذاك وزنه وزن المثقال [المصدر السابق / ١٢٥].\nويقول قاضي القضاة أبو يوسف رحمه الله تعالى مخاطبًا الرشيد:\nوإذا صح عندك من العامل والوالي تعد بظلم وعسف وخيانة لك في رعيتك واحتجاز شيء من الفيء أو خبث طعمته أو سوء سيرته فحرام عليك استعماله والاستعانة به وأن تقلده شيئًا من أمور رعيتك أو تشركه في شيء من أمرك. بل عاقبه على ذلك عقوبة ترح غيره من أن يتعرض لمثل ما تعرض له. وإياك ودعوة المظلوم فإنها دعوة مجابة. [المصدر السابق / ١٢٤].\nوهذه قواعد تخصّ حق السجين في المأكل والمشرب والملبس المناسب يوم لم تكن لجان للدفاع عن حقوق الإنسان ولا منظمة للعفو الدولي وإنما كانت هنالك أمة وسط تحكم الناس بشريعة رحيمة منزلة من رحمان السموات والأرض ورحيمهما.\nيقول أبو يوسف: ولم تزل الخلفاء يا أمير المؤمنين تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وأدمهم وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعل ذلك الخلفاء من بعده. [المصدر السابق / ١٦٣].\nقلت وما ذكره أبو يوسف عن سيدنا علي كرم الله وجهه يعتبر حجة على المسلمين في باب السياسة الشرعية لقوله عليه المحلاة والسلام في الحديث الصحيح \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" والسنة المعنية في هذا الحديث هي الطريقة المتبعة في السياسة وأمور الحكم كما قال أئمة الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>النظر في أمر المساجين:</span>\nثم يقول أبو يوسف: وإنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمرهم، إِنما هو حبس وليس فيه نظر، فمر ولاتكَ جميعًا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل أيام، فمن كان عليه أدب أُدِّب وأطلق، ومن لم يكن له قضية خلى عنه، وتقدم إِليهم أن لا يسرفوا في الأدب ولا يتجاوزوا بذلك إلى ما لا يحل ولا يسع، فإنه بلغني أنهم يضربون الرجل =","vol":"5","page":224},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= -في التهمة وفي الجنابة- الثلاثمائة والمائتين وأكثر وأقل، وهذا مما لا يحل ولا يسع، ظهرُ المؤمن حمى إلَّا من حق يجب بفجور أو قذف أو سكر أو تعزير لأمرٍ أتاه لا يجب فيه حد، وليس يضرب في شيء من ذلك، كما بلغني أن ولاتك يضربون، وأن رسول الله - ﷺ - قد نهى عن ضرب المصلين [المصدر السابق / ١٦٥].\nقلت: رحم الله قاضي القضاة أبا يوسف لم يخش في الله لومة لائم ولم يُخْفِ عن الخليفة ما وصل إلى سمعه من أخبار ظلم بعضهم للنّاس بعد أن بيّن حكم الشرع في عدم الإبقاء على المتهمين قيد الاعتقال دون مسوّغ ومبرر دون إحالتهم إلى القضاء فالمتهم في حكم الشرع بريء حتى تثبت إدانته.\nحال الأمة في العصر العباسي الأول (عصر القوهَ) مما لا شك فيه أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان نموذجًا من بين مئات النماذج من القادة والقضاة والولاة والعلماء والعامة المجاهدين الملتزمين والزهاد والعباد وكان الخليفة يلتقي بهم في طريق الحج أو بجوار الكعبة أو في السوق أو في مجلس حكمه أو يوليهم الولايات والقضاء والمناصب فيتعامل معهم فيراهم مثال الصدق والعدل والتقوى والشجاعة فكان الخليفة يزداد حرصًا على التمسك بتعاليم الإسلام - ومن قال بأن الخليفة كان متروكًا لمزاجه ورغباته فلم يصب بل مستشاروه وبطانته وحواريوه وسمّاره وقضاته وولاته والعلماء من حوله وبعيدًا عن مجلسه داخل مرافق المجتمع الإسلامي هم الذين شكلوا معًا جنبًا إلى جنب مع الخليفة - أمة وسطًا - قادت البشرية يومها إلى بَرّ الأمان وإليك أخي القارئ الكريم نماذج من المجتمع الإسلامي آنذاك ليتبيّن لك ذلك المستوى السامق الذي عاشه الناس يومها بعيدًا عن أراجيف المبطلين وكتب المغنين والوضاعين والمبتدعين والشعوبيين المتسترين بأقنعة مختلفة.\nأولًا: مثال الشاعر الزاهد في بلاط الخليفة:\nأخرج الحافظ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي (صدوق) أنه دخل على الرشيد يومًا ... الخبر وكان على مائدة الرشيد من الطيبات من الطعام والشراب مما أحلّه الله مما لذّ وطاب ثم استدعى الرشيد أبا العتاهية (الشاعر الزاهد المعروف) وطلب منه أن يصور تلك المائدة المزينة وتلك اللحظة الهنيّة بأبيات شعر فيا ترى ماذا كان قصيده وشعره =","vol":"5","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وماذا سيقول أي شاعر من شعراء زماننا لو دعوا إلى مثل ذلك؟؟\nإليك أخي القارئ الكريم الأبيات التي قالها أبو العتاهية في ذلك الموقف.\nقال أبو العتاهية:\nعش ما بدا لك سالمًا ... في ظل شاهقة القصور\nيُسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور\nفإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور\nفهناك تعلم موقنًا ... ما كنت إلّا في غرور\nفبكى الرشيد بكاءً شديدًا فقال الفضل بن يحيى: دَعاكَ أمير المؤمنين لِتُسِرَّه فأحزنته، فقال الرشيدت دَعْهُ فإنه رآنا في عمًى فكره أن يزيدنا عمىً [مختصر ابن عساكر ٢٧/ ٢١].\nثانيًا: مثال العابد العالم وهو ينصح الخليفة ويذكره بعظم مسؤوليته.\nأخرج الخطيب البغدادي عن عبيد الله بن عمر القواريري قال لمّا لقي هارون الرشيد فضيل بن عياض قال له الفضيل يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة [تأريخ بغداد / ١٤/ ٨].\nثالثًا: مثال القاضي النزيه:\nأخرج الخطيب البغدادي من طريق عبد الرحمن بن عبد الله عن عمّه عبد الملك بن قريب الأصمعي أنه قال كنت عند الرشيد يومًا فَرُفِعَ إليه في قاضٍ كان قد استقضاه يقال له عافية، فكبر عليه فأمر بإحضاره فأُحضر وكان في المجلس جمع كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه على ما رفع إليه وطال المجلس ثم إن أمير المؤمنين عطس فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه (أي سوى عافية) فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال له عافية لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله .... الخبر فقال له الرشيد ارجع إلى عملك، أنت لم تسامح في عطسة تسامح في غيرها؟ وصرفه منصرفًا جميلًا وزير القوم الذين كانوا رفعوا عليه) تأريخ بغداد / ١٢/ ٣٠٦) قلت وابن أخي الأصمعي [عبد الرحمن بن عبد الله] ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨١) وعمه الأصمعي صدوق كما سبق. =","vol":"5","page":226},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رابعًا: مثال الوالي الصالح العادل.\nقال الخطيب: في ترجمة عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: كان من أهل مدينة رسول الله - ﷺ - اتصل بالمهدي أمير المؤمنين لما قدم المدينة وصحبه وصار أحد خواصه .. وقدم بغداد مرات وولاه الرشيد إمارة المدينة واليمن وكان محمودًا في ولايته جميل السيرة مع جلالة قدره وعظم شرفه [تأريخ بغداد / ١٠/ ١٧٣].\nخامسًا: أفراد الأمة وإن كانوا مغمورين غير معروفين يؤدون ما عليهم من واجب النصيحة لأئمتهم (الخلفاء) والخلفاء يقبلون النصيحة والتذكير ولو كان على رؤوس الملأ بل في أوجب تجمعاتهم وأكبرها أسبوعيًا فالخليفة العباسي المنصور رحمه الله تعالى يخطب بالناس يوم الجمعة فيقوم أحد المصلين فيذكره بتقوى الله فيقبله الخليفة برحابة صدر فقد أخرج الطبري (كما سبق) (٨/ ٩٠) والخطيب البغدادي [تأريخ بغداد ١٠/ ٥٥، وابن عساكر (تأريخ دمشق / ٣٢/ ٣١١): أن المنصور خطب فقال الحمد لله أحمده وأستعينه .... إلخ فاعترضه معترض عن يمينه (وفي رواية ابن عساكر قام رجل من أقصى المسجد) يا أيها الإنسان (وفي رواية الخطيب يا أمير المؤمنين) أذكرك من ذكّرت به فقطع الخطبة ثم قال سمعًا سمعًا لمن حفظ عن الله وذكّر به وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا وأن تأخذني العزة بالإثم لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين ... إلخ ثم عاد إلى خطبته فكأنه يقرؤها من كفه فقال وأشهد أن محمدَّا عَبده ورسوله] ا. هـ وانظر تعليقنا (٨/ ٩٠).\nوأخرج الخطيب البغدادي (تأريخ بغداد ٩/ ٣٠٦) ومن طريقه ابن عساكر عن أبي همام حدثني إبراهيم بن أعين قال: قال صالح المري دخلت على المهدي ها هنا بالرصافة فلما مثلت بين يديه قلت يا أمير المؤمنين أحمد الله ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس بالله ﷿ أحملهم لغلظة النصيحة فيه، وجدير بمن له قرابة برسول الله - ﷺ - أن يرث أخلاقه، ويأتم بهديه، وقد ورثك الله من العلم وإنارة الحجة ميراثًا قطع به عذرك فمهما ادّعيت من حجة أو ركبت من شبهة لم يصح لك برهان من الله ﷿ حلّ بك من سخط الله ﷿ بقدر ما تجاهلته من العلم، وأقدمت عليه من شبهة الباطل، واعلم أن رسول الله - ﷺ - خصم من ولي أمته يبتزها أحكامها ومن كان =","vol":"5","page":227},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= محمد - ﷺ - خصمه كان الله ﷿ خصمه فأعد لمخاصمة الله ﷿ ومخاصمة رسول الله - ﷺ - حججًا تضمن لك النجاة أو استسلم للهلكة واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله ﷿، ... إلخ الخبر وفي آخره فبكى المهدي [تأريخ ابن عساكر / المجلد ٣٢ / ص ٤٢٣] [تأريخ بغداد ٩/ ٣٠٦].\nوإبراهيم بن أعين الأغلب أنه البصري العجلي الذي يروي عن الثوري وعنه أبو سعيد الأشج وكان من خيار الناس [ميزان الاعتدال (١/ ٢١)] وليس الشيباني الضعيف وأما صالح المرّي فهو ضعيف في الحديث إلَّا أنه مشهور بالوعظ والتذكير والبكاء من خثية الله فلا عجب أن يعظ الخليفة المهدي بهذه الصيغة فقد قال ابن حبان من أهل البصرة أقدمه المهدي إلى بغداد فسمع منه البغداديون وقال ابن الأعرابي كان الغالب على صالح كثرة الذكر والقراءة بالتحزين وقال عفان كان شديد الخوف من الله كأنه ثكلى إذا قصّ [سير أعلام ٨/ ٤٢] [تهذيب / تر ٢٧٩٦].\nسادسًا: الحركة العلمية في العصر العباسي الأول واحترام المجتمع حكامًا ومحكومين للعلم وأهله، أما المستوى العلمي والمسيرة العلمية في هذا العصر فقد تحدثنا عنه ضمن أحداث سنة (١٦٩ هـ) عند حديثنا عن سيرة المنصور رحمه الله تعالى فليراجع. ونودّ هنا أن نضرب مثلًا بسيطًا يبيّن لك أخي القارئ الكريم مدى إجلال الناس للعلم والعلماء.\nفقد أخرج القاضي وكيع قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ثنا محمد بن يزيد قال سمعت حمدان بن الأصبهاني قال كنت عند شريك فأتاه بعض ولد المهدي فاستند إلى الحائط فسأله عن حديث فلم يلتفت إليه وأقبل علينا وأعاد بمثل ذلك فقال تستخف بأولاد الخلافة؟ قال: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه قال: فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك: هكذا يصاب العلم [أخبار القضاة ٣/ ١٦١] قلت ولقد كان العلماء في مقامٍ رفيع في المجتمع آنذاك بحيث لم يتمالك المستشرق بروكلمان نفسه [وهو المعروف بتشويهه للحقائق التأريخية] فقال: وقرّب المنصور إلى بلاطه علماء الفقه والحديث [تأريخ الشعوب / ١٨٠]- قلت ولقد بلغ المستوى العلمي للمجتمع الإسلامي مبلغًا عظيمًا نذكر منه هنا طرفًا صغيرًا يتعلق بأسلوب الاجتهاد في القضايا =","vol":"5","page":228},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المستجدة يومها - فقد قال الخطيب البغدادي: كان أصحاب أبي حنيفة الذين يذاكرونه أبو يوسف وزفر وداود الطائي وعلي بن مسهر ... إلخ.\nوكانوا يخوضون في المسألة فإن لم يحضر عافية قال أبو حنيفة لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية، فإذا حضر عافية فإن وافقهم قال أبو حنيفة أثبتوها) [تأريخ بغداد / ١٢/ ٣٠٨] قلت وهذا مجلس واحد فقط يضم هذه الكوكبة من العلماء فما بالك بعشرات المجالس وأخيرًا: فإن المجتمع الإسلامي يومها لم يكن مجتمع ملائكة بل كان مجتمعًا مسلمًا ملتزمًا لم يخلُ من العصاة والفسقة والملاحدة وكانت الفضيلة في ذلك المجتمع قاعدة والرذيلة شاذة ونتيجة لدخول أقوام مختلفة في الإسلام وبِخلفيات عقائدية مختلفة بقيت آثارها في نفوسِ بعضهم فقد ظهرت فرق ضالة كثيرة كالراوندية والمانوية وغيرها وخاصة في أطراف الخلافة ونتيجة للحركة العلمية والفكرية القوية وحرية البحث استغل بعض الشعوبيين وضعاف النفوس جوّ العدل وحرية إبداء الرأي فأظهروا الزندقة والإلحاد ونتيجة للرخاء الاقتصادي.\nفقد اهتمّ بعض المترفين بالطرب والشعر الماجن وغير الهادف إلَّا أن ذلك بقي فرديًا ولم يكن سمة بارزة من سمات المجتمع الإسلامي كما يصوره صاحب كتاب الأغاني وهو شعوبي مبتدع صَبَّ جام حقده على ذلك الجيل الفاضل فَشَوَّه صورة المجتمع تشويهًا شنيعًا.\nوكذلك لم يخلُ المجتمع الإسلامي آنذاك من شعراء مدّاحين متملقين يقولون ما لا يفعلون ولكن الشعراء الملتزمين كانوا متواجدين في الساحة وقد أدى جوّ الالتزام العام إلى توبة بعض الشعراء من مجونهم والله أعلم بالصواب.","vol":"5","page":229},{"text":"صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجلّد السادس\nدَار ابْن كَثير\nدمشق- بَيروت","vol":"6","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ</span>","vol":"6","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه وأوله إلى آخره</span>\nاختلف السلف قبلنا من أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: قدْر جميع ذلك سبعة آلاف سنة.\nذكر من قال ذلك:\n١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يحيى بن يعقوب عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومئتي سنة، وليأتينّ عليها مئون [من] سنين، ليس عليها موحد (١). (١: ١٠).\nوقال آخرون: قدر جميع ذلك ستة آلاف سنة.\nذكر من قال ذلك:\n٢ - حدثنا أبو هشام، قال: حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، قال: قال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة (٢). (١: ١٠).\n٣ - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمئة سنة، وإني لأعرف كلّ زمان منها، ما كان فيه من الملوك والأنبياء. قلت لوهب بن منبِّه: كم الدنيا؟ قال: ستة آلاف سنة (٣). (١: ١٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":5},{"text":"٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عُيَينة عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال النبي عند غروب الشمس: \"إنما مثلُ ما بقيَ من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه\" (١). (١: ١٢).\n٥ - حدثنا محمد بن يزيد الأدَمِي، قال: حدثنا أبو ضمرة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعديّ: أنّ رسول الله قال: \"بُعثتُ والساعة كهاتين\" - وضم بين إصبعيه الوسطى؛ والتي تلي الإبهام - وقال: \"ما مثلي ومثل الساعة إلَّا كفرسَي رِهان\"، ثم قال: \"ما مثلي ومثل الساعة إلَّا كمثل رجل بعثه قوم طليعة، فلما خشِيَ أن يُسبق ألَاح بثوبه: أُتيتم، أُتِيتم، أنا ذاك أنا ذاك\" (٢). (١: ١٤).\n٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو نعيم عن بشير بن المهاجر، قال: حدثني عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول الله يقول: \"بعثت أنا والساعة جميعًا، إن كادت لَتسبِقني\" (٣). (١: ١٥).\n٧ - حدثني محمد بن عمر بن هياج، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبيدة بن الأسود عن مجالد، عن قيس بِن أبي حازم، عن المستورد بن شداد الفهريّ، عن النبي أنه قال: \"بعثت في نَفس الساعة، سبقتُها كما سبقتْ هذه هذه\"، لإصبعيه السبابة والوسطى، ووصف لنا أبو عبد الله، وجَمعهما (٤). (١: ١٥).\n٨ - كان بينًا أن أوْلَى القولين - اللذين ذكرتُ في مبلغ قدر مدة جميع الزمان، اللذين أحدهما عن ابن عباس، والآخر منهما عن كعب - بالصواب، وأشبههما بما دلت عليه الأخبار الواردة عن رسول الله قولُ ابن عباس، الذي روينا عنه أنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة (٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) أخرجه الترمذي (٢٢١٣٩) وقال: هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"6","page":6},{"text":"وإذا كان ذلك كذلك، وكان الخبرُ عن رسول الله - ﷺ - صحيحًا: أنه أخبر عن الباقي من ذلك في حياته أنه نصف يوم، وذلك خمسمئة عام؛ إذْ كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر اليوم الواحد منها ألف عام كان معلومًا: أن الماضيَ من الدنيا إلى وقت قول النبي ما رويناه عن أبي ثعلبة الخشني عنه، كان قدر ستة آلاف سنة وخمسمئة سنة، أو نحوًا من ذلك وقريبًا منه. والله أعلم.\nفهذا الذي قلنا - في قدر مدة أزمان الدنيا، من مبدأ أوّلها إلى منتهى آخرها - مِنْ أثبتِ ما قيل في ذلك عندنا من القول، للشواهد الدالة التي بيناها على صحة ذلك. (١: ١٦/ ١٧).\n٩ - وقد روي عن رسول الله خبرٌ يدلُّ على صحة قول من قال: إن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، لو كان صحيحًا سنده لم نعدُ القولَ به إلى غيره؟ وذلك ما حدّثني به محمد بن سنان القزاز، قال: حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا زبّان، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله قال: \"الحُقْب ثمانون عامًا، اليوم منها سدس الدنيا\" (١).\nفبيّن في هذا الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، وذلك أن اليومَ الذي هو من أيام الآخرة إذا كان مقداره ألفَ سنة من سنِي الدنيا، وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا، كان معلومًا بذلك أن جميعها ستة أيام من أيام الآخرة، وذلك ستة آلاف سنة. (١: ١٧).\n١٠ - وقد زعم اليهود أن جميعَ ما ثبت عندهم - على ما في التوراة مما هو فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة، وذلك في التوراة التي هي في أيديهم اليوم أربعةُ آلاف سنة وستمئة سنة واثنتان وأربعون سنة، وقد ذكروا تفصيل ذلك بولادة رجل رجل، ونبي نبي، وموته من عهد آدم إلى هجرة نبينا محمد. وسأذكر تفصيلهم ذلك إن شاء الله، وتفصيل غيرهم ممن فصّله من علماء أهل الكتب وغيرهم من أهل العلم بالسير وأخبار الناس إذا انتهيت إليه إن شاء الله.\nوأما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذي ادّعته اليهود من ذلك باطل، وأن الصحيحَ من القول في قدْر مدّة أيام الدنيا - من لدُنْ خلق الله آدم إلى وقت\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":7},{"text":"هجرة نبينا محمد على سياق ما عندهم في التوراة التي هي في أيديهم - خمسة آلاف سنة وتسعمئة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر. وذكروا تفصيل ما ادّعوه من ذلك بولادة نبيّ نبيّ، وملك ملك، ووفاته من عهد آدم إلى وقت هجرة رسول الله، وزعموا أن اليهودَ إنما نقصُوا ما نقصُوا من عدد سني ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى دفعًا منهم لنبوّة عيسى ابن مريم - ﵇ - إذ كانت صفته ووقت مبعثه مثبَتة في التوراة. وقالوا: لم يأت الوقت الذي وُقّت لنا في التوراة أن الذي صفته صفة عيسى يكون فيه، وهم ينتظرون - بزعمهم - خروجَه ووقته (١). (١: ١٧/ ١٨).\n١١ - وأحسب أن الذي ينتظرونه ويدّعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدّجال الذي وصفه رسول الله لأمته، وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود؛ فإن كان ذلك هو عبد الله بن صياد، فهو من نسل اليهود.\nوأما المجوس فإنهم يزعمون أن قدْر مدة الزمان من لدن ملك جيُومَرت إلى وقت هجرة نبينا ثلاثة آلاف سنة ومئة سنة وتسع وثلاثون سنة، وهم لا يذكرون مع ذلك نسبًا يعرف فوق جيُومرْت، ويزعمون: أنه آدم أبو البشر. ﷺ وعلى جميع أنبياء الله ورسله.\nثم أهلُ الأخبار بعدُ في أمره مختلفون؛ فمن قائل منهم فيه مثل قول المجوس، ومن قائل منهم إنه تَسمّى بآدم بعد أن ملك الأقاليم السبعة، وأنه إنما هو جامر بن يافِث بن نوح، كان بنوح - ﵇ - برًّا ولخدمته ملازمًا، وعليه حَدِبًا شفيقًا، فدعا اللهَ له ولذريته [نوح]- لذلك من بره به وخدمته له - بطول العمر، والتمكين في البلاد؟ والنصر على من ناوأه وإياهم، واتصال الملك له ولذريته، ودوامه له ولهم؟ فاستجيب له فيه، فأعطى جيُومَرت ذلك وولده، فهو أبو الفرس، ولم يزل الملك فيه وفي ولده إلى أن زال عنهم بدخول المسلمين مدائن كسرى، وغلَبة أهل الإسلام إياهم على ملكهم.\nومن قائل غير ذلك؛ وسنذكر إن شاء الله ما انتهى إلينا من القول فيه إذا انتهينا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":8},{"text":"إلى ذكرنا تأريخ الملوك ومبالغ أعمارهم، وأنسابهم وأسباب ملكهم (١). (١: ١٨/ ١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>القول في هل كان الله ﷿ خلق قبل خلقه الزمان والليل والنهار شيئًا غير ذلك من الخلق</span>\n١٢ - قد قلنا قبل: إنّ الزمان إنما هو ساعات الليل والنهار، وإنّ الساعات إنما هي قَطْع الشمس والقمر درجات الفلك.\nفإذا كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا عن رسول الله ما حدَّثنا هَنّاد بن السريّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقَّال، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال هناد: وقرأت سائر الحديث [على أبي بكر]- أن اليهود أتت النبيّ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: خَلَق الله الأرضَ يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهنّ من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة [ثم] قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ - لمن سأل - قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمَر والملائكة، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الساعات الآجال مَنْ يحيا ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمَر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبتَ لو أتممت: قالوا: ثم استراح، فغضب النبيّ غضبًا شديدًا، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (٢). (١: ٢٢/ ٢٣).\n١٣ - حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصُّدَائيّ، قالا:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده أبو سعد البقال وهو ضعيف، والحديث أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٨١) والحاكم (٢/ ٥٤٣) وضعفه الذهبي لضعف أبي سعد البقال.","vol":"6","page":9},{"text":"حدثنا حجاج، قال: قال ابن جُرَيج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، آخر خلْق خلَق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل\" (١). (١: ٢٣).\n_________\n(١) حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم (ح ٢٧٨٩) وأحمد (ح ٨٣٤١) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٢٤) والنسائي في السنن الكبير (ح ١١٠١٠) وابن حبان (ح ٦١٦١) وأخرجه البخاري في تاريخه معلقًا (١/ ٤١٣ / التأريخ الكبير) وقال البخاري: وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب وهو أصح اهـ.\nقلنا: ولقد علّق المحدث الألباني ﵀ على قول البخاري هذا فقال: (من هو هذا البعض؟).\nقلنا: ولا يظن أحد من الأئمة أن الإمام البخاري ﵀ وهو إمام المحدثين يقول هذا بلا مستند والله أعلم.\nوقال البيهقي نقلًا عن علي بن المدائني: لما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلَّا عن إبراهيم بن أبي يحيى.\nثم قال البيهقي:\nوقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلَّا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف (الأسماء والصفات / ٣٨٤).\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:\nوقد تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ: قال البخاري في التأريخ: وقال بعضهم: عن كعب وهو أصح، يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الأحبار، فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث فهذا يحدث عن صحفه وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي.\nفكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي وأكد رفعه بقوله: أخذ رسول الله بيدي، ثم في متنه غرابة شديدة فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين من دخان (قصص الأنبياء / ٤٤) ا. هـ كلام ابن كثير.","vol":"6","page":10},{"text":"١٤ - حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، قال: حدثنا الفُضيل بن سليمان، حدثني محمد بن زيد، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرني ابن سلام وأبو هريرة، فذكرا عن النبي الساعة التي في يوم الجمعة، وذكرا: أنه قالها؛ قال عبد الله بن سلام: أنا أعلم أيّ ساعة هي؛ بدأ الله في خلق السموات والأرض يوم الأحد، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فهي في آخر ساعة من يوم الجمعة (١). (١: ٢٣).\n١٥ - حدَّثني المثنّى، قال: حدَّثنا الحجَّاج، حدَّثنا حمَّاد عن عطاء بن السائب، عن عِكْرمة: أن اليهود قالوا للنبي: ما يوم الأحد؟ فقال رسول الله: خلق الله فيه الأرض وبسَطها، قالوا: فالإثنين؟ قال: خلق الله فيه آدم، قالوا: فالثلاثاء؟ قال: خلق فيه الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله، قالوا: فيوم الأربعاء؟ قال: الأقوات، قالوا: فيوم الخميس؟ قال: خلق السموات، قالوا: فيوم الجمعة؟ قال: خلق الله في ساعتين الليل والنهار، ثم قالوا: السبت - وذكروا الراحة - قال: سبحان الله! فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٢). (١/ ٢٣ / ٢٤).\n١٦ - فقد بيّن هذان الخبران اللذان رويناهما عن رسول الله: أن الشمس\n_________\n= وقال ابن كثير أيضًا في تفسيره:\nوهذا الحديث من غرائب مسلم وقد تكلم عليه بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ وجعلوه من كلام كعبٍ، وأبو هريرة إنما سمعه من كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعًا وقد حرر ذلك البيهقي (تفسير القرآن العظيم / ٢٢٦) ا. هـ.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: هذا الحديث طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما وذكر البخاري: أن هذا الكلام من كلام كعب الأحبار. وطائفة اعتبرت صحته مثل أبي بكر الأنباري وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما. والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه وهذا هو الصواب لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد.\n(الفضل المبين ٤٣٣). قلنا: والحديث صححه الألباني في سلسلته الصحيحة والله أعلم.\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناد مرسل ضعيف.","vol":"6","page":11},{"text":"والقمر خُلِقا بعد خلق الله أشياء كثيرة من خلْقه؛ وذلك أن حديث ابن عباس عن رسول الله ورد بأن الله خلق الشمس والقمر يوم الجمعة فإن كان ذلك كذلك، فقد كانت الأرض والسماء وما فيهما - سوى الملائكة وآدم - مخلوقةً قبل خلق الله الشمسَ والقمر، وكان ذلك كله ولا ليلَ ولا نهار؛ إذْ كان الليل والنهار إنما هو اسم لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر دَرَج الفلك.\nوإذا كان صحيحًا أنّ الأرض والسماء وما فيهما، سوى ما ذكرنا، قد كانت ولا شمس ولا قمر كان معلومًا أن ذلك كلَّه كان ولا ليل ولا نهار. وكذلك حديث أبي هريرة عن رسول الله، لأنه أخبر عنه أنه قال: \"خلق الله النورَ يوم الأربعاء\"، يعني بالنور الشمسَ إن شاء الله (١). (١: ٢٤).\n١٧ - فإن قال لنا قائل: قد زعمتَ أن اليومَ إنما هو اسمٌ لميقات ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم زعمتَ الآن أن الله خلق الشمس والقمر بعد أيام من أول ابتدائه خلقَ الأشياء التي خلقها، فأثبتَ مواقيتَ، وسميتها بالأيام، ولا شمس ولا قمر، وهذا إن لم تأت ببرهان على صحته، فهو كلام ينقض بعضه بعضًا! قيل: إن الله سمّى ما ذكرته أيامًا، فسميتُه بالاسم الذي سماه به، وكان وجهُ تسمية ذلك أيامًا، ولا شمس ولا قمر؛ نظير قوله ﷿: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، ولا بكرةَ ولا عشيّ هنالك؛ إذ كان لا ليلَ في الآخرة ولا شمس ولا قمر؛ كما قال جلّ وعزّ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.\nفسمّى تعالى ذكره يوم القيامة يومًا عقيمًا، إذْ كان يومًا لا ليلَ بعد مجيئه؛ وإنما أريد بتسمية ما سمّى أيامًا قبل خلق الشمس والقمر قدرُ مدة ألف عام من أعوام الدنيا، التي العام منها اثنا عشر شهرًا من شهور أهل الدنيا، التي تُعدّ ساعاتها وأيامها بقطع الشمس والقمر دَرَج الفلك، كما سمّى بُكرةً وعشيًا لما يرْزَقه أهلُ الجنة في قدْر المدة التي كانوا يعرفون ذلك من الزمان في الدنيا بالشمس ومجراها في الفلك، ولا شمسَ عندهم ولا ليل (٢). (١: ٢٤/ ٢٥).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":12},{"text":"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم.\nذكر بعض من حضرنا ذكره ممن قال ذلك:\n١٨ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد أنه قال: يقضي الله ﷿ أمرَ كل شيء ألف سنة إلى الملائكة؛ ثم كذلك حتى يمضيَ ألف سنة، ثم يقضي أمر كلّ شيء ألفًا، ثم كذلك أبدًا، قال: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: اليوم أن يقول لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة: \"كن فيكون\"، ولكنْ سمّاه يومًا، سمّاهِ كما شاء. كلّ ذلك عن مجاهد، قال: وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: هو هو سواء.\nوبنحو الذي ورد عن رسول الله من الخبر، بأن الله ﷻ خلق الشمس والقمر بعد خلقه السموات والأرض وأشياء غير ذلك، ورد الخبرُ عن جماعة من السلف أنهم قالوه (١). (١: ٢٥/ ٢٦).\nذكر الخبر عمّن قال ذلك منهم:\n١٩ - حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، حدثنا ابنُ يمان، حدثنا سفيان عن ابن جُريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾. قال: قال الله ﷿ للسموات: أطلعي شمسي وقمري، وأطلعي نجومي. وقال للأرض: شقِّقي أنهارك، وأخرجي ثمارك، فقالتا: أتينا طائعين (٢). (١: ٢٦).\n٢٠ - حدثنا بشر بن معاذ: قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قَتادة: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾، خلق فيها شمسَها وقمرها ونجومها وصلاحها (٣). (١: ٢٦).\n٢١ - فقد بيَّنتْ هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله وعمّن ذكرناها عنه أن الله ﷿ خلق السموات والأرض قبل خلقه الزمان والأيام والليالي، وقبل\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":13},{"text":"الشمس والقمر. والله أعلم (١). (١: ٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>القول في ابتداء الخلق ما كان أوله</span>\nوقال آخرون: بل أولُ شيء خلق الله ﷿ من خلقه النورُ والظلمة.\nذكر من قال ذلك:\n٢٢ - حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال ابن إسحاق: كان أول ما خلق الله ﷿ النور والظلمة، ثم ميّز بينهما، فجعل الظلمة ليلًا أسود مظلمًا، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا (٢). (١: ٣٤).\n٢٣ - فإن قال لنا قائل: فإنك قلتَ: أوْلى القولين - اللذين أحدهما أنّ أولَ شيء خلق الله من خلقه القلم، والآخر أنه النور والظلمة - قولُ من قال: إن أول شيء خلق الله من خلقه القلم، فما وجهُ الرواية عن ابن عباس التي حدثكموها ابن بشار قال: حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن أبي هاشم، عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: إن ناسًا يكذّبون بالقدَر، فقال: \"إنهم يكذّبون بكتاب الله، لآخذَنّ بشعر أحدهم فلأنفضنّ به؛ إن الله تعالى ذِكْرهُ كان على عرْشه قبل أن يخلقَ شيئًا، فكان أوّل ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه (٣)؟ . (١: ٣٤/ ٣٥).\n٢٤ - وعن ابن إسحاق، التي حدّثكموها ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يقول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، فكان كما وصفَ نفسَه ﷿، إذ ليس إلَّا الماء عليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، فكان أولُ ما خلق الله النورَ والظلمة (٤)؟ (١: ٣٥).\nذكر من قال ذلك:\n٢٥ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد، قال: حدثنا شعبة،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) شيخ الطبري هنا ضعيف وقد رواه من طريق ابن إسحاق معضلًا.","vol":"6","page":14},{"text":"قال: حدثنا أبو هاشم، سمع مجاهدًا قال: سمعت عبد الله - لا يدري ابن عمر أو ابن عباس - قال: إن أوّلَ ما خلق الله القلم فقال له: اجرِ، فجرى القلم بما هو كائن؛ وإنما يعمل الناس اليوم فيما قد فُرغ منه (١). (١: ٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>القول في الذي ثني خلق القلم</span>\nثم إنّ الله ﷻ خلق بعد القلم - وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة - سحابًا رقيقًا، وهو الغمام الذي ذكره جل وعز ذكره في محكَم كتابه فقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، وذلك قبل أن يخلق عرْشه، وبذلك ورد الخبر عن رسول الله (٢). (١: ٣٧).\n٢٦ - حدثنا ابن وكيع ولمحمد بن هارون القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن يعلَى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمه أبي رَزين، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عَماء، لما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء (٣). (١: ٣٧).\n٢٧ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس، عن عمه أبي رَزِين العُقَيليّ، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا ﷿ قبل أن يخلُق السموات والأرض؟ قال: \"في عَماء، فوقه هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء\" (٤). (١: ٣٧/ ٣٨).\nثم اختلف في الذي خلَق تعالى ذكره بعد العماء، فقال بعضهم: خلق بعد ذلك عرشه.\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده وكيع بن حدس ضعيف والحديث أخرجه أحمد (١٦١٨٨) و(١٦٢١٠) والترمذي (٣١٠٩) وابن ماجة (١٨٢) من طريق وكيع بن حدس وحسنه الترمذي وليس كذلك فابن حدس هذا ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":15},{"text":"ذكر من قال ذلك:\n٢٨ - حدثني محمد بن سنان، حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا حيان بن عبيد الله، عن الضحاك بن مزاحم، قال، قال ابن عباس: إن الله ﷿ خلق العرش أَوَّلَ ما خلق، فاستوى عليه (١) (١: ٣٩).\nوقال آخرون: خلق الله ﷿ الماء قبل العرش، ثم خلق عرشه فوضعه على الماء.\nذكر من قال ذلك:\n٢٩ - حدثنا موسى بن هارون الهمْداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السُّديّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدَانيّ عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله قالوا: إن الله ﷿ كان عرشهُ على الماء، ولم يخلق شيئًا غيرَ ما خلق قبل الماء (٢). (١: ٣٩).\n٣٠ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقِل، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: إن العرش كان قبل أن يخلق السموات والأرض على الماء، فلما أراد أن يخلق السموات والأرض قبض من صَفاة الماء قبضة، ثم فتح القبضة فارتفعت دخانًا، ثم قضاهنّ سبع سموات في يومين، وَدَحا الأرض في يومين، وفرغ من الخلق اليوم السابع.\nوقد قيل: إن الذي خلق ربُّنا ﷿ بعد القلم الكرسيُّ، ثم خلق بعد الكرسيّ العرش، ثم بعد ذلك خلق الهواء والظلمات، ثم خلق الماء، فوضع عرشه عليه (٣). (١: ٣٩).\n_________\n(١) في إسناده حيان بن عبيد الله فإن كان المروزي فهو مجهول وإن كان أبا زهير فهو ضعيف. (لسان الميزان / ٣٠٧٣).\n(٢) لم نجد لشيخ الطبري هنا ترجمة والطبري نفسه لم يعتبر هذا الإسناد صحيحًا كما أشار في بداية تفسيره جامع البيان.\n(٣) وهب بن منبه كثير الإرسال والأوهام وهو معروف بأخذه من الروايات الإسرائيلية.","vol":"6","page":16},{"text":"٣١ - قال أبو جعفر: وأوْلى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: إن الله ﵎ خلق الماء قبل العرش؛ لصحة الخبر الذي ذكرتُ قبلُ عن أبي رَزين العُقَيلي عن رسول الله أنه قال حين سئل: أين كان ربنا ﷿ قبل أن يخق خلقه؟ قال: \"كان في عماء، ما تحته هواءٌ، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء\"، فأخبر أن الله خلق عرشه على الماء. ومحال إذا كان خَلقه على الماء أن يكون خلقه عليه؛ والذي خلقه عليه غيرُ موجود، إما قبله أو معه؛ فإذا كان ذلك كذلك، فالعرش لا يخلُو من أحد أمرين؛ إما أن يكون خُلِق بعد خلق الله الماء، وإما أن يكون خُلِق هو والماء معًا. فأما أن يكونَ خلقه قبل خلق الماء؛ فذلك غيرُ جائز صحته على ما رُوِيَ عن أبي رَزين، عن النبيّ (١). (٤٠: ١).\nوقد قيل: إن الماء كان على متن الريح حين خلق عرشه عليه، فإن كان ذلك كذلك، فقد كان الماء والريح خُلِقا قبل العرش.\nذكر من قال: كان الماء على متن الريح:\n٣٢ - حدثني ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله ﷿: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أيّ شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح (٢). (١: ٤٠).\n٣٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدَّثنا محمد بن ثوْر عن معمّر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابنُ عباس عن قوله ﷿: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أيّ شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح (٣). (١: ٤٠).\n٣٣ / أ - حدثنا القاسم بن الحسن، حدثنا الحسين بن داود، حدثني حجاج،\n_________\n(١) قد بينا ضعف حديث أبي رزين العقيلي فلا يصح.\n(٢) شيخ الطبري هنا ضعيف وقد رواه موقوفًا على ابن عباس مع عنعنة الأعمش وهو مدلس.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":17},{"text":"عن ابن جُرَيج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله (١). (١: ٤١).\nقال: والسموات والأرض وكلّ ما فيهن من شيء يحيط بها البحار، ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل - فيما قيل - الكرسيّ.\nذكر من قال ذلك:\n٣٤ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد أنه سمع وهبًا يقول - وذكَر من عظمته - فقال: إن السموات والأرض والبحار لفي الهيكل، وإن الهيكل لفي الكرسيّ، وإن قدميه ﷿ لَعَلى الكرسيّ، وهو يحمل الكرسي، و[قد] عاد الكرسيّ كالنعل في قدميه.\nوسئل وهب: ما الهيكل؟ قال: شيء من أطراف السموات محدِق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط.\nوسئل وهب عن الأرضين: كيف هي؟ قال: هي سبع أرضين ممهّدة جزائر، بين كل أرضَين بحرٌ، والبحر محيط بذلك كله، والهيكل من وراء البحر (٢). (٤١: ١).\nوقد قيل: إنه كان بين خلقه القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام.\nذكر من قال ذلك:\n٣٥ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا مبشر الحلبيّ عن أرْطاة بن المنذر، قال: سمعتُ ضَمرة يقول: إن اللهَ خلق القلم، فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إنَّ ذلك الكتاب سبّح الله ومجّده ألف عام قبل أن يخلق شيئًا من الخلق، فلما أراد ﷻ خَلْق السموات والأرض خلق - فيما ذُكر - أيامًا ستة، فسمَّى كلّ يوم منهنّ باسمٍ غير الذي سمّى به الآخر (٣). (١: ٤١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف وهو من الإسرائيليات.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":18},{"text":"وقيل: إن اسم أحد تلك الأيام الستة أبجد، واسم الآخر منهنّ هوّز، واسم الثالث منهنّ حُطّي، واسم الرابع [منهن] كلمنْ، واسم الخامس [منهنّ] سعفص، واسم السادس منهنّ قرشت.\nذكر من قال ذلك:\n٣٦ - حدثني الحضرميّ، قال: حدثنا مصرّف بن عمرو الياميّ، حدثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيّب، عن رجل من كندة، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، ليس منها يوم إلَّا له اسم: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت (١). (١: ٤٢).\n٣٧ - وقد حدّث به عن حفص غير مصرّف، وقال: عنه، عن العلاء بن المسيّب، قال: حدَّثني شيخ من كندة قال: لقيت الضحاك بن لمزاحم، فحدّثني قال: سمعت زيد بن أرقم قال: إنّ الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ لكل يوم منها اسم: أبجد، هوّز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت (٢). (١: ٤٢).\nوقال آخرون: بل خلق الله واحدًا فسماه الأحد، وخلق ثانيًا فسماه الإثنين، وخلق ثالثًا فسماه الثلاثاء، ورابعًا فسماه الأربعاء، وخامسًا فسماه الخميس.\nذكر من قال ذلك:\n٣٨ - حدَّثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن غالب بن غلَّاب، عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عباس، قال: إن الله خلقَ يومًا واحدًا فسماه الأحد، ثم خلقَ ثانيًا فسماه الإثنين، ثم خلق ثالثًا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعًا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسًا فسماه الخميس (٣). (١: ٤٣).\nوهذان القولان غير مختلفين، إذْ كان جائزًا أن تكون أسماء ذلك بلسان العرب على ما قاله عطاء، وبلسان آخرين، على ما قاله الضحاك بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":19},{"text":"مزاحم (١). (١: ٤٣).\nواختلف السلف في اليوم الذي ابتدأ الله ﷿ فيه في خلق السموات والأرض، فقال بعضهم: ابتدأ في ذلك يوم الأحد.\nذكر من قال ذلك:\n٣٩ - حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الشيبانيّ، عن عون بن عبد الله بن عُتْبة، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال عبد الله بن سلَّام: إن الله ﵎ ابتدأ الخلق، فخلق الأرضَ يوم الأحد ويوم الإثنين (٢). (١: ٤٣).\n٤٠ - حدثني المثنّى بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلَّام أنه قال: إن الله ﷿ بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرَضين في الأحد، والإثنين (٣). (١: ٤٤).\n٤١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب، قال: بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد، والإثنين (٤).\n٤٢ - حدثني محمد بن أبي منصور الآمُليّ، حدثنا علي بن الهيثم، عن المسيّب بن شريك، عن أبي رَوْق، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال: من أيام الآخرة، كلّ يوم مقداره ألف سنة، ابتدأ الخلق يوم الأحد (٥). (١: ٤٤).\n٤٣ - حدثني المثنّى، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بشر، عن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":20},{"text":"مجاهد، قال: بدأ الخلق يوم الأحد (١). (١: ٤٤).\nوقال آخرون: اليوم الذي ابتدأ الله فيه في ذلك يوم السبت.\nذكر من قال ذلك:\n٤٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد ابن أبي إسحاق، قال: يقول أهلُ التوراة: ابتدأ الله الخلق يوم الأحد: وقال أهلُ الإنجيل: ابتدأ الله الخلقَ يوم الإثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله - ﷺ -: ابتدأ الله الخلق يوم السبت (٢). (١: ٤٤).\n٤٥ - وقد روي عن رسول الله - ﷺ - الذي قال كلّ فريق من هذين الفريقين اللذين قال أحدهما: ابتدأ الله الخلق في يوم الأحد، وقال الآخر منهما: ابتدأ في يوم السبت، وقد مضَى ذكرُنا الخبرين، غيرَ أنا نعيد من ذلك في هذا الموضع بعضَ ما فيه من الدلالة على صحة قول كل فريق منهما (٣). (١: ٤٤/ ٤٥).\n٤٦ - فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون: كان ابتداء الخلق يوم الأحد؛ فما حدثنا به هنّاد بن السّريّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس - قال هناد: وقرأت سائرَ الحديث - أن اليهودَ أتت النبي فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: \"خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين\" (٤). (١: ٤٥).\n٤٧ - وأما الخبرُ عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم السبت؛ فما حدثني القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصّدَائيَ، قالا: حدثنا حجاج: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله - صلى الله تعالى عليه بيدي، فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق (٢)\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":21},{"text":"الجبال يوم الأحد\" (١). (١: ٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>القول فيما خلق الله في كل يوم في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما</span>\nاختلف السلفُ من أهل العلم في ذلك:\n٤٨ - فقال بعضهم ما حدثني به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدَّثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام، أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرَضين في الأحد والإثنين، وخلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء، وخلقَ السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة (٢). (١: ٤٧).\n٤٩ - حدثني موسى بن هارون، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط عن السدّي، في خبرٍ ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدَانيّ عن ابن لمسعود - وعن ناس من أصحاب النبي قالوا: جعل - يعنون: ربنا ﵎ - سبع أرضين في يومين: الأحد والإثنين، وجعل فيها رواسي أنْ تميدَ بكم؛ وخلق الجبال فيها وأقواتَ أهلها، وشجرَها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: الخميس والجمعة (٣). (١: ٤٧).\n٥٠ - حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن غالب [بن غلاب]، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: خلق الله الأرض في يومين. الأحد والإثنين.\nففي قول هؤلاء خُلِقت الأرض قبل السماء؛ لأنها خلقت عندهم في الأحد\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) لم يصحح الطبري هذا الإسناد كما ذكر في بداية تفسيره.","vol":"6","page":22},{"text":"والإثنين (١). (١: ٤٧).\n٥٠ / أ - قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك عندنا ما قاله الذين قالوا: إنّ الله خلق الأرض يومَ الأحد، وخلق السماء يومَ الخميس، وخلق النجومَ والشمس والقمر يومَ الجمعة لصحةِ الخبر الذي ذكرنا قبلُ عن ابن عباس، عن رسول الله بذلك (٢). (١/ ٤٨).\nوقد قيل: إن الله خلق البيتَ العتيق على الماء على أربعة أركان، قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دُحِيت الأرض من تحته.\nذكر من قال ذلك:\n٥١ - حدثنا ابن حميد، قال: حَدثنا يعقوب القُمِّي عن جعفر، عن عِكرِمة، عن ابن عباس قال: وُضِع البيت على الماء على أربعة أركان، قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دُحيت الأرضُ من تحت البيت (٣). (١: ٤٩).\n٥٢ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا مهران، عن سُفيان، عن الأعمش، عن بُكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: خلق الله البيتَ قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دحِيت الأرض (٤). (١: ٤٩).\n٥٣ - وقد حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثني مِهران عن أبي سنان، عن أبي بكر، قال: جاء اليهود إلى النبيّ فقالوا: يا محمد، أخبرْنا: ما خَلق الله من الخلْق في هذه الأيام الستة؟ فقال: خلَق الأرض يومَ الأحد والإثنين، وخلَق الجبال يومَ الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرَانها وخرابها يومَ الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس، إلى ثلاث ساعات بَقِين من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم. قالوا: صدقت إن أتممت، فعرَف النبيّ ما يريدون، فغضب، (٢)\n_________\n(١) غالب هذا لم نجد له ترجمة إلَّا أن يكون غالب بن غالب قال العقيلي: عن أبيه عن جده إسناد مجهول (لسان الميزان / ٦٦٥٢) والخبر موقوف على أية حال.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف إلى ابن عباس.\n(٤) شيخ الطبري هنا ضعيف ومتهم بالكذب.","vol":"6","page":23},{"text":"فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (١). (١: ٥٠).\n٥٤ - فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفتَ من أن الله تعالى خلق الأرض قبل السماء، فما معنى قول ابن عباس الذي حدَّثكُموه واصل ابن عبد الأعلى الأسديّ، قال: حدثنا محمد بن فُضَيل عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أولُ سا خلق الله تعالى من شيء القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب القَدَر، قال: فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رفع بخارَ الماء ففتَق منه السموات، ثم خلق النون، فدُحِيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإنها لَتفخر على الأرض (٢). (١: ٥٠).\n٥٥ - حدثني واصل، قال: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس نحوه (٣). (١: ٥١).\n٥٦ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عديّ عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخارَ الماء، فخلِقت منه السموات، ثم خلق النون، فبُسِطت الأرض على ظهر النون، فتحرّك النون، فمادَتِ الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لَتفخر على الأرض. قال: وقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤). (١: ٥١).\n٥٧ - حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان -أو مجاهد- عن ابن عباس بنحوه، إلَّا أنه قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) مثل هذه الأخبار لم تصح عن رسول الله وقد رواه الطبراني (٨٦٥٢) عن ابن عباس مرفوعًا وقال: لم يرفعه عن حماد بن يزيد إلَّا مؤمل بن إسماعيل.\nوقال الهيثمي: ومؤمل ثقة كثير الخطأ وقد وثقه ابن معين وغيره وضعفه البخاري وغيره [مجمع الزوائد / ح ١١٤٣٤].\nقلنا: والله سبحانه يقول (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض) فلا حجة في هذه الأخبار إلَّا ما صح سنده إلى رسول الله.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":24},{"text":"ففتقت منه السموات (١). (١: ٥١).\n٥٨ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني سليمان عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى القلم فقال: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدَر، قال: فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. ثم خلق النُّون، ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء، وبسطِت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبِتتْ بالجبال، قال: فإنها لَتفخر على الأرض (٢). (١: ٥١).\n٥٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح، عن ابن عباس قال: أولُ شيء خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبَس الأرض عليه.\nقيل: ذلك صحيح على ما رُوِيَ عنه وعن غيره من معنى ذلك مشروحًا مفسَّرًا غيرَ مخالف شيئًا مما رويناه عنه في ذلك (٣). (١: ٥٢).\nفإن قال: وما الذي رُوي عنه وعن غيره من شرح ذلك الدالّ على صحةِ كلِّ ما رويتَ لنا في هذا المعنى عنه؟\n٦٠ - قيل له: حدثني موسى بن هارون الهمْدانيّ وغيره، قالوا: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط بن نصر عن السدّي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمْدانيّ عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: إن الله تعالى كان عرشُه على الماء ولم يخلق شيئًا غيرَ ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلُق الخلْق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسمَّاه سماءً، ثم أيبس الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرَضين في يومين، في الأحد والإثنين،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":25},{"text":"فخلق الأرض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر الله - ﷿ - في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ والحوت في الماء، والماء على ظهر صَفاة، والصَّفاة على ظهر مَلَك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرَّك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرضُ، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١). (١: ٥٢/ ٥٣).\n٦٠ / أ - قال أبو جعفر: فقد أنبأ قولُ هؤلاء الذين ذكرتُ: أنّ الله تعالى أخرج من الماء دخانًا حين أراد أن يخلُق السموات والأرض، فسما عليه - يَعنون بقولهم: \"فسما عليه\" علا على الماء، وكلُّ شيء كان فوق شيء عاليًا عليه فهو له سَماءُ - ثم أيبس بعد ذلك الماء، فجعله أرضًا واحدة: أن الله خلق السماء غير مسوّاة قبل الأرض، ثم خلَق الأرض.\nوإن كانَ الأمر كما قال هؤلاء، فَغيرُ محال أن يكون الله تعالى أثارَ من الماء دخانًا فعلَّاه على الماء، فكان له سماء، ثم أيبس الماء فصار الدخان الذي سما عليه أرضًا، ولم يدحُها، ولم يقدِّر فيها أقواتها، ولم يُخرِج منها ماءها ومرعاها، حتى استوى إلى السماء؛ التي هي الدخان الثائر من الماء العالي عليه، فسوَّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض التي كانت ماءً فيبَّسه ففتقه، فَجعلها سبع أرضين، وقدَّر فيها أقواتها، ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾، كما قال ﷿. فيكون كلّ الذي روي عن ابن عباس في ذلك - على ما رويناه - صحيحًا معناه (٢). (١: ٥٣).\n٦٠ / ب - وأما يومُ الإثنين فقد ذكرنا اختلافَ العلماء فيما خلق فيه، وما رُوي في ذلك عن رسول الله - ﷺ - قبلُ.\nوأما ما خلق في يوم الثلاثاء والأربعاء، فقد ذكرنا أيضًا بعضَ ما رُوي فيه،\n_________\n(١) هذا إسناد لم يصححه الطبري نفسه بل قال فيه: ولا أظنه صحيحًا كما في بداية تفسيره.\nوقال الحافظ عقب الرواية (مختصرة): هذا الإسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة وكان كثير منها متلقى من الإسرائيليات (البداية والنهاية ١/ ٤٤).\n(٢) هذه أقوال واستنباطات لا تقوم بها حجة والله سبحانه يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٥١] فلا حجة إلَّا بخير عن الصادق المصدوق - ﵇ -.","vol":"6","page":26},{"text":"ونذكر في هذا الموضع بعضَ ما لم نذكر منه قبل (١). (١/ ٥٣).\n٦١ - فالذي صحّ عندنا: أنه خلَق فيهما ما حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط عن السُّديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: وخلق الجبال فيها -يعني: في الأرض- وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء؛ وذلك حين يقول الله ﷿: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾؛ يقول: مَنْ سأل؛ فهكذا الأمر، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، وكان ذلك الدخان مِن تنفّس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتَقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة (٢). (١: ٥٣/ ٥٤).\n٦٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلَام، قال: إن الله تعالى خلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء (٣). (١: ٥٤).\n٦٣ - حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن غالب بن غلّاب، عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلقَ الجبال يوم الثلاثاء، فذلك قول الناس: هو يوم ثَقيل (٤). (١: ٥٤).\n٦٤ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما رويناه عن النبي، قال: \"إن الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الجبال وما فيهنّ من المنافع، وخلَق يوم الأربعاء الشجرَ، والماء، والمدائن، والعمران، والخراب. حدثنا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده غير صحيح عند الطبري، والسدي يروى بهذا الإسناد كثيرا من الإسرائيليات (البداية والنهاية ١/ ٤٤).\n(٣) ضعيف. وهو خبر موقوف على ابن سلام ﵁ وهو من الصحابة العلماء بالتوراة والإنجيل، كان يهوديًّا فأسلم.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":27},{"text":"بذلك هنّاد، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن أبي سعد البقّال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبي (١). (١: ٥٤).\n٦٥ - وقد روي عن النبي أن الله خلق الجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، حدثني به القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصُّدائيّ، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أمّ سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي.\nوالخبرُ الأولُ أصحُّ مخرجًا، وأوْلَى بالحق، لأنه قول أكثر السلف (٢). (١: ٥٤/ ٥٥).\n٦٦ - وأما يوم الخميس فإنه خلق فيه السموات، ففتقتْ بعد أن كانت رَتْقًا، كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السُّديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن عبد اللهِ بن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، وكان ذلك الدخان من تنفُّس الماء حين تنفس وجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة (٣). (٥٥: ١).\n٦٦ / أ - وإنما سُمّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق في كل سماء خلْقها من الملائكة، والخلْق الذي فيها من البحار وجبال البرَد وما لم يُعْلَم، ثم زيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا، تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلْق ما أحبّ استوى على العرش. فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٤). (١: ٥٥).\n_________\n(١) في إسناده أبو سعيد البقال ضعيف، وانظر ما سبق.\n(٢) ضعيف.\n(٣) لم يصححه الطبري نفسه، وروى السدي بهذا الإسناد أخبارًا كثيرة متلقاة من الإسرائيليات.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":28},{"text":"٦٧ - حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلَام، قال: إن الله تعالى خلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجل، فتلك الساعةُ التي تقوم فيها الساعة (١). (١: ٥٥/ ٥٦).\n٦٨ - حدثني تميم [بن المنتصر]، قال: أخبرنا إسحاق عن شريك، عن غالب بن غلَّاب، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلق مواضع الأنهار والشَّجر يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحوش والهوامّ والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، ففرغ من خلْق كل شيء يوم الجمعة (٢). (٥٦: ١).\n٦٩ - وهذا الذي قاله مَنْ ذكرنا قوله من أن الله ﷿ خلق السموات والملائكة وآدم في يوم الخميس والجمعة هو الصحيح عندنا؛ للخبر الذي حدثنا به هنّاد [بن السريّ] قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبيّ - قال: هناد، وقرأتُ سائر الحديث - قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوَم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أوّل ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال؛ مَنْ يحيا ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كلّ شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود، وأخرجه منها في آخر ساعة (٣). (١: ٥٦).\n٧٠ - حدثني القاسم بن بشر [بن معروف]، والحسين بن عليّ الصُّدائيّ، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله بيدي فقال: \"وبثّ فيها -يعني: في الأرض- الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلْق في آخر ساعة، من\n_________\n(١) المثنى شيخ الطبري لم نجد له ترجمة، والخبر موقوف.\n(٢) في إسناده غالب بن غلاب لم نجد له ترجمة، والخبر موقوف.\n(٣) في إسناده أبو سعيد البقال ضعيف وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء (تهذيب التهذيب / ٢٣٣٥).","vol":"6","page":29},{"text":"ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل\" (١). (١: ٥٦).\n٧٠ / أ - فإذا كان الله تعالى ذكره خلَق الخَلْق من لدن ابتداء خلق السموات والأرض إلى حين فراغه من خلْق جميعهم في ستة أيام، وكان كلُّ يوم من الأيام الستة التي خلقهم فيها مقدارُه ألف سنة من أيام الدنيا، وكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة [كلّ] ما هو كائن إلى قيام الساعة ألف عام، وذلك يوم من أيام الآخرة التي قَدْر اليوم الواحد منها ألف عام من أيام الدنيا - كان معلومًا: أن قَدْر مدة ما بين أول ابتداء ربنا ﷿ في خلق ما خلق من خلقه إلى الفراغ من آخرهم سبعة آلاف عام. يزيد إن شاء الله شيئًا أو ينقص شيئًا، على ما قد روينا من الآثار والأخبار التي ذكرناها، وتركنا ذكرَ كثير منها كراهة إطالة الكتاب بذكرها (٢). (١: ٥٦/ ٥٧).\n٧٠ / ب - وإذا كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا: أن مدّة ما بين فراغ ربّنا تعالى ذكره - من خلق جميع خلقه إلى وقت فناء جميعهم بما قد دللنا قبلُ، واستشهدنا من الشواهد، وبما سنشرح فيما بعد - سبعة آلاف سنة، تزيد قليا، أو تنقص قليلًا - كان معلومًا بذلك أن مدةَ ما بين أول خلق] خلقه الله تعالى إلى قيام الساعة وفناء جميع العالم، أربعة عشر ألف عام من أعوام الدنيا؛ وذلك أربعة عشر يومًا من آيام الآخرة، سبعةُ أيام من ذلك - وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا - مدة ما بين أول ابتداء الله جلَّ وتقدس في خلق أول خلقه إلى فراغه من خلق آخرهم - وهو آدم أبو البشر صلوات الله عليه، وسبعة أيام أخر، وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا، من ذلك مدّة ما بين فراغه جلّ ثناؤه من خلق آخر خلقه - وهو آدم - إلى فناء آخرهم وقيام الساعة، وَعوْد الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير القديم الباريء الذي له الخلق والأمر الذي كان قبل كلِّ شيء، فلا شيء كان قبله، والكائن بعد كلّ شيء فلا شيء يبقى غير وجهه الكريم (٣). (٥٧: ١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) لم نجد فيما بين أيدينا من كتب السنة من حديث مرفوع صحيح: أن كل يوم من الأيام الستة يعادلها ألف سنة من أيام الدنيا، والله أعلم.\n(٣) هذا استنباط وتخمين لا يستند إلى خبر صحيح عن الصادق المصدوق ﵊.","vol":"6","page":30},{"text":"٧٠ / ج - فإن قال قائل: وما دليلُك على أن الأيامَ الستة التي خلق الله فيهنّ خلْقه كان قدْر كلّ يوم منهنّ قدر ألف عام من أعوام الدنيا دون أن يكون ذلك كأيام أهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم، وإنما قال الله - ﷿ - في كتابه: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، فلم يُعلمنا أن ذلك كما ذكرت، بل أخبرنا: أنه خلق ذلك في ستة أيام، والأيام المعروفة عند المخاطَبين بهذه المخاطبة هي أيامهم التي أوّلُ اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومن قولك: إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله إنما هو موجّه إلى الأشهر والأغلب عليه من معانيه، وقد وجهتَ خبرَ الله في كتابه عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام إلى غير المعروف من معاني الأيام، وأمرُ الله ﷿ إذا أراد شيئًا أن يكوّنه أنفذُ وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، مقدارهنّ ستة آلاف عام من أعوام الدنيا، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، وذلك كما قال ربنا ﵎: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾؟\nقيل له: قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا: إنا إنما نعتمد في معظم ما نَرسمه في كتابنا هذا على الآثار والأخبار عن نبينا وعن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفِكَر؛ إذ أكثره خبرٌ عما مضى من الأمور، وعما هو كائن من الأحداث، وذلك غير مدرَك علمه بالاستنباط والاستخراج بالعقول.\nفإن قال: فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر؟\nقيل: ذلك ما لا نعلم قائلًا من أئمة الدين قال خلافه.\nفإن قال: فهل من رواية عن أحد منهم بذلك؟\nقيل: عِلْم ذلك عند أهل العلم من السلف كان أشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه، وقد رُوِيَ ذلك عن جماعة منهم مسمين بأعيانهم. فإن قال: فاذكرهم لنا (١). (١: ٥٧/ ٥٨).\n_________\n(١) رحم الله الطبري فلقد أثبت هنا أنه لم يعتمد في استنباطه هذا على خبر صحيح إسناده إلى رسول الله.\nوأما الآثار الموقوفة فلا حجة فيها عن أمور حدثت عند بدء الخليقة قال عنها سبحانه ﴿مَا =","vol":"6","page":31},{"text":"٧١ - قيل: حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا حَكام: عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، فكلّ يوم من هذه الأيام كألف سنة مما تعدون أنتم (١). (١: ٥٩).\n٧٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض (٢). (١: ٥٩).\n٧٣ - حدثنا عبدة، حدثني الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: يعني هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهن السموات والأرض وما بينهما (٣). (١: ٥٩).\n٧٤ - حدثني المثنَّى، حدثنا عليّ عن المسيّب بن شريك، عن أبي رَوْق، عن الضَّحاك: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: من أيام الآخرة، كلّ يوم كان مقداره ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة (٤). (١: ٥٩).\n٧٥ - حدثنا ابن حُميد قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح: عن كعب، قال: بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفرغ منها يوم الجمعة، قال: فجعل مكانَ كلّ يوم ألف سنة (٥). (٥٩: ١).\n٧٦ - حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بِشْر،\n_________\n= أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .﴾ وخصوص سبب النزول لا ينفي عموم اللفظ والله أعلم.\n(١) شيخ الطبري ضعيف وقد رواه موقوفًا. وأخرجه الحاكم من طريق سماك بن عكرمة به موقوفًا وصححه (٢/ ٤١١) وفي تصحيحه نظر فسماك عن عكرمة مضطرب.\n(٢) شيخ الطبري ضعيف وقد رواه موقوفًا.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":32},{"text":"عن مجاهد، قال: يوم من الستة الأيام كألف سنة مما تَعُدّون (١). (١: ٦٠).\n٧٦ / أ - فهذا هذا. وبعد: فلا وجهَ لقول قائل: وكيف يوصف الله تعالى ذكره بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام قدْر مدتها من أيام الدنيا ستة آلاف سنة؛ وإنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، لأنه لا شيء يتوهَّمه متوهم في قول قائل ذلك إلَّا وهو موجود في قول قائل: خلق ذلك كله في ستة أيام مدتها مدة ستة أيام من أيام الدنيا؛ لأن أمرَه ﷻ إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون (٢). (١: ٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه</span>\n٧٧ - وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة بهما تعرف قد قلنا في خلق الله عزّ ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات والأزمنة، وبيَّنا: أن الأوقات والأزمنة إنما هي ساعات الليل والنهار، وأن ذلك إنما هو قَطْع الشمس والقمر درَجات الفلك؛ فلنقل الآن: بأيّ ذلك كان الابتداء؛ بالليل أم بالنهار؛ إذ كان الاختلاف في ذلك موجودًا بين ذوي النظر فيه؛ بأن بعضَهم يقول فيه: خلق الله الليل قبل النهار، ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوءها الذي هو نهار هجم الليلُ بظلامه، فكان معلومًا بذلك أن الضياء هو المتورّد على الليل، وأن الليل إن لم يُبطله النهار المتورد عليه هو الثابت، فكان بذلك من أمرهما دلالة على أن الليل هو الأول خَلْقًا، وأن الشمس هو الآخر منهما خلقًا، وهذا قولٌ يُروَى عن ابن عباس (٣). (١: ٦١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) قلنا: لقد ذكر الطبري ﵀ آثارًا عن عدد من الصحابة والتابعين ﵃، تبين أن كل يوم من الأيام الستة المذكورة في الآية تساوي ألف سنة من سني البشر وهي أخبار لا حجة فيها.\nوإنما كانت تلك تفاسير متأثرة بروايات أهل الكتاب والله ﷾ يقول في محكم التنزيل ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١].\nفلا حجة إلَّا بخبر صحيح إلى الصادق المصدوق - ﵇ - وتبقى هذه الأخبار والأقوال احتمالات لا دليل لها سواء كانت راجحة عند الطبري أو غيره.\n(٣) لو كان في ذلك فائدة للمكلفين لسنه لنا الله سبحانه في كتابه أو على لسان نبيه.","vol":"6","page":33},{"text":"٧٧ / أ - حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن عن سُفيان، عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: سئل: هل الليل كان قبل النهار؟ قال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رَتْقًا، هلْ كان بينهما إلَّا ظلمة! ذلك لتعلموا أن الليلَ كان قبل النهار (١). (١: ٦١).\n٧٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوريّ عن أبيه، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: إنّ الليل قبل النهار، ثم قال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢). (١: ٦١).\n٧٩ - حدثنا محمد بن بشَار، قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنيّ، قال: لم يكن عُقْبة بن عامر إذا رأى الهلال - هلال ومضان - يقوم تلك الليلة حتى يصومَ يومها، ثم يقوم بعد ذلك. فذكرتُ ذلك لابن حُجَيرة فقال: الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل (٣)؟ (١: ٦١/ ٦٢).\n٧٩ / أ - وقال آخرون: كان النهارُ قبل الليل، واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عزّ ذكره كان ولا ليلَ ولا نهار ولا شيء غيره، وأن نورَه كان يضيء به كلّ شيء خلقه بعدما خلقه حتى خلق الليل (٤). (١: ٦٢).\nذكر من قال ذلك:\n٨٠ - حدثني علي بن سهل، حدثنا الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبد السّلام، عن أيوب بن عبد الله الفهريّ أنّ ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليلٌ ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإن مقدار كلّ يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشرة ساعة (٥). (١: ٦٢).\n٨٠ / أ - قال أبو جعفر: وأوْلى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":34},{"text":"كان الليل قبل النهار، لأن النهار هو ما ذكرتُ من ضوء الشمس؛ وإنما خلق الله الشمس وأجراها في الفلك بعد ما دحا الأرض فبسطها، كما قال ﷿: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، فإذا كانت الشمس خُلقت بعد ما سُمكت السماء، وأغطش ليلها، فمعلوم أنها كانت - قبل أن تخلق الشمس، وقبل أن يُخرج الله من السماء ضحاها - مظلمة لا مضيئة.\nوبعد، فإن في مشاهدتِنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده دليلًا بيّنًا على أنّ النهار هو الهاجم على الليل لأنّ الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلًا [أو نهارًا] أظلم الجو، فكان معلومًا بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره. والله أعلم (١). (١: ٦٢/ ٦٣).\n٨٠ / ب - فأما القول في بدء خلقهما فإن الخبرَ عن رسول الله - ﷺ - بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف.\nفأما ابن عباس فرُوي عنه أنه قال: خلق الله يوم الجمعة الشمسَ والقمرَ والنجوم والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، حدثنا بذلك هنّاد بن السريّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، عن النبي (٢). (١: ٦٣).\n٨١ - وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: \"خلَق الله النور يوم الأربعاء\"، حدثني بذلك القاسم بن بشر والحسين بن عليّ، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ (٣). (١: ٦٣).\n٨١ / أ - وأيّ ذلك كان؛ فقدْ خلق الله قبل خلقه إياهما خَلْقًا كثيرًا غيرهما، ثم خلقهما ﷿ لما هو أعلم به من مصلحة خلْقه، فجعلهما دائبَي الجري، ثم فَصَل بينهما، فجعل إحداهما آية الليل، والأخرى آية النهار، فمحا آية الليل،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":35},{"text":"وجعل آية النهار مبصرة. وقد رُوي عن رسول الله في سبب اختلاف حالتي آية الليل وآية النهار أخبارٌ أنا ذاكر منها بعضَ ما حضرني ذكره. وعن جماعة من السلف أيضًا نحو ذلك (١). (١: ٦٣).\n٨٢ - فممّا روي عن رسول الله في ذلك، ما حدثني محمد بن أبي منصور الآمُليّ، حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا عمر بن صبْح أبو نعيم البلخيّ، عن مقاتل بن حيّان، عن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن أبي ذَرّ الغِفاريّ، قال: كنتُ آخذُ بيد رسول الله ونحنُ نتماشَى جميعًا نحو المغرب، وقد طَفَلت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت؛ قال: قلتُ: يا رسول الله، أين تغرُب؟ قال: تغرب في السماء، ثم تُرْفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا؛ حتى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها، ثم تَقول: يا ربّ، مِنْ أين تأمرني أن أطلع، أمن مغربي أم منْ مطلعي؟ قال: فذلك قوله ﷿: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ حيث تحبَس تحت العرش، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال: يعني بـ \"ذلك\" صُنْعَ الربّ العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جَبرائيل بحُلّة ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النهار، في طوله في الصيف، أو قصره في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحلة كما يلبسَ أحدكم ثيابه، ثم تَنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها، قال النبي: فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال ثم لاتُكسى ضوءًا، وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله ﷿: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبْرَائيل - ﵇ - يأتيه بالحُلّة من نور الكرسيّ. قال: فذلك قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ قال أبو ذرّ: ثم عدلتُ مع رسول الله فصلينا المغرب. فهذا الخبر عن رسول الله [يُنْبِيء] أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أنّ ضوء الشمس من كسوة كسيتْها من ضوء العرش، وأن نورَ القمر من كسوة كُسِيَها من\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":36},{"text":"نور الكرسيّ (١). (١: ٦٣/ ٦٤ / ٦٥).\n٨٣ - فأما الخبر الآخر الذي يدلّ على غير هذا المعنى؛ فما حدثني محمد بن أبي منصور، قال: حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا أبو نعيم عن مقاتل بن حيان، عن عِكْرمة قال: بينا ابن عباس ذاتَ يوم جالس إذْ جاءه رجل، فقال: يا بن عباس! سمعتُ العجب من كعب الحَبْر يذكر في الشمس والقمر. قال: وكان متكئًا فاحتفز ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عَقِيران، فيُقذَفان في جهنم. قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شِقّة ووقعت أخرى غضبا، ثم قال: كذب كعب! كذب كعب! كذب كعب! ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، الله أجلّ وأكرم من أن يعذب على طاعته، ألم تسمع لقول الله ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ﴾، إنما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذب عبدين يُثنَى عليهما؛ أَنهما دائبان في طاعته! قاتل الله هذا الحَبْر وقبّح حَبْرِيته! ما أجرأه على الله وأعظم فِرْيته على هذين العبدين المطيعين لله! قال: ثم استرجع مرارًا، وأخذ عُوَيدًا من الأرض، فجعل ينكته في الأرض، فظل كذلك ما شاء الله، ثم إنه رفع رأسه، ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعتُ من رسول الله يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما؟ فقلنا: بلى رحمك الله! فقال: إن رسول الله سئل عن ذلك، فقال: إن الله ﵎ لما أبرم خلْقه إحكامًا فلم يبق من خلقه غيرُ آدم خَلَق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمسًا، فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويحوّلها قمرًا، فإنه دون الشمس في العِظَم؛ ولكن إنما يُرَى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض (٢). (١: ٦٥/ ٦٦).\n_________\n(١) هذا إسناد تالف فخلف بن واصل وعمر بن صبح كلاهما متهمان بوضع الحديث والكذب والله أعلم. وانظر الخبر الذي يليه.\n(٢) هذا خبر موضوع وفي إسناده آفتان:\nأبو نعيم (عمر بن صبح) متروك، كذبه ابن راهويه (٤٩٢٢). وخلف بن واصل قال الحافظ في ترجمته: عن أبي نعيم بحديث جابلق، وجابرس، وعظمهما ولعله هو وضعه =","vol":"6","page":37},{"text":"٨٤ - قال: فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الأمر لم يكن يُعرَف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، وكان لا يدرِي الأجير إلى متى يعمل، ومتى يأخذ أجره. ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ولا تدري المرأة كيف تعتدّ، ولا يدري المسلمون متى وقت الحج، ولا يدري الدُّيّان متى تحلّ ديونهم، ولا يدري الناس متى ينصرفون لمعايشهم، ومتى يسكنون لراحة أجسادهم. وكان الربّ ﷿ أنظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جِبرئيل ﵇ فأمرّ جناحه على وجه القمر - وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات، فطمس عنه الضوءَ، وبقي فيه النور، فذلك قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. قال: فالسَّوَاد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو أثرُ المحو. ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلاثمئة وستون عروة، ووكل بالشمس وعجلتها ثلاثمئة وستين ملكًا من الملائكة من أهل السماء الدنيا، قد تعلّق كلّ ملك منهم بعروة من تلك العُرَا، ووكلَ بالقمر وعجلته ثلاثمئة وستينَ ملكًا من الملائكة من أهل السماء، قد تعلق بكلّ عروة من تلك العُرَا مَلَك منهم.\nثم قال: وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قُطْرَي الأرض وكنفِي السماء ثمانين ومئة عين في المغرب، طينة سوداء، فذلك قوله ﷿: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ إنما يعني حمأةً: سوداء من طين، وثمانين ومئة عين في المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غَلْيًا كغلي القِدْر إذا ما اشتد غليُها. قال: فكلّ يوم [وكلّ] ليلة لها مطلعٌ جديد ومغرب جديد، ما بين أولها مطلعًا، وآخرها مغربًا أطول ما يكون النهار في الصيف إلى آخرها مطلعًا، وأولها مغربًا أقصر ما يكون النهار في الشتاء، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ يعني آخرها هاهنا وآخرها ثَمَّ، وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب، ثم جمعهما فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، فذكر عِدّة تلك العيون كلها.\n_________\n= (الميزان / ٣٢١٥) وقال الحافظ السيوطي: موضوع في إسناده مجاهيل وضعفاء (اللآلي المصنوعة ١/ ٦٠).\nوالطبري نفسه ضعف هذا الخبر والذي قبله قائلًا: (ولكن في أسانيدهما نظر. فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما) تأريخ الطبري (١/ ٧٨).","vol":"6","page":38},{"text":"قال: وخلق الله بحرًا، فجرى دون السماء مقدار ثلاث فراسخ، وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله ﷿ لا يقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جارٍ في سرعة السَّهم ثم انطلاقه في الهواء مستويًا، كأنه حَبْلٌ ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخُنَّس في لُجّة غَمْر ذلك البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، والفلك دوران العجلة في لُجّة غمر ذلك البحر. والذي نفس محمد بيده، لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كلّ شيء في الأرض، حتى الصخور والحجارة، ولو بدا القمر من ذلك لافتتن أهلُ الأرض حتى يعبدوه من دون الله، إلَّا من شاء الله أن يعصم من أوليائه.\nقال ابن عباس: فقال علي بن أبي طالب ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ذكرتَ مجرى الخُنَس مع الشمس والقمر، وقد أقسم الله بالخُنَّس في القرآن إلى ما كان من ذكرك، فما الخُنَّس؟ قال: يا عليّ، هنّ خمسةُ كواكب: البِرْجيس، وزُحَل، وعُطارد، وبَهْرام، والزُّهرة، فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات، مثل الشمس والقمر، العاديات معهما، فأما سائر الكواكب فمعلَّقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد، وهي تحومُ مع السماء دورانًا بالتسبيح والتقديس والصلاة لله، ثم قال النبي: فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك، فانظروا إلى دوران الفلك مرة هاهنا ومرة هاهنا، فذلك دوران السماء، ودوران الكواكب معها كلِّها سوى هذه الخمسة، ودورانها اليوم كما ترون، وتلك صلاتها، ودورانُها إلى يوم القيامة في سرعة دوران الرّحا من أهوال يوم القيامة وزلازله، فذلك قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠) فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nقال: فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلاثمئة وستون مَلَكًا ناشري أجنحتهم، يَجُرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلًا كان أو نهارًا، فإذا أحبّ الله أن يبتليَ الشمس والقمر فيُرِي العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعًا عن معصيته وإقبالًا على طاعته، خرّت الشمس من العجلة فتقع في غمر ذلك البحر وهو الفلك، فإذا أحبّ الله أن يُعَظِّم الآية ويشدّد تخويفَ العباد؛ وقعت الشمس","vol":"6","page":39},{"text":"كلّها فلا يبقى منها على العجلة شيء، فذلك حين يظلم النهار وتبدو النجوم، وهو المنتهى من كسوفها. فإذا أراد أن يجعل آيةً دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان في الماء، ويبقى سائرُ ذلك على العجلة، فهو كسوف دون كسوف، وبلاء للشمس أو للقمر، وتخويفٌ للعباد، واستعتاب من الربّ ﷿، فأيّ ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين: فرقة منها يُقبلون على الشمس فيجرّونها نحو العجلة، والفرقة الأخرى يُقبلون على العجلة فيجرُونها نحو الشمس، وهم في ذلك يقرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أو ساعات الليل، ليلًا كان أو نهارًا، في الصيف كان ذلك أو في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع، لكيلا يزيد في طولهما شيء، ولكن قد ألهمهم الله علم ذلك، وجعل لهم تلك القوة، والذي ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلًا قليلًا من غمر ذلك البحر الذي يعلوهما، فإذا أخرجوها كلَّها اجتمعت الملائكة كلهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة، فيحمدون الله على ما قوّاهم لذلك، ويتعلقون بعُرَا العجلة، ويَجُرّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب، فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين، فتسقط من أفق السماء في العين.\nثم قال النبيّ، وعجب من خلق الله: ولَلْعجب من القدرة فيما لم نَرَ أعجب من ذلك؛ وذلك قول جبرئيل - ﵇ - لسارة: ﴿اأَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وذلك أن الله ﷿ خلق مدينتين: إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم، وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح، اسم التي بالمشرق بالسريانيّة \"مرقيسيا\" وبالعربية \"جابَلق\" واسم التي بالمغرب بالسريانية \"برجيسيا\" وبالعربية \"جابَرس\" ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب، ما بين كل بابين فرسخ، ينوب كلّ يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف رجل من الحراسة، عليهم السلاح، لا تَنُوبُهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فوالذي نفس محمد بيده، لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدّة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاث أمم: منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوج ومأجوج.","vol":"6","page":40},{"text":"وإن جِبْرئيل - ﵇ - انطَلَق بي إليهم ليلة أسرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعوتُ يأجوجَ ومأجوج إلى عبادة الله ﷿ فأبوْا أن يجيبوني، ثم انطلق بي إلى أهل المدينتين، فدعوتهم إلى دين الله ﷿ وإلى عبادته فأجابوا وأنابوا، فهم في الدين [إخواننا]، مَنْ أحسن منهم فهو مع محسنكم، ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم. ثم انطلق بي إلى الأمم الثلاث، فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه، فكفروا بالله ﷿ وكذبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر مَنْ عصى الله في النار؛ فإذا ما غربت الشمس رُفِع بها من سماء إلى سماء في سرعة طيران الملائكة؛ حتى يُبلَغ بها إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش فتخرّ ساجدة، وتسجد معها الملائكة الموكلون بها، فيُحْدَرُ بها من سماء إلى سماء؛ فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجْر، فإذا انحدرت من بعض تلك العيون، فذاك حين يضيء الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضيء النهار.\nقال: وجعل الله عند المشرق حجابًا من الظلمة على البحر السابع، مقدار عدة الليالي منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تُصرَم، فإذا كان عند الغروب أقبل مَلَك قد وُكل بالليل فيقبض قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبلُ المغربَ؛ فلا يزال يُرسل من الظلمة من خلل أصابعه قليلًا قليلًا وهو يراعي الشَّفق، فإذا غاب الشفق أرسلَ الظلمة كلَّها ثم ينشر جناحيه، فيبلغان قُطري الأرض وكنَفِي السماء، ويجاوزان ما شاء الله ﷿ خارجًا في الهواء، فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس والصلاة دفه حتى يبلغ المغرب، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق، فضمّ جناحيه، ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه، ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل. فإذا ما نقل ذلك الحجابُ من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، وانقضت الدنيا، فضوء النهار من قِبَل المشرق، وظلمة الليل من قبَل ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما، إلى السماء السابعة العليا، إلى محبسهما تحت العرش، حتى يأتِيَ الوقت الذي ضرب الله لتوبة العباد، فتكثر","vol":"6","page":41},{"text":"المعاصي في الأرض ويذهب المعروفُ، فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكرُ فلا يَنهى عنه أحد.\nفإذا كان ذلك حبِست الشمس مقدار ليلة تحت العرش، فكلّما سجدت وأستأذنت: من أين يطلع؟ لم يُحَرْ إليها جواب؛ حتى يوافيَها القمر ويسجد معها ويستأذن: من أين تطلع؟ فلا يُحار إليه جواب، حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يَعرِف طول تلك الليلة إلَّا المتهجدون في الأرض؛ وهم حينئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين؛ في هوان من الناس وذلة من أنفسهم، فينام أحدُهم تلك الليلة قَدْرَ ما كان ينام قبلها من الليالي، ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلّاه فيصلي ورْده، كما كان يصلي قبل ذلك، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فينكر ذلك ويظنّ فيه الظنون من الشرّ ثم يقول: فلعلّني خففتُ قراءتي، أو قضَرت صلاتي، أو قمت قبل حيني!\nقال: ثم يعود أيضًا فيصلِّي ورْده كمثل ورْده، الليلة الثانية، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فيزيده ذلك إنكارًا، ويخالطه الخوف، ويظنّ في ذلك الظنون من الشرّ، ثم يقول: فلعلي خففت قراءتي، أو قصّرت صلاتي، أو قمت من أوّل الليل! ثم يعود أيضًا الثالثة وهو وجِل مُشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة، فيصلي أيضًا مثل ورْده، الليلة الثالثة، ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل. فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف، ويستخفّه البكاء، ثم ينادي بعضُهم بعضًا، وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون، فيجتمع المتهجِّدون من أهل كلّ بلدة إلى مسجد من مساجدها، ويجأرون إلى الله ﷿ بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، والغافلون في غفلتهم، حتى إذا ما تمّ لهما مقدارُ ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين، أتاهما جبرئيل فيقول: إن الرب ﷿ يأمركما أن ترجِعا إلى مغارِبكما فتطلعا منها، وأنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نورَ. قال: فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت، وخوف يوم القيامة.\nقال: فبينا الناس ينْتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خَلْف أقفيتهم","vol":"6","page":42},{"text":"من المغرب أسودين مكوّرين كالغِرارتين، ولا ضوءَ للشمس ولا نورَ للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك؛ فيتصايح أهلُ الدنيا وتَذْهَل الأمهات عن أولادها، والأحبَّة عن ثمرة قلوبها، فتشتغل كل نفس بما أتاها. قال: فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك عليهم خسارة. قال: فيرتفعان مثل البعيرين القرينين، ينازع كلُّ واحد منهما صاحبَه استِباقًا، حتى إذا بلغا سُرّة السماء - وهو منتصفها - أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردّهما إلى المغرب، فلا يُغربهما في مغاربهما من تلك العيون، ولكن يغربهما في باب التوبة.\nفقال عمر بن الخطاب ﵁: أنا وأهلى فداؤك يا رسول الله! فما باب التوبة؟ قال: يا عمر! خلق الله ﷿ بابا للتوبة خلف المغرب، مصراعين من ذهب، مكللًا بالدّر والجوهر، ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عامًا للراكب المسرع؛ فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتبْ عبد من عباد الله توبة نصوحًا من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلَّا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم ترفع إلى الله ﷿.\nقال معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم المذنب على الذنب الذي أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه، كما لا يعودُ اللبن إلى الضَّرع. قال: فيردّ جبرئيل بالمصراعين فيلأم بينهما ويصيّرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أغلِق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة، ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الإسلام إلَّا مَنْ كان قبل ذلك محسنًا، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك، قال فذلك قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾.\nفقال أبَيّ بن كعب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا! فقال: يا أبيّ! إن الشمس والقمر بعد ذلك يُكسيان النور والضوء، ويطلعان على الناس ويغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية، فيُلحّون على الدنيا حتى يُجروا","vol":"6","page":43},{"text":"فيها الأنهار، ويغرسوا فيها الشجر، ويبنوا فيها البنيان. وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهرًا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور.\nفقال حذيفة بن اليمان: أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ في الصور! فقال: يا حذيفة! والذي نفس محمد بيده، لتقومنّ الساعة ولينفخنّ في الصور والرجل قد لَطّ حوضه فلا يسقي منه، ولتقومنّ الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه، ولا يتبايعانه. ولَتقومنّ الساعة والرجلُ قد رفع لقمته إلى فيه فلا يَطْعَمها، ولتقومن الساعةُ والرجل قد انصرف بلبن لِقحته من تحتها فلا يشربه، ثم تلا رسول الله هذه الآية: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nفإذا نُفِخ في الصور، وقامت الساعة، وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد، إذْ يدعو الله ﷿ بالشمس والقمر، فيجاء بهما أسودين مكوّرين قد وقعا في زلزال وبلبال، تُرعَد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرّا لله ساجدين؛ فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا ودُؤوبنا في عبادتك، وسرعتَنا للمضيّ في أمرك أيام الدنيا، فلا تُعذبنا بعبادة المشركين إيانا، فإنا لم ندعُ إلى عبادتنا، ولم نذهَلْ عن عبادتك! قال: فيقول الرب ﵎: صدقتما، وإني قضيت على نفسي أن أبدئ وأعيد، وإني معيدكما فيما بدأتكما منه، فارجعا إلى ما خلقتما منه، قالا: إلهنا، ومِم خلقتنا؟ قال: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا إليه. قال: فيلتمع من كلّ واحد منهما برقة تكاد تَخْطَف الأبصار نورًا، فتختلط بنور العرش، فذلك قوله ﷿: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.\nقال عكرمة: فقمت مع النفر الذين حَدّثوا به، حتى أتينا كعبًا فأخبرناه بما كان من وجْد ابن عباس من حديثه، وبما حدث عن رسول الله؛ فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس، فقال: قد بلغني ما كان من وجدك من حديثي، وأستغفر الله وأتوب إليه، وإني إنما حدّثت عن كتاب دارسٍ قد تداولته الأيدي، ولا أدري ما كان فيه من تبديل اليهود، وإنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرّحمن ﷿ وعن سيد الأنبياء وخير النبيين، فأنا أحبّ أن تحدِّثني الحديث فأحفظه عنك، فإذا حدثت به كان مكان حديثي الأول.\nقال عكرمة: فأعاد عليه ابن عباس الحديث، وأنا أستقريه في قلبي بابًا بابًا،","vol":"6","page":44},{"text":"فما زاد شيئًا ولا نقص، ولا قدّم شيئًا ولا أخّر، فزادني ذلك في ابن عباس رغبة، وللحديث حفظًا (١). (١: ٦٦/ ٦٧ / ٦٨/ ٦٩ / ٧٠/ ٧١ / ٧٢/ ٧٣ / ٧٤/ ٧٥).\n٨٥ - ومما روي عن السلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطفيل، قال: قال ابن الكوّاء لعليٍّ ﵇: يا أمير المؤمنين! ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾ فهذه محوهُ (٢). (١: ٧٥).\n٨٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلْق، عن زائدة، عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابنُ الكواء عليًّا - ﵇ - فقال: ما هذا السوادُ في القمر؟ فقال عليّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، هو المحو (٣). (١: ٨٦).\n٨٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: كنت عند عليّ - ﵇ -، فسأله ابن الكوّاء عن السواد الذي في القمر فقال: ذاك آية الليل محيتْ (٤). (١: ٨٦).\n٨٨ - حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا عمران بن حُدير عن رفيع أبي كثيرة، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: سلوا عما شئتم، فقام ابن الكوّاء فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال: قاتلك الله! هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك! ثم قال: ذاك محو الليل (٥). (١: ٨٦).\n٨٩ - حدثنا زكرياء بن يحيى بن أبان المصريّ، قال: حدثنا ابن عفير، قال: حدثنا ابن لهيعة عن حُييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رجلًا قال لعلى ﵁: ما السوادُ الذي في القمر؟\n_________\n(١) خبر موضوع.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":45},{"text":"قال: إن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١). (١: ٧٦).\n٩٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، قال: هو السواد بالليل (٢). (١: ٧٦/ ٧٧).\n٩١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: كان القمرُ يضيء كما تُضيء الشمس، والقمرُ آية الليل، والشمس آية النهار، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، السواد الذي في القمر (٣). (١: ٧٧).\n٩٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: ذكر ابن جُرَيج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾، قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾، قال: السواد الذي في القمر، كذلك خلقه الله (٤). (١: ٧٧).\n٩٢ / أ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين، فجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرةً يبصر بها، ومحا آية الليل التي هي القمر بالسواد الذي فيه. وجائز أن يكون الله تعالى ذكرُه خَلَقهما شمسين من نور عرشه، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله مَنْ ذكرنا قوله، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما.\nوجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التي تُكساها من ضوء العرش، ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي (٥). (١: ٧٨).\n٩٢ / ب - وإذ كنّا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله ﷿ في إنشاء\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":46},{"text":"ما أراد إنشاءه من خَلْقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سِني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار، وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربّها ﷿ والمطيعة ربها منهم، وأزمان الرسل والأنبياء، وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصحّ التأريخات، وتعرف به الأوقات والساعات، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تُدرَك معرفة ساعات الليل وأوقاته، وبالآخر تُدرك علم ساعات النهار وأوقاته. فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكًا، وأنعم عليه فكفر نعمتَه، وجحد ربوبيته، وَعتَا على ربه واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه وأذله. ثم نُتْبعه ذكر من استنّ في ذلك سنّته، واقتفى فيه أثره، فأحلّ الله به نقمته، وجعله من شيعته، وألحقه به في الخزي والذلّ. ونذكر منْ كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، أو مِن الرسل والأنبياء إن شاء الله ﷿ (١). (١: ٧٩).\n٩٢ / ج - فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله.\nوكان الله - ﷿ - قد أحسن خلقه وشرفه وكرّمه وملّكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذُكر، وجعله مَع ذلك من خُزّان الجنة، فاستكبر على ربه وادعى الربوبية، ودعا مَنْ كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطانًا رجيمًا، وشوّه خَلْقه، وسلبه ما كان خوّله، ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته في الآخرة نارَ جهنم، نعوذ بالله من غضبه، ومن عمل يقرّب من غضبه، ومن الحَوْر بعد الكوْر.\nونبدأ بذكر جمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان الله ﷿ أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه، وادّعائه ما لم يكن له ادّعاؤه، ثم نُتبع ذلك ما كان من الأحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه، والسبب الذي به\n_________\n(١) رحم الله الإمام الطبري كيف يكتب هذا الكلام وهو الذي فسر قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾. وهو معنى قوله ﵊: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).","vol":"6","page":47},{"text":"زال عنه ما كان فيه من نعمة الله عليه، وجميل آلائه، وغير ذلك من أموره، إن شاء الله مختصرًا (١). (١: ٧٩/ ٨٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>ذكر الأخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء الدنيا والأرض وما بين ذلك</span>\n٩٣ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض (٢). (١: ٨١).\n٩٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جُريج، عن صالح مولى التوءمة وشريك بن أبي نَمِر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلةً من الجنّ وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض (٣). (١: ٨١).\n٩٥ - حدثنا موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حَمَّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي: جُعل إبليس على سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكه خازنًا (٤). (١: ٨١).\n٩٦ - حدثني عبدان المَرْوَزيّ، حدثني الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله ﷿: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف وانظر تعليقنا (١/ ٨٨).\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":48},{"text":"كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض (١). (١: ٨١/ ٨٢).\n٩٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوءمة، عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلًا يقال لهم: الجن، فكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا (٢). (١: ٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه واستكباره عليه وادعائه الربوبية</span>\n٩٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُرَيج: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ قال: قال ابن جريج: من يقلْ من الملائكة إني إله من دونه، فلم يقله إلَّا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس (٣). (١: ٨٣).\n٩٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيمًا! فقال: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٤). (١: ٨٣).\n١٠٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور عن (٢)\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\nقلنا: لم يكن إبليس يومًا من الملائكة فذلك مخالف لنص آية قرآنية صريحة من سورة الكهف / ٥٠) ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وسننقل رأي الحافظ ابن كثير ﵀ في هذه الروايات في (١: ٨٨). إن شاء الله تعالى.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":49},{"text":"معمر، عن قتادة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾، قال: هي خاصة لإبليس (١). (١: ٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>القول في الأحداث التي كانت في أيام ملك إبليس وسلطانه والسبب الذي به هلك وادعى الربوبية</span>\n١٠١ - فمن الأحداث التي كانت في ملك عدو الله - إذ كان لله مطيعًا - ما ذكر لنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدثناه أبو كُرَيب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن خلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، قال: وكان خازنًا من خزّان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحيّ، قال: وخُلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مَارج من نار، وهو لسانُ النار الذي يكون في طرفها إذا ألهِبَتْ، قال: وخلق الإنسان من طين، فأوّل مَنْ سكن الأرض الجنّ فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضُهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس من جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين يقال لهم الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه، وقال: قد صنعت شيئًا لَم يصنعه أحد، قال: فاطّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطّلع عليه الملائكة الذين كانوا معه (٢). (١: ٨٤).\n١٠٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجنّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، قال: فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقتلهم، فكانت الدماءُ وكان الفساد في الأرض (٣). (١: ٨٤).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف جدًّا.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>ذكر السبب الذي به هلك عدو الله وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه ﷿</span>\n١٠٣ - اختلف السلف من الصحابة والتابعين في ذلك، وقد ذكرنا أحد الأقوال التي رُويت في ذلك عن ابن عباس، وذلك ما ذكر الضحاك عنه: أنه لما قتّل الجن الذين عصَوُا الله، وأفسدوا في الأرض وشرَّدهم، أعجبته نفسه ورأى في نفسه أن له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره (١). (١: ٨٥).\n١٠٤ - والقول الثاني من الأقوال المرويَّة في ذلك عن ابن عباس: أنه كان مَلك سماء الدنيا وسائسها، وسائس ما بينها وبين الأرض، وخازن الجنة، مع اجتهاده في العبادة، فأعجب بنفسه، ورأى أن له بذلك الفضل، فاستكبر على ربه - ﷿ - (٢) (١: ٨٥).\nذكر الرواية عنه بذلك:\n١٠٥ - حدثنا موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبيّ، قال: لما فرغ الله ﷿ من خلْق ما أحبّ استوى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلك سماء الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سُمّوا الجن لأنهم خزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره كبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلَّا لمزيّةٍ؛ هكذا حدثني موسى بن هارون (٣). (٨٥: ١).\n١٠٦ - وحدثني به أحمد بن أبي خَيثمة عن عمرو بن حماد، قال: لمزيّة لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِبْر في نفسه اطَّلع الله ﷿ على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤). (١: ٨٦).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) هذا إسناد لم يصححه الطبري نفسه وشيخه لم نجد له ترجمة.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":51},{"text":"١٠٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، عن خَلَّاد بن عطاء، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عَزَازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك الذي دعاه إلى الكِبْر، وكان من حي يسمَّون جنًّا (١). (١: ٨٦).\n١٠٨ - وحدثنا به ابن حُميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاووس -أو مجاهد أبي الحجاج- عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلَّا أنه قال: كانَ ملَكًا من الملائكة اسمه عَزَازيل، وكان من سكان الأرض وعُمَّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمَّوْن الجنّ من بين الملائكة (٢). (٨٦٠١).\n١٠٩ - حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدثنا شيبان، قال: حدثنا سَلّام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّب، قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (٣). (١: ٨٦).\n١٠٩ / أ - والقول الثالث من الأقوال المروية عنه أنه كان يقول: السبب في ذلك: أنه كان من بقايا خلق خلقهم الله ﷿، فأمرهم بأمر فأبوْا طاعته (٤). (١: ٨٦).\nذكر الرواية عنه بذلك:\n١١٠ - حدثني محمّد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَبِيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقًا فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، قال: فبعث الله عليهم نارًا تُحرقهم، ثم خلق خلقًا آخر فقال: إني خالق بشرًا من طين فاسجدوا لآدم، فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، قال: ثم خلق هؤلاء فقال: ألا تسجدوا لآدم! قالوا: نعم، قال: وكان إبليس من\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":52},{"text":"أولئك الذين أبوْا أن يسجدوا لآدم (١). (١: ٨٧).\n١١٠ / أ - وقال آخرون: بل السبب في ذلك: أنّه كان من بقايا الجنّ الذين كانوا في الأرض، فسفكوا فيها الدماء، وأفسدوا فيها، وعصوْا ربهم؛ فقاتلتهم الملائكة (٢). (١: ٨٧).\nذكر من قال ذلك:\n١١١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو سعيد اليحمَديّ إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثني سَوَّار بن الجعْد اليحمَديّ عن شهر بن حَوْشب، قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: كان إبليس من الجنّ الذين طردتهم الملائكة، فأسرَه بعضُ الملائكة فذهب به إلى السماء (٣). (١: ٨٧).\n١١٢ - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلّال، قال: حدثني سُنَيد بن داود، قال: حدثنا هُشَيم، قال: أخبرَنا عبد الرحمن بن يحيى عن موسى بن نُمَير وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسُبِي إبليس، وكان صغيرًا، وكان مع الملائكة يتعبد معهم، فلما أُمروا أن يسجدوا لآدم سجدوا، وأبي إبليس، فلذلك قال الله ﷿: ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٤). (١: ٨٧).\n١١٢ / أ - وقد قيل: إن سببَ هلاكه كان من أجل أنّ الأرضَ كان فيها قبل آدم الجنّ؛ فبعث الله إبليسَ قاضيًا يقضِي بينهم، فلم يزل يقضي بينهم بالحق ألف سنة حتى سمي حَكَمًا، وسمّاه الله به، وأوحى إليه اسمه، فعند ذلك دخله الكبر، فتعظّم وتكبّر، وألقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حَكَمًا البأسَ والعداوة والبغضاء، فاقتتلوا عند ذلك في الأرض ألْفَي سنة فيما زعموا؛ حتى إن خيولهم تخوض في دمائهم، قالوا: وذلك قول الله ﵎: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ وقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":53},{"text":"الدِّمَاءَ﴾! فبعث الله تعالى عند ذلك نارًا فأحرقتهم. قالوا: فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرَج إلى السماء، فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدًا لم يعبده شيء من خلقه مثل عبادته، فلم يزل مجتهدًا في العبادة حتى خلق الله آدم، فكان من أمره ومعصيته ربّه ما كان (١). (١: ٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>القول في خلق آدم - ﵇ </span>-\n١١٢ / ب - وكان مما حدث في أيام سلطانه وملكه خلق اللهُ تعالى ذكره أبانا\n_________\n(١) ضعيف.\nلقد ذكر الطبري ﵀ روايات كثيرة في هذا الباب استغرقت الصفحات (١/ ٨١) إلى (١/ ٨٨) ويبدو أن تلك الروايات لم تصل إلى درجة يحتج بها الطبري ولذلك قال في نهاية هذه الروايات:\n(عندما تحدث عن الأسباب المحتملة لإخراج إبليس من رحمة الله وإبعاده عنها): ولا يُدرَكُ علم ذلك إلَّا بخبر تقوم به الحجة ولا خبر في ذلك عندنا كذلك، والاختلاف في أمره على ما حكيناه ورويناه. (تأريخ الطبري ١/ ٨٨).\nقلنا: ولقد ذكرنا جميع هذه الروايات في قسم الضعيف ونود أن نذكر هنا الروايات:\nفقد أخرج ﵀ نماذج من روايات الطبري هذه منها ما تذكر أن إبليس كان رئيس ملائكة سماء الدنيا، أو أنه كان خازنًا من خزنة الجنة، أو أنه كان يدبر أمر السماء الدنيا ... إلخ تلك الروايات).\nثم عقب الحافظ ابن كثير قائلًا: وقد روى في هذا آثارًا كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تُنقل ليُنظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها.\nومنها ما يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنيين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين. كما لهذه الأمة من الأئمة العلماء والسادة الأتقياء البررة النجباء، من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد، الذين دوّنوا الحديث وحرّروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين. وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي - خاتم الرسل وسيّد البشر، عليه أفضل التحيات والصلوات والتسليمات - أن يُنسب إليه كذب أو يتحدث عنه بما ليس منه.\nفرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل. (تفسير القرآن العظيم ٥/ ٢١٧١). ا. هـ.","vol":"6","page":54},{"text":"آدم أبا البشر؛ وذلك لما أراد ﷻ أن يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء إبليس على الكِبْر ولم يعلمه الملائكة، وأراد إظهار أمره لهم حين دنا أمره للبوار، وملكه وسلطانه للزوال، فقال عزّ ذكره لما أراد ذلك للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فأجابوه بأن قالوا [له]: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾! فروي عن ابن عباس: أن الملائكة قالت ذلك كذلك للذين قد كانوا عهدوا من أمر الجنّ الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك، فقالوا لربهم جلّ ثناؤه لما قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أتجعلُ فيها من يكون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها، فكانوا يسفكون فيها الدماء ويُفسدون فيها ويعصونك، ونحن نُسَبِّحُ بحَمْدك ونُقَدّس لك، فقال الربّ تعالى ذكره لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، يقول: أعلم ما لا تعلمون من انطواء إبليس على التكبر، وعزْمِه على خلافه أمري، وتسويل نفسه له الباطل واغتراره، وأنا مبدٍ ذلك لكم منه لتروْا ذلك منه عِيانًا.\nوقيل أقوال كثيرة في ذلك، قد حكينا منها جُمَلًا في كتابنا المسمى: \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\"، فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضع (١). (١: ٨٩).\n١١٣ - فلما أراد الله - ﷿ - أن يخلق آدم - ﵇ - أمر بتربته أن تؤخذ من الأرض، كما حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق، عن الضحّاك، عن ابن عباس، قال: ثم أمر -يعني: الربّ ﵎- بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طينٍ لازب - واللازب الَّلزِج الطيِّب - من حَمَإ مَسْنونٍ، مُنتن، قال: وإنما كان حَمَأ مسنونًا بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده (٢). (١: ٨٩/ ٩٠).\n١١٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السُّديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهَمْدَانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي، قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":55},{"text":"قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ يعني من شأن إبليس، فبعث الله جَبرئيل - ﵇ - إلى الأرض ليأتيَه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني شيئًا وتَشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ! إنها عاذت بك فأعذتُها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها. فرجع، فقال كما قال جَبرئيل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع، ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلَط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فبَلَّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا - واللازب هو يلتزق بعضه ببعض - ثم تُرك حتى تغير وأنتن، وذلك حين يقول: ﴿مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنْتِن (١). (١: ٩٠).\n١١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القُمِّيّ عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: بعث ربّ العزة ﷿ إبليس، فأخذ من أديم الأرض، من عذبها ومِلْحها، فخلق منه آدم، ومن ثَمَّ سُمّيَ آدم، لأنه خلق من أديم الأرض، ومن ثَمَّ قال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، أي هذه الطينة أنا جئتُ بها (٢). (١: ٩١).\n١١٦: حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شُعْبة عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جُبَير، قال: إنما سُمِّي آدم لأنه خُلق من أديم الأرض (٣). (١: ٩١).\n١١٧ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مِسْعَر عن أبي حَصيِن، عن سعيد بن جُبَير، قال: خُلِق آدم من أديم الأرض فُسمِّي آدمَ (٤). (١: ٩١).\n١١٨ - حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا وقال الطبري نفسه عن هذا الإسناد: ولا أظنه صحيحًا، وذكره ابن كثير ضمن حديث طويل جدًّا وقال: لبعض هذا السياق شاهد في الأحاديث.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة ولا نحسبه إلَّا من ابن حميد الرازي فهو متهم بالكذب.\n(٣) مرسل ضعيف.\n(٤) مرسل ضعيف.","vol":"6","page":56},{"text":"عمرو بن ثابت عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ ﵁، قال: إن آدم خُلِق من أديم الأرض، فيه الطيِّب والصالح والرديء، فكلّ ذلك أنت راءٍ في ولده الصالحَ والرديء (١). (١: ٩١).\n١١٨ / أ - وذكر: أن الله تعالى ذكره لما خَمَّرَ طينة آدم تركها أربعين ليلة، وقيل أربعين عامًا جسدًا ملقى (٢). (١: ٩٢).\nذكر من قال ذلك:\n١١٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أمر الله ﵎ بتربة آدم فرفعت، فخلق آدمَ من طين لازب من حمإ مسنون. قال: وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التّراب؛ قال: فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقىً، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوّت، قال: فهو قول الله ﵎: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾؛ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثمّ يدخل في فيه ويخرج من دُبُره، ويدخل في دُبُره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، ولشيء ما خُلقتَ، ولئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنَّك، ولئن سُلّطتَ عليّ لأعصينك (٣). (١: ٩٢).\n١٢٠ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حَمّاد؛ قال: حدثنا أسباط عن السدّيّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْدَانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢]؛ فخلقه الله ﷿ بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول حين يتكبر: تتكبّرُ عمّا عملتُ بيدي ولم أتكبّر أنا عنه! فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدّهم فزعًا إبليس، فكان يمرّ به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوّت\n_________\n(١) مرسل ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":57},{"text":"الفخّار تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾، ويقول: لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه وخرج من دُبُره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأُهلكنّه (١). (١: ٩٣).\n١٢١ - وحدثنا عن الحسن بن بلال، قال: حدثنا حمَّاد بن سلمة عن سليمان التَيميِّ، عن أبي عثمان النهْدِيّ، عن سلْمان الفارسيّ، قال: خمّر الله تعالى طينة آدم - ﵇ - أربعين يومًا، ثم جمعه بيديه، فخرج طيّبُه بيمينه، وخبيثه بشماله، ثم مسح يديه إحداهما على الأخرى، فخلط بعضَه ببعض، فمن ثمَّ يخرج الطيّب من الخبيث، والخبيث من الطيّب (٢). (١: ٩٣).\n١٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يقال - والله أعلم: خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين يومًا قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالًا كالفخّار، ولم تمسّه نار، قال: فلما مضى له من المدَّة ما مضى وهو طين صلصال كالفخّار؛ وأراد - ﷿ - أن ينفخ فيه الروح؛ تقدّم إلى الملائكة فقال لهم: إذا نفختُ فيه من روحي فقَعُوا له ساجدين (٣). (١: ٩٣/ ٩٤).\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف جدًّا ولم يحتج الطبري نفسه بهذا الإسناد، وقد أخرج غير واحد من الأئمة نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إن الله خلق آدم من تراب ثم جعله طينًا ثم تركه حتى إذا كان حمًا مسنونًا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالًا كالفحار: قال: فكان إبليس يمر به يقول: لقد خلقت لأمر عظيم. ثم نفخ الله فيه الروح، ونظر في خياشمه فعطس فلقاه الله حمد ربه، فقال الرب: يرحمك ربك). ثم قال: هذا إسناد ضعيف لضعف إسماعيل بن رافع.\n(الإتحاف / ح ٨٧٨٦) وانظر مجمع الزوائد للهيثمي إذ قال: وفيه إسماعيل بن رافع.\nقال البخاري ثقة مقارب الحديث، وضعفه الجمهور (ح / ١٣٠٧٤٧) وانظر المسند (١١/ ٦٥٨٠).\nقلنا: وإسماعيل هذا ضعفه الأكثرون، وقال النسائي: متروك الحديث وقال ابن عدي: وأحاديثه كلها مما فيه نظر إلَّا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء (١/ ١١٩).\nقلنا: وبعض الحديث صحيح فلعل إسماعيل هذا أدرج بعضًا في بعض والله أعلم.\n(٢) إسناده مرسل ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":58},{"text":"فلما نفخ فيه الروح أتته الروح من قبَل رأسه (فيما ذكر عن السَّلَف قبْلنا: أنهم قالوه).\nذكر من قال ذلك:\n١٢٣ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: فلما بلغ الحين الذي أراد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه؟ عطَس، فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله ﷿ له: رحمك ربّك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح على رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فقال الله له: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين، قال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ -يعني: ما ينبغي لك- ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، والصَّغَار الذلّ (١). (١: ٩٤).\n١٢٤ - حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضَّحاك، عن ابن عباس، قال: فلما نفخ الله ﷿ فيه -يعني في آدم- مِنْ روحه أتت النفخة من قِبَل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلَّا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله ﷿ ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال: ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطَس فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله، فقال: يرحمك الله يا آدم، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلّهُم أجمعون إلَّا إبليس\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا كذلك ولم يصحح الطبري نفسه هذا الإسناد.","vol":"6","page":59},{"text":"أبى واستكبر، لما كان حدَّث به نفسه من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد، وأنا خير منه وأكبر سنًّا، وأقوى خَلْقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، يقول: إن النار أقوى من الطين، قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله تعالى، أيأسه من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته (١). (١: ٩٥).\n١٢٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: فيقال - والله أعلم -: إنه لما انتهى الروحُ إلى رأسه عطس فقال: الحمد لله، قال: فقال له ربه: يرحمك ربّك، ووقعت الملائكة حين استوى سجودًا له، حفظًا لعهد الله الذي عهد إليهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به، وقام عدوّ الله إبليس من بينهم، فلم يسجد متكبرًا متعظمًا بغيًا وحسدًا، فقال: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قال: فلما فرغ الله تعالى من إبليس ومعاتبته وأبى إلَّا المعصية أوقع الله تعالى عليه اللعنة، وأخرجه من الجنة (٢). (١: ٩٥).\n١٢٥ / أ - وقال آخرون: بل إنما عُلِّم اسمًا خاصًّا من الأسماء، قالوا: والذي عُلِّمه أسماء الملائكة (٣) (١: ٩٨).\nذكر من قال ذلك:\n١٢٦ - حدثني عبدة المرْوَزيّ، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع، قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء الملائكة (٤). (١: ٩٩).\nوقال آخرون مثلَ قولِ هؤلاء في أن الذي علّم آدم [من] الأسماء [اسمًا] خاصًّا من الأشياء؛ غير أنهم قالوا: الذي عُلّم من ذلك أسماء ذريته.\nذكر من قال ذلك:\n١٢٧ - حدثني يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":60},{"text":"﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: أسماء ذريته، فلما عَلَّم الله آدم الأسماء كلّها عرض الله ﷿ أهلَ الأسماء على الملائكة، فقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وإنما قال ذلك ﷿ للملائكة - فيما ذكر - لقولهم إذ قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فعرض - بعد أن خلق آدم - ﵇ - ونفخ فيه الروح، وعلمه أسماء كلّ شيء - مما خلق من الخلق - عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّي إن جعلت منكم خليفتي في الأرض أطعتموني وسبّحتموني وقدستموني ولم تعصوني، وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك، فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم، فأنتم بألّا تعلموا ما يكون من أمركم - إن جعلتُ خليفتي في الأرض منكم، أو من غيركم إن جعلته من غيركم، فهم عنْ أبصاركم غُيَّبٌ لا ترونهم ولا تعاينونهم، ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم - أحْرَى (١). (١: ٩٩).\nوهذا قول رُوي عن جماعة من السلف.\nذكر بعض من رُوي ذلك عنه:\n١٢٨ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسْباط عن السُّدِّي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يُفْسدون في الأرض ويسفكون الدماء (٢). (١: ١٠٠).\n١٢٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجْعَلُ في الأرض خليفة (٣). (١: ١٠٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":61},{"text":"١٢٩ / أ - وقد قيل: إن الله ﷻ قال ذلك للملائكة لأنه ﷻ لما ابتدأ في خلق آدم؛ قالوا فيما بينهم: لِيخلقْ ربُّنا ما شاء أن يخلُق، فلنْ يخلُقَ خلقًا إلَّا كنّا أعلم منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلق آدمَ - ﵇ - وعلَّمَه أسماءَ كلِّ شيء عرَض الأشياء التي علّم آدم أسماءها عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في قيلِكم: إنّ الله لم يخلق خلقًا إلَّا كنتم أعلمَ منه، وأكرم عليه منه (١). (١: ١٠٠).\n١٣٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن جرير بن حازم، ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة، قالا: قال الله ﷿ للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل، فعَرضوا برأيهم، فعلّمهم علمًا وطوى منهم علمًا علِمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علّمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ - وقد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى: أنه لا ذنب عند الله تعالى أعظم من سفك الدماء - ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما أخذ تعالى في خلق آدم - ﵇ - همست الملائكة فيما بينهم، فقالوا: ليخلقْ ربُّنا ﷿ ما شاء أن يخلق، فلن يخلُقَ خَلقًا إلَّا كنا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه، فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا: أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه، لأنا كنّا قبله، وخلِقت الأمم قبله، فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا، فعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين أنّي لم أخلق خلقًا إلَّا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالا: ففزع القوم إلى التوبة، وإليها يفزع كل مؤمن، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولهم: لِيخلقْ ربنا ما شاء، فلن يخلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منّا، ولا أعلم منا، قال: علّمه اسْمَ كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعلَ يسمِّي كلَّ شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة، قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":62},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، قال: أمّا ما أبدوْا؛ فقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وأمّا ما كتموا؛ فقولهم بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم (١). (١: ١٠١/ ١٠٢).\n١٣١ - حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: وذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم: لن يخلق الله تعالى خلْقًا إلَّا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ عليه، فأراد الله تعالى أن يخبرهم أنه قد فضّل عليهم آدم، وعلّمه الأسماء كلها؛ وقال للملائكة: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فكان الذي أبدوْا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وكان الذي كتموا بينهم [قولهم]: لن يخلق ربّنا خلقًا إلَّا كنَّا نحن أعلم منه وأكرم، فعرفوا أن الله ﷿ فضّل عليهم آدم في العلم والكرم (٢). (١: ١٠٢/ ١٠٣).\n١٣١ / أ - فلما ظهر للملائكة من استكبار إبليس ما ظهرَ، ومن خلافه أمر ربه ما كان مستترًا عنهم من ذلك، عاتبه ربه على ما أظهر من معصيته إياه بتركه السجود لآدم، فأصرّ على معصيته، وأقام على غيه وطغيانه - لعنه الله - فأخرجه من الجنة، وطرده منها، وسلبه ما كان أتاه من ملك السماء الدنيا والأرض، وعزله عن خَزْن الجنة فقال لهُ ﷻ: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهو بعد في السماء لم يهبط إلى الأرض (٣). (١: ١٠٣).\n١٣٢ - وأسكن الله ﷿ حينئذ آدم جنّته؛ كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمَّاد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ولم نجد رواية مرفوعة صحيحة تبين ما كان الملائكة تكتمها، ولا طريق لنا إلى ذلك إلَّا الصحيح والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) لم يصح في حديث مرفوع أنه عليه اللعنة كان ملك السماء الدنيا وما إلى ذلك.","vol":"6","page":63},{"text":"أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مزة الهمْدَانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله: فأخرِج إبليس من الجنة حين لُعن وأسكِن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشيًّا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ؛ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ، فقال الله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾ (١). (١: ١٠٣/ ١٠٤).\n١٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله تعالى من معاتبة إبليس؛ أقبل على آدم - ﵇ - وقد علّمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، قال: ثم ألقى السِّنَة على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم - عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، وَلأم مكانها لحمًا، وآدم - ﵇ - نائم لم يهبّ من نومته، حتى خلق الله تعالى من ضِلَعه تلك زوجه حواء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال: فيما يزعمون والله أعلم لحمي ودمي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله ﷿ وجعل له سكنًا من نفسه؛ قال له قُبُلًا: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). (١: ١٠٤).\n١٣٤ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ قال: حواء من قُصَيرَي آدم، وهو نائم فاستيقظ فقال: \"أثا\" بالنَّبَطية، امرأة (٣). (١: ١٠٤).\n١٣٥ - حدثنا المثنَّى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن\n_________\n(١) هذا إسناد لم يصححه الطبري نفسه وهو كذلك غير صحيح.\n(٢) شيخ الطبري هنا ضعيف وقد أبان أنه أخذ هذا التفسير من الإسرائيليات.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":64},{"text":"أبي نَجِيح، عن مجاهد مثله (١). (١: ١٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم - ﵇ - وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته، وذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذي كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده، ومكَّنه في جنته من رغد العيش وهنيئه، وما أزال ذلك عنهُ، فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نَكد عيش أهل الأرض وعلاج الحراثة والعمل بالمَساحي والزراعة فيها</span>\nفلما أسكن الله ﷿ آدم - ﵇ - وزوجه أطلق لهما أن يأكلا كلّ ما شاءا أكله من كل ما فيها من ثمارها، غير ثمر شجرة واحدة ابتلاءً منه لهما بذلك، وليمضي قضاء الله فيهما وفي ذريتهما، كما قال ﷿: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما أكل ما نهاهما ربُّهما عن أكله من ثمر تلك الشجرة، وحسّن لهما معصية الله في ذلك، حتى أكلا منها؛ فبدت لهما من سوْآتهما ما كان مُوَارى عنهما منها (٢). (١: ١٠٦).\n١٣٦ - فكان وصول عدوّ الله إبليس إلى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذي حدثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْداني، عن ابن مسعود - وعن أناس من أصحاب النبي، قال: لما قال الله - ﷿ - لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعه الخَزَنة، فأتى الحية؛ وهي دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير؛ وهي كأحسن الدوابّ فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخَلته في فمها، فمرّت الحية على الخزَنة [فدخلت] وهم لا يعلمون، لِمَا أراد الله ﷿ من الأمر،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":65},{"text":"فكلّمه من فمها ولم يُبال كلامه، فخرج إليه فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنتَ مَلِكًا مثل الله ﵎ أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدًا، وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين، وإنما أراد بذلك أن يبديَ لهما ما توارى عنهما من سوءاتهما بهَتْك لباسهما، وكان قد علم أن لهما سَوْءَةً لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظُّفْر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كُلْ؛ فإني قد أكلتُ، فلم يضرّني، فلما أكل؛ بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يَخْصفان عليهما من ورق الجنة (١). (١: ١٠٦/ ١٠٧).\n١٣٧ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن ليث ابن أبي سُلَيم، عن طاووس اليمانيّ، عن ابن عباس، قال: إن عدوّ الله إبليس عرَض نفسه على دوابّ الأرض؛ أيها تحمله حتى تدخل به الجنة حتى يكلّم آدم وزوجه، فكلّ الدواب أبي ذلك عليه، حتى كلّمَ الحية، فقال لها: أمنعُك من بني آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني الجنة، فجعلته بين نابَين من أنيابها ثم دخلت به، فكلمهما من فمها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله تعالى وجعلها تمشي على بطنها، قال: يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وجدتموها، وأخْفِروا ذمة عدوّ الله فيها (٢). (١: ١٠٧).\n١٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: لما أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونُها متشعب بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلّهما دخل في جوف الحية، وكان للحية أربع قوائم، كأنها بُختيّة من أحسن دابة خلقها الله تعالى، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا وهو من الإسرائيليات.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":66},{"text":"ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأخذت حوّاء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلى آدم، فقالت: انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربُّه: يا آدم، أين أنت؟ قال: أنا هذا يا ربّ، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا ربّ، قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة حتى يتحول ثمارها شوكًا! قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة كانت أفضل من الطلح والسِّدر. ثم قال: يا حوّاء! أنت التي غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحملين حَمْلًا إلَّا حملتِه كرهًا، فإذا أردت أن تضعِي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في بطنك حتى غرّ عبدي، ملعونة أنت لعنة حتى تتحول قوائمُك في بطنك، ولا يكنْ لك رزق إلَّا التراب، أنتِ عدوّة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخذتِ بعقبهِ، وحيث لقيَك شدَخ رأسك.\nقيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء (١). (١: ١٠٨).\n١٣٩ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رغدًا حيث شاءا، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحيّة، فكلّم حواء، ووسوس إلى آدم فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ قال: فقطعت حوّاء الشجرة فدمِيت الشجرة، وسقط عنهما رياشهما الذي كان عيهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لمَ أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا ربّ أطعمتْني حواء. قال لحواء: لم أطعمتِه؟ قالت: أمرتْني الحية، قال للحية: لم أمرتِها؟ قالت: أمرَني إبليس، قال: ملعونٌ مدحورٌ! أما أنت يا حواء؛ فكما أدميتِ الشجرة تَدْمَينَ في كلّ هلال، وأما أنتِ يا حية؛ فأقطعُ قوائمك\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ومثل هذا الكلام يحتمل أن يكون مرفوعًا فلا يحتج به، بل إلى الإسرائيليات أقرب.","vol":"6","page":67},{"text":"فتمشين جريًا على وجهك، وسيشدَخ رأسكَ مَنْ لقيَك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدو (١). (١: ١٠٩).\n١٤٠ - حدثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني محدّث: أن الشيطان دخل الجنة في صورةِ دابة ذات قوائم، فكان يُرَى: أنه البعير، قال: فَلُعِن، فسقطت قوائمه فصار حيّة (٢). (١: ١٠٩).\n١٤١ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع قال: وحدثني أبو العالية؛ قال: إنّ من الإبل ما كان أولها من الجنّ. قال: فأبيحت له الجنة كلّها -يعني: آدم- إلَّا الشجرة، وقيل لهما ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: فأتى الشيطان حواء فبدأ بها، فقال: نُهيتما عن شيء؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرة، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. قال: فبدأتْ حواء فأكلمتْ منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال: وكانت شجرة، مَنْ أكل منها أحدث، قال: ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَثٌ، قال: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، قال: فأخرج آدم من الجنة (٣). (١: ١٠٩/ ١١٠).\n١٤٢ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: أن آدم - ﵇ - حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة، وما أعطاه الله منها؛ قال: لو أنا خُلّدنا! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه، فأتاه من قِبَل الخُلْد (٤). (١: ١١٠).\n١٤٣ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: حُدّثتُ: أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح عليهما نياحة أحزنتْهما حين سمعاها، فقالا له: ما يُبْكيك؟ قال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما، ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال:\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف.\n(٢) إسناد مرسل ضعيف.\n(٣) هذا إسناد ضعيف ولم يببن الطبري الواسطة بينه وبين عمار.\n(٤) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":68},{"text":"يا آدم هل أدلُّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، أي: تكونان ملَكين أو تخلدان، أي إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة فلا تموتان يقول الله ﷿: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١). (١: ١١٠/ ١١١).\n١٤٤ - حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﷾: ﴿فَوَسْوَسَ﴾: وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسّنها في عين آدم، قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت: لا، إلَّا أن تأتيَ هاهنا، فلما أتى قالت: لا، إلَّا أن تأكل من هذه الشجرة، قال: فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما. قال: وذهب آدم هاربًا في الجنة، فناداه ربُّه: يا آدم، أمنّي تفرّ؟ قال: لا يا ربّ، ولكن حياءً منك، قال: يا آدم، أنَّى أُتِيتَ؟ قال: من قِبَل حواء يا رب؛ فقال الله ﷿ فإنّ لها عليّ أن أدميَها في كل شهر مرة، كما أدمتْ هذه الشجرة، وأن أجعلها سفيهة، وقد كنت خلقتُها حليمة، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، وَقَدْ كنت جعلتها تحمل يَسَرًا وتضع يَسَرًا. قال ابن زيد: ولولا البليّةُ التي أصابت حواء لكان نساءُ أهل الدنيا لا يَحِضْنَ، وَلَكُنَّ حليمات، ولكُنْ يحملن يسرًا، ويضعن يسرًا (٢). (١: ١١١).\n١٤٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواءَ سقتْه الخمر حتى إذا سكِر قادته إليها، فأكل منها فلما واقع آدم وحواء الخطيئة، أخرجهما الله تعالى من الجنة، وسلبَهما ما كانا فيه من النعمة والكرامة، وأهبطهما وعدوهما إبليس والحيّة إلى الأرض، فقال لهم ربهم: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ (٣). (١: ١١١/ ١١٢).\nوكالذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة فخمر الجنة لا يذهب العقل.","vol":"6","page":69},{"text":"١٤٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل، عن إسماعيل السّديّ، قال: حدثني مَنْ سمع ابن عباس يقول: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وحواء وإبليس والحية (١). (١: ١١٢).\n١٤٧ - حدثنا سفيان بن وكيع، وموسى بن هارون، قالا: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهَمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فلعن الحيّة فقطع قوائمها، وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب، وأهبط إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية (٢). (١: ١١٢).\n١٤٨ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله ﷿: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وحواء وإبليس والحية (٣). (١: ١١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>القول في قدر مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله ﷿ إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض</span>\n١٤٨ / أ - قَدْ تظاهرت الأخبار عن رسول الله بأن الله ﷿ خلق آدم ﵇ يوم الجمعة، وأنه أخرجه فيه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض فيه، وأنه فيه تاب عليه، وفيه قبضه (٤). (١: ١١٣).\n١٤٩ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور ومغيرة، عن\n_________\n(١) إسناده صحيح وهو مرسل.\n(٢) لا يحتج بإسناده.\n(٣) هذا إسناد مرسل.\nقال ابن كثير ﵀: وقد ذكره المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده، وأبي العالية.\nووهب ابن منبه وغيرهم هاهنا أخبارًا إسرائيلية عن قصة الحيّة وإبليس وكيف جرى من دخول إبليس الجنة ووسوسته (تفسير سورة البقرة (٣٦) وشك في صحتها قائلًا: (إن كان صحيحًا).\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":70},{"text":"زياد بن كليب أبي معشر، عن إبراهيم، عن الْقَرْثَع الضَّبيّ - وكان القرثع من القراء الأولين - قال: قال سلمان: قال لي رسول الله: \"يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، يقولها ثلاثًا: \"يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ فيه جَمّع أبوك\"، أو \"أبوكم\" (١). (١: ١١٤/ ١١٥).\n١٥٠ - حدثني محمد بن عُمَارة الأسديّ، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا شيبان عن يحيى، عن أبي سلَمة، أنه سمع أبا هريرة يحدّث، أنه سمع كعبًا يقول: خيرُ يومِ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم - ﵇ -، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة (٢). (١١٥: ١).\n١٥١ - حدثني الحسين بن يزيد الأَدَميّ، قال: حدثنا روْح بن عُبادة، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار، عن عُبَيد بن عمير، قال: إنّ أولَ يوم طلعت فيه شمسه يوم الجمعة، وهو أفضل الأيام: فيه خلق الله تعالى ذكره آدم؛ خلقه على مثل صورته، فلما فرغ عطس آدم فألقى الله تعالى عليه الحمد، فقال الله: يرحمك ربّك (٣). (١: ١١٥).\n١٥٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال سلمان. قال لي رسول الله: \"يا سلمان، أتدري ما يومُ الجمعة؟ \" مرتين أو ثلاثًا، قال: \"هوَ اليوم الذي جمّع فيه أبوكم آدم\"، أو \"جمّع فيه أبوكم\" (٤). (١: ١١٥).\n_________\n(١) ضعيف فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال: والقلب إلى رواية من (جعل هذا الكلام عن أبي هريرة عن كعب) أقبل ... إلخ. ولكن الدكتور الأعظمي عقب على ابن خزيمة قائلًا: الحديث كله صحيح مرفوعًا بلا ريب ويكفي أن مسلمًا أخرجه من طريق الأعرج عن أبي هريرة ... إلخ.\nقلنا: والصواب ما قاله الأعظمي (والله أعلم) ولقد ذكرنا روايات الحديث المرفوعة الصحيحة في قسم الصحيح (١/ ١١٥) فليراجع.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم - ﵇ - من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض</span>\n١٥٣ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قال: قول آدم حينَ خُلِق بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم [الجمعة] خلق الخلق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله؛ قال: يا ربّ استعجل بخلقي قبل غروب الشمس (١). (١: ١١٧).\n١٥٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد مثله (٢). (١: ١١٨).\n١٥٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجّاج عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال: آدم حين خُلق بعد كلّ شيء، ثم ذكره نحوه؛ غير أنه قال في حديثه: استعجلْ بخلقي، قد غربت الشمس (٣). (١١٨: ١).\n١٥٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال: على عجل خلق آدم آخر ذلك اليوم من ذينِك اليومين - يريد يوم الجمعة - وخلقه على عَجَلة وجعله عجولًا (٤). (١: ١١٨).\n١٥٧ - وقد زعم بعضهم أن الله ﷿ أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مَضَتَا من نهار يوم الجمعة، وقيل لثلاث ساعات مضينَ منه، وأهبطه إلى الأرض لسبع ساعات مضين من ذلك اليوم، فكان مقدار مُكْثهما في الجنة خمس ساعات منه. وقيل: كان ذلك ثلاث ساعات. وقال بعضهم: أخرج آدم - ﵇ - من الجنة الساعة التاسعة أو العاشرة (٥). (١: ١١٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":72},{"text":"ذكر من قال ذلك:\n١٥٨ - قال أبو جعفر: قرأتُ على عبدان بن محمد المروَزِيّ، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع، عن أنس، عن أبي العالية، قال: أخرِج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فقال لي: نعم؛ لخمسة أيام مضين من نَيسان (١). (١: ١١٨).\n١٥٨ / أ- فإن كان قائل هذا القول أراد الله أن ﵎ أسكن آدم وزوجته الفردوْس لساعتين مضتا من نهار يوم الجُمعة من أيام أهل الدنيا التي هي على ما [هي] به اليوم؛ فلم يبعد قوله من الصواب في ذلك؛ لأن الأخبار إذا كانت واردة عن السّلَف من أهل العلم، بأن آدم خُلِق في آخر ساعة من اليوم السادس من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا. فمعلوم أن الساعة الواحدة من ساعات ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عامًا من أعوامنا، وقد ذكرنا آن آدمَ بعد أن خَمّر ربنا ﷿ طينته بقيَ قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عامًا؛ وذلك لا شك أنه عَنَى به من أعوامنا وسنيننا. ثم [من] بعد أن نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمرُه، وأُسكن الفِرْدَوْس، وأهبِط إلى الأرض غير مستنكَر أن يكون كان مقداره من سنيننا قدر خمس وثلاثين سنة. فإن كان أراد أنه أُسكن الفِردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا، فقد قال غير الحق، وذلك أن جميعَ مَنْ حُفِظ له قول في ذلك من أهل العلم؛ فإنه كان يقول: إنّ آدم نفخ فيه الروح في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس من ذلك اليوم. ثم الأخبار عن رسول الله متظاهرة بأن الله ﵎ أسكنه الجنة فيه، وفيه أهبطه إلى الأرض. فإن كان ذلك صحيحًا، فمعلوم أن آخر ساعة من نهار يوم من أيام الآخرة ومن الأيام التي اليوم الواحد منها مقداره ألف سنة من سنيننا، إنما هي ساعة بعد مُضيّ إحدى عشرة ساعة، وذلك ساعة من اثنتَي عشرة ساعة، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر من سنيننا؛ فآدم صلوات الله عليه إذ كان الأمر كذلك؛ إنما خُلِق لمضيّ إحدى عشرة ساعة من نهار يوم الجمعة من الأيام التي اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا، فمكث\n_________\n(١) إسناده مرسل.","vol":"6","page":73},{"text":"جسدًا ملقىً لم يُنفخ فيه الروح أربعين عامًا من أعوامنا. ثم نفخ فيه الروح. فكان مكثُه في السماء بعد ذلك ومُقدمه في الجنة، إلى أن أصاب الخطيئة وأهبط إلى الأرض ثلاثًا وأربعين سنة من سنيننا وأربعة أشهر، وذلك ساعة من ساعات يوم من الأيام الستة التي خلق الله تعالى فيها الخلق (١). (١: ١١٨/ ١١٩).\n١٥٩ - وقد حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: خرج آدم من الجنة بين الصلاتَين: صلاة الظهر وصلاة العصر، فأنزِل إلى الأرض وكان مكثه في الجنة نصف يوم، يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمئة سنة، من يومٍ كان مقداره اثنتي عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يعدّ أهل الدنيا، وهذا أيضًا قولٌ خلاف ما وردت به الأخبار عن رسول الله، وعن السلف من علمائنا (٢). (١٢٠: ١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها</span>\nثم إن الله ﷿ أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه - وذلك يوم الجمعة - من السماء مع زوجته، وأنزل آدم - فيما قال علماء سلف أمة نبينا - بالهند.\nذكر من حضرنا ذكرُه ممن قال ذلك منهم:\n١٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمَر عن قتادة، قال: أهبط الله ﷿ آدم إلى الأرض، وكان مهبِطه بأرض الهند (٣). (١٢١: ١).\n١٦١ - حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عِمران بن عُيَينَةَ، قال: أخبرنا\n_________\n(١) ومثل هذه التفاصيل الدقيقة لا تؤخذ إلّا عن الصادق المصدوق وإن كان استنباط اجتهاد الطبري مشكورًا مأجورًا إن شاء الله تعالى.\n(٢) فيه هشام متروك.\n(٣) مرسل ضعيف.","vol":"6","page":74},{"text":"عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: إن أول ما أهبط الله تعالى آدمَ أهبطه بدَهْنا أرض الهند (١). (١: ١٢١).\n١٦٢ - حدِّثت عن عَمّار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: أهبِط آدم إلى الهند (٢). (١: ١٢١).\n١٦٣ - حدثني ابن سنان، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس، قال: قال علي بن أبي طالب - ﵇ -: أطيبُ أرض في الأرض ريحًا أرض الهند، أهبِط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنة (٣). (١: ١٢١).\n١٦٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أُهبِط آدم بالهند، وحواء بجُدَّة، فجاء في طلبها حتى اجتمعا، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سمّيت المزدلفة، وتعارفا بعرفات، فلذلك سميت عرفات، واجتمعا بجَمْع فلذلك سميت جمْعًا. قال: وأهبط آدم على جبل بالهند يقال له بَوْذ (٤). (١: ١٢١).\n١٦٥ - حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القتّ، قال: قال لي مجاهد: لقد حدثنا عبد الله بن عباس: أنّ آدم نزل حين نزل بالهند (٥) (. (١: ١٢٢).\n١٦٦ - حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: وأما أهلُ التوارة فإنهم قالوا: أهبِط آدم بالهند على جبل يقال له واسم، عند واد يقال له\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروك.\n(٥) ضعيف.\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم؛ لذكرها الله ﷿ في كتابه.","vol":"6","page":75},{"text":"بهيل بين الدَّهْنَج والمندل: بلدين بأرض الهند. قالوا: وأهبطت حواء بجُدّة من أرض مكة (١). (١: ١٢٢).\n١٦٦ / أ- وقال آخرون: بل أهبِط آدم بسَرَنْديب، على جبل يدعى بَوْذ، وحواء بجُدة من أرض مكة، وإبليس بمَيْسَان، والحية بأصبَهان. وقد قيل: أهبِطت الحية بالبريّة، وإبليس بساحل بحر الأُبُلَّة.\nوهذا مما لا يوصل إلى علم صحته إلا بخبر يجيء مجيء الحجة، ولا يُعلم خبرٌ في ذلك ورد كذلك غير ما ورد من خبر هبوط آدم بأرض الهند؛ فإن ذلك مما لا يدفع صحتَه علماء الإسلام وأهل التوارة والإنجيل، والحجة قد ثبتت بأخبار بعض هؤلاء (٢). (١: ١٢٢).\n١٦٦ / ب - وذُكِر أن الجبل الذي أهبط عليه آدم - ﵇ - ذرْوته من أقرب ذُرَا جبال الأرض إلى السماء، وأن آدم حين أهبِط عليه كانت رجلاه عليه ورأسه في السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم؛ فكان آدم يأنس بذلك، وكانت الملائكة تهابه، فنُقِص من طول آدم لذلك (٣). (١: ١٢٣).\nذكر من قال ذلك:\n١٦٧ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان عن سَوَّار خَتن عطاء، عن عطاء بن أبي رَباح، قال: لما أهبط الله ﷿ آدم من الجنة كان رجْلاه في الأرض، ورأسُه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شَكَتْ إلى الله تعالى في دعائها وفي صلاتها، فخفضه إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله ﷿ في دعائه وفي صلاته، فوُجِّه إلى مكة فصار موضع قدمه قرية، وخُطْوته مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزلْ يطوف به حتى أنزل الله تعالى الطوفان، فرفِعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى إبراهيم الخليل\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":76},{"text":"- ﵇ - فبناه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ (١). (١: ١٢٣).\n١٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر عن قتادة، قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، فكان رأسُه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنُقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدم؛ إذ فقد أصواتَ الملائكة وتسبيحَهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم! إنّي أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يُطاف حول عرشي، وتصلِّي عنده كما يصلَّى عند عرشي. فانطلق إليه آدم - ﵇ -، فخرج وَمُدّ له في خطوه، فكان بين كلّ خطوة مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك، فأتى آدم - ﵇ - البيت، فطاف به ومَنْ بعده [من] الأنبياء (٢). (١: ١٢٣).\n١٦٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما حُطّ من طول آدم - ﵇ - إلى ستين ذراعًا أنشأ يقول: ربِّ، كنتُ جارَك في دارك؛ ليس لي ربّ غيرك، ولا رقيب دونك، آكل فيها رغدًا، وأسكن حيث أحببت، فأهبطتَني إلى هذا الجبل المقدس، فكنت أسمع أصوات الملائكة، وأراهم كيف يحفّون بعرشك، وأجِد ريحَ الجنة وطيبها، ثم أهبطتَني إلى الأرض، وحططتني إلى ستين ذراعًا، فقد انقطع عني الصوتُ والنظر، وذهب عني ريح الجنة. فأجابه الله ﷿: لمعصيتك يا آدم فعلتُ ذلك بك. فلما رأى الله تعالى عُرْيَ آدم وحواء أمره أن يذبح كبشًا من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل من الجنة، فأخذ كبشًا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلتْه حواء، ونسجه هو وحواء، فنسج آدم جُبّة لنفسه، وجعل لحواء دِرْعًا وخِمارًا، فلبسا ذلك، وأوحى الله تعالى إلى آدم أن لي حرمًا بحيَال عرشي، فانطلق فابن لي فيه بيتًا، ثم حُفَّ به كما رأيت ملائكتي يحفّون بعرشي، فهنالك أستجيبُ لك ولولدك؛ مَنْ كان منهم في طاعتي، فقال آدم: أي ربّ، فكيف لي بذلك، لست أقوى عليه ولا أهتدي له! فقيَّض الله له ملَكًا؛ فانطلق به نحو مكة، فكان آدم إذا مرّ بروضة ومكان\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده مرسل وفي متنه نكارة فالصحيح أنه - ﵇ - خلق بطول ستين ذراعًا.","vol":"6","page":77},{"text":"يُعجبه قال للملَك: انزلْ بنا هاهنا، فيقول له الملَك: مكانك، حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزل به صار عمرانًا، وكلّ مكان تعدّاه صار مفاوزَ وقفارًا، فبنى البيت من خمسة أجْبُل: من طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجوديّ، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه خرج به الملكُ إلى عرفات؛ فأراه المناسك كلَّها التي تفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة؛ فطاف بالبيت أسبوعًا، ثم رجع إلى أرض الهند، فمات على بَوْذ (١). (١: ١٢٤)\n١٧٠ - حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القَتّ، قال: قال لي مجاهد: لقد حدّثني عبد الله بن عباس أن آدم - ﵇ - نزل حين نزل بالهند، ولقد حجّ منها أربعين حجّة على رجليه، فقلت له: يا أبا الحجاج، ألا كان يركب؟ قال: فأيّ شيء كان يحمله! فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيام، وإن كان رأسه ليبلغ السماءَ، فاشتكت الملائكة نَفسَه، فهمزه الرحمن همزةً؛ فتطأطأ مقدار أربعين سنة (٢). (١: ١٢٥).\n١٧١ - حدثني صالح بن حرب أبو مَعمر مولى بني هاشم، قال: حدثنا ثُمامة بن عبيدة السلميّ، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: قال نافع: سمعت ابن عمر، يقول: إن الله تعالى أوحى إلى آدم - ﵇ - وهو ببلاد الهند: أن حُجَّ هذا البيت. فحجّ آدم من بلاد الهند، فكان كلّما وضع قدمه صار قرية، وما بين خطوَتيه مفازة، حتى انتهى إلى البيت فطاف به، وقضى المناسك كلَّها، ثم أراد الرجوعَ إلى بلاد الهند فمضى، حتى إذا كان بمأزمَي عرفات؛ تلفتْه الملائكة؛ فقالوا: بَرَّ حَجُّك يا آدم! فدخله من ذلك عجب، فلما رأت الملائكة ذلك منه قالوا: يا آدم، إنا قد حَجَجْنَا هذا البيت قبل أن تُخْلَق بألفي سنة، قال: فتقاصرت إلى آدم نفسه (٣). (١: ١٢٥).\n١٧١ / أ- وذكر أن آدم - ﵇ - أهبط إلى الأرض، وعلى رأسه إكليل من شجر الجنَّة، فلما صار إلى الأرض، ويبس الإكليل؛ تحاتَّ ورقه فنبت منه أنواع الطيب.\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف جدًّا وهو من الإسرائيليات والله أعلم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":78},{"text":"وقال بعضهم: بل كان ذلك ما أخبر الله عنهما، أنهما جعلا يخصِفان عليهما من ورق الجنة، فلما يبس ذلك الورق الذي خصَفاه عليهما تحاتَّ فنبت من ذلك الورق أنواعُ الطيب والله أعلم (١). (١: ١٢٥).\n١٧٢ - وقال آخرون: [بل] لا علم آدم أنّ الله ﷿ مُهبِطُه إلى الأرض، جعل لا يمرُّ بشجرة من شجر الجنة إلا أخذ غصنًا من أغصانها، فهبط إلى الأرض وتلك الأغصان معه، فلما يبس ورقها تحاتَّ، فكان ذلك أصل الطيب (٢). (١: ١٢٦).\nذكر من قال ذلك:\n١٧٣ - حدثنا أبو همام، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القتّ قال: قال [لي] مجاهد: لقد حدَّثني عبد الله بن عباس: أن آدم حينَ خرج من الجنة كان لا يمرُّ بشيء إلا عبث به، فقيل للملائكة: دعُوه فليتزودْ منها ما شاء، فنزل حين نزل بالهند، وإن هذا الطيب الذي يُجاء به من الهند مما خرج به آدم من الجنة (٣). (١: ١٢٦).\nذكر من قال: كان على رأس آدم - ﵇ - حين أهبط من الجنة إكليل من شجر الجنة:\n١٧٤ - حُدِّثت عن عصار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: خرج آدم من الجنة، فخرج منها ومعه عصا من شجر الجنة، وعلى رأسه تاج أو إكليل من شجر الجنة، قال: فأهبِط إلى الهند، ومنه كلّ طيب بالهند (٤). (١: ١٢٦).\n١٧٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: هبط آدم عليه -يعني على الجبل الذي هبط عليه- ومعه ورق من ورق الجنة، فبثَّه في ذلك الجبل، فمنه كان أصلُ الطيب كلّه، وكلّ فاكهة لا توجد إلا بأرض الهند (٥). (١: ١٢٦).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":79},{"text":"وقال آخرون: بل زوّده الله من ثمار الجنة، فثمارنا هذه من تلك الثمار.\nذكر من قال ذلك:\n١٧٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر عن عوف، عن قَسامة بن زُهير، عن الأشعري، قال: إن الله ﵎ لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة، وعلّمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة؛ غيرَ أنّ هذه تتغيَّر وتلك لا تتغيّر (١). (١: ١٢٧).\nوقال آخرون: إنما علق بأشجار الهند طيب ريح آدم - ﵇ -.\nذكر من قال: إنما صار الطيب بالهند لأن آدم حين أهبط إليها عَلِق بأشجارها طيب ريحه:\n١٧٧ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل آدم - ﵇ - معه ريحُ الجنة، فعلِق بشجرها وأوديتها وامتلأ ما هنالك طيبًا، فمن ثَمَّ يُؤتى بالطيب من ريح الجنة.\nوقالوا: أنزل معه من طيب الجنة (٢). (١: ١٢٧).\nوقال: أنزل معه الحجر الأسود، وكان أشدَّ بياضًا من الثلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنة؛ طولها عشرة أذرع على طول موسى، ومُرّ، ولُبان، ثم أنزل عليه بعد ذلك العلاةَ والمِطرقة والكلبتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل؛ فقال: هذا من هذا، فجعل يكسِر أشجارًا قد عتَقت ويبست بالمطرقة، ثم أوقد على ذلك الغصن حتى ذاب، فكان أوَّلَ شيء ضربه مُدْية، فكان يعمل بها، ثم ضرب التنّور، وهو الذي ورثه نوح، وهو الذي فار بالعذاب بالهند. وكان آدم حين هبط يمسح رأسه السماء، فمن ثَمَّ صَلِعَ، وأورث ولده الصَّلَع ونفرت من طوله دوابّ البرّ، فصارتْ وحشًا من يومئذ، وكان آدم - ﵇ - وهو على ذلك الجبل قائم يسمع أصوات\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده هشام وأبوه الكلبي متروكان.","vol":"6","page":80},{"text":"الملائكة، ويجد ريح الجنة، فحُطَّ من طوله ذلك إلى ستين ذراعًا، فكان ذلك طوله إلى أن مات. ولم يُجمع حسنُ آدم - ﵇ - لأحد من ولده إلا ليوسف - ﵇ -.\nوقيل: إن من الثمار التي زوّد الله ﷿ آدم - ﵇ - حين أُهْبِط إلى الأرض ثلاثين نوعًا: عشرة منها في القشور وعشرة لها نوىً، وعشرة لا قشورَ لها ولا نوىً. فأما التي في القشور منها فالجوز، واللوز، والفستق، والبندق؛ والخَشخاش، والبلُّوط، والشاهبلوط، والرانج، والرمان، والموزُ. وأما التي لها نوىً منها فالخوخ، والمشمش، والإجّاص، والرُّطَب، والغبيراء، والنبق، والزُعرور، والعناب، والمُقْل، والشاهلوج. وأما التي لا قشور لها ولا نوىً فالتُّفَّاح، والسفرجل، والكمّثرى، والعنب، والتوت، والتين، والأترج، والخرنوب، والخيار، والبِطّيخ.\nوقيل: كان مما أخرج آدم معه من الجنة صرَّة من حنطة؛ وقيل: إن الحنطة إنما جاءه بها جبرئيل - ﵇ - بعد أن جاع آدم، واستطعم ربَّه، فبعث الله إليه مع جَبْرئيل - ﵇ - بسبع حبات من حنطة، فوضعها في يد آدم - ﵇ -، فقال آدم لجبرئيل: ما هذا؟ فقال له جبرئيل: هذا الذي أخرجك من الجنة، وكان وزن الحبة منها مئة ألف درهم وثمانمئة درهم، فقال آدم: ما أصنع بهذا؟ قال: انثره في الأرض ففعل، فأنبته الله ﷿ من ساعته، فجرت سنَّة في ولده البذر في الأرض، ثم أمره فحصَده، ثم أمره فجمعه وفركه بيده، ثم أمره أن يذرِّيَه، ثم أتاه بحجرين فوضعَ أحدهما على الآخر فطحنه، ثم أمره أن يعجنه، ثم أمره أن يخبزه مَلَّةً، وجمع له جبرئيل - ﵇ - الحجر والحديد فقدحَه، فخرجت منه النار، فهو أول مَنْ خبز الملَّة (١). (١: ٢٩).\n١٧٧ / أ - وهذا [القول] الذي حكيناه عن قائل هذا القول، خلاف ما جاءت به الروايات عن سلف أمة نبينا، وذلك أن المثنّى بن إبراهيم حدثني أن إسحاق حدثه، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عُمارة، عن المنهال بن عمرو، وعن سعيد بن جُبير، عن ابن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":81},{"text":"عباس، قال: كانت الشجرةُ التي نهى الله عنها آدمَ وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوءاتهما أظفارهما، وطَفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ورق التين يُلصقان بعضها إلى بعض، فانطلق آدم موليًا في الجنة، فأخذت برأسه شجرٌ من الجنة فناداه: يا آدم، أمني تفرّ؟ قال: لا، ولكني استحيتك يا ربّ، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرّمتُ عليك! قال: بلى يا ربّ، ولكن وعزّتك ما حسبتُ أن أحدًا يحلف بك كاذبًا، قال: - وهو قول الله ﵎: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ - قال: فبعزتي لأهبطنَّك إلى الأرض، فلا تنال العيش إلا كدًّا. قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان فيها رَغدًا، فأهبِط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلِّم صنعة الحديد، وأمِر بالحرْث فحرثَ وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حَصَدَه، ثم داسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغْه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ (١). (١: ٢٩).\n١٧٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرثَ عليه، ويمسِح العرق عن جبينه، فهو الذي قال الله ﷿: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾؛ فكان ذلك شقاؤه (٢). (١: ١٣٠).\n١٧٨ / أ- وقد قيل: إن آدم - ﵇ - نزل معه السِّندان، والكلبتان، والميقعة، والمِطْرقة (٣). (١: ١٣٠).\nذكر من قال ذلك:\n١٧٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، عن عِلْباء بن أحمر؛ عن عِكْرمة؛ عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم - ﵇ -: السِّندان، والكلبتان، والميقعة، والمِطْرقة (٤). (١٣٠: ١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"6","page":82},{"text":"١٨٠ - ثم إن الله عزّ ذكره فيما ذكر أنزل آدم من الجبل الذي أهبطه عليه إلى سفحه، وملّكه الأرض كلها، وجميع ما عليها من الجنّ والبهائم والدوابّ والوحش والطير وغير ذلك، وأن آدم - ﵇ - لما نزل من رأس ذلك الجبل، وفقد كلام أهل السماء، وغابت عنه أصوات الملائكة، ونظر إلى سعة الأرض وبسطتها، ولم ير فيها أحدًا غيرَه، استوحش فقال: يا ربّ، أما لأرضك هذه عامر يسبِّحك غيري (١)! (١: ١٣١). فأجِيب بما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن ادمَ لما أهْبِط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدًا غيرَه، قال: يا ربّ، أما لأرضك هذه عامر يسبِّح بحمدك ويقدس لك غيري! قال الله: إني سأجعل فيها من ولدك مَنْ يسبِّح بحمدي ويقدِّسني، وسأجعل فيها بيوتًا تُرفع لذكري، ويسبِّح فيها خلقي، ويُذكر فيها اسمي، وسأجعل من تلك البيوت بيتًا أخضُه بكرامتي، وأوثره باسمي، وأسمِّيه بيتي، أُنْطقه بعظمتي، وعليه وضعتُ جلالي؛ ثم أنا مع ذلك في كلّ شيء ومع كلّ شيء، أجعل ذلك البيت حرمًا آمنًا يحرُم بحرمته مَنْ حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرَّمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، ومن أخاف أهله فيه فقد أخْفَر ذمتي، وأباح حرمتي. أجعله أوّل بيت وُضع للناس ببطن مكة مبارَكًا، يأتونه شُعْثًا غبْرًا على كلِّ ضامر، من كل فجٍّ عميق، يرجّون بالتلبية رجيجًا، ويثُجّون بالبكاء ثجيجًا، ويعِجّون بالتكبير عجيجًا، فمن اعتمده ولا يريد غيره فقد وَفد إليّ ورارني وضافني، وحقّ على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يُسْعِف كلًّا بحاجته. تعمره يا آدم ما كنت حيّا، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن (٢). (١: ١٣١).\n١٨١ - ثم أمر آدم - ﵇ - فيما ذكر - أن يأتيَ البيت الحرام الذي أهبِط له إلى الأرض، فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله، وكان ذلك ياقوتة واحدة أو درّة واحدة؛ كما حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن أبان: أن البيت أهبط ياقوتةً واحدة أو درة\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":83},{"text":"واحدة، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه، فبوّأه الله ﷿ لإبراهيم فبناه. وقد ذكرتُ الأخبار الواردة بذلك فيما مضى قبل (١). (١: ١٣٢).\n١٨٢ - فذكر أن آدم - ﵇ - بكى واشتد بكاؤه على خطيئته، وندم عليها، وسأل الله ﷿ قبول توبته، وغفران خطيئته، فقال في مسألته إياه: ما سأل من ذلك، كما حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾ قال: أيّ ربّ! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي ربّ! ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: أي ربِّ! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى، قال: أي ربّ! ألم تسبق رحمتك غضبَك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تبتُ وأصلحت؛ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى! قال: فهو قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٢). (١: ١٣٢).\n١٨٣ - حدثني بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع عن سعيد، عن قتادة، قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ذ كر لنا أنه قال: يا ربّ! أرايت إن أنا تبتُ وأصلحت! قال: إذًا أرجعك إلى الجنة. قال: وقال الحسن: إنهما قالا: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٣). (١: ١٣٢).\n١٨٤ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان وقيس عن خُصَيف، عن مجاهد، في قوله ﷿: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قولة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). (١: ١٣٣).\n١٨٥ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرنا أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أنزل آدم معه حين أهبط من الجنة الحجر الأسود، وكان أشدّ بياضًا من الثلج، وبكى آدم وحواء على ما فاتهما -يعني من نعيم الجنة- مئتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":84},{"text":"أربعين يومًا، ثم أكلا وشربا، وهما يومئذ على بَوْذ؛ الجبل الذي أهبط عليه آدم ولم يقرب حواء مئة سنة (١). (١: ١٣٣).\n١٨٦ - حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثَمة عن أبي يحيى بائع القتّ؛ قال: قال لي مجاهد، ونحق جلوس في المسجد: هل ترى هذا؟ قلتُ: يا أبا الحجاج، الحجَر؟ قال: كذلك تقول؟ قلت: أوَ ليس حجَرًا! قال: فوالله لحدثني عبدُ الله بن عباس أنها ياقوتة بيضاء، خرج بها آدم من الجنة، كان يمسح بها دموعه، [و] أن آدم لم ترقأ دموعه منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها ألفَي سنة، وما قدر منه إبليس على شيء، فقلت له: يا أبا الحجاج، فمن أيّ شيء اسودّ؟ قال: كان الحُيَّض يلمسْنه في الجاهلية.\nفخرج آدم - ﵇ - من الهند يؤمّ البيت الذي أمره الله ﷿ بالمصير إليه، حتى أتاه، فطاف به، ونَسَك المناسك، فذكر أنه التقى هو وحوّاء بعرفات، فتعارفا بها، ثم ازدلف إليها بالمزدلفة، ثم رجع إلى الهند مع حواء، فاتخذا مغارة يأويان إليها في ليلهما ونهارهما، وأرسل الله إليهما ملكًا يُعلّمهما ما يلبسانه ويستتران به، فزعموا أن ذلك كان من جلود الضأن والأنعام والسباع. وقال بعضُهم: إنما كان ذلك لباسَ أولادهما، فأما آدم وحواء فإن لباسَهما كان ما كانا خَصَفا على أنفسهما من ورَق الجنة. ثم إن الله عزّ ذكره مسح ظهر آدم ﵇ بِنَعْمان من عرفة؛ وأخرج ذريّته، فنثرهم بين يديه كالذرّ، فأخذ مواثيقهم، وأشهدَهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى، كما قال ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢). (١: ١٣٣/ ١٣٤).\n١٨٧ - حدثنا ابن وكيع ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن عُليّة عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قال: مسح ظهر آدم فخرج كلُّ نسمة هو خالقُها إلى يوم القيامة بنعمان، هذا الذي وراء\n_________\n(١) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":85},{"text":"عرفة، وأخذ ميثاقهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا.\nواللفظ لحديث يعقوب (١). (١: ١٣٤).\n١٨٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قال: لما خلق الله ﷿ آدم - ﵇ - أخذ ذريته من ظهره مثل الذرّ، فقبض قبضتين، فقال لأصحاب اليمين: ادخلوا الجنة بسلام، وقال للآخرين: ادخلوا النار ولا أبالي (٢). (١: ١٣٥).\nوقيل: إنه أخذ ذرية آدم - ﵇ - من ظهره بدَحْنا.\nذكر من قال ذلك:\n١٨٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكَّام، قال: حدثنا عمرو بن قيس عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: لما خلق الله ﷿ آدم مسح ظهره بدحْنا فإخرج من ظهره كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قال: فيروْن يومئذ جَفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة (٣). (١: ١٣٥/ ١٣٦).\nوقال بعضهم: أخرج الله ذرية آدم من صلبه في السماء قبل أن يُهبطه إلى الأرض، وبعد أن أخرجه من الجنة.\nذكر من قال ذلك:\n١٩٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السدّيّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾،،، قال: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء، ثم إنه مسح من آدم صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية كهيئة الذرّ بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه كهيئة الذرّ سودًا، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. فذلك حين يقول: \"أصحاب اليمين\"\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":86},{"text":"و\"أصحاب الشمال\". ثم أخذ الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة على وجه التقيَّة (١). (١: ١٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>ذكر الأحداث التي كانتْ في عهد آدم - ﵇ - بعد أن أهبط إلى الأرض</span>\n١٩١ - فكان أولَ ذلك قتلُ قابيل بن آدم أخاه هابيل، وأهلُ العلم يختلفون في اسم قابيل، فيقول بعضهم: هو قَيْن بن آدم، ويقول بعضهم: هو قايين بن آدم. ويقول بعضهم: [هو] قاين. ويقول بعضهم: هو قابيل.\nواختلفوا أيضًا في السبب الذي من أجله قتله:\nفقال بعضهم في ذلك ما حدثني به موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله، قال: كان لا يولد لآدم مولودٌ إلا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلامَ هذا البطن جاريةَ هذا البطن [الآخر] ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى وُلد له ابنان، يقال لهما قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرْع، وكان هابيل صاحب ضَرْع، وكان قابيل أكبرَهما، وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي وُلدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّجها، فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل، فأبى. وإنهما قرّبا قربانًا إلى الله أيّهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما وأتى مكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا، قال: فإن لي بيتًا بمكة فائْتِه، فقال آدم للسماء: احفظي ولديّ بالأمانة، فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال: فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرُّك. فلما انطلق آدم؛ قرّبا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحقّ بها منك هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي، فلما قرّبا، قرّب هابيل جَذَعة سمينة، وقرّب\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":87},{"text":"قابيلُ حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففرَكها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضِب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، إلى قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمه في جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخَ بها رأسه، فمات وتركه بالعراء، لا يعلم كيف يُدْفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، فحفر له، ثم حثا عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾، فهو قوله ﷿: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حين يقول الله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يعني: قابيل حين حمل أمانة آدم، ثم لم يحفظ له أهله.\nوقال آخرون: كان السبب في ذلك أنّ آدم كان يولد له من حواء في كلّ بطن ذكر وأنثى، فإذا بلغ الذكر منهما زوّج منه [ولده] الأنثى التي وُلدت مع أخيه الذي ولد في البطن الآخر؛ قبله أو بعده.\nفرغب قابيل بتوأمته عن هابيل (١). (١: ١٣٧/ ١٣٨ / ١٣٩).\n١٩٢ - كما حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جُبَير أرمي الجمرة، وهو متقنِّع متوكِّيء على يدي؛ حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصواف؛ وقف يحدّثني عن ابن عباس، قال: نُهِيَ أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وينكحها غيرُه من إخوتها، وكان يولد في كلّ بطن رجل وامرأة، فوُلدت امرأة وسيمة ووُلدت امرأة قبيحة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، قال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قربانًا فتُقُبِّل من صاحب الكبش، ولم يُتَقبَّلْ من صاحب الزرع، فقتله، فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله ﷿ حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصّفا، في ثَبِير،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":88},{"text":"عند منزل سَمْرة الصواف، وهو على يمينك حين ترْمي الجِمار (١). (١: ١٣٩).\n١٩٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأوّل: أن آدم - ﵇ - كان يغشى حواء في الجنة قبل أن تصيب الخطيئة، فحملت له بقين بن آدم وتوأمته، فلم تجد عليهما وحَمًا ولا وصَبًا، ولم تجد عليهما طلْقا حين ولدتهما، ولم تر معهما دمًا لطهر الجنة، فلما أكلا من الشجرة وأصابا المعصية، وهبطا إلى الأرض واطمأنا بها تغشَّاها، فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحمَ والوصب، ووجدت حين ولدتهما الطلْق ورأت معهما الدم، وكانت حواء - فيما يذكرون - لا تحمل إلا توأمًا ذكرًا وأنثى، فولدت حواء لآدم أربعين ولدًا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنًا، وكان الرجل منهم أيّ أخواته شاء تزوج إلا توأمته التي تولد معه، فإنها لا تحلّ له، وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ إلا أخواتهم وأمهم حواء (٢). (١: ١٣٩/ ١٤٠).\n١٩٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قينًا أن ينكح توأمته هابيل، وأمر هابيل أن يُنكح أخته توأمته قينًا، فسلّم لذلك هابيل ورضيَ، وأبي ذلك قين وكره تكرُّمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول: بل كانت أخت قَين من أحسن الناس، فضنّ بها عن أخيه، وأرادها لنفسه - والله أعلم أيّ ذلك كان - فقال له أبوه: يا بميَّ! إنها لا تحلّ لك، فأبى قين أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بنيّ! فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فايُّكما قبِل الله قربانه فهو أحقّ بها، وكان قَين على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرّب قَين قمحًا، وقرب هابيل أبكارًا من أبكار غَنَمه - وبعضهم يقول: قرّب بقرة - فأرسل الله جلّ وعزّ نارًا بيضاء، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قين. وبذلك كان يُقبل القربان إذا قبله الله ﷿؛ فلما قبل الله قربان هابيل - وكان في ذلك القضاء له بأخت قَين -\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":89},{"text":"غضب قَيْن، وغلب عليه الكِبْر واستحوذ عليه الشيطان، فاتبع أخاه هابيل، وهو في ماشيته فقتله، فهما اللذان قصّ الله خبرهما في القرآن على محمد؛ فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ﴾ يعني: أهل الكتاب ﴿نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ إلى آخر القصة، قال: فلما قتله سُقِط في يديه، ولم يدر كيف يُواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أولَ قتيل من بني آدم ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَال يَاوَيلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ (١) (١٤٠/ ١٤١: ١).\n١٩٥ - قال: ويزعم أهل التوراة: أن قينًا حين قتل أخاه هابيل، قال الله له: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا؛ فقال الله له: إن صوتَ دم أخيك ليناديني من الأرض! الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحتْ فاها، فتلقَّتْ دم أخيكِ من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. فقال قين: عَظُمَتْ خطيئتي من أن تغفرها، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض [وأتوارى] من قدامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكلّ من لقيَني؛ قتلني. فقال الله ﷿: ليس ذلك كذلك؛ فلا يكون كلّ من قتل قتيلًا يجزى بواحد سبعة، ولكن من قتل قينًا يجزى سبعة، وجعل الله في قين آية لئلا يقتله كلّ مَنْ وجده، وخرج قين من قدام الله ﷿ من شرقيّ عدن الجنة (٢). (١: ١٤١).\nوقال آخرون في ذلك: إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن الله ﷿ أمرهما بتقريب قربان، فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، فبغاه الذي لم يتقبَّل قربانه، فقتله.\nذكر من قال ذلك:\n١٩٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا فَتقبِّل\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":90},{"text":"من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدُهما صاحب حرث، والآخرُ صاحب غنم، وأنهما أُمِرا أن يقرّبا قربانًا، وأن صاحب الغنم قَّرّبَ أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيّبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرّب، شرَّ حرثه: الكوزر والزُّوان، غير طيبة بها نفسه، وأن الله ﷿ تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قصّ الله في كتابه وقال: أيمُ الله، إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن ينبسط إلى أخيه (١). (١: ١٤١/ ١٤٢).\n١٩٧ - وقال آخرون بما حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان من شأنهما: أنه لم يكن مسكين يُتصدّق عليه، وإنما كان القربان يقرّبه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قربانًا! وكان الرجلُ إذا قرّب قربانًا فرضيَه الله ﷿\" أرسل إليه نارًا فأكلته، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار، فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا والآخر حراثًا، وإنّ صاحب الغنم قرّب خيرَ غَنمِه وأسمنها، وقرّب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت [بينهما] فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس، وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتقبّل منك ورُدّ عليَّ قرباني! فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني، فقال: لأقتلنّك، فقال له أخوه: ما ذنبي! إنما يتقبّل الله من المتقين (٢). (١: ١٤٢).\n١٩٧ / أ - وقال آخرون: لم تكن قصة هذين الرجلين في عهد آدم، ولا كان القربان في عصره، وقالوا: إنما كان هذان رجلين من بني إسرائيل، وقالوا: إن أوّل ميِّت مات في الأرض آدم - ﵇ -، لم يمت قبله أحد (٣). (١: ١٤٣).\nذكر من قال ذلك:\n١٩٨ - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله ﷿ فيهما: ﴿وَاتلُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":91},{"text":"عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (١). (١: ١٤٣).\n١٩٨ / أ - وقال بعضهم: إنّ آدم غشِيَ حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمئة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته قليما في بطن واحد، ثم هابيل وتوأمته في بطن واحد، فلما شبُّوا أراد آدم - ﵇ - أن يزوّج أخت قابيل التي ولدت معه في بطن واحد من هابيل، فامتنع من ذلك قابيل، وقرّبا بهذا السبب قربانًا، فتقبِّل قربان هابيل، ولم يتقبّل قربان قابيل، فحسده قابيل، فقتله عند عقبة حِرى ثم نزل قابيل من الجبل، آخذًا بيد أخته قليما، فهرب بها إلى عدن من أرض اليمن (٢). (١: ١٤٣).\n١٩٩ - حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما قتل قابيل أخاه هابيل أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل بَوْذ إلما الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوبًا لا تأمن منْ تراه، فكان لا يمرّ به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابنٌ لقابيل أعمى، ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت يا أبتاه أباك، فرفع الأعمى يده، فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لي! قتلتُ أبي برميّتي، وقتلت ابني بلطمتي!\nوذكر في التوراة: أن هابيل قُتل وله عشرون سنة، وأن قابيل كان له يوم قتله خمس وعشرون سنة (٣). (١: ١٤٣/ ١٤٤).\n٢٠٠ - وذكر: أن قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم - ﵇ - فقال - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمْدانيّ، قال: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم، فقال:\nتَغَيَّرَتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيهَا ... فَوَجْهُ الأرضِ مُغْبرٌّ قبيحُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده الكلبي وهو متروك.","vol":"6","page":92},{"text":"تَغَيَّر كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الوجه المليحِ\nقال: فأجيب آدم - ﵇ -:\nأبا هابيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ... وصار الحيُّ كالميت الذبيح\nوجاء بشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا ... على خَوْفٍ فجاء بها يَصِيحُ (١)\n(١٤٥: ١).\n٢٠١ - وذكر: أن حواء ولدت لآدم - ﵇ - عشرين ومئة بطن، أولهم قابيل وتوأمته قليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث (٢). (١: ١٤٥).\n٢٠٢ - وأما ابن إسحاق فذُكر عنه ما قد ذكرتُ قبل؛ وهو أنّ جميعَ ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطنًا، وقال: قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض (٣). (١: ١٤٥).\n٢٠٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: فكان منْ بلغنا اسمه خمسة عشر رجلًا وأربع نسوة؛ منهم قين وتوأمته، وهابيل وليوذا وأشوث بنت آدم وتوأمها، وشيث وتوأمته، وحزورة وتوأمها؛ على ثلاثين ومئة سنة من عمره. ثم أباد بن آدم وتوأمته، ثم بالغ بن آدم وتوأمته، ثم أثاثي بن آدم وتوأمته، ثم توبة بن آدم وتوأمته، ثم بنان بن آدم وتوأمته، ثم شبوبة بن آدم وتوأمته، ثم حيان بن آدم وتوأمته، ثم ضرابيس بن آدم وتوأمته، ثم هدز بن آدم وتوأمته، ثم يحود بن آدم وتوأمته، ثم سندل بن آدم وتوأمته، ثم بارق بن آدم وتوأمته، كلُّ رجل منهم تولد معه امرأة في بطنه الذي يُحْمَل به فيه (٤). (١: ١٤٥/ ١٤٦).\n٢٠٣ / أ - وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيُومَرْت هو آدم، وزعم بعضهم: أنه ابن آدم لصلبه من حواء.\n_________\n(١) ابن حميد (شيخ الطبري هنا) ضعيف جدًّا، وقد ذكر الحافظ ابن كثير هذه الرواية مع زيادة، ثم قال: هكذا أورده الحافظ ابن عساكر ولم ينبه على نكارته ولا غرابته وكان خليقًا وجديرًا بذلك (قصص الأنبياء / ٥٦).\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":93},{"text":"وقال فيه غيرهم أقوالًا كثيرة، يطول بذكر أقوالهم الكتاب، وتركنا ذكر ذلك إذ كان قصدُنا في كتابنا هذا ذِكْر الملوك وأيامهم، وما قد شرطنا في كتابنا هذا أنّا ذاكروه فيه، ولم يكن ذكرُ اختلاف المختلِفين في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له صنعةَ الكتاب، فإن ذكرْنا من ذلك شيئًا فلتعريف من ذكرنا؛ ليعرفه منْ لم يكن به عارفًا؛ فأما ذكر الاختلاف في نسبه فإنه غير المقصود به في كتابنا هذا (١). (١٤٦: ١).\n٢٠٣ / ب - وقد خالف علماءَ الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم، ووافق علماءُ الفرس على اسمه وخالفه في عينه وصفته، فزعم أن جُيومَرْت الذي زعمت الفرس أنه آدم - ﵇ - إنما هو جامر بن يافث بن نوح، وأنه كان معمرًا سيِّدًا، نزل جبل دُنْبَاوَنْد من جبال طبَرِستان من أرض المشرق، وتملَّك بها وبفارس، ثم عظُم أمره وأمر ولده، حتى ملكوا بابل، وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلَّها، وأن جُيومَرْت منع من البلاد ما صار إليه، وابتنى المدن والحصون وعمّرها، وأعدَّ السلاح، واتخذ الخيل، وأنه تجبّر في آخر عمره، وتسمى بآدم؛ وقال: من سماني بغير هذا الاسم ضربتُ عنقه، وأنه تزوج ثلاثين امرأة، فكثر منهنّ نسلُه، وأن ماري ابنه وماريانة أخته، ممن كان ولد له في آخر عمره، فأعجب بهما وقدّمهما، فصار الملوك بذلك السبب من نسلهما، وأن ملكَه اتسع وعظُم (٢). (١: ١٤٦/ ١٤٧).\n٢٠٣ / ج - وإنما ذكرت من أمر جُيومَرْت في هذا الموضع ما ذكرت، لأنه لا تدافُعَ بين علماء الأمم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم؛ وإنما اختلفوا فيه: هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره؟ ثم مع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزلْ منتظمًا على سياق، متسقًا بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يَزْدَجِرْد بن شهريار من ولد ولده بمَرْو- أبعده الله - أيام عثمان بن عفان ﵁، فتأريخ ما مضى من سني العالم على أعمار ملوكهم أسهلُ بيانًا، وأوضح منارًا منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم؛ إذ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":94},{"text":"لا تُعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون إلى آدم - ﵇ - دامت لها المملكة، واتصل لهم الملك، وكانت لهم ملوك تجمعهم، ورؤوس تحامي عنهم من ناوأهم، وتغالب بهم من عَازَّهم، وتدفع ظالمهم عن مظلومهم، وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم على اتصال ودوام ونظام، يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم، وغابرهم عن سالفهم سواهم، فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصحُّ مخرجًا، وأحسن وضوحًا (١). (١: ١٤٨).\n٢٠٣ / د - وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم - ﵇ -، وأعمار مَنْ كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوة والملك، على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا أنه جُيُومَرْت، وعلى قول من قال: إنه هو جيومرت أبو الفرس، وذاكر ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التي اجتمعوا عليها، فاتفقوا على مَنْ ملك منهم في زمان بعينه أنه كان هو الملك في ذلك الزمان إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا (٢). (١: ١٤٨).\n٢٠٤ - فحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم عن قتادة، عن الحسن، عن سمُرَة بن جندَب، عن النبي عليه [الصلاة و] السلام قال: \"كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينّه عبد الحارث، فعاش لها ولد فسمّتْه عبد الحارث، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان\" (٣). (١: ١٤٨).\n٢٠٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت حواء تلد لآدم فتُعبِّدهم لله ﷿ وتسميهم: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدمَ - ﵇ -؛ فقال: إنكما لو تسمّيانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت له ذكرًا، فسميّاه عبد الحارث؛ ففيه أنزل الله عزّ ذكره، يقول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في متنه نكارة.","vol":"6","page":95},{"text":"آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية (١). (١: ١٤٨/ ١٤٩).\n٢٠٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل عن سالم بن أبي حفصة، عن سعيد بن جُبير: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). (١٤٩: ١).\n٢٠٦ / أ- قال: ولما حملت حواء في أول ولد ولدتْه حين أثقلت؛ أتاها إبليسُ قبل أن تلد فقال: يا حواء! ما هذا في بطنك؟ فقالت: ما أدري مَنْ؟ فقال: أين يخرج؟ من أنفك؟ أو من عينك؟ أو من أذنك؟ قالت: لا أدري، قال: أرأيتِ إن خرج سليمًا أمطيعتي أنتِ فيما آمركِ به؟ قالت: نعم، قال: سمّيه عبد الحارث -وقد كان يسقى إبليس- لعنه الله - الحارث - فقالت: نعم، ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي: كذا وكذا، فقال: إن ذاك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس لعنه الله فأعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته أخرجه الله سليمًا فسمتْه عبد الحارث، فهو قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). (١: ١٤٩).\n٢٠٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير وابن فضيل عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له: أشْرَك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم ﵇ أشْرك! ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليسُ فقال لها: منْ أين يخرج هذا؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها؛ ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا -قال ابن وكيع: زاد ابن فضيل: \"لم يضرّك ولم يقتلك\"- أتطيعنني؟ قالت: نعم، قال: فسمّيه عبد الحارث، ففعلت. زاد جرير: فإنما كان شركه في الإسم (٤). (١/ ١٥٠).\n٢٠٨ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ: فولدت -يعني: حواء- غلامًا، فأتاها إبليس فقال: سمّوه عبدي، وإلا قتلته، قال له آدم: قد أطعتُك وأخرجتَني من الجنة. فأبى أن\n_________\n(١) في متنه نكارة.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":96},{"text":"يطيعه؛ فسماه \"عبد الرحمن\"، فسلِّط عليه إبليس لعنة الله فقتله، فحملت بآخر فلما ولدته، قال: سميه عبدي وإلا قتلته، قال له آدم - ﵇ -: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة. فأبى فسماه صالحًا، فقتله، فلما كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسمُّوه عبد الحارث، وكان اسم إبليس الحارث، - وإنما سمي إبليس حين أبْلَس (تحيَّر) - فذلك حين يقول الله ﷿: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ -يعني: في الأسماء (١). (١: ١٥٠).\n٢٠٨ / أ- فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت؛ من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما، ومَنْ لم نذكر أقوالهم ممن عددُهم أكثر من عدد مَنْ ذكرت قوله والرواية عنه قالوا خلاف قول الحسن الذي روي عنه أنه قال: أول من مات آدم - ﵇ - (٢). (١: ١٥٠).\n٢٠٨ / ب - وكان آدم مع ما كان الله ﷿ قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبّأه، وجعله رسولًا إلى ولده، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم - ﵇ - بخطه، علّمه إياها جبرئيل - ﵇ - (٣). (١: ١٥٠).\n٢٠٩ - وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمّي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله جالس وحده، فجلست إليه فقال لي: \"يا أبا ذرّ! إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما\"، فلما ركعتهما جلست إليه فقلت: يا رسول الله! إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: \"خيرُ موضوع، استكثر أو استقلّ\"، ثم ذكر قصة طويلة قال فيها: قلت: يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: \"مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\"، قال: قلت: يا رسول الله! كم المرسل من ذلك؟ قال: \"ثلاثمئة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا\"، يعني كثيرًا طيبًا، قال: قلت يا رسول الله! منْ كان أولهم؟ قال: \"آدم\"، قال: قلت يا رسول الله! وآدم نبيّ مرسل؟ قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":97},{"text":"\"نعم خلقه الله بيده، ونَفخ فيه من روحه، ثم سواه قُبُلًا\" (١). (١: ١٥٠/ ١٥١).\n٢٠٩ / أ- وقيل: إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة (٢). (١: ١٥١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>ذكر ولادة حواء شيثًا</span>\n٢٠٩ / ب - ولما مضى لآدم من عمره مئة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين - ولدت له حواء ابنه شيئًا، فذكر أهل التوراة أن شيئًا ولد فردًا بغير توأم، وتفسير \"شيث\" عندهم \"هبة الله\"، ومعناه: أنه خلف من هابيل (٣). (١٥٢: ١).\n٢١٠ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثني ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولدت حواء لآدم شيئًا وأخته عزورا، فسمّى هبة الله، اشتُقَّ له من هابيل، قال لها جبرئيل حين ولدته: هذا هبة الله بدل هابيل، وهو بالعربية شِثّ، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث، وإليه أوصى آدم، وكان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين ومئة سنة (٤). (١٥٢: ١).\n٢١١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: لما حضرت آدم الوفاة - فيما يذكرون والله أعلم - دعا ابنه شيئًا فعهد إليه عهده، وعلّمه ساعات الليل والنهار، وأعلمه عبادة الخلق في كلّ ساعة منهنّ، فأخبره أنّ لكل ساعة صنفًا من الخلق فيها عبادته. وقال له: يا بنيّ إن الطوفان سيكون في الأرض يلبث فيها سبع سنين. وكتب وصيته، فكان شيث -فيما ذكر- وصيَّ أبيه آدم - ﵇ -، وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث، فأنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله خمسين صحيفة (٥). (١: ١٥٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده الكلبي وهو متروك.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":98},{"text":"٢١٢ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قلت: يا رسول الله! كم كتابًا أنزله الله ﷿؟ قال: \"مئة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة\" (١). (١٥٣: ١).\n٢١٢ / أ- وإلى شيث أنسابُ بني آدم كلّهم اليوم؛ وذلك: أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث، انقرضوا وبادوا فلم يبق منهم أحد، فأنسابُ الناس كلهم اليوم إلى شيث - ﵇ - (٢). (١: ١٥٣).\n٢١٢ / ب - وأما الفرس الذين قالوا إن جُيُومَرْت هو آدم؛ فإنهم قالوا: ولد لجيومَرْت ابنه ميشي، وتزوج ميشي أخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشي، وسيامي بنت ميشي، فولد لسيامك بن ميشي بن جيومرت أفرواك، وديس، وبراسب، وأجوب، وأوراش بنو سيامك، وأفري، ودذي، وبري وأوراشي بنات سيامك، أمهم جميعًا سيامي بنت ميشي، وهي أخت أبيهم.\nوذكروا أن الأرض كلَّها سبعة أقاليم، فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس برًّا أو بحرًا فهو إقليم واحد، وسكانه نسل ولد أفرواك بن سيامك وأعقابهم، وأما الأقاليم الستة الباقية التي لا يوصل إليها اليوم برًّا أو بحرًا فنسلُ سائر ولد سيامك، من بنيه وبناته.\nفولد لأفرواك بن سِيامك من أفرى بنت سِيامك هوشَنْك بيشداذ الملك، وهو الذي خلَف جدّه جُيُومَرْت في الملك، وأول منْ جمع له ملك الأقاليم السبعة، وسنذكر أخباره إن شاء الله إذا انتهينا إليه. وكان بعضهم يزعم أن أوشَهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء (٣). (١: ١٥٣).\n٢١٢ / جـ - وأما هشام الكلبيّ فإنه فيما حدّثتُ عنه قال: بلغنا والله أعلم -أول ملك مَلك الأرض أوشهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":99},{"text":"والفرس تدَّعيه وتزعم: أنه كان بعد وفاة آدم بمئتي سنة، قال: وإنما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمئتي سنة، فصيَّره أهل فارس بعد آدم بمئتي سنة، ولم يعرفوا ما كان قبل نوح.\nوهذا الذي قاله هشام قول لا وجه له؛ لأن هوشهنك الملك في أهل المعرفة بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام، وكلّ قوم فهم بآبائهم وأنسابهم ومآثرهم أعلم من غيرهم؛ وإنما يُرجع في كل أمر التبس إلى أهله (١). (١: ١٥٤).\n٢١٢ / د- وقد زعم بعض نسابة الفرس: أن أوشَهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل، وأن أباه فرواك هو قينان أبو مَهْلائيل، وأن سيامك هو أنوش أبو قينان، وأن ميشي هو شيث أو أنوش، وأن جُيُومَرت هو آدم.\nفإن كان الأمر كما قال: فلا شك أن أوشَهنج كان في زمان آدم رجلًا، وذلك أن مَهْلائيل فيما ذكر في الكتاب الأول كانت ولادة أمه دينة بنت براكيل بن محويل بن خَنوخ بن قَين بن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وتسعون سنة، فقد كان له حين وفاة آدم ستمئة سنة وخمس سنين، على حساب ما روي عن رسول الله في عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة.\nوقد زعمت علماء الفرس: أن مُلْك أوشهنج هذا كان أربعين سنة. فإن كان الأمر في هذا الملك كالذي قاله النسابة الذي ذكرت عنه ما ذكرت؛ فلم يُبْعِد من قال: إن مُلْكه كان بعد وفاة آدم بمئتي سنة (٢). (١: ١٥٤).\n٢١٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمّي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قولِهِ ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قال ابن عباس: إن الله ﷿ لما خلق آدم مسح ظهرَه، وأخرج ذريته كلّهم كهيئة الذرّ، فأنطقهم فتكلموا، وأشهدهم على أنفسهم، وجعل مع بعضهم النور. وأنه قال لآدم: هؤلاء ذريتك أُخِذ عليهم الميثاق: أني أنا ربهم لئلا يُشركوا بي شيئًا، وعليّ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":100},{"text":"رزقهم. قال آدم: فمن هذا الذي معه النور؟ قال: هو داود، قال: يا ربّ، كم كتبت له من الأجل؟ قال: ستين سنة، قال: كم كتبت لي؟ قال: ألف سنة، وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمَّر، وكم يلبث، قال: يا رب زدْه، قال: هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك، قال: نعم، وقد جفّ القلم عن سائر بني آدم، فكتب له من أجل آدم أربعين سنة، فصار أجلُه مئة سنة، فلما عمَّر تسعمئة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت، فلما أن رآه آدم قال: ما لكَ؟ قال له: قد استوفيتَ أجلك، قال له آدم: إنما عمّرت تسعمئة سنة وستين سنة، وبقي [لي] أربعون سنة، فلما قال ذلك للملَك، قال الملك: قد أخبرني بهما ربي، قال: فارجع إلى ربك فسلْه، فرجع الملك إلى ربه فقال: ما لك؟ قال: يا ربّ رجعتُ إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه، قال الله ﷿: ارجع فأخبره، أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنتة (١). (١: ١٥٦/ ١٥٧).\n٢١٤ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، قال: أخرجهم من ظهر آدم، وجعل لآدم عمرَ ألف سنة، قال: فعرضوا على آدم، فرأى رجلًا من ذريته له نور، فأعجبه فسأله عنه فقال: هو داود، وقد جعل عمره ستين سنة، فجعل له من عمره أربعين سنة، فلما احتُضِر آدم - ﵇ - جعل يخاصمهم في الأربعين السنة، فقيل له: إنك قد أعطيتها داود، قال: فجعل يخاصمهم (٢). (١: ١٥٧).\n٢١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب عن جعفر، عن سعيد، في قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال: أخرج ذريته من ظهره في صورة كهيئة الذرّ، فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم، قال: فعرض عليه روح داود في نور ساطع، فقال: مَنْ هذا؟ قال: هذا من ذريتك، نبيٌّ خلقته، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: زيدوه من عمري أربعين سنة، قال: والأقلام رطبة تجري، وأثبتت لداود - ﵇ - الأربعون، وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكملها إلا الأربعين سنة بعث إليه\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف. جدًّا.\n(٢) مرسل ضعيف.","vol":"6","page":101},{"text":"مَلك الموت قال: يا آدم أمِرتُ أن أقبضك، قال: ألم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الموت إلى ربه ﷿ فقال: إن آدم يدَّعي من عمره أربعين سنة، قال: أخبرْ آدم أنه جعلها لابنه داود. والأقلام رطبة، وأثبتت لداود [الأربعون] (١). (١: ١٥٨).\n٢١٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، بنحوه (٢). (١: ١٥٨).\n٢١٧ - وذكر أن آدم - ﵇ - مرض قبل موته أحد عشر يومًا، وأوصى إلى ابنه شيث - ﵇ - وكتب وصيته، ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث، وأمره أن يخفيَه من قابيل وولده، لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسدًا منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به (٣). (١: ١٥٨).\n٢١٨ - ويزعم أهل التوراة أن عمر آدم - ﵇ - كله كان تسعمئة سنة وثلاثين سنة (٤). (١: ١٥٨).\n٢١٩ - حدثنا الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان عمر آدم تسعمئة سنة وستًا وثلاثين سنة؛ والله أعلم (٥). (١: ١٥٨).\n٢١٩ / أ- والأخبار الواردة عن رسول الله والعلماء من سَلفنا ما قد ذكرت، ورسول الله كان أعلم الخلق بذلك.\nوقد ذكرت الأخبار الواردة عنه أنه قال: كان عمره ألف سنة، وأنه بعد ما جعل لابنه داود من ذلك ما جعل له، أكمل الله له عِدّة ما كان أعطاه من العمر قبل أن يهب لداود ما وهب له من ذلك، ولعلّ ما كان جعل من ذلك آدم عليه\n_________\n(١) مرسل ضعيف.\n(٢) مرسل ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":102},{"text":"السلام لداود - ﵇ - لم يُحسَب في عمر آدم في التوارة، فقيل: كان عمره تسعمئة وثلاثين سنة.\nفإن قال قائل فإنّ الأمر وإن كان كذلك؛ فإن آدم إنما كان جعل لابنه داود من عمره أربعين سنة، فكان ينبغي أن يكون في التوراة تسعمئة سنة وستون؛ ليوافق ذلك ما جاءت به الأخبار عن رسول الله.\nقيل: قد روينا عن رسول الله في ذلك أن الذي كان جعل آدم لابنه داود من عمره ستون سنة، وذلك في رواية لأبي هريرة عنه، وقد ذكرناها قبل. فإن يكن ذلك كذلك، فالذي زعموا أنه في التوراة من الخبر عن مدة حياة آدم - ﵇ - موافق لما روينا عن رسول الله في ذلك (١). (١: ١٥٩).\n٢٢٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: أنه قال: لما كتب آدم الوصية مات صلوات الله عليه، واجتمعت عليه الملائكة من أجل أنه كان صفيَّ الرحمن، فقبرته الملائكة، وشيث وإخوته في مشارق الفردوس، عند قرية هي أول قرية كانت في الأرض، وكسفت عليه الشمس والقمر سبعة أيام ولياليهنّ، فلما اجتمعت عليه الملائكة وجمع الوصية، جعلها في معراج، ومعها القرن الذي أخرج أبونا آدم من الفردوس؛ لكيلا يغفل عن ذكر الله ﷿ (٢). (١: ١٥٩).\n٢٢١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، قال: سمعته يقول: بلغني أن آدم - ﵇ - حين مات بعث الله إليه بكفنه وحَنوطه من الجنة، ثم وليت الملائكة قبره وفي فنه حتى غيّبوه (٣). (١٦٠: ١).\n٢٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبيّ بن كعب، قال: قال\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف. وشيخ الطبري متهم بالكذب وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا وفي متنه نكارة فالشمس والقمر لا تنكسفان لموت أحد من البشر كما صح والله أعلم.\n(٣) ضعيف. وانظر ما قبله.","vol":"6","page":103},{"text":"رسول الله: \"إن أباكم آدم كان طُوالًا كالنخلة السَّحوق، ستين ذراعًا، كثير الشعر، موارَى العورة، وأنه لما أصاب الخطيئة بدت له سوءته فخرج هاربًا في الجنة فتلقاه شجرة، فأخذت بناصيته، وناداه ربّه: أفرارًا مني يا آدم! قال: لا والله يا ربّ ولكن حياءً منك مما [قد] جنيت، فأهبطه الله إلى الأرض، فلما حضرته الوفاة بعث الله إليه بحَنوطه وكفنه من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم إليه، فقال: خَلِّي عني وعن رسل ربي، فإني ما لقيت ما لقيتُ إلا منك، ولا أصابني ما أصابني إلا فيك. فلما قبض غسلوه بالسِّدْر والماء وترًا، وكفنوه في وتر من الثياب، ثم لَحَدُوا له فدفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده (١). (١: ١٦٠).\n٢٢٣ - حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام [بن محمد] قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما مات آدم - ﵇ - قال شيث لجبرئيل صلى الله عليهما: صلِّ على آدم، قال: تقدم أنت فصلّ على أبيك، وكبّر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وأما خمس وعشرون فتفضيلًا لآدم (٢). (١: ١٦١).\n٢٢٣ / أ - وقد اختُلف في موضع قبر آدم - ﵇ -، فقال ابن إسحاق ما قد مضى ذكره، وأما غيره فإنه قال: دفن بمكة في غار أبي قُبَيس، وهو غار يقال له غار الكنز (٣). (١: ١٦١).\n٢٢٤ - وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة دَفَن آدم - ﵇ - ببيت المقدس (٤). (١: ١٦١).\n٢٢٥ - وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مات آدم - ﵇ - على بَوْذ - قال أبو جعفر يعني الجبل الذي\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا ضعيف جدا وفي متن الخبر نكارة والله تعالى أعلم.\n(٢) في إسناده الكلبي متروك.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده الكلبي متروك.","vol":"6","page":104},{"text":"أُهبط عليه - وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت رحمهما الله، فدفنت مع زوجها في الغار الذي ذكرت، وأنهما لم يزالا مدفونين في ذلك المكان، حتى كان الطوفان، فاستخرجهما نوح، وجعلهما في تابوت، ثم حملهما معه في السفينة، فلما غاضت الأرض الماء ردّهما إلى مكانهما الذي كانا فيه قبل الطوفان، وكانت حواء قد غَزَلت - فيما ذكر - ونسجت وعجنت وخبزت، وعملت أعمال النساء كلها (١). (١: ١٦١).\n٢٢٦ - فأما شيث - ﵇ - فقد ذكرنا بعضَ أمره، وأنه كان وصيّ أبيه آدم - ﵇ - في مُخَلَّفيه بعد مضيِّه لسبيله، وما أنزل الله عليه من الصحف.\nوقيل: إنه لم يزل مقيمًا بمكة يحجّ ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان جمع ما أنزل الله ﷿ عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم - ﵇ -، وعمل بما فيها، وأنه بني الكعبة بالحجارة والطين.\nوأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا: لم تزل القبّة التي جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان، وإنما رفعها الله ﷿ حين أرسل الطوفان. وقيل: إن شيئًا لما مرض أوصى ابنه أنوش ومات، فدفن مع أبويه في غار أبي قبيس، وكان مولده لمضي مئتي سنة وخمس وثلاثين سنة، من عمر آدم - ﵇ -. وكانت وفاته وقد أتت له تسعمئة سنة واثنتا عشرة سنة. وولد لشيث أنُوش، بعد أن مضى من عمره ستمئة سنة وخمس سنين؛ فيما يزعم أهل التوراة (٢). (١: ١٦٢/ ١٦٣).\n٢٢٧ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عنه: نكح شيث بن آدم أخته حزورة بنت آدم، فولدت له يانش بن شيث، ونَعمة بنت شيث، وشيث يومئذ ابن مئة سنة وخمس سنين، فعاش بعد ما وُلد له يانش ثمانمئة سنة وسبع سنين.\nوقام أنُوش بعد مضيّ أبيه شيث لسبيله بسياسة الملك، وتدبير مَنْ تحت يديه من رعيته مقام أبيه شيث، ولم يزل -فيما ذُكِر- على منهاج أبيه: لا يوقَف منه\n_________\n(١) في إسناده الكلبي متروك.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":105},{"text":"على تغيير ولا تبديل. وكان جميعُ عمر أنوش - فيما ذكر أهل التوراة - تسعمئة سنة وخمس سنين (١). (١: ١٦٣).\n٢٢٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولَد مميث أنُوش ونفرًا كثيرًا، وإليه أوصى شيث، ثمّ ولد لأنوش بن شيث بن آدم ابنُه قَينَان من أخته نَعمة بنت شيث بعد مضيّ تسعين سنة من عمر أنوش، ومن عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وعشرين سنة (٢) (١: ١٦٣).\n٢٢٩ - وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، عن ابن إسحاق: نكح يانش بن شيث أختَه نعمة بنت شيث، فولدت له قَينان، ويانش يومئذ ابن تسعين سنة، فعاش يانش بعد ما ولد له قَينَان ثمانمئة سنة وخمس عشرة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كلُّ ما عاش يانش تسعمئة سنة وخمس سنين. ثم نكح قَينان بن يانش - وهو ابن سبعين سنة - دينة بنت براكيل بن محويل بن خنُوخ بن قين بن آدم، فولدت له مَهلائيل بن قَينان، فعاش قينان بعد ما ولد له مهلائيل ثمانمئة سنة وأربعين سنة، فكان كلّ ما عاش قَينان تسعمئة سنة وعشر سنين (٣) (١: ١٦٤).\n٢٣٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هِشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولَد أنوش قَينَان، ونفرًا كثيرًا، وإليه الوصية، فولد قينان مهلائيل ونفرًا معه، وإليه الوصية، فولد مهلائيل يرد وهو اليارد ونفرًا معه وإليه الوصية فولد يَرْد أخْنُوخ وهو إدريس النبي ونفرًا معه، فولد مهلائيل يردد وهو البارد ونفرًا معه وإليه الوصية فولد أخْنُوخ مَتُوشَلخ ونفرًا معه وإليه الوصية، [فولد مَتُوشَلخ لمك ونفرًا معه وإليه الوصية] (٤) (١: ١٦٤).\n٢٣١ - وأما التوراة فما ذكره أهلُ الكتاب أنه فيها أنّ مولد مهلائيل بعد أن\n_________\n(١) في الإسرائيليات ذكره الطبري نفسه هنا.\n(٢) في إسناده الكلبي متروك.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده الكلبي متروك.","vol":"6","page":106},{"text":"مضت من عمر آدم ثلاثمئة سنة وخمس وتسعون سنة، ومن عمر قَينان سبعون سنة.\nونكح مهلائيل بن قَينان - وهو ابن خمس وستين سنة، فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - خالتَه سمعن ابنة براكيل بن محويل بن خَنُوخ بن قَين بن آدم، فولدت له يَرْد بن مهلائيل، فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يَرْد ثمانمئة سنة وثلاثين سنة، فوُلد له بنون وبنات، فكان كلُّ ما عاش مهلائيل ثمانمئة سنة وخمسًا وتسعين سنة، ثم مات (١). (١: ١٦٤).\n٢٣٢ - وأما في التوراة فإنه ذكر أن فيها أن يَرْد وُلد لمهلائيل بعد ما مضى من عمر آدم أربعمئة سنة وستون سنة، وأنه كان على منهاج أبيه قَينان، غير أن الأحداث بدتْ في زمانه (٢). (١: ١٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد</span>\n٢٣٣ - ذُكِر: أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قبل قُربانُه وأكلته النار، لأنه كان يخدُم النار ويعبدها، فانصبْ أنت أيضًا نارًا تكون لكَ ولعقبك. فبنَى بيتَ نار، فهو أوّلُ مَنْ نَصَب النار وعبدها (٣). (١: ١٦٥).\n٢٣٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: إن قينًا نكح أختَه أشوث بنت آدم، فولدت له رجلًا وامرأة: خَنُوخ بن قين، وعذب بنت قين، فنكِح خَنوخ بن قين أختَه عذَب بنت قين، فولدت له ثلاثة نفر وامرأة: عيرد بن خنُوخ ومحويل بن خَنُوخ وأنوشيل بن خنوخ، وموليث بنت خنوخ، فنكح أنُوشيل بن خنوخ موليث بنت خنوخ، فولدت لأنوشيل رجلًا اسمه لامك،\n_________\n(١) ضعيف وهو من الإسرائيليات.\n(٢) ضعيف وهو من الإسرائيليات.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":107},{"text":"فنكح لامك امرأتين: اسم إحداهما عَدّى واسم الأخرى صَلّى، فولدت له عَدّى تولين بن لامك، فكان أول من سكن القباب، واقتنى المال، وتوبيش، وكان أول من ضرب بالوَنج والصَّنْج، وولدت رجلًا اسمه توبلقين، فكان أول مَنْ عمل النحاس والحديد، وكان أولادهم جبابرة وفراعنة، وكانوا قد أعطُوا بسطة في الخلق؛ كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعًا. قال: ثم انقرض ولد قَين، ولم يتركوا عقبًا إلا قليلًا، وذرية آدم كلهم جهِلتْ أنسابهم وانقطع نسلهم، إلا ما كان من شيث بن آدم، فمنه كان النسل، وأنسابُ الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم، فهو أبو البشر، إلا ما كان من أبيه وإخوته ممن لم يترك عقبًا.\nقال: ويقول أهل التوراة: بل نكح قَين أشوث، فولدت له خَنوخ، فولد لخنوخ عِيرد، فولد عيرد محويل، فولد محويل أنوشيل، فولد أنوشيل، لامك، فنكح لامك عدّى وصلّى، فولدتا له مَنْ سفَيتُ. والله أعلم (١).\n٢٣٥ - فلم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وعقبه إلا ما حكيتُ.\nوأما غيره من أهل العلم بالتوراة فإنه ذكر أن الذي اتخذ الملاهيَ من ولد قايين رجل يقال له: توبال، اتخذ في زمان مهلائيل بن قَيْنان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان والطنابير والمعازف، فانهمك ولد قايين في اللهو، وتناهى خبرُهم إلى من بالجبل من نسل شيث، فهمّ منهم مئة رجل بالنزول إليهم، وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم، وبلغ ذلك يارد، فوعظهم ونهاهم؛ فأبوْا إلا تماديًا، ونزلوا إلى ولد قايين، فأعجبوا بما رأوْا منهم، فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقتْ من آبائهم، فلما أبطؤوا بمواضعهم، ظنّ من كان في نفسه زيغ ممن كان بالجبل أنهم أقاموا اعتباطًا، فتسلَّلوا ينزلون عن الجبل، ورأوا اللهو فأعجبهم، ووافقوا نساء من ولد قايين متسرّعات إليهم، وصرْن معهم، وانهمكوا في الطغيان، وفشت الفاحشة وشرب الخمر (٢). (١: ١٦٦).\n٢٣٦ - حدثنا أحمد بن زُهَير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات- قال: حدثنا علباء بن أحمر عن عكرمة، عن ابن\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا ضعيف جدًّا ومتن هذا الأثر من الإسرائيليات.\n(٢) ضعيف وهو من الإسرائيليات.","vol":"6","page":108},{"text":"عباس: أنه تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال: كانت فيما بين نُوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بَطنيْن من ولد آدم، كان أحدُهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل؛ وكان رجال الجبل صباحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلًا من أهل السهل في صورة غلام فآجر نفسه منه، وكان يخدُمه، واتخذ إبليس لعنه الله شيئًا مثل الذي يزمُر فيه الرِّعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثلَه، فبلغ ذلك مَنْ حولهم، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج النساء للرجال، قال: وينزل الرجال لهنّ. وإن رجلًا من أهل الجَبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصَباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن، فنزلوا عليهن، فظهرت الفاحشة فيهنّ، فهو قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١). (١: ١٦٧).\n٢٣٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن أبي غَنِيّة عن أبيه، عن الحَكَم: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، قال: كان بين آدم ونوح ثمانمئة سنة، وكان نساؤهم أقبحَ ما يكون من النساء، ورجالُهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها، فأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٢). (١: ١٦٧).\n٢٣٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لم يمُتْ آدم حتى بلغ ولدُه وولدُ ولدِه أربعين ألفًا ببَوْذ.\nورأى آدم فيهم الزنى وشربَ الخمر والفساد، فأوصى ألّا يناكح بنُو شيث بني قابيل، فجعل بنو شيث آدم في مغارة، وجعلوا عليه حافظًا، لا يقربه أحد من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ويستغفر لهم من بني شيث، فقال مئة من بني شيث صِباح: لو نظرنا إلى ما فعل بنو عمّنا! يعنون بني قابيل. فهبطت المئة إلى\n_________\n(١) مرسل ضعيف.\n(٢) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"6","page":109},{"text":"نساء صباح من بني قابيل، فاحتبس النساء الرجال، ثم مكثوا ما شاء الله. ثم قال مئة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخوتنا! فهبطوا من الجبل إليهم، فاحتبسهم النساء. ثم هبط بنو شيث كلّهم، فجاءت المعصية، وتناكحوا واختلطوا، وكثر بنو قابيل حتى ملؤوا الأرض، وهم الذين غرقوا أيام نوح (١). (١: ١٦٧/ ١٦٨).\n٢٣٩ - وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان، وأنه هو أوشهنْج الذي ملك الأقاليم السبعة، وبيّنت قَول مَنْ خالفهم في ذلك من نسابي العرب (٢). (١: ١٦٨).\n٢٤٠ - فإن كان الأمر فيه كالذي قاله نسابو الفرس، فإني حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب: أنه هو أول مَنْ قطع الشجر، وبنى البناء، وأول من استخرج المعادن وفطَّن الناس لها، وأمر أهلَ زمانه باتخاذ المساجد، وبنى مدينتين كانتا أوّلَ ما بُني على ظهر الأرض من المدائن، وهما مدينة بابل التي بسواد الكوفة، ومدينة السوس. وكان ملكه أربعين سنة (٣). (١: ١٦٨).\n٢٤١ - وأما غيره فإنه قال: هو أوّلُ مَن استنبط الحديد في ملكه، فاتخذ منه الأدوات للصناعات، وقدر المياه في مواضع المناقع، وحضّ الناس على الحراثة والزراعة والحصاد واعتمال الأعمال، وأمر بقتل السباع الضارية، واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش، وبذبح البقر والغنم والوحش والأكل من لحومها، وأن مُلْكَه كان أربعين سنة، وأنه بنى مدينة الرَّيّ، قالوا: وهي أوّل مدينة بنيت بعد مدينة جيومَرْت التي كان يسكنها بدُنْبَاوَند من طبرِستان (٤). (١: ١٦٨/ ١٦٩).\n٢٤٢ - وقالت الفرس: إن أوشْهَنْج هذا وُلِد ملكًا، وكان فاضلًا محمودًا في سيرته وسياسة رعيّته، وذكروا أنه أوّل من وَضع الأحكام والحدود، وكان ملقَّبًا بذلك، يُدعَى فيشداذ ومعناه بالفارسية: أوّلُ مَنْ حكم بالعدل، وذلك أن \"فاش\" معناه أوّل، وأن \"داذ\" عدل وقضاء، وذكروا أنه نزل الهند، وتنقّل في البلاد،\n_________\n(١) في إسناده الكلبي وهو متروك.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":110},{"text":"فلما استقام أمرُه واستوثق له الملك عقد على رأسه تاجًا، وخطب خطبة، فقال في خطبته: إنه ورِث الملك عن جده جيُومَرت، وإنه عذاب ونقمة على مَرَدَة الإنس والشياطين. وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده، ومنعهم الاختلاط بالناس، وكتب عليهم كتابًا في طِرْس أبيض أخذ عليهم فيه المواثيق ألّا يعرضوا لأحد من الإنس، وتوعّدهم على ذلك، وقتل مردَتهم وجماعة من الغيلان، فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال والأودية، وأنه ملك الأقاليم كلها، وأنه كان بين موت جيومَرت إلى مولد أوشهنْج وملْكه مئتان سنة وثلاث وعشرون سنة.\nوذكروا أن إبليس وجنوده فرحوا بموت أوشهنج، وذلك أنهم دخلوا بموته مساكنَ بني آدم، ونزلوا إليهم من الجبال والأودية (١). (١: ١٦٩).\n٢٤٣ - ونرجع الآن إلى ذكر يرد - وبعضهم يقول هويارد - فولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن بنت براكيل بن محويل بن خَنُوخ بن قين، بعد ما مضى من عمر آدم أربعمئة وستون سنة، فكان وصيّ أبيه وخليفتَه فيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل، واستخلفه عليه بعد وفاته، وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مضى من عمر أبيه مهلائيل - فيما ذكروا - خمس وستون سنة، فقام من بعد مَهْلَك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم (٢). (١: ١٦٩).\n٢٤٤ - ثم نكح يَرْد - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، وهو ابن مئة سنة واثنتين وستين سنة - بركنا بنت الدرمسيل بن محويل بن خَنُوخ بن قين بن آدم. فولدت له أخْنُوخ بن يرد - وأخنوخ إدريس النبيّ، وكان أوّل بني آدم أعطي النبوّة - فيما زعم ابن إسحاق - وخطّ بالقلم، فعاش يَرْد بعد ما وُلد له أخْنوخ ثمانمئة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كلّ ما عاش يرد تسعمئة سنة وائنتين وستين سنة ثم مات (٣). (١: ١٧٠).\n٢٤٥ - وقال غيره من أهل التوراة: ولد ليرد أخْنُوخ - وهو إدريس - فنبأه الله ﷿، وقد مضى من عمر آدم ستمئة سنة واثنتان وعشرون سنة، وأنزل عليه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":111},{"text":"ثلاثون صحيفة. وهو أول من خطّ بعد آدم وجاهد في سبيل الله، وقَطّع الثياب وخاطها، وأوّل من سَبى من ولد قابيل، فاسترقّ منهم، وكان وصيّ والده يرْد فيما كان آباؤه أوصوْا به إليه، وفيما أوصى به بعضهم بعضًا، وذلك كلُّه من فعله في حياة آدم.\nقال: وتوفِّيَ آدم - ﵇ - بعد أن مضى من عمر أخْنُوخ ثلاثمئة سنة وثمانيَ سنين، تتمّةُ تسعمئة وثلاثين سنة التي ذكرنا أنها عمر آدم. قال: ودعا أخْنوخ قومَه ووعظَهم، وأمرهم بطاعة الله ﷿ ومعصية الشيطان، وألا يُلابسوا ولد قابيل، فلم يقبلوا منه، وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قايين.\nقال: وفي التوراة: إن الله ﵎ رفع إدريس بعد ثلاثمئة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره، وبعد خمسمئة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمر أبيه، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمئة وخمسًا وثلاثين سنة تمام تسعمئة واثنتين وستين سنة، وكان عمرُ يارد تسعمئة واثنتين وستين سنة، وولد أخْنُوخ وقد مضت من عمر يارد مئة واثنتان وستون سنة (١). (١: ١٧٠).\n٢٤٦ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: في زمان يَرْد عُملت الأصنام، ورَجع مَنْ رجع عن الإسلام (٢). (١: ١٧٠).\n٢٤٧ - وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قال لي رسول الله: \"يا أبا ذرّ! أربعة -يعني من الرسل - سريانيّون: آدم، وشيث، ونوح، وأخْنُوخ، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وأنزل الله تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة\" (٣). (١٧١: ١).\n_________\n(١) هذا من الإسرائيليات ولا ندري لم ينقل الطبري ﵀ كل هذه التفاصيل من التوراة.\n(٢) في إسناده الكلبي متروك.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"6","page":112},{"text":"٢٤٧ / أ - وقد زعم بعضهم: أن الله بعث إدريس إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمَع له عِلْم الماضين، وأن الله ﷿ زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة، قال: فذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.\nوقال: يعني بالصحف الأولى [الصحف] التي أنزلت على ابن آدم هبة الله، وإدريس ﵉ (١) (١: ١٧١).\n٢٤٨ - وقال بعضُهم: ملك بيوَراسب في عهد إدريس، وقد كان وقع إليه كلام من كلام آدم صلوات الله عليه، فاتّخذه في ذلك الزمان سحرًا، وكان بيوراسب يعمل به، وكان إذا أراد شيئًا من جميع مملكته أو أعجبته دابّة أو امرأة نفخ بقصَبة كانت له من ذهب، وكان يجيءُ إليه كلّ شيء يريده، فمن ثَمَّ تنفخ اليهود [في الشبّورات] (٢) (١: ١٧١).\n٢٤٩ - وأما الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان بن خُبانداذ بن خُيايذار بن أوشهنج.\nوقد اختلف في نسب طهمورث إلى أوشهنج، فنسبه بعضهم النسبة التي ذكرت. وقال بعض نسَّابة الفرس: هو طهمُورث بن أبيونكهان بن أنكهد بن أسكهد بن أوشهنج (٣). (١: ١٧١).\n٢٥٠ - وقال هشام بن محمَّد الكلبيّ -فيما حُدثتُ عنه: ذكر أهلُ العلم أن أولَ ملوك بابل طهمورث، قال: وبلغنا - والله أعلم - أن الله أعطاه من القوَّة ما خضع له إبليس وشياطينه، وأنه كان مُطيعًا لله، وكان ملكه أربعين سنة.\nوأما الفرس فإنها تزعم أن طهمورث ملك الأقاليم كلّها، وعقد على رأسه تاجًا، وقال يوم ملك: نحن دافعون بعون الله عن خليقته المَرَدة الفَسَدة. وكان محمودًا في ملكه، حَدِبًا على رعيته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها، وتنقّل في البلدان، وأنه وثب بإبليس حتى ركبه، فطاف عليه في أداني الأرض\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":113},{"text":"وأقاصيها، وأفزعه ومردةَ أصحابه حتى تطايروا وتفرّقوا، وأنه أولى من اتخذ الصوف والشعر للباس والفُرُش، وأول من اتخذ زينةَ الملوك من الخيل والبغال والحمير، وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشي وحراستها من السباع والجوارح للصيد، وكتَبَ بالفارسية، وأن بيوَراسب ظهر في أولى سنة من ملكه، ودعا إلى ملّة الصابئين (١). (١: ١٧٢).\n٢٥١ - ثم رجعنا إلى ذكر أخنوخ، وهو إدريس - ﵇ -.\nثم نكح - فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة - عنِ ابن إسحاق -: أخنوخ بن يَرْد هدّانة - ويقال: أدّانة - ابنة باويل بن محويل بن خنُوخ بن قَين بن آدم، وهو ابن خمس وستين سنة، فولدت له مَتُوشلَخ بن أخْنوخ، فعاش بعد ما ولد له مَتُوشَلَخ ثلاثمئة سنة، وولد له بنون وبنات؛ فكان كل ما عاش أخنوخ ثلاثمئة سنة وخمسًا وستين سنة ثم مات (٢). (١: ١٧٢).\n٢٥٢ - وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكر عن التوراة: وُلد لأخْنُوخ بعد ستمئة سنة وسبع وثمانين سنة خَلَتْ من عمر آدم مَتُوشَلَخ، فاستخلفه أخْنُوخ على أمر الله، وأوصاه وأهل بيته قبل أن يُرفع، وأعلمهم أن الله ﷿ سيعذِّب ولد قايين ومَنْ خالطهم ومال إليهم، ونهاهم عن مخالطتهم، وذُكِر أنه كان أولى من ركب الخيل، لأنه اقتفى رسمَ أبيه في الجهاد، وسلك في أيامه في العمل بطاعة الله طريق آبائه. وكان عمر أخْنُوخ إلى أن رفع ثلاثمئة سنة وخمسًا وستين سنة. وولد له مَتُوشلخ بعد ما مضى من عمره خمس وستون سنه (٣) (١٧٢: ١/ ١٧٣).\n٢٥٣ - ثم نكح - فيما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق - مُتوشلخ بن أخنوخ عربا بنت عزرائيل بن أنوشيل بن خَنوخ بن قين بن آدم، وهو ابن مئة سنة وسبع وثلاثين سنة. فولدت له لمك بن مَتُوشلخ، فعاش بعد ما ولد له لمك سبعمئة سنة، فولد له بنون وبنات، وكان كل ما عاش مَتُوشلخ تسعمئة\n_________\n(١) في إسناده الكلبي متروك.\n(٢) وهذا من الإسرائيليات.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":114},{"text":"سنة وتسع عشرة سنة. ثم مات ونكح لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بتنوس بنت براكيل بن محويل بن خنوخ بن قَين بن آدم - ﵇ -، وهو ابن مئة سنة وسبع وثمانين سنة. فولدت له نوحًا النبي، فعاش لمك بعد ما ولد له نوح خمسمئة سنة وخمسًا وتسعين سنة، [وولد له بنون وبنات]، فكان كلُّ ما عاش سبعمئة سنة وثمانين سنة، ثم مات. ونكح نوح بن لمك عمذرة بنت براكيل بن محويل بن خنُوخ بن قين بن آدم، وهو ابن خمسمئة سنة، فولدت له بنيه: سام، وحام، ويافث بني نوح (١). (١: ١٧٣).\n٢٥٤ - وقال أهل التوراة: ولد لمتُوشلَخ بعد ثمانمئة سنة وأربع وسبعين سنة من عمر آدم لمك، فأقام على ما كان عليه آباؤه: من طاعة الله وحفظ عهوده. قالوا: فلما حضرت مَتُوشلَخ الوفاة استخلف لمك على أمره، وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به. قالوا: وكان لمك يَعظ قومه، وينهاهم عن النزول إلى ولد قايين فلا يتَّعظون، حتى نزل جميع مَنْ كان في الجبل إلى ولد قايين.\nوقيل: إنه كان لمتُوشَلَخ ابن آخر غير لمَك، يقال له: صابئ - وقيل: إن الصابئين به سُمّوا صابئين - وكان عمر مَتُوشَلَخ تسعمئة وستين سنة، وكان مولد لمَك بعد أن مضى من عمر مَتُوشَلخ مئة وسبع وثمانون سنة. ثم ولد لمَك نوحًا بعد وفاة آدم بمئة سنة وست وعشرين سنة، وذلك لألف سنة وست وخمسين سنة مضت من يوم أهبط الله ﷿ آدم إلى مولد نوح - ﵇ -، فلما أدرك نوح قال له لمَك: قد علمت أنه لم يبق في هذا الموضع غيرُنا، فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة؛ فكان نوح يدعو إلى ربّه، ويعظ قومَه فيستخفُّون به، فأوحى الله ﷿ إليه أنه قد أمهلهم؛ فأنظِرهم ليراجعوا ويتوبوا مدة، فانقضت المدة قبل أن يتوبوا ويُنيبوا.\nوقال آخرون غير من ذكرت قوله: كان نوح في عهد بِيوراسب، وكان قومه يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى الله جلَّ وعزَّ تسعمئة وستة وخمسين سنة؛ كلَّما\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":115},{"text":"مضى قرنٌ تبعهم قرن، على ملّةٍ واحدة من الكفر، حتى أنزل الله عليهم العذاب فأفناهم (١). (١: ١٧٤).\n٢٥٥ - حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام وقال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: وَلَد مَتُوشلَخ لمك ونفرًا معه، وإليه الوصية، فولَد لمك نوحًا، وكان للَمَك يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينهَى عن منكر، فبعث الله إليهم نوحًا؛ وهو ابن أربعمئة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مئة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعَها وركبها وهو ابن ستمئة سنة، وغرق من غرق، ثم مَكث بعد السفينة ثلاثمئة سنة وخمسين سنة (٢). (١: ١٧٤).\n٢٥٦ - وأما علماء الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد طهمورث جم الشيذ - والشيذ معناه عندهم: الشعاع، لقّبوه بذلك فيما زعموا لجماله - وهو جم بن ويونجهان، وهو أخو طمهورَث. وقيل: إنه ملَك الأقاليم السبعة كلَّها، وسُخِّر له ما فيها من الجنّ والإنس، وعُقِد على رأسه التاج. وقال حين قعد في ملكه: إن الله ﵎ قد أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا، وسنُوسع رعيتنا خيرًا. وإنه ابتدع صنعة السيوف والسلاح، ودلَّ على صنعة الإبريسم والقَزّ وغيره مما يُغْزَل، وأمر بنسج الثياب وصبْغها، ونحت السروج والأكُف وتذليل الدوابّ بها.\nوذكر بعضُهم: أنه توارَى بعد ما مضى من ملكه ستمئة سنة وست عشرة سنة وستَّة أشهر، فخلت البلادُ منه سنة، وأنه أمر لمُضِيّ سنةٍ من ملكه إلى سنة خمس منه بصنعة السيوف والدروع والبيض وسائر صنوف الأسلحة وآلة الصنّاع من الحديد. ومن سنة خمسين من مُلْكه إلى سنة مئة بغزل الإبريسم والقَزّ والقطن والكَتّان وكلّ ما يُستطاع غزلُه وحياكة ذلك وصبْغته ألوانًا وتقطيعه أنواعًا ولبسه. ومن سنة مئة إلى سنة خمسين ومئة صنَّف الناس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة فقهاء، وطبقة كتَّابًا وصناعًا وحرّاثين، واتخذ طبقة منهم خَدَمًا، وأمرَ كلّ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف وفي إسناده الكلبي وأبوه متروكان.","vol":"6","page":116},{"text":"طبقة من تلك الطبقات بلزوم العمل الذي ألزمها إياه. ومن سنة مئة وخمسين إلى سنة خمسين ومئتين حاربَ الشياطين والجنَّ وأثخنهم وأذلّهم وسُخِّروا له وانقادوا لأمره. ومن سنة خمسين ومئتين إلى سنة ست عشرة وثلاثمئة وكَّلَ الشياطين بقطع الحجارة والصخور من الجبال، وعملِ الرخام والجصّ والكَلْس والبناء بذلك، بالطين البنيان والحمامات، وصنعة النُّورة، والنّقْل من البحار والجبال والمعادن والفلوات كلّ ما ينتفع به الناس، والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر، وأنواع الطيب والأدوية فنفذوا في كلّ ذلك لأمره. ثم أمر فصُنِعت له عَجَلة من زجاج، فصفّد فيها الشياطين وركبها، وأقبل عليها في الهواء من بلده، من دَنْبَاوند إلى بابل في يوم واحد، وذلك يوم هرمزأز فروردين ماه، فاتخذ الناس للأعجوبة التي رأوا من إجرائه ما أجرى على تلك الحال نوروز؛ وأمرهم باتخاذ ذلك اليوم وخمسة أيام بعده عيدًا، والتنعم والتلذذ فيها، وكتب إلى الناس اليوم السادس، وهو خُرداذروز يخبرهم: أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله، فكان من جزائه إياه عليها أن جنَّبهم الحرَّ والبردَ والأسقام والهرَم والحسد، فمكث الناس ثلاثمئة سنة بعد الثلاثمئة والست عشرة سنة التي خلت من مُلْكه، لا يصيبهم شيء مما ذكر أن اللهَ جَلّ وعزّ جنّبهم إياه.\nثم إن جمَّ بَطَر بعد ذلك نعمة الله عنده، وجمع الإنس والجن، فأخبرهم أنه وليُّهم ومالكهم والدافع بقوته عنهم الأسقام والهرم والموت، وجَحَد إحسان الله ﷿ إليه، وتمادى في غيّه فلم يُحِرْ أحد ممن حضره له جوابًا، وفقد مكانه بهاءه وعزّه، وتخلّت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم بسياسة أمره، فأحسّ بذلك بِيوراسب الذي يسمى الضحاك فابتدر إلى جَم لينتهسه فهرب منه، ثم ظفر به بيوراسب بعد ذلك، فامتلخ أمعاءه واسترطها، ونشره بمنشار.\nوقال بعض علماء الفرس: إن جمَّ لم يزل محمودَ السيرة إلى أن بقيَ من ملكه مئة سنة فخلّط حينئذ، وادّعى الربوبية، فلما فعل ذلك اضطرب عليه أمره، ووثب عليه أخوه اسفتور وطلبه ليقتله، فتوارى عنه، وكان في تواريه ملكًا ينتقل من موضع إلى موضع، ثم خرج عليه بيوراسب فغلَبه على ملكه، ونشره بالمنشار.","vol":"6","page":117},{"text":"وزعم بعضُهم أن مُلْك جم كان سبعمئة سنة وست عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرين يومًا (١). (١: ١٧٥/ ١٧٦).\n٢٥٧ - وقد ذكرت عن وهب بن منبّه، عن ملك من ملوك الماضين قصة شبيهة بقصّة جم شاذ الملك، ولولا أنّ تاريخه خلاف تاريخ جَم لقلت إنها قصة جَم. وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبّه: أنه قال: إن رجلًا ملك وهو فتىً شاب، فقال: إني لأجدُ للمُلْك لذة وطعمًا، فلا أدري: أكذلك كلّ الناس أم أنا وجدتُه من بينهم؟ فقيل له: بل المُلْك كذلك، فقال: ما الذي يقيمه لي؟ فقيل له: يقيمه لك أن تطيعَ الله فلا تعصيه. فدعا ناسًا من خيار مَنْ كان في ملكه فقال لهم: كونوا بحضرتي في مجلسي؛ فما رأيتم أنه طاعة لله ﷿ فأمُروني أن أعمل به، وما رأيتم أنه معصيةٌ لله فازجروني عنه أنزجر؛ ففعل ذلك هو وهم، واستقام له ملكه بذلك أربعمئة سنة مطيعًا لله ﷿. ثم إن إبليس انتبه لذلك فقال: تركت رجلًا يعبد الله ملكًا أربعمئة سنة! فجاء فدخل عليه فتمثّل له برجل، ففزع منه الملك، فقال: من أنت؟ قال إبليس: لا تُرَعْ؛ ولكن أخبرني مَنْ أنت؟ قال الملك: أنا رجلًا من بني آدم، فقال له إبليس: لو كنت من بني آدم لقد متَّ كما يموت بنو آدم؛ ألم تَر كمْ قد مات من الناس وذهب من القرون! لو كنتَ منهم لقد متَّ كما ماتوا؛ ولكنَّك إله، فادعُ الناس إلى عبادتك. فدخل ذلك في قلبه، ثم صعد المنبر، فخطب الناس فقال: أيها الناس، إني قد كنت أخفيت عنكم أمرًا بَانَ لي إظهاره؛ لَكَمْ تعلمون أني ملكتكم منذ أربعمئة سنة، ولو كنتُ من بني آدم لقد متّ كما ماتوا؛ ولكني إلهٌ فاعبدوني! فأرعش مكانه، وأوحى الله إلى بعض مَنْ كان معه فقال: أخبره أني قد استقمت له ما استقام لي، فإذا تحول عن طاعتي إلى معصيتي فلم يستقم لي، فبعزّتي حلفتُ لأسلِّطن عليه بخت ناصر؛ فليضربَنَّ عنقه، وليأخذنّ ما في خزائنه. وكان في ذلك الزمان لا يسخط الله على أحد إلا سلّط عليه بخت ناصر؛ فلم يتحول الملك عن قوله، حتى سلَّط الله عليه بخت ناصر، فضرب عنقه، وأوقر من خزائنه سبعين سفينة ذهبًا.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":118},{"text":"قال أبو جعفر: ولكن بين بخت ناصر وجم دهر طويل؛ إلا أن يكون الضّحاك كان يُدعى في ذلك الزمان بخت ناصر (١). (١: ١٧٦/ ١٧٧).\n٢٥٨ - وأما هشام بن الكلبيّ فإني حُدّثت عنه أنه قال: ملك بعد طهْمورث جم، وكان أصبَحَ أهلِ زمانه وجهًا، وأعظمهم جسمًا، قال: فذكروا أنه غبَرَ ستمئة سنة وتسع عشرة سنة مطيعًا لله مستعليًا أَمره مستوثقة له البلاد. ثم إنه طَغى وبغى؛ فسلّط الله عليه الضَّحاك، فسار إليه في مئتي ألف، فهرب جم منه مئة سنة؛ ثم إن الضحاك ظفر به فنشره بمنشار. قال: فكان جميع ملك جم، منذ ملك إلى أن قتل سبعمئة وتسع عشرة سنة (٢). (١: ١٧٧).\n٢٥٩ - وقد روي عن جماعة من السلف: أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ كلُّهم على ملة الحقّ، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بعث إليهم نوح - ﵇ -، وقالوا: إن أول نبيّ أرسله الله إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح - ﵇ - (٣) (٤) (١: ١٧٨).\nذكر من قال ذلك:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) لقد ذكر الإمام الطبري ﵀ في هذا الفصل أمورًا من الإسرائيليات سوّد بها صفحات كثيرة ولو استشهد بدلًا من ذلك بسور من القرآن الكريم وآياته في قصة نوح - ﵇ - لكان خيرًا وألف خير ولكنه ﵀ ذكر تلك الإسرائيليات وغيرها من الأحاديث الضعيفة جدًّا (عفا الله عنا وعنه).\nومثل تلك التفاصيل لا تُعلم إلا عن طريق الصادق المصدوق ولو كان في ذكر تلك التفاصيل عبرة وعظة لنا لذكرها سبحانه في كتابه المبين.\nوذكر الطبري أكثر هذه الآراء عن التابعين وأحيانًا عن ابن عباس وهي مستقاة من الإسرائيليات ولا نعلق عليها كثيرًا فهي واضحة وضوح الشمس وأحيانًا يقول: قال نساب الفرس وهلم جرًا.","vol":"6","page":119},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-965> ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح - ﵇ </span>-\n٢٦٠ - قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح ﵇، وأن منهم مَن يقول: كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله ﷿. وأنّ منهم من يقول: كانوا أهلَ طاعة بيوَراسب، وكان بيوراسب أولَ من أظهر القول بقول الصابئين؛ وتبِعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح - ﵇ -. وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد (١). (١: ١٧٩).\n٢٦٠ / أ - والعمل بما أمر الله به رسلَه وأنزله في صحف آدم وشيث وأخنُوخ. ونوح يوم ابتعثه الله نبيًّا إليهم - فيما ذكر - ابن خمسين سنة (٢). (١: ١٧٩).\n٢٦١ - وقيل أيضًا ما حدثنا به نصر بن علي الجهضميّ، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عَوْن بن أبي شدّاد، قال: إن الله ﵎ أرسل نوحًا إلى قومه وهو ابنُ خمسين وثلاثمئة سنة، فلبِث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمئة سنة (٣). (١: ١٧٩).\n٢٦٢ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بعث الله نوحًا إليهم وهو ابن أربعمئة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مئة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمئة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمئة وخمسين سنة (٤) (١: ١٧٩).\n٢٦٣ - قال أبو جعفر: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا كما قال الله ﷿ يدعوهم إلى الله سرًّا وجهرًا، يمضي قرنٌ بعد قرن، فلا يستَجيبون له، حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم، فلما أراد الله ﷿ إهلاكهم دعا عليهم نوح - ﵇ - فقال: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":120},{"text":"وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا﴾، فأمره الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها، فعظمت وذهبت كلَّ مذهب، ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة، فيتخذ منها سفينة، كما قال الله له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، فقطَعها وجعل يعملها (١). (١٨٠: ١).\n٢٦٤ - وحدثنا صالح بن مسمار المروزيّ، والمثنى بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: أنّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره: أنّ عائشة زوج النبي أخبرته: أن رسول الله قال: \"لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبيّ\". قال رسول الله: \"كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ﷿، حتى كان آخر زمانه غَرَس شجرة فعظمت وذهبت كلّ مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة فيمرّون فيسألونه فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البرّ فكيف تجري! فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها وفار التنور وكثُر الماء في السكك خشيَتْ أمّ الصبيّ عليه - وكانت تحبّه حبًّا شديدًا - فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثَه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعتْه بيدها، حتى ذهب به الماء، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أمّ الصبيّ\" (٢). (١: ١٨٠).\n٢٦٥ - حدثني ابن أبي منصور، قال: حدَّثنا عليّ بن الهيثم، عن المسيّب بن شَريك، عن أبي رَوْق، عن الضَّحاك، قال: قال سلْمان الفارسيّ: عمل نوح السفينة أربعمئة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة، حتى كان طوله ثلثمئة ذراع، والذراع إلى المنكب (٣). (١: ١٨١).\n٢٦٦ - فعمل نوح بوحي الله إليه، وتعليمه إياه، عملَها فكانت إن شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن طول السفينة ئلاثمئة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":121},{"text":"في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها (١) (١٨١: ١).\n٢٦٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ستمئة ذراع.\n٢٦٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن مفضّل بن فضالة، عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدّثنا عنها! فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفّه، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا قبر حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، وقد شاب، فقال له عيسى - ﵇ -: هكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني متّ وأنا شابٌ؛ ولكني ظننتُ أنها الساعة، فمن ثَمَّ شبتُ. قال: حدِّثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع وعرضها ستمئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدوابّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدوابّ أوحى الله إلى نوح أن اغمزْ ذنَب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه، أوحى الله إلى نوح أن اضربْ بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنّور وسنّورة، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلَيْها، فعلم أنّ البلاد قد غرقت. قال: فطوْقها الخضرة التي في عنقها، دعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثمّ تألف البيوت. قال: فقالت الحواريون: يا رسول الله! ألا ننطلق به إلى أهلنا، فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عُدْ بإذن الله، فعاد ترابًا (٢). (١: ١٨١/ ١٨٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) كلاهما ضعيف.","vol":"6","page":122},{"text":"٢٦٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نَجَر نوح السفينة بجبل بَوْذ، من ثَمّ تبدّى الطوفان. قال: وكان طول السفينة ثلاثمئة ذراع بذراع جدّ أبي نوح، وعرضها خمسين ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها من الماء ستة أذرع، وكانت مطبَّقة، وجعل لها ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض (١). (١: ١٨٢).\n٢٧٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن عُبَيد بن عُمَير الليثيّ: أنّه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به -يعني قوم نوح بنوح- فيخنقُونه حتى يُغشى عليه، فإذا أفاق؛ قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (٢) (١: ١٨٢).\n٢٧٠ / أ- قال: ويقولون - فيما بلغني -: يا نوح قد صرت نجّارًا بعد النبوّة! قال: وأعقم الله أرحام النساء فلا يولدَ لهم (٣) (١: ١٨٣).\n٢٧١ - قال: ويزعم أهل التوراة: أن الله ﷿ أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يَطليَه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا وعرضه خمسين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعًا، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سُفْلًا ووسطًا وعلوًا، وأن يجعل فيه كُوّىً. ففعل نوح كما أمره الله ﷿، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه: ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾. وقد جعل التنّور آية فيما بينه وبينه، فقال: إذا جاء أمرنا وفار التنّور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واركب. فلما فار التنور حَمَل نوح في الفلك مَن أمره الله تعالى به - وكانوا قليلًا كما قال- وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر، ذكرًا وأنثى. فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر: نوحٌ وبنوه\n_________\n(١) ضعيف وفي إسناده الكلبي وأبوه متروكان.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":123},{"text":"وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره الله به من الدوابّ، وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرًا (١). (١: ١٨٣).\n٢٧٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الذرّة، وآخرَ ما حمل الحمار. فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس لعنه الله بذَنَبه فلم تستقلّ رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك! ادخلْ، فينهض فلا يستطيع، حتى قال نوح: ويحك! ادخلْ وإن كان الشيطان معك، قال كلمة زلّت عن لسانه، فلما قالها نوح خَلّى الشيطان سبيلَه، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدو الله! قال: ألم تقل: \"ادخل وإن كان الشيطان معك! \" قال: اخرج عني يا عدوّ الله، فقال: ما لك بدٌّ من أن تحملَني، فكان - فيما يزعمون - في ظهر الفُلْك، فلما اطمأنّ نوح في الفُلْك وأدخَل فيه كلَّ من آمن به، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستمئة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغَوْط الأكبر، وفتحت أبواب السماء، كما قال الله لنبيه: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فدخل نوح ومن معه الفلك وغطَّاه عليه وعلى من معه بطبقةٍ، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يومًا وأربعون ليلة: ثم احتمل الماء كما يزعم أهل التوراة، وكثر واشتدّ وارتفع؛ يقول الله ﷿ لنبيه محمد: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، والدُّسُر: المسامير، مسامير الحديد. فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال، ونادى نوح ابنَه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعود ربّه ما رأى، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ وكان شقيًّا قد أضمر كفرًا، ﴿قَال سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظنّ أن ذلك كما كان يكون، قال [نوح]: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلا مَنْ رَحِمَ وَحَال بَينَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وكثر الماء وطغى، وارتفع فوق الجبال\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":124},{"text":"-كما يزعم أهل التوراة- خمسة عشر ذراعًا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق، [من] كلّ شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوحٌ ومن معه في الفلك، وإلّا عوج بن عنق - فيما يزعم أهل الكتاب - فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال (١). (١: ١٨٤/ ١٨٥).\n٢٧٣ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أرسل الله المطر أربعين يومًا وأربعين ليلة، فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدوابّ والطير كلُّها إلى نوح، وسُخّرت له، فحمل منها كما أمره الله ﷿: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ﴾، وحمل معه جسد آدم، فجعله حاجزًا بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضينَ من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرّم، فلذلك صام مَنْ صام يوم عاشوراء. وأخرج الماء نصفين، فذلك قول الله ﷿ ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ يقول: منصبّ، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ يقول: شققنا الأرض، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فصار الماء نصفين: نصف من السماء ونصف من الأرض، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، فسارت بهم السفينة، فطافت بهم الأرض كلَّها في ستة أشهر لا تستقرُّ على شيء، حتى أتت الحرَم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعًا، ورُفع البيت الذي بناه آدم - ﵇ -؛ رفع من الغرق، - وهو البيت المعمور والحجر الأسود - على أبي قَبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم، حتى انتهت إلى الجوديّ -وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل- فاستقرّت بعد ستة أشهر لتمام السبع، فقيل بعد السبعة الأشهر: ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فلما استقرّت على الجوديّ ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ يقول: أنشفي مائك الذي خرج منك، ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾؛ يقول: احبسي ماءك، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نشّفته الأرض، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، فآخر ما بقي من الطوفان في الأرض ماءٌ بحِسْمَى بقي في الأرض أربعين\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":125},{"text":"سنة بعد الطوفان ثم ذهب (١) (١: ١٨٥/ ١٨٦).\nوكان التنور الذي جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبين نوح فوران الماء منه تنورًا كان لحوّاء من حجارة، وصار إلى نوح.\n٢٧٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشَيم عن أبي محمد، عن الحسن، قال: كان تنّورًا من حجارة، كان لحواء حتى صار إلى نوح، قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك (٢) (١: ١٨٦).\nوقد اختلف في المكان الذي كان به التنور الذي جعل الله فوران مائه آية ما بينه وبين نوح، فقال بعضهم: كان بالهند.\nذكر من قال ذلك:\n٢٧٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الحميد الحِمَّانيّ عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس: في ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ قال: فار بالهند (٣). (١: ١٨٦).\n٢٧٦ - وقال آخرون: كان ذلك بناحية الكوفة (٤) (١: ١٨٦).\nذكر من قال ذلك:\n٢٧٧ - حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا خَلَف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، قال: نبعَ الماء في التنور، فعلمتْ به امرأتهُ فأخبرته، قال: وكان ذلك في ناحية الكوفة (٥) (١: ١٨٧).\n٢٧٨ - حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا علي بن ثابت عن السريّ بن إسماعيل، عن الشعبيّ: أنه كان يحلف بالله: ما فار التنّور إلا من ناحية الكوفة (٦) (١: ١٨٧).\n_________\n(١) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف ولم يصح في ذلك خبر.","vol":"6","page":126},{"text":"واختلف في عدد مَنْ ركب الفُلْك من بني آدم، فقال بعضهم: كانوا ثمانين نفسًا.\nذكر من قال ذلك:\n٢٧٩ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدثنا زيد بن الحُبَاب، قال: حدثني حسين بن واقد الخراسانيّ، قال: حدثنا أبو نَهيك، قال: سمعت ابنَ عباس يقول: كان في سفينة نوح ثمانون رجلًا، أحدهم جُرْهم (١). (١: ١٨٧).\n٢٨٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابنُ عباس: حمل نوحٌ معه في السفينة ثمانين إنسانًا (٢). (١: ١٨٧).\n٢٨١ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين -يعني: القليل الذين قال الله ﷿: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ (٣). (١: ١٨٧).\n٢٨٢ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرَني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: حَمَل نوح في السفينة بنيه: سام، وحام، ويافِث. وكنائنه؛ نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعين من بني شيث؛ ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة (٤). (١: ١٨٧).\nوقال بعضهم: بل كانوا ثمانية أنفس.\nذكر من قال ذلك:\n٢٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا: أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.","vol":"6","page":127},{"text":"ونساؤهم، فجميعهم ثمانية (١). (١: ١٨٨).\n٢٨٤ - حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنيَّة، عن أبيه، عن الحكم: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه (٢). (١: ١٨٨).\n٢٨٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: حُدّثتُ: أن نوحًا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم، وأسماءُ بنيه: يافث، وحام، وسام. فأصاب حامٌ امرأتَه في السفينة، فدعا نوح أن تُغيَّر نطفته، فجاء بالسّودان (٣). (١: ١٨٨).\nوقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.\nذكر من قال ذلك:\n٢٨٦ - حدثني الحارث، قال: حدثني عبد العزيز، قال: حدثنا سُفيان، عن الأعمش: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن، وثلاثة بنين له (٤) (١: ١٨٨).\n٢٨٧ - وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم (٥) (١: ١٨٨).\nذكر من قال ذلك:\n٢٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: حمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث ونساءهم، وستة أناسيّ ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم. وأرسل الله ﵎ الطوفان لمضي ستمئة سنة من عمر نوح - فيما ذكره أهل العلمِ من أهل الكتاب وغيرهم - ولتتمة ألفي سنة ومئتي سنة وست وخمسين سنة من لدُن أهبط آدم إلى الأرض (٦) (١: ١٨٩).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.","vol":"6","page":128},{"text":"٢٨٩ - وقيل: إن الله ﷿ أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب، وإن نوحًا أقام في الفُلك إلى أن غاض الماء، واستوت الفُلك على جبل الجوديّ بقَردي، في اليوم السابع عشر من الشهر السادس. فلما خرج نوح منها اتخذ بناحية قَرْدي من أرض الجزيرة موضعًا، وابتنى هناك قرية سماها ثمانين؛ لأنه كان بنَى فيها بيتًا لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون، فهي إلى اليوم تسمى سُوق ثمانين (١) (١: ١٨٩).\n٢٩٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: هبط نوح ﵇ إلى قرية، فبنى كلُّ رجل منهم بيتًا، فسميت سوق ثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام.\nقال أبو جعفر: فصار هو وأهله فيه، فأوحى الله إليه: أنه لا يعيدُ الطوفانَ إلى الأرض أبدًا (٢) (١: ١٨٩).\n٢٩١ - وقد حدثني عباد بن يعقوب الأسديّ، قال: حدثنا المحاربيّ عن عثمان بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه، قال: قال رسول الله: \"في أول يوم من رجب ركِب نوح السفينة، فصام هو وجميع مَنْ معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرّم، فأرست السفينة على الجوديّ يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرًا لله ﷿\" (٣). (١: ١٩٠).\n٢٩٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: كانت السفينة أعلاها الطير، وسطها الناس، وأسفلُها السباع وكان طولُها في السماء ثلاثين ذراعًا، ودَفَعَتْ من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب، وأرستْ على الجوديّ يوم عاشوراء، ومرّت بالبيت، فطافت\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":129},{"text":"به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمَن، ثم رجعت (١) (١: ١٩٠).\n٢٩٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازيّ، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: مَنْ كان منكم صائمًا فليتمّ صومه، ومن كان منكم مُفْطِرًا فليَصُم (٢) (١: ١٩٠).\n٢٩٤ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنها -يعني: الفُلك- استقلّتْ بهم في عشر خَلَوْن من رجب، فكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت على الجوديّ شهرًا، وأهبط بهم في عشر خَلَوْن من المحرّم يوم عاشوراء (٣) (١: ١٩٠).\n٢٩٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: ما كان زمان نوح شبرٌ من الأرض إلا إنسان يدعيه (٤) (١: ١٩٠).\n٢٩٦ - ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثني نصر بن علي الجَهْضَميّ، قال: أخبرنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عَوْن بن أبي شداد، قال: عاش -يعني: نوحًا- بعد ذلك -يعني: بعد الألف سنة إلا خمسين عامًا التي لبثها في قومه ثلاثمئة وخمسين سنة.\n٢٩٦ / أ- وأما ابن إسحاق، فإن ابن حُمَيد حدثنا، قال: حدثنا سلَمة عنه، قال: وعُمِّر نوح - فيما يزعم أهل التوراة - بعد أن أهبِط من الفلك ثلاثمئة سنة وثمانيًا وأربعين سنة، قال: فكان جميعُ عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم قبضه الله ﷿ إليه.\nوقيل: إن سامًا ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة. وقال بعضُ أهل\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":130},{"text":"التوراة: لم يكن التناسل، ولا ولد لنوح ولدٌ إلا بعد الطوفان، وبعد خروج نوح من الفُلْك.\nقالوا: إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه، غير أنهم بادوا وهلكوا، فلم يبق لهم عَقِب، وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون لسائر ولد آدم؛ كما قال الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (١) (١: ١٩١).\n٢٩٧ - وقيل: إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعًا؛ كان أحدهما يقال له: كنعان، قالوا: وهو الذي غرق في الطوفان، والآخر منهما يقال له: عابر، مات قبل الطوفان (٢) (١: ١٩١).\n٢٩٨ - حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد لنوح سام، وفي ولده بياض وأدْمَة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشُّقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرِق، والعرب تسميه يام؛ وذلك قول العرب: إنما هامَ عمّنا يام؛ وأمّ هؤلاء واحدة (٣) (١: ١٩١).\n٢٩٩ - فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان، ويقولون: لم يزل المُلْك فينا من عهد جيُومَرْت، وقالوا: جيُومَرْت هو آدم يتوارثه آخرٌ عن أول إلى عهد فيروز بن يَزْدجرْد بن شَهْريار، قالوا: ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع، ومُلْك القوم قد اضمحلّ، وكان بعضهمُ يقرّ بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد جيومَرْت كانت بالمشرق، فلم يصل ذلك إليهم (٤) (١: ١٩٢).\n٣٠٠ - وقد ذكرتُ اختلافَ الناس في جيومَرْت ومَن يخالف الفرس في عينه،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":131},{"text":"ومن هو، ومَنْ نسبه إلى نوح - ﵇ - (١) (١: ١٩٢).\n٣٠١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عَثْمة، قال: حدَّثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدُب، عن النبي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: \"سام وحام ويافث\" (٢) (١: ١٩٢).\n٣٠٢ - ورُوي عن علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ. وعن محمد بن صالح، عن الشعبيّ قالا: لما هَبط آدم من الجنة، وانتشر ولدُه أرّخ بنُوه من هبوط آدم؛ فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحًا فأرَّخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق، فهَلَك مَنْ هلك ممن كان على وجه الأرض. فلما هبط نوح وذريته وكلّ من كان في السفينة إلى الأرض قَسّم الأرض بين ولده أثلاثًا: فجعل لسام وسطًا من الأرض، ففيها بيتُ المقدس، والنيل، والفُرات، ودجْلة، وسَيْحان، وجيْحان، وفَيْشون؛ وذلك ما بين فيشون إلى شرقيّ النيل، وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال. وجعل لحام قسمه غربيَّ النيل، فما وراءه إلى منخر ريح الدَّبُور. وجعل قسم يافث في فيشون فما وراءه إلى مَنْخَر ريح الصبا؛ فكان التاريخ: من الطوفان إلى نار إبراهيم، ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان، ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم، ومن مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله (٣). (١: ١٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>ذكر بيوراسب، وهو الإزدهاق</span>\n٣٠٣ - والعرب تسميه الضحاك، فتجعل الحرف الذي بين السين والزاي في الفارسية ضادًا، والهاء حاءً، والقاف كافًا، وإياه عَنَى حبيب بن أوس بقوله:\nمَا نَال مَا قَدْ نَال فِرْعَوْنٌ وَلَا ... هَامَانُ في الدُّنْيَا وَلَا قَارُونُ\nبَلْ كَانَ كالضَّحَّاكِ في سَطَوَاتِهِ ... بالعالمين، وأنت أفْرِيدُونُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":132},{"text":"وهِو الذي افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانئ في قوله:\nوَكَان مِنَّا الضَّحَّاكُ يَعْبُدُهُ الْـ ... ـخَابِلُ والجِنّ في مَسَارِبِهَا\nقال: واليمن تدّعيه (١) (١: ١٩٤).\n٣٠٤ - حدثت عن هشام بن محمد بن السائب - فيما ذكر من أمر الضحاك هذا - قال: والعجم تدّعي الضّحّاك وتزعم أن جمَّ كان زوّجَ أخته من بعض أشراف أهل بيته، وملّكه على اليمن، فولدت له الضحاك.\nقال: واليمن تدّعيه، وتزعم أنه من أنفسها، وأنه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج، وأنه ملّكَ على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج، وهو أولُ الفراعنة، وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم خليل الرحمن ﵇ (٢) (١: ١٩٤).\n٣٠٥ - وأما الفرس فإنها تنسُب الإزدهاق هذا غير النسبة التي ذكر هشام عن أهل اليمن، وتذكر أنه بيوَراسب بن أرونداسب بن زينكاو بن ويرَوْشك بن تاز بن فرواك بن سيامك بن مشا بن جيُومَرت.\nومنهم من ينسُبه هذه النسبة؛ غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول: هو الضحاك بن أندرماسب بن زنجدار بن وندرِيسج بن تاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذي بن جيومَرت.\nوالمجوس تزعم: أن تاج هذا هو أبوالعرب، ويزعمون: أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان، وأنه قتل أباه تقرُّبًا بقتله إلى الشياطين، وأنه كان كثيرَ المقام ببابل، وكان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار، وللآخر نفوار (٣). (١٩٥: ١).\nوقد ذكر عن الشعبيّ أنه كان يقول: هو \"قرشت\" مسخه الله \"ازدهاق\".\nذكر الرواية عنه بذلك:\n٣٠٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة بن الفضل عن يحيى بن العلاء،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":133},{"text":"عن القاسم بن سلْمان، عن الشعبيّ، قال: أبجد، وهوّز، وحطّي، وكَلمن، وسعفص، وقرشت؛ كانوا ملوكًا جبابرة، فتفكر قرشت يومًا، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين! فمسخه الله فجعله \"أجدهاق\"، وله سبعة أرؤس، فهو الذي بدُنباوَند، وجميع أهل الأخبار من العرب والعجم تزعم: أنه ملَك الأقاليم كلَّها، وأنه كان ساحرًا فاجرًا (١). (١: ١٩٥/ ١٩٦).\n٣٠٧ - وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ملَك الضحاك بعد جم - فيما يزعمون، والله أعلَم - ألفَ سنة، ونزل السّواد في قرية يقال لها: نَرْس في ناحية طريق الكوفة، وملك الأرضَ كلها، وسار بالجَوْر والعسف، وبسط يده في القتل، وكان أولَ مَن سنّ الصَّلب والقطع، وأوّلَ من وضع العُشور، وضرب الدراهم، وأول مَنْ تغنَّى وغُنِّيَ له. قال: ويقال إنه خرج في منكبه سِلْعتان فكانتا تضربان عليه، فيشتدّ عليه الوجع حتى يطليَهُما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك في كلّ يوم رجلين ويَطْلى سِلْعتيه بدماغيهما، فإذا فعل ذلك سكَن ما يجِد، فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء، واجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ الضَّحاكَ خبرُه راعه، فبعث إليه: ما أمرك. وما تريد؟ قال: ألست تزعم أنك ملك الدنيا، وأن الدنيا لك! قال: بلى، قال: فليكن كَلَبُك على الدنيا، ولا يكونَنّ علينا خاصة؛ فإنك إنما تقتلنا دون الناس. فأجابه الضحاك إلى ذلك، وأمر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كلّ يوم أن يُقسَّما على الناس جميعًا، ولا يخصّ بهما مكان دون مكان.\nقال: فبلغنا: أنّ أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذي رفع اللواء، وأنّ ذلك اللواء لم يزل محفوظًا عند ملوك فارس في خزائنهم، وكان فيما بلغنا جلدَ أسد، فألبسه ملوكُ فارس الذهبَ والديباجَ تيَمُّنًا به.\n٣٠٧ / أ- قال: وبلغنا أنّ الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وُلد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه (٢). (١: ١٩٦).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":134},{"text":"٣٠٧ / ب - قال: وبلغنا أن أفريدون -هو من نسل جم الملك الذي كان [من] قبل الضحاك، ويزعمون أنه التاسع من ولده، وكان مولده بدُنْباوَنْد، خرج حتى ورد منزلَ الضحاك وهو عنه غائب بالهند، فحوى على منزله وما فيه، فبلغ الضحاك ذلك، فأقبل وقد سلبه الله قوّته، وذهبت دولتُه فوثب به أفريدُون فأوثقه وصيَّره بجبال. دُنباوَند؛ فالعجمُ تزعم: أنه إلى اليوم مُوثَق في الحديد يُعذَّب هناك (١). (١: ١٩٧).\n٣٠٨ - وذكر غيرُ هشام: أنّ الضحاك لم يكن غائبًا عن مسكنه، ولكن أفريدون بن أثفيان جاء إلى مسكن له في حِصْن يُدعَى زرنج ماه مهروز مهر، فنكح امرأتين له: تسمى إحداهما: أروناز والأخرى سنوار. فوهل بيوراسب لما عاين ذلك، وخرّ مُدلَّهًا لا يعقل، فضرب أفريدون هامتَه بجُرْزٍ له ملتوي الرأس، فزاده ذلك وهَلًا وعزوبَ عقل، ثم توجَّه به أفريدُونُ إلى جبل دُنْبَاوند، وشدَّه هنالك وثاقًا، وأمر الناس باتخاذ مهرماه مهرروز - وهو المِهرجان في اليوم الذي أوثق فيه بيوراسب - عيدًا، وعلا أفريدُون سرير الملك (٢) (١: ١٩٧).\n٣٠٩ - وذُكر عن الضحاك: أنه قال يومَ ملك وعُقد عليه التاج: نحن ملوك الدنيا، المالكون لما فيها.\nوالفرس تزعم: أن الملْك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنْج وجم وطَهْمُورث، وأن الضحاك كان غاصبًا وأنه غصَب أهلَ الأرض بسحره وخبثه، وهوَّل عليهم بالحيَّتين اللتين كانتا على مَنكِبيه، وأنه بني بأرض بابل مدينة سماها حوب، وجعل النّبَط أصحابَه وبطانته، فلقي الناسُ منه كلَّ جهد، وذَبَح الصبيان (٣). (١: ١٩٨).\n٣١٠ - ويقول كثير من أهل الكتب: إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه، كلُّ واحدة منهما كرأس الثعبان، وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب. ويذكر على طريق التهويل أنهما حيّتان يقتضيانه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":135},{"text":"الطعام، وكانتا تتحركان تحث ثوبه إذا جاع كما يتحرّك العضو من الإنسان عند التهابه بالجوع والغضب. ومن الناس من يقول: كان ذلك حيّتين، وقد ذكرتُ ما رُوي عن الشعبيّ في ذلك، والله أعلم بحقيقته وصحته (١). (١: ١٩٨).\n٣١١ - وذكر بعضُ أهل العلم بأنساب الفرْس وأمورهم: أنّ الناس لم يزالوا من بِيورَاسب هذا في جَهْد شديد، حتى إذا أراد الله إهلاكه وثب به رجلٌ من العامة من أهل أصبَهان يقال له: كابي، بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه. وقيل: إنه لما بلغ الجزع من كابي هذا على ولده أخذ عصًا كانت بيده، فعلَّق بأطرافها جرابًا كان معه، ثم نصب ذلك العَلَم، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته، فأسرع إلى إجابته خلق كثير؛ لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجَوْر، فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك العلَم، فعظَّموا أمره، وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم عَلَمهم الأكبر الذي يتبركون به، وسموه دِرَفْش كابيان، فكانوا لا يسيّرونه إلا في الأمور العظام، ولا يُرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجِّهوا في الأمور العظام.\nوكان من خبر كابي: أنه شخصَ عن أصبَهان بمن تبعه والتفَّ إليه في طريقه، فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه، قُذف في قلب الضحاك منه الرُّعب، فهرب عن منازله، وخلَّى مكانه، وانفتح للأعاجم فيه ما أرادوا، فاجتمعوا إلى كابي وتناظروا، فأعلمهم كابي أنه لا يتعرض للملْك؛ لأنه ليس من أهله، وأمرهم أن يملِّكوا بعض ولد جم، لأنه ابن الملك الأكبر أو شهنْق بن فرواك الذي رسم الملك، وسبق إلى القيام به، وكان أفريدُون بن أثفيان مستخفيًا في بعض النواحي من الضحاك، فوافى كابي ومَنْ كان معه، فاستبشرَ القومُ بموافاته، وذلك أنه كان مُرشَّحًا للملك برواية كانت لهم في ذلك، فملَّكوه، وصار كابي والوجوه لأفريدُون أعوانًا على أمره، فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك، واحتوى على منازل الضحاك، اتَّبعه فأسره بدُنباوند في جبالها (٢). (١: ١٩٨/ ١٩٩).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":136},{"text":"٣١٢ - وبعض المجوس تزعمُ أنه جعله أسيرًا حبيسًا في تلك الجبال، موكَّلًا به قوم من الجنّ.\nومنهم من يقول: إنه قتله، وزعموا: أنه لم يُسمَع من أمور الضحاك شيء يستحسَن غير شيء واحد؛ وهو أن بَليَّته لما اشتدت ودام جَوْرُه وطالت أيامه، عظُم على الناس ما لقُوا منه، فتراسل الوجوه في أمره، فأجمعوا على المصير إلى بابه، فوافى بابَه الوجوهُ والعظماء من الكُور والنواحي، فتناظروا في الدخول عليه والتظلّم إليه، والتأتِّي لاستعطافه، فاتفقوا على أن يقدِّموا للخطاب عنهم كابي الأصبهانيّ، فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم، فأذِن لهم، فدخلوا وكابي متقدّم لهم، فمَثل بين يديه، وأمسك عن السلام، ثم قال: أيها الملك، أيّ السلام أسلّم عليك؟ أسلام مَنْ يملك هذه الأقاليم كلَّها، أم سلام مَنْ يملك هذا الإقليم الواحد؟ -يعني: بابل- فقال له الضحاك: بل سلام مَنْ يملك هذه الأقاليم كلَّها، لأني ملك الأرض. فقال له الأصبهانيّ: فإذا كنت تملك الأقاليم كلَّها، وكانت يدك تنالها أجمع، فما بالُنا قد خُصصْنا بمؤنتك وتحامُلك وإساءتك من بين أهل الأقاليم! وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا بيننا وبين الأقاليم؟ وعدَّد عليه أشياء كان يُمكنه تخفيفَها عنهم، وجرّد له الصدق والقول في ذلك، فقدح في قلب الضحّاك قولُه، وعمِل فيه حتى انخزل وأقرّ بالإساءة، وتألّف القوْم ووعدهم ما يُحبُّون، وأمرهم بالانصراف لينزلوا ويتّدعوا، ثم يعودوا ليقضي حوائجهم، ثم ينصرفوا إلى بلادهم (١). (١: ١٩٩/ ٢٠٠).\n٣١٣ - وزعموا: أن أمه ودك كانت شرًّا منه وأرْدَى، وأنها كانت في وقت مُعاتبة القوم إياه بالقُرْب منه تتعرف ما يقولونه، فتغتاظ وتُنكره، فلما خرج القوم دخلت مُستشيطةً مُنكرة علَى الضحاك احتماله القوم، وقالت له: قد بلغني كلّ ما كان وجُرْأةُ هؤلاء القوم عليك حتى قَرَّعوك بكذا، وأسمعوك كذا، أفلا دمَّرْتَ عليهم ودمدمتهم، أو قطعت أيديهم!\nفلما أكثرتْ على الضحاك قال لها مع عتوّة: يا هذه! إنك لم تفكِّري في شيء إلا وقد سبقتُ إليه؛ إلا أن القوم بَدَهوني بالحق، وقَرّعوني به، فلما هممت\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":137},{"text":"بالسطوة بهم والوثوب عليهم تخيّل الحق فمثل بيني وبينهم بمنزلة الجبل، فما أمكنني فيهم شيء، ثم سكَّتها وأخرجها، ثم جلس لأهل النواحي بعد أيام، فوفّى لهم بما وعدهم، وردّهم وقد لان لهم، وقضى أكثرَ حوائجهم، ولا يُعرَف للضحاك - فيما ذُكر- فعلة استحسنت [منه] غير هذه (١). (١: ٢٠٠).\n٣١٤ - وقد ذُكر: أن عُمر الأجدهاق هذا كان ألف سنة، وأن ملكه منها كان ستمئة سنة، وأنه كان في باقي عمره شبيهًا بالملك لقدرته ونفوذ أمره. وقال بعضهم: إنه ملك ألف سنة، وكان عمره ألف سنة ومئة سنة، إلى أن خرج عليه أفريدون فقهره وقتله (٢). (١: ٢٠٠/ ٢٠١).\n٣١٥ - وقال بعض علماء الفرس: لا نعلم أحدًا كان أطوَل عمرًا - ممن لم يُذكر عمره في التوراة - من الضحاك هذا، ومن جامر بن يافث بن نوح أبي الفرس؛ فإنه ذُكر أن عمره كان ألف سنة (٣). (١: ٢٠١).\n٣١٦ - وإنما ذكرنا خبر بيوَراسب في هذا الموضع؛ لأنّ بعضهم زعم: أن نوحًا - ﵇ - كان في زمانه، وأنه إنما كان أرسل إليه وإلى من كان في مملكته، ممن دان بطاعته واتبعه على ما كان عليه من العتوّ والتمرّد على الله، فذكرنا إحسان الله وأياديَه عند نوح - ﵇ - بطاعته ربّه وصبْره على ما لقيَ منه من الأذى والمكروه في عاجل الدنيا، بأن نجّاه ومن آمن معه واتبعه من قومه، وجعل ذرِّيته هم الباقين في الدنيا، وأبقى له ذكرَه بالثناء الجميل، مع ما ذخر له عنده في الآجل من النعيم المقيم والعيش الهنيء، وإهلاكه الآخرين بمعصيتهم إياه وتمَرّدهم عليه، وخلافهم أمره، فسلبهم ما كانوا فيه من النعيم، وجعلهم عبْرة وعظة للغابرين؛ مع ما ذَخَر لهم عنده في الآجل من العذاب الأليم (٤). (٢٠١: ١).\n٣١٧ - قد ذكرنا قبلُ عن رسول الله: أنه قال في قول الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":138},{"text":"ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾: إنهم سام، وحام، ويافث (١) (١: ٢٠١).\n٣١٨ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإنّ حام أبو السودان، وإنّ يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عمّ الترك (٢). (١: ٢٠١).\n٣١٩ - وقيل: كانت زوجة يافث أربسيسة بنت مرازيل بن الدرمسيل بن محويل بن خَنُوخ بن قَين بن آدم - ﵇ -، فولَدَت له سبعة نفر وامرأة.\nفممّن ولدت له من الذكور جومر بن يافث وهو - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - أبو يأجوج ومأجوج، ومارح بن يافث ووائل بن يافث، وحوّان بن يافث، وتوبيل بن يافث، وهوشل بن يافث، وترسل بن يافث، وشبكة بنت يافث. قال: فمن بني يافث كانت يأجوج ومأجوج والصقالبة والترك فيما يزعمون. وكانت امرأة حام بن نوح نحلب بنت مارب بن الدرمسيل بن محويل بن خَنُوخ بن قَين بن آدم. فولدت له ثلاثة نفر: كوش بن حام بن نوح، وقوط بن حام بن نوح، وكنعان بن حام. فنكح كوش بن حام بن نوح قرنبيل بنت بتاويل بن ترس بن يافث، فولدت له الحبشة والسند والهند فيما يزعمون. ونكح قوط بن حام بن نوح بختِ بنت بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح، فولدت له القبط - قبط مصر- فيما يزعمون. ونكح كنعان بن حام بن نوح أرتيل بنت بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح، فولدت له الأساود: نُوبة، وفَزَّان، والزَّنْج، والزَّغَاوة؛ وأجناس السود أن كلّها (٣). (١: ٢٠٢).\n٣٢٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في الحديث قال: ويزعمُ أهل التوراة: أنّ ذلك لم يكن إلا عن دَعوة دعاها نوح على ابنه حام، وذلك أن نوحًا نام فانكشف عن عورته، فرآها حام فلم يغطّها، ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوبًا فواريا عورتَه، فلما هبّ من نومته علم ما صنع حام وسام\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":139},{"text":"ويافث، فقال: ملعون كنعان بن حام؛ عبيدًا يكونون لإخوته، وقال: يبارك الله ربّي في سام، ويكون حام عبْد أخويه، ويقرض الله يافث، ويحُلّ في مساكن حام، ويكون كنعان عبدًا لهم. قال: وكانت امرأة سام بن نوح صليب بنت بتاويل بن محويل بن خَنُوخ بن قين بن آدم، فولدت له نفرًا: أرفخشد بن سام، وأشوذ بن سام، ولاوذ بن سام، وعويلم بن سام، وكان لسام إرم بن سام، قال: ولا أدري إرم لأم أرفخشد وإخوته أم لا؟\nورجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فنكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة بنت يافث بن نوح فولدت له فارس وجرجام وأجناس فارس، ووُلد للاوذ مع الفرس طَسْم وعمليق، ولا أدري أهو لأمّ الفرس أم لا؟ فعمليق أبو العماليق. كلهم أمم تفرقت في البلاد، وكان أهل المشرق وأهل عُمان وأهل الحجاز وأهل الشام وأهل مصر منهم، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون، ومنهم كانت الفراعنة بمصر، وكان أهل البحرَين وأهل عمان منهم أمة يُسمَّوْن جاسم، وكان ساكِني المدينة منهم، بنو هفّ وسعد بن هزَّان، وبنو مطر، وبنو الأزرق. وأهل نجد منهم بديل وراحل وغِفَار، وأهل تيماء منهم. كان ملك الحجاز منهم بتيماء اسمُه الأرقم، وكانوا ساكني نجد مع ذلك. وكان ساكني الطائف بنو عبد بن ضخم، حيٌّ من عَبْس الأوَل.\nقال: وكان بنو أُمَيْم بن لاوذ بن سام بن نوح أهل وَبار بأرض الرمل، رمل عالج، وكانوا قد كثروا بها ورَبُلوا؛ فأصابتهم من الله ﷿ نقمة من معصية أصابوها، فهلكُوا وبقيَت منهم بقية، وهم الذين يقال لهم النسناس.\nقال: وكان طسم بن لاوذ ساكنَ اليمامة وما حولها، قد كثروا بها وَرَبلُوا إلى البحرين؛ فكانت طسم والعماليق وأمَيْم وجاسم قومًا عَرَبًا، لسانهم الذي جُبِلوا عليه لسانٌ عربيّ. وكانت فارس من أهل المشرق ببلاد فارس، يتكلمون بهذا اللسان الفارسيّ.\nقال: وولد إرَم بن سام بن نوح عَوْص بن إرم، وغَاثر بن إرم، وحويل بن إرَم، فولد عوص بن إرم غَاثر بن عوْص، وعاد بن عوص، وعَبيل بن عوص. وولد غَاثر بن إرم ثمود بن غاثر، وجَدِيس بن غاثر. وكانوا قومًا عربًا يتكلمون بهذا اللسان المضَريّ، فكانت العرب تقول لهذه الأمم: العرب العاربة، لأنه","vol":"6","page":140},{"text":"لسانهم الذي جُبِلوا عليه، ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم: العرب المتعرّبة، لأنهم إنما تكلَّموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم. فعاد وثمود والعماليق وأمَيم وجاسم وجديس وطسم هم العرب؛ فكانت عاد بهذه الرمل إلى حَضْرَمَوْتَ واليمن كله، وكانت ثمود بالحِجْر بين الحجاز والشام إلى وادي القُرَى وما حوله، ولحِقَتْ جديس بطسم، فكانوا معهم باليمامة وما حولها إلى البحرَين، واسم اليمامة إذ ذاك جَوّ، وسكنت جاسم عُمانَ فكانوا بها (١). (١: ٢٠٢/ ٢٠٣ / ٢٠٤).\n٣٢١ - حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لمّا ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوْها، وهي بين الفرات والصَّراة، وكانت اثني عشر فرسخًا في اثني عشر فرسخًا، وكان بابها موضع دُورَان اليوم، فوق جسر الكوفة يَسْرَةً إذا عبَرت، فكثروا بها حتى بلغوا مئة ألف، وهم على الإسلام (٢). (١: ٢٠٣).\n٣٢٢ - وقال غير ابن إسحاق: إن نوحًا دعا لسام بأن يكون الأنبياء والرسل من ولده، ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده، وبدأ بالدعاء ليافث وقدّمه في ذلك على سام، ودعا على حام بأن يتغيّر لونه، ويكون ولده عبيدًا لولد سام ويافث.\nقال: وذكر في الكتب: أنه رقّ على حام بعد ذلك، فدعا له بأن يُرزَق الرأفة من إخوته، ودعا من ولد ولده لكوش بن حام ولجامِر بن يافث بن نوح، وذلك أن عدّة من ولد الولد لحقوا نوحًا فخدموه، كما خدمه ولده لصلبه، فدعا لعذة منهم.\nقال: فولد لسام عابر وعُلَيم وأشوذ وأرفخشد ولاوَذ وإرم، وكان مقامه بمكة.\nقال: فمن ولد أرفخشد الأنبياء والرسل وخيار الناس، والعرب كلها،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":141},{"text":"والفراعنة بمصر. ومن ولد يافث بن نوح ملوك الأعاجم كلَّها من الترك والخزَر وغيرهم، والفرس الذين آخرُ مَنْ مَلَك منهم يَزْدَجِرْد بن شهريار بن أبرويز، ونسبُه ينتهى إلى جيومرت بن يافث بن نوح.\nقال: ويقال: إن قومًا من ولد لاوذ بن سام بن نوح وغيره من إخوته نزعوا إلى جامر هذا، فأدخلهم جامر في نعمته ومُلكه، وأن منهم ماذي بن يافث، وهو الذي تُنسب السيوف الماذيّة إليه. قال: وهو الذي يقال: إن كيرش الماذويّ قاتل بلشصر بن أولمرودخ بن بختنصر من ولده.\nقال: ومن ولد حام بن نوح النوبة، والحبشة، وفَزّان، والهند، والسند، وأهلُ السواحل في المشرق والمغرب.\nقال: ومنهم نمرود، وهو نمرود بن كوش بن حام.\nقال: وولد لأرفخْشد بن سام ابنه قينان، ولا ذِكْرَ له في التوراة، وهو الذي قيل: إنه لم يستحقّ أن يذكر في الكتب المنزلة، لأنه كان ساحرًا، وسمى نفسه إلهًا، فسيقت المواليد في التوراة على أرفخشد بن سام ثم على شالخ بن قينان بن أرفخشد من غير أن يذكر قينان في النسب، لما ذكر من ذلك.\nقال: وقيل في شالخ: إنه شالخ بن أرفخشد من ولد لقينان. وولد لشالخ عابر. وولد لعابر ابنان: أحدهما فالغ، ومعناه بالعربية قاسم - وإنما سمى بذلك لأن الأرض قسمت والألسن تبلبلت في أيامه - وسمي الآخر قحطان. فولد لقحطان يعرب ويقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ، فنزلا أرضَ اليمن، وكان قحطان أوَّل مَنْ ملك اليمن، وأول من سُلِّم عليه بـ \"أبَيتَ اللَّعْنَ\"، كما كان يقال للملوك. وولد لفالغ بن عابر أرغوا - وولد لأرغوا ساروغ، وولد لساروغ ناحورا، وولد لناحورا تارَخ -واسمه بالعربية آزر- وولد لتارَخ إبراهيم صلوات الله عليه. وولد لأرفخشد أيضًا نمرود بن أرفخشد، وكان منزله بناحية الحِجْر. وولد للاوَذ بن سام طسم وجديس، وكان منزلهما اليمامة. وولد للاوَذ أيضًا عمليق بن لاوذ، وكان منزله الحرم وأكناف مكة، ولحق بعض ولده بالشام؛ فمنهم كانت العماليق، ومن العماليق الفراعنة بمصر. وولد للاوَذ أيضًا أمَيم بن لاوذ بن سام، وكان كثير الولَد، فنزع بعضُهم إلى جامر بن يافث بالمشرق.","vol":"6","page":142},{"text":"وولد لإرم بن سام عَوْص بن إرم، وكان منزله الأحقاف. وولد لعوص عاد بن عوص.\nوأما حام بن نوح، فولد له كوش ومصرايم وقوط وكنعان، فمن ولد كوش نُمرود المتجبر الذي كان ببابل، وهو نمرود بن كوش بن حام، وصارت بقية ولَد حام بالسواحل من المشرق والمغرب والنوبة والحبشة وفزّان.\nقال: ويقال: إن مصرايم ولَدَ القبْط والبربر، وإن قوطًا صار إلى أرض السند والهند فنزلها، وإنّ أهلَها من ولده.\nوأما يافث بن نوح فولد له جامر وموعج وموادى وبوان وثوبال وماشج وتيرش. ومن ولد جامر ملوك فارس. ومن ولد تيرش الترك والخزر. ومن ولد ماشج الأشبان. ومن ولد موعج يأجوج ومأجوج، وهم في شرقيّ أرض الترك والخزر. ومن ولد بوان الصّقالبة وبرجان والأشبان، كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقَع بها مَنْ وقع من ولد العيص وغيرهم؛ وقصد كلُّ فريق من هؤلاء الثلاثة: سام وحام ويافث أرضًا، فسكنوها ودفعوا غيرَهم عنها (١). (١: ٢٠٥/ ٢٠٦).\n٣٢٣ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أوحى الله إلى موسى - ﵇ -: إنك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العال من ولد سام بن نوح. وقال ابن عباس: والعرب والفرس والنَّبَط والهند والسّند من ولَد سام بن نوح (٢). (١: ٢٠٦).\n٣٢٤ - حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه: قال: الهند والسند بنو توقير بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ومُكران بن البند، وجرهم، اسمه هذرم بن عابر بن سبأ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ. ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.","vol":"6","page":143},{"text":"سام بن نوح، في قول من نسبَه إلى غير إسماعيل. والفرس بنو فارس بن تيرش بن ناسور بن نوح. والنَّبَط بنو نبيط بن ماش بن إرم بن سام بن نوح. وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرم بن سام بن نوح. وعمليق - وهو عَريب - وطسم وأمَيم بنو لوذ بن سام بن نوح. وعمْليق هو أبو العمالقة، ومنهم البربر وهم بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صِنهاجة وكُتامة، فإنهما بينو فريقيش بن قيس بن صيفيّ بن سبأ.\nقال: وكان يقال لعاد في دهرهم عادُ إرَم، فلما هلكت عاد قيل لثمود إرم، فلما هلكت ثمود قيل لسائر بني إرم: إرمان؛ فهم النَّبَط، فكلُّ هؤلاء كان على الإسلام وهم ببابل، حتى ملَكَهم نُمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوْا وكلامهُم السريانية، ثم أصبحوا، وقد بلبَل الله ألسنتَهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلامَ بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانًا، ولبني حام ثمانية عشر لسانًا، ولبني يافث ستة وثلاثون لسانًا، ففهّم الله العربيةَ عادًا وعَبِيل وثمود وجَديس وعِمْليق وطَسْم وأمَيم وبني يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.\nوكان الذي عقد لهم الألوية ببابل بوناظر بن نوح، وكان نوح فيما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس: تزوج امرأة من بني قابيل، فولدت له غلامًا، فسمّاه بوناظر، فولده بمدينة بالمشرق يقال لها معلون شمسًا، فنزل بنو سام المِجْدَل سزة الأرض، وهو ما بين ساتِيدَما إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوةَ والكتاب والجمال والأدْمة والبياض فيهم. ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدّبور، ويقال لتلك الناحسة الداروم، وجعل الله فيهم أدْمة وبياضًا قليلًا، وأعمر بلادهم وسماءهم، ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والأراك والعُشَر والغار والنخل، وجرت الشمس والقمر في سمائهم. ونزل بنو يافث الضفون مجرى الشمال والصبا؛ وفيهم الحمرة والشقرة، وأخلى الله أرضَهم فاشتدّ بردها، وأخلى سماءهم، فليس يجري فوقَهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدْي والفرقدين، فابتُلوا بالطاعون. ثم لحقت عاد بالشَّحْر، فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فلحقتْهم","vol":"6","page":144},{"text":"بعدُ مهْرَةُ بالشِّحْر. ولحقت عبيل بموضع يثرب. ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضُهم إلى يترب، فأخرجوا منها عَبيل، فنزلوا موضع الجُحفة، فأقبل السيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجُحفة. ولحقت ثمود بالحجْر وما يليه فهلكوا ثَمَّ ولحقت طسم وجَديس باليمامة فهلكوا، ولحقت أميم بأرض أبَار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشِّحْر، ولا يصلُ إليها اليوم أحد، غلبت عليها الجن. وإنما سميت أبار بأبار بن أُمَيم. ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن، فسمِّيت اليمن حيث تيامنوا إليها، ولحق قوم من بني كنعان بالشأم فسميت الشأم حيث تشاءموا إليها، وكانت الشأم يقال لها أرض بني كَنْعان، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها، ونفوْهم عنها، فكانت الشأم لبني إسرائيل. ثم وثبت الروم علي بني إسرائيل فقتلوهم، وأجلوْهم إلى العراق إلا قليلًا منهم، ثم جاءت العرب فغلبوا على الشأم، وكان فالغ - وهو فالغ بن عابربن أرفخشد بن سام بن نوح -هو الذي قسَم الأرض بين بني نوح كما سمينا (١). (١: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩).\n٣٢٥ - ويقال إن عمليق أول مَنْ تكلّم بالعربية حين ظَعنوا من بابل؛ فكان يقال لهم ولجُرهم: العربُ العاربة. وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح، وعاد وعَبِيل ابنا عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، والروم بنو لنطى بن يونان بن يافث بن نوح. ونمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وهو صاحب بابل؛ وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه (٢). (١: ٢٠٧).\n٣٢٦ - وأما الأخبار عن رسول الله وعن علماء سلفنا في أنساب الأمم التي هي في الأرض اليوم، فعلى ما حدثني أحمد بن بشير بن أبي عبد الله الوراق، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، قال: قال رسول الله: \"سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش\" (٣). (١: ٢٠٩).\n٣٢٧ - حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا\n_________\n(١) في إسناده هشام الكلبي وأبوه متروكان.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف (وانظر ١/ ٢١٠).","vol":"6","page":145},{"text":"سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمُرة بن جندَب، عن النبي، قال: \"ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو الزّنج، ويافث أبو الروم\" (١). (١: ٢٠٩).\n٣٢٨ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا عبّاد بن العوّام عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، قال: قال رسول الله: \"سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحَبش\" (٢). (١: ٢٠٩).\n٣٢٩ - حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثني روح، قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمُرة، عن النبي، قال: \"ولد نوح سام وحام ويافث\". قال عبد الله: قال رَوْح: أحفظ \"يافث\"، وسمعت مرة \"يافت\" (٣). (٢٠٩: ١).\n٣٣٠ - وقد روي هذا الحديث عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة وعمران بن حصين، عن النبي (٤). (٢٠٩: ١).\n٣٣١ - حدثني عمران بن بكّار الكَلاعيّ قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، قال: سمدت سعيد بن المسيّب يقول: ولد نوح ثلاثة، وولد كل واحد ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فولَد سام العربَ وفارس والروم؛ وفي كلِّ هؤلاء خير. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج؛ وليس في واحد من هؤلاء خير، وولَد حام القبْطَ والسودان والبربر (٥). (١: ٢١٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف. وهو إسناد مرسل وفي متنه نكارة ولقد سبق أن أخرج الطبري رواية الحسن عن سمرة (١/ ١٩٢).\nوقلنا عندها: انظر (١/ ٢١٠) وسنذكر ها هنا إن شاء الله أقوال الأئمة في هذا الحديث ورواياته المختلفة لفظًا. =","vol":"6","page":146},{"text":"٣٣٢ - وروى عن ضمْرة بن ربيعة، عن ابن عطاء، عن أبيه، قال: ولَد حام كلَّ أسود جَعْد الشعر، وولَد يافث كلَّ عظيم الوجه صغير العينين، وولد سام كلَّ حسن الوجه حَسَن الشعر. قال: ودعا نوح على حام ألّا يعدُو شَعْرُ ولده آذانَهم، وحيثما لقي ولده ولدَ سام استعبدوهم (١). (١: ٢١٠).\n٣٣٣ - وزعم أهلُ التوراة: أن سام ولد لنوح بعد أن مضى من عمره خمسمئة سنة، ثم ولد لسام أرفخشد بعد أن مضى من عمر سام مئة سنة وسنتان، فكان جميع عمْر سام - فيما زعموا - ستمئة سنة. ثم ولد لأرفخشد قينان، وكان عمر أرفخشد أربعمئة سنة وثمانيًا وثلاثين سنة. وولد قينان لأرفخشد بعد أن مضى من عمره خمس وثلاثون سنة، ثم ولد لقينان شالخ بعد أن مَضَى من عمره تسع وثلاثون سنة، ولم يذكر مدة عمر قَينان في الكتب فيما ذكر لمَا ذكرنا من أمره قبل. ثم ولد لشالَخ عابر بعد أن مضى من عمره ثلاثون سنة، وكان عمر شالخ كله أربعمئة سنة وثلاثًا وثلاثين سنة.\nثم ولد لعابر فالغ وأخوه قحطان، وكان مولد فالغ بعد الطوفان بمئة وأربعين سنة، فلما كثر الناس بعد ذلك مع قرب عهدهم بالطوفان همُّوا ببناء مدينة تجمعهم فلا يتفرّقون، أو صرْح عالٍ يحرزهم من الطوفان إن كان مرة أخرى فلا يغرقون، فأراد الله ﷿ أن يُوهن أمرَهم، ويُخلِف ظنَّهم ويعلّمهم: أن\n_________\n= وأخرج الترمذي (كتاب التفسير سورة الصافات ح ٣٢٣١) عن الحسن عن سمرة بن جندب\nمرفوعًا. سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم.\nوأخرجه كذلك في (كتاب المناقب ح ٣٩٤٠) وقال: هذا حديث حسن وأخرجه أحمد في مسنده عن سمرة بن جندب (ح ٢٠٩٩) وقال العلامة أرناؤوط: إسناده ضعيف، الحسن مشهور بالتدليس ولم يصرح بسماعه هنا وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لم يسمع من سمرة سوى حديث واحد.\nقلنا: وأخرج الطبراني في الكبير (١٨/ ١٤٦) عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب: أن النبي قال: ولد نوح ثلاثة فسام أبو العرب وحام أبو الحبشة ويافث أبو الروم.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون (المجمع ح ٩٣٣) وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي (٢/ ٥٤٦) وإسناد أحمد كإسناد الحاكم من طريق الحسن عن سمرة معنعنًا.\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":147},{"text":"الحول والقوة له، فبدّد شملهم، وشتّت جمعهم، وفرّق ألسنتهم. وكان عمر عابر أربعمئة سنة وأربعًا وسبعين سنة.\nثم ولد لفالغ أرغوا، وكان عمر فالغ مئتين وتسعًا وثلاثين سنة، وولد أرغوا لفالغ وقد مضى من عمره ثلاثون سنة، ثم ولد لأرغوا ساروغ، وكان عمر أرغوا مئتين وتسعًا وثلاثين سنة، وولد له ساروغ بعد ما مضى من عمره اثنتان وثلاثون سنة. ثم ولد لساروغ ناحور، وكان عمر ساروغ مئتين وثلاثين سنة. وولد له ناحور، وقد مضى من عمره ثلاثون سنة.\nثم ولد لناحور تارخ أبو إبراهيم، صلوات الله عليه، وكان هذا الاسم اسمه الذي سمّاه أبوه، فلما صار مع نُمرود قَيِّمًا على خِزانة آلهته سماه آزر. وقد قيل: إن آزر ليس باسم أبيه؛ وإنما هو اسم صنم؛ فهذا قولٌ يروى عن مجاهد. وقد قيل: إنه عيبٌ عابه به بمعنى \"معوّج\"، بعد ما مضى من عمر ناحور سبع وعشرون سنة، وكان عمر ناحور كله مئتين وثمانيًا وأربعين سنة.\nوولد لتارَخ إبراهيم، وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة، وكان بعضُ أهل الكتاب يقول: كان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة ومئتا سنة وثلاث وستون سنة، وذلك بعد خلْق آدم بثلاثة آلاف وثلاثمئة سنة وسبع وثلاثين سنة.\nوولد لقحطان بن عابر يَعْرُب، فولد يعرُب يَشْجُبَ بن يعرُب، فولد يشجب سبأ بن يشجب، فولد سبأ حمْيَرَ بن سبأ وكَهْلانَ بن سبأ وعمرو بن سبأ، والأشعر بن سبأ وأنْمَار بن سبأ ومرَّ بن سبأ وعاملة بن سبأ. فولد عمرو بن سبأ عديّ بن عمرو، فولد عديّ لخم بن عديّ وجُذَام بن عَديّ (١). (١: ٢١٠/ ٢١١).\n٣٣٤ - وقد زعم بعضُ نسَّابي الفرس: أن نوحًا هو أفريدون الذي قهر الازدهاق، وسلَبه ملكَه. وزعم بعضُهم أن أفريدون هو ذو القرنين صاحب إبراهيم - ﵇ - الذي قضى له ببئر السبع، الذي ذكر الله في كتابه. وقال بعضُهم: هو سليمان بن داود.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":148},{"text":"وإنما ذكرته في هذا الموضع لما ذكرت فيه من قول من قال: إنه نوح، وإن قصته شبيهة بقصة نوح في أولاد له ثلاثة، وعدله وحسن سيرته، وهلاك الضحاك على يده. وأنه قيل: إن هلاك الضحاك كان على يد نوح وأنّ نوحًا إنما كان أرسل - في قول من ذكرت عنه أنه قال: كان هلاك الضحاك على يدي نوح - حين أرسل إلى قومه، وهم كانوا قومَ الضحاك.\nفأما الفرس فإنهم ينسبُونه النسبة التي أنا ذاكرها؛ وذلك أنهم يزعمون: أن أفريدون من ولد جم شاذ الملك الذي قتله الازدهادق، على ما قد بَيَّنا من أمره قبلُ، وأن بينه وبين جم عَشَرة آباء (١). (١: ٢١١/ ٢١٢).\n٣٣٥ - وقد حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب، قال: بلغنا: أن أفريدون - وهو من نسل جم الملك الذي كان من قبل الضحاك، قال: ويزعمون أنَّه التاسع من ولَده، وكان مولده بدُنْباوند - خرج حتى ورد منزلَ الضحاك، فأخذه وأوثقه، وملك مئتي سنة، وردّ المظالم، وأمرَ الناس بعبادة الله والإنصاف والإحسان، ونظر إلى ما كان الضحاك غَصَب الناس من الأرضين وغيرها، فردَّ ذلك كلَّه على أهله، إلا ما لم يجد له أهلًا، فإنه وقَفه على المساكين والعامة. قال: ويقال: إنه أوّل مَنْ سمى الصوافي، وأولُ من نظر في الطبّ والنجوم، وإنه كان له ثلاثة بنين: اسم الأكبر سَلم، والثاني طوج، والثالث إيرج، وأن أفريدُون تخوّف ألا يتفق بنوه، وأن يبغيَ بعضُهم على بعض، فمسَّم ملكه بينهم ثلاثًا، وجعل ذلك في سهامٍ كتب أسماءهم عليها، وأمرَ كلَّ واحد منهم فأخذ سهمًا، فصارت الروم وناحية المغرب لسلْم، وصارت الترك والصين لطوج، وصارت للثالث - وهو إيرج - العراق والهند، فدفع التاج والسرير إليه، ومات أفريدُون فوثب بإيرَج أخواه فقتلاه، وملكا الأرض بينهما ثلاثمئة سنة.\nقال: والفرس تزعُم: أنّ لأفريدون عشرَة آباء، كلهم يسمى أثفيان باسم واحد. قالوا: وإنما فعلوا ذلك خوفًا من الضحّاك على أولادهم، لرواية كانت عندهم، بأنَّ بعضهم يغلب الضحاك على ملكه، ويُدرك منه ثأر جم، وكانوا يعرَفون ويميّزون بألقاب لقِّبوها، فكان يقال للواحد منهم: أثفيان صاحب البقر\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":149},{"text":"الحمر، وأثفيان صاحب البقر البُلْق، وأثفيان صاحب البقر الكدْر. وهو أفريدون بن أثفيان بُوكاو -وتفسيره: صاحب البقر الكثير- ابن أثفيان نيككاو- وتفسيره: صاحب البقر الجياد، ابن أثفيان سيركاو - وتفسيره صاحب البقر السمان العظام - ابن أثفيان بوركاو - وتفسيره صاحب البقر التي بلون حمير الوحش - ابن أثفيان أحشين كاو - وتفسيره: صاحب البقر الصفر- ابن أثفيان سياه كاو - وتفسيره صاحب البقر السود- ابن أثفيان أسبيذكاو - وتفسيره صاحب البقر البيض - ابن أثفيان كيركاو - وتفسيره: صاحب البقر الرمادية - ابن أثفيان رمين - وتفسيره: كلّ ضرب من الألوان والقطعان - ابن أثفيان بنفر وسن ابن جم الشاذ (١). (١: ٢١٢/ ٢١٣).\n٣٣٦ - وقيل: إن أفريدُون أوّل من سُمّي بالكيِّيّة فقيل له: كَي أفريدون، وتفسير الكييّة: أنها بمعنى التنزيه، كما يقال: روْحاني، يعنون به: أن أمرَه أمر مخلص منزّه يتصل بالروحانية. وقيل: إن معنى \"كَي\" أي: طالب الدخل، ويزعم بعضهم: أن \"كَي\" من البهاء، وأن البهاء تغشَّى أفريدُون حين قتل الضحاك؛ وتذكر العجم من الفرْس: أنه كان رجلًا جسيمًا وسيمًا بهيًّا مجربًا، وأن أكثر قتاله كان بالجرْز، وأن جُرْزه كان رأسه كرأس الثور، وأن ملك ابنه إيرَج العراق ونواحيها كان في حياته، وأن أيام إيرَج داخلة في ملك أفريدون، وأنه ملك الأقاليم كلَّها، وتنقل في البلدان، وأنه لما جلس على سريره يوم الملك قال: نحن القاهرون بعون الله وتأييده للضحّاك، القامعون للشيطان وأحزابه، ثم وعظ الناسَ، فأمرهم بالتناصف وتعاطي الحقّ وبذل الخير بينهم، وحثّهم على الشكر والتمسك به، ورتّب سبعة من القوهياريين - وتفسير ذلك محولو الجبال سبع مراتب - وصيّرَ إلى كلِّ واحد منهم ناحية من دُنْبَاوند وغيرها على شبيه بالتمليك. قالوا: فلما ظفر بالضَّحاك قال له الضحاك: لا تقتلْني بجدّك جم، فقال له أفريدُون منكرًا لقوله: لقد سمتْ بك همتك، وعظُمت في نفسك حين قدّرتها لهذا، وطمعت لها فيه! وأعلمه أن جدَّه كان أعظم قدرًا من أن يكون مثله كفئًا له في القَود، وأعلمه أنه يقتله بثور كان في دار جَدّه. وقيل: إن أفريدُون أول من ذلّل الفيَلة وامتطاها، ونَتَج البغال، واتخذ الإوزّ والحمام، وعالج\n_________\n(١) ضعيف وفي إسناده هشام الكلبي متروك.","vol":"6","page":150},{"text":"الدّرياق، وقاتل الأعداء فقتلهم ونفاهم، وأنه قسّم الأرضَ بين أولاده الثلاثة: طوج وسَلْم وإيرَج، فملَّك طُوجًا ناحية الترك والخزَر والصين، فكانوا يسمونها صين بُغَا، وجمع إليها النواحيَ التي اتصلت بها، وملّك سَلْمًا ابنه الثاني الروم والصقالبة والبُرْجان وما في حدود ذلك، وجعل وسط الأرض وعامرها - وهو إقليم بابل، وكانوا يسمونها خنارث بعد أن جمع إلى ذلك ما اتّصل به من السند والهند والحجاز وغيرها - لأيرج وهو الأصغر من بنيه الثلاثة، وكان أحبَّهم إليه. وبهذا السبب سُمِّي إقليم بابل إيرانشهر، وبه أيضًا نشبت العداوة بين ولد أفريدون وأولادهم بعد، وصار ملوك خنارث والترك والروم إلى المحاربة ومطالبة بعضهم بعضًا بالدماء والترات.\nوقيل: إن طوجًا وسَلْمًا لمَّا علما أن أباهما قد خصّ إيرَج وقدّمه عليهما أظهرا له البغضاء، ولم يزل التحاسد ينمِي بينهم إلى أن وثب طُوج وسَلْم على أخيهما إيرَج، فقتلاه متعاونين عليه، وأن طوجا رماه بوَهَق فخنقه، فمن أجل ذلك استعملت الترك الوَهَق، وكان لإيرَج ابنان؛ يقال لهما: وندان وأسطوبة، وابنة يقال لها: خوزك، ويقال: خوشك، فقتل سَلْم وطوج الابنين مع أبيهما، وبقيت الابنة (١). (١: ٢١٣/ ٢١٤).\n٣٣٧ - وقيل: إن اليوم الذي غلب فيه أفريدون الضحاك كان روزمهر من مهرماه، فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدًا لارتفاع بليّة الضحاك عن الناس، وسماه المِهرجان؛ فقيل: إن أفريدُون كان جبارًا عادلًا في ملكه، وكان طولُه تسعة أرماح، كلُّ رمح ثلاثة أبواع، وعرض حُجْرته ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، وأنه كان يتبَع مَنْ كان بقيَ بالسودان من آل نمرود والنَّبَط، وقصدهم حتى أتى على وجوههم، ومحا أعلامَهم وآثارهم؛ وكان ملكه خمسمئة سنة (٢). (١: ٢١٤/ ٢١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>ذكر الأحدات التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ﵉</span>\n٣٣٧ / أ- قد ذكرنا قبلُ ما كان من أمر نوح - ﵇ - وأمر ولَده واقتسامهم\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":151},{"text":"الأرضَ بعده، ومساكنَ كلِّ فريق منهم، وأيّ ناحية سكن من البلاد. وكان ممن طغا وعتا على الله ﷿ بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولًا فكذبوه وتمادوا في غيِّهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح: أحدهما عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، وهي عاد الأولى، والثاني ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهم كانوا العربَ العاربة (١). (١: ٢١٦).\n٣٣٧ / ب- فأما عاد فإنّ الله ﷿ أرسل إليهم هودَ بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح. ومن أهل الأنساب مَنْ يزعم: أن هودًا هو عابر بن شالخ بن أرفَخْشَد بن سام بن نوح، وكانوا أهلَ أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لإحداها: صدّاء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء. فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره، وتَرْك ظلم الناس، فكذَّبوه وقالوا: مَن أشدُّ منا قوّة! فلم يؤمن بهودٍ منهم إلّا قليل، فوعظهم هود إذ تمادوْا في طغيانهم، فقال لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.فكان جوابهم له أن قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَينَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾. وقالوا له: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، فحبس الله عنهم -فيما ذكر- القَطْرَ سنين ثلاثًا؛ حتى جهِدوا، فأوفدوا وفدًا ليستسقوا لهم (٢). (١: ٢١٦/ ٢١٧).\n٣٣٨ - وأما ابن إسحاق فإنه قال كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه: أن عادًا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا: جهِّزوا منكم وفدًا إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قَيل بن عتر ولُقَيم بن هزّال بن هزيل بن عُتَيل بن صدَّ بن عاد الأكبر، ومَرْثَد بن سعد بن عُفير - وكان مسلمًا يكتم إسلامه - وجُلْهُمَةَ بن الخبيريّ، خال معاوية بن بكر أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد ابن فلان ابن فلان ابن صدّ بن عاد الأكبر، فانطلق كلُّ رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدةُ وفدهم سبعين رجلًا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":152},{"text":"بكر وهو بظاهر مكة خارجًا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره. وكانت هزيلة بنت بكر أختَ معاوية بن بكر لأبيه وأمه كلهدة بنت الخيبري عند لُفَيم [بن هزّال بن عُتَيل بن صد بن عاد الأكبر]، فولدت له عبيد بن لُقَيم بن هزال وعمرو بن لُقيم بن هزّال وعامر بن لُقَيم بن هزّال وعُمَير بن لقيم بن هزال، فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر، وهم عاد الأخيرة التي بقيَت من عاد الأولى. فلما نزل وفد عاب على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنّيهم الجرادتان -قينتان لمعاوية بن بكر- وكان مسيرُهم شهرًا، ومقامهم شهرًا، فلما رأى معاوية بن بكر طولَ مقامهم، وقدْ بعثهم قومُهم يتغوَّثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شقَّ ذلك عليه فقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي نازلون عليّ، والله ما أدري: كيف أصنع بهم! أستحي أن آمرَهم بالخروج إلى ما بُعثوا إليه، فيظنُّوا أنه ضيقٌ مني بمقامهم عندي، وقد هلك مَنْ وراءهم من قومهم جهدًا وعطشًا، أو كما قال:\nفشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرًا نغنّيهم به لا يدرون مَنْ قاله، لعلّ ذلك أن يحرّكهم! فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك:\nألا يا قيلُ، وَيْحَك قم فَهَينِمْ ... لعلّ الله يَسْقِينَا غَمَامَا\nفيسقِي أرضَ عادٍ، إنَّ عادًا ... قد أمسوا لا يُبِينُون الكَلاما\nمن العطشِ الشَّديد، فليس نرجو ... به الشيخَ الكبيرَ ولا الغلاما\nوقَدْ كانتْ نساؤُهُمُ بخيرٍ ... فقد أمستْ نِساؤُهُمُ عَيَامَى\nوإنّ الوحشَ تأتيهمْ جهارًا ... ولا تخشَى لعادِي سِهاما\nوأنتم ها هنا فيما اشْتَهَيتُمْ ... نهارَكُمُ وليلَكمُ التَماما\nفقبِّح وفدكُمْ من وَفْدِ قومٍ ... ولا لُقُّوا التحيَّة والسلاما!\nفلما قال معاوية ذلك الشعر، غنّتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنَّتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومُكم يتغوَّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتمْ عليهم، فادخلُوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مَرْثَد بن سعد بن عُفَير: إنكم والله لا تُسْقَوْن بدعائكم؛ ولكنْ إن أطعتم","vol":"6","page":153},{"text":"نبيَّكم، وأنبْتم إليه سُقِيتم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُلهُمَة بن الخيبريّ، خال معاوية بن بكْر حين سمع قوله، وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به:\nأبَا سَعْدٍ فإنَّكَ مِنْ قَبِيلٍ ... ذَوي كرمٍ وأمُّك مِنْ ثَمُودِ\nفإنّا لَنْ نُطِيعَك مَا بقِينَا ... ولَسْنَا فاعلينَ لِمَا تُرِيدُ\nأتأمرنا لنترك آل رِفْدٍ ... وزَمْل وآل صُدٍّ والعُبود\nونترك دينَ آباءٍ كرام ... ذوي رأيٍ ونتبَعُ دينَ هُودِ\nورفد وزمل وصدّ قبائل من عاد، والعبود منهم. ثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنّا مَرْثد بن سعد فلا يقدمنّ معنا مكة؛ فإنه قد اتبع دينَ هود، وترك ديننا. ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولَّوا إلى مكة خرج مَرْثد بن سعد من منزل معاوية، حتى أدركهم بها قبل أن يدعُوا الله بشيء مما خرجوا له. فلما انتهى إليهمْ قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون. فقال: اللهمَّ أعطِني سُؤلي وحدي، ولا تُدخلْني في شيء مما يدعوك به وفد عاد. وكان قَيل ابن عتر رأس وفد عاد. وقال وفد عاد: \"اللهمَّ أعطِ قيلًا ما سألك، واجعلْ سُؤلنا مع سؤله\". وقد كان تخلَّف عن وفد عاد لقمان بن عاد، وكان سيدَ عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهمَّ إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي. وقال قيل بن عتر حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقًا فاسقِنا فإنا قد هلكنا. فأنشأ الله سحائب ثَلاثًا: بيضاء وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مُناد من السحاب: يا قيل، اخترْ لنفسك وقومك من هذا السحاب. فقال: قد اخترتُ السحابة السوداء، فإنها أكثرُ السحاب ماءً، فناداه مناد: اخترت رمادًا رِمْدَدًا، لا تُبقي من عاد أحدًا، لا والدًا تترك ولا ولدًا، إلّا جعلته هَمِدًا، إلّا بني اللُّوذيّة المُهْدَى - وبنو اللُّوذِيّة بنو لُقَيم بن هَزّال بن هُزَيل بن هزيلة بنت بكر؛ كانوا سُكانًا بمكة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومَن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد.\nوساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختار قَيْل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيثُ. ولما رأوْها استبشروا بها، وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، يقول الله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ مَا","vol":"6","page":154},{"text":"اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، أي كلَّ شيء أمرت به. فكان أول من أبصر ما فيها أنها ريح - فيما يذكرون - امرأة من عاد يقال لها مَهْدد، لما تبيّنت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مَهْدَد؟ قالمت: رأيت ريحًا فيها كشُهُب النار، أمامها رجالٌ يقودونها. فسخّرها الله عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، كما قال الله: والحُسُومُ: الدائمة؛ فلم تَدَعْ من عادٍ أحدا إلا هلك.\nفاعتزل هود - فيما ذُكر - ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يُصيبه ومن معه منها إلا ما تَلين عليه الجلود، وتلتذّ الأنفس؛ وإنها لتمُرُّ من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض، وتدمغُهم بالحجارة. وخرج وَفْد عاد من مكَّة حتى مرُّوا بمعاوية بن بكر وأبيه، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مُسْيَ ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبرَ، فقالوا: فأين فارقت هودًا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكُّوا فيما حدَّثهم، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق وربِّ مكَّة. ومثوِّب بن يعْفر بن أخي معاوية بن بكر معهم. وقد كان قيل - فيما يزعمون والله أعلم - لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقَيل بن عتر حين دعوا بمكة: قد أعطيتم مُنَاكمِ فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيلَ إلى الخلد، فإنه لا بدَّ من الموت، فقال مرْثَد بن سعد: ياربّ، أعطني برًّا وصدقا، فأعطيَ ذلك، وقال لقمان بن عاد: أعطني عُمْرًا، فقيل له: اختر لنفسك، إلّا إنه لا سبيل إلى الخُلْد: بقاء أيعار ضأن عُفر، في جبل وعر، لا يُلقى به إلا القطِر، أم سبعة أنسر إذا مضى نسْر حلوتَ إلى نسر؟ فاختار لقمان لنفسه النسور، فعُمِّر - فيما يزعمون - عُمْرَ سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته، فيأخذ الذكَر منها لقوَّته؛ حتى إذا مات أخذ غيرَه، فلم يزلْ يفعل ذلك، حتى أتى على السابع. وكان كلّ نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة، فلمَّا لم يبق غيرُ السابع قال ابن أخ للقمان: أي عمّ، ما بقي من عمرك إلا عمر هذا النسر؛ فقال له لقمان: أي ابن أخي: هذا لُبَدٌ - ولُبَد بلسانهم الدهر - فَلمَّا أدرك نسر لقمان، وانقضى عمره، طارت النسور غداةً من رأس الجبل، ولم ينهض فيها لُبَد، وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه؛ إنما هي بعينه. فلما لم ير لقمان لُبدًا نهض مع النسور؛ نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لُبَد، فوجد لقمان في نفسه","vol":"6","page":155},{"text":"وَهْنًا لم يكن يجده قبل ذلك، فلمّا انتهى إلى الجبل رأى نسره لُبدًا واقعًا من بين النسور، فناداه: انهضْ لُبَد، فذهب لُبَد لينهض فلم يستطع، عريت قوادمه وقد سقطت؛ فماتا جميعًا.\nوقيلَ لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له في السحاب: اخترْ لنفسك كما اختار صاحباك، فقال: أختارُ أن يصيبَني ما أصاب قومي، فقيل: إنه الهلاك، قال: لا أبالي؛ لا حاجة لي في البقاءِ بعدهم. فاصابه ما أصاب عادًا من العذاب فهلك، فقال مَرْثَد بن سعد بن عُفير حين سمع من قول الراكب الذي أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك:\nعَصَتْ عادٌ رسولَهُمُ فَأمْسوْا ... عطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السماءُ\nوسُيِّرَ وَفْدُهُمْ شهرًا ليُسقوْا ... فأَرْدَفَهُمْ مع العَطَشِ العَمَاءُ\nبكفْرِهِمُ بربِّهِمُ جِهارًا ... علَى آثارِ عَادِهِم العفاءُ\nألا نَزَعَ الإلهُ حُلومَ عادٍ ... فإنَّ قلوبهمْ قفرٌ هَواءُ\nمِنَ الخَبرِ المُبَيَّن أنْ يَعُوهُ ... وما تُغْني النصِيحةُ والشّفَاءُ\nفنفسي وَابْنَتَايَ وَأُمُّ وَلدِي ... لنَفْسِ نَبيِّنَا هودٍ فداءُ\nأتانا والقلوبُ مُصمَّداتٌ ... على ظُلْمٍ وقد ذَهَبَ الضِّميَاءُ\nلَنَا صَنَمٌ يقال له صَمُودٌ ... يقابله صُدَاءٌ والْهباءُ\nفأبصَرَهُ الذينَ له أنابوا ... وأَدْرَكَ مَنْ يكذِّبه الشَّقاء\nفَإنِّي سَوْفَ ألحَقُ آلَ هودٍ ... وإخْوَته إذَا جَنَّ المَساءُ (١)\n(١: ٢٢٠/ ٢٢١ / ٢٢٣/ ٢٢٢ / ٢٢٤).\n٣٣٩ - وقيل: إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخَلَجان.\nحدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا أبي عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريحُ على عاد من الوادي، قال سبعة رَهْط منهم، أحدهم الخَلَجان: تعالوْا حتى نقومَ على شَفير الوادي فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله، ثيم ترمي به فتندقّ عنقه، فتتركهم كما قال الله ﷿: ﴿صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧)﴾ حتى لم يبق منهم إلّا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":156},{"text":"الخلجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه، فهزّه فاهتزّ في يده، ثم أنشأ يقول:\nلَمْ يثقَ إلَّا الخَلجانُ نفسُهُ ... نالكَ مِنْ يَوْمٍ دَهَانِي أمْسُهُ\nبِثَابِتِ الْوَطء شديدٍ وَطْسُهُ ... لوْ لم يَجِئني جئتُهُ أجُسُّهُ\nفقال له هود: ويحك يا خلَجان! أسلِم تَسْلَم، فقال له: وما لي عند ربك إن أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البُخْت، قال هود: تلك ملائكة ربّي، قال: فإن أسلمت أيُعيذني ربك منهم؟ قال: ويلك! هل رأيت ملِكًا يعيذ من جنده! قال: لو فعل ما رضيت، قال: ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه؛ أو كلامًا هذا معناه.\nقال أبو جعفر: فأهلك الله الخَلَجان، وأفنى عادًا خلا مَنْ بقيَ منهم، ثم بادوا بعد، ونجّى الله هودًا ومَن آمن به. وقيل: كان عمر هودٍ مئة سنة وخمسين سنه (١) (١: ٢٢٤/ ٢٢٥).\n٣٤٠ - حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾؛ إنّ عادًا أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قصّ الله في القرآن، فكَذَّبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيَهم العذاب فقال لهم: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ وإن عادًا أصابهم حين كفروا قَحْط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهدًا شديدًا؛ وذلك أن هودًا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريحَ العقيم، وهي الريح التي لا تُلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنتْ منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تَطيرُ بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوْها تبادروا إلى البيوت، حَتَّى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهمْ من البيوت، فأصابتهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾، والنحس هو الشؤمُ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ استمرّ عليهم بالعذاب ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، حسمت كلّ شيء مرّت به، حتى أخرجتْهم من البيوت، قال الله ﵎: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ عن البيوت، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، انقعر من أصوله. ﴿خَاويَةٌ﴾ خوت\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":157},{"text":"فسقطت، فلما أهلكَهم الله أرسل عليهِم طيرًا سودًا، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله ﷿: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾. ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها؟ فذلك قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾. والصرصر: ذاتُ الصوت الشديد (١).\n٣٤١ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهبًا يقول: إن عادًا لما عذّبهم الله بالريح التي عُذِّبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمة بعُروقها وتهدم عليهم بيوتهم، فمن لم يكن في بيتٍ هبَّتْ به الرِّيح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم (٢). (١: ٢٢٦).\n٣٤٢ - وأما ثمود فإنهم عتوْا على ربّهم، وكفروا به، وأفسدوا في الأرض؛ فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خَادر بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، رسولًا يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة.\nوقيل: صالح، هو صالح بن أسِف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح.\nفكان من جوابهم له أن قالوا له: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾. وكان الله ﷿ قد مدّ لهم في الأعمار، وكانوا يسكنون الحِجْر إلى وادي القرى، بين الحجاز والشام، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمرّدهم وطغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلا مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له: إن كنت صادقًا فائْتِنا بآية (٣). (١: ٢٢٦/ ٢٢٧).\n٣٤٣ - فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي الطفيل؛\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":158},{"text":"قال: قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين. قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هَضْبة من الأرض؛ فإذا هي تتمخّض كما تتمخَّض الحامل، ثم تفرّجت فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح - ﵇ -: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فلما ملّوها عقروها، فقال لهم: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾. قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر: أن صالحًا قال لهم: إن آية العذاب أَن تصبحوا غدًا حُمْرًا، واليوم الثاني صُفرًا، واليوم الثالث سُودًا، فصبّحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنّطوا واستعدّوا (١). (١: ٢٢٧).\n٣٤٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة، قال: قلنا له: حدِّثنا حديث ثمود، قال: أحدِّثكم عن رسول الله عن ثمود. كانت ثمود قوم صالح عمّرهم الله ﷿ في الدنيا، فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبنى المسكن من المَدر فيتهدَّم والرجل منهم حيّ، فلما رأوْا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتًا فرِهين، فنحتوها وجابوها وجوّفوها، وكانوا في سَعة من معايشهم، فقالوا: يا صالح، ادع لنا ربَّك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله. فدعا صالح ربَّه، فأخرج لهم الناقة فكان شربُها يومًا وشربهم يومًا معلومًا، فإذا كان يوم شِرْبها خلُّوا عنها وعن الماء، وحلبوها لبنًا؛ ملؤوا كلَّ إناء ووعاء وسقاء، فإذا كان يوم شِرْبهم صرَفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئًا، فملؤوا كلّ إناء ووعاء وسقاء، فأوحى الله ﷿ إلى صالح أنّ قومَك سيعقرون ناقتك، فقال لهم؛ فقالوا: ما كنا لنفعل، قال: إلّا تعقروها أنتم أوشك أن يولَد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ما علامةُ ذلك المولود؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه، قال: فإنه غلام أشقرُ أزرق أصهب أحمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفئًا، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوِّج ابنَك؟ قال: لا أجد له كفئًا، قال: فإن ابنتي كفءٌ له؛ وأنا أزوّجك، فزوّجه فولد منهما ذلك المولود.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":159},{"text":"وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولودٌ فيكم؛ اختاروا ثمانيَ نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهنّ شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية؛ فإذا وجدوا المرأة تمخَض نظروا ما ولدهُا؟ فإن كان غلامًا قتلنه، وإن كانت جارية أعرَضْن عنها، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله صالح، فأراد الشُّرَطُ أن يأخذوه، فحال جدّاه بينه وبينهم. وقالوا: إن أراد صالح هذا قتلناه، وكان شرَّ مولود، وكان يشبّ في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشبّ في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشبّ في الشهر شبابَ غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يُصلحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جدَّيه، فصاروا تسعة، وكان صالح - ﵇ - لا ينام معهم في القرية، بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح، فيه يبيت بالليل؛ فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكّرهم، فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه (١). (١: ٢٢٨/ ٢٢٩).\n٣٤٥ - قال حجاج: قال ابن جريج: لما قال لهم صالح - ﵇ -: إنه سيولد غلام يكون هلاكُهم على يديه، قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم، فقتلوهم إلا واحدًا، قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنّا لم نقتل أولادنا لكان لكلّ واحد منا مثلُ هذا، هذا عمل صالح! فائْتمروا بينهم بقتله، وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا وكذا فنرصده عند مصَلَّاه فنقتله، فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن. فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأنزل الله ﷿ عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رُضْخًا، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم؛ فإذا هم رُضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله، أما رضيَ صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم! فاجتمع أهل القرية على عَقْر الناقة أجمعون، فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر.\nقال أبو جعفر: ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله، قال: فأرادوا أن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":160},{"text":"يمكروا بصالح، فمشوْا حتى أتوا على سَرَب على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيّتناهم، فأمر الله ﷿ الأرضَ فاستوت عليهم، قال: فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة، فقال الشقيّ لأحدهم: ائتها فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك، فأضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك، فجعل لا يبعث أحدًا إلا تعاظمه أمرها؛ حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض. فأتى رجلٌ منهم صالحًا فقال: أدرك الناقة فقد عُقِرت. فأقبل؛ فخرجوا يتلقوْنه ويعتذرون إليه: يا نبي الله، إنما عقرها فلان؛ إنه لا ذنب لنا، قال: انظروا هل تُدركون فصيلَها! فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب! فخرجوا يطلبونه. فلما رأى الفصيلُ أمه تضطرب أتى جبلًا - يقال له: القارة - قصيرًا فصعده وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله ﷿ إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكَى حتى سالت دموعُه، ثم استقبل صالحًا، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى. فقال صالح: لكلّ رغوة أجل يوم؛ تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غيرُ مكذوب؛ إلا أن آية العذاب أنّ اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرّة، واليوم الثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودّة، فلما أصبحوا إذا وجوهُهم كأنما طُليت بالحَلوق، صغيرُهم وكبيرهم، ذكَرهُم وأنثاهم، فلما أمسَوْا صاحُوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومٌ من الأجَل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرّة؛ كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا وضجُّوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب. فلما أمسوْا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجَل، وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودّة كأنما طُليت بالقار، فصاحوا جميعًا: ألا قد حضركم العذاب، فتكفّنوا وتحنّطوا وكان حَنوطهم الصَّبر والمقْر، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوْا أنفسَهم إلى الأرض، فجعلوا يقلِّبون أبصارهم إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرَّة، لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب؛ من فوقهم من السماء، أو من تحت أرجلهم من الأرض خشعًا وفرقًا؛ فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحةٌ من السماء فيها صوت كلّ صاعقة وصوت كلّ شيء له صوتٌ في الأرض، فتقطَّعت","vol":"6","page":161},{"text":"قلوبُهم في صدورهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين (١). (١: ٢٢٩/ ٢٣٠).\nفأما أهلُ التوراة فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة. وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه.\nقال: ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذي قيل في عاد وثمود وأمورهم بعضَ ما قيل. ما يعلَم به مَنْ ظن خلاف ما قلنا في شهرة أمرهم في العرب صحة ذلك.\nومن أهل العلم من يزعم أن صالحًا - ﵇ - توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنه أقام في قومه عشرين سنة.\nقال أبو جعفر: نرجع الآن إلى: (٢). (١: ٢٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>ذكر إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ - وذكر من كان في عصره من ملوك العجم</span>\n٣٤٦ - إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخْشَد بن سام بن نوح.\nواختلفوا في الموضع الذي كان منه، والموضع الذي وُلد فيه، فقال بعضهم: كان مولده بالسُّوس من أرض الأهواز، وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السَّواد. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كُوثَى. وقال بعضهم: كان مولده بالوَرْكاء بناحية الزوابي وحدود كَسْكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نُمْرود من ناحية كُوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحرّان، ولكن أباه تارخ نقَله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من أهل العلم: كان مولد إبراهيم - ﵇ -\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":162},{"text":"في عهد نمرود بن كوش. ويقول عامة أهل الأخبار: كان نمرود عاملًا للازدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحًا - ﵇ - كان مبعوثًا إليه على أرض بابل وما حولها. وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون: كان ملكًا برأسه، واسمه الذي هو اسمه فيما قيل: زرهي بن طهماسلفان (١). (١: ٢٣٣).\n٣٤٧ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق - فيما ذكر لنا والله أعلم - أن آزر كان رجلًا من أهل كُوثَى، من قرية بالسواد سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملكُ المشرق لنمرود الخاطئ، وكان يقال له: الهاصر، وكان مُلْكه - فيما يزعمون - قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، قال: وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس.\nقال: ويقال: لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك: نُمْرود بن أرغوا، وذي القرنين، وسليمان بن داود (٢). (١: ٢٣٣).\nوقال بعضهم: نمرود هو الضحّاك نفسه.\n٣٤٨ - حدّثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا والله أعلم: أن الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه (٣). (١: ٢٣٤).\n٣٤٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي: إن أول ملكٍ مَلَكَ في الأرض شرقها وغربها نُمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبخت نصّر: مؤمنان وكافران (٤). (١: ٢٣٤).\n_________\n(١) لو كان في تعيين الموضع الذي ولد فيه - ﵇ - منفعة للمكلفين لبين الشرع لنا ذلك.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":163},{"text":"٣٥٠ - وقال ابن إسحاق فيما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، عن ابن إسحاق: فلما أراد الله ﷿ أن يبعث إبراهيم - ﵇ - خليل الرحمن حجة على قومه ورسولًا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم ﵉ من نبيّ قبله إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد أتى أصحابُ النجوم نمرود، فقالوا له: تعلَّم أنا نجد في علمنا: أن غلامًا يُولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينَكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حُبلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية - حَدَثة فيما يذكر- لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أمّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلًا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم - ﵇ -، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سَدّت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يمصّ إبهامه. يزعمون - والله أعلم - أن الله جعل رزقَ إبراهيم - ﵇ - فيها ما يجيئه من مصّه، وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات. فصدّقها فسكت عنها، وكان اليوم - فيما يذكرون - على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة؛ ولم يمكث إبراهيم - ﵇ - في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا، حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق المسموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله غيره. ثم نظر في السماء ورأى كوكبًا، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، ثم أتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾، ثم اطلع للقمر فرآه بازغًا فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ثم اتبعه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كلّ شيء رآه قبل ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.","vol":"6","page":164},{"text":"ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه وبَرِيء من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه، فأخبرته أمّ إبراهيم - ﵇ - أنه ابنه، فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسرّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا، وكان آزر يصنع أضنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم - ﵇ - فيما يذكرون فيقول: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه! فلا يشتريها منه أحد، فإذا بارتْ عليه ذهب بها إلى نهر فصوّب فيه رؤوسها، وقال: اشربي - استهزاء بقومه، وبما هم عليه من الضلالة - حتى فشا عَيبه إياها، واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته. من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك. ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يباديَ قومه بخلاف ما همْ عليه وبأمر الله والدعاء إليه ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول الله ﷿: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي طَعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد. فلما خرجوا عنه خالفَ إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرَّب لها طعامًا؛ ثم قال: ألا تأكلون! ما لكم لا تنطقون! تعييرًا في شأنها واستهزاء بها (١). (١: ٢٣٤/ ٢٣٥ / ٢٣٦).\n٣٥١ - وقال في ذلك غير ابن إسحاق ما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْدانيّ عن ابن مسعود - وعن أناس من صحاب النبي: كان من شأن إبراهيم - ﵇ -: أنه طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس والقمر، ففزع من ذلك فزعًا شديدًا، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عنه، فقالوا: يخْرُج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك مُلكك - وكان مسكنه ببابل الكوفة - فخرج من قريته إلى قرية أخرى، فأخرج الرجال وترك النساء، وأمر ألَّا يُولد مولود ذكر إلا ذبحه، فذبح أولادهم. ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله. فقال له: انظر لا تواقعْ أهلك، فقال له\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":165},{"text":"آزر: أنا أضَنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها؛ فقرّبها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها: أور، فجعلها في سَرَب، فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها. وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين، ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان في كلّ يوم يمرّ كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه، ونسيَ الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابنًا قد خبأته، أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا، فائْتِ به. فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السَّرَب نظر إلى الدوابّ والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بَعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنه فرس، وعن الشاة أنها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم ربّ، وكان خروجه حينَ خرج من السَّرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسَه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، فلم يلبث أن غاب، فَقَال ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي لا أحبُّ رَبًّا يغيب. قال ابن عباس: وخرَج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغًا قد طلع فقال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يقول: غاب، ﴿قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة، قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، فلما غابت قال الله له: أسلم، قال: قد أسلمت لرب العالمين. ثم أتى قومه فدعاهم فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾. يقول: مخلصًا: فجعل يدعو قومَه وينذرهم.\nوكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولَدَه فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي: مَنْ يشتري ما يضرّه ولا ينفعه؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤﴾ قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. قال: أبدًا. ثم قال له أبوه: يا إبراهيم، إن لنا عيدًا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، يقول: أشتكي رجليّ، فتوطؤوا رجليه،","vol":"6","page":166},{"text":"وهو صريِع، فلما مضوْا نادى في آخرهم وقد بقِيَ ضَعْفي الناس: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هو في بهْو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغرُ منه، حتى بلَغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعامًا، فوضعوه بين يدي الآلهة، قالوا: إذا كان حينُ نرجع رجعنا، وقد باركت الالهة في طعامنا فأكلنا. فلما نظر إليهم إبراهيم ﵇، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضربًا باليمين، فأخذ حديدةً فبقَر كلَّ صنم في حافتيه، ثم علّق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم، ونظروا إلى آلهتهم، قالوا: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (١). (١: ٢٣٦/ ٢٣٧ / ٢٣٨).\n٣٥١ / أ - فكان جماعة من أهل التأويل، منهم قَتادة والسُّديّ يقولون في ذلك: لعلّهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك، وقالوا: كرهوا أن يَأخذوه بغير بيّنه (٢). (١: ٢٣٩).\n٣٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مجاهد، قال: تلوتُ هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد مَن الذي أشار بتحريق إبراهيم - ﵇ - بالنار؟ قال: قلت: لا، قال: رجل من أعراب فارس، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، وهل للفرس أعراب؟ قال: نعم، الكرْدُ هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار (٣). (١: ٢٤٠).\n٣٥٣ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَيّة، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ قال: قالها رجل من أعراب فارس -يعني الأكراد (٤). (١: ٢٤٥).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":167},{"text":"٣٥٤ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وَهب بن سليمان، عن شعيب الجُبّاليّ، قال: إن اسمَ الذي قال حرّقوه \"هينون\"، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (١) (١: ٢٤١).\n٣٥٥ - ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فأمر نمرود، بجمْع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم -فيما يُذكر- لتنذر في بعض ما تطلب مما تحبّ أن تدرك: لئن أصابته لتحطبنّ في نار إبراهيم التي يحرَق بها احتسابًا في دينها، حتى إذا أرادوا أن يُلقُوه فيها قدّموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له، حتى إذا اشتعلت النار، واجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثَّقَلين - فيما يذكرون - إلى الله ﷿ صيحةً واحدة: أيّ ربنا! إبراهيم ليس في أرضك أحدٌ يعبدك غيره، يحرَق بالنار فيك! فَائْذَن لنا في نُصرته، فيذكرون - والله أعلم - أن الله ﷿ حين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصْره، فقد أذنت له في ذلك، فإنْ لم يدعُ غيري فأنا وليُّه، فخلُّوا بيني وبينه، فأنا أمنعه، فلما ألقوْه فيها قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾، فكانت كما قال الله ﷿ (٢). (١: ٢٤١).\n٣٥٦ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ قال ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبًا حتى أنْ كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبًا لإبراهيم، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمرّ بها فيحترق من شدة وهجَها وحرّها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا! إبراهيم يحرَق فيك. فقال: أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهمّ أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":168},{"text":"الأرض، ليس في الأرض أحد يعبُدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل! فقذفوه في النار، فناداها فقال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾. وكان جَبْرئيل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفِئَتْ، ظنت أنها تُعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجْره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظلّ، وأنزل الله نارًا وانتفع بها بنو آدم، فأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه (١). (١: ٢٤١/ ٢٤٢).\nثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.\n٣٥٧ - قال: وبعَث الله ﷿ ملك الظلّ في صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه، فمكث نُمرود أيامًا لا يشكّ إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه، ثم ركب فمرّ بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فرأى إبراهيم جالسًا فيها إلى جنبه رجلٌ مثله، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه: لقد رأيتُ إبراهيم حيًّا في النار، ولقد شُبِّه عليّ، ابنُوا لي صَرْحًا يشرِف بي على النار حتى أستثبت، فبنوْا له صَرْحًا، فأشرف عليه فاطّلع منه إلى النار، فرأى إبراهيم جالسًا فيها، ورأى الملك قاعدًا إلى جنبه في مثل صورته، فناداه نمرودُ: يا إبراهيم! كبيرٌ إلهك الذي بلغْت قدرتُه وعزته أن حال بين ما أرى وبينك، حتى لم تضرّك يا إبراهيم، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك؟ قال: لا، قال: فقم واخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال: يا إبراهيم! مَن الرجلُ الذي رأيتُ معك في مثل صورتك قاعدًا إلى جنبك؟ قال: ذلك مَلك الظل، أرسله إليّ ربي ليكون معي فيها ليؤنسني، وجعلها عليّ بردًا وسلامًا. فقال نمرود - فيما حدثت -: يا إبراهيم! إني مقرّب إلى إلهك قربانًا لما رأيت من عزَّته وقدرته،\n_________\n(١) شيخ الطبري لم نجد له ترجمة وقد رواه مرسلًا، وأما عبارة: (اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري) فكذلك أخرجه أبو يعلى ولفظه: (لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك).\nوفي إسناده أبو هشام الرفاعي قال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه.","vol":"6","page":169},{"text":"ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادتَه وتوحيده؛ إني ذابح له أربعة آلاف بقرة. فقال له إبراهيم: إذًا لا يقبَل الله منك ما كنتَ على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني! فقال: يا إبراهيم، لا أستطيع تركَ ملكي، ولكنِّي سوف أذبحها له، فذبحها نمرود، ثم كفّ عن إبراهيم، ومنعه الله ﷿ منه (١). (١: ٢٤٢/ ٢٤٣).\n٣٥٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسنَ شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشحُ جبينه، فقال عند ذلك: نعم الربُّ ربُّك يا إبراهيم (٢)! (١: ٢٤٣).\n٣٥٩ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا مُعْتَمر بن سليمان التيميّ، عن بعض أصحابه قال: جاء جَبْرئيل إلى إبراهيم - ﵇ - وهو يُوثَق ويقمَط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا (٣). (١: ٢٤٣).\n٣٦٠ - حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثني المعتمر، قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة، عن أبي سليمان، قال: ما أحرقَت النار من إبراهيم إلا وثاقه (٤). (١: ٢٤٣).\n٣٦٠ / أ - قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: واستجاب لإبراهيم - ﵇ - رجالٌ من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم، فآمن له لوط - وكان ابن أخيه - وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له: ناحور بن تارخ، فهاران أبو لوط، وناحور أبو بتويل، وبتويل أبو لابان، وربقا بنت بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان. وآمنت به سارَة وهي ابنة عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم، وكانت لها أخت\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) شيخ الطبري ضعيف وقد رواه موقوفًا.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":170},{"text":"يقال لها: ملكا امرأة ناحور (١). (١: ٢٤٤).\nوقد قيل: إن سارَة كانت ابنة ملك حرّان.\nذكر من قال ذلك:\n٣٦١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقي إبراهيم سارة، وهي ابنة ملك حَرَّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزَوجها على ألّا يغيّرها، ودعا إبراهيم أباه آزر إلي دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا! فأبي أبوه الإجابة إلي ما دعاه إليه. ثم إن إبراهيم ومَنْ كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم، فقالوا: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، أيها المعبودون من دون الله ﴿وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ أيها العابدون ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. ثم خرج إبراهيم مهاجرًا إلي ربّه وخرج معه لوطٌ مهاجرًا، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان علي عبادة ربه حتى نزل حرّان، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرًا حتى قدم مصر، وبها فرعون من الفراعنة الأولى. وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال، وكانت لا تعصي إبراهيم شيئًا، وبذلك أكرمها الله ﷿، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلي إبراهيم، فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوّف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتلَه عنها. فقال لإبراهيم: زيّنها، ثم أرسلْها إليّ حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلي سارة وأمرها فتهيأت، ثم أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده، فيبست إلي صدره، فلما رأي ذلك فرعون أعظمَ أمرها، وقال: ادعي الله أن يطلق عني، فوالله لا أريبك ولأحسنَنّ إليك، فقالت: اللهمّ إن كان صادقًا فأطلق يده، فأطلق الله يده، فردّها إلي إبراهيم، ووهب لها هاجر، جارية كانت له قبطية (٢). (١: ٢٤٤/ ٢٤٥).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) مرسل ضعيف.","vol":"6","page":171},{"text":"٣٦١ / أ- قال أبو جعفر: رجع الحديث إلي حديث ابن إسحاق.\nقال: وكانت هاجر جارية ذات هيئة، فوهبتها سارة لإبراهيم، وقالت: إني أراها امرأة وضيئة فخذها، لعلَّ الله يرزقك منها ولدًا، وكانت سارّة قد مُنِعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنّت، وكان إبراهيم قد دعا الله أن يَهبَ له من الصالحين، وأخرت الدعوة حتى كبِر إبراهيم وعقمت سارة، ثم إن إبراهيم وقع علي هاجر، فولدت له إسماعيل ﵉ (١). (١: ٢٤٧).\n٣٦٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: سألت الزهريّ: ما الرحم التي ذكر رسول الله لهم؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم. فيزعمون -والله أعلم- أن سارة حزنت عند ذلك علي ما فاتها من الولد حزنًا شديدًا، وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلي الشام، وهاب ذلك الملك الذي كان بها، وأشفق من شرّه حتى قدمها، فنزل السَّبْع من أرض فلسطين، وهي بريّة الشأم، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السَّبْع علي مسيرة يوم وليلة. وأقرب من ذلك، فبعثه الله ﷿ نبيًّا، وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسَّبع، فاحتفر به بئرًا واتخذ به مسجدًا، فكان ماء تلك البئر معينًا طاهرًا، فكانت غنمه ترِدُها. ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذي، فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرَّملة وإيليا، ببلد يقال له قَطّ -أو قِطّ- فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب. واتبعه أهلُ السبع، حتى أدركوه وندموا علي ما صنعوا، وقالوا: أخرجْنا من بين أظهرنا رجلًا صالحًا، فسألوه أن يرجع إليهم، فقال: ما أنا براجع إلي بلد أخْرِجت منه، قالوا له: فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضِب فذهب، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه، فقال: اذهبوا بها معكم، فإنكم لو قد أوردتموها البئر، قد ظهر الماء، حتى يكون مَعينًا طاهرًا كما كان، فاشربوا منها، فلا تَغترفنّ منها امرأةٌ حائض، فخرجوا بالأعنز، فلما وقفت علي البئر ظهر إليها الماء، فكانوا يشربون منها وهي علي ذلك، حتى أتت امرأة طامث، فاغترفتْ منها، فنكص ماؤها إلي الذي هو عليه اليوم، ثم ثبت.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":172},{"text":"قال: وكان إبراهيم يُضيف من نزل به، وكان الله ﷿ قد أوسع عليه، وبسط له في الرزق والمال والخدم، فلما أراد الله ﷿ هلاك قوم لوط، بعث إليه رسلَه يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم، وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، وردّهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربِّهم، وأمرت الرسل أن ينزلوا علي إبراهيم، وأنْ يبشّروه وسارة بإسحاق، ومنْ وراء إسحاق يعقوب، فلما نزلوا علي إبراهيم وكان الضيفُ قد حُبِس عنه خمس عشرة ليلة حتى شقَّ ذلك عليه -فيما يذكرون- لا يضيفه أحد، ولا يأتيه، فلما رآهم سرّ بهم رأي ضيفًا لم يضفه مثلهم حسنًا وجمالًا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحدٌ إلا أنا بيدي، فخرج إلي أهله، فجاء كما قال الله ﷿: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ قد حَنَذه -والحناذ: الإنضاج يقول الله جل ثناؤه: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فقرّبه إليهم، فأمسكوا أيديهم عنه، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ حين لم يأكلوا من طعامه، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ﴾ سارة ﴿قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ لما عرفت من أمر الله ﷿، ولما تعلم من قوم لوط، فبشّروها ﴿بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بابن، وبابن ابن، فقالت- وَصَكّت وَجْهَهَا، يقال: ضربت علي جبينها: ﴿يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. وكانت سارَة يومئذ- فيما ذكر لي بعض أهل العلم- ابنةَ تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومئة سنة، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق ويعقوب يولد من صلب إسحاق وأمنَ ما كان يخاف، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ (١). (١: ٢٤٧/ ٢٤٨ / ٢٤٩).\n٣٦٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائيّ، قال: ألقيَ إبراهيمُ في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا علي ميلين، فلما علمتْ سارة بما أراد بإسحاق مرِضت يومين، وماتت اليوم الثالث، وقيل: ماتت سارة\n_________\n(١) مرسل ضعيف.","vol":"6","page":173},{"text":"وهي ابنة مئة وسبع وعشرين سنة (١). (٢٤٩: ١).\n٣٦٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قومَ لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا علي إبراهيم، فتضيَّفوه، فلما رآهم إبراهيمُ أجَلّهمْ، فراغ إلي أهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه في الرَّضف وهو الحنيذ حين شواه، وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول جلّ ثناؤه: (وامرأته قائمة وهو جالس) في قراءة ابن مسعود، فلما قرَّبه إليهم قال: ألا تأكلون! قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله علي أوَّله وتحمدونه علي آخره، فنظَر جبرئيل إلي ميكائيل، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ﴾ يقول: لا يأكلون، ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾؛ فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا! هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا! (٢) (١: ٢٤٩/ ٢٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>ذكر أمر بناء البيت</span>\n٣٦٥ - قال: ثم إن الله ﷿ أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق -فيما ذكر- ببناء بيت له يعبد فيه، ويذكر. فلم يدر إبراهيم في أيّ موضع يبني؛ إذ لم يكن بيّن له ذلك، فضاف بذلك ذرعًا، فقال بعضُ أهل العلم: بعث الله إليه السكينة لتدلّه علي موضع البيت، فمضت به السكينة، ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل، وهو طفل صغير.\nوقال بعضهم: بل بعث الله إليه جَبرئيل - ﵇ -، حتى دلّه علي موضعه، وبيّن له ما ينبغي أن يعمل (٣). (١: ٢٥١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":174},{"text":"ذكر من قال: الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة:\n٣٦٦ - حدثنا هنّاد بن السريّ، قال: حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قام إلي علي بن أبي طالب، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم، ومَنْ دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بُنِيَ. إن الله ﷿ أوحي إلي إبراهيم أن ابنِ لي بيتًا فيِ الأرض، فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل ﷿ السكينة، وهي ريح خجُوج ولها رأسان، فاتبع أحدُهما صاحبه حتى انتهت إلي مكة فتطوَّتْ علي موضع البحت كتطوّي الحية، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقرّ السكينة، فبني إبراهيم وبقيَ حَجَر، فذهب الغلام يبني شيئًا، فقال إبراهيم: أبْغِني حجرًا كما آمرك؛ فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركّب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت، مَن أتاك بهذا الحَجَر؟ فقال: أتاني به مَنْ لم يتّكل علي بنائك، أتاني به جبرئيل من السماء. فأتماه (١). (١: ٢٥٢).\n٣٦٧ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: حدثنا مؤمّل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ - ﵇ - قال: لما أمِرَ إبراهيمُ ببناء البحت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأي علي رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلَّمه؛ وقال: يا إبراهيم! ابْنِ علي ظلّي -أو على قَدْري- ولا تزد ولا تنقص، فلما بيني خرج وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلي مَنْ تَكلُنَا؟ قال: إلي الله، قالت: انطلق فإنه لا يُضيعنا، قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، فصعِدت هاجَر الصفا، فنظرتْ فلم تر شيئًا، ثم أتت المرْوَة فنظرتْ فلم تر شيئًا، ثم رجعتْ إلى الصَّفَا، فنظرتْ فلم تر شيئًا، حتى فعلتْ ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل، مُتْ حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبرئيل، فقال: مَنْ أنت؟ قالت: أنا هاجر، أم ولد إبراهيم، قال: إلي مَنْ وكلَكما؟ قالت: وكلَنا إلي الله، قال: وكَلَكما إلي كافٍ، قال: ففحص الغلام\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":175},{"text":"الأرضَ بإصبعه، فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رَواء (١). (١: ٢٥٢).\n٣٦٨ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما عهد الله إلي إبراهيم وإسماعيل: أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتي مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ﷿ ريحًا يقال لها ريح الخَجُوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنَست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول ﷿: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ (٢). (١: ٢٥٢).\n٣٦٩ - وحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن عليّ بن أبي طالب - ﵇ - أنه كان يقول: لما أمر الله إبراهيمَ بعمارة البيت والأذان بالحج في الناس خرَج من الشأم ومعه ابنه إسماعيل، وأم إسماعيل هاجَر، وبعث الله معه السكينة، وهي ريح لها لسان تكلّم به، يغدو معها إبراهيم إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلي مكة، فلما أتت موضع البيت استدارت به، ثم قالت لإبراهيم: ابْنِ عليَّ، ابْنِ عليّ، ابْنِ عليّ، فوضع إبراهيم الأساس ورفع البيت هو وإسماعيل، حتى انتهيا إلي موضع الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بنيّ، ابغ لي حجَرًا أجعله علمًا للناس، فجاءه بحجَر، فلم يرضَه وقال: أبغي غير هذا، فذهب إسماعيل ليلتمس له حَجَرًا، فجاءه وقد أتِيَ بالركن، فوضعه في موضعه، فقال: يا أبت، مَنْ جاءك بهذا الحجر؟ قال: مَنْ لم يكلْني إليك يا بُنيّ (٣)! (١: ٢٥٣).\nوقال آخرون: إنَّ الذي خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته علي موضع البيت جَبرَئيل - ﵇ -، وقالوا: كان إخراجه هاجر وإسماعيل إلي مكة لما كان من غيرة سارَة بسبب ولادة هاجر منه إسماعيل.\n_________\n(١) هذا إسناد موقوف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":176},{"text":"ذكر من قال ذلك:\n٣٧٠ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه: أن سارَة قالت لإبراهيم: تسرّ هاجر، فقد أذنت لك فوطئها، فحملت بإسماعيل، ثم إنه وقع علي سارة فحملت بإسحاق، فلما ولدته وكبر اقتتل هو وإسماعيل، فغضبت سارة علي أمّ إسماعيل، وغارت عليها، فأخرجتها، ثم إنها دعتها فأدخلتها. ثم غضبت أيضًا فأخرجتها ثم أدخلتها، وحلفت لتقطعنّ منها بَضْعة؛ فقالت: أقطع أنفها، أقطع أذنها، فيشينها ذلك، ثم قالت: لا بل أخفضها، فقطعت ذلك منها، فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلًا تعفي به عن الدم، فلذلك خفضت النساء، واتخذت ذيولًا، ثم قالت: لا تساكِني في بلد. وأوحي الله إلي إبراهيم أن يأتيَ مكة، وليس يومئذ بمكة بيت، فذهب بها إلي مكة وابنها فوضعهما، وقالت له هاجَر: إلي من تركتنا ها هنا؟ ثم ذكر خبرها، وخبر ابنها (١). (١: ٢٥٣/ ٢٥٤).\n٣٧١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله ﷿ لما بوّأ لإبراهيم مكان البيت ومعالمَ الحرَم، فخرج وخرج معه جَبرئيل، يقال: كان لا يمرّ بقرية إلا مال: بهذه أمرت يا جَبرئيل؟ فيقول: جَبرئيل، امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عِضاه سَلَم وسَمُر، وبها أناس يقال لهم: العماليق، خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ رَبْوة حمراء مَدرة، فقال إبراهيم لجَبرَئيل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلي موضع الحِجْر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلي- ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. ثم انصرف إلي أهله بالشأم وتركهما عند البيت، قال: فظميء إسماعيل ظمأ شديدًا، فالتمست له أمه ماء فلم تجده، فاستسمعت: هل تسمع صوتًا؟ لتلتمس له شرابًا، فسمعت كالصوت عند الصفا، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئًا، ثم سمعت صوتًا نحو المرْوة، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئًا، ويقال: بل قامت علي الصفا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":177},{"text":"تدعو الله وتستغيثه لإسماعيل، ثم عمِدت إلي المرْوة ففعلت ذلك. ثم إنها سمعت أصواتَ سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركتْه، فأقبلت إليه تشتدّ، فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده، فشرب منها، وجاءتها أمّ إسماعيل فجعلتها حسْيًا، ثم استقت منها في قربَتها تذخَرُه لإسماعيل، فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم مَعينًا طاهرًا ماؤها أبدًا. قال مجاهد: ولم نزل نسمع: أن زمزم هَزْمَةُ جَبرَئيل بعقبِه لإسماعيل حين ظميء (١). (١: ٢٥٤/ ٢٥٥).\n٣٧٢ - فقال إبراهيم -فيما ذكر لنا- ما حدثنا به ابن حُمَيد قال: حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذِّن في الناس بالحجّ، قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليّ البلاغ، فنادي إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجُّ إلي البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض: أفلا تري الناس يجيئون من أقصي الأرض يُلبُّون! (٢) (١: ٢٦٠).\n٣٧٣ - حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان الضبّي عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما بني إبراهيم البيتَ أوحي الله ﷿ إليه: أن أذِّنْ في الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربَّكم قد اتخذ بيتًا، وأمركم أن تحجُّوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء؛ من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء: لَبَّيك اللهم لبَّيك (٣)! (١: ٢٦٠).\n٣٧٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين بن واقد عن أبي الزبير، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، قال: قام إبراهيم - ﵇ - خليل الله علي الحجَر فنادي: يا أيها الناس، كتب عليكم الحجّ، فأسمَع مَنْ في أصلاب الرجال وأرحام\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف وأخرجه الحاكم موقوفًا وصحح إسناده (المستدرك ٢١/ ٣٨٨).\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":178},{"text":"النساء، فأجابه مَنْ آمن ممن سبق في علم الله أن يحجَّ إلي يوم القيامة: لبّيك اللهم لبّيك! (١) (١: ٢٦٠/ ٢٦١).\n٣٧٥ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سُفيان عن سلمة، عن مجاهد، قال: قيل لإبراهيم: أذن في الناس بالحج، فقال: يا ربّ! كيف أقول؟ قال: قل: لبَّيك اللهم لبيك، قال: فكانت أولَ التلبية (٢). (١: ٢٦١).\n٣٧٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة: أنّ عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثيّ: كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلي الحجّ؟ قال: بلغَني أنه لما رفع هو وإسماعيل قواعد البيت، وانتهي إلي ما أراد الله من ذلك، وحضر الحجّ استقبل اليمن، فدعا إلي الله وإلي حجّ بيته فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم استقبل المشرق فدعا إلي الله وإلي حجّ بيته فأجيب: أن لبّيك اللهمّ لبيك! ثم إلي المغرب فدعا إلي الله وإلي حجّ بيته، فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم إلي الشأم فدعا إلي الله ﷿ وإلي حج بيته فأجيب: أن لبّيك اللهمّ لبيك؛ ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية، فنزل به منى ومن معه من المسلمين، فصلَّي بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بهم حتى أصبح، فصلّي بهم صلاة الفجر، ثم غَدا بهم إلي عرفة، فقال بهم هنالك، حتى إذا مالت الشمس جَمَع بين الصلاتين: الظهر والعصر، ثم راح بهم إلي الموقف من عَرفة، فوقف بهم علي الأراك، وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يُريه ويعلِّمه، فلما غرَبت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتي المزدلفة، فجمع فيها بين الصلاتين: المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بها وبمن معه، حتى إذا طلع الفجر صَلّي بهم صلاة الغداة، ثم وقف به علي قُزَح من المزدلفة فيمن معه، وهو الموقف الذي يقف به الإمام حتى إذا أسفر دفَع به وبمن معه يُريه ويعلّمه كيف يصنع، حتى رمي الجمرة الكبرى، وأراه المنحَر من مني، ثم نحر وحلق، ثُم أفاض به من مِني ليُريَه كيف يطوف،\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":179},{"text":"ثم عاد به إلي منى ليُريَه كيف يرمي الجمار، حتى فرغ له من الحج وأذن به في الناس (١). (١: ٢٦٢).\nقال أبو جعفر: وقد رُويَ عن رسول الله وعن بعض أصحابه أن جبْرئيل هو الذي كان يُرِي إبراهيم المناسك إذا حجّ.\nذكر الرواية بذلك عن رسول الله:\n٣٧٧ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى -وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى- قال: أخبرنا ابن أبي ليلي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي قال: أتي جبرئيل إبراهيم يوم التروية فراحَ به إلي مني، فصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر بمني، ثم غدا به إلي عرفات، فأنزله الأراك -أو حيث ينزل الناس- فصلّي به الصلاتين جميعًا: الظهر والعصر، ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلِّي أحدٌ من الناس المغرب، أفاض حتى أتي به جمعًا، فصلَّي به الصلاتين جميعًا: المغرب والعشاء، ثم أقام حتى إذا كان كأعجل ما يصلّي أحد من الناس الفجر صلّي به، ثم وقفَ حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين الفجر أفاض به إلي مني، فرمي الجمرة، ثم ذبح وحلق، ثم أفاض إلي البيت، ثم أوحي الله ﷿ إلي محمد: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) (١: ٢٦٢).\n٣٧٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عمْران بن محمد بن أبي ليلي، قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله نحوه (٣). (١: ٢٦٢).\n٣٧٨ / أ- ثم إن الله تعالى ذكره ابتلي خليله إبراهيم - ﵇ - بذبح ابنه.\nواختلف السّلَف من علماء أمة نبينا في الذي أمرَ إبراهيم بذبحه من ابنيه، فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":180},{"text":"وقد روي عن رسول الله كلا القولين، لو كان فيهما صحيح لم نَعْدُه إلي غيره، غيرَ أنّ الدليلَ من القرآن علي صحة الرواية التي رويت عنه أنه قال: \"هو إسحاق\" أوضح وأبين منه علي صحة الأخرى (١) (١: ٢٦٣).\n٣٧٩ - والرواية التي رويت عنه أنه قال: \"هو إسحاق\" حدثنا بها أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي في حديث ذكر فيه: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: \"هو إسحاق\" (٢). (١: ٢٦٣).\nوقد روي هذا الخبر عن غيره من وجه أصلح من هذا الوجه، غير أنه موقوف علي العباس غير مرفوع إلي رسول الله.\nذكر من قال ذلك:\n٣٨٠ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: \"هو إسحاق\" (٣). (١: ٢٦٣).\n٣٨١ - وأما الرواية التي رُويت عنه أنه هو إسماعيل، فما حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، قال: حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابيّ، عن عبد الله بن محمد العُتبيّ من ولد عُتْبة بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنابحي، قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: علي الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عُدْ عليّ مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين، فضحك رسول الله، فقيل له: وما الذبيحان يا رسول الله؟ فقال: (إنّ عبد المطلب لما أمِر بحفر زمزم نَذر لله: لئن سهَّل الله له أمرَها ليذبحنّ أحد ولده)، قال: فخرج السهم علي عبد الله،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":181},{"text":"فمنعه أخوالهُ وقالوا: افْد ابنَك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل وإسماعيل الثاني (١). (١: ٢٦٣/ ٢٦٤).\nونذكر الآن من قال من السلف: إنه إسحاق، ومن قال: إنه إسماعيل.\nذكر من قال هو إسحاق:\n٣٨١ / أ- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال: هو إسحاق (٢). (١/ ٢٦٤).\n٣٨٣ - حدثنا الحسين بن يزيد الطَّحَّان، قال: حدثنا ابن إدريس، عن داود ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الذي أمر بذبحه إبراهيم هو إسحاق (٣). (١: ٢٦٤).\n٣٨٤ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: الذبيح هو إسحاق (٤). (١: ٢٦٤).\n٣٨٥ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق (٥). (١: ٢٦٤).\n٣٨٦ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان ابن فلان ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (٦). (١: ٢٦٤).\n٣٨٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، قال: حدثنا\n_________\n(١) قال الحافظ وهذا حديث غريب جدًّا (٧/ ٢٩٨٩).\n(٢) موقوف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) إسناده صحيح إلي ابن مسعود وهو موقوف وروي مرفوعًا ولا يصح، فقد أخرجه الطبري (١٠٢٧٨) وقال الهيثمي: وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود (ح ١٣٧٦٨).","vol":"6","page":182},{"text":"محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن الزهريّ، عن العلاء بن جارية الثقفيّ، عن أبي هريرة، عن كعب، في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: من ابنه إسحاق (١). (١: ٢٦٥).\n٣٨٨ - حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار: أن الذي أمر بذبحه إبراهيم من ابنيه إسحاق (٢). (١: ٢٦٥).\n٣٨٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفيّ، أخبره أن كعبًا قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبيّ؟ قال أبو هريرة: بلَي، قال كعب: لما أرِيَ إبراهيمُ ذبحَ إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدًا منهم أبدًا، فتمثّل الشيطان لهم رجلًا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل علي سارة امرأة إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديًا بإسحاق؟ قالت: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارة: فلِمَ غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه، قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله! قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربَّه أمره بذلك، قالت سارَة؛ فهذا حسنٌ بأن يطيعَ ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارّة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي علي أثر أبيه، فقال له: أين أصبح أبوك غاديًا بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله، ما غَدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك.\nقال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لم؟ قال: زعم أن ربَّه أمره بذلك، قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليُطيعنَّه، فتركه الشيطان وأسرع إلي إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديًا بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوتَ به إلا لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربَّك\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":183},{"text":"أمرك بذلك، قال: فوالله لئن كان أمرني ربي لأفعلنّ، قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلّم إسحاق أعفاه الله، وفداه بذبح عظيم. قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بُنَيَّ، فإن الله قد أعفاك، فأوحي الله إلي إسحاق: إني أعطيك دعوة أستجيب لك فيها، قال إسحاق: اللهمّ فإني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبدٍ لقيَك من الأولين والآخرين لا يشرِك بك شيئًا فأدخِلْه الجنة (١).\n(١: ٢٦٥/ ٢٦٦).\n٣٩٠ - حدثني عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال موسى: يا ربّ، يقولون: يا إلَه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فيم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئًا قطّ إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جادَ لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلّما زدتُه بلاء زادني حسن ظن (٢). (١: ٢٦٦).\n٣٩١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمّل، قال: حدثنا سفيان عن زيد ابن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى: أي ربّ بمَ أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم؟ فذكر نحوه (٣). (١: ٢٦٦).\n٣٩٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابِط، قال: هو إسحاق (٤). (١: ٢٦٦).\n٣٩٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن سفيان، عن أبي سنان الشيبانيّ، عن ابن أبي الهذيل، قال: الذبيح هو إسحاق (٥). (١: ٢٦٦).\n٣٩٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سفيان بن عقبة عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال يوسفُ للملك في وجهه ترغب أن تأكل\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":184},{"text":"معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله! (١) (١: ٦٦/ ٢٦٧).\n٣٩٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، قال: قال يوسف للملك، فذكر نحوه (٢). (١: ٢٦٧).\n٣٩٦ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبر ذكَره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي: أن إبراهيم - ﵇ - أريَ في المنام فقيل له: أوْف نذرك الذي نذرت: إن رزقك الله غلامًا من سارَة أن تذبحه (٣). (١: ٢٦٧).\n٣٩٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا زكرياء وشعبة عن أبي إسحاق، عن مسروق في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق (٤). (١: ٢٦٧).\nذكر من قال هو إسماعيل:\n٣٩٨ - حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: حدثنا يحيى بن يمان عن إسرائيل، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: الذبيح إسماعيل (٥). (١: ٢٦٧).\n٣٩٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا بيان عن الشعبي، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: إسماعيل (٦). (١: ٢٦٧).\n٤٠٠ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.","vol":"6","page":185},{"text":"أبو حمزة محمد بن ميمون السكريّ عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: إن الذي أمر بذبحه إبراهيم إسماعيل (١). (١: ٢٦٧).\n٤٠١ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم عن علي بن زيد، عن عمار مولى بني هاشم، وعن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس قال: هو إسماعيل، يعني: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). (١: ٢٦٨).\n٤٠٢ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عليّة، قال: حدثنا داود عن الشعبي، قال: قال ابن عباس: هو إسماعيل (٣). (١: ٢٦٨).\n٤٠٣ - وحدثني به يعقوب مرة أخرى، قال: حدثنا ابن عُلَية، قال: سئل داود بن أبي هند: أيّ ابني إبراهيم أُمِر بذبحه؟ فزعم أن الشعبيّ قال: قال ابن عباس: هو إسماعيل (٤). (١: ٢٦٨).\n٤٠٤ - حدثنا ابن المثنّي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شعبة عن بَيان، عن الشعبيّ، عن ابن عباس: أنه قال في الذي، فداه الله بذبح عظيم، قال: هو إسماعيل (٥). (١: ٢٦٨).\n٤٠٥ - حدثنا يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَيّة، قال: حدثنا ليث عن مجاهد عن ابن عباس، قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: هو إسماعيل (٦). (١: ٢٦٨).\n٤٠٦ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: المفدّي إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود (٧). (١: ٢٦٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.\n(٧) ضعيف.","vol":"6","page":186},{"text":"٤٠٧ - وحدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدَّثنا أبو عاصم عن مبارك، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: الذي فداه الله ﷿ قال: هو إسماعيل (١). (١: ٢٦٨).\n٤٠٨ - حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا حجاج عن حماد، عن أبي عاصم الغنويّ، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس مثله (٢). (١: ٢٦٨).\n٤٠٩ - حدثني إسحاق بن شاهين، قال: حدثني خالد بن عبد الله عن داود، عن عامر، قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه إسماعيل (٣). (١: ٢٦٩).\n٤١٠ - حدثنا ابن المثنّي، قال: حدثني عبد الأعلى، قال: حدثنا داود عن عامر أنه قال في هذه الآية: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: هو إسماعيل، قال: وكان قَرْنا الكبش مَنُوطين بالكعبة (٤). (١: ٢٦٩).\n٤١١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: الذبيحُ إسماعيل (٥). (١: ٢٦٩).\n٤١٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: رأيتُ قرني الكبش في الكعبة (٦). (١: ٢٦٩).\n٤١٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك بن فَضالة، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن يوسف بن مِهران، قال: هو إسماعيل (٧). (١: ٢٦٩).\n٤١٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا سفيان عن ابن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.\n(٧) ضعيف.","vol":"6","page":187},{"text":"أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: هو إسماعيل (١). (١: ٢٦٩).\n٤١٥ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عن الحسن: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: هو إسماعيل (٢). (١: ٢٦٩).\n٤١٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ وهو يقول: إن الذي أمر الله ﷿ إبراهيمَ بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنّا لنجدُ ذلك في كتاب الله ﷿ في قصة الخبر عن إِبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه: أنه إسماعيل، وذلك أن الله ﷿ يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ويقول: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾؛ يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الله من الموعود ما وَعده، وما الذي أُمِر بذبحه إلا إسماعيل (٣). (١: ٢٧٠).\n٤١٧ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سَلمَة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القرظيّ: أنه حدّثهم: أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، وهو خليفة إذ كان معه بالشأم، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنتُ أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلي رجل كان عنده بالشام كان يهوديًّا فأسلم، فحسن إسلامه، وكان يري أنه من علماء اليهود. فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أيّ ابني إبراهيمَ أمر بذبحه. فقال: إسماعيل. والله يا أمير المؤمنين إن يَهود لتَعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب علي أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره علي ما أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون: أنه إسحاق، لأنّ إسحاق أبوهم (٤). (٢٧٠: ١).\n٤١٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":188},{"text":"دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ: أنه كان لا يشكّ في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل (١). (١: ٢٧٠).\n٤١٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول ذلك كثيرًا (٢). (١: ٢٧٠).\n٤٢٠ - وأما الدلالة من القرآن التي قلنا: إنها علي أن ذلك إسحاق أصحّ، فقوله تعالى مخبرًا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومَه مهاجرًا إلي ربّه إلي الشام مع زوجته سارة، فقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾، وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل، ثم أتبع ذلك ربنا ﷿ الخبر عن إجابته دعاءه، وتبشيره إياه بغلام حليم، ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعيَ، ولا يُعْلَم في كتاب ذكرٌ لتبشير إبراهيم بولَد ذكَر إلا بإسحاق، وذلك قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ ثم ذلك كذلك في كلِّ موضع ذُكر فيه تبشير إبراهيم بغلام؛ فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارَة، فالواجبُ أن يكون ذلك في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه به من زوجته سارة.\nوأما اعتلال من اعتلَّ بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد أتته البشارة من الله قَبْل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده، فإنها علَّة غير موجبة صحةَ ما قال، وذلك أن الله إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعيَ. وجائز أن يكون يعقوب وُلد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه، وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتلّ في ذلك بقرْن الكبش أنه رآه معلقًا في الكعبة، وذلك أنه غيرُ مستحيل أن يكون حُمِل من الشأم إلي الكعبة فعلِّق هنالك (٣). (١: ٢٧١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه الذي أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبحه</span>\nوالسبب في أمر الله ﷿ إبراهيم بذبح ابنه الذي أمره بذبحه فيما ذُكر: أنه إذ فارق قومَه هاربًا بدينه مهاجرًا إلي ربه متوجِّهًا إلي الشأم من أرض العراق دعا الله أن يهب له ولدًا ذكرًا صالحًا من سارَة فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [يعني بذلك ولدًا صالحًا من الصالحين] كما أخبر الله تعالى عنه فقال: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾. فلما نزل به أضيافُه من الملائكة الذين كانوا أرسلوا إلي المؤتفكة قوم لوط بشَّروه بغلام حليم عن أمر الله تعالى إياهم بتبشيره، فقال إبراهيم إذ بشر به: هو إذًا لله ذبيحٌ. فلما ولد الغلام وبلغ السعي قيل له: أوْفِ بنذرك الذي نذرتَ لله.\nذكر من قال ذلك: (١) (١: ٢٧٢).\n٤٢١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك. وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْداني، عن عبد الله- وعن ناس من أصحاب رسول الله قال: قال جبرئيل - ﵇ - لسارة: أبشري بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربتْ جبينها عجبًا، فذلك قوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ وقالت: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾. قالت سارة لجبْرَائيل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عودًا يابسًا فلواه بين أصابعه فاهتزّ أخضَر، فقال إبراهيم: هو إذًا لله ذبيح، فلما كبر إسحاق أتِيَ إبراهيم في النوم فقيل له: أوْف بنذرك الذي نذرتَ؛ إن رزقك الله غلامًا من سارة أن تذبحه. فقال لإسحاق: انطلق فقرّبْ قربانًا إلي الله. وأخذ سكينًا وحبلًا، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب بهِ بين الجبال قال له الغلام: يا أبت، أين قربانك؟ قال: يا بنيّ إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا تري.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":190},{"text":"قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، قال له إسحاق: اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه سارة فتحزن، وأسرعْ مَرّ السكين علي حَلقي ليكون أهون للموت عليّ، وإذا أتيتَ سارة فاقرأ ﵍. فأقبل عليه إبراهيم - ﵇ - يقبّله وقد ربطه وهو يبكي، وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خدّ إسحاق، ثم إنه جرّ السكين علي حلقه فلم يُحِك السكين، وضرب الله ﷿ صفيحة من نحاس علي حلْق إسحاق، فلما رأي ذلك ضرب به علي جبينه، وحزّ في قَفاه قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ يقول: سلما لله الأمر، فنودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا بالحق. التفت، فإذا بكبش، فأخذه وخلّي عن ابنه، فأكبّ علي ابنه يقبّله وهو يقول: يا بنيّ اليوم وُهبتَ لي، فذلك قوله ﷿: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ رجع إلي سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا إبراهيم، أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني! (١) (١: ٢٧٢/ ٢٧٣).\n٤٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: كان إبراهيم فيما يقال: إذا زارها -يعني هاجر- حُمِل علي البراق يغدُو من الشأم، فيقيل بمكة، ويروح من مكة، فيبيت عند أهله بالشأم، حتى إذا بلغ معه السعيَ، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أُري في المنام أنَّه يذبحه (٢). (١: ٢٧٣/ ٢٧٤).\n٤٢٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له: يا بنيّ خذ الحبل والمُدْية، ثم انطلق بنا إلي هذا الشِّعب ليحطب أهلك منه، قبل أن يذكر له شيئًا مما أمر به. فلما وجه إلي الشِّعب اعترضه عدوّ الله إبليس ليصدّه عن أمر الله في صورة رجل، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، فقال: والله إني لأري الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بنيّك هذا، فأنت تريد ذبحه، فعرفه إبراهيم؛ فقال: إليك عنّي، أي عدوّ الله، فوالله لأمضينّ لأمر ربي فيه، فلما\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف ولم يعتبره الطبري نفسه صحيحًا إذ قال في بداية تفسيره (ولا أظنه صحيحًا).\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":191},{"text":"يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض إسماعيل وهو وراءَ إبراهيم يحمل الحبل والشَّفرة، فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: يحطب أهلنا من هذا الشّعب، قال: والله ما يريد إلا أنْ يذبحك، قال: لِمَ؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه، فسمعًا وطاعةً. فلما امتنع منه الغلام ذهب إلي هاجر أم إسماعيل وهي في منزلها، فقال لها: يا أمّ إسماعيل، هل تدرين أين ذهب إبراهيم بإسماعيل؟ قالت: ذهب به يحطبنا من هذا الشِّعب، قال: ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كَلّا هو أرحمُ به وأشد حبًّا له من ذلك، قال: إنّه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: إن كان ربه أمره بذلك فتسليمًا لأمر الله. فرجع عدوّ الله بغيظه لم يصب من آل إبراهيم شيئًا مما أراد، وقد امتنع منه إبراهيم وآل إبراهيم بعون الله، وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة، فلما خلا إبراهيم بابنه في -الشِّعب وهو فيما يزعمون شعب ثَبِير- قال له: يا بنيّ، إني أري في المنام أني أذبحك. قال: يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين (١). (١: ٢٧٤/ ٢٧٥).\n٤٢٤ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: إن إسماعيل قال له عند ذلك: يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي، لا يُصبْك مني شيءٌ فينقص أجري، فإن الموت شديد، وإفي لا آمن أن أضطربَ عنده إذا وجدت مسّه، واشحذْ شفرتك حتى تُجهز عليّ فتريحني، وإذا أنت أضجعتَني لتذبحني فكبَّني لوجهي علي جبيني ولا تُضجعْني لشقيّ، فإني أخشي إن أنت نظرت في وجهي أن تدركك رقةٌ تحولُ بينك وبين أمر الله فيّ، وإن رأيت أن ترُدَّ قميصي علي أمّي فإنه عسى أن يكون هذا أسلَي لها عنِّي، فافعل. قال: يقول له إبراهيم: نعْمَ العونُ أنت يا بنيّ علي أمر الله. قال: فرَبطه كما أمره إسماعيل فأوثقه، ثم شحذ شفرَته ثم تلّه للجبين واتقي النظر في وجهه، ثم أدخل الشَّفرة لحلقه فقلبها الله لقفاها في يده، ثم اجتنبها إليه ليفرغ منه، فنودي: أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه، يقول الله ﷿ ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ وإنما تتَلّ الذبائح علي خدودها، فكان مما صدق عندنا هذا الحديث عن إسماعيل في إشارته علي أبيه بما أشار إذ قال: كبني\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":192},{"text":"علي وجهي قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (١) (١: ٢٧٥).\n٤٢٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قَتادة بن دعامة، عن جعفر بن إياس، عن عبد الله بن عباس، قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفًا. فأرسل إبراهيم ابنه فاتَّبع الكبش، فأخرجه إلي الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتي به المنحر من مني فذبحه، فوالذي نَفسُ ابن عباس بيده، لقد كان أول الإسلام، وإن رأسَ الكبش لمعلَّق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقد وَخُش -يعني: قد يبس (٢). (١: ٢٧٥/ ٢٧٦).\n٤٢٦ - حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثني حجاج عن حماد، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطُّفَيل، قال: قال ابن عباس: إن إبراهيم لما أمِر بالمناسك عَرَض له الشيطان عند المسْعي فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جَبرئيل - ﵇ - إلي جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم تلّه للجبين، وعلي إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفّنني فيه غير هذا فاخلعه عني، فأكفنّي فيه، فالتفت إبراهيم ﵇ فإذا هو بكبش أعْيَن أبيض أقرن فذَبحه، فقال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش (٣) (١: ٢٧٦).\n٤٢٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثني أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قالي، حدثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، قال: وضع وجهه للأرض قال: لا تذبحني وأنت تنظر إلي وجهي عسى أن ترحمني؛ فلا تجهز عليّ؛ اربط\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":193},{"text":"يديّ إلي رقبتي، ثم ضع وجهي للأرض (١) (١: ٢٧٦).\n٤٢٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن عليّ - ﵇ -: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: كبش أبيض أقرن أعيَن مربوط بسَمُر في ثبير (٢). (١: ٢٧٦).\n٤٢٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: كبش. قال عبيد بن عمَير: ذبح بالمقام، وقال مجاهد: ذبح بمنى في المنحر (٣). (١: ٢٧٧).\n٤٣٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن ابن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم - ﵇ - هو الكبش الذي قرَّبه ابن آدم فتُقبِّل منه (٤). (١: ٢٧٧).\n٤٣١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال: كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعي في الجنة أربعين سنة، وكان كبشًا أملحَ، صوفه مثل العهن الأحمر (٥) (١: ٢٧٧).\n٤٣٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: كان وعلًا (٦). (١: ٢٧٧).\n٤٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عمرو ابن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فُدِيَ إسماعيلُ إلا بتيس كان من الأرْوَي، أهبِط عليه من ثَبير، وما يقول الله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ لذبيحته فقط، ولكنه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.","vol":"6","page":194},{"text":"الذبح علي دينه، فتلك السنَّة إلي يوم القيامة، فاعلموا: أن الذبيحةَ تدفع ميتة السوء، فضحُّوا عباد الله (١). (١: ٢٧٧).\n٤٣٤ - وقَد قال أمية بن أبي الصّلْت في السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبح ابنه شعْرًا، ويحقق بقيله ما قال في ذلك الرواية التي رويناها عن السديّ، وأن ذلك كان من إبراهيم عن نذرٍ كان منه، فأمره الله بالوفاء به، فقال:\nوَلإبْرَاهِيمَ المُوَفِّي بالنَّذْ ... ر احْتِسَابًا وَحَامِلِ الأجْزَالِ\nبِكْرِهِ لم يكن لِيَصبِرَ عنه ... أوْ يَرَاهُ في مَعْشَرٍ أقْيَالِ\nأي بُنَيَّ إنِّي نَذَرْتُكَ للـ ... ـه شَحِيطًا فاصْبِرْ فِدىً لك خالي\nوَاشْدُدِ الصَّفْدَ لا أحِيدُ عَنِ السِّـ ... ـكِّينِ حيدَ الأسِيرِ ذي الأغْلالِ\nوَلَهُ مُدْيَةٌ تَخَايَلُ في اللَّحْـ ... ـم جذَامٌ حَنِيَّةٌ كَالْهِلَالِ\nبَينَمَا يَخْلَعُ السَّرَابِيلَ عَنْهُ ... فكَّهُ رَبُّهُ بكَبْشٍ جُلَالِ\nفخذَنْ ذا فَأَرْسِلِ ابْنَكَ إنِّي ... للَّذِي قد فَعَلْتُمَا غَيرُ قَالِ\nوَالِدٌ يَتَّقِي وَآخَرُ مَوْلُو ... د فَطَارَا مِنْهُ بِسمْعِ فَعَالِ\nرُبَّمَا تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْـ ... ـرِ لَهُ فَرْجَةٌ كحَلِّ الْعِقَالِ (٢) (١: ٢٧٨/ ٢٧٧).\n٤٣٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين -يعني ابن واقد- عن زيد، عن عكرمة: قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: قال: أسلما جميعًا لأمر الله؛ رضي الغلام بالذبح ورضي الأب بأن يذبحه. قال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إليّ فترحمني، وأنظر أنا إلي الشفرة فأجزع، ولكن أدخل الشفرة من تحتي، وامض لأمر الله، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، فلما فعل ذلك ناديناه ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (١: ٢٧٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>ذكر ابتلاء الله إبراهِيم بكلمات</span>\n٤٣٦ - وكان مما امتحن الله به إبراهيم - ﵇ - وابتلاه به -بعد ابتلائه إياه بما كان من أمره وأمر نُمرود بن كوش، ومحاولته إحراقه بالنار وابتلائه بما كان من أمره إياه بذبح ابنه، بعد أن بلغ معه السعي ورجا نفعه ومعونته علي ما يقرّبه من ربه ﷿ ورفعه القواعد من البيت، ونسكه المناسك- ابتلاؤه ﷻ بالكلمات التي أخبر الله عنها أنه ابتلاه بهنّ فقال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (١) (١: ٢٧٨/ ٢٧٩).\n٤٣٦ / أ- وقد اختلف السَّلف من علماء الأمة في هذه الكلمات التي ابتلاه الله بهنَّ فأتمهنّ، فقال بعضهم: ذلك ثلاثون سهمًا، وهي شرائع الإسلام.\nذكر من قال ذلك: (٢) (١: ٢٧٩).\n٤٣٧ - حدثنا محمد بن المثنّي، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: قال ابن عباس: لم يُبْتَلَ أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم - ﵇ -، ابتلاه الله تعالى بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتب الله تعالى له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾: عَشْرٌ منها في الأحزاب، وعشر منها في بَرَاءَةَ، وعَشْر منها في المؤمنين، وسأل سائل، وقال: إنَّ هذا الإسلام ثلاثون سهمًا (٣). (١: ٢٧٩).\n٤٣٨ - حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطيّ، قال: حدثنا خالد الطحان عن داود، عن عكْرمة، عن ابن عباس، قال: ما ابتُليَ أحد بهذا الدين فقام به كلّه غير إبراهيم - ﵇ -؛ ابتُلي بالإسلام فأتمّه، فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ فذكر عشرًا في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ ...﴾ وعشرًا في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ وعشرًا في سورة المؤمنين إلي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وعشرًا في\n_________\n(١) ضعيف وانظر تعليقنا في قسم الصحيح.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":196},{"text":"سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١). (١: ٢٧٩).\n٤٣٩ - وحدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثنا عليّ بن الحسن، قال: حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، وما ابتُلي أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، فكتب الله له براءة من النار (٢) (١: ٢٨٠).\nوقال آخرون: ذلك عشر خصال من سنن الإسلام، خمس منهنَّ في الرأس، وخمس في الجسد.\nذكر من قال ذلك:\n٤٤٠ - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه الله ﷿ بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قصُّ الشارب؛ والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وفرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلْق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسْل أثر الغائط والبول بالماء (١: ٢٨٠).\n٤٤١ - حدثني المثني، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن ابن عباس بمثله، غير أنه لم يذكر أثر البول (٣). (١: ٢٨٠).\n٤٤٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه بالختان، وحَلْق العانة، وغسل القُبُل والدُّبر، والسواك، وقصّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. قال أبو هلال: ونسيت خَصْلة (٤). (١: ٢٨٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":197},{"text":"٤٤٣ - حدثني عبدان المروزيّ، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن مطر، عن أبي الجَلْد، قال: ابتُلي إبراهيم - ﵇ - بعشرة أشياء هن في الإنسان سنّة: المضمضة، والاستنشاق، وقصّ الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدّبر والفرج (١) (١: ٢٨٠/ ٢٨١).\nوقال آخرون نحو قول هؤلاء، غير أنهم قالوا: ستٌّ من العشر في جَسد الإنسان، وأربع منهن في المشاعر.\nذكر من قال ذلك:\n٤٤٤ - حدثني المثني، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثنا ابن لَهِيعَة عن ابن هبيرة، عن حَنَش، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلْق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، والغُسل يوم الجمعة، وأربع في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة (٢). (١: ٢٨١).\nوقال آخرون: [بل] ذلك قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومناسك الحج.\nذكر من قال ذلك:\n٤٤٥ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، منهنّ إني جاعلك للناس إمامًا وآيات النسك (٣). (١: ٢٨١).\n٤٤٦ - حدثني أبو السائب: قال: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح مولى أم هانيء في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) قال الشوكاني: وقد ثبت عن رسول الله في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة مشروعية تلك العشر لهذه الأمة.\nولم يصح عن النبي: أنها الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":198},{"text":"بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: منهن: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن آيات النسك ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ (١). (١: ٢٨١).\n٤٤٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى بن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا، قال: نعم، ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قال: تجعل البيت مثابة للناس، قال: نعم، قال: وتجعل هذا البلد أمْنًا، قال؛ نعم، [قال]: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمَّةً مسلمة لك، قال: نعم، [قال]: وترينا مناسكنا وتتوب علينا، قال: نعم، [قال]: وترزق أهله من الثمرات من آمن [منهم]؟ قال: نعم (٢). (١: ٢٨٢).\n٤٤٨ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جُريج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج: فاجتمع علي هذا القول مجاهد وعكْرمة (٣). (١: ٢٨٢).\n٤٤٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (٤). (١: ٢٨٢).\n٤٥٠ - حدثني المثني بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبْل عن ابن أبي نَجيح، قال: أخبرني به عكرمة، قال: فعرضته علي مجاهد فلم ينكره (٥). (١: ٢٨٢).\n٤٥١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":199},{"text":"أسباط، عن السُّديّ: الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١). (١: ٢٨٢/ ٢٨٣).\n٤٥٢ - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: الكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ الآية. قال فذلك كلُّه من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم (٢). (١: ٢٨٣).\n٤٥٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: منهن ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾، ومنهنّ الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكن البيت، ومحمد بعث في ذريتهما (٣). (١: ٢٨٣).\nوقال آخرون: بل ذلك مناسك الحجّ خاصَّة.\nذكر من قال ذلك:\n٤٥٤ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سَلْم بن قتيبة، قال: حدثنا عمر بن نبهان عن قَتادة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: مناسك الحج (٤). (١: ٢٨٣).\n٤٥٥ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":200},{"text":"قَتادة، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: هي المناسك (١). (١: ٢٨٤).\n٤٥٦ - حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه قال: بلَغنا عن ابن عباس أنه قال: إنَّ الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيمُ هي المناسك (٢). (٢٨٤: ١).\n٤٥٧ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيريّ، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: مناسك الحجّ (٣). (١: ٢٨٤).\n٤٥٨ - حدثني ابن المثنى، قال: حدثني الحِمَّانيّ، قال: حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس مثله (٤). (١: ٢٨٤).\n٤٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قَتادة، قال: قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك (٥). (١: ٢٨٤).\nوقال آخرون: بل ابتلاه بأمور، منهنَّ الخِتان.\nذكر من قال ذلك:\n٤٦٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلْم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعْبيّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: منهن الختان (٦). (١: ٢٨٤).\n٤٦١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبيّ يقول ... فذكر مثله (٧). (١: ٢٨٤).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.\n(٧) ضعيف.","vol":"6","page":201},{"text":"٤٦٢ - حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبي -وسأله أبو إسحاق عن قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهنّ الختان يا أبا إسحاق (١). (١: ٢٨٥).\nوقال آخرون: ذلك الخلالُ الستّ: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهنّ أجمع فصبرَ عليهنّ.\nذكر من قال ذلك:\n٤٦٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن أبي رَجَاء، قال: قلتُ للحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان (٢). (١: ٢٨٥).\n٤٦٤ - حدَّثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سَعيد عن قَتادة، قال: كان الحسنُ يقول: إن الله ابتلاه بأمرٍ فصبر عليه؛ ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائم لا يزول، فوجَّه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين، وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلي الله تعالى؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصَبر علي ذلك، وابتلاه بذبح ابنه وبالختان، فصَبر علي ذلك (٣). (١: ٢٨٥).\n٤٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عمّن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه [بذبح ولده، وبالنار و] بالكوكب، وبالشمس، وبالقمر (٤). (١: ٢٨٥).\n٤٦٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سَلْم بن قتيبَةَ، قال: حدثنا أبو هلال عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":202},{"text":"وبالقمر، فوجده صابرًا (١). (١: ٢٨٥).\n٤٦٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار، قال: حدثني غسّان بن الربيع، قال: حدثنا عبد الرحمن -هو ابن ثَوْبَان- عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله: \"اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقَدُوم\" (٢). (١: ٢٨٦).\nوقد روي عن النبي في الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم خبران:\n٤٦٨ - أحدهما: ما حدثنا أبي كريب، قال: حدثنا الحسن بن عطية، قال: حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: \"أتدرون ما وفَّى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"وفَّى عملَ يومه أربعَ ركعات في النهار\" (٣). (١: ٢٨٦).\n٤٦٩ - والآخر منهما ما حدَّثنا به أبو كريب، قال: حدثنا رشْدين بن سعد، قال: حدثنا زبان بن فائد عن سَهْل بن مُعاذ بن أنس، عنِ أبيه، قال: كان النبيّ يقول: \"ألا أخبرُكم لم سمي الله إبراهيم خليله: ﴿الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾؟ لأنه كان يقول كُلَّما أصبح، وكلّما أمسي: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ...﴾ حتى ختم الآية (٤). (١: ٢٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>أمر نمرود بن كوش بن كنعان</span>\n٤٧٠ - ونرجع الآن إلي الخبر عن عدوّ الله وعدو إبراهيم -الذي كذَّب بما جاء به من عند الله، وردَّ عليه النصيحة التي نَصحها له جهلًا منه، واغترارًا بحلم الله تعالى عنه- نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرَّد علي ربه، مع إملاء الله إياه، وتركه تعجيل العذابَ له علي كفره به، ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلي توحيد الله والبراءة من\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده جعفر بن الزبير متروك الحديث (٩٣٣).\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":203},{"text":"الآلهة والأوثان، وأنّ نمرودَ لما تطاول عُتُوُه وتمرّده علي ربِّه مع إملاء الله تعالى له -فيما ذكر- أربعمئة عام، لا تزيده حجج الله التي يحتجَّ بها عليه، وعبرُه التي يُريها إياه إلا تماديًا في غيّه، عذبه الله -فيما ذكر- في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلْقه، وذلك بعوضة سلطها عليه [توغلت في خياشيمه فمكث أربعمئة سنة يعذب بها في حياته الدنيا] (١). (١: ٢٨٧).\nذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحلّ الله به من نقمته:\n٤٧١ - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم: أنّ أولَ جبار كان في الأرض نُمرود، وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتارُ مع من يمتارُ، فإذا مرّ به ناس قال: مَنْ ربُّكم؟ قالوا: أنت، حتى مرّ به إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.\nقال: فردَّه بغير طعام، قال: فرجع إبراهيمُ إلي أهله فمرَّ علي كثيب أعفر، فقال: هلّا آخذُ من هذا فآتيَ به أهلي فتطيبَ أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه، فأتي أهلَه. قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأتُه إلي متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحدٌ، فصنعت له منه، فقرّبته إليه -وكان عهد أهله ليس عندهم طعام- فقال: منْ أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئتَ به، فعلم أن الله قد رزقه، فحمِد الله.\nثم بعث الله إلي الجبار مَلَكًا: أن آمنْ بي وأتركك علي ملكك، قال: فهل ربّ غيري؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك، فأبي عليه، ثم أتاه الثالثة فأبي عليه، فقال له المَلك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبّار جموعَه، فأمر الله الملك، ففتح عليهم بابا من البَعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت لحومَهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يُصبْه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضةً فدخلتْ في منخره، فمكث أربعمئة سنة يُضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به مَنْ جمع يديه ثم ضرب\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":204},{"text":"بهما رأسه. وكان جبَّارًا أربعمئة عام، فعذبه الله أربعمئة سنة كملكه وأماته الله، وهو الذي بنى صرْحًا إلي السماء، فأتي الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (١). (١: ٢٨٧/ ٢٨٨).\n٤٧٢ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي، قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرِج -يعني من مدينته- قال: فأخْرِج فلقي لوطًا علي باب المدينة -وهو ابن أخيه- فدعاه فآمن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفرُخ من فراخ النسور؛ فربَّاهن باللحم والخمر، حتى إذا كبرن وغلظن واستعجلن، قرنهنّ بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلًا من لحم لهنّ، فطرن به، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلي الأرض، فرأي الجبال تدبُّ كدبيب النمل، ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأي الأرض محيطًا يها بحر كأنها فَلْكة في ماء، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة؛ فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع فألقى اللحم فاتبعتْه منقضّات، فلما نظرت الجبال إليهنَّ وقد أقبلن منقضَّاتٍ وسمعن حفيفهنّ فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن، وذلك قوله ﷿: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾، وهي في قراءة ابن مسعود: (وَإِن كَادَ مَكْرُهُمْ) فكان طيرانهنَّ به من بيت المقدس، ووقوعهنّ في جبل الدخان، فلما رأي أنه لا يطيق شيئًا أخذ في بناء الصرح، فبني حتى إذا أسنده إلي السماء ارتقي فوقه ينظر -بزعمه- إلي إله إبراهيم، فأحدث ولم يُحدِث، وأخذ الله بنيانه من القواعد: ﴿فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾، يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقض [بهم]، ثم سقَطَ فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السُّريانية (٢). (١: ٢٨٨/ ٢٨٩).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":205},{"text":"٤٧٣ - حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا أبو داود الحفَرِيّ عن يعقوب، عن حفص بن حميد -أو جعفر- عن سعيد بن جُبير: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال: نمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجُعل وجَعَل معه رجلًا. ثم أمر بالنسور فاحتملته، فلمّا صعد قال لصاحبه: أيّ شيء تري؟ قال: أرَي الماء والجزيرة -يعني الدنيا- ثم صعد وقال لصاحبه: أيّ شيء تري؟ قال: ما نزداد من السماء إلا بعدًا، قال: اهبط، وقال غيره: نُودي: أيها الطاغية، أين تريدُ؟ فسمعت الجبال حفيفَ النسور، وكانت تري أنه أمر من السماء فكادت تزول، فهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (١). (١: ٢٩٠).\n٤٧٤ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عديّ عن شُعْبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن دانيل، أن عليًّا - ﵇ - قال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال: أخذ ذلك الذي حاجّ إبراهيم في ربه نَسْرين صغيرين، فربَّاهما حتى استغلظا واستعلجا فشبّا، قال: فأوثق رجْلَ كلّ واحد منهما بوتر إلي تابوت، وجوّعهما وقعد هو ورجلُ آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصًا علي رأسه اللحم، فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا تري؟ قال: أري كذا وكذا، حتى قال: أري الدنيا كأنها ذباب، فقال: صوّبْ، فصوّبها، فهبطا. قال: فهو قوله ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال أبو إسحاق: ولذلك هي في قراءة عبد الله: (وَإِن كَادَ مَكْرُهُمْ).\nفهذا ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان (٢). (١: ٢٩٠).\n٤٧٥ - وقد قال جماعة: إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا مَلك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول يدفعُه أهل العلم بسيَر الملوك وأخبار الماضين، وذلك أنهم لا يدفعون ولا ينكرون أن مولد إبراهيمَ كان في عهد الضحاك بن أندرماسب الذي قد ذكرنا بعضَ أخباره فيما مضي، وأن ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":206},{"text":"الضحاك. وقد قال بعض مَنْ أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهي إليه من الأخبار عمن رُوي عنه: أنه قال: ملك الأرض كافران ومؤمنان، فأمّا الكافران فنمرود وبختنصّر، وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وقولَ القائلين من أهل الأخبار: إن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود: هو الضحاك، وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم بأخبار الأوائل، والمعرفة بالأمور السوالف، كالذي ظَنّ، لأن نسب نمرودَ في النَّبَط معروف، ونسب الضحاك في عَجم الفرس مشهور، ولكنَّ ذوي العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا: أن الضّحاك كان ضمّ إلي نمرود السَّواد وما اتصل به يمنة ويَسرة، وجعله وولده عُمّاله علي ذلك، وكان هو يتنقَّل في البلاد، وكان وطنه الذي هو وطنُه ووطن أجداده دُنْباوند، من جبال طَبرستان، وهنالك رمي به أفريدُون حين ظفر به وقهره موثقًا بالحديد، وكذلك بختنصّر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلي أرض الروم من غربي دجلة من قبل لُهراسب، وذلك أنّ لُهراسب كان مشتغلًا بقتال الترك، مقيمًا بإزائهم ببلْخ، وهو بَناها -فيما قيل- لمَّا تطاول مكثُه هنالك لحرب الترك، فظنّ مَنْ لم يكن عالمًا بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمرَ الناحية لمن ولوا له: أنهم كانوا هم الملوك، ولم يدَّع أحدٌ من أهل العلم بأمور الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه أن أحدًا من النَّبط كان ملكًا برأسه علي شِبْرٍ من الأرض، فكيف يملكُ شرق الأرض وغربها! ولكنَّ العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عاني النظر في كتب التأريخات، يزعمون: أن ولاية نمرود إقليمَ بابل من قبَل الازدهارق بِيوراسب دامت أربعمئة سنة، ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود، يقال له نَبطَ بن قعود مئة سنة، ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة، ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مئة وعشرين سنة، ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهرًا. فذلك سبعمئة سنة وأشهر، وذلك كله في أيام الضحاك، فلما ملك أفريدُون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرّد النَّبَطَ وطردهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، لما كان منهم من معاونتهم بِيوراسب علي أموره، وعَمَل نمرود وولده له.","vol":"6","page":207},{"text":"وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكَّر لهم، وتغيَّر عما كان لهم عليه (١). (١: ٢٩٠/ ٢٩١ / ٢٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>ذكر لوط بن هاران وقومه</span>\nونعود الآن إلى ذكر الخبر عن بقية الأحداث التي كانت في أيام إبراهيم.\n٤٧٦ - وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم ﵉ وأمر قومه من سَدُوم، وكان من أمره فيما ذكر: أنه شخص من أرض بابل مع عمّه إبراهيم خليل الرحمن، مؤمنًا به، متبعًا له علي دينه، مهاجرًا إلي الشام، ومعهما سارَة بنت ناحور.\nوبعضهم يقول: هي سارة بنت هيبال بن ناحور، وشخص معهم -فيما قيل- تارخ أبو إبراهيم مخالفًا لإبراهيم في دينه، مقيمًا علي كفره حتى صاروا إلي حرّان، فمات تارخ وهو [آزر] أبو إبراهيم بحرّان علي كفره وشَخَص إبراهيم ولوط وسارة إلي الشام، ثم مضوْا إلي مصر، فوجدوا بها فرعونًا من فراعنتها، ذُكر: أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. وقد قيل: إن فرعون مصر يومئذ كان أخًا للضحاك، كان الضّحاك وجَّهه إليها عاملًا عليها من قِبَله -وقد ذكرتُ بعض قصته مع إبراهيم فيما مضي قبلُ- ثم رجعوا عَوْدًا علي بدئهم إلي الشأم، وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين، وأنزل ابنَ أخيه لوطًا الأردنّ، وأن الله تعالى أرسل لوطًا إلي أهل سَدوم، وكانوا أهل كفرٍ بالله وركوب فاحشة، كما أخبر الله عن قوم لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (٢) (١: ٢٩٢/ ٢٩٣).\n٤٧٧ - وأما إتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر في ناديهم، فإن أهلَ العلم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: كانوا يحذفون مَن مرّ بهم.\nوقال بعضهم: كانوا يتضارَطُون في مجالسهم.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":208},{"text":"وقال بعضهم: كان بعضهم ينكح بعضًا فيها.\nذكر من قال: كانوا يحذفون من مرّ بهم:\nحدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عمر بن أبي زائدة قال: سمعتُ عكْرمة يقول في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كانوا يؤذون أهلَ الطريق، يحذِفون مَنْ مَرّ بهم (١). (١: ٢٩٣).\n٤٧٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرمة، قال: الحذف (٢). (١: ٢٩٤).\n٤٧٩ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس -وعن مُرة الهَمدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كانوا كل من مرّ بهم حذفوه، وهو المنكر (٣). (١: ٢٩٤).\nذكر من قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم:\n٤٨٠ - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفّاويّ، قال: حدثنا محمد بن ربيعة، قال: حدثنا رَوْح بن غُطَيف الثقَفيّ عن عمرو بن مُصعَب، عن عُرْوة بن الزبير، عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قالت: الضراط (٤). (١: ٢٩٤).\nذكر من قال كان يأتي بعضهم بعضًا في مجالسهم:\n٤٨١ - حدثنا ابن وكيع، وابنُ حميد، قالا: حدثنا جرير عن منصور، عن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":209},{"text":"مجاهد في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كان بعضُهم يأتي بعضًا في مجالسهم (١). (١: ٢٩٤).\n٤٨٢ - حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا ثابت بن محمد الليثي، قال: حدثنا فضَيل بن عياض عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كان يجامع بعضهم بعضًا في المجالس (٢). (١: ٢٩٤).\n٤٨٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكّام عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد مثله (٣). (١: ٢٩٤).\n٤٨٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم (٤). (١: ٢٩٥).\n٤٨٥ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: المجالس، والمنكر إتيانهم الرجال (٥). (١: ٢٩٥).\n٤٨٦ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة، قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم (٦). (١: ٢٩٥).\n٤٨٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: ناديهم: المجالس، والمنكر: عملهُم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه فيركبونه، وقرأ:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.","vol":"6","page":210},{"text":"﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وقرأ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾ (١). (١: ٢٩٥).\n٤٨٨ - وقد حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا إسماعيل بن عُليَّة، عن ابن أبي نَجيج، عن عمرو بن دينار: قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾، ما نزا ذَكرٌ علي ذكر حتى كان قوم لوط (٢). (١: ٢٩٥).\n٤٨٩ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عَنَى بالمنكَر الذي كانوا يأتونه في ناديهم في هذا الموضع حذفهم مَنْ مَرّ بهم وسخريتهم منه للخبر الوارد بذلك عن رسول الله؛ الذي حدثناه أبو كريب، وابن وكيع، قالا: حدَّثنا أبو أسامة عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حَرْب، عن أبي صالح مولى أمّ هانيء، عن أم هانيء عن رسول الله في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾، قال: كانوا يحذِفون أهلَ الطريق ويسخرون منهم، وهو المنكر الذي كانوا يأتونه (٣). (١: ٢٩٥/ ٢٩٦).\n٤٩٠ - حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبيّ، قال: حدثنا سليمان بن حَيان، قال: أخبرنا أبو يونس القُشَيريّ عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أمّ هانيء، قالت: سألت النبي عن قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾، قال: كانوا يحذِفون أهلَ الطريق ويسخرون منهم (٤). (١: ٢٩٦).\n٤٩١ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال: حدثنا سماك بن حرب عن باذام أبي صالح مولى أم هانيء، عن أم هانيء، قالت: سألت النبي عن هذه الآية: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾، فقال: كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناءَ السبيل ويسخرون منهم، فكان لوط - ﵇ - يدعوهم إلي عبادة\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) هذا إسناد ضعيف والحديث أخرجه الترمذي (٣١٩٠) والحاكم (٢/ ٤٠٩) والطبراني (٢٤/ ١٠٠١) من طريق سماك بن حرب عن أبي صالح وأبو صالح ضعفه البخاري وغيره.\nوسماك لا يحتج بحديثه إذا انفرد وقد تغير بأخرة وتصحيح الحاكم له غير صحيح والله أعلم.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":211},{"text":"الله، وينهاهم بأمر الله إياه عن الأمور التي كرهها الله تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار، ويتوعَّدهم -على إصرارهم على ما كانوا عليه مقيمين من ذلك وتركهم التوبة منه- العذاب الأليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيدُه ولا يزيدهم وعظُه إلا تماديًا وعتوًّا واستعجالًا لعذاب الله، إنكارًا منهم وعيده، ويقولون له: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، حتى سأل لوط ربّه ﷿ النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم في غيهم، فبعث الله ﷿ لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط عليهم جَبْرئيل - ﵇ - ومَلَكَين آخرين معه (١). (١: ٢٩٦).\nوقد قيل: إن الملَكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل فأقبلوا -فيما ذكر- مُشاةً في صورة رجال شباب.\nذكر بعض من قال ذلك (٢): (١: ٢٩٦).\n٤٩٢ - وكان جداله إياهم في ذلك -فيما بلغنا- ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القميّ، قال: حدثنا جعفر عن سعيد ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ قال: لما جاءه جبرئيل ومن معه، قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. قال لهم إبراهيم: أتهْلِكون قريةً فيها أربعمئة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها ثلاثمئة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها مئتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مئة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها أربعة عشر مؤمنًا؟ قالوا: لا، وكان إبراهيم يعدّهم أربعة عشر بامرأة لوط، فسكت عنهم، واطمأنَّت نفسُه (٣). (١: ٢٩٧).\n٤٩٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الحِمّانيّ عن الأعمش، عن المنهال، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال الملَك لإبراهيم: إن كان فيها\n_________\n(١) الحديث ضعيف وكذلك رواه الترمذي من طريق حاتم هذا مختصرًا إلي قوله ويسخرون منهم وقال: هذا حديث حسن. إنما نعرفه من طريق حاتم بن أبي صغيرة عن سماك (ح ٣١٩٠).\nقلنا: وليس الحديث حسنًا ولا صحيحًا كما بينا في الرواية السابقة. والله أعلم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":212},{"text":"خمسة يصَلُّون رُفع عنهم العذاب (١). (١: ٢٩٨).\n٤٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثَور عن معمر، عن قتادة: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ قال: بلغنا أنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيهم خمسون لن نعذّبهم، قال: وأربعون؟ قالوا: وأربعون، قال: وثلاثون؟ قالوا: وثلاثون، حتى بلغ عشرة، قالوا: وإن كانوا عشرة؟ قال: مامن قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير، فلما علم إبراهيمُ حال قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إشفاقًا منه عليه، فقالت الرسل: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ (٢). (١: ٢٩٨).\nثم مضت رسلُ الله نحو أهل لمَعدوم، قرية قوم لوط، فلما انتهوا إليها ذُكر: أنهم لَقُوا لوطًا في أرض له يعمل فيها، وقيل؛ إنهم لَقُوا عند نهرها ابنةَ لوط تستقي الماء.\nذكر من قال: لقوا لوطًا:\n٤٩٥ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة، عن حُذيفة: أنه لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم- والله أعلم: لا تُهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، فقالوا: إنا مُضيفوك الليلة. فانطلق بهم فلما مشي ساعة التفت فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ واللهِ ما أعلم علي ظهر الأرض أناسًا أخبثَ منهم. قال: فمضي معهم ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم، فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم (٣). (١: ٢٩٨/ ٢٩٩).\n٤٩٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس الملائيّ عن سعيد بن بشير، عن قَتادة قال: أتت الملائكةُ لوطًا وهو في مزرعة له، وقال الله تعالى للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربعَ شهادات، فقد\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":213},{"text":"أذنت لكم في هَلَكتهم، فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نضيفك الليلة، قال: وما بلغكم أمرهم؟ ! قالوا: وما أمرهم؟ فقال: أشهد بالله أنها لشرُّ قرية في الأرض عملًا، يقول ذلك أربع مرّات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منزله (١). (١: ٢٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>ذكر من قال: إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت من سَدُوم ابنة لوط دون لوط</span>\n٤٩٧ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي، قال: لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوْها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدوم لقُوا ابنةَ لوط تستقي من الماء لأهلها -وكانت له ابنتان: اسم الكبرى ريثا واسم الصغرى رعزيا- فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، فمكانكم لا تدخلوا حتى آتيَكم -فرِقَتْ عليهم من قومها- فأتتْ أباها، فقالت: يا أبتاه، أرادك فتيان علي باب المدينة، ما رأيت وجوَه قوم هي أحسنُ منهم، لا يأخذهم قومُك فيفضحوهم -وقد كان قومُه نهوْه أن يُضيِّف رجلًا- فقالوا له: خَلِّ عنا فلنضِف الرجال، فجاء بهم فلم يعلمْ أحد إلا أهلَ بيت لوط، فخرجت امرأتُه فأخبرت قومَها فقالت: إنَّ في بيت لوط رجالًا ما رأيت مثلهم ومثل وجوههم حسنًا قطّ، فجاءه قومُه يهرعون إليه (٢). (١: ٢٩٩/ ٣٠٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد لم يصححه الطبري نفسه ولا يصح ولقد أخرج الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٦٢ / ح ٤١١٣) من طريق عمرو بن طلحة ثنا أسباط عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس ﵄ وعن مرة بن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي مرفوعًا قال: لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط وأتوها نصف النهار فلما بلغوا سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها وكان له ابنتان ... إلخ الحديث.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح علي شرط مسلم ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٥٦٢).\nقلنا: وتصحيحه فيه نظر فإسناده مركب جمعه السدي من طرق ثلاث (ابن عباس وابن مسعود وأناس من أصحاب النبي). =","vol":"6","page":214},{"text":"فأمّا أنَّه كان في أيام ملوك الطوائف؛ فإنّ ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة.\nوكان لهم في ذلك الزمان مَلِكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام -فيما ذكر عنه- فبلغه عن الفتية خلافُهم إيّاه في دينه، فطلبهم، فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلي جبل لهم يقال له -فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس-: نيحلوس (١). (٧: ٢).\n٧٩٨ - وكان سببُ إيمانهم وخلافهم به قومهم فيمَا حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمَر، قال: أخبرني إسماعيل بن سدوس: أنه سمع وهب بن منبّه يقول: جاء حواريّ عيسى بن مريم إلي مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلَها، فقيل له: إن علَي بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجدَ له، فكره أن يدخلَها، فأتي حمَّامًا، وكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجِر نفسه من صاحب الحمَّام. ورأي صاحب الحمَّام في حمَّامه البركة، ودرّ عليه الرزق، فجعل يعرض عليه [الإسلام] وجعل يسترسل إليه. وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يُخبرهم خبرَ السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا علي مثلِ حاله في حسن الهيئة، وكان يشرُط علي صاحب الحمّام: أن الليل لي، لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت. فكان علي ذلك حتى جاء ابنُ الملك بامرأة، فدخل بها الحمَّام، فعيّره الحواريّ، فقال: أنت ابنُ الملك وتدخلُ ومعك هذه الكذا! فاستحيا، فذهب. فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، وسبّه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمَّام جميعًا، فأتِي الملك فقيل له: قتل صاحبُ الحمَّام ابنَك. فالتُمِسَ، فلم يُقدرْ عليه فهرب. قال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية؛ فالتُمِسوا فخرجوا من المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم في زرع له؛ وهو علي مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلي الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":215},{"text":"فتروْن رأيَكم. فضرب علي آذانهم، فخرج المَلك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف؛ فكلَّما أراد رجل أن يدخلَ أُرعِب، فلم يطق أحد أن يدخل، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى! قال: فابنِ عليهم باب الكهف، فدعْهم فيه يموتوا عطشًا وجوعًا. ففعل فغبروا -بعد ما بيني عليهم باب الكهف- زمانًا بعد زمان.\nثم إنّ راعيًا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخِل فيه، وردّ الله إليهم أرواحَهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدَهم بورِق يشتري لهم طعامًا، فكلَّما أتي باب مدينتهم رأي شيئًا ينكره، حتى دخل علي رجل، فقال: بعني بهذه الدراهم طعامًا، قال: ومن أين لك هذه الدراهم! قال: خرجت وأصحابٌ لي أمس، فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت علي عهد الملك فلان فأنَّي لك بها! فرفعه إلي الملك -وكان ملكًا صالحًا- فقال: من أينَ لك هذه الورِق؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتريَ لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال: فانطلَقوا معه حتى أتوْا بابَ الكهف، فقال: دعوني أدخل إلي أصحابي قبلكم، فلما رأوْه ودنا منهم ضُرب علي أذنه وآذانهم، فجعلوا كلّما دخل رجل أُرعِب، فلم يقدروا علي أن يدخلوا إليهم، فبنوْا عندهم كنيسة، واتَّخذوها مسجدًا يصلُّون فيه (١). (٢: ٦/ ٧ / ٨/ ٩).\n٧٩٩ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمَر عن قَتادة، عن عِكْرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومَهم، حتى انتهوْا إلي الكهف، فضرب الله على سُمْخَانِهم. فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أمَّتهم، وجاءتْ أمَّةٌ مسلمة، وكان ملكهم مسلمًا، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعًا، وقال قائل: تُبْعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئًا. فشقّ علي ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسوح، وجلس\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":216},{"text":"الليلةَ قوم ما رأيت مثلهم قطّ أحسن وجوهًا، ولا أطيب ريحًا. فجاؤوا يهرعون إليه فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم علي الباب فقال: ﴿قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾، فقالوا: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠)﴾، فدخلوا علي الملائكة فتناولتهم الملائكة، فطمست أعينهم فقالوا: يا لُوط جئتنَا بقوم سَحَرة؛ سحرونا كما أنت حتى نصبح، قال: فاحتمل جَبْرَئيل قريات لوط الأربع، في كلّ قرية مئة ألف، فرفعهم علي جناحه بين السماء والأرض حتى سمع أهلُ السماء الدنيا أصواتَ ديكتهم ثم قلبهم، فجعل الله عاليَها سافلَها (١). (١: ٣٠٢).\n٥٠٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثَور، وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق -جميعًا عن مَعْمَر- عن قتادة، قال: قال حُذيفة: لما دخلوا عليه ذهبت عجوزُه، عجوزُ السوء، فأتت قومها فقالت: قد تضيّفَ لوطأ [الليلة] قوم ما رأيت قومًا قطّ أحسن وجوهًا منهم، قال: فجاؤوا يهرعون إليه، فقام مَلَكٌ فلزّ الباب -يقول: فسدّه- فاستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عميانًا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم قالوا: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ﴾، قال: فبلغنا أنها سمعت صوتًا، فالتفتت فأصابها حجر وهي شاذّة من القوم معلوم مكانَها (٢). (١: ٣٠٣).\n٥٠٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السّديّ في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرَّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي: لما قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، بسط حينئذ جبرئيل جناحَه ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عميانًا، يقولون: النجاء النجاء! فإنَّ في بيت لوط أسحر قوم في الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ وقالوا للوط: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، يقول: سرْ بهم فامضوا حيث تؤمرون، فأخرجهم الله تعالى إلى الشأم. وقال لوط: أهلكوهم الساعة. فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":217},{"text":"أليس الصبح بقريب! فلما أن كان السَّحَر خرج لوط وأهله معه إلا امرأته، وذلك قوله تعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (١). (١: ٣٠٣).\n٥٠٥ - حدثنا المثنّي، قال: أخبرنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن مُنَبِّه: كان أهل سَدوم الذين فيهم لوط قومَ سوْء قد استغْنوا عن النساء بالرجال، فلما رأي الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذّبوهم، فأتوا إبراهيم، فكان من أمره وأمرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه، فلما بشروا سارة بالولد قاموا، وقام معهم إبراهيم يمشي، فقال: أخبروني لمَ بعثتم؟ وما خَطْبكم؟ قالوا: إنا أرسلنا إلي قوم سَدُوم لندمّرها فإنهم قوم سوء، قد استغنوْا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ قالوا: إذًا لا نعذبهم، فلم يزل [ينقص] حتى قال أهل البيت، قالوا: فإن كان فيهم بيت صالح، قال: فلوط وأهل بيته، قالوا: إن امرأته هواها معهم، فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوْا إلي أهل سَدوم فدخلوا علي لوط، فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنُهم وجمالُهم، فأرسلت إلي أهل القرية: أنه قد نزل بنا قومٌ لم نر قومًا قطّ أحسنَ منهم ولا أجمل؛ فتسامعوا بذلك، فغشُوا دارَ لوط من كل ناحية، وتسوّروا عليهم الجدران، فلقيَهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون في ضيفي وأنا أزوِّجكم بناتي فهن أطهرُ لكم، فقالوا: لو كنا يزيد بناتك لقد عرفنا مكانهنّ، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾، فوجَد عليه الرسل، فقالوا: إن ركنك لشديد، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾، فمسح أحدهم أعينهم بجناحه، فطمس أبصارهم، فقالوا: سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه، فكان من أمرهم ما قد قصَّ الله تعالى في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحَيه حتى بلغ أسفلَ الأرضين، فقلبها فنزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فأهلكهم الله، ونجَّى لوطًا وأهله إلا امرأته (٢). (١: ٢٠٤).\n٥٠٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، قال: أخذ جبرئيل قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف، وهو مرسل.","vol":"6","page":218},{"text":"بمواشيهم وأمتعتهم، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها (١). (٢٠٤: ١).\n٥٠٧ - وحدثنا أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد، فقال: أدخل جبرئيل جناحَيه تحت الأرض السفلى من قوم لوط، ثم أخذهم بالجناح الأيمن، وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها (٢). (١: ٢٠٥).\n٥٠٨ - حدثني المثني، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبْلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كان يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، قال: لما أصبحوا غدا جبرئيل علي قريتهم ففتقها من أركانها ثم أدخل جناحيه، ثم حملها على خوافي جناحيه (٣). (١: ٣٠٥).\n٥٠٩ - حدثني المثني، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، قال: وحدّثني هذا ابن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي بكر -قال: ولم يسمعه ابن أبي نجيح من مجاهد- قال: فحملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نباح كلابهم، ثم قَلبَها، فكان أول ما سقط منها شرافها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٤). (١: ٣٠٥).\n٥١٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثَوْر عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أن جبرئيل - ﵇ - أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوي بها إلى السماء، حتى سمع أهلُ السماء ضواغيَ كلابهم، ثم دمَّر بعضَها على بعض، فجعل عاليَها سافلها، ثم أتبعتهم الحجارة، قال قتادة: وبلغنا: أنهم كانوا أربعة آلاف ألف (٥). (١: ٣٠٥).\n٥١١ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة،\n_________\n(١) لم نعلم عن هذه التفاصيل في خبر مرفوع صحيح والله أعلم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":219},{"text":"قال: وذكر لنا أن جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلى جَوِّ السماء حتى سمعت الملائكة ضواغيَ كلابهم ثم دمر بعضها علي بعض، ثم أتبع شُذَّانَ القوم صخرًا، قال: وهي ثلاث قري يقال لها سَدوم، وهي بين المدينة والشأم، قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف، قال: وذكر لنا أن إبراهيم كان يُشرف ثم يقول: سَدُوم يومًا هالك (١). (١: ٣٠٥).\n٥١٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي قد ذكرناه: لما أصبحوا -يعني: قوم لوط- نزل جبرئيل - ﵇ - واقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا، حتى سمع أهلُ السماء نباحَ كلابهم وأصواتَ ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك حين يقول: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾؛ المنقلبة حين أهوى بها جبرئيل ﵇ الأرض فاقتلعها بجناحيه، فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض، وهو قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾، ثم تتبّعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٢) (١: ٣٠٦).\n٥١٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن كعب القرظيّ، قال: حُدِّثت أن الله تعالى بعث جبرئيل إلى المؤتكفة (قرية قوم لوط التي كان لوط فيهم)، فاحتملها بجناحيه ثم أصعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله ﷿ بالحجارة، يقول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾، فأهلكها الله تعالى وما حولها من المؤتفكات، وكُنَّ خمس قريات: صبعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسَدوم هي القرية العظمي، ونجّى الله تعالى لوطًا ومَنْ معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك (٣). (١: ٣٠٦/ ٣٠٧).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) رحم الله الطبري يكثر من إسناد السدي والسدي يكثر من الإسرائيليات والله أعلم.\n(٣) يرحم الله الإمام الطبري لو اكتفى بتفسير الآيات تفسيرًا لغويًّا لكفاه عن كل هذه التفاصيل =","vol":"6","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-975>ذكر وفاة سارة بنت هاران، وهاجر أم إسماعيل وذكر أزواج إبراهيم - ﵇ - وولده</span>\n٥١٤ - قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أمّ إسحاق؛ فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهلُ العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشام (١). (١: ٣٠٨).\n٥١٥ - وقيل: إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كَنْعان في حَبْرون، فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم، وقيل: إن هاجر عاشت بعد سارة مدة.\nفأما الخبر فبغير ذلك ورد. حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل.\nثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل، فقال لسارة: ائذني لي أنطلق إلى ابني فأنظر إليه، فأخذت عليه عهدًا ألّا ينزل حتى يأتيَها، فركب البُراق، ثم أقبل وقد ماتت أمُّ إسماعيل، وتزوج إسماعيلُ امرأة من جُرْهُم (٢). (١: ٣٠٨).\n٥١٦ - وإن إبراهيم - ﵇ - كثر ماله ومواشيه، وكان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل: أن إبراهيم - ﵇ - احتاج -وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه- فقالت له سارة: لو أتيت خُلَّتك فأصبت لنا منه طعامًا! فركب حمارًا له، ثم أتاه، فلما أتاه تغيّب منه، واستحَيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبًا، فمرَّ على بطحاء، فملأ منها خُرْجه، ثم أرسل الحمار إلى أهله، فأقبل الحمار وعليه حنْطة جيدة، ونام إبراهيم - ﵇ - فاستيقظ، وجاء إلى أهله، فوجد سارة قد جعلت له طعامًا، فقالت: ألا تأكل؟ فقال: وهل من شيء؟ فقالت: نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك، فقال: صدقت من\n_________\n= المأخوذة من روايات أهل الكتاب والقرآن نزل بلسان عربي مبين يفهمه الصحابة الأجلاء ومنهم تعلم التابعون ومن بعدهم والله أعلم.\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":221},{"text":"عند خليلي جئت بها، فزرعها فنبتت له، وزكا زرْعه وهلكت زروع الناس، فكان أصلُ ماله منها، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: مَنْ قال: لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فأخذ، ومنهم من أبى فرجع، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. فلما كثر مالُ إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى، وكان مسكنه ما بين قرية مدين -فيما قيل- والحجاز إلى أرض الشام، وكان ابن أخيه لوط نازلًا معه، فقاسم ماله لوطًا، فأعطى لوطًا شطره فيما قيل، وخيّره مسكنًا يسكنه ومنزلًا ينزله غير المنزل الذي هو به نازل، فاختار لوط ناحية الأردنّ فصار إليها، وأقام إبراهيم - ﵇ - بمكانه، فصار ذلك فيما قيل سببًا لآثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل، وكان ربما دخل أمصار الشام.\nولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها -فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق- قطورا بنت يقطن؛ امرأة من الكنعانيين، فولدت له ستة نفر: يقسان بن إبراهيم، وزمران بن إبراهيم؛ ومديان بن إبراهيم، ويسبق بن إبراهيم، وسوح بن إبراهيم، وبسر بن إبراهيم، فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق، وكان إسماعيل بكْره أكبر ولده، قال: فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر، فولدت له البربر ولِفّها، وولد زمران بن إبراهيم المزامير الذين لا يعقلون، وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي - ﷺ -، فهو وقومه من ولده بعثه الله ﷿ إليهم نبيًّا (١). (١: ٣٠٨/ ٣٠٩).\n٥١٧ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه، قال: كان أبو إبراهيم من أهل حران، فأصابته سَنة من السنين، فأتى هُرمز جرد بالأهواز، ومعه امرأته أم إبراهيم، واسمها توتا بنت كرينا بن كوثى، من بني أرفخشد بن سام بن نوح (٢). (٣١٠: ١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":222},{"text":"٥١٨ - وحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلميّ عن غير واحد من أهل العلم قال: اسمها أنموتا من ولد أفراهم بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وكان بعضهم يقول: اسمها انمتلى بنت يكفور (١). (١: ٣١٠).\n٥١٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، عن أبيه، قال: نهر كُوثَى كَراه كرينا جدّ إبراهيم من قبل أمه، وكان أبوه على أصنام الملك نمرود، فولد إبراهيم بهُرمزجرد، ثم انتقل إلى كُوثَى من أرض بابل، فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه، دعاهم إلى عبادة الله، وبلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين، ثم بني له الحِير بجصّ، وأوقد له الحطب الجزل، وألقى إبراهيم فيه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل! فخرج منها سليمًا لم يكلَم (٢). (١: ٣١١).\n٥٢٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما هرب إبراهيم من كُوثَى، وخرج من النار ولسانه يومئذ سريانيّ، فلما عبرَ الفرات من حَرّان غيَّر الله لسانه فقيل: عبرانيّ، أي حيث عبر الفرات، وبعث نمرود في أثره، وقال: لا تَدَعوا أحدًا يتكلَّم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقُوا إبراهيم - ﵇ - فتكلم بالعبرانية، فتركوه ولم يعرفوا لغته (٣). (١: ٣١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>ذكر وفاة إبراهيم - ﵇ </span>-\n٥٢١ - فلما أراد الله ﵎ قبض روح إبراهيم، أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم.\nفحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي ذكرته قبل: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":223},{"text":"ويضيفهم، فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ [كبير] يمشي في الحرّة، فبعث إليه بحمار، فركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه، فيدخلها عينَه وأذنَه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان إبراهيم قد سأل ربه ﷿ ألّا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال للشيخ حين رأى مِنْ حاله ما رأى: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال: يا إبراهيم، الكِبَر، قال: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم سنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك؟ ! قال: نعم، قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روحَه، وكان ملك الموت.\nولما مات إبراهيم - ﵇وكان موته وهو ابن مئتي سنة، وقيل ابن مئة وخمس وسبعين سنة- دفن عند قبر سارة في مزرعة حبْرُون (١). (١: ٣١٢).\n٥٢٢ - وكان مما أنزل الله تعالى على إبراهيم - ﵇ - من الصحف فيما قيل عشر صحائف، كذلك حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: أخبرني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذر الغفاريّ، قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: مئة كتاب وأربع كتب: أنزل الله ﷿ على آدم - ﵇ - عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل جلّ وعزّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالًا كلها:\nأيها الملك المسلّط المبتلَى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لتردَّ عني دعوةَ المظلوم؛ فإني لا أردُّها وإن كانت من كافر.\nوكانت فيها أمثال: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربَّه، وساعة يفكر فيها في صنع الله ﷿، وساعة يحاسب فيها نفسها فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في\n_________\n(١) ضعيف، وهو من الإسرائيليات.","vol":"6","page":224},{"text":"المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألّا يكون ظاعنًا إلَّا في ثلاث: تزوّد لمعاده، ومرمّة لمعاشه، ولذة في غير محرّم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا عَلى شانه، حافظًا للسانه، ومَنْ حسب كلامه من عمله قل كلامه إلَّا فيما يعنيه (١). (١: ٣١٣/ ٣١٢).\n٥٢٣ - وكان لإبراهيم -فيما ذكر- أخَوَان يقال لأحدهما: هاران، وهو أبو لوط، وقيل: إن هاران هو الذي بني مدينة حَرَّان، وإليه نسبت -والآخر منهما ناحورا وهو أبو بتويل وبتويل هو أبو لابان ورفقا ابنة بتويل، ورفقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ابنة بتويل، وليّا وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان (٢). (١: ٣١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن - ﵇ </span>-\n٥٢٤ - قد مضى ذكْرُنا سبب مصير إبراهيم بابنه إسماعيل، وأمه هاجر إلى مكة وإسكانه إياهما بها. ولما كبر إسماعيل تزوج امرأة من جُرْهم، فكان من أمرها ما قد تقدم ذكره، ثم طلقها بأمر أبيه إبراهيم بذلك، ثم تزوج أخرى يقال لها السيدة بنت مُضاض بن عمرو الجُرْهميّ، وهي التي قال لها إبراهيم إذ قدم مكة، وهي زوجة إسماعيل: قولي لزوجك إذا جاء: قد رضيتُ لك عتبة بابك.\nفحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلًا، وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهميّ: نابت بن إسماعيل، وقيدر بن إسماعيل، وأدبيل بن إسماعيل، ومبشا بن إسماعيل، ومسمع بن إسماعيل، ودما بين إسماعيل، وماس بن إسماعيل، وأدد بن إسماعيل، ووطور بن إسماعيل، ونفيس بن إسماعيل، وطما بين إسماعيل، وقيدمان بن إسماعيل.\nقال: وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومئة سنة، ومن نابت وقيدر\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":225},{"text":"نشر الله العرب، ونبّأ الله ﷿ إسماعيل، فبعثه إلى العماليق -فيما قيل- وقبائل اليمن.\nوقد يُنطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق، فيقول بعضهم في قيدر: قيدار، وفي أدبيل: أدبال، وفي مبشا: مبشام، وفي دما: ذوما ومسا، وحداد، وتيم، ويطور، ونافس، وقادمن.\nوقيل: إن إسماعيل لما حضرتْه الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوّج ابنته من العيص بن إسحاق، وعاش إسماعيل فيما ذكر مئة وسبعًا وثلاثين سنة، ودفن في الحِجْر عند قبر أمه هاجر (١). (١: ٢١٤).\n٥٢٥ - حدثني عبدة بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزوميّ عن مبارك بن حَسَّان صاحب الأنماط، عن عمر بن عبد العزيز، قال: شكا إسماعيل إلى ربه ﵎ حَرَّ مكة فأوحى الله تعالى إليه: إني فاتح لك بابا من الجنة يجري عليك روْحها إلى يوم القيامة، وفي ذلك المكان تدفن (٢). (١: ٢١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>ذكر إسحاق بن إبراهيم ﵉ وذكر نسائه وأولاده</span>\n٥٢٦ - إذ كان التأريخ غيرَ متصل على سياق معروف لأمة بعد الفرس غيرهم؛ وذلك أن الفرس كان مُلْكهم متصلًا دائمًا من عهد جيومرت الذي قد وصفت شأنه وخبره، إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس، أمة نبينا محمد. وكانت النبوة والملك متصلين بالشأم ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال ذلك عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء وبعد عيسى بن مريم ﵉. وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن يحيى وعيسى ﵉ سبب زوال ذلك عنهم إن شاء الله (٣). (١: ٣١٦).\n٥٢٧ - فأما سائر الأمم غير الفرس، فإنه غير ممكن الوصول إلى علم التأريخ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":226},{"text":"بهم؛ إذ لم يكن لهم ملك متَّصل في قديم الأيام وحديثه إلا ما لا يمكن معه سياق التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم، إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذي ذكرت، فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم؛ فإن قدر مدة زواله عنهم إلى غايتنا هذه معلوم مبلغه. وقد كان لليمن ملوك لهم ملْك، غير أنه كان غَير متصل، وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد، وبين الأول والآخر فترات طويلة، لا يقِف على مبلغها العلماء؛ لقلة عنايتهم كانت بها، ومبلغ عمر الأول منهم والآخر، إذا لم يكن من الأمر الدائم، فإن دام منه شيء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عاملٌ لغيره في الموضع الذي هو به لا يملكه بنفسه، وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم؛ فإنهم كانوا على فرْج ثغر العرب للفرس من الحيرة إلى حدّ اليمن طولًا وإلى حدود الشأم وما اتصل بذلك عرضًا، فلم يزل ذلك دائمًا لهم من عهد أردشير بابكان إلى أن قتل كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمان بن المنذر، فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر العرب إلى إياس بن قَبيصة الطائيّ (١). (١: ٣١٦).\n٥٢٨ - فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: نكح إسحاق بن إبراهيم رفقا بنت بتويل بن إلياس، فولدت له عيص بن إسحاق، ويعقوب بن إسحاق، يزعمون: أنهما كانا تَوْءمَين وأن عيصًا كان أكبرهما، ثم نكح عيص بن إسحاق ابنةَ عمه بسمة ابنة إسماعيل بن إبراهيم، فولدت له الروم بن عيص، فكلُّ بني الأصفر من ولده. قال: وبعض الناس يزعم: أن الأشبان من ولده، ولا أدري أمن ابنة إسماعيل أم لا.\nونكح يعقوب بن إسحاق -وهو إسرائيل- ابنة خاله ليًا ابنة لبان بن بتويل بن إلياس، فولدت له روبيل بن يعقوب، وكان أكبر ولده، وشمعون بن يعقوب، ولاوي بن يعقوب، ويهوذا بن يعقوب، وزبالون بن يعقوب، ويسحر بن يعقوب، ودينة ابنة يعقوب. وقد قيل في يسحر: إن اسمه \"يشحر\". ثم توفيت ليا بنت ليان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت ليان بن بتويل بن إلياس، فولدت له يوسف بن يعقوب، وبنيامن بن يعقوب -وهو بالعربية شداد- وولد له\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":227},{"text":"من سُرِّيَّتيْن؛ اسم إحداهما: زلفة، واسم الأخرى: بلهة، أربعة نفر: دان بن يعقوب، ونفثالي بن يعقوب، وجاد بن يعقوب، وأشر بن يعقوب، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا (١). (١: ٣١٧).\n٥٢٩ - وقد قال بعض أهل التوراة: إن رفقا زوجة إسحاق هي ابنة ناهر بن آزر عمّ إسحاق، وإنها ولدت له ابنيه عيصًا ويعقوب في بطن واحد، وإن إسحاق أمر ابنه يعقوب ألّا ينكح امرأةً من الكنعانيين، وأمره أن ينكح امرأة من بنات خاله لبان بن ناهر، وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله لبان بن ناهر خاطبًا، فأدركه الليل في بعض الطريق، فبات متوسِّدًا حجرًا، فرأى فيما يرى النائم أن سلمًا منصوبًا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه، والملائكة تنزل وتعرج فيه، وأن يعقوب صار إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل، وكانت له ابنتان: ليا وهي الكبرى، وراحيل وهي الصغرى، فقال له: هل من مال أزوجك عليه؟ فقال يعقوب: لا، إلا أني أخدُمك أجيرًا حتى تستوفيَ صداق ابنتك، قال: فإن صداقها أن تخدمني سبع حجج، قال يعقوب: فزوجني راحيل وهي شرطي، ولها أخدُمك، فقال له خاله: ذلك بيني وبينك، فرعَى له يعقوب سبع سنين، فلما وفّى له شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا، وأدخلها عليه ليلًا، فلما أصبح وجد غير ما شرط، فجاءه يعقوب وهو في نادي قومه فقال له: غررتَني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين، ودلّست عليّ غير امرأتي، فقال له خاله: يا بن أختي، أردت أن تُدخِل على خالك العار والسُّبَّة، وهو خالُك ووالدك، ومتى رأيتَ الناسَ يزوّجون الصغرى قبل الكبرى! فهلمَّ فاخدُمني سبع حجج أخرى، فأزوّجك أختَها -وكان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى ﵇ وأنزل عليه التوراة- فرعى له سبعًا، فدفع إليه راحيل، فولدت له ليا أربعة أسباط: روبيل، ويهوذا، وشمعان، ولاوي، وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما، وكان لابان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمَتَين فوهبتا الأمتين ليعقوب، فولدت كلُّ واحدة منهما له ثلاثة رهط من الأسباط، وفارق يعقوب خاله، وعاد حتى نازل أخاه عيصًا (٢). (١: ٣١٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":228},{"text":"٥٣٠ - وقال بعضهم: ولد ليعقوب دان ونفثالي من زلفة جارية راحيل؛ وذلك: أنها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها، وأن ليا وهبت جاريتها بلهة ليعقوب منافسة لراحيل في جاريتها، وسألْته أن يطلب منها الولد، فولدت له جاد، وأشير، ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين، فانصرف يعقوب بولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين على خوف شديد من أخيه العيص، فلم ير منه إلا خيرًا، وكان العيص فيما ذكر لحق بعمه إسماعيل، فتزوج إليه ابنته بسمة وحملها إلى الشأم، فولدت له عدة أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم، وصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية ثم إلى الروم، وكان العيص فيما ذكر يسمَّى آدم لأدْمته، قال: ولذلك سمي ولده ولد الأصفر، وكانت ولادة رفقا بنت بتويل لإسحاق بن إبراهيم ابنيه العيص ويعقوب -بعد أن خلا من عمر إسحاق ستون سنة- توأمين في بطن واحد، والعيص المتقدم منهما خروجًا من بطن أمه، فكان إسحاق فيما ذكر يختص العيص، وكانت رفقا أمهما تميل إلى يعقوب، فزعموا أن يعقوب ختل العيص في قربان قرّباه بأمر أبيهما إسحاق بعد ما كبرت سنُّ إسحاق، وضعف بصره، فصار أكثر دعاء إسحاق ليعقوب، وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه إسحاق له، فغاظ ذلك العيص وتوعّده بالقتل، فخرج يعقوب هاربًا منه إلى خاله لابان ببابل، فوصله لابان وزوّجه ابنتيه ليا وراحيل، وانصرف بهما وبجاريتيهما وأولاده الأسباط الاثني عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه، وتألف أخاه العيص حتى نزل له البلاد وتنقل في الشأم، حتى صار إلى السواحل، ثم عبر إلى الروم فأوطنها، وصار الملوك من ولده وهم اليونانية- فيما زعم هذا القائل (١). (١: ٣١٨/ ٣١٩).\n٥٣١ - حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا أسباط عن السديّ، قال: تزوج إسحاق امرأة فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها، فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص، فقال عيص: والله لئن خرجتَ قبلي لأعترضنّ في بطن أمي ولأقتلنّها،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":229},{"text":"فتأخرّ يعقوب، وخرج عيص قبله، وأخذ يعقوب بعقب عيص، فخرج فسمى عيصًا لأنه عصى، فخرج قبل يعقوب، وسمي يعقوب لأنه خرج آخذًا بعقِب عيص، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، ولكنَّ عيصًا خرج قبله، وكبر الغلامان، فكان عيص أحبَّهما إلى أبيه، وكان يعقوب أحبهما إلى أمه، وكان عيص صاحب صيد، فلما كبر إسحاق وعميَ، قال لعيص: يا بنيّ أطْعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلًا أشعر، وكان يعقوب رجلًا أجْرَد، فخرج عيص يطلب الصيد، وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب: يا بنيّ، اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه، والبس جلده وقدِّمه إلى أبيك، وقل له: أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه كُلْ، قال: مَنْ أنت؟ قال: أنا ابنك عيص، قال: فمسَّه، فقال: المسُّ مسُّ عيص، والريحُ ريح يعقوب، قالت أمه: هو ابنك عيص فادع له، قال: قدّم طعامك، فقدّمه فأكل منه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك، وقام يعقوب، وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتَني به، فقال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنّه! قال: يا بني قد بقيت لك دعوة فهلمّ أدع لك بها، فدعا له فقال: تكونَ ذريتُك عددًا كثيرًا كالتراب ولا يملكهم أحدٌ غيرهم، وقالت أم يعقوب ليعقوب: الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص، فانطلق إلى خاله، فكان يسرى بالليل ويكمن بالنهار، ولذلك سمي إسرائيل، وهو سريّ الله، فأتى خاله وقال عيص: أما إذْ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر، أن أدفَن عند آبائي: إبراهيم وإسحاق، فقال: لئن فعلتَ لتُدفننّ معه.\nثم إن يعقوب - ﵇ - هوى ابنَة خاله -وكانت له ابنتان- فخطب إلى أبيهما الصغرى منهما، فأنكحها إياه على أن يرعَى غنَمه إلى أجل مسمّى، فلما انقضى الأجل زفّ إليه أختها ليا، قال يعقوب: إنما أردت راحيل، فقال له خاله: إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير، ولكن ارعَ لنا أيضًا وانكحها، ففعل، فلما انقضى الأجل زوّجه راحيل أيضًا، فجمع يعقوب بينهما، فذلك قول الله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\nيقول: جمع يعقوب بين ليا وراحيل، فحملت ليا فولدت يهوذا، وروبيل،","vol":"6","page":230},{"text":"وشمعون، وولدت راحيل يوسف، وبنيامين، وماتت راحيل في نفاسها ببنيامين، يقول: من وجع النفاس [الذي ماتت فيه].\nوقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعًا من الغنم، فأراد الرجوع إلى بيت المقدس، فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة، فقالت امرأة يعقوب ليوسف: خذ من أصنام أبي لعلنا نستنفق منه فأخذ، وكان الغلامان في حجْر يعقوب، فأحبهما وعطف عليهما ليُتْمهما من أمهما، وكان أحبَّ الخلق إليه يوسف - ﵇ -، فلما قدموا أرض الشأم، قال يعقوب لراع من الرعاة: إن أتاكم أحدٌ يسألكم: مَنْ أنتم؟ فقولوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فلقيهم عيص فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فكفّ عيص عن يعقوب، ونزل يعقوب بالشام، فكان همّه يوسف وأخوه فحسده إخوته لما رأوا من حب أبيه له، ورأى يوسف في المنام كأنّ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين له، فحدث أباه بها فقال: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). (١: ٣١٩/ ٣٢٠ / ٣٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>ذكر أيوب - ﵇ </span>-\n٥٣٢ - ومن ولده -فيما قيل- أيوب نبي الله؛ وهو فيما حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمّن لا يُتّهم، عن وهب بن منبّه: أن أيوب كان رجلًا من الروم، وهو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم (٢). (١: ٣٢٢).\n٥٣٣ - وأما غير ابن إسحاق فإنه يقول: هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم.\nوكان بعضهم يقول: هو أيوب بن موص بن رعويل، ويقول: كان أبوه ممن آمن بإبراهيم - ﵇ - يوم أحرقه نمرود، وكانت زوجته التي أمر بضربها\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":231},{"text":"بالضِّغْث ابنةً ليعقوب بن إسحاق، يقال: لها ليا؛ كان يعقوب زوّجها منه (١). (١: ٣٢٢).\n٥٣٤ - وحدثني الحسين بن عمرو بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا غياث بن إبراهيم، قال: ذكر -والله أعلم- أن عدوّ الله إبليس لقِيَ امرأة أيوب -وذكر أنها كانت ليا بنت يعقوب- فقال: يا ليا ابنة الصدّيق وأخت الصدّيق. وكانت أم أيوب ابنة للوط بن هاران (٢). (١: ٣٢٢).\n٥٣٥ - وقيل: إن زوجته التي أمِر بضربها بالضِّغْث هي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكانت لها البَثَنيَّة من الشام كلها بما فيها، وكان -فيما ذكر- عن وهب بن منبه في الخبر الذي حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم أبو هشام، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه، فأدركه البغيُ والحسد، فسأل الله أن يسلِّطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلَّطه الله على ماله دون جسده وعقله، وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم، وكان لأيوب البثَنِيَّة من الشام كلّها بما فيها بين شرقها وغربها، وكان بها ألف شاة برعاتها، وخمسمئة فَدّان يتبعها خمسمئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فَدّان أتان، لكل أتان ولد؛ بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. فلما جمعهم إبليس، قال: ماذا عندكم من القوة والمعرفة؟ فإني قد سُلِّطت على مال أيوب؛ فهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فقال كلُّ مَنْ عنده قوة على إهلاك شيء ما عنده. فأرسلهم فأهلَكوا ماله كلّه، وأيوب في كلّ ذلك يحمد الله ولا يثنيه شيء أصيب به من ماله عن الجدّ في عبادة الله تعالى والشكر له على ما أعطاه، والصبر على ما ابتلاه به. فلما رأى ذلك من أمره إبليس لعنه الله سأل الله تعالى أن يسلطه على ولده فسقطه عليهم، ولم يجعل له سلطانًا على جسده وقلبه وعقله، فأهلك ولده كلّهم، ثم جاء إليه متمثلًا بمعلّمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحًا مشدوخًا يُرقِّقه حتى رقّ أيوب فبكى،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":232},{"text":"فقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فسُرّ بذلك إبليس، واغتنمه من أيوب - ﵇ -.\nثم إنّ أيوب تاب واستغفر، فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس إلى الله ﷿، فلما لم يثن أيوب - ﵇ - ما حلّ به من المصيبة في ماله وولده عن عبادة ربه، والجدّ في طاعته، والصبر على ما ناله، سأل الله ﷿ إبليسُ أن يسلِّطه على جسده، فسلطه على جسده خلا لسانَه وقلبه وعقله؛ فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطانًا، فجاءه وهو ساجد، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فصارَ من جملة أمره إلى أن أنتن جسده، فأخرجه أهلُ القرية من القرية إلى كُناسة خارج القرية لا يقرَبه أحد إلا زوجته، وقد ذكرت اختلاف الناس في اسمها ونسبها قبل.\nثم رجع الحديث إلى حديث وهب بن منبّه:\nوكانت زوجته تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، وكان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه، فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه واتهموه من غير أن يتركوا دينه؛ يقال لأحدهم بلدد، وللآخر اليفز وللثالث صافر. فانطلقوا إليه وهو في بلائه فبكّتوه، فلما سمع أيوب - ﵇ - كلامَهم أقبل على ربِّه يستغيثه ويتضرّع إليه، فرحمه ربُّه ورفع عنه البلاء، وردَّ عليه أهله ومَاله ومثلهم معهم، وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾؛ فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال (١). (١: ٣٢٢/ ٣٢٣ / ٣٢٤).\n٥٣٦ - فحدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدثنا فُضيل بن عياض عن هشام، عن الحسن، قال: مكث أيوب - ﵇ - مطروحًا على كُناسة لبني إسرائيل سبعَ سنين وأشهرًا، ما يسأل الله ﷿ أن يكشف ما به، قال: فما على وجه الأرض أكرم على الله من أيوب، فيزعمون أن بعض الناس قال: لو كان لربِّ هذا فيه حاجة ما صنع به هذا! فعند ذلك دعا (٢). (١: ٣٢٤).\n٥٣٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن يونس، عن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":233},{"text":"الحسن، قال: بقيَ أيوب - ﵇ - على كُناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرًا اختلف فيها الرواة (١). (١: ٣٢٤).\nفهذه جملة من خبر أيوب، وإنما قدمنا ذكر خبره وقصته قبل خبر يوسف وقصته لما ذكر من أمره، وأنه كان نبيًّا في عهد يعقوب أبي يوسف ﵈.\nوذُكر: أن عُمْر أيوب كان ثلاثًا وتسعين سنة، وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل، وأن الله ﷿ بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيًّا، وسماه ذا الكِفْل وأمره بالدعاء إلى توحيده، وأنه كان مقيمًا بالشام عُمْرَه حتى مات، وكان عمرُه خمسًا وسبعين سنة، وأن بشرًا أوصى إلى ابنه عبدان، وأن الله ﷿ بعث بعده شُعَيبَ بن صيفون بن عيفا بن نابت بن مدين بن إبراهيم إلى أهل مدين.\nوقد اختُلف في نسب شُعَيب فنسبه أهل التوراة النسب الذي ذكرت، وكان ابن إسحاق يقول: هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين، حدثني بذلك ابن حُميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.\nوقال بعضهم: لم يكن شعيب من ولد إبراهيم، وإنما هو من ولد بعض مَنْ كان آمن بإبراهيم واتبعه على دينه، وهاجر معه إلى الشام، ولكنه ابن بنت لوط؛ فجدة شعيب ابنة لوط (٢). (١: ٣٢٤/ ٣٢٥).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\nلم يذكر الطبري رحمه الله تعالى رواية مرفوعة صحيحة السند في قصة أيوب - ﵇ - وما ورد في ذلك صحيحًا عند غيره ذكرناه في قسم الصحيح والجدير بالذكر هنا أن نشير إلى رواية لم يخرجها الطبري في تاريخه إلا أنه أخرج نحوها مفرقًا كما سبق وهي رواية ضعيفة أيضًا.\nفقد أخرج ابن أبي حاتم والطبري في تفسيره (جامع البيان / ٢٣/ ١٦٧) من طريقه مع ابن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك مرفوعًا أن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد والعبيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين قال صاحبه وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به ... إلى آخر الرواية).\nوالحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق نافع بن يزيد به (كتاب الجنائز / ح ٢٨٩٨). =","vol":"6","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>ذكر خبر شعيب - ﷺ </span>-\nوقيل: إن اسم شعيب يزون، وقد ذكرت نسبه واختلاف أهل الأنساب في نسبه، وكان -فيما ذكر- ضرير البصر (١). (١: ٣٢٥).\n٥٣٨ - حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسديّ، قال: حدثنا أسيد بن زيد الجصاص، قال: أخبرنا شريك عن سالم، عن سعيد بن جُبَير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان أعمى (٢). (١: ٣٢٥).\n٥٣٩ - حدثنا أحمد بن الوليد الرَّمْليّ، قال: حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر وعبد الملك بن يزيد، قالوا: حدثنا شريك عن سالم، عن سعيد، مثله (٣). (١: ٣٢٦).\n٥٤٠ - حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن\n_________\n= وحديث أنس هذا رواه أبو يعلى (ح ٣٣١٧) والبزار (ح ٢٣٥٧) والحاكم (٢/ ٥٨٢) وصححه على شرط الشيخين وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٢٠٨ / ح ٣٨٠٠).\nقلنا: ولكن الحافظ ابن كثير ﵀ قال: وهذا غريب رفعه جدًّا والأشبه أن يكون موقوفًا (البداية والنهاية ١/ ٣١٠) وجاء في حاشية المطالب العالية لابن حجر تحقيق المحدث الأعظمي / قال المؤلف في المسندة: قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا عقيل ولا عنه إلا نافع.\nوصححه ابن حيان من طريق ابن وهب عن نافع بن يزيد به ... إلى أن قال (الأعظمي): قلت: ورواه ابن المبارك عن يونس عن عقيل عن الزهري مرسلًا أطول مما هنا (زيادات نعيم / ص ٤٨) (المطالب العالية ٣ / ح ٣٤٦٠) وصحح البوصيري إسناده في الإتحاف / ح ٨٧٩٦).\n(١) ضعيف.\n(٢) من الإسرائيليات والخبر لا يصح مرفوعًا وسيأتي موقوفًا ومع ذلك فهو من الأخبار المتلقاة عن كعب الأحبار وهو من الإسرائيليات والعلماء على أن الأنبياء محفوظون عن عاهة العمى أو الصمم ونحوها والله أعلم.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":235},{"text":"الصباح، قالا: سمعنا شريكًا يقول في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: أعمى (١). (١: ٣٢٦).\n٥٤١ - حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، مثله (٢). (١: ٣٢٦).\n٥٤٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحِمّانيّ، قال: حدثنا عبّاد عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضرير البصر (٣).\n٥٤٣ - حدثني العباس بن أبي طالب، قال: حدثنا إبراهيم بن مهدي المِصَيصيّ، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضعيف البصر (٤). (١: ٣٢٦).\n٥٤٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعَيم، قال: حدثنا سفيان، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضعيف البصر. قال سفيان: وكان يقال له: خطيب الأنبياء، وإن الله ﵎ بعثه نبيًّا إلى أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة -والأيكة الشجر الملتفّ- وكانوا أهلَ كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لأموالهم، وكان الله ﷿ وسَّع عليهم في الرزق، وبسط لهم في العيش استدراجًا منه لهم مع كفرهم به، فقال لهم شعيب - ﵇ -: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.\nفكان من قول شعيب لقومه وجواب قومه له ما ذكره الله ﷿ في كتابه (٥). (٣٢٦: ١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) باطل لا أصل له، وفي رواية للخطيب عن شداد بن أوس مرفوعًا بكى شعيب من حب الله حتى عَمِي / قال الذهبي هذا حديث باطل لا أصل له / ميزان الاعتدال / رقم الترجمة (٩٢١/ ١٣٣١)، وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل\" (١/ ٦١) وقال: هذا حديث لا أصل له.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":236},{"text":"٥٤٥ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: فكان رسول الله -فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة- إذا ذكره قال: \"ذاك خطيب الأنبياء\"، لحسْن مراجعته قومَه فيما يرادّهم به (١). (١: ٣٢٧).\n٥٤٦ - فلما طال تماديهم في غَيِّهم وضلالهم، ولم يردّهم تذكير شُعيب إياهم، وتحذيرهم عذاب الله [لهم] وأراد الله ﵎ هلاكهم، سلط عليهم -فيما حدثني الحارث- قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صَغيرة، قال: حدثني يزيد الباهليّ، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن هذه الآية: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، فقال عبد الله بن عباس: بعث الله وَبَدةً وحرًّا شديدًا، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت، فدخل [عليهم] أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرّابًا إلى البريّة فبعث الله ﷿ سحابة، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارًا، قال عبد الله بن عباس: فذاك عذابُ يوم الظلة؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). (١: ٣٢٧).\n٥٤٧ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بُعث شعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكانت الأيكة من شجر ملتفّ، فلما أراد الله ﷿ أن يعذّبهم بعث عليهم حرًّا شديدًا، ورفع لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بَرْدها، فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (٣). (١: ٣٢٧).\n٥٤٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو سفيان، عن معمرَ بن راشد، قال: حدثني رجل من أصحابنا عن بعض العلماء، قال: كانوا -يعني قوم شعيب- عطَّلوا حدًّا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطَّلوا حدًّا فوسع\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":237},{"text":"الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدًّا وسمع الله عليهم في الرزق حتى إذا أراد الله هلاكهم سلَّط عليهم حرًّا لا يستطيعون أن يتقارُّوا، ولا ينفعهم ظل ولا ماء، حتى ذهب ذاهب منهم فاستظلّ تحت ظلة فوجدَ روحًا، فنادى أصحابَه: هلمُّوا إلى الروْح، فذهبوا إليه سراعًا؛ حتى إذا اجتمعوا؛ ألهبها الله عليهم نارًا، فذلك عذاب يوم الظلة (١). (١: ٣٢٨).\n٥٤٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: أصابهم حرٌّ قلقلهم في بيوتهم، فنشأت سحابة كهيئة الظُّلَّةِ فابتدروها، فلما ناموا تحتها أخذتهم الرّجفة (٢). (١: ٣٢٨).\n٥٥٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء -جميعًا عن ابن أبي نَجيح- عن مجاهد في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: ظلال العذاب (٣). (١: ٣٢٨).\n٥٥١ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب، قال ابن جريج: لما أنزل الله تعالى عليهم أول العذاب أخذهم منه حرٌّ شديد، فرفع الله لهم غمامة، فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها، فأصابهم منها برد وَروْح وريح طيبة، فصبَّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابًا، فذلك قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤). (١: ٣٢٨).\n٥٥٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، قال: بعث الله ﷿ إليهم ظلة من سحاب، وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة؛ حتى إذا اجتمعوا كلُّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمَى\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":238},{"text":"عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقْلَى (١). (١: ٣٢٩).\n٥٥٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تُمَيلة عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس، قال: مَنْ حدّثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة، فكذّبه (٢). (١: ٣٢٩).\n٥٥٤ - حدثني محمود بن خداش، حدثنا حماد بن خالد الخياط، قال: حدثنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله ﷿: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، قال: كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم -أو قال: قطع الدراهم (الشكّ من حماد) (٣). (١: ٣٢٩).\n٥٥٥ - حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: حدثنا ابن أبي فُدَيك عن أبيِ مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: بلغني: أن قومَ شعيب عُذبوا في قطع الدراهم، ثم وجدت ذلك في القرآن: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٤). (١: ٣٢٩).\n٥٥٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حُبَاب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظيّ؛ قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، فقالوا: ﴿يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٥). (١: ٣٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>ذكر يعقوب وأولاده</span>\n٥٥٦ / أ- ذكروا -والله أعلم- أن إسحاق بن إبراهيم عاش بعدما ولد له العيص ويعقوب مئة سنة، ثم توفي وله مئة وستون سنة فقبرَه ابناه: العيص ويعقوب عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة حَبْرون، وكان عمر يعقوب بن إسحاق كله مئة\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":239},{"text":"وسبعًا وأربعين سنة، وكان ابنهُ يوسف قد قُسم له ولأمِّه من الحسن ما لم يقسم لكثير من أحد من الناس (١) (١: ٣٣٠).\n٥٥٧ - وقد حدثني عبد الله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت [البنانيّ] عن أنس، عن النبي، قال: \"أعطي يوسف وأمّه شَطْر الحسن\" (٢). (١: ٣٣٠).\n٥٥٧ / أ- وأن أمه راحيل لما ولدتْه دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه، فكان من شأنه وشأن عمّته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها صارت مِنْطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكِبَر، فكان من أختانها مَن وليها كان له سلَمًا لا ينازَع فيه، يصنع فيه ما شاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنتْه عمته، فكان معها وإليها، فلم يحبّ أحد شيئًا من الأشياء حبَّها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، ووقعت نفس يعقوب عليه، أتاها فقال: يا أخيَّة سلِّمِي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: والله ما أنا بتاركته؛ قال: فوالله ما أنا بتاركه. قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه، لعلّ ذلك يسلّيني عنه -أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا مَنْ أخذها ومن أصابها، فالتُمست ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت، فكشَّفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لَسَلَم أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر. فقال لها: أنت وذاك، إن كان فعل ذلك فهو سَلَم لك، ما أستطيع غير ذلك فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). (١: ٣٣٠/ ٣٣١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":240},{"text":"٥٥٧ / ب- قال أبو جعفر: فلما رأت إخوة يوسف شدةَ حبّ والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلّة صبره عنه حسدوه على مكانه منه، وقال بعضهم لبعض: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، يعنون بالعصبة الجماعة، وكانوا عشرة: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). (١: ٣٣١).\n٥٥٨ - ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قصَّ الله ﵎ في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم، ليسعى وينشط ويلعب، وضمانِهم له حفظَه، وإعلام يعقوب إياهم حزنَه بمغيبه عنه، وخوفه عليه من الذئب، وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف، ثم إرساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب، فكان من أمره حينئذ -فيما ذُكر- ما حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزيّ، عن أسباط، عن السديّ قال: أرسله -يعني يعقوبُ يوسفَ- معهم، فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا إلى البريّة أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب! لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء! فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقًا ألا تقتلوه! فانطلقوا به إلى الجبّ ليطرحوه، فجعلوا يُدْلونه في البئر فيتعلق بشفيرها، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردُّوا عليّ قميصي أتوارَى به في الجبّ! فقالوا: ادع الشمس والقمر وا لأحد عشر كوكبًا تؤنسك، قال: إني لم أو شيئًا، فدلّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفَها ألقوه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماء، فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها، فقام عليها، فلما ألقَوْه في الجبّ جعل يبكي، فنادوْه، فظنّ أنّها رحمة أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا، فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثِقًا ألّا تقتلوه، وكان يهوذا يأتيه بالطعام (٢). (١: ٣٣١/ ٣٣٢).\n٥٥٩ - ثم خَبَرُه ﵎ عن وحيه إلى يوسف - ﵇ - وهو في الجب\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":241},{"text":"ليُنَبِّئَنَّ إخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يَشْعُرونَ بالوحي الذي أوحي إلى يوسف، كذلك روي ذلك عن قتادة. حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَيهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾، قال: أوحي إلى يوسف وهو في الجبّ أن ينبِّئهم بما صنعوا به ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك الوحي (١). (١: ٣٣٢).\n٥٦٠ - حدثني المثنّى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك عن معمر، عن قتادة بنحوه، إلا أنه قال: أن سينبِّئهم (٢). (١: ٣٣٣).\n٥٦١ - وقيل معنى ذلك: وهم لا يشعرون أنه يوسف، وذلك قول يروى عن ابن عباس؛ حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا صدقة بن عبادة الأسديّ عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول ذاك، وهو قول ابن جريج (٣). (١: ٣٣٣).\n٥٦٢ - حدثنا بشرْ بن مُعَاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾، تباشروا به حين أخرجوه- وهي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها (٤). (١: ٣٣٣).\n٥٦٣ - وقد قيل: إنما نادى الذي أخرج يوسف من البئر صاحبًا له يسمى بُشْرى، فناداه باسمه الذي هو اسمه، كذلك ذكر عن الشُدِّيّ، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع، عن السديّ في قوله: ﴿يَابُشْرَى﴾، قال: كان اسم صاحبه بشرى (٥). (١: ٣٣٣).\n٥٦٤ - حدثني المثنّى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السّديّ في قوله: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾، قال: اسم الغلام\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":242},{"text":"بشرى، كما تقول: يا زيد (١). (١: ٣٣٤).\n٥٦٥ - ثم خبره ﷿ عن السيارة وواردهم الذي استخرج يوسف من الجبّ إذ اشتروه من إخوته ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، على زُهْد فيه وإسرارهم إياه بضاعة، خيفة ممن معهم من التجار مسألتهم الشركة فيه، إن هم علموا: أنهم اشتروه (٢). (١: ٣٣٤).\nكذلك قال في ذلك أهل التأويل:\n٥٦٦ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى [عن] ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: صاحب الدلو ومن معه قالوا لأصحابهم: إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه، وتبعهم إخوته يقولون للمُدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبَق، حتى وقفوه بمصر فقال: مَنْ يبتاعني ويبشّر! فاشتراه الملك، والملك مُسلم (٣). (١: ٣٣٤).\n٥٦٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد بنحوه؛ غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به، واتبعهم إخوته، يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر (٤). (١: ٣٣٤).\n٥٦٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: لما اشتراه الرجلان فرِقوا من الرفقة أن يقولوا: اشتريناه فيسْألُونَهم الشركة فيه فقالوا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة استبضعناه أهل الماء، فذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ (٥) (. (١: ٣٣٤).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":243},{"text":"٥٦٨ / أ- فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس، وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام.\nوقيل: إنهم باعوه بعشرين درهمًا، ثم اقتسموها -وهم عشرة- درهمين درهمين، وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن؛ لأن الدراهم حينئذ -فيما قيل- إذا كانت أقلَّ من أوقية وزنها أربعون درهمًا لم تكن توزن، لأن أقلّ أوزانهم يومئذ كانت أوقية.\nوقد قيل: إنهم باعوه بأربعين درهمًا. وقيل: باعوه باثنين وعشرين درهمًا (١). (١: ٣٣٥).\n٥٦٩ - وذكر: أن باعوة بأربعين الذي باعه بمصر كان مالك بن دعر بن يوبب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم الخليل - ﵇ -، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٢). (١: ٣٣٥).\n٥٧٠ - وأما الذي اشتراه بها، وقال ﴿لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، فإن اسمه -فيما ذكر عن ابن عباس- قُطْفير. حدثني محمد بن سعد، قَال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان اسم الذي اشتراه قطفير (٣). (١: ٣٣٥).\n٥٧١ - وقيل: إن اسمه أطفير بن رُوحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الرَّيان بن الوليد، رجل من العماليق، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق (٤). (١: ٣٣٥).\n٥٧٢ - فأما غيره فإنه قال: كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الريَّان بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":244},{"text":"الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح (١). (١: ٣٣٥).\n٥٧٣ - وقد قال بعضهم: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتَّبع يوسف على دينه، ثم مات ويوسف بعدُ حيٌّ، ثم ملك بعده قابوس بن مُصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇، وكان كافرًا، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل (٢). (١: ٣٣٦).\n٥٧٤ - وذكر بعضُ أهل التوراة: أن في التوراة: أنّ الذي كان من أمر يوسف وإخوته والمصير به إلى مصر، وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ، وأنه أقام في منزل العزيز الذي اشتراه ثلاث عشرة سنة، وأنه لما تمّتْ له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر؛ الوليد بن الريّان، وأنه مات يوم مات وهو ابن مئة سنة وعشر سنين وأوصى إلى أخيه يهوذا، وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة. وأن مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة، وأن يعقوب أوصى إلى يوسف - ﵇ - (٣). (١: ٣٣٦).\n٥٧٥ - وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانًا من أهله، فلما اشترى أطفير يوسف، وأتى به منزله، قال لأهله واسمها -فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق- راعيل: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الأمورَ بعضَ ما نحن بسبيله من أمورنا: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وذلك أنه كان -فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق- رجلًا لا يأتي النساء، وكانت امرأته راعيل حسناء ناعمة في مُلك ودنيا، فلما خلا من عمْر يوسف - ﵇ - ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله ﷿ الحكم والعلم (٤). (١: ٣٣٦).\n٥٧٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":245},{"text":"أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، قال: العقل والعلم قبل النبوة (١). (١: ٣٣٦).\n٥٧٧ - ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ حين بلغ من السنّ أشدّه ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ -وهي راعيل امرأة العزيز أطفير- ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ عليه وعليها للّذي أرادت منه، وجعلت -فيما ذكر- تذكر ليوسف محاسنه تشوقه بذلك إلى نفسها (٢). (١: ٣٣٧)\nذكر من قال ذلك:\n٥٧٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: قالت له يا يوسف: ما أحسن شعرَك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هي أولُ ما يسيل إلى الأرض من جَسدي، قالت: يا يوسف ما أحسنَ وجهك! قال: هو للتراب يأكله، فلم تزل حتى أطمعته فهمّت به وهمّ بها، فدخلا البيتَ وغلّقت الأبواب، وذهب ليحلّ سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف لا تواقعها، فإنما مثَلُك ما لم تواقعها مثلُ الطير في جوِّ السماء لا يطاق، ومثلك إن واقعتَها مثَله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثَلك ما لم تواقعها مثلُ الثور الصَّعْب الذي لا يعمل عليه، ومثَلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج يشتدّ، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلْفه فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط وطرحه يوسف، واشتدّ نحو الباب (٣). (١: ٣٣٧).\n٥٧٩ - وقد حدثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى، قالوا: حدثنا ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سئل عن همّ يوسف ما بلغ؟ قال: حلّ الهميان، وجلس منها مجلس الحائز (٤). (١: ٣٣٧).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":246},{"text":"٥٨٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن أبي مُلَيكة، قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقتْ له وجلس بين رجليها ينزع ثيابَه، فصرف الله تعالى عنه ما كان همّ به من السوء بما رأى من البرهان الذي أراه الله، فذلك -فيما قال بعضُهم- صورة يعقوب عاضًّا على إصبعه (١). (١: ٣٣٨).\n٥٨٠ / أ- وقال بعضهم: بل نودي من جانب البيت: أتزني فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطير ولا ريش له!\nوقال بعضهم: رأى في الحائط مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فقام حين رأى بُرْهان ربه هاربًا يريد باب البيت فرارًا مما أرادته، واتبعته راعيل فأدركتْه قبل خروجه من الباب، فجذبته بقميصه من قِبَل ظهره، فقدّت قميصَه وألفى يوسف وراعيل سيّدها -وهو زوجها أطفير- جالسًا عند الباب، مع ابن عمّ لراعيل (٢). (١: ٣٣٨).\n٥٨١ - كذلك حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾. قال: كان جالسًا عند الباب وابن عمها معه، فلما رأته قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي رَاوَدتْني عن نَفسي، فأبيت وفررت منها، فأدركتني فشقَّتْ قميصي، فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان القميص، ﴿قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان القميص ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فأتى بالقميص، فوجده قدّ من دُبر، قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (٣). (١: ٣٣٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف، وإسناده ضعيف جدًّا ولم يثبت في حديث مرفوع صحيح أن الشاهد هو ابن عمها وأنه كان جالسًا مع سيدها عند الباب والله أعلم.","vol":"6","page":247},{"text":"٥٨٢ - حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن نوْف الشاميّ، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال: فغضب وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (١). (١: ٣٣٩).\nوقد اختلف في الشاهد الذي شهد من أهلها ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فقال بعضهم ما ذكرت عن السديّ.\n٥٨٣ - وقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد، وقد روى في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، قال: \"تكلم أربعة وهم صغار\"، فذكر فيهم شاهد يوسف (٢). (١: ٣٣٩).\n٥٨٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم (٣). (١: ٣٣٩).\n٥٨٥ - وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقدّه من دبره.\nذكر بعض من قال ذلك:\nحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله ﷿: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: قميصه مشقوق من دُبره فتلك الشهادة، فلما رأى زوجُ المرأة قميص يوسف قُدَّ من دبر قال لراعيل زوجته: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، ثم قال ليوسف: أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لأحد، ثم قال لزوجته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (٤). (١: ٣٣٩).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":248},{"text":"٥٨٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ قال: والشغاف جلْدة على القلب يقال لها: لسان القلب، يقول: دخل الحبّ الجلد حتى أصاب القلب، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ امرأة العزيز ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ وتحدُّثهن بينهنّ بشأنها وشأن يوسف، وبلغها ذلك ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ﴾ يتكّئن عليه إذا حضرنها من وسائد، وحضرنها فقدّمت إليهنّ طعامًا وشرابًا وأترُجًّا، وأعطتْ كُلَّ واحدة منهن سكينًا تقطع به الأترجّ (١). (١: ٣٤٠).\n٥٨٧ - حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾، تقول: بعدما حلّ السراويل استعصم، لا أدري ما بدا له! ثم قالت لهنّ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ منْ إتْيانهَا ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، فاختار السجن على الزنى ومعصية ربه، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾ (٢). (١: ٣٤١).\n٥٨٨ - وقد قيل: إن السبب الذي من أجله بدا له في ذلك، ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط، عن السديّ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، قال: قالت المرأة لزوجها: إنّ هذا العبد العبرانيّ قد فضَحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فاعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فذكر أنهم حبسوه سبع سنين (٣). (١: ٣٤٢).\nذكر من قال ذلك:\n٥٨٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي عن داود، عن عكرمة: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، قال: سبع سنين، فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز، أدخِل معه السجن الذي حبس فيه فتيان للملك صاحب مصر الأكبر؛\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":249},{"text":"وهو الوليد بن الريّان؛ أحدهما كان صاحبَ طعامه، والآخر كان صاحب شرابه (١). (١: ٣٤٢).\n٥٩٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: حبسه الملك، وغضب على خبّازه، بلغه أنه يريد أن يَسُمَّه فحبسه، وحبس صاحب شرَابه، ظن أنه مالأه على ذلك، فحبسهما جميعًا، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ (٢). (١: ٣٤٢).\n٥٩١ - فلما دخل يوسف قال فيما حدثني به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما دخل يوسف السجن، قال: إني أعبِّر الأحلام، فقال أحدُ الفتيين لصاحبه: هَلُمَّ فلنجرّب هذا العبد العبرانيّ، فتراءيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا. فقال الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ﴾، وقال الآخر: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (١: ٣٤٣).\n٥٩٢ - وكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب -وهو الذي ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزًا- واسم الآخر نبو، وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرًا، فلم يَدَعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه فقال: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ -وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرًا- ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. فلما عبّر لهما ما سألاه تعبيره، قالا: ما رأينا شيئًا (٤) (١: ٣٤٣)\n٥٩٣ - فحدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار، قال: قال يوسف للساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قال: قيل: يا يوسف، اتخذتَ من دوني وكيلًا! لأطيلنَّ حبسَك، قال: فبكى يوسف وقال: يا ربّ أنسي قلبي كثرة البلوى\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":250},{"text":"فقلت كلمة، فويل لإخوتي! (١). (١: ٣٤٤).\n٥٩٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي: \"لو لم يقل يوسف -يعني الكلمة التي قال- ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله ﷿\" (٢). (١: ٣٤٤).\n٥٩٥ - فلبث في السجن، فيما حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عمران أبو الهُذَيل الصنعانيّ، قال: سمعت وهبا يقول: أصاب أيوب البلاء سبعَ سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصَّر فحوّل في السباع سبع سنين (٣). (١: ٣٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>ثم إن ملك مصر رأى رؤيا هالته</span>\n٥٩٦ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ، قال: إن الله ﷿ أرى الملك في منامه رؤيا هالتْه، فرأى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾، فجمع السحرة والكهنة والحازة، والقافة، فقصّها عليهم، فقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْويلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من الفتيين وهو نبو، ﴿وَادَّكَرَ﴾ حاجة يوسف ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، يعني بعد نسيان: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾، يقول: فأطلقون، فأرسلوه فأتى يوسف فقال: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ فإن الملكَ رأى ذلك في نومه (٤). (١: ٣٤٥).\n٥٩٧ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ، قال: قال ابن عباس: لم يكن السجنُ في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":251},{"text":"﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ. . .﴾ الآيات (١). (١: ٣٤٥).\n٥٩٨ - فلما قال ذلك يوسف قال له جَبْرَئَيل: ما حدَّثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما جمع الملك النسوة، فسألهنّ! هل راودتُن يوسفَ عن نفسه ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ قَالتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ﴾. قال: فقال له جَبْرَئيل: ولا يوم هممتَ بها؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢). (١: ٣٤٦/ ٣٤٧).\n٥٩٩ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبيّ في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، قال: على حفظ الطعام. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة، فولاه الملك ذلك (٣). (١: ٣٤٧).\n٦٠٠ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال الملك: قد فعلت، فولاه -فيما يذكرون- عملَ إطفير، وعزَل إطفير عما كان عليه، يقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال: فذُكر لي -والله أعلم-: أن إطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريّان بن الوليد زوّج يوسفَ امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين! قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصدّيق لا تلمني، فإني كنت امرأةً -كما ترى- حسناء جميلة ناعمة، في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبَتْني نفسي على ما رأيت، فيزعمون: أنه وجدها عذراء، وأصابها فولدت له\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":252},{"text":"رجلين: أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف (١). (١: ٣٤٧).\n٦٠١ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ، قال: أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، فلما نظر إليهم قال: أخبروني: ما أمرُكم؟ فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعامًا، قال: كذبتم، أنتم عيون! كم أنتم؟ قالوا: عشرة، قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم [أمير] ألف. فأخبروني خبركم، قالوا: إنا إخوة، بنو رجل صدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحب أخًا لنا، وإنه ذهب معنا إلى البرّية فهلك فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا، قال: فإلى مَنْ سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تخبرونني أن أباكم صدَّيق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير! ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظرَ إليه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ (٢). (١: ٣٤٨).\n٦٠١ / أ- قال: فضعوا بعضَكم رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون. (١: ٣٤٩).\n٦٠٢ - فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم، قالوا: ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا، إن ملكَ مصر أكرمنا كرامةً؛ لو كان رجلًا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ ولا تقربوا بلادي أبدًا. قال يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. قال: فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملِك مصر فأقرئوه مني السلام وقولوا له: إن أبانا يصلِّي عليك، ويدعو لك بما أوليتَنا (٣). (١: ٣٤٩/ ٣٥٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":253},{"text":"٦٠٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم، وكان منزلهم -فيما ذكر لي بعضُ أهل العلم- بالعربات من أرض فلسطين بغَوْر الشأم. وبعضهم يقول: بالأولاج من ناحية الشِّعب أسفل من حِسْمى فلسطين، وكان صاحب بادية، له إبل وشاء. فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ﴾ فوق حمل أباعرنا، ولم يكل لكلِّ واحد منا إلا كيل بعير، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامين يكتَلْ لنفس ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وإنا له لحافظون، فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعَهم الذي قدموا به من مصر، وجدوا ثمن طعامهم الذي اشتروه به رُدَّ إليهم، فقالوا لوالدهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ﴾ آخرَ على أحمال إبلنا (١). (١: ٣٥٠).\n٦٠٤ - وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج، ﴿وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ﴾، قال: كان لكل رجل منهم حمل بعير، فقالوا: أرسل معنا أخانا نزدد حمل بعير، قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿كَيلَ بَعِيرٍ﴾: حمل حمار، قال: وهي لغة؛ قال الحارث: قال القاسم: يعني مجاهد أن الحمار يقال له في بعض اللغات: \"بعير\" (٢). (١: ٣٥٠/ ٣٥١).\n٦٠٥ - ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضمّ إليه أخاه لأبيه وأمه، فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ﴾ ـ، قال: عرف أخاه، وأنزلهم منزلًا، وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل جاءهم بمثُل فَقال: ليَنَمْ كلّ أخوين منكم على مِثال، فلما بقي الغلام وحده قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فبات معه، فجعل يوسفَ يَشُمُّ ريحه، ويضمّه إليه حتى أصبح؛ وجعل روبيل يقول: ما رأينا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":254},{"text":"مثل هذا إن نجونا منه (١). (١: ٣٥١/ ٣٥٢).\n٦٠٦ - وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما دخلوا -يعني ولد يعقوب- على يوسف قالوا: هذا أخونا الذي أمرتَنا أن نأتيَك به، قد جئناك به، فذكر لي: أنه قال لهم: قد أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، أو كما قال.\nثم قال: إني أراكم رجالًا، وقد أردت أن أكرمكم، فدعا صاحب ضيافته فقال: أنزل كلَّ رجلين على حدة، ثم أكرمْهما وأحسنْ ضيافتَهما. ثم قال: إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان، فسأضمه إليّ فيكون منزله معي، فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتى، وأنزل أخاه معه فآواه إليه، فلما خلا به قال: إني أنا أخوك أنا يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى؛ فإن الله قد أحسن إلينا فلا تعلمهم مما أعلمتك؛ يقول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ قَال إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقول له: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾، فلا تحزن.\nفلما حمّل يوسف إبل إخوته ما حمَّلها من الميرة وقضى حاجتهم ووفّاهم كيلهم، جعل الإناءَ الذي كان يكيل به الطعام -وهو الصُّواع- في رحل أخيه بنيامين (٢). (٣٥٢: ١).\n٦٠٧ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حمّل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمل لأخيه بنيامين بعيرًا باسمه كما حمل لهم، ثم أمر بسقاية الملك -وهو الصُّوَاع- وزعموا أنها كانت من فضة، فجُعلت في رحل أخيه بنيامين، ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية، أمر بهم فأدرِكوا واحتُبِسوا، ثم نادى منادٍ: أيتها العير إنكم لسارقون، [قفوا]. وانتهى إليهم رسوله فقال لهم -فيما يذكرون-: ألم نكرم ضيافَتكم، ونوفّكم كيلَكم، ونحسن منزلَكم، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم، وأدخلناكم علينا في بيوتنا، وصار لنا عليكم حرمة! أو كما قال لهم. قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":255},{"text":"فقدناها، ولا يتهم عليها غيركم. قالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾. وكان مجاهد يقول: كانت العير حميرًا (١). (١: ٣٥٢).\n٦٠٨ - حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، قال: أخبرَني رجل عن مجاهد: وكان فيما نادى به منادي يوسف: مَنْ جاء بصُواع الملك فله حمْلُ بعير من الطعام، وأنا بإيفائه ذلك زعيم -يعني \"كفيل\"- وإنما قال القوم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾، لأنهم ردوا ثمن الطعام الذي كان كيل لهم المرة الأولى في رحالهم، فردوه إلى يوسف، فقالوا: لو كنا سارقين لم نردد ذلك إليكم -وقيل: إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، فلذلك قالوا ذلك- فقيل لهم: فما جزاء من كان سرق ذلك؟ فقالوا: جزاؤه في حكمنا بأن يسلَّم لفعله ذلك إلى مَنْ سرقه حتى يسترقّه (٢). (٣٥٣: ١).\n٦٠٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا: أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثمًا مما قَرفَهم به، حتى بقيَ أخوه -وكان أصغر القوم- قال: ما أرى هذا أخذ شيئًا. قالوا ة بلى فاستبرئه، ألا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، يعني في حكم الملك، ملك مصر، وقضائه لأنه لمن يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يُسْترَقّ السارق بما سرق، ولكنّه أخذه بكيد الله له حتى أسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم (٣). (١: ٣٥٤).\n٦١٠ - وقد قيل: إن يوسف كان سرق صنمًا لجده أبِي أمّه، فكسره، فعيّروه بذلك.\nذكر من قال ذلك:\nحدثني أحمد بن عمرو البصريّ، قال: حدثنا الفيض بن الفضل، قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":256},{"text":"حدثنا مسْعَر عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جبير: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، قال: سرق يوسف صنمًا لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق، فكان إخوته يعيبونه بذلك (١). (١: ٣٥٤).\n٦١١ - وقد حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي قال: كان بنو يعقوب على طعام، إذ نظر يوسف إلى عَرْق فخبأه فعيّروه بذلك ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، فأسرّها في نفسه يوسف حين سمع ذلك منهم، فقال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ به أخا بنيامين من الكذب، ولم يُبْدِ ذلك لهم قولًا (٢). (١: ٣٥٥).\n٦١٢ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ، قال: لما استخرِجت السرِقة من رحْل الغلام انقطعت ظهورُهم، وقالوا: يا بَني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذتَ هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرّية، وَضَع هذا الصُّواع في رَحْلي الذي وضح الدراهم في رحالكم، فقالوا: لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها. فلما دخلوا على يوسف دعا بالصُّواع، فنقر فيه ثم أدناه من أذنه، ثم قال: إن صُواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلًا، وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه. فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثم قال: أيها الملك، سل صُواعك هذا عن أخي أين هو؟ فنقره، ثم قال: هو حيّ، وسوف تراه. قال: فاصنع بي ما شئت، فإنه إن علم بي فسوف يستنقِذني. قال: فدخل يوسف فبكى ثم توضأ، ثم خرج فقال بنيامين: أيها الملك، إني أريد أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحقِّ الذي سرقه فجعله في رحلي. فنقره، فقال: إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألني: مَنْ صاحبي؟ فقد رأيتَ مع من كنت! قالوا: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقوا، فغضب روبيل وقال: أيها الملك، والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقتْ ما في بطنها، وقامت كلُّ شعرة في جسد روبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسّه -وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسَّه الآخر ذهب غضبه- فقال\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":257},{"text":"روبيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد لَبَزْرا من بزْر يعقوب، فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: أيها الملك، لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله، قال يوسف: أنت إذًا كنت صادقًا.\nقال: ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين، فصار بحكم إخوته أولى به منهم، ورأوا: أنه لا سبيلَ لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسألته تخليتَه ببدل منه يعطونه إياه، فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في أفعالك، فقال لهم يوسف: ﴿قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إن نأخذ بريئًا بسقيم!\nفلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ لا يفترق منهم أحد، ولا يختلط بهم غيرهم. فقال كبيرهم: -وهو روبيل، وقد قيل إنه شمعون-: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أن نأتيَه بأخينا بنيامين إلّا أن يحاط بنا أجمعين! ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ التي أنا بها ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الخروج منها وترك أخي بنيامين بها ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ -وقد قيل معنى ذلك: أو يحكم الله لي بحرب مَنْ منعني من الإنصراف بأخي- ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فأسلمناه بجريرته ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ لأن صواع الملك لم يوجد إلا في رحله، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ﴾، يعنون بذلك أنا إنما ضمنَّا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل، ولم نكن نعلم أن يسرق فيُستَرقّ بسرقته، ﴿وَاسْأَلِ﴾ أهل ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ فسرق ابنك فيها، والقافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك، فإنك تخبر بحقيقة ذلك (١). (١: ٣٥٥/ ٣٥٦ / ٣٥٧).\n٦١٣ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكّام عن عيسى بن يزيد، عن الحسن، قال: قيل: ما بلغ وَجْد يعقوب على ابنه؟ قال: وجْد سبعين ثَكْلى،\n_________\n(١) ضعيف الإسناد إلا أن المعنى صحيح وهو تفسير للآية سوى أن روبيل وشمعون مأخوذان من الإسرائيليات.","vol":"6","page":258},{"text":"قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مئة شهيد، قال: وما ساء ظنّه بالله ساعة قطّ من ليل ولا نهار (١). (١: ٣٥٧).\n٦١٤ - وحدثنا ابن حميد مرّة أخرى، قال: حدثنا حَكّام عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، عن النبي مثله (٢). (١: ٣٥٧).\n٦١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن المبارك بن مجاهد، عن رجل من الأزد، عن طلحة بن مُصرَّف الياميّ، قال: أنبئت أن يعقوبَ بن إسحاق دخل عليه جار له فقال: يا يعقوب، ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنّ ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف وذكره، فأوحى الله ﷿ إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي! قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. قال: فإني قد غفرت لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسّس الخبر عن يوسف وأخيه، فقال لهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، يفرج به عنا وعنكم الغمَّ الذي نحن فيه. فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. وكانت بضاعتهم المزجاة التي جاؤوا بها معهم -فيما ذكر- دراهم رديّة زُيوفًا لا تؤخذ إلا بوضيعة. وكان بعضهم يقول: كانت حلَق الغرارة والحبل ونحو ذلك. وقال بعضهم: كانت سمنًا وصوفًا. وقال بعضهم: كانت صنوبرًا وحبة الخضراء، وقال بعضهم: كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل، فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويُوفِيَهم بذلك من كيل الطعام مثل الذي كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك، ولا ينقصهم، فقالوا له: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٣). (١: ٣٥٧/ ٣٥٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":259},{"text":"٦١٦ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلِي، قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن، قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره، قال الحسن: والله ما علَى الأرض خليفةٌ أكرم على الله من يعقوب (١). (١: ٣٥٨).\n٦١٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾، قال: بفضل ما بين الجياد والرديّة. وقد قيل: إن معنى ذلك: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾ برد أخينا إلينا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢). (١: ٣٥٩).\n٦١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر أنهم لما كلّموه بهذا الكلام، غلبتْه نفسه فارفضّ دمعُه باكيًا، ثم باح لهم بالذي كان يكتم منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه، ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا. فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له: ها أنت يوسف! قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ بأن جمع بيننا بعد تفريقكم بيننا، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (١: ٣٥٩).\n٦١٩ - فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن شريح عن أبي أيوب الهوزنيّ، حدّثه، قال: استأذنت الريح بأن تأتيَ يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيه البشير، ففعلت، فقال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٤). (١: ٣٦٠).\n٦٢٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن ابن سنان، عن ابن أبي الهذيل، عن ابن عباس في ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَال أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قال: هاجت ريحٌ فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":260},{"text":"فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (١). (١: ٣٦٠).\n٦٢١ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: ذُكِر لنا أنه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخًا، يوسف بأرض مصر ويعقوب بأرض كنعان، وقد أتى لذلك زمان طويل (٢). (١: ٣٦٠).\n٦٢٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، قال: بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخًا، وقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقد كان فارقه قبل ذلك سبعًا وسبعين سنة. ويعني بقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: لولا أن تسفّهوني فتنسبوني إلى الهرم وذهاب العقل، فقال له مَنْ حضره من ولده حينئذ: تالله إنك من ذكر يوسف وحبّه ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ - يعنون: في خطئك القديم.\n﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ -يعني: البريد الذي أبرده يوسف إلى يعقوب- يبشر بحياة يوسف وخبره، وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب (٣). (١: ٣٦٠).\n٦٢٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عِمرو، عن أسباط، عن السُّديّ، قال: قال يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره بأنه حيّ، فأقرّ عينه كما أحزنته؛ فهو كان البشير.\nفلما أن جاء البشيرُ يعقوبَ بقميص يوسف ألقاه على وجهه، فعاد بصيرًا بعد العمى، فقال لأولاده: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وذلك أنه كان قد علم -من صدق تأويل رؤيا يوسف التي رآها: أنّ الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ساجدون- ما لم يكونوا يعلمون. فقالوا ليعقوب: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾. فقال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":261},{"text":"قيل: إنه أخّر الدعاء لهم إلى السَّحَر. وقيل إنه أخّر ذلك إلى ليلة الجمعة (١). (٣٦١: ١).\n٦٢٤ - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذيّ، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله: \"قال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾، يقول: حتى تأتيَ ليلة الجمعة\" (٢). (٣٦١: ١).\n٦٢٥ - فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبويه، وكان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر -فيما قيل- لأن يوسف تلقاهم. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: حملوا إليه أهليهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر كلّم يوسف الملك الذي فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم، فلما بلغوا مصر قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ (٣). (١: ٣٦١).\n٦٢٦ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان عن فرقد السبَخيّ، قال: لما ألقِيَ القميص على وجهه ارتدَّ بصيرًا، وقال: ائتوني بأهلكم أجمعين، فحمِل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا يعقوب أخبرَ يوسف أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه، قال: وركب معه أهلُ مصر -وكانوا يعظِّمونه- فلما دنا أحدهما من صاحبه -وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من وَلده، يقال له: يهوذا- قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، فقال: لا، هذا ابنك يوسف، قال: فلما دنا كلُّ واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع ذلك، وكان يعقوب أحقَّ بذلك منه وأفضل. فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، فلما أن دخلوا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف، وقال الحافظ ابن كثير وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والأشبه أن يكون موقوفًا على ابن عباس (قصص الأنبياء / ٢٠٨) وقال الشيخ عبد الرزاق: منكر.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":262},{"text":"مصر رفع أبويه على السرير وأجلسهما عليه (١). (١: ٣٦٢).\n٦٢٦ / أ- وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش، وأجلسهما عليه، فقال بعضهم: كان أحدهما أبوه يعقوب، والآخر أمه راحيل، وقال آخرونَ: بلْ كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك. وخرّ له يعقوب وأمه وولد يعقوب سجَّدًا (٢). (١: ٣٦٢).\n٦٢٧ - وقيل: كان بين أن أرِيَ يوسف رؤياه هذه ومجيء تأويله أربعون سنة.\nذكر بعض من قال ذلك (٣): (١: ٣٦٢).\n٦٢٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتَمر عن أبيه، قال: حدثنا أبو عثمان عن سلمان الفارسيّ، قال: كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة (٤). (١: ٣٦٣).\nوقال بعضهم: كان بين ذلك ثمانون سنة.\nذكر بعض من قال ذلك:\n٦٢٩ - حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: حدثنا هشام عن الحسن، قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزنُ قلبَه ودموعُه تجري على خدَّيه، وما على الأرض يومئذ أحبُّ إلى الله ﷿ من يعقوب (٥). (١: ٣٦٣).\n٦٣٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا داود بن مِهْران، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس، عن الحسن، قال: أُلْقِيَ يوسف في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومئة سنة (٦). (١: ٣٦٣).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.","vol":"6","page":263},{"text":"٦٣١: حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك بن فَضَالة عن الحسن، قال: ألْقِيَ يوسف في الجبّ، وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، ثم عاش بعد ما جمع الله شمله، ورأى تأويل رؤياه ثلاثًا وعشرين سنة، فمات وهو ابن عشرين ومئة سنة (١). (١: ٣٦٣).\n٦٣٢ - وقال بعض أهل الكتاب: دخل يوسف مصر وله سبع عشرة سنة، فأقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة، فلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون ملك مصر، واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وأنّ هذا الملك آمن، ثم مات، ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق ابن لاوذ بن سام بن نوح. وكان كافرًا، فدعاه يوسف إلى الإيمان بالله فلم يستجب إليه، وإن يوسف أوصَى إلى أخيه يهوذا، ومات وقد أتت له مئة وعشرون سنة، وأنّ فِراق يعقوب إياه كان اثنتين وعشرين سنة، وأن مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشر سنة، وأن يعقوب لما حضرتْه الوفاة أوصى إلى يوسف -وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانًا من أهله. وتقدم إلى يوسف عند وفاته أن يحمَل جسده حتى يدفنه بجنب أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفنه بالشام، ثم انصرف إلى مصر، وأوصى يوسف أن يُحمل جسده حتى يدفَن إلى جنب آبائه، فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه (٢). (١: ٣٦٣/ ٣٦٤).\n٦٣٣ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لي -والله أعلم-: أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانيَ عشرة سنة.\nقال: وأهلُ الكتاب يزعمون: أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأنّ يعقوب بقيَ مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه. قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":264},{"text":"وقبر يوسف -كما ذكر لي في- صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء (١). (١: ٣٦٤).\n٦٣٤ - وقال بعضهم: عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مئة وعشرين سنة. قال: وفي التوراة: أنه عاش مئة سنة وعشر سنين.\nوولد ليوسف أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف، فولد لإفراييم نون، فولد لنون بن إفراييم يوشع بن نون وهو فتى موسى، وولد لمنشا موسى بن منشا.\nوقيل: إن موسى بن منشا نبّئ قبل موسى بن عمران.\nويزعم أهل التوراة: أنه الذي طلب الخضر (٢). (١: ٣٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع ﵈</span>\n٦٣٥ - قال أبو جعفر: كان الخضِر ممن كان في أيام أفريدون الملك بن أثفيان في قول عامّة أهل الكتاب الأوّل، وقبل موسى بن عمران. وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القَرْنين الأكبر، الذي كان أيام إبراهيم خليل الرحمن، وهو الذي قضى له ببئر السبع -وهي بئر كان إبراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردنّ- وإنّ قومًا من أهل الأردنّ ادّعوا الأرض التي كان احتفر بها إبراهيم بئره، فحاكمهم إبراهيم إلى ذي القرنين الذي ذكر أن الخَضِر كان على مقدمته أيامَ سَيره في البلاد، وإنه بلغ مع ذي القرنين نهرَ الحياة، فشرب من مائه وهو لا يعلم، ولا يعلم به ذو القرنين ومن معه، فخلِّد، فهو حيّ عندهم إلى الآن.\nوزعم بعضهم: أنه من ولد مَن كان آمن بإبراهيم خليل الرحمن، واتبعه على دينه، وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر إبراهيم منها. وقال: اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال: وكان أبوه ملكًا عظيمًا.\nوقال آخرون: ذو القرنين الذي كان على عهد إبراهيم هو أفريدون بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":265},{"text":"أثفيان، قال: وعلى مقدمته كان الخضر (١). (١: ٣٦٥).\n٦٣٦ - وقال عبد الله بن شَوْذب فيه، ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ قال: حدثنا محمد بن المتوكل، قال: حدثنا ضمْرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شَوْذب، قال: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل، يلتقيان في كلّ عام بالموسم (٢). (١: ٣٦٥).\n٦٣٧ - وقال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: بلغني أنه استخلف الله ﷿ في بني إسرائيل رجلًا منهم، يقال له ناشية بن أموص، فبعث الله ﷿ لهم الخضر نبيًّا. قال: واسم الخضر -فيما كان وهب بن منبّه يزعم عن بني إسرائيل- أورميا بن خلقيا، وكان من سِبْط هارون بن عمران. وبين هذا الملك الذي ذكره ابن إسحاق وبين أفريدون أكثر من ألف عام (٣). (١: ٣٦٦).\n٦٣٧ / أ- وقول الذي قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر وقبل موسى بن عمران أشبه بالحق إلا أن يكون الأمر كما قاله مَنْ قال: إنه كان على مقدمة ذي القرنين صاحب إبراهيم، فشرب ماء الحياة، فلم يبعث في أيام إبراهيم نبيًّا، وبعث أيام ناشية بن أموص؛ وذلك أنّ ناشية بن أموص الذي ذكر ابن إسحاق أنه كان ملكًا علي بني إسرائيل، كان في عهد بشتاسب بن لهراسب، وبين بشتاسب وبين أفريدون من الدهور والأزمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم، وسأذكر مبلغَ ذلك إذا انتهينا إلى خبر بشتاسب إن شاء الله تعالى.\nوإنما قلنا: قول من قال: كان الخضر قبل موسى بن عمران أشبهُ بالحق من القول الذي قاله ابن إسحاق وحكاه عن وهب بن منبّه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله أبيّ بن كعب: أنّ صاحب موسى بن عمران -وهو العالم الذي أمره الله ﵎ بطلبه؛ إذ ظن أنه لا أحدَ في الأرض أعلم منه- هو الخضر،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":266},{"text":"ورسول الله كان أعلمَ خلق الله بالكائن من الأمور الماضية، والكائن منها، والذي لم يكن بعد (١). (١: ٣٦٦).\n٦٣٨ - حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قوله: ميو ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ. . .﴾ الآية، قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر، فلما استقرّت بهم الدار، أنزل الله ﷿ عليه: أن ذكِّرهم بأيام الله. فخطب قومه، فذكَر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكَرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون، وذكّرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم [الله] في الأرض، فقال: وكلم الله موسى نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله من كلّ ما سألتموه، فنبيكم أفضلُ أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة. فلم يترك نعمةً أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرَّفها إياهم، فقال له رجل من بني إسرائيل: هو كذلك يا نبيّ الله، وقد عرفْنا الذي تقول، فهل على الأرض أحدٌ أعلم منك يا نبيّ الله؟ قال: لا، فبعث الله ﷿ جبرئيل ﵇ إلى موسى - ﵇ - فقال: إن الله تعالى يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى إن على شطّ البحر رجلًا أعلم منك -قال ابن عباس: هو الخضر- فسأل موسى ربه أن يريَه إياه، فأوحى الله إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شطّ البحر حوتًا فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شطّ البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك؛ فَثمّ تجد العبد الصالح الذي تطلب.\nفلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: ﴿قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا. فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدّم عصاه يفرج بها عنه الماء، يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من الماء إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":267},{"text":"البحر، فلقي الخضر بها، فسلَّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض! ومن أنت؟ قال: أنا موسى، فقال له: الخضر صاحبُ بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحَّب به وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت على أن تعلِّمني مما علمت رشدًا، قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يقول: لا تطيق ذلك، قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعُه حتى أبين لك شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فركبا في السَّفينه يريدان أن يتعديا إلى البرّ، فقام الخضر، فخرق السفينة فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ ... ثم ذكر بقية القصّة (١). (١: ٣٦٩/ ٣٧٠ / ٣٧١).\n٦٣٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى - ﵇ - ربه ﷿ فقال: أي ربّ! أيُّ عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أيّ رب! أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علْم الناس إلى علمه، عسى أن يُصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو تردَّه عن ردىً، قال: ربّ فهل في الأرض أحد -قال أبو جعفر: أظنه قال: - أعلم مني؟ قال: نعم، قال: ربّ، فمن هو؟ قال: الخضر، قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل، عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت، قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله ﷿ وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلَّم كلُّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تستصحبني، قال: لن تطيق صحبتي، قال: بلى، قال: فإن صحبتني: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَال أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾، إلى قوله: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾.\nقال: فكان قول موسى في الجدار لنفسه، ولطلب شيء من الدنيا، وكان قوله\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":268},{"text":"في السفينة وفي الغلام لله ﷿. ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾، فأخبره بما قال الله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ. . .﴾ الآية، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ. . .﴾ الآية، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ. .﴾ الآية. قال: فسار به في البحر حتى انتهى به إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماءً منه، قال: وبعث ربك الخُطّاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخُطّاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقلَّ ما رزأ! قال: يا موسى فإنّ علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخُطّاف من هذا الماء. وكان موسى ﵇ قد حدّث نفسه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلم به؛ فمن ثَمّ أمِر أن يأتي الخضر (١). (١: ٣٧١/ ٣٧٢).\n٦٤٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفرٌ من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس! إن نَوْفا ابن امرأة كعب، ذكر عن كعب: أن موسى النبي - ﵇ - الذي طلب العالم إنما هو موسى بن منشا. قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوْفٌ يقول هذا؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوْفًا يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم، قال: كذب نوْف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبيّ بن كعب عن رسول الله: أن موسى نبيّ إسرائيل سأل ربه ﵎ فقال: أيّ رب، إن كان في عبادك أحدٌ هو أعلم مني فادللني عليه، فقال له: نعم في عبادي مَنْ هو أعلم منك، ثم نعَت له مكانه، وأذن له في لقائه، فخرج موسى - ﵇ - ومعه فتاه، ومعه حوت مليح قد قيل له: إذا حَيِيَ هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركتَ حاجتك.\nفخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، مَنْ شرب منه خُلِّد، ولا يقاربه شيء ميت إلا أدركته الحياة وحيي، فلما نزلا منزلًا ومسّ الحوتُ الماءَ حيي، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، فانطلق فلما جاوزا بمنقلة قال\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا ضعيف واتهمه بعضهم بالكذب وأما أصل القصة فصحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح.","vol":"6","page":269},{"text":"موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال الفتى وذكر: ﴿قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال ابن عباس: وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه، فإذا رجل متلفِّف في كساء له، فسلم عليه موسى، فرد - ﵇ -، ثم قال له: ومَنْ أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران، قال: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم أنا ذلك، قال: وما جاء بك إلى هذه الأرض؛ إنَّ لك في قومك لَشُغْل! قال له موسى: جئتك لتعلّمني مما عُلّمتَ رشدًا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكان رجلًا يعمل على الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تُحِطْ من علم الغيب بما أعلم. ﴿قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيتُ ما يخالفني. قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي فلا تسألني عن شيء وإن أنكرتَه حتى أحدث لك منه ذكرًا، أي: خبرًا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس، يلتمسان مَنْ يحملهما حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما شيء من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلَها أن يحملوهما، فحملوهما، فلما اطمأنَّا فيها، ولجَّجت بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطْرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، قال له موسى: فأيّ أمر أفظعُ من هذا! ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾! حملونا وآوونا إلى سفينتهم، وليس في البحر سفينة مثلها، فلم خرقتها! قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾، أي بما تركت من عهدك ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا أهلَ قرية، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلامٌ ليس في الغلمان غلام أظرفُ ولا أترفُ ولا أوضأ منه، فأخذ بيده، وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله. قال: فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيّ صغير قتله بغير جناية ولا ذنب له! فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، أي صغيرة ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعذرت في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُ وهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: فهدمه ثم","vol":"6","page":270},{"text":"قعد يبنيه، فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ أي: قد استطعمناهم فلم يُطعمونا، واستضفناهم فلم يُضيفونا، ثم قعدتَ تعمل في غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا [في عمله] ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ - وفي قراءة أبيّ بن كعب: (كل سفينةٍ صالحةٍ) ﴿غَصْبًا﴾، وإنما عِبتها لأردّه عنها، فسلمتْ منه حين رأى العيبَ الذي صنعتُ بها. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ -إلى- ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾. فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا (١). (١: ٣٧٣/ ٣٧٤ / ٣٧٥).\n٦٤١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه! فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال شرب الفتى من ماء الخلد فخلِّد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب (٢). (١: ٣٧٥).\n٦٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن شعبة، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، ذُكر لنا: أن نبيَّ الله موسى لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون، جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال: أنتم خيرُ أهل الأرض وأعلمُهم قد أهلك الله عدوكم، وأقطعكم البحر وأنزل عليكم التوراة، قال: فقيل له: إن هاهنا رجلًا هو أعلم منك قال: فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه، فتزودا مملوحة في مكتل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقيتما\n_________\n(١) شيخ الطبري ضعيف متهم بالكذب عند بعضهم، وعند دراستنا لروايات ابن حميد الرازي هذا في التاريخ وجدناه يروي روايات طويلة كما عند الثقات إلا أنه يأتي بزيادة منكرة ولو يسيرة.\n(٢) ضعيف، وإسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة.","vol":"6","page":271},{"text":"رجلًا عالمًا يقال له الخضر، فلما أتيا ذلك المكان، رد الله إلى الحوت روحَه فسرَّب له من الجُدّ حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقًا إلا صار ماء جامدًا، قال: ومضى موسى وفتاه، يقول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ -إلى قوله-: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، فلقيا رجلًا عالمًا يقال له: الخِضر، فذُكر لنا أن نبيّ الله قال: إنما سمي الخِضر خضرًا لأنه قعد على فروة بيضاء فاهتزّت به خضراء (١). (١: ٣٧٥/ ٣٧٦).\n٦٤٢ / أ- فهذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله وعن السلف من أهل العلم تنبيء عن أن الخِضرَ كان قبل موسى وفي أيامه، ويدلّ على خطأ قول من قال: إنه أورميا بن خلقيا، لأن أورميا كان في أيام بختنصَّر، وبين عهدي موسى وبختنصّر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العلم بأيام الناس وأخبارهم؛ وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لأنه كان في عهد أفريدون فيما قيل؛ وإن كان قد أدرك على هذه الأخبار التي ذكرت من أمره وأمر موسى وفتاه أيام منوشهر وملكه، وذلك: أن موسى [إنما] نُبّئ في عهد منوشهر، وكان ملك منوشهر بعد ما ملك جده أفريدون، فكلّ ما ذكرنا من أخبار مَنْ ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر ﵉، فإن ذلك كله -فيما ذكر- كان في ملك بِيُوَراسب وأفريدون، وقد ذكرنا فيما مضى قبل أخبارَ أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما (٢). (١: ٣٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>ذكر نسب موسى بن عمران وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث</span>\n٦٤٣ - قد ذكرنا أولاد يعقوب إسرائيل الله وعددهم وموالدهم. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: ثم إن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة ماري بن يشخر، فولدت له عَرشون بن لاوى ومرزى بن لاوى [ومردى بن لاوى] وقاهث بن لاوى. فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنة مسين بن بتويل بن إلياس. فولدت له يصهر بن قاهث، فتزوج يصهر\n_________\n(١) إسناده مرسل.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":272},{"text":"شميث ابنة بتاديت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له هارون بن عمران وموسى بن عمران (١). (١: ٣٨٥).\n٦٤٤ - وقال غير ابن إسحاق: كان عمرُ يعقوب بن إسحاق مئة وسبعًا وأربعين سنة، وولد لاوى له، وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة، وولد للاوى قاهث بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة، ثم ولد لقاهث يصهر، ثم ولد ليصهر عمرم -وهو عمران- وكان عمر يصهر مئة وسبعًا وأربعين سنة، وولد له عمران بعد أن مضى من عمره ستون سنة. ثم ولد لعمران موسى، وكانت أمه يوخابد -وقيل: كان اسمها باختة- وامرأته صفورا ابنة يترون، وهو شعيب النّبي. وولد موسى جرشون وإيليعازر، وخرج إلى مدين خائفًا وله إحدى وأربعون سنة، وكان يدعو إلى دين إبراهيم، وتراءى الله بطور سيناء، وله ثمانون سنة.\nوكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني، وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، فرعون يوسف الأول. فلما نودي موسى أُعلم أن قابوس بن لمصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمِر بأن يأتيَه هو وأخوه هارون بالرسالة.\nقال: ويقال: إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه وكان عمر عمران مئة سنة وسبعًا وثلاثين سنة، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، ثم صار موسى إلى فرعون رسولًا مع هارون، وكان من مولد موسى إلى أن خرج ببني إسرائيل عن مصر ثمانون سنة، ثم صار إلى التيه بعد أن عبَر البحر، فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة، فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته في التيه مئة وعشرين سنة (٢). (١: ٣٨٥/ ٣٨٦).\n٦٤٥ - وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":273},{"text":"ابن إسحاق، قال: قبض الله يوسف، وهلَك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد، وتوارثت الفراعنة من العماليق ملْك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض -كما ذكر لي- في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسِّكين به؛ حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه. وكان اسمه -فيما ذكروا لي- الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشدّ غلظة، ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، يعذّبهم فيجعلهم خدَمًا وخوَلًا، وصنَّفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومَنْ لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمِّر فيهم وهم تحت يديه عمرًا طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشُدّ أعطي الرسالة.\nقال: وذكر لي: أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحُزاته إليه، فقالوا: تعلَّم أنا نجد في علمنا: أن مولودًا من بني إسرائيل قد أظلَّك زمانه الذي يُولد فيه، يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدِّل دينك. فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كلِّ مولود يولد من بني إسرائيل من الغِلمان، وأمر بالنساء يُسْتَحيَين، فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن: لا يسقطنَّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلا قتلتموه، فكنّ يفعلن ذلك، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذَّبن حتى يطرحن ما في بطونهنّ (١). (١: ٣٨٦/ ٣٩٧).\n٦٤٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: لقد ذُكر لي: أنه كان يأمر بالقصب\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":274},{"text":"فيُشَقّ حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصفّ بعضه إلى بعض، ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهنّ عليه فيحزّ أقدامهنّ، حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها، فتظلُّ تطؤُه تَتَّقِي به حزّ القصب عن رجليها، لما بلغ من جهدها، حتى أسرف في ذلك، وكاد يُفنيهم، فقيل له: أفنيتَ الناس، وقطعتَ النَّسْل، وإنهم خَولك وعُمَّالك، فأمر أن يقتَل الغلمان عامًا ويستحيوْا عامًا، فولد هارون في السنة التي يُسْتَحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يُقتلون، فكان هارون أكبرَ منه بسنة (١). (١: ٣٨٧/ ٣٨٨).\n٦٤٧ - وأما السديّ فإنه قال ما حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله [أنه] كان من شأن فرعون: أنه رأى رؤيا في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاكُ مصر. فأمر يني إسرائيل ألّا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجًا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم، فذلك حين يقول الله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: تجبَّر في الأرض، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ -يعني بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة- ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾، فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير، وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموتَ، فأسرع فيهم، فدخل رؤوس القبط على فرْعون فكلَّموه، فقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشِك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار، ويَفنى الكبار، فلو أنك تبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة؛ فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما أرادت\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":275},{"text":"وضعه حزنت من شأنه، فأوحى الله إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو النيل، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فلما وضعته أرضعته، ثم دعت له نجارًا فجعل له تابوتًا، وجعل مفتاح التابوت من داخل، وجعلته فيه وألقته في اليم، ﴿وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ تعني قُصِّي أثره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أنها أخته، فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة، ويخفضه أخرى، حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية، وظنن أن فيه مالًا، فلما نظرت إليه آسية وقعت عليه رحمتُها وأحبته. فلما أخبرَت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلِّمه حتى تركه لها، قال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. فأرادوا له المرضِعات، فلم يأخذْ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فذلك قول الله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ﴾ أخته ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، فأخذوها، وقالوا: إنك قد عرفتِ هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت: ما أعرفه، ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.\nولما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت أن تقول: هو ابني! فعصمها الله، فذلك قول الله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإنما سُمِّي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر، والماء بالقبطية \"مو\" والشجر \"شا\"، فذلك قول الله ﷿: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾. فاتخذه فرعون ولدًا فدعيَ ابن فرعون. فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيًّا، فبينما هي ترقّصه وتلعب به إذ ناولته فرعون، وقالت: خذه قرة عين لي ولك، قال فرعون: هو قرة عين لك ولا لي. قال عبد الله بن عباس: لو أنه قال: وهو لي قرة عين إذًا لآمن به؛ ولكنه أبي، فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفَها، فقال فرعون: عليّ بالذباحين، هذا هو! قالت آسية: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، إنما هو صبي لا يعقل؛ وإنما صَنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر امرأة أحلى مني؛ أنا أضع له حليًّا من الياقوت،","vol":"6","page":276},{"text":"وأضع له جمرًا، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبيّ، فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستًا من جمر، فجاء جبرئيل فطرح في يده جمرة فطرحها موسى في فيه فأحرق لسانه، فهو الذي يقول الله ﷿: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. فزالت عن موسى من أجل ذلك. وكبر موسى فكان يركب مراكب فرعون، ويلبس [مثل] ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى بن فرعون. ثم إن فرْعون ركب مركبًا وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها مَنْف، فدخلها نصف النهار، وقد تغلَّقت أسواقُها، وليس في طرقها أحد، وهو قول الله ﷿: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ يقول: هذا من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يقول: من القبط ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ خائفًا أن يؤخذ، ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يقول: يستغيثه ﴿قَال لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾. ثم أقبل [موسى] لينصره. فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي، قال الإسرائيلي -وفرق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ الكلام: يا موسى ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.فتركه وذهب القبطيّ، فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعون وقال: خذوه فإنه صاحبنا، وقال للذين يطلبونه: اطلبوه في بُنيَّات الطريق، فإن موسى غلام لا يهتدي إلى الطريق، وأخذ موسى في بُنيَّات الطريق وجاءه الرجل وأخبره ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فلما أخذ موسى في بُنيَّات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنَزةٌ، فلما رآه موسى سجد له من الفرق، فقال: لا تسجد لي، ولكن اتبعني، فاتبعه فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو متوجه نحو مدين: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، فانطلق به الملك حتى انتهى به إلى","vol":"6","page":277},{"text":"مدين (١). (١: ٣٨٨/ ٣٨٩ / ٣٩٠/ ٣٩١).\n٦٤٨ - حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أصبغ بن زيد الجُهنيّ، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: [سألت عبد الله بن عباس عن قول الله لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، فسألته عن الفتون ما هي؟ فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثًا طويلًا، قال: فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني]. قال: فقال ابن عباس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعبد الله إبراهيمَ من أن يجعلَ في ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكّون، ولقد كانوا يظنون: أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، قال فرعون: فكيف ترون؟ قال: فائتمروا بينهم، وأجمعوا أمرَهم على أن يبعث رجالًا معهم الشِّفار، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يُذبحون قالوا: توشكون أن تفنُوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم؛ ودعوا عامًا لا تقتلوا منهم أحدًا، فيشبّ الصغار مكان مَنْ يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يقلّوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهمّ والحزن -وذلك من الفتون يا بن جبير- مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وأمرَها إذا ولدته أن تجعلَه في تابوت، ثم تلقيه في اليمّ، فلما ولدتْه فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارَى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني؟ لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحبَّ إليّ من أن ألقيَه بيدي إلى حيتان البحر ودوابّه! فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مُسْتقَى جواري آل فرعون، فرأيْنه فأخذنه، فهممن أن يفتحنَ التابوت، فقال بعضهنّ لبعض: إن في هذا مالًا؛ وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"6","page":278},{"text":"كهيئته لم يحرّكن منه شيئًا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليه منها محبّة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من ذكر كلّ شيء، إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدودن أن يذبحوه -وذلك من الفُتُون يابن جبير- فقالت: للذباحين: انصرفوا، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت: ﴿قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾، قال فرعون: يكون لكِ، فأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله: \"والذي يُحْلَف به، لو أقرّ فرعون أن يكونَ له قرةَ عين كما أقرت به لهداه الله به، كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك\".\nفأرسلت إلى مَنْ حولها من كلّ أنثى لها لبن لتختار له ظئرًا، فجعل كلّما أخذته امرأة منهن لترضِعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأةُ فرعون أن يمتنع من اللبن فيموتُ، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق، مجمع الناس ترجو أن تُصيب له ظئرًا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد، وأصبحت أمُّ موسى فقالت لأخته: قصّيه واطلبيه هل تسمعين له ذكرًا! أحيّ ابني أم قد أكلتْه دوابّ البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصُرت به أخته عن جنُب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. فأخذوها فقالوا: وما يدريكِ ما نصحهم له! هل تعرفينه؟ حتى شكّوا في ذلك -وذلك من الفتون يا بن جبير- فقالت: نصحُهم له، وشفقتُهم عليه، ورغبتُهم في ظئورة الملك، ورجاءُ منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أنْ قد وجدنا لابنك ظئرًا، فأرسلت إليها فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي تُرضعين ابني هذا فإني لم أحبّ حبَّه شيئًا قطّ. قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابتْ نفسُك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيرًا فعلت، وإلا فإني غيرُ تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله ﷿ منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها مِنْ يومها، فأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لما","vol":"6","page":279},{"text":"قضى فيه، فلم تزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسُّخَر التي كانت فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريد أن تريني موسى، فوعدتها يومًا تريها إياه فيه، فقالت لحواضنها وظئورها وقهارمتها: لا يبقينّ أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصي ما يصنع كلُّ إنسان منكم، فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها بجّلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون فليبجَّله وليكرمه، فلما دخلن به على فرعون وضعنَه في حجره، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدَّها، فقال: عدو من أعداء الله! ألا ترى ما وَعبد الله إبراهيمَ أنه سيصرعك ويعلوك! فأرسل إلى الذبّاحين ليذبحوه -وذلك من الفتون يا بن جبير- بعد كلِّ بلاء ابتلي به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبتَه لي؟ قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرَعني ويعلُوني! فقالت: اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقرّبهن إليه، فإنْ بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدًا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرّب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى! فصرفه الله عنه بعدما كان قد همَّ به، وكان الله بالغًا فيه أمره، فلما بلغ أشدّه وكان من الرجال لم يكن أحدٌ من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كلّ امتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيليّ على الفرعونيّ، فغضب موسى واشتدّ غضبهُ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظَه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى؛ إلا أن يكون الله ﷿ أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعونيّ فقتله، وليس يراهما إلا الله عزّ وجلى والإسرائيليّ، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، ثم قال: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فأصبح في المدينة خائفًا يترقّب الأخبار فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد","vol":"6","page":280},{"text":"قتلوا رجلًا من آل فرعون فخذْ لنا بحقنا، ولا ترخِّص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتلَه، ومن يشهد عليه؛ لأنه لا يستقيمُ أن نقضيَ بغير بينّة ولا ثبَت، فطلبوا له ذلك، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذ مرّ موسى من الغد، فرأي ذلك الإسرائيليّ يقاتل فرعونيًّا، فاستغاثه الإسرائيليّ على الفِرْعونيّ، فصادف موسى وقد ندِم على ما كان منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى فمدَّ يده وهو يريد أن يبطش بالفرعونيّ، فقال للإسرائيليّ لما فعل بالأمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإسرائيليّ إلى موسى بعدما قال [ما قال]، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعونيّ، فخاف أن يكون بعدما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ أن يكون إياه أراد -ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرْعوني- فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعونيّ، وقال: يا موسى ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، فانطلق الفرعونيّ إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليّ من الخبر، حين يقول: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾! فأرسل فرعون الذبّاحين، وسلك موسى الطريق الأعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم، وكان رجلٌ من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر؛ وذلك من الفتون يا بن جبير (١). (١: ٣٩٢/ ٣٩٤ / ٣٩٥/ ٣٩٦).\n٦٤٩ - وقد حدثنا أبو عمار المروزيّ، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: خرج موسى من مصر إلى مدين، وبينهما مسيرة ثمان ليال -قال: وكان يقال نحو من الكوفة إلى\n_________\n(١) قلنا: وكذلك أخرجه النسائي في كتاب التفسير في سننه من طريق يزيد بن هارون به كما عند الطبري وأورده الحافظ ابن كثير بتمامه ثم قال في آخره:\nهكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون والأشبه (والله أعلم) أنه موقوف، وكونه مرفوعًا فيه نظر وغالبه متلقى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرّح برفعه في أثناء الكلام وفي بعض ما فيه نظر ونكارة والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك والله أعلم (البداية والنهاية ١/ ٤٠٦) ط. دار الفكر.","vol":"6","page":281},{"text":"البصرة- ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، فخرج حافيًا، فما وصل إليه حتى وقع خف قدمه (١). (١: ٣٩٧).\n٦٥٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثّام، قال: حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه (٢). (١: ١٩٧).\n٦٥١ - رجع الحديث إلى حديث السديّ. ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾ يقول: تحبسان غنمهما، فسألهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ﴾، فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة على البئر، كان النَّفرُ من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوًا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض، ثم تولّى موسى إلى ظل شجرة من السَّمُر فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾، قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى، ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدة الجوع ما يسأل الله إلا أكلة (٣). (١: ٣٩٧).\n٦٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكَّام بن سلْم، عن عنبسة، عن أبي حَصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، قال: ورد الماء وإنه ليتراءى خضرة البقل في بطنه من الهُزال فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: شَبْعة (٤). (١: ٣٩٧).\nق ٦٥٢ - رجع الحديث إلى حديث السديّ، فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعًا، سألهما فأخبرتاه خبر موسى، فأرسل إحداهما فأتته ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [وهي تستحيي منه]، ﴿قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَ﴾ فقام معها، وقال لها: امضي، فمشتْ بين يديه، فضربتْها الرياح فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشي خلْفي ودليني على الطريق إن أخطأت، فلما أتى الشيخ ﴿وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالتْ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) شيخ الطبري ضعيف وقد رواه موقوفًا وفيه من الأوصاف ما هو مبالغ فيه وهو من سمات الإسرائيليات والله أعلم.","vol":"6","page":282},{"text":"إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ وهي الجارية التي دعته. قال الشيخ: هذه القوة قد رأيت حين اقتلع الصخرة، أرأيتِ أمانته ما يدريك ما هي؟ قالت: إني مشيت قدامه فلم يحبّ أن يخونني في نفسي، وأمرني أن أمشيَ خلفه، قال له الشيخ: ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ -إلى- ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ﴾، إما ثمانية وإما عشرًا: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.\nقال ابن عباس: الجارية التي دعته هي التي تزوج بها. فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيَه بعصا فأتته بعصا، وكانت تلك العصا [عصا] استودعها إياه ملَك في صورة رجل، فدفعها إليه. فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها الشيخ قال لها: لا، إيتيه بغيرها، فألقتها، فأخذت تُريد أن تأخذ غيرَها فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل يرددها، فكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فلما رأى ذلك عمد إليها فأخرجها معه، فرعى بها. ثم إن الشيخ قدم وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال: أعطني العصا، فقال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيَه، فاختصما بينهما ثم تراضيا أن يجعلا بينهما أولَ رجُل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال: ضعاها في الأرض فمن حمَلها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ، فرعى له عشر سنين.\nقال عبد الله بن عباس: كان موسى أحقَّ بالوفاء (١). (١: ٣٩٨/ ٣٩٩).\n٦٥٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: سألني رجل من أهل النصرانية: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم -وأنا يومئذ لا أعلم- فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي سألني عنه النصرانيّ، فقال: أما كنت تعلم أن ثمانيًا واجبة عليه، لم يكن نبي لينقص منها شيئًا، وتعلم أن الله كان قاضيًا عن موسى عدتَه التي وعده، فإنه قضى عَشْر سنين (٢). (١: ٣٩٩).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف ورجح ابن كثير أن يكون الرجل يهوديًّا كما عند البخاري والطبري. (تفسير القرآن العظيم / ٢٦٥٦).","vol":"6","page":283},{"text":"٦٥٤ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان الذمّاري، عن شعيب الجَبَائي قال: اسم الجاريتين ليا وصفورة، وامرأة موسى صفورة بنت يترون، كاهن مدين، والكاهن حَبْر (١). (١: ٤٠٠).\n٦٥٥ - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عُبيدة، قال: كان الذي استأجر موسى يترون، ابن أخي شعيب النبيّ (٢). (١: ٤٠٠).\n٦٥٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمْرة، عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى اسمه يثرى صاحب مدين (٣). (١: ٤٠٠).\n٦٥٧ - حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية، قال: حدثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمْرة، عن ابن عباس، قال: اسم أبي امرأة موسى يثرى (٤). (٤٠٠: ١).\n٦٥٨ - رجع الحديث إلى حديث السدي. ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ فضلّ الطريق. قال عبد الله بن عباس: كان في الشتاء، ورفعت له نار، فلما ظنّ أنها نار -وكانت من نور الله- ﴿قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، فإن لم أجدْ خبرًا أتيتُكم منها بشهاب قَبَسِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ -قال: من البرد- ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. فلما سمع موسى النداء فزع وقال: الحمد لله رب العالمين (٥). (١: ٤٠٠).\n٦٥٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ خرج\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":284},{"text":"- فيما ذكر لي ابن إسحاق، عن وهب بن منبّه اليمانيّ -فيما ذكر له عنه-، ومعه غنم له، ومعه زند له وعصاه في يده يهشّ بها على غنمه نهاره، فإذا أمسى اقتدح بزنده نارًا، فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه يتوكأ على عصاه، وكانت -كما وُصف لي عن وهب بن منبِّه- ذات شعبتين في رأسها، ومحجن في طرفها (١). (١: ٤٠١).\n٦٦٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتّهم من أصحابه: أن كعب الأحبار قدم مكة وبها عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال كعب: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم فإنه عالم، سلوه عن شيء من الجنة وضعه الله للناس في الأرض، وسلوه ما أوّلُ ما وضع في الأرض؟ وما أوّل شجرة غرِست في الأرض؟ فسئل عبد الله عنها فقال: أما الشيء الذي وضعه الله للناس في الأرض من الجنة فهو هذا الركن الأسود، وأما أوّل ما وضع في الأرض فبَرهوت باليمن يردُه هام الكفار، وأمّا أوّلُ شجرة غرسها الله في الأرض فالعوسجة التي اقتطع منها موسى عصاه، فلما بلغ ذلك كعبًا قال: صدق الرجل، عالم والله!\nقال: فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامَته، وابتدأه فيها بنبوّته وكلامه، أخطأ فيها الطريقَ حتى لا يدري أين يتوجه، فأخرج زنده ليقدح نارًا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح، ويعلم وجه سبيله، فأصلد عليه زنده فلا يوري له نارًا، فقدح حتى [إذا] أعياه لاحت النار فرآها، ﴿فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾، بقبس تصطلون، وهدى عن علم الطريق الذي أضللنا بنعت من خبير، فخرج نحوها، فإذا هي شجرة من العُلَّيق، وبعض أهل الكتاب يقول: في عوْسجة، فلما دنا استأخرت عنه، فلما رأى استئخارها رجع عنها، وأوجس في نفسه منها خيفة، فلما أراد الرجعة دنَتْ منه، ثم كُلِّم من الشجرة، فلما سمع الصوت استأنس، وقال الله: يا موسى ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾، فألقاهما ثم قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي:\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":285},{"text":"منافع أخرى، ﴿قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ - قد صار شُعْبتاها فمها وصار محجنها عُرْفًا لها في ظهر تهتزّ، لها أنياب، فهي كما شاء الله أن تكون. فرأى أمرًا فظيعًا فولى مدبرًا ولم يعقِّب، فناداه ربه: أن يا موسى أقبل ولا تخف، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾، أي سيرتها عصا كما كانت، قال: فلما أقبل قال: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾، أدخلْ يدك في فمها، وعلى موسى جبّة من صوف، فلفّ يده بكمّه وهو لها هائب، فنودي أن ألق كمك عن يدك، فألقاه عنها، ثم أدخل يده بين لحيَيها، فلما أدخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده، ويده بين شعبتيها حيث كان يضعها، ومحجنها بموضعه الذي كان لا ينكر منها شيئًا، ثم قيل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾ أي من غير بَرَص- وكان موسى - ﵇ - رجلًا آدم أقنى جَعْدًا طُوالًا- فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردَّها في جيبه فخرجت كما كانت على لونه ثم قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢) قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾، أي يبين لهم عني ما أكلّمهم به، فإنه يفهم عني ما لا يفهمون. ﴿قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (١). (١: ٤٠١/ ٤٠٢ / ٤٠٣).\n٦٦١ - رجع الحديث إلى حديث السُّدِّي، فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، فتضيَّف على أمه وهو لا يعرفهم، فأتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطَّفَيشَل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه فأخبرته أنه ضيف، فدعاه فأكل معه، فلما أن قعدا تحدّثا، فسأله هارون: مَن أنت؟ قال: أنا موسى، فقام كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق معي إلى فرعون، إن الله قد أرسلنا إليه، فقال هارون: سمعٌ وطاعة، فقامت أمّهما فصاحت وقالت: أنشدكما الله ألّا تذهبا إلى فرعون فيقتلَكما فأبيا. فانطلقا إليه ليلًا، فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون، وفزع البواب، وقال فرعون: مَنْ هذا الذي يضرب بابي في هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب، فكلّمهما، فقال له موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":286},{"text":"الْعَالمِينَ﴾ ففزع البواب فأتى فرعون فأخبره فقال: إن هاهنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنه رسول ربّ العالمين، قال: أدخلْه، فدخل فقال: إني رسول رب العالمين؛ أن أرسل معي بني إسرائيل، فعرفه فرعون فقال: ﴿قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. معنا على ديننا هذا الذي تعيب! ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ -والحكم: النبوة- ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وربيتني قبل وليدًا! ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. ﴿قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقول: أعطى كل دابة زوجها ثم هدى للنكاح، ثم قال له: ﴿قَال إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وذلك بعدما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى. قال موسى: ﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ والثعبان: الذكر من الحيّات -فاتحة فاها، واضعةً لَحْيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب، فأحدث- ولم يكن يُحدث قبل ذلك- وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسلُ معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا، ثم نزع يده وأخرجها من جيبه، فإذا هي بيضاء للناظرين، فخرج موسى من عنده على ذلك، وأبى فرعون أن يؤمن به، أو يرسل معه بني إسرائيل، وقال لقومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ فلما بينى له الصرح ارتقى فوقه، فأمر بُنشّابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه، وهي ملطّخة دمًا، فقال: قد قتلت إله موسى (١). (١: ٤٠٣/ ٤٠٤ / ٤٠٥).\n٦٦٢ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّين﴾، قال: كان أول مَنْ طبخ الآجرّ يبني به الصرح (٢). (٤٠٥: ١).\n٦٦٣ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: خرج موسى لما بعثه الله ﷿ حتى قدم مصر على\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":287},{"text":"فرعون هو وأخوه هارون، حتى وقفا على باب فرْعون يلتمسان الإذنَ عليه، وهما يقولان: إنا رسولا رب العالمين، فآذِنوا بنا هذا الرجل، فمكثا -فيما بلغنا- سنتين يغدوَان على بابه، ويرُوحان لا يعلم بهما، ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بَطّال له يلعّبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك، إنّ على الباب رجلًا يقول قولًا عجيبًا، يزعم أنّ له إلهًا غيرُك، قال: أدْخِلوه، فدخل ومعه هارون أخوه، وبِيده عصاه، فلما وقف على فرعون قال له: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون، فقال: ﴿قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: خطأ لا أريد ذلك، ثم أقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده، فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي اتخذتهم عبيدًا تنزع أبناءهم من أيديهم، فتسترق من شئت، وتقتل من شئت. إني إنما صيرني إلى بيتك وإليك ذلك ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ أي: يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه، أي ما إلهك هذا! ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قَال لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من ملئه ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ أي: إنكارًا لما قال: ليس له إله غيري. ﴿قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ الذي خلق آباءكم الأولين وخلقكم من آبائكم. ﴿قَال﴾ فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن لكم إلهًا عْيري، ﴿قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: خالق المشرق والمغرب وما بينهما من الخلق إن كنتم تعقلون، ﴿قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي﴾ لتعبد غيرى وتترك عبادتي ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ﴾، أي بما تعرف بها صدقي وكذبك وحقي وباطلك! ﴿قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ فملأت ما بين سماطي فرعون، فاتحة فاها، قد صار محجنها عرفًا على ظهرها، فارفض عنها الناس، وحال فرعون عن سريره ينشده بربه. ثم أدخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردها كهيئتها، وأدخل موسى يده في جيبه فصارت عصا في يده، يده بين شعبتيها، ومحجنها في أسفلها كما كانت، وأخذ فرعون بطنه، وكان فيما يزعمون يمكث الخمس والست ما يلتمس المذهب -يريد الخلاء -كما","vol":"6","page":288},{"text":"يلتمسه الناس، وكان ذلك مما زين له أن يقول ما يقول: إنه ليس من الناس بشبه (١). (١: ٤٠٥/ ٤٠٧).\n٦٦٤ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة عن ابن إسحاق، قال: حدِّثت عن وهب بن منبّه اليمانيّ، قال: فمشى بضعًا وعشرين ليلة، حتى كادت نفسه أن تخرج، ثم استمسك فقال لملئه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: ما ساحر أسحر منه، ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أقتله؟ فقال مؤمن من آل فرعون- العبد الصالح وكان اسمه فيما يزعمون حبرك: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعصاه ويده! ثم خوّفهم عقاب الله وحذرهم ما أصاب الأمم قبلهم، وقال: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. وقال الملأ من قومه- وقَدْ وهنهم من سلطان الله ما وَهنهم: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾، أي كاثِره بالسحرة لعلك أن تجد في السحرة من جاء بمثل ما جاء به. وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم، وبعث فرعون مكانه في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرًا إلا أتى به؛ فذكر لي -والله أعلم- أنه جمع له خمسةَ عشرَ ألف ساحر، فلما اجتمعوا إليه أمرهم أمره، فقال لهم: قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قَطّ، وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضّلتكم وقرّبتكم على أهل مملكتي، قالوا: إن لنا ذلك [عليك] إن غَلَبْناه! قال: نعم، قالوا: فعدْ لنا موعدًا نجتمع نحن وهو، فكان رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى: ساتور، وعادور، وحطحط، ومصفى؛ أربعة، وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوْا من سلطان الله، فآمنت السحرةُ جميعًا وقالوا لفرعون حين توعدهم القتلَ والصلب: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. فبعث فرعون إلى موسى: أن اجعل ﴿بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، يوم عيد كان فرعون يخرج إليه، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾، حتى يحضروا أمري وأمرك، فجمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾، أي: قد أفلح من استعلى اليوم على\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":289},{"text":"صاحبه. فصفَّ خمسة عشر ألف ساحر، مع كلّ ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى ومعه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه ومعه أشراف أهل مملكته، وقد استكفَّ له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿قَال لَهُمْ مُوسَى وَيلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾، فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: [ما هذا بقول ساحر، ثم قالوا وأشار بعضهم إلى بعض] بتَناج: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. ثم قالوا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصرَ موسى وبصرَ فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كلُّ رجل منهم ما في يده من العصيّ والحبال، فإذا هي حيّات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، وقال: والله إن كانت لَعِصيًّا في أيديهم، ولقد عادت حيّات، وما تعدو عصايَ هذه -أو كما حدّث نفسه- فأوحى الله إليه: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾، وفُرِج عن موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألقوْا من حبالهم وعصيهم -وهي حيّات في عين فرعون وأعين الناس تسعى- فجعلت تَلْقفها، تبتلعها حية حية، حتى ما يُرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوْا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت، ووقع السَّحرَة سجدًا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ لو كان هذا سحرًا ما غلَبنا. قال لهم فرعون -وأسف ورأى الغلبة البيِّنة-: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، [أي لعظيم السُّحّار الذي علمكم] ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ -إلى قوله- ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾، [أي لن نؤثرك على الله وعلى ما جاءنا من الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض]، أي فاصنع ما بدا لك، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ التي ليس لك سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعدها، ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، أي: خير منك ثوابًا، وأبقى عقابًا، فرجع عدوُّ الله مغلوبًا ملعونًا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات، وأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان (١). (١: ٤٠٧/ ٤٠٨ / ٤٠٩/ ٤١٠).\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":290},{"text":"٦٦٥ - رجع الحديث إلى حديث السديّ: وأما السديّ فإنه قال في خبره: ذُكِر: أن الآيات التي ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى والسحرة، وقال: لما رجع إليه السهم ملطخًا بالدم قال: قد قتلنا إله موسى. ثم إن الله أرسل عليهم الطوفان -وهو المطر- فغرق كلُّ شيء لهم، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشفْ عنَّا، ونحن نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فكشفه الله عنهم، ونبتت زروعهم، فقالوا: ما يسرُّنا أنا لن نُمْطرَ. فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروثهم، فسألوا موسى أن يدعوَ ربَّه فيكشفه ويؤمنوا به، فدعا فكشفه، وقد بقي من زروعهم بقية، فقالوا: لن نؤمن وقد بقي لنا من زروعنا بقية، فبعث الله عليهم الدبّا -وهو القُمّل- فلحس الأرض كلَّها، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضّه، وكان أحدُهم يأكل الطعام فيمتلئ دبًا حتى إن أحدهم ليبني الأسطوانة بالجصّ والآجرّ، فيُزْلِقها حتى لا يرتقى فوقها شيء [من الذباب، ثم] يرفع فوقها الطعام، فإذا صَعد إليه ليأكله وجده ملَان دبًا، فلم يصبهم بلاء كان أشدّ عليهم من الدبا، وهو الرِّجز الذي ذكره الله في القرآن أنه وقع عليهم. فسألوا موسى أن يدعوَ ربه فيكشفه عنهم ويؤمنوا به، فلما كُشف عنهم أبوْا أن يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فكان الإسرائيليّ يأتي هو والقبطي فيستقيان من ماء واحد، فيخرج ماء هذا القبطي دمًا، ويخرج للإسرائيليّ ماء. فلما اشتدّ ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به فكُشِف ذلك عنهم، فأبوْا أن يؤمنوا، فذلك حين يقول الله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ما أعطوْا من العهود، وهو حين يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ -وهو الجوع- ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nثم إن الله ﷿ أوحى إلى موسى وهارون أن: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، فأتياه فقال له موسى: هل لك يا فرعون في أن أعطيَك شبابك ولا تهرم، وملكك لا ينزع منك، ويردّ إليك لذّة المناكح والمشارب والركوب، فإذا متّ دخلت الجنة؟ تؤمن بي! فوقعت في نفسه هذه الكلمات، وهي اللينة، فقال: كما أنت حتى يأتي هامان. فلما جاء هامان قال له: [أشعرت] أن ذلك الرجل أتاني؟ قال: من هو؟ -وكان قبل ذلك إنما يسمّيه الساحر، فلما كان ذلك اليوم لم يسمّه الساحر- قال فرعون: موسى، قال: وما قال لك؟ قال:","vol":"6","page":291},{"text":"قال لي: كذا وكذا، قال هامان: وما رددت عليه؟ قال: قلت: حتى يأتيَ هامان فأستشيره، فعجَّزه هامان، وقال: قد كان ظنّي بك خيرًا من هذا، تصير عبدًا يَعبد بعد أن كنتَ ربًا يُعبد! فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وكان بين كلمته ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ وبين قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أربعون سنة. وقال لقومه: ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. قال فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ - يقول: عَدلًا، قال موسى: ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ - وذلك يوم عيد لهم - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾. وأرسل فرعون في المدائن حاشرين؛ فحشَروا عليه السحرة، وحشروا الناس ينظرون، يقول: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ -إلى قوله- ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ - يقول: عطيّة تعطينا- ﴿قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. فقال لهم موسى: ﴿وَيلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾، يقول: يهلككم بعذاب. ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ من دون موسى وهارون، وقالوا في نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾، يقول: يذهبا بأشراف قومكم.\nفالتقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتُك أتؤمنُ بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال: نعم، قال الساحر: لآتينّ غدًا بسحر لَا يغلِبه سحر، فوالله لئن غلبتَني لأومِنَنَّ بك، ولأشهدنَّ أنك على حق -وفرعون ينظر إليهما- وهو قول فرعون: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾، إذ التقيتما لتتظاهرا ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ فقالوا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، قال لهم موسى: ألقوا فألقوْا حبالهم وعصيَّهم -وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا- ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يقول: فرّقوهم. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، فأوحى الله إليه: ألّا تخف، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾. فألقى موسى عصاه فأكلت كلَّ حية لهم، فلما رأوْا ذلك سجدوا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قال فرعون:","vol":"6","page":292},{"text":"﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فقتّلهم وقطَّعهم -كما قال عبد الله بن عباس- حين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال: كانوا في أول النهار سَحرة، وفي آخر النهار شهداء.\nثم أقبل على بني إسرائيل فقال له قومه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، وآلهتُه -فيما زعم ابن عباس- كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلًا بقرة.\nثم إن الله تعالى ذكره أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ ليلًا ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبْط، وأمر ألّا ينادي إنسان صاحبَه، وأن يُسرجوا في بيوتهم حتى الصبح، وأنّ من خرج إذا قال: موسى، قال: \"عمرو\". وأمر مَنْ خرج يلطخ بابه بكفّ من دم حتى يعلم أنه قد خرج. وإن الله أخرج كلّ ولد زنى من القِبْط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل، وأخرج كلّ ولد زنى من بني إسرائيل من القِبْط إلى القِبط، حتى أتوا آباءهم.\nثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلًا والقِبْط لا يعلمون، وقد دعوا قَبْل ذلك على القبط، فقال موسى: ﴿رَبَّنَا ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فزعم السديّ: أن موسى هو الذي دعا وأمَّن هارون، فذلك حين يقول الله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ فذكِرَ: أن طمْس الأموال: أنه جعل دراهمهم ودنانيرهم حجارة، ثم قال لهما استقيما، فخرجا في قومهما، وألقيَ على القِبْط الموتَ، فمات كل بِكْر رجل، فاصبحوا يَدفنونهم، فشُغِلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، فذلك حين يقول الله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.\nوكان موسى على سَاقة بني إسرائيل، وكان هارون أمامَهم يقدمهم، فقال المؤمن لموسى: يا نبيّ الله، أين أمِرت؟ قال: البحر، فأراد أن يقتحم فمنعه موسى، وخرج موسى في ستمئة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يَعدُّون ابن العشرين لصغره ولا ابنَ الستين لِكبَره، وإنما عَدُّوا ما بين ذلك سوى الذريّة، وتبعهم فرعون، وعلى مقدمته هامان، في ألف ألف وسبعمئة ألف حصان، ليس فيها ماذيانة، وذلك حين يقول الله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ","vol":"6","page":293},{"text":"لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ -يعني: بني إسرائيل- ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾، يقول: قد حذِرنا، فأجمعنا أمرنا، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، كانوا يذبّحون أبناءنا، ويستحيُون نساءنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا! ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، البحرُ من بين أيدينا وفرعون من خلفنا، قال موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، يقول: سيكفيني، ﴿قَال عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾. فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح، وقال: مَنْ هذا الجبّار الذي يضربني! حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد، وضربه، ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، يقول: كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل، وكان في البحر اثنا عشر طريقًا، في كل طريق سِبْط، وكأنّ الطرق إذا انفلقت بجدران، فقال كلّ سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان، فنظر آخرُهم إلى أولهم، حتى خرجوا جميعا؛ ثم دنا فرعون وأصحابه، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلِقًا قال: ألا ترون البحر فرِق مني، وقد تفتّح لي حتي أدرك أعدائي فأقتلهم! فذلك قول الله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾، يقول: قرّبنا ثمَّ الآخرين؟ هم آل فرعون.\nفلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيلُه أن تقتحم، فنزل جبرئيل على ماذيانة، فشمَّت الحُصن ريحَ الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا همّ أوّلهم أن يخرج ودخل آخرُهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم، وتفرد جبرئيل بفرعون بمَقْلةٍ من مَقل البحر، فجعل يُدسُّها في فيه، فقال حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فبعث الله إليه ميكائيل يعيّره، قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فقال جبرئيل: يا محمد، ما أبغضت أحدًا من الخلق ما أبغضتُ رجلين: أما أحدهما فمن الجنّ وهو إبليس حين أبي أن يسجد لآم، وأما الآخر فهو فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ولو رأيتَني يا محمد، وأنا آخذ مقْل البحر فأدخله في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها! وقالت بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، الآن يدركنا فيقتلنا، فدعا الله موسى: فأخرج فرعون في ستمئة ألف وعشرين ألفًا،","vol":"6","page":294},{"text":"عليهم الحديد فأخذته بنو إسرائيل يمثّلون به، وذلك قول الله لفرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؛ يقول: لبني إسرائيل آية. فلما أرادوا أن يسيروا ضُرِب عليهم تيهٌ، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل فسألهم: ما بالُنا؟ فقالوا له: إن يوسف لما مات بمصر أخذ على إخوته عهدًا ألّا تخرجوا من مصر حتى تخرجوني معكم، فذلك هذا الأمر، فسألهم: أين موضع قبره؟ فلم يعلموا، فقام موسى ينادي: أنشِد الله كلَّ مَنْ كان يعلم أين موضع قبر يوسف إلا أخبرني به، ومن لم يعلم فصمَّتْ أذناه عن قولي! وكان يمرّ بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته، حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتكَ إن دللتُك على قبره أتعطيني كلّ ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي، فأمره الله ﷿ أن يعطيَها، فأتاها فأعطاها، فقالت: إني أريد أن لا تنزلَ غرْفة من الجنة إلا نزلتُها معك، قال: نعم، قالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع أن أمِشيَ فاحملْني، فحملها، فلما دنا من النيل، قالت: إنه في جوف الماء، فادعُ الله أن يُحسِر عنه الماء، فدعا الله فحسر الماءَ عن القبر، فقالت: احفرْه، ففعل فحمل عظامه، ففتح لهم الطريق، فساروا، ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ -يقول: مهلك ما هم فيه- ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). (١: ٤١٠/ ٤١١ / ٤١٢/ ٤١٣ / ٤١٤/ ٤١٥ / ٤١٦/ ٤١٧).\n٦٦٦ - فأما ابنُ إسحاق، فإنه قال: -فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه- فتابع الله عليه بالآيات -يعني: على فرعون- وأخذه بالسنين إذ أبي أن يؤمن بعد ما كان من أمره وأمر السحرة ما كان، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمَّل، ثم الضفادع، ثم الدم آيات مفصَّلات، أي: آية بعد آية، يتبع بعضُها بعضًا، فأرسل الطوفانَ وهو الماء، ففاض على وجه الأرض ثم ركد، لا يقدرون على أن يحرثوا، ولا يعملوا شيئًا، حتى جهدوا جوعًا، فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر -فيما بلغني حتى إنه كان\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":295},{"text":"لَيأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشَفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمَّل، فذكر لي: أن موسى أمِر أن يمشِيَ إلى كثيب فيضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيَل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قمَّلا حتى غلبَ على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيءٍ مما قالوا فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشفُ أحد منهم ثوبًا ولا طعامًا ولا إناء إلا وجدَ فيه الضفادع قد غلبتْ عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفُوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دمًا، لا يستقون من بئر ولانهر ولا يغترفون من إناء إلا عادت دمًا عبيطًا (١). (١: ٤١٧/ ٤١٨).\n٦٦٧ - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظيّ: أنه حدّث أن المرأة من آل فرعون كانت تأتِي المرأةَ من بني إسرائيل حين جهدهم العطش، فتقول: اسقني من مائك، فتغرف لها من جَرّتها أو تصبّ لها من قربتها، فيعود في الإناء دمًا، حتى إن كانت لتقول لها: اجعليه في فيك ثم مجّيه في في، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجّته في فيها صار دمًا، فمكثوا في ذلك سبعة أيام، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. فلما كشف عنهم الرجز نكَثوا ولم يفوا بشيء مما قالوا، فأمر الله موسى أن يسير، وأخبره أنه منجّيه ومَنْ معه، ومهلكُ فرعون وجنوده، وقد دعا موسى عليهم بالطمْسة؛ فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ -إلى- ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فمسخ الله أموالهم حجارة: النخل والرقيق والأطعمة، فكانت إحدى الآيات التي أراهنَّ الله فرعون (٢). (٤١٨: ١).\n٦٦٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بُرَيدة بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف وهو إسناد مرسل.","vol":"6","page":296},{"text":"سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع الآيات التي أراهقّ الله فرعون، فقلت: الطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، وعصاه، ويده، والطمسة، والبحر. فقال عمر: فَأنَّى عرفت أن الطمسة إحداهنّ؟ قلت: دعا عليهم موسى وأمَّن هارون، فمسخ الله أموالهم حجارة، فقال: كيف يكون الفقه إلا هكذا! ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبد العزيز بن مروان بمصر؛ إذ كان عليها من بقايا أموال آل فرعون، فأخرج البيضة مقْشورةً نصفين؛ وإنها لحجر، والجوزة مقشورة وإنها لحجر، والحمّصة، والعدسة (١). (١: ٤١٨/ ٤١٩).\n٦٦٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد، عن رجل من أهل الشام كان بمصر، قال: قد رأيت النخلة مصروعة، وإنها لحجَر، وقد رأيت إنسانًا ما شككت أنه إنسان وإنه لحجَر، من رقيقهم، فيقول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾ يقول: شقيًّا (٢). (٤١٩: ١).\n٦٧٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه: أن الله حين أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمرَه أن يحتمل يوسفَ معه حتى يضعه بالأرض المقدسة، فسأل موسى عمّن يعرف موضعَ قبره، فما وجد إلا عجوزًا من بني إسرائيل، فقالت: با نبيّ الله! أنا أعرف مكانه. إن أنت أخرجتَني معك، ولم تخلِّفني بأرض مصر دللتك عليه. قال: أفعل، وقد كان موسى وعَد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربّه أن يؤخّر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف، ففعل، فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء، فاستخرجه موسى صندوقًا من مرمر، فاحتمله معه. قال عروة: فمن ذلك تحمِل اليهود موتاها من كلّ أرض إلى الأرض المقدسة (٣). (١: ٤١٩)\n٦٧١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان\n_________\n(١) مرسل ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف جدًّا.\n(٣) ضعيف مرسل.","vol":"6","page":297},{"text":"-فيما ذُكِر لي-: أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله به: استعيروا منهم الأمتعة والحُلِيّ والثياب فإني منفِّلكم أموالهم مع هلاكهم؛ فلما أذّن فرعون في الناس كان مما يحرّض به علي بني إسرائيل أن قال حين ساروا: لم يرضُوا أن خرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم (١). (١: ٤١٩).\n٦٧٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: لقد ذكِرَ لي: أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفًا من دُهْم الخيل سوى ما في جنده من شيات الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصَرف طلع فرعون في جنده من خلفهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خُلْفَ لموعوده (٢). (١: ٤٢٠).\n٦٧٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: فأوحى الله ﵎فيما ذكر لي- إلى البحر: إذا ضربَك موسى بعصاه فانفلقْ له، فبات البحر يضربُ بعضه بعضًا فرَقًا من الله وانتظارًا لأمره، فأوحى الله ﷿ إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها وفيها سلطان الله الذي أعطاه، ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل على نَشَز من الأرض. يقول الله لموسى - ﵇ -: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. فلما استقرّ له البحر على طريق قائمة يبَس سلك فيه موسى ببني إسرائيل، واتبعه فرعون بجنوده (٣). (١: ٤٢٠).\n٦٧٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثيّ، قال: حُدّثت أنه لما دخلتْ بنو إسرائيل فلم يبق منهم أحدٌ أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل، حتى وقف على شفير البحر وهو قائم على حاله، فهاب الحصان أن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف.\n(٣) ضعيف. ووحي الله يثبت بالكتاب أو السنة أما بهذا الإسناد المهلهل فلا وأما تفسير الآية فقد ذكرناه في قسم الصحيح.","vol":"6","page":298},{"text":"يتقدم، فعرض له جبرئيل على فرس أنثى وديق، فقَرّبها منه فشمّها الفحل، ولما شمّها قدمها، فتقدم معه الحصان عليه فرعون، فلما رأى جند فرعون أنّ فرعون قد دخل دخلوا معه، وجبرئيل أمامه، فهم يتبعون فرعون، وميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول: الحقوا بصاحبكم، حتى إذا فصل جبرئيل من البحر ليس أمامه أحدٌ، ووقف ميكائيل على الناحية الأخرى ليس خلفه أحد، طبَّق عليهم البحر، ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلَّه وخذلته نفسه، نادى: أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين (١). (١: ٤٢٠/ ٤٢١).\n٦٧٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا أبو داود البصريّ عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس، قال: جاء جبرئيل إلى النبي - ﵇ - فقال: يا محمد، لقد رأيتني وأنا أدسّ من حمإ البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة! يقول الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، أي: سواءٌ لم يذهب منك شيء، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي: عبرة وبينة. فكان يقال: لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لَشكَّ فيه بعضُ الناس (٢). (١: ٤٢١).\n٦٧٦ - رجع الحديث إلى حديث السديّ. ثم إن جبرئيل أتى موسى يذهب به إلى الله ﷿، فأقبل على فرس فرآه السامريّ فأنكره، ويقال: إنه فرس الحياة، فقال حين رآه: إنّ لهذا لشأنًا، فأخذ من تربة الحافِر حافر الفرس، فانطلق موسى واستخلف هارون علي بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إنّ الغنيمة لا تحلّ لكم، وإن حُلِيَّ القِبْط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعًا فاحفِروا لها حفرة فادفنوها فيها، فإن جاء موسى فأحلَّها أخذتموها، وإلَّا كان شيئًا لم تأكلوه، فجمعوا ذلك الحلى في تلك الحفرة، وجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها، فأخرج الله من الحليّ عجلًا جسدًا له خُوار، وعدَّت بنو إسرائيل موعدَ موسى، فعدُّوا الليلة يومًا واليوم يومًا، فلما كان العشر خرج لهم العجلُ فلما رأوه قال لهم السامريّ:\n_________\n(١) مأخوذ من الإسرائيليات ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":299},{"text":"﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. يقول: ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾، فأقام هارون ومن مَعه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلّمه قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. فلما أخبره خبرهم قال موسى: يا رب هذا السامريّ أمرهم أن يتّخذوا العجل، أرأيتَ الروحَ منْ نفخها فيه؟ قال الربّ: أنا. قال: رَبّ أنْتَ إذًا أضللتهم.\nثم إن موسى لما كلمه ربُّه أحبّ أن ينظر إليه، ﴿قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ قَال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ فحَفّ حولَ الجبل الملائكة، وحُفّ حول الملائكة بنار، وحُفَّ حول النار بملائكة، وحول الملائكة بنار، ثم تجلّى ربه للجبل (١). (١: ٤٢٢/ ٤٢٣).\n٦٧٧ - فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، قال: حدثني السديّ، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أنه قال: تجلّى منه مثل طرَف الخنصر، فجعل الجبلَ دكًّا وخرّ موسى صعقًا، فلم يزل صَعِقا ما شاء الله، ثم أنه أفاق فقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ من الحلال والحرام، ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، يعني بجدّ واجتهاد ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ أي بأحسن ما يجدون فيها. فكان موسى بعد ذلك لا يستطيع أحد أن ينظر في وجهه، وكان يُلْبِس وجهه بحريرة، فأخذ الألواحَ ثم رجعَ إلى قومِه ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ - يقول: حزينًا ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ -إلى- ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ يقولون: بطاقتنا، ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ يقول: من حُليّ القبط ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾، ذلك حين قال لهم هارون: احفِروا لهذا الحلْي حُفرة، واطْرحوه فيها، فطرحوه فقذف\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة.","vol":"6","page":300},{"text":"السامريّ تربته، فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. فترك موسى هارون، ومال إلى السامري، فقال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾، قال السامرِّي: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى: ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. ثم أخذه فذبحه، ثم حرفهُ بالمبرد ثم ذراه في البحر، فلم يبق بحر يجري إلا وقع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى اشربوا منه فشربوا، فمن كان يحبه خرج علي شاربه الذهب، فذلك حين يقول: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. فلما سُقِط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فأبى الله أن يقبل توبةَ بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتِلُوهُمْ حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتِل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل بينهم سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهارون: رَبّنا هلكتْ بنو إسرائيل! ربَّنا البقية البقية! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قُتِل كان شهيدًا، ومن بقيَ كان مُكفَّرًا عنه، فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١). (١: ٤٢٣/ ٤٢٤).\n٦٧٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان السامريُّ رجلًا من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى معهم إلى ربه ﵎ قال لهم هارون: إنكم قد تحملتُم أوزارًا من زينة القوم آل فرعون، وأمتعة وحليًّا، فتَطهَّروا منها فإنها نجس، وأوقد لهم نارًا، وقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها، قالوا: نعم، فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحليّ وتلك الأمتعة فيقذفون به فيها، حتى إذا انكسرت الحليّ فيها، رأى السامري أثر فرس جَبرَئيل، فأخذ ترابًا من أثر حافره، ثم أقبل إلى الحفرة فقال لهارون: با نبيّ الله، ألقي ما في يدي؟ قال:\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا موسى بن هارون مجهول الحال وفي المتن نكارة وغرابة.","vol":"6","page":301},{"text":"نعم، ولا يظن هارون إلّا أنه كبعض ما جاء به غيره من تلك الأمتعة والحليّ، فقذفه فيها، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار، فكان للبلاء والفتنة، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾، فعكفوا عليه وأحبوه حبًّا لم يحبوا مثله شيئًا قطّ، فقال الله ﷿: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي ترك ما كان عليه من الإسلام، -يعني السامريّ- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.\nقال: وكان اسمُ السامريّ موسى بن ظفر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل. فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى﴾. فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام مَنْ يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، وكان له هائبًا مطيعًا، ومضى موسى ببني إسرائيل إلى الطور، وكان الله ﷿ وعدَ بني إسرائيل حين أنجاهم وأهلك عدوّهم جانب الطور الأيمن، وكان موسى حين سار ببني إسرائيل من البحر قد احتاجوا إلى الماء، فاستسقى موسى لقومه، فأمِر أن يضرب بعصاه الحجر، ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَينًا﴾، لكل سِبْط عين يشربون منها قد عرفوها (١). (١: ٤٢٥/ ٤٢٦).\n٦٧٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن صدقة ابن يسار، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: كان الله تعالى قد كتب لموسى فيها موعظة وتفصيلًا لكلّ شيء وهدى ورحمة، فلما ألقاها رَفع الله ستةَ أسباعها وأبقى سبعًا، يقول الله ﷿: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، ثم أمر موسى بالعجل فأحرِقَ، حتى رجع رمادًا، ثم أمر به فقذف في البحر.\nقال ابن إسحاق: فسمعت بعض أهل العلم يقول: إنما كان أحرقه ثمّ سَحَله ثم ذرّاه في البحر. والله أعلم (٢). (١: ٤٢٧).\n٦٨٠ - ثم اختار موسى منهم سبعين رجلًا: الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلُوه التوبة علَى من تركتم وراءكم من قومكم،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":302},{"text":"صوموا وتطهَّروا وطهِّروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون -فيما ذكر لي- حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشّى الجبل كلّه، وفي نا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلّمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضُرِب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وهي الصاعقة، فانفلتت أرواحهم فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سفهوا، أفتهلِك مَنْ ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا! إن هذا هلاك لهم. اخترت منهم سبعين رجلًا الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي رجل واحد، فما الذي يصدقونني به! فلم يزل موسى يناشد ربَّه، ويسأله ويطلب إليه حتى ردَّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلّا أن يقتلوا أنفسهم. وقال: فبلغني: أنّهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى مَنْ لم يكن عبد العجل أن يقتل مَنْ عبده، فجلسوا بالأفنية، وأصلتَ عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى وبهش إليه الصبيان والنساء يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف (١). (١: ٤٢٧/ ٤٢٨).\n٦٨١ - وأما السديّ فإنه ذكر في خبره الذي ذكرت إسناده قبلُ: أن مصيرَ موسى إلى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبدة العجل من قومه، وذلك: أنه ذكر بعد القصة التي قد ذكرتها عنه بعد قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: ثم إن الله أمرَ موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":303},{"text":"جَهْرَةً﴾، فإنك قد كلَّمته فأرِناه، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهروقد أهلكتَ خيارَهم! ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ فأوحى الله ﷿ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين مِمّن اتّخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾، يقول: تبنا إليك، وذلك قول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، والصاعقة نار. ثم إن الله أحياهم، فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا، ينظر بعضُهم إلى بعض: كيف يحيَوْن؟ فقالوا: يا موسى، أنتَ تدعو الله فلا تسأله شيئًا إلا أعطاك، فادعُه يجعلنا أنبياء، فدعا الله فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾، ولكنّه قدّم حرفًا وأخّر حرفًا.\nثم أمرهم بالسير إلى أرِيحا، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منها بعث موسى اثني عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبّارين، فلقيَهم رجل من الجبارين يقال له: عاج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حُجْزته وعلى رأسه حملة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنُهم برجلي! فقالت امرأته: لا، بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوْا، ففعل ذلك، فلما خرج القومُ قال بعضهم لبعض: يا قوم! إنكم إن أخبرتُم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدّوا عن نبي الله، ولكن اكتموهم وأخبروا نبيَّ الله، فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة فنكثوا العهد، فجعل الرجل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأوا من أمر عاج، وكَتم رجلان منه، فأتوا موسى وهارون فأخبروهما الخبر، فذلك حين يقول الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا﴾. فقال لهم موسى: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، يملك الرجل منكم نفسه وأهله ومَاله. ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، يقول: التي أمركم الله بها ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا﴾ مما سمعوا من العشرة: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا","vol":"6","page":304},{"text":"دَاخِلُونَ (٢٢) قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا﴾، وهما اللذان كتما، وهما يوشع بن نون فتى موسى وكالوب بن يوفنَّة -وقيل: كلاب بن يَوفنّة ختن موسى- فقالا: يا قوم ﴿ادْخُلُوا عَلَيهِمُ الْبَابَ﴾ ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فغضب موسى، فدعا عليهم، فـ: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَينَنَا وَبَينَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ وكانت عجَلة من موسى عجِلها، فقال الله: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما ضُرب عليهم التيه، ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم أوحى الله ﷿ إليه: ألّا تأسَ، أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين. فلم يحزن، فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بماء هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى، فكان يَسقط على الشجر الترنجبين والسَّلْوى -وهو طير يشبه السُّمانى- فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذَبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، يشرب كل سِبْط من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظلّ؟ فظلل الله عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظلّ، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾، فأجمعوا ذلك، فقالوا: ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ -وهي الحنطة- ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. قال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ من الأمصار، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. فلما خرجوا من التيه رفع المنّ والسلوى، وأكلوا البقول، والتقى موسى وعاج فنزا موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عاج فقتله (١). (١: ٤٢٨/ ٤٢٩ / ٤٣٠/ ٤٣١).\n٦٨٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مُؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"6","page":305},{"text":"أبي إسحاق، عن نوْف، قال: كان طول عوج ثمانمئة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ثم وثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا فأصاب كعبه فسقط ميتًا، فكان جِسْرًا للناس يمرّون عليه (١). (١: ٤٣١).\n٦٨٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: أخبرنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبتُه عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فأصاب كعبَ عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل، وقيل إن عوج عاش ثلاثة آلاف سنة (٢). (١: ٤٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>ذكر وفاة موسى وهارون ابني عمران ﵉</span>\n٦٨٤: حدثنا موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السُّديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدانيّ عن عبد الله بن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبيّ: ثم إن الله ﵎ أوحى إلى موسى، أني مُتَوفٍّ هارون، فائْتِ به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم يُرَ مثلها، وإذا هما ببيت مبنيّ، وإذا هما فيه بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريحٌ طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، فقال: يا موسى إني لأحبّ أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنمْ عليه، قال: إني أخاف أن يأتيَ ربُّ هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا ترهب أنا أكفيك ربَّ هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي، فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعًا، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتَني، فلما قُبِض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورُفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتلَ هارون وحسده لحبّ بني إسرائيل له، وكان هارون أكفّ عنهم وأليَن لهم من موسى، وكان في موسى بعضُ الغلظ عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم!\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":306},{"text":"كان أخي، أفتروْنني أقتله! فلما أكثروا عليه قام فصلّى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدّقوه. ثم إن موسى بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظنّ أنها الساعة والتزم موسى، وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ الله، فاستلّ موسى من تحت القميص وترك القميص في يد يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله! قال: لا والله ما قتلتُه، ولكنه استُلَّ مني، فلم يصدّقوه وأرادوا قتله. قال: فإذا لم تصدقوني فأخِّروني ثلاثة أيام، فدعا الله فأتِي كلّ رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنَّا قد رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبّارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح (١). (١: ٤٣٢/ ٤٣٣).\n٦٨٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كان صفيُّ الله قد كره الموت وأعظمه، فلمّا كرهه أراد الله تعالى أن يحبِّب إليه الموت ويكرّه إليه الحياة، فحوّلت النبوّة إلى يوشع بن نون، فكان يغدُو عليه ويروح، فيقول له موسى: يا نبيّ الله! ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع بن نون: يا نبيّ الله، ألمْ أصحبْك كذا وكذا سنة، فهل كنتُ أسألُك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟ فلا يذكر له شيئًا، فلما رأى موسى ذلك كِره الحياة وأحبّ الموت (٢). (١: ٤٣٣).\n٦٨٦ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان صفيّ الله -فيما ذكر لي وهب بن منبّه- إنما يستظلّ في عريش ويأكل ويشرب في نقير من حَجَر، إذا أراد أن يشرب بعد أن أكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير، تواضعًا لله حين أكرمه الله بما أكرمه به من كلامه.\nقال وهب: فذكر لي أنه كان من أمر وفاته: أن صفيّ الله خرج يومًا من عريشه ذلك لبعض حاجته لا يعلم به أحدٌ من خلق الله، فمرّ برهط من الملائكة يحفِرون\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٧٨) بالإسناد نفسه وصححه على شرط مسلم وليس كذلك فالإسناد ضعيف كما بينا مرارًا ولم يعتبره الطبري صحيحًا وفي المتن من الإسرائيليات ما فيه.\n(٢) في متنه نكارة.","vol":"6","page":307},{"text":"قبرًا فعرفهم وأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسنَ منه، ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكَة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفره لعبد كريم على ربِّه، قال: إنّ هذا العبد من الله لَبمنزل! ما رأيت كاليوم مضجعًا ولا مدخلًا! وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه، فقالت له الملائكة: يا صفيّ الله، أتحبّ أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فأنزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ثم تنفس أسهلَ تنفس تنفستَه قطّ.\nفنزل فاضطجع فيه، وتوجَّه إلى ربه، ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه، ثم سَوَت عليه الملائكة، وكان صفيّ الله زاهدًا في الدنيا راغبًا فيما عند الله (١). (١: ٤٣٣/ ٤٣٤).\n٦٨٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن أبي سنان الشيبانى، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: مات موسى وهارون جميعًا في التيه، مات هارون قبل موسى، وكانا خرجا جميعًا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف موسى إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبتَ ولكنك قتلته لحبّنا إياه، وكان محبَّبًا في بني إسرائيل، فتضرّع موسى إلى ربِّه، وشكا ما لقيَ من بني إسرائيل، فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى موضع قبره، فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتًا ولم تقتله. قال: فانطلق بهم إلى قبر هارون، فنادى: يا هارون، فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا والله، ولكني متُّ، قال: فعُدْ إلى مضجعك، وانصرفوا.\nفكان جميع مدة عمر موسى - ﵇ - كلها مئة وعشرين سنة، عشرون من ذلك في ملك أفريدون، ومئة منها في ملك مِنوشهر، وكان ابتداء أمره من لدن\n_________\n(١) ضعيف جدًّا وكذلك أخرجه الحاكم عن وهب بن منبه وسكت عنه وضعفه الذهبي ... (المستدرك ٢/ ٥٧٩).\nقلنا: وفي إسناده الحاكم عبد المنعم بن إدريس متهم بالكذب كما هو حال ابن حميد والله أعلم.","vol":"6","page":308},{"text":"بعثه الله نبيًّا إلى أن قبضه إليه في ملك مِنُوشِهْر (١). (١: ٤٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>ذكر يوشع بن نون - ﵇ </span>-\n٦٨٨ - ثم ابتعث الله ﷿ بعد موسى - ﵇ - يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيًّا، وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب مَنْ فيها من الجبارين. فاختلف السلفُ من أهل العلم في ذلك، وعلى يد مَنْ كان ذلك؟ ومتى سار يوشع إليها؟ في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته (٢)؟ (١: ٤٣٥).\n٦٨٨ / أ- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة. قال: قال الله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. . . .﴾ الآية، حرّمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة.\nوذكر لنا: أن موسى مات في الأربعين سنة، ولم يدخل بيتَ المقدس منهم إلا أبناؤهم، والرجلان اللذان قالا ما قالا (٣). (١: ٤٣٦).\n٦٨٩ - حدثني موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في الخبر الذي ذكرت إسناده فيما مضى: لم يبق أحدٌ ممن أبى أن يدخلَ مدينة الجبَّارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح. ثم إن الله ﷿ لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيًّا فأخبرهم أنه نبيّ وأنّ الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدّقوه، فهزم الجبارين، واقتحموا عليهم، فقتلوهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها (٤). (١: ٤٣٦).\n_________\n(١) شيخ الطبري متهم بالكذب والحديث ضعيف وفيه نكارة كما ذكرنا آنفًا والله أعلم كم عمّر موسى.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) إسناده غير صحيح كما قال الطبري.","vol":"6","page":309},{"text":"٦٩٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سليمان بن حرْب عن هلال، عن قتادة في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ﴾، قال: أبدًا (١). (١: ٤٣٦).\n٦٩١ - حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم عن هارون النحويّ، عن الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: التحريم التّيه (٢). (١: ٤٣٦).\n٦٩١ / أ- وقال آخرون: إنما فتح أرِيحا موسى؛ ولكن يوشع كان على مقدمة موسى حين سار إليهم (٣). (١، ٤٣٦).\nذكر من قال ذلك:\n٦٩٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما نشأت النواشي من ذراريّهم -يعني مِنْ ذراريّ الذينَ أبوْا قتال الجبارين مع موسى- وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيّهوا فيها؛ سار بهم موسى ومعه يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنّة، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، فكان لهم صهرًا، فلما انتهوْا إلى أرض كنعان، وبها بلعم بن باعور المعروف، وكان رجلًا قد آتاه الله علمًا، وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم -فيما يذكرون- الذي إذا دعِيَ الله به أجاب، وإذا سُئل به أعطى (٤). (٤٣٧: ١).\n٦٩٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النَّضْر، أنه حدّث: أنّ موسى لما نزل أرض بني كَنْعان من أرض الشأم، وكان بلعم ببالعة -قرية من قرى البلقاء- فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل، أتى قومُ بلعم إلى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويُحلّها بني إسرائيل، ويسْكنها، وإنّا قومك وليس لنا منزلٌ، وأنت رجلُ مجابُ الدعوة، فاخرج فادعُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":310},{"text":"الله عليهم، فقال: ويلكم! نبي الله معه الملائكة والمؤمنون! كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم! قالوا: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرقّقونه، ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن فركب حمارة له متوجهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حُسْبان، فما سار عليها غير قليل، حتى ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى أذلقها فقامت فركبها، فلم تسِرْ به كثيرًا حتى رَبضت به، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها، فلم تسرْ به كثيرًا حتى ربضت به، فضرَبها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمتْه حُجّةً عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب! ألا ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا! أتذهب إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها يضربها، فخلّى الله سبيلَها حين فعل بها ذلك، فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حُسْبان، على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيء إلّا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غَلب الله عليه، واندلع لسانُه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِّلوا النساء وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسَها من رجل أرأدها؛ فإنه إن زنى رجل واحد منهم كُقيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانين اسمها كستى ابنة صور -رأس أمته وبني أبيه من كان منهم في مدين، هو كان كبيرهم- برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمري بن شلوم، رأس سِبْط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالُها، ثم أقبل حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول: هذه حرام عليك! قال: أجلْ هي حرام عليك لا تقرَبْها، قال: فوالله لا نُطيعك في هذا، ثم دخل بها قبّته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل. وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمْر موسى، وكان رجلًا قد أعطِيَ بسطة في الخلق، وقوة في البطش، وكان غائبًا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل، فأخبِر الخبر، فأخذ حربته -وكانت من حديد كلّها- ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج","vol":"6","page":311},{"text":"بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته -وكان بِكْر العيزار- فجعل يقول: اللهمّ هكذا نفعل بمَنْ يعصيك! ورُفع الطاعون فحُسِب مَنْ هلك من بني إسرائيل في الطاعون -فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفًا، والمقلّل لهم يقول: عشرون ألفًا، في ساعة من النهار، فمن هنالك تُعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كلِّ ذبيحة ذبحوها القِبَة والذراع واللَّحْي، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبِكْر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار، ففي بلعم بن باعور، أنزل الله تعالى على محمد: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ -يعني بلعم بن باعور- ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يعني بني إسرائيل: أني قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم لتفكرون فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر من السماء.\nثم إن موسى قدّم يوشع بن نون إلى أرِيحا في بني إسرائيل فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، وأصاب من أصاب منهم، وبقيتْ منهم بقية في اليوم الذي أصابهم فيه، وجنح عليهم الليل، وخَشيَ إن لبسهم الليل أن يُعجزوه، فاستوقف الشمس، ودعا الله أن يحبسها، ففعل ﷿ حتى استأصلهم؛ ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثمّ قبضه الله إليه، لا يعلم بقبره أحد من الخلائق (١). (١: ٤٣٧/ ٤٣٨ / ٤٣٩).\n٦٩٤ - فأما السديّ في الخبر الذي ذكرت عنه إسناده فيما مضى؛ فإنه ذكر في خبره ذلك أن الذي قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون، وقصّ من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره، وهو أنه ذكر فيه: أن الله بعث يوشع نبيًّا بعد أن انقضت الأربعون سنة، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدّقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم -وكان عالمًا، يعلم الاسم الأعظم المكتوم- فكفر وأتى الجبارين، فقال:\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":312},{"text":"لا ترهبوا بني إسرائيل؛ فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعُو عليهم دعوة فيهلِكون؛ فكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غيرَ أنه كان لا يستطيع أن يأتيَ النساء من عظمهنّ، فكان ينكح أتانًا له، وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا﴾ أي: فبصر ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوين﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب، فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس، وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه، وهو يريد أن يلعَن بني إسرائيل، فكلّما أراد أن يدعُوَ علي بني إسرائيل جاء على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تدعو علينا، فيقول: إنما أردت بني إسرائيل، فلما بلغ بابَ المدينة أخذَ ملَك بذنَب الأتان فأمسكها، وجعل يحرّكها فلا تتحرك، فلما أكثر ضرْبها تكلّمت، فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار! ويلي منك! ولو أنِّي أطقت الخروجَ لخرجت بك؛ ولكن هذا الملك يحبِسني، فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالًا شديدًا حتى أمسوْا وغربت الشمس، ودخل السبت، فدعا الله فقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله، اللهمّ اردد عليَّ الشمس، فردت عليه الشمس، فزيد له في النهار يومئذ ساعة، فهزم الجبارين واقتحموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها. وجمعوا غنائمهم، وأمرهم يوشع أن يقرِّبوا الغنيمة فقرَّبوها، فلم تزل النار تأكلها، فقال يوشع: يا بني إسرائيل إن لله ﷿ عندكم طِلْبة، هلمّوا فبايعوني، فبايعوه فلصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت والجوهر، كان قد غلّه، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان (١). (١: ٤٣٩/ ٤٤٠).\n٦٩٥ - وأما أهل التوراة؛ فإنهم يقولون: هلك هارون وموسى في التِّيه، وإن الله أوحى إلى يوشع بعد موسى، وأمره أن يعبر الأردنّ إلى الأرض التي أعطاها بني إسرائيل، ووعدها إياهم، وأن يوشع جَدَّ في ذلك ووجّه إلى أريحا من تعرّف خبرها، ثم سار ومعه تابوت الميثاق، حتى عبَر الأردنّ، وصار له ولأصحابه فيه\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":313},{"text":"طريق، فأحاط بمدينة أرِيحا ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، وضجّ الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة فأباحوها وأحرقوها، وما كان فيها ما خلا الذهب والفضة وآنية النحاس والحديد، فإنهم أدخلوه بيت المال. ثم إن رجلًا من بني إسرائيل غلّ شيئًا، فغضب الله عليهم وانهزموا، فجزع يوشع جزعًا شديدًا، فأوحى الله إلى يوشع أن يُقْرع بين الأسباط، ففعل حتى انتهت القُرْعة إلى الرجل الذي غلّ، فاستخرج غُلوله من بيته، فرجَمه يوشع وأحرق كلَّ ما كان له بالنار، وسمّوا الموضع باسم صاحب الغلول، وهو عاجر فالموضع إلى هذا اليوم غَوْر عاجر. ثم نهض بهم يوشع إلى ملك عابي وشعبه، فأرشدهم الله إلى حربه، وأمر يوشع أن يكمن لهم كمينًا ففعل، وغلب على عايي وصلَب ملكها على خشبة، وأحرق المدينة وقتل مِنْ أهلها اثني عشر ألفًا من الرجال والنساء، واحتال أهلُ عماق وجيعون ليوشع حتى جعل لهم أمانًا، فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم أن يكونوا حَطّابين وسقائين، فكانوا كذلك، وأن يكون بازق ملك أورشليم يتصدق، ثم أرسل ملوك الأرمانيين، وكانوا خمسة بعضهم إلى بعض، وجمعوا كلمتهم على جيعون، فاستنجد أهل جيعون يوشع، فأنجدهم وهزموا أولئك الملوك حتى حدّروهم إلى هَبْطة حَوْران، ورماهم الله بأحجار البرَد، فكان مَنْ قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وسأل يوشع الشمسَ أن تقف والقمر أن يقوم حتى ينتقم من أعدائه قبل دخول السبت، ففعلا ذلك وهرب الخمسة ملوك فاختفوْا في غار، فأمر يوشع فَسُد بابُ الغار حتى فرغ من الانتقام من أعدائه، ثم أمر بهم فأخرجوا، فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم من الخشب، وطرحهم في الغار الذي كانوا فيه، وتتبّع سائر الملوك بالشام؛ فاستباح منهم أحدًا وثلاثين ملكًا، وفرق الأرض التي غلب عليها. ثم مات يوشع، فلما مات دُفن في جبل أفراييم، وقام بعده سِبْطُ يَهوذا وسبط شمعون إحرب الكنعانيين، فاستباحوا حريمهم، وقتلوا منهم عشرة آلاف بازق، وأخذوا ملك بازق فقطعوا إبهامَي يديه ورجليه، فقال عند ذلك ملك بازق: قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتي سبعون ملكًا مُقطَّعي الأباهيم، فقد جزاني الله بصنيعي، وأدخلوا ملك بازق أورشليم، فمات بها. وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم، وكان عُمْر يوشع مئة سنة وستًّا وعشرين سنة. وتدبيره أمر بني إسرائيل منذ توفي موسى إلى أن تُوفي","vol":"6","page":314},{"text":"يوشع بن نون سبعًا وعشرين سنة (١). (١: ٤٤١/ ٤٤٢).\n٦٩٥ / أ- وقد قيل إن أوّل مَنْ ملك من ملوك اليمن، ملِك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير، يقال له: شمير بن الأملول، وهو الذي بني مدينة ظَفار باليمن، وأخرج مَنْ كان بها من العماليق، وإن شمير بن الأملول الحميريّ هذا كان من عُمّال ملك الفرس يومئذ على اليمن ونواحيها (٢). (١: ٤٤٢).\n٦٩٦ - وزعم هشام بن محمد الكلبي: أن بقيةً بقيت من الكنعانيين بعد ما قَتلَ يوشع مَنْ قتل منهم، وأن إفريقيس بن قيس بن صيفيّ بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجُب بن يعرُب بن قحطان مرّ بهم متوجهًا إلى إفريقيَة، فاحتملهم من سواحل الشام، حتى أتى بهم إفريقيَة، فافتتحها وقتل ملكها جرجيرا، وأسكنَها البقية التي كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل الشام. قال: فهم البرابرة، قال: وإنما سُمّوا بربرًا، لأن إفريقيس قال لهم: ما أكثر بربرتكم! فسموا لذلك بربرًا، وذكر أن إفريقيس قال في ذلك من أمرهم شعرًا، وهو قوله:\nبَرْبَرَتْ كنعان لمَّا سُقْتُهَا ... مِنْ أراضي الْهُلْكِ للعيشِ العَجَب\nقال: وأقام من حمير في البربر صنْهاجَة وكُتامة، فهم فيهم إلى اليوم (٣). (١: ٤٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>ذكر أمر قارون بن يصهر بن قاهث</span>\n٦٩٧ - وكان قارون ابنَ عم موسى - ﵇ -. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: ابن عمه، أخي أبيه. فإنَّ: قارون بن يصفر - هكذا قال القاسم، [وإنما هو يصهر]- بن قاهث، وموسى بن عرمر بن قاهث، وعرمر بالعربية عمران؛ هكذا قال القاسم، وإنما هو عمرم (٤). (١: ٤٤٣).\n_________\n(١) من الإسرائيليات ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":315},{"text":"٦٩٨ - وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عنه: تزوج يصهر بن قاهث شميت ابنة تباويت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر، فقارون -على ما قال ابن إسحاق- عمّ موسى أخو أبيه لأبيه وأمه (١). (١: ٤٤٣).\nوأما أهلُ العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج.\nذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين:\n٦٩٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابن عمّ موسى (٢). (١: ٤٤٣).\n٧٠٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، كان قارون ابنَ عمّ موسى (٣). (١: ٤٤٣).\n٧٠١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابن عمه فبغى عليه (٤). (٤٤٤: ١).\n٧٠٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، قال: كان قارون ابنَ عم موسى (٥). (١: ٤٤٤).\n٧٠٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو معاوية عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابنَ عمه (٦). (٤٤٤: ١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف.","vol":"6","page":316},{"text":"٧٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ كنا نحدث أنه كان ابن عمه أخي أبيه، وكان يسمى المنوّر من حسن صورته في التوارة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامريّ، فأهلكه البغي (١). (١: ٤٤٤).\n٧٠٥ - حدثني بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ عن مالك بن دينار، قال: بلَغني أنّ موسى بن عمران كان ابنَ عمّ قارون، وكان الله قد آتاه مالًا كثيرًا، كما وصفه الله ﷿، فقال: ﴿وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، يعني بقوله: ﴿لَتَنُوءُ﴾ تثقل (٢). (١: ٤٤٤).\n٧٠٦ - وذكر أن مفاتيح خزائنه كانت كالذي حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن منصور، عن خيثمة في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: نجد مكتوبًا في الإنجيل: مفاتيحُ فارون وَقْرستين بغلًا غرًّا محجّلة، ما يزيد مفتاح منها على إصبع؛ لكل مفتاح منها كنز (٣). (١: ٤٤٤).\n٧٠٧ - حدثني أبو كريب، قال: حدثنا هُشَيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾، قال: كانت مفاتيح خزائنه تحمّل على أربعين بغلًا (٤). (١: ٤٤٤/ ٤٤٥).\n٧٠٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرَنا الأعمش عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون تحمل على ستين بغلًا، كلّ مفتاح منها لباب كنزٍ معلوم، مثل الإصبع، من جلود (٥). (١: ٤٤٥).\n٧٠٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، كلّ مفتاح على خزانة\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"6","page":317},{"text":"على حِدة، فإذا ركب حُمِلت المفاتيح على ستين بغلًا أغز محجّل (١). (١: ٤٤٥).\n٧١٠ - فبغَى عدوّ الله لما أراد الله به الشقاء والبلاء على قومه بكثرة ماله. وقيل: إن بغيه عليهم كان بأن زاد عليهم في الثياب شبرًا. كذلك حدثني علي بن سعيد الكنديّ وأبو السائب وابن وكيع، قالوا: حدثنا حفص بن غياث عن ليث، عن شهر بن حَوْشب.\nفوعظه قومه على ما كان من بغيه، ونهوه عنه، وأمروه بإنفاق ما أعطاه الله في سبيله والعمل فيه بطاعته، كما أخبر الله ﷿ عنهم أنهم قالوا له فقال: ﴿إِذْ قَال لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وعنى بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: لا تَنْس في دنياك أن تأخذ نصيبك فيها لآخرتك، فكان جوابُه إياهم جهلًا منه، واغترارًا بحلم الله عنه، ما ذكر الله تعالى في كتابه أن قال لهم: إنما أوتيتُ ما أوتيتُ من هذه الدنيا على علم عندي فقيل: معنى ذلك: على خير عندي، كذلك رُوي ذلك عن قتادة (٢). (١: ٤٤٥).\n٧١١ - وقال غيره: عنى بذلك: لولا رضاء الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا، قال الله ﷿ مكذبًا قيله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال. ولو كان الله إنما يُعطي الأموال والدنيا مَنْ يعطيه إياها لرضاه عنه، وفضله عنده؛ لم يهلك مَنْ أهلك من أرباب الأموال الكثيرة قبله، مع كثرة ما كان أعطاهم منها. فلم يردْعه عن جهله، وبغيه على قومه بكثرة مالِه عظةُ من وعظه، وتذكير مَنْ ذكَّره بالله ونصيحته إياه؛ ولكنه تمادى في غيه وخسارته، حتى خرج على قومه في زينته راكبًا بِرْذَوْنًا أبيضَ مسرجًا بسرج الأرجُوان، قد لبس ثيابًا معصفرة، قد حمل معه من الجواري بمثل هيئته وزينته على مثل بِرْذَوْنه ثلاثمئة جارية وأربعة آلاف من أصحابه.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":318},{"text":"وقال بعضهم: كان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه سبعين ألفًا (١). (١: ٤٤٦).\n٧١٢ - حدثنا ابن وكِيع، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾، قال: على براذين بيض، عليها سروج الأرجوان، عليهم المعصفرة. فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثلَ الذي أوتيه، فقالوا: ﴿يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، فأنكر ذلك من قوله عليهم أهلُ العلم بالله فقالوا لهم: ويلكم أيها المتمنّون مثلَ ما أوتي قارون! اتقوا الله، واعملوا بما أمركم الله به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإن ثوابَ الله وجزاءه أهل طاعته خيرٌ لمن آمن به وبرسله، وعمِل بما أمره به من صالح الأعمال، يقول الله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾، يقول: لا يلقى مثل هذه الكلمة إلا الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا جزيلَ ثواب الله على صالح الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها، فعملوا له بما يوجب لهم ذلك (٢). (١: ٤٤٦).\n٧١٢ / أ- فلما عتا الخبيث وتمادى في غيّه، وبطر نعمة ربه؛ ابتلاه الله ﷿ من الفريضة في ماله والحق الذي ألزمه فيه ما ساق إليه شحّه به أليم عقابه، وصار به عبرة للغابرين وعظة للباقين (٣). (١: ٤٤٧).\n٧١٣ - فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: لما نزلت الزكاة أتى قارونُ موسى فصالحه عن كلّ ألف دينار دينارًا، وعلى كلِّ ألف درهم درهمًا، وعلى كلِّ ألف شيء شيئًا، أو قال: وكلّ ألف شاة شاةً -قال أبو جعفر الطبريّ: أنا أشك- قال: ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرًا فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، إن موسى قد أمرَكم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكُم. فقالوا له: أنت كبيرُنا وسيدنا، فمرْنا بما\n_________\n(١) ضعيف\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":319},{"text":"شئت، فقال: آمركم أن تَجيؤوا بفلانة البغيّ فتجعلوا لها جُعلًا فتقذفه بنفسها. فدعوْها فجعلوا لها جُعلًا على أن تقذفه بنفسها، ثم أتى موسى فقال: إنّ قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم وهم في بَراح من الأرض، فقال: يا بني إسرائيل، مَنْ سرق قطْعنا يده، ومن افترى جلَدناه ثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مئة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت -أو قال: رجمناه حتى يموت- قال أبو جعفر أنا أشك -فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: وإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعُوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك! قال: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، وكذبوا، ولكن جعلوا إليّ جُعلًا على أن أقذفَك بنفسي، فوثب فسجد وهو بينهم، فأوحى إليه: مُر الأرض بما شئتَ، قال: يا أرض خذِيهم! فأخذتهم إلى أقدامهم، ثم قال: يا أرض خُذيهم! فأخذتهم إلى ركبهم، ثم قال: يا أرض خذيهم! فأخذتهم إلى أعناقهم، قال: فجعلوا يقولون: يا موسى، ويتضرّعون إليه، قال: يا أرض خذيهم! فأطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: [يا موسى] يقول لك عبادي: يا موسى يا موسى، فلا ترحمهم، أما لو إياي دعْوا لوجدوني قريبًا مجيبًا، قال: فذلك قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾، وكانت زينته أنه خرج على دوابّ شُقْر عليها سروج أرجوان، عليها ثياب مصبّغة بالبَهرمان، ﴿قَال الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قوله: لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. يا محمد! ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). (١: ٤٤٧/ ٤٤٨).\n٧١٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش، عن المنهال، عن رجل، عن ابن عباس بنحوه، وزادني فيه: قال: فأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد، فأتوْا موسى فقالوا: ادع لنا ربك، قال:\n_________\n(١) الأعمش مدلس وعنعن هنا ولم يصرح بالتحديث وقد رواه الطبري هنا عن ابن عباس موقوفًا وكذلك أخرجه الحاكم بهذا الإسناد من طريق الأعمش معنعنًا (٢/ ٤٠٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nقلنا: ولكنه موقوف فما يدرينا أن ابن عباس لم يأخذه من كعب الأحبار والله أعلم.","vol":"6","page":320},{"text":"فدعا لهم فأوحي الله إليه: يا موسى! أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم من خطاياهم، وقد دعوك فلم تجبهم أما لو إياي دعوا لأجبتهم (١). (١: ٤٤٨).\n٧١٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا عليّ بن هاشم ابن البريد عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابن عمه، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل وقارون في ناحية، قال: فدعا بغيّة كانت في بني إسرائيل، فجعل لها جُعلًا علي أن ترميَ موسى بنفسها، فتركه، حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل إلي موسى أتاه قارون فقال: يا موسى! ما حدُّ مَنْ سرق؟ قال: أن تقطع يده، قال: فإن كنتَ أنت؟ قال: نعم، قال: فما حدّ من زَني؟ قال: أن يُرجم، قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قال: فإنك قد فعلت، قال: ويلك! بمن؟ قال: بفلانة، فدعاها موسى، فقال: أنشدُك بالذي أنزل التوراة، أصدَق قارون؟ قالت: اللهمّ إذْ نشدتني، فإني أشهد أنك بَريء، وأنّك رسولُ الله، وأن عدّو الله قارون جعلَ لي جُعْلًا علي أن أرميَك بنفسي! قال: فَوثب موسى فخرَّ ساجدًا، فأوحي الله إليه أن ارفع رأسك فقد أمرت الأرضَ أن تطيعك، فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الحَقْو، قال؛ يا موسى، قال: خذيهم فأخذتْهُم حتى بلغوا الصدور، قال: يا موسى، قال: خذيهم، قال: فذهبوا، قال: فأوحي الله إليه: يا موسى، استغاث بك فلم تُغثه، أما لو استغاثَ بي، لأجبتُه ولأغثته (٢). (١: ٤٤٨/ ٤٤٩).\n٧١٦ - حدثنا بشر بن هلال الصّواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال: حدثنا علي بن زيد بن جُدْعان، قال: خرج عبد الله بن الحارث من الدار، ودخل المقصورة فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه، فذكر سليمان بن داود و﴿قَال يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ إلي قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. قال: ثم سكت عن حديث سليمان، فقال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيهِمْ﴾، وكان قد أوتِيَ من الكنوز مما ذكره الله في كتابه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. فـ ﴿قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾\n_________\n(١) في إسناده رجل لم يُسمَّ. ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":321},{"text":"قال: وعاد موسى وكان مؤذيًا له، فكانَ موسى يصفح عنه، ويعفو للقرابة حتى بني دارًا، وجعل بابَ داره منْ ذهب، وضرب علي جدر داره صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون، فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضحكونه، فلم تدعه شقوته والبلاء حتى أرسل إلي امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا مشهورة بالسب، فجاءت قال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيَك وأخلِطَك بنسائي، علي أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقوله: يا قارون ألا تنهي عنّي موسى! قالت: بلى! فلما جلس قارون، وجاءه الملأ من بني إسرائيل أرسل إليها فجاءت، فقامت بين يديه، فقلب الله قلبها، وأحدَث لها تَوْبة، فقالت في نفسها: لا أجد اليومَ توبةً أفضلَ من ألّا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله، فقالت: إن قارون قال لي: هل لكِ أن أمولك وأعطيَك وأخلِطك بنسائي علي أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، فتقوله: يا قارون! ألا تنهي عني موسى! فلم أجد توبةَ أفضلَ من ألّا أوذي رسولَ الله، وأعذب عدوّ الله. فلما تكلمت بهذا الكلام سُقط في يدي قارون، ونكس رأسه، وسكت عن الملإ، وعرف أنه قد وقع في هلَكة، فشاع كلامُها في الناس، حتى بلغ موسى، فلما بلغ موسى اشتدّ غضبهُ فتوضأ من الماء وصلي وبكي، وقال: يا ربّ! عدوك لي مؤذٍ، أراد فضيحتي وشيني، يا ربّ! سلطني عليه. فأوحي الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك، فجاء موسى إلي قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له، فقال له: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم! قال: فاضطربت داره، وساخت بقارون وأصحابه إلي الكعبين، وجعل يقول: يا موسى ارحمني! قال: يا أرض خذيهم! فاضطربت دارُه وساخت، وخُسِف بقارون وأصحابه إلي ركبهم وهو يتضرع إلي موسى: يا موسى، ارحمني! قال: يا أرض خذيهم! فاضطربت داره، وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلي سررهم، وهو يتضرع إلي موسى: يا موسى، ارحمني! قال: يا أرضُ خُذِيهم! فخسف به وبداره وأصحابه، قال: وقيل لموسي: يا موسى ما أفظك! أما وعزّتي لو إياي نادي؛ لأجبتُه (١). (١: ٤٤٩/ ٤٥٠).\n٧١٧ - حدثنا بشر بن هلال، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":322},{"text":"الجوْنيّ، قال: بلغني أنه قيل لموسي: لا أعبِّدُ الأرض لأحد بعدك أبدًا (١). (١: ٤٥٠).\n٧١٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، ذكر لنا أنه يخسف به كلّ يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلي يوم القيامة (٢). (١: ٤٥٠/ ٤٥١).\n٧١٩ - وروي عن النبي - ﷺ - ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخْولانيّ، عن أبي ذّر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى\".\nقال: قلت: يا رسولَ الله! ما كان في صحف موسى؟ قال: كانت عِبرًا كلّها، عجبت لمن أيقَنْ بالنار ثم يضحك، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح، عجبت لمن أيقنَ بالحساب غدًا ثم لم يعمل!\nوكان تدبير يوشع أمر بني إسرائيل من لدن مات موسى، إلي أن توفي يوشع، كله في زمان منوشهر عشرين سنة، وفي زمان فَراسْياب سبع سنين (٣). (١: ٤٥١/ ٤٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>ذكر أمر بني إسرائيل والقوّام الذين كانوا بأمرهم بعد يوشع بن نون والأحداث التي كانت في عهد زَوّ وكَيقَبَاذ</span>\n٧١٩ / أ- ولا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور الأمم السالفين من أمتِنا وغيرهم أن القيّم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يُوفنّا، ثم حِزْقِيل بن بُوذي من بعده، وهو الذي يقال له: ابن العجوز (٤). (١: ٤٥٧).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده الماضي بن محمد ضعيف وشطره الأخير جزء من حديث طويل عند ابن حبان (ح ٣٦١) عن أبي ذر مرفوعًا من قوله: فما كانت صحف موسى - ﵇ - إلي آخر الحديث. وإسناده ضعيف جدًّا بسبب إبراهيم بن يحيى اتهمه أبو حاتم بالكذب.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":323},{"text":"٧٢٠ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: إنما سمي حِزقيل بن بوزِي ابن العجوز: أنها سألت الله الولد، وقد كبرت وعقِمت، فوهبه الله لها، فبذلك قيل له: ابن العجوز؛ وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب - ﵇ - كما بلغنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (١). (١: ٤٥٧).\n٧٢١ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناسًا من بني إسرائيل بلاءٌ وشدة من الزمان، فشكوْا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد مِتْنا فاسترحنا مما نحن فيه! فأوحي الله إلي حِزْقِيل: إنّ قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودُّوا لو ماتوا فاستراحوا، وأيّ راحة لهم في الموت! أيظنون أني لا أقدر علي أن أبعثَهم بعد الموت! فانطلِقْ إلي جَبّانة كذا وكذا فإن فيها أربعة آلاف -قال وهب: وهم الذين قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فقمْ فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرّقت؛ فرّقتها الطير والسباع، فناداها حِزْقيل، فقال: يا أيَّتُها العظامُ النخِرة، إن الله ﷿ يأمرُك أن تجتمعي. فاجتمع عظام كل إنسان منهم معًا، ثم نادي ثانية حزقيل فقال: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلدًا، فكانت أجسادًا، ثم نادي حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله، وكبَّروا تكبيرة واحدة (٢). (١: ٤٥٧/ ٤٥٨).\n٧٢٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدَانيّ، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ كانت قرية يقال لها داوَرْدان قبل واسط، فوقع بها الطاعون، فهرب\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":324},{"text":"عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك أكثرُ مَن بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابُنا هؤلاء كانوا أحزَم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجنّ معهم. فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيَح، فناداهم مَلَك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: أن موتوا، فماتوا حتى هلكوا، وبليت أجسادهم، فمرّ بهم نبيٌّ يقال له: هِزْقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم، يَلْوي شِدقه وأصابعه، فأوحي الله إليه: يا هزقيل! أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وإنما كان تفكُّره أنه تعجَّب من قدرة الله عليهم، فقال: نعم، فقيل له: ناد، فنادي يا أيّتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلي بعض؛ حتى كانت أجسادًا من عظام، ثم أوحي الله أن ناد: يا أيتها العظام؛ إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا فاكتست لحمًا ودمًا وثيابَها التي ماتت فيها؛ وهي عليها، ثم قيل له: ناد، فنادي: يا أيتها الأجساد، إن الله يأمرُك أن تقومي، فقاموا (١). (١: ٤٥٨).\n٧٢٣ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، قال: فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحْيُوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت؛ فرجعوا إلي قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتي، سحنةُ الموت علي وجوههم، لا يلبسون ثوبًا إلا عاد دسمًا مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم (٢). (١: ٤٥٩).\n٧٢٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكَّام عن عنبسة، عن أشعث، عن سالم النَصْريّ، قال: بينما عمر بن الخطاب يصلي ويهوديان خلفه، وكان عمر إذا أراد أن يركع خوَّي، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فلما انفتل عمر قال: أرأيت قولَ أحدكما لصاحبه: أهو هو؟ فقالا: إنا نجد في كتابنا قرنًا من حديد يعطَي ما أعطي حزقيل الذي أحيا الموتي بإذن الله، فقال عمر: ما نجد في كتابنا حزقيل، ولا أحيا الموتي بإذن الله إلا عيسى ابن مريم، فقالا: أما تجد في كتابُ الله ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ﴾، فقال عمر: بلى، قالا وأما إحياء\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":325},{"text":"الموتى فسنحدّثك أن بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا علي رأس ميل أماتهم الله، فبنوْا عليهم حائطًا، حتى إذا بليت عظامهُم بعث الله حِزْقيل فقام عليهم، فقال: ما شاء الله! فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ...﴾، الآية (١). (٤٥٩: ١).\n٧٢٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن كالب بن يوفنّا لما قبضه الله بعد يوشع، خلف فيهم -يعني في بني إسرائيل- حزِقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد - ﷺ - كما بلغنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ .....﴾ الآية (٢). (١: ٤٦٠).\n٧٢٦ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: فبلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارًا من بعض الأوباء من الطاعون، أو من سُقم كان يصيب الناس حذرًا من الموت وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال الله لهم: موتوا، فماتوا جميعًا، فعمِد أهلُ تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركوهم فيها، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيَّبوا، فمرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عظامًا نخرة، فمرّ بهم حزقيل بن بوذي، فوقف عليهم، فتعجب لأمرهم، ودخلته رحمة لهم، فقيل له: أتحب أن يحييهم الله؟ فقال: نعم، فقيل له: فقل: أيتها العظام الرميم، التي قد رمَّت وبَليت! لِيرْجعْ كل عظم إلي صاحبه. فناداهم بذلك، فنظر إلي العظام تتواثب يأخذ بعضها بعضًا، ثم قيل له: قل: أيها اللحم والعَصَب والجلد، اكس العظام بإذن ربك، قال فنظر إليها والعصب يأخذ العظام، ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى استووا خَلْقًا ليست فيهم الأرواح، ثم دعا لهم بالحياة، فتغشّاه من السماء شيء كَرَبه، حتى غُشِيَ عليه منه، ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: سبحان الله! فقد أحياهم الله.\nفلم يذكر لنا مدةُ مكْث حِزْقيل في بني إسرائيل (٣). (١: ٤٦٠).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>إلياس واليسع ﵉</span>\n٧٢٦ / أ- ولما قبض الله حِزْقيل كثرت الأحداث -فيما ذكر- في بني إسرائيل وتركوا عهد الله الذي عهد إليهم في التوراة، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم فيما قيل: إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران (١). (١: ٤٦١).\n٧٢٧ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق: ثم إن الله ﷿ قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث، ونَسُوا ما كان من عهدِ الله إليهم، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسيِن بن فِنْحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيًّا؛ وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يُبعَثون إليهم بتجديد ما نسُوا من التوراة. فكان إلياسُ مع ملِك من ملوك بني إسرائيل يقال له: أحاب، وكان اسم امرأته: أزبل، وكان يسمع منه ويصدّقه، وكان إلياس يقيم له أمرَه، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يعبدونه من دون الله، يقال له: بَعْلِ. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بعْل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ - إلي قوله: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ - فجعل إلياس يدعوهم إلي الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشأم؛ كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الملِك، الذي كان إلياس معه، يقوم له بأمره، ويراه علي هدي من بين أصحابه يومًا يا إلياس، والله ما أري ما تدعو إليه إلا باطلًا، والله ما أري فلانًا وفلانًا فعدّ ملوكًا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلّا علي مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون ويتنعمون، مملَّكين، ما ينقص دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نري لنا عليهم من فضل.\nفيزعمون -والله أعلم-: أن إلياس استرجع وقام شعرُ رأسه وجلده، ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه؛ عَبَدَ الأوثان، وصنع ما يصنعون.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":327},{"text":"فقال إلياس: اللهمّ إن بني إسرائيل قد أبوْا إلا الكفر بك، والعبادة لغيرك، فغيِّر ما بهم من نعمتك. أو كما قال (١). (١: ٤٦١/ ٤٦٢).\n٧٢٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: ذكر لي: أنه أوحي إليه: إنّا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك؛ حتى تكون أنت الذي تأمر في ذلك. فقال إلياس: اللهمّ فأمسِكْ عنهم المطر! فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلَكت الماشية والدوابّ والهوامّ والشجر، وجَهِد الناس جهدًا شديدًا.\nوكان إلياس -فيما يذكرون- حين دعا بذلك علي بني إسرائيل قد استخفي شفقًا علي نفسهِ منهم، وكان حيث ما كان وضع له رزق، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، فطلبوه، ولقي أهل ذلك المنزل منهم شرًّا. ثم إنه أوي ليلة إلي امرأة من بني إسرائيل، لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب، به ضُرٌّ، فآوته وأخفت أمرَه، فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضُّرِّ الذي كان به، واتبعه اليسع فآمن به وصدّقه ولزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكِبر، وكان اليسع غلامًا شابًّا. فيزعمون -والله أعلم-: أن الله أوحي إلي إلياس: إنك قد أهلكت كثيرًا من الخلق ممن لم يعصِ، سوى بني إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدوابّ والطير والهوامّ والشجر، بحبس المطر عن بني إسرائيل. فيزعمون -والله أعلم-: أن إلياس قال: أي ربّ! دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك. قيل له: نعم، فجاء إلياس إلي بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهدًا، وهلكت البهائم والدوابّ والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وأنكيم علي باطل وغرور -أو كما قال لهم- فإنْ كنتم تحبُّون أن تعلموا ذلك وتعلموا أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، وأن الذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تعبدون وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم؛ فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل؛ علمتم أنكم علي باطل فنزعتم، ودعوت الله ففرّج عنكم ما أنتم فيه من البلاء. قالوا:\n_________\n(١) شيخ الطبري ضعيف واتهمه بعضهم بالكذب وفي متنه من الإسرائيليات ما فيه.","vol":"6","page":328},{"text":"أنصفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلي الله من أحداثهم التي لا يرضي، فدعوْها فلم تستجب لهم، ولم تفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، حتى عرفوا ما هم فيه من الضلالة والباطل، ثم قالوا لإلياس: يا إلياس! إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا لهم إلياس بالفرج مما هم فيه، وأن يُسْقَوْا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله علي ظهر البحر، وهم ينظرون، ثم ترامي إليه السحاب، ثم أدجنت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييت بلادُهم، وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا علي أخبث ما كانوا عليه. فلما رأي ذلك إلياس من كفرهم؛ دعا ربَّه أن يقبِضه إليه فيريحَه منهم، فقيل له -فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلي بلد كذا وكذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس، وخرج معه اليسع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرسٌ من نار، حتى وقف بين يديه فوثب عليه، فانطلق به فناداه اليسع: يا إلياس! يا إلياس! ما تأمرني؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار في الملائكة، فكان إنسيّا مَلكيًّا أرضيًّا سمائيًّا (١). (١: ٤٦٢/ ٤٦٣).\n٧٢٩ - ثم قام بعد إلياس بأمر بني إسرائيل -فيما حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كما ذكر لي عن وهب بن منبّه قال: ثم نبِّيء فيهم -يعني: في بني إسرائيل- بعده يعني [بعد] إلياس- اليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلفت فيهم الخُلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابرًا عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فكانوا لا يلقاهم عدوٌّ فيقدّمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو.\nوالسكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه، عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل رأسُ هرة ميتة، فإذا صَرَخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح.\nثم خلف فيهم ملِك يقال له: إيلاف، وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":329},{"text":"إيليا، لا يدخله عليهم عدو، ولا يحتاجون معه إلي غيره، فكان أحدهم -فيما يذكرون- يجمع التراب علي الصخرة، ثم ينبذ فيه الحبّ، فيخرج الله له ما يأكل [منه] سنة وهو وعياله، ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل؛ هو وعيالُه سنة، فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهَد الله إليهم؛ نزل بهم عدوّ فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى اسْتُلِب من أيديهم، فأتي ملكهم إيلاف، فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب، فمالت عنقه فمات كمدًا عليه، فمرج أمرهم بينهم واختلف ووطئهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم، فمكثوا علي اضطراب من أمرِهم، واختلاف من أحوالهم يتمادوْن أحيانًا في غيهم وضلالهم، فسلط الله عليهم مَنْ ينتقم به منهم، ويراجعون التوبة أحيانًا فيكفيهم الله [عند ذلك] شر مَنْ بَغَاهم سوءًا؛ حتى بعث الله فيهم طالوت ملكًا، وردَّ عليهم تابوت الميثاق (١). (١: ٤٦٤).\n٧٢٩ / أ- وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون- التي كان أمْر بني إسرائيل في بعضها إلي القضاة منهم والساسة، وفي بعضها إلي غيرهم ممن يقْهرهم فيتملّك عليهم من غيرهم إلي أن ثبت الملك فيهم، ورجعت النبوة إليهم بشمويل بن بالي أربعمئة سنة وستين سنة. فكان أولَ من سُلِّط عليهم فيما قيل رجل من نسل لوط، يقال له: كوشان، فقهرهم وأذلهم ثمانيَ سنين، ثم تنقّذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له: عتنيل بن قيس -فقام بأمرهم فيما قيل- أربعين سنة، سُلّط عليهم ملك يقال له: جعلون فملكهم ثمانيَ عشرة سنة، ثم تنقّذهم منه -فيما قيل- رجل من سبط بنيامين يقال له: أهود بن جيرا الأشلّ اليمنى، فقام بأمرهم ثمانين سنة، ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له: يافين، فملكهم عشرين سنة، ثم تنقّذهم -فيما قيل- امرأة نبية من أنبيائهم يقال لها: دبورا فدبر أمرهم -فيما قيل- رجل من قِبلها يقال له: باراق أربعين سنة، ثم سُلط عليهم قوم من نسل لوط كانت منازلهم في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين، ثم تنقّذهم منهم رجل من ولد نفثالي بن يعقوب يقال له: جدعون بن يواش، فدبر أمرهم أربعين سنة، ثم دبر أمرهم من بعد جدعون ابنه أبيملك بن جدعون ثلاث سنين، ثم دبرهم من بعد أبيملك تولغ بن فوا بن خال أبيملك. وقيل: إنه ابن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":330},{"text":"عمه ثلاثًا وعشرين سنة، ثم دبر أمرهم بعد تولغ رجل من بني إسرائيل يقال له: يائير اثنتين وعشرين سنة، ثم ملكهم بنو عمون، وهم قوم من أهل فلسطين ثمانيَ عشرة سنة، ثم قام بأمرهم رجل منهم يقال له: يفتح ست سنين، ثم دبرهم من بعده يجشون، وهو رجل من بني إسرائيل سبعَ سنين، ثم دبرهم بعده ألون عشر سنين، ثم من بعده كيرون -ويسميه بعضهم: عكرون- ثماني سنين، ثم قهرهم أهل فلسطين وملوكهم أربعين سنة، ثم وليهم شمسون وهو من بني إسرائيل عشرين سنة، ثم بقُوا بغير رئيس ولا مدبّر لأمرهم بعد شمسون -فيما قيل- عشر سنين، ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالي الكاهن، وفي أيامه غلب أهل غزّة وعسقلان علي تابوت الميثاق، فلما مضي من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة؛ بعث شمويل نبيًّا فدبر شمويل أمرهم -فيما ذكر- عشر سنين. ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم أن يبعث لهم ملِكًا يجاهدون معه في سبيل الله، فقال لهم شمويل ما قد قصّ الله في كتابه العزيز (١). (١: ٤٦٥/ ٤٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>ذكر خبر شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف، وطالوت وجالوت</span>\n٧٣٠ - كان من خبر شمويل بن بالي: أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء، وأذلتْهم الملوك من غيرهم، ووطئت بلادهم، وقتلوا رجالهم، وسبوْا ذراريّهم، وغلبوهم علي التابوت الذي فيه السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو، ورغبوا إلي الله ﷿ في أن يبعث لهم نبيًّا يقيم أمرهم (٢). (١: ٤٦٧).\n٧٣٠ / أ- فحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس -وعن مرة عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت، وأنهم ظهروا علي\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":331},{"text":"بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتَهم، فكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيًّا يقاتلون معه، وكان سِبْط النبوّة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حُبْلي فأخذوها فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدِله بغلام، لما تري من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقَها غلامًا، فولدت غلامًا فسمته سمعون، تقول: الله سمع دعائي. فكبر الغلام، فأسلمته يتعلّم التوراة في بيت المقدس، وكفَله شيخ من علمائهم، وتبنّاه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيًّا، أتاه جبريل والغلام نائم إلي جنب الشيخ، وكان لا يأمن عليه أحدًا غَيره فدعاه بلحن الشيخ: يا شمويل، فقام الغلام فزعًا إلي الشيخ، فقال: يا أبتاه! دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بنيّ، ارجع فنم، فرجع الغلام فنام. ثم دعاه الثانية فلباه الغلام أيضًا، فقال: دعوتني؟ فقال: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل - ﵇ - فقال: اذهب إلي قومك فبلّغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم، كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوّة، ولم يألك، وقالوا: إن كنت صادقًا فـ ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، آية من نبوتك، قال لهم سمعون: ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾.\n﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ بأداء الجزية، فدعا الله فأتي بعصًا، تكون مقدارًا علي طول الرجل الذي يُبعث فيهم ملكًا، فقال: إن صاحبكم يكون طوله طولَ هذه العصا، فقاسوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوت رجلًا سقَّاء يستقِي علي حمار له، فضلَّ حمارُه، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها؛ وقال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ قال القوم: ما كنتَ قطّ أكذبَ منك الساعة، ونحن من سِبْط المملكة، وليس هو من سِبْط المملكة، ولم يؤتَ أيضًا سعةً من المال فنتبعه لذلك، فقال النبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، فقالوا: فإن كنت صادقًا فأتنا بآية أنّ هذا ملِك، قال: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.\nوالسكينة: طِسْت من ذهب يُغسل فيها قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى،","vol":"6","page":332},{"text":"وفيها وضع الألواح، وكانت الألواح -فيما بلغنا- من درّ وياقوت وزبرجد، وأما البقية فإنها عصا موسى ورَضاضة الألواح، فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوّة سمعون، وسلّموا الملك لطالوت (١). (١: ٤٦٧/ ٤٦٨).\n٧٣١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعتْه عند طالوت (٢). (١: ٤٦٩).\n٧٣٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: نزلت الملائكة بالتابوت نهارًا ينظرون إليه عيانًا، حتى وضعوه بين أظهرهم، قال: فأقرُّوا غيرَ راضين، وخرجوا ساخطين (٣). (١: ٤٦٩).\n٧٣٣ - رجع الحديث إلي حديث السدّي: فخرجوا معه وهم ثمانون ألفًا، وكان جَالوت مِن أعظم الناس وأشدِّهم بأسًا، يخرج يسير بين يدي الجند، ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو مَنْ لقي، فلما خرجوا قال لهم طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وهو نهر فلسطين، فشربوا منه هيبةً من جالوت، فعَبر معه منهم أربعة آلاف ورجَع ستة وسبعون ألفًا، فمن شرب منه عطِش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فنظروا إلي جالوت رجعوا أيضًا و﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ قالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾، الذين يستيقنون ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فرجع عنه أيضًا ثلاثة آلاف وستمئة وبضعة وثمانون، وخلص في ثلاثمئة وتسعة عشرة عدة أهل بدر (٤). (١: ٤٦٩).\n٧٣٤ - حدثني المثني، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":333},{"text":"منبه يقول: كان لعيلي الذي ربي شمويل ابنان شابان، أحدثا في القُرْبان شيئًا لم يكن فيه كان مِسْوَط القُربان الذي كانوا يسوطونه به كلّابَين، فما أخرجا كان للكاهن الذي يَسُوطه، فجعله ابناه كلاليب، وكانا إذا جاءت النساء يصلِّين في القدس يتشبثان بهنّ. فبينما أشمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلي إذ سمع صوتًا يقول: أشمويل! فوثب إلي عيلي فقال: لبيك، فقال: ما لك دعوتني؟ قال: لا! ارجع، فنم. فنام، ثم سمع صوتًا آخر يقول: أشمويل! فوثب إلي عيلي أيضًا، فقال: لبيك؛ ما لك دعوتني؟ ! فقال: لم أفعل، ارجع فنم، فإن سمعت شيئًا فقل: \"لبيك\" مكانك \"مرْني فأفعل\"، فرجع فنام فسمع صوتًا أيضًا يقول: أشمويل، فقال: لبيك، أنا هذا فمرني أفعل، قال: انطلق إلي عيلي، فقل له: منعه حُبّ الولد من أن يزجُر ابنيه أن يُحدثا في قدسي وقُرباني، وأن يَعصياني، فلأنزعنّ منه الكهانة ومن ولده، ولأهلكنّه وإياهما، فلما أصبح سأله عيلي فأخبره، ففِزع لذلك فزعًا شديدًا، فسار إليهم عدوّ ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس، ويقاتلا ذلك العدو، فخرجا وأخرجا معهم التابوت الذي فيه الألواح وعصا موسى لينتصروا به. فلما تهيؤوا للقتال هم وعدوهم جعل عيلي يتوقع الخبر: ماذا صنعوا؟ فجاءه رجل يخبره وهو قاعد علي كرسيه: أنّ ابنْيك قد قتلا، وأن الناس قد انهزموا، قال: فما فعل التابوت؟ قال: ذهب به العدو قال فشهق ووقع علي قفاه من كرسيه فمات، وذهب الذين سَبَوُا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم، ولهم صنم يعبدونه، فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه، فأصبح من الغد الصنم تحته، وهو فوق الصنم، ثم أخذوه فوضعوه فوقه، وسمَّروا قدميه في التابوت، فأصبح من الغد قد قطعِت يد الصنم ورجلاه، وأصبح ملقيً تحت التابوت، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء! فأخرجوه من بيت آلهتكم. فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم، فأخذ أهل تلك الناحيةَ التي وضعوا فيها التابوتَ وَجعٌ في أعناقهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جارية كانت عندهم من سني بني إسرائيل: لا تزالون تروْن ما تكرهون! ما كان هذا التابوت فيكم، فأخرجوه من قريتكم. قالوا: كذبت، قالت: إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين، لهما أولاد لم يوضع عليهما نِيرٌ قطّ، ثم تضعوا وراءهما العجل، ثم تضعوا التابوت علي العجل وتسيّروهما وتحبسوا أولادهما، فإنهما تنطلقان به مذعنتين، حتى إذا خرجتا من أرضكم","vol":"6","page":334},{"text":"ووقعتا في أدني أرض بني إسرائيل كسرتا نِيَرهما، وأقبلتا إلي أولادهما، ففعلوا ذلك، فلما خرجتا من أرضهم، ووقعتا في أدني أرض بني إسرائيل، كسرتا نِيرهما وأقبلتا إلي أولادهما، ووضعتاه في خربة فيها حصاد من بني إسرائيل، ففزع إليه بنو إسرائيل، وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات، فقال لهم نبيهم أشمويل اعترضوا، فمن آنس من نفسه قوة فليدنُ منه، فعرضوا عليه الناس، فلم يقدرْ أحد علي أنْ يدنوَ منه؛ إلا رجلان من بني إسرائيل، أذن لهما بأنْ يحملاه إلي بيت أمهما، وهي أرملة، فكان في بيت أمهما، حتى مَلك طالوت، فصلُح أمر بني إسرائيل مع أشمويل. فقالت بنو إسرائيل لأشمويل: ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، قال: قد كفاكم الله القتال، قالوا إنا نتخوّفُ مَنْ حولنا، فيكون لنا ملك نفزع إليه، فأوحي الله إلي أشمويل: أن ابعثْ لهم طالوت ملكًا وادهُنه بدهن القدس، فضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله وغلامًا له يطلبانها فجاءا إلي أشمويل يسألانه عنها، فقال: إنّ الله قد بعثكَ ملكًا علي بني إسرائيل، قال: أنا! قال: نعم، قال: أو ما علمت أن سبطي أدني أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى! قال: أفما علمت أنّ قبيلتي أدني قبائل سِبْطي؟ قال: بلى! قال: أما علمت أن بيتي أدني بيوت قبيلتي؟ قال: بلى! قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حُمرَه، وإذا كنت في مكان كذا وكذا نزل عليك الوحي. فدهنَه بدُهْن القدس، وقال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١). (١: ٤٦٩/ ٤٧٠ / ٤٧١/ ٤٧٢).\n٧٣٥ - رجع الحديث إلي حديث السديّ: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ فعبَر يومئذ أبو داود فيمنْ عَبر في ثلاثة عشر ابنًا له، وكان داود أصغَر بنيه وإنه أتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه! ما أرمي بقذّافتي شيئًا إلا صرعته، قال: أبشرْ يا بني! إن الله قد جعل رزقك في قَذّافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدًا رابضًا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني! فإن هذا خيرٌ يعطيكه الله، ثم\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":335},{"text":"أتاه يومًا آخر، فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبِّح فلا يبقي جبل إلا سبّح معي، فقال: أبشِرْ يا بني! فإن هذا خيرٌ أعطاكه الله -وكان داود راعيًا، وكان أبوه خلّفه يأتي إلي أبيه وإلي إخوته بالطعام- فأتي النبي - ﵇ - بقرن فيه دُهن وتَنّور من حديد، فبعث به إلي طالوت، قال: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن علي رأسه، فيغلي حتى يدّهن منه ولا يسيل علي وجهه، ويكون علي رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا التنور فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل، فجرَّبهم به فلم يوافقه منهم أحد، فلما فَرَغوا؛ قال طالوت لأبي داود: هَلْ بقي لك ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم، بقي ابني داود، وهو يأتينا بطعام، فلما أتاه داود مرَّ في الطريق بثلاثة أحجار فكلّمنه وقلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، قال: فأخذهنّ وجعلهن في مخلاته، وكان طالوت قد قال: مَنْ قتل جالوت زوّجته ابنتي، وأجريت خاتمه في ملكي، فلما جاء داود وضعوا القرن علي رأسه، فغلَي حتى ادّهن منه ولبس التنور فملأه، وكان رجلًا مسقامًا مصفارًّا، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه، فلما لبِسه داود تضايق التنّور عليه حتى تنقّض، ثم مشي إلي جالوت، وكان جالوت من أجْسَم الناس وأشدَّهم، فلمّا نظر إلي داود قُذِفَ في قلبه الرعب منه، فقال له: يا فتي! ارجع فإني أرحمك أن أقتلَك، فقال داود: لا بل أنا أقتلك. فأخرج الحجارة فوضعها في القَذَّافة، كلّما رفع منها حجرًا سمّاه، فقال: هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل، ثم أدار القذّافة فعادت الأحجار حجرًا واحدًا، ثم أرسلَه فصكَّ به بين عيني جالوت فَنَقبَتْ رأسه، ثم قتلته؛ فلم تزل تقتل كلّ إنسان تصيبه تنفذ فيه، حتى لم يكن بحيالها أحد، فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت، ورجع طالوت فأنكح داود ابنته، وأجري خاتَمه في ملكه، فمال الناس إلي داود، وأحبُّوه.\nفلما رأي ذلك طالوت وجَد في نفسه وحسده، وأراد قتلَه، فعلم داود أنه يريده بذلك، فسجَّي له زِقَّ خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلي منام داود وقد هرب داود، فضرب الزقّ ضربة فخرقه، فسالت الخمر منه، فوقدت قطرة من خمرٍ في فيه، فقال: يرحم الله داود، ما كان أكثر شربه للخمر! ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه، وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين، ثم نزل. فلما استيقظ طالوت بصُر بالسهام فعرفها","vol":"6","page":336},{"text":"فقال: يرحم الله داود، هو خيرٌ منّي، ظفرت به فقتلته وظَفِر بي فكفّ عني! ثم إنه ركب يومًا فوجدهُ يمشي في البريّة، وطالوت علي فرس، فقال طالوت: اليوم أقتلُ داود -وكان داود إذا فزع لم يدرَك- فركَض علي أثره طالوت، ففزع داود، فاشتدّ فدخل غارًا، فأوحي الله إلي العنكبوت فضربت عليه بيتًا، فلما انتهي طالوتُ إلي الغار نظر إلي بناء العنكبوت، فقال: لو كان دخل هاهنا لخرَق بيت العنكبوت، فخيِّل إليه فتركه.\nوطعن العلماءُ علي طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحدٌ عن داود إلا قتله، وأغراه الله بالعلماء يقتلهم، فلم يكن يقدر في بني إسرائيل علي عالم يُطيق قتله إلا قتله، حتى أُتِيَ بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر الخبَّاز أن يقتلها، فرحمها الخباز، وقال: لعلنا نحتاج إلي عالم. فتركها، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم، وأقبل علي البكاء حتى رحمه الناس، وكان كلّ ليلة يخرج إلي القبور فيبكي، وينادي: أنشد الله عبدًا علم أن لي توبةً إلّا أخبرني بها! فلما أكثر عليهم [ليالِيَ] ناداه مناد من القبور: أن يا طالوت، أما ترضي أن قتلتَنا أحياء حتى تؤذينا أمواتًا! فازداد بكاء وحزنًا، فرحمه الخباز فكلمه فقال: ما لك؟ فقال: هل تعلم لي في الأرض عالمًا أسأله: هل لي من توبة؟ فقال له الخباز: هل تدري ما مثلُك؟ إنما مثلُك مثلُ ملِك نزل قرية عشاء فصاح الديك، فتطيّر منه، فقال: لا تتركوا في القرية ديكًا إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى نُدْلِج، فقالوا له: وهل تركتَ ديكًا يُسمع صوته! ولكن هل تركتَ عالمًا في الأرض! فازداد حزنًا وبكاء، فلما رأي الخباز منه الجدّ، قال: أرأيتُك إن دللتك علي عالم لعلك أن تقتله! قال: لا، فتوثق عليه الخباز، فأخبره أن المرأة العالمة عنده، قال: انطلِق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟ وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت؛ إذا فنيَت رجالهم علمت النساء، فقال: إنها إن رأتك غُشِيَ عليها، وفزعتْ منك، فلما بلغ الباب خلّفه خلفه، ثم دخل عليها الخباز، فقال لها: ألستُ أعظم الناس منّة عليك؟ أنجيتكِ من القتل، وآويتك عندي. قالت: بلى! قال: فإنّ لي إليك حاجة، هذا طالوت يسألكِ: هل له من توبة؟ فغشي عليها من الفَرَق، فقال لها: إنه لا يريد قتلك، ولكن يسألك: هل له من توبة؟ قالت: لا، والله ما أعلم لطالوت توبةً، ولكنْ هل تعلمون مكان قبر نبيّ؟ قالوا: نعم، هذا قبر يوشع بن نون، فانطلقتْ وهما معها","vol":"6","page":337},{"text":"إليه، فدعتْ، فخرج يوشع بن نون ينفضُ رأسَه من التراب، فلما نظر إليهم ثلاثتِهم قال: ما لكم؟ أقامت القيامة؟ قالت: لا، ولكن طالوت يسألك: هل له من توبة؟ قال يوشع: ما أعلم لطالوت من توبة إلا أن يتخلّي من ملكه، ويخرج هو وولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله، حتى إذا قُتِلوا شدَّ هو فقُتل؛ فعسي أن يكون ذلك له توبة، ثم سقط ميتًا في القبر.\nورجع طالوت أحزنَ ما كان؛ رهبة ألّا يتابعه ولده، فبكي حتى سقطت أشفار عينيه، ونحَلَ جسمُه، فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشرة رجلًا فكلّموه وسألوه عن حاله، فأخبرهم خبره، وما قيل له في توبته، فسألهم أن يغزوا معه، فجهزهم فخرجوا معه، فشدُّوا بين يديه حتى قتلوا، ثم شدَّ بعدهم هو فقتل، وملك داود بعد ذلك، وجعله الله نبيًّا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قيل: هي النبوّة؛ آتاه نبوّة شمعون وملك طالوت (١). (١: ٤٧٢/ ٤٧٣ / ٤٧٤/ ٤٧٥).\n٧٣٥ / أ- واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال بن ضرار بن بحرت بن أفيح بن أبيش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.\nوقال ابن إسحاق: كان النبيّ الذي بعث لطالوت من قبره حتى أخبره بتوبته اليسع بن أخطوب؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق.\nوزعم أهل التوراة: أنّ مدة ملك طالوت من أولها إلي أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة (٢). (١: ٤٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>ذكر خبر داود بن إيشي بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم</span>\n٧٣٥ / ب- وكان داود - ﵇ - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة\n_________\n(١) إسناده غير صحيح وفي متنه نكارة وهو من قبيل الإسرائيليات وذكر الحافظ ابن كثير شطرًا من هذه الرواية وقال: هكذا ذكره ابن جرير في تأريخه من طريق السدي بإسناده في بعض هذا نظر ونكارة والله أعلم (البداية والنهاية ١/ ٣٥٩).\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":338},{"text":"عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبّه- قصيرًا أزرق قليلَ الشعر، طاهر القلب نقيَّه (١). (١: ٤٧٦).\n٧٣٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن زيد في قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ إلي قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ قال: أوحي الله إلي نبيِّهم أن في وَلَد فلان رجلًا يقتل الله به جالوت، ومن علامته هذا القرن يضعه علي رأسه فيفيض ماء، فأتاه فقال: إن الله ﷿ أوحي إليّ أنّ في وَلَدك رجلًا يقتلُ الله به جالوت. فقال: نعم يا نبي الله! قال: فأخرجَ له اثني عشر رجلًا أمثال السَّواري، وفيهم رجل بارع [عليهم]، فجعل يعرِضهم علي القَرْن فلا يري شيئًا، فيقول لذلك الجسيم: ارجع، فيردّده عليه، فأوحي الله إليه: إنا لا نأخذ الرجال علي صُورهم، ولكنا نأخذهم علي صلاح قلوبهم، قال: يا ربّ، قد زعم أنه ليس له ولد غيره، فقال: كذب، فقال: إن ربي قد كذّبك، وقال: إن لك ولدًا غيرهم. قال: قد صدق يا نبيّ الله! إن لي ولدًا قصيرًا استحييت أن يراه الناس فجعلته في الغنم، قال: فأين هو؟ قال: في شِعْب كذا وكذا، من جبل كذا وكذا، فخرج إليه فوجد الواديَ قد سال بينه وبين البقعة التي كان يريح إليها. قال: ووجده يحمل شاتين شاتين، يُجيزُ بهما السَّيل ولا يخوض بهما السيل. فلما رآه قال: هذا هو، لا شكّ فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم! قال: فوضع القرن علي رأسه ففاض (٢). (١: ٤٧٦).\n٧٣٧ - حدثني المثنَّي، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقِل عن وهب بن منبّه قال: لما سلّمت بنو إسرائيل المُلكَ لطالوت؛ أوحي الله إلي نبيّ بني إسرائيل: أن قل لطالوت: فلْيغزُ أهلَ مديَن، فلا يترك فيها حيًّا إلا قتله، فإني سأظهرُه عليهم، فخرج بالناس حتى أتي مدينَ، فقتل مَنْ كان فيها، إلا ملِكَهم فإنه أسَره، وساق مواشيَهم، فأوحي الله إلي أشمويل: ألَا تعجبُ من طالوت إذ أمرتُه بأمري فاختلّ فيه، فجاء بملكهم أسيرًا، وساق مواشيَهم! فالقه فقل له: لأنزعنّ الملك من\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":339},{"text":"بيته، ثم لا يعود فيه إلي يوم القيامة، فإني إنما أكرِمُ مَنْ أطاعني، وأهينُ مَنْ هان عليه أمري. فلقيَه فقال له: ما صنعت! لمَ جئتَ بملكهم أسيرًا، ولم سقت مواشيهم؟ قال: إنما سقت المواشيَ لأقرّبها، قال له أشمويل: إن الله قد نزع من بيتك المُلك ثم لا يعود فيه إلي يوم القيامة، فأوحي الله إلي أشمويل: انطلق إلي إيشي فيعرِض عليك بنيه، فادهُن الذي آمرك بدُهْن القدس، يكُنْ ملكًا علي بني إسرائيل. فانطلق حتى أتي إيشي، فقال: اعرِضْ عليّ بنيك، فدعي إيشي أكبرَ ولده، فأقبل رجل جسيم حسَنُ المنظر، فلما نظر إليه أشمويل أعجبه، فقال: الحمد لله، إن الله بصير بالعباد! فأوحي الله إليه: إنّ عينيك تُبصران ما ظهر، وإني أطّلع علي ما في القلوب، ليس بهذا! فقال: ليس بهذا، اعرض عليّ غيرَه. فعرض عليه ستة، في كلِّ ذلك يقول: ليس بهذا، اعرِض عليّ غيرَه، فقال: هل لك من ولدٍ غيرهم؟ فقال: بلى، لي غلام أمغر وهو راع في الغنم. قال: أرسِل إليه، فلما أن جاء داود، جاء غلام أمغَر؛ فدهنه بدُهن القدس، وقال لأبيه: اكتم هذا، فإنّ طالوت لو يطّلع عليه قتله. فسار جالوت في قومه إلي بني إسرائيل فعسكر، وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر، وتَهيّؤوا للقتال، فأرسل جالوت إلي طالوت: لِمَ يُقتَل قومي وقومُك؟ ابرز لي، أو أبْرِز لي مَنْ شئت، فإن قتلتُك كان الملك لي، وإن قتلتَني كان الملك لك. فأرسل طالوت في عسكره صائحًا: مَنْ يبرز لجالوت! ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه، وما كان من طالوت إلي داود.\nقال أبو جعفر: وفي هذا الخبر بيان: أنّ داود قد كان الله حوّل الملك له قبل قتله جالوت، وقبل أن يكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله، وأما سائر مَنْ روينا عنه قولًا في ذلك، فإنهم قالوا: إنما مَلك داود بعد ما قتِل طالوت وولده (١). (١: ٤٧٧/ ٤٧٨).\n٧٣٨ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق -فيما ذكر لي بعض أهل العلم- عن وهب بن منبّه قال: لما قتَل داودُ جالوت، وانهزم جندُه قال الناس: قتَل داود جالوت وخلع طالوتَ، وأقبل الناس علي داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكْر.\n_________\n(١) في إسناده المثني بن إبراهيم الآملي مجهول الحال. ووهب بن منبه كثير الإرسال والأوهام.","vol":"6","page":340},{"text":"قال: ولما اجتمعت بنو إسرائيل علي داود أنزل الله عليه الزَّبور، وعلّمه صنعة الحديد، وألانَهُ له، وأمر الجبال والطير أن يسبِّحن معه إذا سبّح، ولم يعطِ الله -فيما يذكرون- أحدًا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور -فيما يذكرون- ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وإنها لَمُصِيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطينُ المزاميرَ والبرابَط والصنوج إلا علي أصناف صوته، وكان شديدَ الاجتهاد، دائب العبادة، كثير البكاء، وكان كما وصفه الله ﷿ لنبيه محمد - ﵇ - فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، يعني بذلك ذا القوة (١). (١: ٤٧٨/ ٤٧٩).\n٧٣٩ - وقد حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾، قال: أعطِيَ قوةً في العبادة، وفقهًا في الإسلام. وقد ذُكِر لنا: أن داود - ﵇ - كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وكان يحرسه -فيما ذكر- في كلِّ يوم وليلة أربعةُ آلاف (٢). (١: ٤٧٩).\n٧٤٠ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، قال: كان يحرسُه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف (٣). (١: ٤٧٩).\n٧٤١ - وذُكر أنه تمنّي يومًا من الأيام علي ربِّه منزلةَ آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه بنحو الذي كان امتحنهم، ويعطيَه من الفضل نحوَ الذي كان أعطاهم (٤). (١: ٤٧٩).\n٧٤٢ - فحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، قال: قال السُّدّي: كان داودُ قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يومًا يقضِي فيه بين الناس، ويومًا يخلُو فيه لعبادة ربه، ويومًا يخلُو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقْرَأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضلَ إبراهيم وإسحاق\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا ضعيف ومتهم بالكذب وبين ابن إسحاق ووهب من لم يُسمَّ وفي متنه نكارة.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":341},{"text":"ويعقوب، فلما وجَد ذلك فيما يقرأ من الكتب، قال: يا ربّ أري الخير كلّه قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطني مثلَ ما أعطيتَهم، وافعل بي مثلَ ما فعلت بهم. قال: فأوحي الله إليه أنّ آباءك ابتُلوا ببلايا لم تبتَل بها، ابتِليَ إبراهيمُ بذبح ابنه، وابتليَ إسحاق بذهاب بَصره، وابتُليَ يعقوب بحزنه علي ابنه يوسف، وإنك لم تبتلَ من ذلك بشيء. قال: يا ربّ ابتلِني بمثل ما ابتليتَهم به، وأعطني مثل ما أعطيتَهم. قال: فأوحي إليه إنك مبتلَي فاحترس. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكُث إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجلَيه وهو قائم يصلّي، قال: فمدّ يده ليأخذه فتنحّي فتبِعه، فتباعَد حتى وقع في كُوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكُوّة، فنظر: أين يقع فيبعث في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل علي سطح لها، فرأي امرأة من أجمل النساء خلْقًا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقَت شعرها فاستترت به، قال: فزاده ذلك فيها رغبة، قال: فسأل عنها فأخبِر أن لها زوجًا، وأن زوجها غائب بمسلَحة كذا وكذا، قال: فبعث إلي صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أهريا إلي عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه ففتِح له، قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلي عدوّ كذا وكذا، أشدّ منهم بأسًا. قال: فبعثه ففتِح له أيضًا، قال: فكتب إلي داود بذلك، قال: فكتب إليه أن ابعثه إلي عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه، قال: فقتل المرّة الثالثة، قال! وتزوّج داود امرأته، فلما دخلتْ عليه لم تلبث عنده إلا يسيرًا حتى بعث الله مَلَكَين في صورة إنسيّين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرسُ أن يدخُلا عليه، فتسوّرا عليه المِحْراب، قال: فما شَعُر وهو يصلّي إذا هو بهما بين يَديه جالسَين، قال: ففزع منهما، فقالا: لَا تَخفْ، إنما نَحْنُ ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تحِفْ، ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلي عدل القضاء. قال: قُصَّا عليّ قصّتكما، قال: فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فهو يريد أن يأخذ نعجتي، فيكمِّل بها نعاجَه مئة، قال: فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه، فأكمّل بها نعاجي مئة، قال: وهو كاره؟ قال: وهو كاره، قال: إذًا لا نَدعك وذاك، قال: ما أنت علي ذلك بقادر! قال: فإن ذهبت تَرُوم ذلك أو تريد ذلك، ضربنا منك هذا وهذا -وفسَّر أسباط طَرف الأنف والجبهة- فقال:","vol":"6","page":342},{"text":"يا داود، أنت أحقُّ أن يُضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة. فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قُتِل، وتزوّجت امرأتَه. قال: فنظر فلم يرَ شيئًا، قال: فعرَف ما قد وقع فيه، وما ابتُلِيَ به، قال: فخرّ ساجدًا فبكي، قال: فمكث يبكي ساجدًا أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بدّ منها، ثم يقَع ساجدًا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العُشب من دموع عينَيه، قال: فأوحي الله ﷿ إليه بعد أربعين يومًا: يا داود، ارفعْ رأسْك فقد غفرتُ لك، فقال: يا ربّ، كيف أعلم أنّك قد غفرتَ لي وأنت حَكَمٌ عدل لَا تحِيفُ في القضاء؛ إذا جاء أهريا يومَ القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله تَشخَبُ أوداجه دمًا في قِبَل عرشك: يقول: يا ربّ، سلْ هذا فيمَ قتلني! قال: فأوحي الله إليه: إذا كان ذلك دعوتُ أهريا فأستوهبك منه، فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة. قال: ربّ الآن علمت أنّك قد غفرتَ لي، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياءً من ربه حتى قبض (١). (١: ٤٧٩/ ٤٨٠ / ٤٨١).\n٧٤٣ - حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدّثني عطاء الخراسانيّ، قال: نقَش داود خطيئته في كفّه لكيلا ينساها؛ فكان إذا رآها خَفقتْ يدهُ واضطربت (٢). (١: ٤٨١).\n٧٤٣ / أ- وقد قيل: إن سببَ المحنة بما امتُحن به: أنّ نفسَه حدثتْه أنه يُطيق قطْع يوم من الأيام بغير مُقارفة سوء، فكان اليوم الذي عَرَض له فيه ما عرض، اليوم الذي ظنّ أنه يقطعه بغير اقتراف سوء (٣). (١: ٤٨١).\nذكر من قال ذلك:\n٧٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن مطر، عن الحسن: أن داود جَزَّأ الدهر أربعة أجزاء: يومًا لِنسائه، ويومًا لعبادته، ويومًا لقضاء بني إسرائيل، ويومًا لبني إسرائيل؛ يذاكرهم ويذاكرونه، ويُبكيهم ويُبْكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل، ذكروا فقالوا: هل يأتي علي الإنسان يومٌ\n_________\n(١) ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":343},{"text":"لا يصيب فيه ذنبًا! فأضمر داود في نفسه أنه سيُطِيق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلّق أبوابه، وأمر ألا يُدخَل عليه أحد، وأكبّ علي التوراة، فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كلّ لون حسن، قد وقعتْ بين يديه، فأهوي إليها ليأخذَها، قال: فطارت فوقعت غيرَ بعيد، من غير أن تُوئِسَه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى أشرف علي امرأة تغتسل، فأعجبه خَلْقُها وحسنها، فلما رأت ظلَّه في الأرض جلّلت نفسَها بشعرها، فزاده ذلك أيضًا إعجابًا بها، وكان قد بعثَ زوجَها علي بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلي مكان كذا وكذا (مكان إذا سار إليه لم يرجع) قال: ففعل فأصيب، فخطبها فتزّوجها -قال: وقال قتادة بلغنا: أنها أمّ سليمان- قال: فبينما هو في المحراب إذ تسوّر الملَكان عليه، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب، فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي ولا تملْ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي أعدله وخيره، ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ - وكان لداود تسع وتسعون امرأة - ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: وإنما كان للرجل امرأةٌ واحدة ﴿فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي ظلمِني وقهرني. ﴿قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ - إلي ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾، فعِلم أنما أضمِر له، أي: عُني بذلك، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (١). (١: ٤٨٢).\n٧٤٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا يذكر عن مجاهد، قال: لما أصاب داودَ الخطيئة، خَرّ لله ساجدًا أربعين يومًا، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطّي رأسَه، ثم نادي: يا ربّ قَرِحَ الجبين، وجَمَدت العين! وداود لم يُرْجَع إليه في خطيئته شيء. فنودي: أجائع فتطعَم؟ أم مريض فتُشفي؟ أم مظلوم فُينتصَر لك! قال: فنحِب نَحْبَةً هاج كلّ شيء كان نبت، فعند ذلك غُفِر له. وكانت خِطيئته مكتوبة بكفِّه يقرؤها، وكان يُوتي بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثُلْثَه أو نصفه، وكان يذكر خطيئته فينتحب النَّحْبة تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض، ثم ما يتمّ شربه حتى يملأ الإناء من دموعه. وكان يقال: إن دمعةَ داود تعدِل دمعة الخلائق، ودمعةَ آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق. قال: وهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفّه فيقول: ربّ\n_________\n(١) هذه القصة مأخوذة من الإسرائيليات والتي تليها.","vol":"6","page":344},{"text":"ذنبي ذنبي قَدِّمْني! قال: فيقَدَّم فلا يأمن، فيقول: رب أخرني، قال: فيؤخّر فلا يأمن (١). (١: ٤٨٣).\n٧٤٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لَهِيعة عن أبي صخر، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن داودَ النبيّ - ﵇ - حين نظر إلي المرأة فَهَمَّ، قَطَع علي بني إسرائيل بعثًا، فأوصي صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرّبْ فلانًا بين يدي التابوت، وكان التابوتُ في ذلك الزمان يَسْتنصر به مَنْ قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتَل أو ينهزم عنه الجيش، فقُتِل زوج المرأة، ونزل الملَكان علي داود يقُصّان عليه قصّته، ففطِن داود فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدًا، حتى نبت الزّرْع من دموعه علي رأسه، وأكلت الأرضُ من جبينه، وهو يقول في سجوده -فلم أحص من الرقاشيّ إلا هؤلاء الكلمات-: رَبِّ زلّ داود زلةً أبعد مما بين المشرق والمغرب! ربِّ إن لم ترحم ضُعفَ داود، وتغفر ذنبه جعلتَ ذنبه حديثًا في الخُلوف من بعده. فجاءه جبرئيلُ من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إنّ الله قد غفر لك الهمّ الذي هممتَ به فقال داود: قد علمت أن الله قادر علي أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفتُ أن الله عدْلٌ لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال: يا ربّ دمي الذي عند داود! فقال جبرئيل: ما سألتُ ربّك عن ذلك، ولئن شئتَ لأفعلنّ، قال: نعم، قال: فعرج جبرئيل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألتُ الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل له: يا داود، إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول: هب لي دَمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا ربّ، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عِوَضًا (٢). (١: ٤٨٣/ ٤٨٤).\n٧٤٧ - ويزعم أهلُ الكتاب أن داود لم لزل قائمًا بالملك بعد طالوت إلي أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها -فيما زعموا- واستخفّ به بنو إسرائيل، ووثب عليه ابن له يقال له إيشي، فدعا إلي نفسه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغ من بني إسرائيل، قالوا: فلما تاب\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":345},{"text":"الله علي داود ثابتْ إليه ثائبة من الناس، فحارب ابنَه حتى هزمه، ووجَّه في طلبه قائدًا من قواده، وتقَدّم إليه أن يتوقي حَتْفهُ، ويتلطّف لأسره، فطلبه القائد وهو منهزم، فاضطره إلي شجرة فركض فيها -وكان ذا جُمّة- فتعلّق بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه، ولحقه القائد فقتله مخالفًا لأمر داود، فحزِن داود عليه حزنًا شديدًا، وتنكّر للقائد، وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون جارف، فخرج بهم إلي موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشفَ ذلك البلاء عنهم، فاستجيب لهم، فاتخذوا ذلك الموضع مسجدًا، وكان ذلك -فيما قيل- لإحدي عشرة سنة مضت من ملكه. وتوفي قبل أن يستتِم بناءه، فأوصي إلي سليمان باستتمامه، وقتْلِ القائد الذي قتل أخاه، فلما دفنه سليمانُ نفذ لأمره في القائد وقتله، واستتمّ بناء المسجد (١). (١: ٤٨٤).\n٧٤٨ - وقيل في بناء داود ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثني إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبِّه يقول: إن داودَ أراد أن يعلَم عدد بني إسرائيل كم هم؟ فبعث لذلك عُرَفاء ونقباء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلَغ عددُهم، فعتب الله عليه ذلك، وقال: قد علمت أني وعدتُ إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلَهم كعدد نجوم السماء، وأجعلَهم لا يحصَي عددُهم، فأردتَ أن تعلَم عدد ما قلت: إنه لا يحصَي عددُهم، فاختاروا بين أن أبتليَكم بالجوع ثلاث سنين، أو أسلِّط عليكم العدوِّ ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام! فاستشار داودُ في ذلك بني إسرائيل فقالوا: ما لنا بالجوع ثلاث سنين صَبْر، ولا بالعدوّ ثلاثَة أشهر، فليس لهم بقيّة، فإن كان لا بدَّ فالموت بيده لا بيد غيره. فذكر وهب بن منبّه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة، لا يدرَي ما عددهم، فلما رأي ذلك داود، شَقَّ عليه ما بلَغه من كثرة الموت، فتبتَّل إلي الله ودعاه فقال: يا ربّ، أنا آكلُ الحُمّاض وبنو إسرائيل يَضْرَسون! أنا طلبتُ ذلك فأمرتُ به بني إسرائيل، فما كان من شيء فبي واعفُ عن بني إسرائيل. فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت، فرأي داود الملائكة سالِّين سيوفَهم يغمدونها، يرتقون في سلَّم من ذهب من الصخرة إلي السماء، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يُبني فيه مسجد، فأراد\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":346},{"text":"داود أن يأخذ في بنائه، فأوحي الله إليه أنّ هذا بيت مقدّس، وأنك قد صبغتَ يديك في الدماء، فلست ببانيه، ولكن ابنٌ لك أملِّكه بعدك أسميه سليمان، أسلّمه من الدماء (١). (١: ٤٨٥).\n٧٤٩ - وأما بعض أهل الكتب، فإنه زعم أن عمرَه كان سبعًا وسبعين سنة، وأن مُدّة ملكه كانت أربعين سنة (٢). (١: ٤٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>ذكر خبر سليمان بن داود ﵉</span>\n٧٥٠ - كان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّه: إذا خرج من بيته إلي مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن، حتى يجلسَ علي سريره، وكان -فيما يزعمون- أبيض جسيمًا وضيئًا، كثيرَ الشعر يلبس من الثياب البياض، وكان أبوه في أيام ملكه بعد أن بلغ سليمان مبلَغ الرجال يشاوره -فيما ذكر- في أموره. وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكْم في الغنم التي نفشت في حرث القوم، الذين قصّ الله في كتابه خبرهم وخبرهما فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٣). (١: ٤٨٥).\n٧٥١ - فحدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصمّ، قالا: حدثنا المحاربيّ عن أشعث، عن أبي إسحاق، عنِ مرّة، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، قال: كَرْم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضي داودُ بالغنم لصاحب الكرْم، فقال سليمان: غير هذا يا نبيّ الله؟ قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكَرْم إلي صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعودَ كما كان، وتدفع العنم إلي صاحب الكرْم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرْم كما كان، دفعت الكرْم إلي صاحبه، ودفعت الغنم إلي صاحبها، فذلك\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) شيخ الطبري هنا ضعيف.","vol":"6","page":347},{"text":"قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾. وكان رجلًا غَزّاء لا يكاد يقعُد عن الغزو، وكان لا يسمع بملِك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يُذِلّه. وكان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق -فيما يزعمون- إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له علي الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملْته حتى إذا استقلّت به أمر الرُّخاء فمرَّ به شهرًا في روْحته، وشهرًا في غدوته إلي حيث أراد. يقول: الله ﷿: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾، أي حيث أراد، وقال الله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.\nقال: وذكر لي: أنّ منزلًا بناحية دجلة مكتوب فيه: كتاب كتبه بعض أصحاب سليمان، إما من الجن، وإما من الإنس: \"نحن نزلناه وما بينيناه، ومبنيًا وجدناه، غدوْنا من إصطخر فقلْنَاهُ، ونحن رائحون منه إن شاء الله، فبائتون بالشام\".\nقال: وكان -فيما بلغني- لتمرّ بعسكره الريح، والرُّخاء تهوي به إلي ما أراد، وإنها لَتمرُّ بالمزرعة فما تحرِّكُها (١). (١: ٤٨٦/ ٤٨٧).\n٧٥٢ - وقد حدثنا القاسم بن الحسنِ، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: بلغنا أن سليمان كان عسكره مئة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير علي الخشب، فيها ثلائمئة صريحة، وسبعمئة سريّة، فأمر الريح العاصف فرفعته وأمر الرخاء فسيّرته، فأوحي الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أني قد زدتُ في ملكك، أنّه لا يتكلم أحدٌ من الخلائق إلا جاءت به الريح وأخبرتك (٢). (١: ٤٩٧/ ٤٨٨)\n٧٥٣ - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":348},{"text":"داود يوضَع له ستمئة كرسيّ، ثم يجيء أشرافُ الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجنّ فيجلسون مما يلي الإنس، قال: ثم يدْعو الطير فتظلّهم، ثم يدعُو الريح فتحملهم، قال: فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر (١). (١: ٤٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>ذكر ما انتهي إلينا من مغازي سليمان - ﵇ </span>-\n٧٥٣ / أ- فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس -وهي فيما يقول أهل الأنساب- يلمقة ابنة اليشرح -ويقول بعضهم: ابنة أيلي شرح، ويقول بعضهم: ابنة ذي شرح- بن ذي جَدَن بن أبيلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفيّ بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم صارت إليه سِلْمًا بغير حرب ولا قتال. وكان سبب مراسلته إياها -فيما ذكر-: أنه فَقَد الهدهد يومًا في مسيرٍ كان يسيره، واحتاج إلي الماء فلم يَعلم مَنْ حضره بُعْدَه، وقيل له: علْم ذلك عند الهدهد، فسأل عن الهدهد فلم يجده. وقال بعضهم: بل إنما سأل سليمانُ عن الهدهد لإخلاله بالنّوبة (٢). (١: ٤٨٩).\n٧٥٤ - فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس ما حدثني العباس بن الوليد الآمليّ، قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفرًا قَعَد علي سريره، ووضعت الكراسي يمينًا وشمالًا، فيأذن للإنس، ثم يأذن للجنّ عليه بعد الإنس، فيكونون خلْف الإنس، ثم يأذن للشياطين بعد الجنّ فيكونون خلْف الجنّ، ثم يرسل إلي الطير فتظلّهم من فوقهم، ثم يرسل إلي الريح فتحملهم وهو علي سريره، والناس علي الكراسيّ فتسير بهم، غدوُّها شهر ورواحُها شهر، رخاء حيث أصاب، ليس بالعاصف ولا الليّن، وسطًا بين ذلك. فبينما سليمان يسير- وكان سليمان اختار من كلّ طير طيرًا؛ فجعله رأس تلك الطير، فإذا أراد أن يسائل شيئًا من تلك الطير عن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":349},{"text":"شيء سأل رأسها- فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازةً فسأل عن بُعْد الماء هاهنا، فقال الإنس: لا ندري، فسأل الجنّ فقالوا: لا ندري، فسأل الشياطينَ، فقالوا: لا ندري، فغضب سليمان فقال: لا أبرحُ حتى أعلم كم بُعْد مسافة الماء هاهنا! قال: فقالت له الشياطين: يا رسولَ الله لا تغضب، فإن يك شيئًا يُعلم فالهدهد يعلمه، فقال سليمان: عليّ بالهدهد، فلم يوجدْ، فغضب سليمان فقال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، يقول: بعذر مبيّن [لِمَ] غاب عن مسيري هذا؟ وكان عقابُه للطير أن ينتِف ريشه ويشمّسه فلا يستطيع أن يطير، ويكون من هوامّ الأرض إن أراد ذلك، أو يذبحه، فكان ذلك عذابُه.\nقال: ومرَّ الهدهد علي قصر بلقيس، فرأي بستانًا لها خلْف قصرها، فمال إلي الخضرة فوقع عليها، فإذا هو بهدهدٍ لها في البستان، فقال هدهد سليمان: أينَ أنت عن سليمان؟ وما تصنع هاهنا؟ قال له هدهد بلقيس: ومَنْ سليمان؟ فقال: بعث الله رجلًا يقال له: سليمان رسولًا، وسخّر له الريح والجنّ والإنس والطير. قال: فقال له هدهد بلقيس: أيّ شيء تقول! قال: أقول لك ما تسمع، قال: إن هذا لعَجب، وأعجبُ من ذاك أنّ كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس من دون الله. قال: وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه، فلما انتهي إلي العسكر تلقَّتْه الطير وقالوا: توعّدك رسول الله، فأخبروه بما قال: قال: وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يطير أبدًا، فيصير من هوامّ الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدًا. قال: فقال الهدهد: أوَ ما استثني رسول الله؟ قالوا: بل قال: أو ليأتينّي بعذر مبين، قال: فلما أتي سليمانَ، قال: ما غيَّبك عن مسيري؟ قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢)﴾ حتى بلغ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. قال: فاعتلّ له بشيء، وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد، فقال له سليمان: قد اعتللت، ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ﴾، قال: فوافقها وهي في قصرها، فألقي إليها الكتَاب فسقَط في حِجْرها أنه كتاب كريم، وأشفقتْ منه، فأخذته وألقت عليه ثيابَها، وأمرت بسريرها فأخرج، فخرجت فقعدت عليه، ونادت في قومها؛","vol":"6","page":350},{"text":"فقالت لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ولم أكن لأقطع أمرًا حتى تشهدون، ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ - إلي- ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، فإن قبلَها فهذا ملِك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه وأقوي، وإن لم يقبلْها فهذا شيء من الله.\nفلما جاء سليمانَ الهدية قال لهم سليمان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، يقول: وهم غير محمودين. قال: بعثتْ إليه بخَرَزة غير مثقوبة، فقالت: اثقب هذه، قال: فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك، ثم سأل الجنّ فلم يكن عندهم علم ذاك، قال: فسأل الشياطين، فقالوا: ترسل إلي الأرَضة، فجاءت الأرَضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين، فلما رجع إليها رسولها خرجت فزِعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها، قال ابن عباس: وكان معها ألفَ قيل -قال ابن عباس: أهل اليمن يسمّون القائد قَيلًا- مع كل قَيل عشرة آلاف. قال العباس: قال عليّ: عشرة آلاف ألف (١). (١: ٤٨٩/ ٤٩٠ / ٤٩١).\n٧٥٥ - قال العباس: قال عليّ: فأخبرنا حصين بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: فأقبلت بَلقيس إلي سليمان ومعها ثلاثمئة قَيل واثنا عشر قَيلًا، مع كل قيل عشرة آلاف (٢). (١: ٤٩١).\n٧٥٦ - قال عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس: وكان سليمان رجلًا مَهيبًا لا يُبتدَأ بشيء حتى يكون هو الذي يَسْألُ عنه، فخرج يومئذ فجلس علي سريره، فرأيَ رهجًا قريبًا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس يا رسول الله! قال: وقد نزلت مِنّا بهذا المكان! قال مجاهد: فوصف لنا ذلك ابن عباس فحَزَرْته ما بين الكوفة والحيرة قَدْر فرسخ، قال: فأقبل علي جنوده فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الذي أنت فيه إلي الحين الذي تقوم إلي غدائك. قال: قال سليمان: مَنْ يأتيني به قبل ذلك؟\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":351},{"text":"﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ﴾، فنظر إليه سليمان، فلما قطع كلامه ردّ سليمان بصَره علي العرش، فرأي سريرَها قد خرج ونبع من تحت كرسيه، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتدّ إليّ طرفي ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذ جعل مَنْ تحت يدِي أقدَرَ علي المجيء به مِنِّي. قال: فوضعوا لها عرشها، قال: فلما جِاءت قعدتْ إلي سليمان، قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؛ فنظرت إليه فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾! ثم قالت: لقد تركتُه في حصوني، وتركت الجنود محيطة به، فكيف جيء بهذا يا سليمان! إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرنيه، قال: سَلي، قالت: أخبرْني عن ماء رَوَاء، لا من سماء ولا من أرض- قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه بدأ فسأل الإنس عنه، فإن كان عند الإنس فيه علم وإلّا سأل الجنّ، فإن لم يكن عند الجن علم به سأل الشياطين- قال: فقالت له الشياطين: ما أهونَ هذا يا رسول الله! مُرِ الخيل فلتجْر ثم تملأ الآنية من عَرَقها، فقال لها سليمان: عَرَقُ الخيل، قالت: صَدقت. قالت: أخبرْني عن لون الربّ. قال: قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخرّ ساجدًا. قال العباس: قال عليّ: فأخبرني عمرو بن عبيد عن الحسن، قال: صعِق فغُشِيَ عليه، فخرّ عن سريره (١). (١: ٤٩٢/ ٤٩١).\n٧٥٧ - ثم رجع، إلي حديثه قال: فقامت عنه، وتفرّقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان، يقول لك ربك: ما شأنُك؟ قال: سألتَني عن أمر يكابرني -أو يكابدني- أن أعيدَه، قال: فإنَّ الله يأمرك أن تعودَ إلي سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلي مَنْ حضرها من جنودها، وترسِل إلي جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه. قال: ففعل، فلما دخلوا عليه جميعًا، قال لها: عمَّ سألتِني؟ قالت: سألتك عن ماء رَوَاء، لا من سماء ولا من أرض، قال: قلت لكِ: عرَق الخيل، قالت: صدقت، قال: وعن أبيّ شيء سألتِني؟ قالت: ما سألتك عن شيء غير هذا. قال: قال لها سليمان، فلأيّ شيء خررتُ عن سريري؟ قالت: قد كان ذاك لشيء لا أدري ما هو -قال العباس: قال عليّ: نسيتْه- قال: فسأل جنودَها فقالوا مثل ما قالت،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":352},{"text":"قال: فسأل جنودَه من الإنس والجنّ والطير وكلّ شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألْتك يا رسول الله إلا عن ماء رَوَاء، قال: - وقد كان قال له الرسول: يقول الله لك: عُدْ إلي مكانك فإني قد كفيتُكهم- قال: وقال سليمان: للشياطين: ابنُوا لي صَرْحًا تدخل عليّ فيه بلقيس، قال: فرجع الشياطين بعضُهم إلي بعض، فقالوا: سليمان رسول الله قد سخّر الله له ما سخّر، وبلقيس ملكة سبأ ينكِحها فتلد له غلامًا، فلا ننفكّ من العبوديّة أبدًا.\nقال: وكانت امرأة شَعْراء الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنيانًا ليري ذلك منها، فلا يتزوجها، فبنوْا له صرحًا من قوارير أخضر، وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن الطوابيق كلَّ شيء يكون من الدوابّ في البحر من السمك وغيره، ثم أطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصّرح، قال: فألقِي لسليمان كرسيّ في أقصي الصّرح، فلما دخله ورأي ما رأي أتي الكرسيّ، فقعد عليه، ثم قال: أدخلوا عليّ بلقيس، فقيل لها: ادخلي الصّرح، فلما ذهبت تدخله رأت صورةَ السمك وما يكون في الماء من الدوابّ، فحسبته لُجّة (حسبته ماء) وكشفت عن ساقْيها لتدخل، وكان شعرُ ساقيها ملتويًا علي ساقيها، فلما رآها سليمان، ناداها وصرف بصرَه عنها: إنه صَرْح ممرّد من قوارير، فألقت ثوبَها فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٤)﴾ قال: فدعا سليمان الإنس فقال: ما أقبح هذا! ما يُذْهِب هذا؟ قالوا: يا رسول الله الموسي. قال: المواسي تقطع ساقَي المرأة. قال: ثم دعا الجن فسألهم فقالوا: لا ندري ثم دعا الشياطين فقال: ما يذهب هذا؟ قالوا مثل ذلك: الموس فقال: المواس تقطع ساقي المرأة قال: فتلكّؤوا عليه، ثم جعلوا له النُّورَة- قال ابن عباس: فإنه لأولُ يوم رُئِيت فيه النُّورة- فاستنكحها سليمان (١). (١: ٤٩٣/ ٤٩٤).\n٧٥٨ - حدثنا ابن حميد: قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب ابن منبّه، قال: لما رجعتِ الرسل إلي بلقيس بما قال سليمان، قالت: قد والله عرفتُ ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنعُ\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":353},{"text":"بمكاثرته شيئًا، وبعثت إليه أنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظرَ ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بسرير مُلْكها الذي كانت تجلس عليه- وكانَ من ذهب مفصّص بالياقوت والزبرجَد واللؤلؤ- فجُعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت علي الأبواب، وكانت إنما تَخدُمها النساء، معها ستمئة امرأة تخدُمها. ثم قالت لمن خلّفت علي سلطانها: احتفظ بما قبَلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد، ولا يرينَّه حتى آتيك. ثم شخصت إلي سليمان في اثني عشر ألف قَيل معها من ملوك اليمن، تحت يد كل قَيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجنّ فيأتونه بمسيرها ومنتَهاها كلَّ يوم وليلة، حتى إذا دنت جَمَع من عنده من الجنّ والإنس ممن تحت يديه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾. قال: وأسلمتْ فحسُن إسلامها. قال: فزُعم: أنّ سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلًا من قومك أزوّجكه، قالت: ومثلي يا نبيّ الله ينكح الرجال، وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان لي! قال: نعم، إنّه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تُحرِّمي ما أحلَّ الله لك، فقالت: زوّجني إن كان لا بد ذا تُبَّع مَلك هَمْدان، فزوجه إياها، ثم ردَّها إلي اليمن، وسلّط زوجها ذا تُبَّع علي اليمن، ودعي زوبعة أمير جنّ اليمن فقال: اعمل لذي تبَّع ما استعملك لقومه. قال: فصنع لذي تبَّع الصنائع باليمن، ثم لم يزل بها ملكًا يُعمل له فيها ما أراد؛ حتى مات سليمان ابن داود - ﵇ -.\nفلما حال الحول وتبينت الجنّ موتَ سليمان أقبل رجل منهم، فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلي صوته: يا معشرَ الجِنّ! إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديَكم قال: فعمدت الشياطين إلي حجرين عظيمين، فكتبوا فيهما كتابًا بالمسنَد: نحن بنينا سَلْحين، سبعة وسبعين خريفًا دائبِين، وبنينا صِرْوَاح ومراح وبَينُون برحاضة أيدين، وهندة وهنيدة، وسبعة أمجِلة بقاعة، وتلثوم برَيدة، ولولا صارخ بتهامة، لتركنا بالبون إمارة.\nقال: وسَلْحِين [وصِرْواح] ومَراح وبَينُون وهندة وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن، عملتها الشياطين لذي تُبّع، ثم رفعوا أيديهم، ثم انطلقوا، وانقضي","vol":"6","page":354},{"text":"ملك ذي تُبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود ﵉ (١) (١: ٤٩٤/ ٤٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه</span>\n٧٥٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن بعض العلماء، قال: قال وهب بن منبّه: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: صيدون، بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل، لمكانه في البحر، وكان الله قد آتي سليمان في ملكه سلطانًا لا يمتنع منه شيء في برّ ولا بحر، إنما يركب إليه إذا ركب علي الريح، فخرج إلي تلك المدينة تحمِله الريح علي ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والإنس، فقتل ملكَها واستفاء ما فيها، وأصاب فيما أصاب ابنةً لذلك الملك لم يُر مثلُها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلي الإسلام فأسلمت علي جفاء منها وقلة ثقة، وأحبّها حبًّا لم يحبّه شيئًا من نسائه، ووقعت نفسُه عليها، فكانت علي منزلتها عنده لا يذهب حزنُها، ولا يرقأ دمعها، فقال لها لما رأي ما بها وهو يشقّ عليه [من ذلك] ما يري: ويحكِ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمعُ الذي لا يرقأ! قالت: إن أبي أذكُره وأذكر ملكَه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك، قال: فقد أبدَلك الله [به] ملكًا هو أعظم من ملكه، وسلطانًا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كلِّه، قالت: إنّ ذلك لكذلك؛ ولكنّي إذا ذكرتُه أصابني ما [قد] تري من الحزن، فلو أنّك أمرت الشياطين، فصوّروا صورة أبي في داري التي أنا فيها، أراها بكرة وعشيًّا لرجوتُ أن يُذهب ذلك حزني، وأن يسلِّيَ عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثِّلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئًا، فمثّلوه لها حتى نظرت إلي أبيها في نفسه، إلا أنه لاروح فيه، فعمِدت إليه حين صنعوه لها فأزّرته وقمّصتْه وعَمّمته وردّته بمثل ثيابه التي كان يلبس، مثل ما كان يكون فيه من هيئة، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدُو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويسجدْنَ له، كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كلَّ عشية بمثل ذلك،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":355},{"text":"لا يعلم سليمانُ بشيء من ذلك أربعين صَباحًا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا -وكان صدِّيقًا، وكان لا يُرَدّ عن أبواب سليمان أيّ ساعة أراد دخولَ شيء من بيوته دخل، حاضرًا كان سليمان أو غائبًا- فأتاه فقال: يا نبيّ الله! كبِرت سِني، ودقّ عظمي، ونفِد عمري، وقد حان مني ذهاب! وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه مَنْ مضي من أنبياء الله، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناسَ بعضَ ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر مَنْ مضي من أنبياء الله، فأثني علي كلّ نبيّ بما فيه، وذكر ما فضّله الله به، حتى انتهي إلي سليمان وذكَره، فقال: ما كان أحلمَك في صغرك، وأورعَك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كلّ ما يُكْرَه في صغرك! ثم انصرف فوجَد سليمان في نفسه حتى ملأه غضبًا، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف! ذكرت مَنْ مضي من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرًا في كلِّ زمانهم، وعلي كلِّ حال من أمرهم، فلما ذكرتَني جعلت تُثني عليّ بخيرٍ في صغري، وسكتّ عما سِوي ذلك من أمري في كِبَري، فما الذي أحدثتُ في آخر أمري؟ قال: إن غيرَ الله ليُعبَد في دارك منذ أربعين صباحًا في هوي امرأة، فقال: في داري! فقال: في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! لقد عرفتُ أنك ما قلتَ إلّا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلي داره فكسَّر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتِيَ بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، ولا تمسّها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلي فلاة من الأرض وحدَه، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبًا إلي الله حتى جلس علي ذلك الرماد، فتمعّك فيه بثيابه تذللًا لله جلّ وعزّ وتضرّعًا إليه، يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، ويقول فيما يقول: -فيما ذكر لي والله أعلم-: رَبِّ ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك، وأن يُقِرّوا في دورهم وأهاليهم عبادةَ غيرك! فلم يزلْ كذلك يومه حتى أمسي، يبكي إلي الله ويتضرّع إليه ويستغفره، ثم رجع إلي داره- وكانت أمّ ولد له يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبَه، أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمَه عندها حتى يتطهّر، وكان لا يمسّ خاتَمه إلا وهو طاهر، وكان ملكُه في خاتمه، فوضعه يومًا من تلك الأيام عندها كما كان يضعه. ثم دخل مذهبه، وأتاها الشيطانُ صاحب البحر","vol":"6","page":356},{"text":"-وكان اسمه صخرًا- في صورة سليمان لا تنكر منه شيئًا، فقال: خاتَمي يا أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس علي سرير سليمان، وعكَفت عليه الطير والجنّ والإنس، وخرج سليمان فأتي الأمينة، وقد غُيّرت حالته وهيئته عند كلِّ من رآه، فقال: يا أمينة، خاتَمي! فقالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، فقالت: كذبتَ، لست بسليمان بن داود، وقد جاء سليمان فأخذ خاتَمه، وهو ذاك جالس علي سريره في ملكه. فعرف سليمانُ: أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقِف علي الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثُون عليه الترابَ ويسبُّونه، ويقولون: انظروا إلي هذا المجنون، أيّ شيء يقول! يزعم أنه سليمان بن داود، فلما رأي سليمان ذلك عمِد إلي البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلي السوق، فيُعطونه كلّ يوم سمكتين، فإذا أمسي باع إحدي سمكتيه بأرغفة وشوي الأخرى، فأكلَها، فمكث بذلك أربعين صباحًا، عِدّة ما عُبِد ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف [بن برخيا] وعظماء بني إسرائيل حُكْم عدوّ الله الشيطان في تلك الأربعين صباحًا، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل! هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: امهلوني حتى أدخل علي نسائه فأسألهنّ: هل أنكرنَ منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل علي نسائه فقال: ويحكنّ! هل أنكرتنّ من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشدُّه ما يدع امرأة منّا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إن هذا لَهو البلاء المبين، ثم خرج إلي بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصّة أعظم مما في العامّة، فلما مضي أربعون صباحًا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، حتى إذا كان العشيّ أعطاه سمكتيه، فأعطي السمكة التي أخذت الخاتم، ثم خرج سليمان بسمكتيه فيبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلي السمكة الأخرى فبقَرها ليشويَها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدًا لله، وعكَفَ عليه الطير والجنّ، وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلي ملكه، وأظهر التوبةَ من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني به، فطلبتْه له الشياطين حتى أخذوه، فأتي به، فجاب له صخرة، فأدخله فيها، ثم سدّ عليه","vol":"6","page":357},{"text":"بأخري، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر (١). (١: ٤٩٦/ ٤٩٧ / ٤٩٨/ ٤٩٩).\n٧٦٠ - حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الشيطان حين جلس علي كرسيه أربعين يومًا، قال: كان لسليمان مئة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها: جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وآمنهنّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتي حاجة نزع خاتمه، ولا يأتمن عليه أحدًا من الناس غيرَها، فجاءته يومًا من الأيام فقالت [له]: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبّ أن تقضيَ له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتُلي فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس علي مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيَه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا، وخرج من مكانه تائهًا، قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا. قال: فأنكر الناس أحكَامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، وجاؤوا حتى دخلوا علي نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان، فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه! قال: فبكي النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوْه، فأحدقوا به ثم نشروا فقرؤوا التوراة، قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع علي شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلي البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر، قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهي إلي صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتدّ جوعه، فاستطعمه من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضُهم فضربه بعصًا فشجّه، قال: فجعل يغسل دمه وهو علي شاطيء البحر، فلام الصيادون صاحبَهم الذي ضربه، وقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته! قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوْه سمكتين مما قد ضُرب عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتى قام علي شط البحر، فشقّ بطونهما، وجعل يغسلهما، فوجد خاتَمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فردّ الله عليه بهاءه ومُلْكَه، وجاءت الطير حتى حامتْ عليه، فعرف القومُ أنه\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":358},{"text":"سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا؛ فقال: ما أحمدكم علي عُذْركم، ولا ألومكم علي ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بدّ منه.\nقال: فجاء حتى أتي مُلْكَه، فأرسل إلي الشيطان فجيء به، وسُخّرتْ له الريحِ والشياطين يومئذ، ولم تكن سُخِّرت له قبل ذلك، وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\nوبعث إلي الشيطان فأتي به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقُفْل، وختم عليه بخاتَمه، ثم أمر به فألقِيَ في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق (١). (١: ٤٩٩/ ٥٠٠ / ٥٠١).\n٧٦١ - قال أبو جعفر: ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد أن ردّه الله إليه، تعمل له الجنّ ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وغير ذلك من أعماله، ويعذّب من الشياطين من شاء، ويطلق من أحبّ منهم إطلاقه، حتى إذا دنا أجله، وأراد الله قبضه إليه، كان من أمره -فيما بلغني- ما حدثني به أحمد بن منصور، قال حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: كان سليمان نبيّ الله إذا صلّي رأي شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا، فيقول: لأيّ شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غُرِست، إن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلّي ذات يوم إذ رأي شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمُك؟ قالت: الخرُّوب، قال: لأيّ شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عَمّ علي الجنّ موتي حتى يعلم الإنس: أن الجنّ لا يعلمون الغيب، فنحتها عصًا، فتوكأ عليها حولًا ميتًا، والجنّ تعمل، فأكلتها الأرضة فسقط، فتبينت الإنس: أن الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.\nقال: وكان ابن عباس يقرؤها: (حولًا في العذاب المهين). قال: فشكرت الجنّ الأرَضة، فكانت تأتيها بالماء (٢). (١: ٥٠١).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل وفي متنه نكارة شديدة.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":359},{"text":"٧٦٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السدّيّ في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدَانِيّ، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - قال: كان سليمان يتجرّد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهْرَ والشهرين، وأقلّ من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرّة التي مات فيها، فكان بدء ذلك: أنه لم يكن يومٌ يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول لها: لأيّ شيء نبتّ؟ فتقول: نبتّ لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتتْ لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء قالت: نبتّ دواء لكذا وكذا، فيجعلها لذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال ولأي شيءٍ نبتِ قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي علي وجهك هلاكي وخرابُ بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئًا علي عصاه فمات، ولا تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حولَ المحراب، وكان المحراب له كُويً بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمرّ- ولم يكن شيطان ينظر إلي سليمان في المحراب إلا احترق- ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، [ثم رجع فلم يسمع] ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق، ونظر إلي سليمان قد سقط ميتًا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا مِنْسأته- وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرَضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرَضةَ علي العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا علي ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود: (فمكثوا يدينون له من بعد موته حولًا كاملًا)، فأيقن الناس عند ذلك: أن الجنّ كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذاك قول الله ﷿: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: بيَّن","vol":"6","page":360},{"text":"أمرهم للناس: أنهم كانوا يكذبونهم. ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل [إليك] الماء والطين. قاله: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلي الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكرًا لها!\nوكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفًا وخمسين سنة، وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر (١). (١: ٥٠٢/ ٥٠٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>أمر إسرائيل بعد سليمان بن داود ﵉</span>\n٧٦٢ / أ- رجع الحديث إلي الخبر عن أمر بني إسرائيل بعد سليمان بن داود ﵉.\nثم ملك بعد سليمان بن داود علي جميع بني إسرائيل ابنه رُحُبْعُم بن سليمان، وكان ملكه -فيما قيل- سبع عشرة سنة. ثم افترقت ممالكُ بني إسرائيل فيما ذكر بعد رُحُبْعُم، فكان أبيَّا بن رُحُبْعُم ملك سبط يهوذا وبنيامين، دون سائر الأسباط؛ وذلك: أنّ سائر الأسباط ملّكوا عليهم يوربعم بن نابط عبد سليمان، لسبب القربان الذي كانت زوجة سليمان قرّبته في داره، وكانت قرّبت فيها جرادةُ لصنم، فتوعّده الله بإزالة بعضِ الملْك عن ولده، فكان ملك رُحُبْعُم إلي أن تُوُفّيَ -فيما ذكر- ثلاث سننين.\nثم ملك أسَا بن أبيَّا أمر السِّبْطين اللذين كان أبوه يملك أمرهما -وهما سبط يهوذا وسبط بنيامين- إلي أن توفِّي، إحدي وأربعين سنة (٢). (١: ٥١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>ذكر خبر أسَا بن أبِيَّا وزرح الهنديّ</span>\n٧٦٣ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبِّه يقول:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":361},{"text":"إن ملكًا من ملوك بني إسرائيل يقال له: أسا بن أبيَّا، كان رجلًا صالحًا، وكان أعرَج، وكان ملك من ملوك الهند يقال له: زرح، وكان ملكًا جبارًا فاسقًا يدعو الناس إلي عبادته، وكان أبيَّا عابدَ أصنام؛ له صنمان يعبدهما من دون الله، ويدعو الناسَ إلي عبادتهما؛ حتى أضلّ عامة بني إسرائيل، وكان يعبدُ الأصنام حتى توفِّي. ثم ملك ابنه أسَا من بعدِه، فلما ملكهم بعث فيهم مناديًا ينادي: ألَا إنَّ الكفر قد مات وأهلُه، وعالش الإيمان وأهلُه، وانتكست الأصنام وعبادتُها، وظهرت طاعة الله وأعمالُها، فليس كافر من بني إسرائيل يُطلع رأسه بعد اليوم بكُفْر في ولايتي ودهري، إلا أنّي قاتله. فإن الطوفان لم يُغرِق الدنيا وأهلها، ولم يخسف بالقري، ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة الله، وإظهار معصيته؛ فمن أجل ذلك ينبغي لنا ألّا نقرّ لله معصيةً يُعمَل بها، ولا نترك طاعة لله إلا أظهرناها جهدَنا، حتى نطهِّر الأرض من نَجَسها، ونُنقِّيها من دنسها، ونجاهد مَنْ خالفَنا في ذلك بالحرب والنفي من بلادنا.\nفلما سمع ذلك قومُه ضجُّوا وكرهوا، فأتوْا أمَّ أسا الملك فشكوْا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم، ودعاءه إياهم إلي مفارقة دينهم، والدخول في عبادة ربِّهم، فتحمّلتْ لهم أمه أن تكلِّمَه وتصرفَه إلي عبادة أصنام والده؛ فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم؛ إذ أقبلتْ أمّ الملك فقام لها الملك من مجلِسه، وأمرَها أن تجلس فيه، معرفةً بحقها، وتوقيرًا لها. فأبت عليه وقالت: لستَ ابني إن لم تجبني إلي ما أدعوك إليه، وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به، وتجيبَني إلي أمر؛ إن أطعتَني فيه؛ رَشَدت وأخذت بحظّك، وإن عصيتَني؛ فحطَّك بخَست، ونفسَك ظلمت. إنه بلغَني يا بنيّ أنك بدأت قومك بالعظيم؛ دعوتَهم إلي مخالفة دينهم، والكفرِ بآلهتهم، والتحوّل عَمَّا كان عليه آباؤهم، وأحدثت فيهم سنّة، وأظهرت فيهم بدعة؛ أردت بذلك -فيما زعمتَ- تعظيمًا لوقارك، ومعرفَةً بمكانك، وتشديدًا لسلطانك؛ وفي التقصير يا بني دخلت، وبالشَّين أخذت، ودعوت جميعَ الناس إلي حربك، وانتدبت لقتالهم وحدك؛ أردت بذلك أن تُعيد الأحرار لك عبيدًا، والضعيف لك شديدًا؛ سفَّهت بذلك رأيَ العلماء، وخالفتَ الحكماء، واتبّعت رأي السفهاء، ولعمرِي ما حملك علي ذلك يا بنيّ إلا كثرةُ طيشك، وحداثةُ سنِّك، وقلّةُ علمك؛ فإن","vol":"6","page":362},{"text":"أنت رددتَ عليّ كلامي، ولم تعرفْ حقي، فلستَ من نسل والدك، ولا ينبغي الملْك لمثلك، يا بنيّ بأيّ شيء تُدِلُّ علي قومك؟ لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أتي موسى إلي فرعون؛ أن غرّقه وأنجي قومه من الظَّلمة. أو لعلك أوتيت من القوة ما أوتي داود؛ أن قتلَ الأسد لقومه، ولحِق الذئب فشقّ شِدْقه، وقتل جالوت الجبّار وحده. أو لعلك أوتيتَ من الملك والحكمة أفضلَ ممَّا أوتي سليمان بن داود رأس الحكماء؛ إذ صارت حكمتُه مثلًا للباقين بعده! يا بنيّ إنه ما يأتِك من حسنة فأنا أحظَي الناس بها، وإن تكن الأخرى فأنا أشقاهم بشقوتك.\nفلما سمعها الملك اشتدّ غضبُه، وضاق صدره، فقال لها: يا أمّه! إنه لا ينبغي أن آكلَ علي مائدة واحدة مع حبيبي وعدوي، كذلك لا ينبغي أن أعبدَ غيرَ ربِّي. هلمِّي إلي أمر إن أطَعْتني فيه، رَشدت، وإن تركتِه؛ غويت؛ أن تعبدي الله وتكفرِي بكلّ آلهة دونه، فإنه ليس أحد يردُّ هذا عليّ إلا هو لله عدوّ، وأنا ناصره لأني عبدُه.\nقالت له: ما كنت لأفارقَ أصنامي، ولا دينَ آبائي وقومي. ولا أترك ذلك لقولك، ولا أعبد الربّ الذي تدعوني إليه.\nفقال لها الملك: حينئذ يا أمّه! إنّ قولَك هذا قد قطع فيما بيني وبينك رحِمي.\nوأمر بها الملك عند ذلك فأخرَجوها وغرّبوها، ثم أوصي إلي صاحب شُرْطته وبابه أن يقتلَها إن هي ألمّت بمكانه.\nفلما سمع ذلك منه الأسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة، فأذعنوا له بالطاعة، وانقطعت فيما بينهم وبينه كلّ حيلة، وقالوا: قد فعل هذا بأمّه، فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره، ولم نجبه إلي دينه! فاحتالوا له كلّ حيلة، فحفظه الله وأباد مكرَهم. فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر، ولا علي فراق دينهم قوام؛ ائتمورا بأن يهربُوا من بلاده، ويسكنوا بلادًا غيرها؛ فخرجوا متوجِّهين إلي زَرْح ملك الهند يطلبون أن يستحملوه علي أسَا ومن اتبعه؛ فلما دخلوا علي زرْح سجدوا له، فقال لهم: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن عبيدك، قال: وأيّ عبيدي أنتم؟ قالوا: نحن من أرضك أرضِ الشام، وإنّا كنا نعتزّ بملكك، حتى ظهر فينا ملك صبيّ حديث السنّ سفيه، فغيّر ديننا، وسفّه رأينا، وكفّر آباءنا، وهان عليه سخطُنا، فأتيناك لنُعلمك ذلك، فتكون أنت أولي بملكنا؛","vol":"6","page":363},{"text":"ونحن رؤوسهم، وهي أرض كثير مالها، ضعيف أهلها، طيّبة معيشتها، كثيرة أنضارها، وفيهم الكنوز وملْك ثلاثين ملكًا، وهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه؛ فنحن وأرضنا لك، وبلادنا بلادك، وليس أحدٌ فيها يناصبك، هم دافعون أيديَهم إليك بغير قتال، بأموالهم وأنفسهم مسالمة.\nقال لهم زرح: لَعَمْري، ما كنت لأجيبَكم إلي ما دعوتموني إليه، ولا أستجيب إلي مقاتلة قوم لعلّهم أطوعُ لي منكم، حتى أبعثَ إليهم من قومي أمناء، فإن وقع الأمرُ علي ما تكلّمتم به قدّامي؛ نفعكم ذلك عندي، وجعلتُكم عليها ملوكًا، وإن كان كلامكم كذبًا؛ فإني منزِل بكم العقوبة التي تنبغي لمن كذَبني.\nقال القوم: تكلّمتَ بالعدل، وحكمتَ بالقسط، ونحن به راضون. فأمر عند ذلك بالأرزاق فأجريَت عليهم، واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس، فأوصاهم بوصيته، وخوَّفهم وحذَّرهم بطشه إن هم كذَبوه، ووعدهم المعروف إن هم صدَقوه، وقال زرح: إنّي مرسلكم لأمانتكم، وشحّكم علي دينكم، وحسن رأيكم في قومكم، لتطالعوا لي أرضًا من أرضي، وتبحثوا لي عن شأنها، وتُعلموني عِلْم أهلها وملِكها وجنودها وعددها وعدد مياهها، وفِجاجها وطرقها، ومداخلها ومخارجها، وسهولتها وصعوبتها؛ حتى كأني شاهد ذلك وعالمه، وحاضر ذلك وخابره. وخذوا معَكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوْه، ويشترون منكم إذا نظروا إليه.\nفأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها، فجهّزهم لبَرّهم وبحرهم، ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرقَ، ودلّوهم علي مقاصدها، فساروا كالتجار؛ حتى نزلوا ساحِلَ البحر، ثم ركبوا منه حتى أرسوْا علي ساحل إيلِيَاء، ثم ساروا حتى دخلوها، فخلّفوا أثقالهم فيها، وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم، ودعوا الناس إلي أن يشتروا منهم؛ فلم يفرُغوا لبضاعتهم، وكسدت تجارتُهم، فجعلوا يُعطون بالشيء القليل الشيءَ الكثير؛ لكيلا يخرجوهم من قريتهم، حتى يعلموا أخبارَهم، ويحقُّوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم.\nوكان أسا الملك قد تقدّم إلي نساء بني إسرائيل ألّا يُقْدَر علي امرأة لا زوج لها","vol":"6","page":364},{"text":"بهيئة امرأة لها زوج إلّا قتلها أو نفاها من بلاده إلي جزائر البحار؛ فإنّ إبليس لم يدخل علي أهل الدِّين في دينهم بمكيدة هي أشدّ من النساء؛ فكانت المرأة التي لا زوج لها لا تخرج إلّا منتقبة في رِثّة الثياب لئلّا تعرف، فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنُه مئة درهم بدرهم، جعل نساء بني إسرائيل يشترِين خُفْية بالليل سرًّا، لا يعلم بهنّ أحد من أهل دينهن؛ حتى أنفقوا بضاعَتهم واشتروْا بها حاجتَهم، واستوعبوا خَبَر مدينتهم وحصونهم، وعددَ مياههم، وكانوا قد كتموا رؤوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هديّة للملك، وجعل الأمناء يسألون منْ رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه؛ إذ لم يشتر منهم شيئًا، وقالوا: ما شأن الملك لا يشتري منا شيئًا! إن كان غنيًّا فإنّ عندنا من طرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه، وإن كان محتاجًا فما يمنعه أن يشهدَنا فنعطَيه ما شاء بغير ثمن! قال لهم مَنْ حضرهم من أهل القرية: إنّ له من الغني والخزائن وفنون المتاع ما لم يُقْدَر علي مثله؛ إنه استفرغ الخزائن التي كان موسى سار بها من مصر، والحليّ الذي كان بنو إسرائيل أخذوا، وما جمع يوشع بن نون خليفةُ موسى، وما جمع سليمانُ رأس الحكماء والملوك من الغني الكثير والآنية التي لا يقدَر علي مثلها.\nقال الأمناء: فما قتاله؟ وبأيّ شيء عظمته؟ وما جنوده؟ أرأيتم لو أنّ ملكًا انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذًا قتالُه إياه؟ وما عدَّتُه وعدد جنوده؟ أم بأيّ الخيل والفرسان غلبته؟ أم من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته!\nفأجابهم القوم وقالوا: إن أسا الملك قليلةٌ عدّته، ضعيفة قوته، غيرَ أنّ له صديقًا لو دعاه واستعان به علي أن يزيل الجبال أزالها؛ فإذا كان معه صديقه فليس شيء من الخلْق يطيقه.\nقال لهم الأمناء: ومَنْ صديق أسَا؟ وكم عدد جنوده؟ وكيف مواجهته وقتالُه؟ وكمْ عدد عساكره ومراكبه؟ وأين قَراره ومسكنه؟\nفأجابهم القوم: أمّا مسكنُه ففوق السموات العلا، مستوٍ علي عرشه، لا يُحصي عدد جهوده، وكلّ شيء من الخلق له عبد، لو أمر البحر لطمّ علي","vol":"6","page":365},{"text":"البرّ، ولو أمر الأنهار لغارت في عنصرها، لا يُري ولا يعرف قراره، وهو صديق أسَا وناصره.\nفجعل الأمناء يكتبون كلّ شيء أخبِروا به من أمر أسَا وقضية أمره، فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه، فقالوا: يا أيها الملك، إن معنا هدية نريد أن نهديها لك من طرائف بلادنا، أو تشتري منا فنُرخصه عليك.\nقال لهم: ائتوني بذلك حتى أنظر إليه، فلما أتوْه به قال لهم: هل يبقي هذا لأهله، ويبقون له؟ قالوا: بل يفني هذا ويفنَي أهله. قال لهم أسَا: لا حاجةَ لي فيه، إنما طَلِبتي ما تبقي بهجتُه لأهله، لا تزول ولا يزولون عنه.\nفخرجوا من عنده، وردّ عليهم هديّتهم، فساروا من بيت المقدس متوجهين إلي زرح الهنديّ ملكهم. فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبؤوه بما انتهي إليهم من أمر ملكهم، وأخبروه بصديق أسا. فلما سمع زرح كلامَهم استحلفهم بعزّته، وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلُّون ألّا يكتموه من خبر ما رأوا في بني إسرائيل شيئًا. فصدقوه.\nفلما فرغوا من خبرهم وخبر أسَا ملكهم وصديقه؛ قال لهم زرح: إن بني إسرائيل لما علِموا أنكم جواسيس، وأنكم قد اطلعتم علي عوراتهم ذكروا لكم صديق أسَا وهم كاذبون؛ أرادوا بذلك ترهيبَكم. إن صديق أسا لا يطيق أن يأتيَ بأكثر من جندي، ولا بأكمل من عدّتي، ولا بأقسي قلوبًا ولا أجرأ علي القتال من قومِي؛ إن لقيَني بألف لقيته بأكثر من ذلك.\nثم عمد زرح عند ذلك فكتب إلي كلّ من في طاعته أن يجهّزوا من كل مخلاف جندًا بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع مَنْ سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة؛ كتب:\nمن زرح الجبار الهنديّ ملك الأرضين إلي مَنْ بلغته كتبي: أما بعد فإن لي أرضًا قد دنا حصادُها وأينع ثمرُها؛ وأردت أن تبعثوا إليّ بعمّال أغنّمهم ما حصدوا منها، وهم قوم قصَوْا عني، وغلَبوا علي أطراف من أرضي وقهروا مَنْ تحت أيديهم من رقيقي، وقد منحتهم مَنْ نهض إليهم معي، فإن قصّرتْ بكم قوّة فعندي قوّتكم، فإنه لا تتعطل خزائني.","vol":"6","page":366},{"text":"فاجتمعوا إليه من كلّ ناحية، وأمدّوه بالخيل والفرسان والرّجالة والعدّة؛ فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلاح والجهاز من خزائنه، ثم أمر بإحصاء عددهم وتعبيتهم، فبلغ عددُهم ألف ألف ومئة ألف سوى أهل بلادهم. وأمر بمئة مركب، فقِرن له البغال، كلّ أربعة أبغُل جميعًا عليها سرير وقبَّة، وفي كلّ قبَّة منها جارية، ومع كلّ مركب عشرة من الخدم، وخمسة أفيال من فيَلته، فبلغ في كلّ عسكر من عساكره مئة ألف، وجعل خاصّته الذين يركبون معه مئة من رؤوسهم، وجعل في كلّ عسكر عُرَفاء، وخطبهم وحرّضهم علي القتال، فلما نظر إليهم وسار فيهم تعزّز وتعظَّم شأنُه في قلوب مَنْ حضره، ثم قال زرح: أين صديق أسَا؟ هل يستطيع أن يعصمَه منّي؟ أو مَنْ يطيق غلبتي؟ فلو أن أسا وصديقَه ينظران إليّ وإلي جندي ما اجترآ علي قتالي؛ لأن عندي بكلّ واحد من جنده ألفًا من جنودي، لَيدخُلنّ أسَا أرضي أسيرًا، ولأقدمنّ بقومه سبيًا في جنودي.\nفجعل زرح ينتقص أسَا ويقول فيه ما لا ينبغي، فبلغ أسَا صنيعُ زرح وجمعُه عليه، فدعا ربّه فقال: اللهمّ أنت الذي بقوّتك خلقت السموات والأرض ومَنْ فيهنّ حتى صار جميعُ ذلك في قبضتك، أنتَ ذو الأناة الرفيقة والغضب الشديد، أسألك ألّا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك، ولا تعمدنا ولا تجزينا علي معصيتك؛ ولكن تذكرنا برحمتك التي جعلَتها للخلائق، فانظر إلي ضَعْفنا وقوة عدونا، وانظر إلي قلّتنا وكثرة عدونا، وانظر إلي ما نحن فيه من الضيق والغمّ، وانظر إلي ما فيه عدّونا من الفرح والراحة، فغرّق زرحًا وجنوده في اليمّ بالقدرة التي غرّقتَ بها فرعون وجنوده، وأنجيت موسى وقومه، وأسألك أن تُحِلّ علي زرح وقومه عذابك بغتة!\nفأرِيَ أسَا في المنام -والله أعلم- أني قد سمعت كلامَك، وصل إليّ جُؤارُك، وأني علي عرشي، وأني إن غرّقت زرحا الهندي وقَومه، لم يعلم بنو إسرائيل ولا مَنْ كان بحضرتهم كيف صنعت بهم، ولكن سأظهِرُ في زرح وقومِه لك ولمن اتبعك قدرةً من قدرتي، حتى أكفيَك مؤنتهم، وأهبَ لك غنيمتهم، وأضعَ في أيديكم عساكرَهم؛ حتى يعلم أعداؤك: أن صديقَ أسا لا يطاق وليُّه ولا يهزَم جنده، ولا يخيب مُطيعُه، فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته، ثم أسوقه إليك عبدًا، وعساكره لك ولقومك خَوَلًا.","vol":"6","page":367},{"text":"فسار زرح ومن معه حتى حلّوا علي ساحل ترشيش، فلم يكن إلا محلَّة يوم حتى دفنوا أنهارها، ومَحوْا مروجَها؛ حتى كان الطير ينقصف عليهم، والوحش لا تستطيع الهرب منهم، فساروا حتى كانوا علي مرحلتين من إيلِياء، ففرّق زرح عساكره منها إلي إيلياء، وامتلأت منهم تلك الأرضُ جبالها وسهولها، وامتلأت قلوبُ أهل الشام منهم رُعبًا، وعاينوا هلَكتهم.\nفسمع بهم أسا الملك؛ فبعث إليهم طليعة من قومه، وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم. فسار القوم الذين بعثهم أسَا حتى نظروا إليهم من رأس تلّ، ثم رجعوا إلي أسا فأخبروه أنه لم تر عُيونُ بني آدم، ولا سمعت آذانهم مثلَهم ومثلَ أفيالهم وخيولهم وفرسانهم؛ وما ظننَّا أنّ في الناس مثلَهم كثرة وعدة، فُلَّت من إحصائهم عقولُنا، وفُلَّت من قتالهم حيلتنا، وانقطع فيما بيننا وبينهم رجاؤنا.\nفسمع بذلك أهلُ القرية فشقُّوا ثيابهم، وذرُّوا التراب علي رؤوسهم، وعَجّوا بالعويل في أزقّتهم وأسواقهم، وجعل بعضُهم يودّع بعضًا. ثم ساروا حتى أتوا الملكَ فقالوا: نحن خارجون بأجمعنا إلي هؤلاء القوم فرافعون إليهم أيديَنا، لعلهم أن يرحمونا فيقرّونا في بلادنا. قال لهم أسا الملك: معاذ الله أن نُلقيَ بأيدينا في أيدي الكفرة، وأن نُخلِّيَ بيت الله وكتابه للفجرة! قالوا: فاحتَلْ لنا حيلة، واطلب إلي صديقك وربك الذي كنت تعدُنا بنصره، وتدعونا إلي الإيمان به، فإن هو كشَف عنّا هذا البلاء؛ وإلّا وضعنا أيديَنا في أيدي عدونا لعلنا نتخلّص بذلك من القتل.\nقال لهم أسا: إنّ ربي لا يطاق إلا بالتضرُّع والتبتل والاستكانة. قالوا: فابرز له لعلّه أن يجيبك فيرحم ضعفنا، فإن الصديق لا يسلِم صديقه علي مثل هذا. فدخل أسا المصَلَّي، ووضع تاجه من رأسه، وخلّي ثيابه، ولبس المُسوح وافترش الرماد، ثم مدّ يده يدعو ربه بقلب حزين، وتضرّع كثير، ودموع سِجال، وهو يقول: اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط؛ أنت المستخفي من خلْقك حيث شئت، لا يدرَك قرارك، ولا يطاق كنْهُ عظمتك، أنت اليقظان الذي لا تنام، والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام؛ أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك، فأطفأتَ بها عنه النار، وألحقته بها بالأبرار، وبالدعاء الذي دعاك به","vol":"6","page":368},{"text":"نجيُّك موسى، فأنجيت بني إسرائيل من الظلَمة، وأعتقتَهم به من العبودية، وسيّرتهم في البرّ والبحر، وغَرّقت فرعون ومن اتبعه. وبالتضرُّع الذي تضرَّع لك عبدُك داود فرفعتَه، ووهبتَ له من بعد الضعف القوة، ونصرتَه علي جالوت الجبَّار، وهزمتَه، وبالمسألة التي سألك بها سليمان نبيّك فمنحتَه الحكمة، ووهبت له الرفعة، وملَّكته علي كلّ دابّة. أنت محيي الموتي، ومُفني الدنيا، وتبْقَي وحدك خالدًا لا تفني، وجديدًا لا تبلَي، أسألك يا إلهي أن ترحَمني بإجابة دعوتي؛ فإني أعرجُ مسكين من أضعف عبادك، وأقلّهم حيلة، وقد حلَّ بنا كرب عظيم؛ وحَزْبٌ شديد، لا يطيق كشفَه غيرُك، ولا حول ولا قوة لنا إلّا بك، فارحم ضعفنا بما شئت؛ فإنك ترحم من تشاء بما تشاء.\nوجعل علماء بني إسرائيل يدعون الله خارجًا وهم يقولون: اللهمّ أجب اليوم عبدك؛ فإنه قد اعتصم بك وحدَك، ولا تخلّ بينه وبين عدوّك، واذكر حبَّه إياك، وفراقَه أمَّه وجميع الخلائق إلا من أطاعك.\nفألقي الله علي أسَا النوم وهو في مصلَّاه ساجدًا، ثم أتاه من الله آت -والله أعلم- فقال: يا أسا، إن الحبيب لا يُسلِم حبيبه، وإن الله ﷿ يقول: إني قد ألقيت عليك محبّتي، ووجَب لك نصري، فأنا الذي أكفيك عدوَّك، فإنه لا يهون مَنْ توكّل عليّ، ولا يضعف مَنْ تقوَّي بي. كنت تذكرني في الرخاء، وأسلمك عند الشدائد! وكنتَ تدعوني آمنًا، وأنا أسلِمك خائفًا! إن الله القويُّ يقول: أنا أقسم أنْ لو كايَدتْك السموات والأرض بمنْ فيهنّ لجعلت لك مِنْ جميع ذلك مخرجًا! فأنا الذي أبعث طرفًا من زبانيَتي يقتلون أعدائي، فإني معك، ولن يخلُص إليك ولا إلي من معك أحد.\nفخرج أسا من مصلّاه وهو يحمد الله، مسفرًا وجهُه، فأخبرهم بما قيل له، فأمّا المؤمنون فصدّقوه، وأمّا المنافقون فكذّبوه، وقال بعضهم لبعض: إنّ أسا دخل أعرج وخرج أعرج، ولو كان صادقًا أن الله قد أجابه إذًا لأصلح رجْلَه، ولكن يغرّنا ويمنّينا، حتى تقَع الحرب فينا فيهلِكنا!\nفبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم؛ إذ قدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب من زرح إلي أسَا، فيها شتمٌ له ولقومه، وتكذيب بالله، وكتَب فيها: أن ادعُ صديقك الذي أضللت به قومَك فليبارزني بجنوده، وليظهرْ لي مع","vol":"6","page":369},{"text":"ما أنّي أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره؛ لأني أنا زرح الهنديّ الملك.\nفلما قرأ أسا الكتب التي قدم بها عليه هَمَلت عيناه بالبكاء، ثم دخل مصلَّاه، ونشر تلك الكتب بين يدي الله، ثم قال: اللهمّ ليس لي شيء من الأشياء أحبّ إلّي مِنْ لقائك؛ غير أني أتخوّف أن يُطفأ هذا النور الذي أظهرتَهُ في أيامي هذه، وقد حضرتْ هذه الصحائف وعلمت ما فيها، ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرًا؛ غيرَ أن عبدك زرحًا يكايدك ويتناولك؛ فَخَر بغير فخر، وتكلَّم بغير صدق، وأنت حاضر ذلك وشاهده.\nفأوحي الله إلي أسَا -والله أعلم-: أنه لا تبديلَ لكلماتي، ولا خُلْفَ لموعدي، ولا تحويل لأمري، فاخرج من مصلّاك، ثم مُرْ خيلك أن تجتمع، ثم اخرج بهم وبمن اتّبعك حتى تقفوا علي نَشَز من الأرض.\nفخرج أسا فأخبرهم بما قيل له، فخرج اثنا عشر رجلًا من رؤسائهم، مع كلِّ رجل منهم رهط من قومه؛ فلما أن خرجوا، ودّعوا أهاليهم بألّا يرجعوا إلي الدنيا. فوقفوا لزرح علي رابية من الأرض، فأبصروا منها زرحًا وقومَه، فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم، وقال: إنما نَهضت من بلادي، وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء! ودعي عند ذلك بالنفر الذين كانوا نَعَتوا عنده أسا وقومه، فقال: كذبتموني وزعمتم أن قومكم كثير عددهم! فأمر بهم وبالأمناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم، فقُتِلوا جميعًا، وأسا في ذلك كثير تضرّعه، معتصم بربه، فقال زرح: ما أدري ما أفعل بهؤلاء القوم؟ وما أدري ما قدْرُ قِلَّتهم في كثرتنا؟ إني لأستقِلّهم عن المحاربة؛ وأري ألّا أقاتلَهم.\nفأرسل زرح إلي أسا فقال له: أين صديقُك الذي كنت تعدُنا به، وتزعم أنه يخلّصك مما يحلّ بكم من سَطَواتي! أفتضعون أيديَكم في يدِي فأمضِي فيكم حكمي، أو تلتمسون قتالي!\nفأجابه أسا، فقال: يا شقيّ، إنك لست تعلم ما تقول: ولستَ تدري! أتريد أن تغالب ربّك بضعفك، أم تريد أن تكاثره بقلّتك؟ هو أعزّ شيء وأعظمه، وأغلَبُ شيء وأقهره، وعبادُه أذلُّ وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معايَنة. هو معي في موقفي هذا، ولن يغلَب أحدٌ كان الله معه. فاجتهد يا سقيّ بجهدك حتى تعلم ماذا يحلُّ بك.","vol":"6","page":370},{"text":"فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم، أمر زرح الرماة من قومه أن يرموهم بنُشَّابهم فبعث الله ملائكة من كلّ سماء - والله أعلم - عونًا لأسا وقومِه، ومادة له، فوقفهم أسا في مواقفهم، فلما رموْا نشَّابهم، حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض؛ كأنها سحابة طلَعت فنحّتها الملائكة عن أسا وقومه، ثم رمت بها الملائكة قومَ زرح، فأصابت كلّ رجل منهم نُشّابته التي رمى بها، فقتِل رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كلّ ذلك يحمَدون الله كثيرًا، ويعجُّون إليه بالتسبيح، وتراءت الملائكة لهم - والله أعلم - فلما رآهم الشقيّ زرح وقع الرعب في قلبه، وسُقِط في يده، وقال: إن أسا لعظيم كيده، ماضٍ سحره، وكذلك بنو إسرائيل، حيث كانوا لا يغلب سحرَهم ساحر، ولا يُطيق مكرهم عالم؛ وإنما تعلّموه من مصر، وبه ساروا في البحر، ثم نادى الهنديّ في قومه: أن سُلُّوا سيوفكم، ثم احملوا عليهم حملة واحدة، فدُقّوهم!\nفسلُّوا سيوفَهم، ثم حملوا على الملائكة، فقتلتهم الملائكة، فلم يبق منهم غير زرح ونسائه ورقيقه.\nفلما رأى ذلك زرح ولّى مدبرًا فارًّا هو ومن معه، وهو يقول: إن أسا ظهر علانية، وأهلكني صديقُه سرًّا، وإني كنتُ انظر إلى أسا ومَنْ معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي.\nفلما رأى أسا أن زرحًا قد ولّى مدبرًا قال: اللهمّ إن زرحًا قد ولّى مدبرًا وإنك إنْ لم تَحُلْ بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانية. فأوحى الله إلى أسا: إنك لم تقتل مَنْ قتل منهم ولكني قتلتُهم، فقِفْ مكانك، فإني لو خلّيت بينك وبينهم أهلكوكم جميعًا؛ إنما يتقلّب زرح في قبضتي، ولن ينصرَه أحد مني، وأنا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدودًا عنه ولا تحويلًا؛ وإني قد وهبت لك ولقومك عساكرَه وما فيها من فضة ومتاع ودابة، فهذا أجرك، إذ اعتصمت بي، ولا ألتمس منك أجرًا على نُصرتك!\nفسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الهَرب، ومعه مئة ألف، فهيّؤوا سفنهم ثم ركبوا فيها، فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كلّ ناحية أمواجُه، وضربت السفن بعضُها بعضًا حتى تكسّرت؛ فغرق زرح ومن كان معه، واضطربت بهم الأمواج حتى فزع","vol":"6","page":371},{"text":"لذلك أهلُ القرى حولهم، ورجفت الأرض، فبعث أسا مَنْ يعلمه علم ذلك، فأوحى الله إليه - والله أعلم - أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم، فخذوا ما غنَّمكم الله بقوة، وكونوا فيه من الشاكرين؛ فإني قد سوغت كلَّ من أخذ من هذه العساكر شيئًا ما أخذه. فهبطوا يحمدون الله ويقدّسونه، فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر. والله أعلم.\nثم ملك بعده يهوشافاظ بن أسا إلى أن هلك خمسًا وعشرين سنة.\nثم ملكت عتليا وتسمى غزليا ابنة عمرم أم أخزيا، وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل، فلم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا، فإنه سُتِر عنها، ثم قتلها يواش وأصحابه، وكان ملكُها سبع سنين.\nثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه، وهو الذي قتل جدّته، فكان ملكُه أربعين سنة.\nثم ملك أموصيا بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعًا وعشرين سنة، ثم ملك عوزيا بن أموصيا - وقد يقال لعوزيا: غوزيا - إلى أن توفي، اثنتين وخمسين سنه.\nثم ملك يوتام بن عوزيا إلى أن توفي ست عشرة سنة.\nثم ملك أحاز بن يوتام إلى أن توفي ست عشرة سنة.\nثم ملك حزقيا بن أحاز إلى أن توفي. وقيل: إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره، فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله، وأمر شعيا بإعلامه ذلك.\nوأما محمد بن إسحاق فإنه قال: صاحب شعيا الذي هذه القصة قصته اسمه صديقة (١). (١: ٥١٧/ ٥٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>ذكر صاحب قصة شعيا من ملوك بني إسرائيل، وسنحاريب</span>\n٧٦٤ - حدثنا ابن حُميَد، قال: حدثنا سلَمة بن الفضل، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: كان فيما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وأحداثهم\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":372},{"text":"وما هم فاعلون بعده، قال: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ - إلى - ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾، فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزًا عنهم، متعطّفًا عليهم، محسنًا إليهم، وكان مما أنزل الله بهم في ذنوبهم ما كان قدّم إليهم في الخبر عنهم على لسان موسى، فكان أول ما أنزَل بهم من تلك الوقائع: أن ملكًا منهم كان يدعى صديقة، وكان الله إذا ملّك الملك عليهم؛ بعث نبيًّا يسدّده ويرشده، فيكون فيما بينه وبين الله، يحدّث إليه في أمرهم. لا يُنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتّباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهوْنهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة.\nفلما ملك ذلك الملك؛ بعث الله معه شعيا بن أمصيا، وذلك قبل مبعث عيسى وزكرياء ويحيى. وشعيا الذي بشّر بعيسى ومحمد، فملَك ذلك الملكُ بني إسرائيل وبيت المقدس زمانًا، فلما انقضى ملكُه، وعظُمت فيهم الأحداث، وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمئة ألف راية، فأقبل سائرًا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض، في ساقه قُرْحة، فجاءه النبيّ شعيا، فقال له: يا ملكَ بني إسرائيل! إنّ سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده في ستمئة ألف راية، وقد هابَهم الناس وفرِقوا منهم. فكبُر ذلك على الملك، فقال: يا نبيّ الله! هل أتاك وحيٌ من الله فيما حدَث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده؟ فقال له النبيّ - ﵇ -: لم يأتني وحي حَدّث إليّ في شأنك.\nفبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النَّبيّ: أن ائت ملِك بني إسرائيل فاؤْمره أن يوصيَ بوصيّته، ويستخلِف على ملكه مَنْ يشاء من أهل بيته. فأتى النبيّ شعيا ملك بني إسرائيل صديقة، فقال له: إن ربَّك قد أوحى إليّ أن آمرك توصي وصيّتك، وتستخلف مَن شئت على الملْك من أهل بيتك؛ فإنك ميت.\nفلما قال ذلك شعيا لصديقة: اقبل على القِبْلة، فصلّى وسبّح، ودعى وبكى، وقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص، وتوكّل وصبر، وظنّ صادق: اللهم ربَّ الأرباب، وإلهَ الآلهة، القُدُّوس المتقدّس، يا رحمن يا رحيم، المترحّم، الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. اذكرني بعملي وفعلي","vol":"6","page":373},{"text":"وحسن قضائي علي بني إسرائيل، وذلك كلُّه كان منك، فأنت أعلم به من نفسي وسرّي وعلانيَتي لك. هان الرحمن استجاب له وكان عبدًا صالحًا. فأوحى الله إلى شعيا، فأمره أن يخبر صديقة الملك: أن ربَّه قد استجاب له وقَبِل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخّر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه مِنْ عدوّه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فلما قال له ذلك؛ ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشرّ والحزن، وخرّ ساجدًا؛ وقال: يا إلهي وإله آبائي! لك سجَدت وسبَّحت، وكرّمت وعظمت. أنت الذي تُعطي الملك مَنْ تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعزّ مَنْ تشاء، وتذِلّ مَنْ تشاء، عالم الغيب والشهادة؛ أنت الأوّلُ والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوةَ المضطرين، أنت الذي أجبتَ دعوتي، ورحِمت تضرُّعي.\nفلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا: أن قل للملك صديقة، فيأمر عبدًا من عبيده، فيأتيَه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ. ففعل ذلك، فشفي. وقال الملك لشعيا النبيّ: سل ربك أن يجعل لنا علمًا بما هو صانع بعدونا هذا. فقال الله لشعيا النبي: قل له إني قد كفيتُك عدوَّك، وأنجيتُك منهم، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتّابه.\nفلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملكَ بني إسرائيل! إنّ الله قد كفاك عدوَّك فاخرج، فإنّ سنحاريب ومَنْ معه قد هلكوا. فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى، فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتّابه أحدهم بختنصّر، فجعلوهم في الجوامع ثم أتوْا بهم ملِكَ بني إسرائيل، فلما رآهم؛ خرّ ساجدًا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربِّنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوّته ونحن وأنتم غافلون! فقال سنحاريب له: قد أتاني خبرُ ربّكم ونصره إياكم، ورحمتُه التي رحمكم بها قبل أن أخرُج من بلادي، فلم أطع مرشدًا ولم يُلقنِي في الشقوة إلا قلّة عقلي؛ ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكنّ الشقوة غلبت عليّ وعلَى مَنْ معي. فقال ملك بني إسرائيل: الحمد لله ربّ العزّة الذي كفاناكم بما شاء، إن ربّنا لم يبقك ومَنْ معك لكرامة لك عليه؛ ولكنه إنما أبقاك ومَنْ معك إلى ما هو شرّ لك ولمن معك، لتزدادوا شقوة في الدنيا، وعذابًا في","vol":"6","page":374},{"text":"الآخرة، ولتُخبروا مَنْ وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا، ولتنذروا مَنْ بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم. ولَدمُك ودمُ مَنْ معك أهونُ على الله من دم قُراد لو قتلته! .\nثم إن ملك بني إسرائيل أمر أميرَ حرسه فقذف في رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يومًا حولَ بيت المقدس، وكان يرزقهم كلّ يوم خبزتَين من شعير، لكلّ رجل منهم، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتلُ خير مما تفعل بنا، فافعل ما أمِرت. فأمر بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعيا النبيّ: أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومَنْ معه لينذروا مَنْ وراءهم، وليكرِمْهم وليحملْهم حتى يبلغوا بلادهم. فبلغ النبيّ شعيا الملك ذلك، ففعل، فخرج سنحاريب ومَنْ معه حتى قدِموا بابل؛ فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده. فقال له كُهّانه وسحرته: يا ملك بابل! قد كنا نقصُّ عليك خبر ربّهم، وخبر نبيِّهم، ووحي الله إلى نبيِّهم، فلم تطعنا؛ وهي أمّة لا يستطيعها أحد من ربهم. فكان أمر سنحاريب مما خوّفوا به، ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات (١). (١: ٥٣٢/ ٥٣٣ / ٥٣٤).\n٧٦٥ - وقد زعم بعضُ أهلِ الكتاب: أن هذا الملك من بني إسرائيل الذي سار إليه سنحاريب كان أعرجَ، وكان عَرَجُه من عِرْق النَّسا، وأن سنحاريب إنما طمع في مملكته لَزمانته وضعفه، وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل؛ يقال له: ليفر، وكان بختنصّر ابنَ عمّه كاتبه، وأن الله أرسل عليه ريحًا أهلكت جيشه، وأفلتَ هو وكاتبه، وأن هذا البابليَّ قتله ابن له، وأن بختنصَّر غضب لصاحبه، فقتل ابنَه الذي قتل أباه، وأنّ سنحاريب سار بعد ذلك إليه، وكان مسكنه بِنينَوى مع ملك أذرَبيجان يومئذ؛ وكان يُدعى: سلمان الأعسر، وأن سنحاريب وسلمان اختلفا، فتحاربا حتى تفانَى جنداهما، وصار ما كان معهما غنيمة لبني إسرائيل.\nوقال بعضهم: بل الذي غزا حزقيا صاحبَ شعيا سنحاريبُ ملك الموصل؛ وزعم: أنه لما أحاط ببيت المقدس بجنوده؛ بعث الله ملَكًا، فقتلَ من أصحابه في\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":375},{"text":"ليلة واحدة مئة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل. وكان ملكه إلى أن تُوُفيّ تسعًا وعشرين سنة.\nثم ملك بعده -فيما قيل- أمرَهم مِنَشا بن حزقيا إلى أن توفي خمسًا وخمسين سنه.\nثم ملك بعده أمون بن مِنَشَّا إلى أن قتله أصحابُه اثنتي عشرة سنة.\nثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة.\nثم ياهواحاز بن يُوشِيا، وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر، وملّك فرعون الأجدع يُوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبوه، ووظّف عليه خراجًا يؤديه إليه، فكان يوياقيم يجبِي ذلك -فيما زعموا- من بني إسرائيل، ويحمله -فيما زعموا- اثنتي عشرة سنة.\nثم ملك أمرَهم من بعده يوياحين بن يوياقيم، فغزاه بختنصّر، فأسره وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه. وملّك مكانَه مَتَّنيا عمه وسماه صديقيا فخالفه، فغزاه فظفر به، فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه، وسَمَل عينيه وخرَّب المدينة والهيكل، وسبَى بني إسرائيل، وحَمَلهم إلى بابل، فمكثوا بها إلى أن ردّهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب بن أسب، من أجل القرابة التي كانت بينه وبينهم؛ وذلك أن أمّه أشتر ابنة جاويل - وقيل: حاويل - الإسرائيليّ، فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة الأشهر التي ملك فيها يوياحين -فيما قيل - إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر.\nثم صار ملْك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب، وعامله على ذلك كلّه بختنصّر (١). (٥٣٥: ١/ ٥٣٦).\n٧٦٦ - وذكر محمد بن إسحاق -فيما حدثنا ابن حميد- قال: حدثنا سلمة عنه: أن صديقة ملك بني إسرائيل الذي قد ذكرنا خبرَه، لمّا قبضه اللهَ مرِج أمرُ بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضُهم بعضًا عليه، ونبيُّهم شعيا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":376},{"text":"معهم، لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك قال الله -فيما بلغنا- لشعيا: قم في قومك؛ أوح على لسانك؛ فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي، فوعظهم وذكّرهم وخوَّفهم الغِيَر بعد أن عدّد عليهم نعم الله عليهم، وتعرَّضهم للغِيَر.\nقال: فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدَوا عليه -فيما بلغني- لِيقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت له، فدخل فيها وأدركه الشيطان، فأخذ بُهدْبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها.\nوقد حدّثني بقصة شعيا وقومه من بني إسرائيل وقتلهم إياه محمد بن سهل البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبِّه (١). (١: ٥٣٦/ ٥٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس</span>\n٧٦٨ - ثم ملك بعد كيخسرو من الفرس لهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيفاشين، باختيار كيخسرو إياه، فلما عقد التاج على رأسه قال: نحن مؤثِرون البِرّ على غيره. واتّخذ سريرًا من ذهب مكلَّلًا بأنواع الجواهر للجلوس عليه، وأمر فبينت له بأرض خراسان مدينةَ بلْخ، وسماها الحسناء، ودوَّن الدواوين، وقوّى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود، وعمر الأرض، واجتبى الخراج لأرزاق الجنود، ووجه بختنصَّر، وكان اسمه بالفارسية -فيما قيل- بخترشه.\nفحُدثت عن هشام بن محمد قال: مَلك لهراسب - وهو ابن أخي قبوس - فبنى مدينةَ بلْخ، فاشتدت شَوْكة الترك في زمانه، وكان منزله ببلْخ يقاتل الترك. قال: وكان بختنصّر في زمانه، وكان أصبَهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربيّ دجلة، فشخص حتى أتى دمشق، فصالحه أهلها ووجّه قائدًا له، فأتى بيتَ القدس فصالح ملك بني إسرائيل، وهو رجل من ولد داود، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبريّة؛ وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه، وقالوا: راهنت أهل بابل\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":377},{"text":"وخذلتنا! واستعدوا للقتال، فكتب قائد بختنصّر إليه بما كان، فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيَه، وأن يضرب أعناق الرهائن الذين معه، فسار بختنصّر حتى أتى بيت المقدس، فأخذ المدينة عَنْوة، فقتل المقاتِلة، وسبى الذرّيَّة.\nقال: وبلغنا: أنه وجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبيّ، وكان الله تعالى بعثه نبيًّا -فيما بلغنا- إلى بني إسرائيل، يحذّرهم ما حلّ بهم من بختنصّر، ويُعْلِمهم: أن الله مسلّط عليهم مَنْ يقتل مقاتِلتهم، ويَسْبي ذراريّهم، إن لم يتوبوا، وينزعوا عن سيّئ أعمالهم. فقال له بختنصّر: ما خطبُك؟ فأخبره: أن الله بعثه إلى قومه ليحذّرَهم الذي حلّ بهم، فكذبوه وحبسوه، فقال بختنصّر: بئس القوم قومٌ عصوْا رسولَ ربّهم! وخلّى سبيله، وأحسنَ إليه. فاجتمع إليه مَنْ بقي من ضعفاء بني إسرائيل، فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا، ونحن نتوب إلى الله ممَا صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا. فدعى ربّه فأوحى إليه أنهم غيرُ فاعلين، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة، فأخبرَهم بما أمرهم الله به، فقالوا: كيف نقيم ببلدة قد خُرّبت وغضب الله على أهلها! فأبوا أن يقيموا، فكتب بختنصّر إلى ملك مصر: إنّ عبيدًا لي هربوا مني إليك، فسرِّحهم إليّ، وإلا غزوتُك وأوطأت بلادَك الخيل. فكتب إليه ملك مصر: ما هم بعبيدك؛ ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار؛ فغزاه بختنصّر فقتله، وسبى أهل مصر، ثم سار في أرض المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية، ثم انطلق بسبي كثير من أهل فِلَسطين والأردنّ، فيهم دانيال وغيره من الأنبياء.\nقال: وفي ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب، ووادي القرى، وغيرها.\nقال: ثم أوحى الله إلى إرميا فيما بلغنا: إنّي عامر بيت المقدس فاخرج إليها، فانزْلها. فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله! أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرُها، فمتى يعمر هذه، ومتى يحييها الله بعد موتها! ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلّة فيها طعام، فمكث في نومه سبعين سنة، حتى هلك بختنصّر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملْك لهراسب مئة وعشرين سنة. ومَلَك بعده بشتاسب ابنه، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها","vol":"6","page":378},{"text":"من الإنس أحَد، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل: إنّ من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع. وملّك عليهم رجلًا من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبنيَ مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لإرميا عينيه، فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى، ومكث في نومه ذلك، حتى تمّت له مئة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظنّ: أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خرابًا يبابًا، فلما نظر إليها قال: أعلمُ أنّ الله على كلّ شيء قدير.\nقال: وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس، ورُدّ إليهم أمرُهم، وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة.\nقال هشام: وفي زمان بشتاسب ظهر زَرَادُشت، الذي تزعم المجوس أنه نبيُّهم، وكان زَرَادُشت -فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب- من أهل فلسطين خادمًا لبعض تلامذة إرميا النبيّ خاصًّا به، أثيرًا عنده، فخانه فكذَب عليه، فدعا الله عليه، فبرص فلحق ببلاد أذربيجان، فشرع بها دين المجوسية، ثم خرج منها متوجهًا نحو بشتاسب، وهو ببلْخ، فلما قدم عليه وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه، وقتل في ذلك مِنْ رعيّته مقتلة عظيمة، ودانوا به، فكان ملك بشتاسب مئة سنة واثنتي عشرة سنة (١). (١: ٥٣٨/ ٥٣٩ / ٥٤٠).\n٧٧٠ - وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كي لهراسب كان محمودًا في أهل مملكته، شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شَهْر، شديد التفقد لأصحابه، بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان، وشقّ الأنهار، وعمارة البلاد، فكانمت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كلّ سنة وظيفة معروفة وإتاوة معلومة، ويكاتبونه بالتعظيم ويقرّون له أنه مَلِك الملوك هيبة له وحذرًا.\nقال: ويقال: إن بختنصّر حمل إليه من أورِيشَلِم خزائن وأموالًا، فلما أحسّ بالضعف من قوته ملّك ابنه بشتاسب، واعتزل الملك وفوّضه إليه، وكان ملك لهراسب -فيما ذكر- مئة سنة وعشرين سنة.\nوزعم: أن بختنصّر هذا الذي غزا بني إسرائيل اسمه \"بخترشه\"، وأنه رجل\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":379},{"text":"من العجم، من ولد جوذرز، وأنه عاش دهرًا طويلًا جاوزتْ مدته ثلاثمئة سنة، وأنه كان في خدمة لهراسب الملك، أبي بشتاسب، وأن لهراسب وجّهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلِيَ عنها اليهود، فسار إليها ثم انصرف، وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب، ثم في خدمة بهمن من بعده، وأن بهمن كان مقيمًا بمدينة بلخ - وهي التي كانت تسمى الحسناء - وأنه أمر بخترشه بالتوجُّه إلى بيت المقدس ليُجلي اليهود عنها، وأنّ السبب في ذلك وثوبُ صاحب بيت المقدس على رسُلٍ كان بهمن وجَّههم إليه، وقتله بعضهم. فلما ورد الخبر على بهمن دعا بخترشة فملَّكه على بابل، وأمره بالمسير إليها، والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس، والقصد إلى اليهود حتى يقتُل مقاتلتهم، ويَسبِيَ ذراريّهم، وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد، فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهري، من ولد ماذي بن يافث بن نوح، وكان ابن أخت بخترشه. واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام، وكان خازنًا على بيت مال بهمن، وأخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقَّب بالعالم، وبهرام بن كيرش بن بشتاسب. فضمّ بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الأربعة، وضمّ إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلاثمئة رجل، ومن الجند خمسين ألف رجل، وأذن له في أن يفرض ما احتاج إليه، وفي إثباتهم. ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل، فأقام بها للتجهّز والاستعداد سنة، والتفّت إليه جماعة عظيمة، وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب، الملك الذي كان غزا حزقيا بن أحاز الملك، الذي كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا، يقال له: بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب - صاحب الموصل وناحيتها - ابن داريوش بن عبيري بن تيري بن روبابن رابيا بن سلامون بن داود بن طامي بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمي بن قمائل بن صاما بين رغما بين نمروذ بن كوش بن حام بن نوح - ﵇ -.\nوكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا وبنو إسرائيل إلى جدّه سنحاريب عند غزوه إياهم، وتوسّل إليه بذلك، فقدّمه في جماعة كثيرة، ثم اتَّبعه، فلما توافت العساكر ببيت المقدس، نُصِر بخترشه علي بني إسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة، فسباهم، وهدّم البيت وانصرف إلى بابل، ومعه يوياحن بن","vol":"6","page":380},{"text":"يوياقيم ملك بني إسرائيل في ذلك الوقت، من ولد سليمان بعد أن ملّك متَّنيا عمّ يوحينا، وسماه صدقيا.\nفلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا، فغزاه بختنصّر ثانية فظفر به، وأخرب المدينة والهيكل، وأوثق صدقيا، وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده، وسَمل عينيه. فمكث بنو إسرائيل ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس، فكان غلبة بختنصّر - المسمى بخترشه - على بيت المقدلص إلى أن مات - في قول هذا الذي حكينا قوله - أربعين سنة.\nثم قام من بعده ابن يقال له: أولمرودخ، فملكَ الناحية ثلاثًا وعشرين سنة، ثم هلك، وملك مكانه ابن يقال: له بلتشصر بن أولمرودخ سنة، فلما ملك بلتشصر؛ خلط في أمره، فعزله بهمن وملَّك مكانه على بابل، وما يتصل بها من الشأم وغيرها داريوش الماذويّ، المنسوب إلى ماذي بن يافث بن نوح ﵇ حين صار إلى المشرق، فقتل بلتشصر، ومَلك بابل وناحية الشام ثلاث سنين، ثم عزله بهمن وولَّى مكانه كيرشَ الغيلميّ، من ولد غيلم بن سام بن نوح، الذي كان نزع إلى جامر مع ماذي عندما مضى جامر إلى المشرق؛ فلما صار الأمر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق ببني إسرائيل، ويُطلق لهم النزولَ حيث أحبُّوا، والرجوع إلى أرضهم، وأن يولِّيَ عليهم مَنْ يختارونه، فاختاروا دانيال النبيّ - ﵇ -، فوليَ أمرَهم، وكان مُلْك كيرش على بابل وما يتصل بها ثلاث سنين، فصارت هذه السنون - من وقت غلبة بختنصّر إلى انقضاء أمره وأمرِ ولده ومُلْك كيرش الغيلميّ - معدودة من خراب بيت المقدس، منسوبة إلى بختنصر، ومبلغها سبعون سنة.\nثم ملك بابل وناحيتها من قِبَل بهمن رجل من قَرابته، يقال له: أخشوارش بن كيرش بن جاماسب - الملقَّب بالعالم - من الأربعة الوجوه الذين اختارهم بخترشه عند توجهه إلى الشأم من قِبَل بهمن؛ وذلك أن أخشوارش انصرف إلى بهمن من عند بختنصّر محمودًا، فولّاه ذلك الوقت بابل وناحيتها؛ وكان السبب في ولايته -فيما زعم-: أنّ رجلًا كان يتولى لبهمن ناحية السّند والهند يقال له: كراردشير بن دشكال خالفه، ومعه من الأتباع ستمئة ألف، فولّى بهمن أخشويرش الناحيَة، وأمره بالمسير إلى كراردشير، ففعل ذلك وحاربه، فقتله","vol":"6","page":381},{"text":"وقتل أكثر أصحابه، فتابع له بهمن الزيادة في العمل، وجَمَع له طوائف من البلاد، فلزم السُّوس، وجمع الأشراف، وأطعم الناس اللحم، وسقاهم الخمر، وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلي البحر، وعقد لمئة وعشرين قائدًا في يوم واحد الألْويَة، وصيَّر تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال الجند الذين يَعْدل الواحد منهم في الحرب بمئة رجل، وأوطنَ بابل، وأكثر المقام بالسُّوس، وتزوج من سَبْي بني إسرائيل امرأة يقال لها: أشتر ابنة أبي جاويل، كان ربّاها ابن عمّ لها يقال له: مردخي، وكان أخاها من الرضاعة؛ لأن أمّ مردخي أرضعت أشتر، وكان السبب في تزوُّجه إياها قتله امرأة كانت له جليلة جميلة خطيرة، يقال لها: وشتا، فأمرها بالبروز ليراها الناس، ليعرفوا جلالتها وجمالها، فامتنعت من ذلك فقتلها، فلما قتلها جَزِع لقتلها جزعًا شديدًا، فأشير عليه باعتراض نساء العالم، ففعل ذلك، وحبّبت إليه أشتر صنعًا لبني إسرائيل؛ فتزعمُ النصارى: أنها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابنًا فسماه كيرش، وأن مُلْك أخشويرش كان أربع عشرة سنة، وقد علَّمه مردخي التوراة، ودخل في دين بني إسرائيل، وفهم عن دانيال النبي - ﵇ - ومن كان معه حينئذ، مثل حننيا وميشايل وعازريا؛ فسألوه بأن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال: لو كان معي منكم ألف نبيّ ما فارقني منكم واحد ما دمت حيًّا. وولّى دانيال القضاء، وجعل إليه جميعَ أمره، وأمرَه أن يُخِرج كلَّ شيء في الخزائن مما كان بختنصر أخذه من بيت المقدس ويردّه، وتقدم في بناء بيت المقدس، فبُني وعمّر في أيام كيرش بن أخشويرش. وكان ملك كيرش، مما دخل في ملك بهمن وخماني اثنتين وعشرين سنة.\nومات بهمن لثلاث عشرة سنة مضت من ملك كيرش، وكان موت كيرش لأربع سنين مضين من ملك خُماني، فكان جميع ملك كيرش بن أخشويرش اثنتين وعشرين سنة.\nفهذا ما ذكر أهل السير والأخبار في أمر بختنصّر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل (١). (١: ٥٤١/ ٥٤٢ / ٥٤٣/ ٥٤٤ / ٥٤٥).\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":382},{"text":"٧٧١ - وأمّا السلف من أهل العلم فإنهم قالوا في أمرهم أقوالًا مختلفة؛ فمن ذلك ما حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جُريج، قال: حدّثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جُبَير: أنه سمعه يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، حتى إذا بلغ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ بكى، وفاضت عيناه، ثم أطبق المصحف، فقال: ذلك ما شاء الله من الزمان! ثم قال: أي ربّ! أرِني هذا الرجلَ الذي جعلتَ هلاك بني إسرائيل على يديه. فأرِيَ في المنام مسكينًا ببابل يقال له: بختنصَّر، فانطلق بمال وأعبُد له - وكان رجلًا موسرًا - فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة؛ حتى نزل في ارًا ببابل فاستكراها، ليس فيها أحد غيرُه، فجعل يدعو المساكين ويلطُف بهم حتى لا يأتيَه أحد إلا أعطاه، فقال: هل بقيَ مسكين غيركم؟ فقالوا: نعم مسكين بفجّ آل فلان مريض، يقال له: بختنصّر، فقال لغلمته: انطلقوا بنا فانطلق حتى أتاه فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر فقال لغلمته احتملوه فنقله إليه فمرّضه حتى برئ، وكساه وأعطاه نفقة، ثم أذّن الإسرائيليّ بالرحيل، فبكى بختنصَّر، فقال الإسرائيليّ: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئًا أجزيك! قال: بلى شيئًا يسيرًا، إن ملكتَ أطعتَني. فجعل الآخر يتبعه ويقول: تستهزئ بي! ولايمنعه أن يعطيه ما سأله إلّا أنه يرى أنه يستهزئ به. فبكى الإسرائيليّ وقال: لقد علمتُ ما يمنعك أن تعطيَني ما سألتُك؛ إلا أن الله ﷿ يُريد أن يُنفذ ما قضى وكتب في كتابه.\nوضرب الدهر من ضربه، فقال صيحون، وهو ملك فارس ببابل: لو أنَّا بعثنا طليعة إلى الشام! قالوا: وما ضرّك لو فعلت! قال: فمن تروْن؟ قالوا: فلان، فبعث رجلًا، وأعطاه مئة ألف، وخرج بختنصّر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل في مطبخه، فلما قدم الشام رأى صاحبُ الطليعة أكثرَ أرض الله فرسًا ورجلًا جلدًا، فكسره ذلك في ذرعه، فلم يسأل؛ فجعل بختنصّر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل؟ فلو غزوتموها، فما دون بيت مالِها شيء. قالوا: لا نحسِن القتال ولا نقاتل حتى تنفد مجالس أهل الشام، ثم رجعوا، فأخبَر متقدِّم الطليعة ملكهم بما رأى، وجعل بختنصّر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبَره فلان. فرفع ذلك إليه، فدعاه فأخبره الخبر،","vol":"6","page":383},{"text":"وقال: إن فلانًا لمَّا رأى أكثرَ أرض الله كُراعًا ورجلًا جلدًا، كسر ذلك في ذَرْعه، ولم يسألهم عن شيء، وإني لم أدع مجلسًا بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا - للذي ذكر سعيد بن جبير: أنه قال لهم - فقال متقدم الطليعة لبختنصَّر: فضحتني! لك مئة ألف وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتَني بيت مال بابل ما نزعتُ. وضرب الدهر من ضربه، فقال الملك: لو بعثنا جريدةَ خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتشّوا ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرّك لو فعلت! قال: فمنْ ترون؟ قالوا: فلان، قال: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبرني، فدعا بختنصّر، فأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوْا ما شاء الله ولم يخرّبوا ولم يقتلوا، ورُمي في جنازة صيحون، قالوا: استخلفوا رجلًا، قالوا: عَلَى رِسْلِكم حتى يأتي أصحابُكم، فإنهم فرسانُكم؛ أن ينغّصوا عليكم شيئًا! فأمهَلوا حتى جاء بختنصّر بالسَّبْي وما معه، فقسمه في الناس فقالوا: ما رأينا أحدًا أحقَّ بالملك من هذا! فملّكوه (١). (١: ٥٤٥/ ٥٤٦ / ٥٤٧).\nوقال آخرون منهم: إنما كان خروج بختنصَّر إلى بني إسرائيل لحربهم حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء.\nذكر بعض من قال ذلك منهم:\n٧٧٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّديّ في الحديث الذي ذكرنا إسناده قبل: أن بختنصَّر بعثه صيحائين لحرب بني إسرائيل حين قتَل ملكُهم يحيى بن زكرياء - ﵇ -، وبلغ صيحائين قتله (٢). (١: ٥٤٧).\n٧٧٣ - حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال -فيما بلغني-: استخلف الله ﷿ علي بني إسرائيل بعد شعيا رجلًا منهم يقال له: ياشية بن أموص، فبعث الله لهم الخضر نبيًّا، واسم الخضر -فيما كان وهب بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":384},{"text":"منبّه يزعم عن بني إسرائيل - إرميا بن حلقيا، وكان من سِبْط هارون (١). (١: ٥٤٧).\n٧٧٤ - وأما وهب بن منبّه فإنه قال فيه ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول (٢) (١: ٥٤٧).\n٧٧٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبِّه اليمانيّ أنه كان يقول: قال الله ﷿ لإرميا حين بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: \"يا إرميا، مِن قبل أن أخلقك اخترتُك، ومن قبل أن أصوِّرك في بطن أمك قدّستُك، ومِن قبْل أن أخرِجك من بطن أمك طهّرتك، ومن قبل أن تبلغ السَّعْي نبَّيتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اختبرتك، ولأمر عظيم اجتبيتك\". فبعث الله ﷿ إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدّده ويرشده، ويأتيه بالخبر من قِبَل الله فيما بينه وبين الله ﷿.\nقال: ثم عظُمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصِي، واستحلُّوا المحارم، ونسُوا ما كان الله صنع بهم، وما نجَّاهم من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله ﷿ إلى إرميا: أن ائت قومَك من بني إسرائيل، فاقصُصْ عليهم ما آمرك به، وذكّرهم نِعَمِي عليهم، وعرِّفهم إحداثهم. فقال إرميا: إني ضعيف إن لم تقوّني، عاجز إن لم تبلِّغْني، مُخْطئ إن لم تسدِّدني، مخذولٌ إن لم تنصرني، ذليلٌ إن لم تعزّني. قال الله ﷿: أليم تعلم أن الأمور كلَّها تصدُر عن مشيئتي، وأن القلوبَ كلَّها والألسن بيدي، أقلِّبها كيف شئت فتطيعني! وأني أنا الله الذي لا شيء مثلي، قامت السموات والأرض وما فيهنّ بكلمتي، وأنا كلَّمت البحار ففهمتْ قولي، وأمرتُها فعَقلتْ أمري، وحدّدْتُ عليها بالبطحاء فلا تَعدَّى حَدّي، تأتي بأمواج كالجبال؛ حتى إذا بلغت حدِّي ألبَستها مذلَّة طاعتي خوفًا واعترافًا لأمري، إني معك ولن يصل إليك شيءٌ معي؛ وإني بعثتُك إلى خلق عظيم من خَلْقي لتبلِّغهم رسالاتي، وتستحِقّ بذلك مثل أجر مَن اتَّبعك منهم، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تقصّر به عنها تستحقُّ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":385},{"text":"بذلك مثل وزْرِ من تركت في عماه؛ لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا. انطلق إلى قومك فقل: إن الله ذَكَر بكم صلاح آبائكم، فحمَله ذلك على أن يستتيبَكم يا معشر الأبناء! وسلْهم كيف وجد آباءهم مغبَّة طاعتي، وكيف وجدوا هم مغبّة معصيتي! وهل علموا أن أحدًا قبلهم أطاعني فشقِيَ بطاعتي، أو عصاني فسعد بمعصيتي! وأن الدوابّ مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها، وأن هؤلاء القوم رتَعوا في مروج الهلكة أما أحبارُهم ورهبانهم فاتّخذوا عبادي خوَلًا يتعبَّدونهم دوني، ويحكمون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري، وأنسوْهم ذكري، وغرّوهم مني. وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي، وأمِنوا مكري، ونَبَذوا كتابي، ونسُوا عهدي، وغيَّروا سُنّتي، وادّان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي؛ فهم يطيعونهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدِع التي يبتدعون في ديني، جُرأةً عليّ وغِرّة، وفِرْية عليّ وعلى رُسُلي، فسبحان جلالي وعلوّ مكاني وعظمة شأني! وهل ينبغي لبشر أن يُطاع في معصيتي! وهل ينبغي أن أخلق عبادًا أجعلهم أربابًا من دوني! وأما قرّاؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيري، لطلب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل. وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترّون، يخوضون مع الخائضين، فيتمنَّون عليّ مثل نصرة آبائِهِم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنا لا أحدَ أوْلى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكّر ولا تدبّر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي، وكيف كان جدّهم في أمري، حين غَيَّر المغيّرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حتى عزّ أمري، وظهر ديني، فتأنَّيت بهؤلاء القوم لعلَّهم يستجيبون، فأطولتُ لهم، وصفحت عنهم لعلهم يرجعون، وأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتفكرون، فأعذرت. وفي كلّ ذلك أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على العدوّ؛ فلا يزدادون إلا طغيانًا وبعدًا مني. فحتى متى هذا! أبي يتمرّسون! أم إياي يخادعون! فإني أحلف بعزّتي لأقيِّضنّ لهم فتنة يتحيَّر فيها الحليم، ويضِلّ فيها رأيُ ذي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لأسلِّطنّ عليهم جبارًا قاسيًا عاتيًا، ألبسه الهيبة، وأنزع مِن صدره الرأفة والرحمة والليان، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قِطَع السحاب، ومراكب أمثال العجاج؛ كأن خفيق راياته طيَرانُ النسور، وكأن حمْلة فرسانه كرير العِقبان.","vol":"6","page":386},{"text":"ثم أوحى الله ﷿ إلى إرميا أنّي مهلك بني إسرائيل بيافث - ويافث أهلُ بابل، فهم من ولد يافث بن نوح - ﵇ - فلما سمع إرميا وحْي ربّه صاح وبكى وشقّ ثيابه، ونبذَ الرماد على رأسه، فقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم لقِّنت فيه التوراة، ومن شرّ أيامي يوم ولدت فيه، فما أبقِيتُ آخر الأنبياء إلا لما هو شرّ عليّ، لو أراد بي خيرًا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل؛ فمن أجلي تصيبُهم الشقوة والهلاك!\nفلما سمع الله ﷿ تضرّع الخضر وبكاءه، وكيف يقول، ناداه: يا إرميا، أشقّ عليك ما أوحيت لك! قال: نعم يا ربّ؛ أهلِكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به، فقال الله تعالى: وعزّتي وجلالي لا أهلِك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكونَ الأمر من قِبَلك في ذلك. ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربّه، وطابت نفسه وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحقّ، لا آمر ربيّ بهلاك بني إسرائيل أبدًا.\nثم أتى ملِكَ بني إسرائيل فأخبره بما أوْحى الله إليه فاستبشر وفرح؛ وقال: إن يعذّبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدَّمناها لأنفسنا، وإن عفا عنّا فبقدرته.\nثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديًا في الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكُهم، فقلّ الوحيّ حين لم يكونوا يتذكّرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها، فقال لهم ملكُهم: يا بني إسرائيل، انتهوا عمّا أنتم عليه قبل أن يمسَّكم بأسُ الله، وقبل أن يبعث الله عليكم قومًا لا رحمةَ لهم بكم، فإنّ ربّكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير، رحيم بمن تاب إليه. فأبوْا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه. وإنّ الله ألقى في قلب بختنصّر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر - ونمروذ صاحب إبراهيم - ﵇ -، الذي حاجه في ربه - أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جدّه سنحاريب أراد أن يفعل. فخرج في ستمئة ألف راية يريد أهلَ بيت المقدس، فلما فَصَل سائرًا أتى ملِكَ بني إسرائيل الخبر أن بختنصّر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعمْتَ لنا أنّ ربك أوحى إليك ألّا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك! فقال إرميا للملك: إن ربّي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثق.","vol":"6","page":387},{"text":"فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم، وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله ﷿ مَلَكًا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا واستفته. وأمره بالذي يستفتيه فيه. فأقبل الملَكُ إلى إرميا، وقد تمثّل له رجلًا من بني إسرائيل. فقال له إرميا: مَنْ أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري، فأذِن له، فقال له الملَك: يا نبيّ الله! أتيتك أستفتيك في أهل رحمِي؛ وصلتُ أرحامهم بما أمرني الله به، لم آت إليهم إلا حُسْنًا، ولم آلهُم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطًا لي، فأفتِني فيهم يا نبيّ الله! فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصِلْ ما أمرك الله أن تصلَ، وأبشر بخير. قال: فانصرف عنه الملك، فمكث أيامًا ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: مَنْ أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي، فقال له نبيّ الله: أو ما طهُرت لك أخلاقُهم بعد، ولم تر منهم الذي تحبّ! قال: يا نبيّ الله! والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامةً يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمهِ إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك فقال النبيّ: ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم، واسأل الله الذي يُصلح عبادَه الصالحين أن يصلح ذات بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاته، ويجنّبكم سَخَطه. فقام الملك من عنده فلبث أيامًا وقد نزل بختنصّر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعًا شديدًا، وشقّ ذلك على ملِك بني إسرائيل فدعى إرميا فقال: يا نبيّ الله، أين ما وعدك الله؟ فقال: إني بربّي واثق. ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربّه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: مَنْ أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال له النبيّ: أو لم يَأنِ لهم أن يُفيقوا من الذي هم فيه! فقال الملك: يا نبيّ الله، كُلُّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أنّ مآلهم في ذلك سُخْطي، فلمّا أتيتُهم اليوم رأيتُهم في عملٍ لا يرضاه الله ولا يحبّه، قال له النبيّ: على أيّ عمل رأيتهم؟ قال: يا نبيّ الله، رأيتُهم على عمل عظيم من سَخَط الله، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم، لم يشتدّ غضبي عليهم، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكني غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرَهم، وإني أسألُك بالله الذي هو بعثك بالحقّ إلا ما دعوتَ عليهم أن يُهلِكَهم","vol":"6","page":388},{"text":"الله. قال إرميا: يا ملِك السموات والأرض؛ إن كانوا على حقٍّ وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلِكْهم.\nفلمّا خرجت الكلمة من فِي إرميا أرسل الله ﷿ صاعقةً من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، وخُسِف بسبعة أبواب من أبوابها. فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه، ونبذ التراب على رأسه، وقال: يا ملِك السماء ويا أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعدتني! فُنودي: يا إرميا؛ إنه لم يصبْهم الذي أصابهم إلا بفُتياك التي أفتيت بها رسولَنا. فاستيقن النبيّ أنها فُتياه التي أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسولُ ربّه.\nوطار إرميا حتى خالط الوحوش، ودخل بُختنصّر وجنودُه بيت المقدس، فوطئ الشأم، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرّب بيت المقدس؛ ثم أمر جنودَه أن يملأ كلُّ رجل منهم تُرسه ترابًا ثم يقذفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملؤوه. ثم انصرف راجعًا إلى أرض بابل، واحتمل معه سَبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا مَنْ كان في بيت المقدس كلّهم، فاجتمع عنده كلُّ صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم مئة ألف صبيّ، فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمنا كلُّها واقسِم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل. ففعل فأصاب كلَّ رجل منهم أربعة غلمة - وكان من أولئك الغلمان: دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل - وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفًا من سِبْط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سِبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون بن يعقوب، ونفثالي بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابني يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقيَ من بني إسرائيل. وجعلهم بختنصّر ثلاث فرق؛ فثلثًا أقرّ بالشام، وثلثًا سبي، وثلثًا قتل. وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدَمها بابل، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل؛ وكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم.\nفلما ولى بختنصّر عنهم راجعًا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في رَكْوة وسلّة تين، حتى غشي إيلياء فلما","vol":"6","page":389},{"text":"وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخَله شكّ، فقال: أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها! فأماته الله مئة عام، وحماره وعصيره وسلّة تينه عنده حيث أماته الله وأمات حماره معه، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد. ثم بعثه الله فقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ -يقول لم يتغيّر- ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. فنظر إلى حماره يتّصل بعضٌ إلى بعض - وقد كان مات معه - بالعروق والعَصَب، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى، ثم جرى فيه الروح، فقام ينهق؛ ثم نظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغيّر. فلما عاين من قدرة الله ما عاين، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم عمّر الله إرميا بعد ذلك، فهو الذي يُرى بفلوات الأرض والبلدان.\nثم إنّ بختنصّر أقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم، ثم رأى رؤيا، فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئًا أصابه فأنساه الذي كان رأى، فدعى دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل من ذراريّ الأنبياء، فقال: أخبروني عن رؤيا رأيتُها، ثم أصابني شيء فأنسانيها، وقد كانت أعجبتني ما هي؟ قالوا له: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها، قال: ما أذكرها، وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعنّ أكتافكم. فخرجوا من عنده، فدعَوُا الله، واستغاثوا، وتضرّعوا إليه، وسألوه أن يعلِمهم إياها، فأعلمهم الذي سألهم عنه، فجاؤوه، فقالوا له: رأيتَ تمثالًا؟ قال: صدقتم، قالوا: قدماه وساقاه من فَخّار، وركبتاه وفخذاه من نحاس، وبطنه من فضّة، وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد. قال: صدقتم. قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك، فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقَّته، فهي التي أنستكها. قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها: أنك أريتَ مُلْك الملوك، فكان بعضُهم ألينَ مُلْكًا من بعض، وبعضهم كان أحسن مُلْكًا من بعض، وبعضهم كان أشدَّ مُلْكًا من بعض، فكان أول الملْكِ الفخّارِ وهو أضعفه، وألينه. ثم كان فوقه النحاس، وهو أفضل منه، وأشدّ، ثم كان فوق النحاس الفضّة، وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم كان فوق الفضة الذهب، فهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد مُلْكك؛ فهو كان أشدّ","vol":"6","page":390},{"text":"الملوك، وأعزّ مما كان قبله، وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقّته نبيًّا يبعثه الله من السماء فيدقّ ذلك أجمع، ويصير الأمر إليه.\nثم إن أهل بابل قالوا لبختنصّر: أرأيتَ هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت! فإنّا والله لقد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا، لقد رأينا نساءنا عَلِقْنَ بهم، وصرفنَ وجوههنّ إليهم، فأخرجْهم من بين أظهرنا، أو اقتلْهم، قال: شأنَكم بهم، فمن أحبّ منكم أن يقتل من كان في يده؛ فليفعل. فأخرجوهم، فلمّا قربوهم للقتل تضرّعوا إلى الله فقالوا: يا ربّنا، أصابنا البلاء بذنوب غيرنا، فتحنّن الله عليهم برحمته، فوعدهم أن يحييهم بعد قتلهم، فقتلوا إلا من استبقى بختنصّر منهم، وكان ممن استبقى منهم: دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل.\nثم إن الله ﵎ حين أراد هلاك بختنصّر، انبعث فقال لمن كان في يديه من بي إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي أخربت، وهؤلاء الناس الذين قتلت، من هم؟ وما هذا البيت؟ قالوا: هذا بيت الله، ومسجد من مساجده، وهؤلاء أهلُه كانوا من ذراريّ الأنبياء، فظلموا، وتعدّوا، وعصوْا، فسلّطتَ عليهم بذنوبهم، وكان ربُّهم ربّ السموات والأرض، وربّ الخلق كلّهم يكرمهم، ويمنعهم، ويعزّهم، فلما فعلوا ما فعلوا؛ أهلكهم الله، وسلّط عليهم غيرهم.\nقال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا، لعلِّي أطّلع إليها فأقتلُ منْ فيها وأتخذها مُلْكًا، فإنِّي قد فرغت من الأرض ومَنْ فيها، قالوا له: ما تقدر على ذلك، وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق، قال: لتفعلُنّ، أو لأقتلنَّكم عن آخركم، فبكوا إلى الله وتضرّعوا إليه، فبعث الله بقدرته - ليرَيه ضعفه وهوانه عليه - بعوضةً فدخلت في منخره؛ ثم ساخت في دماغه؛ حتى عضّت بأمّ دماغه؛ فما كان يَقَرّ ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أمّ دماغه؛ فلما عرف الموت قال لخاصّته من أهله: إذا مت فشقُّوا رأسي، فانظروا ما هذا الذي قتلني؟ فلما مات شقّوا رأسه، فوجدوا البعوضة عاضّة بأمّ دماغه؛ ليُرِيَ الله العباد قدرته وسلطانه؛ ونجّى الله مَنْ كان بقي في يديه من بني إسرائيل، وترحّم عليهم، وردهم إلى الشأم وإلى إيلياء المسجد المقدّس، فبنوا فيه، ورَبلُوا وكثروا؛ حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه.","vol":"6","page":391},{"text":"فيزعمون - والله أعلم -: أنّ الله أحيا أولئك الموتى الذين قتِلوا، فلحقوا بهم.\nثم إنهم لما دخلوا الشأم دخلوها وليس معهم عهد من الله؛ كانت التوراة قد استُبِيتْ منهم فحرقت وهلكت، وكان عُزَير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشأم يبكي عليها ليله ونهاره، قد خرج من الناس فتوحّد منهم؛ وإنما هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكي؛ فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها، إذ أقبل إليه رجل وهو جالس، فقال: يا عُزَير! ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده، كان بين أظهرِنا فبلغتْ بنا خطايانا، وغضب ربنا علينا أن سلّط علينا عدوَّنا، فقتل رجالنا، وأخرب بلادنا، وأحرق كتاب الله الذي بين أظهرنا؛ الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره -أو كما قال- فعلامَ أبكي إذا لم أبك على هذا! قال: أفتحبّ أن يُرَدَّ ذلك عليك؟ قال: وهل إلى ذلك من سبيل؟ قال: نعم ارجع فصُمْ وتطهّر وطهّر ثيابك، ثم موعدك هذا المكان غدًا. فرجع عُزَير فصام وتطهّر وطهّر ثيابه، ثم عمِد إلى المكان الذي وُعِده، فجلس فيه، فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء - وكان مَلَكًا بعثه الله إليه - فسقاه من ذلك الإناء، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، فوضع لهم التوارة يعرفونها بحلالها، وحرامها، وسننها، وفرائضها، وحدودها، فأحبّوه حبًّا لم يحبوه شيئًا قطّ، وقامت التوراة بين أظهرهم، وصلَح بها أمرهم، وأقام بين أظهرهم عُزَير مؤديًا لحقّ الله، ثم قبضه الله على ذلك، ثم حدثت فيهم الأحداث حتى قالوا لعزير: هو ابن الله، وعاد الله عليهم فبَعث فيهم نبيًّا كما كان يصنع بهم، يسدّد أمرهم، ويعلّمهم، ويأمرهم بإقامة التوراة وما فيها.\nوقال جماعة أخر عن وهب بن منبّه في أمر بختنصَّر وبني إسرائيل وغزوه إياهم أقوالًا غير ذلك، تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها (١). (١: ٥٤٨ - ٥٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>ذكر خبر غزو بختنصر للعرب</span>\n٧٧٦ - حُدّثت عن هشام بن محمد، قال: كان بدء نزول العرب أرضَ العراق، وثبوتهم فيها، واتخاذهم الحيرة والأنبار منزلًا -فيما ذكر لنا والله\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":392},{"text":"أعلم-: أنّ الله ﷿ أوحى إلى برخيا بن أحنيا بن زربابل بن شلتيل من ولد يهوذا - قال هشام: قال الشرقيّ: وشلتيل أوَّل من اتخذ الطفشيل - أن ائت بختنصَّر وأمره أن يغزُوَ العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، ويطأ بلادهم بالجنود، فيقتُل مقاتلتهم، ويستبيح أموالهم، وأعلِمْه كفرَهم بي، واتخاذهم الآلهة دوني، وتكذيبهم أنبيائي ورسلي.\nقال: فأقبل برخيا من نَجْران حتى قدم على بختنصَّر ببابل - وهو \"نبوخذ نصر\" فعرّبته العرب - وأخبرَه بما أوحى الله إليه، وقصّ عليه ما أمره به؛ وذلك في زمان مَعَدّ بن عدنان. قال: فوثب بختنصّر على مَنْ كان في بلاده من تجار العرب، وكانوا يقدُمون عليهم بالتجارات والبِياعات، ويمتارون من عندهم الحبَّ، والتمر، والثياب، وغيرها.\nفجمع مَنْ ظفر به منهم، فبنى لهم حَيرًا على النَّجَف وحصَّنه، ثم ضمَّهم فيه ووكَّل بهم حرسًا وحفَظة، ثم نادى في الناس بالغزو، فتأهَّبوا لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب، فخرجت إليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين، فاستشار بختنصّر فيهم برخيا، فقال: إن خروجَهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عمّا كانوا عليه، فاقبلْ منهم، فأحسنْ إليهم.\nقال: فأنزلهم بختنصَّر السواد على شاطئ الفرات، فابتنوْا موضع عسكرهم بعد، فسمَّوْه الأنبار. قال: وخلَّى عن أهل الحَير، فاتَّخذوها منزلًا حياة بختنصّر، فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار، وبقيَ ذلك الحَير خرابًا (١). (١: ٥٥٨/ ٥٥٩).\n٧٧٧ - وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه ذكر: أن معدّ بن عدنان لما ولِد؛ ابتدأت بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم، فكان آخر من قتلوا يحيى بن زكرياء، وعدا أهلُ الرّسّ على نبيهم فقتلوه، وعدا أهل حضور على نبيّهم فقتلوه، فلما اجترؤوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معدّ بن عبدنان من أنبيائهم، فبعث الله بختنصّر علي بني إسرائيل، فلما فرغ من إخراب المسجد الأقصى والمدائن وانتسف بني إسرائيل نسفًا، فأوردهم أرض بابل أرِيَ فيما يرى النائم -أو أمِر بعض الأنبياء أن يأمره- أن يدخل بلاد العرب فلا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":393},{"text":"يستحيي فيها إنسيًّا ولا بهيمة، وأن يتنسف ذلك نسفًا، حتى لا يُبقي لهم أثرًا. فنظم بختنصّر ما بين إيلة والأبُلَّة خيلًا ورجلًا، ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كلّ ذي روح أتوْا عليه وقدروا علَيه. وأن الله تعالى أوحى إلى إرميا وبرخيا: أنّ الله قد أنذر قومكما، فلم ينتهوا، فعادوا بعد المُلْك عبيدًا، وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس، وقد تقدّمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوْا إلا لجاجةً، وقد سلّطت بختنصر عليهم لأنتقم منهم، فعليكما بمعدّ بن عبدنان، الذي من ولده محمد الذي أخرجه في آخر الزمان، أختِمُ به النبوّة، وأرفع به من الضّعة.\nفخرجا تُطوى لهما الأرض حتى سبقا بختنصّر، فلقيا عدنان قد تلقّاهما، فطوياه إلى معدّ، ولمعدّ يومئذ اثنتا عشرة سنة، فحمله برخيا على البُراق، وردِف خلفه، فانتهيا إلى حَرّان من ساعتهما، وطُويت الأرض لإرميا فأصبح بحرّان، فالتقى عدنان، وبختنصّر بذات عِرْق، فهزم بختنصّر عدنان، وسار في بلاد العرب، حتى قدم إلى حَضُور، واتّبع عدنان، فانتهى بختنصّر إليها، وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار من عربة إلى حَضُور، فخندق الفريقان، وضرب بختنصّر كمينًا - وذلك أول كمين كان فيما زعم - ثم نادى منادٍ من جوّ السماء: يا لثارات الأنبياء! فأخذتهم السيوفُ مِنْ خلفهم ومن بين أيديهم، فندموا على ذنوبهم، فنادوْا بالويل، ونُهِي عدنان عن بختنصّر ونُهِي بختنصّر عن عدنان، وافترق مَن لم يشهد حَضُور، ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين: فرقة أخذت إلى ريسوب وعليهم عَكّ، وفرقهَ قصدت لوبار وفرقة حَضْر العرب، قال: وإياهم عنى الله بقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾، كافرة الأهل؛ فإن العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعة ذهبوا ليهربُوا فلم يطيقوا الهرب، ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ انتقامنا منهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يهربون، قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم. ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ لا تهرُبوا ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ إلى العيشة على النعم المكفورة ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ مصيركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. فلما عرفوا: أنه واقع بهم أقروا بالذنوب، فقالوا: ﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾، موتى وقتلى بالسيف فرجع بختنصَّر إلى بابل بما جمع من سبايا عَربَة فألقاهم بالأنبار، فقيل: أنبار العرب، وبذلك سميت الأنبار، وخالطهم بعد ذلك النَّبَط فلما رجع بختنصّر؛ مات عدنان وبقيت","vol":"6","page":394},{"text":"بلاد العرب خرابًا حياة بختنصّر، فلما مات بختنصّر خرج معد بن عبدنان معه الأنبياء، أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم حتى أتى مكة فأقام أعلامها، فحجّ وحجّ الأنبياء معه، ثم خرج معدّ حتى أتى ريسوب، فاستخرج أهلها، وسأل عَمّن بقي من ولد الحارث بن مُضاضِ الجرهميّ، وهو الذي قاتل دوس العتق، فأفنى أكثرهم جرهم على يديه، فقيلً له: بقي جوشم بن جلهمة، فتزوج معدّ ابنتَه معانة، فولدت له نزار بن معدّ (١). (١: ٥٥٩/ ٥٦٠).\n٧٧٨ - حدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: قرأت على عبد الله عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة: أن تُبّعًا خرج في العرب يسير، حتى تحيَّروا بظاهر الكوفة، وكان منزلًا من منازله، فبقيَ فيها من ضعفة الناس، فسمِّيت الحيرة لتحيّرهم، وخرج تُبّع سائرًا، فرجع إليهم وقَد بنوْا وأقاموا، وأقبل تُبّع إلى اليمن وأقاموا هم، ففيهم من قبائل العرب كلّها من بني لِحيان، وهذيل، وتميم، وجُعفيّ، وطيئ، وكلب (٢). (١: ٥٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف</span>\n٧٧٩ - فكان من ذلك -فيما زعمته الفرس- لمضيّ خمس وستين سنة من غلَبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيّين ولادةُ مريم بنت عمران عيسى بن مريم - ﵇ -.\nفأما النصارى فإنها تزعم: أنّ ولادتها إياه كانت لمضيّ ثلاثمئة سنة وثلاث سنين من وقت غَلبة الإسكندر على أرض بابل. وزعموا: أن مولد يحيى بن زكرياء كان قبل مولد عيسى - ﵇ - بستة أشهر. وذكروا: أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رُفع اثنتين وثلاثين سنة وأيامًا، وأنّ مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، وكان جميع عمرها نيّفًا وخمسين سنة.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":395},{"text":"قال: وزعموا: أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردنّ وله ثلاثون سنة، وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى. وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء، وعمران بن ماثان أبو مريم متزَوّجين بأختين؛ إحداهما عند زكرياء وهي أمّ يحيى، والأخرى منهما عند عمران بن ماثان، وهي أمّ مريم، فمات عمران بن ماثان؛ وأمّ مريم حامل بمريم، فلما ولدت مريم؛ كَفَلَها زكرياء بعد موت أمّها، لأنّ خالتها أخت أمّها كانت عنده. واسم أمّ مريم: حنة بنت فاقود بن قبيل، واسم أختها: أم يحيى الأشباع ابنة فاقود. وكفلها زكرياء، وكانت مسمّاة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازاربن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زربابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود، ابن عمّ مريم (١). (١: ٥٨٥).\n٧٨٠ - وأما ابن حميد، فإنه حدثنا عن سلَمة، عن ابن إسحاق: أنه قال: مريم -فيما بلغني عن نسبها- ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن أُسا بن أبيا بن رُحُبْعُم بن سليمان، فولِد لزكرياء يحيى ابن خالة عيسى بن مريم، فنبّئ صغيرًا، فساح، ثم دخل الشأم يدعو الناس، ثم اجتمع يحيى، وعيسى، ثم افترقا بعد أن عمّد يحيى عيسى (٢). (١: ٥٨٥/ ٥٨٦).\n٧٨١ - وقيل: إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلّمون الناس: قال: وكان فيما نهوْهم عنه نكاحُ بنات الأخ، فحدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: بَعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء، في اثني عشر من الحواريين يعلّمون الناس، قال: فكان فيما نهوْهم عنه نكاحُ ابنة الأخ. قال: وكان لملكهم ابنة أخٍ تُعجبه، يريد أن يتزوّجها، وكانت لها كلّ يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمَّها؛ قالت لها: إذا دخلتِ على الملك، فسألك\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":396},{"text":"حاجتك فقوله: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء. فلما دخلت عليه سألها حاجتَها، قالت: حاجتي أن تذبَح لي يحيى بن زكرياء، فقال: سلِيني غير هذا، قالت: ما أسألُك إلّا هذا، قال: فلما أبتْ عليه؛ دعا يحيى، ودعى بطست فذبحه، فندَرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تَزَلْ تغلِي حتى بعث الله بختنصّر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلّته على ذلك الدم، قال: فألقى الله في قلبه أن يقتُلَ على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتَل سبعين ألفًا منهم من سنّ واحدة، فسكَن (١). (١: ٥٨٦).\n٧٨٢ - حدثنا موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدَانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي - ﷺ -: أنّ رجلًا من بني إسرائيل، رأى في النوم: أنّ خرابَ بيت المقدس وهلاكَ بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل، يُدْعَى بختنصّر، وكانوا يصدّقون فتصدّق رؤياهم، فأقبل يسأل عنه، حتى نزل على أمّه وهو يحتطب، فلما جاء وعلى رأسه حُزمة حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت، فكلّمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشترِ بهذه طعامًا وشرابًا، فاشترى بدرْهم لحمًا، وبدرهم خبزًا، وبدرهم خمرأ، فأكلوا وشربوا؛ حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال: إني أحبّ أن تكتب لي أمانًا، إنْ أنتَ مُلِّكْتَ يومًا من الدهر. قال: تسخر بي! قال: إني لا أسخرُ بك، ولكن ما عليك أن تتّخذ بها عندي يدًا! فكلّمتْه أمه، فقالت: وما عليك إن كان؛ وإلا لم ينقصْك شيئًا! فكتب له أمانَّا، فقال: أرأيتَ إن جئت والناسُ حولك، قد حالوا بيني وبينك! فاجعل لي آيةً تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتَك على قَصَبة فأعْرِفُك بها. فكساه، وأعطاه.\nثم إن ملِك بني إسرائيل كان يكرِم يحيى بن زكرياء، ويُدنِي مجلسه، ويستشيره في أمره، ولا يقطع أمرًا دونه، وإنه هويَ أن يتزوّج ابنةَ امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها، وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":397},{"text":"أمَّها فحقدتْ على يحيى حين نهاه أن يتزوّج ابنتها، فعمِدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستْها ثيابًا رِقاقًا حمرًا، وطيّبتْها، وألبستها من الحُلِيّ، وألبستها فوق ذلك كساء أسود، فأرسلْتها إلى الملك، وأمرتْها أن تسقيَه، وأن تعرض له، فإن أرادها على نفسها أبتْ عليه، حتى يعطيَها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك؛ سألتْه أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طَسْت، ففعلت فجعلت تَسقيه وتعرض له، فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل؛ حتى تعطيَني ما أسألك، قال: ما تسأليني؟ قالت: أسألك أن تبعثَ إلى يحيى بن زكرياء، فأوتَى برأسه في هذا الطَّسْت، فقال: ويحك! سلِيني غيرَ هذا! قالت: ما أريد أن أسألَك إلا هذا. قال: فلما أبتْ عليه، بعث إليه فأتِيَ برأسه، والرأسُ يتكلّم، حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحلُّ لك، فلما أصبحَ إذا دمُه يغلي، فأمر بتراب فألقِيَ عليه، فرقَى الدمُ فوق التراب يغلي، فألقِي عليه التراب أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزلْ يُلْقي عليه الترابَ حتى بلغ سورَ المدينة، وهو في ذلك يغلِي، وبلغ صيحائين فنادى في الناس، وأراد أن يبعث إليهم جيشًا، ويؤمِّر عليهم رجلًا، فأتاه بختنصَّر، فكلّمه، وقال: إنّ الذي كنتَ أرسلتَ تلك المرّة ضعيف، فإني قد دخلتُ المدينة، وسمعت كلامَ أهلِها، فابعثني، فبعثه فسار بختنصَّر؛ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تحصّنوا منه في مدائنهم، فلم يُطِقْهم، فلما اشتدّ عليه المقام، وجاع أصحابُه؛ أراد الرجوعَ، فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل، فقالت: أين أمير الجند؟ فأتي به إليها، فقالت: إنه بلغني أنك تريد أن ترجعَ بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيع المقام فوقال في كان منّي، فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينة، أتعطِيني ما أسألك، فتقتل مَنْ أمرتك بقتله، وتكفَّ إذا أمرتُك أن تكفّ؟ قال لها: نعم، قالت: إذا أصبحتَ فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقِمْ علَى كلِّ زاوية ربعًا، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء، فنادوا: إنّا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء؛ فإنها سوف تتساقط. ففعلوا، فتساقطت المدينة، ودخلُوا من جوانبها، فقالت له: كفّ يدك، اقتل على هذا الدم حتى يسكن، فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألف رجل وامرأة، فلما سكن الدم، قالت له: كفّ يدك، فإنّ الله ﷿ إذا قُتِلَ نبيّ لم يرضَ حتى","vol":"6","page":398},{"text":"يقتل من قتله ومَنْ رضيَ قتلَه. فأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيت المقدس، وأمر به أن تطرح فيه الجِيف، وقال: مَنْ طرح فيه جيفة؛ فله جزْيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أنّ بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء، فلما خرّبه بختنصّر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسَراتهم، وذهب بدانيال وحنانيا وعزريا وميشائيل؛ هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء، وذهب معه برأس الجالوت، فلما قدِم أرضَ بابل وجد صيحائين قد مات، فملَك مكانه، وكان أكرَم الناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس، فوشُوا بهم إليه، فقالوا: إنّ دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، فدعاهم فسألهم فقالوا: أجلْ إنّ لنا ربًّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، وأمر بخَدّ فخُدّ، فألقُوا فيه وهم ستة، وألقِيَ معهم سَبُعٌ ضارٍ ليأكلهم، فقا لو ا: انطلقوا فلْنأكل ولنشرب، فذهبوا، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسًا، والسبُع مفترش ذراعَيه بينهم لم يخدِش منهم أحدًا، ولم ينكأه شيئًا، فوجَدوا معهم رجلًا، فعدّوهم فوجدوهم سبعة، فقال: ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة! فخرج إليه السابع - وكان مَلَكًا من الملائكة - فلَطمه لطمة فصار في الوحش، فكان فيهم سبع سنين (١). (١: ٥٨٦/ ٥٨٨ / ٥٨٧/ ٥٨٩).\n٧٨٢ / أ- قال أبو جعفر: وهذا القول الذي رُويَ عَمنّ ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمّن لم يذكر في هذا الكتاب من أنّ بختنصّر، هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء - عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية، وعند غيرهم من أهل الملل غَلَط؛ وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون عَلى أن بختنصّر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيَّهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبين عهد إرميا وتخريب بختنصّر بيتَ المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمئة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى. ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم وأسفارهم مُبَيَّن، وذلك أنهم يَعُدّون من لدن تخريب بختنصّر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قِبَل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، ثم من قِبَل ابنته\n_________\n(١) ضعيف. شيخ الطبري مجهول الحال والإسناد له يحتج به الطبري نفسه وفي المتن من الإسرائيليات ما فيه.","vol":"6","page":399},{"text":"خماني سبعين سنة، ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازَة مملَكتها إلى مملكته ثمانيًا وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمئة سنة وثلاث سنين، فذلك على قولهم أربعمئة سنة وإحدى وستون سنة.\nوأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدّة خراب بيت المقدس، وأمر بختنصّر، وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل إلى غَلَبة الإسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا، وتخالفهم في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى، فتزعُم: أنّ مدة ذلك إحدى وخمسون سنة. فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدّة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت.\nوالنصارى تزعم: أنّ يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر، وأنّ الذي قتله ملك لبني إسرائيل يقال له: هيردوس، بسبب امرأة يقال لها: هيروذيا، كانت امرأةَ أخ له، يقال له: فيلفوس، عَشِقَها فوافقته على الفُجور، وكان لها ابنة يقال لها: دمنى فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا، فنهاه يحيى وأعلمه: أنه لا تحلّ له، فكان هيردوس معجبًا بالابنة، فألهتْه يومًا، ثم سألته حاجة، فأجابها إليها، وأمر صاحبًا له بالنفوذ لما تأمره به، فأمرتْه أن يأتيَها برأس يحيى، ففعل، فلما عرف هيردوس الخبر؛ أسْقِط في يده، وجزع جزعًا شديدًا.\nوأما ما قال في ذلك أهلُ العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيتُ منه ما قاله هشام بن محمد الكلبّي (١). (١: ٥٨٩/ ٥٩٠).\n٧٨٣ - وأما ما قال ابن إسحاق فيه، فهو ما حدثنا به ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك -يعني بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس- يُحدِثون الأحداثَ، ويعود الله عليهم، ويبعث فيهم الرسل، ففريقًا يكذّبون وفريقًا يقتلون؛ حتى كان آخر مَنْ بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى بن مريم، وكانوا من بيت آل داود - ﵇ -. وهو يحيى بن زكرياء بن أدى بن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":400},{"text":"فاحور بن شلوم بن يهفاشاط بن أُسا بن أبيا بن رُحُبْعُم بن سليمان بن داود.\nقال: فلما رَفع الله عيسى - ﵇ - من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى بن زكرياء - ﵇ - وبعض الناس يقول: وقتلوا زكرياء - ابتعث الله عليهم ملكًا من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل؛ حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسًا من رؤوس جنوده يدعى: نبوزراذان، صاحب القتل، فقال له: إني كنت حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلّنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري؛ إلى ألّا أجد أحدًا أقتله، فأمره أن يقتلهم، حتى يبلغ ذلك منهم. وإنّ نبوزراذان دخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقرّبون فيها قربانهم، فوجد فيها دمًا يغلي، وسألهم، فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبرَه ولا تكتموني شيئًا من أمره، فقالوا: هذا دم قربان كان لنا كنا قرّبناه فلم يقبَل مِنا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قرّبنا منذ ثمانمئة سنة القربان، فيُقبل منا إلا هذا القربان. قال: ما صدقتموني الخبر، قالوا له: لو كان كأوّل زماننا لقبِل منّا؛ ولكنه قد انقطع منّا الملك والنبوّة والوحي؛ فلذلك لم يقبَل منا. فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمئة وسبعين روحًا من رؤوسهم فلم يهدأ، فأمر فأتيَ بسبعمئة غلام من غلمانهم، فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من بينهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقُوني واصبروا على أمر ربكم؛ فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل ألّا أترك منكم نافخ نار؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتلته! فلما رأوا الجهد وشدّة القتل صدَقوه الخبر، فقالوا: إن هذا دم نبيّ منّا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشدَ لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدّقه، فقتلناه، فهذا دمه. فقال لهم نبوزراذان: ما كان اسمُه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء، قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا ينتقم ربّكم منكم. فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خَرّ ساجدًا، وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا مَنْ كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل. ثم قال: يا يحيى بن زكريَّاء، قد علم ربّي وربّك ما قد أصاب قومَك من أجلك، وما قتل منهم من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألّا أبقيَ من قومك أحدًا، فهدأ دم يحيى","vol":"6","page":401},{"text":"بإذن الله، ورفع نبوزراذان عنهم القتل، وقال: آمنتُ بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدّقتُ به، وأيقنتُ أنه لا ربّ غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح، لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح، فتباركَ وتقدَّس وتسبحَ وتكبّر وتعظَّم! ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحُكْم وجبروت وعزّة، الذي بسط الأرض وألقَى فيها رواسيَ لا تزول؛ فكذلك ينبغي لربّي أنْ يكون ويكون مُلْكه. فأوحي إلى رأسٍ من رؤوس بقية الأنبياء: أنّ نبوزراذان حبور صدوق - والحبور بالعبرانية: حديث الإيمان - وأنّ نبوزراذان قال لبني إسرائيل: إنّ عدو الله خردوس أمرَني أن أقتلَ منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره. وإني فاعل، لستُ أستطيع أن أعصيَه. قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم، فحفروا خندقًا، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها، حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قُتِلوا قبل ذلك فطُرِحوا على ما قتل من مواشيهم؛ حتى كانوا فوقهم؛ فلم يظنّ خردوس إلا أنّ ما كان في الخندق من بني إسرائيل.\nفلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان: ارفعْ عنهم، فقد بلغني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا. ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل، أو كاد؛ وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل؛ يقول الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. و\"عسى\" من الله حقّ، فكانت الوقعة الأولى بختنصّر وجنوده، ثم ردّ الله لهم الكرّة عليهم، ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبيُ ذراريهم ونسائهم؛ يقول الله ﷿: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (١). (١: ٥٩٠/ ٥٩١ / ٥٩٢/ ٥٩٣).\nرجع الحديث إلى حديث عيسى ابن مريم وأمه ﵉. قال: وكانت مريم، ويوسف بن يعقوب ابن عمّها يليَانِ خدمة الكنيسة، فكانت مريم إذا نفد ماؤها -فيما ذكر- وماء يوسف أخذ كلّ واحد منهما قلّته، فانطلق إلى المغارة\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":402},{"text":"التي فيها الماء الذي يستعذبانه، فيملأ قُلّته، ثم يرجعان إلى الكنيسة. فلما كان اليوم الذي لقيَها فيه جبرئيل - وكان أطولَ يوم في السنة وأشدّه حرًّا - نفد ماؤها، فقالت: يا يوسف! ألا تذهب بنا نستقي! قال: إن عندي لفضْلًا من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد، قالت: لكنيّ والله ما عندي ماء، فأخذت قُلَّتَها، ثم انطلقت وحدها، حتى دخلت المغارة، فتجد عندها جبرئيل، قد مثّله الله لها بشرًا سويًّا: فقال لها: يا مريم! إن الله قد بعثني إلَيك لأهب لك غلامًا زكيًا، قالت: ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، وهي تحسبه رجلًا من بني آدم فقال: إنما أنا رسولُ ربّك، قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، أي: أن الله قد قضى: أنّ ذلك كائن. فلما قال ذلك؛ استسلمتْ لقضاء الله، فنفخ في جيبها، ثم انصرف عنها، وملأت قلّتها (١). (١: ٥٩٣).\n٧٨٤ - قال: فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدّثني عبد الصمد بن معقل - ابن أخي وهب - قال: سمعت وهبًا قال: لما أرسل الله ﷿ جبرئيل إلى مريم، تمثّل لها بشرًا سويًّا. فقالت: ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرَّحِم، واشتملت على عيسى.\nقال: وكان معها ذو قرابة لها يقال له: يوسف النجَّار، وكانا منطلقَين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون؛ وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يَلِيَان معالجته بأنفسهما وتجميرَه وكناسته وطهوره، وكلّ عمل يعمل فيه، فكان لا يُعلم من أهل زمانهما أحدٌ أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، وكان أول مَنْ أنكر حَمْل مريم صاحبُها يوسف، فلما رأى الذي بها استعظمه، وعظم عليه، وفظع به، ولم يدر على ماذا يضع أمرها! فإذا أراد يوسف أن يتَّهمها ذكر صلاحَها، وبراءتها، وأنها لم تغِبْ عنه ساعة قطُّ، وإذا أراد أن يبرِّئها رأى الذي ظهر بها، فلمّا اشتدّ عليه ذلك؛ كلَّمها، فكان أولُ كلامه إياها أن قال لها: إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرَصت\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":403},{"text":"على أن أميتَه، وأكتمه في نفسي، فغلبَني ذلك، فرأيتُ: أنّ الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولًا جميلًا، قال: ما كنت لأقول إلا ذلك، فحدّثيني: هل ينبت زرع بغير بَذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلَقه من غير بذر، والبذر إنّما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ ! أو لم تعلم: أنّ الله أنبت الشجر من غير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلَق كلَّ واحد منهما وحده؟ ! أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر، حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدِرْ على إنباته! قال لها يوسف: لا أقول ذلك، ولكنيّ أعلم: أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك: كن، فيكون. قالت له مريم: أوَ لم تعلم أنّ الله ﷿ خلَق آدم وامرأته من غير ذكَرٍ ولا أنثى؟ قال: بلى! فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أنّ الذي بها شيء من الله ﷿، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه؛ وذلك لمَا رأى من كتمانها لذلك. ثم تولّى يوسف خدمة المسجد، وكَفاها كلَّ عمل كانت تعمل فيه؛ وذلك لما رأى من رِقّة جسمها، واصفرار لونها، وكلَفَ وجهها، ونتوء بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها؛ ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلما دنا نفاسها؛ أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيَّرُوك، وقتلوا ولدك. فأفضت عند ذلك إلى أختها - وأختُها حينئذ حُبْلى، وقد بُشرت بيحيى - فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدًا معترفًا بعيسى؛ فاحتملها يوسفُ إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها؛ حتى إذا كان مُتاخمًا لأرض مصر في مُنقطَع بلاد قومها أدرك مريم النفاس، وألجأها إلى آريّ حمار -يعني: مِزْود الحمار- في أصل نخلة؛ وذلك في زمان الشتاء، فاشتدّ على مريم المخاض؛ فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة، فاحتضنتْها واحتوشتْها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.\nفلما وضعت وهي محزونة، قيل لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ إلى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، فكان الرُّطبُ يتساقط عليها، وذلك في الشتاء.","vol":"6","page":404},{"text":"فأصبحت الأصنام التي كانت تُعبَد من دون الله حين ولدت بكلّ أرض مقلوبة منكوسة على رؤوسها، ففزِعت الشياطين وراعها، فلم يدرُوا ما سبب ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين، حتى جاؤوا إبليس، وهو على عرش له، في لُجّة خضراء، يتمثّل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب، يتمثّل بحجب النور التي من دون الرحمن، فأتوْه وقد خلا ست ساعات من النهار، فلما رأى إبليس جماعَتهم، فزع من ذلك، ولم يرهم جميعًا منذ فرّقهم قبل تلك الساعة، إنما كان يراهم أشتاتًا، فسألهم فأخبروه: أنه قد حدث في الأرض حدث أصبَحَتْ الأصنام منكوسة على رؤوسها، ولم يكن شيء أعونُ على هلاك بني آدم منها؛ كنا ندخلُ في أجوافها فنكلِّمهم، وندبّر أمرهم فيظنون أنها التي تكلِّمهم، فلما أصابها هذا الحدث صغّرَها في أعين بني آدم، وأذلَّها وأدناها، ذلك وقد خشينا ألّا يعبدوها بعد هذا أبدًا. واعلم أنّا لم نأتك حتى أحصينا الأرض، وقلبنا البحار وكلّ شيء قوينا عليه؛ فلم نزدد بما أردنا إلا جهلًا. قال لهم إبليس: إنّ هذا لأمر عظيم، لقد علمت بأني كُتِمتُه، وكونوا على مكانكم هذا. فطار إبليس عند ذلك، فلبث عنهم ثلاث ساعات، فمرّ فيهنّ بالمكان الذي وُلد فيه عيسى؛ فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان، علم: أن ذلك الحَدث فيه، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه؛ فإذا فوقه رؤوس الملائكة ومناكبهم عند السماء. ثم أراد أن يأتيَه من تحت الأرض؛ فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد إبليس. ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحَّوْه عن ذلك.\nثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلَّها مشرقها ومغربها، وبرّها وبحرها، والخافقين، والجوّ الأعلى؛ وكلّ هذا بلغتُ في ثلاث ساعات؛ وأخبرهم بمولد المسيح، وقال لهم: لقد كتِمتُ شأنه، وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي، ولا وضعتْه قطّ، إلّا وأنا حاضرها؛ وإني لأرجو أن أضلَّ به أكثر مما يهتدِي به، وما كان نبيّ قبلَه أشدّ عليّ وعليكم منه.\nوخرج في تلك الليلة قوم يؤمُّونه من أجل نجم طلع أنكروه، وكان قبل ذلك يتحدّثون: أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال. فخرجوا يريدونه، ومعهم الذهب والمُرّ واللّبان، فمرّوا بملك من ملوك الشأم،","vol":"6","page":405},{"text":"فسألهم: أين يريدون؟ فأخبروه بذلك، قال: فما بالُ الذهب والمرّ واللبان أهديتموه له من بين الأشياء كلّها؟ قالوا: تلك أمثاله: لأنّ الذهب هو سيّد المتاع كلِّه، وكذلك هذا النبيّ هو سيّدُ أهل زمانه، ولأنّ المرّ يُجبَرُ به الجرح والكسر، وكذلك هذا النبيّ يشفي به الله كل سقيم ومريض؛ ولأن اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره، كذلك هذا النبيّ يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره.\nفلما قالوا ذلك لذلك الملك؛ حدّث نفسه بقتله، فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه، فأعلموني ذلك، فإني أرغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره. فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم، وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى، فلقيَهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه، ولا تُعلموه بمكانه، فإنه إنما أراد بذلك ليقتله؛ فانصرفوا في طريق آخر، واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف، حتى وردا أرض مصر، فهي الربوة التي قال الله: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.\nفمكثت مريم اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس، لا يطّلع عليه أحد، وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدًا، كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد، والمهد في منكبها والوعاء الذي تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر، حتى تمّ لعيسى - ﵇ - اثنتا عشرة سنة؛ فكان أوّل آية رآها الناس منه أنّ أمّه كانت نازلةً في دار دهقان من أهل لمصر، فكان ذلك الدّهقان قد سُرقت له خزانة، وكان لا يسكن في داره إلا المساكين، فلم يتّهمهم، فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدّهقان، فلما أنْ رأى عيسى حُزْنَ أمّه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها: يا أمّه! أتحبّين أن أدلّه على ماله؟ قالت: نعم يا بُنيّ، قال: قولي له يجمع لي مساكين داره، فقالت مريم للدهقان ذلك، فجمع له مساكين داره، فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم: أحدهما أعمى والآخر مُقعَد، فحمل المقعد على عاتق الأعمى، ثم قال له: قم به، قال الأعمى: أنا أضعف من ذلك، قال عيسى - ﵇ -: فكيف قويت على ذلك البارحة؟ فلما سمعوه يقول ذلك؛ بعثوا الأعمى، حتى قام به، فلما استقلّ قائمًا حاملًا هَويَ المقعد إلى كوّة الخزانة. قال عيسى: هكذا احتالا لمالِك البارحة، لأنه استعان الأعمى","vol":"6","page":406},{"text":"بقوّته، والمقعد بعينيه، فقال المقعد والأعمى: صدق، فردّا على الدهقان ماله ذلك، فوضعه الدّهقان في خزانته، وقال: يا مريم خذي نصفه، قالت: إني لم أخْلَقْ لذلك، قال الدّهقان: فأعطيه ابنَك، قالت: هو أعظم مني شأنًا، ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابنٌ له، فصنع له عيدًا، فجمع عليه أهل مصر كُلّهم، فلما انقضى ذلك؛ زاره قوم من أهل الشأم لم يحذرهم الدهقان، حتى نزلوا به، وليس عنده يومئذ شراب، فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتًا من بيوت الدّهقان، فيه صفَّان من جرار، فأمرّ عيسى يده على أفواهها، وهو يمشي، فكلَّما أمرّ يده على جَرّة امتلأت شرابًا، حتى أتى عيسى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة، فلما فعل ذلك عيسى؛ فزع الناس لشأنه، وما أعطاه الله من ذلك؛ فأوحى الله ﷿ إلى أمّه مريم، أن اطلعي به إلى الشأم، ففعلت الذي أمرت به، فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة، فجاءه الوحيُ على ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين. ثم رفعه الله إليه، فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يُطِقْ منه شيئًا، فتمثَّل له برجل ذي سنّ وهيئة، وخرج معه شيطانان ماردان متمثّلين كما تمثّل إبليس، حتى خالطوا جماعة الناس.\nوزعم وهب: أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، فمن أطاق منهم أن يَبلُغه بلغه، ومن لم يطِقْ ذلك منهم أتاه عيسى - ﵇ - يمشي إليه؛ وإنما كان يُداويهم بالدعاء إلى الله ﷿، فجاءه إبليس في هيئةٍ يَبْهَرُ الناس حسنُها وجمالها، فلما رآه الناس؛ فرغوا له، ومالوا نحوه، فجعل يخبرهم بالأعاجيب؛ فكان في قوله: إنّ شأن هذا الرجل لعَجَب؛ تكلم في المهد، وأحيا الموتى، وأنبأ عن الغيب، وشَفى المريض؛ فهذا الله. قال أحد صاحبيه: جهِلتَ أيها الشيخ، وبئس ما قلت! لا ينبغي لله أن يتجلَّى للعباد، ولا يسكن الأرحام، ولا تسعه أجواف النساء؛ ولكنه ابن الله. وقال الثالث: بئس ما قلتما، كلاكما قد أخطأ وجهل؛ ليس ينبغي لله أن يتخذ ولدًا؛ ولكنه إله معه؛ ثم غابوا حين فَرَغوا من قولهم، فكان ذلك آخر العهد منهم (١). (١: ٥٩٤/ ٥٩٥ / ٥٩٦/ ٥٩٧ / ٥٩٨).\n٧٨٥ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدَّثنا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":407},{"text":"أسباط عن السديّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ -، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فاتّخذت من دونهم حجابًا من الجدران، وهو قوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ في شرق المحراب، فلما طَهُرت إذا هي برجل معها، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا﴾ فهو جبرئيل ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾. فلما رأته؛ فزعت منه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ - تقول: زانية - ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ فخرجت، عليها جلبابُها، فأخذ بكمّيها، فنفخ في جيب درعها - وكان مشقوقًا من قُدّامها - فدخلت النفخة في صدرها، فحملمت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلةً تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتْها، فقالت امرأة زكرياء: يا مريمُ! أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أني أيضًا حبلى؟ ! قالت امرأة زكرياء: فإني وجدتُ ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فولدت امرأةُ زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم، خرجتْ إلى جانب المحراب الشرقيّ منه، فأتت أقصاه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول: ألجأها المخاض إلى جذعِ النخلة، ﴿قَالتْ﴾: وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. تقول: نسيًا: نُسيَ ذكري، ومنسيًا، تقول: نُسي أثري، فلا يرى لي أثر، ولا عين. ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبرئيل: ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ هو النهر. ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، وكان جذعًا منها مقطوعًا فهزته، فإذا هو نخلة، وأجرى لها في المحراب نهرًا فتساقطت النخلة رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلّم حتى يمسي، فقيل لها: لا تزيدي على هذا، فلما ولدتْه؛ ذهب الشيطان فأخبر بنو إسرائيل: أنّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ - يقول: عظيمًا - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، فما بالك أنت يا أخت هارون! وكانت من بني هارون أخي موسى؛ وهو","vol":"6","page":408},{"text":"كما تقول: يا أخا بني فلان؛ إنما تَعني قرابتَه. فقالت لهم ما أمرها الله، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام؛ أشارت إليه - إلى عيسى - فغضبوا وقالوا: لَسُخريتُها بِنَا حين تأمرنا أن نكلّم هذا الصبي أشدُّ علينا من زناها! ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فتكلّم عيسى، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ فقالت بنو إسرائيل: ما أحبلها أحد غير زكرياء، هو كان يدخل إليها، فطلبوه ففرّ منهم فتشبّه له الشيطان في صورة راع، فقال: يا زكرياء! قد أدركوك، فادعُ الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها، فدعا الله فانفتحت له الشجرة، فدخل فيها وبقي من ردائه هُدَبٌ، فمرت بنو إسرائيل بالشيطان، فقالوا: يا راعي! هل رأيتَ رجلًا من ها هنا قال: نعم سحر هذه الشجرة، فانفتحت له، فدخل فيها، وهذا هُدب ردائه، فعمِدوا فقطعوا الشجرة، وهو فيها بالمناشير، وليس تجد يهوديًّا إلا تلك الهدبة في ردائه؛ فلما ولد عيسى؛ لم يبق في الأرض صنم يعبَد من دون الله إلا أصبح ساقطًا لوجهه (١). (١: ٥٩٩/ ٦٠٠ / ٦٠١).\n٧٨٦ - حدثني المثنَّى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى بن مريم - ﵇ - لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، وشَقّ عليه، فدعا الحواريين، فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشّاهم، وقام يخدمُهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسِل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسحُ أيديَهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من ردّ عليّ شيئًا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه! فأقرّوه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمّا ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيديّ، فليكن لكم بي أسوة؛ فإنكم ترون أني خيركم، ولا يتعظمْ بعضكم على بعض، وليبذُلْ بعضكم نفسَه لبعض؛ كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجَلِي، فلمّا نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا؛ أخذهم النوم؛ حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يُوقظهم، ويقول:\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":409},{"text":"سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمُر فنكثِر السَّمَر، وما نطيق الليلة سَمَرًا، وما نريد دعاءً إلا حيلَ بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا، ينعَى به نفسه، ثم قال: الحقُّ ليكفرنّ بي أحدكم، قبل أن يصيحَ الديكُ ثلاث مرات؛ وليبيعنّني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلنّ ثمني. فخرجوا فتفرّقوا؛ وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون - أحد الحواريين - فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخرَ فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكَى، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتُكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه - وكان شُبِّه عليهم قبل ذلك - فأخذوه، فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنتَ تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل! ويبصقون عليه، ويُلقُون عليه الشوكَ، حتى أتوْا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلَبوا ما شُبِّه لهم، فمكث سبعًا. ثم إن أمه والمرأة - التي كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون - جاءتا تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى ﵇، فقال: على مَنْ تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يُصبني إلّا خير، وإنّ هذا شيء شُبِّه لهم، فاؤْمُرَا الحواريين أن يَلقوْني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحدَ عشر، وفقد الذي كان باعه، ودلّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب تاب الله عليه! ثم سألوه عن غلام يتبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم، فانطلِقوا فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم يحدّث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم (١). (١: ٦٠١/ ٦٠٢).\n٧٨٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمنّ لا يتّهم، عن وَهْب بن منبّه اليمانيِّ، قال: توفّى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار، حتى رفعه الله إليه (٢). (١: ٦٠٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":410},{"text":"٧٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: والنصارى يزعمون: أنه توفّاه الله سبع ساعات من النهار؛ ثم أحياه الله، فقال له: اهبط، فأنزل على مريم المجدلانية في جَبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها؛ ثم لتجمعْ لك الحواريين، فبُثَّهم في الأرض دُعاةً إلى الله، فإنك لم تكن فعلت ذلك. فأهبطه الله عليها، فاشتعل الجبل حين هبط نورًا، فجمعتْ له الحواريّين، فبثّهم، وأمرهم أن يبلّغوا الناس عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، فكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش، فكان إنسيّا مَلكيًا سمائيًّا أرضيًّا، وتفرق الحواريون حيث أمرهم؛ فتلك الليلة التي أهبِط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى.\nوكان ممن وجّه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم، بطرس الحواريّ ومعه بولس - وكان من الأتباع، ولم يكن من الحواريين - إلى روميّة، وأندراييس، متّى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس - وهي فيما نرى للأساود - وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى القيرَوان وقرْطاجنّه؛ وهي إفريقيّة، ويُحنّس إلى دفسوس؛ قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أورِيشلم، وهي إيليا بيت المقدس، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقيَّة، ويهوذا - ولم يكن من الحواريين - إلى أريوبس، جُعل مكان يوذس زكريا يوطا، حين أحدث ما أحديث (١). (١: ٦٠٢/ ٦٠٣).\n٧٨٩ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن ابن سُليم الأنصاريّ، ثم الزُّرَقيّ، قال: كان على امرأة منَّا نَذْرٌ؛ لَتظهرنّ على رأس الجمَّاء - جبل بالعقيق من ناحية المدينة - قال: فظهرتُ معها: حتى إذا استوينا على رأس الجبل، إذا قبرٌ عظيم، عليه حجران عظيمان؛ حجر عند رأسه، وحجر عند رجليه؛ فيهما كتاب بالمسنَد، لا أدري ما هو! فاحتملتُ الحجَرين معي؛ حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطًا ثقُلا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":411},{"text":"عليَّ، فألقيت أحدَهما وهبطت بالآخر، فعرضتُه على أهل السريانية: هل يعرفون كتابَهُ؟ فلم يعرفوه، وعرضتُه على مَنْ يكتب بالزّبور من أهل اليمن، ومن يكتب بالمسنَد فلم يعرفوه. قال: فلما لم أجد أحدًا ممَّن يعرفه ألقيتُه تحت تابوت لنا، فمكث سنين، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخَرز، فقلت لهم: هل لكم من كتاب؟ فقالوا: نعم، فأخرجتُ إليهم الحَجَر، فإذا هم يقرؤونه، فإذا هو بكتابهم: هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم - ﵇ - إلى أهل هذه البلاد؛ فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان، مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل (١). (١: ٦٠٣/ ٦٠٤).\n٧٩٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثم عدوا على بقية الحواريِّين يشمّسونهم ويعذبونهم، وطافوا بهم، فسمع بذلك ملك الروم - وكانوا تحت يديه، وكان صاحبَ وثن - فقيل له: إن رجلًا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوْا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله، قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى، وأبرأ لهم الأسقام، وخَلَق لهم من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طائرًا بإذن الله، وأخبرهم بالغيوب. قال: ويْحكم! فما منعكم أن تذكروا هذا لي من أمره وأمرهم! فوالله لو علمت ما خلّيتُ بينهم وبينه. ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم، وسألهم عن دين عيسى وأمْرِه، فأخبروه خبره، فتابعهم على دينهم، واستنزل سرجس فغيّبه، وأخذ خشبته التي صُلِب عليها، فأكرمها وصانها لما مسَّها منه، وعدا علي بني إسرائيل، فقتل منهم قتلى كثيرة؛ فمن هنالك كان أصلُ النصرانية في الروم (٢). (١: ٦٠٤).\n٧٩١ - وذكر بعض أهلِ الأخبار: أنّ مولد عيسى - ﵇ - كان لمضيّ اثنتين وأربعين سنة من مُلْك أغوسطوس، وأنّ أغوسطوس عاش بعد ذلك بقيّة ملكه، وكان جميع ملكه ستًّا وخمسين سنة - قال بعضهم: وأيامًا.\nقال: ووثبت اليهود بالمسيح، والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا ضعيف ومتهم بالكذب.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":412},{"text":"لقيصر، والملك على بيت المقدس من قبَل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رُسُل ملك فارس الذين وجَّههم الملك إلى المسيح، فصار إلى هيردوس غلطًا، وأخبروه: أن ملك فارس بعث بهم ليقرّبوا إلى المسيح ألطافًا معهم من ذهب، ومرّ ولبان، وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع، فعرفوا ذلك بالحساب، وقرّبوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين. فلما عرف هيردوس خبرَهم؛ كاد للمسيح، فطلبه ليقتله، فأمر الله الملَك أن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله، وأمره أن يهرب بالغلام وأمّه إلى مصر، فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر: إن هيردوس قد مات، وملَك مكانه أركلاوس ابنُه، وذهب مَنْ كان يطلب نفس الغلام، فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتمّ قول شعيا النبيّ: من مصر دعوتُك. ومات أركلاوس، وملك مكانه هيردوس الصغير، الذي صُلِب شبهُ المسيح في ولايته، وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، وكان هيردوس وولده من قِبَلهم؛ إلّا أنهم كانوا يلقّبون باسم الملك، وكان الملوك الكبار يلقّبون بقيصر، وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء، وكان القضاء لرجل روميّ يقال له: فيلاطوس من قِبَل قيصر، وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن.\nقال: وذكروا: أن الذي شُبّه بعيسى وصُلب مكانه رجل إسرائيليّ، يقال له: أيشوع بن فنديرا. وكان ملكُ طيباريوس ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثمانيَ عشرة سنة وأيام؛ ومنها بعد ذلك خمس سنين (١). (١: ٦٠٤/ ٦٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>ذكر الخبر عن أصحاب الكهف</span>\n٧٩٢ - قال: وكان اسمُ أحدهم - وهو الذي كان يَلي شِرَا الطعام لهم، الذي ذكره الله عنهم: أنهم قالوا إذ هبُّوا من رقدتهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٢). (٢: ٦).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":413},{"text":"٧٩٣ - حدّثني عبد الله بن محمد الزّهريّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن مقاتل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ - اسمه: يمنيخ (١) (٢: ٦).\n٧٩٤ - وأما ابنُ إسحاق فإنه قال -فيما حدَّثنا به ابن حُميد- قال: حدَّثنا سلَمة عنه: اسمه: يمليخا.\nوكان ابن إسحاق يقول: كان عدد الفتية ثمانية، فعلى قوله كان كلبُهم تاسعَهم. وكان -فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق- يسمِّيهم فيقول: كان أحدهم - وهو أكبرهم والذي كلّم الملِك عن سائرهم -: مكسملينا، والآخر: محسملينا، والثالث: يمليخا، والرابع: مرطوس، والخامس: كسوطونس، والسادس: بيرونس، والسابع: رسمونس، والثامن: بطونس، والتاسع: قالوس، وكانوا أحداثًا (٢) (٢: ٦).\n٧٩٥ - وقد حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: لقد حُدِّثت: أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق. وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم، فهداهم الله للإسلام، وكانت شريعتهم شريعةَ عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا (٣). (٦: ٢).\n٧٩٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا الحكَم بن بشير، قال: حدَّثنا عمرو -يعني: ابن قيس الملائيّ- في قوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾، كانت الفتية على دين عيسى بن مريم - ﷺ - على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا. وكان بعضهم يزعم: أنّ أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح، وأنّ المسيح أخبر قومه خبرَهم، فإنّ الله ﷿ ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح، في الفترة بينه وبين محمد - ﷺ -؛ والله أعلم أيَّ ذلك كان (٤). (٢: ٧).\n٧٩٧ - فأمَّا الذي عليه علماء أهل الإسلام فَعَلى أنّ أمرهم كان بعد المسيح.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":414},{"text":"فأمّا أنَّه كان في أيام ملوك الطوائف؛ فإنّ ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة.\nوكان لهم في ذلك الزمان مَلِكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام -فيما ذكر عنه- فبلغه عن الفتية خلافُهم إيّاه في دينه، فطلبهم، فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له -فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس-: نيحلوس (١). (٧: ٢).\n٧٩٨ - وكان سببُ إيمانهم وخلافهم به قومهم فيمَا حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمَر، قال: أخبرني إسماعيل بن سدوس: أنه سمع وهب بن منبّه يقول: جاء حواريّ عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلَها، فقيل له: إن علَى بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجدَ له، فكره أن يدخلَها، فأتى حمَّامًا، وكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجِر نفسه من صاحب الحمَّام. ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامه البركة، ودرّ عليه الرزق، فجعل يعرض عليه [الإسلام] وجعل يسترسل إليه. وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يُخبرهم خبرَ السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا على مثلِ حاله في حسن الهيئة، وكان يشرُط على صاحب الحمّام: أن الليل لي، لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت. فكان على ذلك حتى جاء ابنُ الملك بامرأة، فدخل بها الحمَّام، فعيّره الحواريّ، فقال: أنت ابنُ الملك وتدخلُ ومعك هذه الكذا! فاستحيا، فذهب. فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، وسبّه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمَّام جميعًا، فأتِي الملك فقيل له: قتل صاحبُ الحمَّام ابنَك. فالتُمِسَ، فلم يُقدرْ عليه فهرب. قال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية؛ فالتُمِسوا فخرجوا من المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم في زرع له؛ وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":415},{"text":"فتروْن رأيَكم. فضرب على آذانهم، فخرج المَلك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف؛ فكلَّما أراد رجل أن يدخلَ أُرعِب، فلم يطق أحد أن يدخل، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى! قال: فابنِ عليهم باب الكهف، فدعْهم فيه يموتوا عطشًا وجوعًا. ففعل فغبروا - بعد ما بيني عليهم باب الكهف - زمانًا بعد زمان.\nثم إنّ راعيًا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخِل فيه، وردّ الله إليهم أرواحَهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدَهم بورِق يشتري لهم طعامًا، فكلَّما أتى باب مدينتهم رأى شيئًا ينكره، حتى دخل على رجل، فقال: بعني بهذه الدراهم طعامًا، قال: ومن أين لك هذه الدراهم! قال: خرجت وأصحابٌ لي أمس، فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فأنَّى لك بها! فرفعه إلى الملك - وكان ملكًا صالحًا - فقال: من أينَ لك هذه الورِق؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتريَ لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال: فانطلَقوا معه حتى أتوْا بابَ الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم، فلما رأوْه ودنا منهم ضُرب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلّما دخل رجل أُرعِب، فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم، فبنوْا عندهم كنيسة، واتَّخذوها مسجدًا يصلُّون فيه (١). (٢: ٦/ ٧ / ٨/ ٩).\n٧٩٩ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا معمَر عن قَتادة، عن عِكْرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومَهم، حتى انتهوْا إلى الكهف، فضرب الله على سُمْخَانِهم. فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أمَّتهم، وجاءتْ أمَّةٌ مسلمة، وكان ملكهم مسلمًا، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعًا، وقال قائل: تُبْعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئًا. فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسوح، وجلس\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":416},{"text":"على الرّماد، ثم دعا الله ﷿، فقال: يا ربّ! قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم ما يبيّن لهم، فبعث الله أصحابَ الكهف، فبعثوا أحدَهم يشتري لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مستخفٍ، حتى أتى رجلًا يشتري منه طعامًا، فلما نظر الرجل إلى الورِق أنكرها - قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الرُّبَع -يعني الإبل الصغار - قال له الفتى: أليس ملِككم فلان؟ قال: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله فأخبره الفتى خبرَ أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم فقال: إنَّكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإنّ الله ﷿ قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان -يعني ملكهم الذي مضى- فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك، وركب معه النَّاس، حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخلْ إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعلى آذانهم، فلمَّا استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئًا غير أنها لا أرواحَ فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم (١). (٢: ٩/ ١٠).\nقال قَتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمرُّوا بالكهف؛ فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس: لقد ذهبتْ عظامهم منذ أكثر من ثلاثمئة سنة.\nقال أبو جعفر: فكان منهم (٢). (٢: ١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>يونس بن متّى</span>\n٧٩٩ / أ- وقد اختلف السّلَف من علماء أمة نبيّنا محمد - ﷺ - في ذهابه لربّه مغاضبًا وظنّه أن لن يُقدَر عليه، وفي حين ذلك.\nفقال بعضهم: كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم، وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربِّه؛ وذلك أنّ القوم الذين أرسل إليهم لمّا حضرهم عذاب الله أمر\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":417},{"text":"بالمصير إليهم؛ ليعلمهم ما قد أظلّهم من ذلك، لينيبوا ممَّا هم عليه مقيمون مما يسخَطه الله، فاستنظر ربَّه المصيرَ إليهم، فلم يُنظِرْه، فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لأمره وترك إنظاره (١). (٢: ١١).\nذكر من قال ذلك:\n٨٠٠ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا الحسن الأشيب، قال: سمعت أبا هلال محمد بن سُلَيم، قال: حدَّثنا شهر بن حَوْشب، قال: أتاه جبريل ﵇يعني: يونس- وقال: انطلق إلى أهل نينَوى، فأنذِرْهم: أنّ العذاب قد حضرهم. قال: ألتمسُ دابَّة، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: ألتمسُ حذاء، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: فغضب، فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب احتبست السفينة لا تَقدّمُ ولا تأخَّرُ. قال: فساهموا. قال: فَسُهِم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل يونس لك رزقًا، إنّما جعلناك له حِرْزًا ومسجدًا، فالتقمه الحوت، فانطلق به من ذلك المكان حتى مرّ به على الأَبُلَّة، ثم انطلق حتَّى مرَّ به على دِجلة، ثم انطلق به حتى ألقاه في نينَوى (٢). (٢: ١٢).\n٨٠١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا الحسن، قال: حدَّثنا أبو هلال، قال: حدَّثنا شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، قال: إنّما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت (٣). (٢: ١٢).\n٨٠١ / أ- وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه مَنْ أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربِّه، ولكنّه وعدهم نزول ما كان حذَّرهم من بأس الله في وقت وقّتَه لهم، ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والإيمان، فلما أظلّ القومَ عذابُ الله، فغشيَهم -كما وصف الله في تنزيله- تابوا إلى الله، فرفع الله عنهم العذاب، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدَهموه، فغضب من ذلك، وقال: وعدتهم وعدًا، فكذِّب وعدِي!\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":418},{"text":"فذهب مغاضبًا ربَّه، وكره الرجوع إليهم وقد جرَّبوا عليه الكذب (١). (٢: ١٢).\nذكر بعض من قال ذلك:\n٨٠١ / ب - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلَمة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس، قال: بعثه الله تعالى -يعني: يونس- إلى أهل قريته، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوْحَى الله إليه: إنِّي مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرُجْ من بين أظهرهم. فأعلَم قومَه الذي وعدهم الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمُقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم. فلما كانت الليلة التي وُعِدوا العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم، فحذروا. فخرجوا من القرية إلى بَراز من أرضهم، وفرّقوا بين كلّ دابَّة وولدها، ثم عجّوا إلى الله واستقالوه، فأقالهم. وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مرّ به مارٌّ، فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا: أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، وفرّقوا بين كل ذات ولد وولدها، ثم عجّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبِل منهم، وأخّر عنهم العذاب. قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذَّابًا أبدًا، وعدتُهم العذاب في يوم، ثم رُدّ عنهم! ومضى على وجهه مغاضبًا لربّه فاستزلّه الشيطان (٢). (٢: ١٣).\n٨٠٢ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدَّثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع [بن أنس]، قال: حدَّثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب، فحدّث عن قوم يونس حيث أنذر قومَه فكذّبوه، فأخبرهم: أنه مصيبهم العذاب، وفارَقهم، فلما رأوْا ذلك وغشيَهم العذاب؛ لكنّهم خرجوا من مساكنهم، وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربّهم، ودعوْه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب، وأن يرجع إليهم رسولهم، قال: ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":419},{"text":"إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.\nفلم يكن قرية غشيَها العذابُ ثم أمسك عنها إلّا قوم يونس خاصّة، فلما رأى ذلك يونس، لكنّه ذهب عاتبًا على ربه، وانطلق مغاضبًا، وظنّ أنْ لن يُقْدَر عليه، حتى ركب سفينة، فأصاب أهلها عاصف من الريح. فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. وقال يونس - وقد عرف أنه هو صاحب الذنب: هذه بخطيئتي، فألقُوني في البحر. وإنّهم أبوْا عليه حتى أفاضوا بسهامهم، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، فقال لهم: قد أخبرتكم: أنّ هذا الأمرَ بذنبي. وإنّهم أبوْا عليه أن يُلقوه في البحر، حتى أفاضوا بسهامهم الثانية؛ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فقال لهم: قد أخبرتكم: أنّ هذا الأمر بذنبي، وإنّهم أبوْا عليه أن يُلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ - وعرف الخطيئة - ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وكان قد سبق له من العمل الصالح، فأنزل الله فيه فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ وذلك: أنّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثَر؛ ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. وألقي على ساحل البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يَقْطين - وهي فيما ذكر - شجرة القرع يتقطّر عليه من اللبن؛ حتى رجعت إليه قُوَّته. ثم رجع ذاتَ يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبِست، فحزِن وبكى عليها، فعوتب فقيل له: أحزِنْتَ على شجرة، وبكيت عليها ولم تحزن على مئة ألف أو زيادة أردت هلاكَهم جميعًا!\nثم إنّ الله اجتباه من الضّلالة، فجعله من الصالحين، ثم أمر أن يأتيَ قَومَه ويُخبِرَهم: أن الله قد تاب عليهم. فعمَد إليهم، حتى لقيَ راعيًا، فسأله عن قوم يونس وعن حالهم، وكيف هم؟ فأخبره أنهم بخير، وأنهمْ على رجاء أن يرجع إليهم رسُولُهم، فقال له: فأخبِرْهم أنّي قد لقيت يونس. فقال: لا أستطيع إلا بشاهد، فسمّى له عنزًا من غنمه، فقال: هذه تشهد لك أنّك قد لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك قد لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه الشجرة تشهد لك أنّك قد لقيت يونس. وإنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم: أنه لقيَ يونس فكذّبوه وهَمُّوا به شرًّا، فقال: لا تعجلوا عليّ حتى أصبح، فلما أصبح غَدَا بهم إلى البقعة التي لقيَ فيها يونس فاستنطقها،","vol":"6","page":420},{"text":"فأخبرتهم أنه لقي يونس، وسأل العنز، فأخبرتْهم أنه لقيَ يونس، واستنطقوا الشجرة، فأخبرتهم أنّه قد لقيَ يونس. ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١). (٢: ١٤/ ١٥).\n٨٠٣ - حدّثني الحسين بن عمرو بن محمد العَنْقزيّ، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، قال: حدَّثنا ابن مسعود في بيت المال، قال: إن يونس كان وعد قومه العذاب؛ وأخبرهم: أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرّقوا بين كلّ والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله، واستغفروه، فكفّ الله عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئًا، وكان مَنْ كذب ولم يكن له بيّنة قتِل فانطلق مغاضبًا ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾، قال: ظلْمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلْمة البحر (٢). (٢: ١٥/ ١٦).\n٨٠٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمّن حدّثه عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلَمة زوج النبي - ﷺ -، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوتِ؛ أوحى الله إلى الحوت أنْ خُذْه ولا تخدِش له لحمًا، ولا تكسر عظمًا، فأخذه، ثم هَوَى به إلى مسكنه من البحر. فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمِع يونس حسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دوابّ البحر. قال: فسبّح وهو في بطن الحوت، قال: فسمعت الملائكة تسبيحَه، فقالوا: يا ربنا! إنا لنسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل صالح! قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك. فأمر الحوت، فقذفه في الساحل كما قال الله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ وكان سقمه الذي وصفه الله به: أنّه ألقاه الحوت على الساحل كالصبيّ المنفوس، قد بُشِر اللحم والعظم (٣). (٢/ ١٦).\n٨٠٤ / أ- قال: أخبرني ابن قُسَيط: أنه سمع أبا هريرة يقول: طُرح بالعراء، فأنبت الله عليه يقْطينةً، فقلنا: يا أبا هريرة! وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّباء،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":421},{"text":"هيَّأ الله له أرويّة وحشيّة، تأكل من حَشَاش الأرض -أو هشاش الأرض- فتفشَح عليه، فتُرْويه من لبنها كلَّ عشيَّة وبُكْرة، حتى نبت (١) (٢: ١٧).\nومما كان أيضًا في أيام ملوك الطوائف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>إرسال الله رسله الثلاثة</span>\n٤٠٨ / ب- واختلف السلف في أمرهم، فقال بعضهم: كان هؤلاء الثلاثة -الذين ذكرهم الله في هذه الآيات، وقصَّ فيها خبرهم- أنبياء ورسلًا أرسلهم إلى بعض ملوك الرّوم، وهو أنطيخس، والقرية التي كان فيها هذا الملك الذي أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكيَة (٢). (٢: ١٨).\nذكر من قال ذلك:\n٨٠٥ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: كان من حديث صاحب \"يس\" -فيما حدثنا محمد بن إسحاق- قال: ممّا بلغه عن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبّه اليمانيّ: أنه كان رجلًا من أهل أنطاكيَة، وكان اسمه حبيبًا وكان يعمل الحرير، وكان رجلًا سقيمًا قد أسرع فيه الجُذام، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيًا، وكان مؤمنًا ذا صدَقة، يجمع كسبه إذا أمسى -فيما يذكرون- فيَقسمه نصفين، فيُطْعِم نصفًا عياله، ويتصدّق بنصف، فلم يهمَّه سُقْمه ولا عمله ولا ضعفه حين طَهر قلبه، واستقامت فطرته، وكان بالمدينة التي هو بها؛ مدينة أنطاكيَةَ، فرعون من الفراعنة يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، يعبد الأصنام، صاحبُ شِرْك فبعث الله المرسَلين، وهم ثلاثة: صادق وصدوق وشلوم، فقدّم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزّز الله بثالث (٣). (٢: ١٨/ ١٩).\n٨٠٥ - وقال آخرون: بل كانوا من حواريّي عيسى بن مريم، ولم يكونوا رسلًا لله، وإنما كانوا رسل عيسى بن مريم، ولكن إرسال عيسى بن مريم إياهم\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":422},{"text":"لمّا كان عن أمر الله تعالى؛ ذكره إياه بذلك، أضيف إرساله إياهم إلى الله، فقيل: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾.\nذكر من قال ذلك: (١) (٢: ١٩).\n٨٠٦ - حدَّثنا بِشْر بن معاذ، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ قال: ذكر لنا: أنّ عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريّين إلى أنطاكيَةَ، مدينة بالروم، فكذّبوهما، فأعزّهما بثالث، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ ...﴾ الآية (٢). (٢: ١٩).\n٨٠٧ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فلما دعتْه الرسل، ونادته بأمر الله، وصدَعت بالذي أمرت به، وعابت دينَهم وما هم عليه، قال [أصحاب القرية] لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قالت لهم الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: أعمالكم، ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. فلما أجمع هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبًا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكّرهم الله، ويدعوهم إلى اتِّباع المرسلين، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: لا يسألونكم أموالكم على ما جاؤوكم به من الهدى، وهم لكم ناصحون، فاتبعوهم تهتدوا بهداهم (٣). (٢: ٢٠).\n٨٠٨ - حدَّثنا بشر بن معاذ، قال: حدَّثنا يزيد: قال: حدَّثنا سعيد عن قتادة، قال: لما انتهى -يعني: حبيبًا- إلى الرسل، قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤). (٢٥: ٣).\n٨٠٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":423},{"text":"من عبادة الأصنام، وأظهر لهم دينه وعبادة ربه، وأخبرهم: أنه لا يملك نفعه ولا ضرّه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. أي: آمنت بربكم، الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي. فلما قال لهم ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، واستضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه (١). (٢: ٢٠).\n٨١٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني ابن إسحاق عن بعض أصحابه: أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول: وطؤوه بأرجلهم، حتى خرج قُصْبُه من دبُره (٢) (٢٠: ٢)\n٨١١ - وقال الله له: ادْخلِ الجنّة، فدخلها حيًّا يرزق فيها، قد أذهب الله عنه سَقَم الدنيا وحزنها ونَصبَها، فلما أفضى إلى رحمة الله وجنَّته وكرامته؛ قال: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبة لم يبقِ [معها] من القوم شيئًا فعجَّل لهم النقمة بما استحلُّوا منه وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، يقول: ما كابدناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكيَة، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية (٣). (٢: ١٠/ ٢١).\n٨١٢ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثَّنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عُمَارة، عن الحكَم بن عتيبة، عن مِقْسَم أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مجاهد، عن عبد الله بن عبّاس: أنه كان يقول: كان اسم صاحب \"يس\" حبيبًا، وكان الجُذام قد أسرع فيه (٤). (٢: ٢٢).\n٨١٣ - حدَّثنا ابن بشَّار، قال: حدَّثنا مؤمَّل، قال: حدَّثنا سفيان عن عاصم\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":424},{"text":"الأحول، عن أبي مخلَد، قال: كان اسم صاحب \"يس\" حبيب بن مري. وكان فيهم (١): (٢١: ٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>شمسون</span>\n٨١٤ - وكان من أهل قرية من قرى الرّوم؛ قد هداه الله لرشده، وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم -فيما ذكر- ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لَبيد، عن وهب بن منبّه اليمانيّ: أن شمسون كان فيهم رجلًا مسلمًا، وكانت أمّه قد جعلته نذيرةً، وكان من أهل قرية من قراهم، كانوا كفّارًا يعبدون الأصنام، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة، وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله، فيصيب منهم وفيهم حاجته، فيقتل ويَسْبي، ويصيب المال، وكان إذا لقيَهم لقيهم بلَحْي بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه وقاتلهم، وتعب وعطش انفجَر له من الحجر الذي مع اللّحْي ماء عذب فيشرب منه حتى يروَى، وكان قد أعطِيَ قوّةً في البطش، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم، ويصيب منهم حاجتَه، لا يقدون منه على شيء؛ حتى قالوا: لن تأتوه إلا من قبَل امرأته، فدخلوا على امرأته، فجعلوا لها جُعْلًا، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوْها حَبْلا وثيقًا، وقالوا: إذا نام فأوثقِي يَده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه. فلما نام أوثقتْ يده إلى عنقه بذلك الحبل، فلما هبّ جذبه بيده، فوقع من عنقه، فقال لها: لمَ فعلتِ؟ فقالت: أجرّب به قوّتَك، ما رأيتُ مثلَك قطّ! فأرسلْت إليهم أني قد ربطتُه بالحبل فلم أغْنِ عنه شيئًا، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، فقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتْها في عنقه، ثم أحكمتْها، فلما هبّ جذبها، فوقعتْ من يده ومن عنقه، فقال لها: لم فعلتِ هذا؟ قالت: أجرّب به قوّتَك؛ ما رأيتُ مثلَك في الدنيا يا شمسون! أمَّا في الأرض شيء يغلبك؟ قال: لا، إلّا شيء واحد، قالت: وما هو؟ قال: ما أنا بمخبِرك به، فلم تزل به تسأله عن ذلك -وكان ذا شعر كثير- فقال لها: ويحك! إنَّ أمّي جعلتْني نذيرة، فلا يغلبني شيء أبدًا، ولا يضبِطني إلا شعري فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":425},{"text":"رأسه، فأوثقه ذلك، وبعثت إلى القوم، فجاؤوا فأخذوه، فجدعوا أنفه وأذنيه، وفقؤوا عينيه، ووقفوه للناس بين ظهراني المئذنة -وكانت مئذنةً ذات أساطين، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون، وما يصنع به- فدعا الله شمسون حين مثّلوا به ووقفوه أن يسلّطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عُمُد المئذنة التي عليها الملك والناس الذين معه فيجذبها، فجذبهما فردّ الله عليه بصرَه وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومَنْ عليها من الناس؛ فهلكوا فيها هدْمًا (١) (٢: ٢٢/ ٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>ذكر خبر جرجيس</span>\n٨١٥ - وكان جرجيس -فيما ذكر- عبدًا لله صالحًا من أهل فلسطين، ممَّن أدرك بقايا من حواريّي عيسى بن مريم، وكان تاجرًا يكسب بتجارته ما يستغني به عن الناس، ويعود بالفضل على أهل المسكنة. وإنّه تجهّز مرّة إلى ملك بالموْصل، كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبّه وغيره من أهل العلم: أنه كان بالموصل داذانه، وكان قد ملك الأم كلّه، وكان جبّارَّا عَاتيًا لا يُطيقه إلا الله تعالى. وكان جرجيس رجلًا صالحًا من أهل فِلَسْطين، وكان مؤمنًا يكتم إيمانه في عصبة معه صالحين، يستخفّون بإيمانهم، وكانوا قد أدركوا بَقايا من الحواريِّين فسمعوا منهم، وأخذوا عنهم. وكان جرجيس كثيرَ المال، عظيم التجارة، عظيم الصَّدَقة، فكان يأتي عليه الزمان يُتْلِف ماله في الصَّدَقة حتى لايبقى منه شيء؛ حتى يصير فقيرًا، ثم يضرب الضَّرْبة فيصيب مثل ماله أضعافًا مضاعفة؛ فكانت هذه حاله في المال. وكان إنما يرغب في المال، ويعمّره ويكسبه من أجل الصَّدقة؛ لولا ذلك كان الفقرُ أحبَّ إليه من الغنى.\nوكان لا يأمن ولايةَ المشركين عليه مخافةَ أن يُؤْذوه في دينه، أو يَفْتِنوه عنه، فخرج يؤمّ ملكَ الموصل، ومعه مالٌ يريد أن يُهديه له؛ لئلّا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانًا دونه؛ فجاءه حين جاءه، وقد برز في مجلس له، وعنده عظماء قومه وملوكهم؛ وقد أوْقَد نارًا، وقرّب أصنافًا من أصناف العذاب الذي\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":426},{"text":"كان يعذّب به مَنْ خالفه، وقد أمر بصنم يقال له: \"أفلّون\" فنُصب؛ فالناس يُعْرَضون عليه، فمن لم يسجدْ له ألقيَ في تلك النار، وعذِّب بأصناف ذلك العذاب، فلما رأى جرجيس ما يصنع؛ فَظِع به وأعظمه، وحدّث نفسه بجهاده، وألقى الله في نفسه بُغْضَه ومحاربتَه، فعمَد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسَّمه في أهل مِلّته حتى لم يبق منه شيئًا؛ وكرِه أن يجاهده بالمال، وأحبَّ أن يَلِيَ ذلك بنفسه؛ فأقبل عليه عند ما كان أشدّ غضبًا وأسفًا، فقال له: اعلم أنّك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئًا ولا لغيرك، وأنّ فوقك ربًّا هو الذي يَملِكك وغيرَك، وهو الذي خلَقك ورزقك، وهو الذي يُحييك ويميتك، ويضرّك وينفعك، وأنت قد عمَدت إلى خلْق من خلقه قال له: كن فكان أصم أبكم، لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع، ولا يضرّ ولا ينفع، ولا يغني عنك من الله شيئًا، فزيّنتَه بالذهب والفضة لتجعله فتنة للناس، ثم عبَدْته دون الله، وأجبرت عليه عباد الله، ودعوته ربًّا.\nفكلّم الملكَ جرجيسُ بنحو هذا، في تعظيم الله وتمجيده، وتعريفه أمرَ الصنم، وأنّه لا تصلح عبادته. فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه، ومَنْ هو؟ ومن أين هو؟ فأجابه جرجيس أن قال: أنا عبد الله وابن عبده وابن أمَتِه، أذلُّ عباده وأفقرُهم إليه، من التراب خُلِقْت، وفيه أصير. وأخبره ما الذي جاء به وحاله. وإنّه دعا ذلك الملكَ جرجيسُ إلى عبادة الله ورفْض عبادة الأوثان. وإنّ الملك دعا جرجيسَ إلى عبادة الصنم الذي يعبده، وقال: لو كان ربُّك الذي تزعم أنه ملك الملوك كما تقول، لرُئيَ عليك أثره كما ترى أثرِي على من حولي من ملوك قومي.\nفأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره. وقال له -فيما قال: أين تجعل طرقبلينا، وما نال بولايتك؛ فإنه عظيم قومك، من إلياس، وما نال إلياس بولاية الله! فإنّ إلياس كان بدؤه آدميًّا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، فلم تَتنَاه به كرامة الله حتى أنبت له الريش، وألبسه النّور، فصار إنسيًّا ملكيًّا، سمائيًّا أرضيًّا؛ يطير مع الملائكة. وحدِّثْني؛ أين تجعل مجليطيس، وما نال بولايتك: فإنه عظيم قومك، من المسيح بن مريم وما نال بولاية الله! فإنّ الله فضّله على رجال العالمين، وجعله وأمّه آية للمعتبرين. ثم ذكر من أمرِ المسيح ما كان الله","vol":"6","page":427},{"text":"خصّه به من الكرامة. وقال أيضًا: وحدّثني: أين تجعل أمّ هذا الروح الطيّب التي اختارها الله لكلمته، وطهَّر جوفَها لروحه، وسوّدها على إمائه؟ فأين تجعلها وما نالت بولاية الله. من أزبيل وما نالت بولايتك؟ فإنها إذْ كانت من شيعتك وملّتك أسلمها الله عند عظيمِ ملكها إلى نفسها، حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها، فانتهشَتْ لحمها وولغت دمها، وجرّت الثعالب والضباع أوصَالها! فأين تجعلُها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله!\nفقال له الملك: إنك لتحدّثنا عن أشياء ليس لنا بها علْم، فائْتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما؛ حتى أنظرَ إليهما، وأعتبرَ بهما؛ فإني أنكر أن يكون هذا في البَشَر.\nفقال له جرجيس: إنّما جاءك الإنكار من قبَل الغِرَّة بالله، وأمّا الرّجلان فلن تراهما ولن يرياك؛ إلّا أن تعمل بعملهما، فتنزل منازلهما.\nفقال له الملك: أمّا نحن فقد أعذرْنا إليك، وقد تبيّن لنا كِذبُك، لأنك فخرت بأمور عجزتَ عنها، ولم تأت بتصديقها. ثم خيَّر الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلّون، فيثيبَه.\nفقال له جرجيس: إن كان أفلّون هو الذي رفع السماء -وعدّد عليه أشياء من قدرة الله- فقد أصبْتَ ونصحت [لي]، وإلّا فاخسَأ أيّها النجس الملعون!\nفلما سمعه الملك يسبّه، ويسبّ آلهته؛ غضب من قوله غضبًا شديدًا، وأمر بخشبة فنصبت له للعذاب، وجعلت عليه أمشاطُ الحديد، فخُدِش بها جسده حتى تقطّع لحمه وجلدُه وعروقه، ينضح خلال ذلك بالخلّ والخردل. فلما رأى ذلك لم يقتلْه؛ أمر بستّة مسامير من حديد فأحميتْ حتى إذا جعلت نارًا، أمر بها فسمّر بها رأسه حتى سال منه دماغه. فلما رأى ذلك لم يقتلْه؛ أمرَ بحوض من نحاس، فأوقد عليه حتى إذا جعله نارًا أمر به فادخل في جوفه، وأطبق عليه، فلم يزل فيه حتى بَرَد حرُّه.\nفلما رأى ذلك لم يقتله؛ دعا به فقال: ألم تجد ألمَ هذا العذاب الذي تعذّب به! فقال له جرجيس: أمَّا أخبرتُك أنّ لك ربًّا هو أوْلَى بك من نفسك! قال: بلَى قد أخبرتني، قال: فهو الذي حَمَلَ عنِّي عذابكَ، وصبَّرني ليحتجّ عليك. فلما","vol":"6","page":428},{"text":"قال له ذلك أيقن بالشرّ، وخافه على نفسه ومُلْكه، وأجمع رأيه على أن يخلّده في السجن، فقال الملأ من قومه: إنّك إن تركته طليقًا يكلّم الناس؛ أوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مُرْ له بعذاب في السجن يشغَله عن كلام الناس. فأمر فبُطح في السجن على وجهه، ثم أوْتد في يديه ورجليه أربعةَ أوتاد من حديد، في كل ركن منها وتد، ثم أمر بأسطوان من رخام، فوُضع على ظهره. حمل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقلّوه، ثم أربعة عشر رجلًا فلم يقلّوه، ثم ثمانية عشر رجلًا فأقلُّوه؛ فظلّ يومَه ذلك مُوتَدًا تحت الحجر.\nفلما أدركه الليل أرسلَ الله إليه ملَكًا -وذلك أوّلَ ما أيِّدَ بالملائكة، وأول ما جاءه الوحي- فقلع عنه الحجر، ونزع الأوتاد من يديه ورجليه، وأطعمه وسقاه، وبشَّره وعزَاه، فلما أصبح أخرجه من السجن، وقال له: الحقْ بعدوّك فجاهده في الله حقَّ جهاده؛ فإنّ الله يقول لك: أبشِرْ واصبر؛ فإنّي أبتليك بعدوِّي هذا سبع سنين، يعذّبك ويقتلك فيهن أربع مِرار، في كلّ ذلك أردّ إليك روحك؛ فإذا كانت القتْلة الرابعة تقبّلت روحك وأوفيتك أجرك. فلم يشعر الآخرون إلّا وقد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم إلى الله. فقال له الملك: أجرجيس! قال: نعم، قال: مَنْ أخرجك من السجن؟ قال: أخرجَني الذي سلطانُه فوق سلطانك. فلما قال له ذلك ملئ غيظًا، فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلّف منها شيئًا، فلما رآها جرجيس تُصنَّف له، أوجس في نفسه خيفة وجزعًا، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلَى صوته، وهم يسمعون. فلما فرغ من عتابة نفسَه مدُّوه بين خَشبَتين، ووضعوا عليه سيفًا على مفرِق رأسه، فوَشَرُوه حتى سقط بين رجليه، وصار جزْلتين، ثم عمدوا إلى جزْلتيه، فقطعوهما قِطَعًا. وله سبعة أسْد ضارية في جُبّ، وكانت صنفًا من أصناف عذابه، ثم رموْا بجسده إليها، فلما هَوَى نحوها أمر الله الأسْد فخضعت برؤوسها وأعناقها، وقامت على براثِنها، لا تألوا أن تقيَه الأذى، فظلَّ يومه ذلك ميّتًا، فكانت أول ميتة ذاقها. فلما أدركه اللَّيل جمع الله له جسده الذي قطَّعوه بعضه على بعض، حتى سوّاه. ثم ردّ فيه روحه وأرسل ملَكًا فأخرجه من قَعْر الجبّ، وأطعمه وسقاه، وبشّره وعزّاه. فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبّيك! قال: أعْلَمُ: أن القدرة التي خُلِق آدم بها من تراب هي التي أخرجتْك من قعر الجُبّ، فالحق","vol":"6","page":429},{"text":"بعدوّك، ثم جاهده في الله حقّ جهاده، ومت موت الصابرين.\nفلم يشعر الآخرون إلّا وقد أقبل جرجيس، وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحًا -زعموا بموت جرجيس- فلما نظروا إلى جرجيس مقبلًا، قالوا: ما أشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنّه هو؟ قال الملك: ما بجرجيس من خفاء، إنّه لهو! ألا تروْن إلى سكون ريحه، وقلّة هيبته. قال جرجيس: بلى، أنا هو حقًّا! بئس القوم أنتم! قتلتم ومثّلتم، فكان الله -وحُقّ له- خيرًا وأرحم منكم. أحياني وردّ عليّ روحي. هلمّ إلى هذا الربّ العظيم الذي أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك؛ أقبل بعضُهم على بعض، فقالوا: ساحر سَحَر أيديَكم وأعينكم عنه. فجمعوا له مَنْ كان ببلادهم من السَّحَرة، فلما جاء السحرة، قال الملك لكبيرهم: اعرض عليّ من كبير سحرك ما تُسرّي به عنّي، قال له: ادع لي بثوْر من البقر، فلما أتِيَ به نفثَ في إحدى أذنيه فانشقّت باثنتين، ثم نفث في الأخرى؛ فإذا هو ثوران، ثم أمر ببذْر فحرث وبذر، ونبت الزرع، وأينع وحصد، ثم داس وذرّى، وطحن وعجن، وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما تروْن! قال له الملك: هل تقدر على أن تمسخه لي دابّة؟ قال الساحر: أي دابّة أمسخه لك؟ قال: كلبًا، قال: ادعُ لي بقَدح من ماء، فلما أتِيَ بالقدح نفث فيه الساحر، ثم قال للملك: اعزم عليه أن يشرَبه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره، فلما فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد؟ قال: ما أجد إلّا خيرًا، قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب، فقوّاني به عليكم. فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال: اعلم أيّها الملك، أنّك لو كنت تقاسي رجُلًا مثلك إذًا كنت غلبتَه، ولكنّك تقاسي جبّار السموات، وهو الملك الذي لا يُرام!\nوقد كانت امرأة مسكينة، سمعت بجرجيس وما يَصنع من الأعاجيب، فأتته وهو في أشدّ ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس! إنّي امرأة مسكينة، لم يكن لي مال ولا عيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات، وجئتك لترحمَني وتدعوَ الله أن يُحْيَي لي ثوري. فذرفت عيناه. ثم دعا الله أن يحيي لها ثورها، وأعطاها عصا، فقال: اذهبي إلى ثورك، فاقرَعيه بهذه العصا، وقولي له: احْيَ بإذن الله. فقالت: يا جرجيس مات ثوري منذ أيام، وتفرّقته السباع، وبيني وبينك أيام، فقال: لو لم تجدي منه إلا سنًّا واحدة ثم قرعتِها بالعصا لقام بإذن","vol":"6","page":430},{"text":"الله. فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، فكان أوّل شيء بدا لها من ثورها أحد رَوْقَيه، وشَعر ذَنَبه، فجمعت أحدَهما إلى الآخر، ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها، وقالت كما أمرها، فعاش ثورها، وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك.\nفلما قال الساحر للملك ما قال؛ قال رجل من أصحاب الملك -وكان أعظمَهم بعد الملك: اسمعوا منّي أيّها القوم أحدّثكم، قالوا: نعم، فتكلّم، قال: إنكم قد وضعتم أمرَ هذا الرجل على السّحر، وزعمتم: أنه سحرَ أيديَكم عنه وأعينكم. فأراكم أنّكم تعذبونه، ولم يصل إليه عذابكم! وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمتْ، فهل رأيتم ساحرًا قطّ قَدَر أن يدرأ عن نفسه الموت، أو أحْيَا ميتًا قطّ! ثم قصّ عليهم فعل جرجيس، وفعلهم به، وفعلَه بالثور وصاحبته، واحتجّ عليهم بذلك كلّه، فقالوا له: إنّ كلامك لكلام رجل قد أصغَى إليه، قال: ما زال أمرُه لي معجبًا منذ رأيت منه ما رأيت، قالوا له: فلعلّه استهواك! قال: بل آمنت وأشهِدُ الله أنّي بريء مما تعبدون. فقام إليه الملك وصحابتُه بالخناجر، فقطعوا لسانه، فلم يلبث أن مات، وقالوا: أصابه الطاعون، فأعجله الله قبل أن يتكلّم.\nفلما سمع الناس بموته، أفزعهم، وكتموا شأنه، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس، فكشف لهم أمرَه، وقصّ عليهم كلامه، فاتّبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميّت، فقالوا: صدق، ونِعْم ما قال! يرحمه الله! فعمَد إليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يلوِّن لهم العذاب؛ ويقتلهم بالمَثُلات. حتى أفناهم.\nفلما فرغ منهم؛ أقبل على جرجيس، فقال له: هلّا دعوت ربّك، فأحيا لك أصحابَك؛ هؤلاء الذين قُتِلوا بجريرتك! فقال له جرجيس: ما خلّى بينك وبينهم حتى خارَ لهم. فقال رجل من عظمائهم يقال له: مجليطيس: إنّك زعمت يا جرجيس أنّ إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وإنّي سائلك أمرًا إن فعله إلهك آمنت بك وصدّقتك، وكفيتُك قومي هؤلاء؛ هذه تحتنا أربعة عشر منبرًا حيث ترى، ومائدةٌ بيننا عليها أقداح وصحاف، وكلّ صنع من الخشب اليابس، ثم هو من أشجار شتى؛ فادْع ربّك ينشئ هذه الآنية وهذه المنابر، وهذه المائدة، كما بدأها أوّلَ مرّة؛ حتى تعود خضرًا نعرف كلَّ عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره.","vol":"6","page":431},{"text":"فقال له جرجيس: قد سألتَ أمرًا عزيزًا عليّ وعليك؛ وإنّه عَلى الله لهيّن. فدعا ربه، فما برحوا مكانهم حتى اخضرّت تلك المنابر، وتلك الآنية كلّها، فساختْ عروقها، وألبِسَت اللِّحاء، وتشعّبت، ونبت ورقها وزهرها وثمرها، حتى عرفوا كلَّ عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره.\nفلما نظروا إلى ذلك؛ انتدبَ له مجليطيس، الذي تمنّى عليه ما تمنّى، فقال: أنا أعذّب لكم هذا الساحر عذابًا يضلّ عنه كيده. فعمَد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة، ثم حشاها نِفْطًا ورصاصًا وكبريتًا وزرنيخًا، ثم أدخل جرجيس مع الحشْو في جوفها، ثم أوقد تَحْتَ الصورة، فلم يزل يُوقد حتى التهبت الصورة، وذابَ كلّ شيء فيها واختلط، ومات جرجيس في جوفها. فلما مات أرسل الله ريحًا عاصفًا، فملأت السماء سحابًا أسودَ مظلمأ، فيه رعدٌ لا يفتر، وبرقٌ وصواعقُ متداركات، وأرسل الله إعْصارًا فملأت بلادهم عجاجًا وقَتامًا، حتى اسودّ ما بين السماء والأرض وأظلم، ومكثوا أيامًا متحيّرين في تلك الظلمة، لا يفصلون بين الليل والنهار. وأرسل الله ميكائيل فاحتمَلَ الصورة التي فيها جرجيس، حتى إذا أقلَّها ضرب بها الأرض ضربًا، فزع من رَوعته أهل الشأم أجمعون، وكلُّهم يسمعه في ساعة واحدة؛ فخزُوا لوجوههم صَعِقين من شدة الهول، وانكسرت الصورة، فخرج منها جرجيس حيًّا، فلما وقف يكلّمهم انكشفت الظلمة، وأسْفَر ما بين السماء والأرض، ورجعتْ إليهم أنفسهم. فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا: لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب، أم ربّك؟ فإنْ كان هو الذي يصنعها، فادعه يُحْيِ لنا موتانا، فإن في هذه القبور التي ترى أمواتًا من أمواتنا، منهم مَنْ نعرف ومنهم مَنْ مات قبل زماننا، فادعه يُحيِهِمْ حتى يعودُوا كما كانوا ونكلّمهم، ونعرف مَنْ عرفنا منهم، ومَنْ لا نعرف أخْبِرْنا خبره. فقال له جرجيس: لقد علمتُ ما يصفح الله عنكم هذا الصفح، ويُريكم هذه العجائب إلّا ليتمّ عليكم حججه، فتستوجبوا بذلك غضبه. ثم أمر بالقبور فنبشت وهي عظام ورُفات ورميم. ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم؛ حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانًا: تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية؛ فإذا شيخ منهم كبير، فقال له جرجيس: أيها الشيخ، ما اسمك؟ فقال: اسمي يوبيل،","vol":"6","page":432},{"text":"فقال: متى مِتّ؟ قال: في زمان كذا وكذا، فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمئة عام.\nفلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته، قالوا: لم يبق من أصناف عذابكم شيء إلّا قد عذّبتموه، إلّا الجوع والعطش، فعذِّبوه بهما. فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة، كان حريزًا، وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد، فحصروه في بيتها فلا يصلُ إليه من عند أحدٍ طعام ولا شراب. فلما بلغه الجوع، قال للعجوز: هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: لا والذي يُحلَف به، ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا، وسأخرج وألتمس لك شيئًا. قال لها جرجيس: هل تعرفين الله؟ قالت له: نعم، قال: فإياه تعبدين؟ قالت: لا، قال: فدَعاها إلى الله فصدّقته، وانطلقت تطلب له شيئًا، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فأقبل على الدعاء، فما كان كشيء حتى اخضرّت تلك الدّعامة، فأنبتت كلَّ فاكهة تؤكل أو تعرف، أو تسمّى حتى كان فيما أنبتت اللّيَاء، واللوبياء. قال أبو جعفر: اللِّيَاء نبت بالشأم له حبّ يؤكل. وظهر للدِّعامة فرع من فوق البيت أظلّه وما حوله وأقبلت العجوز، وهو فيما شاء يأكل رَغَدا؛ فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها، قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادعُ هذا الربّ العظيم ليشفيَ ابني، قال: أدنيه مني، فأدنته منه، فبصَق في عينيه فأبصر، فنفثَ في أذنيه فسمع، قالت له: أطلق لسانه ورجليه، رحمك الله! قال: أخّريه؛ فإن له يومًا عظيمًا.\nوخرج الملك يسير في مدينته، فلما نظر إلى الشجرة، قال لأصحابه: إني أرى شجرة بمكانٍ ما كنت أعرفها به، قالوا له: تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذّبه بالجوع، فهو فيما شاء قد شبع منها، وشبعت الفقيرة وشفى لها ابنَها. فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة لتقطع، فلما همّوا بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أوّل مرة، فتركوها، وأمر بجرجيس فبُطح على وجهه وأوتد له أربعة أوتاد، وأمر بعجَل فأوقر أسطوانًا ما حمل، وجعل في أسفل العجَل خناجر وشفارًا، ثم دعا بأربعين ثورًا، فنهضت بالعجَل نهضة واحدة، وجرجيس تحتها، فتقطّع ثلاث قطع، ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار؛ حتى إذا عادت رمادًا بعث بذلك الرماد رجالًا فذرّوه في البحر، فلم يبرحوا مكانهم حتى","vol":"6","page":433},{"text":"سمعوا صوتًا من السماء يقول: يا بحر! إنّ الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيّب، فإنّي أريد أن أعيده كما كان. ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر، ثم جمعته حتى عاد الرماد صبْرة كهيئته قبل أن يذروه، والذين ذرّوه قيام لم يبرحوا. ثم نظروا إلى الرّماد يثور كما كان، حتى خرج منه جرجيس مغبرًّا ينفض رأسه، فرجعوا، ورجَع جرجيس معهم، فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذي أحياه، والريح التي جمعته. فقال له الملك: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك! فلولا أن يقولَ الناس: إنك قهرتني وغلبتني؛ لاتّبعتُك وآمنت بك؛ ولكن اسجد لأفلّون سجدة واحدة، أو اذْبح له شاة واحدة، ثم أنا أفعل ما يسرّك.\nفلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يُهلِك الصنم حين يدخله عليه، رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه، وييئس منه، فخدعه جرجيس، فقال: نعم؛ إذا شئت فأدخلْني على صنمك أسجد له، وأذبح له، ففرح الملك بقوله، فقام إليه فقَبّل يديه ورجليه ورأسه، وقال: إني أعزم عليك ألّا تظلّ هذا اليوم، ولا تبيت هذه الليلة إلّا في بيتي وعلى فراشي، ومع أهلي حتى تستريح ويذهب عنك وصبُ العذاب، فيرى الناس كرامتَك عليّ. فأخلى له بيته، وأخرج منه مَنْ كان فيه. فظلّ فيه جرجيس؛ حتى إذا أدركه الليل، قام يصلّي، ويقرأ الزّبور -وكان أحسنَ الناس صوتًا- فلمّا سمعتْه امرأة الملك استجابت له، ولم يشعر إلا وهي خلْفه تبكي معه، فدعاها جرجيس إلى الإيمان فآمنت، وأمرها فكتمت إيمانها. فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجدَ لها، وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علصتِ أنّ جرجيس قد فتن بعدك، وأصغى إلى الدنيا، وأطمعه الملك في ملكه، وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجد لها! فخرجت العجوز في أعراضهم، تحمل ابنَها على عاتقها، وتوبّخ جرجيس، والناس مشتغلون عنها.\nفلما دخل جرجيس بيتَ الأصنام، ودخل الناس معه، نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقربُ الناس منه مقامًا، فدعا ابن العجوز باسمه، فنطق بإجابته، وما تكلّم قبل ذلك قط، ثم اقتحم عن عاتق أمّه يمشي على رجليه سويّتين، وما وطئ الأرض قبل ذلك قطّ بقدميه، فلما وقف بين يدي جرجيس","vol":"6","page":434},{"text":"قال: اذهب، فادعُ لي هذه الأصنام، وهي حينئذ على منابرَ من ذهب، واحد وسبعون صنمًا. وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فقال له الغلام: كيف أقول للأصنام؟ قال: تقول لها: إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خَلَقك إلّا ما جئته. فلما قال لها الغلام ذلك، أقبلت تدحرج إلى جرجيس، فلما انتهتْ إليه؛ ركض الأرضَ برجله، فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربًا فرَقًا من الخسف، فلما مرّ بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه وعنقه، وكلّمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسة، والخلق الملعون، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسَك، وتهلك الناس معك، وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم! فقال له إبليس: لو خيّرت بين ما أشرقت عليه الشمس، وأظلم عليه الليل، وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طَرْفة عين، لاخترت طرفة العين على ذلك كلّه؛ وإنه ليقع لي من الشهوة في ذلك واللّذة مثل جميع ما يتلذّذ به جميع الخلق. ألم تعلم يا جرجيس: أن الله أسجد لأبيك آدمَ جميعَ الملائكة، فسجد له: جبريل وميكائيل، وإسرافيل؛ وجميع الملائكة المقرَّبين، وأهلُ السموات كلّهم، وامتنعت من السجود، فقلت: لا أسجد لهذا الخلْق وأنا خير منه! فلما قال هذا خلّاه جرجيس؛ فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافة الخسف، ولا يدخلُه بعدها -فيما يذكرون- أبدًا. وقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغررتني، وأهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: إنّما فعلت ذلك عَمْدًا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذًا لامتنعتْ منّي، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني! وإنّما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملّكني ربِّي. قال: فلما قال هذا جرجيس؛ كلّمتْهم امرأة الملك، وذلك حين كشفت لهم إيمانها، وباينتْهم بدينها، وعدّدت عليهم أفعال جرجيس، والعَبَر التي أراهم. وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل إلّا دعوة فتُخسف بكم الأرض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم. اللهَ اللهَ أيّها القوم في أنفسكم! فقال لها الملك: ويحًا لك إسكندرة! ما أسرع ما أضلّك هذا الساحر في ليلة واحدة! وأنا أقاسيه منذ سبع سنين؛ فلم يُطق منّي شيئًا. قالت له: أفما رأيت الله كيف يظفره بك، ويسلّطه عليك، فيكون له الفلَجُ والحجّة عليك في كلِّ موطن! فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علّق عليها، فعلِّقت بها، وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس. فلما ألمت من","vol":"6","page":435},{"text":"وجع العذاب قالت: ادعُ ربك يا جرجيس يخفِّفْ عني، فإني قد ألمت [من] العذاب فقال: انظري فوقك. فلما نظرت ضحكت. فقال لها: ما الذي يضحكك؟ قالت: أرى ملَكين فوقي، معهما تاج من حَلي الجنّة ينتظران به روحي أن تخرج، فإذا خرجت زيّناها بذلك التاج، ثم صعدا بها إلى الجنة، فلما قَبضَ الله روحها؛ أقبل جرجيس على الدعاء؛ فقال: اللهمّ أنت الذي أكرمتني بهذا البلاء، لتعطيَني به فضائل الشهداء! اللهمّ فهذا آخرُ أيامي الذي وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا، اللهمّ فإني أسألك ألَّا تقبض روحي، ولا أزولَ من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبّرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبَل لهم به، وما تشفى به صدري، وتقرّ به عيني؛ فإنهم ظلموني وعذبوني. اللهمّ وأسألك ألّا يدعو بعدي داعٍ في بلاء ولا كرب فيذكرني، ويسألك باسمي إلا فرّجت عنه ورحمته وأجبته، وشفعتني فيه.\nفلمّا فرَغ من هذا الدّعاء، أمطر الله عليهم النار، فلما احترقوا؛ عمَدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظًا من شدّة الحريق، ليعطيَه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده. فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها، وصارت رمادًا، حملها الله من وجه الأرض حتى أقلّها، ثم جعل عاليَها سافلها، فلبثت زمانًا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن، لا يشمّه أحد إلا سقم سقمًا شديدًا، إلّا أنها أسقام مختلفة، لا يشبه بعضها بعضًا، فكان جميع من آمن بجرجيس، وقتل معه أربعة وثلاثين ألفًا، وامرأة الملك. رحمها الله! (١) (٢: ٢٤/ ٣٦).\nونرجع الآن إلى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>ذكر بقيّة خبر تُبّع أيام قُباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها</span>\n٨١٦ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: كان تُبّع الآخر وهو تُبّان أسعد أبو كَرِب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرّ بها في بدءته لم يُهِج أهلها، وخلّف\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":436},{"text":"بين أظهرهم ابنًا له، فقتل غِيلة، فقدمها وهو مُجْمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها؛ فجمع له هذا الحيّ من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلّة، أحد بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول؛ فخرجوا لقتاله. وكان تُبّع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم -من بني عديّ بن النجار يقال له: أحمر- رجلًا من أصحاب تُبّع، وجده في عَذْق له يجُدّه، فضربه بِمنْجله فقتله، وقال: إنما الثمرُ لمن أبَرّه، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان. فزاد ذلك تُبّعًا عليهم حَنَقًا.\nفبينا تُبّع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه -قال: فتزعُمُ الأنصار: أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويَقْرُونه بالليل فيُعجِبه ذلك منهم؛ ويقول: والله إنّ قومَنا هؤلاء لكرام- إذ جاءه حَبْران من أحبار يهود من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل؛ فإنّك إن أبيت إلّا ما تريد حِيلَ بينك وبينها، ولم نأمنْ عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ فقالا: هي مهاجَر نبيّ يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهَى عند ذلك من قولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علْمًا، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتّبعهما على دينهما. وكان اسم الحبْرَين كعبًا وأسدًا، وكانا من بني قريظة، وكانا ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد عن سَلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عمرو، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية؛ فقال شاعر من الأنصار وهو خال ابن عبد العُزّى بن غزيّة بن عمرو بن عَبْد بن عوف بن غَنْم بن مالك بن النجّار، في حربهم وحرب تُبّع، يفتخر بعمرو بن طَلّة ويذكر فضله وامتناعه:\nأصَحا أم انْتَهَى ذُكَرَهْ ... أمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ\nأمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ... ذكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ!\nإنَّها حَرْبٌ ربَاعِيَةٌ ... مثْلُهَا آتى الْفَتَى عِبَرَهْ\nفَسَلا عِمْرَانَ أَوْ فَسَلا ... أسْدًا إذْ يَغْدُو مَعَ الزُّهَرَهْ\nفيلَقٌ فيهَا أَبو كَرِبٍ ... سابِغًا أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ","vol":"6","page":437},{"text":"ثمَّ قالُوا مَنْ يؤمُّ بهَا ... أبَنِي عَوْفٍ أَم النَّجَرَهْ\nيا بَني النَّجَّارِ إنّ لَنَا ... فيهِمُ قَبْلَ الأَوَانِ تِرَهْ\nفتَلَقَّتْهُمْ عَشَنَّقَةٌ ... مَدُّهَا كَالْغَبْيَةِ النَّثِرَهْ\nسَيّدٌ سَامَى المُلُوكَ ومَنْ ... يَغْزُ عَمْرًا لَا يَجِدْ قَدَرَه\nوقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تُبّع:\nتُكلِّفُني مِنْ تَكَالِيفَها ... نَخِيلَ الأسَاويفِ والمَنْصَعَهْ\nنَخِيلًا حَمتْهَا بَنُو مَالِكٍ ... خُيُولَ أَبي كَرِبَ المُفْظَعَهْ\nقال: وكانَ تُبّع وقومه أصحابَ أوثان يعبدونها، فوجّه إلى مكّة -وهي طريقه إلى اليمن- حتى إذا كان بالدُّفّ من جُمْدان بين عُسْفان وأمَجِ، في طريقه بين مكّة والمدينة؛ أتاه نفر من هُذيل، فقالوا له: أيُّها الملك! ألا ندلّك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجَد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى! قالوا: بيت بمكّة يعبده أهله، ويصلّون عندَه. وإنما يُريد الهُذليُّون بذلك هلاكَه لما قد عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك، وبغَى عنده.\nفلما أجمع لما قالوا، أرسل إلى الحَبْرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القومُ إلّا هلاكك وهلاك جُنْدِك؛ ولئن فعلت ما دعوْك إليه لتهلِكنّ وليهلكنّ مَنْ معك جميعًا، قال: فماذا تأمرانني أن أصنغ إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهلُه، تطوف به وتعظّمه وتكرّمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلّل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أمَّا والله إنه لَبيت أبينا إبراهيم، وإنّه لَكما أخبرناك؛ ولكنّ أهلَه حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصَبوا حوله، وبالدّماء التي يُهريقون عنده، وهم نجس أهل شِرْك. أو كما قالا له.\nفعرف نصحَهما وصِدْق حديثهما، فقرّب النفَر من هُذَيل، فقطّع أيديَهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكّة، وأري في المنام أن يكسوَ البيت، فكساه الخَصَف ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المَعَافر، ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المُلاء والوصائل؛ فكان تُبّع -فيما يزعمون- أوّلَ من كساه وأوصى به ولاتَه من جُرْهم، وأمرهم بتطهيره، وألّا يقربوه دمًا ولا ميتة ولا مئلاثًا وهي المحائض، وجعل له بابا ومفتاحًا، ثم خرج متوجّهًا إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحَبْرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومَه إلى الدخول فيما","vol":"6","page":438},{"text":"دخل فيه، فأبوْا عليه حتى يحاكموه إلى النّار التي كانت باليمن (١).\n٨١٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه: أنّ الحَبْرين ومَنْ خرج معهما من حِمْير؛ إنما اتّبعوا النار ليردّوها، وقالوا: مَنْ ردّها فهو أوْلى بالحقّ، فدنا منها رجالٌ من حِمْير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلَهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردّها، ودنا منها الحَبْران بعد ذلك، وجَعلا يتلُوَان التوراة وتنكُص، حتى ردّاها إلى مخرجها الذي خرجت منه؛ فأصفقت عند ذلك حميَر على دينهما، وكان رئام بيتًا لهم يعظّمونه، وينحرون عنده، ويُكلَّمون منه إذْ كانوا على شِرْكهم، فقال الحَبْران لتبّع: إنما هو شيطان يَفْتِنهُم ويلدب بهم، فخلّ بيننا وبينه، قال: فشأنكما به؛ فاستخرجا منه -فيما يزعم أهل اليمن- كلبًا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت؛ فبقاياه اليوم باليمن -كما ذكر لي- وهو رئام به آثار الدّماء التي كانت تُهراق عليه.\nفقال تبّع في مسيره ذلك وما كان هتم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكّة من كسوته وتطهيره، وما ذكر له الحبْران من أمر رسول الله - ﷺ -:\nمَا بَالُ نَوْمِكَ مِثْلَ نَوْمِ الأَرْمَدِ ... أرِقًا كَأَنَكَ لَا تَزَالُ تُسَهَّدُ\nحنَقًا على سِبْطَينِ حَلَّا يَثْرِبًا ... أوْلَى لهُمْ بعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ!\nولَقَدْ نَزَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْزِلًا ... طابَ الْمَبيتُ به وَطَابَ المَرْقَدُ\nوَجَعَلْتُ عَرْصَةَ مَنْزِلٍ بِرُباوةٍ ... بينَ الْعَقِيقِ إلى بقيعِ الْغَرْقَدِ\nولقدْ تَرَكْنَا لابَهَا وَقَرَارَهَا ... وسِبَاخَهَا فُرِشَتْ بِقَاعٍ أجْرَدِ\nولقد هَبَطْنَا يَثْرِبًا وَصدُورُنَا ... تغْلِي بَلابِلُهَا بقَتْلٍ مُحْصِدِ\nولقدْ حَلَفْتُ يَمِينَ صَبْرٍ مُؤْليًا ... قسَمًا لَعَمْرُكَ لَيسَ بالمُتَرَدِّدِ\nإنْ جِئْتُ يَثْربَ لا أُغَادرُ وَسْطَهَا ... عذْقًا ولا بُسْرًا بيَثْرِبَ يَخْلُدُ\nحتى أَتاني منْ قُرَيظَةَ عالِمٌ ... حبْرٌ لَعَمْرُكَ في الْيهُودِ مُسَوَّدُ\nقال ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ مَحْفُوظَةٍ ... لنَبيّ مَكَّةَ مِنْ قُرَيشٍ مُهْتَدِ\nفَعَفوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ ... وتركْتُهُمْ لِعقابِ يوْمٍ سَرْمَدِ\n_________\n(١) ضعيف. وانظر البداية والنهاية (٢/ ٩٤).","vol":"6","page":439},{"text":"وتركْتُهُمْ للهِ أرْجُو عَفْوَهُ ... يومَ الْحِسَابِ مِنَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ\nولقدْ تَرَكْتُ بِهَا لَهُ مِنْ قَوْمِنا ... نفرًا أُولي حَسَبٍ وبأسٍ يُحْمَدُ\nنَفَرًا يكونُ النَّصْرُ في أَعْقابهمْ. أرْجُو بِذاكَ ثوابَ رَبِّ مُحَمَّدِ\nما كنْتُ أحْسِبُ أَنَّ بَيتًا طاهِرًا ... لله في بَطْحاءِ مَكَّةَ يُعْبَدُ\nحتى أتاني منْ هُذَيل أعْبُدٌ ... بالدُّفِّ منْ جُمْدان فَوْقَ الْمسْندِ\nقالوا بمَكَّةَ بيتُ مَالٍ داثِرٍ ... وكنوزُهُ منْ لُؤْلؤٍ وزَبَرْجَدِ\nفأرَدْتُ أمرًا حال رَبِّي دُونَه ... واللهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ\nفَرَدَدتُ ما أمَّلْتُ فيه وفيهمُ ... وتَرَكْتُهم مَثَلًا لأهْلِ الْمشْهَدِ\nقد كانَ ذُو القَرْنَينِ قَبْلي مُسْلِمًا ... ملِكًا تَدينُ له الْملُوكُ وتُحْشَدُ\nملَكَ الْمَشارِقَ والْمَغاربَ يبْتَغِي ... أسْبَابَ علْم منْ حَكيمٍ مُرْشدِ\nفرأى مغيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروبها ... في عَينِ ذي خُلْبٍ وثأْطٍ حَرْمَدِ\nمِن قَبْلِهِ بلْقيسُ كانَتْ عَمّتِي ... ملَكَتْهُمُ حتى أتاها الهُدْهُدُ (١)\n(٢: ١٠٩/ ١١٠).\n٨١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: هذا الحيّ من الأنصار يزعمون: أنّه إنما كان حنَق تُبّع على هذا الحيّ من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنّه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة، فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره:\nحنَقًا على سِبْطين حلَّا يثربًا ... أوْلَى لهم بِعقابِ يوم مُفْسِدِ (٢)\n(٢: ١١٠/ ١١١).\n٨١٩ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، قال: وقد كان قدِم على تُبّع قبل ذلك شافع بن كُلَيب الصَّدَفيّ، وكان كاهنًا، فأقام عنده، فلما أراد توديعَه قال تُبّع: ما بَقيَ مِنْ علمك؟ قال: بقيَ خبر ناطق، وعلم صادق، قال: فهل تجِدُ لقوم مُلْكًا يوازي ملكي؟ قال: لا إلا لملك غسان نَجْل، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: نعم، قال: ولمن؟ قال أجده لبارّ مبرور، أيِّد بالقَهور، ووُصف في الزّبور، وفُضّلَتْ أمّته في السّفور، يفرّج الظلم بالنور،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":440},{"text":"أحمد النبيّ، طوبى لأمته حين يجى، أحد بني لؤيّ، ثم أحد بني قصيّ. فبعث تُبّع إلى الزَّبُور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفة النبيّ - ﷺ - (١). (٢: ١١١).\n٨٢٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمنّ حدّثه، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممّن يروي الأحاديث، فحدّث بعضهم بعض الحديث، وكلّ ذلك قد اجتمع في هذا الحديث: أنّ مَلِكًا من لَخْم، كان باليمن فيما بين التبابعة من حِمير، يقال له: ربيعة بن نَصْر، وقد كان قبْل ملكه باليمن مَلَك تبّع الأوَل، وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفيّ بن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سَهْل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَريب بن زُهير بن أيمن بن هَمَيسع بن العرَنجج حِمْير بن سبأ الأكبر بن يعْرُب بن يَشْجُب بن قَحطان.\nوكان اسم سبأ عَبْد شمْس؛ وإنما سُمّيَ سبأ -فيما يزعمون- لأنه كان أول من سبَى في العرب.\nفهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التّبابعة، ثم كان بعد تُبّع الأول زيد بن عمرو، وشَمِر يُرْعش بن ياسر يُنعم بن عمرو ذي الأذعار، ابنُ عمّه. وشمِر يُرْعش الذي غزا الصين وبنى سَمَرْقَنْد وحَيَّرَ الحيرة، وهو الذي يقول:\nأنا شَمِرٌ أبو كَرِبَ الْيَماني ... جلَبْتُ الْخَيلَ من يَمَنٍ وشامٍ\nلآتيَ أَعْبُدًا مَرَدُوا عَلَينَا ... ورَاءَ الصِّينِ في عَثْمِ ويامِ\nفَنحْكُم في بلادِهمُ بحُكْمٍ ... سواءً لا يُجاوزه غُلام\nالقصيدة كلُّها (٢). (٢: ١١١/ ١١٢).\n٨٢٠ / أ- قال: ثم كان بعد شمِر يُرعش بن ياسر يُنعم تُبّع الأصغر، وهو تُبَّان أسعد أبو كرب بن مَلِكيكرب بن زيد بن تُبّع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قدم المدينة، وساق الحبْرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":441},{"text":"وكساه، وقال ما قال من الشِّعر فكلّ هؤلاء ملْكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخميّ؛ فلما هلَك ربيعة بن نصر، رجع مُلْك اليمن كلّه إلى حسان بن تُبَّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار (١). (٢: ١١٢).\n٨٢١ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدّثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: أنّ ربيعة بن نَصْر رأى رؤيا هالته، وفَظِعَ بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجّمًا إلّا جَمَعه إليه، ثم قال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتْني، وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنَّه لا يعرف تأويلَها إلّا من يعرفها قبل أن أخبِره بها. فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعثْ إلى سَطيح وشِقّ، فإنّه ليس أحدٌ أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت - واسم سَطِيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن مازن بن غسّان، وكان يقال لسطيح: الذّئبيّ، لنسبته إلى ذئب بن عبدّي، وشِقّ بن صعب بن يشكر بن رُهْم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عَبْقر بن أنمار. فلما قالوا له ذلك؛ بعث إليهما، فقدِم عليه قبل شِقّ سَطِيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكُهّان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنّك إن أصبتَها أصبت تأويلها، قال- أفعل، رأيتَ جُمْجُمة- قال أبو جعفر: وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حُمَمة- خرجت من ظُلُمَة، فوقعت بأرض ثهْمَة، فأكلتْ منها كلّ ذات جُمْجُمة، فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سَطِيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حَنَش، ليهبِطَنّ أرضَكم الحَبَش، فليملكُنَّ ما بين أبْينَ إلى جُرَش. قال له الملك: وأبيكَ يا سطيح؛ إنّ هذا لغائظ مُوجِع، فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين، يمضين من السنين. قال: فهل يدوم ذلك من مُلكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منها\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":442},{"text":"هاربين. قال الملك: ومَنْ ذا الذي يلي ذلك مِنْ قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومَنْ يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من العليّ. قال: وممّن هذا النبيّ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدّهر يا سطيح من آخر؟ قال: نعم، يوم يُجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقُّ ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتّسق، إنّ ما أنبأتك به لحقّ.\nفلمّا فرغ قدِم عليه شِقّ، فدعاه، فقال له: يا شِقّ! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعْتُ بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتَها أصبت تأويلها -كما قال لسطيح؛ وقد كتمه ما قال سطيح لينظر: أيتفِقان، أم يختلفان- قال: نعم، رأيتَ جُمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلُّ ذات نَسَمة. فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئًا واحدًا، قال له: ما أخطأت يا شِقّ منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلِف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضَكم السودان، فليغلبُنّ على كلّ طَفْلة البنان، وليَملِكُنّ ما بين أبْينَ إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ مُوجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذُكم منه عظيم ذو شان، ويذيقهم أشدّ الهوان. قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ، يخرج من بيت ذي يَزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسَل، يأتي بالحقّ والعدل بين أهل الدين والفضل؛ يكون المُلْك في قومه إلى يوم الفَصْل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجْزي فيه الولاة، يُدْعى من السماء بدعوات، يَسمع منها الأحياء والأموات، ويُجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتَّقى الفوز والخيرات. قال: أحقّ ما تقول يا شِقّ؟ ! قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخَفْض: إنّ ما نبّأتك لحقّ ما فيه أمْض. فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه: أنّ الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهّزَ بنِيه وأهلَ بيته إلى العراق بما يُصْلِحهم، وكتب لهم إلى مَلِك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خرّزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ربيعة بن نصر كان","vol":"6","page":443},{"text":"النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النّعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم (١).\n٨٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ولما قال سَطِيح، وشِقّ لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدّثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدّثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكريّ، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح، وشِقّ:\nما نَظَرَتْ ذاتُ أشْفارٍ كنظْرتِها ... حقًّا كما نَطَقَ الذِّئبيُّ إذْ سَجَعا\nوكان سَطِيح إنما يدعوه العرب الذئبيّ، لأنّه من ولد ذئب بن عديّ. فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع مُلك اليمن إلى حسّان بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكْيكَرِب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان ممّا هاج أمر الحبشة وتحوّل الملك عن حِمْير وانقطاع مدّة سلطانهم -ولكلّ أمر سبب-: أنّ حسان بن تُبّان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرضَ العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبْله تفعل؛ حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرِهت حِمْير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم وأهليهم؛ فكلّموا أخًا له كان معه في جيشه، يقال له: عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان؛ نملّكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا. فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حِمْير وقبائل اليمن على قَتْل حَسّان، إلّا ما كان من ذي رُعَين الحميَريّ، فإنّه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتِّت أمر أهل بيتك -أو كما قال له- فلما لم يقبل منه قوله -وكان ذو رُعَين شريفًا من حميَر- عَمَد إلى صحيفة فكتب فيها:\nألا مَن يشتَري سَهرًا بِنَوْمٍ ... سعيدٌ مَن يَبيتُ قَريرَ عَينِ\nفإمَّا حِمْيَرٌ غَدَرتْ وخَانَتْ ... فمعْذِرَةُ الإلهِ لذِي رُعَينِ\n_________\n(١) الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ١٩) والبداية والنهاية (٢/ ٨٩).","vol":"6","page":444},{"text":"ثم ختم عليها. ثم أتى بها عمرًا، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب؛ فإنّ لي فيه بغيةً وحاجة، ففعل. فلما بلغ حسّان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمْير وقبائل اليمن من قتله؛ قال لعمرو:\nيا عَمْرُو لا تُعْجِلْ عَلَيَّ مَنِيَّتي ... فالمُلْكُ تأخُذُه بغَيرِ حُشودِ\nفأبى إلا قتلَه، فقَتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن. فقال قائل من حمير:\nإنّ للهِ مَن رأَى مِثْل حَسَّا ... نَ قَتيلًا في سَالِفِ الأحقَابِ\nقَتَلَتْه الأقْيالُ مِن خَشيةِ الْجيـ ... ـش وقالُوا له لَبابِ لَبَابِ\nمَيتُكم خَيرُنا وحَيُّكُمُ ... رَبٌّ عَلَينا وكُلُّكُمْ أرْبابي\nفلمّا نزل عمرو بن تُبّان أسعد أبي كرب اليمن مُنع منه النّوم، وسلّط عليه السهر -فيما يزعمون- فجعل لا ينام، فلما جَهده ذلك؛ جعل يسأل الأطبّاء والحُزاة من الكهّان والعرّافين عمّا به، ويقول: منع منيّ النوم فلا أقدر عليه، وقد جَهدني السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتلَ رجل أخاه قطّ أو ذا رحِم بغيًا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلّا ذهب نومُه، وسلّط عليه السّهر، فلما قيل له ذلك؛ جعل يقتُل كلَّ مَنْ كان أمرَه بقتل أخيه حسّان من أشراف حمير وقبائل اليمن؛ حتى خلص إلى ذي رُعين، فلما أراد قتله؛ قال: إنّ لي عندك براءة ممّا تريد أن تصنع بي، قال له: وما براءتك عندي؟ قال: أخرِج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر:\nأَلا مَنْ يشتَرِي سَهَرًا بنومٍ ... سعيدٌ مَنْ يبيتُ قريرَ عَينِ\nفإمَّا حِمْيَرٌ غدرتْ وخانت ... فمعذرة الإله لذي رُعَينِ\nفلمّا قرأهما عمرو قال له ذو رُعين: قد كنت نهيتُك عن قتل أخيك فعصيتَني، فلما أبيت عليّ وضعتُ هذا الكتاب عندك حجّة لي عليك، وعذرا لي عندك، وتخوّفت أن يصيبك إن أنت قتلتَه الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاةً لي عندك، فتركه عمرو بن تُبّان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته. وقال عمرو بن تُبّان أسعد حين قتل من قتل من حمْيَر وأهل اليمن ممّن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال:","vol":"6","page":445},{"text":"شَرَيْنا النَّوْمَ إذْ عُصِبَتْ عَلابِ ... بتَسهِيدٍ وعَقْدٍ غَيرِ مَينِ\nتَنَادَوْا عِنْدَ غَدْرِهِمُ: لَبابِ ... وقدْ بَرَزَتْ مَعَاذِرُ ذِي رُعَينِ\nقَتَلْنا مَنْ تولَّى المكْرَ منهمْ ... بَواءً بابْنِ رُهْمٍ غيرَ دَينِ\nقتَلْناهُمْ بحَسّانَ بن رُهْمٍ ... وحسّان قَتيل الثَّائرَينِ\nقتَلْناهُم فلا بُقْيَا عليهمْ ... وقرَّتْ عِنْدَ ذاكُمْ كلُّ عَينِ\nعُيونُ نَوَادبٍ يَبْكِينَ شَجْوًا ... حرائرَ من نسَاءِ الفيلَقَينِ\nأوانِسَ بالعِشَاءِ وهُنَّ حُور ... إذَا طلَعَتْ فُروعُ الشِّعْرَيَينِ\nفنُعْرَفُ بالوَفاءِ إذا انْتَمَينا ... ومَنْ يَغْدرْ نُبايِنْهُ ببينِ\nفَضلْنا الناسَ كلَّهُمُ جميعًا ... كفَضْلِ الإبْرِزيّ على اللُّجَينِ\nمَلَكْنَا النَّاسَ كلّهُم جَمِيعًا ... لنا الأسْبَابُ بعدَ التُّبَّعينِ\nمَلَكْنا بعدَ داوُدٍ زمانًا ... وعَبَّدْنا ملُوكَ المشْرقَينِ\nزَبَرْنا في ظَفارِ زبورَ مَجْدٍ ... ليقرَأَه قُرومُ الْقريتَينِ\nفنحن الطَّالبونَ لكلِّ وَتْرٍ ... إذا قال المقَاولُ أينَ أينِ!\nسَأشْفي مِنْ وُلاةِ المكرِ نَفْسي ... وكَانَ المكرُ حَينَهُمُ وحَيني\nأطَعْتُهُمُ فلم أرْشُدْ وَكَانوا ... غواةً أهلَكوا حَسَبي وزَيني\nقال: ثم لم يلبث عمرو بن تُبّان أسعد أن هلك.\nقال هشام بن محمد: عمرو بن تبّع هذا يدعى موثَبان؛ لأنه وثب على أخيه حَسّان بفُرْضة نُعْم فقتله- قال: وفُرضة نُعْم رَحَبة طوق بن مالك، وكانت نُعْم سريّة تبّع حسان بن أسعد (١). (٢: ١١٤/ ١١٦ / ١١٥/ ١١٧).\n٨٢٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحادتى. قال: فمرِج أمرُ حميَر عند ذلك، وتفرّقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له: لخنيعة ينوف ذوشناتر، فملَكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمْير، يذكر ما ضيّعت حمْير من أمرها، وفرّقت جماعتها، ونفت من خيارها:\nتقتِّلُ أبْناها وتَنفِي سَرَاتَها ... وتَبنِي بأيديهمْ لَهَا الذلَّ حمْيَرُ\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":446},{"text":"تُدمِّرُ دُنْياها بطَيش حُلُومِهَا ... ومَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينَها فَهُوَ أْكْثَرُ\nكذَاكَ القُرونُ قَبْلَ ذَاكَ بظلْمِها ... وإسرَافِها تأتِي الشُّرورَ فتَخْسَرُ\nوكان لخنيعة يحْوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم -وكان امرأً فاسقًا يزعمون: أنه كان يعمل عمل قوم لوط، ثم كان -مع الذي بلغ منهم من القتل والبغْي- إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مَشْرَبة له قد صنعها لذلك، لئلّا يملك بعد ذلك أبدًا، ثم يطلع من مَشْرَبته تلك إلى حَرسه ومَن حضر من جنده، وهم أسفل منه، قد أخذ سواكًا، فجعله في فيه -أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلّي سبيله، فيخرج على حَرَسه وعلى الناس وقد فضحه؛ حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زُرْعة ذو نواس بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسّان -وزُرْعة كان صبيًّا صغيرًا حين أصيب أخوه، فشبّ غلامًا جميلًا وسيمًا ذا هيئة وعَقْل- فبعث إليه لخنيعة ينوف ذوشُناتر؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبْله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سِكّينًا حديدًا لطيفًا، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلمّا خلا به في مشربته تلك أغلقَها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكِّين فطعنه به حتى قتله، ثم احتزّ رأسَه، فجعله في كُوّة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سِواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطبٌ أم يَباس؟ فقال: سل تحماس استرطبان ذو نواس، استرطبان؛ لا باس. فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكُوّة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها. فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلّا أنت؛ إذ أرحتَنا من هذا الخبيث. فملّكوه واستجمعت عليه حمْير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير. وتهوّد وتهوّدت معه حِمْير، وتسمّى \"يوسف\"، فأقام في ملكه زمانًا. وبنجْران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل؛ أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثّامر؛ وكان موقع أصل ذلك الدين بنَجْران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلّها أهل أوثان يعبدونها. ثم إنّ","vol":"6","page":447},{"text":"رجلًا من بقايا أهل ذلك الدّين وقع بين أظهرهم يقال له: فيميون، فحملهم عليه فدانوا به.\nقال هشام: زرعة ذو نواس؛ فلما تهوّد سمي يوسف، وهو الذي خدّ الخدود بنجران، وقتل النصارى (١). (٢: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩).\n٨٢٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبّه اليمانيّ: أنه حدّثهم أن موقع ذلك الدّين بنجْران كان أنّ رجلًا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له: فيمِيُون، وكان رجلًا صالحًا مجتهدًا زاهدًا في الدنيا، مجاب الدّعوة، وكان سائحًا ينزل القرى، لا يُعرف بقرية إلّا خرج منها إلى قرية لا يُعرَف فيها وكان لا يأكل إلّا من كَسْب يده، وكان بنّاءً يعمل الطّين، وكان يعظّم الأحد، فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلّى بها حتى يُمسي، وكان في قرية من قرى الشّأم يعمل عمله ذلك مستخفيًا؛ إذ فطِن لشأنه رجل من أهلها، يقال له: صالح، فأحبّه صالح حبًّا لم يحبّه شيئًا كان قبله، فكان يتّبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرّة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتّبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفيًا منه لا يحبّ أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلّي، فبينا هو يصلّي إذ أقبل نحوه التنّين -الحية ذات الرؤوس السبعة- فلما رآها فيميُون دعا عليها فماتت، ورآها صالح، ولم يدرِ ما أصابها، فخافها عليه فعيل عَوْلُه، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه، وأقبل عَلى صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرِف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلّمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئًا حبّك قطّ، وقد أردت صُحبَتك والكينونة معك حيثما كنت. قال: ما شئت، أمري كما ترى؛ فإن ظننت أنك تقوى عليه؛ فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القَرية أن يفطَنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبدُ به ضرّ؛ دعا له فشُفِي، وإذا دُعِي إلى أحد به الضرّ؛ لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنّه لا يأتي أحدًا إذا دعاه، ولكنّه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":448},{"text":"الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوبًا، ثم جاءه فقال له: يا فيميون! إنّي قد أردت أن أعمل في بيتي عملًا، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حُجرته، ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك؟ قال: كذا وكذا. ثم انتشط الرجل الثوبَ عن الصبيّ، ثم قال: يا فيميون! عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبيّ: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوّك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفِه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبيّ ليس به بأس.\nوعرف فيميون: أنه قد عُرِف، فخرج من القرية، واتّبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشأم مرّ بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال: أفيميون! قال: نعم، قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هوجاء؟ حتى سمعت صوتك، فعرفت: أنك هو، لا تبرح حتى تقوم عليّ، فإني ميّت الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعضَ أرض العرب، فعدِي عليهما فاختطفتهما سيّارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بينجران - وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كلّ سنة؛ إذا كان ذلك العيدُ علّقوا عليها كلَّ ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يومًا -فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحًا، فكان فيمجون إذا قام من الليل- في بيت له أسكنه إياه سيّده الذي ابتاعه- يصلّي، استسرج له البيت نورًا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيّده، فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنّما أنتم في باطل؛ وإنّ هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع؛ لو دعوت عليها الذي أعبد أهلَكها، وهو الله وحدَه لا شريك له. قال: فقال له سيّده: فافعل؛ فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنّا عليه، قال: فقام فيميون، فتطهّر ثم صلّى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحًا فجعفتْها من أصلها فألقتها، فاتّبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم. ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكلّ أرض. فمن هنالك كانت النصرانيّة بنجران في أرضِ العرب.","vol":"6","page":449},{"text":"فهذا حديث وهب بن منبّه في خبر أهل نجران (١). (٢: ١١٩/ ١٢٠ / ١٢١).\n٨٢٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد -مولى لبني هاشم- عن محمد بن كعب القرَظيّ. قال: وحدّثني محمد بن إسحاق أيضًا عن بعض أهل نَجْران: أنّ أهلَ نجران كانوا أهلَ شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قُراها قريبًا من نجران -ونجْران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد -ساحر يعلّم غلمانَ أهل نجران السّحر، فلما أن نزلها فيميون- قال: ولم يسمّوه باسمه الذي سمّاه به وهبُ بن منبِّه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نَجْران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نَجْران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر، فبعث الثامر ابنَه عبد الله بن الثّامر مع غلمان أهل نَجْران، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه، ويسمع منه حتى أسلم، فوحّد الله وعَبَده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم -وكان يعلمه- فكتمه إيّاه، وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله؛ أخشى ضعفَك عنه. فلما أبى عليه -والثامر أبو عبد الله لا يظنّ إلّا أنّ ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أنّ صاحبه قد ضنّ به عنه، وتخوّف ضعفه فيه عَمَد إلى قِدَاح فجمعها، ثم لم يُبْقِ لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قِدْح؛ لكل اسم قِدْح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارًا، ثم جعل يقْذفُها فيها قِدْحًا قِدْحًا؛ حتى إذا مرّ بالإسم الأعظم قذف فيها بقِدْحه، فوثب القِدْح حمَى خرج منها، لم يضرّه شيء، فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الإسم الذي كتمه، فقال له: ما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: وكيف علمتَه؟ فأخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي! قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظنّ أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نَجْران لم يلق أحدًا به ضرّ إلّا قال له: يا عبد الله، أتوحّد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحّد الله ويسلم، ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبق أحدٌ بنجْران به ضُرّ إلّا أتاه فاتّبعه على أمره، ودعا له، فعُوفي، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجْران، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفتَ ديني ودين آبائي، لأمثِّلنّ بك! قال: لا تقدر\n_________\n(١) ضعيف. وإسناد ابن أبي لبيد مجهول العين.","vol":"6","page":450},{"text":"على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيُطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجْران بُحور، لا يقَع فيها شيء إلّا هلَك، فَيُلقَى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنّك والله لا تقدر على قتلي حتى توحِّدَ الله فتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سُلّطت عليّ فقتلتني، فوحّد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصًا في يده فشجّه شجّة غير كبيرة، فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهلُ نجْران على دين عبد الله بن الثَّامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحكمه، ثمّ أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النّصرانية بنجران.\nفهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك. والله أعلم.\nقال: فسار إليهم ذو نُواس بجنوده من حِمْير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيّرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخدّ لهم الأخدود، فحرّق بالنار، وقتّل بالسيف؟ ومثّل بهم كلّ مُثْلة، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا، وأفلت منهم رجل يقال له: دَوْس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرَّملَ فأعجزهم.\nقال: وقد سمعت بعضَ أهل اليمن يقول: إنّ الذي أفلت منهم رجل من أهل نَجْران يقال له: جبّار بن فيض.\nقال: وأثبت الحديثين عندي الذي حدّثني: أنه دوْس ذو ثعلبان.\nثم رجع ذو نُواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن.\nففي ذي نواس وجنوده تلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ إلى قوله: ﴿بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nيقال: كان فيمن قَتل ذو نُواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم. ويقال: عبد الله بن الثامر قُتِل قبل ذلك، قَتله ملك كان قَبْله، هو كان أصل ذلك","vol":"6","page":451},{"text":"الدين؛ وإنما قَتل ذو نواس مَنْ كان بعده من أهل دينه (١). (٢: ١٢٠/ ١٢١ / ١٢٢/ ١٢٣).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري خبر فيميون هدًا مستغرقًا الصفحات (١٢١، ١٢٢، ١٢٣) عن ابن إسحاق عن بعض أهل نجران وإسناده ضعيف وفيه مخالفة لما ثبت في الصحيح من خبر أصحاب الأخدود كما عند مسلم وغيره ففيه: أن الملك لم يسلم وإنما أسلم قومه وما في الصحيح أصح وأحق أن يحتج به والله أعلم ولقد ذكر ابن كثير القصة بطولها من رواية أحمد وأشار إلى أثر ابن إسحاق المذكور آنفًا وأحببنا أن نذكر كلام الحافظ ابن الكثير ﵀ وذكره للحديث، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى (٢/ ٣٨).\nقال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١ - ١٠] قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة ولله الحمد. وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله. وقد ذكر غير واحد: أن هذا الصنيع مكرّر في العالم مرارًا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين، ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثر أورده ابن إسحاق وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما. قال الإمام أحمد: حدثنا حَمَّاد بن سَلَمَةَ عن ثَابِتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب: أن رسول الله - ﷺ - قال: كان مَلِكٌ فيمَنْ كان قبلَكم وكان له ساحرٌ فلما كَبر الساحرُ قال للمِلك إنّي قد كَبُرَتْ سِنِّي وحَضَرَ أجَلي فادفع إليّ كلامًا فلأعَلِّمُه السحرَ فدفع إليه غلامًا فكان يعلِّمهُ السِّحرَ، وكان بين الملك وبين السَّاحر راهبٌ، فأتى الغلامُ علي الراهِب فسمعَ من كلامِه فأعجَبه نحوهُ وكلامُه، وكان إذا أتى الساحرَ ضرَبه وقال: ما حَبَسَكَ؟ وإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا: مَا حَبَسكَ؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحرُ أن يضربَك، فقل: حَبَسَني أهلي، وإذا أراد أهلُك أن يضربوكَ؛ فقل: حبسني الساحر، قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة فَظِيعة عظيمةٍ قد حبستِ النَّاس فلا يستطيعون أن يجوزُوا، فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحبُّ إلى اللهْ أم أمر الرَّاهب، قال فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليكَ وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابةَ حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها. ومضى فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني! أنت أفضل مني، وأنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل على، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء، ويشفيهم الله على يديه، وكان جليسٌ للملك، فعَمِيَ فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحدًا إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت به؛ دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رذ عليك بصرك؟ فقال: ربي، قال: ولك ربّ =","vol":"6","page":452},{"text":"٨٢٥ / أ- وأما هشام بن محمد فإنه قال: لم يزل مُلْك اليمن متصلًا لا يطمع فيه طامع، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشِرْوان. قال: وكانَ سببُ ظهورهم أن ذا نُواس الحمْيريّ ملك اليمن في ذلك الزمان، وكان يهوديًّا، فقدم عليه يهوديّ، يقال له: دَوْس من أهل نَجْران، فأخبره: أنّ أهل نجران قتلوا ابنين له ظلمًا، واستنصره عليهم -وأهل نَجْران نصارى- فحمِيَ ذو نُواس لليهوديّة،\n_________\n= غيري؟ ! قال: نعم ربي وربّك الله، فاخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام، فأتى به، فقال: أي بني! بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء قال: ما أشفي أنا أحدًا، إنما يشفي الله ﷿. قال: أنا؟ قال: لا. قال: أولكَ ربّ غيري؟ قال: ربي وربّك الله، قال فأخذه أيضًا بالعذاب، ولم يزل به حتى دلّ على الراهب فأتى الراهب فوضع فقال: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شِقَاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك، فابى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلّا فدَهْدِهُوهُ. فذهبوا به فلمّا علوا الجبل. قال: اللهمّ اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فبعث به مع نفر في قَرْقَرَةِ، فقال: إذا لَجَجْتُمْ البحر فإن رجع عن دينه وإلّا فأغرقوه في البحر، فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. ثم قال للملك أنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلّا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهمًا من كنانتي. ثم قل: بسم الله ربّ الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه وقال: بسم الله ربّ الغلام فوقع السهم في صِدْغِهِ، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات. فقال الناس: آمنا بربّ الغلام آمنا بربّ الغلام. فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر، فقد والله نزل بك! قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال من رجع عن دينه فدعوه، وإلّا فأقحموه فيها، وقال: فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون، فجاءه امرأة بابن لها ترضعه، فكأنَّها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق، كذا رواه الإمام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة، زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به، ورواه الترمذي من طريق عبد الرزَّاق عن مَعْمَرٍ، عن ثَابت، بإسناده نحوه.\nوالحديث في (صحيح مسلم / كتاب الزهد / ٧٣/ ٣٠٠٥) والترمذي (كتاب التفسير / ٣٣٤٠) وأحمد (ح / ٢٣٩٨٦) والله أعلم.","vol":"6","page":453},{"text":"فغزا أهلَ نجران، فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نَجْران، حتى قدِم على ملك الحبشة، فأعلمه ما ركبوا به، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النارُ بعضه، فقال له: الرّجال عندي كثير، وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البَعْثة إليّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرّق، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة (١). (٢: ١٢٣/ ١٢٤).\n٨٢٥ / ب- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه حدّث أنّ رجلًا من أهل نَجْران في زمن عمر بن الخطاب حفر خِربة من خِرب نَجْران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دَفن منها قاعدًا واضعًا يده على ضَرْبة في رأسه ممسكًا عليها بيده؛ فإذا أخرت يده عنهما انثعبت دمًا، وإذا أرسلت يده ردّها عليها، فأمسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: \"ربّي الله\". فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أنْ أقرُّوه على حاله، وردُّوا عليه الدّفْن الذي كان عليه. ففعلوا (٢). (٢: ١٢٤).\n٨٢٦ - وخرج دَوْس ذو ثَعْلبان، حين أعجز القومَ على وجهه ذلك؛ حتى قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذي نُواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعُدتْ بلادك من بلادنا، ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود؛ ولكنِّي سأكتب لك إلى ملك الحبشة؛ فإنه على هذا الدّين، وهو أقرب إلى بلادك منّا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممّن ظلمك، واستحلّ منك ومن أهل دينك ما استحلّ. فكتب معه قيصر إلى مَلِك الحبشة يذكر له حقّه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب ثأرِه ممّن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دَوْس ذو ثَعْلبان بكتاب قيصر على النّجاشيّ صاحب الحبشة، بعث معه سبعين ألفًا من الحبشة وأمّر عليهم رجلًا منهم من أهل الحبشة، يقال له: أرياط؛ وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخْرِب ثلث بلادهم، واسْبِ ثُلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرَهة الأشرم، فركب البحر ومعه دَوْس ذو ثعْلبان،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) مرسل ضعيف.","vol":"6","page":454},{"text":"حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذُو نُواس فجمع إليه حِمْير ومَنْ أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرّق، لانقطاع المدّة وحلول البلاء والنِّقْمة، فلم يكن له حرب غير أنَّه ناوش ذو نُواس شيئًا من قتال، ثم انهزموا، ودخلها أرياط بجموعه، فلما رأى ذو نُواس ما رأى ممّا نزل به وبقومه وجّه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضَحْضَاح البحر، حتى أفضى به إلى غَمْرة، فأقحمه فيه، فكان آخرَ العهد به. ووطئ أرياط اليمن بالحبشة، فقتل ثلثَ رجالها، وأخرب ثلثَ بلادها، وبعث إلى النجاشيّ بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلّها، فقال قائل من أهل اليمن، وهو يذكر ما ساق إليهم دَوْس ذو ثعلبان من أمر الحبشة؛ فقال: \"لا كدَوْس ولا كأعلاقِ رَحْلِهْ\" يعني: ما ساق إليهم من الحبشة، فهي مَثَل باليمن إلى اليوم (١). (٢: ١٢٤/ ١٢٥).\n٨٢٧ / أ- وقال ذو جَدن الحميريّ وهو يذكر حِمْير، وما دخل عليها من الذُّلّ بعد العزّ الذي كانوا فيه، وما هُدِم من حصون اليمن، وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سِلْحين، وبينون، وغُمْدان حصونًا لم يكن في الناس مثلها، فقال:\nهَوْنَكِ ليسَ يَرُدُّ الدَّمْعُ ما فاتا ... لا تَهْلِكي أسَفًا في ذِكْرِ مَنْ مَاتا\nأبَعْدَ بَينُونَ لا عَيْنٌ وَلَا أثَرٌ ... وبَعْدَ سِلْحينَ يبْني النَّاسُ أَبْياتًا!\nوقال ذو جَدَنٍ الحميريّ في ذلك:\nدَعِيني لا أبا لكِ لَنْ تُطِيقي ... لحاكِ اللهُ قَدْ أنْزَفْتِ رِيقي\nلدَى عَزْفِ الْقِيانِ إذِ انْتَشَينا ... وإذ نُسْقَى منَ الخمْرِ الرّحيقِ\nوَشُرْبُ الْخمْرِ لَيسَ عَلَيَّ عَارًا ... إذَا لم يشْكُنيِ فيها رفيقي\nفإنَّ الموْتَ لَا يَنْهَاهُ نَاهٍ ... ولَوْ شَرِبَ الشِّفاءَ مَعَ النَّشُوق\nوَلا متَرَهِّبٌ في اسْطُوانٍ ... يناطِحُ جُدْرُه بَيضَ الأَنُوق\nوغُمْدَان الَّذِي حُدِّثتْ عَنْهُ ... بنَوْهُ مُمْسِكًا في رَأْسِ نيقِ\nبِمَنْهَمَةٍ وأسفَله جُروبٌ ... وحُرُّ الموْحَلِ اللَّثِقِ الزَّليقِ\nمَصَابيحُ السَّليطِ تَلُوحُ فيه ... إذَا يُمْسِي كتَوْماضِ البُرُوقِ\n_________\n(١) وانظر البداية والنهاية (١/ ٩٩).","vol":"6","page":455},{"text":"ونَخْلَتُه التي غُرِسَتْ إليه ... يكاد الْبُسْرُ يَهْصِرُ بالعُذوقِ\nفأصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَمَادًا ... وغيَّرَ حُسْنَه لَهَبُ الْحَريقِ\nوَأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَمِيتًا ... وحَذَّرَ قَومَهُ ضَنْك المَضِيقِ\nوقال ابن الذئبة الثّقفيّ، وهو يذكر حميَر حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم:\nلَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى مِنْ مَفَرّ ... مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقه والْكِبَرْ\nلَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى صُحرَةٌ ... لعَمْرُكَ ما إنْ لَه مِن وَزَرْ\nأبَعْدَ قَبَائلَ مِنْ حِمْيَرٍ ... أتُوا ذَا صَبَاحٍ بِذَاتِ العَبَرْ\nبأَلْبِ ألُوبٍ وحَرَّابةٍ ... كمِثْلٍ السَّماء قُبَيلَ الْمَطَرْ\nيُصِمُّ صِيَاحُهُمُ الْمُقْرَبَات ... وينْفُون منْ قَاتَلُوا بالزُّمَرْ\nسَعَالى كمِثْلِ عَديدِ التُّرَاب ... يَيبَسُ منهم رطابُ الشَّجرْ\nوأما هشام بن محمد، فإنّه زَعم: أنّ السفن لما قدمت على النجاشيّ من عند قيصر حَمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المنْدب. قال: فلما سمع بهم ذو نُواس كتب إلى المقَاول يدعوهم إلى مُظاهرته، وأن يكون أمرُهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدًا، فأبوْا، وقالوا: يقاتل كلّ رجل عن مَقوْلَته وناحيته. فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عِدّة من الإبل، وخرج حتى لقيَ جمعَهم، فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها، فلكم المال والأرض، واستبقوا الرجال والذرّيّة. فقال عظيمهم: اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النّجاشي، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم، فسار بهِم ذو نُواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم: وجِّهْ ثقاتِ أصحابك في قبْض هذه الخزائن. ففزق أصحابه في قبضها ودفَع إليهم المفاتيح، وسبقت كتُب ذي نواس إلى كلّ ناحية: أن اذبحوا كلّ ثور أسودَ في بلدكم؛ فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشّريد. وبلغ النجاشيّ ما كان من ذي نُواس، فجهز إليه سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم؛ فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نُواس ألّا طاقة له بهم ركب فرسه، واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخرَ العهد به وأقام أبرهة ملكًا على صنعاء ومخاليفها، ولم يبعث إلى النجاشي بشيء.\nفقيل للنجاشيّ: إنه قد خلعَ طاعتك، ورأى: أنه قد استغنى بنفسه، فوجّه إليه","vol":"6","page":456},{"text":"جيشًا به رجل من أصحابه، يقال له: أرْياط، فلما حلّ بساحته؛ بعث إليه أبرهة أنّه يجمعني وإياك البلاد والدّين، والواجبُ عليّ وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممّن معي ومعك، فإن شئت فبارزني؛ فأيُّنا ظفر بصاحبه كان المُلْك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا. فرضيَ بذلك أرياط، وأجمع أبرهة على المكْر به، فاتّعدا موضعًا يلتقيان فيه، وأكمن أبرهة لإرياط عبدًا له يقال له: أرنجده، في وَهْدةٍ قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمِّي الأشرم، ونهض أرنجده من الحُفْرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله، فقال أبرهة لأرنجده: احتَكمْ، فقال: لا تدخل امرأة في اليمن على زوجها حتى يُبدَأ بي، قال: لك ذاك، فغبر بذلك زمانًا. ثم إن أهل اليمن عَدَوْا عليه فقتلوه، فقال أبرهة: قد أنَى لكم أن تكونوا أحرارًا، وبلغ النجاشيَّ قتلُ أرياط، فآلى ألّا يكون له ناهية دون أن يُهريق دم أبرهة، ويطأ بلادَه، وبلغ أبرهة أليّتُه، فكتب إليه: أيُّها الملك! إنّما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، قدِم عليّ يريد توهينَ ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكفّ عن قتالي إلى أن أوجّه إليك رسولًا، فإن أمرته بالكفّ عني، وإلّا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلّا محاربتي، فحاربته فظهرت عليه، وإنّما سلطاني لك، وقد بلغني: أنّك حلفت ألّا تنتهيَ حتى تُهريق دمي، وتطأ بلادي. وقد بعثت إليك بقارورة من دمي، وجراب من تراب أرضي؛ وفي ذلك خروجك من يمينك، فاستتمّ أيّها الملك يدك عندي؛ فإنما أنا عبدك وعزّي عزّك. فرضيَ عنه النجاشي وأقرّه على عمله (١). (٢: ١٢٤/ ١٢٥ / ١٢٦/ ١٢٧ / ١٢٨).\n٨٢٨ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشيّ، وكان في جنده حتى تفرّقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كلّ واحد منهما طائفة منهم؛ ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: إنّك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تُفنيَها شيئًا؛ فابرز لي وأبرز لك، فأيّنا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":457},{"text":"فأرسل إليه أرياط: أن قد أنصفتَني فاخرج. فخرج إليه أبرهة، وكان رجلًا قصيرًا لحيمًا حادرًا، وكان ذا دين في النصرانيّة، وخرج إليه أرياط وكان رجلًا عظيمًا طويلًا وسيمًا وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عَتْودَة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة -يريد يافوخه- فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمتْ حاجبه وعينه وأنفه وشفته؛ فبذلك سمِّي أبرهة الأشرم، وحمل غلام أبرهة عَتْودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فقال عَتْوَدة في قتله أرياط: \"أنا عَتْوَدَهْ، من فرقة أرِدَّه، لا أبٌ ولا أمّ نجده\"، أي يقول: قتلك عبدُه، قال: فقال الأشرم عند ذلك لعْتودة: حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته، ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته، فقال عَتْودة: حكمي ألّا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله. فقال: ذلك لك، ثم أخرج دية أرياط، وكان كلّ ما صنع أبرهة بغير علم النجاشيّ ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضبًا شديدًا، وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري. ثم حلف ألّا يدع أبرهة حتى يطأ بلادَه، ويجزّ ناصيته؛ فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه، ثم ملأ جرابًا من تُراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشيّ، وكتب إليه: أيُّها الملك؛ إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكلٌّ طاعته لك، إلّا أني كنت أقوى منه على أمر الحبشة، وأضبَط لها وأسوش لها، وقد حلقت رأسي كلّه حين بلغني قَسَم الملك، وبعثت إليه بجراب من تُراب أرض اليمن، ليضعَه تحت قدميه فيبرّ قسمُه.\nفلما انتهى ذلك إلى النّجاشيّ رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت على عملك بأرض اليمن، حتى يأتيَك أمري فلما رأى أبرهة: أنّ النجاشيّ قد رضي عنه، وملّكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرّة بن ذي يزَن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علْقمة بن مالك بن زيد بن كَهْلان- وأبو ريحانة ذو جَدَن، وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرّة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عَتْودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينًا، ثم عدا على عَتَوْدة رجل من حِمْير -أو من خثعم- فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله- وكان رجلًا حليمًا سيدًا شريفًا ورعًا","vol":"6","page":458},{"text":"في دينه من النصرانية- قال: قد أنَى لكم يا أهل اليمن أن يكونَ فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال؛ إنّي والله لو علمت حين حكّمته أنّه يسأل الذي سأل ما حكّمتُه، ولا أنعمته عينًا، وأيم الله لا يُؤخذ منكم فيه عَقْل، ولا يتبعكم منّي في قتله شيء تكرهونه.\nقال: ثم إنّ أبرهة بني القُلَّيْس بصنعاء، فبنى كنيسة لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النّجاشيّ ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنتهٍ حتى أصرفَ إليها حاجّ العرب.\nفلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيّ غضب رجل من النّسَأة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيس فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه؛ فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيلَ: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب فجاء فقعد فيها؛ أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضِب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرَنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذكوانيّ، ثم السُّلَمي، في نفر من قومه، معه أخ له، يقال له: قيس بن خُزاعيّ؛ فبينا هم عنده غشيَهم عبد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغدائه، وكان يأكل الخُصَى، فلما أتي القوم بغدائه؛ قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيجنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعيّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك! هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم؛ فإنما أكرمتكم بغدَائي لمنزلتكم مني.\nثم إن أبرهة توّج محمد بن خُزاعيّ، وأمّره على مُضَر، وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيس؛ كنيسته التي بناها. فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة -وقد بلغ أهلَ تِهامة أمرُه، وما جاء له- بعثوا إليه رجلًا من هُذيل، يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأبرهة،","vol":"6","page":459},{"text":"فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنقًا، وحلَف ليغزوَنّ بني كنانة وليهدمنّ البيت.\nوأما هشام بن محمّد، فإنه قال: بنَى أبرهة بعد أن رضيَ عنه النّجاشي وأقرّه على عمله كنيسة صنعاء، فبناها بناء معجِبًا لم يُرَ مثله بالذهب والأصباغ المعجبة، وكتب إلى قيصر يعلمه أنّه يريد بناء كنيسة بصنعاء، يبقى أثرُها وذكْرها، وسأله المعونةَ له على ذلك فأعانه بالصنّاع والفُسَيفساء والرّخام، وكتب أبرهة إلى النجاشيّ حين استتمّ بناؤها: إنّي أريد أن أصرف إليها حاجّ العرب. فلما سمعت بذلك العرب أعظمته، وكُبر عليها، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن، فدخل الهيكل، فأحدث فيه، فغضب أبرهة، وأجمع على غزو مكة وهدْم البيت، فخرج سائرًا بالحبشة ومعه الفيل، فلقيَه ذو نَفْر الحميريّ، فقاتله فأسره، فقال: أيها الملك! إنما أنا عبدك فاستبقني، فإنّ حياتي خير لك مِنْ قتلي، فاستبقاه، ثم سار فلقيَه نُفيل بن حبيب الخثعميّ، فقاتله فهزم أصحابه، وأسرَه، فسأله أن يستبقيَه، ففعل وجعله دليله في أرض العرب (١). (٢: ١٢٨/ ١٢٩ / ١٣٠/ ١٣١ / ١٣٢).\n٨٢٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: ثم إن أبرهة حين أجمع السّير إلى البيت؛ أمر الحبشان فتهيّأت وتجهّزت، وخرج معه بالفيل -قال: وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظِعوا به، ورأوْا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا: أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام- فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نفْر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه مَنْ أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله، فهُزِم ذو نفْر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرًا، فأتِيَ به، فلما أراد قتله قال له ذو نفْر: أيُّها الملك! لا تقتلني؛ فإنّه عسى أن يكون كوني معك خيرًا لك من قتلي. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق -وكان أبرهة رجلًا حليمًا- ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خَثْعم؛ عرض له نُفَيل ابن حبيب الخثعميّ في قبيلي\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":460},{"text":"خثعم: شهران وناهس ومَنْ تبِعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخِذ له نُفيل أسيرًا، فأتى به؛ فلما همّ بقتله؛ قال له نُفَيل: أيُّها الملك! لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يدايَ لك على قبيلي خثعم؟ شهران، وناهس بالسمع والطّاعة، فأعفاه وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتّب في رجال ثقيف، فقال له: أيُّها الملك! إنّما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون اللّات- إنما تريد البيتَ الذي بمكّة -يعنون الكعبة- ونحن نبعث معك مَنْ يدلك. فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رِغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رِغال، حتى أنزله المغمِّس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قَبرَه، فهو القبر الذي يرجُم الناس بالمغمِّس.\nولما نزل أبرهة المغمّس؛ بعث رجلًا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قُريش وغيرهم، وأصاب منها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم؛ وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومَنْ كان بالحرَم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا: أنّه لا طاقة لهم به؛ فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حُناطة الحميريّ إلى مكة، وقال له: سلْ عن ستد هذا البلد وشريفهم؛ ثم قل له: إن الملك يقول لكنم: إني لم آتِ لحربكم؛ إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجةَ لي بدمائكم؛ فإن لم يُرِدْ حربي فَائْتني به.\nفلما دخل حُنَاطة مكّة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطّلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقة؛ هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم -أو كما قال- فإنْ يمنعْه فهو بيته وحَرمه، وإن يخلّ بينه وبينه، فوالله ما عندنا من دَفْع عنه -أو كما قال له- فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنّه قد أمرني أن آتيَه بك- فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفْر- وكان له صديقًا- حتى دُلّ عليه، وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفْر! هل عندك غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفْر: وما غَناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا! ما عندي غناء في","vol":"6","page":461},{"text":"شيء مما نزل بك إلّا أن أنيسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير؛ إن قدر على ذلك. قال: حسبي.\nفبعث ذو نفْر إلى أنَيس، فجاء به، فقال: يا أنَيس! إن عبد المطلب سيّد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسّهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير فاستأذِنْ له عليه، وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل، فكلّم أنيس أبرهة، فقال: أيها الملك! هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكّة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فَائْذنْ له عليك، فيكلِّمك بحاجته وأحْسِن إليه. قال: فأذن له أبرهة -وكان عبد المطلب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا- فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلْكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجَتك إلى الملك، فقال له ذلك التّرجمان، فقال عبد المطّلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ عليّ مئتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدت فيك حين كلّمتَني؛ أتكلّمني في مئتي بعير قد أصبتُها لك وتتركُ بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه لا تكلّمني فيه! قال له عبد المطلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه، قال: ما كان ليمنع منّي، قال: أنت وذاك، اردد إليّ إبلي.\nوكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المطّلب إلى أبرهة حين بحث إليه حُناطة: يعمر بن نُفاثة بن عديّ بن الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة -وهو يومئذ سيّد بني كنانة- وخويلد بن واثلة الهذلي -وهو يومئذ سيد هُذَيل- فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم.\nوكان أبرهة قد ردّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه؛ انصرف عبد المطّلب إلى قُريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز في شَعَف الجبال والشِّعاب تخوُّفًا عليهم معرّة الجيش، ثم قام عبد المطّلب فأخذ بحلْقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله","vol":"6","page":462},{"text":"ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلْقة باب الكعبة:\nيَا رَبِّ لَا أرْجُو لَهْم سواكَا ... يا رَبّ فامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكا\nإنَّ عَدُوَّ الْبَيتِ مَن عاداكا ... امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا\nثم قال أيضًا:\nلاهُمَّ إنَّ الْعَبْدَ يَمْـ ... ـنعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حِلالكْ\nلا يغلبنَّ صَلِيبُهُمْ ... ومِحالُهُم غَدْوًا مِحَالك\nفلَئِنْ فَعَلْتَ فَرُبَّمَا ... أوْلى فأَمْرٌ ما بدا لَك\nولئنْ فَعَلْتَ فإِنَّه ... أمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعالكْ\nجَرُّوا جُموعَ بِلادِهم ... والْفِيلَ كَي يَسْبُوا عِيالكْ\nعَمَدُوا حِمَاكَ بكَيدِهِمْ ... جهْلًا ومَا رَقِبُوا جَلالكْ\n[وقال أيضًا]:\nوَكُنْتَ إذا أَتَى باغٍ بِسِلْمٍ ... نُرَجّي أَنْ تَكُونَ لَنا كذَلِكْ\nفَوَلّوْا لم ينالُوا غَيرَ خِزْيٍ ... وكانَ الْحَينُ يُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ\nولم أَسْمَعْ بأرْجَسَ من رِجالٍ ... أرَادوا العِزَّ فانْتهكُوا حَرَامَكْ\nثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومَنْ معه من قريش إلى شعَف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة، وهيأ فيلَه، وعبَّى جيشه -وكان اسم الفيل محمودًا- وأبرهة مجمع لهدْم البيت ثم الانصراف إلى اليمن؛ فلما وجَّهوا الفيل أقبل نُفيل بن حَبيب الخَثْعَميّ حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بإذنه، فقال: ابْرُكْ محمُود، وارجعْ راشدًا من حيث جئت؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نُفيل بن حبيب يشتدّ حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقومَ فأبى، وضربوا في رأسه بالطّبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجنَ لهم في مَرَاقّه فبزَغوه ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في مِنقاره، وحجران في رجليه مثل الحمّص،","vol":"6","page":463},{"text":"والعَدَس لا تصيب منهم أحدًا إلَّا هلك، وليس كلُّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلي اليمن، فقال نُفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:\nأَينَ الْمَفرّ والإلهُ الطَّالِبْ ... والأشْرَمُ الْمَغْلوبُ غَيرُ الغالبْ!\nوقال نفيل أيضًا:\nألا حُيِّيتِ عَنَّا يا رُدَيْنا ... نعِمْناكمْ مَعَ الإصْباح عَينا\nأتانا قابِسٌ مِنكمْ عِشاءً ... فلَمْ يُقدَرْ لقَابِسِكمْ لدَينا\nرُدينَةُ لوْ رَأَيتِ ولَم تَرَيهِ ... لدَى جَنْبِ المُحَصَّبِ مَا رَأَينا\nإذًا لَعَذَرْتني وحَمِدْتِ رَأْيي ... ولم تأسَي عَلَى ما فاتَ بَينا\nحَمِدْتُ اللهَ إذْ عَايَنْتُ طيرًا ... وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَينَا\nفكلُّ القَوْمِ يَسْألُ عن نُفَيلٍ ... كأَنَّ عَلَيَّ لِلْحِبْشَانِ دَينَا!\nفخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون بكل مهلكٍ على كلِّ منهَل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنمُلةً أنمُلةً، كلّما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مِدّة تَمُثّ قيحًا ودمًا حتى قَدموا به صنعاء؛ وهو مثل فرخ الطّير، فما مات حتى انصدع صدره من قلبه -فيما يزعمون (١) (٢: ١٣٣/ ١٣٢ / ١٣٤/ ١٣٥ / ١٣٦).\n٨٣٠ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سُليمان عن أبيه، قال: وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن السّلمانيّ عن أبيه، قال: وحدّثنا عبد الله بن عمرو بن زهير الكَعْبيّ عن أبي مالك الحِمْيريّ عن عطاء بن يسار، قال: وحدّثنا محمد بن أبي سعيد الثَّقَفيّ عن يَعلَى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمّه أبي رَزين العُقَيلي، قال: وحدّثنا سعيد بن مُسْلم عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، عن ابن عبّاس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: كان النجاشي قد وجّه أرياط أبا صحم في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرم\n_________\n(١) الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢) وأخرجه البيهقي (دلائل النبوة ١/ ١١٥) والله أعلم.","vol":"6","page":464},{"text":"أبو يكسوم، فدعا إلى طاعته، فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن، ورأى الناس يتجهّزون أيام الموسم للحجّ إلى البيت الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقالوا: يحجّون إلى بيت الله بمكة، قال: ممّ هو؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسوته؟ قالوا: ما يأتي ها هنا من الوصائل، قال: والمسيح لأبنيَنّ لكم خيرًا منه! فبنى لهم بيتًا، عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضة، وحفَّه بالجوهر، وجعل له أبوابًا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وفصل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل لها حجابًا، وكان يوقد بالمْندَل، ويلطّخ جُدُره بالمِسك، فيسوّده حتى يغيب الجوهر. وأمر الناس فحجّوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون، ونَسَكوا له، وكان نُفيل الخثعميّ يؤرِّض له ما يكره، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرّك، فقامَ فجاء بعَذرة فلطّخ بها قبْلته، وجمع جِيفًا فألقاها فيه. فأخبر أبرهة بذلك، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: إنّما فعلت هذا العرب غضبًا لبيتهم، لأنقضنّه حجرًا حجرًا. وكتب إلى النجاشيّ يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله \"محمود\" -وكان فيلًا لم يُر مثله في الأرض عِظَمًا وجسمًا وقوّة- فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه مَلِك حِمْير، ونُفَيل بن حبيب الخثعميّ، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نَعم الناس، فأصابوا إبلًا لعبد المطلب، وكان نُفَيل صديقًا لعبد المطّلب، فكلّمه في إبله، فكلّم نُفَيل أبرهة، فقال: أيُّها الملك، قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم قَدْرًا، وأقدمهم شرفًا، يحمل على الجياد ويعطى الأموال، ويُطعِم ما هبّت الريح. فأدخله على أبرهة، فقال: حاجتك! قال: تردّ عليّ إبلي، فقال: ما أرى ما بلغني عنك إلا الغُرور، وقد ظننت أنّك تكلّمني في بيتكم الذي هو شرفُكم، فقال عبد المطلب: ارددْ عليّ إبلي، ودونك البيت؛ فإن له ربًّا سيمنعه. فأمر بردّ إبله عليه، فلما قبضها قلّدها النّعال، وأشعرها، وجعلها هَدْيًا، وبثّها في الحرَم لكي يصاب منها شيء فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطعم بن عديّ وأبو مسعود الثقفيّ، فقال عبد المطلب:\nلَا هُمَّ إنَّ المَرْء يَمْـ ... ـنَعُ رَحْلَه فامْنَعْ حِلالكْ\nلا يَغلِبنَّ صَلِيبُهُمْ ... ومِحالُهُمْ غَدْوًا مِحالكْ","vol":"6","page":465},{"text":"إنْ كنْتَ تاركَهم وَقِبْـ ... ـلتنا فأمْرٌ ما بَدَا لكْ\nقال: فأقبلت الطّير من البحر أبابيل، مع كلّ طير [منها] ثلاثة أحجار: حجَران في رجليه، وحجر في مِنقاره، فقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئًا إلا هشّمته، وإلّا نفَط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجُدريّ، والحصبة، والأشجار المرّة، فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلًا أتِيًّا، فذهب بهم فألقاهم في البحر.\nقال: وولّى أبرهة ومَنْ بَقِيَ معه هُرّابًا، فجعل أبرهة يسقط عضوًا عضوًا. وأما \"محمود\" فيل النجاشيّ فربَض ولم يشجع على الحرَم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحُصب. ويقال: كانت ثلاثة عشر فيلًا، ونزل عبد المطّلب من حراء، فأقبل رجلان من الحبشة فقبّلا رأسه وقالا: أنت كنت أعلم.\nحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث أنّ أول ما رُئيَتِ الحصبة والجدريّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رئي بها مُرار الشجر: الحَرْمل والحنظل والعُشر، ذلك العام (١). (٢: ١٣٧/ ١٣٨ / ١٣٩).\n٨٣١ - قال ابن إسحاق: ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنُه في الحبشة يكسوم بن أبرهة -وبه كان يكنى- فذلّت حِمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة؛ فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتّخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب.\nقال: ولما ردّ الله الحبشة عن مكّة، فأصابهم ما أصابهم من النقمة، عَظّمت العرب قريشًا، وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم، فكفَاهم مؤونة عدوّهم.\nقال: ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملكَ اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة، فلما طال البلاء على أهل اليمن -وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقًا، وأخرجوا الحبشة من اليمن ثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة- خرج سيف بن ذي يَزن الحميريّ، وكان يكنى بأبي مُرّة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما همْ فيه، وطلب إليه أن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":466},{"text":"يخرجَهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم مَنْ شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يُشْكه، ولم يجد عنده شيئًا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر -وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق- فشكا إليه ما همْ فيه من البلاء والذلّ، فقال له النعمان: إنّ لي على كسرى وفادة في كلّ عام، فأقِم عندي حتى يكون ذلك، فأخرج بك معي. قال: فأقام عنده حتى خرج النّعمان إلى كسرى، فخرج معه إلى كِسرى، فلما قدِم النّعمان على كسرى وفرغ من حاجته؛ ذكر له سيف بن ذي يزن، وما قدم له، وسأل أن يأذنَ له عليه، ففعل. وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القَنْقَل العظيم، مضروبًا فيه الياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ، والذهب، والفضة معلّقًا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يُستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلّا برك هيبة له. فلما دخل عليه سيف بن ذي يزنَ برك، ثم قال: أيّها الملك! غلبتْنا على بلادنا الأغربة، فقال كسرى: أيّ الأغربة؟ الحبشة أم السّند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرَني عليهم، وتخرِجهم عنّي، ويكون مُلْك بلادي لك، فأنت أحبّ إلينا منهم. قال: بعدث أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير؛ إنّما بها الشاء والبعير، وذلك ممّا لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورّط جيشًا من فارس بأرض العرب. لا حاجة لي بذلك! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم وافٍ، وكساه كسوة حسنة.\nفلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن؛ خرج فجعل ينثُر الورِق للناس يُنْهِبها الصبيان والعبيد والإماء، فلم يلبث ذلك أنّ دخل على كسرى، فقيل له: العربيّ الذي أعطيتَه ما أعطيته ينثُرْ دراهمه للناس جممهِبها العبيد والصبيان والإماء. فقال كسرى: إنّ لهذا الرجل لشأنًا، ائتوني به، فلما دخل عليه قال: عمَدت إلى حِباء الملك الذي حَباك به تنثره للناس! قال: وما أصنع بالذي أعطاني الملك! ما جبالُ أرضي التي جئت منها إلّا ذهب وفضة -يرغبه فيها؛ لما رأى من زهادته فيها- إنّما جئت الملك ليمنعَني من الظلم، ويدفع عني الذلّ، فقال له كسرى: أقم عندي حتى أنظر في أمرك. فأقام عنده.","vol":"6","page":467},{"text":"وجمع كسرى مَرَازبته، وأهلَ الرأي ممّن كان يستشيره في أمره، فقال: ما ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل منهم: أيُّها الملك، إن في سجونك رجالًا قد حبستَهم للقتل، فلو أنّك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردتَ بهم، وإن ظهروا على بلاده كان مُلكًا ازددته إلى ملكك. فقال: إنّ هذا الرأي! أحصوا لي كمْ في سجوني من الرجال؛ فحسبوا له، فوجدوا في سجونه ثمانمئة رجل، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حَسَبًا، وبيتًا، اجعلوه عليهم. فوجدوا أفضلَهم حسبًا وبيتًا وَهْرِز -وكان ذا سنّ- فبعثه مع سيف، وأمّره على أصحابه، ثم حملهم في ثماني سفائن، في كلّ سفينة مئة رجل، وما يصلحهم في البحر.\nفخرجوا حتى إذا لجَّجوا في البحر، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلَص إلى ساحل اليمن من أرْض عدن ستّ سفائن، فيهنّ ستمئة رجل، فيهم وهرِز، وسيف بن ذي يزن، فلما اطمأنّا بأرض اليمن، قال وهْرِز لسيف: ما عندك؟ قال: ما شئتَ من رجل عربيّ، وفرس عربيّ؛ ثم اجعل رجلي مع رجلك؛ حتى نموت جميعًا أو نظهر جميعًا. قال وَهْرِز: أنصفت، وأحسنت! فجمعَ إليه سيف مَن استطاع من قومه، وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران، ونزل الناسُ بعضهم إلى بعض بعث وهرِز ابنًا له كان معه -يقال له: نَوْزاذ- على جريدة خَيل، فقال له: ناوشهم القتال، حتى ننظر كيف قتالهم. فخرج إليهم فناوشهم شيئًا من قتال، ثم تورّط في مكان لم يستطع الخروج منه، فقتلوه، فزاد ذلك وهرِز حنقًا عليهم، وجِدًّا على قتالهم.\nفلما تواقف الناس على مصافّهم قال وهرِز: أروني ملِكهم، فقالوا: ترى رجلًا على الفيل عاقدًا تاجَه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء، قال: نعم، قالوا: ذاك ملكهم، قال: اتركوه. فوقفوا طويلًا، ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على الفرس، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلًا، ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على البغلة، قال: ابنة الحمار! ذلّ وذلّ ملكه، هل تسمعون أنّي سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحرّكوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنّي قد","vol":"6","page":468},{"text":"أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.\nثم أوْتَر قوسه -وكانت فيما زعموا لا يوتِرها غيره من شدّتها- ثم أمر بحاجبيه فعُصِّبا له، ثم وضع في قوسه نُشابة فمغَط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصكّ بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النّشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، وتنكّس عن دابّته، واستدارت الحبشة، ولاثت به، وحملت عليهم الفُرْس، وانهزمت الحبشة، فقتِلوا وهرب شريدهم في كلّ وجه، فأقبل وَهْرِز يريد صنعاء يدخلها؛ حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكّسة أبدًا، اهدموا الباب. فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصبًا رايتَه يُسار بها بين يديه.\nفلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إنّي قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت مَنْ كان بها من الحبشة؛ وبعث إليه بالأموال. فكتب إليه كسرى يأمره أن يملّك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جِزْية وخرجًا يؤديه إليه في كلّ عام معلوم، يُبْعث إليه في كلّ عام. وكتب إلى وهرِز أن ينصرف إليه. فانصرف إليه وهرز، وملِّك سيف بن ذي يزن على اليمن، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن.\nفهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة، عن ابن إسحاق من أمر حِمْير، والحبشة، وملكهم وتوجيه كسرى من وجّه لحرب الحبشة باليمن (١). (٢: ١٤٢/ ١٤١).\n٨٣٢ - وأمّا هشام بن محمد، فإنَّه قال: ملك بعد أبرهة يكسوم، ثم مسروق. قال: وهو الذي قتله وهرِز في مُلك كسرى بن قُباذ، ونفى الحبشة عن اليمن.\nقال: وكان من حديثه: أن أبا مُرّة الفيَّاض ذا يزن، كان من أشراف اليمن، وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جَدن، فولدت له غلامًا سمّاه: مَعْدِ يكرب، وكانت ذاتَ جمال، فانتزعها الأشرم من أبي مُرّة، فاستنكحها، فخرج أبو مرّة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بني المنذر -أظنُّه عمرو بن هند- فسأله أن يكتب له\n_________\n(١) الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٥٤ - ٥٧) وانظر البداية والنهاية (٢/ ١١٠).","vol":"6","page":469},{"text":"إلى كسرى كتابًا، يعلمه فيه قدرَه وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه. فقال: لا تعجَل، فإنّ لي عليه في كلّ سنة وفادة، وهذا وقتها، فأقام قِبَله حتى وفَد عليه معه، فدخل عمرو بن هند على كِسرى، فذكر له شرفَ ذي يزن وحاله، واستأذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرًا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه فألطفه، وأحسن مسألته، وقال له: ما الأمر الذي نزع بك؟ قال: أيها الملك، إن السُّودان قد غلبونا على بلادنا، وركبوا منّا أمورًا شنيعة، أجلّ الملك عن ذكرها، فلو أنّ الملِك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره، لكان حقيقًا بذلك لفضله وكرمه وتقدّمه لسائر الملوك. فكيف وقد نزعنا إليه مؤمّلين له، راجين أن يقصِم الله عدوّنا وينصرنا عليهم، وينتقم لنا به منهم! فإن رأى الملك أن يصدّق ظنّنا، ويحقّق رجاءنا، ويوجّهَ معي جيشًا ينفون هذا العدوّ عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه -فإنّها من أخصب البلدان وأكثرها خيرًا، وليست كما يلي الملِك من بلاد العرب- فعل.\nقال: قد علمت: أنّ بلادكم كما وصفْت، فأيّ السّودان غلبوا عليها؟ الحبشة أم السّند؟ قال: بل الحبشة، قال أنوشِرْوان: إنّي لأحبّ أن أصدّق ظنَّك، وأن تنصرف بحاجتك؛ ولكنّ المسلكَ للجيش إلى بلادكَ صعب، وأكره أن أغرّره بجندي، ولي فيما سألتَ نظَر، وأنت على ما تحبّ.\nوأمر بإنزاله وإكرامه؛ فلم يزل مقيمًا عنده حتى هلك. وقد كان أبو مرّة قال قصيدة بالحِمْيريّة يمتدح فيها كسرى، فلما ترجِمت له، أعجب بها.\nوولدت ريحانة ابنة ذي جَدَن لأبرهة الأشرم غلامًا، فسمّاه مسروقًا، ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمّه ريحانة في حِجْر أبرهة فسبّه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، ولعن أباك! وكان معد يكرب لا يحسب إلّا أنّ الأشرم أبوه، فأتى أمه فقال لها: مَنْ أبي؟ قالت: الأشرم، قال: لا والله، ما هو أبي، ولو كان أبي ما سبَّني فلان، فأخبرتْه أنّ أباه أبو مرّة الفيّاض، واقتصّت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، ولبِث بعد ذلك لبثًا.\nثم إنّ الأشرم مات، ومات ابنه يكسوم، فخرج ابن ذي يزن قاصدًا إلى ملِك الرّوم، وتجنّب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الرُّوم ما يحبّ، ووجده يحامي عن الحَبشة لموافقتهم إيّاه على الدّين، فانكفأ راجعًا","vol":"6","page":470},{"text":"إلى كسرى، فاعترضَه يومًا وقد ركب، فصاح به: أيّها الملك، إنّ لي عندك ميراثًا. فدعا به كسرى لمّا نزل، وقال: مَنْ أنت؟ وما ميراثك؟ قال: أنا ابن الشيخ اليمانيّ ذي يزَن، الذي وعدتَه أن تنصره، فمات ببابك وحَضْرتك، فتلك العِدةُ حقّ لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه. فرقّ له كسرى، وأمر له بمال. فخرج الغلام، فجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس. فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: إنّي لم آتك للمال، إنّما جئتك للرجال، ولتمنعَني من الذّلّ. فأعجَب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقمْ حتى أنظرَ في أمرك. ثم إنّ كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموْبذان: إن لهذا الغلام حقًّا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدّم من عِدَته إياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجّههم معه، فإن أصابوا ظفرًا كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهلَ مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب.\nقال كسرى: هذا الرّأي، وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرْب، فأحصوا فبلغوا ثمانمئة نفر، فقوّد عليهم قائدًا من أساورته، يقال له: وهْرِز، كان كسرى يعدِ له بألف أسوار، وقوّاهم وجهّزهم وأمر بحملهم في ثمانيَ سفائن، في كُلّ سفينة مئة رجل، فركبوا البحر، فغرقت من الثماني السفن سفينتان، وسلِمت ستّ، فخرجوا بساحل حَضْرموت، وسار إليهم مسروق في مئة ألف من الحبشة وحِمْير والأعراب، ولحِق بابن ذي يزن بَشَرٌ كثير، ونزل وهْرِز على سِيف البحر، وجعل البحر وراء ظهره، فلمّا نظر مسروق إلى قلّتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك، وليس معك إلَّا من أرى، ومعي مَنْ ترى! لقد غرّرت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذِنت لك؛ فرجعت إلى بلادك ولم أهجك؛ ولم ينلك ولا أحدًا من أصحابك منّي ولا من أحد من أصحابي مكروه، وإن أحببتَ ناجزتُك الساعة، وإن أحببت أجّلتك حتى تنظرَ في أمرك، وتشاور أصحابك.\nفأعظم وهْرِز أمرَهم، ورأى: أنّه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق، بل تضرب بيني وبينَك أجلًا، وتعطيني موثِقًا وعهدًا، وتأخذ مثله منّي؛ ألا يقاتل بعضنا بعضًا حتى ينقضي الأجلُ، ونرى رأينا.","vol":"6","page":471},{"text":"ففعل ذلك مسروق، ثم أقام كلّ واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام، خرج ابن وهْرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، وحمله فرسُه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه - ووهْرِز لا يشعر به - فلما بلغه قتلُ ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم، فَلِمَ قتلتم ابني؟ فأرسل إليه مسروق: إنّ ابنك حَمَل علينا، وتوشط عسكرنا، فثار إليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، وقد كنت لقتله كارهًا. قال وهْرز للرّسول: قل له: إنه لم يكن ابني، إنما كان ابنَ زانية، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا. ثم أمر فرمِيَ به في الصعيد حيث ينظَر إلى جُثمانه، وحلف الّا يشرب خمرًا، ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم.\nفلما انقضى الأجل إلَّا يومًا واحدًا، أمر بالسّفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار، وأمر بما كان معهم من فَضل كسوة فأحرِق، ولم يدع منه إلَّا ما كان على أجسادهم، ثم دعا بكلّ زاد معهم. فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوْا أمر بفضله فألْقيَ في البحر، ثم قام فيهم خطيبًا، فقال: أمَّا ما حرّقتُ من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدًا، وأما ما حرّقت من ثيابكم، فإنَّه كان يغيظني إن ظفرتْ بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم، وأمّا ما ألقيت من زادكم في البحر، فإنّي كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يومًا واحدًا، فإن كنتم قومًا تقاتلون معي، وتصبرون؟ أعلمتموني ذلك. وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري؛ فإني لم أكن لأمكّنَهم من نفسي أبدًا. فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، أو نظفَر.\nفلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجلُ عبَّأ أصحابَه، وجعل البحر خلْفه، وأقبل عليهم يحضّهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خَلّتين، إمَّا ظفروا بعدوّهم، وإمّا ماتوا كرامًا، وأمرهم أن تكون قستهم موتَرة، وقال: إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشْقًا بالبَنْجكان - ولم يكن أهل اليمن رأوا النشّاب قبل ذلك - وأقبل مسروق في جَمْع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة، لا تزى أنّ دونَ الظفر شيئًا. وكان وهْرِز قد كل بصره فقال: أروني عظيمَهم، فقالوا: هو صاحب الفيل؛ ثم لم يلبث مسروق أن نزل","vol":"6","page":472},{"text":"فركب فرسًا، فقالوا: قد ركب فرسًا، فقال: ارفعوا لي حاجبَيّ، وقد كانا سقطا على عينيه من الكِبَر، فرفعوهما بعصابة، ثم أخرج نُشّابة، فوضعها في كبد قوسِه، وقال: أشيروا لي إلى مسروق، فأشاروا له إليه حتى أثبته، ثم قال لهم: ارموا، فرموْا، ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة، فأقبلت كأنهما رِشاء، حتى صكّت جبهة مسروق، فسقط عن دابَّته، وقتل في ذلك الرّشق منهم جماعة كثيرة، وانفضّ صفّهم لمّا رأوا صاحبَهم صريعًا، فلم يكن دون الهزيمة شيء، وأمر وهْرز بجثّة ابنه من ساعته فوريت، وأمر بجثة مسروق، فألقيت مكانَها، وغَنم من عسكرهم ما لا يُحصى ولا يُعدّ كثرة، وجعل الأُسوار يأخذ من الحبشة ومن حِمْير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتّفين، لا يمتنعون منه. فقال وهْرِز: أمّا حمير والأعراب فكفّوا عنهم، واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدًا. فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد، وهرب رجل من الأعراب على جَمَل له؛ فركضه يومًا وليلة، ثم التفت، فإذا في الحقيبة نُشّابة، فقال: لأمك الويل! أبُعْدٌ أم طول مسير - حسب أن النشابة لحقته. وأقبل وهْرز حتى دخل صنعاء، وغلب على بلاد اليمن، وفرّق عمَّاله في المخاليف.\nوفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهْرز والفُرس، يقول أبو الصّلْت أبو أميّة بن أبي الصَّلت الثقفيُّ:\nلِيَطْلُبِ الْوتْرَ أمْثَالُ ابنِ ذي يَزَنٍ ... ريَّمَ في البحر للأعداءِ أحوالا\nأتى هِرْقَلَ وقد شالتْ نَعامنُهُمْ ... فلَمْ يجِدْ عِنْدَه بَعْضَ الذي قالا\nثمّ انْتَحَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ سَابعةٍ ... منَ السِّنين لقَدْ أَبْعَدْتَ إيغالا\nحتى أتى بِبَني الأحْرَارِ يَحْمِلُهُمْ ... إنْكَ لَعَمْري لقَدْ أَطْوَلْتَ قلْقالا\nمَنْ مِثْلُ كِسْرَى شَهَنْشَاهِ الملُوكِ له ... أو مِثْلُ وهْرِزيَوْمَ الْجَيشِ إذْ صالا!\nلله دَرُّهمُ مِنْ عُصْبةٍ خرجوا ... ما إنْ تَرَى لَهُمُ في النّاس أمثَالا\nغُرٌّ جَحَاجحَةٌ بيضٌ مَرَازبةٌ ... أسْدٌ تُرَبِّبُ في الغيضَاتِ أَشْبَالا\nيرْمُونَ عن شدُفٍ كأنَّها عُبُطٌ ... في زَمْخَرٍ يُعْجِلُ المرمِيّ إعجَالا\nأُرْسَلْتَ أُسْدًا على سُودِ الكلابِ فقَدْ ... أضْحَى شَرِيدُهُمُ في الأرْضِ فُلَّالا\nفاشْرَبْ هَنيئًا عَلَيكَ التَّاجُ مُتكِّئًا ... في رأسِ غُمْدَان دَارًا مِنْكَ مِحْلَالا\nوَأَطْلِ بالْمِسْكِ إذْ شَالتْ نَعامَتُهُمْ ... وأسْبِلِ اليَوْمَ في بُرْدَيكَ إسْبَالا","vol":"6","page":473},{"text":"تِلكَ المَكارِمُ لَا قَعْبانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءً فعَادَا بعدُ أَبْوالا (١)\n(٢: ١٤٢ - ١٤٨).\n٨٣٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما انصرف وهرِز إلى كسرى، وملّك سيفًا على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتّلها ويبقر النساء عمّا في بطونها، حتى إذا أفناها إلَّا بقايا ذليلة قليلة، فاتّخذهم خَوَلًا، واتخذ منهم جمّازين يسعوْن بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حينًا غير كثير. ثم إنه خرج يومًا والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم؛ حتى إذا كان في وسط منهم وجؤوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهْرِز في أربعة آلاف من الفُرْس، وأمره ألا يترك باليمن أسْوَد ولا ولدَ عربيَّة من أسْوَد إلَّا قتله، صغيرًا أو كبيرًا، ولا يدع رجلًا جَعْدًا قَططًا قد شرك فيه السودان إلَّا قتله.\nفأقبل وهْرِز، حتى دخل اليمن، ففعل ذلك؟ ولم يترك بها حبشيًّا إلَّا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمّره كسرى عليها. فكان عليها، وكان يَجْبِيها إلى كسرى حتى هلَك، وأمّر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرِز، فكان عليها حتى هلك، فأمّر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمّر كسرى بعده خُرَّ خسْرَه بن البينجان بن المرزبان بن وهْرز، فكان عليها.\nثم إنَّ كسرى غضِب عليه، فحلف ليأتينّه به أهلُ اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا، فلما قدِم على كسرى تلقّاه رجل من عظماء فارس، فألقى عليه سيفًا لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القَتْل ونزعه، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدًا - ﷺ -.\nوكان -فيما ذُكِر- بين كسرى أنوشِرْزوان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة، فوقع بين رجل من العرب كان ملّكه يخطيانوس على عرب الشأم - يقال له: خالد بن جبَلة - وبين رجل من لَخْم، كان ملّكه كسرى على ما بين عُمان والبَحْرين واليَمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومَنْ فيها من العرب؛ يقال له: المنذر بن النّعمان - نائرة، فأغار خالد بن جَبَلة على حيّز المنذر، فقتل من\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":474},{"text":"أصحابه مقْتلة عظيمة، وغَنِم أموالًا من أمواله. فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد. فكتب كسرى إلى يخطيانوس، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح، ويعلمه ما لقِيَ المنذر عامله على العرب من خالد بن جَبَلة الذي ملّكه على مَنْ في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالدًا أن يردّ على المنذر ما غنم من حَيّزه وبلاده، ويدفع إليه دية مَنْ قتل من عربها. وينصف المنذر من خالد، وألّا يستخفّ بما كتب به من ذلك، فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه.\nوواتَر الكُتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفِل بها، فاستعدّ كسرى، فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، ومدينة الرُّهاء، ومدينة مَنْبج، ومدينة قِنّسْرِين، ومدينة حَلب، ومدينة أنْطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشأم - ومدينة فامِية، ومدينة حِمْص؛ ومدنًا كثيرة متاخمة لهذه المدائن؛ عَنْوة، واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسَبَى أهلَ مدينة أنطاكيَة، ونقلَهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طَيسَبُون علي بناء مدينة أنطاكيَة - على ما قد ذكرت قبل - وأسكنهم إياها؛ وهي التي تسمّى الروميّة، وكَوّر لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسُّوج نهْروان الأعلى، وطَسُّوج نهروان الأوسط، وطَسّوج نهروان الأسفل، وطَسّوج بادريا، وطَسُّوج باكُسايا، وأجرى على السَّبْي الذين نَقَلهم من أنطاكيَة إلى الروميّة الأرزاق. وولّى القيام بأمورهم رجلًا من نصارى أهل الأهواز، كان ولَّاه الرّياسة على أصحاب صناعاته - يقال له: بَراز - رِقّة منه لذلك السَّبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملّته، ويسكنوا إليه. وأمّا سائر مدن الشام ومصر فإنّ يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمِن له فدية يحملها إليه في كلّ سنة على ألا يغزوَ بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابًا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كلِّ عام.\nوكان ملوك فارس يأخذون من كُوَر من كُوَرِهم قبل ملك كسرى أنوشِرْوان في خراجها الثُلث، ومن كُوَر الرّبع، ومن كُوَر الخمس، ومن كُوَر السدس؛ على قدر شَرْبها وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئًا معلومًا، فأمر الملك قُباذ بن فَيروز في آخر ملكه بمسْح الأرض؟ سهلها وجبلها ليصحّ الخراج عليها،","vol":"6","page":475},{"text":"فمُسِحت؛ غير أن قُباذ هلك قبل أن يستحكِم له أمرُ تلك المساحة؛ حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخّل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتّابه فاستخرجوا جُمل ذلك، وأذن للناس إذنًا عامًّا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلّات الأرض، وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحْصِي من جِرْبان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضاخ، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنْجُم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثَغْر من ثغورنا، أو طَرَف من أطرافنا فَتْق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حَسْمه ببذلنا فيه مالًا؛ كانت الأموال عندنا معدّة موجودة، ولم نُرد استئناف اجتبائها على تلك الحال. فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟\nفلم يُشِر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبِس بكلمة، فكرّر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات. فقام رجل من عُرْضهم وقال لكسرى: أتضعُ أيها الملك - عمّرك الله - الخالدَ من هذا الخراج على الفاني من كَرْمٍ يموت، وزَرْع يَهيج، ونهرٍ يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها! فقال له كسرى: يا ذا الكلْفة المشؤوم، منْ أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتّاب، فقال كسرى: اضربوه بالدُّويِّ حتى يموت، فضربه بها الكتَّاب خاصة تبرّؤًا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون أيُّها الملك بما أنت مُلزِمنا من خراج.\nوإنّ كسرى اختار رجالًا من أهل الرأي والنصيحة، فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدّة النخل والزيتون ورؤوس أهل الجزية. ووضع الوَضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه صلاح رعيته، ورفاعة معاشهم، ورفعه إليه، فتكلّم كلّ امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وَضْع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرزّ والكَرْم والرِّطاب والنخل والزيتون؛ وكان الذي وضعوا على كلّ جَريب أرض مِنْ مزارع الحنطة والشعير درهمًا، وعلى كلّ جَريب أرض كَرْم ثمانية دراهم؛ وعلى كل جَريب أرض رِطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسيّة درهمًا، وعلى كلّ ستّ نخلات دَقَل مثل ذلك؛","vol":"6","page":476},{"text":"وعلى كلّ ستة أصول زيتون مثل ذلك؛ ولم يضعوا إلَّا على كلّ نخل [في] حديقة، أو مجتمع غير شاذّ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلّات السّبع. فقويَ الناس في معاشهم، وألزمُوا الناس الجِزْية ما خلا أهلَ البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتّاب؛ ومَنْ كان في خدمة الملك، وصيّروها على طبقات: اثني عشر درهمًا، وثمانية، وستة، وأربعة، كقَدْر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يُلزِموا الجزية مَنْ كان أتى له من السنّ دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيَها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجُم، كلّ نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار، وتأويله \"الأمر المتراضَى\"؛ وهي الوضائع التي اقْتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمّة عليها، إلَّا أنه وضع على كلّ جَريب أرض غامر على قدر احتماله؛ مثل الذي وضع على الأرض المزروعة، وزاد على كلّ جريب أرض مزارع حنطة أو شعير قفيزًا من حِنْطة إلى القفيزين، ورزق منه الجند. ولم يخالف عمر بالعراق خاصّة وضائعَ كسرى على جِرْبان الأرض، وعلى النخل، والزيتون، والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس.\nوأمر كسرى فدوّنت وضائعه نُسخًا، فاتُّخذت نسخة منها في ديوانه قِبَله، ودفعت نسخة إلى عمّال الخراج، ليجتبوا خراجَهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكُور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عُمّال الكُوَر والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كلّ مَنْ أصاب زرعه أو شيئًا من غلّاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة، وعَمّن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك؛ ليأمر بحسبه للعمّال، وألّا يخلُّوا بين العمّال وبين اجتباء مَنْ أتى له دون عشرين سنة.\nوكان كسرى ولّى رجلًا من الكتّاب - نابهًا بالنبل، والمروءة، والغَناء، والكفاية، يقال له: بابك بن البيروان - ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إنّ أمري لا يتمّ إلَّا بإزاحة علّتي في كلّ ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده. فأعطاه ذلك، فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سُوسَنجرد، ونَمَط صوف فوقه، ووضعت له وسائد لتُكَأته، ثم جلس على ما فُرِش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من","vol":"6","page":477},{"text":"الجند أن يحضره الفرسان على كُراعهم وأسلحتهم والرجّالة على ما يلزمهم من السّلاح، فاجتمع إليه الجُند على ما أمرهم أن يحضروه عليه، ولم يعاين كسرى فيهم؛ فأمرَهم بالانصراف، ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك، فاجتمع إليه الجند. فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا إليه، وأمر مناديه أن ينادى في اليوم الثالث: ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد، ولا من أُكرِم بتاج وسرير؛ فإنه عَزْم لا رُخصة فيه ولا محاباة. فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على رأسه وتسلّح بسلاح المقاتلة، ثم أتى بابك ليعترض عليه، وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعًا، وجَوْشنًا، وساقين، وسيفًا، ورمحًا، وترسًا، وجُرْزًا تلزمه منطقة، وطبرزينا أو عمودًا، وجعبة فيها قوسان بوتَريهما، وثلاثين نشّابة ووتَرين مضفورين يعلّقهما الفارس في مِغْفر له ظهريًّا.\nفاعترض كسرى على بابك بسلاح تامّ ما خلا الوتَرين اللذين كان يستظهر بهما. فلم يجز بابك عن اسمه، وقال له: إنّك أيها الملك واقف في موضع المعْدَلة التي لا محاباة تكون منِّي معها ولا هوادة، فهلمّ كلّ ما يلزمك من صنوف الأسلحة. فذكر كسرى قصة الوترين فتعلّقهما، ثم غرّد داعي بابك بصوته، وقال: للكميّ سيّد الكماة أربعة آلاف درهم، وأجاز بابك عن اسمه، ثم الصرف. وكان يفضّل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم.\nفلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى، فقال: إن غِلْظَتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك؛ إنما هي لأن ينفُذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله، وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني. فقال كسرى: ما غلُظ علينا أمرٌ أريد به صلاح رعيتنا، وأقيم عليه أوَدُ ذي الأوَد منهم.\nثم إنّ كسرى وجّه مع رجل من أهل اليمن يقال له: سَيفان بن مَعْد يكرب - ومن الناس من يقول: إنّه كان يسمى سيف بن ذي يزن - جيشًا إلى اليمن؛ فقتلوا من بها من السودان، واستوْلوا عليها. فلمّا دانت لكسرى بلاد اليمن وجّه إلى سَرَنْديب من بلاد الهند - وهي أرض الجوهر - قائدًا من قوّاده في جند كثيف، فقاتل ملكها فقتله، واستولَى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالًا عظيمة، وجوهرًا كثيرًا.","vol":"6","page":478},{"text":"ولم يكن ببلاد الفرس بناتُ آوى، فتساقطت إليها من بلاد الترك في مُلْك كسرى أنوشِرْوان؛ فبلغ ذلك كسرى؛ فبلغ ذلك منه مشقّة، فدعا بموْبَذان موْبذ، فقال: إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا، وقد تعاظم الناسُ ذلك، فتعجّبنا من استعظامهم أمرها لهوانها، فأخْبِرْنا برأيك في ذلك.\nفقال له موبذان مَوْبَذ: فإنّي سمعت أيها الملك - عمّرك الله - فقهاءنا يقولون: متى لا يغمر في بلدة العدلُ الجورَ، ويمْحق؛ بُلِيَ أهلها بغزو أعدائهم لهم، وتساقط إليه ما يكرهون، وقد تخوّفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب. فلم يلبث كسرى أنْ تناهى إليه أنّ فتيانًا من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدَّوْا فيما هم بسبيله العدل، ولا يعملوا في شيء منه إلَّا به، فصرَف الله لما جرى من العدل ذلك العدوّ عن بلاده من غير أن يكون حارَبهم، أو كلف مؤونة في أمرهم.\nوكان لكسرى أولاد متأدّبون، فجعل الملْك من بعده لهُرمُز ابنه الذي كانت أمّه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هُرمُز الملْك وقدرته على تدبير الملْك ورعيّته ومعاملتهم.\nوكان مولد رسول الله - ﷺ - في عهد كسرى أنوشِروان، عام قَدِم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكّة، وساق فيه إليها الفيل، يريد هدم بيت الله الحرام؛ وذلك لمضيّ اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنوشروان. وفي هذا العام كان يوم جَبلَة، وهو يوم من أيّام العرب مذكور (١). (٢: ١٤٨/ ١٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>ذكر مولد رسول الله - ﷺ </span>-\n٨٣٤ - قال: وسأل عثمان بن عفّان قَباث بن أشْيم أخا بني عمرو بن لَيث: أنت أكبر أم رسولُ الله - ﷺ -؟؛ قال: رسول الله - ﷺ - أكبرُ مني، وأنا أقْدَمُ منه في الميلاد، ورأيت خَذْق الفيل أخضرَ محيلًا بعْده بعام، ورأيت أُميّة بن عبد شمس شيخًا كبيرًا يقودُه عبْدُه. فقال ابنه: يا قَبَاث، أنت أعلم وما تقول (٢). (٢: ١٥٥).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":479},{"text":"٨٣٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن المطّلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة، قال: ولدت أنا ورسول الله - ﷺ - عام الفيل، فنحن لِدَان (١). (٢: ١٥٥).\n٨٣٦ - وحدّثت عن هشام بن محمد، قال: وُلد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - ﷺ - لأربع وعشرين مَضَت من سلطان كسرى أنوشِرْوان، وولد رسول الله - ﷺ - في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه (٢). (٢: ١٥٥).\n٨٣٧ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: ولد رسول الله - ﷺ - يومَ الإثنين عام الفيل، لاثنَتَي عشرة مضت من شهر ربيع الأول. وقيل: إنه وُلد - ﷺ - في الدَّار التي تُعْرَف بدار ابن يوسف؛ وقيل: إنّ رسول الله - ﷺ - كان وَهَبَها لعَقيل بن أبي طالب، فلم تَزَلْ في يد عَقِيل حتى توفِّي، فَبَاعها ولده من محمد بن يوسف، أخي الحجَّاج بن يوسف، فبنى دارَه التي يُقال لها دار ابن يوسف، وأدخل ذلك البيتَ في الدَّار، حتى أخرجَتْه الخيزُران فجعلَتْه مسجدًا يصلَّى فيه (٣). (٢: ١٥٦).\n٨٣٨ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: يزْعُمون فيما يتحدَّث الناس - والله أعلم -: أن آمنة بنت وهب أتم رسول الله - ﷺ - كانت تُحدَّث: أنَّها أتِيَتْ لمّا حَمَلت برسول الله - ﷺ -، فقيل لها: إنك قد حملت بسيِّد هذه الأمّة فإذا وقع بالأرض فَقُولي: أعيذُه بالواحد، من شرّ كل حاسد، ثم سمّيه محمدًا. ورأتْ حين حَمَلت به: أنَّه خرج منها نور رأت منه قُصور بُصْرَى من أرض الشَّام، فلمَّا وضعته أرسلت إلى جدّه عبد المطلب: أنَّه قد ولد لك غلام فَائْته، فانظرُ إليه. فأتاه فنظر إليه، وحدَّثتْه بما رأتْ حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرِت أن تسمّيَه (٤). (٢: ١٥٦).\n٨٣٩ - حدَّثني محمد بن سنان القزَّاز، قال: حدَّثنا يعقوب بن محمد\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) والخبر في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق معضلًا.","vol":"6","page":480},{"text":"الزُّهْريّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن عمران، قال: حدّثني عبدُ الله بن عثمان بن أبي سُلَيمان بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه، عن ابن أبي سُوَيد الثقفيّ، عن عثمان بن أبي العاص، قال: حدّثتني أمّي: أنَّها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أمّ رسول الله - ﷺ - وكان ذلك ليلَ وَلَدَتْه - قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلَّا نَوَّر، وإني لأنظُر إلى النجوم تَدْنو، حتى إني لأقول: لتقعنَّ عَلَيَّ (١). (٢: ١٥٦/ ١٥٧).\n٨٣٩ / أ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فيَزْعُمُون: أن عبد المطلب أخذَهُ فدخل به على هبَل في جوف الكَعْبة، فقام عنْدَه يدعو الله ويشْكُر ما أعطَاه، ثمَّ خرج به إلى أمّه فدفعه إليها، والْتَمَسَ له الرُّضَعَاء، فاسترضع له امرأةً من بني سعد بن بكر، يقال لها: حليمة ابنة أبي ذُؤَيب، وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن لثِمجْنَة بن جابر بن رِزِام بن ناصرة بن فُصيّة بن سعد بن بكر بن هَوازِن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عَيلان بن مُضَر. واسم الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة بن مِلَّان بن ناصرة ابن فُصيّة بن سعد بن بكْر بن هَوَازِن بن منصور بن عِكْرِمَة بن خَصَفة بن قيس بن عيلان بن مضر. واسم إخْوَته من الرَّضَاعة: عبد الله بن الحارث، وأنَيسة بنة الحارث، وخِذامة بنة الحارث، وهي الشَّيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومِهَا إلَّا به. وهي حليمة بْنةُ عبد الله بن الحارث، أمّ رسول الله - ﷺ -؛ ويزعمون: أنّ الشّيماء كانت تَحْضُنُه مع أمّها إذ كان عندهم - ﷺ -.\nوأمَّا غير ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدّثني به الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني موسى بن شَيبَة عن عميرة ابنة عُبيد الله بن كعب بن مالك، عن بَرَّة ابنة أبي تُجْزَأة، قالت: أوَّلُ من أرضعَ رسول الله - ﷺ - ثوَيبة بلبنِ ابنٍ لها - يُقال له: مَسْرُوح -أيامًا قبل أن تقدَم حليمة؛ وكانت قد أرْضَعَت قبله حمزَة بن عبد المطلب، وأرْضَعَت بعدَه أبا سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ (٢). (٢: ١٥٦/ ١٥٧).\n٨٤٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":481},{"text":"وحدَّثنا هنَّاد بن السَّرِيّ، قال: حدَّثنا يونس بن بُكير، قال: حدَّثنا ابن إسحاق. وحدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدَّثنا المُحَاربيّ عن ابن إسحاق. وحدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثني عمِّي محمد بن سعيد، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كانت حليمة ابنة أبي ذُؤَيب السَّعدية أمّ رسول الله - ﷺ - التي أرْضَعَتْه تُحدَّث: أنها خرَجَتْ من بلدها معها زوجُها وابنٌ لها ترضعه في نسوةٍ من بني سعْد بن بكر، تَلْتمسُ الرُّضَعاء، قالت: وذلك في سَنَة شهْبَاء لم تُبْقِ شيئًا، فخَرَجْتُ على أتان لي قَمْرَاء، معنا شارفٌ لنا، والله ما تبِضّ بقطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ من صَبيّنا الذي معي من بكائه مِن الجوعِ، وما في ثَدْيي مَا يُغْنيه، وما في شَارِفنا ما يغذُوه، ولكنَّا نرجوا الغيثَ والفرجَ؛ فخرجتُ على أتاني تلك، فلقد أذمّت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا، حتى قدمنا مكَّة نلتمِسُ الرُّضعاء، فما منَا امرأة إلَّا وقد عُرضَ عليها رسول الله - ﷺ - فتَأبَاه إذا قيل لها: إنَّه يتيمٌ، وذلك أنَّا إنَّما نرجو المعروفَ من أبي الصَّبيّ، فكنّا نقولُ: يتيمٌ ما عسى أن تصنع أمّهُ وجدّه؛ فكنا نكرهه لذلك؛ فما بَقِيَتْ امرأةٌ قدِمَتْ مَعي إلَّا أخَذَتْ رضيعًا، غيري فلمَّا أجمَعْنا الانطلاق، قلت لصاحبي: إني لأكْرَه أن أرجعِ من بين صوَاحباتي ولم آخذْ رضيعًا، والله لأذهبنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخُذنَّه، قال: لا عليك أن تفعلي، فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة! قالت: فذهبتُ إليه فأخَذْتُه وما حملني على ذلك إلَّا أني لم أجِد غيرَه. قالت: فلما أخذْتُه رجعت به إلى رحْلي، فلمَّا وضعته في حِجْري أقبَل عليه ثدْيَايَ بما شاء من لبن، فشرب حتَّى رويَ، وشربَ معه أخُوه حتى رَويَ، ثم ناما - وما كان ينامُ قبلَ ذلك - وقام زوجي إلى شارِفنا تلك، فنظر إليها فإذا إنّها لحافل، فحلبَ منها حتَّى شرِبَ وشربتُ، حتى انتهينا ريًّا وشَبَعًا، فبتْنَا بخير ليلة. قالت: يقول لي صاحبي حينَ أصبحتُ: أتعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمةً مباركة! قلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثمَّ خرجنَا وركبتُ أتاني تلك، وحملتُه عَليها معي، فوالله لقَطَعَتْ بنا الرَّكْب ما يقدَمُ عليهَا شيءٌ من حُمُرِهم، حتَّى إن صواحبي ليَقُلْنَ لي: يا بنةَ أبي ذُؤَيب، اربَعِي علينا. أليسَ هذه أتانَكَ التي كنت خرجتِ عليها؟ فأقولُ لهنّ: بلى والله، إنها لهي هي! فيقلن: والله إنَّ لها لشأنًا. قالت: ثمَّ قدمنا منازِلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرضِ الله أجدبَ","vol":"6","page":482},{"text":"منها، فكانتْ غنمي تروح عليّ حين قدِمْنا به معنا شِباعًا لُبَّنًا، فنحلب، ونشرب، وما يحلب إنسانٌ قطرةً ولا يجدها في ضَرْع، حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلَكم، اسرحوا حيثُ يسرَح راعي ابنة أبي ذؤيب! فتَرُوحُ أغنامُهم جياعًا ما تَبِضّ بقطرةِ لبن، وتروح غَنَمي شِبَاعًا لُبَّنًا. فلم نزل نتعرَّف من الله زيادةَ الخير به، حتى مضت سنتان وفصلتُه. وكان يشِبُّ شبابًا لا يشَبُّه الغلمان، فلم يبلغ سَنَتَيهِ حتَّى كان غلامًا جَفْرًا، فقدِمْنا به على أمِّه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنَّا نرى من بركته، فكلَّمنا أمَّه، وقلنا لها: يا ظِئْر، لو تركْتِ بُنيّ عندي حتى يغلُظ، فإني أخشى عليه وباء مكّة! قالت: فلم نزل بها حتَّى ردَدْناه معنا. قالت: فرجعْنا به، فوالله إنَّه بعد مقدمنا به بأشْهر مع أخيه في بَهْم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخُوه يشتدُّ، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشيّ قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضْجَعاه وشقَّا بطنه وهما يسوطانه. قالت: فخرجتُ أنا وأبوه نَشتدّ، فوجدناه قائمًا منتقعًا وجهه، قالت: فالتزمْتُه والتزمَه أبُوه، وقلنا له: ما لك يا بنيّ؟ ! قال: جاءني رجلان عليهما ثيابُ بياض، فأضجعاني فشقَّا بطني فالتمسا فيه شيئًا لا أدري ما هو! قالت: فرجعنا إلى خِبائنا. قالت: وقال لي أبوه: والله يا حليمة لقد خشيتُ أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألْحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، قالت: فاحتَمَلْناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمَكِ به يا ظِئْر، وقد كنت حريصةً عليه وعلى مُكْثه عندك؟ قالت: قلتُ: قد بلغ الله بابني وقضيتُ الذي عليَّ وتخوّفتُ الأحْداثَ عليه، فأدَّيتُه إليك كما تحبّين. قالت: ما هذا بشأنِك، فاصدقينِي خبَرَك، قالت: فلم تدعني حتَّى أخبرتها الخبر، قالت: فتخوّفت عليه الشيطان؟ قالت: فقلت: نعم، قالت: كلَّا والله ما للشَّيطان عليه سبيل، وإنَّ لِبُنيَّ لشأنًا، أفلا أخبِرُكِ خَبَرَهُ؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيتُ حين حَمَلْتُ به: أنَّه خرج مني نُورٌ أضاءت له قصور بُصرَى من أرض الشام، ثم حملتُ به، فوالله ما رأيت من حَمْل قطُ كان أخفَّ منه ولا أيسرَ منه، ثم وقع حين ولدته وإنَّه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسه إلى السَّماء؛ دعيه عنكِ، وانطلقي راشِدَة (١). (٢: ١٥٨/ ١٥٩ / ١٦٠).\n_________\n(١) مدار هذا الحديث على الجهم بن أبي الجهم لم يوثقه سوى ابن حبان وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٢١٢) وأبو يعلى =","vol":"6","page":483},{"text":"٨٤١ - حدَّثنا نصرُ بن عبد الرحمن الأزْدي، قال: حدَّثنا محمد بن يَعْلَى عن عمر بن صُبَيح، عن ثَوْر بن يزيد الشَّأميّ، عن مكْحول الشأميّ، عن شدَّاد بن أوْس، قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول الله - ﷺ -، إذ أقبل شيخ من بني عامر، وهو مِدْرَهُ قومِه وسيّدهُم؛ من شيخ كبير يتوكأ على عصا، فَمَثَل بين يدي النبيّ - ﷺ - قائمًا، ونسبَه إلى جدّه، فقال: يا بن عبد المطّلب؛ إنّي أنْبِئتُ: أنّك تزعم: أنّك رسول الله إلى النَّاس، أرسلك بما أرْسَل به إبراهيمَ، وموسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنَّك فوّهت بعظيم، وإنَّما كانت الأنبياءُ والخلفاءُ في بيتَين من بني إسرائيل، وأنت ممَّن يَعْبُد هذه الحجارةَ والأوثان، فما لك وللنبوّة؟ ! ولكنّ لكلّ قول حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك، وبدء شأنك؛ قال: فأُعْجِبَ النبيّ - ﷺ - بمَسْألَتِه، ثم قال: يا أخا بني عامر! إنَّ لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسًا، فاجلسْ، فَثَنَى رجْليه ثم برك كما يبرك البعير، فاستَقْبَله النبيّ بالحديث فقال: يا أخا بني عامر! إن حقيقةَ قولي، وبدءَ شأني: أنّي دَعْوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى أخي عيسى بن مرْيَم. وإنّي كنْتُ بِكْرَ أمّي، وإنَّها حملت بي كأثْقل ما تحمِلُ، وجعَلَتْ تشتكي إلى صواحِبها ثقلَ ما تَجِدُ. ثم إنّ أمي رأت في المنام: أنّ الَّذي في بطنها نورٌ، قالتْ: فجعلت أتْبع بصري النورَ، والنورُ يسبقُ بصري، حتى أضاءَتْ لي مشارقُ الأرض، ومغاربُها. ثم إنَّها ولَدتْني فنشأتُ، فلمَّا أن نشأتُ بُغِّضَت إليَّ أوْثانُ قريش، وبُغِّض إليَّ الشّعْر، وكنت مسترضَعًا في بني ليث بن بكر، فبينَا أنا ذات يوم منتبِذ من أهلي في بطن واد مع أتْراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجَلَّة، إذ أتانا رهْطٌ ثلاثة معهم طَسْتٌ من ذهب مُلئ ثلْجًا، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هُرَّابًا حتى انتهوْا إلى شفير الوادي، ثم أقبلُوا على الرَّهط، فقالوا: ما أربُكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منّا، هذا ابن سيّد قريش، وهو مسترضع فينا؛ من غلام يتيم ليس له أب، فماذا يردّ عليكم قتلُه، وماذا تصيبون من ذلك! ولكن إن كنتم لا بدَّ قاتليه، فاختاروا منَّا أيّنا شئتم، فليأتكم مكانَه فاقتلُوُه، ودعُوا هذا الغلام فإنَّه يتيم. فلمَّا رأى الصبيان القومَ لا يُحيرون إليهم جوابًا،\n_________\n= (ح / ٧١٦٣) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه وقال: ورجالهما ثقات (المجمع / ح ٢٠٩٤).","vol":"6","page":484},{"text":"انطلقوا هُرَّابًا مسرعين إلى الحيّ، يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم؛ فعمَد أحدُهم فأضْجعني على الأرض إضْجَاعًا لطيفًا، ثم شقّ ما بين مفرق صدْري إلى منتهى عانتي، وأنا أنْظرُ إليه، فلم أجد لذلك مَسًّا. ثمّ أخرج أحشاءَ بطني ثمَّ غسلها بذلك الثلج فأنْعَم غسْلَها، ثم أعادها مكانَها، ثم قام الثاني منهم، فقال لصاحبه: تنحّ، فنحَّاه عني، ثم أدْخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصَدَعَه، ثم أخرج منه مُضْغَة سوداء، فرَمى بها ثم قال بيدِه يمنةً منه؛ كأنَّه يتناول شيئًا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نورًا، وذلك نور النبوّة والحكمة، ثمّ أعادَهُ مكانَه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا، ثم قال الثَّالث لصاحبه: تَنَحَّ عني، فأمَرَّ يَدَه ما بين مفرِق صدْري إلى مُنْتَهى عانتي، فالتأم ذلك الشقّ بإذْن الله. ثم أخذ بيدي فأنهضَني من مكاني إنْهَاضًا لطيفًا، ثم قال للأوَّل الذي شقّ بطني: زِنْه بعشرة من أمَّتِه، فوزنوني بهم فرجحتُهم، ثم قال: زنه بمئة من أمَّتِه، فوزنوني بهم فرجَحْتُهم، ثم قال: زنه بألف من أمَّته، فوَزَنُوني بهم فرجَحْتُهم. فقال: دعوهُ، فلو وزَنْتمُوه بأمَّته كلها لرجحهم. قال: ثمَّ ضمّوني إلى صُدورهم وقبّلوا رأسي وما بينَ عينيَّ، ثم قالوا: يا حبيب! لم تُرَعْ؛ إنَّك لو تدري ما يراد بك من الخير لقَرَّتْ عيناك. قال: فبينَا نحن كذلك؛ إذ أنا بالحيّ قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمّي - وهي ظئْري - أمام الحيّ تهتف بأعْلَى صوتها، وتقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبُّوا على، فقبَّلوا رأسي وما بين عينيّ، فقالوا: حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظِئْري: يا وحيدَاه! فانكَبّوا على فضمّوني إلى صُدُورهم وقَبَّلوا رأسي وما بين عَينَيَّ، ثم قالوا: حَبَّذا أنت من وحيد وما أنتَ بوحيدَ إن الله معك وملائكتَه والمؤمنين من أهل الأرض. ثمَّ قالت ظئري: يايتيماه، اسْتُضْعِفْتَ من بين أصحابك فَقُتِلْتَ لضعْفِك، فانكبّوا عليَّ فضَمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي وما بين عَينَيّ، وقالوا: حتذا أنت من يتيم، ما أكْرَمَك على الله! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير! قال: فوصلوا بي إلى شَفِير الوادي، فلمّا بصرت بي أمّي - وهي ظئري - قالت: يا بُنيَّ ألا أراك حيًّا بعدُ! فجاءت حتَّى انكبَّتْ على وضمَّتْني إلى صدْرِها؛ فو الذي نفسي بيده، إنّي لفي حِجْرها وقد ضمّتني إليها، وإنَّ يدي في يد بعضهم، فجعلتُ ألتفتُ إليهم وظَننْتُ أنّ القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، يقول بعض القوم: إنَّ هذا الغلامَ قد أصابه لمَم أو طائفٌ من الجنّ، فانطلقوا به إلى كاهِننا حتى ينظر","vol":"6","page":485},{"text":"إليه ويُدَاويَه. فقلت: يا هذا! ما بي شيء مما تذكر، إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح، ليس بي قَلبَة. فقال أبي - وهو زوج ظئري - ألا ترون كلامه كلامَ صحيح! إني لأرجو ألّا يكون بابني بأسٌ، فاتّفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فلمَّا قَصُّوا عليه قِصَّتي قال: اسكُتُوا حتَّى أسمعَ من الغلام، فإنَّه أعلمُ بأمره منكم، فسألني، فاقتصصت عليه أمري ما بين أوَّله وآخره، فلمَّا سمع قولي وَثَبَ إليَّ فضمَّني إلى صدْره ثم نادى بأعلى صوته: يا لَلْعَرب! يا لَلْعَرب! اقتلوا هذا الغلامَ واقتلوني معه، فو اللّات والعزَى لئن ترَكتْموه وأدرك؛ ليَبُدّلن دينكُم، وليُسفّهَنَّ عقولَكُم وعقولَ آبائكم، وليَخالفنَّ أمْرَكم، وليأتِيَنكُم بدينٍ لم تسمعوا بمثله قطّ! فَعَمَدَتْ ظِئري فانتزعَتْني من حِجْرِه وقالت: لأنْتَ أعْتَهُ وأجَنّ من ابني هذا! فلو علمتُ: أن هذا يكون من قولك ما أتيتُك بِه، فاطلب لِنَفْسِك من يقتُلُك، فإنّا غيرُ قَاتِلي هذا الغلام. ثم احتملوني فأدّوني إلى أهلي فأصبحت مُفْزَّعًا مما فعل بي، وأصبح أثر الشّقّ ما بين صدري إلى مُنْتَهَى عانتي كأنه الشِّراك. فذلك حقيقةُ قولي، وبدءُ شأني يا أخا بني عامر!\nفقال العامريّ: أشهدُ بالله الذي لا إله غيره: أن أمْرَك حقّ! فأنبئْني بأشياء أسألك عنها؛ قال: سل عنك - وكان النبيّ - ﷺ - قبل ذلك يقول للسّائل: سل عمّا شئت، وعمَّا بدا لك، فقال للعامريّ يومئذ: \"سل عنْك\"، لأنَّها لغةُ بني عامر، فكلَّمه بما علِم - فقال له العامريّ: أخبرني يا بنَ عبد المطلب ما يزيدُ في العِلم؟ قال: التعلّم. قال: فأخبرني ما يدلّ على العلْم؟ قال النبيّ - ﷺ -: السؤال. قال: فأخْبِرْني ماذا يزيدُ في الشرّ؟ قال: التمادي. قال: فأخْبرني هل ينفع البِرُّ بعد الفجور. قال: نعم، التَّوبة تغسِل الحوْبة، والحسناتُ يُذهِبْن السيئات، وإذا ذكر العبدُ ربَّه عند الرَّخاء؛ أغاثهُ عند البَلَاء. قال العامريّ: وكيف ذلك يا بنَ عبد المطلب؟ ! قال: ذلك بأنّ الله يقول: لا وعزَّتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمْنَين، ولا أجمع له أبدًا خوْفَين، إن هو خافَني في الدنيا؛ أمِنَنِي يومَ أجمعُ فيه عِبادي عندي في حظيرة الفردوس، فيدومُ له أمْنُه، ولا أمْحقُه فيمن أمحق، وإن هو أمِنَني في الدُّنيا خَافَني يوم أجْمَعُ فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدومُ له خوفُه. قال: يا بن عبد المطّلب! أخبرني إلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى عبادة الله","vol":"6","page":486},{"text":"وحْدهُ لا شريكَ لَهُ، وأن تَخْلَع الأنْدَاد، وتكْفُرَ باللَّات والعزَّى، وتقرَّ بما جاء من الله من كتاب أو رسول، وتصلِّي الصلوات الخمس بحقائقهنّ، وتصوم شهرًا من السنة، وتؤدي زكاةَ مَالِكَ، يطهّرك اللهُ بها، ويُطَيِّب لك مالكَ، وتحجّ البيتَ إذا وجَدْت إليه سبيلًا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموْت، وبالبَعْث بعد الموت، وبالجَنَّة، والنار. قال: يا بن عبد المطّلب! فإذا فعلتُ ذلك فما لي؟ قال النبيّ - ﷺ -: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: يا بن عبد المطّلب! هل مع هذا من الدنيا شيء؟ فإنه يُعْجبُني الوَطاءَة من العيش! قال النبي - ﷺ -: نعم، النَصْرُ، والتَّمكُن في البلاد. قال: فأجابَ، وأنابَ (١). (٢: ١٦١/ ١٦٢ / ١٦٣/ ١٦٤).\n٨٤١ / أ - قال ابن إسحاق: هلك عبدُ الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - ﷺ -، وأمُّ رسولِ الله آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حاملٌ به.\nوأمَّا هشام فإنه قال: توفِّيَ عبدُ الله أبو رسول الله بعدَ ما أتَى على رسولِ الله - ﷺ - ثمانيةٌ وعِشْرون شهرًا (٢). (١٦٥: ٢).\n٨٤٢ - حدّثنى الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر الواقديّ: الثَّبَت عندنا مِمّا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف: أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عِير لقريش، فنزل بالمدينة - وهو مريض - فأقام بها حتى توفِّي، ودفن في دار النابغة، في الدَّار الصّغْري إذا دخلت الدَّار على يسارك في البيت (٣). (٢: ١٦٥).\n٨٤٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: أن أمَّ رسول الله - ﷺ - آمنة، توُفِّيت - ورسولُ الله - ﷺ - ابنُ ستّ سنين - بالأبْوَاءِ بين مكة والمدينة، كانت قدمت\n_________\n(١) (ق / ٨٤١): قلنا: وفي إسناده عمر بن صج كذاب والحديث أخرجه الحافظ أبو نعيم في الدلائل. وقال الحافظ ابن كثير: عمر بن صج هذا متروك كذاب متهم بالكذب فلهذا لم نذكر لفظ الحديث؛ إذ لا يفرح به (البداية والنهاية ٢/ ٢٣٣).\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":487},{"text":"به المدينة على أخْوالِهِ من بني عدِيّ بن النَّجَّار تُزِيرُه إيَّاهم، فماتَتْ وهيَ راجعةٌ به إلى مكة (١). (٢: ١٦٥).\nق ٨٤٤ - وقد حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبَرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني ابن جريج عن عثمان بن صفوان: أنّ قبْر آمنة بنت وهب في شِعْبِ أبي ذرٍّ بمكَّة (٢). (٢: ١٦٦).\n٨٤٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن مَعْبد بن العباس، عن بعض أهله: أن عبد المطلب تُوُفِّيَ ورسول الله - ﷺ - ابن ثماني سنين؛ كان بعضهم يقول: تُوُفِّيَ عبد المطلب ورسول الله ابْنُ عَشْرِ سنين. (٣) (١٦٦٠٢).\n٨٤٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا طلْحَة بن عمرو الحضْرَميّ عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: كان النبي - ﷺ - حِجْر أبي طالب بعد جدّه عبد المطَّلب، فيُصْبحُ ولد عبد المطلب غُمْصًا رُمْصًا، ويصبح - ﷺ - صقِيلًا دهينًا (٤). (٢: ١٦٦).\n٨٤٧ - رجع الحديث إلى تمام أمْرِ كسرى بن قُباذ أنوشروان.\nحدثنا علي بن حرب الموصليّ، قال: حدَّثنا أبو أيّوب يَعْلى بن عمران البَجَليّ، قال: حدّثني مَخْزوم بن هانئ المخزوميّ عن أبيه - وأتت له خمسون ومئة سنة - قال: لمَّا كانت ليلة وُلِدَ فيها رسول الله؛ - ﷺ - ارْتَجَسَ إيوانُ كِسْرى وسقَطَتْ منه أربعَ عشرةَ شرفة، وخَمَدَتْ نار فارس، ولم تخمدْ قبل ذلك بألف عام، وغاضتْ بُحَيرة سَاوَة، ورأى الموبَذَان إبلًا صِعابًا تقود خيلًا عِرابًا، وقد قطعَتْ دِجْلَة، وانتشرتْ في بلادها. فلمَّا أصْبَح كِسْرَى؛ أفْزَعَهُ ما رأى، فصبَرَ تَشَجّعًا، ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومَرَازِبَتِهِ، فلبِسَ تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده مبهم.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":488},{"text":"فلمّا اجتمعوا إليه أخبرهم بالَّذي بَعَثَ إليهم فيه ودعاهم. فبينَاهُم كذلك إذْ وَرَدَ عليه كتابٌ بخمودِ النَّارِ فازداد غمًّا إلى غمّه، فقال الموْبذان: وأنا أصلح الله المَلِكَ؛ قد رأيت في هذه الليلة ... وقصَّ عليه الرُّؤيَا في الإبل. فقال: أيّ شيء يكون هذا يا موْبذان؟ ! - وكان أعلمهم عند نفسه بذلك - فقال: حادثٌ يكون من عندِ العرب، فكتب عند ذلك:\nمن كسْرى مَلك المُلُوك إلى النُّعمان بن المنذر، أمَّا بعد؛ فوجّهْ إليَّ رجلًا عالمًا بما أريدُ أن أسألَه عنه.\nفوجّه إليه عبدَ المسيح بن عمرو بن حيَّان بن بُقَيلة الغسّانيّ، فلمَّا قدم عليه، قال له: أعندك علم بما أريد أنْ أسألَكَ عنه؟ قال: ليخبرني الملك، فإنْ كان عنْدي منه علم، وإلَّا أخبرتُهُ بمن يعلمه له، فأخبَرَه بما رأى؛ فقال: علم ذلك عند خال لي يسكُن مَشَارِفَ الشأم، يقال له: سَطِيح، قال: فائْيه فاسأله عمّا سألْتك، وائْتِني بجوابه. فركب عبدُ المسيح راحِلَتَهُ حتى قدم على سَطيح - وقد أشفى على الموت - فسلَّم عليه وحيَّاه، فلم يُحِرْ سطيحٌ جوابًا، فأنشأ عبدُ المسيح يقول:\nأصمَّ أم يَسْمَعُ غِطرِيفُ الْيَمَنْ! ... يا فاصِلَ الْخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ\nأَم فَازَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَنْ ... أتاكَ شَيخُ الْحَيّ مِنْ آلِ سَنَنْ\nوَأُمُّهُ مِن آلِ ذِئْبِ بن حَجَنْ ... أزْرَقُ مُمْهَى النَّابِ صَرَّارُ الأُذُنْ\nأبْيَضُ فَضْفاضُ الرِّدَاءِ وَالْبَدَنْ ... رسُولُ قَيلِ الْعُجْم يَسْرِي لِلْوَسَنْ\nيَجُوبُ بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَزَن ... ترْفَعُنِي وَجْنٌ وتَهْوي بِي وَجَنْ\nلَا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَلَا رَيبَ الزَّمَنْ ... حتَّى أتَى عَارِي الجآجِي والقَطَنْ\nتَلفَّهُ في الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ ... كأَنَّمَا حُثْحِثَ مِنْ حَضْنَي ثَكَنْ\nفلمّا سمع سطيح شعْرَه، رفع رأسه، وقال: عبدُ المسيح، على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوْفى على الضَّريح، بَعَثك مَلِكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمودِ النيران، ورؤيا الموْبَذان. رأى إبلًا صِعابًا، تقود خيلًا عِرابًا، قد قَطَعَتْ دجْلة وانتشرت في بلادها؛ يا عبدَ المسيح! إذا كَثرُت التلاوَة، وبُعِث صاحبُ الهراوة، وفاض وادي السَّماوة، وغاضَتْ بحيرةُ ساوة، وخَمَدَتْ نارُ فارس؛ فليسَت الشَّأمُ لسَطيح شأمًا؛ يملِكُ منهم ملوكٌ","vol":"6","page":489},{"text":"ومَلِكَات، على عَدَدِ الشُرفَات، وكلُّ ما هو آت آت. ثمَّ قضى سطيح مكانَه، فقام عبد المسيح إلى رحْلِهِ وهو يقول:\nشَمِّرْ فإنَّكَ مَاضِي الهَمِّ شِمِّيرُ ... لا يُفزِ عَنَّكَ تَفْرِيقٌ وتَغْييرُ\nإنْ يَكُ مُلْكُ بَنِي ساسانَ أفْرَطَهُمْ ... فإنَّ ذَا الدَّهْرَ أطْوارٌ دَهَارِيرُ\nفرُبَّمَا رُبَّمَا أضْحَوْا بمَنْزِلَةٍ ... تهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المهَاصيرُ\nمِنْهُمْ أخو الصَّرْح مِهْرَانٌ وإخْوَتُهُ ... والهُرْمُزان وسابورٌ وسابورُ\nوالنَّاسُ أولادُ عَلَّاتٍ فمَن عَلِموا ... أنْ قد أقَلَّ، فمَهْجُورٌ ومَحْقُورُ\nوهُمْ بَنُو الأمِّ لَمَّا أنْ رَأَوْا نَشَبًا ... فذَاكَ بالْغَيبِ محْفوظٌ ومَنْصُورُ\nوالخَيرُ والشَّرُّ مقرونانِ في قَرَنٍ ... فالخيرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذُورُ\nفلمَّا قَدِم عبدُ المسيحِ على كِسْرى، أخبره بقول سطيح، فقال: إلى أن يملك منَّا أربعةَ عشر ملِكًا قد كانت أمور.\nفمَلَكَ منهم عشرةٌ أربعَ سنين، ومَلَك الباقون إلى ملْك عثمان بن عفان.\nوحُدّثتُ عن هشام بن محمد، قال: بعث وهْرِز بأموال وطُرَف من طُرَف اليمن إلى كسْرى، فلما صارَتْ ببلاد بني تميم، دعا صَعْصَعةُ بن ناجية بن عِقال المجاشعيّ بَني تميم إلى الوثوب عليه، فأَبَوْا ذلك، فلمَّا صارتْ في بِلادِ بني يربوع دعاهم إلى ذلك، فهابوه، فقال: يا بني يَرْبُوع! كأنّي بهذه العير قد مرَّت ببلاد بكْر بن وائِل، فوَثَبُوا عليها فاستعانوا بها على حَرْبِكُمْ! فلمَّا سمعوا ذلك؛ انْتَهَبُوها، وأخذ رجلٌ من بني سَليط يقال له: النَّطِف خُرْجًا فيهِ جوْهر، فكان يقال: \"أصاب كنز النَّطِف\"؛ فصار مثلًا؛ وأخذ صعْصَعة خَصَفة فيها سبائكُ فِضَّة، وصار أصحاب العير إلى هَوْذَة بن عليّ الحنفيّ باليمامة، فكساهم، وزوَّدهم وحملهم، وسار معهم حتى دخل على كسرى. وكان لَهْوذة جَمَالٌ وبَيَان، فأعجب به كسرى وحَفِظ له ما كان منه، ودعا بعِقد من دُرّ فعقد على رأسِه، وكساه قباء ديباج، مع كسوة كثيرة، فمن ثمَّ سُمّيَ هوذة ذا التاج؛ وقال كسرى لهوذة: أرَأيتَ هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا مِنْ قومِكَ هم؟ قال: لا، قال: أصلحٌ هُم لك؟ قال: بيننا الموتُ، قال: قد أدْرَكْت بعضَ حاجتك [ونلت ثأرك]. وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم، فقيل له: إنَّ بلادَهُمْ بلادُ سوء، إنّما هي مفاوزُ وصحارى لا يهتَدَى لمسالكها، وماؤهُمْ من الآبار،","vol":"6","page":490},{"text":"ولا يؤمن أن يُغَوّرُوها فيهلك جندك. وأشيرَ إليه أن يكتبَ إلى عامِله بالبحرين وهو آزاذ فُروز بن جُشْنَس الذي سمّتْه العرب المُكَعْبِر - وإنما سمِّي المكعبر، لأنَّه كان يقطع الأيديَ والأرْجُل وآلى ألا يدع من بني تميم عينًا تطرِفُ - فَفَعَل؛ ووجَّه له رسولًا. ودعا بهوذة فجدَّدَ له كرامة وصلَةً وقال: سِرْ مع رسولي هذا فاشْفِني واشْتَفِ، فأقبل هوذة والرَّسُول معه حتى صار إلى المكعبِر، وذلك قريب من أيَّام اللُّقاط، وكان بَنُو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هَجَر، للميرَةِ واللُّقاط، فنادى منادي المكَعْبِر: مَن كان ها هنا من بني تميم فلْيَحْضر فإن الملك قد أمر لَهُمْ بميرَةٍ وطعام يُقسّم فيهم؛ فحضروا، فأدخلهم المُشَقَّر - وهو حصنٌ حِيَاله حصنٌ يقال له: الصَّفا، وبينهما نهرٌ يقال له: محلّم - وكان الذي بني المشقَّر رجلًا من أساورَةِ كسرى يقال له: \"بَسَك بن ماهبوذ\"، كان كسرى وجَّهَهُ لبنائه، فلمَّا ابتدَأه قيل له: إنَّ هؤلاء الفَعَلَة لا يقيمون بهذا الموْضع إلَّا أن تكون معهم نساء، فإن فعلت ذلك بِهمْ تمَّ بناؤُك، وأقاموا عليهِ حتى يَفْرُغوا منه؛ فنقل إليهِم الفواجِرَ من ناحية السَّوَادِ والأهْواز، وحُمِلَتْ إليهم رَوَايا الخمْرِ من أرض فارس في البحر، فتَنَاكَحُوا، وتَوَالدوا، فكانوا جُلَّ أهل مدينة هَجَر، وتكلَّم القومُ بالعرَبيَّة، وكانت دعوَتُهم إلى عبْد القيس، فلما جاء الإسلامُ؛ قالوا لعبد القيس: قد علمتم عَدَدَنا، وعُدَّتنا، وعظيمَ غَنائنا، فأدْخلونا فيكم وزوّجونا، قالُوا: لا، ولكن أقيموا على حالكم، فأنتم إخوانُنَا وموالينا، فقال رجلٌ من عبد القيس: يا معاشر عبد القيس؛ أطيعوني وألحقوهم، فإنَّه ليس عن مثْل هؤلاء مرغَب، فقال رجل من القوم: أما تَسْتَحي! أتأمرنا أن نُدْخِل فينا من قد عَرفْتَ أوَّلَه وأصلَه! قال: إنَّكم إن لم تفعَلُوا؛ ألحقَهُمْ غيركم من العرب، قال: إذًا لا نستوحش لهم؛ فتفرَّق القوْم في العرب، وبقيتْ في عبد القيس منهم بَقيَّةٌ فانتَمَوْا إليهم، فلم يردُّوهم عن ذلك. فلما أدْخَل المكعبِرُ بَني تميم المشقّر قتل رجالهم واستبقى الغلمان، وقُتِل يومئذ قَعْنَب الرِّياحيّ - وكان فارسَ بني يَرْبُوع - قتله رجلان من شَن كانا ينوبان الملوك؛ وجعل الغلمان في السُّفن، فعبر بهم إلى فارس، فَخَصَوْا منهم بشرًا. قال هبيرة بن حُدير العَدويّ: رجع إلينا بعد ما فتحت إصطخر عدَّة منهم، أحدُهم خصِيٌّ والآخر خيَّاط. وشدَّ رجلٌ من بني تميم، يقال له: عبيد بن وَهْبٍ على سلسلة الباب فَقَطَعَها، وخَرَجَ، فقال:\nتذَكَّرْتُ هنْدًا لاتَ حِين تَذكُّرِ ... تذَكرْتها ودُونَهَا سَيرُ أَشْهُرِ","vol":"6","page":491},{"text":"حِجَازِيَّةٌ عُلْويَّةٌ خَلَّ أهلها ... مصابَ الخريفِ بَينَ زُورٍ وَمِنْوَرِ\nألا هَلْ أتى قَوْمي على النَّأْي أنَّني ... حِمَيتُ ذِماري يَوْمَ بابِ المُشَقَّر\nضَرَبْتُ رِتاجَ البابِ بالسَّيفِ ضَرْبَةً ... تفرَّجَ مِنْها كلُّ بَابٍ مُضَبَّرِ\nوكلَّم هوذة بن عليّ المُكَعْبِر يومئذ في مئةٍ من أسْرَى بني تميمٍ، فوهبهم له يوم الفِصْح، فأعتقهم، ففي ذلك يقول الأعشى:\nسائِلْ تميمًا به أيَّامَ صَفْقَتِهمْ ... لمَّا أتَوْهُ أُسَارَى كلُّهم ضَرَعا\nوَسْطَ المُشَقّرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ... لا يَسْتَطيعونَ بَعْدَ الضُّرِّ مُنْتَفعا\nفقال للمَلْكِ أطْلِقْ مِنْهُمُ مئةً ... رسْلًا مِنَ القَوْلِ مَخْفُوضًا وما رَفَعا\nفقَكَّ عن مئَةٍ مِنْهُمْ إسارَهُم ... وأصْبَحوا كُلُّهُمْ مِنْ غُلِّهِ خُلِعا\nبِهِمْ تَقَرَّبَ يَوْمَ الفِصْحِ ضَاحِيَةً ... يرْجُو الإلهَ بِمَا أسْدَى ومَا صَنَعَا\nفلا يَرَوْنَ بذاكمْ نِعْمَة سَبَقَتْ ... إنْ قال قائِلها حَقًّا بِها وسِعَا\nيصف بني تميم بالكُفْر لنعمته.\nقال: فلما حضرت وهْرِزَ الوفاة - وذلكَ في آخر ملْك أنوشِرْوان - دعا بقوسه، ونشَّابته، ثم قال: أجلسوني، فأجلسوه، فرمى، وقال: انظروا حيث وقعت نُشَّابتي فاجعلوا ناؤوسي هناك، فوقعت نشَّابتُه من وراء الدَّير، وهي الكنيسة التي عند نُعْم، وهيَ تسمَّى اليومَ مقبرةَ وهْرِز؛ فلمَّا بلغ كسْرَى موتُ وَهْرِز، بَعَثَ إلى اليمن أسوارًا يقال له: وين، وكان جَبَّارًا مُسْرِفًا، فَعَزَلَهُ هُرْمُز بن كِسْرَى، واستعمل مكانه المَرُوزان، فأقام باليمن حتى وُلدَ له بها، وبَلَغ ولدُه. ثم هلك كِسْرَى أنوشِرْوان، وكان مُلْكُه ثمانِيًا وأربعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>[ذكر ملك هرمز بن كسرى أنوشروان]</span>\nثم ملك هُرْمُز بن كِسْرى أنوشروان، وكانت أمّهُ ابنة خاقان الأكْبر، فحُدّثْتُ عن هشام بن محمد، قال: كان هُرْمُز بن كِسْرى هذا كثيرَ الأدب، ذا نِيَّة في الإحسان إلى الضُّعفاء والمساكين، والحمل على الأشراف، فعادَوْه وأبغضوه، وكان في نفْسِه عليهم مثلُ ذلك، ولمَّا عُقِدَ التَاجُ على رأسه، اجْتَمَع إليه أشرافُ أهْلِ مَمْلَكَتِه، واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده، فوعدهم خيرًا. وكان مُتَحَرِّيًا للسيرةِ في رعيَّتِه بالعدْل، شديدًا على العظماء لاستطالتهم كانت على","vol":"6","page":492},{"text":"الوُضعاء، وبلغ من عدْله: أنَّه كان يسير إلى ماه ليصيفَ، فأمر فَنُوديَ في مسيره ذلك في جُنْدِه وسائر منْ كان في عسْكره أنْ يتحامَوْا مواضعَ الحُروث ولا يضرّوا بأحَدٍ من الدَّهاقين فيها، ويضبطوا دوابَّهُمْ عن الفساد فيها، ووكَّل بتعاهد ما يكُون في عسكره من ذلك ومعاقبةِ منْ تعدَّى أمْرَه.\nوكان ابنُه كِسْرَى في عَسْكَرِه، فعار مركب من مراكِبِه ووقِع في مَحْرَثَة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفْسَد منها، فأخِذ ذلك المركب، ودُفِع إلى الرَّجُل الذي وكّل هُرْمُز بمعاقبة من أفسد أَوْ دابَّتهُ شيئًا من المحارث وتغريمه. فلم يقدر الرَّجل على إنفاذ أمر هُرْمز في كسرى، ولا في أحد مِضَن كان معه في حَشَمِه، فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هُرْمز، فأمر أن يجْدَع أذنيه، ويبتَّر ذَنَبُه، ويغرّم كسرى؛ فخرج الرَّجل من عند هُرْمُز لينفِّذ أمرَه في كِسْرى ومركبه ذلك، فدسَّ له كِسْرَى رهْطًا من العُظماء ليسْألوه التَّغْبيبَ في أمْره، فلقوه وكلَّموه في ذلك فلم يجب إليه، فسألوه أن يؤخِّر ما أمر به هُرْمُز في المركب حتى يكلِّموه فيأمر بالكفّ عنه، ففعل. فلقيَ أولئك الرَّهْط هُرْمُز وأعلموه: أن بالمرْكب الذي أفسد ما أفسد زعارَةً، وأنَّه عار فوقع في مَحْرَثَة؛ فأخِذ من ساعة وقع فيها، وسَألوه أن يأمر بالكفّ عن جدْعِه وتَبْتيرِه لما فيها من سوء الطِّيَرَة على كِسْرى. فلم يُجِبْهُم إلى ما سَألوا من ذلك، وأمر بالمركب فجُدِع أذناه، وَبُتِرَ ذنبه، وغرم كِسْرَى مثل ما كان يغزَم غيره في هذا الحدّ، ثمَّ ارتحل من معسكره. وكان هُرْمُز ركب ذات يوم في أوان إيناعِ الكرْم إلى ساباط المدائن، وكانَ مَمرُّهُ على بساتينُ وكرومٍ، وإنَّ رجلًا ممّن ركب معه من أساورَته اطَّلع في كَرْمٍ فرأى فيه حِصرِمًا، فأصاب منه عناقيدَ ودَفَعَها إلى غلامٍ كان معه، وقال له: اذهب بها إلى المنْزِل واطبُخْها بِلَحمٍ واتَّخِذْ منها مَرقة فإنها نافعة في هذا الإبَّان. فأتاه حافظُ ذلك الكرْم فَلَزِمَه وصرخ، فبلغ [من] إشفاق الرَّجل من عقوبة هرمز على تناوُله من ذلك الكرْم أنْ دفع إلى حافظ الكرْم مِنْطَقة محلَّاة بذهب كانت عليه، عوضًا له من الحصْرم الذي رزأ من كرْمه، وافتدى نفسَه بها، ورأى: أن قَبْضَ الحافظ إياها منه وتخْلِيته عنه، مِنَّةٌ منّ بها عليه، ومعروف أسداه إليه. وقيل: إنّ هرمز كان مظفَّرًا منصورًا لا يَمُدُّ يدَه إلى شيء إلَّا ناله، وكان مع ذلك أديبًا أريبًا داهيًا رديء النيَّة، قد نزعه أخوالُه الأتراك، وكان مُقْصِيًا للأشْراف،","vol":"6","page":493},{"text":"وإنَّه قتل من العلماء وأهل البُيوتات والشَّرف ثلاثَةَ عشر ألف رجل وستمئة رجل، وإنَّه لم يكن له رأيٌ إلَّا في تألِّفِ السَّفلة واستِصْلاحهم، وإنَّه حَبَس ناسًا كثيرًا من العظماء وأسْقطهم وحطَّ مراتبَهم ودرجاتهم، وجهَّزَ الجنودَ وقصَّر بالأساورة فَفسَد عليه كثيرٌ ممَّن كان حوله لِمَا أراد الله من تغيير أمرِهم وتحويل ملكهم - ولكلِّ شيء سبب - وإنَّ الهَرابِذة رفعوا إليه قصَّة يبغون فيها على النَّصارى، فوقع فيها: إنَّه كما لا قِوامَ لسريرِ مُلْكنا بقائمتيه المقدَّمتين دون قائمَتيه المؤخَّرتين، فكذلك لا قِوَام لملْكنا ولا ثباتَ له مع استفسادنا مَنْ في بلادِنا من النَّصارى وأهل سائر المِلَلِ المخالفة لنا؛ فأقصروا عن البغْي على النَّصارى، وواظبوا على أعمال البرّ ليرَى ذلك النصارى وغيرُهم من أهْل الملل [والأديان]، فيحْمَدوكم عليه، وتَتوق أنفسُهم إلى ملَّتِكم.\nوحُدّثْتُ عن هشام بن محمد، قال: خرج على هرمز التُّرك - وقال غيره: أقْبَل عليه شابة ملك التُّرك الأعظم - في ثلاثمئة ألف مقاتل، في سنة إحْدى عشرة من ملكه، حتَّى صار إلى باذغيس وهَراة. وإنَّ ملكَ الروم صار إلى الضَّواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصدًا له، وإنَّ ملك الخَزَرِ صار في جمْع عظيم إلى الباب والأبواب، فعاث وأخْرب، وإنَّ رجلين من العرب يقال لأحدهما: عبّاسُ الأحْول، والآخر: عمرو الأزْرق، نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطئ الفرات، وشنُّوا الغارةَ على أهل السَّواد، واجْتَرأ أعداؤُه عليه وغزوا بلاده، وبلغ من اكْتِنَافهم إياها: أنَّها سُمِّيَتْ منخلًا كثير السّمام. وقيل: قد اكتنف بلادَ الفرسِ الأعداءُ من كلّ وجه كاكْتناف الوترَ سِيتَيِ القوْس. وأرْسل شابة ملك التُّرك إلى هرمز وعظماء الفرس يُؤْذنُهم بإقْبَاله في جُنوده، ويقول: رُمُّوا قناطرَ أنهارٍ وأودية أجتازُ عليها إلى بلادكم، واعْقدوا القَناطر على كلّ نهْرٍ من تلك الأنهار لا قنطرةَ له، وافْعلوا ذلك في الأنهارِ والأوْدية التي عليها مسْلكي من بلادكم إلى بلادِ الرُّوم لإجماعي بالمسير إليها من بِلادِكم. فاسْتفظَع هرمز ما وَرَد عليه من ذلك، وشاور فيه، فأجْمِع له على القصْد لملك الترك، فوجَّه إليه رجُلًا من أهل الرَّيّ يقال لَهُ: بَهْرام بن بهْرام جُشْنَس - ويعرف بجُوبين - في اثني عشر ألف رجل، اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشَّباب. ويقالُ: إنَّ هُرْمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانيَّة، فكانت عِدَّتهم سبعين ألف مُقاتل،","vol":"6","page":494},{"text":"فمضى بهرام بمن ضُمَّ إليه مُغِذًّا حتى جاز هَراة، وباذغيس، ولم يشعُر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه مُعَسْكِرًا، فجرت بَينَهُما رسائلُ وحروبٌ، وقتَل بهرامُ شابَة برَمْية رماه إيَّاها. وقيل: إن الرّميَ في ملك العجم كان لثلاثة نفر، منها رمية أرششياطين بين مِنُوشهر، وأفراسياب، ومنها رَمْيَة سوخرا في التّرك، ومنها رمية بهرام هذه، واستباح عسكرَه وأقام بموْضعه، فوافاه برموذة بن شابة، وكان يعدل بأبيه، فحارَبَه فهزمه، وحصره في بعض الحصُون، ثم ألحَّ عليه حتَّى استسْلم له، فوخهه إلى هرمز أسيرًا، وغَنِمَ مما كان في الحصْن [وكانت] كنوزًا عظيمة.\nويقال: إنَّه حمل إلى هرمز من الأمْوال، والجوْهر، والآنية، والسلاح، وسائرِ الأمْتعة مِمّا غَنمَه وَقْرَ مئتي ألف وخمسين ألف بعير، فشكر هرمز لبهْرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه، وخاف بهرام سَطْوَة هرمز، وخاف مثْلَ ذلك منْ كان معه من الجنود، فخلعوا هرمز وأقبلوا نَحْوَ المدائن، وأظْهروا الامْتِعاضَ ممَّا كان من هرمز، وأنَّ ابنَه أبَرْويز أصلحُ للمُلْك منه. وساعَدَهم على ذلك بعض من كان بحضرةِ هرمز، فهرب أبَرْويز بهذا السبب إلى آذربيجان خوفًا من هرمز، فاجتمع إليه هناك عدّةٌ من المرازِبة والإصْبَهْبذين، فأعْطوْه بَيعَتَهُم، ووثب العظماءُ والأشرافُ بالمدائن، وفيهم بنْدى وبِسْطام خالا أبَرْويز، فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وترَكُوه تَحَرُّجًا من قتله.\nوبلغ الخبرُ أبَرْويز، فأقبل بمن شايَعَه من آذربيجان إلى دار الملك مُسابقًا لبهرام، فلما صار إليها استولى على المُلْك وتحرَّز من بهرام، والتقى هُو وهُو على شاطئ النَّهْرَوَان، فجرتْ بينهما مناظرةٌ ومواقفة، ودعا أبَرْويزُ بهرامَ إلى أن يؤمِّنَه ويرفع مرتَبَتَهُ ويُسْنِي ولايتَه، فلم يقْبَل ذلك، وجرت بينهما حروبٌ اضطرَّت أبَرْويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثًا بملكها بعد حرْب شديدة وبيات كان من بعْضهم لبعض. وقيل: إنَّه كان مع بَهْرام جماعة من الأشدَّاء، وكان فيهم ثلاثةُ نفرٍ من وجوه الأتراك لا يعْدَل بهم في فروسيّتهم وشدَّتهم من الأتْراك أحدٌ، قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز. فلمَّا كان الغدُ من ليلة البيات، وقف أبَرْويز ودعا الناسَ إلى حرب بهرام فتثاقَلُوا عليه، قصده النفر الثلاثةُ من الأتراك، فخرج إليهم أبْرويز فقتلهم بيده واحِدًا واحدًا، ثمَّ انصرف من المعْركة وقد أحسَّ من","vol":"6","page":495},{"text":"أصحابه بالفتور والتغيُّر، فصار إلى أبيه بِطَيسَبون حتى دخل عليه، وأعلمه ما قد تبتنه من أصحابه وشاوره، فأشار عليه بالمصير إلى مَوْريق ملك الروم ليستنجدهُ، فأحْرز حُرَمَه في موضع أمِنَ عليهم بهرامَ، وومضى في عدَّة يسيرةٍ، منهم بِنْدي ونجسطام وكُرْدي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنْطَاكيَة، وكاتَبَ موريق فقَبِلَه، وزوَّجه ابنةً له كانتْ عزيزةً عليه، يقال لها: مَرْيم. وكان جميع مدَّة مُلْك هرمز بن كسرى في قول بعضهم، إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. وأمَّا هشام بن محمد فإنَّه قال: كان ملكه اثنتي عشرة سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>[ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز]</span>\nثم مَلَك كِسرى أبَرْويز بن هرمز بن كسرى أنوشِروان، وكان من أشدّ ملوكهم بطشًا، وأنْفِذهم رأيًا، وأبْعدهم غوْرًا، وبلغ -فيما ذُكر- من البأس والنَّجْدة والنَّصر والظَّفَر وجمْع الأمْوال والكنوز ومُساعدة القَدَر ومساعفة الدَّهْر إيّاه ما لم يتهيَّأ لملك أكثر منه، ولذلك سُمَّي أبْرويز، وتفسيرُه بالعربية: \"المظفّر\". وذُكر: أنه لمَّا استوْحش من أبيه هرمز - لِمَا كان من احْتِيال بهرام جوبين في ذلك، حتَّى أوْهم هرمز: أنَّه على أن يقوم بالملْك لنفسه دونه - سار إلى آذربيجان مكتَتِمًا، ثم أظهر أمره بعد ذلك، فلمَّا صار في النَّاحية اجتمعت إليه جماعة ممَّن كان هناك من الإصْبَهْبَذين وغيرهم، فأعْطوْه بيعتَهم على نُصْرته؛ فلم يُحْدث في الأمر شيئًا. وقيل: إنَّه لما قتل آذينْجُشْنَس المُوَجَّه لمحاربة بهرام جوبين، انفَضَّ الجمعْ الذي كان معه حتى وافوا المدائن، واتَّبعهم جوبين، فاضطرب أمر هرمز، وكتَبَتْ أختُ آذينْجُشْنَس إلى أربرْويز - وكانت تِرْبه - تخبره بضعْف هرمز للحادث في آذِينجُشْنَس، وأنَّ العظماءَ قد أجْمعوا على خلعه، وأعْلمته: أن جوبين إن سَبَقَه إلى المدائن قبل مُوَافاته احتوى علَيها.\nفلمَّا ورد الكتاب على أبَرْويز، جمع من أمْكنه من أرْمينِيَة وآذربيجان، وصار بهم إلى المدائن، واجتمع إليه الوجوهُ والأشراف مسرورين بِمُوَافاته، فتتَوّج بتاج الملْك، وجلس على سريره، وقال: إنَّ من ملّتنا إيثارَ البِرّ، ومن رأينا العمل بالخير، وإنّ جدَّنا كِسْرى بن قُباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وإنَّ هرمز أبانَا كان لكم قاضيًا عادلًا، فعليكم بلزوم السَّمع والطاعة. فلما كان في اليوم الثالث؛ أتى أباه فسجد له، وقال: عمَرك الله أيها الملك! إنَّك تعلم أنِّي بريءٌ مما أتى","vol":"6","page":496},{"text":"إليك المنافقون، وأني إنَّما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفًا من إقدامك على القتل، فصدَّقه هرمز، وقال له: إنَّ لي إليك يا بُنيَّ حاجتين، فأسْعِفني بهما؛ إحداهما: أن تنْتقم لي ممَّن عاون على خلْعِي والسَّمْل لعينيَّ، ولا تأخذْك فيهم رأفة؛ والأخرى: أن تُؤْنسنِي كلَّ يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي، وتأذن لهم في الدخول عليّ. فتواضع له أبَرْويز وقال: عمّرك الله أيُّها الملك! إنَّ المارق بهرام قد أظلَّنا ومعه الشجاعةُ والنَّجدة، ولسْنا نقدر أن نمدَّ يدًا إلى من آتى إليك ما آتى، فإن أدالِني اللهُ على المنافق؛ فأنا خليفتُك وطوْعُ يدك.\nوبلغ بَهرامَ قدومُ كِسْرى، وتمليك الناس إياه، فأقبل بجنده حثيثًا نحو المدائن، وأذكى أبَرْويزُ العيون عليه، فلمَّا قرُبَ منه رأى أبَرْويز: أن التَّرفُّق به أصْلح، فتسلَّح وأمر بِنْدُويه وبِسْطام وناسًا كان يَثِقُ بهم من العظماءِ وألفَ رجُل من جنْده، فتزيَّنوا وتسلَّحوا، وخرج بهم أبَرْويز من قصْره نحو بهرام، والنَّاس يدعون له، وقد احْتوَشه بِنْدُويه وبِسطام وغيرُهما من الوجوه حتَّى وقف على شاطئ النَّهْرَوان، فلمَّا عرف بهرام مكانَه، ركب بِرْذَوْنًا له أبلقَ كان معجبًا بِه، وأقْبَل حاسِرًا ومعه إيزَدْجُشْنَس وثلاثةُ نفر من قرابة مَلِك الترك كانوا جَعَلوا لبهرام على أنفْسهم أن يأتوه بابَرْويز أسيرًا، وأعْطاهم بهرامُ على ذلك أموالًا عظيمة. ولمَّا رأى بَهْرام بِزَّة كسرى وزينتَه والتاجَ، يُسَايره معه \"دِرَفْش كابيان\" علَمُهُمِ الأعْظم منشورًا، وأبصر بِنْدُويَه وبِسْطام وسائرَ العُظماء وحسنَ تسلحِهم وفراهة دوابِّهم؛ اكْتأب لذلك، وقال لمن معه: ألا تَروْن ابنَ الفاعلة قد ألْحَمَ وأشْحم، وتحوَّل من الحداثة إلى الحُنْكة، واسْتَوَتْ لِحْيَتهُ وكَملَ شبابهُ، وعظُم بَدَنُه؛ فبينا هو يتكلَّم بهذا وقد وقف على شاطئ النَّهروان؛ إذ قال كِسْرى لبعض منْ كان واقفًا: أيّ هؤلاء بهرام؟ فقال أخ لبهرام يسمَّى كُرْدي لم يزل مُطيعًا لأَبَرْويز مُؤْثرًا له: عمَّرك الله! صاحبُ البِرْذون الأبلق. فبدأ كِسرى فقال: إنَّك يا بهرام رُكنٌ لمملكتنا وسنادٌ لرعيَّتنا، وقد حَسُن بلاؤُك عندنا، وقد رأينا أن نخْتار لك يومًا صالحًا لنُولِّيَكَ فيه إصْبَهْبَذَةَ بلاد الفرس جميعًا؛ فقال له بهرام - وازداد من كِسْرى قربًا -: لكنِّي أختار لك يومًا أصلبك فيه، فامتلأ كِسْرى حُزنًا من غير أن يبدوَ في وجْهه من ذلك شيء، وامتدَّ بينهما الكلام، فقال بهرام لأَبَرْويز: يا بن الزانية المُرَبَّى في خيام الأكراد! هذا ومثله، ولم يقبل شيئًا ممَّا عرضه عليه، وجرى","vol":"6","page":497},{"text":"ذِكْر إيرش جدّ بهرام، فقرَّعه أبَرْويز بطاعة إيرش كانت لِمنوشِهْر جدّه، وتفرَّقا وكلُّ واحد منهما على غاية الوحْشة لصاحبه.\nوكانت لبهرامَ أختٌ يقال لها: كُرْدية، من أتمِّ النساء وأكملهنَّ، وكان تزوَّجَها، فعاتبت بهرام على سوء مُلافظته كانت لكِسْرى، وأرَادَتْه على الدُّخول في طاعته، فلم يقبل ذلك، وكانت بين كِسْرى وبهرام مُباينة، فيُقَال: إنَّه لما كان من غدِ الليلة التي كان البيات فيها؛ أبْرز كسرى نفسْه، فلما رآه الأتْراك الثلاثة؛ قصدوه، فقتلهم بيده أبَرْويز، وحرَّض الناسَ على القتال فتبيَّن فشلًا، فأجمع أبَرْويز على إتيان بعض الملوك للاسْتجاشة به، فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى ملك الروم، فأحْرَزَ نساءَه وشَخَص في عذة يسيرة، فيهم: بِنْدُويه، وبِسطام، وكُرْدي أخو بهرام، فلمَّا خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يردّ هرمز إلى الملْك، ويكتُبَ إلى ملك الروم عنه في ردّهم فَيُتْلَفوا، فأعلموا أبَرْويز ذلك، واستأذَنُوهُ في إتلاف هرمز فلم يحِرْ جوابًا، فانصرف بِندُويه وبِسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خَنْقًا، ثم رجعوا إلى كِسْرى وقالوا: سِرْ على خير طائر، فححوا دوائهم وصاروا إلى الفُرَات فقطعوه، وأخذوا طريقَ المفازة بدلالة رجل يقال له: خُرْشيذان، وصاروا إلى بعض الدِّيارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوا إلى الراحة غشِيَتْهم خيلُ بهرام، يرأسُها رجلٌ يقال له بهرام بن سِياوَش، فلمَّا نذِروا بهم أنبه بنْدُوَيه أبَرْويزَ من نومه وقال له: احتلْ لنفسك، فإنَّ القوم قد أطلّوك؛ قال كسرى: ما عندي حيلة، فأعلمه بِنْدُوَيه: أنَّه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بِزَّته ويخرج ومن معه من الدَّير، ففعلوا ذلك، وبادروا القومَ حتى تَوَارَوْا بالجبل، فلمَّا وافى بهرام بن سياوش، اطَّلع عليه من فوق الدَّير بِنْدويه وعليه بِزَّة أبَرْويز، فَوَهّمه بذلك أنه أبَرْويز، وسأله أن يُنْظِره إلى غده ليصير في يده سلمًا، فأمسك عنه، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته، فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يدي بهرام بن سِياوش.\nويقال: إنَّ بهرام دخل دُور الملك بالمدائن، وقعد على سريره، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبَرْويز، وذمَّه، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات [وكلام] كان كقهم منصرفًا عنه، إلَّا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوَّج وانْقادَ له الناس خوفًا - ويقال: إنَّ بهرام بن سِيَاوش واطَأ بِنْدويه على الفتْك","vol":"6","page":498},{"text":"بجوبين، وإنَّ جوبين ظهر على ذلك فقتله، وأفلت بِنْدويه فلحق بآذربيجان، وسَار أبَرْويز حتى أتى أنطاكيَة، وكاتب مَوْريق ملك الزوم منها، وأرْسل إليه بجماعة ممَّن كان معه وسأله نُصْرَته، فأجابَه إلى ذلك، وقادته الأمور إلى أن زَوّجه مريم ابنتَه وحملها إليها، وبعث إليه بنياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له: سرْجِس، يتولّى تدبير أمرهم، ورجلٌ آخر كانت قوّته تعدل بقوّة ألف رجل، واشترط عليه حياطته، وألّا يسْأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوكَ الروم، فلمَّا ورد القوم على أبَرْويز اغتبط، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام، ثمَّ عرضهم وعرَّف عليهم العرفاء، وفي القوْم ثياذوس، وسَرْجِس، والكَمِيّ الذي يعدل بألف رجل؛ وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان، ونزل صحراء تدعى الدنق. فوافاه هناك بِنْدُوَيه ورجل مَنْ أصْبهْبَذِي الناحية يقال له: مُوسِيل في أربعين ألف مقاتل، وانقضّ الناس من فارس وأصْبَهان وخُراسان إلى أبَرْويز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدَّنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرْب شديدة قُتِل فيها الكميُّ الرّوميّ، ويقال: إن أبَرْويز حارب بهرام منفردًا من العسكر بأربعة عشر رجلًا - منهم كُرْدِي أخو بهرام، وبِنْدُويه، وبِسطام، وسَابُور بن أفريان بن فرُّخزاد، وَفرْخْهُرْمُز - حربًا شديدًا وصل فيها بعضُهم إلى بعض. والمجوس تزعم: أن أبَرْويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام، فلمَّا ظن: أنه قد تمكّنَ منه؛ رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه.\nوذُكِر: أن المنجّمين أجمعت: أن أبَرْويز يملك ثمانيًا وأربعين سنة. وقد كان أبرَويز بَارَزَ بهْرام فاختطف رُمْحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصَّف، فاضطرب على بهرام أمرُه ووجِل، وعلم: أنَّه لا حيلة له في أبَرْويز فانحاز نحوَ خراسان، ثم صار إلى التّرك، وصار أبَرْويز إلى المدائن بعد أن فرَّق في جنود الرُّوم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق. ويقال: إنَّ أبَرْويز كتب للنَّصارى كتابًا أطلق لهم فيه عمارة بِيَعِهِم وأنْ يدخل في ملّتِهم منِ أحبَّ الدخولَ فيها من غير المجوس، واحتجَّ في ذلك: أنّ أنُوشِرْوان كان هادَن قيصَر في الإتاوة التي أخذها منه على اسْتِصْلاح من في بلده من أهْل بلده، واتّخاذ بيوت النيران هنالك، وإنَّ قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى؛ ولبث بهرام في الترك مكرَّمًا عند الملك، حتى احتال له أبَرْويز بتوْجيه رجل يقال له: هُرْمز، وجَّهه إلى التَرْك بجوْهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولاطَفَها بذلك إدجوهر وغيره، حتَّى","vol":"6","page":499},{"text":"دَسَّت لبهرام مَنْ قتله. فيقال: إنَّ خاقان اغتمَّ لقتْله وأرسل إلى كردية أخته وامْرَأتِه يُعْلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسألُها أن تُزوّج نفْسها نطرًا أخاه، وطلَّق خاتون بهذا السَّبب، فيقال: إن كردية أجابت خاقان جوابًا ليّنًا وصرفت نطرًا، وإنَّها ضمَّت إليها من كان جمع أخيها من المُقَاتلة وخرجت بهم من بلاد التّرك إلى حدود مَمْلكة فارس، وإنَّ نطرًا التركي اتَبَعها في اثنيْ عشر ألف مقاتل، وإنَّ كردية قتلت نطرًا بِيَدِها ومضت لوجْهِها، وكَتَبتْ إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانًا من أبَرْويز، فلمَّا قدمت عليه تزوَّجَهَا أبَرْويز واغْتَبَط بها وشكر لها ما كان من عِتابها لبهرام، وأقبل أبَرْويزُ على بِرّ مورِيق وإلطافه. وإنَّ الروم خَلَعُوا - بعْد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة - موريقَ وقتلوه وأبادوا وَرَثَتَهُ - خلا ابن له هرب إلى كسرى - وملَّكوا عليهم رجلًا يقال له: قُوفا.\nفلمَّا بلغ كِسْرى نكثُ الروم عهدَ موريق وقَتْلُهم إيَّاه؛ امتعض من ذلك وأنِفَ منه، وأخذته الحفيظة، فآوى ابنَ موريق اللّاجئَ إليه، وتوّجَه وملَّكه على الروم، ووجَّه معه ثلاثة نفر من قُوَّاده في جنود كثيفة. أمَّا أحدهم فكان يقال له: رُميوزان، وجَّهه إلى بلاد الشامِ فدوَّخها حتى انتهى إلى أرض فِلَسْطين، وورد مدينة بيت المَقْدس فأخذ أسْقُفها ومن كان فيها من القِسِّيسين وسائر النصارى بخشبة الصَّليب، وكانت وُضعت في تابوت من ذهب، وطُمِر في بُسْتان وزُرعَ فَوْقه مبقلة، وألحَّ عليهم حتى دلُّوه على موضعها، فاحتفر عنها بيده واستَخْرجها، وبعث بها إلى كِسْرى في أربع وعشرين من ملكه.\nوأمَّا القائدُ الآخر - وكان يقال له: شاهين، وكان فاذوسبان المغرب - فإنّه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلادِ نُوبة، وبعث إلى كِسْرى بمفاتيح مدينة إسكندرتة في سنة ثمان وعشرين من ملكه. وأما القائد الثالث فكان يقال له: فَرُّهان، وتدعى مرتبته شَهْربَراز. وإنَّه قصد القُسْطنْطِينيَّة حتى أناخ على ضَفَّة الخليج القريب منها، وخيَّم هنالك، فأمره كِسْرى فخرَّب بلاد الرُّوم غضبًا ممَّا انتهكوا من موريق، وانتقامًا له منهم، ولم يخضع لابن موريق من الرّوم أحد ولم يمنحه الطاعة، غير أنَّهم قتلوا قوفا الملكَ الذي كانوا ملّكوه عليهم لِمَا ظَهَرَ لهم من فجوره وجرْأته على الله وسوء تدبيره، وملَّكوا عليهم رجلًا يقال له: هِرَقْل.\nفلمَّا رأى هرقل عظيم ما فيه بلادُ الروم من تخْريب جنود فارس إيَّاها وقَتْلِها","vol":"6","page":500},{"text":"مُقَاتِلتهم وسبيهم ذرارِيّهم واسْتِباحَتِهم أموالهم وانْتِهاكِهم ما بحضْرتهم؛ بكى إلى الله وتضرَّع إليه وسأله أن يُنْقِذه وأهلَ ممْلكته من جنود فارس، فرأى في منامه رجلًا ضخْمَ الجثَّة رفيعَ المجلس، عليه بِزّة، قائمًا في ناحية عنه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرَّجل عن مجلسه، وقال لهرقل: إني قدْ أسلمته في يدك، فلم يقصُصْ رؤْياه تلكَ في يقظته على أحد، ورأى الليلة الثانية في منامه: أن الرَّجل الذي رآه في حلمه جالس في مجْلس رفيع، وأنَّ الرَّجل الدَّاخلَ عليهما أتاهُ وبيَدِه سلْسِلة طويلة، فألقاها في عُنُق صاحب المجلس وأمكنه منْه، وقال له: هأَنذا قد دفعتُ إليك كِسْرى بِرُمَّته، فاغْزُه فإنَّ الظفر لك، وإنَّك مدالٌ عليه ونائلٌ أمْنيتك في غَزَاتك. فلمَّا تتابعت عليه هذه الأحلام، قصَّها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم.\nفأخبروه: أنَّه مدالٌ عليه، وأشاروا عليه أن يغزوَه، فاستعدّ هِرَقل واستخلف ابنًا له على مدينة قسطنطينِيَّة، وأخذ غير الطريق الذي فيه شَهْرَبراز، وسار حتَّى أوغل في بلاد أرمينيَة، ونزل نَصيبين بعد سنة، وكان شاهين - فاذوسبانُ المغرب - بباب كِسْرى حين ورد هِرَقْل نَصيبين لموْجدة كانت من كسرى عليه، وعزله إيَّاه عن ذلك الثَّغْر، وكان شهربراز مُرابطًا للموضع الذي كان فيه لتقدّم كسرى كان إليه في الجثوم فيه، وترك البراح منه، فبلغ كسْرَى خبرُ تساقط هِرَقْل في جنوده إلى نَصيبين، فوجَّه لمحاربة هرقْل رجلًا من قُوَّاده يقال له: راهزار، في اثني عشر ألف مقاتل، وأمره أن يقيم بنِينَوَى من مدينة الموْصِل على شاطئ دجلة، ويمنع الرومِ أن يجوزوها - وكان كِسْرَى حين بَلَغه خبرُ هِرَقْل مقيمًا بدَسْكَرة الملك - فنفذ راهزار لأمرْ كسرى، وعسْكر حيث أمره، فقطع هِرقْلِ دِجْلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جندٌ فارس، فأذْكى راهزار العيونْ عليه، فانْصَرَفُوا إليه وأخبروه: أنَّه في سبعين ألف مقاتل، وأيقنَ راهزار: أنَّه ومَنْ معه من الجنود عاجُزون عن مناهضة سبعين ألف مُقَاتل، فكتب إلى كِسْرَى غيرَ مرَّة دَهْم هرقْلٍ إيَّاه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسنِ عدّتهم، كلُّ ذلك يجيبه كسرى في كتابه: أنَّه إن عجز عن أولئك الرُّوم فلنْ يعجز عن اسْتِقْتَالهم وبذْل دمائهم في طاعته، فلمَّا تتابعت على راهزار جواباتُ كُتُبِه إلى كِسْرى بذلك؛ عبَّى جندَه وناهض الرُّوم، فقتلت الرُّوم راهزار وستَّة آلاف رجُل،","vol":"6","page":501},{"text":"وانهَزَم بَقيَّتُهُم وهَرَبُوا على وجوههم، وبلغ كِسْرى قتلُ الرُّوم راهزار وما نَال هرقل من الظَّفر، فهدّه ذلك وانحاز من دَسْكَرة الملك إلى المدائن، وتحصَّن فيها لعجْزه عن محاربة هرقل.\nوسَار هِرَقل حتَّى كان قريبًا من المدائن، فلمَّا تساقط إلى كِسْرى خبرُه واستعدَّ لقتاله؛ انصَرَف إلى أرض الرُّوم وكتب كِسْرى إلى قُوَّاد الجُنْد الذين انهزموا يأمرهم أن يدُلّوه على كلّ رجل منهم ومن أصحابهم، ممّن فشل في تلك الحرب ولم يرابِطْ مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما اسْتَوجَب، فأحْرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحِيَل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصفُ ما كان من أمْر الرُّوم في عمله.\nوقد قيل: إنّ قول الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إنما نزل في أمر أبَرْويز ملك فارس وملك الرُّوم هِرَقل، وما كان بينهما ممَّا قد ذكرت من هذه الأخبار (١). (٢: ١٦٨/ ١٨٤).\n٨٤٨ - حدثنا القاسم، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثنا حجَّاج عن أبي بكْر، عن عِكْرمة، قال: كانت في فارس امرأة لا تَلِدُ إلَّا الملوك الأبطال، فدعاها كِسْرى، فقال: إنّي أريدُ أن أبْعَثَ إلى الرُّوم جيشًا وأستعْمِل عليهم رجلًا من بنيك، فأشِيري عليَّ أيّهم أستعمل، قالت: هذا فلانٌ وهو أروغ من ثعْلب، وأحذر من صقْر؛ وهذا فَرُّخان وهو أنفذُ من سِنان، وهذا شَهْربراز وهو أحْلم من كذا؛ فاستعملْ أيَّهم شئت، قال: فإنيّ قد استعملت الحلِيم، فاستعمل شَهْربَراز، فسار إلى الرُّوم بأهلِ فارس وظهر عليهم، فقتَّلَهم وخرَّب مدائِنَهم، وقطع زيتونهم. قال أبو بكر: فحَدَّثْتُ هذا الحديثَ عَطاء الخراسانيّ فقال: أما رأيت بلاد الشام؛ قلت: لا، قال: أما إنَّك لو أتيتَها لرأيتَ المدائنَ التي خُرّبت والزَّيتون الذي قُطع؛ فأتيتُ الشَّام بعد ذلكَ فرأيته.\nقال عَطاءُ الخراسانيّ: حدَّثني يحيى بن يَعْمَر: أن قَيصَر بعث رجلًا يُدْعى\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":502},{"text":"قطمة بجيش من الرُّوم، وبعث كِسْرى بشَهْربَراز، فالتقيا بأذْرِعَات وبُصرى - وهي أدْنَى الشَّأم إليكم - فلقيت فارسُ الرومَ فغلبتهْم فارس، ففرح بذلك كُفَّار قريش وكرهه المُسْلِمُون، فأنْزَل الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢). . .﴾ الآيات. ثم ذي مثل حديث عِكْرمة، وزاد: فلم يبرح شَهْربَراز يطَؤهم ويخرِّب مدائنهم حتَّى بلغ الخليج، ثمَّ مات كسرى فبلغهم موتُه، فانهزم شَهْرَبَراز وأصحابُه، وأدِيلت عليهم الرُّوم عند ذلك، فاتّبعوهم يُقَتِّلونهم.\nقال: وقال عِكرمة في حديثه: لمّا ظهرت فارِس على الرُّوم؛ جلس فَرُّخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيتُ كأني جالس على سرير كسرى؛ فبلغت كِسْرى، فكتب إلى شَهْربَراز: إذا أتاك كتابي؛ فابعث إليٍّ برأس فَرُّخان. فكتب إليه: أيّها الملك؛ إنَّك لن تجد مثل فَرُّخان؛ إنَّ له نكاية وصوْتًا في العدِوّ فلا تفعل. فكتب إليه: إنَّ في رجال فارس خَلفًا منه، فعجِّل علي برأسه. فراجعه، فغضب كِسْرى فلم يجِبْه، وبعث بريدًا إلى أهْل فارس: إني قد نزعتُ عنكم شَهْربَراز، واستعملتُ عليكم فَرُّخان. ثمَّ دفع إلى البريد صحيفةً صغيرة. وقال: إذا وليَ فَرُّخان الملْك وانقادَ له أخوه؛ فأعطِه هذه الصحيفةَ، فلمَّا قرأ شَهْربَراز الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً، ونزل عن سريره وجلس فَرُّخان، ودفع الصَّحيفةَ إليه فقال: ائتوني بِشَهْربَراز، فقدَّمه؛ ليضرب عُنُقَه، فقال: لا تعجل حتَّى أكتب وصِيَّتي، قال: نعم، فدعا بالسَّفَط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعتُ فيكَ كِسْرى، وأنت أردتَ أن تقتلني بكتاب واحد! فردَّ المُلْكَ إلى أخيه، وكتب شَهْربَراز إلى قَيصَر ملك الرُّوم: إنَّ لي إليك حاجةً لا تحملها البُرُد ولا تبلّغها الصُّحف، فالقَنِي، ولا تلقني إلَّا في خمسين روميًّا، فإني ألقاك في خمسين فارسيًّا، فأقبل قيصَرُ في خمسمئة ألف روميّ، وجعل يَضعُ العُيُون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتَّى أتاه عيُونُه: أنَّه ليس معه إلَّا خمسون رجلًا، ثم بُسِط لهما والتقيا في قُبَّة ديباج ضُربت لهما، مع كلِّ واحد منهما سكِّين، فدَعَوْا تُرْجمانًا بينهما، فقال شَهْرِبراز: إن الذين خرَّبوا مدائِنَك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإنَّ كِسْرى حسدنا فأراد أنْ أقتلَ أخي، فأبَيتُ، ثمَّ أمر أخِي أن يقتلني؛ فقد خَلَعْناه جميعًا فنحنُ نقاتله معك. قال: قد أصَبتُما، ثمَّ أشارَ أحدُهما إلى صاحبه: أن السرَّ بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فَشَا، قال: أجَلْ،","vol":"6","page":503},{"text":"فقتلا التّرْجمان جميعًا بسِكِّينَهما؛ فأهلك الله كِسْرى، وجاء الخبرُ إلى رسول الله - ﷺ - يومَ الحُدَيبِيَة، ففرح ومن معه.\nوحُدِّثت عن هشام بن محمد: أنه قال: في سنة عشرين من مُلْك كِسْرى أَبَرْويز، بعث الله محمدًا - ﷺ -، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من مُلْكِه إلى المدينة (١). (٢: ١٨٥/ ١٨٦ / ١٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملْك فارس عن أهل فارس</span>\nوَوَطِئتْها العربُ بما أكْرَمَهُم به بنبيّه محمد - ﷺ - من النبوّة والخلافة والمُلْك والسلطان في أيام كِسْرى أبَرْويز.\n٨٤٩ - فمن ذلك ما روي عن وَهْب بن منبّه، وهو ما حدَّثنا به ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: كان من حديث كِسْرى كما حدَّثني بعضُ أصحابي عن وهب بن منبِّه: أنه كان سَكَر دِجلة العَوْراء، وأنْفقَ عليها في الأموال ما لا يُدْرَى ما هو، وكان طاقُ مَجْلسه قد بُنِيَ بنيانًا لم يُرَ مثله، وكان يعلَق تاجَه، فيجلس فيه إذا جلس للناس، وكان عنده ستون وثلاثمئة رجل من الحُزَاة - والحُزَاة: العلماء - من بين كاهِنٍ وساحرٍ ومنجِّم؛ قال: وكان فيهم رجل من العرب يقال له: السَّائب، يعتاف اعِتيَافَ العرب قلَّما يخطئ - بعث به إليه باذَانُ من اليمن - فكان كِسْرَى إذا حَزَبه أمر؛ جمع كهَّانه وسحَّاره ومنجِّميه، فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو؟\nفلمَّا أن بعث الله نبيَّه محمدًا - ﷺ -؛ أصبح كِسْرى ذات غَداةٍ وقد انقصَصَتْ طاقُ مُلْكه من وسَطها من غير ثقْل، وانخرفت عليه دِجْلة العوْراء، فلمَّا رأى ذلك؛ حزنه، وقال: انقصمت طاقُ ملْكي من ومحطها من غير ثقْل، وانخرقت عليَّ دجلة العوراء، \"شاهْ بِشْكَسْت\": يقول: المِلك انكسرَ، ثم دعا كُهّانه وسحّاره ومنجّميه، ودعا السَّائب معهم، فقال لهم: انقصَمَتْ طاقُ ملْكي من غير ثقل، وانخرقت عليَّ دجلة العوراء، \"شاهْ بِشْكسْتْ\" انظُرُوا في هذا الأمر ما هو؟ ! فخرجوا من عنْده فنظروا في أمْره، فأخِذ عليهم بأقطار السماء، وأظلمت عليهم\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":504},{"text":"الأرض، وتسكّعوا في علمهم، فلا يمضي لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا يستقِيم لمنجّم عِلْمُ نجومه. وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمُق برقًا نشأ من قبَل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه؛ فإذا روضة خضراء، فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى، ليخرجَنّ من الحجاز سلطان يبلغ المشرق؛ تُخصِب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملِكٍ كان قبله.\nفلما خَلَص الكهّان والمنجّمون بعضهم إلى بعض، ورأوْا ما قد أصابهم، ورأى السائب ما رأى، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما حِيل بينكم وبين علمكم إلَّا لأمر جاء من السّماء، وإنه لَنبيّ قد بُعث -أو هو مبعوث - يسلب هذا الملك ويكسره. ولئن نعيتم لكسرى مُلْكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرًا تقولونه له، تؤخّرونه عنكم إلى أمرٍ ما ساعة.\nفجاؤوا كسرى، فقالوا له: إنّا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدْنا حُسّابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك، وسكرتَ دجْلة العوراء - وضعوه على النُّحوس، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فزال كلّ ما وضع عليهما؛ وإنّا سنحسب لك حسابًا تضع عليه بنيانك فلا يزول. قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى، فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو، حتى إذا فرغ أمنها، قال لهم: أجلس على سورها؟ قالوا: نعم، فأمر بالبُسط والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمِعوا له، واجتمع إليه اللعّابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج إلَّا بآخر رَمَق.\nفلما أخرجوه، جَمع كُهّانه وسُحّاره ومنجّميه، فقتل منهم قريبًا من مئة، وقال: سمّنتكم وأدنيتُكم دون الناس، وأجريت عليكم أرزاقي، ثم تلعبون بي؛ فقالوا: أيها الملك! أخطأنا كما أخطأ مَنْ كان قبلنا، ولكنّا سنحسِب لك حسابًا فتثبّتْ حتى تضعها على الوثاق من السعود. قال: انظروا ما تقولون؛ قالوا: فإنا نفعل؛ قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنِه، فبنى وأنفق من الأموال ما لا يُدرى ما هو، ثمانية أشهر من ذي قِحل. ثم قالوا: قد فرغنا، قال: أفأخرج فأقعد عليها؛ قالوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب بِرْذوْنًا له، وخرج","vol":"6","page":505},{"text":"يسير عليها؛ فبينا هو يسير فوقها إذ انتسفته دِجْلة بالبنيان، فلم يدرَك إلَّا بآخر رَمَق، فدعاهم فقال: والله لأمرّن على آخركم ولأنزعنّ أكتافكم، ولأطرحنَّكم تحت أيدي الفِيلَة أو لتصدُقُني ما هذا الأمر الذي تلفّقون عليّ! قالوا: لا نكذِبك أيّها الملك، أمرتَنا حين انخرقت عليك دِجلة، وانقصصت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لِمَ ذلك! فنظرنا، فأظلمت علينا الأرض وأخِذ علينا بأقطار السماء، فتردد علينا علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجّم علم نجومه؛ فعرفنا: أن هذا الأمر حَدث من السّماء، وأنه قد بُعِث نبيّ، أو هو مبعوث؛ فلذلك حِيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نَعْينا لك ملكك أن تقتلنا، وكرهنا من الموت ما يكره الناس، فعلّلناك عن أنفسنا بما رأيت. قال: ويحكم! فهلًا تكونون بيّنتم لي هذا فأرى فيه رأيي! قالوا: منَعنا من ذلك ما تخوّفنا منك، فتركهم ولها عن دِجلة حين غلبته (١). (٢: ١٨٨/ ١٨٩ / ١٩٠).\n٨٥٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن الفضل بن عيسى الرّقاشيّ، عن الحسن البصريّ: أنّ أصحابَ رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله! ما حجّة الله على كِسرى فيك! قال: بعث إليه مَلَكًا فأخرج يده من سُور جدار بيته الذي هو فيه يتلألأ نورًا، فلما رآها فزعِ، فقال: لَمْ تُرَعْ يا كسرى! إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا فاتبعْه؛ تَسلمْ دنياك وآخرتك، قال: سأنظر (٢). (٢: ١٩٠/ ١٩١).\n٨٥١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهريّ، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بَعَث الله إلى كسرى ملَكًا وهو في بيت إيوانه الذي لا يُدْخل عليه فيه، فلم يرعه إلَّا به قائمًا على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي كان يَقيل فيها، فقال: يا كسرى! أتُسْلِم أو أكسر هذه العصا! فقال: بِهِلْ بِهِلْ، فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجّابه فتغيّظ عليهم، وقال: من أدخل هذا الرجل عليّ؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه؛ حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":506},{"text":"فيها، فقال له كما قال له، ثم قال له: أتُسلِم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بِهِلْ بهِلْ بِهِلْ؛ ثلاثًا؛ فخرج عنه فدعا كسرى حجّابه وحرّاسه وبوّابيه فتغيّظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدًا دخل عليك. حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها، فقال له كما قال: أتُسلِم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بِهِلْ بِهِلْ، قال: فكسر العصا، ثم خرج فلم يكن إلَّا تهوُّرُ ملكه؛ وانبعاثُ ابنه والفرْس حتى قتلوه (١). (٢: ١٩١).\n٨٥٢ - قال عبد الله بن أبي بكر: فقال الزهريّ: حدّثت عمر بن عبد العزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فقال: ذُكِر لي: أن الملَك إنما في خل عليه بقارورتين في يديه، ثم قال له: أسلم، فلم يفعل، فضرب إحداهما على الأخرى فرضّهما، ثم خرج فكان من [أمر] هلاكه ما كان (٢). (١: ١٩١).\n٨٥٤ - حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا عليّ بن عاصم، قال: أخبرَنا خالد الحذّاء، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، يقول: بينما كسرى بن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان، إيوان المدائن، والأساورة محدِقون بقصره؛ إذ أقبل رجل يمشي معه عصا، حتى قام على رأسه، فقال: يا كسرى بن هرمز؛ إنّي رسول الله إليك أن تُسلم، قالها ثلاث مرات - وكسرى مستلقٍ ينظر إليه لا يجيبه؛ ثم انصرف عنه - قال: فأرسل كسرى إلى صاحب حَرَسه، فقال: أنت أدخلت عليّ هذا الرجل؟ قال: لم أفعل ولم يدخل من قِبَلنا أحد. قال: فلما كان العام المقبل، خاف كسرى تلك الليلة. فأرسل إليه أن أحِدقْ بقصري، ولا يدخل عليّ أحد، قال: ففعل، فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه، ومعه عصًا، وهو يقول له: يا كسرى بن هرمز! إنّي رسولُ الله إليك أن تُسلم، فأسِلم خير لك - قال: وكسرى ينظر إليه لا يجيبه - فانصرف عنه، قال: فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس: ألم آمرك ألا يدخلَ عليّ أحد! قال: أيّها الملك؛ إنّه والله ما دخل عليك مِنْ قِبَلنا أحد، فانظرْ من أين دخل عليك؟ قال: فلما كان العام المقبل؛ فكأنّه خاف تلك الليلة، فأرسل إلى صاحب الحرَس والحرس: أن أحدِقوا بي الليلة، ولا تدخل امرأة ولا رجل، ففعلوا، فلما كان تلك الساعة؛\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":507},{"text":"إذا هو قائم على رأسه، وهو يقول: يا كسرى بن هرمز! إني رسول الله إليك أن تُسْلِم؛ فأسلِم خير لك، قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه. قال: يا كسرى! إنك قد أبيتَ علي، والله ليكسرنّك الله كما أكْسِرُ عصايَ هذه! ثم كسرها وخرج؛ فأرسل كسرى إلى الحرس، فقال: ألم آمركم ألا يدخل عليّ الليلة أحد، أهل ولا ولد؛ قالوا: ما دخل عليك من قِبَلنا أحد!\nقال: فلم يلبث أن وَثب عليه ابنُه فقتله (١). (٢: ١٩٢/ ١٩٣).\nوأمّا علماء الإسلام فقد ذكرت قبلُ ما قال فيه بعضهم، وأذكر بعض مَنْ لم يمض ذكره منهم الآن؛ فإنهم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ والقرن مئة سنة. وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مئة سنة. وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون. والقرن مئة سنة.\n٨٥٥ - ذكر من قال ذلك:\nحدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا همّام عن قتادة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلّهم على شريعة من الحق (٢). (٢: ٢٣٥).\n٨٥٦ - حدّثني الحارث بن محمّد، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم، قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مئة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مئة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مئة سنة (٣). (٢: ٢٣٥).\n٨٥٧ - وروي عن عبد الرحمن بن مهدّي عن أبي عَوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: الفترة بين محمّد وعيسى ﵉ ستّمئة سنة.\nوروي عن فُضَيل بن عبد الوهاب عن جعفر بن سليمان، عن عوف، قال:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":508},{"text":"كان بين عيسى وموسى ستمئة سنة (١). (٢: ٢٣٥).\n٨٥٨ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نبِّئت: أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ المؤمنين! إن كان النبي - ﷺ - قال فهو أعلم وأخبر؛ وإلّا فإني أجد بينهما ستمئة سنة. قال: فسكتَتْ (٢). (٢: ٢٣٦).\n٨٥٩ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسعمئة سنة، ولم يكن بينهما فتْرة، وإنه أرسِل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل، سوى مَنْ أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبيّ خمسمئة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ والذي عُزّز به شمعون، وكان من الحواريّين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولًا أربعمئة وأربعًا وثلاثين سنة، وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت نبوّته ثلاثين شهرًا، وإن الله رفعه بجسده، وإنه حيٌّ الآن (٣). (٢: ٢٣٦).\n٨٦٠ - حدّثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدَّثني عبد الصمد بن معقل: أنّه سمع وهبًا يقول: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمئة سنة (٤). (٢: ٢٣٦).\n٨٦٠ / أ - فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك، وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد، وذلك: أن الواقديّ حكَى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم. وعلى ذلك من قوله ينبغي أن يكون جميع سنِي الدنيا إلى مولد نبينا - ﷺ - أربعة آلاف سنة وستمئة سنة، وعلى قول ابن عبّاس الذي رواه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":509},{"text":"هشام بن محمد عن أبيه، عن أبي صالح، عنه، ينبغي أن يكون إلى مولد النبي - ﷺ - خمسة آلاف سنة وخمسمئة سنة.\nوأمَّا وهب بن منبّه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل، وأنّ ذلك إلى زمنه خمسة آلاف سنة وستمئة سنة، وجميع مدّة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة، وقد كان مضى عنده من ذلك إلى زمانه خمسة آلاف سنة وستمئة سنة. وكانت وفاة وهب بن منبّه سنة أربع عشرة ومئة من الهجرة، فكأنّ الباقيَ من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه، مئتا سنة وخمس عشرة سنة.\nوهذا القول الذي قاله وهب بن منّبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابن عباس.\nوقال بعضهم: من وقت هبوط آدم - ﵇ - إلى أن بعث نبينا - ﷺ - ستة آلاف سنة ومئة وثلاث عشرة سنة، وذلك: أنّ عنده من مَهْبِط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومئتي سنة وستًّا وخمسين سنة، ومن الطّوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعًا وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمئة سنة وخمسًا وستين سنة ومن خروج موسى إلى بني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس - وذلك لأربع سنين من مُلْك سليمان بن داود - ستّمئة سنة وستًّا وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى مُلْك الإسكندر سبعمئة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد عيسى بن مريم - ﵇ - ثلاثمئة سنة وتسعًا وستين سنة، ومن مولد عيسى إلى مبعث محمّد - ﷺ - خمسمئة سنة وإحدى وخمسين سنة، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة إلى المدينة ثلاث عشرة سنة.\nوقد حدّث بعضهم عن هشام بن محمد الكلبيّ عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنه قال: كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومئتا سنة، ومن نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومئة سنة وثلاث وأربعون سنة، ومن إبراهيم إلى موسى خمسمئة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى إلى داود مئة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد ستّمئة سنة.\nوحدّث الهيثم بن عديّ عن بعض أهل الكتب: أنه قال: من آدم إلى الطُّوفان","vol":"6","page":510},{"text":"ألفا سنة ومئتا سنة وستّ وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم ألف سنة وعشرون سنة، ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بني إسرائيل مصر خمس وسبعون سنة، ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها أربعمئة سنة وثلاثون سنة، ومن خروج موسى من مصر إلى بناء بيت المقدس خمسمئة سنة وخمسون سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك بختنصّر وخراب بيت المقدس أربعمئة سنة وست وأربعون سنة، ومن ملك بختنصّر إلى ملك الإسكندر أربعمئة سنة وستّ وثلاثون سنة، ومن ملك الإسكندر إلى سنة ستٍّ ومئتين من الهجرة ألف سنة ومئتان وخمس وأربعون سنة (١). (٢: ٢٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>ذكر نسب رسول الله - ﷺ - وذكر بعض أَخبار آبائه وأَجداده</span>\nاسم رسول الله - ﷺ - محمَّد، وهو ابن عبد الله بن عبد المطّلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغرَ ولد أبيه، وكان عبد الله، والزبير، وعبد مناف - وهو أبو طالب - بنو عبد المطّلب لأمّ واحدة، وأمّهم جميعًا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم؛ حدَّثنا بذلك ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل عن ابن إسحاق.\nوحدِّثت عن هشام بن محمّد عن أبيه: أنه قال: عبد الله بن عبد المطّلب أبو رسول الله، وأبو طالب -واسمه: عبد مناف- والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرّة، وأمَيمة ولَدُ عبد المطلب إخوة؛ أتم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظة.\nوكان عبد المطّلب -فيما حدّثني يونس بن عبد الأعلى- قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أنه أخبره أن امرأة نَذَرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتيَ عن نَذْرها، فجاءت عبدَ الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمَر في النذر إلَّا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحَرُ\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":511},{"text":"ابني؟ ! قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم؛ فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبدَ الله بن عبّاس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر [والنذر دين]، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم - وقد كان عبد المطلب بن هاشم نَذرَ إن توافَى له عشرة رهط؛ أن ينحرَ أحدهم، فلما توافَى له عشرة؛ أقْرع بينهم: أيّهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطّلب، وكان أحبَّ الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطّلب: اللهمّ هو أو مئة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القُرعة على المئة من الإبل - فقال ابن عبّاس للمرأة: فأرى أن تنحري مئة من الإبل مكان ابنك، فبلغ الحديث مرْوان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصابا الفُتْيا: إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبي إلى الله، وتصدّقي واعملي ما استطعت من الخير؛ فأمّا أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك. فسُرّ الناس بذلك، وأعجبهم قولُ مرْوان، ورأوا: أنه قد أصاب الفتيَا، فلم يزالوا يفتون بألّا نَذْرَ في معصية الله (١). (٢٤٠: ٢).\n٨٦١ - وأمّا ابن إسحاق؛ فإنه قصّ من أمر نذر عبد المطلب هذا قصّة، هي أشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب، وذلك ما حدَّثنا به ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبدُ المطلب بن هاشم -فيما يذكرون والله أعلم- قد نَذرَ حين لقِيَ من قريش في حفر زمزم ما لَقِيَ: لئن وُلد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتّى يمنعوه؛ لينحرنّ أحدَهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف: أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذْرِه الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كلّ رجل منكم قِدْحًا، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به، ففعلوا، ثم أتوْه، فدخل على هُبَل في جوف الكعبة، وكانت هُبَل أعظمَ أصنام قريش بمكّة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يُجمع فيها ما يُهدى للكعبة، وكان عند هُبَل سبعةُ أقْدح، كلّ قِدْح منها فيه كتاب: قِدْح فيه العقل، إذا اختلفوا في العَقْل مَنْ يحمله منهم ضربوا بالقِداح السبعة، [فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله]، وقِدْح فيه:\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":512},{"text":"\"نعَمْ\" للأمر إذا أرادوه يضرب به\" فإن خرج قِدْحْ \"نعم\" عملوا به، وقدْح فيه \"لا\"، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القِدْح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدْح فيه \"منكم\"، وقِدْح فيه \"مُلْصَق\"، وقِدْح فيه \"من غيركم\"، وقِدْح فيه \"المياه\"إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقِداح، وفيها ذلك القِدْح، فحيثما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا، أو يُنكِحوا مَنكحًا، أو يدفنوا ميّتًا، أَوْ شكُوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هُبَل وبمئة درهم وجَزور، فأعطوْها صاحب القِداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا! هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحقَّ فيه؛ ثم يذقولون لصاحب القِداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه \"منكم\" كان وسيطًا هذان خرج عليه \"من غيركم\" كان حليفًا، وإن خرج عليه \"ملصَق\" كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حِلْف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به \"نعَمْ\" عملوا به، وإن خرج \"لا\" أخّروه عامَهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القِدَاح - فقال عبد المطلب لصاحب القِداح: اضرب على بَنِيّ هؤلاء بقِداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نَذَر، فأعطَى كلّ رجل منهم قِدْحه الذي فيه اسمه - وكان عبدُ الله بن عبد المطلب أصغرَ بني أبيه، وكان فيما يزعمون أحبّ ولد عبد المطّلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه؛ فقد أشْوَى، وهو أبو رسول الله - ﷺ - فلمّا أخذ صاحبُ القِداح القِداح ليضربَ بها، قام عبد المطّلب عند هُبَل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحبُ القداح، فخرج القِدْح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده، وأخذ الشَّفْرة، ثم أقبل إلى إساف، ونائلة - وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها - ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تُعْذِر فيه؟ لئن فعلتَ هذا، لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاءُ الناس على هذا! فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عبد الله ابن أخت القوم -: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذِر فيه؛ فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلِقْ به إلى الحجاز، فإنّ به عَرَّافة لها تابع، فسلْها، ثم أنت على رأس أمرك؛ إن أمَرَتْك أن تذبحه؛ ذبحتَه، وإن أمرتْك بأمر لك وله فيه فرج، قَبِلْته.","vol":"6","page":513},{"text":"فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها -فيما يزعمون- بخيبر، فركبوا إليها حتى جاؤوها، فسألوها، وقَصّ عليها عبد المطّلب خبره، وخبر ابنه، وما أراد به، ونذرَه فيه. فقالت لهم: ارجعوا عَنّي اليوم حتى يأتيَني تابعي فأسأله. فرجعوا عنها، فلمَّا خرجوا من عندها؛ قام عبد المطّلب يدعو الله، ثم غدوْا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدِّيةُ فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل - وكانت كذلك - قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقربوا عَشْرًا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقِداح، فإن خرجت على صاحبكم؛ فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل؛ فانحروها، فقد رضيَ ربُّكم، ونجا صاحبكم.\nفخرجوا حتى قدموا مكّة، فلما أجمعوا لذلك من الأمر؛ قام عبد المطّلب يدعو الله، ثم قَرّبوا عبد الله وعشرًا من الإبل - وعبد المطّلب في جوف الكعبة عند هُبَل يدعو الله - فخرج القِدْح على عبد الله، فزادوا عشرًا، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطّلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السَّهم على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقِداح، ويخرج القِدْح على عبد الله، فكلّما خَرج عليه زادوا من الإبل عشرًا؛ حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مئة، وعبد المطّلب قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القِدْح على الإبل، فقالت قريش ومَنْ حضر: قد انتهى رضا ربّك يا عبد المطّلب! فزعموا: أن عبد المطّلب قال: لا والله حتَّى أضرب عليها ثلاث مرات! فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطّلب يدعو، فخرج القِدْح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطّلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القِدْح على الإبل فنُحِرت، ثم ترِكتْ لا يُصدُّ عنها إنسان ولا سَبُع (١). (٢: ٢٤١/ ٢٤٢ / ٢٤٣).\n٨٦٢ - ثم انصرف عبدُ المطّلب آخذًا بيد ابنه عبد الله، فمرّ -فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد [بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر] يقال لها: أمّ قِتَال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزَّى، وهي\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":514},{"text":"أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالتْ: لك عندي مثل الإبل التي نحِرَتْ عنك، وقعْ على الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه، فخرج به عبد المطّلب حتى أتى به وَهْبَ بن عبد مناف بن زهرة - ووهب يومئذ سيّد بني زُهرة سنًّا وشرفًا - فزوّجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضلُ امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وهي لبرّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصيّ، وبرّة لأم حبيب بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وأم حبيب بنت أسد لبرّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب بن لؤيّ. فزعموا: أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقَع عليها، فحملت بمحمد - ﷺ -، ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عَرَضت، فقال لها: ما لك لا تعرضين عليّ اليومَ ما كنتِ عرضتِ عليّ بالأمس؟ ! فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل - وكان قد تنصّر واتّبع الكتب، حتى أدرك - فكان فيما طلب من ذلك: أنه كائن لهذه الأمة نبيّ من بني إسماعيل (١). (٢: ٢٤٤).\n٨٦٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار: أنه حدّث أن عبد الله إنما دخلَ على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأتْ عليه لِمَا رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضّأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمَد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمَّد - ﷺ -، ثمَّ مرّ بامرأته تلك، فقال: هل لك؟ فقالت: لا، مررتَ بي وبين عينيك غُرّة، فدعوتَني فأبيت، ودخلتَ على آمنة فذهبت بها، فزعموا: أنّ امرأته تلك كانت تحدِّث أنّه مرّ بها وبين عينيه مثل غُرّة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى عليّ، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها، فحملت برسول الله - ﷺ -\" (٢). (٢: ٢٤٤).\n٨٦٤ - حدّثني علي بن حرب الموصليّ، قال: حدَّثنا محمد بن عُمارة\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":515},{"text":"القرشيّ، قال: حدَّثنا الزنجيّ بن خالد عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لمّا خرج عبد المطّلب بعبد الله ليزوِّجه؛ مرّ به على كاهنة من خَثْعم، يقال لها فاطمة بنت مُرّ، متهوّدة من أهل تَبالة، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورًا، فقالت له: يا فتى! هل لك أن تقع عليّ الآن وأعطيك مئة من الإبل؟ ! فقال:\nأَمَّا الحَرامُ فالممات دُونَه ... والحِلّ لا حِلّ فأستبينَهْ\nفكيف بالأَمر الذي تبغينَهْ\nثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارِقه، فمضى به، فزوّجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثًا ثم انصرف، فمرّ بالخثعميّة فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هلْ لك فيما كنتِ أردتِ؟ ! فقالت: يا فتى! إني والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكنّي رأيتُ في وجهك نورًا فأردتُ أن يكون فيَّ، وأبي الله إلَّا أن يجعله حيث أراد، فما صنعتَ بعدي؟ قال: زوّجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثًا؛ فأنشأت فاطمة بنت مُرّ تقول:\nإني رأيتُ مخيلَةً لَمَعَتْ ... فتلأْلأتْ بحَناتِم القَطْرِ\nفَلمَأْتُها نورًا يُضِيءُ له ... ما حَوْلَهُ كإضَاءةِ الْبَدْر\nفرَجوتُها فَخْرًا أبوءُ به ... ما كلُّ قادِح زَندِهِ يُورِي\nللهِ ما زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ ... ثَوْبَيكَ مَا اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِي!\nوقالت أيضًا:\nبَنِي هاشِمٍ قد غَادَرَتْ مِنْ أخيكمُ ... أمينةُ إذ لِلباه تَعترِكانِ\nكما غَادَرَ المِصْباحُ عند خُموده ... فتَائِلَ قد مِيثت له بِدهانِ\nوما كل مَا يَحْوي الفتَى مِن تِلادِهِ ... لعَزْمٍ ولا مَا فاتهُ لِتَوانِ\nفأجْمِلْ إذَا طَالبْتَ أَمْرًا فإنه ... سيَكفِيكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجان\nسَيَكِفيكَهُ إِمَّا يدٌ مُقْفَعِلَّةٌ ... وإمَّا يدٌ مَبسُوطَةٌ ببِنانِ\nولمَّا حَوَتْ منْه أمينَةُ ما حَوَتْ ... حَوَتْ منْهُ فَخْرًا ما لذِلِك ثان\nحدّثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا محمَّد بن سعد، قال: حدَّثنا محمَّد بن عمر، قال: حدَّثنا معمر وغيره، عن الزهريّ: أن عبد الله بن عبد المطّلب كان أجملَ رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جمالُه وهيئته،","vol":"6","page":516},{"text":"وقيل لها: هل لك أنْ تزَوَّجيه! فتزوّجَتْه آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلِقت برسول الله - ﷺ -، وبعثه أبوه إلى المدينة في مِيرة يحمل لهم تمرًا، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطّلب ابنَه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات.\nقال الواقديّ: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطّلب ما حدَّثنا به عبد الله بن جعفر الزهريُّ عن أم بكر بنت المسوّر: أنّ عبد المطّلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوّجا في مجلس واحد، فتزوّج عبد المطّلب هالةَ بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوَّج عبد الله بن عبد المطّلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة.\nقال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقديّ: والثَّبَتَ عندنا - ليس بين أصحابنا فيه اختلاف -: أنّ عبد الله بن عبد المطّلب أقبل من الشأم في عِير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى تُوُفِّي، ودفن في دار النابغة - وقيل: التابعة - في الدّار الصغرى إذا دخلتَ الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>ابن عبد المطّلب</span>\nوعبد المطّلب اسمه شيبة، سُمّي بذلك؛ لأنه فيما حدّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: كان في رأسه شيبة.\nوقيل له: عبد المطّلب، وذلك أن أباه هاشمًا كان شَخَص في تجارة له إلى الشأم، فسلك طريقَ المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل -فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمَة عن ابن إسحاق. وفيما حدِّثت عن هشام بن محمّد عن أبيه. وفيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض - على عمرو بن زيد بن لبِيد الخزرجيّ، فرأى ابنته سلْمى بنت عمرو - وأمّا ابن حُميد فقال في حديث عن سلمَة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو - ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عديّ بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشَرَط عليه ألا تلد ولدًا إلَّا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قَبْل أن يبنيَ بها، ثم انصرف راجعًا من الشأم، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت","vol":"6","page":517},{"text":"منه، ثم ارتحل إلى مكّة وحملها معه، فلما أثقلتْ ردّها إلى أهلها، ومضى إلى الشأم فمات بها بغزّة، فولدت له سلمى عبدَ المطّلب، فمكث بيثرب سبع سنين، أو ثماني سنين. ثم إن رجلًا من بني الحارث بن عبد مناة مَرّ بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خَسَق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء، فقال له الحارثيّ: مَنْ أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثيّ مكّة، قال للمطّلب وهو جالس في الحِجْر: يا أبا الحارث! تعلّم أنّي وجدت غلمانًا ينتضِلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خَسَق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء. فقال المطّلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتيَ به، فقال له الحارثيّ: هذه ناقتي بالفِناء فاركبها، فجلس المطّلب عليها، فورد يثرب عِشاء، حتى أتى عديّ بن النجار، فإذا غلمان يضربون كُرة بين ظهري مجلس، فعرف ابنَ أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنتَ تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلَم به أمّه، فإنها إن علمت؛ لم تدعْه، وحلْنا بينك وبينه. فدعاه، فقال: يا بن أخي! أنا عَمّك، وقد أردتُ الذهاب بك إلى قومك - وأناخ راحلته - فما كذّب أن جلس على عَجُز الناقة، فانطلق به، ولم تعلمْ به أمُّهُ حتى كان الليلُ، فقامت تدعو بحَربها على ابنها، فأُخبرت أن عمّه ذهب به، وقدِم به المطّلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: مَنْ هذا؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطّلب حتى أتى الحزْوَرة، فاشترى حُلة فألبَسها شيبة، ثم خرج به حين كان العَشيّ إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سِكك مكّة في تلك الحُلّة، فيقال: هذا عبد المطّلب، لقوله: \"هذا عبدي\" حين سأله قومه، فقال المطّلِب:\nعرَفْتُ شَيبةَ والنَّجَّارُ قد جعلَتْ ... أبناءَها حَوْلَه بِالنَّبْلِ تَنْتَضِلُ (١)\n(٢: ٢٤٥ - ٢٤٨).\n٨٦٥ - وقد حدَّثني هذا الحديث عليّ بن حرب الموصليّ، قال: حدّثني أبو معن عيسى - من ولد كعب بن مالك - عن محمد بن أبي بكر الأنصاريّ، عن مشايخ الأنصار، قالوا: تزوّج هاشم بن عبد مناف امرأةً من بني عديّ بن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":518},{"text":"النجَّار، ذات شرف، تشرُط على من خطبها المقامَ بدار قومها، فتزوّجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فرُبِّيَ في أخواله مكرّمًا، فبينا هو يُناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خَصْله، فقال: أنا ابن هاشم، وسمعه رجل مجتاز، فلما قدم مكة، قال لعمّه المطّلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بني قيلة، فرأيت فتىً من صفته ومن صفته ... يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي تركُ مثله في الغربة، فرحل المطّلب حتَّى ورد المدينة، فأراده على الرِّحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذِنَتْ له، وأقبل به قد أرْدفه، فإذا لَقِيَه اللاقي وقال: مَنْ هذا يا مطّلِب؟ قال: عبد لي، فسميَ عبد المطّلب. فلما قدم مكة وَقَفه على ملك أبيه، وسلّمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في رُكْح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطّلب إلى رجالات قومه، فسألهم النّصرة على عمّه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمّك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه:\nأبلغْ بَني النَّجَّارِ إنْ جِئْتَهُمْ ... أنِّيَ منهُمْ وابنهُمْ والْخَمِيسْ\nرَأَيتُهمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهمْ ... هوُوا لقائي وأحَبُّوا حَسِيس\nفإِنَّ عَمّي نَوْفَلًا قد أبَى ... إلَّا التي يُغْضي عَلَيهَا الخَسِيسْ\nقال: فخرج أبو أسعد بن عبدس النَّجاريّ في ثمانين راكبًا؛ حتى أتى الأبطَح، وبلغ عبد المطّلب، فخرج يتلقّاه، فقال: المنزل يا خال؛ فقال: أما حتّى ألقى نوفلًا؛ فلا. قال: تركته جِالسًا في الحِجْر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استلّ سيفه، ثم قال: وربّ هذه البنيّة؛ لتردّن عليَّ ابن أختنا رُكْحه أو لأملأنَّ منك السيف، قال: فإنّي وربّ هذه البنيّة أردُّ رُكحه، فأشهد عليه مَنْ حضر، ثم قال: المنزل يابن أختي! فأقام عنده ثلاثًا واعتمر، وأنشأ عبد المطّلب يقول:\nتأبى مَازِنٌ وبَنو عَدِيٍّ ... ودِينارُ بْنُ تَيم الَّلاتِ ضَيمِي\nوسادَةُ مَالِك حتَّى تَنَاهَى ... ونَكَّبَ بَعدُ نَوْفَلُ عن حَريمي\nبِهِمْ رَدَّ الإلهُ عَليَّ رُكْحِي ... وكَانوا في التَّنَسُّبِ دونَ قَوْمِي\nوقال في ذلك سمُرة بن عُمير، أبو عمرو الكنانيّ:\nلَعَمْرِي لأخْوَالٌ لِشَيبةَ قَصْرةً ... منَ أعْمَامِهِ دِنْيَا أَبَرُّ وأوْصَلُ","vol":"6","page":519},{"text":"أجَابُوا على بُعْدٍ دُعَاءَ ابْنِ أُخْتِهِم ... ولَمْ يَثْنِهِمْ إذْ جَاوَزَ الْحَقَّ نَوْفَلُ\nجَزَى اللهُ خَيرًا عُصبَةً خَزْرَجِيَّةً ... تواصَوْا على بِرٍّ، وذو البِرّ أَفْضلُ\nقال: فلمّا رأى ذلك نوفل؛ حالف بني عبد شمس كلّها علي بني هاشم، قال محمّد بن أبي بكر: فحدّثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال: يا بن أبي بكر! هذا شيء تَرويه الأنصار تقرّبًا إلينا؛ إذ صيَّر الله الدولة فينا! عبد المطّلب كان أعزّ في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النّجار من المدينة إليه. قلت: أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم مَنْ كان خيرًا من عبد المطّلب، قال: وكان متكئًا فجلس مغضبًا، وقال: مَنْ خير من عبد المطّلب! قلت: محمّد رسول الله - ﷺ -، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر.\nوقد حُدِّثت هذا الحديث في أمرِ عبد المطّلب وعمّه نوفل بن عبد مناف عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدَّثنا زياد بن عِلاقة التغلَبيّ - وكان قد أدرك الجاهليّة - قال: كان سبب بدء الحِلْف الذي كان بين بني هاشم وخُزاعة الذي افتتح رسول الله - ﷺ - بسببه مكة، وقال: لتنصبّ هذه السحابة بنصر بني كعب: أنّ نوفل بن عبد مناف - وكان آخر من بقي من بني عبد مناف - ظلم عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له - وهي الساحات - وكانت أمّ عبد المطّلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصَّفَ عبد المطّلب عَمّه، فلم ينصِفه، فكتب إلى أخواله:\nيا طُولَ لَيلِي لأَحْزانِي وأَشْغالِي ... هلْ مِن رَسول إلى النَّجَّارِ أَخْوَالِي!\nيُنْبِي عَدِيًّا ودِينارًا ومَازِنَها ... ومالِكًا عِصْمَةَ الجِيرَانِ عن حالِي\nقد كُنْتُ فيكُمْ ولا أخْشَى ظُلامةَ ذِي ... ظلْمٍ عزيزًا مَنيعًا ناعِمَ البَالِ\nحتَّى ارْتحَلْتُ إلى قَوْمِي وَأَزعَجَنِي ... عن ذَاكَ مُطلِبٌ عَمِّي بِتَرْحَالِ\nوكُنْتُ مَاح\nكان حَيًّا نَاعِمًا جَذِلًا ... أمْشِي العِرَضْنَةَ سَحَّابًا لأذْيالِي\nفغابَ مُطَّلِبٌ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... وقام نَوْفَلُ كي يَعدُو على مَالِي\nأَأَنْ رَأى رَجُلًا غَابَتْ عُمومَتُهُ ... وغَابَ أخْوَالُهُ عنه بِلا والِي\nأنْحَى عليه ولَمْ يَحَفَظْ له رَحِمًا ... ما أمْنَعَ المَرْءَ بَينَ العَمِّ والخَالِ!","vol":"6","page":520},{"text":"فاسْتنْفِرُوا وَامْنَعوا ضَيمَ ابنِ أخْتِكُمُ ... لَا تَخْذُلُوهُ وَمَا أنتُمْ بِخُذَّالِ\nما مِثْلُكُمْ في بَني قَحْطان قاطِبةً ... حيٌّ لِجارٍ وإنْعامٍ وَإفْضالِ\nأنتم لِيانٌ لِمَنْ لانَتْ عَريكتُهُ ... سِلْمٌ لكمْ وسِمامُ الأَبْلخِ الغالِي\nقال: فقدِم عليه منهم ثمانون راكبًا، فأناخوا بِفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنْعموا صباحًا! فقالوا له: لا نَعِم صباحُك أيها الرجل! أنصف ابنَ أختِنا من ظُلامته، قال: أفعلُ بالحبّ لكم والكرامة؛ فردّ عليه الأركاح وأنصفه.\nقال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم. قال: فدعا ذلك عبد المطّلب إلى الحلْف، فدعا عبد المطّلب بسر بن عمرو، وورقاء بن فلان، ورجالًا من رجالات خُزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابًا.\nوكان إلى عبد المطّلب بعد مهلك عمّه المطّلب بن عبد مناف ما كان إلى مَنْ قبله من بني عبد مناف من أمر السِّقاية، والرِّفادة، وشرُفَ في قومه، وعَظُم فيهم خطره، فلم يكن يُعدَل به منهم أحد، وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفونًا، وذلك غزالان من ذهب، كانت جُرْهم دفنتهما -فيما ذكر- حين أخرِجت من مكة، وأسيافٌ قلْعية، وأدراع، فجعل الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حُلِّيتْه -فيما قيل- الكعبة. وكانت كُنْية عبد المطّلب أبا الحارث، كُنِّي بذلك، لأنّ الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>ابن هاشم</span>\nواسم هاشم عمرو، وإنما قيل له هاشم، لأنه أوّلُ مَنْ هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخُزاعيّ - وقال ابن الكلبي: إنما قاله ابن الزِّبَعْرَى -:\nعَمْرُو الذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِه ... ورجِالُ مَكّةَ مُسْنِتُونَ عِجَاف\nذُكِر: أنّ قومه من قريش، كانت أصابتهم لزْبة وقَحْط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكّة، فأمر به فخبز له، ونحر جَزُورًا، ثم اتّخذ لقومه مرقه ثريدًا بذلك الخبز.","vol":"6","page":521},{"text":"وذُكِر: أنّ هاشمًا هو أوّلُ مَنْ سنَّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.\nوحُدَّثت عن هشام بن محمد عن أبيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس - وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطّلب - وكان أصغرهم - أمّهم عاتكة بنت مرّة السُّلَمِيّة؛ ونوفل - وأمّه واقدة - بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعًا، وكان يقال لهم: المجبِّرون، قال: ولهم يقال:\nيا أيُّها الرَّجُلُ المحوِّلُ رَحْلَهُ ... ألا نزلْتَ بآلِ عَبْدِ مَنافِ!\nفكانوا أوَّل من أخذ لقريش العِصَم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلًا من ملوك الشأم الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلًا من النجاشيّ الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلًا من الأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطّلب حبلًا من ملوك حميَر، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبَّر الله بهم قريشًا، فسمُّوا المجبّرين.\nوقيل: إنّ عبد شمس وهاشمًا توأمان، وإنّ أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحِّيت عنها فسال من ذلك دم، فتُطيِّر من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء. وولِّي هاشم بعد أبيه عبد مناف السِّقاية، والرِّفادة (١). (٢: ٢٤٨ - ٢٥٢).\n٨٦٦ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمّد، قال: حدّثني معروف بن الخرَّبوذ المكّي، قال: حدَّثني رجل من آل عديّ بن الخيار بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قُصَيّ في ذلك -يعني في إطعام هاشم قومه الثّريد:\nتحَمَّلَ هَاشِمٌ ما ضَاقَ عنهُ ... وأَعْيَا أنْ يقومَ بهِ ابْنُ بِيضِ\nأَتَاهُمْ بالغرائرِ مُتْأَقاتٍ ... من أرْضِ الشَّأم بالبُرِّ النَّفيضِ\nفأَوْسَعَ أَهْلَ مَكَّةَ من هَشيمٍ ... وشابَ الخُبْزَ باللَّحمِ الغَرِيضِ\nفظَلَّ القَوْمُ بينَ مُكَلَّلاتٍ ... منَ الشِّيزَى وحَائرُهَا يفِيضُ\nقال: فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان ذا مال - فتكلّف أن\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":522},{"text":"يصنع صنيعَ هاشم، فعجز عنه، فشمِت به ناس من قريش فغضِب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكرِه هاشم ذلك لِسنِّه وقَدره، ولم تدَعْه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدَق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضيَ بذلك أميّة، وجعلا بينهما الكاهن الخُزاعيّ، فنفَّرَ هاشمًا عليه، فأخذ هاشم الإبل، فنحرها، وأطعمها مَنْ حضره، وخرج أميّة إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم وأميّة (١). (٢: ٢٥٣).\n٨٦٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمّد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له: ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرّقة مولى لبني أسد، وكان عالمًا، قالا: تنافر عبد المطّلب بن هاشم، وحرب بن أميّة إلى النجاشيّ الحبشيّ، فأبى أن ينفر بينهما، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرْط بن رزاح بن عديّ بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو! أتنافر رجلًا هو أطولُ منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صفَدًا، وأطول منك مذودًا. فنفّره عليه. فقال حرب: إنّ من انتكاث الزَّمان أن جعلناك حكَمًا! فكان أوّل من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزّة من أرض الشأم، ثم مات عبد شمس بمكة فقُبِر بأجياد، ثم مات نوفل بسَلْمان من طريق العراق، ثم مات المطّلب بردْمان من أرض اليمن، وكانت الرّفادة والسِّقاية بعد هاشم إلى أخيه المطّلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>ابن عبد مناف</span>\nواسمه المغيرة، وكان يقال له: القمر من جماله وحسنه، وكان قصيّ يقول - فيما زعموا -: ولد لي أربعة، فسمّيت اثنين بصنميّ، وواحدًا بداري، وواحدًا بنفسي؛ وهم عبد مناف، وعبد العُزّى ابنا قصيّ - وعبد العزّى والد أسد - وعبد الدار بن قصيّ، وعبد قصيّ بن قصيّ - دَرَج ولده - وبرّة بنت قصيّ. أمهم جميعًا حُبَّى بنت حُلَيل بن حُبْشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خُزاعة.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":523},{"text":"وحُدِّثت عن هشام بن محمد عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف: القمر، واسمه: المغيرة، وكانت أمّه حُبَّى دفعته إلى مناف - وكان أعظم أصنام مكة - تديُّنًا بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له:\nكانَتْ قُرَيشٌ بيضةً فتفلَّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصَةٌ لِعَبْدِ مَنَافِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>ابن قصيّ</span>\nوقصيّ اسمه: زيد، وإنما قيل له: قصيّ؛ لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أمَّ قصيّ فاطمة بنت سعد بن سيَل - واسم سيَل: خير - بن حمالة بن عوف بن غَنْم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جُعْثمة بن يشكر من أزدشنوءة حلفاء من بني الدّيل، فولدت لكلاب زُهرة، وزيدًا، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شبّ زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عُذْرة بن سعد بن زيد، أحد قُضاعة، فتزوّج -فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه - فاطمةَ أمّ زهرة وقصَيّ - وزهرة رجل قد بلغ، وقصيّ فطيم أو قريب من ذلك - فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عُذْرة من أشراف الشأم، فاحتملتْ معها قصَيًّا لصغره، وتخلّف زُهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيَل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمّه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى؛ وهم حُنّ بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجُلْهمة بن ربيعة، وشبّ زيد في حِجْر ربيعة، فسمِّي زيد قُصيًّا لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكّة، فبينا قصيّ بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي -فيما يزعمون- إلَّا إلى ربيعة بن حرام؛ إذ كان بينه وبين رجل من قُضاعة شيء - وقد بلغ قصيّ، وكان رجلًا شابًّا - فأنّبه القضاعيّ بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك، ونسبك، فإنك لست منّا؛ فرجع قصيّ إلى أمّه، وقد وجَد في نفسه مما قال له القضاعيّ، فسألها عَمّا قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بنيّ أكرم منه نفسًا، ووالدًا، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشيّ، وقومُك بمكّة عند البيت الحرام، وفيما حوله، فأجمع قصيٌّ الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قُضاعة، فقالت له أمّه: يا بنيّ لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاجّ العرب، فإني أخشى عليك أن يُصيبك بعضُ","vol":"6","page":524},{"text":"البأس، فأقام قصيّ حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاجّ قضاعة، فخرج فيهم حتى قدِم مكّة، فلما فرغ من الحجّ أقام بها، وكان رجلًا جليدًا نسيبًا، فخطب إلى حُلَيل بن حُبْشِيّة الخزاعيّ ابنته حُبَّى بنت حُلَيل، فعرف حُلَيل النسب ورغب فيه، فزوّجه - وحُلَيل يومئذ فيما يزعمون - يلِي الكعبة وأمر مكّة.\nفأما ابن إسحاق؛ فإنه قال في خبره: فأقام قصيّ معه -يعني: مع حُلَيل- وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد بن قصي، فلما انتشر ولدُه، وكثر مالُه، وعظم شرفُه هلك حُلَيل بن حُبْشِية، فرأى قُصَيّ أنه أوْلَى بالكعبة وأمر مكة من خُزاعة وبني بكر، وأنّ قريشًا فَرْعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلّم رجالًا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خُزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمّه رزاح بن ربيعة بن حرام - وهو ببلاد قومه - يدعوه إلى نُصرته، والقيام معه، فقام رِزاح بن ربيعة في قُضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك.\nوقال هشام في خبره: قَدِم قصيّ على أخيه زُهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد، وكانت خُزاعة بمكّة أكثر من بني النضر، فاستنجد قصيّ أخاه رِزاحًا، وله ثلاثة إخوة من أبيه، من امرأة أخرى، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قُضاعة، ومع قصيٍّ قومه بنو النَّضر، فنفوْا خزاعة، فتزوّج قصيّ حُبّى بنت حُلَيل بن حبشيّة من خُزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حُليل آخرَ مَنْ وَليَ البيت، فلما ثَقُل جعل ولايةَ البيت إلى ابنته حُتى، فقالت: قد علمت أنّي لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإنِّي أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غُبْشان - وهو سليم بن عمرو بن بويّ بن ملْكان بن أفصى - فاشترى قصيّ ولاية البيت منه بزِقّ خمر وبعوْد. فلمّا رأت ذلك خُزاعة كثُروا على قصيّ، فاستنصر أخاه، فقاتل خُزاعة، فبلغنا - والله أعلم -: أن خزاعة أخذتها العدَسَة، حتى كادت تُفْنيهم، فلمَّا رأت ذلك جلتْ عن مكّة، فمنهم من وهبْ مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فوليَ قصيّ البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في الشِّعاب ورؤوس","vol":"6","page":525},{"text":"جبال مكة، فقسَّم منازلهم بينهم، فسمي مُجمِّعًا، وله يقول مطرود - وقيل؛ إنّ قائله حُذافة بن غانم -:\nأبوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ... بهِ جَمَع اللهُ القَبَائِلَ مِن فِهْرِ\nوملَّكه قومه عليهم.\nوأمّا ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحًا أجاب قصيًّا إلى ما دعاه إليه من نُصرته، وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة، ومَنْ تبعه لذلك من قُضاعة في حاجّ العرب، وهم مجمعون لنصر قصيّ، والقيام معه، قال: وخزاعة تزعم أن حُلَيل بن حُبْشية أوصى بذلك قُصيًّا، وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر، وقال: أنتَ أوْلَى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة من خُزاعة، فعند ذلك طلب قصيّ ما طلب.\nفلمَّا اجتمع الناس بمكّة وخرجوا إلى الموقف، وفرغوا من الحج ونزلوا مِنًى، وقصيّ مُجمِّع لما أجمع له، ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومَنْ معه من قُضاعة، ولم يبق إلَّا أن ينفروا للصدَر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عَرَفة؛ وتجيزُهم إذا نَفروا منِ منىً؛ إذا كان يوم النَّفْر أتَوْا لرمي الجمار - ورجل من صوفة يرمي للناس؛ لا يرمون حتى يرمى - فكان ذوو الحاجات المُعَجّلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرميَ معك، فيقول: لا والله حتى تَميل الشمس، فيظلّ ذوو الحاجات الذين يحبُّون التعجيل، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك؛ ويقولون: ويلك قم فارم! فيأبى عليهم، حَتى إذا مالت الشمس قام فرمَى ورمَى الناسُ معه (١). (٢: ٢٥٣ - ٢٥٦).\n٨٦٨ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق هذا الحديث عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبّاد:\nفإذا فرغوا من رَمْي الجمار، وأرادوا النَّفْر من منىً، أخذت صوفة بناحيتي العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يَجُزْ أحد من الناس حتى ينفذوا، فإذا نَفرت صوفة ومضت خُلِّيَ سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فلمَّا كان ذلك العام، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":526},{"text":"وهو دَيْن في أنفسهم في عهد جُرْهم وخزاعة وولايتهم، أتاهم قصيّ بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العَقَبة، فقالوا: نحن أوْلى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالًا شديدًا، ثم انهزمت صوفة، وغَلَبهم قصيّ على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه.\nقال: وانحازت عند ذلك خُزاعة وبنو بكر عن قصيّ بن كلاب، وعرفوا: أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحُول بينهم وبين الكعبة وأمْر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، ووثب معه أخوه رِزاح بن ربيعة بمَنْ معه من قومه من قُضاعة، وخرجت لهم خُزاعة وبنو بكر وتهيؤوا لحربهم، والتقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ حتى كَثُرت القتلى من الفريقين جميعًا، وفشت فيهم الجِراحة، ثم إنهم تداعوْا إلى الصلح، إلى أن يُحَكِّموا بينهم رجلًا من العرب، فيما اختلفوا فيه، ليقضيَ بينهم، فحكَّموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينَهم بأنّ قُصيًّا أوْلَى بالكعبة وأمر مكّة من خُزاعة، وأن كلَّ دم أصابه قصيّ من خُزاعة وبني بكر موضوع يشدَخه تحت قدميه، وأنّ ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة وقضاعة ففيه الدّية مؤَدّاة، وأن يُخَلَّى بين قُصيّ بن كلاب وبين الكعبة ومكة؛ فسمِّي يعمر بن عوف يومئذ الشَّدّاخ؛ لما شَدَخ من الدماء، ووضع منها، فوَلي قصيّ البيت وأمرَ مكة وجَمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملّك على قومه وأهل مكة فملّكوه، فكان قصيٌّ أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكًا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والسِّقاية، والرِّفادة، والنَّدْوة، واللواء، فحاز شرف مكة كلَّه، وقطع مكّة رباعًا بين قومه، فأنزل كلَّ قوم من قريش منازلهم من مكّة التي أصبحوا عليها (١). (٢: ٢٥٨/ ٢٥٧).\n٨٦٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ويزعمُ الناس: أن قريشًا هابت قَطْع شجر الحرَم في منازلهم، فقطعها قصيّ بيده، وأعانوه، فسمّته العرب مُجَمِّعًا لما جمّع من أمرها، وتيمّنت بأمره، فما تُنكح امرأة ولا رجل من قريش إلَّا في دار قصيّ بن كلاب، وما يتشاورون في أمر ينزل\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":527},{"text":"بهم إلَّا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلَّا في داره، يعقدها لهم بعضُ ولده، وما تدّرع جارية إذا بلغت أن تدّرع من قريش إلَّا في داره؛ يشقّ عليها فيها درعها ثم تدّرعه، ثم يُنطلق بها إلى أهلها؛ فكان أمرُه في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدِّين المتَّبع، لا يعمل بغيره تيمُّنًا بأمره ومعرفةً بفضله وشرفه، واتخذ قصيّ لنفسه دار النَّدْوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.\nحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت السائب بن خبّاب صاحب المقصورة يحدّث: أنه سمع رجلًا يحدّث عمر بن الخطاب - وهو خليفة - حديثَ قُصيّ بن كِلاب هذا وما جمّع من أمر قومه، وإخراجه خُزاعة وبني بكر من مكّة، وولايته البيت وأمر مكّة؛ فلم تردَّ ذلك عليه ولم ينكره.\nقال: فأقام قصيّ بمكّة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازَع في شيء من أمر مكّة؛ إلَّا أنه قد أقرّ للعرب في شأن حَجّهم ما كانوا عليه؛ وذلك لأنه كان يراه دِينًا في نفسه، لا ينبغي له تغييرُه، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت صوفة، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث بن شِجْنة وراثةً، وكانت عَدْوان على ما كانت عليه، وكانت النَّسأة من بني مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرّة بن عوف على ما كانوا عليه، فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام، فهدَم الله به ذلك كلَّه، وابتنى قصيّ دارًا بمكّة، وهي دار النَّدوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورَها، فلمَّا كَبِر قصيّ ورَقّ [عظمه]- وكان عبد الدار بِكْره هو، كان أكبر ولده، وكان -فيما يزعمون- ضعيفًا، وكان عبد مناف قد شَرُف في زمان أبيه، وذهب كلّ مذهب وعبد العزى بن قصي وعبد بن قصي، فقال قصيّ لعبد الدار فيما يزعمون: أما والله لألحقنّك بالقوم، وإن كانوا قد شَرفُوا عليك؛ لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلَّا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكّة ماء إلَّا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا إلَّا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلَّا في دارك. فأعطاه داره، دار النَّدوة التي لا تقضي قريش أمرًا إلَّا فيها، وأعطاه الحجابة، واللواء، والنَّدْوة، والسقاية، والرِّفادة - وكانت الرِّفادة خَرْجًا تخرجه","vol":"6","page":528},{"text":"قريش في كل موسم من أموالها إلى قصيّ بن كلاب، فيصنع به طعامًا للحاجّ يأكله مَنْ لم تكن له سعة ولا زاد ممّن يحضر الموسم؛ وذلك: أن قصيًّا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرَهم به: يا معشر قريش! إنكم جيرانُ الله وأهلُ بيته الحرام، وإن الحاجّ ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابًا وطعامًا أيام هذا الحج، حتى يَصْدُروا عنكم، ففعلوا فكانوا يُخْرِجون لذلك كلَّ عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعامًا للناس أيام منىً، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهليّة، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كلَّ عام بِمنىً حتى ينقضيَ الحج.\nحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، قال: حدّثني من أمر قصيّ بن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابنُ إسحاق بن يسار عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار، يقال له: نُبَيه بن وهب بن عامر بن عِكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصيّ ما كان بيده من أمر قومه كلِّه، وكان قصيّ لا يخالف ولا يُرَدّ عليه شيء صَنَعه. ثم إن قصيًّا هلك، فأقام أمره في قومه من بعده بنوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>ابن كلاب</span>\nوأمّ كلاب -فيما ذُكِر-: هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النَّضر بن كنانة. وله أخوان من أبيه من غير أمّه، وهما: تَيم، ويقَظَة، أمّهما -فيما قال هشام بن الكلبي-: أسماء بنت عديّ بن حارثة بن عمرو بن عامر بن بارق.\nوأما ابن إسحاق فإنه قال: أمّهما هند بنت حارثة البارقيّة. قال: ويقال: بل يقظة لهند بنت سرير، أمّ كلاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>ابن مُرَّة</span>\nوأم مرة: وَحْشيَّة بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن","vol":"6","page":529},{"text":"كنانة، وأخواه لأبيه وأمّه: عديّ، وهُصَيص، وقيل: إنّ أمّ هؤلاء الثلاثة مخشيّة. وقيل: إن أمّ مرّة وهصيص مخشيّة بنت شيبان بن محارب بن فِهْر، وأمّ عديّ: رَقاش بنت رُكْبَة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>ابن كعب</span>\nوأم كعب: ماويّة -فيما قال ابن إسحاق، وابن الكلبيّ- وماويّة بنت كعب بن القين بن جَسْر بن شَيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حُلوْان بن عمران بن الحاف بن فُضاعة، وله أخوان من أبيه وأمّه: أحدهما يقال له: عامر، والآخر: سامة، وهم بنو ناجية، ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غَطَفان، ولحقوا بهم، كان يقال له: عوف، أمّه: الباردة بنت عوف بن غَنْم بن عبد الله بن غَطَفان.\nذُكِر: أن الباردة لما مات لُؤيّ بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها، فتزوّجها سعد بن ذُبْيان بن بَغيِض، فتبنّى عوفًا، وفيه يقول: فيما ذكر - فزارةُ بن ذُبْيان:\nعَرِّجْ عَلَيَّ<span data-type=\"title\" id=toc-1019> ابْنَ لُؤَيٍّ </span>جَمَلَكْ ... يترُكُكَ الْقَوْمُ ولَا مَنْزِلَ لَكْ\nولكعب أخوان آخران أيضًا من أبيه من غير أمّه، أحدهما: خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمّه، وهي عائذة بنت الخِمْس بن قُحافة؛ من خثعم، والآخر: سعد، ويقال لهم: بُنانة، وبنانة أمّهم؛ فأهل البادية منهم اليوم -فيما ذكر- في بني أسعد بن همّام، في بني شيبان بن ثعلبة؛ وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش.\n\nابن لؤيّ\nوأم لؤيّ -فيما قال هشام- عاتكة بنت يَخْلُد بن النضر بن كنانة، وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله - ﷺ - من قريش، وله أخوان من أبيه وأمّه، يقال لأحدهما: تيم، وهو الذي كان يقال له: تيم الأدْرم - والدَّرَم نقصان في الذّقن؛ قيل: إنه كان ناقص اللّحى - وقيس، قيل: لم يبق من قيس أخي لؤيّ أحد، وإنّ آخر مَنْ كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسريّ، فبقيَ ميراثه، لا يدري مَنْ يستحقّه. وقد قيل: إن أمّ لؤيّ وإخوته سلْمَى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لُحَيّ بن حارثة بن عمرو مُزيقياء بن عامر ماء السماء، من خُزاعة.","vol":"6","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>ابن غالب</span>\nوأمّ غالب: ليلَى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هُذَيل بن مدركة، وإخوته من أبيه وأمّه: الحارث، ومُحارب، وأسد، وعوف، وجُون؛ وذئب؛ وكانت محارب، والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>ابن فهر</span>\nوفهر - فيما حُدّثت عن هشام بن محمد: أنه قال: هو جمّاع قريش، قال: وأمّه جَندَلة بنت عامر بن الحارث بن مُضاض الجرهميّ.\nوقال ابن إسحاق - فيما حدَّثنا ابن حميد- قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق: أمّه جندلة بنت الحارث بن مُضاض بن عمرو الجرهميّ.\nوكان أبو عُبيدة معمر بن المثنّى يقول - فيما ذكر عنه -: أمّه سلمى بنت أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر.\nوقيل: إنّ أمّه جميلة بنت عَدْوان من بارق، من الأزْد.\nوكان فِهْر في زمانه رئيسَ الناس بمكّة - فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق - في حربهم حسّان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرَث الحميريّ. وكان حسّان - فيما قيل - أقبل من اليمن مع حِمْير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكّة إلى اليمن، ليجعل حجَّ الناس عنده ببلاده، فأقبل حتى نَزَل بنخلة، فأغار على سَرْح النّاس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكّة، فلما رأت ذلك قريش، وقبائل كنانة، وخزيمة، وأسد، وجُذام، ومَنْ كان معهم من أفنْاء مُضَر، خرجوا إليه، ورئيس النّاس يومئذ فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالًا شديدًا فهزمت حمير، وأسِر حسّان بن عبد كلال ملك حِمْيَر، أسَره الحارث بن فِهْر، وقُتِل في المعركة - فيمن قتل من الناس - ابن ابنه قيس بن غالب ابن فهر، وكان حسّان عندهم بمكّة أسيرًا ثلاث سنين، حتى افتدَى منهم نفسه، فخُرِج به، فمات بين مكّة واليمن.","vol":"6","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>ابن مالك</span>\nوأمّه عِكْرِشَة بنت عَدْوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان، في قول هشام.\nوأمَّا ابن إسحاق فإنه قال: أمّه عاتكة بنت عَدْوان بن عمرو بن قيس بن عيلان.\nوقيل: إنّ عِكْرِشة لقبُ عاتكة بنت عَدْوان، واسمها: عاتكة.\nوقيل: إن أمَّه هند بنت فَهْم بن عمرو بن قيس بن عَيلان. وكان لمالك أخَوان، يقال لأحدهما: يخلُد، فدخلت يخلُد في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة، فخرجوا من جماع قريش، والآخر منهما يقال له: الصّلت، لم يبق من ذريَّته أحد.\nوقيل: سُمَّيت قريش قريشًا بقريش بن بدر بن يخلُد بن الحارث بن يخلُد بن النَّصر بن كنانة، وبه سمّيت قريش قريشًا، لأن عِير بني النّضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عِير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل بني النَّضر في أسفارهم، وصاحبَ ميرتهم، وكان له ابن يسمّى بدرًا، احتفر بدرًا، قالوا: فبه سمِّيت البئر التي تدعى بدرا: بدرًا.\nوقال ابن الكلبيّ: إنّما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا أمّ ولا حاضن ولا حاضنة.\nوقال آخرون: إنما سمّي بنو النضر بن كنانة قريشًا؛ لأن النضر بن كنانة خرج يومًا على نادِي قومه، فقال بعضهم لبعض؛ انظروا إلى النَّضْر، كأنه جملٌ قَرِيش.\nوقيل: إنّما سمّيت قريش قريشًا بدابّة تكون في البحر تأكل دوابّ البحر، تدعَى القِرْش، فشُبِّه بنو النّضر بن كنانة بها؛ لأنها أعظم دوابّ البحر قوّة.\nوقيل: إنَّ النَّضر بن كنانة كان يقرّش عن حاجة الناس فيسدّها بماله، والتَّقْريش - فيما زعموا - التفتيش، وكان بنوه يقرّشون أهلَ الموسم عن الحاجة","vol":"6","page":532},{"text":"فيسدُّونها بما يبلغهم - واستشهدوا لقولهم: إن التقريش هو التفتيش، بقول الشاعر:\nأيُّها النَّاطِقُ المُقَرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهن انْتِهاءُ!\nوقيل: إنّ النّضر بن كنانة كان اسمه قريشًا. وقيل؛ بل لم تزل بنو النّضر بن كنانة يدعوْن النَّضْر حتى جمّعهم قصيّ بن كلاب، فقيل لهم: قريش؛ من أجل أن التجمُّع هو التقرُّش، فقالت العرب: تقرّش بنو النّضر، أي قد تجمّعوا.\nوقيل: إنما قيل قريش، من أجل أنها تقرّشت عن الغارات (١).\n(٢: ٢٦٥ - ٢٥٩).\n٨٧٥ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن سعيد بن محمد بن جُبَير بن مُطْعِم: أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جُبَير: مَتَى سمّيت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرَم من تفرُّقها، فذلك التجمّع التقرُش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت: أن قصيًّا كان يقال له: القرشيّ، ولم تسمّ قريش قبله (٢). (٢: ٢٦٥).\n٨٧١ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما نزل قصيّ الحرم وغَلب عليه؛ فعل أفعالًا جميلة، فقيل له: القرشيّ، فهو أوّل مَنْ سُمّيَ به (٣). (٢: ٢٦٥).\n٨٧٢ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبْرة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جَهْم، قال: النّضر بن كنانة كان يسمى القرشيّ (٤). (٢: ٢٦٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"6","page":533},{"text":"٨٧٣ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وقصيّ أحدث وقودَ النار بالمزدَلِفة، حيث وقف بها حتى يراها مَنْ دفع من عرفة، فلم تزل تُوقَد تلك النار تلك الليلة في الجاهليَّة (١). (٢: ٢٦٥).\n٨٧٤ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: فأخبرني كثير بن عبد الله المزنيّ عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانت تلك النار تُوقد على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان. قال: محمد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم (٢). (٢: ٢٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>ابن النّضر</span>\n٨٧٤ / أ - واسم النَّضر: قيس، وأمّه: بَرَّة بنت مُرّ بن أدّ بن طابخة، وإخوتهُ لأبيه وأمّه نُضير، ومالك، ومِلْكان، وعامر، والحارث، وعمرو، وسعد، وعوف، وغَنْم، ومَخرمَة، وجَرْوَل، وغزوان، وحُدَال، وأخوهم من أبيهم عبد مناة، وأمّه فُكَيهة - وقيل: فَكْهة - وهي الذّفراء بنت هَنِيّ بن بَلِيّ بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة. وأخو عبد مناة لأمّه عليّ بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن عمرو بن مازن الغسانيّ، وكان عبد مناة بن كنانة تزوّج هندًا بنت بكر بن وائل، فولدت له ولده، ثم خلف عليها أخوه لأمّه عليّ بن مسعود، فولدت له، فحضن عليّ بني أخيه، فنُسبوا إليه، فقيل لبني عبد مناة: بنو عليّ، وإياهم عنَى الشاعر بقوله:\nللهِ دَرُّ بَنِي عَلِـ ... ـيٍّ أَيِّمٍ مِنْهم وناكِحْ\nوكعب بن زهير بقوله:\nصدَمُوا عَليًّا يومَ بَدْرٍ صَدْمَةً ... دانَتْ عليٌّ بعْدَها لِنزَارِ\nثم وثب مالك بن كنانة على عليّ بن مسعود، فقتله، فودَاه أسد بن خزيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>ابن كنانة</span>\nوأمّ كنانة: عَوانة بنت سعد بن قيس بن عَيلان. وقد قيل: إن أمّه هند بنت\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":534},{"text":"عمرو بن قيس، وإخوتُه من أبيه أسَد، وأسدَة، يقال: إنه أبو جذام والهُون، وأمهم بَرّة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة، وهي أم النَّضْر بن كنانة، خلَف عليها بعد أبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>ابن خُزيمة</span>\nوأمّه: سلْمى بنت سليم بن الحافِ بن قضاعة، وأخوه لأبيه وأمّه هُذيل، وأخوهما لأمِّهمَا تغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحافِ بن قضاعة.\nوقد قيل: إن أمّ خزيمة وهذيل سَلْمى بنت أسد بن ربيعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>ابن مدركة</span>\nواسمه: عمرو، وأمه: خِنْدِف، وهي ليلى بنت حُلوان بن عمران بن الحافِ بن قضاعة، وأمُّها ضَريَّة بنت ربيعة بن نزار، قيل: بها سمّي حِمَى ضَريَّة، وإخوة مدركة لأبيه وأمّه عامر - وهو طابخة - وعمير وهو قَمَعة - ويقال: إنه أبو خزاعة (١). (٢: ٢٦٥/ ٢٦٦ / ٢٦٧).\n٨٧٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق: أنه قال: أمّ بني إلياس: خِنْدف، وهي امرأة من أهل اليمن، فغلَبت على نسب بنيها، فقيل: بنو خِنْدف.\nقال: وكان اسم مدركة: عامرًا، واسم طابخة: عمرًا. قال: وزعموا: أنهما كانا في إبل لهما يَرْعيانها، فاقتنصا صيدًا، فقعدا عليه يطبخانه، وعدتْ عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟ فقال عمرو: بل أطبخ الصّيد، فلحق عامر الإبل، فجاء بها، فلما راحا على أبيهما، فحدّثاه بشأنهما، قال لعامر: أنت مُدْركة، وقال لعمرو: أنت طابخة (٢). (٢: ٢٦٦).\n٨٧٦ - وحدّثت عن هشام بن محمد، قالوا: خرج إلياس في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمِّي مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمَي طابخة، وانقمع عُمَير في الخباء فلم يخرج فسمي قمَعة،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":535},{"text":"وخرجت أمّهم تمشي فقال لها: إلياس أين تخنْدِفين؟ فسميت خِندف - والخَنْدفة ضرب من المشي - قال: وقال قُصَيّ بن كباب:\nأَمَّهَتِي خِندِف وإلياس أبي\nقال: وقال إلياس لعمرو ابنه.\nإنكَ قد أدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَا\nولعامر:\nوأنتَ قد أنْضَجْتَ ما طَبَخْتَا\nولعمَير:\nوأنتَ قد أسْأتَ وانْقمعْتَا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>ابن إلياس</span>\nوأمّه: الرَّباب بنت حَيدة بن معدّ، وأخوه لأبيه وأمّه، وهو عَيلان، وسمي عَيلان - فيما ذكر - لأنه كان يعاتب على جوده، فيقال له: لتغلبنّ عليك الْعَيلة يا عيلان! فلزمه هذا الاسم.\nوقيل: بل سمِّيَ عَيلان بفرَس كانت له تدعى عَيلان.\nوقيل: سمِّيَ بذلك؛ لأنه ولد في جبل يسمى عَيلان.\nوقيل: سمِّيَ بذلك لأنه حضنه عبدٌ لمضر يدعى عَيلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>ابن مضر</span>\nوأمّه: سَودة بنت عكّ، وأخوه لأبيه وأمّه إياد، ولهما أخوان من أبيهما من غير أمَهما، وهما ربيعة وأنْمار؛ أمّهما جدالة بنت وعْلان بن جوْشم بن جُلْهُمة بن عمرو، من جُرْهم.\nوذكر بعضهم: أن نزار بن مَعَدّ لما حضرتْه الوفاة أوصى بنيه، وقسَّم ماله بينهم، فقال: يا بنيّ، هذه القبَّة - وهي قبّة من أدَم حمراء - وما أشبهها من مالي لمضر، فسمِّيَ مضر الحمراء، وهذا الخِباء الأسود وما أشبهه من مالي لِربيعة، فخلَّف خيلًا دُهْما، فسمِّي الفُرْس، وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد","vol":"6","page":536},{"text":"- وكانت شمطاء - فأخذ البُلْق والنَّقَد من غنمه. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فأخذ أنمار ما أصابه. فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القِسْمة فعليكم بالأفْعَى الجُرْهميّ. فاختلفوا في القِسمة، فتوجّهوا إلى الأفْعى؛ فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مُضَر كلأ قد رُعِيَ، فقال: إنّ البعير الذي رَعى هذا الكلأَ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، قال إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شَرُود، فلم يسيروا إلَّا قليلًا حتى لقيَهم رجل تُوضِع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مُضَر: هو أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: هو أزْور؟ قال: نعم، قال إياد: هو أبتر؟ قال: نعم، قال أنمار: هو شَرود؟ قال: نعم، قال: هذه صفة بَعِيري، دُلّوني عليه، فحلفوا له: ما رأوه. فلزمهم وقال: كيف أصدّقكم؛ وأنتم تصِفون بعيري بصفته! فساروا جميعًا حتى قدِموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمّي، فنادى صاحبُ البعير: هؤلاء أصحاب بعيري، وَصَفُوا لي صفته ثم قالوا: لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروهُ؟ فقال مضَر: رأيته يَرْعى جانبًا ويَدَع جانبًا فعرفت: أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يدْيه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعرفت: أنه أفسدها بشدّة وطئه لازوراره. وقال إياد: عرفت: أنه أبتر باجتماع بعره، ولو كان ذيّالًا لمَصع به. وقال: أنمار: عرفت: أنه شرود؛ لأنه يرعى المكان الملتفّ نبته، ثم يجوزه إلى مكان آخر أرقّ منه نبتًا وأخبث. فقال الجرهميّ: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه، ثم سألهم: مَنْ هم؟ فأخبروه، فرحّب بهم فقال: أتحتاجون إليَّ وأنتم كما أرى! فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فقال مُضَر: لم أر كاليوم خمرًا أجود، لولا أنها نبتت على قَبْر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحمًا أطيب لولا أنه رُبيّ بلبن كلب، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلًا أسْرَى منه لولا أنه لغير أبيه الذي يدعَى له، وقال أنمار: لم أر كاليوم قطّ كلامًا أنفع في حاجتنا [من كلامنا].\nوسمع الجرهميّ الكلام فتعجّب لقولهم، وأتى أمّه فسألها فأخبرته أنّها كانت تحت ملِل لا يولد له، فكرهت أن يذهبَ الملْك فأمكنتْ رجلًا من نفسها كان نزل بها، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حَبَلة غرستُها على قبر أبيك، وسأل الراعيَ عن اللحم، فقال: شاة أرضعتُها لبن كلبة، ولم يكن وَلَد في الغنم شاة غيرها. فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر","vol":"6","page":537},{"text":"ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد. وقيل لربيعة: بم عرفت؟ فذكر كلامًا.\nفأتاهم الجرهميّ، فقال: صفوا لي صفتكم، فقصّوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، فقضى بالقُبّة الحمراء والدنانير والإبل - وهي حُمْر - لمضر، وقضى بالخباء الأسود وبالخيل الدّهم لربيعة، وقضى بالخادم - وكانت شمطاء - وبالخيل البُلْق لإياد، وقضى بالأرض والدراهم لأنمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>ابن نزار</span>\nوقيل: إن نزارًا كان يكنى أبا إياد، وقيل: بل كان يكنى أبا ربيعة، أمّه مُعَانة بنت جَوْشم بن جُلْهُمة بن عمرو، وإخوته لأبيه وأمّه. قنَص، وقناصة، وسنام، وحيدَان، وحيدة، وحيادة، وجنيد، وجنادة، والقحم، وعُبيد الرَّماح، والعُرف، وعوف، وشكّ، وقضاعة؛ وبه كان معدّ يكنى، وعدّة دَرَجوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>ابن معدّ</span>\nوأمّ مَعَدّ - فيما زعمِ هشام - مَهْدَد بنت اللِّهَمّ - ويقال: اللَّهْم - ابن جَلْحَب بن جديس. وقيل: ابن طسْم، وقيل: ابن الطوسم، من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن.\nحدَّثنا الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا هشام بن محمد، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن العجلانيّ: وإخوته من أبيه وأمّه الدّيث - وقيل: إن الدّيث هو عكّ. وقيل: إنّ عكا هو ابن الديث بن عبدنان - وَعَدن بن عبدنان، فزعِم بعض أهل الأنساب: أنه صاحب عَدَن؛ وإليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدَرجوا، وأبيَن - وزعم بعضهم: أنه صاحب أبيَن وأنّها إليه تنسب، وأنّ أهلها كانوا ولده فدرجوا - وأدّ بن عبدنانَ درَج، والضحاك، والعيّ، وأمّ جميعهم أمّ معدّ.\nوقال بعض النسابة: كان عكّ انطلق إلى سمرَان من أرض اليمن، وترك أخاه معدًّا، وذلك أنّ أهل حَضور لما قتلوا شعيب بن ذي مَهْدَم الحَضوريّ؛ بعث الله","vol":"6","page":538},{"text":"عليهم بختنصَّر عذابًا، فخرج أرميا وبرخيا، فحملا معدًّا، فلمّا سكنت الحرب؛ ردّاه إلى مكة، فوجد معدّ إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوّجوا فيهم، وتعطّفَتْ عليهم اليمن بولادة جُرْهم إيّاهم. واستشهدوا في ذلك قول الشَّاعَر:\nتَرَكْنا الدِّيثَ إخْوَتَنَا وعكَّا ... إلى سَمْرانَ فانطَلَقُوا سِراعا\nوكانوا مِنْ بني عَدْنانَ حتّى ... أضاعوا الأمْرَ بَينَهُم، فضاعا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>ابن عدنان</span>\nولعدنان أخَوان لأبيه؛ يدعى أحدهما: نَبْتًا والآخر منهما: عَمْرًا، فنسَبُ نبينا محمد - ﷺ - لا يختلف النسابون فيه إلى معدّ بن عبدنان، وأنه على ما بيّنت من نسبه (١). (٢: ٢٦٧ - ٢٧١).\n٨٧٧ - حدثني يونس بن عبد الأعلى. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره عن نسبة رسول الله - ﷺ -: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قُصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خُزَيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان بن أدد. ثم يختلفون فيما بعد ذلك.\nوقال الزبير بن بكّار: حدّثني يحيى بن المقداد الزّمْعيّ عن عمّه موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زَمعة، عن عمّته أم سلَمة زوج النبي غبهَبت، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"معدّ بن عبدنان بن أدد بن زَنْد بن يَرَى بن أعراق الثرَى\"، قالت أمّ سلمة: فزند هو الهَميْسعَ، ويرى وهو نبت، وأعراق الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم (٢). (٢: ٢٧١).\n٨٧٨ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن العجلانيّ عن موسى - بن يعقوب الزمعيّ، عن عمّته، عن جَدّتها ابنة المقداد بن الأسود البهرانيّ، قالت: قال\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":539},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"معدّ بن عبدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى\".\nوقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان - فيما يزعم بعض النّساب -: ابن أدد بن مقوّم بن ناحور بن تيرح بن يَعرب بن يشَجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.\nوبعض يقول: بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.\nقال: وقد انتمى قصيّ بن كلاب إلى قيذر في شعر.\nقال: ويقول بعض النّساب: بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: وذلك: أنه علْم قديم أخذ من أهل الكتاب الأوّل.\nوأما الكلبيّ محمد بن السائب فإنه - فيما حدّثني الحارث عن محمد بن سعد، عن هشام - قال: أخبرني مخبرٌ عن أبي ولم أسمعه منه: أنه كان ينسب معدّ بن عبدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبيّ بن العوام بن ناشد بن حزا بن بَلْداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيفي بن ديشان بن عيصر بن أقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمّى بن مزّي بن عوص بن عرام بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما (١). (٢: ٢٧٢).\n٨٧٩ - حدّثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا هشام بن محمّد، قال: وكان رجل من أهل تَدْمُر، يكنى أبا يعقوب، من مسلمة بني إسرائيل، قد قرأ من كتبهم، وعلم علمًا، فذكر: أن بروخ بن ناريّا كاتب أرميا أثبت نسب معدّ بن عبدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب، مثبَت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعلّ خلاف ما بينهم من قبَل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":540},{"text":"قال الحارث: قال محمد بن سعد: وأنشدني هشام، عن أبيه شعرَ قصيّ:\nفلستُ لحاضِنٍ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ ... بها أولادُ قَيذَرَ والنَّبِيتُ\nقال: أراد نبْت بن إسماعيل.\nوقال الزبير بن بكّار: حدّثني عمر بن أبي بكر المؤَمَّليّ عن زكرياء بن عيسى، عن ابن شهاب، قال: معدّ بن عبدنان بن أدّ بن الهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.\nوقال بعضهم: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن آمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن بريح بن محلّم بن العوّام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشّر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن.\nوقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.\nوقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أدّ بن الهميسع بن نبت بن سلمان - وهو سلامان - ابن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.\nوقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن المقوّم بن ناحور بن مِشْرح بن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.\nوقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أن بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن مريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل.\nوأخبرني بعض النّساب: أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعدّ أربعين أبًا بالعربية إلى إسماعيل، واحتجّت لقولهم ذلك بأشعار العرب، وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهلُ الكتاب، فوجد العدد متّفقًا، واللفظ مختلفًا، وأملي ذلك عليّ فكتبته عنه، فقال: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن هميسع - وهميسع هو سلمان وهو آمين - ابن هميتع - وهو هميدع وهو","vol":"6","page":541},{"text":"الشاجب بن سلامان - وهو منجر، وهو نبيت؛ سمّي بذلك - فيما زعم - لأنه كان منجِر العرب؛ لأن الناس عاشوا في زمانه، واستشهد لقوله ذلك بقول قَعْنَب بن عتَّاب الرياحيّ:\nتُنَاشِدُني طيٌّ وَطيٌّ بَعِيدة ... وتُذْكِرُنِي بالودّ أَزْمَان ينبت\nقال: نبيت بن عوص - وهو ثعلبة. قال: وإليه تنسب الثعلبيّة - ابن بورا - وهو بوز وهو عتو العتائر، وأوّل من سَنّ العتيرة للعرب - ابن شوحا وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبيّة للعرب - ابن يعمانا - وهو قموال، وهو مريح الناصب، وكان في عصر سليمان بن داود النبي - ﷺ - ابن كسدانا - وهو محلَّم ذو العين - ابن حرانا - وهو العوّام - ابن بلداسا - وهو المحتمل - ابن بدلانا، وهو يدلاف، وهو رائمة - ابن طهبا - وهو طالب، وهو العيقان - ابن جهمي - وهو جاجم، وهو علة - ابن محشي - وهو تاحش، وهو الشحدود - ابن معجالي - وهو ماخي، وهو الظريب خاطم النار - ابن عقارا - وهو عافي، وهو عبقر أبو الجنّ، قال: وإليه تنسب جنة عبقر - ابن عاقارى - وهو عاقر، وهو إبراهيم جامع الشمل. قال: وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمّن في ملكه كلّ خائف، وردّ كلّ طريد، واستصلح الناس - ابن مداعي - وهو الدعا، وهو إسماعيل ذو المطابخ، سمّي بذلك لأنه حين ملَك أقام بكلّ بلدة من بلدان العرب دار ضيافة - ابن ابداعي - وهو عبيد وهو يزن الطعّان، وهو أوّل من قاتل بالرماح، فنسجت إليه - ابن همادى وهو حمدان، وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسًا له، وإليه تنسب الأعوجيّة من الخيل - ابن بشماني - وهو بشين وهو المطعم في المحْل - ابن بثراني - وهو بثرم، وهو الطمح - ابن بحراني - وهو يحزن، وهو القسور - ابن يلحاني، وهو يلحن، وهو العنود - ابن رعواني - وهو رعوي، وهو الدعدع - ابن عاقاري - وهو عاقر - ابن داسان، وهو الزائد - ابن عاصار - وهو عاصر، وهو النيدوان ذو الأندية، وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور، وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان - ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية - ابن قنادي - وهو قنار، وهو إيّامة بن ثامار، وهو بهامي، وهو دوس العتق، وهو دوس أجمل الخلق، زعم في زمانه، فلذلك تقول العرب: أعتق من دَوْس لأمرين: أمّا أحدهما فلحسنه وعتقه، والآخر لقدمه، وفي ملكه أهلِكت جرهم بن فالج","vol":"6","page":542},{"text":"وقطورًا، وذلك: أنهم بغوْا في الحرم، فقتلهم دَوْس، وأتبع الذرّ آثار من بقي منهم، فولج في أسماعهم فأفناهم - ابن قصر - وهو مقاصري، وهو حصن، ويقال له: ناحث، وهو النزال بن زارح، وهو قمير - ابن سمي - وهو سما، وهو المجشر، وكان - فيما زعم - أعدلَ ملك ولي وأحسنه سياسة، وفيه يقول أميّة بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم:\nكُنْ كَالمجَشِّرِ إذْ قالتْ رَعِيَّتُهُ ... كَانَ المجَشِّرُ أوْفانا بِما حَمَلَا\nابن مزرا - ويقال: مرهر - ابن صنفا، وهو السمر، وهو الصفيّ، هو أجود ملك رُئي على وجه الأرض، وله يقول أميّة بن أبي الصلت:\nإنَّ الصَّفِيَّ بن النَّبيتِ مُمَلَّكًا ... أعْلَى وأجْوَدُ من هِرَقْلَ وقَيصَرا\nابن جعثم - وهو عرام، وهو النَّبيت، وهو قيذر، قال: وتأويل \"قيذر\": صاحب ملك، كان أوّل من ملك من ولد إسماعيل - ابن إسماعيل صادق الوعد، ابن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح - وهو آزر - ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا بن بالغ - وتفسير \"بالغ\": القاسم بالسريانية، لأنه الذي قسم الأرضين بيد ولد آدم، وبالغ، فهو فالج بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متُّوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبيّ - ﷺ - ابن يحيىد - وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه - ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث - وهو هبة الله ابن آدم - ﵇ -. وكان وصيّ أبيه بعد مَقتل هابيل، فقال: هبة الله من هابيل، فاشتقَّ اسمه من اسمه.\nوقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمّهاته فيما بينه وبين آدم، ومما كان من الأخبار والأحداث في كلّ زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختَصر في كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.\nوحُدِّثت عن هشام بن محمد قال: كانت العرب تقول: إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش؛ وإنما حرم الحنث منذ ولد أبونَا شثُّ، وهو بالسريانية \"شيث\" (١). (٢: ٢٧٣ - ٢٧٦).\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>ذكر تزويج النبيِّ - ﷺ - خديجةَ ﵂</span>\n٨٨٥ - قال هشام بن محمّد: نكَح رسول الله - ﷺ - خديجةَ؛ وهو ابنُ خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ ابنةُ أربعين سنة.\nحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كانت خديجة بنت خويلد بن أسَد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ امرأة تاجرةً، ذات شرف ومال، تسْتتجِرُ الرجال في مالها، وتضاربُهم إيّاه بشىبء تجعله لهم منه، وكانت قريشٌ قومًا تجارًا؛ فلما بَلَغها عن رسول الله - ﷺ - ما بلَغها من صِدْق حَدِيثه، وعِظَمِ أمانته، وكَرَم أخلاقه؛ بعثتْ إليه، فعرضت عليه أن يخرُج في مالها إلى الشأم تاجرًا، وتعطيَه أفضلَ ما كانت تُعْطِي غيرَه من التُّجَّار مع غلامٍ لها يقال له: مَيسرة. فقبله منها رسول الله - ﷺ -، فخرج في مالها ذلك؛ وخرَج معه غلامها مَيسَرة؛ حتى قَدِما الشأم، فنزل رسول الله - ﷺ - في ظِلّ شجرة قريبًا من صَوْمعة راهب من الرّهبان، فأطْلَع الراهب رأسه إلى مَيسرة فقال: مَنْ هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجلٌ من قريش، من أهل الحَرم، فقال له الراهب: ما نَزَل تحت هذه الشجرةَ قطّ إلَّا نبيّ، ثم باع رسول الله - ﷺ - سِلْعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتريَ، ثم أقبل قافلًا إلى مكة؛ ومعه مَيسرة. فكان ميسَرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرِة واشتدّ الحرّ؛ يرَى مَلَكْين يُظلِّلانِه من الشّمس، وهو يسير على بعيره. فلما قدِمَ مكة على خديجة بمالِها، باعت ما جاء به فأضعفت، أو قريبًا من ذلك. وحَدّثها ميسرة عن قول الرّاهب، وعَمّا كان يَرَى من إظلال الملَكين إيّاه - وكانت خديجة امرأةً حازمة لبيبة شريفة؛ مع ما أراد الله بها من كَرامته - فلما أخبرها ميسرة بما أخبرَها؛ بعثتْ إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت له - فيما يزعمون -: يا بن عَمِّ! إني قد رغبتُ فيك لقرابتك وسِطَتِك في قومك، وأمانتك، وحسن خُلقك، وصدق حديثك. ثم عَرَضت عليه نفسَها، وكانت خديجة يومئذ أوسطَ نساء قريش نسبًا، وأعظمهن شرَفًا، وأكثرهُنّ مالًا، كلُّ قومِها كانَ حريصًا على ذلك منها؛ لو يقدرُ عليها.\nفلما قالت ذلك لرسول الله - ﷺ - ذكَر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن","vol":"6","page":544},{"text":"عبد المطّلب عَمّه؛ حتى دخل على خُويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوّجها، فوَلَدتْ له ولده كلّهم إلَّا إبراهيم: زينب، ورقيّة، وأمّ كلثوم، وفاطمة، والقاسم - وبه كان يكنى - ﷺ - والطّاهر، والطيّب، فأمّا القاسم، والطّاهر، والطّيب؛ فهلكوا في الجاهلية، وأما بيناته فكلّهنّ أدركْن الإسلام، فأسلمنَ، وهاجرْنَ معه - ﷺ - (١). (٢: ٢٨٠/ ٢٨١).\n٨٨١ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمّد بن سعد، قال: حدَّثنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا معمَر وغيره عن ابن شهاب الزّهريّ - وقد قال ذلك غيرهُ من أهل البلد: إن خديجة إنما كانت استأجرتْ رسول الله - ﷺ - ورجلًا آخر من قُريش إلى سوق حُبَاشة بتِهامة؛ وكان الذي زَوّجها إياه خُوَيلد، وكانت التي مشتْ في ذلك مولاةٌ مولّدة من مولّدات مكّة.\nقال الحارث: قال محمّد بن سعد: قال الواقديّ: فكلّ هذا غلطٌ.\nقال الواقديّ: ويقولون أيضًا: إنّ خديجة أرسلتْ إلى النبيّ - ﷺ - تدعوه إلى نفسها - تَعْني: التزويج - وكانت امرأةً ذاتَ شرف، وكان كلّ قريش حريصًا على نِكاحها - قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعتْ أباها فسقته خمرًا حتى ثَمِل، ونحرَتْ بقرة وخَلّقته بخلوق، وألبسته حُلةً حِبْرةً، ثم أرسلتْ إلى رسول الله - ﷺ - في عمومته، فدخلوا عليه، فزوّجه، فلمّا صحا قال: ما هذا العَقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتَني محمّد بن عبد الله، قال: ما فعلتُ، أنّى أفعل هذا وقد خطبك أكابرُ قريش، فلم أفعل! .\nقال الواقديّ: وهذا غلطٌ، والثَّبَت عندنا المحفوظ من حديث محمّد بن عبد الله بن مسلم عن أبيه، عن محمّد بن جُبَير بن مطِعم، ومن حديث ابن أبي الزّناد، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، ومن حديث ابن أبي حبيبة: عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أن عَمَّها عمرو بن أسد زوَّجها رسول الله - ﷺ -، وأن أباها مات قبل الفِجار.\nقال أبو جعفر: وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: منزل خديجة، فاشتراه معاوية - فيما ذكر- فجعله مسجدًا يصلّي فيه\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":545},{"text":"الناس، وبناه على الَّذي هو عليه اليوم لم يغيّر. وأمّا الحجر الذي على باب البيت عَنْ يَسار منْ يدخل البيت فإنّ رسولَ الله - ﷺ - كان يجلس تَحته يستتِر به من الرَّمْي إذا جاءه من دار أبي لَهَب، ودار عدِيّ بن حمراء الثّقِفيِّ خَلْفَ دارِ ابن علْقَمة، والحجَر ذراعٌ وشبر في ذراع (١). (٢: ٢٨١/ ٢٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أَمر رسول الله - ﷺ - قبل أَن ينبَّأ، وما كان بين مولده ووقت نبوّته من الأَحداث في بلده</span>\n٨٨٢ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ سببَ تزويج النبيِّ - ﷺ - خديجة واختلاف المختلفين في ذلك، ووقت نكاحه - ﷺ - إيَّاها. وبَعْدَ السنة التي نكحها فيها رسولُ الله - ﷺ - هَدَمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بَنَتها - وذلك في قول ابن إسحاق - في سنة خَمسٍ وثلاثين من مولد رسول الله - ﷺ -.\nوكان سبب هَدْمِهِمْ إياها فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق: أنّ الكعبة كانت رَضْمة فوق القامة، فأرادوا رَفْعها وتسقِيفها، وذلك: أن نفرًا من قريش وغيرهم سَرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة (٢). (٢: ٢٨٣).\nوكان أمرُ غَزالي الكعبة - فيما حُدّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: أنّ الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح، فأمر الله إبراهيم خليلَه - ﵇ - وابنَه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسِّها الأول، فأعادا بناءها، كما أنزِل في القرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فلم يكن له ولاةٌ منذ زمن نوح - ﵇ -، وهو مرفوع، ثم أمر الله ﷿ إبراهيمَ أن ينزل ابنهُ إسماعيل البيت، لِمَا أراد الله من كرامة مَنْ أكرمه بنبيه محمد - ﷺ -، فكان إبراهيم خليلُ الرحمن وابنه إسماعيلَ يليَان البيت بعد عَهْدِ نوح، ومكّة يومئذ بلاقع، ومن حَوْلِ مكّة يومئذ جُرْهم والعماليق، فنكح\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":546},{"text":"إسماعيل - ﵇ - امرأة من جُرْهم، فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مُضَاض:\nوصاهَرَنا مَنْ أكْرَمُ النَّاسِ وَالدًا ... فأبْناؤُهُ مِنَّا ونَحْنُ الأَصاهِر\nفوليَ البيت بعد إبراهيم إسماعيل، وبعد إسماعيل نَبْت؛ وأمُّه الجرهميّة؛ ثم مات نَبْت، ولم يكْثر ولد إسماعيل، فغلبت جُرْهم على ولاية البيت؛ فقال عمرو بن الحارث بن مُضاض:\nوكُنَّا وُلَاةَ البَيتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ البَيتِ والخَيرُ ظَاهِرُ\nفكان أولَ مَنْ وَليَ من جُرْهُم البيتَ مُضاض، ثم وليتْه بعده بنُوه كابرًا بعد كابر؛ حتى بغتْ جُرُهم بمكّة، واستحلُّوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهْدَى لها، وظلموا مَنْ دخل مكّة، ثم لم يتناهَوْا حتى جعل الرجُلُ منهم إذا لم يجد مكانًا يزني فيه يدخل الكعبة فيزني، فزعموا: أنّ إسافًا بَغَى بنائلة في جَوْف الكعبة، فمسخا حَجَرين، وكانت مكّة في الجاهلية لا ظلمَ ولا بَغْيَ فيها، ولا يستحلُّ حرمتها مَلِكٌ إلَّا هلك مكانه فكانت تسمى النّاسّة، وتُسَمَّى بَكّة، تَبُكّ أعناق البغايا إذا بَغَوْا فيها، والجبابرة.\nقال: ولمّا لم تتناهَ جُرْهم عن بَغْيها، وتفرّق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع بنو حارثة بن عمرو، فأوْطنوا تهامة - فسّميت خُزاعة، وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة - وأسلم ومالك وملْكان بنو أفْصَى بن حارثة، فبعث الله على جُرْهم الرَّعَاف والنّمل، فأفناهم، فاجتمعت خُزاعة ليجلُوا مَنْ بَقِيَ، ورئيسُهم عمرو بن ربيعة بن حارثة، وأمّه فُهَيرة بنت عامر بن الحارث بن مُضاض، فاقتتلوا، فلمّا أحسَّ عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالي الكعبة وحجر الرّكن يلتمس التوبة، وهو يقول:\nلا هُمَّ إنَّ جُرْهُمًا عِبَادُكْ ... النَّاس طُرْفٌ وَهُمُ تِلَادُكْ\nبِهِمْ قَدِيمًا عمِرَتْ بِلَادُكْ\nفلم تُقْبَل توبتُه، فألقى غزالي الكعبة وحجر الرّكن في زمزم، ثم دفنها، وخرج مَنْ بقي من جُرْهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتِيٌّ، فذهب بهم، فذلك قول أمية بن أبي الصّلت:\nوَجُرْهُمْ دَمَّنُوا تِهَامَةَ في الدّهْرِ ... فَسَالتْ بِجَمْعِهمْ إضَمُ","vol":"6","page":547},{"text":"ووَليَ البيت عمرو بن ربيعة، وقال بنو قصّي: بل وَليَه عمرو بن الحارث الغُبْشانِيّ، وهو يقول:\nونَحْنُ وَلينا البَيتَ مِنْ بَعْدِ جُرْهُمِ ... لِنَعْمُرَهُ مِنْ كُلِّ باغٍ ومُلحِدِ\nوقال:\nوادٍ حَرَامٌ طَيرُهُ وَوَحْشُهُ ... نحْنُ وُلَاتُهُ فَلا نَغُشُّهُ\nوقال عمرو بن الحارث:\nكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَينَ الحَجُونِ إلى الصَّفَا ... أنِيسٌ ولم يَسمُرْ بمَكَّةَ سامِرُ\nبَلَى نَحْنُ كُنَّا أهْلَهَا فأبادَنَا ... صرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ الْعَوائِرُ\nوقال:\nيا أيها النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْركُمُ ... أنْ تُصبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسيرونَا\nكُنَّا أُناسًا كما كُنْتُمْ فغَيَّرَنا ... دهْرٌ، فأنْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونا\nحُثُّوا المَطِيَّ وأرْخُوا من أَزِمَّتَها ... قَبْلَ المماتِ وَقَضوا ما تُقَضُّونا\nيقول: اعملوا لآخرتكم، وافرُغوا من حوائجكم في الدنيا. فولَيتْ خُزاعة البيتَ؛ غير أنه كان في قبائل مُضر ثلاث خلال: الإجازة بالحجّ للناس من عرفة، وكان ذلك إلى الغَوْث بن مُرّ - وهو صُحوفة - فكانت إذا كانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صُحوفة. والثانية الإفاضة من جَمْع غداة النَّحر إلى مِنىً، فكان ذلك إلى بني زيد بن عَدْوان؛ فكان آخر مَنْ وليَ ذلك منهم أبو سَيَّارة عُمَيلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وا بش بن زيد، والثالثة النَّسيءُ للشهور الحُرُم، فكان ذلك إلى القَلَمَّس، وهو حُذيْفَة بن فُقَيم بن عديّ من بني مالك بن كنانة، ثم بنيه حتي صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة، وهو جُنادة بن عوْف بن أميّة بن قَلع بن حُذيفة. وقام عليه الإسلام، وقد عادت الحُرُم إلى أصلها، فأحكمها الله وأبطل النسيء؛ فلمّا كثرت معدّ تفرَّقت، فذلك قول مهلهل:\nغَنِيَتْ دارُنا تِهامَةُ في الدَّ هـ ... ـر وفِيها بنو مَعَدٍّ حُلُولا\nوأما قريش، فلم يفارقوا مكّة، فلما حفر عبدُ المطّلب زمزم، وَجَدَ الغَزالين، غَزَالي الكعبة اللذين كانت جُرْهم دفنتْهما فيه، فاستخرجهما؛ وكان","vol":"6","page":548},{"text":"من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل (١). (٢: ٢٨٣/ ٢٨٤ / ٢٨٥/ ٢٨٦).\n٨٨٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وكان الذي وجد عنده الكنز دُوَيكًا مولىً لبني مُليح بن عمرو، من خزاعة. فقطعت قريش يدَه من بينهم، وكان مِمن اتّهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل، وأبو إهاب بن عُزَير بن قيس بن سُوَيد التميميّ - وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه - وأبو لَهَب بن عبد المطّلب؛ وهم الذين تزعم قريش: أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دُوَيك مولى بني مُلَيح، فلمّا اتّهمتْهم قريش، دلّوا على دُوَيك، فقُطِع، ويقال: هم وضعوه عنده.\nوذكروا: أنّ قريشًا حين استيقَنُوا بأنّ ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ خرجوا به إلى كاهنة من كُهّان العرب، فسَجَعَتْ عليه من كهانتها بألّا يدخل مكّة عشْر سنين بما استحلّ من حُرمة الكعبة، فزعموا: أنّهم أخرجوه من مكّة، فكان فيما حَوْلَها عشر سنين؛ وكان البحر قد رَمى بسفينة إلى جُدَّة لرجل من تجّار الروم، فتحطّمت، فأخذوا خَشَبها فأعدُّوه لسَقفِها؛ وكان بمكّة رجل قبطيٌّ نجَّارٌ، فتهيّأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلِحها، وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كلّ يوم، فَتتشَرَّق على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، وذلك أنه كان لا يدنُو منها أحدٌ إلَّا احزألّتْ وكشّت وفتحتْ فاها؛ فبينا هي يومًا تَتَشرَّق على جِدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرًا، فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنّا لنرجُو أن يكون الله ﷿ قد رَضِيَ ما أردْنا. عندنا عامل رقيقٌ، وعندنا خشبٌ، وقد كفانا الله [أمر] الحيّة، وذلك بعد الفِجار بخمس عشرة سنَة، ورسول الله - ﷺ - عامَئِذٍ ابن خمس وثلاثين سنة.\nفلمّا أجمعوا أمرهم في هَدْمها وبنائها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حَجَرًا، فوثب من يده؛ حتى رجع إلى مَوْضعه، فقال: يا معشرَ قريش! لا تُدخِلوا في بنيانها من كَسْبكم إلَّا طيبًا،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"6","page":549},{"text":"ولا تُدْخِلوا فيها مَهْر بَغِيٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحدٍ من النّاس.\nقال: والنّاسُ يَنحَلون هذا الكلامَ الوليد بن المغيرة. حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نَجيح المكيّ: أنه حَدَّث عن عبد الله بن صفْوان بن أميّة بن خلف: أنه رأى ابنًا لجعْدةَ بن هُبَيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت، فسأل عنه فقيل له: هذا ابنٌ لجَعْدة بن هُبَيرة، فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جَدّ هذا -يعني: أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرًا حين اجتمعت قريش لهدمها، فوثب من يَدِه حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشرَ قريش! لا تُدْخِلوا في بنيانها من كَسبْكم إلَّا طيّبًا، لا تُدْخِلوا فيها مَهْر بغيٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحدٍ من الناس.\nوأبو وهب خال أبي رسول الله - ﷺ -، وكان شريفًا (١). (٢: ٢٨٦/ ٢٨٧ / ٢٨٨).\n٨٨٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: ثم إنّ قرَيشًا تجزّأت الكعبة، فكان شِقُّ الباب لبني عبد مناف، وزُهرة، وكان ما بين الرُّكن الأسود والرّكْن اليمانيّ لبني مخزوم، وتيم، وقبائلَ من قريش، ضُمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح، وبني سَهْم، وكان شقُّ الحِجْر - وهو الحطيم - لبني عبد الدّار بن قصيّ، ولبني أسد بن عبد العُزّى بن قصيّ، وبني عديّ بن كعب (٢). (٢: ٢٨٨).\n٨٨٥ - ثم إنّ النّاس هابوا هَدْمَها وفرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المِعْوَل ثم قام عليها، وهو يقول: اللهمّ لم تُرَعْ! اللهمّ لا نريد إلَّا الخير! ثم هَدَم من ناحية الرُّكْنين، فتربّص النّاس به تلك اللّيلة، وقالوا: ننظر؛ فإن أصيبَ أنهدمْ منها شيئًا؛ ورددْناها كما كانت؛ وإن لم يصبه شيءٌ فقد رضِيَ الله ما صنعنا هَدَمْنا.\nفأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم والنّاس معه؛ حتى انتهى\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":550},{"text":"الهَدْم إلى الأساس، فأفضَوْا إلى حجارة خُضْرٍ كأنّها أسِنَّة آخذٌ بعضها ببعض (١). (٢: ٢٨٨/ ٢٨٩).\n٨٨٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حَدّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن بعض مَنْ يروي الحديث: أنّ رجلًا من قريش ممّنْ كان يهدمها، أدخل عَتَلةً بين حجرين منها، ليقلع بها أحَدهما، فلما تحرّك الحجَر تَنَقَّضَتْ مكّة بأسْرِها، فانتهوْا عند ذلك إلى الأساس.\nقال: ثم إنّ القبائل جَمَعت الحجارة لبنائها، جعلت كلّ قبيلة تجمع على حِدَتها، ثم بنوْا حتى إذا بلغ البنيان مَوْضِع الرّكن، اختصموا فيه، كلُّ قبيلةٍ تريد أن تَرفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا، وتحالفوا، وتواعدوا للقتال، فقرَّبت بنُو عبد الدار جَفْنة مملوءة دمًا؛ ثم تعاقدوا هم وبنو عديّ بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديَهم في ذلك الدم في الجَفْنة! فسُمُّوا: لَعَقة الدم بذلك، فمكثت قريش أربع ليالٍ -أو خمس ليال- على ذلك.\nثم إنّهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا، وتناصفوا! فزعم بعضُ الرّواة أنّ أبا أميّة بن المغيرة كان عامئذ أسنّ قريش كلّها، قال: يا معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول مَنْ يدخلُ من باب هذا المسجد، يقضِي بينكم فيه؛ فكان أوّلَ مَنْ دخل عليهم رسولُ الله - ﷺ -، فلمَّا رأوْه قالوا: هذا الأمين، قد رَضَينا به؛ هذا محمّد! فلمّا انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال: هُلّم لي ثوبًا، فأتِيَ به. فأخذ الرّكن، فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كلُّ قبيلة بناحيةٍ من الثَّوب، ثمّ ارفعوه جميعًا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه بيده، ثم بني عليه؛ وكانت قريش تسمِّي رسول الله - ﷺ - قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين.\nقال أبو جعفر: وكان بناءُ قريش الكعبة بعد الفِجَار بخمس عشرة سنة، وكان بين عام الفيل وعام الفِجَار عشرون سنة (٢). (٢: ٢٨٩/ ٢٩٠).\nوقال آخرون: بل نُبِّيء حين نُبّئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.\nذكر من قال ذلك:\n٨٨٧ - حدَّثنا أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حَدّثنا أحمد، قال: حَدّثنا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"6","page":551},{"text":"يحيى بن سعيد عن هِشَام، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: أنزِل على النبيّ - ﷺ - وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (١). (٢: ٢٩٢).\n٨٨٨ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا جرير عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، قال: أنزِل على رسول الله - ﷺ - الوحيُ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (٢). (٢: ٢٩٢).\n٨٨٩ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حَدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيدًا -يعني ابن المسيَّب- يقول: أنزِل على رسول الله - ﷺ - الوحي؛ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (٣). (٢: ٢٩٢).\n* * *\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"6","page":552},{"text":"ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ\nالسِّيرة النَّبَويَّةُ\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجلَّد السَّابع\nدَار ابْنِ كَثِيرِ\nدمشق - بَيروت","vol":"7","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"7","page":2},{"text":"ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>السِّيرة النَّبَويَّةُ</span>","vol":"7","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>ذكر اليوم الذي نُبِّيء فيه رسول الله - ﷺ - من الشهر الذي نُبِّيء فيه وما جاء في ذلك</span>\nواختلفوا في أيّ الأثانين كان ذلك؟ فقال بعضُهم: نزل القرآن على رسول - ﷺ - لثمانِيَ عشرة خَلَتْ من رمضان.\nذكر من قال ذلك.\n١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حَدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن الحسَن بن دينار، عن أيّوب، عن أبي قُلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي: أنه كان يقول - فيما بلغه وانتهى إليه من العلم -: أُنزِل الفرقان على رسولِ الله - ﷺ - لثمانيَ عشرة ليلةً خَلَتْ من رمضان (١). (٢٩٣: ٢/ ٢٩٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف لضعف شيخ الطبري (محمد بن حميد الرازي) وعنعنة ابن إسحاق فهو مدلّس وحديثه حسن إذا صرَّح بالتحديث، ولم يصرّح هنا، وكذلك فإن عبد الله بن يزيد تابعي فالإسناد منقطع كذلك. وأخرج ابن سعد في طبقاته (١/ ١٩٤) أخبر محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي جعفر قال: نزل الملك على رسول الله - ﷺ - بحراء يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان ورسول الله يومئذ ابن أربعين سنة وجبريل الذي كان ينزل عليه الوحي.\nقلنا: وهذا إسناد ضعيف لضعف شيخ ابن سعد وكذلك لضعف إسحاق بن أبي فروة الذي قال فيه البخاري في الكبير (١/ ١ / ٣٩٦): تركوه، وقال أيضًا: نهى ابن حنبل عن حديثه والله أعلم.\nولقد أشار الطبري في تأريخه إلى ذلك (٢/ ٢٩٤) دون ذكر الرواية في ذلك. فقال: وقال آخرون: بل نزل لسبع عشرة خلت من رمضان واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله ﷿: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وذلك ملتقى رسول الله - ﷺ - والمشركين ببدر وأن التقاء رسول الله - ﷺ - والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان. اهـ.","vol":"7","page":5},{"text":"٢ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حَدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق عمّنْ لا يُتَّهم، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان، أنه حدَّث أن عمر بن الخطّاب بينا هو جالسٌ في الناس في مسجد رسول الله - ﷺ -، إذ أقبل رجلٌ من العرب داخل المسجد، يريد عمر -يعني ابن الخطّاب- فلمّا نظر إليه عمر قال: إنَّ الرجلَ لعلَى شِرْكه بعد، ما فارقه -أو لقد كان كاهنًا في الجاهلية- فسلم عليه الرجل، ثم جلس فقال له عمر: هل أسلمتَ؟ فقال: نعم، فقال: هلْ كنت كاهنًا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله! لقد استقبلتَني بأمرٍ ما أراك قلتَه لأحد من رعيّتك منذ وليت! فقال عمر: اللهم غَفْرًا؛ قد كنّا في الجاهلية على شَرٍّ من ذلك، نعبدُ الأصنام، ونعتنق الأوثان حتى أكرَمنا الله بالإسلام. فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ لقد كنت كاهنًا في الجاهليّة. قال: فأخبرنا ما أعجبُ ما جاءك به صاحبك. قال: جاءني قبل الإسلام بشهر -أو سنة - فقال لي: \"ألم تر إلى الجنّ وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها! \".\nقال: فقال عمر عند ذلك يحدّث الناس: والله إني لعندَ وثنٍ من أوثان الجاهلية في نفرٍ من قريش؛ قد ذبح له رجل من العرب عجلًا فنحن نَنظرُ قَسْمَه ليقسم لنا منه؛ إذ سمعتُ من جوف العجل صوتًا ما سمعت صوتًا قَطُّ أنفذَ منه؛ وذلك قبل الإسلام بشهر أو شَيعه، يقول: يا آل ذريح، أمرٌ نجيح، ورَجُلٌ يصيح؛ يقول: للا إله إلا الله (١) (٢: ٢٩٦/ ٢٩٧).\n٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا عليّ بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهريّ، عن عبد الله بن كعب، مولى عثمان بن عفّان، مثله (٢). (٢: ٢٩٧).\n٤ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حَدَّثني محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: كُنَّا جلوسًا عند صنم ببُوانة قبل أن يبعثَ رسولُ الله - ﷺ - بشهر؛ نحرنا جَزُورًا؛ فإذا صائح يصيح من جَوْف واحدة: اسمعوا إلى العجب! ذهب\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا لضعف شيخ الطبري ابن حميد الرازي وضعف سلمة وعنعنة ابن إسحاق وإبهامه للرجل بينه وبين عبد الله بن كعب والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا لضعف ابن حميد، وكذلك لاتهام العلماء عليَّ بن مجاهد بالكذب بالإضافة إلى عدم سماعه من ابن إسحاق والله أعلم.","vol":"7","page":6},{"text":"استراق الوحي، ونرمى بالشُّهُب لنبيّ بمكّة اسمه أحمد، مهاجَره إلى يثرب. قال: فأمسكنا، وعجبنا، وخرج رسول الله - ﷺ - (١). (٢: ٢٩٧).\nونرجع الآن إلى: ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله - ﷺ - عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل - ﵇ - إليه بوحيه.\nقال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمدًا - ﷺ - بالوحي من الله، وكم كان سن النبي - ﷺ - يومئذ، ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربه.\n٥ - حدَّثنا محمّد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الشيباني، قال: حدَّثنا عبد الله بن شَدَّاد، قال: أتى جبريلُ محمّدًا - ﷺ -، فقال: يا محمّد، اقرأ؟ فقال: ما أقرأ؟ قال: فضمّه، ثمّ قال: يا محمَّد، اقرأ، قال: ما أقرأ؟ قال: فضمَّه، ثم قال: يا محمّد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ حتى بلغ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قال: فجاء إلى خديجة، فقال: يا خديجة، ما أراني إلَّا قد عُرِض لي، قالت: كَلَّا والله ما كان رَبُّك يفعل ذلك بك، ما أتيتَ فاحشةً قطّ. قال: فأتتْ خديجةُ ورقةَ بنَ نوفل فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنتِ صادقة، إنَّ زوجَك لنبي، وليلقين من أمّتهِ شدّة، ولئن أدركتُه لأومِنَنَّ به.\nقال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرَى رَبَّك إلَّا قد قَلاك، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٢). (٢: ٢٩٩/ ٣٠٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف لأنه من طريق الواقدي والله أعلم.\n(٢) رجال هذا الإسناد رجال الصحيح إلَّا أنه منقطع؛ فعبد الله بن شداد من كبار التابعين ولم تثبت له صحبة ولم نجد من أثبت سماعه من النبيّ - ﷺ - (فيما بين أيدينا من المراجع) ولقد نقل الحافظ المزي في ترجمته في تهذيب الكمال (١٥/ ٨١ / ت ٣٣٣٠) قول أبي الحسن الميموني: سُئل أبو عبد الله عن عبد الله بن شداد: أسمع من النبي - ﷺ -؟ فقال: لا. اهـ.\nقلنا: وذكره الجزري في أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣/ ٢٧٦ / ت ٣٠٠٦). وقال: وُلد عبد الله على عهد النبي - ﷺ - روى عن أبيه وعن عمر وعلي. اهـ.\nوذكره القرطبي في كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ٥٨ / ١٥٩١). وقال: ولد على =","vol":"7","page":7},{"text":"٦ - وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتًا، وخَفَّف عنه بعض ما كان فيه من الهمّ.\nفحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكم مولى آل الزُّبَيْر، أنه حدَّث عن خديجة أنها قالتْ لرسول الله - ﷺ - فيما يثبّته فيما أكرمه الله به من نبوّته: يا بن عمّ، أتستطيع أن تخبرَني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جَبْرئيل ﵇ كما كان يأتيه، فقال رسولُ الله - ﷺ - لخديجة: ياخديجة هذا جبرئيل قد جاءني، فقالت: نعم، فقم يابنَ عمّ، فاجلس على فخذي اليُسرى، فقام رسول الله - ﷺ - فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاقعُد على فخذي اليمنى، فتحوّل رسول الله - ﷺ - فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم؛ قالت: فتحوّل فاجلس في حجري، فتحوّلَ فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، فتحسَّرت، فألقت خمارها ورسول الله - ﷺ - جالسٌ في حِجْرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا، فقالت: يا بن عمّ، اثبُت وأبشر؛ فوالله إنه لَملَكٌ وما هو بشيطان (١). (٢: ٣٠٢/ ٣٠٣).\n_________\n= عهد الرسول - ﷺ - كان من أهل العلم، روى عن عمر وعلي وأبيه شداد بن الهاد. اهـ.\nولم يذكر أحد منهما أنه لقي النبي - ﷺ -. والأرجح ما قاله أبو عبد الله من أنه لم يسمع من النبي - ﷺ -، وكونه ولد على عهد النبي - ﷺ - لا يكفي لثبوت سماعه بل حتى لإطلاق اسم الصحابة عليه كما قال الحافظ العلائي في رسالته القيّمة (تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة / ص ٤٨).\nوكذلك من ولد في حياته - ﷺ - (من أبناء الصحابة) ومات النبي وهو ابن سنة ونحو ذلك لا يطلق على أحدٍ من هؤلاء اسم الصحبة لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز. اهـ.\nومعلوم أن الرؤية واللقيا به ﵊ من شروط إطلاق لفظ الصحبة، أضف إلى ذلك كله أن ابن حجر لم يذكره في عدد الصحابة في كتابه الإصابة. والله أعلم. وقال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٦٩): وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال: أتى جبريل محمدًا ... الحديث ثم ذكره كما هو عند الطبري. ولم نجده في دلائل النجوة لأبي نعيم (طبعة دار النفائس) والله أعلم. ولقد صحح الإسناد الطرهوني لهذه الرواية فقال: وهو من مراسيل الصحابة قطعا وهي مقبولة اتفاقًا.\nقلنا: قوله (قطعًا) فيه نظر فهو من كبار التابعين عند كثير من أئمة الحديث ولم يقطعوا جميعًا بأنه من صغار الصحابة والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف لضعف شيخ الطبري (محمد بن حميد الرازي) وللانقطاع بين إسماعيل بن =","vol":"7","page":8},{"text":"٧ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وحدَّثت بهذا الحديث عبد الله بن الحسن، فقال: قد سمعت أمّي فاطمة بنت الحسين تحدِّث بهذا الحديث عن خديجة، إلَّا أنّي قد سمعتها تقول: أدخلتْ رسولَ الله - ﷺ - بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت لرسول الله - ﷺ -: إن هذا لَمَلَك، وما هو بشيطان (١). (٢: ٣٠٣).\n_________\n= أبي حكيم وخديجة ﵂. وهذه الرواية وبهذا السند في (سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٢) وكذلك أخرجه البيهقي في دلائل النوة (٢/ ١٥٢) بالسند المنقطع نفسه فالحديث ضعيف والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف، وأخرج ابن هشام في السيرة (١/ ٣٠٣) قال ابن إسحاق: وقد حدثتُ عبد الله بن حسين هذا الحديث فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدّث بهذا الحديث عن خديجة إلَّا أني سمعتها تقول ... إلى آخر الحديث. كما في رواية الطبري وإن كان ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديث هنا إلَّا أن في الحديث انقطاعًا بين فاطمة بنت الحسين وخديجة والله أعلم. وأخرج الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ٢١٨ / ح ١٦٥) حديثًا في هذا المعنى وهو كالآتي: حدثنا عمرو بن محمد بن جعفر قال ثنا إبراهيم بن علي قال ثنا النضر بن سلمة قال ثنا فليح بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الإمامي عن يزيد بن رومان الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - كان جالسًا مع خديجة يومًا من الأيام إذ رأى شخصًا بين السماء والأرض لا يزول فقالت خديجة: ادن مني، فدنا منها، فقالت له: أتراه؟ فقال النبي - ﷺ -: نعم. قالت خديجة: أدخل رأسك تحت درعي ففعل ذلك. فقالت خديجة: أتراه؟ فقال النبي - ﷺ -: لا. قد أعرض عني. قالت خديجة: أبشر فإنه ملك كريم، لو كان شيطانًا ما استحى ... إلى آخر الحديث.\nقلنا: وهذا إسناد ضعيف فسلمة بن النضر هو المعروف بـ (شاذان) قال أبو حاتم: كان يفتعل الحديث ولم يكن بصدوق (الجرح والتعديل ٤/ ١ / ٤٨٠) وقال أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوزان: عرفنا كذبه في المذاكرة (الميزان ٤/ ٢٥٧ / ت ٩٠٦٣).\nوقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ٥١): كان ممن يسرق الحديث لا يحل الرواية عنه إلَّا للاعتبار، وخالفهم أبو عروبة إذ أثنى عليه خيرًا وقال: كان حافظًا لحديث المدينة.\nقلنا: وتضعيفهم له مقدم على توثيقه فهو جرح مفسر والله أعلم، أضف إلى ذلك كون هذه الرواية من طريق شاذان عن فليح بن إسماعيل الذي قال الحافظ في ترجمته في اللسان (٥/ ٤٨٤ / ت ٦٦٦٣): يعتبر حديثه من غير رواية شاذان عنه قاله ابن حبان في الثقات اهـ. قلنا: وهو في ثقات ابن حبان (٩/ ١٢) والله أعلم.","vol":"7","page":9},{"text":"٨ - وحُدِّثت عن هشام بن محمّد، قال: أتى جبريل رسولَ الله - ﷺ - أوّل ما أتاه ليلةَ السَّبْت، وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله ﷿ يوم الإثنين، فعلَّمه الوضوء، وعَلَّمه الصلاة، وعلَّمه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾، وكان لرسول الله - ﷺ - يوم الإثنين - يوم أوحي إليه - أربعون سنه (١). (٢: ٣٠٤).\n٩ - قال أبو جعفر: ثم كانَ أوّل شيء فَرضَ الله ﷿ من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأصنام وخلْع الأنداد الصلاةُ - فيما ذكر:\nحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وحدَّثني بعضُ أهلِ العلم أن الصَّلاة حين افترِضَتْ على رسول الله - ﷺ -، أتاه جبْرَئيل وهو بأعلَى مكّة، فهمزَ له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضّأ جبرئيل - ﵇ -، ورسولُ الله - ﷺ - ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضّأ رسولُ الله - ﷺ - كما رأى جبرئيل - ﵇ - توضّأ، ثم قام جبرئيل ﵇، فصلَّى به وصلَّى النبيّ - ﷺ - بصلاته. ثم انصرف جبرئيل ﵇، فجاء رسول الله - ﷺ - خديجة، فتوضّأ لها يُريها كيفَ الطَّهور للصَّلاة؛ كما أراه جبرئيل - ﵇ -، فتوضأتْ كما توضّأ رسول الله - ﷺ -، ثم صلَّى بها رسول الله - ﷺ - كما صلَّى به جبرئيل - ﵇ -، فصلتْ بصلاته (٢). (٣٠٧: ٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا للأسباب التالية:\n١ - الانقطاع بين الطبري وابن هشام بن محمد.\n٢ - والانقطاع بين هشام بن محمد والصحابي فهو معضل.\n٣ - ضعف هشام بن محمد نفسه. قال الدارقطني: متروك. وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة (لسان الميزان ٧/ ٢٧٠ / ت ٩٠١٣) وقال ابن عدي: وهذا كما قال أحمد: هشام بن الكلبي الغالب عليه الأخبار والأسمار والنِّسبَة ولا أعرف له شيئًا من المسند (الكامل ٧/ ١١٠ / ت ٢٠٢٦).\n(٢) إسناده ضعيف: وقد أخرجه ابن إسحاق منقطعًا (سيرة ابن هشام ١/ ٣١٠) وأخرجه أحمد مختصرًا جدًّا .. وفيه أن جبريل - ﵇ - علَّم رسول الله - ﷺ - الوضوء، وفي إسناده: رشدين وهو ضعيف (المسند / ٥/ ٣٠٣) وأخرجه ابن لهيعة في المغازي وقال عنه الحافظ: وهو مرسل (الفتح ٢/ ٤) وأخرجه ابن ماجة (١/ ١٥٧) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. وقال السهيلي في الروض (١/ ٢٨٢): وهذا الحديث مقطوع في السيرة ومثله لا يكون أصلًا في =","vol":"7","page":10},{"text":"١٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا هارون بن المغيرة، وَحكّام بن سَلْم عن عنبسة، عن أبي هاشم الواسطيّ، عن ميمون بن سيَاه، عن أنس بن مالك، قال: لما كان حينُ نُبِّيء النبيّ - ﷺ -، وكان ينام حولَ الكعبة، وكانت قريش تنام حولها، فأتاه ملكان: جبرئيل وميكائيل، فقالا: بأيّهِم أمرنا؟ فقال: أمِرْنا بسيّدهم، ثم ذهبا ثم جاءا من القبْلة، وهم ثلاثة، فألْفوه وهو نائم، فقلبُوه لظهره، وشَقُّوا بطنَه، ثم جاؤوا بماء من ماء زمزم، فغسلوا ما كان في بطنه من شكّ أو شِرْك أو جاهليّة أو ضلالة، ثم جاؤوا بطست من ذهب، مُلئ إيمانًا وحِكْمة، فملئ بطنه وجوفه إيمانًا وحكمة، ثم عرج به إلى السَّماء الدُّنيا، فاستفتح جبرئيل، فقالوا: مَنْ هذا؟ فقال: جبْرئيل؛ فقالوا: مَنْ معك؟ فقال: محمَّد، قالوا: وقد بُعث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا، فدعَوْا له في دعائهم، فلمّا دخل؛ فإذا هو برجل جَسيم وسيم، فقال: مَنْ هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا أبوك آدم، ثم أتوْا به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرئيل، فقيل له مثل ذلك وقالوا في السَّموات كلّها كما قال وقيل له في السّماء الدّنيا، فلما دخلَ إذا برجُلين، فقال: مَنْ هؤلاء يا جَبْرئيل؟ فقال: يحيى وعيسى ابنا الخالة، ثم أتى به السَماء الثالثة، فلما دخل إذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أخوك يوسف، فُضِّل بالحسن على النَّاس، كما فُضّل القمر ليلة البدر على الكواكب، ثم أتِيَ به السَّماء الرابعة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا إدريس، ثم قرأ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، ثم أتِيَ به السماء الخامسة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا هارون، ثم أتِيَ به السَّماء السادسة، فإذا هو برجل فقال: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا موسى، ثم أتيَ به السَّماء السابعة، فإذا هو برجل، فقال مَنْ هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، ثم انطلق إلى الجنة، فإذا هو بنهر أشدّ بياضًا من اللبن، وأحلَى من العسل، بجنبتيه قِباب الدرّ، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا الكَوْثَرُ الذي\n_________\n= الأحكام الشرعية ولكنه قد روي مسندًا إلى زيد بن حارثة يرفعه، غير أن هذا الحديث المسند يدور على عبد الله بن لهيعة وقد ضعّف ولم يخرج عنه مسلم ولا البخاري لأنه يقال: إن كتبه احترقت فكان يحدث من حفظه.","vol":"7","page":11},{"text":"أعطاك ربُّك، وهذه مساكنك، قال: وأخذ جبرئيل بيده من تربته، فإذا هو مسك أذفَرُ، ثم خرج إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى وهي سدرة نَبْق أعظمُها أمثال الجرار، وأصغرها أمثال البَيض، فدَنَا ربُّك ﷿: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، فجعل يتغشّى السدْرَةَ من دُنُوّ ربها ﵎، أمثال الدرّ والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان. فأوحى إلي عبده، وفهّمه وعلَّمه وفرض عليه خمسين صلاة، فمرَّ على موسى، فقال: ما فرَض على أمتك؟ فقال: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسَلْه التخفيف لأمَّتك، فإنَّ أمَّتك أضعفُ الأمم قوّة، وأقلُّها عمرًا، وذكَر ما لقي من بني إسرائيل، فرجع فوضع عنه عشرًا، ثم مر على موسى، فقال: ارجع إلى ربّك فسله التخفيف؛ كذلك حتى جعلها خمسًا، قال: ارجع إلى ربك فسلْه التخفيف، فقال: لستُ براجع؛ غيرَ عاصيك؛ وقذف في قلبهِ ألا يرجع، فقال الله ﷿: \"لا يبدّل كلامي، ولا يردَّ قضائي وفرضي\"، وخفّف عن أمتي الصلاة لعشر. قال أنس: وما وجدت ريحًا قطّ ولا ريحَ عَروس قطّ، أطيب ريحًا من جِلْدِ رسول الله - ﷺ -؛ ألزقت بجلده وشممْتُه (١). (٢: ٣٠٧/ ٣٠٨ / ٣٠٩).\n١١ - حدَّثنا أحمد بن الحسن التِّرمذيّ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا العَلاء عن المنهال بن عمرو، عن عبّاد بن عبد الله، قال: سمعتُ عليًّا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصِّدِّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلَّا كاذب مُفْتَرٍ، صلَّيت مع رسول الله قبْلَ النَّاس بسبع سنين (٢). (٢: ٣١٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عن متنه في حديث الإسراء إن شاء الله تعالى.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا، ومتنه منكر. والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٤٤) وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٩٨) والحاكم (٣/ ١١١) وغيرهم وقال الذهبي في التذهيب: حديث مقلوب لما أعتتد أن عليًّا قاله قط (هامش س).\nوقال أيضًا في ترجمة عباد الأسدي راوي الحديث: هذا كذب على علي (الميزان ٣ / ت ٣٤٥٤).\nوقال ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٤١): وأما المتهم به عباد بن عبد الله قال علي بن المديني: كان ضعيف الحديث. وقال الأزدي: روى أحاديث لا يتابع عليها وأما المنهال فتركه شعبة.\nقال أبو بكر الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث علي (أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر) فقال: اضرب عليه فإنه حديث منكر. ا. هـ.\nقلنا: (محمد صبحي الحلاق والبرزنجي) إضافة إلى اتهام عباد بهذا الحديث فإن الذي روى الحديث هو العلاء بن صالح التميمي، وهو من عنق الشيعة، وكذلك من روى عن العلاء =","vol":"7","page":12},{"text":"١٢ - حدَّثني محمّد بن عبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا سعيد بن خُثَيم عن أسد بن عَبدة البجَليّ، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف، قال: جئتُ في الجاهلية إلى مكّة، فنزلت على العبّاس بن عبد المطّلب. قال: فلمّا طلعت الشمس وحَلَّقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شابّ، فرمى ببصره إلى السَّماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبثْ حتى جاء غلام، فقام عن يمينه. قال: فلم يلبَثْ حتى جاءت امرأة، فقامت خَلْفهما، فركع الشابُّ، فركع الغلام والمرأة، فرفع الشابّ فرفع الغلام والمرأة، فخرّ الشابّ ساجدًا فسجدا معه، فقلت: يا عبّاس، أمر عظيم! فقال: أمر عظيم! أتدري مَنْ هذا؟ فقلت: لا، قال: هذا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، ابن أخي. أتدرِي مَنْ هذا معه؟ قلت: لا، قال: هذا عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب، ابن أخي. أتدري مَنْ هذه المرأة التي خلْفهما؟ قلتُ: لا، قال: هذه خديجة بنت خُويلد، زوجة ابن أخي، وهذا حدَّثني: أن ربّك ربّ السماء أمرهم بهذا الذي تراهم عليه، وايمُ الله ما أعلم على ظهر الأرض كلّها أحدًا على هذا الدّين غير هؤلاء الثلاثة (١). (٢: ٣١١).\n١٣ - حدَثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني يحيى بن أبي الأشعث الكِنْديّ، من أهل الكوفة، قال:\n_________\n= (عبيد الله بن موسى) وإن كان ثقة فقد قال عنه ابن سعد: يروي أحاديث في التشيع منكرة.\nوتعقب الذهبي على تصحيح الحاكم لهذا الحديث (١/ ١١١) على شرط الشيخين وهو ليس على شرط واحد منهما بل ولا هو بصحيح بل حديث باطل فتدبره. وقال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٤/ ١١٩): وعباد يروي من طريقه عن علي ما يُعْلمُ أنه كذب عليه قطعًا مثل هذا الحديث فإنا نعلم أنه كان أبرّ وأصدق وأتقى لله من أن يكذب ويقول مثل هذا الكلام. اهـ.\nأما الطعن في المنهال فمردود لأنه ثقة روى له البخاري والأربعة والله أعلم.\n(١) إسناده ضعيف لضعف أسعد بن عبد الله البجلي. سنتابع الحديث عن هذه الرواية لاحقًا.\nقال الحافظ في التقريب (/ ٦٣ / ت ٤٥٧): في حديثه لين. ونقل ابن عدي عن البخاري قوله فيه: لم يتابع فيه (الكامل ١/ ٣٩٩ / ت ٢١٥) وكذا قال الذهبي في الميزان (١ / ت ٨١٣) وتمام كلام البخاري في الكبير (١/ ٢ / ٥٠): أثنى عليه سعيد بن خثيم خيرًا سمع ابن يحيى ابن عفيف عن جده أخو خالد القسري الكوفي. لم يتابع ابن عفيف في حديثه اهـ.\nوقال الذهبي في الكاشف (١/ ٦٧ / ت ٣٣٦): صويلح.","vol":"7","page":13},{"text":"حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه، عن جدّه، قال: كنت امرأ تاجرًا، فقدمت أيام الحج، فأتيت العبَّاس، فبينا نحن عنده إذ خرجَ رجلٌ يصلَي، فقام تُجَاهَ الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلي، وخرج غلام فقام يصلِّي معه، فقلت: يا عباس، ما هذا الدّين؟ إنَّ هذا الدّين لما أدري ما هو! قال: هذا محمّد بن عبد الله، يزعُم أن الله أرسله به، وأنَّ كُنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأتُه خديجة بنت خُوَيلِد آمنت به، وهذا الغلام ابنُ عَمِّه عليّ بن أبي طالب، آمن به، قال عفيف: فليتَني كنتُ آمنتُ يومئذ فكنتُ أكون رابعًا! (١) (٣١١: ٢).\n١٤ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة بن الفَضل وعليّ بن مجاهد، قال سَلَمة: حدَّثني محمّد بن إسحاق عن يحيى بن أبي الأشعث قال أبو جعفر: وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكنديّ وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكنديّ لأمِّه، وكان ابن عمه عن أبيه عن جدّه عفيف، قال: كان العبّاس بن عبد المطّلب لي صديقًا، وكان يختلفُ إلى اليمن، يشتري العِطْرَ فيبيعه أيّام الموسم، فبينا أنا عند العبّاس بن عبد المطّلب بِمنًى، فأتاه رجل مجتمع، فتوضّأ فأسبغَ الوضوء، ثم قام يصلي، فخرجت امرأةٌ فتوضّأت وقامت تصلّي ثم خرج غلام قد راهق، فتوضأ، ثم قام إلى جَنْبه يصلّي، فقلت: ويحك يا عبّاس! ما هذا؟ قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب، يزعم: أن الله بعثه رسولًا، وهذا ابن أخي عليّ بن أبي طالب قد تابَعه على دينه، وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد، قد تابعتْه على دينه. قال عفيف بعد ما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه: يا ليتني كُنتُ رابعًا (٢)! (٣١٢: ٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه في الرواية التالية.\n(٢) إسناده ضعيف ومدار هاتين الروايتين على يحيى بن أبي الأشعث الكندي وهو مجهول.\nوالحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٣) وأحمد في المسند (١/ ٢٠٩) من الطريق الثاني (يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عنكيف الكندي) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقلنا: (وليس كذلك) فيحيى بن أبي الأشعث (ابن الأشعث) هذا قال فيه الحافظ في اللسان (٧ / ت ٩١٦٨): مجهول. وكذلك قال الذهبي في الميزان (ت ٩٤٥٨) وترجم له البخاري =","vol":"7","page":14},{"text":"١٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا عيسى بن سَوادة بن الجَعْد، قال: حدَّثنا محمّد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو حازم المدني، والكلبيّ، قالوا: عليّ أوّل مَنْ أسلم. قال الكلبيّ: أسلم وهو ابنُ تسع سنين (١). (٣١٢: ٢).\n١٦ - حدَّثنا ابن حُميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: كان أوّل ذَكَرٍ آمن برسول الله - ﷺ -، وصلَّى معه وصدّقه بما جاءه من عند الله، عليّ بن أبي طالب؛ وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان ممّا أنعم الله به على عليّ بن أبي طالب ﵇: أنه كان في حِجْر رسول الله - ﷺ - قبل الإسلام (٢). (٢: ٣١٢).\n١٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: فحدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وذكر بعضُ أهل العلم: أن رسولَ الله - ﷺ - إذا حضرت الصلاة، خرج إلى شِعاب مكّة، وخرج معه عليّ بن أبي طالب مستخفيًا من عَمّه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان الصَّلوات فيها؛ فإذا أمسيا رَجَعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أنْ يمكثا. ثمَّ إنَّ أبا طالب عَثَر عليهما يومًا وهُمَا\n_________\n= فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٤/ ٢ / ٢٦١) وابن أبي حاتم (٤/ ٢ / ١٢٩) فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nووثقه ابن حبان على عادته في توثيق هذا المصنف من المجاهيل؛ ولا يعتد بتوثيقه في هذه الحال كما هو معلوم.\nأما إسماعيل بن إياس فقد قال فيه البخاري في الكبير (١/ ١ / ٣٤٥): في حديثه نظر. وقال الحافظ في اللسان (١ / ت ١٢٦٠): قال البخاري: لا يصح حديثه.\nخلاصة القول: إن الإسناد ضعيف، وقال الحافظ في اللسان بعد ذكره لطريقي الحديث: ولم يصححهما البخاري والله أعلم (١/ ١٢٦٠).\n(١) إسناده ضعيف جدا فيه عيسى بن سوادة بن الجعد النخعي قال عنه ابن معين: كذاب. وقال أبو حاتم: منكر الحديث (اللسان ٥/ ٣٧١ / ت ٦٤٧) والإسناد منقطع، وسنتحدث عن مسألة الخلاف في أول من أسلم بعد خديجة بعد الرواية (٤٥) وأما الحديث عن سن علي ﵁ يوم إسلامه فيأتي بعد الرواية (٢٨).\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وكذلك ذكره ابن إسحاق بلاغًا، أما تعيين سن علي حين إسلامه فنتحدث عنه بعد الرواية (٢٨) إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":15},{"text":"يصلِّيان، فقال لرسول الله - ﷺ -: يا بن أخي! ما هذا الدّين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عَمّ، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم -أو كما قال- بعثني الله به رسولًا إلى العباد، وأنت يا عمّ أحقّ مَنْ بذلتُ له النصيحة، ودعوته إلى الهُدَى، وأحقُّ مَنْ أجابني إليه، وأعانني عليه. أو كما قال: فقال أبو طالب: يا بن أخي! إني لا أستطيع أن أفارِقَ ديني ودينَ آبائي وما كانوا عليه؛ ولكن والله لا يُخلَص إليك بشيء تكرهُه ما حييت (١). (٢: ٣١٣).\n١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وزعموا أنه قال لعليّ بن أبي طالب: أي بُنيّ! ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ قال: يا أبَهْ! آمنتُ بالله وبرسوله وصدَّقته بما جاء به، وصلَّيت معه لله. فزعموا أنه قال له: أما إنَّه لا يدعوكَ إلَّا إلى خَير فالزمْه (٢). (٢: ٣١٤).\n١٩ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: أسلَم عليٌّ وهو ابن عشر سنين (٣). (٢: ٣١٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك رواه ابن إسحاق معضلًا (سيرة ابن هشام ١/ ٣١٣).\n(٢) إسناده ضعيف وكذلك في سيرة ابن هشام (١/ ٣١٤).\n(٣) إسناده ضعيف وله متابع حسن فقد أخرجه البيهقي (٦/ ٢٠٦) بإسناد حسن إلى مجاهد، وقد أرسله مجاهد لأنه لم يلق عليًّا وهذا هو رأيه شي أنه أسلم وهو ابن عشر سنين. وهو الذي اختاره الحافظ السيوطي على ما يبدو إذ قال: وكان عمره حين أسلم عشر سنين وقيل: تسع وقيل: ثمان وقيل: دون ذلك (تأريخ الخلفاء / ١٤٩).\nوأما الرأي الثاني: فهو انذي يحدد عمره ﵁ يوم أسلم بتسع سنين وهو ما رواه الطبري عن الكلبي (٢٣/ ٣١٢) وكذلك روي أبو نعيم في المعرفة (١/ ٢٨٨/ ٣١١) عن أبي نعيم (الفضل بن دكين) أنه قال: إن عليًّا أسلم وهو ابن تسع سنين وإسناده حسن.\nأما الرأي الثالث: فهو الذي يتبين سنه يوم إسلامه بتسع أو ثمان فقد أخرج البيهقي (٦/ ٢٠٦) والطبراني (١/ ٥٣) عن عروة: أنه قال: أسلم علي ﵁ وهو ابن ثماني سنين.\nوأيد الذهبي هذا القول واستنبطه من الحديث الذي أخرجه الحاكم (٣/ ١١١) عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - دفع الراية إلى علي ﵁ يوم بدرٍ وهو ابن عشرين سنة.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط المشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: هذا نص في أنه أسلم وهو ابن سبع سنين أو ثمان وهو قول عروة وكذلك يرى الحافظ ابن كثير إذ يقول: وأما علي فأسلم صغيرًا ابن ثماني سنين (الفصول في سيرة الرسول / ٩٨).","vol":"7","page":16},{"text":"٢٠ - قال الحارث: قال ابنُ سعد: قال الواقديّ: واجتمع أصحابنا على أنّ عليًّا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله - ﷺ - بسنة، فأقام بمكّة اثنتي عشرة سنة (١). (٣١٤: ٢).\nوقال آخرون: أوّل مَنْ أسلم من الرجال أبو بكر ﵁.\nذكر من قال ذلك:\n٢١ - حدَّثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَغراء عن مُجَالِد، عن الشعبيّ، قال: قلت لابن عبّاس: مَنْ أوّل الناس إسلامًا؟ فقال: أما سمعت قول حسّان بن ثابت:\nإذا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أخاك أبا بَكْر بما فَعَلَا\nخَيرَ البَرِيَّةِ أتْقَاها وأعْدَلَهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وأوْفاها بما حَمَلا\nالثَّانِيَ التَالِيَ المَحْمُودَ مَشْهَدُهُ ... وَأؤَل الناسِ منهم صَدَّقَ الرُّسُلَا (٢)\n(٣١٤: ٢).\n٢٢ - وحدثني سعيد بن عنبسة الرازيّ، قال: حدَّثنا الهْيثَم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن ابن عباس نحو (٣). (٢: ٣١٥).\n٢٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدَّثنا الهيثم بن عديّ عن مجالد، عن الشعبيّ، عن ابن عباس نحوه.\n_________\n(١) إسناده ضعيف ففيه الواقدي وهو متروك ومتنه يخالف ما رواه الطبري وغيره من توقيت إسلام علي ﵁.\n(٢) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه الحاكم (٣/ ٦٤) وابن أبي شيبة (١٣/ ٥٧) والطبراني (١٢/ ٨٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٣): رواه الطبراني وفيه الهيثم بن عدي وهو متروك.\nقلنا: وقد سكت الحاكم عن هذه الرواية وكذا الذهبي وفي إسناده كما ترى مجالد بن سعيد الهمداني. قال فيه ابن عدي: ولكن أكثر روايته عنه (أي: عن الشعبي) وعامة ما يرويه غير محفوظ (الكامل ٦/ ٤٢٣ / ت ١٩٠١).\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا ففيه هيثم بن عدي وهو متروك كما سبق أن ذكرنا، وأضف إلى ذلك ضعف شيخ الطبري (سعيد بن عنبسة الرازي) الذي وصفه ابن معين بالكذب (الميزان ٢/ ١٥٤).","vol":"7","page":17},{"text":"حدَّثنا بَحر بن نصر الخولانيّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن وَهْب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال: حدَّثني أبو يحيى وضَمْرة بن حبيب وأبو طلحة عن أبي أمامة الباهليّ، قال: حذَثني عمرو بن عبسة، قال: أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - وهو نازل بعُكاظ، قلت: يا رسول الله! مَنْ تَبِعك على هذا الأمر؟ قال: اتّبعني عليه رجلان؛ حُرٌّ وعبد: أبو بكر وبلال، قال: فأسلمت عند ذلك، قال: فلقد رأيتُني إذ ذاك رُبْع الإسلام (١). (٢: ٣١٥).\n٢٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: أوّل مَنْ أسلم أبو بكر (٢). (٢: ٣١٥).\nوقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة.\nذكر من قال ذلك:\n٢٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا كنانة بن جَبَلة عن إبراهيم بن طَهْمان، عن الحجّاج بن الحجّاج، عن قَتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن محمد بن سعد، قال: قلت لأبي: أكان أبُو بكر أوَّلكم إسلامًا؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين؛ ولكنْ كان أفضَلنا إسلامًا (٣). (٢: ٣١٦).\nوقال آخرون: كان أوَّلُ مَنْ آمن واتبع النَّبيّ - ﷺ - من الرجال زيد بن حارثة مولاه.\nذكر من قال ذلك:\n٢٦ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: قال الواقديّ: حدَّثني ابن أبي ذئب، قال: سألت الزُّهريّ: مَنْ أوَّلُ مَنْ أسلم؟ قال: من النساء خديجة، ومن الرِّجال زيد بن حارثة (٤). (٢: ٣١٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا والمتن ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وقد سبقت الروايات في إسلام أبي بكر وسنتحدث عنه إجمالًا بعد الانتهاء من الرواية (٤٣) إن شاء الله.\n(٣) حديث ضعيف. بل قال ابن كثير: حديث منكر إسنادًا ومتنًا (البداية والنهاية ٣/ ٢٨).\n(٤) إسناده ضعيف لضعف الواقدي وللانقطاع بين الزهري والصحابي. وكلام الزهري هذا رواه كذلك عبد الرزاق (٥/ ٣٢٥) وقال الهيثمي (٩/ ٢٧٤): وعن ابن شهاب قال: أول من أسلم =","vol":"7","page":18},{"text":"٢٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمّد بن سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا مُصعب بن ثابت، عن أبي الأسود، عن سليمان بن يسار، قال: أوّلُ مَنْ أسلم زيد بن حارثة (١). (٢: ٣١٦).\n٢٨ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمّد بن سعد، قال: أخبرنا محمّد -يعني: ابن عمر- قال: حدَّثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس مثله (٢). (٣١٦: ٢).\n٢٩ - وحدَّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن مسلَمة، قال: حدثنا ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، قال: أوَّلُ مَنْ أسلم زيد بن حَارثة (٣). (٢: ٣١٦).\n٣٠ - وقال الواقديّ في ذلك ما حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد،\nعنه: اجتمعَ أصحابُنا على أنّ أوّلَ أهل القبلة استجابَ لرسولِ الله - ﷺ - خديجة بنت خُوَيلد، ثم اختلف عندنا في ثلاثة نَفر: في أبي بكر وعليّ، وزيد بن حارثة، أيّهم أسلم أوّل (٤). (٢: ٣١٧).\n٣١ - قال: وقال الواقديّ: أسلم معهم خالد بن سعيد بن العاص خامسًا، وأسلم أبو ذر، قالوا: رابعًا أو خامسًا، وأسلم عمرو بن عَبَسة السَّلميّ، فيقال: رابعًا أو خامسًا. قال: فإنما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيّهم أسلم أوَّل؛ وفي ذلك روايات كثيرة. قال: فيُختلف في الثلاثة المتقدمين، وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم (٥).\n_________\n= زيد بن حارثة. رواه الطبراني مرسلًا وإسناده حسن.\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن سعد في طبقاته كذلك من طريق الواقدي؟\n(٢) إسناده ضعيف. وأخرجه ابن سعد كذلك في طبقاته من طريق الواقدي؟\n(٣) إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة وكذلك أخرجه الحاكم (٣/ ٢١٥) من طريق ابن لهيعة وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي.\nولقد أخرج ابن عساكر (٥٨٧/ ٦) عن زائدة بن قدامة بلفظ: (أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة). وحسَّن الطرهوني إسناده والله أعلم.\n(٤) إسناده ضعيف وسنتحدث عن متنه بعد الرواية (٤٥) إن شاء الله.\n(٥) إسناده ضعيف وسنتحدث أيضًا عن متنه لاحقًا.","vol":"7","page":19},{"text":"٣٢ - حدثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثني مُصعب بن ثابت، قال: حدَّثنا أبُو الأسود محمّد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نَوْفل، قال: كان إسلام الزُّبير بعد أبي بكر، كان رابعًا أو خامسًا (١). (٢: ٣١٨).\n٣٣ - وأمّا ابن إسحاق، فإنّه ذكر: أنّ خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينَة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة، من خُزاعة، أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتُهم بأسمائهم: أنهم كانوا من السّابقين إلى الإسلام (٢).\n٣٤ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم، عن المِنْهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، عن عليّ بن أبي طالب، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسولِ الله - ﷺ -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، دعاني رسولُ اللهِ - ﷺ - فقال لي: يا عليّ، إنَّ الله أمرَنِي أن أنذِر عشيرتي الأقربين، فضقتُ بذلك ذرعًا، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد، إنَّك إلَّا تَفْعل ما تؤمر به يُعذّبُك ربُّك، فاصنعْ لنا صاعًا من طعام، واجعل عليه رَحْلَ شاةٍ واملأ لنا عُسًّا من لبن؛ ثم اجمعْ لي بني عبد المطلب حتى أكلِّمهم، وأبلغهم ما أمرت به.\nففعلت ما أمرني به، ثم دعوتُهم له، وهم يومئذ أربعون رجلًا، يزيدون\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث أيضًا عن متنه لاحقًا.\n(٢) إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن إسحاق منقطعًا.\nولقد جمع الإمام أبو حنيفة النعمان ﵁ بين هذه الأقوال المختلفة في تحديد أول من أسلم بقوله: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين (البداية والنهاية ٣/ ٢٨).\nوجمع ابن كثير بين هذه الأقوال نحو جمع أبي حنيفة فقال: خديجة أول من أسلم من النساء - وظاهر السياقات- وقيل: الرجال أيضًا وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت. وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق. اهـ.","vol":"7","page":20},{"text":"رجلًا أو ينقصونه؛ فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب؛ فلما اجتمعوا إليه دعانى بالطَّعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعتُه تناول رسول الله - ﷺ - حِذْيةً مِن اللحم، فشقّها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحْفة. ثمّ قال: خذُوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلَّا موضع أيديهم، وايمُ الله الذي نَفْسُ عليّ بيده؛ وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكلُ ما قدمت لجميعهم. ثم قال: اسقِ القوم، فجئتهم بذلك العُس، فشربوا منه حتى روُوا منه جميعًا، وايمُ الله إن كان الرجلُ الواحد منهم ليَشرب مثله، فلما أراد رسولُ الله - ﷺ - أن يكلّمَهم بدرَهُ أبو لهب إلى الكلام، فقال: لهَدَمّا سحركم صاحبُكم! فتفرَّق القوم ولم يكلّمهم رسولُ الله - ﷺ -، فقال: الغد يا عليّ؛ إنَّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلِّمهم، فعُدْ لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إليّ.\nقال: ففعلتُ، ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقرَّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتَّى ما لهم بشيء حاجة. ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا حتى رَوُوا منه جميعًا، ثم تكلّم رسول الله - ﷺ -، فقال: يا بني عبد المطلب! إني والله ما أعلمُ شابًّا في العرب جاء قومَه بأفضل مما قد جئتكم به؛ إني قد جئتكم بخير الدُّنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوَكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القومُ عنها جميعًا، وقلت، وإني لأحدثُهم سنًّا، وأرمصهم عينًا، وأعظمهم بطنًا، وأحمشهم ساقًا: أنا يا نبي الله! أكون وزيرَك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصييّ وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (١)! (٢: ٣١٩/ ٣٢٠ / ٣٢١).\n٣٥ - حدَّثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدَّثنا عفان بن مسلم، قال: حدَّثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد: أنّ رجلًا قال لعليّ - ﵇ -: يا أمير المؤمنين! بمَ ورثت ابنَ عمّك دون عَمّك؟\n_________\n(١) في إسناده عبد الغفار بن القاسم، قال ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال الدارقطني: متروك (اللسان ٤/ ٤١٢ / ت ٥٢٦٩) وسنتحدث عن متنه بعد الآتي.","vol":"7","page":21},{"text":"فقال عليّ: هاؤم! ثلاث مرات؛ حتى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم. ثم قال: جَمَعَ رسول الله - ﷺ - أو دعا رسول الله -بني عبد المطلب منهم رهطه، كلّهم يأكل الجَذَعة ويشرب الفِرْقَ، قال: فصنع لهم مُدًّا من طعام، فأكلُوا حتى شبعوا وبقي الطَّعَام كما هو؛ كأنه لم يمسّ. قال: ثم دعا بغُمَر فشرِبوا حتى رَوُوا وبقيَ الشراب كأنه لم يمسَّ ولم يشربوا. قال: ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بُعثتُ إليكم بخاصّة وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحدٌ، فقمت إليه -وكنت أصْغَرَ القوم- قال: فقال: اجلس، قال: ثم قال ثلاث مرات، كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بِيده على يدي، قال: فبذلك ورثتُ ابنَ عمّي دون عمّي (١). (٢: ٣٢١/ ٣٢٢).\n٣٦ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: أمرَ رسولُ الله - ﷺ - أن يصدَع بما جاءه من عند الله، وأن يبادِيَ الناس بأمره، وأن يدعوَهم إلى الله، فكان يدعو مِنْ أوَّل ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين، مستخفيًا، إلى أن أمر بالظهور للدعاء (٢). (٢: ٣٢٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، فربيعة بن ناجد الأزدي لم يوثقه سوى ابن حبان والعجلي وهما متساهلان في التوثيق، وقال الذهبي في المغني (١/ ٢٣٠ / ٢١٠٩): فيه جهالة. وقال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف. ولم يرو عنه غير أبي صادق. وقول الذهبي في الرجل أقرب إلى الصواب من قول الحافظ في التقريب ثقة كما ترى والله أعلم.\nوالحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٧٩) وفي إسناده من لم يُسَمَّ وابن سعد (١/ ١٨٧) وفي إسناده يزيد بن عياض. قال الحافظ في التقريب: كذَّبه مالك وغيره (٢/ ٣٦٩ / ٣٠٥).\nوأخرجه أحمد مختصرًا (١/ ١١١) من طريق شريك عن سيئ الحفظ الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي وفيه شريك، وأما عباد بن عبد الله الأسدي فهو ضعيف من الثالثة (١/ ٣٩٢ / ت ٩٩).\nولقد حكم الإمام الذهبي على متنه بالنكارة كما في ترجمته لربيعة بن ناجد الأزدي إذ يقول: لا يكاد يعرف وعنه أبو صادق بخبر منكر فيه: علي أخي ووارثي (الميزان ٢/ ٤٥ / ت ٢٧٥٨).\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا لوجود جارية بن أبي عمران قال عنه في اللسان (٢/ ١٦٢ / ت ١٩٠٧): مجهول. اهـ. =","vol":"7","page":22},{"text":"٣٧ - قال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عنه: فصدع رسولُ الله - ﷺ - بأمر الله، وبادَى قومَه بالإسلام، فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه، ولم يردُّوا عليه بعض الرَّد - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلمّا فعل ذلك ناكروه وأجمعُوا على خلافه وعداوته إلَّا مَنْ عصم الله منهم بالإسلام؛ وهم قليل مستخفُون، وحَدِب عليه أبو طالب عَمّه ومنعه، وقام دونه، ومضى رسولُ الله - ﷺ - على أمرِ الله مظهرًا لأمره، لا يردّه عنه شيء. فلما رأت قريش: أن رسولَ الله - ﷺ - لا يُعتبهم مِنْ شيء [يكرهونه مما] أنكروه عليه من فراقهم وعَيب آلهتهم، ورأوْا: أن أبا طالب قد حَدِبَ عليه، وقام دونه فلم يُسلمْه لهم، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام، والأسود بن المطَّلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجَّاج -أو مَنْ مشى إليه منهم- فقالوا: يا أبا طالب! إنَّ ابنَ أخيِك قد سَبَّ آلهتَنا، وعاب ديننا، وسَفَّه أحلامنا، وضلَّل آباءنا؛ فإمَّا أن تكفَّه عنَّا، وإما أنْ تُخَلِّيَ بيننا وبينه؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكَه. فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا، وردَّهم ردًّا جميلًا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله - ﷺ - على ما هو عليه؛ يظهر دين الله، ويدعو إليه. قال: ثم شرِيَ الأمرُ بينه وبينهم حتى تباعد الرجالُ، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذِكْرَ رسول الله - ﷺ - بينها، وتذامروا فيه، وحَضَّ بعضُهم بعضًا عليه. ثم إنهم مَشَوْا إلى أبي طالب مرَّة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب! إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنَّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهه عَنَّا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شَتْم آبائنا؛ وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإيَّاك في ذلك؛ حتى يهلك أحدُ الفريقين أو كما قالوا. ثم انصرفوا عنه، فعظُم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم له؛ ولم يطبْ نفسًا بإسلام رسول الله - ﷺ - لهم ولا خذْلانِهِ (١). (٢: ٣٢٢/ ٣٢٣).\n_________\n= وكذلك فالواقدي ضعيف والله أعلم. وأخرج ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق بلاغًا (١/ ٣٢٥) وابن سعد (١/ ١٩٩) من طريق جارية بن أبي عمران به وهو مجهول كما مر بنا.\n(١) إسناده معضل كما ترى.","vol":"7","page":23},{"text":"٣٨ - حدَّثني محمد بن الحسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفَضَّل، قال: حدَّثنا أسباط عن السدّيّ: أن ناسًا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المُطَّلب، والأسود بن عبد يغوث في نفرٍ من مَشْيَخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوابنا إلى أبي طالب فنكلِّمَه فيه؛ فلْيُنْصفْنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا، وندَعه وإلهه الذي يعبد؛ فإنَّا نخافُ أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيّرنا العرب؛ يقولون: تركوه؛ حتى إذا مات عَمّه؛ تناولوه.\nقال: فبعثوا رجلًا منهم يُدعَى المطَّلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيَخة قومك وسَرواتهم، يستأذنون عليك. قال: أدخلْهم؛ فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرُنا وسيِّدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُرْه فلْيكفّ عن شَتْم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهه.\nقال: فبعث إليه أبو طالب، فلمّا دخلَ عليه رسولُ الله - ﷺ - قال: يابنَ أخي! هؤلاء مشيَخة قومك وسَرَواتهم، وقد سألوك النَّصف، أن تكفّ عن شَتْم آلهتهم ويدَعُوك وإلهَك. قال: أي عمّ! أوَلا أدعوهم إلى ما هُوَ خير لهم منها؟ قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلّموا بكملة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم. قال: فقال أبوجهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ ! لنعطينَّكها وعشرًا أمثالها. قال: تقول: لا إله إلا الله. قال: فَنَفروا [وتفرّقوا] وقالوا: سَلْنَا غير هذه، فقال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعُوها في يدي؛ ما سألتُكم غيرها! قال: فغضبوا وقاموا من عنده غِضَاب، وقالوا: والله لنشتمنَّك وإلهك الذي يأمُرُك بهذا! ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ﴾ إلى قوله: ﴿إلا اخْتِلَاقٌ﴾.\nوأقبل على عَمِّه فقال له عَمُّه: يابن أخي! ما شططتَ عليهم، فأقبل على عمِّه فدعاه، فقال: قل كلمةً أشهدُ لك بها يوم القيامة، تقول: لا إله إلا الله، فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب، يقولون: جزع من الموت لأعطيتُكها؛ ولكن على ملَّةِ","vol":"7","page":24},{"text":"الأشياخ، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١). (٢: ٣٢٣/ ٣٢٤ / ٣٢٥).\n٣٩ - حدثنا أبو كُرَيب وابن وَكِيع، قالا: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا الأعمش، قال: حدَّثنا عبَّاد عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما مَرِض أبو طالب، فدخل عليه رَهْطٌ من قريش، فيهم أبو جهل، فقال: إنَّ ابنَ أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل؛ ويقول ويقول، فلو بعثتَ إليه فنهيتَه! فبعث إليه، فجاء النبيّ - ﷺ -، فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قَدْر مجلس رجل، قال: فخشيَ أبو جهل إنْ جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسولُ الله - ﷺ - مجلسًا قُرْبَ عَمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي! ما بالُ قومِك يشكُونَك؛ يزعمون: أنك تشتمُ آلهتَهم وتقول وتقول! قال: وأكثروا عليه من القولِ، وتكلَّم رسولُ الله - ﷺ -، فقال: يا عمّ، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم بها العجم الجِزْية. ففزعوا لكلمته ولقوله؛ فقال القوم كلمةً واحدة: نعم وأبيك عشرًا. فما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمةٍ هي يا بن أخي؟ ! قال: لا إله إلا الله، قال: فقاموا فزِعين ينفضُون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾. قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. لفظ الحديث لأبي كريب (٢). (٢: ٣٢٥/ ٣٢٦).\n٤٠ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني يعقوب بن عُتْبَة بن المغيرة بن الأخنس: أنه حدَّث أن قُريشًا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: يا بن أخي، إنَّ قومَك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبقِ عليَّ وعلَى نفسك ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أطيق! فظنَّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث ضعيف ورواه ابن إسحاق مختصرًا كما سيأتي بعد قليل بسند منقطع وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: يا عمّ والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. (سيرة ابن هشام ١/ ٣٣٥).\nوكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٨٧) من طريق ابن إسحاق الضعيف والله أعلم.\n(٢) حديث ضعيف.","vol":"7","page":25},{"text":"رسولُ الله - ﷺ - أنه قد بدَا لعمّه فيه بَدَاءٌ، وأنه خاذلُه ومُسلِمُه، وأنه قد ضعُف عن نُصرته والقيامِ معه، فقال رسولُ الله - ﷺ -: يا عمَّاهُ، لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم استعبَر رسولُ الله - ﷺ -، فبكَى ثم قام، فلمَّا ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبلْ يا بن أخي، فأقبل عليه رسولُ الله - ﷺ - فقال: اذهب يا بنَ أخي، فقل ما أحببتَ فوالله لا أسلِمُك لشيء أبدًا.\nقال: ثم إنَّ قريشًا لما عرفتْ أنّ أبا طالب أبَى خذلانَ رسولِ الله - ﷺ - وإسلامَه وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعداوتهم؛ مشوْا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له فيما بلغني: يا أبا طالب، هذا عُمارة بن الوليد أنْهَدُ فتىً في قريش وأشعرَهُ وأجمله، فخذه فلك عقلُه ونُصْرته، واتَّخذْه ولدًا؛ فهو لك، وأسلِمْ لنا ابنَ أخيك - هذا الذي قد خالف دينَك ودينَ آبائِك، وفرَّق جماعة قومك، وسفَّه أحلامَهم - فنقتله، فإنما رَجلٌ كرجل؛ فقال: والله لبئسَ ما تسومُونني! أتُعطونني ابنكم أغذُوه لكم، وأعطيكُم ابني تقتلُونه! هذا والله ما لا يكون أبدًا. فقال المُطْعِم بن عديّ بن نَوْفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومُك، وجهِدوا على التخلُّص ممَّا تكرهه، فما أراك تريد أن تَقْبل منهم شيئًا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني؛ ولكنَّك قد أجمعتَ خِذلاني ومظاهرةَ القوم عليَّ، فاصنع ما بدا لك! أو كما قال أبو طالب.\nقال: فحقِب الأمر عند ذلك، وحَمِيت الحرب، وتنابذ القوم، وبادَى بعضهم بعضًا.\nقال: ثم إنَّ قُريشًا تذَامروا على مَنْ في القبائل منهم مِنْ أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين أسلمُوا معه. فوثبتْ كلُّ قبيلةٍ على مَنْ فيها من المسلمين يعذّبونهم وَيَفتِنونهم عن دينهم، ومنَع الله رسولَه منهم بعمّه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حينَ رأى قريشًا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منْع رسولِ الله - ﷺ -، والقيام دونه. فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدَّفْع عن رسول الله - ﷺ -، إلَّا ما كان من أبي لَهَب؛ فلما رأى أبو طالب مِنْ قومه ما سرَّه من جِدّهم معه؛ وحَدَبهم عليه، جعل","vol":"7","page":26},{"text":"يمدحُهم، ويذكر فضلَ رسول الله - ﷺ - فيهم؛ ومكانه منهم ليشدّ لهم رأيهم (١) (٢: ٣٢٦/ ٣٢٧ / ٣٢٨).\nذكر من قال ذلك:\n٤١ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا يونس بن محمد الظَّفَرِي، عن أبيه، عن رجل من قومه. قال: وأخبرنا عُبيد الله بن العباس الهُذليّ، عن الحارث بن الفُضَيل؛ قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسلّلين سرًّا، وكانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأربعَ نسوة، حتى انتهوْا إلى الشُّعَيبة؛ منهم الراكب والماشي، ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتّجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مَخْرَجُهُم في رجب في السنة الخامسة، من حين نبِّيء رسول الله - ﷺ -، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر؛ حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدًا.\nقالوا: وقدمنا أرضَ الحبشة، فجاورْنا بها خير جارٍ؛ أمنّا على ديننا، وعبَدْنا الله، لا نؤذَى ولا نسمعُ شيئًا نكرهه (٢). (٢: ٣٢٩).\n٤٢ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني يونس بن محمد عن أبيه. قال: وحدَّثني عبد الحميد عن محمد بن يحيى بن حَبَّان؛ قالا: تسمية القوم الرجال والنساء: عثمان بن عفان معه امرأته رُقَيَّة بنت رسول الله - ﷺ -، وأبو حذيفة بن عُتْبَة بن ربيعة معه امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو، والزّبير بن العوام بن خُوَيلد بن أسد، ومُصعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوْف بن عبد عوْف بن الحارث بن زُهْرة، وأبو سَلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ معه امرأته أم سلَمة بنت أبي أميّة بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن\n_________\n(١) حديث ضعيف وهو عند ابن هشام في سيرته (١/ ٣٢٩) قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث، وهو معضل الإسناد والله أعلم.\n(قال أبو جعفر: فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة، وهاجر إليها هذه الهجرة. وهي الهجرة الأولى.\nفقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، (٢/ ٣٢٩).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":27},{"text":"مخزوم، وعثمان بن مظْعون الجُمَحيّ، وعامر بن ربيعة العَنْزِيّ - من عَنْز بن وائل، ليس من عَنَزَة - حليف بني عديّ بن كعب، معه امرأته ليلَى بنت أبي حَثْمةَ، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزَّى العامريّ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسُهَيل بن بيضاء، من بني الحارث بن فِهْر، وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة (١). (٢: ٣٢٩/ ٣٣٠).\nقال أبو جعفر: وقال آخرون: كان الذين لحقوا بأرض الحبشة، وهاجروا إليها من المسلمين - سوى أبنائِهم الذين خرجوا بهم صغارًا وولدوا بها - اثنين وثمانين رجلًا؛ إن كان عمّار بن ياسر فيهم؛ وهو يشكّ فيه!\nذكر من قال ذلك:\n٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: لما رأى رسولُ الله - ﷺ - ما يصيبُ أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمّه أبي طالب، وأنه لا يقدرُ على أن يمنعهم ممَّا هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحَبشة! فإنَّ بها ملِكًا لا يظلَم أحدٌ عنده، وهي أرض صدق؛ حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه! فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى أرضِ الحبَشة مخافة الفِتْنة؛ وفِرارًا إلى الله ﷿ بدينهم؛ فكانت أوّل هجرة كانت في الإسلام، فكان أوّلَ مَنْ خرج من المسلمين من بني أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف عثمانُ بن عفان بن أبي العاص بن أمية؛ ومعه امرأته رقيَّة ابنة رسول الله - ﷺ -؛ ومن بني عَبْد شمس أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومعه امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو؛ أحد بني عامر بن لؤيّ؛ ومن بني أسَد بن عبد العُزَّى بن قُصّي الزبير بن العوام.\nفعدَّ النفَر الذين ذكرهم الواقدّي؛ غيرَ أنه قال: من بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر أبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي؛ ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ. قال: ويقال: هو أوّلُ مَنْ قدمها؛ فجعلهم ابن إسحاق عشرة؛ وقال: كان هؤلاء العَشَرة أوّل مَنْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":28},{"text":"خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني.\nقال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة؛ فكانوا بها، منهم مَنْ خرج بأهله معه، ومنهم مَنْ خرج بنفسه لا أهلَ معه؛ ثم عدّ بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلًا؛ بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم؛ ومَنْ كان منهم معه أهله وولده؛ ومَنْ ولد له بأرض الحبَشة، ومَنْ كان منهم لا أهلَ معه (١). (٢: ٣٣٠/ ٣٣١).\n٤٤ - قال ابن إسحاق: وحدَّثني رجل من أسلم كان واعيةً، أن أبا جهل بن هشام مرّ برسول الله - ﷺ -، وهو جالس عند الصَّفَا، فآذاه وشَتَمه، ونال منه بعض ما يَكْره من العَيب لدينه والتضعيف له، فلم يُكلّمْه رسولُ الله - ﷺ -، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدْعان التّيميّ في مسكن لها فوق الصَّفا تسمع ذلك. ثم انصرف عنه، فعمَد إلى نادي قُريش عند الكعبة، فجلس معهم فلم يلبثْ حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحًا قوسَه، راجعًا من قَنَص له- وكان صاحبَ قَنَص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قَنَصه لم يصل إلى أهله حتى يطوفَ بالكعبة، وكان إذا فعلَ ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلَّا وقف وسلم وتحدَّث معهم، وكان أعزّ قريش وأشدَّها شكيمة- فلمّا مرّ بالمولاة وقد قام رسول الله - ﷺ - ورجع إلى بيته، قالت: يا أبا عمارة، لو رأيتَ ما لَقيَ ابنُ أخيك محمد آنفًا قبل أن تأتيَ من أبي الحكم بن هشام! وجدَه هاهنا جالسًا فسَبَّهُ وآذاه، وبلَغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد.\nقال: فاحتمل حمزةَ الغضبُ لِمَا أراد الله به من كرامته، فخرج سريعًا - لا يقف على أحد كما كان يصنع - يريد الطواف بالكعبة، مُعِدًّا لأبي جهل إذا لقِيَه أن يقع به، فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم، فأقبلَ نحوه؛ حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربَه بها ضربة فشجَّه بها شجَّةً منكرة، وقال:\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا وهو كذلك في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٧). وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة في كتاب المغازي (هكذا بلاغًا).\nوراجع ما أثبتناه في تفاصيل الهجرة إلى الحبشة في قسم الصحيح في السيرة بعد الرواية رقم (٣٠).","vol":"7","page":29},{"text":"أتشْتِمُهُ وأنا على دينه أقول ما يقول! فرُدَّ ذلك علي إن استطعت! وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصُروا أبا جهل منه، فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارة، فإني والله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبًّا قبيحًا. وتمّ حمزة على إسلامه، فلمّا أسلم حمزة عرفت قريش: أنّ رسولَ الله - ﷺ - قد عَزّ، وأن حمزة سيمنعه، فكفُّوا عن رسول الله - ﷺ - بعضَ ما كانوا ينالون منه (١). (٢: ٣٣٣/ ٣٣٤).\n٤٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني يحيى بن عُروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان أوّل من جَهَر بالقرآن بعد رسول الله - ﷺ - بمكة عبد الله بن مسعود، قال: اجتمع يومًا أصحابُ رسول الله - ﷺ - فقالوا: والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهرُ لها به قطّ، فمَنْ رجل يُسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، فقال: دعونى، فإنَّ الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - رافعًا بها صوته - ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، قال: ثم استقبلَها يقرأ فيها، قال: وتأمّلوا وجعلوا يقولون: ما يقول ابن أمّ عبْد! ثم قالوا: إنه ليتلُو بعضَ ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل\n_________\n(١) إسناده ضعيف وقد أخرجه الحاكم من هذه الطريق (٣/ ١٩٢) بأطول من هذا وسكت عنه الحاكم وكذا الذهبي والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢١٣) وابن سعد في الطبقات (٣/ ٩) من طريق الواقدي وهو ضعيف. وللحديث طريق آخر ذكره الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٧) عن محمد بن كعب القرظي قال: (كان إسلام حمزة ﵁ حمية ... إلخ).\nوقال: رواه الطبراني مرسلًا ورجاله رجال الصحيح. وكذلك من حديث يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق حليف بني زهرة: (أن أبا جهل اعترض رسول الله - ﷺ - بالصفا فآذاه وكان حمزة ﵁ صاحب قنص وصيد ... إلخ) وقال الهيثمي (٩/ ٢٦٧): رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات. اهـ.\nقال إبراهيم العلي في حاشية كتابه صحيح السيرة النبوية (٦٠): ومجموع الطرق المرسلة تفيد الحديث قوة وصحة. اهـ.\nوقال محققا السيرة النبوية لابن هشام (همام وأبو صعيليك) الصفحة ٣٦٢ / الحاشية. تخريج خبر إسلام حمزة بعد سردهم لطرق الحديث: فيكون الحديث ضعيفًا. اهـ.\nقلنا: وهو كما قالا. لا كما قال إبراهيم العلي والله أعلم.","vol":"7","page":30},{"text":"يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلُغ. ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثَّروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خَشِينَا عليك! قال: ما كان أعداء الله أهْوَن عليَّ منهم الآن! لئن شئتم لأغادينَّهم غدًا بمثلها، قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتَهم ما يكرهون (١). (٢: ٣٣٤/ ٣٣٥).\n٤٦ - فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يومًا فيما حدَّثني محمد بن موسى الحَرشيّ، قال: حدَّثنا أبو خَلف عبد الله بن عيسى، قال: حدَّثنا داود عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنّ قريشًا وعدُوا رسول الله - ﷺ - أن يُعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكّة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عَقِبه، فقالوا: هذا لك عندنا يا محمّد، وكُفّ عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء؛ فإن لم تفعلْ فإنا نَعْرضُ عليك خَصْلة واحدةً فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبُد آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزّى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظرَ ما يأتي من عند ربي! فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ السورة وأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢). (٢: ٣٣٧).\n٤٧ - حدّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن عُلَيَّةَ عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني سعيد بن ميناء، مولى أبي البختريّ، قال: لَقِيَ الوليدُ بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خَلَف رسولَ الله - ﷺ -، فقالوا: يا محمد، هلمَّ فلْنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كلّه؛ فإن كان الذي جئت به خيرًا مما في أيدينا، كنّا قد شَرَكناك فيه، وأخذنا بحظّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يدك، كنت قد شَرَكتنا في أمرنا،\n_________\n(١) إسناده مرسل وقد أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٣٨٨) من طريق ابن إسحاق هذا مرسلًا فالحديث ضعيف والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف فهو من طريق أبي خلف عبد الله بن عيسى عن داود وهو ضعيف. قال فيه ابن عدي: يروي عن يونس بن عبيد وداود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات وهو مضطرب الحديث وأحاديثه إفرادات كلها، ويختلف عليه لاختلافه في رواياته وليس هو ممن يحتج بحديثه. اهـ. (الكامل ٤/ ٢٥٣ / ت ١١٩/ ١٠٨٦).\nوقد ضعف الحافظ في الفتح هذا الحديث بسبب أبي خلف (فتح الباري ٨/ ٧٣٣ / ١٠٩) سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.","vol":"7","page":31},{"text":"وأخذت بحظّك منه. فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. (٢/ ٣٣٧).\nفكان رسول الله - ﷺ - حريصًا على صلاح قومه، محبًّا مقاربتَهم بما وجد إليه السبيل، قد ذُكِر أنه تمنَّى السبيل إلى مقاربتهم، فكان من أمره في ذلك (١):\n٤٨ - حدّثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، قال: لما رأى رسول الله - ﷺ - تَوَلِّيَ قومِه عنه، وشقَّ عليه ما يرَى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنّى في نفسه أن يأتيَه من الله ما يقاربُ بينه وبين قومه، وكان يسرُّه مع حبِّه قومَه، وحرصِه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم؛ حتى حدَّث بذلك نفسَه، وتمنَّاه وأحبّه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، فلما انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدّث به نفسه، ويتمنّى أن يأتيَ به قومه: \"تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لتُرتجى\"؛ فلما سمعتْ ذلك قريش فرِحوا، وسرّهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له - والمؤمنون مصدّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربّهم، ولا يتّهمونه على خطأ ولا وهم ولا ذلل - فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجدَ فيها، فسجد المسلمون بسجود نَبيّهم، تصديقًا لما جاء به، واتّباعًا لأمره، وسجد مَنْ في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلَّا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخًا كبيرًا، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حَفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرَّق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسنِ الذكر، قد زعم فيما يتلُو: \"أنها الغَرانيق العُلا، وأنَّ شَفَاعتَهُنَّ تُرتجى\" وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلّف آخرون، وأتى جبريلُ رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد، ماذا صنعتَ! لقد تلوتَ على الناس ما لم آتِكَ به عن الله ﷿، وقلت ما لم\n_________\n(١) رجاله ثقات إلا أن سعيد بن ميناء وإن كان ثقة فهو تابعي قد ذكر أنه - ﷺ - تمنّى السبيل إلى مقاربتهم (أي قومه).","vol":"7","page":32},{"text":"يقل لك! فحزن رسولُ الله - ﷺ - عند ذلك حُزْنًا شديدًا، وخاف من الله خوفًا كثيرًا، فأنزل الله ﷿وكان به رحيمًا- يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكُ قبله نبيّ ولا رسول تمنّى كما تمنّى، ولا أحبّ كما أحبّ إلَّا والشيطان قد ألقى في أمْنيَته، كما ألقى على لسانه - ﷺ -، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته؛ أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرّسل، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فأذهب الله ﷿ عن نبيّه الحزن، وآمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم: \"أنها الغرانيقُ العلا وأنَّ شفاعتهن ترتجى\"، بقول الله ﷿ حين ذكر اللّات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي: عَوْجاء، ﴿إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عندَه!\nفلمَّا جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيّه، قالت قريش: ندِم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتِكم عند الله، فغيّر ذلك وجاء بغيره؛ وكان ذانِكَ الحرْفَان اللَّذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله - ﷺ - قد وقعا في فم كلِّ مشرك، فازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وشدّةً على مَنْ أسلم واتّبع رسولَ الله - ﷺ - منهم، وأقبل أولئك النّفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين خرجوا من أرض الحبشة لِمَا بلغهم من إسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله - ﷺ -؛ حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أنّ الذي كانوا تحدَّثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلًا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيًا، فكان ممَّنْ قدِم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرًا من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقيّة بنت رسول الله - ﷺ -، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخَر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلًا (١). (٢: ٣٣٧/ ٣٣٨ / ٣٣٩/ ٣٤٠).\n_________\n(١) حديث ضعيف وسنتحدث عنه بعد الآتي.","vol":"7","page":33},{"text":"٤٩ - حدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدَّثنا الحسين بن داود، قال: حدَّثني حَجّاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظِيّ ومحمد بن قيس، قالا: جلسَ رسولُ الله - ﷺ - في ناد من أنديَةِ قريش، كثير أهله، فتمنّى يومئذ ألَّا يأتيَه من الله شيء فينفِروا عنه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، فقرأها رسول الله - ﷺ - حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان عليه كلمتين: \"تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى\"، فتكلّم بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلَّها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم معه جميعًا، ورفع الوليدُ بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه -وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السُّجود- فرضُوا بما تكلَّم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت؛ وهو الذي يخلُق ويرزق؛ ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده؛ فإذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك. قالا: فلما أمْسَى أتاه جبرئيل - ﵇ -، فعرض عليه السورة، فلما بلغَ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتُك بهاتين! فقال رسول الله - ﷺ -: افتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَينَا غَيرَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًا﴾؛ فما زال مغمومًا مهمومًا، حتى نزلت: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال: فسمع مَنْ كان بأرض الحبَشة من المهاجرين أنّ أهلَ مكّة قد أسلمُوا كلّهم، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحبُّ إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسُوا حينَ نسخ الله ما ألقى الشيطان، ثم قام - فيما حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في نقضِ الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها علي بني هاشم وبني المطّلب - نفرٌ من قريش. وكان أحسنُهم بلاءً فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامريّ، من عامر بن لؤيّ - وكان ابنَ أخي نضْلة بن هاشم بن عبد مناف لأمّه - وإنه مشى إلى زُهير بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم - وكانت أمّه عاتكة بنتُ عبد المطلب - فقال: يا زهير، أرضيتَ أن تأكلَ الطعام، وتلبس الثياب، وتنكِح النساء، وأخوالُك حيث قد علمت؛ لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكِحون ولا ينكَح إليهم! أما إنّي أحلِفُ بالله لو","vol":"7","page":34},{"text":"كانوا أخوال أبي الحكَم بن هشام ثم دعوتَه إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع! إنَّما أنا رجلٌ واحد؛ والله لو كان معي رجلٌ آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدْتَ رجلًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال له زهير: ابغِنَا ثالثًا، فذهب إلى المُطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، فقال له: يا مطعِم، أقَدْ رَضيت أن يهلِك بَطْنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنَّهم إليها منكم سراعًا. قال: ويحك! فماذا أصنع! إنَّما أنا رجلٌ واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعًا، فذهب إلى أبي البختريّ بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عديّ، فقال: وهل من أحد يُعين على هذا؟ قال: نعم، قال: مَنْ هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعِم بن عديّ وأنا معك قال: ابغِنا خامسًا، فذهب إلى زَمْعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد، فكلّمه، وذكر له قرابتَهم وحقّهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمّى له القومَ. فاتّعدوا له خَطْم الحَجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرَهم، وتعاهدوا على القيام في الصَّحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أوّلكم يتكلّم، فلما أصبحوا غدوْا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة، عليه حلّة له؛ فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهلَ مكة! أنأكل الطّعام، ونشرب الشَّراب، ونلبس الثّياب، وبنو هاشم هَلْكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظّالمة، قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد: كذبتَ، والله لا تشقّ! قال زمعة بن الأسود: أنتَ والله أكذبُ، ما رضينا كتابتها حين كتبت؛ قال أبوالبختريّ: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نُقرُّ به! قال المطعم بن عديّ: صَدَقْتما وكَذَبَ مَنْ قال غير ذلك؟ نبرأ إلى الله منها، ومما كُتِب فيها؛ وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمرٌ قُضي بليلٍ، وتُشوورَ فيه بغيرِ هذا المكان- وأبو طالب جالس في ناحية المسجد- وقام المطعم بن عديّ إلى الصحيفة ليشقّها؛ فوجد الأرَضَةَ قد أكلتْها؛ إلَّا ما كان من \"باسمك اللهمَّ\"، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش؛ تفتتح بها كتابها إذا كتبت.","vol":"7","page":35},{"text":"قال: وكان كاتب صحيفة قريش -فيما بلغني- الّتي كتبُوا على رسول الله - ﷺ - ورهطه من بني هاشم وبني المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار بن قصيّ، فشَلَّتْ يدُه.\nوأقام بقيّتهم بأرض الحبشة؛ حتى بعثَ فيهم رسولُ الله - ﷺ - إلى النجاشيّ عمرَو بن أميّة الضَّمْريّ، فحملهم في سفينتين، فقدِم بهم على رسول الله - ﷺ -، وهو بخيبر بعد الحديبية. وكان جميع من قَدِم في السفينتين ستةَ عَشَرَ رجلًا (١).\n٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: حدَّثني عمر بن عبد الله بن عُرْوة بن الزُّبير عن عروة بن الزبير، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يخرج بذلك إذا رُمي به في داره على العُود فيقف على بابه، ثم\n_________\n(١) حديث ضعيف قال فيه البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل (دلائل النبوة ٢/ ٦٢). ولقد فصّل القاضي عياض في كتابه (الشفاء) فاستقصى طرق الحديث وقال (٢/ ٢٨):\nيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نَقَلَتهِ واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته. اهـ.\nوكذلك فصَّل المحدث الألباني الحديث في إسناده ومتنه وما قاله العلماء في ذلك في كتابه القيم المعروف وتحدث عنه في حاشية فقه السيرة للغزالي (١١٣) قائلًا:\nوهذه الفرية (ويعني فرية الغرانيق) لم ترو بسند معتبر عن صحابي بل كل طرقها مرسلة لا يدرى من الذي حدث بها ممن يمكن أن يدرك عصر النبوة والرسالة. وقد فصلت القول في بطلان هذه القصة من الوجهة الحديثية في كتابي (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) اهـ.\nولا بأس أن ننقل ما قاله المؤرخ الإسلامي الكبير أكرم ضياء العمري في كتابه القيم (صحيح السيرة ١/ ١٧١):\nوفي أعقاب الهجرة الأولى إلى الحبشة حدث أن صلّى رسول الله - ﷺ - في المسجد الحرام فقرأ سورة النجم. فسجد في موضع السجود وسجد كل من كان حاضرًا إلا اثنين من المستكبرين فشاع أن قريشًا قد أسلمت.\nوقد ذهبت روايات مرسلة صحيحة السند إلى مرسليها وهم: سعيد بن جبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو العالية إلى أن الشيطان ألقى على لسان الرسول - ﷺ - في قراءته في صلاته تلك عبارة: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) كما ذهبت روايات مرسلة أخرى ضعيفة الأسانيد إلى مرسليها إلى أن العبارة قالها الشيطان وسمعها المشركون دون المسلمين، فسجد المشركون بسجود المسلمين، وما قالته المراسيل المعتبرة يصطدم مع عصمة النبوة في قضية الوحي ويعارض التوحيد وهو أصل العقيدة الإسلامية، لذلك فإنها مرفوضة متنًا حتى لو ثبت تعدد مخارجها ولم يأخذها الثلاثة التابعون عن شيخ واحد. اهـ.","vol":"7","page":36},{"text":"يقول: يا بني عبد مناف، أيّ جوار هذا! ثم يُلْقِيه بالطريق.\nثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد (١).\n٥١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني هشام بن عُروة، عن أبيه قال: لما نثر ذلك السّفيه التّرَابَ على رأسِ رسول الله - ﷺ -، دخل رسول الله - ﷺ - بيتَه والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناتِهِ تغسل عنه التراب؛ وهي تبكي، ورسول الله - ﷺ - يقول لها: يا بُنيَّة لا تبكي؛ فإنَّ الله مانعٌ أباكِ! قال: ويقول رسول الله - ﷺ -: ما نالتْ منّي قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب (٢). (٢: ٣٤٤).\n٥٢ - ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله - ﷺ - إلى الطَّائف يلتمس من ثقيف النّصر والمنَعة له من قومه؛ وذُكِر أنّه خرج إليهم وحده؛ فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدثنا ابنُ إسحاق قال: حدَّثنى يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسولُ الله - ﷺ - إلى الطائف عَمَد إلى نفرٍ من ثَقيف - همْ يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم؛ وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير؛ وعندهم امرأة من قريش من بني جُمَح، فجلس إليهم - فدعاهم إلى الله وكلّمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام. والقيام معه على مَنْ خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرُط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلَك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلّمك كلمةً أبدًا؛ لئن كنتَ رسولًا من الله كما تقول؛ لأنتَ أعظمُ خطرًا من أن أردَّ عليك الكلامَ؛ ولئن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلِّمك!\nفقام رسولُ الله - ﷺ - من عندهم، وقد يئس من خيرِ ثقيف؛ وقد قال لهم - فيما\n_________\n(١) إسناده ضعيف لضعف شيخ الطبري ولإرسال عروة.\n(٢) إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام كذلك من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٦٧) والبيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن إسحاق أيضًا (٢/ ٣٥٠). وأورد الذهبي في تاريخ الإسلام / السيرة النبوية من طريق محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر به وقال الذهبي: غريب مرسل.\nفالحديث ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":37},{"text":"ذكر لي-: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليّ. وكره رسول الله - ﷺ - أن يبلُغ قومه عنه، فيُذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به؛ حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتْبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثَقِيفٍ مَنْ كان يتْبعه، فعمِد إلى ظِلِّ حَبَلةٍ من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويرَيان ما لقيَ من سفهاء ثقِيف. وقد لقيَ رسولُ الله - ﷺ - فيما ذكر لي - تلك المرأة من بني جُمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائِك! فلما اطمأنَّ رسولُ الله - ﷺ -، قال - فيما ذكر لي -: اللهمَّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلَتي، وهواني على النَّاس؛ يا أرحمَ الرَّاحمين! أنتَ ربُّ المستضعَفين، وأنتَ ربِّي؛ إلى مَنْ تكلني! إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدوّ مَلَّكْتَهُ أمري؛ إنْ لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي! ولكنَّ عافيتَك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُّلُمات، وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبُك، أو يحلَّ عليّ سخطُك، لك العُتبى حتى ترضَى، لا حول ولا قوة إلَّا بك.\nفلمَّا رأى ابنا ربيعة: عُتبة وشَيبة ما لقي، تحرّكت له رحِمهما، فدعَوا له غلامًا لهما نصرانيًّا؛ يقال له: عدّاس، فقالا له: خذ قِطفًا من هذا العنَب وضعه في ذلك الطَّبَق، ثم اذهب به إلى ذلك الرّجل، فقل له يأكل منه؛ ففعل عدَّاس، ثم أقبل به حتَّى وضعه بين يدي رسول الله - ﷺ -، فلما وضع رسول الله - ﷺ - يده، قال: \"باسم الله\"، ثم أكل، فنظَر عدَّاس إلى وجهه، ثم قال: والله إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلدة، قال له رسول الله - ﷺ -: ومِن أهل أيّ البلاد أنت يا عدَّاس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصرانيّ، وأنا رجلٌ من أهل نينَوى، فقال له رسول الله - ﷺ -: أمِنْ قرية الرّجل الصّالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله - ﷺ -: ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ، فأكبّ عدّاس على رسول الله - ﷺ - يقبل رأسَه ويديه ورجليه، قال: يقول ابنا ربيعة أحدُهما لصاحبه. أمّا غلامك فقد أفسدَه عليك. فلما جاءهما عدّاس قال له: ويلك يا عدَّاس! ما لك تقبِّل رأسَ هذا الرّجل ويديه وقدميه! قال: يا سيّدي ما في [هذه] الأرض خيرٌ من هذا الرجل! لقد خبّرني بأمر لا يعلمه إلَّا نبيٌّ،","vol":"7","page":38},{"text":"فقالا: ويحك يا عدَّاس! لا يصرفنّك عن دينك، فإنَّ دينَك خيرٌ من دينه (١). (٢: ٣٤٤/ ٣٤٥ / ٣٤٦).\n٥٣ - قال محمّد: وتسمية النّفر من الجنّ الذين استمعوا الوحي - فيما بلغني-: حسًّا، ومسًّا، وشاصر، وناصر، واينا الأرد، وأينين، والأحقم (٢). (٢: ٣٤٧).\nقال: ثم قدِم رسول الله - ﷺ - مكّة، وقومهُ أشدَّ ما كانوا عليه من خِلافه وفراق دينه إلَّا قليلًا مستضعفين ممّن آمن به. (٢: ٣٤٧).\n٥٤ - وذكر بعضُهم أن رسولَ الله - ﷺ - لما انصرف من الطّائف مريدًا مكة مرَّ به بعضُ أهلِ مكّة، فقال له رسول الله - ﷺ -: هل أنت مبلّغ عنّي رسالة أرسِلك بها؟ قال: نعم، قال: ائت الأخْنَس بن شَرِيق، فقل له: يقول لك محمّد: هل أنت مجيري حتى أبلّغَ رسالة ربّي؟ قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال الأخْنَسُ: إنَّ الحليف لا يُجير على الصريح. قال: فأتى النبيَّ - ﷺ -، فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم، قال: ائت سُهَيلَ بن عمرو، فقل له: إنَّ محمّدًا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربِّي؟ . فأتاه فقال له ذلك، قال: فقال: إن بني عامر بن لؤيّ لا تجير علي بني كعب. قال: فرجع إلى النبي - ﷺ -، فأخبره، قال:\n_________\n(١) حديث ضعيف. وفي أول إسناده الطبري شيخه ابن حميد وهو ضعيف، ويزيد بن زياد؛ قال البخاري: لا يتابع على حديثه وهو مع هذا من مراسيل محمد بن كعب القرظي. والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٤١٥/ ٤١٧) عن الزهري مرسلًا. وعن موسى بن عقبة مرسلًا أيضًا وأخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق مرسلًا (٢/ ٧٢) وكذلك أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢١١) من طريق الواقدي وهو متروك. فالحديث ضعيف والله أعلم.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٥): وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة.\nقال العمري: وأما دعاؤه على ثقيف بقوله: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ... إلخ).\nولقاؤه بعداس فلم يثبت من طريق صحيحة (صحيح السيرة ١/ ١٨٦). وقال أيضًا: وهذه المراسيل لا تقوى ببعضها إذ الظاهر أن مخرجها واحد لأن ابن إسحاق وموسى بن عقبة تلميذان للزهري اهـ.\n(٢) ذكر الطبري أسماء الجن الذين حضروا التلاوة عن ابن إسحاق بلاغًا وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم (١٠ / ح ١٨٥٨٠) عن مجاهد وفي إسناده مجهول.","vol":"7","page":39},{"text":"تعود؟ قال: نعم، قال: ائت المطعم بن عديّ، فقل له: إنَّ محمدًا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربي؟ قال: نعم، فلْيدخل، قال: فرجع الرّجل إليه فأخبره، وأصبح المطعِم بن عديّ قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلمّا رآه أبو جهل، قال: أمُجيرٌ أم متابع؟ قال: بل مجير، قال: فقال: قد أجرْنا مَنْ أجرت، فدخل النبيّ - ﷺ - مكة؛ وأقام بها، فدخل يومًا المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة، فلما رآه أبو جهل، قال: هذا نبيّكم يا بني عبد مناف، قال عتبة بن ربيعة: ما تنكرُ أن يكون منّا نبيّ أو ملك! فأخبر بذلك النبيّ - ﷺ - أو سمعه - فأتاهم، فقال: أمّا أنتَ يا عُتْبة بن ربيعة فوالله ما حميتَ لله ولا لرسوله؛ ولكنْ حميتَ لأنْفِك، وأما أنتَ يا أبا جهل بن هشام؛ فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدّهر حتى تضحك قليلًا وتبكي كثيرًا. وأمّا أنتم يا معشر الملأ من قريش؛ فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدّهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون (١).\n٥٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا محمد بن مسلِم بن شهاب الزهريّ: أنّ رسول الله - ﷺ - أتى كِنْدة في منازلهم، وفيهم سيّد لهم، يقال له: مُلَيح، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرَض عليهم نفسَه، فأبوْا عليه (٢).\n٥٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن حُصَين: أنَّه أتى كلْبًا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرَض عليهم نفسَه؛ حتى إنَّه ليَقول لهم: يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم\n_________\n(١) ذكره الطبري بلا إسناد فقال: وذكر بعضهم مسألة إجارة المطعم بن عدي لرسول الله - ﷺ - بعد رجوعه من الطائف أخرجه كذلك ابن سعد في طبقاته (١/ ٢١١ - ٢١٢) من طريق الواقدي وفيه صد أهل الطائف له ثم خروجه من عندهم واستماع الجن لقراءته ثم دخوله في جوار المطعم، وإسناده ضعيف فالواقدي متروك وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق بلاغًا. فالحديث ضعيف والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف وكذلك رواه ابن هشام في السيرة (٢/ ٧٥) من طريق ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا. فالحديث ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":40},{"text":"أبيكم. فلم يقبَلوا منه ما عَرَض عليهم (١).\n٥٧ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمَّد بن إسحاق: حدَّثني بعضُ أصحابنا، عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسولَ الله - ﷺ - أتى بني حَنِيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسَه؛ فلم يكن أحدٌ من العرب أقبحَ ردًّا عليه منهم (٢).\n٥٨ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ: أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعَرَض عليهم نفسَه، فقال رجل منهم، يقال له: بَيحَرَةَ بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلتُ به العرب. ثم قال له: أرأيتَ إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرَك الله على مَنْ خالفك؛ أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ إلى الله يضعُه حيث يشاء. قال: فقال له: أفتُهدَفُ نحورُنا للعرب دونك، فإذا ظهرتَ كان الأمرُ لغيرنا! لا حاجةَ لنا بأمرك. فأبَوْا عليه، فلما صدَر النَّاس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم؛ قد كانت أدركتْه السنّ؛ حتى لا يقدر على أن يوافيَ معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه، حدَّثوه بما يكون في ذلك الموسم؛ فلمَّا قدمُوا عليه ذلك العام، سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىً من قريش، ثم أحد بني عبد المطّلب، يزعم: أنه نبيّ، ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه؛ ونخرج به معنا إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخُ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف! هل لذناباها من مطلب! والذي نفسُ فلان بيده ما تقوَّلها إسماعيلي قطّ! وإنّها لحق، فأين كان رأيكم عنه!\nفكان رسول الله - ﷺ - على ذلك من أمره؛ كلّما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعُو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرِض عليهم نفسَه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، لا يسمع بقادم يقدم من العرب؛ له اسمٌ وشرفٌ إلا تصدَّى له\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٧٥) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين مرسلًا. فالحديث ضعيف والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٧٥) عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن عبد الله بن كعب بن مالك (أي: أنه أبهم اسم شيخه) وأخرجه ابن سعد من طريق الواقدي (الطبقات ١/ ٢١٦) وهو متروك. فالحديث ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":41},{"text":"فدَعاه إلى الله، وعَرَض عليه ما عنده (١). (٢: ٣٥٠/ ٣٥١).\n٥٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة الظَّفَرِيّ عن أشياخ من قومه، قالوا: قدِم سُوَيد بن صامت - أخو بني عمرو بن عوف - مكة حاجًّا أو معتمرًا، قال: وكان سُوَيد إنما يسميه قومه فيهم: الكامل، لجلَدِه وشِعْره، ونسبه وشرفه؛ وهو الذي يقول:\nألا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَو تَرَى ... مَقَالتَهُ بالْغَيبِ ساءَك ما يَفْرِي\nمَقَالتُهُ كالشَّحْمِ ما كان شاهدًا ... وبالغَيبِ مأْثورٌ على ثغْرَةِ النَّحْر\nيَسُرُّك باديهِ وتحْتَ أدِيمه ... نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقِبَ الظَّهرِ\nتُبِينُ لك العَينانِ ما هُوَ كاتِمٌ ... ولا جِنَّ بالبَغْضَاءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ\nفَرِشْنِي بخَيرٍ طالما قَدْ بَرَيتَنِي ... وخَيرُ المَوالي مَنْ يَرِيشُ ولا يَبْري\nمع أشعار له كثيرة يقولها.\nقال: فتصدَّى له رسول الله - ﷺ - حين سمع به، فدَعاه إلى الله وإلى الإسلام. قال: فقال له سُويدٌ: فلعلّ الذي معك مثلُ الذي معي! فقال له رسولُ الله - ﷺ -: وما الذي معك؟ قال: مجلَّة لقمان -يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله - ﷺ -: اعرضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إنَّ هذا لكلام حَسَنٌ، معي أفضلُ من هذا؛ قرآن أنزله الله عليّ، هدى ونورٌ. قال: فتلا عليه رسولُ الله - ﷺ - القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعُد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسَنٌ.\nثم انصرف عنه، وقدِم المدينة، فلم يلبَثْ أن قَتَلتْه الخزرج؛ فإنْ كان قومه لَيقولونَ: قد قُتِل وهو مُسْلِمٌ، وكان قتلهُ قبل بُعاث (٢). (٢: ٣٠١/ ٣٣٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث ضعيف أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٧٦) من طريق ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (١٠٠) من طريق الكلبي وهو ضعيف وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢١٦) من طريق الواقدي وهو متروك.\n(٢) إسناده ضعيف والحديث ضعيف فقد أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٧٧) من طريق عاصم الأنصاري عن أشياخ من قومه وهو ضعيف لإبهامه أسماء هؤلاء الشيوخ. وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤١٩) من الطريق نفسه (عاصم عن أشياخ في قومه) والله أعلم.","vol":"7","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>لقاء رسول الله - ﷺ - بوفد الأنصار من الخزرج:</span>\nقال: فلمّا أراد الله ﷿ إظهارَ دينه وإعزاز نبيِّه، وإنجازَ موعده له، خرج رسولُ الله - ﷺ - في الموسم الذي لقِيَ فيه النفر من الأنصار، فعرَضَ نفسَه على قبائل العرب؛ كما كان يصنع في كلّ موسم؛ فبينا هو عند العَقَبة إذ لقيَ رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا.\n٦٠ - قال ابن حُمَيد: قال سلمة: قال محمّد بن إسحاق: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قَتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيَهم رسولُ الله - ﷺ -، قال لهم: مَنْ أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أمِنْ موالي يهودَ؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتى أكلّمكم؟ قالوا: بلَى، قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ﷿، وعَرَض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان ممّا صَنع الله لهم به في الإسلام: أن يهودَ كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهلَ كتاب وعِلْم، وكانوا أهلَ شرك، أصحابَ أوثان، وكانوا قد عزُّوهم (١) ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا الآن مبعوثٌ قد أظلّ زمانه، نتَّبعه ونقتلكم معه قَتْلَ عاد وإرَم. فلما كلَّم رسول الله - ﷺ - أولئك النَّفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمُنَّ والله إنَّه للنبيّ الذي تُوعِدكم به يهود، فلا يَسْبقُنّكُم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدَّقوه، وقبِلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركْنا قومنا، ولا قوم بينَهم من العداوة والشرّ ما بينهم؛ وعسى الله أن يجمَعَهُم بك، وسنقدَم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرضُ عليهم الذي أجبْناك إليه من هذا الدين؛ فإنْ يجمعهم الله عليه فلا رجلَ أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسولِ الله - ﷺ - جعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا.\nوهم -فيما ذُكر لي- ستَّة نَفَر من الخزرج: منهم من بني النّجار -وهم تَيم الله- ثم من بني مالك بن النّجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أسعَدُ بن زرارة بن عُدَس بن عبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النّجار؛ وهو أبو أمامة؛ وعَوْف بن الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النَّجار؛ وهو ابن عفراء.\nومن بني زُرَيق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غَضْب بن جُشَم\n_________\n(١) عزُّوهم: غلبوهم وقهروهم.","vol":"7","page":43},{"text":"ابن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر رافع بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زُرَيق.\nومن بني سَلِمة بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر؛ ثم من بني سواد قُطْبة بن عامر بن حَدِيدة بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سلمة.\nومن بني حَرَام بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة عُقْبَة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام.\nومن بني عُبَيد بن عديّ بن غَنْم بن كعب بن سلِمة جابرُ بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عُبيد.\nقال: فلما قَدِمُوا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسولَ الله - ﷺ -، ودعوْهم إلى الإسلام؛ حتى فشا فيهم فلم تَبْقَ دارٌ من دُور الأنصار إلّا وفيها ذكرٌ من رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عَشَر رجلًا، فلقوه بالعَقَبة، وهي العَقَبة الأولى، فبايعوا رسولَ الله - ﷺ - على بَيعة النساء؛ وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب؛ منهم من بني النَّجار: أسعد بن زُرارة بن عُدَس بن عُبَيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجار؛ وهو أبو أمامة؛ وعَوْف ومُعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النَّجار، وهما ابنا عَفْراء.\nومن بني زُرَيق بن عامر: رافع بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زُرَيق، وذكوان بن عبد قيس بن خلْدة بن مخلَّد بن عامر بن زرَيق.\nومن بني عَوْف بن الخزْرج، ثم من بني غَنْم بن عوف -وهم القواقل-: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصْرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عَوْف بن الخزرج، وأبو عبد الرحمن؛ وهو يزيد بن ثعلبة بن خَزْمة بن أصْرم بن عمرو بن عَمَّارة، من بني غُضَينةَ من بَلِيّ، حليف لهم.\nومن بني سالم بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عَباس بن عُبادة بن نَضْلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عَوْف.","vol":"7","page":44},{"text":"ومن بني سَلِمة، ثم من بني حَرَام، عُقْبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حَرام بن كعب بن غَنْم بن كَعْب بن سلِمة.\nومن بني سَواد قُطْبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سلِمة.\nوشهدها من الأوْس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني الأشْهل أبو الهيثم بن التَّيِّهان؛ اسمه مالك، حليف لهم.\nومن بني عمرو بن عوف عُوَيم بن ساعدة بن صَلْعجة، حليف لهم (١). (٢/ ٣٥٣ / ٣٥٤/ ٣٥٥ / ٣٥٦).\n٦٢ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمّد بن إسحاق: فحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن رسول الله - ﷺ - قال للنقباء: أنتمْ على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريّين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم (٢). (٢: ٣٦٣).\n٦٣ - قال أبو جعفر: وقال غير ابن إسحاق: كان مَقدمُ مَنْ قدم على النبيّ - ﷺ - للبيعة من الأنصار في ذي الحجّة، وأقام رسول الله - ﷺ - بعدهم بمكّة بقيّة ذي الحجة من تلك السنة، والمحرّم وصفر؛ وخرج مهاجرًا إلى المدينة في شهر ربيع الأول؛ وقدِمها يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خَلتْ منه (٣). (٢: ٣٦٥/ ٣٦٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو حديث ضعيف فقد أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٣٣ / ٣٣٤/ ٣٣٥) عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أشياخ من قومه (هكذا مبهمًا أسماءهم) ولكن بشيء من الاختصار وخاصة في ذكر الأسماء والأنساب فقال (٢/ ٤٣٥): وذكر أنسابهم إلَّا أني اختصرتها، وكذلك رواه ابن سعد في طبقاته (١: ٢١٧/ ٢١٨ / ٢١٩) ذكر دعاء رسول الله - ﷺ - الأوس والخزرج مع اختلافٍ في الألفاظ وهو ضعيف كذلك لأنه من طريق الواقدي وهو متروك وأصل الرواية متفرقًا عن ابن إسحاق مرسلًا في سيرة ابن هشام.\nأي كما عند الطبري متفرقًا مرسلًا عن ابن إسحاق بدء إسلام الأنصار (٢/ ٨١ - ٨٢ - ٨٣) وهو ضعيف كما سبق والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة مرسلًا من طريق ابن إسحاق (٢/ ١٠٠).\n(٣) لم ينسب الطبري هذا الكلام إلى قائله ولكن أخرج البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٦٥) عن عروة بن الزبير: ومكث رسول الله - ﷺ - بعد الحج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر. وإسناده مرسل. =","vol":"7","page":45},{"text":"٦٤ - وحدَّثني عليّ بن نصر بن علي، وعبد الوارث بن عبد الصَّمد بن عبد الوارث -قال عليّ بن نصر: حدَّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدَّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة: أنَّه قال: لمّا رجع من أرض الحبشة من رَجع منها ممّن كان هاجر إليها قبل هجرة النبيّ - ﷺ - إلى المدينة، جعل أهلَ الإسلام يزدادون ويكثرون، وإنه أسلم مِن الأنصار بالمدينة ناسٌ كثير، وفشا بالمدينة الإسلام؛ فطفِق أهلُ المدينة يأتون رسول الله - ﷺ - بمكّة، فلمّا رأت ذلك قريش تذامرت على أنْ يفتنوهم، ويشتدّوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوْا من يأتيهم من أهل المدينة.\nثم إنه جاء رسول الله - ﷺ - من المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الَّذين أسلموا، فوافوْه بالحجّ فبايعوه بالعقَبة، وأعطوه عهودهم؛ عَلى أنّا منك وأنت منّا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنّا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدَّت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسولُ الله - ﷺ - أصحابه بالخروج إلى المدينة؛ وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله - ﷺ - أصحابه وخرج، وهي التي أنزل الله ﷿ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١) (٢: ٣٦٦).\n٦٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، أنّهم\n_________\n= وأخرج (٢/ ٤٦٦) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري: ومكث رسول الله - ﷺ - بعد الحج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر. وإسناده مرسل أيضًا. ولعل الطبري يعني بقوله: (وقال غير ابن إسحاق) موسى بن عقبة صاحب المغازي والله أعلم.\nأما موعد الهجرة فسنتطرق إليه في حينه إن شاء الله تعالى.\n(١) إسناده مرسل وأما عبارة [ثم إنه جاء رسول الله - ﷺ - المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الذين أسلموا فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم] فصحيح وقد مر أن ذكر في القسم الصحيح في السيرة. (راجع تخريج أحاديث بيعة العقبة الثانية في القسم الصحيح).","vol":"7","page":46},{"text":"أتوا عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول -يعني قريشًا- فقالوا مثل ما ذكر كعْب بن مالك من القول لهم، فقال لهم: إنَّ هذا لأمْرٌ جسيم؛ ما كان قومي ليتفوَّتوا عليَّ بمثل هذا وما علمته كان. فانصرفوا عنه، وتفرَّق النَّاس مِنْ مِنىً، فتنطّس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر، والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبًا؛ فأمَّا المنذر فأعجز القوم، وأمّا سعد فأخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بِنسْع رَحْله، ثمّ أقبلوا به حتى أدخلوه مكّة، يضربونه ويجبِذونه بجُمَّته - وكان ذا شَعَر كثير - فقال سعد: فوالله إني لفي أيديهم؛ إذ طلع عَلَيَّ نفر من قريش؛ فيهم رجُلٌ أبيض وَضِيءٌ شَعْشاع حلو من الرّجال. قال: قلت: إن يكن عند أحدٍ من القوم خير فعند هذا، فلمّا دنا منّي رفع يديه فلطمني لطمةً شديدةً. قال: قلت في نفسي: والله ما عندهم بعد هذا خير. قال: فوالله إنّي لفي أيديهم يسحبونني؛ إذ أوى إليّ رجل منهم ممّن معهم، فقال: ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهدٌ! قال: قلتُ: بلَى والله، لقد كنت أجِيرُ لجبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف تِجَارَهُ، وأمنعهم ممّن أراد ظلمهم ببلادي؛ وللحارث بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف. قال: ويحَك! فاهتِف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إنَّ رجلًا من الخزرج الآن يُضرب بالأبطح؛ وإنَّه ليَهتف بكما، ويذكُر: أن بينه وبينكما جوارًا، قالا: ومَنْ هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صَدَقَ والله إن كان ليجير تجارنا، ويمنعهم أن يظلَموا ببلده. قال: فجاءا فخلَّصا سعدًا من أيديهم وانطلق. وكان الذي لَكم سعدًا سُهَيل بن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي (١). (٢: ٣٦٧/ ٣٦٨).\n٦٦ - قال أبو جعفر: فلما قدِموا المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشِّرْك؛ منهم عمرو بن الجَمُوح بن زيد بن حرام بن كعب بن غَنْم بن سلِمة، وكان ابنه مُعاذ بن عمرو قد شهد العقَبة، وبايع رسولَ الله - ﷺ - في فتيان منهم، وبايع رسول الله - ﷺ - منْ بايع من الأوس والخزرج\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وكذلك أخرجه ابن هشام مرسلًا من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر (السيرة ٢/ ١٠٣).","vol":"7","page":47},{"text":"في العقَبة الآخرة؛ وهي بيعة الحرب حين أذن الله ﷿ في القتال بشروط غير الشروط في العقَبة الأولى، وأمّا الأولى فإنّما كانت على بيعة النساء؛ على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل؛ وكانت بيعة العقبة الثانية على حَرْب الأحمر والأسود على ما قد ذكرتُ قبل، عن عروة بن الزبير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>الهجرة إلى المدينة</span>\nقال أبو جعفر: فلمّا أذِن الله ﷿ لرسوله - ﷺ - في القتال، ونزل قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، وبايعه الأنصار على ما وصفتُ من بيعتِهم، أمَرَ رسول الله - ﷺ - أصحابه ممّن هو معه بمكّة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة، واللُّحوق بإخوانهم من الأنصار؛ وقال: إنَّ الله ﷿ قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون فيها فخرجوا أرْسالًا، وأقام رسول الله - ﷺ - بمكة ينتظر أن يأذن له ربُّه بالخروج من مكة؛ فكان أول من هاجر من المدينة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله - ﷺ - من قريش، ثم من بني مخزوم، أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، هاجر إلى المدينة قبل بَيعة أصحاب العقبة رسول الله - ﷺ - بسنة، وكان قدِم على رسول الله - ﷺ - بمكّة من أرض الحبشة، فلما آذتْه قريش، وبلغه إسلامُ مَنْ أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرًا.\nثم كان أوّل مَنْ قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمَة، عامر بن ربيعة، حليف بني عديّ بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عَبيد بن عَويج بن عديّ بن كعب. ثم عبد الله بن جَحْش بن رِئَاب،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وقد ذكر الطبري اسم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام. وأن ابنه معاذ بن عمرو كان قد أسلم وشهد العقبة وبايع رسول الله - ﷺ - مع من بايعه من الأوس والخزرج وقد ذكر الطبري ذلك بلا سند.\nقلنا: ولعمرو بن الجموح هذا قصة في إسلامه وأن ابنه معاذًا كان يرمي بصنم أبيه في مكان قذر ليلًا ... إلى آخره.\nوالخبر رواه ابن إسحاق بلا سند (سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٥٦) كذلك من طريق ابن إسحاق هذا فالأثر ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":48},{"text":"وأبو أحمد بن جَحْش - وكان رجلًا ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد - ثم تتابع أصحابُ رسول الله - ﷺ - إلى المدينة أرسالًا.\nوأقام رسول الله - ﷺ - بمكّة بعد أصحابه من المهاجرين؛ ينتظر أن يُؤذَن له في الهجرة. ولم يتخلَّف معه بمكّة أحد المهاجرين إلا أُخِذ فحبس أو فتن إلَّا عليَّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قُحافة، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسولَ الله - ﷺ - في الهجرة، فيقول له رسول الله - ﷺ -: لا تعجلْ، لعلَّ الله أن يجعل لك صاحبًا، فطمع أبو بكر أن يكونه، فلما رأتْ قُرَيش أنّ رسولَ الله - ﷺ - قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم، بغير بلدهم، ورأوْا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا، وأصابوا منهم مَنَعة، فحذروا خروجَ رسول الله - ﷺ - إليهم، وعرفوا أنّه قد أجمع أن يلحَقَ بهم لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة؛ وهي دار قُصيّ بن كِلاب، التي كانت قريش لا تقضِي أمرًا إلَّا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله - ﷺ - حين خافوه (١). (٢: ٣٦٩/ ٣٧٠).\n_________\n(١) لقد صدّر الطبري رواياته في الهجرة بكلامه هذا بلا إسناد وقد ذكر تفاصيل هي:\n١ - أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم.\n٢ - ثم هاجر من بعده عامر بن ربيعة حليف بني عدي معه امرأته.\n٣ - ثم عبد الله بن جحش بن رئاب وأبو أحمد بن جحش.\n٤ - بقاء أبي بكر وعلي مع رسول الله - ﷺ - مع من بَقَوا في مكة.\nقلنا: أما أول من هاجر فقد ذكرنا في تخريج أحاديث العقبة الأولى: أن مصعبًا وابن أمّ مكتوم هما أول من هاجر كما ثبت في صحيح البخاري عن البراء (راجع تخريج الحديث ٤٣).\nأما كون أبي سلمة أول من هاجر فقد ذكره الطبري هنا بلا إسناد وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ١٢٢) بلا إسناد.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٢٥) عن عائشة ﵂: لما صدر السبعون من عند رسول الله - ﷺ - ... الحديث. وفيه: فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أبو سلمة بن عبد الأسد. وإسناده ضعيف كما ترى ففي أوله الواقدي وهو متروك.\nولكن أخرج كذلك من طريق ابن إسحاق رواية طويلة تصف محنة أبي سلمة وزوجته عندما عزم على الهجرة إلى المدينة (السيرة النبوية ٢/ ١٢٣). وإسناده حسن. وقد تطرق ابن حجر إلى ما قاله عن كون أبي سلمة أول من هاجر ومعارضته بذلك لحديث البراء في الصحيح وحاول الجمع بينهما وذكرنا ذلك في تحقيق الحديث (٤٣) فراجعه هناك.\nأما كون عامر بن ربيعة ثاني من هاجر بعد أبي سلمة ثم عبد الله بن جحش بن رئاب وأبي أحمد بن جحش فقد أخرجه أيضًا ابن هشام في السيرة (٢/ ١٢٥) من طريق ابن إسحاق =","vol":"7","page":49},{"text":"٦٧ - قال أبو جعفر: زاد بعضُهم في هذه القصّة في هذا الموضع: وقال له: إنْ أتاك ابن أبي قُحافة، فأخبره أني توجّهت إلى ثوْر، فَمُرْهُ فليلْحَق بي، وأرسل إليّ بطعام، واستأجرْ لي دليلًا يدلَّني على طريق المدينة؛ واشتر لي راحلةً. ثم مضى رسولُ الله - ﷺ -، وأعمى الله أبصارَ الذين كانوا يرصُدونه عنه، وخرج عليهم رسول الله - ﷺ - (١). (٢: ٣٧٢).\n٦٨ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني يزيد بن زياد، عن محمّد بن كعب القُرَظيّ، قال: اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هِشام، فقال وهم على بابه: إنَّ محمّدًا يزعُم أنّكم إن تابعتمُوه على أمره كنتم ملوكَ العرب والعجم، ثم بُعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردنّ، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح، ثم بُعثْتم بعد موتكم؛ فجعلت لكم نار تحرَّقون فيها.\nقال: وخرج رسولُ الله - ﷺ -، فأخذ حَفنة من تراب، ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدُهم. وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يروْنه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم؛ وهو يتلو هذه الآيات من يس: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، حتى فرغ رسول الله - ﷺ - من هؤلاء الآيات، فلم يبقَ منهم رجل إلَّا وقد وضع على رأسه ترابًا؛ ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.\n_________\n= معلقًا. وأخرج ابن سعد قصة إسلام أبي أحمد بن جحش مع أخويه عبد الله وعبيد الله في مكة ثم هجرتهما (أي أحمد وأخيه عبد الله، إلى المدينة) بروايتين كلاهما من طريق الواقدي وهو متروك (الطبقات ٤/ ١٠٢).\nوكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٤) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف.\nأما بقاء أبي بكر وعلي ﵄ مع من تخلفوا عن السابقين في الهجرة فهو ثابت في السيرة وسنتحدث عنه لاحقًا إن شاء الله.\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام بدون إسناد ولم يعين قائله.","vol":"7","page":50},{"text":"فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمّدًا، قال: خيّبكم الله! قد والله خرجَ عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلَّا وقد وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته؛ أفما تروْنَ ما بكم؟ قال: فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطَّلعون، فيروْن عليًّا على الفراش متسجِّيًا ببُرْد رسول الله - ﷺ -، فيقولون: والله إنّ هذا لمحمّد نائم، عليه بُردُه؛ فلم يبرحُوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليّ عن الفراش، فقالوا: والله لقد صَدقَنا الذي كان حدَّثنا، فكان ممّا نزل من القرآن في ذلك اليوم، وما كانوا أجمعوا له:\n﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وقول الله ﷿: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (١).\n٦٩ - وقد زعم بعضُهم: أنّ أبا بكر أتى عليًّا فسأله عن نبيّ الله - ﷺ - فأخبره: أنه لحِقَ بالغار من ثور، وقال: إن كان لك فيه حاجةٌ فالحقْه، فخرج أبو بكر مسرعًا، فلحق نبيّ الله - ﷺ - في الطّريق، فسمع رسول الله - ﷺ - جَرْسَ أبي بكر في ظلْمة اللَّيل، فحسبه من المشركين، فأسرع رسولُ الله - ﷺ - المشيَ، فانقطع قَبَالُ نعله ففلق إبهامَه حَجَرٌ فكثر دمها، وأسرع السعيَ، فخاف أبو بكر أن يشقّ على رسول الله - ﷺ -، فرفع صوته، وتكلَّم، فعرفه رسولُ الله - ﷺ - فقام حتى أتاه، فانطلقا ورجْل رسول الله - ﷺ - تستنُّ دمًا؛ حتى انتهى إلى الغار مع الصّبح؛ فدخلاه. وأصبح الرّهط الذين كانوا يرصُدون رسول الله - ﷺ -، فدخلوا الدَّار، وقام عليّ ﵇ عن فراشه، فلما دنوْا منه عرفوه، فقالوا له: أين صاحبُك؟ قال: لا أدرِي، أو رَقيبًا كنت عليه! أمرتموه بالخروج فخرج؛ فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد، فحبسوه ساعة ثم تركوه، ونجّى الله رسولَه من مكرهم وأنزل عليه في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو خبر ضعيف قد أخرجه ابن هشام بتمامه عن ابن إسحاق مرسلًا (السيرة النبوية ٢/ ١٣٩) وهو جزء من حديث عند ابن سعد (١/ ٢٢٨) من طريق الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":51},{"text":"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).\n٧٠ - فحُدّثت أنه لم يبقَ فيهم إلَّا يومين - وتزعم بنو عمرو بن عوف أنْ قد أقام فيهم أفضلَ من ذلك - فاقتاد راحلتَه فاتَّبعَتْه حتى دخل في دُور بني النجَّار، فأراهم رسولُ الله - ﷺ - مِرْبدًا كان بين ظهري دورهم (٢). (٢: ٣٧٧).\n٧١ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثت عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما خرج رسولُ الله - ﷺ - وأبو بكر أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم، فقالوا: أين أبوكِ يابنة أبي بكر؟ قلت: لا أدرِي والله أين أبي! قالت: فرفع أبو جهل يَدَه - وكان فاحشًا خبيثًا - فلطم خدي لطمة طرح منها قُرْطِي. قالت: ثم انصرفوا ومكثنا ثلاثَ ليال، لا ندري أين توجَّه رسولُ الله - ﷺ -؛ حتى أقبلَ رجل من الجِنّ، من أسفل مكَّة يغنّي بأبيات من الشّعر\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام عن بعضهم ولم يبيّن من هم ويبدو أنه ذكره من باب رواية ما سمع من غير الاعتداد به، لأنه قال: وقد زعم بعضهم.\nقلنا: والروايات الصحيحة التي سنتطرق إليها لاحقًا تخالف تمامًا ما جاء هنا.\nوقد أخرج أحمد في المسند (٥/ ٢٦ - ٢٧) (طبعة شاكر) عن ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - انطلق إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله ... الحديث. وفيه: فجاء أبو بكر وعلي نائم وأبو بكر يحسب أنه نبي الله قال: فقال يا نبي الله فقال له علي: إن نبي الله - ﷺ - قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه.\nقال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار ... الحديث.\nوقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري وهو ثقة فيه لين (المجمع ٩/ ١٢٠).\nوقال ابن حبان: كان ممن يخطئ، لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك. وقال أيضًا: فأرى أن لا يحتج بما انفرد من الرواية (المجروحين ٣/ ١١٢) قلنا: وصحح العلامة شاكر إسناده وحسّنه العمري (صحيح السيرة ١/ ٢١٠) ولكنه قال في (١/ ٢١١): لقد كان غار ثور قد تحدد منطلقًا للهجرة وضرب الموعد مع الدليل في ذلك المكان وكان خروج المصطفى والصديق إلى الغار ليلًا. ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح ولكن يمكن التوفيق بينهما لأن رواية الصحيح ليست صريحة في ركوبهما من بيت الصديق ﵁.\nفإذا افترضنا أن اصطحابهما معًا جرى من بئر ميمون أمكن التوفيق بين الروايتين.\n(٢) ذكر الطبري هذا الكلام بلاغًا.","vol":"7","page":52},{"text":"غناء العرب والنّاس يتّبعونه؛ يسمعون صَوْتَهُ وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:\nجَزَى اللهُ رَبُّ الناسِ خَيرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَينِ حَلَّا خَيمَتَي أُمِّ مَعْبَدِ\nهُمَا نَزَلاها بالهُدَى وَاغْتَدَوْا بِهِ ... فأفلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ\nليَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِم ... ومَقْعَدُها لِلْمؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ\nقالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجِّه رسول الله - ﷺ -، وأنَّ وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أُريقط دليلهما (١). (٢: ٣٧٩/ ٣٨٠).\n٧٢ - قال أبو جعفر: حدّثني أحمد بن المقدام العجليّ، قال: حدَّثنا هشام ن محمّد بن السَّائب الكلبيّ، قال: حدَّثنا عبد الحميد بن أبي عبْس بن محمّد بن أبي عبس بن جبر عن أبيه، قال: سمعتْ قريش قائلًا يقول في الليل على أبي قُبَيس:\nفإن يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ ... بمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلافَ المُخَالِفِ\nفلمّا أصبحوا قال أبو سفيان: مَنِ السَّعْدان؟ سَعْدُ بكر، سَعْدُ تميم، سعد هُذَيم! فلمَّا كان في الليلة الثانية، سمعوه يقول:\nأيَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أنْتَ نَاصِرًا ... ويا سَعْدُ سَعْدَ الخَزْرَجَينِ الغَطَارِفِ\nأجيبا إلى دَاعِي الْهُدَى وتمنَّيَا ... عَلى اللهِ في الفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ\nفَإنَّ ثَوَابَ اللهِ للطَّالِبِ الْهُدَى ... جِنَانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ ذات رَفَارِفِ\nفلما أصبحوا، قال أبو سفيان: هو والله سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة (٢). (٢: ٣٨٠/ ٣٨١).\n٧٣ - فنزل رسولُ الله - ﷺ - فيما يذكرون - على كُلْثوم بن هِدْم، أخي بني\n_________\n(١) إسناده ضعيف وقد أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٣/ ١٤٥) من طريق ابن إسحاق قال: فحدّثت عن أسماء بنت أبي بكر: أنها قالت: . الحديث فالإسناد منقطع. فالأثر ضعيف والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا فهو من طريق الكلبي الذي قال فيه الدارقطني: متروك، وقال أحمد بن حنبل: ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه (اللسان ٧/ ٢٧٠ / ت ٩٠١٣).","vol":"7","page":53},{"text":"عمرو بن عَوْف، ثم أحد بني عُبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خَيثَمة.\nويقول مَنْ يذكُر أنه نزل على كُلثوم بن هدم: إنّما كانَ رسول الله - ﷺ - إذا خرج من منزل كُلثوم بن هِدْم، جلس للناس في بيت سَعْد بن خيثمة؛ وذلك أنه كان عَزَبًا لا أهلَ له، وكان منازلُ العزَّاب من أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين عنده؛ فمن هنالك يقال: نزل على سعد بن خيثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة: بيت العزّاب، فالله أعلم أيّ ذلك كان، كلًّا قد سمعنا.\nونزل أبو بكر بن أبي قُحافة على خُبَيب بن أسَاف، أخي بني الحارث بن الخزرج بالسُّنْح، ويقول قائل: كان منزلهُ على خارجة بن زيد بن أبي زُهَير، أخي بني الحارث بن الخزرج (١). (٢: ٣٨٢).\n٧٤ - وأقام عليّ بن أبي طالب ﵁ بمكّة ثلاث ليالٍ وأيّامها؛ حتّى أدَّى عن رسول الله - ﷺ - الودائعَ التي كانت عنده إلى النَّاس؛ حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله - ﷺ -، فنزل معه على كُلْثوم بن هِدْم، فكان عليّ يقول: وإنّما كانت إقامته بقُبَاء على امرأة لا زوْجَ لها مسلمة، ليلة أو ليلتين، وكان يقول: كنتُ نزلت بقُباء على امرأة لا زوْج لها مسلمة، فرأيتُ إنسانًا يأتيها في جَوْف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئًا معه، قال: فاستربْتُ لشأنه، فقلت لها: يا أمَة الله، مَنْ هذا الرجل الذي يضرب عليك بابَك كلّ ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئًا، ما أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك! قالت: هذا سَهْل بن حُنَيف بن واهب، قد عرفَ أنّي امرأة لا أحدَ لي؛ فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسَّرها، ثم جاءني بها، وقال: احتطبي بهذا. فكان عليّ بن أبي طالب يأثر ذلك مِن أمر سهل بن حُنَيف حين هلك عنده بالعراق.\nحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدَّثني هذا الحديث عليّ بن هند بن سعد بن سهل بن حُنَيف عن عليّ بن أبي طالب ﵁ (٢). (٢: ٣٨٢/ ٣٨٣).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام دون إسناده فقال: فيما يذكرون. وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا. والله أعلم.\n(٢) ذكر الطبري إسناد هذه القصة في آخر الكلام وهو إسناد ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق به بهذا الإسناد الضعيف فالأثر ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":54},{"text":"٧٥ - قال أبو جعفر: واختلف السَّلفُ من أهلِ العلم في مدّة مقام رسول الله - ﷺ - بمكّة بعدما استنبيء، فقال بعضهم: كانت مدّة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين.\nذكر من قال ذلك:\nحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بن محمّد بن قيس المدنيّ -يقال له: أبو زُكَير- قال: سمعتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - بُعِثَ على رأس أربعين، فأقام بمكة عشرًا (١). (٢: ٣٨٣).\n٧٦ - حدَّثني الحسين بن نصر الآمُليّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن شَيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن؛ قال: أخبرتْني عائشة وابنُ عبّاس أن رسولَ الله - ﷺ - لبث بمكة عشر سنين، ينزل عليه القرآن (٢) (٢: ٣٨٣/ ٣٨٤).\n٧٧ - حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبد الوهاب، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب، يقول: أنزل على رسول الله - ﷺ - القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين، فأقام بمكّة عشرًا (٣). (٢: ٣٨٤).\n٧٨ - حدَّثني أحمد بن ثابت الرَّازيّ، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد عن هشام، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبيّ - ﷺ - وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكّة عشرًا (٤). (٢: ٣٨٤).\n٧٩ - قال أبو جعفر: وقد وافق قولُ مَنْ قال: بُعِث رسول الله - ﷺ - لأربعين سنة، وأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صِرْمة بن أبي أنس، أخي بني عديّ بن النّجار، في قصيدته التي يقول فيها، وهو يصف كرامة الله إيَّاهم بما أكرمهم به من الإسلام، ونزول نبيّ الله - ﷺ - عليهم:\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وراجع قسم الصحيح من السيرة للوقوف على الروايات الصحيحة في تعيين مدة مكوثه بمكة بعد نزول الوحي ومكثه بالمدينة حتى الوفاة.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده مرسل.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":55},{"text":"ثَوى في قُرَيشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يذَكِّرُ لو يَلْقى صَدِيقًا مواتِيَا!\nوَيعْرِضُ في أَهْلِ المَوَاسِمِ نَفْسَهُ ... فَلَمْ يَرَ مَنْ يؤوي، ولَمْ يَرَ داعِيا\nفلمَّا أتانا أظْهَرَ اللهُ دِينَهُ ... فأصْبَحَ مَسْرُورًا بطَيبةَ رَاضِيَا\nوألْفَى صَدِيقًا واطْمَأَنَّتْ به النَّوَى ... وكان له عَوْنًا مِنَ اللهِ باديا\nيَقُصُّ لنا ما قال نُوحٌ لقَوْمِهِ ... وما قال مُوسَى إذْ أجابَ المُنادِيا\nوأصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنَ النَّاس واحدًا ... قريبًا، ولا يَخْشَى من النَّاس نائيا\nبَذَلْنا له الأَمْوال منْ جُلِّ مَالنا ... وأنْفُسنا عند الْوَغَى والتَّآسيا\nونعلَمُ أن اللهَ لا شيءَ غيره ... ونعلَمُ أن اللهَ أفْضلُ هاديا\nفأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله - ﷺ - في قومه قريش كان بعد ما استنبيء وصَدَع بالوحي من الله بضع عشرة حجّة (١). (٢: ٣٨٥/ ٣٨٦).\n٨٠ - قال أبو جعفر: وقد روى عن الشعبيّ أنّ إسرافيل قُرن برسول الله - ﷺ - قبل أن يوحَى إليه ثلاث سنين.\nحدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر الواقديّ، قال: حدَّثنا الثوريّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ - قال: وحدَّثنا إملاءً من لفظه منصورٌ عن الأشعث، عن الشعبيّ - قال: قُرن إسرافيل بنبوّة رسول الله - ﷺ - ثلاث سنين، يسمع حسّه، ولا يرى شخصه. ثم كان بعد ذلك جبريلُ - ﵇ -. قال الواقديّ: فذكرتُ ذلك لمحمّد بن صالح بن دينار، فقال: والله يا بن أخي لقد سمعت عبدَ الله بن أبي بكر بن حَزْم، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدّثان في المسجد ورجل عراقيّ يقول لهما هذا، فأنكراه جميعًا وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلَّا أن جبريل هو الذي قُرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نُبِّيء إلى أن توفِّي - ﷺ - (٢). (٢: ٣٨٦/ ٣٨٧).\n٨١ - حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن داود، عن عامر، قال: أنزلتْ عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلمّا مضت ثلاث\n_________\n(١) ذكر أبو جعفر هذا الكلام بلاغًا بلا إسناد.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":56},{"text":"سنين قرن بنبوّته جبريل - ﵇ -، فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة (١). (٢: ٣٨٧).\nقال أبو جعفر: فلعلّ الذين قالوا: كان مقامُه بمكّة بعد الوحي عشرًا؛ عدُّوا مقامَه بها من حين أتاه جبريل بالوحْي من الله ﷿، وأظهر الدعاء إلى توحيد الله. وعدّ الذين قالوا: كان مُقامه ثلاث عشرة سنة من أوّل الوقت الذي استنبيء فيه؛ وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمِرَ فيها بإظهار الدعوة.\n٨٢ - وقد روي عن قتَادة غيرُ القولين اللَّذين ذكرت؛ وذلك ما حدَّثت عن رَوح بن عبادة، قال: حدَّثنا سعيد، عن قَتادة، قال: نزل القرآن على رسول الله - ﷺ - ثمانى سنين بمكّة وعشرًا بعدما هاجر، وكان الحسن يقول: عشرًا بمكة وعشرًا بالمدينة (٢). (٢: ٣٨٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخ</span>\n٨٣ - قال أبو جعفر: ولما قدِم رسولُ الله - ﷺ - المدينة، أمر بالتأريخ فيما قيل. حدَّثني زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدَّثنا أبو عاصم عن ابن جُرَيج، عن أبي سلمة، عن ابن شهاب: أن النبيّ - ﷺ - لما قدم المدينة - وقدمها في شهر ربيع الأول - أمر بالتأريخ.\nقال أبو جعفر: فذكر أنَّهم كانوا يؤرّخون بالشهْر والشهرين من مَقْدَمه إلى أن تمت السنة (٣) (٢: ٣٨٨)\nوقد قيل: إنَّ أول مَنْ أمر بالتأريخ في الإسلام عمر بن الخطاب، ﵀.\nذكر الأخبار الواردة بذلك:\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه غرابة.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف وقد غربه ابن حجر إلى الحاكم في الإكليل من طريق ابن جريج عن أبي سلمة عن الزهري ولفظه: (أن النبي - ﷺ - لما قدم المدينة أمر بالتأريخ فكتب في ربيع الأول) قال ابن حجر: وهذا معضل والمشهور خلافه كما سيأتي (الفتح ٧/ ٢٦٨).","vol":"7","page":57},{"text":"٨٤ - حدَّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا حَبَّان بن عليّ العَنَزِيّ عن مُجالد، عن الشعبيّ، قال: كتب أبو موسى الأشعريّ إلى عمر: إنَّه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. قال: فجمع عمر النّاس للمشورة، فقال بعضُهم: أرّخْ لمبعثِ رسول الله - ﷺ -. وقال بعضهم: لمهاجَر رسول الله - ﷺ -، فقال عمر: لا بل نؤرّخ لمهاجَر رسولِ الله - ﷺ -، فإنَّ مهاجَرَه فرق بين الحقّ والباطل (١). (٢: ٣٨٨).\n٨٥ - حدّثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا قُتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا خالد بن حيّان أبو يزيد الخرَّاز عن فُرات بن سَلْمان، عن ميمون بن مهران، قال: رفِعَ إلى عمر صَكٌّ مَحلّه في شعبان، فقال عمر: أيّ شعبان؟ الذي هو آت، أو الذي نحن فيه؟ قال: ثم قال لأصحاب رسولِ الله - ﷺ -: ضعوا للنّاس شيئًا يعرِفونه، فقال بعضهم: اكتبُوا على تأريخ الرّوم، فقيل: إنهم يكتبُون من عَهْدِ ذي القرنين؛ فهذا يطول. وقال بعضهم: اكتبوا على تأريخ الفرْس؛ فقيل: إنَّ الفرْس كلّما قام ملك طرح مَنْ كان قبله؛ فاجتمع رأيُهُم على أن ينظروا: كَمْ أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة؟ فوجدوه عشر سنين؛ فكتب التأريخ من هجرة رسول الله - ﷺ - (٢). (٢: ٣٨٨/ ٣٨٩).\n٨٦ - حدِّثت عن أمية بن خالد، وأبي داود الطّيالسيّ عن قرّة بن خالد السَّدوسيّ، عن محمّد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمرَ بن الخطاب فقال: أرّخوا، فقال عُمر: ما \"أرّخوا\"؟ قال: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون في شَهر كذا من سنة كذا، فقال عمر بن الخطاب: حَسَنٌ، فأرّخوا. فقالوا: من أيّ السنين نبدأ؟ قالوا: من مبعثِه، وقالوا: من وفاتِه؛ ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: فأيّ الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا: المحرّم، فهو منصَرَف الناس من\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولكن اتفاق الصحابة على بدء التأريخ في الإسلام بهجرة رسول الله - ﷺ - وكما سيأتي في القسم الصحيح (١٣٣) وسنتحدث عن ذلك بعد الحديث (٢/ ١٤٠) إن شاء الله تعالى.\n(٢) إسناده مرسل وقد نسب الحافظ ابن حجر إخراجه إلى الحاكم والبخاري في الأدب المفرد وغيرهما عن ميمون بن مهران مرسلًا.\nوراجع تعليقنا بعد الحديث (٣/ ١٤٠) وبعد الحديث (١٤٢).","vol":"7","page":58},{"text":"حَجِّهم؛ وهو شهر حرام، فأجمعوا على المحرَّم (١). (٢: ٣٨٩).\n٨٧ - حدَّثني محمَّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدَّثنا نوح بن قيس الطَّاحيّ، عن عثمان بن مِحْصن، أن ابنَ عباس كان يقول في: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال: الفجر هو المحرّم، فجْر السنة (٢). (٢: ٣٩٠).\n٨٨ - حدَّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق؛ عن الأسود بن يزيد، عن عُبيد بن عمير، قال: إنَّ المحرّم شهرُ الله ﷿، وهو رأس السَّنة، فيه يكسَى البيت، ويؤرّخ التأريخ، ويضرب فيه الورق، وفيه يوم كان تاب فيه قوم، فتاب الله ﷿ عليهم (٣). (٢: ٣٩٠).\n٨٩ - حدَّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدَّثنا أحمد، قال: حدَّثنا رَوْح بن عبادة، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار: أن أوَّل مَنْ أرّخ الكُتُب يعلى بن أميّة، وهو باليمن، وأنَّ النبي - ﷺ - قدم المدينة في شهر ربيع الأول، وأنَّ النَّاس أرَّخوا لأوَّل السَّنة؛ وإنما أرَّخ النَّاس لمقدَم النبيّ - ﷺ - (٤). (٢: ٣٩٠).\n٩٠ - وقال عليّ بن مجاهد: عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ. وعن محمَّد بن صالح، عن الشعبيّ، قالا: أرَّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم ﵇ إلى بنيان البيت، حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرَّخ بنو إسماعيل من بُنيان البيت؛ حتى تفرَّقت، فكان كلَّما خرج قوم من تهامة أرّخوا بمخرجهم، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرّخون من خروج سعد ونَهْد وجهينة بني زيد من تهامة، حتى مات كعب بن لؤي، فأرّخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وقد نسبه الحافظ في الفتح إلى ابن أبي خيثمة من طريق ابن سيرين (الفتح ٧/ ٢٦٩).\nوراجع تعليقنا بعد الحديث (٢/ ١٤٠) و(٢/ ١٤٢).\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف، فشيخ الطبري هنا متهم بالكذب. وقد أخرج الحديث أحمد من طريق عمرو بن دينار وفيه انقطاع (الفتح ٧/ ٢٦٨).","vol":"7","page":59},{"text":"فكان التأريخ من الفيل، حتى أرَّخ عمر بن الخطّاب من الهجرة؛ وذلك سنة سبع عشرة أو ثمانيَ عشرة (١). (٢: ٣٩٠/ ٣٩١).\n٩١ - حدَّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، قال: حدَّثنا الدراورديّ عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعتُ سعيد بن المسيِّب، يقول: جمع عمرُ بن الخطّاب النّاس، فسألهم، فقال: من أيّ يوم نكتب؟ فقال عليّ ﵇: من يوم هاجرَ رسول الله - ﷺ -، وتركَ أرض الشِّرْك، ففعله عمر ﵁ (٢). (٢: ٣٩١).\nقال أبو جعفر: وهذا الذي رَوَاه عليّ بن مجاهد عمّن رواه عنه في تأريخ بني إسماعيل غيرُ بعيد من الحق؛ وذلك أنَّهم لم يكونوا يؤرّخون على أمر معروف يعمل به عامَّتهم، وإنما كان المؤرّخ منهم يؤرّخ بزمان قُحْمة كانت في ناحية من نواحي بلادهم، ولَزْبَةٍ أصابتهم؛ أو بالعامل كان يكون عليهم، أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم؛ يدلّ على ذلك اختلافُ شعرائهم في تأريخاتهم؛ ولو كان لهم تأريخ على أمرٍ معروف، وأصلٍ معمول عليه، لم يختلف ذلك منهم.\nومن ذلك قول الربيع بن ضبُعِ الفَزَارِيّ:\nهأَنَذَا آمُلُ الْخُلُودَ وقدْ ... أدْرَكَ عَقْلِي ومَوْلدِي حُجُرَا\nأبا امْرِيء الْقَيسِ هَلْ سَمِعْتَ به ... هَيهاتَ هَيهاتَ طال ذَا عُمُرَا!\nفأرَّخ عمْرَهُ بحجْر بن عمرو أبي امرئ القيس.\nوقال نابغة بني جَعْدة:\nفَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنِّي فِإنّي ... مِنَ الشُبَّانِ أزْمانَ الْخُنَانِ\nفجعل النَّابعة تأريخَه ما أرَّخ بزمان علّة كانت فيهم عامّة.\nوقال آخر:\nومَا هِيَ إلَّا في إزارٍ وعِلْقَةٍ ... مَغارَ ابْنِ هَمَّامٍ على حَيّ خَثْعَمَا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) في إسناده نعيم بن حماد، وهو مختلف فيه كما قال الذهبي (الكاشف ٣/ ١٨٢ / ت ٥٩٥٩). وهو إلى الضعف أقرب كما بيّنا في تراجم الرجال والحديث أخرجه الحاكم كذلك من طريق نعيم بن حماد، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ١٤).","vol":"7","page":60},{"text":"فكلّ واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات أرّخَ على قرْب زمان بعضهم من بعض، وقرْب وقت ما أرَّخ به من وقت الآخر بغير المعنى الذي أرَّخ بِهِ الآخر؛ ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرها، كانوا إن شاء الله لا يتعدَّوْنه؛ ولكنّ الأمر في ذلك كان عندهم إنْ شاء الله على ما ذكرت؛ فأمّا قريش من بين العرب؛ فإنَّ آخر ما حصلْتُ من تأريخها قبل هجرة النبيّ - ﷺ - من مكّة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل؛ وذلك عام وُلد رسولُ الله - ﷺ -، وكان بين عام الفيل والفِجار عشرون سنة، وبين الفجارِ وبناء الكعبة خمس عشرة سنة، وبين بناء الكعبة ومبعث النبيّ - ﷺ - خمس سنين.\nقال أبو جعفر: وبُعث رسولُ الله - ﷺ - وهو ابن أربعين سنة، وقُرن بنبوّته -كما قال الشعبيّ - ثلاث سنين: إسرافيلُ؛ وذلك قبل أن يؤمر بالدعوة وإظهارها على ما قدَّمنا الرواية والإخبار به، ثم قُرن بنبوّته جبريلُ - ﵇ - بعد السنين الثلاث، وأمرَه بإظهار الدعوة إلى الله، فأظهرَها، ودعا إلى الله مقيمًا بمكة عشر سنين، ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأوّل من سنة أربع عشرة من حين استنبيء، وكان خروجه من مكّة إليها يوم الإثنين، وقدومه المدينة يوم الإثنين؛ لمضيّ اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول.\n٩٢ - حدَّثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدَّثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعانيّ، عن ابن عبّاس، قال: ولِد النبيّ - ﷺ - يومَ الإثنين، واستُنبيء يوم الإثنين، ورفع الحجَر يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكّة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وقبِض يوم الإثنين (١). (٢: ٣٩١/ ٣٩٢ / ٣٩٣).\n٩٣ - وكان أوّلَ من تُوفّيَ بعد مقدمه المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب مَنْزِله كُلْثوم بن الهِدْم، لم يلبَث بعد مقدَمه إلا يسيرًا حتى مات.\nثم توفِّيَ بعده أسعدُ بن زُرارة في سنَة مقدَمه؛ أبو أمامة. وكانت وفاته قبل أن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\nوالحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٧٧)، ونبه الهيثمي كذلك إلى رواية الطبراني وقال: فيه ابن لهيعة وهو ضعيف وبقية رجاله من أهل الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ١٩٦).","vol":"7","page":61},{"text":"يَفْرُغَ رسول الله - ﷺ - من بناء مسجده، بالذَّبْحَة والشَّهْقَة. فحدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمد بن إسحاق. حدَّثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن: أن رسول الله - ﷺ - قال: بئس المَيِّتُ أبو أمامة لِيَهودَ ومنافقي العرب! يقولون: لو كان محمّد نبيًّا لم يَمُتْ صاحبُه، ولا أمْلِكُ لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئًا (١). (٢: ٣٩٧).\n٩٤ - وقد حدَّثنا محمَّد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع عن معمَر، عن الزهري، عن أنس، أن النبيّ - ﷺ - كَوَى أسعد بن زُرَارة من الشَّوْكَةِ (٢). (٢: ٣٩٨).\n٩٥ - قال ابنُ حُميد، قال سلمَة عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاريّ أنه لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة، اجتمعتْ بنو النَّجار إلى رسول الله - ﷺ - وكان أبو أمامة نقيبَهم - فقالوا: يا رسولَ الله؛ إنَّ هذا الرّجل قد كان منَّا حيث قد علمت؛ فاجعلْ منَّا رجلًا مكانه، يقيم من أمرنا ما كان يقيمه، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: أنتم أخوالِي وأنا منكم؛ وأنا نقيبكم.\nقال: وكَرِه رسولُ الله - ﷺ - أن يَخُصَّ بها بعضَهم دون بعض؛ فكان من فَضْل بني النجار الذي تَعدَّ على قومهم: أن رسول الله - ﷺ - كان نقيبَهم (٣). (٢: ٣٩٨).\n٩٦ - حدَّثنا عبدُ الحميد بن بَيَان السكريّ، قال: أخبرَنا محمَّد بن يزيد عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد- عن عبد الرحمن بن أبي الضَّحاك، عن رجل من قُرَيش، عن عبد الرحمن بن محمَّد، أن عبد الله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة، فقالت عائشة: يا فلان؛ أسمعتَ حديث حَفصَة؟ قال لها: نعم يا أمّ المؤمنين، قال لها عبدُ الله بن صفوان: وما ذاك؟ قالت: خلالٌ فيَّ تسع لم تكن في أحَدٍ من النِّساء إلا ما آتى الله مَرْيَمَ بنتَ عمْران؛ والله ما أقول هذا فخرًا على أحد من صواحبي، قال لها: وما هنَّ؟ قالت: نزل المَلكُ بصورتي، وتزوّجني رسول الله - ﷺ - لسبع سنين، وأهديتُ إليه لتسع سنين، وتزوّجني بكرًا لم يشرَكْهُ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":62},{"text":"فيّ أحدٌ من الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنتُ مِنْ أحبِّ الناس إليه، ونزل فيَّ آيةٌ من القرآن كادت الأمّةُ أن تهلك، ورأيت جبريل ولم يره أحَدٌ من نسائه غيري، وقُبض في بَيتي لم يلِهِ أحدٌ غير الملَك وأنا (١). (٢: ٣٩٩).\nذكر الرِّواية بذلك:\n٩٧ - حدثنا ابنُ بشَّار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا سفيان عن إسماعيل بن أميَّة، عن عبد الله بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوّجني رسول الله - ﷺ - في شوّال، وبنَى بي في شوّال. وكانت عائشة تستحبُّ أن يُبْنى بالنساء في شوّال (٢). (٢: ٣٩٩).\n٩٨ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عرْوة، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: تزوَّجني رسول الله - ﷺ - في شوّال، وبنى بي في شوّال، فأيُّ نساء رسول الله - ﷺ - كانت أحْظَى عنده منّي! وكانت عائشة تستحبّ أن يُدْخل بالنساء في شوّال (٣). (٢: ٤٠٠).\nقال أبو جعفر: وقيل: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - بَنَى بها في شوَّال يوم الأربعاء، في منزل أبي بكر بالسُّنْح.\nوفي هذه السنة بعثَ النبيُّ - ﷺ - إلى بناتِهِ وزوجتِهِ سَوْدَة بنت زَمْعَة زيدَ بن حارثة وأبا رافع، فحملاهنَّ من مكّة إلى المدينة.\nولما رجع - فيما ذكر - عبد الله بن أرَيقِط إلى مكّة أخبن عبد الله بن أبي بكر بمكان أبيه أبي بكر، فخَرَجَ عبدُ الله بِعيَال أبيه إليه، وصَحِبَهم طلْحَة بن عبيد الله، معهم أمّ رُومان، وهي أمّ عائشة؛ وعبد الله بن أبي بكر حتى قدموا المدينة.\nوفي هذه السنة زيدَ في صلاة الحَضَرِ - فيما قيل - ركعتان، وكانت صلاة الحَضَر والسفَر ركْعتين؛ وذلك بعد مقدَم رسول الله - ﷺ - المدينةَ بشهر، في ربيع\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":63},{"text":"الآخر لمُضيّ اثنتي عشرة ليلة منه، زعم الواقديّ أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه (١). (٢: ٤٠٠).\n٩٩ - حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال محمد بن عُمَر الواقدي: وُلِد ابنُ الزُّبير بعد الهجرة بعشرين شهرًا بالمدينة (٢). (٢: ٤٠١).\nفكبر - فيما ذُكر - أصحابُ رسول الله - ﷺ - حين وُلِد؛ وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدَّثوا أن اليهود يذكرون أنَّهم قد سَحَروهم فلا يُولَد لهم؛ فكان تكبيرُهم ذلك سرورًا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك.\nوقيل: إن أسماءَ بنت أبي بكر، هاجرتْ إلى المدينة وهي حاملٌ به.\nوقيل أيضًا: إنَّ النعمان بن بشير ولد في هذه السنة؛ وإنَّه أوَّل مولود وُلِد للأنصار بعد هجْرة النبيّ - ﷺ - إليهم؛ وأنكر ذلك الواقديّ أيضًا (٣). (٢: ٤٠١).\n١٠٠ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا الواقديّ، قال: حدَّثنا محمَّد بن يحيى بن سهل بن أبي حثْمَة عن أبيه، عن جدّه، قال: كان أوَّل مولود من الأنصار النعمان بن بشير؛ ولد بعد الهجْرَة بأربعة عشر شهرًا، فتوفي رسولُ الله - ﷺ - وهو ابن ثماني سنين، أو أكثر قليلًا.\nقال: وولد النُّعمان قبل بدْر بثلاثة أشهر أو أربعة (٤). (٢: ٤٠١).\n١٠١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا مُصْعَب بن ثابت عن أبي الأسود، قال: ذُكِر النُّعمان بن بشير عند ابنِ الزبير، فقال: هو أسنُّ منِّي بستّة أشهر.\nقال أبو الأسود: ولد ابنُ الزُّبير على رأس عشرين شهرًا من مهاجَر رسول الله - ﷺ -، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرًا في ربيع الآخر (٥). (٢: ٤٠١/ ٤٠٢).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا بلا إسناد.\n(٢) الواقدي متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٥) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":64},{"text":"قال أبو جعفر: وقيل: إنَّ المُختارَ بن أبي عُبَيد الثَّقفيّ وزياد ابن سُمَيَّة فيها وُلد (١). (٢: ٤٠٢).\nقال: وزعم الواقديّ أن رسولَ الله - ﷺ - عقد في هذه السَّنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجَره لحمزة بن عبد المطَّلب لواءً أبيض في ثلاثين رجلًا من المهاجرين، ليعترض لِعَيرات قريش، وأنَّ حمزة لقيَ أبا جهل [بن هشام] في ثلاثمئة رجل، فحجز بينهم مَجْدِيُّ بن عمْرو الجُهنيّ فافترقوا، ولم يكن بينهم قتال. وكان الذي يحمل لواءَ حمزة أبو مَرْثَد (٢). (٢: ٤٠٢).\nوأنَّ رسول الله - ﷺ - عقد أيضًا في هذه السَّنة، على رأس ثمانية أشهر من مهاجَره في شوّال، لعُبَيدة بن الحارث بن المطَّلب بن عبد مناف لواء أبيض، وأمَرَه بالمسير إلى بطْن رَابغ، وأنَّ لواءه كان مع مِسْطَح بن أُثَاثَة، فبلغ ثنيَّة المرة - وهي بناحية الجُحْفة - في ستين من المهاجرين، ليس فيهم أنصاريّ؛ وأنَّهم التقوْا هم والمشركون على ماء يقال له: أحياء؛ فكان بينهم الرّمْي دون المسايَفة.\nقال: وقد اختلفوا في أمير السريَّة؛ فقال بعضُهم: كان أبو سفيان بن حَرْب، وقال بعضهم: كان مُكرَز بن حفص.\nقال الواقديّ: ورأيت الثَّبتَ على أبي سفيان بن حرب، وكان في مئتين من المشركين (٣). (٢: ٤٠٢).\n١٠٢ - قال: وفيها عَقَد رسولُ الله - ﷺ - لسعد بن أبي وقّاص إلى الخَرَّار لواءً أبيض يحمله المقداد بن عمرو في ذي القَعْدة. وقال: حدَّثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: خرجتُ في عشرين رجلًا على أقدامِنا -أو قال: واحد وعشرين رجلًا- فكُنَّا نكمُنُ النَّهار، ونسير الليل حتى صَبَّحْنا الخَرَّار صُبْح خامسةٍ؛ وكان رسولُ الله - ﷺ - قد عهد إليَّ ألَّا أجاوز الخَرَّار،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) قلنا: وكذلك ذكره ابن إسحاق بلا إسناد (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٨١) والله أعلم وانظر الفصول في سيرة الرسول لابن كثير / ٥٧.\n(٣) وكذلك ذكر ابن إسحاق بعثه - ﷺ - لعبيدة بلا إسناد والله أعلم (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٨٢).","vol":"7","page":65},{"text":"وكانت العِيرُ قد سبقتْني قبل ذلك بيوم، وكانوا ستين، وكان مَنْ مع سعد كلُّهم من المهاجرين (١). (٢: ٤٠٣).\nقال أبو جعفر: وقال ابن إسحاق في أمر كلّ هذه السرايا التي ذكرتُ عن الواقديّ قولَه فيها غير ما قاله الواقديّ، وأنَّ ذلك كلَّه كان في السنة الثّانية من وقت التاريخ (٢). (٢: ٤٠٣).\n١٠٣ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: قدِم رسولُ الله - ﷺ - المدينةَ في شهر ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة مضت منه، فأقام بها ما بقِيَ من شهر ربيع الأوَّل وشهرَ ربيع الآخَر وَجُمَادَيَيْن وَرَجَبَ وشعبان ورمضان وشَوَّالًا وذَا القَعدة وذا الحجَّة -وولي تلك الحجَّة المشركون- والمحرَّمَ. وخرج في صفَر غازيًا على رأس اثني عشر شهرًا من مقدَمه المدينة، لِثنْتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل؛ حتى بلغ وَدَّان؛ يريد قريشًا وبني ضَمْرة بن بكْر بن عبد مناة بن كنانة؛ وهي غزوة الأبْواء، فوادعتْهُ فيها بنو ضَمْرة؛ وكان الذي وادَعه منهم عليهم سيّدهم كان في زمانه ذلك، مَخشِيّ بن عمرو، رجل منهم.\nقال: ثمّ رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ولم يلقَ كيدًا، فأقام بها بقيَّة صَفر وصدْرًا من شهر ربيع الأوّل.\nوبعث في مقامه ذلك عُبَيدَةَ بن الحارث بن المطَّلب في ثمانين أو ستين راكبًا من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، حتى بَلَغ أحياء (ماء بالحجاز بأسفل ثنيَّة المَرة)، فلقِيَ بها جَمْعًا عظيمًا من قريش؛ فلم يكن بينهم قتال؛ إلَّا أن سعد بن أبي وقَّاص قد رَمى يومئذ بسهم؛ فكان أوّل سهم رُمِي به في الإسلام.\nثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامِيَةٌ، وَفَرَّ مِنَ المشركين إلى المسلمين المِقْداد بن عمرو البَهْرانيّ حليف بني زُهْرة، وعُتْبة بن غَزْوان بن جابر حليف بني نوْفل بن عبد مناف- وكانا مسلمين؛ ولكنّهما خرجا يتوصَّلان بالكُفَّار\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك، وذكر ابن إسحاق قصة هذه السرية بلا إسناد والله أعلم. (السيرة النبوية ٢/ ٢٨٧).\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":66},{"text":"إلى المسلمين- وكان على ذلك الجمع عِكْرِمَة بن أبي جهل.\nقال مُحَمّد: فكانت رايةُ عُبَيدة - فيما بلغني - أول راية عقدها رسولُ الله - ﷺ - في الإسلام لأحد من المسلمين.\nوحدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: وبعض العلماء يزعُم أن رسولَ الله - ﷺ - كان بعثه حين أقبل من غزوة الأبْواء قبل أن يصِلَ إلى المدينة. قال: وبعث حمزة بن عبد المُطَّلب في مقامه ذلك إلى سيف البحر من ناحية العِيص في ثلاثين راكبًا من المهاجرين؛ وهي من أرض جُهَينة ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، فلقِيَ أبا جهل بن هشام بذلك السَّاحل في ثلاثمئة راكب من أهل مكَّة، فحجز بينهم مَجْديُّ بن عمرو الجُهَنيّ، وكان مُوَادِعًا للفريقين جميعًا، فانصرف القومُ بعضهم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.\nقال: وبعضُ القوم يقول: كانت راية حمزة أول راية عقَدها رسول الله - ﷺ - لأحد من المسلمين، وذلك أن بَعْثَه وَبَعْثَ عُبَيدة بن الحارث كانا معًا، فشُبِّه ذلك على الناس.\nقال: والَّذي سمعْنا من أهل العلم عندنا: أن راية عُبيدة بن الحارث كانت أوّل راية عُقِدت في الإسلام.\nقال: ثم غزا رسولُ الله - ﷺ - في شهر ربيع الآخر، يريد قريشًا، حتى إذا بلغ بُوَاط من ناحية رَضْوَى رجع ولم يَلْقَ كيدًا، فلبث بقيَّة شهر ربيع الآخر وبعضَ جُمادى الأولى.\nثم غزا يريد قريشًا، فسلَكَ على نَقْب بني دينار بن النجَّار، ثم على فَيفَاء الخَبَار، فنزل تحت شجرة ببطْحاء ابن أزْهَر، يقال لها: ذات السَّاق، فصلَّى عندها، فثمّ مسجده. وصُنِعَ له عندها طعامٌ فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع أثَافيّ البُرْمة معلوم هنالك. واستُقِيَ له من ماء به يقال له المُشَيرِب. ثم ارتَحَل فترك الخلائق بيَسار، وسلك شعْبَة يقال لها شعبة عبد الله -وذلك اسمها اليوم- ثم صبَّ ليَسار، حتى هبطَ يَلْيَلِ، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضَّبُوعة؛ واستُقِيَ له من بئر بالضَّبُوعة. ثم سلك الفرْش؛ فرش ملَل، حتى لقيَ الطريق بصخَيرات","vol":"7","page":67},{"text":"اليمام. ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العُشَيْرَة من بطن يَنْبُع، فأقام بها بقيَّة جُمَادى الأولى ولياليَ من جُمادى الآخرة، ووادَع فيها بني مُدْلج وحلفاءهم من بني ضَمْرة. ثم رجع إلى المدينة، ولم يلْقَ كيدًا.\nوفي تلك الغزوة قال لعليّ بن أبي طالب - ﵇ - ما قال:\nقال: فلم يُقِمْ رسولُ الله - ﷺ - حين قَدِم من غَزْوة العُشَيرة بالمدينة إلَّا لياليَ قلائل لا تَبْلغ العَشْر، حتى أغار كُرْزُ بن جابر الفِهْريّ على سَرْح المدينة، فخرج رسولُ الله - ﷺ - في طلَبه، حتى بلغ واديًا يقال له: سَفَوان من ناحية بدْر، وفَاتَه كرز فلم يدرِكه؛ وهي غزوة بدر الأولى؛ ثم رجع رسولُ الله - ﷺ - إلى المدينة، فأقام بها بقيَّة جُمادى الآخرة ورجبَ وشعبان. وقد كان بعث فيما بين ذلك سَعْد بن أبي وَقَّاص في ثمانية رهط (١). (٢: ٤٠٣/ ٤٠٤ / ٤٠٥/ ٤٠٦).\nوزعم الواقديّ أن في هذه السنة -أعني السَّنة الأولى من الهجرة- جاء أبو قيس بن الأسْلَت رسولَ الله - ﷺ -، فعرَض عليه رسولُ الله - ﷺ - الإسلام، فقال: ما أحسَنَ ما تدعو إليه! أنظُرُ في أمري، ثم أعود إليك. فلقيَهُ عبدُ الله بن أبيّ، فقال له: كرهتَ والله حرب الخزرج! فقال أبو قيس: لا أسلِم سنة؛ فمات في ذي القعدة (٢). (٤٠٦: ٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>ثم كانت السنة الثانية من الهجرة</span>\nفغزا رسولُ الله - ﷺ - في قولِ جميع أهل السِّيَر - فيها، في ربيع الأوّل بنفسه غَزْوَةَ الأبواء - ويقال وَدَّان - وبينهما ستَّة أميال هي بحذائها؛ واستخلَف رسولُ الله - ﷺ - على المدينة حين خرج إليها سعدَ بن عُبادة بن دُلَيم. وكان صاحبَ لوائه في هذه الغَزاة حمزة بن عبد المُطَّلب، وكان لواؤه -فيما ذكر- أبيض.\nوقال الواقديّ: كان مُقامه بها خمسَ عشرة ليلة، ثم قَدِم المدينة.\n* * *\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":68},{"text":"قال الواقدي: ثم غزا رسولُ الله - ﷺ - في مئتين من أصحابه؛ حتى بلغ بُواط في شهر ربيع الأوّل؛ يعترض لِعيرات قريش، وفيها أميَّة بن خَلَف ومئة رجلٍ من قريش، وألفان وخمسمئة بعير. ثم رَجَعَ ولم يَلْقَ كيدًا.\nوكان يحملُ لواءه سعدُ بن أبي وقَّاص، واستخلَف على المدينة سَعْد بن مُعاذ في غَزْوتِه هذه.\n* * *\nقال: ثم غزا في ربيع الأوّل في طلب كُرْزين بن جابر الفِهْريّ في المهاجرين، وكان قد أغار على سَرْح المدينة، وكان يرعى بالجَمَّاءِ فاستاقه، فطلبه رسولُ الله - ﷺ - حتى بلغ بدْرًا فلم يلحقه؛ وكان يحمل لواءه عليُّ بن أبي طالب - ﵇ -. واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة (١). (٢: ٤٠٧).\n١٠٤ - قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة في صَفر لليال بقينَ منه، تزوَّج عليُّ بن أبي طالب - ﵇ - فاطمةَ ﵂؛ حُدِّثتُ بذلك عن محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن أبي جعفر (٢). (٢: ٤١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>سرية عبد الله بن جحش</span>\n١٠٥ - قال أبو جعفر: وخالف في بعض هذه القصة محمدَ بن إسحاق والواقديّ جميعًا السديّ؛ حدَّثني موسى بن هارون، قال: حدَّثنا عمرو بن حمَّاد، قال: حدَّثنا أسْباط، عن السدّيّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ وذلك أن رسولَ الله - ﷺ - بَعَث سريَّة وكانوا سبعة نَفر؛ عليهم عبد الله بن جحش الأسديّ وفيهم عمَّار بن ياسر، وأبو حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقَّاص، وعُتْبة بن غزوان السُّلَميّ حليف لبني نَوْفل، وسُهَيل بن بيضاء، وعامر بن فُهَيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعيّ؛\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":69},{"text":"حليف لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره ألَّا تقرَأه حتى ينزل بطن ملَل؛ فلمَّا نزل بطنَ مَلَل فتح الكتاب؛ فإذا فيه: أن سِرْ حتَّى تنزل بطن نخلة؛ فقال لأصحابه: مَنْ كان يريد الموت فليَمْضِ وليُوصِ؛ فإني مُوصٍ وماضٍ لأمر رسولِ الله - ﷺ -. فسار وتخلَّف عنه سعد بن أبي وقَّاص وعُتْبة بن غزوان، أضَلَّا راحلة لهما، فأتيا بُحْران يطلبانِها، وسار ابنُ جَحْش إلى بطْن نخلة؛ فإذا هو بالحكَم بن كَيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرميّ؛ فاقتتلوا، فأسَرُوا الحَكم بن كَيسان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتِل عمرو بن الحضرميّ؛ قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّلَ غنيمة غَنِمها أصحابُ محمَّد - ﷺ -.\nفلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا من الأموال؛ أراد أهل مكَّة أن يُفادوا الأسيرين، فقال النبي - ﷺ -: حتَّى ننظرَ ما فعل صاحبانا! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون، وقالوا: مُحمَّد يزعم أنَّه يتبع طاعة الله، وهو أوَّلُ مَن استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجَب! فقال المسلمون: إنَّما قتلناه في جُمادى -وقيل في أوَّل ليلة من رجَب وآخر ليلة من جُمادى- وغَمَدَ المسلمون سيوفهم حين دخل رجب؛ فأنزل الله ﷿ يُعَيِّر أهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ...﴾ الآية (١).\n(٢: ٤١٣/ ٤١٤).\nقال أبو جعفر: وقد قيل: إنَّ النبيَّ - ﷺ - كان انتدَب لهذا المسير أبا عُبيدة بن الجرَّاح، ثم بدا له فيه، فندَب له عبد الله بن جحش (٢). (٢: ٤١٤/ ٤١٥).\nذكر الخبر بذلك:\n١٠٦ - حدَّثنا محمّد بن عبد الأعلى؛ حدَّثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه: أنه حدَّثه رجل عن أبي السَّوَّار؛ يحدّثه عن جُنْدَب بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - أنَّه بعث رهطًا، فبعث عليهم أبا عبيدة بن الجرَّاح؛ فلمَّا أخذ لينطلق بكى صَبابَةً إلى رسول الله - ﷺ -، فبعث رجلًا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":70},{"text":"وأمره ألَّا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا: \"ولا تُكرِهنَّ أحدًا من أصحابك على السَّير معك\". فلمَّا قرأ الكتاب استرجع، ثم قال: سمعًا وطاعة لأمر الله ورسوله! فخَبَّرَهم بالخبر؛ وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيَّتهم، فلقوا ابن الحضرميّ فقتلوه، ولم يدرُوا ذلك اليوم من رَجَب أو من جُمادى! فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشَّهر الحرام! فأتَوا النَّبى - ﷺ -، فحدَّثوه الحديث، فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة هي الشِّرْك.\nوقال بعض الذين -أظنُّه قال- كانوا في السريّة: والله ما قَتَله إلَّا واحدٌ؛ فقال: إن يكن خيرًا فقد وليتَ، وإنْ يكن ذنبًا فقد عمِلت (١). (٢: ٤١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة</span>\nومن ذلك ما كان من صرْف الله ﷿ قِبْلَةَ المسلمين من الشَّام إلى الكعبة، وذلك في السنة الثانية من مقدَم النبيّ - ﷺ - المدينة في شعبان (٢). (٢: ٤١٥/ ٤١٦).\nواختلف السَّلَف من العلماء في الوقت الذي صُرفت فيه من هذه السَّنة؛ فقال بعضهم -وهم الجمهور الأعظم-: صُرفت في النّصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدَم رسول الله - ﷺ - المدينة (٣). (٢: ٤١٧).\nذكر من قال ذلك:\n١٠٧ - حدَّثنا موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدَّثَنا عمرو بن حَمَّاد،\n_________\n(١) في إسناده مبهم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) قلنا: لعل الطبري يعني بقوله: الجمهور الأعظم (جمهور المؤرخين) وأصحاب السير وحتى لو كان قصده كذلك فإنه لم يذكر سوى ثلاثة أحدهم متروك (الواقدي) وإلَّا فالروايات الصحيحة عند البخاري وغيره تخالف ما ذكره، وصدق الشافعي ﵀ إذ يقول: ما من إمام حافظ إلا وذهبت عنه سنة من سنن رسول الله - ﷺ -. ولقد ناقش العربي هذه الروايات وعلق عليها بالتفصيل فراجعها هناك (صحيح السيرة ٢/ ٣٥٠). وتوصل إلى أن قول الجمهور هو اختيار النصف من رجب سنة ٢ هـ والله أعلم.","vol":"7","page":71},{"text":"قال: حدَّثنا أسْبَاط عن السُّدّيّ - في خبر ذكره - عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عَبَّاس- وعن مُرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبيّ - ﷺ -: كان النَّاس يصلّون قِبَل بيت المقدس؛ فلما قَدِم النبي - ﷺ - المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهَاجَره، كان إذا صلَّى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر، وكان يصلّي قِبَل بيت المقدس؛ فنسختْها الكعبة، وكان النبي - ﷺ - يحب أن يصلِّيَ قبَل الكعبة، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ...﴾ الآية (١). (٢: ٤١٦).\n١٠٨ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: صُرِفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدَم رسول الله - ﷺ - المدينة (٢). (٤١٦: ٢).\n١٠٩ - وحُدِّثت عن ابن سعد، عن الواقديّ مثل ذلك. وقال: صرِفت القبلة في الظّهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان (٣). (٢: ٤١٦).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة فُرِض - فيما ذكر - صومُ رمضان. وقيل: إنَّه فرِض في شعبان منها. وكان النبيّ - ﷺ - حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يومَ عاشوراء؛ فسألهم فأخبروه أنَّه اليوم الذي غَرّق الله فيه آلَ فرعون، ونَجَّى موسى ومن معه منهم؛ فقال: نحنُ أحقُّ بموسى منهم. فصامَ وأمر النَّاس بصومه، فلمّا فُرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه.\nوفيها أمر الناس بإخراج زكاة الفطر. وقيل: إنَّ النبيّ - ﷺ - خطب الناس قبل [يوم] الفِطْر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك.\nوفيها خرَج إلى المُصلَّى فصلَّى بهم صلاة العيد؛ وكان ذلك أولَ خَرْجَةٍ خرجها بالناس إلى المصلَّى لصلاة العيد.\nوفيها - فيما ذكر - حُمِلت العنزة له إلى المصلَّى، فصلَّى إليها، وكانت للزبير بن العوام -كان النجاشيّ وهبها له- فكانت تحمَلُ بين يديه في الأعياد،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":72},{"text":"وهي اليوم فيما بلغني عند المؤذّنين بالمدينة (١). (٢: ٤١٧/ ٤١٨).\nثم اختلفوا في اليومِ الَّذي فيه كانت الحرب بينه وبينهم، فقال بعضهم: كانت وقْعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان.\nذكر من قال ذلك:\n١١٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا هارون بن المغيرة عن عنْبسة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: التمِسُوا ليلَة القَدْرِ في تِسْع عشرة ليلةً من رمضان؛ فإنها ليلةُ بَدْر (٢). (٢: ٤١٨).\n١١١ - حدَّثنا محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حُجَير الثعلبيّ، عن الأسود عن عبد الله، قال: التمسوا ليلة القدر في تسعَ عشرة من رمضان، فإنَّ صبيحتَها كانت صبيحة بدر (٣). (٢: ٤١٨/ ٤١٩).\n١١٢ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا عُبيد بن محمد المحاربيّ، قال: حدثنا ابنُ أبي الزّناد عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن زيد: أنه كان لا يُحْيِي ليلةً من شهر رمضان كما يحبي ليلةَ تسع عشرة وثلاث وعشرين، ويصبح وجهه مصفرًّا مِنْ أثَر السَّهَر، فقيل له، فقال: إنَّ الله ﷿ فرَق في صبيحتها بين الحقّ والباطل (٤). (٢: ٤١٩).\n١١٣ - حدَّثنا الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدثنا الثوريّ عن الزُّبَيْر بن عديّ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: كانتْ بدر صبيحة تسعَ عشرة من رمضان (٥). (٢: ٤١٩).\n١١٤ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":73},{"text":"عمر، قال: حدَّثنا الثوريّ عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله مثله (١). (٢: ٤١٩).\n١١٥ - قال الحارِث: قال ابنُ سعد: قال الواقديّ: فذكرتُ ذلك لمحمّد بن صالح، فقال: هذا أعجب الأشياء؛ ما ظننتُ أنّ أحدًا من أهل الدّنيا شَكَّ في هذا؛ إنها صبيحة سبع عشرة من رمضان، يوم الجمعة.\nقال محمد بن صالح: وسمعتُ عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رُومان، يقولان ذلك. قال لي محمد بن صالح: يا بن أخي، وما تحتاج إلى تسمية الرجال في هذا! هذا أبينُ من ذلك؛ ما يجهل هذا النساء في بيوتهنّ.\nقال الواقديّ: فذكرتُه لعبد الرحمن بن أبي الزّناد، فقال: أخبرني أبي عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت: أنه كان يُحْيي ليلةَ سبعَ عشرة من شهر رمضان؛ وإن كان ليُصْبِح وعلى وجهه أثر السَّهَرِ، ويقول: فرَق الله في صَبِيحتها بين الحقّ والباطل، وأعزّ في صُبْحها الإسلام، وأنزل فيها القرآن، وأذلَّ فيها أئمّة الكفر (٢). (٢: ٤١٩/ ٤٢٠).\n١١٦ - وكانت وقعة بدر يوم الجمعة. حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا يحيى بن واضح، قال: حدَّثني يحيى بن يعقوب أبو طالب، عن أبي عَوْن محمد بن عبيد الله الثقفيّ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عبد الله بن حبيب، قال: قال الحسنُ بن عليّ بن أبي طالب: كانت ليلة الفُرْقان يوم التقَى الجمعان، لسبع عشْرة من رمضان (٣). (٢: ٤٢٠).\nوكان الذي هاجَ وقْعة بدر وسائر الحروب التي كانت بين رسول الله - ﷺ - وبينَ مشرِكي قريش -فيما قال عُرْوة بن الزبير- ما كان من قَتْل واقد بن عبد الله التميميّ عمرَو بن الحضرميّ (٤). (٢: ٤٢٠).\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>ذكر وقعة بدر الكبرى</span>\n١١٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - سمِعَ بأبي سفيان بن حَرْب مقبلًا من الشام في عِيرٍ لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم؛ وفيها ثلاثون راكبًا من قريش -أو أربعون- منهم: مخرَمة بن نوفل بن أهَيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سُعيد بن سهم (١). (٢: ٤٢٧).\n١١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدَّثني عبد الله بن أبي نَجيح: أن أمية بن خلَف كان قد أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا ثقيلَّا، فأتاه عقْبة بن أبي مُعَيط، وهو جالس في المسجد بين ظهري قومه بِمجْمرة يحملها، فيها نار ومجْمر، حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا عليّ، استجمِرْ؛ فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به! قال: ثم تجهَّز، فخرج مع الناس، فلمّا فرغوا من جهازهم، وأجمعوا السَّير؛ ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نَخْشى أن يأتونا من خَلْفنا (٢). (٢: ٤٣٠).\n١١٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، وحدَّثني يزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسيرَ، ذكرت الذي بينها وبين بني بكْر؛ فكاد ذلك أن يَثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سُراقة بن جُعْشُم المُدْلجيّ - وكان من أشراف كنانة - فقال: أنا جارٌ لكم من أن تأتيَكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعًا.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وخرج رسول الله - ﷺ - في أصحابه، وجعل على الساقة قيس بن أبي صَعْصَعَةَ أخا بني مازن بن النجار، في ليال مضتْ من شهر رمضان؛ فسار حتى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد أخرجه ابن هشام كذلك من طريق ابن إسحاق عن أبي نجيح منقطعًا والله أعلم.","vol":"7","page":75},{"text":"بسبسَ بن عمرو الجهنيّ، حليف بني ساعدة، وعديّ بن أبي الزّغْباء الجُهَني حليف بني النجار، إلى بَدْر، يتحسَّسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وعِيره؛ ثم ارتحل رسولُ الله - ﷺ -؛ وقد قدَّمهما؛ فلما استقبَلَ الصفْراء - وهي قرية بين جبلين - سأل عن جبليهما: ما أسماؤهما؟ فقالوا لأحدهما: هذا مُسْلِح؟ وقالوا للآخر: هذا مُخرِيء؛ وسأل عن أهلهما، فقالوا: بنو النار وبنو حُراق (بطنان من بني غِفار)، فكرههما رسولُ الله - ﷺ - والمرورَ بينهما.\nوتفاءل بأسمائهما وأسماء أهاليهما؛ فتركهما والصَّفراء بيَسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذَفِران؛ فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل.\nوأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمْنَعُوا عِيرهم، فاستشار النبي - ﷺ -، وأخبرهم عن قُريش، فقامَ أبو بكر ﵁، فقال فأحسن، ثمّ قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن، ثم قام المِقْداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امضِ لما أمرك الله، فنحنُ معك؛ والله لا نقول كما قالتْ بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾؛ ولكن اذهب أنتَ وربّك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثَك بالحقّ لو سرتَ بنا إلى بَرْكِ الغِماد -يعني مدينة الحبشة- لجالدْنا معك مَن دونه حتى تبلغَه. فقال له رسول الله - ﷺ - خيرًا، ودَعَا له بخير.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قال رسول الله - ﷺ -: أشيرُوا عليّ أيها الناس -وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم كانوا عدد الناس؛ وذلك أنَّهم حين بايعوه بالعقَبة، قالوا: يا رسول الله؛ إنا برآء من ذمامك حتى تصلَ إلى دارنا، فإذا وصلت إلينَا فأنت في ذمامنا؛ نمنعك مما نمنع منه أبناءَنا ونساءَنا؛ فكان رسولُ الله - ﷺ - يتخوَّف ألَّا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته، إلَّا ممن دَهِمَه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوّ من بلادهم - فلمّا قال ذلك رسولُ الله - ﷺ -، قال له سعد بن مُعاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله! قال: أجَلْ، قال: فقد آمنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عُهُودَنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسولَ الله لمَا أردْتَ؛ فوالذي بعثك بالحقِّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخضْتَه لخضْناه معك؛ ما تخلَّف منّا رجلٌ واحد؛ وما نكره أن تَلقى بنا عدوَّنا غدًا! إنا لَصُبُرٌ عند","vol":"7","page":76},{"text":"الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء؛ لعلّ الله يريك منّا مَا تقَرُّ به عينُك؛ فسرْ بنا على بَركة الله.\nفَسُرَّ رسولُ الله - ﷺ - بقول سعد، ونشّطه ذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله، وأبشروا؛ فإنَّ الله قد وَعَدَني إحدى الطائفتين؛ والله لكأنّي الآن أنظرُ إلى مصارع القوم (١). (٢: ٤٣١ وتكملته ٤٣٣ و٤٣٥).\nقال أبو جعفر: وخرجَ رسولُ الله - ﷺ - فيما بلغني عن غير ابن إسحاق - لثلاث ليال خَلَوْن من شهر رمضان في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا من أصحابه؛ فاختلِف في مبلغ الزيادة على العشرة.\nفقال بعضهم: كانوا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلًا.\nذكر من قال ذلك:\n١٢٠ - حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدَّثنا أبو إسحاق عن البَرَاء، قال: كنّا نتحدَّث أن أصحابَ بدر يوم بدر كعدَّة أصحاب\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وهو مرسل. ولم نجد هذا المتن هكذا مطولًا في رواية واحدة كما عند الطبري وفي المتن ضعف سنبينه.\nأمور ذكرناها في قسم الصحيح وهي:\n١ - قوله (بعث بسبس بن عمرو الجهني) فقد أخرجه مسلم وغيره.\n٢ - قوله (ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك ... الحديث). فقد ثبت في الصحيح.\nأما بقية المتن فقد أخرجه غير الطبري مفرقًا وكالآتي:\n١ - قوله (فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي -وكان من أشراف كنانة- فقال أنا جار لكم) كذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عروة مرسلًا (السيرة النبوية ١/ ٦١٢).\n٢ - قوله (وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار) أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا. (السيرة النبوية ٢/ ٣٠٣) تحقيق همام.\n٣ - قوله: (فلما استقبل الصَّفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما ... الحديث) أخرجه كذلك ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا (السيرة النبوية ٢/ ٣٠٤ تحقيق همام).","vol":"7","page":77},{"text":"طالوت، ثلاثمئة رجل وثلاثة عشر رجلًا؛ الذين جاوَزُوا النهر؛ فسكت (١). (٢: ٤٣١).\n١٢١ - حدَّثني محمد بن عُبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا أبو مالك الجَنْبيّ عن الحجاج، عن الحَكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: كان المهاجرون يومَ بدْر سبعة وسبعين رجلًا؛ وكان الأنصار مئتين وستة وثلاثين رجلًا، وكان صاحبُ رايةِ رسولِ الله - ﷺ - عليَّ بن أبي طالب - ﵇ -، وصاحبُ راية الأنصار سعدَ بن عُبَادة (٢). (٢: ٤٣١).\n١٢٢ - وقال آخرون: كانوا ثلاثمئة رجُل وأربعة عشر، منْ شهد منهم، ومن ضُرِب بسهمه وأجره؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق.\nوقال بعضهم: كانوا ثلاثمئة وثمانية عشر.\nوقال آخرون: كانوا ثلاثمئة وسبعة (٣). (٢: ٤٣٢).\n١٢٣ - حدَّثنا بِشْر بن معاذ، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة، قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله - ﷺ - قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعِدَّة أصحاب طالوت يوم لقيَ جالوت، وكان أصحابُ نبيّ الله - ﷺ - يوم بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا (٤). (٢: ٤٣٣).\n١٢٤ - حدَّثني موسى بن هارون، قال: حدَّثنا عمرو بن حماد، قال: حدَّثنا أسباط عن السدّي، قال: خَلَصَ طالوت في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا؛ عدّة أصحاب بدر (٥). (٢: ٤٣٣).\n١٢٥ - قالوا: وقد كان بَسْبَس بن عمرو وَعَديُّ بن أبي الزَّغْباء مَضَيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تَلٍّ قريب من الماء، ثم أخذا شنًّا يستقيان فيه -ومجديّ بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) في إسناده أبو مالك الجنبي لين الحديث.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":78},{"text":"عمرو الجهنيّ على الماء - فسمع عديّ وبسبس جاريتين من جواري الحاضر؛ وهما تتلازمان على الماء؛ والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العيرُ غدًا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقْضيكِ الذي لك. قال مَجْدِيّ: صدقت، ثم خلَّص بينهما؛ وسمع ذلك عديّ وَبسْبَس فجلسا على بعيرَيهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسولَ الله - ﷺ -، فأخبراه بما سمِعَا.\nوأقبل أبو سفيان قد تقدّم العيرَ حَذِرًا حتى ورد الماء، فقال لمجديّ بن عمرو: هل أحْسَسْتَ أحدًا؟ قال: ما رأيتُ أحدًا أنْكرُه؛ إلَّا أني رأيتُ راكبين أناخا إلى هذا التلّ، ثم استقيا في شَنٍّ لهما؛ ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرَيهما ففتَّه؛ فإذا فيه نَوىً. فقال: هذه والله علائف يثْرب! فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وجه عِيره عن الطريق، فساحَلَ بها، وترك بدرًا يسارًا، ثم انطلق حتى أسرع.\nوأقبلت قريش، فلما نزلوا الجُحْفة رأى جُهَيمُ بن الصَّلْت بن مَخْرَمَة بن المطّلب بن عبد مناف رؤيا؛ فقال: إنّي رأيت فيما يرى النائم، وإنّي لبينَ النائم واليقظان، إذ نظرتُ إلى رجل أقبل على فرسٍ حتى وقف ومعه بعيرٌ له، ثم قال: قُتِلَ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبوالحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وفُلان وفلان؛ فعَدَّدَ رجالًا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش؛ ورأيته ضرب في لَبَّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خِبَاء من أخْبِية العسكر؛ إلَّا أصابه نَضْحٌ من دمه.\nقال: فبلغتْ أبا جهل، فقال: وهذا أيضًا نبيٌّ آخَرُ من بني المطلب؛ سَيَعلَم غدًا من المقتول إن نحن التقينا!\nولما رأى أبو سفيان: أنه قد أحرز عِيرَه، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيرَكم ورجالكم وأموالكم؛ فقد نجّاها الله، فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نَرِدَ بَدْرًا - وكان بدرٌ مَوْسِمًا من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سُوقٌ كلَّ عام - فنقيم عليه ثلاثًا، ونَنحَرُ الجُزُرَ، ونُطْعِمُ الطعام، ونسقي الخُمور، وتَعْزِف علينا القيَان، وتسمع بنا العرب؛ فلا يزالون يهابوننا أبدًا؛ فامضوا. فقال الأخنْسُ بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفِيّ - وكان حليفًا لبني زُهْرةَ وهم بالجُحْفة -: يا بني زُهرة؛ قد نجّى الله لكم أموالكم، وخلّص لكم","vol":"7","page":79},{"text":"صاحبَكم مَخْرَمة بن نوفل؛ وإنَّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جُبْنَها وارجعوا، فإنه لا حاجةَ بكم في أن تخرجوا في غير ضَيعَة؛ لا ما يقول هذا -يعني أبا جهل- فرجعوا؛ فلم يشهدْها زهريٌّ واحدٌ؛ وكان فيهم مطاعًا. ولم يكن بقي من قريش بطن إلَّا نَفر منهم ناس، إلَّا بني عديّ بن كعب، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ، فرجعت بنو زُهرة مع الأخنس بن شَرِيق، فلم يشهد بدرًا من هاتَين القبيلَتين أحدٌ. ومضى القوم.\nقال: وقد كان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش مُحَاورة، فقالوا: والله لقد عَرَفْنا يا بني هاشم -وإنْ خرجتم معنا- أن هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع.\nقال أبو جعفر: وأما ابن الكلبيّ؛ فإنه قال فيما حُدِّثتُ عنه: شَخَص طَالبُ بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين، أخرِج كرهًا. فلم يوجَدْ في الأسْرَى ولا في القتلى، ولم يرجع إلى أهله، وكان شاعرًا؛ وهو الذي يقول:\nيَا رَبِّ إمَّا يَغْزُوَنَّ طَالِبْ ... في مِقْنَبٍ من هذِهِ المَقَانِبْ\nفَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبَ غَيرَ السَّالِبْ ... وَلْيَكُنِ المَغْلُوبَ غَيرَ الغِالِبْ\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ومضت قريش حتى نزلوا بالعُدْوَة القُصْوَى من الوادي، خلف العَقَنْقَل، وبطن الوادي وهو يَلْيَل، بين بدر وبين العَقَنْقل؛ الكثيب الذي خلفه قريش، والقُلُب ببدر في العُدْوة الدنيا من بطن يَلْيَل إلى المدينة، وبعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا، فأصاب رسول الله - ﷺ - وأصحابه منها ما لبَّدَ لهم الأرض؛ ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشًا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه؛ فخرج رسول الله - ﷺ - يُبادِروهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به (١). (٢: ٤٣٧/ ٤٣٨ / ٤٣٩).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية مبدوءًا بقوله (قالوا)، وفي سيرة ابن هشام جاءت هذه الرواية من قول ابن إسحاق معلقًا (٢/ ٣٠٩) وأما إشارة أبي جهل على قريش أن يردوا بدرًا (والله لا نرجع حتى نرد بدرًا) فكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا (السيرة النبوية ٢/ ٣١٠) وأما نصيحة الأخنس لقومه بالرجوع وسماع بني زهرة لقوله فلم نجد رواية صحيحة الإسناد تؤيد ذلك.\nوأخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا (٢/ ٣١١) والله أعلم. وأما ما جاء في آخر الرواية =","vol":"7","page":80},{"text":"١٢٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: حُدِّثتُ عن رجال من بني سلَمَة: أنهم ذكروا أن الحُبَاب بن المُنْذر بن الجمُوح، قال: يا رسولَ الله، أرأيت هذا المنزل، أمَنْزِلٌ أنزَلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّره، أم هو الرّأيُ والحرب والمكيدة؟ قال: بَلْ هو الرأي والحرب والمكيدة؛ فقال: يا رسولَ الله، فإنَّ هذا ليس لك بمنزِل، فانهَضْ بالناس حتى نأتيَ أدنى ماء من القوم فننزلَه، ثم نغوِّر (١) ما سواه من القُلُب، ثم نبني عليه حَوْضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله - ﷺ -: لقد أشرتَ بالرأي. فنهض رسولُ الله - ﷺ - ومَنْ معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم؛ فنزل عليه، ثم أمر بالقُلب فَغُوِّرَتْ، وبنى حوضًا على القلِيب الذي نزل عليه فمُلئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية (٢). (٢: ٤٤٠).\n١٢٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمد بن إسحاق: فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، نَبْني لَكَ عريشًا من جريد فتكون فيه، ونُعدُّ عندك ركائبك، ثم نَلقَى عَدُوَّنا؛ فإنْ أعزَّنا الله وأظهرنا على عَدُوِّنا كان ذلك مما أحببْنَا، وإن كانت الأخْرَى جلستَ على ركائبك، فلحقْت بمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلَّف عنك أقوام يا نبيّ الله! ما نحن بأشدّ حُبًّا لَك منهم؛ ولو ظنّوا أنك تلْقَى حربًا ماتخلّفوا عنك. يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى رسولُ الله - ﷺ - عليه خيرًا، ودعا له بخير.\nثم بُني لرسول الله - ﷺ - عريشٌ، فكان فيه؛ وقد ارتحلت قريش حين\n_________\n= (وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسًا فأصاب رسول الله - ﷺ - وأصحابه منها ما لبّد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير) فقد ثبت بالقرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].\n(١) قال في حاشية السيرة: تروى هذه الكلمة بالعين المهملة، ومعناها على ذلك: نفسد، وذلك بأن يقذفوا في القلب أحجارًا وترابًا فيفسدوها على أعدائهم، وتروى بالغين المعجمة، ومعناها حينئذٍ: نجعله يغور في الأرض، وهو قريب من سابقه.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وسند ابن إسحاق فيه مبهم وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق (فحدثت عن رجال من بني سلمة) سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٤٧) وقال الذهبي: حديث منكر.","vol":"7","page":81},{"text":"أصبحت، فأقبلتْ، فلمَّا رآها رسولُ الله - ﷺ - تصوّب من العَقَنْقل - وهو الكثيب الذي منه جاؤوا إلى الوادي - قال: اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تُحادُّك وتُكذّب رسولَك؛ اللهُمَّ فنصرَك الذي وعدتَني؛ اللهم فأحْنِهِم الغَداة!\nوقد قال رسولُ الله - ﷺ - ورأى عتبة بن ربيعة في القوم، على جمل له أحمر-: إن يكنْ عندَ أحد من القوم خيرٌ؛ فعند صاحب الجمل الأحمر؛ إن يُطيعوه يَرشُدُوا. وقد كان خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغِفاريّ -أو أبوه إيماء بن رَحَضة - بعث إلى قريش حين مَرُّوا به ابنًا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن أمِدّكم بسلاح ورجال؛ فَعلنا، فأرسلوا إليه مع ابنه: أنْ وصلتْك الرّحم! فقد قضيت الذي عليك؛ فلَعمري لئن كنّا إنما نقاتل الناس؛ ما بينا ضعفٌ عنهم؛ ولئن كنا نقاتل الله -كما يزعم محمد- فما لأحد بالله من طاقة.\nفلمّا نزل الناس، أقبل نفر من قريش؛ حتى وردوا حوضَ رسول الله - ﷺ -، فيهم حَكِيم بن حِزام، على فرس له، فقال رسول الله - ﷺ -: دعوهم؛ فما شرب منهم رجل إلا قُتل يومئذ؛ إلَّا ما كان من حَكِيم بن حزام، فإنَّه لم يُقتل؛ نجا على فرس له يقال له الوجيه، وأسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجَّاني يوم بدر (١)! (٢: ٤٤٠/ ٤٤١).\n١٢٨ - قال أبو جعفر: وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق؛ كما حدَّثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين. وحدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني حَبَّان بن واسع بن حَبَّان بن واسع، عن أشياخ من قومه، أن رسولَ الله - ﷺ - عدَّل صفوفَ أصحابه\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق، وكذلك رواه ابن هشام من طريق ابن إسحاق وفيه انقطاع فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حديث (السيرة النبوية ٢/ ٣١٣ تحقيق همام).\nولقد تحدثنا عن مسألة العريش في قسم الصحيح (٢/ ٤٤٠) فليراجع. وأما دعاء الرسول - ﷺ -: (اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها .. إلخ) أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا (السيرة النبوية ٢/ ٣١٤) وما جرى بين خفاف بن إيماء وقريش كذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق معلقًا (السيرة النبوية ٢/ ٣١٤).\nوكذلك قول حكيم بن حزام (لا والذي نجاني يوم بدر) (السيرة النبوية ٢/ ٣١٥).","vol":"7","page":82},{"text":"يوم بدر، وفي يده قِدْحٌ يعدّلُ به القوم، فمرّ بسَواد بن غَزِيّة، حليف بني عديّ بن النجار، وهو مُسْتنتل من الصفّ، فطعَن رسولُ الله - ﷺ - في بطنه بالقِدْح، وقال: اسْتَو يا سوادَ بن غزيّة؛ قال: يا رسولَ الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحقّ، فأقِدْني. قال: فكشف رسولُ الله - ﷺ - عن بطنه ثم قال: استقِدْ، قال: فاعتنقَه وقبَّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سَوَاد؟ فقال: يا رسول الله حضَر ما ترى فلم آمن القتْل، فأردتُ أن يكون آخرَ العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك. فدعا له رسول الله - ﷺ - بخير، وقال له خيرًا.\nثم عدّل رسولُ الله - ﷺ - الصّفوفَ، ورجع إلى العريش، ودخلَه، ومعه فيه\nأبو بكر ليس معه فيه غيره، ورسولُ الله - ﷺ - يناشد ربّه ما وعده من النَّصر، ويقول فيما يقول: اللهمّ إنك إن تَهْلِكْ هذه العِصابة اليوم -يعني: المسلمين- لا تُعبَد بعد اليوم، وأبو بكر يقول: يا نبيّ الله، بعضَ مناشدتك ربّك! فإن الله ﷿ منجز لك ما وعدك (١).\n١٢٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أنّ عوْف بن الحارث -وهو ابن عفراء- قال: يا رسول الله، ما يُضْحِكُ الربَّ من عبده؟ قال: غَمْسُه يدَه في العدوّ حاسرًا. فنزع درْعًا كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتِل (٢). (٢: ٤٤٨/ ٤٤٩).\n١٣٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني العباس بن عبد الله بن مَعْبَد، عن بعض أهله، عن ابن عباس: أن\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو إسناد مركب أما الأول فهو حديث أبي جعفر وبينه وبين الوقعة مفازات.\nوالثاني فيه إبهام (أشياخ من قومه) وكذلك أخرج ابن هشام قصة سواد بن غزية (السيرة النبوية ٢/ ٣٢١).\nونسبه الحافظ إلى البغوي وعبد الرزاق (الإصابة ٢/ ٩٥) وقال الشيخ العلي في حاشية صحيح السيرة النبوية: وسنده حسن إلا أنه مرسل (أي: رواية الإصابة ٢/ ٩٥) ويسنده ما جاء عن عبيد الله بن جبير الخزاعي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٨٩) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات على ما في عبد الله بن جبير من ضعف كما جاء في التهذيب (٥/ ١٦٨).\n(٢) إسناده مرسل ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٦٢٧).","vol":"7","page":83},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه يومئذ: إنّي قد عرفت أنّ رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرِجُوا كرْهًا، لا حاجة لهم بقتالهم، فمَنْ لقِيَ منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومَنْ لقِي أبا البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومَنْ لقِيَ العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول الله فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرَهًا.\nقال: فقال أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة: أنقتلُ آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتَنا، ونترك العباس! والله لئن لقيتُه لألْحِمنَّه السيف. فبلغتْ رسولَ الله - ﷺ -، فجعل يقول لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص! أما تسمع إلى قول أبي حُذَيفة؟ ! يقول: أضرب وجه عمّ رسول الله بالسيف! فقال عمر: يا رسولَ الله! دعْنِي فلأضربنَّ عنقَه بالسيف؛ فوالله لقد نافَقَ.\nقال عمر: والله إنه لأوّلُ يوم كنّاني فيه رسول الله - ﷺ - بأبي حفص.\nقال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمِنٍ من تلك الكلمة التي قلتُ يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلَّا أن تكفّرها عني الشهادة. فقُتِل يوم اليمامة شهيدًا.\nقال: وإنما نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل أبي البَخْتريّ، لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله وهو بمكّة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه؛ وكان ممَّن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش علي بني هاشم وبني المطّلب، فلقيه المُجَذَّرُ بن ذياد البَلَويّ، حليف الأنصار من بني عديّ، فقال المجذَّر بن ذياد لأبي البختريّ: إنَّ رسول الله - ﷺ - قد نهى عن قتلك - ومع أبي البختريّ زميلٌ له خرج معه من مكة، وهو جُنادة بن مُلَيحَة بنت زهَير بن الحارث بن أسَد، وجُنادة رجل من بني لَيث. واسم أبي البختريّ العاص بن هشام بن الحارث بن أسد - قال: وزميلي؟ فقال: المجذَّر: لا والله ما نحن بتاركي زميلَك؛ ما أمرَنا رسولُ الله - ﷺ - إلَّا بك وحدَك، قال: لا والله إذًا، لأَمُوتَنَّ أنا وهو جميعًا، لا تحدّث عنّي نساء قريش من أهل مكة أنِّي تركتُ زميلي حِرْصًا على الحياة. فقال أبو البختريّ حين نازله المجذَّر، وأبى إلّا القتال، وهو يرتجز:\nلَنْ يُسْلِمَ ابنُ حُرَّةٍ أكِيلَهْ ... حتَّى يموتَ أَوْ يرى سَبيلَهْ\nفاقتتلا، فقتله المجذَّر بن ذياد.\nقال: ثم أتى المجذّر بن ذياد رسولَ الله - ﷺ -، فقال: والذِي بعثَك بالحقّ،","vol":"7","page":84},{"text":"لقد جهِدتُ عليه أن يستأسِرَ فآتيَك به؛ فأبى إلَّا القتال، فقاتلته فقتلتُه (١). (٢: ٤٤٩/ ٤٥٠ / ٤٥١).\n١٣١ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر: أنَّه حُدّث عن ابن عبَّاس، أن ابن عباس، قال: حدَّثني رجلٌ من بني غِفار، قال: أقبلتُ أنا وابنُ عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشْرف بنا على بدْر، ونحن مشرِكان، ننتظر الوقْعة على مَنْ تكون الدَّبْرَة، فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل؛ إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حَمْحَمة الخيل، فسمعت قائلًا يقول: أقدِم حَيزُوم. قال: فأمَّا ابن عمّي فانكشف قِناعُ قلبه فمات مكانه؛ وأمّا أنا فكدتُ أهلِك، ثم تماسكت (٢). (٢: ٤٥٣).\n١٣٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني أبي إسحاق بن يَسار عن رجال من بني مازن بن النَّجار، عن أبي داود المازنيّ - وكان شهد بدرًا - قال: إني لأتْبَعُ رجلًا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذْ وقع رأسه قبل أن يصِلَ إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري (٣). (٢: ٤٥٣).\n١٣٣ - حدّثني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ، قال: حدَّثنا يحيى بن بُكير، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى الإسكندرانيّ عن العَلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرَمة، عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، قال: قال لي أبي: يا بُنيَّ، لقد رأيتُنا يوم بدر؛ وإنَّ أحَدنا ليشيرُ بسيفه إلى المشرك فيقع رأسُه عن جسده قبل أن يصلَ إليه السيف (٤). (٢: ٤٥٣/ ٤٥٤).\n١٣٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني الحسن بن عُمارة، عن الحَكَم بن عتيبة، عن مِقْسم مولى عبد الله بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام وكذلك البيهقي في الدلائل (٣/ ٥٢) كلاهما من طريق ابن إسحاق والذي أبهم فيه راوٍ فالخبر ضعيف والله أعلم.\n(٣) إسناده ضعيف وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد وفيه راو لم يسمَّ (مجمع الزوائد ٦/ ٨٣).\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":85},{"text":"الحارث، عن عبد الله بن عباس، قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضًا قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرًا، ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر. وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عُدَدًا ومدَدًا لا يضربون (١). (٢: ٤٥٤).\n١٣٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ: أن رسول الله - ﷺ - يوم قال هذه المقالة: قال: يا أهلَ القَلِيب، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم! كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني النَّاس، وقاتلتموني ونصرني الناس. ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ للمقالة التي قال: قال: ولما أمر بهم رسول الله - ﷺ - أن يُلْقَوْا في القَلِيب، أخِذ عتبة بن ربيعة فسحِب إلى القَلِيب، فنظر رسول الله - ﷺ - فيما بلغني - في وجه أبي حُذيفة بن عتبة؛ فإذا هو كئيب قد تغيّر، فقال: يا أبا حذيفة؛ لعلَّك دخلك مِنْ شأن أبيك شيء! -أو كما قال - ﷺ - فقال: لا والله يا نبيّ الله! ما شككتُ في أبي ولا في مصرعه؛ ولكنِّي كنتُ أعرِف من أبي رأيًا وَحِلْمًا وفضلًا؛ فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام؛ فلما رأيتُ ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنتُ أرجو له؛ حَزَنَني ذلك، قال: فدعا رسولُ الله - ﷺ - له بخير، وقال له خيرًا.\nثم إنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بما في العسكر ممَّا جَمَع الناس فجُمع؛ فاختلف المسلمون فيه، فقال مَنْ جمعه: هو لنا؛ قد كان رسول الله - ﷺ - نفل كلّ امرئ ما أصاب، فقال الذين كانوا يقاتلون العَدُوّ ويطلبونهم: لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلْنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم. فقال الذين يَحْرسون رسولَ الله - ﷺ - مخافة أن يخالِف إليه العدوّ: والله ما أنتم بأحَقَّ به منَّا؛ لقد رأينا أن نقتلَ العدوّ إذْ ولَّانا الله، ومنحنا أكتافهم؛ ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه مَنْ يمنعه؛ ولكن خِفْنا على رسول الله - ﷺ - كرَّة العدوّ، فقمنا دونه؛ فما أنتم بأحقَّ به منَّا (٢). (٢: ٤٥٧/ ٤٥٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وروى الطبراني حديث: كانت سيماء الملائكة .. وقال الهيثمي: وفيه عمارة بن أبي مالك الجهني ضعفه الأزدي (مجمع الزوائد ٦/ ٨٣).\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، ورواه ابن إسحاق منقطعًا (حدثني بعض أهل العلم) وكذلك =","vol":"7","page":86},{"text":"١٣٦ - ثم ارتحل رسولُ الله - ﷺ - حتى إذا كان بالرَّوْحاء، لقيَهُ المسلمون يُهنّئونه بما فتَح الله عليه ومَنْ معه من المسلمين، فقال سلمة بن سلامة بن وقْش كما حدَّثنا ابن حميد، فقال: حدثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، كما حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان: وما الذي تُهنّئون به! فوالله إن لقينا إلا عجائز صُلعًا كالبُدْن المعَقَّلَة، فنحرناها. فتبسَّمَ رسول الله - ﷺ -، وقال: يا بنَ أخي، أولئك الملأ قال: ومع رسول الله - ﷺ - الأسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيرًا، وكان من القتلى مثل ذلك وفي الأسارى عُقْبة بن أبي مُعَيط، والنَّضر بن الحارث بن كَلَدَة - حتى إذا كان رسول الله - ﷺ - بالصّفراء، قتل النَّضْر بن الحارث، قتَله عليّ بن أبي طالب ﵁ (١). (٢: ٤٥٩).\n١٣٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، قال: قُدِم بالأسارى حين قُدم بهم وسَوْدَة بنت زَمْعة زوج النبي - ﷺ - عند آل عَفرَاء في مَنَاحتهم على عَوْف ومُعوّذ ابنَي عفراء - قال: وذلك قبل أن يُضرَب عليهنّ الحجاب - قال: تقول سَوْدة: والله إني لَعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أُتِيَ بهم، قالت: فرُحْت إلى بيتي ورسولُ الله - ﷺ - فيه؛ وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحُجْرة، مجموعة يداه إلى عنقه بحبْل، قالت: فوالله ما ملكتُ نفسي حين رأيتُ أبا يزيد كذلك أن قلت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متّم كرامًا! فوالله ما أنْبهني إلَّا قول رسول الله - ﷺ - من البيت: يا سودة، أعَلى الله وعلى رسوله! قالت: قلت: يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحقِّ ما ملكتُ نفسي حين رأيت أبا يزيدَ مجموعةً يداه إلى عنقه بحبْل أن قلت ما قلت (٢). (٢: ٤٦٠).\n_________\n= أخرجه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق (٣/ ٣٤٠).\nوعبارة (بئس عشيرة النبي كنتم ...) أخرجه الطبراني وقال الهيثمي: وفيه نصر بن حماد وهو متروك (مجمع الزوائد ٦/ ٩١) والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه حسين السلولي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٤).\nوأخرجه البيهقي مرسلًا من طريق موسى بن عقبة (دلائل النبوة ٣/ ١٤٧) والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد رواه ابن إسحاق مرسلًا وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٣٦٩) والبيهقي في السنن، وأخرجه الحاكم =","vol":"7","page":87},{"text":"١٣٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني نُبَيه بن وهب، أخو بني عبد الدَّار، أن رسولَ الله - ﷺ - حين أقبل بالأسارَى فرَّقهم في أصحابه، وقال: استوصُوا بالأسارى خيرًا -قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمّه في الأسارى- قال: فقال أبو عزيز: مَرَّ بي أخي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شُد يَديك به؛ فإن أمه ذاتُ متاع، لعلَّها أن تفتديَه منك. قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدْر؛ فكانوا إذا قدّموا غَدَاءهم وعشاءهم خصُّوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصيَّة رسول الله - ﷺ - إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نَفحني بها. قال: فأستحي، فأردّها على أحدهم فيردّها عليّ ما يَمسُّها (١). (٢: ٤٦٠/ ٤٦١).\n١٣٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وكان أوّل مَنْ قدم مكة بمُصاب قريش الْحَيسُمان بن عبد الله بن إياس بن ضُبَيعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعيّ -قال أبو جعفر: وقال الواقديّ: الحيسُمان بن حابس الخزاعي- قالوا: ما وراءك؟ قال: قُتل عتبة بن ربيعة،\n_________\n= في المستدرك من طريق ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن جده .. الحديث.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه - وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة وقد ذكره في حديث لابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عباد عن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: قدم بأسارى بدر وسودة بنت زمعة عندهم في مناحتهم ... وذكر الحديث بطوله، وكذا أخرجه ابن مندة وترجم له عبد الرحمن بن أسعد، وهذا الحديث قد أخرجه يونس بن بكير عن ابن إسحاق في المغازي فقال عبد الله بن أبي بكر: عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة وأخرجه أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق بهذا السند فقال عبد الرحمن بن سعد بغير ألف وكذا أخرجه ابن شاهين في مختصر السيرة عن ابن إسحاق فإن كان الأول محفوظًا فلعبد الرحمن بن أسعد صحبة لأن أباه مات في أول عام من الهجرة كما تقدم في ترجمته، وإن كان المحفوظ الثاني فهو مرسل لأن عبد الرحمن إنما يروي عن أبيه كما تقدم في ترجمة سعد بن زرارة ولم يذكر عبد الرحمن بن سعد في الصحابة إلا أبو نعيم بهذا الحديث (الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٢٨٦).\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":88},{"text":"وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبو البختريّ بن هشام ونُبَيه ومنبه ابنا الحجاج. قال: فلمّا جعل يعدّد أشراف قريش، قال صَفْوان بن أمية وهو قاعد في الحِجْر: والله إنْ يعقل هذا فَسلُوه عني، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالسًا في الحِجْر، وقد والله رأيتُ أباه وأخاه حين قتلا (١). (٢: ٤٦١).\n١٤٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدَّثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكْرمة مولى ابن عبَّاس، قال: قال أبو رافع مولى رسول الله - ﷺ -: كنت غلامًا للعبّاس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلَنا أهل البيت، وأسلمتْ أمّ الفضل وأسلمتُ، وكان العبَّاس يهاب قومه، ويكره أن يخالفَهم، وكان يكتم إسلامَه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلَّا بعثَ مكانه رجلًا، فلمّا جاء الخبر عن مُصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزًّا.\nقال: وكنت رجلًا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح، أنحتُها في حُجْرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القِداح، وعندي أمّ الفضْل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبلَ الفاسق أبو لهب يجرّ رجلية بشرّ، حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري؛ فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب قد قدِم. قال: فقال أبو لهب: هلمَّ إليَّ يا بنَ أخي! فعندك الخبر. قال: فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي! أخبِرْني؛ كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء؛ والله إن كان إلَّا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا، يقتُلوننا ويأسرون كيف شاؤوا؛ وأيمُ الله مع ذلك ما لُمْتُ الناس؛ لقينا رجالًا بِيضًا على خيل بُلْقٍ بين السماء والأرض؛ ما تُليق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طُنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يدَه فضرب وجهي ضربة شديدة، قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وذكره ابن إسحاق تعليقًا وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا. (١/ ٦٠٦).","vol":"7","page":89},{"text":"فثاورتُه، فاحتملني، فضرب بي الأرضَ ثم برَك عليّ يضربني -وكنت رجلًا ضعيفًا- فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجَّة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيّده! فقام مولِّيًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله ﷿ بالعَدَسة فقتلته، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثًا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته - وكانت قريش تتّقي العَدسة وعَدْوَتَها كما يتّقي الناس الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما! ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيِّبانه! فقال: إنا نخشى هذه القَرْحة، قال: فانطلِقا فأنا معكما، فما غسلوه إلا قذْفًا بالماء عليه من بعيد، ما يمسُّونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروْه (١). (٢: ٤٦١/ ٤٦٢).\n١٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله، عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا أمسى القوم من يوم بدْر، والأسارى محبوسون في الوَثاق، باتَ رسول الله - ﷺ - ساهرًا أوّل ليلة، فقال له أصحابه: يا رسول الله! مالك لا تنام؟ ! فقال: سمعت تضوّرَ العبَّاس في وَثاقه، قال: فقاموا إلى العبَّاس فأطلقوه، فنام رسول الله - ﷺ - (٢). (٢: ٤٦٣).\n١٤٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد، قال: ناحتْ قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا، فيبلُغَ ذلك محمدًا وأصحابَه، فيشمَت بكم،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق بسند ضعيف وأخرجه الطبراني من طريق حسين بن عبد الله أيضًا فقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٩): رواه الطبراني والبزار وفي إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله.\nوثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات وقال الهيثمي في مكان آخر (٦/ ٨٨): رواه أحمد باختصار وبعضه مرسل ورجال غير المرسل ثقات.\nقلنا: وحسين هذا قال عنه ابن حبان: يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل (المجروحين ١/ ٢٤٢) وضعفه ابن معين وغير واحد والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وفي سند ابن إسحاق مبهم.","vol":"7","page":90},{"text":"ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم؛ لا يتأرَّب عليكم محمد وأصحابُه في الفداء.\nقال: وكان الأسود بن عبد المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زَمْعة بن الأسود؛ وعقيل بن الأسود، والحارث بن الأسود؛ وكان يحبّ أن يبكِيَ على بنيه؛ فبينا هو كذلك؛ إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحِلَّ النَّحبُ؟ هل بَكت قريش على قتلاها؟ لعلّي أبكي على أبي حكيمة -يعني زَمْعة- فإنَّ جَوْفي قد احترق! قال: فلما رجع إليه الغلام، قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلَّتْه. قال: فذلك حين يقول:\nأتَبْكي أنْ يَضِلَّ لها بَعِيرٌ ... ويَمْنَعُها مِن النَّوْمِ السُّهُودُ\nفلا تَبْكي على بَكْرٍ ولكنْ ... على بَدْرٍ تَقَاصرَتِ الجدُودُ\nعلى بَدْرٍ سَراةِ بَني هُصَيصٍ ... ومَخْزُومٍ ورَهْطِ أبي الوَلِيدِ\nوبَكِّي إنْ بَكَيتِ على عَقِيلٍ ... وبَكِّي حارِثًا أسَدَ الأُسُودِ\nوبَكِّيهمْ ولا تَسَمِي جَميعًا ... فما لأبي حَكِيمَةَ منْ ندِيدِ\nألا قد ساد بَعْدَهُمُ رجالٌ ... ولَوْلا يومُ بدْرٍ لَمْ يَسُودُوا\nقال: وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضُبيرة السَّهْميّ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: إن له ابنًا تاجرًا كيّسًا ذا مال؛ وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه! قال: فلمَّا قالت قريش: لا تعجلوا في فداء أسرائكم لا يتأرَّب عليكم محمد وأصحابه، قال المطّلب بن أبي وداعة -وهو الذي كان رسول الله - ﷺ - عَنَى-: صدقتم، لا تعجلوا بفداء أسرائكم.\nثم انسلَّ من الليل، فقَدِم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، ثم انطلق به، ثم بعثت قريش في فداء الأسارَى، فقدم مِكرَزُ بن حفص بن الأخيف في فداء سُهيل بن عمرو، وكان الذي أسَرَه مالك بن الدُّخْشُم، أخو بني سالم بن عوف، وكان سهيل بن عمرو أعْلَمَ من شَفَته السُّفْلَى (١). (٢: ٤٦٣/ ٤٦٤ / ٤٦٥).\n١٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق:\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه أحمد من طريق ابن إسحاق هذا (١٤/ ٩٨) الفتح الرباني وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٠٩). مرسلًا.","vol":"7","page":91},{"text":"فحدَّثني محمد بن عمرو بن عطاء بن عيّاش بن علقمة، أخو بني عامر بن لؤيّ: أنّ عمر بن الخطاب قال لرسول الله - ﷺ -: يا رسولَ الله انتزع ثنيَّتَي سُهَيل بن عمرو السّفْليَين يَدْلَعْ لسانه، فلا يقوم عليك خَطيبًا في موطن أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لا أمثِّلُ به فيمثل الله بي؛ وإن كنت نبيًّا (١). (٢: ٤٦٥).\nقال: وقد بلغني: أن رسولَ الله - ﷺ - قال لعمر في هذا الحديث: إنَّه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمّه؛ فلمّا قاولهم فيه مِكْرَز، وانتهى إلى رضاهم، قالوا: هات الذي لنا. قال: اجعلُوا رجلي مكان رجْله، وخلُّوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. قال: فخلُّوا سبيل سُهيل، وحبسوا مِكرزًا مكانَه عنْدهم (٢). (٢: ٤٦٥).\n١٤٤ - حدَّثنا ابنُ حميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل عن محمد، قال: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب -وكان لابن عُقْبة بن أبي مُعيط- أسيرًا في يدي رسول الله - ﷺ - من أسارى بدر، فقيل لأبي سفيان: أفْدِ عَمْرًا، قال: أيجمع عليّ دمي ومالي! قتلوا حَنْظلَة وأفدي عمرًا! دَعُوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينا هو كذلك محبوسٌ عند رسولِ الله - ﷺ -، خرج سعدُ بن النُّعمان بن أكّال، أخو بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني معاوية معتمرًا، ومعه مُرَيّة له؛ وكان شيخًا كبيرًا مسلمًا في غنم له بالنقيع؛ فخرج من هنالك معتمرًا؛ ولا يخشى الذي صُنع به؛ لم يظن أن يُحْبس بمكَّة؛ إنما جاء معتمرًا؛ وقد عَهِد قريشًا لا تعترض لأحد حاجًّا أو معتمرًا إلَّا بخير؛ فعدَا عليه أبو سفيان بن حرب، فحبسه بمكّة بابنه عمرو بن أبي سفيان، ثم قال أبو سفيان:\nأرَهْطَ ابْنِ أكَّالٍ أجيبُوا دُعاءَه ... تعاقدتمُ لا تُسْلِمُوا السَّيِّد الكَهْلا\nفِإنَّ بَني عَمْرٍو لئامٌ أذِلَّةٌ ... لئنْ لم يَفُكُّوا عن أسيرِهِمُ الكَبْلا (٣)\n(٢: ٤٦٦/ ٤٦٧).\n١٤٥ - قال: فمشى بنُو عمرو بن عوف إلى رسولِ الله - ﷺ -؛ فأخبروه خبره،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ذكر ابن هشام هذا الكلام عن ابن إسحاق معلقًا.\n(٣) إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام من حديث ابن إسحاق وفي سنده انقطاع (٢/ ٣٥٨).","vol":"7","page":92},{"text":"وسألوه أن يعطيَهم عمرو بن أبي سفيان فيفكُّوا شيخَهم؛ ففعل رسولُ الله - ﷺ -؛ فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلَّى سبيل سعد.\nقال: وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبد شمس ختَنُ رسول الله - ﷺ -، زوج ابنته زَينَب، وكان أبو العاص من رجال مكَّة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكان لهالة بنت خُوَيلدِ، وكانت خديجة خالته، فسألت خديجة رسولَ الله - ﷺ - أن يزوّجه؛ وكان رسولُ الله - ﷺ - لا يخالفها؛ وذلك قبل أن ينزَل عليه، فزوَّجه؛ فكانت تعدُّه بمنزلة ولدها؛ فلما أكرمَ الله ﷿ رسولَه بنُبُوّته آمنت به خديجة وبناته، فصدَّقنهُ وشهِدْنَ أن ما جاء به هو الحقُّ؛ ودِن بدينه؛ وثبتَ أبو العاص على شِرْكه.\nوكان رسولُ الله - ﷺ - قد زوَّج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رُقيَّة أو أمّ كلثوم؛ فلما بادى قريشًا بأمر الله ﷿ وباعدوه، قالوا: إنكم قد فرّغتم محمّدًا من همّه؛ فردوا عليه بناته، فاشغَلُوه بهنَّ، فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع، فقالوا له: فارقْ صاحبتَك؛ ونحن نزوّجك أيّ امرأة شئت من قريش، قال: لا ها الله إذًا؛ لا أفارق صاحبتي وما أحبّ أنّ لي بامرأتي امرأة من قريش؛ وكان رسولُ الله - ﷺ - يثنِي عليه في صهْره خيرًا فيما بلغني.\nقال: ثم مشوا إلى الفاسق ابن الفاسق، عُتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلِّق ابنةَ محمد ونحن نزوجك أيّ امرأة من قريش شئت؛ فقال: إن زوّجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتُها. فزوّجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن عدوّ الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها، وهوانًا له؛ فخلفَ عليها عثمان بن عفَّان بعده؛ وكان رسولُ الله - ﷺ - لا يُحِلَّ بمكَّة ولا يحرم مغلوبًا على أمره، وكان الإسلام قد فرّق بين زينب بنت رسول الله - ﷺ - حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع؛ إلَّا أن رسولَ الله - ﷺ - كان لا يقدر على أن يفرّق بينهما؛ فأقامت معه على إسلامها وهو على شِرْكه؛ حتى هاجر رسولُ الله - ﷺ -، فلمَّا سارت قريش إلى بدْر سار فيهم أبوالعاص بن الرّبيع؛ فأصيب في الأسارى يوم بدر، فكان بالمدينة عند رسول الله - ﷺ - (١). (٢: ٤٦٧/ ٤٦٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":93},{"text":"١٤٦ - فحدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حُدِّثت عن زينب أنَّها قالت: بينا أنا أتجهَّزُ بمكَّة للّحوق بأبي، لقيتْنِي هنْد بنت عُتْبة، فقالت: أي ابنة محمد؛ ألم يَبْلغْني أنَّك تريدين اللحوق بأبيك! قالت: فقلت: ما أردتُ ذلك، قالت: أي ابنةَ عمي، لا تفعلي؛ إن كانت لكِ حاجة بمتاع مما يرفُق بك في سفرك، أو بمال تبلُغين به إلى أبيك، فإنَّ عندي حاجَتك فلا تضطنِي (١) منّي؛ فإنَّه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال. قالت: ووالله ما أراها قالت ذلك إلَّا لتفعل. قالت: ولكني خفْتُها، فأنكرتُ أن أكون أريد ذلك، وتجهَّزْت.\nفلمّا فرغت ابنةُ رسول الله - ﷺ - من جِهازها قدّم لها حمُوها كِنَانة بن الربيع أخو زوجها بعيرًا فركبتْه، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارًا يقود بها، وهي في هوْدج لها. وتحدّث بذلك رجال قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طَوى، فكان أوّل مَنْ سبق إليها هَبَّار بن الأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العُزَّى ونافع بن عبد القيس، والفهريّ. فروّعها هبَّار بالرّمح وهي في هودجها -وكانت المرأة حاملًا؛ فيما يزعمون- فلمّا رجَعَت طرحَتْ ذات بطنها، وبرك حَمُوها، ونثر كنانته ثم قال: والله لا يدنُو مني رجُلٌ إلَّا وضعت فيه سهمًا، فتكركر النَّاس عنه، وأتاه أبو سفيان في جِلة قريش، فقال: أيّها الرجل، كفّ عنا نَبْلَك حتى نكلِّمك، فكفّ. فأقبل أبو سفيان حتَّى وقف عليه، فقال: إنَّك لم تُصِبْ، خرجتَ بالمرأة على رؤوس الرّجال علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتَنا وما دخل علينا من محمّد، فيظنّ الناس إذا خُرج بابنته علانيةً من بين أظهُرنا أن ذلك عن ذلّ أصابنا عن مصيبتنا، ونكبتنا التي كانت، وأنَّ ذلك منّا ضعفٌ ووَهَنٌ، لَعَمْرِي ما لنا حاجة في حبسها عن أبيها، وما لنا في ذلك من ثؤرة؛ ولكن أرجع المرأة، فإذا هدأ الصوت، وتحدَّث النَّاس أنا قد رددناها، فسُلَّها سرًّا فألحِقْها بأبيها. ففعل حتى إذا هدأ الصوتُ خرج بها ليلًا؛ حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحِبه، فقدِما بها على رسول الله - ﷺ -.\nقال: فأقام أبو العاص بمكَّة، وأقامت زينبُ عند رسول الله - ﷺ - بالمدينة، قد\n_________\n(١) لا تضطني: لا تستحي.","vol":"7","page":94},{"text":"فرَّق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبَيل الفتح خرج تاجرًا إلى الشام - وكان رجلًا مأمونًا بمال له، وأموال رجالٍ من قريش أبضعوها معه- فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلًا، لقِيتْه سرِيّة لرسول الله - ﷺ -، فأصابوا ما معه، وأعجزهم هربًا، فلما قدِمت السريّة بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل؛ حتى دخل على زينب بنت رسول الله - ﷺ -، فاستجار بها، فأجارته في طلب ماله، فلمَّا خرج رسول الله - ﷺ - إلى الصبْح (١). (٢: ٤٦٩/ ٤٧٠ / ٤٧١).\n١٤٧ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كما حدَّثني يزيد بن رومان فكبَّر وكبَّر الناس معه، صرخت زينب من صُفَّة النساء: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلَّم رسولُ الله - ﷺ - من الصلاة، أقبل على النَّاس، فقال: أيّها النَّاس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: أما والَّذي نفس محمد بيده! ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم؛ إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسولُ الله - ﷺ -، فدخل على ابنته، فقال: أي بنيّة أكرمي مثواه ولا يخلُصْ إليك، فإنك لا تَحِلِّين له (٢). (٢: ٤٧١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن إسحاق هذا (٣/ ١٥٥) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده منقطع (مجمع الزوائد ٩/ ٢١٦).\n(٢) إسناده ضعيف وقال الحافظ في الإصابة: وأخرج الحاكم أبو أحمد بسند صحيح عن الشعبي قال: كانت زينب بنت رسول الله - ﷺ - تحت أبي العاص بن الربيع فهاجرت وأبو العاص على دينه. فاتفق أن خرج إلى الشام في تجارة فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيأخذوا ما معه ويقتلوه فبلغ ذلك زينب فقالت: يا رسول الله أليس عقد المسلمين وعهدهم واحد؟ قال: نعم قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص .. الحديث وفي آخره فمضى حتى قدم مكة فدفع إلى كل ذي حق حقه ثم قام فقال: يا أهل مكة أوفت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم قدم المدينة مهاجرًا فدفع إليه رسول الله - ﷺ - زوجته بالنكاح الأول.\nثم قال الحافظ: هذا مع صحة سنده إلى الشعبي مرسل وهو شاذ، خالفه ما هو أثبت منه ففي المغازي لابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله - ﷺ - بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادها ففعلوا. =","vol":"7","page":95},{"text":"١٤٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر: أن رسولَ الله - ﷺ - بعث إلى السريّة الذين أصابوا مال أبي العاص، فقال لهم: إنَّ هذا الرّجل منَّا حيث قد علمتم، وقد أصَبْتم له مالًا، فإن تُحسنوا تردّوا عليه الذي له؛ فإنا نحبّ ذلك؛ وإن أبيتم فهو فَيء الله الذي أفاءه عليكم؛ فأنتم أحق به. قالوا: يا رسولَ الله، بل نردّه عليه!\nقال: فردّوا عليه ماله حتى إنَّ الرجلَ ليأتي بالحبْل، ويأتي الرجل بالشَّنَّة والإدَاوة؛ حتى إنَّ أحدهم ليأتي بالشِّظاظ؛ حتى رَدُّوا عليه ماله بأسره؛ لا يفقد منه شيئًا. ثم احتَمل إلى مكَّة، فأدّى إلى كلّ ذي مال من قريش ماله ممن كان أبْضَع معه، ثم قال: يا معشرَ قريش! هل بَقِي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرًا؛ فقد وجدناك وفيًّا كريمًا، قال: فإني أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ والله ما منعني من الإسلام عنده إلَّا تخوُّفُ أن تظنوا أنّي إنما أردت أكلَ أموالكم؛ فلما أدّاها الله إليكم، وفرغت منها؛ أسلمت. ثم خرج حتى قدِم على رسول الله - ﷺ - (١). (٢: ٤٧١/ ٤٧٢).\n١٤٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني داود بن الحُصين، عن عِكْرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: ردّ عليه رسولُ الله - ﷺ - زينب بالنِّكاح الأول، ولم يُحْدِثْ شيئًا بعد ستّ سنين (٢). (٢: ٤٧٢).\n_________\n= وساق ابن إسحاق قصة أطول من هذا وأنه شهد بدرًا مع المشركين وأسر فيمن أسر ففادته زينب فاشترط عليها رسول الله أن يرسلها إلى المدينة ففعل ذلك ثم قدم في عير لقريش فأسره المسلمون وأخذوا ما معه فأجارته زينب فرجع إلى مكة فأدى الودائع إلى أهلها ثم هاجر إلى المدينة مسلمًا فرد النبي - ﷺ - إليه ابنته.\nويمكن الجمع بين الروايتين (الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ١٢١) وقال الحافظ كذلك وأسند البيهقي بسند قوي عن عبد الله البهي عن زينب قلت للنبي - ﷺ -: إن أبا العاص إن قرب فابن عم وإن بَعُد فأبو ولد وإني قد أجرته قال: وقيل عن البهي: إن زينب قالت، وهو مرسل (الإصابة ٢/ ١٢٢). والله أعلم.\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وسند ابن إسحاق منقطع- ولقد ذكرنا ما قاله الحافظ عن هذه الرواية آنفًا. (راجع الرواية السابقة ٢/ ١٤٧) والله أعلم.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وأخرجه ابن هشام كذلك (السيرة ٢/ ٨٣) من طريق ابن =","vol":"7","page":96},{"text":"١٥٠ - حدَّثَني سلم بن جُنادة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، قال: حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لمَّا كان يوم بدْر، وجيء بالأسرى؛ قال رسولُ الله - ﷺ -: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، قومُك وأهلُك، استَبْقِهم واستَأنِهم؛ لعلّ الله أن يتوبَ عليهم. وقال عُمَر: يا رسولَ الله كذّبوك وأخرجوك، قَدِّمهم فضرِّبْ أعناقهم. وقال عبدُ الله بن رَوَاحَة: يا رسول الله، انظر وَادِيًا كثير الحطب فأدْخِلْهم فيه، ثم أضْرِمه عليهم نارًا. قال: فقال له العبّاس: قطعتْك رحمك! قال: فسكت رسولُ الله - ﷺ - فلم يُجِبهُمْ، ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله، فقال: إنَّ الله ﷿ ليلِينُ قلوبَ رجال فيه حتى تكون ألْيَنَ من اللَّبن؛ وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشَدَّ من الحجارة؛ وإنَّ مثلك يا أبا بكر مثلُ إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، ومثلك كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ثم قال رسول الله - ﷺ -: أنتم اليوم عَالةٌ فلا يفلتنّ منهم\n_________\n= إسحاق قال: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن عبد الله بن عباس قال: (ردّ عليه ... الحديث) وفي رواية داود هذا عن عكرمة كلام كما قال الحافظ: ثقة إلا في عكرمة. ورمي برأي الخوارج، في السادسة، مات سنة خمس وثلاثين (تحرير التقريب / ت ١٧٧٩).\nوالحديث رواه أبو داود في (سننه / كتاب الطلاق) والترمذي باب (ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما) وابن ماجه والدارقطني جميعهم من طريق ابن إسحاق. وقال الحافظ: وقد أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - ردَّ على أبي العاص بنته زينب بالنكاح الأول وكأنه منتزع من القصة المذكورة.\nقال الترمذي في حديث ابن عباس: ليس بإسناده بأس ولكن لا يعرف وجهه. قال: وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: وذكر هذين الحديثين، فقال: حديث ابن عباس أجود إسنادًا والعمل على حديث عمرو بن شعيب.\nوأخرج الترمذي وابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - ﷺ - ردَّ زينب على أبي العاص بمهر جديد (الإصابة ٧/ ٢٥١) والله أعلم.","vol":"7","page":97},{"text":"أحدٌ إلا بفداء أو ضرب عُنق؛ قال عبد الله بن مسعود: إلا سُهَيل بن بَيضاء؛ فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكتَ رسول الله - ﷺ -، فما رأيتُني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء منّي في ذلك اليوم؛ حتى قال رسول الله - ﷺ -: \"إلَّا سهيل بن بيضاء\" قال: فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ إلى آخر الآيات الثلاث (١). (٢: ٤٧٦/ ٤٧٧).\n١٥١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: لما نزلت -يعني هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، قال رسولُ الله - ﷺ -: لو نزل عَذَابٌ من السَّماء لم يَنْجُ منه إلَّا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبيَّ الله، كان الإثْخَانُ في القتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال (٢). (٢: ٤٧٧).\n١٥٢ - قال أبو جعفر: وكان جميعُ مَنْ شهد بدرًا من المهاجرين، ومن ضَرَب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجْرِه ثلاثةً وثمانين رجلًا في قول ابن إسحاق.\nحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عنه: وجميع من شهد من الأوْس معه ومن ضَرَب له بسهمه واحدٌ وستون رجلًا. وجميع من شهد معه من الخزرج مئة وسبعون رجلًا في قول ابن إسحاق، وجميعُ مَن استشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا، ستَّة من المهاجرين وثمانية من الأنصار (٣). (٢: ٤٧٧).\n١٥٣ - وكان المشركون - فيما زعم الواقدي - تسعمئة وخمسين مقاتلًا؛ وكانت خيلهم مئة فرس.\nورَدَّ رسولُ الله - ﷺ - يومئذ جماعة استصغرهم - فيما زعم الواقدي- فمنهم فيما زعم عبدُ الله بن عمر، ورافع بن خَدِيح، والبَرَاءُ بن عازب، وزيد بن ثابت، وأسَيد بن ظُهَير، وعُمَير بن أبي وقاص ثم أجاز عميرًا بعد أن رَدَّه فقتل يومئذ.\n_________\n(١) إسناده منقطع، فأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه عبد الله والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه (٣/ ٢٢) والترمذي في التفسير (ح ٣٠٨٤).\nووصفه الحافظ بالإرسال كما في الإصابة (٢/ ٩١) أما من المعاصرين فقد حكم العلامة شاكر على سنده بالانقطاع والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد ذكره ابن إسحاق تعليقًا.\n(٣) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وذكره ابن إسحاق تعليقًا وكذلك أخرجه ابن هشام من قول ابن عباس معلقًا والله أعلم.","vol":"7","page":98},{"text":"وكان رسولُ الله - ﷺ - قد بعث قبل أن يخرج من المدينة طَلْحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفَيل إلى طريق الشام يتحسَّسان الأخبار عن العير، ثم رجعا إلى المدينة، فَقَدِماها يوم وقْعَة بدر، فاستقبلا رسولَ الله - ﷺ - بتُرْبَان؛ وهو منحدرٌ من بدر يريد المدينة.\nقال الواقدي: كان خروج رسول الله - ﷺ - من المدينة في ثلاثمئة رجل وخمسة، وكان المهاجرون أربعةً وسبعين رجلًا، وسائرهم من الأنصار، وضرب لثمانية بأجورهم وسُهمانهم: ثلاثة من المهاجرين؛ أحدهم عثمان بن عفان كان تخلّف على ابنة رسول الله - ﷺ - حتى ماتت، وطَلْحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، كان بَعَثهما يتحسَّسان الخبر عن العير، وخمسة من الأنصار: أبو لُبابة بشير بن عبد المنذر، خلَّفه على المدينة، وعاصم بن عديّ بن العجلان؛ خلَّفه على العالية، والحارث بن حاطب؛ ردَّه من الرَّوْحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصِّمة؛ كُسِرَ بالرَّوْحاء، وهو من بني مالك بن النَّجار، وخَوَّاتُ بن جُبَير، كسر من بني عمرو بن عوف. قال: وكانت الإبل سبعين بعيرًا، والخيل فرسين: فرس للمِقْداد بن عمرو، وفرس لمَرثَد بن أبي مَرْثَد (١). (٢: ٤٧٧/ ٤٧٨).\n١٥٤ - قال أبو جعفر: وروي عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ورئيَ رسول الله - ﷺ - في أثر المشركين يوم بدر مُصْلِتًا السَّيفَ، يتلو هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٢). (٢: ٤٧٨).\nقال: وفيها غنم جَمَلَ أبي جَهْل؛ وكان مَهْرِيًّا يغزو عليه ويضرب في لِقاحه.\nقال أبو جعفر: ثم أقام رسولُ الله - ﷺ - بالمدينة، مُنْصَرَفه من بدر، وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودَها؛ على أن لا يُعِينوا عليه أحدًا؛ وأنَّه إن دَهمَه بها عَدوٌّ نصروه. فلمَّا قَتَل رسولُ الله - ﷺ - مَنْ قتل ببدر من مشركي قريش، أظهروا له\n_________\n(١) نسب الطبري هذا الكلام إلى الواقدي بلا إسناد، والواقدي متروك وإن كان بعض مما قاله (من تفاصيل) صحيحًا فقد ذكرناه في قسم الصحيح كما سبق والله أعلم.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":99},{"text":"الحسدَ والبغي، وقالوا: لم يلق محمدٌ من يُحْسنُ القتال؛ ولو لقيَنَا؛ لاقى عندنا قتالًا لا يشبهه قتال أحد؛ وأظْهَرُوا نقْضَ العهد (١). (٢: ٤٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>غزوة بني قينُقاع</span>\n١٥٥ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، قال: كان من أمر بني قينُقاع: أن رسولَ الله - ﷺ - جمعهم بسوق بني قَينُقَاع، ثم قال: يا معشر اليهود، احْذرُوا من الله ﷿ مثل ما نزل بقريش من النِّقْمة، وأسلموا؛ فإنَّكم قد عرفتم أني نبيٌّ مُرْسَلٌ تجدون ذلك في كتابكم؛ وفي عهد الله إليكم. قالوا: يا محمَّد؛ إنَّك تُرَى أنا قومك! لا يغرَّنَّك أنك لقيت قومًا لا علْم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة؛ إنا والله لئن حاربناك لتعلمَنَّ أنَّا نحن الناس (٢). (٢: ٤٧٩).\n١٥٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن بني قينُقاع كانوا أوّلَ يهود نقضوا ما بينهم وبين رسولِ الله - ﷺ -، وحاربوا فيما بين بدر وأحد.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: فحاصرَهم رسولُ الله - ﷺ - حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبيّ بن سَلُول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمَّد، أحْسنْ في مواليَّ - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه النبيّ - ﷺ - فقال: يا محمَّد، أحسنْ في مواليّ، فأعرض عنه النبيّ - ﷺ -. قال: فأدخل يده في جَيب رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: أرسلني، وغضب رسول الله - ﷺ - حتى رأوْا في وجهه ظلالًا -يعني تلوّنًا - ثم قال: ويحك أرسلني! قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى مواليّ. أربعمئة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ورواه ابن إسحاق معلقًا وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ١٢٠) والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٧٣) وأبو داود في سننه (باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة / ح ٣٠٠١) من طريق ابن إسحاق وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت مدني مجهول من السادسة تفرد عنه ابن إسحاق (تحرير التقريب ٣ / ت ٦٢٧٦).","vol":"7","page":100},{"text":"حاسر وثلاثمئة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر؛ تحصدهم في غداة واحدة! وإني والله لا آمنُ وأخشى الدوائر. فقال رسول الله - ﷺ -: هُمْ لك (١). (٢: ٤٧٩/ ٤٨٠).\n١٥٧ - فحدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر: عن محمد بن عبد الله، عن الزهريّ: أن غزوة رسولِ الله - ﷺ - بني القينُقاع كانت في شوَّال من السنة الثانية من الهجرة.\nقال الزهريّ عن عروة: نزلَ جبريلُ على رسول الله صلى الله عليهما وسلم بهذة الآية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، فلما فرغ جبريل - ﵇ - من هذه الآية، قال رسول الله - ﷺ -: إني أخاف من بني قينُقاع، قال عروة: فسار إليهم رسولُ الله - ﷺ - بهذه الآية (٢). (٢: ٤٧٩/ ٤٨٠).\n١٥٨ - قال الواقديّ: وحدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: حاصرهم رسول الله - ﷺ - خمسَ عشرةَ ليلة لا يطلُع منهم أحد. ثم نزلوا على حكْم رسول الله - ﷺ -، فكُتفوا وهو يريد قتلهم، فكلّمه فيهم عبد الله بن أبيّ.\nقال أبو جعفر: وقال محمَّد بن عمر في حديثه عن محمَّد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، فقال النبي - ﷺ -: خلُّوهم لعنهم الله ولعنه معهم! فأرسلوهم. ثم أمر بإجلائهم، وغنّمَ الله ﷿ رسوله والمسلمين ما كان لهم من مال - ولم تكن لهم أرضون؛ إنَّما كانوا صاغَةً - فأخذ رسولُ الله - ﷺ - لهم سلاحًا كثيرًا وآلة صياغتهم؛ وكان الذي وَليَ إخراجَهم من المدينة بذراريِّهم عُبادة بن الصامت، فمضى بهم حتى بلغ بهم دِباب؛ وهو يقول: الشرف الأبعد، الأقصى فالأقصى! وكان رسول الله - ﷺ - استخلف على المدينة أبا لُبابة بن عبد المنذر (٣). (٢: ٤٨٠/ ٤٨١).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد أخرجه ابن إسحاق عن عاصم منقطعًا وكذلك أخرجه ابن هشام من هذا الطريق وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٢٦٧): فكان أول مَن نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه اهـ.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٣) الواقدي متروك.","vol":"7","page":101},{"text":"قال أبو جعفر: وفيها كان أوّل خُمسٍ خَمَسَهُ رسول الله - ﷺ - في الإسلام؛ فأخذ رسول الله - ﷺ - صَفِيَّهُ والْخُمُسَ وسهمه، وفَضَّ أربعة أخماس على أصحابه، فكان أول خُمسٍ قَبَضه رسولُ الله. وكان لِوَاء رسول الله - ﷺ - يوم بني قينُقاع لواءً أبيض، مع حمزة بن عبد المطَّلب، ولم تكن يومئذ رايات. ثم انصرف رسولُ الله - ﷺ - إلى المدينة، وحضرت الأضحى؛ فذُكِر أن رسولَ الله - ﷺ - ضحَّى وأهل اليُسْر من أصحابه يوم العاشر من ذي الحجة، وخرج بالنَّاس إلى المصلَّى فصلَّى بهم، فذلك أوّلُ صلاة صلَّى رسولُ الله بالناس بالمدينة بالمصلَّى في عيد، وذبح فيه بالمصلَّى بيده شاتين وقيل: ذبح شاة (١). (٢: ٤٨١).\n١٥٩ - قال الواقديّ: حدَّثني محمد بن الفضل، من ولد رافع بن خَدِيج، عن أبي مُبشِّر، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله، يقول: لما رجعْنا من بني قينُقاع ضحَّينا في ذي الحجَّة صَبِيحة عشر، وكان أوّل أضحى رآه المسلمون، وذبحنا في بني سلِمة فَعُدَّت في بني سلَمة سبع عشرة أضحية (٢). (٢: ٤٨١/ ٤٨٢).\nقال أبو جعفر: وأمَّا ابن إسحاق فلم يُوَقِّتْ لغزوة رسول الله - ﷺ - التي غَزَاها بني قَينُقاع وقتًا، غير أنه قال: كان ذلك بين غزوة السَّويق وخروج النبيّ - ﷺ - من المدينة يريد غَزْوَ قريش؛ حتى بلغ بني سُليم وبَحْرَانَ، مَعْدِنًا بالحجاز من ناحية الفُرُع.\nوَأَمَّا بعضُهم، فإنه قال: كان بين غزوة رسول الله - ﷺ - بدرًا الأولى وغزوة بني قينُقاع ثلاث غزوات وسريَّة أسْراها. وزعم أن النبيَّ - ﷺ - إنَّما غزاهم لتسع ليال خَلَوْنَ من صَفر من سنة ثلاث من الهجرة، وأنّ رسولَ الله - ﷺ - غزا بعد ما انصرف من بدر، وكان رجوعه إلى المدينة يوم الأربعاء لثمانيَ ليالٍ بقينَ من رمضان، وأنه أقام بها بقيَّة رمضان. ثم غزا قَرْقَرة الكُدْر حين بلغه اجتماع بني سُلَيم وغطفان؛ فخرج من المدينة يوم الجمعة بعدما ارتفعت الشمس، غُرَّةَ شوَّال من السنة الثانية من الهجرة إليها (٣). (٢: ٤٨٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) الواقدي متروك.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":102},{"text":"١٦٠ - وأما ابنُ حميد، فحدَّثنا عن سلمَة، عن ابن إسحاق، أنه قال: لما قدِم رسولُ الله - ﷺ - من بدر إلى المدينة، وكان فراغه من بدر في عقب شهر رمضان -أو في شوَّال- لم يقِمْ بالمدينة إلَّا سبع ليال؛ حتى غزا بنفسه يريد بني سُليم، حتى بلغ ماء من مياههم؛ يقال له: الكُدْر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يَلْقَ كيدًا، فأقام بها بقيَّة شوّال وذا القعدة، وفدى في إقامته جلَّ الأسارى من قريش (١). (٢: ٤٨٢).\nوأما الواقديّ، فزعم: أن غزوة النبيّ - ﷺ - الكُدْر كانت في المحرّم من سنة ثلاث من الهجرة، وأنّ لواءه كان يحمله فيها عليّ بن أبي طالب؛ وأنه استخلف فيها ابنَ أمّ مكتوم المَعِيصيّ على المدينة.\nوقال بعضهم: لمّا رجع النبيّ - ﷺ - من غزوة الكُدْر إلى المدينة، وقد ساق النَّعم والرِّعاء ولم يلق كيدًا. وكان قدومه منها -فيما زعم- لعشر خلون من شوّال فبعث غالب بن عبد الله الليثي يوم الأحد لعشر ليال مضين من شوال إلى بني سليم وغطفان في سَريَّة، فقتلوا فيهم، وأخذوا النَّعم، وانصرفوا إلى المدينة بالغنيمة يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيتْ من شوّال، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، وإن رسول الله - ﷺ - أقام بالمدينة إلى ذي الحجَّة، وإنَّ رسولَ الله - ﷺ - غزا يوم الأحد لسبع ليال بقِينَ من ذي الحجَّة<span data-type=\"title\" id=toc-1044> غزوة السَّويق </span>(٢). (٢: ٤٨٢/ ٤٨٣).\n\nغزوة السَّويق\n١٦١ - قال أبو جعفر: وأما ابنُ إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لمَّا رجع رسولُ الله - ﷺ - من غزوة الكُدْر إلى المدينة، أقام بها بقيَّة شوّال من سنة اثنتين من الهجرة، وذا القعدة. ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السَّويق في ذي الحجة. قال: ووَليَ تلك الحجّة المشركون من تلك السَّنة (٣). (٢: ٤٨٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":103},{"text":"١٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رُومان ومَنْ لا أتَّهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - قال: كان أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكّة، ورجع فَلُّ قريش إلى مكَّة من بدر، نَذَر ألَّا يمسَّ رأسه ماء من جَنابة حتى يغزُوَ محمدًا. فخرج في مئتي راكب من قريش، ليُبِرّ يمينه، فسلك النَّجديَّة حتى نزل بصدور قَناة إلى جبل يقال له: تَيت، من المدينة على بريد أو نحوه. ثم خرج من اللَّيل حتى أتى بني النَّضِير تحت اللَّيل، فأتى حُييَّ بن أخْطَب، فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه، فأبى فانصرف إلى سلّام بن مِشْكم -وكان سيد النَّضِير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم- فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه، وَبَطَنَ له خبر الناس، ثم خرج في عَقِب ليلته؛ حتى جاء أصحابه، فبعث رجالًا من قُريش إلى المدينة، فأتوْا ناحية منها يقال لها: العُرَيض، فحرِّقوا في أصوار من نخل لها، ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له في حَرْث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين؛ ونَذرَ بهم الناس، فخرج رسولُ الله - ﷺ - في طلبهم، حتى بلغ قرقرة الكُدْر، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سفيان وأصحابُه، وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث؛ يتخفَّفون منه للنّجاة. فقال المسلمون حين رجع بهم رسولُ الله - ﷺ -: أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: نعم.\nوقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهَّز خارجًا من مكة إلى المدينة أبياتًا من شعر يُحَرِّض قريشًا:\nكُرُّوا على يثرَبٍ وجَمْعِهم ... فإنَّ ما جمَّعوا لكُمْ نَقَلُ\nإنْ يكُ يومُ القَليبِ كان لهمْ ... فإنَّ ما بعده لكُم دُوَلُ\nآلَيتُ لا أقْرَبُ النِّساءَ ولا ... يَمَسُّ رَأسي وجلْديَ الغُسُلُ\nحتَّى تُبيرُوا قبائلَ الأَوْس والْـ ... ـخَزْرج، إنَّ الفُؤادَ مُشْتَعلُ\nفأجابه كعب بن مالك:\nتَلْهَفُ أُمُّ المسبِّحينَ على ... جيش ابْن حرْبٍ بالْحرَّةِ الْفَشِلِ\nإذ يطْرَحُونَ الرِّجال مَنْ سَئِمِ الطَّـ ... ـير تَرقَّى لِقُنَّة الْجَبل\nجاؤوا بجمْعٍ لو قيسَ مبرَكَهُ ... ما كان إلَّا كمفْحَصِ الدُّئِل","vol":"7","page":104},{"text":"عارٍ منَ النَّصْر والثّراء ومن ... أبطَال أهل الْبَطْحاء والأسَل (١)\n(٢: ٤٨٣/ ٤٨٤ / ٤٨٥).\nوأما الواقديّ فزعم أن غزوة السَّويق كانت في ذي القَعدة من سنة اثنتين من الهجرة. وقال: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - في مئتي رجل من أصحابه من المهاجرين والأنصار. ثم ذكر من قصَّة أبي سفيان نحوًا مما ذكره ابن إسحاق غيرَ أنه قال: فمرّ -يعني أبا سفيان- بالعُرَيض، برجل معه أجير له يقال له مَعْبَد بن عمرو، فقتلهما وحَرَّق أبياتًا هناك وتبنًا، ورأى أن يمينه قد حُلَّت، وجاء الصريخ إلى النبيّ - ﷺ -، فاستنفر الناس، فخرجوا في أثره فأعجزهم. قال: وكان أبو سفيان وأصحابه يلقُون جُرُب الدقيق ويتخفَّفون، وكان ذلك عامّة زادهم؛ فلذلك سُمِّيت غزوة السَّويق.\nوقال الواقديّ: واستخلف رسول الله - ﷺ - على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (٢). (٢: ٤٨٥).\nوقيل: إن الحسن بن عليّ بن أبي طالب - ﵇ - وُلد في هذه السنة (٣). (٢: ٤٨٥).\nوقيل: إنَّ في هذه السَّنة كتب رسولُ الله - ﷺ - المَعَاقِل فكان معلَّقًا بسيفه (٤)، (٢: ٤٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>[غزوة ذي أمَر]</span>\n١٦٣ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع رسول الله - ﷺ - من غزوة السَّويق؛ أقام بالمدينة بقيَّة ذي الحجَّة والمحرّم،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا بسند مرسل، وذكره ابن سعد في الطبقات (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٠).\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":105},{"text":"أو قريبًا منه، ثم غزا نجدًا يريد غَطَفان؛ وهي غزوة ذي أمَر، فأقام بنجد صَفَرًا كلَّه أو قريبًا من ذلك. ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيدًا، فلبث بها شهر ربيع الأوَّل كلَّه إلَّا قليلًا منه.\nثم غزا يريد قريشًا وبني سُلَيم، حتى بلغ بَحْران (مَعْدِنًا بالحجاز من ناحية الفُرُع) فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيدًا (١). (٢: ٤٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>خبر كَعب بن الأشْرف</span>\n١٦٤ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة سَرَّى النبي - ﷺ - سريّة إلى كعب بن الأشرف؛ فزعم الواقديّ أن النبيّ - ﷺ - وجَّه مَنْ وجَّه إليه في شهر ربيع الأوّل من هذه السنة.\nوحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من حديث ابنِ الأشرف أنَّه لمَّا أصيب أصحاب بدر؛ وَقَدِمَ زيد بن حارثة إلى أهل السَّافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بَشِيرَين، بعثهما رسولُ الله - ﷺ - إلى مَن بالمدينة من المسلمين بفتح الله ﷿ عليه وقتْل مَنْ قُتِل من المشركين (٢). (٢: ٤٨٧).\n١٦٥ - قال: فقال رسول الله - ﷺ -: مَنْ ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب مُحيِّصَةُ بن مسعود على ابن سُنَينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله وكان حُوَيّصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسْلِمْ، وكان أسَنَّ من محيّصة- فلما قتله جعل حويّصة يضربه ويقول: أي عدوّ الله! قتلته! أما والله لرُبَّ شَحْم في بطنك من ماله! قال محيّصة: فقلت له: والله لو أمرني بقتلك مَنْ أمرني بقتله لضربت عنقك. قال: فوالله إنْ كان لأوّل إسلام حويّصة، وقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ ! قال: نعم والله، لو أمرني بقتلك لضربت عنقك. قال: والله إن دينًا بلغ بك هذا لَعَجب! فأسلم حُوَيّصة.\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق تعليقًا.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":106},{"text":"حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق. قال: حدثني هذا الحديث مولى لبني حارثة، عن ابنة محيّصة عن أبيها (١). (٢: ٤٩١).\nقال أبو جعفر: وزعم الواقديّ أنهم جاؤوا برأس ابن الأشرف إلى رسول الله - ﷺ -.\nوزعم الواقديّ أن في ربيع الأول من هذه السَّنة تزوّج عثمان بن عفان أمّ كلثوم بنت رسول الله - ﷺ -، وأدْخِلَتْ عليه في جمادى الآخرة، وأنَّ في ربيع الأول من هذه السنة غزا رسولُ الله - ﷺ - غزوة أنْمار -ويقال لها: ذو أمَر- وقد ذكرنا قول ابن إسحاق في ذلك قبل.\nقال الواقديّ: وفيها وُلدَ السائب بن يزيد ابن أخت النَّمِر (٢). (٢: ٤٩١/ ٤٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>غزوة القَرْدة</span>\n١٦٦ - قال الواقديّ: وفي جُمَادى الآخرة مِنْ هذه السنة، كانت غزوة القَرْدة وكان أميرهم - فيما ذكر - زيد بن حارثة، قال: وهي أول سريّة خرج فيها زيد بن حارثة أميرًا.\nقال أبو جعفر: وكان من أمرها ما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: سريّة زيد بن حارثة الَّتي بعثه رسولُ الله - ﷺ - فيها حين أصاب عيرَ قريش فيها أبو سفيان بن حرب على القَرْدة، ماء من مياه نجد. قال: وكان من حديثها: أن قريشًا قد كانت خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العِراق، فخرج منهم تجّار فيهم أبو سفيان بن حرْب، ومعه فضّة كثيرة؛ وهي عُظْم تجارتهم، واستأجروا رجلًا من بكر بن وائل يقال له: فُرَات بن حَيَّان، يدلُّهم على ذلك الطريق، وبعث\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وفي طريق ابن إسحاق هذا مبهم (مولى لبني حارثة) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٠٠) كذلك من هذا الطريق فالحديث ضعيف والله أعلم.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":107},{"text":"رسولُ الله - ﷺ - زيدَ بن حارثة، فلقيَهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العيرَ وما فيها، وأعجزه الرّجال، فقدم بها على رسول الله - ﷺ -.\nقال أبو جعفر: وأما الواقديّ، فزعم أنّ سبب هذه الغزوة كان: أنّ قريشًا قالت: قد عوَّر علينا محمد مَتْجَرَنَا وهو على طريقنا. وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية: إن أقمنا بمكَّة أكلْنا رؤوس أموالنا. قال أبو زَمْعة بن الأسود: فأنا أدلُّكم على رجل يسلك بكم النَّجديّة، لو سلَكها مُغمَّض العينين لاهتدى. قال صفوان: مَنْ هو؟ فحاجتنا إلى الماء قليل؛ إنَّما نحن شاتون. قال: فرات بن حيَّان؛ فدعواه فاستأجراه؛ فخرج بهم في الشتاء فسلك بهم على ذات عِرْق، ثم خرج بهم على غَمْرة، وانتهى إلى النبيّ - ﷺ - خبر العيرِ وفيها مال كثير، وآنية من فضة حملها صَفْوان بن أميَّة؛ فخرج زيد بن حارثة، فاعترضها، فظفر بالعير، وأفلت أعيانُ القوم؛ فكان الخمس عشرين ألفًا، فأخذه رسولُ الله - ﷺ -، وقسَّم الأربعة الأخماس على السريَّة، وأتِيَ بفرات بن حيَّان العِجْليّ أسيرًا، فقيل: إن أسلمت لم يقتلْك رسول الله - ﷺ -، فلمَّا دعا به رسولُ الله - ﷺ - أسلم، فأرسله (١). (٢: ٤٩٢/ ٤٩٣).\nقال أبو جعفر: وأما الواقديّ؛ فإنه زعم أن هذه السريَّة التي وجّهها رسولُ الله - ﷺ - إلى أبي رافع سلّام بن أبي الحُقيق إنَّما وجهها إليه في ذي الحجَّة من سنة أربع من الهجرة، وأنَّ الذين توجَّهوا إليه فقتلوه، كانوا أبا قتادة، وعبد الله بن عَتيك، ومسعود بن سنان، والأسود بن خُزَاعيّ وعبد الله بن أنَيس.\n١٦٧ - وأما ابنُ إسحاق، فإنَّه قصّ من قصَّة هذه السريّة ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عنه: كان سلّام بن أبي الحُقيق -وهو أبو رافع- ممَّن كان حَزَّب الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، وكانت الأوس قبل أحُد قتلت كعب بن الأشرف فِي عداوته رسولَ الله - ﷺ - وتحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسولَ الله - ﷺ - في قتل سلَّام بن أبي الحُقيق؛ وهو بخيبر، فأذن لهم (٢). (٢: ٤٩٥).\n١٦٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":108},{"text":"محمد مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهريّ، عن عبد الله بن كَعْب بن مالك، قال: كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيَّين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاوَلان مع رسولِ الله - ﷺ - تصاوُلَ الفحْلين؛ لا تصنع الأوس شيئًا فيه عن رسول الله - ﷺ - غناء إلَّا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله - ﷺ - في الإسلام؛ فلا ينتهون حتى يُوقِعوا مثلها. قال: وإذا فعلت الخزرج شيئًا، قالت الأوس مثل ذلك. فلمّا أصابت الأوْس كعبَ بن الأشرف في عداوته لرسول الله - ﷺ -، قالت الخزرج: لا يذهبون بها فضلًا علينا أبدًا. قال: فتذاكروا: مَنْ رجُلٌ لرسول الله - ﷺ - في العداوة كابن الأشرف! فذكروا ابنَ أبي الحُقيق وهو بخيبر؛ فاستأذنوا رسولَ الله - ﷺ - في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج ثم من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عَتِيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنَيس، وأبو قَتادة الحارث بن رِبعي، وخُزاعيّ بن الأسود؛ حليف لهم من أسلَم؛ فخرجوا، وأمَّر عليهم رسولُ الله - ﷺ - عبدَ الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدًا أو امرأة.\nفخرجوا حتى قدموا خيبر؛ فأتوا دار ابن أبي الحُقيق ليلًا؛ فلم يَدَعوا بيتًا في الدَّار إلَّا أغلقوه من خلفهم على أهله، وكان في عُلّيَّة له إليها عَجَلَة روميَّة، فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: مَنْ أنتم؟ فقالوا: نفرٌ من العرب نلتمس الميرَة، قالت: ذاك صاحبكم فادخلوا عليه، فلمّا دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة، وتخوّفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته، ونوّهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا؛ والله ما يدلُّنا عليه في سواد اللَّيل إلا بياضُه؛ كأنه قُبْطيَّةٌ مُلقاة. قال: ولما صاحتْ بنا امرَأته، جعل الرَّجل منَّا يرفع عليها السَّيف ثم يذكر نهيَ رسول الله - ﷺ -؛ فيكفّ يده؛ ولولا ذاك فرغنا منها بليلٍ، فلمَّا ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبدُ الله بن أنَيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قَطْنِي قَطْنِي!\nقال: ثم خرجنا، وكان عبد الله بن عتيك سيّئ البصر، فوقع من الدرجة فَوُثِئَتْ رجله وَثْئًا شديدًا واحتملناه حتى نأتي به مَنْهرًا من عيونهم، فندخل فيه. قال: وأوقدوا النِّيران، واشتدّوا في كلّ وجه يطلبوننا؛ حتى إذا يئسوا رجعوا إلى","vol":"7","page":109},{"text":"صاحبهم فاكتنفوه؛ وهو يقضي بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدوّ الله قد مات! فقال رجل منَّا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس، قال: فوجدته ورجال يهود عنده، وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه. ثم قالت تحدِّثهم وتقول: أما والله لقد عرفتُ صوتَ ابن عتيك؛ ثم أكذبت، فقلت: أنّى ابن عتيك بهذه البلاد! ثم أقبلت عليه لتنظرَ في وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود! قال: يقول صاحبُنا: فما سمعتُ من كلمة كانت ألذّ إلى نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا، فقدمنا على رسول الله - ﷺ -، وأخبرناه بقتل عدوّ الله، واختلفنا عنده في قتله؛ وكلُّنا يدّعيه، فقال رسول الله - ﷺ -: هاتوا أسيافكم، فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أُنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. فقال حسان بن ثابت؛ وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلّام بن أبي الحُقَيق:\nللهِ دَرُّ عِصابَةٍ لاقَيتَهُمْ ... يابنَ الْحُقيقِ وَأنتَ يابنَ الأشرَف\nيسْرُون بالبيض الخفاف إِليكُمُ ... مرحًا كأُسْدٍ في عرِينٍ مُغْرف\nحتى أتوكُمْ في محلِّ بِلادكُمْ ... فسقَوْكُمُ حتْفًا ببيضٍ ذُفَّف\nمُسْتَبْصرِين لنَصْر دين نبِيِّهمْ ... مُستضْعفِينَ لكلِّ أمرٍ مُجْحِف (١)\n(٢: ٤٩٥/ ٤٩٦ / ٤٩٧).\n١٦٩ - حدَّثني موسى بن عبد الرحمن المسْرُوقيّ وعبَّاس بن عبد العظيم العَنْبَريّ، قالا: حدَّثنا جعفر بن عون، قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدَّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن أباه حدَّثه عن أمِّه ابنة عبد الله بن أنَيس، أنَّها حدَّثته عن عبد الله بن أنَيس، أن الرهط الذين بعثهم رسولُ الله - ﷺ - إلى ابن أبي الحُقَيق ليقتلوه: عبد الله بن عَتِيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قَتادة، وحليف لهم، ورجل من الأنصار؛ وأنهم قَدِمُوا خَيبَر ليلًا. قال: فعَمَدْنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج، ونأخذ المفاتيح، حتى أغلقنا عليهم\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ورواه ابن إسحاق مرسلًا فعبد الله بن كعب بن مالك روايته عن الصحابة، وقال الحافظ: قيل: له رؤية (التقريب). فإن ثبت له صحبة فالخبر صحيح، وإلا فروايته ومتن هذه الرواية مخالفة لما في الصحيح من أن عبد الله بن عتيك هو الذي قتله وأجهز عليه والله أعلم.","vol":"7","page":110},{"text":"أبوابهم، ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير (١)، ثم جئنا إلى الْمَشْرَبة الَّتي فيها ابنُ أبي الحقيق، فظهرت عليها أنا وعبد الله بن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط، فاستأذن عبد الله بن عتيك؛ فقالت امرأة ابن أبي الحُقيق: إنَّ هذا لصوت عبد الله بن عَتيك. قال ابنُ أبي الحقيق: ثكلتْك أمّك! عبدُ الله بن عتيك بيثرب؛ أين هو عندك هذه الساعة! افتحي لي؛ إنَّ الكريم لا يردّ عن بابه هذه الساعة. فقامت ففتحت. فدخلتُ أنا وعبد الله على ابن أبي الحُقَيق، فقال عبد الله بن عَتِيك: دونك، قال: فشهرت عليها السيف، فأذهب لأضربها بالسيف فأذكر نَهْيَ رسولِ الله - ﷺ - عن قتل النساء والولْدان، فأكفّ عنها، فدخل عبد الله بن عتيك على ابن أبي الحُقيق. قال: فأنظر إليه في مَشْرَبة مظلمة إلى شدّة بياضه، فلمّا رآني ورأى السيف، أخذ الوسادة فاتَّقاني بها، فأذهب لأضربه فلا أستطيع، فوخزتُه بالسيف وخْزًا. ثم خرج إليّ عبد الله بن أنَيس، فقال: أقتلته؟ قال: نعم، فدخل عبد الله بن أنيس فذفّف عليه. قال: ثم خرجت إلى عبد الله بن عَتِيك؛ فانطلقنا، وصاحت المرأة: وابَيَاتاه وَابَيَاتاه! قال: فسقط عبدُ الله بن عَتِيك في الدَّرجة، فقال: وارجلاه وارجلاه! فاحتمله عبد الله بن أنَيس؛ حتى وضعه إلى الأرض. قال: قلت: انطلق، ليس برجلك بأس. قال: فانطلقنا، قال عبد الله بن أنيس: جئنا أصحابنا فانطلقنا، ثم ذكرت قوسي أني تركتها في الدّرجة؛ فرجعت إلى قوسي؛ فإذا أهلُ خَيبر يموجُ بعضهم في بعض؛ ليس لهم كلام إلَّا مَنْ قَتَل ابن أبي الحقيق؟ مَنْ قتل ابن أبي الحُقَيق؟ قال: فجعلت لا أنظر في وجه إنسان، ولا ينظر في وجهي إنسان إلَّا قلت: مَنْ قتل ابن أبي الحُقَيق؟ قال: ثم صعدت الدَّرجة؛ والناس يظهرون فيها؛ وينزلون؛ فأخذت قوسي من مكانها، ثم ذهبتُ فأدركتُ أصحابي، فكنَّا نكمنُ النهار ونسير الليل؛ فإذا كمنَّا بالنهار أقعدنا منَّا ناطورًا ينظر لنا؛ فإنْ رأى شيئًا أشار إلينا؛ فانطلقنا حتى إذا كنَّا بالبيضاء كنت -قال موسى: أنا ناطرهم، وقال عباس: كنتُ أنا ناطورهم- فأشرت إليهم فذهبوا جمْزًا وخرجت في آثارهم؛ حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم، قالوا: ما شأنك؟ هل رأيت شيئًا؟ قلت: لا، إلَّا أني قد عرفت أنْ قد بلغكم\n_________\n(١) الفقير: البئر (النهاية).","vol":"7","page":111},{"text":"الإعياء والوَصَبُ، فأحببت أن يحملكم الفَزَع (١). (٢: ٤٩٧/ ٤٩٨ / ٤٩٩).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة تزوَّج النبي - ﷺ - حَفْصَة بنت عمر في شعبان؛ وكانت قبله تحت خُنَيس بن حذافة السَّهْمي في الجاهليّة، فتوفِّيَ عنها (٢). (٢: ٤٩٩).\n١٧٠ - قال أبو جعفر: وأما السدِّيّ؛ فإنَّه قال في ذلك غير هذا القول؛ ولكنه قال: ما حدَّثني محمَّد بن الحسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّدِّي، أن رسولَ الله - ﷺ - لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحدًا، قال لأصحابه: أشيروا عليّ ما أصنع! فقالوا: يا رسولَ الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب، فقالت الأنصار: يا رسول الله، ما غلبنا عَدوٌّ لنا قط أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا! فدعا رسولُ الله - ﷺ - عبدَ الله بن أبيّ بن سَلُول -ولم يدعه قطّ قبلها- فاستشاره فقال: يا رسولَ الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلُب؛ وكان رسولُ الله يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقّة، فأتاه النّعمان بن مالك الأنصاريّ، فقال: يا رسولَ الله لا تحرمْني الجنة؛ فوالّذي بعثك بالحقّ لأدخلن الجنّة، فقال له: بمَ؟ قال: بأنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، وأنّي لا أفرُّ من الزحف. قال: صدقت، فقتل يومئذ. ثم إنَّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء، وقال ابن عدي: ومع ما فيه من ضعف يكتب حديثه استشهد به البخاري وروى له ابن ماجه وقال البخاري: كثير الوهم (تهذيب الكمال ٢/ ٤٦).\nوحديث مقتل ابن أبي الحقيق مروي من عدة طرق منها: طرق ضعيفة وأخرى صحيحة، والروايات الصحيحة وفي مقدمتها (رواية الصحيح) تؤكد أن عبد الله بن عتيك (وهو أمير المجموعة) قتل ابن أبي الحقيق وأجهز عليه.\nوكذلك تذكر رواية البيهقي في سننه (٩/ ٨٠ / ح ١٧٨٦٤) أي كما عند البخاري وقال الحافظ البيهقي: ويذكر من وجه آخر أن ذلك كان بخيبر وأن عبد الله بن أنيس هو الذي قتله، وفي حديث آخر أن عبد الله بن أنيس ضربه وابن عتيك ذفف عليه وفي الروايات كلها أن ابن عتيك سقط فوترت رجله (السنن الكبرى / ٩/ ٨١).\nقلنا: والحديث أخرجه عبد الرزاق مختصرًا من حديث ابن كعب بن مالك (٣/ ٢٥١) وذكره ابن سعد في طبقاته بالإسناد (٢/ ٩١) وقال الهيثمي بعد إخراجه لرواية عبد الله بن أنيس: رواه الطبراني وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وهو ضعيف (المجمع ٦/ ١٩٨).\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":112},{"text":"رسولَ الله - ﷺ - دعا بدرعه فلبِسها، فلمَّا رأوْه قد لبس السِّلاح ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا! نشيرُ على رسول الله والوحي يأتيه! فقاموا فاعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسولُ الله - ﷺ -: لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضَعَها حتى يقاتل. فخرج رسولُ الله - ﷺ - إلى أُحد في ألف رجل؛ وقد وعدهم الفتح إن صبروا. فلمَّا خرج رجع عبد الله بن أبيّ ابن سلول في ثلاثمئة، فتبعهم أبو جابر السُّلميّ يدعوهم، فلمَّا غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالًا؛ ولئن أطعتَنا لترجعنَّ معنا؛ قال الله ﷿: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ فهمّ بنو سَلِمة وبنو حارثة، هَمُّوا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبيّ، فعصمهم الله ﷿، وبقيَ رسول الله - ﷺ - في سبعمئة (١). (٢: ٥٠٣/ ٥٠٤).\nقال أبو جعفر: قال محمد بن عمر الواقديّ: انخزل عبد الله بن أبيّ عن رسولِ الله - ﷺ - من الشَّيخين بثلاثمئة، وبقيَ رسولُ الله - ﷺ - في سبعمئة، وكان المشركون ثلاثة آلاف، والخيل مئتي فرس، والظَّعنُ خمس عشرة امرأة (٢). (٢: ٥٠٤/ ٥٠٥).\nقال: وكان في المشرِكين سبعمئة دارع؛ كان في المسلمين مئة دارع؛ ولم يكن معهم من الخيل إلَّا فرسان: فرس لرسول الله - ﷺ -، وفرس لأبي بردة بن نيار الحارثي. فأدلج رسولُ الله - ﷺ - من الشيخين حين طلعت الحمراء -وهما أُطمان، كان يهودي ويهودية أعميان يقومان عليهما؛ فيتحدَّثان فلذلك، سُميا الشيخين؛ وهو في طرف المدينة- قال: وعرض رسولُ الله - ﷺ - المقاتلة بالشَّيخين بعد المغرب؛ فأجاز مَنْ أجاز، وردَّ مَنْ رَدّ، قال: وكان فيمن ردّ زيد بن ثابت، وابن عمر، وأسَيد بن ظُهير؛ والبَرَاء بن عازب، وعَرَابة بن أوس. قال: وهو الذي قال فيه الشَّماخ:\nرأيتُ عَرَابةَ الأوسيَّ ينْمِي ... إلى الخَيراتِ مُنْقطعَ القَرين\nإذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ ... تلقَّاها عَرَابةُ باليمِين\nقال: وردّ أبا سعيد الخُدْرِيّ، وأجاز سَمُرة بن جندَب ورافع بن خَدِيج،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف وفي إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":113},{"text":"وكان رسولُ الله - ﷺ - قد استصغر رافعًا، فقام على خُفَّين له فيهما رقاع، وتطاول على أطراف أصابعه؛ فلمَّا رآه رسول الله - ﷺ - أجازه (١). (٢: ٥٠٥).\n١٧١ - حدَّثني محمد بن الحسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: لمَّا برز رسول الله - ﷺ - إلى المشركين بأحُد أمر الرُّماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين؛ وقال [لهم]: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم [أننا] قد هزمناهم، فإنَّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم. وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير أخا خوَّات بن جبير.\nثم إنَّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام، فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنَّكم تزعمون أن الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنة؛ فهل منكم أحدٌ يعجّله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجّلني بسيفه إلى النار! فقام إليه عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: والّذي نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجّلك بسيفي إلى النار، أو تعجّلني بسيفك إلى الجنَّة، فضربه عليّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرَّحمَ يا بن عمّ فتركه، فكبَّر رسول الله - ﷺ -، وقال لعليّ: ما منعك أن تجهِزَ عليه؟ قال: إنَّ ابنَ عمِّي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييتُ منه. ثم شدّ الزبير بن العوَّام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم؛ وحَمَل النبيّ - ﷺ - وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلمَّا رأى ذلك خالد بن الوليد -وهو على خيل المشركين- حمل فرمَتْه الرماة فانقمع. فلمَّا نظر الرُّماة إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمرَ رسولِ الله - ﷺ -. وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلَّة الرُّماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة؛ وحمل على أصحاب النبيّ - ﷺ -. فلمَّا رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تنادَوْا فشدُّوا على المسلمين، فهزموهم وقتلوهم (٢). (٢: ٥٠٩/ ٥١٠).\n١٧٢ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده مرسل، وأما قوله - ﷺ -: لا تبرحوا مكانكم؛ فصحيح كما سبق.","vol":"7","page":114},{"text":"رجل من الأنصار من بني سلمة؛ قال: قال رسول الله - ﷺ - حين رأى أبا دُجَانة يتبختر: إنَّها لمشْيةٌ يبغِضها الله ﷿ إلَّا في هذا الموطن. وقد أرسل أبو سفيان رسولًا، فقال: يا معشر الأوْس والخزرج، خلُّوا بيننا وبين ابن عمّنا ننصرفْ عنكم، فإنَّه لا حاجة لنا بقتالكم، فردّوه بما يكره (١). (٢: ٥١١).\n١٧٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ أبا عامر عبد عمرو بن صيفيّ بن مالك بن النعمان بن أمة، أحد بني ضُبيعَة؛ وقد كان خرج إلى مكة مُباعدًا لرسول الله - ﷺ -، معه خمسون غلامًا من الأوس؛ منهم عثمان بن حُنَيف -وبعض النَّاس يقول: كانوا خمسة عشر- فكان يعِد قريشًا أنْ لو قد لقِيَ محمَّدًا لم يختلف عليه منهم رجلان، فلمَّا التقى الناس، كان أوّل مَنْ لقيَهم أبو عامر في الأحابيش وعُبْدَانِ أهل مكَّة، فنادى: يا معشرَ الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينًا يا فاسق - وكان أبو عامر يسمَّى في الجاهلية \"الراهب\"، فسمَّاه رسول الله - ﷺ - \"الفاسق \"- فلمَّا سمع ردَّهم عليه، قال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ. ثم قاتلهم قتالًا شديدًا، ثم راضخهم بالحجارة، وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللِّواء من بني عبد الدار يحرّضهم بذلك على القتال: يا بنِي عبد الدَّار، إنَّكم وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم؛ وإنَّما يؤتى النَّاس من قبَل راياتهم؛ إذا زالت زالوا؛ فإما أن تكفونا لواءنا؛ وإما أن تخلُّوا بيننا وبينه فسنكفيكموه. فهمُّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلِّم إليك لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك الذي أراد أبو سفيان. فلمَّا التقى الناس، ودنا بعضُهم من بعض، قامت هند بنت عُتْبة في النِّسوة اللَّواتي معها، وأخذن الدُّفوفَ يضربْن خلْف الرِّجال ويُحرِّضْنهم، فقالت هند فيما تقول:\nإِن تُقْبلوا نُعانقْ ... ونَفْرش النَّمارقْ\nأو تدْبرُوا نُفارق ... فِراقَ غيرِ وامِق\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرج الطبراني في المعجم الكبير (ح ٦٥٠٨) أن أبا دجانة يوم أحد أعلم بعصابة حمراء فنظر إليه رسول الله - ﷺ - وهو مختال في مشيته بين الصفين فقال: إنها مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه (المجمع ٦/ ١٠٩).","vol":"7","page":115},{"text":"وتقول:\nوَيهًا بني عَبد الدَّار * وَيهًا حُماةَ الأدْبار! * ضرْبًا بكلِّ بتَّارْ\nواقْتتل الناس حتى حمِيت الحرب، وقاتل أبو دُجانة حتَّى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله ﷿ نصره، وصدَقهم وعدَه، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها (١). (٢: ٥١١/ ٥١٣ / ٥١٢).\n١٧٤ - حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن اللِّواء لم يزل صريعًا حتَّى أخذتْهُ عَمْرَةُ بنت علقمة الحارثيّة، فرفعتْهُ لقريش، فلاثوا به، وكان اللِّواء مع صُؤاب، غلام لبني أبي طلحة، حبشيّ، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتى قُطِعَتْ يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعُنُقِه حتى قُتِلَ عليه؛ وهو يقول: اللَّهمّ هل أعذرت! فقال حَسَّان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر:\nفَخَرْتم باللِّواء وشرُّ فخْرٍ ... لوَاءٌ حينَ رُدَّ إلى صُؤابِ\nجَعلْتُم فخْرَكُمْ فيها لعبدٍ ... منْ ألأمِ مَنْ وَطِي عَفرَ التُّراب\nظنَنْتُمْ والسفيهُ له ظُنُونٌ ... وما إن ذاك منْ أمْر الصَّوابِ\nبأَنَّ جِلادَكم يوْمَ الْتَقينا ... بمَكَّةَ بيعُكُم حُمْرَ العِيابِ\nأقرَّ العينَ أنْ عُصِبَتْ يدَاهُ ... وما إنْ تُعصبَانِ على خضَابِ (٢)\n(٢: ٥١٣/ ٥١٤).\n١٧٥ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا عثمان بن سعيد، قال: حدَّثنا حِبَّان بن عليّ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما قَتَل عليّ بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسولُ الله - ﷺ - جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم، فحمل عليهم؛ ففرَّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ. قال: ثم أبصر رسول الله - ﷺ - جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمِل عليهم، فحمل عليهم ففرَّق جماعتهم؛ وقتل شيبة بن مالك أحَد بني\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٤٠) بلا إسناد والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن بعض أهل العلم.","vol":"7","page":116},{"text":"عامر بن لُؤيّ، فقال جبريل: يا رسولَ الله، إنَّ هذه لَلْمواساة، فقال رسولُ الله - ﷺ -: إنه منِّي وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوْتًا:\nلا سيفَ إلَّا ذو الفَقَا ... ر ولا فتىً إلَّا علي (١)\nقال أبو جعفر: وقال رسول الله - ﷺ - حين غشيه القوم: مَنْ رجلٌ يشرِي لنا نفسه!\n١٧٦ - فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السَّكَن، قال: فقام زياد بن السَّكَن في نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقول: إنَّما هو عمارة بن زياد بن السَّكن، فقاتلوا دون رسول الله - ﷺ - رجلًا، ثم رجلًا، يقتلون دونه؛ حتَّى كان آخرهم زيادٌ -أو عمارة بن زياد بن السَّكن- فقاتل حتى أثبتَتْه الجراحة، ثم فاءَت من المسلمين فِئَةٌ حَتَّى أجهَضوهم عنه، فقال رسول الله - ﷺ -: أدنوهُ مني، فأدنوْه منه، فَوَسَّدَه قدمه؛ فمات وخَدُّه على قَدَمِ رسول الله - ﷺ -، وتَرَّس دون رسول الله - ﷺ - أبو دُجانة بنفسه يَقَعُ النَّبل في ظهره وهو مُنْحَنٍ عليه؛ حتى كثُرت فيهِ النَّبل، ورَمى سعد بن أبي وقاص دونَ رسولِ الله - ﷺ -، فقال سَعْدٌ: فلقد رأيتُه يناولني ويقول: ارْمِ فِداك أبي وأمِّي! حتى إنَّه ليُناولُني السَّهم ما فيه نَصْلٌ، فيقول: ارْمِ به! (٢) (٢: ٥١٥/ ٥١٦).\n١٧٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسولَ الله - ﷺ - رَمَى عن قوسه حتى اندقَّتْ سِيَتُهَا، فأخذها قتادة بن النعمان؛ فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عينُ قَتادة بن النعمان؛ حتى وقعت على وجْنَتِه (٣). (٢: ٥١٦).\n_________\n(١) في إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، ضعفه الجمهور.\n(٢) إسناده ضعيف ولم نجد ما يؤيده من رواية أخرى سوى قوله - ﷺ - لسعد: ارم فداك أبي وأمي فصحيح كما عند البخاري (ح ٢٩٠٥، ح ٤٠٥٥، ٤٠٥٨، ٤٠٥٩) ومسلم (ح ٢٤١١) وغيرهما والله أعلم.\n(٣) هذان خبران بإسناد واحد وهو إسناد ضعيف كما سبق.\nوقد أخرج الطبراني في الكبير عن قتادة بن النعمان ﵁ حديثًا وفيه: فكان آخرها =","vol":"7","page":117},{"text":"١٧٧ / أ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمرو بن قتادة، أن رسولَ الله - ﷺ - ردَّها بيده؛ فكانت أحسن عينيه وأحَدَّهما (١). (٢: ٥١٦).\n١٧٨ - فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع؛ أخو بني عديّ بن النَّجار، قال: انتهى أنس بن النضر؛ عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلْحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوْا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتِل محمد رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا [كرامًا] على ما مات عليه رسول الله - ﷺ -. ثم استقبل القوم؛ فقاتل حتى قتِل؛ وبه سمّي أنس بن مالك (٢). (٢: ٥١٧).\n١٧٩ - وكان أبيّ بن خلف -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف- يلْقَى\n_________\n= سهمًا بدرت منها حدقتي بكفي، فسعيت بها في كفي إلى رسول الله - ﷺ - فلما رآها رسول الله - ﷺ - في كفي دمعت عيناه فقال: اللهم إن قتادة قد أوجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدَّهما نظرًا فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما نظرًا.\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه (المجمع ٦/ ١١٣) والحديث رواه الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق (٣/ ٢٩٥) وسكت عنه الذهبي وقال الحافظ ابن كثير: قال ابن إسحاق: وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته فردها رسول الله - ﷺ - فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما.\nوفي الحديث عن جابر بن عبد الله أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده فردها رسول الله - ﷺ - مكانها فكانت أحسن عينيه وأحدّهما وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى.\nوروى الدارقطني بإسناد غريب عن مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول الله - ﷺ - فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان. والمشهور الأول أنه أصيبت عينه الواحدة (البداية والنهاية ٤/ ٣٥).\nوقال العمري: ولم تثبت من طريق صحيحة (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٨٨).\n(١) انظر الحاشية السابقة.\n(٢) إسناده ضعيف وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥١٧) من طريق ابن إسحاق هذا.","vol":"7","page":118},{"text":"رسولَ الله - ﷺ - بمكّة، فيقول: يا محمَّد إن عندي العَوْد، أعلفه كلَّ يوم فَرْقًا من ذُرة أقتلك عليه! فيقول رسول الله - ﷺ -: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خَدْشًا غير كبير؛ فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد. قالوا: ذهب والله فؤادك؛ والله إنْ بك بأس. قال: إنه قد كان بمكَّة قال لي: أنا أقتلك؛ فوالله لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكَّة (١). (٢: ٥١٧/ ٥١٨).\n١٨٠ - قال: فلمَّا انتهى رسولُ الله - ﷺ - إلى فم الشِّعب، خرج عليّ بن أبي طالب حتى ملأ دَرَقَتَه من المِهْرَاس. ثم جاء به إلى رسول الله - ﷺ - ليشرب منه؛ فوجد له ريحًا فعافه؛ ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدّم؛ وصُبَّ على رأسه؛ وهو يقول: اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وَجْهَ نَبيَّه (٢). (٢: ٥١٨).\n١٨١ - قال أبو جعفر: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله - ﷺ -، حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص، وفرّ عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان (رجلان من الأنصار)؛ حتى بلغوا الجَلْعَبَ (جبلًا بناحية المدينة مما يلي الأعوص)، فأقاموا به ثلاثًا ثم رجعوا إلى رسول الله - ﷺ -؛ فزعموا أن رسول الله - ﷺ -، قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة (٣). (٢: ٥٢٢).\nفقال شدّاد بن الأسود في قتله حنظلة:\nلأَحْمِيَنَّ صاحبي ونفْسي ... بطَعْنةٍ مثل شُعاع الشَّمْسِ\nوقال أبو سفيان بن حرب؛ وهو يذكر صبره ذلك اليوم، ومعاونة ابن شَعوب شدّاد بن الأسود إيَّاه على حنظلة:\nولو شئْتُ نجَّتْني كُمَيتٌ طِمرَّةٌ ... ولم أحْمل النَعْماءَ لابن شَعُوب\nفما زال مُهْري مَزْجَر الكلْبِ مِنْهُمُ ... لَدَى غُدْوَةٍ حتى دَنتْ لِغُروب\nأقاتلُهم وأدَّعِي يا لغالبٍ ... وأدْفعُهُم عَنِّي برُكْن صَليب\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن سعد في طبقاته من مراسيل سعيد بن المسيب (٢/ ٤٦) والبيهقي في الدلائل من مرسل عروة (٣/ ٢٥٨).\n(٢) ذكره الطبري من كلام ابن إسحاق معلقًا، وأما قوله - ﵁ -: \"اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه\" فصحيح كما سيأتي.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":119},{"text":"فبَكِّي ولا ترْعَي مقالة عاذلٍ ... ولا تسْأمي من عَبْرَةٍ ونَحيبِ\nأباكِ وإخوانًا له قد تتابعوا ... وحُقَّ لهم من عَبْرَةٍ بنصِيب\nوسَلَّى الذي قد كان في النَّفْس أنّني ... قَتلت من النَّجار كُلَّ نجيب\nومن هاشمٍ قرْمًا نجيبًا ومُصْعبًا ... وكان لدَى الهْيجاء غير هَيُوب\nوَلو أنّني لم أشْف منهم قَرُونتي ... لكانت شجىً في القلب ذات نُدُوب\nفآبُوا وَقد أودَى الحلائِبُ منْهُمُ ... لهم خَدَبٌ من مُغْبطٍ وكئيب\nأصابَهُم من لم يكن لِدِمَائهم ... كَفيًّا ولا في خُطَّةٍ بضرِيب\nفأجابه حسان بن ثابت فقال:\nذكرْتَ القُرُومَ الصِّيدَ من آل هاشمٍ ... ولسْتَ لزُورٍ قُلْتَهُ بمُصيب\nأتعجَبُ أنْ أقْصَدْتَ حَمْزَةَ منْهُمُ ... نجيبًا وقدْ سَمَّيتَهُ بنَجيب\nأَلمْ يَقْتُلُوا عَمْرًا وعُتْبَةَ وابْنَهُ ... وشَيبَةَ وَالحَجَّاجَ وابْنَ حَبيبِ!\nغَدَاة دعَا العاصي عَليًا فراعَهُ ... بِضَرْبةِ عَضْبٍ بلّه بخَضيب\nوقال شدّاد بن الأسود، يذكر يده عند أبي سفيان بن حرب فيما دفع عنه:\nوَلوْلا دِفَاعِي يا بنَ حَرْبٍ ومَشْهَدِي ... لألْفِيتَ يَوْمَ النَّعْفِ غيرَ مجِيبِ\nولَوْلا مَكرّي المُهْرَ بالنَّعْفِ قَرْقَرَتْ ... ضِبَاعٌ عَلَيهِ أو ضِرَاءُ كَلِيبِ\nوقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان في قوله:\nوما زال مُهْرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهمُ\nوظنَّ أنه يعرّض به إذ فرّ يوم بدر:\nوإنَّك لوْ عَاينْتَ ما كان منْهُمُ ... لأُبْتَ بقَلْبٍ مَا بقيتَ نَخِيبِ\nلَدَى صَحْنِ بدْرٍ أَو لقامَتْ نَوائِحٌ ... عليك، ولم تَحفِلْ مُصَابَ حَبِيب\nجَزَيتهمُ يَومًا ببَدْر كمثْلِهِ ... على سابِحٍ ذي مَيعَةٍ وَشَبِيب (١)\n(٢: ٥٢٢/ ٥٢٣ / ٥٢٣).\nقال أبو جعفر: وقد وقفت هند بنت عتبة - فيما حدثنا ابن حميد؛ قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني صالح بن كيسان - والنسوة اللَّاتي معها يمثلنَ بالقتْلَى من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يَجْدَعْنَ الآذان\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":120},{"text":"والأنوف؛ حتى اتّخذَتْ هند من آذان الرجال وآنُفِهم خَدَمًا وقلائد، وأعطت خَدَمها وقلائدها وَقِرَطَتها وَحْشيًا، غلام جُبير بن مُطْعِم، وبقرتْ عن كبد حمزة فلاكتْها فلم تستطع أن تُسِيغها فَلفظَتها. ثم عَلتْ على صخرة مشرِفة، فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفرُوا بما أصابوا من أصحاب رسولِ الله - ﷺ - (١). (٢: ٥٢٤/ ٥٢٥).\n١٨٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، أنَّه حدَّث أن عمر بن الخطاب قال لحسان: يا بن الفُرَيعَة لو سمعت ما تقول هند ورأيتَ أشرَها قائمة على صخرة ترتجز بنا، وتذكر ما صنعت بحمزة! فقال له حسَّان: والله إنَي لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع -يعني: أطُمَه- فقلت: والله إنَّ هذه لسلاحٌ ما هي بسلاح العرب؛ وكأنَّها إنَّما تهوي إلى حمزة؛ ولا أدري. أسمعني بعض قولها أكفيكموها؛ قال: فأنشده عُمَرُ بعض ما قالت، فقال حسَّان يهجو هندًا:\nأشِرَتْ لَكَاعِ وكان عَادَتُها ... لؤْمًا إذا أشِرَتْ مَعِ الْكُفْرِ\nلَعَنَ الإلهُ وزوْجَها مَعَهَا ... هنْدَ الهُنُود عَظيمَة البَظْرِ\nأَخْرَجْتِ مُرْقِصَةً إلى أُحُدٍ ... في القَوْم مُقْتِبَةً عَلى بَكْرِ\nبَكْرٍ ثَفَالٍ لا حَرَاكَ بِهِ ... لا عَنْ مُعَاتَبَةٍ ولا زَجْرِ\nوعصَاك اسْتُكِ تَتَّقِينَ بها ... دُقِّي العُجَايَةَ هنْدُ بالفِهْرِ\nقَرِحَتْ عَجِيزتُهَا وَمَشْرَجُهَا ... من دَأْبِها نَصًّا على القُتْرِ\nظَلَّتْ تُدَاويها زَمِيلَتُها ... بالماء تَنْضَحُهُ وبِالسِّدْرِ\nأَخْرَجْتِ ثائِرَةً مبَادِرَةً ... بأَبيكِ وابْنِكِ يومَ ذىٍ بدْرِ\nوبعَمِّكِ المَسْتُوهِ في رَدَعٍ ... وأخيكِ منعَفرَينِ في الجَفْرِ\nونسِيتِ فاحشةً أتَيتِ بها ... يا هِنْدُ، وَيحَكِ سُبَّةَ الدَّهْرِ!\nفرَجَعْتِ صاغِرَةً بلا ترَةٍ ... منَّا ظَفِرْتِ بها ولا نَصْرِ\nزَعَمَ الوَلائِدُ أنَّها وَلَدَتْ ... ولَدًا صَغِيرًا كان من عُهْرِ (٢)\n(٢: ٥٢٥/ ٥٢٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن صالح بن كيسان منقطعًا.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد رواه ابن إسحاق منقطعًا.","vol":"7","page":121},{"text":"١٨٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في حديثه: لمَّا أجاب عمرُ أبا سفيان قال له أبو سفيان: هلمَّ يا عمر، فقال له رسولُ الله - ﷺ -: ايتِهِ فانظُرْ ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدُك اللهَ يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللهمّ لا؛ وإنه ليسمع كلامَك الآن، فقال: أنت أصْدَق عندي من ابن قَميئَة وأبرّ؛ لقول ابن قميئة لهم: إنّي قتلت محمدًا. ثمّ نادى أبو سفيان، فقال: إنَّه قد كان في قتلاكم مُثَلٌ والله ما رضيت ولا سخِطت، ولا نهيت ولا أمرْت.\nوقد كان الحُلَيس بن زَبَّان أخو بني الحارث بن عبد مَناة - وهو يومئذ سيّد الأحابيش - قد مرّ بأبي سفيان بن حرب، وهو يضرب في شِدْق حمزة بزُجّ الرّمح؛ وهو يقول: ذُقْ عَقَقُ! فقال الحُلَيس: يا بني كنانة، هذا سيّد قريش يصنع بابن عمِّه كما ترون لحمًا! فقال: اكتمها، فإنَّها كانت زَلَّة؛ فلمَّا انصرف أبو سفيان ومَنْ معه نادى: إنَّ موعدَكم بدر للعام المقبل، فقال رسول - ﷺ - لرجل من أصحابه: قل نعمْ هي بيننا وبينك موعد.\nثم بعث رسولُ الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب - ﵇ -، فقال: اُخرُجْ في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون! فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل، وامتطوا الإبل؛ فإنَّهم يريدون مكَّة؛ وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل؛ فهم يريدون المدينة؛ فوالَّذي نفسي بيده؛ لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأناجزَنَّهم. قال عليّ: فخرجت في آثارهم انظر ماذا يصنعون؛ فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجَّهوا إلى مكَّة؛ وقد كان رسولُ الله - ﷺ - قال: أيّ ذلك كان فأخْفِه حتى تأتيَني. قال عليٌّ - ﵇ -: فلما رأيتُهم قد توجَّهوا إلي مكَّة أقبلت أصيح؛ ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به رسولُ الله - ﷺ - لما بي من الفرَح؛ إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكَّة عن المدينة (١). (٢: ٥٢٧/ ٥٢٨).\n١٨٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: فحدَّثني محمَّد بن إسحاق، قال: فزعم بعض آل عبد الله بن جحش -وكان لأمَيمَة بنت\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ورواه ابن إسحاق معلقًا وأخرج البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٨٢) قصة إرساله - ﷺ - لعلي في آثار القوم من مراسيل عروة والله أعلم.","vol":"7","page":122},{"text":"عبد المطَّلب، خالة حمزة؛ وكان قد مُثِّل به كما مُثِّل بحمزة، إلَّا أنه لم يُبْقَرْ عن كبده- أن رسولَ الله - ﷺ - دَفَنه مع حمزة في قبره؛ ولم أسمع ذلك إلَّا عن أهله (١). (٥٢٩: ٢/ ٥٣٠).\n١٨٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رجلًا منهم كان يُدْعى حاطب بن أميَّة بن رافع، وكان له ابن يقال له: يزيد بن حاطب، أصابته جِراحة يوم أحُد، فأتِيَ به إلى دار قومه وهو يموت؛ فاجتمع إليه أهلُ الدّار؛ فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء: أبْشِرْ يا بنَ حاطب بالجنَّة، قال: وكان حاطب شيخًا قد عسا في الجاهليّة، فَنَجَم يومئذ نفاقه، فقال: بأيّ شيء تبشِّرونه، أبجنَّة من حرمل! غررتُم والله هذا الغلام من نفسه، وفجعتموني به! (٢) (٢: ٥٣٠/ ٥٣١).\nوكان ممَّن قُتِل يوم أحُد مُخيريق اليهوديُّ وكان أحدَ بني ثعلبة بن الفِطْيَون، لمَّا كان ذلك اليوم قال: يا معشَر يهود؛ والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لَحَقٌ. قالوا: إنَّ اليوم يوم السَّبت، فقال: لاسبْتَ، فأخذ سيفه وعدّته، وقال: إن أصِبْتُ فمالي لمحمَّد يصنع فيه ما شاء. ثم غدَا إلى رسولِ الله - ﷺ - فقاتل معه حتى قُتِل؛ فقال رسول الله - ﷺ - فيما بلغني: مُخْيرِيق خيرُ يهود (٣). (٢: ٥٣١).\n١٨٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: وقد احتمل ناسٌ من المسلمين قَتْلاهم إلى المدينة. فدفنوهم بها، ثم نهَى رسول الله - ﷺ - عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صُرِعُوا (٤). (٢: ٥٣٢).\n١٨٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني أبي إسحاق بن يَسار، عن أشياخ من بني سلمة، أن رسولَ الله - ﷺ - قال يومئذ حين أمَر بدفن القتْلى: انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) لم يذكر الطبري إسناد هذا الخبر ولعله من كلام ابن إسحاق كما عند ابن هشام، والخبر أخرجه ابن سعد في طبقاته (١/ ٥٠١) وفيه الواقدي وهو متروك.\n(٤) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل من قول ابن إسحاق معلقًا (٣/ ٢٩٠).","vol":"7","page":123},{"text":"حرام، فإنهما كانا متصافيَينِ في الدنيا، فاجعلوهما في قبر واحد. قال: فلمَّا احتفر معاوية القناة أُخْرِجا وهما ينثنيان كأنما دفنا بالأمس (١). (٢: ٥٣٢).\n١٨٩ - قال: ثم انصرف رسولُ الله - ﷺ - جعًا إلى المدينة، فلقيتْه حَمْنَةُ بنت جحش -كما ذكر لي- فنُعيَ لها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجَعَتْ واستغفرتْ له، ثم نعِيَ لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجَعت واستغفرت له، ثم نُعِي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسولُ الله - ﷺ -: إنَّ زَوْج المرأة منها لبمكان. لما رأى من تثبُّتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها (٢). (٥٣٢: ٢).\n١٩٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عبد الواحد بن أبي عَوْن، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص؛ قال: مرّ رسول الله - ﷺ - بامرأة من بني دينار؛ وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله - ﷺ - بأحُد؛ فلما نعُوا لها قالت: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: خيرًا يا أمّ فلان؛ هو بحمد الله كما تحبِّين؛ قالت: أرنيه حتى أنظرَ إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كلُّ مصيبة بعدك جَلَلٌ (٣)! (٢: ٥٣٢/ ٥٣٣).\nوزعموا أن عليّ بن أبي طالب حين أعطى فاطمة ﵉ سيفه قال:\nأفاطِمَ هَاكِ السَّيفَ غَيرَ ذَمِيم ... فلَسْتُ برِعْدِيدٍ ولا بمُلِيمِ\nلَعَمْرِي لقد قاتَلْتُ في حُبِّ أَحْمَدٍ ... وطاعةِ ربِّ بالعبِادِ رحيمِ\nوسَيفي بكَفِّي كالشِّهابِ أَهُزُّهُ ... أجُذُّ به من عاتِقٍ وصَمِيمِ\nفما زِلْتُ حتى فَضَّ رَبِّي جُمُوعَهمْ ... وحتى شَفَينَا نَفْسَ كلِّ حليمِ\nوقال أبو دُجانة حين أخذ السيف من يد رسول الله - ﷺ - فقاتل به قتالًا شديدًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه البيهقي (الدلائل ٣/ ٢٩١) من طريق ابن إسحاق.\n(٢) ذكر الطبري هذا الخبر من كلام ابن إسحاق بلا إسناد والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الجنائز باب ما جاء في البكاء على الميت وإسناده ضعيف.\n(٣) إسناده مرسل ضعيف وأخرجه ابن هشام ولكن باختلاف في السند إذ قال: إسماعيل بن محمد عن سعد بن أبي وقاص ولم تذكر كتب علم الرجال سماعًا لإسماعيل بن محمد بن سعد عن جده سعد بن أبي وقاص وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٠٢) بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق.","vol":"7","page":124},{"text":"-وكان يقول: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا فصَمْدت له، فلما حملتُ عليه بالسيف وَلْوَلَتْ؛ فإذا امرأة؛ فأكرمت سيف رسول الله - ﷺ - أن أضرب به امرأة- وقال أبو دُجَانة:\nأنا الَّذي عاهَدَني خَليلِي ... ونحْنُ بالسَّفْح لَدَي النَّخِيلِ\nألَّا أقُومَ الدَّهْرَ في الكَيُّول ... أضرِب بِسَيفِ الله والرَّسول (١)\n(٢: ٥٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>[غزوة حمراء الأسد]</span>\n١٩١ - وكان رجوع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة يوم السبت؛ وذلك يوم الوقعة بأحُد؛ فحدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، قال: كان يوم أحُد يومَ السَّبت؛ للنّصف من شوال؛ فلمَّا كان الغدُ من يوم أحُد -وذلك يوم الأحد لستّ عشرة ليلة خلْت من شوّال- أذَّنَ مُؤذِّنُ رسول الله - ﷺ - في الناس بطلب العدوّ؛ وأذَّن مؤذنه: ألَّا يخرجنَّ معنا أحد إلَّا مَنْ حضر يومنا بالأمس. فكلَّمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي كان خلَّفني على أخواتٍ لي سبعٍ، وقال لي: يا بُنيّ؛ إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النِّسوة لا رُجلَ فيهنَّ، ولستَ بالذي أُوثرك بالجهاد مع رسول الله - ﷺ - على نفسي؛ فتخلَّف على أخَواتك. فتخلَّفت عليهنّ. فأذن له رسول الله - ﷺ -، فخرج معه؛ وإنَّما خِرج رسول الله - ﷺ - مُرْهِبًا للعدوّ؛ وليبلّغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنُّوا به قوّة، وأن الذي أصابهم لم يوهِنهم عن عدوّهم (٢). (٢: ٥٣٤).\n١٩٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أنّ رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - من بني عبد الأشهل كان شهد أحدًا، قال: شهدتُ مع رسولِ الله - ﷺ - أنا وأخ لي، فرجعنا جَرِيحَينِ؛ فلمَّا أذَّن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف والحديث رواه البيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق هذا. (٣/ ٣١٥).","vol":"7","page":125},{"text":"مؤذِّنُ رسولِ الله - ﷺ - بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي وقال لي: أتفُوتنا غزوة مع رسولِ الله - ﷺ - والله ما لنا من دابَّة نركبها، وما منّا إلا جريح ثقيل؛ فخرجنا مع رسول الله - ﷺ - وكنت أيسر جُرحًا منه -فكنت إذا غُلِبَ حملتُه عُقْبة ومشى عُقْبة؛ حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسولُ الله - ﷺ -، حتى انتهى إلى حَمْراء الأسد؛ وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا: الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة (١). (٢: ٥٣٤/ ٥٣٥).\n١٩٣ - وقد مرّ به -فيما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم- معبَدٌ الخُزاعيّ، وكانت خُزاعة مسلمهم ومشركهم عَيبَة رسول الله - ﷺ - بتهامة، صفْقتُهم معه، لا يخفون عليه شيئًا كان بها -ومعبد يومئذ مشرك- فقال: يا محمَّد؛ أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك؛ ولوَدِدْنا أن الله كان أعفاك فيهم! ثم خرج من عند رسول الله - ﷺ - بحمراء الأسد؛ حتى لقيَ أبا سفيان بن حَرْب ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم؛ ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم؛ لَنكرَّن على بقيَّتهم؛ فلنَفْرُغَنَّ منهم. فلمّا رأى أبو سفيان مَعْبَدًا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمّد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ؛ يتحرّقون عليكم تحرّقًا؛ قد اجتمع معه مَنْ كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنق عليكم شيء لم أر مثلَه قطّ. قال: ويلك ما تقول! قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصيَ الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل بقيَّتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتًا من شعر، قال: وماذا قلت؟ . قال: قلت:\nكَادَت تُهَدُّ مِنَ الأصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إذ سالتِ الأرْضُ بالجُرْدِ الأبابِيلِ\nتَردِي بأسْدٍ كِرَام لا تَنَابِلَةٍ ... عند اللِّقاء ولاخُرْقٍ مَعَازِيلِ\nفظَلتُ عَدْوًا أظنُّ الأرْضَ مَائلةً ... لمَّا سَمَوْا برَئيسٍ غيرِ مخذولِ\nفقلتُ وَيلَ ابْنِ حَرْبٍ من لِقائِكُمُ ... إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحَاء بالجِيل\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف.","vol":"7","page":126},{"text":"إنِّي نَذيرٌ لأهل البَسْلِ ضاحيةً ... لكلِّ ذي إرْبَةٍ منهم وَمَعْقُولِ\nمن جَيشِ أَحْمَدَ لا وَخْشٍ قَنَابِلُه ... وليسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بالقِيلِ\nقال: فثنى ذلك أبا سفيان ومَنْ معه. ومرَّ به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرَة، قال: فهل أنتم مبلِّغون عني محمَّدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعُكَاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم؛ قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسيرَ إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيَّتهم. فمرَّ الركبُ برسول الله - ﷺ - وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسولُ الله - ﷺ - وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل! (١) (٢: ٥٣٦/ ٥٣٧).\n١٩٤ - قال أبو جعفر: ثم انصرف رسول الله - ﷺ - إلى المدينة بعد الثالثة؛ فزعم بعضُ أهل الأخبار أن رسول الله - ﷺ - ظفر في وجهه إلى حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبي عَزّة الجُمَحِيّ؛ وكان رسول الله - ﷺ - خلَّف على المدينة حين خرج إلى حمراء الأسد ابنَ أمّ مكتوم (٢). (٢: ٥٣٧).\nوفي هذه السنة -أعني سنة ثلاث من الهجرة- وُلِدَ الحَسَنُ بن عليّ بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان.\nوفيها عَلِقَتْ فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما. وقيل: لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلَّا خمسون ليلة.\nوفيها حملت - فيما قيل- جَميلة بنت عبد الله بن أبيّ بعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر في شوّال (٣). (٢: ٥٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>ذكر الأحداث التي كانت في سنة أَربع من الهجرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>[غزوة الرَّجيع]</span>\n١٩٥ - ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة، فكان فيها غزوة الرّجيع في صفر.\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٣/ ٦١).\n(٢) ذكر الطبري هذا بدون إسناد وكذلك أخرج ابن هشام في السيرة قال: حدثنا أبو عبيدة وفيه: أنه - ﷺ - أخذ معاوية بن المغيرة في طريقه إلى حمراء الأسد. وإسناده منقطع والله أعلم.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":127},{"text":"وكان من أمرها ما حدَّثني به بن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ قال: قدِم على رسولِ الله - ﷺ - بعد أحُد رهْط من عَضَل والقارة فقالوا له: يا رسول الله! إن فينا إسلامًا وخيرًا؛ فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقِّهوننا في الدين، ويُقْرِئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث رسولُ الله - ﷺ - معهم نفرًا ستَّة من أصحابه: مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَويّ حليف حمزة بن عْبد المطَّلب، وخالد بن البُكَير حليف بني عديّ بن كعب، وعاصِم بن ثابت بن أبِي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخُبَيبَ بن عديّ أخا بني جَحْجَبى بن كُلْفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدَّثِنة أخا بني بياضة بن عامر، وعبدَ الله بن طارق حليفًا لبني ظَفَر من بَلِيّ.\nوأمَّر رسولُ الله - ﷺ - على القوم مرثَد بن أبي مرثَد، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرّجيع (ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدْأة) غدرُوا بهم، فاستصرخوا عليهم هُذَيلًا، فلم يُرَع القومُ وهم في رحالهم إلَّا بالرجال في أيديهم السيوف، قد غَشُوهم. فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنَّا والله ما نريد قتلَكم؛ ولكنَّا نريد أن نصيب بِكم شيئًا من أهل مكَّة، ولكم عهد الله وميثاقه ألَّا نقتلَكم. فأمَّا مرثَد وخالد بن البُكَير وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقْدًا أبدًا؛ فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعًا.\nوأمَّا زيد بن الدَّثنة وخُبَيب بن عَدِيّ وعبد الله بن طارق فلانُوا ورقُّوا ورغِبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثمّ خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظَّهران، انتزع عبدُ الله بن طارق يدَه من القِران، ثمّ أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرمُوه بالحجارة حتى قتلوه، فقَبرُه بالظَّهران.\nوأما خُبَيبُ بن عديّ وزيد بن الدَّثنة، فقَدِموا بهما مكّة، فباعوهما فابتاع خبيبًا حُجَيرُ بن أبي إهاب التميميّ حليف بني نوفل لعُقْبَة بن الحارث بن عامر بن نوفل -وكان حُجير أخا الحارث بن عامر لأمّه- ليقتله بأبيه، وأمَّا زيد بن الدَّثِنَة، فابتاعه صَفْوان بن أميّة ليقتله بأبيه أميَّة بن خلف، وقد كانت هُذيل حين قُتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن شُهَيد، وكانت قد نذرتْ حين أصاب ابنها يوم أحُد: لئن قدرَتْ على رأس عاصم لتشرَبنَّ في قِحْفه","vol":"7","page":128},{"text":"الخمر، فمنعته الدَّبْر. فلما حالت بينهم وبينه، قالوا: دعوه حتى يُمْسِي فتذهب عنه، فنأخذه، فبعث الله الوادي، فاحتمل عاصمًا فذهب به، وكان عاصم قد أعطَى الله عهدًا أَلَّا يمسه مشركٌ أبدًا ولا يمسَّ مشركًا أبدًا، تنجُّسًا منه. فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدُّبْرَ منعته: عجبًا، لحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر ألَّا يمسَّه مشرك، ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته (١). (٢: ٥٣٨/ ٥٣٩).\n١٩٦ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل، قال: وأخبرَني جعفر بن عمرو بن أميّة، عن أبيه، عن جدّه: أن رسولَ الله - ﷺ - بعثه وحدَه عَينًا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة حبَيبٍ وأنا أتخوَّف العيون، فرَقِيتُ فيها، فَحللْت خُبَيبًا، فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفتُّ فلم أر لخُبيب رِمَّة؛ فكأنما الأرض ابتلعته؛ فلم تذكر لخبيب رِمَّة حتى الساعة (٢) (٢: ٥٤١/ ٥٤٢)\nقال أبو جعفر: وأما زيد بن الدَّثِنَّة؛ فإنَّ صفوان بن أميّة بعث به -فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق- مع مولى له يقال له: نِسْطاس إلى التَّنْعيم، وأخرجه من الحرم ليقتُلَه، واجتمع إليه رَهْطٌ من قريش؛ فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدّم ليُقتل: أنشدُك الله يا زيد، أتحبّ أنّ محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنَّك في أهلك! قال: والله ما أحبّ أنّ محمّدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تُؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيتُ في النَّاس أحدًا يحبّ أحدًا كحبّ أصحاب محمَّد محمَّدًا. ثم قتله نِسطاس (٣).\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، وغزوة الرجيع (ذكرها الطبري برواية صحيحة كما سيأتي بعد قليل) وهذه الرواية تخالف الصحيح فهي تذكر أنهم كانوا نفرًا ستة أميرهم أبو مرثد بينما تذكر الرواية الصحيحة أنهم كانوا عشرة وأميرهم عاصم بن ثابت.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) هذا إسناد ضعيف ولقد أخرجه ابن هشام في السيرة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر وهو إسناد مرسل (سيرة ابن هشام ٣/ ١٦٠).","vol":"7","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>ذكر الخبر عن عمرو بن أميَّة الضَّمريّ إذ وجهه رسول الله - ﷺ - لقتل أبي سفيان بن حرب</span>\n١٩٨ - ولمَّا قُتِل من وجَّهَه النبيّ - ﷺ - إلى عَضَل والقارَة من أهل الرَّجيع، وبلغ خبرُهم رسولَ الله - ﷺ - بعث عمرو بن أميّة الضَّمْريّ إلى مكَّة مع رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب؛ فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أميّة الضَّمْريّ، عن أبيه، عن جدِّه -يعني: عمرو بن أميّة- قال: قال عمرو بن أميَّة: بعثني رسولُ الله - ﷺ - بعد قتل خُبيب وأصحابه، وبعث معي رجلًا من الأنصار، فقال: ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه، قال: فخرجتُ أنا وصاحبي ومعي بعير لي، وليس مع صاحبي بعير، وبرجله علَّة. فكنت أحمله على بعيري؛ حتى جئنا بطن يأجَج؛ فعقلْنا بعيرنا في فناء شِعْب، فأسندنا فيها، فقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى دار أبي سفيان؛ فإني محاول قتلَه. فانظر؛ فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئًا فالحقْ ببعيرك فاركبه، والحقْ بالمدينة فائْتِ رسولَ الله - ﷺ - فأخبره الخبر، وخلّ عنِّي؛ فإني رجل عالم بالبلد، جريء عليه، نجيب الساق. فلمَّا دخلنا مكَّة ومعي مثل خافية النَّسر -يعني: خنجره- قد أعددته؛ إن عانقني إنسان قتلته به، فقال لي صاحبي: هل لك أن نبدَأ فنطوفَ بالبيت أسبوعًا، ونصلّي ركعتين؟ فقلت: أنا أعلم بأهلِ مكَّة منك؛ إنهم إذا أظلموا رشُّوا أفنيتَهم، ثم جلسوا بها، وأنا أعرَف بها من الفرَس الأبلق.\nقال: فلم يزلْ بي حتَّى أتينا البيت، فطفنا به أسبوعًا، وصلَّينا ركعتين، ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم، فعرفني رجل منهم، فصرخ بأعلَى صوته: هذا عمرو بن أميَّة! قال: فتبادرتْنَا أهلُ مكَّة، وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خير! والَّذي يُحلَف به ما جاءها قطّ إلَّا لشرٍّ -وكان عمرو رجلًا فاتكًا متشيطنًا في الجاهلية- قال: فقاموا في طلبي وطلب صاحبي، فقلت له: النَّجاء! هذا والله الَّذي كنت أحذر؛ أمَّا الرجل فليس إليه سبيل، فانجُ بنفسك، فخرجنا نشتدّ حتى أصعدنا في الجبل، فدخلنا في غار، فبتْنا فيه ليلَتنا، وأعجزناهم، فرجعوا وقد","vol":"7","page":130},{"text":"استترتُ دونهم بأحجار حين دخلت الغار، وقلت لصاحبي: أمهِلْني حتى يسْكُن الطلب عنَّا؛ فإنهم والله ليطلبُنَّا ليلتهم هذه ويومهم هذا حتى يمسُوا. قال: فوالله إني لفيه إذْ أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التيميّ، يتخيَّلُ بفرس له، فلم يزل يدنُو ويتخيّلُ بفرسه حتى قام علينا بباب الغار. قال: فقلت لصاحبي: هذا والله ابنُ مالك؛ والله لئن رآنا ليُعلمَنَّ بنا أهل مكَّة. قال: فخرجت إليه فوجأته بالخِنْجر تحت الثَّدي، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه، ورجعت إلى مكاني، فدخلت فيه، وقلت لصاحبي: مكانك! قال: واتَّبع أهلُ مكة الصوتَ يشتدّون، فوجدوه وبه رَمق، فقالوا: ويلكَ مَنْ ضربك! قال: عمرو بن أميَّة. ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا، فقالوا: والله لقد علمنا أنَّه لم يأت لخير، وشغلهم صاحبهم عن طلبنا، فاحتملوه؛ ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنَّا الطلب. ثم خرجنا إلى التَّنعيم؛ فإذا خشبةُ خُبيب، فقال لي صاحبي: هل لك في خُبَيب تُنزله عن خشبته؟ فقلت: أين هو؟ قال: هو ذاك حيث ترى. فقلت: نعم، فأمهلْني وتنحّ عنِّي. قال: وحوله حرس يحرُسونه. قال عمرو بن أميَّة: فقلت للأنصاريّ: إن خشيت شيئًا فخذ الطريق إلى جَمَلك فاركبْه والحقْ برسول الله - ﷺ -، فأخبره الخبر، فاشتددت إلى خشبته فاحتللتُه واحتملتُه على ظهري؛ فوالله ما مشيتُ إلَّا نحو أربعين ذراعًا حتى نذروا بي، فطرحته؛ فما أنسى وجبتَه حين سقط؛ فاشتدُّوا في أثرِي، فأخذت طريق الصفراء فأعْيَوْا، فرجعوا، وانطلق صاحبي إلى بعيره فركبه؛ ثم أتَى النبيّ - ﷺ - فأخبره أمرَنا، وأقبلت أمشي، حتى إذا أشرفْتُ على الغليل، غليل ضَجْنان، دخلت غارًا فيه، ومعي قوسي وأسهمي، فبينا أنا فيه إذْ دخل عليَّ رجل من بني الدِّيل بن بكر، أعورُ طويل يسوق غنمًا له، فقال: مَن الرجل؟ فقلت: رجل من بني بكر، قال: وأنا من بني بكر، ثم أحد بني الدّيل. ثم اضطجع معي فيه، فرفع عقيرته يتغنّى ويقول:\nولسْتُ بمسْلِمٍ ما دمتُ حَيًّا ... ولستُ أَدِينُ دِينَ الْمُسْلِمينَا\nفقلت: سوف تعلم! فلم يلبث الأعرابيّ أن نام وغطّ، فقمت إليه فقتلته أسوأ قِتْلة قَتَلها أحدٌ أحدًا؛ قمت إليه فجعلت سِيَةَ قوسي في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه.","vol":"7","page":131},{"text":"قال: ثم أخرُج مثل السَّبُع؛ وأخذت المحجَّهَ كأني نسر، وكان النَّجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه، ثم على رَكوبة، ثم على النَّقيع؛ فإذا رجلان من أهل مكة بعثَتْهما قريش يتحسَّسان من أمرِ رسول الله - ﷺ -، فعرفتهما فقلت: استأسِرا، فقالا: أنحن نستأسر لك! فأرمي أحَدهما بسهم فأقتله، ثم قلت للآخر: استأسِر، فاستأسَرَ، فأوثقته، فقدمتُ به على رسول الله - ﷺ - (١). (٢: ٥٤٢/ ٥٤٣ / ٥٤٤/ ٥٤٥).\n١٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن سليمان بن وردان، عن أبيه، عن عمرو بن أميَّة، قال: لما قدمتُ المدينة، مررتُ بمشيَخةٍ من الأنصار، فقالوا: هذا والله عمرو بن أميَّة، فسمع الصبيان قولهم، فاشتدُّوا إلى رسول الله - ﷺ - يخبرونه، وقد شددت إبهام أسيري بوَتر قوسِي، فنظر النبيّ - ﷺ - إليه فضحك حتى بدَت نواجذه، ثم سألني فأخبرته الخبر، فقال لي خيرًا ودعا لي بخير (٢). (٢: ٥٤٥).\nوفي هذه السنة تزوَّج رسولُ الله - ﷺ - زينب بنت خزيمة أمّ المساكين من بني هلال في شهر رمضان، ودخل بها فيه، وكان أصدَقها اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا؛ وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث، فطلقها (٣). (٢: ٥٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>ذكر خبر بئر معونة</span>\n٢٠٠ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - المنذرَ بن عمرو في سبعين راكبًا، فساروا حتى نزلوا بئر معونة -وهي أرض بين أرض بني عامر وَحرَّة بني سُليم، كِلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرّة بني سليم أقرب- فلمَّا نزلوها بعثوا حرام بن مِلْحَان بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى عامر بن الطُّفَيل، فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه، حتى عدَا على الرَّجل فقتله، ثم استصرخ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وذكره ابن سعد في الطبقات مختصرًا وبلا إسناد (٢/ ٢٩٦) طبعة دار الإحياء.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":132},{"text":"عليهم بني عامر، فأبوْا أن يجيبوه إلى مما دعاهم إليه، وقالوا: لن نُخْفِرَ أبا براء؛ قد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم: عُصَيَّة، ورِعْلًا، وذَكْوان؛ فأجابوه إلى ذلك، فخوجوا حتى غَشُوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمَّا رأوْهم أخذوا السيوف، ثم قاتلوهم حتى قُتلوا عن آخرهم، إلَّا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النَّجار، فإنهم تركوه وبه رمقٌ، فارتُثَّ من بين القتلى، فعاش حتى قُتِل يوم الخندق.\nوكان في سَرْح القوم عمرو بن أمية الضمريّ، ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف، فلم يُنْبِئهما بمُصاب أصحابهما إلا الطَّير تحوم على العسكر، فقالا. والله إن لهذه الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا إليه، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاريّ لعمرو بن أميّة: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله - ﷺ - فنخبره الخبر، فقال الأنصاريّ: لكنِّي ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قُتِل فيه المنذر بن عمرو، وما كنتُ لتخبرني عنه الرجال. ثمّ قاتل القوم حتى قُتِل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنَّه من مُضَر، أطلقه عامر بن الطُّفيل، وجَزَّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنَّها كانت على أمّه. فخرج عمرو بن أميَّة حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظلّ هو فيه؛ وكان مع العامريَّين عقدٌ من رسول الله - ﷺ - وجوارٌ لم يعلم به عمرو بن أميّة، وقد سألهما حين نزلا: ممَّن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما حتَّى إذا ناما عَدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنَّه قد أصاب بهما ثؤرَة من بني عامر، بما أصابوا من أصحاب رسولِ الله - ﷺ -. فلمَّا قدم عمرو بن أميَّة على رسولِ الله - ﷺ - أخبره الخبر، فقال رسولُ الله - ﷺ -: لقد قتلتَ قتيلين لأدِينَّهما. ثم قال رسول الله - ﷺ -: هذا عمل أبي بَراء؛ قد كنت لهذا كارهًا متخوّفًا. فبلغ ذلك أبا براء فشقَّ عليه إخْفَارُ عامر إيَّاه، وما أصاب رسولَ الله - ﷺ - بسببه وجواره، وكان فيمنْ أصيب عامر بن فُهَيرة (١). (٢: ٥٤٦/ ٥٤٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وإن كان أصل القصة ثابتًا في الصحيح إلَّا أنا لم نجد الرواية بهذا السياق إلا هنا.\nوكذلك أخرجه الطبراني مطولًا عن محمد بن إسحاق بلاغًا، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلى ابن إسحاق (المجمع ٦/ ١٣٠).","vol":"7","page":133},{"text":"٢٠١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عن محمَّد بن إسحاق، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه: أن عامرَ بن الطُّفَيل، كان يقول: إنَّ الرجل منهم لما قتل رأيته رُفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماءَ من دونه. قالوا: هو عامر بن فهيرة (١). (٢: ٥٤٨).\n٢٠٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن أحد بني جعفر، رجل من بني جبَّار بن سُلْمَى بن مالك بن جعفر، قال: كان جبَّار فيمن حَضَرها يومئذ مع عامر، ثم أسلم بعد ذلك. قال: فكان يقول: ممَّا دعاني إلى الإسلام أنّي طعنت رجلًا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سِنان الرّمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول حين طعنته: فُزْتُ والله! قال: فقلت في نفسي: ما فاز! أليس قد قتلتُ الرجل! حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: الشهادة، قال: فقلت: فاز لعَمْرُ الله! فقال حسَّان بن ثابت يُحَرّضُ بني أبي البَراءِ على عامر بن الطُّفَيل:\nبَنِي أمّ البَنِينَ أَلَمْ يَرُعكُمْ ... وأنْتُمْ من ذَوَائِبِ أَهْلِ نجْدِ\nتَهَكُّمُ عامِرٍ بأبي بَرَاء ... ليُخْفِرَهُ، وما خَطَأٌ كَعَمْدِ\nألا أبْلغْ رَبيعَةَ ذا المَسَاعِي ... فما أحْدَثْتَ في الحدَثانِ بَعْدِي\n_________\n(١) إسناده ضعيف، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه مرسلًا (كتاب المغازي / ح ٤٠٩٣) من طريق عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة قال: لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطقيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع. فأتى النبي - ﷺ - خبرهم فنعاهم فقال: إن أصحابكم قد أصيبوا ... الحديث.\nوالحديث أخرجه البيهقي في الدلائل موصولًا (٣/ ٣٥٣) وقال الحافظ في الفتح: وقد وقع عند الإسماعيلي والبيهقي في الدلائل سياق هذه القصة في حديث الهجرة موصولًا به مدرجًا والصواب ما وقع في الصحيح (فتح الباري ٧/ ٤٥١).\nقلنا: والحديث الذي عند البخاري (ح ٤٠٩٣) من جزأين. الأول: موصول من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وفي آخره: فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة.\nثم يذكر البخاري الجزء الثاني من الحديث (أي: المرسل) بقوله: وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة: فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة ... الحديث. كما ذكرنا آنفًا والله أعلم.","vol":"7","page":134},{"text":"أبوك أَبو الْحُرُوبِ أبو بَرَاءٍ ... وخالُك ماجِدٌ حَكَمُ بن سَعْدِ\nوقال كعب بن مالك في ذلك أيضًا:\nلقد طارَتْ شَعَاعًا كلَّ وَجْهٍ ... خفَارَةُ ما أجارَ أَبُو بَرَاءِ\nفمثْلُ مُسَهَّبٍ وبني أَبِيه ... بجَنْبِ الرَّدْهِ مِنْ كَنَفي سَوَاءِ\nبَنِي أُمَّ البَنِين أَمَا سَمِعْتُمْ ... دعاءَ الْمُسْتَغِيثِ مَعَ المَسَاءِ!\nوتَنْويهَ الصَّرِيخِ بَلَى ولكِنْ ... عرَفْتم أنَّه صَدْقُ اللِّقَاء\nفما صَفِرَتْ عِيَابُ بَنِي كِلابٍ ... ولا القُرَطاءِ من ذَمِّ الوَفَاءِ\nأعامِرَ عَامِرَ السَّوْءاتِ قِدْمًا ... فلا بالعَقْلِ فُزْت ولا السَّناء\nأَأَخفَرْتَ النَّبيَّ وكُنْتَ قِدْمًا ... إلى السَّوْءات تَجْري بالعَرَاءِ!\nفلَسْتَ كجارِ جَار أبي دوادٍ ... لا الأسَدِيّ جارِ أَبِي العَلاءِ\nولكنْ عارُكمْ داءٌ قديمٌ ... وداءُ الغَدْرِ فاعْلَمْ شَرُّ داءِ\nفلمَّا بلغ ربيعةَ بن عامر أبي البَراء قولُ حسَّان وقولُ كعب، حملَ على عامر بن الطُّفيل فطعنه، فشطب الرُّمْحُ عن مقتله، فخرّ عن فرسه. فقال: هذا عمل أبي بَراء! إنْ متّ فدمي لعَمِّي ولا يُتْبَعَنَّ به؛ وإن أعش فسأرَى رأيي فيما أتِيَ إلي (١). (٢: ٥٤٨/ ٥٤٩).\n* * *\nوفي هذه السنة -أعني السنة الرابعة من الهجرة- أجلَى النبي - ﷺ - بني النَّضير من ديارهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>ذكر خبر جلاء بني النضير</span>\n٢٠٣ - قال أبو جعفر: وكان سبب ذلك ما قد ذكرنا قبل من قَتْل عمْرو بن أميَّة الضَّمْريِّ الرّجُلين الذين قَتَلَهما في منصَرفه من الوجه الذي كان رسولُ الله - ﷺ -\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق هذا وفيهم مبهم (بعض بني جبار بن سلمى) إلَّا أن قول الصحابي الجليل عن استشهاده (فزت ورب الكعبة) فصحيح (راجع قسم الصحيح (٢/ ٥٤٨ / ١٤٢).","vol":"7","page":135},{"text":"وجّهه إليه مع أصحابِ بئر معونة، وكان لهما من رسول الله - ﷺ - جورٌ وعهدٌ. وقيل: إنَّ عامرَ بن الطُّفَيل كتب إلى رسول الله - ﷺ -: إنك قتلت رجلين لهما منك جوارٌ وعهدٌ؛ فابعث بِديَتِهما. فانطلق رسول الله - ﷺ - إلى قُباء، ثم مال إلى بني النَّضير مستعينًا بهم في دِيَّتِهما، ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ وأسيد بن حُضَير (١). (٢: ٥٥٠/ ٥٥١).\n٢٠٤ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: خرجَ رسول الله - ﷺ - إلى بني النَّضير، يستعينهم في ديةِ ذَينِكَ القتيلين من بني عامر اللَّذَين قتل عمرو بن أمية الضَّمْريّ، للجوار الذي كان رسول الله - ﷺ - عقده لهما؛ -كما حدثني يزيد بن رُومان- وكان بين بني النَّضِير وبين بني عامر حِلْف وعقد؛ فلمَّا أتاهم رسولُ الله - ﷺ - يستعينهم في دِيَة ذينك القتيلين؛ قالوا: نعم يا أبا القاسم! نعينُك على ما أحببت ممِّا استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضُهم ببعض، فقالوا: إنَّكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول الله - ﷺ - إلى جَنْب جدار من بيوتهم، قاعد- فقالوا: مَن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جِحاش بن كعب أحدهم؛ فقال: أنا لذلك، فصعِد ليلقي عليه الصخرة -كما قال- ورسولُ الله - ﷺ - في نفر من أصحابه؛ فيهم أبو بكر وعمر وعليّ؛ فأتى رسول الله - ﷺ - الخبَرُ من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيَكم، وخرج راجعًا إلى المدينة، فلمَّا استلْبث رسولَ الله - ﷺ - أصحابُه، قاموا في طلبه، فلقُوا رجلًا مقبلًا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيتُه داخلًا المدينة، فأقبل أصحابُ رسول الله - ﷺ - حتى انتهوْا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يَهُود قد أرادت من الغدْر به، وأمر رسول الله - ﷺ - بالتهيُّؤ لحربهم، والسير إليهم.\nثم سار بالنَّاس إليهم؛ حتى نزل بهم، فتحصَّنوا منه في الحصون، فأمر رسولُ الله - ﷺ - بقطع النخل والتَّحريق فيها، فنادوْه: يا محمَّد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على مَنْ صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها!\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":136},{"text":"رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وقد كان رهطٌ من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أبي ابن سَلُول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النَّضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا؛ فإنَّا لن نسلِمكم؛ وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرِجْتم خرجنا معكم، فتربَّصوا فلم يفعلوا؛ وقذف الله في قلوبهم الرُّعْبَ، فسألوا رسولَ الله - ﷺ - أن يُجليَهم، ويكفّ عن دمائهم؛ على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم؛ إلَّا الحلْقة. ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلَّت به الإبل، فكان الرّجل منهم يهدِم بيتَه عن نِجاف بابه؛ فيضعه على ظهر بعيره؛ فينطلق به. فخرجوا إلى خَيبر، ومنهم مَنْ سار إلى الشأم؛ فكان أشرافهم ممن سار منهم إلى خيبر سلَّام بن أبي الحُقَيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وحُيَيّ بن أخطب، فلما نزلوها دانَ لهم أهلها (١). (٢: ٤٥١ / وتكملته ٤٥٤).\n٢٠٥ - قال أبو جعفر: وأما الواقديّ، فإنه ذكر: أن بني النَّضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصَّخْرة على رسول الله - ﷺ -، نهاهم عن ذلك سَلَّام بن مِشْكَم وخوّفهم الحرب وقال: هو يعلم ما تريدون، فعصوْه، فصعِد عمرو بن جِحاش لِيُدَحْرِجَ الصخرة، وجاء النبيّ - ﷺ - الخبر من السماء، فقام كأنَّه يريد حاجة، وانتظره أصحابه، فأبطأ عليهم، وجعلت يهود تقول: ما حبس أبا القاسم؟ ! وانصرف أصحابه، فقال كنانة بن صُوريا: جاءه الخبر بما هممتم به، قال: ولما رجع أصحابُ رسول الله - ﷺ - انتهوا إليه وهو جالس في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، انتظرناك ومضيت، فقال: همَّت يهود بقتلِي، وأخبرَنيه الله ﷿، ادعُوا لِي محمد بن مسلمة، قال: فأتى محمد بن مسلمة، فقال: اذهب إلى يهود فقل لهم: إخرجوا من بلادي فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به من الغدر.\nقال: فجاءهم محمد بن مسلمة، فقال لهم: إنَّ رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تظعنوا من بلاده، فقالوا: يا محمَّد، ما كنا نظنُّ أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس! فقال محمد: تغيَّرت القلوب، ومحا الإسلام العهود؛ فقالوا: نتحمَّل، قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه ابن سعد في طبقاته بلا إسناد (٢/ ٥٧).","vol":"7","page":137},{"text":"فأرسل إليهم عبدُ الله بن أبيّ يقول: لا تخرجوا، فإنَّ معي من العرب وممَّن انضوى إليّ من قومي ألفين، فأقيموا فهم يدخلون معكم، وقُريظة تدخل معكم. فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بني قُرَيظة فقال: لا ينقض العهدَ رجل من بني قُرَيظة وأنا حَيٌّ، فقال سَلَّام بن مِشْكم لحُيَيّ بن أخطب: يا حُييّ اقبل هذا الذي قال محمَّد؛ فإنَّما شرُفْنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شَرٌّ منه. قال: وما هو شرٌّ منه؟ قال: أخذ الأموال وسبي الذريَّة وقتل المقاتلة. فأبى حُيَيّ، فأرسل جُدَيّ بن أخطب إلى رسول الله - ﷺ -: إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك! قال: فكبَّر رسول الله - ﷺ -، وكبَّر المسلمون معه، وقال: حاربت يهود، وانطلق جُدَيّ إلى ابن أبيّ يستمدّه. قال: فوجدْتُه جالسًا في نفر من أصحابه، ومنادي النبيّ - ﷺ - ينادي بالسلاح، فدخل ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، وأنا عنده، فأخذ السِّلاح، ثم خرج يعدُو، قال: فأيست من معونته. قال: فأخبرت بذلك كله حُيَتًّا، فقال: هذه مكيدة من محمَّد، فزحف إليهم رسولُ الله - ﷺ -، فحاصرهم رسولُ الله - ﷺ - خمسة عشر يومًا؛ حتى صالحوه على أن يحقِنَ لهم دماءهم، وله الأموالُ والحلْقة (١). (٢: ٥٥٢/ ٥٥٣).\n٢٠٦ - فحدَّثني محمد بن سعد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمّي، قال: حدَّثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قال: حاصرهم رسولُ الله - ﷺ - يعني بني: النَّضير -خمسة عشر يومًا حتَّى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوْه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقِن لهم دماءهم، وأن يُخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيّرهم إلى أذرِعات الشأم، وجعل لكلّ ثلاثة منهم بعيرًا وسِقَاءً (٢). (٥٥٣: ٢).\n٢٠٧ - حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا محمد بن ثور عن معمَر، عن\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع وقد ذكره الواقدي بلا سند وهو متروك، وأخرج البيهقي من طرق يعقوب بن محمد الزهري عن إبراهيم بن جعفر عن محمود بن مسلمة عن أبيه عن جده عن محمد بن مسلمة أن رسول الله - ﷺ - بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام (تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣٣٣) وقال العلامة الألباني: ورجاله ثقات غير محمود بن مسلمة، ترجمة ابن أبي حاتم (٤/ ٢٩٠١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فهو في عداد المجهولين (فقه السيرة للغزالي / ٣٠٢).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":138},{"text":"الزَّهريّ، قال: قاتلهم النبيّ - ﷺ - حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشأم، على أن لهم ما أقلَّت الإبلُ من شيء إلا الحلْقة- والحلْقة: السِّلاح (١) (٢: ٥٥٤).\n٢٠٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أنَّه حدَّث أنَّهم استقلوا بالنِّساء والأبناء والأموال، معهم الدُّفوف والمزامير والقيان يعزِفْن خلفهم، وإنّ فيهم يومئذ لأمّ عمرو، صاحبة عُروة بن الورد العبسيّ؛ التي ابتاعوا منه، وكانت إحدى نساء بني غِفار بزهاء وفخْر، ما رُئيَ مثله من حيّ من الناس في زمانهم؛ وخلَّوا الأموال لرسول الله - ﷺ -، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله - ﷺ - على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلَّا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سِمَاك بن خَرَشَةَ، ذكرا فقرًا فأعطاهما رسولُ الله - ﷺ -. ولم يسلم من بني النَّضير إلَّا رجلان: يامين بن عمير بن كعب ابن عمّ عمرو بن جِحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها (٢). (٢: ٥٥٤/ ٥٥٥).\nقال أبو جعفر: واستخلف رسولُ الله - ﷺ - إذ خرج لحرب بني النّضير - فيما قيل - ابنَ أمّ مكتوم، وكانت رايتُه يومئذ مع عليّ بن أبي طالب - ﵇ -.\nوفي هذه السنة ماتَ عبد الله بن عثْمان بن عفَّان، في جمادَى الأولى منها، وهو ابن ست سنين، وصلَّى عليه رسول الله - ﷺ -، ونزل في حفرته عثمان بن عفان.\nوفيها ولِد الحسين بن عليّ - ﵇ -، لليالٍ خلوْن من شعبان (٣). (٢: ٥٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>[غزوة ذَات الرقاع]</span>\nواختلف في التي كانت بعد غزوة النبيّ - ﷺ - بني النَّضير من غزواته، فقال\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر منقطعًا (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ١٧٨).\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":139},{"text":"ابن إسحاق في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدَّثنا سَلَمَة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم أقام رسولُ الله - ﷺ - بالمدينة بعد غزوة بني النَّضير شهْري ربيع، وبعض شهر جُمادى. ثمَّ غزا نجدًا -يريد بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان- حتى نزل نخْلًا، وهي غزوةُ ذات الرّقاع؛ فلقيَ بها جمعًا من غَطَفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهُمْ حرب؛ وقد خاف النَّاس بعضُهم بعضًا، حتى صلَّى رسولُ الله - ﷺ - بالمسلمين صلاةَ الخوف، ثم انصرف بالمسلمين (١). (٢: ٥٥٥/ ٥٥٦).\nوأما الواقديّ؛ فإنه زَعَم: أن غزوة رسولِ الله - ﷺ - ذات الرّقاع، كانت في المحرّم سنة خمس من الهجرة. قال: وإنما سُمِّيت ذاتَ الرّقاع؛ لأن الجبل الذي سُميت به ذات الرّقاع جبل به سواد وبياض وحمرة؛ فسمّيت الغزوة بذلك الجبل. قال: واستخلف رسول الله - ﷺ - في هذه الغَزْوة على المدينة عثمان بن عفان (٢). (٢: ٥٥٦).\n٢٠٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني صدقة بن يَسار عن عَقِيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: خرجنا مع رسولِ الله - ﷺ - في غزوة ذات الرِّقاع من نخْل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين، فلمَّا انصرفَ رسولُ الله - ﷺ - قافلًا أتى زوجُها وكان غائبًا، فلمَّا أخبر الخبر، حلَف ألَّا ينتهيَ حتى يُهريق في أصحاب محمَّد دمًا، فخرج يتبع أثر رسولِ الله - ﷺ -، فنزل رسولُ الله - ﷺ - منزلًا، فقال: مَنْ رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجُلٌ من الأنصار، فقالا: نحنُ يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشِّعب -وكان رسولُ الله - ﷺ - وأصحابُه قد نزلوا الشِّعب، من بطْن الوادي- فلمَّا خرج الرجلان إلى فم الشِّعب، قال الأنصاريّ للمهاجريّ؛ أي الليل تحبّ أن أكفيكه؟ أوّله أو آخره؟ قال: بل اكفني أوّله؛ فاضطجع المهاجريّ فنام، وقام الأنصاريّ يصلِّي، وأتى زوج المرأة، فلمَّا رأى شخص الرجل عرف أنه رَبِيئَة القوم، فرمى بسهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وذكره ابن إسحاق تعليقًا، وكذلك أخرجه البيهقي معلقًا (الدلائل ٣/ ٣٧٠).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":140},{"text":"فوضعه فيه فنزعه، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّي. ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّي، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه، فقال: اجلس، فقد أتِيت.\nقال: فوثب المهاجريّ، فلمَّا رآهما الرجل، عرف أنهم قد نَذِرُوا به؛ ولمَّا رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء، قال: سبحان الله! أفلا أهبَبْتني أوّل ما رَمَاك! قال: كنتُ في سورة أقرؤها فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها؛ فلمَّا تتابع عليّ الرميّ ركِعتُ فآذنْتُك، وايم الله لولا أن أضيِّع ثغرًا أمرني رسول الله - ﷺ - بحفظِه لقَطَع نَفسِي قبل أن أقطعها أو أنفِدَها (١). (٢: ٥٥٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>ذكر الخبر عن غزوة السويق</span>\n٢١٠ - وهي غزوة النبيّ - ﷺ - بَدْرًا الثانية لميعاد أبي سفيان.\nحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قَدِمَ رسولُ الله - ﷺ - المدينة من غزوَة ذات الرّقاع، أقام بها بقيَّة جمادى الأولى وجمادَى الآخرة ورجبَ، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله، فأقام عليه ثمانيَ ليالٍ ينتظر أبا سُفيان، وخرج أبو سُفيان في أهل مكَّة، حتى نزل مَجَنَّة من ناحية مرّ الظهران -وبعض الناس يقول: قد قطع عُسفان- ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشرَ قريش! إنَّه لا يصلِحكم إلَّا عامٌ خِصْب ترعوْن فيه الشجر، وتشربون فيه اللَّبن؛ وإنَّ عامَكم هذا عام جَدْب؛ وإنّي راجع فارجعوا. فرجع ورجع الناس، فسمَّاهم أهل مكَّة جيش السَّويق. يقولون: إنَّما خرجتم تشربون السَّويق.\nفأقام رسولُ الله - ﷺ - على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مَخشيُّ بن عمرو الضَّمْريّ، وهو الذي وادعه علي بني ضمْرة في غزوة وَدَّان، فقال: يا محمد!\n_________\n(١) إسناده ضعيف، والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٢) والبيهقي في السنن (٩/ ١٥٠) وفي إسنادهما عقيل بن جابر، لم يوثقه سوى ابن حبان وقال الذهبي: فيه جهالة. وروى عنه غير صدفة بن يسار.","vol":"7","page":141},{"text":"أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: نعم يا أخا بني ضَمْرة؛ وإن شئت مع ذلك رَدَدْنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك، حتى يحكم الله بيننا وبينك. فقال: لا والله يا محمَّد، ما لنا بذلك منك من حاجة، وأقام رسولُ الله - ﷺ - ينتظر أبا سفيان؛ فمرّ به مَعْبَدُ بن أبي معبَد الخُزاعيّ، وقد رأى مكان رسولِ الله - ﷺ - وناقته تهوْيِ به فقال:\nقد نَفَرَتْ من رُفقَتَي مَحمَّدِ ... وعَجوَةٍ من يَثْرِبٍ كالعُنْجُدِ\nتَهْوي على دِينِ أبيها الأتْلَدِ ... قد جَعَلَتْ ماءَ قُدَيد مَوْعِدِي\nوماءَ ضَجْنان لها ضُحَى الْغَدِ (١)\n(٢: ٥٦٠/ ٥٦١).\n٢١١ - وأما الواقديّ؛ فإنه ذكر: أن رسول الله - ﷺ - نَدَبَ أصحابَه لغزوة بدْر لموعد أبي سفيان الذي كان وعده الالتقاء فيه يوم أُحد رأس الحوْل للقتال في ذي القعدة. قال: وكان نُعَيم بن مسعود الأشْجَعيّ قد اعتمر، فقدم على قريش، فقالوا: يا نُعيم! من أين كان وجهك؟ قال: مِنْ يثرب، قال: وهل رأيتَ لمحمد حركة؟ قال: تركته على تعبئة لغزوكم، -وذلك قبل أن يسلم نعيم- قال: فقال له أبو سفيان: يا نُعيم! إنَّ هذا عام جَدْبٌ، ولا يصلحنا إلَّا عامٌ ترعى فيه الإبل الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد جاء أوان موعد محمَّد، فالحق بالمدينة فثَبِّطْهم وأعلمهم أنَّا في جمع كثير، ولا طاقة لهم بنا؛ فيأتي الخُلْف منهم أحبّ إليّ من أن يأتيَ من قبلنا، ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سُهيل بن عمرو يضمنُها. فجاء سهيل بن عمرو إليهم، فقال نعيم لسهيل: يا أبا يزيد! أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبِّطَه؟ فقال: نعم، فخرج نُعَيم حتى قدم المدينة، فوجد الناس يتجهَّزون، فتدسَّس لهم، وقال: ليس هذا برأي، ألم يُجرح محمد في نفسه! ألم يقتل أصحابه! قال: فثبَّط الناس؛ حتى بلغ رسولَ الله - ﷺ - فتكلَّم، فقال: والَّذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدِي.\nثم أنهجَ الله ﷿ للمسلمين بصائرهم؛ فخرجوا بتجارات، فأصابوا الدِّرهم درهمين؛ ولم يلقوْا عدُوًّا؛ وهي بَدْر الموعد؛ وكانت موضع سوق لهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد أخرج ابن سعد هذه الغزوة (بدر الثانية) في طبقاته (٢/ ١٥٩).","vol":"7","page":142},{"text":"في الجاهلية، يجتمعون إليها في كلّ عام ثمانية أيام.\nقال أبو جعفر: واستخلف رسول الله - ﷺ - على المدينة عبد الله بن رَوَاحة (١). (٢: ٥٦٠/ ٥٦١).\nقال الواقديّ: وفي هذه السنة تزوَّج رسولُ الله - ﷺ - أمّ سَلَمة بنت أبي أميَّة في شوّال؛ ودخل بها.\nقال: وفيها أمَر رسولُ الله - ﷺ - زيد بن ثابت أن يتعلَّم كتاب يهود؛ وقال: إنّي لا آمن أن يبدّلوا كتابي.\nووليَ الحجَّ في هذه السنة المشركون (٢). (٢: ٥٦١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة</span>\n٢١٢ - ففي هذه السنة تزوّج رسولُ الله - ﷺ - زينبَ بنت جحش. حُدّثت عن محمَّد بن عمر، قال: حدَّثني عبد الله بن عامر الأسلميّ عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، قال: جاء رسولُ الله - ﷺ - بيتَ زيد بن حارثة، وكان زيد إنَّما يقال له زيد بن محمد، ربَّما فقده رسولُ الله - ﷺ - الساعة، فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فُضُلًا؛ فأعرض عنها رسول الله - ﷺ -، فقالت: ليس هو ها هنا يا رسولَ الله! فادخل بأبي أنت وأمّي! فأبى رسولُ الله - ﷺ - أن يدخل؛ وإنّما عجِلت زينب أن تلبس إذْ قيل لها: رسولُ الله - ﷺ - على الباب، فوثبت عجِلة، فأعجبت رسول الله - ﷺ -، فولَّى وهو يهمهم بشيء لا يكادُ يفهم؛ إلَّا أنه أعلن: سبحان الله العظيم! سبحان الله مُصَرّف القلوب! قال: فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته: أن رسولَ الله - ﷺ - أتى منزله، فقال زيد: ألا قلتِ له: ادخل فقالت: قد عرضتُ عليه ذلك فأبى، قال: فسمعته يقول شيئًا؟ قالت: سمعتُه يقول حين ولَّى: سبحان الله العظيم، سبحان الله مصرّف القلوب! فخرج زيدٌ حتى أتى رسولَ الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله؛ بلغني أنك جئت منزلي؛ فهلَّا دخلت بأبي أنت وأميّ يا رسول الله! لعل زينب أعجبتْك فأفارقها فقال رسولُ الله - ﷺ -: أمسِكْ عليك زوجَك، فما استطاع زيد إليها سبيلًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف","vol":"7","page":143},{"text":"بعد ذلك اليوم؛ فكان يأتي رسولَ الله - ﷺ - فيخبره، فيقول له رسولُ الله - ﷺ -: أمسِكْ عليك زوجَك؛ ففارقها زيد واعتزلها وحلَّت.\nفبينا رسول الله - ﷺ - يتحدَّث مع عائشة؛ إذ أخذت رسول الله - ﷺ - غَشْيَة، فسُرّي عنه وهو يتبسَّمُ ويقول: مَنْ يذهب إلى زينب يبشِّرها، يقول: إنَّ الله زوَّجَنِيها؟ وتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ﴾ القصّة كلّها.\nقالت عائشة: فأخذني ما قرُبَ وما بَعُدَ لما يبلغنا من جمالها؛ وأخرى هي أعظمُ الأمور وأشرفها، ما صنع الله لها؛ زَوَّجَها! فقلت: تَفخَرُ علينا بهذا.\nقالت عائشة: فخرجت سَلْمَى خادم رسول الله - ﷺ - تخبرها بذلك، فأعطتْها أوضاحًا عليها (١). (٢: ٥٦٢/ ٥٦٣).\n٢١٣ - حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيد: كان النبيّ - ﷺ - قد زوّج زيد بن حارثة زينبَ بنت جحش ابنة عمَّته، فخرج رسولُ الله - ﷺ - يومًا يريده، وعلى الباب سِتْرٌ من شعر؛ فرفعت الريح الستر فانكشف وهي في حُجْرتها حاسرة، فوقع إعجابُها في قلب النبيّ - ﷺ -، فلمَّا وقع ذلك كُرّهَتْ إلى الآخر، قال: فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: ما لك! أرابَكَ منها شيء! فقال: لا والله يا رسول الله، ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيرًا. فقال له رسولُ الله - ﷺ -: أمسك عليك زوْجَك واتقِ الله؛ فذلك قوله الله ﷿: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، تخفي في نفسك إنْ فارقَها تزوجتَها (٢). (٢: ٥٦٣/ ٥٦٤).\n* * *\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع والواقدي متروك.\n(٢) في هذا الإسناد انقطاع، وقال الحافظ ابن كثير: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارًا عن بعض السلف - ﵃ - أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها.\nوقد روى الإمام أحمد هاهنا أيضًا حديثًا من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس فيه غرابة تركنا سياقه أيضًا (تفسير ابن كثير ٣/ ٤٩١).","vol":"7","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>[غزوة دومة الجندل]</span>\nقال الواقديّ: وفيها غزَا دَوْمة الجنْدل في شهر ربيع الأول، وكان سببُها: أن رسول الله - ﷺ - بلغه أن جمعًا تجمَّعوا بها ودنوْا من أطرافه. فغزاهم رسول الله - ﷺ -؛ حتى بلغ دَوْمة الجندل، ولم يلقَ كيدًا، وخلَّف على المدينة سباع بن عُرْفَطَة الغِفاريّ (١). (٢: ٥٦٤).\nقال أبو جعفر: وفيها وادَعَ رسولُ الله - ﷺ - عُيَينَةَ بن حِصْن أن يرعى بتَغْلَمَين وما والاها (٢). (٢: ٥٦٤).\n٢١٤ - قال محمد بن عمر -فيما حدَّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه-: وذلك أن بلاد عُيَينَةَ أجدبت، فوادع رسولُ الله - ﷺ - أن يرعى بتغلمين إلى المَرَاض؛ وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت، فوادعه رسول الله - ﷺ - أن يرعى فيما هنالك (٣) (٥٦٤: ٢).\nقال الواقديّ: وفيها تُوفيتْ أم سعد بن عبادة وسعد غائبٌ مع رسولِ الله - ﷺ - إلى دومة الجندل (٤). (٢: ٥٦٤).\n٢١٥ - فحدثت عن محمد بن عمر، قال: كان الذي أشار على رسول الله - ﷺ - بالخندق سَلْمان، وكان أوّل مشهد شهِده سلْمان مع رسول الله - ﷺ -؛ وهو يومئذ حرّ، وقال: يا رسولَ الله؛ إنا كنَّا بفارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنا علينَا (٥). (٢: ٥٦٦).\n٢١٦ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فعَمِل رسولُ الله - ﷺ - ترغيبًا\n_________\n(١) الواقدي متروك، وأخرج ابن هشام في السيرة النبوية قصة غزوة - ﷺ - لدومة الجندل (عن ابن إسحاق معلقًا).\n(٢) ضعيف.\n(٣) الواقدي متروك.\n(٤) ضعيف.\n(٥) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك وقد ذكره بلا إسناد. وقال الأستاذ العمري في حاشية السيرة: أقدم من أشار إلى ذلك أبو معشر السدي (ت ١٧١ هـ) بدون إسناد (فتح الباري ٧/ ٣٩٣) والواقدي: مغازي (٢/ ٤٤٥) بدون إسناد وابن هشام (السيرة ٢/ ٥٢٤) اهـ. (السيرة النبوية الشريفة. العمري ٢/ ٤٢٠).","vol":"7","page":145},{"text":"للمسلمين في الأجر، وعمل فيه المسلمون: فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عَن رسولِ الله - ﷺ - وعن المسلمين في عملهم رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّون بالضَّعْف من العمل، ويتسلَّلون إلى أهاليهم بغير علْم من رسولِ الله - ﷺ -، ولا إذن. وجعل الرَّجُل من المسلمين إذا نابتْه نائبة من الحاجة التي لا بدَّ منها يذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - ويستأذنه في اللحوق بحاجته؛ فيأذن له؛ فإذا قضى حاجتَه رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير، واحتسابًا له؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فنزلت هذه الآية في كلّ من كان من أهل الحِسْبَة من المؤمنين والرغبة في الخير؛ والطاعة لله ولرسوله - ﷺ -. ثم قال يعني المنافقين الذين كانوا يتسلَّلون من العمل، ويذهبون بغير إذْن رسولِ الله - ﷺ -: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾، أي: قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كَذِب، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه؛ وارتجزوا فيه برَجُل من المسلمين يقال له: جُعَيل، فسمَّاه رسول الله - ﷺ - \"عَمْرًا\"، فقالوا:\nسَمَّاهُ مِنْ بعدِ جُعَيلٍ عَمْرَا ... وكانَ للْبَائِس يَومًا ظَهْرَا\nفإذا مرّوا بعمرو، قال رسولُ الله - ﷺ -: \"عمرا\"، وإذا قالوا: \"ظهرا\"، قال رسول الله - ﷺ -: \"ظهْرا\" (١).\n٢١٧ - فحدَّثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا محمد بن خالد بن عَثْمَة، قال: حدَّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيّ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، قال: خط رسولُ الله - ﷺ - الخَنْدق عامَ الأحزاب من أجُم الشَّيخَين طرف بني حارثة؛ حتى بلغ المذاد ثم قطَّعه أربعين ذراعًا بين كلِّ عشرة، فاحْتقّ المهاجرون والأنصار في سلْمان الفارسيّ -وكان رجلًا قوتًا- فقالت الأنصار: سلْمان منَّا، وقالت المهاجرون: سلْمان منَّا، فقال رسول الله - ﷺ -: سلْمان منَّا أهلَ البيت. قال عمرو بن عوف: فكنتُ أنا وسلْمان، وحُذَيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرِّن المزنيّ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا تحت ذو باب حتى بلغنا\n_________\n(١) إسناده مرسل، وكذلك أخرجه ابن هشام من الطريق نفسه مرسلًا وكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤١٠).","vol":"7","page":146},{"text":"النَّدى، فأخرج الله ﷿ من بطن الخندق صخرةً بيضاء مَرْوَةً فكسرت حديدَنا، وشقَّت علينا. فقلنا: يا سلْمان! ارقَ إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره خبرَ هذه الصخرة، فإمَّا أن نعدِل عنها فإنَّ المعدل قريب، وإمَّا أن يأمرنا فيها بأمره؛ فإنا لا نحب أن نجاوزَ خطَّه.\nفَرَقَى سلمان حتى أتى رسول الله - ﷺ - وهو ضاربٌ عليه قُبَّة تُرْكيَّة، فقال: يا رسول الله! بأبينا أنت وأمِّنا! خرجتْ صخرة بيضاء من الخندق مَرْوة، فكسرتْ حديدَنا، وشقَّت علينا حتى ما نُحِيك فيها قليلًا ولا كثيرًا؛ فمُرْنا فيها بأمرك؛ فإنا لا نحبَّ أن نجاوزَ خطَّك. فهبط رسول الله - ﷺ - مع سلْمان في الخندق، ورقينا نحن التِّسعةَ على شقَّة الخندق، فأخذ رسول الله - ﷺ - المِعْول من سلمان، فضرب الصَّخرة ضَرْبةً صدَعها، وبرقت منها بَرْقة أضاء ما بين لابتَيها -يعني: لابتي المدينة- حتَّى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم. فكبَّر رسول الله - ﷺ - تكبير فتح، وكبَّر المسلمون. ثم ضربها رسول الله - ﷺ - الثانية، فصدَعها وبرق منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها، حتَّى لكأنَ مصباحًا في جوف بيت مظلم؛ فكبَّر رسول الله - ﷺ - تكبيرَ فتح وكبّر المسلمون. ثم ضربها رسولُ الله - ﷺ - الثالثة فكسرها، وبرقَ منها برقة أضاء ما بين لابتيها؛ حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبَّر رسول الله - ﷺ - تكبيرَ فتح وكبَّر المسلمون، ثم أخذ بيد سلمان فرقِيَ، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد رأيت شيئًا ما رأيته قطّ! فالتفت رسول الله - ﷺ - إلى القوم، فقال: هل رأيتُم ما يقول سلْمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمِّنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموْج، فرأيناك تكبِّر فنكبّر، ولا نرى شيئًا غير ذلك. قال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحِيرة ومدائن كسرى، كأنَّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريلُ: أنّ أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قصور الحُيرة ومدائن كسرى، كأنَّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريلُ: أن أمَّتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبرق الَّذي رأيتُم؛ أضاءت لي منها قصور الحُمْر من أرض الرُّوم، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل: أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا! يبلغهم النَّصر، وأبشروا! يبلغهم النصر، وأبشروا! يبلغهم النصر! فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمدُ لله","vol":"7","page":147},{"text":"موعد صادق بارّ، وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.\nوقال المنافقون: ألا تعجبون! يحدّثكم ويُمَنّيكم ويَعِدُكم الباطل! يخبركم أنه يبصر من يثرب قصورَ الحيرة ومدائن كسرى؛ وأنها تُفتح لكم؛ وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرؤوا! وأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ (١). (٢: ٥٦٧/ ٥٦٨ / ٥٦٩/ ٥٧٠).\n٢١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عمّن لا يتَّهم عن أبي هريرة: أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر وعثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الَّذي نفس أبي هريرة بيده! ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلَّا وقد أعطِيَ محمَّد مفاتيحَها قبل ذلك (٢). (٢: ٥٧٠).\n٢١٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمَة عن ابن إسحاق قال: كان أهلُ الخندق ثلاثة آلاف. قال: ولمَّا فرغ رسولُ الله - ﷺ - من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجُرُف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومَنْ تابعهم من كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غَطَفان ومَنْ تابعهم من أهل نجْدٍ؛ حتى نزلوا بذَنب نَقَمَى إلى جانب أُحُد.\nوخرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون؛ حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، وأمر بالذراريّ والنساء، فرفعوا في الآطام وخرج عَدُوُّ الله حُيَيُّ بن أخطب؛ حتى أتى كعب بن أسد القُرظيّ صاحب عَقْد بني قُرَيظة وعهدهم؛ وكان قد وادَع رسولَ الله - ﷺ - على قومِه، وعاهده على ذلك وعاقده؛ فلمّا سمع كعب بحُييّ بن أخطب، أغْلَقَ دونه حِصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيَيٌّ: يا كعب، افتح لي، قال: ويحك\n_________\n(١) في إسناده كثير بن عبد الله بن عوف المزني وهو متروك، وقال المحدث الألباني في هذه الرواية: ضعيف جدًّا بهذا السياق، رواه ابن جربر في تأريخه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده و(كثير) هذا متروك، بل قال الشافعي، وأبو داود: ركن من أركان الكذب (السيرة النبوية للغزالي / ٣٢١).\n(٢) في إسناده مبهم. وهو ضعيف.","vol":"7","page":148},{"text":"يا حيَيّ! إنك امرؤٌ مشؤوم، إني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلَّا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: ما أنا بفاعل؛ قال: والله إن أغلقتَ دوني إلَّا على جَشيشتك أن آكل معك منها؛ فأحفَظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعزّ الدَّهر وببَحْرٍ طامٍ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزِلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنَب نَقَمَى إلى جانب أحُد؛ قد عاهدوني وعاقدوني ألَّا يبوحوا حتى يستأصِلوا محمدًا ومَنْ معه. فقال له كعب بن أسَد: جئتني والله بذلّ الدهر بجَهَام قد هراق ماءَه يرعِد ويُبرق، لسِي فيه شيء! ويحك فدعني ومحمدًا وما أنا عليه؛ فلم أرَ من محمدٍ إلا صدقًا ووفاءً! فلم يزلْ حُيَيّ بكعب يَفْتِله في الذّرْوة والغارب؛ حتى سَمَح له على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغَطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حِصْنك حتى يصيبَني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهدَه، وبرئ ممَّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله - ﷺ -.\nفلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - الخبر وإلى المسلمين، بعث رسولُ الله - ﷺ - سعد بن مُعاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل -وهو يومئذ سيِّد الأوس- وسعد بن عبادة بن دُلَيم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج -وهو يومئذ سيِّد الخزْرج- ومعهما عبدُ الله بن رَواحة أخو بلْحارث بن الخزرج، وخَوَّات بن جُبَير، أخو بني عمرو بن عوف؛ فقال: انْطلِقُوا حتى تنظروا: أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحنوا لي لَحْنًا نعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.\nفخرجوا حتى أتوْهم فوجدوهم على أخبث ما بلَغهم عنهم، ونالوا من رسول الله - ﷺ -، وقالوا: لا عَقْد بيننا وبين محمَّد ولا عهد. فشاتَمهم سعد بن عبادة وشاتَمُوه، وكان رجلًا فيه حَدّ، فقال له سعد بن مُعاذ: دَعْ عنك مشاتَمتهم؛ فما بيننا وبينهم أرْبَى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومَنْ معهما إلى رسول الله - ﷺ - فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضل والقَارة، [أي]: كغدر عَضَل والقارة بأصحاب رسول الله - ﷺ - أصحاب الرَّجيع؛ خُبَيب بن عَدِيّ وأصحابه. فقال رسولُ الله - ﷺ -: الله أكبر! أبشروا يا معشرَ المسلمين! وعَظُمَ عند ذلك","vol":"7","page":149},{"text":"البلاء، واشتدَّ الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتَّى ظنّ المؤمنونَ كلّ ظنّ، ونَجَمَ النِّفاق من بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ بن قُشَير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمدٌ يعِدُنا أن نأكلَ كنوزَ كسرى وقيصر؛ وأحدنا لا يقدِرُ أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظيّ، أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله! إن بيوتَنا لعوْرَة من العدوّ -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فَائْذن لنا فلنرجع إلى دارنا؛ فإنَّها خارجة من المدينة.\nفأقام رسولُ الله - ﷺ -، وأقام المشركون عليه بضعًا وعشرين ليلة، قريبًا من شهر؛ ولم يكن بين القوم حَرْب إلَّا الرَّمي بالنَّبْل والحصار (١). (٢: ٥٧٠/ ٥٧١ / ٥٧٢).\n٢٢٠ - فأقام رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون وعدوّهم محاصروهم؛ لم يكن بينهم قتال إلَّا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لُؤيّ، وعِكْرمة بن أبي جهل، وهُبَيرة بن أبي وهب المخزوميَّان، ونوْفَل بن عبد الله، وضِرار بن الخطَّاب بن مرداس أخو بني محارب بن فِهْر؛ قد تلبَّسوا للقتال، وخرجوا على خيلهم، ومرّوا علي بني كِنانة، فقالوا: تهيَّؤوا يا بني كنانة للحرب؛ فستعلمون اليوم من الفرسان! ثم أقبلوا نحو الخندق؛ حتى وقفوا عليه، فلمَّا رأوه قالوا: والله إنَّ هذه لمكيدةٌ ما كانت العرب تكيدها؛ ثم تيمَّموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيولَهم، فاقتحمتِ منه؛ فجالت بهم في السَّبَخة بين الخندق وَسلْع، وخرج عليّ بن أبي طالب في نَفر من المسلمين؛ حتى أخذ عليهم الثُّغْرَة التي أقْحَمُوا منها خيلَهم، وأقبلت الفرسان تُعْنِقُ نحوهم. وقد كان عمرو بن عبد وُدٍّ قاتل يوم بدر؛ حتى أثبتتْه الجراحة، فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلمًا ليُرَى مكانُه؛ فلمَّا وقف هو وخيله، قال له على: يا عمرو؛ إنك كنتَ تعاهد الله ألَّا يَدْعُوك رجلٌ من قريش إلى خلَّتَين إلا أخذتَ منه إحداهما! قال: أجَل! قال له عليٌّ بن أبي طالب: فإني أدعوك إلى الله ﷿ وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك؛ قال: فإني أدعوك إلى النِّزال، قال: ولمَ يا بن أخي؛ فوالله ما أحب أن أقتلك! قال عليّ: ولكني\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وذكره ابن إسحاق بلاغًا، وكذلك أخرجه ابن هشام من كلام ابن إسحاق دون أن يسنده.","vol":"7","page":150},{"text":"والله أحبُّ أن أقتلك. قال: فحمِيَ عَمْرو عند ذلك، فاقتحم عن فَرَسه فَعَقَره -أو ضَرَبَ وجْهَه- ثم أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ - ﵇ - وخرجت خيلُه منهزمة؛ حتى اقتحمت من الخَنْدق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان: مُنَبه بن عثمان بن عُبيد بن السَّبَّاق بن عبد الدَّار، أصابه سهم فمات منه بمكّة؛ ومن بني مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق فتورّط فيه، فرموه بالحجارة، فقال: يا معشرَ العرب، قَتْلَة أحسن من هذه! فنزل إليه عليّ فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسولَ الله - ﷺ - أن يبيعهم جسدَه، فقال رسول الله - ﷺ -: لا حاجة لنا بجَسده ولا ثمنه؛ فشأنكم به. فخلّى بينهم وبينه (١). (٢: ٥٧٣/ ٥٧٤).\n٢٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم، عن عُبيد الله بن كعب بن مالك، أنَّه كان يقول: ما أصاب سعدًا يومئذ بالسَّهم إلا أبو أسامة الجُشَميّ حليف بني مخزوم؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان (٢). (٢: ٥٧٦/ ٥٧٧).\n٢٢٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عَبَّاد، قال: كانت صفِيَّة بنت عبد المطلب في فارع (حِصْنِ حسَّان بن ثابت). قالت: وكان حسَّان مَعَنا فيه مع النِّساء والصبيان. قالت صفية: فمرَّ بنا رجلٌ من يهود، فجعل يُطِيف بالحصن، وقد حاربَتْ بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله - ﷺ -، ليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنَّا، ورسولُ الله - ﷺ - والمسلمون في نحورِ عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا\n_________\n(١) لم يتبين لنا إن كانت هذه القصة (قصة المبارزات هذه) تتمة للرواية السابقة أم أنها تكملة الرواية التي قبلها، وإسناد كليهما ضعيف. وأخرج ابن هشام هذه القصة عن ابن إسحاق معلقًا وذكره ابن سعد في طبقاته ضمن أحداث غزوة الخندق دون ذكر إسناده مبدوءًا بقوله: (قالوا)، (الطبقات الكبرى ٢/ ٦٨).\nوأخرج الحاكم طرفًا من رواية الطبري عن ابن إسحاق معلقًا (المستدرك ٣/ ٣٢).\nوأما قوله [لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه] فقد أخرجه الترمذي مرفوعًا في سننه باب لا تفادى جثة الأسير، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحكم وكذلك أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٤٨) من طريقين ضعيفين والله تعالى أعلم.\n(٢) في إسناده مبهم ومتنه مخالف لما في الصحيح كما تبين.","vol":"7","page":151},{"text":"إلينا عنهم إن أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسَّان! إنَّ هذا اليهوديّ كما ترى يُطِيف بالحصن، وإني والله ما آمنُه أن يدلّ على عوراتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شغل عنَّا رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فانزلْ إليه فاقتلْه. فقال: يغفر الله لكِ يا بنتَ عبد المطَّلب والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا! قالت: فلمَّا قال ذلك لي، ولَمْ أرَ عنده شيئًا احتجزت؛ ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحِصْنِ إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلمَّا فرغت منه رجعت إلى الحصْن، فقلت: يا حسَّان! انزل إليه فاسلبه، فإنَّه لم يمنعْني من سلَبه إلَّا أنه رجلٌ: قال: ما لي بسلَبه من حاجة يا بنت عبد المطلب (١)! (٢: ٥٧٧).\n٢٢٣ - قال ابن إسحاق: وأقامَ رسولُ الله - ﷺ - وأصحابُه؛ فيما وصف الله ﷿ من الخوف والشدّة؛ لتظاهر عدوِّهم عليهم، وإتيانهم من فَوْقهم ومن أسفل منهم.\nثم إنَّ نُعَيمَ بن مسعود بن عامر بن أنَيف بن ثعلبة بن قُنْفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن رَيث بن غَطَفان أتَى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله! إني قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي؛ فمُرْني بما شئتَ. فقال له رسولُ الله - ﷺ -: إنَّما أنت فينا رجلٌ واحد؛ فَخَذّلْ عنَّا إن استطعت؛ فإنَّ الحربَ خدعة. فخرج نُعَيم بن مسعود حتى أتى بني قُرَيظة -وكان لهم نديمًا في الجاهليّة- فقال لهم: يا بني قُرَيظة، قد عرفتم وُدّي إيَّاكم، وخاصّة ما بيني\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وهو مرسل؛ فعباد تابعي. وكذلك أخرجه ابن هشام مرسلًا (٢/ ٢٢٨)، وأخرجه الطبراني مرسلًا كذلك عن عروة (المجمع ٦/ ١٣٤).\nوجاءت هذه القصة موصولة عند أبي يعلى والبزار وقال الهيثمي: رواه البزار وأبو يعلى باختصار وإسنادهما ضعيف. (مجمع الزوائد ٦/ ١٣٣).\nقلنا: وبالإضافة إلى ضعف الإسناد فإن متنه يخالف فحوى الروايات الصحيحهّ والتي تؤكد: أن حسّان بن ثابت - ﵁ - كان يرافق رسول الله - ﷺ - في غزواته ويهجو المشركين، وكان لهجائه وقع شديد على المشركين ولم يكن يومئذ للناس أساليب تقرب الصوت كالمكبرات أو المذياع فكان لا بد له أن يقترب حتى يسمع المشركون هجاءه فكيف يقترب من العدو إن لم يكن شجاعًا؟ ! وقد دأبنا على عدم قبول هذه الأحاديث المخالفة متونها ما أجمع عليه جمهور أهل السنة والجماعة من عدالة الصحابة فالخبر غير صحيح سندًا ومتنًا ولله الحمد.","vol":"7","page":152},{"text":"وبينكم، قالوا: صدقت، لستَ عندنا بمتَّهم؛ فقال لهم: إن قريشًا وغَطَفان قد جاؤوا لحرب محمَّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنَّ قريشًا وغَطَفان ليسوا كهيئتكم؛ البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم؛ لا تقدرون على أن تحَوَّلوا منه إلى غيره، وإنَّ قريشًا وغَطَفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره؛ فليسوا كهيئتكم، إن رأوا نُهْزَةً وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقُوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم؛ ولا طاقةَ لكم به إن خلا بكم؛ فلا تقاتلُوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم؛ ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا؛ حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت برأي ونصحٍ. ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سُفيان بن حرب ومَنْ معه من رجال قريش: يا معشرَ قريش، قد عرفتم ودّي إياكم، وفراقي محمدًا؛ وقد بلغني أمْرٌ رأيتُ حقًّا عليّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عليّ. قالوا: نفعل، قال: فاعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندِمْنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنَّا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغَطَفَان رجالًا من أشرافهم؛ فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم؛ ثمّ نكون معك على مَنْ بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثتْ إليكم يهودُ يلتمسون منكم رُهُنًا من رجالكم؛ فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا. ثم خرجَ حتى أتى غطفان، فقال: يا معشرَ غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتَّهمونني! قالوا: صدقتَ، قال: فاكتموا عليّ، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذَّرهم ما حذَّرهم؛ فلمَّا كانت ليلة السَّبت في شوّال سنة خمس؛ وكان ممَّا صنع الله ﷿ لرسوله [أن] أرسل أبو سفيان ورؤوس غَطَفان إلى بني قريظة عِكْرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغَطَفان، فقالوا لهم: إنَّا لسْنا بدار مقام؛ قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجزَ محمدًا ونفرُغ ممَّا بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم أن اليوم السَّبت؛ وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا؛ وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يخْفَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمدًا؛ فإنَّا نخشى إن ضرّستْكم الحرب، واشتدّ عليكم القتال، أن تشمِّروا إلى بلادكم وتتركونا والرّجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمدٍ. فلمّا رجعت إليهم الرُّسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون","vol":"7","page":153},{"text":"والله أن الذي حدَّثكم نُعيم بن مسعود لحقّ. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنَّا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرُّسل إليهم بهذا: إنَّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ؛ ما يريد القوم إلَّا أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها؛ وإن كان غير ذلك تشمَّروا إلى بلادهم، وخلُّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنَّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا، فأبوا عليهم، وخذَّل الله بينهم؛ وبعث الله ﷿ عليهم الريح في ليالٍ شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورَهم، وتَطْرح أبنيتهم. فلمّا انتهى إلى رسول الله - ﷺ - ما اختلف من أمرهم، وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حُذيفة بن اليَمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا (١). (٢: ٥٧٧/ ٥٧٨ / ٥٧٩).\n٢٢٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق قال: فلمَّا أصبَح نبيّ الله - ﷺ - انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح (٢). (٢: ٥٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>غزوة بني قريظة</span>\n٢٢٥ - وقدّم رسولُ الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب برايته إلى بني قُريظة، وابتدرها الناس، فسار عليُّ بن أبي طالب - ﵇ -؛ حتى إذا دَنا من الحصون، سمِع منها مقالة قَبيحة لرسول الله - ﷺ - منهم؛ فرجع حتى لَقِيَ رسولَ الله - ﷺ - بالطريق،\n_________\n(١) ذكره ابن إسحاق معلقًا وكذلك هو عند ابن هشام في سيرته، وحديث قصة نعيم بن مسعود أخرجه الحافظ عبد الرزاق مرسلًا في مصنفه عن سعيد بن المسيب\"المصنف ٥/ ٣٦٨ / ح ٩٧٣٧).\nوقد ضعّف كلّ من الألباني المحدث والعمري المؤرخ هذه الرواية والله أعلم (السيرة للغزالي / ٣٣٢) و(العمري ٢/ ٤٣٠).\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق معلقًا، وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا. ولكن وضعه للسلاح بعد رجوعه - ﷺ - من الأحزاب فثابت كما عند البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - قالت: (لما رجع النبي - ﷺ - من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل - ﵇ - ...) الحديث\"صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ١٤٧ - مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة / ح ٤١١٧).","vol":"7","page":154},{"text":"فقال: يا رسولَ الله! لا عليك ألّا تدنو من هؤلاء الأخابث! قال: لِمَ؟ أظنُّك سمعتَ لي منهم أذىً! قال: نعم يا رسول الله. قال: لو رأوْني لم يقولُوا من ذلك شيئًا. فلمَّا دنا رسولُ الله - ﷺ - من حُصونهم، قال: يا إخوان القِردة، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته! قالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ جهولًا. ومرّ رسول الله - ﷺ - على أصحابه بالصَّوْرَين قبل أن يصلَ إلى بني قُرَيظة، فقال: هل مرَّ بكم أحد؟ فقالوا: نعم يا رسولَ الله، قد مَرَّ بنا دحْيَةُ بن خليفة الكلبيّ، على بغلة بيضاء، عليها رِحالة عليها قطيفة دِيباج، فقال رسولُ الله - ﷺ -: ذلك جبريل، بُعِثَ إلى بني قريظة يُزَلْزِلُ بهم حصونَهم، ويقذِف الرّعب في قلوبهم. فلمَّا أتى رسولُ الله - ﷺ - بني قريظة، نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم، يقال لها: بئر أنا؛ فلاحق به النَّاس، فأتاه رجالٌ من بعد العشاء الآخرة، ولم يُصلّوا العصرَ، لقول رسول الله - ﷺ -: لا يصلّين أحدٌ العصر إلَّا في بني قريظة، لشيء لم يكن لهم منه بُدٌّ من حربهم؛ وأبوا أن يُصلّوا، لقول النبيّ - ﷺ -: حتَّى تأتُوا بني قُرَيظة، فِصلُّوا العصر بها بعد العشاء الآخرة. فما عابهم الله بذلك في كتابه؛ ولا عنَّفهم به رسولُ الله - ﷺ -. والحديث عن محمَّد بن إسحاق، عن أبيه، عن مَعْبَد بن كعب بن مالك الأنصاريّ.\nرجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وحاصرهم رسولُ الله - ﷺ - خمسًا وعشرين ليلة؛ حتى جَهَدهم الحِصار؛ وقذف الله في قلوبهم الرّعب -وقد كان حُيَيُّ بن أخطب دخلَ علي بني قُريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه- فلما أيقنوا أن رسولَ الله - ﷺ - غيرُ منصرف عنهم حتَّى يناجزَهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، إنَّه قد نزل بكم من الأمر ما تروْن، وإني عارض عليكم خِلالًا ثلاثًا فخذوا أيّها شئتم! قالوا: وما هنَّ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونُصَدّقه؛ فوالله لقد كان تبيَّن لكم أنَّه لَنبيّ مرسل، وأنه للذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمَنُوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذه عليّ فَهلم فلنقتل أبناءَنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالًا مُصْلِتين السيوف؛ ولم نترك وراءَنا ثَقَلًا يهمّنا؛ حتى يحكم الله بيننا وبين محمَّد؛ فإن نهلك نهلِك ولم نترك وراءنا شيئًا نخشى عليه، وإن نظْهر","vol":"7","page":155},{"text":"فَلعمرِي لنجدنَّ النساءَ والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين؛ فما خير العيش بعدهم! قال: فإذا أبيتم هذه عليّ فإنَّ الليلة ليلة السَّبت؛ وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمِنُوا فيها، فانزلوا لعلَّنا نصيب من محمد وأصحابه غِرَّةً. قالوا: نُفسِد سبتَنا، ونُحْدث فيها ما لم يكن أحدث فيه مَنْ كان قبلنا، إلَّا مَنْ قد علمت. فأصابه من المسخ ما لم يخفَ عليك. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدتْه أمه ليلة واحدة من الدّهر حازمًا.\nقال: ثم إنَّهم بعثوا إلى رسول الله - ﷺ -: أن ابعث إلينا أبا لُبابة بن عبد المنذر؛ أخا بني عمرو بن عوف -وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله رسولُ الله - ﷺ - إليهم فلما رأوْه قام إليه الرجال، وجهشَ إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه؛ فرَقَّ لهم وقالوا له: يا أبا لُبابة، أترى أن ننزِل على حكم محمّد! قال: نعم، وأشار بيده إلى حلْقه: إنه الذَّبح؛ قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت: أني خُنْتُ الله ورسوله.\nثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسولَ الله - ﷺ - حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عُمُده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوبَ الله عليَّ مما صنعت؛ وعاهد الله ألَّا يطأ بني قريظة أبدًا. وقال: لا يراني الله في بلد خُنْت الله ورسوله فيه أبدًا. فلما بلغ رسول الله - ﷺ - خبرُه، وأبطأ عليه- وكان قد استبطأه- قال: أما لو جاءني لاستغفرت له؛ فأمَّا إذْ فعل ما فعل، فما أنا بالَّذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه (١). (٢: ٥٨٢ وتكملته ٥٨٣/ ٥٨٤ / ٥٨٥).\n_________\n(١) على ما يبدو فهذه الرواية تتمة الرواية (٢/ ٥٨١ / ١٥٤) وإسنادها ضعيف كما سبق، وإن كان الإسناد ما ذكره الطبري في نهاية الرواية فهو منقطع والله أعلم.\nولم نجد رواية بذكر هذه التفاصيل مجتمعة، فأما حمل سيدنا علي - ﵁ - للراية في هذه الغزوة فكذلك أخرجه البيهقي عن عروة مرسلًا (الدلائل ٣/ ١٤).\nوقال العمري: وقد وردت آثار مرسلة تتقوى ببعضها إلى رتبة الحسن لغيره تفيد أنه بعث عليًّا على المقدمة برايته (المجتمع المدني / ١٥٤).\nوأما قوله - ﷺ -: \"يا إخوان القردة والخنازير\" فكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا وأخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٤) حديثًا من طريق عبد الله بن عمر العمري عن أخيه عن عبد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - كان عندها فسلم علينا رجل من أهل البيت ونحن في البيت فقام رسول الله - ﷺ - فزعًا فقمت في أثره =","vol":"7","page":156},{"text":"٢٢٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة بن الفضل، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، أن توبة أبي لُبابة أنزِلَتْ على رسول الله - ﷺ -: وهو في بيت أمّ سلَمة. قالت أمّ سلمة: فسمعتُ رسولَ الله - ﷺ - من السَّحَر يضحك فقلت: مِمَّ تضحك يا رسول الله، أضحك الله سِنَّك! قال: تِيبَ على أبي لُبابة، فقلت: ألا أبشّره بذلك يا رسول الله! قال: بلَى إن شئتِ؛ قال: فقامت على باب حجرتها -وذلك قبل أن يُضرب عليهنَّ الحجاب- فقالت: يا أبا لُبابة، أبشِرْ فقد تاب الله عليك. قال: فثارَ الناس إليه ليُطلقوه؛ فقال: لا والله حتى يكون رسولُ الله - ﷺ - هو الذي يُطْلِقني بيده، فلما مَرَّ عليه خارجًا إلى الصَّبح أطْلَقَه.\n_________\n= فإذا دحية الكلبي فقال: هذا جبرائيل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة فقال: قد وضعتم السلاح لكن لم نضع قد طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد، وذلك حين رجع رسول الله - ﷺ - من الخندق فقام النبي - ﷺ - فزعًا فقال لأصحابه: عزمت عليكم ألا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوا قريظة فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي - ﷺ - لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا، وقالت طائفة: إنا لفي\nعزيمة النبي - ﷺ - وما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانًا واحتسابًا وتركت طائفة إيمانًا واحتسابًا ولم يعب النبي - ﷺ - أحدًا من الفريقين وخرج النبي - ﷺ - فمر بمجالس بينه وبين قريظة فقال: هل مر بكم من أحد؟ قالوا: مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته ديباج. قال: ليس ذلك بدحية ولكنه جبرئيل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم وبقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي - ﷺ - وأمر أصحابه أن يستتروا بالجحف حتى يسمعهم كلامه فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير. قالوا: يا أبا القاسم لم تك فحاشًا! فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم.\nثم قال الحاكم: هذا حديث على شرط الشيخين فإنهما احتجا بعبد الله بن عمر العمري في الشواهد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٥).\nقلنا: أما عبد الله بن عمر العمري فهو ضعيف وحديثه حسن إذا كان له متابع، ولم يتابعه في ذلك ثقة.\nوقال الحافظ ابن كثير: ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. (البداية والنهاية / ٤/ ١١٨).\nوقال المحدث الألباني في تحقيقه للسيرة النبوية (الغزالي / ٣١٨): ضعيف أخرجه ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا وعنه ابن هشام (٢/ ١٩٤) ورواه الحاكم (٣/ ٣٤) من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف. اهـ.","vol":"7","page":157},{"text":"قال ابن إسحاق. ثمّ إنَّ ثعلبة بن سَعْيَة وأسَيد بن سَعْية، وأسَد بن عُبَيدٍ -هم نفر من بني هَدْل؛ ليسوا من بني قُرَيظة ولا النَّضير، نَسَبهُم فوق ذلك- هم بنو عمّ القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قُريظة على حكم رسولِ الله - ﷺ - وخرج في تلك الليلة عمرو بن سُعْدَى القرظيّ، فمرَّ بحَرس رسول الله - ﷺ -؛ وَعَليهِ محمد بن مَسْلَمة الأنصاريّ تلك الليلة؛ فلمَّا رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى- وكان عمرو قد أبَى أن يدخلَ مع بني قُريظة في غَدْرهم برسول الله - ﷺ -، وقال: لا أغدِر بمحمّد أبدًا- فقال محمَّد بن مَسْلمة حين عَرفه: اللهمَّ لا تحرِمْني عَثَراتِ الكرام. ثمَّ خلَّى سبيله؛ فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة تلك الليلة. ثم ذهب فلا يُدْرَى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا! فذكِر لرسول الله - ﷺ - شأنه، فقال: ذاك رجل نجَّاه الله بوفائه (١). (٥٨٥: ٢/ ٥٨٦).\n٢٢٧ - قال ابن إسحاق: وبعضُ النَّاس يزعم أنه كان أوثِقَ برُمَّة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فأصبحَتْ رُمَّته مُلْقاةً لا يُدْرَى أين ذهب، فقال رسول الله - ﷺ - فيه تلك المقالة. والله أعلم (٢). (٢: ٥٨٦).\n٢٢٨ - وكان ثابت بن قيس بن شَمَّاس -كما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزُّهريّ -أتى الزَّبِير بن باطا القُرَظيّ- وكان يكنى أبا عبد الرحمن- وكان الزَّبير قد مَنَّ على ثابت بن قيس بن شَمَّاس في الجاهلية. قال محمَّد: مما ذكَر لي بعضُ ولد الزَّبير: أنه كان مَنَّ عليه يوم بُعاث؛ أخذه فجَزَّ ناصيته، ثم خلَّى سبيله- فجاءَه وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ قال: وهل يجهَلُ مثلي مثلَك. قال: إني قد أردتُ أن أجزِيَك بيدك عندي، قال: إنَّ الكريم يجزِي الكريم. ثم أتى ثابت رسولَ الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله؛ قد كانت للزَّبير عندي يَدٌ؛ وله عليّ مِنَّةٌ؛ وقد أحببت أن أجزيَهُ بها؛ فهبْ لي دَمَه. فقال رسولُ الله - ﷺ -: هو لك، فأتاه فقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قد وهب لي دمك فهو لك؛ قال: شيخ كبير لا أهْلَ له\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط والله أعلم.\n(٢) ضعيف","vol":"7","page":158},{"text":"ولا ولد؛ فما يصنع بالحياة! فأتى ثابت رسولَ الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أهلُه وولده، قال: هم لك، فأتاه فقال: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك. قال: أهلُ بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم! فأتى ثابتٌ رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ماله! قال: هو لك، فأتاه فقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - أعطاني مالك فهو لك، قال: أي ثابت! ما فعل الذي كأن وَجْهَهُ مِرْآة صينيَّة تتراءى فيها عذارَى الحيّ؛ كعب بن أسد؟ قال: قُتل، قال: فما فعل سيّد الحاضر والبادي؛ حُيَيّ بن أخطب؟ قال: قُتل، قال: فما فعل مقدّمتُنا إذا شددْنا، وحاميتُنا إذا كررنا؛ عزَّال بن شمويل؟ قال: قُتل، قال: فما فعل المجلسان -يعني: بني كعب بن قريظهَ وبني عمرو بن قريظة- قال: ذَهَبُوا، قُتِلوا. قال: فإنّي أسألك بيدي عندك يا ثابت إلَّا ألحقْتَني بالقوم؛ فوالله ما في العيش بعد هؤلاء مِن خير، فما أنا بصابر لله قَبْلة دَلْو نَضَح حتى ألقَى الأحبة! فقدَّمه ثابت فضرب عنقه؛ فلما بلغ أبا بكر قوله: \"ألقى الأحبة\" قال: يلقاهم والله في نار جهنَّم خالدًا فيها مُخَلَّدًا أبدًا. فقال ثابت بن قيس بن الشماس في ذلك، يذكر الزَّبير بن باطا:\nوَفَتْ ذِمّتي أنِّي كريمٌ وأنني ... صبُورٌ إذا ما القومُ حَادُوا عن الصَّبر\nوكان زَبِيرٌ أعظم النَّاس مِنَّةً ... عَلَيَّ فلمَّا شُدَّ كُوعاهُ بالأسْر\nأتيتُ رسولَ الله كَيما أَفُكَّهُ ... وكان رسولُ الله بَحْرًا لنا يَجْرِي\nقال: وكان رسولُ الله - ﷺ - قد أمر بقتل مَنْ أنبت منهم (١). (٢: ٥٨٩/ ٥٩٠ / ٥٩١).\n٢٢٩ - فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصعة، أخي بني عديّ بن النَّجار: أن سَلْمى بنت قيس أمّ المنذر أخت سَلِيط بن قيس -وكانت إحدى خالات رسول الله - ﷺ -، قد صَلَّتْ معه القبلتين، وبايعَتْه بيعة النساء - سألَتْه رفاعةَ بن شمويل القرظيّ- وكان رجلًا قد بلغ ولاذَ بها، وكان يعرفهم\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، وقصة الرجل اليهودي مع ثابت بن قيس رواه الطبراني. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط: وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف (٦/ ١٤٢) وأخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري كذلك مرسلًا (دلائل النبوة ٤/ ٢٠) والله أعلم.","vol":"7","page":159},{"text":"قبل ذلك فقالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي! هبْ لي رفاعةَ بن شمويل؛ فإنَّه قد زعم أنه سيُصَلِّي، ويأكل لحم الجمل؛ فوهبه لها؛ فاستَحْيَته (١). (٢: ٥٩١).\n٢٣٠ - قال ابن إسحاق: ثم إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قسَّمِ أموال بني قُريظة ونساءَهم وأبناءَهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سُهْمَان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخُمْس؛ فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل ممَّن ليس له فرسُ سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسًا، وكان أوّل فَيء وقع فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فَعَلَى سُنَّتها وما مَضى من رسول الله - ﷺ - فيها وقعت المقاسم، ومضت السنَّة في المغازي؛ ولم يكن يُسهِم للخيل إذا كانت مع الرجل إلَّا لفرسين (٢). (٢: ٥٩١).\n٢٣١ - ثم بعث رسولُ الله - ﷺ - سعدَ بن زيد الأنصاريّ، أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قُرَيظة إلى نجْد، فابتاع له بهم خيلًا وسلاحًا، وكان رسولُ الله - ﷺ - قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خُنافة إحدى نساء بني عمرو بن قُرَيظة، فكانت عند رسول الله - ﷺ - حتى توفِّي عنها وهي في مِلْكِهِ، وقد كان رسولُ الله - ﷺ - عرضَ عليها أن يتزوّجها، ويضربَ عليها الحجاب، فقالت: يا رسولَ الله! بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليّ وعليك، فتركها؛ وقد كانت حين سباها رسول الله - ﷺ - قد تعَصَّتْ بالإسلام، وأبَتْ إلَّا اليهودية فعزلها رسولُ الله - ﷺ - ووجد في نفسه لذلك من أمرها؛ فبينا هو مع أصحابه إذْ سمع وَقْعَ نعلين خلفه، فقال: إنَّ هذا لثعلبة بن سعيَة يبشِّرني بإسلام ريحانة، فجاءَه فقال: يا رسول الله، قد أسلمتْ ريحانة! فسرَّه ذلك (٣). (٢: ٥٩١/ ٥٩٢).\n٢٣٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: لم يُقتل من المسلمين يوم الخندق إلَّا ستة نفر، وقُتل من المشركين ثلاثة نفر، وقُتل يوم بني قريظة خَلَّاد بن سُويد بن ثعلبة بن عمرو بن بلحارث بن\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وفي إسناد ابن إسحاق انقطاع.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ذكر الطبري قصة إسلام ريحانة عن ابن إسحاق بدون إسناد، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ١٣١) من طريق الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":160},{"text":"الخزرج، طُرِحَتْ عليه رحىً فشدخَته شدخًا شديدًا، ومات أبو سنان بن محصن بن حُرْثان، أخو بني أسد بن خزيمة، ورسولُ الله - ﷺ - محاصِرٌ بني قريظة، فدفن في مقبرة بني قُريظة (١). (٢: ٥٩٣).\n٢٣٣ - وكان فتح بني قُريظة في ذي القَعْدة أو في صدر ذي الحجة، في قول ابن إسحاق. وأما الواقديّ فإنه قال: غَزَاهم رسول الله - ﷺ - في ذي القعدة، لليال بقين منه؛ وزعمَ: أن رسول الله - ﷺ - أمر أن يُشَقَّ لبني قُريظة في الأرض أخاديد ثم جلس؛ فجعل عليّ والزبير يضربان أعناقهم بين يديه، وزعم: أنّ المرأة التي قتلها النبي - ﷺ - يومئذ كانت تسمى بُنَانَة، امرأة الحكَم القرظيّ، كانت قتلت خلّاد بن سُوَيد، رمتْ عليه رَحىً، فدعا له رسولُ الله - ﷺ -، فضرب عنقها بخلّاد بن سويد (٢). (٢: ٥٩٣).\n٢٣٤ - وقال الواقديّ: غزا رسول الله - ﷺ - المريسيع في شعبان سنة خمس من الهجرة. وزعم: أن غزوة الخندق وغزوة بني قريظة كانتا بعد المريسيع لحرب بني المصطلق من خُزاعة (٣). (٢: ٥٩٤).\n٢٣٥ - وزعم ابنُ إسحاق -فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عنه: أن النبي - ﷺ - انصرف بعد فراغه من بني قُريظة؛ وذلك في آخر ذي القعدة أو في صدر ذي الحجَّة- فأقام بالمدينة ذا الحجّة والمحرّم وصفرًا وشهري ربيع. وولي الحجَّة في سنة خمس المشركون (٤). (٢: ٥٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بني لحيان</span>\n٢٣٦ - قال ابن إسحاق: ثم قدِم رسولُ الله - ﷺ - المدينة، فلم يُقِمْ إلَّا لياليَ قلائل حتى أغار عُيَينة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ في خيل لغطفان على\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا.\n(٢) لم يذكر الطبري إسناده إلى ابن إسحاق ولا الواقدي.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":161},{"text":"لِقَاح رسول الله - ﷺ - بالغابة؛ وفيها رجلٌ من بني غِفَار وامرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللّقاح (١). (٢: ٥٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>غزوة ذي قرد</span>\n٢٣٧ - رجعِ الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله -يعني: مع سلمة بن الأكوع- معه فرس له يقوده، حتى إذا علا على ثنيَّة الوَدَاع نظر إلى بعضِ خيولهم، فأشرف في ناحية سَلْع، ثم صرخ: واصَبَاحاه! ثم خرج يشتدّ في آثار القوم -وكان مثل السَّبُع- حتى لحِق بالقوم، فجعل يرُدُّهم بالنّبل، ويقول إذا رمى: \"خُذها مني وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع\".\nفإذا وُجِّهتِ الخيل نحوه، انطلق هاربًا، ثم عارضهم؛ فإذا أمكنه الرميُ رَمى، ثم قال:\nخُذْها وأنا ابن الأكوع ... واليومُ يوم الرضّع\nقال: فيقول قائلهم: أوَيكعنا هو أول النهار.\nقال: وبلغ رسول الله - ﷺ - صياحُ ابن الأكوع؛ فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع!؛ فتتامَّتِ الخيول إلى رسول الله - ﷺ -؛ فكان أوّلَ من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو.\nثم كان أول فارس وقف على رسول الله - ﷺ - بعد المقداد من الأنصار عبَّاد بن بشْر بن وَقْش بن زُغْبَة بن زَعُورا، أخو بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد، أَحد بني كعب بن عبد الأشهل، وأسيد بن ظُهَير أخو بني حارثة بن الحارث -يُشكَّ فيه- وعُكَّاشة بن مِحْصَن، أخو بني أسد بن خُزيمة، ومُحْرِز بن نَضْلة، أخو بني أسَد بن خزيمة، وأبو قَتادة الحارث بن رِبْعيّ، أخو بني سَلِمة، وأبو عيَّاش؛ وهو عُبَيد بن زيد بن صامت، أخو بني زُرَيق.\nفلمَّا اجتمعوا إلى رسول الله - ﷺ - أمَّر عليهم سعد بن زيد. ثم قال: اخرُجْ في طلب القوم حتى ألحقك في النَّاس.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":162},{"text":"وقد قال رسول الله - ﷺ - فيما بلغني عن رجال من بني زُرَيق -لأبي عيَّاش: يا أبا عيَّاش! لو أعطيتَ هذا الفرس رجلًا هو أفرسُ منك فلحق بالقوم! قال أبو عيَّاش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرسُ الناس، ثم ضربت الفرس، فوالله ما جرى خمسين ذراعًا حتى طرحني؛ فعجِبت أن رسولَ الله - ﷺ - يقول: لو أعطيته أفرس منك! وأقول: أنا أفرس الناس. فزعم رجال من بني زُريق: أنّ رسول الله - ﷺ - أعطى فرس أبي عَيَّاش مُعاذ بن ماعص -أو عائذ بن ماعص- ابن قيس بن خَلْدة -وكان ثامنًا- وبعض الناس يعدّ سلمة بن عمرو بن الأكوع أحدَ الثمانية، ويطرحُ أسَيد بن ظُهير أخا بني حارثة، ولم يكن سلَمة يومئذ فارسًا، وكان أوّل مَنْ لحق بالقوم على رجليه؛ فخرج الفرسان في طلب القوم، حتَّى تلاحقوا (١). (٦٠١: ٢/ ٦٠٢).\n_________\n(١) إسناد هذه الرواية ضعيف كما ذكرنا قبل روايتين، وأما بالنسبة للمتن فأول الرواية مع البيت الشعري فصحيح كما ذكرنا قبل رواية ولم نجد لبقية التفاصيل ما يؤيدها من رواية صحيحة.\nفخروج المقداد بن عمرو في أول الفرسان ثم تلاحقهم واجتماعهم عند رسول الله - ﷺ - وتأميره - ﷺ - لسعد بن زيد عليهم وأمره لسعد بقوله: (أُخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس).\nفقد أخرجه ابن هشام من قول ابن إسحاق بلا إسناد وأخرج الطبراني نحوه في الكبير (ح ٦٢٧٨).\nوفيه: (فقال رسول الله - ﷺ -: أمعنوا في طلب القوم) وفيه (أيضًا): ومن الأنصار سعد بن زيد الأشهلي وهو أمير القوم .. إلى آخر الحديث.\nوأورده الهيثمي في المجمع وقال معقبًا: في الصحيح بعضه رواه الطبراني وفيه موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ٦/ ١٤٤) قلنا: وذلك البعض هو ما ذكرنا في الرواية السابقة وما جاء في بداية هذه التكملة والله أعلم.\nوأما قصة أبي عياش الزرقي مع ذلك الفرس فقد جاءت في رواية الطبراني السابقة (ح ٦٢٧٨) بلفظ:\nأقبلت على فرس لي فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس من هو أفرس منك! قال: قلت: أنا أفرس العرب فما جرى الفرس خمسين ذراعًا حتى طرحني وكسر رجلي! فقلت: صدق الله ورسوله، فحملت على فرسي ابن عمي معاذ بن ماعص الزرمي.\nوإسناد هذه الرواية ضعيف كما قال الهيثمي (٦/ ١٤٤) بسبب موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي والله أعلم.","vol":"7","page":163},{"text":"٢٣٨ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عمّن لا يتّهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري: أن محرزًا إنَّما كان على فرس لعكّاشة بن محْصن يقال له: الجناح، فقتِل مُحرز، واستُلب الجناح. ولمَّا تلاحقت الخيول قَتَل أبو قَتَادة الحارث بن رِبْعيّ أخو بني سلمة حَبيبَ بن عيينة بن حِصْن، وغَشَّاه ببردته، ثم لحق بالنَّاس، وأقبل رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون، فإذا حبيب مسجَّى ببردة أبي قَتادة، فاسترجعِ الناس، وقالوا: قُتِل أبو قَتادة، فقال رسول الله - ﷺ -: ليس بأبي قَتادة، ولكنَّه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه بردته، لتعرِفوا أنه صاحبه. وأدرك عُكَّاشة بن محْصن أوبارًا وابنه عمرو بن أوبار على بعير واحد، فانتظمهما بالرُّمح فقتلهما جميعًا، واستنقذُوا بعضَ اللّقاح. وسار رسولُ الله - ﷺ - حتى نزل بالجَبل مِنْ ذِي قَرَد، وتلاحق به الناس، فنزل رسولُ الله - ﷺ - وأقام عليه يومًا وليلة، فقال له سلمة بن الأكوع: يا رسولَ الله، لو سرَّحْتَنِي في مئة رجل لاستنقذت بقيَة الِسَّرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال رسولُ الله - ﷺ - فيما بلغني: إنَّهم الآن لَيُغْبَقُون في غَطَفان.\nوقسمَ رسولُ الله - ﷺ - في أصحابه في كلّ مئة جَزْورًا، فأقاموا عليه، ثم رجع رسولُ الله - ﷺ - قافلًا حتى قدم المدينة.\nفأقام بها بعض جُمَادى الآخرة ورَجَبَ. ثم غزا بني الْمصْطلق من خُزاعة في شعبان سنة ستّ (١). (٢: ٦٠٣/ ٦٠٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>ذكر غزوة بني المُصْطَلِق</span>\n٢٣٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفَضْل وعليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قَتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر. وعن محمد بن يحيى بن حَبَّان، قال: كُلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسولَ الله - ﷺ - أن بني الْمُصطلق يجتمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار؛ أبو جُوَيرية بنت الحارث، زوج النبيّ - ﷺ -، فلمَّا سمع\n_________\n(١) وإسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٢١٥) بسند ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":164},{"text":"بهم رسولُ الله - ﷺ - خرج إليهم حتى لقيَهم على ماء من مياههم، يقال له: المُرَيسيع، من ناحية قُدَيد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم الله بني المصطلِق، وقُتِل مَنْ قتل منهم، ونَفَّلَ رسول الله - ﷺ - أبناءهم ونساءهم وأموالهم؛ فأفاءهم الله عليه.\nوقد أصيب رجلٌ من المسلمين من بني كلْب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عُبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأ.\nفبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غفار يقال له: جَهْجَاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدحم جَهْجَاه وسِنان الجهنيّ حليف بني عَوْف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجُهَنِيُّ: يا معشرَ الأنصار! وصرخ جَهْجَاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عبدُ الله بن أبيّ بن سَلول، وعنده رَهْط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السنّ، فقال: أقد فعلوها! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما عَدَوْنا وجلابيبَ قريش ما قال القائل: \"سَمّنْ كَلْبَك يَأكُلْكَ\"؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ! ثم أقبل على مَنْ حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموَالكم! أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير بلادكم.\nفسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله - ﷺ -، وذلك عند فراغ رسول الله - ﷺ - من عدوِّه. فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مُرْ به عَبَّاد بن بشْر بن وَقْش فليقْتله، فقال رسول الله - ﷺ -: فكيف يا عُمَرُ إذا تحدَّث الناس: أَن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذّن بالرحيل - وذلك ساعة لم يكن رسولُ الله - ﷺ - يرتحل فيها- فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبيّ بن سَلول إلى رسول الله - ﷺ - حين بلغه أنّ زيد بن أرقم قد بلّغه ما سمع منه. فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلَّمت به -وكان عبد الله بن أبيّ في قومه شَرِيفًا عَظِيمًا- فقال مَنْ حضر رسولَ الله - ﷺ - من أصحابه من الأنصار: يا رسولَ الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل! حَدبًا على عبد الله بن أبيّ، ودفعًا عنه.","vol":"7","page":165},{"text":"فلما استقل رسول الله - ﷺ - وسار، لقيه أسَيد بن حُضَير، فحياه تَحيَّة النبوّة، وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحْتَ في ساعة منكَرة ما كنتَ تروح فيها! فقال له رسولُ الله - ﷺ -: أوَ مَا بلغك ما قال صاحبكم! قال: وأيُّ صاحب يا رسول الله! قال: عبد الله بن أبيّ، قال: وما قال: قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ، قال أسَيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذّليل وأنت العزيز ثم قال: يا رسولَ الله، اُرفُقْ به فوالله لقد جاء الله بك؛ وإنَّ قومه لينظمون له الخَرَزَ ليتوّجوه؛ فإنه لَيَرَى أنَّك قد استلبته مُلْكًا.\nثم مَتنَ رسول الله - ﷺ - بالنَّاس يومهم ذلك حتَّى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلك حتى آذتْهم الشمس ثم نزل بالنَّاس؛ فلم يكن إلَّا أن وجدوا مسَّ الأرض وقعوا نيامًا؛ وإنما فَعَل ذلك رسول الله - ﷺ - ليشغلَ الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ.\nثم راح بالنَّاس، وسلك الحجاز حتى نزلَ على ماء بالحجاز فُوَيق النَّقِيع، يقال له: نقعاء، فلمَّا راحَ رسولُ الله - ﷺ - هَبَّت على الناس ريحٌ شديدةٌ آذتهم، وتخوّفوها، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تخافوا، فإنَّما هَبَّت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلمَّا قدِموا المدينة وجدوا رِفاعة بن زيد بن التَّابوت أحد بني قَينُقاع -وكان من عظماء يهود، وكَهْفًا للمنافقين- قد مات في ذلك اليوم.\nونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي بن سَلُول ومَنْ كان معه على مثل أمره، فقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فلمَّا نزلت هذه السورة أخذ رسولُ الله - ﷺ - بأذُن زيد بن أرقم فقال: هذا الذي أوفى الله بأذُنه (١). (٢: ٦٠٤/ ٦٠٥ / ٦٠٦/ ٦٠٧).\n٢٤٠ - قال: وقدم مِقْيَس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يُظهر، فقال:\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد رواه ابن إسحاق بسند مركب وهو سند ضعيف.\nوفي متن هذه الرواية مخالفة لما في الأحاديث الصحيحة من أن قتالًا لم يحدث بينهم والله أعلم.\nوكذلك لم نجد لبعض التفاصيل تأييدًا من روايات أخرى ومنها أنه - ﷺ - أتعبهم مشيًا حتى يشغل الناس عن التحدث بما كان من عبد الله بن أبي وغير ذلك، ولبعض التفاصيل ما يشهد لها، سنذكرها في قسم الصحيح. والله أعلم.","vol":"7","page":166},{"text":"يا رسول الله، جئتك مسلِمًا وجئت أطلب دية أخي قتل خطأ. فأمر له رسول الله - ﷺ - بديَة أخيه هشام بن صُبابة، فأقام عند رسول الله - ﷺ - غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكَّة مرتدًا، فقال في شعر:\nشَفَى النَّفْسَ أنْ قَد باتَ بالقاعِ مُسْنَدًا ... تُضَرِّجُ ثوْبَيهِ دِماءُ الأخادِعِ\nوكَانَتْ هُمُومُ النَّفس من قَبْلِ قَتْلِهِ ... تُلِمُّ، فتَحْمين وطَاء المضَاجِعِ\nحَللْتُ به وتْرِي، وأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وكُنْتُ إلى الأوثان أوّل رَاجِعِ\nثأَرْتُ به فِهْرًا وحَمَّلْت عَقْلَه ... سَرَاةَ بني النَّجّارِ أَرْبابَ فَارعِ\nوقال مِقْيَسُ بن صبابة أيضًا:\nجَلَّلْتُه ضَرْبَةً باءَتْ، لها وشَلٌ ... مِنْ ناقعِ الجَوْفِ يَعْلُوه وَيَنْصَرِمُ\nفَقُلْتُ والمَوْتُ تَغْشَاهُ أَسِرَّتهُ ... لا تأمَنَنَّ بني بَكْرٍ إِذَا ظُلِمُوا\nوأصيب من بني المصطلقِ يومئذ ناسٌ كثيرٌ، وقتل عليُّ بن أبي طالب منهم رجلين: مالكًا وابنه، وأصاب رسولُ الله - ﷺ - منهم سبيًا كثيرًا، ففشا قَسْمُه في المسلمين؛ ومنهم جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوْج النبي - ﷺ - (١). (٢: ٦٠٩/ ٦١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>حديث الإفك</span>\n٢٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قالا: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق. عن أبيه، عن بعض رجال بني النَّجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بَلَى؛ وذلك الكذب؛ أكنتِ يا أمَّ أيوب فاعلةً ذلك! قالت: لا والله ما كنت لأفعلَه، قال: فعائشة والله خيرٌ منك. قال: فلمَّا نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية، وذلك حسان بن ثابت في أصحابه الذين قالوا ما قالوا.\nثم قال الله ﷿: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا﴾ الآية،\n_________\n(١) وكذلك أخرجه ابن هشام من قول ابن إسحاق بلاغًا.","vol":"7","page":167},{"text":"أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. ثم قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ...﴾ الآية (١) (٢: ٦١٧).\n٢٤٢ - ثم إنَّ صفوان بن المعطّل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما يقول فيه؛ وقد كان حسَّان قال شعرًا مع ذلك يعرّض بابن المعطَّل فيه وبمن أسْلَم من العرب من مُضَر، فقال:\nأمْسَى الجَلابيبُ قد عزُّوا وقد كثروا ... وابْنُ الفُريعَةِ أمْسَى بَيضَةَ البَلَدِ\nقد ثَكِلَتْ أُمُّهُ من كنتَ صَاحبَهُ ... أو كان منْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأَسَدِ\nما لقتيلي الذي أغدُو فآخُذُه ... من دِيَةٍ فيه يُعْطَاها ولا قَوَدِ\nما البَحْرُ حين تَهبُّ الرِّيحُ شامِيَةً ... فَيغْطئِلُّ ويَرْمِي العِبْرَ بالزَّبَدِ\nيَوْمًا بأغْلَبَ منِّي حين تُبْصِرنِي ... مِلْغَيظِ (٢) أَفْرِي كَفُرْيِ العارضِ البَرِدِ\nفاعترضه صفوان بن المعطّل بالسيف فضربه ثم قال -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلَمة، عن محمد بن إسحاق:\nتَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنني ... غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْت بشاعِرِ (٣)\n(٢: ٦١٨).\n٢٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ: أن ثابت بن قيس بن الشَّماس أخا بلْحارث بن الخزرج، وَثَب على صفْوان بن المعطَّل في ضربه حسان فجمع يَدَيه إلى عُنُقه، فانطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا؟ قال: ألا أعجبك ضرب حَسَّان بن ثابت بالسَّيف! والله ما أراه إلَّا قد قتله. قال: فقال له عبدُ الله بن رَواحة: هل عَلِمَ رسولُ الله - ﷺ - بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت! أطلق الرجل، فأطلقه. ثم أتوْا رسولَ الله - ﷺ -، فذكروا له ذلك؛ فدعا حَسَّان وصفوان بن المعطّل، فقال ابنُ المعطَّل: يا رسول الله! آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسولُ الله - ﷺ - لحسان: يا حسان أتشوَّهت على قومي أن هداهم الله للإسلام! ثم\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وفي إسناد ابن إسحاق إبهام.\n(٢) ملغيظ: أي: من الغيظِ.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":168},{"text":"قال: أحسِن يا حَسَّان في الذي قد أصابك، قال: هي لك يا رسول الله (١). (٢: ٦١٨/ ٦١٩).\n٢٤٤ - وحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث: أنّ رسولَ الله - ﷺ - أعطاه عِوَضًا منها بَيرَحَا -وهي قصر بني حُدَيلة اليوم بالمدينة؛ كانت مالًا لأبي طلحة بن سهل، تصدَّق بها إلى رسولِ الله - ﷺ -، فأعطاها حسَّان في ضربته- وأعطاه سِيرين- أمَةً قِبْطيةً- فولدت له عبد الرَّحمن بن حسان. قال: وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن صفوان بن المعطّلِ فوجدوه رجلًا حَصُورًا ما يأتي النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدًا (٢) (٢: ٦١٩).\n٢٤٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الواحد بن حمزة: أنّ حديث عائشة كان في عُمْرة القضاء (٣). (٢: ٦١٩).\nقال أبو جعفر: ثم أقامَ رسولُ الله - ﷺ - بالمدينة شهر رمضان وشَوّالًا، وخرج في ذي القعدة من سنة ست معتمرًا (٤). (٢: ٦١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>ذكر الخبر عن عمرة النبي - ﷺ - التي صده المشركون فيها عن البيت، وهيَ قصة الحديبية</span>\n٢٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابنِ إسحاق، قال: خرج النبيّ - ﷺ - معتمرًا في ذي القَعدة لا يريد حربًا، وقد استنفر العرب ومَنْ حوله من أهل البوادي من الأعراب أن يخرجوا معه، وهو يخشى من قُريش الذي صنعوا به أن يعرضوا له بحرْب، أو يصدّوه عن البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعْرَاب، وخرج رسولُ الله - ﷺ - ومَنْ معه من المهاجرين والأنصار، ومَنْ لحِق به من العرب، وساق معه الهدْيَ، وأحرم بالعُمرة، ليأمن النَّاسُ من حربه، وليعلم\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وفي إسناد ابن إسحاق انقطاع وكذلك أخرجه ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٢٢٣).\n(٢) إسناده ضعيف، وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق وفيه انقطاع (٢/ ٢٢٤).\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف","vol":"7","page":169},{"text":"النَّاس أنَّه إنَّما جاء زائرًا لهذا البيت، مُعظِّمًا له (١). (٢: ٦٢٠).\n٢٤٧ - قال الزهريّ: فخرجَ رسولُ الله - ﷺ -، حتَّى إذا كان بعُسْفان لقيَه بشْر بن سُفيان الكعبيّ، فقال له: يا رسولَ الله، هذه قريش قد سمعوا بمسِيرك، فخرجوا معهم العُوذ المَطَافِيلُ، وقد لبسوا جُلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا تدخلُها عليهم أبدًا؛ وهذا خالد بن الوليد في خَيلهم، قد قدموها إلى كُرَاع الغَمِيم (٢). (٢: ٦٢١/ ٦٢٢).\nقال أبو جعفر: وقد كان بعضُهم يقول: إن خالدَ بن الوليد كانَ يومئذ مع رسولِ الله - ﷺ - مسلمًا.\nذكر من قال ذلك:\n٢٤٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا يعقوب القُمّيّ عن جعفر -يعني: ابن أبي المغيرة- عن ابن أبْزَى، قال: لمَّا خرج النبيّ - ﷺ - بالهَدي، وانتهى إلى ذي الحُلَيفةَ، قال له عمر: يا رسول الله، تدخل على قوم هم لك حربٌ بغير سِلاحِ ولا كُراع! قال: فبعثَ النبيّ - ﷺ - إلى المدينة، فلم يَدَعْ فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلَّا حَمَلَه، فلمَّا دنا من مكَّة منعوه أن يدخلَ، فسار حتى أتى مِنىً، فنزل بمنىً، فأتاه عينُه أن عِكْرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمئة، فقال رسولُ الله - ﷺ - لخالد بن الوليد: يا خالد، هذا ابنُ عَمّك، قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله -فيومئذ سُمِّي سيفَ الله-: يا رسولَ الله ارْمِ بي حيث شئت. فبعثه على خيل، فلقيَ عِكْرمة في الشِّعب، فهزمه حتى أدخله حِيطَان مكَّة، ثم عاد في الثانية، فهزمه حتى أدخله حيطان مكَّة، ثم عاد في الثَّالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال: وكفَّ الله النبيَّ - ﷺ - عنهم بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقُوا فيها من بعد أن أظفرَه عليهم كراهيَة أن تطأهم الخيل بغير علم (٣). (٢: ٦٢٢/ ٦٢٣).\n_________\n(١) ذكره ابن إسحاق بلاغًا.\n(٢) وكذلك ذكره ابن هشام عن الزهري بلاغًا.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":170},{"text":"٢٤٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فقال رسولُ الله - ﷺ -: يا ويح قريش! قدَ أكلتْهم الحرب، ماذا عليهم لو خلَّوْا بيني وبين سائر العرب؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهَرني الله عليهم دخلُوا في الإسلام وافرين؛ وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة. فما تظنّ قريش! فوالله لا أزالُ أجاهدهم على الَّذي بعثني الله به حتى يظهرَه الله أو تنفرد هذه السالفة (١). (٢: ٦٢٣).\n٢٥٠ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن رجلًا من أسْلم حدَّثه، أن الذي نزل في القَليب بسهْم رسول الله - ﷺ - ناجية بن جندب بن عُمَير بن يَعْمَر بن دارم، وهو سائق بُدْنِ رسول الله - ﷺ -. قال: وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البَرَاء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهْم رسولِ الله - ﷺ -. قال: وأنشدتْ أسلمُ أبياتًا من شعر قالها ناجية، قد ظَنَنَّا أنه هو الذي نزل بسهْم رسول الله - ﷺ -، فزعمتْ أسلم أن جاريةً من الأنصار أقبلت بدلْوها، وناجيةُ في القَلِيبِ يَميح على الناس، فقالت:\nيا أيُّها المائحُ دَلْوي دُونَكا\nإِنِّي رأَيِتُ الناسَ يَحْمَدُونَكا\nيُثنون خيرًا ويُمَجِّدُونَكا\nوقال ناجية، وهو في القَلِيب يَمِيح الناس:\nقد علمتْ جارِيةٌ يَمانِيَهْ ... أنِّي أَنا المائحُ واسْمِي ناجِيَهْ\nوطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهيَهْ ... طَعَنْتُها تحتَ صدورِ العادِيهْ (٢)\n(٢: ٦٢٤/ ٦٢٥).\n٢٥١ - وحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، في حديثه، قال: كان عروة بن مسعود لسُبيعة بنت عبد شمس (٣). (٢: ٦٢٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف. ورواه ابن إسحاق هكذا عن بعض أهل العلم ولم يسمهم.\nفإسناده منقطع.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":171},{"text":"٢٥٢ - وحدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن الحُليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشرَ قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم؛ أنْ تصدُّوا عن بيت الله مَنْ جاءه معظِّمًا له، والذي نفس الحُلَيس بيده لتخَلُّنَّ بين محمَّد وبين ما جاء له، أو لأنْفِرَنَّ بالأحابيش نَفْرَةَ رجل واحد! قال: فقالوا له: مَهْ! كُفَّ عنَّا يا حُليس حتى نأخذَ لأنفسنا ما نرضى به (١). (٢: ٦٢٨).\n٢٥٣ - فحدَّثني محمد بن عُمارة الأسديّ ومحمد بن منصور -واللفظ لابن عمارة- قالا: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرَنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سَلَمة بن الأكْوع عن أبيه، قال: بعثتْ قريش سهيل بن عمرو وحُوَيطب بن عبد العُزَّى وحفص بن فلان، إلى النبيّ - ﷺ - ليصالحوه، فلمَّا رآهم رسولُ الله فيهم سهيل بن عمرو، قال: سهَّل الله لكم من أمركم؛ القوم ماتُّون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصّلْح؛ فابعثوا الهدي، وأظهروا التَّلْبِيَة؛ لعلّ ذلك يُلين قلوبهم. فلبَّوا من نواحي العسكر حتى ارتجَّت أصواتهم بالتلبية. قال: فجاؤوا فسألوه الصلح، قال: فبينما الناس قد توادَعُوا، وفي المسلمين ناس من المشركين، وفي المشركين ناس من المسلمين، قال: ففتك به أبو سفيان، قال: فإذا الوادي يسيل بالرجال والسلاح. قال إياس: قال سلمة: فجئت بستة من المشركين مُتَسلِّحين أسوقُهم، ما يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ فأتيت بهم النبيّ - ﷺ -، فلم يسلب ولم يقتُل، وعفا.\nرجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور، عن عبيد الله. قال سلمة: فشددنا على مَنْ في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منّا رجلًا إلا استنقذناه. قال: وغلبنا على من في أيدينا منهم.\nثم إنَّ قريشًا بعثوا سُهيلَ بن عمرو وحُوَيطبًا فولّوهم صلحَهم، وبعث النبيّ - ﷺ - عليًّا - ﵇ - في صُلْحه (٢). (٢: ٦٢٩/ ٦٣٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر (السيرة النبوية ٣/ ٣١٣).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":172},{"text":"٢٥٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر، أن رسولَ الله - ﷺ - حين بلغه أن عثمان قد قُتل، قال: لا نبرح حتى نناجزَ القوم؛ ودعا النَّاس إلى البيعة فكانت بيعةُ الرّضوان تحت الشجرة (١). (٢: ٦٣٢).\n٢٥٥ - حدَّثني ابنُ عمارة الأسديّ، قال: حدَّثني عبيد الله بن موسى عن موسى بن عُبيدة، عن إياس بن سَلَمة، قال: قال سَلَمة بن الأكْوع: بينما نحن قافلون من الحديبية نادى منادِي النبيّ - ﷺ -: أيها الناس؛ البيعة البيعة! نزل رُوح القدس. قال: فسرْنا إلى رسول الله وهو تحت شجرة سَمُرَة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢). (٢: ٦٣٢).\n٢٥٦ - حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: كان أول مَنْ بايع بيعة الرضوان رجلًا من بني أسد، يقال له: أبو سنان بن وهب (٣). (٢: ٦٣٢).\n٢٥٧ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان الذي حلقه -فيما بلغني ذلك اليوم- خراش بن أميّة بن الفضل الخُزاعيّ (٤). (٢: ٦٣٧).\n٢٥٨ - وقال الواقديّ: في هذه السنة -في شهر ربيع الآخر منها- بعث رسولُ الله - ﷺ - عُكَّاشة بن مِحْصَن في أربعين رجلًا إلى الغَمْر؛ فيهم ثابت بن أقْرَم وشُجَاع بن وهب؛ فأغذّ السير، ونذِرَ القوم به فهربوا؛ فنزل على مياههم وبعث الطلائع؛ فأصابوا عينًا فدلّهم على بعض ماشيتهم؛ فوجدوا مئتي بعير، فحدَّرُوها إلى المدينة.\n_________\n(١) هذا إسناد ضعيف وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٣٥) من طريق ابن إسحاق بسند منقطع.\n(٢) ضعيف.\n(٣) هذا إسناد مرسل وكذلك أخرج البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٣٧) نحوه عن الشعبي والله أعلم.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":173},{"text":"قال: وفيها بعث رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلَّا بالقوم فقتِل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلَت محمد جريحًا.\nقال الواقدي: وفيها أسْرَى رسولُ الله - ﷺ - سرِيّةَ أبي عُبيدة بن الجَرَّاح إلى ذي القَصَّة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلًا، فساروا ليلتهم مُشاةً، ووافوْا ذا القَصَّة مع عَماية الصُّبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هَرَبًا في الجبال، وأصابوا نعمًا ورِثَّة ورجلًا واحدًا، فأسلم، فتركه رسولُ الله - ﷺ -.\nقال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة بالجَمُوم، فأصاب امرأة من مُزَينة؛ يقال لها: حليمة، فدَلَّتْهم على محلَّة من محالّ بني سُلَيم، فأصابوا بها نَعَمًا وشاء وأسَراء؛ وكان في أولئك الأسَراء زوْج حليمة، فلمَّا قفل بما أصاب وَهَب رسول الله - ﷺ - للمُزَنية زوجَها ونفسَها.\nقال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة إلى العِيص في جُمادى الأولى منها.\nوفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع؛ فاستجار بزينب بنت النبي - ﷺ - فأجارَتْه.\nقال: وفيها كانت سمريّة زيد بن حارثة إلى الطَّرَف، في جمادى الآخرة، إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا؛ فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسولُ الله سارَ إليهم، فأصاب من نَعَمهم عشرين بعيرًا. قال: وغاب أربع ليال.\nقال: وفيها سريَّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى في جمادى الآخرة.\nقال: وكان أوَّل ذلك فيما حدثني موسى بن محمّد عن أبيه، قال: أقبل دِحْيَةُ الكلبيّ من عند قيصر؛ وقد أجاز دِحْيَةَ بمال، وكساه كُسىً؛ فأقبل حتى كان بِحِسْمَى، فلقيَه ناسٌ من جُذام؛ فقطعوا عليه الطريق، فلم يحرك معه شيء؛ فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخلَ بيته فأخبره، فبعث رسول الله - ﷺ - زيدَ بن حارثة إلى حِسمى.\nقال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح؛ أخت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصم بن عمر؛ فطلَّقها عمر فتزوّجها بعده يزيد بن جارية؛ فولدت له عبد الرحمن بن يزيد؛ فهو أخو عاصم لأمّه.","vol":"7","page":174},{"text":"قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى وادي القُرى في رجب.\nقال: وفيها سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دَوْمة الجَنْدل في شعبان؛ وقال له رسول الله - ﷺ -: إن أطاعوك فتزوّج ابنَة ملكهم؛ فأسلم القوم، فتزوّح عبد الرحمن تُماضر بنت الأصْبَغ، وهي أمّ أبي سَلمة، وكان أبوها رأسَهم وملكهم.\nقال: وفيها أجدب الناسُ جدبًا شديدًا، فاستسقى رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان بالناس.\nقال: وفيها سريّة علي بن أبي طالب - ﵇ - إلى فَدَك في شعبان.\nقال: وحدَّثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عُقْبة، قال: خرج عليُّ بن أبي طالب في مئة رجل إلى فدَك، إلى حيّ من بني سَعْد بن بكر؛ وذلك: أنَّه بلغ رسول الله أنّ لهم جمعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر؛ فسار إليهم الليل وكَمَن النَّهار؛ وأصاب عَينًا، فأقرّ لهم أنه بُعِث إلى خيبر يعرض عليهم نصرَهم على أن يجعلوا لهم ثمر خَيبر.\nقال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى أمّ قِرْفة في شهر رمضان.\nوفيها قتلت أمّ قِرْفة؛ وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، قتلها قتلًا عنيفًا؛ ربط برجليها حبْلًا ثم ربطها بين بعيرين حتى شقَّاها شقًّا؛ وكانت عجوزًا كبيرةً (١).\n٢٥٩ - وكان من قصَّتها ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - زيد بن حارثة إلى وادي القُرى؛ فلقيَ به بني فزارة؛ فأصيب به أناسٌ من أصحابه، وارْتُثَّ زيد من بين القتلى، وأصيب فيها ورد بن عمرو أحد بني سعد بني هُذَيم، أصابه أحد بني بدْر؛ فلمَّا قدم زيد نَذَر ألَّا يمسّ رأسه غسلٌ من جنابة حتى يغْزُو\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الرواية دون أن يذكر إسناده إلى الواقدي والواقدي متروك.\nوذكر ابن سعد هذه السرايا دون إسناد وكذلك أورد الحافظ البيهقي هذه السرايا من طريق الواقدي (الدلائل ٤/ ٨٢).\nوقال الحافظ ابن كثير: فصل في ذكر السرايا والبعوث التي كانت في سنة ست من الهجرة، وتلخيص ذلك مما أورده الحافظ البيهقي عن الواقدي قال: .. ثم ذكر هذه البعوث والسرايا على نحو ما عند الطبري (البداية والنهاية ٣/ ٣٩٥).","vol":"7","page":175},{"text":"فَزارة؛ فلمَّا استبلّ من جراحه، بعثه رسولُ الله - ﷺ - في جيش إلى بني فَزارة، فلقيَهم بوادي القُرى، فأصاب فيهم؛ وقتل قيس بن المسحَّر اليعْمُريّ مَسْعَدَة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أمَّ قرفة -وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت عند مالك بن حُذيفة بن بدر، عجوزًا كبيرة- وبنتًا لها، وعبد الله بن مسعدة. فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قِرْفة؛ فقتلها قتلًا عنيفًا، ربط برجليها حبلين ثم رَبطهما إلى بعيرين حتى شقَّاها. ثم قدموا على رسول الله - ﷺ - بابنة أم قِرْفة وبعبد الله بن مسعدة؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع؛ كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: لو كنت أعزّ من أم قرفة ما زدتَ. فسألها رسول الله - ﷺ - سلَمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهْب؛ فولدت له عبد الرحمن بن حَزْن (١). (٢: ٦٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوك</span>\n٢٦٠ - قال: وفيها بعث رسول الله - ﷺ - الرُّسُلَ؛ فبعث في ذي الحجة ستَّة نفر: ثلاثة مصطحبين: حاطب بن أبي بلتعة من لَخْم حليف بني أسد بن عبد العزى إلى المقوقس، وشجاع بن وهب من بني أسد بن خُزيمة -حليفًا لحرب بن أمية شهد بدرًا- إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسانيّ، ودِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ إلى قيصر. وبعث سليط بن عمرو العامريّ عامرَ بن لؤيّ إلى هَوْذة بن علي الحنفيّ. وبعث عبد الله بن حُذافة السهمي إلى كسرى. وعمرو بن أمية الضَّمْريّ إلى النجاشيّ (٢). (٢: ٦٤٤).\n٢٦١ - وأمَّا ابنُ إسحاق، فإنَّه -فيما زعم، وحدَّثنا به ابنُ حميد- قال: حدَّثنا سلَمة عنه، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - قد فرّق رجالًا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاةً إلى الله ﷿ فيما بين الحديبية ووفاته (٣). (٢: ٦٤٥).\n٢٦٢ - وحدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وإسناد ابن إسحاق منقطع.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":176},{"text":"يزيد بن أبي حَبيب المصريّ، أنه وجد كتابًا فيه تسمية مَنْ بعث رسول الله - ﷺ - إلى ملوك الخائبين، وما قال لأصحابه حين بعثهم، فبعث به إلى ابن شهاب الزّهريّ، مع ثقة من أهل بلدة فعرَفه. وفي الكتاب أنّ رسولَ الله - ﷺ - خرج على أصحابه ذاتَ غَداة، فقال لهم: إني بُعِثتُ رحمةً وكافّة؛ فأدّوا عنّي يرحمكم الله؛ ولا تختلفوا عليّ كاختلاف الحواريين على عيسى ابن مريم، قالوا: يا رسول الله؛ وكيف كان اختلافُهم؟ قال: دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه؛ فأمَّا من قَرُبَ به فأحبّ وسلم، وأمَّا مَنْ بَعُد به فكرِه وأبي؛ فشكا ذلك منهم عيسى إلى الله ﷿، فأصبحوا من ليلتهم تلك؛ وكلُّ رجل منهم يتكلَّم بلغة القوم الَّذين بُعث إليهم. فقال عيسى: هذا أمرٌ قد عزم الله لكم عليه؛ فامضوا (١). (٢: ٦٤٥).\n٢٦٣ - قال ابنُ إسحاق: ثم فرّق رسولُ الله - ﷺ - بين أصحابه؛ فبعث سَلِيط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخا بني عامر بن لؤي إلى هَوْذة بن عليّ، صاحب اليمامة. وبعث العَلاء بن الحَضرميّ إلى المنذِر بن ساوى أخي بني عبد القَيس صاحب البحْرَين، وعمرو بن العاص إلى جَيفر بن جُلَنْدَى وعبّاد بن جُلَنْدَى الأزديَّين صاحِبَي عُمان. وبعث حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية؛ فأدَّى إليه كتابَ رسول الله - ﷺ -، وأهدى المقوقس إلى رسول الله - ﷺ - أربَع جوار، منهنَّ مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -. وبعث رسول الله دِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ ثم الخزْجي إلى قيصر، وهو هِرَقْل ملك الروم؛ فلمَّا أتاه بكتاب رسول الله - ﷺ - نَظر فيه ثم جعله بين فَخِذيهِ وخاصرَته (٢). (٢: ٦٤٥/ ٦٤٦).\n٢٦٤ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: قال ابنُ شِهاب الزُّهريّ: حدّثني أسقف للنصارى أدركتُه في زمان عبد الملك بن مروان، أنه أدرك ذلك من أمْرِ رسول الله - ﷺ - وأمْر هرقل وعَقَله، قال: فلمَّا قدِم عليه كتابُ رسول الله - ﷺ - مع دِحْيَة بن خليفة، أخذه هِرَقْل، فجعله بين فخذيه وخاصرته. ثم كتب إلى رجل بروميَة كان يقرأ من العبرانية ما يقرؤونه؛ يذكر له أمره، ويَصفُ له شأنه، ويخبره بما جاءَ منه؛ فكتب إليه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضغيف.","vol":"7","page":177},{"text":"صاحب روميَة: إنَّه للنّبيُّ الذي كنا ننتظِرُه؛ لا شكَّ فيه؛ فاتَّبعه وصدِّقْه.\nفأمر هرقلُ ببطارقة الرُّوم؛ فجُمعُوا له في دَسْكَرة، وأمَر بها فأشرِجَتْ أبوابُها عليهم؛ ثم اطّلع عليهم من عُلِّيَّة له؛ وخافهم على نفسه، وقال: يا معشَرَ الروم! إني قد جمعتكم لخير؛ إنه قد أتاني كتاب هذا الرّجل يدعوني إلى دينه؛ وإنَّه والله لَلنبيّ الذي كنَّا ننتظره ونجده في كتبنا؛ فهلمّوا فلنتَّبِعه ونصدِّقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.\nقال: فَنَخَرُوا نَخْرةَ رجل واحد؛ ثم ابتدروا أبوابَ الدَّسْكرة ليخرجوا منها فوجدُوها قد أغلقت؛ فقال: كرُّوهم عليّ -وخافهم على نفسه- فقال: يا معشَر الرُّوم! إني قد قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الَّذي قد حَدَث؛ وقد رأيت منكم الذي أسَرُّ به؛ فوقعوا له سُجَّدًا؛ وأمر بأبواب الدَّسْكرة ففتِحَتْ لهم؛ فانطلقوا (١). (٢: ٦٤٩/ ٦٥٠).\n٢٦٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدِحْيَة بن خليفة حين قدم عليه بكتاب رسول الله - ﷺ -: ويحك! والله إنِّي لأعلَمُ أن صاحبَك نبيٌّ مرسل؛ وأنَّه الَّذِي كنَّا ننتظره ونجده في كتابنا؛ ولكني أخاف الرُّوم على نفسي؛ ولولا ذلك لاتَّبعتُه؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر له أمرَ صاحبكم؛ فهو والله أعظم في الروم مِنّي، وأجوَز قولًا عندهم منيّ؛ فانظر ما يقول لك.\nقال: فجاءَه دِحْية؛ فأخبره بما جاءَ به من رسول الله - ﷺ -، وبما يدعوه إليه، فقال صغاطر: صاحبُك والله نبي مرسَل؛ نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه.\nثم دخل فألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبِس ثيابًا بيضًا، ثم أخذ عصاه؛ فخرج على الرّوم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشرَ الرُّوم؛ إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد؛ يدعونا فيه إلى الله ﷿؛ وإنيّ أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ أحمد عبده ورسوله.\nقال: فوثبوا عليه وَثْبَةَ رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. فلمَّا رجع دِحْية إلى\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":178},{"text":"هرقل فأخبره الخبر قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا؛ فصغاطر -والله- كان أعظمَ عندهم وأجْوَزَ قولًا مني (١). (٢: ٦٥٠/ ٦٥١).\n٢٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام، قال: لما أراد هِرقْل الخروجَ من أرض الشام إلى القسطنطينية لمَا بلغه من أمر رسول الله - ﷺ -؛ جمع الرُّوم، فقال: يا معشرَ الرُّوم؛ إني عارضٌ عليكم أمورًا، فانظروا فِيمَ قد أردتها! قالوا: ما هي؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرَّجل لنبي مرسلٌ؛ إنا نجده في كتابنا نعرفه بصفتِه التي وصف لنا، فهلُمَّ فَلْنتَّبِعْه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا، فقالوا: نحن نكون تحتَ يدي العرب؛ ونحن أعظم الناس مُلْكًا، وأكثرهم رجالًا، وأفضلُهم بلدًا!\nقال: فهلمَّ فأعطيه الجزية في كلّ سنة، اكسِرُوا عني شوكتَه وأستريحُ من حَرْبِه بمال أعطيه إياه، قالوا: نحن نعطِي العرب الذلّ والصَّغار، بخَرْج يأخذونه منا؛ ونحن أكثر الناس عددًا، وأعظمهم ملكًا، وأمنعهم بلدًا؛ لا والله لا نفعل هذا أبدًا.\nقال: فهلمَّ فلأصالحه على أنْ أعطيَه أرض سُورِيَّة، ويَدَعني وأرض الشام -قال: وكانت أرضُ سوريّة أرضَ فلسطين والأردنّ ودمشق وحِمص وما دون الدَّرْب من أرضَ سوريَّة وكان ما وراء الدَّرب عندهم الشام- فقالوا له: نحن نعطيه أرض سورية، وقد عرفت أنها سرَّة الشام؛ والله لا نفعل هذا أبدًا.\nفلما أبْوا عليه، قال: أما والله لترونّ أنكم قد ظفرتُمْ إذا امتنعتم منه في مدينتكم. ثم جلس على بَغْل له؛ فانطلق حتى إذا أشرف على الدَّرْب استقبل أرض الشام، ثم قال: السَّلام عليكم أرض سوريَّة تسليمَ الوداع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينيّة (٢). (٢: ٦٥١).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وفي إسناد ابن إسحاق انقطاع، وأما اعتراف هرقل بنبوة محمد - ﷺ - صراحة أو ضمنًا فواضح من خلال رواية الصحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح فليراجع.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":179},{"text":"٢٦٧ - قال ابن إسحاق: وبعثَ رسولُ الله - ﷺ - شُجاع بن وهب أخا بني أسد بن خُزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شَمِر الغساني؛ صاحب دمشق (١). (٢: ٦٥٢).\n٢٦٨ - وقال محمد بن عمر الواقديّ: وكتب إليه معه: سلام عَلى مَن اتَّبع الهدى، وآمن به. إنّي أدعُوك إلى أن تؤمنَ بالله وحدَه لا شريك له يبقى لك ملكك.\nفقدم به شجاع بن وهْب، فقرأه عليهم، فقال: مَنْ ينزع منّي ملكي! أنا سائر إليه، قال النبيّ - ﷺ -: بادَ مُلْكه (٢)! (٢: ٦٥٢).\n٢٦٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة قال: حدثنا ابنُ إسحاق، قال: بعثَ رسولُ الله - ﷺ - عمرو بن أمية الضَّمْرِيّ إلى النجاشيّ في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه؛ وكتب معه كتابًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشيّ الأصحم ملك الحبشة، سلمٌ أنت؛ فإني أحْمَد إليك الله الملك القُدُّوس السَّلام المُؤمِن المهيمن؛ وأشهدُ أن عيسى ابن مريم روحُ الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البَتُول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى؛ فَخلقه الله من رُوحِه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإنِّي أدعوك إلى الله وحْده لا شريك له؛ والموالاة على طاعته؛ وأن تتبعني وتؤمِنَ بالذي جاءني؛ فإنّي رسول الله، وقد بعثت إليك ابنَ عمّي جعفرًا ونفرًا معه من المسلمين؛ فإذا جاءك فأقرّهم، ودع التجبّر؛ فإنّي أدعُوك وجنودَك إلى الله، فقد بلّغت ونصحت؛ فاقبلوا نصْحِي؛ والسلام على من اتّبع الهدى.\nفكتب النجاشيّ إلى رسول الله - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله، من النجاشيّ الأصْحَم بن أبجر. سلامٌ عليك يا نبيَّ الله ورحمة الله وبركاته من الله الذي لا إله إلا هو، الذي هداني إلى الإسلام. أما بعد؛ فقد بلغَني كِتابُك يا رسول الله فيما ذكرتَ من أمر عيسى، فوربّ السماء والأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرتَ ثُفرُوقًا؛ إنه كما قلت؛ وقد عرفنا ما بُعثْتَ به إلينا؛ وقد\n_________\n(١) لم يذكر الطبري إسناده إلى ابن إسحاق، وذكر ابن إسحاق بلاغًا.\n(٢) لم يذكر الطبري إسناده إلى الواقدي، والواقدي متروك.","vol":"7","page":180},{"text":"قَرَينا ابنَ عمِّك وأصحابه؛ فأشهد أنك رسولُ الله صادقًا مصدَّقًا؛ وقد بايعتك وبايعتُ ابنَ عمك؛ وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين؛ وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر؛ فإني لا أملكُ إلَّا نفسي؛ وإن شئت أن آتيَك فعلت يا رسول الله؛ فإنّي أشهد أن ما تقول حقّ، والسلام عليك يا رسول الله.\nقال ابن إسحاق: وذُكرَ لي أن النجاشيّ بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة؛ فإذ كانوا في وَسَط من البحر غرِقَتْ بهم سفينتُهم، فهلكوا (١). (٢: ٦٥٢/ ٦٥٣).\n٢٧٠ - وحُدّثت عن محمد بن عمر، قال: أرسل رسولُ الله - ﷺ - إلى النجاشيّ ليزوّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ ويبعث بها إليه مع مَنْ عنده من المسلمين، فأرسل النجاشيّ إلى أمّ حبيبة يخبرها بخطبة رسول الله - ﷺ - إياها جارية له يقال لها أبرهة؛ فأعطتها أوْضَاحًا لها وفَتخًا سرورًا بذلك، وأمرها أن توكّل مَنْ يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، فزوّجها، فخطب النجاشيّ على رسول الله - ﷺ -، وخطب خالد فأنكَح أمّ حبيبة، ثم دعا النجاشيّ بأربعمئة دينار صداقها؛ فدفعها إلى خالد بن سعيد؛ فلما جاءت أمّ حبيبة تلك الدنانير، قالت: جاءت بها أبْرهة فأعطتها خمسين مثقالًا، وقالت: كنت أعطيتُكِ ذلك؛ وليس بيدي شيء، وقد جاء الله ﷿ بهذا.\nفقالت أبرهة: قد أمرني الملك ألَّا آخذ منك شيئًا؛ وأن أردّ إليك الذي أخذت منك، فرددته وأنا صاحبة دُهن الملك وثيابه، وقد صدّقتُ محمدًا رسول الله وآمنتُ به؛ وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السَّلام.\nقالت: نعم؛ وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهنَّ من عُود وعنبر؛ فكان رسول الله - ﷺ - يراه عليها وعندها فلا ينكره.\nقالت أمّ حبيبة: فخرجنا في سفينتين، وبعث معنا النَّواتي حتى قدمنا الجار، ثم ركبنا الظّهر إلى المدينة؛ فوجدْنا رسولَ الله - ﷺ - بحْيبر، فخرج مَنْ خرج إليه، وأقمت بالمدينة حتى قدِم رسولُ الله؛ فدخلتُ إليه، فكان يسائلني عن النَّجاشيّ؛ وقرأت عليه من أبرهة السلام، فردّ رسول الله - ﷺ - عليها؛ ولما جاء أبا سفيان\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا.","vol":"7","page":181},{"text":"تزويجُ النبيّ - ﷺ - أمّ حبيبة قال: ذلك الفحل لا يقدَعُ أنفه (١). (٢: ٦٥٣/ ٦٥٤).\nقال الواقديّ: قتَل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها (٢). (٢: ٦٥٦).\n٢٧١ - قال الواقديّ: وفيها كتب إلى المقوقس عظيم القبْط، يدعوه إلى الإسلام فلم يُسْلِم (٣). (٢: ٦٥٧).\n٢٧٢ - قال أبو جعفر: ولما رجع رسولُ الله - ﷺ - من غزوة الحديبية إلى المدينة أقام بها ذا الحجّة وبعض المحرّم -فيما حدثنا ابنُ حُمَيد قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق-.\nقال: وولي الحجّ في تلك السنة المشركون (٤). (٢: ٦٥٧).\n* * *\n_________\n(١) لم يذكر الطبري شيخه هنا والذي حدثه عن الواقدي المتروك.\n(٢) ضعيف.\n(٣) قلنا: الواقدي متروك، ثم إنه لم يذكر إسناده هنا وقد أخرج ابن هشام في السيرة (٤/ ٢١٦) والبيهقي في الدلائل (٤/ ٣٩٥) وابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٥٢٢) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عبد الرحمن بن عبد القارئ: \"أن رسول الله - ﷺ - بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى المقوقس، فقبّل الكتاب، وأكرم حاطبًا وأحسن نزله، وسرّحه إلى النبي - ﷺ -، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها وخادمتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها رسول الله - ﷺ - لجهم بن قيس العبدي فهي أم زكريا بن جهم الذي كان حليفة عمرو بن العاص على مصر\".\nوهذا إسناد مرسل وأخرجه البيهقي في الدلائل موصولًا (٤/ ٣٩٥) ولكن من طريق آخر وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فالحديث ضعيف، ولكن الأستاذ إبراهيم العلي قال في السيرة النبوية (ص ٣٨٥ الحاشية):\nفيرتقي الحديث إلى درجة الحسن -وفي تحسينه هذا نظر فلو تعددت مخارج المرسل مع وجود الطريق الموصول ولو كان ضعيفًا ضعفًا يسيرًا لارتقى إلى درجة الحسن وخاصة في باب السير والمغازي- والله تعالى أعلم.\n(٤) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا.","vol":"7","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة (غزوة خيبر)</span>\n٢٧٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أنه حدَّثه بعضُ أسلَم: أنّ بني سهم مِنْ أسلَم، أتوْا رسولَ الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله؛ واللهِ لقد جُهِدْنا وما بأيدينا شيء؛ فلم يجدُوا عند رسول الله شيئًا يعطيهم إياه، فقال النبيّ: اللهمّ إنك قد عرفت حالهم، وأنْ ليست بهم قوة؛ وأن ليس بيدي شيء أعطِيهم إياه؛ فافتح عليهم أعظمَ حصونِها؛ أكثرها طعامًا ووَدَكًا. فغدا النَّاس، ففتح الله عليهم حِصْنَ الصّعب بن معاذ؛ وما بخيبر حصْنٌ كان أكثرَ طعامًا وَوَدَكًا منه (١). (٣: ١٠).\nقال: ولما افتتح رسولُ الله - ﷺ - مِنْ حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوْا إلى حصنهم الوَطِيح والسُّلالم -وكان آخر حصون خَيبر افتتح- حاصَرَهم رسول الله بضعَ عشرة ليلة (٢). (٣: ١٠).\nثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر، يرتجز ويقول:\nقَدْ علمَتْ خَيبَرُ أَنِّي يَاسِرُ ... شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاورُ\nإِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تُبَادِرُ ... وَأحْجَمَتْ عَنْ صَوْلتي المَغَاورُ\nإنَّ حِمَايَ فيه مَوْتٌ حَاضِرُ (٣) (٣: ١١)\n٢٧٤ - حدَّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا عَوْف، عن ميمون أبي عبد الله: أن عبد الله بن بُرَيدة حَدَّث عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: لما\n_________\n(١) إسناده ضعيف وأخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٢٢٣) وفي إسناده إبهام.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":183},{"text":"كان حين نزل رسولُ الله - ﷺ - بحصن أهل خيبر، أعطى رسولُ الله - ﷺ - اللواءَ عمر بن الخطاب، ونهض مَنْ نهض معه من الناس؛ فلقُوا أهل خيبر؛ فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله - ﷺ -؛ يجبِّنُه أصحابهُ ويجبّنهم، فقال رسول الله - ﷺ -: لأعْطِينَّ اللواء غدًا رَجُلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. فلمّا كان من الغد تطاولَ لها أبو بكر وعمر؛ فدعا عليًّا - ﵇ - وهو أرْمد، فتفل في عينيه، وأعطاه اللواءَ، ونهض معه من الناس مَنْ نهض. قال: فلقيَ أهل خيبر؛ فإذا مرحب يرتجز ويقول:\nقَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي مَرْحبُ ... شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مجَرَّبُ\nأَطْعَنُ أَحْيَانًا وحينًا أضرِبُ ... إذَا اللُّيُوث أَقبلتْ تَلَهَّبُ\nفاختلف هو وعليٌّ ضربتين، فضربه عليٌّ على هامتِه؛ حتى عضّ السيف منها بأضراسه؛ وسمع أهل العسكر صوت ضَربته؛ فما تتامَّ آخر الناس مع عليّ ﵇ حتى فتح الله له ولهم (١). (٣: ١١/ ١٢).\n_________\n(١) في إسناده ميمون (أبو عبد الله) قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن معين: لا شيء (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٣٧ / ت ٨٩٧١) وفي النفس شيء من متن هذه الرواية ونعني عبارة: (يجبنه أصحابه ويجبنهم).\nوكذلك أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧) من طريق عبد الله بن موسى عن نعيم بن حكيم عن أبي موسى الحنفي عن علي - ﵁ - وفيه: (هزموا عمر وأصحابه فجاؤوا يجبنوه ويجبنهم).\nقلنا: وعبيد الله بن موسى وإن كان ثقة فإن غير واحد من أئمة الحديث قالوا فيه: شيعي محترق وتُشم رائحة التشيع من هذه الرواية.\nأضف إلى ذلك فإن نعيم بن حكيم صدوق له أوهام، وأما أبو موسى الحنفي: فإن كان الذي ترجم له الذهبي قائلًا: أبو موسى عن علي فهو مجهول. وفي موافقة الذهبي للحاكم في تصحيحه لهذا الإسناد نظر -وأي نظر-.\nوأخرج الحاكم رواية أخرى في المستدرك من طريق يحيى بن يعلى عن القاسم بن أبي شيبة من حديث جابر - ﵁ - وفيه: فرجع يجبن أصحابه ويجبنوه.\nوصححه الحاكم على شرط مسلم ولم يوافقه الذهبي إذ قال: قلت: القاسم واهٍ (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٣٨).\nقلنا: وإن كان يحيى بن معلى هذا هو الأسلمي فهو مضطرب الحديث كما قال البخاري (الميزان / ت ٩٦٥٧). =","vol":"7","page":184},{"text":"٢٧٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن؛ عن بعض أهله، عن أبي رافع مولَى رسول الله - ﷺ -، قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالب حين بعثَهُ رسولُ الله - ﷺ - برايته؛ فلمَّا دنا مِن الحِصْن خرج إليه أهلُه؛ فقاتلهم فضربه رجل من اليهود، فطرح تُرْسَه من يده؛ فتناول عليٌّ - ﵁ - بابًا كان عند الحصن، فتترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل؛ حتى فتح الله عليه؛ ثمَّ ألقاه من يده حين فرغ؛ فلقد رأيتُني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نَقْلِب ذلك الباب فما نَقلِبُه (١). (٣: ١٣).\n٢٧٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ولما فَتح رسولُ الله - ﷺ - القَمُوص، حصن ابن أبي الحُقَيق، أتِيَ رسول الله بصفيّة بنت حُيّي بن أخطب، وبأخرى معها؛ فمرّ بهما بلال -وهو الذي جاء بهما- على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفيّة صاحت وصكَّتْ وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله قال: أغرِبوا عني هذه الشيطانة؛ وأمر بصفية فحِيزت خلْفَه، وألقَى عليها رداؤَه، فعرف المسلمون أن رسولَ الله - ﷺ - قد اصطفاها لنفسه، فقال رسولُ الله - ﷺ - لبلال -فيما بلغني- حين رأى من تلك اليهودية ما رأى: أنُزِعَتْ منك الرحمة يا بلال؛ حيث تمرُّ بامرأتين على قتلى رجالهما! وكانت صفيّة قد رأت في المنام وهي عروسٌ بكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق؛ أن قمرًا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال:\n_________\n= قلنا: والفرق واضح بين مسألتين. الأولى: تقهقر القوة التي قادها سيدنا عمر - ﵁ - لأول وهلة.\nوالمسألة الثانية: اتهام الصحابة لعمر بالجبن واتهامه إياهم بالجبن كذلك.\nفأما الأولى فصحيح ولا غرابة في ذلك فالمسلمون يصابون بالقرح وينهزمون ماديًا أحيانًا وينتصرون أحيانًا أخرى. أما أن يتهم بعضهم بعضًا بالجبن ففي النفس منه شيء وقد انكشف المسلمون يوم أحد ولم يتهموا بالجبن فالحرب سجال وكرّ وفرّ.\nوالنتيجة إما نصر وإما شهادة، وأما إعطاؤه - ﷺ - الراية لعلي فصحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح فليراجع.\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وفي إسناد ابن إسحاق مبهم، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٢١٢) من طريق ابن إسحاق هذا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه راوٍ لم يُسَمَّ (٦/ ١٥٢).","vol":"7","page":185},{"text":"ما هذا إلا أنَّك تمنّين ملك الحجاز محمدًا، فلطمَ وجهَها لطمة اخضرَّت عينها منها؛ فأتِيَ بها رسول الله - ﷺ - وبها أثرٌ منها، فسألها: ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر.\nقال ابن إسحاق: وأتِيَ رسول الله - ﷺ - بكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق -وكان عنده كنز بني النَّضير- فسأله فجحَد أن يكون يعلم مكانه؛ فأتِيَ رسولُ الله - ﷺ - برجل من يهود؛ فقال لرسول الله - ﷺ -: إني قد رأيمَا كِنانة يُطِيفُ بهذه الخَرِبَة كلّ غداة. فقال رسول الله - ﷺ - لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك؟ قال: نعم؛ فأمر رسولُ الله - ﷺ - بالخربة فحُفِرَتْ؛ فأخرج منها بعض كنزهم؛ ثم سأله ما بقي، فأبى أنْ يؤديَه، فأمر به رسول الله - ﷺ - الزُّبيرَ بن العوام، فقال: عذِّبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزنده في صدرِه حتى أشرف على نفسه؛ ثم دفعه رسولُ الله إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. وحاصر رسول الله - ﷺ - أهلَ خيبر في حصْنيهم، الوطيح والسُّلالم؛ حتى إذا أيقنوا الهلَكَة سألوه أن يسيّرهم ويحقِن لهم دماءهم؛ ففعل. وكان رسول الله قد حاز الأموال كلها: الشِّقّ ونطاة والكتِيبة؛ وجميع حصونهم إلَّا ما كان من ذَينِكَ الحصنَين. فلما سمع بهم أهل فَدَك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه أن يسيِّرهم ويحقن دماءهم لهم، ويخلُّوا له الأموال، ففعل، وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك مُحَيّصَة بن مسعود؛ أخو بني حارثة؛ فلما نزل أهلُ خيبر على ذلك؛ سألوا رسول الله أن يعامِلَهم بالأموال على النِّصف، وقالوا: نحن أعلمُ بها منكم؛ وأعمرُ لها؛ فصالحهم رسولُ الله - ﷺ - على النِّصف على أنا إذا شئنا أن نخرجَكم أخرجناكم؛ وصالحه أهل فدَك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئًا للمسلمين، وكانت فَدَك خالصة لرسول الله - ﷺ -؛ لأنهم لم يجْلِبُوا عليها بخيلٍ ولا ركاب (١). (٣: ١٣/ ١٤ / ١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>ذكر مقاسم خيبر وأموالها</span>\n٢٧٧ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال:\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا. وأما حديث اصطفاء رسول الله - ﷺ - لصفية فسيأتي لاحقًا.\nوكذلك رؤيا ضعيفة كما سنذكر بعد الرواية التالية إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":186},{"text":"حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت المقاسم على أموال خيبر على الشِّقّ ونَطَاة والكَتِيبَة؛ فكانت الشِّقُّ ونَطاة في سُهمان المسلمين، وكانت الكتيبةُ خمس الله ﷿ وخُمْس النبيّ - ﷺ -؛ وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وطُعْم أزواج النبيّ، وطعم رجال مَشَوْا بين رسول الله - ﷺ - وبين أهل فَدَك بالصُّلْح؛ منهم مُحَيِّصة بن مسعود، أعطاه رسولُ الله - ﷺ - منها ثلاثين وَسْق شعير، وثلاثين وَسْق تمر. وقُسِمَتْ خيبر على أهل الحديبيَة؛ مَنْ شهد منهم خيبر ومن غاب عنها، ولم يَغِبْ عنها إلَّا جابر بن عبد الله بن حَرام الأنصاريّ، فقسم له رسولُ الله - ﷺ - كسهم مَنْ حضرها (١). (٣: ١٩).\n٢٧٨ - قال: ولما فرغ رسولُ الله - ﷺ - من خَيبر قذف الله الرُّعب في قلوب أهل فَدَك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر؛ فبعثوا إلى رسول الله يُصَالحونه على النِّصف من فَدَك، فقدمتْ عليه رُسُلهم بخيبر أو بالطائف، وإمّا بعد ما قدِم المدينة. فقبل ذلك منهم؛ فكانت فَدَك لرسول الله - ﷺ - خاصّة، لأنه لم يُوجفْ عليها بخيل ولا ركاب (٢). (٣: ٢٠).\nقال الواقديّ: في هذه السنة ردّ رسول الله - ﷺ - زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع؛ وذلك في المحرّم.\n٢٧٩ - قال: وفيها قَدِمَ حاطبُ بن أبي بَلْتَعة من عند المُقَوْقس بمارية وأختها سيرين وبغلته دُلْدُل وحِمَاره يَعْفُور وكُسًا؛ وبعث معهما بخَصيّ فكان معهما، وكان حاطب قد دعاهما إلى الإسلام قبل أن يقدم بهما؛ فأسلمت هي وأختها، فأنزلهما رسول الله - ﷺ - على أمّ سلَيم بنت مِلْحان -وكانت ماريّة وضيئة- قال: فبعث النبيّ - ﷺ - بأختها سيرين إلى حسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان (٣). (٣: ٢١).\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق عن عبد الله وفيه انقطاع، وأما ابن هشام فقد أخرجه من كلام ابن إسحاق بلاغًا (السيرة النبوية ٢/ ٤٤٦)\n(٢) ذكره الطبري من كلام ابن إسحاق بلاغًا -وخبر المصالحة مع أهل فدك أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٣٠) من طريق ابن إسحاق مرسلًا، وكذلك أخرجه أبو داود (كتاب الخراج / باب ما جاء في حكم أراضي خيبر) مرسلًا.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":187},{"text":"٢٨٠ - قال: وفي هذه السنة اتّخذ النبيّ - ﷺ - مِنْبره الذي كان يخطبُ الناس عليه، واتخذَ درَجين ومقعدة.\nقال: ويقال: إنه عمل في سنة ثمان. قال: وهو الثبتُ عندنا.\nقال: وفيها بعث رسول الله - ﷺ - عمرَ بن الخطاب في ثلاثين رجلًا إلى عَجُز هوازن بتُرَبَةَ، فخرج بدليل له من بني هلال؛ وكانوا يسيرون الليل، ويكمُنون النهار، فأتى الخبرُ هوازنَ فهربوا؛ فلم يلقَ كيدًا، ورجع (١). (٣: ٢٢).\n٢٨١ - قال: وفيها سريّة أبي بكر بن أبي قُحافة في شعبان إلى نجد، قال سلَمة بن الأكوع: غزونا مع أبي بكر في تلك السنة.\nقال أبو جعفر: قد مضى خبرها قبل.\nقال الواقديّ: وفيها سرية بَشِير بن سعد إلى بني مُرَّة بفدَك في شعبان في ثلاثين رجلًا، فأصيب أصحابه وارْتُثَّ في القتلى، ثم رجع إلى المدينة (٢). (٣: ٢٢).\nقال الواقديّ: وفيها سريّة غالب بن عبد الله إلى بني عبد بن ثعلبة؛ ذكر أن عبد الله بن جعفر حدَّثه عن ابن أبي عون عن يعقوب بن عتبة، قال:\n٢٨٢ - قال يسار مولَى رسول الله - ﷺ -: يا رسولَ الله؛ إني أعلم غِرَّةً من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معه غالب بن عبد الله في مئة وثلاثين رجلًا؛ حتى أغاروا علي بني عبد، فاستاقوا النَّعَم والشاء، وحَدَرُوها إلى المدينة (٣). (٣: ٢٢/ ٢٣).\n٢٨٣ - قال: وفيها سريّة بشير بن سعد إلى يُمْن وجِنَاب في شوّال من سنة سبع، ذكر أن يحيى بن عبد العزيز بن سعيد حدَّثه عن سعد بن عبادة، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: الذي أهاج هذه السريّة: أن حُسَيل بن نويرة الأشجعيّ -وكان دليل رسول الله - ﷺ - إلى خيبر- قدِم على النبيّ - ﷺ -، فقال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":188},{"text":"ما وراءك؟ قال: تركت جمعًا من غَطَفان بالجِنَاب قد بعث إليهم عُيينة بن حِصْن ليسيروا إليكم، فدعا رسول الله بشيرَ بن سعد، وخرج معه الدليل حُسَيل بن نويرة، فأصابوا نَعَمًا وشاءً؛ ولقيَهم عبدٌ لعُيينة بن حِصْن فقتلوه، ثم لقوا جمع عُيَينة؛ فانهزم، فلقيَه الحارث بن عوف منهزمًا، فقال: قد آن لك يا عيينة أن تقصر عما ترى (١). (٢٣: ٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>عمرة القضاء</span>\n٢٨٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن الحكَم بن عُتَيبة، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: اصطفُّوا لرسول الله - ﷺ - عند دار النَّدْوة لينظروا إليه وإلى أصحابه؛ فلما دخل رسولُ الله المسجد، اضطبع بردائه، وأخرج عَضُدَه اليمنى، ثم قال: رَحمَ الله أمرأ أراهُم اليوم من نفسه قُوَّةً! ثم استلم الركن. وخرج يُهْرولُ ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراهُ البيت منهم؛ واستلم الرُّكْن اليمانيّ مشى حتى يستلم الأسود، ثم هَرْوَل كذلك ثلاثة أطواف؛ ومشى سائرها.\nوكان ابن عباس يقول: كان النَّاس يظنُّون أنها ليستْ عليهم؛ وذلك أنّ رسولَ الله إنما صنعها لهذا الحيّ من قريش للَّذي بلغه عنهم؛ حتى حج حجَّة الوداع، فرَمَلَها، فمضت السنّة بها (٢). (٣: ٢٣/ ٢٤).\n٢٨٥ - قال ابن إسحاق: فأفام رسولُ الله - ﷺ - بمكّة ثلاثًا، فأتاه حُوَيطِبُ بن عبد العزّى بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل، في نفر من قريش في اليوم الثالث، وكانت قريش وكّلَتْه بإخراج رسولِ الله - ﷺ - من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنّا، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: ما عليكم لو تركتموني\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده شيخ الطبري ابن حميد وهو ضعيف، والحسن بن عمارة متروك كما قال أحمد ومسلم وأبو حاتم والدارقطني (ميزان الاعتدال ١/ ٥١٤ / ت ١٩١٨) والحديث رواه ابن هشام من طريق ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم. (السيرة النبوية ٢/ ٢٥٤). ففي إسناده مبهم، وأما موقف قريش وتصورهم لحال رسول الله - ﷺ - وأصحابه ففي قسم الصحيح (٢/ ٢٣) فليراجع.","vol":"7","page":189},{"text":"فأعْرَسْتُ بين أظهركم فصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه! قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنّا. فخرج رسول الله - ﷺ - وخلّف أبا رافع مولاه على ميمونة؛ حتى أتاه بها بسرف، فبنَى عليها رسول الله هنالك، وأمر رسول الله أن يُبْدِلوا الهَدْيَ وأبدَل معهم، فعزَّتْ عليهم الإبل فرخّص لهم في البقر؛ ثم انصرف رسول الله - ﷺ - إلى المدينة في ذي الحجة، فأقام بها بقيّة ذِي الحجة -وولي تلك الحجة المشركون- والمحرم وصفرًا وشهرَي ربيع، وبعث في جمادى الأولى بعثَهُ إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة (١). (٣: ٢٥).\nوقال الواقديّ: حدَّثني ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، قال: أمرهم رسولُ الله - ﷺ - أن يعتمروا في قابل قضاء لعمْرَة الحديبية، وأن يهدوا.\nقال: وحدَّثني عبدُ الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكُنْ هذه العمرة قضاءً، ولكن كان شرط على المسلمين أن يعتمروا قابلًا في الشهر الذي صَدَّهم المشركون فيه.\nقال الواقديّ: قول ابن أبي ذئب أحبُّ إلينا، لأنهم أحصِرُوا ولم يَصِلوا إلى البيت (٢). (٢٥: ٣).\nوقال الواقديّ: وحدَّثني عُبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن محمد بن إبراهيم، قال: ساقَ رسولُ الله - ﷺ - في عمرة القضاء ستين بَدَنة (٣). (٣: ٢٥).\n٢٨٦ - قال: وحدَّثني مُعاذ بن محمد الأنصاريّ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: حمل السلاح والبيض والرّماح، وقاد مئة فرس، واستعمل على السلاح بشيرَ بن سعد، وعلى الخيل محمد بن مَسْلَمة، فبلغ ذلك قريشًا فراعهم؛ فأرسلوا مِكْرز بن حفص بن الأخيَف، فلقيه بمَرّ الظَّهْران، فقال له: ما عُرِفتُ صغيرًا ولا كبيرًا إلَّا بالوفاء؛ وما أريد إدخال السلاح عليهم؛ ولكن\n_________\n(١) وكذلك أخرجه ابن هشام من كلام ابن إسحاق بلاغًا (٢/ ٢٥٥) وقصة طلب قريش من رسول الله - ﷺ - أن يغادر مكة بعد انقضاء الأجل صحيح كما عند البخاري وغيره وقد ذكرنا الحديث في ذلك في قسم الصحيح والله أعلم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":190},{"text":"يكون قريبًا إليّ. فرجع إلى قريش فأخبرهم (١). (٣: ٢٦).\nقال الواقديّ: وفيها كانت غزوة ابن أبي العوجاء السُّلَمِيّ إلى بني سُلَيم في ذي القعْدة؛ بعثه رسول الله - ﷺ - إليهم بعد ما رجع من مكة في خمسين رجلًا، فخرج إليهم.\nقال أبو جعفر: فلقيه -فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر- بنو سليم، فأصيب بها هو وأصحابه جميعًا.\nقال أبو جعفر: أما الواقديّ فإنه زعم أنه نجا ورجع إلى المدينة وأصيب أصحابه (٢). (٣: ٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة</span>\nففيها توفِّيتْ فيما زعم الواقديّ زينب ابنة رسول الله - ﷺ - عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر (٣). (٣: ٢٧).\n٢٨٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن رجل من أسلم، عن شيخ منهم، أن شِعارَ أصحاب رسول الله - ﷺ - تلك الليلة كانت: أمتْ أمتْ (٤). (٣: ٢٨).\nقال الواقدي: كانت سرّية غالب بن عبد الله بضعةَ عشرَ رجلًا (٥). (٣: ٢٨).\n٢٨٨ - قال: وفيها بعث رسولُ الله - ﷺ - العَلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوَى العبديّ، وكتب إليه كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبيّ رسولِ الله إلى المنذر بن ساوَى. سلامٌ عليك، فإنّي أحمَدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنَّ كتابك جاءني ورسلُك. وإنه مَنْ صلَّى صلاتَنا، وأكلَ ذبيحتَنا، واستقبَل قِبلَتنا فإنه مسلم؛ له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف، وكذلك أخرجه ابن سعد من طريق ابن إسحاق هذا والله أعلم.\n(٥) ضعيف.","vol":"7","page":191},{"text":"ومَنْ أبَى فعليه الجزية. قال: فصالحهم رسولُ الله - ﷺ - على أن على المجوس الجِزْية، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم (١). (٢٩: ٣)\n٢٨٩ - قال: وفيها بعث رسول الله - ﷺ - عمرَو بن العاص إلى جَيفَر وعبّاد ابني جُلَنْدَى بعُمَان، فصدَّقا النبيّ، وأقرّا بما جاء به، وصدَّق أموالهما، وأخذ الجزية من المجوس (٢). (٢٩: ٣).\n٢٩٠ - قال: وفيها سريّة شجاع بن وهب إلى بني عامر، في شهر ربيع الأوّل في أربعة وعشرين رجلًا، فشنَّ الغارة عليهم، فأصابوا نعمًا وشاءً، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرًا؛ لكل رجل (٣). (٢٩: ٣).\n٢٩١ - قال: وفيها كانت سرّية عمرو بن كعب الغِفاريّ إلى ذات أطلاح، خرج في خمسة عشر رجلًا؛ حتى انتهى إلى ذات أطلاح، فوجد جمعًا كثيرًا، فدعوْهم إلى الإسلام، فأبوْا أن يجيبوا، فقتلوا أصحابَ عمرو جميعًا وتحامل حتى بلغ المدينة.\nقال الواقديّ: وذات أطلاح من ناحية الشام، وكانوا من قُضاعة، ورأسهم رَجْلٌ يقال له: سَدُوس (٤). (٢٩: ٣).\n٢٩٢ - قال: وفيها قدم عمرو بن العاص مسلِمًا على رسول الله - ﷺ -، قد أسلم عند النجاشيّ، وقدم معه عثمان بن طلحة العبدريّ، وخالد بن الوليد بن المغيرة، قدموا المدينة في أوّل صفر (٥). (٢٩: ٣).\n٢٩٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عمّن لا أتهم: أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما، أسلم حين أسلَما (٦). (٣: ٣١).\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٢) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.\n(٦) ضعيف","vol":"7","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1070>ذكر ما في الخبر عن الكائن كان من الأحداث المذكورة في سنة ثمان من سني الهجرة</span>\nفممّا كان فيها من ذلك توجيهُ رسولِ الله - ﷺ - عمرو بن العاص في جُمادى الآخرة إلى السّلاسل من بلاد قُضاعة في ثلاثمئة؛ وذلك أن أمّ العاص بن وائل - فيما ذكر - كانت قُضاعيّة، فذُكر أنّ رسولَ الله - ﷺ - أراد أن يتألّفهم بذلك، فوجّه في أهلِ الشرف من المهاجرين والأنصار، ثم استمدّ رسول - ﷺ -، فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح على المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر في مئتين، فكان جميعهم خمسمئة (١). (٣: ٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>غزوة الخَبط</span>\n٢٩٤ - قال الواقديّ: وفيها كانت غزوة الخَبط؛ وكان الأميرَ فيها أبو عبيدة بن الجراح، بعثه رسول الله - ﷺ - في رجب منها، في ثلاثمئة من المهاجرين والأنصار قِبَل جُهَينة، فأصابهم فيها أزْلٌ شديد وجهدٌ، حتى اقتسموا التّمر عددًا (٢). (٣٢: ٣).\nقال عمرو: وحدثني بكر بن سوادة الجُذاميّ عن أبي جمرة، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك، إلَّا أنه قال: جهدوا؛ وقد كان عليهم قيس بن سعد، ونحر لهم تسع ركائب، وقال: بعثهم في بَعْثٍ من وراء البحر؛ وإنّ البحرَ ألقى إليهم دابّه؛ فمكثوا عليها ثلاثة أيام يأكلون منها ويقدِّدون ويغرفون شحمها؛ فلما قدِموا على رسول الله - ﷺ - ذكروا له ذلك من أمر قيس بن سعد، فقال رسول الله - ﷺ -: أن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، وقال في الحوت: لو نعلم أنّا نبلغه قبل أن يُرْوح لأحببنا أن لو كان عندنا منه شيء؛ ولم يذكر الخبَط ولا شيئًا سوى ذلك (٣). (٣: ٣٣).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":193},{"text":"قال الواقديّ: وإنما سميت غزوة الخبَط، لأنهم أكلوا الخَبط حتى كأنَّ أشداقهم أشداق الإبل العَضِهة (١). (٣: ٣٣).\nقال: وفيها كانت سَرِيّة وجّهها رسول الله - ﷺ - في شعبان، أميرها أبو قتادة (٢) (٣: ٣٤).\n٢٩٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدثني ابن إسحاق عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ، قال: تزوّجتُ امرأةً من قومي، فأصدقتُها مئتي درهم، فجئت رسولَ الله - ﷺ - أستعينه على نكاحي، فقال: وكم أصدقتَ؟ قلت: مئتي درهم يا رسول الله! قال: سبحان الله! لو كنتم إنَّما تأخذون الدراهم من بطن وادٍ ما زدتم! والله ما عندي ما أعينُك به. قال: فلبثتُ أيامًا؛ وأقبل رَجُلٌ من بني جُشَم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس -أو قيس بن رفاعة- في بطنٍ عظيم من جُشَم؛ حتى نزل بقومه ومَنْ معه بالغابة؛ يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله - ﷺ -.\nقال: وكان ذا اسمٍ وشرف في جُشَم. قال: فدعاني رسول الله - ﷺ - ورجلين، من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونا به؛ أو تأتونا منه بخبر وعلم. قال: وقدَّم لنا شارفًا عجفاء، فحمل عليها أحدنا؛ فوالله ما قامت به ضعفًا حتّى دَعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلّت وما كادت. ثم قال: تَبلَّغوا على هذهِ واعتقبوها.\nقال: فخرجنا ومعنا سلاحُنا من النّبل والسيوف؛ حتى جئنا قريبًا من الحاضر عُشَيشِيَةً مع غروب الشمس، فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبيّ، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبّرت وشدَدت على العسكر فكَبِّرا وشُدَّا معي.\nقال: فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّة أو نصيب منهم شيئًا غَشِيَنَا الليل حتى\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":194},{"text":"ذهبت فحمة العشاء؛ وقد كان لهم راعٍ قد سرَح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوّفوا عليه.\nقال: فقام صاحبهُم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفَه، فجعله في عنقه ثم قال: والله لأتبعنَّ أثر راعينا هذا؛ ولقد أصابه شرٌّ. فقال نَفرٌ ممّن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك! فقال: والله لا يذهب إلَّا أنا، قالوا: فنحنُ معك، قال: والله لا يتبعني منكم أحد.\nقال: وخرج حتى مرّ بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلّم، ووثبتُ إليه فاحتززت رأسه، ثم شددتُ في ناحية العسكر وكبَّرت؛ وشدّ صاحباي وكبّرا؛ فوالله ما كان إلا النَّجاء ممَّن كان فيه عندك بكلّ ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم؛ وما خفّ معهم من أموالهم.\nقال: فاستقنا إبلًا عظيمة، وغنمًا كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله - ﷺ - وجئت برأسه أحمله معي قال فأعانني رسول الله - ﷺ - من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرًا، فجمعتُ إليَّ أَهلي (١). (٣: ٣٤/ ٣٥).\n٢٩٦ - وأما الواقديّ، فذكر أن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمَةَ، حدّثه عن أبيه، أنّ النبيّ - ﷺ - بعث ابن أبي حَدْرَد في هذه السريّة مع أبي قَتادة، وأنَّ السريّة كانت ستة عشر رجلًا، وأنَّهم غابوا خمس عشرة ليلة، وأن سُهمانهم كانت اثني عشر بعيرًا يُعْدَلُ البعير بعشرٍ من الغنم، وأنهم أصابوا في وُجوههم أربعَ نسوة؛ فيهنّ فتاة وضيئة، فصارت لأبي قتادة، فكلَّم مَحْمِيَة بن الجَزْء فيها رسولَ الله - ﷺ -، فسأل رسولُ الله - ﷺ - أبا قتادة عنها، فقال: اشتريتها من المغنم، فقال: هبْها لي، فوهبها له، فأعطاها رسولُ الله محمية بن جَزْء الزُّبيديّ (٢). (٢: ٣٥).\nوقال الواقديّ: إنّما كان رسولُ الله - ﷺ - بعثَ هذه السريّة حين خرج لفتح مكة في شهر رمضان، وكانوا ثمانيةَ نفر (٣). (٣: ٣٦).\n_________\n(١) قلنا: أخرجه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٥٥) قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم عن ابن حدرد وفيه انقطاع والله تعالى أعلم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>ذكر الخبر عن غزوة مؤتة</span>\n٢٩٧ - قال ابن إسحاق فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عنه، قال: لما رجع رسولُ الله - ﷺ - إلى المدينة من خَيبر؛ أقام بها شهرَي ربيع، ثم بعث في جمادى الأولى بَعثَه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة (١). (٣: ٣٦).\nثم إن القوم تهيَّؤوا للخروج، فجاء عبد الله بن رواحة إلى رسول الله - ﷺ - فودَّعه، ثم خرج القوم، وخرج رسول الله يشُيّعهم؛ حتى إذا ودَّعهم وانصرف عنهم، قال عبد الله بن رواحة:\nخَلَفَ السَّلامُ على امْرِيءٍ ودَّعْتُهُ ... في النَّخْلِ خَيرَ مُشَيّعٍ وخَلِيلِ\nثم مضوا حتى نزلوا مُعان من أرض الشام؛ فبلغ الناسَ أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، وانضمّت إليه المستعربة من لَخْمٍ وجُذام وبلقَين وَبهْراء وبَلِيّ في مئة ألف منهم؛ عليهم رجلٌ من بَلِيّ، ثم أحد إرَاشة يقال له: مالك بن رافلة، فلمَّا بلغ ذلك المسلمين أقاموا على مُعان ليلتَين، ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ - ونخبره بعدد عدونا، فإما أن يُمِدَّنا برجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجّع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، وقال: يا قوم؛ والله إنَّ الذي تكرهون، لَلَّذي خرَجْتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلَّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلِقوا، فإنما هي إحدَى الحسْنَيَين؛ إما ظهور؛ وإمّا شهادة، فقال الناس: قد والله صَدَق ابنُ رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في مَحبسهم ذلك:\nجَلَبْنَا الخيلَ من آجامِ قُرْحٍ ... تغَرُّ مِنَ الحَشِيشِ لها العكُومُ\nحذوناها من الصَّوَّان سِبتًا ... أزل كأن صفحته أديم\nأقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم\nفرُحنا والجياد مسومات ... تَنفَّس في مناخرها السَّموم\nفلا وأبى مآب لنأتينها ... ولو كانت بها عرب وروم\nفعبأنا أعنَّتها فجاءت ... عوابسَ والغبارُ لها بريم\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":196},{"text":"بذي لجبٍ كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانِسُها النجوم\nفراضية المعيشة طلقتها ... أسنتنا فتنكح أو تئيم\nثم مضى الناس. (٣: ٣٧/ ٣٨) (١).\n٢٩٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه حدَّث عن زيد بن أرْقم، قال: كنتُ يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حِجْره، فخرج في سفره ذلك مُرْدفِي على حَقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلةً إذ سمعته وهو يتمثّل أبياته هذه:\nإذَا أدَّيتِنِي وَحَمَلْتِ رحْلِي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الحِسَاءِ\nفشَأْنُكِ أنْعُمٌ وَخَلاكِ ذَمٌّ ... ولا أَرجِع إلى أَهْلي وَرَائِي\nوجاءَ المسلمون وغادَرُوني ... بأرض الشام مشتهِيَ الثَّواءِ\nوَرَدَّكِ كلُّ ذي نَسَبٍ قرِيبٍ ... إلى الرَّحمنِ مُنْقَطِعَ الإخَاء\nهنالك لا أُبالي طَلْعَ بَعْلٍ ... ولا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِواءُ\nقال: فلما سمعتهنّ منه بكيت، فخفقني بالدِّرَّة، وقال: ما عليك يا لُكَع! يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شُعْبَتَي الرَّحْل! ثم قال عبد الله في بعض شعره وهو يرتجز:\nيا زَيدَ زيدَ اليَعْمُلاتِ الذّبَّلِ ... تطاول اللَّيلُ هُدِيتَ فانْزِلِ\nقال: ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتُخوم البلقاء، لَقِيتْهم جموع هِرَقل من الرّوم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مَشَارِف. ثم دنا العدُوُّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مُؤْتة؛ فالتقى الناس عندها، فتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عُذْرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له: عَبَايَة بن مالك، ثم التقى الناس؛ فاقتتلوا؛ فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - ﷺ - حتى شاط في رماح القوم؛ ثم أخذها جعفر بن أبي طالب؛ فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء\n_________\n(١) أغلب الظن أن هذه التفاصيل أوردها الطبري بإسناده السابق من مرسل عروة ولم نجد ما يقويه فهو ضعيف.","vol":"7","page":197},{"text":"فعقرها، ثم قاتل القوم حمى قُتِل؛ فكان جعفرٌ أوّلَ رجل من المسلمين عَقَر في الإسلام فرسه (١). (٣: ٣٨/ ٣٩).\n٢٩٩ - قال: وقد كان قُطْبَة بن قتادة العذريّ الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة قائد المستعربة فقتله. قال: وقد قالت كاهنة من حَدَس حين سمعت بجيش رسول الله - ﷺ - مقبلًا قد قالت لقومها من حَدَس -وقومها بطن يقال لهم: بنو غَنْم-: أنْذِرُكم قومًا خُزْرًا، ينظرون شَزْرًا، ويقودون الخيل بُترًا، ويُهريقون دمًا عَكْرًا. فأخذوا بقولها؛ فاعتزلوا من بين لَخْم؛ فلم يزالوا بعدُ أثْرَى حَدَس. وكان الذين صَلَوُا الحرب يومئذ بنو ثعلبة؛ بطن من حَدَس؛ فلم يزالوا قليلًا بعد؛ ولما انصرف خالد بن الوليد بالناس أقبل بهم قافلًا (٢). (٣: ٤١/ ٤٢).\n٣٠٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لما دَنوْا من دخول المدينة، تلقاهم رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدّون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابّه، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابنَ جعفر؛ فأتِيَ بعبد الله بن جعفر فأخذه، فحمله بين يديه، قال: وجعل الناس يحثُون على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرَّار! فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله: ليسوا بالفُرَّار؛ ولكنهم الكُرَّار؛ إن شاء الله! (٣). (٣: ٤٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) هذا إسناد مرسل ضعيف وقد أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وسنده مرسل، وقال الحافظ ابن كثير معقبًا على هذه الرواية:\nوهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظن أن هذا لجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان وأمّا بقيتهم فلم يفرّوا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله - ﷺ - للمسلمين وهو على المنبر في قوله: (ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه) فما كان المسلمون ليسمونهم فرارًا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكرامًا وإعظامًا. وإنما كان التأديب وحثي التراب للذين فرّوا وتركوهم هنالك وقد كان فيهم عبد الله بن عمر - ﵄ -.\nثم أخرج الحافظ روايتين للإمام أحمد ولفظ الثانية (عن ابن عمر): كنا في سرية فغرنا =","vol":"7","page":198},{"text":"٣٠١ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ عن بعض آل الحارث بن هشام -وهم أخواله- عن أم سلمة زوْج النبيّ - ﷺ -، قال: قالت أمّ سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلَمة يحضر الصلاة مع رسول الله ومع المسلمين! قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلَّما خرج صاح الناس: أفَرَرتم في سبيل الله! حتى قعد في بيتهِ، فما يخرج.\nوفيها غزا رسول الله - ﷺ - أهل مكة (١). (٣: ٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>ذكر الخبر عن فتح مكة</span>\n٣٠٢ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق، قال: ثمّ أقامَ رسولُ الله - ﷺ - بالمدينة بعد بعثه إلى مُؤتة جمادى الآخرة، ورجب.\nثم إنَّ بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عَدَتْ على خُزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له: الوتير. وكان الذي هاج ما بين بني بكر وبني خُزاعة رجلٌ من بَلْحضرميّ، يقال له: مالك بن عبَّاد -وحِلْف الحضرميّ يومئذ إلى الأسود بن رَزْن- خرج تاجرًا، فلما توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه؛ وأخذوا ماله؛\n_________\n= فأردنا أن نركب البحر فأتينا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون؟ قال: (لا بل أنتم العكارون) ثم قال الحافظ ابن كثير:\nورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلَّا من حديثه.\nوقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى وأسود بن عامر قالا: حدثنا شريك عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية فقدمنا المدينة في نفر ليلًا فاختفينا ثم قلنا: لو خرجنا إلى رسول الله - ﷺ - واعتذرنا إليه فخرجنا إليه، فلما لقيناه: قلنا نحن الفرارون يا رسول الله!\nقال: (بل أنتم العكارون وأنا فئتكم) قال الأسود: (وأنا فئة كل مسلم) اهـ. (البداية والنهاية ٣/ ٤٨٩).\nقلنا. ولا توجد في روايات الإمام أحمد هذه إشارة صريحة إلى أن ذلك كان في غزوة مؤتة والله تعالى أعلم.\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":199},{"text":"فعدتْ بنو بكْر على رجل من خُزاعة فقتلوه، فعَدتْ خُزاعة قُبيل الإسلام علي بني الأسود بن رَزْن الدّيليّ؛ وهم مَنْخَر بني بكر وأشرافهم: سلْمى، وكلثوم، وذؤيب؛ فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم (١). (٣: ٤٢/ ٤٣)\n٣٠٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدثنا سلَمة، قالِ: حدَّثني محمد بن إسحاق عن رجل من بني الدِّيل، قال: كان بنو الأسود يُودَوْن في الجاهليّة دِيَتَين ديتين، ونُودى دية ديةً لفضلهم [فينا] (٢). (٣: ٤٣).\nقال الواقديّ: كان ممن أعان من قريش بني بكر على خُزاعة ليلتئذٍ بأنفسهم متنكّرين صَفْوان بن أميّة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وسُهَيل بن عمرو؛ مع عيرهم وعبيدهم (٣). (٤٤: ٣).\nومضى بُديل بن ورقاء وأصحابه، فلقُوا أبا سفيان بعُسفان، قد بعثتْه قريش إلى رسول الله ليشدّد العقد ويزيد في المدّة؛ وقد رهبوا الذي صنعوا؛ فلما لقيَ أبو سفيان بُديلًا، قال: مِنْ أين أقبلت يا بديل؟ . وظنَّ أنه قد أتى رسولَ الله، قال: سِرْت في خُزاعة في السَّاحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أوَ ما أتيتَ محمدًا؟ قال: لا. قال: فلما راح بُديل إلى مكَّة قال أبو سفيان: لئنِ كان جاء المدينة لقد عَلَف بها النَّوى؛ فعَمد إلى مَبْرَك ناقته، فأخذ من بعرها ففتَّه؛ فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُديل محمدًا.\nثم خرج أبو سفيان حتى قدِم على رسولِ الله - ﷺ - المدينة؛ فدخل على ابنتِه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ فلما ذهب ليجلس على فِراش رسول الله - ﷺ -، طوَتْه عنه، فقال: يا بنيَّة! والله ما أدرِي أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عنّي! قالت: بل هو فراشُ رسول الله، وأنت رجل مشرك نجِس، فلم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله، قال: والله لقد أصابكِ يا بنيّة بعدي شرٌّ! ثم خرَج حتى أتى رسولَ الله - ﷺ -، فكلَّمه فلم يردُدْ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أن يكلِّم له رسولَ الله، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمَر بن الخطاب، فكلَّمه\n_________\n(١) إسناد الطبري إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق بلاغًا.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":200},{"text":"فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فوالله لو لم أجدْ إلا الذرَّ لجاهدتُكم. ثم خرج فدخل على عليّ بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-، وعنده فاطمة ابنة رسول الله، وعندها الحسن بن عليّ؛ غلامٌ يَدِبُّ بين يديها، فقال: يا عليّ! إنك أمسُّ القوم بي رَحِمًا، وأقربُهم منّي قرابة، وقد جئتُ في حاجة؛ فلا أرجعَنَّ كما جئت خائبًا، اشفع لنا إلى رسول الله! قال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عَزَمِ رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلِّمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال: يابنة محمَّد؛ هل لكِ أن تأمري بُنيَّك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيِّد العرب إلى آخر الدهر! قالت: والله ما بلغ بُنَيِّي ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله أحد. قال: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليّ فانصحني. فقال له: والله ما أعلمُ شيئًا يُغني عنك شيئًا، ولكنَّك سيّد بني كنانة؛ فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحقْ بأرضك. قال: أوَ ترَى ذلك مُغْنيًا عني شيئًا! قال: لا والله ما أظنّ؛ ولكن لا أجدُ لك غير ذلك؛ فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيّها الناس؛ إني قد أجَرْتُ بين الناس؛ ثم ركب بعيره فانطلق (١). (٣: ٤٦/ ٤٧).\nفلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلَّمته، فوالله ما ردَّ عليّ شيئًا، ثم جئت ابنَ أبي قُحافة، فلم أجد عنده خيرًا، ثم جئت ابنَ الخطاب؛ فوجدته أعْدَى القوم، ثمّ جئت عليّ بن أبي طالب، فوجدته أليَنَ القوم؛ وقد أشار عليّ بشيء صنعتُه؛ فوالله ما أدري هل يغنيني شيئًا أم لا! قالوا: وبماذا أمَرَك؟ قال: أمرني أن أجيرَ بين الناس ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إن زاد على أن لَعِبَ بك، فما يُغني عنَّا ما قلت، قال: لا والله، ما وجدتُ غير ذلك، قال: وأمرَ رسولُ الله - ﷺ - الناس بالجهاز؛ وأمر أهله أن يجهّزوه؛ فدخل أبو بكر على ابنتهِ عائشة وهي تحرّك بعض جِهاز رسول الله - ﷺ -، فقال: أي بنَية! أأمركم رسول الله بأن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهَّز، قال: فأين ترينَه يريد؟ قالت: والله ما أدري (٢). (٣: ٤٧).\nثم إنَّ رسول الله - ﷺ - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة؛ وأمرهم بالجدّ والتهيُّؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نَبْغَتها في بلادها.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":201},{"text":"فتجهَّز الناس، فقال حسان بن ثابت الأنصاري يُحرِّضُ الناس، ويذكر مصابَ رجال خُزاعة:\nأَتانِي ولم أَشْهَدْ ببطْحَاءِ مكَّة ... رجال بني كعب تُحَزُّ رقابُها\nبأيدي رجالٍ لم يَسُلُوا سيوفهم ... وقتلَى كثيرٌ لم تُجَنَّ ثيابُها\nألا ليت شعرِي هل تَنالنَّ نُصْرَتِي ... سُهَيلَ بنَ عمرو حرُّها وَعِقَابُها!\nوصفْوان عَوْدٌ حُزَّ من شُفُرِ اسْتِهِ ... فهذَا أَوَانُ الْحَربِ شُدّ عصَابُها\nفلا تأمننَّا بابن أُمِّ مُجَالدٍ ... إذا احتُلبتْ صِرْفًا وأعصَلَ نابُها\nفلا تجْزَعُوا منْها فإنَّ سيوفنا ... لَهَا وقعةٌ بالموْت يُفْتَحُ بابُها\nوقول حسان:\nبأيدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيوفَهمْ\nيعني: قريشًا. وابن أمّ مجالد، يعني: عِكْرمة بن أبي جَهْل (١). (٣: ٤٧/ ٤٨).\n٣٠٤ - وقال الواقديّ: خرج رسولُ الله - ﷺ - إلى مكّة، فقائلٍ يقول: يريد قريشًا، وقائل يقول: يريد هَوازن، وقائل يقول: يريد ثقِيفًا؛ وبعث إلى القبائل فتخلّفت عنه؛ ولم يعقد الألوية ولم ينشر الرّايات حتى قدم قُدَيدًا، فلقيتْه بنو سُليم على الخيل والسلاح التامّ؛ وقد كان عُيينة لحقَ رسول الله بالعَرْج في نفر من أصحابه، ولحقه الأقرع بن حابس بالسُّقْيَا، فقال عيينة: يا رسولَ الله؛ والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام، فأين تتوجّه يا رسول الله؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: حيث شاء الله. ثم دعا رسول الله - ﷺ - أن تعمى عليهم الأخبار؛ فنزل رسولُ الله - ﷺ - مَرَّ الظَّهْران، ولقيه العباس بالسُّقيا، ولقيه مخرمة بن نوفل بنِيق العُقاب (٢). (٣: ٥١/ ٥٢).\n٣٠٥ - وحُدِّثت أن النبيّ - ﷺ - قال لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتِلا إلَّا مَنْ قاتلكما؛ فلمّا قدم خالد علي بني بكْر والأحابيشُ بأسفل مكة. قاتلهم فهزمهم الله ﷿، ولم يكن بمكّة قتال غير ذلك؛ غير أن كُرْز بن جابر أحد بني محارب بن فهْر وابن الأشعر -رجلًا من بني كعب- كانا في خيل الزبير فسلكَا\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":202},{"text":"كَدَاء، ولم يسلُكا طريق الزُّبَيْر الذي سلك، الذي أمِر به، فقدما على كتيبة من قريش مهبط كَداء فقُتِلا؛ ولم يكن بأعلى مكة من قِبَلِ الزبير قتال؛ ومن ثمَّ قدم النبيّ - ﷺ -، وقام الناس إليه يبايعونه؛ فأسلم أهلُ مكّة، وأقام النبيّ - ﷺ - عندهم نصف شهر، لم يزد على ذلك، حتى جاءت هَوازن وثَقيف فنزلوا بحُنَين (١). (٥٦: ٣).\n٣٠٦ - وحدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نَجيح، أن النبيّ - ﷺ - حين فرَّق جيشه مِنْ ذي طَوىً، أمر الزبير أن يدخل في بعض الناس من كُديَّ؛ وكان الزبير على المُجنِّبة اليسرى، فأمر سعد بن عبادة أن يدخُل في بعض الناس من كَدَاء (٢). (٣: ٥٦).\n٣٠٧ - فزعم بعضُ أهل العلم أن سعدًا قال حين وجه داخلًا: \"اليوم يوم المَلحَمَة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمة\". فسمعها رجل من المهاجرين، فقال: يا رسول الله! اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن تكون له في قريش صوْلةٌ! فقال رسول الله - ﷺ - لعليّ بن أبي طالب: أدركْه فخُذ الراية، فكن أنتَ الذي تدخُل بها (٣). (٣: ١٦).\n٣٠٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح وعبد الله بن أبي بكر، أن صفوان بن أمَيَّة، وعِكْرمة بن أبي جَهْل، وسُهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناسًا بالخندمة ليقاتلوا؛ وقد كان حِمَاسُ بن قيس بن خالد أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحًا قبل أن يدخل رسولُ الله - ﷺ - مكة ويُصلح منها، فقالت له امرأته: لمَاذا تعدّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أُخْدِمَك بعضَهم، فقال:\nإن تُقبلوا اليومَ فما لي عِلَّهْ ... هذَا سلاحٌ كامل وأَلّهْ\nوذُو غِرَارَينِ سرِيعُ السَّلَّهْ\n_________\n(١) هذا من كلام ابن إسحاق، ولم يذكر ابن إسحاق إسناده.\n(٢) هذا إسناد مرسل ضعيف.\n(٣) وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم والحديث أخرجه البخاري من مرسل عروة كما ذكرنا قبل قليل ولم نجد له طريقًا موصولًا صحيحًا والله أعلم.","vol":"7","page":203},{"text":"ثم شهد الخَنْدمة مع صفوان وسهيل بن عمرو وعكرمة، فلمَّا لقيَهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد نَاوَشُوهم شيئًا من قتال، فقُتِل كُرْزُ بن جابر بن حِسْل بن الأجَبّ بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وحُبَيش بن خالد، وهو الأشعر بن ربيعة بن أصرم بن ضبِيس بن حرَام بن حَبَشِيَّة بن كعب بن عمرو؛ حليف بني منْقَذ -وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذَّا عنه، وسلكا طريقًا غير طريقه، فقتلا جميعًا- قُتل خُنيس قبل كُرْز بن جابر؛ فجعله كرز بين رجليه؛ ثم قاتل حتى قُتِل وهو يرتجز، ويقول:\nقد علمتْ صَفْوَاءُ من بني فِهَر ... نَقِيَّةُ الوَجْهِ نَقِيَّةُ الصَّدِرْ\nلأضْربنَّ اليومَ عن أبي صَخِرْ\nوكان خُنيس يكنى بأبي صَخْر؛ وأصيب من جُهينةَ سلَمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين أناسٌ قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر. ثم انهزموا، فخرج حِمَاس منهزمًا؛ حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:\nإنك لو شهدتِ يوم الخَنْدَمَهْ ... إذْ فرَّ صفوان وفرَّ عِكْرِمَهْ\nوأبو يزيدَ قائمٌ كالمؤتِمهْ ... واستْقَبَلَتْهُم بالسيوف المُسْلمَهْ\nيَقْطَعن كلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَهْ ... ضرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلَّا غَمْغَمَهْ\nلهم نهِيتٌ خَلْفَنَا وهَمْهَمَهْ ... لم تَنْطِقِي في اللَّوْمِ أدْنَى كَلِمَهْ (١)\n(٣: ٥٧/ ٥٨).\n٣٠٩ - وقال الواقديّ: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل ستة نفر وأربع نسوة، فذكر من الرجال مَنْ سمَّاه ابن إسحاق، ومن النساء هند بنت عُتْبة بن ربيعة، فأسلمت وبايعت، وسارَة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف قتلت يومئذ، وقُريبَة؛ قتلت يومئذ، وفرتنَى عاشت إلى خلافة عثمان (٢). (٣: ٦٠).\n٣١٠ - يا معشر قريش؛ إنَّ الله قد أذهب عنكم نَخْوة الجاهلية وتعظُّمَها\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف، وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا مرسلًا (٢/ ٤٠٨).\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":204},{"text":"بالآباء. الناسُ من آدَمَ؛ وآدم خلق من تراب. ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ...﴾ لآية.\nيا معشر قريش، ويا أهل مكة؛ ما تُرَوْن أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريمٌ وابن أخ كريم. ثم قال: اذهبُوا فأنتم الطُّلَقاء.\nفأعتقهم رسولُ الله - ﷺ -، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عَنْوة، وكانوا له فيئًا، فبذلك يسمَّى أهل مكة الطلقاء (١). (٣: ٦١).\n٣١١ - ثمّ اجتمع الناس بمكَّة لبيَعةِ رسول الله - ﷺ - على الإسلام، فجلس لهم -فيما بلغني- على الصَّفَا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفلَ من مجلسه يأخذ على الناس. فبايع رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة لله ولرسوله -فيما استطاعوا- وكذلك كانت بيعتُه لمن بايع رسولَ الله - ﷺ - من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسولُ الله - ﷺ - من بيعة الرّجال بايعَ النساء، واجتمع إليه نساءٌ من نساء قريش؛ فيهنَّ هند بنت عُتْبة، متنقّبة متنكّرة لحدَثِها وما كان من صنيعها بحمزة، فهي تخاف أن يأخذَها رسولُ الله - ﷺ - بحدثها ذلك، فلما دنوْن منه ليبايعنَه قال\n_________\n(١) الظاهر أن الطبري جعل هذا جزءًا من الرواية السابقة (وإسنادها ضعيف) ولكن أخرجه ابن هشام من قول ابن إسحاق بلاغًا، ولقد قال الغزالي في إحياء علوم الدين (٣/ ١٨٢): عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - لما فتح مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: ما تقولون وما تظنون؟ فقالوا: نقول: أخ وابن عم حليم رحيم. قالوا ذلك ثلاثًا، فقال - ﷺ -: أقول كما قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nقال: فخرجوا فكأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار: حديث أبي هريرة رواه ابن الجوزي في الوفاء من طريق ابن أبي الدنيا وفيه ضعف. اهـ.\nقلنا: وذكر الغزالي بعد ذلك حديثًا آخر عن سهيل بن عمرو قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - مكة وضع يديه على باب الكعبة والناس حوله فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال: يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون؟ قال: قلت يا رسول الله نقول خيرًا ونظن خيرًا أخ كريم وابن عم رحيم، وقد قدرت. فقال رسول الله - ﷺ -: أقول كما قال أخي يوسف ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nوقال العراقي: لم أجده (إحياء علوم الدين مع المغني في تخريج أحاديث الإحياء) (٣/ ١٨٣).","vol":"7","page":205},{"text":"رسولُ الله - ﷺفيما بلغني-: تبايعْنَنِي على ألَّا تشركْن بالله شيئًا! فقالت هند: والله إنَّك لَتأخذ علينا أمرًا ما تأخذه على الرّجال وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقْنَ، قالت: والله إن كنتُ لأصيب من مال أبي سفيان الهَنَة والهنَة، وما أدري أكان ذلك حِلًّا لِي أم لا! فقال أبو سفيان وكان شاهدًا لما تقول: أمَّا ما أصبتِ فيما مضى فأنت منه في حِلٍّ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: وإنَّكِ لهند بنت عتبة! فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعفُ عمَّا سلف عفا الله عنك! قال: ولا تزنينَ، قالت: يا رسولَ الله، هل تزني الحرّة! قال: ولا تقتلْنَ أولادَكُنَّ، قالت: قد رَبَّيناهم صغارًا، وقتلتَهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم! فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى استغرَب. قال: ولا تأتينَ ببهتان تفترينَه بين أيديكُنَّ وأرجلكُنَّ، قالت: والله إنَّ إتيان البهتان لقبيح؛ ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلسَ ونحن نريد أن نعصيَكَ في معروف، فقال رسولُ الله - ﷺ - لعمر: بايعهنَّ واستغْفِر لهنّ رسولَ الله، فبايعهنَّ عُمر، وكان رسول الله - ﷺ - لا يُصَافِحُ النساء، ولا يمسّ امرأة ولا تمسُّه إلَّا امرأة أحلَّها الله له، أو ذات مَحْرَمٍ منه (١). (٣: ٦١/ ٦٢).\n٣١٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن أبان بن صالِح: أن بيعة النساء قد كانت على نحوين -فيما أخبره بعض أهل العلم- كان يوضَع بين يدي رسول الله - ﷺ - إناء فيه ماء، فإذا أخذ عليهنَّ وأعطينَه غمسَ يدَه في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساءُ أيديهنَّ فيه. ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهنَّ، فإذا أعطينَه ما شرط عليهنَّ، قال: اذهبْنَ فقد بايعتُكنَّ، لا يزيد على ذلك (٢). (٣: ٦٢).\n٣١٣ - قال الواقديّ: فيها قتل خِرَاشُ بن أميّة الكعبيّ جُنَيدبَ بن الأدْلع الهُذلِيّ -وقال ابن إسحاق: ابن الأثْوَع الهذليّ- وإنما قتله بذَحْل، كان في الجاهليّة، فقال النبيّ - ﷺ -: إنَّ خراشًا قتَّال؛ إن خراشًا قتَّال! يَعِيبُه بذلك، فأمر\n_________\n(١) ذكره الطبري هنا بلا إسناد ولعله من كلام ابن إسحاق والله أعلم.\nوبيعة هند ذكرناها في الصحيح ولكن دون هذه التفاصيل والحوار.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":206},{"text":"النبيّ - ﷺ - خُزَاعَةَ أن يَدُوه (١). (٣: ٦٢/ ٦٣).\n٣١٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير -قال محمد بن إسحاق: ولا أعلمه إلَّا وقد حدَّثني عن عروة بن الزبير- قال: خرج صَفْوان بن أميّة يريد جُدَّة، ليركب منها إلى اليمن، فقال عُمير بن وهب: يا نبيّ الله، إنَّ صفوان بن أميّة سيّد قومه، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر؛ فأمِّنْه صلَّى الله عليك! قال: هو آمِنٌ، قال: يا رسول الله، أعطِنِي شيئًا يعرف به أمانك؛ فأعطاه عمامته التي دخل فيها مكة؛ فخرج بها عُمير حتى أدركه بجُدَّة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان، فِداك أبي وأمي! أذكِّرك اللهَ في نفسك أن تُهْلِكَها! فهذا أمانٌ من رسول الله قد جئتك به، قال: ويلك! اغرُبْ عَنِّي فلا تكلّمني! قال: أي صفوان! فداك أبي وأمّي! أفضلُ الناس، وأبرّ الناس، وأحلمُ الناسُ، وخيرُ الناس، ابن عمّتك، عِزُّه عِزّك، وشرفه شرفك، ومُلْكه ملكك! قال: إنّي أخافه على نفسي، قال: هو أحلَمُ من ذلك وأكرمُ؛ فرجع به معه، حتى قدِم به على رسول الله - ﷺ -. فقال صَفْوان: إنَّ هذا زعم أنك قد أمَّنتَني، قال: صدق، قال: فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر (٢). (٣: ٦٣).\n٣١٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الزّهري، أنّ أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام وفاخِتَةَ بنت الوليد -وكانت فاختة عند صفوان بن أميّة، وأمّ حَكِيم عند عكْرمة بن أبي جهل- أسلمتا، فأما أم حكيم فاستأمنت رسولَ الله لعكرمة بن أبي جهل فآمنَه، فلحقت به باليمن، فجاءَتْ به؛ فلمَّا أسلم عِكْرمة وصفوان، أقرَّهما رسول الله - ﷺ - عندهما على النّكاح الأول (٣). (٣: ٦٣).\n٣١٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق: لما دخلَ رسولُ الله - ﷺ - مكّة هرب هبَيرَةُ بن أبي وهب المخزوميّ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد مرسل، وكذلك أخرجه ابن هشام عن عروة مرسلًا (٢/ ٤١٧) إلا أن الحافظ ابن كثير أخرجه موصولًا عن عائشة والله أعلم (٣/ ٥٧٢).\n(٣) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"7","page":207},{"text":"وعبد الله بن الزِّبَعْرَى السَّهْمي إلى نَجْران (١). (٣: ٦٤).\n٣١٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاريّ؛ قال: رمَى حسَّانُ عبدَ الله بن الزِّبَعْرى وهو بنجْران ببيت واحد، ما زاده عليه:\nلا تَعْدَمَنْ رجلًا أَحَلَّكَ بُغْضُهُ ... نَجْرَانَ في عَيشٍ أَحَذَّ لئِيم\nفلما بلغ ذلك ابنَ الزِّبعَرى، رجع إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال حين أسلم:\nيا رسولَ المليكِ إِنَّ لسانِي ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ\nإذْ أُبَارِي الشيطانَ في سننِ الرِّيـ ... ـح ومَنْ مَال مَيلَهُ مَثْبُورُ\nآمَنَ اللَّحْمُ والعِظَامُ لرَبِّي ... ثم نفْسي الشهيدُ أنْتَ النَّذِيرُ\nإنّني عنكَ زاجِرٌ ثَمَّ حَيٌّ ... من لؤيٍّ فكُلُّهم مَغْرُورُ\nوأما هُبيرة بن أبي وَهْب، فأقام بها كافرًا، وقد قال حين بلغه إسلامُ أمّ هانئ بنت أبي طالب وكانت تحته، واسمها هند:\nأشَاقتك هِنْدٌ أم نآك سؤَالُها ... كذَاك النَّوَى أسبابُها وانفتالُها (٢)\n(٣: ٦٤).\n٣١٨ - قال الواقديّ: في هذه السنة تزوّج رسولُ الله - ﷺ - مليكة بنت داود الليثِيَّة، فجاء إليها بعضُ أزواج النبي - ﷺ -، فقالت لها: ألا تسْتَحِيين حين تزوّجين رجُلًا قتل أباك! فاستعاذت منه؛ وكانت جميلة، وكانت حدثة، ففارقها رسول الله؛ وكان قتل أباها يوم فتح مكة (٣). (٣: ٦٥).\n٣١٩ - قال الواقديّ: وفيها هُدِم سُواع؛ وكان برهاط لهذيل، وكان حَجَرًا؛ وكان الذي هدَمه عمرو بن العاص لما انتهى إلى الصَّنم؛ قال له السَّادن: ما تريد؟ قال: هَدْم سُواع، قال: لا تطيق تهدمُه، قال له عمرو بن العاص: أنت في الباطل بعد! فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئًا، ثم قال عمرو للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت والله.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":208},{"text":"وفيها هدم مناة بالمشلّل، هدمه سعد بن زيد الأشهليُّ، وكان للأوس والخزرج (١). (٣: ٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالك</span>\n٣٢٠ - وفيها كانت غزوة خالد بن الوليد بني جُذَيمة، وكان من أمره وأمرهم ما حدَّثنا به ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: قد كان رسولُ الله - ﷺ - بعث فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله ﷿؛ ولم يأمرهم بقتال؛ وكان ممَّن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تِهامة داعيًا، ولم يبعثه مقاتِلًا؛ فوطئ بني جذيمة، فأصاب منهم (٢). (٣: ٦٦).\n٣٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عبَّاد بن حُنَيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: بعث رسولُ الله - ﷺ - حين افتتح مكة خالدَ بن الوليد داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا، ومعه قبائل من العرب: سُليم ومُدْلِج، وقبائل من غيرهم؛ فلمَّا نزلوا على الغُمَيصاء -وهي ماء من مياه بني جُذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة- على جماعتهم، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عَوْف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة -وكانا أقبلا تاجرين من اليمن- حتى إذا نزلا بهم قتلوهما؛ وأخذوا أموالهما، فلمَّا كان الإسلام، وبعث رسولُ الله - ﷺ - خالدَ بن الوليد، سار حتى نزل ذلك الماء؛ فلمَّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح، فإنَّ الناس قد أسلموا (٣). (٣: ٦٦/ ٦٧).\n٣٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ أهل العلم عن رجل من بني جُذيمة، قال: لما أمرَنا خالدٌ بوضع السّلاح، قال رجل منّا يقال له: جَحْدَم: ويلكم يا بني جذيمة! إنَّه خالد! والله\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف.\n(٣) هذا إسناد مرسل ضعيف وانظر تعليقنا بعد قليل.","vol":"7","page":209},{"text":"ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، ثمّ ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق؛ والله لا أضع سلاحي أبدًا. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم؛ أتريد أن تسفِك دماءنا! إنَّ الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمِن الناس؛ فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد؛ فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكُتِفُوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل مَنْ قَتَل منهم. فلما انتهى الخبرُ إلى رسول الله - ﷺ - رفع يديه إلى السّماء، ثم قال: اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد!\nثم دعا عليَّ بن أبي طالب - ﵇ -، فقال: يا علي: اخرج إلى هؤلاء القوم؛ فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج حتى جاءهم ومعه مالٌ قد بعثه رسول الله - ﷺ - به، فودَى لهم الدماء وما أصيب من الأموال؛ حتى إنه لَيدِي مِيلغَةَ الكلب؛ حتى إذا لم يبقَ شيء من دم ولا مال إلَّا وَدَاه، بقيتْ معه بقيّة من المال. فقال لهم عليٌّ - ﵇ - حين فرغ منهم: هل بقيَ لكم دم أو مال لم يودَ إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أعطيكم هذه البقيّة من هذا المال احتياطًا لرسولِ الله - ﷺ - ممَّا لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثمَّ رجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، ثم قامَ رسولُ الله - ﷺ -، فاستقبل القبلة قائمًا شاهرًا يديه؛ حتى إنه ليُرى بياضُ ما تحت منكبيه؛ وهو يقول: اللهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات! (١) (٣: ٦٧/ ٦٨).\n٣٢٣ - قال ابن إسحاق: وقد قال بعض مَنْ يَعْذِرُ خالدًا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حُذافة السهميّ، وقال: إنَّ رسولَ الله قد أمرك بقتلهم لامتناعهم من الإسلام، وقد كان جَحْدم قال لهم حين وضعوا سلاحهم، ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة! ضاع الضّرب، قد كنت حذّرتكم ما وقعتم فيه (٢)! (٣: ٦٨).\n٣٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":210},{"text":"عبد الله بن أبي سَلمة، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف -فيما بلغني- كلام في ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهليّة في الإسلام! فقال: إنّما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت قد قتلتُ قاتل أبي، ولكنك إنما ثأرت بعمّك الفاكِه بن المغيرة؛ حتى كان بينهما شيءٌ، فبلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ -، فقال: مهلًا يا خالد! دع عنك أصحابي؛ فوالله لو كان لك أحُدٌ ذهبًا ثم أنفقتَه في سبيل الله؛ ما أدركت غَدْوةَ رجل من أصحابي ولا رَوْحته (١). (٣: ٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>ذكر الخبر عن غزوة رسول الله - ﷺ - هوازن بحنين</span>\n٣٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن أميّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: أنه حدَّث أن مالك بن عوف بعث عيونًا من رجاله لينظروا له، ويأتوه بخبر الناس؛ فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالُهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْق؛ فوالله ما تماسَكْنا أن أصابَنا ما ترى! فلم ينهَهُ ذلك عن وجهه؛ أن مضى على ما يريد (٢). (٣: ٧٢).\n٣٢٦ - ولما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله - ﷺ - من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر والأزلام معه في كنانته، وصرخ كلدة بن الحنبل -وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك\n_________\n(١) ضعيف.\nلقد ذكرنا الروايات (٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٢٤) في الضعيف وكلها من طريق شيخ الطبري ابن حميد الرازي وهو متهم بالكذب وفيها تشويه للواقعة وغمط للحق وتلبيسه بالباطل.\nوقد ذكر الحافظ ابن كثير هذه الروايات وعقب عليها بقوله: وهذه مرسلات ومنقطعات (البداية والنهاية ٣/ ٥٨٠) وأما ما ورد في هذه الغزوة من روايات صحيحة فقد ذكرناها في قسم الصحيح فليراجع والله أعلم.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":211},{"text":"في المدة التي جعل له رسول الله - ﷺ - فقال: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك! فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري -وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمدًا قال: فأردت رسول الله لأقتله فأقبل شيء حتى تغشّى فؤادي فلم أطق ذلك. وعلمت أنه قد منع مني. (٣: ٧٤ - ٧٥) (١).\n٣٢٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن أبيه، أنه حدَّث عن جُبير بن مُطعِم، قال: لقد رأيتُ قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثلَ البِجَاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم؛ فنظرت فإذا نملٌ أسود مبثوثٌ قد ملأ الوادي؛ فلم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلَّا هزيمة القوم (٢). (٣: ٧٧).\n٣٢٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: فلمَّا انهزمت هوازن استحرّ القتل من ثَقيف ببني مالك، فقُتِل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حُبيِّب؛ جَدُّ ابن أمّ حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار، فلمَّا قُتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قُتل (٣). (٣: ٧٧).\n٣٢٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق\n_________\n(١) هذا من كلام ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤٣) وكذلك أخرج ابن كثير قول أبي سفيان من حديث ابن إسحاق بلاغًا (٣/ ١٧).\n(٢) هذا إسناد ضعيف، وأخرج الطبراني في الأوسط (ح ٢٥٩٢) حديث جبير بن مطعم هذا ولفظه:\n(رأيت يوم حنين شيئًا أسود مثل البجاد بين السماء والأرض فلما دفع إلى الأرض فشا في الأرض ذرًا وانهزم المشركون).\nوقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما عباد بن آدم ولم يوثقه أحد ولم يجرحه (مجمع الزوائد ٦/ ١٨٣).\nقلنا: وعباد بن آدم هذا قال فيه الحافظ في التقريب: مجهول من التاسعة (ت ٣١٢١).\nوقال الذهبي: لا يدرى حاله (الميزان / ت ٤١٠٧).\n(٣) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق بلاغًا (٢/ ٤٥٠).","vol":"7","page":212},{"text":"عن عامر بن وهب بن الأسود بن مسعود، قال: لمَّا بلغ رسولَ الله - ﷺ - قتلُ عثمان، قال: أبعَدَه الله! فإنه كان يبغِض قريشًا (١). (٣: ٧٧).\n٣٣٠ - حدَّثنا عليّ بن سهل، قال: حدَّثنا مؤمّل عن عُمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبيّ - ﷺ - يوم حُنين على بغلة بيضاء، يقال لها دُلْدُل، فلمَّا انهزم المسلمون، قال النبيّ - ﷺ - لبغلته: البُدِي دُلْدُل! فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ النبيّ - ﷺ - حَفْنَةً من تراب، فرمى بها في وجوههم، وقال: \"حم لا يُنصَرون! \". فولّى المشركون مُدْبرين، ما ضربَ بسيف ولا طعن برمْح ولا رمى بسهم (٢). (٣: ٧٨).\n٣٣١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، قال: قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نَصرانيٌّ أغرلُ. قال: فبينا رجلٌ من الأنصار يستلب قتلَى من ثقيف، إذ كشف العبد ليستلبَه، فوجده أغرل، فصرخ بأعلَى صوته: يعلم الله أن ثقيفًا غُرْل ما تختِتن! قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنَّا في العرب، فقلت: لا تقُلْ ذلك فداك أبي وأمي! إنما هو غلامٌ لنا نصرانيٌّ، ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول: ألا تراهم مُختَّنين! قال: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود بن مسعود، فلمَّا هُزِم الناس أسند رايتَه إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمّه وقومه من الأحلاف، فلم يُقتَل منهم إلَّا رجلان؛ رجل من بني غِيَرَة يقال له: وهب، وآخر من بني كُنَّة يقال له: الجُلاح، فقال رسولُ الله - ﷺ - بلَغه قتل الجُلاح: قُتل اليوم سيد شباب ثَقِيف؛ إلا ما كان من ابن هُنَيدة، وابنُ هنيدة، الحارث بن أوْس (٣). (٣: ٧٨).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف.\n(٢) في إسناده علي بن سهل المدائني لم يرو عنه سوى الطبري ولم نعلم له توثيقًا. وقال ابن حجر: صدوق فالله تعالى أعلم.\nوحديث أنس هذا ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أحمد بن محمد بن القاسم وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٦/ ١٨٣).\n(٣) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ورواه ابن إسحاق مرسلًا (راجع السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٤٥٠).","vol":"7","page":213},{"text":"٣٣٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ولما انهزم المشركون أتوُا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوْطاس، وتوجَّه بعضُهم نحو نَخْلة -ولم يكن فيمن توجَّه نحو نخلة إلَّا بنو غِيَرَة من ثَقِيف- فتبعتْ خيلُ رسولِ الله - ﷺ - مَنْ سلك في نَخْلة من الناس، ولم تتبع مَنْ سلَك الثنايا، فأدرك ربيعةُ بن رُفيع بن أهْبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يَرْبُوع بن سَمَّال بن عوف بن امرئ القيس -كان يقال له: ابن لذْعة وهي أمّه، فغلبتْ على نسبه- دريدَ بن الصِّمَّة، فأخذ بخطام جمله؛ وهو يظن أنه امرأة؛ وذلك أنه كان في شجارٍ له، فإذا هو رجل، فأناخ به، وإذا هو بشيخٍ كبير؛ وإذا هو دريد بن الصِّمّة، لا يعرفه الغلام، فقال له دُريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومَنْ أنتَ؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السُلمَيّ، ثمّ ضربه بسيفه فلم يُغْن شيئًا، فقال: بئسما سَلَّحَتْك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخّر الرّحل في الشَّجار، ثم اضرب به وارفع عن العظام، واخفض عن الدّماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال. ثمّ إذا أتيتَ أمّكَ فأخبرْها أنك قتلتَ دُريد بن الصّمة؛ فرُبَّ يومٍ والله قد منعت نساءَك! فزعمتْ بنو سُليم: أن ربيعة قال: لما ضربتُه فوقع تكشف الثوب عنه، فإذا عِجَانُه وبطون فَخِذَيه مثل القِرْطاس من ركوب الخيل أعراء، فلمَّا رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمّهات لك ثلاثًا (١). (٣: ٧٨/ ٧٩).\n٣٣٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، قال: يزعمون: أن سَلمة بن دُريد، هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب رُكْبته، فقتله، فقال سَلمة بن دُرَيد في قتله أبا عامر:\nإنْ تسْأَلوا عنّي فإِنِّي سَلَمَهْ ... ابنُ سَمَادِيرَ لمنْ تَوَسَّمَهْ\nأضرِبُ بالسَّيفِ رؤوسَ المُسْلِمَهْ\nوسمادير أمّ سَلمة، فانتمى إليها.\nقال: وخرج مالك بن عوْف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قَوْمه على\n_________\n(١) هذا إسناد معضل.","vol":"7","page":214},{"text":"ثنيّة من الطريق، وقال لأصحابه: قِفوا حتى تمضي ضُعفاؤكم وتلحق أخراكم؛ فوقف هنالك حتى مضى مَنْ كان لحق بهم من منهزمة الناس (١). (٣: ٨٠).\n٣٣٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ بني سعد بن بكر: أن رسولَ الله - ﷺ - قال يومئذ لخيله التي بعث: إن قدرتم على بَجَاد -رجل من بني سعد بن بكر- فلا يفلتنّكم؛ وكان بجاد قد أحدَث حدثًا، فلمَّا ظفِر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا أخته الشَّيماء بنت الحارثِ بن عبد الله بن عبد العُزَّى، أخت رسولِ الله - ﷺ - من الرضاعة، فعنَّفوا عليها في السياق معهم، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أني لأختُ صاحبكم من الرضاعة؛ فلم يُصدِّقوها حتى أتوْا بها رسولَ الله - ﷺ - (٢). (٣: ٨٠/ ٨١).\n٣٣٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاق عن أبي وَجْزَة يزيد بن عبيد السعديّ، قال: لما انتُهيَ بالشَّيماء إلى رسول الله - ﷺ - قالت: يا رسولَ الله! إنّي أختُك، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عَضَّةٌ عَضضْتَنيها في ظهري وأنا متورّكَتُك. قال: فعرَف رسولُ الله - ﷺ - العلامة، فبسط لها رداءَه، ثم قال: ها هنا، فأجلسها عليه، وخيّرها، وقال: إن أحببتِ فعندي مُحَبّبةً مكْرَمَةً، وإن أحببتِ أمتِّعْك وترجعي إلى قومك، قالت: بل تمتعني وترّدني إلى قومي، فمتّعها رسول الله - ﷺ -، وردَّها إلى قومها؛ فزعمت بنو سعد بن بكر: أنه أعطاها غلامًا له يقال له: مكحول؛ وجارية؛ فزوّجت أحدهما الآخر، فلم يزل فيهم من نَسْلهما بقيّة (٣). (٣: ٨١).\n٣٣٦ - قال ابن إسحاق: استشهد يوم حُنَين من قريش، ثم من بني هاشم: أيمَنُ بن عبيد -وهو ابن أمّ أيمن، مولاة رسولِ الله - ﷺ - ومن بني أسد بن عبد العُزَّى يزيد بن زمْعة بن الأسود بن المطلب بن أسد- جَمَحَ به فرسٌ له يقال له: الجناح، فقُتل- ومن الأنصار سُراقة بن الحارث بن عديّ بن بلْعجلان، ومن الأشعريين أبو عامر الأشعريّ. ثم جُمعت إلى رسول الله سَبَايا حُنين وأموالها؛ وكان على المغانم مسعود بن عمرو القاريّ، فأمر رسول الله - ﷺ - بالسبايا والأموال\n_________\n(١) هذا إسناد معضل.\n(٢) هذا إسناد ضعيف.\n(٣) هذا إسناد ضعيف، وأخرج البيهقي نحوه بسند مرسل ضعيف (الدلائل ٣/ ٥٦).","vol":"7","page":215},{"text":"إلى الجِعْرانة فحبسَتْ بها (١). (٣: ٨١).\n٣٣٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال ابن إسحاق: لما قَدِمَ فَلّ ثَقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال؛ ولم يشهد حُنينًا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة؛ كانا بجُرَش يتعلّمان صنعة الدّباب والضُّبُور والمجانيق (٢). (٣: ٨١/ ٨٢).\n٣٣٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق عن عمرو بن شعيب: أنّ رسولَ الله - ﷺ - سلكَ إلى الطائف من حُنَين على نَخْلة اليمانية، ثم على قَرْن، ثم على المُلَيح، ثم على بَحْرَة الرُّغاء من لِيَّة، فابتنى بها مسجدًا، فصلّى فيه، فأقاد يومئذ ببحْرة الرّغاة حين نزلَها بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجلٌ من بني ليث قتل رجلًا من هُذَيل، فقتله رسول الله - ﷺ -؛ وأمر رسول الله وهو بلِيَّة بحصن مالك بن عوف فهُدِم؛ ثم سلك في طريق يقال لها: الضَّيقة، فلما توجّه فيها، سأل على اسمها، فقال: ما اسم هذه الطريق؟ فقيل له: الضَّيقة، فقال: بل هي اليسرى. ثم خرج رسول الله - ﷺ - على نَخْب؛ حتى نزل تحت سِدْرةٍ يقال لها: الصادرة، قريبًا من مال رجل من ثَقِيف، فأرسل إليه رسولُ الله - ﷺ -: إما أن تخرُج؛ وإما أن نُخرب عليك حائطك؛ فأبى أن يخرُج، فأمر رسولُ الله - ﷺ - بإخرابه.\nثم مضى رسول الله حتى نزل قريبًا من الطائف؛ فضرب عسكره، فقُتل أناس من أصحابه بالنَّبْل؛ وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النَّبْل تنالُهم، ولم يقدر المسلمون أن يدخُلوا حائطهم، غلَّقوه دونهم؛ فلما أصيبَ أولئك النّفرُ من أصحابه بالنَّبْل، ارتفع، فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم؛ فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة (٣). (٣: ٨٣).\n٣٣٩ - ومعه امرأتان من نسائه؛ إحداهما أمّ سلمة بنت أبي أمية وأخرى معها\n_________\n(١) وكذلك أخرجه ابن هشام من قول ابن إسحاق معضلًا (٢/ ٤٥٩).\n(٢) ضعيف.\n(٣) هذا إسناد مرسل ضعيف، وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق مرسلًا (٢/ ٤٨٢).","vol":"7","page":216},{"text":"-قال الواقديّ: الأخرى: زينب بنت جحش- فضرب لهما قبّتين، فصلَّى بين القبّتين ما أقام.\nفلما أسلمتْ ثَقِيف، بنَى عَلى مُصلّى رسول الله - ﷺ - ذلك أبو أمية بن عمرو بن وهب بن مُعتِّب بن مالك مسجدًا، وكانت في ذلك المسجد سارِيَة -فيما يزعمون- لا تطلع عليها الشمس يومًا من الدهر؛ إلا سُمع لها نقيض؛ فحاصرهم رسولُ الله - ﷺ -؛ وقاتلهم قتالًا شديدًا، وترامَوْا بالنّبْل حتى إذا كان يوم الشدْخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحت دبّابة؛ ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف، فأرسلت عليهم ثقيف سككَ الحديد مُحمَّاةً بالنار، فخرجوا مِنْ تحتها، فرمتهم ثَقِيف بالنَّبْل، وقتلوا رجالًا؛ فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف، فوقع فيها الناس يقطعون.\nوتقدَّم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شُعبة إلى الطائف، فناديا ثقيفًا: أنْ أمّنُونا حتى نكلّمكم! فأمّنوهما؛ فدَعَوَا نساءً من نساء قريش وبني كنانة ليخرُجن إليهما -وهما يخافان عليهنَّ السّباء- فأبينَ؛ منهنَّ آمنة بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود له منها داود بن عروة وغيرها (١). (٣: ٨٣/ ٨٤).\n٣٤٠ - وقال الواقديّ: حدثني كَثِير بن زيد، عن الوليد بن رَبَاح، عن أبي هريرة، قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف، استشار رسول الله نَوْفل بن معاوية الدّيلي، وقال: يا نوفل! ما تَرَى في المقام عليهم؟ قال: يا رسول الله؛ ثعلب في جُحرٍ؛ إن أقمت عليه أخذتَه، وإن تركتَه لم يضرَّك (٢). (٣: ٨٤).\n٣٤١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا ابن إسحاق، قال: قد بلَغني: أنّ رسولَ الله - ﷺ - قال لأبي بكر بن أبي قحافة، وهو محاصرٌ ثقيفًا بالطائف: يا أبا بكر! إنّي رأيتُ أنه أهْدِيَتْ لي قَعْبةٌ مملوءة زُبْدًا، فنقرَها ديكٌ فأهَراق ما فيها؛ فقال أبو بكر: ما أظنّ أن تدْرك منهم يومك هذا ما تُريد\n_________\n(١) من هنا قول ابن إسحاق بلاغًا كما عند ابن هشام (٢/ ٤٨٣).\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":217},{"text":"يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: وأنا لا أرى ذلك (١). (٣: ٨٤/ ٨٥).\n٣٤٢ - ثم إنَّ خَوْلة بنت حَكِيم بن أميّة بن حارثة بن الأوْقص السُّلَمِيَّة -وهي امرأة عثمان بن مظعون- قالت: يا رسول الله! أعْطِني إن فتح الله عليك الطائف حُلِيَّ بادية بنت غيلان بن سلمة، أو حُلِيَّ الفارعة بنت عُقَيل -وكانتا من أحْلَى نساءِ ثقيف- قال: فذكر لي: أن رسول الله - ﷺ - قال لها: وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة! فخرجت خويلة، فذكَرَتْ ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل عمرُ على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! ما حديث حدَّثَتْنيه خويلة أنك قلتَه! قال: قد قلتُه، قال: أوَ مَا أذِن فيهم يا رسول الله! قال: لا، قال: أفلا أؤذِّن بالرّحيل في الناس! قال: بلى! فأذَّن عمر بالرَّحيل؛ فلما استقلّ الناس نادى سعيد بن عُبيد بن أسيد بن أبي عمرو بن عِلاج الثقفيُّ: ألا إنَّ الحَيَّ مقيمٌ! قال: يقول عيينة بن حصن: أجلْ والله مَجَدَةً كرامًا! فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عُيينة! أتمدح قومًا من المشركين بالامتناع من رسول الله، وقد جئت تنصره! قال: إني والله ما جئت لأقاتِلَ معكم ثقِيفًا؛ ولكني أردت أن يفتح محمدٌ الطَّائف فأصيب من ثَقِيف جارية أتبطَّنُها لعلها أن تلد لي رجلًا؛ فإن ثقيفًا قوم مناكير.\nواستُشهد بالطائف من أصحاب رسول الله - ﷺ - اثنا عشر رجلًا؛ سبعة من قريش ورجل من بني ليث، وأربعة من الأنصار (٢). (٣: ٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها</span>\n٣٤٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثمَّ خرجَ رسول الله - ﷺ - حين انصرف من الطائف على دحْنَا؛ حتى نزل الجِعْرانة، بمن معه من المسلمين؛ وكان قدّم سَبْيَ هوازن حين سار إلى الطَّائف إلى الجِعْرانة، فحُبس بها؛ ثم أتته وفود هَوازن بالجِعْرانة؛ وكان مع رسول الله - ﷺ - من سَبْي هوازن من\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":218},{"text":"النساء والذراريّ عدد كثير، ومن الإبِل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يُحْصَى (١). (٨٦: ٣).\n٣٤٤ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني يزيد بن عُبَيد السعديّ أبو وَجْزة: أنّ رسولَ الله - ﷺ - كان أعطى عليّ بن أبي طالب جاريةً من سَبْي حُنين يقال لها: رَيطة بنت هلال بن حَيَّان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قُصَيَّة بن نصر بن سعد بن بكر، وأعطى عثمان بن عفَّان جارية يقال لها: زينب بنت حيّان بن عمرو بن حيَّان، وأعطى عمرَ بن الخطاب جارية، فوهبها لعبد الله بن عمر (٢). (٣: ٨٧/ ٨٨).\n٣٤٥ - وأما عُيينة بن حِصْن فأخذ عجوزًا من عَجائز هَوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزًا وأرى لها في الحيّ نسبًا، وعسى أن يعظُم فداؤها! فلمَّا ردَّ رسولُ الله - ﷺ - السبايا بستّ فرائض أن يردَّها، فقال له زهير أبو صُرَد: خُذْها عنك؛ فوالله ما فُوها ببارد، ولا ثَدْيُها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا دَرُّها بماكد، ولا زوجها بواجد. فردَّها بستّ فرائض حين قال له زهير ما قال؛ فزعموا: أن عُيينة لقيَ الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتَها بكْرًا غريرةً، ولا نَصَفًا وثِيرَةً؛ فقال رسول الله - ﷺ - لوَفْد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف: ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثَقِيف؛ فقال رسول الله: أخبروا مالكًا: أنه إن أتاني مسلِمًا رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مئة من الإبل، فأتِيَ مالك بذلك؛ فخرج من الطائف إليه؛ وقد كان مالك خاف ثَقِيفًا على نفسه أن يعلموا: أن رسولَ الله - ﷺ - قال له ما قال، فيحبسوه، فأمر براحلته فهيّئتْ له، وأمر بفرس له فأتِيَ به الطائف؛ فخرج ليلًا، فجلس على فرسه فركضَه؛ حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تُحْبس له، فركبها، فلحق برسول الله فأدركه بالجعْرانة -أو بمكة- فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مئة من الإبل، وأسلم فحسُن إسلامه.\nواستعمله رسول الله - ﷺ - على قومه وعلى مَنْ أسلم من تلك القبائل حولَ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد مرسل ضعيف.","vol":"7","page":219},{"text":"الطائف: ثُمالة، وسلَمة، وفَهْم؛ فكان يقاتل بهم ثَقِيفًا، لا يخرج لهم سَرْحٌ إلَّا أغار عليه، حتى ضَيَّقَ عليهم، فقال أبو مِحْجَن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثَّقَفِي:\nهابَتِ الأعداءُ جَانِبَنا ... ثمَّ تَغْزُونا بَنو سَلَمَهْ\nوأتانا مالكٌ بِهِمُ ... ناقِضًا لِلعَهْدِ والحُرُمَهْ\nوأَتوْنا في منَازِلنا ... ولقد كنَّا أُولي نَقَمَهْ\nوهذا آخر حديث أبي وجْزة (١) (٣: ٨٨/ ٨٩).\n٣٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: أعطى رسولُ الله - ﷺ - المُؤَلَّفَةَ قلوبهم -وكانوا أشرافًا من أشراف الناس يتألّفهم ويتألَّف به قلوبهم- فأعطى أبا سفيان بن حرْب مئة بعير، وأعطى ابنه معاوية مئة بعير، وأعطى حَكِيم بن حزام مئة بعير، وأعطى النُّضير بن الحارث بن كلدَة بن علقمة أخا بني عبد الدار مئة بعير، وأعطى العَلاء بن جارية الثقفيّ حليف بني زُهْرة مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى صَفْوان بن أميّة مئة بعير، وأعطى سُهَيل بن عمرو مئة بعير، وأعطى حُويطب بن عبد العُزَّى بن أبي قيس مئة بعير، وأعطى عُيَينَةَ بنَ حِصْن مئة بعير، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مئة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصريّ مئة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين؛ وأعطى دون المئة رجالًا من قريش؛ منهم مَخْرَمة بن نوفل بن أهَيب الزهريِّ، وعمير بن وهب الجمحيّ، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤيّ - لا يحفظ عدّة ما أعطاهم؛ وقد عرف فيما زعم: أنها دون المئة - وأعطى سعيد بن يربوع بن عَنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطى السَّهْمِيَّ خمسين من الإبل، وأعطى عبَّاس بن مرداس السُّلميّ أباعرَ فتسخّطها، وعاتب فيها رسول الله - ﷺ -، فقال:\n_________\n(١) هذا الخبر أخرجه ابن هشام من قول ابن إسحاق بلاغًا (٢/ ٤٩٠ - ٤٩١).\nولعلّ الطبري ذكره كجزء من حديث أبي وجزة المرسل؛ إذ قال في آخره: وهذا آخر حديث أبي وجزة والله أعلم.\nوبلاغ ابن إسحاق هذا أخرجه الطبراني كذلك بسند رجاله ثقات إلى ابن إسحاق دون ذكر للأبيات الشعرية (مجمع الزوائد ٦/ ١٨٩).","vol":"7","page":220},{"text":"كانت نِهابًا تلافيتُها ... بكَرِّي على المُهْرِ فِي الأجْرَع\nوإيقاظِيَ القوْمَ أن يرْقدوا ... إذا هَجَعَ الناسُ لم أهْجَعِ\nفأصْبَحَ نَهْبِي ونَهْبُ العُبَي ... ـد بين عُيَينَةَ والأقْرَع\nوقد كنتُ في الحربِ ذَا تُدْرَأ ... فلم أُعْطَ شَيئًا ولم أمْنَعِ\nإلَّا أَفائِلَ أُعْطِيتُها ... عَدِيدَ قوائمها الأرْبعِ\nوما كانَ حِصْنٌ ولا حَابِسٌ ... يَفوقانِ مِرْداسَ في المَجْمَعِ\nوما كُنْتُ دونَ امْرِيءً ... منهمَا ومَنْ تَضَعِ اليَوْم لا يُرْفَعِ\nقال: فقال رسولُ الله - ﷺ -: اذْهبوا فاقطعوا عني لسانه، فزادوه حتى رضيَ؛ فكان ذلك قطْع لسانه الذي أمر به (١). (٣: ٩٠/ ٩١).\n٣٤٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، أنّ قائلًا قال لرسول الله - ﷺ - من أصحابه: يا رسولَ الله، أعطيتَ عُيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس مئةً مئةً، وتركتَ جُعَيلَ بن سراقة الضّمْريّ! فقال رسولُ الله - ﷺ -: أما والذي نفسي بيده، لَجُعَيلُ بن سراقة خيرٌ من طِلاع الأرض، كلّهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس؛ ولكنّي تألَّفْتُهما ليُسْلما، ووكلتُ جُعَيل بن سُراقة إلى إسلامه (٢). (٣: ٩١).\n٣٤٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أنّ رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - ممَّن شهد معه حنَينًا، قال: والله إنّي لأسير إلى جَنْب رسولِ الله - ﷺ - على ناقة لي، وفي رِجْلي نَعل غليظة؛ إذ زحمت ناقتي ناقةَ رسول الله، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله فأوجعَه، قال: فقرَع قدمِي بالسوط، وقال: أوجعتَنِي فتأخّرْ عنّي، فانصرفت؛ فلمَّا كان من الغد إذا رسول الله يلتمسني، قال قلت: هذا والله لما كنت أصبتُ من رجْل رسول الله بالأمس. قال: فجئته وأنا أتوقَّع، فقال لي: إنّك قد أصبتَ رجلي\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف والرواية في سيرة ابن هشام مرسلًا (٢/ ٤٩٤) وأما إعطاؤه مئة بعير لبعضهم فصحيح كما ذكرناه في قسم الصحيح فليراجع. (٣/ ٩٠).\n(٢) هذا إسناد مرسل ضعيف وأخرجه ابن هشام مرسلًا وكذلك ابن كثير من طريق ابن إسحاق مرسلًا (البداية والنهاية ٣/ ٦٤٤).","vol":"7","page":221},{"text":"بالأمس فأوجعتَني فقرعت قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوّضَك منها؛ فأعطاني ثمانين نعجة بالضَّرْبة التي ضربني (١). (٣: ٩٣).\n٣٤٩ - وكانت عُمرة رسول الله في ذي القعدة، فقدم رسولُ الله - ﷺ - المدينة في ذي القعدة أو في ذي الحجة، وحجَّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحجّ عليه، وحجّ تلك السنة بالمسلمين عتّاب بن أَسِيد؛ وهي سنة ثمانٍ؛ وأقام أهلُ الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعْدة؛ إذ انصرف رسول الله عنهم إلى شهر رمضان من سنة تسع (٢). (٣: ٩٤/ ٩٥).\n٣٥٠ - قال الواقديّ: لمَّا قسم رسولُ الله - ﷺ - الغنائمَ بين المسلمين بالجِعرانة، أصاب كلَّ رجل أربع من الإبل وأربعون شاة؛ فمن كان منهم فارسًا أخذ سهم فرسه أيضًا. وقال أيضًا: قدم رسول الله - ﷺ - المدينةَ لليالٍ بقينَ من ذي الحجة من سفرته هذه (٣). (٣: ٩٥).\n٣٥١ - قال: وفيها بعث رسولُ الله - ﷺ - عمرو بن العاص إلى جَيفَر وعمرو ابني الجُلَنْدَى من الأزدْ مُصَدِّقًا، فخلَّيا بينه وبين الصَّدقة، فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردَّها على فقرائهم، وأخذ الجزية من المجوس الذين بها، وهم كانوا أهل البلد، والعرب كانوا يكونون حولها (٤). (٣: ٩٥).\n٣٥٢ - قال: وفيها تزوّج رسول الله - ﷺ - الكلابية التي يقال لها: فاطمة بنت الضّحاك بن سفيان، فاختارت الدنيا حين خُيّرت. وقيل: إنها استعاذتْ من رسول الله، ففارقها. وذكر أن إبراهيم بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛ حدَّثه عن أبي وجزة السعديّ أن النبيّ - ﷺ - تزوّجها في ذي القعدة (٥). (٣: ٩٥).\n٣٥٣ - قال: وفيها ولدت مارية إبراهيم في ذي الحجّة، فدفعه رسول الله - ﷺ - إلى أمّ بُرْدة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خِداش بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.\n(٥) ضعيف.","vol":"7","page":222},{"text":"النجار، وزوْجها البَرَاء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غَنْم بن عديّ بن النجار؛ فكانت ترضعه.\nقال: وكانت قابلتُها سَلْمى مولاة رسولِ الله - ﷺ -؛ فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته: أنها ولدت غلامًا؛ فبشّر به أبو رافع رسول الله، فوهب له مملوكًا.\nقال: وغارت نساء رسول الله - ﷺ -، واشتدَّ عليهنَّ حين رزِقتْ منه الولد (١). (٩٥: ٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>ثم دخلت سنة تسع</span>\nوفيها قَدِم وفدُ بنِي أسد على رسولِ الله - ﷺ - فيما ذكر- فقالوا: قدِمنا يا رسولَ الله قبل أن ترسل إلينا رسولًا، فأنزل الله ﷿ في ذلك من قولهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ...﴾ الآية.\nوفيها قدم وفد بَلِيّ في شهر ربيع الأوّل، فنزلوا على رُوَيفع بن ثابت البَلَويّ. وفيها قدِم وفد الداريِّين من لخمْ، وهم عشرة (٢). (٣: ٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>أمر ثقيف وإسلامها</span>\n٣٥٤ - وفيها قدِم -في قول الواقديّ- عُرْوة بن مسعود الثقَفيّ على رسول الله - ﷺ - مسلِمًا، وكان من خبره ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق: أن رسولَ الله - ﷺ - حين انصرف عن أهل الطائف اتَّبع أثرَه عروة بن مسعود بن مُعَتّب حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم؛ وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال رسول الله - ﷺ - كما يتحدَّث قومهم-: إنهم قاتلوك؛ وعرف رسولُ الله أنّ فيهم نخوةً بالامتناع الذي كان منهم، - فقال له عُروة: يا رسول الله! أنا أحبّ إليهم من أبكارهم - وكان فيهم كذلك محبَّبًا مَطاعًا - فخرج يدعُو قومَه إلى الإسلام، ورجا ألَّا يخالفوه لمنزلته فيهم؛ فلما أشرف لهم على عُلِّيَّة له وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه؛ رموْه بالنَّبل\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":223},{"text":"من كلّ وجه، فأصابه سهمٌ فقتله؛ فتزعم بنو مالك: أنه قتله رَجُلٌ منهم يقال له: أوْس بن عوف، أخو بني سالم بن مالك، وتزعم الأحلاف: أنه قتله رجلٌ منهم من بني عتّاب بن مالك، يقال له: وهب بن جابر. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلَّا ما في الشهداء الذين قُتِلوا مع رسول الله - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا: أنّ رسول الله - ﷺ - قال فيه: إن مَثَله في قومه كمثل صاحب يس في قومه (١). (٣: ٩٦/ ٩٧).\n٣٥٥ - وفيها قدم وفدُ أهل الطائف على رسول الله - ﷺ -، قيل: إنهم قدموا عليه في شهر رمضان.\nفحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، قال: ثمّ أقامت ثَقِيف بعد قتل عُرْوة أشهُرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ألَّا طاقة لهم بحرب مَنْ حَوْلهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا (٢). (٣: ٩٧).\n٣٥٦ - وحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عَنْ محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ: أن عمرو بن أميّة أخا بني عِلاج كان مهاجرًا لعبد ياليل بن عمرو، الذي بينهما سَيِّءٌ - وكان عمرو بن أميّة من أدهى العرب - فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل عليه داره، ثم أرسل إليه: إن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إليّ، فقال عبد ياليل للرسول: ويحك! أعمرو أرسلك؟ قال: نعم، وهو ذا واقف في دارك. فقال: إنَّ هذا لشيءٌ ما كنت أظنُه! لَعَمْرو كان أمنعَ في نفسه من ذلك. فلمَّا رآه رَحَّبَ به، وقال عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هِجْرةٌ، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيتَ، وقد أسلمت العربُ كلُّها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في\n_________\n(١) هذا إسناد معضل، وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق (٢/ ٥٣٧).\nولكن موسى بن عقبة يرى أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر وعقب الحافظ على قول ابن عقبة هذا بقوله: وهذا بعيد والصحيح أن ذلك كان قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم. (سيرة ابن كثير ٤/ ٥٤).\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":224},{"text":"أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثَقِيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا تروْن أنه لا يأمن لكم سِرْبٌ، ولا يخرج منكم أحدٌ إلَّا اقتُطِع به! فائتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - رجُلًا، كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير - وكان في سنّ عُروة بن مسعود - وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخَشِيَ أن يُصنَع به إذا رجع كما صُنع بعروة، فقال: لست فاعلًا حتى تبعثوا معي رجالًا، فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فيكونوا ستة: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دُهْمان أخو بني يَسَار، وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونُمَير بن خرَشة بن ربيعة أخو بلحارث؛ وبعثوا من الأحلاف مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشُرَحبيل بن غَيلان بن سَلمة بن معتّب؛ فخرج بهم عبد ياليل - وهو نابُ القوم وصاحب أمرهم؛ ولم يخرج بهم إلا خَشْيَةً من مثل ما صنِع بعروة بن مسعود، ليشغلَ كلُّ رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه - فلما دنوا من المدينة، ونزلوا قناة ألفُوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله، وكانت رِعْيتُها نُوَبًا على أصحابه، فلما رآهم المغيرة ترك الركاب وضَبر يشتدُّ ليُبَشّرَ رسولَ الله - ﷺ - بقدومهم عليه، فلقِيه أبو بكر الصّديق ﵁ قبل أن يدخُل على رسول الله، فأخبره عن ركْب ثقيف أنّهم قدموا يريدون البيعة والإسلام بأن يشرط لهم شروطًا، ويكتتبوا من رسول الله كتابًا في قومهم وبلادهم وأموالهم. فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا الذي أحدّثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله، فأخبره عن ركب ثقيف بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فرَوَّح الظَّهر معهم، وعلّمهم كيف يُحيُّون رسولَ الله - ﷺ -، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهليّة (١). (٣: ٩٧/ ٩٨).\n٣٥٧ - ولما أن قدموا على رسول الله - ﷺ - ضرب عليهم قبّة في ناحية مسجده -كما يزعمون- وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله - ﷺ -؛ حتى اكتتبوا كتابهم؛ وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعَمون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله - ﷺ - حتى يأكل منه خالد؛ حتى أسلموا وبايعوا وفرغوا من كتابهم - وقد كان فيما سألوا رسولَ الله - ﷺ - أن يدَع\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":225},{"text":"الطاغية؛ وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين؛ فأبى رسولُ الله ذلك عليهم؛ فما برحوا يسألونه سنة سنة، فأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدَمهم؛ فأبى أن يدَعها شيئًا يسمَّى؛ وإنما يريدون بذلك فيما يُظْهِرُون أن يسلَموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أنْ يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلَهم الإسلام- فأبى رسولُ الله - ﷺ - ذلك إلَّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها؛ وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يُعفيَهم من الصلاة، وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنُعْفيكم منه؛ وأما الصَّلاة فلا خيرَ في دين لا صلاة فيه؛ فقالوا: يا محمد! أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة (١). (٣: ٩٩).\n٣٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة، قال: فلمَّا خرجوا من عند رسول الله - ﷺ - وتوجّهوا إلى بلادهم راجعين؛ بعث رسول الله - ﷺ - أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدْم الطاغية، فخرجا مع القوم؛ حتى إذا قدِموا الطائف أراد المغيرة أن يقذَم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنتَ على قومك؛ وأقام أبو سفيان بماله بذي الهَدْم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمِعْوَل، وقام قومه دونه - بنو مُعتِّب - خَشْيَةَ أن يُرْمَى أو يصاب كما أصيب عُروة، وخرج نساءُ ثقيف حُسَّرًا يبكين عليها ويقلن:\nألا ابْكِيَنْ دَفَّاعْ ... أَسْلَمَهَا الرُّضَّاع\nلم يُحْسِنُوا المِصَاع\nقال: ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهًا لك! واهًا لك! فلما\n_________\n(١) هذا الخبر من قول ابن إسحاق بلاغًا (السيرة النبوية لابن هشام). وفي متنه أمور؛ منها قول ابن إسحاق (حتى اكتتبوا كتابهم) ولقد أخرج أبو عبيد من مرسل عروة (وبسند ضعيف إلى عروة) حديثًا وفيه: أنه كتب كتابًا لثقيف. (كتاب الأموال ٢٤٧).\nومنها قوله - ﷺ -: \"لا خير في دين لا صلاة فيه\" فقد أخرجه الطبري هنا عن ابن إسحاق بلاغًا.\nوقال المحدث الألباني عن هذه الرواية: ضعيف ذكره ابن هشام (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦) عن ابن إسحاق معضلًا، والجملة الأخيرة وصلها أبو داود (٢/ ٤٢) وأحمد (٥/ ٢١٨) عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص مرفوعًا نحوها. ورجاله ثقات لكن الحسن وهو البصري مدلس وقد عنعنه. اهـ. (السيرة النبوية / ٤٥٠).","vol":"7","page":226},{"text":"هدمها المغيرة أخذ مالها وحُلِيَّها وأرسل إلى أبي سفيان وحليُّها مجموع، ومالُها من الذهب والجَزْع، وكان رسول الله - ﷺ - أبا سفيان أن يقضيَ من مال اللات دينَ عروة والأسود ابْنَي مسعود، فقضى منه دينهما.\nوفي هذه السنة غَزَا رسولُ الله - ﷺ - غزوة تبوك (١). (٣: ٩٩/ ١٠٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>ذكر الخبر عن غزوة تبوك</span>\n٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: أقامَ رسولُ الله - ﷺ - بالمدينة بعد منصَرفه من الطائف ما بين ذي الحجة إلى رجب (٢). (٣: ١٠٠).\n٣٦٥ - ثم أمر النَّاس بالتهيُّؤ لغزو الروم، فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم؛ كلٌّ قد حدَّث في غزوة تبوك ما بلَغه عنها،\nوبعض القوم يحدّث ما لم يحدّث بعض، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - أمرَ أصحابه بالتهيُّؤ لغزو الرُّوم، وذلك في زمن عُسْرة من الناس، وشدّة من الحرّ، وجَدْب من البلاد؛ وحين طابت الثمار، وأحِبَّت الظلال؛ فالناس يحبُّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسولُ الله - ﷺ - قلَّما يخرج في غزوة إلَّا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له؛ إلَّا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيَّنها للناس لبُعْدِ الشُّقَّة وشدّة الزمان وكثرة العدوّ الذي يصمد له، ليتأهَّبَ الناس لذلك أهبتَه، وأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.\nفتجهَّز الناس على ما في أنفسهم من الكُرْه لذلك الوجه لما فيه؛ مع ما عظَّموا من ذكر الرّوم وغزوهم؛ فقال رسولُ الله - ﷺ - ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجَدّ بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جدّ العامَ في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أوَ تأذَنُ لي ولا تفتنّي! فوالله لقد عرف قومي ما رجلٌ أشدّ عجبًا\n_________\n(١) إسناد مرسل ضعيف.\n(٢) إسناد معضل ضعيف.","vol":"7","page":227},{"text":"بالنساء منّي؛ وإني أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر ألَّا أصبرَ عنهنَّ. فأعرض عنه رسولُ الله - ﷺ - وقال: قد أذنت لك؛ ففي الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ...﴾ الآية؛ أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر - وليس ذلك به- فما سقط فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله - ﷺ - والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم؛ وإن جهنم لمن ورائه.\nوقال قائل من المنافقين لبعض: لا تنفِرُوا في الحرّ، زهادةً في الجهاد، وشكًّا في الحقّ، وإرْجافًا بالرسول، فأنزل الله ﵎ فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). (٣: ١٠١/ ١٠٢).\n٣٦١ - ثمّ إن رجالًا من المسلمين أتوْا رسولَ الله؛ وهم البكّاؤُون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحْملوا رسولَ الله، وكانوا أهلَ حاجة، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ هو قال: فبلَغني أن يامين بن عُمَير بن كدب النضْريّ لقيَ أبا ليلى عبد الرحمن بن كدب وعبد الله بن مُغَفَّل وهما يبكيان، فقال لهما: ما يُبْكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ليحمِلنا، فلم نجد عنده ما يحمِلُنا عليه، وليس عندنا ما نتقوَّى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحًا فارتحلاه، وزوَّدهما شيئًا من تَمْر، فخرجا مع رسولِ الله - ﷺ -.\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل، ولم نجد رواية صحيحة تضمن كل هذه التفاصيل مجتمعة. ومرسل عروة هذا يكون من شطرين، فأما بالنسبة للشطر الأول ففي صحيح مسلم (كتاب التوبة / باب في الصدق في التوبة / ح ٢٧٦٩ مختصر صحيح مسلم للمنذري) من حديث كعب بن مالك الطويل: (وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فإنها إليها أصعر) وفيه أيضًا (فغزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرًا بعبدًا ومفازًا).\nوالحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي / حديث كعب (ح ٤١٥٦) فقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب الجهاد / باب من أراد غزوة فورى بغيرها / (ح ٢٩٤٨) عن كعب بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله - ﷺ - قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرّ شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا واستقبل غزو عدد كثير فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم أخبرهم بوجهه الذي يريد).\nوالحديث أخرجه مسلم (ح / ٢٧٦٩).","vol":"7","page":228},{"text":"قال: وجاءَ المُعَذِّرون من الأعراب، فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله ﷿؛ وذُكِر لي أنهم كانوا من بني غِفَار، منهم خُفاف بن إيماء بن رَحْضَة (١). (٣: ١٠٢/ ١٠٣).\n٣٦٢ - ثم استتبَّ برسول الله - ﷺ - سفرهُ، وأجمع السير؛ وقد كان نفر من المسلمين أبطأتْ بهم النية عن رسول الله حتى تخلّفوا عنه من غير شكّ ولا ارتياب؛ منهم: كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أميّه أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف؛ وكانوا نفرَ صدق لا يُتَّهمون في إسلامهم، فلمَّا خرج رسولُ الله - ﷺ - ضرب عسكره على ثنيّة الوَدَاع، وضرب عبد الله بن أبيّ بن سَلُول عسكره على حِدَةٍ أسفل منه بحذاء ذُبَاب؛ جبل بالجبّانة أسفل من ثنيّة الوداع. وكان -فيما يزعمون- ليس بأقلّ العسكرين؛ فلمَّا سار رسولُ الله - ﷺ - تخلَّف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلّف من إلمنافقين وأهل الرّيب - وكان عبدُ الله بن أبيّ أخا بني عوف بن الخزرج - وعبد الله بن نَبْتَل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قَينُقَاع؛ وكانوا من عظماء المنافقين؛ وكانوا ممّن يكيد الإسلام وأهله (٢). (٣: ١٠٣).\n٣٦٣ - قال: وفيهم - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصريّ - أنزل الله ﷿: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ...﴾، الآية (٣). (٣: ١٠٣).\nقال: فزعم بعضُ الناس أنّ زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض: لم يزل مُتّهمًا بشرّ حتى هلك (٤). (٣: ١٠٦).\n٣٦٤ - ثم إنَّ رسول الله - ﷺ - دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكَيدر دومة -وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًّا- فقال\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":229},{"text":"رسولُ الله - ﷺ - لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، فباتت البقر تحُكّ بقرونها باب القصر، فقالت امرأته: هل رأيتَ مثل هذا قط! قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسْرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخٌ له يقال له: حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم؛ فلمَّا خرجوا تَلَقَّتهم خيلُ رسولِ الله - ﷺ - فأخذتْه، وقتلوا أخاه حسّان، وقد كان عليه قَباء له من ديباج مُخوَّص بالذهمب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله - ﷺ - قبل قدومه عليه (١). (٣: ١٠٨/ ١٠٩).\n٣٦٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثمّ إن خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله - ﷺ -، فحقن له دَمَه، وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى قريته (٢). (٣: ١٠٩).\n٣٦٦ - رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذي في أول غزوة تَبُوك. قال: فأقام رسولُ الله - ﷺ - بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها (٣). (٣: ١٠٩).\n٣٦٧ - ثمّ أقبلَ رسولُ الله - ﷺ - حتى نزل بذي أوَان؛ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار؛ وكان أصحاب مسجد الضِّرَار قد كانوا أتوْه وهو يتجهّز إلى تَبوك،\n_________\n(١) ذكره من قول ابن إسحاق بلا إسناد وجاء خبر (أسر الأكيدر بيد خالد ﵁ ومن معه) في الإصابة [١/ ٤١٢] عن أنس ﵁ إلَّا أن ابن إسحاق لم يصرح بالحديث.\nوأخرجه السيوطي من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا (الخصائص الكبرى ٢/ ١١٣).\n(٢) هذا إسناد معضل وقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٥٢) ومن طريقه الحافظ ابن كثير (٣/ ٦٨٦) عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: أنه - ﷺ - بعث خالدًا مرجعه من تبوك إلى أكيدر دومة ... وفيه:\n(أنه ﵁ ما كره حتى أنزله من الحصن ... إلخ الرواية).\nقلنا: وهذا إسناد مرسل ضعيف والله أعلم.\n(٣) إسناده مرسل ضعيف كما ذكرنا ومتنه مخالف للرواية الصحيحة عند ابن حبان (الإحسان ح ٢٧٣٨) وصححه أبو داود / باب إذا أقام بأرض العدو يقصر (ح ١٢٣٥) والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٢) من حديث جابر: (أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة).\nوأحمد في المسند (٣/ ٢٩٥).","vol":"7","page":230},{"text":"فقالوا: يا رسول الله! إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة والليلة المَطِيرة والليلة الشاتية؛ وإنا نحبّ أن تأتيَنا فتصلَّي لنا فيه. فقال: إني على جَنَاح سَفرٍ، وحال شغل -أو كما قال رسول الله- ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلَّينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوَان أتاه خبرُ المسجد، فدعا رسول الله - ﷺ - مالكَ بن الدُّخشُم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عديّ -أو أخاه عاصم بن عديّ أخا بني العَجْلان- فقال: انطلقا إلى المسجد الظالم أهلُه فاهدِماه وحرِّقاه؛ فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف؛ وهم رهط مالك بن الدُّخشُم، فقال مالك لمعن: أنظرْني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سَعَفًا من النّخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرّقاه وهَدماه، وتفرّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى آخر القصة (١). (٣: ١١٠).\n٣٦٨ - وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خذام بن خالد، من بني عُبَيد بن زيد؛ أحد بني عمرو بن عوف - ومن داره أخرج مسجد الشقاق - وثعلبة بن حاطب من بني عبيد - وهو إلى بني أمية بن زيد - ومُعَتِّب بن قُشَير من بني ضُبَيعة بن زيد، وأبو حَبيبة بن الأزعر من بني ضُبيعة بن زيد، وعئاد بن حُنيف؛ أخو سهل بن حُنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مجمّع بن\n_________\n(١) هذا الخبر من قول ابن إسحاق وكما عند ابن هشام في السيرة (٢/ ٥٢٩) وأخرج الحافظ ابن كثير هذا الحديث في تفسيره وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم. قالوا: أقبل رسول الله - ﷺ - من تبوك حتى نزل بذي أوان ... إلى آخر القصة (٢/ ٣٨٨ / تفسير سورة التوبة / آية ١٠٧).\nقلنا: وكعادة ابن إسحاق فإنه يجمع أحاديث هؤلاء ويركبها في بعض إضافة إلى عنعنته هنا والله تعالى أعلم.\nوقال الشيخ الغزالي ﵀: (وقد ذهبوا للرسول قبل رحيله إلى تبوك يقولون له: بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه). فاعتذر إليهم بأنه على جناح سفر وحال شغل وقال: (لو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه) فعقب المحدث الألباني (﵀) في الحاشية قائلًا: ضعيف رواه ابن هشام (٢/ ٣٢٢) وعن ابن إسحاق بدون إسناد لكن ذكره ابن كثير في التفسير (٢/ ٣٠٨٨) عن ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر وابن قتادة مرسلًا والله أعلم (فقه السيرة للغزالي / ٤٤٨).","vol":"7","page":231},{"text":"جارية وزيد بن جارية، ونَبْتَل بن الحارث، من بني ضُبَيعة، وبحَزَج -وهو إلى بني ضُبيعة - وبجاد بن عثمان - وهو من بني ضُبيعة - ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أميّة رهط أبي لُبابة بن عبد المنذر (١). (٣: ١١٠/ ١١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>أمر طيّئ وعديّ بن حاتم</span>\n٣٦٨ - قال: وفي هذه السنة -أعني سنة تسع- وجّه رسولُ الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب ﵁ في سريّة إلى بلاد طيّئ في ربيع الآخر، فأغار عليهم، فسبَى وأخذ سيفين كانا في بيتِ الصنم؛ يقال لأحدهما: رَسُوب، وللآخرِ المخذم؛ وكان لهما ذِكْرٌ، كان الحارث بن أبي شمر نَذَرهما له، وسبَى أخت عديّ بن حاتم. قال أبو جعفر: فأما الأخبار الواردة عن عديّ بن حاتم عندنا بذلك فبغير بيان وقت، وبغير ما قال الواقديّ في سبي عليّ أخت عديّ بن حاتم (٢). (٣: ١١١/ ١١٢).\n٣٦٩ - حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شعبة، قال: حدثنا سماك، قال: سمعت عَبَّاد بن حُبَيش يحدّث عن عديّ بن حاتم، قال: جاءت خيلُ رسول الله - ﷺ - أو قال: رسلُ رسول الله- فأخذوا عمّتي وناسًا، فأتوْا بهم النبيّ - ﷺ -. قال: فصُفّوا له. قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، نأى الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة؛ فمنّ عليّ مَن الله عليك يا رسول الله! قال: ومن وَافِدُكِ؟ قالت: عديُّ بن حاتم؛ قال: الذي فرَّ من الله ورسوله! قالت: فمَنَّ عليّ- وَرَجُل إلى جنبه ترَى أنه عليٌّ - ﵇ - قال: سلِيه حُمْلانًا - قال: فسألته، فأمر بها فأتتنِي، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها! قالت: ائتِه راغبًا وراهبًا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان -أو صبيّ- فذكر قربهم من النبيّ - ﷺ - فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال لي: يا عَدِيّ بن حاتم! ما أفرّك أن يقال: لا إله إلا الله! فهل من إله إلا الله! وما أفرّك أن يُقال: الله أكبر!\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) الواقدي متروك.","vol":"7","page":232},{"text":"فهل من شيء هو أكبر من الله! فأسلمتُ فرأيتُ وجهَه استبشر (١). (٣: ١١٢).\n٣٧٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن شيبان بن سعد الطائيّ، قال: كان عديّ بن حاتم طيّئ يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشدّ كراهيةً لرسول الله حين سمع به منّي؛ أمّا أنا فكنتُ امرًا شريفًا، وكنتُ نصرانيًّا أسيرُ في قومي بالمرْباع، فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكًا في قومي، لما كان يُصنع بي، فلمَّا سمعتُ برسول الله كرهْتُه، فقلت لغلام كان لي عربيّ وكان راعيًا لإبلي: لا أبالك! أعدِدْ لي من إبلي أجمالًا ذلُلًا سِمانًا مَسَانَّ، فاحبسها قريبًا منّي؛ فإذا سمعتَ بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنّي، ففعل. ثم إنه أتاني ذات غداة، فقال: يا عديّ! ما كنت صانعًا إذا غَشِيَتْك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيتُ رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوشُ محمد، قال: فقلت: قَرِّبْ لي جمالي، فقرّبها، فاحتملتَ بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحقُ بأهلِ ديني من النَّصارى بالشأم، فسلكت الحوشيّة وخلّفت ابنةَ حاتم في الحاضر، فلما قدمتُ الشأم أقمت بها، وتُخالفني خيلٌ لرسول الله - ﷺ - فتصيبُ ابنةَ حاتم فيمن أصيب. فقُدِم بها على رسول الله في سبايا طيّئ، وقد بلغ رسولَ الله - ﷺ - هَرَبي إلى الشأم. قال: فجُعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يُحْبَسن بها، فمرّ بها رسولُ الله - ﷺ - فقامت إليه -وكانت امرأةً جَزْلَةً- فقالت: يا رسول الله؛ هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ عليّ مَنَّ الله عليك! قال: ومَنْ وافدك؟ قالت: عديُّ بن حاتم، قال: الفارُّ من الله ورسوله! قالت: ثم مضى رسولُ الله - ﷺ - وتركني؛ حتى إذا كان الغد مرّ بي وقد أيسْتُ، فأشار إليَّ رجل من خَلْفه: أن قومي إليه فكلّميه، قالت: فقمتُ إليه، فقلت: يا رسولَ الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ عليَّ مَنَ الله عليك! قال: قد فعلتُ فلا تعجلي بخروجٍ حتى تجدِي من قومك مَنْ يكون لك ثقة حتى يبلّغك إلى بلادك ثم آذنِيني. قالت: فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن كلّميه فقيل: عليَّ بن أبي طالب. قالت: وأقمت حتى قدم ركبٌ من بَلِيّ -أو من\n_________\n(١) في إسناده عباد بن حبيش لم يرو عنه سوى سماك ولم يوثقه غير ابن حبان وقال الذهبي في الميزان: شيخ لسماك لا يعرف عن عدي بن حاتم. اهـ.\nوسنتحدث عن هذه الرواية بعد الرواية التالية.","vol":"7","page":233},{"text":"قضاعة- قالت: وإنما أريد أن آتيَ أخي بالشأم، قالت: فجئتُ رسولَ الله - ﷺ -، فقلت: يا رسولَ الله! قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثمَة وبلاغ. قالت: فكساني رسولُ الله - ﷺ -، وحملني وأعطاني نفقةً، فخرجت معهم حتى قدِمْت الشأم.\nقال عديّ: فوالله، إني لقاعدٌ في أهلي إذ نظرت إلى ظَعينة تُصَوّبُ إليّ تَؤمّنا. قال: فقلت: ابنة حاتم! قال: فإذا هي هي؛ فلما وقفتْ عليّ انسحلَتْ تقول: القاطع الظالم! احتملتَ بأهلك وولدك، وتركت بُنيَّةَ والدك وعَوْرَتَهُ! قال: قلت: يا أخيّة، لا تقولي إلا خيرًا، فوالله ما لي عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلتْ فأقامت عندي، فقلت لها - وكانت امرأة حازِمَةً -: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرَى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيًّا فالسابق إلَيه له فضيلة، وإن يكن ملِكًا فلن تذلَّ في عزّ اليمن وأنت أتَ! قلتُ: والله إن هذا للرّأي. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلّمت عليه، فقال: مَنِ الرجل؟ فقلت: عديُّ بن حاتم، فقام رسولُ الله - ﷺ - فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامدٌ بي إذ لَقِيَتْه امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقَفتْه، فوقف لها طويلًا تكلّمه في حاجتها. قال: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ثم مضى رسولُ الله حتى دخل بيته، فتناول وسادةً من أدَم محشُوَّةً لِيفًا، فقذفها إليّ، فقال لي: اجلس على هذه، قال: قلت: لا بل أنت، فاجلس عليها. قال: لا بل أنت، فجلستُ وجلس رسولُ الله - ﷺ - بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عديّ بن حاتم! ألم تك رَكُوسِيًا! قال: قلت: بلى، قال: أوَلم تكن تسير في قومك بالمِرْباع! قال: قلت: بلى، قال: فإنّ ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجلْ والله - وعرفت أنه نبيٌّ مرسل يعلم ما يُجهل - قال: ثم قال: لعلّه يا عديّ بن حاتم؛ إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم! فوالله ليوشِكَنَّ المال يفيض فيهم حتى لا يُوجَد مَنْ يأخذه؛ ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوّهم وقله عددهم؛ فوالله لَيوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرُجُ من القادسيّة على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف إلا الله؛ ولعلّه إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أنّ المُلك والسلطان في غيرهم، وايمُ الله ليوشكَنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت. قال: فأسلمت، فكان عَدِيُّ بن حاتم يقول: مضت الثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكوننّ! قد رأيت القصور البيض","vol":"7","page":234},{"text":"من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تَخرج من القادسيّة على بعيرها لا تخاف شيئًا حتى تحجّ هذا البيت. وايم الله لتكونَن الثالثة ليفيضَنَّ المال حتى لا يوجد من يأخذه (١). (٣: ١١٢/ ١١٣ / ١١٤/ ١١٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات</span>\n٣٧١ - قال الواقديّ: وفيها قدم على رسول الله - ﷺ - وفد بني تميم، فحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن\n_________\n(١) وقال الحافظ ابن كثير هكذا أورد ابن إسحاق ﵀ هذا السياق بلا إسناد وله شواهد من وجوه أخر (البداية والنهاية ٣/ ٧٥٦) ثم ذكر الحافظ الشواهد فبدأ برواية أحمد من طريق عباد بن حبيش كذلك عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيل رسول الله - ﷺ - وأنا بعقرب فأخذوا عمتي وناسًا فلما أتوا بهم رسول الله - ﷺ - قال: فصفوا له قالت: يا رسول الله! بان الوافد وانقطع الوالد ... إلخ الحديث. والحديث أخرجه أحمد (٧ / ح ١٩٣٩٧).\nوالترمذي في سننه (٥ / ح ٢٩٥٣) من طريق عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله وهو جالس في المسجد و... وفيه ما يعزك أن تقول لا إله إلا الله .. إلخ الحديث).\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. اهـ.\nقلنا: وذكره الهيثمي وغيره بعرضه رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عباد وهو ثقة (مجمع الزوائد ٦/ ٢٨).\nثم ذكر الحافظ ابن كثير رواية أخرى للإمام أحمد (ح ١٨٢٨٨) عن رجل قال: قلت لعدي بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك قال: نعم: لمَّا بلغني خروج رسول الله - ﷺ - كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم ...\nورواية ثالثة (ح ١٨٢٩٦) عن محمد بن أبي عبيدة عن عدي بن حاتم.\nقلنا: وهذه الأحاديث مع أسانيدها هذه فإن متونها (في مسألة فرار عدي بعد سماعه بخروج رسول الله - ﷺ - ثم عودته) مخالف لما جاء في صحيح البخاري من حديث عدي بن حاتم قال: أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجالًا يسميهم فقلت أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال: بلى: أسلمت إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ... إلى آخر الحديث (والذي ذكرناه في قسم الصحيح فليراجع).\nوالحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي (ح ٤٣٩٤) وما في الصحيح حجة لنا وعلينا والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":235},{"text":"قتادة وعبد الله بن أبي بكر، قالا: قدِم على رسول الله - ﷺ - عُطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدَس التميمي في أشراف من تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزّبرقان بن بدر التميميّ ثم أحد بني سعد، وعمرو. بن الأهتم، والحُتات (١) بن فلان، ونعيم بن زيد، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عَظيم من بني تميم، معهم عُيينة بن حصن بن حُذيفة الفزاريّ - وقد كان الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصْن شهدا مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة وحصار الطائف، فلمّا وَفَدَ وَفْدُ بني تميم كانا معهم - فلمّا دخل وفد بني تميم المسجد، نادَوْا رسولَ الله - ﷺ - من وراء الحُجُرات: أن اُخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك من صياحهم رسولَ الله - ﷺ -؛ فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد! جئناك لنفاخرَك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أذنت لخطيبكم فليقلْ. فقام إليه عُطارد بن حاجب، فقاله: الحمدُ لله الذي له علينا الفَضْل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددًا. وأيسره عُدَّةً، فمن مثلُنا في الناس! ألسْنا برؤوس الناس وأولي فضلهم! فمن يفاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا؛ وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام؛ ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا؛ وإنا نُعرف. أقول هذا الآن لتأتونا بمثلِ قولنا، وأمرٍ أفضلَ من أمرنا، ثم جلس. فقال رسولُ الله - ﷺ - لثابت بن قيس بن شمّاس أخي بلحارث بن الخزرج: قمْ فأجب الرجل في خطبته.\nفقام ثابت، فقال: الحمدُ لله الذي السمواتُ والأرضُ خَلْقُه، قضى فيهنّ أمره، وَوسِعَ كُرْسيّه علمه. ولم يك شيء قطّ إلّا من فضله. ثم كان من قدرته أنْ جعلنا ملوكًا واصطفى من خير خلقه رسولًا أكرمهم نَسَبًا، وأصْدَقهم حَدِيثًا، وأفضلهم حَسبًا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خَلْقِه؛ فكان خِيَرَةَ الله من العالمين، ثم دعا الناسَ إلى الإيمان، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رَحِمِه؛ أكرم الناس أنسابًا، وأحسن الناس وجوهًا؛ وخير الناس فعالًا؛ ثم كان أوّل الخلق إجابةً - واستجاب لله حين دعا رسول الله - ﷺ - نحنُ؛ فنحنُ أنصارُ الله ووُزراء رسوله، نقَاتِل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله وَدَمَه، ومَنْ كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يَسِيرًا، أقول قولي هذا\n_________\n(١) في سيرة ابن هشام: والحجاب بن يزيد. قال ابن هشام: الحُتات، وهو الذي آخى رسولُ الله - ﷺ - بينه وبين معاوية بن أبي سفيان.","vol":"7","page":236},{"text":"وأستغفر الله للمؤمنين وللمؤمنات، والسلام عليكم.\nقالوا: يا محمد، ائذَنْ لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزِّبرقان بن بدر فقال:\nنحْنُ الكرامُ فلا حَيٌّ يُعادِلُنا ... منَّا الملوكُ وفينَا تُنصَبُ البِيَعُ\nوكَم قَسَرْنا من الأحياء كلّهم ... عند النِّهَابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبعُ\nونحن نُطْعم عند القَحْطِ مطعَمنا ... منَ الشِّوَاءِ إذا لم يُؤنَس القَزَعُ\nثم ترَى الناسَ تأْتينا سَرَاتُهُم ... من كلِّ أرضٍ هُويًّا ثمَّ نَصْطَنعُ\nفَنَنْحَرُ الكُومَ عُبْطًا في أرُومَتِنَا ... للنَّازِلينَ إذا ما أنزِلوا شَبِعُوا\nفلا تَرَانا إلَى حَيّ نُفاخِرُهُمْ ... إلا اسْتَقَادُوا أو كادَ الرَّأسُ يُقْتَطَعُ\nإنا أبَينا ولَنْ يأْبَى لنا أحَدٌ ... إنا كَذلِكَ عند الفَخْرِ نَرْتَفِعُ\nفمَنْ يُقَادِرنَا في ذاكَ يعْرِفنا ... فيرجِع القَوْل والأخبَارُ تُسْتَمَعُ\nوكان حسّان بن ثابت غائبًا، فبحث إليه رسول الله - ﷺ -، قال حسان: فلمّا جاءني رسولهُ فأخبرني أنه إنما دَعَاني لأجيبَ شاعر بني تميم، خرجتُ إلى رسول الله، وأنا أقول:\nمَنَعنَا رسولَ اللهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا ... على كلِّ باغٍ من مَعَدٍّ وراغِمِ\nمنعْنَاه لمّا حَلَّ بين بُيُوتنا ... بأسْيافنا من كلِّ عادٍ وظالِم\nببَيتٍ حَرِيدٍ عِزُّه وثَرَاؤُه ... بجابِيَةِ الجَوْلانِ وَسْطَ الأعاجِمِ\nهَلِ المَجْد إلا السُّؤدُد العَوْد والنَّدَى ... وَجَاهُ الملوكِ وَاحتمالُ العَظَائم!\nقال: فلما انتهيتُ إلى رسولِ الله - ﷺ - وقام شاعر القوم، فقال ما قال، عرضتُ في قوله وقلت على نحوٍ مما قال؛ فلما فرغ الزِّبرقان بن بدر من قوله قال رسولُ الله - ﷺ - لحسّان: قم يا حسّان فأجب الرجل فيما قال، قال: فقال حسان:\nإنَّ الذَّوَائِبَ من فِهْرٍ وَإخْوتَهِم ... قد بيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ\nيَرْضَى بها كلُّ مَن كانت سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الإِلهِ وكلُّ الخير يُصْطَنَعُ\nقومٌ إذا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهمُ ... أو حَاوَلُوا النَّفْعَ في أشياعهمْ نَفَعُوا\nسَجيَّةٌ تلك منهم غير مُحْدَثَةٍ ... إنَّ الخلائق فاعلم شَرُّها الْبِدَعُ\nإنْ كانَ في الناسِ سَبَّاقونَ بَعْدَهُمُ ... فكلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ\nلَا يَرقعُ الناسُ ما أَوْهَتْ أكُفُّهمُ ... عند الدِّفاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا\nإِنْ سابَقوا الناسَ يَوْمًا فازَ سَبْقُهُمُ ... أوْ وَازنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بالنَّدَى مَتَعُوا","vol":"7","page":237},{"text":"أعِفَّةٌ ذكِرَتْ في الوَحْي عِفَّتُهمْ ... لا يَطْبَعونَ وَلَا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ\nلا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفضْلِهِمُ ... ولايَمَسُّهم من مَطْمَع طَبَعُ\nإِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لم نَدِبّ لهم ... كما يَدِبُّ إلَى الوَحْشِيَّةِ الذّرَعُ\nنَسْمو إذَا الْحَرْبُ نالتْنا مَخَالِبُها ... إذَا الزّعَانِفُ من أظْفارِها خَشَعُوا\nلَا فَخْرَ إن هُمْ أصابوا من عَدوِّهِم ... وإِنْ أُصِيبوا فَلَا خُورٌ ولا هُلُعُ\nكَأَنهمْ في الوَغَى والمَوْتُ مُكْتنِعٌ ... أسْدٌ بحَلْيَةَ في أَرْسَاغِها فَدَعُ\nخذْ منهم مَا أَتوا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ... ولا يكن همُّكَ الأَمرُ الذي مَنَعوا\nفإن في حربهم- فَاترُكَ عَدَاوتَهُمْ ... شرًّا يُخَاضُ عليه السّمُّ وَالسلَعُ\nأكْرِمْ بقومٍ رسول الله شِيعَتهم ... إذا تفرَّقَتِ الأَهوَاءُ والشِّيَعُ\nأهدي لهم مِدْحَتي قَلْبٌ يُوازِرهُ ... فيما أُحِبَّ لسانٌ حائكٌ صَنَعُ\nفإِنهمْ أفضَلُ الأحيَاء كلّهمُ ... إنْ جَدَّ بالناسِ جِدُّ القوْلِ أو شَمَعُوا\nفلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقْرَعُ بن حابس: وأَبِي إنّ هذا الرجل لمُؤْتًّى له! لخَطيبُه أخطب من خطيبنا، ولشَاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلمّا فرغ القوم أسلموا، وجَوّزهم رسولُ الله - ﷺ - فأحْسَنَ جوائزهم - وكان عمرو بن الأهتم قد خلَّفه القوم في ظهرهم - فقال قيس بن عاصم - وكان يُبغِض عمرو بن الأهتم: يا رسولَ الله؛ إنه قد كان منّا رجلٌ في رحالنا وهو غلام حَدَثٌ، وأزرِي به، فأعطاه رسولُ الله - ﷺ - مثلَ ما أعطى القوم؛ فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه ذلك من قول قيس بن عاصم، وهو يهجوه:\nظَلِلْتَ مُفْتَرِشًا هَلباكَ تَشْتمُني ... عند الرسولِ فلم تَصدُقْ ولم تُصِبِ\nإنْ تُبْغِضُونا فَإن الرُّومَ أَصْلكُمُ ... وَالرُّوم لا تَملِك البغضاء لِلعَرب\nسُدْنا فسُودَدُنا عَوْدٌ وسُودَدُكمْ ... مُؤَخَّرٌ عند أصلِ العَجْبِ والذّنَبِ (١)\n(٣: ١١٥/ ١١٦ / ١١٧/ ١١٨ / ١١٩).\n٣٧٢ - قال الواقديّ: وفيها مات عبدُ الله بن أبي ابن سَلُول، مرِضَ في ليال بقِينَ من شوال، ومات في ذي القَعْدة، وكان مرضه عشرين ليلة (٢). (٣: ١٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"7","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم</span>\nقال: وفيها قدم على رسول الله - ﷺ - كتابُ ملوك حِمْيَر في شهر رمضان مُقرين بالإسلام مع رسولهم الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال، والنعمان قَيل ذي رُعَين (١) (٣: ١٢٠).\n٣٧٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله - ﷺ - كتابُ ملوكِ حمْيَر مَقدمَهُ من تَبُوك، ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال، والنعمان قيل ذي رُعَين، وهَمْدان ومَعافِر. وبعث إليه زُرْعة ذو يَزَن مالكَ بن مُرَّة الرَّهاويّ بإسلامه، ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله - ﷺ -:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبيّ رسول الله إلى الحارث بن عبد كُلال ونعيم بن عبد كُلال والنعمان قَيل ذي رُعَين وهَمْدان ومَعافر؛ أما بعد ذلكم؛ فإني أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعدُ؛ فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلَنَا من أرض الرّوم، فلقيَنا بالمدينة، فبلّغ ما أرسَلْتم، وخَيَّر ما قِبَلَكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين؛ وإنّ الله قد هداكم بهدايته، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة؛ وأعطيتم من المغانم خُمس الله، وسهم نبيّه وصفته؛ وما كُتِب على المؤمنين من الصّدقة من العقار عُشْرُ ما سَقَت العين وما سَقَت السماءُ، وكلّ ما سُقِي بالغَرْب نصف العُشْر، وفي الإبل في الأربعين ابنة لَبون، وفي ثلاثين من الإبل ابنُ لبون ذكرٌ، وفي كلّ خمس من الإبل شاة، وفي كلّ عشر من الإبل شاتان، وفي كلّ أربعين من البقر بقرةٌ، وفي كلّ ثلاثين من البقر تَبيعٌ؛ جذَعٌ أو جَذَعَة، وفي كلّ أربعين من الغنم سائمة وحدَها، شاة. وإنها فريضة الله الَّتي فرض على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، ومَنْ أذَى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين؛ فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمّة الله وذمة رسوله. وإنه مَنْ أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ فإنّ له مثل ما لهم وعليه مثل\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر من قول الواقدي بلا إسناد والواقدي متروك.","vol":"7","page":239},{"text":"ما عليهم، ومَنْ كان على يهوديّته أو نصرانيته فإنه لا يفتَنُ عنها، وعليه الجزية؛ على كلّ حالم ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد؛ دينار وافٍ أو قيمته من المَعافر أو عرْضُهُ ثيابًا؛ فمن أذى ذلك إلى رسول الله؛ فإنَّ له ذمة الله وذمة رسوله، ومَنْ منعه فإنه عدوٌّ لله ولرسوله.\nأما بعد؛ فإنَّ رسولَ الله محمدًا النبي أرسلَ إلى زُرْعة ذي يَزن أن إذا أتتْكم رُسُلي فأوصيكم بهم خيرًا: مُعاذ بن جَبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عُبادة، وعُقْبة بن نَمِر، ومالك بن مُرَّة وأصحابهم؛ وأن اجْمَعُوا ما عندكم من الصدقة والجزْية من مخالفيكم وبلّغوها رُسُلي، وإنّ أميرهم معاذ بن جبل؛ فلا ينقلبنّ إلَّا راضيًا.\nأما بعد؛ فإنَّ محمدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله؛ ثم إن مالك بن مرة الرُّهاويّ قد حدثني أنك أسلمت من أوّل حميَر، وقتلت المشركين فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرًا، ولا تَخُونُوا ولا تخذلوا فإنَّ رسولَ الله مولى غنيّكم وفقيركم؛ وإنّ الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لأهله؛ إنما هي زكاة يتزكّى بها على فقراء المؤمنين وأبناء السبيل؛ وإنَّ مالكًا قد بلّغ الخبر وحفظ الغيب، وآمرُكم به خيرًا، وإني قد بعثت إليكم من صالحي أهلي وأولي ديني، وأولي علمهم؛ فآمركم بهم خيرًا فإنه منظور إليهم؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١). (٣: ١٢٠/ ١٢١ / ١٢٢).\nقال الواقديّ: وفيها قدمَ وفْدُ بَهْراء على رسول الله - ﷺ - ثلاثة عشر رجلًا، ونزلوا على المقداد بن عمرو.\nقال: وفيها قدم وفد بني البَكَّاء.\nوفيها قدم وفد بني فَزارة؛ وهم بضعة عشر رجلًا، فيهم خارجة بن حصن (٢). (٣/ ١٢٢).\n٣٧٤ - قال: وفيها حجّ أبو بكر بالناس ثم خرج أبو بكر من المدينة في\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف، ولكن ابن هشام أخرجه عن ابن إسحاق معضلًا (٢/ ٥٨٨) والله\nأعلم.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":240},{"text":"ثلاثمئة، وبعث معه رسول الله - ﷺ - بعشرين بَدَنَة، وساق أبو بكر خمسَ بدنَات. وحجّ فيها عبد الرحمن بن عوف وأهدى.\nوبعث رسول الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب - ﵇ - على أثر أبي بكر ﵁، فأدركه بالعرَج، فقرأ على عليه براءة يوم النحر عند العقَبة. فحدَّثني محمد بن الحُسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المُفَضَّل، قال: حدَّثنا أسباط؛ عن السُّدِّيّ، قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين -يعني: من سورة براءة- فبعث بهنَّ رسول الله مع أبي بكر، وأمَّره على الحجّ، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحُلَيفة أتبعه بعليّ، فأخذها منه؛ فرجع أبو بكر إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأمي! أنزَل في شأني شيءٌ؟ قال: لا؛ ولكن لا يبلّغ عني غيري أو رجل منّي. أما ترضى يا أبا بكر أنك كنتَ معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض! قال: بلَى يا رسول الله! فسار أبو بكر على الحجّ، وسار عليٌّ يُؤذِن ببراءة، فقام يوم الأضْحَى فآذن فقال: لا يقرَبنّ المسجد الحرام مشرِك بعد عامه هذا، ولا يطوفَنَّ بالبيت عُريان، ومَنْ كان بينه وبين رسول الله عهد فله عهده إلى مدَّته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يُدخل الجنة إلَّا مَنْ كان مسلمًا. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمّك إلَّا من الطعن والضرب.\nفرجع المشركُون فلام بعضهم بعضًا، وقالوا: ما تصنعون وقد أسْلَمَتْ قريش! فأسلموا (١). (٣: ١٢٢/ ١٢٣).\n٣٧٥ - حدَّثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدَّثنا أبو معشَر، قال: حدَّثنا محمد بن كعب القرَظيّ وغيره، قالوا: بعث رسولُ الله - ﷺ - أبا بكر أميرًا على المَوْسِم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب\n_________\n(١) ذكر الطبري ﵀ هذا الخبر نقلًا عن الواقدي ثم أخذ بذكر تفاصيل أخرى من طريق السدي بسند ضعيف.\nوأخرج عبد الله بن أحمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي أن رسول الله - ﷺ - لما أردف أبا بكر بعلى فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكن جبريل جاءني فقال: لا يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك (المسند / مسند علي بن أبي طالب / ١ / ح ١٢٩٦).\nوقال ابن كثير: وهذا ضعيف الإسناد ومتنه فيه نكارة والله أعلم (البداية والنهاية ٣/ ٧١٥).","vol":"7","page":241},{"text":"بثلاثين أو أربعين آية من \"براءة\"، فقرأها على الناس، يؤجّل المشركين أربعة أشهر يَسِيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة، أجّل المشركين عشرين يومًا من ذي الحجّة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، ولا يحجّنَّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان (١). (٣: ١٢٣).\n٣٧٦ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فُرضت الصدقات، وفَرَّق فيها رسول الله - ﷺ - عُمَّاله على الصدقات.\nوفيها نزل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾؛ وكان السبب الذي نزل ذلك به قصّة أمر ثعلبة بن حاطب، ذكر ذلك أبو أمامة الباهليّ (٢). (٣: ١٢٣/ ١٢٤).\n٣٧٧ - قال الواقديّ: وفي هذه السنة ماتت أمّ كلثوم ابنة رسولِ الله - ﷺ - في شعبان، وغسلَتْها أسماء بنت عُمَيس، وصفيّة بنت عبد المطلب. قال: وقيل غسلتْها نسوة من الأنصار، فيهنّ امرأة يقال لها: أم عطيّة، ونزل في حفرتها أبو طلحة.\nقال: وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ (٣). (٣: ١٢٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>ثم دخلت سنة عشر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>[سريّة خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب وإسلامهم]</span>\n٣٧٨ - قال أبو جعفر: فبعث فيها رسولُ الله - ﷺ - خالدَ بن الوليد في شهر ربيع الآخر -وقيل: في شهر ربيع الأول، وقيل: في جُمَادى الأولى- سريّةً في أربعمئة إلى بني الحارث بن كعب.\n_________\n(١) في إسناده عبد العزيز بن أبان متروك من التاسعة (التقريب ٤٠٨٣).\nوما صحّ في حجة أبي بكر بصحبة علي ﵁ ذكرناه في صحيح تأريخ الطبري فليراجع.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":242},{"text":"فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعثَ رسولُ الله - ﷺ - خالدَ بن الوليد في شهر ربيع الآخر -أو في جمادى الأولى- من سنة عشر إلى بَلْحارث بن كعب بنجْران، وأمره أن يدعوَهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابُوا لك فاقبل منهم، وأقِمْ فيهم، وعلِّمهم كتابَ الله وسنّة نبيِّه، ومعالم الإسلام، فإن لم يفعلوا؛ فقاتلْهم.\nفخرج خالدٌ حتى قدِم عليهم، فبعث الرّكبان يضربون في كلّ وجه، ويدعون الناس إلى الإسلام، ويقولون: يا أيها الناس أسْلموا تَسْلَموا. فأسلم الناس، ودِخلوا فيما دعاهم إليه، فأقام خالد فيهم؛ يعلّمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيِّه.\nثم كتب خالدٌ إلى رسول الله - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد النبيّ رسول الله - ﷺ - من خالد بن الوليد، السّلام عليك يا رسولَ الله ورحمة الله وبركاته؛ فإني أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد يا رسولَ الله صلى الله عليك؛ بعثتَني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتُهم ألَّا أقاتلَهم ثلاثةَ أيام، وأن أدعوَهم إلى الإسلام؛ فإن أسلموا قبلتُ منهم وعلّمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيّه، وإن لم يُسْلموا قاتلتهم. وإني قدمتُ عليهم فدعوتُهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسولُ الله - ﷺ -، وبعثت فيهم ركبانًا قالوا: يا بني الحارث، أسْلِموا تَسْلَموا، فأسلَموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيمٌ بين أظهرهم وآمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عمّا نهاهم الله عنه؛ وأعلّمهم معالم الإسلام وسنة النَّبيّ - ﷺ - حتى يكتب إليّ رسول الله، والسلام عليك يا رسُولَ الله ورحمة الله وبركاته.\nفكتب إليه رسولُ الله - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبيّ رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فإنَّ كتابك جاءني مع رسُلك بخبر أنّ بني الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتَلوا، وأجابوا إلى ما دعوتَهم إليه من الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه؛ فبشِّرْهم وأنذِرْهم، وأقْبل وليُقِبل معك وفدُهم؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.","vol":"7","page":243},{"text":"فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله - ﷺ -، وأقبل معه وفدُ بلْحارث بن كعب؛ فيهم: قيس بن الحُصين بن يزيد بن قَنَان ذي الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المُحَجَّل، وعبد الله بن قُرَاد الزياديّ؛ وشدّاد بن عبد الله القَنانيّ، وعمرو بن عبد الله الضبَّابي. فلما قدِمُوا على رسولِ الله - ﷺ -، فرآهم قال: مَنْ هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب؛ فلمّا وقفوا عند رسول الله - ﷺ - سلَّموا عليه، فقالوا: نشهد أنك رسولُ الله، وأن لا إله إلا الله، فقال رسول الله: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ثم قال رسولُ الله - ﷺ -: أنتم الذين إذا زُجِروا استقدموا! فسكتوا، فلم يراجعْه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله - ﷺ - الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله - ﷺ - الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسولُ الله الرابعة، فقال يزيد بن عبد المَدان: نعم يا رسولَ الله، نحن الذين إذا زُجِرنا استقدمنا، فقالها أربعَ مرات، فقال رسول الله - ﷺ -: لو أن خالدَ بن الوليد لم يكتُبْ إليّ فيكم أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقداسكم. فقال يزيد بن عبد المدان: أمَّا والله يا رسول الله، ما حمدناك ولا حمدنا خالدًا، فقال رسول الله: فمن حَمِدتم؟ قالوا: حَمِدْنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله؛ قال: صدقتم؛ ثم قال رسولُ الله - ﷺ -: بمَ كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم في الجاهليّة؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدًا، فقال رسولُ الله: بلى قد كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم، قالوا: يا رسولَ الله، كنا نغلب مَنْ قاتلنا، أنَّا كنا بني عبيد، وكنا نجتمع ولا نتفرّق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: صدقتم. ثم أمَّر رسولُ الله على بلْحارث بن كعب قيسَ بن الحُصين. فرجع وفد بلْحارث بن كعب إلى قومهم في بقيّة شوال أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن قدِموا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفِّيَ رسول الله - ﷺ - (١). (٣: ١٢٦/ ١٢٧ / ١٢٨).\n٣٧٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق معضلًا وذكره ابن كثير عن ابن إسحاق وقال في آخره: بوفد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي، وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد (البداية والنهاية ٣/ ٨٠٣).","vol":"7","page":244},{"text":"عبدُ الله بن أبي بكر، قال: وكان رسولُ الله - ﷺ - بعثَ إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولَّى وفدهم عَمْرَو بن حزم الأنصاريّ، ثم أحد بني النّجار؛ ليفقّههم في الدين ويعلّمهم السنّة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابًا عهد إليه فيه، وأمره فيه بأمره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ عقدٌ من محمد النبيّ لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمر به الله وأن يبشّر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلِّم الناس القرآن، ويفقّههم في الدين، وينهى الناس ولا يمسّ أحد القرآن إلَّا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم؛ والذي عليهم؛ ويلين للناس في الحقّ، ويشتدّ عليهم في الظلم؛ فإنّ الله ﷿ كره الظلم ونهى عنه وقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ويبشِّر الناس بالجنة وبعملها، ويُنذر بالنار وبعملها، ويستألِف الناس حتى يتفقّهوا في الدّين، ويعلّم الناس معالمَ الحجّ وسنَّته وفريضته، وما أمر الله به في الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر؛ وهو العُمْرة، وينهَى الناس أن يصلِّيَ أحدٌ في ثوب واحد صغير؛ إلا أن يكون ثوبًا واحدًا يثني طرَفه على عاتقه، وينهى أن يحتبِيَ أحدٌ في ثوب واحد يُفْضِي بفرْجه إلى السماء، وينهى ألَّا يعقص أحد شعر رَأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هَيجٌ عن الدعاء إلى القبائل والعشائر؛ وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له؛ فمن لم يدعُ إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطَّعُوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله ﷿، وأمره بالصَّلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، ويغلِّس بالفجر، ويهجِّر بالهاجرة حين تَمِيل الشمس، وصلاةِ العصر والشمسُ في الأرض مدبرة، والمغرب حينَ يقبل الليل؛ لا تؤخَّر حتى تبدوَ النجوم في السماء، والعشاء أوّلَ الليل. ويأمر بالسَّعي إلى الجُمُعة إذا نودي لها، والغُسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خُمسَ الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عُشْر ما سقى البعل وما سقت السماء ومِمَّا سقى الغرْب نصف العشر، وفي كلّ عشْر من الإبل شاتان، وفي كلّ عشرين من الإبلِ أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جَذعٌ أو","vol":"7","page":245},{"text":"جَذَعةٌ، وفي كل أربعين من الغنم سائمةٌ شاةٌ؛ فإنها فريضة الله التي افترض الله ﷿ على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيرًا فهو خيرٌ له، وأنه مَنْ أسلم من يهوديّ أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه، ودانَ دين الإسلام فإنه من المؤمنين؛ له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم؛ ومَنْ كان على نصرانيّته أو يهوديته فإنه لا يُفْتَن عنها، وعلى كلّ حالم ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينارٌ وافٍ أو عَرْضه ثيابًا؛ فمن أدّى ذلك، فإن له ذمّة الله وذقة رسوله، ومَنْ منع ذلك فإنه عدوٌّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا (١). (٣: ١٢٨/ ١٢٩).\nقال الواقديّ: وفي هذه السنة قدم وفد سَلامان في شوّال على رسول الله - ﷺ -، وهم سبعة نفر؛ رأسهم حبيب السَّلامانيّ.\nوفيها قدِم وَفْد غَسَّان في رمضان.\nوفيها قدم وفد غامد في رمضان (٢). (٣: ١٣٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>قدوم وفد الأزد</span>\n٣٨٠ - وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صُرَد بن عبد الله في بضعة عشر. فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: قدم على رسولِ الله - ﷺ - صُرَد بن عبد الله الأزديّ فأسلم فحسن إسلامه في وفدٍ من الأزد، فأمّره رسولُ الله على مَنْ أسلم من قومه،\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف، وأخرج البيهقي في الدلائل (٥/ ٤١٣) وأبو داود في المراسيل (كتاب الديات / ح ٢٢٦) خبر كتاب رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حزم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم مرسلًا وهو حديث طويل ذكره الحافظ ابن كثير بطوله في البداية والنهاية ثم عقب قائلًا:\nقال الحافظ البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولًا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك. قلت: ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولًا وأبو داود في كتاب المراسيل (البداية والنهاية ٣/ ٧٧٣) والله تعالى أعلم.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":246},{"text":"وأمَره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، فخرج صُرَد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله في جيش حتى نزل بجُرَش؛ وهي يومئذ مدينة مغلَقة، وفيها قبائل اليمن، وقد ضوَتْ إليهم خَثْعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين، فحاصروهم بها قريبًا من شهر، وامتنعوا منهم فيها. ثم إنه رجع عنهم قافلًا؛ حتى إذا كان إلى جبل يقال له: \"كَشر\" ظنَّ أهل جُرَش أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا؛ فخرجوا في طلبه؛ حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلًا؛ وقد كان أهل جُرَش قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله - ﷺ - وهو بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبينا هما عند رسول الله عشيّةً بعد العصر؛ إذْ قال رسولُ الله - ﷺ -: بأيّ بلاد الله شَكْر؟ فقام الجُرَشيّان فقالا: يا رسول الله؛ ببلادنا جبل يقال له جبل كَشر؛ وكذلك تسمّيه أهلُ جرش، فقال: إنه ليس بكشرَ؛ ولكنه \"شكر\" قالا: فما له يا رسول الله؟ قال: إنَّ بُدْنَ الله لتُنحر عنده الآن. قال: فجلس الرَّجُلان إلى أبي بكر وإلى عثمان، فقالا لهما: ويحكما! إنّ رسول الله الآن لينْعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فاسألاه أن يدعوَ الله فيرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: اللهمَّ ارفع عنهم؛ فخرجا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما أصيبوا يوم أصابهم صُرَد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسولُ الله - ﷺ - ما قال؛ وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر؛ فخرج وفدُ جُرَش حتى قدِموا على رسول الله - ﷺ - فأسلموا، وحَمَى لهم حِمىً حول قريتهم على أعلام معلومة للفرَس، وللراحلة، وللمثيرة تُثير الحرث؛ فَمَنْ رعاها من الناس سوى ذلك فمالُه سُحْتٌ، فقال رجل من الأزد في تلك الغزوة -وكانت خثعم تصيب من الأزْد في الجاهلية وكانوا يغزُون في الشهر الحرام -:\nيا غَزْوَةً مَا غَزَوْنا غَيرَ خَائِبَةٍ ... فيها البغالُ وفيها الخيلُ والحمُرُ\nحتى أتينا حُمَيرًا في مَصَانِعِها ... وجَمْع خَثْعَمَ قَدْ سَاغَتْ لَها النُّذُرُ\nإذا وَضَعْتُ غَلِيلًا كنت أَحْمِلُه ... فَما أُبالِي أَدَانوا بعْدُ أمْ كَفَروا! (١)\n(٣: ١٣٠/ ١٣١).\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف، وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٥٨٧) من قول ابن إسحاق بلاغًا.","vol":"7","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>قدوم وفد زُبيد</span>\n٣٨١ - قال أبو جعفر: وفيها قدِم وفدُ زُبيد على النبيّ - ﷺ - بإسلامهم. فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدِم على رسولِ الله - ﷺ - عمرُو بن معد يكرب في أناس من بني زُبَيد، فأسلم، وكان عمرو بن معد يكرب قد قال لقيس بن مكْشُوح المُراديّ حين انتهى إليهم أمرُ رسول الله - ﷺ -: يا قيس؛ إنك سيّد قومِك اليوم؛ وقد ذُكر لنا أنّ رجلًا من قريش يقال له: محمد قد خرج بالحجاز يقول: إنّي نبيّ؛ فانطلق بنا إليه حتى نعلم عِلْمَه؛ فإن كان نبيًّا كما يقول؛ فإنه لا يخفى عليك. إذا لقيناه؛ اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه ذلك قيسُ بن مكشوح وسَفَّه رأيه.\nفركب عمرو بن معد يكربَ حتى قدِم على رسول الله - ﷺ -، فصدَّقه وآمن به؛ فلما بلغ ذلك قيسًا أوعد عَمرًا، وتحفّظ عليه، وقال: خالفني وترك رأيي! فقال عمرو في ذلك:\nأمَرْتكَ يَومَ ذي صَنْعَا ... ء أمْرًا بادِيًا رَشَدُهْ\nأَمَرْتكَ باتِّقاء اللـ ... ـه والمعروف تَتَّعِدُه\nخَرَجتَ مِنَ المُنَى مثْل الـ ... ـحِمَارِ أعارَهُ وَتِدُهْ\nتَمَنَّانِي على فرسٍ ... عليه جَالِسًا أسدُهْ\nعليّ مُفَاضَةٌ كالنِّهْـ ... ـيِ أَخْلَصَ مَاءَهُ جَدَدُه\nتَرُدُّ الرُّمْح مَثْنِيَّ الـ ... ـسِّنانِ عَوَائرًا قِصَدُهْ\nفلَوْ لاقَيتَني لاقيـ ... ـت لَيثًا فوقه لِبَدُهْ\nتلاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الـ ... ـبَرَاثِنِ ناشِزًا كتَدُهْ\nيُسَامي القِرْنَ إنْ قِرْنٌ ... تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُهْ\nفَيَأْخُذُه فَيَرْفَعُه ... فَيَخْفِضُه فيَقْتَصِدُهْ\nفَيدْمَغه فَيَحْطِمُهُ ... فَيَخْضِمه فَيَزْدَرِدُهْ\nظَلومُ الشِّركِ فيما أحـ ... ـرَزَتْ أنيابُهُ ويَدُهْ\nمَتى ما يغْد أو يُغْدَى ... به فَقبوله بردهْ\nفَيخطر مِثْل خَطْرِ الفَحـ ... ـلِ فَوقَ جِرانِهِ زَبَدُهْ","vol":"7","page":248},{"text":"فأمسَى يَعتريه مِنَ الـ ... ـبَعوضِ ممنَّعًا بلَدُهْ\nفلا تَتَمَنَّني وتَمنَّ ... غَيريَ لَيّنًا كَتَدُهْ\nوبَوِّئنِي له وَطَنًا ... كَثِيرًا حوْلَه عَدَدُهْ\nقال: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زُبَيد؛ وعليهم فَرْوة بن مُسَيك المُراديّ، فلما توفيّ رسولُ الله - ﷺ - ارتدّ عمرو فقال حين ارتدّ:\nوَجَدْنا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرَّ مُلْكٍ ... حِمَارًا سَافَ مُنْخرُه بِقَذْرِ\nوكنْتَ إذا رَأَيتَ أبا عُمَيرٍ ... ترَى الحُوَلاءَ مِنْ خُبْثٍ وغَدْرِ (١)\n(٣: ١٣٢/ ١٣٣ / ١٣٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>قدوم فَرْوَة بن مسيك المراديّ</span>\n٣٨٢ - وقد كان قدم على رسول الله في هذه السنة -أعني: سنة عشر- قبل قدوم عمرو بن معد يكرب، فرْوَةُ بن مُسَيك المُراديّ مفارقًا لملوك كِندة. فحدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدِم فَرْوة بن مُسيك المراديّ على رسول الله - ﷺ - مفارقًا لملوك كِنْدَة، ومعاندًا لهم؛ وقد كان قبَيلَ الإسلام بين مُراد وهَمْدان وقعة أصابت فيها هَمْدان من مُرَاد ما أرادوا؛ حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له: الرَّزْم؛ وكان الذي قاد هَمْدان إلى مُراد الأجدع بن مالك، ففضحهم يومئذ، وفي ذلك يقول فَرْوة بن مُسَيك:\nفَإنْ نَغْلِبْ فغلَّابونَ قِدْمًا ... وإن نُهْزَمْ فغَيرُ مُهَزَّمِينا\nوإنْ نُقْتَل فلا جُبْنٌ ولكن ... منايانا وطُعْمَةُ آخَرِينا\nكَذَاك الدَّهْر دولته سِجَالٌ ... تكرُّ صُرُوفُه حينًا فحينا\nفبَينَاهُ يُسَرُّ بِهِ وَيرضَى ... ولَو لُبِسَتْ غَضارَتهُ سِنِينَا\nإذ انْقَلَبَتْ بِهِ كرَّاتُ دَهْرٍ ... فألفى للأولى غَبَطُوا طَحِينا\nومَنْ يُغْبَط برَيبِ الدَّهْرِ منهم ... يجِدْ رَيبَ الزّمَانِ لَه خَؤونا\nفلَوْ خَلَدَ الملوكُ إذًا خَلَدْنا ... ولوْ بَقِيَ الكِرامُ إذًا بَقِينا\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":249},{"text":"فأفْنى ذَاكُمُ سَرَوَات قوْمِي ... كما أفْنى القرون الأوّلينا\nولما توجّه فروة بن مُسَيك إلي رسولِ الله - ﷺ - مفارقًا لملوك كِنْدة قال:\nلما رَأَيتُ ملوكَ كِنْدَة أَعْرَضت ... كالرِّجْل خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نسَائها\nيمّمْتُ رَاحلتي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا ... أرْجُوا فوَاضِلها وَحُسْنَ ثَرَائها\nقال: فلمّا انتهى إلى رسول الله - ﷺ - قال له رسول الله -فيما بلغني-: يا فرْوة، هل ساءك ما أصاب قومك يومك يوم الرَّزم؟ فقال: يا رسول الله، ومَنْ ذا يصيب قومَه مثل ما أصاب قومِي يوم الرّزم لا يسوؤه ذلك! فقال رسولُ الله - ﷺ -: أما إنّ ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرًا. فاستعمله رسولُ الله على مُراد وزُبَيد ومَذْحِج كلّها؛ وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصَّدَقة، وكان معه في بلاده حتى تُوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - (١). (٣: ١٣٤/ ١٣٥).\n٣٨٣ - حدَّثنا أبو كُرَيب وسفيان بن وكيع، قالا: حَدَّثنا أبو أسامة، قال: أخبرنا مجالد، قال: حدَّثنا عامر عن فَرْوة بن مُسَيك، قال: قال رسول الله: أكرهت يومك ويوم هَمْدان؟ فقلت: إي والله! أفنى الأهل والعشيرة؛ فقال: أما إنه خيرٌ لمن بقي (٢). (٣: ١٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>قدوم الجارود في وفد عبد القيس</span>\nوقد كان رسول الله بعث العَلاءَ بن الحضرميّ قبل فتح مكة إلى المنذر بن\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف، وقال ابن سعد في طبقاته: قدم فروة سنة عشر على رسول الله مفارقًا لكندة تابعًا للنبي - ﷺ - ثم استعمل على مراد وزبيد ومذحج كلها وكان يسير فيها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقات (تسمية من نزل اليمن من أصحاب النبي - ﷺ - ٥/ ٣٤٢ / ح ١٧٠٩). طبعة إحياء التراث.\nوأخرج من طريق الواقدي عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: قدم فروة بن مسيك المرادي وافدًا على رسول الله مفارقًا لملوك كندة ... الخبر مختصرًا (١/ ١٥٨) والواقدي متروك.\n(٢) في إسناده مجالد الهمداني ضعفه أكثر أئمة الحديث وقال الحافظ: ليس بالقوي تغير في آخر عمره (مسلم والأربعة) وقال الشيخ شعيب وبشار: إنما روى له مسلم مقرونًا بغيره. (تحرير التقريب ت / ٦٤٧٨).\nقلنا: وقال ابن معين: لا يحتج به. وقال أحمد: يرفع كثيرًا مما لا يرفعه الناس (الميزان / ت / ٧٠٧٠).","vol":"7","page":250},{"text":"ساوَى العبديّ، فأسلم فحسُنَ إسلامه؛ ثم هلك بعد وفاة رسولِ الله، وقبل رِدَّة أهل البَحْرَين، والعَلاءُ أميرٌ عنده لرسول الله على البحرين (١). (٣: ١٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة</span>\n٣٨٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق عن شيخ من بني حَنيفة من أهل اليمامة، قال: كان حديثُ مسيلمة على غير هذا، زعم أن وفدَ بني حنيفة أتوْا رسولَ الله - ﷺ - وخلّفوا مسيلمة في رحالهم؛ فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا قد خلّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وركابنا يحفظهما لنا. قال: فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به للقوم؛ وقال: أما إنه ليس بشرّكم مكانًا، يحفظ ضيعة أصحابه؛ وذلك [الذي] يريد رسول الله. قال: ثم انصرفوا عن رسول الله وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله؛ فلما انتهى إلى اليمامة ارتدّ عدو الله وتنبأ وتكذّب لهم، وقال: إنّي قد أشركت في الأمر معه، وقال لوفده: ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني: \"أما إنه ليس بشرّكم مكانًا\"! ما ذلك إلا لما كان يعلم أني قد أشرِكت معه؛ ثم جعل يسجَع السّجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: \"لقد أنعم الله على الحُبْلى، أخرج منها نسمة تَسْعَى، من بين صفاق وحشى\"، ووضع عنهم الصلاة؛ وأحَلَّ لهم الخمر والزّنى، ونحو ذلك. فشهد لرسولِ الله - ﷺ - أنه نبيٌّ، فأصفقت بنو حنيفة على ذلك، فالله أعلم أيّ ذلك كان (٢). (٣: ١٣٧/ ١٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة</span>\n٣٨٥ - قال الواقديّ: وفيها قدم وفدُ محارب.\nوفيها قدم وفدُ الرّهاويّين.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف، ومتنه مخالف لرواية الصحيحين عن ابن عباس كما ذكرنا في قسم الصحيح من أنه - ﷺ - رأى مسيلمة وكلّمه وقال: لن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله.","vol":"7","page":251},{"text":"وفيها قدم وفد العاقب والسَّيِّد من نجْران، فكتب لهما رسول الله - ﷺ - كتاب الصلح.\nقال: وفيها قدم وفد عَبْس.\nوفيها قدم وفد صَدِف، وافوْا رسول الله - ﷺ - في حجّة الوداع.\nقال: وفيها قدم عديُّ بن حاتم الطائيّ، في شعبان.\nوفيها مات أبو عامر الراهب عند هِرَقل، فاختلف كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن عُلاثة في ميراثه، فَقُضِيَ به لكنانة بن عبد ياليل. قال: هما من أهل المدر، وأنت من أهل الوَبَر (١) (٣: ١٣٩/ ١٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>قدوم رفاعة بن زيد الجذاميّ</span>\nقال: وفيها قدم وفد خَوْلان، وهم عشرة.\n٣٨٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حَدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق، قال: حدَّثني يزيدُ بن أبي حبيب، قال: قدِم علَى رسول الله - ﷺ - في هُدْنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجُذاميّ ثم الضبَيبيّ؛ فأهدى لرسول الله غلامًا، وأسلم فحسُن إسلامه، وكتب له رسول الله إلى قومه كتابًا، في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد؛ إني بعثته إلى قومه عامَّةً ومَنْ دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله؛ فَمَنْ أقبل فمنْ حزب الله وحزب رسوله؛ ومَنْ أدبر فله أمان شهرين. فلمّا قدم رفاعة على قومه، أجابوا وأسلموا، ثمّ ساروا إلى الحَرَّة؛ حَرَّة الرّجلاء فنزلوها (٢). (٣: ١٤٠).\n٣٨٧ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن رجال من جُذام كانوا بها علماءَ: أنّ رفاعة بن زيد، لما قدِم من عند رسول الله - ﷺ - بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا له، لم يلبث أن أقبل دحْية بن خليفة الكلبيّ مِنْ عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله ومعه\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد مرسل ضعيف، وأخرجه ابن إسحاق معضلًا فالخبر ضعيف. والله أعلم.","vol":"7","page":252},{"text":"تجارة له؛ حتى إذا كان بوادٍ من أوديتها، يقال له: شَنَار؛ أغار على دِحْية الهُنَيد بن عَوْص وابنه عوص بن الهُنَيد، الضُّلَيعِيَّان - والضُّلَيع: بطن من جُذام - فأصابا كلّ شيء كان معه؛ فبلغ ذلك نفرًا من بني الضبَيب قوم رفاعة ممنّ كان أسلَم وأجاب، فنفروا إلى الهُنَيد وابنه، فيهم من بني الضُبيب النُّعمان بن أبي جِعال، حتى لقُوهم، فاقتتلوا، وانتمى يومئذ قُرَّةُ بن أشْقَر الضَّفاريّ ثم الضُّلَيعيّ، فقال: أنا ابن لُبْنَى؛ ورمى النُّعمان بن أبي جِعال بسهم فأصاب رُكبَتَه، فقال حين أصابه: خُذْها وأنا ابن لُبنى - وكانت له أمٌ تدعى لُبنى - قال: وقد كان حسّان بن مَلَّة الضُبَيبيّ قد صحب دِحية بن خليفة الكلبيّ قبل ذلك؛ فعلّمه أمَّ الكتاب؛ فاستنقذوا ما كان في يد الهُنيد وابن عوص، فردُّوه على دِحية؛ فسار دحْية حتى قدِم على رسولِ الله، فأخبره خبره، واستسقاه دم الهُنيد وابنه؛ فبعث إليهم رسول الله زيد بن حارثة - وذلك الذي هاج غزوة زيد جُذَامًا، وبعث معه جيشًا - وقد وجَّهت غطفان من جُذام كلّها ووائل ومَنْ كان من سَلامان وسعد بن هُذَيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله؛ فنزلوا بالحَرَّة؛ حرَّة الرجلاء، ورفاعة بن زيد بكُرَاع رَبَّة ولم يعلم، ومعه ناسٌ من بني الضبيب وسائر بني الضّبيب بوادٍ من ناحية الحَرَّة ممَّا يسيل مُشَرِّقًا، وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الأولاج، فأغار بالفَضَافِض من قِبَل الحرّة، وجمعوا ما وجدوا من مال وأناس، وقتلوا الهُنَيد وابنه ورجُلَين من بنيِ الأحنف، ورجلًا من بني خَصِيب؛ فلمّا سمعت بذلك بنو الضُّبيب والجيش بفيفاء مَدَان؛ ركب حسّان بن ملّة على فرس لسُويد بن زيد يقال لها: العَجَاجة، وأنَيف بن ملّة على فرس لملّة، يقال لها: رِغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس له يقال لها: شَمِر؛ فانطلقوا حتى إذا دنوْا من الجيش؛ قال أبو زيد لأنَيف بن مِلَّة: كفّ عنا وانصرِفْ؛ فإنا نخشى لسانَك، فانصرف فوقف عنهما، فلم يبعدا منه؛ فجعل فرسُه تبحث بيدها وتوثّب؛ فقال: لأنا أضنُّ بالرجلين منك بالفرسَين؛ فأرخَى لها حتى أدركهما؛ فقالا له: أمّا إذْ فعلت ما فعلت، فكفّ عنا لسانك ولا تشأمْنا اليوم، وتواطؤوا ألَّا يتكلم منهم إلَّا حسان بن مَلَّة؛ وكانت بينهم كلمة في الجاهلية؛ قد عرفوها؛ بعضهم من بعض؛ إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: \"ثوري\".\nفلمَّا برزوا على الجيش أقبل القومُ يبتدرونَهم؛ فقال حسان: إنا قوم مسلمون؛","vol":"7","page":253},{"text":"وكان أوّلَ مَنْ لقيهم رجلٌ على فرس أدْهم بائع رمحه يقول معرِّضُه: كأنما ركزه على منسج فرسه جدّ وأعتق؛ فأقبل يسوقهم، فقال أنيف: \"ثوري\"، فقال حسان: مهلًا! فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال له حسَّان: إنا قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرأ أمّ الكتاب، فقرأها حسان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجيش، إنّ الله قد حَرَّمَ علينا ثُغرة القوم التي جاؤوا منها إلا من ختَر؛ وإذا أختٌ لحسان بن ملّة - وهي امرأة أبي وبْر بن عديّ بن أمية بن الضُّبيب - في الأسارى. فقال له زيد: خذها، فأخذت بحَقْويه، فقالت أمُّ الفَزْر الضُّلَيعية: أتَنْطلقون ببناتكم، وتَذَرُون أمّهاتكم! فقال أحد بني خصيب: إنها بنو الضّبيب! وسحرت ألسنَتهم سائر اليوم؛ فسمعها بعضُ الجيش؛ فأخبر بها زيد بن حارثة؛ فأمر بأخت حسان؛ ففُكَت يداها من حَقْويه، فقال لها: اجلسي مع بنات عَمّك حتى يحكم الله فيكنّ حكمه؛ فرجعوا؛ ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاؤوا منه، فأمسَوْا في أهليهم؛ واستعتموا ذَوْدًا لسويد بن زيد؛ فلما شربوا عَتمتَهُمْ ركبوا إلى رفاعة بن زيد؛ وكان ممن ركب إلى رفاعة تلك الليلة أبو زيد بن عمرو وأبو شمَّاس بن عمرو، وسويد بن زيد، وبعْجة بن زيد، وبَرْذع بن زيد، وثعلبة بن عمرو، ومَخْربة بن عديّ، وأنيف بن ملّة، وحسّان بن ملّة، حتى صبَّحُوا رفاعة بن زيد بكراع ربَّةَ بظهر الحرّة على بئر هنالك من حَرَّة ليلى، فقال له حسان بن ملّة: إنك لجالسٌ تحلُبُ المِعْزَى ونساء جذام يُجْرَرْنَ أسارى قد غَرَّها كتابك الذي جئت به! فدعا رفاعة بن زيد بجمل له؛ فجعل يشكل عليه رحله؛ وهو يقول:\n* هل أنت حيٌّ أو تُنَادي حيًّا *\nثم غدا وهم معه بأميّة بن ضفارة أخي الخصيبيّ المقتول مبكّرين من ظهر الحرّة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلما دخلوا؛ انتهوا إلى المسجد، ونظر إليه رجلٌ من الناس، مقال لهم: لا تُنيخوا إبلَكم فتقطع أيديهنّ، فنزلوا عنها وهن قيامٌ؛ فلمّا دخلُوا على رسول الله - ﷺ - ورآهم، ألاح إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس؛ فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قام رجلٌ من الناس، فقال: إنّ هؤلاء يا نبيّ الله قومٌ سَحرةٌ؛ فرددها مرّتين؛ فقال رفاعة: رحمَ الله من لم يَجْزنا في يومنا هذا إلا خيرًا! ثم دفع رفاعة كتابه إلى رسول الله الذي كان كتبه","vol":"7","page":254},{"text":"له، فقال: دونك يا رسول الله قديمًا كتابهُ، حديثًا غدره. فقال رسول الله - ﷺ -: اقرأ يا غلام وأعلن؛ فلما قرأ كتابهم واستخبرهم فأخبروه الخبر، قال رسول الله: كيف أصنع بالقتلى؟ ثلاث مرات؛ فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلمُ، لا نحرّم عليك حلالًا، ولا نُحلُّ لك حرامًا؛ فقال أبو زيد بن عمرو: أطلقْ لنا يا رسول الله مَنْ كان حيًّا، ومن كان قد قُتِل فهو تحت قدمَيَّ هاتَين. فقال رسول الله: صدق أبو زيد، اركب معهم يا عليُّ، فقال عليٌّ: يا رسول الله! إنَّ زيدًا لن يطيعَني، قال: خذ سيفي، فأعطاه سيفه، فقال عليّ: ليس لي راحلة يا رسولَ الله أركبها، فحمله رسول الله على جمل لثعلبة بن عمرو، يقال له: المكحال؛ فخرجوا، فإذا رسولٌ لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبْر، يقال لها: الشمر؛ فأنزلوه عنها، فقال: يا عليّ ما شأني؟ فقال له عليٌّ: ما لهم عرفوه فأخذوه. ثم ساروا حتى لقوا الجيش بفيفاء الفَحْلَتَين، فأخذوا ما في أيديهم من أموالهم؛ حتى كانوا ينزعون لبَدَ المرأة من تحت الرَّحل (١). (٣: ١٤٠/ ١٤١ / ١٤٢/ ١٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>قدوم زيد الخيل في وفد طيئ</span>\n٣٨٨ - وقدم على رسول الله - ﷺ - وفدُ طييّء؛ فيهم زيد الخيل، وهو سيّدهم، فلما انتهوْا إليه كلّموه؛ وعرض عليهم رسول الله الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم، فقال رسول الله - ﷺ - كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن رجال من طيِّيء: \"ما ذُكر لي رجلٌ من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلَّا ما كان من زيد الخيل؛ فإنه لم يُبْلَغ فيه كلّ ما فيه\". ثم سمَّاه زيد الخير؛ وقطع له فيدًا وأرضين معه؛ وكتب له بذلك. فخرج من عند رسول الله راجعًا إلى قومه، فقال رسول الله: إن يَنْجُ زيدٌ من حُمَّى المدينة - سمَّاها رسول الله [باسم] غير الحُمَّى وغير أمِّ مَلْدَم فلم يُثْبِتْه - فلما انتهى من بلاد نجد إلى ماء من مياهه يقال له: فَرْدَة أصابتْه الحُمّى؛ فمات بها، فلما أحسّ زيد بالموت قال:\n_________\n(١) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وذكره ابن إسحاق عن راوٍ أبهم اسمه عن رجال من جذام فالخبر ضعيف والله أعلم.","vol":"7","page":255},{"text":"أمُرتَحِلٌ قَوْمِي المَشَارِقَ غُدْوَةً ... وَأُترَكُ في بَيتٍ بفَرْدَةَ مُنْجِدِ\nألا رُبَّ يومٍ لَوْ مَرِضْتُ لعَادني ... عَوَائِدُ مَنْ لم يُبْرَ مِنْهنَّ يَجْهِدِ\nفلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معها من كتبه التي قطع له رسولُ الله - ﷺ - فحرَّقْتها بالنار (١). (٣: ١٤٥/ ١٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>كتاب مسيلمة إلى رسول الله والرد عليه</span>\n٣٨٩ - قال أبو جعفر: وقد قيل: إنَّ دعوى مُسيلمة ومَنْ ادَّعى النبوّة من الكذابين في عهد النبيّ - ﷺ - إنما كانت بعد انصراف النبيّ من حَجّه المسمّى حِجَّة الوداع؛ ومرْضته التي مرضَها التي كانت منها وفاته - ﷺ - (٢). (٣: ١٤٦).\n٣٩٠ - حدَّثنا عبيد الله بن سعيد الزُّهريّ، قال: حدَّثني عمّي يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثني سيف بن عمر -وكتب بذلك إلى السريّ يقول: حدَّثنا شُعيب ابن إبراهيم التميميّ عن سَيف بن عمر التميميّ الأسيديّ- قال: حدَّثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجِذْع الأنصاريّ عن عبيد مولَى رسولِ الله - ﷺ - عن أبي مُوَيهِبة مولى رسول الله، قال: لما انصرف النبيّ - ﷺ - إلى المدينة بعد ما قضى حجّة التمام، فتحلّل به السيرُ، وطارت به الأخبار لتحلّل السير بالنبيّ - ﷺ -؛ أنه قد اشتكى؛ فوثب الأسود باليمن ومسيلمةُ باليمامة؛ وجاء الخبر عنهما للنبيّ - ﷺ -، ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعد ما أفاق النبيّ، ثم اشتكى في المحرّم وجعه الذي توفّاه الله فيه (٣). (٣: ١٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>خروج الأمراء والعمال على الصدقات</span>\n٣٩١ - قال أبو جعفر: وفَرّق رسول الله - ﷺ - في جميع البلاد التي دخلها\n_________\n(١) كذلك ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٤/ ١٨٨) من قول ابن إسحاق معضلًا إلى قوله: فحسن إسلامهم. ذكر بقية الخبر من طريق ابن إسحاق عن رجال من طيئ فالخبر ضعيف والله تعالى أعلم.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":256},{"text":"الإسلامُ عُمّالًا على الصدقات. فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - قد بعث أمراءه وعمّاله على الصّدقات، على كلّ ما أوطأ الإسلام من البلدان؛ فبعث المهاجر بن أبي أميّة بن المغيرة إلى صنعاء؛ فخرج عليه العَنْسيّ وهو بها، وبعث زياد بن لَبِيد أخا بني بياضة الأنصاريّ إلى حضْرموت على صدقتها، وبعث عديّ بن حاتم على الصدقة؛ صدقة طيئ وأسد، وبعث مالك بن نُوَيرة على صدقات بني حنظلة، وفرّق صدقة بني سعد على رجلين منهم، وبعث العلاء بن الحضرميّ على البحرين، وبعث عليّ بن أبي طالب إلى نَجْران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم (١). (٣: ١٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>حجة الوداع</span>\n٣٩٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال: لما أقبل عليُّ بن أبي طالب من اليمن ليلقى رسول الله بمكّة تعجّل إلى رسولِ الله، واستخلف على جنده الذين معه رجلًا من أصحابه، فعمَد ذلك الرجل، فكسا رجالًا من القوم حُلَلًا من البزّ الذي كان مع علي بن أبي طالب؛ فلما دنا جيشه؛ خرج عليٌّ ليلقاهم؛ فإذا هم عليهم الحُلل، فقال: ويحك! ما هذا؟ ! قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، فقال: ويلك! انْزعْ من قبل أن تنتهيَ إلى رسول الله. قال: فانتزع الحُلل من الناس، وردّها في البزّ؛ وأظهر الجيشُ شكاية لما صُنع بهم (٢). (٣: ١٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>ذكر جملة الغزوات</span>\n٣٩٣ - قال أبو جعفر: وكانت غزواتُه بنفسه ستًّا وعشرين غزوة؛ ويقول بعضهم: هنّ سبع وعشرون غزوة؛ فمن قال: هي ستٌّ وعشرون، جعلَ غزوة\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف، وأخرجه ابن هشام في السيرة من قول ابن إسحاق معضلًا ولم نجد رواية جامعة لهذه الأسماء والقبائل التي أرسلوا إليها (من طريق صحيح) إلا أن ذكر هؤلاء مفرقًا ورد في ثنايا قسم الصحيح (السيرة وتأريخ الخلفاء) والله أعلم.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":257},{"text":"النبيّ - ﷺ - خيبر وغزوته من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة؛ لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله؛ ولكنه مضى منها إلى وادي القرى؛ فجعل ذلك غزوة واحدة. ومن قال: هي سبع وعشرون غزوة، جعل غزوة خيبر غزوةً، وغزوة وادي القرى غزوة أخرى؛ فيجعل العدد سبعًا وعشرين (١). (٣: ١٥٢).\n٣٩٤ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان جميع ما غزا رسول الله - ﷺ - بنفسه ستًّا وعشرين غزوة. أول غزوة غزاها وَدَّان؛ وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بُوَاط إلى ناحية رَضْوَى، ثم غزوة العُشيرة من بطن ينبُع، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كُرْز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل فيها صناديد قريش وأشرافهم، وأسرَ فيها مَنْ أسر، ثم غزوة بني سُليم حتى بلغ الكُدْر؛ ماء لبني سُليم، ثم غزوة السَّويق يطلب أبا سفيان حتى بلغ قرقرة الكُدْر، ثم غزوة غَطفان إلى نجد؛ وهي غزوة ذي أمَر، ثم غزوة بحران، معدن بالحجاز من فوق الفُرُع، ثم غزوة أحُد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النَّضير، ثم غزوة ذات الرّقاع من نخل، ثم غزوة بدْر الآخرة، ثم غزوة دُومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قُرَيظة، ثم غزوة بني لِحْيان من هُذَيل، ثم غزوة ذي قَرَد، ثم غزوة بني المصطلق من خُزاعة، ثم غزوة الحديبية - لا يريد قتالًا، فصدّه المشركون - ثم غزوة خيبر؛ ثم اعتمر عُمرة القضاء، ثم غزوة الفتح؛ فتح مكة، ثم غزوة حُنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحُد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحُنين، والطائف (٢). (٣: ١٥٢/ ١٥٣).\n٣٩٥ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمة عن أبيه، عن جدّه، قال: غَزا رسولُ الله - ﷺ - ستًّا وعشرين غزوة. ثم ذكر نحو حديث ابن حُميد، عن سَلَمة (٣). (١٥٣: ٣).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":258},{"text":"٣٩٦ - قال محمد بن عمر: مغازي رسول الله معروفة مجتمَع عليها، ليس فيها اختلاف بين أحد في عددها؛ وهي سبع وعشرون غزوة؛ وإنما اختلفوا بينهم في تقديم مغزاة قبل مغزا (١). (٣: ١٥٣).\n٣٩٧ - حدثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثني محمد بن عمر، قال: حدَّثنا مُعاذ بن محمد الأنصاريّ عن محمد بن ثابت الأنصاريّ، قال: سئِل ابن عُمر: كَمْ غزا رسول الله - ﷺ -؟ قال: سبعًا وعشرين غزوة، فقيل لابن عمر: كم غزوتَ معه؟ قال: إحدى وعشرين غزوة؛ أوّلها الخندق، وفاتني ستّ غزوات، وقد كنت حريصًا، قد عرضت على النبي - ﷺ -، كلّ ذلك يردّني فلا يجيزني حتى أجازني في الخندق (٢). (٣: ١٥٤).\n٣٩٨ - قال الواقديّ: قاتلَ رسولُ الله - ﷺ - في إحدى عشرة، ذكر من ذلك التسع التي ذكرتها عن ابن إسحاق، وعدّ معها غزوة وادي القرى، وأنه قاتل فيها فقُتِل غلامه مِدْعَم، رُمِي بسهم. قال: وقاتل يوم الغابة، فقتل من المشركين، وقُتل مُحْرزُ بن نضلة يومئذ (٣). (٣: ١٥٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>ذكر جملة السرايا والبعوث</span>\n٣٩٩ - واختلف في عدد سراياه - ﷺ -، حدثنا محمد بن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت سرايا رسول الله - ﷺ - وبعوثه - فيما بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله - خمسًا وثلاثين بعثًا وسريّة: سريّة عُبيَدة بن الحارث إلى أحياء من ثنيّة المَرَة، وهو ماء بالحجاز، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العِيص - وبعضُ الناس يقدِّم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة - وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخَرَّار من أرض الحجاز، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":259},{"text":"حارثة القَرْدَةَ؛ ماء من مياه نجد، وغزوة مَرْثَد بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَويّ الرّجيع، وغزوة المنذر بن عمرو بئر مَعُونة، وغزوة أبي عبيدة بن الجرَّاح إلى ذي القَصة من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تُرَبَةَ من أرض بني عامر، وغزوة عليّ بن أبي طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبيّ -كلب ليث- الكَدِيدَ، وأصاب بلْمُلوّح، وغزوة عليّ بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فَدَك، وغزوة ابن أبي العَوْجاء السُّلَميّ أرض بني سُلَيم؛ أصيب بها هو وأصحابه جميعًا، وغزوة عُكَّاشة بن مُحصن الغَمْرَة، وغزوة أبي سلَمة بن عبد الأسد قَطَنًا؛ ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قُتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة؛ أخِي بني الحارث إلى القُرَطاء من هوازن، وغزوة بشير بن سعد إلى بني مُرَّة بفدَك، وغزوة بشير بن سعد أيضًا إلى يُمْن وجِنَاب؛ بلد من أرض خيبر - وقيل يُمْن وجَبَار؛ أرض من أرض خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجَمُومَ؛ من أرض بني سليم، وغزوة زيد بن حارثة أيضًا جُذَام من أرض حِسْمَى - وقد مضى ذكر خبرها قبل - وغزوة زيد بن حارثة أيضًا وادي القُرى، لقيَ بني فَزارة.\nوغزوة عبد الله بن رواحة خَيبَرَ مَرَّتين: إحداهما التي أصاب الله فيها يُسَير بن رزام - وكان من حديث يسير بن رزام اليهوديّ: أنه كان بخيبر يجمع غَطَفان لغزو رسول الله - ﷺ -، فبعث إليه رسولُ الله عبد الله بن رواحة في نفرٍ من أصحابه؛ منهم عبد الله بن أنَيس حليف بني سَلمة، فلمَّا قدِموا عليه كلّموه وواعدوهُ وقرّبوا له، وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك؛ فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفرٍ من يهود؛ فحمله عبد الله بن أنَيس على بعيره وردفه حتى إذا كان بالقَرْقَرة من خيبر على ستّة أميال ندِم يُسير بن رزَام على سيره إلى رسول الله، فَفَطَن له عبد الله بن أنَيس وهو يريد السَّيف؛ فاقتحم به؛ ثم ضربه بالسيف فقطع رجْله وضربه يُسَير بمِخْرَش في يده من شَوْحط، فأمَّه في رأسه، وقتل الله يُسيرًا؛ ومال كلّ رجل من أصحاب رسولِ الله - ﷺ - على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلًا واحدًا أفلت على راحلته؛ فلمّا قدم عبد الله بن أنَيس على رسول الله - ﷺ - تفل على شجَّتِهِ فلم تَقِح ولم تؤذِه -.\nوغزوة عبد الله بن عَتِيك إلى خيبر؛ فأصاب بها أبا رافع؛ وقد كان","vol":"7","page":260},{"text":"رسولُ الله - ﷺ - بعث محمد بن مسلمة وأصحابه -فيما بين بدر وأحد- إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أنَيس إلى خالد بن سُفيان بن نُبَيح الهُذليّ -وهو بنخلة أو بعُرَنة- يجمع لرسول الله ليغزوه، فقتله.\nثم رجع الحديث إلى حديث عبد الله بن أبي بكر. قال: وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة إلى مُؤتة من أرض الشام، وغزوة كعب بن عمير الغِفاريّ بذات أطلاح من أرض الشأم، فأصيب بها هو وأصحابه، وغزوة عيينة بن حصن بني العنبر من بني تميم؛ وكان من حديثهم: أن رسول الله - ﷺ - بعثه إليهم؛ فأغار عليهم؛ فأصاب منهم ناسًا، وسبى منهم سبيًا (١). (٣: ١٥٤/ ١٥٥ / ١٥٦/ ١٥٧).\n٤٠٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن أنَيس، قال: دعاني رسولُ الله - ﷺ -، فقال: إنه بلغنِي أنّ خالد بن سفيان بن نُبَيح الهذليّ يجمع لي الناس ليغزوَني - وهو بنخلة أو بعُرَنة - فائْتِه فاقتله، قال: قلت: يا رسول الله؛ انعتْه لي حتى أعرفَه، قال: إذا رأيتَه أذكَرَك الشيطانَ! إنه آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قُشَعْريرة. قال: فخرجت متوشّحًا سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظُعُن يرتاد لهنّ منزلًا حيث كان وقت العصر؛ فلمَّا رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله - ﷺ - من القُشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصّلاة، فصلَّيت وأنا أمشي نحوه، أومئ برأسي إيماء؛ فلمَّا انتهيتُ إليه قال: مَنْ الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل؛ فجاءك لذلك، قال: أجلْ، أنا في ذلك؛ فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته؛ ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبّات عليه. فلمَّا قدمت على رسول الله وسلَّمت عليه ورآني، قال: أفلح الوجه! قال: قلت: قد قتلته. قال: صدقت ثم قام رسولُ الله فدخل بيته، فأعطاني عصا، فقال: أمْسِكْ هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنَيس. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله، وأمرني أن أمسكها عندي، قالوا: أفلا ترجع\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":261},{"text":"إلى رسول الله فتسأله لِمَ ذلك؟ فرجعتُ إلى رسولِ الله، فقلت: يا رسول الله، لِمَ أعطيتَني هذه العصا؟ قال: آية ما بيني وبينك يوم القيامة؛ إنّ أقلّ الناس المتخصّرون يومئذ، فقرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضُمَّت معه في كفنه، ثم دفنا جميعًا.\nثم رجع إلى حديث عبد الله بن أبي بكر. قال: وغزوة غالب بن عبد الله الكلبيّ -كلب ليث- أرض بني مُرَّة؛ فأصاب بها مرداس بن نَهِيك؛ حليفًا لهم من الحُرَقة من جُهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار، وهو الذي قال فيه النبيّ - ﷺ - لأسامة: مَنْ لك بلا إله إلا الله!\nوغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل، وغزوة ابن أبي حَدْرَد وأصحابه إلى بطن إضَم، وغزوة ابن أبي حَدْرد الأسلمي إلى الغابة، وغزوة عبد الرحمن بن عوف.\nوبعث سَرِيَّة إلى سيف البحر، وعليهم أبو عبيدة بن الجراح؛ وهي غزوة الخَبَط (١). (٣: ١٥٦/ ١٥٧ / ١٥٨).\n٤٠١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة: أن عائشة قالت لرسول الله - ﷺ -: يا رسولَ الله؛ إنّ عليَّ رقَبَةً من بني إسماعيل، قال: هذا سبيُ بني العنبر يقدُم الآن فنُعْطيك إنسانًا فتُعتقينه. قال ابن إسحاق: فلما قدِم سبيهُم على رسول الله - ﷺ - ركب فيهم وفدٌ من بني تميم، حتى وقدموا على رسول الله - ﷺ -، منهم ربيعة بن رُفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، وورْدان بن محرز، وقيس بن عاصم، ومالك بن عمرو، والأقرع بن حابس، وحنظلة بن دارم، وفراس بن حابس. وكان ممَّن سُبِيَ من نسائهم يومئذ أسماء بنت مالك، وكأس بنت أريّ، ونَجَوَة بنت نهد وجُمَيعة بنت قيس، وعمرة بنت مَطر (٢). (٣: ١٥٧).\n٤٠٢ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال محمد\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":262},{"text":"ابن عمر: كانت سرايا رسولِ الله - ﷺ - ثمانيًا وأربعين سريّة (١). (٣: ١٥٨).\n٤٥٣ - قال الواقديّ: في هذه السنة قدِم جرير بن عبد الله البَجَليّ على رسول الله - ﷺ - مسلِمًا في رمضان، فبعثه رسولُ الله إلى ذي الخَلَصَةَ فهدمها.\nقال: وفيها قدم وَبرُ بن يُحَنَّس على الأبناء باليمن، يدعوهم إلى الإسلام فنزل علي بنات النعمان بن بُزْرج فأسلمْنَ، وبعث إلى فيروز الديلميّ فأسلم، وإلى مركبود وعطاء ابنه، ووهب بن منبِّه، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود، ووهب بن منبّه.\nقال: وفيها أسلم باذان، وبعث إلى النبيّ - ﷺ - بإسلامه (٢). (٣: ١٥٨).\n٤٠٤ - وزعم الواقدي أن هذا عندهم خطأ؛ حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا إسرائيل عن أبي إسحاق الهمْدانيّ، قال: قلت لزيد بن أرقم: كم غزوتَ مع رسول الله - ﷺ -؟ قال: سبع عشرة غزوة، قلت: كم غزا رسولُ الله - ﷺ -؟ قال: تسع عشرة غزوة. قال الحارث: قال ابنُ سعد: قال الواقديّ: فحدَّثت بهذا الحديث عبد الله بن جعفر، فقال: هذا إسناد أهلِ العراق؛ يقولون هكذا؛ وأوّل غزوة غزاها زيد بن الأرقم المُرَيسيع؛ وهو غلام صغير، وشهد مُؤتة رديف عبد الله بن رواحة، وما غزا مع النبيّ - ﷺ - إلا ثلاث غزوات أو أربعًا (٣). (٣: ١٥٩).\n٤٠٥ - وروي عن مكحول في ذلك ما حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا ابنُ عمر، قال: حدَّثني سُوَيد بن عبد العزيز، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، قال: غزا رسولُ الله - ﷺ - ثمانيَ عشرة غزوة؛ قاتل من ذلك في ثمانِي غزوات أوّلهنّ بدر وأحُد والأحزاب وقريظة.\nقال الواقديّ: فهذان الحديثان: حديث زيد بن الأرقم، وحديث مكحول جميعًا غلَط (٤). (١٥٩: ٣).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>ذكر الخبر عن حجّ رسولِ الله - ﷺ </span>-\n٤٠٦ - حدَّثني عبدُ الله بن أبي زياد، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحارث عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أنّ النبيّ - ﷺ - حجّ ثلاث حِجَج: حِجَّتين قبل أن يهاجر، وحِجَّة بعد ما هاجر، معها عُمرة (١). (٣: ١٥٩/ ١٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>ذكر الخبر عن أزواج رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٠٧ - فحدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي: أن رسولَ الله - ﷺ - تزوّج خمس عشرة امرأة؛ دخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفِّيَ عن تسع.\nتزوّج في الجاهليّة؛ وهو ابن بضع وعشرين سنة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزَّى؛ وهي أوّل مَنْ تزوّج، وكانت قبله عند عَتيق بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم؛ وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن رَواحة بن حَجَر بن مَعِيص بن لؤيّ. فولدت لعتيق جارية، ثم توفّيَ عنها وخلَف عليها أبو هالة بن زُرَارة بن نبَّاش بن زُرارة بن حبيب بن سلامة بن غُذيّ بن جُرْوَة بن أسيّد بن عمرو بن تميم؛ وهو في بني عبد الدار بن لمحصيّ. فولدت لأبي هالة هند بن أبي هالة؛ ثمّ توفِّي عنها فخلَف عليها رسول الله، وعندها ابنُ أبي هالة هند، فولدت لرسول الله ثمانية: القاسم، والطيّب، والطاهر، وعبد الله، وزينب، ورقتة، وأمّ كلثوم، وفاطمة (٢). (٣: ١٦٠/ ١٦١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك، وأخرج البيهقي عن قتادة قال: تزوج رسول الله - ﷺ - بخمس عشرة امرأة دخل منهن بثلاث عثر واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع (دلائل النبوة ٧/ ٢٨٩).\nولقد أورد الحافظ ابن كثير هذه الرواية في البداية والنهاية ثم قال: ورواه سيف بن عمر عن سعيد عن قتادة عن أنس والأول أصح، ورواه سيف بن عمر التميمي عن سعيد عن قتادة عن أنس والأول أصح. =","vol":"7","page":264},{"text":"٤٠٨ - رجع الخبر إلى خبر هشام بن محمد. ثم تزوّج رسولُ الله - ﷺ - عائشة بنت أبي بكر -واسمه عتيق بن أبي قُحافة، وهو عثمان- ويقال عبد الرحمن بن عثمان - بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيم بن مرّة، تزوّجها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي ابنة سبع سنين؛ وجمع إليها بعد أن هَاجر إلى المدينة وهي ابنة تسع سنين في شوّال؛ فتوفيَ عنها وهي ابنة ثماني عشرة، ولم يتزوّج رسول الله - ﷺ - بكْرًا غيرها، ثم تزوّج رسول الله - ﷺ - حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرْط بن كعب - وكانت قبله عند خُنَيس بن حُذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم. وكانَ بدريًا، شهد بدرًا مع رسول الله - ﷺ - فلم تلد له شيئًا، ولم يشهد من بني سهم بدرًا غيره.\nثم تزوّج رسول الله - ﷺ - سلَمة، واسمها هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم؛ وكانت قبله عند أبي سَلَمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ وشهد بدرًا مع رسولِ الله - ﷺ -، وكان فارسَ القوم، فأصابته جراحة يوم أُحد فمات منها؛ وكان ابن عمة رسول الله ورضيعه، وأمّه بَرَّة بنت عبد المطلب ولدت له عمر، وسلمة، وزينب، ودُرَّة؛ فلمّا مات كبَّر رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة تسع تكبيرات، فلمّا قيل: يا رسول الله، أسهوتَ أم نسيت؟ قال: لم أسْه ولم أنْسَ؛ ولو كبّرت على أبي سلمة ألفًا كان أهلًا لذلك؛ ودعا النبيّ - ﷺ - لأبي سلمة بخَلَفه في أهله. فتزوّجها رسول الله - ﷺ - قبل الأحزاب سنة ثلاث، وزوّج سلمة بن أبي سَلمة ابنة حمزة بن عبد المطلب.\nثم تزوّج رسولُ الله - ﷺ - عام المرَيسيع جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة - وهو المصطلق بن سعد بن عمرو- سنة خمس، وكانت قبله عند مالك بن صفوان ذي الشَّفْر بن أبي سَرْح بن مالك بن المصطلق؛ لم تلد له شيئًا؛ فكانت صفيّة رسول الله - ﷺ - يوم المريسيع، فأعتقها وتزوَّجها، وسألت رسول الله - ﷺ - عتق ما في يده من قومها، فأعتقهم لها.\nثمّ تزوّج رسول الله - ﷺ - أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب؛ وكانت عند\n_________\n= ورواه سيف بن عمر التميمي عن سعيد عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله وروي عن سعيد بن عبد الله عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مثله ... (البداية والنهاية ٤/ ٥٢).","vol":"7","page":265},{"text":"عبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صَبِرَة بن مرّة بن كَبِير بن غَنْم بن دُودان بن أسد، وكانت من مُهاجرات الحبشة هي وزوجها، فتنصّر زوجُها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانيّة، فبعث رسول الله - ﷺ - إلى النجاشيّ فيها، فقال النجاشيّ لأصحابه: مَنْ أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوِّجْها من نبيّكم، ففعل وأمهرها أربعمئة دينار. ويقال: بل خطَبَها رسولُ الله - ﷺ - إلى عثمان بن عفان، فلمّا زوّجه إياها بعث إلى النجاشيّ فيها، فساق عنه النجاشيّ، وبعث بها إلى رسول الله - ﷺ -.\nثم تزوّج رسول الله - ﷺ - زينبَ بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة؛ وكانت قبله عند زيد بن حارثة بن شراحيل مولَى رسول الله - ﷺ -، فلم تلد له شيئًا، وفيها أنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ ...﴾ إلى آخر الآية، فزوّجها الله ﷿ إياه، وبعث في ذلك جبريل، وكانت تَفْخَر على نساء النبيّ - ﷺ -، وتقول: أنا أكرمكنّ وليًّا، وأكرمكن سَفيرًا.\nثم تزوج رسول الله - ﷺ - صَفِيَّة بنت حُيَيّ بن أخطب بن سَعْيَة بن ثعلبة بن عُبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النَّضِير؛ وكانت قبله تحت سلّام بن مِشْكَم بن الحكَم بن حارثة بن الخزرج بن كعب بن الخزرج؛ وتوفي عنها وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، فقتله محمد بن مسلمة بأمر النبيّ - ﷺ -، ضرب عنقه صبرًا، فلما تصفّح النبيّ - ﷺ - السَّبْيَ يوم خَيبر، ألقى رداءه على صفيّة، فكانت صَفِيَّهُ يوم خيبر؛ ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت، فأعتقها؛ وذلك سنة ستّ.\nثم تزوّج رسولُ الله - ﷺ - ميمونة بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال؛ وكانت قبله عند عمير بن عمرو، من بني عُقْدة بن غِيَرَة بن عوف بن قِسي -وهو ثقيف- لم تلد له شيئًا، وهي أخت أمّ الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، فتزوّجها رسولُ الله - ﷺ - بسَرف في عُمْرة القضاء؛ زوّجها إياه العباس بن عبد المطلب؛ فتزوّجها رسول الله.\nوكلُّ هؤلاء اللواتي ذكرنا أنّ رسولَ الله - ﷺ - تزوّجهن إلى هذا الموضع، فتوفّي رسولُ الله وهنّ أحياء، غير خديجة بنت خويلد.","vol":"7","page":266},{"text":"ثم تزوّج رسولُ الله - ﷺ - امرأةً من بني كلاب بن ربيعة؛ يقال لها: النشاة بنت رفاعة، وكانوا حلفاءَ لبني رفاعة من قريظة. وقد اختلف فيها، وكان بعضُهم يسمِّي هذه سَنَا وينسبها، فيقول: سنا بنت أسماء بن الصَّلت السُّلَمية. وقال بعضهم: هي سبا بنت أسماء بن الصّلْت من بني حرام من بني سُليم. وقالوا: توفّيت قبل أن يدخل بها رسول الله - ﷺ -، ونسبها بعضهم فقال: هي سنا بنت الصّلْت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سَمَّال بن عَوْف السّلَمِيّ.\nثم تزوّج رسولُ الله - ﷺ - الشَّنْباء بنت عمرو الغِفاريّة. وكانوا أيضًا حلفاءَ لبني قُرَيظة، وبعضُهم يزعم: أنها قُرَظيّة، وقد جهل نسبها لهلاك بني قُرَيظة، وقيل أيضًا إنها كنانيّة، فعَرَكَت حين دخلت عليه؛ ومات إبراهيم قبل أن تطهُر، فقالت: لو كان نبيًّا ما مات أحبُّ النَّاس إليه؛ فسرَّحها رسول الله - ﷺ -.\nثمّ تزوّج رسول الله - ﷺ - غَزِيَّة بنت جابر من بني أبي بكر بن كلاب، بلغ رسول الله عنها جمالٌ وبسطة، فبعث أبا أسيد الأنصاريّ، ثم الساعديّ، فخطبها عليه، فلما قَدمتْ على النبيّ - ﷺ - وكانت حديثة عهد بالكفر- فقالت: إني لم أستأمرْ في نفسي، إني أعوذ بالله منك! فقال النبيّ - ﷺ -: امتنع عائذُ الله، وردَها إلى أهلها؛ ويقال: إنها من كِنْدة.\nثم تزوّج رسولُ الله - ﷺ - أسماء بنت النعمان بن الأسود بن شرَاحيل بن الجَوْن بن حُجْر بن معاوية الكنديّ، فلما دخل بها وجد بها بياضًا فمتّعها وجهّزها وردّها إلى أهلها؛ ويقال: بل كان النعمان بعثَ بها إلى رسول الله فسرّحتْه، فلما دخلت عليه استعاذت منه أيضًا، فبعث إلى أبيها، فقال له: أليست ابنتك؟ قال: بلى، قال لها: ألستِ ابنته؟ قالت: بلى، قال النعمان: عليكها يا رسول الله، فإنها وإنها. وأطْنَبَ في الثناء فقال: إنها لم تيجع قط، ففعل بها ما فعل بالعامريّة، فلا يُدْرَى: ألقولها أم لقول أبيها: \"إنها لم تيجعْ قطّ\".\nوأفاء الله ﷿ على رسوله ريحانة بنت زيد، من بني قريظة.\nوأهدي لرسول الله - ﷺ - مارية القبطية؛ أهداها له المُقَوقس صاحبُ الإسكندرية، فولدَتْ له إبراهيم ابن رسول الله.","vol":"7","page":267},{"text":"فهؤلاء أزواج رسول الله - ﷺ -، منهنّ ست قُرَشيّات (١).\n(٣: ١٦١/ ١٦٢ / ١٦٣/ ١٦٤ / ١٦٥/ ١٦٧).\nوقيل: إنه لمْ يَمُتْ عند رسول الله في حياته من أزواجه غيرها وغير خديجة وشَرَاف بنت خليفة، أخت دِحْية بن خليفة الكلبيّ، والعالية بنت ظَبيان (٢). (٣: ١٦٨).\n٤٠٩ - حدَّثني ابن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا شُعَيب بن الليث عن عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: تزوَّج رسولُ الله - ﷺ - العالية؛ امرأة من بني أبي بكر بن كلاب فمتّعها، ثمّ فارقها، وقتيلة بنت قيس بن معد يكرب أخت الأشعث بن قيس، فتوفِّيَ عنها قبل أن يدخل بها، فارتدَّت عن الإسلام مع أخيها، وفاطمة بنت شُرَيح (٣). (٣: ١٦٨).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) هذا إسناد مرسل ولم نجد رواية صحيحة تجمع قصة العالية الكلبية وقتيلة وفاطمة بنت شريح.\nوأما قتيلة فقد صحّ في زواجها خبر ذكرناه في قسم الصحيح، وأما الكلبية فقد سماها الزهري هنا (عالية) (وانظر دلائل النبوة للبيهقي ٧/ ٢٨٦). وكذلك سماها هشام الكلبي كما في طبقات ابن سعد والبداية والنهاية (٥٧/ ٤).\nوأخرج الحافظ ابن كثير من طريق يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذي دلّ رسول الله - ﷺ - عليها وأنا أسمع من وراء الحجاب قال: يا رسول الله هل لك في أخت أم شبيب وأم شبيب امرأة الضحاك. (البداية والنهاية ٥٧/ ٤).\nوقال الحافظ في الفتح: وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة اختلف في اسمها (الفتح ١٠/ ٤٤٩).\nقلنا: ولذلك ترجم لها ابن سعد فقال: الكلبية. وقد اختلف علينا باسمها فقال قائل: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلبي وقال: قائل عمرة بنت زيد بن عبيد بن نواس بن كلاب بن ربيعة بن عامر وقال قائل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب وقال قائل: هي سبأ بنت سفيان بن عوف بن كعب بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن كلاب وقد كتبنا كل ما سمعنا من ذلك.\nوقال بعضهم: لم تكن إلا كلابية واحدة واختلفوا في اسمها وقال بعضهم بل كن جميعًا ولكل =","vol":"7","page":268},{"text":"٤١٠ - وذُكر عن ابن الكلبيّ أنّه قال: غَزِيّة بنت جابر، هي أمّ شريك، تزوّجَها رسولُ الله - ﷺ - بعد زوجٍ كان لها قبله؛ وكان لها منه ابنٌ يقال له: شريك، فكُنيت به، فلمّا دخل بها النبي - ﷺ - وجدها مُسنَّةً، فطلَّقها، وكانت قد أسلمت؛ وكانت تدخل على نساء قريش فتدعوهنّ إلى الإسلام (١). (٣: ١٦٨).\n٤١١ - وقيل: إنه تزوج خَوْلة بنت الهُذيل بن هُبيرة بن قَبيصة بن الحارث؛ رُويَ ذلك عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٢). (٣: ١٦٨).\n٤١٢ - وبهذا الإسناد أن ليلَى بنت الخَطِيم بن عديّ بن عمرو بن سَواد بن ظَفَر بن الحارث بن الخزرج، أقبلت إلى النبيّ - ﷺ - وهو مُوَلّ ظهرَه الشمسَ، فضربتْ\n_________\n= واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها وقد بينا ذلك وكتبنا كل ما سمعناه من ذلك (الطبقات الكبرى ٧/ ٣١٦).\n(ذكر من تزوج رسول الله - ﷺ - النساء فلم يجمعهن ومن فارق منهن وسبب مفارقته إياهن / ت ٤١٢٦ - الكلابية).\nثم بدأ ابن سعد برد هذه الروايات وجميعها من طريق الواقدي سوى روايتين كلاهما من طريق الكلبي فلم نذكرها هنا لعدم قيام الحجة بها.\nوعزفنا عن ذكر خبر الكلبية في الصحيح لأننا لم نجد رواية موصولة صحيحة السند في ذلك بالإضافة إلى اضطراب المتن -إلا رواية موصولة واحدة هي التي ذكرها الحافظ ابن كثير من طريق يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبي منيع عن جدّه عن الزهري عن عروة عن عائشة أن الضحاك بن سفيان الكلبي هو الذي دلّ رسول الله - ﷺ - عليها. وأنا أسمع من وراء الحجاب. قال: يا رسول الله هل لك في أخت أم شبيب وأم شبيب امرأة الضحاك (البداية والنهاية ٥٧/ ٤).\nولكن في النفس من هذا الإسناد شيء فرجاله وإن كانوا ثقات سوى جدّ الحجاج وهو عبيد الله بن زياد الرصافي الذي وثقه الدارقطني إلَّا أن الذهبي نقل عن الذهلي قوله: لا أعلم له راويًا غير ابن ابنه الحجاج أخرج إليّ جزءًا من أحاديث الزهري فوجدتها صحاحًا فهذا مجهول مقارب الحديث (الميزان ٣/ ٨ / ت ٥٣٦١) والله تعالى أعلم.\nوأما فاطمة بنت شريح فقد ذكر الحافظ ابن كثير: أن الحاكم قال: وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح وسبأ بنت أسماء بن الصلت السلمية ثم قال الحافظ:\nهكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن مندة بسنده عن قتادة فذكر ذلك وقال محمد بن سعد عن ابن الكلبي مثل ذلك (البداية والنهاية ٤/ ٢٨٦) طبعة دار الفكر.\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":269},{"text":"على منكِبهِ، فقال: مَنْ هذه؟ قالت: أنا ابنة مباري الريح، أنا ليلى بنت الخَطِيم، جئتك أعرِض عليك نفسي فتزوّجني، قال: قد فعلت، فرجدت إلى قومها، فقالت: قد تزوّجني رسول الله، فقالوا: بئسما صنعت! أنت امرأة غَيرَى؛ والنبيُّ صاحبُ نساء، استقيليه نفسك، فرجعتْ إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: أقلني، قال: قد أقلتك (١). (٣: ١٦٨).\n٤١٣ - وبغير هذا الإسناد: أن النبيّ - ﷺ - تزوّج عَمْرة بنت يزيد، امرأة من بين رُؤاس بن كلاب (٢). (٣: ١٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>ذكر من خطب النبي - ﷺ - من النساء ثم لم ينكحهن</span>\n٤١٤ - وخطب ضُبَاعة بنت عامر بن قُرْط بن سَلَمة بن قُشَير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة إلى ابنها سلَمة بن هشام بن المغيرة، فقال: حتى أستأمِرَها، فأتاها فقال: إنَّ النبي - ﷺ - خطبك، فقالت: ما قلتَ له؟ قال: قلت له حتى أستأمِرَها! قالت: وفي النبيّ يُسْتأمَرُ ارْجِعْ فزَوّجْه؛ فرجع فسكت عنه النبيّ - ﷺ -، وذلك أنه أخبر أنها قد كبرَتْ.\nوخطب - فيما ذكر - صَفِيّة بنت بشامة أخت الأعْوَر العنبريّ، وكان أصابها سِباء، فخيّرها، فقال: إن شئتِ أنا وإن شئت زوْجك، قالت: بل زوجي؛ فأرسلها.\nوخطب أمّ حبيب بنت العبَّاس بن عبد المطلب، فوجد العباس أخاه من الرضاعة، أرضعتهما ثُوَيبة.\nوخطب جَمْرة بنت الحارث بن أبي حارثة، فقال أبوها فيما ذكر: بها شيء، ولم يكن بها شيء، فرجع فوجدها قد بَرِصَتْ (٣). (٣: ١٦٩).\n_________\n(١) هذه الرواية التي ذكرها الطبري من طريق الكلبي أخرجها ابن سعد بتمامها في طبقاته من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه (الطبقات الكبرى / ٧/ ٣٢١ / ت ٤١٣٢).\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>ذكر موالي رسول الله - ﷺ </span>-\n٤١٥ - وكان له خَصِيٌّ يقال له: مابور -كان المقوقس أهداه إليه مع الجاريتين اللتين يقال لإحداهما مارية، وهي التي تَسرّى بها والأخرى سيرين وهي التي وَهَبها رسولُ الله - ﷺ - لحسان بن ثابت، لما كان من جناية صفوان بن المعطّل عليه، فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن بن حسّان. وكان المقوقس بعث بهذا الخصيّ مع الجاريتين اللتين أهداهما لرسولِ الله - ﷺ - ليوصلهما إليه، ويحفظهما من الطريق حتى تَصلا إليه. وقيل: إنه الذي قُذِفت مارية به، فبعث رسولُ الله - ﷺ - عليًّا وأمره بقتله، فلمّا رأى عليًّا وما يريد به تكشّف حتى تبيّن لعليّ أنه أجبُّ لا شيء معه مما يكون مع الرجال، فكفّ عنه عليٌّ. وخرج إليه من الطائف -وهو محاصِرٌ أهْلها- أعبدٌ لهم أربعة، فأعتقهم - ﷺ -، منهم أبو بَكْرة (١) (٣: ١٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>أسماء خيل رسول الله - ﷺ </span>-\n٤١٦ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حَثْمة، عن أبيه، قال: أوّل فرس ملَكه رسولُ الله - ﷺ - فرسٌ ابتاعه بالمدينة من رجُل من بني فَزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابيّ: الضَّرِس، فسمَّاه رسول الله: السَّكْب؛ وكان أوّلَ ما غزا عليه أحُدٌ، ليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره، وفرس لأبي بُرْدة بن نِيَار، يقال له: مُلاوح (٢). (٣: ١٧٣).\n٤١٧ - حدَّثني الحارث قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا أبيّ بن عباس بن سهل عن أبيه، عن جدّه، قال: كان لرسول الله - ﷺ - ثلاثة أفراس: لِزَاز، والظّرِب، واللَّخِيف؛ فأما لِزَاز فأهداه له المقوقس، وأما اللَّخِيف فأهداه له ربيعة. بن أبي البَراء؛ فأثابه عليه فرائضَ من نَعَم بني كلاب، وأمّا الظَّرِب فأهداه له فَرْوة بن عمرو الجُذاميّ. وأهدى تميم الداريّ لرسول الله\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":271},{"text":"فرسًا يقال له: الوَرْد، فأعْطاه عمر؛ فحمل عليه عمر في سبيل الله، فوجده يَنْباع.\nوقد زعم بعضُهم: أنه كان له مع ما ذكرت من الخيل فرس يقال له اليَعْسُوب (١). (٣: ١٧٣/ ١٧٤).\n٤١٨ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا معمَر، عن الزهريّ، قال: دُلْدُل أهداها له فَرْوة بن عمرو الجذاميّ (٢). (٣: ١٧٤).\n٤١٩ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة، عن زامل بن عمرو، قال: أهدى فَرْوة بن عمرو إلى النبيّ - ﷺ - بغلة يقال لها: فضّة؛ فوهبها لأبي بكر، وحمارَه يعْفور؛ فنفق منصرفَه من حجة الوداع (٣). (٣: ١٧٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>ذكر أسماء إبله - ﷺ </span>-\n٤٢٠ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال: كانت القَصْواء من نَعَم بني الحريش، ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمئة درهم، وأخذها منه رسول الله - ﷺ - بأربعمئة؛ فكانت عنده حتى نفقت؛ وهي التي هاجر عليها؛ وكانت حين قدم رسولُ الله المدينة رَبَاعية، وكان اسمها القصواء، والجَدْعاء، والعَضْباء (٤). (٣: ١٧٤/ ١٧٥).\n٤٢١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني ابن أبي ذئب عن يحيى بن يعلَى، عن ابن المسيّب، قال:\n_________\n(١) وقال الذهبي: وروى عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف عن أبيه عن جده قال: كان لرسول الله ثلاثة أفراس .. الحديث (سير أعلام ١/ ٣٩٥).\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":272},{"text":"كان اسمها العَضْباء، وكان في طرف أذنها جَدْع (١). (٣: ١٧٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>ذكر أسماء لقاح رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٢٢ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: كانت لرسولِ الله - ﷺ - لِقاح، وهي التي أغار عليها القوم بالغابة، وهي عشرون لَقْحة، وكانت التي يعيش بها أهلُ رسول الله - ﷺ - يراح إليه كلّ ليلة بقرْبَتَين عظيمتين من لبن فيها لِقَاحٌ غِزَارٌ: الحناء، والسَّمْراء، والعريس، والسَّعْدية، والبَغوم، واليَسيرة، والرَّيَّا (٢). (٣: ١٧٥).\n٤٢٣ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني هارون بن محمد عن أبيه، عن نَبْهان؛ مولَى أمّ سلَمة، قال: سمعتُ أمّ سلمَة، تقول: كان عيشُنا مع رسول الله اللبن -أو قالت أكثر عيشنا- كانت لرسول الله لِقاح بالغابَة كان قد فرَّقها على نسائه، فكانت فيها لقحة تُدعى العريس؛ وكنا منها فيما شئنا من اللبن، وكانت لعائشة لِقحة تدعى السمراء غزيرة، لم تكن كلقحتي، فقرّب راعيهنّ اللقَاحَ إلى مَرعىً بناحية الجوَّانيّة، فكانت تروح على أبياتنا فنؤتَى بهما فتحلبان، فتوجَدُ لقحته أغزر منهما بمثل لبنهما أو أكثر (٣). (٣: ١٧٥).\n٤٢٤ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدَّثنا عبد السلام بن جُبَير عن أبيه، قال: كانت لرسول الله - ﷺ - لقائح تكون بذي الجَدْر، وتكون بالجمَّاء، فكان لبنُها يَؤوب إلينا؛ لِقحة تدعى مهرة، أرسل بها سعدُ بن عُبادة من نَعم بني عُقَيل وكانت غزيرة؛ وكانت الرَّيَّا، والشقراء ابتاعهما بسوق النَّبَط من بني عامر، وكانت بردة، والسمراء، والعريس،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":273},{"text":"واليسيرة، والحناء يُحْلَبنَ ويُراح إليه بلبنهنّ كل ليلة؛ وكان فيها غلام للنبي - ﷺ - اسمه يَسَار، فقَتَلوه (١). (٣: ١٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>ذكر أسماء منائح رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٢٥ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني زكرياء بن يحيى عن إبراهيم بن عبد الله، من ولد عُتْبة بن غَزْوَان، قال: كانت منائحُ رسول الله - ﷺ - سبعًا: عجوَة، وزَمْزم، وسُقْيا، وبَرَكة، وَوَرَسة، وأطلال، وأطراف (٢). (٣: ١٧٦).\n٤٢٦ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد، قال: حدَّثني أبو إسحاق عن عبّاد بن منصور، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كانت منائحُ رسولِ الله - ﷺ - سبع أعْنُز منائح، يرعاهنّ ابنُ أمّ أيمَن (٣). (٣: ١٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>ذكر أسماء سيوف رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٢٧ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلّى، قال: أصاب رسولُ الله - ﷺ - من سلاح بني قَينُقاع ثلاثة أسياف: سيفًا قَلَعيًّا، وسيفًا يُدعى بَتَّارًا، وسيفًا يدعى الحَتْف؛ وكان عنده بعد ذلك المِخْذَم ورَسُوب، أصابهما من الفِلْس. وقيل: إنه قدم رسولُ الله - ﷺ - المدينةَ ومعه سيفان، يقال لأحدهما: القضيب، شهد به بدرًا، وسيفه ذو الفَقَار غَنِمه يوم بدر، كان لمنبّه بن الحجّاج (٤). (٣: ١٧٦/ ١٧٧).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1107>ذكر أسماء قِسِيّه ورماحه - ﷺ </span>-\n٤٢٨ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلّى، قال: أصابَ رسولُ الله - ﷺ - من سلاح بني قَينُقَاع ثلاثة أرماح وثلاث قِسيّ: قَوْس الرّوحاء، وقوْس شَوْحَط؛ تدعى البيضَاءَ، وقوس صَفْرَاء تدعَى الصّفراء من نَبْع (١). (٣: ١٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>ذكر أسماء دروعه - ﷺ </span>-\n٤٢٩ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا أبو بَكْر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلّى، قال: أصاب رسول الله - ﷺ - من سلاح بني قَينُقاع درعين؛ درع يقال لها: السعْدية، ودرع يقال لها: فضّة (٢). (٣: ١٧٧).\n٤٣٠ - حدَّثني الحارث: قال: حدَّثني ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني موسى بن عمر عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة، قال: رأيتُ على رسول الله - ﷺ - يومَ أحُد دِرْعين: درعُه ذاتُ الفُضول ودرعُه فضّة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسّعدية (٣). (٣: ١٧٧/ ١٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>ذكر تُرسه - ﷺ </span>-\n٤٣١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا عتَّاب بن زياد، قال: أخبرَنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعتُ مكحولًا يقول: كان لرسولِ الله - ﷺ - تُرْس فيه تمثال رأس\n_________\n(١) ضعيف وفي إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) ضعيف.\n(٣) وأخرجه ابن سعد في طبقاته (١/ ٤٨٧) من طريق الواقدي وهو متروك.","vol":"7","page":275},{"text":"كبش، فكره رسولُ الله مكانَه، فأصبح يومًا وقد أذهبه الله ﷿ (١). (٣: ١٧٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>ذكر أسماء رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٣٢ - حدَّثني محمد بن المثّنى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن عبد الرحمن -يعني: المسعوديّ- عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: سمّى لنا رسولُ الله - ﷺ - نفسَه أسماء، منها ما حفظنا. قال: أنا محمد، وأحمد، والمققى، والحاشر، ونبيّ التوبة، والمَلْحَمَةِ (٢). (٣: ١٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>ثم دخلت سنة إحدى عشرة ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\n٤٣٣ - قال أبو جعفر: ثم ضرب في المحزم من سنة إحدى عشرة على الناس بَعْثًا إلى الشأم، وأمّر عليهم مولاه وابن مولاه أسَامة بن زيد بن حارثة، وأمَره - فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عيّاش بن أبي ربيعة - أن يوطئ الخيل تُخوم البلقاء والدَّاروم من أرض فلسطين، فتجهّز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون.\nفبينا الناس على ذلك ابتدئ - ﷺ - شكْواه التي قبضه الله ﷿ فيها إلى ما أراد به من رحمته وكرامته في ليالٍ بقينَ من صَفَر، أو في أول شهر ربيع الأول (٣). (٣: ١٨٤).\n٤٣٤ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد الزُّهريّ، قال: حدَّثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا سيف بن عمر، قال: حدَّثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجزع الأنصاريّ عن عبيد بن حنين مولَى النبيّ - ﷺ -، عن أبي مُوَيهبة مولَى\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":276},{"text":"رسول الله، قال: رجعَ رسولُ الله - ﷺ - إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام، فتحلّل به السيرُ، وضرب على الناس بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، وأمَره أن يوطِيء من آبل الزيت من مشارف الشأم الأرض بالأردنّ، فقال المنافقون في ذلك، وردّ عليهم النبيّ - ﷺ -: \"إنه لخليق لها -أي: حقيق بالإمارة- وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل، وإن كان لخليقًا لها\". فطارت الأخبار بتحلّل السير بالنبيّ - ﷺ - أن النبيّ قد اشتكى، فوثب الأسود باليمن، ومسيلمة باليمامة، وجاء الخبر عنهما للنبيّ - ﷺ -. ثم وثب طليحة في بلاد أسَد بعد ما أفاق النبيّ - ﷺ -، ثم اشتكى في المحرّم وجعَه الذي قبضه الله تعالى فيه (١). (٣: ١٨٤/ ١٨٥).\n٤٣٥ - حدَّثنا ابنُ سعد، قال: حدَّثني عمّي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا سيف، قال: حدَّثنا هِشام بن عروة عن أبيه، قال: اشتكى رسولُ الله - ﷺ - وجعَه الذي توفّاه الله به في عقب المحرّم.\nوقال الواقديّ: بُدِيء رسول الله - ﷺ - وجعه لليلتين بقيتا من صفر (٢). (١٨٥: ٣).\n٤٣٦ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدَّثني عمّي، قال: حدَّثنا سيف بن عمر، قال: حدَّثنا المُسْتَنِير بن يزيد النَّخْعيّ عن عروة بن غَزِيّة الدَّثينيّ، عن الضحاك بن فيرُوز بن الديلميّ، عن أبيه، قال: إنَّ أوّل رِدَّة كانت في الإسلام باليمن كانت على عهد رسولِ الله - ﷺ - على يدي ذي الخمار عَبْهلة بن كعب - وهو الأسود - في عامّة مذحِج. خرج بعد الوداع؛ كان الأسود كاهنًا شِعْباذًا، وكان يريهم الأعاجيب، ويسبي قلوب مَنْ سمع منطقه، وكان أوّل ما خرج أن خرجَ من كهف خُبَّان؛ وهي كانت داره، وبها ولد ونشأ؛ فكاتبته مذحج، وواعدته نَجْران؛ فوثبوا بها وأخرجوا عَمْرو بن حزِم وخالد بن سعيد بن العاص وأنزلوه منزلهما، ووثب قيس بن عبد يغوث على فرْوة بن مُسَيك وهو على مُراد، فأجلاه ونزل منزله؛ فلم يَنْشَب عَبْهلة بنجران أن سارَ إلى صنعاء؛ فأخذها، وكتب بذلك إلى النبي - ﷺ - من فعله ونزوله صنعاء؛ وكان أوّل خبر وقع به عنه من قِبَل فَرْوة بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":277},{"text":"مُسَيك، ولحق بفروة من تمّ على الإسلام من مذْحِج، فكانوا بالأحْسِيَة، ولم يكاتبه الأسود ولم يرسل إليه، لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له مُلْك اليمن (١). (١٨٥: ٣).\n٤٣٧ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: أخبرني عمّي يعقوب، قال: حدَّثني سيف، قال: حدَّثنا طَلحة بن الأعلم عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبيّ - ﷺ - قد ضرب بَعْثَ أسامة فلم يستتبّ لوجع رسولِ الله ولخلع مسيلمة، والأسود، وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة، حتى بلَغه؛ فخرج النبيّ - ﷺ - على الناس عاصبًا رأسه من الصُّداع لذلك الشأن وانتشارِه، لرؤيا رآها في بيتِ عائشة: فقال: إنّي رأيتُ البارحةَ - فيما يرى النائم - أن في عضديّ سوارين من ذهب؛ فكرهتُهما فنفختهما، فطارا، فأوّلتهما هذين الكذّابين - صاحب اليمامة وصاحب اليمن - وقد بلغني: أنّ أقوامًا يقولون في إمارة أسامة! ولعمري لئنْ قالوا في إمارته؛ لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله! وإن كان أبوه لخليقًا للإمارة، وإنه لخليق لها؛ فأنفِذوا بعثَ أسامة. وقال: لعن الله الذين يتَّخذودن قبور أنبيائهم مساجدَ!\nفخرج أسامة فضربَ بالجُرْف؛ وأنشأ الناس في العسكر، ونجمَ طليحة وتمهّل الناس، وثقُل رسول الله - ﷺ - فلم يستتمّ الأمر؛ ينظرودن أوّلهم آخرَهم، حتى توفَّى الله ﷿ نبيَّه - ﷺ - (٢). (٣: ١٨٦).\n٤٣٨ - كتب إليّ السريّ بن يحيى، يقول: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم التّميميّ عن سيف بن عمر، قال: حدَّثنا سعيد بن عبيد أبو يعقوب، عن أبي ماجد الأسديّ، عن الحضرميّ بن عامر الأسديّ، قال: سألته عن أمر طُليحة بن خُوَيلد؛ فقال: وقع بنا الخبر بوجعِ النبيّ - ﷺ -، ثم بلَغَنا: أن مسيلمة قد غلَب على اليمامة، وأنّ الأسود قد غَلب على اليمن؛ فلم يلبث إلا قليلًا حتى ادّعى طُليحة النبوّة، وعسكر بسَمِيراء، واتَّبعه العوامّ؛ واستكثف أمره؛ وبعث حِبال ابنَ أخيه إلى النبي - ﷺ - يدعوه إلى الموادعة، ويخبره خبرَه. وقال حبال: إنَّ الذي يأتيه ذو النون؛ فقال: لقد سمّى ملَكًا، فقال حِبال: أنا ابن خُوَيلد، فقال النبيّ - ﷺ -:\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"7","page":278},{"text":"قتلك الله وحرمك الشهادة (١)! (٣: ١٨٦).\n٤٣٩ - وحدَّثني عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرَنا عميّ يعقوب، قال: أخبرنا سَيف، قال: وحدَّثنا سعيد بن عبيد عن حُرَيث بن المعلّى: أن أوّل مَنْ كتب إلى النبيّ - ﷺ - بخبر طُليحة سِنان بن أبي سنان، وكان علي بني مالك، وكان قُضاعيّ بن عمرو علي بني الحارث (٢). (٣: ١٨٧).\n٤٤٠ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، قال: أخبرنا هِشام بن عُروة عن أبيه، قال: حاربهم رسولُ الله - ﷺ - بالرسل، قال: فأرسل إلى نفرٍ من الأبناء رسولًا، وكتب إليهم أن يحاولوه، وأمرهِم أن يستنجدوا رجالًا - قد سمَّاهم - من بني تميم وقيس، وأرسل إلى أولئك النَّفر أن ينجدوهم، ففعلوا ذلك؛ وانقطعت سُبل المرتدّة، وطعنوا في نقصان وأغلقهم، واشتغلوا في أنفسهم، فأصيب الأسود في حياة رسولِ الله - ﷺ - وقبل وفاته بيوم أو بليلة، ولظّ طليحة ومسيلمة وأشباههم بالرّسل؛ ولم يشغله ما كان فيه من الوجَع عن أمِر الله ﷿ والذبّ عن دينه، فبعث وبَرَ بن يُحنَّس إلى فيروز وجُشيش الديلميّ وداذويه الإصطخريّ؛ وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكَلاع وذي ظُلَيم، وبعث الأقرع بن عبد الله الحميريّ إلى ذي زُود وذي مُرَّان، وبعث فرات بن حيَّان العجليّ إلى ثُمامة بن أثال، وبعث زياد بن حنظلة التميميّ ثم العمري إلى قيس بن عاصم والزّبْرِقان بن بدر، وبعث صلصل بن شُرَحبيل إلى سَبْرِة العنبريّ ووكيع الدارميّ وإلى عمرو بن المحجوب العامريّ، وإلى عمرو بن الخَفاجيّ من بني عامر، وبعث ضرار بن الأزْور الأسديّ إلى عَوْف الزرقانيّ من بني الصَّيداء وسنان الأسديّ ثم الغنميّ، وقضاعيّ الدُّئلِيّ، وبعث نعيم بن مسعود الأشْجَعي إلى ابن ذي اللحية وابن مشيمصة الجبيريّ (٣). (٣: ١٨٧).\n٤٤١ - وحُدِّثت عن هشام بن محمد، عن أبي مَخْنف، قال: حدَّثنا الصقْعَب ابن زهير عن فقهاء أهل الحجاز: أنّ رسول الله - ﷺ - وَجِع وجعه الذي قبض فيه في\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":279},{"text":"آخر صفر في أيام بقِين منه؛ وهو في بيت زينب بنت جحش (١). (٣: ١٨٧).\n٤٤٢ - فحدَّثني حُميد بن الزَبيع الخراز، قال: حدَّثنا معن بن عيسى، قال: حدَّثنا الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن إياس الليثيّ؛ ثم الأشجعيّ عن القاسم بن يزيد، عن عبد الله بن قُسَيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضْل بن عبّاس، قال: جاءني رسولُ الله - ﷺ -، فخرجت إليه فوجدته موعوكًا قد عصَب رأسه، فقال: خذ بيدي يا فَضْل، فأخذتُ بيده؛ حتى جلَس على المنبر، ثم قال: نادِ في الناس. فاجتمعوا إليه، فقال: أمّا بعدُ أيّها الناس! فإني أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو؛ وإنه قد دنا منّي حقوق من بين أظهركم، فمن كنتُ جلدتُ له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقدْ منه، ومنْ كنتُ شتمتُ له عِرْضًا فهذا عِرْضي فليستقِدْ منه؛ ألا وإنَّ الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإنّ أحبّكم إليّ مَنْ أخذ منِّي حقّا إن كان له، أو حلَّلني فلقيت الله وأنا أطيبُ النفس؛ وقد أرى أن هذا غير مُغْنٍ عنّي حتى أقوم فيكم مرارًا.\nقال الفضل: ثمّ نزل فصلّى الظهر، ثم رجع فجلس على المِنْبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنّ لي عندك ثلاثة دراهم، قال: أعطِه يا فضل، فأمرته فجلس. ثم قال: أيُّها الناس، مَنْ كان عنده شيء فليؤذِّه ولا يقل فُضوح الدنيا، ألا وإن فضوحَ الدنيا أيسرُ من فضوح الآخرة. فقام رجل فقال: يا رسول الله! عندي ثلاثة دراهم غللتُها في سبيل الله، قال: ولمَ غللتَها؟ قال: كنت إليها محتاجًا، قال: خُذها منه يا فضل. ثم قال: يا أيها النَّاس! مَنْ خَشِيَ من نفسه شيئًا فليقم أدعُ له. فقام رجل فقال: يا رسولَ الله! إنّي لكذّاب، إنّي لفاحش، وإني لنؤوم؛ فقال: اللهمّ ارزقه صدقًا وإيمانًا، وأذهِبْ عنه النوم إذا أراد. ثم قام رجل فقال: والله يا رسول الله! إنّي لكذَّاب وإني لمنافق، وما شيء -أو إن شيء- إلا قد جنيتُه. فقام عمر بن الخطاب، فقال: فضحتَ نفسك أيها الرجل! فقال النبيّ - ﷺ -: يا بنَ الخطاب! فضوح الدنيا أهونُ من فضوح الآخرة، اللهمّ ارزقه صدقًا وإيمانًا وصيِّر أمرَه إلى خير.\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"7","page":280},{"text":"فقال عمر كلمة. فضحك رسول الله، ثمّ قال: عمر معي وأنا مع عمر، والحقّ بعدي مع عمر حيث كان (١). (٣: ١٨٩/ ١٩٠).\n٤٤٣ - حدَّثني محمد بن عمر بن الصَّباح الهمْدانيّ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا مسلم بن جعفر البَجَليّ، قال: سمعتُ عبد الملك بن الأصبهانيّ عن خَلَّاد الأسديّ، قال: قال عبد الله بن مسعود: نعى إلينا نبيُّنا وحبيبُنا نفسَه قبل موته بشهر؛ فلمَّا دنا الفراق جَمَعَنا في بيت أمنا عائشة، فنظر إلينا وشدّد، فدمعتْ عينُه، وقال: مرحبًا بكم! رحمكم الله! آواكم الله! حفظكم الله! رفعكم الله! نفعكم الله! وفّقكم الله! نصركم الله! سلَّمكم الله! رحمكم الله! قبلكم الله! أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلِفه عليكم، وأؤديكم إليه؛ إني لكم نذير وبشير، لا تعْلوا على الله في عباده وبلاده؛ فإنه قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. فقلنا: متى أجلك؟ قال: قد دنا الفراق، والمنقلبُ إلى الله، وإلى سِدْرَة المنْتَهَى. قلنا: فمن يغسلك يا نبي الله؟ ! قال: أهلِي الأدْنى فالأدنى، قلنا: ففِيم نكفَنُك يا نبيّ الله؟ ! قال: في ثيابي هذه إن شئتم؛ أو في بياض مصر، أو حلّة يمانيّة، قلنا: فمن يصلّي عليك يا نبيّ الله؟ ! قال: مهلًا غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرًا! فبكينا وبكَى النبي - ﷺ -، وقال: إذا غسلتموني وكفّنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّل منْ يصلّي عليّ جليسي وخليلي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيلِ، ثم ملَك الموت مع جنودٍ كثيرة من الملائكة بأجمعها، ثم ادخلوا عليّ فَوْجًا فوْجًا، فصلوا عليّ وسلموا تسليمًا، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنّة ولا صيحة، وليبدأ بالصّلاة عليّ رجالُ أهل بيتي، ثم نساؤهم، ثم أنتم بعد، أقرئوا أنفسكم منّي السلام؛ فإنّي أشهدكم أنّي قد سلّمت علَى مَنْ بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة. قلنا: فمن يُدْخِلك في\n_________\n(١) شيخ الطبري هنا حميد الخزار ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: يسرف الحديث ويرفع الموقوف (الميزان ٧/ ٢٣٢٧) وأخرجه الحافظ ابن كثير بطوله وقال: في إسناده ومتنه غرابة شديدة (البداية والنهاية ٤/ ١٩٧).","vol":"7","page":281},{"text":"قبرك يا نبيّ الله؟ ! قال: أهلي مع ملائكة كثيرين يروْنكم من حيث لا ترونهم (١). (٣: ١٩١/ ١٩٢).\n٤٤٤ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا يونس بن عمرو، عن أبيه، عن الأرقم بن شُرَحبيل، قال: سألت ابنَ عباس: أوصَى رسولُ الله - ﷺ -؟ قال: لا، قلت: فكيف كان ذلك؟ قال: قال رسول الله: ابعثوا إلى على فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثْتَ إلى أبي بكر! وقالت حفصة: لو بعثتَ إلى عمرَ! فاجتمعوا عنده جميعًا، فقال رسولُ الله - ﷺ -: انصرفوا، فإن تك لي حاجة أبعثْ إليكم؛ فانصرفوا، وقال رسولُ الله - ﷺ -: آن الصلاة؟ قيل: نعم، قال: فاؤْمروا أبا بكر ليُصلِّيَ بالناس، فقالت عائشة: إنه رجلٌ رقيق، فمرْ عمر، فقال: مُرُوا عمر، فقال عمر: ما كنت لأتقدّم وأبو بكر شاهد، فتقدّم أبو بكر، ووجد رسولُ الله خِفَّةً، فخرج، فلمَّا سمع أبو بكر حركَته تأخّر، فجذب رسولُ الله - ﷺ - ثوبه، فأقامه مكانه، وقعد رسول الله، فقرأ من حيث انتهى أبو بكر (٢). (٣: ١٩٦/ ١٩٧).\n٤٤٥ - حُدِّثت عن الوأقديّ، قال: سألت ابن أبي سَبْرة: كم صلّى أبو بكر بالناس؟ قال: سبع عشرة صلاة، قلت: مَنْ أخبرك؟ قال: أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن رجلٍ من أصحاب النبيّ - ﷺ -. قال: وحدَّثنا ابنُ أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن عِكْرمة، قال: صلّى بهم أبو بكر ثلاثةَ أيام (٣). (٣: ١٩٧).\n٤٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مُلَيكة، قال: لما كان يومُ الإثنين خرجَ رسول الله - ﷺ - عاصبًا رأسه إلى الصُّبح؛ وأبو بكر يصلِّي بالناس؛ فلما خرج رسولُ الله - ﷺ - تفرَّج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلَّا لرسول الله - ﷺ -، فنكص عن مصلّاه، فدفع رسول الله في ظهره، وقال: صلّ بالناس. وجلس رسول الله - ﷺ - إلى جنبه؛ فصلّى قاعدًا عن يمين أبي بكر؛ فلمّا فرغ من الصَّلاة، أقبل على الناس وكلّمهم\n_________\n(١) في إسناده من هو مجهول الحال.\n(٢) في متنه غرابة وفي إسناده يونس بن عمرو.\n(٣) ضعيف.","vol":"7","page":282},{"text":"رافعًا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد؛ يقول: يا أيّها الناس! سُعِّرت النار، وأقبلت الفتن كقِطَع الليل المظلم! وإنِّي وإلله لا تمْسكون عليّ شيئًا؛ إنّي لم أحِلّ لكم إلا ما أحَلَّ لكم القرآن، ولم أحرّم عليكم إلا ما حرَّم عليكم القرآن. فلما فرغَ رسولُ الله - ﷺ - من كلامه؛ قال له أبو بكر: يا نبيّ الله! إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحبُّ، واليوم يوم ابنة خارجة، فآتيها. ثم دخل رسولُ الله - ﷺ - وخرجَ أبو بكر إلى أهله بالسُّنْح (١). (٣: ١٩٨/ ١٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ومبلغ سنّه يوم وفاته</span>\n٤٤٧ - فقال بعضهم في ذلك ما حُدِّثت عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي مِخنَف، قال: حدَّثنا الصَّقْعَب بن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قُبِض رسولُ الله - ﷺ - نصفَ النهار يوم الإثنين، لليلتَين مَضَتا من شهر ربيع الأول، وبويع أبو بكر يوم الإثنين في اليوم الذي قُبِض فيه النبيّ - ﷺ - (٢). (٣: ٢٠٠).\n٤٤٨ - وقال الواقديُّ: تُوُفِّيَ يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من شهر ربيع الأوّل، ودفن من الغد نصفَ النهار حين زاغت الشمس، وذلك يوم الثلاثاء.\nقال أبو جعفر: تُوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - وأبو بكر بالسُّنْح وعمر حاضِرٌ. فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: لما تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - قام عمر بن الخطاب، فقال: إنَّ رجالًا من المنافقين يزعمون: أن رسول الله تُوُفِّيَ وإنَّ رسول الله والله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة؛ ثم رجع بعد أن قيل قد مات؛ والله ليرجعَنَّ رسولُ الله فليقطعن أبيدي رجال\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل ضعيف ومتنه يخالف لما جاء في الصحيح من أنه - ﷺ - لم يصل الصبح يوم الإثنين الأخير جماعة مع الصحابة لعدم استطاعته الخروج إليهم وإنما صلاها في بيته وهذا هو اختيار الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٤/ ٢٠١).\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث وأخرجه ابن هشام (٢/ ٦٥٥) عن طريق ابن إسحاق قال: قال الزهري: وحدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وواضح أنه لم يصرح هنا أيضًا بالتحديث وهو مدلس والحديث ضعيف والله تعالى أعلم.","vol":"7","page":283},{"text":"وأرجلهم يزعمون: أنّ رسول الله مات (١). (٣: ٢٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>ذكر جهاز رسول الله - ﷺ - ودفنه</span>\n٤٤٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر وكثير بن عبد الله وغيرهما من أصحابه، عمّن يحدثه، عن عبد الله بن عباس: أنّ عليَّ بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقُثَم بن العباس وأسامة بن زيد وشُقران مولى رسول الله - ﷺ - هُم الذين ولُّوا غَسْلَه، وإنّ أوسَ بن خَوْلى أحد بني عوف بن الخزرج قال لعليّ بن أبي طالب: أنشُدك الله يا عليّ، وحَظّنا من رسول الله! وكان أوْس من أصحاب بدر؛ وقال: ادخل، فدخل فحضر غُسْلَ رسول الله - ﷺ -؛ فأسنده عليُّ بن أبي طالب إلى صدره، وكان العبَّاس والفضل وقثم هم الذين يقلِّبونه معه؛ وكان أُسامة بن زيد وشُقْران مولياه هُمَا اللذان يصبّان الماء، وعليّ يغسله قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يَدْلُكه مِنْ ورائه، لا يفضي بيده إلى رسول الله - ﷺ - وعليٌّ يقول: بأبي أنت وأمّي! ما أطيبك حيًّا ومَيتًا! ولم يُرَ من رسول الله شيءٌ مما يُرَى من الميت (٢). (٣: ٢١١/ ٢١٢).\n٤٥٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة مولَى ابنِ عبَّاس، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: لما أرادوا أن يحفِرُوا لرسول الله - ﷺ - وكان أبو عبيدة بن الجراح يَضْرَح كحفر أهل مكّة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفِر لأهل المدينة، وكان يلحد - فدعا العباسُ رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة، اللهمّ خِرْ لرسولك! قال: فوجد صاحبُ أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحَدَ لرسول الله - ﷺ -. فلمّا فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته؛ وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: يدفَن مع أصحابه؛ فقال أبو بكر: إنّي سمعتُ\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هذا إسناد ضعيف، وأخرجه ابن هشام منقطعًا وأحمد (١/ ٨) وفي إسناده حسين بن عبد الله متروك كما سبق والله أعلم.","vol":"7","page":284},{"text":"رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"ما قبِض نبيٌّ إلَّا يدفن حيث قُبِض\"؛ فرُفع فراش رسولِ الله الذي توفِّي عليه؛ فحُفِرَ له تحته؛ ودخل الناس على رسول الله يصلّون عليه أرْسالًا؛ حتى إذا فرغ الرجال أدخِلَ النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخِل الصبيان؛ ثم أدخِل العبيد؛ ولم يَؤمّ الناسَ على رسول الله - ﷺ - أحدٌ، ثم دفن رسولُ الله - ﷺ - من وسَط الليل ليلة الأربعاء (١). (٣: ٢١٣).\n٤٥١ - قال ابن إسحاق: وكان الذي نزل قبرَ رسولِ الله - ﷺ - علي بن أبي طالب والفضل بن العبّاس وقُثَم بن العباس وشُقران مولَى رسولِ الله - ﷺ -؛ وقد قال أوس بن خوليّ: أنشُدك الله يا على وحَظّنا من رسول الله! فقال له: انزِل، فنزل مع القوم؛ وقد كان شُقران مولَى رسولِ الله - ﷺ - حين وُضِع رسول الله - ﷺ - في حفرته، وبنيَ عليه؛ قد أخذ قطيفة كان رسول الله يلبسها ويفترشها؛ فقذفها في القبر، وقال: والله لا يلبَسها أحدٌ بعدَك أبدًا. قال: فدفِنت مع رسول الله - ﷺ - (٢). (٣: ٢١٣/ ٢١٤).\n٤٥٢ - قال ابن إسحاق: وكان المغيرة بن شعبة يدّعي: أنه أحدثُ الناس عهدًا برسول الله - ﷺ -، ويقول: أخذت خاتمي فألقيتهُ في القبر، وقلت: إنّ خاتمي قد سقط، وإنما طرحته عمدًا لَأمسّ رسول الله، فأكون آخرَ الناس به عهدًا (٣). (٢١٤: ٣).\n٤٥٣ - قالت: وتوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجرًا فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل (٤). (٣: ٢١٥).\n٤٥٤ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عبد الوهاب، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: أنزل على رسول الله - ﷺ - وهو ابن\n_________\n(١) في إسناده حسين بن عبد الله متروك، ولم نجد لهذا الحديث طريقًا آخر، وانظر قسم الصحيح (٣/ ٢١٣).\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":285},{"text":"ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكّة عشرًا، وبالمدينة عشرًا، وتوفَّيَ وهو ابن ثلاث وستين (١). (٣: ٢١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللَّذَين توفي فيهما رسول الله - ﷺ </span>-\n٤٥٥ - قال أبو جعفر: حدَّثنا عبد الرحمن بن الوليد الجرجانيّ، قال: حدَّثنا أحمد بن أبي طَيبَة، قال: حدَّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ - ﷺ - استعمل أبا بكر على الحجِّ سنة تسع، فأراهم مناسكَهم، فلمّا كان العام المقبل حجّ رسول الله - ﷺ - حجّة الوداع سنة عشر؛ وصدر إلى المدينة، وقُبِض في ربيع الأول (٢). (٣: ٢١٧).\n٤٥٦ - حدَّثني إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدَّثنا موسى بن داود عن ابن لَهِيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الصنعانيّ، عن ابن عباس، قال: وُلد النبيّ - ﷺ - يومَ الإثنين، واستُنْبئ يوم الإثنين، ورفع الحَجَر يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وقبض يوم الإثنين (٣). (٣: ٢١٧).\n٤٥٧ - حدَّثني أحمدُ بن عثمان بن حكيم، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدَّثني أبي عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: توفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - في شهر ربيع الأوّل في اثنتي عشرة ليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين ودفن ليلةَ الأربعاء (٤). (٣: ٢١٧).\n٤٥٨ - حدَّثني أحمدُ بن عثمان، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أنه دخل عليه فقال\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"7","page":286},{"text":"لامرأته فاطمة: حَدِّثِي محمدًا ما سمعت من عَمْرة بنت عبد الرحمن، فقالت: سمعت عَمْرة تقول: سمعت عائشة تقول: دُفِن نبيّ الله - ﷺ - ليلةَ الأربعاء؛ وما علمنا به حتى سمعنا صوتَ المَسَاحِي (١). (٣: ٢١٧).\n* * *","vol":"7","page":287},{"text":"ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ\nالخِلافَة الرَّاشِدة\nللإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجلّد الثّامن\nدار ابن كثير\nدمشق- بَيروت","vol":"8","page":1},{"text":"بِسْم الله الرحمن الرحيم","vol":"8","page":2},{"text":"ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>الخِلافَة الرَّاشِدة</span>","vol":"8","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1116>مقدمة</span>\nإنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا\nوَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠ - ٧١].\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتُها وكل محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار\".\nوبعد:\nفإن التاريخ الإسلامي لم ينل حقه من التمحيص والتحقيق والتخريج كما نالت العلوم الإسلامية الأخرى، فدخل فيه الغث والسمين والصحيح والباطل. كما لعبت أسباب عديدة وغايات مختلفة، وأغراض متباينة منها السياسية، ومنها العصبية الجنسية والطائفية، ومنها الزندقة والإلحاد، ومنها الثأر للفارسية والرومية وغيرها في تحريف التاريخ وتشويه حقائقه، وإظهاره بغير الوجه","vol":"8","page":5},{"text":"الصحيح المشرق، الذي أنار للعالم الطريق إلى السعادة والسؤدد.\nومن فضل الله علينا وعلى العالم أجمع أن أكرمنا الإسناد الذي هو من الدين فقد قال ابن المبارك (١): \"الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء\" اهـ.\nوقال سفيان الثوري (٢): \"الإسناد سلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فأي شيءٍ يقاتل؟ \" اهـ.\nوقال الأوزاعي (٣): \"وما ذهاب العلم إلَّا ذهاب الإسناد\" اهـ.\nوقال سفيان بن عيننة (٤)؛ \"حدث الزهري يومًا بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: \"أيرقى السطح بلا سلم؟ \".\nوقال بقية: ذاكرت حماد بن زيد أحاديث. فقال: ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة، يعني: الأسانيد (٥).\nوقال الشافعي: \"الذي يطلب العلم بلا سند كحاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري\" (٦).\nوقال علي القاري: \"أصلُ الإسناد خصيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة وسنةٌ بالغةٌ من السنن المؤكدة، بل من فروضِ الكفاية، وطلبُ العُلو أمرٌ مطلوب وشأن مرغوب\" (٧).\nوقال أبو العباس الدَّغْولي: \"سمعت محمد بن حاتم بن المظفَّر يقول: \"إن الله تعالى قد أكرمَ هذه الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإسناد. وليس لأحد من الأمم كلّها\n_________\n(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحة (١/ ٨٧) وانظر علل الترمذي (١/ ٣٥٩) والكفاية للخطيب ص ٣٩٣.\n(٢) أخرجه ابن حبان في كتابه \"المجروحين\" (١/ ٢٧) وانظر علل الترمذي (١/ ٣٦٠).\n(٣) علل الترمذي (١/ ٣٦٠).\n(٤) علل الترمذي (١/ ٣٦٠).\n(٥) شرح علل الترمذي (١/ ٣٦١).\n(٦) فيض القدير. للمناوي (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(٧) شرح شرح النخبة ص ١٩٤.","vol":"8","page":6},{"text":"قديمها وحديثها إسناد موصول. إنما هو صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم (١).\nوقال الإمام اللكنوي (٢): \"فهذه العبارات بصراحتها أو بأشارتها تدلُّ على أنه لا بدَّ من الإسناد في كل أمرٍ من أمور الدين، وعليه الاعتماد، أعمُّ من أن يكون ذلك الأمرُ من قبيل الأخبار النبوية، أو الأحكام الشرعية، أو المناقب والفضائل، والمغازي والسير والفواضل، وغير ذلك من الأمور التي لها تعلُّقٌ بالدين المتين والشرع المبين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد ما لم يتأكد بالإسناد لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخير\" اهـ.\nوإن تأريخ الإمام الطبري من أوسع المصادر التأريخية المتقدمة وأكثرها اعتناءً بالإسناد، إلا أن الطبري ﵀ اعتمد في تأريخ حروب الردة وفتوح الشام والعراق ومجريات الأحداث في هذا العهد - عهد الخلفاء الراشدين - على مرويات سيف بن عمر التميمي وبكثرة، وكذلك اعتمد مرويات أبي مخنف، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على تضعيف أبي مخنف (٣).\nقال ابن حبان: \"رافضي يشتم الصحابة ويروي بالموضوعات عن الثقات\" \"لسان الميزان\" (٤/ ٣٦٦).\nوقال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢١١٠): \"حدَّث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم.\nوقال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٨٢): \"متروك الحديث\". قلنا: ولذلك وضعنا معظم روايات أبي مخنف في قسم الضعيف هذا.\nوبينا ما في متونها من نكارة، ولم نجد له إلا روايات قليلة جدًّا توافق ما رواه الثقات، ولم نُطل كثيرًا في نقد رواياته فقد كفانا الأستاذ يحيى اليحيى ذلك في\n_________\n(١) المواهب اللدنية بشرح الزقاني (٥/ ٤٥٣).\n(٢) في الأجوبة الفاصلة ص ٢٧ تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.\n(٣) انظر ترجمته والكلام عليه في كتابنا رجال تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري جرحًا وتعديلًا\" في حرف اللام: لوط بن يحيى -أبو مخنف-.","vol":"8","page":7},{"text":"كتابه القيم \"مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري -عصر الخلافة الراشدة- دراسة نقدية\".\nأما بالنسبة لروايات سيف بن عمر التميمي وهو الأكثر ورودًا في عهد أبي بكر الصديق عند الطبري، فقد وضعنا منهجًا نرجو أنَّا قد التزمنا به في تحقيقنا هذا.\nوقبل ذكر شروطنا في التفاصيل مع مرويات سيف لا بد أن نذكر أقوال العلماء فيه باختصار.\n* أما في الحديث فهو ضعيف عند جمهور النقاد.\nقال الدارقطني: ضعيف. (التهذيب ٤/ ٢٩٦).\nوقال النسائي: ضعيف. (الضعفاء والمتروكين / ٥١).\nوقال ابن حبان: اتهم بالزندقة وكان يضع الحديث. (المجروحين ١/ ٣٤٥).\nوقد اعترض ابن حجر على ابن حبان فقال في التقريب (١/ ٢٦٢) أفحش ابن حبان القول فيه.\n* أما بالنسبة للروايات التأريخية، فقد قال ابن حجر في التقريب: (عمدة في التأريخ) وقال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا. الميزان (٢/ ٢٥٥) ولذلك قال عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى (قسم التأريخ الإسلامي) د. خالد الغيث: ينقسم الحديث عن درجة سيف العلمية إلى قسمين:\n(الأول): يتعلق بسيف المحدث.\n(والثاني): يتعلق بسيف الأخباري (استشهاد عثمان وموقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية / ٢٨).\nويرى المؤرخ الإسلامي المعاصر الأستاذ العمري أن سيفًا هذا ضعيف جدًّا في التأريخ.\nقلنا: من أجل ما سبق وضعنا بعضًا من روايات سيف في قسم الصحيح بشروط:\n١ - إن وجدنا لها أصلًا صحيحًا ابتداءً بالبخاري ومرورًا ببقية كتب الحديث وانتهاءً بالمصادر التأريخية الموثوقة.","vol":"8","page":8},{"text":"٢ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات مما يتعلق بالمسائل العقيدية والحلال والحرام.\n٣ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات من طعن في عدالة الصحابة أو غمز ولمز بهم وبتعاملهم مع بعضهم البعض.\n٤ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات من الانحياز إلى اتجاه سياسي معروف في عهد الخلفاء الراشدين.\nأما بقية الروايات (وهي الأكثر) فقد وضعناها في الضعيف وبيّنا ما فيها من نكارة أو غرابة. ولقد أسهب الدكتور خالد الغيث في تقييمه لروايات سيف في رسالته الجامعية فلا نريد أن نذكر تفاصيل ذلك إلّا أنّا نضيف معلقة صغيرة فيما يتعلق بالطعون الواردة في روايات سيف ونعني (الطعن في عدالة الصحابة) وهو أن البلاء ليس من سيف فحسب وإنما أكثر البلاء من تلميذه وراويته شعيب وأغلب الروايات من طريقه فهو المعروف بتحامله على الصحابة اليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة وفيها تحامل على السلف / اللسان ٣/ ١٤٥).\nواعتبرنا هذه الطريق (طريق شعيب عن سيف) أشد مرويات سيف ضعفًا عند الطبري. أما أقل مرويات سيف ضعفًا أو أصحها (وليس صحيحها) فهو طريق: (حدثنا عبيد الله قال حدثني عمّي قال حدثنا سيف) والله أعلم.\nثانيًا: أما فيما يتعلق بالمصادر التي اعتمدنا عليها في تقسيمنا لمرويات الطبري التأريخية فهي كما يلي:\n٢ - تأريخ خليفة بن خياط: فهو مؤرخ معتمد ثقة توفي (٢٤٠ هـ) أي بعد أن بدأ الطبري بطلب الحديث بأربع سنوات - وهو يدرس التأريخ دراسة حولية بالإضافة إلى كتابته التأريخ بصيغة أخرى هي تدوين التأريخ من خلال دراسة الشخصيات التأريخية: الأنبياء، ثم الصحابة، ثم أئمة التابعين، وذلك في كتابه القيم المعروف (طبقات خليفة).\n٢ - فتوح البلدان للبلاذري: والذي اهتم اهتمامًا بالغًا بتأريخ الفتوح وهو يعتمد الإسناد كسلفه خليفة، إلّا أن خليفة يذكر الإسناد ويعتمده أكثر من البلاذري الذي توفي (٢٧٩ هـ) وكذلك اعتمد البلاذري الإسناد في دراسته","vol":"8","page":9},{"text":"لشخصيات الصحابة في كتابه التأريخي القيّم (أنساب الأشراف).\n٣ - والمصدر الثالث الذي اعتمدناه في مقارنتنا لروايات الطبري التأريخية هو (الطبقات الكبرى لابن سعد) وإن كان ابن سعد يعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، وهو متروك ولهذا لم نعتمد هذه الروايات إلّا ما كان له متابعة أو شاهد.\n٤ - ومن المصادر المتقدمة الأخرى التي اعتمدناها في تحقيقنا لمرويات الطبري التاريخية (كتاب المعرفة والتأريخ) ليعقوب بن سفيان وكذلك (الأخبار الطوال) للدينوري ت (٢٨٢ هـ).\n٥ - ومعلوم أن عددًا من المؤرخين الثقات برزوا في القرون التالية ومنهم ابن عساكر الذي عاش في القرن الخامس الهجري واشتهر كتابه تأريخ دمشق وهو بحق سفر تأريخي قيّم اعتمد فيه الإسناد ورجّح أحيانًا بين الروايات التأريخية فذكرنا ترجيحاته واعتمدنا مختصر تأريخه (لابن منظور ﵀) وكذلك راجعنا روايات الكلاكي في كتابه (الاكتفاء) وابن الجوزي في كتابه المعروف (المنتظم).\n٦ - أما بالنسبة للأئمة المتأخرين الذين برزوا في التأريخ بالإضافة إلى كونهم أئمة في الحديث فقد اعتمدنا تأريخ الإسلام للذهبي وذكرنا أحيانًا تصحيحاته وتعليقاته على الروايات التأريخية، وكذلك اعمدنا (البداية والنهاية لابن كثير) وذكرنا ترجيحات ابن كثير وتصويباته.\n٧ - أما بالنسبة للحافظ ابن حجر فقد اعتمدنا على كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وخاصة فيما يذكره عن تأريخ الصحابة واشتراكهم في حروب الردة ومعارك الفتوح مشيرًا إلى روايات الأئمة المحدثين المتقدمين في كتبهم التي اطلع عليها ذاكرًا أسانيدهم فنذكرها بأسانيدها وهو أحيانًا يحكم على هذه الأسانيد وأحيانًا يسكت عنها (من أمثال ما كتبه ابن السكن، وابن شاهين، وابن مندة، وغيرهم).\n٨ - وأخيرًا فقد رجعنا فيما رجعنا إليه إلى كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي.\n٩ - أما ما يتعلق بالصحاح والمسانيد والسنن والمستدركات والمصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وغيره ففيها روايات تأريخية قليلة جدًّا بالنسبة لمرويات الطبري وغيره ولكننا ذكرناها قبل غيرها فهي لنا كالكنز الثمين لأنها مسندة","vol":"8","page":10},{"text":"موصولة ورجال أسانيدها ثقات في الغالب.\n١٠ - وكنَّا نتمنى أن نطلع على ما كتبه الأستاذ الفاضل العمري في كتابه (تأريخ الخلفاء الراشدين) فهو مؤرخ معاصر معروف بتحرّيه للروايات المسندة الصحيحة في التأريخ ونرجو أن نحصل عليه لاحقًا إن شاء الله ومع ذلك فقد اطلعنا على بعض الرسائل الجامعية القيمة (مرويات أبي مخنف، مرويات سيف بن عمر، موقف الصحابة في الفتنة، عبد الله بن سبأ، . إلخ من الرسائل التي تطرقنا إلى ذكرها أثناء التحقيق).\nوكذلك اطلعنا على ما كتبه الأستاذ المؤرخ باشميل عن فتوح الشام فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء ولا ندعي أننا أصبنا كبد الحقيقة في تحقيقنا للروايات التأريخية ولكنّا حاولنا جهد المستطاع أن نظهر للقارئ الكريم عظمة التأريخ الإسلامي الذي طالما شوّهه المستشرقون حسدًا وحقدًا وعدوانًا فإن أصبنا في شيء فمن الله التوفيق، وإن أخطأنا فمن عند أنفسنا ونستغفر الله.\nالمحققان","vol":"8","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>ضعيف تاريخ أبي بكر الصديق ﵁</span>","vol":"8","page":13},{"text":"١ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا جرير عن مغيرة، عن أبي معشر زياد بن كُلَيُب، عن أبي أيوب، عن إبراهيم، قال: لما قُبِض النبيُّ - ﷺ - كان أبو بكر غائبًا، فجاءَ بعد ثلاث، ولم يجترئ أحدٌ أن يكشِفَ عن وجهه، حتى اربدَّ بطنهُ، فكشف عن وجهه، وقبَّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأميّ! طبْت حيًّا وطبت مَيتًا! ثم خرج أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مَنْ كان يعبدُ الله فإنْ الله حيٍّ لا يموت، ومَنْ كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات. ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. وكان عمر يقول: لم يمتُ؛ وكان يتوعّد الناس بالقتل في ذلك.\nفاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعِدة ليبايعوا سعدَ بن عُبادة، فبلغَ ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه عُمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أميرٌ ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منّا الأمراء ومِنْكم الوزراء.\nثم قال أبو بكر: إني قد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجُلين: عمر أو أبا عبيدة، إنْ النبيّ - ﷺ - جاءَه قومٌ فقالوا: ابعث معنا أمينًا فقال: لأبعثنَّ معكم أمينًّا حق أمين، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح؛ وأنا أرضَى لكم أبا عُبيدة. فقام عمر، فقال: أيّكمُ تطيب نفسه أن يخلُف قَدَمَين قدَّمهما النبيّ - ﷺ - فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار -أو بعض الأنصار؛ لا نبايع إلّا عليًّا (١). (٣: ١/ ٢٠٢ - ٢٠٢).\n٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا جرير عن مغيرة، عن زياد بن كليب، قال: أتى عمرُ بن الخطاب منزلَ عليّ وفيه طلحة والزبير ورجالٌ من المهاجرين، فقال: والله لأحِرقنَّ عليكم أو لتخرُجُنَّ إلى البَيعة، فخرج عليه الزبيرُ مُصْلِتًا بالسيف، فعثر فسقط السَّيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (٢). (٣: ٢٠٢).\n٣ - حدَّثنا زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أبو عوَانة، قال: حدثنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه بعض مخالفة لما ورد في الروايات الصحيحة لحديث السقيفة كما سيأتي ذكره.\n(٢) إسناده معضل وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":15},{"text":"داود بن عبد الله الأوْدِيّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن الحميريّ، قال: تُوُفيَ رسولُ الله - ﷺ - وأبو بكر في طائفة من المدينة، فجاء فكشف الثوبَ عن وجهْه فقبّله، وقال: فداك أبي وأمي! ما أطيبَك حيًّا وميتًا! مات محمدٌ وربّ الكعبة! قال: ثم انطلق إلى المنبر، فوجد عمر بن الخطاب قائمًا يُوعِد الناس، ويقول: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - حيٌّ لم يمت، وإنه خارج إلى من أرْجَفَ به، وقاطع أيدَيهم، وضارب أعناقهم، وصالبهم، قال: فتكلّم أبو بكر، وقال: أنِصتْ. قال: فأبى عمر أن يُنصِت، فتكلّم أبو بكر، وقال: إن الله قال لنبيّه - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ...﴾، حتى ختم الآية، فمن كان يعبدُ محمدًا فقد مات إلهه الذي كان يعبُده، ومَنْ كان يعبد الله لا شريك له، فإن الله حيٌّ لا يموت.\nقال: فحلف رجالّ أدركناهم من أصحاب محمد - ﷺ -: ما علمنا أنّ هاتين الآيتين نزلَتَا حتى قرأهما أبو بكر يومئذ، إذ جاء رجل يسعَى فقال: هاتِيكَ الأنصار قد اجتمعت في ظُلّةِ بني ساعدة، يبايعون رجلًا منهم، يقولون: منّا أميرٌ ومن قريش أمير، قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتقاوَدان حتى أتياهم، فأراد عمر أن يتكلّم، فنهاه أبو بكر، فقال: لا أعصى خليفة النبيّ - ﷺ - في يوم مرَّتَين.\nقال: فتكلّم أبو بكر، فلم يترك شيئًا نزل في الأنصار، ولا ذكره رسولُ الله - ﷺ -: من شأنهم إلّا وذكره. وقال: لقد علمتمْ أنّ رسولَ الله قال: لو سلك النَّاس واديًا وسلكت الأنصارُ واديًا سلكتُ واديَ الأنصار، ولقد علمتَ يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعدٌ: قريش ولاةُ هذا الأمر، فبَرُّ الناس تَبَعٌ لبَرّهم، وفاجرهم تبعٌ لفاجرهم، قال: فقال سعد: صدقتَ، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء، قال: فقال عمر: ابسُطْ يدك يا أبا بكر فلأبايعك، فقال أبو بكر: بل أنت يا عمر، فأنت أقوَى لها منِّي، قال: وكان عمر أشدّ الرجلين، قال: وكان كلُّ واحد منهما يريد صاحبّه يفتح يده يضرب عليها، ففتح عمر يد أبي بكر وقال: إن لك قوّتي مع قوتّكِ. قال: فبايع الناسُ واستثبتوا للبيعة، وتخلّف عليّ والزّبير، واخترط الزُّبير سيفه، وقال: لا أغمده حتى يُبايعَ عليُّ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خُذُوا سيفَ الزُّبَيْر، فاضربوا به الحجَر، قال:","vol":"8","page":16},{"text":"فانطلق إليهم عمر، فجاء بهما تبعًا، وقال لتبايعان وأنتما طائعان، أو لتبايعان وأنتما كارهان! فبايعا (١). (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n٤ - حدثنا عُبيد الله بن سعيد الزهريّ، قال: أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرني سَيفُ بن عمر عن الوليد بن عبد الله بن أبي ظبَية البَجَليّ، قال: حدَّثنا الوليد بن جُمَيع الزُّهريّ، قال: قال عمرو بن حريث لسعيد بن زيد: أشهدت وفاةَ رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قال: فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسولُ الله - ﷺ - كرهوا أن يبقوْا بعض يوم وليسوا في جماعة، قال: فخالف عليه أحدٌ؟ قال: لا إلا مرتدٌّ أو مَنْ قد كاد أن يرتدْ، لولا أنّ الله ﷿ ينقذهم من الأنصار، قال: فهل قعد أحد من المهاجرين؟ قال: لا، تتابع المهاجرون على بيعته، من غير أن يدعوهم (٢). (٣: ٢٠٧).\n٥ - حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفيّ، قال: حدثنا أبو قُتيبة، قال: حدثنا مالك -يعني ابن مِغْوَل- عن ابن الحرّ، قال: قال أبو سفيان لعليّ: ما بالُ هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش! والله لئن شئت لأملأنّها عليه خيلًا ورجالًا! قال: فقال عليٌّ: يا أبا سفيان! طالما عاديتَ الإسلام وأهلَه فلم تضرّه بذاك شيئًا! إنا وجدنا أبا بكر لها أهلًا (٣). (٢٠٩: ٣).\n٦ - حدّثني محمد بن عثمان الثَّقَفِيّ، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدثنا حمّاد بن سلَمة، عن ثابت، قال: لما استخلف أبو بكر قال أبو سُفيان: ما لَنا ولأبي فَصيل؛ إنما هي بنو عبد مناف! قال: فقيل له: إنه قد ولّى ابنَك، قال: وصَلَتْه رَحِم! (٤) (٣: ٢٠٩).\n٧ - حُدّثت عن هِشام، قال: حدّثني عَوَانَة، قال: لما اجتمعَ الناسُ على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان؛ وهو يقول: والله إنّي لأرَى عجاجة لا يطفئها إلّا دم!\n_________\n(١) إسناده مرسل وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده ضعيف ففيه سيف بن عمر، ضعفه ابن معين (التأريخ ٢/ ٢٤٥) والنسائي (الضعفاء والمتروكين / ١٢٣) والدارقطني (الضعفاء والمتروكين / ٢٤٣) وقال أبو حاتم: متروك يشبه حديثه حديث الواقدي (الجرح والتعديل ٤/ ٢٧٨).\n(٣) حديث ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٤) حديث ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":17},{"text":"يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم! أين المستضعَفان! أين الأذلان عليّ والعباس! وقال: أبا حسنٍ! ابسُط يدك حتى أبايعَك فأبى عليٌّ عليه، فجعل يتمثل بشعر المتلمّس:\nولَنْ يُقِيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرادُ بِهِ ... إلَّا الأذلّانِ عَيرُ الحَيِّ وَالوَتِدُ\nهذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ برُمَّتِه ... وذَا يُشَجُّ فَلا يَبكي لَهُ أحَدُ\nقال: فزجره عليّ، وقال: إنك والله ما أردتَ بهذا إلا الفتنة. وإنك والله طالما بغيتَ الإسلامَ شرًّا! لا حاجة لنا في نصيحتك.\nقال هشام بن محمّد: وأخبرني أبو محمد القرشيّ، قال: لما بويع أبو بكر، قال أبو سفيان لعليّ والعباس: أنتما الأذلّان! ثم أنشد يتمثّل:\nإنَّ الهوَانَ حِمَارُ الأهلِ يعْرِفُه ... وَالحُرُّ يَنْكَرُهُ والرَّسْلَةُ الأُجُدُ\nولا يُقيم علَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إلا الأَذَلَّانِ عَيرُ الحَيِّ والوَتدُ\nهذَا عَلى الخَسْفِ معكوسٌ برُمَّتِه ... وذَا يُشَجُّ فَلا يَبكي لَه أحد (١)\n(٢٠٩: ٣ - ٢١٠).\n٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، قال: حدَّثنا أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغدُ، جلَس أبو بكر على المِنْبَر، فقام عُمر فتكلّم قبل أبي بكر؛ فحمد اللهَ وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس! إنّي قد كنتُ قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأي، وما وجدتُها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عَهِده إليَّ رسول الله - ﷺ -؛ ولكني قد كنت أرى أنّ رسول الله سيدبّر أمرنا؛ حتى يكون آخرَنا، وأن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هَدى به رسول الله فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هَداه له؛ وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذْ هما في الغار؛ فقوموا فبايعوا. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السقيفة.\nثم تكلّم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهلُه، ثم قال: أما بعدُ أيها الناس؛ فإني قد وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم؛ فإن أحسنت فأعينوني؛ وإن أسأت\n_________\n(١) حديث ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":18},{"text":"فقَوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أريح عليه حقّه إن شاء الله، والقويُّ منكم الضعيف عندي حتى آخذَ الحقّ منه إن شاء الله. لا يَدَع أحدٌ منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا يَدعُه قوم إلّا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قومٍ إلّا عمَّهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله؛ فإذا عصيتُ الله ورسوله؛ فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله! (١) (٣: ٢١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة</span>\n٩ - حدَّثنا هشام بن محمد، عن أبي مخنْف، قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ: أنّ النبيّ - ﷺ - لما قُبِض اجتمعت الأنصارُ في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نُولّي هذا الأمر بعد محمد - ﵇ - سعدَ بن عبادة، وأخرجوا سعدًا إليهم وهو مريض؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمّه: إنّي لا أقدِر لشكوايَ أن أسمع القوم كلّهم كلامي؛ ولكن تَلَقَّ منّي قولي فأسْمِعْهموه؛ فكان يتكلّم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع صوتَه فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار! لكم سابقةٌ في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إنّ محمّدًا - ﵇ - لَبِث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرّحمن وخلْع الأنداد والأوثان؛ فما آمن به من قومه إلا رجالٌ قليل؛ وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعُوا رسولَ الله؛ ولا أن يُعزُّوا دينَه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عُمُّوا به؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلةَ، ساق إليكم الكرامةَ وخصّكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنعَ له ولأصحابه، والإعزازَ له ولدينه، والجهادَ لأعدائه؛ فكنتم أشدَّ الناس على عدوّه منكم، وأثقلَه على عدوّه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا، وأعطى البعيدُ المقادةَ صاغرًا داخرًا، حتى أثخن الله ﷿ لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب؛ وتوفّاه الله وهو عنكم راض؛ وبكم قرير عين. استبدّوا بهذا الألمر فإنّه لكم دون الناس.\n_________\n(١) حديث ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":19},{"text":"فأجابوه بأجمعهم: أن قد وُفِّقتَ في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدُوَ ما رأيت، ونولِّيك هذا الأمر، فإنك فينا مَقنَعٌ ولصالح المؤمنين رضا. ثم إنهم ترادُّوا الكلامَ بينهم، فقالوا: فإن أبَتْ مهاجرة قريش؟ فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأوّلون؛ ونحن عشيرته وأولياؤه؛ فعَلامَ تنازعوننا هذا الأمر بعده! فقالت طائفة منهم: فإنّا نقولُ إذًا: منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ؛ ولن نرضى بدون هذا الأمر أبدًا. فقال سعدُ بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهَن!\nوأتى عمرَ الخبرُ، فأقبل إلى منزل النبيّ - ﷺ -، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب - ﵇ - دائب في جِهاز رسولِ الله - ﷺ -؛ فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إليّ، فأرسل إليه: إنّي مشتغل؛ فأرسل إليه أنه قد حدَث أمرٌ لا بدّ لك من حضوره؛ فخرج إليه، فقال: أمَّا علمتَ أنّ الأنصار قد اجتمعت في سَقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولُّوا هذا الأمر سعدَ بن عبادة؛ وأحسنهم مقالةً مَنْ يقول: منّا أمير ومِن قريش أمير! فمضيا مسرعين نحوهم؛ فلقيَا أبا عُبيدة بن الجراح؛ فتماشَوْا إليهم ثلاثتُهم، فلقيَهم عاصم بن عديّ وعُوَيمُ بن ساعدة، فقالا لهم: ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون، فقالوا: لا نفعل، فجاؤوا وهم مجتمعون. فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم - وقد كنت زوَّرت كلامًا أردت أن أقوم به فيهم - فلما أن دفعتُ إليهم ذهبتُ لأبتدئ المنطق، فقال لي أبو بكر: رُوَيدًا حتى أتكلّم ثم انطقْ بعد بما أحببت. فنطق، فقال عمر: فما شيء كنتُ أردت أن أقوله إلّا وقد أتى به أو زاد عليه.\nفقال عبد الله بن عبد الرحمن: فبدأ أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه، وشهيدًا على أمته، ليعبُدوا الله ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعةٌ، ولهم نافعة، وإنما هي من حَجَر منحوت، وخشب منجور، ثم قرأ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ فعظُم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة له، والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم؛ وتكذيبهم إياهم؛ وكلُّ الناس لهم مخالف، زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشَنَفِ الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم،","vol":"8","page":20},{"text":"فهم أوّل مَنْ عَبَد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول؛ وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقُّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشرَ الأنصار، مَنْ لا ينكَر فضلُهم في الدينِ، ولا سابقتُهم العظيمة في الإسلام، رضيَكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّةُ أزواجه وأصحابه؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحدٌ بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تُفْتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور.\nقال: فقام الحُبَابُ بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار! املكوا عليكم أمرَكم؛ فإنّ الناس في فيئكم وفي ظِلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافِكم؛ ولن يُصدِر الناس إلّا عن رأيكم، أنتم أهل العزّ والثرْوَة، وأولو العَدد والمَنعة والتجربة، ذوو البأس والنجْدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيُكم؛ وينتقض عليكم أمركم، فإن أبي هؤلاء إلّا ما سمعتم؛ فمنّا أمير ومنهم أمير.\nفقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قَرن! والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيها من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرَها مَنْ كانت النبوّة فيهم ووَلي أمورهم منهم؛ ولنا بذلك على مَنْ أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين؛ مَنْ ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته. ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل، أو مُتَجَانِف لإثم، ومتورِّط في هَلَكة!\nفقام الحُباب بن المنذر فقال: يا معشرَ الأنصار! املكُوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر؛ فإن أبوْا عليكم ما سألتموه، فاجلُوهم عن هذه البلاد، وتولَّوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحقُّ بهذا الأمر منهم؛ فإنه بِأسيافكم دانَ لهذا الذين مَنْ دان ممّن لم يكن يدين؛ أنا جُذَيلُها المُحَكَّك، وعُذيقُها المُرَجَّب! أمَّا والله لئن شئتم لنعيدنّها جذَعَةً؛ فقال عمر: إذًا يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل!\nفقال أبو عبيدة: يا معشرَ الأنصار! إنكم أوّل مَنْ نصر وآزرَ؛ فلا تكونوا أوّل مَنْ بدّل وغيّر.\nفقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشرَ الأنصار! إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدّين؛ ما أردنا به إلّا رضا","vol":"8","page":21},{"text":"ربنا وطاعة نبينا؛ والكَدْحَ لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على النّاس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرَضًا؛ فإن الله وليّ المنة علينا بذلك؛ ألا إنّ محمدًا - ﷺ - من قريش، وقومُه أحقّ به وأولى. وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدًا، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم!\nفقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيَّهما شئتم فبايعوا. فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك؛ فإنك أفضلُ المهاجرين وثاني اثنين إذْ هما في الغار، وخليفةُ رسول الله على الصّلاة؛ والصَّلاةُ أفضلُ دين المسلمين؛ فمن ذا ينبغي له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك! ابسُط يدك نبايعك.\nفلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد، فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يا بشير بن سعد! عَقّتك عَقاقِ؛ ما أحوجَك إلى ما صنعت، أنَفِسْتَ على ابن عمّك الإمارة! فقال: لا والله! ولكني كرهت أن أنازع قومًا حقًّا جعله الله لهم.\nولما رأت الأوسُ ما صنع بشير بن سعد، وما تدعُو إليه قريش، وما تطلبُ الخزرجُ من تأمير سعد بن عبادة؛ قال بعضهم لبعض، وفيهم أسَيد بن حُضير - وكان أحدَ النقباء -: والله لئن وليَتْها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة؛ ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبًا أبدًا، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم.\nقال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني أبو بكر بن محمد الخُزاعيّ: أن أسلمَ أقبلتْ بجماعتها حتى تضائقَ بهم السكك، فبايعوا أبا بكر؛ فكان عمر يقول: ما هو إلّا أن رأيتُ أسلم، فأيقنتُ بالنّصر.\nقال هشام، عن أبي مخنف: قال عبدُ الله بن عبد الرحمن: فأقبَل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدًا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله! ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممتُ أن أطأكَ حتى تُنْدَر عَضُدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصتَ منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة؛ فقال أبو بكر: مهلًا يا عمر! الرّفْقُ ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر. وقال سعد: أما والله لو أنّ بي","vol":"8","page":22},{"text":"قوّة ما، أقوى على النهوض؛ لسمعتَ منّي في أقطارها وسككها زَئيرًا يُحْجرك وأصحابك؛ أما والله إذا لألحقنك بقوم كنتَ فيهم تابعًا غير متبوع! احملوني مِنْ هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره، وترك أيامًا ثم بعث إليه أن أقْبِل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومُك؛ فقال: أما والله حتى أرميَكم بما في كنانتي من نَبْلي، وأخْضب سنان رمْحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومَنْ أطاعني من قومي؛ فلا أفعل، وأيمُ الله لو أنّ الجنّ اجتمعتْ لكم مع الإنس ما بايعتُكم، حتى أعرَض على ربّي، وأعلَم ما حسابي.\nفلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تَدَعْه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لجّ وأبي، وليس بمبايعكم حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل معه ولدُه وأهل بيته وطائفة من عشيرته؛ فاتركوه فليس تركُه بضارّكم، إنما هو رجلٌ واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدَا لهم منه، فكان سعْد لا يصلِّي بصلاتهم، ولا يجمِّع معهم، ويحجّ، ولا يُفيض معهم بإفاضتهم؛ فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر ﵀ (١). (٣: ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٢٠ - ٢٢١ - ٢٢٢).\n١٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: حدّثنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف بن عمر عن سهل وأبي عثمان، عن الضحّاك بن خليفة، قال: لما قام الحُبابُ بن المنذر انتضَى سيفه؛ وقال: أنا جُذَيلُها المحكّك وعُذَيقها المرجّب؛ أنا أبو شبل في عرّيسة الأسد، يعزَى إلى الأسْد. فحامله عمر فضرب يده، فندَر السيفُ، فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد؛ وتتابع القوم على البيعة؛ وبايع سعد؛ وكانت فلتةً كفَلَتات الجاهليّة؛ قام أبو بكر دونها. وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعدًا، فقال عمر: قتله الله! إنه منافق، واعترض عمرَ بالسيف صخرةٌ فقطعه (٢). (٣: ٢٢٣).\n_________\n(١) هذه رواية تالفة مكذوبة في أول إسناده ابن الكلبي وهو كشيخه الهالك التالف أبي مخنف وهذه الرواية انفرد بها أبو مخنف وفي آخر الإسناد انتهطاع كذلك، فالسند لا يصح من أوله إلى آخره وأما متن الرواية فمنكر مخالف لما ورد في الروايات الصحيحة عند البخاري وغيره وفيه من سوء الأدب بحق صحابة رسول الله - ﷺ - ما فيه.\n(٢) إسناده ضعيف فهو من طريق سيف بن عمر وفي متنه نكارة شديدة.","vol":"8","page":23},{"text":"١١ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعيد، قال: حدّثني عمّي يعقوب، قال: حدثنا سيف، عن مبشّر، عن جابر، قال: قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر: إنكم يا معشرَ المهاجرين حسدتموني على الإمارة؛ وإنك وقومي أجبرتموني على البَيعة، فقالوا: إنا لو أجْبَرناك على الفُرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سَعة؛ ولكنا أجبرناك على الجماعة، فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يدًا من طاعة، أو فرّقت جماعة، لنَضرِبنّ الذي فيه عيناك (١). (٣: ٢٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>ذكر أمر أبي بكر في أول خلافته</span>\n١٢ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي، قال: حدَّثنا سيف - وحدّثني السريّ بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر - عن أبي ضمْرة، عن أبيه، عن عاصم بن عبدّي، قال: نادى منادي أبي بكر من بعد الغد مِنْ متوفَّى رسول الله - ﷺ -: ليُتَمّ بعث أسامة؛ ألا لا يبقينّ بالمدينة أحدٌ من جُنْد أسامة إلّا خرج إلى عسكره بالجُرف. وقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس! إنما أنا مثلُكم؛ وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله - ﷺ - يطيق؛ إن الله اصطفى محمدًا على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبعٌ ولست بمبتدع؛ فإن استقمت فتابحوني، وإن زغت فقوموني، وإنّ رسولَ الله - ﷺ - قبض وليس أحدٌ من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها؛ ألا وإنّ لي شيطانًا يعتريني؛ فإذا أتاني فاجتنبوني؛ لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم؛ وأنتم تغدون وتَرُوحون في أجلٍ قد غيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم ألّا يمضيَ هذا الأجل إلّا وأنتم في عمل صالح فافعلوا؛ ولن تستطيعوا ذلك إلّا بالله، فسابقوا في مَهل آجالكم من قبل أن تُسلمَكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال؛ فإن قومًا نسُوا آجالهم، وجعلُوا أعمالهم لغيرهم؛ فإيّاكم أن تكونوا أمثالهم. الجدّ الجدّ! والوحا الوحا! والنّجاء النّجاء! فإن وراءكم طالبًا حثيثًا، أجلًا مَرُّه سريعٌ. احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات.\nوقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله ﷿ لا يقبل من الأعمال\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":24},{"text":"إلّا ما أريد به وجهه؛ فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أنّ ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وخطأٌ ظفرتم به، وضرائب أدّيتموها، وسلَفٌ قدَّمتموه من أيام فانية لأخرى باقية؛ لحين فقركم وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمَنْ مات منكم، وتفكّروا فيمن كان قبلكم. أين كانوا أمس، وأين هم اليوم؟ ! أين الجبّارون؟ ! وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلَبة في مواطن الحروب؟ ! قد تضعضع بهم الدّهر، وصاروا رميمًا، قد تُركت عليهم القالات؛ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. وأينَ الملوك الذين أثاروا الأرض وعمرُوها، قد بعدوا ونُسِيَ ذكرهم، وصاروا كلا شيء. ألا إنّ الله قد أبقى عليهم التَّبِعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوْا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلَفًا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجوْنا، وإن اغتررنا كنّا مثلهم! أين الوُضّاءُ الحسنة وجوهُهم، المعجبون بشبابهم؟ ! صاروا ترابًا وصار ما فرطوا فيه حَسْرَة عليهم! أين الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ ! قد تركوها لمن خَلَفهم، فتلك مساكنهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزًا؟ ! أين مَنْ تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؛ قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدسوا فحلُّوا عليه وأقاموا للشَّقْوة والسعادة فيما بعد الموت. ألا إنّ الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد مِنْ خلقه سببٌ يعطيه به خيرًا، ولا يصرف عنه به سوءًا إلّا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيدٌ مَدِينُون، وإنّ ما عنده لا يُدْرك إلّا بطاعته؛ أما أنه لا خير بخير بَعْدَه النارُ، ولا شر بشرّ بعده الجنة (١). (٣: ٢٢٣/ ٢٢٤ / ٢٢٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة وقد أخرجه ابن كثير بطوله وسكت عنه (البداية والنهاية ٨/ ٣٠٦) وأخرجه ابن سعد مختصرًا (٤/ ٦٧، ٦٨) من روايتين مرسلتين عن عروة وإسنادهما حسن إلى عروة.\nوأخرج ابن كثير رواية البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن علي الميموني ثنا الفريابي ثنا عباد بن كثير عن أبي الأعرج عن أبي هريرة وفيه: أن أسامة بعثه رسول الله - ﷺ - إلى الشام في سبعمئة فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله - ﷺ - وارتدت العرب حول المدينة وفيه قال أبو بكر: والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأزواج رسول الله - ﷺ - ما رددت جيشًا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله! فوجه أسامة ... إلخ. =","vol":"8","page":25},{"text":"١٣ - حدّثني عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف - وحدّثني السَّرِيّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: أخبرَنا سيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما بويع أبو بكر ﵁ وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليُتَمّ بعثُ أسامة؛ وقد ارتدت العرب؛ إمّا عامة وإمّا خاصة في كلّ قبيلة؛ ونجَم النفاق، وأشرأبّت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغَنَم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيّهم - ﷺ - وقِلّتِهم، وكثرة عدوّهم. فقال له الناس: إن هؤلاء جُلُّ المسلمين والعرب - على ما ترى - قد انتقضت بك؛ فليس ينبغي لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين. فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السِّباع تخطّفني، لأنفذت بعثَ أسامة كما أمَر رسولُ الله - ﷺ -، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته! (١) (٣: ٢٢٥).\n_________\n= ثم قال ابن كثير معقبًا: عباد بن كثير هذا أظنه البرمكي -لرواية الغريابي- عنه وهو متقارب الحديث فأما البصري الثقفي فمتروك الحديث والله أعلم.\nقلنا: وعباد بن كثير البرمكي هذا قال فيه البيهقي: ضعفه أحمد وابن معين وشعبة (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦)، (الدر النقي في كلام الإمام البيهقي في الجرح والتعديل / ١٦٠ / ت ٥٢٠).\nوحديث أبي هريرة هذا أخرجه كذلك ابن عساكر (تهذيب تأريخ دمشق ٢/ ٢٩٧)، (تأريخ الخلفاء للسيوطي / ٦٩).\nوإنفاذ جيش أسامة أخرجه كذلك ابن خليفة الخياط في تاريخه في ثلاث روايات. الأولى (١٠٠) ثنا علي وموسى بن إسماعيل عن حمادة بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه وهذا إسناد مرسل.\nوالثانية (١٠٠) عن ابن إسحاق معضلًا. والثالثة عن الزهري مرسلًا بنحوه. قال: فسار أسامة في آخر شهر ربيع الأول حتى بلغ أرض الشام ثم انصرف فكان مسيره ذاهبًا وقافلًا أربعين يومًا.\nوأخرج الطبري (٣/ ٢٤٠) كما سيأتي عن أبي معشر ويزيد بن عياض وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول وأتى مقتل العنسي في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة.\nوهذا إسناد لم يذكر فيه هؤلاء المشيخة من هم.\n(١) إسناده ضعيف، وقال السيوطي: وأخرج أبو القاسم البغوي وأبو بكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: لما توفي رسول الله - ﷺ - (اشرأب النفاق وارتدت =","vol":"8","page":26},{"text":"١٤ - حدّثني عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي، قال: أخبرني سيف -وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدَّثنا سيف عن عطية، عن أبي أيوب عن عليّ، وعن الضّحاك عن ابن عباس، قالا: ثم اجتمعَ من حول المدينة من القبائل التي غابت في عام الحُدَيبيَة، وخرجوا وخرج أهلُ المدينة في جُنْد أسامة؟ فحبس أبو بكر مَنْ بَقِيَ من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسالحَ حول قبائلهم وهم قليل (١). (٣: ٢٢٥).\n١٥ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي ضَمْرة وأبي عمرو وغيرهما، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ، قال: ضرب رسولُ الله - ﷺ - قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومَنْ حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد. فلم يجاوز آخرهم الخندقَ، حتى قُبِض رسولُ الله - ﷺ -، فوقف أسامةُ بالناس، ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذِنْه؛ يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله وثَقَلِ رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطّفهم المشركون. وقالت الأنصارُ: فإن أبى إلّا أن نمضيَ فأبلغْه عنّا، واطلب إليه أن يولِّيَ أمرنا رجلًا أقدمَ سنًّا من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خَطَفْتني الكلاب والذئاب لم أردّ قضاء قضَى به رسولُ الله - ﷺ -! قال: فإنّ الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تُولِّي أمرَهم رجلًا أقدمَ سنًّا من أسامة، فوثب أبو بكر -وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر، فقال له: ثكلتك أمُّك وعدمَتْك يا بن الخطاب! استعملَه رسولُ الله - ﷺ - وتأمرني أن أنزِعَه! فخرج\n_________\n= العرب، ... إلخ) وليس فيه ذكر لجيش أسامة بن زيد وإنفاذه. (تأريخ الخلفاء / ٦٨).\nقلنا: وأخرج خليفة بن خياط في (تاريخه / ١٠٢) فحدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: لما توفي رسول الله - ﷺ - فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لها منها اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي إلى أعظمها في الإسلام - وإسناده صحيح.\n(١) (خ / ١٤): إسناده ضعيف.","vol":"8","page":27},{"text":"عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا، ثكلَتْكم أمَّهاتكم! ما لقيتُ في سببكم من خليفة رسول الله! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم، فأشخصهم وشيَّعهم وهو ماش وأسامة راكبٌ، وعبد الرحمن بن عوف يقودُ دابة أبي بكر، فقال له أسامة: يا خليفةَ رسول الله! والله لتركبنّ أو لأنزلنّ! فقال: والله لا تنزل! ووالله لا أركب! وما عليّ أن أغبّرَ قدمَيّ في سبيل الله ساعةً؛ فإن للغازي بكلّ خطوة يخطوها سبعمئة حسنة تكتب له، وسبعمئة درجة ترتفع له، وترفع عنه سبعمئة خطيئة! حتى إذا انتهى قال: إن رأيتَ أن تعينَنِي بعمر فافعل! فأذن له، ثم قال: يا أيها الناس! قفُوا أوصِكُمْ بعشر فاحفظوها عنِّي: لا تَخُونُوا، ولا تَغلّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقِرُوا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تذبحوا شاةً، ولا بقرة، ولا بعيرًا إلا لمأكلة؛ وسوف تمرُّون بأقوام قد فرّغوا أنفسَهم في الصوامع؛ فدَعُوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدَمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوانُ الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسمَ الله عليها. وتلقوْن أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب؛ فاخفقوهم بالسيف خَفْقًا. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون (١). (٣: ٢٢٥/ ٢٢٦ / ٢٢٧).\n١٦ - حدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدثنا سيف - وأخبرنا عبيد الله، قال: أخبرني عمّي، قال: حدثنا سيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: خرج أبو بكر إلى الجُرْف، فاستَقْرى أسَامة وبعْثه، وسأله عمرَ فأذن له، وقال له: اصنع ما أمرَك به نبيُّ الله - ﷺ -، ابدأ ببلاد قُضاعة ثم إيتِ آبِلَ، ولا تقصّرنّ في شيء من أمر رسول الله - ﷺ -، ولا تعجلنّ لما خلّفتَ عن عهده. فمضى أسامة مُغِذًّا على ذي المَرْوَة والوادي، وانتهى إلى ما أمره به النبيّ - ﷺ - من بَثّ الخيول في قبائل قُضاعة والغارة على آبِل، فسلِم وغنِم، وكان فراغه في أربعين يومًا سوى مقامه ومنقلبه راجعا (٢). (٣: ٢٢٧).\n١٧ - فحدّثني السريّ بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف - وحدّثنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":28},{"text":"عُبيد الله، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة، عن المغيرة بن الأخنَس (١).\n١٨ - وعنهما، عن سيف، عن عمرو بن قيس، عن عطاء الخراساني مثلُه (٢). (٢٢٧: ٣).\n١٨ / أ- حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرَنا سيف، وحدّثني السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سَيف، عن أبي القاسم الشَّنَويّ، عن العَلاء بن زياد، عن ابن عمر، قال: أتى الخبرُ النبيَّ - ﷺ - من السماء الليلَة التي قتل فيها العَنْسيُّ ليبشِّرنا، فقال: قُتِل العنسيّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز (٣)! (٣: ٢٣٦).\n١٩ - حدَّثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن المستنير، عن عُروة، عن الضّحاك، عن فيروز، قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا كما كان؛ إلّا أنا أرسلْنا إلى مُعاذ، فتراضينا عليه؛ فكان يصلِّي بنا في صَنْعاء؛ فوالله ما صلَّى بنا إلا ثلاثًا ونحن راجون مؤمّلون، لم يبق شيء نكرهه إلّا ما كان من تلك الخيول التي تتردّد بيننا وبين نَجْران؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسولِ الله - ﷺ -، فانتقضت الأمور؛ وأنكرنا كثيرًا مما كنّا نعرف، واضطربت الأرض (٤). (٣: ٢٣٦).\n١٩ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدَّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عُبيد بن صَخْر، قال: كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر (٥). (٣: ٢٣٩).\n٢٠ - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، وحدّثنا عبيد الله قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":29},{"text":"أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف عن جابر بن يزيد، عن عُروة بن غَزِيّة، عن الضّحّاك بن فيروز، قال: كان ما بين خروجه بكَهْف خُبَّان ومقتله نحوًا من أربعة أشهر؛ وقد كان قبل ذلك مستسرًّا بأمره. حتى بادَى بعد (١). (٣: ٢٤٠).\n٢١ - وزعم أنّ ابن جُريج حدّثه عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: تُوفِّيتْ فاطمة ﵍ بعد النبيّ - ﷺ - بثلاثة أشهر (٢). (٣: ٢٤٠).\n٢٢ - قال: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة ابنة عبد الرّحمن قالت: صلّى عليها العباس بن عبد المطلب (٣). (٣: ٢٤١).\n٢٣ - وحدّثنا أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ عن أبي معشر، قال: دخل قبرَها العباس، وعليّ، والفضل بن العباس (٤). (٣: ٢٤١).\n٢٤ - قال: وفيها توفِّيَ عبدُ الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة، وكان أصابه بالطائف سهمٌ مع النبيّ - ﷺ -، رماه أبو محجن، ودَمِلَ الجرح حتى انتقض به في شوّال، فمات (٥). (٣: ٢٤١).\n٢٥ - وحدَّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو معشر، ومحمد بن إسحاق، وجُوَيريَة بن أسماء بإسناده الذي ذكرتُ قبل، قالوا: في العام الذي بُويع فيه أبو بكر مَلّكَ أهلُ فارس عليهم يَزْدَجِرد (٦). (٣: ٢٤١).\n٢٦ - قال أبو جعفر: وفيها كان لقاء أبي بكر ﵀ خارجة بن حصْن الفَزاريّ. حدّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بإسناده الذي ذكرت قبل، قالوا: أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله - ﷺ - وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قُتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم؛ وهو الموضع الذي كان\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف إلى ابن جريج ومتنه مخالف لما هو أصح في تحديد، وقت فاتها ﵂.\n(٣) إسناده ضعيف لأنه من طريق الواقدي.\n(٤) إسناده مرسل وهو في طبقات ابن سعد كذلك (٨/ ٢٩).\n(٥) إسناده ضعيف فهو من طريق الواقدي.\n(٦) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":30},{"text":"رسول الله - ﷺ - أمره بالمسير إليه؛ لم يُحْدِثُ شيئًا، وقد جائته وفودُ العرب مرتدّين يُقرُّون بالصّلاة، ويمنعون الزكاة. فلم يقبل ذلك منهم وردّهم، وأقام حتى قَدِم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يومًا من شخوصه - ويقال: بعد سبعين يومًا - فلمَّا قدم أسامة بن زيد أستخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال: استخلف سنانًا الضَّمْريّ على المدينة - فسار ونزل بذي القَصّة في جُمادى الأولَى؛ ويقال في جُمادى الآخرة، وكان نوفل بن معاوية الدَّيليّ بعثه رسول الله - ﷺ -، فلقيه خارجة بن حصن بالشَرَبَّة؛ فأخذ ما في يديه؛ فردّه علي بني فزارة؛ فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر. فأوّل حرب كانتْ في الرِّدّة بعد وفاة النبيّ - ﷺ - حرب العنسيّ؛ وقد كانت حرب العنسيّ باليمن؛ ثم حرب خارجة بن حصن، ومنظور بن زَبَّان بن سيّار في غَطَفان، والمسلمون غازون، فانحاز أبو بكر إلى أجَمَة فاستتَر بها، ثم هزَم الله المشركين (١). (٣: ٢٤١/ ٢٤٢).\n٢٧ - حدثني عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي عمرو، عن زيد بن أسلم، قال: ماتَ رسول الله - ﷺ - وعُمّاله على قضاعة، وعلى كلْب: امرؤ القيس بِن الأصبغ الكلبيّ من بني عبد الله، وعلى القَين عمرو بن الحكم، وعلى سعد هُذيم: معاوية بن فلان الوائليّ (٢). (٣: ٢٤٣).\n٢٨ - وقال السريّ الوالبيّ: فارتدّ وديعة الكلبيّ فيمن آزره من كلْب، وبقيَ امرؤ القيس على دينه، وارتدّ زُمَيل بن قُطْبةَ القَينِيّ فيمن آزره من بني القَين، وبقي عمرو، وارتدّ معاوية فيمن آزره من سعد هُذيم. فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جَدّ سُكَينة ابنة حسين - فسار لوديعة، وإلى عمرو، فأقام لزميل، وإلى معاوية العذريّ. فلمّا توسّط أسامة بلاد قضاعة؛ بَثَّ الخيول فيهم وأمرهم أن يحهضوا مَن أقام على الإسلام إلى مَن رجع عنه، فخَرجوا هُرَّابًا؛ حتى أرَزُوا إلى دُومَة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيولُ أسامة إليه، فمضى فيها أسامة، حتى أغار على الحَمْقَتَين، فأصاب في بني الضُّبيب من جُذام، وفي نبي\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وقد ذكره الطبري هكذا عن الوائلي معضلًا.","vol":"8","page":31},{"text":"خيليل من لَخْم ولِفّها من القبيلين؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالمًا غانمًا (١).\n٢٩ - فحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: ماتَ رسول الله - ﷺ - واجتمعت أسَد وغَطفان وطيّئ على طليحة؛ إلا ما كان من خواصّ أقوام في القبائل الثلاث؛ فاجتمعت أسد بسَميراء، وفزارة ومَنْ يليهم من غَطفان بجنوب طيبة، وطيّئ على حدود أرضهم. واجتمعت ثَعلبة بن سعد ومَن يليهم من مُرّة وعَبْس بالأبرق من الرَّبَذة، وتأشَّبَ إليهم ناسٌ من بني كنانة؛ فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القَصّة، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القَصّة من بني أسد ومن تأشَّب من ليث والدِّيل ومُدْلِج. وكان على مُرّة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان؛ أحد بني سَبيع، وقد بعثوا وفودًا فقدموا المدينة، فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم ما خلا عبَّاسًا، فتحمّلوا بهم على أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة، وعلى ألّا يؤتوا الزّكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحقّ، وقال: لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه -وكانت عُقُل الصدقة على أهل الصّدقة مع الصدقة- فردّهم فرجع وفْدُ من يَلي المدينة من المرتدَّة إليهم، فأخبروا عشائرهم بقلّة من أهل المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفرًا: عليًّا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود؛ وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة؛ وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وإنكم لا تدرون ألَيلًا تُؤتَوْن أم نهارًا؟ ! وأدناهم منكم على بريد. وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونوادِعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعِدّوا وأعدّوا. فما لبثوا إلا ثلاثًا حتى طرقوا المدينة غارةً مع الليل، وخلّفوا بعضهم بذي حُسىً، ليكونوا لهم رِدْءًا، فوافق الغوار ليلا الأنقاب؛ وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون، فنبّهوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخَبر، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم، ففعلوا. وخرج في أهلِ المسجد على النواضح إليهم، فانفشَّ العدوّ، فاتّبعهم المسلمون على إبلهم؛ حتى بلغوا ذا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":32},{"text":"حُسىً؛ فخرج عليهم الرّدء بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، ثم دَهْدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل؛ فتدهده كل نِحْي في طوَله، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها -ولا تنفر الإبل من شيء نفارَها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها؛ حتى دخلت بهم المدينة؛ فلم يُصْرَعْ مسلمٌ ولم يُصَبْ؛ فقال في ذلك الخُطَيل بن أوس أخو الحُطيئة بن أوس:\nفِدى لِبَني ذُبْيَان رَحْلِي ونَاقتي ... عَشِيّةَ يُحْذَى بالرِّمَاحِ أبو بَكْرِ\nولكِنْ يُدَهْدَى بالرِّجَالِ فهبْنَه ... إلى قَدَرٍ مَا إنْ يزيد وَلَا يَحرِي\nوللهِ أجْنَادٌ تُذَاقُ مَذَاقَهُ ... لتُحْسبَ فيما عُدّ منْ عَجب الدَّهْرِ! (١)\n٢٩ / أ - وأنشده الزّهريّ: (من حسب الدهر).\nوقال عبدُ الله الليثيّ: وكانتْ بنو عبد مناة من المرتدّة - وهم بنو ذُبيان - في ذلك الأمر بذي القَصَّة وِّبذي حُمًى:\nأطَعْنا رسولَ اللهِ مَا كَانَ بَينَنَا ... فيَا لَعبادِ اللهِ مَا لأبي بَكْرِ!\nأيُورِثُها بَكرًا إذا ماتَ بَعْدَه ... وتِلْكَ لَعَمْرُ اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ\nفَهلَّا رَدَدْتم وفْدَنَا بزَمَانِهِ ... وهلَّا خَشِيتم حِسَّ راغِيَةِ الْبَكرِ!\nوإنَّ التي سالُوكُم فمنعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أَوْ أَحلى إلَيّ مِنَ التَّمْرِ\nفظنَّ القومُ بالمسلمين الوهَن، وبعثوا إلى أهل ذي القَصَّة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبروهم، وهم لا يشعرون لأمر الله ﷿ الذي أراده، وأحبّ أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلَته يتهيّأ، فعبَّى الناس، ثم خرج على تَعْبيةٍ من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النُّعمان بن مُقرِّن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن، وعلى السَّاقة سُويد بن مقرّن معه الرُّكّاب؛ فما طلَع الفجر إلّا وهُم والعدوُّ في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين هَمْسًا ولا حسًّا حتى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم؛ فما ذَرّ قَرْن الشَّمس حتى ولَّوْهم الأدبارَ، وغلبوهم على عامّة ظهرهم؛ وقتل حبال، واتّبعهم أبو بكر؛ حتى نزل بذي القَصّة -وكان أوّل الفتح- ووضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة فذلّ بها المشركون؛ فوثب بنو ذُبيان وعبس على مَن فيهم من المسلمين؛ فقتلوهم كلّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":33},{"text":"قتلة؛ وفعل مَنْ وراءهم فعلهم. وعزَّ المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلَف أبو بكر ليقتلَنّ في المشركين كلّ قتلة، وليقتلنّ في كلّ قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميميّ:\nغَدَاةَ سَعَى أبو بَكْرٍ إلَيهِم ... كما يَسْعَى لموْتَته جُلالُ\nأرَاحَ عَلَى نَوَاهِقها عَلِيًّا ... ومَجَّ لَهنَّ مُهْجَتَهُ حِبالُ\nوقال أيضًا:\nأقَمْنَا لهم عُرْضَ الشِّمَال فكُبْكِبُوا ... كَكَبْكَبَةِ الغُزَّى أنَاخوا علَى الوَفْرِ\nفَما صَبَرُوا لِلْحَرْبِ عِندَ قِيَامِهَا ... صَبيحَةَ يَسْمُو بالرجَالِ أَبُو بَكْرِ\nطَرَقْنا بنِي عَبْسٍ بِأَدْنى نِبَاجِهَا ... وذُبْيانَ نَهْنَهْنَا بِقاصِمَةِ الظَّهْرِ\nثم لم يُصنَعْ إلَّا ذلك؛ حتى ازداد المسلمون لها ثباتًا على دينهم في كلّ قبيلة، وازداد لها المشركون انعكاسًا من أمرهم في كلّ قبيلة؛ وطرقت المدينةَ صدقاتُ نفر: صَفْوان، الزبرقان، عديّ؛ صفوان، ثم الزبرقان، ثم عديّ، صفوان في أول الليل، والثاني في وسطه، والثالث في آخره. وكان الذي بشّر بصَفْوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشّر بالزبرقان عبدُ الرحمن بن عوف، والذي بشَّر بعديّ عبدُ الله بن مسعود. وقال غيره. أبو قتادة.\nقال: وقال الناس لكلِّهم حين طلع: نذير، وقال أبو بكر: هذا بشير، هذا حامٍ وليس بوانٍ؛ فإذا نادى بالخير، قالوا: طالما بشّرت بالخير! وذلك لتمام ستين يومًا من مَخْرج أسامة. وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وقال له ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم.\nثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القَصّة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر؛ فقال له المسلمون: نَنْشُدُك الله يا خليفة رسول الله أنْ تعرّض نفسك! فإنك إن تُصَبْ لم يكن للناس نِظَامٌ، ومقامُك أشدّ على العدوّ؛ فابعث رجلًا، فإن أصيب أمّرتَ آخر، فقال: لا والله لا أفعلُ، ولأواسينكم بنفسي! فخرج في تعبيته إلى ذي حُسىً وذيِ القَصّة، والنُّعمان وعبد الله وسُويد على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق؛ فاقتتلوا، فهزم الله الحارث وعوفًا، وأُخِذ الحطَيئةُ أسيرًا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا؛ وقد غلَب بني ذُبيان على البلاد. وقال: حرام علي بني ذبيان أن يتملّكوا هذه البلاد إذْ","vol":"8","page":34},{"text":"غنَّمناها الله! وأجلاها. فلما غلب أهل الردّة؛ ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثَعلبة؛ وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فأتوْه في المدينة، فقالوا: عَلامَ نمْنَع منْ نزول بلادنا! فقال: كذبتم، ليست لكم ببلاد؛ ولكنّها مَوْهبي ونَقَذي، ولم يُعْتِبْهم، وحَمَى الأبرقَ لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبذة الناس علي بني ثعلبة، ثم حَمَاها كلَّها لصدقات المسلمين؛ لقتالٍ كان وقع بين الناس وأصحَاب الصّدقات، فمنع بذلك بعضهم من بعض.\nولما فُضّت عبس وذبيان أرَزوا إلى طلَيحة وقد نزل طليحة على بُزَاخة، وارتحل عن سَمِيراء إليها، فأقام عليها؛ وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:\nويومٍ بالأبارق قد شَهِدْنا ... على ذُبيانَ يَلْتهب التِهابا\nأتَيناهمْ بداهيَةٍ نَسُوفٍ ... مَعَ الصّديقِ إذ ترَكَ العِتابَا (١)\n٣٠ - حدَّثنا السَّريّ، قال: حدَّثنا شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: لما أراح أسامة وجنده ظهرَهم وجَمُّوا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضُل عنهم، قطع أبو بكر البعوثَ وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواءً: عقد لخالد بن الوليد وأمَره بطليحة بن خويلد؛ فإذا فرغ سار إلى مالك بن نُويرة بالبُطاح إن أقام له، ولعكْرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة، وللمهاجر بن أبي أميّة وأمَره بجنود العنْسيّ ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومَنْ أعانه من أهل اليمن عليهم، ثم يمضي إلى كنْدة بحضرموت، ولخالد بن سعيد بن العاص -وكان قدم على تفيئة ذلك من اليمن وترك عمله- وبعثه إلى الحَمْقَتَين من مشارف الشأم، ولعمرو بن العاص إلى جماع قُضاعة ووديعة والحارث، ولحذيفة بن محصن الغلفانيّ وأمرَه بأهل دَبا، ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهْرة؛ وأمرهما أن يجتمعا وكلّ واحد منهما في عمله على صاحبه، وبعث شُرحْبيل بن حَسَنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: إذا فرغ من اليمامة فالحق بقُضاعة، وأنت على خيلك تقاتلُ أهل الرّدّة، ولطُرَيفة بن حاجز وأمره ببني سُليم ومَن معهم من هَوازن، ولسُويد بن مقرّن وأمَره بتِهامة اليمن، وللعَلاء بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":35},{"text":"الحضرميّ وأمرَه بالبَحْرين (١). (٣: ٢٤٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>كتاب أبي بكر إلى القبائل المرتدة ووصيته للأمراء</span>\n٣١ - حدَّثنا السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ وشاركه في العهد والكتاب قَحْذَم؛ فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابًا واحدًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسولِ الله - ﷺ - إلى من بَلَغه كتابي هذا من عامَّة وخاصَّة؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلامٌ علَى مَن اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى؛ فإنّي أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نُقِرّ بما جاء به، ونكفِّر مَن أبي ونُجاهده. أمّا بعدُ؛ فإن الله تعالى أرسلَ محمدًا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرًا ونَذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذِر مَن كان حيًّا ويحقّ القول على الكافرين. فهدَى الله بالحقّ مَن أجاب إليه، وضرب رسول الله - ﷺ - بإذنه مَنْ أدبر عنه؛ حتى صار إلى الإسلام طَوْعًا وكَرْهًا. ثمّ تَوَفَّى الله رسولَه - ﷺ - وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمّته؛ وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل؛ فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾؛ فمَن كان إنما يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد؛ حيٌّ قَيّومٌ لا يموت؛ ولا تَأخذُهُ سِنَة ولا نَومٌ، حافظ لأمره، منتقمٌ من عدوّه، يجزيه. وإنّي أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيّكم - ﷺ -، وأن تهتدوا بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ كلّ مَن لم يهدِه الله ضالٌّ، وكلّ مَنْ لم يُعافِه مبتلىً، وكلّ مَنْ لم يُعِنْه الله مخذول، فمن هداه الله كان مُهْتَديًا، ومَنْ أضلّه كان ضالًّا؛ قال الله تعالى: ﴿من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":36},{"text":"يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾، ولم يُقْبَل منه في الدنيا عَمَلٌ حتى يقرّ به؛ ولم يُقْبَلْ منه في الآخرة صَرْف ولا عَدْلٌ. وقد بلغني رجوعُ مَنْ رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به؛ اغترارًا بالله، وجهالةً بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾. وقال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾؛ وإنّي بعثتُ إليكم فلانًا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرتُه ألّا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوَه إلى داعية الله؛ فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمِل صالحًا قَبِلَ منه وأعانه عليه؛ ومَنْ أبي أمَرتُ أن يقاتلَه على ذلك؛ ثم لا يبقي على أحد منهم قَدَر عليه، وأن يُحرقهم بالنار، ويقتلهم كلّ قِتْلة، وأن يَسبيَ النساء والذراريّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام؛ فمَن اتّبعه فهو خير له، ومَنْ تركه فلن يعجِز الله. وقد أمرتُ رسولي أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم؛ والداعية: الأذان؛ فإذا أذّن المسلمون فأذَّنوا كُفّوا عنهم؛ وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم؛ وإن أذَّنوا اسألوهم ما عليهم؛ فإن أبوْا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم؛ وحملهم على ما ينبغي لهم.\nفنفذت الرُّسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الأمراء ومعهم العهود:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهدٌ من أبي بكر خليفة رسول الله - ﷺ - لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال مَن رجع عن الإسلام، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع في أمره كلِّه سرّه وعلانيته، وأمره بالجدّ في أمر الله، ومجاهدة مَنْ تولّى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أمانيّ الشيطان بعد أن يُعذِر إليهم فيدعوَهم بداعية الإسلام؛ فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتى يقرُّوا له؛ ثم ينبئهم بالذي عليهم والَّذي لهم، فيأخذ ما عليهم، ويعطيهم الذي لهم؛ لا يُنظرهم، ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم؛ فمن أجاب إلى أمر الله ﷿ وأقرّ له قبِل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف؛ وإنما يقاتل مَن كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله؛ فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به، ومَن لم يجب داعية الله قُتِل وقوتل حيث كان؛ وحيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيئًا أعطاه إلا الإسلام، فمَن أجابه وأقرّ قبل منه وعلمه، ومَنْ أبي قاتله؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كلّ قتلة بالسلاح والنيران،","vol":"8","page":37},{"text":"ثم قسَّم ما أفاء الله عليه، إلا الخُمس فإنه يبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألّا يُدخل فيهم حَشْوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم؛ لا يكونوا عيونًا، ولئلّا يؤتى المسلمون مِنْ قبَلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقَّدهم، ولا يعجل بعضَهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حُسْن الصحبة ولين القول (١). (٣: ٢٥٠/ ٢٥١ / ٢٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طُليحَة ما آل إليه أمْرُ طليحة</span>\n٣٢ - وأما هشام بن الكلبيّ؛ فإنه زعم أنّ أبا بكر لما رَجع إليه أسامة ومَن كان معه من الجيش؛ جَدَّ في حرب أهل الرّدة، وخرج بالناس وهو فيهم حتى نزل بذي القَصّة - منزلًا من المدينة على بريدة من نحو نجد - فعَبَّى هنالك جنودَه، ثم بعث خالد بن الوليد على الناس، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار وأمْرُه إلى خالد، وأمره أن يصمُد لطليحة وعُيينة بن حصن، وهما على بُزاخة - ماء من مياه بني أسد - وأظهِر أنّي ألاقيك بمَن معي من نحو خيبر، مكيدة؛ وقد أوعب مع خالد النّاس؛ ولكنّه أراد أن يبلغ ذلك عدوّه فيرعبهم. ثم رجع إلى المدينة، وسار خالد بن الوليد؛ حتى إذا دَنَا من القوم؛ بعث عُكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم -أحد بني العَجْلان حليفًا للأنصار- طليعة؛ حتى إذا دنَوَا من القوم؛ خرج طُليحة وأخوه سلَمة، ينظران ويسألان: فأمَّا سلمَة فلم يمهل ثابتًا أن قتله، ونادى طليحة أخاه حين رأى أن قد فرغ من صاحبه أن أعنّي على الرجل؛ فإنه آكل. فاعتونا عليه، فقتلاه ثم رجعا، وأقبل خالد بالناس حتى مرّوا بثابت بن أقرم قتيلًا، فلم يفطنُوا له حتى وطئته المطيُّ بأخفافها، فكبُر ذلك على المسلمين، ثم نظروا فإذا هم بعُكَاشة بن محصن صريعًا، فجزع لذلك المسلمون، وقالوا: قتل سيِّدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم؛ فانصرف خالد نحو طيِّيء (٢). (٣: ٢٥٤).\n٣٣ - قال هشام: قال أبو مِخْنف: فحدّثني سَعْد بن مجاهد عن المُحلّ بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا فهو من طريق الكلبي معضلًا.","vol":"8","page":38},{"text":"خليفة، عن عديّ بن حاتم، قال: بعثتُ إلى خالد بن الوليد أن سرْ إليّ، فأقم عندي أيامًا حتى أبعث إلى قبائل طيّئ، فأجمع لك منهم أكثر ممن معك، ثم أصحبك إلى عدوّك. قال: فسار إليّ (١). (٣: ٢٥٤).\n٣٤ - قال هشام: قال أبو مخنف: حدثنا عبد السلام بن سويد: أن بعض الأنصار حدّثه: أن خالدًا لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعُكّاشة؛ قال لهم: هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حيٍّ من أحياء العرب؛ كثير عددهم، شديدة شوْكتهم، لم يرتدّ منهم عن الإسلام أحد! فقال له الناس: ومَنْ هذا الحيُّ الذي تعني؟ فنعم والله الحيّ هو! قال لهم: طيئ، فقالوا: وفّقك الله، نعم الرأي رأيت! فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيّئ (٢). (٣: ٢٥٤/ ٢٥٥).\n٣٥ - قال هشام: حدّثني جديل بن خَبّاب النّبهانيّ من بني عمرو بن أبيّ: أن خالدًا جاء حتى نزل على أرُك؛ مدينة سَلْمى (٣). (٣: ٢٥٥).\n٣٦ - قال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني إسحاق أنه نزل بأجأ، ثم تعبَّأ لحربه، ثمّ سار حتى التقيا على بُزاخة، وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريبًا يستمعون، ويتربّصون على من تكون الدَّبْرَة (٤). (٣: ٢٥٥).\n٣٧ - قال هشام عن أبي مخْنف: حدّثني سعد بن مجاهد: أنه سمع أشياخًا من قومه يقولون: سألْنا خالدًا أن نكفيَه قيسًا فإنّ بني أسد حلفاؤنا، فقال: والله ما قيسٌ بأوهن الشوْكتين! اصمُدُوا إلى أيّ القبلتين أحببتم. فقال عديٌّ: لو ترك هذا الدين أسْرَتي الأدنى فالأدنى من قَوْمي لجاهدتُهم عليه، فأنا أمتنع من جهاد بني أسَد لجلْفهم! لا لعمرُ الله لا أفعل! فقال له خالد: إنّ جهاد الفريقين جميعًا جهادٌ؛ لا تخالف رأيَ أصحابك، امضِ إلى أحدِ الفريقين، وامضِ بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط (٥). (٣: ٢٥٥).\n_________\n(١) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف.\n(٢) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا فهو من طريق الكلبي.\n(٤) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف.\n(٥) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف.","vol":"8","page":39},{"text":"٣٨ - قال هشام عن أبي مخنف: فحدثني عبد السلام بن سويد: أن خيلَ طيّئ كانت تلقى خيل بني أسد وفزارة قبل قُدومِ خالد عليهم فيتشامّون ولا يقتتلون، فتقول أسد وفزارة: لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبدًا. فتقول لهم خيل طيئ: أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر! (١) (٣: ٢٥٥).\n٣٩ - حدّثني السّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - قد بعثَ عمرو بن العاص إلى جَيفر، منصرَفَه من حجَّة الوداع، فماتَ رسولُ الله - ﷺ - وعمرو بعُمَان، فأقبل حتى إذا انتهى إلى البحْرين؛ وجَد المنذر بن ساوى في الموت. فقال له المنذر: أشِرْ عليَّ في مالي بأمرٍ لي ولا عليّ، قال: صَدِّق بعَقار صَدَقَةً تجري مِن بعدك، ففعل. ثم خرج من عنده، فسار في بني تميم، ثم خرج منها إلى بلاد بني عامرٍ، فنزل على قُرَّة بن هبيرة، وقرّة يقدّم رِجلًا ويؤخِّر رجلًا؛ وعلى ذلك بنو عامر كلّهم إلّا\n_________\n(١) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف.\nتعقيب على متون روابات أبي مخنف (٣/ ٢٥٤ - ٥٤، ٣/ ٢٥٥ - ٥٩):\nهذه الروايات التي جاءت من طريق التالف الهالك أبي مخنف تذكر قبل كل شيء أن طيئًا لم ترتد وهذا مخالف لما أخرجه الطبري من طريق سيف (٣/ ٢٤٢ / ٤٤) من أن القبائل العربية ارتدت عدا قريش وثقيف (وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة الإسناد فإنها أقوى سندًا من سند أبي مخنف بكثير) فسيف معتمد في التأريخ عند ابن حجر وعارف به عند الذهبي ضعيف في الحديث إلّا أن أبا مخنف تالف هالك ليس بشيء لا في الحديث ولا في التأريخ.\nوأضف إلى ذلك فإن رواية السيدة عائشة ﵂ في ارتداد العرب وهي تصف ارتداد الجزيرة بصورة عامة وأن النفاق قد اشرأب فيها، يخالف كذلك ما رواه أبو مخنف. أضف إلى ذلك ما ذكرناه من الشواهد في قسم صحيح عهد الخلفاء الراشدين في حروب الردة فراجعها هناك، ولا نريد أن نطيل هنا أكثر في هذا الموضوع فنحن بصدد تصحيح أو تضعيف الروايات التاريخية عند الطبري ونضطر أحيانًا إلى التفصيل بعض الشيء عن متون الأحاديث الضعيفة- ومن أراد المزيد (من الباحثين وغيرهم) فليراجع ما كتبه الشيخ الفاضل يحيى الحي في كتابه (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري- تقديم العمري).\nفقد درس هذه الروايات الضعيفة بالتفصيل ولا ننسى أن نشير إلى أن أبا مخنف قد صوّر خالدًا ﵁ وكأنه يسير في الأرض حسب ما يرى لا كما يأمره خليفة المسلمين الصديق رصي الله عنه، وروايات الطبري (التي ذكرنا في قسم الصحيح) وما معها من شواهد تدلّ دلالة واضحة أن أبا بكر قد رسم له خطة تحركه وكان خالد هو المنفذ الأمين والقوي لهذه الخطة فرضي الله عنهم وأرضاهم.","vol":"8","page":40},{"text":"خواصّ، ثم سار حتى قدم المدينة، فأطافت به قريش، وسألوه فأخبرهم أنّ العساكر مُعَسْكرة من دَبَا إلى حيث انتهيت إليكم، فتفرّقوا وتحلَّقوا حلَقًا، وأقبل عمر بن الخطاب يريد التسليم على عمرو، فمرّ بحلْقة، وهم في شيء مِنَ الذي سمعوا من عمرو وفي تلك الحلْقة: عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد؛ فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: فيم أنتم؟ فلم يجيبوه، فقال: ما أعلمني بالذي خلوتم عليه! فغضب طلحة، وقال: تالله يا بن الخطاب لتُخْبرنا بالغيب! قال: لا يعلم الغيبَ إلا الله؛ ولكن أظنّ قلتم: ما أخوفَنا على قريش من العرب وأخلقهم ألّا يقرُّوا بهذا الأمر! قالوا: صدقت، قال: فلا تخافوا هذه المنزلة، أنا والله منكم على العرب أخوفُ منِّي من العرب عليكم؛ والله لو تدخلون معاشرَ قريش جُحْرًا لدخلتْه العرب في آثاركم؛ فاتقوا الله فيهم. ومضى إلى عمرو فسلّم عليه، ثم انصرف إلى أبي بكر (١). (٣: ٢٥٨/ ٢٥٩).\n٤٥ - حدَّثنا السِّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزل عمرو بن العاص منصرفَه من عُمَان- بعد وفاة رسول الله - ﷺ - بقُرَّة بن هُبيرة بن سلَمة بن قشير، وحولَه عسكر من بني عامر من أفنائهم، فذبح له، وأكرمَ مثواه، فلمّا أراد الرحلة؛ خَلا به قرّة، فقال: يا هذا! إنّ العرب لا تطيبُ لكم نفسًا بالإتاوة، فإن أنتم أعفيتموها من أخذِ أموالها فستسمع لكم وتطيع؛ وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم. فقال عمرو: أكفرت يا قرّة! وحوله بنو عامر؛ فكره أن يبوح بمتابعتهم فيكفروا بمتابعته، فينفر في شرّ، فقال: لنردّنكم إلى فيئتكم -وكان من أمره الإسلام- اجعلوا بيننا وبينكم موعدًا. فقال عمرو: أتوعدنا بالعرب وتخوّفنا بها! موعدك حَفْشُ أمك؛ فوالله لأوطِئنّ عليك الخيل. وقدم على أبي بكر والمسلمين فأخبرهم (٢) (٣: ٢٥٩).\n٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن محمّد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله بن عبد لله بن عتبة، قال: أخبرني مَن نظر إلى عُيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنُقه بحبل، يَنْخسه غلمان\n_________\n(١) إسناده ضعيف، أما بعثة عمرو بن العاص إلى عُمان فراجعها في قسم الصحيح من تاريخ الخلفاء (٣/ ٦٤).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":41},{"text":"المدينة بالجريد، يقولون: أي عدوّ الله! أكفرت بعد إيمانك؟ ! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قطّ. فتجاوز عنه أبو بكر وحَقَن له دمه (١). (٣: ٢٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>ذكر ردّة هوازن وسليم وعامر</span>\n٤١ - حدثنا السريّ، قال: حدثنا شعيب عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجِذْع، عن عبد الرحمن بن كعب، عمّن شهد بُزاخة من الأنصار، قال: لم يُصبْ خالد على البُزاخة عيِّلًا واحدًا، كانت عيالات بني أسد مُحْرَزة -وقال أبو يعقوب: بين مِثْقَب وفَلْج، وكانت عيالات قيس بين فلْج وواسط- فلم يَعْدُ أن انهزموا، فأقرُّوا جميعًا بالإسلام خشية على الذراريّ، واتقوا خالدًا بطلبته، واستحقوا الأمان؛ ومضى طُلَيحة؛ حتى نزل كلْب على النَّقْع، فأسلم، ولم يزل مقيمًا في كلْب حتى مات أبو بكر؛ وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسدًا وغطفان وعامرًا قد أسلموا؛ ثم خرج نحو مكة معتمرًا في إمارة أبي بكر، ومرّ بجَنَبات المدينة، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به! خلّوا عنه، فقد هداه الله للإسلام. ومضى طليحة نحو مكة فقضى عمرته، ثم أتى عمر إلى البَيعة حين استخْلِف، فقال له عمر: أنت قاتل عُكّاشة وثابت! والله لا أحبُّك أبدًا. فقال: يا أمير المؤمنين! ما تَهمّ من رجلين أكرمهما الله بيدي، ولم يُهِنِّي بأيديهما! فبايعه عمر ثم قال له: يا خُدَع! ما بقي من كهانتك؟ قال: نفخة أو نفختان بالكير. ثم رجع إلى دار قومه؛ فأقام بها حتى خرج إلى العراق (٢). (٣: ٢٦١).\n٤٣ - حدَّثنا السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو وأبي ضَمْرة، عن ابن سيرين مثل معانيه.\nوأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بُزاخة يقولون: ندخلُ فيما خرجنا منه؛ فبايعهم على ما بايع عليه أهل البُزاخة من أسَد وغَطفان وطيّئ قبلَهم، وأعطوه بأيديهم على الإسلام، ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطَفَان ولا هوازن\n_________\n(١) إسناده ضعيف لضعف ابن حميد وعنعنة ابن إسحاق وهو مدلس وإبهام شيخ عبيد الله بن عتبة.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":42},{"text":"ولا سُليم ولا طيّئ إلّا أن يأتوه بالذين حَرّقوا ومثّلُوا وعدوْا على أهل الإسلام في حال ردّتهم، فأتوْه بهم، فقبل منهم إلّا قرة بن هُبيرة ونفرًا معه أوثقهم، ومثَّل بالذين عَدَوْا على الإسلام؛ فأحرقهِم بالنيران ورضَخهم بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكسهم في الآبار، وخزَق بالنّبال. وبعث بقرّة وبالأسارى، وكتب إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربُّص؛ وإنِّي لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئًا حتى يجيئوني بمَن عدا على المسلمين؛ فقتلتهم كلّ قتلة، وبعثتُ إليك بقرّة، وأصحابه (١). (٣: ٢٦٢/ ٢٦٣).\n٤٤ - حدَّثنا السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن أبي عمرو، عن نافع، قال: كتب أبو بكر إلى خالد: لِيَزدْك ما أنعم الله به عليك خيرًا، واتّق الله في أمرك؛ فإنّ الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هُمْ محسنون جدَّ في أمر الله ولا تَبنيَن، ولا تظفرنّ بأحد قتَل المسلمين إلا قتلتَه ونكّلتَ به غيره؛ ومَن أحببت ممن حادَّ الله أو ضادَّه ممّن ترى أن في ذلك صلاحًا فاقتله. فأقام على البُزاخة شهرًا يُصَعِّد عنها ويُصَوِّب، ويرجع إليها في طلب أولئك؛ فمنهم مَنْ أحرِق، ومنهم من قمطه ورضَخَه بالحجارة؛ ومنهم مَنْ رمى به من رؤوس الجبال. وقدم بقرّة وأصحابه، فلم ينزلوا ولم يُقَل لهم كما قيل لعُيَينة وأصحابه؛ لأنهم لم يكونوا في مثل حالهم؛ ولم يفعلوا فعلهم (٢). (٣: ٢٦٣).\n٤٥ - قال السريّ: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن سهل وأبي يعقوب، قالا: واجتمعت فُلّال غَطَفان إلى ظَفَر، وبها أم زِمْل سلمى بنت مالك بن حُذيفة بن بدر؛ وهي تشبَّه بأمّها أم قرفة بنت ربيعة بن فلان بن بدر؛ وكانت أمّ قرفة عند مالك بن حذيفة، فولدت له قرفة، وحكَمَة، وحُرَاشة، وزِمْلًا، وحصينًا، وشريكًا، وعبدًا، وزُفَر، ومعاوية، وحَمَلة، وقيسًا، ولأيًا؛ فأما حَكَمة فقتله رسول الله - ﷺ - يوم أغار عُيينة بن حِصْن على سَرح المدينة، قتله أبو قتادة؛ فاجتمعت تلك الفُلَّال إلى سلْمى؛ وكانت في مثل عزّ أمها، وعندها جَمل أم قرفة؛ فنزلوا إليها فذمرتْهُم، وأمرتهم بالحرب، وصعَّدتْ سائرة فيهم وصوَّبتْ، تدعوهم إلى حرب خالد، حتى اجتمعوا لها، وتشجَّعوا على ذلك،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":43},{"text":"وتأشَب إليهم الشُّرَداءُ من كل جانب- وكانت قد سبِيَت أيَّام أم قِرْفة، فوقعت لعائشة فأعتقتها، فكانت تكون عندها، ثم رجعت إلى قومها؛ وقد كان النبيّ - ﷺ - دخل عليهنّ يومًا، فقال: إنّ إحداكنّ تستنبح كلاب الحوءب؛ ففعلت سَلْمى ذلك حين ارتدّت؛ وطلبت بذلك الثأر، فسيّرت فيما بين ظفر والحوْءب؛ لتجمع إليها، فتجمَّع إليها كُلُّ فَلّ ومُضَيَّق عليه من تلك الأحياء من غَطفان، وهَوازِن، وسُلَيم، وأسد، وطيّئ، فلما بلغ ذلك خالدًا -وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر، وأخذ الصدقة ودعاء الناس وتسكينهم- سار إلى المرأة وقد استكثف أمرُها، وغلُظ شأنها؛ فنزل عليها وعلى جُمَّاعها، فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ وهي واقفة على جَمَل أمّها، وفي مثل عزها، وكان يقال: من نخس جملها فله مئة من الإبل لعزّها، وأبيرتْ يومئذ بيوتات من جاس -قال أبو جعفر: جاس حيّ من غَنْم- وهاربة، وغَنْم، وأصيب في أناس من كاهِل، وكان قتالهم شديدًا؛ حتى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها. وقتل حول جملها مئة رجل؛ وبعث بالفتح، فقدم على أثر قُرّة بنحو من عشرين ليلة (١). (٣: ٢٦٣/ ٢٦٤).\n٤٦ - قال السريّ: قال شعيب عن سيف، عن سهل وأبي يعقوب، قالا: كانَ من حديث الجوَاء وناعِر: أنّ الفجاءة إياس بن عبد ياليل قدم على أبي بكر، فقال: أعنّي بسلاح، ومُرْني بمن شئت من أهل الرِّدّة. فأعطاه سلاحًا، وأمَره أمْره، فخالف أمره إلى المسلمين، فخرج حتى ينزل بالجواء، وبعث نجبة بن أبي المَيثاء من بني الشَّريد، وأمره بالمسلمين؛ فشنَّها غارةً على كلّ مسلم في سُلَيم وعامر وهوازن؛ وبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طُرَيفة بن حاجز يأمره أن يجمع له وأن يسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسيّ عونًا؛ ففعل، ثمّ نهضا إليه وطلباه؛ فجعل يلوذ منهما حتى لقِيَاه على الجواء؛ فاقتتلوا، فقتل نجبة، وهرب الفجاءة، فلحقه طُرَيفة، فأسره. ثم بعث به إلى أبي بكر، فقدم به على أبي بكر، فأمر فأوقد له نارًا في مصلّى المدينة على حطب كثير، ثمّ رمي به فيها مقموطًا (٢). (٣: ٢٦٤).\n٤٧ - قال أبو جعفر: وأمّا ابنُ حُميد؛ فإنه حدَّثنا في شأن الفُجاءة عن سلَمة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":44},{"text":"عن محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على أبي بكر رجلٌ من بني سُلَيم، يقال له: الفجاءة، وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عُميرة بن خُفاف، فقال لأبي بكر: إني مسلم، وقد أردت جهاد مَن ارتدّ من الكُفَّار، فاحملني وأعنِّي؛ فحمله أبو بكر على ظَهْر، وأعطاه سلاحًا، فخرج يستعرِض الناس: المسلم والمرتدّ، يأخذ أموالهم، ويصيب مَن امتنع منهم؛ ومعه رجلٌ من بني الشَّريد، يقال له: نجبة بن أبي الميتاء، فلمَّا بلغ أبا بكر خبرُه، كتب إلى طريفة بن حاجز: إنّ عدو الله الفجاءة أتاني يزعُم: أنه مسلم، ويسألني أنْ أقوّيَه عَلَى من ارتدّ عن الإسلام، فحملته وسلَّحتُه، ثم انتهى إليّ من يقين الخبر: أنّ عدوّ الله قد استعرَض الناس: المسلم والمرتدّ يأخذ أموالهم، ويقتل مَن خالفه منهم، فسرْ إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتلَه، أو تأخذه فتأتيَني به. فسار طُريفة بن حاجز، فلمّا التقى الناس كانت بينهم الرِّمِّيَّا بالنّبل، فقُتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رُمي به، فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجِدَّ؛ قال لطُريفة: والله ما أنت بأوْلى بالأمر منِّي، أنت أميرٌ لأبي بكر وأنا أميره. فقال له طريفة: إن كنت صادقًا فضع السِلاح، وانطلق معي إلى أبي بكر. فخرج معه، فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز، فقال: اخرج به إلى هذا البَقيع فحرِّقْه فيه بالنار؛ فخرج به طُريفة إلى المصلَّى فأوقد له نارًا، فقذفه فيها، فقال خُفاف بن نُدْبَة - وهو خُفاف بن عمير - يذكر الفجاءة فيما صنع:\nلِمَ يأخذون سلاحَه لِقِتالِه ... ولذاكُمُ عند الإلهِ أثامُ\nلا دينهمْ ديني ولا أنا منهم ... حتى يسيرَ إلى الصّرَاة شَمامُ (١)\n(٣: ٢٦٥).\n٤٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت سُليم بن منصور قد انتقض بعضُهم، فرجعوا كُفَّارًا، وثبت بعضهم على الإسلام مع أمير كان لأبي بكر عليهم، يقال له: معن بن حاجز، أحد بني حارثة، فلمّا سار خالد بن الوليد إلى طليحة وأصحابه، كتب إلى معن بن حاجز أن يسير بمن ثبت معه على الإسلام من بني سُلَيم مع خالد، فسار واستخلف على عمله أخاه طُرَيفة بن حاجز، وقد كان لِحقَ فيمن لحق من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":45},{"text":"بني سُلَيم بأهل الردّة أبو شجرة بن عبد العُزَى، وهو ابن الخنساء، فقال:\nفلو سألَتْ عنّا غداةَ مُرامرٍ ... كما كنتُ عنها سائلًا لو نَأيتُها\nلقاء بني فِهْرٍ وكان لقاؤهم ... غداةَ الجِوَاءِ حَاجَةً فقضيتُها\nصبَرْتُ لهم نفسِي وعرَّجْت مُهْرَتي ... على الطَّعْن حتى صار وَرْدًا كُمَيتُها\nإذا هيَ صَدَّتْ عن كَمِيّ أُريده ... عَدَلْتُ إليه صدْرَها فهديتُها\nفقال أبو شجرة حين ارتد عن الإسلام:\nصَحَا القلبُ عن مَيّ هواه وأقْصرا ... وطلوعَ فيها العاذلين فأبْصَرا\nوأصبح أدنَى رائِد الجَهْل والصِّبا ... كما وُدُّها عنَّا كذاك تَغَيَّرَا\nوأصبح أدنى رائدِ الوصل منهُمُ ... كما حبْلُها من حبلنا قد تَبَتّرا\nألا أيّها المُدْلِي بكثرة قومه ... وحظُّك منهم أن تُضَامَ وتُقْهَرَا\nسَلِ الناس عنّا كل يوم كَرِيهَةٍ ... إذا ما التقينا: دارِعينَ وحُسَّرا\nألَسْنا نُعاطي ذا الطِّمَاح لجامَهُ ... ونَطْعن في الهيجا إذا الموتُ أَقْفَرا!\nوعاضِرَةٌ شهباءُ تَخْطِرُ بالقَنا ... ترى البُلْقَ في حافتها والسَّنَوّرا\nفَرَوَّيتُ رُمْحي من كَتِيبَةِ خَالدٍ ... وإني لأرْجو بعدها أن أُعمَّرا\nثم إن أبا شجرة أسلم، ودخل فيما دخل فيه الناس؛ فلما كان زمن عمر بن الخطاب قدم المدينة (١). (٣: ٢٦٥/ ٢٦٦).\n٤٩ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أنس السُّلميّ، عن رجال من قومه. وحدثنا السَّري قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن سهل، وأبي يعقوب، ومحمد بن مرزوق، وعن هشام، عن أبي مِخْنف، عن عبد الرحمن بن قيس السُّلمِيّ، قالوا: فأناخ ناقته بصعيد بني قريظة، قال: ثمّ أتى عمر، وهو يعطي المساكين من الصّدقة ويقسِّمها بين فقراء العرب، فقال: يا أمير المؤمنين! أعطني فإني ذو حَاجة، قال: ومَنْ أنت؟ قال: أبو شجرة بن عبد العزى السُّلميّ، قال: أبو شجرة! أي عدوّ الله! ألستَ الذي تقول:\nفروّيتُ رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجُو بعدها أن أعمّرا\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.","vol":"8","page":46},{"text":"قال: ثم جعل يحلوه بالدِّرَّة في رأسه حتى سبقه عَدْوًا، فرجع إلى ناقته فارتحلها، ثم أسندها في حَرَّة شَوْران راجعًا إلى أرض بني سليم، فقال:\nضَنّ علينا أبو حفصٍ بنائِلِه ... وكلُّ مُختبطٍ يَومًا له وَرَقُ\nما زال يُرْهقني حتى خَذِيت لهُ ... وحال من دون بعض الرَّغبَةِ الشَفَقُ\nلمَّا رهبتُ أبا حفصٍ وشُرْطَتهُ ... والشيخُ يفزع أحيانًا فيَنْحمِقُ\nثُمَّ ارْعويتُ إليها وَهْيَ جانحَةٌ ... مِثل الطَّريدة لم ينبت لها ورقُ\nأوردتها الخَلَّ من شَوْران صادِرَةً ... إني لأزْرِي عليها وَهْيَ تنطلقُ\nتَطِيرُ مَرْوُ أبانٍ عن مناسمها ... كما تُنوقِد عند الجِهْبذ الورقُ\nإذا يعارضها خرْقٌ تعارضه ... وَرْهَاء فيها إذا استعجلتها خُرُقْ\nينوءُ آخرها منها بأوّلها ... سُرْحُ اليدين بها نَهّاضَة العُنُق (١)\n(٣: ٢٦٦/ ٢٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>ذكر خبر بني تميم وأمر سجاح بنت الحارث بن سُوَيد</span>\n٥٠ - ذكر السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية بن بلال، عن أبيه، وسهم بن منجاب؛ وقيس بن عاصم على مُقَاعِس والبُطُون، وصفوان بن صفوان، وسَبْرَةُ بن عمرو علي بني عمرو؛ هذا على بَهْدَى وهذا على خَضَّم -قبيلتين من بني تميم- ووكيع بن مالك ومالك بن نُوَيرة علي بني حنظلة؛ هذا على بني مالك، وهذا علي بني يربوع. فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقَع إليه الخبر بموت النبيّ - ﷺ - بصدقات بني عمرو، وما ولي منها وبما ولي سبرة، وأقام\n_________\n(١) إسناده مركب تالف ففي الإسناد الأول شيخ الطبري ابن حميد الرازي وهو ضعيف وفيه كذلك مجهولون (رجال من قومه).\nوفي الجزء الثاني شعيب (تلميذ سيف) وهو معروف بمَحامله على السلف وفي الإسناد الثالث أبي مخنف وهو تالف هالك.\nوإضافة إلى هذا الضعف الشديد في السند ففي متنه نكارة شديدة فكيف لا يعرف سيدنا عمر (وهو من هو من العلم والمنزلة الرفيعة) أن الإسلام يجبُّ ما قبله حتى أنه قال لأبي شجرة: أي عدو الله! وجعل يعلوه بالدرة حاشا لسيدنا عمر أن يفعل ذلك. والأثر منكر والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":47},{"text":"سبرة في قومه لحدث إن ناب القوم، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانعٌ. وكان الزبرقان متعتّبًا عليه، وقلّما جامله إلّا مزّقه الزّبرقان بحظوته وجَدّه. وقد قال قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه: واويلنا من ابن العُكْليّة! والله لقد مزّقني فما أدري ما أصنع! لئن أنا تابعتُ أبا بكر وأتيته بالصّدقة لينحرنّها في بني سعد فليسودُنّي فيهم، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتينّ أبا بكر فليسوّدَنّي عنده. فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون، ففعل. وعزم الزّبرقان على الوَفاء، فاتّبع صَفوانَ بصدقات الرِّباب وعوف والأبناء حتى قدِم بها المدينة، وهو يقول، ويُعرّض بقيس:\nوفيتُ بأذْوادِ الرَّسول وقد أبَتْ ... سُعاة فلم يَردُدْ بعيرًا مُجيرُها\nوتحلّل الأحياء ونشب الشرّ، وتشاغلوا وشَغَل بعضُهم بعضًا. ثم ندم قيس بعد ذلك، فلما أظلّه العَلاء بن الحَضْرميّ أخرج صدقتها؛ فتلقّاه بها؛ ثم خرج معه، وقال في ذلك:\nألا أبْلِغَا عَنّي قريشًا رسالةً ... إذا ما أتَتْها بيّناتُ الودائع\nفتشاغلت في تلك الحال عَوْف والأبناء بالبُطون والرِّباب بمقاعس، وتشاغلت خَضّمَ بمالك وبَهْدَى بيربوع؛ وعلى خَضّم سَبْرة بن عمرو، وذلك الذي حلَّفه عن صفوان والحصين بن نيار على بَهْدَى، والرّباب؛ عبد الله بن صَفوان على ضبَّة، وعصمة بن أبَير على عبد مناة، وعلى عوف والأبناء عوف بن البلاد بن خالد من بني غَنْم الجُشميّ، وعلى البطون سِعْر بن خُفاف؛ وقد كان ثمامة بن أثال تأتيه أمدادٌ من بني تميم؛ فلمّا حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم، فأضرَّ ذلك بثمامة بن أثال حتى قدم عليه عكرمة وأنهضه؛ فلم يصنع شيئًا؛ فبينا الناس في بلاد تميم على ذلك، قد شغل بعضهم بعضًا فمُسْلِمُهم بإزاء من قَدّم رجْلًا وأخَّر أخرى وتربَّص، وبإزاء من ارتاب، فجِئَتْهم سَجَاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة، وكانت ورهطها في بني تغلب تقود أفناءَ ربيعة، معها الهُذَيل بن عمران في بني تغلب، وعَقَّة بن هلال في النّمر، وتاد بن فلان في إياد، والسَّليل بن قيس في شَيبان، فأتاهم أمرٌ دهيّ، هو أعظم مما فيه الناس، لهجوم سَجاح عليهم، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة، والتشاغل بما بينهم. وقال عُفيف بن المنذر في ذلك:","vol":"8","page":48},{"text":"ألم يأتيك والأنباءُ تَسْرِي ... بما لاقَتْ سَراة بني تَميم\nتَدَاعَى مِنْ لسراتهمُ رِجَالٌ ... وكانوا في الذَّوائب والصَّميم\nوألْجَوْهم وكان لهم جِنابٌ ... إلى أحياء خاليةٍ وخِيمِ\nوكانت سَجاح بنت الحارث بن سويد بن عُقْفان -هي وبنو أبيها عُقْفان- في بني تغلب، فتنبَّتْ بعد موت رسول الله - ﷺ - بالجزيرة في بني تغلب. فاستجاب لها الهُذيل، وترك التنصّر؛ وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزوَ بهم أبا بكر. فلما انتهتْ إلى الحَزْن راسلتْ مالك بن نُويرة ودعَتْه إلى الموادعة، فأجابها، وفثأها عن غزوها، وحَملَها على أحياء من بني تميم، قالت: نعم، فشأنَك بمن رأيت، فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان مُلك فالمُلك مُلْككم. فأرسلت إلى بني مالك بن حنظلة تدعُوهم إلى الموادعة، فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سَبْرة بن عمرو هرّابًا قد كرهوا ما صنع وكيع، وخرج أشباههم من بني يربوع؛ حتى نزلوا على الحصين بن نيَار في بني مازن، وقد كرهوا ما صنع مالك؛ فلمّا جاءت رسلُها إلى بني مالك تطلب الموادعة، أجابها إلى ذلك وكيع، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح، وقد وادع بعضهم بعضًا، واجتمعوا على قتال الناس وقالوا: بمن نبدأ؟ بخَضمَ، أم ببَهدى، أم بعوف والأبناء، أم بالرِّباب؟ وكفّوا عن قيس لما رأوا من تردّدِه وطمعوا فيه، فقالت: \"أعِدُّوا الرّكاب، واستعدّوا للنّهاب؛ ثمّ أغيروا على الرّباب، فليس دونهم حجاب\".\nقال: وصمدتْ سجاح للأحفار حتى تنزِل بها، وقالت لهم: إنّ الدَّهناء حجاز بني تميم؛ ولن تعدو الرّباب؛ إذا شدّها المصاب، أن تلوذ بالدجاني والدهاني؛ فلينزلها بعضكم. فتوجّه الجفول -يعني: مالك بن نُوَيرة- إلى الدّجاني فنزلها؛ وسمعتْ بهذا الرّباب فاجتمعوا لها؛ ضَبَّتها وعبد مناتها، فولي وَكِيع وبِشْر بني بكْر من بني ضَبّة، وَوَليَ ثعلبة بن سَعْد بن ضَبَّة عقَّة، وولِيَ عبدَ مناة الهذيلُ. فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بني ضَبَّة، فهُزما، وأسِرَ سماعة، ووكيع وقَعْقاع، وقتلتْ قتلى كثيرة؛ فقال في ذلك قَيس بن عاصم؛ وذلك أوّلَ ما استبان فيه الندم:\nكأنّك لم تَشْهَدْ سَمَاعةَ إذْ غَزَا ... وما سُرّ قَعْقاعٌ وخابَ وَكيعُ","vol":"8","page":49},{"text":"رأيتُك قد صاحَبْتَ ضبَّةَ كارهًا ... على نَدَبٍ في الصَّفْحَتَين وَجِيع\nومُطْلِقُ أَسْرَى كان حمقًا مَسِيرُها ... إلى صَخَراتٍ أَمْرُهُنَّ جَمِيع\nفصرفَتْ سجاح والهذيل وعقَّة بني بكر للموادعة التي بينها وبين وكيع -وكان عقَّة خال بشر- وقالت: اقتلوا الرّباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم، وتحملون لهم دماءهم؛ وتحمَد غبَّ رأيهم أخراهم. فأطلقتْ لهم ضبَّة الأسْرَى؛ وودَوُا القتلَى، وخرجوا عنهم. فقال في ذلك قيس يُعَيِّرهم صلْحَ ضبَّة إسعادًا لضبَّة وتأنيبًا لهم. ولم يدخل في أمر سجاح عمريّ ولا سعديّ ولا ربِّيّ؛ ولم يطمعوا من جميع هؤلاء إلا في قيس؛ حتّى بدا منه إسعاد ضبَّة؛ وظهر منه الندم. ولم يُمَالِئْهُم من حنظلة إلّا وكيع ومالك؛ فكانت ممَالأتهما موادَعةٌ على أن ينصر بعضهم بعضًا، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم؛ وقال أصَمُّ التَّيميّ في ذلك:\nأتتنا أختُ تغلب فَاستهدّتْ ... جلائبَ من سَرَاةِ بني أبِينا\nوأَرْسَتْ دعوةً فينَا سَفَاهًا ... وكانت من عمائر آخرينا\nفما كُنَّا لنَرْزِيهم زِبالًا ... وما كانت لتُسْلم إذ أُتينا\nألا سَفِهَتْ حلومُكُمُ وضلَّتْ ... عَشِيَّة تَحْشُدونَ لها ثُبِينَا\nقال: ثمّ إنّ سَجاح خرجت في جُنود الجزيرة، حتى بلغت النّبَاج؛ فأغار عليهم أوْس بن خُزيمة الهُجَيميّ فيمن تأشَّبَ إليه من بني عمرو، فأسر الهذيل؛ أسره رجل من بني مازن ثم أحد بني وَبر، يُدْعى ناشرة. وأسِرَ عَقَّة؛ أسره عبدة الهيجميّ؛ وتحاجزوا على أن يترادّوا الأسرى، وينصرفوا عنهم، ولا يجتازوا عليهم؛ ففعلوا، فردُّوها وتوثقوا عليها وعليهما أن يرجعوا عنهم، ولا يتَّخذوهم طريقًا إلا من ورائهبم. فوفوا لهم؛ ولم يزل في نفسِ الهذيل على المازنيّ؛ حتى إذا قُتل عثمان بن عفانِ، جمع جمعًا فأغار على سَفار، وعليه بنو مازن؛ فقتلتْه بنو مازن ورَموا به في سَفار.\nولمَّا رجع الهُذيل وعقَّة إليها، واجتمع رؤساء أهل الجزيرة؛ قالوا لها: ما تأمريننا؟ فقد صالح مالك، ووكيع قومهما؛ فلا ينصروننا، ولا يزيدوننا على أن نجوز في أرضهم، وقد عاهدنا هؤلاء القوم. فقالت: اليمامة. فقالوا: إن شوكة أهل اليمامة شديدة؛ وقد غلُظَ أمر مسيلمة؛ فقالت: عليكم باليمامة! ودفُّوا دَفيفَ الحمامة؛ فإنها غزوة صَرّامة؛ لا يلحقكم بعدها ملامة. فنَهَدَتْ","vol":"8","page":50},{"text":"لبني حنيفة؛ وبلغ ذلك مسيلمة فهابها؛ وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثُمامة على حَجْر، أو شرحبيل بن حَسَنة، أو القبائل التي حولَهم، فأهدى لها؛ ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيَها. فنزلت الجنود على الأمواه، وأذِنَتْ له، وآمَنته؛ فجاءها وافدًا في أربعين من بني حَنيفة - وكانت راسخةً في النَّصرانيّة، قد علمت من علم نصارى تغلب - فقال مُسيلمة: لنا نصف الأرض؛ وكان لقريش نصفها لو عدلَتْ؛ وقد ردّ الله عليك النّصف الذي رَدَّتْ قريش؛ فحبَاك به، وكان لها لو قبلتْ. فقالت: \"لا يردّ النّصف إلّا مَنْ حَنَف، فاحمل النّصف إلى خيل تراها كالسَّهَف\" فقال مسيلمة: \"سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذ طمع؛ ولا زال أمره في كلّ ما سرّ نفسه يجتمع. رآكم ربُّكم فحيَّاكم، ومن وحشة خلّاكم؛ ويوم دينه أنجاكم. فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربّكم الكُبار، ربّ الغيوم والأمطار\".\nوقال أيضًا: \"لمّا رأيت وجوههم حَسُنَت، وأبشارهم صفت، وأيديهم طَفُلَت؛ قلت لهم: لا النساء نأتون، ولا الخمر تشربُون؛ ولكنَّكم معشر أبرار، تصومون يومًا، وتكلفون يومًا؛ فسبحان الله! إذا جاءت الحياة كيف تحيَوْن، وإلى ملك السماء ترقَوْن! فلو أنها حبّة خرْدَلة؛ لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور\".\nوكان ممَّا شرَع لهم مسيلمة: أنّ من أصاب ولدًا واحدًا عقبًا لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد؛ حتى يصيب ابنًا ثم يُمْسِك؛ فكان قد حرَّم النِّساء على من له ولد ذَكر.\nرجع الحديث إلى حديث سيف. فصالحها على أن يحمل إليها النّصف من غَلّات اليمامة، وأبت إلّا السنة المقبْلة يُسْلفها؛ فباح لها بذلك؛ وقال: خَلّفِي على السلف مَنْ يجمعه لك، وانصرفي أنتِ بنصف العام؛ فرجع فحمل إليها النّصف، فاحتملتْه وانصرفتْ به إلى الجزيرة، وخَلَّفَتِ الْهَذيل، وعقَّة، وزيادًا؛ لينجز النّصف الباقي؛ فلم يفجأهم إلا دُنُوّ خالد بن الوليد منهم؛ فارفضّوا. فلم تزل سَجاح في بني تَغْلب؛ حتى نقلهم معاوية عامَ الجماعة في زمانه؛ وكان معاوية حين أجمع عليه أهلُ العراق بعد عليّ - ﵇ - يُخرِج من","vol":"8","page":51},{"text":"الكوفة المستغربَ في أمر عليّ، وينزِل داره المستغربَ في أمر نفسه من أهل الشأم وأهل البصرة وأهل الجزيرة؛ وهم الذين يقال لهم: النواقل في الأمصار؛ فأخرج من الكوفة قَعقاعَ بن عمرو بن مالك إلى إيليا بفلسطين، فطلب إليه أن ينزل منازلَ بني أبيه بني عُقْفان، وينقلهم إلى بني تميم، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة، وأنزلهم منازل القَعْقَاع وبني أبيه؛ وجاءت معهم، وحسن إسلامها؛ وخرج الزّبرقان والأقرع إلى أبي بكر، وقالا: اجعل لنا خَراج البحرين ونضمن لك ألّا يرجع من قومنا أحدٌ، ففعل، وكتب الكتاب. وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله، وأشهدوا شهودًا منهم عمر. فلما أتيَ عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد، ثم قال: لا والله ولا كَرَامة! ثم مزّق الكتاب ومحَاه، فغضب طلحة، فأتى أبا بكر، فقال: أأنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر؛ غير أنّ الطاعة لي. فسكت.\nوشهدَا مع خالد المشاهدَ كلَّها حتى اليمامة، ثم مضى الأقرع ومعه شُرَحبيل إلى دُومة (١). (٣: ٢٦٨/ ٢٦٩ / ٢٧٠/ ٢٧١ / ٢٧٢/ ٢٧٥).\n٥١ - قال أبو جعفر: وأمَّا غير سيف ومنْ ذكرنا عنه هذا الخبر، فإنه ذكر: أنّ مسيلمة لما نزلتْ به سجاح، أغلق الحِصْن دُونها، فقالت له سجاح: انزل، قال: فنحِّي عنك أصحابَك، ففعلت. فقال مسيلمة: اضربوا لها قُبَّة وجَمِّروها لعلَّها تذكر الباء؛ ففعلوا، فلمَّا دخلت القبّة نزل مسيلمة فقال: ليقفْ ها هنا عشرة، وها هنا عشرة؛ ثم دارَسَها، فقال: ما أوحيَ إليك؟ فقالت: هل تكون النساءُ يبتدئن! ولكن أنت قُلْ ما أوحي إليك؟ قال: \"ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحُبْلى، أخرج منها نسمة تسْعى، من بين صفاق وحشى\" قالت: وماذا أيضًا؟ قال: أوحي إليّ: \"أنّ الله خلق النساء أفراجًا، وجعل الرجال لهنّ أزواجًا؛ فنولج فيهن قُعْسًا إيلاجًا، ثم نُخْرِجُها إذا نشاء إخراجًا، فيُنْتَجْن لنا سِخَالًا إنتاجًا\" قالت: أشهد أنك نبيّ، قال: هل لكِ أن أتزوّجك فآكل بقومي وقومك العرب! قالت: نعم، قال:\nألا قُومي إلى النَّيْك ... فقد هُيِّيء لك المَضْجَعْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":52},{"text":"وإن شئتِ ففي البيت ... وإن شئتِ ففي المخدَعْ\nوإن شئت سلقناكِ ... وإن شئتِ على أربعْ\nوإن شئت بثلثيه ... وإن شئتِ به أجْمعْ\nقالت: بل به أجمع، قال: بذلك أوحي إليّ. فأقامت عنده ثلاثًا ثمّ انصرفت إلى قومها، فقالوا: ما عندك؟ قالت: كان على الحقِّ فاتّبعتُه فتزوّجته، قالوا: فهل أصدَقَك شيئًا؟ قالت: لا، قالوا: ارجعي إليه، فقبيحٌ بمثلك أن ترجع بغير صَدَاق! فرجعت، فلمَّا رآها مسيلمة أغلق الحِصْن، وقال: مالك؟ قالت: أصدقْني صداقًا، قال: من مؤذِّنُك؟ قالت: شَبَث بن ربْعِيّ الرّيَاحيّ، قال: عليّ به، فجاء فقال: ناد في أصحابك أنّ مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين ممَّا أتاكم به محمّد: صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر.\nقال: وكان من أصحابها الزّبرقان بن بدْر، وعُطارد بن حاجب ونُظَراؤهم (١). (٣: ٢٧٣/ ٢٧٤).\n٥٢ - وذكر الكلبيّ: أن مشيخة بني تميم حدّثوه أن عامّة بني تميم بالرّمل لا يصلونهما. فانصرفت ومعها أصحابها، فيهم الزّبرقان، وعُطارد بن حاجب، وعَمْرو بن الأهْتَم، وغيلان بن خَرَشَة، وشبَث بن ربعيّ، فقال عُطارد بن حاجب:\nأَمْسَتْ نَبِيّتُنا أنْثى نُطيفُ بها ... وأصْبَحَتْ أنبياءُ النّاس ذُكْرَانا\nوقال حكيم بن عيَّاش الأعور الكلبيّ، وهو يعيِّر مُضَر بسَجاح، ويذكر ربيعة:\nأَتوْكُمْ بدِينٍ قائِمٍ وأُتيتُمُ ... بِمُنْتَسِخ الآيات في مُصْحَفٍ طَبِّ (٢)\n(٣: ٢٧٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>ذكر البطاح وخبره ومسألة مالك بن نويرة عند الطبري وغيره</span>\n٥٣ - كتب إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن الصَّعْب بن\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد.\n(٢) إسناده ضعيف فهو من طريق الكلبي أضف إلى ذلك فهو معضل.","vol":"8","page":53},{"text":"عطية بن بلال، قال: لما انصرفتْ سَجاح إلى الجزيرة؛ ارعَوَى مالك بن نُوَيرة، وندم وتحيَّر في أمره، وعرف وكيع وسماعة قُبْحَ ما أتيا، فرجعا رجوعًا حسنًا، ولم يتجبَّرا، وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالدًا؛ فقال خالد: ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم؟ فقالا: ثأرٌ كنَا نطلبه في بني ضَبَّة؛ وكانت أيام تشاغُل وفرص، وقال وكيع في ذلك:\nفلا تَحْسَبا أنِّي رجعتُ وأنني ... مُنِعْتُ وقد تُحْنَى إليَّ الأصابعُ\nولكنّني حامَيتُ عن جُلِّ مالكٍ ... ولاحَظْتُ حتى أكْحَلْتني الأخادِعُ\nفلمّا أتَانا خالدٌ بلِوائه ... تخَطتْ إليه بالبُطَاح الوَدَائعُ\nولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نُويرة ومَن تأشب إليه بالبُطاح؛ فهو على حاله متحيِّرٌ شَجٍ (١). (٣: ٢٧٦).\n٥٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وعمرو بن شعيب، قالا: لما أراد خالد السَّير خرج من ظَفَر، وقد استبرأ أسدًا، وغَطَفان، وطيِّئًا، وهوازن، فسار يريدُ البُطاح دون الحَزْن؛ وعليها مالك بن نُوَيرة، وقد تردّد عليه أمره، وقد تردّد الأنصار على خالد وتخلَّفت عنه، وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا! إنّ الخليفة عَهِد إلينا إن نحن فرغنا من البُزاخة، واستبرأنا بلادَ القوم أن نقيمَ حتَّى يكتب إلينا. فقال خالد: إن يكُ عهد إليكم هذا فقد عهد إليّ أن أمضي، وأنا الأمير وإليّ تنتهي الأخبار. ولو أنَّه لم يأتني له كتاب ولا أمر؛ ثم رأيت فرصةً؛ فكنت إن أعلمته فاتتني لم أعْلِمْه حتى أنتهزها؛ كذلك لو ابتُلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم نَدَعْ أن نرى أفضلَ ما بحضرتنا، ثم نعمل به. وهذا مالك بن نُوَيرة بحيالنا، وأنا قاصد إليه ومَن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان؛ ولست أكرهكم. ومضى خالد، وندمت الأنصار، وتَذَامروا، وقالوا: إن أصاب القوم خيرًا إنه لَخَير حُرِمتموه، وإن أصابتهم مصيبة ليجْتَنِبنكم الناس. فأجمعوا للّحاق بخالد وجرّدوا إليه رسولًا؛ فأقام عليهم حتى لحِقوا به، ثم سار حتى قدم البُطاح فلم يجد به أحدًا (٢). (٣: ٢٧٦/ ٢٧٧)\n_________\n(١) إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الأثر / ٨٥.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":54},{"text":"٥٥ - قال أبو جعفر؛ فيما كتب به إليَّ السريُّ بن يحيى؛ يذكر عن شعيب ابن إبراهيم: أنَّه حدّثه عن سيف بن عمر، عن خزيمة بن شَجرة العُقْفانيّ، عن عثمان بن سويد، عن سُويد بن المثعبة الرّيَاحيّ؛ قال: قدم خالد بن الوليد البُطاح، فلم يجدْ عليه أحدًا، ووجد مالكًا قد فرّقهم في أموالهم، ونهاهم عن الاجتماع حين تردّد عليه أمره، وقال: يا بني يَربوع! إنَّا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعوْنا إلى هذا الدين، وبَطَّأنا الناس عنه فلم نُفْلح ولم نُنْجِح، وإنِّي قد نظرتُ في هذا الأمر، فوجدتُ الأمر يتأتَّى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس؛ فإيَّاكم ومناوأة قوم صُنع لهم؛ فتفرّقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر. فتفرّقوا على ذلك إلى أموالهم، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله. ولما قدم خالد البطاح بثَّ السَّرايا وأمرهم بداعية الإسلام أن يأتُوه بكلّ مَن لم يُجِب، وإن امتنع أن يقتلوه، وكان ممَّا أوصى به أبو بكر: إذا نزلتُم منزلًا؛ فأذّنُوا وأقيموا؛ فإن أذّن القوم وأقاموا فكفُّوا عنهم؛ وإن لم يفعلوا فلا شيءَ إلّا الغارة؛ ثم اقتلوهم كلَّ قِتْلة؛ الحرْق فما سواه؛ وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم؛ فإن أقرُّوا بالزكاة فاقبلوا منهم؛ وإن أبَوْها فلا شيء إلّا الغارة ولا كلمة. فجاءته الخيل بمالك بن نُويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، من عاصم وعبيد وعرين وجعفر، فاختلفت السريّة فيهم، وفيهم أبو قتادة؛ فكان فيمَن شهد: أنَّهم قد أذّنوا، وأقاموا، وصلُّوا. فلمَّا اختلفوا فيهم، أمر بهم فحُبِسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء؛ وجعلت تزداد بَرْدًا، فأمر خالدٌ مناديًا فنادى: \"أدفئوا أسراكم\"، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا: دَثّروا الرجل فأدفئوه، دِفْئُه قتله وفي لغة غيرهم: أدْفِه فاقتله، فظنّ القوم - وهي في لغتهم القتل - أنه أراد القتل، فقتلوهم، فقتل ضرارُ بن الأزور مالكًا، وسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه.\nوقد اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملُك، فَزَبَره خالد،\nفغضب، ومضَى، حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر، حتى كلَّمه عمر فيه، فلم يرضَ إلّا أن يرجع إليه، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة، وتزوج خالدٌ أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طُهْرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايَره، وقال عمر لأبي بكر. إنّ في سيفِ خالد رَهَقًا، فإن لم يكن هذا","vol":"8","page":55},{"text":"حقًّا، حقّ عليه أن تُقيدَه؛ وأكثر عليه في ذلك -وكان أبو بكر لا يُقيد من عماله ولا وَزَعَتِه- فقال: هيه يا عمر! تأوّلَ فأخطأ، فارفَعْ لسانك عن خالد. وودى مالكًا، وكتب إلى خالد أن يقدُم عليه، ففعل، فأخبره خبَرَه، فعذره، وقبل منه، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك (١). (٣: ٢٧٧/ ٢٧٨).\n٥٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: شهد قومٌ من السرية: أنهم أذّنوا، وأقاموا، وصلَّوا، ففعلوا مثل ذلك. وشهد آخرون: أنه لم يكن من ذلك شيء، فقُتلوا. وقدم أخوه متمّم بن نُوَيرة يَنْشُد أبا بكر دَمه، ويطلب إليه في سَبْيهم؛ فكتب له بردّ السَّبْي، وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إنّ في سيفه رَهَقًا. فقال: لا يا عمر! لم أكُنْ لأشِيم سيفًا سلَّه الله على الكافرين (٢). (٣: ٢٧٩).\n٥٧ - كتب إليّ السّرِيّ عن شعيب، عن سَيف، عن خُزيمة، عن عثمان، عن سُوَيد، قال: كان مالك بن نُويرة من أكثر الناس شعرًا؛ وإن أهل العسكر أثّفوا برؤوسهم القدور، فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بَشَرته ما خلا مالكًا، فإن القِدْر نضَجتْ وما نضج رأسه من كثرة شَعره، وقى الشَّعَرُ البَشَرةَ حرَّها أن يبلغ منه ذلك.\nوأنشده متمِّم؛ وذكر خَمَصَه؛ وقد كان عمر رآه مقَدمه على النبيّ - ﷺ -، فقال: أكذاك يا متمّم كان! قال: أمَّا ما أعني فنعم (٣). (٣: ٢٧٩).\n٥٨ - حَدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حَدّثنا محمد بن إسحاق عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أنّ أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أنْ إذا غشيتم دارًا من دُور النَّاس فسمعتم فيها أذانًا للصلاة، فأمسكُوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقِموا! وإن لم تسمعوا أذانًا، فشُنُّوا الغارة، فاقتلوا، وحَرّقوا.\nوكان ممَّن شهد لمالك بالإسلام أبو قَتادة الحارث بن رِبْعيّ أخو بني سَلمة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا ومتنه فيه نكارة.","vol":"8","page":56},{"text":"وقد كان عاهد الله ألّا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا أبدًا بَعدها؛ وكان يحدّث: أئهم لما غَشُوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا: إنّا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم! قالوا لنا: فما بال السلاح معكم! قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعُوا السلاح، قال: فوضعوها؛ ثم صلَّينا وصلَّوا. وكان خالد يعتذر في قتله: أنه قال له وهو يراجعه: ما إخال صاحبَكم إلّا وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعدّه لك صاحبًا! ثم قدّمه فضرب عنقه وأعنَاق أصحابه، فلما بلغ قتلُهم عمرَ بن الخطاب، تكلَّم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدوُّ الله عَدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزَا على امرأته!\nوأقبل خالد بن الوليد قافلًا حتى دخل المسجد وعليه قَباءٌ له عليه صَدأ الحديد، معتجرًا بعمامة له، قد غرز في عمامته أسْهُمًا؛ فلمَّا أنْ دخلَ المسجد؛ قام إليه عُمَرُ، فانتزع الأسْهُمَ من رأسه فحطَّمها، ثم قال: أرِثَاء! قتلتَ امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته! والله لأرْجمنّك بأحجارك -ولا يكلّمه خالد بن الوليد، ولا يظنّ إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه- حتى دخل على أبي بكر، فلمَّا أن دخلَ عليه أخبره الخبر، واعتذر إليه فعذره أبو بكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك. قال: فخرَج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعُمَرُ جالسٌ في المسجد، فقال: هلم إليّ يا بن أمّ شَمْلة! قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضيَ عنه فلم يكلّمه، ودخل بيته.\nوكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسدي. وقال ابن الكلبيّ: الَّذي قتل مالك بن نُويرة ضرار بن الأزور (١). (٣: ٢٧٩/ ٢٨٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>تعليقنا على هذه الروايات الضعيفة</span>\nنقول وبالله التوفيق: هذه أسانيد ضعيفة ومنها الضعيف جدًّا وفي بعض متونها نكارة، وذكرنا هذه الروايات في قسم الضعيف لأننا قد أخذنا على أنفسنا عند بدئنا بتحقيق أول رواية للطبري من طريق سيف بن عمر التميمي ألا نأخذ بأية رواية من رواياته في ما يتعلق بالحلال والحرام ومسائل العقيدة أو الطعن في عدالة الصحابة فهو ضعيف في الحديث باتفاق أئمة الجرح والتعديل وأخذنا برواياته التاريخية التي لا تثبت في هذه المسائل وبشرط أن تكون لأصل الرواية التأريخية ما يؤيدها مسندًا والله أعلم.","vol":"8","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومما يزيدنا إصرارًا على أن أغلبها من طريق شعيب عن سيف وهو الذي حدّث بأخبار فيها تحامل على السلف (لسان الميزان ٣/ ١٤٥).\nأما خليفة بن خياط فقد روى ثلاث روايات في تأريخه حول هذا الموضوع اثنان منها بسند ضعيف والآخر بسند صحيح ومتنه لا غرابة فيه ولا نكارة.\nأما الأول: [ص ١٠٤ من قوله: وحدثنا علي بن محمد عن أبي زكريا ... إلى قوله .. فأمر بقتلهم] وهذا إسناد ضعيف. فسعيد بن إسحاق مجهول كما قال الحافظ في اللسان.\nأما الرواية الثانية (ص ١٠٥): من قوله (وحدثنا بكر عن ابن إسحاق قال ... إلى قوله ثم صلينا وصلّوا). وفي إسناده طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر. قال عنه الحافظ في التقريب (مقبول) أي: إذا توبع، وهو لم يتابع هنا، أضف إلى ذلك فإن في إسناده اضطرابًا، فهو عند خليفة بن خياط عن طلحة عن أبي قتادة (١٠٥) وعند الطبري (عن طلحة مرسلًا). فهو لم يلق أبا قتادة. أما الرواية الثالثة (١٠٥) فقد قال خليفة: وحدثنا علي بن محمد عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعا شديدًا فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه فقال أبو بكر هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ. وردّ أبو بكر خالدًا. وودى مالك بن نويرة، وردّ السبي والمال. وهذا إسناد صحيح- وإن كان في متنه بعض الشيء من الغرابة. فإن مالكًا إن كان قد ارتدّ عن الإسلام فلا دية في قتله وإن كان مسلمًا وقتله خالد ظلما وهذا غير صحيح فما كان لأبي بكر أن يبقي خالدًا في القيادة وقد قتل رجلًا بغير حق، إلّا أن المخرج والتأويل لهذه الغرابة أن يؤخذ بقول الرواة الذين قالوا باختلاف جنود المسلمين (مع خالد) حول أمرهم (أي بني مالك مع زعيمهم مالك بن نويرة) فمنهم من قال بإسلام مالك كأبي قتادة ومنهم من شهد ببقائه مرتدًا فالتبس أمره على المسلمين فأخذ أبو بكر ﵁ بالأحوط (أي كونه قتل خطأ وهو مسلم رجع عن ردته). فوجبت له الدية والله أعلم.\nوعدالة خالد ﵁ وبلاءه الحسن في الإسلام وماله من فضل الصحبة والتضحية وقيادة الجيوش بنفسه في أحلك الظروف وشربه للسم إسكاتًا لأعداء الله ومجالدته للعدو وفي قلب جيوشه كل ذلك يتنافى مع الأباطيل التي لُفِقتَ حول شخصية خالدٍ ﵁ وأنه قتل مالك بن نويرة ليتزوج امرأته.\nولا بأس هنا أن ننقل كلام الكوثري ﵀: كان مالك بن نويرة قدم المدينة وأسلم فاستعمله النبي - ﷺ - على جباية زكاة قومه ولذلك ذكره من ذكره في عداد الصحابة، وبعد وفاته - ﷺ - خان العهد والتحقق بسجاح المتنبئة وأبي دفع الزكاة مرارًا وتكرارًا عند مناقشته في ذلك واجترأ أن يقول كذا وكذا فمثل خالد رضوان الله عليه في صرامته وحزمه ضد أهل الردة (وهو شاهد يرى ما لا يراه الغائب) إذا قسا على مثل مالك هذا لا يُعدّ أنه اقترف ذنبًا، والقتل =","vol":"8","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والسبي من أحكام الردّة. وأما ما يُحاك حول زواج خالد بامرأة مالك من الخيالات الشائنة فليس إلا صنع يد الكذابين.\nولم يذكر منه شيء بسند متصل فضلًا عن أن يكون مرويًّا برجال ثقات وتزوّج خالد المسبيّة بعد انقضاء عدتها هو الواقع في الروايات عند ابن جرير وابن كثير وغيرهما. ولا غبار على ذلك - لأن مالكًا إن قتل خطأ فقد انقضت عدة امرأته. ثم تزوجت. وإن قتل عمدًا على الردة فقد انقضت عدة امرأته أيضًا فتزوجت فماذا في هذا؟ ! .\nولو صحت رواية قتله لمسلم بغير حق ونزوه على امرأته بدون نكاح لاستحال أن يبعثه أبو بكر ﵁ في قيادة الجيش لبعده ﵁ عن الاعتضاد بفاجر سفاك. وقال الكوثري أيضًا: وأما أداء الصديق ديته من بيت المال فاقتداء بالمصطفى - ﷺ - مات فيما فعله في وقعة بني جذيمة تهدئة للخواطر، وتسكينًا للنفوس في أثناء ثورانها، مراعاة للأبعد في باب السياسة. وقال الكوثري أيضًا: وأما ما يعزى إلى عمر ﵁ من الكلمات القاسية في خالد، فيكفي في إثبات عدم صحتها قول عمر عند عزله خالدًا (ما عزلتك عن ريبة) بل لو صحّ ذلك عنه لرماه بالجنادل وقتله رجما بالحجارة؛ لأن الإسلام لا يعرف المحاباة (حاشية تأريخ الإسلام للذهبي / عهد الخلفاء الراشدين / تحقيق الدكتور عمر التدمري ٣٤ - ٣٥).\nولنا كلمة أخيرة نوجّهها للذين يريدون النيل من شخصية بطل من أبطال الفتح الإسلامي (خالد بن الوليد ﵁) نقول لهؤلاء: إن كنتم تتمسكون بالروايات المكذوبة، أو الضعيفة في طعنكم هذا فاعلموا أن فيها ما يردّ كيدكم. وتشير روايات الطبري الضعيفة هذه:\n١ - ففي رواية الطبري الضعيفة (٣/ ٢٨٠ / ٨٥) ما يشير إلى تهكم مالك بن نويرة برسول الله - ﷺ - وذلك واضح من خلال الحوار الذي دار بينه وبين خالد بن الوليد إذ قال مالك: ما إخالُ صاحبكم (يعني: النبي - ﷺ -) إلا وقد كان يقول كذا وكذا. قال (أي: خالد بن الوليد ﵁): (أو ما تعده لك صاحبًا)؟ .\n٢ - وفي رواية الطبري الضعيفة (٣/ ٢٦٧ / خ ٨٠) ما يشير إلى أنه بقي إلى آخر عهده متحيرًا مترددًا بين الإسلام والردة ولم يبق في بلاد حنظلة شيء يكره إلّا ما كان من مالك بن نويرة ومن تأشَّب إليه بالنكاح، فهو على حاله متحيّر شبح.\n٣ - وفي رواية الطبري الضعيفة (٣/ ٢٧٨ / ٨٢) ما يشير إلى أن المسلمين اختلفوا في أمر مالك وأصحابه. وأن حرّاس مالك بن نويرة في تلك الليلة قد فسّروا أو فهموا كلام خالد كما في لغتهم لا في لغة قريش ففي الرواية: (فاختلقت السرية فيهم، وفيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فجلسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، وجعلت تزداد بردًا، فأمر خالد مناديا فنادى، (أدفئوا أسراكم) وكانت في لغة كنانة إذا قالوا: دثروا الرجل فأدفئوه؛ دِفئُه قتله، وفي لغة غيرهم أدْفِهِ فاقتله، فظن القوم وهي في لغتهم القتل، أنه أراد القتل فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكًا، وسمع خالد الواعية =","vol":"8","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>ذكر بقيّة خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة</span>\n٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كان أبو بكر حين بعث عِكْرمة بن أبي جهل إلى مُسيلمة واتبعه شُرَحْبيلَ عجّل عكرمة، فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم، فنكبوه، وأقام شُرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر؛ وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره، فكتب إليه أبو بكر: يا بن أمّ عكرمة، لا أرينَّك ولا تراني على حالها! لا ترجع فتوهن الناسَ؛ امض على وجهك حتى تساند حُذيفةَ وعَرْفجة فقاتلْ معهما أهلَ عُمان ومَهْرة، وإن شغلا فامضِ أنت، ثم تسير وتسيّر جندك تستبرئون مَنْ مررتم به؛ حتى تلتقوا أنتم والمهاجر بن أبي أميَّة باليمن وحضرموت.\nوكتب إلى شُرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيَه أمرُه، ثم كتب إليه قبل أن يوجّه خالدًا بأيام إلى اليمامة: إذا قدم عليك خالدٌ، ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقُضاعة؛ حتى تكونَ أنت وعمرو بن العاص على مَنْ أبَى منهم وخالف. فلما قدِم خالدٌ على أبي بكر من البُطاح رضيَ أبو بكر عن خالد، وسَمِع عذْره وقَبِل منه وصدّقه ورضي عنه، ووجَّهه إلى مُسَيلمة وأوعب معه الناسِ. وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبَراء بن فلان، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد، وعلى القبائل؛ على كلّ قبيلة رجلٌ. وتعجَّل خالد حتى قدم على أهلِ العسكر بالبُطاح، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة؛ فلمَّا قدِم عليه؛ نهض حتَّى أتى اليَمَامة وبنو حنيفة يومئذ كثير. (٣: ٢٨١).\n٦٠ - كتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رجال، قالوا: كان عددُ بني حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل؛ في قُراها وحُجَرها، فسار خالد حتى إذا أظلّ عليهم أسندَ خيولًا لعَقّة والهُذيل وزياد؛ وقد كانوا أقاموا على خَرْج أخرجَه لهم مُسيلمة ليلحقوا به سجاح. وكتب إلى القبائل من تميم فيهم؛ فنفّروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب، وعجَّل شُرحبيل بن حسنة، وفعل فِعْل عِكْرمة، وبادر خالدًا بقتال مُسيلمة قبل قدوم خالد عليه؛\n_________\n= فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه). اهـ.","vol":"8","page":60},{"text":"فنُكِب، فحاجَزَ؛ فلمَّا قدم عليه خالد لامَهُ؛ وإنَّما أسْنَد خالد تلك الخيول مخافَة أن يأتُوه من خَلْفه؛ وكانوا بأفْنيَةِ اليمامة. (٣: ٢٨٢)\n٦١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن جابر بن فلان، قال: وأمَدّ أبو بكر خالدًا بسَليط؛ ليكون رِدْءًا له من أن يأتيَه أحدٌ من خَلْفه؛ فخرج؛ فلمَّا دنا من خالد؛ وجد تلك الخيول الَّتي انتابت تلك البلاد قد فُرّقوا؛ فهربوا، وكان منهم قريبًا رِدْءًا لهم؛ وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر؛ أدَعُهم حتى يلقوا الله بأحسنِ أعمالهم؛ فإن الله يدفع بهم وبالصُّلَحاء من الأمم أكثرَ وأفضلَ ممَّا ينتصر بهم؛ وكان عمر بن الخطاب يقول: والله لأشرِكنَّهم وليُواسُنَّني. (٣: ٢٨٢).\n٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عُبيد بن عمير، عن أثال الحنفيّ - وكان مع ثمامة بن أثال - قال: وكان مُسَيلمة يصانع كلّ أحد ويتألَّفه، ولا يبالي أن يطّلع الناس منه على قبيح؛ وكان معه نهار الرَّجَّال بن عُنْفُوَةَ، وكان قد هاجر إلى النبيّ - ﷺ -؛ وقرأ القرآن؛ وفُقِّه في الدّين، فبعثه مُعَلّمًا لأهل اليمامة وليشْغَب على مُسَيلمة، ولْيَشْدُد من أمر المسلمين؛ فكان أعظم فتنةً علي بني حَنيفةَ مِنْ مُسيلمة؛ شهد له: أنَّه سمع محمَّدًا - ﷺ - يقول:\nإنه قد أشرِك معه؛ فصدّقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبيّ - ﷺ -، ووعدُوه إن هو لم يقبل أن يُعينوه عليه؛ فكان نهار الرّجَّال بن عَنْفوة لا يقول شيئًا إلّا تابعه عليه؛ وكان ينتهي إلى أمره، وكان يؤذّن للنبيّ - ﷺ -، ويشهد في الأذان أن محمدًا رسول الله؛ وكان الَّذي له عبد الله بن النَّوّاحة، وكان الذي يُقيم له حُجَير بن عُمَير، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حُجَير من الشهادة، قال: صرّح حُجَير؛ فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار، وتضليل من كان قد أسلم؛ فعَظُمَ وقَارُه في أنفسهم.\nقال: وضرب حَرَمًا باليمامة، فنهى عنه، وأخذ النَّاس به، فكان مُحَرَّمًا فوقع في ذلك الحَرَم قُرَى الأحاليف؛ أفخاذ من بني أسَيّد، كانت دارهم باليمامة؛ فصار مكان دارهم في الحَرم - والأحاليف: سَيحان ونُمَارة ونمر والحارث بنو جُرْوة - فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة، واتَّخذوا الحَرَم دغَلًا، فإن نَذِرُوا بهم فدخلوه أحجموا عنهم؛ وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون. فكثر","vol":"8","page":61},{"text":"ذلك منهم حتى اسْتَعْدَوْا عليهم؛ فقال: أنتظر الّذي يأتي من السماء فيكم وفيهم. ثم قال لهم: \"والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجَذَع الأزلم، ما انتهكت أسَيّدٌ من مَحْرَم\"؛ فقالوا: أما مَحْرم استحلالُ الحَرَم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعُدوى فقال: أنتظر الذي يأتيني، فقال: \"والليل الدّامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسَيِّد من رَطْب ولا يابس\"؛ فقالوا: أمَّا النخيل مُرْطبة فقد جَدُّوها، وأمَّا الجدران يابسة فقد هَدَموها؛ فقال: اذهبوا وارجعوا فلا حقّ لكم.\nوكان فيما يقرأ لهم فيهم: \"إنّ بني تميم قوم طهر لَقَاحٌ، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كلّ إنسان؛ فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن\".\nوكان يقول: \"والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها. والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب مَحْض، وقد حرِّم المذق، فما لكم لا تمجّعون؟ ! \".\nوكان يقول: \"يا ضفدع ابنة ضفدع، نُقِّي ما تَنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدّرين\".\nوكان يقول: \"والمبذّرات زَرْعًا، والحاصدات حَصْدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خُبزًا، والثاردات ثردًا؛ واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، لقد فضِّلتُم على أهل الوَبر، وما سبقكم أهل المَدَر؛ رِيفكم فامنعوه، والمعترَّ فآووه، والباغي فناوئوه\".\nقال: وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأمّ الهيثم فقالت: إنّ نخلنا لسُحُق، وإن آبارَنا لجُرُز؛ فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هَزْمان\". فقال: يا نَهارُ ما تقول هذه؟ فقال: إنّ أهل هَزْمان أتوْا مَحمدًا - ﷺ - فشكَوْا بُعْد مائهم؛ -وكانت آبارهم جُرزًا- ونخلهم أنَّها سُحُق، فدعا لهم فجاشت آبارهم، وانْحَنَتْ كلّ نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها، فحكَّت به الأرض حتى أنْشَبَتْ عروقًا ثم قُطِعت من دون ذلك، فَعَادت فسيلًا مكمَّمًا ينمي صاعدًا. قال: وكيف صنع بالآبار؟ قال: دَعا بسَجْل، فدعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مَجَّهُ فيه، فانطلقوا به حتى فرَّغوه في تلك الآبار، ثم سَقَوْه نخلهم، ففعل النبيّ ما حدَّثتك، وبقيَ الآخر إلى انتهائه. فدعا مُسَيلمة بدلْوٍ من ماء فدعا لهم فيه، ثم","vol":"8","page":62},{"text":"تمضمض منه، ثم مجّ فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم. فغارت مياه تلك الآبار، وخَوَى نخلُهم؛ وإنما استبان ذلك بعد مهلكه.\nوقال له نهار: بَرِّك على مولودي بني حنيفة، فقال له: وما التبريك؟ قال: كان أهلُ الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوْا به محمدًا - ﷺ - فحنَّكه ومسح رأسه؛ فلم يؤتَ مسيلمة بصبيّ فحنَّكه ومسح رأسه إلّا قَرع ولَثِغ واستبان ذلك بعد مهلَكه.\nوقالوا: تَتَبَّعْ حيطَانهم كما كان محمد - ﷺ - يصنع فصلّ فيها. فدخل حائطًا من حوائط اليمامة، فتوضأ، فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وَضُوء الرحمن فتسقيَ به حائطَك حتى يَرْوَى ويبتلّ، كما صنع بنو المهريَّة، أهل بيت من بني حنيفة -وكان رجل من المهريَّة قدم على النبيّ - ﷺ - فأخذ وَضوءَه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره، ثم نزع وسقى، وكانت أرضه تَهُوم فَرويتْ وجَزَأتْ فلم تُلْفَ إلا خضْراء مُهْتَزّةٌ - ففعل فعادت يَبَابًا لا ينبت مرعاها.\nوأتاه رجُلٌ، فقال: ادْعُ الله لأرضي فإنَّها مُسْبخةٌ؛ كما دعا محمد - ﷺ - لسُلمى على أرضه. فقال: ما يقول يا نهار؟ فقال: قدم عليه سلمى، وكانت أرضه سبخة فدعا له، وأعطاه سَجْلًا من ماء، ومجّ له فيه، فأفرغه في بئره، ثم نزع، فطابت وعَذُبَتْ؛ ففعل مثل ذلك فانطلق الرّجُل، ففعل بالسَّجْل كما فعل سلمى، فغرقت أرضه، فما جفّ ثراها، ولا أدرك ثمرها.\nوأتته امرأة فاستجلبته إلى نَخْل لها يدعو لها فيها، فجزّت كبائسها يوم عَقْرَباء كلَّها؛ وكانوا قد علموا واستبان لهم؛ ولكن الشَّقاء غلَب عليهم. (٣: ٢٨٢/ ٢٨٣ / ٢٨٤/ ٢٨٥ / ٢٨٦).\n٦٣ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن خُلَيد بن ذفرة النَّمَريّ، عن عمير بن طلحة النَّمرِيّ، عن أبيه، أنَّه جاء اليمامة، فقال: أين مُسيلمة؟ قالوا: منه! رسول الله! فقال: لا، حتَّى أراه؛ فلمَّا جاءه، قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: مَنْ يأتيك؟ قال: رحمن، قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد: أنَّك كذاب، وأنّ محمدًا صادق؛ ولكنّ كَذاب ربيعة أحبّ إلينا من صادقِ مُضَر، فقتل معه يوم عقرَباء. (٣: ٢٨٦).\n٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن الكلبي مثله؛ إلّا أنه قال:","vol":"8","page":63},{"text":"كذّاب ربيعة أحبّ إليّ من كذّاب مضر. (٣: ٢٨٦).\n٦٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق بنحو حديث سيف هذا؛ غير أنه قال: دعا خالد بمجَّاعة ومَنْ أخذ معه حين أصبح، فقال: يا بني حنيفة! ما تقولون؟ قالوا: نقول: منَّا نبيٌّ ومنكم نبيٌّ فعرضهم على السيف؛ حتى إذا بقيَ منهم رجلٌ يقال له: سارية بن عامر ومجَّاعة بن مُرارة، قال له سارية: أيَّها الرّجل! إن كنتَ تريد بهذه القرية غدًا خيرًا أو شرًّا، فاستبقِ هذا الرجل -يعني: مجَّاعة- فأمر به خالد فأوثقه في الحديد؛ ثم دفعه إلى أمّ تميم امرأته، فقال: استوصي به خيرًا، ثم مضى حتى نزل اليَمامة على كثيب مشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرّحَّال -ال أبو جعفر، هكذا قال ابن حميد بالحاء- بن عُنْفوة بن نهشل، وكان الرّحّال رجلًا من بني حنيفة قد كان أسلم، وقرأ سورة البقرة، فلمَّا قدم اليمامة شهد لمسيلمة: أنّ رسولَ الله - ﷺ - قد كان أشركه في الأمر؛ فكان أعظمَ على أهل اليمامة فتنةً من مسيلمة؛ وكان المسلمون يسألون عن الرّحَّال يرجون أنه يحلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه، فلقيَهم في أوائل النَّاس متكتّبًا، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره، وعنده أشراف الناس والنَّاس على مصافّهم؛ وقد رأى بارقة في بني حنيفة: أبشِرُوا يا معشرَ المسلمين! فقد كفاكم الله أمر عدوّكم. واختلف القوم إن شاء الله؛ فنظر مجَّاعة وهو خلْفَه موثَقًا في الحديد، فقال: كلّا والله! ولكنها الهُنْدُوانيّة خَشوا عليها من تحطُمها، فأبرزوها للشمسِ لتلين لهم؛ فكان كما قال. قلما التقى المسلمون كان أوّل من لقيَهم الرّحال بن عُنْفوة، فقتله الله. (٣: ٢٨٨/ ٢٨٩).\n٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن شيخ من بني حنيفة، عن أبي هريرة: أنّ رسولَ الله - ﷺ - قال يومًا -وأبو هريرة ورحَّال بن عُنْفوة في مجلس عنده-: \"لضِرْسُ أحدكم أيّها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحُد\". قال أبو هريرة: فمضى القوم لسبيلهم، وبقيتُ أنا ورحَّال بن عُنفوة، فما زلت لها متخوّفًا؛ حتى سمعت بمخرَج رحّال، فأمنت وعرفت: أنّ ما قال رسولُ الله - ﷺ - حقّ.\nثم التقى الناس ولم يلقهم حَرْبٌ قطّ مثلَها من حرب العرب؛ فاقتتل النَّاس","vol":"8","page":64},{"text":"قتالًا شديدًا؛ حتى انهزمَ المسلمون وخلَص بنو حنيفة إلى مجَّاعة وإلى خالد، فزال خالد عن فُسطاطه ودخل أناس الفسطاطَ وفيه مجَّاعة عند أم تميم، فحمل عليها رجل بالسيف، فقال مجّاعة: مَهْ، أنا لها جارٌ، فنعْمَت الحُرَّة! عليكم بالرجال، فرَعبَلوا الفُسْطاط بالسيوف. ثم إنّ المسلمين تَدَاعَوْا، فقال ثابت بن قيس: بئسَما عَوَّدْتم أنفسَكم يا معشر المسلمين! اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممَّا يَعْبُد هؤلاء -يعني: أهل اليمامة- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني: المسلمين- ثم جالد بسيفه حتى قُتِل. وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم: لا تحوَّزَ بعد الرّحال، ثم قاتل حتى قتل. ثم قامَ البَراءُ بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العُرَوَاء حتى يقعد عليه الرجال؛ ثم ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله؛ فإذا بال يثورُ كما يثور الأسد - فلمَّا رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال، فلمَّا بال وثَب، فقال: أين يا معشر المسلمين! أنا البراءُ بن مالك، هلمّ إليّ! وفاءَتْ فئة من النَّاس، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله، وخَلَصوا إلى مُحَكّم اليمامة -وهو مُحَكّم بن الطُفيل- فقال حين بلغه القتال: يا معشرَ بني حنيفة! الآنَ والله تُستحْقَب الكرائم غيرَ رضيَّات، ويُنكحن غير خطيبات؛ فما عندكم من حَسَب فأخرجوه. فقاتل قتالًا شديدًا؛ ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق بسهم فوضعه في نحره فقتله. ثم زحف المسلمون حتى ألْجؤوهم إلى الحديقة؛ حديقة الموت؛ وفيها عدوّ الله مُسيلمة الكذاب، فقال البَراء: يا معشَر المسلمين! ألقوني عليهم في الحديقة. فقال الناس: لا تفعل يا بَرَاء، فقال: والله لتطرحنّي عليهم فيها! فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار؛ اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها للمسلمين، ودخل المسلمون عليهم فيها؛ فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدوّ الله؛ واشترك في قتله وَحْشيٌّ مولى جُبير بن مطعم ورجل من الأنصار، كلاهما قد أصابه؛ أمَّا وحشيٌّ فدفع عليه حربته، وأمَّا الأنصاريُّ فضربَه بسيفه، فكان وحشيّ يقول: ربّك أعلم أيّنا قتله! (٣: ٢٨٩/ ٢٩٠).\n٦٧ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلْحة، عن عبيد بن عُمير، قال: كان الرّجالُ بحيال زيد بن الخطاب؛ فلَمَّا دنا صَفَّاهما؛ قال زيد: يا رجَّال، الله الله! فوالله لقد تركت الدّين، وإن الذي أدعوك إليه لأشرفُ لك،","vol":"8","page":65},{"text":"وأكثرُ لدنياك فأبى، فاجتلدا فقُتِل الرجّال وأهل البصائر من بني حنيفة في أمر مسيلمة، فتذامروا وحمل كلُّ قوم في ناحيتهم؛ فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرَهم، ثم أعْرَوْه لهم، فقطعُوا أطناب البيوت، وهتكُوها، وتشاغلوا بالعسكر، وعالجوا مجَّاعة؛ وهَمّوا بأمّ تميم، فأجارها، وقال: نِعْمَ أمّ المَثْوَى! وتذامر زيدٌ، وخالد، وأبو حذيفة، وتكلَّم النَّاس -وكان يوم جَنوب له غبار- فقال زيد: لا والله لا أتكلَّم اليوم حتى نهزمهم أو ألقَى الله فأكلّمه بحُجتي! عضُّوا على أضراسكم أيّها الناس، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قُدمًا ففعلوا، فَردّوهم إلى مصافّهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عسكرهم، وقُتل زيد ﵀. وتكلَّم ثابت فقال: يا معشرَ المسلمين! أنتم حزْبُ الله، وهم أحزاب الشيطان، والعزّة لله ولرسوله ولأحزابه، أرُوني كما أريكم، ثم جلد فيهم حتى حازهم. وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن! زَيِّنوا القرآن بالفعال. وحمل فحازهم حتى أنفذهم، وأصيب ﵀، وحمل خالد بن الوليد، وقال لحُماته: لا أوتينَّ من خلفي. حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرْصة ويرْقب مسيلمة. (٣: ٢٩١).\n٦٨ - كتب إليّ السّري عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشّر بن الفُضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لمّا أعْطيَ سالم الراية يومئذ؛ قال: ما أعلمَني لأيّ شيء أعطيتمونيها! قلتم: صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات! قالوا: أجل! وقالوا: فانظر كيف تكون؟ فقال: بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت! وكان صاحبُ الراية قبلَه عبدَ الله بن حفص بن غانم. (٣: ٢٩١/ ٢٩٢).\n٦٩ - وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت، وابن إسحاق: فلمَّا قال مجَّاعة لبني حَنيفة: ولكن عليكم بالرّجال؛ إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتَفَانَوْا وتفانَى المسلمون كلّهم، وتكلَّم رجالٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقال زيد بن الخطاب: والله لا أتكلَّم أو أظفر أو أقتل، واصنعوا كما أصنعُ أنا! فحمل وحمل أصحابه. وقال ثابت بن قيس: بئسَما عَوَّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين! هكذا عَنِّي حتى أريَكم الجلاد. وقُتِل زيد بن الخطاب ﵀. (٣: ٢٩٢).\n٧٠ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن مبشّر، عن سالم، قال: قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع: ألا هلكت قبل زيد! هلك زيد","vol":"8","page":66},{"text":"وأنت حَيّ! فقال: قد حَرَصتُ على ذلك أن يكون، ولكن نفسي تأخرَتْ، فأكرمه الله بالشَّهادة. وقال سهل: قال: ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريتَ وجهك عنّي! فقال: سأل الله الشهادة فأعطِيها، وجهدتُ أن تُسَاق إليّ فلم أعْطَها. (٣: ٢٩٢).\n٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعْلم، عن عُبيد بن عمير: أنّ المهاجرين والأنصار جَبَّنوا أهَل البوادي وجَبَّنهم أهلُ البوادي، فقال بعضهم لبعض: امتازوا كي نُسْتحْيَا من الفرار اليوم، ونعرف اليوم من أين نؤتى! ففعلوا. وقال أهلُ القرى: نحن أعلم بقتال أهل القُرى يا معشَر أهل البادية منكم، فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فستَرَوْن إذا امتزنا من أين يجيء الخلل! فامتازوا، فما رُئي يوم كان أحد ولا أعظم نكايةً مما رُئيَ يومئذ؛ ولم يُدْرَ أيّ الفريقين كان أشدّ فيهم نكاية! إلّا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثرَ منها في أهل البادية، وأنّ البقيَّة أبدًا في الشدّة. ورَمى عبدُ الرحمن بن أبي بكر المحكَّمَ بسهم فقتله وهو يخطب، فنحره وقَتَل زيدُ بن الخطاب الرجَّال بن عُنْفوة. (٣: ٢٩٢).\n٧٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضَّحاك بن يربوع، عن أبيه، عن رجل من بني سُحَيم قد شهدها مع خالد، قال: لمَّا اشتدَّ القتال -وكانت يومئذ سِجَالًا إنَّما تكون مرة على المسلمين ومرّة على الكافرين- فقال خالد: أيُّها الناس امتازوا لنعلَم بلاء كلّ حيّ، ولنعلم من أين نؤتى! فامتاز أهلُ القُرى والبوادي، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر؛ فوقف بنو كلّ أب على رايتهم، فقاتلوا جميعًا، فقال أهل البَوادي يومئذ: الآن يستحرّ القتل في الأجزع الأضعف، فاستحرّ القتل في أهل القرى، وثبت مسيلمة، ودارت رحاهم عليه، فعرف خالدٌ أنَّها لا تركُد إلّا بقتل مسيلمة؛ ولم تحْفل بنو حنيفة بقتل مَن قتل منهم. ثم برز خالد، حتى إذا كان أمام الصّفّ دعا إلى البراز وانتمى، وقال: أنا ابنُ الوليد العوْد، أنا ابن عامر وزيد! ونادى بشعارهم يومئذ، وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه! فجعل لا يبرز له أحدٌ إلا قتله، وهو يرتجز:","vol":"8","page":67},{"text":"أنَا ابن أشياخ وسَيفي السَّختْ ... أعظمُ شيء حين يأتيك النفتْ\nولا يبرزُ له شيء إلا أكله، ودارت رحا المسلمين وطحنت. ثم نادى خالد حين دنا من مُسَيلمة -وكان رسول الله - ﷺ - قال: إنّ مع مسيلمة شيطانًا لا يعصيه، فإذا اعتراه أزْبَدَ كأنّ شدقيه زبيبتَان لا يهمّ بخير أبدًا إلا صرفه عنه، فإذا رأيتم منه عَوْرة؛ فلا تُقيلوه العَثْرَة -فلمَّا دنا خالدٌ منه طلب تلك، ورآه ثابتًا ورحاهم تدور عليه؛ وعرف: أنَّها لا تزول إلا بزواله، فدعا مسيلمة طلبًا لعورته، فأجابه، فعرض عليه أشياء ممَّا يشتهي مسيلمة، وقال: إن قبلنا النّصف، فأيَّ الإنصاف تعطينا؟ فكان إذا همَّ بجوابه أعرض بوجهه مستشيرًا، فينهاه شيطانه أن يقبلَ، فأعرضَ بوجهه مرّة من ذلك، وركبه خالدٌ فأرهقه فأدبر، وزالوا فذمَرَ خالد النَّاس، وقال: دونكم لا تقيلوهم! وركبوهم فكانت هزيمتهم؛ فقال مسيلمة حين قام، وقد تطاير النَّاس عنه، وقال قائلون: فأين ما كنتَ تَعِدُنا؟ فقال: قاتِلُوا عن أحسابكم، قال: ونادى المحكَّم: يا بني حنيفة! الحديقة الحديقة! ويأتي وحشيٌّ على مسيلمة وهو مُزْبِدٌ متساندٌ لا يعقل من الغيظ، فخرَط عليه حربَته فقتله، واقتحم النَّاس عليهم حديقةَ الموت من حيطانها وأبوابها، فقُتِل في المعركة، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل. (٣: ٢٩٣/ ٢٩٤).\n٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هارون، وطلحة، عن عمرو بن شعيب، وابن إسحاق: أنهم لما امتازوا وصبروا، وانحازت بنو حنيفةَ تبِعهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى بلَغوا بهم إلى حديقة الموت، فاختلفوا في قتل مُسيلمةَ عندها، فقال قائلون: فيها قُتل، فدخلوها وأغلقوها عليهم، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البَراء بن مالك، فقال: يا معشَر المسلمين! احملوني على الجِدَار حتى تطرحوني عليه؛ ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعِد فنادى: أنزلوني، ثم قال: احملوني؛ ففعل ذلك مرارًا ثم قال: أفّ لهذا خَشِعًا! ثم قال: احملوني، فلمَّا وضعوه على الحائط اقتحم عليهم، فقاتلهم على الباب حتَّى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا؛ فأغلق الباب عليهم، ثم رمَى بالمفتاح من وراء الجدار، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يرَوْا مثله، وأبيَر من في الحديقة منهم؛ وقد قتل الله مسيلمة، وقالت له بنو حنيفة: أين ما كنت تعدنا! قال: قاتلوا عن أحسابكم! (٣: ٢٩٤).","vol":"8","page":68},{"text":"٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن هارون وطلحة وابن إسحاق. قالوا: لمّا صرخ الصارخ: أنّ العبد الأسود قتل مسيلمة؛ خرج خالد بمجَّاعة يرسُفُ في الحديد ليُرِيَه مُسيلمة، وأعلام جنده، فأتى على الرجَّال فقال: هذا الرجَّال! (٣: ٢٩٤/ ٢٩٥).\n٧٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمَّا فَرَغ المسلمون من مُسيلمة أتي خالد فأخبر، فخرج بمجَّاعة يرسفُ معه في الحديد ليَدلَّه على مُسيلمة، فجعل يكشف له القتلى حتى مرّ بمحكَّم بن الطُفَيل -وكان رجلًا جسيمًا وسيمًا- فلمَّا رآه خالد، قال: هذا صاحبكم. قال: لا، هذا والله خيرٌ منه وأكرم، هذا محكَّم اليمامة. قال: ثمّ مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخَل الحديقة، فقلّب له القتلى؛ فإذا رُوَيجل أصَيفر أخَينس فقال مجَّاعة: هذا صاحبكم، قد فَرَغتم منه، فقال خالد لمجَّاعة: هذا صاحبكم الَّذي فعل بكم ما فعل، قال: قد كان ذلك يا خالد! وإنَّه والله ما جاءك إلّا سَرَعان الناس؛ وإنّ جماهير النَّاس لفي الحصون. فقال: ويلك ما تقول! قال: هو والله الحقّ؛ فهلمّ لأصالحك على قومي. (٣: ٢٩٥).\n٧٦ - كتبَ إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضحاك، عن أبيه، قال: كان رجلٌ من بني عامر بن حنيفة يُدْعى الأغلب بن عامر بن حنيفة، وكان أغلظَ أهلِ زمانه عُنُقًا؛ فلمَّا انهزم المشركون يومئذ، وأحاط المسلمون بهم، تَمَاوَتَ، فلمَّا أثبَت المسلمون في القتلى أتى رجلٌ من الأنصار يكنى أبا بَصيرة ومعه نفرٌ عليه، فلمَّا رأوه مُجدَّلًا في القتلَى وهم يحسبونه قتيلًا، قالوا: يا أبا بصيرة! إنَّك تزعم -ولم تزل تزعم-: أنّ سيفك قاطع، فاضرب عنُق هذا الأغلب الميّت، فإنْ قطعته فكلّ شيء كان يبلغنا حقّ، فاخترطه ثمّ مشى إليه ولا يروْنه إلّا ميتًا، فلمَّا دنا منه ثار، فحاضره، واتَّبعه أبو بصيرة، وجعل يقول: أنا أبو بصيرة الأنصاريّ! وجعل الأغلب يتمطَّر ولا يزداد منه إلا بُعْدًا؛ فكلَّما قال ذلك أبو بصيرة، قال الأغلب: كيف ترى عَدْوَ أخيك الكافر! حتى أفلت. (٣: ٢٩٦/ ٢٩٥).\n٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: لمَّا فرغ خالد من مُسيلمة والجند، قال له عبد الله بن","vol":"8","page":69},{"text":"عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر: ارتحلْ بنا وبالنَّاس فأنزل على الحصون، فقال: دعاني أبُثّ الخيولَ فألقط مَن ليس في الحصون، ثم أرى رأيي. فبثّ الخيول فَحَووْا ما وجدوا من مال ونساء وصبيان، فضمّوا هذا إلى العسكر، ونادى بالرّحيل لينزل على الحصون، فقال له مجَّاعة: إنَّه والله ما جاءك إلّا سَرَعان الناس، وإنّ الحصون لمملوءة رجالًا، فهلمّ لك إلى الصُّلح على ما ورائي، فصالحه على كلّ شيء دون النفوس. ثم قال: أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر؛ ثمّ أرجع إليك. فدخل مجَّاعة الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية، ورجال ضعْفى فظَاهَر الحديد على النساء وأمرهنّ أن ينشرن شعورهن، وأن يشرِفْن على رؤوس الحصون حتى يرجع إليهن؛ ثم رجع فأتى خالدًا فقال: قد أبوْا أن يُجيزوا ما صنعتُ، وقد أشرف لك بعضهم نقضًا عليَّ وهم منِّي بُرَآء. فنظر خالد إلى رؤوس الحصون وقد اسودّت، وقد نَهَكَت المسلمين الحرب، وطال اللقاء؛ وأحبُّوا أن يرجعوا على الظَّفَر، ولم يدروا ما كان كائنًا لو كانَ فيها رجال وقتال، وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصَبة المدينة يومئذ ثلاثمئة وستون. قال سهل: ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلاثمئة من هؤلاء وثلاثمئة من هؤلاء؛ ستمئة أو يزيدون. وقتل ثابت بن قيس يومئذ؛ قتله رجل من المشركين قُطعت رجلُه، فرمى بها قاتله فقتله، وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعَقْرَباء سبعة آلاف، وفي حديقة الموت سبعة آلاف؛ وفي الطلب نحْوٌ منها.\nوقال ضرَارُ بن الأزْوَر في يوم اليمامة:\nولو سُئِلِتْ عنَّا جَنُوبُ لأخْبَرَتْ ... عشيَّةَ سالتْ عَقْرَباءُ ومَلْهَمُ\nوسال بفرْع الوادِ حتى تَرَقْرَقَتْ ... حجارتُه فيها من القوم بالدَّمِ\nعشيَّةَ لا تُغني الرِّماحُ مكانَها ... ولا النّبْلُ إلَّا المَشْرَفيُّ المُصَمِّمُ\nفإن تَبْتَغي الكفَّارَ غير مُلِيمَةٍ ... جنُوب، فإنِّي تابعُ الدين مُسْلِمُ\nأجاهد إذ كان الجهادُ غنيمة ... وَللهُ بالمَرْء المجاهدِ أعلمُ\n(٣: ٢٩٥/ ٢٩٦ / ٢٩٧).\n٧٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: قال مجَّاعة لخالد ما قال إذ قال له: فهلمّ لأصالحك عن قومي لرجل قد نهكتْه الحرب،","vol":"8","page":70},{"text":"وأصيب معه من أشراف الناس مَنْ أصيب؛ فقد رقّ وأحبّ الدَّعَة والصُّلْح. فقال: هلمّ لأصالحك، فصالحه على الصّفْراء والبَيضاء والحَلْقة ونصف السَّبْي. ثم قال: إنّي آتي القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت. قال: فانطلق إليهم، فقال للنساء: الْبَسْنَ الحديد، ثم أشْرِفنَ على الحصون، ففعلن. ثم رجع إلى خالد، وقد رأى خالدٌ الرِّجال فيما يرى على الحُصُون عليهم الحديد. فلمَّا انتهى إلى خَالد، قال: أبوْا ما صالحتُك عليه، ولكنْ إن شئتَ صنعت لك شيئًا، فعزمتُ على القوم. قال: ما هو؟ قال: تأخذُ منّي رُبْعَ السَّبْي وتَدَعُ ربعًا. قال خالد: قد فعلت، قال: قد صالحتُك، فلمَّا فرغا فتحت الحصون، فإذا ليس فيها إلّا النّساء والصّبيان، فقال خالد لمجَّاعة: ويحك خدعتني! قال: قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت. (٣: ٢٩٧/ ٢٩٨).\n٧٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، قال: قال مجَّاعة يومئذ ثانية: إن شئت أن تقبل مني نِصْفَ السَّبْي، والصَّفْراء، والبيضاء، والحلْقة، والكُراع؛ عزمت، وكتبت الصُّلْحَ بيني وبينك. ففعل خالد ذلك، فصالحه على الصَّفْراء، والبيضاء، والحلْقة، والكُراع، وعلى نصف السبْي، وحائط من كلّ قرية يختاره خالد، ومزرعة يختارها خالدَ، فتقاضَوْا على ذلك، ثم سرّحه، وقال: أنتم بالخيار ثلاثًا؛ والله لئن لم تُتِمُّوا، وتقبلوا؛ لأنهدَنّ إليكم، ثم لا أقبل منكم خَصْلة أبدًا إلّا القتل. فأتاهم مجَّاعة فقال: أمَّا الآن فاقبلوا، فقال سلَمة بن عمير الحنفيّ: لا والله لا نقبل! نبعث إلى أهل القرى، والعبيد، فنقاتل، ولا نقاضي خالدًا، فإنّ الحصون حصينة، والطعام كثير، والشتاء قد حَضر. فقال مجَّاعة: إنَّك امرؤٌ مشؤوم، وغرّك أنّي خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح، وهل بقي منكم أحد فيه خيرٌ، أو به دَفْع! وإنَّما أنا بادرَتكم قبل أن يصيبَكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة، فخرج مجَّاعة سابع سبعة حتى أتى خالدًا، فقال: بعد شدّ ما رضوا؛ اكتب كتابك، فكتب:\nهذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد بن مجَّاعة بن مرارة، وسلَمة بن عمير، وفلانًا، وفلانًا؛ قاضاهم على الصَّفْراء، والبَيضاء، ونصف السَّبْي، والحلْقة، والكُراع، وحائط من كلّ قرية؛ ومزرعة؛ على أن يُسلموا ثمّ أنتم آمنون بأمان","vol":"8","page":71},{"text":"الله؛ ولكم ذمَّة خالد بن الوليد وذمَّة أبي بكر خليفة رسولِ الله - ﷺ -، وذمّة المسلمين على الوفاء. (٣: ٢٩٨).\n٨٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عِكْرمة، عن أبي هُريرة، قال: لمَّا صالح خالد مجاعة؛ صالحَه على الصَّفراء، والبيضاء، والحلْقة، وكلّ حائط رِضَانَا في كلّ ناحية، ونصف المملوكين. فأبوْا ذلك، فقال خالد: أنتَ بالخيار ثلاثةَ أيام، فقال سلَمة بن عُمَير: يا بني حَنِيفة! قاتِلُوا عن أحْسَابكم، ولا تصالحوا على شيء، فإنّ الحصْنَ حصين، والطعام كثير وقد حَضَر الشِّتاء. فقال مجَّاعة: يا بني حَنيفة! أطيعوني واعصُوا سلَمة، فإنَّه رجلٌ مشؤوم قبل أن يصيبَكم ما قال شُرَحبيل بن مسيلمة \"قَبْل أن تُسْتَرْدف النساء غَير رضيَّات، وينكَحْن غير خطيبات\". فأطاعوه، وعَصَوا سَلمة، وقبلوا قضيته. وقد بعث أبو بكر ﵁ بكتاب إلى خالد مع سَلَمة بن سَلامة بن وقْش، يأمر إن ظفَّره الله ﷿ أن يقتل مَنْ جرَت عليه المواسي من بني حَنِيفة، فقدِم فوجده قد صالحهم، فوفَى لهم، وتمّ على ما كان منه، وحُشرت بنو حَنيفة إلى البَيعة، والبَراءة ممَّا كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسكره؛ فلمَّا اجتمعوا قال سلَمة بن عمير لمجَّاعة: استأذن لي على خالد أكلّمْه في حاجة له عندي ونصيحة -وقد أجمع أن يفتك به- فكلَّمه فأذن له، فأقبل سلَمة بن عُمَير، مشتملًا على السيف يريد ما يريد، فقال: مَن هذا المقبل؟ قال مَجَّاعة: هذا الَّذي كلَّمتك فيه، وقد أذنت له، قال: أخرِجُوه عنّي؛ فأخرجوه عنه، ففتشوه فوجدوا معه السيف، فلعنوه، وشتموه، وأوثقوه، وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك، وأيم الله ما أردت إلا أن تُسْتَأصَل بنو حنيفة، وتسبى الذريّة والنساء! وأيم الله لو أن خالدًا علم أنك حملت السلاح؛ لقتلك! وما نأمنه إن بلغه ذلك أن يقتلك، وأن يقتُل الرجال، ويسبي النّساء بما فعلت؛ ويحسب: أنّ ذلك عن ملأ منَّا. فأوثقوه وجعلوه في الحِصْن؛ وتتابع بنو حنيفة على البَرَاء ممَّا كانوا عليه، وعلى الإسلام، وعاهدهم سَلَمة على ألّا يُحدث حدثًا ويعفوه، فأبوْا ولم يثِقُوا بحُمْقه أن يقبلوا منه عهدًا، فأفلت ليلًا؛ فعمَد إلى عسكر خالد، فصاح به الحرَس، وفزعتْ بنُو حنيفة، فاتَّبعوه فأدركوه في بعض الحوائط، فشدّ عليهم بالسيف؛ فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلْقه فقطع أوداجَه، فسقط في بئر فمات. (٣: ٢٩٩/ ٣٠٠).","vol":"8","page":72},{"text":"٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضحّاك بن يربوع، عن أبيه، قال: صالح خالدٌ بني حنيفة جميعًا إلّا ما كان بالعرْضِ، والقريّة، فإنهم سُبُوا عند انبثاث الغارة، فبعث إلى أبي بكر ممَّن تجرَى عليه القسمُ بالعرْض والقُرَيّة من بني حنيفة، أو قيس بن ثعلبة، أو يشكُر، خمسمئة رأس. (٣: ٣٠٠).\n٨٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، قال: ثمّ إن خالدًا قال لمجَّاعة: زَوّجني ابنَتك، فقال له مجَّاعة: مهلًا، إنَّك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك. قال: أيها الرّجل، زَوّجْني؛ فزوّجه؛ فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه كتابًا بقطر الدم: لَعمرِي يا بنَ أمّ خالد! إنك لفارغ تنكح النّساء وبفناء بيتك دَمُ ألف ومئتي رجل من المسلمين لم يجْففْ بعد! قال: فلمَّا نظر خالد في الكتاب جعل يقول:\nهذا عمل الأعَيسر -يعني: عمر بن الخطاب- وقد بعث خالد بن الوليد وفدًا من بني حَنيفة إلى أبي بكر، فقدمُوا عليه، فقال لهم أبو بكر: وَيحكم! ما هذا الذي استزلّ منكم ما استزل! قالوا: يا خليفة رسول الله! قد كان الَّذي بلغك ممَّا أصابنا كان أمرًا لم يبارك الله ﷿ له ولا لعشيرته فيه، قال: على ذلك، ما الَّذي دعاكم به! قالوا: كان يقول: \"يا ضِفْدَع نقّي نِقّي، لا الشارَب تمنعين، ولا الماء تكدّرين؛ لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض؛ ولكنّ قريشًا قوم يَعْتدون\".\nقال أبو بكر: سبحان الله! ويحكم! إنّ هذا لكلامٌ ما خرج من إلّ ولا برّ، فأين يُذهب بكم؟ ! فلمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليمامة - وكان منزله الذي به التقى الناس أباض؛ واد من أودية اليمامة. ثم تحوّل إلى وادٍ من أوديتها يقال له: الوَبَر، كان منزله بها (١). (٣: ٣٠٠/ ٣٠١).\n_________\n(١) (٥٩/ ٦٠ / ٦١/ ٦٢ / ٦٣/ ٦٤ / ٦٥/ ٦٦ / ٦٧/ ٦٨ / ٦٩/ ٧٠ / ٧١/ ٧٢ / ٧٣/ ٧٤ / ٧٥/ ٧٦ / ٧٧/ ٧٨ / ٧٩/ ٨٠ / ٨١/ ٨٢).\nذكرنا هذه الروايات في قسم الضعيف لأنها لا تخلو من طعن، أو غمز في صحابة رسول الله - ﷺ - وأغلب ظننا أنه من قبل شعيا تلميذ سيف بن عمر وراويته الذي قال عنه أئمة الجرح والتعديل في رواياته تخالف على السلف (لسان الميزان ٣/ ١٤٥) فهذه الروايات:\n١ - (٣/ ٢٨١ / ٨٦) و(٣/ ٢٨٢ / ٨٧): تصور الصحابيين الجليلين عكرمة وشرحبيل بن حسنة =","vol":"8","page":73},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكان كل واحد منهما يتعجّل ولا يطبق أوامر الخليفة المسلم كما صدرت إليه ولا ينتظر المدد فيتسبب في هزيمة المسلمين، ونسي من قال بهذا الغمز واللمز أنه ذكر في رواياته التأريخية: أن معارك الردة كانت شرسة وأنها كانت سجالًا وكرًّا وفرًا وقُتل فيها من حملة القرآن من الصحابة من قتل حتى كتب الله النصر النهائي لجماعة الصحابة (جند الخليفة الراشد الأول الصديق) ﵃ أجمعين. وإن كان صحّ: أن عكرمة وشرحبيل قد أسرع كل واحد منهما إلى العدوّ فليس ذلك للمغنم؛ لأن من كتب التأريخ الإسلامي أيام حروب الردة يعلم أن ذلك القتال كان شرسًا وأن أهل الردة لم يرتدعوا حتى عن قتل أصحابهم وتمزيقهم كل ممزق وهم قوم معرفون بالقتال والشراسة. فإذا أسرع إليهم عكرمة أو شرحبيل فهما يعلمان جيدًا أن الإقدام قد يؤدي إلى الموت كما قال الشاعر قديمًا.\nلولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفْقِرُ والإقدام قتّالُ\nفإن كان عكرمة أسرع إلى المعركة وحده فليس إلّا حرصا منه على استباق الخيرات وإذلال عدو الله ونصرة شريعة الله وجنده. وكذلك الحال مع شرحبيل وغيره ﵃ جميعًا والناقد لروايات التأريخ سندًا ومتنًا يستطيع لو تأمّل مليًا أن يستخرج ما دُسَّ في وقائع تلك الأحداث وطعنًا في هاتين الروايتين وغيرهما لا يعني أن جُلّ ما فيها غير صحيح بل سنذكر منها مقاطع في قسم (صحيح عهد الخلفاء الراشدين) لأن لها ما يؤيدها ولا دخل لها في المسائل العقيدية أو الطعن في عدالة الصحابة أو التحيز إلى فئة دون أخرى بدافع سياسي أو عقدي.\n٢ - وفي الرواية (٣/ ٢٩٠ / خ ٩٥): صورة شائنة ألصقها الراوي بالصحابي الجليل البراء بن مالك أخي أنس بن مالك وهذه الرواية من طريق ابن حميد وهو ضعيف عند أغلب أئمة الحديث أضف إلى أنه من طريق ابن إسحاق وقد عنعن وأبهم اسم شيخه. ففي إسناده جهالة كذلك.\n٣ - وفي الرواية (٣/ ٢٩٢ / خ ١٠١) طامّات بدل طامة وهي كذلك من طريق (شعيب عن سيف عن طلحة بن الأعلم) وموقف شعيب معروف في دسّه على السلف الصالح، وضعف سيف معروف، وشيخه هنا لم يوثقه أحد.\nوفيها على سبيل المثال: أن المهاجرين والأنصار كانوا سببًا في هزيمة المسلمين أكثر من أهل القرى والبادية الذين انضموا إلى جيش المسلمين، ونسي: أن المهاجرين والأنصار خاضوا معارك مباركة كبدر وأحد والخندق وغيرها وضربوا أروع الأمثلة في البسالة، والشجاعة، والروايات الضعيفة في مثالب المهاجرين والأنصار كما في هذه الرواية التي فيها: أن المهاجرين والأنصار جبّنوا أهل البوادي.\nنقول: هذه الروايات لا تستطيع أن تقاوم ما تواتر من الأخبار الصحيحة في شجاعة الصحابة وإقدامهم وإيثارهم وعدالتهم وهم خير القرون بنص حديث رسول الله - ﷺ - والله تعالى أعلم. =","vol":"8","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1127>ذكر خبر أهل البحرين وردة الخَطم ومَنْ تجمع معه بالبحرين</span>\n٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيَّة بن بلال، عن سَهْم بن مِنْجاب، عن مِنْجاب بن راشد، قال: بعث أبو بكر العلاء بن\n_________\n= ٤ - ومثال آخر (٣/ ٢٩٤ / خ ١٠٣) من أمثلة الدسّ في الرواية التاريخية والطعن في الصحابة وإظهارهم بمظهر الجبان المتخاذل (حاشاهم) وفيها أن البراء تردد في بداية الأمر عندما رفعه الصحابة على جدار الحديقة التي تحصّن فيها مسيلمة وأصحابه فأصابه الرعب وقال أنزلوني وفعل ذلك مرارًا وفي المرة الأخيرة نزل إلى الأعداء. وهذه الرواية كذلك من طريق شعيب عن سيف، ومما يدل على كذب هذه العبارة في وصف مالك ﵁ أنها تخالف الرواية الضعيفة الأخرى التي قالت: أنه يعتريه حالة من الارتعاد والارتجاف ثم يمسك به الرجال الأشداء ثم يفعل كذا وكذا ثم يثور كالأسد إلى آخر ما في ذلك من الافتراء والدَّسّ على صحابة رسول الله - ﷺ -.\n٥ - وفي (٣/ ٢٩٨ / خ ١٠٨) أن أحد أصحاب مسيلمة خدع خالدًا بسهولة علمًا بأن سيرة سيدنا خالد توضح بكل جلاء أنه كان داهية فطنًا لا يستطيع الخبّ أن يخدعه ثم إنه ﵁ لا يتساهل مع أعداء الله بعد أن أعلنوا ردتهم ومنعوا الزكاة ومثلّوا بكل مسلم وقع في أيديهم في البوادي والحواضر. وهذه الرواية من طريق ابن حميد الرازي وهو ضعيف وقد ذكره عن ابن إسحاق معضلًا.\n٦ - ومثال آخر للدسّ والاختلاق كما في الرواية (٣/ ٢٨٢ / خ ٨٨) وهو كذلك من طريق شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد عمن حدثه عن جابر بن فلان فبالإضافة إلى إتهام شعيب بطعنه في سيرة السلف ففيه مجهول (عمن حدثه) وشيخه مجهول الأب (جابر بن فلان) هكذا وفي هذه الرواية كلام تكذبه الروايات الصحيحة التي ذكرنا. وحتى هذه الروايات الضعيفة من طريق شعيب عن سيف تكذب ما ورد في هذه الرواية (ح ٨٨) إذ فيها [وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر أدعهم حتى يلقوا الله بأحسن أعمالهم فإن الله يدفع بهم وبالعلماء من الأمم أكثر وأفضل مما ينتصر بهم].\nوالروايات الصحيحة تذكر أسماء كبار الصحابة بلا تفريق بين بدري وغيره قد شاركوا في معارك الردة وحملوا راية الجهاد واستشهد منهم من استشهد منهم سبعون من الأنصار ولم يستخلف أبو بكر سوى عدد من كبار الصحابة الذين لازموا رسول الله - ﷺ - حتى وفاته ومنهم عمر ﵁ يعاونونه في أمور الحكم والخلافة، بل إن أبا بكر خرج بنفسه في بداية الأمر ثم ترجّاه كبار الصحابة ليبقى هو في المدينة يدير شؤون الخلافة وينيب عنه من يكون بمثابة القائد العام أو رئيس هيئة الأركان كما في المصطلح الحديث، فكان أن وقع الاختيار على سيدنا خالد ﵁ وأرضاه، كيف لا؛ وهو سيف الله المسلول؟ ! .","vol":"8","page":75},{"text":"الحضرميَّ على قتال أهل الرّدّة بالبحرين؛ فلمّا أقبل إليها؛ فكان بحيال اليمامة، لحِقَ به ثُمامة بن أثال في مُسْلمة بن حنيفة من بني سُحَيم ومن أهل القرى مِن سائر بني حنيفة، وكان متلدّدًا؛ وقد ألحق عكرمة بعُمان ثم مَهْرة، وأمَر شرحبيل بالمقام حيث انتهى إلى أن يأتيَه أمرُ أبي بكر، ثم يغاور هو وعمرو بن العاص أهل الردة من قُضَاعة. فأمَّا عمرو بن العاص فكان يُغاور سعدًا وبليًّا وأمَر هذا بكلْب ولفها، فلمَّا دنا منَّا ونحن في عُلْيا البلادِ لم يكن أحدٌ له فرس من الرِّباب وعمرو بن تميم إلّا جنبَه، ثم استقبله؛ فأمّا بنو حنظلة فإنَّهم قدّموا رِجْلًا وأخَّروا أخرى. وكان مالك بن نُويرة في البُطاح ومعه جُموع يساجلنا ونساجله. وكان وكيع بن مالك في القَرْعاء معه جموع يُساجل عمرًا وعمرو يساجلُه، وأمَّا سعد بن زيد مناة فإنَّهم كانوا فِرْقتين؛ فأمَّا عوف والأبناء فإنَّهم أطاعوا الزّبْرقان بن بدر، فثبتوا على إسلامهم وتمّوا وذَبُّوا عنه؛ وأمَّا المُقاعس والبُطون فإنَّهما أصاخا ولم يتابعا؛ إلّا ما كان من قَيس بن عاصم؛ فإنَّه قسّم الصدقات التي كانت اجتمعت إليه في المقاعس والبطون حين شخص الزّبْرقان بصَدقاتِ عَوْفٍ والأبناء؛ فكانت عوف والأبْناء مشاغيل بالمُقاعس والبطون. فلمَّا رأى قيس بن عاصم ما صنعت الرّباب وعمرو منْ تلقِّي العلاء نَدِم على ما كان فَرَط منه، فتلقَّى العَلاءَ بإعداد ما كان قسم من الصدقات، ونزع عن أمره الَّذي كان همَّ به، واستاق حتى أبلغها إياه، وخرج معه إلى قتال أهل البحرين؛ وقال في ذلك شعرًا كما قال الزبرقان في صَدقته حين أبلغها أبا بكر؛ وكان الذي قال الزبرقان في ذلك:\nوَفَيتُ بأذْواد الرَّسُول وقد أبتْ ... سُعاةٌ فلمْ يَردُد بعيرًا مُجيرُها\nمعًا ومَنعناها منَ النَّاس كلِّهمُ ... تَرَامَى الأعادي عِنْدَنا ما يضيرُها\nفأَدَّيتُها كَي لا أخُونَ بذِمتي ... مَحَانيق لم تُدرَسْ لركبٍ ظهورُها\nأردتُ بها النَّقْوَى ومَجْد حديثها ... إذا عُصْبَة سامَى قبيلي فَخُورُها\nوإني لَمِنْ حَيّ إذا عُدَّ سَعْيُهم ... يرى الفَخر منها حَيُّها وقُبورها\nأصاغِرُهم لم يَضْرَعُوا وكِبَارُهم ... رزَان مَرَاسيها، عِفَافٌ صُدُورُها\nومن رَهْطِ كنَّادٍ توفَّيتُ ذِمتي ... ولم يثنِ سيفي نَبْحُها وهَريرُها\nوللهِ مُلْك قد دخلتُ وفارس ... طعنتُ إذا الخيلُ شَدَّ مُغِيرُها\nففرَّجْتُ أولاهَا بِنَجْلاءَ ثَرَّةٍ ... بحيث الذي يَرجُو الحياةَ يَضِيرُها\nومَشْهَدِ صِدْقٍ قد شهدتُ فلم أكُنْ ... به خامِلًا واليومَ يثنى مَصِيرُها","vol":"8","page":76},{"text":"أرَى رَهْبَةَ الأعداءِ منِّي جَرَاءَةً ... ويبكي إذا ما النفسُ يُوحى ضميرها\nوقال قيس عند استقبال العلاء بالصدقة:\nألا أَبْلِغا عنِّي قريشًا رسالةً ... إذا ما أتتَها بيِّناتُ الودائعِ\nحَبَوْتُ بها في الدَّهر أعراضَ مِنْقَرٍ ... وأيأَسْتُ منها كلّ أطْلَس طامعِ\nوَجَدْتُ أبي والخال كانا بنجوة ... بقاعٍ فلم يحْلُلْ بها مَنْ أدافِعُ\nفأكرمه العلاءُ، وخرج مع العَلاء بن عمرو وسعد الرّباب مثل عسكره، وسلك بنا الدَّهْناء؛ حتى إذا كنا في بُحْبُوحتها والحَنَّانات والعَزَّافاتُ عن يمينه وشماله، وأراد الله ﷿ أن يرينا آياته نزَل وأمر الناس بالنّزول، فنَفرت الإبل في جُوْف الليل؛ فَمَا بَقِيَ عندنا بعير ولا زادٌ ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل، وذلك حين نزل الناس، وقبل أن يحطُّوا؛ فما علمت جمعًا هجم عليهم من الغَمّ ما هجم علينا وأوصَى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العَلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه، فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلامُ ونحن إن بلغنا غدًا لم تحْمَ شمسُه حتى نصير حديثًا! فقال: أيّها الناس؛ لا تُراعوا، ألَسْتم مسلمين! ألستم في سبيل الله! ألستم أنصار الله! قالوا: بلى، قال: فأبشروا؛ فوالله لا يَخْذُل الله من كان في مثل حالكم! ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلَع الفجر فصلَّى بنا، ومنَّا المتيمِّم، ومنَّا من لم يزل على طَهُوره؛ فلمَّا قضى صلاته جثا لرُكْبَتَيه وجَثَا النَّاس، فنصب في الدّعاء ونصبوا معه؛ فلمع لهم سرابُ الشمس؛ فالتفت إلى الصّفّ، فقال: رائد ينظر ما هذا؟ ففعل ثم رجع، فقال: سراب، فأقبل على الدّعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال: ماء، فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلْنا عليه، فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النَّهار حتى أقبلت الإبل تكْرَد من كلّ وجه، فأناخت إلينا، فقام كلّ رجل إلى ظهره، فأخذه، فما فقدنا سِلْكًا فأرويناها وأسقيناها العَلَل بعد النّهَلِ؛ وتَرَوّينا ثم تروّحنا -وكان أبو هريرة رفيقي- فلمّا غِبْنَا عن ذلك المكان، قال لي: كيف علمُك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد قال: فكن معي حتى تقيمني عليه، فكررتُ به، فأتيت به على ذلك المكان بعينه؛ فإذا هو لا غديرَ به، ولا أثر للماء، فقلت له: والله لولا أنّي لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان؛","vol":"8","page":77},{"text":"وما رأيت بهذا المكان ماءً ناقعًا قبل اليوم؛ وإذا إداوة مملوءة، فقال: يا أبا سهم! هذا والله المكان؛ ولهذا رجعت ورجعت بك. وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفيره، فقلت: إن كانَ منًّا من المنّ وكانت آية عرفتها؛ وإن كان غياثًا عرفته؛ فإذا منّ من المَن، فحَمِد الله، ثم سِرْنا حتى ننزل هَجَر. قال: فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضمّا في عبد القيس حتى تنزلا على الحطَم ممَّا يليكما؛ وخرج هوفيمَن جاء معه وفيمَن قدم عليه؛ حتى ينزل عليه ممَّا يلي هَجَر، وتجمَّع المشركون كلُّهم إلى الحُطَم إلّا أهل دارين، وتجمَّع المسلمون كلّهم إلى العَلاء بن الحضرميّ، وخندق المسلمون والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خَنْدقهم؛ فكانوا كذلك شهرًا؛ فبينَا الناس ليلةً إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة؛ كأنها ضوضاءُ هزيمة أو قتال، فقال العلاء: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله بن حَذَف: أنا آتيكم بخبر القوم -وكانت أمّه عِجْليَّة- فخرج حتى إذا دنا من خَندقهم أخذوه، فقالوا له: مَن أنت؟ فانتسب لهم، وجعل ينادي: يا أبْجَراه! فجاء أبجر بن بُجَير، فعرفه فقال: ما شأنُك؟ فقال: لا أضيعنَّ الليلة بين اللَّهازم! عَلام أقتَل وحولي عساكر من عِجْل وتيم الَّلات وقيس وعَنَزَة! أيتلاعب بي الحُطم ونُزاع القبائل وأنتم شهود! فتخلَّصه، وقال: والله إنِّي لأظنَّك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة! فقال: دَعْنِي من هذا وأطعمْني؛ فإني قد متُّ جوعًا. فقرّب له طعامًا؛ فأكل ثمّ قال: زوّدني واحمِلْني وجَوّزني أنطلق إلى طيَّتي. ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب، ففعل وحَمَله على بعير، وزوّده وجَوّزه؛ وخرج عبد الله بن حَذَف حتى دخل عسكرَ المسلمين، فأخبرهم أنّ القوم سُكارى، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكَرهم، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاؤوا، واقتحموا الخندق هُرّابًا، فمتردٍّ، وناجٍ، ودهِش، ومقتول أو مأسور، واستولَى المسلمون على ما في العسكر؛ لم يفلِت رجل إلّا بما عليه؛ فأما أبجر فأفلتَ، وأمَّا الحُطَم فإنَّه بَعِل ودُهِش، وطار فؤاده؛ فقام إلى فرسه -والمسلمون خلالهم يجُوسُونهم- ليركَبه؛ فلمَّا وضع رجلَه في الرّكاب انقطَع به، فمرّ به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم، والحُطم يستغيث ويقول: ألا رجلٌ مِنْ بني قيس بن ثعلبة يَعْقلني! فرفع صوته، فعرف صوته، فقال: أبو ضُبَيعة! قال: نعم، قال: أعطني رِجْلك أعقلْك، فأعطاه رِجْله يعقلُه،","vol":"8","page":78},{"text":"فنفَحَها فأطنَّها من الفَخذ، وتركه، فقال: أجهز عليّ، فقال: إني أحبّ ألا تموت حتى أمضَّك. -وكان مع عَفيف عدّة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ- وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحدٌ من المسلمين إلّا قال: هل لك في الحُطَم أن تقتله؟ ويقول: ذاك لمن لا يعرفه، حتى مرّ به قيس بن عاصم، فقال له ذلك، فمال عليه فقتله، فلمَّا رأى فخذَه نادرةً، قال: واسوأتاه! لو علمت الَّذي به لم أحرّكه؛ وخرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم، فاتَّبعوهم، فلحق قيس بن عاصم أبجر -وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس- فلمَّا خشيَ أن يفوتَه طعنه في العُرقوب فقطع العَصَب، وسَلِم النَّسَا؛ فكانت رادّة، وقال عُفيف بن المنذر:\nفإنْ يرقَأ العرقوبُ لا يرْقأ النّسَا ... وما كُلُّ مَنْ يهْوى بذلك عالِمُ\nألم ترَ أنَّا قد فَللْنا حُمَاتَهمْ ... بأسْرَةِ عمرو والرِّبابِ الأكارِمِ\nوأسرَ عفيف بن المنذر الغَرور بن سويد، فكلّمتْه الرّباب فيه، وكان أبوه ابن أخت التَّيْم، وسألوه أن يُجيره، فقال للعلاء: إني قد أجَرْت هذا، قال: ومَنْ هذا؟ قال: الغَرُور، قال: أنت غررت هؤلاء، قال: أيّها الملك، إني لستُ بالغَرور؛ ولكني المغرور، قال: أسْلِمْ، فأسلم، وبقي بهجَر، وكان اسمه الغَرور، وليس بلَقب؛ وقتل عفيف المنذر بن سويد بن المنذر، أخا الغرور لأمِّه، وأصبح العَلاء فقسّم الأنفال، ونفَّل رجالًا من أهل البلاء ثيابًا، فكان فيمن نفَّل عفيف بن المنذر، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال؛ فأمّا ثمامة فنُفِّل ثيابًا فيها خميصة ذات أعلام، كان الحُطم يُباهي فيها، وباع الثياب. وقصد عُظْمُ الفُلّال لدارين، فركبوا فيها السفن، ورجع الآخرون إلى بلاد قومهم؛ فكتب العلاء بن الحضرميّ إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل فيهم، وأرسل إلى عُتَيبة بن النَّهَّاس وإلى عامر بن عبد الأسود بلزوم ما هم عليه والقعود لأهل الردّة بكلّ سبيل، وأمر مسْمَعًا بمبادرتهم، وأرسل إلى خَصَفة التميميّ والمثنَّى بن حارثة الشيبانيّ، فأقاموا لأولئك بالطريق، فمنهم مَنْ أناب، فقبلوا منه واشتملوا عليه؛ ومنهم مَنْ أبي ولَجّ فمنع من الرجوع، فرجعوا عَوْدَهم على بدئهم؛ حتى عَبَرُوا إلى دارين، فجمعهم الله بها، وقال في ذلك رجل من بني ضُبيعة بن عجل، يدْعَى وهبًا، يعيّر مَن ارتدّ من بكر بن وائل:","vol":"8","page":79},{"text":"أَلم تَرَ أنَّ الله يَسْبِكُ خَلْقَه ... فيَخْبُثَ أقوامٌ ويَصفُوَ مَعْشَرُ\nلَحَى اللهُ أقوامًا أُصيبوا بخَنْعَةٍ ... أصابَهُمُ زيدُ الضَّلالِ ومَعْمَرُ!\nولم يزل العَلاءُ مقيمًا في عسكر المشركين حتى رجعت إليه الكتب من عند مَنْ كان كتب إليه من بكْر بن وائل، وبلَغه عنهم القيام بأمر الله، والغضبُ لدينه، فلمَّا جاءه عنهم من ذلك ما كان يشتهي؛ أيقن أنه لن يؤتَى من خلفه بشيء يكرهه على أحد من أهل البحرين، وندَب النَّاس إلى دارين، ثم جمعهم فخطبهم، وقال: إنّ الله قد جمع لكم أحزابَ الشياطين وسُرَّدَ الحرب في هذا البحر؛ وقد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم، ثم استعرضوا البحر إليهم، فإنّ الله قد جَمعهم، فقالوا: نفعل ولا نهاب والله بعدَ الدَّهناء هَوْلًا ما بقينا.\nفارتحل وارتحلوا، حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصَّاهل، والجامل، والشاحج والنَّاهق؛ والراكبُ والراجل، ودعا ودعوْا؛ وكان دعاؤه ودعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا حليم، يا أحَد، يا صَمَد يا حيّ يا مُحيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا! فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعًا يمشون على مثل رَمْلة مَيثاءَ، فوقها ماء يغمُر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسُفُن البحر في بعض الحالات، فالتقوْا بها، واقتتلوا قتالًا شديدًا، فما تركوا بها مُخْبِرًا وسبوا الذراريّ، واستاقوا الأموال؛ فبلغ نَفَل الفارس ستَّة آلاف، والراجل ألفين، قطعوا ليلهم وساروا يومَهم؛ فلمَّا فرغوا رجعوا عَوْدَهم على بدئهم حتى عَبَروا، وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر:\nألم تَرَ أن الله ذَلَّلَ بَحْرَه ... وأنزل بالكُفَار إحدَى الجلائلِ!\nدَعَوْنا الَّذي شقَّ البحارَ فجاءنا ... بأعجب من فَلْقِ البحار الأوائلِ\nولمَّا رجع العلاء إلى البحْرين، وضرب الإسلام فيها بجِرَانِه، وعزّ الإسلامُ وأهله، وذلّ الشرْك وأهلُه؛ أقبل الَّذين في قلوبهم ما فيها على الإرجاف، فأرجف مُرْجِفُون، وقالوا: ها ذاك مَفْرُوق، قد جمع رهطه. شيبان وتغلب والنمر، فقال لهم أقوام من المسلمين: إذًا تشغَلهم عنا اللَّهَازِم -واللَّهَازم يومئذ قد استجمع أمرهم على نصر العلاء وطابقوا- وقال عبد الله بن حَذَف في ذلك:","vol":"8","page":80},{"text":"لا تُوعدونا بمفرُوق وأسْرتِهِ ... إنْ يأتِنا يَلْقَ فينا سنّة الحُطَمِ\nوإنّ ذَا الحيَّ من بَكرٍ وإنْ كثروا ... لأُمَّةٌ داخلون النارَ في أممِ\nفالنّخلُ ظاهره خَيلٌ وباطنه ... خيلٌ تَكَدَّسُ بالفِتيان في النِّعمِ\nوأقفل العلاء بن الحضرميّ الناس، فرجع النَّاس إلّا مَن أحبّ المقام، فقفلنا وقَفَل ثُمامة بن أثال؛ حتى إذا كنَّا على ماء لبني قَيس بن ثعلبة؛ فرأوا ثمامة، ورأوا خَميصة الحُطَم عليه دسُّوا له رجلًا، وقالوا: سله عنها كيف صارت له؟ وعن الحطم: أهو قتله أو غيره؟ فأتاه، فسأله عنها، فقال: نُفلْتُها. قال: أأنت قتلت الحُطَم؟ قال: لا، ولوددت أني كنت قتلته، قال: فما بال هذه الخميصة معك؟ قال: ألم أخبرك! فرجع إليهم فأخبرهم، فتجمَّعوا له، ثم أتوه فاحْتَوَشُوه؛ فقال: ما لكم؟ قالوا: أنت قاتل الحُطَم؟ قال: كذبتم، لستُ بقاتِله ولكني نفَلتها، قالوا: هل ينفَّل إلّا القاتل! قال: إنها لم تكن عليه، إنما وُجِدَتْ في رَحْله، قالوا: كذبت. فأصابوه.\nقال: وكان مع المسلمين راهبٌ في هَجَر؛ فأسلم يومئذ فقيل: ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخني الله بعدَها إن أنا لم أفعل: فَيضٌ في الرمال، وتمهيد أثباج البحار، ودعاءٌ سمعته في عسكرهم في الهواء من السَّحَر. قالوا: وما هو؟ قال: اللهمّ أنتَ الرّحمن الرّحيم؟ لا إله غيرُك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والحيّ الذي لا يموت، وخالق ما يُرَى وما لا يُرَى، وكلّ يوم أنت في شأن، وعَلِمتَ اللهمّ كلّ شيء بغير تَعَلُّم؛ فعلمت أنّ القوم لم يُعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله. فلقد كان أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - يسمعون من ذلك الهَجَريّ بعد.\nوكتب العلاء إلى أبي بكر: أما بعدُ: فإنّ الله ﵎ فَجَّر لنا الدَّهناءَ فيضًا لا تُرَى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غمّ وكرب، لنحمد الله ونمجّده، فادعُ الله واستنصرْه لجنوده وأعوان دينه.\nفحمد أبو بكر الله ودعاه، وقال: ما زالت العرب فيما تحدّث عن بلدانها يقولون: إنّ لقمان حين سُئِل عن الدّهناء: أيحتقرونها أو يَدَعونها؟ نهاهم، وقال: لا تبلغها الأرْشِيَة، ولم تقرّ العيون؛ وإن شأن هذا الفَيض من عظيم الآيات، وما سمعنا به في أمَّة قبلها. اللهمّ أخلف محمدًا - ﷺ - فينا.","vol":"8","page":81},{"text":"ثم كتب إليه العلاءُ بهزيمة أهل الخندق وقتْل الحطم، قتله زيد ومعمر: أمَّا بعد: فإن الله تبارك اسمه سلَب عدوَّنا عقولهم، وأذهب ريحَهم بشراب أصابوه من النَّهار، فاقتحمنا عليهم خندقَهم، فوجدناهم سُكارى، فقتلناهم إلّا الشريد، وقد قتل الله الحُطَم.\nفكتب إليه أبو بكر: أمَّا بعد، فإنْ بلغك عن بني شيبان بن ثعلبة تمامٌ على ما بلغك، وخاض فيه المُرْجفون؛ فابعث إليهم جندًا فأوطئهم وشَرّد بهم من خلفهم. فلم يجتمعوا؛ ولم يصرْ ذلك من إرجافهم إلى شيء (١).\n(٣: ٣٠٤/ ٣٠٥/ ٣٠٦/ ٣٠٧/ ٣٠٨/ ٣٠٩/ ٣١٠/ ٣١١/ ٣١٢/ ٣١٣ /٣١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>ذكر الخبر عن ردَّة أهل عُمان ومَهْرة واليمن</span>\n٨٣ - قال أبو جعفر: وقد اختُلف في تاريخِ حَرْب المسلمين، فقال محمد ابن إسحاق -فيما حدثنا ابنُ حميد، عن سلَمة عنه-: كان فتحُ اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشَّام في سنة اثنتي عشرة (٢). (٣: ٣١٣).\n٨٤ - وأمَّا أبو زيد فحدّثني عن أبي الحسن المدائني في خبر ذكره، عن أبي معشر ويزيد بن عياض بن جُعْدُبَة وأبي عبيدة بن محمد بن أبي عُبَيدة وغسان بن عبد الحميد وجُوَيْرية بن أسماء، بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من عُلماء أهل الشام وأهل العِرَاق: أنّ الفتوح في أهل الرّدّة كُلَّهَا كانت لخالد بن الوليد وغيره في سنة إحدى عشرة، إلّا أمر ربيعة بن بُجَيْر؛ فإنَّه كان في سنة ثلاث عشرة.\nوقصّة ربيعة بن بجير التغلبيّ: أنّ خالد بن الوليد -فيما ذكر في خبره هذا الذي ذكرت عنه- بالمُصَيّخٍ والحَصِيد، قام وهو في جَمْع من المرتدّين فقاتله، وغَنِم وسَبَى، وأصاب ابنة لربيعة بن بُجَير، فسباها وبعث بالسَّبي إلى أبي بكر ﵀، فصارت ابنة ربيعة إلى عليّ بن أبي طالب ﵇ (٣). (٣: ٣١٣/ ٣١٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":82},{"text":"٨٥ - فأمَّا أمْر عُمان فإنَّه كان - فيما كتب إليَّ السريّ بن يحيى يخبرني عن شُعيب، عن سَيْف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد والغصن بن القاسم وموسى الجليوسيّ عن ابن مُحَيْريز، قال: نبغ بعمان ذو التَّاج لَقيط بن مالك الأزديّ، وكان يسامي في الجاهليَّة الجُلَنْدَى؛ وادَّعى بمثل ما ادّعى به مَنْ كان نبيًّا،غلب على عُمَان مرتدًّا، وألجأ جَيْفَرًا وعبّادًا إلى الأجبال والبحر؛ فبعث جَيْفر إلى أبي بكر يخبره بذلك، ويستجيشه عليه. فبعث أبو بكر الصّدّيق حُذَيفة بن محصن الغَلْفانيّ من حمير، وعَرْفجةَ البارقيّ من الأزد؛ حذيفة إلى عُمَان وعرفجة إلى مَهْرة. وأمرهما إذا اتَّفقا أن يجتمعا على مَن بُعثا إليه، وأن يبتدئا بعُمان، وحُذيفة على عَرْفجة في وجْهِه، وعَرْفَجة على حذيفة في وجهه. فخرجا متساندين، وأمرهما أن يُجدَّا السَّيْرَ حتى يقدَما عُمان؛ فإذا كان منها قريبًا كاتَبا جَيْفَرًا وعبّادًا؛ وعملا برأيهما. فمضيا لما أمرا به؛ وقد كان أبو بكر بعث عِكْرمة إلى مُسَيْلمة باليمامة، وأتبعه شُرحبيل بن حَسَنة، وسمَّى لهما اليَمامة؛ وأمرِهما بما أمر به حُذيفة وعَرْفجة. فبادر عِكرمة شُرَحْبيل، وطلب حُظْوَةَ الظَّفرَ، فنكبه مُسَيْلمة؛ فأحجم عن مُسيلمة، وكتب إلى أبي بكر بالخَبر، وأقام شُرَحبيل عليه حيث بلغه الخبَر، وكتب أبو بكر إلى شُرَحْبيل بن حَسَنة؛ أن أقم بأدنى اليَمامة حتى يأتيَك أمري، وتَرَك أن يُمْضيَه لوجهه الذي وجَّهه له؛ وكتب إلى عكْرِمة يُعَنِّفه لتسرُّعه، ويقول: لا أرَينّك ولا أسمعنّ بك إلّا بعد بلاء، والحقْ بعُمَان حتى تقاتل أهلَ عُمان، وتُعين حُذيفة وعَرْفجة، وكلّ واحد منكم على خَيْله، وحذيفة ما دُمتم في عمله على النَّاس، فإذا فرغتم فامضِ إلى مَهْرة، ثم ليكُنْ وجهُك منها إلى اليَمن؛ حتى تُلاقيَ المهاجر بن أبي أمية باليمن وبحضرموت، وأوطئ مَنْ بين عمان واليمن ممنْ ارتدّ؛ وَلْيَبْلُغني بلاؤك.\nفمضى عِكْرمة في أثَرِ عَرْفجة وحُذيفة فيمَن كان معه حتَّى لحق بهما قبل أن ينتهيَا إلى عُمان، وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ في السَّيْر معه أو المقام بعُمان، فلمَّا تلاحقوا -وكانوا قريبًا من عُمَان بمكان يُدعى رجَامًا- راسلوا جَيْفَرًا وعَبَّادًا وبلغ لَقيطًا مجيء الجيش، فجمع جموعه وعسكر بدَبَا، وخرج جَيْفر وعبَّاد من موضعهما الَّذي كانا فيه، فعسكرا بصُحَار، وبعثا إلى حُذَيفة وعَرْفجة وعِكْرمة في القدوم عليهما، فقدموا عليهما بصُحَار، فاستبرؤوا","vol":"8","page":83},{"text":"ما يليهم حتى رضُوا ممّن يليهم؛ وكاتبوا رؤساءَ مع لقيط وبدؤوا بسيد بني جُدَيْد، فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضُوا عنه؛ ونهَدوا إلى لَقيط، فالتقوْا على دَبَا، وقد جمع لقيط العِيَالات، فجعلهم وراء صفوفهم ليُجَرّبهم؛ وليحافظوا على حُرَمِهم -ودَبَا هي المِصْر والسوق العظمى- فاقتتلوا بِدَبَا قتالًا شديدًا؛ وكاد لَقيط يستعلي النَّاس؛ فبينا هم كذلك، وقد رأى المسلمون الخَلَل ورأى المشركون الظَّفَر، جاءت المسلمين موادُّهم العُظْمى من بني ناجية؛ وعليهم الخِرّيتُ بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سَيْحان بن صُوحان، وشواذب عُمان من بني ناجية وعبد القيس، فقوَّى الله بهم أهلَ الإسلام، ووهَّن الله بهم أهل الشِّرْك؛ فولَّى المشركون الأدبار، فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم، وسَبَوُا الذّراريّ، وقسموا الأموال على المسلمين، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عَرْفجة، ورأى عِكْرمة وحذيفة أن يقيم حُذيفة بعُمان حتى يوطئ الأمور، ويُسكِّن الناس؛ وكان الخمس ثمانمئة رأس، وغنموا السوق بحذافيرها. فسار عرفجة إلى أبي بكر بخُمس السَّبْي والمغانم، وأقام حُذَيفة لتسكين النَّاس، ودعا القبائل حَوْلَ عُمان إلى سكون ما أفاء الله على المسلمين، وشواذب عُمان، ومضى عِكْرمة في الناس، وبدأ بمهْرة، وقال في ذلك عَبَّاد الناجيّ:\nلَعَمْري لقد لاقَى لَقيطَ بنَ مالكٍ ... من الشَّرِّ ما أخَزى وجوهَ الثّعالِب\nوبادَى أبا بكرٍ ومن هَلَّ فارتَمى ... خليجَانِ مِنْ تَيّارِهِ المُتَرَاكب\nولم تَنْهَهُ الأولى ولم يُنكأ العِدا ... فألوَتْ عليه خَيْلُه بالجَنائبِ (١)\n(٣١٤: ٣/ ٣١٥/ ٣١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>ذكر خبر مَهْرَة بالنّجد</span>\n٨٦ - ولمَّا فَرغ عِكْرِمة وعَرْفجة وحُذَيفة من رِدّة عُمان، خرج عِكْرمة في جنده نحو مَهْرة، واستنصر من حول عُمان وأهل عُمان، وسار حتى يأتي مَهْرة، ومعه ممَّن استنصره من ناجية والأزْد وعبد القيس وراسب وسَعْد من بني تميم بشر؛\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":84},{"text":"حتى اقتحم على مَهْرة بلادَها، فوافق بها جمعَيْن من مَهْرة: أمَّا أحدُهما فبمكان من أرض مَهْرة يقال له: جَيْرُوت، وقد امتلأ ذلك الحَيّز إلى نَضَدُون -قاعَيْن من قيعان مَهْرة- عليهم شخريت، رجل من بني شخراة؛ وأمَّا الآخر فبالنَّجد؛ وقد انقادت مَهْرة جميعًا لصاحب هذا الجمْع؛ عليهم المُصَبَّح؛ أحد بني مُحَارب والنَّاس كلُّهم معه؛ إلّا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين؛ كلّ واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه، وكلّ واحد من الجُنْدين يشتهي أن يكون الفُلْج لرئيسهم؛ وكان ذلك ممَّا أعان الله به المسلمين وقوَّاهم على عدوّهم؛ ووهّنهم.\nولما رأى عِكْرِمة قلةَ مَنْ مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام؛ فكان لأوّل الدعاء، فأجابه ووهَّن الله بذلك المصبَّح. ثم أرسل إلى المصبَّح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر؛ فاغترَّ بكثرة مَن معه، وازداد مباعدةً لمكان شخريت، فسار إليه عكْرِمة، وسار معه شخريت، فالتقوْا هم والمصبّح بالنَّجد؛ فاقتتلوا أشدّ من قتال دَبَا.\nثمَّ إنّ الله كشفَ جنودَ المرتدّين، وقتل رئيسَهم، وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاؤوا، وأصابوا ما شاؤوا، وأصابوا فيما أصابوا ألْفي نَجِيبة، فخمَّس عِكْرمة الفيء، فبعثَ بالأخماس مع شخريت إلى أبي بكر، وقسّم الأربعة الأخماس على المسلمين، وازداد عِكْرِمة وجنده قوّةً بالظَّهر والمَتَاع والأداة، وأقام عِكْرِمة حتَّى جمعهم على الذي يحبّ، وجمع أهل النَّجد؛ أهل رياض الروضة، وأهل الساحل؛ وأهل الجزائر؛ وأهل المُرّ واللّبان وأهل جيْروت، وظهور الشحْر والصَّبَرات، وينعب، وذات الخيم؛ فبايعوا على الإسلام، فكتب بذلك مع البشير -وهو السائب أحد بني عابد من مخزوم- فقدم على أبي بكر بالفَتْح، وقدم شخريت بعده بالأخماس، وقال في ذلك عُلْجُوم المحاربيّ:\nجزى الله شخريتًا وأفناءَ هَيْشَمٍ ... وفِرْضِمَ إذْ سارت إلينا الحلائبُ\nجزَاء مُسِيء لَمْ يُرَاقِب لذِمَّة ... ولم يَرجُها فيما يُرَجّي الأقاربُ\nأعِكْرِمَ لولا جَمْع قومي وفِعلُهم ... لضاقَتْ عليك بالفَضَاء المذاهب","vol":"8","page":85},{"text":"وكنّا كمن اقتاد كفًّا بأخْتها ... وحلَّت علينا في الدُّهور النوائبُ (١)\n(٣: ٣١٦/ ٣١٧ / ٣١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>ذكر خبر المرتدّين باليمن</span>\n٨٧ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عكرمة وسهل، عن القاسم بن محمّد، قال: توفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - وعلى مكَّة وأرضها عَتَّاب بن أسيد والطَّاهر بن أبي هالة؛ عتَّاب على بني كنانة، والطَّاهر على عكّ؛ وذلك أنّ النبيّ - ﷺ - قال: اجعلوا عمالة عكّ في بني أبيها مَعَدّ بن عدنان، وعلى الطَّائف وأرضها عُثمان بن أبي العاص ومالك بن عوف النّصريّ؛ عثمان على أهل المدَر ومالك على أهل الوَبر أعجازِ هوازن، وعلى نجران وأرضها عَمْرو بن حزم وأبو سفيان بن حَرْب؛ عمرو بن حزم على الصّلاة وأبو سفيان بن حرب على الصَّدقَات، وعلى ما بين رمَع وزَبيد إلى حدّ نَجْران خالد بن سعيد بن العاص، وعلى هَمْدان كلّها عامر بن شَهْر، وعلى صنعاء فيروز الدَّيلميّ يسانده داذوَيْه وقيس بن المكْشُوح، وعلى الجند يعلَى بن أميَّة، وعلى مأرب أبو موسى الأشعريّ، وعلى الأشعريين مع عكّ الطَّاهر بن أبي هالة، ومُعاذ بن جبل يعلّم القوم، يتنقّل في عَمَل كلّ عامل، فنزا بهم الأسْود في حياة النبيّ - ﷺ -،فحارَبَه النبيّ ﵇ بالرُّسل والكتب حتى قتله الله، وعاد أمر النبيّ ﵇ كما كان قبل وفاة النبيّ ﵇ بليلة؛ إلّا أنّ مجيئهم لم يحرّك النَّاس، والنَّاس مستعدّون له.\nفلمّا بلغهم موتُ النبيّ - ﷺ - انتقضت اليمن والبلدان؛ وقد كانت تذبذبَتْ خيولُ العَنْسيّ -فيما بين نَجْران إلى صَنْعَاء في عرض ذلك البحر- لا تأوي إلى أحد، ولا يأوي إليها أحدٌ؛ فعمرو بن معد يكرب بحيال فَرْوة بن مُسَيك، ومعاوية بن أنس في فَالَّة العَنْسيّ يتردّد؛ ولم يرجع من عمال النبي - ﷺ - بعد وفاة النبيّ - ﷺ - إلّا عمرو بن حَزْم وخالد بن سعيد، ولجأ سائر العمَّال إلى المسلمين؛ واعترض عمرو بن معد يكرب خالدَ بن سعيد، فسلَبه الصَّمصامة. ورجعت الرُّسل مع مَن رجع بالخبر، فرجع جرير بن عبد الله، والأقرع بن عبد الله، وَوَبر بن يُحَنَّس،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":86},{"text":"فحارب أبو بكر المرتدّة جميعًا بالرسل والكتب، كما كان رسولُ الله - ﷺ - حاربهم؛ إلى أن رجع أسامة بن زيد من الشَّأم، وحزْر ذلك ثلاثة أشهر، إلّا ما كان من أهل ذي حُمى وذي القَصّة. ثم كان أوّل مصادم عند رجوع أسامة هم. فخرَج إلى الأبرَق فلم يصمُد لقوم فيفلّهم إلا استنفر مَنْ لم يرتدّ منهم إلى آخرين، فيفلّ بطائفة من المهاجرين والأنصار والمستنفرة ممن لم يرتدّ إلى الّتي تليهم؛ حتى فَرَغ من آخر أمور النّاس، ولا يستعين بالمرتدّين.\nفكان أوّل مَنْ كتب إليه عتَّاب بن أسِيد، كتب إليه بركوب من ارتدّ من أهلِ عمله بمَن ثبت على الإسلام، وعثمان بن أبي العاص بركوب من ارتدّ من أهل عَمَلِه بمن ثبتَ على الإسلام، فأما عتَّاب فإنَّه بعث خالد بن أسيد إلى أهل تهامة، وقد تجمَّعت بها جُمَّاعٌ من مُدْلج، وتأشَّب إليهم شُذّاذٌ من خُزَاعة وأفْنَاء كنانة، عليهم جُندَب بن سُلْمَى، أحد بني شَنوق، من بني مُدْلج، ولم يكن في عملِ عتَّاب جمعٌ غيره، فالتقوا بالأبارق، ففرّقهم وقَتلهم، واستحرَّ القتل في بني شَنُوق، فما زالوا أذلّاء قليلًا، وبرئت عمالة عتَّاب، وأفلت جندب، فقال جندب في ذلك:\nندمتُ وأيقنت الغَدَاة بأنَّنِي ... أَتيْتُ الَّتي يَبقى على المَرْءِ عارُها\nشهدتُ بأنَّ اللهَ لا شيءَ غيرُه ... بني مُدْلج فاللهُ رَبِّي وجارُها\nوبعث عثمان بن أبي العاص بعثًا إلى شَنوءة، وقد تجمَّعت بها جُمَّاع من الأزْد، وبَجيلة، وخَثْعَم؛ عليهم حُمَيْضة بن النُّعمان، وعلى أهل الطائف عثمان بن ربيعة، فالتقوْا بشنوءة، فهزموا تلك الجُمَّاعَ، وتفرّقوا عن حُمَيضة وهرب حُمَيضة في البلاد، فقال في ذلك عثمان بن ربيعة:\nفضضنا جَمْعهم والنَقْعُ كابٍ ... وقد تُعْدِي على الغَدْرِ الفُتُوقُ\nوَأَبْرَقَ بارقٌ لمَّا التقينا ... فعادت خُلَّبًا تلك البروقُ (١)\n(٣: ٣١٨/ ٣٢٠/٣١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>خبر الأخابِث من عكّ</span>\n٨٨ - قال أبو جعفر: وكان أول منتقض بعد النبيّ - ﷺ - بتهامة عكّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":87},{"text":"والأشْعرون، وذلك أنَّهم حين بلَغهم موتُ النبيّ - ﷺ - تجمَّع منهم طَخارير، فأقبل إليهم طَخاريرُ من الأشعرين وخَضَّم فانضمُّوا إليهم، فأقاموا على الأعلاب طريق الساحل، وتأشَّب إليهم أوزاعٌ على غير رئيس؛ فكتب بذلك الطاهر بن أبي هالة إلى أبي بكر؛ وسار إليهم، وكتب أيضًا بمسيره إليهم، ومعه مَسْرُوق العكِّيّ حتى انتهى إلى تلك الأوزاع، على الأعلاب، فالتقوْا فاقتتلوا، فهزمهم الله، وقتلوهم كلّ قِتْلةٍ؛ وأنْتَنَتِ السُّبل لقتلهم؛ وكان مقتلُهم فتحًا عظيمًا. وأجاب أبو بكر الطَّاهر قبل أن يأتيَه كتابه بالفتح:\nبلغني كتابك تخبرني فيه مسيرَك واستنفارَك مسروقًا وقومَه إلى الأخابث بالأعلاب، فقد أصَبْتَ، فعاجِلوا هذا الضَّرْب ولا تُرَفِّهوا عنْهم، وأقيموا بالأعلاب حتي يأمَن طريق الأخابث، ويأتيَكم أمرِي. فسمِّيَتْ تلك الجموع من عكّ ومَنْ تأشَّب إليهم إلى اليوم الأخابث، وسُمَي ذلك الطريق طريقَ الأخابِث؛ وقال في ذلك الطاهر بن أبي هالة:\nوواللهِ لوْلا اللهُ لا شيء غيْرُه ... لمَا فُضَّ بالأجراع جَمْعُ العثاعِث\nفلم تَر عيني مِثْلَ يوم رأيتُه ... بجَنْب صُحَارٍ في جموع الأخابِث\nقَتَلْنَاهُمُ ما بين قُنّةِ خَامِرٍ ... إلى القِيعَة الحمراء ذات النبَائِثِ\nوفِئنَا بأموالِ الأخابث عَنْوَةً ... جِهارًا ولم نَحْفِلْ بتلك الهثاهِث\nوعسكر طاهر على طريق الأخابث، ومعه مسروق في عكّ ينتظر أمرَ أبي بكر ﵀ (١). (٣: ٣٢٠/ ٣٢١).\n٨٩ - قال أبو جعفر: ولما بلغ أهلَ نَجْران وفاةُ رسولِ الله - ﷺ - وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل، من بني الأفْعى؛ الأمَّةِ الَّتي كانوا بها قبل بني الحارث؛ بعثوا وفدًا ليجدّدوا عهدًا، فقدموا إليه فكتب لهم كتابًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من عبد الله أبي بكر خليفةِ رسولِ الله - ﷺ - لأهل نَجْران، أجارهم من جُنْده ونفسه، وأجاز لهم ذمَّة محمَّد - ﷺ - إلّا ما رجع عنه محمد رسول الله - ﷺ - بأمر الله ﷿ في أرضهم وأرض العرب؛ ألّا يسكن بها دينان؛ أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":88},{"text":"وعاديتهم، وغائبهم وشاهدهم، وأسقُفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت؛ وعلى ما ملكَت أيديهم من قليل أو كثير؛ عليهم ما عليهم، فإذا أدَّوْه فلا يُحْشرون ولا يُعَشَّرُون. ولا يغيَّر أسقفٌّ من أسقفيّتِه، ولا راهبٌ من رَهْبانيَّته؛ ووفّى لهم بكلّ ما كتَب لهم رسولُ الله - ﷺ - وعلى ما في هذا الكتاب من ذمَّة محمد رسول الله - ﷺ - وجوار المسلمين. وعليهم النُّصْح والإصلاح فيما عليهم من الحقّ. شهد المِسْور بن عمرو، وعمرو مولى أبي بكر.\nوردّ أبو بكر جريرَ بن عبد الله، وأمَره أن يدعوَ من قومه مَن ثبت على أمر الله، ثم يستنفر مُقوِيَهم، فيقاتل بهم مَن ولَّى عن أمر الله، وأمره أن يأتي خَثْعَم؛ فيقاتل مَن خرج غَضَبًا لذي الخَلَصة؛ ومَن أراد إعادته حتى يقتلَهم الله، ويقتلَ من شاركهم فيه؛ ثم يكون وجهه إلى نجْران، فيقيم بها حتى يأتيَه أمرُه.\nفخرج جريرٌ فنفذ لما أمره به أبو بكر، فلم يقرّ له أحدٌ إلا رجالٌ في عدّةٍ قليلة، فقتلهم وتتبَّعهم؛ ثمَّ كان وجهه إلى نَجْران، فأقام بها انتظارًا أمرَ أبي بكر ﵀.\nوكتب إلى عثمان بن أبي العاص أن يضرب بعثًا على أهل الطَّائف على كل مخْلاف بقدْره، ويولِّيَ عليهم رجلًا يأمنه ويثق بناحيته؛ فضرب على كلّ مخلاف عشرين رجلًا، وأمّر عليهم أخاه.\nوكتب إلى عتَّاب بن أسيد؛ أن اضرب على أهلِ مكَّة وعملها خمسمئة مُقْوٍ؛ وابعث عليهم رَجُلًا تأمَنُه، فسمَّى مَن يبعث، وأمّر عليهم خالد بن أسيد؛ وأقام أمير كلّ قوم، وقاموا على رِجْلٍ ليأتيَهم أمر أبي بكر، وليمرّ عليهم المهاجر (١). (٣: ٣٢١/ ٣٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>رِدّة أهل اليمن ثانية</span>\n٩٠ - قال أبو جعفر: فممّن ارتدّ ثانية منهم، قيس بن عبد يغوث المكْشوح. كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، قال: كان من حديث قيس في ردّته الثانية: أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسولِ الله - ﷺ - انتكث، وعمل في قتل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":89},{"text":"فيروز، وداذويه، وجُشيْش، وكتبَ أبو بكر إلى عُمير ذي مُرّان، وإلى سعيد ذي زود، وإلى سَميْفع ذي الكَلاع، وإلى حَوْشب ذي ظُلَيْم، وإلى شَهْر ذي يناف يأمرهم بالتمسك بالذي هم عليه، والقيام بأمرِ الله والنّاس، ويعدهم الجنود:\nمن أبي بكر خليفة رسولِ الله - ﷺ - إلى عُمَير بن أفْلَح ذي مُرّان، وسعيد بن العاقب ذي زُود؛ وسَميفع بن ناكُور ذي الكَلاع، وحَوْشب ذي ظُلَيم، وشهر ذي يناف. أمَّا بعد، فأعينوا الأبناء على مَنْ ناوَأهم، وحُوطوهم، واسمعوا مِنْ فيروز، وجِدُّوا معه، فإني قد ولّيْتُه. (٣: ٣٢٣).\n٩١ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن عُروة بن غزيَّة الدَّثينيّ، قال: لمَّا ولي أبُو بكرٍ أمّر فيْروز؛ وهم قبل ذلك متساندون؛ هو وداذويه وجُشَيش وقيس؛ وكتب إلى وجوه من وجوه أهل اليمن؛ ولما سمع بذلك قيس أرسل إلى ذي الكَلاع وأصحابه: إنّ الأبناء نُزّاع في بلادكم، ونُقَلاء فيكم؛ وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم؛ وقد أرَى من الرأي أن أقتُل رؤوسهم، وأخرجهم من بلادنا. فتبرّؤوا، فلم يمالئوه، ولم ينصروا الأبناء، واعتزلوا وقالوا: لسنا ممَّا ها هنا في شيء، أنت صاحبُهم، وهم أصحابك.\nفتربَّص لهم قيس، واستعدّ لقتل رؤسائهم وتسيير عامَّتهم؛ فكاتب قيس تلك الفالَّة السيَّارة اللَّحْجيّة؛ وهم يصعّدون في البلاد ويصوّبون، محاربين لجميع مَن خالفهم، فكاتبهم قيس في السرّ، وأمرهم أن يتعجَّلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحدًا؛ وليتجمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن. فكتبوا إليه بالاستجابة له، وأخبروه أنهم إليه سِرِاعٌ، فلم يَفْجأ أهلَ صنعاء إلا الخبر بدنوّهم منها، فأتى قيس فيروزَ في ذلك كالفرِق من هذا الخبر وأتى داذويه، فاستشارهما ليَلْبِس عليهما، ولئلّا يَتَّهماه، فنظروا في ذلك واطمأنُّوا إليه.\nثم إن قيسًا دعاهم من الغد إلى طَعام، فبدأ بداذويه، وثنَّى بفيروز، وثلّث بجشيش، فخرج داذويه حتى دخلَ عليه، فلمَّا دخل عليه عاجله فقتله، وخرج فيروز يسير حتى إذا دَنا سمع امرأتيْن على سطحين تتحدّثان، فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قُتِل داذويه؛ فلقيهما، فعاج حتى يرى أويَّ القوم الذي أرْبَؤوا، فأخبر برجوع فيروز؛ فخرجوا يركُضون، وركض فيروز، وتلقَّاه جُشَيش،","vol":"8","page":90},{"text":"فخرج معه متوجِّهًا نحو جبل خَوْلان -وهم أخوال فيروز- فسبقا الخيول إلى الجبل، ثم نزلا، فتوقَّلا وعليهما خِفافٌ ساذجة، فما وصلا حتى تقطَّعت أقدامهما، فانتهيا إلى خُوْلان وامتنع فيروز بأخواله، وآلى ألّا ينتعل ساذجًا، ورجعتْ الخيول إلى قيس؛ فثار بصنعاء فأخذها، وجَبَى ما حولها، مقدّمًا رِجلًا ومؤخِّرًا أخرى، وأتته خيول الأسود. ولمَّا أوى فيروز إلى أخواله خَوْلان فمنعوه وتأشَّب إليه الناس، كتب إلى أبي بكر بالخَبَر. فقال قيس: وما خولان! وما فيروز! وما قَرَار أوَوْا إليه! وطابق على قيس عوامُّ قبائل مَن كتب أبو بكر إلى رؤسائهم، وبقي الرؤساء معتزلين، وعمَد قيسٌ إلى الأبناء ففرّقهم ثلاث فرق: أقرّ مَنْ أقام وأقرّ عياله، وفرّق عيال الذين هربوا إلى فيروز فرقَتَيْن؛ فوجَّه إحدَاهما إلى عَدَن؛ ليُحمَلوا في البحر، وحمل الأخرى في البرّ، وقال لهم جميعًا: الحقوا بأرضكم؛ وبعث معهم مَنْ يسيِّرهم؛ فكان عيال الديلميّ ممّن سُيِّر في البَرّ وعيال داذويه ممن سُيّرَ في البحر؛ فلمَّا رأى فيروز أن قد اجتمع عوامّ أهلِ اليمن على قيس؛ وأنَّ العيال قد سيِّروا وعرَّضهم للنّهب، ولم يجد إلى فراق عسكره في تنقّذهِم سبيلًا؛ وبلغه ما قال قيس في استصغاره الأخوال والأبناء، فقال فيروز منتميًا ومفاخرًا وذكر الظُّعْن:\nألا ناديا ظُعْنا إلى الرّمْل ذي النَّخْلِ ... وقولا لها ألَّا يُقالَ ولا عُذْلِي\nوما ضَرَّهم قولُ العُدَاةِ لو أنّه ... أتى قَوْمه عن غير فحش ولا بَخْلِ\nفَدَعْ عنك ظُعنًا بالطريق التي هَوَتْ ... لطيّحها صمْدَ الرِّمَالِ إلى الرَّمْلِ\nوإنّا وإن كانت بصَنْعَاءَ دارُنا ... لنا نَسْلُ قوم مِنْ عَرانينهم نَسْلي\nوللدَّيْلَمُ الرّزَّامُ من بعد باسِل ... أبى الخفضَ واخْتَارَ الحَرور على الظِّلّ\nوكانت مَنَابِيتُ العراق جسَامُها ... لرَهْطي إذا كسرى مَرَاجِلُهُ تغْلِي\nوباسِلُ أَصلِي إن نَمَيْتُ ومَنْصبي ... كما كلُّ عود مُنْتهاه إلى الأصل\nهُمُ تَرَكُوا مَجْرايَ سَهْلًا وحَصّنوا ... فجاجي بحسن القَوْلِ والحَسَبِ الجزْلِ\nفما عزّنا في الجَهْل من ذي عَدَاوة ... أبى الله إلا أَنْ يعزّ على الجَهْلِ\nولا عاقبا في السَّلْم عن آل أَحْمَد ... ولا خسَّ في الإسلام إذ أسْلَمُوا قَبْلي\nوإنْ كان سجْلٌ من قَبيلي أرَشّني ... فإني لَرَاجٍ أن يُغَرِّقَهمْ سَجْلِي\nوقام فيروز في حربه، وتجرّد لها، وأرسل إلى بني عُقَيْلِ بن ربيعة بن","vol":"8","page":91},{"text":"عامر بن صعصعة رسولًا بأنه متخفّر بهم، يستمدّهم ويستنصرهم في ثَقَله على الّذين يزعجون أثقال الأبناء، وأرسل إلى عكّ رسولًا يستمدّهم ويستنصرهم على الَّذين يزعجون أثقال الأبناء. فركبت عُقَيل وعليهم رجل من الحُلفاء يقال له: معاوية، فاعترضوا خيل قَيْس فتنقّذوا أولئكَ العِيال، وقتلوا الذين سيَّروهم، وقصروا عليهم القرى؛ إلى أن رجع فيروز إلى صَنْعاء، وثبت عكّ؛ وعليهم مسروق، فساروا حتى تنقَّذوا عيالات الأبناء، وقصروا عليهم القرى، إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء، وأمدّت عُقَيل وعكّ فيروز بالرّجال، فلمَّا أتته أمدادُهم -فيمن كان اجتمع إليه- خرج فيمن كان تأشَّب إليه ومن أمَدّه من عكّ وعُقيل، فناهد قيسًا فالتقوْا دون صَنْعاء، فاقتتلوا فهزَم الله قيسًا في قومه ومَن أنهضوا، فخرج هاربًا في جنده حتى عاد معهم، وعادوا إلى المكان الذي كانوا به مبادرين حين هربوا بعد مقتل العنسيّ، وعليهم قيس، وتَذَبْذَبَتْ رافضة العنسيّ وقيس معهم فيما بين صنعاء ونَجْران، وكان عمرو بن معد يكرب بإزاء فَرْوة بن مُسَيْك في طاعة العَنْسي (١). (٣: ٣٢٣/ ٣٢٤/ ٣٢٥/ ٣٢٦).\n٩٢ - كتب إليّ السريّ عنِ شعيب، عن سَيْف، عن عطيَّة، عن عمرو بن سلَمة، قال: وكان من أمر فرْوة بن مُسَيك: أنه كان قَدِم على رسول الله - ﷺ - مُسْلِمًا، وقال في ذلك:\nلمّا رأيتُ ملوك حِمْيَر أعرَضَتْ ... كالرِّجْلِ خان الرِّجْلَ عِرْقُ نَسائها\nيمّمتُ راحلتي أمام محمّدٍ ... أرْجُو فواضلَها وحُسْنَ ثَنَائها\nوقال له رسول الله - ﷺ - فيما قال له: \"هل ساءَك ما لقيَ قومُك يوم الرَّزْم يا فروة! أو سَرّك؟ \". قال: ومن يُصَبْ في قومه بمثل الذي أصبْتُ به في قومي يوم الرّزْم إلا ساءه ذلك.\nوكان يوم الرّزْم بينهم وبين هَمْدان على يغوث وثْنٌ، كان يكون في هؤلاء مرّة وفي هؤلاء مرّة، فأرادت مراد أن تغلبهم عليه في مرّتهم، فقتلتهم هَمْدان، ورئيسهم الأجدع أبو مسروق؛ فقال رسول الله - ﷺ -: أما إن ذلك لم يزدهم في الإسلام إلا خيرًا؛ فقال: قد سرّني إذ كان ذلك، فاستعمله رسولُ الله - ﷺ - على\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":92},{"text":"صدقات مُراد ومَن نازلهم أو نزل دارهم. وكان عمرو بن معد يكرب قد فارق قَومه سعد العشيرة في بني زُبيد وأخلافها، وانحاز إليهم، وأسلم معهم؛ فكان فيهم، فلمَّا ارتدّ العنسيّ واتَّبعه عوامّ مذحج، اعتزل فَرْوة فيمَن أقام معه على الإسلام، وارتدّ عمرو فيمن ارتدّ، فخلّفه العنسيّ، فجعله بإزاء فَرْوة، فكان بحياله، ويمتنع كل واحد منهما لمكان صاحبه من البَرَاح، فكانا يتهاديان الشعر، فقال عمرو يذكر إمارة فَرْوةَ ويعيبها:\nوَجَدْنَا مُلك فَرْوَة شَرّ مُلْكٍ ... حمَارًا سافَ مَنْخِرُهُ بقَذْرِ\nوكنتَ إذا رأيتَ أبا عُمَيْر ... ترى الحُولاء من خُبْثٍ وَغَدْرِ\nفأجابه فَزوة:\nأتاني عن أبي ثَوْر كلامٌ ... وقِدْمًا كان في الأبغال يَجْرِي\nوكان اللهُ يبغِضُهُ قديمًا ... عَلَى ما كان من خُبْثٍ وَغَدْرِ\nفبينا هم كذلك قدم عكرمة أبْيَن (١). (٣: ٣٢٦/ ٣٢٧).\n٩٣ - وكتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وموسى بن الغصن، عن ابن مُحَيْريز، قال: فخرَج عكرمة من مَهْرة سائرًا نحو اليمن حتى وَرَد أبْيَن، ومعه بشَرٌ كثير من مَهْرة، وسعد بن زيد، والأزد، وناجية، وعبد القيس، وحُدْبان من بني مالك بن كنانة، وعمرو بن جندب من العَنْبَر، فجمع النَّخَع بعد من أصاب من مدبِّريهم فقال لهم: كيف كنتم في هذا الأمر؟ فقالوا له: كنَّا في الجاهليّة أهل دينٍ، لا نَتعاطَى ما تتعاطَى العرب بعضها من بعض، فكيف بنا إذا صرنا إلى دينٍ عرفنا فضلَه، ودخلَنا حبُّه! فسأل عنهم فإذا الأمر كما قالوا، ثبت عوامّهم وهربَ مَن كان فارق من خاصّتهم، واستبرأ النَّخَع وحِمْيَر، وأقام لاجتماعهم، وأرَزَ قيس بن عبد يغوث لهبوط عِكْرمة إلى اليمن إلى عمرو بن معد يكرب، فلَمَّا ضامَّه وقع بينهما تَنَازُع، فتعايَرَا، فقال عمرو بن معد يكرب يُعَيّر قيسًا غَدْرَه بالأبناء وقتْله داذويه، ويذكر فراره من فيروز:\nغَدرتَ ولم تُحْسِنْ وَفَاءً ولم يكُنْ ... ليَحْتمل الأسبابَ إلّا المعوَّدُ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":93},{"text":"وكيف لقيْسٍ أن ينوِّط نفسَه ... إذا ما جرى والمَضْرِحيّ المسوّدُ!\nوقال قيس:\nوفَيْتُ لقومِي وَاحْتشدتُ لمَعْشَرٍ ... أصابوا على الأحياء عَمْرًا ومَرْثَدا\nوكنتُ لدَى الأبناء لمّا لقيتُهم ... كأصيَدَ يسمو بالعَزازة أصْيدَا\nوقال عمرو بن معد يكربِ:\nفما إنْ داذَوَىْ لكُمُ بفخْرٍ ... ولكن داذَوَىْ فضَحَ الذّمَارَا\nوفيروزٌ غَدَاةَ أصاب فيكمْ ... وأَضْرَبَ في جموعكمُ اسْتَجَارا (١)\n(٣: ٣٢٧/ ٣٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>ذكر خبر طاهر حين شخص مددًا لفيروز</span>\n٩٤ - قال أبو جعفر الطبري: قد كان أبو بكر ﵀ كتبَ إلى طاهر بن أبي هَالَة بالنّزول إلى صنعاء وإعانة الأبناء، وإلى مسروق، فخرجا حتى أتَيَا صنْعاء، وكتب إلى عبد الله بن ثَوْر بن أصغر، بأن يجمع إليه العَرب ومن استجاب له من أهل تِهامة، ثم يقيم بمكانه حتى يأتيَه أمرُه.\nوكان أوّلَ رِدّة عمرو بن معد يكرب: أنَّه كان مع خالد بن سعيد فخالفه، واستجاب للأسود، فسار إليه خالد بن سعيد حتى لقيَه؛ فاختلفا ضربتين، فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع، ووصلت الضربة إلى عاتقه، وضربه عمرو فلم يصنع شيئًا، فلمَّا أراد خالد أن يثنِّيَ عليه نزل فتوقَّل في الجبل، وسَلَبَه فرسه وسيفَه الصَّمْصامة، ولحّج عمرو فيمن لحج. وصارت إلى سعيد بن العاص الأصغر مواريثُ آل سعيد بن العاص الأكْبر. فلمَّا وليَ الكوفة عرض عليه عمرو ابنتَه، فلم يقبلْها، وأتاه في داره بعدّة سيوف كان خالد أصابها باليمن، فقال: أيّها الصَّمصامة؟ قال: هذا، قال: خذه فهو لك، فأخذه، ثم آكف بغلًا له، فضرب الإكاف فقطعه والبرذعة؛ وأسرع في البغل، ثم ردّه على سعيد، وقال: لو زرتني في بيتي وهو لي لوهبتُه لك، فما كنت لأقبلَه إذ وقع (٢). (٣: ٣٢٨/ ٣٢٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":94},{"text":"٩٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المُسْتَنير بن يزيد عن عُرْوة بن غَزِيّة وموسى، عن أبي زُرْعة السّيبانيّ، قال: ولما فَصَل المهاجر بن أبي أمَّية من عند أبي بكر -وكان في آخر مَنْ فَصَل- اتَّخذ مكة طريقًا، فمرّ بها فاتَّبعه خالد بن أسيد، ومرّ بالطائف فاتَّبعه عبد الرحمن بن أبي العاص، ثم مضى حتى إذا حاذَى جرير بن عبد الله ضمَّه إليه، وانضمّ إليه عبد الله بن ثَوْر حين حازَاه، ثم قدم على أهل نَجْران؛ فانضمّ إليه فَرْوة بن مُسَيك، وفارق عمرو بن معد يكرب قيسًا، وأقبل مستجيبًا؛ حتى دخل على المهاجر على غير أمان؛ فأوثقه المهاجر؛ وأوثق قَيْسًا، وكتب بحالهما إلى أبي بكر ﵀، وبعث بهما إليه. فلمَّا سار المهاجر من نَجْران إلى اللحجيّة، والتفَّت الخيول على تلك الفالّة استأمنوا، فأبى أن يؤمّنَهم، فافترقوا فرقتين؛ فلقي المهاجر إحداهما بعجيب، فأتى عليهم، ولقَيْت خيولُه الأخرى بطريق الأخابث، فأتوْا عليهم -وعلى الخيول عبدُ الله- وقتل الشُّرَداء بكلّ سبيل، فقُدِم بقيس، وعمرو على أبي بكر، فقال: يا قيس! أعَدوْتَ على عباد الله تقتلهم، وتتّخذ المرتدّين، والمشركين وليجَةً من دون المؤمنين! وهمّ بقتله لو وجد أمرًا جليًّا. وانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئًا، وكان ذلك عملًا عُمِل في سِرّ لم يكن به بيّنَةٌ، فتجافَى له عن دمه، وقال لعمرو بن معد يكرب: أما تخزَى أنَّك كلّ يوم مهزوم أو مأسور! لو نصرت هذا الدين لرفعك الله. ثم خلَّى سبيله، وردَّهما إلى عشائرهما، وقال عمرو: لا جَرَمَ! لأقبلنّ ولا أعود (١). (٣: ٣٢٩/ ٣٣٠).\n٩٦ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير وموسى قالا: سار المهاجر من عجيب، حتى ينزل صَنْعاء، وأمر أن يتَّبعوا شُذَّاذ القبائل الذين هربوا؛ فقتلوا مَنْ قَدرُوا عليه منهم كلّ قِتْلة، ولم يُعْفِ متمرّدًا، وقبل توبةَ من أناب من غير المتمرّدة؛ وعملوا في ذلك على قَدْر ما رأوا من آثارهم، ورجَوا عندهم. وكتب إلى أبي بكر بدخوله صنعاء وبالذي يتّبع من ذلك (٢). (٣: ٣٣٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1134>ذكر خبر حَضْرموت في ردّتهم</span>\n٩٧ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن الصَّلْت، عن كَثير بن الصَّلْت، قال: مات رسولُ الله - ﷺ - وعُمَّاله على بلاد حَضْرموت: زياد بن لَبيد البياضيّ على حَضْرموت، وعُكَّاشة بن مِحْصَن على السّكاسك والسَّكون، والمهاجر على كِنْدة - وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفِّيَ رسولُ الله - ﷺ -، فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن، والمُضِيّ بعد إلى عمله (١). (٣: ٣٣٠).\n٩٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي السائب، عطاء ابن فلان المخزوميّ، عن أبيه، عن أمِّ سَلَمة، والمهاجر بن أبي أمية: أنَّه كان تخلَّف عن تَبوك، فرجع رسولُ الله - ﷺ - وهو عليه عاتبٌ، فبينا أمّ سلَمة تغسل رأس رسولِ الله - ﷺ -، قالت: كيف ينفعني شيء وأنت عاتب على أخي! فرأت منه رِقَّة؛ فأومأت إلى خادمها؛ فدعتْه، فلم يزل برسول الله - ﷺ - يَنْشُر عُذرَه حتى عَذَره، ورضيَ عنه، وأمَّره على كِنْدة، فاشتكى ولم يطق الذَّهاب، فكتب إلى زياد ليقوم له على عمله وبَرَأ بعد، فأتَمّ له أبو بكر إمْرَتَه، وأمره بقتال مَن بين نَجْران إلى أقصى اليمن؛ ولذلك أبطأ زياد، وعُكّاشة عن مناجزة كندة انتظارًا له (٢). (٣: ٣٣٠).\n٩٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد؛ قال: كان سبب ردّة كِنْدة إجابتَهم الأسود العنسيّ حتى لعن رسول الله - ﷺ - الملوك الأربعة، وأنَّهم قبل رِدّتهم حين أسلموا وأسلم أهل بلاد حَضْرَموت كلّهم أمر رسول الله - ﷺ - بما يوضع من الصَّدقات أن يوضَع صدقة بعض حَضْرموت في كِنْدة وتوضع صدقة كِنْدة في بعض حضْرموت، وبعض حضْرموت في السَّكُون والسَّكون في بعض حَضْرموت. فقال نفر من بني وَليعة: يا رسولَ الله! إنَّا لسنا بأصحاب إبل، فإن رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظَهْر! فقال: إن رأيتم! قالوا: فإنَّا ننظر، فإنْ لم يكن لهم ظَهْرٌ فعلنا. فلمَّا توفي\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":96},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وجاء ذلك الإبّان، دعا زياد الناس إلى ذلك، فحضروه، فقالت بنو وَليعة: أبلغونا كما وعدتم رسول الله - ﷺ -؛ فقالوا: إنّ لكم ظهرًا، فهلمّوا فاحتملوا، ولاحَوْهم؛ حتى لاحوْا زيادًا؛ وقالوا له: أنت معهم علينا. فأبى الحضرميُّون، ولجّ الكنديُّون، فرجعوا إلى دارهم، وقدّموا رِجْلًا، وأخّروا أخرى، وأمسك عنهم زياد انتظارًا للمُهاجر؛ فلمّا قدم المهاجر صنعاء؛ كتب إلى أبي بكر بكلّ الذي صنَع، وأقام حتى قدم عليه جواب كتابه من قِبَل أبي بكر؛ فكتب إليه أبو بكر وإلى عكرمة أن يسيرا حتى يقدَما حضرموت، وأقِرّ زيادًا على عَمله، وائْذَنْ لمن معك من بين مكَّة واليمن في القَفْل؛ إلا أن يؤثر قوم الجهاد، وأمِدّه بعُبَيْدَة بن سعد. ففعل؟ فسار المُهاجر من صَنْعاء يريد حضرموت، وسار عِكْرمة من أبْيَن يريد حضْرموت، فالتقيا بمأرب؛ ثم فَوّزا من صهيد؛ حتى اقتحما حَضْرموت، فنزل أحدُهما على الأشعث، والآخر على وائل (١). (٣: ٣٣١).\n١٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن كَثير بن الصّلْت؛ قال: وكان زياد بن لبيد حين رجع الكِنْديّون ولجُّوا ولجّ الحضرميون ولي صدقات بني عمرو بن معاوية بنفسه، فقدِم عليهم وهم بالرّياض، فصدّق أوَّل مَن انتهى إليه منهم؛ وهو غلام، يقال له: شيْطان بن حُجْر؛ فأعجبته بَكرة من الصّدقة، فدعا بنارٍ فوضع عليها الميسَم، وإذا النّاقة لأخي الشيطان العَدّاء بن حُجْر، وليست عليه صدقة، وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنّها غيرها؛ فقال العدّاء: هذه شَذْرة باسمها؛ فقال الشيطان: صدق أخي؛ فإني لم أعْطِكموها إلّا وأنَا أراها غيرها؛ فأطلق شذرة وخذ غيرها، فإنَّها غير متروكة. فرأى زياد: أن ذلك منه اعتلال، واتَّهمه بالكفر، ومباعدة الإسلام، وتَحَرِّي الشرّ. فحمِيَ وحَمِيَ الرجلان، فقال زياد: لا ولا تَنْعَم؛ ولا هي لك؛ لقد وقع عليها ميسَم الصدقة وصارت في حقّ الله، ولا سبيل إلى ردّها، فلا تكوننّ شذرة عليكم كالبَسُوس؛ فنادى العدّاء: يا آل عمرو! بالرياض أضامُ وأضطهد؟ ! إن الذليل مَنْ أكل في داره! ونادى: يا أبا السُّمَيْط! فأقبل أبو السّميط حارثة بن سُراقة بن معد يكرب؛ فقصد لزياد بن لَبيد وهو واقف،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":97},{"text":"فقال: أطلق لهذا الفتى بَكْرته. وخذ بعيرًا مكانها، فإنَّما بعير مكان بعير، فقال: ما إلى ذلك سبيل! فقال: ذاك إذا كنتَ يهوديًّا! وعاج إليها، فأطلق عِقالها، ثم ضرب على جَنْبها؛ فبعثها وقام دونها، وهو يقول:\nيَمْنَعُها شيخٌ بخدَّيْه الشَّيْب ... مُلَمَّع كما يُلَمَّع الثَّوْب\nفأمر به زياد شبابًا من حضْرموت والسَّكون، فمغثوه، وتوطَّؤوه، وكتفوه، وكتفوا أصحَابه، وارتهنوهم، وأخذوا البَكْرة فعقلوها كما كانت؛ وقال زياد بن لَبِيد في ذلك:\nلم يمنَعِ الشَّذْرَةَ أركُوبُ ... والشَّيْخُ قد يثنِيهِ أرْجُوبُ\nوتصايح أهلُ الرّيَاض، وتنادَوْا، وغَضِبَتْ بنو معاوية لحارثة، وأظهروا أمرهم، وغضبت السَّكُون لزياد، وغضبت له حَضْرموت، وقاموا جميعًا دونه. وتَوافَى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء؛ لا تُحْدث بنو معاوية لمكان أسَرائهم شيئًا، ولا يجد أصحاب زياد على بني معاوية سبيلًا يتعلَّقون به عليهم؛ فأرسل إليهم زياد: إمَّا أن تَضَعُوا السلاح، وإما أن تُؤذِنوا بحرْب؛ فقالوا: لا نضع السَّلاح أبدًا حتى ترسلوا أصحابنا، فقال زياد: لا يُرْسَلون أبدًا حتى ترفضُّوا وأنتم صَغَرَة قَمَأة. يا أخابثَ النَّاس! ألستُم سكَّانَ حَضْرموت وجيران السَّكون! فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا في دار حَضْرموت؛ وفي جنوب مواليكم! وقالت له السَّكون: ناهد القوم، فإنه لا يفطِمُهم إلّا ذلك، فنَهد إليهم ليلًا، فقتل منهم، وطاروا عَباديد، وتمثّل زياد حين أصبح في عسكرهم:\nوكنتُ امرأً لا أبعثُ الحربَ ظالمًا ... فلما أبَوْا سامَحتُ في حَرْبِ حاطِبِ\nولمَّا هرب القوم خَلَّى عن النفرِ الثلاثة؛ ورجع زياد إلى منزله على الظَّفر. ولما رجع الأسَراء إلى أصحابهم؛ ذمَرُوهم، فتذامروا، وقالوا: لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلُوَ لأحد الفريقين. فأجمعوا وعسكروا جميعًا، ونادَوْا بمنع الصدقة، فتركهم زياد لم يخرج إليهم، وتركوا المسير إليه. وأرسل إليهم الحُصَين بن نَمير، فما زال يُسْفِر فيما بينهم وبين زياد وحَضْرموت والسَّكُون حتى سكن بعضهم عن بعض؛ وهذه النَّفْرة الثانية، وقال السَّكُونيّ في ذلك:\nلَعَمْرِي وما عمري بعُرْضةِ جانبٍ ... ليَجْتَلِبُنْ منها المرارَ بنو عَمْرِو\nكَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَمْنَعونها ... زيادًا، وقد جئنا زيادًا على قَدرِ","vol":"8","page":98},{"text":"فأقاموا بعد ذلك يسيرًا. ثم إن بني عمرو بن معاوية خصوصًا خرجوا إلى المحاجر، إلى أحماء حَمَوْها، فنزل جَمَد محجرًا، ومِخْوص محجرًا، ومِشْرح محجرًا، وأبضَعة محجرًا، وأختهم العَمَرَّدة محجرًا -وكانت بنو عمرو بن معاوية على هؤلاء الرُّؤساء- ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس مَحْجَرًا، والسِّمط بن الأسود محجرًا، وطابقت معاوية كلها على منع الصدقة، وأجمعوا على الرّدّة إلا ما كان من شُرَحبيل بن السّمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إنَّ هذا لَقبيحٌ بأقوام أحرار التنقُّل؛ إنّ الكرام ليكونون على الشّبهة فيتكرّمون أن يتنقّلوا منها إلى أوْضَح منها مخافة العار؛ فكيف بالرجوع عن الجميل، وعن الحقّ إلى الباطل والقبيح! اللهمّ إنَّا لا نمالئ قومنا على هذَا، وإنَّا لنَادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا -يعني: يوم البكرة ويوم النَّفرة- وخرج شُرَحبيل بن السّمط وابنه السّمط؛ حتى أتيا زياد بنَ لَبيد، فانضمَّا إليه، وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بن عابس؛ حتى أتيا زيادًا، فقالا له: بيِّتِ القوم، فإن أقوامًا من السَّكاسك قد انضمُّوا إليهم، وقد تسرّع إليهم قوم من السَّكُون وشُذّاذ من حَضْرموت، لعلَّنا نُوقع بهم وَقْعة تُورث بيننا عداوة، وتفرِّق بيننا؛ وإن أبيتَ خشينا أن يرفضّ الناس عنَّا إليهم؛ والقوم غارّون لمكان مَن أتاهم، راجون لمن بقيَ. فقال: شأنكم. فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجدوهم حول نيرانهم جلوسًا، فعرفوا من يريدون، فأكبُّوا على بني عمرو بن معاوية؛ وهم عدَد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا مشرحًا، ومخوصًا، وجَمَدًا، وأبضَعة، وأختهم العمَّردة، أدركتهم اللعنة، وقَتَلوا فأكثروا، وهرب مَنْ أطاق الهَرب، ووُهِّنت بنو عمرو بن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسَّبْي والأموال، وأخذوا طريقًا يُفْضي بهم إلى عَسْكر الأشعث وبني الحارث بن معاوية؛ فلمَّا مرُّوا بهم فيه استغاث نسوةُ بني عمرو بن معاوية ببني الحارث ونادينه: يا أشعث! يا أشعث! خالاتك خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقَّذهم -وهذه الثالثة- وقال الأشعث:\nمنعتُ بني عمرو وقد جاء جمعُهمْ ... بأمْعَزَ من يوم البضيض وأصبَرا\nوعلم الأشعث: أن زيادًا وجنْده إذا بلغهم ذلك لم يُقلعوا عنه ولا عن بني الحارث بن معاوية وبني عمرو بن معاوية، فجمع إليه بني الحارث بن معاوية","vol":"8","page":99},{"text":"وبني عمرو بن معاوية، ومن أطاعه من السَّكاسك والخَصائص من قبائل ما حولهم، وتباين لهذه الوقعة من بحضْرموت من القبائل، فثبتَ أصحاب زياد على طاعة زياد، ولجَّتْ كِنْدة، فلمَّا تباينت القبائل كتب زيادٌ إلى المهاجر؛ وكاتَبه النّاس فتلقّاه بالكتاب، وقد قطع صَهيد -مفازةٌ ما بين مأرب وحضرموت- واستخلف على الجيش عكْرمة، وتعجَّل في سَرَعان النَّاس، ثم سَار حتى قدم على زياد؛ فَنَهَد إلى كنْدة وعليهم الأشعث، فالتقوْا بمحجر الزُّرْقان فاقتتلوا به فهُزمت كندة، وقُتلت وخرجوا هُرّابًا، فالتجأتْ إلى النُّجَيْر وقد رَمُّوه، وحصّنوه، وقال في يوم مَحْجر الزُّرْقان المهاجر:\nكُنَّا بزُرْقان إذ يُشَرِّدكُمْ ... بحرٌ يُزَجّي في مَوْجه الحطَبَا\nنحن قتلناكُمُ بمحْجركم ... حتى ركبْتُمْ من خَوْفِنا السَّبَبَا\nإلى حصارٍ يكون أهْوَنَه ... سَبْيُ الذَّرَارِي وسَوْقُها خَبَبَا\nوسار المهاجر في النَّاس من مَحْجر الزُّرْقان حتى نزل على النُّجَير، وقد اجتمعت إليه كندة، فتحصنوا فيه، ومعهم من استغووْا من السكاسك، وشُذّاذ من السَّكون، وحضْرموت، والنُّجير، على ثلاثة سُبُل، فنزل زياد على أخدها، ونزل المهاجر على الآخر، وكان الثالث لهم يؤتون فيه، ويذهبون فيه، إلى أن قدم عِكْرِمة في الجيش، فأنزله على ذلك الطَريق، فقطع عليهم الموادّ وردّهم، وفرَّق في كِنْدة الخيول، وأمرَهم أن يُوطئوهم. وفيمن بعث يزيد بن قَنان من بني مالك بن سعد، فقتل من بقرى بني هند إلى بَرَهُوت، وبعث فيمَن بعث إلى السَّاحل خالدَ بن فلان المخزوميّ وربيعة الحضرميّ، فقتلوا أهل مَحَا، وأحياء أخَر؛ وبلغ كنْدة وهم في الحصار ما لقي سائر قومهم، فقالوا: الموت خير ممَّا أنتم فيه؛ جُزُّوا نواصيَكم حتى كأنَّكم قومٌ قد وهبتم لله أنفسَكم، فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه؛ لعلَّه أن ينصرَكم على هؤلاء الظَّلَمة. فجزُّوا نواصيَهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألّا يفرّ بعضهم عن بعض، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم:\nصَبَاحُ سَوْء لبني قَتِيرهْ ... وللأمير من بني المغيرهْ\nوجعل راجزُ المسلمين زياد بن دينار يردّ عليهم:\nلا توعِدُونا واصبروا حَصِيرهْ ... نحنُ خيولُ وَلدِ المغيرهْ\nوفي الصبَاح تَظَفرُ العشيرهْ","vol":"8","page":100},{"text":"فلمّا أصبحوا خرجوا على النَّاس، فاقتتلوا بأفنية النُّجير، حتى كثرت القتلى بحيال كلّ طريق من الطرق الثلاثة، وجعل عِكْرِمة يرتجز يومئذ، ويقول:\nأطعنُهمْ وأنا على أوْفَازِ ... طَعْنًا أبوء به على مَجَازِ\nويقول:\nأُنْفِذُ قولي وله نُفَاذُ ... وكلُّ مَنْ جاوَرني مُعَاذُ (١)\n(٣: ٣٣٢/ ٣٣٣/ ٣٣٤/ ٣٣٥/ ٣٣٦).\n١٠١ - فهزمت كِنْدة، وقد أكثروا فيهم القتل.\nوقال هشام بن محمد: قدِم عِكْرِمة بن أبي جهل بعد ما فرغِ المهاجر من أمر القوْم مددًا له، فقال زياد، والمهاجر لمن معهما: إنّ إخوانكم قدِمُوا مَدَدًا لكم، وقد سبقتموهم بالفتح فأشرِكوهم في الغنيمة. ففعلوا وأشركوا من لحق بهم، وتواصوْا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسْرى، وسار البشير فسبقهم؛ وكانوا يبشّرون القبائل، ويقرؤون عليهم الفتح (٢). (٣: ٣٣٧).\n١٠٢ - وكتب إليّ السّريّ، قال: كتب أبو بكر ﵀ إلى المهاجر مع المغيرة بن شعبة: إذا جاءكم كتابي هذا ولم تظفَروا؛ فإن ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتِلة، واسبُوا الذرّيّة إن أخذتموهم عَنْوة، أو ينزلوا على حكمي، فإن جَرَى بينكم صُلْح قبل ذلك فعلَى أن تخرجوهم من ديارهم؛ فإنّي أكْرَهُ أن أقرّ أقوامًا فعلوا فعلهم في منازلهم، ليعلموا أن قد أساؤوا، وليذوقوا وَبال بعض الذي أتَوْا (٣). (٣: ٣٣٧).\n١٠٣ - قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النُّجَير الموادّ لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا: أنَّهم غيرُ منصرفين عنهم، خشعت أنفسُهم، ثمَّ خافوا القتل، وخاف الرُّؤساء على أنفسهم؛ ولو صبروا حتَّى يجيء المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصّلح على الجلاء نَجاةً. فعجَّل الأشعث، فخرج إلى عِكْرِمة بأمان، وكان لا يأمن غيرَه؛ وذلك أنَّه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجَوْن، خطبها وهو\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":101},{"text":"يومئذ بالجنَد ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادُوا، فأبلغه عكرمةُ المهاجرَ، واستأمنه له على نفسه، ونَفر معه تسعة؛ على أن يؤمنهم وأهليهم وأن يفتحوا لهم الباب؛ فأجابه إلى ذلك، وقال: انطلق فاستوثقْ لنفسك، ثم هلمّ كتابك أختمه (١). (٣: ٣٣٧).\n١٠٥ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشَّيْباني، عن سعيد بن أبي بُرْدة، عن عامر: أنه دخَل عليه فاستأمنه على أهله وماله، وتسعة ممّن أحبّ، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه. فقال له المهاجر: اكتب ما شئت واعْجل، فكتب أمانَه وأمانهم، وفيهم أخوه، وبنو عمّه، وأهلُوهم، ونسيَ نفسَه؛ عَجلَ ودَهِشَ. ثم جاء بالكتاب فختمه؛ ورجع فسرّب الَّذين في الكتاب.\nرجع الحديث إلى حديث سيف: فلما ولي عمر ﵀ قال: إنه ليَقبُح بالعرب أن يملك بعضُهم بعضًا. وقد وسَّع الله، وفتح الأعاجم، واستشار في فداء سَبَايا العرب في الجاهلية والإسلام إلّا امرأة ولَدت لسيّدها، وجعل فداء كلّ إنسان سبعة أبعرة، وستَّة أبعرة إلّا حَنيفة كندة؛ فإنَه خَفَّف عنهم لقتل رجالهم، ومَنْ لا يقدر على فداء لقيامهم وأهل دَبَا، فتتبَّعتْ رجالُهم نساءَهم بكلّ مكان. فوجد الأشعثُ في بني نَهْد وبني غُطْيف امرأتين؛ وذلك أنَّه وقف فيها يسأل عن غُراب، وعُقاب، فقيل: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن نساءنا يوم النُجير خطفهنّ العِقْبان، والغربان، والذِّئاب، والكلاب. فقال بنو غطيف: هذا غُراب، قال: فما موضعه فيكم؟ قالوا: في الصّيانة، قال: فنعم، وانصرف. وقال عمر: لا ملْكَ على عربيّ؛ للذي أجمع عليه المسلمون معه (٢). (٣: ٣٣٨/ ٣٤٠).\n١٠٦ - وقال الأجْلَح، والمجالد: لمّا لم يبق إلّا أن يكتب نفسه وثب عليه جَحْدَم بشَفْرة، وقال: نفسَك أو تكتبني! فكتبه وترك نفسه (٣). (٣: ٣٤٠).\n١٠٧ - قال أبو إسحاق: فلمَّا فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يَدَعوا فيه\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":102},{"text":"مقاتلًا إلّا قتلوه؛ ضربوا أعناقهمِ صبْرًا، وأحصى ألف امرأة ممَّن في النُّجير والخَنْدق، ووضع على السَّبْي والفيء الأحراس، وشاركهم كثير (١). (٣: ٣٤٠).\n١٠٨ - وقال كَثِير بن الصّلت: لمّا فتح الباب وفرغ ممن في النجير، وأحصي ما أفاء الله عليهم؛ دعا الأشعث بأولئك النَّفَر، ودعا بكتابه فعرَضهم، فأجاز من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس فيه، فقال المهاجر: الحمد لله الَّذي أخطأك نوْءُك يا أشعث! يا عدوّ الله! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله. فشدّه وثاقًا، وهمّ بقتله، فقال له عكرمة: أخِّرْه، وأبلغْه أبا بكر، فهو أعلمُ بالحكْم في هذا، وإنه كان رجلًا نسي اسمه أن يكتبه؛ وهو وليّ المخاطبة، أفذاك يبطل ذاك؟ ! فقال المهاجر: إنّ أمره لبيِّنٌ، ولكني أتَّبع المشورة وأوثرها. وأخَّرَه وبعث به إلى أبي بكر مع السَّبْي، فكان معهم يلعنه المسلمون، ويلعنه سبايا قومه، وسمَّاه نساء قومه عُرْفَ النَّار -كلامٌ يمانيُّ يسمُّون به الغادر- وقد كان المغيرة تحيَّر ليلَه للَّذي أراد الله، فجاء والقوم في دمائهم والسَّبْي على ظَهْر، وسارت السبايا والأسْرَى، فقدم القوم على أبي بكر ﵀ بالفَتْح والسَّبَايا والأسرى. فدعا بالأشعث، فقال: استزلك بنو وَليعة، ولم تكن لتستزلَّ لهم -ولا يروْنك لذلك أهلًا- وهلكوا، وأهلكوك! أما تَخشى أن تكون دعوةُ رسول الله - ﷺ - قد وصل إليك منها طرفٌ! ما تراني صانعًا بك؟ قال: إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال: فإنّي أرى قتلك. قال: فإنّي أنا الذي راوضتُ القوم في عشرة، فما يحلُّ دمي، قال: أفَوّضُوا إليك؟ قال: نعم، قال: ثم أتيتَهُمْ بما فوّضُوا إليك فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنَّما وجب الصّلح بعد خَتْم الصحيفة على مَن في الصحيفة، وإنَّما كنتَ قبل ذلك مُراوضًا. فلمَّا خَشِيَ أن يقع به قال: أو تحتسب فيّ خيرًا فتطلق إساري، وتُقيلني عثرتي، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلتَه بأمثالي وتردّ عليَّ زوجتي - وقد كان خطب أمَّ فَرْوة بنت أبي قحافة مَقْدَمه على رسول الله - ﷺ -؛ فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول الله - ﷺ - وفعلِ الأشعث ما فعل، فخشيَ ألّا تُردّ عليه - تجدُني خيْرَ أهل بلادي لدين الله! فتجافى له عن دمه، وقَبِل منه، وردّ عليه أهله، وقال: أنطلقْ فلْيبلغي عنك خيرٌ، وخلّى عن القوم فذهبوا، وقسّم أبو بكر في الناس الخُمْس، واقتسم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":103},{"text":"الجيش الأربعة الأخماس (١). (٣: ٣٣٨/ ٣٣٩).\n١٠٩ - قال أبو جعفر: وأمَّا ابنُ حُميد، فإنه قال: حَدّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أنَّ الأشعث لمَّا قُدِم به على أبي بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك؛ فإنَّك قد فعلتَ ماعلمتَ! قال: تمُنُّ عليّ، فتَفُكني من الحديد وتزوّجني أختَك؛ فإني قد راجعتُ وأسلمتُ. فقال أبو بكر: قد فعلتُ. فزوّجه أمّ فروة ابنة أبي قُحَافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق (٢). (٣: ٣٣٩).\n١١٠ - قالوا: ونظر المهاجر في أمر المرأة التي كان أبوها النُّعمان بن الجَوْن أهدَاها لرسولِ الله - ﷺ -؛ فوصفها أنَّها لم تَشْتَكِ قطّ. فردَّها، وقال: لا حاجةَ لنا بها، بعد أن أجلَسها بين يديه، وقال له: لو كان لها عند الله خيرٌ؛ لاشتكت. فقال المهاجر لعِكْرِمة: متى تزوجتَها؟ قال: وأنا بعَدن، فأهديتْ إليّ بالجَند، فسافرت بها إلى مأرب، ثم أوردتُها العسكر. فقال بعضهم: دعْها فإنَّها ليست بأهل أن يُرغَب فيها. وقال بعضُهم: لا تَدَعْها. فكتب المهاجر إلى أبي بكر ﵀ يسأله عن ذلك، فكتب إليه أبو بكر: إنّ أباها النّعمان بن الجَوْن أتى رسولَ الله - ﷺ -، فزيَّنها له حتى أمره أن يجيئه بها، فلمَّا جاءه بها قال: أزيدك: أنَّها لم تيجعْ شيئًا قَطّ، فقال: لو كان لها عند الله خير لاشتكتْ، ورغب عنها؛ فارغَبُوا عنها. فأرسلها. وبقي في قريش بعد ما أمر عمر في السَّبْي بالفداء عدَّةٌ، منهم: بشرى بنت قيس بن أبي الكيسم عند سعد بن مالك، فولدت له عمر، وزُرْعة بنت مِشْرَح عند عبد الله بن العباس فولدت له عليًّا.\nوكتب أبو بكر إلى المهاجر يخيِّره اليمَن أو حضرموت؛ فاختار اليَمَن، فكانت اليمن على أميرين: فيروز، والمهاجر، وكانت حضْرموت على أميرين: عُبيدة بن سعد على كندة والسَّكاسك، وزياد بن لَبيد على حَضْرموت.\nوكتب أبو بكر إلى عمَّال الرّدّة: أمَّا بعدُ، فإنّ أحبّ مَنْ أدخلتم في أموركم إليَّ مَن لم يرتدّ، ومَن كان ممَّن لم يرتدّ، فأجْمعوا على ذلك، فاتّخذوا منهم صنائع، وائذنوا لمن شاء في الانصراف، ولا تستعينوا بمرتدّ في جهاد عدوّ.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":104},{"text":"وقال الأشعث بن مئناس السّكونيّ يبكي أهل النُّجيْر:\nلَعمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بهَيِّنٍ ... لقد كنتُ بالقَتْلى لحقُّ ضَنِينِ\nفلا غَرْوَ إلا يومَ أقْرع بينهمْ ... وما الدَّهرُ عندي بَعْدَهم بأمِينِ\nفليتَ جُنُوبَ الناس تحتَ جنوبهم ... ولم تَمْش أنْثى بعدهم لِجَنين\nوكنتُ كذات البَوِّ ريعَتْ فأقبلتْ ... على بَوِّهَا إذ طَرَّبَتْ بحنين (١)\n١١١ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن موسى بن عُقْبَة، عن الضّحاك بن خليفة، قال: وقع إلى المهاجر امرأتان مُغَنِّيتان؛ غَنت إحداهما بشتْم رسولِ الله - ﷺ -، فقطع يدها، ونزع ثنيَّتها؛ فكتب إليه أبو بكر ﵀: بَلغني الذي سِرْتَ به في المرأة التي تغنَّت، وزمرت بشتيمة رسول الله - ﷺ -؛ فلولا ما قد سبقتْني فيها لأمرتك بقتْلها؛ لأن حدّ الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطَى ذلك من مسلم فهو مرتدّ، أو معاهَد فهو محارب غادر.\nوكتب إليه أبو بكر في التي تغنّت بهجاء المسلمين: أما بعدُ؛ فإنه بلغني أنَّك قطعت يدي امرأة في أن تغنَّت بهجاء المسلمين، ونزعتَ ثنيّتها؛ فإن كانت ممن تدّعي الإسلام فأدبٌ، وتقدمةٌ دون المُثْلة، وإن كانت ذِمّية فلعمري لما صفحت عنه من الشِّرْكِ أعظم؛ ولو كنتُ تقدّمتُ إليك في مثل هذا لبَلغتُ مكروهًا؛ فاقبل الدّعة، وإيَّاك والمُثلة في الناس؛ فإنها مأثَم ومُنَفّرة إلّا في قصاص (٢). (٣: ٣٤١/ ٣٤٢).\n١١٢ - وفي هذه السنة -أعني: سنة إحدى عشرة- انصرف مُعاذ بن جبل من اليمن.\nواستقضى أبو بكر فيها عمر بن الخطاب، فكان على القضاء أيَّام خلافته كلها.\nوفيها أمَّر أبو بكر ﵀ على الموسِم عتَّاب بن أسيد -فيما ذكره الذين أسند إليهم خبره عليّ بن محمد الذين ذكرت قبل في كتابي هذا أسماءهم (٣). (٣: ٣٤٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":105},{"text":"١١٣ - وقال علي بن محمد: وقال قوم: بل حج بالناس في سنة إحدى عشرة عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبي بكر إيَّاه بذلك (١). (٣: ٣٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة</span>\n١١٤ - قال أبو جعفر: ولمَّا فرغ خالدٌ من أمر اليمامة، كتب إليه أبو بكر الصّدّيق ﵀؛ وخالد مقيم باليمامة -فيما حدّثنا عبيد الله بن سعد الزهريّ، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف بن عمر عن عمرو بن محمَّد، عن الشعبيّ-: أنْ سِر إلى العراق حتى تدخلَها، وابدأ بفرْج الهند، وهي الأبُلَّة، وتألَّف أهلَ فارس، ومَن كان في مُلْكِهم من الأمم (٢). (٣: ٣٤٣).\n١١٥ - قال أبو جعفر: وأما غيرُ ابن إسحاق وغير هشام ومَن ذكرت قولَه من قَبْل، فإنَّه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدّثنا عُبيد الله بن سعد الزّهريّ، قال: حدّثني عمِّي عن سيف بن عمر، عن عمرو بن محمد، عن الشَّعبيّ، قال: لمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليَمامة، كتب إليه أبو بكر ﵀: إن الله فتحَ عليك فعارِقْ حتَى تلقى عياضًا. وكتب إلى عياض بن غَنْم وهو بين النِّبَاج والحجاز: أن سِرْ حتَّى تأتيَ المُصَيَّخَ فابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها، وعارق حتى تلقى خالدًا. وائْذَنَا لمن شاء بالرجوع، ولا تستفتحا بمتكارهٍ.\nولما قدم الكتاب على خالد وعياض، وأذنا في القفْل عن أمر أبي بكر، قَفل أهلُ المدينة وما حولَها وأعروهما، فاستمدّا أبا بكر، فأمدّ أبو بكر خالدًا بالقعقاع بن عمرو التميميّ، فقيل له: أتمدّ رجلًا قد ارفضّ عنه جنودُه برجل! فقال: لا يُهْزم جيشٌ فيهم مثل هذا. وأمدّ عياضًا بعبد بن عوف الحميريّ، وكتب إليهما أن استنفرا من قاتل أهل الردّة، ومَنْ ثبت على الإسلام بعد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف، وضعف الطبري الروايات التي تحدثت عن فتح الأبلّة على يد خالد ﵁ في هذه السنة كما سيأتي بعد الرواية (٣/ ٣٥٠/ خ ١٥٩).","vol":"8","page":106},{"text":"رسول الله - ﷺ -، ولا يغزونّ معكم أحدٌ ارتدّ حتى أرَى رأيي. فلم يشهد الأيَّام مرتَدّ.\nفلمَّا قدِم الكتاب على خالد بتأمير العراق، كتب إلى حَرْمَلَة، وسُلْمَى، والمثنَّى، ومذعور باللّحاق به، وأمرهم أن يواعدوا جنودَهم الأبُلَّة، وذلك أنّ أبا بكرٍ أمر خالدًا في كتابه: إذا دخلَ العراق أن يبدأ بفرْج أهل السِّنْد والهِنْد -وهو يومئذ الأبُلَّة- ليوم قد سمَّاه، ثم حشر مَن بينه وبين العراق، فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومُضر إلى ألفيْن كانا معه، فقدم في عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممَّن كان مع الأمراء الأربعة -يعني بالأمراء الأربعة: المثنَّى، ومذعورًا، وسُلْمى، وحرملة- فلقيَ هُرْمُزَ في ثمانية عشر ألفًا (١). (٣: ٣٤٦ - ٣٤٧).\n١١٦ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن المهلَّب الأسديّ، عن عبد الرحمن بن سياه، وطلحة بن الأعلَم عن المغيرة بن عُتَيبة، قالوا: كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد؛ إذ أمَّره على حرب العراق أن يدخلَها من أسفلها، وإلى عياض؛ إذ أمّره على حرب العراق؛ أن يدخلَها من أعلاها؛ ثم يستبقا إلى الحيرة، فأيّهما سبق إلى الحيرة فهو أميرٌ على صاحبه، وقال: إذا اجتمعتُما بالحيرة، وقد فضضتما مسالحَ فارس، وأمنْتُما أن يؤتَى المسلمون من خلْفهم، فليكن أحدكما رِدْءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدوّ الله وعدوّكم من أهل فارس دارَهم ومستقَرَّ عِزهم؛ المدائن (٢). (٣: ٣٤٧).\n١١٧ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن المجالد، عن الشّعبيّ، قال: كتب خالد إلى هُرمز قبل خروجه مع آزاذبه -أبي الزياذبة الَّذين باليمامة- وهرمز صاحب الثَّغر يومئذ: أمَّا بعدُ، فأسلِم تَسْلم، أو اعتقد لنفسكَ وقومك الذّمة، وأقرِرْ بالجزية؛ وإلا فلا تلومنّ إلّا نفسَك، فقد جئتُك بقومٍ يحبون الموت كما تحبُّون الحياة (٣). (٣: ٣٤٧).\n١١٨ - قال سيف: عن طلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتيبة -وكان قاضي\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد ضعف الطبري نفسه هذه الروايات كما سيأتي بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف، وفي متنه بعض النكارة فلم يكن في عادة سيدنا أبي بكر أن يؤمر القادة بهذه الطريقة وإنما يعين الأمير قبل توجه الجيش وحركته والله أعلم.\n(٣) إسناده ضعيف، وسيأتي الحديث عن فتح الثغر بعد قليل.","vol":"8","page":107},{"text":"أهل الكوفة- قال: فرّق خالد مُخرَجَه من اليمامة إلى العراق جندَه ثلاث فرَق، ولم يحملْهم على طريق واحدة، فسرَّح المثنَّى قبلَه بيومين، ودليله ظَفَر، وسرّح عديّ بن حاتم وعاصم بن عمرو، ودليليهما مالك بن عبَّاد، وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم؛ وخرج خالد ودليله رافع، فواعدهم جميعًا الحفير ليجتمعوا به وليصادموا به عدوّهم: وكان فرْج الهند أعظَم فروج فارس شأنًا، وأشدَّها شَوْكة، وكان صاحبه يحارب العرب في البرّ والهند في البحر.\nقال -وشاركه المهلَّب بن عُقْبة وعبد الرحمن بن سياه الأحمريّ، الذي تُنْسَب إليه الحمراء، فيقال: حمراء سياه- قال: لمَّا قدِم كتاب خالد على هُرْمز كتب بالخبر إلى شيري بن كسرى، وإلى أردشير بن شيري، وجمع جموعه، ثم تعجل إلى الكواظم في سَرَعان أصحابه ليتلقَّى خالدًا، وسبّق حلبَته فلم يجدها طريق خالد، وبلَغه أنَّهم تواعدوا الحفير، فعاج يبادره إلى الحفير فنزله، فتبعني به، وجعل على مجنَّبته أخوين يُلاقيان أرْدَشير وشيري إلى أردشير الأكبر، يقال لهما: قُباذ وأنوشَجان، واقترنوا في السلاسل، فقال من لم ير ذلك لمن رآه: قيَّدتم أنفسكم لعدوّكم، فلا تفعلوا؛ فإنّ هذا طائر سَوْء، فأجابوهم وقالوا: أمَّا أنتم فحدّثوننا أنَكم تريدون الهَرَب. فلما أتى الخبر خالدًا بأنّ هرمز في الحفير أمالَ النَّاس إلى كاظمَةَ، وبلغ هرمزَ ذلك. فبادره إلى كاظمة فنزلها وهو حسير؛ وكان من أسْوَأ أمراء ذلك الفرْج جوارًا للعرب، فكلّ العرب عليه مغيظ؛ وقد كانوا ضربوه مثلًا في الخُبث حتى قالوا: أخبث من هرمز، وأكفر من هرمز، وتعبّى هرمز وأصحابه، واقترنوا في السلاسل، والماء في أيديهم. وقدم خالد عليهم، فنزل على غير ماءٍ، فقالوا له في ذلك، فأمر مناديَه، فنادى: ألا انزِلوا وحُطُّوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلَعمري ليصيرَنّ الماءُ لأصْبَرِ الفريقين، وأكرم الجنديْن؛ فحُطَّت الأثقال والخيل وقوف، وتقدّم الرَّجْل، ثم زحف إليهم حتى لاقاهم؛ فاقتتلوا، وأرسل الله سحابة فأغزَرت ما وراءَ صفّ المسلمين، فقوّاهم بها؛ وما ارتفع النهار وفي الغائط مقترِن (١). (٣: ٣٤٨).\n١١٩ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن عبد الملك بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وسيأتي عنه الحديث بعد الرواية (٣/ ٣٥٠).","vol":"8","page":108},{"text":"عطاء البَكَائيّ؛ عن المقطَّع بن الهيثم البكائيّ بمثله، وقالوا: وأرسل هُرمز أصحابه بالغد ليغدروا بخالد، فواطؤوه على ذلك، ثم خرج هُرْمز، فنادى رجل ورجلٌ: أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عهدَه، فلمَّا نزل خالد نزلَ هرمز، ودعاه إلى النزال، فنزل خالد فمشَى إليه، فالتقيا فاختلفا ضربتيْن، واحتضنه خالدٌ، وحملت حامية هُرْمز وغدرت، فاستلحموا خالدًا، فما شغله ذلك عن قتله. وحمل القَعْقاع بن عمرو واستلحم حُماةَ هرمز فأناموهم؛ وإذا خالد يُمَاصعهم، وانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافَهم إلى الليل، وجمع خالد الرّثاث وفيها السَّلاسل، فكانت وقْرَ بعير؛ ألف رطل، فسمِّيت ذات السلاسل، وأفلت قُباذ، وأنوشجان (١).\n١٢٠ - حدثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن عمرو بن محمَّد؛ عن الشعبيّ، قال: كان أهلُ فارس يجعلون قلانسَهم على قَدْر أحسابهم في عشائرهم، فَمنْ تمّ شرفُه فقيمة قلنسوته مئة ألف. فكان هرمز ممنّ تَمّ شرفه، فكانت قيمتها مئة ألف؛ فنفّلها أبو بكر خالدًا، وكانت مفصَّصة بالجوهر، وتمام شرف أحدِهم أن يكون من بُيوتات (٢).\n١٢١ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدثني عمِّي عن سيف، عن محمَّد بن نوَيْرة، عن حنظلة بن زياد بن حنظلة، قال: لما تراجع الطَّلب من ذلك اليوم؛ نادى منادي خالد بالرّحيل، وسار بالنَّاس، واتَّبعته الأثقال؛ حتى ينزل بموضع الجسْر الأعظم من البصرة اليوم، وقد أفلت قُباذ، وأنوشجان، وبعث خالد بالفتح وما بقيَ من الأخماس، وبالفيل، وقرأ الفتح على الناس. ولما قدم زِرّ بن كليب بالفيل مع الأخماس، فطيف به في المدينة ليراه النَّاس، جعل ضعيفات النساء يقلن: أمِن خلْق الله ما نرى! ورأينَه مصنوعًا، فردّه أبو بكر مع زِرّ. قال: ولما نزل خالد موضع الجسر الأعظم اليوم بالبَصْرة؛ بعث المثنَّى بن حارثة في آثار القوم، وأرسل معقل بن مُقرِّن المُزَنيّ إلى الأبُلة ليجمع له مالها والسّبي، فخرج معقل حتى نزل الأبُلَّة فجمع الأموال والسبايا.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":109},{"text":"رجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمَّد بن نويرة، عن حنظلة بن زياد، قال: وخرج المثنَّى حتَّى انتهى إلى نهر المرأة، فانتهى إلى الحصن الذي فيه المرأة، فخلف المُعَنَّى بن حارثة عليه، فحاصرها في قَصْرها، ومضى المثنَّى إلى الرّجُل فحاصره ثم استنزلهم عَنْوةً؛ فقتلهم واستفاء أموالهم، ولمَّا بلغ ذلك المرأة صالحت المثنَّى وأسلمتْ، فتزوّجها المعنَّى، ولم يحرّك خالد وأمراؤه الفلّاحين في شيء من فتوحهم لتقدُّم أبي بكر إليه فيهم، وسبَى أولاد المقاتلة الَّذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، وأقرّ مَن لم ينهض من الفلاحين؛ وجعل لهم الذمَّة؛ وبلغ سهمُ الفارس في يوم ذات السلاسل والثِّنْي ألف درهم، والراجل على الثلث من ذلك (١). (٣: ٣٥٠).\n١٢٢ - قال أبو جعفر: وهذه القصة في أمر الأبُلَّة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السِّيَر، وخلاف ما جاءت به الآثار الصّحَاح، وإنما كان فتح الأبلَّة أيام عُمر ﵀، وعلى يد عُتْبة بن غَزْوان في سنة أربع عشرة من الهجرة، وسنذكر أمرها وقصّة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله (٢). (٣: ٣٥٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك متنه؛ إذ قال الطبري بعد هذه الرواية مباشرة: وهذه القصة في أمر الأبلّة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السِّير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح، وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر ﵀، وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله. اهـ. (تاريخ الطبري ٣/ ٣٥٠) قلنا: ولا داعي لذكر الآثار الصحيحة (هنا) في فتح الأبلة (البصرة) عند الطبري وغيره فسيأتي ذكره لاحقًا في فتوحات سنة أربع عشرة من الهجرة فموضعها هناك أولى بالتحقيق والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف، وقد أخرج ابن خليفة عن علي بن محمد معضلًا: صالحه (أي خالد) أهل نهر المرأة على اثني عشر ألف درهم وانصرف عنهم. وقال علي بن محمد: صالحته من رأس الفهرج إلى نهر المرأة.\nثم أخرج ابن خليفة: فقال الوليد بن هشام عن أبيه عن جده: إن خالدًا دخل ميسان فأصاب بها غنائم وسبايا من أهل القرى وصالحته الهماهيج -صاحبة نهر المرأة- ثم رجع إلى البصرة ثم سار نحو السواد فأخذ على كسكر وزندورد، واستخلف على البصرة قطبة بن قتادة السروسي. (تأريخ خليفة/ ١١٨).\nوالوليد هنا هو الوليد بن هشام بن قحذم بن سليمان بن ذكوان مولى أبي بكرة الثقفي كما قال العمري، والله أعلم.","vol":"8","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>ذكر وقعة المذار</span>\n١٢٣ - قال: وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتي عشرة، ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار، فيه يقتَل كلّ جبّار، على مجمع الأنهار. حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن زياد والمهلَّب، عن عبد الرحمن بن سياه الأحمرِيّ (١). (٣: ٣٥٣).\n١٢٤ - وأمَّا فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، فإنَّه عن سيف، عن المهلّب بن عُقْبة، وزياد بن سَرْجِس الأحمريّ، وعبد الرحمن بن سياه الأحمريّ، وسفيان الأحمريّ، قالوا: وقد كان هُرْمز كتب إلى أردشير وشيري بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، فأمدّه بقارِن بن قريانس، فخرج قارن من المدائن مُمِدًّا لهرمز؛ حتى إذا انتهى إلى المذار بلغتْه الهزيمة؛ وانتهت إليه الفُلّال، فتذامَروا، وقال فُلاّل الأهواز وفارس لفلّال السواد والجبَل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدَها أبدًا؛ فاجتمعوا على العَوْد مرّة واحدة، فهذا مدد الملك، وهذا قارن، لعلّ الله يُديلُنَا ويشفينا من عدوّنا ونُدرك بعضَ ما أصابوا منَّا. ففعلوا وعسكروا بالمذار، واستعمل قارن على مجنَّبته قُبَاذ، وأنوشجان، وأرَز المثنَّى، والمعنَّى إلى خالد بالخَبر؛ ولمَّا انتهى الخبر إلى خالد عن قارن قسّم الفَيء على مَن أفاءه الله عليه، ونفَّل من الخمْس ما شاء الله، وبعث ببقيَّته وبالفتح إلى أبي بكر وبالخَبَر عن القوم وباجتماعهم إلى الثني المغيثِ والمغاث، مع الوليد ابن عُقْبة -والعرب تسمي كلّ نهر الثِّنْي- وخرج خالد سائرًا حتى ينزل المذار على قارن في جموعه، فالتقوْا وخالد على تعبيته، فاقتتلوا على حَنَقٍ وحفيظة، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد، وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النَّبّاش، فابتدراه، فسبقه إليه معقل، فقتله وقتل عاصِمٌ الأنوشجان، وقتل عديٌّ قُباذ. وكان شرف قارن قد انتهى؛ ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدًا انتهى شرفه في الأعاجم، وقُتلت فارس مقتلة عظيمة؛ فضمُّوا السفُنَ، ومنعت المياه المسلمين من طلَبهم، وأقام خالد بالمذار، وسلَّم الأسلاب لمن سلَبها بالغةً ما بلغتْ، وقسّم الفيءَ ونفّل من الأخماس أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":111},{"text":"البلاء، وبعث ببقيَّة الأخماس، ووفَّد وفدًا مع سعيد بن النعمان أخي بني عديّ بن كعب (١). (٣: ٣٥١/ ٣٥٢).\n١٢٥ - حدثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن محمَّد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفًا سوَى من غرق، ولولا المياه لأتيَ على آخرهم؛ ولم يفلت منهم من أفلت إلا عُراة وأشباه العراة (٢). (٣: ٣٥٢).\n١٢٦ - قال سيف، عن عمرو والمجَالد، عن الشعبي، قال: كان أوّل من لقيَ خالد مَهْبَطهُ العراق هرمزَ بالكواظم، ثم نزل الفرات بشاطئ دِجْلة؛ فلم يلقَ كيدًا، وتبحبَح بشاطئ دجلة، ثم الثِّنْي، ولم يلقَ بعد هرمز أحدًا إلا كانت الوقْعة الآخرة أعظَم من التي قبلها، حتى أتى دُومَةَ الجندل، وزاد سهمُ الفارس في يوم الثِّنْي على سهمه في ذات السلاسل. فأقام خالد بالثنْي يسبِي عيالات المقاتلة ومن أعانهم، وأقرَّ الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دُعوا، وكلّ ذلك أخذ عنوةً ولكن دُعوا إلى الجزاء، فأجابوا، وتراجعوا، وصاروا ذمَّة، وصارت أرضهم لهم؛ كذلك جرى ما لم يُقسم، فإذا اقتُسم فلا.\nوكان في السّبْي حبيب أبو الحسن -يعني: أبا الحسن البصريّ- وكان نصرانيًّا، ومافنَّة مولى عثمان، وأبو زياد مولَى المغيرة بن شعبة.\nوأمَّر على الجند سعيد بن النُّعمان، وعلى الجزاء سُوَيد بن مُقرّن المزنيّ، وأمره بنزول الحفير، وأمره ببثّ عُمَّاله، ووضع يده في الجباية، وأقام لعدوّه يتحسَّس الأخبار (٣). (٣: ٣٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>ذكر وقعة الولَجة</span>\n١٢٧ - ثم كان أمر الولَجة في صفر من سنة اثنتي عشرة؛ والولَجة مما يلي كَسْكر من البرّ.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":112},{"text":"حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمي، قال: حَدّثني سَيْف عن عمرو، والمجالد، عن الشعبيّ قال: لما فرغ خالد من الثِّنْي وأتى الخبرُ أردشير؛ بعث الأنْدَرْ زَغَر؛ وكان فارسيًّا من مولَّدي السّواد (١). (٣: ٣٥٣).\n١٢٨ - حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمّي، قال: حدثني سيف عن زياد بن سَرْجِس، عن عبد الرحمن بن سياه، قال -وفيما كتب به إليّ السريّ، قال: حدّثنا شُعيب؛ قال: حدثنا سَيْف عن المهلَّب بن عُقْبة، وزياد بن سرجس، وعبد الرحمن بن سياه- قالوا: لمَّا وقع الخبرُ بأردَشير بمصاب قارن، وأهل المَذَار؛ أرسل الأندرْزَغَر؛ - وكان فارسيًّا من مولّدي السواد وتُنَّائهم؛ ولم يكن ممّن وُلد في المدائن ولا نشأ بها - وأرسل بهمن جاذَوَيْه في أثره في جيش، وأمَره أن يعبُر طريق الأندرْزَغَر؛ وكان الأندرْزَغَر قبل ذلك على فَرْج خُراسان؛ فخرج الأندرْزَغَر سائرًا من المَدَائن حتى أتى كَسْكَر، ثم جازَها إلى الوَلَجة، وخرج بَهْمَن جاذويه في أثره، وأخذ غير طريقه، فسلك وسط السَّواد، وقد حشر إلى الأندرْزَغَر من بيْن الحيرة وكَسْكَر من عرب الضّاحية والدّهاقين فعسكروا إلى جَنْب عسكره بالوَلَجة؛ فلمَّا اجتمع له ما أراد واستتمّ أعجبه ما هو فيه، وأجمع السَّيْر إلى خالد؛ ولما بلغ خالدًا وهو بالثِّنْي خبرُ الأندرْزَغَر ونزوله الولَجة، نادى بالرّحيل، وخلَّف سُوَيد بن مقرّن، وأمرهَ بلزوم الحفير، وتقدّم إلى مَن خلّف في أسفل دِجْلة، وأمرهم بالحَذرِ وقلَّة الغَفْلَة، وترك الاغترار، وخرج سائرًا في الجنود نحو الوَلَجة، حتى ينزل على الأندَرْزَغَر وجنوده ومَنْ تأشّب إليه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ هو أعظم من قتال الثِّنْي (٢). (٣: ٣٥٣).\n١٢٩ - حدثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيِف، عن محمد بن أبي عثمان، قال: نزل خالدٌ على الأندرْ زَغَر بالولَجة في صَفر، فاقتتلوا بها قتالًا شديدًا، حتى ظنَ الفريقان أنّ الصبر قد فرغ، واستبطأ خالد كمينَه؛ وكان قد وضع لهم كمينًا في ناحيتيْن، عليهم بُسْر بن أبي رُهْم، وسعيد بن مُرّة العِجليّ، فخرج الكمين في وجْهين، فانهزمت صفوف الأعاجم وولَّوا، فأخذهم خالد من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":113},{"text":"بين أيديهم والكمين من خلْفهم، فلم يرَ رجلٌ منهم مقتلَ صاحبه؛ ومضى الأندرْزَغَر في هزيمته، فمات عطشًا. وقام خالد في الناس خطيبًا يرغِّبهم في بلاد العَجَم، ويزهّدهم في بلاد العرب، وقال: ألا تروْن إلى الطَّعام كرفْغَ التراب وبالله لو لم يلزمنا الجهادُ في الله والدعاء إلى الله ﷿ ولم يكن إلّا المعاش؛ لكان الرأي أن نقارعَ على هذا الرّيف حتى نكونَ أولى به، ونولي الجوعَ والإقلال مَن تولّاه ممّن اثَّاقل عمَّا أنتم عليه. وسار خالد في الفلاحين بسيرته فلم يقتلهم، وسبَى ذراريّ المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهلَ الأرض إلى الجزاء والذمَّة، فتراجعوا (١). (٣: ٣٥٤).\n١٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف -وحدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف- عن عمرو، عن الشَّعبيّ، قال: بارز خالد يوم الوَلَجة رجلًا من أهل فارس يُعدَل بألف رجل فقتله، فلمَّا فرغ اتَّكأ عليه، ودعا بغدَائه. وأصاب في أناس من بكْر بن وائل ابنًا لجابر بن بُجير وابنًا لعبد الأسود (٢). (٣٥٤: ٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>خبر أُلّيس، وهي على صُلْب الفرات</span>\n١٣١ - قال أبو جعفر: حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي، قال: حدّثنا سيف عن محمد بن طلحة، عن أبي عثمان، وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عتيبة. وأمّا السَّريّ فإنه قال فيما كتب إليّ: حدّتنا شُعيب عن سيف، عن محمَّد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عُتَيبة، قالا: ولمَّا أصاب خالد يوم الوَلَجة مَن أصاب من بكْر بن وائل من نصاراهم الَّذين أعانوا أهلَ فارس؛ غضب لهم نصارى قومِهم؛ فكاتبوا الأعاجم، وكاتبتهم الأعاجم، فاجتمعوا إلى ألَّيس، وعليهم عبد الأسود العِجْليّ، وكان أشدّ الناس على أولئك النَّصارى مسلمو بني عِجْل: عُتيبة بن النَّاس، وسعيد بن مُرّة، وفرات بن حَيَّان، والمثنَّى بن لاحق، ومذعور بن عديّ. وكتب أردشير إلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":114},{"text":"بَهمن جاذَوَيْه، وهو بقُسْيَانا -وكان رافدَ فارس في يوم كمن أيام شَهْرهم وبنوْا شهورَهم كلَّ شهر على ثلاثين يومًا، وكان لأهل فارس في كلّ يوم رافد قد نُصب لذلك يرفدُهم عند الملك، فكان رافدهم بَهْمَن روز- أن سِر حتى تقدَم ألّيس بجيشك إلى مَن اجتمع بها من فارس ونصارى العرب. فقدّم بَهْمَن جاذويه جابان وأمره بالحثّ، وقال: كفكفْ نفسك وجندَك من قتال القوم حتى ألحق بك إلّا أنْ يُعجلوك. فسار جابان نحو ألّيس؛ وانطلق بَهْمَن جاذويه إلى أردشير ليُحْدِث به عهدًا، وليستأمره فيما يريد أن يشيرَ به، فوجده مريضًا؛ فعرَّج عليه، وأخلَى جابان بذلك الوجه، ومضى حتى أتى أليْس، فنزل بها في صفَر، واجتمعت إليه المسالح التي كانت بإزاء العرب؛ وعبد الأسود في نصارى العرب من بني عِجْل وتيمْ اللات وضُبَيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة؛ وكان جابر بن بجير نصرانيًا، فساند عبد الأسود؛ وقد كان خالد بلغه تجمُّع عبد الأسود وجابر وزُهير فيمنْ تأشَب إليهم، فنَهد لهم، ولا يشعر بدنوّ جابان، وليست لخالد همة إلّا من تجمّع له من عَرَب الضّاحية ونصاراهم؛ فأقبل فلمَّا طلع على جابان بأليْس؛ قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أم نغَدّي الناس ولا نريهم أنا نحفِل بهم، ثم نقاتلهم بعد الفراغ؟ فقال جابان: إن تركوكم والتَّهاون بكم فتهاونوا، ولكن ظنّي بهم أن سيعجلونكم ويعجّلونكم عن الطعام. فعصوه وبسطوا البُسُط ووضعوا الأطعمة، وتداعوْا إليها، وتوافوْا عليها. فلمَّا انتهى خالد إليهم، وقف وأمر بحطّ الأثقال، فلمَّا وُضِعت توجَّه إليهم، ووكَّل خالد بنفسه حوامي يحمُون ظهره، ثم بَدَرَ أمام الصفّ، فنادى: أين أبجر؟ أين عبد الأسود؟ أين مالك بن قيس؟ رجلٌ من جَذْرة؛ فنكَلُوا عنه جميعًا إلّا مالكًا، فبرز له، فقال له خالد: يا بنَ الخبيثة، ما جرَّأك على من بينهم، وليس فيك وفاء! فضربه فقتله، وأجهض الأعاجمَ عن طعامهم قبل أن يأكلوا؛ فقال جابان: ألم أقل لكم يا قومُ! أما والله ما دخلَتْني من رئيس وحشة قطُ حتى كان اليوم؛ فقالوا حيث لم يقدروا على الأكل تجلّدًا: نَدعها حتى نفرغ منهم، ونعود إليها. فقال جابان: وأيضًا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون؛ فالآن فأطيعوني؛ سُمّوها؛ فإن كانت لكم فأهوْنُ هالكٍ، وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئًا؛ وأبلَيْتم عذرًا. فقالوا: لا، اقتدارًا عليهم. فجعل جابان على مجنَّبتَيْه عبد الأسود وأبجر؛ وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والمشركون يزيدهم كَلَبًا وشدَّةً","vol":"8","page":115},{"text":"ما يتوقَّعون من قدوم بَهْمَن جاذويه، فصابروا المسلمين للَّذي كان في علم الله أن يصيِّرَهم إليه، وحَرِبَ المسلمون عليهم، وقال خالد: اللهمّ إنَّ لك عليّ إن منحتَنا أكتافَهم ألّا أستبقي منهم أحدًا قدرْنا عليه حتى أجرِيَ نهرَهم بدمائهم!\nثم إنّ الله ﷿ كشفهم للمسلمين، ومنحَهم أكتافهم، فأمر خالد مناديَه، فنادى في الناس: الأسرَ الأسرَ! لا تقتلوا إلا مَن امتنع؛ فأقبلت الخيول بهم أفواجًا مستأسرين يساقون سَوْقًا، وقد وكَّل بهم رجالًا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يومًا وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد؛ حتى انتهوْا إلى النّهرين، ومقدارِ ذلك من كلّ جوانب ألّيْس. فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع وأشباهٌ له: لو أنَّك قتلتَ أهلَ الأرض لم تجرِ دماؤهم؛ إنّ الدّماء لا تزيد على أن تَرقرَق منذ نُهيتْ عن السَّيَلان، ونُهيت الأرض عن نَشْف الدماء؛ فأرسل عليها الماء تَبَرّ يمينك. وقد كان صدّ الماءَ عن النَّهر فأعاده، فجرى دمًا عبيطًا فسمِّي نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم (١). (٣: ٣٥٥/ ٣٥٦/ ٣٥٧).\n١٣٢ - وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصيّة، قال: وبلغنا: أن الأرض لما نشفتْ دمَ ابن آدم نُهَيتْ عن نَشْف الدماء، ونُهِيَ الدّم عن السَّيَلان إلا مقدار بَرْدِه.\nولما هُزِم القوم وأجْلُوا عن عسكرِهم، ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه؛ وقف خالد على الطعام، فقال: قد نفّلْتُكموه فهو لكم. وقال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أتى على طعام مصنوع نفَّله. فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل، وجعل مَنْ لم يرَ الأرياف ولا يعرف الرّقاق يقول: ما هذه الرّقاق البيض! وجعل مَنْ قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحًا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا؛ فسمي الرّقاق، وكانت العرب تسمّيه القرَى (٢). (٣: ٣٥٧).\n١٣٣ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمِّي، قال: حدّثنا سيف عن عمرو بن محمّد، عن الشَّعبيّ، عمَّن حدّث، عن خالد: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - نفّل الناس يوم خَيْبَر الخبز والطبيخ والشِّواء، وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثِّليهِ (٣). (٣٥٧: ٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":116},{"text":"١٣٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن طلحة، عن المغيرة، قال: كانت على النَّهر أرحاء، فطحنتْ بالماء وهو أحمر قوت العسكر؛ ثمانية عشر ألفًا أو يزيدون ثلاثة أيام. وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جَنْدَلًا من بني عجْل، وكان دليلًا صارمًا، فقدم على أبي بكر بالخَبر، وبفتح ألَّيْس، وبقدْر الفيء وبعدّة السَّبْي، وبما حصل من الأخماس؛ وبأهل البلاء من الناس؛ فلمَّا قدم على أبي بكر، فرأى صرامته وثباتَ خبره، قال: ما اسمك؟ قال: جَنْدَل، قال: ويْهًا جندل!\nنَفسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا ... وَعَوَّدَتْهُ الكرَّ وَالإقْداما\nوأمر له بجارية من ذلك السَّبْي، فولدت له.\nقال: وبلغت قتلاهم من ألَّيْس سبعين ألفًا جلّهم من أمْغِيشيَا.\nقال أبو جعفر: قال لنا عبيد الله بن سعد: قال عمّي: سألت عن أمْغِيشيَا بالحيرة فقيل لي: مَنِشِيَا، فقلت لسيف، فقال: هذان اسمان (١) (٣: ٣٥٧/ ٣٥٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>حديث أمْغيشيا</span>\n١٣٥ - في صفر، وأفاءَها الله ﷿ بغير خيل.\nحدثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، وطلحة، عن المغيرة، قال: لمَّا فَرَغ خالد من وقعة ألَّيْس؛ نهض فأتى أمْغِيشيا، وقد أعجلهم عَمَّا فيها، وقد جلا أهلها؛ وتفرّقوا في السَّوَاد، ومن يومئذ صارت السَّكرات في السَّواد؛ فأمر خالد بهدم أمْغِيشيَا وكلّ شيء كان في حَيِّزها، وكانت مِصْرًا كالحيرة؛ وكان فرات بادَقْلى ينتهي إليها، وكانت ألَّيْس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قطّ (٢). (٣: ٣٥٨).\n١٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بَحْر بن الفُرات العجليّ، عن أبيه، قال: لم يصب المسلمون فيما بين ذات السَّلاسل وأمغيشيا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":117},{"text":"مثل شيء أصابوه في أمغيشيا، بلغ سهمُ الفارس ألفًا وخمسمئة، سوى النَّفَل الذي نُفِّلَه أهلُ البلاء. وقالوا جميعًا: قال أبو بكر ﵀ حين بلغه ذلك: يا معشرَ قريش! -يخبرهم بالذي أتاه-: عدا أسدُكم على الأسد فغلَبه على خراذيله؛ أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد؟ ! (١) (٣: ٣٥٨/ ٣٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>حديث يوم المَقْر وفم فُرات بادَقْلَى</span>\n١٣٧ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السَّريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان وطلحة، عن المغيرة: أن الآزاذبه كان مرزُبان الحيرة أزمان كسرى إلى ذلك اليوم؛ فكانوا لا يمدُّ بعضُهم بعضًا إلّا بإذن الملك، وكان قد بلغ نصف الشَّرَف، وكان قيمة قَلنْسُوته خمسين ألفًا؛ فلما أخرب خالد أمغيشيا، وعاد أهلها سَكَرات لدهاقين القرى علم الآزاذبه أنَّه غيرُ متروك، فأخذ في أمره وتهيَّأ لحرب خالد، وقدّم ابنه ثم خرج في أثرِه حتى عسكر خارجًا من الحيرة؛ وأمر ابنه بسدّ الفرات، ولما استقلّ خالد من أمغيشيا وحمل الرّجْل في السفن مع الأنفال والأثقال، لم يفجَأ خالدٌ إلّا والسفنُ جوانح، فارتاعوا لذلك، فقال الملّاحون: إن أهلَ فارس فجّروا الأنهار؛ فسلك الماء غير طريقه؛ فلا يأتينا الماء إلّا بسدّ الأنهار، فتعجَّل خالد في خيل نحو ابن الآزاذبه، فتلقَّاه على فمِ العتيق خيلٌ من خيله؛ فجأهم وهم آمنون لغارة خالد في تلك الساعة، فأنامهم بالمقْر، ثم سار من فَوْرِه وسبق الأخبارَ إلى ابن الآزاذبه حتَّى يلقاه وجندَه على فم فرات بادَقْلى؛ فاقتتلوا فأنامهم؛ وفجَّر الفُرات وسدّ الأنهار وسلك الماءُ سبيلَه (٢). (٣٥٩: ٣).\n١٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، وبحر عن أبيه، قالوا. وحدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي، قال: حدثنا سيفٌ عن محمَّد، عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قالا: لمّا أصابَ خالد ابن الآزاذبه على فم فرات بادَقْلَى، قصد للحيرة، واستلحق أصحابه، وسار حتى ينزل بين الخوَرْنَق والنَّجَف، فقدم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":118},{"text":"خالد الخورنَق، وقد قطع الآزاذبه الفُرات هاربًا من غير قتال؛ وإنَّما حداه على الهَرَب: أنّ الخبر وقع إليه بموت أردشير ومصاب اينه، وكان عسكره بين الغَريين والقصر الأبيض. ولمَّا تتامّ أصحابُ خالد إليه بالخورنق خرج من العسكر حتى يعسكر بموضع عسكر الآزاذبه بين الغريين والقصر الأبيض، وأهلُ الحيرة متحصنون، فأدخل خالد الحيرة الخيلَ من عسكره، وأمر بكلّ قصر رجلًا من قوّاده يحاصر أهلَه ويقاتلهم، فكان ضرار بن الأزور محاصرًا القصر الأبيض، وفيه إياس بن قَبيصة الطائي، وكان ضرار بن الخطاب محاصرًا قصر العدَسيين وفيه عديّ بن عديّ المقتول، وكان ضرار بن مقرّن المزنيّ عاشر عشرة إخوة له محاصرًا قصرَ بني مازن، وفيه ابن أكَّال؛ وكان المثنَّى محاصرًا قصر ابن بُقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح؛ فدعوهم جميعًا، وأجَّلُوهم يومًا، فأبى أهلُ الحيرة ولجُّوا، فناوشهم المسلمون (١). (٣: ٣٥٩/ ٣٦٠).\n١٣٩ - حدّثني عبيدُ الله بن سعد، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن الغُصْن بن القاسم، رجل من بني كنانة - قال أبو جعفر: هكذا قال عُبيد الله. وقال السَّريّ فيما كتب به إليّ: حدّثنا شُعيب عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة - قال: عهد خالد إلى أمرائه أن يبدؤوا بالدّعاء، فإن قَبِلُوا؛ قبلوا منهم، وإن أبْوا؛ أن يؤجّلوهم يومًا، وقال: لا تمكِّنوا عدوّكم من آذانكم، فيتربّصوا بكم الدوائر؛ ولكن ناجزُوهم ولا تُرَدّدُوا المسلمين عن قتال عدوّهم. فكان أوّل القُوّاد أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور، وكان على قتال أهل القَصْر الأبيض، فأصبحوا وهم مشرفُون؛ فدعاهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجِزَاء، أو المنابذة، فاختاروا المنابذة وتنادوا: عليكم الخزازيف، فقال ضرار: تنحَّوْا لا ينالكم الرّمي؛ حتى ننظر في الذي هتفوا به. فلم يلبث أن امتلأ رأسُ القصر من رجال متعلّقي المخالي، يرمون المسلمين بالخزازيف -وهي المداحي من الخَزَف- فقال ضرار: ارشقوهم، فدنوْا منهم فرشقُوهم بالنَّبْل، فأعروْا رؤوس الحيطان، ثم بَثُّوا غارتهم فيمن يليهم، وصبّح أمير كلّ قوم أصحابه بمثل ذلك، فافتتحوا الدُّور والدّيرات، وأكثروا القتل، فنادى القسيسون والرُّهبان: يا أهلَ القصور! ما يقتلنا غيركم. فنادى أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":119},{"text":"القصور: يَا معشرَ العرب! قد قبِلْنا واحدة من ثلاث، فادعوا بنا وكُفّوا عنّا حتَّى تبلغونا خالدًا. فخرج إياس بن قَبيصة وأخوه إلى ضرار بن الأزور، وخرج عديّ بن عديّ وزيد بن عديّ إلى ضرار بن الخطاب -وعديّ الأوسط الذي رثته أمّه وقتل يوم ذي قَار- وخرج عمرو بن عبد المسيح وابن أكَّال، هذا إلى ضرار بن مقرّن، وهذا إلى المثنَّى بن حارثة، فأرسلوهم إلى خالد وهم على مواقفهم (١). (٣: ٣٦٠/ ٣٦١).\n١٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة قالا: كان أوّل مَنْ طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيّان بن الحارث وهو بُقَيْلة - وإنما سُمي بُقَيلة؛ لأنه خرج على قومه في برْدَيْن أخضرين، فقالوا: يا حارِ ما أنت إلا بُقَيلة خضراء - وتتابعوا على ذلك، فأرسلهم الرؤساء إلى خالد، مع كلّ رجل منهم ثقة؛ ليصالح عليه أهلَ الحصن، فخلا خالد بأهلِ كل قصرٍ منهم دون الآخرين، وبدأ بأصحاب عديّ، وقال: ويحكم! ما أنتم! أعرب؟ فما تنقمون من العرب! أو عجم؟ فما تنقمون من الإنصاف والعدل! فقال له عديّ: بل عرب عاربة وأخرى متعرّبة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادُّونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عديّ: ليَدلّك على ما نقول أنَّه ليس لنا لسان إلّا بالعربية، فقال: صدقتَ. وقال: اختاروا واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة؛ فقد والله أتيتُكم بقوم هم على الموت أحرصُ منكم على الحياة، فقال: بل نعطيك الجِزْية، فقال خالد: تبًّا لكم، ويحكم! إنّ الكُفْر فلاة مَضَلَّة، فأحمقُ العرب مَن سلكها فلقيه دليلان: أحدهما عربيّ فتركه واستدلّ الأعجميّ. فصالحوه على مئة ألف وتسعين ألفًا؛ وتتابعوا على ذلك، وأهْدَوْا له هَدَايا، وبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر ﵀ مع الهذيل الكاهليّ، فقبلها أبو بكر من الجِزَاء، وكتب إلى خالد أن احسبْ لهم هديّتهم من الجِزَاء، إلّا أن تكون من الجِزَاء، وخذ بقيَّة ما عليهم فَقوِّ بها أصحَابك. وقال ابنُ بُقَيْلة:\nأبَعْدَ المُنْذِريْنِ أَرَى سَوامًا ... ترَوَّحُ بَالخوَرْنَق والسَّدير!\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":120},{"text":"وَبَعْدَ فَوَارِسِ النُّعْمان أَرْعى ... قلوصًا بين مُرَّةَ والحفيرِ\nفصِرْنا بعد هلك أبي قُبَيْس ... كجُرْب المَعْز في اليوم المَطِيرِ\nتَقسَّمُنَا القبائلُ مِنْ مَعَدٍّ ... علانيَةً كأَيْسارِ الجزُورِ\nوَكُنّا لا يرامُ لنا حَريمٌ ... فنَحْنُ كضَرَّة الضرْع الفَخُورِ\nنؤدِّي الْخَرْجَ بعد خَراج كِسْرَى ... وخَرْجٍ مِنْ قُرَيْظة والنَّضَيرِ\nكذاك الدَّهْرُ دَوْلته سجالٌ ... فيَوْمٌ مِنْ مَساءةٍ أو سُرُورِ (١)\n(٣: ٣٦١/ ٣٦٢).\n١٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم عن رجل من بني كنانة، ويونس بن أبي إسحاق بنحو منه، وقالا: فكانوا يختلفون إليه ويقدَمُون في حوائجهم عمرو بن عبد المسيح، فقال له خالد: كم أتتْ عليك من السنين قال: مئو سنين، قال: فما أعجبُ ما رأيت؟ قال: رأيتُ القرى منظومةً ما بين دمشق والحيرة، تخرجُ المرأة من الحيرة فلا تُزَوّدُ إلا رغيفًا. فتبسّم خالد، وقال:\n* هل لك من شَيخك إلا عَمَلُهْ *\nخرفْتَ والله يا عمرو! ثم أقبل على أهل الحيرة فقال: ألم يبلغني أنكم خَبَثَة خَدَعَة مكَرة! فما لكم تتناولون حوائجكم بخرِف لا يدري من أين جاء! فتجاهل له عمرو، وأحبَّ أن يريَه من نفسه ما يَعْرِفُ به عقلَه، ويستدلّ به على صحَّة ما حدّثه به، فقال: وحقِّك أيها الأمير، إنِّي لأعرف من أين جئتُ! قال: فمن أين جئتَ؟ قال: أقْرِب أم أبْعِد؟ قال: ما شئت، قال: من بَطْن أمّي، قال: فأين تريد؟ قال: أمامي، قال: وما هو؟ قال: الآخرة. قال: فمن أين أقصَى أثرِك؟ قال: من صُلْب أبي، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل؟ قال: إي والله وأقيِّد. قال: فوجده حين فَرّه عضًّا، وكان أهل قريته أعلم به - فقال خالد: قتلت أرْضٌ جاهلَها، وقَتَل أرْضًا عالمها؛ والقوم أعلم بما فيهم. فقال عمرو: أيُّها الأمير، النملة أعلم بما في بيتها من الجَمل بما في بيت النَّمية (٢) (٣: ٣٦٢/ ٣٦٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":121},{"text":"١٤٢ - وشاركهم في هذا الحديث من هذا المكان محمد بن أبي السَّفَر عن ذي الجوشن الضِّبابيّ، وأمَّا الزهريّ فإنه حدثنا به، فقال: شاركهم في هذا الحديث رجل من الضِّباب.\nقالوا: وكان مع ابن بُقيلة مَنْصفٌ له فعلّق كيسًا في حَقوِه، فتناول خالد الكيس، ونثر ما فيه في راحته، فقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمانة الله سَمّ ساعة، قال: لِمَ تحتقب السمّ؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيتُ، وقد أتيتُ على أجلي، والموت أحبُّ إليّ من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي. فقال خالد: إنَّها لن تَموت نفسٌ حتى تأتيَ على أجلِها، وقال: بسم الله خير الأسماء، ربّ الأرض وربّ السماء، الذي ليس يضرّ مع اسمه داء، الرحمن الرحيم. فأهَوْوا إليه ليمنعوه منه، وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يا معشَر العرب لتملكُنّ ما أردتم ما دام منكم أحد أيّها القَرن! وأقبل على أهل الحيرة، فقال: لم أر كاليوم أمرًا أَوضحَ إقبالًا!\nوأبى خالد أن يكاتبَهم إلّا على إسلام كرامةَ بنت عبد المسيح إلى شُوَيل؛ فثقُل ذلك عليهم، فقالت: هوّنوا عليكم وأسلموني، فإنّي سأفتدي. ففعلوا؛ وكتب خالد بينه وبينهم كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديًّا، وعمرًا ابنيْ عديّ، وعمرو بنَ عبد المسيح، وإياس بنَ قَبيصة، وحيريّ بن أكّال -وقال عبيد الله: جبريّ- وهم نقباء أهل الحيرة؛ ورضيَ بذلك أهلُ الحيرة، وأمروهم به- عاهدهم على تسعين ومئة ألف درهم، تُقبَل في كلّ سنة جزاءً عن أيديهم في الدنيا؛ رهبانهم وقسّيسهم؛ إلّا مَن كان منهم على غير ذي يدٍ، حبيسًا عن الدنيا، تاركًا لها- وقال عبيدُ الله: إلّا من كان غير ذي يد حبيسًا عن الدنيا، تاركًا لها - أو سائحًا تاركًا للدنيا، وعلى المنَعة، فإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بفعل أو بقوْل فالذمَّه منهم بريئة. وكُتِب في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة، ودفع الكتاب إليهم.\nفلما كفر أهل السَّواد بعد موت أبي بكر استخفُّوا بالكتاب، وضيَّعوه، وكفروا فيمن كفر، وغلب عليهم أهل فارس، فلما افتتح المثنَّى ثانية؛ أدْلَوْا بذلك، فلم يجبْهم إليه، وعاد بشرط آخر؛ فلما غلب المثنَّى على البلاد كَفَروا","vol":"8","page":122},{"text":"وأعانوا واستخفُوا وأضاعوا الكتاب. فلمَّا افتتحها سعد، وأدْلَوا بذلك سألهم واحدًا من الشّرْطين، فلم يجيئوا بهما؛ فوضع عليهم وتحرّى ما يرى أنهم مُطيقون، فوضع عليهم أربعمئة ألف سوى الحَرَزة - قال عبيدُ الله: سوى الخرَزة (١) (٣: ٣٦٣/ ٣٦٤).\n١٤٣ - حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف - والسري، عن شُعيب، عن سيف - عن الغُصن بن القاسم الكنانيّ، عن رجل من بني كنانة، ويونس بن أبي إسحاق، قالا: كان جرير بن عبد الله ممنّ خرج مع خالد بن سعيد بن العاصي إلى الشأم، فاستأذن خالدًا إلى أبي بكر؛ ليكلّمه في قومه، وليجمَعهم له -وكانوا أوزاعًا في العرب- وليتخلّصهم، فأذن له، فقدم على أبي بكر، فذكر له عدَةً من النبيّ - ﷺ - وأتاه على العدَة بشهود، وسأله إنجاز ذلك، فغضب أبو بكر، وقال له: ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسديْن فارس والروم، ثم أنْتَ تكلّفني التَّشاغُل بما لا يغني عمَّا هو أرضى لله ولرسوله! دعْنِي وسِرْ نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجْهيْن.\nفسار حتى قدِم على خالد وهو بالحيرة، ولم يشهد شيئًا ممَّا كان بالعراق إلّا ما كان بعد الحيرة؛ ولا شيئًا ممَّا كان خالد فيه من أهل الرّدّة. وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة:\nسَقَى اللهُ قَتلَى بالفُراتِ مُقيمَةً ... وأخْرَى بأَثْباِجِ النّجافِ الكوانِفِ\nفنحْنُ وَطِئنا بالْكواظِم هُرْمزًا ... وبالثِّنْي قَرْنيْ قارنٍ بالجَوارِفِ\nويَوْمَ أحَطْنا بالقُصُورِ تتابَعتْ ... على الحيَرَةِ الرَّوحاء إحْدَى المَصَارِفِ\nحطَطْناهُمُ مِنْها وقَدْ كادَ عَرْشُهُمْ ... يمِيلُ بهم، فِعْلَ الجبانِ المُخَالِفِ\nرَمَيْنا عَلَيهِم بالْقَبُولِ وقَدْ رَأَوْا ... غبُوقَ المنايا حَوْلَ تِلكَ المَحارِفِ\nصَبِيحَةَ قالوا نَحْنُ قَوْمٌ تَنَزَّلُوا ... إلى الرِّيفِ من أرضِ العُرَيبِ المقانِفِ (٢)\n(٣: ٣٦٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>خبر ما بعد الحيرة</span>\n١٤٤ - حدّثنا عبيد الله بن سعد الزهريّ، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن جميل الطائيّ، عن أبيه، قال: لما أعطيَ شُوَيل كرامة بنت عبد المسيح قلت لعديّ بن حاتم: ألا تعجبُ من مسألة شويل كرامةَ بنت عبد المسيح على ضَعْفه! قال: كان يَهْرِف بها دهرَه، قال: وذلك أنِّي لما سمعت رسول الله - ﷺ - يذكر ما رُفع له من البلدان، فذكر الحيرة فيما رُفع له، وكأنّ شُرَف قصورها أضراسُ الكلاب؛ عرفت أن قد أريَها، وأنها ستفتح، فلقّيتُه مسألتها (١). (٣: ٣٦٥/ ٣٦٦).\n١٤٥ - وحدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، قال: قال لي عمرو، والمجالد عن الشعبيّ -والسريّ عن شُعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ- قال: لما قدم شُوَيل إلى خالد، قال: إني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يذكر فتحَ الحيرة، فسألتُه كرامةَ، فقال: \"هي لك إذا فتحت عنوةً\". وشُهد له بذلك، وعلى ذلك صالحهم؛ فدفعها إليه، فاشتدّ ذلك على أهلِ بيتها وأهل قرْيتها ما وقعت فيه، وأعظموا الخَطَر، فقالت: لا تُخطروه، ولكن اصبروا؛ ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة! فإنَّما هذا رجلٌ أحمقُ رآني في شبيبتي فظن: أنّ الشباب يدوم. فدفعوها إلى خالد؛ فدفعها خالد إليه، فقالت: ما أرَبُك إلى عجوز كما ترى! فادِني، قال: لا، إلّا على حُكْمي، قالت: فلك حكمك مُرسَلًا. فقال: لستُ لأمِّ شويل إن نقَصْتُك من ألف درهم! فاستكثرتْ ذلك لتخدَعه، ثم أتته بها. فرجَعتْ إلى أهلها، فتسامع الناس بذلك، فعنّفوه، فقال: ما كنت أرى أن عددًا يزيد على ألف! فأبوْا عليه إلّا أن يخاصمهم فخاصمهم، فقال: كانت نيَّتي غاية العدد، وقد ذكروا أنّ العدد يزيد على ألف، فقال خالد: أردتَ أمرًا وأراد الله غيره؛ نأخذ بما يظهر ونَدَعك ونيَّتك، كاذبًا كنت أو صادقًا (٢). (٣: ٣٦٦).\n١٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":124},{"text":"قال: لمَّا فتح خالد الحيرةَ صلَّى صلاةَ الفتح ثمانيَ ركعات لا يسلّم فيهنّ، ثم انصرف، وقال: لقد قاتلت يوم مُؤتَة فانقطع في يدي تسعةُ أسياف، وما لقيت قومًا كقوم لقيتُهم من أهل فارس؛ وما لقيت من أهل فارسَ قومًا كأهل أُليْس! (١) (٣: ٣٦٦/ ٣٦٧).\n١٤٧ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبيّ، قال: صلَّى خالد صلاة الفتح، ثم انصرف. ثم ذكر مثل حديث السريّ (٢). (٣: ٣٦٧).\n١٤٨ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف -والسريّ، عن شعيب، عن سيف- عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْس بن أبي حازم -وكان قدِم مع جرير على خالد- قال: أتينَا خالدًا بالحيرة وهو متوشح قد شدّ ثوبه في عُنُقه يصلّي فيه وحده، ثمّ انصرف، فقال: اندقّ في يدي تسعةُ أسياف يوم مُؤْتة، ثم صبَرَتْ في يدي صفِيحة يمانيَة، فما زالت معي (٣). (٣: ٣٦٧).\n١٤٩ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عُتيبة والغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة وسفيان الأحمريّ عن ماهان، قال: ولمَّا صالحَ أهلُ الحيرة خالدًا خرج صَلُوبا بن نسطونا صاحب قُسِ النَّاطف، حتى دخل على خالد عسكره؛ فصالحه على بانِقْيا وَبَسْما، وضمِن له ما عليهما وعلى أرضيهما من شاطئ الفرات جميعًا، واعتقد لنفسه وأهلِه وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخَرزة، خرزة كسرى، وكانت على كلّ رأس أربعة دراهم، وكتب لهم كتابًا فتمّوا وتمَّ، ولم يتعلَّق عليه في حالِ غلبة فارس بغدْرٍ، وشاركهم المجالد في الكتاب:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من خالد بن الوليد لصلُوبا بن نَسْطونا وقومه: إنِّي عاهدتكم على الجِزْية والمَنَعة على كل ذي يدٍ؛ بانقيا وبَسْما جميعًا،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":125},{"text":"على عشرة آلاف دينار سوى الخَرزَة، القويّ على قدر قوّته، والمقلّ على قدر إقلاله، في كلّ سنة. وإنّك قد نُقِّبْتَ على قومك، وإنّ قومك قد رضُوا بكَ، وقد قبلتُ ومَن معي من المسلمين، ورضيتُ ورضي قومُك؛ فلكَ الذّمَّة والمنَعة؛ فإن منعناكم فلنا الجزية؛ وإلّا فلا حتى نمنعكم. شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميريّ، وحنظلة بن الربيع. وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر (١) (٣: ٣٦٧/ ٣٦٨).\n١٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، عن ابن أبي مُكنِف، وطلحة عن المغيرة، وسفيان عن ماهان. وحدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن محمّد، عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قال: كان الدّهاقين يتربّصون بخالد وينظُرون ما يصنع أهلُ الحيرة. فلمَّا استقامَ ما بين أهل الحيرة وبين خالد، واستقاموا له أتته دَهاقين الملطاطين، وأتاه زاذ بن بُهَيْش دهقان فُرات سِرْيَا، وصَلُوبا بن نسطونا بن بَصْبَهْرَى -هكذا في حديث السريّ، وقال عبيد الله: صلوبا بن بصبهرى ونسطونا- فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هُرْمُزْجِرْدَ على ألفَيْ ألف- وقال عبيد الله في حديثه: على ألف ألف ثقيل- وأنّ للمسلمين ما كان لآل كسرى، ومَن مال معهم عن المقام في داره فلم يدخل في الصلح. وضرب خالد رِواقه في عسكره، وكتب لهم كتابًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاذ بن بُهَيش وصَلُوبا بن نسطونا؛ لكم الذّمَّة وعليكم الجزية، وأنتم ضامنون لمن نُقِّبتُم عليه من أهل البهْقُباذ الأسفل والأوسط -وقال عبيد الله: وأنتم ضامنون جزية من نُقِّبتم عليه- على ألفي ألف ثقيل في كل سنة؛ عن كلّ ذي يد سوى ما على بانِقْيا وبَسْما وإنَّكم قد أرضيتموني والمسلمين؛ وإنا قد أرضيناكم وأهل البِهْقُباذ الأسفل؛ ومن دخل معكم من أهل البِهْقُباذ الأوسط على أموالكم؛ ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلَهم. شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحِميريّ، وبشيرِ بن عبيد الله بن الخصاصيّة، وحنظلة بن الربيع، وكتب سنة اثنتي عشرة في صَفر.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":126},{"text":"وبعث خالد بن الوليد عمَّاله، ومسالحه، فبعث في العمالة عبد الله بن وثيمة النَّصْريّ، فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المَنَعة وقبض الجزية، وجرير بن عبد الله على بانقيا، وبَسْما، وبشيرَ بن الخصاصيَّة على النَّهْرَيْن، فنزل الكُوَيْفة ببانبورا، وسُوَيدَ بن مقرّن المزنيّ إلى نستَر، فنزل العَقْر -فهي تسمَّى عَقْر سُوَيد إلى اليوم، وليست بسويد المنقريّ سمّيت- وأطّ بن أبي أطّ إلى روذمستان، فنزل منزلًا على نهر، سُمّيَ ذلك النهر به - ويقال له: نهر أطّ إلى اليوم؛ وهو رجل من بني سعد بن زيد مناة، فهؤلاء كانوا عمالَ الخَراجِ زمنَ خالد بن الوليد.\nوكانت الثُّغور في زمن خالد بالسِّيب، بعث ضرار بن الأزور، وضرار بن الخطاب، والمثنّى بن حارثة، وضرار بن مقرّن، والقعقاع بن عمرو، وبُسر بن أبي رُهْم وعُتَيْبة بن النَّهاس فنزلوا على السِّيْب في عَرْض سلطانه. فهؤلاء أمراءُ ثغور خالد. وأمرهم خالد بالغَارة والإلحاح، فمخرُوا ما وراء ذلك إلى شاطئ دِجْلة.\nقالوا: ولمَّا غلب خالد على أحد جانبي السواد، دعا من أهل الحيرة برجل، وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير؛ إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببَهُرَ سير؛ وكأنَّه على المقدّمة، ومع بهمن جاذويه الآزاذبه في أشباه له، ودعا صلوبا برجُل، وكتب معهما كتابيْن؛ فأمَّا أحدُهما فإلى الخاصة وأما الآخر فإلى العامَّة؛ أحدهما حيريّ والآخر نَبَطّي.\nولما قال خالد لرسول أهل الحيرة: ما اسمك؟ قال: مُرّة، قال: خذ الكتاب فائت به أهل فارس، لعلّ الله أن يُمِرَّ عليهم عيشَهم، أو يُسلموا، أو ينيبوا. وقال لرسول صلوبا: ما اسمك؟ قال: هِزْقيل، قال: فخذ الكتاب. وقال: اللهمّ أزهق نفوسَهم (١). (٣: ٣٦٨/ ٣٦٩/ ٣٧٠).\n١٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وغيره، بمثله. والكتابان:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس؛ أمّا بعدُ؛ فالحمد لله الذي حلّ نظامكم، ووهَّن كيدكم، وفرّق كلمتَكم، ولو لم يفعل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":127},{"text":"ذلك بكم كان شرًّا لكم؛ فادخلوا في أمرنا نَدعكم وأرضكم، ونجُوزكم إلى غيركم، وإلّا كان ذلك وأنتم كارهون على غَلَبٍ، على أيدي قومٍ يحبّون الموت كما تحبّون الحياة.\nبسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس؛ أمَّا بعد فأسلموا تسلَموا؛ وإلّا فاعتقدوا مني الذّمَّة، وأدُّوا الجزْية، وإلّا فقد جئتكم بقوم يحبّون الموت، كما تحبّون شُربَ الخمر (١). (٣: ٣٧٠).\n١٥٢ - حدّثني عبيدُ الله، قال: حدّثنى عمّي عن سيف، عن محمَّد بن نويرة، عن أبي عثمان. والسريّ عن شعيب، عّن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان والمهلب بن عُقْبة وزياد بن سَرْجِس، عن سياه، وسفيان الأحمريّ، عن مَاهَان: أن الخراج جُبِيَ إلى خالد في خمسين ليلة، وكان الَّذين ضَمِنوه والذين هم رؤوس الرساتيق رُهُنًا في يده، فأعطى ذلك كلَّه للمسلمين، فقوُوا به على أمورهم. وكان أهلُ فارس بموت أردشير مختلفين في المُلْك، مجتمعين على قتال خالد، متساندين؛ وكانوا بذلك سنة، والمسلمون يمخرُون ما دون دَجْلة، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمْر؛ وليست لأحد منهم ذمَّة إلّا الذين كاتبوه، واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جُلّاء، ومتَحصّنون، ومحاربون. واكتُتب عمّال الخراج، وكتبوا البراءات لأهل الخراج، من نسخة واحدة:\nبسم الله الرحمن الرحيم. براءة لمن كان من كذا وكذا من الجِزْية الَّتي صالحهم عليها الأمير خالدُ بن الوليد، وقد قبضت الَّذي صالحهم عليه خالد، وخالد والمسلمون لكم يَدٌ على من بَدّل صلح خالد؛ ما أقررتم بالجزية وكففتم. أمانكم أمان، وصلحكم صلح؛ نحن لكم على الوفاء.\nوأشهدوا لهم النَّفر من الصحابة الَّذين كان خالد أشهدهم: هشامًا، والقعقاع، وجابر بن طارق، وجريرًا، وبشيرًا، وحنظلة، وأزداذ، والحجَّاج بن ذي العُنُق، ومالك بن زيد (٢). (٣: ٣٧٠/ ٣٧١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":128},{"text":"١٥٣ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، قال: وخرجَ خالدٌ وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابًا: إنَّا قد أدَّيْنا الجِزْية الَّتي عاهدَنا عليها خالدٌ العبد الصالح والمسلمون عباد الله الصالحون، على أن يمنعونا وأميرهم البغيَ من المسلمين وغيرهم (١). (٣: ٣٧١).\n١٥٤ - وأمَّا السريّ: فإنه قال في كتابه إليّ: حدثنا شُعيب عن سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، عن هشام بن الوليد، قال: فرغ خالد ... ثم سائر الحديث مثل حديث عبيد الله بن سعد (٢). (٣: ٣٧١).\n١٥٥ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، والسريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن الهذيل الكاهلي نحوًا منه، قالوا: وأمر الرسولين اللَّذَيْن بعثهما أن يوافيَاه بالخبر، وأقام خالد في عَمَلِه سنة، ومنزله الحيرة، يصعّد ويصوّب قبل خروجه إلى الشأم، وأهل فارس يخلعون ويملّكون؛ ليس إلّا الدّفع عن بَهُرَ سِير؛ وذلك أن شِيرَى بن كسرى قتل كلّ مَن كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه، فقتلوا كلّ مَن بين كسرى بن قُباذ وبيْن بَهْرام جور، فبقُوا لا يقدرون على من يملّكونه ممن يجتمعون عليه (٣). (٣: ٣٧١).\n١٥٦ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمِّي، قال: حدّثني سيف عن عمرو، والمجالد عن الشعبيّ، قال: أقام خالدٌ بن الوليد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشأم أكثرَ من سنة، يعالج عَمَل عياض الذي سُمِّيَ له، وقال خالد للمسلمين: لولا ما عهد إليّ الخليفة لم أتَنَقّذ عياضًا، وكان قد شجيَ وأشجى بدُومة، وما كان دون فتح فارس شيء؛ إنها لسنة كأنها سنة نساء. وكان عهد إليه ألّا يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم. وكان بالعيْن عسكر لفارس، وبالأنبار آخر، وبالفراص آخر. ولما وقعت كُتب خالد إلى أهل المدائن؛ تكلَّم نساء آل كسرى، فوُلّي الفرُّخْزاذ بن البنْدوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه (٤). (٣: ٣٧٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":129},{"text":"١٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلَّب عن سياه، وسُفْيان عن ماهان، قالوا: كان أبو بكر ﵀ قد عهد إلى خالد أن يأتيَ العراق من أسفل منها، وإلى عياض أن يأتيَ العراق من فَوْقِها، وأيُّكما سبق إلى الحيرة فهو أميرٌ على الحيرة؛ فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فَضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمِنتم أن يؤتيَ المسلمون من خلْفهم؛ فلْيقم بالحيرة أحدُكما، ولْيقتحم الآخر على القَوم، وجالدوهم عمَّا في أيديهم، واستعينوا بالله واتَّقُوه، وآثروا أمرَ الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم؛ ولا تؤثروا الدنيا فتسلَبوهما. واحذروا ما حذّركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة؛ وإيَّاكم والإصرار وتأخير التوبة.\nفأتى خالد على ما كان أمر به، ونزل الحيرة، واستقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السَّواد، وفرّق سَواد الحيرة يومئذ على جرير بن عبد الله الحميريّ، وبشير بن الخَصاصيَّة، وخالد بن الواشمة، وابن ذي العنق، وأطّ، وسويد، وضرار، وفرّق سواد الأبُلَّة على سُوَيد بن مقرّن، وحَسَكة الحبطيّ، والحصين بن أبي الحُرّ، وربيعة بن عِسْل، وأقرّ المسالحَ على ثُغورهم، واستخلَف على الحيرة القعقاع بن عمرو، وخرج خالد في عملِ عياض ليقضيَ ما بينه وبينه، ولإغاثته، فسلك الفَلُّوجة حتى نزل بكَرْبَلاء وعلى مَسْلَحتها عاصم بن عمرو، وعلى مقدّمة خالد الأقرع بن حابس؛ لأنّ المثنَّى كان على ثَغْر من الثُّغور التي تلي المدائن؛ فكانوا يغاورون أهل فارس، وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض (١). (٣: ٣٧٢/ ٣٧٣).\n١٨٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعَيب، عن سيف، عن أبي رَوْق، عمَّن شهدهم بمثله، إلى أن قال: وأقام خالد على كَرْبَلاء أيَّامًا، وشَكَا إليه عبدُ الله بن وثيمة الذُّباب، فقال له خالد: اصْبِر فإنِّي إنَّما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياضٌ فنُسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتَوْا من خَلْفهم، وتجيئنا العرب أمِنةً وغير مُتَعْتَعَةٍ؛ وبذلك أمرَنا الخليفة، ورأيه يعدل نَجْدَة الأمَّة. وقال رجل من أشْجَع فيما حَكى ابن وثيمة:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":130},{"text":"لقد حُبسَتْ في كَرْبَلاءَ مطيتي ... وفي العَيْنِ حتى عاد غَثًا سمينُها\nإذا زَحَلتْ من مَبْرَكٍ رجعَتْ لَه ... لعَمْرُ أبيها إنَّني لأهِينُها\nويمْنعُها من ماءِ كلِّ شريعةٍ ... رِفاق من الذِّبانِ زُرقٌ عيونها (١)\n(٣: ٣٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>حديث الأنبار -وهي ذات العيون- وذكر كَلْواذَى</span>\n١٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، وأصحابهما، قالوا: خرج خالدُ بن الوليد في تعبيته الَّتي خرج فيها من الحيرة، وعلى مقدّمته الأقرعُ بن حابس. فلمَّا نزَل الأقرع المنزلَ الَّذي يُسلمه إلى الأنبار؛ أنتَجَ قومٌ من المسلمينَ إبلَهم، فلم يستطيعوا العُرْجة، ولم يجدوا بُدًّا من الإقدام، ومعهم بنات مَخَاض، تتبعهم. فلمَّا نودي بالرَّحيل؛ صَرُّوا الأمَّهات، واحتقبوا المنتوجات؛ لأنها لم تطقِ السَّيْر؛ فانتهوا ركبانًا إلَى الأنبار، وقد تحصّن أهلُ الأنبار، وخندقوا عليهم، وأشرفوا من حصنهم، وعلى تلك الجنود شيرزاذ صاحب ساباط -وكان أعقل أعجميّ يومئذ وأسودَه وأقنعَه في الناس: العرب والعجم- فتصايح عربُ الأنبار يومئذ من السُّور، وقالوا: صبَّح الأنبار شرٌّ؛ جَمَلٌ يحمل جُمَيْلَهُ وجملٌ تُرِبُّهُ عوذٌ. فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسَّر له، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قَضَوْا على أنفسهم؛ وذلك: أن القوم إذا قضوْا على أنفسهم قضاءً كاد يلزمهم؛ والله لئن لم يكن خالد مجتازًا لأصالحنَّه؛ فبينا هم كذلك قدم خالد على المقدّمة، فأطاف بالخندق، وأنشب القتال؛ وكان قليل الصَّبْر عنه إذا رآه، أو سمع به؛ وتقدّم إلى رُماته، فأوصاهم وقال: إنِّي أرى أقوامًا لا علم لهم بالحرْب، فارموا عيونهم ولا تَوَخَّوْا غيرَها، فرموا رِشْقًا واحدًا، ثم تابعوا، ففقئ ألف عين يومئذ، فسُمّيت تلك الوقعة ذات العيون؛ وتصايح القوم: ذهبت عيون أهل الأنبار! فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسر له، فقال: آباذ آباذ. فراسل خالدًا في الصُّلْح على أمر لم يرضَه خالد، فردّ رسلَه، وأتى خالد أضيقَ مكان في الخندق بردايا الجيش فنحرها؛ ثم رمى بها فيه فأفعمه؛ ثم اقتحم الخندق - والردايا جسورهم - فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق. وأرَزَ القوم إلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":131},{"text":"حصنهم، وراسل شيرزاذ خالدًا في الصُّلح على ما أراد، فقبل منه على أن يخلّيَه ويُلحِقَه بمأمنه في جريدة خيل، ليس معهم من المتاع والأموال شيء؛ فخرج شيرزاذ، فلمّا قدِم على بهمن جاذويه، فأخبره الخبر لامه، فقال: إني كنتُ في قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مَقدَمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقلَّما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم. ثم قاتلهم الجند، ففقؤوا فيهم وفي أهل الأرض ألف عين؛ فعرفتُ: أنّ المسالمة أسلم. ولمّا اطمأنّ خالد بالأنبار والمسلمون، وأمنَ أهلُ الأنبار وظهروا؛ رآهم يكتبون بالعربية ويتعلَّمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا -فكانت أوائلهم نزلُوها أيّامَ بختنصر حين أباح العرب؛ ثمّ لم تُزل عنها- فقال: ممَّنْ تعلّمتم الكتاب؟ فقالوا: تعلَّمنا الخطّ من إياد، وأنشدوه قول الشاعر:\nقَوْمي إيادٌ لو أنَّهمْ أممُ ... أو لو أقاموا فتُهْزَل النَّعَمُ\nقَوْمٌ لهم باحةُ العراق إذا ... ساروا جميعًا والخَط والقَلَم\nوصالح خالد مَنْ حولهم، وبدأ بأهل البَوازيج؛ وبعث إليه أهلُ كَلْواذَى ليعقد لهم، فكاتبهم فكانوا عيْبتَه من وراء دجلة. ثم إن أهل الأنبار وما حولها نقضُوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدُّول ما خلا أهل البوازيج، فإنَّهم ثبتوا كما ثبت أهل بانِقْيا (١). (٣: ٣٧٣/ ٣٧٤/ ٣٧٥).\n١٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز - يعني: ابن سياه - عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ليس لأحدٍ من أهلِ السَّواد عَقْد قبل الوقعة إلاّ بني صلوبا - وهم أهل الحيرة - وكلواذَى، وقرى من قرى الفرات، ثم غدروا حتى دُعوا إلى الذمَّة بعد ما غدروا (٢). (٣: ٣٧٥).\n١٦١ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبيّ: أخِذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكلّ أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإنَّ بعضهم صالح به، وبعضهم غَلَب، فقلت: فهل لأهل السَّوَاد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":132},{"text":"ذمَّه اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنَّهم لما دُعُوا، ورضوا بالخَراج، وأخذ منهم؛ صاروا ذمّة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>خبر عَيْن التَّمْر</span>\n١٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلَّب، وزياد، قالوا: ولما فرغ خالد من الأنبار، واستحكمت له؛ استخلف على الأنبار الزّبْرِقان بن بدر، وقصد لعين التَّمْر؛ وبها يومئذ مهران بن بهرام جُوبين في جَمع عظيم من العجم، وعَقّة بن أبي عقَّة في جمع عظيم من العرب من النَّمر، وتغلب، وإياد، ومن لافّهم. فلما سمعوا بخالد؛ قال عقّة لمهران: إنّ العرب أعلمُ بقتال العرب، فدَعْنا وخالدًا، قال: صدقت، لعمري لأنتم أعلمُ بقتال العرب، وإنَّكم لمثلنا في قتال العجم. فخدعه واتَّقى به، وقال: دونكموهم وإن احتجتم إلينا أعنَّاكم. فلما مضى نحو خالد قالت له الأعاجم: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب! فقال: دعوني فإني لم أرِدْ إلاّ ما هو خير لكم وشرّ لهم، إنَّه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفلَّ حدَّكم، فاتّقيتُه بهم؛ فإن كانت لهم على خالد فهي لكم؛ وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يَهِنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعَفون. فاعترفوا له بفضْل الرّأي، فلزم مِهْران العين، ونزل عَقَّة لخالد على الطريق، وعلى ميمنته بُجَير بن فلان أحد بني عتبة بن سعد بن زهير، وعلى ميسرته الهذيل بن عمران، وبينٍ عَقَّة وبين مهران رَوْحة أو غَدوة، ومِهران في الحصن في رابطة فارس، وعقَّة على طريق الكَرْخ كالخفير. فقدم عليه خالد وهو في تعبئة جنده، فعبّى خالد جندَه وقال لمجنّبتيه: اكفُونا ما عنده، فإني حامل؛ ووكَّل بنفسه حواميَ، ثمّ حمل وعقَّة يقيم صفوفه، فاحتضنه فأخذه أسيرًا، وانهزم صفّه من غير قتال، فأكثروا فيهِم الأسْر، وهرب بُجَير، والهذيل، واتَّبعهم المسلمون. ولمَّا جاء الخبرُ مِهران هرب في جُنْده، وتركوا الحِصْن. ولما انتهت فُلاّل عَقَّة من العرب، والعجم إلى الحصن؛ اقتحموه، واعتصموا به؛ وأقبل خالد في النَّاس حتَّى ينزل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":133},{"text":"على الحِصْن ومعه عَقَّة أسير، وعمرو بن الصَّعِق، وهم يرجون أن يكون خالد كمَن كان يغير من العرب، فلما رأوْه يحاولهم سألوه الأمان. فأبى إلاّ على حُكمِه فسَلموا له به. فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكًا، وأمر خالد بعقَّة وكان خفير القوم فضُربت عنُقه ليُوئس الأسراءَ من الحياة، ولما رآه الأسراءُ مطروحًا على الجسر يئسوا من الحياة، ثم دعا بعمرو بن الصَّعق فضرب عنقَه، وضرب أعناق أهل الحصْن أجمعين. وسبَى كلّ من حوى حصنهم، وغنمِ ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلامًا يتعلَّمون الإنجيل، عليهم باب مُغْلق؛ فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رُهُن، فقسمهم في أهل البلاء؛ منهم أبو زياد مولى ثَقيف، ومنهم نُصَيْر أبو موسى بن نصَير، ومنهم أبو عمرة جدّ عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد بن سيرين، وحُرَيث، وعُلاثة. فصار أبو عمرة لشُرَحْبيل بن حَسَنة، وحُريث لرجل من بني عباد، وعلاثة للمعنَّى، وحُمران لعثمان. ومنهم عمير، وأبو قيس؛ فثبت على نسبه من موالىِ أهل الشأم القدماء، وكان نُصير يُنسب إلى بني يشكر، وأبو عمْرة إلى بني مُرّة، ومنهم ابن أخت النَّمِر (١) (٣: ٣٧٦/ ٣٧٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ومسألة فتح عين التمر عنوة ذكرها البلاذري كذلك في فتوح البلدان بصيغة الجزم بدون إسناد، أما الصلح فقد ذكره بصيغة التمريض إذ قال: وقد قيل: إنّ خالدًا صالح أهل حصن عين التمر (فتوح البلدان/ ٣٤٦) وأخرج كذلك: حدثني الحسين بن الأسود قال: حدثني يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، عن أشعث عن الشعبي قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين التمر وكتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه.\nقال يحيى: فقلت للحسن بن صالح أفأهل عين التمر قبل أهل الحيرة، إنما هو شيء عليهم وليس على أراضيهم شيء فقال: نعم (فتوح البلدان/ ٣٤٧).\nوهذه الرواية ضعيفة لأنها من طريق شيخ البلاذري الحسين بن الأسود وهو إلى الضعف أقرب فقد ضعفه غير واحد. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان ولكن المتن صحيح فقد أخرجه يحيى بن آدم في كتاب الخراج قال: حدثنا حسن بن صالح عن أشعث عن الشعبي قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين تمر قال: وكتب بذلك إلى أبي بكر ﵁ فأجازه (الخراج/ ٥٢/ ح ١٤١). وقال يحيى: قلت للحسن بن صالح: فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة، إنما هو شيء عليهم وليس على أراضيهم شيء فال: نعم (كتاب الخراج/ ٥٢/ ح ١٤٢).\nقلنا: ومما لا شك فيه: أن عامر الشعبي ﵀ كان خبيرًا بأمور الخراج وغير ذلك مما ترتب على الفتوح الإسلامية كلما أخرج يحيى بن آدم. قال: حدثنا شريك: وكان عامر من أخبر الناس بهذه الأمور (كتاب الخراج/ ٤٩/ ح ١٢٤).","vol":"8","page":134},{"text":"١٦٢/ أ- كتب إليَّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي سفيان طلحة بن عبد الرحمن، والمهلب بن عقبة، قالوا: ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد على أبي بكر ﵀ بما بعث به إليه من الأخماس؛ وجهه إلى عياض، وأمده به، فقدم عليه الوليد، وعياض، فحاصرهم وهم محاصروه، وقد أخذوا عليه بالطريق فقال له: الرأي في بعض الحالات خير من جند كثيف، ابعث إلى خالد فاستمده، ففعل فقدم عليه رسوله غِبَّ وقعة العين مستغيثًا، فعجل إلى عياض بكتابه، من خالد إلى عياض إياك أريد:\nلبث قليلًا تأتك الحلائب ... يحملن آسادًا عليها القاشب\nكتائب يتبعها كتائب (١) (٣: ٣٧٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>خبر دُومَة الجَنْدَل</span>\n١٦٣ - قالوا: ولما فرغ خالد من عَيْن التَّمْر؛ خلَّف فيها عُوَيْم بن الكاهل الأسلميّ، وخرج في تعبيته الَّتي دخل فيها العين؛ ولمَّا بلغ أهلَ دُومة مَسيرُ خالد إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بَهْراء، وكلْب، وغسَّان، وتَنُوخ، والضَّجاعم، وقبلُ ما قد أتاهم وَديعة في كلْب، وبَهراء، ومساندُه ابن وَبَرة بن رُومانس، وآتاهم ابن الْحدرجان في الضَّجاعم، وابن الأيْهَم في طوائف من غَسَّان وتَنْوخ، فأشْجَوْا عياضًا وشجُوا به.\nفلما بلغهم دنوّ خالد؛ وهم على رئيسين: أكَيْدر بن عبد الملك، والجُوديّ بن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلمُ النَّاس بخالد؛ لا أحد أيمنُ طائرًا منه، ولا أحدّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قَلُّوا أو كثروا إلاّ انهزموا عنه؛ فأطيعوني، وصالحوا القوم. فأبوْا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرْب خالد، فشأنكم!\nفخرج لطيَّته، وبلغ ذلك خالدًا؛ فبدث عاصمَ بن عمرو معارضًا له، فأخذه فقال: إنَّما تلقّبْت الأمير خالدًا، فلمَّا أتى به خالدًا أمر به فضُرِبت عنقُه، وأخذ ما كان معه من شيء، ومضى خالدٌ حةى ينزل على أهل دُومة، وعليهم الجوديّ بن\n_________\n(١) إسناد ضعيف.","vol":"8","page":135},{"text":"ربيعة، ووديعة الكلبيّ، وابن رُومانس الكلبيّ، وابن الأيهم، وابن الحدْرجان، فجعل خالد دُومة بين عسكره وعسكر عياض. وكان النَّصارى الذين أمدُّوا أهل دُومة من العرب محيطين بحصن دُومة، لم يحمِلْهم الحصن، فلما اطمأنّ خالد؛ خرج الجوديّ، فنهض بوديعة، فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الاْيْهم إلى عياض؛ فاقتتلوا، فهزم الله الجوديَّ، ووديعة على يديْ خالد، وهزم عياض مَن يليه، وركبهم المسلمون؛ فأمّا خالد فإنه أخذ الجوديّ أخذًا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعةً، وأرَزَ بقيَّة النَّاس إلى الحصن؛ فلم يحملهم؛ فلما امتلأ الحِصْن؛ أغلق مَن في الحصن الحصنَ دون أصحابهم، فبقُوا حولَه حُرداءَ؛ وقال عاصم بن عمرو: يا بني تميم! حلفاؤكم كَلْب، آسوهم، وأجيروهم؛ فإنَّكم لا تقدرون لهم على مثْلها، ففعلوا. وكان سبب نجاتِهم يومئذ وصيَّة عاصم بني تميم بهم، وأقبل خالد على الَّذين أرَزوا إلى الحِصْن فقتلهم حتى سدّ بهم بابَ الحِصْن، ودعا خالد بالجوديّ فضَرَب عنقه؛ ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلّا أسارى كلب، فإن عاصمًا، والأقرع، وبني تميم قالوا: قد آمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهليَّة وتُضيِّعون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافية؛ ولا يُحوّزهم الشيطانُ. ثم أطاف خالد بالباب، فلم يزُل عنه حتى اقتلعه؛ واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشَّرْخَ؛ فأقاموهم فيمن يزيد؛ فاشترى خالد ابنة الجوديّ وكانت موصوفة، وأقام خالد بدُومة، وردّ الأقرع إلى الأنبار.\nولما رجع خالد إلى الحيرة - وكان منها قريبًا حيث يصبّحها - أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتَّقْليس، فخرجوا يتلقَّوْنه؛ وهم يُقلِّسُون؛ وجعل بعضهم يقول لبعض: مُرّوا بنا، فهذا فَرَج الشرّ (١) (٣: ٣٧٨/ ٣٧٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وهو من أشد الروايات ضعفًا (ونفي روايات سيف) لأنها من طريق شعيب عن سيف، والمعروف عن شعيب بتحامله على رجالات السلف الصالح، وروايته هنا لا تخلو من غمز ولمز وطعن في الصحابة وسيرتهم فهو يصور الصحابة وهم يسبون النساء الشابات من بقية النساء ويقيمون لهن سوقًا (ما يسمى اليوم بالمزاد) ويصور كذلك خالدًا ﵁ وجلّ همّه أن يظفر بأجمل امرأة من بين تلك الشابات (بنت الجودي)، وكلّ ذلك تلفيق من شعيب لا أصل له من رواية صحيحة، إنما الرواية المختصرة جدًا التي ذكرناها في قسم الصحيح والتي أخرجها يعقوب بن سفيان تذكر انتصار خالد في هذه المعركة وأنه =","vol":"8","page":136},{"text":"١٦٣ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: وقد كان خالد أقام بدُومة، فظنّ الأعاجم به؛ وكاتبهم عرب الجزيرة غضبًا لعَقَّة؛ فخرج زَرْمهْر من بغداد ومعه رُوزبه يريدان الأنبار؛ واتَّعدا حُصيدًا والخنافس، فكتب الزّبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو؛ وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة؛ فبعث القعقاع أعْبَدَ بن فَدكيّ السعديّ، وأمره بالحُصيد، وبعث عُرْوة بن الجعْد البارقيّ وأمره بالخَنافس، وقال لهما: إن رأيتما مَقْدَمًا فأقدما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وأغلقاهما، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من رَبِيعة؛ وقد كانوا تكاتَبوا واتَّعدوا؛ فلمَّا رجع خالد من دُومة إلى الحيرة على الطهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن؛ كرِه خلافَ أبي بكر، وأن يتعلَّق عليه بشيء، فعجَّل القعقاع بن عمرو، وأبو ليلى بن فَدكيّ إلى رُوزبه وزرمهر، فسبقاه إلى عين التَّمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبيّ: أنَّ الهذيل بن عمران قد عَسْكر بالمُصَيَّخ، ونزل ربيعة بن بُجير بالثَنِيّ وبالبِشْر في عسكر غضبًا لعقَّة، يريدان زرمهر ورُوزبه. فخرج خالد وعلى مقدّمته الأقرع بن حابس، واستخلف على الحيرة عياض بن غَنْم، وأخذ طريق القعقاع وأبي ليلى إلى الخنَافس حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حُصَيد، وأمَّره على الناس، وبعث أبا ليلى إلى الخَنافس، وقال: زجّيَاهم ليجتمعوا ومن استثأرهم؛ وإلّا فواقِعاهم. فأبيا إلّا المُقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>خبر حُصَيد</span>\nفلمّا رأى القعقاع: أنّ زرمهر وروزبه لا يتحرّكان سار نحو حُصيد، وعلَى من\n_________\n= كان من بين السبي ابنة الجودي، أما زيادات (شعيب عن سيف) المنكرة فلم نجدها عند غيره.\nورحم الله أئمة الجرح والتعديل الذين كشفوا زيف الرواة الحاقدين على السلف، فلم يدعوا لأحدٍ عذرًا بالتثبت بمتون فيها تهجم على صحابة رسول الله - ﷺ - ويبدو أن جهاد خالد وجرأته وشجاعته وبسالته وتفانيه في معارك الفتوح وإلحاقه الهزائم المنكرة بأعداء الله آلمت أهل البدع ممن يبغضون أئمة السلف وفي مقدمتهم الصحابة، فأرادوا أن يشوّهوا صورتهم وأنّى لهؤلاء التناوش من بعيد، وقد قيّض الله لعلم الرواية جهابذة كشفوا عوار المبتدعة المفترين.","vol":"8","page":137},{"text":"مرّ به من العرب والعجم روزْبه. ولقا رأى روزْبه: أنّ القعقاع قد قصد له؛ استمدّ زرمهر، فأمدّه بنفسه، واستخلف على عسكره المَهْبُوذان، فالتقوْا بحُصَيد، فاقتتلوا، فقتل الله العجمَ مقتلةً عظيمة، وقَتَلَ القعقاعُ زرمهَر، وقُتل روزبه؛ قتله عِصْمة بن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف، من بني ضَبَّة، وكان عصمة من البَرَرة - وكلّ فَخِذٍ هاجرت بأسرها تُدعى البررة، وكلّ قوم هاجروا من بطن يُدعون الخيَرة - فكان المسلمون خيرَة وبرَرة. وغنم المسلمون يوم حُصيد غنائم كثيرة وأرَز فُلّال حُصيد إلى<span data-type=\"title\" id=toc-1146> الخَنافس </span>فاجتمعوا بها.\n\nالخَنافِس\n\nوسار أبو ليلى بن فَدَكيّ بمَن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس؛ وقد أرَزت فُلّال حُصيد إلى المَهْبُوذان، فلما أحسَّ المهبوذان بقدومهم هرب ومن معه وأرَزوا إلى المُصَيَّخ، وبه الهُذيل بن عمران، ولم يلق بالخنافس كيدًا، وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>مصَيَّخ بني البَرْشاء</span>\nقالوا: ولمَّا انتهى الخبرُ إلى خالد بمصاب أهلِ الحُصيد وهرب أهل الخَنافس كتب إليهم، ووعد القعقاعَ وأبا ليلى وأعبد وعُروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيَّخ - وهو بين حَوْران والقَلْت - وخرج خالد من العين قاصدًا للمصَيَّخ على الإبل يجنّب الخيل، فنزل الجَناب، فالبَردان، فالحِنْي، واستقلّ من الحنْي؛ فلمَّا كان تلك الساعة من ليلة الموعِد اتفقوا جميعًا بالمُصَيَّخ، فأغاروا على الهُذَيل ومَن معه ومن أوى إليه؛ وهم نائمون من ثلاثة أوجه، فقتلوهم. وأفلت الهُذَيل في أناس قليل؛ وامتلأ الفضاء قَتْلى، فما شبَّهوا بهم إلّا غنمًا مصرَّعة؛ وقد كان حُرْقوص بن النعمان قد محضهم النّصح، وأجاد الرأي، فلم ينتفعوا بتحذيره، وقال حرقوص بن النعمان قبل الغارة:\nألا سَقياني قبلَ خيلِ أبي بكر ... الأبيات\nوكان حرقوص معرِّسًا بامرأة من بني هلال تُدعى أمّ تغلب، فقتلت تلك الليلة، وعُبادة بن البشر، وامرؤ القيس بن بشر، وقيس بن بشر؛ وهؤلاء بنو","vol":"8","page":138},{"text":"الثَّوريَّة من بني هلال. وأصاب جرير بن عبد الله يوم المُصَيَّخ من النَّمرِ عبدَ العزّى بن أبي رُهْم بن قِرْواش أخا أوس مناة من النَّمر، وكان معه ومع لَبيد بن جرير كتاب من أبي بكر بإسلامهما، وبلغ أبا بكر قول عبد العزّى؛ وقد سماه \"عبد الله\" ليلة الغارة، وقال:\n*سبحانك اللهمّ ربَّ محمد*\nفوداه وودى لبيدًا - وكانا أصيبا في المعركة - وقال: أما إنّ ذلك ليس عليَّ؛ إذ نازلا أهل الحرب؛ وأوصى بأولادهما، وكان عمر يعتدّ على خالد بقتلهما إلى قتل مالك - يعني: ابن نوَيْرة - فيقول أبو بكر: كذلك يلقَى مَن ساكَنَ أهل الحرب في ديارهم. وقال عبد العُزّى:\nأقول إذ طَرَق الصباحُ بِغارةٍ ... سبحانك اللهمّ ربَّ محمد\nسبحان رَبِّيَ لا إله غَيْرُه ... ربِّ البلاد ورت من يَتَوَرَّدُ (١)\n(٣: ٣٧٩/ ٣٨٠/ ٣٨١).\n١٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن عطية، عن عديّ بن حاتم، قال: أغرنا على أهل المُصَيَّخ، وإذا رجلٌ يُدعى باسمه حُرْقوص بن النعمان من النَّمِر، وإذا حوله بنوه، وامرأته، وبينهم جَفْنة من خَمْر؛ وهم عليها عكوف يقولون له: ومَن يشرب هذه الساعة وفي أعجاز الليل! فقال: اشربوا شُرْب ودَاع، فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها، هذا خالد بالعين، وجنوده بحُصَيد، وقد بلغه جمعُنا وليس بتاركنا؛ ثم قال:\nألا فاشربوا من قبل قاصمة الظّهْرِ ... بُعَيْدَ انْتِفاخ القومِ بالعكَر الدَّثْرِ\nوقبلَ مَنايانا المُصيبَةِ بالقَدْرِ ... لحِينٍ لَعَمْري لا يزيدُ ولا يَحْرِي\nفسبق إليه وهو في ذلك في بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو في جفنته، وأخذنا بناتِه، وقتلنا بنيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>الثَّنِيّ والزُّمَيْل</span>\nوقد نزل ربيعة بن بُجَير التغلبيّ الثَّنيّ والبِشْر غضبًا لعقَّة، وواعد رُوزْبه،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":139},{"text":"وزَرَمهر، والهُذيل. فلمَّا أصاب خالد أهل المُصَيَّخ بما أصابَهم به، تقدّم إلى القعقاع وإلى أبي ليلى، بأن يرتحلا أمامَه، وواعدهما اللَّيلة ليفترقوا فيها للغارة عليهم من ثلاث أوجه؛ كما فعل بأهل المُصَيَّخ. ثم خرج خالد من المُصَيَّخ، فنزل حَوْران، ثمّ الرّنْق، ثم الحَمَاة - وهي اليوم لبني جُنادة بن زهير من كلْب - ثم الزُّمَيل؛ وهو البِشْر والثَّنِيّ معه - وهما اليوم شرقى الرُّصافة - فبدأ بالثَّنيّ، واجتمع هو وأصحابه، فبيَّتَه من ثلاثة أوجه بياتًا ومن اجتمع له وإليه، ومن تأشَّب لذلك من الشُّبان؛ فجرّدُوا فيهم السيوف، فلم يُفلِتْ من ذلك الجيش مخبر، واستَبى الشَّرْخ، وبعث بخُمْس الله إلى أبي بكر مع النُّعمان بن عوف بن النعمان الشيبانيّ، وقسّم النَّهْب والسّبَايا، فاشترى عليّ بن أبي طالب ﵇ بنتَ ربيعة بن بُجَير التغلبيّ، فاتّخذها؛ فولدت له عمر ورُقيّة، وكان الهذيل حين نجا أوى إلى الزُّمَيْل، إلى عتَّاب بن فلان؛ وهو بالبِشْر في عسكر ضخم؛ فبيّتهم بمثلها غارةً شَعْواءَ من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يُقْتَلُوا قبلها مثلها، وأصابوا منهم ما شاؤوا، وكانت على خالد يَمين: \"ليبغَتنّ تَغْلِبَ في دارها\"؛ وقسّم خالد فيئَهُم في الناس، وبعث بالأخماس إلى أبي بكر مع الصباح بن فلان المزنيّ، وكانت في الأخماس ابنة مُؤذن النَّمَريّ؛ وليلى بنت خالد، وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة. ثم عطف خالد من البِشْر إلى الرُّضاب؛ وبها هلال بنُ عَقَّة، وقد ارفضَّ عنه أصحابُه حين سمعوا بدنوّ خالد؛ وانقشع عنها هلال فلم يلق كيدًا بها (١). (٣: ٣٨٢/ ٣٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>حديث الفِرَاض</span>\n١٦٥ - ثم قصد خالدُ بعد الرُّضاب وبغتته تغلبَ إلى الفراض - والفراض: تخوم الشأم والعراق والجزيرة - فأفطر بها رمضان في تلك السّفْرة التي اتّصلت له فيها الغَزوات والأيّام، ونُظمنَ نظمًا، أكثرَ فيهنّ الرُّجّاز إلى ما كان قبل ذلك منهنّ.\nكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة - وشاركهما عمرو بن محمد؛ عن رجل من بني سعد، عن ظَفَر بن دهي - والمهلَّب بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد ذكر ابن الجوزي هذين الخبرين (٢٠٢/ ٢٠٣) بلا إسناد (المنتظم ٤/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"8","page":140},{"text":"عُقْبة، قالوا: فلمّا اجتمَع المسلمون بالفراض؛ حميَت الرّوم، واغتاظت، واستعانوا بِمَن يليهم من مَسالح أهلِ فارس، وقد حَمُوا واغتاظوا واستمدُّوا تَغْلب، وإياد، والنَّمِر؛ فأمدُّوهم؛ ثم ناهدوا خالدًا؛ حتى إذا صار الفرات بينهم، قالوا: إما أن تعبرُوا إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم. قال خالد: بلِ اعبروا إلينا، قالوا: فتنحَّوْا حتى نعبُر؛ فقال خالد: لا نفعل؛ ولكن اعبُروا أسفل منّا. وذلك للنّصْف من ذي القَعدة سنة اثنتي عشرة. فقالت الرّوم وفارس بعضُهم لبعض: احتسبوا ملككم؛ هذا رجل يقاتل على دين، وله عقل وعلم، ووالله ليُنْصَرَنّ ولَنُخْذلَنَّ. ثم لم ينتفعوا بذلك؛ فعبروا أسفلَ من خالد؛ فلما تتامُّوا قالت الروم: امتازوا حتى نعرِف اليوم ما كان من حَسَنٍ أو قبيح؛ من أيِّنا يجيء! ففعلوا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا طويلًا. ثم إنّ الله ﷿ هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحُّوا عليهم، ولا تُرَفّهوا عنهم؛ فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزّمْرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفِراض في المعركة وفي الطلب مئة ألف، وأقام خالد على الفِراض بعد الوقعة عشرًا، ثم أذن في القفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القَعدة؛ وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم؛ وأمر شَجرة بن الأعزّ أن يسوقهم. وأظهر خالد: أنه في السّاقة (١). (٣: ٣٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>حجّة خالد</span>\nقال أبو جعفر: وخرج خالدٌ حاجًّا من الفِراض لخمس بقين من ذي القعدة، مكتتمًا بحجّه، ومعه عدّةٌ من أصحابه؛ يعتسف البلاد حتى أتى مكَّة بالسَّمْت، فتأتَّى له من ذلك ما لم يتأتَّ لدليل، ولا رئبال، فسار طريقًا من طُرق أهل الجزيرة، لم يُرَ طريقٌ أعجبُ منه؛ ولا أشدّ على صعوبته منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة: فما تَوَافَى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب السَّاقة الَّذي وضعه. فقدما معًا؛ وخالد وأصحابه محلِّقون؛ لم يعلَم بحجِّه إلا مَنْ أفضى إليه بذلك من السَّاقة، ولم يعلم أبو بكر ﵀ بذلك إلّا بعد؛ فعتب عليه. وكانت عقوبته إيَّاه أن صرَفه إلى الشأم. وكان مسيرُ خالد من الفِراض أن استعرض البلاد\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد ذكره ابن الجوزي في المنتظم بلا إسناد (٤/ ١١٠).","vol":"8","page":141},{"text":"متعسّفًا متحمّسا، فقطع طريق الفراض ماءَ العَنبريّ، ئم مِثْقَبًا، ثم انتهى إلى ذات عِرْق، فشرّق منها، فأسلمه إلى عَرَفات من الفِراض، وسُمِّيَ ذلك الطريق الصُّدّ؛ ووافاه كتاب من أبي بكر منصرفه من حَجّه بالحيرة يأمره بالشأم؛ يقاربه ويباعده.\nقال أبو جعفر: قالوا: فوافى خالدًا كتابُ أبي بكر بالحيرة، منصرفَه من حجّه: أن سِرْ حتَّى تأتيَ جموعَ المسلمين باليَرموك، فإنهم قد شجُوا وأشجوْا؛ وإيَّاك أن تعودَ لمثل ما فعلت؛ فإنَّه لم يُشْج الجموعَ من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجَى من الناس نَزْعَك؛ فليهنئَك أبا سليمان النِّيّة والحُظْوة؛ فأتْمِمْ يتمم الله لك، ولا يدخلنَّك عُجْب فتخسر وتخْذَل، وإيَّاك أن تُدِلّ بعمل، فإنّ الله له المن، وهو وليّ الجزاء (١). (٣: ٣٨٣/ ٣٨٤).\n١٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف؛ عن عبد الملك بن عطاء بن البَكائي، عن المقطَّع بن الهيثم البكائي، عن أبيه، قال: كان أهل الأيَّام من أهلِ الكوفة يُوعدون معاوية عند بعض الَّذي يبلغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحن أصحاب ذات السلاسل. ويُسمُّون ما بينها وبين الفَراض ما يذكرون ما كان بعدُ احتقارًا لما كان بعد فيما كان قبل (٢). (٣: ٣٨٥).\n١٦٧ - وقال بعضهم: حجّ بالناس سنة اثنتي عشرة عمر بن الخطاب. ذكر من قال ذلك:\nحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّئنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: بعضُ النَّاس يقول: لم يحجّ أبو بكر في خلافته، وإنه بعَث سنة اثنتي عشرة على الموسِم عمرَ بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف (٣). (٣: ٣٨٦).\n١٦٨ - وحدّثني عُمر بن شبَّة، عن عليّ بن محمد بالإسناد الذي ذكرت قبلُ،\n_________\n(١) ذكره الطبري بلا إسناد ولم نجد رواية صحيحة في هذه المسألة والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وقد ذكره ابن إسحاق معضلًا.\nوكذلك أخرج خليفة بن خياط في ذكر أحداث سنة (١٢ هـ) عن ابن إسحاق معضلًا: وأقام للناس الحج عبد الرحمن بن عوف (تأريخ خليفة/ ١٢٠).","vol":"8","page":142},{"text":"عن شيوخه الَّذين مضى ذكرهم، قال: ثم وجَّه أبو بكر الجنودَ إلى الشَّأم أوّل سنة ثلاث عشرة، فأوّل لواء عقده لواءُ خالد بن سعيد بن العاصي، ثم عزله قبل أن يسير، وولَّى يزيدَ بن أبي سفيان، فكان أوّل الأمراء الذين خرجوا إلى الشأم، وخرجوا في سبعة آلاف (١). (٣: ٣٨٧).\n١٦٩ - قال أبو جعفر: وكان سببُ عزلِ أبي بكر خالدَ بن سعيد - فيما ذُكِر - ما حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن خالدَ بن سعيد لمّا قَدِم من اليمن بعد وفاة رسولِ الله - ﷺ -؛ تربَّص ببيعته شهريْن، يقول: قد أمَّرني رسولُ الله - ﷺ -، ثم لم يعزلني حتى قَبَضه الله. وقد لقي عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان؛ فقال: يا بني عبد مناف! لقد طِبْتم نفسًا عن أمركم يليه غيركم! فأمّا أبو بكر فلم يحفِلْها عليه، وأمَّا عمر فاضطغنها عليه. ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشأم، وكان أوّل مَن استعمل على رُبعٍ منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمِّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال! فلم يزل بأبي بكر حتى عَزله، وأمَّر يزيد بن أبي سفيان. (٣: ٣٨٧/ ٣٨٨).\n١٧٠ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن فُضَيل، عن جُبَير بن صخر حارس النبيّ - ﷺ -؛ عن أبيه، قال: كان خالدُ بن سعيد بن العاصي باليمن زمنَ النبيّ - ﷺ -؛ وتوفِّيَ النبيُّ - ﷺ - وهو بها، وقدم بعد وفاته بشهر، وعليه جُبَّة ديباج فلقِيَ عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، فصاح عمر بمن يليه:\n_________\n(١) لقد سبق أن تحدثنا عن هذا الإسناد، والظاهر من هذه الرواية أنه ﵁ عقد اللواء أول الأمر لخالد بن سعيد وهذا صحيح إلأ أن الشطر الآخر (ثم عزله قبل أن يسير) يخالف الروايات الصحيحة والضعيفة التي سنذكرها فإنه - أي: خالد بن سعيد ﵁ - قد خاض معارك انتصر في ثلاث منها وكانت حروبه هناك أشبه بالحروب الخاطفة وليست المصيرية كما خاضها من بعده من القادة فلما أصيب بانتكاسة كبيرة قتل فيها جمع من المجاهدين ومنهم ابنه سعيد عزله الخليفة الصديق ﵁.\nوذلك السبب في عزله وليس كما ذكرت الروايات الضعيفة التي ذكرت أن عمرًا ﵁ كان يلح على أبي بكر لعزله لأن خالد بن سعيد بن العاص عمل لخلافة أبي بكر لمدة شهرين كما في الرواية (٣/ ٣٨٧/ ٢١٣) والرواية (٣/ ٣٨٨/ ٢١٤).\nواعتمدها بعض المؤرخين المعاصرين دون تثبت وليس الأمر كذلك ولقد أخرج الذهبي رواية جرير هذه وفيه: ثم عزله قبل أن يسير خالد، وقيل بل عزله بعد أشهر من مسيره (عهد الخلفاء الراشدين/ ٨١).","vol":"8","page":143},{"text":"مَزِّقوا عليه جُبَّته! أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور! فمزّقوا جُبَّته، فقال خالد: يا أبا الحسن! يا بني عبد مناف! أغُلِبتم عليها؟ ! فقال عليّ ﵇: أمغالبة ترى، أم خلافة؟ ! قال: لا يغالب على هذا الأمر أوْلى منكم يا بني عبد مناف! وقال عمر لخالد: فضّ الله فاك! والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ثم لا يضرُّ إلا نفسه. فأبلغ عمر أبا بكر مقالته؛ فلمّا عقد أبو بكر الألوية لقتال أهل الرّدة؛ عقد له فيمن عقد، فنهاه عنه عمر، وقال: إنه لمخذول، وإنه لضعيف التروئة؛ ولقد كذب كذبة لا يفارق الأرض مدْل بها وخائضٌ فيها، فلا تستنصر به! فلم يحتمل أبو بكر عليه، وجعله ردءًا بتَيْماء؛ أطاع عمرَ في بعض أمره، وعصاه في بعض (١) (٣: ٣٨٨).\n١٧١ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما قدم خالد بن سعيد ذا المروة، وأتى أبا بكر الخبرُ كتب إلى خالد: أقمْ مكانك، فلعمري إنَّك مقدام محجام، نجَّاءٌ من الغمرات، لا تخوضها إلّا إلى حقّ، ولا تصبر عليه. ولمّا كان بعد؛ وأذن له في دخوله المدينة قال خالد: اعذِرْني، قال: أخَطَلٌ؟ ! أنت امرؤ جُبُن لدى الحرب. فلمّا خرج مغ عنده قال: كان عمر، وعليّ أعلمَ بخالد؛ ولو أطعتهما فيه؛ اختشيته، واتَّقيته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>خبر اليرموك</span>\n١٧٢ - كتب إليَّ السريَّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة نحوًا من حديث أبي عثمان؛ وقالوا جميعًا: وكان القارئ المِقْداد. ومن السُّنَّة التي سنَّ رسولُ الله - ﷺ - بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللِّقاء؛ وهي الأنفال، ولم يزَلِ النَّاس بعد ذلك على ذلك. (٣). (٣: ٣٧٩).\n١٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان الغسَّاني، عن أبيه، قال: قال عِكْرمة بن أبي جهل يومئذ: قاتلت رسولَ الله - ﷺ - في كلّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":144},{"text":"موطن، وأفِرُّ منكم اليوم! ثم نادى: مَنْ يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزْور في أربعمئة من وجوه المسلمين وفرسانهم؛ فقاتلوا قدّام فُسطاط خالد؛ حتى أثبتوا جميعًا جراحًا، وقُتِلوا إلّا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور. قال: وأتيَ خالد بعد ما أصبحوا بعِكْرمة جريحًا فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عِكْرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما، ويقطِّر في حلوقهما الماء، ويقول: كلّا، زعم ابن الحَنْتَمة أنَّا لا نُستشهَد! (١) (٣: ٤٠١).\n١٧٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المُسْتَنير بن يزيد بن أرطاة بن جُهَيْش، قال: كان الأشتَر قد شهد اليَرْموك، ولم يشهد القادسيَّة؛ فخرج يومئذ رجلٌ من الرّوم، فقال: مَنْ يبارز؟ فخرج إليه الأشتر؛ فاختلفا ضربتيْن، فقال للرّومي: خُذْها وأنا الغلام الإياديّ، فقال الروميّ: أكثر الله في قومي مثلك! أمَا والله لو أنَّك من قومي لآزرْت الرُّوم، فأمَّا الآن فلا أعِينهم! (٢).\n١٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن أرطاة بن جهيش، قال: قال خالد يومئذ: الحمدُ لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحبَّ إليَّ من عمر، والحمدُ لله الذي ولَّى عمر، وكان أبغضَ إليّ من أبي بكر ثم ألزمني حُبَّه! (٣).\n١٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سَعيد، قال: قال قَباث: كنت في الوفْد بفتح اليَرْموك، وقد أصبنا خيرًا ونَفلًا كثيرًا، فمرَّ بنا الدّليل على ماء رجل قد كنت اتَّبعته في الجاهليَّة حين أدركتُ وآنستُ من نفسي لأصيب منه؛ كنت دُلِلْتُ عليه، فأتيته فأخبرته، فقال: قد أصبتَ، فإذا ريبال من ريابلة العرب قد كان يأكل في اليوم عَجُز جَزور بأدمها ومقدار ذلك من غير العَجُز ما يفضل عنه إلّا ما يقوتني. وكان يُغيرُ على الحيّ ويَدَعُني قريبًا، ويقول: إذا مرّ بك راجز يرتجز بكذا وكذا، فأنا ذلك؛ فَشُلَّ معي. فمكثت بذلك حتى أقطعني قطيعًا من مال، وأتيت به أهلي؛ فهو أوّلُ مال أصبته. ثم إنّي رأستُ قومي؛ وبلغت مبلغ رجال العرب، فلمَّا مرّ بنا على ذلك\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة وسوء أدب بحق الصحابة، وأغلب الظن أنها من دسّ شعيب.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":145},{"text":"الماء عرفتُه، فسألت عن بيته فلم يعرفوه، وقالوا: هو حيٌّ، فأتيت ببنين استفادهم بعدي، فأخبرتهم خبري، فقالوا: اغْدُ علينا غدًا، فإنه أقربُ ما يكون إلى ما تحبّ بالغداة، فغاديتهم فأدخلْت عليه، فأخرِج من خِدْره؛ فأجلس لي، فلم أزل أذكِّره حتى ذكر، وتسمَّع وجعل يطرَب للحديث ويستطعمنيه، وطال مجلسنا وثقُلنا على صبيانهم؛ ففرَّقوه ببعض ما كان يفرَق منه ليدخل خِدْره، فوافق ذلك عقله، فقال: قد كنت وما أفزَّع! فقلت: أجل، فأعطيته ولم أدعْ أحدًا من أهله إلا أصبتُه بمعروف ثم ارتحلت (١). (٣: ٤٠٤/ ٤٠٥).\n١٧٧ - كتب إليّ السريّ عن سيف، عن أبي سعيد المَقْبُريّ، قال: قال مروان بن الحكم لقَباث: أأنت أكبر أم رسولُ الله - ﷺ -؟ قال: رسول الله أكبر منّي، وأنا أقدم منه، قال: فما أبعدُ ذكرك؟ قال: خِثْي الفيل لسنة. قال: وما أعجب ما رأيتَ؟ قال: رجل من قُضاعة؛ إني لما أدركتُ وآنَسْتُ من نفسي سألتُ عن رجل أكونُ معه وأصيب منه، فدلِلْتُ عليه ... واقتصّ هذا الحديث (٢). (٤٠٥: ٣).\n١٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عطاء، عن الهيْثَم البكائيّ، قال: كان أهلُ الأيَّام من أهل الكوفة يُوعدون معاويةَ عند بعض الذي يبلُغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحنُ أصحابُ ذات السلاسل، ويسمّون ما بينها وبين الفراض؛ ما يذكرون ما كان بعد؛ احتقارًا لما كان بعد فيما كان قبل (٣). (٣: ٤٠٧).\n١٧٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن عبيد الله بن مُحَفِّز بن ثعلبة؛ عمنّ حدّثه من بكر بن وائل: أنّ مُحْرز بن حَريش المحاربيّ قال لخالد: اجعل كوكبَ الصبح على حاجبك الأيمن، ثم أُمَّه تُفْضِ إلى سُوَى؛ فكان أدلَّهم (٤). (٣: ٤٠٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>ذكر مرض أبي بكر ووفاته</span>\n١٨٠ - حدّثني أبو زيد؛ عن عليّ بن محمد، بإسناده الذي قد مضى ذكره؛ قالوا: تُوُفِّيَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة في جُمادى الآخرة يوم الإثنين لثمان بقين منه. قالوا: وكان سبب وفاته: أنّ اليهود سَمَّتْه في أرُزّة، ويقال: في جذيذة، وتناول معه الحارث بن كَلَدة منها، ثم كَفّ، وقال لأبي بكر: أكلتَ طعامًا مسمومًا سمّ سنة. فمات بعد سنة، ومرض خمسة عشو يومًا، فقيل له: لو أرسلتَ إلى الطبيب! فقال: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟ قال: إنّي أفعل ما أشاء.\nقال أبو جعفر: ومات عتّاب بن أسيد بمكَّة في اليوم الذىِ مات فيه أبو بكر - وكانا سُمّا جميعًا - ثم ماتَ عَتَّاب بمكة (١). (٣: ٤١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذي كفن فيه أبو بكر ومن صلى عليه والوقت الذي صلى عليه فيه والوقت الذي توفي فيه</span>\n١٨١ - حدّثني الحارث عن محمد بن سعد، قال: أخبرَنا مُعاذ بن مُعاذ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، قالا: حدّثنا الأشعث، عن عبد الواحد بن صَبِرة، عن القاسم بن محمد: أنّ أبا بكر الصّدّيق أوصى أن تغسله امرأته أسماء؛ فإن عجزت، أعانها ابنُه محمد. قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: وهذا الحديث وَهِل؛ وإنما كان لمحمد يوم تُوُفِّي أبو بكر ثلاث سنين. (٣: ٤٢١).\n١٨٢ - قال أبو جعفر: وكان أوصى - فيما حدّثني الحارثُ عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عمر بن عبد الله - يعني: ابن عروة - أنَّه سمع عُروة والقاسم بن محمد يقولان:\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد أخرج ابن سعد والحاكم عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان جزيذة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إن فيها لسمّ سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد. فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة. وصحح السيوطي إسناده (تأريخ الخلفاء/ ٧٥).\nقلنا: وهو من مراسيل الزهري وفي متنه غرابة فلا يعلم الغيب إلا الله والأجل غيب من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله فكيف قال الحارث: وأنا وأنت نموت في يوم واحد؟ ! وهذا إسناد مرسل ومراسيل الزهري ضعيفة إذا لم يتابع.","vol":"8","page":147},{"text":"أوصى أبو بكِر عائشة أن يُدفن إلى جَنْب النبيّ - ﷺ -، فلمَّا تُوُفِّيَ حُفِر له، وجعل رأسه عند كَتِفيْ رسول الله - ﷺ -، وألصقوا اللحدَ بلَحدِ النبيِّ - ﷺ - فقبر هنالك (١). (٣: ٤٢٢).\n١٨٣ - قال الحارث: حدّثني ابنُ سعد، قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدّثني ابنُ عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: جعل رأس أبي بكر عند كتفي رسولِ الله - ﷺ -، ورأس عمر عند حَقْوي أبي بكر (٢). (٣: ٤٢٢).\n١٨٤ - حدّثني الحارثُ عن ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبْرة عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب، قال: جُعل قبر أبي بكر مثل قبرِ النبيّ - ﷺ - مُسَطَّحًا؛ ورُشَّ عليه الماء، وأقامت عليه عائشة النَّوْح (٣). (٣: ٤٢٣).\n١٨٥ - حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبريا يونس بن يزيد عن ابن شهاب؛ قال: حدّثني سعيد بن المسيّب، قال: لما تُوُفِّيَ أبو بكر ﵀ أقامت عليه عائشة النَّوْح، فأقبل عمر بن الخطَّاب حتى قام ببابها، فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر، فأبيْن أن ينتهين، فقالى عمر لهشام بن الوليد. ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قُحافة؛ أخت أبي بكر، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني أحرّج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخُل فقد أذنتُ لك، فدخل هشام فأخرج أمّ فرْوة أخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدّرّة، فضربها ضربات، فتفرّق النَّوْح حين سمعوا ذلك (٤). (٣: ٤٢٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف، فهو من طريق الواقدي وهو متروك.\n(٤) إسناده مرسل وأصله في البخاري معلقًا (وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت) (الفتح (٥/ ٩٠).\nوأخرجه ابن سعد موصولًا عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عائشة عليه النوح فبلغ عمر فنهاهن فأبين، فقال لهشام بن الوليد: اخرج إلى بيت أبي قحافة - يعني أم فروة - فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن بذلك. الطبقات (٣/ ٢٠٨) وصحح الحافظ إسناده (الفتح/ ٥/ ٩٠).","vol":"8","page":148},{"text":"١٨٦ - وتمثَّل في مرضِه - فيما حدثني أبو زيد، عن عليّ بن محمد بإسناده - الذي توفي فيه:\nوكلُّ ذي إبلٍ موروثُ ... وكلُّ ذي سَلَبٍ مسلوبُ\nوكلّ ذي غيبةٍ يؤوبُ ... وغائبُ الموتِ لا يؤوبُ\nوكان آخر ما تكلم به: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١).\n(٣: ٤٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>ذكر الخبر عن صفة جسم أبي بكر ﵀</span>\n١٨٧ - حدّثني الحارث عن ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا شُعَيب بن طَلْحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها نظرتْ إلى رجلٍ من العَرب مرّ وهي في هَوْدجها، فقالت: ما رأيتُ رجلًا أشبَه بأبي بكر من هذا، فقلنا لها: صِفي أبا بكر، فقالت: رجل أبيض، نحيف، خفيف العارضين، أجْنَأ، لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حَقويْه، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع (٢). (٣: ٤٢٤).\n١٨٨ - وأما عليّ بن محمد؛ فإنه قال في حديثه الذي ذكرت إسناده قبل: إنَّه كان أبيضَ يخالطه صُفرة، حسنَ القامة، نحيفًا، أجْنأ، رقيقًا، عتيقًا، أقنى، معروق الوجه، غائر العينين، حَمْش الساقين، ممحوص الفخذيْن، يخضب بالحنَّاء والكتَم.\nوكان أبو قحافة حين تُوُفِّيَ حيًّا بمكَّة، فلما نُعي إليه قال: رُزْءٌ جليل! (٣) (٣: ٤٢٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف، وأخرجه ابن سعد من طريق الواقدي كذلك (٣/ ١٨٨).\n(٣) إسناده ضعيف. ولكن أخرج ابن سعد (٣/ ١٨٨) أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلت مع أبي على أبي بكر وكان رجلًا نحيفًا خفيف اللحم أبيض. وأخرج (٣/ ١٨٩): أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبيرت أن عائشة قالت: صبغ أبو بكر بالحناء والكتَم. =","vol":"8","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>ذكر نسب أبي بكر واسمه وما كان يُعرف به</span>\n١٨٩ - وأمَّا هشام، فإنه قال - فيما حُدّثت عنه - إنّ اسم أبي بكر: عتيق بن عثمان بن عامر (١). (٣: ٤٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>ذكر أسماء قضاته وكتابه وعُمَّاله على الصدقات</span>\n١٩٠ - وقال عليّ بن محمد عن الذين سمَّيتُ: قال بعضهم: جعل أبو بكر عمرَ قاضيًا في خلافته، فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد.\nقال: وقالوا: كان يكتب له زيد بن ثابت، ويكتب له الأخبار عثمان بن عفان ﵁، وكان يكتب له مَنْ حضر.\nوقالوا: كان عاملَه على مكَّة عَتَّاب بن أسيد، وعلى الطَّائف عُثْمان بن أبي العاصي، وعلى صنْعاء المهاجر بن أبي أميَّة، وعلى حَضرموت زياد بن لَبيد، وعلى خَوْلان يَعْلَى بن أميَّة؛ وعلى زَبيد ورِمَع أبو موسى الأشعريّ، وعلى الجنَد مُعاذ بن جبل، وعلى البحْرين العَلاء بن الحضرميّ، وبعث جرير بن عبد الله إلى نَجْران، وبدث بعبد الله بن ثَوْر؛ أحد بني الغَوْث إلى ناحية جُرَش، وبعث عياض بن غَنْم الفِهريّ إلى دُومة الجنْدَل؛ وكان بالشأم أبو عبيدة وشُرَحْبيل بن حَسَنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص؛ كلّ رجل منهم على جند، وعليهم خالد بن الوليد (٢). (٣: ٤٢٦/ ٤٢٧).\n١٩١ - قالوا: ولم يعش أبو قُحافة بعد أبي بكر إلا ستَّة أشهر وأيامًا؛ وتوفِّيَ في المحرَّم سنة أربع عشرة بمكَّة؛ وهو ابن سبع وتسعين سنة (٣). (٣: ٤٢٧).\n_________\n= وكان أبو قحافة حين توفي حيًا بمكة فلما نعي إليه قال: رزء جليل. ذكره الطبري بلا إسناد وهو جزء من حديث قصير أخرجه ابن سعد عن ابن المسيب (٣/ ٢١٠) وهو من طريق الواقدي وهو متروك.\n(١) إسناده ضعيف جدًا، وقال السيوطي: قال ابن كئير: انفقوا على أن اسمه عبد الله بن عثمان إلا ما روى ابن سعد عن ابن سيرين أن اسمه عتيق والصحيح: أنه لقبه.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) لم يصرّح الطبري هنا بسماعه من الحارث (وكان فيما ذكر الحارث) وقال ابن كئير عقب هذا =","vol":"8","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>ذكر استخلافه عمر بن الخطاب</span>\n١٩٢ - وعقد أبو بكر في مَرْضته التي تُوُفِّيَ فيها لعمر بن الخطاب عَقْد الخلافة من بعده.\nوذُكر أنه لما أراد العَقْد له دَعَا عبد الرحمن بن عَوْف؛ فيما ذكر ابن سعد عن الواقديّ، عن ابن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن؛ قال: لمَّا نزل بأبي بكر - ﵀ - الوفاةُ دعا عبدَ الرحمن بن عوْف، فقال: أخبِرْني عن عمر، فقال: يا خليفةَ رسول الله! هو واللهِ أفضلُ من رأيك فيه من رجل؛ ولكن فيه غِلْظة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضَى الأمر إليه؛ لترك كثيرًا ممَّا هو عليه. ويا أبا محمد! قد رمَّقتُه، فرأيتُني إذا غضبتُ على الرجل في الشيء أراني الرّضا عنه، وإذا لِنتُ له أراني الشدّة عليه؛ لا تذكرْ يا أبا محمد مما قلت لك شيئًا، قال: نعم. ثم دعا عثمان بن عفان، قال: يا أبا عبد الله! أخبِرْني عن عمر، قال: أنت أخبرُ به، فقال أبو بكر: عليَّ ذاك يا أبا عبد الله! قال: اللهمّ علمي به: أنّ سريرته خيرٌ من علانيته؛ وأن ليس فينا مثله. قال أبو بكر ﵀: رحمك الله يا أبا عبد الله! لا تذكر ممَّا ذكرتُ لك شيئًا، قال: أفعل، فقال له أبو بكر: لو تركتُه ما عدوتُك، وما أدري لعلَّه تارِكه، والخيرَة له ألّا يلي من أموركم شيئًا، ولوددتُ أني كنت خلْوًا من أموركم؛ وأنّي كنتُ فيمَن مضى من سلَفِكم؛ يا أبا عبد الله! لا تذكرَنّ مما قلتُ لك من أمر عمر، ولا ممَّا دعوتك له شيئًا (١). (٣: ٤٢٨).\n١٩٣ - حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا يحيى بن واضح، قال: حدّثنا يونس بن عمرو عن أبي السَّفَر، قال: أشرف أبو بكر على النَّاس من كنيفه وأسماءُ ابنة عُميس\n_________\n= الأثر: (وهذا غريب)، (البداية والنهاية ٧/ ١٨).\nقلنا: ومتن هذه الرواية مخالف لما أخرجه البخاري في صحيحه (في خاتم أبي بكر) عن ابن عمر ﵄ قال: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ورق وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر، ثم كان بعد في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان، حتى وقع بعد في بئر أريس، نقشه: محمد رسول الله (فتح الباري ١٠/ ٢٣٦).\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":151},{"text":"ممسكتُه، موشومة اليديْن، وهو يقول: أترضوْن بمن أستخلف عليكم؟ فإنّي والله ما ألوْتُ من جَهْد الرّأي، ولا ولَّيت ذا قرابة، وإنّي قد استخلفتُ عمر بن الخطاب، فاسمعوا له، وأطيعوا! فقالوا: سمعنا، وأطعنا (١) (٣: ٤٢٨).\n١٩٤ - حدّثني عُثمان بن يحيى عن عثمان القرقسانيّ، قال: حدّثنا سفيان بن عُيَينة، عن إسماعيل، عن قيس، قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب وهو يجلس والنَّاس معه، وبيده جَرِيدة، وهو يقول: أيُّها الناس! اسمعوا وأطيعوا قولَ خليفةِ رسول الله - ﷺ -؛ إنَّه يقول: إني لم آلُكم نصْحًا. قال: ومعه مولىً لأبي بكر يقال له: شديد، معه الصحيفة الّتي فيها استخلاف عمر (٢).\n١٩٥ - حدّثنا يونُس بن عبد الأعلى، قال: حَدّثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، قال: حدّثنا اللَّيْث بن سعد، قال: حَدّثنا عُلْوان عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه: أنَّه دخل على أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه في مَرَضِه الذي تُوُفِّيَ فيه؛ فأصابه مهتمًّا، فقال له عبد الرحمن: أصبحتَ والحمد لله بارئًا! فقال أبو بكر ﵁: أتراه؟ قال: نعم، قال: إنِّي ولَّيْتُ أمرَكم خيرَكم في نفسي؛ فكلّكم وَرِمَ أنفُه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه؛ ورأيتم الدنيا قد أقبلتْ ولمّا تقبِلْ، وهي مقبلة حتى تتَّخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألَمُوا الاضطجاع على الصوف الأذْرِيّ؛ كما يألمُ أحدُكم أن ينامَ على حَسَك؛ والله لأن يقدّم أحدكم فتُضرب عنقُه في غير حدّ خيرٌ له من أن يخوضَ في غمرة الدنيا، وأنتم أوّلُ ضالّ بالناس غدًا، فتصدونهم عن الطريق يمينًا وشمالًا. يا هاديَ الطريق، إنَّما هو الفَجْر أو البَجْر، فقلت له: خَفّض عليك رحمك الله! فإن هذا يهيضك في أمرك. إنَّما النَّاس في أمرك بين رجليْن: إمَّا رجل رأى ما رأيتَ فهو معك، وإمَّا رجلٌ خالفك فهو مُشير عليك، وصاحبُك كما تحبّ؛ ولا نعلمك أردتَ إلا خيرًا، ولم تزل صالحًا مُصْلحًا، وإنك لا تأسى على شيء من الدنيا.\nقال أبو بكر ﵁: أجَلْ، إني لا آسَى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتُهنّ؛ وددت أني تركتهنّ، وثلاث تركتهنّ؛ وددتُ أني فعلتهنّ؛ وثلاث\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":152},{"text":"وددت أنّي سألتُ عنهنّ رسولَ الله - ﷺ -. فأمَّا الثلاث اللّاتي وددت أنّي تركتُهنّ: فوددْت أنّي لم أكشِفْ بيتَ فاطمة عن شيء. وإن كانوا قد غلَّقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حَرَقْتُ الفُجاءَة السُّلَميّ، وأني كنت قتلته سريحًا، أو خلّيته نجيحًا. ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنتُ قذفت الأمرَ في عنق أحد الرجلين - يريد عمر، وأبا عبيدة - فكان أحدُهما أميرًا؛ وكنت وزيرًا. وأمّا اللاتي تركتهنّ: فوددت أني يوم أتِيتُ بالأشعثِ بن قيس أسيرًا كنت ضربت عنقه، فإنه تخيَّل إليّ أنه لا يرى شرًّا إلّا أعان عليه. ووددت أني حين سيَّرت خالد بن الوليد إلى أهل الرّدّة؛ كنت أقمت بذي القَصّة؛ فإن ظَفِر المسلمون ظفِروا، وإن هُزموا كنت بصدد لقاء، أو مددًا. ووددت أني كنت إذ وجَّهت خالد بن الوليد إلى الشأم كنتُ وجّهت عمر بن الخطاب إلى العراق؛ فكنت قد بسطتُ يديّ كلتيهما في سبيل الله - ومدّ يديه - ووددْت أني كنتُ سألتُ رسولَ الله - ﷺ -: لمن هذا الأمر؟ فلا ينازَعه أحد؛ ووددت أني كنتُ سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ ووددت أني كنتُ سألته عن ميراث ابنة الأخ، والعَمَّة؛ فإنّ في نفسي منهما شيئًا (١). (٣: ٤٢٩/ ٤٣٠/ ٤٣١).\n_________\n(١) رواية منكرة وفيها من الغمز والطعن في صحابة رسول الله ما فيها، وعلة هذه الرواية من الراوي علوان بن داود (ويسمى كذلك علوان بن صالح) وهو منكر الحديث وكذلك قال أبو سعيد بن يونس، وقال العقيلي: له حديث لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به (ميزان الاعتدال ٣/ ١٠٨/ ت ٥٧٦٣) (لسان الميزان ٤/ ت ٥٧٥٢) ولقد ذكر العقيلي هذا الحديث (رواية) في ترجمته لعلوان (الضعفاء الكبير ٣/ ٤١٩ /ت ١٤٦١).\nوطعن علوان هذا واضح في هذه الرواية إذ يقول على لسان أبي بكر عن الصحابة: (فكلكم ورم أنفه من ذلك) وحاشا لأبي بكر أن يقول ذلك بل هو تلفيق من علوان وهو منكر الحديث.\nوإن كان بعض صحابة رسول الله استفسروا من أبي بكر عن سبب اختياره لعمر فذلك والله أعلم لشدة عمر بن الخطاب الذي لم تأخذه في الله يومًا من الأيام لومة لائم وشدته كانت في الحق.\nولم ينكر سيدنا عمر شدته هذه بل دعا أن يرزقه الله اللين، والذي يتتبع روايات التأريخ وسيرة الخلفاء يرى أن عمرًا كان شديدًا يوم أن كان صحابيًا لرسول الله - ﷺ - ليس عليه إلا التنفيذ فكانت قوته ذخرًا بين يدي رسول الله يستخدم هذه القوة بما يراه صوابًا، وكان عمرًا شديدًا كذلك يوم أن كان وزيرًا وردفًا ومستشارًا لأبي بكر الصديق ﵁ فكان منفذًا كذلك لا مقررًا، ولكن هذه الشدة تغيرت تمامًا من أول يوم استلم عمر فيه الخلافة إذ علم أنه أمام الأمر الواقع مقرر ومنفذ فكان يختار أيسر الأمور لرعيته ما لم يكن فيه إثم (كما تعلم من =","vol":"8","page":153},{"text":"١٩٦ - قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثم قدِم علينا علْوان بعد وفاة اللَّيْث، فسألته عن هذا الحديث، فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حَرْفًا حَرْفًا؛ وأخبرني: أنه هو حدَّث به الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه، فأخبرني أنه علوان بن داود (١). (٣/ ٤٣١).\n١٩٧ - وحدّثني محمد بن إسماعيل المراديّ، قال: حَدّثنا عبد الله بن صالح المصريّ، قال حدّثني اللَّيْث عن علوان بن صالح، عن صالح بن كَيْسان، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن أبا بكر الصديق ﵁، قال - ثم ذكر نحوه، ولم يقل فيه: \"عن أبيه\" (٢). (٣: ٤٣١).\n_________\n= رسول الله - ﷺ -) بينما يختار لنفسه وأهله أعسر الوق وأخشنها وأشدها خشية أن ينال شيئًا ولو يسيرًا من بيت مال المسلمين ﵁ وأرضاه.\n(١) رواية منكرة كما سبق أن ذكرنا.\n(٢) رواية منكرة كما سبق أن ذكرنا وراجع (٢٨٣).","vol":"8","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>ضعيف تاريخ عمر بن الخطاب ﵁</span>","vol":"8","page":155},{"text":"١٩٨ - فيما حدّثني أبو السائب، قال: حدّثنا ابن فُضيل، عن ضرار، عن حُصَين المُريّ، قال: قال عمر: إنَّما مَثَلُ العرب مثلُ جمل أنِف اتَّبع قائده، فلينظر قائدُه حيث يقود؛ وأمَّا أنَا فوربّ الكعبةَ لأحملنَّهم على الطريق (١)! (٣: ٤٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>ذكر غزوة فِحْل وفتح دمشق</span>\n١٩٩ - وأما سيف - فيما ذكر السريّ، عن شعيب، عنه، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة - فإنه ذكر في خبره: أنّ البريد قدم على المسلمين من المدينة بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة؛ وهم باليرموك؛ وقد التحم القتال بينهم وبين الرُّوم. وقصّ من خبر اليرموك وخبر دمشق غير الذي اقتصّه ابن إسحاق؛ وأنا ذاكر بعض الذي اقتصّ من ذلك (٢). (٣: ٤٣٥).\n٢٠٠ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن أبي عثمان، عن أِبي سعيد، قال: لمَّا قام عمر رضي عن خالد بنِ سعيد، والوليد بن عُقْبة، فأذِن لهما بدخول المدينة، وكان أبو بكر قد منعهما لفرّتهما التي فرّاها، وردّهما إلى الشأم، وقال: ليبلغني عنكما غناء أبْلكما بلاءً؛ فانضمَّا إلى أي أمرائنا أحببتما؛ فلحقا بالناس فأبليا، وأغنَيا (٣). (٣: ٤٣٥/ ٤٣٦).\n٢٠١ - أما ابن اسحاق؛ فإنه قال في أمر خالدَ وعَزْل إياه ما حدّثنا محمد بن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عنه، قال: إنَّما نزَع عمر خالدًا في كلام كان خالد تكلَّم به - فيما يزعمون - ولم يزل عمر عليه ساخطًا، ولأمره كارهًا في زمان أبي بكر كلّه، لوقعته بابن نُويْرة، وما كان يعمل به في حربه؛ فلمَّا استُخلف عمر كان أوّل ما تكلَّم به عزله، فقال: لا يلي لي عملًا أبدًا، فكتب عمر إلى أبي عُبيدة: إنْ خالد أكذب نفسه؛ فهو أمير على ما هو عليه؛ وإن هو لم يُكذب نفسَه\n_________\n(١) في إسناده من لم نجد له ترجمة، ولم نجد فيها بين أيدينا من الروايات الصحيحة ما يؤيد هذه الرواية وفي متنه غرابة والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":157},{"text":"فأنتَ الأمير على ما هو عليه؛ ثم انزع عمامته عن رأسه، وقاسمْه مالَه نصفيْن. فلمّا ذكر أبو عبيدة ذلك لخالد، قال: أنظِرْني أستشِرْ أختي في أمري، ففعل أبو عبيدة؛ فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد - وكانت عند الحارث بن هشام - فذكر لها ذلك، فقالت: والله لا يحبّك عمر أبدًا، وما يريد إلّا أن تُكذب نفسك ثم ينزعك، فقبّل رأسها وقال: صدقتِ والله! فتمّ على أمرِه، وأبى أن يُكْذِب نفسَه. فقام بلال مولَى أبي بكر إلى أبي عبيدة، فقال: ما أمِرْتَ به في خالد؟ قال: أمرْت أن أنزع عمامته، وأقاسمه مالَه. فقاسمه مالَه حتى بقيتْ نعلاه، فقال أبو عبيدة: إن هذا لا يصلُح إلّا بهذا، فقال خالد: أجلْ، ما أنا بالَّذي أعصِي أميرَ المؤمنين؛ فاصنع ما بدَا لك! فأخذ نعلًا وأعطاه نعلًا. ثم قدم خالد على عمر المدينة حين عزله (١). (٣: ٤٣٦/ ٤٣٧).\n٢٠٢ - حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن عمر بن عطاء، عن سُلَيمان بن يَسار، قال: كان عُمر كلَّما مرّ بخالد قال: يا خالد! أخرِج مالَ الله من تحتِ استك، فيقول: والله ما عندي من مال؛ فلمَّا أكثرَ عليه عمر قال له خالد: يا أمير المؤمنين! ما قيمةُ ما أصبتُ في سلطانكم! أربعين ألف درهم! فقال عمر: قد أخذتُ ذلك منك بأربعين ألف درهم، قال: هو لك، قال: قد أخذته. ولم يكن لخالد مال إلّا عُدّة ورقيق، فحُسب ذلك، فبلغت قيمته ثمانين ألف درهم فناصفه عمر ذلك، فأعطاه أربعين ألف درهم، وأخذ المال. فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! لو رددت على خالد مَاله! فقال: إنَّما أنا تاجر للمسلمين، والله لا أردّه عليه أبدًا. فكان عمر يُرَى: أنه قد اشتفَى من خالد حين صنع به ذلك (٢). (٣: ٤٣٧).\n٢٠٣ - وقال محمد بن إسحاق: كان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب. وقال أيضًا: كانت وقعة فِحْل قبل دمشق؛ وإنما صار إلى دمشق رافضة فِحْل،\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق، وقد رواه ابن إسحاق معضلًا، أما قسمة مال خالد فراجعها في الصحيح والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف جدًا، وفيه من الطعن والغمز في الصحابة ما فيه ومنه اتهام سيدنا عمر بأنه جزد خالد من ماله استشفاء به، والروايات التي ذكرنا في الصحيح تخالف متن هذه الرواية الضعيفة وكفى بها ضعفًا مخالفتها لما في الصحيح ناهيك عن ضعف إسنادها والله أعلم.","vol":"8","page":158},{"text":"واتَّبعهم المسلمون إليها. وزعم أنّ وقعة فحْل كانت سنة ثلاث عشرة في ذي القَعْدة منها؛ حدّثنا بذلك ابنُ حُميد، قال: حدّثنا لسَلَمة، عنه (١). (٣: ٤٤١).\n٢٠٤ - وأمَّا الواقديّ: فإنه زعم: أنّ فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة؛ كما قال ابنُ إسحاق. وزعم: أنّ حِصار المسلمين لها كان ستَة أشهر. وزعم: أنَّ وقعة اليَرْموك كانت في سنة خمس عشرة وزعم: أنّ هرقل جَلا في هذه السنة بعد وقعة اليرموك في شعبان من أنْطَاكِيَة إلى قُسطنطينيَّة، وأنه لم يكن بعد اليرموك وقعة (٢). (٣: ٤٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>ذكر خبر المثنّى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود</span>\n٢٠٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف بن عمر، عن محمد بن عبد الله بن سَوَاد، وطلحة بن الأعلم، وزياد بنِ سرْجِس الأحْمَريّ بإسنادهم، قالوا: أوّل ما عمِل به عمر أن ندَب النَّاس مع المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ إلى أهل فارس قَبْل صلاة الفجر، من اللَّيلة التي مات فيها أبو بكر ﵁، ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندَب النَّاس إلى فارس، وتتابع النَّاس على البَيْعة ففرغوا في ثلاثٍ، كلّ يوم يندبهم فلا ينتدب أحد إلى فارس؛ وكان وجْه فارس من أكرهِ الوجوه إليهم وأثقلها عليهم، لشدّة سلطانهم وشوكتهم وعرهم وقهرهم الأمم. قالوا: فلمَّا كان اليوم الرابع؛ عاد فندب النَّاس إلى العراق؛ فكان أوّلَ منتدب أبو عُبيد بن مسعود، وسعد بن عبيد الأنصاريّ حليف بني فزارة؛ هرب يوم الجسر، فكانت الوجوه تُعرَض عاسيه بعد ذلك، فيأبى إلّا العراق، ويقول: إنّ الله جلّ وعزّ اعتدّ عليّ فيها بفرَّة؛ فلعلّه أن يردّ عليّ فيها كرّة. وتتابع الناس (٣). (٣: ٤٤٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق، وقد ذكره ابن إسحاق معضلًا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًا - وقد سبق الحدبث عن الاختلاف في السنة التي كان فيها فتح دمشق والله أعلم.\n(٣) إسناده ضعيف، ولم نجد فيما بين أيدينا من المراجع التأريخية رواية ولو واحدة مسندة موصولة صحيحة تثبت أن الصحابة والتابعين لم يستجيبوا لنداء عمر بن الخطاب لتجهيز الجيوش لإمداد المسلمين الفاتحين في العراقط ونظنه والله أعلم دسًا من شعيب (راوية سيف) والمعروف بتحامله على السلف فوافق ضعف الإسناد تحامل شعيب هذا فأوردنا هذه الرواية وما بعدها في الضعيف والله أعلم بالصواب.","vol":"8","page":159},{"text":"٢٠٦ - كتب إليّ السريّ بن يحمى عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: وتكلَّم المثنَّى بن حارثة، فقال: يا أيها الناس! لا يَعْظُمنّ عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبحبحنا ريفَ فارس، وغلبناهم على خير شِقَّي السَّواد وشاطرناهم ونلنا منهم؛ واجترأ مَن قِبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها. وقام عمر ﵀ في الناس، فقال: إنّ الحجاز ليس لكم بدار إلَّا على النُّجعة، ولا يقوَى عليه أهلُه إلّا بذلك؛ أين الطُرَّاء المهاجرون عن موعود الله؟ سيرُوا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثَكموها؛ فإنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، والله مظهر دينه، ومعزّ ناصِره، ومولي أهله مواريثَ الأمم. أين عباد الله الصالحون؟ !\nفكان أوّل منتدب أبو عُبيد بن مسعود، ثم ثنى سعد بن عبيد - أو سَليط بن قيس - فلمَّا اجتمعَ ذلك البعث، قيل لعمر: أمِّرْ عليهم رجلًا من السابقين من المهاجرين والأنصار. قال: لا والله لا أفعل؛ إنّ الله إنَّما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدوّ؛ فإذا جبنتم وكرهتم اللِّقاء؛ فأولى بالرياسة منكم مَن سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء! والله لا أؤمّر عليهم إلّا أوّلَهم انتدابًا. ثم دعا أبا عُبيد، وسَلِيطًا وسعدًا؛ فقال: أما إنَّكما لو سبقتماه لولَّيتكما ولأدركتُما بها إلى ما لَكما من القُدْمة. فأمّر أبا عُبيد على الجيش، وقال لأبي عبيد: اسْمَع من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وأشرِكْهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبيَّن؛ فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلّا الرّجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكفّ.\nوقال رجل من الأنصار: قال عمر ﵁ لأبي عبيد: إنه لم يمنعني أن أؤمِّرَ سَليطًا إلّا سرعته إلى الحرب، وفي التسرّع إلى الحرب ضَياع إلّا عن بيان، والله لولا سرعتُه لأمّرتُه! ولكنّ الحرب لا يصلحها إلّا الْمَكِيث (١). (٣: ٤٤٤/ ٤٤٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وفيه كذلك من الغمز والطعن في الصحابة السابقين من المهاجرين والأنصار ووصفهم بأنهم كانوا أقل سبقًا إلى العدو، والروايات التأريخية الصحيحة تثبت عكس ذلك بل إن من أسباب هزيمة المسلمين في بداية معركة الطائف هو اختلاطهم بأقوامٍ حديثي عهد بالإسلام ولسنا ندّعي بأن الصحابة هم المنتصرون دائمًا في كل معركة فهم بشر يصيبون ويخطئون وينتصرون ولا ينتصرون أحيانًا ولكنهم خير القرون وأزهدهم في الدنيا وأرغبهم في =","vol":"8","page":160},{"text":"٢٠٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سَيْف بن عمر، عن المجالد، عن الشعبيّ، قال: قدِم المثنَّى بن حارثة على أبي بكر سنة ثلاث عشرة؛ فبعث معه بَعْثًا قد كان ندبهم ثلاثًا؛ فلم ينتدب له أحد حتّى انتدَب له أبو عُبيد ثم سعد بن عبيد، وقال أبو عبيد حين انتدَب: أنا لَهَا، وقال سعد: أنا لَهَا؛ لفَعْلة فعلها. وقال سَليط: فقيل لعمَر: أمّر عليهم رجلًا له صحبة، فقال عمر: إنَّما فَضُل الصحابة بسرعتهم إلى العدوّ وكفايتهم مَنْ أبى؛ فإذا فعل فعلهم قوْم واثّاقلوا كان الذين ينفرون خفافًا وثقالًا أوْلَى بها منهم؛ والله لا أبعث عليهم إلّا أوّلَهم انتدابًا! فأمَّر أبا عُبيد، وأوصاه بجنده (١). (٣: ٤٤٥/ ٤٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>خبر النمارق</span>\n٢، ٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، وعمرو عن الشعبيّ، وأبي رَوْق، قالوا: كانت بُوران بنت كسرى - كلَّما اختلف النَّاس بالمدائن - عَدْلًا بين الناس حتى يصطلحوا، فلما قُتِل الفرُخزاذ بن البنْدُوان وقدِم رستَم فقتل آزرْميدُخت؛ كانت عَدْلًا إلى أن استخرجوا يَزْدَجِرْد، فقدم أبو عُبيد والعَدْل بُوران، وصاحب الحرب رستم؛ وقد كانت بُوران أهدتْ للنبيّ - ﷺ -، فقبل هديّتها، وكانت ضدًّا على شيري سنة، ثم إنَّها تابعته، واجتمعا على أن رأس، وجعلها عدلًا (٢). (٣: ٤٤٦/ ٤٤٧).\n٢٠٩ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: لما قتَل سيَاوَخْش فرّخْزَاذ بن البِنْدوان، وملكت آزرميدخت، اختلف أهلُ فارس، وتشاغلوا عن المسلمين غَيْبةَ المثنَّى كلَّها إلى أن رجع من المدينة. فبعثت بُوران إلى رستم بالخبر، واستحثَّتْه بالسَّير؛ وكان\n_________\n= الآخرة وأشجعهم وأصبرهم وأخلدهم. كيف لا وقد اختارهم الله من بين جميع خلقه لصحبة أتقى الناس وأشجعهم وأنبلهم وأصدقهم - ﷺ - ولكننا استبعدنا هذه الرواية عن قسم الصحيح واستشنعنا بعض ما فيه من الأقوال سدًا للباب أمام كل من أراد الطعن في عدالة الصحابة ومنهم شعيب هذا واتباعًا للقاعدة التي ذكرناها في بداية عهد الخلفاء.\n(١) إسناده ضعيف، وراجع ما ذكرنا في تعليقنا على الرواية السابقة.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":161},{"text":"على فَرْج خُراسان، فأقبل في النَّاس حتى نزل المدائن؛ لا يلقى جيشًا لآزرميدخت إلّا هزمه، فاقتتلوا بالمدائن، فهُزم سِياوَخْش، وحُصِر، وحُصِرت آزرميدخت؛ ثم افتتحها فقتل سِياوَخش، وفقأ عين آزرميدخت، ونصّبَ بوران ودعتْه إلى القيام بأمرِ أهل فارس، وشكَتْ إليه تضعضعَهم، وإدبار أمرهم؛ على أن تملّكه عَشْر حجَج؛ ثم يكون المُلْكُ في آل كسرى، إن وجدوا من غلمانهم أحدًا؛ وإلّا ففي نسائهم. فقال رستم: أمّا أنا فسامع مطيع، غير طالب عِوضًا ولا ثوابًا، وإن شرّفتموني وصنعتم إليّ شيئًا فأنتم أولياء ما صنعتم؛ إنما أنا سهمُكم وطوعُ أيديكم. فقالت بُوران: اغدُ عليّ، فغدا عليها ودعتْ مرازبة فارس، وكتبت له بأنَّك على حرب فارس؛ ليس عليك إلّا الله ﷿، عن رضًا منَّا وتسليم لحكمك، وحكمُك جائز فيهم ما كان حكمك في منْع أرضهم وجمعِهم عن فُرقتهم. وتوَّجته وأمرت أهلَ فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. فدانت له فارس بعد قدوم أبي عُبيد؛ وكان أوّل شيء أحدثه عمر بعد موتِ أبي بكر من اللَّيل؛ أن نادى: الصلاة جامعة! ثم ندبهم فتفرّقوا على غير إجابة من أحد، ثم نَدبهم في اليوم الرابع، فأجاب أبو عبيد في اليوم الرابع أوّل الناس، وتتابع النَّاس، وانتخب عمر من أهل المدينة ومَن حولها ألفَ رجل، أمَّر عليهم أبا عُبيد، فقيل له: استعمل عليهم من أصحاب النبيّ - ﷺ -، فقال: لا ها الله ذا يا أصحاب النبيّ، لا أندبكم فتنكلون، وينتدب غيركم فأؤمّركم عليهم! إنكم إنَّما فُضِّلتم بتسرّعكم إلى مثلها؛ فإن نكَلتم فضَلوكم؛ بل أؤمّر عليكم أوّلكم انتدابًا. وعَجّل المثنَّى، وقال: النَّجاء حتى يقدم عليك أصحابك! فكان أوّل شيء أحدثه عمر في خلافته مع بيعته بعثُه أبا عبيد، ثم بعث أهلَ نجران، ثم ندَب أهل الرّدة، فأقبلوا سراعًا من كلّ أوْب؛ فرمى بهم الشأم والعراق؛ وكتب إلى أهل اليرموك: بأن عليكم أبا عبيدة بن الجرّاح؛ وكتب إليه: إنَّك على الناس؛ فإن أظفرَك الله فاصرف أهلَ العراق إلى العراق؛ ومن أحبَّ من أمدادكم إذا هم قدِموا عليكم. فكان أوّل فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفَّى أبي بكر؛ وكان في الأمداد إلى اليرموك في زمن عمر قيس بن هُبيرة، ورجع مع أهل العراق ولم يكن منهم، وإنما غزا حين أذِن عمر لأهل الردّة في الغزْو. وقد كانت فارس تشاغلتْ بموت شَهْر بَراز عن المسلمين؛ فملّكت شاه زَنان؛ حتى اصطلحوا على سابور بن شَهْر بَراز بن أردشير بن شَهريار، فثارت به آزرميدُخْت، فقتلته","vol":"8","page":162},{"text":"والفَرُّخْزاذ، وملكت - ورستم بن الفُرّخزاذ بخُراسان على فَرْجها - فأتاه الخبر عن بُوران. وقدم المثنَّى الحيرة من المدينة في عَشْرٍ، ولحقه أبو عبيد بعد شهر، فأقام المثنَّى بالحيرة خمسَ عشرَة ليلة؛ وكتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثوروا بالمسلمين، ودسّ في كلّ رُستاق رجلًا ليثور بأهله، فبعث جابان إلى البِهْقُباذ الأسفل؛ وبعث نَرْسي إلى كَسْكر، ووعدهم يومًا؛ وبعث جندًا لمصادَمة المثنَّى؛ وبلغ المثنَّى ذلك؛ فضتم إليه مسالِحَه وحذِر، وعجل جابان، فثار، ونزل النَّمارق.\nوتوالوا على الخروج؛ فخرج نَرْسي، فنزل زَنْدَوَرْد، وثار أهلُ الرساتيق من أعلَى الفُرات إلى أسفله؛ وخرج المثنَّى في جماعة حتى ينزل خَفّان؛ لئلّا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه، وأقام حتى قدِم عليه أبو عبيدة؛ فكان أبو عبيد على النَّاس، فأقام بَخفَّان أيامًا ليستجمّ أصحابه؛ وقد اجتمع إلى جابان بشرٌ كثير، وخرج أبو عبيد بعد ما جمَّ الناسُ وظَهْرُهم، وتعبَّى، فجعل المثنَّى على الخيل، وعلى ميمنته والق بن جيدارة، وعلى ميسرته عمرو بن الهَيْثم بن الصّلْت بن حبيب السلميّ. وعلى مجنَّبتي جابان جُشنَس ماه ومَرْدانْشاه. فنزلوا على جابان بالنَّمارق، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. فهزم الله أهلَ فارس، وأسِرَ جابان، أسره مطر بن فضّة التيميّ، وأسِرَ مَرْدانشاه، أسره أكْتَل بن شَمَّاخ العُكليّ، فأمَّا أكْتَل فإنه ضرب عنق مردانشاه، وأمَّا مطر بن فضّة فإنّ جابان خَدَعه، حتى تفلَّت منه بشيء فخلّى عنه؛ فأخذه المسلمون، فأتوا به أبا عُبيد وأخبروه أنَّه الملك، وأشاروا عليه بقتله، فقال: إنّي أخافُ الله أن أقتلَه؛ وقد آمنه رجل مسلم، والمسلمون في التوادّ والتناصر كالجسدِ؛ ما لزم بعضَهم فقد لزمهم كلَّهم. فقالوا له: إنه الملك، قال: وإن كان لا أغدر، فتركه (١). (٣: ٤٤٧/ ٤٤٨/ ٤٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>السَّقاطية بكسكر</span>\n٢١٠ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة ومجالد وزياد والنَّضْر بإسنادهم، قالوا: أتاه أولئك الدّهاقين المتربِّصين جميعًا بما وسع الجند، وهابوا وخافوا على أنفسهم. وأمَّا النَّضْر ومجالد فإنهما قالا:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":163},{"text":"قال أبو عبيد: ألم أعلمكم أني لستُ آكلًا إلّا ما يسع مَن معي ممّن أصبتم بهم! قالوا: لم يبقَ أحدٌ إلّا وقد أتى بشبعه من هذا في رحالهم وأفضل. فلمَّا راح النَّاس عليه سألهم عن قرى أهلِ الأرض فأخبروه، وإنما كانوا قصَّروا أوّلًا تربُّصًا ومخافة عقوبة أهل فارس. وأمَّا محمد وطلحة وزياد فإنهم قالوا: فلمَّا علم قَبِل منهم، وأكل وأرسل إلى قوم كانوا يأكلون معه أضيافًا عليه يدعوهم إلى الطعام، وقَد أصابوا من نُزل فارس ولم يروْا أنّهم أتوا أبا عبيد بشيء فظنّوا أنهم يُدْعَون إلى مثل ما كانوا يُدعون إليه من غَليظ عيش أبي عبيد؛ وكرهوا تَرْك ما أتوا به من ذلك؛ فقالوا له: قل للأمير؛ إنَّا لا نشتهي شيئًا مع شيء أتتنا به الدهاقين؛ فأرسل إليهم: إنَّه طعام كثير من أطعمة الأعاجم؛ لتنظروا أين هو مما أتيتم به! إنه قَرْو ونجم وجوزل وشواء وخردل، فقال في ذلك عاصم بن عمرو وأضيافه عنده:\nإن تَكُ ذا قَرْوٍ ونَجْمٍ وجَوْزَلٍ ... فعِندَ ابنِ فَرُّوخِ شواءٌ وخَرْدَلُ\nوقَرْوٌ رقاق كالصَّحائِفِ طُوِّيَتْ ... على مُزَعٍ فيها بقُولٌ وجَوْزَلُ\nوقال أيضًا:\nصَبَحْنا بالبَقايسِ رَهْط كِسرَى ... صبُوحًا ليس من خَمرِ السَّوادِ\nصَبَحْناهُمْ بكلِّ فتى كمِيّ ... وأجْرَدَ سابحٍ من خَيْلِ عادِ\nثم ارتحل أبو عُبيد، وقدم المثنَّى، وسار في تعبيته حتى قدم الحيرة. وقال النَّضر ومجالد ومحمد وأصحابه: تقدم عمر إلى أبي عُبيد، فقال: إنَّك تقدم على أرض المكْر والخديعة والخيانة والجَبريَّة، تقدم على قوم قد جرؤوا على الشرّ فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون! واخزُن لسانك، ولا تفشينّ سرّك؛ فإنّ صاحبَ السرّ ما ضبطه متحصّن، لا يؤتَى من وجْه يكرهه؛ وإذا ضيّعه؛ كان بمضيعة (١). (٣: ٤٥٣/ ٤٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>وقعة القَرْقس</span>\n٢١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن رجل، عن أبي عثمان النّهديّ، قال: هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق؛ وهرب ألفان، وبقيَ ثلاثة آلاف، وأتى ذا الحاجب الخبرُ باختلاف فارس؛ فرجع بجنده؛ وكان ذلك\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":164},{"text":"سببًا لارفضاضهم عنه، وجرح المثنَّى، وأثبتَ فيه حَلَق من درعه هَتَكهنّ الرمح (١). (٣: ٤٥٨).\n٢١٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعطية نحوًا منه (٢). (٤٥٨: ٣).\n٢١٣ - وحدثنا ابنُ حميد؛ قال: حدّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق بنحو خبر سيف هذا في أمر أبي عُبيد وذي الحاجب، وقصّة حربهما، إلّا أنه قال: وقد كانت رأت دَوْمة أمّ المختار بن أبي عُبيد: أن رجلًا نزل من السماء معه إناء فيه شراب من الجنَّة فيما يرى النائم، فشرب منه أبو عُبيد وجَبر بن أبي عبيد وأناس من أهله. وقال أيضًا: فلما رأى أبو عُبيد ما يصنع الفيل، قال: هل لهذه الدابّة من مقتل؟ قالوا: نعم؛ إذا قطع مشفرها ماتت، فشدّ على الفيل فضرب مِشفره فقطعه، وبرك عليه الفيل فقتله. وقال أيضًا: فرجعت الفرْس ونزل المثنَّى بن حارثة ألَّيس، وتفرّق الناس، فلحقوا بالمدينة، فكان أوَّل مَن قدم المدينة بخبر الناس عبدُ الله بن زيد بن الحُصين الخَطْميّ، فأخبر الناس (٣). (٣: ٤٥٨).\n٢١٤ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحصين وغيره: أنّ مُعاذًا القارئ أخا بني النَّجار كان ممن شهدها، ففرّ يومئذ، فكان إذا قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ بكى، فيقول له عمر: لا تبك يا معاذ، أنا فئتُك، وإنما انحزْتَ إلي (٤). (٣: ٤٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>خبر ألّيس الصّغْرَى</span>\n٢١٥ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد بن نُويرة وطلحة وزياد وعطيّة، قالوا: وخرج جَابان\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":165},{"text":"ومَرْدانْشاه حتى أخذا بالطريق، وهم يروْن أنهم سيرفضّون ولا يشعرون بما جاء ذا الحاجب من فُرقة أهل فارس، فلما ارفضّ أهلُ فارس وخرج ذو الحاجب في آثارهم، وبلغ المثنى فَعْلة جَابان ومَرْدانشاه؛ استخلف على النَّاس عاصم بن عمرو، وخرج في جريدة خيل يريدهما، فظنَّا أنه هارب، فاعترضاه فأخذهما أسيريْن، وخرج أهل أليس على أصحابهما، فأتوْه بهم أسراء؛ وعقد لهم بها ذمَّة وقدّمهما، وقال: أنتما غررتما أميرنا، وكذبتماه واستفززتماه. فضرب أعناقهما، وضرب أعناق الأسَراء؛ ثمّ رجع إلى عسكره وهرب أبو مِحْجن من ألَّيس؛ ولم يرجع مع المثنَّى؛ وكان جرير بن عبد الله وحنظلة بن الربيع ونفر استاذنوا خالدًا من سُوَى، فأذن لهم، فقدموا على أبي بكر، فذكر له جريرٌ حاجته، فقال: أعلى حالنا! وأخَّره بها، فلما ولِّي عمر دعاه بالبيِّنة؛ فأقامها، فكتب له عمر إلى عُمَّاله السعاة في العرب كلّهم: مَن كان فيه أحدٌ يُنسب إلى بَجِيلة في الجاهليّة، وثبت عليه في الإسلام يُعْرف ذلك فأخرِجوه إلى جرير. ووعدهم جرير مكانًا بين العراق والمدينة. ولما أعطِيَ جرير حاجته في استخراج بجيلة من الناس فجمعهم فأخرِجوا له، وأمرهم بالموعد ما بين مكة والمدينة والعراق، فتتامّوا، قال لجرير: اخرج حتى تَلحق بالمثنَّى، فقال: بل الشأم، قال: بل العراق، فإن أهل الشام قد قووا على عدوّهم، فأبى حتى أكرهه؛ فلمَّا خرجوا له وأمرهم بالموعد عوَّضه لإكراهه واستصلاحًا له، فجعل له ربع خُمس ما أفاء الله عليهم في غَزاتهم هذه له ولمن اجتمع إليه، ولمن أخرج له إليه من القبائل، وقال: اتّخذونا طريقًا، فقدموا المدينة، ثم فصلوا منها إلى العراق ممدّين للمثنَّى، وبعث عصمة بن عبد الله من بني عبد بن الحارث الضَّبِّيّ فيمن تبعه من بني ضبَّة؛ وقد كان كتب إلى أهل الردّة، فلم يوافِ شعبانَ أحدٌ إلا رمى به المثنَّى (١) (٣: ٤٥٩/ ٤٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>البُوَيْب</span>\n٢١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن عطيَّة. وعن سفيان الأحمريّ، عن المجالد، عن الشعبيّ، قالا: قال عمر حين استجمّ جَمْعُ بجيلة: اتّخذونا طريقًا، فخرج سَرَوات بَجِيلة ووفدُهم نحوه، وخلَّفوا الجمهور،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":166},{"text":"فقال: أيّ الوجوه أحبّ إليكم؟ قالوا: الشأم فإنّ أسلافنا بها، فقال: بل العراق؛ فإنّ الشأم في كفاية؛ فلم يزل بهم، ويأبوْن عليه حتى عزم على ذلك؛ وجعل لهم ربع خُمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم من الفيء، فاستعمل عَرْفجة على مَن كان مقيمًا على جَديلة من بَجيلة، وجريرًا علَى مَن كان من بني عامر وغيرهم؛ وقد كان أبو بكر ولّاه قتالَ أهل عُمان في نفر، وأقفله حين غزا في البحر، فولّاه عمر عُظْم بَجيلة، وقال: اسمعوا لهذا، وقال للآخرين: اسمعوا لجرير، فقال جرير لبَجيلة: تُقِرُّون بهذا - وقد كانت بَجيلة غضبت على عَرْفجة في امرأة منهم - وقد أدخل علينا ما أدخل! فاجتمعوا فأتوا عُمر، فقالوا: أعْفِنا من عَرْفجة، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرةً وإسلامًا، وأعظمكم بلاءً وإحسانًا، قالوا: استعمل علينا رجلًا منَّا، ولا تستعمل علينا نزيعًا فينا، فظنّ عمر أنَّهم يَنفونه من نسبه، فقال: انظروا ما تقولون! قالوا: نقول ما تسمع؛ فأرسل إلى عرفجة، فقال: إنّ هؤلاء استعْفوني منك، وزعموا أنَّك لست منهم، فما عندك؟ قال: صدقوا، وما يسُرّني أني منهم. أنا امرؤ من الأزد، ثم من بارق، في كَهْف لا يُحْصَى عدده، وحَسَبٍ غير مُؤتَشَب. فقال عمر: نِعْمَ الحيُّ الأزد! يأخذون نصيبَهم من الخير والشرّ. قال عرفجة: إنه كان من شأني أن الشرّ تفاقم نينا، ودارُنا واحدة؛ فأصبنا الدّماء، ووتر بعضنا بعضًا، فاعتزلتهم لمَّا خِفتهم، فكنت في هؤلاء أسودُهم وأقودُهم، فحفِظوا عليّ لأمر دار بيني وبين دهاقينهم، فحسدوني وكفروني. فقال: لا يضرّك فاعتزلهمْ إذْ كرهوك. واستعمل جريرًا مكانه، وجمع له بَجيلة، وأرى جريرًا وبَجيلة أنَّه يبعث عَرْفجة إلى الشأم، فحبَّب ذلك إلى جرير العراق، وخرج جرير في قومه ممدًّا للمثنَّى بن حارثة، حتى نزل ذا قار، ثم ارتفع حتى إذا كان بالجُلّ والمتنَّى بمرْج السِّباخ، أتى المثنَّى الخبرُ عن حديث بشير وهو بالحيرة: أن الأعاجم قد بعثوا مِهران، ونهض من المدائن شاخصًا نحو الحيرة. فأرسل المثنَّى إلى جرير وإلى عصمة بالحثّ، وقد كان عهد إليهم عمر ألّا يعبروا بحرًا ولا جسرًا إلّا بعد ظفَر، فاجتمعوا بالبُوَيب، فاجتمع العسكران على شاطئ الْبُوَيب الشرقيّ، وكان البويب مغيضًا للفرات أيام المدود أزمانَ فارس، يصبّ في الجوف، والمشركون","vol":"8","page":167},{"text":"بموضع دار الرزق، والمسلمون بموضع السَّكون (١). (٣: ٤٦٢/ ٤٦٣).\n٢١٧ - كتب إليّ السريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وخرج هلال بن عُلَّفة التيميّ فيمن اجتمع إليه من الرّباب حتى أتى عمر، فأمَّره عليهم وسرَّحه، فقدم على المثنَّى وخرج ابن المثنّى الجُشَميّ؛ جُشَم سعد، حتى قدم عليه، فوجَّهه وأمَّره على بني سعد، فقدم على المثنَّى (٢). (٣: ٤٦٤).\n٢١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ وعطية بإسنادهما، قالا: وجاء عبد الله بن ذي السَّهْمَيْن في أناس من خَثْعم، فأمَّره عليهم ووجَّهه إلى المثنَّى، فخرج نحوه حتى قدم عليه (٣). (٣: ٤٦٤).\n٢١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفِّز، عن أبيه محفِّز بن ثعلبة؛ قال: جلَب فتية من بني تغلب أفراسًا، فلمَّا التقى الزّحفان يوم البُوَيب؛ قالوا: نقاتل العجم مع العرب، فأصاب أحدهم مِهران يومئذ، ومهران على فرس له وَرْد مجفَّف بتِجْفاف أصفر، بين عينيه هلالٌ، وعلى ذَنَبه أهِلَّة من شَبَه، فاستوى على فرسه، ثم انتمى: أنا الغلام التغلبيّ! أنا قتلتُ المرزبان! فأتاه جرير وابن الهوبر في قومهما فأخذا برجله، فأنزلاه (٤). (٣: ٤٦٦).\n٢٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان: أن جريرًا والمنذر اشتركا فيه فاختصما في سلاحه، فتقاضيا إلى المثنَّى، فجعل سلاحه بينهما والمِنْطقة والسوارين بينهما، وأفنَوا قلْبَ المشركين (٥). (٣: ٤٦٦).\n٢٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي رَوْق، قال: والله! إنْ كنَّا لنأتي البُويب، فنرى فيما بين موضع السَّكون وبني سُلَيم عظامًا بيضًا تلولًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولم نجد أصلًا من رواية صحيحة تؤكد قصة خلاف عرفجة مع جبلة وكبيرهم جرير كما هنا والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف. وراجع تعليقنا على الرواية السابقة.\n(٥) إسناده ضعيف، ولم نجد رواية صحيحة تؤكد متن هذه الرواية.","vol":"8","page":168},{"text":"تلوح من هامهم وأوصالهم، يُعتبر بها. قال: وحدّثني بعض مَنْ شَهدها أنَّهم كانوا يحزُرونها مئة ألف، وما عُفي عليها حتى دفنها أدْفان البيوت (١). (٣: ٤٦٧/ ٤٦٦).\n٢٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمزة بن عليّ بن محفِّز، عن رجل من بَكْر بن وائل، قال: كان أوّل الناس انتَدب يومئذ للمثنّى واتَّبع آثارهم المستبسل وأصحابه؛ وقد كان أراد الخروج بالأمس إلى العدوّ من صفِّ المسلمين واستوفز واستنتل، فأمرَ المثنَّى أنْ يُعقد لهم الجسر، ثم أخرجهم في آثارٍ للقوم، واتَّبعتهم بَجِيلة وخيولٌ من المسلمين تُغِذّ من كلّ فارس، فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السِّيْب، ولم يبقَ في العسكر جسريّ إلَّا خرج في الخيل، فأصابوا من البقر والسَّبي وسائر الغنائم شيئًا كثيرًا فقسمه المثنَّى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفَّل بَجيلة يومئذ ربعَ الخمس بينهم بالسويَّة، وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة، وألقى الله الرُّعب في قلوب أهلِ فارس. وكتب القُوّاد الذين قادوا النَّاس في الطَّلب إلى المثنَّى، وكتب عاصم وعصمة وجرير: إنّ الله ﷿ قد سلَّم وكفى، ووجَّه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء؛ أفتاذن لنا في الإقدام؟ ! فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصّن أهلُ ساباط منهم واستباحوا القُرَيّات دونها، وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أوّل مَن دخل حصنهم ثلاثة قُوّاد: عصمة، وعاصم وجرير؛ وقد تبعهم أوزاعٌ من الناس كلّهم. ثم انكفؤوا راجعين إلى المثنَّى (٢). (٣: ٤٧٠).\n٢٢٣ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية بن الحارث، قال: لمَّا أهلك الله مِهران؛ استمكن المسلمون من الغارة على السَّواد فيما بينهم وبين دجلة فَمَخروها، لا يخافون كيدًا، ولا يلقوْن فيها مانعًا، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم؛ واعتصموا بساباط، وسرّهم أن يتركوا ما وراء دجلة.\nوكانت وقعة البُوَيب في رمضان سنة ثلاث عشرة قتل الله عليه مِهْران وجيشه،\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولم نجد رواية صحيحة تبين عدد قتلى الفرس في البويب.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":169},{"text":"وأفعموا جنبتي البُوَيب عظامًا، حتى استوى وما عفَّى عليها إلّا التراب أزمان الفتنة، وما يثار هنالك شيء إلَّا وقعوا منها على شيء؛ وهو ما بين السَّكون ومُرْهبة وبني سُليم؛ وكان مَغيضًا للفرات أزمان الأكاسرة يصبّ في الجوْف. وقال الأعور العَبْديّ الشَّنّيّ:\nهاجَتْ لأعْوَرَ دارُ الحيِّ أحْزانَا ... واستَبْدَلَتْ بَعْدَ عبد القَيْس خَفّانا\nوقد أرانا بها والشّمْلُ مُجْتَمِعٌ ... إذ بالنُّخَيْلة قَتْلَى جُنْدِ مِهْرانا\nأزْمانَ سار المُثنَّى بالخيول لَهُمْ ... فقُتِّلَ الزَّحْفُ من فُرْسٍ وجِيلانا\nسما لمِهْرَانَ والجيشِ الَّذي معه ... حتى أبادَهُمُ مَثْنَى ووُحْدانا\nقال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه في أمر جرير وعرفجة والمثنّى وقتال المثنَّى مهرانَ غير ما قصّ سيف من أخبارهم؛ والذي قال في أمرِهم ما حدّثنا محمد بن حُمَيد، قال: حدّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمَّا انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبةُ أصحاب الجسر، وقدم عليه فَلّهم؛ قدِم عليه جرير بن عبد الله البجَليّ من اليمن في ركب من بَجيلة، وعَرْفجة بن هرثمة - وكان عرفجة يومئذ سيّد بَجيلة، وكان حليفًا لهم من الأزْد - فكلّمهم عمر، فقال لهم: إنَّكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق؛ فسيروا إليهم وأنا أخرج إليكم مَن كان منكم في قبائل العرب فأجمعهم إليكم. قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين! فأخرج لهم قيْسَ كُبَّةَ وسُحْمة وعُرَينة؛ وكانوا في قبائل بني عامر بن صعصعة، وأمَّرَ عليهم عرفجة بن هَرثمة، فغضب من ذلك جَرير بن عبد الله البَجَليّ، فقال لبَجِيلة: كلّموا أميرَ المؤمنين، فقالوا له: استعملت علينا رجلًا ليس منَّا، فأرسل إلى عَرفجة، فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: صدقوا يا أمير المؤمنين! لستُ منهم، ولكنّي رجل من الأزد، كنَّا أصبنا في الجاهليَّة دمًا في قومنا، فلحقْنا بَجِيلة، فبلغنا فيهم من السؤدد مَا بلغك. فقال له عمر: فاثبت على منزلتك، ودافعهم كما يدافعونك. قال: لستُ فاعلًا ولا سائرًا معهم، فسار عرفجة إلى البَصْرة بعد أن نُزلت، وترك بَجيلة، وأمَّر عمر على بَجيلة جرير بن عبد الله، فسار بهم مكانه إلى الكوفة، وضمّ إليه عمر قومَه من بَجيلة، فأقبل جرير حتى إذا مزَ قريبًا من المثنَّى بن حارثة، كتب إليه المثنَّى أن أقْبل إليَّ، فإنما أنت مَدَدٌ لي. فكتب إليه جرير: إنّي لست فاعلًا إلّا أن يأمرَني بذلك أمير المؤمنين؛ أنت أمير وأنا أمير.","vol":"8","page":170},{"text":"ثم سار جرير نحو الجسر، فلقيَه مهران بن باذان - وكان من عظماء فارس - عند النُّخَيْلة، قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالًا شديدًا، وشدّ المنذر بن حسَّان بن ضرار الضَّبيّ على مِهران فطعَنه، فوقع عن دابَّته، فاقتحم عليه جرير فاحتزّ رأسَه، فاختصما في سَلَبه، ثم اصطلحا فيه، فأخذ جَرِير السِّلاح، وأخذ المنذر بن حسَّان منطقته.\nقال: وحُدّثتُ أنّ مهران لمّا لقي جريرًا قال:\nإن تسألوا عني فإني مِهْرانْ ... أنا لِمَنْ أنْكَرني ابنُ باذانْ\nقال: فأنكرتُ ذلك حتى حدّثني من لا أتّهم من أهل العلم أنه كان عربيًّا نشأ مع أبيه باليمن إذ كان عاملًا لكسرى. قال: فلم أنكر ذلك حين بلغني.\nوكتب المثنَّى إلى عمر يَمْحَل بجرير، فكتب عمر إلى المثنّى: إنّي لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمّد - ﷺ - يعني: جريرًا - وقد وجّه عمر سعد بن أبي وقَّاص إلى العراق في ستة آلاف، أمّره عليهم؛ وكتب إلى المثنَّى وجرير بن عبد الله أن يجتمعا إلى سعد بن أبي وقَّاص، وأمَّر سعدًا عليهما؛ فسار سعد حتى نزل شَراف، وسار المثنَّى وجرير حتى نزلا عليه، فشتا بها سعد، واجتمع إليه الناس، ومات المثنَّى بن حارثة ﵀ (١). (٣: ٤٧٠/ ٤٧١/ ٤٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>خبر الخنافس</span>\n٢٢٤ - رجع الحديث إلى حديث سيف: كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ومخر المثنَّى السَّواد وخلَّف بالحيرة بشيرَ بن الخصاصيَّة، وأرسل جريرًا إلى مَيْسان، وهلال بن عُلَّفة التَّيْميّ إلى دَسْت ميسان، وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبيّ وبالكلَج الضّبي وبعرفجة البارقيّ؛ وأمثالهم في قوّاد المسلمين، فبدأ فنزل ألَّيْس - قرية من قُرى الأنبار- وهذه الغزاة تُدعى غزاة الأنبار الآخرة؛ وغزاة ألَّيس الآخرة، وألزّ رجلان\n_________\n(١) إسناده ضعيف. ومتن هذه الرواية فيها نكارة ومخالفة لما ذكرنا من الروايات التاريخية في قسم الصحيح من عهد الخلفاء بالنسبة لأحداث هذه المعركة (البويب) والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"8","page":171},{"text":"بالمثنَّى: أحدهما أنباريّ، والآخر حيريّ يدلّه كلّ واحد منهما على سوق، فأما الأنباري فدلَّه على الخَنَافس، وأمَّا الحيريّ فدلَّه على بغدادء فقال المثنَّى: أيّتُهما قبل صاحبتها؟ فقالوا: بينهما أيّام، قال: أيّهما أعجل؟ قالوا: سوق الخنافس سوق يتوافى إليها الناس، ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم. فاستعدّ لها المثنَّى؛ حتى إذا ظنّ أنه مُوافيها يوم سوقِها ركب نحوهم، فأغار على الخنَافس يوم سُوقها، وبها خَيْلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رُومانس بن وَبَرَة، وعلى ربيعة السَّليل بن قيس وهم الخُفراء، فانتسف السّوق وما فيها، وسَلَب الخفراء، ثم رجع عَوْدَه على بدْئه حتى يطرق دهاقين الأنبار طروقًا في أوّل النهار يومَه، فتحصّنوا منه، فلمَّا عرفوه نزلُوا إليه فأتوْه بالأعلاف والزاد؛ وأتوْه بالأدلّاء على بغداد؛ فكان وجهُه إلى سوق بغْداد، فصبَّحهم والمسلمون يمخرون السَّواد والمثنَّى بالأنبار، ويشنُّون الغارات فيما بين أسفل كَسْكر وأسفل الفرات وجسور مِثْقَب إلى عين التَّمر وما والاها من الأرض في أرض الفلاليج والعال (١). (٣: ٤٧٣/ ٤٧٢).\n٢٢٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفِّز، عن أبيه، قال: قال رجلٌ من أهل الحيرة للمثنّى: ألا ندلّك على قرية يأتيها تجَّار مدائن كسرى والسَّواد، وتجتمع بها في كلّ سنة مرّة ومعهم فيها الأموال؛ كبيت المال؛ وهذه أيام سوقهم، فإن أنت قدرت أن تُغيرَ عليهم وهم لا يشعرون أصبتَ فيها مالًا يكون غَناء للمسلمين؛ وقَووا به على عدوّهم دهرَهم؛ قال: وكم بين مدائن كسرى وبينها؟ قال: بعض يوم أو عامَّة يوم، قال: فكيف لي بها؟ قالوا: نأمرك إنْ أردتَها أن تأخذ طريق البرّ، حتى تنتهيَ إلى الخنافس، فإنّ أهل الأنبار سيضربون إليها، ويخبرون عنك فيأمنون، ثم تعوج على أهل الأنبار فتأخذ الدهاقين بالأدلّاء، فتسير سواد ليلتك من الأنبار حتى تأتيَهم صُبحًا فتُصبّحهم غارةً.\nفخرج من ألّيس حتى أتَى الخَنَافس، ثم عاج حتى رجع على الأنبار، فلمَّا أحسَّه صاحبها تحصّن وهو لا يدري من هو؛ وذلك ليلًا؛ فلمّا عرفه نزل إليه فأطمعه المثنَّى، وخوّفه واستكتمه، وقال: إنّي أريدُ أن أغيرَ فابعث معي الأدلّاء\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":172},{"text":"إلى بغداد، حتى أغير منها إلى المدائن. قال: أنا أجيء معك، قال: لا أريد أن تجيء معي، ولكن ابعث معي من هو أدلُّ منك، فزوّدهم الأطعمة والأعلاف، وبعث معهم الأدلَّة، فساروا حتى إذا كانوا بالنّصف، قال لهم المثنَّى: كم بيني وبين هذه القرية؟ قالوا: أربعة أو خمسة فراسخ. فقال لأصحابه: من ينتدب للحَرس؟ فانتدب له قومٌ فقال لهم: أذكُوا حرسَكم، ونزل، وقال: أيُّها الناس، أقيموا واطعَموا وتوضّؤوا وتهيّؤوا. وبعث الطلائع فحبسوا النَّاس ليسبقوا الأخبار، فلمَّا فرغوا أسرى إليهم آخر الليل، فعبر إليهم، فصبَّحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف فقتل، وأخذوا ما شاؤوا، وقال المثنَّى: لا تأخذوا إلّا الذهب والفضة، ولا تأخذوا من المتاع إلّا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابَّته. وهرب أهلُ الأسواق، وملأ المسلمون أيديَهم من الصفراء والبيضاء والحُرّ من كلّ شيء، ثم خرج كارًّا حتى نزل بنهر السَّيْلحين بالأنبار؛ فنزل وخطب الناس، وقال: أيُّها الناس! انزلوا وقَضُّوا أوطاركم، وتأهَّبوا للسَّير، واحمَدوا الله وسلُوه العافية، ثم انكشفوا قبيضًا. ففعلوا، فسمع همسًا فيما بينهم: ما أسرع القومَ في طلبنا! فقال: تناجَوْا بالبرّ والتقوى ولا تتناجَوْا بالإثم والعدوان، انظروا في الأمور وقدّروها ثم تكلَّموا؛ إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد؛ ولو بلغهم لحال الرُّعب بينهم وبين طلبكم. إن للغارات رَوْعات تنتشر عليها يومًا إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم؛ وأنتم على العِراب حتى تنتهوا إلى عسكركم وجماعتكم، ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين: التماس الأجر ورجاء النصر؛ فثقُوا بالله وأحسنوا به الظَّنّ، فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعدُّ منكم؛ وسأخبركم عنّي وعن انكماشي والذي أريد بذلك؛ إن خليفة رسول الله - ﷺ - أبا بكر أوصانا أن نقلِّل العُرْجة، ونسرع الكرّة في الغارات، ونسرع في غير ذلك الأوْبَة، وأقبل بهم ومعهم أدلّاؤهم يقطعون بهم الصحارى والأنهار؛ حتى انتهى بهم إلى الأنبار؛ فاستقبلهم دهاقين الأنبار بالكرامة، واستبشروا بسلامته، وكان موعده الإحسان إليهم إذا استقام لهم من أمرهم ما يحبّون (١). (٣: ٤٧٣/ ٤٧٤/ ٤٧٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وكذلك ذكر الخطيب البغدادي حديث غارة المثنى على سوق بغداد وسوق الخنافس بسنده عن ابن إسحاق قال: قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله أن أهل الحيرة قالوا =","vol":"8","page":173},{"text":"٢٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لمَّا رجع المثنَّى من بغداد إلى الأنبار سرّح المُضارب العجليّ وزيدًا إلى الكَباث، وعليه فارس العُناب التغلبيّ، ثمّ خرج في آثارهم، فقدم الرّجلان الكَباث، وقد ارفضُّوا وأخلوا الكباث، وكان أهله كلّهم من بني تغلب، فركبوا آثارَهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم وفارس العُناب يحميهم، فحماهم ساعة ثم هرب، وقتلوا في أخرياتهم وأكثروا، ورجع المثنَّى إلى عسكره بالأنبار، والخليفة عليهم فُراتْ بن حَيَّان. فلما رجع المثنَّى إلى الأنبار سرّح فُرات بن حيَّان وعُتَيبة بن النَّهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنَّمر بصفين، ثم اتَّبعهما وخلَّف على الناس عمرو بن أبي سُلمى الهُجَيميّ؛ فلمَّا دنوا من صفّين، افترق المثنّى وفُرات وعُتيبة، وفرّ أهل صِفِّين وعبروا الفرات إلى الجزيرة، وتحصّنوا، وأرمل المثنّى وأصحابه من الزاد، حتى أقبلوا على رواحلهم إلّا ما لا بدّ منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها. ثم أدركوا عيرًا من أهل ديَاف وحَوْران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بني تغلب خفراء، وأخذوا العير، وكان ظهرًا فاضلًا، وقال لهم: دلّوني، فقال أحدهم: آمنوني على أهلي ومَالي، وأدلُّكم على حَيّ من تغلب غدوت من عِندهم اليوم: فآمنَه المثنّى وسارَ معه يومه، حتى إذا كان العشيّ هجم على القوم، فإذا النَّعَم صادرة عن الماء، وإذا القوم جُلوس بأفنية البيوت، فبثّ غارته، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرّية؛ واستاقوا الأموال، وإذا هم بنو ذي الرُوَيْحلة؛ فاشترى من كان بين المسلمين من ربيعة السَّبَايا بنصيبه من الفيء، وأعتقوا سبْيَهم؛ وكانت ربيعة لا تُسْبَى إذ العرب يتسابَوْن في جاهليّتهم.\nوأخبر المثنّى أن جمهور مَنْ سلك البلاد قد انتجعوا الشَّطّ؛ شاطئ دِجْلة، فخرج المثنَّى، وعلى مقدَّمته في غزواته هذه بعد البُوَيب كلّها حُذيفة بن محصن الغلفانيّ، وعلى مجنَّبتيه النُّعمان بن عوف بن النعمان بن عوف بن النعمان ومطَر الشيبانيان، فسرّح في أدبارهم حُذيفة واتَّبعه؛ فأدركوهم بتكرِيت دُوينَها من حيث طلبوهم يخوضون الماء، فأصابوا ما شاؤوا من النَّعَم، حتى أصاب الرجل خمسًا\n_________\n= للمثنى ... مطولًا (تأريخ بغداد ١/ ص ٢٥ - ٢٦).","vol":"8","page":174},{"text":"من النَّعم، وخمسًا من السَّبْي، وخمس المال، وجاء به حتى ينزل علي النَّاس بالأنبار؛ وقد مضى فُرات وعُتيبة في وجوههما؛ حتى أغاروا على صِفين وبها النَّمِر وتَغْلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا بطائفة منهم في الماء، فناشدوهم فلم يقلعوا عنهم، وجعلوا ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عُتيبة وفرات يذمرُون النَّاس، وينادونهم: تغريق بتحريق -يذكّرونهم يومًا من أيّامهم في الجاهليَّة أحرقوا فيه قومًا من بكْر بن وائل في غَيْضة من الغياض- ثم انكفؤوا راجعين إلى المثنَّى، وقد غرّقوهم.\nولما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافَى بها البعوث والسرايا؛ انْحدرَ بهم المثنَّى إلى الحيرة، فنزل بها. وكانت تكون لعمر ﵀ العيون في كلّ جيش، فكتب إلى عمر بما كان في تلك الغَزَاة، وبلغه الذي قال عتيبة وفُرات يوم بني تغلب والماء؛ فبعث إليهما فسألهما، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه أنه مَثَلٌ، وأنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذَحْل الجاهليَّة، فاستحلفهما، فحلفا: أنَّهما ما أرادا بذلك إلَّا المثل وإعزاز الإسلام، فصدّقهما وردّهما حتى قدِما على المثنَّى (١). (٣: ٤٧٥/ ٤٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>ذكر الخبر عمَّا هيّج أمر القادسيّة</span>\n٢٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله بن سواد بن نُويرة، عن عزيز بن مكنَف التميميّ ثم الأسيْديّ، وطلحة بن الأعلم الحنفيّ، عن المغيرة بن عتيبة بن النَّهاس العِجْليّ، وزياد بن سَرجس الأحمريّ، عن عبد الرحمن بن ساباط الأحمريّ، قالوا جميعًا: قال أهلُ فارس لرُسْتم والفيرزان - وهما على أهل فارس: أين يُذهب بكما! لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهَّنتما أهلَ فارس، وأطمعتما فيهم عدوّهم! وإنه لم يبلغ من خطركما أن يقرّكما فارس على هذا الرأي، وأن تعرّضاها للهلَكة؛ ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن؛ والله لتجتمعان أو لنبدأنّ بكما قبل أن يشمت بنا شامت (٢)! (٣: ٤٧٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وراجع نهاية الأرب للنويري (١٩/ ١٨٨) والاْخبار الطوال للدينوري (ص ١١٦).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":175},{"text":"٢٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفّز، عن أبيه، قال: قال أهلُ فارس لرستم والمسلمون يمخرون السَّواد: ما تنتظرون والله إلّا أن يُنزلَ بنا ونهلك! والله ما جرّ هذا الوَهَن علينا غيركم يا معاشر القوّاد! لقد فرّقتم بين أهل فارس وثبَّطتموهم عن عدوّهم. والله لولا أنّ في قتلكم هلاكنا لعجَّلنا لكم القتل الساعة! ولئن لم تنتهوا لنهلكنَّكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم (١). (٣: ٤٧٧).\n٢٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فقال الفيرزان ورستم لبُوران ابنة كسرى: اكتبي لنا نساءَ كسرى وسراريَّه ونساء آل كسرى وسراريَّهم. ففعلت، ثم أخرجت ذلك إليهم في كتاب، فأرسلوا في طلبهنّ فلم يبقَ منهنّ امرأة إلا أتوْا بها، فأخذوهنّ بالرجال ووضعوا عليهنّ العذاب يستدلونهنّ على ذَكَرٍ من أبناء كسرى، فلم يوجد عندهنّ منهم أحد، وقلن - أو من قال منهنّ: لم يبقَ إلّا غلام يدعى يَزْدَجرْد من ولد شَهْريار بن كسرى، وأمّه من أهل بادوريا، فأرسلوا إليها فأخذوها به، وكانت قد أنزلته في أيام شيرى حين جمعهنّ في القصر الأبيض، فقتل الذّكور، فواعدت أخواله، ثم دلَّته إليهم في زَبيل فسألوها عنه وأخذوها به، فدلتْهم عليه، فأرسلوا إليه فجاؤوا به فملَّكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة، واجتمعوا عليه، واطمأنَّت فارس واستوثقوا وتبارَى الرؤساء في طاعته ومعونته فسمى الجنود لكلّ مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر، فسمَّى جند الحيرة والأنبار والمسالح والأبُلَّة، وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يَزْدجِرد المثنَّى والمسلمين، فكتبوِا إلى عمر بما ينتظرون ممَّن بين ظهرانيهم، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كَفر أهل السَّواد؛ مَن كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد، فخرج المثنّى على حاميته حتى نزل بذي قار، وتنزّل الناس بالطَّفّ في عسكر واحد حتى جاءهم كتاب عمر:\nأما بعد؛ فاخرجوا من بين ظهري الأعاجم، وتفرّقوا في المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تَدعَوا في ربيعة أحدًا ولا مُضَر ولا حلفائهم أحدًا من أهل النَّجدَات ولا فارسًا إلا اجتلبتموه؛ فإن جاء طائعًا وإلّا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":176},{"text":"حشرتموه، احملوا العرب على الجدّ إذ جدّ العجم؛ فلتلقوْا جِدّهم بجِدّع.\nفنزل المثنّى بذي قار، ونزل الناس بالجُلّ وشَراف إلى غُضَيّ - وغُضيّ حيال البصرة - فكان جرير بن عبد الله بغُضَى وسَبْرة بن عمرو والعَنْبَريّ ومن أخذ أخذهم فيمن معه إلى سلمان، فكانوا في أمواه الطّفّ من أوّلها إلى آخرها مسالح بعضهم ينظر إلى بعض؛ ويُغيث بعضهم بعضًا إن كان كون، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة (١). (٣: ٤٧٧/ ٤٧٨).\n٢٣٠ - حدّثنا السريّ، عن شعيب، عن سَيْف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: كان أوّل ما عمل به عمر حين بلغه أنّ فارس قد ملّكوا يزدجرد أن كتب إلى عُمَّال العَرب على الكُور والقبائل، وذلك في ذي الحجَّة سنة ثلاث عشرة مُخرجَه إلى الحجّ - وحجّ سنواته كلها - لا تَدَعَا أحدًا له سلاح، أو فرس، أو نجدة، أو رأي إلا انتخبتموه، ثم وجّهتموه إليّ، والعَجَلَ العَجَل!\nفمضت الرُّسل إلى مَن أرسلهم إليهم مخرجَه إلى الحجّ، ووافاه أهلُ هذا الضّرب من القبائل التي طُرُقها على مكّة والمدينة، فأمَّا مَن كان من أهل المدينة على النِّصف ما بينه وبين العراق، فوافاه بالمدينة مرجِعَه من الحجّ، وأمَا مَن كان أسفلَ من ذلك فانضمّوا إلى المثنَّى، فأمَّا مَنْ وافَى عمر فإنَّهم أخبروه عمَّن وراءهم بالحثّ (٢). (٣: ٤٧٨/ ٤٧٩).\n٢٣١ - وقال أبو معشر، فيما حدثني الحارث عن ابن سعد، عنه. وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلَمة عنه: الذي حجّ بالناس سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف (٣). (٣: ٤٧٩).\n٢٣٢ - وقد حدثني المقَدّميّ، عن إسحاق الفَرْويّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: استعمل عمرُ على الحج عبدَ الرحمن بن عَوْف في السنة التي وليَ فيها، فحجّ بالناس، ثم حجّ سنيه كلِّها بعد ذلك بنفسه (٤). (٣: ٤٧٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":177},{"text":"٢٣٣ - وكان عامل عمر في هذه السنة - على ما ذكر - على مكَّة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يَعْلَى بن مُنْية، وعلى عُمان واليمامة حُذيفة بن مِحْصَن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرميّ، وعلى الشأم أبو عبيدة بن الجراح، وعلى فرْج الكوفة وما فتح من أرضها المثنَّى بن حارثة.\nوكان على القضاء - فيما ذُكِر - عليّ بن أبي طالب. وقيل: لم يكن لعمر في أيامه قاضٍ (١). (٣: ٤٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>ثم دخلت سنة أربع عشرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>ذكر ابتداء أمر القادسيّة</span>\n٢٣٤ - ففي أوّلِ يوم من المحرّم سنة أربع عشرةَ - فيما كتب إليّ به السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم - خرج عمر حتّى نزل على ماء يدعى صِرارًا، فعسكر به ولا يدري النَّاس ما يريد؛ أيسيرُ أم يقيم. وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموْه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف؛ وكان عثمان يُدعى في إمارة عمر رديفًا - قالوا: والرّديف بلسان العرب الرجل الَّذي بعد الرّجُل، والعرب تقول ذلك للرجل الَّذي يرجونه بعد رئيسهم - وكانوا إذا لم يقدِر هذان على علم شيء ممَّا يريدون، ثلَّثوا بالعبَّاس، فقال عثمان لعمر: ما بلغك؟ ما الذي تريدُ؟ فنادى: الصلاة جامعة. فاجتمع النَّاس إليه، فأخبرهم الخبر. ثم نظر ما يقول النَّاس، فقال العامَّة: سِرْ وسِرْ بنا معك؛ فدخل معهم في رأيهم، وكره أن يَدَعهم حتى يُخرجهم منه في رِفْق، فقال: استعدّوا وأعِدّوا فإنّي سائر إلّا أن يجيء رأي هو أمثل من ذلك. ثم بعث إلى أهل الرأي، فاجتمع إليه وجوه أصحابِ النبيّ - ﷺ - وأعلامُ العرب، فقال: أحضِروني الرّأيَ فإني سائر. فاجتمعوا جميعًا، وأجمع مَلؤهم على أن يبعث رجلًا من أصحاب رسولِ الله - ﷺ - ويقيم، ويرميه بالجنود، فإن كان الَّذي يشتهي من الفتح، فهو الذي يريد ويريدون؛ وإلّا أعاد رجلًا وندَب جندًا آخر؛ وفي ذلك ما يغيظ العدوّ، ويرعوي المسلمون،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":178},{"text":"ويجيء نصر الله بإنجاز موعود الله. فنادى عمر: الصلاة جامعة، فاجتمع النَّاس إليه، وأرسل إلى عليّ ﵇، وقد استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة وقد بعثَه على المقدّمة، فرجع إليه، وجعل على المجنَّبتين الزُّبير وعبد الرحمن بن عوف، فقام في الناس فقال: إنَّ الله ﷿ قد جمع على الإسلام أهلَه؛ فألَّف بين القلوب، وجعلهم فيه إخوانًا، والمسلمون فيما بينهم كالجسَد لا يخلُو منه شيء من شيء أصاب غيره، وكذلك يَحِقُّ على المسلمين أن يكونوا أمرُهم شورى بينهم وبين ذوي الرّأي منهم؛ فالناس تبَعٌ لمَن قام بهذا الأمر؛ ما اجتمعوا عليه ورضُوا به لزِم النَّاس وكانوا فيه تبعًا لهم، ومن أقام بهذا الأمر تبعٌ لأولي رأيهم ما رأوْا لهم ورضُوا به لهم من مكيدة في حرْب كانوا فيه تَبَعًا لهم. يا أيّها النَّاس! إني إنَّما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرّأي منكم عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلًا، وقد أحضرتُ هذا الأمر مَنْ قدّمتُ ومَنْ خلّفتُ. وكان عليّ ﵇ خليفتَه على المدينة، وطلحة على مقدّمته بالأعوص؛ فأحضرهما ذلك (١). (٣: ٤٨٠/ ٤٨١).\n٢٣٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد العزيز، قال: لمَّا انتهى قتلُ أبي عُبَيد بن مسعود إلى عمر، واجتماعُ أهلِ فارس على رجل من آل كسرى، نادى في المهاجرين والأنصار، وخرجَ حتى أتى صِرارًا، وقذم طلحةَ بن عُبيد الله حتَّى يأتيَ الأعوَص، وسمَّى لميمنته عبد الرحمن بن عوف، ولميسرته الزّبير بن العوّام، واستخلف عليًّا ﵁ على المدينة، واستشار النَّاس، فكلّهم أشار عليه بالسَّير إلى فارس، ولم يكن استشار في الَّذي كان حتى نزل بصرار ورجع طلحة، فاستشار ذوي الرّأيِ، فكان طلحة ممَّن تابع النَّاس، وكان عبد الرحمن ممَّن نهاه، فقال عبد الرحمن: فما فديتُ أحدًا بأبي وأمي بعد النبيّ - ﷺ - قبل يومئذ ولا بعده؛ فقلت: يا بأبي وأمّي اجعل عَجْزها بي وأقِم وابعث جندًا، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبلُ وبعدُ، فإنه إن يُهزم جيشُك ليس كهزيمتك، وإنَّك إن تُقتل أو تُهزم في أنف الأمر خشيتُ ألا يكبِّر المسلمون وألّا\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولم نجد رواية تأريخية مسندة موصولة صحيحة تتحدث عن هذه الشورى التي دعا إليها عمر وحصلت قبل معركة القادسية.","vol":"8","page":179},{"text":"يشهدوا أن لا إله إلا الله أبدًا وهو في ارتيادٍ من رجل؛ وأتى كتاب سعْدٍ على حَفَف مَشُورتهم؛ وهو على بعض صدقات نجْد، فقال عمر: فأشيروا عليّ برجل، فقال عبد الرحمن: وجدتُه، قال: مَنْ هو؟ قال: الأسد في براثنه؛ سعد بن مالك؛ ومالأه أولو الرأي (١) (٣: ٤٨١/ ٤٨٢)\n٢٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة بإسنادهما، قالا: كان سعد بن أبي وقَّاص على صَدَقات هوازن، فكتب إليه عمر فيمَن كتب إليه بانتخاب ذوي الرَّأي والنَّجدة ممَّن كان له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد: إنّي قد انتخبت لك ألف فارس مُؤدٍّ كلّهم له نجدة ورأي، وصاحبُ حيطة يحوط حريم قومه، ويمنع ذمارهم، إليهم انتهت أحسابهم ورأيُهُم، فشأنَك بهم. ووافق كتابُه مشورتهم، فقالوا: قد وجدْتَه، قال: فمن؟ قالوا: الأسد عَاديًا، قال: مَنْ؟ قالوا: سعد، فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه، فقدم عليه، فأمَّره على حرب العراق وأوصاه. فقال: يا سعد، سعد بَنِي وُهَيْب! لا يغرّنك من الله أن قيل: خال رسول الله - ﷺ - وصاحب رسولِ الله؛ فإنّ الله ﷿ لا يمحُو السيّئ بالسيّئ؛ ولكنَّه يمحُو السيّئ بالحسن؛ فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلّا طاعته؛ فالنَّاس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سوادٌ؛ الله ربّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمرَ الَّذي رأيتَ النبيّ - ﷺ - عليه منذ بُعِث إلى أن فارقنَا فالزمْهُ فإنَّه الأمر. هذه عظتي إيَّاك إن تركتها ورغبت عنها حَبِطَ عَمَلُك؛ وكنت من الخاسرين.\nولمَّا أراد أن يسرّحه دعاه، فقال: إني قد ولَّيتُك حرب العراق فاحفظ وصيَّتي فإنّك تقدِم على أمر شديد كريه لا يخلِّص منه إلّا الحقُّ، فعوّد نفسك ومَن معك الخير، واستفتح به. واعلم أنَّ لكل عادة عَتادًا، فعتاد الخير الصبر؛ فالصبرَ على ما أصابك أو نابك؟ يجتمع لك خشية الله. واعلم أنَّ خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته واجتناب معصيته؛ وإنَّما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحبّ الآخرة، وعصاه مَن عصاه بحبّ الدنيا وبغض الآخرة؛ وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاءً، منها السرّ، ومنها العلانية؛ فأمَّا العلانية فأنْ يكون حامدُه وذامّه في الحقّ سواءٌ، وأما السرّ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبَّة النَّاس؛ فلا تزهد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":180},{"text":"في التحبّب فإنّ النبيّين قد سألوا محبَّتهم؛ وإن الله إذا أحبّ عبدًا حبَّبه؛ وإذا أبغض عبدًا بغّضه. فاعتبرْ منزلتَك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس، ممَّن يشرع معك في أمرك. ثم سرّحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين. فخرج سعد بن أبي وقَّاص من المدينة قاصدًا العراق في أربعة آلاف؛ ثلاثة ممَّن قدم عليه من اليَمَن والسَّراة؛ وعلى أهل السَّرَوات حُمَيْضة بن النّعمان بن حُميضة البارقيّ؛ وهم بارقٌ وألْمَعُ وغامِدٌ وسائر إخوتهم في سمبعمئة من أهل السَّواة، وأهل اليمن ألفان وثلاثمئة؛ منهم النَّخَع بن عمرو، وجميعهم يومئذ أربعة آلاف؛ مقاتلتهم وذراريُّهم ونساؤهم؛ وأتاهم عمر في عسكرهم؛ فأرادهم جميعًا على العِراق، فأبوْا إلّا الشَّأم، وأبى إلّا العراق، فسمح نصفُهم فأمضاهم نحو العراق، وأمضى النّصف الآخر نحو الشَّأم (١). (٣: ٤٨٣/ ٤٨٤).\n٢٣٧ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن حنَش النَّخَعيّ، عن أبيه وغيره منهم: أنَّ عمر أتاهم في عسكرهم، فقال: إنّ الشَّرف فيكم يا معشر النَّخَع لمتربِّع، سيروا مع سعد. فنزِعوا إلى الشأم، وأبى إلّا العِراق، وأبوْا إلّا الشأم؛ فسرّح نصفَهم إلى الشأم ونصفهم إلى العراق (٢). (٣: ٤٨٤).\n٢٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمستنير وحَنَش؛ قالوا: وكان فيهم من حَضرَمَوْت والصَّدف ستّمئة، عليهم شَدّاد بن ضَمعَج، وكان فيهم ألف وثلاثمئة من مَذْحج، على ثلاثة رؤساء: عمرو بن مَعْد يكرِبَ على بني منَبّه، وأبو سَبْرة بن ذؤيْب على جعْفيّ ومَن في حِلف جُعْفيّ من إخوة جَزْء وزُبَيْد وأنَس الله ومَن لَفَّهم، ويزيد بن الحارث الصُّدائيّ على صُداء وجَنْب ومُسْلِية في ثلاثمئة؛ هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مَخْرَج سعد منها، وخرج معه من قيس عَيْلان ألفٌ عليهم بشِر بن عبد الله الهلاليّ (٣). (٣: ٤٨٤).\n٢٣٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم؛\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":181},{"text":"قال: خرج أهل القادسيَّة من المدينة، وكانوا أربعة آلاف؛ ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألفٌ من سائر الناس (١). (٣: ٤٨٥).\n٢٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وسهل، عن القاسم، قالوا: وشيَّعهم عمر من صِرار إلى الأعوص، ثم قام في الناس خطيبًا، فقال: إن الله تعالى إنَّما ضربَ لكم الأمثال، وصرّف لكم القول؛ ليحيي به القلوب، فإنّ القلوب ميِّتة في صدورها حتى يحييها الله، مَن علم شيئًا فلينتفع به، وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسَّخاء والهَيْن واللَّيْن، وأما التَّباشير فالرّحمة، وقد جعل الله لكلّ أمر بابًا، ويسَّر لكلّ باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكرُ الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزّهدُ أخذُ الحقّ من كلّ أحد قِبَلَه حقٌّ، وتأديةُ الحقّ إلى كلّ أحد له حقّ. ولا تصانع في ذلك أحدًا، واكتَفِ بما يكفيك من الكَفاف؛ فإنّ مَن لم يكفه الكفاف لم يُغنه شيء. إنّي بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحدٌ، وإنّ الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه، فانهُوا شكاتكم إلينَا، فمن لم يستطع فإلى من يبلّغُناها نأخذ له الحقّ غير متعتَع. وأمر سعدًا بالسّيْر، وقال: إذا انتهيتَ إلى زَرود؛ فانزِل بها، وتفرّقوا فيما حولها، واندب مَن حولك منهم، وانتخبْ أهلَ النجدة والرأي والقوّة والعُدّة (٢). (٣: ٤٨٥).\n٢٤١ - كتب إليَّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سُوقة، عن رجل، قال: مرّت السَّكون مع أوّل كِنْدة مع حُصَيْن بن نُمَير السَّكونيّ ومعاوية بن حُدَيج في أربعمئة، فاعترضهم، فإذا فيهم فِتْية دُلْم سِباط مع معاوية بن حُدَيج، فأعرض عنهم، ثم أعرض، ثم أعرض؛ حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء! قال: إني عنهم لمتردّد، وما مرّ بي قومٌ من العرب أكره إليَّ منهم. ثم أمضاهم، فكان بعدُ يُكثر أن يتذكَّرهم بالكراهيَة، وتعجَّب الناس من رأي عمر. وكان منهم رجل يقال له: سودان بن حُمْران، قتل عثمان بن عفان ﵁. وإذا منهم حليف لهم يقال له: خالد بن مُلْجَم، قتلَ عليّ بن أبي طالب ﵀. وإذا منهم معاوية بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":182},{"text":"حُدَيج؛ فنهض في قوم منهم يتبع قَتَلة عثمان يقتلهم. وإذا منهم قوم تقْرُون قَتَلَة عثمان (١). (٣: ٤٨٥/ ٤٨٦).\n٢٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد بإسناده، وزياد عن مَاهان، قالا: فمن أجلِ ذلك اختلف النَّاس في عددِ أهل القادسيَّة، فمَن قال: أربعة آلاف فلمخرجهم مع سَعْد من المدينة، ومَن قال: ثمانية آلاف فلاجتماعهم بزرُود، ومَنْ قال: تسعة آلاف فللحاق القيسيِّين، ومن قال: اثنا عشر ألفًا فلدفوف بني أسدَ من فروع الحَزْن بثلاثة آلاف. وأمر سعدًا بالإقدام، فأقدم ونهض إلى العراق وجموع الناس بشَراف، وقدم عليه مع قدومه شَراف الأشْعثُ بن قيس في ألف وسبعمئة من أهل اليمن، فجميع مَن شهد القادسيَّة بضعة وثلاثون ألفًا، وجميع من قُسم عليه فيء القادسيَّة نحو من ثلاثين ألفًا (٢). (٣: ٤٨٧).\n٢٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد، عن جرير، قال: كان أهلُ اليمن ينزعون إلى الشَّأم، وكانت مُضَر تنزع إلى العراق، فقال عمر: أرحامكم أرسخ من أرحامنا! ما بال مُضر لا تذكر أسلافها من أهل الشأم! (٣) (٣: ٤٨٧).\n٢٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سعد بن المرزبان، عمَّن حدّثه، عن محمد بن حذيفة بن اليَمان، قال: لم يكن أحدٌ من العرب أجرأ على فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمُّونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفَرَس، وكانت العرب في جاهليَّتها تسمّى فارس الأسد، والرّوم الأسد (٤). (٣: ٤٨٧).\n٢٤٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: قال عمر: والله لأضربنّ ملوك العجم بملوك العرب؛ فلم يَدَعْ رئيسًا، ولا ذا رأي، ولا ذا شَرف، ولا ذا سطة، ولا خطيبًا، ولا شاعرًا؛ إلّا رماهم به،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":183},{"text":"فرماهم بوجوه الناس وغُرَرهم (١). (٣: ٤٨٧).\n٢٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان عمر قد كتب إلى سعد مرتحلَه من زَرُود: أن ابعث إلى فَرْج الهند رجلًا ترضاه يكون بحياله، ويكون ردءًا لك من شيء إن أتاك من تلك التّخوم، فبعث المغيرة بن شعبة في خمسمئة، فكان بحيال الأبُلَّة من أرض العرب؛ فأتى غُضَيًّا، ونزل على جرير؛ وهو فيما هنالك يومئذ. فلمَّا نَزل سعد بشَراف، كتب إلى عمر بمنزله وبمنازل الناس فيما بين غضيّ إلى الجَبّانة، فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابي هذا؛ فعشّر النَّاس وعرّف عليهم، وأمّرْ على أجنادهم، وعبّهم، ومُرْ رؤساء المسلمين فليَشْهَدوا، وقدّرْهم وهم شهود، ثم وجّههم إلى أصحابهم، وواعدْهم القادسيَّة؛ واضمم إليك المغيرة بن شعبة في خَيْله؛ واكتب إليّ بالذي يستقرّ عليه أمرهم.\nفبعث سعد إلى المغيرة، فانضمّ إليه وإلى رؤساء القبائل، فأتوْه، فقدّر الناس وعبَّاهم بشَراف، وأمَّر أمراء الأجناد، وعرّف العُرَفاء، فعرّف على كلّ عشرة رجلًا، كما كانت العِرافات أزمانَ النبيّ - ﷺ -، وكذلك كانت إلى أن فُرِض العطاء، وأمَّر على الرّايات رجالًا من أهل السابقة، وعشّر الناس، وأمّر على الأعشار رجالًا من الناس لهم وسائل في الإسلام، وولّى الحروبَ رجالًا، فولَّى على مقدّماتها ومجنَّباتها وساقتها ومجرّداتها وطلائعها ورَجْلها ورُكْبانها، فلم يفصل إلّا على تعبيَة، ولم يفصل منها إلّا بكتاب عمر وإذنه، فأمَّا أمراء التعبية؛ فاستعمل زُهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحوية بن مَرْثَد بن معاوية بن معن بن مالك بن أرثم بن جُشَم بن الحارث الأعرج، وكان ملك هَجَر قد سَوّدَه في الجاهليّة، ووفَّدَه على النبيّ - ﷺ -، فقدّمه، ففصل بالمقدّمات بعد الإذن من شَراف؛ حتى انتهى إلى العُذيْب، واستعمل على الميمنة عبد الله بن المعْتمّ، وكان من أصحاب النبيّ - ﷺ -؛ وكان أحدَ التّسعة الذين قدموا على النبيّ - ﷺ -، فتمَّمهم طلحة بن عبيد الله عشرة، فكانوا عِرافة، واستعمل على الميسرة شُرحبيل بن السِّمْط بن شُرَحبيل الكِنْديَّ -وكان غلامًا شابًّا، وكان قد قاتل أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":184},{"text":"الرّدّة، ووفَّى اللهَ، فعُرِف ذلك له، وكان قد غلب الأشعث على الشّرف فيما بين المدينة؛ إلى أن اختُطّت الكُوفة وكان أبوه ممَّن تقدّم إلى الشأم مع أبي عبيدة بن الجراح - وجعل خليفته خالد بن عُرْفطة، وجعل عاصم بن عمرو التميميّ ثم العمريّ على الساقة، وسواد بن مالك التميميّ على الطلائع، وسلْمان بن ربيعة الباهليّ على المجرّدة، وعلى الرّجْل حَمَّال بن مالك الأسديّ، وعلى الرّكبان عبد الله بن ذي السهمين الخَثْعَميّ، فكان أمراءُ التّعبية يَلُون الأمير، والذين يلُون أمراءَ الأعشار، والذين يلُون أمراء الأعشار أصحاب الرايات، والذين يلُون أصحاب الرايات والقوّاد رؤوس القبائل، وقالوا جميعًا: لا يستعين أبو بكر في الرّدّة ولا على الأعاجم بمرتدّ، واستنفرهم عمر ولم يولّ منهم أحدًا (١) (٣: ٤٨٨/ ٤٨٩).\n٢٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُجالد وعمرو بإسنادهما، وسعيد بن المرزبان، قالوا: بعث عمر الأطبَّة، وجعل على قضاء النَّاس عبدَ الرحمن بن ربيعة الباهليّ ذا النور، وجعل إليه الأقباض وقسمة الفيء، وجعل داعيتهم ورائدهم سلْمان الفارسيّ (٢). (٣: ٤٨٩).\n٢٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن أبي عثمان النَّهْديّ؛ قال: والتّرجمان هلال الهجَريّ والكاتب زياد بن أبي سفيان فلمَّا فرغ سعد من تعبيته، وعدّ لكلّ شيء من أمره جماعًا ورأسًا؛ كتب بذلك إلى عمر، وكان من أمر سعد فيما بين كتابه إلى عمر بالَّذي جمعَ عليه الناس وبين رجوع جوابه ورحله من شَراف إلى القادسيَّة قدومُ المُعَنَّى بن حارثة وسلْمى بنت خَصَفة التيميَّة؛ تَيْم اللات إلى سعد بوصيَّة المثنَّى، وكان قد أوصى بها، وأمرهم أن يعجّلوها على سعد بَزْرود، فلم يفرغوا لذلك وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر؛ وذلك أن الآزاذمرد بن الآزاذبه بعثه إلى القادسيَّة، وقال له: ادعُ العربَ، فأنت على من أجابك، وكن كما كان آباؤك. فنزل القادسيَّة، وكاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعيدًا. فلمَّا انتهى إلى المعنَّى خبره؛ أسْرَى المعنَّى من ذي قار حتى بيَّته، فأنامه ومن معه، ثم رجع\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة نظنها من قبل شعيب والله أعلم.","vol":"8","page":185},{"text":"إلى ذي قار، وخرج منها هو وسَلْمى إلى سعد بوصيَّة المثنَّى بن حارثة ورأيه، فقدموا عليه وهو بشرَاف، يذكر فيها: أنَّ رأيه لسعد ألّا يقاتل عدوّه وعدوّهم - يعني: المسلمين - من أهل فارس؛ إذا استجمع أمرهم وملؤهم في عُقْر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حَجَر من أرض العرب وأدنى مَدَرة من أرض العجم، فإن يُظهر الله المسلمين عليهم، فلهم ما وراءهم؛ وإن تكن الأخرى؛ اؤوا إلى فئة، ثم يكونوا أعلمَ بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم؛ إلى أن يردّ الله الكرّة عليهم.\nفلمَّا انتهى إلى سعد رأيُ المثنَّى ووصيَّته؛ ترحَّم عليه، وأمَّر المعنَّى على عمله، وأوصى بأهل بيته خيرًا، وخطب سَلْمَى فتزَوّجها وبنى بها؛ وكان في الأعشار كلِّها بضعة وسبعون بدْريًّا، وثلاثمئة وبضعة عشر ممَّن كانت له صحبة، فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلاثمئة ممَّن شهد الفتح، وسبعمئة من أبناء الصّحابة في جميع أحياء العرب. وقدم على سعد وهو بشَراف كتابُ عمر بمثل رأي المثنَّى؛ وقد كتب إلى أبي عُبيدة مع كتاب سعد، فوصل كتاباهما إليهما، فأمر أبا عبيدة في كتابه بصرْف أهل العراق وهم ستَّة آلاف، ومَن اشتهى أن يلحق بهم، وكان كتابه إلى سعد:\nأمَّا بعد، فسرْ من شَراف نحو فارس بمن معك من المسلمين؛ وتوكَّل على الله، واستعِنْ به على أمرك كلِّه؛ واعلم فيما لديك أنَّك تقدِمُ على أمَّة عددهم كثير، وعُدَّتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع - وإن كان سهلًا - كَؤود لبحوره وفيوضه ودآدِئه؛ إلّا أن توافقوا غَيْضًا من فَيْض. وإذا لقيتم القوم أو أحدًا منهم فابدؤوهم الشدّ والضرب، وإيَّاكم والمناظرة لجموعهم ولا يخدعُنَّكم؛ فإنهم خَدَعة مكَرة؛ أمرُهم غير أمركم؛ إلا أن تجادّوهم، وإذا انتهيت إلى القادسيَّة - والقادسيَّة باب فارس في الجاهليَّة، وهي أجمع تلك الأبواب لمادّتهم، ولما يريدونه من تلك الآصُل، وهو منزل رغيب خصيب حصين دونه قناطر، وأنهار ممتنعة - فتكون مسالحك على أنقابها، ويكون الناس بين الحَجَر والمَدَر على حافّاث الحجَر وحافّات المدر، والجِراع بينهما؛ ثم الزم مكانك فلا تبرحْه؛ فإنهم إذا أحسُّوك؛ أنغضتَهم، ورَموْك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجْلهم وحدّهم وجِدّهم؛ فإن أنتم صبرتم لعدوّكم واحتسبتم لقتاله ونويتم","vol":"8","page":186},{"text":"الأمانة؛ رجوتُ أن تُنصَروا عليهم؛ ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدًا إلّا أن يجتمعوا؛ وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى؛ كان الحجَر في أدباركم؛ فانصرفتم من أدنى مَدَرة من أرضهم إلى أدنى حَجَر من أرضكم؛ ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبَن وبها أجهل؛ حتى يأتيَ الله بالفتح عليهم، ويردّ لكم الكرّة.\nوكتب إليه أيضًا باليوم الذي يرتحل فيه من شَراف: فإذا كان يوم كذا وكذا فارتحل بالنَّاس حتى تنزلَ فيما بين عُذَيب الهِجانات، وعُذَيب القوادس، وشرّق بالناس وغرّبْ بهم.\nثم قدم عليه كتاب جواب عمر: أمَّا بعد، فتعاهد قلبك، وحادِثْ جندَك بالموعظة والنِّيّة والحِسْبة، ومَنْ غفل فلْيُحْدثْهما؛ والصبرَ الصبرَ؛ فإنّ المعونة تأتي من الله على قدر النيَّة؛ والأجر على قدر الحسنة والحذَرَ الحذرَ على مَنْ أنت عليه وما أنت بسبيله، واسألوا الله العافية، وأكثِروا من قول: \"لا حول ولا قوّة إلا بالله\"، واكتب إليّ أين بَلغك جمعُهم، ومَن رأسُهم الذي يلي مصادمتكم؛ فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلَّةُ عِلْمي بما هجمتم عليه، والذي استقرّ عليه أمرُ عدوّكم؛ فصِفْ لنا منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفةً كأني أنظر إليها، واجعلني من أمركم على. الجلية، وحْفِ الله وارجُه، ولا تُدِلّ بشيء. واعلم أنّ الله قد وَعدكم. وتوكَّل لهذا الأمر بما لا خُلْف له، فاحذرْ أن تَصرفه عنك، ويستبدل بكم غيركم.\nفكتب إليه سعد بصفة البلدان: إنّ القادسيّة بين الخندق والعَتيق، وإنّ ما عن يسار القادسيّة بحر أخضر في جوف لاحّ إلى الحيرة بين طريقين؛ فأمَّا أحدهما فعلى الظَّهْر، وأمَّا الآخر فعلى شاطئ نهر يُدعَى الحُضُوض؛ يطلع بمَنْ سلكه على ما بين الخَوَرْنَق والحيرة؛ وما عن يمين القادسيَّة إلى الوَلَجة فيضٌ من فيوض مياههم. وإن جميع من صالح المسلمين من أهل السَّواد قبلي ألْبٌ لأهل فارس قد خَفُّوا لهم، واستعدُّوا لنا. وإنَّ الذي أعدّوا لمصادمتنا رُسْتم. في أمثال له منهم؛ فهم يحاولون إنغاضَنا وإقحامنا، ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم، وأمْرُ الله بعدُ ماضٍ، وقضاؤه مسلّم إلى ما قدّر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القَدَر في عافية.","vol":"8","page":187},{"text":"فكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمتُه، فأقِمْ بمكانك حتى يُنغِض الله لك عدوَّك؛ واعلم أنَّ لها ما بعدها، فإن منحَك الله أدبارَهم فلا تنزعِ عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها إن شاء الله.\nوجعل عمر يدعُو لسعد خاصّة، ويدعون له معه، وللمسلمين عامة، فقدم زُهْرةَ سعدٌ حتى عسكر بعُذيب الهجانات، ثم خرج في أثره حتى ينزل على زُهرة بعُذيب الهجانات، وقدّمه، فنزل زهرةٌ القادسيَّة بين العتيق والخندق بحيال القنطرة؛ وقُدَيْس يومئذ أسفل منها بميل (١). (٣: ٤٨٩/ ٤٩٠/ ٤٩١/ ٤٩٢).\n٢٤٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سَيْف، عن القعقاع بإسناده، قال: وكتب عمر إلى سعد: إنِّي قد ألقيَ في رُوعي: أنَّكم إذا لقيتم العدوّ هزمتموهم، فاطّرحِوا الشك، وآثروا التقيَّة عليه؛ فإنْ لاعب أحد منكم أحدًا من العجم بأمان أو قرفه بإشارة أو بلسان، فكان لا يدري الأعجميّ ما كلمه به، وكان عندهم أمانًا؛ فأجروا ذلك له مجرى الأمان. وإيَّاكم والضَّحك؛ والوفاءَ الوفاءَ! فإن الخطأ بالوفاء بقيَّة وإن الخطأ بالغدرِ الهلكة، وفيها وهنُكم وقوّة عدوّكم، وذهاب ريحكم، وإقبال ريحهم. واعلموا: أني أحذّركم أن تكونوا شَيْنًا على المسلمين وسببًا لتوهينهم (٢). (٣: ٤٩٢/ ٤٩٣).\n٢٥٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن مُسلم العُكْليّ والمقدام بن أبي المقدام، عن أبيه، عن كَرِب بن أبي كَرِب العُكْليّ - وكان في المقدّمات أيّام القادسيَّة - قال: قدّمَنا سعد من شَراف، فنزلنا بعُذيب الهِجانات ثم ارتحل؛ فلما نزل علينا بعُذيب الهجانات - وذلك في وجه الصُّبْح - خرج زُهرة بن الحوَيَّة في المقدّمات، فلما رُفع لنا العُذَيب - وكان من مسالحهم - استبنَّا على بروجه ناسًا، فما نشاءُ أن نرى على برج من بروجه رجلًا أو بين شُرْفتين إلّا رأيناه، وكنا في سَرَعان الخيل، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كَثْف ونحن نرى أنّ فيها خيلًا، ثم أقدمنا على العُذَيب، فلمَّا دنونا منه؛ خرج رجل يركضُ نحو القادسيَّة، فانتهينا إليه، فدخلناه فإذا ليس فيه أحد؛ وإذا ذلك الرجل هو\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":188},{"text":"الذي كان يتراءَى لنا على البُروج وهو بين الشُّرَف مكيدة، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زُهرة فاتَّبعنَا، فلحق بنا وخَلفَنا واتّبعه. وقال: إن أفلت الرَّبيءُ أتاهم الخبر. فلحقه بالخندق فطعنه فجدّ له فيه، وكان أهل القادسيَّة يتعجّبون من شجاعة ذلك الرّجل، ومن علمه بالحرب، لم يُرَ عين قوم قطُّ أثبتَ ولا أربط جأشًا من ذلك الفارسيّ، لولا بُعْدُ غايته لم يلحق به، ولم يُصبه زُهرة، ووجد المسلمون في العُذَيب رماحًا ونُشَّابًا وأسفاطًا من جلود وغيرها، انتفع بها المسلمون. ثم بثّ الغارات، وسرّحهم في جوف الليل، وأمرهم بالغارة على الحيرة، وأمَّر عليهم بُكَيْر بن عبد الله الليثيّ - وكان فيها الشماخ الشاعر القيسيِّ في ثلاثين معروفين بالنَّجدة والبأس - فسرَوْا حتَّى جازوا السَّيْلحين، وقطعوا جِسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جَلَبة وأزْفَلة، فأحجموا عن الإقدام، وأقاموا كمينًا حتى يتَبيَّنوا، فما زالوا كذلك حتى جازُوا بهم، فإذا خيول تقدُم تلك الغَوْغاء، فتركوها فنفذت الطريق إلى الصِّنَينِ، وإذا هم لم يشعروا بهم؛ وإنما ينتظرون ذلك العَيْن لا يريدونهم، ولا يأبهون لهم، إنَّما همَّتُهم الصّنّين؛ وإذا أخت آزاذ مَرْدَ بن آزاذ به مَرْزُبان الحيرة تُزَفُّ إلى صاحب الصّنّين - وكان من أشراف العجَم - فسار معها من يبلّغها مخافة ما هو دون الذي لقوا؛ فلمّا انقطعت الخيل عن الزوافّ، والمسلمون كمينٌ في النخل، وجازت بهم الأثقال، حمل بُكَيْر على شيرزاذ بن آزاذ به، وهو بينها وبين الخيل، فقصَم صُلْبَه، وطارت الخيل على وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأة من الدّهاقين ومئة من التوابع، ومعهم ما لا يُدرَى قيمته، ثم عاج واستاق ذلك، فصبَّح سعدًا بعُذَيْب الهجَانات بما أفاء الله على المسلمين، فكبَّروا تكبيرة شديدة. فقال سعد: أقسم بالله لقد كبَّرتم تكبيرة قوم عرفتُ فيهم العزّ! فقسم ذلك سعد على المسلمين فالخمس نفله، وأعطى المجاهدين بقيَّته، فوقع منهم موقعًا، ووضع سعد بالعُذَيب خيلًا تَحُوط الحريم، وانضمّ إليها حاطة كلّ حريم، وأمَّر عليهم غالبَ بن عبد الله الليثيّ، ونزل سعد القادسيَّة، فنزل بقُدَيْس، ونزل زُهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسيَّة اليوم؛ وبعث بخبر سرّية بُكير، وبنزوله قُديسًا، فأقام بها شهرًا، ثم كتب إلى عمر: لم يوجّه القوم إلينا أحدًا، ولم يُسْنِدوا حربًا إلى أحد علمناه، ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به؛ واسنصر الله، فإنَّا بمنحاة دنيا عريضة؛ دونها بأس شديد؛ قد تقدّم إلينا في","vol":"8","page":189},{"text":"الدعاء إليهم، فقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.\nوبعث سعد في مقامه ذلك إلى أسفل الفُرات عاصم بن عمرو فسار حتَّى أتى مَيْسان، فطلب غنمًا أو بقرًا فلم يقدر عليها، وتحصّن منه مَن في الأفدان، ووغَلُوا في الآجام، ووَغَل حتَّى أصاب رجلًا على طَفّ أجمَة، فسأله واستدلَّه على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم؛ وإذَا هو راعي ما في تلك الأجمة، فصاح منها ثور؛ كذب والله! وها نحن أولاء! فدخل فاستاق الثّيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أيامًا؛ وبلغ ذلك الحجَّاج في زمانه، فأرسل إلى نفر ممَّن شهدها أحدهم نذير بن عمرو والوليد بن عبد شمس وزاهر، فسألهم فقالوا: نعم، نحن سمعنا ذلك، ورأيناه واستقناها، فقال: كذبتم! فقالوا: كذلك؛ إن كنت شهدتها وغبْنا عنها! فقال: صدقتم، فما كان الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آيةُ تبشير يُستدلّ بها على رضا الله، وفتح عدوّنا؛ فقال: والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء، قالوا: والله ما ندري ما أجنَّت قلوبُهم؛ فأمَّا ما رأينا فإنَّا لم نرَ قومًا قطُّ أزهدَ في دنيا منهم، ولا أشدَّ لها بُغْضًا؛ ما اعتُدَّ على رجل منهم في ذلك اليوم بواحدة من ثلاث؛ لا بجُبْن ولا بغدر ولا بغُلُول. وكان هذا اليوم يوم الأباقِر؛ وبثّ الغارات بين كَسْكَر والأنبار، فحوَوْا من الأطعمة ما كانوا يستكفون به زمانًا، وبعث سعد عيونًا إلى أهل الحيرة وإلى صَلُوبا، ليعلَموا له خبر أهل فارس؛ فرجعوا إليه بالخبر؛ بأن الملك قد ولَّى رُستم بن الفَرّخزاذ الأرْمَنّي حرْبَه، وأمره بالعسكرة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: لا يكرُبنَّك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به؛ واستعن بالله وتوكَّل عليه، وابعث إليه رجالًا من أهل المنظَرة والرأي والجلَد يدعونه، فإنّ الله جاعل دعاءهم توهينًا لهم، وفَلْجًا عليهم؛ واكتب إليَّ في كلِّ يوم. ولمَّا عسكر رُسْتم بساباط كتبوا بذلك إلى عمر (١). (٣: ٤٩٣/ ٣٩٤/ ٤٩٥).\n٢٥١ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والمجالد بإسنادهما، وسعيد بن المرزُبان: أن سعد بن أبي وقَّاص حين جاءه أمرُ عمر فيهم، جمع نفرًا عليهم نِجار، ولهم آراء، ونفرًا لهم منظر؛ وعليهم مهابة ولهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":190},{"text":"آراء؛ فأمَّا الذين عليهم نِجار ولهم آراء ولهم اجتهاد فالنعمان بن مقرّن، وبُسْر بن أبي رُهْم، وحَملة بن جُوَيّة الكناني، وحنظلة بن الربيع التميميّ، وفُرات بن حيَّان العِجْليّ، وعديّ بن سُهيل، والمغيرة بن زُرارة بن النَّبَّاش بن حبيب. وأما مَنْ لهم منظر لأجسامهم، وعليهم مَهابة ولهم آراء، فعُطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسَّان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معد يكرب، والمغيرة بن شعبة، والمعنَّى بن حارثة، فبعثهم دُعاةً إلى الملك (١). (٣: ٤٩٦).\n٢٥٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، وطلحة عن المغيرة، قالوا: فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائنَ احتجاجًا ودُعاةً ليزدَجِرْد، فطوَوا رستم، حتى انتهوْا إلى باب يَزْدَجرد، فوقفوا على خيولٍ عُرُوات، معهم جَنائب، وكلّها صهَّال، فاستأذنوا فحبسوا، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضِه يستشيرهم فيما يصنع بهم، ويقوله لهم، وسمع بهم الناس، فحَضَرُوهم ينظرون إليهم، وعليهم المقطَّعات والبُرود، وفي أيديهم سِياط دقاق، وفي أرجلهم النّعال. فلمّا اجتمع رأيُهم؛ أذن لهم، فأدخِلوا عليه (٢). (٣: ٤٩٧/ ٤٩٨).\n٢٥٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن بنت كيسان الضَّبِّيَّة، عن بعض سبايا القادسيَّة ممَّن حسن إسلامه، وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب. قال: وثاب إليهم النَّاس ينظرون إليهم؛ فلم أرَ عشرة قطّ يعدلون في الهيئة بألف غيرَهم، وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضًا. وجعل أهلُ فارس يسوءهم ما يروْن من حالهم وحال خيلهم؛ فلمَّا دخلوا على يَزْدَجِرد؛ أمرهم بالجلوس؛ وكان سيّئ الأدب، فكان أوّل شيء دار بينه وبينهم أن أمر التّرجمان بينه وبينهم فقال: سَلْهم ما يسمّون هذه الأردية؟ فسأل النُّعمان - وكان على الوفد: ما تُسمِّي رداءَك؟ قال: البُرْد، فتطيَّر وقال: \"برْدجهان\"، وتغيَّرت ألوان فارس وشقَّ ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فقال: ما تسمّون هذه الأحذية؟ فقال: النّعال، فعاد لمثلها، فقال: \"ناله ناله\" في أرضنا، ثم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":191},{"text":"سأله عن الَّذي في يده فقال: سوط، والسوط بالفارسيّة الحريق، فقال: أحرقوا فارس أحرقهم الله! وكان تَطيُّره على أهل فارس، وكانوا يجدون من كلامه (١). (٣: ٤٩٨).\n٢٥٤ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيْف، عن عمرو، عن الشعبيّ، بمثله وزاد: ثمّ قال الملك: سلْهم ما جاء بكم؟ وما دعاكم إلى غَزْوِنا والوَلوغ ببلادنا؟ أمِنْ أجلِ أنَّا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا! فقال لهم النعمان بن مقرّن: إن شئتم أجبتُ عنكم؛ ومن شاء آثرته. فقالوا: بل تكلَّم، وقالوا للملك: كلامُ هذا الرجل كلامُنا. فتكلَّم النّعمان، فقال: إنَّ الله رحمنا فأرسل إلينا رسولًا يدلّنا على الخير ويأمرُنا به، ويعرّفنا الشرّ وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خيرَ الدّنيا والآخرة؛ فلم يدعُ إلى ذلك قبيلةً إلّا صاروا فرقتيْن؛ فرقة تُقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دِينه إلّا الخواصّ. فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى مَن خالفه من العرب؛ وبدأ بهم وفعل؛ فدخلوا معه جميعًا على وجْهين: مُكرَه عليه فاغتبط؛ وطائع أتاه فازداد؛ فعرفنا جميعًا فضلَ ما جاء به على الَّذي كنَّا عليه من العداوة والضّيق؛ ثم أمرنا أن نبدأ بمَن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعُوكم إلى ديننا، وهو دين حسَّن الحسَن وقبَّح القبيح كلَّه، فإن أبيتم فأمرٌ من الشرّ هو أهون من آخرَ شرٍّ منه الجِزاء؛ فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خَلَّفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم؛ وإن اتّقيتمونا بالجِزاء قَبِلْنا ومنعناكم؛ وإلّا قاتلناكم.\nقال: فتكلَّم يَزْدَجرد، فقال: إني لا أعلم في الأرْض أمَّه كانت أشقى ولا أقلّ عددًا ولا أسوأ ذات بين منكم؛ قد كنَّا نوكّل بكم قُرَى الضواحي فيكفونناكُم. لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تَقُوموا لهم، فإن كان عدد لحق؛ فلا يغرَّنَّكم منَّا، وإن كان الجَهد دعاكم فرضْنا لكم قوتًا إلى خِصْبكم؛ وأكرمْنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم مَلِكًا يرفُق بكم.\nفأسكَت القوم. فقام المغيرة بن زُرارة بن النبَّاش الأسَيْديُّ، فقال: أيُّها\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":192},{"text":"الملك، إنَّ هؤلاء رؤوس العرب ووجوهُهم؛ وهم أشراف يستحيُون من الأشراف؛ وإنّما يكرم الأشرافَ الأشرافُ، ويعظّم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخّم الأشرافَ الأشرافُ؛ وليس كلّ ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كلّ ما تكلّمتَ به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسُن بمثلهم إلّا ذلك؛ فجاوبْني لأكون الذي أبلّغك، ويشهدون على ذلك؛ إنَّك قد وصفتَنا صفةً لم تكن بها عالمًا، فأمَّا ما ذكرت من سُوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منَّا، وأمَّا جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنّا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيَّات؛ فنرى ذلك طعامنا. وأمَّا المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلّا ما غزلْنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم؛ دينُنا أن يقتلَ بعضُنا بعضًا، ويُغيرَ بعضُنا غلى بعض، وإن كان أحدنا ليَدفن ابنتَه وهي حيَّه كراهيةَ أن تاكل من طعامنا؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك؛ فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا، نعرف نسبَه، ونعرف وجهه ومولِده؛ فأرضُه خير أرضنا، وحسبُه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا؛ وقبيلته خير قبائلنا؛ وهو بنفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمَنا؛ فدعانا إلى أمر فلم يُجبه أحد قبل ترْبٍ كان له وكان الخليفةَ من بعده، فقال وقلنا، وصَدق وكَذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلّا كان، فقذف الله في قلوبنا التَّصديق له واتّباعه؛ فصار فيما بيننا وبين ربّ العالمين؛ فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمرُ الله؛ فقال لنا: إنَّ ربَّكم يقول: إنّي أنا اللهُ وحدي لا شَريك لي، كنتُ إذْ لم يكن شيء وكلّ شيء هالك إلّا وجهي، وأنا خلقتُ كلّ شيء، وإليَّ يصير كلّ شيء، وإنَّ رحمتي أدركتْكم فبعثت إليكم هذا الرّجل لأدُلَّكُمْ عَلَى السَّبيل الَّتي بها أنْجِيكمْ بعد الموت من عذابي، ولأحلَّكم داري؛ دار السَّلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحقّ من عند الحقّ، وقال: مَنْ تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومَنْ أبَى فاعرِضوا عليه الجزية، ثم امنعوه ممَّا تمنعون منه أنفسَكم، ومَن أبى فقاتلوه، فأنا الحكَم بينكم. فمن قُتل منكم أدخلته جنَّتي، ومَنْ بقيَ منكم أعقبته النَّصر على مَنْ ناوأه؛ فاخترْ إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر؛ وإن شئت فالسيف، أو تُسلم فتُنجي نفسك. فقال: أتستقبلني بمثل هذا!\nفقال: ما استقبلتُ إلّا مَنْ كلَّمني، ولو كلَّمني غيرُك لم أستقبلك به. فقال:","vol":"8","page":193},{"text":"لولا أنَّ الرسل لا تُقْتَل؛ لقتلتُكم، لا شيء لكم عندي، وقال: ائتوني بوِقْر من تراب، فقال: احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن؛ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنِّي مرسِل إليكم رستم حتى يُدفيَكم ويدفيَه في خندق القادسيَّة، وينكَل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدّ ممَّا نالكم من سابور.\nثم قال: مَنْ أشرفُكم؟ فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو - وافتات ليأخذ التراب: أنا أشرفُهم، أنا سيِّد هؤلاء فحمّلْنيه، فقال: أكذاك؟ قالوا: نعم، فحمّله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلَته فحمله عليها؛ ثم انجذب في السَّير، فأتوْا به سعدًا وسبقهم عاصم فمرّ بباب قُدَيس فطواه، فقال: بشِّروا الأميرَ بالظَّفر، ظفرنا إن شاء الله. ثم مضى حتَّى جعل التراب في الحِجْر، ثم رجع فدخل على سعد، فأخبره الخبر فقال: أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليدَ ملْكِهم.\nوجاء أصحابه وجعلوا يزدادون في كلّ يوم قوّة، ويزداد عدوّهم في كلّ يوم وَهَنًا، واشتدّ ما صنع المسلمون، وصنع الملك من قبول التراب على جلساء الملك، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عمَّا كان من أمره وأمرهم، وكيف رآهم، فقال الملك: ما كنتُ أرى أنَّ في العرب مثل رجال رأيتهم دخلُوا عليَّ وما أنتم بأعقلَ منهم، ولا أحسنَ جوابًا منهم؛ وأخبره بكلام متكلِّمهم، وقال: لقد صَدَقني القوم، لقد وعد القوم أمرًا ليُدركُنَّه أو ليمُوتنّ عليه، على أني قد وجدت أفضلَهم أحمقَهم، لمَّا ذكروا الجزية أعطيتُه ترابًا فحملَه على رأسه، فخرج به، ولو شاء اتَّقى بغيره؛ وأنا لا أعلم.\nقال: أيَّها الملك، إنه لأعقلُهم، وتطيَّر إلى ذلك، وأبصرها دون أصحابه.\nوخرج رستم من عنده كئيبًا غضبانَ - وكان منجِّمًا كاهنًا - فبعث في أثَر الوفد، وقال لثقته: إن أدركَهم الرّسول؛ تلافَينا أرضنا، وإن أعجزوه؛ سلبكم الله أرضكم وأبناءكم. فرجع الرّسول من الحيرة بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضِكم غير ذي شكّ، ما كان من شأن ابن الحجَّامة المُلك! ذهب القوم بمفاتيح أرضنا! فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظًا. وأغاروا بعد ما خرج الوفد إلى يَزْدَجِرد، إلى أن جاؤوا إلى صيَّادين قد اصطادوا سمكًا، وسار سواد بن مالك التميميّ إلى النّجاف والفِراض إلى جنبها، فاستاق ثلاثمئة دابَّة من بين بغل","vol":"8","page":194},{"text":"وحمار وثور، فأوقروها سمكًا، واستاقوها، فصبَّحوا العسكر، فقسم السَّمك بين النَّاس سعد، وقسمَ الدوابّ، ونفَّل الخمس إلّا ما رُدَّ على المجاهدين منه، وأسهم على السَّبْي؛ وهذا يوم الحيتان، وقد كان الآزاذ مَرد بن الآزاذبه خرج في الطَّلب، فعَطَف عليه سوادٌ وفوارس معه، فقاتلهم على قنطرة السَّيْلَحين؛ حتى عرفوا أنّ الغنيمة قد نجت، ثم اتَّبعوها فأبلغوها المسلمين، وكانوا إنَّما يقرَمون إلى اللحم؛ فأمَّا الحنطة والشعير والتمر والحبوب؛ فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوْا به لو أقاموا زمانًا؛ فكانت السَّرَايا إنَّما تسري للحوم، ويسمُّون أيامها بها، ومن أيَّام اللحم يومُ الأباقر ويوم الحيتان. وبعث مالك بن ربيعة بن خالد التيميّ؛ تَيْم الرّباب، ثم الواثليّ ومعه المساور بن النّعمان التيميّ ثم الرُّبَيعيّ في سريّه أخرى؛ فأغارا على الفيّوم؛ فأصابا إبلًا لبني تغلب والنَّمِر فشلّاها ومَن فيها، فغدَوا بها على سعد، فنُحرت الإبل في النَّاس. وأخصبوا وأغار على النَّهْرَيْنِ عمرو بن الحارث، فوجدوا على باب ثوراء مواشيَ كثيرة، فسلكوا أرض شَيْلي - وهي اليوم نهر زياد - حتى أتوا بها العسكر.\nوقال عمرو: ليس بها يومئذ إلا نهرانِ. وكان بين قدوم خالد العراق ونزول سعد القادسيِّة سنتان وشيء. وكان مُقام سعد بها شهرين وشيئًا حتى ظفر.\nقال - والإسناد الأول -: وكان من حديث فارس والعرب بعد البُوَيب أنَّ الأنوشَجان بن الهِرْبَذ خرجَ من سَواد البصرة يريد أهل غُضَيّ، فاعترضه أربعة نفر على أفناء تميم؛ وهم بإزائهم: المسْتَورِد وهو على الرِّباب، وعبد الله بن زيد يسانده؛ الرّبابُ بينهما، وجَزْء بن معاوية وابن النابغة يسانده؛ سَعد بينهما، والحُصين بن نِيَار والأعور بن بشامة يسانده على عمرو، والحصين بن معبد والشَّبه على حنظلة، فقتلوه دونهم. وقدم سعد فانضمُّوا إليه هم وأهل غُضَيّ وجميع تلك الفِرَق (١). (٣: ٤٩٨/ ٤٩٩/ ٥٠١/ ٥٠١/ ٥٠٢/ ٥٠٣).\n٢٥٥ - كتب إليّ السريُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، وعمرو بإسنادهم؛ قالوا: وخرج رستُم في عشرين ومئة ألف، كلُّهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":195},{"text":"متبوع، وكانوا بأتباعهم أكثرَ من مئتي ألف، وخرج من المدائن في ستين ألف متبوع (١). (٥٠٥: ٣).\n٢٥٦ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّ رستَم زحف لسعد وهو بالقادسيَّة في ستين ألفَ متبوع (٢). (٥٠٥: ٣).\n٢٥٧ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لمَّا أبى المَلِك إلّا السيرَ، كتب رستم إلى أخيه وإلى رؤوس أهل بلادهم: من رستم إلى البِنْدوان مرزبان الباب، وسهم أهل فارس، الَّذي كان لكلّ كونٍ يكون، فيفضّ الله به كلّ جند عظيم شديد، ويفتح به كلّ حصن حصين، ومن يليه؛ فرُمُّوا حصونكم، وأعِدّوا واستعِدّوا، فكأنكم بالعرب قد وردُوا بلادَكم، وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودُهم نحوسًا؛ فأبى الملك (٣). (٣: ٥٠٥/ ٥٠٦).\n٢٥٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّلْت بن بَهرام، عن رجل: أنّ يزدَجِرد لمَّا أمر رستم بالخروج من سَاباط، كتب إلى أخيه بنحوٍ من الكتاب الأوّل، وزاد فيه: فإنّ السمكة قد كدّرت الماء، وإنَّ النعائم قد حسُنت، وحسُنت الزُّهرَة، واعتدل الميزان، وذهب بَهْرام؛ ولا أرى هؤلاء القوم إلّا سيظهرون علينا، ويستولُون على ما يلينا. وإنَّ أشدّ ما رأيت أن الملك قال: لتسيرُنَّ إليهم أو لأسيرَنّ إليهم أنا بنفسي. فأنا سائر إليهم (٤). (٣: ٥٠٦).\n٢٥٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، وعمرو بإسنادهم، قالوا: لمَّا فَصَل رستم من سَاباط؛ لقيه جابان على القَنْطَرة، فشكا إليه، وقال: ألا تَرى ما أرى؟ فقال له رستم: أمَّا أنا فأقاد بخِشاش وزمام، ولا أجد بُدًّا من الانقياد. وأمر الجالنوس حتَّى قدم الحيرة؛ فمضى واضطرب فُسطاطه بالنَّجَف، وخرج رستم حتى ينزل بكُوثَى، وكتب إلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":196},{"text":"الجالنوس والآزاذ مرْد: أصيبَا لي رجلًا من العرب من جند سَعْد. فركبا بأنفسهما طليعة، فأصابا رجلًا، فبعثا به إليه وهو بكوثَى فاستخبَره، ثم قتله (١). (٣: ٥٠٧).\n٢٦٠ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، والمقدام الحارثي عمَّن ذكره، قالا: دعا رستم أهلَ الحيرة وسُرادقُه إلى جانب الدَّير، فقال: يا أعداءَ الله! فرحتم بدخول العرب علينا بلادَنا، وكنتم عيونًا لهم علينا، وقوَّيتموهم بالأموال! فاتَّقوْه بابن بُقَيلة، وقالوا له: كن أنت الذي تكلِّمه، فتقدّم، فقال: أمَّا أنت وقولك: \"إنا فرحنا بمجيئهم\" فماذا فعلوا؟ وبأيّ ذلك من أمورهم نفرح! إنَّهم ليزعمون أنَّا عبيد لهم، وما هم على ديننا؛ وإنّهم ليشهدون علينا أنَّا من أهل النار. وأمَّا قولُك: \"إنَّا كنا عيونًا لهم\"، فما الذي يُحوجهم إلى أن نكون عيونًا لهم، وقد هرب أصحابكم منهم، وخلَّوا لهم القرى! فليس يمنعهم أحد من وجه أرادوه، إن شاؤوا أخذوا يمينًا أو شمالًا. وأمَّا قولك: \"إنا قوَّيناهم بالأموال\"؛ فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا، وإذ لم تمنعونا مخافة أن نُسْبَى وأن نُحرب، وتُقتل مقاتلتُنا - وقد عجز منهم مَنْ لقيهم منكم - فكنَّا نحن أعجز؛ ولعمري لأنتم أحبُّ إلينا منهم؛ وأحسن عندنا بلاءً، فامنعونا منهم نكن لكم أعوانًا؛ فإنّما نحن بمنزلةِ عُلُوج السَّواد، عَبيد مَنْ غَلَب. فقال رستم: صدقكم الرجل (٢). (٣: ٤٠٨/ ٤٠٩).\n٢٦١ - كتب إليَّ السريُّ، عن شعيب عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: رأى رستُم بالدّير: أنّ ملكًا جاء حتى دخل عسكر فارس، فختَم السلاح أجمع (٣). (٣: ٤٠٩).\n٢٦٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وأصحابه؛ وشارَكهم النَّضر بإسناده، قالوا: ولمّأ اطمأنّ رستم أمَر الجالنوس أن يسير من النَّجف، فسار في المقدّمات، فنزل فيما بين النَّجف والسَّيْلَحين، وارتحل رستم، فنزل النَّجَف - وكان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":197},{"text":"وزحفه منها إلى أن لَقِيَ سعدًا أربعة أشهر، لا يُقدم ولا يقاتِل - رجاء أن يضجَروا بمكانهم، وأن يجهَدوا فينصرفوا، وكره قتالَهم مخافة أن يلقَى ما لَقي مَن قبَله، وطاولَهم لولا ما جعل الملك يستعجله ويُنهضه ويُقدّمه؛ حتى أقحمه؛ فلما نزل رستم النَّجَف عادت عليه الرؤيا، فرأى ذلك الملك ومعه النبيّ - ﷺ - وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل فارس، فختمه، ثم دفعه إلى النبيّ - ﷺ -، فدفعه النبيّ - ﷺ - إلى عمر. فأصبح رستم، فازداد حُزنًا، فلمَّا رأى الرَّفيل ذلك رغبَ في الإسلام؛ فكانت داعيتَه إلى الإسلام، وعرف عمر أنّ القوم سيطاولونهم، فعهد إلى سعد وإلى المسلمين أن ينزلُوا حدود أرضهم، وأنْ يطاولوهم أبدًا حتى يُنغضوهم، فنزلوا القادسيَّة، وقد وطَّنوا أنفسهم على الصَّبْر والمطاولة، وأبى الله إلا أن يتمّ نوره، فأقاموا واطمأنوا، فكانوا يُغيرون على السَّواد، فانتسفوا ما حولَهُمْ فحوَوه وأعدّوا للمطاولة؛ وعلى ذلك جاؤوا، أو يفتح الله عليهم. وكان عمر يمدُّهم بالأسواق إلى ما يصيبون؛ فلمَّا رأى ذلك الملك ورستم وعرفوا حالهم، وبلغهم عنهم فعلُهم؛ علم أن القوم غير منتهين، وأنَّه إن أقام لم يتركوه؛ فرأى أن يشخص رستم، ورأى رستم أن ينزل بين العتيق والنَّجَف، ثم يطاولهم مع المنازلة، ورأى: أنَّ ذلك أمثلُ ما هم فاعلون، حتى يصيبوا من الإحجام حاجَتَهم، أو تدور لهم سعود (١). (٣: ٥٠٩/ ٥١٠).\n٢٦٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: وجعلت السَّرايا تطوفُ، ورستُم بالنَّجف والجالنوس بين النَّجف والسَّيْلَحين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس، والهُرْمزان ومِهْران على مجنَّبتيْه، والبيرزان على ساقته وزاذ بن بُهَيْش صاحب فُرات سِرْيا على الرّجالة؛ وكنارَى على المجرّدة؛ وكان جنده مئة وعشرين ألفًا، ستين ألفَ متبوع مع الرجل الشاكريّ، ومن الستين ألفًا خمسة عشر ألف شريف متبوع، وقد تسلسلوا، وتقارنوا؛ لتدورَ عليهم رَحى الحرب (٢) (٣: ٥١٠).\n٢٦٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قَيْس، عن موسى بن طَريف، قال: قال النَّاس لسعد: لقد ضاق بنا المكان؛ فأقدِمْ، فزَبر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":198},{"text":"مَن كلَّمه بذلك، وقال: إذا كُفيتم الرّأي، فلا تكلَّفوا؛ فإنا لن نقدِم إلّا على رأي ذوي الرّأي، فاسكتوا ما سكتنا عنكم. وبعث طليحة وعمرًا في غير خيلٍ كالطليعة، وخرج سواد وحُميضة في مئة مئة؛ فأغاروا على النَّهرين؛ وقد كان سعد نهاهما أن يُمعنا، وبلغ رستم، فأرسل إليهم خيلًا، وبلغ سعدًا أنَّ خيلَه قد وَغلت؛ فدعا عاصم بن عمرو وجابرًا الأسديّ، فأرسلهما في آثارهم يقتصّانها، وسلكا طريقَهما، وقال لعاصم: إن جَمعَكم قِتَال فأنت عليهم، فلقيهم بين النهرين وإصْطِيميا؛ وخيل أهل فارس محتوشتُهم، يريدون تخلُّص ما بين أيديهم، وقد قال سواد لُحميضة: اختَرْ؛ إمَّا أن تقيم لهم وأستاق الغَنيمة، أو أقيم لهم وتستاق الغنيمة. قال: أقِمْ لهم ونَهْنِهْهُم عنِّي، وأنا أبلِّغ لك الغنيمة؛ فأقام لهم سواد، وانجذب حُميضة، فلقيه عاصم بن عمرو، فظنّ حُميضة أنَّها خيل للأعاجم أخرى، فصدّ عنها منحرفًا؛ فلمّا تعارفوا ساقَها؛ ومضى عاصم إلى سواد - وقد كان أهل فارس تنقَّذوا بعضها - فلمَّا رأت الأعاجم عاصِمًا هربوا، وتنقَّذ سوادُ ما كانوا ارتجعوا؛ فأتوا سعدًا بالفتح والغنائم والسلامة؛ وقد خرج طُلَيحة وعمرو؛ فأمَّا طُلَيحة فأمره بعسكر رستم، وأما عمرو فأمره بعسكر الجالنوس؛ فخرج طُليحة وحْدَه، وخرج عمرو في عدّة، فبدث قيس بن هبيرة في آثارهما؛ فقال: إن لقيتَ قتالًا فأنت عليهم - وأراد إذلال طليحة لمعصيته، وأمّا عمرو فقد أطاعه - فخرج حتى تلقّى عمرًا، فسأله عن طليحة، فقال: لا علْمَ لي به، فلمَّا انتهيا إلى النَّجَف من قبل الجَوْف، قال له قيس: ما تريد؟ قال: أريد أن أغير على أدنَى عسكرهم؛ قال: في هؤلاء؟ ! قال: نعم، قال: لا أدَعك والله وذاك! أتُعرّض المسلمين لما لا يطيقون! قال: وما أنت وذاك! قال: إني أمِّرت عليك؛ ولو لم أكن أميرًا لم أدعك وذاك. وشهد له الأسود بن يزيد في نفر: أنّ سعدًا قد استعمله عليك، وعلى طليحة إذا اجتمعتم، فقال عمرو: والله يا قيس؛ إنَّ زمانًا تكون عليّ فيه أميرًا لزمانُ سوء! لأن أرجعَ عن دينكم هذا إلى ديني الَّذي كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحبُّ إليّ مِنْ أن تتأمَّر عليّ ثانية. وقال: لئن عاد صاحبك الَّذي بعثَك لمثلها لنفارقنَّه؛ قال: ذاك إليك بعد مرّتك هذه، فردّه؛ فرجعا إلى سعد بالخبرِ، وبأعلاج، وأفراس، وشكا كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه؛ أمَّا قيسٌ فشكا عصيان عمرو، وأمَّا عمرو فشكا غِلْظة قيس، فقال سعد: يا عمرو! الخبر والسلامة أحبّ إليّ من مُصاب، مئة بقتل","vol":"8","page":199},{"text":"ألف، أتعمَد إلى حَلْبة فارس فتصادِمهم بمئة! إن كنت لأراك أعلَم بالحرب ممَّا أرى. فقال: إنَ الأمر لكما قلت؛ وخرج طُلَيحة حتى دخل عسكرهم في ليلة مقمِرة، فتوسّم فيه، فهتك أطناب بيت رجل عليه، واقتاد فرسه، ثم خرج حتى مرَّ بعسكر ذي الحاجب، فهتَك على رَجُلٍ آخر بيتَه، وحلّ فرسه، ثم دخل على الجالنوس عسكرَه فهتك على آخر بيته، وحلّ فرسه، ثم خرج حتى أتى الخرّارة؛ وخرج الَّذي كان بالنَّجف، والذي كان في عسكر ذي الحاجب فاتَّبعه الذي كان في عسكر الجالنوس، فكان أوَّلهم لحاقًا به الجالنوس؛ ثم الحاجبيّ، ثم النَّجَفي؛ فأصاب الأوّلين، وأسَرَ الآخر. وأتى به سعدًا فأخبره، وأسلم؛ فسمَّاه سعد مسلمًا؛ ولزم طُليحة؛ فكان معه في تلك المغازي كلّها (١). (٣: ٥١٠/ ٥١١/ ٥١٢).\n٢٦٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر، وعن أبي عثمان النَّهْديّ، قال: كان عمر قد عهد إلى سعد حين بعثَه إلى فارس؛ ألّا يمرّ بماء من المياه بذي قوّة ونجدة ورياسة إلّا أشخصه؛ فإن أبَى انتخبه، فأمَّره عمر، فقدم القادسيَّة في اثني عشر ألفًا من أهل الأيَّام، وأناس من الحمراء استجابوا للمسلمين، فأعانوهم؛ أسلم بعضهم قبل القتال، وأسلم بعضهم غبَّ القتال، فأشركوا في الغنيمة، وفُرضت لهم فرائض أهل القادسيَّة: ألفين ألفين؛ وسألوا عن أمنع قبائل العرب، فعادُّوا تميمًا؛ فلمَّا دنا رستم، ونزل النَّجَف بعث سعد الطلائع؛ وأمرهم أن يصيبوا رجلًا ليسأله عن أهل فارس؛ فخرجت الطلائع بعد اختلاف؛ فلما أجمع مَلأ الناس أنَّ الطليعةَ من الواحد إلى العشرة سَمَحوا، فأخرج سعد طُلَيحة في خمسة، وعمرو بن مَعْد يكرب في خمسة؛ وذلك صبيحةَ قدّم رستيم الجالنوس، وذا الحاجب؛ ولا يشعرون بفُصولهم من النَّجف؛ فلم يسيروا إلا فرسخًا وبعض آخر؛ حتى رأوا مسالحَهم وسَرْحَهم على الطُّفوف قد ملؤوها، فقال بعضهم: ارجعوا إلى أميركم فإنه سرَّحكم؛ وهو يرى أنَّ القوم بالنَّجف؛ فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا يَنْذرْ بكم عدوّكم! فقال عمرو لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه: كذبتم؛ ما بُعثتم لتُخبروا عن السَّرْح، وما بُعثتم إلا للخُبْر، قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخاطر القوم، أو\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":200},{"text":"أهلك، فقالوا: أنت رجل في نفسك غَدْر؛ ولن تفلح بعد قتل عُكّاشة بن مِحْصَن؛ فارجع بنا، فأبى. وأتى سعدًا الخبرُ برحيلهم؛ فبعث قيس بن هُبيرة الأسديّ، وأمَّره على مئة، وعليهم إن هو لقيَهم. فانتهى إليهم وقد افترقوا، فلمَّا رآه عمرو قال: تجلَّدوا له، أرَوْه أنَّهم يريدون الغارة؛ فردّهم، ووجد طليحةَ قد فارَقهم فرجع بهم، فأتوْا سعدًا، فأخبروه بقُرب القوم، ومضى طُليحة، وعارض المياه على الطُّفُوف؟ حتى دخلَ عسكر رستم، وبات فيه يجُوسه وينظر ويتوسّم؛ فلمَّا أدبر الليل، خرج وقد أتى أفْضل مَن توسّم في ناحية العسكر؛ فإِذا فرس له لم يُرَ في خيل القوم مثلُه، وفسطاط أبيض لم يُرَ مثله؛ فانتضى سيفه، فقَطع مِقْودَ الفرس، ثم ضمَّه إلى مقْوَد فرسه، ثم حرّك فرسه، فخرج يعدُو به، ونذِر به الناس والرَّجْل، فتنادوْا وركبوا الصّعْبة والذَّلول، وعجِل بعضهم أن يسرج، فخرجوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارسٌ من الجُند، فلمَّا غشِيَه وبوأ له الرّمح ليطعنه عدل طُليحة فرسه، فندر الفارسيّ بين يديه، فكرّ عليه طُلَيحة، فقصَم ظهره بالرّمح، ثم لحق به آخر، ففعل به مثلَ ذلك، ثم لحِق به آخر؛ وقد رأى مصرع صاحبيه - وهما ابنا عمِّه - فازداد حَنَقًا، فلمّا لحق بطُليحة، وبؤَأ له الرمح، عدل طليحة فرسه، فندر الفارسيّ أمامه، وكرَّ عليه طليحة؛ ودعاه إلى الإسار، فعرف الفارسيّ أنه قاتله فاستأسرَ، وأمره طُليحة أن يركُض بين يديه؛ ففعل. ولحِق الناس فرأوا فارسَي الجند قد قتلا وقد أسِر الثالث، وقد شارف طُليحة عسكرهم، فأحجموا عنه، ونكسوا، وأقبل طُليحة حتى غشيَ العسكر، وهم على تعبية، فأفزِع النَّاس، وجوّزوه إلى سعد؛ فلمَّا انتهى إليه، قال: ويحك ما وراءك! قال: دخلت عساكرهم وجُستها منذ الليلة، وقد أخذت أفضلَهم توسُّمًا، وما أدري أصبت أم أخطأت! وها هو ذا فاستخبِرْه. فأقيم التّرجمان بين سعد وبين الفارسيّ، فقال له الفارسيّ: أتؤمِّنني على دمي إن صدقتُك؟ قال: نعم، الصّدق في الحرب أحبّ إلينا من الكذب، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمّن قِبَلي؛ باشرتُ الحروب وغشيتُها، وسمعت بالأبطال ولقيتُها؛ منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما تَرَى، ولم أرَ ولم أسمع بمثل هذا؛ أن رجلًا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفًا، يخدم الرجل منهم الخمسةُ والعشرة إلى ما هو دون؛ فلم يرضَ أن يخرج كما دخل حتَى سلَب فارس الجند؛ وهَتَك أطناب بيته فأنذرَه،","vol":"8","page":201},{"text":"فأنذرَنا به، فطلبناه، فأدركه الأوَّل وهو فارس الناس، يعدل ألفَ فارس فقتله، فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله، ثم أدركتُه، ولا أظنّ أنني خلَّفت بعدي مَنْ يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين، وهما ابنا عمّي، فرأيتُ الموت فاستأسرت. ثم أخبره عن أهل فارس؛ بأن الجند عشرون ومئة ألف، وأن الأتباع مثلهم خُدّام لهم. وأسلم الرّجل وسمَّاه سعد مسلمًا، وعاد إلى طليحة، وقال: لا والله، لا تُهزَمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء، والصدق، والإصلاح، والمؤاساة. لا حاجَة لي في صُحبة فارس؛ فكان من أهل البلاء يومئذ (١). (٣: ٥١٢/ ٥١٣/ ٥١٤).\n٢٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بن طريف، قال: قال سعد لقيس بن هُبيرة الأسديّ: اخرج يا عاقلُ! فإنَّه ليس وراءك من الدّنيا شيء تحنُو عليه حتى تأتيَني بعلم القوم. فخرج وسرّح عمرو بن معد يكرب وطليحة؛ فلمَّا حاذَى القنطرة لم يسِرْ إلّا يسيرًا حتى لحق، فانتهى إلى خيلٍ عظيمة منهم بحيالها تردّ عن عسكرهم، فإذا رستُم قد ارتحلَ من النَّجَف، فنزل منزل ذي الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل ذو الحاجب منزلَه، والجالنوس يريد طَيْزناباذ؛ فنزل بها، وقدّم تلك الخيل. وإنَّ ما حمل سعدًا على إرسال عمرو وطليحة معه لمقالةٌ بلغتْه عن عمرو، وكلمة قالها لقيس بن هُبيرة قبل هذه المرَّة، فقال: قاتلوا عدوَّكم يا معشر المسلمين! فأنشب القتال، وطاردهم ساعة. ثم إنّ قيسًا حَمَل عليهم، فكانت هزيمتهم، فأصاب منهم اثني عشر رجلًا، وثلاثة أسراء، وأصاب أسلابًا، فأتوا بالغنيمة سعدًا وأخبروه الخبر؛ فقال: هذه بشرى إن شاء الله؛ إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدَّهم؛ فلهم أمثالُها، ودعا عمرًا وطُليحة، فقال: كيف رأيتما قيسًا؟ فقال طليحة: رأيناه أكمانًا، وقال عمرو: الأمير أعلم بالرّجال منَّا. قال سعد: إنَّ الله تعالى أحيانا بالإسلام وأجيا به قلوبًا كانت ميِّتة، وأمات به قلوبًا كانت حيَّة، وإني أحذّركما أن تؤثِرَا أمر الجاهليَّة على الإسلام؛ فتموت قلوبكما وأنتما حيَّان؛ الزَما السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق؛ فما رأى النَّاس كأقوام أعزَّهم الله بالإسلام (٢) (٣: ٥١٤/ ٥١٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":202},{"text":"٢٦٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد؛ وشاركهم المجالد وسعيد بن المَرْزُبان، قالوا: فلمَّا أصبح رستم من الغدِ من يوم نزل السَّيلحين؛ قدّم الجالنوس وذا الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل من دون القنطرة بحيال زُهرة، ونزل إلى صاحب المقدّمة، ونزل ذو الحاجب منزله بطيزناباذ، ونزل رستم منزلَ ذي الحاجب بالخرَّارة، ثم قدّم ذا الحاجب؛ فلمَّا انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال قُدَيس خندق خندقًا، وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدّمته - أعني سعدًا - زُهرة بن الحَويَّة، وعلى مجنَّبتيه عبد الله بن المُعْتَمّ، وشُرحبيل بن السّمط الكنديّ، وعلى مجرّدته عاصم بن عمرو، وعلى المُرامية فلان، وعلى الرجْل فلان، وعلى الطلائع سَواد بن مالك، وعلى مقدّمة رستَمِ الجالنوس، وعلى مجنَّبتيه الهُرمزان ومهران وعلى مجرّدته ذو الحاجب، وعلى الطلائع البيرزان، وعلى الرّجالة زاذ بن بُهَيش. فلمَّا انتهى رستم إلى العتيق، وقف عليه بحيال عسكر سعد، ونزَّل الناس، فما زالوا يتلاحَقُون ويُنْزِلهم فينزلون؛ حتى أعتموا من كَثْرتهم؛ فبات بها تلك الليلة والمسلمون مُمْسِكون عنهم.\nقال سعيد بن المرزبان: فلمّا أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا منجِّم رستم على رستم برؤيا أرِيها من اللَّيل، قال: رأيت الدّلو في السماء؛ دلوًا أفرِغ ماؤه، ورأيت السمكة؛ سمكة في ضَحْضاح من الماء تضطرب، ورأيت النّعائم والزُّهرة تزدهر، قال: ويحك! هل أخبرت بها أحدًا؟ قال: لا، قال: فاكتمها (١). (٣: ٥١٥/، ٥١٦).\n٢٦٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: كان رستم منجمًا، فكان يبكي ممَّا يرى ويقدم عليه، فلمَّا كان بظهر الكوفة رأى: أنّ عمر دخل عسكر فارس، ومعه ملَك، فختم على سلاحهم ثم حرمه ودفعه إلى عمر (٢). (٣: ٥١٦).\n٢٦٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":203},{"text":"أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم - وكان قد شهد القادسيَّة - قال: كان مع رستم ثمانية عشر فيلًا، ومع الجالنوس خمسة عشر فيلًا (١). (٣: ٥١٦).\n٢٧٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ؛ قال: كان مع رستم يوم القادسيَّة ثلاثون فيلًا (٢). (٣: ٥١٦).\n٢٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيْف، عن سعيد بن المرزبان، عن رجل، قال: كانَ مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلًا؛ منها فيل سابور الأبيض؛ وكانت الفيَلة تألفه، وكان أعظمها وأقدمها (٣). (٣: ٥١٦).\n٢٧٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: كان معه ثلاثة وثلاثون فيلًا، معه في القَلْب ثمانية عشر فيلًا، ومعه في المجنَّبتين خمسة عشر فِيلًا (٤). (٣: ٥١٦).\n٢٧٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، وسعيد، وطلحة، وعمرو، وزياد، قالوا: فلمَّا أصبح رستم من ليلته الَّتي باتها بالعتيق؛ أصبح راكبًا في خَيْلِه، فنظر إلى المسلمين، ثم صعد نحو القنطرة، وقد حزر الناس، فوقف بحيالهم دون القنطرة؛ وأرسل إليهم رَجُلًا: إنَّ رستم يقول لكم: أرسلوا إلينا رجلًا نكلِّمه ويكلّمنا، وانصرف فأرسل زُهرة إلى سعد بذلك، فأرسل إليه المغيرة بن شُعبة، فأخرجه زُهرة إلى الجالنوس؛ فأبلغه الجالِنوس رستم (٥).\n٢٧٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفَيل، عن أبيه، قال: لمَّا نزل رستم على العتيق وبات به، أصبح غاديًا على التّصفّح والحزْر، فسايَرَ العتيق نحو خَفَّان؛ حتى أتى على مُنْقطَع عسكر المسلمين، ثم صعِد حتى انتهى إلى القنطرة؛ فتأمَّل القوم؛ حتى أتى على شيء\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":204},{"text":"يُشِرف منه عليهم؛ فلما وقف على القنطرة؛ راسل زُهرة، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جُعْلًا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا وقد كان طائفة منكم في سلطاننا؛ فكنّا نُحسن جِوارهم، ونكفّ الأذى عنهم، ونولِّيهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم؛ فنُرعيهم مَراعينا، ونميرهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا؛ وقد كان لهم في ذلك معاشٌ - يعرّض لهم بالصّلح؛ وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرّح - فقال له زهرة: صدقتَ، قد كان ما تذكر؛ وليس أمرُنا أمرَ أولئك ولا طلبتنا. إنَّا لم نأتكم لطلَب الدُّنيا؛ إنما طلبتنا وهمَّتنا الآخرة؛ كنّا كما ذكرت، يدين لكم من ورد عليكم منَّا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم. ثم بعث الله ﵎ إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربِّه، فأجبناه، فقال لنبيّه - ﷺ -: إنِّي قد سلَّطت هذه الطائفة عَلَى من لم يَدِن بديني، فأنا منتقم بهم منهم؛ وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرّين به، وهو دين الحقّ، لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به أحَد إلّا عزّ. فقال له رستم: وما هو؟ قال: أمَّا عموده الَّذي لا يصلح منه شيء إلّا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى. قال: ما أحسن هذا! وأيّ شيء أيضًا؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. قال: حسن، وأيّ شيء أيضًا؟ قال: والنَّاس بنو آدم وحَوَّاء، إخوة لأب وأمّ، قال: ما أحسن هذا! ثمّ قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه؛ ومعي قومي كيف يكون أمركم! أترجعون؟ قال: إي والله! ثم لا نقرب بلادكم أبدًا إلّا في تجارة أو حاجة. قال: صدقتني والله! أمَا إنّ أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السّفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدَّوا طَوْرهم. وعادَوْا أشرافهم. فقال له زُهرة: نحن خيرُ النَّاس للنَّاس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون؛ نطيع الله في السّفلة، ولا يضرّنا مَنْ عصى الله فينا. فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا. فَحمُوا من ذلك، وأنفوا، فقال: أبعَدَكم الله وأسحقكم! أخزى الله أخْرَعنا وأجبنَنا! فلمَّا انصرف رستم ملتُ إلى زُهرة، فكان إسلامي؛ وكنت له عديدًا. وفرض لي فرائض أهل القادسيَّة (١). (٣: ٥١٧/ ٥١٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":205},{"text":"٢٧٥ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وزياد بإسنادهِم مثله. قالوا: وأرسل سعد إلى المغيرة بن شُعبة، وبُسْر بن أبي رُهْم، وعَرفجة بن هَرثمة، وحُذيفة بن مِحصَن، ورِبْعيّ بن عامر، وقِرفة بن زاهر التيميّ ثم الواثليّ، ومذعُور بن عَدِيّ العجليّ، والمضارب بن يزيد العجليّ ومَعْبَد بن مُرَّة العِجليّ - وكان من دُهاة العرب - فقال: إني مُرسلُكم إلى هؤلاء القوم؛ فما عندكم؟ قالوا جميعًا: نتّبع ما تأمرنا به، وننتهي إليه؛ فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شيء نظرنا أمثلَ ما ينبغي وأنفَعَه للنَّاس؟ فكلَّمناهم به. فقال سعد: هذا فِعل الحَزَمة، اذهبوا فتهيَّؤوا، فقال رِبعيّ بن عامر: إنّ الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعًا يروا أنَّا قد احتفلنا بهم! فلا تَزِدهم على رجل؛ فمالؤوه جميعًا على ذلك، فقال: فسرّحوني، فسرّحه، فخرج ربعيّ ليدخُل على رستم عسكره، فاحتبسه الَّذين على القنطرة، وأرسل إلى رستم لمجيئه، فاستشار عظماءَ أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أنباهي أم نتهاوَن؟ ! فأنجمع ملؤُهم على التهاون، فاظهروا الزّبْرِج، وبسطوا البُسُط والنَّمارق، ولم يتركوا شيئًا، ووضع لرستم سرير الذَّهب، وألبس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعيّ يسير على فرس له زبّاء قصيرة، معه سيف له مَشُوف، وغمده لفافة ثوب خَلَق، ورمحُه معلوب بقِدّ، معه حَجَفة من جلود البقر؛ على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونَبْله. فلمَّا غشي الملك، وانتهى إليه، وإلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحملَها على البساط، فلمَّا استوت عليه، نزَل عنها ورَبطها بوسادتين فشقَّهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه؛ وإنما أروه التَّهاون وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجَهم، وعليه درع له كأنها أضاة ويَلْمَقُه عباءة بعيره، قد جابها وتدرّعها، وشدّها على وسطه بسَلَب وقد شدّ رأسه بمعجرته؛ وكان أكثر العرب شعرةً، ومعجرته نسعة بعيره؛ ولرأسه أربع ضفائر؛ قد قمن قيامًا كأنهنّ قرون الوعلة. فقالوا: ضَعْ سلاحك، فقال: إنِّي لم آتِكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد؛ رجعت. فأخبروا رستم؛ فقال: ائذنوا له؛ هل هو إلَّا رجل واحد! فأقبل يتوكّأ على رمحه، وزُجّه نصلٌ يقارب الخطو، ويزجّ النَّمارق والبُسط، فَمَا ترك لهم نُمرقة ولا بساطأ إلَّا أفسده وتركه منهتكًا","vol":"8","page":206},{"text":"مخرَّقًا؛ فلمَّا دنا من رستم تعلَّق به الحرس، وجلَس على الأرض، وركز رمحَه بالبُسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنَّا لا نستحبّ القعود على زينتكم هذه. فكلّمه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنُخرجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدُّنيا إلى سَعتها، وِمن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خَلْقه؛ لندعوهم إليه، فمَن قَبِل منَّا ذلك قَبِلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضَه يليها دُوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا؛ حتى نُفضِيَ إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنَّة لمن مات على قتال من أبى، والظّفَر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالَتكم؛ فهل لكم أن تؤخّروا هذا الأمر حتى ننظر فيه، وتَنْظُروا؟ ! قال: نعم، كم أحبّ إليكم؟ أيومًا أو يومين؟ قال: لا بل حتَّى نكاتب أهَل رأينا ورؤساء قومنا. وأراد مقاربته ومدافعتَه، فقال: إنّ مما سنّ لنا رسولُ الله - ﷺ - وعمل به أئمّتنا، ألّا نمكّن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجِّلهم عند اللقاء أكثرَ من ثلاث، فنحن متردّدون عنكم ثلاثًا، فانظر في أمرك وأمرهم، واختَر واحدةً من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام ونَدَعك وأرضك، أو الجزاء، فنقبل ونكفّ عنك؛ وإن كنت عن نصرنا غنيًّا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجًا منعناك؛ أو المنابذة في اليوم الرابع؛ ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا؛ أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى. قال: أسيّدُهم أنت؟ قال: لا؛ ولكنّ المسلمين كالجسد بعضهم من بعض؛ يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلامًا قطّ أوضحَ ولا أعزّ من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدَع دينك لهذا الكلْب! أما ترى إلى ثيابه؟ ! فقال: ويْحكم! لا تنظروا إلى الثياب؛ ولكن انظروا إلى الرّأي والكلام والسِّيرة؛ إنّ العرب تستخفّ باللّباس، والمأكل، ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللبّاس، ولا يروْن فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه، ويزهّدونه فيه، فقال لهم: هل لكم إلى أن تُرُوني فأريَكم؟ فأخرج سيفه من خِرَقه كأنه شُعْلة نار. فقال القوم: اعْمده، فغمده؛ ثم رمى تُرسًا ورموا حَجَفته، فخُرق تُرسهم، وسلمت حَجَفته، فقال: يا أهلَ فارس! إنكم عظّمتم الطعام واللِّباس والشراب؛ وإنَّا صغَّرناهنّ. ثمّ رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل، فلمَّا كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرّجُل؛ فبعث إليهم سعد حُذيفة بن محصن،","vol":"8","page":207},{"text":"فأقبل في نحو من ذلك الزّيّ، حتى إذا كان على أدنى البِساط، قيل له: انزل، قال: ذلك لو جئتُكم في حاجتي؛ فقولوا لملككم: أله الحاجة أم لي؟ فإن قال: لي؛ فقد كذب؛ ورجعت وتركتكم؛ فإن قال: له، لم آتكم إلا على ما أحِبّ. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه؛ ورستم على سريره، فقال: انزل، قال: لا أفعل، فلمّا أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحبّ أن يعدل بيننا في الشدّة والرّخاء؛ فهذه نوْبتي. قال: ما جاء بكم؟ قال: إنَّ الله ﷿ مَنّ علينا بدينه، وأرانا آياتِه، حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرَنا بدُعاء الناس إلى واحدة من ثلاث؛ فأيّها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجِزَاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذَة. فقال: أو الموادعة إلى يوم ما؟ فقال: نعم، ثلاثًا من أمسِ. فلمَّا لم يجد عنده إلا ذلك ردّه وأقبل على أصحابه، فقال: ويْحكم! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأوّل بالأمس فغلَبنا على أرضنا، وحقَّر ما نعظِّم، وأقام فرسه على زِبْرِجنا وربَطه به؛ فهو في يُمْن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا؛ فهو في يُمْنِ الطائر، يقوم على أرضنا دوننا؛ حتى أغضَبهم وأغضبوه. فلمَّا كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلًا، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة (١). (٣: ٥١٨/ ٥١٩/ ٥٢٠/ ٥٢١).\n٢٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان النَّهديّ. قال: لمَّا جاء المغيرة إلى القنطرة فعَبرها إلى أهل فارس؛ حبسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيِّروا شيئًا من شارتهم، تقويةً لتهاونهم؛ فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم في زيّهم، عليهم التّيجان والثّياب المنسوجة بالذهب، وبُسُطُهم على غَلْوة لا يصلُ إلى صاحبهم؛ حتى يمشيَ عليهم غَلْوةً؛ وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي؛ حتى جلس معه على سريره ووسادته؛ فوثبوا عليه، فترِتروه، وأنزلوه، ومغثوه. فقال: كانت تَبْلغنا عنكم الأحلام؛ ولا أرى قومًا أسفه منكم! إنَّا معشر العرب سواءٌ؛ لا يستعبد بعضنا بعضًا إلّا أن يكون محاربًا لصاحبه؛ فظننت أنَّكم تُواسون قومكم كما نَتواسى؛ وكان أحسن من الذي صنعتم أن تُخبروني أنَّ بعضكم أربابُ بعض، وأنَّ هذا الأمر لا يستقيم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":208},{"text":"فيكم فلا نصنعه؛ ولم آتِكم؛ ولكن دعوتموني اليوم؛ علمت أن أمركم مضمحلّ، وأنّكم مغلوبون؛ وأن مُلكًا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول.\nفقالت السّفلة: صدَق والله العربيّ! وقالت الدّهاقين: والله لقد رَمى بكلام لا يزال عبيدُنا ينزعون إليه. قاتل الله أوّلينا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغّرون أمر هذه الأمّة! فمازحه رستُم ليمحُوَ ما صُنع، وقال له: يا عربيّ! إنّ الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عمَّا ينبغي من ذلك؛ فالأمر علَى ما تحبّ من الوفاء وقبول الحقّ؛ ما هذه المغازل التي معك؟ قال: ما ضرّ الجمرة ألّا تكون طويلة! ثم راماهم. وقال: ما بال سيفك رثًّا! قال: رثُّ الكسوةِ، حديد المضربة، ثم عاطاه سيفه، ثم قال له رستم: تكلّم أم أتكلَّم؟ فقال المغيرة: أنت الَّذي بعثت إلينا، فتكلَّم، فأقام الترجمان بينهما، وتكلَّم رستم، فحمِد قومه، وعظَّم أمرهم وطوّله. وقال: لم نزل متمكِّنين في البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافًا في الأمم؛ فليس لأحد من الملوك مثل عزّنا وشرفنا وسلطاننا، نُنصَر على النَّاس ولا يحصرون علينا إلّا اليوم واليومين، أو الشَّهر والشهرين؛ للذنوب؛ فإذا انتقم الله فرضي ردّ إلينا عزّنا، وجمعْنا لعدونا شرّ يوم هو آتٍ عليهم.\nثم إنه لم يكن في النَّاس أمة أصغر عندنا أمرًا منكم؛ كنتم أهلَ قَشف، ومعيشة سيّئة، لا نراكم شيئًا ولا نعدُّكم، وكنتم إذا قحطت أرضكم، وأصابتكم السنَّة استغثتم بناحية أرضنا، فنأمر لكم بالشيء من التَّمْر والشعير ثم نردّكم، وقد علمت: أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلّا ما أصابكم من الجهد في بلادكم، فأنا آمرُ لأميركم بكُسوة، وبغْل، وألف درهم، وامرُ لكلّ رجل منكم بوقر تمْرٍ، وبثوبين، وتنصرفون عنَّا، فإني لست أشتهي أن أقتُلَكم، ولا آسركم.\nفتكلّم المغيرة بن شُعبة، فحمد الله وأثنَى عليه، وقال: إنّ الله خالق كلّ شيء ورازقه؛ فمن صنع شيئًا فإنما هو الذي يصنعه هو له. وأمَّا الذي ذكرت به نفسَك وأهلَ بلادك؛ من الظّهورِ على الأعداء، والتمكّن في البلاد، وعُظْم السلطان في الدنيا؛ فنحن نعرفه، ولسنا نُنكره؛ فالله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم؛ وأمَّا الذي ذكرت فينا من سُوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف","vol":"8","page":209},{"text":"القلوب؛ فنحن نعرفُه، ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك، وصيَّرنا إليه، والدنيا دُوَل، ولم يزل أهلُ شدائدها يتوقَّعون الرّخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخاتها يتوقَّعون الشَّدائد حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شُكر، كان شكركم يقصّر عمّا أوتيتم، وأسلمكم ضَعْف الشكر إلى تغيّر الحال، ولو كنَّا فيما ابتُلينا به أهلَ كفر؛ كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبًا من الله رحمة يرفِّه بها عنَّا، ولكنّ الشأن غيرُ ما تذهبون إليه؛ أو كنتم تعرفوننا به، إنَّ الله ﵎ بعثَ فينا رسولًا ... ثم ذكر مثلَ الكلام الأوّل؛ حتى انتهى إلى قوله: وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكنْ لنا عبدًا تؤدّي الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلّا فالسيف إن أبيت! فنخر نخرة، واستشاط غضبًا، ثم حلَف بالشَّمْس لا يرتفع لكم الصّبح غدًا حتى أقتلكم أجمعين! .\nفانصرف المغيرة؛ وخلَص رستم تألّفًا بأهل فارس، وقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا! ألم يأتِكم الأوّلان فحسَّراكم، واستحرجاكم، ثم جاءكم هذا، فلم يختلفوا، وسلكوا طريقًا وأحدًا، ولزموا أمرًا واحدًا. هؤلاء والله الرجال؛ صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن كان بلغ من إربهم، وصوْنهم لسرّهم ألّا يختلفوا، فما قَوْمٌ أبلَغ فيما أرادوا منهم؛ لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء! فلجّوا، وتجلَّدوا. وقال: والله إني لأعلم أنَكم تُصغون إلى ما أقول لكم، وإنّ هذا منكم رِئاء! فازدادوا لَجاجة (١). (٣: ٥٢١/ ٥٢٢/ ٥٢٣/ ٥٢٤).\n٢٧٧ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: فأرسل مع المغيرة رجلًا وقال له: إذا قطع القنطرة، ووصل إلى أصحابه، فناد: إن الملك كان منجّمًا، قد حسب لك، ونظر في أمرك، فقال: إنَّك غدًا تُفقأ عينُك. ففعل الرسول، فقال المغيرة: بشّرتَني بخيرٍ وأجر! ولولا أنْ أجاهدَ بعد اليوم أشباهَكم من المشركين، لتمنّيتُ أنّ الأخرى ذهبت أيضًا. فرآهم يضحكون من مقالته، ويتعجَّبون من بصيرته؛ فرجع إلى الملك بذلك، فقال: أطيعوني يا أهلَ فارس! وإنّي لأرى لله فيكم نِقْمة لا تستطيعون ردَّها عن أنفسكم. وكانت خيولُهم تلتقِي على القنطرة لا تلتقي إلّا عليها، فلا يزالون\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":210},{"text":"يبدؤون المسلمين، والمسلمون كافُّون عنهم الثلاثة الأيام؛ لا يبدؤونهم؛ فإذا كان ذلك منهم؛ صَدُّوهم، وَرَدَعُوهم (١). (٣: ٥٢٤).\n٢٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان ترجمان رستم من أهل الحيرة يُدعى عَبُود (٢) (٣: ٥٢٤).\n٢٧٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، وسعيد بن المرزبان، قالا: دعا رستم بالمغيرة، فجاء حتى جلس على سريره، ودعا رستم ترجمانه -وكان عربيًّا من أهل الحيرة، يُدعَى عَبُود- فقال له المغيرة: ويحك يا عَبُود! أنت رجل عربيّ؛ فأبلِغْه عنّي إذا أنا تكلَّمت كما تُبلغني عنه. فقال له رستم مثل مقالته، وقال له المغيرة مثل مقالته إلى إحدى ثلاث خلال: إلى الإسلام ولكم فيه مالنا وعليكم فيه ما علينا؛ ليس فيه تفاضُل بيننا، أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: ما \"صاغرون\"؟ قال: أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدِنا بالجزية يحمَده أن يقبلها منه إلى آخر الحديث؛ والإسلام أحبّ إلينا منهما (٣). (٣: ٥٢٤/ ٥٢٥).\n٢٨٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: شهدتُ القادسيَّة غلامًا بعد ما احتلمت؛ فقدم سعد القادسيَّة في اثني عشر ألفًا؛ وبها أهل الأيَّام، فقدمتْ علينا مقدّمات رستم، ثمّ زحف إلينا في ستين ألفًا، فلما أشرف رستم على العسكر قال: يا معشَرَ العرب! ابعثوا إلينا رجلًا يكلِّمنا ونكلّمه؛ فبعث إليه المغيرةَ بن شعبة ونفرًا، فلما أتوْا رستم جلس المغيرة على السَّرير، فنخر أخو رستم، فقال المغيرة: لا تنخر؛ فما زادني هذا شرفًا ولا نقص أخاك. فقال رستم: يا مغيرة! كنتم أهل شَقَاء، حتى بلغ: وإن كان لكم أمرٌ سوى ذلك، فأخبِرونا. ثم أخذ رستم سهمًا من كنانته، وقال: لا تروْا أنّ هذه المغازل تغني عنكم شيئًا؛ فقال المغيرة مُجيبًا له، فذكَر النبيّ - ﷺ - قال: فكان ممَّا رزقنا الله على يديه حبَّة تنبت في أرضكم هذه؛ فلمّا أذقناها عيالَنا،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":211},{"text":"قالوا: لا صبرَ لنا عنها، فجئنا لنُطعمهم، أو نموت. فقال رستم: إذًا تموتون، أو تُقتلون، فقال المغيرة: إذًا يدخل مَن قتل منّا الجنّة، ويدخل مَن قَتلنا منكم النارَ، ويظفر مَن بقيَ منَّا بمن بقي منكم؛ فنحن نخيّرك بين ثلاث خلال ... إلى آخر الحديث فقال رستم: لا صلح بيننا وبينكم (١)! (٣: ٥٢٥).\n٢٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: أرسل إليهم سعد بقيَّة ذوي الرأي جميعًا، وحبس الثَّلاثة، فخرجوا حتى أتوْه ليعظموا عليه استقباحًا، فقالوا له: إنّ أميرَنا يقول لك: إنّ الجوار يحفظ الوُلاة، وإنّي أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك الله إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعْض؛ إلّا أن داركم لكم، وأمركم فيكم؛ وما أصبتم ممَّا وراءكم كان زيادة لكم دوننا؛ وكنَّا لكم عونًا على أحد إن أرادكم أو قوي عليكم. واتّق الله يا رستم! ولا يكونَنّ هلاكُ قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تُغْبَط به إلا أن تدخل فيه، وتطرُد به الشيطان عنك؛ فقال: إني قد كلَّمت منكم نفرًا، ولو أنهم فهموا عنّي رجوت أن تكونوا قد فهمتم، وإنّ الأمثال أوضحُ من كثير من الكلامِ، وسأضرب لكم مثَلكم تَبَصَّروا. إنكم كنتم أهل جَهد في المعيشة، وقشَف في الهيئة، لا تمتنعون، ولا تنتصفون، فلم نُسئ جِواركم، ولم ندع مواساتكم، تُقحَمون المرّة بعد المرّة، فنميركم ثم نردّكم، وتأتوننا أجَراء وتجّارًا، فنحسن إليكم؛ فلما تطاعمتم بطعامنا، وشربتم شرابنا، وأظلَّكم ظلّنا، وصفتم لقومكم؛ فدعوتموهم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مثلُكم في ذلك ومثلُنا كمثل رجل كان له كَرْم، فرأى فيه ثعلبًا، فقال: وما ثعلب! فانطلق الثَّعلب، فدعا الثَّعالب إلى ذلك الكَرْم، فلما اجتمعن عليه سدّ عليهنّ صاحبُ الكرْم الجُحر الَّذي كنّ يدخلْن منه، فقتلهنّ؛ وقد علمتُ: أنّ الذي حَمَلكم على هذا الحرصُ، والطمعُ، والجَهد، فارجعوا عنَّا عامَكم هذا، وامتاروا حاجتَكم، ولكم العَوْد كلَّما احتجتم، فإني لا أشتهي أن أقتلكم (٢). (٣: ٥٢٥/ ٥٢٦).\n٢٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُمارة بن القعقاع\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":212},{"text":"الضّبيّ، عن رجل من يَربوع شهدَها، قال: وقال: وقد أصابَ أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا، ثم كان مصيرُهم القتل والهَرب، ومَن سنّ هذا لكم خيرٌ منكم وأقوى؛ وقد رأيتم أنتم كلَّما أصابوا شيئًا أصيب بعضهم ونجا بعضهم؛ وخرج ممَّا كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جُرْذان ألِفت جرَّة فيها حَبّ، وفي الجرَّة ثَقْب، فدخل الأوَّل فأقام فيها، وجعل الأخَر يَنقُلن منها ويرجعْنَ ويكلّمْنه في الرجوع، فيأبَى، فانتهى سمن الذي في الجرّة، فاشتاق إلى أهله ليُريَهم حُسن حاله، فضاق عليه الجُحر، ولم يُطِق الخروج، فشكا القَلَق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقلن له: ما أنت بخارج منها حتى تعودَ كما كنت قبل أن تدخل، فكفّ وجوّع نفسه، وبقيَ في الخوف، حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلَها أتى عليه صاحب الجَرّة فقتله. فاخرُجوا، ولا يكونَنّ هذا لكم مثلًا (١). (٣: ٥٢٦/ ٥٢٧).\n٢٨٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: وقال: لم يخلق الله خلْقًا أولَع من ذُباب ولا أضرّ؛ مما خلاكم يا معشر العرب! تروْن الهلاك ويُدليكم فيه الطّمع؛ وسأضرب لكم مثلكم: إنّ الذّباب إذا رأى العسَلَ طار، وقال: مَن يوصّلني إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنِهُه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشِب وقال: مَن يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقالى أيضًا: إنما مثلُكم مثل ثعلب دخل جُحرًا وهو مهزول ضعيف إلى كَرْم، فكان فيه يأكل ما شاء الله، فرآه صاحب الكَرْم، ورأى ما به، فرحمه، فلمَّا طال مكثُه في الكَرْم ولسمِن، وصلحَت حالُه، وذهب ما كان به من الهزال أشر، فجعل يعبث بالكَرْم ويُفسد أكثر ممَّا يأكل، فاشتدّ على صاحب الكَرْم، فقال: لا أصبر علَى هذا من أمر هذا، فأخذ له خشبة واستعان عليه غِلمانه، فطلبوه وجعل يراوغهم في الكَرْم، فلمَّا رأى: أنَّهم غيرُ مُقلعين عنه؛ ذهب ليخرج من الجُحر الَّذي دخل منه، فنشب. اتَّسع عليه وهو مهزول، وضاق عليه وهو سمين؛ فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكَرْم، فلم يزل يضربه حتى قتله، وقد جئتم وأنتم مهازيل؛ وقد سِمنتُم شيئًا من سمَن، فانظروا كيف تخرجون! وقال أيضًا: إنَّ رجلًا وضع سَلّا، وجعل طعامه فيه، فأتى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":213},{"text":"الجرذان، فخرقوا سلَّه، فدخلوا فيه فأراد سدّه، فقيل له: لا تفعل، إذًا يخرقْنَه، ولكن انقب بحياله؛ ثم اجعل فيها قصبة مجوَّفة، فإذا جاءت الجُرذان دخلْن من القصبة وخرجن منها، فكلَّما طلع عليكم جُرَذ قتلتموه. وقد سددتُ عليكم؛ فإيَّاكم أن تقتحموا القصَبة، فلا يخرج منها أحدٌ إلّا قُتل، وما دعاكم إلى ما صنعتم؛ ولا أرى عَددًا ولا عُدّة! (١) (٣: ٥٢٧).\n٢٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمَّد، وطلحة بإسنادهما وزياد معهما، قالوا: فتكلَّم القوم فقالوا: أمَّا ما ذكرتم من سُوء حالنا فيما مضى، وانتشار أمرِنا، فلمَّا تبلغ كُنْهَه! يموت الميّت منَّا إلى النار، ويبقى الباقي منا في بؤس؛ فبينا نحن في أسْوَأ ذلك؛ بعث الله فينا رَسُولًا مِن أنْفُسِنَا إلى الإنس والجنّ، رحمةً رحم بها مَن أراد رحْمَتَه، ونقمة ينتقم بها ممن ردَّ كرامته؛ فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحدٌ أشدّ عليه؛ ولا أشدُّ إنكارًا لما جاء به، ولا أجهدُ على قتله وردّ الذي جاء به من قومه، ثمِ الَّذين يلُولْهم، حتى طابقْناه على ذلك كلّنا، فنصبنا له جميعًا، وهو وحده فردٌ ليس معه إلّا الله تعالى، فأعطيَ الظَّفَر علينا، فدخل بعضُنا طوعًا، وبعضنا كرهًا، ثم عرفنا جميعًا الحقّ والصّدق لما أتانا به من الآيات المعجزة؛ وكان ممَّا أتانا به من عند رَبّنا جهاد الأدنى فالأدنى، فسِرنا بذلك فيما بيننا، نرى أنّ الذي قال لنا ووعَدنا لا يُخرَم عنه ولا يُنقَض؛ حتى اجتمعت العرب على هذا، وكانوا من اختلاف الرّأي فيما لا يطيق الخلائق تأليفهم. ثم أتيناكم بأمر ربّنا، نجاهد في سبيله، ونَنفُذ لأمره، وننتجز موعودَه، وندعوكم إلى الإسلام وحكمه؛ فإن أجبتمونا تركناكم، ورجعنا وخلَّفنا فيكم كتابَ الله؛ وإن أبيتم لم يحلّ لنا إلّا أن نعاطيَكم القتال أو تفتدوا بالجِزَى؛ فإن فعلتم وإلا فإنّ الله قد أورثَنا أرضَكم، وأبناءكم، وأموالكم. فاقبلوا نصيحَتنا؛ فوالله لإِسلامُكمْ أحبّ إلينا من غنائمكم، ولَقتالكم بعدُ أحبّ من صلحكم. وأمَّا ما ذكرت من رثاثتنا وقلَّتنا فإنّ أداتَنا الطاعة، وقتالَنا الصبر. وأمَّا ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتمُ للرجال والأمور الجسام وللجدّ الهزل؛ ولكنّا سنضرب مثلَكم، إنَّما مثلُكم مثلُ رجل غَرَس أرضًا، واختار لها الشَّجَر والحَبّ، وأجرى إليها الأنهار، وزيَّنها بالقصور، وأقام فيها فلّاحين\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":214},{"text":"يسكنون قصورها، ويقومون على جنّاتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحبّ، وفي الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم، فلمَّا لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم؛ استعتبَهم فكابروه، فدعا إليها غيرهم، وأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطَّفهم النَّاس، وإن أقاموا فيها صارُوا خَوَلًا لهؤلاء يملكونهم؛ ولا يملَّكون عليهم؛ فيسومونَهُم الخَسْفَ أبدًا؛ ووالله أن لو لم يكن ما نقول لك حقًّا، ولم يكن إلّا الدنيا، لما كان لنا عَمّا ضرينَا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زِبْرِجكم من صبرٍ، ولقارعناكم حتى نغلبَكم عليه.\nفقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبرُوا إلينا، فخرجوا من عنده عشيًّا، وأرسل سعد إلى النَّاس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم: شأنَكم والعبور، فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة! أمّا شيء قد غلبناكم عليه فلن نردَّه عليكم؛ تكلَّفوا مِعبرًا غير القناطر، فباتوا يسكُرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم. (١) (٣: ٥٢٨/ ٥٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>يوم أرماث</span>\n٢٨٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع وعن الحكَم، قالا: لمَّا أراد رستم العبورَ أمر بسَكْر العتيق بحيال قادس، وهو يومئذ أسفل منها اليوم ممَّا يلي عين الشمس، فباتوا ليلَتَهم حتَّى الصباح يسكُرون العتيق بالتراب والقَصَب والبراذع حتى جعلوه طريقًا، واستُتِمّ بعد ما ارتفع النهار من الغد. (٢) (٣: ٥٢٩).\n٢٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، وطلحة، وزياد، بإسنادهم، قالوا: ورَأى رستم من الليل: أن ملَكًا نزل من السماء، فأخذ قميّ أصحابه، فختم عليها، ثم صعد بها إلى السماء؛ فاستيقظ مهمومًا محزونًا، فدعا خاصّته فقصّها عليهم، وقال: إنَّ الله لَيَعظُنا، لو أنّ فارس تركوني أتَّعظ! أما تروْن النصر قد رُفع عنَّا، وترون الريح مع عدوّنا، وأنَّا لا نقوم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":215},{"text":"لهم في فعل ولا منطق، ثم هم يريدون مغالبة بالجبريّة! فعبروا بأثقالهم حتى نزلُوا على ضفَّة العتيق (١). (٣: ٥٢٩).\n٢٨٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعْمَش، قال: لمَّا كان يوم السَّكْر، لبس رستم درعَيْن ومغفرًا وأخذ سلاحه، وأمر بفرسه فأسرِج، فأتَى به فوثَب؛ فإذا هو عليه لم يمسَّه ولم يضع رِجله في الرّكاب، ثم قال: غدًا ندقّهم دقًّا، فقال له رجل: إن شاء الله، فقال: وإن لم يشأ! (٢) (٣: ٥٣٠).\n٢٨٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد الهمْدانيّ، عن أبيه، عن أبي نِمْران، قال: لمَّا عَبَر رستم تحوّل زُهرة، والجالنوس، فجعل سعد زُهرةَ مكان ابن السِّمط، وجعل رستم الجالنوس مكان الهُرْمُزان، وكان بسعد عِرْق النَّسَا ودَمَاميل، وكان إنما هو مكبٌّ، واستخلف خالد بن عُرْفُطة علَى الناس فاختلف عليه، فقال: احملوني، وأشرفوا بي على النَّاس؛ فارتقَوْا به، فأكبّ مطَّلعًا عليهم، والصفُّ في أصل حائط قُدَيْس؛ يأمر خالدًا فيأمر خالد الناس، وكان ممَّن شغب عليه وجوهٌ من وجوه النَّاس، فهمّ بهم سعد وشتَمهم، وقال: أمَا والله لولا أنّ عدوّكم بحضرتكم؛ لجعلتكم نَكالًا لغيركم! فحبسهم - ومنهم أبو مِحْجَن الثَّقَفِيّ - وقيّدهم في القصر، وقال جرير: أما إني بايعت رسولَ الله - ﷺ - على أن أسمعَ وأطيع لمن ولَّاه الله الأمر وإن كان عبدًا حبشيًّا، وقال سعد: والله لا يعود أحدٌ بعدها يحبس المسلمين عن عدوّهم، ويشاغلهم وهم بإزائهم إلّا سُنَّت به سُنَّة يؤخَذ بها مِنْ بعدي (٣). (٣: ٥٣١).\n٢٨٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: إنّ سعدًا خطب مَنْ يليه يومئذ؛ وذلك يوم الإثنين في المحرّم سنة أربع عشرة بعد ما تهدّم على الذين اعترضوا على خالد بن عُرْفُطة؛ فحمِد الله وأثنى عليه. وقال: إن الله هو الحقّ لا شريك له في المُلك؛ وليس لقوله خلْف، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ إنّ هذا ميراثكم وموعود ربّكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":216},{"text":"حِجَج؛ فأنتم تطعمون منها، وتأكلون منها، وتقتلون أهلها، وتجْبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيّام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع؛ وأنتم وجوهُ العرب وأعيانُهم، وخيار كلّ قبيلة، وعِزُّ مَن وراءكم؛ فإن تَزْهدوا في الدّنيا، وترغبوا في الآخرة؛ جَمَع الله لكم الدُّنيا والآخرة، ولا يقرّب ذلك أحدًا إلى أجله، وإنْ تفشَلوا، وتَهِنوا، وتضعُفوا، تذهب ريحُكم، وتُوبِقوا آخرتكم.\nوقام عاصم بن عمرو في المجرّدة؛ فقال: إنَّ هذه بلاد قد أحلّ الله لكم أهلَها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلوْن والله معكم؛ إن صبرتم وصدقتموهم الضّرب، والطعن؛ فلكم أموالهم، ونساؤهم، وأبناؤهم، وبلادهم؛ وإن خُرتم وفشلتم فالله لك من ذلك جار وحافظ، لم يُبق هذا الجمع منكم باقية؛ مخافةَ أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك. الله الله! اذكروا الأيّام وما منحكم الله فيها! أوَ لا ترون أنّ الأرض وراءكم بسابس قِفارٌ ليس فيها خَمَر، ولا وَزَر يُعقل إليه، ولا يُمتنَع به! اجعلوا همّكم الآخرة!\nوكتب سعد إلى الرّايات: إني قد استخلفتُ عليكم خالد بن عُرْفُطة، وليس يمنعني أن أكونَ مكانَه إلا وَجَعي الذي يعودُني وما بي من الحُبون، فإنّي مُكبّ على وجهي وشخصي لكم بادٍ، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنَه إنَّما يأمركم بأمري، ويعمل برأيي، فقُرئ على النَّاس فزادهم خيرًا، وانتهوْا إلى رأيه، وقبلوا منه وتحاثّوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عُذر سعد والرّضا بما صنع (١). (٣: ٥٣١/ ٥٣٢).\n٢٩٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن مسعود، قال: وخطب أمير كلّ قوم أصحابَه، وسيّر فيهم، وتحاضّوا على الطاعة، والصبر وتواصَوْا؛ ورجع كلّ أمير إلى موقفه بمن والاه من أصحابه عند المواقف؛ ونادى مُنادي سعد بالظُّهر، ونادى رستم: \"بادِشَهانِ مَرَنْدر\"، أكل عمر كبدي أحرق الله كبده! علَّم هؤلاء حتى علموا (٢). (٣: ٥٣٢)\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":217},{"text":"٢٩١ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، قال: حدّثنا سيف، عن النَّضر، عن ابن الرُّفيل، قال: لمَّا نزل رستم النَّجفَ بعثَ منها عينًا إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسيَّة كبعض مَن ندّ منهم، فرآهم يستاكون عند كلّ صلاة، ثم يصلُّون، فيفترقون إلى مواقفهم، فرجع إليه فأخبره بخبرهم، وسيرتهم، حتى سأله: ما طعامهم؟ فقال: مكثتُ فيهم ليلةً، لا والله ما رأيت أحدًا منهم يأكل شيئًا إلا أن يمصُّوا عِيدَانًا لهم حين يُمْسُون، وحين ينامون، وقُبيلَ أن يُصبحوا. فلمّا سار فنزل بين الحصن والعتيق؛ وافقهم وقد أذّن مؤذّن سعد الغداة، فرآهم يتحشحشون، فنادى في أهل فارس أنْ يركبوا، فقيل له: ولمَ؟ قال: أما ترون إلى عدوّكم قد نُودِيَ فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه ذلك: إنما تحشحُشُهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية، وهذا تفسيره بالعربية: أتاني صوت عند الغداة، وإنما هو عُمَر الذي يكلّم الكلاب، فيعلّمهم العقل، فلمَّا عبروا؛ تواقفوا، وأذّن مؤذِّن سعد للصّلاة، فصلَّى سعد، وقال رستم: أكل عمر كَبدِي! (١). (٣: ٥٣٢/ ٥٣٣).\n٢٩٢ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ: إنَ أهل فارس كانوا عشرين ومئة ألف، معهم ثلاثون فيلًا، مع كلّ فيل أربعة آلاف (٢). (٣: ٥٣٥).\n٢٩٣ - كتب إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن مسعود بن خِراش، قال: كان صفّ المشركين على شفير العتيق، وكان صفّ المسلمين مع حائط قُدَيْس، الخندقُ من ورائهم، فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق. ومعهم ثلاثون ألف مسلسَل، وثلاثون فيلًا تُقاتِل، وفِيَلة عليها الملوك وقوف لا تُقاتل. وأمر سعد النَّاس أن يقرؤوا على النَّاس سورة الجهاد، وكانوا يتعلّمونها (٣). (٣: ٥٣٥).\n٢٩٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":218},{"text":"وزياد بإسنادهم، قالوا: قال سعد: الزمُوا مواقفَكم، لا تحرّكوا شيئًا حتى تصلّوا الظهر، فإذا صلَّيتم الظهر فإنِّي مكبِّر تكبيرةً، فكبِّروا واستعدّوا. واعلموا أنّ التّكبير لم يُعْطَه أحدٌ قبلَكم، واعلموا أنَّما أعطيتموه تأييدًا لكم. ثم إذا سمعتم الثانية فكبِّروا، ولتُستَتمّ عُدّتكم، ثم إذا كبَّرتُ الثالثة فكبِّروا، ولينشِّط فرسانُكم الناس؛ ليبرزوا، وليطاردوا، فإذا كبّرت الرابعة فازحفوا جميعًا حتى تخالطوا عدوّكم؛ وقولوا: لا حول ولا قوّة إلا بالله!\nكتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيان، عن مُصْعَب بن سعد، مثله (١). (٣: ٥٣٥).\n٢٩٥ - كتب إليّ السريُّ، عن شعيب، عن سيف، عن زكريَّاء، عن أبي إسحاق، قال: أرسل سعد يوم القادسيَّة في النَّاس: إذا سمعتم التَّكبير فشدّوا شُسوع نعالكم، فإذا كبَّرتُ الثانية فتهيَّؤوا، فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ على الأضراس واحملوا (٢). (٣: ٥٣٦).\n٢٩٦ - كتب إليّ السريُّ بن يحيى عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: لمَّا صلَّى سعد الظهر أمر الغلام الَّذي كان ألزمه عمر إيّاه - وكان من القرّاء - أن يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون يتعلَّمونها كلّهم، فقرأ على الكتيبة الذين يلُونه سورةَ الجهاد، فقرئت في كلّ كتيبة، فهشَّت قلوب الناس، وعيونهم، وعرفوا السكينة مع قراءتها (٣). (٣: ٥٣٦).\n٢٩٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: لما فرغ القُرّاء كبَّر سعد، فكبَّر الذين يلُونه تكبيرة، وكبَّر بعض الناس بتكبير بعض، فتحشحش الناس، ثم ثنَّى فاستتَمّ الناس، ثم ثلَّث فبرز أهلُ النَّجدات، فأنشبوا القتال، وخرج من أهل فارس أمثالُهم، فاعتوروا الطَّعن والضّرب، وخرج غالب بن عبد الله الأسديّ وهو يقول:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":219},{"text":"قد عَلِمَتْ واردَةُ المسائحِ ... ذاتُ اللَّبانِ والبنانِ الواضحِ\nأنِّي سِمامُ البَطَلِ المُشايح ... وفارجُ الأمْرِ المُهِمّ الفادِحِ\nفخرج إليه هُرمُز - وكان من ملوك الباب، وكان متوَّجًا - فأسره غالب أسرًا، فجاء سعدًا، فأدخِل، وانصرف غالب إلى المطاردة، وخرج عاصم بن عمر؛ وهو يقول:\nقد عَلِمَتْ بَيْضاء صَفْراءُ اللَّبَبْ ... مِثْلُ اللُّجَيْنِ إذْ تَغَشَّاهُ الذَّهَبْ\nأنِّي امْرُؤُ لا مَنْ تَعيبهُ السُّبَبْ ... مِثْلي على مِثْلِكَ يُغْريِه العَتَبْ\nفطارد رجلًا من أهل فارس، فهرب منه، واتّبعه، حتى إذا خالط صفَّهم؛ التقى بفارس معه بغلة، فترك الفارس البغلة، واعتصم بأصحابه فحموْه، واستاق عاصم البغل والرَّحْل، حتى أفضى به إلى الصفّ، فإذا هو خبَّاز الملك وإذا الَّذي معه لَطَفُ الملك: الأخبصةُ، والعسل المعقود، فأتى به سعدًا، ورجع إلى موقفه، فلمَّا نظر فيه سعد، قال: انطلقوا به إلى أهل موقفه، وقال: إنَّ الأمير قد نفَّلكم هذا فكلُوه، فنفّلهم إياه. قالوا: وبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة؛ إذ قام صاحب رجّالة بني نَهْد قيس بن حذيَم بن جُرثومة، فقال: يا بني نَهْد انهدوا!، إنما سمِّيتم نَهْدًا؛ لتفعلوا. فبعث إليه خالد بن عُرفُطة: والله لتكُفَّنَ أوْ لأولِّيَنّ عمَلَك غيرَك. فكَفّ.\nولما تطاردت الخيل والفُرسان؛ خرج رجُلٌ من القوم ينادي: مَرد ومَرد، فانتدب له عمرو بن معد يكَرب وهو بحياله، فبارزه فاعتنقه، ثم جلَد به الأرض فذبحه، ثم التفتَ إلى النَّاس، فقال: إن الفارسيّ إذا فقد قوسَه فإنما هو تَيْس. ثم تكتَّبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء (١). (٣: ٥٣٦/ ٥٣٧).\n٢٩٨ - وقال بعضهم غير إسماعيل: وأخذ سوارَيْه، ومنْطقته، ويلْمَق ديباج عليه. كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: أنَّ الأعاجم وجَّهت إلى الوجه الَّذي فيه بَجيلةُ ثلاثة عشر فيلًا (٢). (٣: ٥٣٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":220},{"text":"٢٩٩ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: لمَّا تكتَّبت الكتائب بعد الطِّراد؛ حمل أصحاب الفِيَلة عليهم، ففرّقت بين الكتائب، فابذعرّت الخيل؛ فكادت بَجيلة أن تُؤكل؛ فَرّت عنها خيلُها نِفارًا، وعمَّن كان معهم في مواقفهم، وبقيت الرجَّالة من أهل المواقف، فأرسل سعد إلى بني أسَد: ذبّبوا عن بَجيلة ومن لافَّها من الناس، فخرج طُلَيحة بن خُوَيلِد؛ وحَمَّال بن مالك، وغالب بن عبد الله، والرّبِّيل بن عمرو في كتائبهم، فباشروا الفيَلة حتى عدلها ركبانها؛ وإنَّ على كلّ فيل عشرين رجلًا (١). (٣: ٥٣٨).\n٣٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بن طريف: أن طُلَيحة قام في قومه حين استصرخهم سعد، فقال: يا عشيرتاه! إنَّ المنوَّه باسمه، الموثوق به، وإنَّ هذا لو علم أن أحدًا أحقّ بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم؛ ابتدئوهم الشَّدّة، وأقدِموا عليهم إقدام اللُّيوث الحَرِبة؛ فإنَّما سمِّيتم أسَدًا؛ لتفعلوا فعله، شدّوا، ولا تصدُّوا، وكرُّوا، ولا تفرُّوا، لله درُّ ربيعة! أي فَريّ يَفْرون! وأيَّ قِرْن يُغنون! هل يوصل إلى مواقفهم! فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله! شدّوا عليهم باسم الله! فقال المَعْرور بن سوَيْد، وشَقيق: فشدّوا والله عليهم! فما زالوا يطعنونهم، ويضربونهم؛ حتى حبسْنا الفيَلة عنهم، فأخِّرتْ، وخرج إلى طُليْحة عظيم منهم فبارزه؛ فما لبَّثه طليحة أن قتله (٢). (٣: ٥٣٨/ ٥٣٩).\n٣٠١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: وقام الأشعث بن قيس، فقال: يا معشرَ كِنْدة! لله درُّ بني أسد! أيّ فريّ يفْرُون! وأيَّ هَذّ يَهُذُّون عن موقفهم منذ اليوم! أغنى كلّ قوم ما يليهم؛ وأنتم تنتظرون مَن يكفيكم البأس! أشهَدُ ما أحسنتم أسوَة قومكم العرب منذ اليوم! وإنهم ليُقتَلون ويقاتلون، وأنتم جثاةٌ على الرُّكب تنظرون! فوثب إليه عدد منهم عشرة؛ فقالوا: عثَّر الله جَدَّك! إنَّك لتؤيِّسنُا جاهدًا، ونحن أحسنُ الناس موقفًا!\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":221},{"text":"فمن أين خذلْنا قومنا العرب وأسأنا إسوتهم! فها نحن معك. فنَهد ونَهدوا، فأزالوا الَّذين بإزائهم؛ فلمّا رأى أهلُ فارس ما تلقى الفِيَلة من كتيبة أسد رَمَوْهم بحدّهم وبدر المسلمين الشَّدّة عليهم ذو الحاجب، والجالنوس، والمسلمون ينتظرون التَّكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حَلبْة فارس على أسد ومعهم تلك الفيَلة، وقد ثبتوا لهم؛ وقد كئر سعد الرّابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحَى الحرب تدور على أسَد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول؛ فكانت الخيول تُحْجِم عنها وتَحيد، وتلحّ فرسانهم على الرَّجْل يشمّسون بالخيل؛ فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشَر بني تميم! ألستم أصحابَ الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيَلة من حيلة! قالوا: بلى والله! ثم نادى في رجال من قومه رماةٍ وآخَرين لهم ثَقافة، فقال لهم: يا معشرَ الرماة! ذبُّوا ركبان الفيَلة عنهم بالنَّبْل، وقال: يا معشرَ أهل الثقافة استدبروا الفِيَلة، فقَطِّعُوا وُضُنها. وخرج يحميهم؛ والرّحى تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها، فقَطعوا وضُنَها، وارتفع عُواؤهم؛ فما بقيَ لهم يومئذ فيل إلّا أعرِيَ، وقُتل أصحابها، وتقابل الناس ونُفِّس عن أسد، وردّوا فارسَ عنهم إلى مواقفهم؛ فاقتتلوا حتى غربت الشمس. ثمَّ حتى ذهبت هَدأة من الليل؛ ثم رجع هؤلاء وهؤلاء؛ وأصيب من أسد تلك العشيّة خمسمئة؛ وكانوا ردءًا للنَّاس؛ وكان عاصم عادية النَّاس وحاميتهم؛ وهذا يومها الأوّل وهو يوم أرماث (١). (٣: ٥٣٩/ ٥٤٠).\n٣٠٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن رجل من بني كنانة، قال: جالت المجنَّبات، ودارت على أسد يوم أرماث فقتِل تلك العشيَّة منهم خمسمئة رجل؛ فقال عمرو بن شَأس الأسديّ:\nجَلَبْنَا الخيْلَ من أكنافِ نِيقٍ ... إلى كِسْرَى فوافَقَها رِعالا\nتَرَكْنَ لهم على الأقسام شجْوًا ... وبالْحَقْوَيْنِ أيَّامًا طِوالا\nوداعيةٍ بفارِسَ قد تَرَكْنا ... تبَكَي كُلّما رَأتِ الهِلالا\nقَتَلنا رسْتُمًا وبَنيِه قَسْرًا ... تثِيرُ الخيلُ فوقَهُم الهَيالا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":222},{"text":"تركْنا منهُمُ حَيْثُ التَقيْنا ... فئامًا ما يُريدون ارتحالا\nوفَرّ البِيرُزانُ ولم يُحامِي ... وكان على كتيبتِه وَبالا\nونَجَّى الهُرْمُزَانَ حِذارُ نَفْسٍ ... وركْضُ الخيلِ مُوصِلةً عِجالا (١)\n(٣: ٥٤٠/ ٥٤١).\n٣٠٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: كانت امرأة من النَّخَع لها بنون أربعة شهدوا القادسيَّة؛ فقالت لبنيها: إنَّكم أسلمتم، فلم تُبدّلوا، وهاجرتم، فلم تثوبُوا، ولم تَنْبُ بكم البلاد، ولم تُقحِمكم السَّنة، ثم جئتم بأمِّكم عجوز كبيرة، فوضعتموها بين يدي أهل فارس؛ والله إنكم لبنُو رجل واحد، كما أنّكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْتُ أباكم، ولا فضحت خَالكم. انطلقوا فاشهدوا أوّل القتال وآخرَه! فأقبلوا يشتدّون، فلمَّا غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء، وهي تقول: اللهمّ ادفع عن بنيّ! فرجعوا إليها، وقد أحسنوا القتال؛ ما كُلِم منهم رجل كَلْمًا؛ فرأيتُهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العَطَاء، ثم يأتون أمَّهُم، فيُلقونه في حجْرها، فتردّه عليهم وتقسمه فيهم على ما يُصلحهم، ويُرضيهم (٢). (٣: ٥٤٤).\n٣٠٤ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فأزرَ القعقاعَ يومئذ ثلاثة نفر من بني يربوع رياحيّين، وجعل القعقاع كلَّما طلعت قطعة كبَّر، وكبَّر المسلمون، ويحمل، ويحملون، واليربوعيّون: نعَيْم بن عمرو بن عتَّاب، وعتَّاب بن نُعَيم بن عتَّاب بن الحارث بن عمرو بن همَّام، وعمرو بن شبيب بن زنباع بن الحارث بن ربيعة؛ أحد بني زيد. وقدم ذلك اليوم رسولٌ لعمر بأربعة أسياف، وأربعة أفراس، يقسمها فيمن انتهى إليه البلاء، إن كنت لقيتَ حربًا. فدعا حَمَّالَ بن مالك، والرّبِّيل بن عمرو بن ربيعة الوالبيّيْن وطليحة بن خويلد الفَقْعسيّ - وكلّهم من بني أسد - وعاصم بن عمرو التميميَّ، فأعطاهم الأسياف، ودعا القعقاع بن عمرو، واليربوعيّين، فحملَهم على الأفراس؛ فأصاب ثلاثة من بني يربوع ثلاثَة أرباعها، وأصاب ثلاثة من بني أسد ثلاثة أرباع السيوف، فقال في ذلك الربّيل بن عمرو:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":223},{"text":"لقد عَلِم الأقوامُ أنّا أحَقُّهمْ ... إذا حصلوا بالمُرْهَفاتِ البواتِرِ\nوما فَتِئَتْ خَيْلِي عَشِيَّةَ أرْمَثُوا ... يذُودون رَهْوًا عن جُموع العشائر\nلَدُنْ غدوةٍ حتى أتى الليلُ دونهمْ ... وقد أفلحَتْ أخْرَى الليالي الغوابر\nوقال القعقاع في شأن الخيل:\nلم تعرف الخيل العِرابُ سواءَنا ... عشِيَّةَ أغْواثٍ بجَنْبِ القَوادسِ\nعشيَّة رُحْنا بالرِّماح كأَنَّها ... على القوم ألوانُ الطُيورِ الرَّسارِسِ (١)\n(٣: ٥٤٤/ ٥٤٥).\n٣٠٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصْن، عن العَلاء بن زياد، والقَاسم بن سُلَيم عن أبيه، قالا: خِرج رجل من أهلِ فارس ينادي: مَنْ يبارز؟ فبرز له عِلبْاء بن جحش العِجليّ، فنفحه علباء فأسحره، ونفحه الآخر فأمْعاه، وخرّا؛ فأمّا الفارسيّ فمات من ساعته، وأمّا الآخر فانتثرت أمعاؤه، فلم يستطع القيام، فعالج إدخالها فلم يتأتَّ له حتى مرّ به رجل من المسلمين، فقال: يا هذا! أعنِّي على بطني، فأدخله له، فأخذ بصفاقَيْه، ثم زحف نحو صفّ فارس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعًا من مَصْرَعه، إلى صفّ فارس، وقال:\nأرْجُو بها من ربّنا ثوابا ... قد كنتُ مِمَّنْ أحْسَنَ الضِّرابا (٢)\n(٥٤٦: ٣).\n٣٠٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: وخرج رجل من أهل فارس، فنادى: مَنْ يبارز؟ فبرز له الأعْرَف بنُ الأعلم العقيليّ، فقتله، ثم برز له آخر، فقتله، وأحاطت به فوارس منهم، فصرعوه، ونَدَرَ سلاحُه عنه، فأخذوه، فغبَّر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه؛ وقال في ذلك:\nوإن يأخذوا بَزّي فإنّي مُجَرَّبٌ ... خَرُوجٌ من الغَمَّاءِ مُحْتَضِرُ النَّصْرِ\nوإني لَحامٍ من وراءِ عشيرتي ... رَكُوبٌ لآثارِ الهَوى مُحْفِلُ الأمْرِ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":224},{"text":"٣٠٦/ أ- كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: فحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حَملة؛ كلَّما طلعت قطعة؛ حَمل حملة، وأصاب فيها، وجعل يرتجز، ويقول:\nأُزْعِجُهُم عَمْدًا بها إزْعاجا ... أطعنُ طَعْنًا صائبًا ثَجَّاجا\nأرْجُو به من جنّةٍ أفواجا (١)\n(٣: ٥٤٦).\n٣٠٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قدم هاشم بن عُتْبة من قِبَل الشام، معه قيس بن المكشوح المراديّ في سبعمئة بعد فَتْح اليرموك، ودمشق؛ فتعجَّل في سبعين، فيهم سعيد بن نِمْران الهمْدانيّ. قال مجالد: وكان قيس بن أبي حازم مع القعقاع في مقدّمة هاشم (٢). (٣: ٥٥٣/ ٥٥٢).\n٣٠٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن جَخْدَب بن جَرْعَب، عن عصْمة الوابليّ - وكان قد شهد القادسيَّة - قال: قدم هاشم في أهلِ العراق من الشام، فتعَجَّل أناس ليس معه أحد من غيرهم إلّا نُفيْر، منهم ابن المكشوح؛ فلمَّا دنا تعجَّل في ثلاثمئة، فوافق النَّاس وهم على مواقفهم، فدخلوا مع النَّاس في صفوفهم (٣). (٣: ٥٥٣).\n٣٠٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: كان اليوم الثالث يوم عماس، ولم يكن في أيام القادسيَّة مثله، خرج النَّاس منه على السَّواء، كلُّهم على ما أصابه كان صابرًا، وكلَّ ما بلغ منهم المسلمون بلغ الكافرون من المسلمين مثلَه، وكلَّ ما بلغ الكافرون من المسلمين بلغ المسلمون من الكافرين مثلَه (٤). (٣: ٥٥٣).\n٣١٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيَّان، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":225},{"text":"إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: قدم هاشم بن عتبة القادسيَّة يوم عِماس، فكان لا يقاتل إلّا على فرس أنثى، لا يقاتل على ذكَر؛ فلمَّا وقف في الناس رمى بسهم، فأصاب أذُن فرسه، فقال: واسوأتاه من هذه! أين تروْن سهمي كان بالغًا لو لم يُصب أذن الفرس! قالوا: كذا وكذا، فأجال فنزل وترك فرسه، ثم خرج يضربهم حتى بلغ حيث قالوا (١). (٣: ٥٥٣).\n٣١١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: وكان في الميمنة (٢). (٣: ٥٥٣).\n٣١٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيان، عن إسماعيل بن محمد، قال: كنَّا نرى أنه كان على الميمنة، وما كان عامّةُ جُنَن الناس إلّا البراذع؛ برادع الرحال، قد أعرضوا فيها الجريد، وعصّب من لم يكن له وقاية رؤوسَهم بالأنساع (٣). (٣: ٥٥٣).\n٣١٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: ولمَّا رأى سعد الفيَلة تُفرّق بين الكتائب وعادت لفعلها يوم أرماث، أرسل إلى أولئك المُسْلِمة: ضَخْم، ومُسْلِم، ورافع، وعَشَنَّق؛ وأصحابهم من الفرس الذين أسلموا، فدخلوا عليه، فسألهم عن الفِيَلة: هل لها مَقاتِل؟ فقالوا: نعم، المشافر والعيون لا يُنتفع بها بعدها. فأرسل إلى القعقاع، وعاصم ابنيَ عمرو: اكفياني الأبيض - وكانت كلُّها آلفة له، وكان بإزائهما - وأرسل إلى حَمَّال، والرّبِّيل: اكفياني الفيل الأجرب، وكانت آلفة له كلّها، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمَّين ليّنين، ودبَّا في خيل، ورجل فقالا: اكتنفوه لتحيّروه، وهما مع القوم، ففعل حمَّال، والرّبيل مثل ذلك، فلما خالطوهما اكتنفوهما، فنظر كلّ واحد منهما يَمنة ويَسرة، وهما يريدان أن يتخبَّطا، فحمل القعقاع، وعاصم، والفيل متشاغل بمن حوله، فوضعا رمحَيْهما معًا في عيني الفيل الأبيض، وقبع ونفض رأسه، فطرح سائسه ودلَّى مشفرَه، فنفحه القعقاع، فرمى به ووقع لجنبه، فقتلوا مَن كان عليه، وحمل حمَّال، وقال\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":226},{"text":"للرّبيل: اختَرْ، إمَّا أن تضرب المشفر وأطعن في عينه، أو تطعن في عينه وأضرب مشفرَه؛ فاختار الضَّرب، فحمل عليه حمَّال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه؛ لا يخاف سائسه إلّا على بطانه، فانفرد به أولئك، فطعنه في عينه، فأقعى؛ ثم استوى ونفحه الرّبِّيل، فأبان مشفره، وبصر به سائسهُ، فبقر أنفه وجبينه بفأسه (١). (٣: ٥٥٥/ ٥٥٦).\n٣١٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قال رجلان من بني أسد؛ يقال لهما: الرّبّيل، وحمَّال: يا معشر المسلمين! أيّ الموت أشدّ؟ قالوا: أن يُشَدّ على هذا الفيل، فنزّقا فرسيْهما حتى إذا قاما على السَّنابك ضرباهما على الفيل الذي بإزائهما، فطعن أحدهما في عين الفيل، فوطئ الفيل من خلفه، وضرب الآخر مشفرَه، فضربه سائس الفيل ضربة شائنة بالطَّبَرْزين في وجهه؛ فأفلت بها هو والرّبِّيل، وحمل القعقاع وأخوه على الفيل الذي بإزائهما، ففقآ عينيه، وقطعا مشفره، فبقي متلدِّدًا بين الصفين؛ كلَّما أتى صفّ المسلمين وخزوه، وإذا أتى صفّ المشركين نخسُوه (٢). (٣: ٥٥٦).\n٣١٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان فى الفيَلة فيلان يعلّمان الفيَلة، فلمَّا كان يوم القادسيَّة حملوهما على القلْب؛ فأمّر بهما سعد القعقاع، وعاصمًا، التميميَّين، وحمَّالًا، والرّبّيل الأسديَّين؛ فذكر مثل الأوَّل إلّا أن فيه: وعاش بعد، وصاح الفيلان صياح الخنزير، ثم ولَّى الأجرب الَّذي عُوّر، فوثب في العتيق، فاتَّبعته الفيلة؛ فخرقَت صفَّ الأعاجم فعبرت العتيق في أثره، فأتت المدائن في توابيتها، وهلك مَنْ فيها (٣). (٣: ٥٥٦).\n٣١٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف عن محمد، وطلحة، وزياد؛ قالوا: فلمَّا ذهبت الفيَلة، وخلَص المسلمون بأهلِ فارس، ومال الظِّل تزاحفَ المسلمون، وحماهم فرسانهم الَّذين قاتلوا أوّل النهار، فاجتلدوا بها حتى أمسوْا على حَرْد؛ وهم في ذلك على السّواء، لأنّ المسلمين حين فعلوا بالفيول\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":227},{"text":"ما فعلوا، تكتَّبت كتائب الإبل المجفَّفة، فعرقبوا فيها؛ وكفكفوا عنها.\nوقال في ذلك القعقاع بن عمرو:\nحَضَّضَ قومي مَضرَحِيُّ بنُ يَعْمرٍ ... فالله قومي حين هَزُّوا العَواليا\nوما خام عنها يومَ سارت جموعُنا ... لأهل قُدَيسٍ يمنعون الموالِيا\nفإِن كنتُ قاتلتُ العدوَّ فَللتُهُ ... فإِنِّي لألقى في الحروب الدَّواهِيا\nفُيولًا أراها كالبيوت مُغِيرةً ... أسمِّل أعيانًا لها ومآقيا (١)\n(٣: ٥٥٦/ ٥٥٧)\n٣١٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لمَّا أمسى الناس من يومهم ذلك، وطعنوا في الليل؛ اشتدّ القتال وصبر الفريقان، فخرجا على السَّواء إلا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء، فسُمِّيت ليلة الهَرير، لم يكن قتال بليل بعدها بالقادسيَّة (٢).\n٣١٨ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن جيش: أنّ سعدًا بعث ليلة الهرير طُليحة وعمرًا إلى مخاضة أسفل من العسكر ليقوما عليها خَشْيَةَ أن يأتِيَه القوم منها؛ وقال لهما: إن وجدتما القوم قد سبقوكما إليها؛ فانزلا بحيالهم، وإن لم تجداهم عَلموا بها؛ فأقيما حتى يأتيَكما أمري - وكان عمر قد عهد إلى سعد ألّا يولّي رؤساء أهل الرّدّة على مئة - فلما انتهيا إلى المخاضة فلم يريا فيها أحدًا، قال طليحة: لو خضنا فأتينا الأعاجم من خلفهم! فقال عمرو: لا، بل نعبر أسفل؛ فقال طُليحة: إنّ الذي أقوله أنفع للناس، فقال عمرو: إنَّك تدعوني إلى ما لا أطيق، فافترقا، فأخذ طليحة نحو العسكر من وراء العتيق وحده، وسفل عمرو بأصحابهما جميعًا، فأغاروا، وثارت بهم الأعاجم، وخَشِيَ سعد منهما الَّذي كان، فبعث قيس بن المكشوح في آثارهما في سبعين رجلًا، وكان من أولئك الرؤساء الذين نهي عنهم أن يولّيهم المئة، وقال: إن لحقتَهم فأنت عليهم. فخرج نحوهم، فلمَّا كان عند المخاضة وجد القوم يكرُدون عمرًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":228},{"text":"وأصحابه، فنهنه الناسُ عنه، وأقبل قيس على عمرو يلومه، فتلاحيَا، فقال أصحابه: إنَّه قد أمِّر عليك؛ فسكت، وقال: يتَأمَّر عليَّ رجل قد قاتلتُه في الجاهليَّة عُمْرَ رجل! فرجع إلى العسكر، وأقبل طليحة حتى إذا كان بحيال السِّكْر، كبّر ثلاث تكبيرات؛ ثم ذهب، فطلبه القوم فلم يدروا أين سلك! وسفل حتى خاض، ثمّ أقبل إلى العسكر، فأتى سعدًا فأخبره؛ فاشتدَّ ذلك على المشركين وفرِح المسلمون وما يدرون ما هو! (١) (٣: ٥٥٧/ ٥٥٨).\n٣١٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن قُدامة الكاهليّ، عمَّن حدّثه: أن عشرة إخوة من بني كَاهل بن أسَد، يقال لهم بنو حَرْب؛ جعل أحدهم يرتجز ليلتئذ، ويقول:\nأنا ابن حَرْبٍ ومعي مخراقي ... أضرِبهُمْ بصارِمٍ رَقْراقِ\nإذْ كَرِه الموت أبو إِسحاقِ ... وجاشتِ النَّفسُ على التَّراقي\nصبْرًا عِفاقُ إنّه الفراقُ\nوكان عفَاق أحد العشرة، فأصيب فَخذ صاحب هذا الشعر يومئذ، فأنشأ يقول:\nصبْرًا عِفاقُ إنّها الأساوِرَهْ ... صَبْرًا ولا تَغْرُرْك رِجْلٌ نادِرَهْ\nفمات من ضربته يومئذ (٢). (٣: ٥٥٨).\n٣٢٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفَيْل، عن أبيه، عن حُميد بن أبي شجَّار، قال: بعث سعد طليحة في حاجة فتركها، وعبر العتيق؛ فدار إلى عسكر القوم، حتى إذا وقف على رَدْم النهر كبَّر ثلاث تكبيرات، فراع أهلَ فارس، وتعجَّب المسلمون، فكفّ بعضُهم عن بعض للنَّظَر في ذلك، فأرسلت الأعاجم في ذلك، وسأل المسلمون عن ذلك، ثم إنهم عادوا وجدّدوا تعبية، وأخذوا في أمرٍ لم يكونوا عليه في الأيَّام الثلاثة، والمسلمون على تعبيتهم، وجعل طليحة يقول: لا تَعْدَموا امرأً ضعضعكم. وخرج مسعود بن مالك الأسديّ، وعاصم بن عمرو التميميّ، وابن ذي البُردين\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":229},{"text":"الهلاليّ، وابن ذي السَّهْمَيْن، وقيس بن هُبيرة الأسديّ؛ وأشباههم، فطاردوا القومَ، وانبعثوا للقتال، فإذا القوم لُمَّة لا يشدّون، ولا يريدون غير الزَّحف؛ فقدّموا صفًا له أذنان، وأتبعوا آخر مثله، وآخر وآخر، حتَى تمّت صفوفُهم ثلاثة عشر صفًّا في القلْب والمجنَّبتيْن كذلك؛ فلما أقدم عليهم فرسان العسكر رامَوْهم فلم يعطفهم ذلك عن ركوبهم؛ ثم لحقت بالفرسان الكتائب، فأصيب ليلتئذ خالد بن يَعْمَر التميميّ، ثم العمْريّ؛ فحمل القعقاع على ناحيته الَّتي رمي بها مزدلفًا، فقاموا على ساق، فقال القعقاع:\nسَقَى اللهُ يا خَوْصاءُ قَبْرَ ابن يَعْمَرٍ ... إِذا ارتحل السُّفّارُ لم يتَرحَّل\nسقى الله أرضًا حَلّها قبرُ خالدٍ ... ذِهابَ غَوَادٍ مُدْجناتٍ تُجَلْجِلُ\nفأقسمتُ لا يَنْفَكُّ سيفي يَحُسُّهم ... فإِن زَحَل الأقوامُ لم أتَزحّلِ\nفزاحفهم والناس على راياتهم بغير إذن سعد؛ فقال سعد: اللهمّ اغفرْها له، وانصرْه قد أذنت له إذ لم يستأذنِيّ، والمسلمون على مواقفهم، إلّا مَن تكتّب أو طاردهم وهم ثلاثة صفوف، فصفّ فيه الرَّجَّالة أصحاب الرماح والسيوف، وصف فيه المُرامِية، وصفّ فيه الخيول، وهم أمام الرَّجّالة، وكذلك الميمنة، وكذلك الميسرة. وقال سعد: إنّ الأمر الذي صنع القعقاع، فإذا كبّرتُ ثلاثًا فازحفوا، فكبّر تكبيرة فتهيَّؤوا، ورأى النَّاس كلّهم مثل الذي رأى، والرحى تدور على القعقاع ومن معه (١). (٣: ٣٠٩).\n٣٢١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عُبَيْدِ الله بن عبد الأعلى، عن عمرو بن مرّة، قال: وقام قيس بن هبيرة المرَاديّ فيمن يليه، ولم يشهد شيئًا من لياليها إلّا تلك الليلة؛ فقال: إنَّ عدوّكم قد أبى إلّا المزاحفة، والرّأي رأي أميركم، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرّجَّالة، فإنّ القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوُّهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم؛ ولم يطيقوا أن يُقدِموا عليهم، فتَيسَّروا للحملة. فتيسَّروا وانتظروا التكبيرة وموافقة حمل الناس؛ وإنّ نُشّاب الأعاجم لتجوزُ صفّ المسلمين (٢). (٣: ٥٦٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":230},{"text":"٣٢٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عمَّن حدّثه، قال: وقال دُريد بن كعب النَّخَعيّ، وكان معه لواء النَّخع: إنَّ المسلمين تهيَّؤوا للمزاحفة، فاسبقوا المسلمين الليلة إلى الله والجهاد، فإنه لا يَسبق الليلةَ أحدٌ إلّا كان ثوابه على قدر سَبْقه؛ نافسوهم في الشهادة، وطيبوا بالموت نفسًا؛ فإنّه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلّا فالآخرة ما أردتم (١). (٣: ٥٦٠).\n٣٢٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الأجلح، قال: قال الأشْعَث بن قيس: يا معشرَ العرب! إنَّه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت، ولا أسخى أنفسًا عن الدنيا، تنافَسوا الأزواج والأولاد، ولا تجزَعوا من القتل، فإنه أمانيّ الكرام، ومنايا الشهداء، وترجَّل (٢). (٣: ٥٦٠).\n٣٢٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، قال: قال حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار: ترجَّلوا أيُّها الناس، وافعلوا كما نفعل، ولا تجزعوا ممَّا لا بدّ منه، فالصّبر أنجى من الفزَع. وفعل طُليحة، وغالب، وحمَّال، وأهل النَّجدات من جميع القبائل مثلَ ذلك (٣). (٣: ٥٦٠).\n٣٢٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والنّضر بن السريّ، قالا: ونزل ضِرار بن الخطَّاب القُرَشيّ، وتتابع على التسرّع إليهم النَّاس كلّهم فيها بين تكبيرات سعد حين استبطؤوه. فلمَّا كبَّر الثانية، حمل عاصم بن عمرو حتى انضمّ إلى القعقاع، وحملت النَّخَع، وعصى الناس كلّهم سعدًا، فلم ينتظر الثالثة إلّا الرؤساء، فلما كبَّر الثالثة زحفوا فلحقوا بأصحابهم، وخالطوا القوم، فاستقبلوا اللَّيل استقبالًا بعد ما صلَّوا العشاء (٤). (٣: ٥٦١).\n٣٢٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طيبة، عن أبيه، قال: حمل الناس ليلة الهرير عامَّة؛ ولم ينتظروا بالحملة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":231},{"text":"سعدًا، وكان أوّل مَن حمل القعقاع، فقال: اللهمّ اغفرها له وانصره. وقال: واتميماه سائرَ الليلة! ثمّ قال: أرى الأمر ما فيه هذا، فإذا كبَّرتُ ثلاثًا فاحملوا. فكبَّر واحدة فلحقتهم أسد، فقيل: قد حملت أسد، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم؛ واأسَداهْ سائرَ الليلة! ثم قيل: حملت النَّخَع، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم؛ وانَخعاه سائر الليلة! ثم قيل: حملت بجيلة، فقال: اللهمّ اغفرها لهم، وانصرهم؛ وابجيلتاه! ثم حملت الكنود، فقيل: حملت كندة، فقال: واكندتاه! ثم زحف الرؤساء بمن انتظر التكبيرة، فقامت حربهم على ساق حتى الصباح، فذلك ليلة الهرير (١). (٣: ٥٦١).\n٣٢٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نويرة، عن عمِّه أنس بن الحُليْسِ، قال: شهدتُ ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتَهم حتى الصبّاح، أفرغ عليهم الصبر إفراغًا، وبات سعد بليلة لم يَبِت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرًا لم يروْا مثلَه قطّ، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستْم وسعد، وأقبل سعد على الدّعاء، حتى إذا كان وجهُ الصُّبْح، انتهى الناس فاستدلّ بذلك على أنّهم الأعلوْن، وأنّ الغلَبة لهم (٢). (٣: ٥٦١/ ٥٦٢).\n٣٢٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الأعْورَ بن بنان المنقِري، قال: أوّل شيء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدلّ به على الفتح في نصف الليل الباقي صوتُ القعقاع بنِ عمرو وهو يقول:\nنحن قتلْنا مَعْشَرًا وزئدا ... أربعةً وخمسةً وواحِدا\nنُحْسَبُ فوق اللِّبَد الأساودا ... حتَّى إذا ماتوا دعوتُ جاهِدا\nاللهُ ربّي، واحترزتُ عامِدا (٣)\n(٣: ٥٦٢).\n٣٢٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الأعور ومحمد عن عمِّه، والنضر عن ابن الرُّفَيْل، قالوا: اجتلدوا تلك الليلة من أوَّلها\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":232},{"text":"حتى الصّباح لا ينطقون، كلامُهم الهرير، فسُمِّيت ليلة الهرير (١). (٣: ٥٦٢).\n٣٣٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيَّان، عن مُصْعَب بن سعد، قال: بعث سعد في تلك الليلة بجادًا وهو غلام إلى الصفّ؛ إذْ لم يجد رسولًا، فقال: انظرُ ما ترى من حالهم؛ فرجع فقال: ما رأيت أيْ بُنيَّ؟ ! قال: رأيتُهم يلعبون، فقال: أو يَجِدّون! (٢) (: ٥٦٢).\n٣٣١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن جرير العَبْديّ، عن عابس الجُعفيّ، عن أبيه، قال: كانت بإزاء جُعفيّ يوم عماس كتيبةٌ من كتائب العجم، عليهم السلاح التامّ، فازدلفُوا لهم، فجالدوهم بالسيوف، فرأوْا أنَّ السيوف لا تعمل في الحديد فارتدعوا، فقال حُمَيْضة: ما لكم؟ قالوا: لا يجوز فيهم السلاح، قال: كما أنتم حتى أرِيَكم، انظروا. فحمل على رجل منهم، فدقّ ظهره بالرمح، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: ما أراهم إلّا يموتون دونّكم. فحملوا عليهم فأزالوهم إلى صفّهم (٣). (٣: ٥٦٢/ ٥٦٣).\n٣٣٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: لا والله ما شهدها من كنْدة خاصّة إلّا سبعمئة؛ وكان بإزائهم تُرْك الطَّبَرِيّ، فقال الأشعث: يا قوم! ازحفوا لهم، فزحف لهم في سبعمئة، فأزالهم وقتل تُرْكًا، فقال راجزهم:\nنحن تركنا تُركَهم في المَصْطرَهْ ... مُختضِبًا من بَهَران الأبْهَرَه (٤)\n(٣: ٥٦٣).\n٣٣٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن مخراق، عن أبي كعب الطائيّ، عن أبيه، قال: أصيب من الناس قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمئة، وقتل ليلة الهرير ويوم القادسيّة ستة آلاف من المسلمين، فدُفنوا في الخندق بحيال مُشرِّق (٥). (٣: ٥٦٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":233},{"text":"٣٣٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفَيْل، عن أبيه، قال: دعاني سعد، فأرسلني أنظر له في القتلى، وأسمّي له رؤوسهم، فأتيته فأعلمته، ولم أرَ رستم في مكانه، فأرسل إلى رجل من التَّيْم يُدعى هلالًا، فقال: ألم تُبلغني أنَّك قتلت رستم! قال: بلى، قال: فما صنعت به؟ قال: ألقيته تحت قوائم الأبغُل، قال: فكيف قتلته؟ فأخبره، حتَّى قال: ضربت جبينه وأنفَه. قال: فجئنا به، فأعطاه سلبَه، وكان قد تخفَّف حين وقع إلى الماء، فباع الَّذي عليه بسبعين ألفًا، وكانت قيمة قَلنْسُوته مئة ألف لو ظفر بها. وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فقالوا: أيّها الأمير؛ رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره؛ وكان الضَّرب قد شوَّهه؛ فضحك (١). (٣: ٥٦٦).\n٣٣٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقال الدَّيْلَم ورؤساء أهل المسالح الذين استجابوا للمسلمين، وقاتلوا معهم على غير الإسلام: إخوانُنا الَّذين دَخلوا في الأمر من أوَّل الشأن أصوَبُ منَّا وخير، ولا والله لا يُفْلح أهلُ فارس بعد رستم إلا مَن دخل في هذا الأمر منهم؛ فأسلَموا؛ وخرج صبيان العسكر في القتلى، ومعهم الأداوَى يسقُون مَن به رَمَقٌ من المسلمين، ويقتلون مَن به رمَق من المشركين، وانحدروا من العُذَيْب مع العشاء. قال: وخرج زهرة في طلب الجالنوس، وخرج القعقاع وأخوه وشرحبيل في طلب مَن ارتفع وسفل، فقتلوهم في كلّ قرية، وأجَمة، وشاطئ نهر، ورجعوا فوافوا صلاة الظهر، وهنَّأ الناس أميرَهم، وأثنى على كلّ حيّ خيرًا، وذكرَه منهم (٢). (٣: ٥٦٦/ ٥٦٧).\n٣٣٦ - وعن سيف، عن البرمكان، والمجالد عن الشعبيّ، قال: لحق به زهرة، فرفع له الكرَة فما يخطئها بنُشَّابة، فالتقيا فضربه زهرة فجدّ له -ولزهرة يومئذ ذُؤابة وقد سُوّد في الجاهليّة، وحسن بلاؤه في الإسلام وله سابقة، وهو يومئذ شابٌ- فتدرّع زهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعةً وسبعين ألفًا. فلما رجع إلى سعد نزع سَلَبه، وقال: ألا انتظرتَ إذْني! وتكاتبا، فكتب عمر إلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":234},{"text":"سعد! تَعمِد إلى مثل زهرة -وقد صليَ بمثل ما صَليَ به، وقد بقيَ عليك من حربك ما بقيَ- تكسر قَرْنَه، وتُفسد قلبه! امْض له سَلَبَه، وفضّلْه على أصحابه عند العطاء بخمسمئة (١). (٣: ٥٦٧/ ٥٦٨).\n٣٣٧ - وعن سيف عن عبيد، عن عصمة، قال: كتب عمر إلى سعد: أنا أعلم بزُهرة منك، وإنَ زهرة لم يكن ليغتب من سلبٍ سلبَه شيئًا؛ فإن كان الَّذي سعى به إليك كاذبًا فلقَّاه الله مثل زهرة -في عضدَيْه يا رَقان- وإنّي قد نفَّلت كلّ مَنْ قتل رجلًا سلَبه؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفًا (٢). (٣: ٥٦٨).\n٣٣٨ - وعن سيف عن عبيدة، عن إبراهيم وعامر: أنَ أهل البلاء يوم القادسيَّة فُضّلوا عند العطاء بخمسمئة خمسمئة في أعطياتهم، خمسة وعشرين رجلًا؛ منهم زهرة، وعصْمة الضَّبّيّ، والكلَج. وأمّا أهل الأيَّام، فإنه فرِض لهم على ثلاثة آلاف فُضّلوا على أهل القادسيَّة (٣). (٣: ٥٦٨).\n٣٣٩ - وعن سيف عن عبيدة، عن يزيد الضَّخم، قال: فقيل لعمر: لو ألحقتَ بهم أهل القادسيَّة! فقال: لم أكن لألحقَ بهم من لم يدركهم، وقيل له في أهل القادسيّةِ: لو فضلت مَن بعُدَتْ داره على مَنْ قاتلهم بفنائه! قال: وكيف أفضّلهم عليهم على بعد دارهم، وهم شَجن العدوّ، وما سوَّيت بينهم حتى استطبتهم؛ فهلّا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا! (٤) (٣: ٥٦٨).\n٣٤٠ - وعن سيف عن المجالد، عن الشعبى، وسعيد بن المرزبان عن رجل من بني عبْس، قال: لمَّا زال رستم عن مكانه ركب بغلًا، فلمّا دنا منه هلال؛ نزع له نشَّابة، فأصاب قدمه فشكَّها في الرِّكاب، وقال: \"ببايَه\"، فأقبل عليه هلال. فنزل، فدخل تحت البغل، فلمَّا لم يصل إليه قطع عليه المال، ثم نزل إليه ففلق هامتَه (٥). (٣: ٥٦٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":235},{"text":"٣٤١ - وعن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: حملنا على الأعاجم يوم القادسيَّة حَمْلة رجل واحد، فهزمهم الله، فلقد رأيتُني أشرتُ إلى أسوارٍ منهم فجاء إليّ وعليه السلاح التامّ، فضربت عنقه، ثم أخذت ما كان عليه (١). (٣: ٥٦٨).\n٣٤٢ - وعن سيف عن سعيد بن المرزبان، عن رجل من بني عَبْس، قال: أصاب أهلَ فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب النَّاس قبلهم؛ قتِلوا حتَّى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجُلَ منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه، وحتى إنّه ليأخذ سلاحَه فيقتله به، وحتى إنّه ليأمر الرّجليْن أحدَهما بصاحبه؛ وكذلك في العِدّة (٢). (٣: ٥٦٩).\n٣٤٣ - وعن سيف عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عمَّن شهدها، قال: أبصر سَلْمان بن ربيعة الباهليّ أناسًا من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها، وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتل مَن كان تحتها وسلبهم. وكان سلمان فارس الناس يوم القادسيَّة، وكان أحد الَّذين مالوا بعد الهزيمة على مَنْ ثبت، والآخر عبد الرحمن بن ربيعة ذو النور، ومال على آخرين قد تكتَّبوا، ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله (٣). (٣: ٥٦٩).\n٣٤٤ - وعن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن البَهيّ: أن الشعبيّ قال: كان يقال: لسَلْمَان أبصَرُ بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور. فكان موضع المَحبَس اليوم دارَ عبد الرحمن بن ربيعة، والتي بينها وبين دار المختار دار سَلْمان؛ وإنّ الأشعث بن قيس استقطع فناء كان قدّامها، هو اليوم في دار المختار، فأقْطعه فقال له: ما جرّأك على يا أشعث؟ والله لئن حُزْتَها لأضربنَّك بالجُنِثيّ -يعني: سيفه- فانظر ما يبقى منك بعدُ، فصدف عنها، ولم يتعرّض لها (٤). (٣: ٥٦٩).\n٣٤٥ - وعن سيف، عن المهلَّب ومحمد وطلحة وأصحابه، قالوا: وثبت\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":236},{"text":"بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، استقتلوا واستحيَوْا من الفرار، فأبادهم الله، فصمَد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، ولم يُتبعوا فالَّة القوم، فصمد سلمان بن ربيعة لكتيبة وعبد الرحمن بن ربيعة ذو النور لأخرى؛ وصمد لكلّ كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين. وكان قتال أهل هذه الكتائب، من أهل فارس على وجهيْن؛ فمنهم من كَذَب فهرب، ومنهم مَنْ ثبت حتى قتل؛ فكان ممَّن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرْمُزان وكان بإزاء عُطارِد، وأهود، وكان بإزاء حنْظَلة بن الربيع، وهو كاتب النبيّ - ﷺ -، وزاذُ بن بُهَيْش، وكان بإزاء عاصم بن عمرو، وقارن، وكان بإزاء القعْقاع بن عمرو؛ وكان ممَّن استقتل شهرْيار بن كنار، وكان بإزاء سلمان. وابن الهرْبِذ، وكان بإزاء عبد الرحمن، والفرُّخان الأهْوازي، وكان بإزاء بُسر بن أبي رُهْم الجهني، وخُسْرَوْشنُوم الهمَذانيّ، وكان بحيال ابن الهذيْل الكاهليّ.\nثم إن سعدًا أتْبَع بعد ذلك القعقاع، وشُرحبيل من صوّب في هزيمته، أو صعّد عن العسكر، وَأتبع زهرةَ بن الحَويّة الجالنوس.\nذكر حديث ابن سحاق:\nقال أبو جعفر الطبريّ ﵀: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ومات المثنَّى بن حارثة، وتزوّج سعد بن أبي وقَّاص امرأته سلْمى ابنة خَصَفة وذلك في سنة أربع عشرة. وأقام تلك الحجَّة للنَّاس عمر بن الخطاب. ودخل أبو عبيدة بن الجراح تلك السنة دمشق، فشتا بها، فلمّا أصافت الرّوم سار هرَقْل في الرّوم حتى نزل أنْطاكِيَةَ ومعه من المستعرِبة لَخمٌ، وجذام، وبَلْقيْن، وبَلِيّ، وعامِلة، وتلك القبائل من قُضاعة، وغَسّان بشر كثير؛ ومعه من أهك أرْمينِية مثل ذلك، فلمَّا نزلها أقامَ بها، وبعث الصَّقَلار؛ خَصِيًّا له، فسار بمئة ألف مُقاتل، معه من أهل أرمينيَة اثنا عشر ألفًا، عليهم جَرَجة، ومعه من المستعربة من غسَّان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفًا عليهم جَبَلَة بن الأيهم الغسَّانيُّ، وسائرهم من الرّوم، وعلى جماعة الناس الصَّقَلار خصيّ هرقل؛ وسار إليهم المسلمون وهم أربعة وعشرون ألفًا عليهم أبو عبيدة بن الجراح، فالتقوْا باليَرْموك في رجب سنة خمس عشرة؛ فاقتتل الناس قتالًا شديدًا حتى دُخِل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخِل العسكر -منهنّ أم حكيم بنت الحارث بن","vol":"8","page":237},{"text":"هشام- حتى سابَقن الرجال، وقد كان انضمّ إلى المسلمين حين ساروا إلى الرّوم ناس من لَخْم، وجُذام؛ فلمَّا رأوا جِدّ القتال فرّوا ونجوا إلى ما كان قُرْبهم من القُرى، وخذلوا المسلمين (١). (٣: ٥٦٩/ ٥٧٠/ ٥٧١).\n٣٤٥ - حدّثنا ابن حُمْيد، قال: حدّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزُّبير، عن أبيه، قال: قال قائل من المسلمين حين رأى من لخم، وجذام ما رأى:\nالقومُ لَخمٌ وجُذامٌ في الهرَبْ ... ونحنُ والرومُ بمرْجٍ نَضطرِبْ\nفإن يعودوا بَعْدَها لا نَصْطَحِبْ (٢)\n٣٤٦ - حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، عن عبد الله بن الزُّبير، قال: كنت مع أبي الزبير عامَ اليرموك؛ فلمَّا تعبَّى المسلمون للقتال؛ لبس الزُّبير لأمتَه، ثم جلس على فرسه، ثم قال لموليَين له: احبسا عبدَ الله بن الزُّبير معكما في الرَّحْل؛ فإنه غلام صغير. قال: ثم توجَّه فدخل في الناس؛ فلمّا اقتتل النَّاس والرّوم؛ نظرت إلى ناس وقوف على تلّ لا يقاتلون مع الناس. قال: فأخذت فرسًا للزبير كان خلَّفه في الرّحل فركبته، ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم؛ فقلت: انظر ما يصنع الناس؛ فإذا أبو سفيان بن حرب في مَشْيَخة من قريش من مُهاجِرة الفتح وقوفًا لا يقاتلون؛ فلمَّا رأوْني رأوْا غلامًا حَدَثًا، فلم يتَّقوني. قال: فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبَتْهم الحرب للروم يقولون: إيه إيه بَلأصْفَر! فإذا مالت الرّوم وركبهم المسلمون، قالوا: يا ويح بَلأصفَر! فجعلتُ أعجب من قولهم، فلمَّا هزم الله الرّوم ورجع الزُّبير، جعلت أحدّثه خبرهم. قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبوْا إلّا ضِغنًا! وماذا لهم إن يَظْهَرْ علينا الرّوم! لنحن خير لهم منهم.\nثم إنّ الله ﵎ أنزل نصره، فهزِمت الرّوم وجموع هرقل التي جمع، فأصيبِ من الرُّوم -أهل إرمينيَة، والمستعربة- سبعون ألفًا، وقتل الله الصّقلار، وباهان؛ وقد كان هرقل قدّمه مع الصّقَلار حين لحق به، فلمّا هزمت الروم بعث\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":238},{"text":"أبو عبيدة عياض بن غَنْم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ مَلَطْيَة، فصالحه أهلها على الجزية، ثم انصرف، ولما سمع هرقل بذلك بعث إلى مقاتلتها ومَن فيها، فساقهم إليه، وأمر بمَلَطية فحُرِقت. وقُتل من المسلمين يوم اليرموك من قريش من بني أميَّة بن عبد شمس عمروُ بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص؛ ومن بني مخزوم عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد، ومن بني سهم سعيد بن الحارث بن قيس.\nقال: وفي آخر سنة خمس عشرة، قتل الله رستم بالعراق؛ وشهد أهل اليرموك حين فرغوا منه يوم القادسيَّة مع سعد بن أبي وقَّاص، وذلك: أنّ سعدًا حين حسر عنه الشتاء، سار من شَراف يريد القادسيَّة، فسمع به رستم، فخرج إليه بنفسه؛ فلمّا سمع بذلك سعد وقف، وكتب إلى عمر يستمدُّه؛ فبعث إليه عمر المغيرة بن شعبة الثقفيّ في أربعمئة رجل مددًا من المدينة، وأمدَّه بقيس بن مكشوح المراديّ في سبعمئة، فقدموا عليه من اليرموك. وكتب إلى أبي عبيدة: أن أمدّ سعد بن أبي وقَّاص أميرَ العراق بألف رجل من عندك؛ ففعل أبو عبيدة، وأمَّر عليهم عياض بن غَنْم الفِهْريّ؛ وأقام تلك الحِجَّة للناس عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة.\nوقد كان لكسرى مُرابطة في قصر بني مقاتل، عليها النُّعْمان بن قَبيصة؛ وهو ابن حيّة الطائيّ ابن عمّ قَبيصة بن إياس بن حيَّة الطائيّ صاحب الحيرة؛ فكان في منظَرة له، فلمّا سمع بسعد بن أبي وقاص سأل عنه عبدَ الله بن سنان بن جرير الأسديّ؛ ثم الصَّيْداوِيّ، فقيل له: رجل من قريش، فقال: أمَّا إذ كان قُرَشِيًّا؛ فليس بشيء؛ والله لأجاهدنَّه القتال؛ إنما قريش عبيد مَن غَلب؛ والله ما يمنعون خفيرًا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير؛ فغضب حين قال ذلك عبدُ الله بِن سنان الأسديّ، فأمهله حتى إذا دخل عليه وهو نائم، فوضع الرمح بين كتِفيْه فقتله، ثم لحق بسعد، فأسلم. وقال في قتله النُّعمان بن قَبِيصة:\nلقد غادَرَ الأقوامُ ليلَةَ أَدْلَجوا ... بقصر العِبادِي ذَا الفَعالِ مُجَدّلا\nدَلفْتُ له تحت العَجاج بِطَعْنةٍ ... فأصبح منها في النّجيعِ مُرَمَّلا\nأقولُ له والرمح في نُغْضِ كِتْفِهِ ... أبا عامِرٍ عنك اليمينُ تحَلَّلا\nسَقَيْتُ بها النّعْمانَ كأسًا رَوِيَّةً ... وعاطيتُه بالرُّمح سمًّا مُثَمَّلا","vol":"8","page":239},{"text":"تركتُ سباعَ الجَوِّ يعْرِفن حوله ... وقد كان عنها لابن حيَّةَ مَعْزِلا\nكفيتُ قريشًا إذ تَغيَّبَ جَمْعُها ... وهَدَّمتُ للنُّعمان عِزًا مُؤثَّلا\nولمّا لحق سعد بن أبي وقّاص المغيرة بن شعبة، وقيس بن مكشوح فيمن معهما؛ سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قِادِسَ -قرية إلى جانب العُذيب- فنزل الناس بها، ونزل سعد في قصر العُذيب، وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفًا ممّا أحْصيَ لنا في ديوانه، سوى التّباع والرقيق، حتى نزل القادسيَّة وبينه وبين الناس جسرُ القادسيَّة، وسعد في منزله وَجِعٌ، قد خرج به قَرْح شديد، ومعه أبو مِحْجَن بن حبيب الثقفيّ محبوس في القصر، حبسه في شرب الخمر، فلمَّا أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إليَّ رجلًا منكم جليدًا أكلّمْه، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة، فجاءه وقد فرق رأسه أربع فِرَق: فرقة من بين يديه إلى قفاه، وفرقة إلى أذنيْه، ثم عقصَ شعره، ولبس بُردًا له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق ممَّا يلي العراق، والمسلمون من ناحيته الأخرى ممَّا يلي الحجاز فيما بين القادسيَّة والعُذَيب، فكلَّمه رستم، فقال: إنكم معشر العرب كنتم أهل شَقاء وجهد، وكنتم تأتوننا من بين تاجر، وأجير، ووافد، فأكلتم من طعامنا، وشربتم من شرابنا، واستظللتم من ظلالنا؛ فذهبتم، فدعوتم أصحابَكم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مَثَلُكم مَثَل رجل كان له حائط من عِنَب، فرأى فيه ثعلبًا واحدًا، فقال: ما ثعلب واحد! فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى الحائط؛ فلمّا اجتمعن فيه جاء الرجل فسدّ الجُحْر الذي دخلْن منه، ثم قتلهنّ جميعًا. وقد أعلم: أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجَهدُ الذي قد أصابكم؛ فارجعوا عنَّا عامكم هذا، فإنَّكم قد شغلتمونا عن عِمارة بلادنا، وعن عدوّنا، ونحن نُوقِر لكم ركائبكم قمحًا، وتمرًا، ونأمر لكم بكُسوة، فارجعوا عنّا عافاكم الله!\nفقال المغيرة بن شعبة: لا تذكُر لنا جهدًا إلّا وقد كنا في مثله أو أشدّ منه؛ أفضلُنا في أنفسنا عيشًا الذي يقتل ابنَ عمّه، ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة، والدم، والعظام، فلم نزل كذلك؛ حتَّى بعث الله فينا نبيًّا، وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدّقه منّا مصدّق، وكذبه منّا آخر، فقاتل مَن صدّقه مَن كذبه، حتى دخلنا في دينه؛ من بين مُوقِن به، وبين مقهور؛ حتَّى","vol":"8","page":240},{"text":"استبان لنا: أنه صادق، وأنه رسول من عند الله. فأمرنا أن نقاتل مَن خالفنا، وأخبرنَا: أن من قُتل منّا على دينه فله الجنَّة، ومَنْ عاش ملك وظهر على من خالفه؛ فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلّا من أحببتَ، وعليك الزكاة والخُمس، وإن أبيتَ ذلك فالجزية؛ وإن أبيتَ ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.\nقال له رستم: ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب! لا أمسي غدًا حتى أفرُغ منكم، وأقتلكم كلّكم. ثمّ أمر بالعَتيق أن يُسكَر، فبات ليلته يسكر بالبرادع، والتراب، والقَصَب؛ حتى أصبح، وقد تركه طريقًا مَهْيَعًا، وتعبَّى له المسلمون، فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن عُرْفُطة حليف بني أميَّة بن عبد شمس، وجعل على ميمنة الناس جرير بن عبد الله البَجَليّ، وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المُراديّ.\nثم زحف إليهم رستم، وزحف إليه المسلمون، وما عامَّة جُننِهِم (١). (٣: ٥٧١/ ٥٧٣/٥٧٢/ ٥٧٤/ ٥٧٥).\n٣٤٧ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسْوَد النّخَعيّ، عن أبيه، قال: شهدت القادسيَّة؛ فلقد رأيت غلامًا منَّا من النَّخَع يسوق ستين أو ثمانين رجلًا من أبناء الأحرار. فقلت: لقد أذلّ الله أبناءَ الأحرار! (٢) (٣: ٥٧٦).\n٣٤٨ - حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، مولى بَجِيلة، عن قيس بن أبي حازم البَجَليّ -وكان ممَّن شهد القادسيَّة مع المسلمين- قال: كان معنا يوم القادسيَّة رجل من ثَقيف، فلحق بالفُرْس مرتدًّا، فأخبرهم: أنَّ بأس الناس في الجانب الذي به بَجِيلة. قال: وكُنَّا رُبع النَاس؛ فوجَّهوا إلينا ستة عشر فيلًا، وإلى سائر الناس فيلَيْن، وجعلوا يُلقون تحت أرجُل خيولنا حَسك الحديد، ويرشقوننا بالنُّشَّاب، فكأنَّه المطر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":241},{"text":"علينا، وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض لئلا يفرُّوا. قال: وكان عمرو بن معد يكرب يمرّ بنا فيقول: يا معشَر المهاجرين، كونوا أسودًا، فإنّما الأسد من أغنَى شأنه؛ فإنّما الفارسيّ تيس إذا ألقى نيْزكه.\nقال: وكان أسوار منهم لا يكاد تسقط له نُشَّابة، فقلنا له: يا أبا ثوْر! اتَّقِ ذلك الفارسيّ فإنه لا تقع له نُشَّابة؛ فتوجَّه إليه ورماه الفارسيّ بنشَّابة فأصاب قوسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه، واستلبه سوارَيْن من ذهب ومنطقة من ذهب ويَلْمقًا من ديباج، وقتل الله رستم، وأفاء على المسلمين عسكرَه وما فيه، وإنما المسلمون ستة آلاف، أو سبعة آلاف، وكان الذي قتل رستم هلال بن علَّفة التَّيْميّ رآه فتوجَّه إليه، فرماه رستم بنشَّابة، فأصاب قدمه وهو يُتبعه، فشكَّها إلى ركاب سَرْجه، ورستم يقول بالفارسية: \"ببايه\"، أي \"كما أنت\"؛ وحمل عليه هلال بن عُلَّفة فضربه فقتله، ثم احتزَّ رأسه فعلَّقه، وولَّت الفُرْس فأتبعهم المسلمون يقتلونهم؛ فلما بلغت الفرس الخرَّارة، نزلوا فشربوا من الخمر، وطعِموا من الطعام، ثم خرجوا يتعجَّبون من رَميهم، وأنّه لم يعمل في العرب. وخرج جالنوس فرفعوا له كُرَةً فهو يرميها ويشكّها بالنّشاب، ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم هنالك، فشدّ على جالنوس زُهرة بن حَوِيَّة التميميّ، فقتله، وانهزمت الفرس، فلحقوا بدير قُرّةَ وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قُرّة على من هنالك من الفرس؛ وقد قدم عليهم وهم بدير قرّة عياض بن غَنْم في مدده من أهل الشام، وهم ألف رجل، فأسْهَمَ له سعد ولأصحابه مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسيَّة، وسعد وَجِعٌ من قَرْحته تلك، وقال جرير بن عبد الله:\nأنا جريرٌ كُنْيتِي أبو عَمِرْو ... قد نَصَرَ اللهُ وسَعْدٌ في القَصِرْ\nوقال رجل من المسلمين أيضًا:\nنُقاتِلُ حتى أنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ ... وسَعْدٌ بباب القادسيّة مُعْصمُ\nفأُبْنا وقد آمَت نِسَاءٌ كثيرةٌ ... ونِسْوَةُ سَعْدٍ ليسَ فيهِنَّ أَيِّمُ\nقال: ولما بلغ ذلك من قولهما سعدًا، خرج إلى الناس فاعتذر إليهم، وأراهم ما به من القَرْح في فَخِذَيْه وأليَتَيْه، فعذره الناس، ولم يكن سعد لَعَمْري يُجبَّن، فقال سعد يجيب جريرًا فيما قال:","vol":"8","page":242},{"text":"وما أَرْجُو بَجيلةَ غَيْرَ أَنِّي ... أؤمِّلُ أَجْرَهمِ يوم الحِسَابِ\nفقد لَقِيَتْ خُيُولُهُمُ خيولًا ... وقَد وَقَعَ الفَوارِسُ في ضرابِ\nوقد دلَفَتْ بعَرْصتهم فيولٌ ... كأنّ زُهاءَها إبلٌ جِرابُ\nثم إنّ الفرس هربت من دير قُرّة إلى المدائن يريدون نهاوَنْد، واحتملوا معهم الذّهب، والفضة، والديباج، والفِرِنْد، والحرير، والسلاح، وثياب كسرى، وبناته، وخلّوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلبَ من المسلمين، فبعث خالد بن عُرْفُطة حليف بني أمية، ووجّه معه عياض بن غَنْم في أصحابه، وجعل على مقدّمة النَّاس هاشم بن عُتْبة بن أبي وقَّاص، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البَجَلي، وعلى ميسرتهم زُهرة بن حَوِيَّة التميميّ؛ وتخلَّف سعد لما به من الوَجَع؛ فلمَّا أفاق سعد من وجعه ذلك اتَّبع الناسَ بمن بِقيَ معه من المسلمين؛ حتى أدركهم دون دجلة على بَهُرَسِير، فلمَّا وضعوا على دجلة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة، فلم يهتدوا لها؛ حتى أتى سعدًا عِلْج من أهل المدائن، فقال: أدُلُّكم على طريق تُدركونهم قبل أن يُمْعِنوا في السير! فخرج بهم على مخاضة بقَطْرَ بُّلَ، فكان أول مَن خاض المخاضة هاشم بن عُتبة في رَجْله، فلمَّا جاز اتَّبعته خيله، ثم أجاز خالد بن عُرْفُطة بخيله، ثم أجاز عياض بن غَنْم بخيله، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا؛ فزعموا أنه لم يُهْتَدَ لتلك المخاضة بعد. ثم ساروا حتى انتهَوْا إلى مُظْلِم سَاباط، فأشفق النَّاس أن يكون به كمين للعدّو، فتردّد الناس، وجبنوا عنه؛ فكان أول منْ دخله بجيشه هاشم بن عُتبة، فلمّا أجاز؛ ألاح للناس بسيفه، فعرَّف الناس أن ليس به شيء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عُرْفُطة، ثم لحق سعد بالناس؛ حتى انتهوا إلى جَلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس، وأصاب المسلمون بها من الفيء أفضلَ مما أصابوا بالقادسيَّة، وأصيبت ابنة لكسرى، يقال لها: منجانة؛ ويقال: بل ابنة ابنه. وقال شاعر من المسلمين:\nيا رُبَّ مُهْر حَسنٍ مُطَهّمْ ... يَحْمِلُ أثقالَ الغُلامِ المُسْلِمْ\nيَنْجُو إلى الرّحمن من جهنَّمْ ... يومَ جَلولاءَ ويوم رُسْتمْ\nويومَ زحفِ الكوفة المُقدَّمْ ... ويوم لاقَى ضَيْقَة مُهَزَّمْ\nوخرَّ دينُ الكافِرين للفَمْ","vol":"8","page":243},{"text":"ثم كتب سعد إلى عمر بما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه عمر: أن قِفْ ولا تطلبوا غير ذلك، فكتب إليه سعد أيضًا: إنما هي سُرْبة أدركناها والأرض بين أيدينا، فكتب إليه عمر: أن قف مكانك ولا تُتبعهم، واتَّخذْ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرًا. فنزل سعد بالناس الأنبار، فاجتوَوْها وأصابتهم بها الحُمَّى، فلم توافقهم، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد أنه لا تصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العُشب؛ فانظر فلاةً في جنب البحر فارتَدْ للمسلمين بها منزلًا.\nقال: فسار سعد حتى نزل كُوَيْفة عمرو بن سعد، فلم توافق النَّاس مع الذّباب والحمّى. فبعث سعد رجلًا من الأنصار يقال له: الحارث بن سلَمة -ويقال: بل عثمان بن حُنَيْف، أخا بني عمرو بن عوف- فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالنَّاس، وخطّ مسجدها، وخطّ فيها الخِطَطَ للنَّاس.\nوقد كان عمر بن الخطاب خرج في تلك السنة إلى الشام، فنزل الجابِيَة، وفتحت عليه إيليَاء؛ مدينة بيت المقدِس، وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح حنظلةَ بن الطُّفيل السُّلَميّ إلى حِمْص، ففتحها الله على يديه، واستعمل سعد بن أبي وقّاص على المدائن رجلًا من كِنْدة، يقال له: شُرَحْبيل بن السِّمط؛ وهو الذي يقول فيه الشاعر:\nألا لَيْتَني والمَرْءَ سعدَ بن مالك ... ورَبْراءَ وابن السّمْطِ في لُجَّة البَحْرِ (١)\n(٣: ٥٧٦/ ٥٧٧/ ٥٧٨/ ٥٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>ذكر أحوال أهل السَّواد</span>\n٣٤٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن قَبيصة بن جابر، قال: قال رجل منَّا يوم القادسيَّة مع الفتح:\nنقاتل حتى أنزلَ الله نصرَهُ ... وسعدٌ ببابِ القادسيّة معصِمُ\nفأُبْنا وقد آمَتْ نساء كثيرةٌ ... ونسوة سعدٍ ليسَ فيهنّ أيّمُ\nفبعث بها في الناس، فبلغت سعدًا، فقال: اللهمّ إن كان كاذبًا، أو قال\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":244},{"text":"الذي قال رياءً، وسُمْعة، وكَذِبًا؛ فاقطع عني لسانه، ويَده.\nوقال قَبِيصة: فوالله إنَّه لواقف بين الصفَّين يومئذ؛ إذ أقبلت نُشَّابة لدعوة سعد، حتى وقعت في لسانه فيبس شِقُّه؛ فما تكلَّم بكلمة حتى لحق بالله (١). (٣: ٥٧٩/ ٥٨٠).\n٣٥٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المقدام بن شُرَيْح الحارِثيّ، عن أبيه، قال: قال جرير يومئذ:\nأنا جريرٌ كنيتِي أبو عمِرْو ... قدْ نصرَ الله وسعد في الْقَصِرْ\nفأشرف عليه سعد، فقال:\nوما أرْجو بَجِيلةَ غيرَ أنِّي ... أؤمّلُ أجْرَها يومَ الحِسَابِ\nوقد لَقِيَتْ خُيُولُهُمُ خُيُولًا ... وقدْ وقع الفوارِسُ في الضِّرَابِ\nفلولا جَمْعُ قَعقاع بن عَمْروٍ ... وحمّالٍ لَلجُّوا في الكذِابِ\nهُمُ منعوا جُموعَكُمْ بطَعْنٍ ... وضَرْبٍ مِثْلِ تَشْقيقِ الإهاب\nولولا ذاك ألفيتُمْ رَعاعًا ... تُشَلُّ جموعُكم مثل الذُّباب (٢)\n(٥٨٠: ٣).\n٣٥١ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن بشير، عن أمّ كثير -امرأة همّام بن الحارث النَّخَعيّ- قالت: شهدنا القادسيَّة مع سعد مع أزواجنا، فلمَّا أتانا أن قد فُرغ من الناس شددنا علينا ثيابَنا، وأخذنا الهَراوَى، ثم أتينا القتْلى؛ فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه؛ وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصّبيْان نولّيهم ذلك، ونصرّفهم به (٣). (٣: ٥٨١).\n٣٥٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيَّة -وهو ابن الحارث- عمَّن أدرك ذلك؛ قال: لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأةً يوم القادسيَّة من بَجِيلة والنَّخعَ، وكان في النَّخعَ سبعمئة امرأة فارغة، وفي بَجِيلة ألف، فصاهر هؤلاء ألفٌ من أحياء العرب، وهؤلاء سبعمئة، وكانت النّخع\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":245},{"text":"تُسمَى أصهار المهاجرين، وبجيلة، وإنَّما جرّأهم على الانتقال بأثقالهم توطئةُ خالد، والمثنَّى بعد خالد، وأبي عُبيد بعد المثنَّى، وأهل الأيَّام، فلاقوْا بأسًا بعد ذلك شديدًا (١) (٣٠: ٥٨١).\n٣٥٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد، والمهلَّب، وطلحة، قالوا: وكان بُكَيْر بن عبد الله اللَّيْثيّ، وعتبة بن فَرْقَد السُّلَميّ، وسماك بن خَرَشة الأنصاريّ -وليس بأبي دُجانة- قد خطبوا امرأة يوم القادسيَّة، وكان مع النَّاس نساؤهم؛ وكانت مع النَّخَع سبعمئة امرأة فارغة؛ وكانوا يُسمَّوْن أختانَ المهاجرين حتى كان قريبًا؛ فتزوجهنّ المهاجرون قبل الفتح وبعد الفتح؛ حتى استوعبوهنّ، فصار إليهن سبعمئة رجل من الأفناء؛ فلَّما فرغ النَّاس؛ خطب هؤلاء النَّفر هذه المرأة -وهي أرْوَى ابنة عامر الهلاليَّة- هلال النَّخَع؛ وكانت أختها هُنَيْدة تحتَ القعقاع بن عمرو التميميّ، فقالت لأختها: استشيري زوجَك: أيهم يراه لنا! ففعلت؛ وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسيَّة؛ فقال القعقاع: سأصفهم في الشعر فانظري لأختك، وقال:\nإِن كنتِ حاولتِ الدّراهم فانكِحِي ... سماكًا أخا الأنصار أوْ ابن فَرْقَدِ\nوإن كنتِ حاولتِ الطِّعان فَيمِّمِي ... بكَيرًا إذا ما الخيلُ جالَتْ عن الرَّدِي\nوكلُّهُمُ في ذِرْوة المجدِ نَازلٌ ... فشأْنكُمُ إِنّ البَيانَ عن الغَد\nوقالوا: وكانت العرب توقَّعُ وقعة العرب؛ وأهل فارس في القادسيّة فيما بين العُذيب إلى عَدَن أبْيَن، وفيما بين الأُبلّةِ وأيلَة يروْن: أن ثبات مُلكهم، وزواله بها، وكانت في كلّ بلد مُصيخةً إليها، تنظُر ما يكون من أمرها؛ حتَّى إن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتّى أنظر ما يكون من أمر القادسيَّة. فلمّا كانت وقعة القادسيّة سارت بها الجنّ، فأتت بها ناسًا من الإنس، فسبقت أخبار الإنس إليهم؛ قالوا: فبدرت امرأة ليلًا على جبل بصَنْعَاء، لا يُدرَى مَنْ هي؟ وهي تقول:\nحُيِّيتِ عنَّا عِكْرِمَ ابنةَ خالِدٍ ... وما خَيْرُ زادٍ بالقَليل المُصَرَّدِ\nوحَيّتْكِ عنّي الشمسُ عند طُلوعها ... وحَيّاكِ عنّي كلُّ ناجٍ مُفرَّدِ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":246},{"text":"وحَيَّتْكِ عنّي عُصْبَةٌ نَخَعِيَّةٌ ... حسانُ الوُجوهِ آمَنوا بِمُحَمَّدِ\nأَقاموا لِكِسْرَى يَضْرِبون جُنودَه ... بكلِّ رَقيقِ الشَّفرَتَيْن مُهَنَّدِ\nإذَا ثَوَّبَ الدَّاعي أناخوا بكَلْكَلٍ ... منَ الموت تَسْوَدُّ الغَياطِلُ مُجْرَدِ\nوسمع أهل اليمامة مجتازًا يغنِّي بهذه الأبيات:\nوَجدْنا الأكْثَرين بني تميمٍ ... غداةَ الرَّوْع أَصْبَرَهُمْ رِجالا\nهُمُ ساروا بِأَرْعَنَ مُكْفَهِرٍّ ... إلى لَجِبٍ فَزَرَّتْهُمْ رِعالا\nبُحُورٌ لِلأَكاسِرِ مِن رِجالٍ ... كأُسْدِ الغاب تحسَبُهُمْ جِبالا\nتَركْنَ لهم بقادِسَ عِزَّ فَخْرٍ ... وبالخيفَيْن أَيَّامًا طِوالا\nمُقَطَّمةً أكفُّهمُ وسُوقٌ ... بمِردىّ حيثُ قابلَتِ الرِّجالا\nقال: وسُمِعَ بنحو ذلك في عامة بلاد العرب (١). (٣: ٥٨١/ ٥٨٢).\n٣٥٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد بن سعيد؛ قال: لمّا أتى عمرَ بن الخطاب نزولُ رستم القادسيَّة، كان يستخبِر الرّكبان عن أهل القادسيَّة من حين يُصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله ومنزله. قال: فلمَّا لقيَ البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبدَ الله حدِّثني! قال: هزم الله العدّو، وعمر يخُبّ معه ويستخبره والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه؛ حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلِّمون عليه بإمْرة المؤمنين، فقال: فهلّا أخبرتَني رحمك الله: أنَّك أمير المؤمنين؟ ! وجعل عمر يقول: لا عليك يا أخي (٢)! (٣: ٥٨٣).\n٣٥٥ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، وزياد، قالوا: وأقام المسلمون في انتظار بلوغ البشير وأمرِ عمر، يقوِّمون أقباضهم، ويَحزُرون جندَهم، ويرمُّون أمورهم. قالوا: وتتابع أهلُ العراق من أصحاب الأيَّام الذين شهدوا اليرموك ودمشق، ورجعوا مُمِدِّين لأهل القادسيَّة، فتوافوْا بالقادسيَّة من الغد ومن بعد الغد، وجاء أوّلهم يوم أغواث، وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح، وقدمت أمداد فيها مُراد، وهَمْدان، ومن أفناء الناس، فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عمَّا ينبغي أن يُسار بهم فيهم -وهذا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":247},{"text":"الكتاب الثاني بعد الفتح- مع نذير بن عمرو. ولمَّا أتى عمَر الفتح قام في النَّاس فقرأ عليهم الفتح، وقال: إني حريص على ألّا أدَعَ حاجة إلّا سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنَّا تآسينا في عيشنا حتى نستوِيَ في الكفَاف، ولوددت أنَّكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولستُ معلِّمكم إلّا بالعمل؛ إني والله ما أنا بملكٍ فأستعبدكم، وإنَّما أنا عبدُ الله عَرَضَ عليّ الأمانة، فإن أبيتُها ورددتها عليكم واتَّبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم، وتروَوْا؛ سعدتُ، وإن أنا حملتها، واستتبعتُها إلى بيتي؛ شقيت؛ ففرِحتُ قليلًا، وحزِنت طويلًا، وبقيت لا أقال، ولا أرَدّ فأستعتب.\nقالوا: وكتبوا إلى عمر مع أنس بن الحُليس: إنَّ أقوامًا من أهل السَّواد ادّعوا عهودًا، ولم يُقِمْ على عهد أهل الأيام لنا، ولم يفِ به أحد علمناه إلّا أهل بانقيا وبَسْما وأهل ألَّيْس الآخرة، وادّعى أهل السَّواد: أنَّ فارس أكرهوهم، وحشروهم؛ فلم يخالفوا إلينا، ولم يذهبوا في الأرض.\nوكتب مع أبي الهيّاج الأسديّ -يعني: ابن مالك-: إنّ أهلَ السَّواد جلوا، فجاءنا مَن أمسك بعهده، ولم يُجلب علينا؛ فتمّمنا لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم؛ وزعموا: أنّ أهلَ السَّواد قد لحقوا بالمدائن، فأحدِث إلينا فيمن تمَّ، وفيمن جلا، وفيمن ادّعى: أنه استكرِه، وحشر، فهرب، ولم يقاتل، أو استسلم، فإنَّا بأرض رغيبة، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صُلحنا، وإنّ أعمرَ لنا وأوهن لعدوّنا تألُّفُهم. فقام عمر في الناس فقال: إنَّه مَن يعمل بالهوى والمعصية؛ يسقط حظُّه، ولا يضرّ إلا نفسه، ومَنْ يتَّبع السُّنَّة وينته إلى الشرائع، ويلزم السبيل النَّهْج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة؛ أصاب أمره، وظفر بحظّهِ، وذلك بأنَّ الله ﷿ يقول: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وقد ظفر أهل الأيّام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم مَنْ أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استُكرِه وحُشر، وفيمن لم يدّع ذلك ولم يُقِم وجَلا، وفيمن أقام ولم يدّع شيئًا، ولم يَجْلُ، وفيمن استسلم. فأجمعوا على أنّ الوفاء لمن أقام وكفّ لم يزده غَلبُه إلا خيرًا، وأن من ادّعى فصُدِّق أو وفى فبمنزلتهم، وإن كذِّب نُبذ إليهم وأعادوا صلحهم؛ وأن يُجعل أمر مَنْ جلا إليهم، فإن شاؤوا وادعوهم وكانوا لهم ذمَّة، وإن شاؤوا تمّوا على","vol":"8","page":248},{"text":"منعِهم من أرضهم ولم يُعطوهم إلّا القتال؛ وأن يخيِّروا مَن أقام واستسلم: الجِزاء، أو الجَلاء، وكذلك الفلّاح.\nوكتب جواب كتاب أنس بن الحُليس: أمَّا بعدُ؛ فإنَّ الله جل وعلا أنزل في كلّ شيء رُخْصة في بعض الحالات إلّا في أمرين: العدلِ في السِّيرة والذّكر؛ فأمَّا الذّكر فلا رخصة فيه في حاح.\nلهّ، ولم يرضَ منه إلَّا بالكثير، وأمَّا العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدّة ولا رخاء، والعدل -وإن رُئيَ ليِّنًا- فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمَع للباطل من الجوْر، وإن رُئي شديدًا فهو أنكشُ للكفر؛ فمن تَمّ على عهده من أهلِ السَّواد، ولم يُعِنْ عليكم بشيء؛ فلهم الذمّة، وعليهم الجِزْية؛ وأمَّا مَن ادّعى أنه استكرِه ممن لم يخالِفْهم إليكم أو يذهب في الأرض؛ فلا تصدّقوهم بما ادّعوْا من ذلك إلّا أن تشاؤوا؛ وإن لم تشاؤوا؛ فانبذوا إليهم، وأبلغوهم مأمنَهم.\nوأجابهم في كتاب أبي الهيَّاجِ: أمَّا من أقام ولم يَجْلُ وليس له عهد فلهم ما لأهل العهد بمقامهم لكم، وكفهم عنكم إجابة، وكذلك الفلّاحون إذا فعلوا ذلك؛ وكلّ من ادّعى ذلك فصُدّق فلهم الذمَّة؛ وإن كذّبوا؛ نُبذ إليهم؛ وأمَّا مَنْ أعان وجلا؛ فذلك أمرٌ جعله الله لكم؛ فإن شئتم فادعُوهم إلى أن يقيموا لكم في أرضهم، ولهم الذِّمَّة، وعليهم الجِزية؛ وإن كرهوا ذلك، فاقسموا ما أفاء الله عليكم منهم.\nفلمّا قدمتْ كتُب عمر على سعد بن مالك والمسلمين؛ عرضوا على مَن يليهم مِمَّنْ جلا وتنحّى عن السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمَّة وعليهم الجزية، فتراجعوا وصاروا ذمَّة كمن تمّ ولزم عهدَه؛ إلَّا أن خراجهم أثقل؛ فأنزلوا من ادّعى الاستكراه وهرب منزلتَهم، وعقدوا لهم، وأنزلوا مَن أقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلّاحين، ولم يُدخلوا في الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يُجبهم إلى واحدة من اثنتين: الإسلام، أو الجِزاء، فصارت فيئًا لمن أفاء الله عليه؛ فهي والصوافي الأولى ملك لمن أفاء الله عليه، وسائر السواد ذمَّة وأخذوهم بخراج كسرى، وكان خراج كسرى على رؤوس الرّجال على ما في أيديهم من الحصّة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى، ومن صوّب معهم وعيالُ من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران","vol":"8","page":249},{"text":"والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسِّكك، وما كان لآل كسرى، فلم يَتأتَّ قَسْم ذلك الفيء الذي كان لآل كسرى ومن صوّب معهم؛ لأنه كان متفرّقًا في كلّ السّواد، فكان يليه لأهل الفيء مَن وَثِقُوا به، وتراضَوْا عليه؛ فهو الَّذي يَتَداعاه أهلُ الفيء لا عُظْمُ السواد؛ وكانت الولاة عند تنازعهم فيها تهاون بقسمه بينهم؛ فذلك الذي شبَّه على الجَهَلة أمر السَّواد، ولو أنّ الحُلماء جامعوا السُّفهاء الذين سألوا الوُلاةَ قسمَه لقسموه بينهم، ولكنَّ الحلماء أبوْا، فتابع الولاة الحلماء، وتُرِك قول السفهاء. كذلك صنع عليّ ﵀، وكلّ مَنْ طلب إليه قسمُ ذلك فإنَّما تابع الحُلماء، وترك قولَ الشُفهاء، وقالوا: لئلّا يضرب بعضُهم وجوهَ بعص (١). (٣: ٣٨٣/ ٥٨٤/ ٥٨٥/ ٥٨٦).\n٣٥٦ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة وسفيان، عن ماهان، قالوا: فتح الله السَّوادَ عَنْوةً -وكذلك كلّ أرض بينها وبين نهر بلْخ- إلَّا حصنًا، ودُعُوا إلى الصلح، فصاروا ذمَّه، وصارت لهم أرَضوهم ولم يُدخلوا في ذلك أموال آل كسرى ومَن اتّبعهم، فصارت فيئًا لمن أفاءه الله عليه، ولا يكون شيء من الفتوح فيئًا حتى يُقَسم؛ وهو قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ممّا اقتسمتم (٢). (٣: ٥٨٧).\n٣٥٧ - وعن سيف، عن حجَّاج الصوّاف، عن مسلم مولى حُذَيفة، قال: تزوّج المهاجرون والأنصار في أهلِ السّواد يعني في أهل الكتابيْن منهم، ولو كانوا عبيدًا لم يستحلّوا ذلك، ولم يحلّ لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية، ولم يقل: \"فتياتهم من أهل الكتابين\" (٣). (٣: ٣٨٨).\n٣٥٨ - وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبَير، قال: بعث عمر بن الخطَّاب إلى حُذيفة بعد ما ولّاه المدائن وكثر المسلمات: إنه بلغني أنَّك تزوَّجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلِّقها. فكتب إليه: لا أفعل حتَّى تخبرَني: أحلال أم حرام، وما أردت بذلك؟ فكتب إليه: لا بل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":250},{"text":"حلال، ولكن في نساء الأعاجم خَلابة، فإن أقبلتم عليهنّ غلبنكم على نسائكم. فقال: الآن! فطلَّقها (١). (٣: ٥٨٨).\n٣٥٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أشعث بن سِوَار، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: شهدت القادسيّة مع سعد، فتزوّجنا نساء أهل الكتاب، ونحن لا نجد كثير مسلمات، فلمَّا قفلنا؛ فمنَّا مَن طلَّق، ومنَّا من أمسك (٢). (٣: ٥٨٨).\n٣٦٠ - وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبَير، قال: أخذ السَّواد عَنْوة، فدُعوا إلى الرّجوع والجزاء، فأجابوا إليه، فصاروا ذمَّة، إلّا ما كان لآل كسرى، وأتباعهم، فصار فيئًا لأهله، وهو الذي يتحجَّى أهل الكوفة إلى أن جُهل ذلك، فحسبوه السَّواد كلَّه، وأمَّا سوادهم؛ فذلك (٣). (٣: ٣٨٩).\n٣٦١ - وعن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن إبراهيم بن يزيد النَّخعيّ، قال: أخِذ السَّواد عَنْوة، فدُعوا إلى الرجوع، فمنْ أجابَ فعليه الجزية وله الذمّة، ومَن أبى صار ماله فيئًا، فلا يحلّ بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجَبل إلى العُذَيب من أرض السَّواد ولا في الجبَل (٤). (٣: ٥٨٩).\n٣٦٢ - وعن سيف، عن محمد بن قيس، عن الشعبيّ بمثله: لا يحلّ بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجَبل والعُذَيب (٥). (٣: ٥٨٩).\n٣٦٣ - وعن سيف، عن عمرو بن محمَّد، عن عامر، قال: أقطع الزبير وخبّاب وابن مسعود وابن ياسر وابن هبَّار أزمانَ عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالَّذين قبلوا منه الخطأ أخطأ؛ وهم الذين أخذنا عنِهم ديننا. وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والرُّبّيل بن عمرو، وأقطع أبا مُفزِّر دار الفيل في عدد ممَّن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":251},{"text":"أخذنا عنهم، وإنما القطائع على وجه النَّفْل من خُمس ما أفاء الله.\nوكتب عُمر إلى عُثمان بن حُنيف مع جرير: أمَّا بعد؛ فأقطع جرير بن عبد الله قَدْر ما يقُوته لا وَكْس ولا شَطَط، فكتب عثمان إلى عمر: إن جريرًا قدِم عليّ بكتاب منك تُقْطعه ما يقوته، فكرهت أن أمضي ذلك حتى أراجعَك فيه. فكتب إليه عمر: أن قد صدق جرير، فأنفذ ذلك، وقد أحسنتَ في مؤامرتي وأقْطع أبا موسى. وأقطع عليٌّ ﵀ كردوسَ بن هانئ الكردُوسيّة، وأقطع سُويد بن غفلة الجعفيّ (١). (٣: ٥٨٩).\n٣٦٤ - وعن سيف، عن ثابت بن هُريْم، عن سُوَيد بن غفلة، قال: استقطعت عليًّا ﵀، فقال: اكتب: هذا ما أقطع عليٌّ سُوَيدًا أرضًا لداذَوَيْه؛ ما بين كذا إلى كذا وما شاء الله (٢). (٣: ٥٨٩).\n٣٦٥ - وعن سيف، عن المستنير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: قال عمر: إذا عاهدتم قومًا؛ فأبرئوا إليهم من معرّة الجيوش. فكانوا يكتبون في الصلح لمن عاهدوا: \"ونبرأ إليكم من معرّة الجيوش\" (٣). (٣: ٥٩٠).\n٣٦٥ - وقال الواقديّ: كانت وقعة القادسيَّة وافتتاحها سنة ستّ عشرة، وكان بعض أهل الكوفة يقول: كانت وقعة القادسيَّة سنة خمس عشر (٤). (٣: ٥٩٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>ذكر بناء البَصْرة</span>\n٣٦٦ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عنه. فحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن أبي مخْنِف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قُتل مِهران سنة أربع عشرة في صفر، فقال عمر لعتبة -يعني: ابنَ غزوان-: قد فتح الله جلّ وعزّ على إخوانكم الحِيرة وما حولها، وقتِل عظيم من عظمائها، ولست آمن أن يمدّهم إخوانُهم من أهل فارس؛ فإني أريد أن أوجِّهك إلى أرض الهند، لتمنَع أهلَ تلك الجيزة من إمداد إخوانهم على إخوانكم، وتقاتلهم؛ لعلّ الله أن يفتح\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) وذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد إلى الواقدي والواقدي متروك.","vol":"8","page":252},{"text":"عليكم. فسرْ على بركة الله، واتَّق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصلّ الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله. فأقبل عتبة في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، وضوَى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادي، فقدم البصرة في خمسمئة، يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا، فنزلها في شهر ربيع الأول -أو الآخر- سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرضَ الهند فيها حجارة بيض خُشُن، فنزل الخُرَيبة، وليس بها إلّا سبع دساكر؛ بالزابُوقة والخُرَيبة وموضع بني تميم والأزد: ثنتان بالخُريبة، وثنتان بالأزد، وثنتان في موضع بني تميم وواحدة بالزابوقة. فكتب إلى عمر، ووصف له منزله فكتب إليه عمر: اجمع للناس موضعًا واحدًا؛ ولا تفرّقهم؛ فأقام عتبة أشهرًا لا يغزو ولا يلقَى أحدًا (١). (٣: ٥٩٠/ ٥٩١).\n٣٦٧ - وعن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: لما توجَّه عُتبة بن غزوان المازنيّ من بني مازن بن منصور من المدائن إلى فَرْج الهند؛ نزل على الشاطئ بحيال جزيرة العرب، فأقام قليلًا ثم أرَز، ثم شكوا ذلك حتى أمره عمر بأن ينزل الحجَر بعد ثلاثة أوطان إذا اجتَووا الطين، فنزلوا في الرابعة البصرة -والبصرة: كلّ أرض حجارتها جصّ- وأمر لهم بنهر يجري من دِجْلة، فساقوا إليها نهرًا للشَّفة، وكان إيطان أهل البصرة البصرة اليوم، وإيطانُ أهل الكوفة الكوفة اليوم في شهر واحد. فأمَّا أهل الكوفة فكان مقامهم قبل نزولها المدائن إلى أن وطّنوها، وأما أهل البصرة فكان مقامهم على شاطئ دِجْلة. ثم أرزوا مرّات حتى استقرّوا وبدؤوا، فخنسوا فرسخًا وجَرُّوا معهم نهرًا، ثم فرسخًا ثم جرّوه ثم فرسخًا، ثم جَرُّوه، ثم أتوا الحجر، ثم جرُّوه، واختُطت على نحو من خطط الكوفة، وكان على إنزال البصرة أبو الجَرباء عاصم بن الدُّلف، أحد بني غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم (٢) وقد كان قطبة بن قتادة. (٣: ٥٩٢).\n٣٦٨ - وعن بشير بن عبيد الله، قال: قتل نافع بن الحارث يوم الأبُلَّة تسعة، وأبو بكرة ستّة (٣). (٣: ٥٩٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":253},{"text":"٣٦٩ - وعن داود بن أبي هند، قال: أصاب المسلمون بالأبُلّة من الدراهم ستمئة درهم، فأخذ كلّ رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدّرهمين ممن أخذهما لمن فتح الأبُلَّة في ألفين من العطاء، وكانوا ثلاثمئة رجل، وكان فتح الأبُلَّة في رجب، أو في شعبان من هذه السنة (١). (٣: ٥٩٤).\n٣٧٠ - وعن الشعبيّ، قال: شهد فتح الأبُلَّة مئتان وسبعون، فيهم أبو بَكْرة، ونافع بن الحارث، وشِبْل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومُجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلَويّ، وربيعة بن كَلدة بن أبي الصَّلْت الثقفيّ، والحجّاج (٢). (٣: ٥٩٥).\n٣٧١ - وعن عبَاية بن عبد عمرو، قال: شهدت فتح الأبُلَّة مع عُتْبة، فبعث نافع بن الحارث إلى عمر ﵀ بالفتح، وجمع لنا أهل دستِ مَلسان، فقال عتبة: أرى أن نسير إليهم، فسرنا فلقيَنا مَرْزُبان دست مَيْسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه، وأخذ أسيرًا، فأخِذ قباؤه ومِنطقته، فبعث به عتبة مع أنس بن حُجيَّة اليَشكري (٣). (٣: ٥٩٥).\n٣٧٢ - وعن أبي المَليح الهُذَليّ، قال: بعث عُتبة أنسَ بن حُجيَّة إلى عمر بمنطقة مرزبان دَسْت مِيسان؛ فقال له: كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يَهيلون الذّهب والفضّة. فرغب. الناس في البصرة، فأتوْها (٤). (٣: ٥٩٥).\n٣٧٣ - وعن عليّ بن زيد، قال: لما فرغ عتبة من الأبُلَّة؛ جمع له مرزبان دَسْت مَيْسان، فسار إليه عُتْبة من الأبُلَّة، فقتله، ثم سرّح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة. ووفَد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة أن يصلّيَ بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير. فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة وجمع الفيلكان -عظيم من عظماء أبَزْقُباذ للمسلمين- فخرج\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده صعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":254},{"text":"إليه المغيرة بن شعبة، فلقيه بالمرْغاب، فظفِر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: مَن استعملت على البصرة؟ قال: مجاشع بن مسعود، قال: تستعمل رجلًا من أهل الوَبَر على أهل المدر؟ تدري ما حدث! قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عُتبة في الطريق واستعمل عمرُ المغيرة بن شعبة (١). (٣: ٥٩٥).\n٣٧٤ - وعن عبد الرحمن بن جَوْشن، قال: شخص عُتْبة بعد ما قتل مرزبان دَسْت مَيْسان، ووجَّه مجاشعًا إلى الفرات، واستخلفه على عمله، وأمر المغيرة بن شعبة بالصّلاة حتى يرجع مجاشع من الفرات، وجمع أهل مَيْسان، فلقيَهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعث بالفتح إلى عمر (٢). (٣: ٥٩٦).\n٣٧٥ - الطبريّ بإسناده عن قَتادة، قال: جمع أهل مَيْسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلّف المغيرة الأثقال، فلقي العدوّ دون دِجْلة، فقالت أرْدة بنت الحارث بن كَلَدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنَّا معهِم! فاعتقدت لواءً من خمارها، واتَّخذ النِّساءُ من حمُرهنّ رايات، وخرجْنَ يُرِدْن المسلمين، فانتهينَ إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلمّا رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنُّوا أن مددًا أتى المسلمين فانكشفوا، واتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدّة (٣). (٣: ٥٩٦).\n٣٧٦ - وعن المثنّى بن موسى بن سلمة بن المحبَّق، عن أبيه، عن جدّه، قال: شهدت فتح الأبُلَّة، فوقع لي في سهمي قِدْر نحاس، فلمَّا نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتِب في ذلك إلى عمر، فكتب أن يُصبَر يمين سلمة بالله لقد أخذها وهي عنده نحاس، فإن حلف سُلِّمت إليه؛ وإلّا قسمت بين المسلمين. قال: فحلفتُ، فسُلّمت لي.\nقال المثنّى: فأصول أموالنا اليوم منها (٤). (٣: ٥٩٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":255},{"text":"٣٧٧ - وعن عمرة ابنة قيس، قالت: لمّا خرج الناس لقتال أهل الأبُلَّة خرج زوجِي وابني معهم، فأخذوا الدرهمين ومكُّوك زبيب، وإنّهم مضوْا حتى إذا كانوا حيال الأبُلَّة، قالوا للعدوّ: نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: بل اعبرُوا إلينا، فأخذوا خشب العُشَر فأوثقوه، وعبروا إليهم، فقال المشركون: لا تأخذوا أوّلهم حتى يعبَر آخرهم. فلمَّا صاروا على الأرض كبَّروا تكبيرة، ثم كبَّروا الثانية، فقامت دوائهم على أرجلها، ثم كبَّروا الثالثة، فجعلت الدّابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رؤوسٍ تُنْدَر، ما نرى مَن يضربها؛ وفتح الله على أيديهم (١). (٣: ٥٩٧).\n٣٧٨ - المدائنيّ قال: كانت عند عُتبة صفيَّة بنت الحارث بن كَلَدة، وكانت أختها أردة بنت الحارث عند شِبْل بن معبَد البَجَلِيّ، فلمّا ولي عتبة البصرة انحدر معه أصهارُه: أبو بكْرة، ونافع، وشِبْل بن معبد، وانحدر معهم زياد؛ فلمَّا فتحوا الأبُلَّة لم يجدوا قاسمًا يقسم بينهم، فكان زياد قاسمَهم؛ وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجرَوْا عليه كلّ يوم درهمين.\nوقيل: إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة؛ والأول أصحّ؛ فكانت إمارته عليها ستة أشهر.\nواستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقيَ سنتين، ثم رُمِي بما رُمِيَ؛ واستعمل أبا موسى، وقيل: استعمل بعد عُتْبة أبا موسى، وبعده المغيرة.\nوفيها -أعني: سنة أربع عشرة- ضرب عمر ابنَه عبيد الله وأصحابَه في شراب شربوه، وأبا مِحْجن (٢). (٣: ٥٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>ثم دخلت سنة خمس عشرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>ذكر الوقعة بمرْج الروم</span>\n٣٧٩ - وفي هذه السنة كانت الوقعة بمرْج الرُّوم، وكان من ذلك: أنّ أبا عُبيدة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":256},{"text":"خرج بخالد بن الوليد من فحْل إلى حمْص، وانصرف بمن أضيف إليهم من اليَرموك؛ فنزلوا جميعًا على ذي الكَلاع، وقد بلغ الخبر هرقلَ، فبعث توذَرا البطريق حتى نزل بمرْج دمشق وغربها، فبدأ أبو عبيدة بمرْج الروم وجمعهم هذا، وقد هجم الشتاء عليهم والجِراحُ فيهم فاشية، فلمّا نزل على القوم بمرْج الرّوم نازله يوم نزل عليه شنس الروميّ، في مثل خيل توذرا؛ إمدادًا لتوذرا وردءًا لأهل حمص؛ فنزل في عسكر على حِدَة، فلمّا كان من الليل؛ أصبحت الأرض من توذرا بلاقعَ، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالدًا الخبر: أنّ توذرا قد رَحل إلى دمشق، فأجمع رأيه ورأي أبي عبيدة أن يُتبعه خالد، فأتبعه خالد من ليلته في جريدة؛ وقد بلغ يزيد بن أبي سفيان الذي فعل، فاستقبله فاقتتلوا، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون؛ فأخذهم من خلفهم، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم؛ فأناموهم ولم يفلتْ منهم إلّا الشريد؛ فأصاب المسلمون ما شاؤوا من ظَهْرٍ وأداة وثياب، وقسم ذلك يزيد بن أبي سفيان على أصحابه وأصحاب خالد، ثم انصرف يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة، وقد قتل خالد توذرا، وقال خالد:\nنحن قَتْلنا توذَرا وشوذرا ... وقَبْلَه ما قد قَتلْنا حَيْدَرا\nنحن أزرْنا الغَيْضةَ الأُكَيْدِرا\nوقد ناهد أبو عبيدة بعد خروج خالد في أثر توذرا شنس، فاقتتلوا بمرْج الرّوم، فقتلهم مقتلة عظيمة، وقتل أبو عبيدة شنس، وامتلأ المرْج من قتلاهم؛ فأنتنت منهم الأرض، وهرب من هرب منهم، فلم يفلتهم، وركبوا أكساءهم إلى حِمْص (١). (٣: ٥٩٩/ ٥٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>ذكر فتح حمْص</span>\n٣٨٠ - وعن أبي الزّهراء القُشَيْريّ، عن رجل من قومه، قال: كان أهل حِمْص يتواصوْن فيما بينهم، ويقولون: تمسَّكوا فإنّهم حُفاة، فإذا أصابهم البرد\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه الوقعة بلا إسناد، ولم نجد رواية تأريخية مسندة صحيحة تؤيد ما ذكره الطبري، ولذلك ذكرنا هذه الوقعة مع الروايات التي جاءت بأسانيد ضعيفة وسكتنا عنها لأننا لم نجد لها متابعات ولا شواهد والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":257},{"text":"تقطّعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون؛ فكانت الرّوم تَراجعُ، وقد سقطت أقدام بعضهم في خفافهم، وإن المسلمين في النِّعال ما أصيب أصبع أحد منهم، حتى إذا انخنس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى لمصالحة المسلمين. قالوا: كيف والملك في سلطانه وعزّه، ليس بيننا وبينهم شيء! فتركهم؛ وقام فيهم آخر فقال: ذهب الشتاء، وانقطع الرّجاء، فما تنتظرون؟ فقالوا: البِرسام، فإنما يسكن في الشتاء ويظهر في الصيف، فقال: إن هؤلاء قوم يُعانون؛ ولأنْ تأتوهم بعهد وميثاق، خير من أن تؤخذوا عَنْوة؛ أجيبوني محمودين قبل أن تجيبوني مذمومين! فقالوا: شيخ خَرِف، ولا علم له بالحرب (١). (٣: ٦٠٠).\n٣٨١ - وعن أشياخ من غسّانَ وبَلْقين، قالوا: أثاب الله المسلمين على صَبْرهم أيام حِمْص أن زُلزل بأهل حِمْص؛ وذلك أنّ المسلمين ناهدوهم، فكبّروا تكبيرة زلزلت معها الرّوم في المدينة، وتصدّعت الحيطان، ففزعوا إلى رؤسائهم وإلى ذوي رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة، فلم يجيبوهم وأذلّوهم بذلك، ثم كبَّرُوا الثانية، فتهافتت منها دور كثيرة وحيطان؛ وفزعوا إلى رؤسائهم وذوي رأيهم، فقالوا: ألا ترون إلى عذاب الله! فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيرُكم؛ فأشرفوا فنادوْا: الصلح الصلح! ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم، وعلى أن يترك المسلمون أموالَ الرّوم وبنيانَهم؛ لا ينزلونه عليهم، فتركوه لهم، فصالح بعضهم على صُلْح دمشق على دينار وطعام، على كلّ جريب أبدًا أيسروا أو أعسروا. وصالح بعضُهم على قَدْر طاقته؛ إن زاد ماله زيد عليه، وإن نقص نُقِص، وكذلك كان صلْح دمشق والأردنّ؛ بعضُهم على شيء إن أيسروا أو أعسروا، وبعضُهم على قَدْر طاقته، ووُلّوا مُعاملةَ ما جلا ملوكهم عنه.\nوبعث أبو عبيدة السّمْطَ بن الأسود في بني معاوية، والأشعثَ بن مِئناس في السَّكون، معه ابن عابسِ، والمقداد في بَلِيّ، وبلالًا وخالدًا في الجيش، والصبّاح بن شُتَيْر وذهيل بن عطية وذا شمستان، فكانوا في قصبتها. وأقام في عسكره، وكتب إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع عبد الله بن مسعود، وقد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":258},{"text":"وفّده. وأخبر خبر هرقل؛ وأنه عبر الماء إلى الجزيرة، فهو بالرُّهاء ينغمس أحيانًا، ويطلع أحيانًا. فقدم ابن مسعود على عمر، فردّه، ثم بعثه بعد ذلك إلى سعد بالكوفة، ثم كتب إلى أبي عُبَيدة: أن أقم في مدينتك وادعُ أهلَ القوّة والجلَد من عرب الشام، فإنّي غير تارك البعثة إليك بمن يكانفك؛ إن شاء الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>ذكر خبر ارتحال هِرقل إلى القسطنطينيّة</span>\n٣٨٢ - ذكر سيف عن أبي الزّهراء القُشيريّ، عن رجل من بني قُشَير، قالوا: لما خرج هِرَقل من الرُّهاء واستتبع أهلَها، قالوا: نحن هاهنا خير منّا معك، وأبوْا أن يتبعوه، وتفرّقوا عنه وعن المسلمين؛ وكان أوّل منَ أنبح كلابها، وأنفر دجاجها زياد بن حنظلة، وكان من الصحابة، وكان مع عمر ابن مالك مساندَه، وكان حليفًا لبني عبد بن قُصيّ؛ وقبل ذلك ما قد خرج هرَقل حتى شِمْشاط؛ فلما نزل القوم الرّهاء أدرب فنفذ نحو القسطنطينيّة، ولحقه رجلٌ من الرّوم كان أسيرًا في أيدي المسلمين، فأفلت. فقال له: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أحدّثك كأنّك تنظر إليهم؛ فُرسان بالنهار ورهبان بالليل، ما يأكلون في ذمّتهم إلّا بثمن، ولا يدخلون إلّا بسلام، يقفون على مَن حاربهم حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتَني ليرثُنّ ما تحت قدَميّ هاتين (٢). (٣: ٦٠٢).\n٣٨٣ - وعن عبادة، وخالد: أنّ هرَقل كان كلّما حجّ بيت المقدس فخلف سُورية، وظعن في أرض الرّوم التفت فقال: عليك السّلام يا سوريَة تسليم مودِّع لم يقضِ منك وطرَه، وهو عائد. فلمّا توجّه المسلمون نحو حِمْص عَبَر الماء، فنزل الرّهاء، فلم يزل بها حتى طلع أهل الكوفة وفتحت قِنَّسرين وقتِل مِيناس، فخنَس عند ذلك إلى شمشاط؛ حتى إذا فصل منها نحو الرّوم علا على شرف، فالتفت ونظر نحو سورية، وقال: عليك السلام يا سورَية، سلامًا لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك روميّ أبدًا إلّا خائفًا، حتى يولد المولود المشؤوم، وياليته لا يولد! ما أحلَى فِعلَه، وأمرّ عاقبته على الرّوم! (٣) (٣: ٦٠٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًا.\n(٣) إسناده ضعيف جدًا.","vol":"8","page":259},{"text":"٣٨٤ - وعن أبي الزّهراء، وعمرو بن ميمون، قالا: لما فصَل هرقل من شمشاط داخلًا الرّوم التفت إلى سورية، فقال: قد كنت سلّمت عليك تسليم المسافر، فأمّا اليوم فعليك السلام يا سوريَة تسليم المفارق، ولا يعود إليك روميّ أبدًا إلا خائفًا، حتى يولد المولود المشؤوم، وليته لم يولد! ومضى حتى نزل القسطنطينيّة. وأخذ أهلَ الحصون التي بين إسكندريّة وطَرسُوس معه؛ لئلّا يسير المسلمون في عمارةٍ ما بين أنطاكيَة وبلاد الرّوم، وشعّث الحصون، فكان المسلمون لا يجدون بها أحدًا، وربما كمن عندها الروم؛ فأصابوا غرّة المتخلّفين، فاحتاط المسلمون لذلك (١). (٣: ٦٠٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>ذكر فتح قَيْساريّة وحَصْر غزّة</span>\n٣٨٥ - ذكر سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة، عن خالد، وعبادة، قالا: لما انصرف أبو عبيدة، وخالد إلى حِمْص من فِحْل، نزل عمرو، وشرحبيل على بَيْسان فافتتحاها، وصالحته الأُرْدُنّ، واجتمع عسكر الرّوم بأجناديْن، وبَيْسان وغزّة، وكتبوا إلى عمر بتفرّقهم، فكتب إلى يزيد بأن يدفئ ظهورَهم بالرّجال، وأن يسرّح معاوية إلى قَيْسارية. وكتب إلى عمرو يأمره بصدم الأرْطَبون، وإلى علقمة بصدْم الفِيقار.\nوكان كتاب عمر إلى معاوية: أما بعد، فإنّي قد ولّيتك قَيساريّة، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: \"لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربّنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير\". فانتهى الرّجلان إلى ما أمرا به، وسار معاوية في جنده حتى نزل على أهل قيساريّة وعليهم أبنى، فهزمه وحصره في قيساريّة. ثم إنهم جعلوا يزاحفونه، وجعلوا لا يزاحفونه من مرّةٍ إلّا هزمهم وردّهم إلى حصنهم، ثمّ زاحفوه آخر ذلك، وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا في حفيظة واستماتة، فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفًا، وكمّلها في هزيمتهم مئة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بني الضُّبيب، ثم خاف منهما الضّعف، فبعث عبدَ الله بن علقمة الفراسيّ، وزهير بن الحلاب الخثعميّ،\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًا.","vol":"8","page":260},{"text":"وأمرهما أن يتّبعاهما ويسبقاهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان، وابن علقمة يتمثّل وهي هِجِّيراه:\nأَرَّقَ عَيني أَخَوَا جُذَامِ ... كيفَ أنامُ وهُمَا أمامي!\nإِذْ يرحَلانِ والهَجِيرُ طامِي ... أخو حُشَيْمٍ وأخو حَرامِ\nوانطلق علقمة بن مُجَزِّز، فحصر الفيقار بغزّة، وجعل يراسله، فلم يشفه مما يريد أحد؛ فأتاه كأنّه رسول علقمة، فأمر الفيقار رجلًا أن يقعد له بالطريق، فإذا مرّ قتله، ففطِن علقمة، فقال: إنّ معي نفرًا شركائي في الرّأي، فأنطلقُ فآتيك بهم؛ فبعث إلى ذلك الرّجل: لا تعرض له. فخرج من عنده ولم يَعُد، وفعل كما فعل عمرو بالأرطبون، وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر، فجمع الناس وأباتهم على الفرح ليلًا، فحمد الله وقال: لتحمدوا الله على فتح قيساريّة، وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يحبس الأسرَى عنده، ويقول: ما صنع ميخائيل بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، ففطمه عن العَبث بأسرَى المسلمين حتى افتتحها (١). (٣: ٦٠٣/ ٦٠٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>ذكر فتح بَيْسانَ ووقعة أجْناديْن</span>\n٣٨٦ - ولمّا توجّه علقمة إلى غزّة، وتوجّه معاوية إلى قَيساريّة؛ صمد عمرو بن العاص إلى الأرْطَبون، ومرّ بإزائه، وخرج معه شُرَحبيل بن حَسَنة على مقدّمته، واستخلف على عمل الأرْدُن أبا الأعورَ، وولى عمرو بن العاص مجنّبتيه عبدَ الله بن عمرو، وجُنادة بن تميم المالكيّ -مالك بن كنانة- فخرج حتى ينزل على الرّوم بأجناديْن، والرّوم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطَبون. وكان الأرطبون أدْهى الرُّوم وأبعدَها غَوْرًا، وأنكاها فعلًا، وقد كان وضع بالرّملة جندًا عظيمًا، وبإيلياء جندًا عظيمًا؛ وكتب عمرو إلى عمر بالخبر؛ فلمّا جاءه كتاب عمرو، قال: قد رمينا أرطبون الرّوم بأرطبون العرب، فانظروا عمّ تتفرّج! وجعل عمر ﵀ من لدن وجّه أمراء الشام يمدّ كلّ أمير جند ويرميه بالأمداد؛ حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الرّوم، كتب إلى يزيد أن يبعث\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًا.","vol":"8","page":261},{"text":"معاوية في خيله إلى قيساريّة، وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيساريّة، وليشغلهم عن عمرو؛ وكان عمرو قد استعمل علْقمة بن حكيم الفراسيّ، ومسروق بن فلان العكّي على قتال أهل إيلياء، فصاروا بإزاء أهل إيلياء، فشغلوهم عن عمرو، وبعث أبا أيوب المالكيّ إلى الرّملة، وعليها التَّذَارِق، وكان بإزائهما، ولما تتابعت الأمداد على عمرو، بعث محمد بن عمرو مددًا لعلقمة ومسروق، وبعث عُمارة بن عمرو بن أميّة الضّمْريّ مددًا لأبي أيّوب، وأقام عمرو على أجناديْن لا يقدر من الأرطبون على سقطة، ولا تشفيه الرُّسل، فوليَه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه، وتأمّل حصونَه حتى عرف ما أراد، وقال أرطبون في نفسه: والله إنّ هذا لعمرو، أو إنه لَلذي يأخذ عمرو برأيه؛ وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظمَ عليهم من قتله. ثم دعا حرَسيًا فسارّه بقتله، فقال: اخرج. فقم مكان كذا وكذا، فإذا مرّ بك فاقتله، وفطِن له عمرو، فقال: قد سمعتَ منّي وسمعتُ منك، فأمّا ما قلتَه فقد وقع مني موقعًا؛ وأنا واحد من عشرة؛ بعثَنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثلَ الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير؛ وإن لم يروْه رددتَهم إلى مأمنهم، وكنتَ على رأس أمرك. فقال: نعم، ودعا رجلًا فسارّه، وقال: اذهب إلى فلان فردّه إليّ، فرجع إليه الرّجل وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك؛ فخرج عمرو ورأى ألّا يعود لمثلها، وعلم الرّوميّ بأنه قد خدعه، فقال: خدَعني الرّجُل؛ هذا أدهى الخلق. فبلغت عمر، فقال: غلبه عمرو، لله عمرو! وناهده عمرو، وقد عرف مأخذه وعاقبته، والتقوْا ولم يجد من ذلك بدًّا فالتقَوْا بأجناديْن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا كقتال اليَرموك؛ حتى كثرت القتلى بينهم.\nثم إنّ أرطبون انهزم في الناس فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجناديْن. ولمّا أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجناديْن، فانضمّ علقمة، ومسروق، ومحمد بن عمرو، وأبو أيّوب إلى عمرو بأجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري؛ أنت في قومك مثلي في قومي؛ والله لا تفتتح من فلسطين شيئًا بعد أجناديْن، فارجع ولا تَغرّ فتلقَى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة. فدعا عمرو رجلًا يتكلم بالروميّة، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يُغرِب ويتنكّر، وقال: استمع ما يقول حتى تخبرَني به إذا رجعت إن شاء الله.","vol":"8","page":262},{"text":"وكتب إليه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتْك خَصْلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمتَ أنِّي صاحبُ فتح هذه البلاد، وأستعدي عليك فلانًا وفلانًا وفلانًا -لوزرائه- فأقرئهم كتابي، ولينظروا فيما بيني وبينك فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر، فاقترأه، فضحكوا، وتعجّبوا، وأقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمتَ: أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه \"عمر\" ثلاثة أحرف؛ فرجع الرّسول إلى عمرو فعرف أنه عمر.\nوكتب إلى عمر يستمدّه، ويقول: إني أعالج حربًا كؤودًا صدومًا وَبلادًا ادُّخرت لك، فرأيَك. ولما كتب عمرو إلى عمر بذلك، عرف أنّ عمرًا لم يقل إلّا بعلم، فنادى في الناس، ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية. وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربعَ مرّات، فأما الأولى فعلى فرَس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصّر عنها: أن الطاعون مستعر، وأما الرابعة فدخلها على حمار. فاستخلف عليها، وخرج وقد كتب مخرجَه أوّلَ مرة إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية -ليوم سقاه لهم في المجرّدة- وأن يستخلفوا على أعمالهم. فلقوه حيث رفعت لهم الجابية؛ فكان أوّل مَنْ لقيه يزيد، ثم أبو عبيدة، ثم خالد على الخيول، عليهم الدّيباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة، فرماهم بها، وقال: سَرْعَ ما لُفِتّم عن رأيكم! إيّايَ تستقبلون في هذا الزّي، وإنما شبعتم منذ سنتين! سَرْعَ ما ندّت بكم البِطْنة! وتالله لو فعلتموها على رأس المئتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإنّ علينا السلاح، قال: فنعم إذًا. وركب حتى دخل الجابية وعمرو، وشُرحْبِيل بأجْنَاديْن، لم يتحرّكا من مكانهما (١). (٣: ٦٠٥/ ٦٠٦/ ٦٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>ذكر فتح بيت المقدس</span>\n٣٨٧ - وعن سالم بن عبد الله، قال: لما قدم عمر ﵀ الجابيةَ؛ قال له\n_________\n(١) ذكر الطبري في هذا الكلام بلا إسناد، وأغلب ظننا أنه تكملة للرواية التي قبلها وبالإسناد الذي أشرنا إلى ضعفه الشديد وقد تكرر ذكر أجنادين مرة أخرى فقد أشار الطبري سابقًا إلى ذلك.","vol":"8","page":263},{"text":"رجل من يهود: يا أميرَ المؤمنين! لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء؛ فبينا عمر بن الخطاب بها؛ إذ نظر إلى كُردوس من خيل مقبل، فلمّا دنَوْا منه سلّوا السيوف، فقال عمر: هؤلاء قوم يستأمنون، فأمّنوهم؛ فأقبلوا فإذا هم أهل إيلياء، فصالحوه على الجِزْية، وفتحوها له، فلمّا فتحت عليه دعي ذلك اليهوديّ، فقيل له: إن عنده لعلمًا. قال: فسأله عن الدجّال -وكان كثير المسألة عنه- فقال له اليهوديّ: وما مسألتك عنه يا أميرَ المؤمنين! فأنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لُدٍّ ببضعَ عشرة ذراعًا (١). (٣: ٦٠٧).\n٣٨٨ - وعن سالم، قال: لمّا دخل عمر الشام؛ تلقّاه رجل من يهود دمشق، فقال: السّلامُ عليك يا فاروق! أنت صاحب إيلياء لا والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء؛ وكانوا قد أشجَوا عمرًا وأشجاهم؛ ولم يقدر عليها ولا على الرّملة، فبينا عمر معسكرًا بالجابية، فزع الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا ترى الخيل والسيوف! فنظر، فإذا كُردوس يلمعون بالسيوف، فقال عمر: مستأمِنةٌ، ولا تُراعوا وأمِّنوهم؛ فأمّنوهم؛ وإذا هم أهل إيلياء، فأعطوْه واكتتبوا منه على إيلياء وحيّزِها، والرّملة وحيّزها؛ فصارت فلسطين نصفين: نصفٌ مع أهل إيلياء، ونصف مع أهل الرّملة؛ وهم عشر كُوَر، وفلسطين تعدِل الشام كلّه؛ وشهد ذلك اليهوديّ الصّلح، فسأله عمر عن الدجّال؛ فقال: هو من بني بنيامين؛ وأنتم يا معشَرَ العرب تقتلونه على بضع عشرة ذراعًا من باب لُدّ (٢). (٣: ٦٠٨).\n٣٨٩ - وعن خالد، وعبادة، قالا: كان الذي صالح فلسطين العوامّ من أهل إيلياء والرّملة؛ وذلك أنّ أرطبون والتّذارِق لحقا بمصر مقدَمَ عمر الجابية، وأصيبا بعد في بعض الصوائف.\nوقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشام: أنّ أبا عبيدة حضر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولّي للعقد عمر بن الخطاب؛ فكتب إليه بذلك، فسار عن المدينة (٣). (٣: ٦٠٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًا.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًا.","vol":"8","page":264},{"text":"٣٩٠ - وعن عَدِيّ بن سهل، قال: لما استمدّ أهلُ الشام عمر على أهل فلسطين؛ استخلف عليًّا، وخرج ممدًّا لهم، فقال عليّ: أين تخرج بنفسك! إنك تريد عدوًّا كَلِبًا، فقال: إني أبادر بجهاد العدوّ موت العباس؛ إنّكم لو قد فقدتم العباس؛ لانتقض بكم الشرّ كما ينتقض أوّلُ الحبْل.\nقال: وانضمّ عمرو وشرحبيل إلى عمر بالجابية حين جرى الصلح فيما بينهم، فشهد الكتاب (١). (٣: ٦٠٨).\n٣٩١ - وعن خالد، وعبادة، قالا: صالح عمر أهل إيلياء بالجابِية، وكتب لهم فيها الصلح لكلّ كُورة كتابًا واحدًا، ما خلا أهل إيلياء:\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\nهذا ما أعطى عبدُ الله عمر أمير المؤمنين أهلَ إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبَريئها وسائر ملّتها: أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها، ولا من حيّزِها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكنُ بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطُوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الرّوم واللصوت؛ فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم؛ ومَن أقام منهم فهو آمن؛ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجِزْية، ومنْ أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الرّوم ويخلّي بِيَعهم وصُلُبهم فإنّهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومَن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجِزْية، ومن شاء سار مع الرّوم، ومن شاء رجع إلى أهله فمانه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحصد حصادهم؛ وعلى ما في هذا الكلتاب عهد الله وذمّة رسوله وذمّة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":265},{"text":"العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. وكتب وحَضَر سنة خمس عشرة.\nفأما سائر كُتبهم فعلى كتاب لُدّ:\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\nهذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل لُدّ، ومَن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلُبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملّتهم، أنه لا تُسْكن كنائسهم ولا تُهدم ولا ينتقصُ منها ولا من حيّزها ولا مللها، ولا من صُلُبهم ولا من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم؛ ولا يضارّ أحد منهم؛ وعلى أهل لُدّ ومَن دخل معهم من أهل فلسطين أن يُعطوا الجزية كما يعطى أهلُ مدائن الشام، وعليهم إن خرجوا (مثلُ ذلك الشرط إلى آخره) ثم سرّح إليهم، وفرّق فلسطين على رجلين، فجعل علقمة بن حكيم على نصفها وأنزله الرّملة، وعلقمة بن مُجزّز على نصفها وأنزله إيلياء؛ فنزل كلّ واحد منهما في عمله في الجنود التي معه (١). (٣: ٦٠٨/ ٦٠٩).\n٣٩٢ - وعن سالم، قال: استعمل علقمة بن مجزّز على إيلياء، وعلْقمة بن حكيم على الرّملة في الجنود التي كانت مع عمرو وضمّ عمرًا وشُرَحبيل إليه بالجابية، فلمّا انتهيا إلى الجابية؛ وافقا عمر ﵀ راكبًا، فقبّلا ركبتيه، وضمّ عمر كلّ واحد منهما محتضنَهما (٢). (٣: ٦١٠).\n٣٩٣ - وعن عبادة، وخالد، قالا: ولما بعث عمر بأمان أهل إيلياء وسكَّنها الجند؛ شخص إلى بيت المقدس من الجابية، فرأى فرسه يتوجَّى، فنزل عنه، وأتيَ ببرذون فركبه، فهزّه فنزل، فضرب وجهه بردائه، ثم قال: قبّح الله مَنْ علمك هذا! ثم دعا بفرسه بعد ما أجمَّه أيامًا يوقِّحه فركبه، ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس (٣). (٣: ٦١٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":266},{"text":"٣٩٤ - وعن أبي صفيّة -شيخ من بني شيبان- قال: لما أتى عمرُ الشام أتىَ ببرذون فركبه، فلما سار جعل يتخلّج به، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علّم الله مَنْ علّمك! هذا من الخيَلاء؛ ولم يركب برذونًا قبله ولا بعده. وفتحت إيلياء وأرضها كلّها على يديه، ما خلا أجناديْن فإنها فتِحت على يدي عمرو، وقيساريّة على يديْ معاوية (١). (٣: ٦١٠).\n٣٩٥ - وعن أبي مريم مولى سلامة، قال: شهدتُ فتح إيلياء مع عمر ﵀، فسار من الجابية فاصلًا حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود؛ ونحن معه، فدخله ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه (٢). (٣: ٦١٠).\n٣٩٦ - وعن أنس بن مالك، قال: شهدت إيلياء مع عمر، فبينا هو يطعم النّاس يومًا بها أتاه راهبها وهو لا يشعرُ: أن الخمر محرّمة، فقال: هل لك في شراب نجده في كتبنا حلالًا إذا حرّمت الخمر! فدعاه به فقال: من أيّ شيء هذا؟ فأخبره أنه طبخه عصيرًا، حتى صار إلى ثلثه، فغرف بإصبعه، ثم حرّكه في الإناء فشطره، فقال: هذا طلاء؛ فشبّهه بالقَطِران، وشرب منه، وأمر أمراء الأجناد بالشام به؛ وكتب في الأمصار: إني أتِيت بشراب مما قد طُبخ من العصير حتى ذهب ثُلثاه وبقي ثُلثه كالطِّلاء، فاطبخوه وارزقوه المسلمين (٣).\n٣٩٧ - وعن أبي عثمان، وأبي حارثة، قالا: ولحق أرْطبون بمصر مقدَمَ عمر الجابية، ولحق به مَن أحبّ ممّن أبى الصلح، ثم لحق عند صُلح أهل مصر، وغلبهم بالرّوم في البحر، وبقيَ بعد ذلك؛ فكان يكون على صوائف الرّوم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين فيختلف هو ورجل من قيس يقال له: ضُريْس؛ فقطع يد القيسيّ، وقتله القيسي، فقال:\nفإن يَكُنْ أرْطَبونُ الرُّوم أفسدَها ... فإنّ فيها بِحَمْدِ اللهِ مُنْتَفَعا\nبَنانَتانِ وجُرْموزٌ أقيمُ به ... صدْرَ القَناةِ إِذا ما آنَسوا فَزعا\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":267},{"text":"وِإنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطعَها ... فقَدْ تَرَكتُ بها أوصالَه قِطَعا\nوقال زياد بن حنظلة:\nتَذَكَّرتُ حربَ الرُّومِ لمّا تَطاوَلَتْ ... وإذ نَحْنُ في عامٍ كثيرٍ نزائِلُهْ\nوإذ نَحنُ في أرضِ الحجازِ وبَيْنَنا ... مسِيرَةُ شَهْرٍ بَيْنَهُنَّ بَلابِلهْ\nوإذْ أرْطَبُون الرُّومِ يَحْمِي بِلادَهُ ... يحاوِلهُ قَرْمٌ هُناكَ يُساجِلُهْ\nفلمَّا رأى الفاروق أزْمان فَتْحِها ... سما بِجُنودِ الله كَيْما يُصاوِلهْ\nفلمَّا أَحَسّوه وخافوا صِوالهُ ... أتَوْهُ وقالوا أَنْتَ مِمَّنْ نُواصِلهْ\nوألْقَتْ إِلَيْهِ الشام أفْلاذَ بَطْنِها ... وعَيْشًا خَصيبًا ما تُعدُّ مَآكِلهْ\nأباحَ لَنا ما بيْنَ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... مواريث أَعْقابٍ بَنَتْها قَرَامِلهْ\nوكَمْ مُثْقَلٍ لَمْ يَضْطلعْ باحْتِمالِهِ ... تحَمَلَ عِبْئًا حينَ شالَتْ شَوائلهْ\nوقال أيضًا:\nسَما عُمَرٌ لما أتْتهُ رَسائلٌ ... كأصْيَدَ يَحْمِي صرْمةَ الحَيّ أغيَدَا\nوقد عَضَّلتْ بالشَّأمِ أَرْضٌ بأَهلِها ... تريدُ من الأقوامِ مَن كان أَنجَدَا\nفلمَّا أتاهُ ما أتاهُ أجابَهُمْ ... بجْيشٍ تَرَى مِنهُ الشَّبائِك سُجّدَا\nوأقبَلَتِ الشامُ العَريضَةُ بِالذي ... أراد أبَّوَ حفص وأزكى وأزْيَدَا\nفقَسَّطَ فيما بَيْنَهُمْ كلَّ جِزْيَةٍ ... وكلَّ رِفادٍ كان أهْنَا وأَحْمَدا (١)\n(٢: ٦١٢/ ٦١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>دكر فرض العطاء وعمل الديوان</span>\n٣٩٨ - قال أبو جعفر الطبريّ: كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلّب، وزياد، والمجالد، وعمرو، عن الشعبيّ، وإسماعيل عن الحسن، وأبي ضمْرة عن عبد الله بن المُستورد عن محمد بن سيرين، ويحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب، والمستنير بن يزيد عن إبراهيم، وزهرة عن أبي سلمة، قالوا: فرض عمر العطاء حين فرض لأهل الفيء الذين أفاء الله عليهم؛ وهم أهل المدائن، فصاروا بعدُ إلى الكوفة، انتقلوا عن المدائن إلى الكوفة والبَصْرة ودمشق وحِمْص والأردنّ وفلسطين ومِصر، وقال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":268},{"text":"الفيء لأهل هؤلاء الأمصار ولمن لحق بهم وأعانهم، وأقام معهم ولم يفرض لغيرهم، ألا فبهم سُكنت المدائن والقرى، وعليهم جرى الصُّلْح؛ وإليهم أدِّي الجِزاء، وبهم سُدّت الفروج ودُوّخ العدّو. ثم كتب في إعطاء أهل العطاء أعطياتِهم إعطاءً واحدًا سنة خمْسَ عشرة.\nوقال قائل: يا أميرَ المؤمنين! لو تركت في بيوت الأموال عدّة لكون إن كان! فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقانِي الله شرّها؛ وهي فتنة لمن بعدي؛ بل أعدّ لهم ما أمرنا الله ورسوله طاعة لله ورسوله؛ فهما عدّتنا التي بها أفضينا إلى ما تروْن، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم (١). (٣: ٦١٥).\n٣٩٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وطلحة، وعمرو، وسعيد؛ قالوا: لما فتح الله على المسلمين وقُتِل رستم، وقدمت على عمر الفتوح من الشام جمع المسلمين، فقال: ما يحلّ للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعًا: أمّا لخاصته؛ فقوتُه وقوت عياله، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابّتان إلى جهاده وحوائجه وحُمْلانه إلى حَجِّهِ وعمرته، والقَسْم بالسويّة، أن يعطَى أهلُ البلاء على قدر بلائهم، ويرمَّ أمور الحاس بعد، ويتعاهدهم عند الشدائد، والنوازل؛ حتى تُكشف، ويبدأ بأهل الفيء (٢). (٣: ٦١٦).\n٤٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: جمع الناس عمر بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسيّة ودمشق، فقال: إني كنت امرأً تاجرًا، يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم، فماذا تروْن أنه يحلّ لي من هذا المال؟ فأكثر القوم وعليّ ﵇ ساكت، فقال: ما تقول يا عليّ؟ فقال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره، فقال القوم: القول قولُ ابن أبي طالب (٣). (٣: ٦١٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ومتنه فيه مخالفة لما ذكره الطبري نفسه قبل قليل من أن فرض العطاء وعمل الديوان كان سنة ١٥ هـ ومعلوم أي هذه الأمصار التي ذكرها لم تمصّر إلا بعد والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":269},{"text":"٤٠١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن أسلم، قال: قام رجلٌ إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما يحلّ لك من هذا المال؟ فقال: ما أصلحني وأصلح عيالي بالمعروف، وحُلّة الشتاء وحلّة الصيف، وراحلة عمر للحجّ والعمرة، ودابّة في حوائجه وجهاده (١). (٣: ٦١٦).\n٤٠٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لمّا ولِيَ عمر؛ قعد على رزق أبي بكر الذي كانوا فرضوا له، فكان بذلك؛ فاشتدّت حاجته، فاجتمع نفر من المهاجرين منهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، فقال الزّبير: لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إيّاه في رزقه! فقال عليّ: وددنا قبل ذلك؛ فانطلِقوا بنا، فقال عثمان: إنه عمر! فهلمّوا فلنستبرئ ما عنده من وراء؛ نأتي حفصة فنسألها، ونستكتمها، فدخلوا عليها، وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر، ولا تسمّي له أحدًا، إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها، فلقيَت عمر في ذلك، فعرفت الغضب في وجهه، وقال: مَن هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيَك، فقال: لو علمت مَن هم لسؤت وجوههم؛ أنت بيني وبينهم! أنشدك بالله؛ ما أفضل ما اقتنى رسول الله - ﷺ - في بيتكِ من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشَّقينِ كان يلبسهما للوفد، ويخطب فيهما للجُمَع؛ قال: فأيّ الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خُبزة شعير، فصببنا عليها وهي حارّة أسفل عُكّة لنا، فجعلناها هشّة دسمة؛ فأكل منها وتطعّم منها استطابة لها. قال: فأيّ مُبسَط كان يبسطه عندك كان أوطأ؟ قالت: كساءِ لنا ثخين كنا نربّعه في الصيف، فنجعله تحتنا، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثَّرنا بنصفه، قال: يا حفصة! فأبلغيهم عني: أنّ رسولَ الله - ﷺ - قدّر، فوضع الفُضول مواضعَها؛ وتبلّغ بالتَّزجية، وإنّي قدّرت فوالله لأضعنّ الفضول مواضعها، ولأتبلغنّ بالتزجية؛ وإنما مَثَلي ومثل صاحبى كثلاثة سلكوا طريقًا؛ فمضى الأوّل وقد تزّود زادًا فبلغ، ثم اتّبعه الآخر فسلك طريقه، فأفضى إليه، ثم اتّبعه الثالث، فإن لزم طريقهما، ورضي بزادهما؛ لحِق بهما، وكان معهما؛ وإن سلك غير طريقهما؛ لم يجامعهما (٢). (٣: ٦١٦/ ٦١٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":270},{"text":"٤٠٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أصحابه، والضحّاك عن ابن عباس، قال: لما افتُتحت القادسية، وصالح مَن صالح من أهل السّواد، وافتتحت دمشق، وصالح أهل دمشق، قال عمر للناس: أجتمعوا، فأحضروني علمكم فيما أفاء الله على أهل القادسيّة، وأهل الشام. فاجتمع رأي عمر، وعليّ على أن يأخذوا من قبل القرآن، فقالوا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ -يعني: من الخمس- ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾: إلى الله قال الرسول؛ من الله الأمر وعلى الرسول القسم ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، ثم فسّروا ذلك بالآية التي تليها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، فأخذوا الأربعة أخماس على ما قسم عليه الخمس فيمن بُدئ به، وثُنِّي، وثُلِّث، وأربعة أخماس لمن أفاء الله عليه المغنم، ثم استشهدوا على ذلك أيضًا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فقسّم الأخماس على ذلك، واجتمع على ذلك عمر، وعليّ، وعمل به المسلمون بعدَه، فبدأ بالمهاجرين، ثم بالأنصار، ثم التابعين الذين شُهدوا معهم وأعانوهم، ثم فوض الأعطية من الجِزاء على مَن صالح أو دُعي إلى الصلح من جِزائه، مردود عليهم بالمعروف؛ وليس في الجِزاء أخماس، والجِزاء لمن منع الذّمة. ووفّى لهم ممّن ولي ذلك منهم؛ ولمن لحق بهم فأعانهم، إلا أن يؤاسوا بفضلةٍ من طيب أنفس منهم مَنْ لم ينل مثل الذي نالوا (١). (٣: ٦١٧/ ٦١٨).\nقال الطبريّ: وفي هذه السنة -أعني: سنة خمس عشرة- كانت وقعات في قول سيف بن عمر، وفي قول ابن إسحاق: كان ذلك في سنة ست عشرة، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبل؛ وكذلك ذلك في قول الواقديّ.\nنذكر الآن الأخبار التي وردت بما كان بين ما ذكرت من الحروب إلى انقضاء السنة التي ذكرتُ أنهم اختلفوا فيما كان فيها من ذلك:\n٤٠٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: عهد عمر إلى سَعْد حين أمره بالسَّيْر إلى المدائن أن يخلِّف النّساء والعيال بالعتيق، ويجعل معهم كَثْفًا من الجند، ففعل وعهد إليه أن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":271},{"text":"يُشركهم في كلّ مغنم ما داموا يخلفون المسلمون في عيالاتهم. قالوا: وكان مُقام سعد بالقادسيّة بعد الفتح شهرين في مكاتبة عمر في العمل بما ينبغي، فقدّم زُهرة نحو اللسان -واللسان لسان البرّ الذي أدلَعه في الريف، وعليه الكوفة اليوم، والحيرة قبل اليوم- والنّخيرجان معسكر به، فارفضّ، ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه، فلحق بأصحابه. قالوا: فكان مما يلعب به الصبيان في العسكر، وتلقيه النساء عليهم، وهم على شاطئ العتيق، أمر كان النساء يلعبن به في زَرود وذي قار؛ وتلك الأمواه حين أمِرُوا بالسير في جمادى إلى القادسيّة، وكان كلامًا أبَدْن فيه كالأوابد من الشعر؛ لأنه ليس بين جمادى ورجب شيء:\nالعَجَبْ كُلُّ العَجبْ ... بين جُمادَى ورَجَبْ\nأمْرٌ قَضاه قد وَجَبْ ... يَخْبُرُه مَن قد شَجَبْ\nتحت غبارٍ وَلَجَبْ (١)\n(٣: ٦١٨/ ٦١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>خبر يوم بُرس</span>\nقال: ثمّ إنْ سعدًا ارتحل بعد الفراغ من أمر القادسيّة كلّه، وبعد تقديم زُهرة بن الحَويّة في المقدّمات إلى اللسان، ثم أتبعه عبد الله بن المعتَمّ، ثم أتبع عبدَ الله شُرحبيل بن السِّمط، ثم أتبعهم هاشم بن عتبة، وقد ولّاه خلافته، عملَ خالد بن عُرْفُطة، وجعل خالدًا على الساقة، ثم أتبعهم وكلّ المسلمين فارس مُؤدٍ قد نقل الله إليهم ما كان في عسكر فارس من سلاح وكُراع ومال، لأيّام بقين من شَوّال، فسار زُهرة حتى ينزل الكوفة -والكوفة كلّ حَصباء حمراء وسهلة حمراء مختلطتين- ثم نزل عليه عبدُ الله وشرحبيل، وارتحل زُهرة حين نزلَا عليه نحو المدائن، فلمّا انتهى إلى بُرْس لقيَه بها بُصْبُهرى في جمع فناوشوه فهزمهم، فهرب بُصْبُهْرى ومن معه إلى بابل وبها فالّة القادسيّة وبقايا رؤسائهم: النَّخيرجان ومِهران الرازيّ والهُرْمزان وأشباههم؛ فأقاموا واستعملوا عليهم الفيرُزان، وقدم عليهم بُصْبُهري وقد نجا بطعنة، فمات منها (٢). (٣: ٦١٩/ ٦٢٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ذكر الطبري هذا الخبر بلا إسناد.","vol":"8","page":272},{"text":"٤٠٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السّريّ، عن ابن الرّفيل، عن أبيه، قال: طعن زهرة بُصْبُهرى في يوم بُرْس، فوقع في النهر فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل؛ ولما هُزم بُصْبُهرى أقبل بِسطام دِهقان بُرْس، فاعتقد من زُهرة وعقد له الجسور، وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل (١). (٣: ٦٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>يوم بابل</span>\n٤٠٦ - قالوا: ولما أتى بِسْطام زهرةَ بالخبر عن الذين اجتمعوا ببابل من فُلّال القادسيّة؛ أقام وكتب إلى سعد بالخبر. ولمّا نزل سعد على مَن بالكوفة مع هاشم بن عتبة، وأتاه الخبر عن زُهرة باجتماع الفُرْس ببابل على الفيرُزان؛ قدّم عبدَ الله، وأتبعه شُرَحبيلَ وهاشمًا، ثم ارتحل بالناس، فلمّا نزل عليهم بُرْس؛ قدّم زهرة فأتبعه عبد الله وشُرَحبيل وهاشمًا، واتّبعهم فنزلوا على الفيرُزان ببابل، وقد قالوا: نقاتلهم دَسْتًا قبل أن نفترق، فاقتتلوا ببابل، فهزموهم في أسرع من لَفْتِ الرّداء، فانطلقوا على وجوههم؛ ولم يكن لهم همّة إلا الافتراق، فخرج الهرمزان متوجِّهًا نحو الأهواز، فأخذها فأكلها ومِهْرجَان قَذق، وخرج الفيرُزان معه حتى طلع على نَهاونْد، وبها كنوز كسرى؛ فأخذها وأكل الماهَيْن، وصمد النَّخيرجان ومِهران الرازيّ للمدائن، حتى عبرا بَهُرَسير إلى جانب دِجْلة الآخر، ثم قطعا الجِسْر، وأقام سعد ببابل أيّامًا، وبلغه: أن النَّخِيرجان قد خلّف شهريار؛ -دِهقانًا من دهاقين الباب- بِكُوثَى في جمع، فقدّم زهرةَ ثم أتبعه الجنودَ، فخرج زهرة حتى ينزل على شهريار بكُوثَى بعد قتل فيومان والفَرُّخان فما بين سُوَرا والدَّيْر (٢). (٣: ٦٢٠/ ٦٢١).\n٤٠٧ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السريّ، عن ابن الرّفيل، عن أبيه، قال: كان سعد قدّم زُهرة من القادسيّة فمضى متشعبًا في حربه وجنده، ثم لم يلقَ جمعًا فهزمهم إلّا قُدّم، فأتبعهم لا يمرّون بأحد إلّا قتلوه ممّن لحقوا به منهم أو أقام لهم، حتى إذا قدّمه من بابل قدّم زُهرة بُكَيْر بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":273},{"text":"عبد الله الليثيّ وكَثير بن شهاب السعديّ أخا الغَلّاق حين عَبَر الصّراة، فيلحقون بأخرَيات القوم وفيهم فيومان والفَرّخان؛ هذا ميْسانيّ وهذا أهوازيّ، فقتل بكير الفرُّخان، وقتل كثير فيومان بسُّورا. ثمّ مضى زُهرة حتى جاوز سُورا، ثم نزل، وأقبل هاشم حتى نزل عليه، وجاء سعد حتى ينزل عليهم، ثم قدّم زُهرة، فسار تلقاء القوم، وقد أقاموا له فيما بين الدّير وكُوثَى، وقد تخلف النَّخيرجان ومِهران على جنودهما شهريار، دِهْقان الباب. ومَضَيا إلى المدائن، وأقام شهريار هنالك، فلما التقوْا بأكناف كُوثى -جيش شهريار وأوائل الخيل- خرج فنادى: ألا رجل، ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إليّ حتى أنكل به! فقال زُهرة: لقد أردت أن أبارزَك؛ فأمّا إذ سمعت قولك، فإنيّ لا أخرج إليك إلّا عبدًا؛ فإن أقمتَ له قتلك إن شاء الله ببغيك؛ وإن فررتَ منه فإنما فررت من عبد، وكايده؛ ثمّ أمر أبا نباتة نائل بن جُعشم الأعرجيَّ -وكان من شجعان بني تميم- فخرج إليه، ومع كلّ واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخَلْق، إلّا أنّ الشهريار مثل الجمل، فلمّا رأى نائلًا ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائلٌ رمحه ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا، ثم اعتنقا فخرّا عن دابّتيهما، فوقع على نائل كأنه بيت، فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراغ حلّ أزرار درعه، فوقعت إبهامه في فم نائل، فحطم عظمهما، ورأى منه فُتورًا، فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره، فكشف درعه عن بطنه، فطعنه في بطنه وجنبه حتى مات، فأخذ فرسه وسِواريه وسلَبه، وانكشف أصحابُه، فذهبوا في البلاد، وأقام زهرة بكوثَى حتى قدم عليه سعد، فأتى به سعدًا، فقال سعد: عزمت عليك يا نائل بن جعشم لما لبست سواريه وقَباءه ودِرْعه، ولتركبنّ بِرذونه! وغنّمه ذلك كلّه. فانطلق، فتدرّع سلبه، ثم أتاه في سلاحه على دابّته، فقال: اخلع سواريك إلّا أن ترى حربًا فتلبسهما؛ فكان أوّل رجل من المسلمين سُوِّر بالعراق (١).\n٤٠٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلّب، وعمرو، وسعيد، قالوا: فأقام سعد بكُوثَى أيامًا، وأتى المكان الذي جلس فيه إبراهيم ﵇ بكُوثَى، فنزل جانب القوم الذين كانوا يبشّرون إبراهيم، وأتى البيت الذي كان فيه إبراهيم ﵇ محبوسًا، فنظر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":274},{"text":"إليه وصلّى على رسول الله وعلى إبراهيم، وعلى أنبياء الله صلوات الله عليهم، وقرأ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). (٣: ٦٢٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>حديث بَهُرسير في ذي الحجَّة سنة خمس عشرة في قول سيف</span>\n٤٠٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد والنّضر، عن ابن الرُّفيل، قالوا: ثم إنّ سعدًا قدم زهرة إلى بَهرُسير، فمضى زُهرة من كُوثَى في المقدّمات حتى ينزل بَهُرسير، وقد تلقّاه شيرزاذ بساباط بالصّلح وتأدية الجِزاء، فأمضاه إلى سعد، فأقبل معه، وتبعتْه المجنّبات، وخرج هاشم، وخرج سعد في أثره، وقد فلّ زهرة كتيبة كِسرى بُوران حول المظلم، وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط، ووقف لسعد حتى لحق به، فوافق ذلك رجوع المُقرَّطُ -أسد كان لكسرى قد ألِفه وتخيّره من أسود المظلِم- وكانت به كتائب كسرى التي تُدعى بُوران، وكانوا يحلفون بالله كلّ يوم: لا يزول مُلك فارس ما عشنا، فبادر المقرّط الناس حين انتهى إليهم سعد، فنزل إليه هاشم فقتله، وسُمِّي سيفه المَتْن، فقتل سعد رأس هاشم، وقتل هاشم قَدَم سعد، فقدّمه سعد إلى بَهُرسير، فنزل إلى المظلم وقرأ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾، فلمّا ذهب من الليل هدأة ارتحل، فنزل على النّاس ببهُرَسير، وجعل المسلمون كلّما قدمت خيل على بُهَرسير وقفوا ثم كبّروا، فكذلك حتى نجز آخر مَنْ مع سعد، فكان مقامه بالناس على بَهُرسير شهريْن، وعبروا في الثالث (٢). (٣: ٦٢٢/ ٦٢٣).\n٤١٠ - وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عامله فيها على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف يعلَى بن مُنْية، وعلى اليمامة والبحرين عُثْمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حُذيفة بن محصن، وعلى كُور الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قرّة؛ وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة (٣). (٣: ٦٢٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>ثم دخلت سنة ستّ عشرة</span>\nقال أبو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينة بَهُرسير، وافتتحوا المدائن، وهرب منها يَزْدَجِرْد بن شهريار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>ذكر بقيَّة خبر دخول المسلمين مدينة بَهُرَسير</span>\n٤١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: لما نزل سعد على بَهُرسير بثّ الخيول، فأغارت على ما بَيْن دجِلْة إلى مَن له عهد من أهل الفرات، فأصابوا مئة ألف فلّاح، فحسِبوا، فأصاب كلٌّ منهم فلاحًا؛ وذلك أنّ كلهم فارس ببهرسير. فخندق لهم، فقال له شيرزاذ دِهْقان ساباط: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئًا؛ إنما هؤلاء علوج لأهل فارس لم يجرّوا إليك، فدعْهم إليّ حتى يفرُق لكم الرأي. فكتب عليه بأسمائهم، ودفعهم إليه، فقال شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.\nوكتب سعد إلى عمر: إنَّا وردنا بَهُرَسِير بعد الذي لقينا فيما بين القادسيَّة وبَهُرسير، فلم يأتنا أحد لقتال؛ فبثثتُ الخيول، فجمعتُ الفلاحين من القرى والآجام؛ فرَ رأيك.\nفأجابه: إن مَن أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يُعينوا عليكم فهو أمانُهم، ومَن هرب فأدركتموه فشأنَكم به.\nفلما جاء الكتاب خلَّى عنهم. وراسله الدّهاقين، فدعاهم إلى الإسلام والرجوع، أو الجِزاء ولهم الذمَّة والمَنَعة، فتراجعوا على الجزاء والمنعة ولى يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى، ومَن دخل معهم؛ فلم يبقَ في غربيّ دِجْلة إلى أرض العرب سواديّ إلّا أمِن واغتبط بمُلك الإسلام، واستقبلوا الخراج، وأقاموا","vol":"8","page":276},{"text":"على بَهُرسير شهرين يرمونها بالمجانيق ويدبّون إليهم بالدّبابات، ويقاتلونهم بكلّ عُدّة (١). (٤: ٥/ ٦).\n٤١٢ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن المقدام بن شُرَيح الحارثيّ، عن أبيه، قال: نزل المسلمون على بَهُرسير، وعليها خَنادقها وحَرسها وعُدّة الحرب، فرموْهم بالمجانيق والعرّادات، فاستصنع سعد شيرزاذ المجانيق، فنصب على أهل بَهُرسير عشرين مِنجنيقًا، فشغلوهم بها (٢).\n٤١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: فلما نزل سعد على بَهُرسير، كانت العرب مطيفةً بها، والعجم متحصنّة فيها، وربما خرج الأعاجم يمشون على المُسنَيَّات المشرفة على دِجْلة في جماعتهم وعُدّتهم لقتال المسلمين؛ فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا في رجَّالة وناشبة، وتجرّدوا للحرب، وتبايعوا على الصَّبْر، فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم، فكذَّبوا وتولوا؛ وكانتْ على زُهرة بن الجَويّة درع مفصومة، فقيل له: لو أمرتَ بهذا الفصْم فسرِد! فقال: ولم؟ قالوا: نخاف عليك منه، قال: إنيّ لَكريم على الله، أن ترك سهم فارسَ الجندَ كلَّه ثم أتاني من هذا الفصم، حتى يثبت فيّ! فكان أوّل رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنُشّابة، فثبتت فيه من ذلك الفَصْم؛ فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعوني، فإنّ نفسي معي ما دامت فيّ، لعلِّي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدوّ، فضرَب بسيفه شَهْربَراز من أهل إصطَخْر، فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا (٣). (٤: ٦).\n٤١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سماك بن فلان الهُجيميّ، عن أبيه، ومحمد بن عبد الله، عن أنس بن الحُلَيس، قال: بينا نحنُ محاصرو بَهُرسِير بعد زحفِهم وهزيمتهم؛ أشرفَ علينا رسول فقال: إنّ الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أنّ لنا ما يلينا من دجِلْة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم! فبدَر الناسَ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":277},{"text":"أبو مفزّر الأسود بن قُطْبة، وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن؛ فرجع الرّجل، ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفزّر، ما قلتَ له؟ فقال: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما أدري ما هو؛ إلّا أنّ علىّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير؛ وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد؛ فجاءنا فقال: يا أبا مفزّر، ما قلت؟ فوالله إنهم لهُرّاب؛ فحدّثه بمثل حديثه إيَّانا، فنادى في الناس، ثم نَهد بهم؛ وإنّ مجانيقنا لتخطر عليهم؛ فما ظهر على المدينة أحدٌ، ولا خرج إلينا إلّا رجل نادى بالأمان فآمنّاه، فقال: إن بقِيَ فيها أحد فما يمنعكم! فتسوّرها الرّجال، وافتتحناها، فما وجدنا فيها شيئًا ولا أحدًا؛ إلَّا أسارى أسرناهم خارجًا منها، فسألناهم وذلك الرجلَ: لأيّ شيء هربوا؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدًا حتى نأكل عسل أفريذين بأترجّ كُوثى؛ فقال الملك: واويله! ألَا إنّ الملائكة تكلَّم على ألسنتهم، تردّ علينا وتُجِيبنا عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك؛ ما هذا إلّا شيء ألقِيَ عليَّ في هذا الرجل لننتهيَ؛ فأرَزُوا إلى المدينة القُصوى (١). (٣: ٧).\n٤١٥ - كتب إليّ السريّ عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن مسلم بمثل حديث سماك (٢). (٤: ٧).\n٤١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما دخل سعد، والمسلمون بَهُرسير؛ أنزل سعد الناس فيها، وتحوّل العسكر إليها، وحاول العُبور فوجدوهم قد ضمّوا السفنَ فيما بين البَطائح وتَكْرِيت. ولما دخل المسلمون بَهُرسير -وذلك في جوف الليل- لاح لهم الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر! أبيض كسرى؛ هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا. فقال محمد: وطلحة: وذلك ليلة نزلوا على بَهُرسير (٣). (٤: ٨).\n٤١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":278},{"text":"حبيب بن صهبْان أبي مالك، قال: دفعنا إلى المدائن -يعني: بَهُرسير- وهي المدينة الدّنيا، فحصرنا ملكهم وأصحابه، حتى أكلوا الكلاب والسنانير. قال: ثمّ لم يدخلوا حتى ناداهم مناب: والله ما فيها أحدٌ! فدخلوها، وما فيها أحد (١). (٨: ٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى</span>\n٤١٨ - قال سيف: وذلك في صفر سنة ستّ عشرة، قالوا: ولما نزل سعد بَهُرسير -وهي المدينة الدنيا- طلب السفن ليعبرَ بالناس إلى المدينة القُصْوى، فلم يقدر على شيء، ووجدهم قد ضمّوا السفن، فأقاموا ببهرسير أيامًا من صَفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، حتى أتاه أعلاج فدلُّوه على مخاضة تخاض إلى صُلْب الوادي، فأبى وتردّد عن ذلك، وفجِئهم المدّ، فرأى رؤيا: أنّ خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المدّ بأمر عظيم؛ فعزم لتأويل رؤياه على العُبور، وفي سنة جَوْدُ صيفها متتابع. فجمع سعد الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنّ عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تُؤتَوْا منه، فقد كفاكموهم أهلُ الأيام، وعطّلوا ثغورَهم، وأفنَوْا ذادتهم، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنيَّاتكم قبل أن تحصركم الدّنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرُّشد، فافعل. فندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: مَن يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس، وانتدب بعده ستّمئة من أهل النَّجَدات، فاستعمل عليهم عاصمًا، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، وقال: مَن ينتدب معي لنمنع الفِراض من عدوّكم ولنحمِيَكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون؛ منهم أصمُّ بني ولَّاد وشُرَحبيل، في أمثالهم، فجعلهم نصفين على خيول إناث وذُكور، ليكون أساسًا لعَوْم الخيل. ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقيّة الستمئة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":279},{"text":"على أثرهم، فكان أوّل مَن فصَل من الستين أصمُّ التّيْم، والكلَج، وأبو مفزّر، وشُرَحبيل، وجَحْل العجْليّ. ومالك بن كعب الهمْدانيّ، وغلام من بني الحارث بن كعب؛ فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أعدّوا للخيل التي تقدمت سعدًا مثلَها، فاقتحموا عليهم دجلة، فأعاموها إليهم، فلقوا عاصمًا في السَّرَعان، وقد دنا من الفِراض، فقال عاصم: الرّماح الرماحَ! أشرعوها وتوخَّوا العيون؛ فالتقوا فاطّعنوا، وتوخَّى المسلمون عيونهم، فولوا نحو الجُدّ، والمسلمون يشمِّصون بهم خيلَهم، ما يملك رجالها منعَ ذلك منها شيئًا. فلحقوا بهم في الجُدّ، فقتلوا عامّتهم، ونجا مَنْ نجا منهم عُورانًا، وتزلزلت بهم خيولهم، حتى انتقضت عن الفِراض، وتلاحق الستمئة بأوائلهم الستين غيرَ متعتَعِين. ولما رأى سعد عاصمًا على الفِراض قد منعها، أذن للناس في الاقتحام، وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم! وتلاحق عُظْم الجند، فركبوا اللجّة، وإنّ دجلة لترمي بالزَّبد، وإنها لمُسْوَدّة، وإنّ الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقتربوا ما يكترثون، كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض، ففجؤوا أهلَ فارس بأمر لم يكن في حسابهم، فأجهضوهم وأعجلوهم عن جُمهور أموالهم، ودخلها المسلمون في صفر سنة ستّ عشرة، واستولوْا على ذلك كلّه مما بقي في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف، ومما جمع شيري ومن بعده. وفي ذلك يقول أبو بُجَيد نافع بن الأسود:\nوأسَلْنا على المدائن خيلًا ... بَحْرها مِثْل بَرِّهِنَّ أريضا\nفانتثَلْنا خزائنَ المرءِ كِسْرَى ... يومَ وَلَّوا وحاصَ منَّا جَريضا (١)\n(٨: ٣/ ٩/ ١٠).\n٤١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طَيْبة، عن أبيه، قال: لما أقام سعد على دِجْلة؛ أتاه علْج، فقال: ما يقيمك! لا يأتي عليك ثالثة حتى يذهب يَزْدَجرد بكل شيء في المدائن؛ فذلك مما هيّجه على القيام بالدّعاء إلى العبور (٢). (٤: ١٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":280},{"text":"٤١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، قال: لما هزموهم في الماء، وأخرجوهم إلى الفِراض، ثم كشفوهم عن الفِراض أجْلوْهم عن الأموال، إلّا ما كانوا تقدّموا فيه -وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة ألاف ألف ألف- فبعثوا مع رستم بنصف ذلك، وأقرّوا نصفه في بيوت الأموال (١). (٤: ١١).\n٤١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدْر بن عثمان، عن أبي بكر بن حفص بن عمر، قال: قال سعد يومئذ وهو واقف قبل أن يُقحم الجمهورَ، وهو ينظر إلى حُماة الناس وهم يقاتلون على الفِراض: والله أنْ لو كانت الخرساء -يعني: الكتيبة التي كان فيها القعقاع بن عمرو، وحَمَّال بن مالك، والرُّبيل بن عمرو- فقاتلوا قتال هؤلاء القوم هذه الخيل، لكانت قد أجزأت وأغنت، وكتيبة عاصم هي كتيبة الأهوال؛ فشبّه كتيبة الأهوال -لِما رأى منهم في الماء والفراض- بكتيبة الخرساء. قال: ثم إنهم تنادوا بعد هَنات قد اعتوروها عليهم ولهم. فخرجوا حتى لحقوا بهم، فلما استووْا على الفِراض هم وجميع كتيبة الأهوال بأسرهم، أقحم سعد الناس -وكان الذي يساير سعدًا في الماء سلْمان الفارسيّ- فعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل! والله لينصرنّ الله وليّه، وليظهرنّ الله دينَه، وليهزمنّ الله عدوّه؛ إن لم يكن في الجيش بَغْي، أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذُلِّلت لهم والله البحور، كما ذُلّل لهم البرّ، أما والذي نفس سلمان بيده ليخْرُجُنّ منه أفواجًا كما دخلوه أفواجًا! فطبقوا الماء حتى ما يُرى الماء من الشاطئ، ولهم فيه أكثر حديثًا منهم في البرّ لو كانوا فيه، فخرجوا منه -كما قال سلمان- لم يفقدوا شيئًا، ولم يغرق منهم أحد (٢). (٤: ١١/ ١٢).\n٤١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دِثار، عن أبي عثمان النهديّ: أنهم سلموا من عند آخرهم إلّا رجلًا من بارق يُدعى غَرْقدة، زال عن ظهر فرس له شقراء، كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عُريًا والغريقُ طاف،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":281},{"text":"فثنى القعقاع بن عمرو عِنانَ فرسه إليه، فأخذ بيده فجرّه حتى عبر، فقال البارقيّ وكان من أشدِّ الناس: أُعْجِزَ الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع! وكان للقعقاع فيهم خُؤولة (١). (٤: ١٢).\n٤١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: فما ذهب لهم في الماء يومئذ إلّا قَدح كانت علاقته رثّة، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الذي كان يعاوِم صاحب القدح معيّرًا له: أصابه القَدَر فطاح، فقال: والله إني لَعلَى جَدِيلةٍ ما كان الله ليسلبني قدَحِي من بين أهل العسكر. فلما عبروا إذا رجل ممن كان يحمي الفِراض، قد سفل حتى طلع عليه أوائل الناس، وقد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرفه، فأخذه صاحبه، وقال للذي كان يعاومه: ألم أقل لك! وصاحبه حَليف لقُريش من عَنْز، يُدعى: مالك بن عامر، والذي قال: \"طاح\" يُدعى عامر بن مالك (٢). (٤: ١٢).\n٤٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن عُمير الصائديّ، قال: لما أقحم سعد الناس في دِجْلة اقترنوا، فكان سلمان قرينَ سعد إلى جانبه يسايره في الماء، وقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم؛ والماء يطمو بهم، وما يزال فرس يستوي قائمًا إذا أعيا يُنْشَز له تَلْعة فيستريح عليها؛ كأنه على الأرض، فلم يكن بالمدائن أمرٌ أعجب من ذلك، وذلك يوم الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم (٣). (٤: ١٢/ ١٣).\n٤٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلّب، وطلحة، وعمرو، وسعيد، قالوا: كان يوم ركوب دِجْلة يدعى يوم الجراثيم، لا يعيا أحد إلا أنشِزت له جرثومة يُريح عليها (٤). (٤: ١٣).\n٤٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: خُضْنا دجلة وهي تطفح، فلما كنّا في\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":282},{"text":"أكثرها ماء لم يزل فارس واقف ما يبلغ الماء حزامه (١). (٤: ١٣).\n٤٢٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وطلحة، قالوا: وما زالت حُماة أهل فارس يقاتلون على الفِراض؛ حتى أتاهم آتٍ فقال: علَام تقتلون أنفسكم! فوالله ما في المدائن أحد (٢). (٤: ١٣).\n٤٢٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة بن الحارث وعطاء بن السائب، عن أبي البَختريّ، قال: كان رائدُ المسلمين سَلْمان الفارسيّ، وكان المسلمون قد جعلوه داعيةَ أهلِ فارس. قال عطية: وقد كانوا أمروه بدُعاء أهل بَهُرَسير، وأمّروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثًا. قال عطية، وعطاء: وكان دعاؤه إيّاهم أن يقول: إني منكم في الأصل، وأنا أرِقُّ لكم، ولكم فيّ ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم: أن تُسلموا فإخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإلّا فالجزية، وإلّا نابذْناكم على سواء؛ إنّ الله لا يحب الخائنين. قال عطية: فلما كان اليوم الثالث في بَهرسير أبوْا أنْ يُجيبوا إلى شيء، فقاتلهم المسلمون حين أبوْا. ولما كان اليوم الثالث في المدائن قبِل أهل القصر الأبيض وخرجوا، ونزل سعد القصر الأبيض، واتّخَذ الإيوان مُصلَّى، وإن فيه لتماثيلَ جصّ فما حرّكها (٣). (٤: ١٤).\n٤٢٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وشاركهم سماك الهُجيميّ، قالوا: وقد كان الملك سرّب عيالَه حين أخذِت بَهُرسير إلى حُلوان، فلما ركب المسلمون الماء خرجوا هرّابًا، وخيلهم على الشاطئ يمنعون المسلمين وخيلهم من العبور، فاقتتلوا هم والمسلمون قتالًا شديدًا، حتى ناداهم مناد: علامَ تقتلون أنفسكم! فوالله ما في المدائن من أحد. فانهزموا، واقتحمتها الخيول عليهم، وعبر سعد في بقيّة الجيش (٤). (٤: ١٥).\n٤٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":283},{"text":"والمهلب، قالوا: أدرك أوائلُ المسلمين أخريات أهلِ فارس، فأدرك رجلٌ من المسلمين يدعى ثقيفًا -أحدُ بني عديّ بن شريف- رجلًا من أهل فارس، معترضًا على طريق من طرقها يحمي أدبار أصحابه، فضرب فرسهَ على الإقدام عليه، فأحجم ولم يُقدِم، ثم ضربه للهرب فتقاعسَ حتى لحقه المسلم، فضرب عنقه، وسلبه (١). (٤: ١٥).\n٤٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، وعمرو، ودثار أبي عمر، قالوا: كان فارس من فرسان المعجم في المدائن يومئذ مما يلي جازِر، فقيل له: قد دخلت العرب وهرب أهل فارس؛ فلم يلتفت إلى قولهم، وكان واثقًا بنفسه، ومضى حتى دخل بيت أعلاج له، وهم ينقلون ثيابًا لهم، قال: ما لكم؟ قالوا: أخرجتْنا الزنابير، وغلبتْنا على بيوتنا، فدعا بجُلاهق، وبطين، فجعل يرميهنّ حتى ألزقهنّ بالحيطان، فأفناهنّ. وانتهى إليه الفَزَع، فقام، وأمر عِلْجًا فأسرج له، فانقطع حزامه، فشدّه على عَجَل، وركب، ثم خرج فوقف. ومرّ به رجل فطعنه، وهو يقول: خذها وأنا ابن المخارق! فقتله ثم مضى ما يلتفت إليه (٢). (٤: ١٥).\n٤٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان بمثله، وإذا هو ابن المخارق بن شهاب (٣).\n٤٢٩ - قالوا: وأدرك رجل من المسلمين رجلًا منهم معه عصابة يتلاومون، ويقولون: من أيّ شيء فررنا! ثم قال قائل منهم لرجل منهم: ارفع لي كُرَة، فرماها لا يُخطئ، فلما رأى ذلك عاج، وعاجوا معه، وهو أمامهم، فانتهى إلى ذلك الرّجل، فرماه من أقرب مما كان يرمي منه الكُرَة ما يصيبه، حتى وقف عليه الرّجل، ففلق هامَته، وقال: أنا ابن مُشرّط الحجارة. وتفارّ عن الفارسيّ أصحابه (٤). (٤: ١٦).\n٤٣٠ - وقالوا جميعًا: محمد، والمهلب، وطلحة، وعمرو، وأبو عمر،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده صعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":284},{"text":"وسعيد، قالوا: ولما دخل سعد المدائن، فرأى خلوتَها، وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وصلّى فيه صلاة الفتح -ولا تصلّى جماعة- فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهنّ، واتخذه مسجدًا، وفيه تماثيل الجصّ رجال وخيل، ولم يمتنع ولا المسلمون لذلك، وتركوها على حالها. قالوا: وأتمّ سعد الصلاة يوم دخَلها، وذلك أنه أراد المُقام فيها. وكانت أوّل جمعة بالعراق جُمعت جماعةٌ بالمدائن، في صفر سنه ستّ عشره (١). (٤: ١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>ذكر ما جُمع من فيء أهل المدائن</span>\n٤٣١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركيّة مملوءة سِلالًا مختَّمة بالرصاص، فما حسبناها إلّا طعامًا، فإذا هي آنية الذّهب والفضة فقسمت بعدُ بين الناس. وقال حبيب: وقد رأيتُ الرّجل يطوف، ويقول: مَن معه بيضاء بِصفراء؟ وأتينا على كافور كثير، فما حسبناه إلا ملْحًا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز (٢). (٤: ١٧).\n٤٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه الرُّفيل بن ميسور، قال: خرج زُهرة في المقدّمة يُتبعهم حتى انتهى إلى جِسْر النَّهْروان، وهم عليه، فازدحموا، فوقع بغل في الماء فعجلوا وكلِبوا عليه، فقال زهرة: إني أقسم بالله إنّ لهَذا البغل لشأنًا! ما كلِب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلّا لشيء بعد ما أرادوا تركه، وإذا الذي عليه حلية كسرى؛ ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي كان فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة؛ وترجّل زهرة يومئذ حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه بالبغل فاحتملوه، فأخرجوه فجاؤوا بما عليه، حتى ردّه إلى الأقباض، ما يدرون ما عليه، وارتجز يومئذ زهرة:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":285},{"text":"فِدى لقومي اليوم أخوالي وأعمامي ... هم كرهوا بالنهر خِذْلاني وإسلامي\nهُمْ فَلَجُوا بالبغل في الخِصام ... بكلِّ قطَّاعٍ شُؤونَ الهام\nوصرَّعوا الفرْسَ على الآكام ... كأنَّهمْ نعم من الأنعام (١)\n(١٧: ٤).\n٤٣٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هُبيرة بن الأشعث، عن جدّه الكَلَج، قال: كنت فيمن خرج في الطّلب، فإذا أنا ببغّاليْن قد ردّا الخيل عنهما بالنّشاب، فما بقي معهما غير نشّابتين، فألظظت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: ارمِه وأحميك، أو أرميه وتحميني!\nفحمى كلّ واحد منهما صاحبَه حتى رمَيا بها. ثم إني حملت عليهما فقتلتهما وجئت بالبغلين ما أدري ما عليهما، حتى أبلغتهما صاحب الأقباض، وإذا هو يكتب ما يأتيه به الرّجال وما كان في الخزائن والدّور، فقال: علَى رِسْلك حتى ننظر ما معك! فحططت عنهما، فإذا سفَطان على أحد البغلين فيهما تاج كِسْرَى مفسّخًا -وكان لا يحمله إلّا أسطوانتان- وفيهما الجوهر، وإذا على الآخر سَفَطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذّهب المنظوم بالجوهر وغير الدّيباج منسوجًا منظومًا (٢). (٤: ١٧/ ١٨).\n٣٣٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: وخرج القَعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسيّ يحمي الناس؛ فاقتتلا فقتله؛ وإذا مع المقتول جَنيبة عليها عَيبتان وغلافان في أحدهما خمسة أسياف، وفي الآخر ستّة أسياف؛ وإذا في العيبتين أدراع فإذا في الأدراع درع كسرى ومِغفره، وساقاه، وساعداه، ودرْع هرقل، ودرْع خاقان، ودرع داهر، ودرع بَهرام شوبين، ودرع سياوَخش، ودرع النعمان؛ وكانوا استلبوا ما لم يرثوا، استلبوها أيام غزاتهم خاقانَ وهرقلَ وداهرَ؛ وأمّا النعمان وبَهْرام فحين هربا وِخالفَا كسرى، وأما أحد الغلافين ففيه سيف كسرى، وهرمز، وقُباذ، وفيروز، وإذا السيوف الأخر: سيف هرقل، وخاقان،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":286},{"text":"وداهر، وبهرام، وسياوخش، والنعمان؛ فجاء به إلى سعد، فقال: اختر أحد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه دِرْع بهرام، وأما سائرها فنقّلها في الخرْساء إلّا سيف كسرى، والنعمان -ليبعثوا بهما إلى عمر لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما، وحبسوهما في الأخماس- وحُليَّ كسرى، وتاجه، وثيابه؛ ثم بعثوا بذلك إلى عمر ليراه المسلمون، ولتسمع بذلك العرب، وعلى هذا الوجه سلب خالد بن سعيد عمرَو بن معد يكرب سيفَه الصَّمصامة في الرِّدّة والقوم يستحيُون من ذلك (١). (٤: ٩٨).\n٤٣٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة بن مُعتّب، عن رجل من بني الحارث بن طَرِيف، عن عصمة بن الحارث الضبيّ، قال: خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقًا مسلوكا وإذا عليه حمّار، فلمّا رآني؛ حثّه، فلحق بآخر قدّامه، فمالا، وحثّا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كُسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرّقا، ورماني أحدهما فألظظت به فقتلته وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سَفَطان في أحدهما فرس من ذهب مسرَج بسرْج من فضة، على ثَفره ولَبَبه الياقوت، والزُّمُرّد منظوم على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضّة مكلّل بالجوهر، وإذا في الآخر ناقة من فضّة، عليها شَلِيل من ذهب، وبِطان من ذهب ولها شِناق -أو زمام- من ذهب، وكلّ ذلك منظوم بالياقوت، وإذا عليها رجلٌ من ذهب مكلّل بالجوهر، كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتي التاج (٢).) (٤: ١٨/ ١٩).\n٤٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عُبيدة العنبريّ، قال: لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض؛ أقبَل رجل بحُقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال والذين معه: ما رأينا مثلَ هذا قطّ، ما يعدِل ما عندنا ولا يقاربه؛ فقالوا: هل أخذتَ منه شيئًا؟ فقال: أمَا والله لولا الله ما أتيتُكم به، فعرفوا: أنّ للرّجل شأنًا، فقالوا: مَنْ أنتَ؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرّظوني، ولكنّي أحمَد الله،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":287},{"text":"وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلًا حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس (١). (٤: ١٩).\n٤٣٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: قال سعد: والله إنّ الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت: وايم الله -على فضل أهل بدر- لقد تتبّعت من أقوامٍ منهم هنَات وهنات فيما أحرزوا، ما أحسبها، ولا أسمَعُها من هؤلاء القوم (٢). (٤: ١٩).\n٤٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُبشِّر بن الفُضَيل، عن جابر بن عبد الله، قال: والله الذي لا إله إلّا هو؛ ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسيّة: أنه يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتّهمنا ثلاثة نفر، فما رأينا كالذي هجمنا عليه من أمانتهم، وزُهدهم: طُليحة بن خُوَيلد، وعمرو بن مَعديكرب، وقيس بن المكشوح (٣). (٤: ١٩/ ٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا -فيما زعم سيف- ستين ألفًا</span>\n٤٣٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وسعيد، والمهلّب، قالوا: ولما بعث سعد بعد نزوله المدائن في طلب الأعاجم؛ بلغ الطلب النّهْروَان؛ ثمّ تراجعوا، ومضى المشركون نحو حُلْوان، فقسم سعد الفيء بين الناس بعدما خمّسه؛ فأصاب الفارسَ اثنا عشر ألفًا، وكلُّهم كان فارسًا ليس فيهم راجل؛ وكانت الجنائب في المدائن كثيرة (٤). (٤: ٢٠).\n٤٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) حديث منكر، وعلته من شعيب المعروف بتحامله على الصحابة وهو ذا يفصح عن تحامله هذا.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":288},{"text":"بمثله، وقالوا جميعًا: ونفّل من الأخماس ولم يجْهَدْها في أهل البلاء. وقالوا جميعًا: قسم سعد دور المدائن بين الناس، وأوطنوها، والذي وليَ القبض عمرو بن عمرو المُزَنيّ، والذي وليَ القسم سلْمان بن ربيعة، وكان فَتْح المدائن في صفر سنة ستّ عشرة. قالوا: ولما دخل سعد المدائن، أتمّ الصلاة، وصام، وأمر الناس بإيوان كسرى فجعل مسجدًا للأعياد، ونصب فيه مِنْبَرًا، فكان يصلَّى فيه -وفيه التماثيل- ويُجَمّع فيه، فلما كان الفِطْر؛ قيل: ابرزوا، فإنّ السنّة في العيدين البَراز. فقال سعد: صلّوا فيه؛ قال: فصلِّيَ فيه، وقال: سواء في عُقْر القرية أو في بطنها (١). (٤: ٢٠/ ٢١).\n٤٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، والمهلب، وشاركهم عمرو، وسعيد: وجمع سعد الخُمْس، وأدخل فيه كلّ شيء أراد أن يعجب منه عمر؛ من ثياب كسرى، وحُليّه، وسيفه، ونحو ذلك، وما كان يُعجِب العربَ أن يقع إليهم، ونفّل من الأخماس، وفضل بعد القَسْم بين الناس وإخراج الخمس القِطْف، فلم تعتدل قسمتُه، فقال للمسلمين: هل لكم في أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه، فنبعثَ به إلى عمر فيضعه حيث يرى، فإنا لا نراه يتفق قسمه؛ وهو بيننا قليل؛ وهو يقع من أهل المدينة موقعًا! فقالوا: نعم هااللهِ إذًا؛ فبعث به على ذلك الوجه، وكان القِطْف ستين ذراعًا في ستين ذراعًا، بساطًا واحدًا مقدار جريب؛ فيه طُرق كالصّور وفصوص كالأنهار؛ وخلال ذلك كالدّير، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونوّاره بالذهب والفضة وأشباه ذلك. فلما قدم على عمر نفّل من الخمس أناسًا، وقال: إنّ الأخماس ينفَل منها مَن شهد ومن غاب من أهل البلاء فيما بين الخُمسين؛ ولا أرى القوم جهدوا الخُمس بالنفل؛ ثم قسم الخمس في مواضعه، ثمّ قال: أشيروا عليّ في هذا القِطْف! فأجمع ملؤهم على أن قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فَرَ رأيَك، إلّا ما كان من عليّ فإنه قال: يا أمير المؤمنين! الأمر كما قالوا، ولم يبق إلا التّرويَة؛ إنك إن تقبله على هذا اليوم لم تعدم في غد مَن يستحقّ به ما ليس له، قال: صدقتني\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":289},{"text":"ونصحتَني. فقطّعه بينهم (١). (٤: ٢١/ ٢٢).\n٤٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، قال: أصاب المسلمون يوم المدائن بَهار كسرى، ثقُل عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يُعِدّونه للشتاء إذا ذهبت الرّياحين، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه؛ فكأنهم في رياض بساط ستين في ستين؛ أرضه بذهب، ووشيه بفصوص، وثمره بجوهر، وورقه بحرير وماء الذهب؛ وكانت العرب تسميه: القِطف، فلما قسم سعد فيئهم فضل عنهم، ولم يتّفق قسمته، فجمع سعد المسلمين، فقال: إن الله قد ملأ أيديكم، وقد عسر قسم هذا البساط، ولا يقوى على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به نفسًا لأمير المؤمنين يضعه حيث شاء؛ ففعلوا. فلما قدم على عمر المدينة رأى رؤيا فجمع الناس، فحمِد الله وأثنى عليه، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره، فمن بين مُشير بقبْضه، وآخر مُفوِّض إليه، وآخر مرقّق، فقام عليّ حين رأى عمر يأبى حتّى انتهى إليه، فقال: لمَ تجعل علمك جهلًا، ويقينك شكًّا! إنه ليس لك من الدنيا إلّا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. قال: صدقْتَني. فقطّعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليّا قطعة منه، فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجودِ تلك القِطَع (٢). (٤: ٢٢).\n٤٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلّب، وعمرو؛ وسعيد، قالوا: وكان الذي ذهب بالأخماس؛ أخماس المدائن، بشير بن الخَصاصيّة، والذي ذهب بالفتح خنيس بن فلان الأسديّ، والذي وليَ القبض عمرو، والقَسْمَ سلْمان. قالوا: ولما قُسِم البساط بين الناس أكثر الناس في فضل أهل القادسيّة، فقال عمر: أولئك أعيان العرب وغُررها، اجتمع لهم مع الأخطار الدِّين، هم أهل الأيام، وأهل القوادِس. قالوا: ولما أتيَ بِحُليِّ كسرى وزيّه في المباهاة وزيّه في غير ذلك -وكانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زيّ- قال: عليَّ بمحلِّم -وكان أجسمَ عربيّ يومئذ بأرض المدينة- فألبِس تاج كسرى على عمودين من خشب، وصبّ عليه أوشحتَه وقلائده وثيابه، وأجلس للناس؛ فنظر إليه عمر، ونظر إليه الناس، فرأوْا أمرًا عظيمًا من أمر الدنيا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":290},{"text":"وفتنتها، ثم قام عن ذلك، فألبِس زِيّه الذي يليه، فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع، حتى أتى عليها كلها؛ ثم ألبسه سلاحه، وقلّده سيفه، فنظروا إليه في ذلك، ثم وضعه ثم قال: والله إنّ أقوامًا أدّوْا هذا لذوو أمانة. ونفّل سيف كسرى محلِّمًا، وقال: أحمِق بامرئ من المسلمين غرَّته الدنيا! هل يبلغنّ مغرور منها إلّا دون هذا أو مثَله! وما خيرُ امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضرّه ولا ينفعه! إنّ كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتِي عن آخرته، فجمع لزوج امرأته أو زوج ابنته، أو امرأة ابنه، ولم يقدّم لنفسه، فقدّم امرؤ لنفسه، ووضع الفضول مواضعها تحصُل له، وإلّا حصلت للثلاثة بعده؛ وأحمِق بمن جمع لهم أو لعدوّ جارِف (١)! (٤: ٢٢/ ٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعة</span>\n٤٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وزياد، قالوا: وكتب عمر إلى سعد: إن هزم الله الجنديْن -جند مهران وجند الأنطاق- فقدّم القعقاع حتى يكون بين السواد وبين الجبل على حدّ سوادكم، وشاركهم عمرو، وسعيد. قالوا: وكان من حديث أهل جَلُولاء! أنّ الأعاجم لما انتهوْا بعد الهرب من المدائن إلى جلولاء، وافترقت الطرق بأهل أذْرَبيجان والباب وبأهل الجبال وفارس؛ تذامروا، وقالوا: إن افترقتم؛ لم تجتمعوا أبدًا، وهذا مكان يفرّق بيننا، فهلمّوا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم، فإن كانت لنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا، وأبليْنا عذرًا. فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه على مِهران الرازيّ، ونفذَ يزدَجِرد إلى حُلوان فنزل بها، ورماهم بالرّجال؛ وخلَّف فيهم الأموال، فأقاموا في خندقهم، وقد أحاطوا به الحَسَك من الخشب إلّا طرقهم. قال عمرو عن عامر الشعبيّ: كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الرّدّة حتى مات، وكان عمر قد استعان بهم، فكان لا يؤمّر منهم أحدًا إلا على النفر وما دون ذلك؛ وكان لا يعدل أن يؤمّر الصحابة إذا وجد مَن يجزي عنه في حربه؛ فإن لم يجد ففي التابعين بإحسان، ولا يُطمع من انبعث في الردّة في الرياسة، وكان رؤساء أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":291},{"text":"الردّة في تلك الحروب حِشوة إلى أن ضرب الإسلام بِجرانه.\nثم اشترك عمرو، ومحمد، والمهلب، وطلحة، وسعيد، فقالوا: ففصل هاشم بن عُتْبة بالناس من المدائن في صفر سنة ستّ عشرة في اثني عشر ألفًا؛ منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتدّ وممن لم يرتدّ؛ فسار من المدائن إلى جَلُولاء أربعًا، حتى قدم عليهم، وأحاط بهم، فحاصرهم وطاولهم أهلُ فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلّا إذا أرادوا؛ وزاحفهم المسلمون بجلُولاء ثمانين زحفًا، كلّ ذلك يعطي الله المسلمين عليهم الظّفر، وغلبوا المشركين على حَسَك الخشب، فاتّخذوا حَسَك الحديد (١). (٤: ٢٤/ ٢٥).\n٤٤٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُقْبة بن مكَرم، عن بطان بن بِشْر، قال: لما نزل هاشم على مِهْران بجَلُولاء، حصرهم في خندقهم، فكانوا يزاحفون المسلمين في زُهاء وأهاويلَ، وجعل هاشم يقوم في الناس، ويقول: إنّ هذا المنزل منزل له ما بعده؛ وجعل سعد يُمدّه بالفرسان؛ حتى إذا كان أخيرًا احتفلوا للمسلمين، فخرجوا عليهم، فقام هاشم في الناس، فقال: أبلُوا الله بلاء حسنًا؛ يتمّ لكم عليه الأجر والمغنَم، واعملوا لله. فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحًا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق، فلم يجدوا بُدًّا من أن يجعلوا فُرَضًا مما يليهم؛ تصعد منه خيلهم؛ فأفسدوا حصنَهم؛ وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه! فلما نَهَد المسلمون الثانية خرج القوم، فرمُوا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسَك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل، وتركوا للمجال وجهًا، فخرجوا على المسلمين منه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يقتَتلُوا مثله إلا ليلة الهرير، إلا أنه كان أكمش وأعجل؛ وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديًا فنادى: يا معشر المسلمين! هذا أميركم قد دخل خندق القوم، وأخذ به، فأقبِلوا إليه! ولا يمنعنَّكم مَن بينكم وبينه من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":292},{"text":"دخوله. وإنما أمر بذلك ليقوّي المسلمين به، فحمل المسلمون ولا يشكّون إلا أن هاشمًا فيه، فلم يقم لحملتهم شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو، وقد أخذ به؛ وأخذ المشركون في هزيمة يَمنة ويَسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم؛ فهلكوا فيما أعدّوا للمسلمين فعُقرت دوابّهم، وعادوا رجّالة؛ وأتبعهم المسلمون، فلم يفلِتْ منهم إلا من لا يعدّ، وقتَل الله منهم يومئذ مئة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلْفه، فسمّيت جلولاء بما جللها من قتْلاهم؛ فهي جلولاء الوقيعة\" (١). (٤: ٢٥/ ٢٦).\n٤٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفّز، عن أبيه، قال: إني لفي أوائل الجمهور، مُدخَلهم ساباط ومظُلِمهَا، وإني لفي أوائل الجمهور حين عَبَرُوا دجلة، ودخلوا المدائن؛ ولقد أصبت بها تمثالًا لو قسم في بكر بن وائل لسدّ منهم مسَدًّا، عليه جوهر، فأدّيته؛ فما لبثنا بالمدائن إلّا قليلًا حتى بلغنا: أنّ الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعًا عظيمًا، وقدّموا عيالاتِهم إلى الجبال، وحبسوا الأموال؛ فبعث إليهم سعد عمرَو بن مالك بن عتبة بن أهْيَب بن عبد مناف بن زهرة، وكان جُند جلولاء اثني عشر ألفًا من المسلمين، على مقدّمتهم القعقاع بن عمرو، وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم؛ فلما مرُّوا ببابل مَهْروذ صالحه دِهْقانها، على أن يفرش له جريب أرض دراهم؛ ففعل وصالحه. ثم مضى حتى قدم عليهم بجَلُولاء، فوجدهم قد خندقوا، وتحصنوا في خندقهم، ومعهم بيت مالهم، وتواثقوا، وتعاهدوا بالنيران ألّا يفرّوا، ونزل المسلمون قريبًا منهم، وجعلت الأمداد تقدُم على المشركين كلّ يوم من حُلوان، وجعل يُمدّهم بكلّ من أمدّه من أهل الجبال، واستمدّ المسلمون سعدًا فأمدّهم بمئتي فارس، ثم مئتين، ثم مئتين. ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين. وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة بن فلان، أحد بني عبد الدار، وعلى خيل الأعاجم خرّزاذ بن خرّهرمز فاقتتلوا قتالا شديدًا، لم يقاتلوا المسلمين مثلَه في موطن من المواطن، حتى أنفدوا النبْل؛ وحتى أنفدوا النّشّاب، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطّبَرزينات. فكانوا بذلك صدْرَ نهارهم إلى الظهر؛ ولما حضرت الصلاة صلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":293},{"text":"الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصّلاتين خَنَست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع بن عمرو على الناس، فقال: أهالتْكم هذه؟ قالوا: نعم؛ نحن مُكِلّون وهم مُريحون، والكالّ يخاف العَجْز إلا أن يُعْقِب؛ فقال: إنّا حاملون عليهم ومجادّوهم وغير كافّين ولا مقلعين حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبنّ أحد منكم. فحمل فانفرجوا، فما نُهْنِه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يَمنة ويسرة؛ وجاء في الأمداد: طليحة، وقيس بن المكشوح، وعمرو بن معد يكرب، وحُجْر بن عديّ، فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل، ونادى منادي القعقاع بن عمرو: أين تحاجزون وأميركم في الخندق! فتفارّ المشركون، وحمل المسلمون، فأدخُل الخندق، فأتى فسطاطًا فيه مرافق وثياب؛ وإذا فُرش على إنسان فأنبُشه، فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس، فأخذتُها وثيابها، فأدَّيت الثياب، وطلبت في الجارية حتى صارت إليّ فاتخذتها أمّ ولد (١). (٤: ٢٦/ ٢٧).\n٤٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حماد بن فلان البرجميّ، عن أبيه: أنّ خارجة بن الصّلت أصاب يومئذ ناقة من ذهب أو فضة موشحة بالدرّ والياقوت مثل الجَفرة إذا وُضعت على الأرض، وإذا عليها رجلٌ من ذهب موشّح كذلك، فجاء بها وبه حتّى أدّاهما (٢). (٤: ٢٧/ ٢٨).\n٤٤٨ - وقالوا: واشتركوا في ذلك، وكتبوا إلى عمر بفتح جَلُولاء، وبنزول القعقاع حُلوان واستأذنوه في اتباعهم، فأبى، وقال: لوددت أنّ بين السواد وبين الجبل سدًّا لا يخلُصون إلينا ولا نخلُص إليهم؛ حسبُنا من الرّيف السواد، إنّي آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. قالوا: ولما بعث هاشم القعقاع في آثار القوم؛ أدرك مِهران بخانقين، فقتله، وأدرك الفيرزان، فنزل، وتوقّل في الظِّراب، وخلّى فرسه، وأصاب القعقاع سبايا، فبِعث بهم إلى هاشم من سباياهم، واقتسموهم فيما اقتسموا من الفيء، فاتُّخذن، فولدن في المسلمين.\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وفي متنه خلاف ما جاء في الروايات الصحيحة التي ذكرنا من أن هاشم بن عتبة هو الذي كان على رأس جيش المسلمين الذي أنفذه سعد إلى جلولاء.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":294},{"text":"وذلك السبي ينسب إلى جَلولاء، فيقال: سبْي جَلولاء. ومن ذلك السبي أم الشعبيّ، وقعت لرجل من بني عبس، فولدت، فمات عنها، فخلَف عليها شراحيل، فولدت له عامرًا، ونشأ في بني عبس (١). (٤: ٢٨).\n٤٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: واقتُسم في جَلولاء على كلّ فارس تسعة آلاف، تسعة آلاف؛ وتسعة من الدواب، ورجع هاشم بالأخماس إلى سعد (٢). (٤: ٢٨/ ٢٩).\n٤٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: أفاء الله على المسلمين ما كان في عسكرهم بجَلُولاء وما كان عليهم، وكلّ دابة كانت معهم إلّا اليسير لم يفلتوا بشيء من الأموال، ووليَ قَسْم ذلك بين المسلمين سلمان بن ربيعة؛ فكانت إليه يومئذ الأقباض والأقسام، وكانت العرب تسمّيه لذلك سلْمان الخيل؛ وذلك أنه كان يقسم لها ويقصّر بما دونها، وكانت العِتاق عنده ثلاث طبقات، وبلغ سهم الفارس بجَلولاء مثل سهمه بالمدائن (٣). (٢٩: ٤).\n٤٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، وعمرو، عن الشعبيّ، قال: اقتسم الناس فيءَ جَلولاء على ثلاثين ألف ألف، وكان الخُمس ستة آلاف ألف (٤). (٤: ٢٩).\n٤٥٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، ومحمد، والمهلب، وسعيد، قالوا: ونفلَ سعد من أخماس جَلولاء مَن أعظم البلاء ممنّ شهدها ومن أعظم البلاء ممن كان نائيًا بالمدائن، وبعثَ بالأخماس مع قضاعيّ بن عمرو الدُّؤليّ من الأذهاب، والأوراق، والآنية، والثياب، وبعث بالسبي مع أبي مفزّر والأسود، فمضيا (٥). (٤: ٢٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":295},{"text":"٤٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زُهرة، ومحمد بن عمرو، قالا: بعث الأخماس مع قضاعيّ وأبي مفزّر، والحسابَ مع زياد بن أبي سفيان، وكان الذي يكتب للناس ويدوّنهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمرَ فيما جاء له، ووصف له، فقال عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيبَ في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! فقام في الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الانسياح في البلاد. فقال عمر: هذا الخطيب المصقع، فقال: إنَّ جُنْدَنا أطْلَقوا بالفَعال لِساننا (١). (٢٩: ٤/ ٣٠).\n٤٥٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زهرة ومحمد، عن أبي سلمة، قال: لما قُدم على عمر بالأخماس من جَلولاء، قال عمر: والله لا يُجنّه سقف بيت حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أرقن يحرسانه في صحن المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه جلابيبَه -وهي الأنطاع- فلما نظر إلى ياقوته وزبرجدِه وجوهره؛ بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين! فوالله إنّ هذا لموطن شُكر! فقال: عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطَى الله هذا قومًا إلّا تحاسدوا، وتباغضوا! ولا تحاسدوا إلّا ألقِيَ بأسهم بينهم. وأشكل على عمر في أخماس القادسيّة حتى خطر عليه ما أفاء الله -يعني من الخُمس- فوضع ذلك في أهله، فأجرى خُمس جلولاء مُجرى خمس القادسيّة عن ملأ وتشاور وإجماع من المسلمين، ونفّل من ذلك بعض أهل المدينة (٢). (٤: ٣٠).\n٤٥٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن ماهان، قال: لم يثبت أحد من أهل السواد على العهد فيما بينهم وبين أهل الأيام إلّا أهل قَريات، أخذوها عنوة، كلهم نكث؛ ما خلا أولئك القريات، فلما دُعوا إلى الرّجوع صاروا ذمّة، وعليهم الجِزاء، ولهم المنْعَة، إلا ما كان لآل كسرى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":296},{"text":"ومَنْ معهم، فإنه صافية فيما بين حُلوان والعراق؛ وكان عمر قد رضيَ بالسَّواد من الرّيف (١). (٤: ٣١).\n٤٥٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كتبوا إلى عمر في الصّوافي، فكتب إليهم: أن اعمدوا إلى الصّوافي التي أصفاكموها الله، فوزّعوها على مَن أفاءها الله عليه؛ أربعة أخماس للجند، وخُمس في مواضعه إليّ، وإن أحبُّوا أن ينزلوها فهو الذي لهم. فلما جعل ذلك إليهم رأوا ألّا يفترقوا في بلاد المعجم، وأقرّوها حبيسًا لهم يُولُونها مَن تراضوْا عليه، ثم يقتسمونها في كلّ عام، ولا يُولونها إلا مَن أجمعوا عليه بالرضا، وكانوا لا يُجمعون إلّا على الأمراء، كانوا بذلك في المدائن؛ وفي الكوفة حين تحوّلوا إلى الكوفة (٢). (٤: ٣١/ ٣٢).\n٤٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طيبة، عن أبيه، قال: كتب عمر: أن احتازوا فيئكم فإنكم إن لم تفعلوا، فتقادُم الأمر يلحَج؛ وقد قضيت الذي عليّ. اللهمّ إنّي أشهدك عليهم فاشهد (٣): (٤: ٣٢).\n٤٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه، قال: فكان الفلّاحون للطرق، والجسور، والأسواق، والحرث، والدّلالة مع الجِزاء عن أيديهم على قَدْر طاقتهم؛ وكانت الدّهاقين للجِزية عن أيديهم والعِمارة، وعلى كلهم الإرشاد، وضيافة ابنِ السبيل من المهاجرين، وكانت الضيافة لمن أفاءها الله خاصّة ميراثًا (٤). (٤: ٣٢).\n٤٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت بنحو منه، وقالوا جميعًا: كان فتح جَلولاء في ذي القعدة سنة ستّ عشرة في أولها، بينها وبين المدائن تسعة أشهر. وقالوا جميعًا: كان صلح عمر الذي صالح عليه أهل الذمة: أنهم إن غشّوا المسلمين لعدوّهم برئتْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":297},{"text":"منهم الذمة، وإن سبّوا مسلمًا أن يُنهَكوا عقوبة، وإن قاتلوا مسلمًا أن يُقتلوا. وعلى عمر منعتهم. وبرئ عمر إلى كلّ ذي عهد من معرّة الجيوش (١). (٤: ٣٢).\n٤٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله والمستنير، عن إبراهيم بمثله (٢). (٤: ٣٢).\n٤٦١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان أشقى أهل فارس بجلُولاء أهل الرّيّ، كانوا بها حُماةَ أهل فارس، ففنيَ أهلُ الرّيّ يوم جَلولاء. وقالوا جميعًا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن؛ نزلوا قطائعَهم، وصار السواد ذمة لهم إلا ما أصفاهم الله به من مال الأكاسرة، ومَن لجّ معهم. وقالوا جميعًا: ولما بلغ أهلَ فارس قولُ عمر ورأيه في السواد وما خلْفه، قالوا: ونحن نرضى بمثل الذي رضُوا به، لا يرضى أكراد كلّ بلد أن ينالوا من ريفهم (٣). (٤: ٣٢/ ٣٣).\n٤٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد وحكيم بن عُمَير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: لا يحلّ اشتراء أرض فيما بين حُلوان والقادسيّة؛ والقادسيّة من الصوافي؛ لأنه لمن أفاءه الله عليه (٤). (٤: ٣٣).\n٤٦٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ مثله (٥). (٤: ٣٣).\n٤٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن المغيرة بن شِبْل، قال؛ اشترى جرير من أرضِ السواد صافيةً على شاطئ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":298},{"text":"الفُرات، فأتى عمر، فأخبره، فردّ ذلك الشراء، وكرهه، ونهى عن شراء شيء لم يقتسمه أهله (١). (٤: ٣٣).\n٤٦٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبيّ: أخذ السواد عنوة؛ قال: نعم، وكلّ أرض إلّا بعض القلاع والحصون؛ فإن بعضهم صالح، وبعضهم غلب، قلت: فهل لأهل السواد ذمّة اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنهم لما دُعوا، ورضوا بالخراج، وأخذ منهم؛ صاروا ذمّة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>ذكر فتح تكريت</span>\n٤٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمّد، وطلحة، والمهلب، وسعيد، وشاركهم الوليد بن عبد الله بن أبي طَيْبة، قالوا: كتب سعد في اجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله حتى نزل بتكْريت، وخندق فيه عليه ليحميَ أرضه، وفي اجتماع أهل جلولاء على مِهران معه؛ فكتب في جلولاء ما قد فرغنا سنه، وكتب في تكْريت واجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق بها: أن سرّح إلى الأنطاق عبد الله بن المُعتمّ، واستعمل على مقدّمته ربعيَّ بن الأفكَل العَنزيّ، وعلى ميمنته الحارثَ بن حسان الذهليّ، وعلى ميسرته فُراتَ بن حَيّان العِجليّ، وعلى ساقته هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجةَ بن هرْثمة، ففصل عبد الله بن المعتمّ في خمسة آلاف من المدائن، فسار إلى تَكريت أربعًا؛ حتى نزل على الأنطاق؛ ومعه الرّوم، وإياد، وتغلِب، والنَّمِر، ومعه الشهارجة وقد خندقوا بها، فحصرهم أربعين يومًا، فتزاحفوا فيها أربعة وعشرينْ زحفًا، وكانوا أهون شوْكة، وأسرعَ أمرًا من أهل جَلولاء، ووكَّل عبد الله بن المعتمّ بالعرب ليدعوَهم إليه وإلى نصرته على الرّوم، فهم لا يُخفون عليه شيئًا. ولما رأت الرّوم أنهم لا يخرجون خَرْجة إلّا كانت عليهم، ويُهْزَمون في كلّ ما زاحفوهم؛ تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعَهم إلى السفن، وأقبلت العيون من تغلِب، وإياد، والنَّمِر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":299},{"text":"إلى عبد الله بن المعتم بالخبر، وسألوه للعرب السلم، وأخبروه أنهم قد استجابوا له، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين بذلك؛ فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقرُّوا بما جاء به من عند الله، ثم أعلمونا رأيَكم. فرجعوا إليهم بذلك، فردُّوهم إليه بالإسلام، فردّهم إليهم، وقال: إذا سمعتم تكبيرنا؛ فاعلموا أنا قد نَهدْنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التي تَلِي دِجْلة، وكبِّروا واقتلوا مَن قدرتم عليه؛ فانطلقوا حتى تُواطئوهم على ذلك. ونَهَد عبد الله، والمسلمون لما يليهم وكَبّروا، وكبَّرت تغلِب، وإياد، والنَّمِر؛ وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم: أنّ المسلمين قد أتوْهم من خلفهم، فدخلوا عليهم مما يلي دِجْلة، فبادروا الأبواب التي عليها المسلمون، فأخذتهم السيوف؛ سيوف المسلمين مستقبلتَهم، وسيوف الرّبَعيِّين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم؛ فلم يفلت من أهل الخندق إلّا مَنْ أسلم من تغلِب، وإياد، والنَّمِر. وقد كان عمر عهد إلى سعد؛ إن هم هُزموا أن يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ابن الأفكَل العَنَزِيّ إلى الحِصْنين، فسرّح عبدُ الله بن المعتمّ ابنَ الأفكل العَنَزيّ إلى الحصنيْن، فأخذ بالطريق، وقال: اسبق الخبر، وسر ما دون القيْل، وأحي الليل. وسرّح معه تغلِب، وإياد، والنَّمِر، فقدمهم وعليهم عُتْبة بن الوعِل؛ أحَد بني جشم بن سعد، وذو القُرْط، وأبو وداعة بن أبي كرب، وابن ذي السُّنيْنَة قتيل الكُلاب، وابن الحجير الإياديّ، وبشر بن أبي حَوْط متساندين، فسبقوا الخبر إلى الحصنيْن. ولما كانوا منها قريبًا قدّموا عتبة بن الوعل، فادّعى بالظفر، والنَّفل، والقَفل، ثم ذو القُرْط، ثم ابن ذي السُّنينة، ثم ابن الحجير، ثمّ بشر؛ ووقفوا بالأبواب، وقد أخذوا بها، وأقبلت سَرعانَ الخيل مع ربعيّ بن الأفْكل حتى اقتحمت عليهم الحصنيْن، فكانت إيّاها، فنادوا بالإجابة إلى الصلح، فأقام من استجاب، وهرب مَن لم يستجب، إلى أن أتاهم عبد الله بن المعتم، فلما نزل عليهم عبد الله دعا من لجّ وذهب، ووفَّى لمن أقام، فتراجع الهرّاب واغتبط المقيم، وصارت لهم جميعًا الذمة والمنْعَة، واقتسموا في تَكْرِيت على كلّ سهم ألف درهم، للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فُرات بن حَيّان، وبالفتح مع","vol":"8","page":300},{"text":"الحارث بن حسان، وولى حربَ الموصل رِبعيّ بن الأفكل، والخراجَ عَرْفجة ابن هرثمة (١). (٤: ٣٥/ ٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>ذكر فتح ماسَبَذان</span>\nوفي هذه السنة -أعني سنة ست عشرة- كان فتح ماسَبَذان أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>ذكر الخبر عن فتحها:</span>\n٤٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، ومحمد، والمهلّب، وعمرو، وسعيد قالوا: ولما رجع هاشم بن عُتْبة من جَلُولاء إلى المدائن؛ بلغ سعدًا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعًا، فخرج بهم إلى السهل، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: ابعث إليهم ضرار بن الخطاب في جُنْد، واجعل على مقدّمته ابن الهذيل الأسديّ، وعلى مجنّبتيه عبد الله بن وهب الراسبيّ حليف بَجِيلة، والمضارب بن فلان العجليّ؛ فخرج ضرار بن الخطاب، وهو أحد بني محارب بن فِهْر في الجند، وقدّم ابنَ الهذيل؛ حتى انتهى إلى سهل ماسَبَذان، فالتقوْا بمكان يدعَى بهَنْدف، فاقتتلوا بها، فأسرع المسلمون في المشركين، وأخذ ضرار آذين سَلَمًا، فأسره، فانهزم عنه جيشه، فقدّمه، فضرب عنقه. ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيرَوان، فأخذ ماسَبَذان عنوة، فتطاير أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه، فنزل الكوفة، واستخلف ابن الهذيل على ماسَبَذان، فكانت إحدى فروج الكوفة (٢). (٤: ٣٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف. وذكر البخاري اسم عبد الله بن المعتم وقال: له صحبة ولا يصح إسناده (التاريخ الكبير ٥/ ٢٧) وقال ابن الأثير الجزري في ترجمته أنه فتح تكريت ونسب هذا القول إلى ابن إسحاق (أسد الغابة ٣/ ت ٣١٩٧) وراجع ما كتبنا في فتح تكريت قسم الصحيح (٤/ ٣٥).\n(٢) إسناده ضعيف، وقال خليفة بن خياط: ويقال: بل وجّه (أي سعد) هاشم بن عتبة ثم انتقضوا حين ساروا إلى نهاوند ثم سار هاشم إلى ماه دينار فأجلاهم إلى آذربيجان ثم بعثوا إلى سعدٍ فصالحوه وافتتح هاشم الماهات وماسبذان (تاريخ خليفة/ ١٤٠).","vol":"8","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>ذكر وقعة قرقيسياء</span>\nوفيها كانت وقعة قَرْقيسياء في رَجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>ذكر الخبر عن الوقعة بها:</span>\n٤٦٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، ومحمد، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: ولما رجع هاشم بن عُتْبة عن جَلُولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة، فأمدّوا هِرقل على أهل حِمْص، وبعثوا جندًا إلى أهل هِيت، وكتب بذلك سعد إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن ابعث إليهم عمَر بن مالك بن عُتْبة بن نوفل بن عبد مناف في جند، وابعث على مقدّمته الحارثَ بن يزيد العامريّ، وعلى مجنّبتيه رِبعيَّ بن عامر، ومالكَ بن حبيب، فخرج عمر بن مالك في جنده سائرًا نحو هيت، وقدّم الحارث بن يزيد؛ حتى نزل على مَن بِهيت، وقد خندقوا عليهم. فلما رأى عمر بن مالك امتناعَ القوم بخندقهم واعتصامهم به؛ استطال ذلك، فترك الأخبية على حالها، وخلّف عليهم الحارث بن يزيد محاصرَهم، وخرج في نصف النّاس يعارض الطريق حتى يجيء قَرْقِيسياء في غِرّة، فأخذها عَنوة، فأجابوا إلى الجِزاء، وكتب إلي الحارث بن يزيد: إن هم استجابوا؛ فخلّ عنهم فليخرجوا، وإلّا فخندق على خندقهم خندقًا أبوابُه ممّا يليك حتى أرى من رأي. فسمحوا بالاستجابة، وانضمّ الجند إلى عمر، والأعاجم إلى أهل بلادهم (١) (٤: ٣٨).\nوقال الواقديّ: وفي هذه السنة غرّب عمرُ أبا مِحْجن الثقفيّ إلى باضع. قال: وفيها تزوّج ابن عُمر صفيّة بنت أبي عُبيدة (٢). (٤: ٣٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وكذلك ذكر الذهبي في تأريخ الإسلام -عهد الخلفاء الراشدين-: أن وقعة قرقيسياء كانت سنة (١٦ هـ). وفي معجم البلدان: أن قرقيسياء بلد على نهر خابور قرب رحبة مالك بن طوق (معجم البلدان ٤/ ٣٢٨).\n(٢) قلنا: الواقدي متروك وقد ذكر هذه الحادثة بدون إسناد وذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمة أبي محجن قال: وذكر المدائني عن إبراهيم بن حكيم عن عاصم بن عروة: أن عمر غرّب أبا محجن وكان يدسن الخمر، فأمر أبا جهراء البصري ورجلًا آخر أن يحملاه في البحر فيقال: إنه هرب منهما وأتى العراق أيام القادسية- وذكر أبو عمر نحوه وزاد: أن عمر كتب =","vol":"8","page":302},{"text":"٤٦٩ - قال: وحدّثني ابن أبي سبرة عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن المسيّب، قال: أوّل مَن كتب التاريخ عمر، لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لستّ عشرة من الهجرة بمشورة عليّ بن أبي طالب (١). (٤: ٣٨).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب، واستخلف على المدينة -فيما زعم الواقديّ- زيد بن ثابت. وكان عامل عمر في هذه السنة على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلَى بن أميّة، وعلى اليمامة، والبحرين العَلاء بن الحضرميّ، وعلى عُمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام كلها أبو عبيدة بن الجراح، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قُرّة، وعلى البصرة وأرضها المُغيرة بن شعبة، وعلى حرب الموصل ربعيّ بن الأفكل، وعلى الخراج بها عَرْفجة بن هرثمة في قول بعضهم، وفي قول آخرين: عُتبة بن فَرْقد على الحرب والخراج -وقيل: ذلك كلّه كان إلى عبد الله بن المعتمّ- وعلى الجزيرة عِياض بن عمرو الأشعري. (٤: ٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>ثم دخلت سنة سبع عشرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>ذكر سبب تحوُّل مَن تحوّل من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف</span>\n٤٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: لما جاء فتح جَلولاء وحُلوان ونزول القعقاع بن عمرو بحُلوان فيمن معه، وجاء فتح تكرِيت، والحِصْنَيْن، ونزول عبد الله بن المعتمّ، وابن الأفكَل الحصنيْن فيمن معه؛ وقدمت الوفود بذلك على عُمر، فلمّا رآهم\n_________\n= إلى سعد أن يحبسه فحبسه- (الإصابة ٧/ ٣٠٠/ ت ١٠٥٠٧).\nقال: وفيها ماتت مارية أم ولد رسول الله - ﷺ - أم إبراهيم وصلى عليها عمر وقبرها بالبقيع في المحرم.\nوالواقدي متروك والخبر عن الواقدي في طبقات ابن سعد الكبرى (٨/ ٢١٦).\n(١) إسناده ضعيف جدًّا؛ فابن أبي سبرة (أبو بكر بن عبد الله) منكر الحديث واتهم بوضع الحديث، أما عن أول كتابة للتأريخ الإسلامي فقد تحدث عنها الطبري بالتفصيل في السنة الأولى من الهجرة.","vol":"8","page":303},{"text":"عمر قال: والله ما هيئتكم بالهيئة التي أبدأتم بها! ولقد قدمت وفود القادسيّة والمدائن وإنهم لكما أبدؤوا، ولقد انتكيتم فما غيَّركم؟ قالوا: وُخومة البلاد. فنظر في حوائجهم، وعجل سَراحهم؛ وكان في وفود عبد الله بن المعتمّ عُتبة بن الوعْل، وذو القُرْط، وابن ذي السُّنيْنَة، وابن الحجيْر، وبشْر، فعاقدوا عمر على بني تغلِب، فعقد لهم؛ على أنّ مَن أسلم منهم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومَن أبى فعليه الجِزاء؛ وإنما الإجبار من العرب على مَن كان في جزيرة العرب. فقالوا: إذًا يهربون، وينقطعون، فيصيرون عجمًا؛ فأمرٌ أجمَلُ الصّدقة؛ فقال: ليس إلّا الجِزاء، فقالوا: تجعل جزيتهم مثل صدقة المسلم، فهو مجهودهم، ففعل على ألّا ينصِّروا وليدًا ممن أسلم آباؤهم، فقالوا: لك ذلك، فهاجر هؤلاء التغلبِيّون ومَن أطاعهم من النمِريّين، والأياديّين إلى سعد بالمدائن وخطُّوا معه بعد بالكوفة، وأقام مَن أقام في بلاده على ما أخذوا لهم على عمر مسلمهُم وذميُّهم (١). (٤: ٤٠).\n٤٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن شُبرمة، عن الشعبيّ، قال: كتب حذيفة إلى عمر: إنّ العرب قد أتْرِفتْ بطونها، وخفّت أعضادُها، وتغيَّرت ألوانها؛ وحذيفة يومئذ مع سعد (٢). (٤: ٤٠).\n٤٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: ولما قدم سلمان، وَحذيفة على سعد، وأخبراه عن الكوفة، وقدم كتاب عمر بالذي ذكرا له؛ كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو: أن خلِّف على الناس بجلولاء قُباذ فيمن تبعكم إلى من كان معه من الحمراء. ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده، وكتب سعد إلى عبد الله بن المعتمّ: أن خلّف على الموصل مسلمَ بن عبد الله الذي كان أسِر أيام القادسيّة فيمن استجاب لكم من الأساورة، ومَن كان معكم منهم. ففعل، وجاء حتى قدم على سعد في جنده، فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في المحرّم سنة سبع عشرة. وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران، وكان بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر؛ اختطّت سنة أربع\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":304},{"text":"من إمارة عمر في المحرّم سنة سبع عشرة من التأريخ، وأعطوا العطايا بالمدائن في المحرّم من هذه السنة قبل أن يرتحلوا. وفي بَهُرسير، في المحرّم سنة ستّ عشرة، واستقرّ بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها، كلها ارتحلوا عنها في المحرم سنة سبع عشرة، واستقرّ باقي قرارهما اليوم في شهر واحد.\nوقال الواقديّ: سمعتُ القاسم بن معن يقول: نزل الناس الكوفة في آخر سنة سبع عشرة.\nقال: وحدّثني ابن أبي الرُّقاد عن أبيه، قال: نزلوها حين دخلت سنة ثماني عشرة في أوّل السنة (١). (٤: ٤٢/ ٤٣).\n٤٧٢ - رجع الحديث إلى حديث سيف: قالوا: وكتب عمر إلى سعد بن مالك وإلى عُتْبة بن غَزْوان أن يتربّعا بالناس في كلّ حين ربيع في أطيب أرضهم، وأمر لهم بمعاونهم في الربيع من كلّ سنة، وبإعطائهم في المحرّم من كلّ سنة، وبفيئهم عند طلوع الشِّعْرى في كلّ سنة؛ وذلك عند إدراك الغلّات، وأخذوا قبل نزول الكوفة عطاءين (٢). (٤: ٤٣).\n٤٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس، عن رجل من بني أسد يدعى المغرور، قال: لما نزل سعد الكوفة؛ كتب إلى عمر: إنّي قد نزلت بكوفة منزلًا بين الحيرة والفُرات بريًّا بحريًا، يُنبت الحِليّ والنِّصِيّ، وخيّرتُ المسلمين بالمدائن، فمن أعجبه المقام فيها تركته فيها كالمسلحة، فبقي أقوام من الأفناء، وأكثرهم بنو عَبْس (٣). (٤: ٤٣).\n٤٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وسعيد، والمهلب، قالوا: ولما نزل أهل الكوفةِ الكوفَةَ، واستقرّت بأهل البصرة الدار؛ عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا. ثمّ إنّ أهلَ الكوفة استأذنوا في بنيان القصَب، واستأذن فيه أهل البصرة، فقال عمر: العسكر أجدُّ لحربكم وأذكى لكم، وما أحبّ أن أخالفَكم، وما القصب؟ قالوا:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":305},{"text":"العِكْرش إذا رَوِيَ؛ قصّب، فصار قصبًا، قال: فشأنكم؛ فابتنى أهل المصريْن بالقصب.\nثم إن الحريق وقع بالكوفة وبالبصرة، وكان أشدّهما حريقًا الكوفة، فاحترق ثمانون عريشًا، ولم يبق فيها قَصبة في شوّال، فما زال الناس يذكرون ذلك. فبعث سعد منهم نفرًا إلى عُمر يستأذنون في البناء باللبِن، فقدِموا عليه بالخبر عن الحريق، وما بلغ منهم -وكانوا لا يَدَعون شيئًا ولا يأتونه إلّا وآمَروه فيه- فقال: افعلوا؛ ولا يزيدَنّ أحدُكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاوَلوا في البنيان، والزموا السنّة تلزمكم الدولة. فرجع القوم إلى الكوفة بذلك. وكتب عمر إلى عُتبة وأهل البصرة بمثل ذلك؛ وعلى تنزيل أهل الكوفة أبو الهيّاج بن مالك، وعلى تنزيل أهل البصرة عاصم بن الدُّلَف أبو الجرباء.\nقال: وعهد عمر إلى الوفد، وتقدّم إلى الناس: ألّا يرفعوا بنيانًا فوق القَدْر. قالوا: وما القدْر؟ قال: ما لا يقرّبكم من السَّرَف، ولا يخرجكم من القصد (١). (٤: ٤٣/ ٤٤).\n٤٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما أجمعوا على أن يضعوا بنيان الكوفة؛ أرسل سعد إلى أبي الهيّاج فأخبره بكتاب عمر في الطّرُق: أنه أمر بالمناهِج أربعين ذراعًا، وما يليها ثلاثين ذراعًا، وما بين ذلك عشرين، وبالأزّقة سبع أذرع، ليس دون ذلك شيء، وفي القطائع ستين ذراعًا إلّا الذي لبني ضبّة. فاجتمع أهل الرأي للتقدير؛ حتى إذا أقاموا على شيء؛ قسّم أبو الهيّاج عليه؛ فأوّل شيء خُطّ بالكوفة وبُني حين عزموا على البناء المسجدُ، فوُضع في موضع أصحاب الصابون والتّمارين من السوق، فاختطوه، ثم قام رجل في وسطه، رامٍ شديد النّزع، فرمى عن يمينه فأمر مَنْ شاء أن يبنيَ وراء موقع ذلك السهم، ورمى من بين يديه ومن خلفه، وأمر مَن شاء أن يبني وراء موقع السهمين. فترك المسجد في مربّعةِ غلوة من كلّ جوانبه، وبنى ظلّةً في مقدسه، ليست لها مجنّبات ولا مواخير، والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا، وكذلك كانت المساجد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":306},{"text":"ما خلا المسجد الحرام، فكانوا لا يشبّهون به المساجد تعظيمًا لحرمته، وكانت ظُلّته مئتي ذراع على أساطين رخام كانت للأكاسرة، سماؤها كأسمية الكنائس الرّومية، وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان، وبنَوا لسعد دارًا بحياله بينهما طريق منقَبُ مئتي ذراع، وجعل فيها بيوت الأموال، وهي قصر الكوفة اليوم، بنى ذلك له روزبه لمن آجرّ بنيان الأكاسرة بالحيرة، ونهَج في الودَعة من الصحن خمسة مناهج، وفي قِبْلته أربعة مناهج، وفي شرقيّه ثلاثة مناهج، وفي غربيّه ثلاثة مناهج، وعلَّمها، فأنزل في وَدَعة الصحن سليمًا وثَقِيفًا مما يلي الصحن على طريقين، وهَمْدان على طريق، وبَجِيلة على طريق آخر، وتيْم اللّات على آخرهمْ وتغلِب، وأنزل في قبلة الصحن بني أسد على طريق، وبين بني أسَد والنَّخَع طريق، وبين النَّخَع وكِندة طريق، وبين كِنْدة والأزْد طريق، وأنزل في شرقيّ الصحن الأنصار، ومُزَينة على طريق، وتميمًا ومحاربًا على طريق، وأسدًا وعامرًا على طريق، وأنزل في غربيّ الصحن بجالة وبَجْلة على طريق، وجَدِيلةَ وأخلاطًا على طريق، وجُهينة وأخلاطًا على طريق، فكان هؤلاء الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك. واقتُسِمت على السّهْمان؛ فهذه مناهجها العظمى. وبنوا مناهج دونها تحاذِي هذه ثم تلاقيها، وأخَر تُتبعها، وهي دونها في الذّرْع، والمحالّ من ورائها؛ وفيما بينها، وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن، ونزل فيها الأعشار من أهل الأيَّام والقوادس، وحمى لأهل الثغور والموصل أماكنَ حتى يُوافوا إليها؛ فلما ردفتهم الروادف: البدء، والثّناء، وكثروا عليهم، ضيّق الناس المحالّ فمَن كانت رادِفَتُه كثيرة شخص إليهم وترك محلّته، ومَن كانت رادِفته قليلة أنزلوهم منازلَ مَن شخص إلى رادفته لقلّته إذا كانوا جيرانهِم؛ وإلّا وسعوا على روادفهم وضيقوا على أنفسهم؛ فكان الصحن على حاله زمان عمر كله، لا تطمع فيه القبائل؛ ليس فيه إلا المسجد والقصر، والأسواق في غير بنيان ولا أعلام. وقال عمر: الأسواق على سنَّة المساجد، مَن سبق إلى مقْعد فهو له؛ حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه، وقد كانوا أعدُّوا مُناخًا لكلّ رادف؛ فكان كلّ مَن يجيء سواء فيه -وذلك المناخ اليومَ دور بني البكّاء- حتى يأتوا بالهيّاج، فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبُّوا. وقد بنى سعد في الذين خطُّوا للقصر قصرًا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، فشيّده، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيتَه. ثم إنّ بيتَ","vol":"8","page":307},{"text":"المال نُقب عليه نقبٌ، وأخِذ من المال، وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدّار وبيوت المال من الصّحن مما يلي وَدعة الدار.\nفكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جَنْب الدار، واجعَل الدّار قبلته؛ فإنّ للمسجد أهلًا بالنهار وبالليل؛ وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراغ بنيانه، فقال له دهقان من أهل هَمَذان؛ يقال له: روزبه بن بُزُرْجمِهر: أنا أبنيه لك، وأبني لك قصرًا فأصِلُهما، ويكون بنيانًا واحدًا. فخطّ قصر الكوفة على ما خطّ عليه، ثم أنشأه من نِقْضِ آجرّ قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم، ولم يسمح به، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر، يَمْنة على القبلة، ثم مدّ به عن يمين ذلك إلى منقطع رَحبَة عليّ بن أبي طالب ﵇، والرحبَة قبلته، ثم مدّ به فكانت قبلة المسجد إلى الرّحَبة وميمنة القصر، وكان بنيانه على أساطين منِ رُخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنّبات؛ فلم يزل على ذلك حتى بنِيَ أزمان معاوية بن أبي سفيان بنيانَه اليوم؛ على يديْ زياد. ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنّائين من بنّائي الجاهليّة، فوصف لهم موضع المسجد، وقدرَه، وما يشتهي من طوله في السماء، وقال: أشتهي من ذلك شيئًا لا أقع على صفته؛ فقال له بنّاء قد كان بنّاءً لكسرى: لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال أهواز، تُنقَر ثم تُثقَب، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعًا في السماء، ثم تسقّفه، وتجعل له مجنّبات ومواخير؛ فيكون أثبت له. فقال: هذه الصّفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها. وغلّق باب القصر، وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدًا الحديث؛ فلمّا بنى ادّعى الناس عليه ما لم يقل، وقالوا: قال سعد: سَكِّن عني الصّويت. وبلغ عمر ذلك، وأنّ الناس يسمُّونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمة، فسرّحه إلى الكوفة، وقال: اعمِد إلى القصر حتى تحرِق بابه، ثم ارجع عودَك على بدئك؛ فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطبًا، ثم أتى به القصر، فأحرق الباب، وأُتِيَ سعد فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسِل لهذا من الشأن، وبعث لينظر مَن هو؛ فإذا هو محمد بن مسلَمة، فأرسل إليه رسولًا بأن ادخل، فأبى فخرج إليه سعد، فأراده على الدخول والنزول، فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر","vol":"8","page":308},{"text":"إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرًا اتّخذته حصنًا، ويسمى قَصْر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابًا؛ فليس بقصرك؛ ولكنه قصر الخبَال؛ انزل منه منزلًا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابًا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسَك ومخرجك مِنْ دارك إذا خرجت؛ فحلف له سعد ما قال الذي قالوا. ورجع محمد بن مسلَمة من فوره؛ حتى إذا دنا من المدينة فني زادهُ، فتبلّغ بلحاء من لحاء الشجَر، فقدم على عمر، وقد سَنِق فأخبره خبره كله، فقال: فهلّا قبلت من سعد! فقال: لو أردت ذلك كتبتَ لي به، أو أذنت لي فيه، فقال عمر: إنّ أكملَ الرّجال رأيًا من إذا لم يكن عنده عهد من صَاحبه عمل بالحزم، أو قال به، ولم ينكل؛ وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدّق سعدًا، وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومَن أبلغني (١). (٤: ٤٤/ ٤٥/ ٤٦/ ٤٧).\n٤٧٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطاء أبي محمد، مولى إسحاق بن طلحة، قال: كنت أجلس في المجلس الأعظم قبل أن يبنيَه زياد، وليست له مجنّبات ولا مَواخير، فأرى منه دير هند، وباب الجِسْر (٢). (٤: ٤٧).\n٤٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عن الشعبيّ، قال: كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر (٣). (٤: ٤٧/ ٤٨).\n٤٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمر بن عياش أخي أبي بكر بن عيّاش، عِن أبي كثير: أن روزبه بن بزرجُمِهْر بن ساسان كان هَمَذانيًّا، وكان على فرْج من فُروج الرّوم، فأدخل عليهم سلاحًا، فأخافه الأكاسرة، فلحق بالرّوم، فلم يأمن حتى قدم سعد بن مالك، فبنى له القصر والمسجد. ثم كتب معه إلى عمر، وأخبره بحاله، فأسلم، وفرض له عمر وأعطاه، وصرفه إلى سعد مع أكريائه -والأكرياء يومئذ هم العباد- حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له: قبر العباديّ مات، فحفروا له، ثم انتظروا به من يمرّ بهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":309},{"text":"ممن يُشهدونه موته، فمرّ قوم من الأعراب، وقد حفروا له على الطريق، فأرَوْهموه ليبرؤوا من دمه، وأشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العِباديّ -وقيل قبر العباديّ لمكان الأكرياء- قال أبو كثير: فهو والله أبي، قال: فقلت: أفلا تخبر الناس بحاله! قال: لا (١). (٤٨: ٤).\n٤٧٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، وزياد، قالوا: ورَجح الأعشار بعضهم بعضًا رَجَحانًا كثيرًا، فكتب سعد إلى عمر في تعديلهم، فكتب إليه: أن عَدّلهم، فأرسل إلى قوم من نُسّاب العرب وذوي رَأيِهم وعقلائهم، منهم سعيد بن نِمْران، ومشعلة بن نعيم، فعدّلوهم عن الأسباع، فجعلوهم أسباعًا، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، وجديلة -وهم بنو عمرو بن قيس عيلانَ- سبعًا، وصارت قضاعةَ -ومنهم يومئذ غسان بن شبام- وبجَيلة، وخُثْعم، وكِنْدة، وحضرموت، والأزْدُ سُبعًا، وصارت مذحِج وحمير وَهمدان وحلفاؤهم سُبعًا، وصارت تميم، وسائر الرِّباب، وهوازن سبعًا، وصارت أسد، وغطفان، ومحارب، والنَّمِر، وضُبيعة، وتغلِب سُبعًا، وصارت إياد، وعكّ، وعبد القيس، وأهل هَجَر، والحمراء، سبْعًا، فلم يزالوا بذلك زمانَ عمر، وعثمان، وعليّ، وعامّة! مارة معاوية؛ حتى ربَّعهم زياد (٢). (٤: ٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>إعادة تعريف الناس</span>\n٤٨٠ - وعرّفوهم على مئة ألف درهم، فكانت كل عِرافة من القادسيّة خاصّة ثلاثة وأربعين رجلًا، وثلاثًا وأربعين امرأة، وخمسين من العيال، لهم مئة ألف درهم، وكلّ عِرافة من أهل الأيّام عشرين رجلًا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، وكلّ عيّل على مئة على مئة ألف درهم، وكلّ عِرافة من الرّادفة الأولى ستّين رجلًا، وستين امرأة، وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمسمئة على مئة ألف درهم، ثم على هذا من الحساب.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":310},{"text":"وقال عطيّة بن الحارث: قد أدركت مئة عريف، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة، كان العطاء يُدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرّايات، والرّايات على أيادي العرب، فيدفعونه إلى العُرفاء، والنقباء، والأمَناء، فيدفعونه إلى أهله في دُورهم (١). (٤: ٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحبُ الروم</span>\n٤٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سِياه، عن الشعبيّ، قال: استمدّ أبو عبيدة عمرَ، وخرجت عليه الرّوم، وتابعهم النصارى، فحصروه، فخرج، وكتب إلى أهل الكوفة، فنفر إليهم في غداةٍ أربعة آلاف على البِغال يجنبون الخيل، فقدِموا على أبي عبيدة في ثلاث بعد الوقعة، فكتب فيهم إلى عمر، وقد انتهى إلى الجابية، فكتب إليه: أنْ أشرِكْهم، فإنهم قد نفروا إليكم، وتفرّق لهم عدوّكم (٢). (٤: ٥٢).\n٤٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان لعمر أربعة آلاف فَرس عُدّة لكون إن كان، يُشَتِّيها في قبلة قصر الكوفة وميْسرته؛ ومن أجل ذلك يسمّى ذلك المكان الآريّ إلى اليوم، ويربّعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يليِ العاقول، فسمّته الأعاجم \"آخر الشاهجان\"، يعنونَ معْلَف الأمراء، وكان قيِّمُه عليها سَلْمان بن ربيعة الباهليّ في نفر من أهل الكوفة، يصنِّع سوابقَها، ويُجرْيها في كلّ عام، وبالبصرة نحو منها، وقيّمُه عليها جَزْء بن معاوية، وفي كلّ مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فإن نابتهم نائبة ركب قوم، وتقدّموا إلى أن يستعدّ الناس (٣). (٤: ٥٢).\n٤٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن شهر بن مالك بنحو منه. فلما فرغوا؛ رجعوا (٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1199>ذكر فتح الجزيرة</span>\n٤٨٤ - وفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- افتُتحت الجزيرة في رواية سيف. وأما ابن إسحاق؛ فإنه ذكر: أنها افتُتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة، وذكر من سبب فتحها ما حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عنه: أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إنّ الله قد فتح على المسلمين الشام، والعراق، فابعث من عندك جندًا إلى الجزيرة، وأمِّر عليهم أحد الثلاثة: خالدَ بن عُرْفطة، أو هاشمَ بن عتبة، أو عياضَ بن غَنْمِ. فلما انتهى إلى سعد كتابُ عمر؛ قال: ما أخّر أمير المؤمنين عياضَ بن غَنْم آخر القوم إلّا أنه له فيه هوىً أن أولِّيَه؛ وأنا موليه. فبعثه، وبعث معه جيشًا، وبعث أبا موسى الأشعرِي، وابنه عمر بن سعد -وهو غلام حدَث السنّ ليس إليه من الأمر شيء- وعثمان بن أبي العاص بن بشْر الثقفيّ، وذلك في سنة تسع عشرة. فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرُّهاء، فصالحه أهلُها على الْجزية، وصالحت حرّان حين صالحت الرُّهاء، فصالحه أهلها على الجزية. ثمّ بعث أبا موسى الأشعريّ إلى نصيبين، ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردءًا للمسلمين، وسار بنفسه في بقيّة الناس إلى دارا، فنزل عليها؛ حتى افتتحها، فافتتح أبو موسى نَصِيبين، وذلك في سنة تسع عشرة. ثمّ وجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال؛ أصيب فيه صفوان بن المُعطَّل السُّلميّ شهيدًا. ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجِزْية، على كلّ أهل بيت دينار. ثم كان فتح قيساريّة من فلسطين، وهرب هرقل (١). (٤: ٥٣).\n٤٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أبي سيف التَّغلبيّ، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - قد عاهد وَفْدَهم على ألّا يُنصِّروا وليدًا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفّدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر؛ قال مسلموهم: لا تنفّروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء، فإنهم يغضبون من ذكْر الجِزاء\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":312},{"text":"على ألّا ينصّروا مولودًا إذا أسلم آباؤهم. فخرج وفدُهم في ذلك إلى عمر، فلما بعث الوليد إليه برؤوس النصارى، وبديّانيهم، قال لهم عمر: أدُّوا الجزية، فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجِزاء لندخلنّ أرض الرّوم، والله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسَكم، وخالفتم أمّتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية، وتالله لتؤدُّنَّه وأنتم صَغرَة قَمَأة! ولئن هربتم إلى الرّوم لأكتبنّ فيكم، ثمّ لأسبِينكم. قالوا: فخذ منا شيئًا؛ ولا تسمّه جِزاء، فقال: أمّا نحن فنسميه جِزاء، وسمُّوه أنتم ما شئتم. فقال له عليّ بن أبي طالب: يا أميرَ المؤمنين! ألم يُضْعِف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى، وأصغى إليه، فرضيَ به منهم جِزاء، فرجعوا على ذلك، وكان في بني تغلِب عزّ وامتناع، ولا يزالون ينازعون الوليد، فهمّ بهم الوليد، وقال في ذلك:\nإذا ما عَصَبْتُ الرأسَ مِنِّي بِمشْوَذٍ ... فَغيَّك مِنِّي تَغلِب ابنة وائِل\nوبلغت عنه عمر، فخاف أن يحرجوه وأن يضعف صبره فيسطوَ عليهم، فعزله، وأمَّر عليهم فُرات بن حيّان، وهند بن عمرو الجَمَلِيَّ، وخرج الوليد، واستودع إبلًا له حُريثَ بن النعمان، أحدَ بني كنانة بن تَيْم من بني تغلب، وكانت مئة من الإبل فاختانها بعد ما خرج الوليد.\nوكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة في ذي الحجة (١). (٤: ٥٥/ ٥٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف ولقد جمعنا ما وجدنا في فتح الجزيرة من روايات وأكثرها ضعيفة الإسناد كما يلي:\n١ - قال خليفة (بلا إسناد): وكان أبو عبيدة بن الجراح وجّه عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة فوافق أبا موسى بعد فتح هذه المدائن فمضى ومضى معه أبو موسى فافتتحا حزان ونصيبين وطوائف الجزيرة عنوة (تأريخ خليفة/ ١٣٩).\nوأخرج خليفة قال: حدثني شيخ من أهل الجزيرة: أن عياض بن غنم ولي صلح هذه المدن وغيرها من الجزيرة وكتب لهم كتابًا هو عندهم اليوم باسمه عياض (١٣٩).\n٢ - وأخرج البلاذري (فتوح الجزيرة) قال: حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن أبيه عن جدّه عن ميمون بن مهران قال: الجزيرة كلها فتوح عياض بن غنيم بعد وفاة أبي عبيدة ولاه إياها عمر بن الخطاب وكان أبو عبيدة استخلفه على الشام فولّى عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية من بعده الشام، وأمر عياضًا بغزو الجزيرة (فتوح البلدان/ ٢٣٦).\nقلنا: ولم نجد لشيخ البلاذري هنا (داود بن عبد الحميد) ترجمة إلّا ما ذكر البخاري في =","vol":"8","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>خروج عمر بن الخطاب إلى الشام</span>\n٤٨٦ - وأما سيف؛ فإنه روى في ذلك ما كتَب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان والربيع، قالوا: وقع الطاعون بالشام ومصر\n_________\n= الكبير (٢/ ١) (داود بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران) فإن كان هو هذا فلم يذكر فيه البخاري جرحًا ولا تعديلًا ولم نجد ترجمة لأبيه ولا لجده والله تعالى أعلم.\n٣ - وأخرج البلاذري كذلك قال: حدثني الحسين بن الأسود قال: حدثنا يحيى بن آدم عن عدّة من الجزريين عن سليمان بن عطاء القرشي قال: بعث أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فمات أبو عبيدة وهو بها فولّاه عمر إيّاها بعد (فتوح البلدان/ ٢٣٦).\nقلنا: ولا يخفى ضعف هذا الإسناد ففيه (مبهمون) وكذلك سليمان بن عطاء القرشي منكر الحديث كما قال البخاري والله تعالى أعلم.\n٤ - وأخرج البلاذري قال: حدثني بكر بن الهيثم قال: حدثنا النفيلي عبد الله بن محمد قال حدثنا سليمان بن عطاء قال: لما فتح عياض بن غنم الرها وكان أبو عبيدة وجّهه وقف على بابها. . . إلخ (فتوح البلدان/٢٣٧) وفي إسناده سليمان بن عطاء وهو منكر الحديث كما سبق.\n٥ - وقال البلاذري نقلًا عن الواقدي (وهو متروك) أنه قال: أثبت ما سمعنا في أمر عياض أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ واستخلف عياضًا فورد عليه كتاب عمر بتوليته حمص وقنسرين والجزيرة فسار إلى الجزيرة يوم الخميس للنصف من شعبان سنة ١٨ هـ في خمسة آلاف (فتوح البلدان/ ٢٣٧).\n٦ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني محمد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن مسلمة عن فرات بن سلمان عن ثابت بن الحجاج قال: فتح عياض الرقة وحرّان والرها ونصيبين وميافارقين وقرقيسياء وقرى الفرات ومدائنها صلحًا وأرضها عنوة (فتوح البلدان/ ٢٤٠) وفي إسناده الواقدي وهو متروك.\n٧ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني محمد عن الواقدي عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد أن عياضًا افتتح الجزيرة ومدائنها صلحًا وأرضها عنوة (فتوح البلدان/ ٢٤١) وفي إسناده الواقدي وهو متروك.\n٨ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني أبو أيوب الرقي المؤدب قال: حدثني الحجاج بن أبي منيع الرصافي عن أبيه عن جده قال: فتح عياض الرّقة ثم الرها، حران ثم سميساط على صلح واحد. . . إلخ (فتوح البلدان/ ٢٤١) قلنا: ولعلّ في هذا الإسناد تصحيفًا فالحجاج يروي عن جده مباشرة وبلا واسطة ولم نجد في كتب الرجال أن حجاجًا هذا يروي عن أبيه ولم نجد في ترجمة جده أن ابنه يروي عنه وإنما يروي عنه ابن ابنه، فإن كان الإسناد كما قلنا فرجاله ثقات إلا أنه منقطع فجدُّه لم يدرك عياضًا والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":314},{"text":"والعراق، واستقرّ بالشام، ومات فيه الناس الذين هم في كلّ الأمصار في المحرّم وصفر، وارتفع عن الناس وكتبوا بذلك إلى عمر ما خلا الشام، فخرج حتى إذا كان منها قريبًا بلغه أنه أشدّ ما كان، فقال وقال الصحابة: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها\"، فرجع حتى ارتفع عنها؛ وكتبوا بذلك إليه وبما في أيديهم من المواريث، فجمع الناس فب جمادى الأولى سنة سبع عشرة، فاستشارهم في البُلدان، فقال: إني قد بدا لي أنْ أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا عليّ -وكعب الأحبار في القوم، وفي تلك السنة من إمارة عمر أسلَم- فقال كعب: بأيّها تريد أن تبدأ يا أمير المؤمنين؟ ! قال: بالعراق، قال: فلا تفعل؛ فإن الشرّ عشرة أجزاء والخير عشرة أجزاء، فجزء من الخير بالمشرق وتسعة بالمغرب، وإنّ جزءًا من الشرّ بالمغرب وتسعة بالمشرق، وبها قرن الشيطان، وكلّ داء عضال (١). (٤: ٥٨/ ٥٩).\n٤٨٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد، عن الأصبغ، عن عليّ، قال: قام إليه عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين! والله إنّ الكوفة للهجرة بعد الهجرة، وإنها لقبّة الإسلام، وليأتينّ عليها يوم لا يبقى مؤمن إلّا أتاها وحنّ إليها؛ والله ليُنصرَنّ بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط (٢). (٤: ٥٩).\n٤٨٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المطرّح، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: وقال عثمان: يا أميرَ المؤمنين! إنّ المغرب أرض الشرّ، وإن الشرّ قسم مئة جزء؛ فجزء في الناس وسائر الأجزاء بها (٣). (٤: ٥٩).\n٤٨٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي يحيى التميميّ، عن أبي ماجد، قال: قال عمر: الكوفة رمح الله، وقبّه الإسلام، وجمجمة العرب، يكفُون ثغورَهم، ويمدّون الأمصار، فقد ضاعت مواريث أهل عَمَواس، فأبدأ بها (٤). (٤: ٥٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":315},{"text":"٤٩٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان، قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشأم؛ أبدأ بها فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثتم أرجع فأتقلّب في البلاد، وأنبذ إليهم أمري. فأتى عمر الشام أربعَ مرّات، مرّتين في سنة ست عشرة، ومرّتين في سنة سبع عشرة، لم يدخلها في الأولى من الآخرتين (١). (٤: ٥٩).\n٤٩١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بكر بن وائل، عن محمد بن مسلم، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"قُسّم الحفظ عشرة أجزاء، فتسعة في التُّرك وجزء في سائر الناس. وقُسّم البخل عشرة أجزاء، فتسعة في فارس، وجزء في سائر الناس. وقسِّم السخاء عشرة أجزاء، فتسعة في السودان، وجزء في سائر الناس. وقُسِّم الشَّبَق عشرة أجزاء، فتسعة في الهند، وجزء في سائر الناس. وقسِّم الحياء عشرة أجزاء، فتسعة في النساء، وجزء في سائر الناس. وقسِّم الحسَد عشرة أجزاء، فتسعة في العرب وجزء فى سائر الناس. وقُسم الكِبْر عشرة أجزاء، فتسعة في الرّوم وجزء في سائر الناس\" (٢). (٤: ٥٩/ ٦٠).\n٤٩٢ - حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن رجل، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجَرْميّ: أنه كان يقول: بلغني هذا من قول أبي عبيدة وقول مُعاذ بن جبل: إنّ هذا الوَجع رحمة بكم ودعوة نبيِّكم، وموت الصالحين قبلكم؛ فكنتُ أقول: كيف دعا به رسولُ الله - ﷺ - لأمّته، حتى حدّثني بعضُ من لا أتّهم عن رسول الله: أنّه سمعه منه، وجاءه جبريل ﵇، فقال: \"إن فناء أمتك يكون بالطعن أو الطاعون\"؛ فجعل رسول الله - ﷺ -: \"اللهمّ فَناء الطاعون! \" فعرفت: أنها التي كان قال أبو عبيدة، ومُعاذ (٣). (٤: ٦٢).\n٤٩٣ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: ولما انتهى إلى عمر مصابُ أبي عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان؛ أمّر معاوية بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف ولم نجد له متابعًا ولا شاهدًا.\n(٣) إسناده ضعيف، أما شطره الأول [إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم] فقد سبق أن خرجناه في قسم الصحيح وهو حسن والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":316},{"text":"أبي سفيان على جُند دمشق وخراجها، وأمّرَ شُرحبيل بن حَسَنة على جُند الأردنّ وخراجها (١). (٤: ٦٢).\n٤٩٤ - وأما سيف، فإنه زعم: أن طاعون عَمَواس كان في سنة سبع عشر (٢). (٤: ٦٢).\n٤٩٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، والربيع بإسنادهم، قالوا: كان ذلك الطاعون -يعنون: طاعون عَمَواس- موتانًا لم يُرَ مثله، طمع له العدوّ في المسلمين، وتخوّفت له قلوب المسلمين، كَثُر موته، وطال مكثُه، مكث أشهرًا حتى تكلّم في ذلك الناس (٣). (٤: ٦٣).\n٤٩٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد، قال: أصاب البصرة من ذلك موت ذريع، فأمر رجل من بني تميم غلامًا له أعجميًا أن يحمل ابنًا له صغيرًا ليس له ولد غيره على حمار، ثم يسوق به إلىِ سَفوان، حتى يلحقه. فخرج في آخر الليل ثم اتّبعه، وقد أشرف على سفوان، ودنا من ابنه وغلامه، فرفع الغلام عَقيرته يقول:\nلَنْ يُعْجِزوا الله على حِمَارِ ... ولا على ذي غُرَّةٍ مُطارِ\nقد يُصْبِحُ المَوْتُ أمامَ الساري\nفسكت حتى انتهى إليهم، فإذا هم هم؛ قال: ويحك، ما قلت! قال: ما أدري، قال: ارجعْ، فرجع با بنه، وعلم: أنه قد أسمع آيةً، وأُرِيَها.\nقال: وعزم رجل على الخروج إلى أرض بها الطاعون فتردد بعد ما طُعن، فإذا غلام له أعجميّ يحدو به:\nيا أيُّها المُشْعَرُ هَمًّا لا تُهمّ ... إنَّك إنْ تُكْتَبْ لك الحمَّى تُحَمُّ (٤)\n(٤: ٦٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1201>ذكر الخبر عن سيف في ذلك، والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين</span>\n٤٩٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة وهلال، عن رافع بن عمر، قال: سمعتُ العباس بالجابية يقول لعمر: أربع مَن عمِل بهنّ استوجب العدل: الأمانة في المال، والتسوية في القَسْم، والوفاء بالعِدَة، والخروج من العيوب؛ نظِّف نفسَك، وأهلك (١). (٤: ٦٤).\n٤٩٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن أبي عثمان، والربيع، وأبي حارثة بإسنادهم، قالوا: قسم عمر الأرزاق، وسمَّى الشواتِيَ والصوائف، وسدّ فروجَ الشأم ومسالِحها، وأخذ يدور بها، وسمَّى ذلك في كلّ كُورة، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كلّ كورة، وعزل شُرحبيل، واستعمل معاوية، وأمَّر أبا عبيدة وخالدًا تَحته، فقال له شرحبيل: أعَن سُخطة عزلتَني يا أمير المؤمنين؟ ! قال: لا، إنك لكما أحبّ، ولكني أريد رجلًا أقوى من رجل، قال: نعم، فاعذرْنِي في الناس لا تُدْركني هُجْنة، فقام في الناس، فقال: أيّها الناس! إني والله ما عزلتُ شُرحبيل عن سخطة! ولكني أردت رجلًا أقوى من رجل. وأمَّر عمرو بن عَبَسة على الأهراء، وسمى كلّ شيء، ثم قام في الناس بالوَدَاع (٢). (٤: ٦٤/ ٦٥).\n٤٩٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة وأبي عمرو، عن المستورِد، عن عديّ بن سُهيل، قال: لما فرغ عمر من فروجه، وأموره؛ قسم المواريث، فورّث بَعضَ الورثة من بعض، ثم أخرجها إلى الأحياء من وَرثة كلّ امرئ منهم (٣). (٤: ٦٥).\n٥٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":318},{"text":"وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته، فلم يرجع منهم إلا أربعة، فقال المهاجر بن خالد بن الوليد:\nمَنْ يَسْكُنِ الشامَ يُعَرِّسْ بِه ... والشأمُ إن لم يُفنِنا كارِبُ\nأفنَى بَني رَيْطَةَ فُرسانُهُمْ ... عشرون لم يُقصَصْ لهم شارِبُ\nومِنْ بَني أعمامِهمْ مِثْلَهم ... لمِثلِ هذا أعْجِبَ العاجِبُ\nطعنًا وطاعونًا مَناياهُمُ ... ذلك ما خَطّ لنا الكاتِبُ\nقال: وقَفَل عمر من الشام إلى المدينة في ذي الحجة، وخطب حين أراد القفول، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: ألا إني قد ولِّيتُ عليكم، وقضيتُ الذي عليّ في الذي ولّاني الله من أمركم، إن شاء الله قسطْنا بينكم فيئكم، ومنازلكم، ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجنَّدنا لكم الجنود، وهيَّأنا لكم الفروج، وبوّأناكم ووسَّعنا عليكم ما بلغ فيئُكم، وما قاتلتم عليه من شأمكم، وسمّينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم، وأرزاقكم، ومغانمكم، فمن علم عِلْمَ شيء ينبغي العمل به، فبلّغنا؛ نعملْ به إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله. وحضرت الصلاة، وقال الناس: لو أمرتَ بلالًا فأذّن! فأمره فأذّن، فما بقيَ أحدٌ كان أدرك رسولَ الله - ﷺ - وبلال يؤذّن له إلّا بكى حتى بلّ لحيته، وعمر أشدّهم بكاء، وبكى مَنْ لم يدركه ببكائهم، ولذكره - ﷺ - (١). (٤: ٦٥/ ٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>ذكر خبر عزل خالد بن الوليد</span>\n٥٠١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: فما زال خالد على قِنَّسرين حتى غزا غَزْوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه (٢). (٤: ٦٦).\n٥٠٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي المجالد مثله. قالوا: وبلغ عمرَ: أنّ خالدًا دخل الحمام، فتدلّك بعد النورة بثخين عُصفر معجون بخمر؛ فكتب إليه: بلغني: أنك تدلَّكت بخمر؛ وإنّ الله قد حرّم ظاهرَ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":319},{"text":"الخمر، وباطنه، كما حرّم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرّم مسن الخمر إلّا أن تغسَل كما حرّم شربها، فلا تُمِسّوها أجسادكم؛ فإنّها نَجَس، وإن فعلتم: فلا تعودوا.\nفكتب إليه خالد: إنّا قتلناها فعادت غَسُولًا غير خمر. فكتب إليه عمر: إنّي أظن آل المغيرة قد ابتُلُوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه! فانتهى إليه ذلك.\nوفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غَنْم في رواية سيف عن شيوخه (١). (٤: ٦٦).\nذكر من قال ذلك:\n٥٠٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلّب، قالوا: وأدرب سنة سبع عشرة خالد، وعياض، فسارا فأصابا أموالًا عظيمة، وكانا توجّها من الجابية، مرجِعَ عمر إلى المدينة، وعلى حمْص أبو عبيدة؛ وخالد تحت يديه على قِنَّسرين، وعلى دمشق يزيد بن أبي سفيان، وعلى الأردنّ معاوية، وعلى فِلَسطين علقمة بن مجزّز، وعلى الأهراءَ عمرو بن عبَسة، وعلى السواحل عبد الله بن قيس، وعلى كلّ عَمَل عامل. فقامت مسالح الشام، ومصر، والعراق على ذلك إلى اليوم، لم تَجُزْ أمّة إلى أخرى عملَها بعدُ؛ إلّا أن يقتحموا عليهم بعد كُفْرٍ منهم، فيقدّموا مسالحَهم بعد ذلك، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة (٢). (٤: ٦٧).\n٥٠٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي المجالد وأبي عثمان، والربيع، وأبي حارثة، قالوا: ولما قَفل خالد وبلغ الناسَ ما أصابت تلك الصّائفة؛ انتجعه رجال، فانتجع خالدًا رجالٌ من أهل الآفاق، فكان الأشعِث بن قيس ممّن انتجع خالدًا بقِنسَّرين، فأجازه بعشرة آلاف. وكان عمر لا يَخْفى عليه شيء في عمله، كُتب إليه من العراق بخروج مَن خرج، ومن الشام بجائزة من أجِيز فيها- فدعا البريد، وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدًا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسُوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث؛ أمن ماله، أم من إصابة أصابها؛ فإن زعم أنها من إصابة أصابها؛ فقد أقرّ بخيانة،\nوإن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":320},{"text":"زعم أنها من ماله؛ فقد أسرف. واعزله على كلّ حال، واضمم إليك عمله. فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على المِنبر، فقام البريد فقال: يا خالد! أمِن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئًا، فقام بلال إليه، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ثم تناول قلنسوته فعِقله بعمامته وقال: ما تقول! أمن مالك، أم من إصابةٍ؟ قال: لا بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته، ثم عمّمه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم ونخدم مواليَنا. قالوا: وأقام خالد متحيّرًا لا يدري أمعزول أم غيرُ معزو؟ وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمرَ أن يقدم ظنّ الذي قد كان، فكتب إليه بالإقبال، فأتى خالد أبا عبيدة، فقال: رحمك الله! ما أردت إلى ما صنعت؟ كتمتَنِي أمرًا كنت أحبّ أن أعلمه قبل اليوم! فقال أبو عبيدة: إنيّ والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدًّا، وقد علمت: أن ذلك يروعك. قال: فرجع خالد إلى قنَّسرين، فخطب أهل عمله، وودّعهم، وتحمّل، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم، وودعهم، ثمّ خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين؛ وبالله إنّك في أمري غير مجمِل يا عمر! فقال عمر: من أين هذا الثَّرَاء؟ قال: من الأنفال، والسُّهمان، ما زاد على الستين ألفًا فلك. فقوّم عمر عُروضه فخرجت إليه عشرون ألفًا، فأدخلها بيت المال. ثم قال: يا خالد! والله إنك عليّ لكريم! وإنك إليّ لحبيب! ولن تعاتِبني بعد اليوم على شيء (١)! (٤: ٦٧/ ٦٨).\n٥٠٥ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشِّر، عن سالم، قال: لما قدم خالد على عمر؛ قال عمر متمثّلًا:\nصَنَعْتَ فَلمْ يَصْنَعْ كصُنْعِكَ صانِعٌ ... وما يَصْنَعِ الأقْوامُ فاللهُ يَصْنَعُ\nفأغرمه شيئًا، ثمّ عوّضه، وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم، وليبصّرَهم (٢). (٤: ٦٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف. وللأسباب الصحيحة لعزل خالد راجع قسم الصحيح مواضع عدة منها (٤/ ٦٨/ ١٩٨). والله أعلم.","vol":"8","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1203>ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه</span>\n٥٠٦ - وفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- اعتمر عمر، وبنى المسجد الحرام -فيما زعم الواقديّ- ووسَّع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوْا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها (١). (٤: ٦٨).\n٥٠٧ - قال: وكان ذلك الشهر الذي اعتمر فيه رجب، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت.\nقال الواقديّ: وفي عمرته هذه أمر بتجديد أنصاب الحَرم، فأمر بذلك مخرمة بن نوفل، والأزهر بن عبد عوف، وحُوَيطب بن عبد العزّى، وسعيد بن (٢) يربوع. (٤: ٦٩).\n٥٠٨ - قال: وحدّثني كَثير بن عبد الله المزني عن أبيه، عن جدّه، قال: قدمنا مع عمر مكة في عمرته سنة سبع عشرة، فمرّ بالطريق فكلّمه أهل المياه أدن يبتنوا منازل بين مكة والمدينة -ولم يكن قبل ذلك بناء- فأذن لهم، وشرط عليهم أنّ ابن السبيل أحقّ بالظلِّ والماء (٣). (٤: ٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى</span>\n٥٠٩ - قال: وفي هذه السنة ولّى عمر أبا موسى البصرة، وأمره أن يشُخِص إليه المغيرة في ربيع الأول، فشهد عليه -فيما حدّثني معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب- أبو بَكْرة، وشِبْل بن معبد البَجَليّ، ونافع بن كلَدة، وزياد.\nقال: وحدّثني محمد بن يعقوب بن عُتْبة، عن أبيه، قال: كان يختلف إلى أمّ جميل، امرأة من بني هلال؛ وكان لها زوْج هلك قبل ذلك من ثَقيف، يقال له: الحجّاج بن عُبَيد، فكان يدخل عليها، فبلغ ذلك أهلَ البصرة، فأعظموه،\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٧٥/ ١٣٤٩) من طريق الواقدي وهو متروك.\n(٢) الواقدي متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":322},{"text":"فخرج المغيرة يومًا من الأيام حتى دخل عليها، وقد وضعوا عليها الرّصد، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعًا، فكشفوا الستر، وقد واقعها. فوفد أبو بَكْرة إلى عمر، فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكْرة؟ قال: نعم، قال: لقد جئت لشرّ، قال: إنما جاء بي المغيرة، ثم قصّ عليه القصة، فبعث عمر أبا موسى الأشعريّ عاملًا، وأمره أن يبعث إليه المغيرة، فأهدى المغيرة لأبي موسى عقيلة، وقال: إني رضيتها لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر (١). (٤: ٦٩/ ٧٠).\n٥١٠ - قال الواقديّ: وحدّثني عبدُ الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: حضرتُ عمر حين قُدِم بالمغيرة، وقد تزوّج امرأة من بني مرّة، فقال له: إنك لفارغ القلب، طويل الشَّبَق، فسمعتُ عمر يسأل عن المرأة، فقال: يقال لها: الرقطاء، وزوجها من ثقيف، وهو من بني هلال (٢). (٤: ٧٠).\n٥١١ - قال أبو جعفر: وكان سبب ما كان بين أبي بكْرة والشهادة عليه فيما كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلّب، وطلحة، وعمرو بإسنادهم، قالوا: كان الذي حدث بين أبي بَكْرة والمغيرة بن شعبة: أنّ المغيرة كان يناغيه، وكان أبو بَكْرة ينافره عند كلّ ما يكون منه، وكانا بالبصرة، وكانا متجاوريْن بينهما طريق، وكانا في مَشْربتيْن متقابلتين لهما في داريْهما في كلّ واحدة منهما كُوّة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بَكْرة نفرٌ يتحدّثون في مشربته، فهبّت ريح، ففتحت باب الكوّة، فقام أبو بكرة ليَصْفِقه، فبصُر بالمغيرة، وقد فتحت الريح باب كوّة مشربته، وهو بين رِجْلَي امرأة، فقال للنّفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: مَن هذه؟ قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، وفي متنه نكارة شديدة أما قصة اتهام المغيرة بن شعبة وقذفه ثم إثبات براءته في مجلس أمير المؤمنين عمر فصحيح وقد ذكرناه وعلقنا عليه بالتفصيل في قسم الصحيح (٤/ ٦٩) فليراجع، وأما عن سبب ذكرنا لرواية الطبري هذه في قسم الضعيف فلأنها ضعيفة الإسناد جدًّا ولأن فيها زيادات عن أصل القصة لم نجدها عند غيره وهي زيادات منكرة تخالف الأصل الصحيح تمامًا والله تعالى أعلم.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":323},{"text":"أمّ جميل ابنة الأفقم. وكانمت أمّ جميل إحدى بني عامر بن صعصعة، وكانت غاشيةً للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف -وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها- فقالوا: إنما رأينا أعجازًا، ولا ندري ما الوجه؟ ثم إنهم صمّموا حين قامت، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حالى أبو بَكْرة بينه وبين الصلاة، وقال: لا تصلّ بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك، وتكاتبوا، فبعث عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى! إني مستعملك؛ إني أبعثك إلى أرض قد باضَ بها الشيطان وفرّخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدلْ فيستبدل الله بك. فقال: يا أميرَ المؤمنين! أعنّي بعدّة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فإنِّي وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلّا به فاستعِن بمن أحببتَ فاستعان بتسعة وعشرين رجلًا؛ منهم: أنس بن مالك، وعمران بن حُصَين، وهشام بن عامر. ثمّ خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمِرْبد، وبلغ المغيرة: أنّ أبا موسى قد أناخ بالمِرْبد، فقال: والله ما جاء أبو موسى زائرًا، ولا تاجرًا ولكنّه جاء أميرًا. فإنهم لفي ذلك؛ إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أبو موسى كتابًا من عمر، وإنه لأوجزُ كتاب كتَب به أحد من الناس؛ أربع كلِم عزل فيها، وعات، واستحثّ، وأمّر: أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثتُ أبا موسى أميرًا، فسلّم إليه ما في يدك، والعجَل. وكتبَ إلى أهل البصرة: أمّا بعدُ، فإني قد بعثت أبا موسى أميرًا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويّكم، وليقاتل بكم عدوّكم، وليدفع عن ذمّتكم، وليُحصيَ لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقّي لكم طرقكم.\nوأهدى له المغيرة وليدةً من مولّدات الطائف تدعَى عَقيلة، وقال: إني قد رضيتُها لك -وكانت فارهة- وارتحل المغيرة، وأبو بكْرة، ونافع بن كلَدة، وزياد، وشِبْل بن معبد البَجَليّ، حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سلْ هؤلاء الأعبُد كيَف رأوْني؛ مستقبلَهم أو مستدبرَهم؟ وكيف رأوُا المرأة أو عرفوها؟ فإن كانوا مستقبليّ فكيف لم أستتر، أو مستدبريّ فبأيّ شيء استلُّحوا النظر إليّ في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلّا امرأتي -وكانت شبهَها- فبدأ بأبي بكْرة، فشهد عليه: أنه رآه بين رجليْ أمّ جميل؛ وهو يدخله ويخرجه كالمِيل في المكحلة، قال: كيف رأيتَهما؟ قال: مستدبِرَهما، قال: فكيف استثبتّ رأسها؟ قال: تحاملت. ثم دعا بِشبْل بن معبد، فشهد بمثل","vol":"8","page":324},{"text":"ذلك، فقال: استدبرتَهما أو استقبلتَهما؟ قال: استقبلتُهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكْرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم؛ قال: رأيته جالسًا بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين، وسمعت حَفْزانًا شديدًا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبّهها، قال: فتنحّ، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحدّ، وقرأ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، فقال المغيرة: اشفني من الأعبد، فقال: اسكت أسكت الله نأمتَك! أما والله لو تمّت الشهادة لرجمتك بأحجارك (١). (٤: ٧٠/ ٧١/ ٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>فتح سوق الأهواز ومناذر ونهر تيرى</span>\nوفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- فتِحت سوق الأهواز، ومَنَاذر، ونهر تيرَى في قول بعضهم، وفي قول آخرين: كان ذلك في سنة ستّ عشرة من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يديْ مَن جرى:</span>\n٥١٢ - كتب إليّ السريّ، يذكر: أن شعيبًا حدّثه عن سيف بن عمر، عن محمد، وطلحة، والمهَلّب، وعمرو، قالوِا: كان الهُرمزان أحدَ البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت أمّته مِهْرَجان قَذق وكُوَر الأهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس، فلما انهزم يوم القادسيّة كان وجههُ إلى أمته، فملكهم، وقاتل بهم مَن أرادهم، فكان الهُرْمزان يُغير على أهل مَيْسان، ودسْتِمَيْسان من وجهين: من مَنَاذر، ونهر تيرَى، فاستمدّ عُتبة بن غَزْوان سعدًا، فأمدّه سعد بنعيم بن مُقَرّن، ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا أعلى مَيْسان، ودَسْتِمَيْسَان، حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرَى. ووجّه عُتَبة بن غَزْوان سُلْمى بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأصل القصة في قذف المغيرة بن شعبة ثم إثبات براءته من ذلك صحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح عند الحديث عن عزل المغيرة، إلّا أن في هذه الرواية زيادات منكرة لم نجدها عند غير الطبري وأغلب الظن أنها من طريق شعيب (راوية سيف وتلميذه) وهو معروف بتحامله على الصحابة، ومنها قوله (وكانت غاشيةً للمغيرة -وتغشى الأمراء والأشراف- وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها).","vol":"8","page":325},{"text":"القيْن، وحَرْملة بن مُرَيطة -وكانا من المهاجرين مع رسول الله - ﷺ -، وهما من بني العَدَوية من بني حَنْظلة- فنزلا على حدود أرض مَيْسان، ودَسْتِمَيْسَان، بينهم وبين مَناذر، ودعَوَا بني العمِ، فخرج إليهم غالب الوائليّ، وكليب بن وائل الكليبيّ، فتركا نُعيمًا، ونُعيمًا، ونكبا عنهما، وأتيا سُلْمى وحَرْملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما مَتْرَك؛ فإذا كان يوم كذا وكذا؛ فانهدا للهرْمزان، فإنّ أحدنا يثور بمنَاذر، والآخر بنهر تِيرى؛ فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهُنا إليكم، فليس دون الهُرْمزان شيء إن شاء الله. ورجعَا وقد استجابا، واستجاب قومهما بنو العمِ بن مالك.\nقال: وكان من حديث العَمِي؛ والعَمِي مرّة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: أنه تَنَخَتْ عليه وعلى العُصَيّة بن امرئ القيس أفناء معدّ فعمّاه عن الرشد مَن لم ير نصره فارسَ على آل أرْدَوان، فقال في ذلك كعب بن مالك أخوه- ويقال: صُديّ بن مالك:\nلقد عَم عنها مُرَّةُ الخيرِ فانصمَى ... وصَمَّ فلَمْ يَسمَعْ دُعاءَ العَشائِر\nليتْنَخ عنَّا رَغْبةً عن بِلادِهِ ... ويَطْلبَ مُلْكًا عالِيًا في الأساوِرِ\nفبهذا البيت سمي العَمِ؛ فقيل بنو العمِ؛ عمّوه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله ﵎: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ وقال يربوع بن مالك:\nلَقَدْ عِلمتْ عُليا مَعَدٍّ بأَنَّنا ... غَداةَ التَّباهي غُرُّ ذاك التَّبادُرِ\nتَنَخْنا على رَغْم العُداة ولمْ نُنِخْ ... بحيّ تميمٍ والعَديد الجُماهِرِ\nنَفَيْنا عَنِ الفُرْسِ النَّبِيطَ فَلمْ يَزَلْ ... لَنا فيهِمُ إحْدَى الهَناتِ البَهاتِرِ\nإذا العَرَبُ العَلْياءُ جاشَتْ بُحورُها .... فَخَرْنا عَلَى كلِّ البُحورِ الزواخرِ\nوقال أيّوب بن العُصَية بن امرئ القيس:\nلَنَحْنُ سبَقْنا بالتنُوخ القَبائِلا ... وَعَمْدًا تَنخْنا حَيْثُ جاؤوا قَنابِلا\nوَكُنَّا مُلوكًا قَدْ عَززْنا الأوائلا ... وَفي كل قَرْن قَدْ مَلَكْنا الحَلائلا\nفلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من سُلمى، وحرملة، وغالب، وكُلَيب، والهُرْمزان يومئذ بين نهر تيرَى وبين دُلُث؛ خرج سُلْمَى، وحَرْملة صبيحتها في تعبية، وأنهضا نُعيما ونُعيمًا فالتقوا هم والهرمزان بين دُلُث ونهر تِيرى، وسُلْمى بن القَيْن على أهل البصرة، ونُعيم بن مقرّن على أهل الكوفة. فاقتتلوا فبينا هم","vol":"8","page":326},{"text":"في ذلك؛ أقبل المدد مِن قِبَل غالب وكُليب، وأتى الهرمزانَ الخبرُ بأنّ مَنَاذر، ونهر تيرَى قد أخذتا، فكسر الله في ذرْعه وذَرْع جنده، وهزمه وإيّاهم، فقتلوا منهم ما شاؤوا، وأصابوا منهم ما شاؤوا، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دُجَيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهُرْمزان جسرَ سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دُجَيل بين الهُرْمزان، وحَرْملة، وسُلْمَى، ونُعيم، ونُعَيم، وغالب، وكليب.\nقالوا: ولما دهم القوم الهرمزان، ونزلوا بحياله من الأهواز؛ رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عُتْبة بذلك يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عُتْبة إلى ذلك على الأهواز كلّها، ومِهْرَجان قَذَق، ما خلا نهر تيرى ومَناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يُردّ عليهم ما تنقّذنا، وجعل سُلمى بن القيْن على منَاذر مسلحةً، وأمْرَها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرَى وأمرَها إلى كليب؛ فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بني العَمِ، فنزلوا منازلهم من البصرة، وجعلوا يتتابعون على ذلك، وقد كتب بذلك عُتْبة إلى عمر، ووفّد وفْدًا، منهم سُلمى، وأمرَه أن يستخلف على عمله، وحرملةُ -وكانا من الصحابة- وغالب، وكليب، ووفَد وفود من البصرة يومئذ، فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم، فكلُّهم قال: أما العامّة فأنت صاحبها، ولم يبق إلا خواصّ أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلّا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أميرَ المؤمنين! إنك لكما ذكروا، ولقد يعزب عنك ما يحقّ علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامّة، وإنّما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر، ويسمع بآذانهم، وإنّا لم نزل ننزل منزلًا بعد منزل حتى أرَزنا إلى البرّ، وإنّ إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حَدَقة البعير الغاسقة من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم تُخْضَد، وإنّا معشرَ أهل البصرة نزلنا سبَخة هَشّاشة، زعِقة نشّاشة، طَرَف لها في الفلاة، وطَرَف لها في البحر الأُجاج، يجري إليها ما جرى في مثل مَرِيء النعامة. دارنا فعْمة، ووظيفتنا ضيّقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وقفيزنا صغير؛ وقد وسّع الله علينا، وزادنا في أرضنا، فوسِّعْ علينا يا أمير المؤمنين! وزدنا وظيفة تُوَظَّف علينا، ونعيش بها. فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن","vol":"8","page":327},{"text":"صاروا إلى الحَجَر، فنفَّلهموه، وأقطعهموه، وكان مما كان لآل كسرى، فصار فيئًا فيما بين دِجلة والحَجَر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة يُنزِلونه مَن أحبُّوا، ويقتسمونه بينهم، لا يستأثرون به على بدء، ولا ثِنى بعدما يرفعون خمسه إلى الواقي. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين: نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع؛ وكان أصحاب الألفين ممّن شهد القادسيّة. ثم أتى البصرة مع عُتْبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفًا، فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم، ألحق جميع مَنْ شهد الأهواز، ثم قال: هذا الغلام سيّد أهل البصرة، وكتب إلى عُتْبة فيه بأن يسمع منه، ويشرب برأيه، وردّ سُلمة، وحَرْملة، وغالبًا، وكليبًا إلى مَناذر، ونهر تِيرَى، فكانوا عُدّة فيه لكونٍ إن كان، وليميّزوا خراجها (١). (٤: ٧٢/ ٧٣/ ٧٤/ ٧٥).\n٥١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبْديّ، عن رجل من عبد القيس يدعى صُحارًا، قال: قدمتُ على هَرِم بن حيّان -فيما بين الدّلوث ودُجيل- بِجلال من تَمْر، وكان لا يصبر عنه، وكان جلّ زادِه إذا تزوّد التَّمر، فإذا فَنيَ انتخب له مزاودَ من جِلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثُما كان من سهل أو جبَل (٢). (٤: ٧٤).\n٥١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: بينا الناس من أهل البصرة وذمّتهم على ذلك وقع بين الهُرْمزان وبين غالب وكُليب في حدود الأرَضين اختلاف وادّعاء، فحضر ذلك سُلْمى وحَرْملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبًا وكُلَيْبًا محقَّيْنِ والهرمزان مبطلًا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان أيضًا ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثُف جنده. وكتب سُلْمى، وحرملة، وغالب، وكليب ببغْي الهُرمزان، وظلْمه، وكفره إلى عُتبة بن غَزْوان، فكتب بذلك إلى عمر، فكَتب إليه عمر يأمره بأمره، وأمدّهم عمر بحُرقوص بن زهير السعديّ، وكانت له صحبة من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":328},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وأمّره على القتال، وعلى ما غلب عليه. فنهَد الهُرمزان بمَن معه، وسُلْمى، وحَرْملة، وغالب، وكليب، حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز؛ أرسلوا إلى الهرمزان: إمّا أن تعبُرُوا إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم، فقال: اعبرُوا إلينا، فعبروا من فوق الجسر، فاقتتلوا فوق الجسْر ممّا يلي سوق الأهواز؛ حتى هزم الهرمزان، ووجّه نحو رامهرمز، فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشّغَر حتى حلّ برامَهُرمز، وافتتح حُرقوص سوقَ الأهواز، فأقام بها، ونزل الجبل، واتّسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تُسْتَر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، ووفّد وفدًا بذلك، فحمِد الله، ودعا له بالثبات والزيادة.\nوقال الأسود بن سَرِيع في ذلك، وكانت له صحبة:\nلَعَمْرُكَ ما أَضاعَ بنو أبينا ... وَلكِن حَافظوا فيمَنْ يُطيعُ\nأطاعوا رَبَّهُمْ وَعَصاهُ قَوْمٌ ... أضاعوا أمْرَهُ فيمَنْ يُضيعُ\nمَجُوسٌ لا يُنَهْنِهُها كِتابٌ ... فَلاقَوْا كبَّةً فيها قُبُوعُ\nووَلّى الهُرمُزَانُ على جَوَادٍ ... سَريعِ الشَّدِّ يَثْفِنُه الجميعُ\nوخَلّى سُرَّةَ الأهواز كَرْهًا ... غَداةَ الجِسْرِ إذ نَجَمَ الرَّبيعُ\nوقال حُرْقوص:\nغَلبْنا الهُرْمزَانَ على بِلادٍ ... لها في كلِّ ناحِيَةٍ ذَخائرْ\nسَواءٌ بَرُّهمْ والبَحْرُ فيها ... إذا صارَتْ نَواجِبُها بَواكرْ\nلها بَحْرٌ يَعِجُّ بِجَانِبَيْه ... جَعَافِرُ لا يزَالُ لها زَواخِرْ (١)\n(٤: ٦/ ١/ ٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>فتح تُسْتَر</span>\nوفيها فتحت تُسْتَر في قول سيف وروايته -أعني: سنة سبع عشرة- وقال بعضهم: فتحت سنة ستّ عشرة، وبعضهم يقول: في سنة تسع عشرة.\nذكر الخبر عن فتحها:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":329},{"text":"٥١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: لما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز، وافتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز؛ أقام بها، وبعث جَزْء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سُرَّق، وقد كان عهد إليه فيه: إن فتح الله عليهم أن يُتبعه جَزْءًا، ويكون وجهه إلى سرَّق. فخرج جزء في أثر الهرمزان، والهُرمزان متوجِّه إلى رامهرمُز هاربًا، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشّغَر، وأعجزه بها الهرمزان؛ فمال جَزْء إلى دورق من قرية الشَّغَر؛ وهي شاغرة برجلها -وَدَوْرق مدينة سُرّق فيها قوم لا يطيقون منعها- فأخذها صافية، وكتب إلى عمر بذلك، وإلى عُتْبة، وبدعائه مَن هرب إلى الجزاء والمنَعَة، وإجابتهم إلى ذلك. فكتب عمر إلى جَزْء بن معاوية وإلى حُرقوص بن زهير بلزوم ما غَلبا عليه، وبالمقام حتى يأتيَهما أمره، وكتب إليه مع عُتبة بذلك، ففعلا، واستأذن جَزء في عمران بلاده عمرَ، فأذن له، فشقّ الأنهار، وعمرَ الموات. ولما نزل الهُرمزان رامَهرُمُز، وضاقت عليه الأهواز؛ والمسلمون حُلّالٌ فيها فيما بين يديه؛ طلب الصلح، وراسل حُرقوصًا وجَزْءًا في ذلك، فكتب فيه حُرقوص إلى عمر، فكتب إليه عمر، وإلى عُتبة، يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز، وتُستر، والسوس، وجُنْدي سابور، والبُنيان، ومِهرجا نقَذَق، فأجابهم إلى ذلك، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم، وأقام الهرمزان على صلحه يجبي إليهم، ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس؛ أعانوه وذبُّوا عنه، وكتب عمر إلى عُتبة أن أوفد عليّ وفدًا من صُلحاء جند البصرة عشرة، فوفْد إلى عمر عشرةً، فيهم الأحنف. فلما قدم على عمر قال: إنك عندي مصدَّق، وقد رأيتك رجلًا، فأخبرني إن ظُلِمت الذّمة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فقال: لا بل لغير مظلمة، والناس على ما تحبّ. قال: فنعم إذًا! انصرفوا إلى رحالكم. فانصرف الوفد إلى رحالهم، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبًا قد خرج طرفه من عيبة فشمّه، ثم قال: لمَنْ هذا الثوب منكم؟ قال الأحنف: لي، قال: فبكم أخذته؟ فذكر ثمنًا يسيرًا، ثمانية أو نحوها، ونقص ممَّا كان أخذَه به -وكان قد أخذه باثني عشر- قال: فهلّا بدون هذا، ووضعتَ فَضلته موضعًا تغنِي به مسلمًا! حُصُّوا، وضعوا الفُضول مواضعها؛ تريحوا أنفسكم، وأموالكم، ولا تسرفوا؛ فتخسروا أنفسكم، وأموالكم؛ إن نظر امرؤ لنفسه وقدّم","vol":"8","page":330},{"text":"لها؛ يُخْلَفُ له. وكتب عمر إلى عُتبة: أن أعزب الناس عن الظلم، واتّقوا، واحذروا أن يُدالَ عليكم لغدرٍ يكون منكم، أو بغي، فإنكم إنّما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدّم إليكم فيما أخذ عليكم، فأوفُوا بعهد الله، وقوموا على أمره؛ يكن لكم عونًا، وناصرًا.\nوبلغ عمرَ: أنّ حُرقوصًا نزل جبل الأهواز، والناس يختلفون إليه، والجبل كنود يشقّ على مَن رامه، فكتب إليه: بلغني: أنك نزلت منزلًا كنودًا لا تؤتى فيه إلّا على مشقّة، فأسهل ولا تشقّ على مسلم ولا معاهد، وقم في أمرك على رجْل تدرك الآخرة وتصفُ لك الدنيا، ولا تدركنّك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك، وتذهب آخرتك.\nثمّ إن حرقوصًا تحررّ يوم صفِّين وبقي على ذلك، وشهد النِّهروان مع الحَرُوريّة (١). (٤: ٧٧/ ٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>غزو المسلمين فارس من قبَل البحرين</span>\nوفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- غزا المسلمون أرضَ فارس من قِبَل البحرين فيما زعم سيف ورواه.\nذكر الخبر بذلك:\n٥١٦ - كتب إليّ السريّ، يقول: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا سيف، عن محمد، والمهلّب، وعمرو، قالوا: كان المسلمون بالبصرة وأرضها -وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز على ما هم عليه إلى ذلك اليوم، ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم، وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله، يؤدّون الخراج، ولا يدخل عليهم، ولهم الذّمة والمنَعة -وعميد الصلح الهُرمزان، وقد قال عمر: حسبُنا لأهل البصرة سوادهم، والأهواز، وددْت: أنّ بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم، كما قال لأهل الكوفة: وددت أنّ بينهم وبين الجبل حبلًا مَن نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":331},{"text":"وكان العلاء بن الحضرميّ على البحرين أزمانَ أبي بكر، فعزله عمر، وجعل قدامةَ بن المظعون مكانه، ثم عزَل قدامة، وردّ العلاء، وكان العلاء يباري سعدًا لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد في الردّة بالفضل؛ فلما ظفر سعد بالقادسيّة، وأزاح الأكاسرة عن الدّار، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستَعلَى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به؛ سرّ العلاء أن يصنع شيئًا في الأعاجم، فرجا أن يُدال كما قد كان أديل، ولم يقدّر العلاء، ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجدّ، وكان أبو بكر قد استعمله، وأذن له في قتال أهل الردّة، واستعمله عمر، ونهاه عن البحر، فلم يقدّر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرّعوا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادًا؛ على أحدهما الجارود بن المعلّى، وعلى الآخر السوّار بن همّام، وعلى الآخر خُلَيد بن المنذر بن ساوى؛ وخُليد على جماعة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيًا؛ يَكره التغرير بجنده استنانًا بالنبيّ - ﷺ - وبأبي بكر، لم يغزُ فيه النبيّ - ﷺ - ولا أبو بكر. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصْطَخر، وبإزائهم أهلُ فارس، وعلى أهل فارس الهِرْبذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين وبين سُفنهم، فقام خُليد في الناس، فقال: أمّا بعد؛ فإنّ الله إذا قضى أمرًا جرت به المقادير؛ حتى تصيبَه، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوْكم إلى حربهم؛ وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفنُ والأرض لمن غلَب، فاستعينوا بالصّبر والصلاة، وإنّها لكبيرة إلّا على الخاشعين. فأجابوه إلى ذلك، فصلّوا الظهر، ثم ناهدوهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في موضع من الأرض يدعى طاوُوس، وجعل السَّوار يرتجز يومئذ، ويذكر قومه، ويقول:\nيا آلَ عَبْد القَيْسِ لِلْقِرَاعِ ... قد حَفَلَ الأمْدادُ بالجِراعِ\nوكلّهُمْ في سَننِ المِصاعِ ... يحْسِنُ ضَرْب القومِ بالقَطَّاعِ\nحتى قتل. وجعل الجارود يرتجز ويقول:\nلو كان شيئًا أَممًا أكلْتُهْ ... أو كان ماءً سادِمًا جَهَرْتُهْ\nلكن بحرًا جاءَنا أنْكرْتُهْ\nحتى قتل. ويومئذ وَلِيَ عبدُ الله بن السوّار، والمنذر بن الجارود حياتهما إلى","vol":"8","page":332},{"text":"أن ماتا. وجعل خُليد يومئذ يرتجز ويقول:\nيالَ تميمٍ أَجْمِعُوا النُّزُولْ ... وكادَ جَيْشُ عُمَرٍ يَزُولْ\nوكُلكمْ يعلمُ ما أقولْ\nانزلوا، فنزلوا فاقتتل القوم فقُتِل أهل فارس مقتلة لم يُقتَلوا مثلها قبلها، ثمّ خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم، ثمّ لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلًا. ثم وجدوا شَهْرَك قد أخذ على المسلمين بالطرق؛ فعسكروا، وامتنعوا في نُشُوبهم. ولما بلغ عمر الذي صنع العَلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر؛ ألقِيَ في رُوعه نحوٌ من الذي كان. فاشتدّ غضبه على العَلاء، وكتب إليه يعزله وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه؛ بتأمير سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قِبلَك، فخرج بمَن معه نحو سعد. وكتب عمر إلى عُتبة بن غزوان: إنّ العلاء بن الحضرميّ حمل جندًا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إلّا يُنصروا أن يغلَبوا وينشَبوا، فاندب إليهم الناس، واضممهم إليك من قبل أن يُجتاحوا. فندب عُتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هَرْثمة، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، ونهار بن الحارث، والترجمان بن فلان، والحصين بن أبي الحرّ، والأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرْجاء، وعبد الرحمن بن سهل، وصعصعة بن معاوية؛ فخرجوا في اثني عشر ألفًا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سَبْرة بن أبي رُهْم أحد بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمّة، وهم رِدْء للغازي والمقيم. فسار أبو سَبْرة بالناس، وساحَلَ لا يلقاه أحد، ولا يعرض له؛ حتى التقى أبو سَبْرة وخُلَيد بحيث أخِذ عليهم بالطرق غبّ وقعة القوم بطاووس، وإنما كان وليَ قتالهم أهلُ إصطَخر وحدهم، والشذّاذ من غيرهم؛ وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق، وأنشَبوهم؛ استصرخوا عليهم أهلَ فارس كلّهم؛ فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة، فالتقوْا هم وأبو سَبْرة بعد طاووس، وقد توافتْ إلى المسلمين أمدادهم، وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شَهْرك؛ فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقَتَل المشركين، وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا -وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة؛","vol":"8","page":333},{"text":"وكانوا أفضل نوابت الأمصار؛ فكانوا أفضل المصريْن نابتة- ثم انكفؤوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عُتبة، وكتب إليهم بالحثّ وقلة العُرْجة، فانضموا إليه بالبصرة، فخرج أهلها إلى منازلهم منها، وتفرّق الذين تُنقّذوا من أهل هَجر إلى قبائلهم، والذين تُنقّذوا من عبد القيس في موضع سوق البَحْرين. ولما أحرز عُتبة الأهواز، وأوطأ فارس؛ استأذن عمر في الحجّ، فأذِن له، فلمّا قضى حجّه استعفاه، فأبى أن يُعفيَه، وعزم عليه ليَرجعنّ إلى عمله؛ فدعا الله، ثم انصرف؛ فمات في بطن نخلة، فدفن؛ وبلغ عمر، فمرّ به زائرًا لقبره، وقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم، وكتاب مرقوم؛ وأثنى عليه بفضله، ولم يختطّ فيمن اختطّ من المهاجرين؛ وإنما ورث ولدُه منزلهم من فاختة بنة غزوان، وكانت تحت عثمان بن عفان، وكان خبّاب مولاه قد لزم سمته فلم يختطّ، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن، وقد استخلف على الناس أبا سَبْرة بن أبي رُهْم، وعمّاله على حالهم، ومسالحه على نهرِ تيرَى، ومَناذِر، وسوق الأهواز، وسُرّق، والِهُرْمِزان برامهُرمز مُصالَح عليها، وعلى السُّوس والبُنيان وجنديْ سابور ومِهْرَجان قذق؛ وذلك بعد تنقُّذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس، ونزولهم البصرة.\nوكان يقال لهم: أهل طاووس، نُسِبوا إلى الوقعة. وأقرّ عمر أبا سَبْرة بن أبي رُهْم على البصرة بقيّة السنة، ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة، فعمل عليها بقيَّة تلك السنة والسنة التي تليها، لم ينتقض عليه أحد في عمله، وكان مرزوقًا السلامة؛ ولم يُحدث شيئًا إلّا ما كان بينه وبين أبي بكْرة.\nثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة، ثم صُرِف إلى الكوفة، ثمّ استعمل عمر بن سُراقة، ثمّ صُرِف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة، وصُرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة؛ فعمل عليها ثانية (١). (٤: ٧٩/ ٨٠/ ٨١/ ٨٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1209>ذكر فتح رامهرمز وتستر</span>\nذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته:\n٥١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو؛ قالوا: ولم يزل يَزْدَجِرد يُثير أهلَ فارس أسفًا على ما خرج منهم؛ فكتب يَزْدَجِرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرْوَ، يذكّرهم الأحقاد ويؤنّبهم، أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه، والأهواز. ثم لم يرْضَوا بذلك حتى تورّدوكم في بلادكم وعُقْر داركم، فتحرّكوا وتكاتبوا (أهلُ فارس وأهلُ الأهواز) وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النُّصرة، وجاءت الأخبار حرقوصَ بن زُهير، وجاءت جزءًا، وسُلْمى، وحرْملة عن خبر غالب، وكُلَيب؛ فكتب سُلْمَى وحَرْملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبَصْرة، فسبق كتاب سُلْمى حرملة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثًا كثيفًا مع النعمان بن مقرّن، وعجِّل، وابعث سُوَيد بن مقرّن، وعبد الله بن ذي السهمين، وجَرير بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البَجَلِيّ؛ فلْينزلوا بإزاء الهُرْمزان حتى يتبيّنوا أمره. وكتب إلى أبي موسى: أن ابعث إلى الأهواز جندًا كثيفًا وأمِّرْ عليهم سهل بن عديّ -أخا سهيل بن عديّ- وابعث معه البَرَاء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعَرْفجة بن هَرثمة، وحُذيفة بن مِحْصَن، وعبد الرحمن بن سهل، والحُصَين بن معبد، وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعًا أبو سَبْرة بن أبي رُهْم؛ وكلّ من أتاه فمددٌ له.\nوخرج النُّعمان بن مقرّن في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دِجْلة بِحيال مَيْسان، ثم أخذ البرّ إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهر تِيرَى فجازها، ثم جاز مَنَاذر، ثم جاز سوقَ الأهواز، وخلَّف حُرقوصًا، وسُلمَى، وحرْملة، ثمّ سار نحو الهُرمزان -والهرمزان يومئذ برامَهُرمز- ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة، ورجا أن يقتطعه وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتُسْتَر، فالتقى، النعمان والهُرمزان بأربُك، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. ثمّ إنّ الله ﷿ هزم","vol":"8","page":335},{"text":"الهُرمزان للنعمان، وأخلى رامَهُرْمز وتركها ولحق بتُستَر، وسار النعمان من أربُك حتى ينزل برامَهُرْمز، ثم صعد لإيذَج، فصالحه عليها تيرويْه، فقبل منه، وتركه، ورجع إلى رامَهُرْمز، فأقام بها.\nقالوا: ولما كتب عمر إلى سعد وأبي موسى، وسار النعمان وسهل؛ سبق النعمان في أهل الكوفة سهلًا وأهلَ البصرة، ونكّب الهُرمزان، وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز، وهم يريدون رامَهُرمز، فأتتهم الوقعة وهم بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر: أنّ الهرمزان قد لحِق بتستَر، فمالوا من سوق الأهواز نحْوَه، فكان وجههم منها إلى تُسْتَر، ومال النعمان من رامَهرمز إليها، وخرج سُلْمَى، وحَرْملة، وحُرقوص، وجَزْء، فنزلوا جميعًا على تُستَر والنعمان على أهل الكوفة، وأهل البصرة متساندون، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس؛ وأهل الجبال والأهواز في الخنادق، وكتبوا بذلك إلى عمر، واستمدّه أبو سَبْرة فأمدّهم بأبي موسى، فسار نحوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين جميعًا أبو سَبْرة، فحاصروهم أشهرًا، وأكثروا فيهم القتل. وقتل البَرَاء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مئة مبارز، سوى مَن قتل في غير ذلك، وقتَل مجزأة بن ثَوْر مثل ذلك، وقَتل كعبُ بن سُور مثلَ ذلك، وقتَل أبو تميمة مثلَ ذلك في عدّة من أهل البصرة، وفي الكوفيين مثل ذلك؛ منهم: حَبيب بن قُرّة، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن عبد الأسود -وكان من الرؤساء- في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون في أيام تُسْتَر ثمانين زَحْفًا في حصارهم؛ يكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كان في آخر زحف منها، واشتدّ القتال؛ قال المسلمون: يا بَراء! أقسِم على ربّك ليهزمنّهم لنا! فقال: اللهمّ اهزمْهم لنا، واستشهدني. قال: فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، وأرَزُوا إلى مدينتهم، وأحاطوا بها، فبينا هم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة، وطالت حربُهم، خرج إلى النّعمان رجل فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل يُؤْتَوْن منه، ورمى في ناحية أبي موسى بسهمْ، فقال: قد وثقت بكم، وأمنتكم، واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة، ويكون منه فتحها، فآمنوه في نُشابة فرمى إليهم بآخر، وقال: انهدُوا من قبل مخرج الماء؛ فإنكم ستفتحونها، فاستشار في ذلك وندب إليه، فانتدب له عامر بن","vol":"8","page":336},{"text":"عبد قيس، وكعب بن سُور، ومجزأة بن ثور، وحَسَكة الحبَطي، وبَشر كثير؛ فنهدوا لذلك المكان ليلًا، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرّجل، فانتدب له سُويد بن المثعَبة، وورقاء بن الحارث، وبشر بن ربيعة الخثعميّ، ونافع بن زيد الحميريّ، وعبد الله بن بِشر الهلاليّ، فنهدوا في بشر كثير، فالتقَوا هم وأهلُ البصرة على ذلك المخرج، وقد انسرب سويد وعبد الله بن بِشر، فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء؛ حتى إذا اجتمعوا فيها -والناس على رِجْل من خارج- كبّروا فيها، وكبّر المسلمون من خارج، وفُتحت الأبواب؛ فاجتلدوا فيها، فأناموا كلَّ مقاتل، وأرَز الهُرْمزان إلى القَلَعة، وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء؛ فلما عاينوه وأقبلوا قِبَله قال لهم: ما شئتم! قد ترْون ضيقَ ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جَعبتي مئةُ نُشّابة؛ ووالله ما تصِلون إليّ ما دام معي منها نُشّابة؛ وما يقع له سهم؛ وما خير إساري إذا أصبتُ منكم مئة بين قتيل أو جريح! قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضعَ يدي في أيديكم على حُكْم عُمَر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدّوه وثاقًا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم؛ فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، والراجل ألفًا، ودعا صاحب الرميّة بها، فجاء هو والرّجل الذي خرج بنفسه، فقالا: مَن لنا بالأمان الذي طلبنا علينا وعلى مَن مالَ معنا؟ قالوا: ومَن مال معكم؟ قالا: مَن أغلق بابه عليه مدخلَكم. فأجازوا ذلك لهم، وقُتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير، وممن قتَل الهُرمزان بنفسه مجزَأة بن ثور، والبَرَاء بن مالك. قالوا: وخرج أبو سَبْرة في أثر الفَلّ من تُستَر -وقد قصدوا للسُّوس- إلى السوس، وخرج بالنعمان وأبي موسى ومعهم الهُرْمزان؛ حتى اشتملوا على السُّوس، وأحاط المسلمون بها، وكتبوا بذلك إلى عمر. فكتب عمر إلى عمر بن سُراقة بأن يسيرَ نحو المدينة، وكتب إلى أبي موسى فردّه على البَصْرة، وقد ردّ أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه، وردّ عمر عليها مرتين؛ وكتب إلى زِرّ بن عبد الله بن كليب الفُقَيميّ أن يسير إلى جُنْدَيْ سابور، فسار حتى نزل عليها، وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر، وأمّر عمر على جند البصرة المقترِبَ؛ الأسود بن ربيعة أحدَ بني ربيعة بن مالك، وكان الأسود، وزِرّ من أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين- وكان الأسود قد وفَد على رسول الله - ﷺ - وقال: جئت لأقترب إلى الله ﷿ بصحبتك، فسمّاه","vol":"8","page":337},{"text":"المقترب؛ وكان زِرّ قد وفَد على رسول الله - ﷺ -، وقال: فنيَ بطني، وكثر إخوتُنا، فادعُ الله لنا، فقال: اللهمّ أوف لزرّ عُمْرَه، فتحوّل إليهم العدد -وأوفد أبو سَبْرة وفدًا؛ فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، وأرسل الهُرمزان معهم، فقدِموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة؛ حتى إذا دخلوا هيّؤوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كُسوته من الدّيباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجًا يدعى الآذين، مكلّلًا بالياقوت، وعليه حِلْيته، كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروْه، فلما انصرفوا مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدّدكم!؟ تريدون أميرَ المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسد برنسه -وكان عمر قد جلس لوفْد أهل الكوفة في بُرنس، فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلَوْه نزع بُرنسه ثم توسّده فنام- فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوْه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدِّرَة في يده معلّقة، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا؛ وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه؛ وأصغى الهرمزان إلى الوفد، فقال: أين حرسُه وحجّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبيًّا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. وكثر الناس؛ فاستيقظ عمر بالجلَبَة، فاستوى جالسًا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمّله، وتأمّل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين الله! وقال: الحمد لله الذي أذلّ بالإسلام هذا وأشياعه؛ يا معشر المسلمين! تمسَّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهُدَى نبيّكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرّارة، فقال الوفد: هذا ملك الأهواز، فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حِلْيته شيء، فرُمي عنه بكلّ شيء عليه إلا شيئًا يستره، وألبسوه ثوبًا صفيقًا، فقال عمر: هِيهِ يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله! فقال: يا عمر! إنا وإيّاكم في الجاهليّة كان الله قد خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذْ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهليّة باجتماعكم وتفرّقنا. ثم قال عمر: ما عُذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك.","vol":"8","page":338},{"text":"واستسقى ماء، فأتِيَ به في قَدَح غليظ، فقال: لو متّ عطشًا لم أستطع أنْ أشرب في مثل هذا، فأتي به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجُف، وقال: إني أخاف أن أقْتَل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربَه، فأكفأه، فقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمِن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد آمنتني! فقال: كذبت! فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد آمنته، قال: ويحك يا أنس! أنا أؤمّن قاتل مجزأة والبَراء! والله لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك! قال: قلتَ له: لا بأس عليك حتى تخبرَني، وقلتَ: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له مَنْ حوله مثل ذلك، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتَني، والله لا أنخدع إلا لمسلم؛ فأسلم. ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة (١). (٤: ٨٣/ ٨٤/ ٨٥/ ٨٦/ ٨٧/ ٨٨).\n٥١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سفيان طلحة بن عبد الرحمن، عن ابن عيسى، قال: كان التُّرجمان يوم الهُرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجِم، وكان المغيرة يفقَه شيئًا من الفارسيّة، فقال عمر للمغيرة: قل له: مِنْ أيّ أرض أنت؟ فقال المغيرة: أزكُدَام أرضي؟ فقال: مِهرجانيّ، فقال: تكلم بحجَّتك، قال: كلام حيّ أو ميت؟ قال: بل كلام حيّ، قال: قد آمنتني، قال: خدعتَني، إنّ للمخدوع في الحرب حُكمه؛ لا والله لا أؤمّنك حتى تسلِم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة. وقال للمغيرة: ما أراك بها حاذقًا، ما أحسنها منكم أحد إلا خَبّ، وما خَبّ إلا دقّ. إيّاكم وإيّاها! فإنها تنقض الإعراب. وأقبل زيد فكلّمه، وأخبر عمر بقوله، والهُرمزانَ بقول عمر (٢). (٤: ٨٨).\n٥١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، عن الشعبيّ وسفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد: لعلّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وفي متنه مخالفة لما في الصحيح ذكرناها في قسم الصحيح من عهد سيدنا عمر ﵁ (٤: ٨٣) في ذكر فتح تستر.\n(٢) إسناده ضعيف، وفي متنه مخالفة لما في الروايات الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح في قصة فتح تستر (٤/ ٨٣).","vol":"8","page":339},{"text":"المسلمين يفضُون إلى أهل الذّمة بأذىً وبأمور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم إلّا وفاء وحسن ملَكة، قال: فكيف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئًا يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلّا ما كان من الأحنف، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أخبرك أنّك نهيتَنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتَنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حيّ بين أظهرهم؛ وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام مَلكهم فيهم؛ ولم يجتمع مَلِكان فاتفقا حتى يخرِج أحدُهما صاحبَه؛ وقد رأيتُ أنّا لم نأخذ شيئًا بعد شيء إلّا بانبعاثهم، وأنّ ملِكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسِحْ في بلادهم حتى نزيلَه عن فارس، ونخرجه من مملكته وعزّ أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس، ويضربون جأشًا. فقال: صدقتَني والله، وشرحت لي الأمر عن حقه. ونظر في حوائجهم، وسرّحهم.\nوقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مِهْرجان قذَق وأهل كُوَر الأهواز إلى رأي الهُرمزان ومشيئته، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الانسياح (١). (٤: ٨٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>ذكر فتح السُّوس</span>\nاختلف أهل السِّيَر في أمرها؛ فأمّا المدائنيّ فإنه -فيما حدثني عنه أبو زيد- قال: لما انتهى فلّ جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان؛ دعا بخاصّته، والموبذ، فقال: إن القومَ لا يلقون جمعًا إلا فلّوه، فما ترونْ؟ فقال الموْبذ: نرى أن تخرج، فتنزل إصطَخْر؛ فإنها بيت المملكة، وتضمّ إليك خزائنك، وتوجّه الجنود. فأخذ برأيه، وسار إلى أصبَهان ودعا سياهَ، فوجّهه في ثلاثمئة، فيهم سبعون رجلًا من عُظمائهم، وأمره أن ينتخب مِن كلّ بلدة يمرّ بها مَن أحبّ، فمضى سياه، وأتبعه يزدجِرْد، حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السُّوس، فوجّه سياه إلى السُّوس، والهرمزان إلى تُستَر، فنزل سياه الكلبانيّة، وبلغ أهلَ السوس أمرُ جلولاء، ونزول يزدجرد إصطخر منهزمًا، فسألوا أبا موسى الأشعري الصلح، فصالحهم، وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانية، وقد عظُم أمر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":340},{"text":"المسلمين عنده، فلم يزل مقيمًا حتى صار أبو موسى إلى تُسْتَر، فتحوّل سياه، فنزل بين رامهرمز وتُسْتَر، حتى قدم عمّار بن ياسر، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبَهان؛ فقال: قد علمتم: أنا كنا نتحدّث: أنّ هؤلاء القوم أهلُ الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وترُوث دوابّهم في إيوانات إصطَخر ومصانع الملوك، ويشدُّون خيولَهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقوْن جندًا إلّا فلّوه، ولا ينزلون بحصنٍ إلّا فتحوه، فانظروا لأنفسكم، قالوا: رأيُنا رأيك، قال: فليكْفِني كلّ رجل منكم حشَمه، والمنقطعين إليه، فإني أرى أن ندخل في دينهم. ووجَّهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى، يأخذ شروطًا على أن يدخلوا في الإسلام فقدم شيرويه على أبي موسى فقال: إنّا قد رغِبْنا في دينكم، فنُسلِم على أن نُقاتلَ معكم العجم، ولا نقاتل معكم العرب؛ وإن قاتلَنا أحدٌ من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتُلحِقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك. فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، قالوا: لا نرضى.\nوكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إلى أبي موسى: أعطِهم ما سألوك. فكتب أبو موسى لهم، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تُسْتر؛ فلم يكن أبو موسى يرى منهم جِدًّا ولا نِكاية، فقال لسياه: يا أعور! ما أنت وأصحابُك كما كنّا نرى! قال: لسنا مثلكم في هذا الدّين ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حُرَمٌ نحامِي عنهم، ولم تُلحقنا بأشراف العطاء ولنا سلاح وكُراع، وأنتم حسّر. فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك، فكتب إليه عمر: أن ألحقهم على قَدْر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شيء أخذه أحد من العرب. ففرض لمئة منهم في ألفين ألفين، ولستّة منهم في ألفين، وخمسمئة لسياه، وخُسْرَوْ -ولقبه مِقْلاص- وشَهْرِيار، وشَهْرَويه، وأفروذين. فقال الشاعر:\nولمَّا رأى الفاروقُ حُسْنَ بلائِهِمْ ... وكان بما يأتي من الأمر أبْصَرَا\nفَسَنَّ لهم ألفيْنِ فَرْضًا وقد رأى ... ثلاثَمِئينَ فَرْضَ عَكٍّ وَحِمْيَرَا\nقال: فحاصروا حصنًا بفارس، فانسلّ سياه في آخر الليل في زِيّ العجم حتى رمى بنفسه إلى جَنْب الحِصْن، ونضحَ ثيابه بالدّم، وأصبح أهلُ الحصن، فرأوا","vol":"8","page":341},{"text":"رجلًا في زيّهم صريعًا، فظنُّوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحِصْن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلَّوْا عن باب الحصن، وهربوا، ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعلَ هذا الفعل سياه بتُسْتر، وحاصروا حصنًا، فمشى خُسْرَوْ إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم يكلِّمه، فرماه خسرَوْ بنشّابة فقتله (١). (٤: ٨٩/ ٩٠/ ٩١).\n٥٢١ - وأما سيف فإنه قال في روايته ما كتب به إليَّ السريّ عن شعيب، عنه، عن محمد، وطلحة، وعمرو، ودِثار أبي عمر، عن أبي عثمان، قالوا: لما نزل أبو سَبْرة في الناس على السُّوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشوهم مرّات، كلّ ذلك يصيبُ أهلُ السُّوس في المسلمين، فأشرف عليهم يومًا الرُّهبان، والقسّيسون، فقالوا: يا معشر العرب! إنّ مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا؛ أنه لا يفتح السُّوسَ إلّا الدّجال أو قوم فيهم الدّجال، فإن كان الدّجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تُعْنَوْا بحصارنا. وجاء صرْف أبي موسى إلى البَصْرة، وعُمِّل علَى أهل البصرة المقترب مكانَ أبي موسى بالسُّوس، واجتمع الأعاجم بِنهاوَنْد، والنعمان على أهل الكوفة محاصرًا لأهل السوس مع أبي سَبْرة، وزِرّ محاصر أهل نهاوند من وجهه ذلك؛ وضرب على أهل الكوفة البعث مع حُذيفة، وأمرهم بموافاته بنهاوَنْد؛ وأقبل النُّعمان على التهيّؤ للسير إلى نهاوند، ثمّ استقلّ في نفسه، فناوشهم قبل مضيّه، فعاد الرّهبان، والقسِّيسون، وأشرفوا على المسلمين، وقالوا: يا معشرَ العرب! لا تُعنَوْا فإنه لا يفتحها إلّا الدّجال أو قوم معهم الدّجال، وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم، وصافِ بن صيّاد يومئذ مع النعمان في خيله، وناهَدهم المسلمون جميعًا، وقالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق؛ ولمّا يخرج أبو موسى بعدُ. وأتى صافِ بابَ السوس غضبَان، فدقّه برجله، وقال: انفتح فطار فتقطّعت السلاسل، وتكسَّرت الأغلاق، وتفتَّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوْا: الصّلح الصلح! وأمسكوا بأيديهم، فأجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عَنْوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح؛ ثم افترقوا. فخرج\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وقد ذكرنا ما علمنا من الروايات الصحيحة في فتح السويس في قسم الصحيح من عهد الخلفاء الراشدين (٤/ ٨٩) والله أعلم.","vol":"8","page":342},{"text":"النّعمان في أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على هاه، وسرّح أبو سَبْرة المقتربَ حتى ينزل على جنديْ سابور مع زِرّ، فأقام النعمان بعد دخول ماه؛ حتى وافاه أهلُ الكوفة، ثم نهد بهم إلى أهلِ نهَاوند، فلما كان الفتح؛ رجع صاف إلى المدينة، فأقام بها، ومات بالمدينة (١). (٤: ٩١/ ٩٢).\n٥٢٢ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عمّن أورد فتح السُّوس، قال: وقيل لأبي سَبْرة: هذا جسد دانيال في هذه المدينة، قال: وما لنا بذلك! فأقرّه بأيديهم -قال عطيّة بإسناده: إنّ دانيال كان لزم أسيافَ فارس بعد بختنصّر؛ فلمّا حضرته الوفاة، ولم يرَ أحدًا ممن هو بين ظهرَيْهم على الإسلام؛ أكرم كتاب الله عمّن لم يجبْه ولم يقبل منه، فأودعه ربّه، فقال لابنه: ائتِ ساحلَ البحر، فاقذفْ بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام، وضنّ به، وغاب مقدارَ ما كان ذاهبًا وجائيًا؛ وقال: قد فعلت، قال: فما صنع البحر حين هوى فيه؟ قال: لم أره يصنع شيئًا، فغضب وقال: والله ما فعلتَ الذي أمرتُك به. فخرج من عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: كيف رأيت البحر حين هوى فيه؟ قال: ماج واصطفق، فغضب أشدّ من غضبه الأوّل، وقال: والله ما فعلت الذي أمرتُك به بعد، فعزم ابنه على إلقائه في البحر الثالثة، فانطلق إلى ساحل البحر، وألقاه فيه، فانكشف البحر عن الأرض حتى بدت، وانفجرت له الأرض عن هواء من نور، فهوَى في ذلك النور، ثم انطبقت عليه الأرض، واختلَط الماء، فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر، فقال: الآن صدقت. ومات دانيال بالسُّوس؛ فكان هنالك يُستَسقى بجسده، فلما افتتحها المسلمون أتُوا به فأقرُّوه في أيديهم، حتى إذا ولّى أبو سَبْرة عنهم إلى جُنَديْ سابور؛ أقام أبو موسى بالسُّوس. وكتب إلى عُمَر فيه؛ فكتب إليه يأمره بتوريته، فكفّنه ودفنه المسلمون. وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا، فكتب إليه أن تختَّمْه، وفي فصّه نقش رجل بين أسدين (٢). (٤: ٩٢/ ٩٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه غرابة.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1211>ذكر مصالحة المسلمين أهل جنديْ سابور</span>\nوفيها -أعني: سنة سبع عشرة- كانت مصالحة المسلمين أهْلَ جُنْدَيْ سابور.\nذكر الخبر عن أمرهم وأمرها:\n٥٢٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي عمرو، وأبي سفيان، والمهلَّب، قالوا: لما فرغ أبو سَبْرة من السُّوس؛ خرج في جنده حتى نزل على جُنْدَيْ سابور، وزِرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادونهم، ويراوحونهم القتال؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رُمي إليهم بالأمان من عسكر المسلمين، وكان فَتحها وفَتْح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجأ المسلمين إلّا وأبوابها تفتح، ثمّ خرج السَّرْح، وخرجت الأسواق، وانبثّ أهلها، فأرسل المسلمون: أن مالكم؟ قالوا: رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا. فقالوا: ما فعلنا، فقالوا: ما كذبْنا، فسأل المسلمون فيما بينهم؛ فإذا عبد يدعَى مُكْنِفًا كان أصله منها؛ هو الذي كتب لهم. فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: إنا لا نعرف حُرّكم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدّل؛ فإن شئتم فاغدروا. فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إنّ الله عظَّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تَفُوا، ما دمتم في شكّ أجيزوهم، وفُوا لهم. فوَفوْا لهم، وانصرفوا عنهم (١). (٤: ٩٣/ ٩٤).\n٥٢٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: أذن عمر في الانسياح سنة سبع عشرة في بلاد\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وكذلك أخرج البلاذري في فتوح البلدان قال: وحدثني إسحاق بن إسرائيل قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء الخراساني قال: كفيتك أن تستر كانت صلحًا فكفرت فسار إليها المهاجرون فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذراري فلم يزالوا في أيدي سادتهم حتى كتب عمر: خلّوا ما في أيديكم، قال: وسار أبو موسى إلى جند يسابور وأهلها متخوفون فطلبوا الأمان فصالحهم على أن لا يقتل منهم أحدًا، ولا يسبيه ولا يعترض لأموالهم سوى السلاح، ثم إن طائفة من أهلها توجّهوا إلى الكلبانية فوجّه إليهم أبو موسى الربيع بن زياد فقتلهم وفتح الكلبانية واستأمنت الأساورة، فأمنهم أبو موسى، فأسلموا. (فتوح البلدان ٥٣٨١) ولم نجد غير هذه الرواية (أي مسندة) والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":344},{"text":"فارس، وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس، وعرف فضله وصدقه، وفرَّقَ الأمراء والجنود، وأمّر على أهل البصرة أمراء، وأمّر على أهل الكوفة أمراء، وأمّر هؤلاء وهؤلاء بأمره، وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة، فساحوا في سنة ثمان عشرة، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطَع ذمّة البصرة، فيكون هنالك حتى يحدّث إليه، وبعث بألوية مَنْ ولى مع سهيل بن عدي حليف بني عبد الأشهل، فقدِم سهيل بالألوية، ودفع لواء خُراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشيرخُرّه، وسابور إلى مجاشع بن مسعود السُّلميّ، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، ولواء فَسَا ودرابجرد إلى سارية بن زُنَيم الكنانيّ، ولواء كَرْمان مع سهيل بن عدي، ولواء سجسْتان إلى عاصم بن عمرو -وكان عاصم من الصحابة- ولواء مُكْران إلى الحكَم بن عمير التغلبيّ. فخرجوا في سنة سبع عشرة، فعسكروا؛ ليخرجوا إلى هذه الكُوَر فلم يستَتِبّ مسيرهم، حتى دخلت سنة ثمان عشرة، وأمدّهم عمر بأهل الكوفة؛ فأمدّ سهيل بن عديّ بعبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، وأمدّ الأحنف بعلقمة بن النّضر، وبعبد الله بن أبي عَقِيل، وبربْعيّ بن عامر، وبابن أمّ غزال. وأمدّ عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعيّ، وأمدّ الحكم بن عُمير بشهاب بن المخارق المازنيّ. قال بعضهم: كان فتح السُّوس ورَامهرمز، وتوجيه الهرمزان إلى عُمَر من تُسْتَر في سنة عشرين (١). (٤: ٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>ثم دخلت سنة ثمان عشرة</span>\n٥٢٥ - كتب إليّ السريّ يقول: حدّثنا شعيب عن سيف، عن الرّبيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ نفرًا من المسلمين أصبوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم، فتأوّلوا، وقالوا: خُيِّرنا، فاخترنا، قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾! ولم يعزم علينا. فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ يعني: \"فانتهوا\". وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربُوا فيها ثمانين جلدة، ويضمّنوا الفسق مَن تأوّل عليها بمثل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":345},{"text":"هذا، فإن أبى؛ قتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعُهم؛ فإن زعموا أنها حلال؛ فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحُدّ القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدُثنّ فيكم يا أهل الشام حادث! فحدثت الرّمادة (١). (٤: ٩٦).\n٥٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبيّ بمثله (٢). (٤: ٩٧).\n٥٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: لما قدم على عمر كتاب أبي عبيدة في ضرار، وأبي جندل، كتب إلى أبي عبيدة في ذلك، وأمره أن يدعوَ بهم على رؤوس الناس فيسألهم: أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا: حرام؛ فاجلدهم ثمانين جلدة، واستَتِبْهم، وإن قالوا: حلال؛ فاضرب أعناقهم. فدعَا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيَوا، فلزموا البيوت. ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ أبا جندل قد وسوس، إلّا أن يأتيَه الله على يديْك بفرج، فاكتب إليه وذكّره، فكتب إليه عمر وذكّره، فكتب إليه: من عمر إلى أبي جَنْدل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فتبْ، وارفع راسك، وأبرز، ولا تقنَط، فإنّ الله ﷿، يقول: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فلما قرأه عليه أبو عبيدة؛ تطلّق، وأُسفِر عنه. وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، وكتب إلى الناس: عليكم أنفسكم، ومَن استوجب التّغيير، فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحدًا، فيفشوَ فيكم البلاء (٣). (٤/ ٩٧).\n٥٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوًا منه، إلّا أنه لم يذكر: أنه كتب إلى الناس ألا يعيّروهم، وقال: قالوا:\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأما تحديده ﵁ لحد الشارب بثمانين جلدة فصحيح كما سنذكر بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف، وانظر ما قبله.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":346},{"text":"جاشت الروم، دَعُونا نغزوهم، فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك، وإلّا عمَدتَ للذي يريد. فاستُشهد ضرار بن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحُدّوا. وقال أبو الزّهراء القُشَيريّ في ذلك:\nأَلَمْ تَرَ أنَّ الدهْرَ يعْثُرُ بالفتى ... وليْسَ على صَرْفِ المَنونِ بِقادِرِ\nصَبرْتُ ولم أَجْزَعْ وقَدْ ماتَ إخْوَتي ... ولَسْتُ عن الصهْباءِ يَوْمًا بِصَابرِ\nرَماها أمير المؤمنين بحَتفِها ... فخُلَّانُها يَبْكونَ حَوْلَ المعَاصِرِ (١)\n(٤: ٩٧).\n٥٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف السُّلميّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة، وكانت الرّمادة جوعًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتّى جعلت الوحشُ تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قُبحها، وإنّه لمقفر (٢). (٤: ٩٨).\n٥٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف، أما جلد شارب الخمر على عهد سيدنا عمر بثمانين جلدة فقد أخرج البخاري في صحيحه عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ - وإمرة أبي بكر فصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (ح/ ٦٧٧٩).\nونسب الحافظ في الفتح إلى البيهقي في الخلافيات عن أنس حديثًا وفي آخره: فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، ففعله عمر.\nوكذلك أخرج مسلم في صحيحه (٣/ ١٣٣٠) عن هشام أنه قال: فلما كان عمر؛ ودنا الناس من الريف والقرى؛ قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود. فجعلها عمر ثمانين.\nوأخرج مسلم وأبو داود عن علي ﵁ قال: جلد رسول الله - ﷺ - أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وجلد عمر ﵁ ثمانين، وأخرج الحافظ عدة روايات وفيها أن عليًّا ﵁ أشار على عمر ﵁ بذلك. ولقد ناقش الحافظ ابن حجر هذه المسألة في الفتح في عدة مواضع في الجزء (١٢) الصفحات (٦، ٦٨، ٧٣، ٧٥) فراجعها هنالك.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":347},{"text":"الأمصار؛ حتى أقبل بلال بن الحارث المزنيّ، فاستأذن عليه، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله إليك؛ يقول لك رسولُ الله - ﷺ -: لقد عهدتُك كيّسًا، وما زلت على رِجْل؛ فما شأنك؟ ! فقال: متى رأيتَ هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة! فصلّى بهم ركعتين؛ ثم قام فقال: أيُّها الناس، أنشدُكم الله، هل تعلمون منّي أمرًا غيره خيرٌ منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإنّ بلال بن الحارث يزعم ذَيّة وذَيّة؛ فقالوا: صدق بلال، فاستغث بالله وبالمسلمين، فبعث إليهم -وكان عمر عن ذلك محصورًا- فقال عمر: الله أكبر! بلغ البلاءُ مدَّته فانكشف؛ ما أذِن لقوم في الطلب إلّا وقد رُفِع عنهم البلاء؛ فكتب إلى أمراء الأمصار: أغيثوا أهلَ المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جَهْدهم؛ وأخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج وخرج معه بالعباس ماشيًا، فخطب فأوجز؛ ثم صلى، ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهمّ إيّاك نعبد وإياك نستعين؛ اللهمّ اغفرْ لنا وارحمْنا وارضَ عنّا. ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين؛ حتى خاضُوا الغُدْران (١). (٤: ٩٨/ ٩٩).\n٥٣١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيلِ، عن جُبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عامًا، فهُزِل المال، فقال أهلُ بيت من مُزينة من أهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاة، قال: ليس فيهنّ شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة، فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمّداه! فأريَ فيما يرى النائم: أنّ رسول الله - ﷺ - أتاه، فقال: أبشِرْ بالحيا! ائت عمرَ فأقرئه منّي السلام، وقل له: إنّ عهدي بك وأنت وفيّ العهد، شديد العقد، فالكَيْس الكَيْس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر؛ فقال لغلامه: استأذِنْ لرسول رسول الله - ﷺ -، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال: رأيتَ به مسًّا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام؛ هل رأيتم مني شيئًا تكرهونه! قالوا: اللهمّ لا! قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم، ففطِنوا ولم يفْطَن؛ فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسقِ بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتيْن فأوجز، ثم قال: اللهمّ عجزتْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":348},{"text":"عنّا أنصارنا، وعجز عنا حولنا، وقوّتُنا، وعجزتْ عنا أنفسُنا، ولا حولَ ولا قوّة إلا بك، اللهمّ فاسقنا، وأحْيِ العباد والبلاد! (١) (٤: ٩٩).\n٥٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان، وجراد أبي المجالد، وأبي عثمان، وأبي حارثة، كلّهم عن رجاء -وزاد أبو عثمان، وأبو حارثة: عن عبادة وخالد، عن عبد الرحمن بن غَنْم- قالوا: كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومَن حولها، ويستمدّهم، فكان أوّل مَن قدِم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولّاه قسمتَها فيمن حول المدينة؛ فلمّا فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم، فقال: لا حاجةَ لي فيها يا أمير المؤمنين! إنما أردت الله وما قبَله، فلا تدخل عليّ الدنيا، فقال: خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه، فأبى فقال: خُذْها فإنّي قد ولِيت لرسول الله - ﷺ - مثل هذا، فقال لي مثل ما قلت لك، فقلتُ له كما قلتَ لي، فأعطاني. فقبل أبو عبيدة، وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس، واستغنى أهل الحجاز، وأحْيَوْا مع أوّل الحيا.\nوقالوا بإسنادهم: وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الاستغاثة: إن البحر الشاميّ حفر لمبعث رسول الله - ﷺ - حفيرًا، فصبّ في بحر العرب؛ فسدّه الروم والقِبْط، فإن أحببتَ أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرتُ له نهرًا وبنيت له قناطر. فكتب إليه عمر: أن افعل وعجّل ذلك؛ فقال له أهل مصر: خراجك زاجٍ، وأميرك راضٍ؛ وإن تمّ هذا؛ انكسر الخراج. فكتب إلى عمر بذلك، وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها. فكتب إليه عمر: اعمل فيه، وعجّل، أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها فعاجله عمرو؛ وهو بالقُلْزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر، ولم يزِدْ ذلك مصر إلّا رخاء، ولم يرَ أهل المدينة بعد الرّمادة مثلها، حتى حُبس عنهم البحر مع مقتل عثمان ﵁. فذلُّوا، وتقاصروا، وخشعوا (٢). (٤: ١٠٠).\nقال أبو جعفر: وزعم الواقديّ: أن الرّقة، والرُّها، وحَرّان فتحت في هذه\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":349},{"text":"السنة، على يدي عياض بن غَنْم، وأن عين الوَرْدة فتحت فيها على يدي عُمير بن سعد. وقد ذكرتُ قول مَنْ خالفه في ذلك فيما مضى، وزعم: أن عمر ﵁ حوّل المقام في هذه السنة في ذي الحجّة إلى موضعه اليوم، وكان مُلْصَقًا بالبيت قبل ذلك. وقال: مات في طاعون عَمَواس خمسة وعشرون ألفًا. (٤: ١٠١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>ثم دخلت سنة تسع عشرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>ذكر الأحداث التي كانت في سنة تسع عشرة</span>\n٥٣٣ - قال أبو جعفر: قال أبو معشر -فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى عنه-: إنّ فتح جَلُولاء كان في سنة تسع عشرة على يديْ سعد، وكذلك قال الواقديّ. (١) (٤: ١٠٢).\n٥٣٤ - وقال ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة، والرُّهاء، وحَرّان، ورأس العيْن، ونَصيبينَ في سنة تسع عشرة.\nقال أبو جعفر: وقد ذكرنا قولَ من خالفهم في ذلك قبلُ (٢). (٤: ١٠٢).\n٥٣٥ - وقال أبو معشر: كان فتح قَيْساريّة في هذه السنة -أعني: سنة تسع عشرة- وأميرها معاوية بن أبي سفيان؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.\nوكالذي قال أبو معشر في ذلك: قال الواقديّ (٣). (٤: ١٠٢).\n٥٣٦ - وأما ابنُ إسحاق فإنه قال: كان فتح قيساريّة من فلسطين، وهَربُ هرقل، وفتْحُ مصر في سنة عشرين؛ حدّثنا بذلك ابن حُميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه.\nوأما سيف بن عمر؛ فإنه قال: كان فتحُها في سنة ستّ عشرة. قال: وكذلك فتح مصر.\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ومتنه مخالف لما ذكرنا في الصحيح في ذكر جلولاء.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":350},{"text":"وقد مضى الخبر عن فتح قيساريّة قبل، وأنا ذاكر خبر مصر وفتحها بعدُ في قول من قال: فُتِحت سنة عشرين، وفي قول من خالف ذلك (١). (٤: ١٠٢).\n٥٣٧ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني: سنة تسع عشرة- سالت حَرّة ليلى نارًا -فيما زعم الواقديّ- فأراد عمر الخروج إليها بالرّجال، ثم أمرهم بالصدقة، فانطفأت (٢). (٤: ١٠٢).\nوزعم أيضًا الواقديّ: أنّ المدائن، وجَلُولاء فُتحتا في هذه السنة، وقد مضى ذكر من خالفه في ذلك. (٤: ١٠٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>ثم دخلت سنة عشرين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>ذكر الخبر عمّا كان فيها من مغازي المسلمين وغير ذلك من أمورهم</span>\n٥٣٨ - قال أبو جعفر: ففي هذه السنة فتحت مصر في قول ابن إسحاق. حدّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: فتِحت مصر سنة عشرين (٣). (٤: ١٠٤)\n٥٣٩ - وكذلك قال أبو معشر. حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر: أنه قال: فتحت مصر سنة عشرين، وأميرها عمرو بن العاص (٤). (٤: ١٠٤).\n٥٤٥ - وحدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: فتحت إسكندريّة سنه خمس وعشرين (٥). (٤: ١٠٤).\n٥٤١ - وقال الواقديّ -فيما حُدّثت عن ابن سعد، عنه-: فُتِحت مصر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده معضل.\n(٤) إسناده ضعيف، وعليه جمع من المؤرخين منهم خليفة بن خياط والبلاذري والواقدي كما سيرد.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":351},{"text":"والإسكندرية في سنة عشرين (١). (٤: ١٠٤).\n٥٤٢ - وأما سيف؛ فإنه زعم -فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف-: أنها فُتِحت والإسكندرية في سنة ستّ عشرة (٢). (٤: ١٠٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية</span>\nقال: وقد اختُلف في فتح الإسكندريّة، فبعض الناس يزعم: أنها فتحت في سنة خمس وعشرين، وعلى سنتين من خلافة عثمان بن عفّان ﵁، وعليها عمرو بن العاص. (٤: ١٠٤/ ١٠٥).\n٥٤٣ - قال أبو جعفر: وأما سيف؛ فإنه ذكر فيما كتب به إليّ السريّ، يذكر: أن شعيبًا حدّثه عنه، عن الربيع أبي سعيد، وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: أقام عمر بإيلياء بعد ما صالح أهلَها، ودخلها أيامًا، فأمضى عمرو بن العاص إلى مصر وأمّره عليها؛ إن فتح الله عليه، وبعث في أثره الزّبير بن العوّام مددًا له، وبعث أبا عبيدة إلى الرّمادة، وأمره إن فتح الله عليه؛ أن يرجع إلى عمله (٣). (٤: ١٠٦/ ١٠٧).\n٥٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، قال: حدثنا أبو عثمان عن خالد، وعبادة، قالا: خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة؛ حتى انتهى إلى باب اليون، وأتبعه الزبير؛ فاجتمعا، فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومع الأُسْقُفّ في أهل النيّات بعثه المقوقِس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو؛ قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجِّلونا لنُعذر إليكم، وتروْن رأيكم بعدُ. فكَفُّوا أصحابهم، وأرسل إليهم عمرو: إني بارز فليبرز إليّ أبو مريم، وأبو مريام. فأجابوه إلى ذلك، وآمن بعضهم بعضًا، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا: إنّ الله ﷿ بعث محمّدًا - ﷺ - بالحقّ وأمره به، وأمرنا به محمد - ﷺ -، وأدّى إلينا كلّ الذي أمر به، ثم مضى صلوات\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا. ولكن كما ذكرنا فإن المؤرخين على أن مصر فتحت سنة (٢٠ هـ) زمن خلافة عمر وأما أميرها فعمرو بن العاص كما هو ثابت والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":352},{"text":"الله عليه ورحمته وقد قضى الذي عليه، وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومَنْ لم يجبنا عرَضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنْعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظًا لرحمنا فيكم، وإنّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمّة إلى ذمّة. ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبْطيِّين خيرًا، فإنّ رسولَ الله - ﷺ - أوصانا بالقبطيِّين خيرًا، لأنّ لهم رَحِمًا وذّمة، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلّا الأنبياء، معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا، وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم، فأديل عليهم أهل عين شمس، فقتلوهم، وسُلبوا ملكَهم، واغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇ مرحبًا به وأهلًا، آمنّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: إنّ مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثًا لتنظرا ولتناظرا قومكما؛ وإلّا ناجزتكم، قالا: زدنا، فزادهم يومًا، فقالا: زدْنا، فزادهم يومًا، فرجعا إلى المقوقس فهمّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، ولا نرجع إليهم، وقد بقيتْ أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشيء إلّا رجونا أن يكون له أمان. فلم يفجأ عمرًا، والزبير إلّا البيات من فَرْقَب، وعمرو على عُدّة، فلقوه فقتِل ومن معه، ثم ركبوا أكساءهم، وقصد عمرو، والزبير لعين شمس، وبها جمعهم، وبعث إلى الفَرما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندريّة، فنزل عليها، فقال كلّ واحد منهما لأهل مدينته: إن تنزلوا؛ فلكم الأمان، فقالوا: نعم، فراسلوهم، وتربّص بهم أهل عين شمس، وسبى المسلمون من بين ذلك. وقال عوف بن مالك: ما أحسن مدينتكم يا أهلَ الإسكندرية! فقالوا: إنّ الإسكندر قال: إني أبني مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية -أو: لأبنيّن مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية- فبقيت بهجتها.\nوقال أبرهة لأهل الفَرَما: ما أخلق مدينتكم يا أهل الفَرما؟ ! قالوا: إنّ الفرما قال: إنّي أبني مدينة عن الله غنية، وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها. وكان الإسكندر والفرما أخوين (١). (٤: ١٠٧/ ١٠٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف. وأخرج البلاذري في (فتوح البلدان/ ٣٠٧) وحدثني عمرو عن عبد الله بن وهب عن مالك والليث عن الزهري عن كعب بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: إذا افتتحتم مصر =","vol":"8","page":353},{"text":"٥٤٥ - قال أبو جعفر: قال الكلبيّ: كان الإسكندر والفَرما أخوين، ثم حدّث بمثل ذلك، فنسبتا إليهما، فالفرما ينهدم فيها كل يوم شيء، وخَلُقت مرآتها، وبقيت جِدّة الإسكندرية. (٤: ١٠٨).\n٥٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما نزل عمرو على القوم بعين شمس؛ وكان المُلْك بين القِبْط، والنّوب، ونزل معه الزبير عليها. قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فلُّوا كسرى وقيصر، وغلبوهم على بلادهم! صالح القوم واعتقِدْ منهم، ولا تَعْرض لهم، ولا تعرّضنا لهم -وذلك في اليوم الرابع- فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسّوه؛ فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين؛ فقبل منهم، ونزل الزُّبير عليهم عَنْوة؛ حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلَكة، فأجروا ما أخِذ عنوة مُجْرى ما صالح عليه؛ فصاروا ذمّة، وكان صلحُهم:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر من الأمان على أنفسهم، وملّتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصُلُبهم، وبرّهم، وبحرهم، لا يدخَل عليهم شيء من ذلك ولا يُنتقص، ولا يساكنهم النّوب، وعلى أهلِ مصر أن يُعْطُوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصُّلْح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتُهم، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيب رُفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمّتنا مِمّن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك، ومَنْ دخل في صلحهم من الرّوم، والنّوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومَنْ أبى واختار الذّهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا. عليهم ما عليهم أثلاثًا في كلّ ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمّته، وذمّة رسولِه، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، على ألّا يُغْزَوْا ولا يمنَعوا من تجارة صادرة\n_________\n= فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا، وقال الليث: كانت أم إسماعيل أمهم.\nقلنا: وهذا إسناد ضعيف والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":354},{"text":"ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله، ومحمد ابناه. وكتب وردانُ، وحضر.\nفدخل في ذلك أهلُ مصر كلّهم، وقبِلوا الصلح، واجتمعت الخيول، فمصّر عمرو الفسطاط، ونزله المسلمون، وظهر أبو مريم، وأبو مريام، فكلّما عمرًا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فقال: أوَلهم عَهْد وعقد؟ ألم نحالفكما ويُغار علينا من يومكما؟ ! وطردهما، فرجعا وهما يقولان: كل شيء أصبتموه إلى أن نرجِعَ إليكم ففي ذمّةٍ منكم، فقال لهما: أتغيرون علينا وهم في ذمة؟ قالا: نعم، وقسم عمرو ذلك السبيَ على الناس، وتوزّعوه، ووقع في بُلدان العرب، وقدم البشير على عمر بعدُ بالأخماس، وبعث الوفود فسألهم عمر، فما زالوا يُخبرونه حتى مرُّوا بحديث الجاثَليق وصاحبه، فقال: ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تُبصرون! مَن قاتلكم فلا أمان له، ومَن لم يقاتلكم فأصابه منكم شيء من أهل القرى فله الأمان في الأيام الخمسة حتى تنصرم، وبعث في الآفاق حتى رُدّ ذلك السَّبْي الذي سبوا ممن لم يقاتل في الأيام الخمسة إلّا مَن قاتل بعدُ، فترادُّوهم إلّا ما كان من ذلك الضّرب، وحضرت القِبْط باب عمرو، وبلغ عمرًا أنهم يقولون: ما أرثّ العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم! فخاف أن يستثيرهم ذلك من أمرهم، فأمر بجُزر فذبِحت، فطبخت بالماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضُروا، وأعلموا أصحابهم، وجلس وأذّن لأهل مصر، وجيء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين؛ فأكلوا أكلًا عربيًّا، انتشلوا وحَسوْا وهم في العَباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعًا وجرأة، وبعث في أمراء الجنود في الحضور بأصحابهم من الغد؛ وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر؛ فرأوْا شيئًا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوّام بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوْا نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا، وقالوا: كدنا. وبعث إليهم أن تسلّحوا للعرْض غدًا، وغدا على العَرْض، وأذن لهم فعرضهم عليهم. ثم قال: إني قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم في شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهَوْن تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريَكم حالهم، وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرْب، فظفروا بكم، وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالُوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني، فأحببت أن تعلَموا أنّ من رأيتم في اليوم الثالث غيرُ","vol":"8","page":355},{"text":"تارك عيشَ اليوم الثاني، وراجع إلى عيش اليوم الأول. فتفرّقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.\nوبلغ عمر، فقال لجلسائه: والله إن حربه لليّنة مالها سَطْوة ولا سَوْرة كسوْرات الحروب من غيره؛ إنّ عَمْرًا لعضّ. ثم أمّره عليها وقام بها (١). (٤: ١٠٨/ ١٠٩/ ١١٠).\n٥٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سعيد الربيع بن النعمان، عن عمرو بن شعيب، قال: لما التقى عمرو، والمقوقِس بعين شمس، واقتتلت خيلاهما؛ جعل المسلمون يجولون بعد البُعد. فدمّرهم عمرو، فقال رجل من أهل اليمن: إنّا لم نخلَق من حِجارة ولا حديد! فقال: اسكت؛ فإنما أنت كَلْب، قال: فأنت أمير الكلاب، قال: فلما جعل ذلك يتواصل نادى عمرو: أين أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - فحضر من شهدها من أصحاب رسولِ الله - ﷺ -، فقال: تقدّموا، فبكم ينصر الله المسلمين. فتقدّموا وفيهم يومئذ أبو بُردة وأبو بَرْزة، وناهدهم الناس يتبعون الصحابة، ففتح الله على المسلمين، وظفِروا أحسن الظّفر. وافتتحت مصر في ربيع الأول سنة ستّ عشرة، وقام فيها مُلك الإسلام على رجْل، وجعل يفيض على الأمم والملوك، فكان أهل مصر يتدَفَّقون على الأجلّ، وأهل مُكْران على راسِل، وداهر، وأهل سِجِسْتان على الشاه، وَذويه، وأهل خُراسان والباب على خاقان، وخاقان ومَن دونهما من الأمم، فكفكفهم عمر إبقاء على أهل الإسلام، ولو خلّى سِربهم لبلغوا كلّ مَنْهَل (٢). (٤: ١١٠/ ١١١).\n٥٤٨ - حدّثني عليّ بن سهل، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني ابن لَهيعة عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ المسلمين لما فتحوا مصر؛ غزوا نُوبة مصر، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحدَق من جُودة الرمي، فسمّوا رماة الحدَق، فلمّا ولِّيَ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح مصر، ولّاه إياها عثمان بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":356},{"text":"عفان ﵁؛ صالحهم على هديَّة عدّة رؤوس منهم، يؤدّونهم إلى المسلمين في كلّ سنة، ويهدي إليهم المسلمون في كلّ سنة طعامًا مسمّى، وكُسوة من نحو ذلك (١). (٤: ١١١).\n٥٤٩ - قال عليّ: قال الوليد: قال ابن لَهيعة: وأمضى ذلك الصلح عثمان، ومن بعده من الولاة والأمراء، وأقرّه عمر بن عبد العزيز نظرًا منه للمسلمين، وإبقاءعليهم (٢). (٤: ١١١).\n٥٥٠ - قال سيف: ولمّا كان ذو القعدة من سنة ستّ عشرة؛ وضع عمر ﵁ مسالح مصر على السواحل كلها، وكان داعية ذلك: أنّ هِرَقل أغزى مصر والشأم في البحر، ونَهد لأهل حِمْص بنفسه، وذلك لثلاث سنين وستة أشهر من إمارة عمر ﵁ (٣). (٤: ١١١/ ١١٢).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني: سنة عشرين- غزا أرض الرّوم أبو بَحْرِيّة الكنديّ عبد الله بن قيس؛ وهو أوّل مَن دخلها- فيما قيل. وقيل: أولُ مَن دخلها ميسرة بن مسروق العبسيّ، فسلِم، وغنِم. (٤: ١١٢).\nقال: وفيها تزوّج عمر فاطمةَ بنت الوليد أمّ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.\nقال: وفيها توفيَ بلال بن رَباح ﵁، ودُفِن في مقبرة دمشق. وفيها عزل عمرُ سعدًا عن الكوفة لشكايتهم إياه، وقالوا: لا يحسِنُ يصلّي. (٤: ١١٢).\nقال الواقديّ: وفي هذه السنة -أعني: سنة عشرين- دوّن عمر ﵁ الدواوين. قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول من خالفه.\nوفيها بعث عمر ﵁ عَلْقمة بن مَجزّز المُدلجيّ إلى الحبشة في البحر، وذلك: أنّ الحبشة كانت تطرّفت -فيما ذُكِر- طرَفًا من أطراف الإسلام، فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه ألّا يحمل في البحر أحدًا أبدًا. (٤: ١١٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":357},{"text":"٥٥١ - وأمّا أبو معشر فإنه قال -فيما حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوة الأساودة في البحر سنة إحدى وثلاثين (١). (٤: ١١٣).\nوحجّ في هذه السنة عمر ﵁.\nوكانت عمالُه في هذه السنة على الأمصار عمالَهُ عليها في السنة التي قبلها، إلّا من ذكرتُ: أنه عزله واستبدل به غيرَه، وكذلك قضاته فيها كانوا القضاةَ الذين كانوا في السنة التي قبلها. (٤: ١١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>ثم دخلت سنة إحدى وعشرين</span>\nوأمّا سيف بن عمر؛ فإنه قال: كانت وقعة نهاوَنْد في سنة ثماني عشرة في سنة ستّ من إمارة عمر، كتب إليَّ بذلك السّريّ عن شعيب، عن سيف. (١١٤: ٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بِنهاوند</span>\n٥٥٢ - وكان ابتداءُ ذلك -فيما حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: كان من حديث نهاوَنْد: أن النعمان بن مقرّن كان عاملًا على كَسْكَر، فكتب إلى عمر ﵁ يخبرُه: أنّ سعد بن أبي وقّاص استعمله على جِباية الخراج، وقد أحببتُ الجهاد ورغبتُ فيه.\nفكتب عمر إلى سعد: إنّ النعمان كتب إليّ يذكر: أنّك استعملتَه على جِباية الخراج، وأنه قد كره ذلك، ورغب في الجهاد، فابعث به إلى أهمّ وجوهك؛ إلى نهاوند.\nقال: وقد اجتمعتْ بنهاوند الأعاجم، عليهم ذو الحاجب -رجل من الأعاجم- فكتب عمر إلى النّعمان بن مقرّن:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":358},{"text":"بِسْمِ اللهَ الرَحّمَنِ الرَّحِيمِ\nمن عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرّن، سلامٌ عليك! فإنّي أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد؛ فإنه قد بلَغني: أنّ جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند؛ فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا؛ فتؤذيَهم، ولا تمنعْهم حقّهم؛ فتكفِّرَهم؛ ولا تدخلنّهم غَيْضة، فإنّ رجلًا من المسلمين أحبُّ إليّ من مئة ألف دينار. والسلام عليك.\nفسار النعمان إليه ومعه وجوه أصحاب النبيّ - ﷺ -؛ منهم: حُذَيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، وطليحة بن خُويلد الأسديّ، وقيس بن مَكشوح المُراديّ. فلما انتهى النعمان بن مقرّن في جنده إلى نهاوند؛ طرحوِا له حَسَك الحديد، فبعث عيونًا، فساروا لا يعلمون الحسَك، فزجر بعضهم فرسه؛ وقد دخلتْ في يده حَسكة، فلم يبرح، فنزل، فنظر في يده فإذا في حافره حَسَكة، فأقبل بها، وأخبر النعمان الخَبر، فقال النعمان للناس: ما ترون؟ فقالوا: انتقِل من منزلك هذا حتى يروْا أنك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك؛ فانتقل النعمان من منزله ذلك، وكَنَست الأعاجم الحسك، ثم خرجوا في طلبه، وعطف عليهم النُّعمان، فضرب عسكرَه، ثم عبَّى كتائبه، وخطب الناس، فقال: إن أُصِبتُ فعليكم حذيفة بن اليَمان، وإن أُصيب فعليكم جرير بن عبد الله، وإن أُصيب جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح؛ فوجَد المغيرة بن شعبة في نفسه إذْ لم يستخلفه، فأتاه، فقال له: ما تريد أن تصنع؟ فقال: إذا أظهرتُ قاتلتُهم، لأني رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يستحبّ ذلك. فقال المغيرة: لو كنتُ بمنزلتك باكرتُهم القتال، قال له النعمان: ربما باكرتَ القتال؛ ثم لم يسوّد الله وجهَك. وذلك يوم الجمعة. فقال النعمان: نصلّي إن شاء الله، ثم نلقَى عدوّنا دُبُر الصلاة، فلما تصافُّوا قال النعمان للناس: إنّي مكبّر ثلاثًا؛ فإذا كبّرت الأولى فشدّ رجل شِسْعه، وأصلح من شأنه؛ فإذا كبّرت الثانية، فشدّ رجل إزاره، وتهيّأ لوجه حملته؛ فإذا كبّرت الثالثة فاحملوا عليهم؛ فإني حامل. وخرجت الأعاجم قد شدّوا أنفسَهم","vol":"8","page":359},{"text":"بالسلاسل لئلا يفرُّوا، وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فَرُمِيَ النعمان بنشّابة فقتِل ﵀، فلفّه أخوه سُوَيد بن مقرّن في ثوبه، وكتم قتلَه حتى فتح الله عليهم، ثم دفع الرّاية إلى حُذيفة بن اليمان، وقتل الله ذا الحاجب، وافتُتِحت نهاوند، فلم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة (١). (٤: ١١٤/ ١١٥/ ١١٦).\n٥٥٣ - عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبي طعمة الثقفيّ -وكان قد أدرك ذلك- قال: ثم إنهم قالوا: إنّ محمّدًا لذي جاء العربَ بالدين لم يغرَضْ غَرَضنا، ثم ملكهم أبو بَكْر من بعده فلم يغرَض غَرَض فارس؛ إلّا في غارة تعرّض لهم فيها، وإلّا فيما يلي بلادهم من السواد. ثم ملك عمر من بعده، فطال ملكه وعَرُض؛ حتى تناولكم وانتقصكم السواد والأهواز، وأوطأها، ثم لم يرضَ حتى أتى أهلَ فارس والمملكة في عُقْرِ دارهم، وهو آتيكم إن لم تأتوه؛ فقد أخرب بيت مملكتكم، واقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته؛ حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتقلعوا هذين المصْرين، ثم تشغلوه في بلاده وقراره. وتعاهدوا، وتعاقدوا، وكتبوا بينهم على ذلك كتابًا، وتمالؤوا عليه.\nوبلغ الخبرُ سعدًا، وقد استخلف عبدَ الله بن عبد الله بن عِتْبان. ولمّا شَخَص لقي عمرَ بالخبر مشافهة، وقد كان كتب إلى عمر بذلك، وقال: إنّ أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح قبل أن يبادروهم الشدَّة- وقد كان عمر منعَهم من الانسياح في الجبل.\nوكتب إليه أيضًا عبدُ الله وغيره بأنه قد تجمّع منهم خمسون ومئة ألف مقاتل؛ فإن جاؤونا قبل أن نبادرهم الشَّدّة؛ ازدادوا جرأة وقوّة، وإن نحن عاجلناهم؛ كان لنا ذلكم، وكان الرسول بذلك قَريب بن ظَفَر العبديّ.\nثم خرج سعد بعدَه فوافَى مشورة عُمر؛ فلما قدم الرسول بالكتاب إلى عمر بالخبر فرآه قال: ما اسمك؟ قال: قَريب، قال: ابن مَن؟ قال: ابن ظَفَر؛ فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظَفَر قريب إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله! ونودي في الناس: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، ووافاه سعد، فتفاءل إلى سعد بن مالك، وقام على المنبر خطيبًا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: هذا يوم له\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":360},{"text":"ما بعده من الأيام؛ ألا وإني قد هممتُ بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني وأوجزوا، ولا تَنَازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم، ولا تكثروا ولا تطيلوا، فتُفْشغ بكم الأمور، ويلتوي عليكم الرأي، أفمن الرّأي أن أسيرَ فيمن قبَلي ومَنِ قدرتُ عليه، حتى أنزل منزلًا واسطًا بين هذين المصرين، فأستنفرَهم ثم أكون لهم رِدْءًا حتى يفتح الله عليهم، ويقضي ما أحبّ؛ فإنّ فَتْحَ الله عليهم أن أضرّبهم عليهم في بلادهم؛ وليتنازعوا ملكَهم. فقام عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، والزّبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عَوْف في رجال من أهل الرّأي من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فتكلموا كلامًا، فقالوا: لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبَنّ عنهم رأيُك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم، ومَن قد فضّ جموعهم، وقتل ملوكهم، وباشر من حروبهم ما هو أعظمُ من هذه، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فائْذَنْ لهم، واندُب إليهم، وادعُ لهم. وكان الذي ينتقد له الرأيَ إذا عُرِض عليه العباس ﵁ (١). (٤: ١٢٢/ ١٢٣).\n٥٥٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمزة، عن أبي طُعْمة، قال: فقام عليّ بن أبي طالب ﵇، فقال: أصاب القوم يا أميرَ المؤمنين الرّأيَ، وفهموا ما كُتب به إليك، وإنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلّة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزّ، وأيّده بالملائكة؛ حتى بلغ ما بلغ؛ فنحن على موعد من الله، والله منجزٌ وعْده، وناصر جنده؛ ومكانك منهم مكان النظام من الخَرز، يجمعه ويمسكه؛ فإن انحلّ تفرّق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهي كثير عزيز بالإسلام؛ فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم؛ ومَن لم يحفل بمن هو أجمع وأحدُّ وأجدُّ من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليُقم الثلث؛ واكتب إلى أهل البصرة أن يمدُّوهم ببعض مَن عندهم.\nفسرّ عمر بحسن رأيهم، وأعجبه ذلك منهم. وقام سعد فقال: يا أميرَ المؤمنين! خفِّضْ عليك، فإنهم إنما جمِعوا لنِقْمة (٢). (٤: ١٢٣/ ١٢٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":361},{"text":"٥٥٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي بكر الهذليّ، قال: لما أخبرهم عُمر الخبر واستشارهم، وقال: أوجِزوا في القول، ولا تُطيلوا فتفْشغَ بكم الأمور، واعلموا أنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيّام؛ تكلّموا! فقام طلحة بن عبيد الله -وكان من خُطباء أصحاب رسول الله - ﷺ - فتشهّد، ثمّ قال: أما بعد يا أميرَ المؤمنين! فقد أحكمتْك الأمور، وعجمتْك البلايا، واحتنكتْك التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا نَنْبو في يديْك، ولا نَكِلّ عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نُطِع، وادْعُنا نجب، واحملْنا نركب، ووفِّدْنا نفِد، وقُدْنا نَنقد؛ فإنّك وليّ هذا الأمر، وقد بلوتَ وجرّبت واختبرتَ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلّا عن خيار. ثم جلس. فعاد عُمر فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، فتكلّموا! فقام عثمان بن عفّان، فتشهّد، وقال: أرى يا أميرَ المؤمنين أن تكتبَ إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم، وتكتبَ إلى أهل اليمن فيسيروا من يَمنَهم، ثم تسير أنت بأهل هذين الحَرميْن إلى المصرْين: الكوفة والبصرة، فتلقَى جمع المشركين بجمع المسلمين؛ فإنك إذا سرتَ بمَن معك وعندك؛ قلَّ في نفسك ما قد تكاثَر من عدد القوم، وكنتَ أعزّ عزًّا وأكثر؛ يا أمير المؤمنين! إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، ولا تَمْتَع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذُ منها بحريز؛ إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه. ثم جلس.\nفعاد عمر، فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، فتكلموا! فقام علي بن أبي طالب فقال: أمّا بعد يا أمير المؤمنين! فإنك إن أشخصتَ أهل الشأم من شأمهم؛ سارت الرّوم إلى ذراريّهم، وإن أشخصتَ أهل اليمن من يمنهم؛ سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض؛ انقضتْ عليك الأرضُ من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تَدع وراءك أهمَّ إليك مما بين يديك من العَوْرات والعِيالات؛ أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرّقوا فيها ثلاث فِرَق، فلتقم فرقة لهم في حُرَمهم وذراريّهم، ولتقم فرقة في أهل عهدهم، لئلّا ينتقضوا عليهم، ولتسِرْ فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم؛ إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا: هذا أمير العرب، وأصل العرب؛ فكان ذلك أشدّ لكلَبهم، وألّبْتَهم على نفسك. وأمّا ما ذكرت من مسير القوم فإنّ الله هو أكرَه لمسيرهم منك، وهو أقدرُ على تغيير ما يكره؛ وأمّا ما ذكرتَ من عددهم؛ فإنا لم","vol":"8","page":362},{"text":"نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة؛ ولكنّا كنا نقاتل بالنصر.\nفقال عمر: أجل والله! لئن شخصتُ من البلدة لتنتقضَنّ عليّ الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرتْ إليّ الأعاجم لا يفارقُنّ العرْصة، وليُمدّنهم مَن لم يُمِدّهم، وليقولُنّ: هذا أصل العرب؛ فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب، فأشيروا عليّ برجل أولِّه ذلك الثغر غدًا. قالوا: أنتَ أفضلُ رأيًا، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا عليّ به، واجعلوه عِراقيًا. قالوا: يا أميرَ المؤمنين! أنت أعلمُ بأهل العراق، وجندك قد وفدُوا عليك ورأيتَهم وكلّمتهم، فقال: أما والله لأولّينّ أمرَهم رجلًا ليكونَنّ لأوّل الأسنّة إذا لقيَها غدًا، فقيل: مَن يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: النعمان بن مقرِّن المُزنّي. فقالوا: هو لها -والنعمان يومئذ بالبصرة معه قوّاد من قوّاد أهل الكوفة أمدّهم بهم عمر عند انتقاض الهُرْمُزان؛ فافتتحوا رامَهُرْمُز وإيذَج، وأعانوهم على تُسْتَر وجُنْدَيْ سابور والسُّوس. فكتب إليه عمر مع زِرّ بن كُليب والمقتَرب الأسود بن رَبيعة بالخبر؛ وأنّي قد وَلّيتك حربَهم، فسرْ من وجهِك ذلك حتى تأتيَ ماه، فإني قد كتبتُ إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمعَ لك جنودُك فسرْ إلى الفَيْرُزان ومَن تجمّع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا الله، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله.\nرجع الحديث إلى حديث سيف. وكتب -يعني عمر- إلى عبد الله بن عبد الله مع رِبْعيّ بن عامر: أن استنفر من أهل الكُوفة مع النُّعمان كذا وكذا، فإني قد كتبتُ إليه بالتوجُّه من الأهواز إلى ماه، فلْيوافُوه بها، وليسر بهم إلى نهاوند؛ وقد أمّرت عليهم حُذيفة بن اليَمان، حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرّن؛ وقد كتبت إلى النعمان: إن حَدَث بك حَدَث؛ فعلَى الناس حُذَيفة بن اليَمان؛ فإن حَدَث بحُذيفة حَدث؛ فعلَى الناس نُعيم بن مقرّن، ورُدّ قَريب بن ظَفَر وردّ معه السائب بن الأقرع أمينًا. وقال: إن فتح الله عليكم؛ فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، ولا تخدعني ولا ترفع إليّ باطلًا، وإن نُكِب القوم؛ فلا تراني ولا أراك. فقدما إلى الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث؛ وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الرّوادف، ليبلُوا في الدّين، وليدرِكُوا حظًّا، وخرج حُذَيفة بن اليَمان بالناس ومعه نُعيم؛ حتى قدموا على النعمان بالطَّزر، وجعلوا بمرْج القلعة خيلًا عليها","vol":"8","page":363},{"text":"النُّسَيْر، وقد كتب عمر إلى سُلْمى بن القيْن، وحَرْملة بن مُريطة، وزرّ بن كليب، والمقترِب الأسود بن ربيعة، وقوّاد فارس الذين كانوا بين فارس والأهواز: أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمّتكم وأرضَكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز، حتى يأتيَكم أمري. وبعث مجاشع بن مسعود السُّلَميّ إلى الأهواز، وقال له: انصُلْ منها على ماه؛ فخرج حتى إذا كان بغُضَى شجَر، أمره النعمان أن يقيم مكانه، فأقام بين غُضَى شجر، ومَرْج القلعة، ونَصَل سُلْمى، وحَرْملة، وزرّ، والمقترب، فكانوا في تخُوم أصبَهان وفارس، فقطعوا بذلك عن أهل نِهاوند أمداد فارس.\nولما قدم أهلُ الكوفة على النعمان بالطَّزَر جاءه كتاب عمر مع قَريب: إنّ معك حدَّ العرب ورجالهم في الجاهليّة، فأدخِلْهم دون مَن هو دونهم في العلم بالحرب، واستعنْ بهم، واشرب برأيهم، وسلْ طليحة، وعمْرًا، وعمْرًا، ولا تُولِّهم شيئًا. فبعث من الطَّزَر طليحة وعمْرًا وعمْرًا طليعة ليأتوه بالخبر، وتقدّم إليهم ألا يَغِلُوا. فخرج طُليحة بن خويلد وعَمْرو بن أبي سُلْمَى العَنَزيّ، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، فلما ساروا يومًا إلى الليل رجع عمرو بن أبي سُلمَى، فقالوا: ما رَجعك؟ قال: كنت في أرض العجم؛ وقتلتْ أرضٌ جاهلها، وقتل أرضًا عالمُها. ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرْنا يومًا وليلة، ولم نَر شيئًا، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق. ونفذ طليحة ولم يحفِل بهما. فقال الناس: ارتد الثانية، ومضى طُليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبين الطّزَر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا. فعلم علمَ القوم، واطلع على الأخبار، ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس، فقال: ما شأنُ الناس؟ فأخبروه بالذي خافوا عليه، فقال: والله لو لم يكن دينٌ إلا العربية ما كنت لأُجزِر العُجْم الطماطم هذه العرب العاربة. فأتى النعمان فدخل عليه، فأخبروه الخبر، وأعلمه: أنه ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه، ولا أحد. فنادى عند ذلك النعمان بالرّحيل، فأمرهم بالتّعبية. وبعث إلى مجاشع بن مسعود أنْ يسوقَ الناس، وسار النعمان على تعبيته، وعلى مقدّمته نُعيم بن مقرّن، وعلى مجنَّبتيه حُذيفة بن اليَمان، وسويد بن مقرّن، وعلى المجرَّدة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشعِ؛ وقد توافى إليه أمدادُ المدينة، فيهم المغيرة، وعبد الله، فانتهوْا إلى الإسبيذهان،","vol":"8","page":364},{"text":"والقوم وقوف دون واي خُرْد على تعبيتهم وأميرُهم الفيرُزان، وعلى مجنَبتيه الزردُق، وبَهْمن جاذَوَيْه الذي جُعل مكان ذي الحاجب، وقد توافى إليهم بنهاوند كلّ منْ غاب عن القادسيَّة والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلامٌ من أعلامهم ليسوا بدون مَن شهد الأيام والقوادس، وعلى خيولهم أنوشق. فلما رآهم النعمان؛ كبّر، وكبّر الناس معه فتزلزت الأعاجم، فأمر النعمان وهو واقف بحطّ الأثقال، وبضرْب الفُسطاط، فضرِب وهو واقف؛ فابتدره أشرافُ أهل الكوفة وأعيانهم، فسبق إليه يومئذ عدّة من أشراف أهل الكوفة، تسابقوا فبنوْا له فسطاطًا سابقوا أكفاءهم فسبقوهم؛ وهم أربعة عشر، منهم حذيفة بن اليمان، وعُقْبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصيّة، وحَنظلة الكاتب بن الربيع، وابن الهوْبر، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن مَطَر، وجرير بن عبد الله الحميريّ، والأقرع بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، والأشعث بن قيس الكِنديّ، وسعيد بن قيس الهمْدَانيّ، ووائل بن حُجْر، فلم يُرَ بُنَّاءُ فسطاط بالعراق كهؤلاء. وأنشب النعمان بعدما حطّ الأثقال القتَال؛ فاقتتلوا يومَ الأربعاء ويوم الخميس، والحرْب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من إمارة عُمر، في سنة تسع عشرة، وإنهم انجحروا في خنادقهم يومَ الجمعة، وحصرَهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله؛ والأعاجم بالخيار؛ لا يخرجون إلّا إذا أرادوا الخروج، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وخافوا أن يطولَ أمرُهم، وسرّهم أن يناجزهم عدوّهم؛ حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجُمع تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلموا، وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان في ذلك فأخبروه، فوافقوه وهو يُروِّي في الذي رَوَّوْا فيه. فقال: على رِسْلكم، لا تبرحوا! وبعث إلى مَنْ بقي من أهل النجدَات والرّأي في الحروب، فتوافوْا إليه، فتكلّم النعمان، فقال: قد تروْن المشركين واعتصامَهم بالحُصون من الخنادق والمدائن؛ وأنهم لا يخرجون إلّا إذا شاؤوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم، وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وقد تَرَوْن الذي فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه وعليه من الخيار عليهم في الخروج؛ فما الرأي الذي به نُحمِشهم، ونستخرجهم إلى المنابذة، وترك التطويل؟ !","vol":"8","page":365},{"text":"فتكلم عمرو بن ثُبيّ -وكان أكبرَ الناس يومئذ سنًّا، وكانوا إنّما يتكلمون على الأسنان- فقال: التحصّن عليهم أشدّ من المطاولة عليكم، فدعْهم ولا تحرِجْهم وطاولهم، وقاتلْ مَن أتاك منهم؛ فردُّوا عليه جميعًا رأيه. وقالوا: إنا على يقين منْ إنجاز ربِّنا موعدَه لنا.\nوتكلّم عمرو بن معد يكرب، فقال: ناهدْهم، وكاثِرْهم، ولا تَخَفْهم. فردُّوا عليه جميعًا رأيه، وقالوا: إنما تناطح بنا الجُدران، والجُدران لهم أعوان علينا.\nوتكلّم طُليحة فقال: قد قالا ولم يصيبا ما أرادا؛ وأمّا أنا فأرى أن تبعث خيلًا مؤدية، فيُحدقوا بهم، ثم يرموا ليُنشبوا القتال، ويحمشوهم؛ فإذا استحمَشُوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادًا؛ فإنّا لم نستطرِدْ لهم في طول ما قاتلناهم، وإنّا إذا فعلنا ذلك ورأوْا ذلك منَّا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكُّوا فيها، فخرجوا فجادّونا وجاددناهم؛ حتى يقضيَ الله فيهم وفينا ما أحبّ.\nفأمر النعمان القعقاع بن عمرو -وكان على المجرَّدة- ففعل؛ وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم، فأنغَضَهم فلمّا خرجوا نكَص، ثم نكص، ثم نكص، واغتنمها الأعاجم، ففعلوا كما ظنَّ طُليحة وقالوا: هي هي؛ فخرجوا فلم يبقَ أحدٌ إلّا من يقومُ لهم على الأبواب؛ وجعلوا يركبونهم حتى أرَز القعقاع إلى الناس، وانقطع القومُ عن حصنهم بعض الانقطاع؛ والنعمان بن مقرّن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جُمعة في صدْر النهار، وقد عهِد النّعمان إلى الناس عهدَه، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم؛ ففعلوا واستتروا بالحَجَف من الرّمْي، وأقبل المشركون عليهم يرمُونهم حتى أفشوْا فيهم الجراحات، وشكا بعضُ الناس ذلك إلى بعض، ثم قالوا للنعمان: ألَا ترى ما نحن فيه! ألا ترى إلى ما لقيَ الناس، فما تنتظر بهم! ائذن للناس في قتالهم، فقال لهم النعمان: رُوَيدًا رُوَيدًا! قالوا له ذلك مرارًا، فأجابهم بمثل ذلك مرارًا: رويدًا رويدًا، فقال المغيرة: لو أنّ هذا الأمرَ إليّ علمتُ ما أصنع! فقال: رويدًا ترى أمرَك؛ وقد كنت تلي الأمر فتُحسن، فلا يخذلنا الله ولا إيّاك؛ ونحن نرجو في المكث مثلَ الذي ترجو في الحثّ. وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمالَ ساعاتٍ كانت أحبّ إلى رسول الله - ﷺ - في القتال أن يلقى فيها العدوّ؛ وذلك عند الزّوال","vol":"8","page":366},{"text":"وتفيُّؤ الأفياء ومهبّ الرياح. فلما كان قريبًا من تلك الساعة تحشْحش النعمان، وسار في الناس على برذونٍ أحوَى قريب من الأرض، فجعل يقف على كلّ راية، ويحمَد الله ويُثني عليه، ويقول: قد علمتم ما أعزّكم الله به من هذا الدين، وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هَواديَ ما وعدكم وصدورَه؛ وإنما بقيت أعجازُه وأكارعه؛ والله منجزٌ وعدَه، ومتبعٌ آخر ذلك أوّله، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلّة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزّة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذي لهم في ظَفَركم وعزّكم؛ والذي عليهم في هزيمتكم وذلّكم، وقد تروْن مَنْ أنتم بإزائه من عدوّكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم؛ فأمّا ما أخطروا لكم فهذه الرِّثّة وما ترون من هذا السواد، وأمّا ما أخطرتم لهم فدينكم وبَيْضتكم، ولا سواءٌ ما أخطرتم وما أخطروا؛ فلا يكونُنّ على دنياهم أحمَى منكم على دينكم؛ واتّقَى الله عبدٌ صدق الله، وأبلى نفسه فأحسن البلاء؛ فإنكم بين خيريْن منتظرَيْن إحدى الحسنيين: من بين شهيد حيّ مرزوق، أو فتح قريب وظفر يسير. فكفى كلّ رجل ما يليه، ولم يكِلْ قِرْنَه إلى أخيه؛ فيجتمع عليه قرنه وقِرْن نفسه، وذلك من الملأمة، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه؛ فكلّ رجل منكم مسلّط على ما يليه؛ فإذا قضيت أمري فاستعدّوا فإني مكبر ثلاثًا، فإذا كبّرت التكبيرة الأولى فليتهيّأ مَنْ لم يكن تهيّأ؛ فإذا كبّرت الثانية فليشدّ عليه سلاحه، وليتأهب للنهوض؛ فإذا كبّرت الثالثة؛ فإنّي حامل إن شاء الله فاحمِلوا معًا. اللهمّ أعزّ دينَك، وانصر عبادك، واجعل النعمانَ أوّل شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك!\nفلما فرغ النعمان من التقدّم إلى أهل المواقف، وقضى إليهم أمرَه، رجع إلى موقفه، فكبّر الأولى والثانية والثالثة؛ والناس سامعون مطيعون مستعدّون للمناهضة، يُنَحِّي بعضُهم بعضًا عن سَنَنِهم، وحمل النُّعمان وحمل الناس، وراية النعمان تنقضُّ نحوهم انقضاض العُقاب، والنعمان معلَم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا بالسيوف قتالًا شديدًا لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط كانت أشدّ قتالًا منها، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ما طبَّق أرض المعركة دمًا يزلَقُ الناس والدوابُّ فيه، وأصيب فُرسان من فرسان المسلمين في الزَّلق في الدّماء، فزلق فرس النعمان في الدّماء فصرعه، وأصيب النّعمان حينِ زلق به فرسه؛ وصُرع. وتناولَ الرّاية نُعيم بن مقرّن قبل أن تقع، وسجّى النعمان","vol":"8","page":367},{"text":"بثوب، وأتى حذيفة بالرّاية فدفعها إليه، وكان اللواء مع حُذيفة، فجعل حُذيفة نُعيمَ بن مقرّن مكانه، وأتى المكان الذي كان فيه النعمان فأقام اللواء، وقال له المغيرة: اكتمُوا مصابَ أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لكيلَا يهِنَ الناس؛ واقتتلوا حتى إذا أظلَّهم الليل انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظُّون بهم متلبّسون، فعُمِّيَ عليهم قصدُهم، فتركوه وأخذوا نحو اللِّهْب الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان، فوقعوا فيه، وجعلوا لا يهوِي منهم أحدٌ إلا قال: \"وايه خُرد\" فسمّي بذلك \"واية خُرد\" إلى اليوم، فمات فيه منهم مئة ألف أو يزيدون، سوى مَن قتل في المعركة منهم أعدادهم، لم يفلت إلّا الشَّريد، ونجا الفيرُزان بين الصّرعى في المعركة، فهرب نحو هَمَذان في ذلك الشَّريد، فأتبعه نُعيم بن مقرّن، وقدّم القعقاعِ قدامه فأدركه حين انتهى إلى ثَنيّة هَمَذان، والثنيّة مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلًا، فحبسه الدوابّ على أجَلِه، فقتله على الثَّنيَة بعد ما امتنع، وقال المسلمون: إنّ لله جنودًا من عسل، واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل بها، وسمِّيت الثنيّة بذلك ثَنيّة العسل؛ وإنّ الفيرُزان لمّا غشيه القعقاع نزل فتوقّل في الجبل إذ لم يجد مساغًا، وتوقّل القعقاع في أثره حتى أخذه، ومضى الفُلّال حتى انتهوْا إلى مدينة هَمَذان والخيل في آثارهم، فدخلوها، فنزل المسلمون عليهم، وحوَوْا ما حولها، فلما رأى ذلك خُسْرَوْشنُوم استأمنهم، وقبل منهم على أن يضمن لهم هَمَذان ودَسْتبى، وألّا يؤتى المسلمون منهم؛ فأجابوهم إلى ذلك وآمنوهم؛ وأمن الناس، وأقبل كلّ مَن كان هرب، ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتووا ما فيها وما حولها، وجمعوا الأسلاب والرِّثاث إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع.\nفبينا هم كذلك على حالهم وفي عسكرهم يتوقّعون ما يأتيهم من إخوانهم بهَمذان، أقبل الهِربذ صاحب بيت النار على أمان؛ فأبْلغ حذيفة، فقال: أتؤمنني على أن أخبرك بما أعلم؟ قال: نعم، قال: إنّ النخَيْرَجان وضع عندي ذخيرة لكسرى، فأنا أخرجها لك على أمانِي وأمان من شئت، فأعطاه ذلك، فأخرج له ذخيرة كسرى؛ جوهرًا كان أعدّه لنوائب الزّمان، فنظروا في ذلك، فأجمع رأي المسلمين على رفعه إلى عمر، فجعلوه له؛ فأخَّرُوه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الأخماس، وقسم حذيفة بن اليمان بين الناس غنائمهم، فكان سهم","vol":"8","page":368},{"text":"الفارس يوم نهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين، وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند، ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع، فقبض السائب الأخماس، فخرج بها إلى عمر وبذخيرة كسرى. وأقام حُذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ينتظر جواب عمر وأمره؛ وكان رسولَه بالفتح طريفُ بن سهم، أخو بني ربيعة بن مالك.\nفلما بلغ الخبرُ أهلَ الماهيْن بأنّ همذَان قد أخذت، ونزلها نُعيم بن مقرّن، والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخُسْرَوْشُنُوم، فراسلوا حُذَيفة، فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على القبول، وعزموا على إتيان حُذيفة، فخدعهم دينار -وهو دون أولئك الملوك، وكان ملكًا، إلّا أن غيره منهم كان أرفع منه؛ وكان أشرفَهم قارن- وقال: لا تلقوهم في جمالكم ولكن تقهّلوا لهم؛ ففعلوا، وخالفهم فأتاهم في الديباج والحليّ، وأعطاهم حاجتهم واحتمل للمسلمين ما أرادوا، فعاقدوه عليهم؛ ولم يجد الآخرون بدًّا من متابعته والدخول في أمره، فقيل \"ماه دينار\" لذلك. فذهب حُذيفة بماه دينار؛ وقد كان النعمان عاقد بَهْراذان على مثل ذلك، فنُسِبت إلى بَهْرذان، ووكل النُّسير بن ثَوْر بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم؛ فافتتحها فنُسبت إلى النُّسير، وقسم حُذيفة لمن خلِّفوا بمرج القلعة ولمن أقام بغضَى شَجَر ولأهل المسالح جميعًا في فيء نهاوند مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنهم كانوا ردءًا للمسلمين لئلا يؤتَوْا من وجه من الوجوه. وتململ عمر تلك الليلة التي كان قدّر للقائهم، وجعل يخرج ويلتمس الخبر؛ فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلًا، فمرّ به راكب في الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة. فقال: يا عبد الله! من أين أقبلت؟ قال: من نهاوند، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر خير؛ فتح الله على النعمان، واستُشهد، واقتسم المسلمون فيء نهاوند، فأصاب الفارس ستة آلاف. وطواه الرّاكب حتى انغمس في المدينة، فدخل الرجل، فبات فأصبح فتحدّث بحديثه، ونمَى الخبرُ حتى بلغ عمر؛ وهو فيما هو فيه، فأرسل إليه، فسأله فأخبره، فقال: صدق وصدقت؛ هذا عُثيم بريد الجنّ، وقد رأى بريد الإنس، فقدم عليه طريف بالفتح بعد ذلك، فقال: الخبر! فقال: ما عندي أكثر من الفَتْح، خرجتُ والمسلمون في الطلب وهم على رِجْل؛ وكتمه إلّا ما سرّه.","vol":"8","page":369},{"text":"ثم خرج وخرج معه أصحابه، فأمعن؛ فرُفع له راكب، فقال: قولوا، فقال عثمان بن عفّان: السائب، فقال: السائب، فلما دنا منه قال: ما وراءك؟ قال: البُشرى والفتح، قال: ما فعل النعمان؟ قال: زلق فرسه في دماء القوم، فصرع فاستُشهد، فانطلق راجعًا والسائب يسايره، وسأل عن عدد من قتل من المسلمين؛ فأخبره بعدد قليل؛ وأنّ النعمان أوّل من استُشهد يوم فتح الفتوح -وكذلك كان يسمِّيه أهل الكوفة والمسلمون- فلما دخل المسجد حطَّت الأحمال فوضعت في المسجد، وأمر نفرًا من أصحابه -منهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم- بالمبيت فيه، ودخل منزله، وأتبعه السائب بن الأقرع بذينك السَّفَطَيْن، وأخبره خبرَهما وخبر الناس؛ فقال: يا بن مُلَيكة! والله ما درَوْا هذا، ولا أنت معهم! فالنّجاء النّجاء، عودَك على بدئِك حتى تأتي حُذيفة فيقسمهما على مَنْ أفاءهما الله عليه؛ فأقبل راجعًا بقبَلٍ حتّى انتهى إلى حُذيفة بماه؛ فأقامهما فباعهما، فأصاب أربعة آلاف ألف (١). (٤: ١٢٤/ ١٢٥/ ١٢٦/ ١٢٧/ ١٢٨/ ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١/ ١٣٢/ ١٣٣/ ١٣٤/ ١٣٥).\n٥٥٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس الأسديّ: أنّ رجلًا يقال له: جعفر بن راشد قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند: لقد أخذتنا خَلّة، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟ فقال: كما أنتم حتى أنظر، فأخذ كساء فتقنّع به غير كثير، ثم قال: البيان البيان، غَنَم الدّهقان، في بستان، مكان أرْوَنَان. فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمّنة (٢). (١٣٥: ٤).\n٥٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي معبد العبسيّ وعروة بن الوليد، عمّن حدّثهم من قومهم، قال: بينما نحن محاصرو أهل نهاوند خرجوا علينا ذات يوم، فقاتلونا فلم نُلْبِثهم أن هزمهم الله، فتبع سماك بن عُبَيد العبسيّ -رجلًا منهم- معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم؛ فلم يبرزْ له أحد إلّا قتله، حتى أتى عليهم. ثم حمل على الذي كانوا معه، فأسره وأخذ سلاحه،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":370},{"text":"ودعا له رجلًا اسمه عبد، فوكَّله به، فقال: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض؛ وأؤدّيَ إليه الجزية، وسلني أنت عن إسارك ما شئت، وقد مننتَ عليّ إذ لم تقتلني؛ وإنما أنا عبدك الآن، وإن أدخلتني على الملك، وأصلحتَ ما بيني وبينه وجدت لي شكرًا، وكنت لي أخًا. فخلّى سبيله وآمنه؛ وقال: مَن أنت؟ قال: أنا دينار -والبيت منهم يومئذ في آل قارن- فأتى به حذيفة، فحدّثه دينار عن نجدة سماك وما قتل ونظرِه للمسلمين، فصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه، وكان يواصل سماكًا ويُهدي له، ويوافي الكوفة كلما كان عملُه إلى عامل الكوفة، فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس بالكوفة، فقال: يا معشرَ أهل الكوفة! أنتم أوّلَ ما مررتم بنا كنتم خيارَ الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خصال أربع: بُخل، وخِبّ، وغدر، وضيق؛ ولم يكن فيكم واحدة منهنّ، فرمقتُكم، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمتُ من أين أتيتم، فإذا الخبّ من قبل النَّبَط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبلَ خراسان، والضيق من قبل الأهواز (١). (٤: ١٣٥/ ١٣٦).\n٥٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشَّعبيّ، قال: لما قُدِم بسبي نهاوند إلى المدينة؛ جعل أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرًا إلّا مسح رأسَه وبكى وقال: أكلَ عمر كبدي -وكان نهاونديًّا، فأسرته الرّوم أيام فارس، وأسره المسلمون بعده، فنُسِب إلى حيث سُبِيَ (٢). (٤: ١٣٦).\n٥٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشّعبيّ، قال: قُتل في اللِّهْب ممن هوى فيه ثمانون ألفًا، وفي المعركة ثلاثون ألفًا مقترين، سوى مَنْ قُتِل في الطلب؛ وكان المسلمون ثلاثين ألفًا، وافتُتحت مدينة نهاوند في أوّل سنة تسع عشرة، لسبع سنين من إمارة عمر، لتمام سنة ثماني عشرة (٣). (٤: ١٣٦).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":371},{"text":"٥٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلْحة في كتاب النُّعمان بن مقرّن وحُذيفة لأهل الماهَيْن:\nبسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى النعمان بن مقرّن أهلَ ماه بَهْراذان؛ أعطاهم الأمانَ على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم؛ لا يُغيِّرون على ملّة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية في كلّ سنة إلى مَنْ وليَهم؛ على كلّ حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته؛ وما أرشدوا ابنَ السبيل، وأصلحوا الطرق، وقرَوْا جنودَ المسلمين ممّن مرّ بهم فأوى إليهم يومًا وليلة، ووفوْا ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا؛ فذمّتُنا منهم بريئة. شهد عبد الله بن ذي السهمين، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله.\nوكُتِب في المحرّم سنة تسع عشرة:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى حُذَيفة بن اليَمان أهلَ ماه دينار؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، وأراضيهم، لا يغيَّرون عن ملّة، ولا يُحال بينهم وبين شرائعهم؛ ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية في كلّ سنة إلى من وليهم من المسلمين؛ على كلّ حالم في ماله ونفسه على قَدْرِ طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقَرْوا جنود المسلمين، مَن مرّ بهم؛ فأوى إليهم يومًا وليلة، ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا فذمّتنا منهم بريئة. شهد القعقاع بن عمرو، ونعيم بن مقرّن، وسُويد بن مقرّن. وكتب في المحرّم.\nقالوا: وألحق عُمر مَنْ شهد نهاوند فأبلَى من الرّوادف بلاءً فاضلًا في ألفين ألفين، ألحقهم بأهل القادسيَّة (١). (٤: ١٣٦/ ١٣٧).\n٥٦١ - ذكر الخبر عمّا كان في هذه السنة -أعني سنة إحدى وعشرين- من أمر الجندين اللَّذين ذكرتُ: أن عمر أمرهما بما ذُكر أنه أمرهما به:\nكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما رأى عمر أنّ يزدَجِرد يبعث عليه في كلّ عام حَرْبًا، وقيل له: لا يزال هذا الدّأب حتى يخرج من ممْلكته؛ أذن للناس في الانسياح في أرض العجم؛ حتى يغلبوا يزدَجِرْد على ما كان في يدي كسرى، فوجّه الأمراء من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":372},{"text":"أهل البصرة بعد فَتْح نهاوند، ووجّه الأمراء من أهل الكوفة بعد فتح نهاوند؛ وكان بين عمل سعد بن أبي وقّاص وبين عمل عمّار بن ياسر أميران: أحدُهما عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان -وفي زمانه كانت وقعة نهاوند- وزياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصيّ -وفي زمانه أمر بالانسياح- وعُزل عبد الله بن عبد الله، وبُعث في وجه آخر من الوجوه، وولّي زياد بن حنظلة -وكان من المهاجرين- فعمل قليلًا، وألحّ في الاستعفاء، فأعفي، وولّي عمّار بن ياسر بعد زياد؛ فكان مكانه، وأمدّ أهلَ البصرة بعبد الله بن عبد الله، وأمدّ أهلَ الكوفة بأبي موسى، وجعل عمر بن سُراقة مكانه، وقدمت الألوية من عند عمر إلى نفر بالكوفة زمان زياد بن حنظلة، فقدم لواء منها على نُعيم بن مقرّن، وقد كان أهل همَذان كفروا بعد الصلح، فأمره بالسَّيْر نحو هَمَذان، وقال: فإن فتح الله على يديك فإلى ما وراء ذلك في وجهك ذلك إلى خُراسان. وبعث عتبة بن فَرقد، وبكير بن عبد الله وعقد لهما على أذْرَبيجان، وفرّقها بينهما، وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حُلْوان إلى ميمنتها، وأمر الآخر أن يأخذ إليها من الموصل إلى ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، وتياسر هذا عن صاحبه. وبعث إلى عبد الله بن عبد الله بلواء؛ وأمره أن يسير إلى أصبهان، وكان شجاعًا بطلًا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار؛ حليفًا لبني الحبْلى من بني أسد؛ وأمدّه بأبي موسى من البصرة، وأمّر عمر بن سراقة على البصرة.\nوكان من حديث عبد الله بن عبد الله: أنّ عمر حين أتاه فتح نهاوند بدا له أن يأذن في الانسياح فكتب إليه: أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن، فاندبهم ولا تنتخبهم، واكتب إليَّ بذلك؛ وعمر يريد توجيهه إلى أصبهان. فانتدب له فيمن انتدب عبد الله بن ورقاء الرياحيّ، وعبد الله بن الحارث بن ورقاء الأسديّ. والذين لا يعلمون يرون أنّ أحدهما عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ، لذكر ورقاء، وظنوا: أنه نُسب إلى جدّه، وكان عبد الله بن بُديل بن ورقاء يوم قُتِل بصفّين ابن أربع وعشرين سنة، وهو أيامَ عمر صبيّ.\nولما أتى عمرَ انبعاثُ عبد الله؛ بعثَ زياد بن حنظلة، فلما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم؛ أمّر عمّارًا بعدُ، وقرأ قول الله ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ وقد كان زياد صُرِف في","vol":"8","page":373},{"text":"وَسَطٍ من إمارة سعد إلى قضاء الكوفة بعد إعفاء سلمان وعبد الرحمن ابني ربيعة، ليقضي إلى أن يقدم عبد الله بن مسعود من حِمْص، وقد كان عملَ لعمر على ما سقَى الفُرات ودِجْلة النعمانُ، وسُويد ابنا مقرّن، فاستعفيا، وقالا: أعفنا من عمل يتغوّل ويتزيّن لنا بزينة المومسة، فأعفاهما، وجعل مكانهما حُذَيفة بن أسيد الغفاريّ، وجابر بن عمرو المُزنيّ، ثم استعفيا فأعفاهما، وجعل مكانهما حُذَيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنَيف؛ حذيفة على ما سقت دِجْلة وما وراءها، وعثمان على ما سقى الفرات من السوادين جميعًا، وكتب إلى أهل الكوفة: إني بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر أميرًا، وجعلت عبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وولّيت حذيفة بن اليمان ما سَقَتْ دِجلة وما وراءها، ووليت عُثْمان بن حُنَيف الفرات وما سَقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>ذكر الخبر عن أصبَهان</span>\nقالوا: ولما قدم عَمّار إلى الكوفة أميرًا، وقدم كتاب عمر إلى عبد الله: أن سرْ إلى أصبَهان وزياد على الكوفة، وعلى مقدّمتك عبد الله بن وَرْقاء الرياحيّ، وعلى مجنّبتيك عبد الله بن ورقاء الأسديّ وعصمة بن عبد الله -وهو عصمة بن عبد الله بِن عبيدة بن سيف بن عبد الحارث- فسار عبد الله في الناس حتى قدِم على حُذيفة، ورجع حذيفة إلى عمله، وخرج عبد الله فيمن كان معه ومن انصرف معه من جُنْد النعمان من نهاوند نحو جند قد اجتمع له من أهل أصبَهان عليهم الأسْتَنْدار؛ وكان على مقدّمته شَهْر براز جاذَويه، شيخ كبير في جمع عظيم؛ فالتقى المسلمون ومقدّمة المشركين بُرسْتاق من رساتيق أصبهان؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد الله بن وَرْقاء؛ فقتله وانهزم أهل أصبَهان، وسمّى المسلمون ذلك الرستاق رُسْتاقَ الشيخ، فهو اسمه إلى اليوم. ودعا عبد الله بن عبد الله مَنْ يليه، فسأل الأستندَار الصّلحَ، فصالحهم؛ فهذا أوّل رُسْتاق أخذ من أصبهان. ثم سار عبد الله من رستاق الشيخ نحو جَيّ حتى انتهى إلى جَيّ والملك بأصبهان يومئذ الفاذوسفان، ونزل بالناس على جَيّ؛ فحاصرهم، فخرجوا إليه بعد ما شاء الله من زحف؛ فلما التقوا قال الفاذوسفان لعبد الله: لا تقتل أصحابي؛ ولا أقتل أصحابَك؛ ولكن ابرُز لي؛ فإن قتلتُك رجع أصحابك وإن قتلتَني سالَمك أصحابي؛ وإن كان أصحابي لا يقع لهم نُشّابة. فبرز","vol":"8","page":374},{"text":"له عبد الله وقال: إمّا أن تحمل عليّ، وإما أن أحمل عليك؛ فقال: أحمل عليك، فوقف له عبد الله، وحمل عليه الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قَرَبُوس سَرْجِه فكسره، وقطع اللّبَب والحزام، وزال اللّبْد والسَّرْج، وعبد الله على الفرس؛ فوقع عبد الله قائمًا، ثمّ استَوى على الفرس عُرْيًا؛ وقال له: اثبت، فحاجزه، وقال: ما أحبّ أن أقاتلك؛ فإني قد رأيتك رجلًا كاملًا ولكن أرجعُ معك إلى عسكرك فأصالحك؛ وأدفع المدينة إليك؛ على أنّ مَن شاء أقام ودفع الجزية وأقام على ماله؛ وعلى أن تُجرى من أخذتم أرضه عنوةً مجراهم، ويتراجعون، ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء؛ ولكم أرضه. قال: لكم ذلك.\nوقدم عليه أبو موسى الأشعريّ من ناحية الأهواز، وقد صالح الفاذوسفان عبد الله فخرج القوم من جَيّ، ودخلوا في الذّمة إلّا ثلاثين رجلًا من أهل أصْبَهان خالفوا قومهم وتجمّعوا فلحقوا بكرمان في حاشيتهم؛ لجمع كان بها؛ ودخل عبد الله، وأبو موسى جيّ -وجيّ مدينة أصبهان- وكتب بذلك إلى عمر، واغتبط مَنْ أقام، وندم من شخص. فقدم كتاب عمر على عبد الله: أن سر حتى تقدم على سُهيل بن عدي، فتجامعَه على قتال مَنْ بكَرْمان، وخلّف في جَيّ من بقي عن جيّ، واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع.\nكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن نفر من أصحاب الحسن؛ منهم المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمّس بن أخي الأحنف، قال: شهدتُ مع أبي موسى فتح أصبهان، وإنما شهدها مددًا (١).\n(٤: ١٣٧/ ١٣٨/ ١٣٩/ ١٤٠/ ١٤١).\n٥٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: كتاب صلح أصبهان:\nبِسْمِ اللهِ الرَّحّمَنِ الرَّحِيمِ\nكتاب من عبد الله للفاذوسفان وأهل أصبهان وحواليها؛ إنكم آمنون ما أديتم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":375},{"text":"الجزية، وعليكم من الجزية بقدر طاقتكم في كلّ سنة تؤدّونها إلى الذي يلي بلادكم عن كلّ حالم؛ ودلالةُ المسلم وإصلاح طريقه وقِراه يومًا وليلة، وحُملان الرّاجل إلى مرحلةٍ، لا تسلّطوا على مسلم، وللمسلمين نصحُكم وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم؛ فإذا غيّرتم شيئًا أو غَيّر مغيّرٌ منكم ولم تُسلموه فلا أمان لكم؛ ومن سبّ مسلمًا بُلِغ منه؛ فإن ضربه قتلناه. وكتب وشهد عبد الله بن قيس، وعبد الله بن ورقاء، وعصمة بن عبد الله.\nفلما قدم الكتاب من عمر على عبد الله، وأمر فيه باللّحاق بسهيل بن عديّ بكَرْمان؛ خرج في جريدة خيل، واستخلف السائب، ولحق بسُهيل قبل أن يصل إلى كَرْمان (١). (٤: ١٤١).\n٥٦٣ - قال: وفيها غزا عبدُ الله، وعبد الرحمن ابنا عمرو، وأبو سَرْوعة، فقدموا مصر، فشربَ عبدُ الرحمن وأبو سَرْوَعة الخمر، وكان من أمرهما ما كان (٢). (٤: ١٤٤).\nقال: وفيها: سار عمرو بن العاص إلى أنطابُلُس -وهي بَرْقة- فافتتحها، وصالح أهل بَرْقة على ثلاثة عشر ألف دينار، وأن يبيعوا من أبنائهم ما أحبّوا في جزيتهم (٣). (١٤٤: ٤).\nقال: وفيها ولّى عمر بن الخطاب عمّار بن ياسر على الكوفة، وابن مسعود على بيت المال، وعُثمان بن حُنَيف على مساحة الأرض؛ فشكا أهلُ الكوفة عمّارًا، فاستعفى عمار عمر بن الخطاب، فأصاب جُبير بين مطعم خاليًا فولّاه الكوفة، فقال: لا تذكره لأحد؛ فبلغ المغيرة بن شعبة: أنّ عُمَرَ خلا بجُبير بن مطعم، فرجع إلى امرأته، فقال: اذهبي إلى امرأة جُبَير بن مطعم، فاعرضي عليها طعام السَّفَر؛ فأتتها فعرضت عليها، فاستعجمت عليها، ثم قالت: نعم، فجئيني به؛ فلما استيقن المغيرة بذلك جاء إلى عمر، فقال: بارك الله لك فيمن ولّيت! قال: فمن ولّيت؟ فأخبره أنه ولّى جُبير بن مطعم، فقال عمر: لا أدري\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"8","page":376},{"text":"ما أصنع! وولى المغيرة بن شعبة الكوفةَ؛ فلم يزل عليها حتى مات عمر.\nقال: وفيها بعث عمرو بن العاص عُقْبة بن نافع الفهريّ، فافتتح زويلة بصلح وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين (١). (٤: ١٤٤).\n٥٦٤ - وحدّثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: كان بالشأم في سنة إحدى وعشرين غزوة الأمير معاوية بن أبي سفيان، وعمير بن سعد الأنصاريّ على دمشق والبثنيّة وحَوْران وحمص وقنَّسرين والجزيرة، ومعاوية على البلقاء والأردنّ وفلسطين والسواحل وأنطاكية ومعرّة مصرين وقلقيّة. وعند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس على قلقيّة، وأنطاكيَة، ومَعَرّة مَصْرِين.\nوقيل: وفيها ولد الحسن البصري، وعامر الشعبيّ (٢). (٤: ١٤٤/ ١٤٥).\n* * *\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>(ذكر فتح همدان)</span>\n٥٦٥ - وأما سيف بن عمر؛ فإنه قال: فيما كتب إليّ به السريّ عن شعيب، عنه، قال: كان فتح أذْرَبيجان سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد فتح هَمَذان والرّيّ وجُرجان وبعد صلح إصبَهْبَذ طَبرِسْتان المسلمين. قال: وكلّ ذلك كان في سنة ثماني عشرة.\nقال: فكان سبب فتح هَمَذان -فيما زعم-: أنّ محمدًا، والمهلب، وطلحة، وعمرًا، وسعيدًا أخبروه: أنّ النعمان لما صُرِف إلى الماهَيْن لاجتماع الأعاجم إلى نهاوند، وصُرِف إليه أهلُ الكوفة وافوْه مع حُذَيفة، ولما فصل أهلُ الكوفة من حُلوان، وأفضوْا إلى ماه؛ هَجموا على قلعة في مَرْج فيها مسلَحة، فاستزلوهم، وكان أوّل الفتح، وأنزلوا مكانهم خيلًا يمسكون بالقلعة، فسمَّوْا معسكرهم بالمرْج؛ مرْج القلعة، ثم ساروا من مَرْج القلعة نحو نهاوند؛ حتى إذا انتهوْا إلى قلْعة -فيها قوم خلَّفوا عليها النُّسيرَ بن ثور في عِجْل وحَنيفة؛ فنُسبت إليه؛ وافتتحها بعد فتح نهاوند ولم يشهد نهاوند عِجْليّ ولا حَنفيّ- أقاموا مع النُّسَير على القلعة، فلما جمعوا فيء نهاوند والقلاع؛ أشرِكوا فيها جميعًا؛ لأن بعضهم قوّى بعضًا. ثم وصفوا ما استقروا فيما بين مَرْج القلعة وبين نهاوند مما مرّوا به قبل ذلك فيما استقرُّوا من المرْج إليها بصفاتها، وازدحمت الرّكاب في ثَنيّة من ثنايا ماه، فسمّيت بالركاب، فقيل: ثنيّة الرِّكاب. وأتوْا على أخرى تدور طريقها بصخرة، فسمَّوْها ملْويّة، فدرست أسماؤها الأولى، وسمّيت بصفاتها، ومرُّوا بالجبل الطويل المشرِف على الجبال، فقال قائل منهم: كأنه سِنُّ سُمَيرة -وسُميرة امرأة من المهاجرات من بني معاوية، ضبيّة لها سنّ مشرفة على أسنانها، فسمّي ذلك الجبل بسنّها- وقد كان حذيفة أتبعَ الفالّةَ -فالّة نهاوند- نُعيمَ بن مقرّن والقعقاعَ بن عمرو، فبلغا هَمذان، فصالحهم خُسْرو شُنُوِم، فرجعا عنهم، ثم كفر بعدُ. فلمّا قدم عهدُه في العهود من عند عمر وَدّع حُذيفة وودّعه حُذيفة، هذا يريد هَمَذان، وهذا يريد الكوفة راجعًا. واستخلف على الماهيْن عمرَو بن بلال بن الحارث.","vol":"8","page":378},{"text":"وكان كتاب عُمر إلى نُعيم بن مقرّن: أنْ سِرْ حتى تأتي هَمَذان، وابعث على مقدّمتك سُوَيد بن مقرّن، وعلى مجنّبتيك ربعيّ بن عامر، ومهلهل بن زيد، هذا طائيّ، وذاك تميميّ. فخرج نُعيم بن مقرّن في تعبيته حتى نزل ثنيّة العَسَل -وإنما سُمّيت ثنيّة العسل بالعسل الذي أصابوا فيها غبّ وقعة نهاوند حيث أتبعوا الفالّة- فانتهى الفيرُزان إليها، وهي غاصّة بحوامل تحمل العَسَل وغير ذلك؛ فحبست الفيرُزان حتى نزل؛ فتوقَّل في الجبل، وغارَ فرسُه فأدرك فأصيب. ولما نزلوا كِنْكِوَر؛ سرقتْ دوابّ من دوابّ المسلمين، فسمِّي قصر اللصوص.\nثم انحدر نُعيم من الثَّنيّة حتى نزل على مدينة هَمَذان، وقد تحصّنوا منهم، فحصرهم فيها، وأخذ ما بين ذلك وبين جَرْميذان، واستولوا على بلاد هَمَذان كلها. فلما رأى ذلك أهلُ المدينة سألوا الصّلح، على أن يُجريهم ومن استجاب مُجرىً واحدًا، ففعل، وقبل منهم الجزاء على المنَعة، وفرّق دَسْتَبَي بين نفر من أهل الكوفة، بين عصمة بن عبد الله الضبّيّ، ومهلهل بن زيد الطائيّ، وسِماك بن عُبَيد العبسيّ، وسِماك بن مخرمة الأسديّ، وسِمَاك بن خرَشة الأنصاريّ؛ فكان هؤلاء أوّل من وَلِيَ مسالح دَسْتَبي، وقاتل الدّيلَم.\nرجع الحديث إلى حديث سيف: قال: فبينما نُعيم في مدينة هَمَذان في توطئتها في اثني عشر ألفًا من الجنْد تكاتب الدَّيْلم وأهل الرّي وأهِل أذْرَبيجان، ثم خرج موتا في الدّيلم حتى ينزل بواج رُوذ؛ وأقبَلَ الزينبيّ أبو الفرُّخَان في أهل الرّيّ حتى انضمّ إليه، وأقبل إسْفَنْدياذ أخو رُسْتم في أهل أذْرَبيجان؛ حتى انضمّ إليه، وتحصّن أمراء مسالح دَسْتَبي، وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس، وخرج إليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الرّوذ، فاقتتلوا بها قتالا شديدًا؛ وكانت وقعة عظيمة تعدِل نهاوند؛ ولم تكن دونها، وقتل من القوم مقتلة عظيمة لا يحصَوْن ولا تقصر ملحمتهم من الملاحم الكبار؛ وقد كانوا كتبوا إلى عمر باجتماعهم، ففزع منها عمر، واهتمّ بحربها، وتوقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه إلّا البريد بالبِشارة، فقال: أبشير! فقال: بل عروة؛ فلما ثنى عليه: أبشير؟ فطن، فقال: بشير؛ فقال عمر: رسول نُعَيم؟ قال: رسول نُعَيم، قال: الخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر؛ وأخبره الخبر؛ فحمِد الله، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس؛ فحمِدوا الله. ثم قدِم سِماك بن مَخْرمة، وسِماك بن عُبيد،","vol":"8","page":379},{"text":"وسِماك بن خَرَشة في وفود من وفود أهل الكوفة بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سِماك، وسماك، وسماك، فقال: بارك الله فيكم! اللهمّ اسْمُكْ بهم الإسلام، وأيِّدهم بالإسلام! فكانت دَسْتَبي من هَمَذان ومسالحها إلى هَمَذان، حتى رجع الرّسول إلى نعيم بن مقرّن بجواب عمر بن الخطَّاب: أما بعدُ: فاستخلف على هَمَذان، وأمدّ بُكَير بن عبد الله بسماك بن خَرشة، وسرْ حتى تقدم الرّيّ، فتلقى جمعهم، ثم أقِمْ بها، فإنها أوسطُ تلك البلاد، وأجمعها لما تريد. فأقرّ نُعيم يزيد بن قيس الهَمْذانيّ على هَمَذان، وسار من واج الرُّوذ بالناس إلى الريّ.\nوقال نعيم في واج الرّوذ:\nلمَّا أتاني أن موتا ورَهْطه ... بني باسِلٍ جَرُّوا جُنودَ الأعاجمِ\nنَهَضتُ إليهم بالجنود مُساميًا ... لأمْنَعَ منهم ذِمَّتي بالقَواصِمِ\nفجئنا إليهم بالحديدِ كأننا ... جِبالٌ تراءى من فُروع القَلاسِم\nفلما لَقِيناهُمْ بها مُسْتفيضَةً ... وقد جعلوا يَسْمونَ فِعْلَ المُساهِمِ\nصَدَمْناهُمُ في واجِ رُوذَ بِجْمعنا ... غداةَ رَمَيْناهمْ بإحدى العظائمِ\nفما صبروا في حَوْمَةِ الموتِ ساعَةً ... لحدِّ الرِّماحِ والسيوفِ الصَّوارِمِ\nكأنهُمْ عند انبِثاثِ جُموعِهِمْ ... جِدارٌ تَشَظَّى لَبْنُهُ للهَوادِمِ\nأصَبْنا بها موتا ومَن لفَّ جَمْعَه ... وفيها نهابٌ قَسْمُهُ غيرُ عاتِمِ\nتَبعْناهُمُ حتى أوَوْا في شِعابِهِمْ ... نُقَتِّلُهُمْ قَتْلَ الكلابِ الجواحِمِ\nكأنهُمُ في واجِ رُوذَ وَجَوِّهِ ... ضئينٌ أصابَتْها فُروجُ المخارِمِ\nوسماك بن مَخْرمة هو صاحب مسجد سِماك.\nوأعاد فيهم نعيم كتاب صلح هَمَذان، وخلّف عليها يزيد بن قيس الهمذانيّ، وسار بالجنود حتى لحق بالرّيّ، وكان أوّل نسل الدّيلم من العرب، وقاولهم فيه نُعيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>فتح الرّيّ</span>\nقالوا: وخرج نُعيم بن مقرّن من واج رُوذ في الناس -وقد أخرَبها- إلى دَسْتَبَي، ففصل منها إلى الرّيّ، وقد جمعوا له، وخرج الزينبيّ أبو الفرُّخان،","vol":"8","page":380},{"text":"فلقيه الزينبيّ بمكان يقال له: قِهَا مسالمًا ومخالفًا لملك الريّ، وقد رأى من المسلمين ما رأى مع حسد سياوَخْش وأهل بيته، فأقبل مع نُعيم -والملك يومئذ بالريّ- سياوَخْش بن مهران بن بَهْرام شوبين، فاستمدّ أهل دُنْباوَنْد، وطبرسْتان، وقُومِس، وجُرْجان. وقال: قد علمتم أنّ هؤلاء قد حلُّوا بالرّيّ، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهده سِياوَخْش، فالتقوْا في سَفْح جبل الرّيّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وقد كان الزينبيّ قال لنُعيم: إنّ القوم كثير، وأنت في قلّة؛ فابعث معي خيلًا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهِدْهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتُوا لك. فبعث معه نُعيم خيلًا من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبيّ المدينة، ولا يشعر القوم، وبيَّتهم نُعيم بياتًا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمِعُوا التكبير من ورائهم. ثمّ إنهم انهزموا فقتلوا مقتلةً عُدّوا بالقَصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالرّي نحوًا من فيء المدائن، وصالحه الزينبيّ على أهل الرّيّ ومَرْزَبه عليهم نُعيم، فلم يزل شرف الريّ في أهل الزينبيّ الأكبر، ومنهم شَهْرام وفَرُّخان، وسقط آل بهرام، وأخرب نُعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها: العتيقة -يعني: مدينة الرّي- وأمر الزينبيّ فبنى مدينة الرّيّ الحُدْثَى. وكتب نُعَيم إلى عمر بالذي فتح الله عليه مع المضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس مع عُتيبة بن النّهاس وأبي مفزّر في وجوه من وجوه أهل الكوفة، وأمدّ بكير بن عبد الله بسماك بن خَرَشة الأنصاريّ بعد ما فتح الرّي، فسار سِماك إلى أذْربيجان مددًا لبكير، وكتب نُعيم لأهل الرّي كتابًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما أعطى نُعيم بن مقرّن الزينبيَّ بن قُوله، أعطاه الأمان على أهل الرّيّ ومَن كان معهم من غيرهم على الجزاء، طاقة كلّ حالم في كلّ سنة، وعلى أن ينصحوا، ويدلُّوا، ولا يغِلُّوا، ولا يُسِلّوا، وعلى أن يَقْروا المسلمين يومًا وليلة، وعلى أن يفخّموا المسلم، فمن سبّ مسلمًا، أو استخفّ به نُهك عقوبة، ومَنْ ضربه قُتِل، ومَن بدّل منهم فلم يسْلَم برُمّته فقد غيّر جماعتكم. وكتب وشهد.\nوراسله المَصْمُغان في الصّلح على شيء يفتدي به منهم من غير أن يسأله","vol":"8","page":381},{"text":"النصر، والمنْعة، فقبل منه، وكتب بينه وبينه كتابًا على غير نصر، ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا كتابٌ من نُعَيم بن مقرّن لمَرْدَانْشاه مَصْمُغان دُنْبَاوند، وأهل دنْباوند، والخُوار، واللارِز، والشِّرّز. إنك آمن ومَن دخل معك عِلى الكفّ، أن تكفّ أهل أرضك، وتتقي من ولي الفرْج بمئتي ألف درهم وَزْن سبعة في كلّ سنة، لا يغار عليك، ولا يدخل عليك إلّا بإذن؛ ما أقمت على ذلك حتى تغيِّر، ومَنْ غيّر فلا عهد له ولا لمن لم يسلمه. وكتب وشهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>فتح قومِس</span>\nقالوا: ولما كتب نُعيم بفتح الرّيّ مع المُضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس كتب إليه عُمر: أن قدّم سُويد بن مقرّن إلى قومِس، وابعث على مقدّمته سماك بن مَخْرَمة، وعلى مجنّبتيه عُتَيبة بن النّهاس، وهند بن عمرو الجمليّ، ففصل سُويد بن مقرّن في تعبيته من الرّيّ نحو قُومِس؛ فلم يقمْ له أحدٌ، فأخذها سِلْمًا، وعسكر بها، فلمَّا شربوا من نهر لهم يقال له: ملاذ، فشا فيهم القَصَر؛ فقال لهم سويد: غيّروا ماءكم حتى تعودوا كأهله؛ ففعلوا، واستمرؤوه، وكاتبه الذين لجؤُوا إلى طَبِرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز، فدعاهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما أعطى سويد بن مقرّن أهلَ قومِس، ومن حَشَوْا من الأمان على أنفسهم، ومللهم، وأموالهم، على أن يؤدُّوا الجزية عن يد عن كلّ حالم بقدر طاقته، وعلى أن ينصحوا، ولا يغشّوا، وعلى أن يدلُّوا، وعليهم نُزْل مَنْ ننرل بهم من المسلمين يومًا وليلة من أوسط طعامهم، وإن بدّلوا، واستخفُّوا بعهدهم؛ فالذمّة منهم بريئة. وكتب وشهد.","vol":"8","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1225>فتح جُرجان</span>\nقالوا: وعسكر سُويد بن مقرّن ببسطام، وكاتب ملك جرجان رُزْبان صول، ثم سار إليها، وكاتبه رُزْبان صول، وبادره بالصّلح على أن يؤدّيَ الجزاء، ويكفيه حرب جُرجان، فإن غلب؛ أعانه. فقبل ذلك منه، وتلقّاه رُزْبان صُول قبل دخول سُوَيد جُرجان؛ فدخل معه وعسكر بها حتى جبَى إليه الخراج، وسمَّى فروجها، فسدّها بتُرْك دهسْتان، فرفع الجزاء عمّن أقام يمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها، وكتب بينهم وبينه كتابًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا كتاب من سُويد بن مقرّن لرُزْبان صُول بن رُزْبان، وأهل دِهِسْتان، وسائر أهل جُرْجان: إنّ لكم الذمة، وعلينا المنْعة؛ على أنّ عليكم من الجزاء في كلّ سنة على قَدْر طاقتكم؛ على كلّ حالم؛ ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، ومللهم، وشرائعهم، ولا يغيَّر شيء من ذلك هو إليهم ما أدّوا، وأرشدوا ابنَ السبيل، ونصحوا، وقَرَوا المسلمين، ولم يبد منهم سَلٌّ، ولا غَلٌّ، ومَن أقام فيهم فله مثل ما لهم، ومَنْ خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنَه؛ وعلى أنّ من سبّ مسلمًا بُلِغَ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. شهد سواد بن قطبة، وهند بن عمرو، وسِماك بن مَخْرمة، وعتيبة بن النّهاس. وكتب في سنة ثماني عشرة.\nوأما المدائنيّ؛ فإنه قال - فيما حدّثنا أبو زيد، عنه -: فُتِحت جُرجان في زمن عثمان سنة ثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>فتح طَبَرِستان</span>\nقالوا: وأرسل الإصبَهبذ سُوَيدًا في الصّلح، على أن يتوادعا؛ ويجعل له شيئًا على غير نصر، ولا معونة على أحد؛ فقبل ذلك منه، وجرى ذلك لهم، وكتب له كتابًا:","vol":"8","page":383},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nهذا كتاب من سُويد بن مقرّن للفرُّخَان إصبَهبذ خُراسان على طَبَرستان وجيل جيلان من أهل العدوّ؛ إنك آمن بأمان الله ﷿ علِى أن تكفّ لصُوتَك وأهل حواشي أرضك، ولا تُؤويَ لنا بغْية، وتتّقيَ من ولي فَرْج أرضك بخمسمئة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك؛ فليس لأحد منا أن يُغير عليك، ولا يتطّرق أرضك، ولا يدخل عليك إلّا بإذنك؛ سبيلنا عليكم بالإذن آمنة؛ وكذلك سبيلكم، ولا تؤوون لنا بغية، ولا تسلّون لنا إلى عدوّ، ولا تغلّون، فإن فعلتم؛ فلا عهد بيننا وبينكم. شهد سواد بن قطبة التميميّ، وهند بن عمرو المُراديّ، وسماك بن مَخْرمة الأسديّ، وسِماك بن عُبيد العبسيّ، وعتيبة بن النّهاس البكريّ. وكتب سنة ثماني عشرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>فتح أذْرَبيجان</span>\nقال: ولما افتتح نُعيم هَمَذان ثانية، وسار إلى الريّ من واج رُوذ؛ كتب إليه عمر: أنْ يبعث سماك بن خَرَشة الأنصاريّ مُمدًّا لبُكير بن عبد الله بأذْرَبيجان، فأخّر ذلك حتى افتتح الريّ، ثم سرّحه من الرّيّ، فسار سماك نحو بكير بأذْرَبيجان؛ وكان سماك بن خَرشة، وعُتْبة بن فَرْقد من أغنياء العرب؛ وقدما الكوفة بالغنى؛ وقد كان بكيرِ سار حين بُعِث إليها؛ حتى إذا طلع بحيال جَرْميذان - طلع عليهم إسْفَنْدياذ بن الفزُّخْزاذ مهزومًا من واج روذ، فكان أوّل قتال لقيه بأذْربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جندَه، وأخذ بُكير إسفندياذ أسيرًا، فقال له إسفندياذ: الصلح أحبُّ إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فأمسكني عندك؛ فإنّ أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء لم يقيموا لك، وجَلَوْا إلى الجبال التي حَوْلها من القَبْج والروم، ومَن كان على التحصّن تحصّن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلّا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خَرَشة مُمدًّا؛ وإسفندياذ في إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه. وقال بُكير لسماك مقدَمه عليه، ومازحه: ما الّذي أصنع بك وبعتبة بأغْنَيين؟ لئن أطعت ما في نفسي لأمضينّ قُدمًا ولأخلِّفنكما، فإن شئت أقمتَ معي، وإن شئت أتيت عُتبة فقد أذنت لك، فإني","vol":"8","page":384},{"text":"لا أراني إلَّا تارككما وطالبًا وجهًا هو أكره من هذا. فاستعفى عمر، فكتب إليه بالإذن على أن يتقدّم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله، فاستخلف عُتبة على الذي افتتح منها، ومضى قُدمًا، ودفع إسفندياذ إلى عُتبة، فضمّه عُتبة إليه، وأمّر عُتْبة سماك بن خَرشة - وليس بأبي دُجَانة - على عمل بُكير الذي كان افتتح، وجمع عمر أذْرَبيجان كلَّها لعتبة بن فرقد.\nقالوا: وقد كان بَهْرام بن الفرُّخزاذ أخذ بطَرِيق عُتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عُتْبة، فاقتتلوا، فهزمه عُتْبة، وهرب بَهرام، فلما بلغ الخبر بهزيمة بَهْرام ومهر به إسفندياذ وهو في الإسار عند بُكير، قال: الآن تمّ الصّلح، وطفئت الحرب، فصالحه، وأجاب إلى ذلك كلهم، وعادت أذْرَبيجان سِلْمًا، وكتب بذلك بُكير وعُتْبة إلى عُمر، وبعثوا بما خمّسوا مما أفاء الله عليهم، ووفّدوا الوفود بذلك؛ وكان بُكَير قد سبق عُتْبة بفتح ما ولي، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بَهْرام. وكتب عُتبة بينه وبين أهل أذْرَبيجان كتابًا حيث جُمع له عمر بكير إلى عمله:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما أعطى عُتْبة بن فرقد - عاملُ عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين - أهل أذْرَبيجان - سهلها، وجبلها، وحواشيها، وشفارِها، وأهل ملَلها - كلّهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، ومللهم، وشرائعهم؛ على أن يؤدّوا الجزية على قَدْر طاقتهم، ليس على صبيّ، ولا امرأة، ولا زَمِنٍ ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبّد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قِرى المسلم من جنود المسلمين يومًا وليلة ودلالته، ومَنْ حُشِر منهم في سنة وضع عنه جِزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك، ومَنْ خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حِرْزه. وكتب جندب، وشهد بكير بن عبد الله الليثي، وسماك بن خرشة الأنصاريّ. وكتب في سنة ثماني عشرة.\nقالوا: وفيها، قدم عتبة على عمر بالخَبيص الذي كان أهداه له، وذلك: أنّ عمر كان يأخذ عمّاله بموافاة الموسم في كلّ سنة يحجُر عليهم بذلك الظلم، ويحجزهم به عنه.","vol":"8","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1228>فتح الباب</span>\nوفي هذه السنة كان فتح الباب في قول سيف وروايته، قال: وقالوا -يعني الذين ذكرت أسماءهم قبل-: ردّ عمر أبا موسى إلى البصرة، وردّ سُراقة بن عمرو - وكان يدعَى ذا النور - إلى الباب، وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة - وكان أيضًا يدعى ذا النور - وجعل على إحدى المجنّبتين حُذَيفة بن أسيد الغفاريّ، وسمّى للأخرى بكير بن عبد الله الليثيّ - وكان بإزاء الباب قبل قدوم سُراقة بن عمرو عليه، وكتب إليه أن يلحق به - وجعل على المقاسم سَلْمان بن ربيعة. فقدّم سُراقة عبد الرحمن بن ربيعة، وخرج في الأثر، حتى إذا خرج من أذْرَبيجان نحو الباب؛ قدم على بُكير في أداني الباب، فاستدفَّ ببكير، ودخل بلاد الباب على ما عبّاه عمر. وأمدّه عمر بحبيب بن مسلمة، صرفه إليه من الجزيرة، وبعث زياد بن حنظلة مكانَه على الجزيرة. ولما أطلّ عبد الرحمن بن ربيعة على الملك بالباب - والملك بها يومئذ شهربراز، رجل من أهل فارس؛ وكان على ذلك الفرْج، وكان أصله من أهل شهربراز الملك الذي أفسد بني إسرائيل، وأعرَى الشأم منهم - فكاتبه شهر براز، واستأمنه على أن يأتيَه، ففعل فأتاه، فقال: إنّي بإزاء عدوّ كَلِب، وأمم مختلفة، لا يُنْسَبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يُعين أمثال هؤلاء، ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست من القبْج في شيء، ولا من الأرمن وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا اليوم منكم ويدي مع أيديكم، وصَغْوي معكم، وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم النصر لكم، والقيام بما تحبّون، فلا تذلّونا بالجزية فتوهنونا لعدوّكم. فقال عبد الرحمن: فوقي رجلٌ قد أظلك فسرْ إليه، فجوّزه، فسار إلى سُراقة فلقيَه بمثل ذلك، فقال سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بدّ من الجزاء ممّن يقيم ولا ينهض. فقبل ذلك، وصار سنّة فيمن كان يحارب العدوّ من المشركين، وفيمن لم يكن عنده الجزاء، إلّا أن يستنفَروا فتُوضع عنهم جزاء تلك السنة. وكتب سُراقة إلى عمر بن الخطاب بذلك، فأجازه وحسّنه، وليس لتلك البلاد التي في ساحة تلك الجبال نَبَك لم يُقم الأرمن بها إلّا على أوْفاز، وإنما هم سكان ممّن حولها ومن الطرَّاء استأصلت الغارات نبَكها من أهل","vol":"8","page":386},{"text":"القرار، وأرَز أهل الجبال منهم إلى جبالهم، وجلَوْا عن قرار أرضهم، فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم. واكتتبوا من سُراقة بن عمرو كتابًا:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما أعطى سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شهر براز، وسكان أرمينية والأرْمن من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم، وملّتهم ألّا يضارّوا، ولا ينتقضوا، وعلى أهل أرمينية والأبواب - الطرّاء منهم، والتُّنَّاء، ومَنْ حولهم، فدخل معهم - أن ينفِروا لكلّ غارة، وينفذُوا لكلّ أمر ناب، أو لم يَنُبْ رآه الوالي صلاحًا؛ على أن توضع الجزاء عمّن أجاب إلى ذلك إلّا الحشْر، والحشْر عِوَضٌ من جزائهم ومن استُغني عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذْرَبيجان من الجزاء والدلالة والنُّزْل يومًا كاملًا، فإن حُشِروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به. شهد عبد الرحمن بن ربيعة، وسلْمان بن ربيعة، وبُكير بن عبد الله. وكتب مَرْضِيّ بن مقرّن وشهد.\nووجّه سُراقة بعد ذلك بُكير بن عبد الله، وحَبيب بن مسلمة، وحُذيفة بن أسِيد، وسلْمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجِبال المحيطة بأرمينية، فوجّه بُكيرًا إلى مُوقان، ووجه حبيبًا إلى تَفْلِيس، وحُذيفة بن أسيد إلى مَن بجبال اللّان، وسَلْمان بن ربيعة إلى الوجْه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجّه فيه هؤلاء النفر إلى عمر بن الخطاب، فأتى عمرَ أمرٌ لم يكن يرى أنه يستتمّ له على ما خرج عليه في سَريح بغير مؤونة. وكان فرْجًا عظيمًا به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صَنِيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها.\nفلما استوسَقوا، واستحْلوا عَدْل الإسلام؛ مات سُراقة، واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة، وقد مضى أولئك القوّاد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجّه له إلّا بكير فإنه فضّ مُوقان، ثم تراجعوا على الجزية، فكتب لهم:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما أعطى بُكير بن عبد الله أهلَ مُوقان من جبال القَبْج الأمانَ على أموالهم، وأنفسهم، وملّتهم، وشرائعهم على الجزاء: دينار على كلّ حال أو","vol":"8","page":387},{"text":"قيمته، والنصح، ودِلالة المسلم، ونُزْله يومَه وليلتَه، فلهم الأمان ما أقرُّوا ونصحُوا، وعلينا الوفاء، والله المستعان. فإن تركوا ذلك، واستبان منهم غِشّ؛ فلا أمان لهم إلا أن يسلِموا الغَشَشة برُمّتهم؛ وإلّا فهم متمالئون. شهد الشّماخ بن ضرار، والرُّسارس بن جنادب، وحمَلة بن جُوَيّة. وكتب سنة إحدى وعشرين.\nقالوا: ولما بلغ عمرَ موت سُراقة واستخلافُه عبد الرحمن بن ربيعة؛ أقرّ عبد الرحمن على فَرْج الباب، وأمره بغزو التُّرك، فخرج عبدُ الرحمن بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهر براز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلَنْجر؛ قال: إنَّا لنرضَى منهم أن يَدَعُونا من دون الباب. قال: لكنَّا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيَهُم في ديارهم؛ وتالله إنّ معنا لأقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الرّدْم. قال: وما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله - ﷺ - ودخلوا في هذا الأمر بنيّة، كانوا أصحاب حياء وتكرّم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرّمهم، فلا يزال هذا الأمر دائمًا لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم مَن يغلبهم، وحتى يُلْفَتُوا عن حالهم بمن غيّرهم. فغزا بَلَنْجَر غزاة في زمن عمر لم تئِمْ فيها امرأة، ولم ييتم فيها صبّي، وبلغ خيله في غزاتها البَيْضاء على رأس مئتي فرسخ من بَلَنْجر، ثم غزا فسلِم؛ ثمّ غزا غزوات في زمان عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدّل أهل الكوفة في إمارة عثمان لاستعماله مَن كان ارتدّ استصلاحًا لهم، فلم يصلحهم ذلك، وزادهم فسادًا أن سادهم من طلب الدنيا، وعَضَّلوا بعثمان حتى جعل يتمثل:\nوكنْتُ وعَمْرًا كالمُسَمِّن كَلْبَهُ ... فخَدَّشَهُ أنْيابُهُ وأظافِرُهْ (١)\n(٤: ١٤٦/ ١٤٧/ ١٤٨/ ١٤٩/ ١٥٠/ ١٥١/ ١٥٢/ ١٥٣/ ١٥٤/ ١٥٥/١٥٦/ ١٥٧/ ١٥٨).\nوأما الواقديّ فإنه قال: كان فتح هَمَذان والرّي في سنة ثلاث وعشرين. قال: ويقال: افتتح الرّيّ قَرَظة بن كعب.\nوحدّثني ربيعة بن عثمان: أنَّ فَتْح هَمَذان كان في جُمادى الأولى، على رأس\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأخرج البيهقي فتح جرجان من طريق أحمد بن عبد الله بن سيف عن السري عن شعيب عن سيف به (كما عند الطبري هنا) (تأريخ جرجان/ ٢٤).","vol":"8","page":388},{"text":"ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب؛ وكان أميرها المغيرة بن شعبة.\nقال: ويقال: كان فتح الرّيّ قبل وفاة عمر بسنتين، ويقال: قتل عُمر؛ وجيوشه عليها (١). (٤: ١٤٨).\n٥٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سَلمان بن ربيعة، قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة حال الله بين الترك والخُروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلّا ومعه الملائكة تمنعه من الموت؛ فتحصنوا منه وهربوا، فرجع بالغُنْم والظَّفَر، وذلك في إمارة عمر؛ ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان، ظفر كما كان يظفر، حتى إذا تبدّل أهلُ الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتدّ فغزاهم بعد ذلك، تذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون قال: انظروا، وفعلوا فاختفوْا لهم في الغياض، فرمَى رجلٌ منهم رجلًا من المسلمين على غِرّة، فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتدّ قتالهم، ونادى مناد من الجوّ: صبرًا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنَّة! فقاتل عبدُ الرحمن حتى قتل، وانكشف الناس، وأخذ الرّاية سلمان بن ربيعة، فقاتل بها، ونادى المنادي من الجوّ: صبرًا آل سلمان بن ربيعة! فقال سلمان: أوَ ترى جزعًا! ثمّ خرج بالناس، وخرج سلمان وأبو هُريرة الدَّوْسي على جيلان، فقطعوها إلى جُرجان، واجترأ الترك بعدها، ولم يمنعهم ذلك مِن اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن.\nثمّ إنّ شهر براز قال: أيّها الأمير، أتدري مِنْ أين جاء هذا الرجل؟ هذا الرجل بعثتُه منذ سنين نحو السُّدّ لينظر ما حاله ومَنْ دونه، وزوّدتُه مالًا عظيمًا، وكتبت له إلى مَن يليني، وأهديت له، وسألته أن يكتب له إلى مَنْ وراءه، وزوّدته لكلّ ملك هديّة؛ ففعل ذلك بكلّ ملِك بينه وبينه، حتى انتهى إليه، فانتهى إلى الملك الذي السُّدّ في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازيارَه ومعه عُقابه، فأعطاه حريرة، قال: فتشكّر لي البازيار، فلما انتهينا فإذا جبلان بينهما سُدّ مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السُّد خندق أشدّ سوادًا من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله، وتفرّست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسْلِك أكافك! إنه لا يلي ملك\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"8","page":389},{"text":"بعد ملك إلّا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا، فيرمي به في هذا اللهْب، فشرّح بَضعة لحم معه، فألقاها في ذلك الهواء، وانقضّت عليها العُقاب، وقال: إن أدركَتْها قبل أن تقع فلا شيء؛ وإن لم تُدركها حتى تقع فذلك شيء؛ فخرجت علينا العُقاب باللحم في مخالبها؛ وإذا فيه ياقوته، فأعطانيها؛ وها هي هذه. فتناولها شهر براز حمراء، فناولها عبدَ الرحمن، فنظر إليها، ثم ردّها إلى شهر براز، وقال شهر براز: لَهذه خير من هذا البلد - يعني: الباب - وأيمُ الله لأنتم أحبّ إليّ ملَكة من آل كسرى؛ ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني؛ وأيمُ الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملكُكم الأكبر.\nفأقبل عبدُ الرحمن على الرّسول، وقال: ما حال هذا الرَّدم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرّجل، قال: فنظر إلى ثوبي، فقال مطر بن ثلج لعبد الرحمن بن ربيعة: صدق والله الرَّجُل؛ لقد نفذ ورأى، فقال: أجل، وصف صفة الحديد والصُّفْر، وقال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ...﴾. إلى آخر الآية. وقال عبد الرحمن لشهر براز: كم كانت هديَّتُّك؟ قال: قيمة مئة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان (١). (٤: ١٥٨/ ١٥٩/ ١٦٠).\nوحدّث عمرو بن معد يكرب عن مطر بن ثَلْج التميميّ، قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهر براز عنده، فأقبل رجل عليه شُحُوبة؛ حتى دخل على عبد الرحمن، فجلس إلى شهر بَراز، وعلى مَطَر قباء بُرود يمنيّة، أرضه حمراء، ووشيه أسود - أو وشيه أحمر وأرضه سوداء -، فتساءلا (٢). (١٥٩: ٤).\nوزعم الواقديّ: أنّ معاوية غزا الصائفة في هذه السّنة، ودخل بلاد الروم في عشرة آلاف من المسلمين.\nوقال بعضهم: في هذه السنة كانت وفاة خالد بن الوليد.\nوفيها ولِد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مرْوان (٣). (٤: ١٦٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"8","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1229>ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة</span>\nوفي هذه السنة عدّل عمر فتوحَ أهل الكوفة والبصرة بينهم.\nذكر الخبر بذلك:\n٥٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب وعمرو، وسعيد، قالوا: أقام عمّار بن ياسر عاملًا على الكوفة سنةً في إمارة عمر وبعض أخرى. وكتب عمر بن سراقة وهو يومئذ على البصرة إلى عمر بن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة، وعجز خراجهم عنهم، ويسأله أن يزيدهم أحد الماهيْن، أو ماسَبَذان. وبلغ ذلك أهلَ الكوفة، فقالوا لعمّار: اكتبْ لنا إلى عمر: أنّ رامَهُرمز وإيذَج لنا دونهم، لم يعينونا عليهما بشيء؛ ولم يلحقوا بنا حتى افتتحناهما، فقال عمّار: ما لي ولما ها هنا! فقال له عطارد: فعلامَ تدعُ فيئنَا أيها العبد الأجدع! فقال: لقد سَبَبْتَ أحبّ أذنيّ إليّ. ولم يكتب في ذلك، فأبغضوه. ولما أبى أهل الكوفة إلّا الخصومة فيهما لأهل البصرة شهد لهم أقوام على أبي موسى؛ أنه قد كان آمن أهلَ رَامَهُرمز وإيذَج؛ وأنّ أهلَ الكوفة والنعمان راسلوهم وهم في أمان. فأجاز لهم عمر ذلك، وأجراها لأهل البصرة بشهادة الشهود. وادّعى أهل البصرة في أصبَهان قرَيات افتتحها أبو موسى دون جيّ، أيام أمدّهم بهم عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عِتبان، فقال أهل الكوفة: أتيتمونا مددًا وقد افتتحنا البلاد، فآسيناكم في المغانم، والذّمة ذمتنا، والأرض أرضُنا؛ فقال عمر: صدقوا. ثمّ إنّ أهل الأيّام وأهل القادسيّة من أهل البصرة أخذوا في أمر آخر حتى قالوا: فلْيعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيه. فقال لهم عمر: أترضوْن بماه؟ وقال لأهل الكوفة: أترضون أن نعطيَهم من ذلك أحد الماهَيْن؟ فقالوا: ما رأيتَ أنه ينبغي فاعمل به، فأعطاهم ماهَ دينار بنصيبهم لمن كان شهد الأيام والقادسيّة منهم إلى سَواد البصرة ومِهْرَجَانْقذَق، وكان ذلك لمن شهد الأيّام والقادسيّة من أهل البصرة. ولما ولي معاوية بن أبي سفيان - وكان معاوية هو الذي جنّد قنَّسرين من رافضة العراقين أيام عليّ، وإنما كانت قِنَّسْرين رُستاقًا من رَساتيق حِمْص حتّى مصّرها معاوية وجنّدها بمن ترك الكوفة والبصرة في ذلك الزمان، وأخذ لهم معاوية بنصيبهم من فتوح العراق أذْرَبيجان والموْصل والباب، فضمّها فيما ضمّ، وكان أهل الجزيرة والموصل","vol":"8","page":391},{"text":"يومئذ ناقلة رُمِيتا بكلّ من كان ترك هجرته من أهل البلدين؛ وكانت الباب، وأذرَبيجان، والجَزيرِة، والموْصل من فتوح أهل الكوفة - نقل ذلك إلى من انتقل منهم إلى الشام أزمان عليّ؛ وإلى مَن رُمِيت به الجزيرة والموصل ممن كان ترك هجرته أيام عليّ، وكفر أهل أرمينية زمانَ معاوية؛ وقد أمّر حبيبَ بن مسلمة على الباب - وحبيب يومئذ بجُرزان - وكاتبَ أهل تَفْليس وتلك الجبال؛ ثم ناجزهم؛ حتى استجابوا واعتقدوا من حبيب. وكتب بينه وبينهم كتابًا بعد ما كاتبهم:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن حَبيب بن مسلمة إلى أهل تَفْلِيس من جُرْزَان أرض الهُرْمز. سِلْم أنتم؛ فإني أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو؛ فإنه قد قدِم علينا رسولكم تفلى، فبلَّغ عنكم، وأدّى الذي بعثتم. وذكر تفلى عنكم أنّا لم نكن أمّة فيما تحسبون؛ وكذلك كنا حتى هدانا الله ﷿ بمحمد - ﷺ -، وأعزّنا بالإسلام بعد قلة وذلة وجاهلية. وذكر تفلى أنكم أحببتم سلمنا. فما كرهت والذين آمنوا معي، وقد بعثتُ إليكم عبدَ الرحمن بن جَزْء السُّلَميّ؛ وهو من أعلمنا من أهل العلم بالله وأهل القرآن؛ وبعثت معه بكتابي بأمانكم، فإن رضيتم؛ دَفعه إليكم، وإن كرهتم؛ آذنكم بحرب على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تَفْليس من جُرْزان أرض الهُرْمز بالأمان على أنفسكم، وأموالكم، وصوامعكم، وبِيعكم، وصلواتكم على الإقرار بصَغار الجِزْية؛ على كلّ أهل بيت دينار وافٍ، ولنا نصحُكم، ونصركم على عدوّ الله وعدوّنا، وقرى المجتاز ليلةً من حلال طعام أهل الكتاب وحلال شرابهم، وهداية الطريق في غير ما يُضَرّ فيه بأحد منكم. فإن أسلمتم، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة؛ فإخواننا في الدّين وموالينا؛ ومن تولّى عن الله ورسله وكتبه وحِزْبه فقد آذنّاكم بحرب على سواء، إن الله لا يحبّ الخائنين. شهد عبد الرحمن بن خالد، والحجّاج، وعياض. وكتب رباح، وأشهد الله وملائكته والذين آمنوا، وكفى بالله شهيدًا (١). (٤: ١٦٠/ ١٦١/ ١٦٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1230>ذكر عزل عمَّار عن الكوفة</span>\n٥٦٨ - قد تقدّم ذكرِي بعض سبب عزله، ونذكر بقيته. ذكر السري - فيما كتب به إليّ - عن شعيب، عن سيف، عمّن تقدم ذكري من شيوخه، قال: قالوا: وكتب أهلُ الكوفة؛ عطاردٌ ذلك، وأناس معه إلى عمر في عمّار، وقالوا: إنه ليس بأمير، ولا يحتمل ما هو فيه، ونزا به أهلُ الكوفة. فكتب عمر إلى عمّار: أن أقبِل؛ فخرج بوفد من أهل الكوفة، ووفَّد رجالًا ممن يرى: أنهم معه، فكانوا أشدّ عليه ممن تخلّف، فجزع فقيل له: يا أبا اليَقْظان، ما هذا الجزع! فقال: والله ما أحمِد نفسي عليه؛ ولقد ابتليت به - وكان سعد بن مسعود الثقفيّ عمُّ المختار، وجرير بن عبد الله معه - فسعيا به، وأخبرا عمر بأشياء يكرهها، فعزله عمر، ولم يولّه (١). (٤: ١٦٣).\n٥٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومجالد، عن الشعبيّ، قال: قال عمر لأهل الكوفة: أيّ منزليْكم أعجبُ إليكم؟ - يعني: الكوفة، أو المدائن - وقال: إني لأسألكم وإني لأعرفُ فضل أحدهما على الآخر في وجوهكم، فقال جرير: أما منزلنا هذا الأدنى فإنه أدنَى محِلّةً من السواد من البرّ، وأما الآخر؛ فوعْك البحر، وغمُّه، وبَعوضه.\nفقال عمار: كذبت؛ فقال عمر لعمار: بل أنت أكذب منه، وقال: ما تعرفون من أميركم عمار؟ فقال جرير: هو والله غير كافٍ، ولا مجزٍ، ولا عالم بالسياسة (٢). (٤: ١٦٣).\n٦٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سياه، عن هشام بن عبد الرحمن الثقفيّ: أن سعد بن مسعود، قال: والله ما يدري علام استعملته! فقال: عمر: علام استعملتُك يا عمّار؟ قال: على الحيرة وأرضِها. فقال: قد سمعتُ بالحيرة تجارًا تختلف إليها، قال: وعلى أيّ شيء؟ قال: على بابل وأرضها، قال: قد سمعتَ بذكرها في القرآن. قال: وعلى أيّ شيء؟ قال: على المدائن وما حولها، قال: أمدائن كسرى؟ قال: نعم. قال: وعلى أيّ شيء؟\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":393},{"text":"قال: على مهرجا نقذق وأرضها. قالوا: قد أخبرناك أنه لا يدري علامَ بعثته! فعزله عنهم، ثم دعاه بعد ذلك، فقال: أساءك حين عزلتُك؟ فقال: والله ما فرحتُ به حين بعثتَنِي، ولقد ساءني حين عزلتَني. فقال: لقد علمتُ ما أنت بصاحب عمل، ولكني تأوّلت: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (١) (٤: ١٦٤).\n٥٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن خُليد بن ذَفَرة النَّمَريّ، عن أبيه بمثله وزيادة، فقال: أوتُحْمِد نفسَك بمعرفة من تُعالجه منذ قدمت! وقال: والله يا عمّار! لا ينتهي بك حدُّك حتى يلقيَك في هَنة، وتالله لئن أدركك عمر لترِقّنّ، ولئن رققتَ لتُبتلينّ، فسل الله الموت. ثمّ أقبل على أهل الكوفة فقال: مَن تريدون يا أهلَ الكوفة؟ فقالوا: أبا موسى. فأمّره عليهم بعد عمار، فأقام عليهم سنة، فباع غلامُه العَلَف. وسمعه الوليد بن عبد شمس، يقول: ما صحبتُ قومًا قطّ إلا آثرتهم؛ ووالله ما منعنِي أن أكذِّب شهودَ البصرة إلّا صحبتهُم، ولئن صحبتُكم لأمنحنّكم خيرًا. فقال الوليد: ما ذهب بأرضنا غيرُك؛ ولا جرم لا تعمل علينا. فخرج وخرج معه نفر، فقالوا: لاحاجةَ لنا في أبي موسى، قال: ولم؟ قالوا: غلام له يتّجر في حَشَرنا. فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة، وصرف عمرَ بن سراقة إلى الجزيرة. وقال لأصحاب أبي موسى الذين شخصوا في عزله من أهل الكوفة: أقويٌّ مشدّد أحبّ إليكم أم ضعيف مؤمن؟ فلم يجد عندهم شيئًا، فتنحّى، فخلا في ناحية المسجد، فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فكلأه حتى استيقظ، فقال: ما فعلتَ هذا يا أمير المؤمنين إلّا من عظيم؛ فهل نابك من نائب؟ قال: وأيّ نائب أعظم من مئة ألف لا يرضوْن عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير! وقال في ذلك ما شاء الله.\nواختُطّت الكوفة حين اختُطّت على مئة ألف مقاتل؛ وأتاه أصحابه، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! ما شأنك؟ قال: شأني أهل الكوفة قد عَضّلوا بي. أعاد عليهم عمر المشورة التي استشار فيها، فأجابه المغيرة فقال: أمّا الضعيف المسلم؛ فضعفه عليك وعلى المسلمين، وفضله له، وأمّا القويّ المشدّد؛ فقوّته لك\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":394},{"text":"وللمسلمين، وشِداده عليه وله. فبعثه عليهم (١). (٤: ١٦٤/ ١٦٥).\n٥٧٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن سعيد بن عمرو: أنَّ عمر قال قبل أن استعمل المغيرة: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم، أو رجل قويّ مشدّد؟ فقال المغيرة: أما الضعيف المسلم، فإنّ إسلامَه لنفسه، وضعفه عليك، وأما القويّ المشدّد فإنّ شِداده لنفسه، وقوّته للمسلمين. قال: فإنّا باعثوك يا مغيرة! فكان المغيرة عليها حتى مات عمر رضي الله تعالى عنه وذلك في نحو من سنتين وزيادة. فلما ودّعه المغيرة للذهاب إلى الكوفة، قال له: يا مغيرة! ليأمنك الأبرار، وليخفك الفجّار. ثم أراد عمر أن يبعثَ سعدًا على عَمل المغيرة فقتِل قبل أن يبعثه، فأوصى به؛ وكان من سنّة عمر وسيرته أن يأخذ عمّاله بموافاة الحجّ في كل سنة للسياسة، وليحجزهم بذلك عن الرعيّة، وليكون لشكاة الرعية وقتًا وغاية ينهونها فيه إليه (٢). (٤: ١٦٥/ ١٦٦).\nوفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس - في قول بعضهم خُراسان - وحارب يَزْدجِرد؛ وأما في رواية سيف؛ فإنّ خروجَ الأحنف إلى خراسان كان في سنة ثماني عشرة من الهجرة (٣). (٤: ١٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>ذكر مصير يَزْدَجِرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك</span>\n٥٧٣ - اختلف أهل السير في سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه؛ فأمّا ما ذكره سيف عن أصحابه في ذلك، فإنه فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: كان يَزْدَجِرد بن شهريار بن كسرى - وهو يومئذ ملك فارس - لما انهزم أهل جَلُولاء خرج يريد الرّيّ، وقد جعِل له محمل واحد يُطبق ظهر بَعيره، فكان إذا سار نام فيه ولم يعرّس بالقوم. فانتهوْا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله، فأنبهوه ليُعلم، ولئلا يفزع إذا خاض البعير إن هو استيقظ، فعنّفهم وقال: بئسما صنعتم! والله لو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الأمة، إني رأيتُ أني ومحمدًا تناجينا عند الله، فقال له: أملِّكهم مئة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"8","page":395},{"text":"سنة، فقال: زدْني، فقال: عشرًا ومئة سنة، فقال: زدني، فقال: عشرين ومئة سنة، فقال: زدني، فقال: لك. وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الأمة.\nفلما انتهى إلى الرّيّ، وعليها آبان جاذويْه؛ وثب عليه فأخذه، فقال: يا آبان جاذويه! تغدِر بي؟ ! قال: لا، ولكن قد تركتَ مُلْكك، وصار في يد غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء، وما أردتُ غير ذلك. وأخذ خاتم يَزْدَجِرد ووصل الأدُم؛ واكتتب الصّكاك وسجّل السجلات بكلّ ما أعجبه، ثم ختم عليها وردّ الخاتم. ثم أتى بعدُ سعدًا فردّ عليه كلّ شيء في كتابه. ولما صنع آبان جاذويه بيزدَجِرْد ما صنع خرج يَزْدَجِرد من الرّيّ إلى أصبهان، وكره آبانَ جاذويه، فارًّا منه، ولم يأمنه. ثم عزم على كَرْمان، فأتاها والنار معه، فأراد أنْ يضعها في كَرْمان، ثمّ عزم على خراسان، فأتى مَرْوَ، فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتًا واتّخذ بستانًا، وبنى أزَجًا فرسخين من مَرْو إلى البستان؛ فكان على رأس فرسخين من مَرْو، واطمأنّ في نفسه، وأمِن أن يُؤتَى؛ وكاتب من مَرْوَ مَن بقيَ من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون، فدانُوا له، حتى أثار أهلَ فارس والهُرْمِزان فنكثوا، وثار أهل الجبال والفيرُزان فنكثوا، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر للمسلمين في الانسياح، فانساح أهلُ البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا في الأرض؛ فخرج الأحنف إلى خُراسان، فأخذ على مِهْرَجان قَذَق، ثم خرج إلى أصبهان - وأهل الكوفة محاصرو جَيّ - فدخل خراسان من الطّبَسيْن، فافتتح هَراةَ عَنْوةً، واستخلف عليها صُحار بن فلان العبديّ. ثم سار نحو مَرْو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور - وليس دونها قتال - مطرّفَ بن عبد الله بن الشخِّير والحارثَ بن حسان إلى سَرْخس؛ فلما دنا الأحنف من مَرْو الشَّاهجان خرج منها يَزْدَجِرد نحو مَرْو الرّوذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مَرْو الشاهجان؛ وكتب يَزْدَجِرد وهو بمرْو الرّوذ إلى خاقان يستمدّه؛ وكتب إلى ملك الصُّغْد يستمدّه؛ فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصُّغْد، وكتب إلى ملك الصين يستعينه، وخرج الأحنف من مَرْو الشاهجان؛ واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهليّ بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بن النَّضْر النضْرِّي، وربعيّ بن عامر التميميّ، وعبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، وابن أمّ غزال الهمْدانيّ؛ وخرج سائرًا نحو مَرْو","vol":"8","page":396},{"text":"الرّوذ؛ حتى إذا بلغ ذلك يَزْدَجرد خرج إلى بَلْخ، ونزل الأحنف مَرْوَ الرّوذ؛ وقدم أهل الكوفة؛ فساروا إلى بَلْخ، وأتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويَزْدَجِرد ببلْخ، فهزم الله يَزْدَجِرد، وتوجّه في أهل فارس إلى النهر فعبر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة؛ وقد فتح الله عليهم؛ فبلْخُ من فتوح أهل الكوفة. وتتابع أهل خراسان ممن شذّ أو تحصّن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طُخَارستان ممّن كان في مملكة كسرى، وعاد الأحنف إلى مَرْو الرّوذ، فنزلها واستخلف على طُخَارستان ربعيّ بن عامر، وهو الذي يقول فيه النجاشيّ - ونسبه إلى أمّه؛ وكانت من أشراف العرب -:\nألا رُبَّ مَن يُدْعَى فتىً ليس بالفَتى ... ألا إنَّ رِبْعِيَّ بْنَ كأس هو الفَتى\nطويلٌ قُعودُ القومِ في قَعْرِ بيتِهِ ... إذا شَبِعُوا من ثُفْلِ جَفْتتِهِ سَقى\nكتب الأحنف إلى عمر بفتْح خُراسان، فقال: لودِدت أني لم أكن بعثتُ إليها جندًا، ولودِدت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار؛ فقال عليّ: ولمَ يا أمير المؤمنين؟ ! قال: لأنّ أهلَها سينفَضُّون منها ثلاث مرّات، فيُجتاحون في الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحبَّ إليّ من أن يكون بالمسلمين (١). (٤: ١٦٦/ ١٦٧/ ١٦٨).\n٥٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عبد الرحمن القزاريّ، عن أبي الجَنوب اليشكريّ، عن عليّ بن أبي طالب ﵇، قال: لما قدِم عمر على فتح خُراسان، قال: لودِدت أنّ بيننا وبينها بحرًا من نار، فقال عليّ: وما يشتدّ عليك من فتحها! فإنّ ذلك لموضع سرور، قال: أجل ولكني ... حتى أتى على آخر الحديث (٢) (٤: ١٦٨).\n٥٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عيسى بن المغيرة، وعن رجل من بكر بن وائل يدعى الوازع بن زيد بن خُلَيدة، قال: لما بلغ عمرَ غلبةُ الأحنف على المرْوَيْن، وبلْخ، قال: وهو الأحنف، وهو سيّد أهل المشرق المسمّى غير اسمه. وكتب عمر إلى الأحنف: أما بعد، فلا تجوزَنّ النهر واقتصِرْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":397},{"text":"على ما دونه، وقد عرفتم بأيّ شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به خراسان؛ يدمْ لكم النصر؛ وإيّاكم أن تعبروا فتفضّوا.\nولمّا بلغ رسولا يَزْدَجِرد خاقانَ وغوزك، لم يستتبّ لهما إنجادُه حتى عبرَ إليهما النهر مهزومًا، وقد استتَبّ فأنجده خاقان - والملوك ترى على أنفسها إنجادَ الملوك - فأقبل في الترك، وحشر أهل فَرْغانة والصُّغْد؛ ثم خرج بهم، وخرج يَزْدَجرِد راجعًا إلى خُراسان، حتى عبر إلى بَلْخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهلُ الكوفة إلى مَرْو الرّوذ إلى الأحنف، وخرج المشركون من بَلْخ حتى نزلوا على الأحنف بمَرْو الرّوذ. وكان الأحنف حين بلغه عُبور خاقان والصُّغْد نهرَ بَلْخ غازيًا له، خرج في عسكره ليلًا يتسمّع: هل يسمع برأي ينتفع به؟ فمرّ برجلين ينقّيان علفًا، إما تِبنًا، وإما شعيرًا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير أسندَنا إلى هذا الجبل، فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقًا؛ وكان الجبل في ظهورنا من أن نُؤتى من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله. فرجع واجتزأ بها، وكان في ليلة مظلمة، فلما أصبح جمع الناس، ثم قال: إنّكم قليل، وإنّ عدوكم كثير، فلا يهولنّكم؛ فـ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ ارتحلوا من مكانكم هذا، فاسندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه في ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوّكم، وقاتلوهم من وجه واحد. ففعلوا، وقد أعدّوا ما يصلحهم، وهو في عشرة آلاف من أهل البصرة وأهل الكوفة نحو منهم. وأقبلت الترك ومَنْ أجلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحَّوْن عنهم بالليل ما شاء الله. وطلب الأحنف عِلْم مكانهم بالليل، فخرج ليلة بعد ما علم علمَهم طليعة لأصحابه حتى كان قريبًا من عسكر خاقان فوقف، فلمّا كان في وجه الصّبح خرج فارس من الترك بطوْقه، وضرب بطبله، ثم وقف من العسكر موقفًا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتيْن، فطعنه الأحنف فقتله، وهو يرتجز ويقول:\nإنَّ عَلى كلِّ رَئيسٍ حَقًّا ... أنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أو تَنْدَقَّا\nإنَّ لنا شَيْخًا بها مُلْقَّى ... سَيْفَ أبي حَفْصِ الذي تَبقَّى\nثم وقف موقف التركيّ وأخذ طوقه، وخرج آخر من الترك، ففعل فعل","vol":"8","page":398},{"text":"صاحبه الأوّل، ثم وقف دونه فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:\nإنَّ الرَّئيسَ يَرتَبي وَيَطْلُعُ ... ويَمْنَعُ الخُلَّاءَ إمّا أرْبعُوا\nثم وقف موقف التركيّ الثاني، وأخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل الرّجلين، ووقف دون الثاني منهما، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتيْن، فطعنه الأحنف، فقتله وهو يرتجز:\nجَرْيَ الشَّموسِ ناجِزًا بِناجِزْ ... مُحْتَفِلًا في جَرْيِهِ مُشارِزْ\nثم انصرف الأحنف إلى عسكره؛ ولم يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعدّ. وكان من شيمة الترك: أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء؛ كلُّهم يضرب بطبله، ثم يخرجون بعد خروج الثالث، فخرجت التُّرك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوْا على فرسانهم مقتَّلين، فتشاءم خاقان وتطيّر، فقال: قد طال مقامنا، وقد أصيبَ هؤلاء القوم بمكان لم يُصب بمثله قطّ؛ ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرِفوا بنا؛ فكان وجوههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يروْن شيئًا، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بَلْخ. وقد كان يَزْدَجِرد بن شهريار بن كسرى تَرَك خاقان بمَرْو الرّوذ، وخرج إلى مَرْو الشاهجان؛ فتحصّن منه حاتم بن النعمان ومَن معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها؛ وخاقان ببلْخ مقيم له، فقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتّباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. ولما جمع يَزْدَجِرد ما كان في يديه مما وضع بمَرْو، فأعجل عنه؛ وأراد أن يستقلّ به منها؛ إذْ هو أمر عظيم من خزائن أهل فارس، وأراد اللّحاق بخاقان فقال له أهل فارس: أيّ شيء تريد أن تصنع؟ فقال: أريد اللّحاق بخاقان، فأكون معه أو بالصّين، فقالوا له: مهلًا؛ فإنّ هذا رأي سوء، إنّك إنما تأتي قومًا في مملكتهم؛ وتَدَع أرضك وقومك؛ ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحَهم؛ فإنهم أوفياء وأهل دين؛ وهم يلُون بلادنا، وإنّ عدوًّا يلينا في بلادنا أحبّ إلينا مملكة من عدُوّ يلينا في بلاده ولا دينَ لهم؛ ولا ندري ما وفاؤهم؛ فأبَى عليهم وأبوْا عليه؛ فقالوا: فدَعْ خزائننا نردّها إلى بلادنا ومَن يليها، ولا تُخرجها من بلادنا إلى غيرها، فأبى؛ فقالوا: فإنّا لا نَدَعك؛ فاعتزلوا، وتركوه في حاشيته، فاقتتلوا، فهزموه وأخذوا الخزائن،","vol":"8","page":399},{"text":"واستولوْا عليها، ونكبوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر، فاعترضَهم المسلمون والمشركون بمَرْو يثفنونه، فقاتلوه وأصابوه في أُخَر القوم، وأعجلوه عن الأثقال؛ ومضى مُوائلًا حتى قطع النهر إلى فرْغانة والترك؛ فلم يزل مقيمًا زمان عمر - ﵁ - كله يكاتبهم ويكاتبونه، أو من شاء الله منهم. فكفر أهلُ خراسان زمانَ عثمان. وأقبل أهلُ فارس على الأحنف فصالحوه، وعاقدوه، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة؛ فكانوا كأنما هم في مُلكهم؛ إلّا أن المسلمين أوفَى لهم، وأعدل عليهم، ما اعتَبطوا وغُبِّطوا؛ وأصاب الفارسَ يوم يَزْدَجِرد كسهم الفارس يوم القادسيّة.\nولما خلع أهل خراسان زمانَ عثمان؛ أقبل يَزْدَجِرد حتى نزل بمَرْو، فلمّا اختلف هو ومن معه وأهل خراسان؛ أوَى إلى طاحونة، فأتوْا عليه يأكلُ من كرد حول الرّحا، فقتلوه، ثم رموْا به في النهر.\nولما أصيب يَزْدَجِرد بمروَ - وهو يومئذ مختبئ في طاحونة يريد أن يطلب اللحاق بكَرْمان - فاحتوى فيئه المسلمون والمشركون، وبلغ ذلك الأحنف، فسار من فَوْره ذلك في الناس إلى بلْخ يريد خاقان، ويتبع حاشية يَزْدَجِرد وأهله في المسلمين والمشركين من أهل فارس، وخاقان والترك ببلْخ. فلما سمع بما ألْقى يَزْدَجِرد، وبخروج المسلمين مع الأحنف من مَرْو الرّوذ نحوه، ترك بلْخ، وعبر النهر؛ وأقبل الأحنف حتى نزلَ بلْخ؛ ونزل أهل الكوفة في كُورها الأربع، ثم رجع إلى مَرْو الرّوذ فنزل بها؛ وكتب بفتْح خاقان ويَزْدَجِرد إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس، ووفّد إليه الوفود. قالوا: ولما عَبَر خاقان النهر، وعبرت معه حاشية آل كسرى، أو من أخذ نحو بَلْخ منهم مع يَزْدَجِرد؛ لقوا رسولَ يزدجرد الذي كان بعث إلى ملك الصين، وأهدى إليه معه هدايا، ومعه جواب كتابه من ملك الصين. فسألوه عمّا وراءه، فقال: لما قدِمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما تروْن - وأراهم هديّته - وأجاب يَزْدجرد، فكتب إليه بهذا الكتاب بعد ما كان قال لي: قد عرفت: أنّ حقًّا على الملوك إنجاد الملوك على مَنْ غَلبَهم، فصِفْ لي صِفة هؤلاء القوم الّذين أخرجوكم من بلادكم؛ فإنّي أراك تذكر قلةً منهم، وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما أسمع من","vol":"8","page":400},{"text":"كثرتكم إلّا بخيرٍ عندهم، وشرّ فيكم؛ فقلت: سلني عما أحببتَ، فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم، قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؛ قلت: يَدْعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنْعة، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوَعُ قوم لمرشدِهم، قال: فما يُحلّون، وما يَحَرّمون؟ فأخبرته، فقال: أيحرّمون ما حُلِّل لهم، أو يحلون ما حرِّم عليهم؟ قلت: لا، قال: فإنّ هؤلاء القوم لا يهلِكون أبدًا؛ حتى يُحلّوا حرامَهم، ويحرّموا حلالهم. ثم قال: أخبرني عن لباسهم؛ فأخبرته، وعن مطاياهم، فقلت: الخيل العِراب - ووصفتها - فقال: نعمت الحصُون هذه! ووصفتُ له الإبلَ وبروكها وانبعاثها بحملها، فقال: هذه صفة دوابّ طوال الأعناق.\nوكتب معه إلى يزدجرد كتابًا: إنه لم يمنعني أن أبعثَ إليك بجيش أوّله بمَرْو وآخره بالصّين الجهالةُ بما يحقّ عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصَف لي رسولك صفتَهم لو يحاولون الجبال لهدّوها، ولو خُلّي سَرْبهم أزالوني ما داموا على ما وصف؛ فسالمْهم وارضَ منهم بالمساكنة؛ ولا تُهجْهم ما لم يُهِيجُوك.\nوأقام يَزْدَجِرِد وآل كسرى بفَرْغانة، معهم عهد من خاقان. ولمَّا وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم بعمر بن الخطاب من قِبَل الأحنف، جمع الناس وخطبهم، وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم، فقال في خطبته: إنّ الله ﵎ ذكَر رسولَه - ﷺ -، وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتّباعه من عاجل الثواب وآجله خيرَ الدنيا والآخرة. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾؛ فالحمد الذي أنجز وعده، ونصر جنده. ألا إنّ الله قد أهلك ملك المجوسيّة، وفرّق شملَهم، فليسُوا يملكون من بلادهم شبرًا يضرّ بمسلم. ألَا وإنّ الله قد أورَثكم أرضَهم، وديارَهم، وأموالَهم، وأبناءهم؛ لينظر كيف تعملون! ألا وإنّ المصرَيْن من مسالحها اليوم كأنتم والمصرَيْن فيما مضَى من البُعد، وقد وغلوا في البلاد، والله بالغ أمرَه، ومنجز وعْده؛ ومتبع آخر ذلك أوّلَه، فقوموا في أمره على رجل يوفِّ لكم بعهده، ويؤتِكم وعدَه؛ ولا تبدّلوا، ولا تغيّروا؛ فيستبدل الله","vol":"8","page":401},{"text":"بكم غيركم؛ فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلّا من قِبَلكم (١).\n(٤: ١٦٨/ ١٦٩/ ١٧٠/ ١٧١/ ١٧٢/ ١٧٣).\nقال أبو جعفر: ثمّ إنّ أداني أهل خراسان وأقاصيه اعترضوا زمانَ عثمان بن عفان لسنتين خلتا من إمارته؛ وسنذكر بقيّة خبر انتقاضهم في موضعه إن شاء الله مع مقتل يَزْدَجِرد (٢). (٤: ١٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين</span>\n٥٧٦ - فكان فيها فتح إصْطَخْر في قول أبي مَعْشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت إصْطَخر الأولى، وهَمَذان سنة ثلاث وعشرين. وقال الواقديّ مثل ذلك. وقال سيف: كان فتح إصْطَخر بعد توّج الآخرة (٣). (٤: ١٧٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>ذكر الخبر عن فتح تَوَّج</span>\n٥٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: خرج أهل البصرة الذين وُجّهوا إلى فارس أمراء على فارس؛ ومعهم سارية بن زُنَيم ومن بُعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهلُ فارس مجتمعون بتوّج؛ فلم يصمُدوا لجمعهم بجموعهم، ولكن قصد كلّ أمير كورة منهم قَصْدَ إمارته وكُورته التي أمر بها، وبلغ ذلك أهلَ فارس، فافترقوا إلى بلدانهم؛ كما افترق المسلمون ليمنعوها، وكانت تلك هزيمتهم وتشتُّت أمورهم وتفريق جموعهم؛ فتطيّر المشركون من ذلك؛ وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بن مسعود لسابور، وأردشير خُرّه فيمن معه من المسلمين، فالتقوْا بتوّج وأهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله. ثمّ إنّ الله ﷿ هزَم أهل توّج للمسلمين، وسلّط عليهم المسلمين، فقتلوهم كلّ قِتلة، وبلغوا منهم ما شاؤوا، وغنّمهم ما في عسكرهم فحوَوْه؛ وهذه توّج الآخرة؛ ولم يكن لها بعدها\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":402},{"text":"شوْكة، والأولى التي تُنُقّذ فيها جنود العلاء أيّام طاووس، الوقعة التي اقتتلوا فيها؛ والوقْعتان الأولى والآخرة كلتاهما متساجِلتان. ثم دُعُوا إلى الجِزْية والذّمة؛ فراجعوا وأقرّوا، وخَمّس مجاشع الغنائم، وبعث بها، ووفّد وفدًا، وقد كانت البُشراء والوفود يجازون وتقضَى لهم حوائجهم، لسنّة جرت بذلك من رسولِ الله - ﷺ - (١). (٤: ١٧٤/ ١٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>فتح إصطَخر</span>\n٥٧٨ - وأما أبو معشر فإنّه قال: كانت فارس الأولى، وإصطخر الآخرة في سنة ثمان وعشرين. قال: وكانت فارس الآخرة وجُور سنة تسع وعشرين؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني من سمع إسحاق بن عيسى، يذكر ذلك عن أبي معشر (٢). (٤: ١٧٦).\n٥٧٩ - وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سليمان بن صالح، قال: حدّثني عبيد الله، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: كان عثمان بن أبي العاص أرسل إلى البَحْرين، فأرسل أخاه الحكَم بن أبي العاص في ألفيْن إلى تَوّج؛ وكان كسرى قد فرّ عن المدائن، ولحق بجُور من فارس (٣). (٤: ١٧٦).\n٥٨٠ - قال: فحدّثني زياد مولَى الحكَم بن أبي العاص عن الحكَم بن أبي العاص، قال: قصد إلى شهرك - قال عبيد: وكان كسرى أرسله - قال الحكم: فصعد إليّ في الجنود، فهبطوا من عَقَبة، عليهم الحديد، فخشيت أن تعشوَ أبصارُ الناس، فأمرت مناديًا، فنادى: أنّ مَن كان عليه عمامة؛ فلْيلفَّها على عينيه، ومَنْ لم يكن عليه عمامة؛ فليغمّض بصَره؛ وناديت أن حُطّوا عن دوابّكم. فلما رأى شهرك ذلك حَطّ أيضًا. ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا، فجعلتُ الجارودَ العبديّ على الميمنة وأبا صُفْرة على الميسرة - يعني: أبا المهلّب - فحملوا على المسلمين فهزموهم؛ حتى ما أسمع لهم صوتًا، فقال\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده مرسل ولم ندر من هو عبد الله.","vol":"8","page":403},{"text":"لي الجارود: أيّها الأمير! ذهب الجند، فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلُهم، ليس عليها فرسانها، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرؤوس بين يديّ، ومعي بعض ملوكهم - يقال له المُكَعْبِر، فارقَ كسرى ولحِق بي - فأتِيتُ برأس ضخم، فقال المُكَعْبِر: هذا رأس الازدهاق -يعني: شهرك - فحوصروا في مدينة سابور، فصالحهم -وملكهم آذَرْبِيان- فاستعان الحَكَم بآذَرْبيان على قتال أهل إصْطَخر، ومات عُمر - ﵁ -؛ فبعث عثمان عُبيدَ الله بن معمر مكانَه، فبلغ عبيد الله أن آذَرْبيان يريد أن يغدِر بهم، فقال له: إنّي أحبّ أن تتخذ لأصحابي طعامًا، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامها في الجَفْنة التي تليني، فإنّي أحبّ أن أتمشَّش العظام. ففعل، فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر إلا بالفؤوس، فكسره بيده، فيتمخّخه - وكان من أشدّ الناس - فقام الملك، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ. فأعطاه عهدًا، فأصابت عبيد الله منجنيقة، فأوصاهم، فقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي فيها ساعة. ففعلوا فقتلوا منهم بشرًا كثيرًا.\nوكان عثمان بن أبي العاص لحق الحكَم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر: إنّ بيني وبين الكوفة فُرْجة أخاف أن يأتيَني العدوّ منها. وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك: إنّ بيني وبين كذا فُرجة. فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمئة، فأنزلهم البصرة (١). (٤: ١٧٦/ ١٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>ذكر فتح فساودارا بِجَرْدَ</span>\n٥٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دِثار بن أبي شبيب، عن أبي عثمان وأبي عمرو بن العلاء، عن رجل من بني مازن، قالا: كان عمر قد بعث سارية بن زُنيم الدؤليّ إلى فَسا ودارَابِجِرْد؛ فحاصرهم. ثم إنهم تداعَوْا فأصحرُوا له، وكثَرُوه فأتوه من كلّ جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية بن زُنيم! الجبل، الجبل! ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب المسلمين جبل، إن لجؤوا إليه؛ لم يؤتوا إلّا من وجه واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم، فأصاب مغانمهم، وأصاب في المغانم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":404},{"text":"سَفَطًا فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر، فوهبوه له، فبعث به مع رجل، وبالفتح. وكان الرّسل والوفد يُجازون وتقضَى لهم حوائجهم، فقال له سارية: استقرض ما تَبلَّغُ به وما تُخلِّفه لأهلك على جائزتك. فقدِم الرّجل البَصْرة، ففعل، ثمّ خرج فقدِم على عمر، فوجده يُطعم الناس، ومعه عصاه التي يزجُر بها بعيرَه، فقصد له، فأقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلَس حتى إذا أكل القوم؛ انصرف عمر، وقام فاتبعه، فظنّ عمر: أنه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخُل - وقد أمر الخبّاز أن يذهب بالخِوان إلى مطبخ المسلمين - فلما جلس في البيت أتِيَ بغَدائه خبز وزيت وملح جَريش، فوُضع، وقال: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ قالت: إني لأسمع حسَّ رجل، فقال: أجل، فقالت: لو أردتَ أن أبرزَ للرجال اشتريتَ لي غير هذه الكسوة؛ فقال: أوَ ما ترضَيْن أن يقال: أمّ كلثوم بنت عليّ وامرأة عمر! فقالت: ما أقلّ غَناء ذلك عني! ثم قال للرجل: ادنُ فكلْ؛ فلو كانت راضيةً لكان أطيب مما تَرى، فأكلا حتى إذا فرغ قال: رسولُ سارية بن زُنيم يا أمير المؤمنين! فقال: مرحبًا وأهلًا، ثم أدناه حتى مسّت ركبتُهُ ركبَتَه، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زُنيم، فأخبره، ثم أخبره بقصّة الدُّرْج، فنظر إليه ثم صاح به، ثم قال: لا ولا كرامةَ حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم. فطرده، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إني قد أنضيتُ إبلي واستقرضت في جائزتي، فأعطني ما أتبلّغ به؛ فما زال عنه حتى أبدله بعيرًا ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيرَه فأدخله في إبل الصدقة، ورجع الرسول مغضوبًا عليه محرومًا حتى قدم البصرة، فنفذ لأمر عمر، وقد كان سأله أهل المدينة عن سارية، وعن الفتح وهل سمعوا شيئًا يوم الوقعة؟ فقال: نعم، سمعنا: \"يا سارية، الجبل\"، وقد كدنا نهلِك، فلجأنا إليه، ففتح الله علينا (١). (٤: ١٧٨/ ١٧٩).\n٥٨٢ - كتب إليَّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ، مثل حديث عمرو (٢). (٤: ١٧٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة وأغلب الظن أنه من شعيب فهو معروف بتحامله على الصحابة.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1236>ذكر فتح كَرْمان</span>\n٥٨٣ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو؛ قالوا: وقصد سُهَيل بن عديّ إلى كَرْمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، وعلى مقدّمة لسُهيل بن عديّ النُّسير بن عمرو العِجْليّ، وقد حشد له أهل كَرْمان، واستعانوا بالقُفْس؛ فاقتتلوا في أدنى أرضهم، ففضّهم الله، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النُّسَيرُ مرزبانَها، فدخل سهيل من قِبَل طريق القُرى اليومَ إلى جِيَرفْت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاؤوا من بعير أو شاء، فقوّموا الإبل والغنم فتحاصُّوها بالأثمان لعظَم البُخْت على العِراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر؛ فكتب إليهم: إنّ البعير العربيّ إنما قُوّم بتعيير اللحم؛ وذلك مثله؛ فإذا رأيتم أنّ في البُخت فضلًا؛ فزيدوا، فإنما هي من قِيَمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>ذكر فتح سِجِسْتَان</span>\nقالوا: وقصد عاصم بن عمرو لسِجِسْتَان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلوهم فالتقوْا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم، فهزموهم ثم أتبعوهم، حتى حصروهم بزَرَنْج، ومخروا أرض سِجِسْتان ما شاؤوا. ثمّ إنهم طلبوا الصّلح على زَرَنْج وما احتازوا من الأرَضين؛ فأعطُوه، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم: أنّ فدافِدَها حِمىً؛ فكان المسلمون إذا خرجوا تناذَرُوا خِشية أن يصيبوا منها شيئًا، فيُخْفِروا. فتتم أهلُ سِجِسْتان على الخراج والمسلمون على الإعطاء؛ فكانت سِجِسْتان أعظمَ من خُراسَان، وأبعد فروجًا، يقاتلون القُنْدُهار والترك وأممًا كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بَلْخ بحياله، فلم تَزلْ أعظم البلدين، وأصعب الفَرْجين، وأكثرهما عددًا وجُندًا؛ حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه - واسم أخي الشاه يومئذ رُتْبيل - إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسِلْم بن زياد، وهو يومئذ على سِجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يُرى أنه قد فُتح عليه. فقال معاوية: إنّ ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليَحزُنُني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولمَ يا أمير المؤمنين؟ ! قال: لأنّ آمُلَ بلدة بينها وبين زَرَنْج صُعوبة وتضايُق، وهؤلاء قوم نُكُر غُدُر،","vol":"8","page":406},{"text":"فيضطرب الحبل غدًا، فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمُل بأسرها. وتمّ لهم على عهد ابن زياد؛ فلمّا وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وغلَب على آمُل، وخاف رُتبِيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم، ولم يُرْضِه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زَرَنْج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة، فصار رُتبيل والذين جاؤوا معه؛ فنزلوا تلك البلاد شَجًا لم يُنْتَزَعْ إلى اليوم؛ وقد كانت تلك البلاد مذلّلة إلى أن مات معاوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>فتح مُكران</span>\nقالوا: وقصد الحكَم بن عمرو التغلبيّ لمُكْران؛ حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بن المخارق بن شهاب، فانضمّ إليه، وأمدّه سهيل بن عديّ، وعبد الله بن عبد الله بن عِتبان بأنفُسهما، فانتهوا إلى دُوَين النهر، وقد انفضّ أهل مُكْران إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبَر إليهم راسل ملكهم ملكَ السند، فازدلف بهم مستقبلَ المسلمين. فالتقوْا فاقتتلوا بمكان من مُكْران من النهر على أيام، بعد ما كان قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به ليلحق أخراهم، فهزم الله راسل، وسلَبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعوهم يقتلونهم أيامًا، حتى انتهوا إلى النهر. ثم رجعوا فأقاموا بمُكْران. وكتب الحكَم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صُحار العبديّ، واستأمره في الفِيَلة، فقدم صُحار على عمر بالخبر والمغانم، فسأله عمر عن مُكْران - وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه - فقال: يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جَبَل، وماؤها وشَل، وتمرها دَقَل، وعدوّها بطل، وخيرها قليل، وشرّها طويل، والكثير بها قليل، والقليلُ بها ضائع، وما وراءها شرّ منها. فقال: أسَجّاعٌ أنت أم مخبِر؟ قال: لا؛ بل مخبر، قال: لا، والله لا يغزوها جيش لي ما أُطِعْتُ؛ وكتب إلى الحكم بن عمرو، وإلى سهيل ألّا يجوزَنّ مُكْران أحد من جنودكما، واقتصرا على ما دون النهر! وأمره ببيع الفيَلة بأرض الإسلام، وقَسْم أثمانها على مَنْ أفاءها الله عليه.\nوقال الحكَم بن عمرو في ذلك:\nلقد شَبِعَ الأرَامِلُ غَيْرَ فَخْرٍ ... بفيءٍ جاءَهُمْ من مُكُّرانِ","vol":"8","page":407},{"text":"أتاهمْ بعد مَسْغَبَةٍ وجَهْدٍ ... وقد صَفِرَ الشِّتاءُ من الدُّخانِ\nفإنِّي لا يَذُمُّ الجيشُ فِعْلي ... ولا سَيْفي يُذَمُّ ولا سِناني\nغَداةَ أُدَفِّعُ الأوْباشَ دَفْعًا ... إلى السِّندِ العَريضةِ والمَداني\nومِهْرانٌ لنا فيما أرَدْنا ... مطيعٌ غَيْرَ مُسْتَرْخي العِنان\nفلَوْلا ما نهى عنه أميري ... قطَعناه إلى البُدُدِ الزَّواني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>خبر بَيْرُوذ من الأهواز</span>\nقالوا: ولما فَصلت الخيول إلى الكُور؛ اجتمع بِبَيْروذ جمعٌ عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكُور أن يسير حتى ينتهي إلى ذِمّة البصرة، كي لا يؤتَى المسلمون من خَلْفهم، وخشيَ أن يُسْتلحم بعضُ جنوده، أو ينقطع منهم طرَف، أو يخلَفوا في أعقابهم؛ فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ؛ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزِل ببَيْروذ على الجمْع الذي تجمّعوا بها في رمضان، فالتقَوْا بين نهر نيري ومناذر؛ وقد توافَى إليها أهلُ النَّجدات من أهل فارس والأكراد؛ ليكيدوا المسلمين، وليُصيبوا منهم عَوْرة ولم يشكّوا في واحدة من اثنتين. فقام المهاجر بن زياد وقد تحنّط واستقتل، فقال لأبي موسى: أقسِمْ على كلّ صائم لَمّا رجع فأفطر. فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسَم، وإنما أراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال؛ وتقدّم فقاتل حتى قتِل، ووهّن الله المشركين حتى تحصّنوا في قِلّة وذلّة؛ وأقبل أخوه الربيع، فقال: هَيْىْءَ يا والع الدنيا؛ واشتدّ جزعُه عليه؛ فرقّ أبو موسى للربيع للذي رآه دخله مِن مصاب أخيه، فخلّفه عليهم في جُند؛ وخرج أبو موسى حتى بلَغ أصبهان، فلقِيَ بها جنودَ أهل الكوفة محاصري جَيّ، ثم انصرف إلى البصرة؛ بعد ظفر الجنود، وقد فتح الله على الرّبيع بن زياد أهل بيروذ من نهر تيري؛ وأخذ ما كان معهم من السَّبْي، فتنقّى أبو موسى رجالًا منهم ممن كان لهم فداء - وقد كان الفداء أردّ على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم - ووفّد الوفود والأخماس؛ فقام رجل من عَنَزة فاستوفده؛ فأبى؛ فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذَر إلّا في أمر خادمه، فضعّفه فردّه إلى عمله، وفجّر الآخر؛ وتقدّم إليه في ألّا","vol":"8","page":408},{"text":"يعود لمثلها (١). (٤: ١٨٠/ ١٨١/ ١٨٢/ ١٨٣/ ١٨٤).\n٥٨٤ - وأما المدائنيّ، فإنه ذكر: أنّ عليّ بن مجاهد أخبره عن حَنْبل بن أبي حريدة - وكان قاضي قُهِسْتان - عن مَرْزُبان قُهِستان، قال: فتح كَرْمان عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ في خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطَّبَسَيْن من كَرْمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا أميرَ المؤمنين! إني افتتحت الطَّبَسَيْن فأقطعْنِيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رُستاقان عظيمان، فلم يُقطعه إيّاهما؛ وهما بابا خُراسان (٢) (٤: ١٨٠).\n٥٨٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: لما رَجع أبو موسى عن أصبهان بعد دخول الجنود الكُور، وقد هزم الربيع أهلَ بيروذ، وجمع السَّبي والأموال؛ فغدا على ستين غلامًا من أبناء الدّهاقين تنقّاهم، وعزلهم؛ وبعث بالفتح إلى عمر، ووفّد وفدًا فجاءه رجلٌ من عَنَزة، فقال: اكتبني في الوفْد، فقال: قد كتبنا مَن هو أحقّ منك. فانطلق مغاضبًا مراغمًا، وكتب أبو موسى إلى عمر: إنّ رجلًا من عَنَزة يقال له: ضبّة بن محْصَن، كان من أمره ... وقصّ قِصّته. فلما قدِم الكتاب، والوفد، والفتح على عمر؛ قدم العَنَزيّ، فأتى عمر، فسلم عليه، فقال: مَنْ أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبًا ولا أهلًا! فقال: أما المَرْحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل؛ فاختلَف إليه ثلاثًا، يقول له هذا، ويردّ عليه هذا؛ حتى إذا كان في اليوم الرابع؛ دخل عليه، فقال: ماذا نقِمْتَ على أميرك؟ قال: تنقَّى ستين غلامًا من أبناء الدّهاقين لنفسه؛ وله جارية تدعى عَقيلة، تُغدَّى جَفْنة وتُعشَّى جفنة، وليس منا رجلٌ يقدر على ذلك؛ وله قفيزان، وله خاتمان، وفوّض إلى زياد بن أبي سفيان - وكان زياد يلي أمورَ البصرة - وأجاز الحطيئة بألف. فكتب عمر كلّ ما قال.\nفبعث إلى أبي موسى؛ فلما قدم حَجَبه أيامًا، ثم دعا به، ودّعا ضبّة بنِ محْصن؛ ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلامًا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":409},{"text":"لنفسه. فقال أبو موسى: دُلِلتُ عليهم وكان لهم فداء ففديتُهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين؛ فقال ضبّة: والله ما كذب ولا كذبتُ! وقال: له قفيزان؛ فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتُهم، وقفيز للمسلمين في أيديهم؛ يأخذون به أرزاقهم؛ فقال ضَبّة: والله ما كذب، ولا كذبتُ! فلما ذكر عَقِيلة سكت أبو موسى، ولم يعتذر؛ وعلم: أنّ ضبّة قد صدقه. قال: وزياد يلي أمور الناس، ولا يعرف هذا ما يلي؛ قال: وجدت له نُبْلًا ورأيًا، فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بألف، قال: سددتُ فَمَه بمالي أن يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلتَ. فردّه عمر، وقال: إذا قدمتَ فأرسل إليّ زيادًا وعقِيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد؛ وقدم زياد فقام بالباب، فخرج عمر؛ وزياد بالباب قائم، وعليه ثياب بياض كتّان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانُها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدّقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما صنعت في أوّل عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، واشتريت في الثاني ربيبي عُبَيْدًا فأعتقتُه، فقال: وفِّقْت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيهًا. فردّه، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس عَقِيلة بالمدينة. وقال عمر: ألا إنّ ضبّة العَنَزِيّ غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، وفارقه مراغِمًا أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبُه صدقَه؛ فإيّاكم والكذبَ؛ فإن الكذب يهدي إلى النار. وكان الحطيئة قد لقيَه فأجازه في غَزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلّهم، ثم جازهم ووكّل بهم الربيع؛ ثم رجع إليهم بعد الفتح فولِيَ القسم (١). (٤: ١٨٤/ ١٨٥/ ١٨٦).\n٥٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمّس بن أخي الأحنف بن قيس، قال: شهدتُ مع أبي موسى يوم أصبَهان فتح القُرَى، وعليها عبد الله بن وَرْقاء الرّياحيّ،\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، وكذلك رواه عمر بن شبة في تأريخ المدينة مطولًا، وقال الشيخ الدويش في الحاشية معقبًا على إسناد ابن شبة: رجاله رجال الصحيح إلّا يزيد بن عبد الله الباهلي وقد سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم وذكر أنه روى عنه حميد بن هلال ومغيرة بن النعمان (تأريخ المدينة المنورة ٦/ ٣/ ٢٨).","vol":"8","page":410},{"text":"وعبد الله بن ورقاء الأسديّ. ثم إنّ أبا موسى صُرِف إلى الكوفة، واستُعمل على البَصْرة عمر بن سراقة المخزومي، بدويّ.\nثم إنّ أبا موسى رُدّ على البصرة، فمات عمر؛ وأبو موسى على البصرة على صلاتها، وكان عملها مفترقًا غير مجموع؛ وكان عمر ربما بعث إليه، فأمدّ به بعض الجنود، فيكون مدَدًا لبعض الجيوش (١). (٤: ١٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>ذكر الخبر عن وفاة عمر وفي هذه السنة كانت وفاته</span>\nذكر الخبر عن مقتله:\n٥٨٧ - حدّثني سلم بن جُنادة، قال: حدّثنا سُليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المِسْور بن مخْرمة.- وكانت أمّه عاتكة بنت عوف - قال: خرج عمر بن الخطاب يومًا يطوف في السوق، فلقيَه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة؛ وكان نَصرانيًّا، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أعْدِني على المغيرة بن شعبة؛ فإنّ عليّ خراجًا كثيرًا! قال: وكم خراجُك؟ قال: درهمان في كلّ يوم، قال: وأيشٍ صناعتك؟ قال: نجّار، نقّاش، حدّاد، قال: فما أرى خراجَك بكثير على ما تصنع من الأعمال؛ قد بلغني أنك تقول: لو أردتُ أن أعملَ رحًا تطحن بالريح؛ فعلت، قال: نعم. قال: فاعمل لي رحًا. قال: لئن سلمتُ لأعملنّ لك رحًا يتحدّث بها مَنْ بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه؛ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد توعّدني العبد آنفًا! قال: ثمّ انصرف عمر إلى منزله؛ فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين! اعهد، فإنك ميّت في ثلاثة أيام؛ قال: وما يُدريك؟ قال: أجده في كتاب الله ﷿ التوراة، قال عمر: آللهَ إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ ! قال: اللهمّ لا؛ ولكني أجد صفتَك، وحِلْيتك، وأنه قد فني أجلُك - قال: وعمر لا يُحسُّ وجعًا ولا ألمًا - فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أميرَ المؤمنين! ذهب يوم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":411},{"text":"وبقي يومان؛ قال: ثمّ جاءه من غدِ الغد؛ فقال: ذهب يومان وبقيَ يوم وليلة؛ وهي لك إلى صبيحتها. قال: فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكّل بالصّفوف رجالًا، فإذا استوت؛ جاء هو فكبّر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ستّ ضربات، إحداهنّ تحت سُرّتِه؛ وهي التي قتلته؛ وقتل معه كُليب بن أبي البُكَيْر الليثيّ - وكان خلفه - فلما وجد عمر حرّ السلاح سقط، وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالو: نعم يا أميرَ المؤمنين! هو ذا. قال: تقدّم فصلّ بالناس، قال: فصلى عبدُ الرحمن بن عوف، وعمر طريح، ثم احتمِل فأدخل داره، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إني أريد أن أعهَد إليك؛ فقال: يا أميرَ المؤمنين! نعم إن أشرت عليّ؛ قبلت منك؛ قال: وما تريد؟ قال: أنشدك الله! أتشير عليّ بذلك؟ قال: اللهم لا! قال: والله لا أدخل فيه أبدًا! قال: فهبْ لي صمتًا حتى أعهد إلى النّفر الذين تُوفّيَ رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راضٍ. ادعُ لي عليّا، وعثمان، والزبير، وسعدًا. قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثًا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم؛ أنشدك الله يا عليّ إن وَلِيتَ من أمور الناس شيئًا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس! أنشدك الله يا عثمان إن وَليت من أمور الناس شيئًا أن تحمل بني أبي مُعيط على رقاب الناس! أنشدك الله يا سعد إن وَلِيت من أمور الناس شيئًا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس! قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمرَكم، وليصلّ بالناس صُهيب.\nثم دعا أبا طلحة الأنصاريّ، فقال: قم على بابهم، فلا تدعْ أحدًا يدخل إليهم، وأوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان، أن يُحسِن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم؛ وأوصي الخليفة من بعدي بالعرب؛ فإنها مادّة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فيوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة من بعدي بذمّة رسول الله - ﷺ - أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلّغت! تركتُ الخليفة من بعدي على أنقَى من الراحة؛ يا عبد الله بن عمر! اخرج فانظر مَنْ قتلني؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة! يا عبد الله بن عمر! اذهب إلى عائشة فسلْها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي - ﷺ -","vol":"8","page":412},{"text":"وأبي بكر، يا عبدَ الله بن عمر، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر؛ وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتّبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن. يا عبد الله! ائذن للناس، قال: فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:\nفأَوعَدَني كعبٌ ثلاثًا أُعدُّها ... ولا شكَّ أن القولَ ما قال لي كعبُ\nوما بي حِذارُ الموتِ إنّي لمَيِّتٌ ... ولكنْ حِذارُ الذَّنبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ\nقال: فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! لو دعوتَ الطبيب! قال: فدعي طبيب من بني الحارث بن كعب، فسقاه نبيذًا فخرج النبيذ مشكّلًا، قال: فاسقوه لبنًا، قال: فخرج اللبن محضًا، فقيل له: يا أمير المؤمنين! اعهد، قال: قد فرغت.\nقال: ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وعشرين. قال: فخرجوا به بكْرة يوم الأربعاء، فدفن في بيت عائشة مع النبيّ - ﷺ - وأبي بكر. قال: وتقدّم صُهيب فصلّى عليه، وتقدّم قبل ذلك رجُلان من أصحاب رسول الله - ﷺ -: عليّ، وعثمان، قال: فتقدّم واحد من عند رأسه، والآخر من عند رجليه؛ فقال عبد الرحمن: لا إله إلا الله؛ ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أنّ أمير المؤمنين قال: ليُصَلّ بالناس صهيب! فتقدّم صهيب فصلّى عليه. قال: ونزل في قبره الخمسة (١). (٤: ١٩٠/ ١٩١/ ١٩٢/ ١٩٣).\nقال أبو جعفر: وقد قيل: إن وفاته كانت في غرّة المحرّم سنة أربع وعشرين. (٤: ١٩٣).\nذكر من قال ذلك:\n٥٨٨ - حدّثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال:\n_________\n(١) في إسناده عبد العزيز وهو متروك، وفي متنه نكارة شديدة، والروايات الصحيحة (كما في قسم الصحيح) لم تذكر بأي شكل من الأشكال ما في متن هذه الرواية من النكارة والتهجم على صحابة رسول الله واتهامهم بالحرص على الإمارة. وسنتحدث عن قصة وفاة عمر الذي أوصى به في قسم الصحيح عند الحديث عن الشورى في نهاية سيرة سيدنا عمر (٤/ ٢٢٧).","vol":"8","page":413},{"text":"طُعِن عمر رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرّم سنة أربع وعشرين؛ فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلةً، من متوفَّى أبي بكر، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا من الهجرة. وبويع لعثمان بن عفان يوم الإثنين لثلاث مضين من المحرّم.\nقال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنسيّ، فقال: ما أراك إلا وهِلْت؛ توفّي عمر رضي الله تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بن عفّان لليلةٍ بقيت من ذي الحجّة، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين (١). (٤: ١٩٣/ ١٩٤).\n٥٨٩ - وحدّثني أحمدُ بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة تمام سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام؛ ثم بويع عثمان بن عفان (٢). (٤: ١٩٤).\n٥٩٠ - قال أبو جعفر: وأما المدائنيّ؛ فإنه قال فيما حدّثني عمر عنه، عن شريك، عن الأعمش - أو عن جابر الجُعفيّ - عن عوف بن مالك الأشجعيّ وعامر بن أبي محمد، عن أشياخ من قومه؛ وعثمان بن عبد الرحمن، عن ابْنَي شهاب الزُّهريّ، قالوا: طُعِن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة. قال: وقال غيرهم: لستّ بقين من ذي الحجة (٣). (٤: ١٩٤).\n٥٩١ - وأما سيف؛ فإنه قال: فيما كتب إليّ به السريّ يذكر: أن شعيبًا حدّثه عنه، عن خُليد بن ذَفَرة، ومجالد، قال: استُخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلّى بالناس العصر. وزاد: ووفّد فاستُنّ به (٤). (٤: ١٩٤).\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) في إسناده مبهم.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":414},{"text":"٥٩٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهلُ الشورى على عثمان؛ لثلاثٍ مضين من المحرّم؛ وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلّى بالناس، وزاد الناس مئة؛ ووفّد أهل الأمصار، وصنع فيهم. وهو أوّل من صنع ذلك (١). (١٩٤: ٤).\n٥٩٣ - وحُدّثت عن هشام بن محمد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام (٢). (٤: ١٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>تسميته بالفاروق</span>\n٥٩٤ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو حَزْرة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو ذكْوان، قال: قلتُ لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النبيّ - ﷺ - (٣). (٤: ١٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>ذكر صفته</span>\n٥٩٥ - وحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عمرَ رجلًا أبيض أمْهَق، تعلُوه حُمرة، طُوالًا أصلع (٤). (٤: ١٩٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>ذكر مولده ومبلغ عمره</span>\n٥٩٦ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جَدّه، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: وُلِدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين (١). (٤: ١٩٧).\nقال أبو جعفر: واختلف السلف في مبلغ سني عمر، فقال بعضهم: كان يوم قتل ابنَ خمس وخمسين سنة.\nذكر بعض من قال ذلك:\n٥٩٧ - حدّثني زيد بن أخزم الطائي، قال: حدّثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قتل عمر بن الخطّاب وهو ابن خمس وخمسين سنة (٢). (٤: ١٩٧).\n٥٩٨ - وحدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدّثنا نُعيم بن حمّاد، قال: حدّثنا الدراوَرْديّ عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة (٣). (٤: ١٩٧).\n٥٩٩ - وحُدّثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: أنّ عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة (٤). (٤: ١٩٧).\nوقال آخرون: كان يوم توفِّي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.\nذكر من قال ذلك:\nحدِّثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبيّ. (٤: ١٩٧).\nوقال آخرون: تُوفّي وهو ابن إحدى وستين سنة. (٤: ١٩٨)\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":416},{"text":"ذكر من قال ذلك:\n٦٠٠ - حُدّثت بذلك عن أبي سلَمة التَّبُوذَكيّ، عن أبي هلال، عن قتَادة (١). (٤: ١٩٨).\nوقال آخرون: تُوُفِّي وهو ابن ستّين سنة.\nذكر من قال ذلك:\n٦٠١ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: تُوفّيَ عمر وهو ابن ستين سنة.\nقال محمد بن عمر: - وهذا أثبت الأقاويل عندنا - وذكر عن المدائنيّ: أنه قال: توفِّيَ عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة (٢). (٤: ١٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>ذكر أسماء ولده ونسائه</span>\n٦٠٢ - حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن عليّ بن محمد والحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر. وحُدّثت عن هشام بن محمد - اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها - قالوا: تزوّج عُمَر في الجاهلية زينب بنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة.\nوقال عليّ بن محمد: وتزوّج مليكة ابنة جَرْوَل الخُزاعيّ في الجاهليّة، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهُدْنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بن حُذيفة.\nوأما محمّد بن عمر، فإنه قال: زيد الأصغر، وعبيد الله الذي قتل يوم صِفّين مع معاوية أمّهما أمّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك، وما رجحه مخالف لما في الرواية الصحيحة التي ذكرناها في قسم الصحيح أنه توفي وهو ابن (٦٣ سنة) - ﵁ - كما عند الترمذي والطبري والله أعلم.","vol":"8","page":417},{"text":"ضَبِيس بن حرَام بن حَبَشيّة بن سَلُول بن كعب بن عمرو بن خُزاعة، وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر.\nقال عليّ بن محمد: وتزوّج قُرَيبة ابنة أبي أميّة المخزوميّ في الجاهليّة، ففارقها أيضًا في الهُدْنة، فتزوّجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.\nقالوا: وتزوّج أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في الإسلام، فولدت له فاطمة، فطلّقها. قال المدائنيّ: وقد قيل: لم يطلقها.\nوتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الأوس من الأنصار في الإسلام - فولدت له عاصمًا، فطلّقها وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب؛ وأمّها فاطمة بنت رسولِ الله - ﷺ -، وأصدقها - فيما قيل - أربعين ألفًا، فولدت له زيدًا ورقيّة.\nوتزوّج لُهيّة - امرأة من اليمن - فولدت له عبد الرحمن. قال المدائنيّ: ولدت له عبد الرحمن الأصغر. قال: ويقال: كانت أمّ ولد. قال الواقديّ: لُهيّة هذه أم ولد. وقال أيضًا: ولدت له لهيّة عبد الرحمن الأوسط. وقال: عبد الرّحمن الأصغر أمه أمّ ولد.\nوكانت عنده فُكَيْهة، وهي أمّ ولد وفي أقوالهم، فولدت له زينب. وقال الواقديّ: هي أصغر ولد عمر.\nوتزوّج عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نُفَيل؛ وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر؛ فلمّا مات عمر، تزوّجها الزبير بن العوّام.\nقال المدائنيّ: وخطب أمّ كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليكِ، فقالت أمّ كلثوم: لا حاجة لي فيه؛ فقالت لها عائشة: ترغبين عن أميرِ المؤمنين! قالت: نعم؛ إنه خشِن العيش، شديد على النساء؛ فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك؛ فأتى عمرَ فقال: يا أميرَ المؤمنين! بلَغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبْتَ أمّ كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم؛ أفرغبتَ بي عنها، أم رغبتَ بها عني؟ قال: لا واحدة؛ ولكنها حَدَثة نشأت تحت كنَفَ أمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة،","vol":"8","page":418},{"text":"ونحن نهابك، وما نقدر أن نردّك عن خُلُق من أخلاقك؛ فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوتَ بها! كنتَ قد خلَفت أبا بكر في ولده بغجر ما يحقّ عليك. قال: فكيف بعائشة وقد كلّمتُها؟ قال: أنا لك بها؛ وأدلّك على خير منها، أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، تَعْلَق منها بسَببٍ من رسول الله - ﷺ -.\nقال المدائنيّ: وخطب أمّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة، فكرهتْه، وقالت: يُغلِق بابه، ويمنع خيرَه، ويَدخل عابسًا، ويخرج عابسًا (١). (٤: ١٩٨/ ١٩٩/ ٢٠٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>ذكر وقت إسلامه</span>\nقال أبو جعفر: ذُكِر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأة.\nذكر من قال ذلك:\n٦٠٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله، عن أبيه، قال: ذكرت له حديث عمر، فقال: أخبرَني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأةً (٢). (٤: ٢٠٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>ذكر بعض سِيَره</span>\n٦٠٤ - حدّثني أبو السائب، قال: حدّثنا ابنُ فُضَيل، عن ضرار، عن حصين المرّيّ، قال: قال عمر: إنما مثلُ العرب مثل جمل أنِفٍ اتبع قائدَه، فلينظرْ قائدُه حيث يقوده؛ فأمّا أنا فوربّ الكعبة لأحملنّهم على الطريق (٣). (٤: ٢٠٠/ ٢٠١).\n٦٠٥ - حدّثنا خلّاد بن أسلم، قال: حدّثنا النَّضْر بن شُمَيل، قال: أخبرنا قَطَن، قال: حدّثنا أبو يزيد المدينيّ، قال: حدّثنا مولى لعثمان بن عفان، قال: كنت رديفًا لعثمان بن عفان؛ حتى أتى على حظيرة الصدقة في يوم شديد الحرّ\n_________\n(١) هذا إسناد مركب من إسنادين وهو بمجموعه ضعيف جدًّا.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":419},{"text":"شديد السَّموم؛ فإذا رجل عليه إزار ورداء، قد لفّ رأسَه برداء يطرُد الإبل يُدخلها الحظيرة؛ حظيرة إبل الصدقة؛ فقال عثمان: مَنْ ترى هذا؟ قال: فانتهينا إليه؛ فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: هذا والله القويّ الأمين (١). (٤: ٢٠١).\n٦٠٦ - حدّثني جعفر بن محمد الكوفيّ، وعباس بن أبي طالب؛ قالا: حدّثنا أبو زكرياء يحيى بن مصعب الكلبي، قال: حدّثنا عمر بن نافع عن أبي بكر العبسيّ، قال: دخلت عيْر الصّدقة مع عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظلّ يكتب، وقام على رأسه يملّ عليه ما يقول عمر، وعمر في الشمس قائم في يوم حارّ شديد الحر، عليه بُرْدان أسودان؛ متّزرًا بواحد، وقد لفّ على رأسه آخر، يعدّ إبل الصدقة، يكتب ألوانها وأسنانها، فقال عليّ لعثمان - وسمعته يقول: نعتَ بنت شعيب في كتاب الله: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، ثم أشار عليّ بيده إلى عمر، فقال: هذا القويّ الأمين! (٢) (٤: ٢٠١).\n٦٠٧ - حدّثني محمد بن عوْف؛ قال: حدثنا أبو المغيرة عبد القدّوس بن الحجّاج، قال: حدثّنا صفوان بن عمرو، قال: حدّثني أبو المخارق زهير بن سالم: أنّ كعب الأحبار، قال: نزلتُ على رجل يقال له: مالك - وكان جارًا لعمر بن الخطاب - فقلت له: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟ فقال: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلّي الصلاة ثم يَقْعُد فيكلّمه مَن شاء (٣). (٤: ٢٠٢).\n٦٠٨ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، عن جدّه: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب الناس، فقال: والذِي بعث محمدًا بالحق؛ لو أنَّ جملًا هلك ضياعًا بشطّ الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب! قال أبو زيد: آل الخطاب: يعني نفسَه، ما يعني غيرها (٤). (٤: ٢٠٢/ ٢٠٣).\n٦٠٩ - حدّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عدّي عن شعبة، عن أبي\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) في إسناده عمر بن نافع الكوفي وهو ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":420},{"text":"عمران الجونيّ، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم؛ فأكرمْ مَن قِبلك من وجوه الناس، وبحسْب المسلم الضعيف من العدل أن يُنْصَف في الحُكْم، وفي القَسْم (١). (٤: ٢٠٣).\n٦١٠ - وحدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت مطرّفًا، عن الشعبيّ، قال: أتى أعرابيّ عمر، فقال: إن ببعيري نُقَبًا، ودَبَرًا فاحملني؛ فقال له عمر: ما ببعيرك نُقَب ولا دَبَر، قال: فولّى؛ وهو يقول:\nأقْسَمَ باللهِ أبو حَفْص عُمَرْ ... ما مَسَّها مِن نُقَبٍ ولا دَبَرْ\nفاغْفِرْ له اللهمّ إن كان فَجَر\nفقال: اللهمّ اغفر لي! ثم دعا الأعرابيّ فحمله (٢). (٤: ٢٠٣).\n٦١١ - وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: أخبرنا أيّوب عن محمد، قال: نُبِّئتُ: أنّ رجلًا كان بينه وبين عمر قَرابة، فسأله، فزَبره، وأخرجه فكُلِّم فيه، فقيل: يا أميرَ المؤمنين! فلان سألك فزبرتَه وأخرجتَه، فقال: إنه سألني من مال الله؛ فما معذرتي إنْ لقيتُه ملكًا خائنًا! فلولا سألني من مالي! قال: فأرسل إليه بعشرة آلاف. وكان عمر ﵀ إذا بعث عاملًا له على عمل يقول (٣). (٤: ٢٠٣).\n٦١٢ - وحدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: سمعت أبا حصين، قال: كان عمر إذا استعمل العمّال خرج معهم يشيّعهم، فيقول: إنّي لم أستعملْكم على أمة محمد - ﷺ - على أشعارهم، ولا على أبشارهم؛ إنما استعملتُكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضُوا بينهم بالحق، وتقسِموا بينهم بالعدل؛ وإنّي لم أسلّطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم؛ ولا تجلدوا العربَ فتُذِلّوها، ولا تُجمّروها فتفتِنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرِموها؛ جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن محمّد - ﷺ -؛ وأنا شريككم. وكان يقتصّ من عمّاله، وإذا شُكي\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":421},{"text":"إليه عامل له جمع بينه وبين مَنْ شكاه؛ فإن صحّ عليه أمرٌ يجب أخْذُه به أخَذَه به (١). (٤: ٢٠٤).\n٦١٣ - وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا سعيد الجُرَيريّ عن أبي نَضْرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال: يا أيها الناس! إني والله ما أرسل إليكم عمّالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم؛ ولكني أرسلهم إليكم ليعلّموكم دينكم وسنّتكم؛ فمن فُعِل به شيء سوى ذلك؛ فليرفعْه إليّ؛ فو الذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه! فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أرأيتُك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيّة، فأدّب بعض رعيّته، إنك لتقصّه منه! قال: إي والذِي نفس عمر بيده إذًا لأقصنّه منه! وكيف لا أقصّه منه وقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يُقِصّ من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم، ولا تجمّروهم فتفتِنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتُكفروهم، ولا تنزِلُوهم الغِياض فتضيّعوهم.\nوكان عمر - ﵁ - فيما ذكر عنه - يُعسّ بنفسه، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقّد أحوالهم بيديه (٢). (٤: ٢٠٤/ ٢٠٥).\n٦١٤ - وحدّثني أحمد بن حرب، قال: حدّثنا مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: حدّثني أبي عن ربيعة بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ﵀ إلى حَرّة واقم، حتى إذا كنا بصرار؛ إذا نار تؤرّث؛ فقال: يا أسلم! إني أرى هؤلاء ركبًا قصّر بهم الليل والبرد؛ انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأة معها صِبيان لها، وقِدْر منصوبة على النار، وصِبيانها يضاغُوْن؛ فقال عمر: السّلام عليكم يا أصحابَ الضَّوء! - وكره أن يقول: يا أصحاب النار - قالت: وعليك السلام؛ قال: أأدنو؟ قالت: ادنُ بخير أو دَعْ؛ فدنا فقال: ما بالُكم؟ قالت: قصّر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغوْن؟ قالت: الجوع، قال: وأيّ شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أسكِّتهم به حتى يناموا، اللهُ بيننا وبين عمر! قال: أيْ رحِمَك الله، ما يُدرِي عمرَ\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وضعفه الألباني (ضعيف سنن أبي داود ح ٤٥٣٨).","vol":"8","page":422},{"text":"بكم! قالت: يتولّى أمرَنا، ويغفل عنّا! فأقبل عليّ، فقال: انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول؛ حتى أتينا دارَ الدقيق؛ فأخرج عِدْلًا فيه كُبّة شحم؛ فقال: احمله عليّ، فقلت: أنا أحمله عنك. قال: احمله عليّ؛ مرتين أو ثلاثًا، كلّ ذلك أقول: أنا أحمله عنك. فقال لي في آخر ذلك: أنت تحمل عني وزْري يوم القيامة، لا أمّ لك! فحمّلته عليه؛ فانطلق وانطلقت معه نهرول، حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها: ذُرّي عليّ، وأنا أحرِّك لكِ؛ وجعل ينفخ تحت القِدْر - وكان ذا لحية عظيمة - فجعلتُ أنظر إلى الدخان من خَلَل لحيته حتى أنضج وأدُمَ القِدرُ ثم أنزلها، وقال: ابغِني شيئًا، فأتته بصحْفة، فأفرغها فيها، ثمّ جعل يقول: أطعميهم، وأنا أسطِّح لك؛ فلم يزل حتى شبِعوا، ثم خلّى عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلتْ تقول: جزاك الله خيرًا! أنت أوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيرًا، إنك إذا جئتِ أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله. ثم تنحى ناحية عنها؛ ثم استقبلها ورَبض مربَض السّبع، فجعلت أقول له: إنّ لك شأنًا غير هذا، وهو لا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون، ويضحكون، ثم ناموا، وهدؤوا، فقام وهو يحمَد الله، ثم أقبل عليّ فقال: يا أسلَم! إنّ الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألّا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم.\nوكان عمر إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء، أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم بدأ بأهله، وتقدّم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره (١). (٤: ٢٠٥/ ٢٠٦).\n٦١٥ - كالذي حدّثنا أبو كُريب محمد بن العلاء، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر بالمدينة، عن سالم، قال: كان عمر إذا صعِد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنّ الناس ينظرون إليكم نَظرَ الطير - يعني: إلى اللحم - وأقسم بالله لا أجدُ أحدًا منكم فعله؛ إلا أضعفت عليه العقوبة (٢). (٤: ٢٠٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":423},{"text":"٦١٦ - وحدّثنا أبو كُريب، قال: حَدّثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: استعمل عُمَر رجلًا على مصر، فبينا عمر يومًا مارٌّ في طريق من طُرق المدينة؛ إذْ سمع رجلًا وهو يقول: الله يا عمر! تستعمل مَن يخون وتقول: ليس عليّ شيء، وعاملك يفعل كذا! قال: فأرسل إليه، فلما جاءه أعطاه عصًا وجُبّة صوف وغنمًا، فقال: ارعها - واسمه عياض بن غَنْم - فإنّ أباك كان راعيًا، قال: ثم دعاه، فذكر كلامًا، فقال: إن أنا رددتك! فردّه إلى عمله، وقال: لي عليك ألّا تلبس رقيقًا، ولا تركب بِرْذَونًا! (١) (٤: ٢٠٧).\n٦١٧ - حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو أسامة عن عبد الله بن الوليد، عن عاصم، عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاريّ، قال: كان عمر إذا استعمل عاملًا كتب له عهدًا، وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألّا يركب برذونًا، ولا يأكلَ نقيًّا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يتخذ بابًا دون حاجات الناس (٢). (٤: ٢٠٧/ ٢٠٨).\n٦١٨ - وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم عن سلّام بن مسكين، قال: حدّثنا عمران: أنّ عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه؛ قال: فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه (٣). (٢٠٨: ٤).\n٦١٩ - وعن أبي عامر العَقَدِيّ، قال: حدّثنا عيسى بن حفص، قال: حدّثني رجل من بني سلمة، عن ابن البَراء بن معرور: أن عمر - ﵁ - خرج يومًا حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له، فنعت له العسل، وفي بيت المال عُكّة، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلّا فهي عليّ حرام (٤). (٤: ٢٠٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده مرسل.\n(٣) إسناده مرسل.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>تسمية عمر - ﵁ - أمير المؤمنين</span>\n٦٢٠ - حدّثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاريّ، قال: حدّثتْني أمّ عمرو بنت حسّان الكوفيّة عن أبيها، قال: لما ولي عمر قيل: يا خليفة خليفة رسول الله! فقال عمر - ﵁ -: هذا أمر يطول، كلّما جاء خليفة قالوا: يا خليفة خليفة خليفة رسول الله! بل أنتم المؤمنون، وأنا أميركم؛ فسمِّيَ أمير المؤمنين.\nقال أحمد بن عبد الصمد: سألتها كم أتى عليكِ من السنين؟ قالت: مئة وثلاث وثلاثون سنة (١). (٤: ٢٠٨).\n٦٢١ - حدّثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا يحيى بن واضح، قال: حدّثنا أبو حمزة عن جابر، قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: يا خليفة الله! قال: خالف الله بك! فقال: جعلني الله فداءك! قال: إذًا يُهينك الله! (٢) (٤: ٢٠٩).\n٦٢٢ - وأمرهم به، وذلك - فيما حدّثني به الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد عن محمد بن عمر - في سنة أربع عشرة، وجعل للناس قارئيْنِ: قارئًا يصلّي بالرجال وقارئًا يصلّي بالنساء (٣). (٤: ٢٠٩).\n٦٢٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث، عن جُبَير بن الحُوَيْرث بن نُقَيد: أنّ عمر بن الخطاب - ﵁ - استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له عليّ بن أبي طالب: تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال، فلا تمسك منه شيئًا. وقال عثمان بن عفان: أرى مالًا كثيرًا يسعُ الناس، وإن لم يحصَوْا حتى تعرِف مَن أخذ ممن لم يأخذ؛ خشيتُ أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أميرَ المؤمنين! قد جئت الشأم، فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديوانًا، وجنّدوا جندًا، فدوِّن ديوانًا، وجند جندًا. فأخذ بقوله، فدعا عَقِيل بن أبي طالب ومَخْرمة بن نوفل، وجُبَير بن مطعِم، وكانوا من نسّاب قريش - فقال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":425},{"text":"اكتبوا الناس على منازلهم؛ فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم؛ ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة؛ فلما نظر فيه عمر قال: لوددت والله أنه هكذا! ولكن ابدؤوا بقرابة رسول الله - ﷺ -؛ الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله (١). (٤: ٢٠٩/ ٢١٠).\n٦٢٤ - حدّثني الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جدّه، قال: رأيتُ عمر بن الخطاب - ﵁ - حين عُرِض عليه الكتاب، وبنو تَيْم على أثر بني هاشم، وبنو عديّ على أثر بني تَيْم، فأسمعُه يقول: ضعوا عمر موضعه، وابدؤوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، فجاءت بنو عديّ إلى عمر، فقالوا: أنت خليفة رسول الله، قال: أو خليفة أبي بكر، وأبو بكر خليفة رسول الله، قالوا: وذاك، فلو جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم! قال: بخٍ بخٍ بني عديّ! أردتم الأكْل على ظهري؛ وأن أذهب حسناتي لكم! لا والله حتى تأتيَكم الدعوة، وإن أطبق عليكم الدَّفتر ولو أن تُكتَبوا في آخر الناس؛ إن لي صاحبين سَلَكا طريقًا، فإن خالفتهما خولف بي؛ والله ما أدركْنا الفضل في الدنيا، ولا نرجو ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا إلّا بمحمّد - ﷺ -؛ فهو شرفنا، وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب فالأقرب؛ إن العرب شَرُفت برسول الله، ولعلّ بعضها يلقاه إلى آباء كثيرة، وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرة؛ مع ذلك والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل، فهم أوْلى بمحمّد منّا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى قَرابة، وليعمل لما عند الله، فإنّ مَنْ قصّر به عملُه لم يُسرع به نسبه (٢). (٤: ٢١٠).\n٦٢٥ - حدّثنى الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد؛ قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني حزام بن هشام الكعبيّ، عن أبيه، قال: رأيتُ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحمل ديوان خُزاعة حتى ينزل قُدَيدًا، فنأتيه بقُدَيد، فلا يغيب عنه امرأة بِكْر ولا ثيّب، فيعطيهنّ في أيديهنّ، ثم يروح فينزل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":426},{"text":"عُسفان، فيفعل مثل ذلك أيضًا حتى تُوُفّي (١). (٤: ٢١٠/ ٢١١).\n٦٢٦ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر الزهريّ وعبد الملك بن سليمان، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: والله الذي لا إله إلا هو! ثلاثًا ما من أحد إلّا له في هذا المال حقّ أعطيَه أو مُنعَه؛ وما أحد أحقّ به من أحد إلا عبد مملوك؛ وما أنا فيه إلّا كأحدهم؛ ولكنّا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله - ﷺ -، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرّجل وقدَمه في الإسلام، والرّجل وغَناؤه في الإسلام، والرّجل وحاجته؛ والله! لئن بقيتُ؛ ليأتينّ الراعيَ بجبَل صنعاء حظُّه من هذا المال وهو مكانه. قال إسماعيل بن محمد: فذكرت ذلك لأبي، فعرف الحديث (٢). (٤: ٢١١).\n٦٢٧ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: رأيتُ خيلًا عند عمر بن الخطاب موسومة في أفخاذها: \"حبيس في سبيل الله\" (٣). (٢١١: ٤).\n٦٢٨ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني قيس بن الربيع عن عطاء بن السائب؛ عن زاذان، عن سلمان: أنّ عمر قال له: أملِك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقلّ أو أكثر؛ ثمّ وضعتَه في غير حقه؛ فأنت ملِك غير خليفة. فاستعبر عمر (٤). (٤: ٢١١).\n٦٢٩ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد، قال: حدّثني نافع مولى آل الزبير، قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":427},{"text":"سمعتُ أبا هريرة يقول: يرحم الله ابن حَنْتمة! لقد رأيتُه عام الرّمادة؛ وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعُكّة زيت في يده، وإنه ليعتقِب هو وأسلم؛ فلمّا رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ ! قلت: قريبًا. فأخذت أعقبه؛ فحملناه حتى انتهينا إلى صِرار؛ فإذا صِرْم نحو من عشرين بيتًا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد؛ وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويًّا كانوا يأكلونه، ورمّة العظام مسحوقة كانوا يستفّونها؛ فرأيت عمر طرح رداءه، ثم اتّزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، فأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبّانة، ثم كساهم. وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك (١). (٤: ٢١١/ ٢١٢).\n٦٣٠ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرني موسى بن يعقوب عن عمه، عن هشام بن خالد، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: لا تَذُرّنَ إحداكنّ الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذرّه قليلًا قليلًا، وتسوطه بمسوْطها، فإنه أريَع له؛ وأحرى ألّا يتقرّد (٢). (٢١٢: ٤).\n٦٣١ - حدثني الحارث قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن مصعب القرْقسانيّ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن راشد بن سعد: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتِيَ بمال؛ فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس؛ حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدِّرّة، وقال: إنّك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض؛ فأحببتُ أن أعلمك: أنّ سلطان الله لن يهابَك (٣). (٤: ٢١٢).\n٦٣٢ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن سليمان بن أبي حَثْمة، عن أبيه، قال: قالت الشّفا ابنة عبد الله - ورأتْ فتيانًا يقصُدون في المشي، ويتكلّمون رويدًا، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نُسّاك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":428},{"text":"وإذا ضرب أوجع، هو والله النّاسك حقًّا (١)! (٤: ٢١٢).\n٦٣٣ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا عبد الله بن عامر، قال: أعان عمر رجلًا على حَمْل شيء، فدعا له الرجل، وقال: نفعك بنوك يا أميرَ المؤمنين! فقال: بل أغناني الله عنهم (٢). (٤: ٢١٢/ ٢١٣).\n٦٣٤ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن عمر بن مجاشع، قال: قال عمر بن الخطاب: القوّة في العمل ألّا تؤخّر عمل اليوم لغدٍ، والأمانة ألّا تخالف سريرة علانية؛ واتَّقوا الله ﷿، فإنما التقوى بالتّوقي، ومَنْ يتّق الله يقِه (٣). (٢١٣: ٤).\n٦٣٥ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن عَوانة، عن الشعبيّ -وغير عوانة زاد أحدهما على الآخر-: أنّ عمر رضي الله تعالى عنه كان يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضِي بين الناس حيث أدركه الخصوم (٤). (٤: ٢١٣).\n٦٣٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن محمد بن صالح: أنه سمع موسى بن عُقْبة يحدّث: أنّ رهطًا أتوا عمر، فقالوا: كثر العيال، واشتدّت المؤونة، فزدنا في أعطياتنا، قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر واتّخذتم الخَدَم في مال الله ﷿! أما والله لوددت أني وإيّاكم في سفينة في لجّة البحر، تذهب بنا شرقًا وغربًا، فلن يُعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم؛ فإن استقام؛ اتّبعوه، وإن جَنَف؛ قتلوه، فقال طلحة: وما عليك لو قلت: إن تعوّج عزلُوه! فقال: لا، القتل أنْكَلُ لمن بعده، احذروا فتى قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلّا على الرضا، ويضحك عند الغضب؛ وهو يتناول مَنْ فوقه ومَنْ تحته (٥). (٤: ٢١٣).\n٦٣٧ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن عبد الله بن داود الواسطيّ، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده مرسل.\n(٥) إسناده مرسل.","vol":"8","page":429},{"text":"زيد بن أسلم، قال: قال عمر: كنا نعدّ المقرِض بخيلًا، إنما كانت المواساة (١). (٢١٣: ٤).\n٦٣٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن ابن دأب، عن أبي معبد الأسلميّ، عن ابن عباس: أنّ عمر قال لناس من قريش: بلغني أنكم تتّخذون مجالس؛ لا يجلس اثنان معًا حتى يقال: مَن صحابة فلان؟ مَن جلساء فلان؟ حتى تُحوميت المجالس؛ وأيم الله! إنّ هذا لسريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم؛ ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول: هذا رأي فلان، قد قسموا الإسلام أقسامًا؛ أفيضوا مجالسَكم بينكم، وتجالسوا معًا؛ فإنّه أدوم لألفتكم، وأهيَب لكم في الناس. اللهمّ ملّوني، ومللتهم، وأحسست من نفسي وأحسُّوا مني، ولا أدري بأيّنا يكون الكوْن، وقد أعلم: أن لهم قبيلًا منهم؛ - فاقبضني إليك (٢)! (٤: ٢١٣/ ٢١٤).\n٦٣٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد عن أبيه، قال: اتّخذ عبد الله بن أبي ربيعة أفراسًا بالمدينة، فمنعَه عمر بن الخطاب، فكلّموه في أن يأذن له، قال: لا آذن له، إلّا أن يجيء بعلَفها من غير المدينة. فارتبط أفراسًا، وكان يحمل إليها عَلَفًا من أرض له باليمن (٣). (٢١٤: ٤).\n٦٤٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو إسماعيل الهمدانيّ عن مجالد، قال: بلغني أنّ قومًا ذكروا لعمر بن الخطاب رجلًا؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين! فاضِل لا يعرف من الشرّ شيئًا، قال: ذاك أوقعُ له فيه! (٤) (٤: ٢١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>ذكر بعض خطبه رضي الله تعالى عنه</span>\n٦٤١ - حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ عن أبي معشر، عن ابن المُنْكدر وغيره، وأبي معاذ الأنصاريّ عن الزّهريّ، ويزيد بن عياض عن عبد الله بن\n_________\n(١) إسناده مرسل.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":430},{"text":"أبي بكر، وعليّ بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عياض، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: أنّ عمر رضي الله تعالى عنه خطب، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكّر الناس بالله ﷿ واليِوم الآخر، ثم قال: يا أيّها الناس! إني قد وُلِّيت عليكم، ولولا رجاءُ أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعًا بما ينوب من مُهِمّ أموركم؛ ما تولّيت ذلك منكم، ولكفى عمر مُهمًّا محزنًا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها؛ وبالسير فيكم كيف أسير؟ ! فربّي المستعان؛ فإنّ عمر أصبح لا يثق بقوّة ولا حيلة إن لم يتداركْه الله ﷿ برحمته وعَوْنه وتأييده.\nثم خطب فقال:\nإن الله ﷿ قد ولّاني أمرَكم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرُسني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يلهِمني العدل في قَسْمكم كالذي أمر به؛ وإنّي امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إلا ما أعان الله ﷿، ولن يغيّر الذي ولِيتُ من خلافتكم من خُلُقي شيئًا إن شاء الله؛ إنما العظمة لله ﷿، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولنّ أحد منكم: إنّ عمر تغيّر منذ ولي. أعقِلُ الحقّ من نفسي وأتقدم؛ وأبيّن لكم أمري؛ فأيّما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق؛ فليؤذنّي، فإنّما أنا رجل منكم؛ فعليكم بتقوى الله في سرّكم وعلانيتكم، وحُرماتكم وأعراضكم؛ وأعطوا الحقّ من أنفسكم؛ ولا يحمل بعضكم بعضًا على أن تحاكموا إليّ؛ فإنّه ليس بيني وبين أحد من الناس هَوادة؛ وأنا حبيب إليّ صلاحكم، عزيز عليّ عَتَبُكم. وأنتم أناس عامّتكم حضرٌ في بلاد الله؛ وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضَرْع إلّا ما جاء الله به إليه. وإنّ الله ﷿ قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه؛ ومطّلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله؛ لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعُد منه إلّا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامّة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله (١). (٤: ٢١٤/ ٢١٥).\n_________\n(١) إسناده مرسل.","vol":"8","page":431},{"text":"٦٤٢ - وخطب أيضًا، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي - ﷺ -:\nأيها الناس! إنّ بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنىً، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجّلون في دار غرور. كنتم على عهد رسول الله - ﷺ - تؤخذون بالوحي، فمن أسرّ شيئًا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا أخذ بعلانيته؛ فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم؛ والله أعلمُ بالسرائر؛ فإنه مَن أظهر شيئًا، وزعم أن سريرته حسنة، لم نصدّقه، ومَنْ أظهر لنا علانية حسنة؛ ظننّا به حسنًا. واعلموا: أنّ بعض الشحّ شعبة من النفاق، فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون.\nأيّها الناس! أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم؛ واتّقوا الله ربكم، ولا تُلبسوا نساءكم القَباطِيّ؛ فإنه إن لم يشفّ فإنه يصف.\nأيها الناس! إني لوددت أن أنجوَ كَفافًا لا لي ولا عليّ، وإني لأرجو إن عُمّرت فيكم يسيرًا أو كثيرًا أن أعمل بالحقّ فيكم إن شاء الله، وألّا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلّا أتاه حقُّه ونصيبه من مال الله، ولا يُعمِل إليه نفسه؛ ولم ينصُب إليه يومًا. وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله؛ ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حَتْف من الحتوف، يصيب البرّ والفاجر، والشهيد مَن احتسب نفسه. وإذا أراد أحدكم بعيرًا، فليعمِد إلى الطويل العظيم فليضرْبه بعصاه؛ فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره.\nقالوا: وخطب أيضًا فقال:\nإنّ الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتّخذ عليكم الحجّ فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا عن غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه، فخلقكم ﵎ ولم تكونوا شيئًا لنفسه، وعبادته، وكان قادرًا أن يجعلكم لأهونِ خلقه عليه، فجعل لكم عامّة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم في البرّ والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون.\nثم جعل لكم سمعًا وبصرًا. ومن نعَم الله عليكم نعم عمّ بها بني آدم، ومنها","vol":"8","page":432},{"text":"نعَم اختصّ بها أهل دينكم؛ ثم صارت تلك النعم خواصّها وعوامّها في دولتكم وزمانكم، وطبقتكم؛ وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلّا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها، إلّا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله؛ فأنتم مستخلَفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبِحْ أمة مخالفة لدينكم إلّا أمّتان؛ أمّة مستعبدة للإسلام وأهله، يجزون لكم، يُستصفَوْن معايشهم وكدائحهم ورشْح جباههم؛ عليهم المؤونة ولكم المنفعة، وأمّة تنتظر وقائع الله وسطواته في كلّ يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبًا، فليس لهم معقل يلجؤون إليه، ولا مهرب يتّقون به، قد دهمتهم جنود الله ﷿ ونزلت بساحتهم، مع رفاغة العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسدّ الثغور بإذن الله، مع العافية الجليلة العامة التي لم تكُن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام؛ والله المحمود، مع الفتوخ العظام في كلّ بلد. فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين، وذكر الذاكرين، واجتهاد المجتهدين؛ مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، ولا يقدَر قدرها، ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه! فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته.\nواذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتِمّوا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى، فإنّ الله ﷿ قال لموسى: ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ وقال لمحمد - ﷺ -: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خيرَ الدنيا على شعبة من الحق، تؤمنون بها، وتستريحون إليها مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت؛ لكان ذلك؛ ولكنكم كنتم أشدّ الناس معيشة، وأثبتهم بالله جهالة. فلو كان هذا الذي استشلاكم به لم يكن معه حظّ في دنياكم؛ غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب؛ وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه؛ أحرياء أن تشحّوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره؛ فبلْهَ ما إنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة، ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم؛ فأذكّركم الله الحائل بين قلوبكم إلا ما عرفتم حقّ الله فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفًا لها ولانتقالها، ووجلًا منها ومن","vol":"8","page":433},{"text":"تحويلها، فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كُفرانها، وإنّ الشكر أمنٌ للغَير، ونماء للنعمة، واستيجاب للزيادة؛ هذا لله عليّ من أمركم ونهيكم واجب (١). (٤: ٢١٥/ ٢١٦/ ٢١٧/ ٢١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>مَن ندب عمر ورثاه - ﵁ -. ذكر بعض ما رُثِيَ به</span>\n٦٤٣ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو عبد الله البُرجميّ عن هشام بن عروة: أنّ باكية بكت على عمر، فقالت: واحرّى على عمر! حرّ انتشر، فملأ البشر. وقالت أخرى: واحرّى على عمر! حرّ انتشر، حتى شاع في البشر (٢). (٤: ٢١٨).\n٦٤٤ - حدثني عمر، قال: حدثنا عليّ، قال: حدّثنا ابن دأب، وسعيد بن خالد عن صالح بن كَيْسان، عن المغيرة بن شعبة، قال: لما مات عمر - ﵁ - بكتْه ابنة أبي حَثْمة، فقالت: واعُمَراه! أقام الأَود، وأبرأ العَمَد، أمات الفتن، وأحيا السُّنن؛ خرج نقيّ الثوب، بريئًا من العيب.\nقال: وقال المغيرة بن شعبة: لما دفن عمر؛ أتيت عليًّا وأنا أحبّ أن أسمع منه في عمر شيئًا، فخرج ينفض رأسَه، ولحيته؛ وقد اغتسل، وهو ملتَحف بثوب، لا يشكّ: أنّ الأمر يصير إليه، فقال: يرحم الله ابن الخطاب! لقد صدقت ابنة أبي حَثْمة؛ لقد ذهب بخيرِها، ونجا من شرّها، أما والله ما قالت، ولكن قُوّلت.\nوقالت عاتكة بنة زيد بن عمر بن الخطاب - ﵁ -:\nفَجَّعَني فَيْروزُ لا دَرَّ دَرُّهُ ... بأَبْيَضَ تالٍ للكتاب مُنيبِ\nرَؤُوفٍ على الأدْنى غَليظٍ على العِدَا ... أخي ثِقَةٍ في النائباتِ مُجيبِ\nمَتَى ما يَقُلْ لا يُكْذِبِ القَولَ فِعْلُه ... سريعٍ إلى الخَيْراتِ غَيْرِ قَطوبِ\nوقالت أيضًا:\nعَيْنِ جُودي بعَبْرَةٍ ونَحيبِ ... لا تَمَلّي على الإمام النجيبِ\nفَجَعَتْني المَنونُ بالفارِس المُعـ ... ـلم يَوْمَ الهياجِ والتَّلْبيبِ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"8","page":434},{"text":"عِصمةِ الناس والمُعين على الدَّهـ ... ـرِ وَغَيْثِ المُنتابِ والمَحْروبِ\nقُلْ لأهْلِ السَّرَاءِ والبُؤسِ موتوا ... قد سَقَتْهُ المنونُ كَأْسَ شعوبِ\nوقالت امرأة تبكيه:\nسَيَبْكِيكَ نساءُ الحَيِّ ... يَبْكينَ شَجيَّاتِ\nوَيَخْمِشْنَ وُجوهًا كَالدَّ ... نانيرِ نقيَّاتِ\nوَيَلْبَسْنَ ثياب الحزْ ... ن بَعْدَ القَصَبِيَّاتِ (١)\n(٤: ٢١٨/ ٢١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>شيء من سيرته ممّا لم يمض ذكره</span>\n٦٤٥ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن ابن جُعْدبة، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد بن المسيّب، قال: حجّ عمر، فلما كان بضَجْنان قال: لا إله إلا الله العظيم العليّ، المعطي ما شاء من شاء! كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مِدْرعةِ صوف، وكان فَظًّا، يُتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصّرت، وقد أمسيتُ وليس بيني وبين الله أحد؛ ثم تمثل:\nلا شَيْءَ فيما تَرَى تَبْقى بَشَاشَتهُ ... يبْقَى الإلهُ وَيُودي المال والوَلَدُ\nلَمْ تُغْن عَن هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائنُهُ ... والخُلْدَ قد حاوَلَتْ عادٌ فما خَلَدُوا\nولا سُلَيْمانُ إذْ تجري الرِّياحُ له ... والإنسُ والجِنُّ فيما بَينها تَرِدُ\nأين الملوكُ التي كانت نوافِلُها ... من كلِّ أوْبٍ إليها راكِبٌ يَفِدُ\nحَوْضًا هُنَالِكَ مَوْرودًا بلا كذِبٍ ... لا بُد مِنْ وَرْدِهِ يَوْمًا كما وَردُوا (٢)\n(٤: ٢١٩/ ٢٢٠).\n٦٤٦ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا أبو الوليد المكّيّ، قال: بينما عمر جالس إذ أقبل رجل أعرج يقول ناقة تظلَع؛ حتى وقف عليه، فقال:\nإنَّكَ مُسْترْعىً وَإنّا رَعِيَّةٌ ... وإنَّكَ مَدْعُوٌّ بسيماك يا عُمَرْ\n_________\n(١) في إسناده ابن دأب كذبه أبو زرعة، وسعيد بن خالد، لم نقف له على ترجمة.\n(٢) في إسناده ابن جعدبة كذبه مالك وغيره.","vol":"8","page":435},{"text":"إذا يَوْمُ شَرٍّ شَرُّهُ لِشِرَارِهِ ... فقَدْ حَمَّلَتْك اليَوْمَ أَحْسَابَها مُضَرْ\nفقال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. وشكا الرجل ظلَع ناقته، فقبض عمر الناقة وحمله على جمل أحمر وزوّده؛ وانصرف. ثم خرج عمر في عقب ذلك حاجًّا، فبينا هو يسير إذ لحق راكبًا يقول:\nما ساسَنا مِثلُك يَا بْنَ الخَطَّابْ ... أبَرُّ بالأقْصَى ولا بالأصحابْ\nبَعْدَ النبيِّ صاحب الكتاب\nفنخسه عمر بمِخصرة معه، وقال: فأين أبو بكر (١) (٤: ٢٢٠)!\n٦٤٧ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، عن محمد بن صالح، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: استعمل عمر عُتْبة بن أبي سفيان على كنانة، فقدم معه بمال، فقال: ما هذا يا عتبة؟ ! قال: مال خرجت به معي وتجرت فيه، قال: وما لَكَ تخرج المال معك في هذا الوجه! فصيّره في بيت المال. فلما قام عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبتَ ما أخذ عمر من عُتبة رددته عليه، فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأي الناس فيك، إيّاك أن تردّ على من كان قبلك، فيردَّ عليك مَن بعدك (٢)! (٤: ٢٢٠).\n٦٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو، وأبي عثمان، وأبي حارثة، وأبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قالوا: إنّ هند بنة عُتبة قامت إلى عمر بن الخطّاب - ﵁ -، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتّجر فيها وتضمَنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كَلْب، فاشترت وباعت؛ فبلغها: أنّ أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية، فعدلت إليه من بلاد كَلْب، فأتت معاوية، وكان أبو سفيان قد طلّقها، قال: ما أقدَمِك أي أمّه؟ ! قالت: النّظر إليك أي بنيّ؛ إنه عمر؛ وإنما يعمل لله، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تُخرج إليه من كلّ شيء؛ وأهل ذلك هو؛ فلا يعلم الناس من أين أعطيتَه فيؤنّبونك\n_________\n(١) إسناده ضعيف\n(٢) إسناده مرسل.","vol":"8","page":436},{"text":"ويؤنّبك عمر، فلا يسستقيلها أبدًا، فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمئة دينار، وكساهما وحملهما؛ فتعظّمها عمرو؛ فقال أبو سفيان: لا تَعظّمها، فإنّ هذا عطاء لم تغِبْ عنه هند، ومشورة قد حضرتها هند، ورجعوا جميعًا، فقال أبو سفيان لهند: أربحتِ؟ فقالت: الله أعلم، معي تجارة إلى المدينة. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركتُه لك، ولكنه مال المسلمين، وهذه مشورة لم يَغِب عنها أبو سفيان، فبعث إليه فحبسه حتى أوفتْه، وقال لأبي سفيان: بكم أجازك معاوية؟ فقال: بمئة دينار (١). (٤: ٢٢٠/ ٢٢١).\n٦٤٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا علي، قال حدّثنا: أبو الوليد المكّيّ عن رجل من ولد طلحة، عن ابن عبّاس، قال: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإنا لنسير ليلة، وقد دنوت منه، إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه، وقال:\nكَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ يُقْتلُ أحْمَدٌ ... ولمَّا نُطاعِن دونَه ونناضل\nونُسلِمُه حتى نُصَرَّعَ حوله ... ونَذْهَلَ عن أبنائِنا والحلائلِ\nثم قال: أستغفر الله! ثم سارَ فلم يتكلم قليلًا، ثم قال:\nومَا حَمَلَتْ مِن ناقة فَوْقَ رَحْلها ... أبَرَّ وأوْفَى ذِمَّةً من مُحَمَّدِ\nوأكْسَى لِبُرْدِ الخالِ قبْلَ ابْتِذَالِهِ ... وأعْطَى لرأسِ السابقِ المُتَجَرِّدِ\nثم قال: أستغفر الله! يا بن عباس! ما منع عليًّا من الخروج معنا؟ قلت: لا أدري، قال: يا بن عباس، أبوك عمّ رسول الله - ﷺ -، وأنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري، قال: لكني أدري؛ يكرهون ولا يتكم لهم! قلت: لم، ونحن لهم كالخير؟ قال: اللهمّ غفرًا، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة، فيكون بجَحًا بجحًا، لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم، أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله:\nإذا ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بْنُ عَيْلانَ غايَةً ... منَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إليْها يُسَوَّدُ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":437},{"text":"فأنشدته، وطلع الفجر، فقال: اقرأ \"الواقعة\" فقرأتها، ثم نزل فصلى، وقرأ بالواقعة (١). (٤: ٢٢٢).\n٦٥٠ - حدّثني ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق. عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بينما عمر بن الخطاب - ﵁ - وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر. وقال بعضهم: بل فلان أشعر. قال: فأقبلت، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: مَنْ شاعر الشعراء يا بن عباس؟ ! قال: فقلت: زهير بن أبي سُلمى، فقال عمر: هلمّ مِنْ شعره ما نستدلّ به على ما ذكرت؛ فقلت: امتدح قومًا من بني عبد الله بن غَطفان، فقال:\nلو كان يَقْعُدُ فَوْق الشَّمْسِ مِنْ كَرم ... قوْمٌ بِأَوَّلِهِمْ أو مَجْدِهِمْ قَعَدُوا\nقَوْمٌ أبوهُمْ سِنانٌ حين تَنْسُبُهُمْ ... طابوا وطابَ مِنَ الأوْلادِ ما وَلَدُوا\nإنْسٌ إذا أمِنوا، جِنٌّ إِذا فزعوا ... مرَزَّؤونَ بها ليلٌ إذا حشدُوا\nمحَسَّدون على ما كان من نِعَمٍ ... لا يَنْرعُ اللهُ مِنْهُمْ مالَه حُسِدوا\nفقال عمر: أحسن! وما أعلم أحدًا أولَى بهذا الشعر من هذا الحيّ من بني هاشم لفضل رسول الله - ﷺ - وقرابتهم منه! فقلت: وفِّقت يا أميرَ المؤمنين! ولم تزل موفّقًا، فقال: يا بن عباس! أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهتُ أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بَجَحًا بجَحًا، فاختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووُفِّقتْ. فقلت: يا أميرَ المؤمنين! إن تأذن لي في الكلام، وتُمِطْ عني الغضب؛ تكلمتُ. فقال: تكلم يا بن عباس! فقلت: أمّا قولك يا أميرَ المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أنّ قريشًا اختارت لأنفسها حيث اختار الله ﷿ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله ﷿ وصف قومًا بالكراهية فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":438},{"text":"أفُرّك عنها، فتزيل منزلتك مني؛ فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقًّا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلًا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسدًا، وظلمًا! فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلمًا؛ فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأما قولك: حسدًا، فإنّ إبليس حسد آدم؛ فنحن ولده المحسودون؛ فقال عمر: هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسدًا ما يحول، وضِغْنًا وغشًّا ما يزول. فقلت: مهلًا يا أمير المؤمنين! لا تصِف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا بالحسد والغشّ، فإنّ قلب رسول الله - ﷺ - من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يا بن عباس! فقلت: أفعل؛ فلما ذهبت لأقوم استحيا منّي فقال: يا بن عباس! مكانَك، فوالله إني لراعٍ لحقّك، محبّ لما سرّك! فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ لي عليك حقًّا وعلى كلِّ مسلم، فمن حفظه فحظَّه أصاب، ومن أضاعه فحظَّه أخطأ. ثم قام فمضى (١). (٤: ٢٢٢/ ٢٢٣/ ٢٢٤).\n٦٥١ - حدّثني أحمد بن عمرو، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ، قال: حدّثنا عِكْرمة بن عمّار عن إياس بن سلَمة، عن أبيه، قال: مرّ عمر بن الخطاب - ﵁ - في السوق ومعه الدّرّة، فخفقني بها خفقة، فأصاب طرف ثوبي، فقال: أمِطْ عن الطريق، فلما كان في العام المقبل لقيَني، فقال: يا سلمة! تريد الحجّ؟ فقلت: نعم، فأخذ بيدي، فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمئة درهم، وقال: استعن بها على حجّك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك؛ قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها! قال: وأنا ما نسيتُها (٢). (٤: ٢٢٤).\n٦٥٢ - حدثني عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كُهَيل، قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: أيّها الرعيّة! إن لنا عليكم حقًّا. النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير، إنه ليس من حلم أحبّ إلى الله ولا أعمّ نفعًا من حلم إمام ورفقه. أيها الرعيّة! إنه ليس من جهل أبغض إلى الله ولا أعمّ شرًّا من جهل إمام وخُرْقه. أيها\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) لم نجد لشيخ الطبري ترجمة.","vol":"8","page":439},{"text":"الرعيّة! إنه مَنْ يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانَيْه، يؤتي الله العافية من فوقه (١). (٤: ٢٢٤).\n٦٥٣ - حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا عيسى بن يزيد بن دأب عن عبد الرحمن ابن أبي زيد، عن عمران بن سوادة، قال: صليت الصبح مع عمر، فقرأ: \"سبحان\" وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة، قال: فالحقْ، قال: فلحقت؛ فلما دخل أذن لي؛ فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، فقال: مرحبًا بالناصح غدوًّا وعشيًّا؛ قلت: عابت أمتك منك أربعًا، قال: فوضع رأس دِرّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هاتِ! قلت: ذكروا: أنك حرّمت العُمْرة في أشهر الحجّ، ولم يفعل ذلك رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر - ﵁ -؛ وهي حلال، قال: هي حلال، لو أنهم اعتمرُوا في أشهر الحجّ رأوها مجزيةً من حجِّهم؛ فكانت قائبةَ قُوبٍ عامها، فقَرع حجُّهم، وهو بَهاء من بهاء الله، وقد أصبتَ. قلت: وذكروا: أنك حرّمت مُتْعة النساء وقد كانت رُخصة من الله نستمتع بقُبْضة، ونفارق عن ثلاث. قال: إنّ رسول الله - ﷺ - أحلّها في زمان ضرورة، ثمّ رجع الناس إلى السَّعة، ثم لم أعلم أحدًا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن مَنْ شاء نكح بقُبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت. قال: قلت: وأعتقتَ الأمة أن وضعتْ ذا بطنها بغير عتاقة سيّدها، قال: ألحقتُ حرمة بحرمة، وما أردت إلّا الخير، وأستغفر الله! قلت: وتشكَّوْا منك نَهْر الرعيّة، وعُنْف السيَاق. قال: فشرع الدّرّة، ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد - وكان زَاملَه في غزوة قرقرة الكُدْر - فوالله إنّي لأرتِع فأشبع، وأسقي فأروِي، وأنهز اللَّفوت، وأزجر العَروض، وأذبّ قدْرِي، وأسوق خَطْوي، وأضمّ العَنود، وألحِق القَطوف، وأكثر الزّجر، وأقِلّ الضرب، وأشهِر العصا؛ وأدفع باليد؛ لولا ذلك لأغدَرت. قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: كان والله عالمًا برعيّتهم (٢). (٤: ٢٢٥/ ٢٢٦).\n٦٥٤ - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عُلَيّة عن ابن عون، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":440},{"text":"محمد، قال: نُبِّئت أن عثمان قال: إنّ عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، واني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله، ولن يُلقَى مثل عمر ثلاثة (١). (٤: ٢٢٦).\n٦٥٥ - وحدّثني عليّ بن سهل، قال: حدّثنا ضمْرة بن ربيعة، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن أبيه، قال: قدمت المدينة، فدخلت دارًا من دُورِها، فإذا عمر بن الخطاب - ﵁ - عليه إزار قِطْريّ، يدهُن إبلَ الصدقة بالقَطِران (٢). (٤: ٢٢٦).\n٦٥٦ - وحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدّثنا عمرو، قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أربع من أمر الإسلام لست مضيِّعهنّ، ولا تاركهنّ لشيء أبدًا: القوّة في مال الله، وجمعه؛ حتّى إذا جمعناه؛ وضعناه حيث أمر الله، وقعدنا آلَ عمر ليس في أيدينا ولا عندنا منه شيء. والمهاجرون الذين تحت ظلال السيوف؛ ألّا يحبَسوا ولا يجمَّروا، وأن يوفَّر فيء الله عليهم وعلى عيالاتهم، وأكون أنا للعيال حتى يقدَموا. والأنصار الذين أعطوا الله ﷿ نصيبًا، وقاتلوا الناس كافة؛ أن يقبَل من محسنهم، ويُتجاوَز عن مسيئهم؛ وأن يُشاوروا في الأمر. والأعراب الذين هم أصل العرب ومادة الإسلام؛ أن تؤخذ منهم صدقتهم على وجهها، ولا يؤخذ منهم دينار ولا درهم، وأن يردّ على فقرائهم ومساكينهم (٣). (٤: ٢٢٧).\n٦٥٧ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن ابن جُرَيج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر: إنّي لأعلم: أنّ الناس لا يعدلون بهذيْن الرّجلين اللذَيْن كان رسول الله - ﷺ - يكون نجيًّا بينهما وبين جبريل يتبلَّغ عنه، ويُملّ عليهما (٤). (٤: ٢٢٧).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1251>قصة الشورى</span>\n٦٥٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن شهر بن حَوْشب، وأبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن عباس بن سهل، ومبارك بن فَضالة، عن عبيد الله بن عمر، ويونس بن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ: أنّ عمر بن الخطاب لما طُعِن قيل له: يا أميرَ المؤمنين! لو استخلفت! قال: مَنْ أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيًّا؛ استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيّك يقول: \"إنه أمين هذه الأمّة\"، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا، استخلفته، فإن سألني ربيّ؛ قلت: سمعت نبيّك يقول: \"إنّ سالمًا شديد الحبّ لله\". فقال له رجل: أدلُّك عليه؟ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله! والله ما أردتَ الله بهذا! ويحك! كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته! لا أرَبَ لنا في أموركم، ما حمِدتُها، فأرغبَ فيها لأحد من أهل بيتي. إن كان خيرًا؛ فقد أصبنا منه، وإن كان شرًّا فشرٌّ عنَّا آل عمر؛ بحسب آل عمر أن يحاسَب منهم رجل واحد؛ ويُسأل عن أمر أمة محمد؛ أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي؛ وإن نجوتُ كفافًا لا وزْر ولا أجر؛ إني لسعيد؛ وانظر فإن استخلفتُ؛ فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك؛ فقد ترك مَنْ هو خير مني، ولن يضيّع الله دينه. فخرجوا ثم راحوا، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! لو عهدتَ عهدًا! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولِّيَ رجلًا أمرَكم؛ هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ - وأشار إلى عليّ - ورهِقتني غشية، فرأيت رجلًا دخل جنة قد غرسها، فجعل يقطف كل غضّة ويانعة، فيضمّه إليه، ويصيّره تحته؛ فعلمتُ: أنّ الله غالب أمره، ومتوفٍّ عمر؛ فما أريد أن أتحمّلها حيًّا وميتًا، عليكم هؤلاء الرّهط الذين قال رسول الله - ﷺ -: \"إنهم من أهل الجنة\"؛ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل منهم؛ ولست مدخله؛ ولكن الستّة: عليّ، وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن، وسعد خالا رسول الله - ﷺ -، والزُّبير بن العوّام حواريّ رسول الله - ﷺ - وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله؛ فلْيختاروا منهم رجلًا؛ فإذا ولَّوا واليًا؛ فأحسِنوا مؤازرته، وأعينوه، إن ائتمن أحدًا منكم؛ فليؤدّ إليه أمانته. وخرجوا، فقال العباس لعليّ:","vol":"8","page":442},{"text":"لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف، قال: إذًا ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليًّا، وعثمان، وسعدًا، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، فقال: إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم؛ ولا يكون هذا الأمر إلّا فيكم؛ وقد قبِض رسول الله - ﷺ - وهو عنكم راضٍ؛ إنّي لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم؛ ولكنّي أخافُ عليكم اختلافَكم فيما بينكم، فيختلف الناس، فانهضوا إلى حُجْرة عائشة بإذنٍ منها، فتشاوروا، واختاروا رجلًا منكم. ثم قال: لا تدخلوا حجرة عائشة؛ ولكن كونوا قريبًا، ووضع رأسه؛ وقد نزَفه الدم.\nفدخلوا فتناجوْا، ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إنّ أمير المؤمنين لم يمُتْ بعد؛ فأسمعَه فانتبه، فقال: ألا أعرضوا عن هذا أجمعون، فإذا متُّ فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتينّ اليوم الرابع إلّا وعليكم أمير منكم؛ ويحضر عبدُ الله بن عمر مشيرًا، ولا شيءَ له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر؛ فإن قدم في الأيام الثلاثة؛ فأحضروه أمركم، وإن مَضت الأيَّام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومَنْ لي بطلحة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به؛ ولا يخالف إن شاء الله. فقال عمر: أرجو ألّا يخالف إن شاء الله؛ وما أظنّ أن يليَ إلّا أحدُ هذين الرجلين: عليّ أو عثمان؛ فإن وليَ عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي عليّ ففيه دُعابة، وأحْرِ به أن يحملَهم على طريق الحقّ؛ وإن تولوا سعدًا فأهلها هو؛ وإلّا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف؛ ونِعْم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف! مسدّد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه.\nوقال لأبي طلحة الأنصاريّ: يا أبا طلحة، إنّ الله ﷿ طالما أعزّ الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلًا من الأنصار؛ فاستحِثّ هؤلاء الرّهط حتى يختاروا رجلًا منهم. وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حُفْرتي فأجمع هؤلاء الرّهط في بيت حتى يختاروا رجلًا منهم، وقال لصُهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليًّا وعثمان والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم؛ وأحضِر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر؛ وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضُوا رجلًا وأبى واحد فاشدَخْ رأسه - أو اضرب رأسه بالسيف - وإن اتّفق","vol":"8","page":443},{"text":"أربعة فرضُوا رجلًا منهم وأبى اثنان، فاضرب رؤوسهما، فإن رضيَ ثلاثةٌ رجلًا منهم وثلاثة رجلًا منهم، فحكّموا عبدَ الله بن عمر؛ فأيّ الفريقين حكم له فليختاروا رجلًا منهم؛ فإن لم يرضوْا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.\nفخرجوا، فقال عليّ لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومُكم لم تؤمّروا أبدًا. وتلقّاه العباس، فقال: عُدِلَتْ عَنّا! فقال: وما علمك؟ قال: قرِن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضيَ رجلان رجلًا، ورجلان رجلًا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف؛ فسعد لا يخالف ابنَ عمّه عبد الرحمن؛ وعبد الرحمن صهر عثمان؛ لا يختلفون، فيولّيها عبدُ الرحمن عثمانَ، أو يوليها عثمانُ عبد الرحمن؛ فلو كان الآخَران معي لم ينفعاني؛ بلْه إني لا أرجو إلّا أحدهما. فقال له العباس: لم أرفعْك في شيء إلّا رجعت إليّ مستأخرًا بما أكره؛ أشرتُ عليك عند وفاة رسول الله - ﷺ - أن تسألَه فيمن هذا الأمر؛ فأبيتَ، وأشرتُ عليك بعد وفاته أن تعاجلَ الأمر فأبيت، وأشرتُ عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألّا تدخل معهم فأبيتَ؛ احفظ عنِّي واحدة؛ كلّما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلّا أن يولُّوك؛ واحذر هؤلاء الرّهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيمُ الله لا يناله إلا بشرّ لا ينفع معه خير! فقال عليّ: أما لئن بقي عثمان لأذكِّرنه ما أتى ولئن مات ليتداولنّها بينهم، ولئن فعلوا ليجدنّي حيث يكرهون؛ ثم تمثل:\nحَلَفْتُ برَبِّ الراقِصاتِ عشيةً ... غدَوْنَ خِفافًا فابْتَدَرْنَ المُحَصَّبَا\nليَختَلِيَنْ رَهْطُ ابْنِ يَعْمَرَ مارِئًا ... نجِيعًا بنو الشُّدَّاخِ وِرْدًا مُصلَّبَا\nوالتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لم تُرَعْ أبا الحسن! فلمّا مات عمر وأخرجت جنازته، تصدّى عليّ وعثمان: أيّهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: كلاكما يحبُّ الإمْرة، لستما من هذا في شيء، هذا إلى صهيب، استخلفه عمر، يصلّي بالناس ثلاثًا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلّى عليه صُهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشُّورى في بيت المِسْوَر بن مخرَمة - ويقال: في بيت المال، ويقال في حجرة عائشة بإذنها - وهم خمسة، معهم ابنُ عمر، وطلحة غائب؛ وأمروا أبا طلحة أن يحجُبَهم، وجاء عمرو بن العاص،","vol":"8","page":444},{"text":"والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد، وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنّا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر؛ وكثر بينهم الكلام؛ فقال أبو طلحة: أنا كنت لأنْ تدفعوها أخوفَ منِّي لأن تَنافسوها! لا والذي ذهب بنفس عمر؛ لا أزيدكم على الأيّام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي؛ فأنظر ما تصنعون! فقال عبد الرحمن: أيُّكم يخرج منها نفسه، ويتقلدها على أن يوليها أفضلَكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها؛ فقال عثمان: أنا أوّل من رضي، فإنّي سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"أمين في الأرض أمين في السماء\"، فقال القوم: قد رضينا - وعليّ ساكت - فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثِقًا لتؤثرنّ الحقّ ولا تتّبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم، ولا تألوا الأمة! فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على مَنْ بدّل وغيّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليّ ميثاق الله ألّا أخصّ ذا رحِم لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقًا، وأعطاهم مثله، فقال لعليّ: إنك تقول: إني أحقُّ من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدّين؛ ولم تبعد؛ ولكن أرأيت لو صرِف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرّهط أحقّ بالأمر؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان؛ فقال: تقول: شيخ من بني عبد مناف؛ وصهر رسول الله - ﷺ - وابن عمه، لي سابقة وفَضْل - لم تبعد - فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأيّ هؤلاء الرهط تراه أحقّ به؟ قال: عليّ. ثم خلا بالزّبير، فكلمه بمثل ما كلم به عليًّا وعثمان؛ فقال: عثمان. ثم خَلا بسعد، فكلمه، فقال: عثمان. فلقي عليّ سعدًا، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، أسألك برحمِ ابني هذا من رسول الله - ﷺ -، وبرحم عمّي حمزة منك ألّا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرًا عليّ؛ فإني أدْلي بما لا يُدْلي به عثمان. ودار عبد الرحمن لياليَه يلقى أصحاب رسول الله - ﷺ - ومَن وافَى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس، يشاورهم، ولا يخلُو برجل إلا أمره بعثمان؛ حتى إذا كانت الليلة التي يُسْتكمَل في صبيحتها الأجلُ، أتى منزل المِسْوَر بن مخرمة بعد ابهرار من الليل؛ فأيقظه فقال: ألا أراك نائمًا ولم أذق في هذه الليلة كثير غَمْض! انطلق فادعُ الزبير وسعدًا.\nفدعاهما فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصُّفَّة التي تلي دارَ مروان، فقال","vol":"8","page":445},{"text":"له: خلّ ابنيْ عبد مناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعليّ، وقال لسعد: أنا وأنت كَلَالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترتَ نفسك فنعم، وإن اخترتَ عثمان فعليّ أحبّ إليّ؛ أيها الرجل بايع لنفسك وأرِحْنا، وارفع رؤوسنا، قال: يا أبا إسحاق! إني قد خلعتُ نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجُعل الخيار إليّ لم أرِدْها، إني أريت كروضة خضراء كثيرة العُشْب، فدخل فحلٌ فلم أر فحلًا قطّ أكرم منه، فمرّ كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الرّوْضة حتى قطعها، لم يعرّج. ودخل بعير يتلوه فاتّبع أثره حتى خرج من الرّوضة، ثم دخل فحل عبقريٌّ يجرّ خِطامه، يلتفت يمينًا وشمالًا ويمضي قَصْد الأوليْن حتى خرج، ثمّ دخل بعير رابع فرتَع في الرّوْضة؛ ولا والله لا أكون الرابع؛ ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحدٌ فيرضى الناس عنه. قال سعد: فإني أخافُ أن يكون الضّعف قد أدركك، فامضِ لرأيك؛ فقد عرفت عهد عمر.\nوانصرف الزبير، وسعد، وأرسل المِسْور بن مخرمة إلى عليّ، فناجاه طويلًا؛ وهو لا يشكّ: أنه صاحب الأمر، ثم نهض؛ وأرسل المِسوَر إلى عثمان. فكانا في نجيّهما؛ حتى فرّق بينهما أذان الصبح. فقال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو! مَنْ أخبرك أنه يعلم ما كلّم به عبد الرحمن بن عوف عليًّا، وعثمان، فقد قال بغير علم؛ فوقع قضاء ربّك على عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التجّ المسجد بأهله، فقال: أيُّها الناس! إنّ الناس قد أحبّوا أن يلحق أهلُ الأمصار بأمصارهم وقد علموا مَن أميرُهم. فقال سعيد بن زيد: إنّا نراك لها أهلًا، فقال: أشيروا عليّ بغير هذا، فقال عمّار: إن أردت ألّا يختلف المسلمون فبايع عليًّا. فقال المقداد بن الأسود: صَدق عمّار؛ إن بايعت عليًّا؛ قلنا: سمعنا، وأطعنا. قال ابنُ أبي سرح: إن أردت ألّا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صَدق؛ إن بايعتَ عثمان؛ قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمّار ابن أبي سَرْح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟ !\nفتكلم بنو هاشم وبنو أميّة، فقال عمار: أيُّها الناس! إنّ الله ﷿ أكرمنا بنبيّه، وأعزّنا بدينه، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجل من","vol":"8","page":446},{"text":"بني مخزوم: لقد عدوتَ طورَك يا بن سميّة! وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن! افرغ قبل أن يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلُنَّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلًا. ودعا عليًّا، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعْمَلنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي؛ ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ، قال: نعم، فبايعه، فقال عليّ: حبوتَه حَبْوَ دهر؛ ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا؛ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون! والله ما ولّيتَ عثمان إلا ليردّ الأمر إليك؛ والله كلّ يوم هو في شأن؛ فقال عبد الرحمن: يا عليّ! لا تجعل على نفسك سبيلًا؛ فإني قد نظرت وشاورتُ الناس؛ فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج عليّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن! أما والله لقد تركتَه من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون. فقال: يا مقداد! والله لقد اجتهدتُ للمسلمين؛ قال: إن كنتَ أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيتُ مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم. إني لأعجب من قريش: أنّهم تركوا رجلًا ما أقول إنّ أحدًا أعلم ولا أقضى منه بالعدل؛ أما والله لو أجد عليه أعوانًا! فقال عبد الرحمن: يا مقداد! اتق الله؛ فإني خائف عليك الفتنة! فقال رجل للمقداد: رحمك الله! مَن أهل هذا البيت، ومَن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل عليّ بن أبي طالب. فقال عليّ: إنّ الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: إن وُليَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدًا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم. وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان، فقال: أكلّ قريش راضٍ به؟ قال: نعم، فأتى عثمانَ فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك، إن أبيتَ رددتُها، قال: أتردّها؟ قال: نعم؛ قال: أكلّ الناس بايعوك؟ قال: نعم، قال: قد رضيتُ؛ لا أرغب عمّا قد أجمعوا عليه، وبايعه.\nوقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد! قد أصبتَ إذ بايعتَ عثمان! وقال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرَك ما رضينا، فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور! لو بايعتُ غيره لبايعتَه، ولقلتَ هذه المقالة.","vol":"8","page":447},{"text":"وقال الفرزدق:\nصلَّى صهَيْبٌ ثلاثًا ثمَّ أرْسَلَها ... على ابنِ عَفَّانَ مُلْكًا غير مقصور\nخلافةً من أبي بكر لصاحبِهِ ... كانوا أخِلَّاءَ مَهْدِيٍّ ومأمورِ\nوكان المِسْوَر بن مخرمة يقول: ما رأيت رجلًا بذّ قومًا فيما دخلوا فيه بأشدّ مما بذّهم عبد الرحمن بن عوف (١). (٤: ٢٢٨/ ٢٢٧/ ٢٢٩/ ٢٣٠/ ٢٣١/ ٢٣٢/ ٢٣٣/ ٢٣٤).\n_________\n(١) هذا إسناد مركب جمع فيه الطبري الرواية من هذه الطرق (وهي ثلاثة) فخلط رواية البعض بالبعض الآخر، أما طريق شهر بن حوشب فقد أخرجه شيخ الطبري (عمر بن شبة) في كتابه القيّم (أخبار المدينة المنورة ٦/ ٣) مختصرًا ليس فيه إلا ذكر فضل أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة وأنه لو كانا على قيد الحياة لاستخلفهما (أي عمر - ﵁ -)، وهذا يعني أن النكارة الشديدة من قبل أبي مخنف أو إبراهيم النخعي ولا نظنه من قبل إبراهيم فهو وإن كان يرسل كثيرًا كما قال الحافظ فإنه غير متهم بالكذب أو الوضع والافتراء كما هو حال أبي مخنف - وإن كان إبراهيم في إسناده هنا يرسل لأنه ولد بعد الحادثة (أي وفاة عمر والشورى) بحوالي (٢٢) سنة فهو أرسل هنا أيضًا ولكننا على يقين من أن التالف الهالك أبا مخنف هو الذي افترى وقال هذه النكارات الشنيعة التي تكذبها الروايالت الصحيحة عند البخاري وغيره كما ذكرنا في قسم الصحيح فليراجع (٤/ ٢٢٧/ قصة الشورى)، وسنذكر طرفًا من غرائب وعجائب اختلقها أبو مخنف والروايات الصحيحة السند تكذبه والحمد لله على نعمة الإسناد.\n١ - رواية أبي مخنف تؤكد أن عمرًا أمر صهيبًا أن يراقب مجلس الشورى المتكون من الصحابة المعروفين (عثمان، علي، طلحة، الزبير، سعد) فإن لم يتفقوا فإن عليه (أي على صهيب) أن يضرب رؤوسهم بالسيف.\nوحاشا لسيدنا عمر أن يكون سيئ الأدب مع من مات رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راضٍ (وباعتراف أمير المؤمنين عمر نفسه) والرواية الصحيحة تكذب ذلك فقد أخرج ابن سعد في طبقاته بسندٍ حسنٍ أن عمر - ﵁ - أمر صهيبًا أن يضرب رأس من خالف مجلس الشورى بعد اتفاق هذا المجلس وفيه (فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه) (الطبقات الكبرى ٣/ ٣٤٢).\n٢ - اختلق أبو مخنف كلامًا على لسان سيدنا علي - ﵁ - وهو أنه اتهم عبد الرحمن بالتحيز إلن جانب عثمان بعد أن اتهمه عمه العباس بأنه قد تخلى عن أعوانه وأبنائه من آل بيت النبي - ﷺ - وضعف أمام عثمان. وحاشا لعلي أن يقول مثل هذا وحاشا لابن عوف ألا يعدل، ولم نجد رواية صحيحة تثبت ما قاله أبو مخنف علمًا بأن عبد الرحمن كان أقرب إلى علي بناحية الرابطة العشائرية وما إلى ذلك من عثمان فعبد الرحمن زهري وهم أخوال رسول الله - ﷺ - فمن أقرب لمن؟","vol":"8","page":448},{"text":"٦٥٩ - قال أبو جعفر: وأما المِسْوَر بن مخرمة، فإنّ الرواية عندنا عنه ما حدّثني سلم بن جُنادة أبو السائب، قال: حدّثنا سُليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المِسْوَر بن مخرمة - وكانت أمه عاتكة بنة عوف - في الخبر الذي قد مضى ذكر أوله في مقتل عمر بن الخطّاب؛ قال: ونزل في قبره - يعني في قبر عمر - الخمسة، يعني أهل الشورى. قال: ثم خرجوا يريدون بيوتهم؛ فناداهم عبد الرحمن: إلى أين؟ هلمّوا! فتبعوه، وخرج حتى دخل بيت فاطمة بنت قيس الفهريّة، أخت الضخاك بن قيس الفهريّ - قال بعض أهل العلم: بل كانت زوجتُه؛ وكانت نَجودًا، يريد ذات رأي - قال: فبدأ عبد الرحمن بالكلام، فقال: يا هؤلاء؛ إنّ عندي رأيًا، وإنّ لكم نظرًا؛ فاسمعوا تعلّموا، وأجيبوا تفقهوا؛ فإنّ حابيًا خير من زاهق؛ وإن جُرعةً من شَرُوب بارد أنفع من عذب مُوبٍ؛ أنتم أئمة يهتدى بكم؛ وعلماء يصدَر إليكم؛ فلا تفلّوا المدَى بالاختلاف بينكم، ولا تُغمِدوا السيوف عن أعدائكم؛ فتُوتِروا ثأركم، وتؤلتوا أعمالكم؛ لكل أجل كتاب؛ ولكل بيت إمام بأمره يقومون، وبنهيه يَرعوون. قلّدوا أمركم واحدًا منكم تمشوا الهوينى وتلحقوا الطلب؛ لولا فتنة عمياء، وضلالة حيراء؛ يقول أهلها ما يرون، وتحلّهم الحَبَوْكَرَى، ما عدَتْ نياتكم معرفَتكم، ولا أعمالكم نياتكم. احذروا نصيحة الهوى، ولسان الفُرْقة؛ فإنّ الحيلة فِي المنطق أبلغُ من السيوف في الكلْم؛ علِّقُوا أمركم رَحْبَ الذراع فيما حل، مأمون الغيب فيما نزل، رضًا منكم وكلكم رضًا، ومقترَعًا منكم وكلّكم منتهى، لا تطيعوا مفسدًا ينتصح؛ ولا تخالفوا مرشدًا ينتصر؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\n_________\n= ٣ - ثم إن رواية أبي مخنف التالف الهالك تقول بأن طلحة كان غائبًا عن اجتماع مجلس الشورى بينما تذكر الروايات الصحيحة خلاف ذلك تمامًا - ولا نريد أن نطيل هنا في ذكر افتراءات أبي مخنف وزياداته الشنيعة وطعنه الخبيث في عدالة الصحابة فيكفينا ما ذكرنا من الروايات الصحيحة في قسم الصحيح من عهد الخلفاء الراشدين فمن أراد أن يتعرف على طامات وزلات أبي مخنف في هذه الرواية فننصحه بالرجوع إلى الكتاب القيّم (روايات أبي مخنف في تأريخ الطبري) للأستاذ الفاضل يحيى اليحيى فقد فصّل وأجاد فجزاه الله عن المسلمين وتأريخ خلفائهم خير الجزاء.","vol":"8","page":449},{"text":"ثم تكلّم عثمان بن عفان، فقال: الحمدُ لله الذي اتّخذ محمّدًا نبيًّا، وبعثه رسولًا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كلّ مَن بَعُد نسبًا، أو قرب رَحِمًا؛ - ﷺ -؛ جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين؛ فهو لنا نور؛ ونحن بأمره نقوم عند تفرّق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منّا، ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفِهَ الحقّ؛ ونكل عن القصد، وأحْرِ بها يا بن عوف أن تترك، وأحْذِر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك؛ فأنا أوّل مجيب لك، وداعٍ إليك، وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لي ولكم.\nثم تكلّم الزبير بن العوام بعده، فقال: أمّا بعد: فإنّ داعيَ الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذَل، عند تفرّق الأهواء وليّ الأعناق؛ ولن يقصّر عمّا قلت إلا غويّ، ولن يترك ما دعوت إليه إلّا شقيّ، لولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حُدّت، تراح على أهلها، وتحيا لا تموت؛ لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنّة؛ لئلا نموت ميتة عمِّيَّة، ولا نَعْمَى عمى جاهليّة، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حوْل ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم.\nثم تكلّم سعد بن أبي وقّاص، فقاله: الحمد لله بديئًا كان، وآخرًا يعود، أحمده لما نجّاني من الضلالة، وبصّرني من الغواية، فبهدي الله فاز مَن نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله - ﷺ - أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كلّ حق، ومات كلّ باطل؛ إياكم أيها النّفر وقولَ الزور، وأمنيّة أهل الغرور، فقد سلبت الأمانيُّ قومًا قيلكم ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم؛ فاتّخذهم الله عدوًّا، ولعنهم لعنًا كبيرًا. قال الله ﷿: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ إنّي نكبت قرَني فأخذت سهمي الفالج، وأخذتُ لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي؛ فأنا به كفيل، وبما أعطيتُ عنه زعيم، والأمر إليك يا بن عوف! بجهد النفس، وقصد النُّصْح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرّجوع، وأستغفر الله لي ولكم؛ وأعوذ بالله من مخالفتكم.\nثم تكلّم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ فقال: الحمدُ لله الذي بعث","vol":"8","page":450},{"text":"محمدًا منّا نبيًّا، وبعثه إلينا رسولًا، فنحن بيت النبوّة، ومعدن الحكمة؛ وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نعطَه نأخذه؛ وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُّرَى؛ لو عهد إلينا رسول الله - ﷺ - عهدًا؛ لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولًا؛ لجادلنا عليه؛ حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصِلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي، وعوا منطقي؛ عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تُنتضَى فيه السيوف، وتُخان فيه العهود؛ حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعةً لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:\nفإن تكُ جاسمٌ هَلَكَتْ فإنِّي ... بما فعلتْ بنو عبدِ بنِ ضخْمِ\nمُطيعٌ في الهواجِرِ كلّ عَيّ ... بصيرٌ بالنَّوَى من كلِّ نَجْم\nفقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسًا أن يخرج نفسه من هذا الأمر، ويولّيه غيرَه؟ قال: فأمسَكوا عنه، قال: فإني أخرج نفسي، وابنَ عمّي، فقلده القوم الأمر، وأحلفهم عند المنبر؛ فحلفوا ليبايعُنّ مَن بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى! فأقام ثلاثًا في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبة القضاء - وبذلك سمّيت رَحْبة القضاء - فأقام ثلاثًا يصلِّي بالناس صهيب.\nقال: وبعث عبد الرحمن إلى عليّ، فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليّ؛ فقال: عثمان. ثم بعث إلى عثمان، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ. ثم قال لهما: انصرفا. فدعا الزبير، فقال: إن لم أبايعك؛ فمن تشير عليّ، قال: عثمان، ثم دعا سعدًا، فقال: مَنْ تشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فمن تشير عليّ؟ قال: عثمان. فلمَّا كانت الليلة الثالثة، قال: يا مِسْوَر! قلت: لبّيك، قال: إنك لنائم؛ والله ما اكتحلت بغَماض منذ ثلاث. اذهب فادعُ لي عليًّا، وعثمان. قال: قلت: يا خال! بأيّهما أبدأ؟ قال: بأيّهما شئت، قال: فخرجت فأتيت عليًّا - وكان هواي فيه - فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم؛ قال: إلى من؟ قلت: إلى عثمان، قال: فأيّنا أمرك أن تبدأ به؟ قلت: قد سألته فقال: بأيّهما شئت، فبدأت بك، وكان هواي فيك. قال: فخرج معي حتى أتينا المقاعد، فجلس عليها عليّ، ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر، فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك","vol":"8","page":451},{"text":"معي إلى غيري؟ قلت: نعم، إلى عليّ، قال: بأيّنا أمرك أن تبدأ؟ قلت: سألته فقال: بأيّهما شئت؛ وهذا عليّ على المقاعد، فخرج معي حتى دخلنا جميعًا على خالي وهو في القبلة قائم يصلّي، فانصرف لمَّا رآنا، ثم التفت إلى عليّ، وعثمان، فقال: إنّي قد سألت عنكما وعن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما؛ هل أنت يا عليّ مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. فالتفت إلى عثمان، فقلت: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفيه، وقال: إذا شئتما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد، وصاح صائح: الصلاة جامعة - قال عثمان: فتأخّرت والله حياء لما رأيت من إسراعه إلى عليّ؛ فكنت في آخر المسجد - قال: وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عمَّمه بها رسول الله - ﷺ -، متقلّدًا سيفه؛ حتى ركِب المنبر، فوقف وقوفًا طويلًا، ثم دعا بما لم يسمعه الناس.\nثم تكلّم، فقال: أيّها الناس! إني قد سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم؛ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين، إما عليّ، وإما عثمان؛ فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه عليّ، فوقف تحت المنبر؛ فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنتَ مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا؛ ولكن على جَهدي من ذلك وطاقتي؛ قال: فأرسل يده ثم نادَى: قم إليّ يا عثمان؛ فأخذ بيده - وهو في موقف عليّ الذي كان فيه - فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم؛ قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، ثم قال: اللهمّ اسمع واشهد؛ اللهمّ إنِّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان. قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غَشُوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي - ﷺ - من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكّأ عليّ، فقال عبد الرحمن: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ فرجع عليّ يشقّ الناس؛ حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيَّما خدعة!\nقال عبد العزيز: وإنما سبب قول علي: \"خدعة\"؛ أن عمرو بن العاص كان قد لقي عليًّا في ليالي الشورى، فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنّه متى","vol":"8","page":452},{"text":"أعطيتَه العزيمة كان أزهدَ له فيك؛ ولكن الجهد والطاقة؛ فإنه أرغبُ له فيك. قال: ثم لقي عثمان، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد؛ وليس والله يبايعك إلّا بالعزيمة، فاقبَل؛ فلذلك قال عليّ: \"خدعة\".\nقال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة بنة قيس، فجلس والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيبًا، فقال: يا أبا محمد! الحمد لله الذي وفّقك؛ والله ما كان لها غير عثمان - وعليّ جالس - فقال عبد الرحمن: يا بن الدّباغ! ما أنت وذاك؟ ! والله ما كنت أبايع أحدًا إلّا قلتَ فيه هذه المقالة!\nقال: ثم جلس عثمان في جانب المسجد؛ ودعا بعبيد الله بن عمر - وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جُفينة والهُرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وكان يقول: والله لأقتلنّ رجالًا ممن شرك في دم أبي - يعرّض بالمهاجرين والأنصار - فقام إليه سعد، فنزع السيف من يده؛ وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه؛ فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا عليّ في هذا الذي فتَق في الإسلام ما فتَق، فقال عليّ: أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمسِ ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحَدَث كان ولك على المسلمين سلطان؛ إنما كان هذا الحدَث ولا سلطان لك؛ قال عثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها ديةً، واحتملتها في مالي.\nقال: وكان رجل من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد البيّاضيّ إذا رأى عبيد الله بن عمر، قال:\nألا يا عبيدَ الله مالك مهربٌ ... ولا مَلْجَأٌ مِنْ ابْنِ أرْوَى ولا خَفَرْ\nأصبْتَ دمًا والله في غير حِلّه ... حرامًا وقتلُ الهُرْمُزانِ له خَطَرْ\nعلى غيرِ شيءٍ غيرَ أن قال قائلٌ ... أتَتّهِمُونَ الهُرمزَان على عمرْ\nفقال سَفيهٌ - والحوادث جَمَّة ... نعم اتَّهِمْه قد أشار وقد أمر\nوكان سلاحُ العبدِ في جوف بيتِهِ ... يقَلّبها والأمرُ بالأمرِ يُعتَبرْ\nقال: فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لَبِيد وشعره، فدعا عثمان زياد بن لَبِيد، فنهاه. قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:","vol":"8","page":453},{"text":"أبا عمرٍو عبيدُ الله رَهْنٌ ... فلا تَشْكُكْ بقَتْلِ الهُرمزَان\nفإنك إنْ غَفرْتَ الجرْمَ عنه ... وأسبابُ الخَطا فَرَسا رِهانِ\nأتَعْفُو إذ عَفَوتَ بغير حَقّ ... فما لك بالذي تَحْكي يدان!\nفدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذّبه (١). (٤: ٢٣٤/ ٢٣٦/٢٣٥/ ٢٣٧ / ٢٣٨/ ٢٣٩/ ٢٤٠).\n٦٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة طُعِن عمر: مررت على أبي لؤلؤة عشيّ أمس؛ ومعه جُفَينة والهرمزان، وهم نجيّ، فلما رهِقْتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابُه في وسطه؛ فانظروا بأيّ شيء قتل؛ وقد تخلل أهل المسجد، وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميميّ، وقد كان ألظَّ بأبي لؤلؤة منصرفَه عن عمر، حتى أخذه فقتله؛ وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر، فسمع بذلك عُبيد الله بن عمر؛ فأمسك حتى مات عمر؛ ثمّ اشتمل على السيف؛ فأتى الهرمزان فقتله؛ فلما عضّه السيف قال: \"لا إله إلا الله\". ثمّ مضى حتى أتى جُفينة - وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد بن مالك، أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم، وليعلّم بالمدينة الكتابة - فلما علاه بالسيف صلّب بين عينيه. وبلغ ذلك صهيبًا؛ فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه، ويقول: السيف بأبي وأمّي! حتى ناوله إياه، وثاوره سعدٌ فأخذ بشعره، وجاؤوا إلى صهيب (٢) (٤: ٢٤٠/ ٢٤١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، وعبد العزيز متروك - وفي متنه نكارة شديدة منها ما افتراه على لسان علي - ﵁ - أنه قال (خدعة وأيما خدعة) أي أنه خُدع في مجلس الشورى المنعقد بين الصحابة المعروفين ولم تثبت هذه المقولة في رواية صحيحة ولا حتى في رواية ضعيفة والحمد لله على نعمة الإسناد.\nويكفي دليلًا على بطلان ونكارة هاتين الروايتين ما ورد بأسانيد صحيحة عند أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ذكرنا منها ما علمنا في قسم الصحيح عن قصة الشورى فراجعها هناك.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1252>عمال عمر - ﵁ - على الأمصار</span>\nوفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاث وعشرين - توفي - فيما زعم الواقديّ - قتادة بن النّعمان الظَّفَرِيّ، وصلى عليه عمر بن الخطّاب.\nوفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمّورية؛ ومعه من أصحاب رسول الله - ﷺ - عُبادة بن الصامت، وأبو أيّوب خالد بن زيد، وأبو ذرّ، وشدّاد بن أوْس.\nوفيها فتح معاوية عَسْقلان على صلح.\nوقيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفي فيها عمر بن الخطاب - ﵁ - شُريح، وعلى البصرة كعب بن سُور؛ وأما مصعب بن عبد الله فإنه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب: أن أبا بكر وعمر - ﵄ - لم يكن لهما قاضٍ. (: ٢٤١٤).\n* * *","vol":"8","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1253>ضعيف تاريخ عثمان بن عفان - ﵁ </span>-","vol":"8","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1254>ثم دخلت سنة أربع وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة</span>\n٦٦١ - ففيها بويع لعثمان بن عفان بالخلافة، واختلف في الوقت الذي بويع له فيه؛ فقال بعضهم ما حدّثني به الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص عن عثمان بن محمّد الأخنسيّ. قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه، قالا: بويع عثمان بن عفّان يوم الإثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين (١). (٤: ٢٤٢).\n٦٦٢ - وقال آخرون ما حدّثني به أحمد بن ثابت الرازيّ عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: بويع لعثمان عام الرُّعاف سنة أربع وعشرين، قيل: إنما قيل لهذه السنة عام الرّعاف؛ لأنه كثر الرُّعاف فيها في الناس (٢). (٤: ٢٤٢).\n٦٦٣ - وقال آخرون - فيما كتب به إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن خُلَيد بن ذَفرة ومجالد؛ قالا: استُخلف عثمان لثلاث مضيْن من المحرّم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد: ووفّد فاستُنّ به (٣). (٤: ٢٤٢).\n٦٦٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمر، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضيْن من المحرّم، وقد دخل وقت\n_________\n(١) ضعيف وقال ابن كثير: وهذا غريب جدًّا (البداية والنهاية (٧/ ١٥٢).\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":459},{"text":"العصر، وقد أذّن مؤذّن صُهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزاد الناس مئة، ووفّد أهل الأمصار؛ وهو أوّل مَن صنع ذلك (١) (٤: ٢٤٢).\n٦٦٥ - وقال آخرون - فيما ذكر ابن سعد عن الواقديّ، عن ابن جُريج عن ابن مُلَيكة، قال: بويع لعثمان لعشر مضيْن من المحرّم، بعد مقتل عمر بثلاث ليال (٢). (٤: ٢٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>خطبة عثمان - ﵁ - وقتل عبيدِ الله بن عمر الهرمزان</span>\n٦٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: لما بايع أهلُ الشورى عثمان؛ خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى مِنبر رسولِ الله - ﷺ -، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبيّ - ﷺ -، وقال: إنكم في دار قُلْعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صبِّحتم أو مسِّيتم؛ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. اعتبروا بمن مضى، ثم جِدُّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يُغْفَل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعَمَرُوها، ومُتِّعوا بها طويلًا، ألم تلفِظْهم! ارموا بالدنيا حيث رمَى الله بها، واطلبوا الآخرة؛ فإنّ الله قد ضرب لها مثلًا؛ وللّذي هو خير، فقال ﷿: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله ﴿أَمَلًا﴾، وأقبل الناس يبايعونه (٣). (٤: ٢٤٣).\n٦٦٧ - وكتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي منصور، قال: سمعت القماذبان يحدّث عن قتل أبيه، قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضُها إلى بعض فمرّ فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟ فقال: آنسُ به؛ فرآه رجل، فلما أصيب عمر،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف، وقال ابن كثير: وهذا أغرب من الذي قبله (أي ٤/ ٢٤٢/ خ ١٦١).\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":460},{"text":"قال: رأيتُ هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز. فأقبل عُبيد الله فقتَله؛ فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بنيّ! هذا قاتل أبيك؛ وأنت أوْلى به منا، فاذهب فاقتله؛ فخرجت به وما في الأرض أحد إلّا معي؛ إلّا أنهم يطلبون إليّ فيه. فقلت لهم: ألي قتلُه؟ قالوا: نعم - وسبُّوا عبيدَ الله - فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبُّوه فتركته لله ولهم. فاحتملوني؛ فو الله ما بلغتُ المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفّهم (١). (٤: ٢٤٣/ ٢٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>ولاية سعد بن أبي وقاص الكوفة</span>\n٦٦٨ - وأمّا الواقديّ: فإنه ذكر أنّ أسامة بن زيد بن أسلم حدّثه عن أبيه: أن عمرَ أوصى أن يُقَرّ عمّاله سنة؛ فلما ولي عثمان أقرّ المغيرةَ بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله، واستعمل سعد بن أبي وقاص ثم عزله، واستعمل الوليد بن عُقْبة. فإن كان صحيحًا ما رواه الواقديّ من ذلك، فولاية سعد الكوفة من قبَل عثمان كانت سنة خمس وعشرين (٢). (٤: ٢٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>كتب عثمان - ﵁ - إلى عمّاله وولاته والعامّة</span>\n٦٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما وَليَ عثمان بعث عبد الله بن عامر إلى كابُل - وهي عُمالة سجِسْتان - فبلغ كابُل حتى استفرغَها، فكانت عُمالة سجستان أعظمَ من خُراسان؛ حتى مات معاوية، وامتنع أهل كابُل (٣). (٤: ٢٤٤).\n٦٧٠ - قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه عثمان إلى عمّاله: أمّا بعدُ: فإن الله أمَر الأئمة أن يكونوا رُعاة، ولم يتقدّم إليهم أن يكونوا جُباةً؛ وإنّ صدْر هذه الأمة خُلِقوا رُعاة، لم يُخلَقوا جُباة، وليوشكنّ أئمتكم أن يصيرُوا جُباة ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك؛ انقطع الحياء، والأمانة، والوفاء. ألَا وإنّ أعدل السِّيرة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":461},{"text":"أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم، فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم؛ ثم تُثَنُّوا بالذمّة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم. ثم العدوّ الذي تنتابون؛ فاستفتحوا عليهم بالوفاء.\nقالوا: وكان أوّل كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج: أمّا بعد، فإنكم حُماة المسلمين وذادتهم؛ وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملأ منّا، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغيِّرَ الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم؛ فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النَّظر فيه، والقيام عليه.\nقالوا: وكان أوّل كتاب كتبه إلى عمّال الخراج: أمّا بعد: فإن الله خلَق الخلْق بالحقّ؛ فلا يقبل إلا الحقّ، خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ به. والأمانة الأمانة؛ قوموا عليها، ولا تكونوا أوّل مَن يسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء؛ لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم.\nقالوا: وكان كتابه إلى العامّة: أمّا بعد: فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتّباع؛ فلا تَلْفتنَّكم الدنيا عن أمركم؛ فإنّ أمر هذه الأمة سائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"الكفر في العُجمة\"؛ فإذا استعجم عليهم أمر؛ تكلّفوا، وابتدعوا (١). (٤: ٢٤٤/ ٢٤٥).\n٦٧١ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عاصم بن سليمان، عن عامر الشعبيّ، قال: أوّل خليفة زاد الناس في أعطياتهم مئة عثمان؛ فجرت. وكان عمر يجعل لكلّ نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهمًا في كلّ يوم، وفرض لأزواج رسول الله - ﷺ - درهمين درهمين؛ فقيل له: لو صنعت لهم طعامًا فَجمعتَهم عليه! فقال: أشبع الناس في بيوتهم. فأقرّ عثمان الذي كان صنع عمر؛ وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترّين بالناس في رمضان (٢). (٤: ٢٤٥/ ٢٤٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>غزوة أذربيجان وأرمينية</span>\nوفي هذه السنة - أعني: سنة أربع وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذْرَبيجان وأرمينيَة لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهلَ الإسلام أيّام عمر في رواية أبي مِخْنف؛ وأمَّا في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ستّ وعشرين.\n٦٧٢ - ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمر المسلمين وأمرهم في هذه الغزوة: ذكر هشام بن محمد: أنّ أبا مخنف حدّثه عن فروة بن لقيط الأزديّ، ثمّ الغامديّ: أنّ مغازيَ أهل الكوفة كانت الريّ، وأذْربيجان، وكان بالثغرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة؛ ستة آلاف بأذْربيجان وأربعة آلاف بالرّيّ، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل؛ وكان يغزو هذين الثغرين منهم عشرة آلاف في كلّ سنة، فكان الرجل يصيبه في كلّ أربع سنين غزوة؛ فغزا الوليد بن عقبة في إمارته على الكوفة في سلطان عثمان أذْرَبيجان وأرمينية، فدعا سلمان بن ربيعة الباهليّ، فبعثه أمامه مقدّمة له، وخرج الوليد في جماعة الناس؛ وهو يريد أن يمعِنَ في أرض أرمينية، فمضى في الناس حتى دخل أْذربيجان، فبعث عبد الله بن شُبيل بن عوف الأحمسيّ في أربعة آلاف، فأغار على أهل موقان، والبَبْر، والطيْلسان، فأصاب من أموالهم وغنِم، وتحرّز القوم منه، وسبَى منهم سبيًا يسيرًا، فأقبل إلى الوليد بن عُقْبة.\nثم إن الوليد صالح أهل أذْرَبيجان على ثمانمئة ألف درهم؛ وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا عليه حُذيفة بن اليمان سنة اثنتين وعشرين بعد وقعة نهاوند بسنة. ثم إنهم حبسوها عند وفاة عمر، فلما ولي عثمان وولى الوليد بن عقبة الكوفة، سار حتى وطئهم بالجيش؛ فلما رأوا ذلك، انقادوا له، وطلبوا إليه أن يتمّ لهم على ذلك الصلح، ففعل، فقبض منهم المال، وبثّ فيمن حولهم من أعداء المسلمين الغاراتِ، فلما رجع إليه عبد الله بن شُبيل الأحمسيّ من غارته تلك - وقد سلم وغنم - بعث سلمان بن ربيعة الباهليّ إلى أرمينيَة في اثني عشر ألفًا، سنة أربع وعشرين. فسار في أرض أرمينيَة فقتل، وسبى، وغنم، ثم إنه","vol":"8","page":463},{"text":"انصرف وقد ملأ يديه حتى أتى الوليدَ. فانصرف الوليد وقد ظفِر وأصاب حاجته (١). (٤: ٢٤٦/ ٢٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>إجلاب الروم على المسلمين واستمداد المسلمين من بالكوفة</span>\nوفي هذه السنة - في رواية أبي مَخْنف - جاشت الرُّوم، حتّى استمدّ من بالشأم من جيوش المسلمين من عثمان مددًا.\nذكر الخبر عن ذلك:\n٦٧٣ - قال هشام: حدّثني أبو مخْنف، قال: حدّثني فروة بن لقيط الأزديّ، قال: لما أصاب الوليد حاجتَه من أرمينيَة في الغزوة التي ذكرتها في سنة أربع وعشرين من تاريخه، ودخل الموصل فنزل الحديثة، أتاه كتاب من عثمان - ﵁ -:\nأمّا بعد؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إليّ يخبرني: أنّ الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدّهم إخوانهم من أهل الكوفة؛ فإذا أتاك كتابي هذا؛ فابعث رجلًا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف، أو تسعة آلاف، أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي؛ والسلام.\nفقام الوليد في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد أيّها الناس! فإنّ الله قد أبلَى المسلمين في هذا الوجه بلاءً حسنًا؛ ردّ عليهم بلادهم التي كفرت، وفتَح بلادًا لم تكن افتُتِحت، وردّهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد لله رب العالمين. وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يأمرني أن أندُب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف، تُمدّون إخوانكم من أهل الشأم، فإنهم قد جاشت عليهم الرّوم؛ وفي ذلك الأجر العظيم، والفضْل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهليّ. قال: فانتدب الناس، فلم يمضِ ثالثة حتى خرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشأم إلى أرض الرّوم؛ وعلى جند أهل الشأم حبيب بن مسلمة بن خالد الفهريّ،\n_________\n(١) إسناده تالف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.","vol":"8","page":464},{"text":"وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة الباهليّ، فشنُّوا الغاراتِ على أرض الروم، فأصاب الناس ما شاؤوا من سبْي، وملؤوا أيديَهم من المغنم، وافتتحوا بها حصونًا كثيرة (١). (٤: ٢٤٧/ ٢٤٨).\n٦٧٤ - وزعم الواقديّ: أنّ الذي أمدّ حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص، وقال: كان سبب ذلك: أنّ عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يُغزِيَ حبيبَ بن مسلمة في أهل الشأم أرمينيَة، فوجّهه إليها، فبلغ حبيبًا: أن الموريان الروميّ قد توتجه نحوه في ثمانين ألفًا من الروم والتُّرك، فكتب بذلك حبيب إلى معاوية، فكتب معاوية به إلى عثمان، فكتب عثمان إلى سعيد بن العاص يأمره بإمداد حبيب بن مسلمة، فأمدّه بسلمان بن ربيعة في ستة آلاف، وكان حبيب صاحب كَيْد، فأجمع على أن يبيّت المَوْريان، فسمعتْه امرأته أمّ عبد الله بنت يزيد الكلْبيّة يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق المَوْريان، أو الجنّة، ثم بيّتهم، فقتل من أشرف له، وأتى السُّرادق فوجد امرأته قد سبقت؛ وكانت أوّل امرأة من العرب ضُرِب عليها سرادق، ومات عنها حبيب، فخلفَ عليها الضَّحَّاك بن قيس الفهريّ، فهي أمّ ولده (٢). (٤: ٢٤٨/ ٢٤٩).\nواختُلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ. وقال آخرون: بل حجّ في هذه السنة عثمان بن عفان.\nوأما الاختلاف في الفتوح التي نسبها بعض الناس إلى أنها كانت في عهد عمر، وبعضهم إلى أنها كانت في إمارة عثمان، فقد ذكرتُ قبلُ فيما مضى من\n_________\n(١) إسناده تالف، ولكن أصل القصة في تولية الوليد بن عقبة إمارة الكوفة في عهد سيدنا عثمان - ﵁ - وغزوه لأذربيجان ذكرها البلاذري في فتوحه قال: وحدثني المدائني عن عبد الله بن القاسم عن فروة بن لقيط قال: لما قام عثمان بن عفان - ﵁ - استعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط فعزله عتبة عن أذربيجان فنقضوا، فغزاهم الوليد سنة (٢٥) وعلى مقدمته عبد الله بن شبيل الأحمسي، فأغار على أهل موقان والبير والطيلسان فغنم وسبق وطلب أهل كور أذربيجان الصلح، فصالحهم على صلح حذيفة (فتوح البلدان/ ٤٥٨) والله أعلم.\n(٢) الواقدي متروك.","vol":"8","page":465},{"text":"كتابنا هذا ذكر اختلاف المختلفين في تاريخ كلّ فتح كان من ذلك (١). (٤: ٢٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>ثم دخلت سنة خمس وعشرين ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها</span>\n٦٧٥ - فقال أبو معشر، فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني محدّث عن إسحاق بن عيسى عنه: كان فتح الإسكندريّة سنة خمس وعشرين (٢). (٢٥٠: ٤).\nوقال الواقديّ: وفي هذه السنة نقضت الإسكندرية عهدها، فغزاهم عمرو بن العاص فقتلهم؛ وقد ذكرنا خبرها قبل فيما مضى، ومَن خالف أبا معشر والواقديّ في تأريخ ذلك.\nوفيها كان أيضًا - في قول الواقديّ - توجيهُ عبد الله بن سعد بن أبي سرْح الخيلَ إلى المغرب.\nقال: وكان عمرو بن العاص قد بعث بعثًا قبل ذلك إلى المغرب، فأصابوا غنائم، فكتب عبد الله يستأذنه في الغزو إلى إفريقيَة، فأذن له.\nقال: وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان، واستخلف على المدينة.\nقال: وفيها فتح الحصون وأميرهم معاوية بن أبي سفيان.\nقال: وفيها وُلد يزيد بن معاوية.\nقال: وفيها كانت سابور الأولى فتِحت (٣). (٤: ٢٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>ثم دخلت سنة ست وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة</span>\nفكان فيها - في قول أبي معشر والواقديّ - فتح سابور. وقد مضى ذكر الخبر عنها في قول من خالفهما في ذلك.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"8","page":466},{"text":"وقال الواقديّ: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرَم.\nوقال: فيها زاد عثمان في المسجد الحرام، ووسّعه وابتاع من قوم وأبى آخرون؛ فهدم عليهم؛ ووضع الأثمان في بيت المال؛ فصيّحوا بعثمان، فأمر بهم بالحبس، وقال: أتدرون ما جرّأكم عليّ! ما جرّأكم عليّ إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيِّحوا به. ثم كلّمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسِيد، فأخرجوا.\nقال: وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان.\nوفي هذه السنة عزل عثمان سعدًا عن الكوفة، وولّاها الوليد بن عقبة في قول الواقديّ؛ وأمّا في قول سيف؛ فإنه عزله عنها في سنة خمس وعشرين.\nوفيها ولي الوليد عليها، وذلك: أنه زعم أنه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة حين مات عمر، ووجّه سعدًا إليها عاملًا، فعمل له عليها سنة وأشهرًا (١). (٢٥١: ٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفة سعدًا واستعماله عليها الوليد</span>\n٦٧٦ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان أوّل ما نُزغ به بين أهل الكوفَة - وهو أوّل مصرٍ نزغ الشيطان بينهم في الإسلام -: أن سعد بن أبي وقاص استقرض من عبد الله بن مسعود من بيت المال مالًا، فأقرضه، فلقا تقاضاه لم يتيسّر عليه، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس من الناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس من الناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضًا، يلوم هؤلاء سعدًا ويلوم هؤلاء عبد الله (٢). (٤: ٢٥١/ ٢٥٢).\n٦٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كنت جالسًا عند سعد، وعنده ابن أخيه هاشم بن\n_________\n(١) ذكر الطبري خبر البيت الحرام وتوسعته عن الواقدي معلقًا، والخبر أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٥٨/ ح ١٣٥٠) من طريق الواقدي موصولًا والواقدي متروك - ولكنه أخرج عن ابن عمر - ﵄ - قوله: لقد عابوا على عثمان - ﵁ - أشياء لو فعلها - ﵄ - ما عابوها (٢/ ١٥٩/ ح ١٣٥١) وصحح المحقق (د. عبد الملك بن دهيش) إسناده.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":467},{"text":"عتبة، فأتى ابن مسعود سعدًا، فقال له: أدّ المال الذي قِبَلك، فقال له سعد: ما أراك إلا ستلقى شرًّا! هل أنت إلا ابن مسعود، عبد من هُذَيل! فقال: أجل؛ والله إني لابنُ مسعود، وإنك لابن حُمَيْنة، فقال هاشم: أجل والله إنكما لصاحبا رسول الله - ﷺ -، يُنْظَر إليكما. فطرح سعد عودًا كان في يده - وكان رجلًا فيه حِدّة - ورفع يديه، وقال: اللهمّ رلت السموات والأرض ... فقال عبد الله: ويلكَ! قل خيرًا، ولا تلعنْ، فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا اتّقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد الله سريعًا حتى خرج (١). (٤: ٢٥٢).\n٦٧٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن المسيّب بن عبد خير، عن عبد الله بن عُكيم، قال: لما وقع بين ابن مسعود وسعد الكلام في قرْض أقرضه عبد الله إياه، فلم يتيسر على سعد قضاؤه؛ غضب عليهما عثمان، وانتزعها من سعد، وعزله، وغضب على عبد الله، وأقرّه، واستعمل الوليد بن عُقْبة - وكان عاملًا لعمر على ربيعة بالجزيرة - فقدم الكوفة فلم يتّخذ لداره بابًا حتى خرج من الكوفة (٢) (٤: ٢٥٢).\n٦٧٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما بلغ عثمان الذي كان بين عبد الله، وسعد فيما كان؛ غضب عليهما وهمّ بهما، ثم ترك ذلك، وعزل سعدًا، وأخذ ما عليه، وأقرّ عبد الله، وتقدّم إليه، وأقر مكان سعد الوليد بن عُقْبة - وكان على عرب الجزيرة عاملًا لعمر بن الخطاب - فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان، وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى، فقدم الكوفة، وكان أحبّ الناس في الناس وأرفقهم بهم؛ فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب (٣). (٤: ٢٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>ثم دخلت سنة سبع وعشرين ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها</span>\n٦٨٠ - فمما كان فيها من ذلك فتح إفريقيَة على يد عبد الله بن سعد بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":468},{"text":"أبي سرْح، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وهو قول الواقديّ أيضًا (١). (٤: ٢٥٣).\nذكر الخبر عن فتحها، وعن سبب ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح مصر، وعزل عثمان عمرو بن العاص عنها:\n٦٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: مات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى قضائها خارجة بن حذافة السهميّ، فولي عثمان، فأقرّهما سنتين من إمارته، ثم عزل عمرًا، واستعمل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح (٢). (٤: ٢٥٣).\n٦٨٢ - وكتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان؛ قالا: لما ولي عثمان أقرّ عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحدًا إلّا عن شَكاة أو استعفاء من غير شكاة؛ وكان عبد الله بن سعد من جُنْد مصر، فأمّر عبد الله بن سعد على جنده، ورماه بالرّجال، وسرّحه إلى إفريقيَة وسرح معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن نافع بن الْحصين الفهريين، وقال لعبد الله بن سعد: إنْ فتح الله ﷿ عليك غدًا إفريقية؛ ذلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نَفْلًا. وأمّر العبديْن على الجند، ورماهما بالرجال، وسرّحهما إلى الأندلس؛ وأمرهما، وعبد الله بن سعد بالاجتماع على الأجلّ، ثم يقيم عبد الله بن سعد في عمله ويسيران إلى عملهما.\nفخرجوا حتى قطعوا مصر، فلقا وغلوا في أرض إفريقيَة فأمعنوا انتهوا إلى الأجلّ، ومعه الأفناء، فاقتتلوا، فقتل الأجلّ، قتله عبد الله بن سعد، وفتح إفريقيَة سهلَها وجبلها. ثم اجتمعوا على الإسلام، وحسنت طاعتهم، وقسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند؛ وأخذ خُمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النَّصريّ، وضرب فسطاطًا في موضع القيروان، ووفّد وفدًا فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: أنا نفّلته - وكذلك كان يصنع - وقد أمرتُ له بذلك، وذاك إليكم الآن؛ فإن رضيتم؛ فقد جاز، وإن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":469},{"text":"سخطتم؛ فهو ردّ. قالوا: فإنا نسخطه، قال: فهو ردّ، وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك، واستصلاحهم، قالوا: فاعزله عنّا، فإنا لا نريد أن يتأمّر علينا، وقد وقع ما وقع؛ فكتب إليه أن استخلف على إفريقية رجلًا ممن ترضى، ويرضون، واقسم الخمس الذي كنت نفّلتك في سبيل الله؛ فإنهم قد سَخِطوا النّفل. ففعل، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية، وقتل الأجلَّ. فما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوَعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك؛ أحسن أمة سلامًا، وطاعةً؛ حتى دبّ إليهم أهل العراق، فلما دبّ إليهم دعاة أهل العراق، واستثاروهم؛ شقّوا عصاهم، وفرّقوا بينهم إلى اليوم. وكان من سبب تفريقهم: أنهم ردّوا على أهل الأهواء، فقالوا: إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمّال، ولا نحمل ذلك عليهم؛ فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورَهم؛ فخرج ميسرة في بضعة عشر إنسانًا حتى يقدم على هشام، فطلبوا الإذن، فصعب عليهم، فأتوا الأبرش، فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين: أنّ أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب نفَّلهم دوننا، وقال: هم أحقّ به؛ فقلنا: هو أخلص لجهادنا؛ لأنا لا نأخذ منه شيئًا، إن كان لنا فهم منه في حلّ؛ وإن لم يكن لنا لم نُرِده. وقالوا: إذا حاضرنا مدينةً قال: تقدّموا، وأخّر جنده، فقلنا: تقدّموا، فإنه ازدياد في الجهاد، ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا، وكفيناهم. ثمّ إنهم عمَدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يبقرونها على السِّخال يطلبون الفِراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين! فاحتملنا ذلك، وخلّيناهم وذلك. ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنّة، ونحن مسلمون؛ فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا؟ قالوا: نفعل؛ فلما طال عليهم، ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رِقاع، ورفعوها إلى الوزراء، وقالوا: هذه أسماؤنا وأنسابنا؛ فإن سألكم أمير المؤمنين عنَّا؛ فأخبروه، ثم كان وجههم إلى إفريقيَة، فخرجوا على عامل هشام فقتلوه، واستولوا على إفريقيّة؛ وبلغ هشامًا الخبر، وسأل عن النّفر، فرفعت إليه أسماؤهم، فإذا هم الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا (١). (٤: ٢٥٣/ ٢٥٤/ ٢٥٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":470},{"text":"٦٩٣ - وكتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وأرسل عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين، وعبد الله بن نافع بن عبد القيس من فورهما ذلك من إفريقيَة إلى الأندلس، فأتياهما من قِبَل البحر. وكتب عثمان إلى من انتدب من أهل الأندلس: أما بعد، فإنّ القسطنطينيّة إنما تفتح من قِبَل الأندلس؛ وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء مَن يفتحها في الأجر، والسلام. وقال كعب الأحبار: يعبُر البحرَ إلى الأندلس أقوام يفتتحونها، يعرَفون بنورهم يوم القيامة (١). (٤: ٢٥٥).\n٦٨٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فخرجوا؛ ومعهم البربر؛ فأتوها من برّها؛ ففتحها الله على المسلمين، وإفرنجة؛ وازدادوا في سلطان المسلمين مثل إفريقيَة؛ فلما عزل عثمان عبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح؛ صرف إلى عمله عبد الله بن نافع بن عبد القيس؛ وكان عليها، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر؛ ولم يزل أمرُ الأندلس كأمر إفريقيَة حتى كان زمان هشام، فمنع البربر أرضهم؛ وبقِيَ من في الأندلس على حاله (٢). (٤. ٢٥٥).\n٦٨٥ - وأما الواقديّ؛ فإنه ذكر: أنّ ابن أبي سبْرَة حدّثه عن محمد بن أبي حرْملة، عن كُريب، قال: لما نزع عثمان عمرو بن العاص عن مصر؛ غضب عمرو غضبًا شديدًا، وحقَد على عثمان، فوجّه عبد الله بن سعد، وأمره أن يمضيَ إلى إفريقيَة؛ وندب عثمان الناس إلى إفريقية؛ فخرج إليها عشرة آلاف من قُريش، والأنصار، والمهاجرين (٣). (٤: ٢٥٦).\n٦٨٦ - قال الواقديّ: وحدّثني أسامة بن زيد الليثيّ عن ابن كعب، قال: لما وجّه عثمان عبدَ الله بن سعد إلى إفريقيَة؛ كان الذي صالحهم عليه بطريق إفريقية جُرْجير ألفي ألف دينار، وخمسمئة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، فبعث ملك الروم رسولًا، وأمره أن يأخذ منهم ثلاثمئة قنطار؛ كما أخذ منهم عبد الله بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":471},{"text":"سعد؛ فجمع رؤساء إفريقيَة، فقال: إن الملك قد أمرني أن آخذ منكم ثلاثمئة قنطار ذهب مثل ما أخذ منكم عبد الله بن سعد؛ فقالوا: ما عندنا مال نعطيه؛ فأمّا ما كان بأيدينا؛ فقد افتدينا به أنفسَنا، وأمّا الملك فإنه سيّدنا فليأخذْ ما كان له عندنا من جائزة كما كنا نعطيه كلّ سنة. فلمّا رأى ذلك أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قوم من أصحابهم، فقدِموا عليه، فكسروا السجن، فخرجوا، وكان الذي صالحهم عليه عبد الله بن سعد ثلاثمئة قنطار ذهب؛ فأمر بها عثمان لآل الحكَم. قلت: أو لمروان؟ قال: لا أدري (١). (٤: ٢٥٦).\n٦٨٧ - قال ابنُ عمر: وحدّثني أسامة بن زيد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: نزع عثمان عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عبد الله بن سَعْد على الخَراج، فتباغيا، فكتَب عبد الله بن سعد إلى عثمان يقول: إنّ عمرًا كسر الخراج. وكتب عمرو: إن عبد الله كسر عليّ حيلة الحرب، فكتب عثمان إلى عمرو: انصرف؛ وولّى عبد الله بن سعد الخراج والجند، فقدم عمرو مغضَبًا، فدخل على عثمان؛ وعليه جُبّة يمانية محشوّة قطنًا، فقال له عثمان: ما حشو جُبّتِك؟ قال: عمرو، قال عثمان: قد علمتُ أن حشوَها عمرو ولم أرد هذا، إنما سألت: أقطن هو أم غيره؟ (٢) (٤: ٢٥٦).\n٦٨٨ - قال الواقديّ: وحدّثني أسامة بن زيد عن يزيد بن أبي حَبيب، قال: بعث عبد الله بن سعد إلى عثمان بمال من مصر، قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان؛ فقال عثمان: يا عمرو! هل تعلم أنّ تلك اللقاح درّت بعدك؟ ! فقال عمرو: إنّ فصالها هلكت.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان - ﵁ - (٣). (٤: ٢٥٦/ ٢٥٧).\nوقال الواقديّ: وفي هذه السنة كان فتح إصطَخْر الثاني على يد عثمان بن أبي العاص.\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":472},{"text":"قال: وفيها غزا معاوية قِنَّسْرين (١). (٤: ٢٥٧).\n\nث<span data-type=\"title\" id=toc-1264> م دخلت سنة ثمان وعشرين</span>\n٦٨٩ - فأمّا أبو معشر؛ فإنه قال: كانت قُبْرس سنة ثلاث وثلاثين، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه (٢). (٤: ٢٥٨).\nذكر الخبر عن غزوة معاوية إيّاها:\n٦٩٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النّعمان النَّصريّ، وأبي المجالد جراد بن عمرو عن رجاء بن حَيْوة، وأبي حارثة، وأبي عثمان عن رجاء، وعبادة، وخالد: قالوا: ألحّ معاوية في زمانه على عمر بن الخطاب - ﵁ - في غزْو البحر، وقرْب الروم من حِمْص؛ وقال: إن قريةً من قُرى حِمص ليسمع أهلها نُباحَ كلابهم وصياح دجاجهم؛ حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر؛ فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صِفْ لي البحر وراكبه؛ فإنّ نفسي تنازعني إليه.\nوقال عبادة وخالد: لما أخبره ما للمسلمين في ذلك وما على المشركين، فكتب إليه عمرو: إني رأيت خَلْقًا كبيرًا يركبه خلْق صغير؛ إن رَكُن خرّق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول؛ يزداد فيه اليقين قلّة، والشكّ كثرة، هم فيه كدودٍ على عود؛ إن مال غرِق، وإن نجا برِقَ.\nفلما قرأه عمر كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمدًا بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا (٣)! (٤: ٢٥٨/ ٢٥٩).\n٦٩١ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سعيد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن جُنادة بن أبي أميّة الأزديّ، قال: كان معاوية كتب إلى عمر كتابًا في غزو البحر يرغّبه فيه، ويقول: يا أميرَ المؤمنين! إنّ بالشأم قرية يسمع أهلها نُباحَ كلاب الرّوم وصياح ديوكِهم؛ وهم تِلْقاء ساحل من سواحل حِمْص.\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":473},{"text":"فاتّهمه عمر لأنه المشير؛ فكتب إلى عمرو: أن صِفْ لي البحر؛ ثم اكتب إليّ بخبره: فكتب إليه: يا أمير المؤمنين! إني رأيتُ خلقًا عظيمًا، يركبه خلق صغير؛ ليس إلا السّماء والماء؛ وإنما هم كدودٍ على عود، إن مال غرِق، وإن نجا برِق (١). (٤: ٢٥٩).\n٦٩٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، عن عبادة، عن جُنادة بن أبي أميّة والربيع وأبي المُجالد، قالوا: كتب عمر إلى معاوية: إنا سمعنا: أن بحر الشأم يشرِف على أطول شيء على الأرض، يستأذن الله في كلّ يوم وليلة في أن يُفِيض على الأرض فيغرّقها؛ فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب؛ وتالله لمسلمٌ أحبّ إليّ مما حوت الروم! فإيّاك أن تَعرَّض لي؛ وقد تقدّمت إليك، وقد علمت ما لقي العلاء منّي، ولم أتقدّم إليه في مثل ذلك.\nوقالوا: ترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمرَ، وقاربه، وسأله عن كلمة يجتمع فيها العلم كله، فكتب إليه: أحِبّ للناس ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمة كلّها. واعتبر الناس بما يليك، تجتمع لك المعرفة كلها.\nوكتب إليه ملك الروم - وبعث إليه بقارورة: أن املأ لي هذه القارورة من كلّ شيء، فملأها ماء، وكتب إليه: إن هذا كلّ شيء من الدنيا.\nوكتب إليه ملك الروم: ما بين الحق والباطل؟ فكتب إليه: أربع أصابع؛ الحقّ فيما يرى عيانًا، والباطل كثيرًا يستمَع به فيما لم يعايَن.\nوكتب إليه ملك الروم يسأله عمّا بين السماء والأرض وبين المشرق والمغرب، فكتب إليه: مسيرة خمسمئة عام للمسافر؛ لو كان طريقًا مبسوطًا.\nقال: وبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم بطيب، ومشارب، وأحفاش من أحفاش النساء، ودسّته إلى البريد، فأبلغه لها، وأخذ منه. وجاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها، وقالت: هذه هديّة امرأة ملك العرب، وبنت نبيّهم. وكاتبتها وكافأتها، وأهدت لها؛ وفيما أهدت لها عِقْد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":474},{"text":"فاخر. فلما انتهى به البريد إليه أمره بإمساكه، ودعا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلّى بهم ركعتين، وقال: إنه لا خير في أمر أبرِم عن غير شورى من أموري؛ قولوا في هديّة أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم؛ فأهدت لها امرأة ملك الروم، فقال قائلون: هو لها بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمّة، فتصانِع به، ولا تحت يدك فتتّقيك.\nوقال آخرون: قد كنّا نُهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتباع، ولنصيب ثمنًا. فقال: ولكنّ الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم، والمسلمون عظّموها في صدرها. فأمر بردّها إلى بيت المال، وردّ عليها بقدر نَفَقتها (١). (٤: ٢٥٩/ ٢٦٠).\n٦٩٣ - وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: قيل لتلك المرأة التي استثارت الرّوم على عبد الله بن قيس: كيف عرفتِه؟ قالت: كان كالتاجر، فلمّا سألته أعطاني كالملك؛ فعرفت: أنه عبد الله بن قيس (٢). (٤: ٢٦١).\nوكتب إلى معاوية والعمّال: أمّا بعد، فقدموا على ما فارقتم عليه عمر، ولا تبدّلوا، ومهما أشكل عليكم؛ فردّوه إلينا نجمع عليه الأمة، ثمّ نردّه عليكم؛ وإيّاكم أن تغيِّروا، فإنّي لست قابلًا منكم إلا ما كان عمر يقبل. وقد كانت تنتقض فيما بين صُلح عمر، وولاية عثمان تلك الناحية، فيبعث إليها الرجل، فيفتحها الله على يديه، فيُحسب له ذلك؛ وأما الفتوح فلأوّل مَن وليَها. (٤: ٢٦١/ ٢٦٢).\nقال أبو جعفر: ولما غزا معاوية قبرُس؛ صالح أهلها - فيما حدّثني عليّ بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني سُليمان بن أبي كريمة والليث بن سعد وغيرهما من مشيخة ساحل دمشق: أنّ صلح قبرس وقَع على جزية سبعة آلاف دينار يؤدّونها إلى المسلمين في كلّ سنة، ويؤدُّون إلى الروم مثلها، ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على ألّا يغزوهم ولا يقاتلوا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":475},{"text":"من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوّهم من الروم إليهم؛ وعلى أن يبطرِق إمام المسلمين عليهم منهم. (٤/ ٢٦٢).\n٦٩٤ - قال: وحدّثني ثَوْر بن يزيد عن خالد بن معدان، عن جبَير بن نفير، قال: لما سبيناهم؛ نظرت إلى أبي الدّرداء يبكي، فقلت له: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذلّ فيه الكفر وأهله؟ ! قال: فضرب بيده على منكبي، وقال: ثكلتْك أمّك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره! بينا هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم المُلك؛ إذ تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى، فسلَّط عليهم السِّباء، وإذا سُلِّط السِّباء على قوم فليس لله فيهم حاجة (١). (٤: ٢٦٢).\n٦٩٥ - قال الواقديّ: وحدّثني أبو سعيد: أن معاوية بن أبي سفيان صالح أهل قبرس في ولاية عثمان؛ وهو أوّل مَنْ غزا الروم؛ وفي العهد الذي بينه وبينهم ألّا يتزوّجوا في عدوّنا من الرّوم إلّا بإذننا (٢). (٤: ٢٦٢/ ٢٦٣).\nقال الواقديّ: وفي هذه السنة غزا حبيب بن مَسْلمة سورية من أرض الرّوم.\nوفيها تزوّج عثمان نائلة بنة الفَرافصة الكلبيّة، وكانت نصرانية، فتحنّثت قبل أن يدخل بها.\nقال: وفيها بنى داره بالمدينة - الزّوراء - وفرغ منها.\nقال: وفيها كان فتح فارس الأول، وإصطخر الآخر، وأميرها هشام بن عامر.\nقال: وحجّ بالناس عثمان في هذه السنة (٣). (٤: ٢٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>ثم دخلت سنة تسع وعشرين</span>\n٦٩٦ - وذكر عليّ بن محمد: أن محاربًا أخبره عن عوْف الأعرابيّ، قال: خرج غَيْلان بن خَرْشة الضبيّ إلى عثمان بن عفان، فقال: أما لكم صغير\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"8","page":476},{"text":"فتستشبّوه، فتولّوه البصرة! حتى متى يلي هذا الشيخ البصرة؟ ! يعني: أبا موسى؛ وكان وليَها بعد موت عمر ستّ سنين.\nقال: فعزله عثمان عنها، وبعث عبد الله بن عامر بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمه دجَّاجة بنة أسماء السُّلَميّ؛ وهو ابن خال عثمان بن عفان. قال مسلمة: فقدم البصرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، سنة تسع وعشرين (١). (٤: ٢٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة</span>\n٦٩٧ - كتب إليّ السريّ، يذكر: أنّ شعيبًا حدّثه، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما ولي عثمان أقرّ أبا موسى على البصرة ثلاث سنين، وعزله في الرابعة، وأمّر على خراسان عُمير بن عثمان بن سعد، وعلى سِجسْتان عبد الله بن عمير الليثِيّ - وهو من كنانة - فأثخن فيها إلى كابُل، وأثخن عمير في خُراسان حتى بلغ فَرْغانة، فلم يدع دُونها كورة إلا أصلحها؛ وبعث إلى مُكْران عبيد الله بن معمر التيميّ، فأثخن فيها حتى بلغ النّهر. وبعث على كَرْمان عبد الرحمن بن غُبَيس؛ وبعث إلى فارس والأهواز نفرًا، وضمّ سَواد البصرة إلى الحصين بن أبي الحُرّ، ثم عزل عبد الله بن عُمَير، واستعمل عبدَ الله بن عامر فأقرّه عليها سنة ثم عزله، واستعمل عاصم بن عمرو، وعزل عبد الرحمن بن غُبَيس، وأعاد عديّ بن سُهيل بن عديّ.\nولما كان في السنة الثالثة؛ كفر أهل إيذج والأكراد، فنادَى أبو موسى في الناس، وحضّهم وندَبهم؛ وذكر من فضل الجهاد في الرُّجلة؛ حتى حمل نفر على دوابهم، وأجمعوا على أن يخرجوا رجالًا. وقال آخرون: لا والله لا نعجل بشيء حتى ننظر ما صنيعه؟ فإن أشبه قولُه فعلَه؛ فعلنا كما فعل أصحابنا.\nفلمّا كان يومَ خرج؛ أخرج ثَقَله من قصره على أربعين بغلًا، فتعلقوا بعنانه، وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، وارغب من الرُّجلة فيما رغبتنا فيه، فقنّع القوم حتى تركوا دابّته ومضى، فأتوا عثمان، فاستعفوْه منه، وقالوا: ما\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":477},{"text":"كلّ ما نعلم نحبّ أن نقوله، فأبْدلنا به، فقال: مَن تحبّون؟ فقال غَيْلان بن خَرَشة: في كلِّ أحد عوَض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فلا ننفك من أشعريّ كان يعظّم مُلكه عن الأشعرين؛ ويستصغر ملك البصرة، إذا أمّرت علينا صغيرًا كان فيه عِوَض منه، أو مهتَرًا كان فيه عوَض منه؛ ومَن بين ذلك من جميع الناس خير منه.\nفدعا عبدَ الله بن عامر، وأمّره على البصرة، وصرف عُبيد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل على عمله عُمير بن عثمان بن سعد. فاستعمل على خراسان في سنة أربعِ أُمَين بن أحمر اليَشْكريّ، واستعمل على سِجِسْتان في سنة أربع عمران بن الفصيل البرجميّ، وعلى كَرسان عاصم بن عمرو، فمات بها، فجاشت فارس، وانتقضت بعُبَيد الله بن معمر، فاجتمعوا له بإصطخر، فالتقوْا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله وهزِم جنده؛ وبلغ الخبر عبد الله بن عامر، فاستنفر أهلَ البصرة؛ وخرج معه الناس، وعلى مقدّمته عثمان بن أبي العاص، فالتقوا هم وهم بإصطخر، وقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها في ذلّ؛ وكتب بذلك إلى عثمان؛ فكتب إليه بإمْرة هرِم بن حسان اليشكريّ، وهَرِم بن حيّان العبديّ من عبد القيس، والخرّيت بن راشد من بني سامة، والمِنْجَاب بن راشد، والتّرجُمان الهُجَيميّ، على كُوَر فاس، وفرّق خراسان بين نفر ستة: الأحنف على المرْوَين، وحبيب بن قرّة اليربوعيّ على بَلْخ - وكانت مما افتتح أهل الكوفة - وخالد بن عبد الله بن زهير على هَراة، وأُمَيْن بن أحمد اليشكريّ على طُوس، وقيس بن الهيثم السُّلميّ على نيسابور - وهو أول من خرج - وعبد الله بن خازم، وهو ابن عمه. ثم إن عثمان جمعها له قبل موته؛ فمات وقيس على خُراسان، واسىتعمل أمَين بن أحمر على سِجستان، ثم جعل عليها عبد الرحمن بن سَمُرة - وهو من آل حبيب بن عبد شمس؛ فمات عثمان وهو عليها؛ ومات وعمران على كرْمان - وعمير بن عثمان بن سعد على فارس، وابن كِندير القشيريّ على مُكْران (١). (٤: ٢٦٤/ ٢٦٥ / ٢٦٦).\n٦٩٨ - وقال عليّ بن محمد: أخبرنا عليّ بن مجاهد عن أشياخه، قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":478},{"text":"قال غَيْلان بن خَرشة لعثمان بن عفان: أمَا منكم خسيس، فترفعوه؟ ! أما منكم فقير فتجيروه؟ ! يا معشر قريش! حتى متى يأكل هذا الشيخ الأشعريّ هذه البلاد؟ ! فانتَبَه لها الشيخ؛ فولّاها عبد الله بن عامر (١). (٤: ٢٦٦).\n٦٩٩ - قال عليّ بن محمد: أخبرنا أبو بكر الهذليّ؛ قال: ولّى عثمان ابنَ عامر البصرة؛ فقال الحسن: قال أبو موسى: يأتيكم غلام خرّاج ولّاج، كريم الجدّات، والخالات، والعمات؛ يُجمع له الجندان. قال: قال الحسن: فقدم ابن عامر، فجمع له جند أبي موسى، وجند عثمان بن أبي العاص الثقفيّ؛ وكان عثمان بن أبي العاص فيمن عَبَر من عُمان والبحرين (٢). (٤: ٢٦٦).\n٧٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وفّد قيس بن هيثم عبدَ الله بن خازم إلى عبد الله بن عامر في زمان عثمان، وكان عبد الله بن خازم على عبد الله بن عامر كريمًا، فقال له: اكتب لي على خراسان عهدًا، إن خرج منها قيس بن الهيثم. ففعل، فرجع إلى خراسان، فلما قتل عثمان، وبلغ الناس الخبرُ، وجاش العدوّ لذلك، قال قيس: ما ترى يا عبد الله؟ ! قال: أرى أن تُخَلّفني ولا تَخلّف عن المُضِيّ حتى تنظر فيما تنظر. ففعل، واستخلفه، فأخرج عبد الله عهدَ خلافته، وثبت على خُراسان إلى أن قام عليّ رضي الله تعالى عنه، وكانت أمّ عبد الله بن عَجْلي، فقال قيس: أنا كنت أحقّ أن أكون ابن عَجْلي من عبد الله؛ وغضب مما صنع به الآخر (٣). (٤: ٢٦٦/ ٢٦٧).\nوفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارسَ في قول الواقديّ، وفي قول أبي معشر. حدّثني بقول أبي معشر أحمد بن ثابت عمّن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وأما قول سيف؛ فقد ذكرناه قبل (٤). (٤: ٢٦٧).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عثمان، فضرب بمنى فسطاطًا، فكان أوّل فسطاط ضرب عثمان بمنىً، وأتمّ الصلاة بها، وبعرفة.\n_________\n(١) في إسناده علي بن مجاهد وهو متروك.\n(٢) في إسناده الهذلي وهو متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"8","page":479},{"text":"٧٠١ - فذكر الواقديّ عن عمر بن صالح بن نافع، عن صالح مولى التوءمة، قال: سمعتُ ابن عباس يقول: إن أوّل ما تكلم الناس في عثمان ظاهرًا: أنه صلّى بالناس بمنىً في ولايته ركعتين؛ حتى إذا كانت السنة السادسة أتمّها، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبيّ - ﷺ -؛ وتكلم في ذلك مَنْ يريد أن يكثِّر عليه؛ حتى جاءه عليّ فيمن جاءه، فقال: والله ما حدَث أمرٌ، ولا قدُم عهد؛ ولقد عهدتَ نبيّك - ﷺ - يصلّي ركعتين. ثمّ أبا بكر، ثمّ عمر، وأنت صدرًا من ولايتك، فما أدري ما ترجع إليه! فقال: رأيٌ رأيتُه (١). (٤: ٢٦٧).\n٧٠٢ - قال الواقديّ: وحدّثني داود بن خالد، عن عبد الملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفيّ، عن عمّه، قال: صلّى عثمان بالناس بمنىً أربعًا، فأتى آتٍ عبدَ الرحمن بن عوف، فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلّى بالناس أربعًا! فصلّى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين؛ ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ألم تصلّ في هذا المكان مع رسول الله - ﷺ - ركعتين؟ قال: بلَى! قال: أفلم تصلّ مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى! قال: أفلم تصلّ مع عمر ركعتين؟ قال: بلى! قال: ألم تصلّ صدرًا من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى! قال: فاسمع منّي يا أبا محمد! إني أخبِرتُ: أنّ بعض من حجّ من أهل اليمن، وجُفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إنّ الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين، وقد اتخذتُ بمكة أهلًا، فرأيت أن أصلّيَ أربعًا لخوفِ ما أخاف على الناس؛ وأخرى قد اتخذتُ بها زوجة، ولي بالطائف مال؛ فربما اطّلعتهُ فأقمتُ فيه بعد الصَّدَر. فقال عبد الرحمن بن عَوْف: ما من هذا شيء لك فيه عُذْر؛ أما قولك: اتخذت أهلًا، فزوجتُك بالمدينة تخرج بها إذا شئتَ، وتقدم بها إذا شئتَ؛ إنما تسكن بسكناك. وأما قولك: ولي مال بالطائف؛ فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت لست من أهل الطائف. وأمّا قولك: يرجع من حجّ من أهل اليمن وغيرهم، فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين وهو مقيم؛ فقد كان رسولُ الله - ﷺ - ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإِسلامُ فيهم قليل؛ ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمَر، فضرب الإسلامُ بجِرانه، فصلّى بهم عمر حتى مات ركعتين، فقال عثمان: هذا رأيٌ رأيتُه.\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":480},{"text":"قال: فخرج عبدُ الرحمن، فلقيَ ابنَ مسعود، فقال: أبا محمّد، غيرُ ما يُعلم؟ قال: لا. قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم؛ فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ؛ قد بلغني: أنه صلّى أربعًا فصلّيت بأصحابي أربعًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلّى أربعًا، فصلّيت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول - يعني: نصلّي معه أربعًا (١). (٤: ٢٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>ثم دخلت سنة ثلاثين</span>\nوأما سيف بن عمر؛ فإنه ذكر: أن إصْبَهْبَذها صالح سويد بن مقرّن على ألّا يغزوَها على مال بذله له. قد مضى ذكري الخبر عن ذلك قبلُ في أيام عمر - ﵁ - (٢). (٤: ٢٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>ذكر الخبر عنه عن غزو سعيد بن العاص طَبَرِستان</span>\n٧٠٣ - حدّثني عمر بن شَبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد عن عليّ بن مجاهد، عن حنَش بن مالك، قال: غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خُراسان، ومعه حُذَيفة بن اليمان وناسٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومعه الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وخرج عبد الله بن عامر من البصرة يريد خُراسان، فسبق سعيدًا ونزلَ أبْرَشَهر، وبلغ نزول أبْرَشَهر سعيدًا. فنزل سعيد قومِسَ؛ وهي صلْح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند؛ فأتى جُرجان، فصالحوه على مئتي ألف، ثم أتى طَميسة، وهي كلها من طَبَرِسنان جُرجان، وهي مدينة على ساحل البحر، وهي في تُخوم جُرجان، فقاتَله أهلها حتى صلّى صلاة الخوف، فقال لحذيفة: كيف صلّى رسولُ الله - ﷺ -؟ فأخبره، فصلّى بها سعيد صلاة الخوف، وهم يقتتلون، وضرب يومئذ سعيد رجلًا من المشركين على حبل عاتقه، فخرج السّيْف من تحت مِرْفقه؛ وحاصرهم، فسألوا الأمان؛ فأعطاهم على ألّا يقتل منهم رجلًا واحدًا، ففتحوا الحصن، فقتلهم جميعًا إلا رجلًا\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) ضعيف.","vol":"8","page":481},{"text":"واحدًا؛ وحوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بني نَهد سَفَطًا عليه قُفل، فظنّ فيه جوهرًا؛ وبلغ سعيدًا، فبعث إلى النهديّ، فأتاه بالسَّفَط، فكسروا قُفله؛ فوجدوا فيه سَفطًا، ففتحوه، فإذا فيه خرقة سوداء مُدرجة فنشروها، فوجدوا خِرقة حمراء فنشروها، فإذا خرقة صفراء؛ وفيها أيْران: كُميت ووَرْد، فقال شاعر يهجو بني نهد:\nآبَ الكِرامُ بالسَّبايا غنيمةً ... وفاز بنو نَهْدٍ بأَيْرَيْنِ في سَفَطْ\nكُمَيْتٍ ووَرْدٍ وافِريْنِ كِلاهُما ... فظَنُّوهُمَا غُنْمًا فناهيك من غَلطْ!\nوفتح سعيد بن العاص نامية، وليست بمدينة، هي صحارى (١). (٤: ٢٦٩/ ٢٧٠).\n٧٠٤ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرني عليّ بن مجاهد عن حَنَش بن مالك التغلبيّ، قال: غزا سعيد سنة ثلاثين، فأتى جُرجان، وطَبَرِستان، معه عبد الله بن العباس، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ فحدّثني عِلْج كان يخدمُهم قال: كنت أتيتهم بالسُّفْرة، فإذا أكلوا؛ أمروني، فنفضتها، وعلّقتها، فإذا أمسوا، أعطوني باقيَه. قال: وهلك مع سعيد بن العاص محمد بن الحكم بن أبي عَقيل الثقفيّ، جدّ يوسف بن عمر، فقال يوسف لقحذَم: يا قحذَم! أتدري أين مات محمد بن الحكم؟ قال: نعم، استُشهد مع سعيد بن العاص بطَبرِستان، قال: لا، مات بها وهو مع سعيد، ثم قفل سعيد إلى الكُوفة، فمدحه كعب بن جُعيل، فقال:\nفنِعْمَ الفَتَى إذ جال جيلانُ دونَه ... وإذ هَبَطوا من دَسْتَيَ ثمَّ أبْهَرا\nتَعلّمْ سَعيدَ الخَيْرِ أنّ مَطِيّتي ... إذا هَبَطَتْ أشْفقْتُ مِن أن تُعقَّرا\nكأنَّكَ يَوْمَ الشِّعْبِ لَيثُ خفيَّةٍ ... تحَرَّدَ مِن ليْثِ العَرِينِ وأصْحَرا\nتَسوسُ الَّذي ما ساس قبْلك واحدٌ ... ثمانينَ ألْفًا دارعينَ وحُسَّرا\nوحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن كليب بن خلف وغيره: أنّ سعيد بن العاص صالح أهل جُرجان، ثم امتنعوا، وكفروا، فلم يأت جُرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق؛ فلم يكن أحد يسلك طريق خُراسان من ناحية قُومِس\n_________\n(١) في إسناده علي بن مجاهد وهو متروك إن كان هو الكابلي وإلا فمجهول والله أعلم.","vol":"8","page":482},{"text":"إلّا على وجَل، وخوف من أهل جُرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كَرْمان، فأوّل من صيّر الطريق من قُومِس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان (١). (٤: ٢٧٠/ ٢٧١).\n٧٠٥ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن كليب بن خلف العَمِّيّ، عن طفيل بن مرداس العَميّ، وإدريس بن حنظلة العَميّ: أن سعيد بن العاص صالح أهل جُرجان؛ وكانوا يجبون أحيانًا مئة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مئتي ألف، وأحيانًا ثلاثمئة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه؛ ثم امتنعوا، وكفروا، فلم يُعطوا خراجًا حتى أتاهم يزيد بن المهلب، فلم يعازّه أحد حين قدمها، فلما صالح صُولا، وفتح البُحيرة، ودِهستان، صالح أهل جُرجان على صلح سعيد بن العاص (٢). (٤: ٢٧١).\nوفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاثين - عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص في قول سيف بن عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيدًا عليها</span>\n٧٠٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما بلغ عثمانَ الذي كان بين عبد الله وسعد غضب عليهما، وهمّ بهما، ثم ترك ذلك، وعزل سعدًا، وأخذ ما عليه، وأقرّ عبد الله، وتقدّم إليه، وأمّر مكان سعد الوليد بن عُقبة - وكان على عرب الجزيرة عاملًا لعمر بن الخطاب - تقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان؛ وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى؛ فقدم الكوفة، وكان أحبّ الناس في الناس وأرفقهم بهم؛ فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب. ثمّ إن شبابًا من شباب أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسُمان الخُزاعيّ، وكاثروه، فنذر بهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرَتهم؛ استصرخ، فقالوا له: اسكت، فإنما هي ضربة حتى نريحك من رَوعة هذه الليلة - وأبو شُريح الخزاعيّ مشرف عليهم - فصاح\n_________\n(١) في إسناده علي بن مجاهد فإن كان الكابلي فهو متروك وإلا فمجهول.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":483},{"text":"بهم، وضربوه، فقتلوه، وأحاط الناس بهم فأخذوهم؛ وفيهم زهير بن جُندب الأزديّ، ومورِّع بن أبي مورِّع الأسديّ، وشُبيل بن أُبيّ الأزديّ، في عدّة. فشهد عليهم أبو شُريح، وابنه أنهم دخلوا عليه، فمنع بعضهم بعضًا من الناس، فقتله بعضهم، فكتب فيهم إلى عثمان، فكتب إليه في قتلهم، فقتلهم على باب القصر في الرَّحَبة، وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميميّ:\nلا تَأكُلوا أبدًا جيرانَكمْ سَرَفًا ... أهْلَ الزّعارةِ في مُلكِ ابْنِ عَفَّانِ\nوقال أيضًا:\nإنَّ ابْنَ عَفَّانَ الذي جَرَّبْتُم ... فَطَمَ اللصوصَ بمُحْكَم الفُرْقانِ\nما زال يَعْمَلُ بالكِتابِ مُهَيمنًا ... في كُلِّ عُنْقٍ مِنْهُمُ وبَنَانِ (١)\n(٤: ٢٧١/ ٢٧٢).\n٧٠٧ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد، قال: كان أبو شُريح الخزاعيّ من أصحاب رسولِ الله - ﷺ -، فتحوّل من المدينة إلى الكوفة ليدنوَ من الغزو؛ فبينا هو ليلة على السطح؛ إذ استغاث جاره، فأشرف فإذا هو بشباب من أهل الكوفة قد بيَّتوا جاره؛ وجعلوا يقولون له: لا تصِحْ، فإنما هي ضربة حتى نريحَك؛ فقتلوه. فارتحل إلى عثمان، ورجع إلى المدينة، ونقل أهله، ولهذا الحديث حين كثُر أحدِثت القسامة؛ وأخِذ بقول وليّ المقتول: ليُفطَم الناس عن القتل عن ملأ من الناس يومئذ (٢). (٤: ٢٧٢).\n٧٠٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كُريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عثمان: القَسامة على المدَّعَى عليه وعلى أوليائه؛ يحلف منهم خمسون رجلًا إذا لم تكن بيّنَة؛ فإن نقصت قَسامتهم، أو إن نكَل رجل واحدٌ ردّت قسامتهم ووليَها المدّعُون؛ وأحلِفوا، فإن حلف منهم خمسون استحقُّوا (٣). (٤: ٢٧٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":484},{"text":"٧٠٩ - وكتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغُصْن بن القاسم، عن عَوْن بن عبد الله، قال: كان مما أحدث عثمان بالكوفة إلى ما كان من الخبر: أنه بلغه أنّ أبا سمّال الأسديّ في نفر من أهل الكوفة، ينادي مناد لهم إذا قدم المُيّار: مَن كان ها هنا من كلب، أو بني فلان ليس لقومهم بها منزل؛ فمنزله على أبي سمّال. فاتّخذ موضع دار عَقيل دار الضّيفان، ودار ابن هبّار، وكان منزل عبد الله بن مسعود في هُذيل في موضع الرّمادة، فنزل موضع داره، وترك داره دار الضيافة، وكان الأضياف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد (١). (٤: ٢٧٣).\n٧١٠ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المغيرة بن مقسَم، عمّن أدرك من علماء أهل الكوفة: أنّ أبا سمّال كان ينادي مناديه في السوق، والكُناسة: مَن كان ها هنا من بني فلان وفلان - لمن ليست له بها خُطّة - فمنزله على أبي سَمّال؛ فاتّخذ عثمان للأضياف منازل (٢). (٤: ٢٧٣).\n٧١١ - وكتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن مولى لآل طلحة، عن موسى بن طلحة مثلَه (٣). (٤: ٢٧٣).\n٧١٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة قالا: كان عمر بن الخطاب قد استعمل الوليد بن عُقبة على عرب الجزيرة، فنزل في بني تغلب. وكان أبو زُبَيد في الجاهليّة، والإسلام في بني تغلب؛ حتى أسلم؛ وكانت بنو تغلب أخوالَه؛ فاضطهده أخواله دينًا له؛ فأخذ له الوليد بحقّه، فشكرها له أبو زُبيد، وانقطع إليه، وغشيَه بالمدينة؛ فلما ولي الوليد الكوفة؛ أتاه مسلّمًا معظّمًا على مثل ما كان يأتيه بالجزيرة والمدينة، فنزل دار الضّيفان آخر قَدْمةٍ قدِمها أبو زبيد على الوليد؛ وقد كان ينتجعه، ويرجع، وكان نصرانيًّا قبل ذلك، فلم يزل الوليد به، وعنه حتى أسلم في آخر إمارة الوليد، وحسن إسلامه، فاستدخله الوليد، وكان عربيًّا شاعرًا حين قام على الإسلام؛ فأتى آتٍ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":485},{"text":"أبا زينب وأبا مورِّع وجُندبًا، وهم يحقدون له مذ قَتَل أبناءهم، ويضعُون له العيون، فقال لهم: هل لكم في الوليد بشارب أبا زُبَيد؟ فثاروا في ذلك، فقال أبو زينب، وأبو مورّع، وجندب لأناس من وجوه أهل الكوفة: هذا أميرُكم، وأبو زُبَيد خيرته، وهما عاكفان على الخمر، فقاموا معهم - ومنزل الوليد في الرّحَبة مع عُمارة بن عقبة، وليس عليه باب - فاقتحموا عليه من المسجد؛ وبابه إلى المسجد، فلم يُفْجَأ الوليد إلّا بهم، فنحّى شيئًا، فأدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه لا يؤامره؛ فإذا طبق عليه تفاريقُ عنب - وإنما نحّاه استحياء أن يروْا طبقَه ليس عليه إلّا تفاريق عنب - فقاموا؛ فخرجوا على الناس، فأقبل بعضهم على بعض يتلاوَمون، وسمع الناس بذلك، فأقبل الناس عليهم يسبّونهم، ويلعنونهم، ويقولون: أقوام غضب الله لعمله، وبعضهم أرغمه الكتاب، فدعاهم ذلك إلى التحسُّس، والبحث؛ فستر عليهم الوليد ذلك، وطواه عن عثمان، ولم يدخل بين الناس في ذلك بشيء، وكره أن يُفسد بينهم، فسكت عن ذلك، وصبر (١). (٤: ٢٧٣/ ٢٧٤).\n٧١٣ - وكتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الفيض بن محمد، قال: رأيت الشعبيّ جلس إلى محمد بن عمرو بن الوليد - يعني: ابن عقبة - وهو خليفة محمد بن عبد الملك؛ فذكر محمّد غزوَ مسلمة، فقال: كيف لو أدركتم الوليد؛ غَزْوَه وإمارته! إن كان ليغزو فينتهي إلى كذا وكذا، ما قصّر، ولا انتقض عليه أحدٌ حتى عزِل عن عمله؛ وعلى الباب يومئذ عبدُ الرحمن بن ربيعة الباهليّ؛ وإن كان مما زاد عثمان بن عفان الناس على يده أن ردّ على كلّ مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة في كلّ شهر؛ يتّسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم (٢). (٤: ٢٧٤).\n٧١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي غَسّان سكَن بن عبد الرحمن بن حُبَيش، قال: اجتمع نفرٌ من أهل الكوفة، فعملوا في عزل الوليد، فانتدب أبو زينب بن عوف وأبو مورّع بن فلان الأسديّ للشهادة عليه، فغشُوا الوليد، وأكبُّوا عليه؛ فبينا هم معه يومًا في البيت وله امرأتان في المخدَع؛\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":486},{"text":"بينهما وبين القوم سِتر؛ إحداهما بنت ذي الخِمار، والأخرى بنت أبي عَقيل، فنام الوليد، وتفرّق القوم عنه؛ وثبت أبو زينب وأبو مورِّع، فتناول أحدهما خاتمه، ثم خرجا، فاستيقظ الوليد؛ وامرأتاه عند رأسه، فلم ير خاتمه، فسألهما عنه فلم يجد عندهما منه علمًا، قال: فأيّ القوم تخلّف عنهم؟ قالتا: رجلان لا نعرفهما، ما غشيناك إلا منذ قريب. قال: حَلّياهما، فقالتا: على أحدهما خَميصة، وعلى الآخر مُطرَف، وصاحب المُطْرَف أبعدهما منك، فقال: الطُّوال؟ قالتا: نعم؛ وصاحب الخميصة أقربهما إليك، فقال: القصير؟ قالتا: نعم؛ وقد رأينا يده على يدك. قال: ذاك أبو زينب، والآخر أبو مورّع؛ وقد أرادا داهية، فليت شعري ماذا يريدان! فطلبهما فلم يقدِرْ عليهما؛ وكان وجْهُهما إلى المدينة، فقدما على عثمان؛ ومعهما نفر ممن يعرف عثمان، ممن قد عزَل الوليد عن الأعمال، فقالوا له، فقال: مَنْ يشهد؟ قالوا: أبو زينب، وأبو مورِّع، وكاع الآخران، فقال: كيف رأيتما؟ قالا: كنّا من غاشيته؛ فدخلنا عليه وهو يَقيء الخمر، فقال: ما يقيء الخمر إلّا شاربها. فبعث إليه، فلما دخل على عثمان رآهما، فقال متمثّلًا:\nما إنْ خشيتُ على أمْرٍ خَلوْتُ به ... فلم أخَفْك على أمثالها حارِ\nفحلف له الوليد، وأخبره خبرهم، فقال: نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنّار؛ فاصبر يا أُخيَّ! فأمر سعيد بن العاص فجلده، فأورث ذلك عداوةً بين ولديهما حتى اليوم؛ وكانت على الوليد خَمِيصة يوم أمر به أن يجلد، فنزعها عنه علي بن أبي طالب ﵇ (١) (٤: ٢٧٦).\n٧١٥ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُبَيد الطنافسيّ، عن أبي عبيدة الإياديّ، قال: خرج أبو زينب، وأبو مورِّع حتى دخلا على الوليد بيته، وعنده امرأتان: بنت ذي الخِمار، وبنت أبي عَقِيل؛ وهو نائم، قالت إحداهما: فأكبّ عليه أحدهما فأخذ خاتَمه، فسألهما حين استيقظ، فقالتا: ما أخذناه، قال: مَنْ بقي آخر القوم؟ قالتا: رجلان؛ رجل قصير عليه خَمِيصة، ورجل طويل عليه مُطَرف، ورأينا صاحب الخميصة أكبّ عليك، قال ذاك\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":487},{"text":"أبو زينب. فخرج يطلبهما، فإذا هو وجهُهما عن ملأ من أصحاب لهما؛ ولا يدري الوليد ما أرادا من ذلك. فقدما على عثمان، فأخبراه الخبر على رؤوس الناس، فأرسل إلى الوليد، فقدم، فإذا هو بهما ودعا بهما عثمان، فقال: بم تشهدان؟ أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب الخمر؟ فقالا: لا، وخافا، قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته وهو يقيء الخمر. فأمر سعيدَ بن العاص، فجلَده، فأورث ذلك عداوةً بين أهليْهما (١). (٤: ٢٧٧).\n٧١٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن أبي التعريف ويزيد الفقعسيّ، قالا: كان الناس في الوليد فرْقتين: العامّة معه والخاصّة عليه؛ فما زال عليهم من ذلك خُشوع حتى كانت صِفِّين، فولي معاوية، فجعلوا يقولون: عيَّب عثمانُ بالباطل، فقال لهم عليّ ﵇: إنكم وما تعيِّرُون به عثمان كالطاعن نفسَه ليقتل رِدْفه، ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بفعله، وعزله عن عمله؟ ! وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا؟ !\nوكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جُبَير، قال: قال عثمان - ﵁ -: إذا جُلِد الرّجل الحدّ، ثم ظهرت توبتُه؛ جازت شهادته (٢). (٤: ٢٧٨).\n٧١٧ - وكتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي كِبْران، عن مولاة لهم - وأثنى عليها خيرًا - قالت: كان الوليد أدخل على الناس خيرًا، حتى جعل يقسِّم للولائد والعبيد، ولقد تفجّع عليه الأحرار والمماليك، كان يسمع الولائد وعليهنّ الحداد يقلنَ:\nيا وَيْلَتا قد عُزلَ الوَليدُ ... وجاءنا مُجوِّعًا سَعيدُ\nيَنْقُصُ في الصّاع ولا يزيدُ ... فجُوِّعَ الإماءُ والعَبيدُ (٣)\n(٤: ٢٧٧/ ٢٧٨).\n٧١٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":488},{"text":"قال: كان الناس يقولون حين عزِل الوليد وأمِّر سعيد:\nلا يَبْعَدِ المُلكُ إذ وَلَّتْ شَمائلهُ ... ولا الرياسةُ لما رَاسَ كُتَّابُ (١)\n(٤: ٢٧٨).\n٧١٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة بإسنادهما، قالا: قدِم سعيد بن العاص في سنة سبع من إمارة عثمان، وكان سعيد بن العاص بقيّة العاص بن أميّة، وكان أهله كثيرًا تتابعوا، فلما فتح الله الشأم قدِمها، فأقام مع معاوية، وكان يتيمًا نشأ في حِجْر عثمان، فتذكر عمر قريشًا، وسأل عنه فيما يتفقّد من أمور الناس، فقيل: يا أمير المؤمنين! هو بدمشق، عهدُ العاهد به وهو مأموم بالموت. فأرسل إلى معاوية: أن أبعث إليّ سعيد بن العاص في منقل، فبعث به إليه وهو دنِف، فما بلغ المدينة حتى أفاق، فقال: يا بنَ أخي! قد بلغني عنك بلاء وصلاح، فازدد يزدْك الله خيرًا، وقال: هل لك من زوجة؟ قال: لا؛ قال: يا أبا عمرو! ما منعك من هذا الغلام أن تكون زوّجتَه؟ قال: قد عرضتُ عليه فأبى، فخرج يسير في البرّ، فانتهى إلى ماء، فلقي عليه أربع نسوة، فقمنَ له، فقال: ما لكنّ؟ ومَن أنتنّ؟ فقلنَ: بنات سفيان بن عويف - ومعهنّ أمهنّ - فقالت أمّهنّ: هلك رجالنا، وإذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهنّ في أكفائهن، فزوّج سعيدًا إحداهنّ، وعبد الرحمن بن عوف الأخرى، والوليدَ بن عُقْبة الثالثة؛ وأتاه بنات مسعود بن نعيم النَّهشليّ، فقلن: قد هلك رجالنا، وبقيَ الصّبيان، فضعْنا في أكفائنا، فزوج سعيدًا إحداهنّ، وجُبير بن مطعِم إحداهن، فشارك سعيد هؤلاء وهؤلاء، وقد كان عمومته ذوي بلاء في الإسلام، وسابقة حسنة، وقُدْمة مع رسول الله - ﷺ -؛ فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال الناس.\nفقدم سعيد الكوفة في خلافة عثمان أميرًا، وخرج معه من مكة - أو المدينة - الأشتر، وأبو خُشّة الغفاريّ، وجندَب بن عبد الله، وأبو مُصعب بن جثّامة، وكانوا فيمن شخص مع الوليد يعيبونه، فرجعوا مع هذا - فصعد سعيد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: والله لقد بُعِثت إليكم وإني لكاره؛ ولكنّي لم أجد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":489},{"text":"بدًّا إذ أمِرت أن أَأْتمر. ألا إنّ الفتنة قد أطلعتْ خَطْمها وعينيْها؛ ووالله لأضربنّ وجهها حتى أقمعها، أو تُعييني؛ وإني لرائد نفسي اليوم، ونزل، وسأل عن أهل الكوفة، فأقيم على حال أهلها.\nفكتب إلى عثمان بالذي انتهى إليه: إنّ أهلَ الكوفة قد اضطرب أمرُهم، وغُلب أهل الشرف منهم والبُيوتات، والسابقة، والقُدْمة؛ والغالب على تلك البلاد روادف ردفت، وأعراب لحقت؛ حتى ما يُنظَر إلى ذي شرف، ولا بلاء من نازلتها، ولا نابتتها.\nفكتب إليه عثمان: أمّا بعد؛ ففضِّل أهل السابقة والقُدْمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن مَن نزلها بسببهم تبعًا لهم؛ إلّا أن يكونوا تثاقلُوا عن الحقّ، وتركوا القيام به، وقام به هؤلاء. واحفظ لكلٍّ منزلته، وأعطهم جميعًا بقسطهم من الحقّ، فإنّ المعرفة بالناس بها يصاب العدْل.\nفأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيّام والقادسيّة، فقال: أنتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخَلّة ذي الخَلّة، وأدخل معهم مَن يحتمل من اللواحق والرّوادف؛ وخلَص بالقرّاء والمتسمِّتين في سَمره، فكأنما كانت الكوفة يبْسًا شملته نار؛ فانقطع إلى ذلك الضرب ضربُهم، وفشت المقالة والإذاعة.\nفكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادي عثمان: الصلاة جامعة! فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد، وبالذي كتب به إليه فيهم؛ وبالذي جاءه من القالَة والإذاعة، فقالوا: أصبتَ فلا تُسعفهم في ذلك؛ ولا تُطعمهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها.\nفقال عثمان: يا أهلَ المدينة استعدّوا، واستمسكوا، فقد دبّت إليكم الفتن. ونزل، فأوى إلى منزله، وتمثّل مثَلَه ومثَل هذا الضّرب الذين شرعوا في الخلاف:","vol":"8","page":490},{"text":"أبني عُبَيْدٍ قد أتى أشياعَكمْ ... عنكم مَقالَتُكُمْ وشِعْرُ الشاعِر\nفإذا أتَتكم هذه فتلبَّسُوا ... إنَّ الرِّماحَ بَصيرةٌ بالحاسِرِ (١)\n(٤: ٢٧٨/ ٢٧٩/ ٢٨٠).\n٧٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، قال: كان عثمان أروَى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة (٢). (٤: ٢٨٠).\n٧٢١ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن عبد الله الجُمحيّ، عن عبيد الله بن عمر، قال: سمعته وهو يقول لأبي: إنّ عثمان جمع أهل المدينة، فقال: يا أهلَ المدينة! إنّ الناس يتمخّضون بالفتنة، وإني والله لأتخلّصنّ لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم ذلك؛ فهل تروْنه حتى يأتيَ من شهد مع أهل العراق الفتوح فيه، فيقيم معه في بلاده؟ فقام أولئك، وقالوا: كيف تنقل لنا ما أفاء الله علينا من الأرضين يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: نبيعها ممّن شاء بما كان له بالحجاز. ففرحوا، وفتح الله عليهم به أمرًا لم يكن في حسابهم؛ فافترقوا وقد فرّجها الله عنهم به. وكان طلحة بن عبيد الله قد استجمع له عامّة سُهمان خيبر إلى ما كان له سوى ذلك، فاشترى طلحة منه من نصيب مَنْ شهد القادسيّة والمدائن من أهل المدينة ممن أقام ولم يهاجر إلى العراق النَّشاسْتَج بما كان له بخيبر وغيرها من تلك الأموال، واشترى منه ببئر أريس شيئًا كان لعثمان بالعراق، واشترى منه مرْوان بن الحكَم بمال كان له أعطاه إيّاه عثمان نهر مَرْوان - وهو يومئذ أجَمة - واشترى منه رجال من القبائل بالعراق بأموال كانت لهم في جزيرة العرب من أهل المدينة، ومكّة، والطائف، واليمن، وحضرموت؛ فكان ممّا اشترى منه الأشعث بمالٍ كان له في حضرموت ما كان له بطيزناباذ. وكتب عثمان إلى أهل الآفاق في ذلك، وبعدّة جُرْبان الفيء، والفيء الذي يتداعاه أهلُ الأمصار، فهو ما كان للملوك نحو كسرى، وقيصر، ومَن تابعهم من أهل بلادهم. فأجلى عنه، فأتاهم شيء عرفوه. وأخذ بقدر عدّة من شهدها من أهل المدينة، وبقدر نصيبهم، وضمّ ذلك إليهم، فباعوه بما يليهم من الأموال\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":491},{"text":"بالحجاز، ومكّة، واليمن وحضرموت، يردّ على أهلها الذين شهدوا الفتوح من بين أهل المدينة (١) (٤: ٢٨٠/ ٢٨١).\n٧٢٢ - وكتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة مثل ذلك، إلّا أنهما قالا: اشترى هذا الضَّرْب رجال من كلّ قبيلة ممن كان له هنالك شيء؛ فأراد أن يستبدل به فيما يليه، فأخذوا، وجاز لهم عن تراضٍ منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق؛ إلّا أنّ الذين لا سابقة لهم ولا قُدمةً لا يبلغون مبلغ أهل السابقة والقُدمة في المجالس، والرياسة، والحظوة، ثم كانوا يعيبون التفضيل، ويجعلونه جفوةً، وهم في ذلك يختفون به، ولا يكادون يظهرونه، لأنه لا حجّة لهم والناس عليهم، فكان إذا لحق بهم لاحق من ناشئ أو أعرابيّ أو محرَّر؛ استحلى كلامهم؛ فكانوا في زيادة، وكان الناس في نقصان؛ حتى غلّب الشرّ (٢). (٤: ٢٨١).\n٧٢٣ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: صُرف حذيفة عن غزو الرّيّ إلى غزو الباب مَدَدًا لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان - وكذلك كانوا يصنعون، يجعلون للناس ردْءًا - فأقام حتى قفل حذيفة، ثم رجعا.\nوفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاثين - سقط خاتم رسول الله - ﷺ - من يد عثمان في بئر أريس وهي على ميلين من المدينة، وكانت من أقلّ الآبار ماء، فما أدرك حتى الساعة قعرها (٣). (٤: ٢٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر أريس</span>\n٧٢٤ - حدثني محمد بن موسى الحرَشيّ، قال: حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزّاز. قال: وكان شريك يونس بن عبيد قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنّ رسولَ الله - ﷺ - أراد أن يكتب إلى الأعاجم كتبًا،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":492},{"text":"يدعوهم إلى الله ﷿؛ فقال له رجل: يا رسول الله! إنهم لا يقبلون كتابًا إلا مَختومًا، فأمر رسول الله - ﷺ - أن يُعمل له خاتم من حديد، فجعله في إصبعه، فأتاه جبريل، فقال له: انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله - ﷺ - من إصبعه، وأمر بخاتم آخر يُعمل له، فعمل له خاتم من نُحاس، فجعله في إصبعه، فقال له جبريل ﵇: انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله - ﷺ - من إصبعه، وأمر رسول الله - ﷺ - بخاتم من وَرِق، فصنع له خاتم من وَرق فجعله في إصبعه، فأقرّه جبريل، وأمران ينقش عليه: \"محمد رسول الله\"، فجعل يتختّم به، ويكتب إلى من أراد أن يكتب إليه من الأعاجم، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر. فكتب كتابًا إلى كسرى بن هرمز فبعثه مع عمر بن الخطاب، فأتى به عمر كسرى فقرئ الكتاب، فلم يلتفت إلى كتابه، فقال عمر: يا رسول الله! جعلني الله فداءك! أنت على سرير مرمول باللِّيف، وكسرى بن هرمز على سرير من ذهب، وعليه الدّيباج! فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة! \" فقال: جعلني الله فداءك! قد رضيت.\nوكتب كتابًا آخر، فبعث به مع دِحْية بن خليفة الكلبيّ إلى هرقل ملك الروم يدعوه إلى الإسلام، فقرأه وضمّه إليه، ووضعه عنده، فكان الخاتم في إصبع رسول الله - ﷺ - يتختّم به حتى قبضه الله ﷿، ثم استخلف أبو بكر فتختّم به حتى قبضه الله ﷿، ثم ولي عمر بن الخطاب بعد فجعل يتختم به حتى قبضه الله، ثم ولي من بعده عثمان بن عفان، فتختّم به ستّ سنين، فحفر بئرًا بالمدينة شِرْبًا للمسلمين، فقعد على رأس البئر، فجعل يعبث بالخاتم، ويُديره بإصبعه، فانسلّ الخاتم من إصبعه فوقع في البئر، فطلبوه في البئر، ونزحوا ما فيها من الماء، فلم يقدروا عليه، فجعل فيه مالًا عظيمًا لمن جاء به، واغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، فلما يئس من الخاتم، أمر فصنِع له خاتم آخر مثله، خلْقه من فضّة، على مثاله وشبهه، ونقش عليه: \"محمد رسول الله\"؛ فجعله في إصبعه حتى هلَك؛ فلما قتِل ذهب الخاتم من يده فلم يُدْرَ مَن أخذه (١). (٤: ٢٨١/ ٢٨٢/ ٢٨٣).\n٧٢٥ - فأما العاذرون معاوية في ذلك، فإنهم ذكروا في ذلك قصّةً كتب إليّ\n_________\n(١) في إسناده أبو خلف منكر الحديث.","vol":"8","page":493},{"text":"بها السريّ، يذكر: أن شعيبًا حدّثه عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعسيّ، قال: لما ورد ابنُ السوداء الشأم لقي أبا ذرّ، فقال: يا أبا ذَرّ! ألا تعجب إلى معاوية، يقول: المال مال الله! ألا إنّ كلّ شيء لله كأنه يريد أن يحتجِنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذرّ، فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّي مالَ المسلمين مال الله! قال: يرحمك الله يا أبا ذَرّ! ألسنا عبادَ الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره! قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين.\nقال: وأتى ابن السوداء أبا الدّرداء، فقال له: مَنْ أنت؟ أظنّك والله يهوديًّا! فأتى عُبادةَ بن الصامت فتعلق به، فأتى به معاويةَ، فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذرّ؛ وقام أبو ذرّ بالشأم وجعل يقول: يا معشرَ الأغنياء! واسوا الفقراء. بُشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقوْن من الناس.\nفكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذرّ قد أعضَل بي، وقد كان من أمره كَيْت وكَيْت. فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خَطمها وعينيها، فلم يبقَ إلا أن تثب، فلا تنكأ القَرْح، وجهّز أبا ذر إليّ، وابعث معه دليلًا وزوّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت؛ فإنما تُمسك ما استمسكت. فبعث بأبي ذرّ ومعه دليل؛ فلمّا قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سَلْع، قال: بشّر أهل المدينة بغارة شعواء، وحرب مِذْكار.\nودخل على عثمان فقال: يا أبا ذرّ! ما لأهل الشام يشكون ذَرَبك! فأخبره: أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالًا. فقال: يا أبا ذرّ! عليّ أن أقضيَ ما عليّ، وآخذ ما على الرعيّة، ولا أجبرهم على الزّهد، وأن أدعوَهم إلى الاجتهاد، والاقتصاد.\nقال: فتأذن لي في الخروج، فإنّ المدينة ليست لي بدار؟ فقال: أو تستبدل بها إلا شرًّا منها! قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أخرُج منها إذا بلغ البناء سَلْعًا؛ قال: فانفُذ لما أمرك به. قال: فخرج حتى نزل الرّبذة، فخطّ بها مسجدًا، وأقطعه عثمان صِرْمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأرسل إليه: أن تعاهد","vol":"8","page":494},{"text":"المدينة حتى لا ترتدّ أعرابيًّا؛ ففعل (١). (٤: ٢٨٣/ ٢٨٤).\n٧٢٦ - وكتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو ذرّ يختلف من الرّبذَة إلى المدينة مخافة الأعرابيّة، وكان يحبّ الوحدة والخلْوة. فدخل على عثمان، وعنده كعب الأحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكفّ الأذى حتى يبذلوا المعروف؛ وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألّا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان، ويصل القرابات. فقال كعب: مَنْ أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه. فرفع أبو ذرّ مِحْجَنه فضربه فشجّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال: يا أبا ذرّ! اتّق الله،\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولبعضه ما يؤيده ذكرناه في قسم الصحيح إلّا أن فيه نكارة شديدة (ولذا ذكرناها في قسم الضعيف) إضافة إلى ضعف إسنادها، ونحن على يقين أن أئمة الحديث المتقدمين كانوا محققين ضعفوا سيفًا في الحديث، والراوي الذي يخطئ في الحديث (بإجماع العلماء) لا بد أن يقع في أخطاء كذلك في روايته للتأريخ وإن كان عارفًا بالتأريخ، ولذلك نرجو أن قد وُفّقْنا للصواب عندما اعتبرنا الأصل في روايات سيف التأريخية الضعف ولم نذكر منها في الصحيح إلا ما كان له أصل مع بقية الشروط التي ذكرنا في المقدمة، وكان عملنا هذا توفيقًا بين قول المتقدمين في ضعفه في الحديث، وقول الذهبي وابن حجر من المتأخرين من أنه ضعيف في الحديث خبير بالتأريخ، فاعتمدنا قول المتقدمين ولم نهمل نظرة المتأخرين والله تعالى أعلم.\nولقد سقنا هذا الكلام لنقول بأن سيفًا كان ضعيفًا في التأريخ كذلك وهو تأثير في ضعفه في رواية الحديث ويظهر ذلك جليًا في هذه الرواية بالذات وفي رواية أخرى ذكرناها في الضعيف (٤/ ٣٣٠/ ١٠٤٢)، وأما ها هنا فإن رواية سيف تبيّن أن اليهودي الأصل عبد الله بن سبأ هو الذي أثّر على أبي ذر ليحاجج معاوية في آية اكتناز الذهب والفضة، وأن أبا ذر انقاد لكلام ابن سبأ دون تريث، وتأثر به مباشرة، بينما الرواية نفسها تبين أن عبد الله بن سبأ عندما دخل على أبي ذر في المرة الثانية استغربه أبو ذر وفطن له وقال: ما أظنك إلا يهوديًا - فأين هذا من ذاك؟\nوالحق يقال: إن صحابة رسول الله - ﷺ - لم يكونوا ليتأثروا بمقالة عبد الله بن سبأ (وهذا إذا ثبت أنه حاول استمالتهم)، ولم نجد رواية صحيحة السند تؤكد: أن عبد الله بن سبأ أثر في قناعة أبي ذر، أو عمار بن ياسر بل كلها روايات ضعيفة، وإن لم يكن البلاء من سيف كما ذكرنا هنا فإنه البلاء الأشد من قبل تلميذه وراويته شعيب وهو معروف بتحامله وطعنه في صحابة رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم أجمعين، وسود الله وجوه الكذابين من الرواة، والحمد لله على نعمة الإسناد!","vol":"8","page":495},{"text":"واكفف يدك ولسانك، وقد كان قال له: يا بنَ اليهوديّة؛ ما أنت وما ها هنا! والله لتسمعنّ مني، أو لأدخِل عليك (١). (٤: ٢٨٤).\n٧٢٧ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأشعث بن سِوار، عن محمد بن سيرين، قال خرج أبو ذرّ إلى الرّبذة من قِبَل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له، وأخرج معاوية أهله من بعده، فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يدَ الرجل، فقال: انظروا إلى هذا الذي يُزهّد في الدنيا ما عنده! فقالت امرأته: أما والله ما فيه دينار ولا درهم، ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسًا لحوائجنا.\nولما نزل أبو ذرّ الربذة أقيمت الصلاة، وعليها رجل يلي الصدقة، فقال: تقدّم يا أبا ذرّ! فقال: لا، تقدّم أنت، فإن رسول الله - ﷺ - قال لي: \"اسمع وأطع، وإن كان عليك عبد مجدّع\"، فأنت عبد، ولست بأجدع - وكان من رقيق الصدقة؛ وكان أسود يقال له: مجاشع (٢). (٤: ٢٨٥).\n٧٢٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشِّر بن الفُضيل، عن جابر، قال: أجرى غمان على أبي ذرّ كلّ يوم عظمًا، وعلى رافع بن خَدِيج مثله، وكانا قد تنحّيا عن المدينة لشيء سمعاه لم يفسَّر لهما، وأبصرا؛ وقد أخطِئا (٣). (٤: ٢٨٥).\n٧٢٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سُوقة، عن عاصم بن كُلَيب، عن سلَمة بن نَباتة، قال: خرجنا معتمرين، فأتينا الرَّبَذة، فطلبنا أبا ذرّ في منزله، فلم نجده، وقالوا: ذهب إلى الماء. فتنحّينا، ونزلنا قريبًا من منزله، فمرّ ومعه عَظْم جَزُور يحمله معه غلام، فسلّم، ثم مضى حتى أتى منزلَه، فلم يمكث إلّا قليلًا حتى جاء، فجلس إلينا، وقال: إنّ رسولَ الله - ﷺ - قال لي: \"اسمع وأطع وإن كان عليك حبشيّ مجدّع\"، فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله، وعليهم حبشيّ - وليس بأجدع، وهو ما علمت، وأثنى\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":496},{"text":"عليه - ولهم في كلّ يوم جَزور؛ ولي منها عظم آكله أنا وعيالي. قلت: مَا لَك من المال؟ قال: صِرمة من الغنم وقطيع من الإبل، في أحدهما غلامي وفي الآخر أمَتي، وغلامي حُرّ إلى رأس السنة، قال: قلت: إنّ أصحابك قِبَلنا أكثر الناس مالًا، قال: أمَا إنهم ليس لهم في مال الله حق إلّا ولي مثله.\nوأمّا الآخرون، فإنهم رَووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، وأمورًا شنيعة، كرهت ذكرها (١) (٤: ٢٨٥/ ٢٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>ذكر هرب يزدجرد إلى خراسان</span>\nوفي هذه السنة هرب يَزْدَجِرد بن شهريار - في قول بعضهم - من فارس إلى خراسان.\nذكر من قال ذلك، وما قال فيه:\n٧٣٠ - ذكر عليّ بن محمد: أنّ مسلمة أخبره عن داود، قال: قدِم ابنُ عامر البَصرة، ثمّ خرج إلى فارس فافتتحها، وهرب يَزْدَجرد من جُوز - وهي أردشير خُرّه - في سنة ثلاثين. فوجّه ابنُ عامر في أثره مجاشعَ بن مسعود السُّلَمي، فأتبعه إلى كَرْمان، فنزل مجاشع السّيرَجان بالعسكرِ، وهرب يَزْدَجرد إلى خُراسان. قال: وعبدُ القيس تقول: وجّه ابن عامر هرمَ بن حيّان العبديّ، وبكر بن وائل تقول: وجّه ابنَ حسان اليشكريّ. قال: وأصحّه عندنا مجاشع (٢). (٤: ٢٨٦).\n٧٣١ - قال عليّ: وأخبرَنا سلَمة بن عثمان - وكان فاضلًا - عن شيخ من أهل كَرْمان والفضلِ الكَرمانيّ، عن أبيه، قال: اتّبع مجاشع يَزْدَجردَ فخرج من السِّيرجَان، فلما كان عند القصر في بيمَند - وهو الذي يقال له: قصر مجاشع - أصابهم الثلج والدّمق، فوقع الثلج، واشتدّ البرد، وصار الثلج قامة رُمْح، فهلك الجند، وسلم مجاشع، ورجل كانت معه جارية، فشق بطن بعير، فأدخلها فيه وهرب؛ فلما كان من الغد، جاء فوجدها حيّة فحملها، فسُمّيَ ذلك\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":497},{"text":"القصر قصر مجاشع؛ لأن جيشه هلكوا فيه؛ وهو على خمسة فراسخ أو ستّة من السّيرَجان (١). (٤: ٢٨٦/ ٢٨٧).\n٧٣٢ - قال عليّ: أخبرنا أبو المقدام، عن بعض مشيخته، قال: خرج مجاشع على وفدِ أهل البصرة من تُسْتَر - وفيهم الأحنف - وأخذ في غداة واحدة على لجام واحد خمسين ألفًا، سبق على الصّفراء ابنة الغرّاء ابنة الغبراء.\nفأخذها منه عمر حين قاسم عمّاله الأموال.\nقال عليّ: فقلت للنضر بن إسحاق: إنّ أبا المقدام ذكر هذا الحديث! فقال: صدق، سمعته من عدة من الحي وغيرهم، وفرسه الصفراء ابنة الغرّاء ابنة الغبراء، وهو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن عائذ بن وهب بن ربيعة بن يَربوع بن سمّال بن عوف بن امرئ القيس بن بُهْثة بن سُلَم. ويكنى أبا سليمان (٢). (٤: ٢٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة فممّا كان فيها من ذلك غزوة المسلمين الرّوم التي يقال لها: غزوة الصواري</span>\n٧٣٣ - في قول الواقديّ. فأمّا أبو معشر فإنه قال فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوة الصّواري سنة أربع وثلاثين؛ وقال: كانت في سنة إحدى وثلاثين الأساودة في البحر، ووقائع كسرى (٣). (٤: ٢٨٨).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) قلنا: ذكر الطبري غزوة الصواري ضمن أحداث سنة (٣١) هـ ولكن خليفة ذكرها ضمن أحداث سنة (٣٤ هـ) وذكر ذلك عن الكلبي (تأريخ خليفة/ ١٦٨).\nوكذلك ذكر الكندي فقال: وغزا عبد الله بن سعد أيضًا ذات الصواري في سنة أربع وثلاثين فلقيهم قسطنطين بن هرقل.\nوقال أيضًا (الكندي): فهزم الله الروم وإنما سميت غزوة ذات الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها (ولاة مصر/ ٣٦) وكذلك ذكر الحافظ الذهبي هذه الغزوة ضمن أحداث سنة (٣٤ هـ) فقال: =","vol":"8","page":498},{"text":"وقال الواقديّ: غزوة الصواري والأساودة كلتاهما كانتا في سنة إحدى وثلاثين.\nذكر الخبر عن هاتين الغزوتين:\n٧٣٤ - ذكر الواقديّ: أن محمد بن صالح حدّثه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ أهل الشأم خرجوا؛ عليهم معاوية بن أبي سفيان، وكانت الشأم قد جُمع جمعها لمعاوية بن أبي سفيان.\nرجع الحديث إلى حديث الواقديّ عن خبر الغزوتين اللَّتين ذكرتهما: إنّ أهل الشام خرجوا، عليهم معاوية بن أبي سفيان؛ وعلى أهل البَحْر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح. وقال: وخرج عامئذ قسطنطين بن هِرَقل لما أصاب المسلمون منهم بإفريقية، فخرجوا في جَمْعٍ لم يجتمع للرّوم مثله قطّ منذ كان الإسلام، فخرجوا في خمسمئة مركَب؛ فالتقوْا هم وعبد الله بن سعد، فأمّن بعضهم بعضًا حتى قرنوا بين سفن المسلمين وأهل الشرك بين صواريها (١). (٤: ٢٨٨/ ٢٩٠).\nذكر السبب في جمعها له:\n٧٣٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك والربيع وأبي مجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: لما حُضر أبو عبيدة استخلَف على عمله عياض بن غَنْم - وهو خاله، وابن عمّه - وقد كان وليَ بالجزيرة عملًا، فعزله عمر بن الخطاب - ﵁ -؛ فلحق بأبي عبيدة بالشأم، وكان معه، وكان جوادًا مشهورًا بالجود، لا يَلِيق شيئًا، ولا يمنع أحدًا. فكلِّم عمر في ذلك، فقيل له: عزلت خالدًا وعتبتَ عليه العطاء، وعياض أجود العرب وأعطاهم، لا يمنع شيئًا يُسأله، فقال عمر: متى سِيمَه عياض في ماله حتى يخلص إلى ما لنا! وإني مع ذلك لم أكن مغيِّرًا أمرًا قضاه أبو عبيدة. ومات عياض بن غَنْم بعد أبي عبيدة، فأمّر عمر على عمله سعيد بن حذيم الجُمَحي،\n_________\n= كانت غزوة ذات الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية وأميرها ابن أبي سرح (تأريخ الخلفاء الراشدين/ ٤٢٠) أما تلميذه ابن كثير فقد ذكر الغزوة صمن أحداث سنة (٣١ هـ) تبعًا للطبري والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":499},{"text":"ومات سعيد بعدُ؛ فأمّر عمر مكانه عُمير بن سعد الأنصاريّ، ومات عمر؛ ومعاوية على دمشق، والأردن، وعمير بن سعد على حمص، وقنَّسْرين؛ وإنما مصّر قِنَّسرين معاوية بن أبي سفيان لمن لحق به من أهل العراقين، ومات يزيد بن أبي سفيان، فجعل عمر مكانه معاوية ونعاه لأبي سفيان، فقال: مَنْ جعلتَ على عمله يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: معاوية، فقال: وصلتك رَحمٍ؛ فاجتمعت لمعاوية الأردنّ ودمشق؛ ومات عمر ومعاوية على دمشق والأردنّ وعمير بن سعد على حمْص وقنَّسرين، وعلقمة بن مجزّز على فلسطين وعمرو بن العاص على مصر (١) (٤: ٢٨٨/ ٢٨٩).\n٧٣٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشِّر، عن سالم، قال: كان أوّل عامل استعمله عثمان بن عفان سعد بن أبي وقّاص عن وصيّة عمر، ثمّ إنّ عمير بن سعد طُعِن، فأضنى منها، فاستعفى عثمان، واستأذنه في الرجوع إلى أهله؛ فأذن له؛ وضمّ حِمْص وقنَّسرين إلى معاوية (٢). (٤: ٢٨٩).\n٧٣٧ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، عن خالد بن مَعْدان؛ قال: لمّا ولي عثمان أقرّ عمال عمر على الشام؛ فلما مات عبد الرحمن بن علقمة الكنانيّ - وكان على فلسطين - ضمّ عمله إلى معاوية، ومرض عُمَير بن سعد في إمارة عثمان مرضًا طال به، فاستعفاه، واستأذنه، فأذن له، وضمّ عمله إلى معاوية؛ فاجتمع الشأم على معاوية لسنتين من إمارة عثمان. وكان عمرو بن العاص على مصر زمان عمر، مجتمعة له، فأقرّه عثمان صَدْرًا من إمارته (٣). (٤: ٢٨٩/ ٢٩٠).\n٧٣٨ - قال ابن عمر: حدّثني عيسى بن علقمة، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: كنت معهم، فالتقيا في البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلَها قطّ؛ وكانت الريح علينا، فأرسينا ساعة، وأرسوْا قريبًا منا؛ وسكنت الرّيح عنّا، فقلنا: الأمن بيننا وبينكم. قالوا: ذلك لكم ولنا منكم، ثم قلنا: إن أحببتم فالساحل حتى يموت الأعجل منا ومنْكم؛\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":500},{"text":"وإن شئتم فالبحر، قال: فنخروا نخرة واحدة، وقالوا: الماء؛ فدنونا منهم، فربطنا السفنَ بعضها إلى بعض حتى كنّا يضرب بعضنا بعضًا على سفننا وسفنهم؛ فقاتلنا أشدّ القتال، ووثبت الرّجال على الرّجال يضطربون بالسيوف على السفن، ويتواجؤون بالخناجر، حتى رجعت الدّماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال رُكامًا (١). (٤: ٢٩٠).\n٧٣٩ - قال ابن عمر: فحدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عمّن حضر ذلك اليوم، قال: رأيت الساحل حيث تضرب الريح الموج، وإنّ عليه لمثلَ الظَّرِب العظيم من جثث الرجال؛ وإنّ الدم لغالب على الماء، ولقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وصبروا يومئذ صبرًا لم يصبروا في موطن قطّ مثله. ثم أنزل الله نصرَه على أهل الإسلام، وانهزم القسطنطين مدبرًا، فما انكشف إلّا لما أصابه من القتل والجراح؛ ولقد أصابه يومئذ جراحات مكث منها حينًا جريحًا (٢). (٤: ٢٩٠/ ٢٩١).\n٧٤٠ - قال ابن عمر: حدّثني سالم مولى أمّ محمد عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش بن عبد الله الصنعانيّ، قال: كان أوّل ما سُمع من محمد بن أبي حُذيفة حين ركب الناس البحر سنة إحدى وثلاثين: لمّا صلى عبد الله بن سعد بن أبي سرْح بالناس العصر، كَبّر محمد بن أبي حذيفة تكبيرًا ورفع صوته حتى فرغ الإمام عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح؛ فلما انصرف سأل: ما هذا؟ فقيل له: هذا محمد بن أبي حذيفة يكبّر، فدعاه عبد الله بن سعد، فقال له: ما هذه البدعة والحدَث؟ فقال له: ما هذه بدعة ولا حدَث، وما بالتكبير بأس، قال: لا تعودنّ.\nقال: فأسكَت محمد بن أبي حذيفة، فلمّا صلّى المغرب عبد الله بن سعد كبّر محمد بن أبي حُذيفة تكبيرًا أرفع من الأوّل، فأرسل إليه: إنّك غلام أحمق؛ أما والله لولا أني لا أدري ما يُوافق أمير المؤمنين لقاربت بين خَطْوك! فقال محمد بن أبي حذيفة: والله ما لَكَ إلى ذلك سبيل! ولو هممتَ به ما قدرتَ عليه. قال: فكُفَّ خيرٌ لك؛ والله لا تركب معنا! قال: فأركبُ مع المسلمين؟ قال: اركبْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف لأن في متنه الواقدي وهو متروك.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":501},{"text":"حيث شئتَ. قال: فركب في مركب وحدَه ما معه إلا القِبْط؛ حتى بلغوا ذات الصواري؛ فلقُوا جموع الرّوم في خمسمئة مركب، أو ستمئة فيها القسطنطين بن هرقل، فقال: أشيروا عليّ، قالوا: ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنّواقيس، وبات المسلمون يصلّون ويدعون الله.\nثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل، فقرّبوا سفنَهم، وقرّب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض، وصفّ عبد الله بن سعد المسلمين على نواحي السفن، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن، ويأمرهم بالصبر، ووثبت الرّوم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها؛ فكانوا يقاتلون على غير صفوف. قال: فاقتتلوا قتالًا شديدًا. ثم إن الله نصر المؤمنين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينجُ من الرّوم إلّا الشريد.\nقال: وأقام عبد الله بذات الصواري أيّامًا بعد هزيمة القوم، ثم أقبل راجعًا؛ وجعل محمد بن أبي حُذيفة يقول للرجل: أما والله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقًّا، فيقول الرجل: وأيّ جهاد؟ فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا، وفعل كذا وكذا حتى أفسد الناس. فقدموا بلدَهم وقد أفسدهم، وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به (١). (٤: ٢٩١/ ٢٩٢).\n٧٤١ - قال محمد بن عمر: فحدّثني معمر بن راشد عن الزُّهريّ، قال: خرج محمد بن أبي حُذيفة، ومحمد بن أبي بكر عامَ خرج عبد الله بن سعد، فأظهرا عيب عثمان، وما غيّر، وما خالف به أبا بكر وعمر؛ وأنّ دم عثمان حلال. ويقولان: استعملَ عبدَ الله بن سعد؛ رجلًا كان رسول الله - ﷺ - أباح دمه ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسولُ الله - ﷺ - قومًا وأدخلهم، ونزع أصحابَ رسول الله - ﷺ - واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر. فبلغ ذلك عبدَ الله بن سعد، فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقُوا العدوّ؛ وكانا أقلَّ المسلميين قتالًا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكِّمه! عبد الله بن سعد استعمله عثمان، وعثمان فعل وفعل! فأفسدا أهلَ تلك الغزاة، وعابا عثمان أشدّ العيب. فأرسل عبدُ الله بن سعد إليهما\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":502},{"text":"ينهاهما أشدّ النّهي، وقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما، وحبستكما (١)! (٤: ٢٩٢).\nقال الواقديّ: وفي هذه السنة تُوُفِّيَ أبو سفيان بن حَرْب وهو ابن ثمان وثمانين سنة.\nوفي هذه السنة - أعني: سنة إحدى وثلاثين - فتحت - في قول الواقديّ- أرمينيَة على يديْ حبيب بن مسلمة الفهريّ (٢). (٤: ٢٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>ذكر الخبر عن مقتل يزدجرد ملك فارس</span>\nوفي هذه السنة قتل يزدجرد ملك فارس.\nذكر الخبر عن سبب مقتله:\n٧٤٢ - اختُلف في سبب مقتله؛ وكيف كان ذلك، فقال عليّ بن محمد: أخبرنا غياث بن إبراهيم عن ابن إسحاق، قال: هرب يزدَجرد من كَرْمان في جماعة يسيرة إلى مَرْو، فسأل مرزبانها مالًا فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه فبيّتوه، فقتلوا أصحابه، وهرب يَزْدَجرد حتى أتى منزلَ رجل ينقر الأرحاء على شطّ المَرْغاب، فأوى إليه ليلًا، فلما نام قتله (٣). (٤: ٢٩٣).\n٧٤٣ - قال عليّ: وأخبرنا الهذليّ، قال: أتى يَزْدجرد مَرْوَ هاربًا من كَرْمان، فسأل مرزبانها وأهلها مالًا، فمنعوه، وخافوه، فبيّتوه ولم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا أصحابَه، وخرج هاربًا على رجليه، معه منطقته وسيفه وتاجه؛ حتى انتهى إلى منزل نقّار على شطّ المَرغاب، فلما غفل يزدجرد قتله النّقار، وأخذ متاعه وألقى جسده في المَرْغاب، وأصبح أهل مَرْو فاتَّبعوا أثره، حتى خفِيَ عليهم عند منزل النقّار، فأخذوه، فأقرّ لهم بقتله وأخرج متاعه؛ فقتلوا\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":503},{"text":"النقّار وأهل بيته، وأخذوا متاعه ومتاع يزدجرد، وأخرجوه من المَرْغاب فجعلوه في تابوت من خشب (١). (٤: ٢٩٣).\n٧٤٤ - قال: فزعم بعضهم: أنهم حملوه إلى إصطَخْر فدفن بها في أول سنة إحدى وثلاثين، وسمِّيت مَرْو\"خذاه دُشْمَن\"، وقد كان يَزْدَجرد وطئ امرأة بها فولدت له غلامًا ذاهب الشقّ - وذلك بعد ما قتل يَزْدَجرد - فسمي المُخدَج، فوُلد له أولاد بخراسان، فوجد قُتيبة حين افتتح الصُّغْد أو غيرها جاريتين فقيل له: إنّهما من وَلَد المخدَج، فبعث بهما - أو بإحداهما - إلى الحجاج بن يوسف، فبعَث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقصَ (٢). (٤: ٢٩٣).\n٧٤٥ - قال عليّ: وأخبرنا رَوْح بن عبد الله، عن خُرْداذبه الرازيّ: أنّ يَزْدَجرد أتى خُراسان ومعه خُرَّزاذمهر، أخو رستَم، فقال لماهويه مرزبان مَرْوَ: إني قد سَلّمت إليك الملك. ثم انصرف إلى العراق، وأقام يَزْدَجرد بمَرْو، وهمّ بعزل ماهويه، فكتب ماهويه إلى الترك يخبرهم بانهزام يَزْدَجرد، وبقدومه عليه، وعاهدهم على مؤازرتهم عليه، وخلّى لهم الطريق.\nقال: وأقبل الترك إلى مَرْوَ، وخرج إليهم يَزْدَجرد فيمن معه من أصحابه، فقاتلهم ومعه ماهويه في أساوِرة مَرْو، فأثخن يَزْدَجرد في الترك، فخشي ماهويه أن ينهزم الترك، فتحوّل إليهم في أساورة مَرْو، فانهزم جندُ يَزْدَجرد وقتِلوا، وعُقر فرس يَزْدَجرد عند المساء، فمضى ماشيًا هاربًا حتى انتهى إلى بيت فيه رحًا على شطّ المَرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه، فلما أصبح اليوم الثاني دخل صاحب الرّحَا بيتَه، فلما رأى هيئة يَزْدجرد قال: ما أنت؟ إنسيّ أو جنيّ! قال: إنسيّ؛ فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: إني مُزمزِم فائْتني بما أزمزم به، فذهب الطحان إلى إسوار من الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أرَ مثله قطّ؛ وقد طلب هذا مني. فأدخله على ماهويه، فقال: هذا يَزْدَجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فقال\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":504},{"text":"له الموْبَذ: ليس ذلك لك، قد علمتَ أنّ الدِّين والمُلْك مقترنان لا يستقيم أحدهما إلّا بالآخر، ومتى فعلتَ انتهكت الحُرْمة التي لا بعدها. وتكلم الناس وأعظموا ذلك، فشتَمهم ماهويه، وقال للأساورة: من تكلم فاقتلوه، وأمر عِدّة فذهبوا مع الطّحان، وأمرهم أن يقتلوا يزْدَجرد، فانطلقوا فلما رأوه كرهوا قَتْله، وتدافعوا ذلك، وقالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه وهو نائم ومعه حجر فشدخ به رأسَه، ثم احتزّ رأسه، فدفعه إليهم، وألقى جسده في المَرْغاب. فخرج قوم من أهل مَرْوَ، فقتلوا الطّحان، وهدموا رحاه، وخرج أسقُف مَرْو، فأخرج جسد يَزْدَجرد من المِرغاب، فجعله في تابوت، وحمَله إلى إصطخر، فوضعه في ناووس.\nوقال آخرون في ذلك ما ذكر هشام بن محمد: أنه ذُكر له أن يَزْدَجرد هرب بعد وقعة نهاوند، وكانت آخر وقعاتهم حتى سقط إلى أرض أصبَهان، وبها رجل يقال له: مطيار من دهاقينها - وهو المنتدب كان لقتال العرب حين نَكَلت الأعاجم عنها - فدعاهم إلى نفسه، فقال: إن ولِّيتُ أمورَكم، وسرت بكم إليه ما تجعلون لي؟ فقالوا: نُقرّ لك بفضلك. فسار بهم، فأصاب من العرب شيئًا يسيرًا، فحظيَ به عندهم، ونال به أفضلَ الدرجات فيهم. فلما رأى يَزْدَجرد أمرَ أصبَهان ونزلها، أتاه مطيار ذات يوم زائرًا، فحجبه بوابه، وقال له: قف حتى أستأذن لك عليه، فوثب عليه فشجّه أنَفةً وحميّة لحجْبه إيّاه، ودخل البواب على يَزْدجرد مدمًّى، فلمّا نظر إليه أفظعه ذلك، وركب من ساعته مرتحلًا عن أصبهان، وأشير عليه أن يأتيَ أقصى مملكته فيكون بها، لاشتغال العرب عنه بما هم فيه إلى يوم. فسار متوجّهًا إلى ناحية الرّيّ، فلما قدمها خرج إليه صاحب طَبَرِستان، وعرض عليه بلادَه، وأخبره بحصانتها، وقال له: إن أنت لم تجبني يومك هذا، ثم أتيتني بعد ذلك لم أقبلك ولم آوِك؛ فأبى عليه يَزْدَجرد، وكتب له بالأصبَهبذيّة، وكان له فيما خلا عليه درجة أوضع منها (١). (٤: ٢٩٣/ ٢٩٤/ ٢٩٥).\n٧٤٦ - وقال بعضهم: إنّ يَزْدَجرد مضى من فوره ذلك إلى سجسْتان، ثمّ سار منها إلى مَرْوَ في ألف رجل من الأساورة.\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":505},{"text":"وقال بعضهم: إنّ يَزْدَجرد وقع إلى أرض فارس، فأقام بها أربع سنين، ثم أتى أرض كرْمان، فأقام بها سنتين أو ثلاث سنين، فطلب إليه دِهقان كَرْمان أن يقيمَ عنده، فلم يفعل؛ وطلب من الدّهقان أن يعطيَه رهينة، فلم يعطه دهقان كَرْمان شيئًا، فلم يعطه ما طلب، فأخذ برجله فسحبه وطرده عن بلاده؛ فوقع منها إلى سجسْتان، فأقام بها نحوًا من خمس سنين. ثمّ أجمع أن ينزل خُراسان فيجمع المجموع فيها ويسير بهم إلى من غلَبه على مملكته، فسار بمَنْ معه إلى مَرْو، ومعه الرُّهُن من أولاد الدّهاقين، ومعه من رُؤسائهم فرُّخزاذ؛ فلما قدم مَرْو استغاث منهم بالملوك، وكتب إليهم يستمدّهم، وإلى صاحب الصين وملك فَرْغانة، وملك كابُل، وملك الخَزر؛ والدّهقان يومئذ بمرو ماهويه بن مافناه بن فيد أبو بَراز. ووكّل ماهويه ابنه براز مدينة مَرو - وكانت إليه - وأراد يَزْدَجِرد دخول المدينة لينظر إليها وإلى قُهَنْدزها - وكان ماهويه قد تقدّم إلى ابنه ألّا يفتحها له إن رام دخولها تخوّفًا لمكره وغدره - فركب يَزْدَجِرد في اليوم الذي أراد دخولها، فأطاف بالمدينة، فلما انتهى إلى باب من أبوابها، وأراد دخولها منه صاح أبو بَراز ببَراز: أن افتح - وهو في ذلك يشدّ منطقته، ويومئ إليه ألّا يفعل - وفطن لذلك رجل من أصحاب يَزْدَجِرد، فأعلمه ذلك، واستأذنه في ضَرْب عنق ماهويه، وقال: إن فعلت صفتْ لك الأمور بهذه الناحية؛ فأبى عليه (١). (٤: ٢٩٥/ ٢٩٦).\n٧٤٧ - وقال بعضهم: بل كان يَزْدَجرد ولّى مَرْو فَرّخزاذ، وأمر بَراز أن يدفع القُهَندز والمدينة إليه، فأبى أهل المدينة ذلك؛ لأن ماهويه أبا براز تقدّم إليهم بذلك، وقال لهم: ليس هذا لكم بملك، فقد جاءكم مفلولًا مجروحًا، ومَروْ لا تحتمل ما يحتمل غيرها من الكُوَر، فإذا جئتكم غدًا فلا تفتحوا الباب. فلما أتاهم فعلوا ذلك، وانصرف فرّخزاذ، فجثا بين يدي يَزْدَجِرد، وقال: استصعبتْ عليكَ مَرْو؛ وهذه العرب قد أتتك. قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نلحق ببلاد الترك ونقيم بها، حتى يتبيّن لنا أمر العرب؛ فإنهم لا يَدَعون بلدة إلّا دخلوها. قال: لست أفعل؛ ولكني أرجع عَوْدِي على بدئي؛ فعصاه ولم يقبل رأيه، وسار يَزْدَجرد، فأتى بَراز دِهقان مَرْو، وأجمع على صرف الدَّهقنة إلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":506},{"text":"سِنْجان ابن أخيه، فبلغ ذلك ماهويه أبا براز، فعمِل في هلاك يَزْدَجِرد وكتب إلى نَيْزك طَرْخان يخبره: أن يَزْدَجِرد وقع إليه مفلولًا، ودعاه إلى القُدوم عليه لتكون أيديهما معًا في أخذه، والاستيثاق منه، فيقتلوه، أو يصالحوا عليه العرب، وجعل له إن هو أراحه منه أن يفيَ له كلّ يوم بألف درهم، وسأله أن يكتب إلى يَزْدَجرد مماكرًا له لينحِّيَ عنه عامّة جنده، ويحصل في طائفة من عسكره وخواصّه، فيكون أضعف لرُكنه، وأهْون لشوكته، وقال: تُعْلِمه في كتابك إليه الذي عزمتَ عليه؛ من مناصحته ومعونته على عدوّه من العرب، حتى يقهرهم، وتطلب إليه أن يشقّ لك اسمًا من أسماء أهل الدّرجات بكتاب مختوم بالذهب، وتُعْلِمه أنك لستَ قادمًا عليه حتى يُنَحِّيَ عنه فرّخزاذ.\nفكتب نَيْزك بذلك إلى يَزْدَجِرد، فلمّا ورد عليه كتابه؛ بعث إلى عظماء مَرو، فاستشارهم، فقال له سَنْجان: لست أرى أن تنحِّيَ عنك جندك وفرّخزاذ لشيء، وقال أبو براز: بل أرى أن تتألّف نيزك، وتجيبه إلى ما سأل. فقبل رأيه، وفرّق عنه جنده، وأمر فَرّخزاذ أن يأتي أجَمة سَرَخس، فصاح فَرّخزاذ، وشقّ جيبه، وتناول عمودًا بين يديه يريد ضرب أبي براز به، وقال: يا قتلة الملوك! قتلتم ملكَيْن، وأظنكم قاتلي هذا! ولم يبرح فرّخزاذ حتى كتب له يَزْدَجِرد بخطّ يده كتابًا: هذا كتاب لفرّخزاذ؛ إنك قد سلّمتَ يزدجِرْد وأهله وولده وحاشيتَه وما معه إلى ماهويه دِهْقان مَرْو. وأشهد عليه بذلك.\nفأقبل نيزك إلى موضع بين المرْوين، يقال له: حلسدان؛ فلما أجمع يزدجرد على لقائه، والمسير إليه، أشار عليه أبو براز ألّا يلقاه في السلاح فيرتاب به، وينفر عنه؛ ولكن يلقاه بالمزامير والملاهي؛ ففعل فسار فيمن أشار عليه ماهويه، وسمّي له، وتقاعس عنه أبو براز، وكَرْدَس نيزك أصحابَه كراديس. فلمّا تدانيا استقبلَه نيزك ماشيًا، ويَزْدَجِرد على فرس له، فأمر لنيزك بجنيبة من جنائبه فركبها؛ فلمَا توسط عسكره تواقفا، فقال له نيزك فيما يقول: زوّجني إحدى بناتك وأناصحك، وأقاتل معك عدوّك. فقال له يَزْدَجرد: وعليّ تجترئ أيّها الكلب! فعلاه نيزك بمخْفقته، وصاح يَزْدَجرد: غَدَر الغادر! وركض منهزمًا، ووضع أصحاب نيزك سيوفهم فيهم، فأكثروا فيهم القتل.\nوانتهى يَزْدَجِرد من هَزيمته إلى مكان من أرض مَرْو، فنزل عن فرسه، ودخل","vol":"8","page":507},{"text":"بيت طحّان فمكث فيه ثلاثة أيام؛ فقال له الطحّان: أيّها الشقيّ، اخرج فاطعَم شيئًا، فإنك قد جعت منذ ثلاث، قال: لستُ أصِل إلى ذلك إلا بزمزمة وكان رجل من زمازمة مَرْو أخرج حنطة له ليطحنها، فكلمه الطّحان أن يزمزم عنده ليأكل، ففعل ذلك؛ فلما انصرف سمع أبا براز يذكر يَزْدَجِرد، فسألهم عن حِلْيته؛ فوصفوه له، فأخبرهم أنه رآه في بيت طَحّان، وهو رجل جَعْد مقرون حسن الثنايا، مقرّط مسوَّر. فوجّه إليه عند ذلك رجلًا من الأساورة، وأمره إنْ هو ظفر به أن يخنقه بوَتر، ثم يطرحه في نهر مَرْو؛ فلقوا الطحّان، فضربوه ليدلّ عليه فلم يفعل، وجحدهم أن يكون يعرف أين توجّه. فلما أرادوا الانصراف عنه قال لهم رجل منهم: إنّي أجدُ ريح المسك؛ ونظر إلى طرف ثوبه من ديباج في الماء، فاجتذبه إليه؛ فإذا هو يَزْدَجِرد، فسأله ألّا يقتله ولا يدلّ عليه، ويجعل له خاتمه وسواره ومنطقته؛ قال الآخر: أعطني أربعة دراهم وأخلِّي عنك؛ قال يَزْدَجرد: ويحك خاتمي لك، وثمنه لا يحصى! فأبى عليه؛ قال يَزْدَجرد: قد كنت أخبَر أني سأحتاج إلى أربعة دراهم؛ وأضطر إلى أن يكون أكلي أكل الهرّ، فقد عاينتُ، وجاءني بحقيقته؛ وانتزع أحد قُرْطيه فأعطاه الطحان مكافأة له لكتمانه عليه، ودنا منه كأنه يكلمه بشيء، فوصف له موضعه، وأنذر الرَّجل أصحابه، فأتوْه، فطلب إليهم يَزْدَجرد ألّا يقتلوه وقال: ويحكم! إنّا نجد في كتبنا: أنّ مَن اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا؛ مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني، وآتوني الدّهقان، أو سرّحوني إلى العرب؛ فإنهم يستحيون مثلي من الملوك؛ فأخذوا ما كان عليه من الحلي، فجعلوه في جراب، وختموا عليه؛ ثم خنقوه بوَتَر، وطرحوه في نهر مَرْو، فجرى به الماء حتى انتهى إلى فُوّهة الرّزيق، فتعلّق بعُود، فأتاه أسقف مَرْو فحمله ولفّه في طيلسان ممسَّك، وجعله في تابوت، وحمله إلى بائي بابان أسفل ماجان، فوضعه في عَقْد كان يكون مجلس الأسقف فيه وردمه، وسأل أبو براز عن أحد القُرْطين حين افتقده، فأخذ الذي دلّ عليه فضربه حتى أتى على نفسه، وبعث بما أصيب له إلى الخليفة يومئدْ، فأغرَم الخليفة الدّهقان قيمة القُرْط المفقود (١). (٤: ٢٩٦/ ٢٩٧/ ٢٩٨).\n٧٤٨ - وقال آخرون: بل سار يَزْدَجرد من كَرْمان قبل ورود العرب إياها،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":508},{"text":"فأخذ على طريق الطَّبَسَينْ، وقُهِستان، حتى شارف مَرْو في زهاء أربعة آلاف رجل، ليجمع من أهل خُراسان جموعًا، ويكرّ إلى العرب ويقاتلهم، فتلقاه قائدان متباغضان متحاسدان كانا بمَرْو؛ يقال لأحدهما: براز والآخر: سَنْجان؛ ومَنحَاه الطاعة، وأقام بمَرْو، وخصّ براز فحسده ذلك سَنجان، وجعل براز يبغي سَنْجان الغوائل، ويوغِل صدر يَزْدَجِرد عليه، وسعى بسَنْجان حتى عزم على قتله؛ وأفشى ما كان عزم عليه من ذلك إلى امرأة من نسائه كان براز واطأها؛ فأرسلت إلى بَراز بنسوة زعمت بإجماع يَزْدَجِرد على قتل سَنْجان، وفشا ما كان عزم عليه يَزْدَجِرد من ذلك. فنذِر سَنْجان، وأخذ حِذْره، وجمع جمعًا كنحو أصحاب براز، ومن كان مع يَزْدَجرد من الجند، وتوجّه نحو القصر الذي كان يَزْدَجِرد نازلَه. وبلغ ذلك براز، فنكص عن سَنجان لكثرة جُموعه، ورَعَب جمع سنجان يَزْدَجِرد وأخافه، فخرج من قصره متنكّرًا، ومضى على وجهه راجلًا لينجوَ بنفسه، فمشى نحوًا من فرسخين حتى وقع إلى رحًا ما، فدخل بيت الرّحا، فجلس فيه كالًّا لغبًا، فرآه صاحب الرّحا ذا هيئة وطرّة وبِزّة كريمة، ففرش له، فجلس وأتاه بطعام فطعم، ومكث عنده يومًا وليلة، فسأله صاحب الرّحا أن يأمر له بشيء، فبذل له منطقة مكلَّلة بجوهر كانت عليه؛ فأبى صاحب الرَّحا أن يقبلها، وقال: إنما كان يرضيني من هذه المنطقة أربعة دراهم كنت أطعم بها وأشرب، فأخبره أنه لا ورق معه، فتملّقه صاحب الرحا؛ حتى إذا غفا قام إليه بفأس له فضرب بها هامته فقتله، واحتزّ رأسه؛ وأخذ ما كان عليه من ثياب ومنطقة، وألقى جيفته في النهر الذي كان تدور بمائه رحاه، وبقَر بطنه، وأدخل فيه أصولًا من أصول طرْفاء كانت نابتة في ذلك النهر لتحبس جُثّته في الموضع الذي ألقاه فيه، فلا يسفل فيعرف ويطلب قاتله وما أخذ من سلَبه، وهرب على وجهه. وبلغ قتلُ يَزْدَجِرد رجلًا من أهل الأهواز كان مُطرانًا على مَرْو؛ يقال له: إيلياء، فجمع مَن كان قِبَله من النصارى، وقال لهم: إنّ ملِك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى؛ وإنما شهريار ولدُ شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقَّها وإحسانها إلى أهل ملّتها من غير وجه؛ ولهذا الملك عنصر في النصرانيّة مع ما نال النصارى في مُلْك جدّه كسرى من الشَّرَف؛ وقبل ذلك في مملكة ملوك من أسلافه من الخير؛ حتى بَنَى لهم بعض البِيع، وسدّد لهم بعض ملّتهم؛ فينبغي لنا أن نحزَن لقتل هذا الملك من كرامته بقدر إحسان أسلافه وجدّته","vol":"8","page":509},{"text":"شيرين، كان إلى النصارى؛ وقد رأيت أنّ أبنيَ له ناوُوسًا، وأحمل جُثّته في كرامة حتى أواريَهَا فيه.\nفقال النصارى: أمْرنا لأمرك أيّها المطران تَبع؛ ونحن لك على رأيك هذا مواطئون. فأمر المطران فبني في جوف بستان المطارنة بمَرْو ناووسًا؛ ومضى بنفسه ومعه نصارى مَرْو حتى استخرج جثّة يَزْدَجِرد من النهر وكَفّنها، وجعلها في تابوت، وحمله مَن كان معه من النصارى على عواتقهم حتى أتوْا به الناووس الذي أمر ببنائه له وواروه فيه، وردموا بابه؛ فكان مُلْك يَزْدَجِرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دَعَة وستّ عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إيّاه وغلظتهم عليه.\nوكان آخر ملك مَلَك من آل أردشير بن بابك؛ وصفا الملك بعده للعرب (١). (٤: ٢٩٩/ ٣٠٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>شخوص عبد الله بن عامر إلى خراسان وما قام به من فتوح</span>\nوفي هذه السنة - أعني: سنة إحدى وثلاثين - شخص عبد الله بن عامر إلى خَراسان ففتح أبْرَشهر، وطوس، وبيورد، ونَسا حتى بلغ سَرَخس، وصالح فيها أهل مَرْو.\nذكر الخبر عن ذلك:\n٧٤٩ - ذُكر: أن ابن عامر لما فتح فارس؛ قام إليه أوس بن حبيب التميميّ، فقال: أصلح الله الأمير! إنّ الأرض بين يديك، ولم تفتتح من ذلك إلّا القليل، فسرْ فإنّ الله ناصرُك؛ قال: أوَ لم نأمر بالمسير! وكره أن يُظهر أنه قبِل رأيه؛ فذكر عليّ بن محمد: أن مسلمة بن مُحارب أخبره عن السَّكن بن قتادة العُرَينيّ، قال: فتح ابن عامر فارسَ ورجع إلى البصرة، واستعمل على إصطخر شريكَ بن الأعور الحارثيّ، فبنى شريك مسجد إصطخر، فدخل على ابنِ عامر رجل من بني تميم، قال: كنا نقول: إنه الأحنف - ويقال: أوْس بن جابر الجُشميّ جُشَم تميم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":510},{"text":"- فقال له: إنّ عدوّك منك هارب؛ وهو لك هائب، والبلاد واسعة؛ فسرْ فإنّ الله ناصرك، ومعزّ دينه.\nفتجهّز ابن عامر، وأمر الناس بالجَهاز للمسير، واستخلف على البصرة زيادًا، وسار إلى كَرْمان؛ ثم أخذ إلى خراسان، فقوم يقولون: أخذ طريق أصبَهان، ثم سار إلى خُراسان (١) (٤: ٣٠٠/ ٣٠١).\n٧٥٠ - قال عليّ: أخبرنا المفضّل الكَرْماني عن أبيه، قال: كان أشياخ كَرْمان يذكرون: أنّ ابن عامر نزل المعسكر بالسِّيرجان، ثمّ سار إلى خراسان، واستعمل على كَرْمان مجاشع بن مسعود السُّلَميّ، وأخذ ابن عامر على مفازة رابَر، وهي ثمانون فرسخًا، ثم سار إلى الطّبَسَين يريد أبْرَشهر؛ وهي مدينة نيسابور، وعلى مقدّمته الأحنف بن قيس، فأخذ إلى قُهْستان، وخرج إلى أبْرَشهر فلقيه الهياطلة - وهم أهلُ هَراة - فقاتلهم الأحنف، فهزمهم ثم أتى ابن عامر نيسابور (٢). (٤: ٣٠١).\n٧٥١ - قال عليّ: وأخبرنا أبو مخنف عن نُمَير بن وَعْلة، عن الشعبيّ، قال: أخذ ابن عامر على مفازة خَبيص، ثم على خُواست - ويقال: على يَزْد - ثمّ على قُهستان؛ فقدّم الأحنف فلقيه الهياطلة، فقاتلهم فهزمهم، ثم أتى أبْرَشهر، فنزلها ابنُ عامر، وكان سعيد بن العاص في جُند أهل الكوفة، فأتى جُرجان وهو يريد خراسان؛ فلمّا بلغه نزول ابن عامر أبْرَشهر؛ رجع إلى الكوفة (٣). (٤: ٣٠١).\n٧٥٢ - قال عليّ: أخبرنا عليّ بن مجاهد، قال: نزل ابن عامر على أبْرَشهر، فغلب على نصفها عَنْوة، وكان النّصف الآخر في يد كنارى، ونصف نسا، وطوس؛ فلم يقدر ابنُ عامر أن يجوزَ إلى مَرْو، فصالح كنارَى، فأعطاه ابنه أبا الصلت ابن كنارى، وابن أخيه سليمًا رَهْنًا، ووجّه عبد الله بن خازم إلى هَراة، وحاتم بن النعمان إلى مَرْو، فأخذ ابن عامر ابْنيْ كنارى، فصارا إلى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":511},{"text":"النعمان بن الأفقم النَّصْري، فأعتقهما (١). (٤: ٣٠١/ ٣٠٢).\n٧٥٣ - قال عليّ: وأخبرنا أبو حفص الأزديّ عن إدريس بن حنظلة العَميّ، قال: فتح ابن عامر مدينة أبْرَشهر عَنْوة، وفتح ما حولها طوس، وبيوَرْد، ونَسا، وحُمْران، وذلك سنة إحدى وثلاثين (٢). (٤: ٣٠٢).\n٧٥٤ - قال علي: أخبرنا أبو السّريّ المروزيّ عن أبيه، قال: سمعتُ موسى بن عبد الله بن خازم يقول: أبي صالَحَ أهلَ سَرَخْس، بعثه إليهم عبد الله بن عامر من أبْرشهر، وصالح ابن عامر أهل أبرشهر صلْحًا، فأعطوْه جاريتين من آل كسرى: بابونج، وطهمبج - أو طمهبج - فأقبل بهما معه، وبعث أُمَيْن بن أحمر اليَشكريّ، ففتح ما حول أبرْشهر: طُوس، وبِيوَرْد، ونسَا، وحُمران، حتى انتهى إلى سَرَخْس (٣). (٤: ٣٠٢).\n٧٥٥ - قال عليّ: وأخبرنا الصلت بن دينار عن ابن سيرين، قال: بعث ابن عامر عبدَ الله بن خازم إلى سَرَخْس؛ ففتحها وأصاب ابن عامر جاريتين من آل كسرى، فأعطى إحداهما النّوشجان؛ وماتت بابونج (٤). (٤: ٣٠٢).\n٧٥٦ - قال عليّ: وأخبرنا أبو الذَّيال زُهير بن هُنَيد العَدَوِيّ عن أشياخ من أهل خُراسان: أنّ ابن عامر سرّح الأسودَ بن كُلثوم العَدَوِيّ - عديّ الرِّباب - إلى بَيْهق؛ وهو من أبرشهر، بينها وبين مدينة أبرشهر ستة عشر فرسخًا، ففتحها وقتل الأسود بن كلثوم. قال: وكان فاضلًا في دينه، كان من أصحاب عامر بن عبد الله العنبريّ وكان عامر يقول بعدما أخرج من البصرة: ما آسى من العراق على شيء إلّا على ماء الهواجر، وتجاوب المؤذِّنين، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم (٥). (٣٠٢: ٤).\n٧٥٧ - قال عليّ: وأخبرنا زهير بن هُنَيد، عن بعض عمومته، قال: غلب ابن\n_________\n(١) إسناده ضعيف. وفي إسناده علي بن مجاهد وهو متروك.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":512},{"text":"عامر على نيسابور، وخرج إلى سَرَخْس، فأرسل إلى أهل مَرْو يطلب الصّلح: فبعث إليهم ابن عامر حاتم بن النّعمان الباهليّ، فصالح براز مرزبان مَرْو على ألفي ألف ومئتي ألف (١). (٤: ٣٠٢/ ٣٠٣).\n٧٥٨ - قال: فأخبرنا مصعب بن حيّان عن أخيه مقاتل بن حيّان، قال: صالحهم على ستة آلاف ألف ومئتي ألف.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عثمان - ﵁ - (٢). (٤: ٣٠٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة</span>\nفمن ذلك غزوة معاوية بن أبي سفيان المَضيق، مضيق القسطنطينيّة؛ ومعه زوجته عاتكة بنة قرطة بن عبد عمرو بن نوْفل بن عبد مناف.\nوقيل: فاختة. حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمنّ ذكره، عن إسحاق، عن أبي معشر، وهو قول الواقديّ.\nوفي هذه السنة استعمل سعيد بن العاص سلمانَ بن ربيعة على فَرْج بَلَنْجَر، وأمدّ الجيش الذي كان به مقيمًا مع حُذَيفة بأهل الشأم، عليهم حبيب بن مسلَمة الفهريّ - في قول سيف - فوقع فيها الاختلاف بين سلْمان، وحبيب في الأمر، وتنازع في ذلك أهل الشأم، وأهل الكوفة.\nذكر الخبر بذلك:\n٧٥٩ - فمّما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة؛ قالا: كتب عثمان إلى سعيد: أن أغْزِ سلمان الباب؛ وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة وهو على الباب: إنّ الرعيّة قد أبطر كثيرًا منهم البِطنة، فقصِّر، ولا تقتحم بالمسلمين؛ فإني خاشٍ أن يُبتَلوا، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، وكان لا يقصِّر عن بَلَنْجر، فغزا سنة تسع من إمارة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":513},{"text":"عثمان حتى إذا بلغ بلنْجر؛ حصروها، ونصبوا عليها المجانيق، والعرّادات، فجعل لا يدنو منها أحد إلا أعنتُوه، أو قتلوه؛ فأسرعوا في الناس، وقتل مِعْضَد في تلك الأيام.\nثم إنّ الترك اتّعدوا يومًا، فخرج أهلُ بَلنْجَر؛ وتوافت إليهم الترك، فاقتتلوا، فأصيب عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له: ذو النور - وانهزم المسلمون فتفرّقوا، فأمّا من أخذ طريق سلمان بن ربيعة؛ فحماه حتى خرج من الباب، وأمّا مَن أخذ طريق الخَزر وبلادها؛ فإنه خرج على جِيلان، وجُرجان؛ وفيهم سلْمان الفارسيّ وأبو هريرة، وأخذ القوم جسد عبد الرحمن، فجعلوه في سَفَط، فبقيَ في أيديهم، فهم يستسقون به إلى اليوم ويستنصرون به (١). (٤: ٣٠٤/ ٣٠٥).\n٧٦٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن داود بن يزيد، عن الشعبيّ، قال: والله لسَلمانُ بن ربيعة كان أبصرَ بالمضارب من الجازر بمفاصل الجَزور (٢). (٤: ٣٠٥).\n٧٦١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة، قال: لما تتابعت الغزوات على الخزَر، وتذامروا، وتعايروا، وقالوا: كنّا أمة لا يُقرِن لنا أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة، فصرنا لا نقوم لها. فقال بعضهم لبعض: إنّ هؤلاء لا يموتون، ولو كانوا يموتون لما اقتحموا علينا. وما أصيب في غزواتها أحد إلّا في آخر غزوة عبد الرحمن، فقالوا: أفلا تجرّبون! فكمنوا في الغياض، فمرّ بأولئك الكمين مُرّار من الجند، فرموهم منها؛ فقتلوهم، فواعدوا رؤوسهم، ثمّ تداعَوْا إلى حربهم؛ ثم اتَّعدوا يومًا؛ فاقتتلوا، فقتِل عبد الرحمن، وأسرع في الناس فافترقوا فِرْقين؛ فِرْق نحو الباب، فحماهم سلمان حتى أخرجهم، وفِرْق أخذوا نحو الخزر؛ فطلعوا على جِيلان وجرجان، فيهم سلمان الفارسيّ، وأبو هريرة (٣). (٤: ٣٠٥).\n٧٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":514},{"text":"أخيه قيس، عن أبيه، قال: كان يزيد بن معاوية، وعَلقمة بن قيس، ومعْضَد الشيبانيّ، وأبو مفزّر التميميّ في خِباء، وعمرو بن عتبة وخالد بن ربيعة والحَلحال بن ذُرِّيّ، والقَرْثَع في خِباء، وكانوا متجاورين في عسكر بَلنْجَر؛ وكان القَرْثَع يقول: ما أحسن لمْع الدماء على الثياب! وكان عمرو بن عتبة يقول لقَباء عليه أبيض: ما أحسن حُمرة الدماء في بياضك!\nوغزا أهل الكوفة بَلَنْجر سنين من إمارة عثمان لم تئِمْ فيهنّ امرأة، ولم ييتم فيهنّ صبيّ من قَتْلٍ، حتى كان سنة تسع؛ فلمّا كان سنة تسع قبل المزاحفة بيومين رأى يزيد بن معاوية: أنّ غزالًا جيء به إلى خبائه، لم ير غزالًا أحسن منه حتى لُفّ في ملحفته، ثم أتِيَ به قبر عليه أربعة نفر لم ير قبرًا أشدّ استواء منه ولا أحسن منه، حتى دفن فيه؛ فلمّا تغادى الناس على الترك رُمي يزيد بحجر، فهشم رأسه، فكأنما زُيِّن ثوبه بالدماء زينة، وليس يتلطّخ؛ فكان ذلك الغزال الذي رأى، وكان بذلك الدم على ذلك القَباء الحسن، فلما كان قبل المزاحفة بيوم تَغادوْا، فقال مِعْضَد لعلقمة: أعِرْني بُرْدَك أعصِّب به رأسي؛ ففعل، فأتى البُرْج الذي أصيب فيه يزيد؛ فرماهم فقتل منهم، ورُمي بحجر في عرّادة، ففضخ هامته، واجترّه أصحابُه فدفنوه إلى جنب يزيد، وأصاب عمرو بن عتبة جراحة؛ فرأى قباءه كما اشتهى، وقتل؛ فلما كان يوم المزاحفة قاتل القَرثَع حتى خُرِّق بالحراب، فكأنما كان قباؤه ثوبًا أرضُه بيضاء ووشيهُ أحمر، وما زال الناس ثبوتًا حتى أصيب، وكانت هزيمة الناس مع مقتله (١). (٤: ٣٠٥/ ٣٠٦).\n٧٦٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن داود بن يزيد، قال: كان يزيد بن معاوية النَّخعيّ - ﵁ - وعمرو بن عتبة ومَعضد أصيبوا يوم بَلَنجر؛ فأمّا معْضد فإنه اعتجر ببُرد لعلقمة، فأتاه شَظيّة من حجر منجنيق، فأمّه، فاستصغره، ووضع يده عليه فمات فغسل دمه علقمة، فلم يخرج؛ وكان يحضر فيه الجمعة، وقال يحرّضني عليه: إنّ فيه دمَ مِعضد. فأما عمرو؛ فلبس قباء أبيض، وقال: ما أحسن الدم على هذا! فأتاه حجر فقتله، وملأه دمًا، وأما يزيد؛ فدلِّيَ عليه شيء فقتله، وقد كانوا حفروا قبرًا فأعدّوه؛ فنظر إليه يزيد،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":515},{"text":"فقال: ما أحسنه! وأرِيَ فيما يرى النائم أنّ غزالًا لم يُر غزالٌ أحسنُ منه، جيء به حتى دفن فيه؛ فكان هو ذلك الغزال. وكان يزيد رقيقًا جميلًا ﵀؛ وبلغ ذلك عثمان، فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون! انتكث أهل الكوفة. اللهمّ تُبْ عليهم، وأقْبِلْ بهم (١). (٤: ٣٠٦).\n٧٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: استعمل سعيد على ذلك الفَرْج سلمان بن رِبيعة، واستعمل على الغَزْو بأهل الكوفة حُذيفة بن اليَمان، وكان على ذلك الفرْج قبل ذلك عبد الرحمن بن ربيعة، وأمدّهم عثمان في سنة عشر بأهل الشأم عليهم حبيب بن مسلمة القرشيّ، فتأمّر عليه سلمان، وأبى عليه حبيب؛ حتى قال أهل الشأم: لقد هممنا بضرب سلمان، فق الذي ذلك الناس: إذًا والله نضرب حبيبًا، ونحبسه؛ وإن أبيتم؛ كثرت القتلى فيكم وفينا.\nوقال أوس بن مغراء في ذلك:\nإن تَضْرِبوا سَلْمانَ نَضْرِبْ حَبيبكُمْ ... وإن تَرْحَلوا نَحْوَ ابْنِ عَفَّانَ نَرْحَلِ\nوإن تُقْسِطوا فالثّغْرُ ثَغْرُ أميرنا ... وهذا أميرٌ في الكَتائِب مُقْبلُ\nونَحنُ وُلاةُ الثَّغْرِ كُنَّا حُماتَه ... لياليَ نَرْمي كُلَّ ثَغْرٍ ونُنْكِلُ\nفأراد حبيب أن يتأمّر على صاحب الباب كما كان يتأمّر أمير الجيش إذا جاء من الكوفة، فلمّا أحسّ حذيفة؛ أقرّ، وأقرّوا؛ فغزاها حذيفة بن اليَمان ثلاث غزوات، فقتل عثمان في الثالثة، ولقيَهم مقتل عثمان، فقال: اللهمّ العن قتلَة عثمان، وغُزاة عثمان، وشنَأة عثمان. اللهمّ إنّا كنّا نعاتبه ويعاتبنا، متى ما كان مَن قبله يعاتبنا ونعاتبه! فاتّخذوا ذلك سُلّمًا إلى الفتنة؛ اللهم لا تُمِتْهم إلّا بالسيوف (٢) (٤: ٣٠٦/ ٣٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>ذكر الخبر عن وفاته</span>\n٧٦٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة عن يزيد الفقعسيّ، قال: لما حضرت أبا ذرّ الوفاة؛ وذلك في سنة ثمان في ذي الحِجّة من\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":516},{"text":"إمارة عثمان؛ نزل بأبي ذَرّ؟ فلما أشرف؛ قال لابنته: استشرِفي يا بنيّة، فانظري هل تريْن أحدًا؟ ! قالت: لا، قال: فما جاءت ساعتي بعدُ، ثم أمرها فذبحت شاة، ثم طبختها، ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنونني فقولي لهم: إنّ أبا ذرّ يقسم عليكم ألّا تركبوا حتى تأكلوا؛ فلمّا نضجت قدرُها قال لها: انظري هل ترين أحدًا؟ قالت: نعم؛ هؤلاء ركْب مقبلون، قال: استقبلي بي الكعبة. ففعلت، وقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله - ﷺ -. ثم خرجت ابنته، فتلقّتهم، وقالت: رحمكم الله! اشهدوا أبا ذرّ - قالوا: وأين هو؟ فأشارت لهم إليه وقد مات - فادفنوه، قالوا: نعم ونعمةَ عيْن! لقد أكرمَنا الله بذلك؛ وإذا ركبٌ من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود، فمالوا إليه وابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسولُ الله - ﷺ -: \"يموت وحدَه، ويُبعث وحده\"؛ فغسلوه، وكفَّنوه، وصلَّوا عليه، ودفنوه، فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت لهم: إنّ أبا ذرّ يقرأ عليكم السلام، وأقسم عليكم ألّا تركبوا حتّى تأكلوا، ففعلوا، وحملوهم حتى أقدموهم مكّة، ونعوْه إلى عثمان، فضمّ ابنته إلى عياله، وقال: يرحمُ الله أبا ذرّ، ويغفر لرافع بن خَدِيج سكونَه (١). (٤: ٣٠٨).\n٧٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القعقاع بن الصلت، عن رجل، عن كُليب بن الحَلْحال، عن الحلحال بن ذُرِّيّ، قال: خرجنا مع ابن مسعود سنة إحدى وثلاثين؛ ونحن أربعة عشر راكبًا؛ حتى أتينا على الرَّبَذة؛ فإذا امرأة قد تلقّتنا، فقالت: اشهدوا أبا ذرّ - وما شعرنا بأمره ولا بلغنا - فقلنا: وأين أبو ذرّ؟ فأشارت إلى خِباء، فقلنا: مَالَه؟ قالت: فارق المدينة لأمر قد بلغه فيها، ففارقها. قال ابن مسعود: ما دعاه إلى الإعراب؟ فقالت: أما إن أمير المؤمنين قد كره ذلك؛ ولكنه كان يقول: هي بَعَدٌ، وهي مدينة. فمال ابن مسعود إليه وهو يبكي، فغسلناه وكفّناه؛ وإذا خباء منضوخ بمسْك، فقلنا للمرأة: ما هذا؟ فقالت: كانت مِسْكة، فلما حُضِر قال: إن الميّت يحضُره شهود يجدون الرِّيح؛ ولا يأكلون، فَدُوفي تلك المسكة بماء، ثم رشِّي بها الخباء، فاقريهم ريحها، واطبخي هذا اللحم؛ فإنه سيشهدني قوم صالحون يلون دفْني، فاقْريهم؛ فلما دفنّاه؛ دعتنا إلى الطعام فأكلنا، وأردنا احتمالها، فقال ابن مسعود: أمير\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":517},{"text":"المؤمنين قريب، نستأمره؛ فقدمنا مكة، فأخبرناه الخبر، فقال: يرحم الله أبا ذرّ! ويغفر له نزولَه الرَّبذة! .\nولما صدَر؛ خرج فأخذ طريق الرَّبَذة، فضمّ عياله إلى عياله، وتوجّه نحو المدينة، وتوجّهنا نحو العراق؛ وعدّتنا: ابن مسعود، وأبو مفزر التميميّ، وبكر بن عبد الله التميميّ، والأسود بن يزيد النَّخعيّ، وعلقمة بن قيس النَّخعيّ، والحلحال بن ذري الضبيّ، والحارث بن سويد التميميّ، وعمرو بن عتبة بن فرقد السُّلَميّ، وابن ربيعة السلَميّ، وأبو رافع المُزَنيّ، وسويد بن مثعبة التميميّ، وزياد بن معاوية النخعيّ، وأخو القَرثع الضبيّ؛ وأخو مِعْضد الشيبانيّ (١) (٤: ٣٠٨/ ٣٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>فتح مروروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان</span>\nوفي سنة اثنتين وثلاثين فتح ابن عامر مَرْوروذ، والطالقَان، والفارِياب، والجُوزَجان، وطُخَارِستان.\nذكر الخبر عن ذلك:\n٧٦٧ - قال عليّ: أخبرَنا سلمة بن عثمان وغيره عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن سيرين، قال: بعث ابنُ عامر الأحنفَ بن قيس إلى مَرْوروذ، فحصر أهلَها، فخرجوا إليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصنهم، فأشرفوا عليهم، فقالوا: يا معشر العرب! ما كنتم عندنا كما نرى؛ ولو علمنا أنكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال غير هذه؛ فأمهلونا ننظرْ يومنا، وارجعوا إلى عسكركم. فرجع الأحنف، فلما أصبح غاداهم؛ وقد أعدُّوا له الحرب؛ فخرج رجلٌ من العجم معه كتاب من المدينة، فقال: إنّي رسول، فأمّنوني، فأمّنوه، فإذا رسول من مرزبان مَرْو ابن أخيه وترجمانه، وإذا كتاب المرزُبان إلى الأحنف، فقرأ الكتاب؛ قال: فإذا هو: إلى أمير الجيش؛ إنا نحمَد الله الذي بيده الدّوَل، يغيّر ما شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذلّة، ويضع مَنْ شاء بعد الرفعة. إنه دعاني إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدّي، وما كان\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":518},{"text":"رأى مِنْ صاحبِكم من الكرامة والمنزلة؛ فمرحبًا بكم وأبشروا؛ وأنا أدعوكم إلى الصّلح فيما بينكم وبيننا؛ على أن أؤدّي إليكم خَراجًا ستين ألف درهم؛ وأن تُقرّوا بيدي ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جدّ أبي حيث قتل الحيّة التي أكلت الناس، وقطعت السُّبل من الأرضين والقُرى بما فيها من الرّجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتي شيئًا من الخراج، ولا تخرج المرْزبة من أهل بيتي إلى غيركم، فإن جعلتَ ذلك لي خرجتُ إليك؛ وقد بعثت إليك ابنَ أخي ماهَك ليستوثق منك بما سألت.\nقال: فكتب إليه الأحنف:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن صَخْر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مَرْوروذ ومَن معه من الأساورة والأعاجم: سلام على من اتّبع الهدى، وآمن واتّقى. أما بعد؛ فإن ابن أخيك ماهَك قدم عليّ، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك؛ وقد عرضت ذلك على مَن معي من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء؛ وقد أجبناك إلى ما سألتَ، وعرضت على أن تؤدّي عن أكَرتك وفلّاحيك والأرضين ستّين ألف درْهم إليّ وإلى الوالي من بعدي من أمراء المسلمين؛ إلّا ما كان من الأرَضين التي ذكرتَ أن كسرى الظالم لنفسه أقطع جدّ أبيك لِمَا كان من قتله الحيّة التي أفسدت الأرض وقطعت السُّبل. والأرضُ لله ولرسوله يُورثها مَنْ يشاء مِنْ عباده، وإنّ عليك نُصرة المسلمين وقتال عدوّهم بمن معك من الأساورة؛ إنْ أحبَّ المسلمون ذلك وأرادوه؛ وإنّ لك على ذلك نصرة المسلمين على من يقاتل من وراءك من أهل ملّتك، جارٍ لك بذلك منّي كتاب يكون لك بعدي، ولا خراجَ عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوي الأرحام؛ وإن أنت أسلمت، واتبعت الرسول؛ كان لك من المسلمين العطاء، والمنزلة، والرزق، وأنت أخوهم؛ ولك بذلك ذمتي، وذمة أبي، وذمم المسلمين، وذمم آبائهم. شهد على ما في هذا الكتاب جَزء ابن معاوية - أو معاوية بن جزء السعديّ - وحمزة بن الهرْماس، وحُميد بن الخيار المازنيّان، وعياض بن ورقاء الأسيديّ. وكتب كَيْسان مولى بني ثعلبة يوم الأحد من شهر الله المحرّم. وختم أمير الجيش الأحنف بن قيس. ونقش خاتم","vol":"8","page":519},{"text":"الأحنف: \"نعبد الله\" (١). (٤: ٣٠٩/ ٣١٠/ ٣١١).\n٧٦٨ - قال عليّ: أخبرنا مصعَب بن حيّان عن أخيه مقاتل بن حيّان، قال: صالح ابنُ عامر أهلَ مَرْو، وبعث الأحنف في أربعة آلاف إلى طُخارِستان فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مَرْو روذ، وجمع له أهل طُخَارِستان، وأهل الجوزَجان، والطالَقان، والفارياب؛ فكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفًا. وأتى الأحنفَ خبرُهم، وما جمعوا له، فاستشار الناس، فاختلفوا؛ فبين قائل: نرجع إلى مرْو، وقائل: نرجع إلى أبْرَشهر، وقائلٍ: نقيم نستمدّ، وقائل: نلقاهم فنناجزهم.\nقال: فلما أمسى الأحنف خرج يمشي في العسكر، ويستمع حديثَ الناس، فمرّ بأهل خباء، ورجل يوقد تحت خزيرة، أو يعجن؛ وهم يتحدَّثون، ويذكرون العدوّ؛ فقال بعضهم: الرأي للأمير أن يسير إذا أصبح؛ حتى يلقى القوم حيث لقيَهم - فإنه أرعب لهم - فيناجزهم، فقال صاحبُ الخزيرة، أو العجين: إن فعل ذلك فقد أخطأ وأخطأتم؛ أتأمرونه أن يلقى حدّ العدوّ مصحرًا في بلادهم، فيلقى جمعًا كثيرًا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلمونا! ولكنّ الرأي له أن ينزل بين المَرغاب، والجبل، فيجعل المَرغاب عن يمينه، والجبل عن يساره، فلا يلقاه من عدوّه - وإن كثروا - إلا عدد أصحابه. فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال؛ فضرب عسكره، وأقام فأرسل إليه أهل مَرْو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه؛ فقال: إنّي أكره أن أستنصر بالمشركين؛ فأقيموا على ما أعطيناكم؛ وجعلنا بيننا وبينكم؛ فإن ظفرنا؛ فنحن على ما جعلنا لكم؛ وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم.\nقال: فوافق المسلمين صلاةُ العصر؛ فعاجلهم المشركون فناهضوهم فقاتلوهم؛ وصبر الفريقان حتى أمسَوْا؛ والأحنف يتمثّل بشعر ابن جُؤيّة الأعرجيّ:\nأحَقُّ من لم يَكْرَهِ المَنِيَّهْ ... حزورٌ ليست له ذُرِّيهْ (٢)\n(٤: ٣١١/ ٣١٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":520},{"text":"٧٦٩ - قال عليّ: أخبرنا أبو الأشهب السعديّ عن أبيه، قال: لقي الأحنفُ أهلَ مَرْوروذ، والطالَقان، والفارياب، والجوزَجان في المسلمين ليلًا، فقاتلهم حتى ذهب عامّة الليل، ثم هزمهم الله، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى رَسْكن - وهي على اثني عشر فرسخًا من قصر الأحنف - وكان مرْزُبان مَرْوروذ، قد تربّص يحمل ما كانوا صالحوه عليه؛ لينظر ما يكون من أمرهم.\nقال: فلمّا ظفر الأحنف سرّح رجُلين إلى المرزُبان، وأمرهما ألّا يكلّماه حتى يقبضاه. ففعلا. فعلم أنهم لم يصنعوا ذاك به إلّا وقد ظفروا، فحمل ما كان عليه (١). (٣١٢: ٤).\n٧٧٠ - قال عليّ: وأخبرنا المفضّل الضبيّ عن أبيه، قال: سار الأقرع بن حابس إلى الجوزَجان؛ بعثه الأحنف في جَريدة خيل إلى بقيّة كانت بقيت من الزّحوف الذين هزمهم الأحنف، فقاتلهم، فجال المسلمون جَوْلة، فقُتل فرسان من فرسانهم؛ ثم أظفر الله المسلمين بهم، فهزموهم، وقتلوهم، فقال كُثَيّرٌ النهشليّ:\nسَقَى مُزن السحاب إذا اسْتَهَلّتْ ... مصارعَ فِتيَةٍ بالجُوزَجانِ\nإلى القصْرين من رُسْتاقِ خُوطٍ ... أقادَهُمُ هُناكَ الأقرعانِ\nوهي طويلة (٢) (٤: ٣١٢/ ٣١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>ذكر صلح الأحنف مع أهل بَلْخ</span>\nوفي هذه السنة جرى صلح بين الأحنف وبين أهل بَلْخ.\nذكر الخبر بذلك:\n٧٧١ - قال عليّ: أخبرنا زُهير بن الهُنَيد عن إياس بن المهلّب، قال: سار الأحنف من مَرْو الرّوذ إلى بلْخ فحاصرهم، فصالحه أهلها على أربعمئة ألف، فرضيَ منهم بذلك، واستعمل ابن عمّه، وهو أسَيد بن المتَشمّس؛ ليأخذ منهم ما صالحوه عليه، ومضى إلى خارِزْم، فأقام حتى هجم عليه الشتاء، فقال\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":521},{"text":"لأصحابه: ما ترون؟ قال له حصين: قد قال لك عمرو بن معد يكرب، قال: وما قال؟ قال: قال:\nإذَا لمْ تَسْتَطِعْ أمرًا فدَعْه ... وجاوزْهُ إلى ما تَستطيعُ\nقال: فأمر الاْحنف بالرّحيل، ثمّ انصرف إلى بَلْخ، وقد قبض ابن عمّه ما صالحهم عليه؛ وكان وافق وهو يجبيهم المِهْرجان، فأهدوا إليه هدايا من آنيةِ الذهب والفضّة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب، فقال ابنُ عمّ الأحنف: هذا ما صالحناكم عليه؟ قالوا: لا،؛ ولكن هذا شيء نصنعه في هذا اليوم بمَن وليَنا نستعطفه به، قال: وما هذا اليوم؟ قالوا: المِهْرجان، قال: ما أدري ما هذا؟ وإني لأكره أن أردّه؛ ولعله من حقّي؛ ولكن أقبضه وأعزله حتى أنظر فيه؛ فقبضه، وقدم الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا له مثل ما قالوا لابن عمّه، فقال: آتِي به الأمير؛ فحمله إلى ابن عامر، فأخبره عنه، فقال: اقبِضه يا أبا بحر! فهو لك؟ قال: لا حاجة لي فيه، فقال ابنُ عامر: ضمّه إليك يا مسمار! قال: قال الحسن: فضمّه القرشيّ وكان مِضَمًّا (١) (٤: ٣١٣/ ٣١٤).\n٧٧٢ - قال عليّ: وأخبرنا عمرو بن محمد المرّيّ عن أشياخ من بني مرّة: أنّ الأحنف استعمل على بلْخ بشرَ بن المتشمّس (٢) (٤: ٣١٤).\n٧٧٣ - قال عليّ: وأخبرنا صدَقة بن حُميد عن أبيه، قال: بعث ابنُ عامر - حين صالح أهلَ مَرْو، وصالح الأحنفُ أهلَ بلْخ - خُلَيْدَ بن عبد الله الحنفيَّ إلى هَراة وباذَغيس؛ فافتتحهما، ثم كفروا بعدُ فكانوا مع قارِن (٣). (٤: ٣١٤).\n٧٧٤ - قال عليّ: وأخبرنا مَسلمة، عن داود، قال: ولما رجع الأحنفُ إلى ابنِ عامر؛ قال الناسُ لابن عامر: ما فتح على أحد ما قد فتح عليك؛ فارس، وكَرمان، وسجسْتان وعامّة خُراسان! قال: لا جَرَم، لأجعلنّ شكري لله على ذلك أن أخرج محرمًا معتمرًا من موقفي هذا. فأحرَم بعُمْرة من نيسابور؛ فلما قدِم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":522},{"text":"على عثمان لامه على إحرامه من خُراسان، وقال: ليتك تضبط ذلك من الوقت الذي يحرِم منه الناس! (١) (٤: ٣١٤).\n٧٧٥ - قال عليّ: أخبرنا مسلَمة عن السّكن بن قُتادة العُرينيّ، قال: استخلف ابنُ عامر على خُراسان قيسَ بن الهيثم، وخرج ابنُ عامر منها في سنة اثنتين وثلاثين. قال: فجمع قارن جمعًا كثيرًا من ناحية الطَّبَسين، وأهل باذَغيس، وهَراة، وقُهستان، فأقبل في أربعين ألفًا، فقال لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تُخلِّيَ البلاد فإني أميرها؛ ومعي عهدٌ من ابن عامر؛ إذا كانت حرب بخُراسان فأنا أميرها - وأخرج كتابًا قد افتعله محمدًا - فكره قيس مشاغبَته، وخلّاه والبلاد؛ وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر، وقال: تركتَ البلاد حربًا وأقبلت! قال: جاءني بعهد منك. فقالت له أمّه: قد نهيتك أن تَدَعهما في بلد، فإنه يشغَب عليه.\nقال: فسار ابنُ خازم إلى قارن في أربعة آلاف: وأمر الناس فحملوا الودَك؛ فلما قرب من عسكره أمرَ الناس، فقال: ليدرجْ كلُّ رجل منكم على زُجّ رمحه ما كان معه من خِرْقة، أو قطن، أو صوف؛ ثم أوسعوه من الوَدَك من سمن، أو دهن، أو زيت، أو إهالة. ثم سار حتى إذا أمسى؛ قدّم مقدّمته ستمئة، ثم اتّبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران في أطراف الرّماح، وجعل يقتبس بعضهم من بعض. قال: وانتهت مقدّمته إلى عسكر قارن، فأتوهم نصفَ الليل؛ ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج الناس على دَهش، وكانوا آمنين في أنفسهم من البيات، ودنا ابنُ خازم منهم، فرأوا النيران يمنة ويسرة، وتتقدّم وتتأخّر، وتنخفض وترتفع؛ فلا يروْن أحدًا. فهالهم ذلك، ومقدّمة ابن خازم يقاتلونهم؛ ثم غشيَهم ابنُ خازم بالمسلمين، فقتل قارن، وانهزم العدوّ، فأتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤوا، وأصابوا سبيًا كثيرًا؛ فزعم شيخ من بني تميم، قال: كانت أمّ الصلت بن حُريث من سَبْي قَارن، وأمّ زياد بن الربيع منهم، وأمّ عون أبي عبد الله بن عون الفقيه منهم (٢). (٤: ٣١٤/ ٣١٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":523},{"text":"٧٧٦ - قال عليّ: حدّثنا مسلمة، قال: أخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه، وكتب بالفتح إلى ابن عامر؛ فرضيَ، وأقرّه على خراسان، فلَبث عليها؛ حتى انقضى أمرُ الجمل، فأقبل إلى البَصْرة، فشهد وقعةَ ابن الحضرميّ، وكان معه في دار سبيل (١). (٤: ٣١٥).\n٧٧٧ - قال عليّ: وأخبرنا الحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير العميّ الخزاعيّ، قال: جمع قارن للمسلمين جمعًا كثيرًا، فضاق المسلمون بأمرهم، فقال قيس بن الهيثم لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أنك لا تطيق كثرة مَن قد أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره بكثرة مَن قد جمعوا لنا، ونقيم نحن في هذه الحصون، ونطاولهم؛ حتى تقدم، ويأتينا مددكم.\nقال: فخرج قيس بن الهيثم، فلما أمعن؛ أظهر ابن خازم عهدًا، وقال: قد ولّاني ابنُ عامر خراسان؛ فسار إلى قارن، فظفر به، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فأقرّه ابنُ عامر على خُراسان؛ فلم يزل أهل البصرة يغزُون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا رجعوا؛ خلّفوا أربعة آلاف للعقَبة، فكانوا على ذلك حتى كانت الفتنة (٢). (٤: ٣١٥/ ٣١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين</span>\nففيها كانت غزوة معاوية حِصْن المرأة من أرض الرّوم من ناحية مَلَطية في قول الواقديّ.\nوفيها كانت غزوة عبد الله بن سعد بن أبي سرْح إفريقيَة الثانية حين نقض أهلها العهد.\nوفيها قدّم عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس إلى خراسان؛ وقد انتقض أهلُها، ففتح المَرْوَيْن: مَرْو الشاهجان صلحًا، ومَرْو الرّوذ بعد قتال شديد، وتبعه عبد الله بن عامر، فنزل أبْرشَهْر، ففتحها صلحًا في قول الواقديّ.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":524},{"text":"٧٧٨ - وأمّا أبو معشر فإنه قال - فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه، قال: كانت قبرُس سنة ثلاث وثلاثين، وقد ذكرنا قول مَنْ خالفه في ذلك، والخبرَ عن قُبْرس.\nوفيها: كان تسيير عثمان بن عفان مَنْ سيّر من أهل العراق إلى الشأم (١). (٣١٧: ٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>ذكر تسيير مَن سير من أهل الكوفة إليها</span>\n٧٧٩ - اختلف أهلُ السير في ذلك، فأما سيف فإنّه ذكر فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عنه، عن محمد، وطلحة، قالا: كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلّا نازلة أهل الكوفة، ووجوه أهل الأيام وأهل القادسيّة، وقرّاء أهل البصرة، والمتسمِّتُون، وكان هؤلاء دخْلته إذا خلا، فأما إذا جلس للناس؛ فإنه يدخل عليه كلّ أحد، فجلس للناس يومًا، فدخلوا عليه؛ فبينا هم جلوس يتحدّثون قال خُنَيس بن فلان: ما أجود طَلحة بن عبيد الله! فقال سعيد بن العاص: إنّ من له مثل النّشاسْتَج لحقيق أن يكون جوادًا؛ والله لو أنّ لي مثله لأعاشكم الله عيشًا رغدًا. فقال عبد الرحمن بن خُنَيس - وهو حَدث: والله لوددتُ أنّ هذا الملْطاط لك - يعني: ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة - قالوا: فضّ الله فاك! والله لقد هممنا بك، فقال: خُنيس غلام فلا تجازوه، فقالوا: يتمنى له من سوادنا! قال: ويتمنّى لكم أضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم! قالوا: أنت والله أمرتَه بها، فثار إليه الأشتر، وابن ذي الحبَكة، وجندَب، وصَعْصعة، وابن الكوّاء، وكُمَيل بن زياد، وعُمير بن ضائي؛ فأخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غُشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم، ويأبوْن، حتى قضوا منهما وطَرًا، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاؤوا وفيهم طليحة، فأحاطوا بالقَصْر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: أفلِتنا، وخلِّصنا.\nفخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيّها الناس! قوم تنازعوا، وتهاوَوا، وقد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":525},{"text":"رزق الله العافية. ثم قعدوا، وعادوا في حديثهم، وتراجعوا، فساءهم، وردهم، وأفاق الرّجلان؛ فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتْنا غاشيتك، قال: لا يغشوني والله أبدًا! فاحفظا عليّ ألسنتكما، ولا تجرّئا عليّ الناس. ففعلا. ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك؛ قعدوا في بيوتهم، وأقبلوا على الإذاعة حتّى لامه أهل الكوفة في أمرهم؛ فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرّك شيئًا، فمن أراد منكم أن يحرّك شيئًا فليحرّكه.\nفكتب أشراف أهل الكوفة، وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك؛ فألحقوهم بمعاوية. فأخرَجوهم، فذلّوا وانقادوا حتى أتوه - وهم بضعةَ عشر - فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرًا خُلِقوا للفتنة، فرُعْهم وقُمْ عليهم؛ فإن آنست منهم رَشَدًا؛ فأقبل منهم؛ وإن أعيَوْك؛ فاردُدْهم عليهم. فلما قدموا على معاوية؛ رَحّب بهم وأنزلهم كنيسة تسمّى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدّى ويتعشّى معهم، فقال لهم يومًا: إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفًا وغلبتم الأمم وحويتُم مراتبَهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشًا؛ وإن قريشًا لو لم تكن عدتم أذلّةً كما كنتم، إنّ أئمتكم لكم إلى اليوم جُنّة، فلا تَشِذُّوا عن جُنّتكم؛ وإنّ أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجَوْر، ويحتملون منكم المؤونة؛ والله لتنتهُنّ، أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثمّ تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعيّة في حياتكم وبعد موتكم.\nفقال رجل من القوم: أمّا ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثرَ العرب، ولا أمنعها في الجاهلية، فتُخوّفَنا؛ وأما ما ذكرت من الجُنّة فإنّ الجُنّة إذا اخترِقتْ؛ خُلِص إلينا.\nفقال معاوية: عرفتكم الآن، علمتُ أنّ الذي أغراكم على هذا قِلّة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلًا، أعْظِم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به، وتذكّرني الجاهلية! وقد وعظتُك. وتزعم لما يجنُّك أنه يُخترق، ولا ينسب ما يخترَق إلى الجُنّة ضح؛ أخزى الله أقوامًا أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم! افقهوا - ولا أظنكم تفقهون -: أنّ قريشًا لم تُعَزّ في جاهلية ولا إسلام إلّا بالله","vol":"8","page":526},{"text":"﷿، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدّهم؛ ولكنهم كانوا أكرمَهم أحسابًا، وأمحضهم أنسابًا، وأعظمهم أخطارًا؛ وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضًا إلّا بالله الذي لا يُستذل مَنْ أعزّ، ولا يوضَع مَنْ رفع؛ فبوّأهم حرمًا آمنًا يُتَخطّف الناس من حَوْلهم! هل تعرفون عربًا، أو عجمًا، أو سودًا، أو حمرًا إلّا قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدوْلة؛ إلّا ما كان من قريش، فإنه لم يردّهم أحدٌ من الناس بكيد إلّا جعل الله خدّه الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقّذ مَن أكرم واتّبع دينه من هوان الدّنيا وسوء مَردّ الآخرة، فارتضى لذلك خيرَ خلقه، ثم ارتضى له أصحابًا فكان خيارُهم قريشًا، ثم بني هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم؛ ولا يصلح ذلك إلّا عليهم؛ فكان الله يحوطهم في الجاهليّة وهم على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أفٍّ لك ولأصحابك! ولو أنّ متكلمًا غيرك تكلّم، ولكنك ابتدأت. فأمّا أنت يا صعصعة؛ فإن قَرْيتك شرّ قُرىً عربيّة؛ أنتنُها نبتًا، وأعمقها واديًا، وأعرفها بالشرّ، وألأمها جيرانًا، لم يسكنها شريف قطّ ولا وضيع إلّا سُبّ بها، وكانت عليه هُجنة، ثم كانوا أقبح العرب ألقابًا، وألأمهم أصهارًا، نزّاع الأمم؛ وأنتم جيران الخَطّ، وفَعَلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبيّ - ﷺ - ونكبتْك دعوته؛ وأنت نزِيع شَطير في عُمان، لم تسكن البَحْرين فتشركَهَم في دعوة النبيّ - ﷺ -، فأنت شرّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلَطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك؛ أقبلتَ تبغي دينَ الله عِوَجًا، وتنزع إلى اللآمة والذلّة. ولا يضع ذلك قريشًا، ولن يضرّهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم؛ إنّ الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشرّ من بين أمّتكم، فأغرى بكم الناس؛ وهو صارعكم. لقد علم أنه لا يستطيع أن يردّ بكم قضاءً قضاه الله، ولا أمرًا أراده الله، ولا تدركون بالشرّ أمرًا أبدًا إلا فتح الله عليكم شرًّا منه وأخزى.\nثم قام وتركهم؛ فتذامروا فتقاصرت إلهم أنفسهم، فلمّا كان بعد ذلك أتاهم فقال: إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم؛ لا والله لا ينفع الله بكم أحدًا ولا يضرّه؛ ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرّة؛ ولكنكم رجال نكير. وبعد، فإنْ أردتم النجاة؛ فالزموا جماعتكم؛ وليسعكم ما ولمع الدَّهْماء، ولا يبطرنّكم","vol":"8","page":527},{"text":"الإنعام؛ فإن البَطر لا يعتري الخيار؛ اذهبوا حيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم.\nفلمّا خرجوا دعاهم فقال: إني معيد عليكم. إنّ رسول الله - ﷺ - كان معصومًا فولّاني، وأدخلني في أمره، ثم استُخلف أبو بكر ﵁ فولّاني؛ ثمّ استُخلف عمر فولّاني، ثم استُخْلِف عثمان فولّاني، فلم ألِ لأحد منهم ولم يولِّني إلا وهو راضٍ عني؛ وإنما طلب رسول الله - ﷺ - للأعمال أهلَ الجزاء عن المسلمين والغَناء؛ ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها؛ وإن الله ذو سطَوات ونِقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوالأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون؛ فإنّ الله غير تارككم حتى يختبرَكم ويبديَ للناس سرائركم؛ وقد قال ﷿: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.\nوكتب معاوية إلى عثمان: إنه قدم عليّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدْل؛ لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلّمون بحجّة؛ إنما همّهم الفتنة، وأموال أهل الذّمة؛ والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم؛ وليسوا بالذين ينكون أحدًا إلا مع غيرهم، فَانْهَ سعيدًا ومَن قِبَله عنهم؛ فإنهم ليسوا لأكثر من شغَب أو نكير.\nوخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكُوفة، فإنهم يشمتون بكم، وميلوا بنا إلى الجزيرة، ودعوا العراق والشام. فأوَوا إلى الجزيرة، وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد -وكان معاوية قد ولّاه حِمْص وولى عامل الجزيرة حَرّان والرّقة- فدعا بهم، فقال: يا آلة الشيطان! لا مرحبًا بكم ولا أهلًا! قد رجع الشيطان محسورًا وأنتم بعدُ نشاط؛ خَسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدّبكم حتى يحسركم. يا معشر مَن لا أدري أعرب أم عجم! لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية؛ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجِمات، أنا ابن فاقئ الرّدّة، والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذلّ: أنّ أحدًا ممن معي دقّ أنفك ثم أمصّك لأطيرنّ بك طَيْرة بعيدة المهوَى. فأقامهم أشهرًا كلّما ركب أمشاهم، فإذا مرّ به صعصعة قال: يا بن الحطيئة! أعلمت أنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشرّ! مَا لَك لا تقول كما كان يبلغني أنّك تقول لسعيد،","vol":"8","page":528},{"text":"ومعاوية! فيقول، ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله! فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم.\nوسرّح الأشترَ إلى عثمان، وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فأخرجوا، وإن شئتم فأقيموا. وخرج الأشتر، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، فقال: سلّمكم الله. وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ وذكر من فضله، فقال: ذاك إليكم، فرجع إلى عبد الرحمن (١). (٤: ٣١٧/ ٣١٨/ ٣١٩/ ٣٢٠/ ٣٢١/ ٣٢٢).\n٧٨٠ - وأمّا محمد بن عمر؛ فإنه ذكر: أنّ أبا بكر بن إسماعيل حدّثه عن أبيه، عن عامر بن سعد: أنّ عثمان بعث سعيد بن العاص إلى الكوفة أميرًا عليها، حين شهد على الوليد بن عُقبة بشرب الخمر من شهد عليه، وأمره أن يبعث إليه الوليد بن عقبة. قال: قَدِم سعيد بن العاص الكوفَة، فأرسل إلى الوليد: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تلحق به. قال: فتضجّع أيامًا، فقال له: انطلق إلى أخيك، فإنه قد أمرني أن أبعثَك إليه، قال: وما صعِد منبرَ الكوفة حتى أمر به أن يُغسَل، فناشده رجال من قريش كانوا قد خرجوا معه من بني أميّة، وقالوا: إنّ هذا قبيح؛ والله لو أراد هذا غيرُك لكان حقًّا أن تذبّ عنه؛ يلزمه عارُ هذا أبدًا. قال: فأبى إلّا أن يفعل، فغسله وأرسل إلى الوليد أن يتحوّل من دار الإمارة، فتحوّل منها، ونزل دار عُمارة بن عُقْبة، فقدم الوليد على عثمان، فجمع بينه وبين خصمائه، فرأى أن يجلده، فجلده الحدّ (٢). (٤: ٣٢٢).\n٧٨١ - قال محمّد بن عمر: حدثني شيبان عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قدِم سعيد بن العاص الكوفَة، فجعل يختار وجوهَ الناس يدخلون عليه ويسمُرون عنده؛ وإنه سمر عنده ليلةً وجوه أهل الكوفة، منهم: مالك بن كعب الأرحبيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس النّخعيّان، وفيهم مالك الأشتر في رجال، فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان لقريش؛ فقال الأشتر: أتزعم أنّ السّواد الذي\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف، وفي إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":529},{"text":"أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومِك! واللهُ ما يزيد أوفاكم فيه نصيبًا إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم.\nقال: فقال عبد الرحمن الأسديّ - وكان على شُرْطة سعيد: أتردّون على الأمير مقالَته! وأغلظ لهم، كقال الأشتر: مَن ها هنا؟ لا يفوتنكم الرجل؛ فوثبوا عليه فوطؤوه وطأً شديدًا، حتى غُشي عليه، ثم جُرّ برجله فألقِيَ، فنضح بماء فأفاق، فقال له سعيد: أبك حياة؟ فقال: قتلني مَن انتخبت -زعمت- للإسلام، فقال: والله لا يسمُر منهم عندي أحد أبدًا، فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيدًا؛ واجتمع الناس إليهم، حتى كثر من يختلف إليهم. فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك، ويقول: إنّ رهطًا من أهل الكوفة -سمّاهم له عشرة- يؤلّبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا؛ فكتب عثمان إلى سعيد: أن سيّرهم إلى معاوية -ومعاوية يومئذ على الشأم- فسترهم -وهم تسعة نفر- إلى معاوية؛ فيهم مالك الأشتر، وثابت بن قيس بن مُنْقَع، وكُمَيل بن زياد النخعيّ، وصعصعة بن صُوحان.\nثم ذكر نحو حديث السريّ عن شعيب؛ إلّا أنه قال: فقال صعصعة: فإن اختُرقت الجُنَّة، أفليس يُخْلَص إلينا؟ فقال معاوية: إنّ الجُنة لا تخترَق، فضعْ أمر قريش على أحسن ما يحضرك.\nوزاد فيه أيضًا: إنّ معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكرهم؛ قال فيما يقول: وإني والله ما آمركم بشيء إلّا قد بدأتُ فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصّتي؛ وقد عرفتْ قريش: أن أبا سفيان كان أكرمَها وابن أكرمها، إلّا ما جعل الله لنبيّه نبيّ الرحمة - ﷺ -؛ فإن الله انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئًا إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها؛ ولم يخلق من الأخلاق السيّئة شيئًا في أحد إلا أكرمه الله عنها ونزّهه؛ وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناسَ لم يلد إلا حازمًا. قال صعصعة: كذبت! قد ولدَهم خير من أبي سفيان؛ مَن خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البرّ والفاجر، والأحمق والكيّس. فخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة، فتحدّث عندهم طويلًا، ثم قال: أيُّها القوم! ردّوا عليّ خيرًا، أو اسكتوا، وتفكروا،","vol":"8","page":530},{"text":"وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المسلمين؛ فاطلبوه تعيشوا، ونعش بكم. فقال صعصعة: لستَ بأهلِ ذلك، ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله. فقال: أوَ ليس ما ابتدأتُكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وطاعة نبيه - ﷺ -، وأن تعتصموا بحبله جميعًا ولا تفرّقوا! قالوا: بل أمرتَ بالفرقة وخلاف ما جاء به النبيّ - ﷺ -. قال: فإني آمركم الآن، إن كنت فعلتُ فأتوب إلى الله، وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه - ﷺ - ولزوم الجماعة، وكراهة الفُرقة، وأن توقّروا أئمّتكم، وتدلُّوهم على كلّ حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين، ولطف في شيء إن كان منهم.\nفقال صعصعة: فإنّا نأمرُك أن تعتزل عملك؛ فإنّ في المسلمين من هو أحقّ به منك، قال: مَن هو؟ قال: مَن كان أبوه أحسن قدمًا من أبيك، وهو بنفسه أحسنُ قدمًا منك في الإسلام، فقال: والله إنّ لي في الإسلام قدمًا، ولغَيري كان أحسنُ قدمًا مني؛ ولكنه ليس في زماني أحدٌ أقوى على ما أنا فيه منِّي؛ ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوَى مني لم يكن لي عند عمر هَوادة ولا لغيري، ولم أحدِث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزِل عملي؛ ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إليّ بخطّ يده فاعتزلت عملَه؛ ولو قضى الله أن يفعل ذلك؛ لرجوتُ ألا يعزم له على ذلك إلا وهو خير؛ فمهلًا فإنّ في ذلك وأشباهه ما يتمنّى الشيطان ويأمر؛ ولعمري لو كانت الأمور تقضَى على رأيكم، وأمانيّكم؛ ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يومًا ولا ليلة، ولكن الله يقضيها ويدبّرها؛ وهو بالغ أمره؛ فعاودوا الخبر وقولوه.\nفقالوا: لستَ لذلك أهلًا، فقال: أما والله إنّ لله لسطَوات ونِقمات! وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في مطاوعة الشيطان؛ حتى تُحِلَّكم مطاوعة الشيطان، ومعصية الرحمن دارَ الهوان من نَقْم الله في عاجل الأمر، والخزي الدائم في الآجل.\nفوثبوا عليه؛ فأخذوا برأسه، ولحيته، فقال: مَهْ؛ إنّ هذه ليست بأرض الكوفة، والله لو رأى أهل الشأم ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكتُ أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلَعمري إنّ صنيعكم ليشبه بعضه بعضًا، ثمّ قام من عندهم، فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلًا ما بقيت!","vol":"8","page":531},{"text":"ثم كتب إلى عثمان:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nلعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد يا أميرَ المؤمنين! فإنك بعثت إليّ أقوامًا يتكلَّمون بألسنة الشياطين وما يُمْلون عليهم، ويأتون الناس - زعموا - من قِبَل القرآن، فيشبّهون على الناس، وليس كلّ الناس يعلم ما يريدون؛ وإنما يريدون فُرْقة، ويقربون فتنة؛ قد أثقلهم الإسلام، وأضجرهم، وتمكّنت رُقَى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرًا من الناس ممن كانوا بين ظهرانَيْهم من أهل الكوفة؛ ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشأم أن يغرّوهم بسحْرهم، وفجورهم؛ فارْدُدهم إلى مصرهم؛ فلتكنْ دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم؛ والسلام.\nفكتب إليه عثمان يأمره أن يردّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلم يكونوا إلَّا أطلق ألسنَة منهم حين رجعوا.\nوكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم؛ فكتب عثمان إلى سعيد أن سيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ وكان أميرًا على حمص.\nوكتب إلى الأشتر وأصحابه: أمّا بعد؛ فإني قد سيّرتكم إلى حمْص، فإذا أتاكم كتابي هذا؛ فاخرجوا إليها؛ فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شرًّا. والسلام.\nفلما قرأ الأشتر الكتاب؛ قال: اللهمّ أسوأنا نظرًا للرعيّة، وأعملنا فيهم بالمعصية؛ فعجِّل له النقمة!\nفكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الأشتر وأصحابه إلى حِمْص؛ فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل، وأجرى عليهم رزقًا (١). (٤: ٣٢٢/ ٣٢٣/ ٣٢٤/ ٣٢٥/ ٣٢٦).\n٧٨٢ - قال محمد بن عمر: حدّثني عيسى بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق الهمْدانيّ، قال: اجتمع نفر بالكوفة - يطعَنون على عثمان - من أشراف أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":532},{"text":"العراق: مالك بن الحارث الأشتر، وثابت بن قيس النَّخَعيّ، وكُميل بن زياد النَّخَعيّ، وزيد بن صُوحان العبديّ، وجندَب بن زهير الغامديّ، وجندَب بن كعب الأزديّ، وعُروة بن الجَعْد، وعمرو بن الحَمِق الخُزاعيّ.\nفكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب إليه أن سيِّرهم إلى الشأم، وألزمهم الدّروب (١). (٤: ٣٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>ذكر الخبر عن تسيير عثمان مَنْ سيَّر من أهل البصرة إلى الشام</span>\n٧٨٣ - مما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفَقْعميّ؛ قال: لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاثُ سنين؛ بلغه: أن في عبد القيس رجلًا نازلًا على حُكَيم بن جَبَلة، وكان حُكيم بن جبلة رجلًا لصًّا، إذا قفل الجيوش خَنَس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيُغير على أهل الذّمة، ويتنكّر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمّه وأهل القِبْلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن احبسه، ومَن كان مثله فلا يخرجنّ من البصرة حتى تأنسوا منه رُشْدًا؛ فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرُج منها. فلما قدم ابنُ السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرَح لهم ابنُ السوداء، ولم يصرّح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابنُ عامر، فسأله: ما أنت؟ فأخبره: أنه رجل من أهل الكتاب، رغِب في الإسلام، ورغب في جوارك؛ فقاله. ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها، فاستقرّ بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم (٢) (٤: ٣٢٦/ ٣٢٧).\n٧٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: إن حُمران بن أبان تزوّج امرأة في عِدّتها، فنكّل به عثمان، وفرّق بينهما، وسيّره إلى البصرة، فلزم ابنَ عامر؛ فتذاكروا يومًا الركوب والمرور بعامر بن عبد قيس - وكان منقبضًا عن الناس - فقال حُمران: ألا أسبقكم فأخبره! فخرج فدخل\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) إسناده ضعيف، وراجع مقالنا عن ابن السوداء بعد (٤/ ٣٤٠/ ١٠٥١).","vol":"8","page":533},{"text":"عليه وهو يقرأ في المصحف، فقال: الأمير أراد أن يمرّ بك فأحببت أن آخبرك، فلم يقطع قراءته، ولم يُقبل عليه، فقام من عنده خارجًا، فلما انتهى إلى الباب؛ لقيَه ابنُ عامر، فقال: جئتك من عند امرئ لا يرى لآل إبراهيم عليه فضلًا؛ واستأذن ابن عامر، فدخل عليه، وجلس إليه، فأطبق عامرٌ المصحف، وحدّثه ساعة، فقال له ابنُ عامر: ألا تغشانا؟ فقال: سعد بن أبي العرجاء يحبّ الشرف، فقال: ألا نستعملك؟ فقال: حصين بن أبي الحرّ يحب العمل، فقال: ألا نزوّجك؟ فقال: ربيعة بن عِسْل يعجبه النساء، قال: إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلًا، فتصفّح المصحف؛ فكان أوّل ما وقع عليه وافتتح منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، فلما رُدّ حُمران تتبّع ذلك منه، فسعى به، وشهد له أقوأم فسيّره إلى الشام، فلما علموا علمه؛ أذنوا له، فأبى، ولزم الشام (١). (٤: ٣٢٧).\n٧٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة: أنّ عثمان سير حُمران بن أبان، أن تزوَّج امرأة في عِدتها، وفرق بينهما، وضربه وسيّره إلى البصرة، فلما أتى عليه ما شاء الله، وأتاه عنه الذي يحبّ؛ أذن له. فقدم عليه المدينة، وقدم معه قوم سعَوْا بعامر بن عبد قيس؛ أنه لايرى التزويج، ولا يأكل اللحم؛ ولا يشهد الجمعة - وكان مع عامر انقباض؛ وكان عمله كله خُفية - فكتب إلى عبد الله بن عامر بذلك، فألحقه بمعاوية؛ فلما قدم عليه؛ وافقه وعنده ثَريدة فأكل أكلًا غريبًا؛ فعرف: أنّ الرجل مكذوب عليه، فقال: يا هذا! هل تدري فيم أخرجت؟ قال: لا، قال: أبلغَ الخليفة أنك لا تأكل اللحم، ورأيتُك وعرفت أن قد كُذب عليك، وأنك لا ترى التزويج، ولا تشهد الجمعة، قال: أمّا الجمعة فإني أشهدها في مؤخّر المسجد ثم أرجع في أوائل الناس؛ وأمّا التزويج فإني خرجت وأنا يُخْطَب عليّ؛ وأما اللحم فقد رأيتَ، ولكنيّ كنت امرأ لا آكل ذبائح القصّابين منذ رأيت قَصّابًا يجرّ شاةً إلى مذبحها، ثم وضع السكين على مذبحها، فما زال يقول: النَّفاق النَّفاق، حتى وجبت قال: فارجع، قال: لا أرجع إلى بلد استحلّ أهله منّي ما استحلوا ولكنّي أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي. وكان يكون في السواحل؛ وكان يلقى معاوية، فيُكثر\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":534},{"text":"معاويةُ أن يقول: حاجتك؟ فيقول: لا حاجة لي؛ فلما أكثر عليه، قال: تردّ عليّ من حَرّ البصرة لعلّ الصوم أن يشتدّ عليّ شيئًا، فإنه يخِفّ يرّ في بلادكم (١). (٤: ٣٢٧/ ٣٢٨).\n٧٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان، قالا؛ لما قدم مسيَّرة أهل الكوفة على معاوية؛ أنزلهم دارًا، ثم خلا بهم، فقال لهم وقالوا له، فلما فرغوا قال: لم تُؤْتَوْا إلَّا من الحمْق، والله ما أرى منطقًا سديدًا، ولا عذرًا مبينًا، ولا حلمًا ولا قوّة؛ وإنّك يا صعصعة لأحمقهم! اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تَدَعوا شيئًا من أمر الله؛ فإنّ كلّ شيء يحتمل لكم إلَّا معصيته، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم. فرآهم بعدُ وهم يشهدون الصلاة، ويقفون مع قاصّ الجماعة، فدخل عليهم يومًا وبعضهم يقرئ بعضًا، فقال: إنّ في هذا لخَلفًا مما قدمتم به عليّ من النِّزاع إلى أمر الجاهلية؛ اذهبوا حيث شئتم، واعلموا: أنكم إن لزمتم جماعتكم؛ سعدتم بذلك دونهم؛ وإن لم تلزموها؛ شقيتم بذلك دونهم؛ ولم تضرُّوا أحدًا، فجزَوْه خيرًا، وأثنوْا عليه، فقال: يا بن الكوّاء! أيّ رجل أنا؟ قال: بعيد الثرى، كثير المرعى، طيّب البديهة، بعيد الغوْر، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سُدّت بك فُرجة مخوفة. قال: فأخْبِرني عن أهل الإحداث من أهل الأمصار فإنك أعقل أصحابك؛ قال: كاتبتُهم وكاتبوني، وأنكروني وعرفتهم؛ فأما أهلُ الإحداث من أهل المدينة فهم أحرصُ الأمّة على الشرّ، وأعجزه عنه. وأما أهلُ الإحداث من أهل الكوفة فإنّهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأمّا أهلُ الإحداث من أهل البصرة، فإنهم يَرِدون جميعًا، ويصدرُون شتّى، وأما أهل الإحداث من أهل مصر فهم أوْفى الناس بشرّ، وأسرعه ندامة؛ وأما أهل الإحداث من أهل الشأم فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم (٢). (٤: ٣٢٨/ ٣٢٩).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عثمان.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":535},{"text":"وزعم أبو معشر: أنّ فتح قُبرس كان في هذه السنة، وقد ذكرت من خالفه في ذلك (١). (٤: ٣٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان</span>\n٧٨٧ - مما كتب إليّ به السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن قيس بن يزيد النَّخَعى، قال: لما رجَّع معاوية المسيَّرين، قالوا إن العراق والشأم ليسا لنا بدار؛ فعليكم بالجزيرة. فأتوْها اختيارًا. فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشدّة، فضرِعوا له وتابعوه. وسرّح الأشتر إلى عثمان، فدعا به، وقال: اذهب حيث شئت، فقال: أرجعُ إلى عبد الرحمن، فرجع. ووفَد سعيدُ بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان. وقبْل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض أخرى بعث الأشعثَ بن قيس على أذْرَبيجان، وسعيدَ بن قيس على الرّيّ، وكان سعيد بن قيس على هَمذان، فعُزل وجعل عليها النُّسَير العجليّ، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماهَ مالك بن حَبيب اليربوعيّ، وعلى الموصِل حكيم بن سلامة الحِزاميّ، وجرير بن عبد الله على قَرْقِيسياء، وسلْمان بن ربيعة على الباب؛ وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى حُلوان عُتَيبة بن النَّهاس، وخَلت الكوفة من الرؤساء إلَّا منزوعًا أو مفتونًا. فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خَلْع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه، وثاب إليه الذين كان فيه ابن السوداء يكاتبهم، فانقضّ عليه القعقاع، فأخذ يزيدَ بن قيس، فقال: إنما نستعفي من سعيد، قال: هذا ما لا يعرَض لكم فيه، لا تجلس لهذا ولا يجتمعُنّ إليك، واطلب حاجتك، فلعمري لتُعطَينّها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلًا، وأعطاه دراهم وبغلًا على أن يأتيَ المسيَّرين. وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا، فإنّ أهل المصر قد جامعونا. فانطلق الزجل، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر؛ فدفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: بُغْثُر، قالوا: ممن؟ قال: من كَلْب، قالوا: سبع ذليل يبغثر النفوس؛ لا حاجة لنا بك. وخالفهم الأشتر، ورجع عاصيًا،\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"8","page":536},{"text":"فلما خرج قال أصحابه: أخرَجنا أخرجه الله؛ لا نجد بدًّا مما صنع؛ إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدِّقنا ولم يستقلّها، فاتّبعوه فلم يلحقوه، وبلغ عبد الرحمن أنّهم قد رحلوا فطلبهم في السواد، فسار الأشتر سبعًا والقوم عشرًا، فلم يفجأ الناس في يوم جمعة إلَّا والأشتر على باب المسجد يقول: أيّها الناس! إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيدًا يريده على نقصان نسائكم إلى مئة درهم. وردّ أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بالُ أشراف النساء؛ وهذه العلاوة بين هذين العِدْلين! ويزعم أنَّ فيئكم بستان قريش؛ وقد سايرته مرحلةً، فما زال يرجز بذلك حتى فارقته؛ يقول:\nويْلٌ لأشْرافِ النِّساء مِنِّي ... صَمَحْمَحٌ كأنَّني مِن جِنِّ\nفاستخفّ الناسَ، وجعل أهلُ الحِجى ينهوْنه فلا يُسمع منهم، وكانت نفْجة، فخرج يزيد، وأمر مناديًا ينادي: مَن شاء أن يلحق بيزيدَ بن قس لرد سعيد وطلب أمير غيره فليفعل. وبقيَ حُلماء الناس وأشرافُهم ووجوههُم في المسجد، وذهب مَن سواهم، وعَمرو بن حُرَيث يومئذ الخليفة، فصعِد المنبرَ فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، بعد أن كنتم على شَفا حُفرة من النار فأنقذَكم منها، فلا تعودوا في شرّ قد استنقذكم الله ﷿ منه. أبَعْد الإسلامِ وهَدْيه وسنّته لا تَعرفون حقًّا، ولا تصيبون بابَه؛ فقال القَعقاع بنُ عمرو: أتردّ السيلَ عن عُبابه! فاردُدِ الفراتَ عن أدراجه، هيهات! لا والله لا تُسكّن الغَوغَاءَ إلَّا المَشرفيّة ويوشك أن تُنتضَى، ثم يَعِجّون عجيجَ العتْدان ويتمنّون ما هم فيه فلا يردّه الله عليهم أبدًا. فاصبر، فقال: أصبر، وتحوّل إلى منزله، وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجَرَعة، ومعه الأشتر، وقد كان سعيد تَلبّث في الطريق، فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون، فقالوا: لا حاجة لنا بك. فقال: فما اختلفتم الآن؛ إنما كان يكفيكم أن تَبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلًا وتضعوا إليّ رجلًا. وهل يخرج الألف لهم عقولٌ إلى رجل! ثم انصرَف عنهم وتحسَّوْا بمولىً له على بعير قد حُسِر، فقال: والله ما كان ينبِغي لسعيد أن يَرجع. فضرب الأشترُ عنقَه، ومضى سعيد حتى قَدِم على عثمان، فأخبَرَه الخبر، فمْال: ما يريدون؟ أخلَعَوا يدًا من طاعة؟ قال: أظهَروا أنهم يريدون البدَل. قال: فمن يريدون؟ قال:","vol":"8","page":537},{"text":"أبا موسى؛ قال: قد أثبتْنا أبا موسى عليهم، ووالله لا نجعل لأحد عُذرًا، ولا نترك لهم حجّة، ولنَصبرنّ كما أمرنا حتى نَبلغ ما يريدون. ورجع من قرب عمله من الكوفة، ورجع جرير من قَرْقيسياء وعُتيبة من حُلْوان. وقام أبو موسى فتكلّم بالكُوفة فقال: أيَّها الناس؛ لا تنفروا في مثل هذا، ولا تعودوا لمثله، الزَموا جماعتكم والطاعة، وإيَّاكم والعجلة، اصبروا، فكأنكم بأمير. قالوا: فصلّ بنا، قال: لا، إلَّا على السمع والطاعة لعثمانَ بن عفان؛ قالوا: على السمع والطاعة لعثمان (١). (٤: ٣٣٠/ ٣٣١/ ٣٣٢).\n٧٨٨ - حدّثني جعفر بنُ عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة، وعليّ بن حسين بن عيسى، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وإن كان فيه ما هو صحيح (كما ذكرنا في قسم الصحيح)، ولكن سيفًا قد خلط في روايته هذه الحابل بالنابل ولقد أصاب أئمة الجرح والتعديل عندما حكموا على ضعفه في الحديث وروايته، وهو إن كان عارفًا بالتأريخ معتمدًا، كما حكم الذهبي وابن حجر فإن هذا لا يعني أن الضعف لا يتطرق إلى رواياته التأريخية وذلك ما لمسناه من خلال تحقيقنا لتأريخ الطبري، وهذا لا يعني أننا أهملنا كلام الذهبي وابن حجر وحاشا لنا أن نفعل ذلك بل وفقنا بين اعتمادنا على تضعيف العلماء له في الحديث، وقول ابن حجر ضعيف في الحديث عمدة في التأريخ فاعتبرنا رواياته التأريخية ضعيفة مبدئيًا ثم وضعنا منها في الصحيح بشروط أولها: أن نجد لرواية سيف أصلًا في الصحيح، وأن لا تكون في رواية سيف مخالفة لما في الروايات الصحيحة، ولا تتضمن أمورًا تتعلق بمسائل العقيدة أو أمور الحلال والحرام ولا تحتوي على طعن في عدالة الصحابة.\nوتفصيل ذلك في مقدمة تحقيقنا فليراجع. أما ها هنا فمان سيف قد ناقض نفسه بنفسه وزاد الطين بلّة أن الراوي عنه في هذه الرواية هو شعيب المعروف بتحامله على السلف، ففي رواية سيف هذه عبارة [وخلت الكوفة من الرؤساء إلَّا منزوعًا أو مفتونًا، تأتي عبارة أخرى لنكذب هذه العبارة وهى (وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد، وذهب من سواهم وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة). فإذا كانت الكوفة خلت إلَّا من منزوع أو مفتون فمن أين جاء الوجوه والحلماء والأشراف؟؟ ! !\nثم إن في رواية شعيب هذه عن سيف مخالفة صريحة وواضحة لما ثبت في الصحيح من أن أحدًا لم يرق دمه إلَّا في يوم الجرعة كما ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة (٨٨/ ١٨)، وفيه أنه - ﷺ - أخبر أنه لا يراق في ذلك اليوم دم بينما رواية سيف تذكر أن الأشتر قد ضرب عنق مولى لسعيد بن العاص! ! ! وكذلك لم نجد رواية صحيحة تذكر أن عثمان ﵁ أنشد البيت الذي ذكره الأشتر على لسانه، وتفاصيل أخرى انفرد بها سيف والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":538},{"text":"عن هارون بن سعد، عن العَلاء بن عبد الله بن زيد العنبريّ: أنّه قال: اجتمع ناسٌ من المسلمين، فتذاكروا أعمالَ عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلًا يكلّمه، ويخبره بإحداثه، فأرسلوا إليه عامرَ بن عبد الله التميميّ ثم العنبريّ - وهو الذي يُدعى عامرَ بنَ عبد قيس - فأتاه، فدخل عليه، فقال له: إن ناسًا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبتَ أمورًا عظامًا، فاتّق الله ﷿ وتُب إليه، وانزع عنها. قال له عثمان: انظر إلى هذا، فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجيء فيكلّمني في المحقَّرات، فو الله ما يدري أين الله! قال عامر: أنا لا أدري أين الله! قال: نعم، والله ما تدري أين الله؛ قال عامر: بلى واللهِ إنّي لأدرِي أنّ اللهَ بالمرصاد لك.\nفأرسل عثمان إلى معاويةَ بن أبي سُفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهميّ، وإلى عبدِ الله بنِ عامر؛ فجمَعهم ليشاورَهم في أمره وما طُلِب إليه، وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: إنّ لكلّ امرئ وزراءَ ونُصَحاء، وإنَّكم وزرائي ونُصَحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناسُ ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالي، وأن أرجعَ عن جميع ما يَكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيَكم، وأشيروا عليّ.\nفقال له عبدُ الله بنُ عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرَهِم بجهاد يشغَلهم عنك. وأن تُجمّرهم في المغَازي حتى يذِلُّوا لك، فلا يكون همّة أحدهم إلَّا نفسَه، وما هو فيه من دَبرة دابته، وقَمْل فرْوه. ثم أقبل عثمانُ على سعيد بنِ العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إن كنتَ ترى رأينَا فاحسم عنك الدّاء، واقطَعْ عنك الذي تَخاف، واعمل برأي تُصِب؛ قال: وما هو؟ قال: إنّ لكل قوم قادةً متى تَهلِكْ يتفرّقوا، ولا يجتمعْ لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا الرأيُ لولا ما فيه. ثم أقبل على معاوية فقال: ما رأيُك؟ قال: أرى لك يا أميرَ المؤمنين أن تردّ عمّالك على الكفاية لما قِبَلهم، وأنا ضامن لك قِبَلي.\nثم أقبل على عبد الله بن سعد، فقال: ما رأيُك؟ قال: أرى يا أميرَ المؤمنين: أنّ الناسَ أهل طَمَع، فأعطهم من هذا المال تَعطفْ عليك قلوبهم. ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيُك؟ قال: أرى أنك قد ركبتَ الناس بما يكرهون؛","vol":"8","page":539},{"text":"فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيتَ فاعتزمْ أن تعتزل، فإن أبيْتَ فاعتزِمْ عزمًا، وامض قُدُمًا؛ فقال عثمان: مَا لَك قَمِل فَرْوُك؟ أهذا الجدّ منك! فأسكتَ عنه دهرًا، حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو: لا واللهِ يا أمير المؤمنين! لأنت أعزُّ عليّ من ذلك، ولكن قد علمتُ أن سيبلغ الناسَ قولُ كلّ رجل منا، فأردتُ أن يبلغهم قولي فيَثقوا بي، فأقودَ إليك خيرًا، أو أدفعَ عنك شرًّا (١). (٤: ٣٣٣/ ٣٣٤).\n_________\n(١) خبر منكر، في إسناده جعفر بن عبد الله المحمدي مجهول الحال إن لم يكن مجهول العين، وفي متنه نكارة شديدة وهذا الراوي (أي جعفر بن عبد الله المحمدي) له في تأريخ الطبري ست روايات؛ خمس منها (في متونها نكارات شديدة) والعجيب أن أنس بن فرحان المالكي في كتابه (بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة ص ١٠٧) قد قال عن إسناد إحدى رواياته:\nهذا الإسناد حسن على أقل الأقوال فرجاله ثقات، ومتابعون أو من أشراف أهل البيت وكبارهم وأجلائهم وإسناد فيه مثل هؤلاء لا ينزل عن رتبة الحسن! ! !\nعلمًا بأن حسن المالكي قال في ترجمته: (ولم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا).\nقلنا: وهذا نوع تدليسٍ فلا بوجد له ترجمة في جميع ما بين أيدينا من المراجع فإن لم يكن مجهول العين فهو مجهول الحال، وقال حسن المالكي عند حديثه عن هذا الإسناد (ص ١٠٦): إن البدعة لا تضر في الرواية. هذا ما عليه كبار علماء الحديث المتقدمين.\nوهذا كلام مستغرب فإن لم تضر البدعة في الروايات فلماذا فرَّق أئمة الحديث بين المبتدع الداعي إلى بدعته وغير الداعي؟ وقد قال ابن الصلاح: والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره - وقد حُكي عن نصّ الشافعي وقد حكى ابن حبان عليه الاتفاق فقال: لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم خلافًا، ثم قال ابن الصلاح: وهذا أعدل الأقوال وأولاها والقول بالمنع مطلقًا بعيد مباعدٌ للشائع عن أئمة الحديث فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة.\nوقال المحقق في الحاشية: ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلوّ فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج به ولا كرامة (الباعث الحثيث ٢/ ٣٠٣).\nثم قال الأخ حسن المالكي عن الراوي الثاني (علي بن حسين بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين): وهذا لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المصادر لكنه قد توبع.\nقلنا: وإذا توبع فهل هذا يعني ماذا بالنسبة لتوثيقه؟ فسيبقى مجهولًا وإن روى عنه اثنان من الثقات ارتفعت عنه جهالة العين وكان مجهول الحال وإلَّا بقي مجهول العين وهو الحال في هذا الراوي.\nوقال عن الراوي (٤ - حسين بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي: ذكره ابن =","vol":"8","page":540},{"text":"٧٨٩ - حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد، وعليّ بنُ حسين، قالا: حدَّثنا حسين عن أبيه، عن عمرو بن أبي المقدام، عن عبد الملك بن عُمير الزُّهريّ: أنه قال: جمع عثمانُ أمراءَ الأجناد: معاويةَ بن أبي سُفيان، وسعيدَ بن العاص، وعبدَ الله بن عامر، وعبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح، وعمرَو بن العاص، فقال: أشيروا عليّ، فإنّ الناس قد تنمّروا لي، فقال له معاوية: أشيرُ عليك أن تأمر أمراءَ أجنادِك فيكفيَك كلّ رجل منهم ما قبَله، وأكفيك أنا أهلَ الشأم؛ فقال له عبد الله بنُ عامر: أرى لك أن تجمّرهم في هذه البعوث حتى يهمّ كلّ رجل منهم دَبَرُ دابّته، وتشغلهم عن الإرجاف بك، فقال عبد الله بنُ سعد: أشير عليك أن تنظر ما أسخَطهم فتُرضيَهم، ثم تُخرج لهم هذا المال، فيُقسَم بينهم.\nثم قام عمرو بن العاص، فقال: يا عثمان! إنك قد ركبتَ الناس بمثل بني أمية، فقلتَ وقالوا، وزغْتَ وزاغوا، فاعتدلْ أو اعتزِلْ، فإن أبَيْتَ فاعتزم عَزْمًا، وامضِ قُدُمًا؛ فقال له عثمان: مَالك قَمِل فَرْوُك! أهذا الجدّ منك! فأسْكَت عمرو حتى إذا تفرّقوا قال: لا واللهِ يا أميرَ المؤمنين! لأنت أكرمُ على من ذلك، ولكني قد علمتُ أنّ بالباب قومًا قد علموا أنك جمعتنَا لنُشير عليك، فأحببتُ أن يبلغهم قولي، فأقودَ لك خيرًا، أو أدفعَ عنك شرًّا. فردّ عثمان عمّالَه على\n_________\n= أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٦٠) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ولكنه من كبار أهل البيت وأشرافهم وقد تزوج من ابنة الحسن بن صالح بن حي وهو مقل من الرواية بسبب خلافه مع بني العباس وعاش مختفيًا مع أبيه ومثله لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن). ولا نظن هذا صحيحًا فحسين بن عيسى هنا لم يوثقه أحد حتى ابن حبان المعروف بتساهله في التوثيق وذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فهل هذا يجعل حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن؟ ! .\nوقال عن الراوي عيسى بن زيد: (كذلك ذكره ابن أبي حاتم (٦/ ٢٧٦) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا .... إلخ) ثم قال في نهاية الأمر: إذًا فهذا الإسناد حسن على أقل الأحوال فرجاله ثقات أو متابعون أو من أشراف أهل البيت وكبارهم وأجلائهم وإسناد فيه مثل هؤلاء لا ينزل عن رتبة الحسن (ص ١٠٧).\nقلنا: بل الصواب: أن هذا إسناد فيه رواة بين مجهول الحال ومجهول العين (ثلاثة) فهو إسناد ضعيف جدًّا والله أعلم - إضافة إلى ذلك فقد روى خمس روايات من مجموع (٦) فيها من الطعن في عدالة سيدنا عثمان، وسبه، وشتمه ما هو من الطامات، والنكرات. والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":541},{"text":"أعمالهم، وأمَرَهم بالتضييق على مَن قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البُعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ويحتاجوا إليه، وردّ سعيد بن العاص أميرًا على الكُوفة، فخرج أهلُ الكوفة عليه بالسلاح، فتلقَّوْه فَردّوه، وقالوا: لا والله لا يلي علينا حُكْمًا ما حملْنا سيوفَنا (١). (٤: ٣٣٤/ ٣٣٥).\n٧٩٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن مسلم، عن واقد بن عبد الله، عن عبد الله بن عُمير الأشجَعيّ، قالط: قام في المسجد في الفتنة فقال: أيّها الناس! اسكُتوا، فإنّي سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"من خرج وعلى الناس إمام - واللهِ ما قال: عادل - ليَشُقّ عصاهم، ويفرّق جماعتَهم، فاقتلوه كائنًا مَن كان\" (٢). (٤: ٣٣٦).\n٧٩١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما استَعْوى يزيد بن قيس الناسَ على سعيد بن العاص، خرج منه ذِكْرٌ لعثمان، فأقبَلَ إليه القَعْقاع بنُ عمرو حتى أخذه، فقال: ما تُريد؟ ألك علينا في أن نَستعفي سبيل؟ قال: لا، فهل إلَّا ذلك؟ قال: لا، قال: فاستعفِ. واستَجلَبَ يزيد أصحابَه من حيث كانوا، فردّوا سعيدًا، وطلبوا أبا موسى، فكتب إليهم عثمان:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأمّا بعد: فقد أمَّرتُ عليكم من اخترتم، وأعفَيْتكم من سعيد، والله لأفْرُشنَّكم عرْضي، ولأبذُلنّ لكم صبري، ولأستصلحنَّكم بجهدي، فلا تَدَعوا شيئًا أحببتموه لا يُعصَى الله فيه إلَّا سألتموه، ولا شيئًا كرهتموه لا يُعصى الله فيه إلَّا استعفيتم منه، أنزل فيه عند ما أحبجتم، حتى لا يكون لكم عليّ حجّة.\nوكتب بمثل ذلك في الأمصار، فقدمت إمارة أبي موسى وغزو حُذيفة. وتأمّر\n_________\n(١) في إسناده مجاهيل الحال، وفي متنه نكارة شديدة وطعن في عدالة الصحابي الجليل عمرو بن العاص وأنه طلب من عثمان أن يعتزل، ولم يثبت ذلك بسند صحيح لا عنه ولا عن غيره من الصحابة والله تعالى أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف وأصله صحيح.","vol":"8","page":542},{"text":"أبو موسى، ورجع العمَّال إلى أعمالهم، ومضى حُذيفة إلى الباب (١). (٤: ٣٣٦).\n٧٩٢ - وأما الواقديّ؛ فإنه زعم: أن عبدَ الله بن محمد حدّثه عن أبيه، قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحابُ رسول الله - ﷺ - بعضُهم إلى بعض: أن اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهادَ فعندنا الجهاد. وكثُر الناسُ على عثمان، ونالوا منه أقبحَ ما نِيلَ من أحَد، وأصحابُ رسول الله - ﷺ - يَرون ويَسمعون؛ ليس فيهم أحد ينهى ولا يذبّ إلَّا نُفير؛ منهم زيد بن ثابث، وأبو أسَيْد الساعديّ، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت. فاجتمع الناس، وكلّموا عليّ بنَ أبي طالب. فدخل علَى عثمان، فقال: الناس ورائي، وقد كلّموني فيك، واللهِ ما أدري ما أقولُ لك، وما أعرِف شيئًا تَجهلُه، ولا أدلّك على أمر لا تَعرفه؛ إنك لتَعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرَك عنه، ولاخلوْنا بشيء فنُبلغَكَه، وما خُصصنا بأمر دونك، وقد رأيتَ وسمعتَ، وصحبتَ رسولَ الله - ﷺ - ونلتَ صهرَه، وما ابن أبي قُحافة بأوْلى بعمل الحقّ منك، ولا ابنُ الخطاب بأوْلى بشيء من الخير منك، وإنك أقربُ إلى رسول الله - ﷺ - رَحِمًا، ولقد نلتَ من صهر رسول الله - ﷺ - ما لم يَنالا، ولا سَبَقاك إلى شيء. فالله اللهَ في نفسك، فإنك والله ما تُبصَّر من عمىً، ولا تُعلَّم من جَهْل، وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلامَ الدّين لقائمة. تعلَّمْ يا عثمان أنّ أفضل عبادِ الله عند الله إمامٌ عادل، هُديَ وهَدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بدْعةً متروكة، فو الله إنّ كُلًّا لَبَيِّن، وإن السُّنَن لقائمة لها أعلام، وإن البدَع لقائمةٌ لها أعلام، وإن شرّ الناس عند الله إمامٌ جائر، ضَلَّ وضلَّ به، فأماتَ سنَّة معلومة، وأحيا بدعةً متروكة، وإنّي سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيُلقَى في جهنم، فيدور في جهنم كما تدور الرَّحَا، ثم يَرتطم في غَمرةِ جهنم\". وإني أحذّرك الله، وأحذّرك سطوَتَه ونِقماته؛ فإنّ عذابَه شديد أليم. وأحذّرك أن تكون إمامَ هذه الأمة المقتول، فإنه يقال: يُقتَل في هذه الأمة إمام، فيُفتَح عليها القتلُ والقتالُ إلى يوم القيامة، وتُلبَّس أمورُها عليها، ويتركهم شِيَعًا، فلا يُبصرون الحقّ لعلوّ الباطل؛ يموجون فيها مَوْجًا، ويمْرَجون فيها مَرجًا.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":543},{"text":"فقال عثمان: قد واللهِ علصت، ليَقولُنّ الذي قلتَ، أما واللهِ لو كنتَ مكاني ما عنّفتك، ولا أسلَمْتك، ولا عبتُ عليك، ولا جئتُ مُنْكَرًا أن وصلتُ رَحمًا، وسدَدْتُ خَلّة، وآويتُ ضائعًا، وولّيْتُ شبيهًا بمن كان عُمر يولِّي. أنشُدُك اللهَ يا عليّ! هل تَعلم أن المغيرة بنَ شُعْبة ليس هناك؟ ! قال: نعم. قال: فتعلم أنّ عمر ولّاه؟ قال: نعم، قال: فلمَ تلومُني أن ولّيتُ ابنَ عامر في رَحِمه وقَرابته؟ قال علي: سأخبرك، إنّ عمر بنَ الخطاب كان كلُّ مَن ولّى فإنما يطأ على صِماخه، إنْ بَلَغه عنه حرفٌ جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية؛ وأنت لا تفعل، ضعفتَ ورفقتَ على أقربائك. قال عثمان: هم أقرباؤك أيضًا. فقال عليّ: لَعَمري إنّ رَحِمهم منِّي لقريبة، ولكنّ الفضلَ في غيرهم؛ قال عثمان: هل تعلم أنّ عمرَ ولّى معاويةَ خلافَته كلَّها؟ فقد ولّيتُه. فقال عليّ: أنْشُدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخَوفَ من عمرَ من يَرْفَأ غلام عمر منه؛ قال: نعم. قال عليّ: فإنّ معاوية يقتطع الأمورَ دونَك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك ولا تغيّر على معاوية. ثم خرج على من عنده، وخرج عثمانُ على أثره، فجلس على المنبر، فقال: أمَّا بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة، ولكلّ أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة، وعاهةَ هذه النعمة، عَيّابون طعّانون، يُرونكم ما تحبّون، ويُسرّون ما تَكرهون، يقولون لكم وتقولون، أمثالُ النعام يتبعون أوّل ناعق، أحبُّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلَّا نَغَصًا، ولا يَرِدون إلَّا عَكَرًا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتْهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب. ألا فقد والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدِنْتم له على ما أحببتم، أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما والله لأنا أعزّ نفرًا، وأقربُ ناصرًا وأكثرُ عددًا، وأقمن إن قلتُ هلمّ؛ أُتِيَ إليّ، ولقد أعددتُ لكم أقرانَكم، وأفضلتُ عليكم فضولًا، وكشَرتُ لكم عن نابي، وأخرجتم مني خُلُقًا لم أكن أحسِنه، ومنطقًا لم أنطقْ به، فكُفّوا عليكم ألسنَتكم، وطَعْنكم، وعيبكم على وُلاتكم، فإنّي قد كففت عنكم مَنْ لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلِي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فَضَل فَضْلٌ من مال؛ فما لي لا أصنع في الفضْل ما أريد! فلمَ كنتُ إمامًا!","vol":"8","page":544},{"text":"فقام مروان بن الحَكَم، فقال: إن شئتم حَكّمنا واللهِ بيننا وبينكم السيفَ، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر:\nفَرَشْنا لَكُمْ أعْراضَنا فَنَبَتْ بكُمْ ... مَعارسُكُم تَبْنُونَ في دِمَنِ الثَّرَى\nفقال عثمان: اسكت لا سكتَّ، دعني وأصحابي، ما منطقُك في هذا! ألم أتقدّم إليك ألَّا تنطق! فسكَت مرْوان، ونزل عثمان (١). (٤: ٣٣٦/ ٣٣٧ / ٣٣٨/ ٣٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك نزول أهل مصرَ ذا خُشُب، حدّثني بذلك أحمد بنُ ثابت عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كان ذو خُشُب سنةَ خمس وثلاثين، وكذلك قال الواقديّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>ذكر مسير من سار إلي ذي خُشُب من أهل مصرَ وسبب مسير مَنْ سار إلى ذي المرْوة من أهل العراق</span>\n٧٩٣ - فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيدَ الفَقْعِميّ، قال: كان عبد الله بن سَبَأ يهوديًّا من أهل صَنْعاء، أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل في بُلدان المسلمين، يحاول ضلالَتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البَصرة، ثم الكوفة، ثم الشأم، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم، فأخرجوه حتى أتى مصرَ، فاعتَمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لَعَجبٌ ممن يزعم أنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمدًا يرجع، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرّجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتمُ الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: مَن أظلمُ\n_________\n(١) في إسناده الواقدي، وهو متروك وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":545},{"text":"ممن لم يُجِز وصيّة رسول الله - ﷺ -، ووثب عليّ وصيّ رسول الله - ﷺ -، وتناول أمرَ الأمّة! ثم قال لهم بعد ذلك: إنَّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ رسولِ الله - ﷺ -، فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.\nفبثّ دعاته، وكاتَب من كان استَفسَد في الأمصار وكاتَبوه، ودعَوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عُيوب وُلاتِهِم، ويكاتبهم إخوانُهم بمثل ذلك، ويكتب أهلُ كلّ مصرٍ منهم إلى مصرٍ آخَر بما يصنعون؛ فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسَعُوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غيرَ ما يُظهرون، ويُسرّون غيرَ ما يُبدون، فيقول أهلُ كلّ مصر: إنّا لفي عافية مما ابتُليَ به هؤلاء، إلَّا أهلَ المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس، وجامعه محمد، وطلحة من هذا المكان، قالوا: فأتوْا عثمان، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلَّا السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا ... وأخبَروه بالذي أسقطوا إليهم؛ قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليّ، قالوا: نُشير عليك أن تبعث رجالًا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمّد بنَ مسْلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البَصرة، وأرسل عمَّار بن ياسر إلى مصَر، وأرسل عبدَ الله بنَ عمر إلى الشأم، وفرّق رجالًا سواهم، فرجعوا جميعًا قبل عمّار، فقالوا: أيُّها الناس! ما أنكرنا شيئًا، ولا أنكره أعلامُ المسلمين ولا عوامُّهم، وقالوا جميعًا: الأمر أمر المسلمين، إلَّا أنّ أمراءهم يقسِطون بينهم، ويقومون عليهم. واستبطأ الناس عمّارًا حَتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يَفجَأهم إلَّا كتابٌ من عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح يخبرهم: أنّ عمارًا قد استماله قومٌ بمصر، وقد انقطعوا إليه؛ منهم عبدُ الله بن السوداء، وخالد بن مُلجَم، وسُودان بن حُمْران، وكنانة بن بِشْر (١). (٤: ٣٤٠/ ٣٤١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفيه نكارة شديدة، فلقد ذكرت رواية سيف هذه أن عمارًا ﵁ عندما =","vol":"8","page":546},{"text":"٧٩٤ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعطيّة، قالوا: كتب عثمانُ إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإني آخُذ العمال. (٤:) بموافاتي في كلّ موسم، وقد سلّطت الأمة منذ وَليتُ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفع عليّ شيء ولا على أحد من عمالي إلَّا أعطيتُه، وليس لي ولعيالي حقّ قِبَل الرعيّة إلَّا متروك لهم، وقد رفع إليّ أهلُ المدينة أنّ\n_________\n= أرسله سيدنا عثمان بن عفان ﵁ إلى مصر تأخر عن العودة ثم ظهر للمسلمين أن سبب تأخره هو تأثره بآراء اليهودي عبد الله بن سبأ (ابن السوداء) والحق يقال: إنه لم ترد رواية مسندة صحيحة تبيّن تأثر أحد من الصحابة بأقوال عبد الله بن سبأ، بل إن الروايات الضعيفة تؤكد أحيانًا أن الصحابة كانوا لا يظنونه إلَّا يهوديًّا كما مر بنا في رواية سيف الضعيفة عن الخلاف بين معاوية وأبي ذر ﵄ وخروج أبي ذر إلى المدينة ثم إلى الربذة بعد مشاورة سيدنا عثمان أمير المؤمنين ﵁ وأرضاه - راجع (٤/ ٣٣٠/ ٧٨٧).\nولكن تبقى لنا مسألة البحث والتحري عن شخصية عبد الله بن سبأ ومدى تأثيره على الفتنة وتأجيجها - فنقول وبالله التوفيق:\nأما وجوده كشخصية تأريخية فالراجح أن نعم، ولم ينفرد سيف بذكر ابن سبأ في روايات السنة والشيعة وكتب الرجال سواء عند الشيعة أو السنة - فقد ذكر الكثيبي وهو من علماء الشيعة عدة روايات عنه في كتاب الرجال؛ منها ما رواه عن أبي جعفر أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين ﵇ هو الله، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فبلغ ذلك أمير المؤمنين ﵇، فدعاه وسأله فأقرَّ بذلك وقال: نعم أنت هو وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأنت النبي، فقال له أمير المؤمنين ﵇: ويلك سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب. فأبى فحمسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار وقال: إن الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك.\nوأخرج ابن عساكر عدة رواياتٍ من غير طريق سيف يذكر فيها عبد الله بن سبأ؛ منها ما أخرجه من طريق أبي الطفيل قال: رأيت المسيب بن نجبة، أتى به يلببه - يعني ابن السوداء - وعليّ على المنبر فقال عليّ: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله وعلى رسوله.\nوأخرج ابن عساكر كذلك عن الشعبي قوله: (أول من كذب عبد الله بن سبأ) تأريخ دمشق لابن عساكر، (في ترجمته عبد الله بن سالم وعبد الله بن أبي عائشة).\nوأخرج خليفة بن خياط في تأريخه: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: دخل عليه رجل من بني سدوس يقال له: الموت الأسود، فخنقه وخفقه قبل أن يضرب بالسيف فقال: والله ما رأيت شيئًا ألين من خناقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده (تأريخ خليفة / ١٧٤) وإسناده حسن. وسنرجع إلى تسمية من شارك في مقتل أمير المؤمنين عثمان في حينه إن شاء الله تعالى.","vol":"8","page":547},{"text":"أقوامًا يُشتَمون، وآخرون يُضرَبون، فيا من ضُرب سرًّا، وشتم سرًّا، من ادّعى شيئًا من ذلك فليوافِ الموسمَ فليأخذْ بحقّه حيث كان؛ منّي أو من عمالي، أو تصدّقوا فإن الله يجزي المتصدِّقين. فلما قرئ في الأمصار أبْكَى الناس، ودعَوا لعثمان وقالوا: إنّ الأمة لتَمخَّضُ بشرّ. وبعث إلى عمال الأمصار فقَدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيدًا، وعَمْرًا، فقال: ويْحَكم! ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم، وما يُعصب هذا إلَّا بي؛ فقالوا له: ألم تبعث! ألم نرجع إليك الخبرَ عن القوم؟ ! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحدٌ بشيء؟ ! لا والله ما صدَقوا ولا برّوا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلًا، وما كنتَ لتأخذ به أحدًا فيقيمك على شيء؛ وما هي إلَّا إذاعة لا يحلّ الأخذُ بها، ولا الانتهاء إليها.\nقال: فأشيروا عليّ؛ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يُصنع في السرّ، فيُلْقى به غير ذي المعرفة، فيُخبَر به، فيُتحدَّث به في مجالسهم، قال: فما دواءُ ذلك؟ قال: طلبُ هؤلاء القوم، ثم قتلُ هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.\nوقال عبد الله بنُ سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتَهم الذي لهم؛ فإنه خير من أن تدَعَهم. قال معاوية: قد ولّيتني فوليتُ قومًا لا يأتيك عنهم إلَّا الخير، والرّجلان أعلَم بناحيتيهما؛ قال: فما الرأي؟ قال: حسنُ الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ ! قال: أرى أنك قد لِنتَ لهم، وتراخَيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيْك، فتشتدَّ في موضع الشدّة، وتلينَ في موضع اللين. إن الشدّة تنبغي لمن لا يألو الناس شرًّا، واللين لمن يخلف الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعًا اللين.\nوقام عثمان فحمِد الله وأثنى عليه وقال: كلّ ما أشرتم به عليّ قد سمعتُ، ولكلّ أمر بابٌ يؤتَى منه، إنّ هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأمة كائن، وإنّ بابه الذي يُغلَق عليه فيُكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابَعة، إلَّا في حدود الله تعالى ذكرُه، التي لا يستطيع أحد أن يباديَ بعيب أحدها، فإن سدّه شيء فرفْق، فذاك والله ليُفتَحنّ، وليست لأحد عليَّ حجة حقّ، وقد علم الله أنّي لم آلُ الناس خيرًا، ولا نفسي. ووالله إن رَحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحرّكْها. كفكفوا الناس، وهبُوا لهم حقوقَهم، واغتفروا لهم، وإذا تُعوطيتْ","vol":"8","page":548},{"text":"حقوق الله فلا تُدْهِنوا فيها. فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه. ولما استقلّ عثمان رَجَزَ الحادي:\nقد عَلِمتْ ضَوَامرُ المَطِيِّ ... وضَامِراتُ عَوَجِ القِسِيِّ\nأنَّ الأميرَ بعدَه عَليُّ ... وفي الزُّبَيْر خَلفٌ رَضِيُّ\nوطلحةُ الحامي لَها وَليُّ\nفقال كعب وهو يسير خلفَ عثمان: الأميرُ والله بعدَه صاحبُ البغلة - وأشار إلى معاوية (١). (٤: ٣٤٢، ٣٤٣).\n٧٩٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد بن شَبَّوَيْه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عبد الله، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، قال: أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه؛ فخرجتُ معه حتى دخل على عثمان، وإذ عليٌّ، وسعد، والزبير، وعثمان، ومعاوية، فحمِد الله معاويةُ وأثْنَى عليه بما هو أهله، ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وخيرتُه في الأرض، وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحد غيركم، اخترتم صاحبَكم عن غير غَلَبة ولا طمع، وقد كبرتْ سنُه، وولّى عمرُه، ولو انتظرتم به الهَرَم كان قريبًا؛ مع أني أرجو أن يكون أكرَم على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشتْ قالةٌ خفْتُها عليكم، فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به، ولا تُطمعوا الناس في أمركم، فوالله لئن طمعوا في ذلك؛ لا رأيتم فيها أبدًا إلَّا إدبارًا. قال عليّ: ومالك وذلك! وما أدراك لا أمَّ لك! قال: دع أمّي مكانَها، ليست بشرّ أمّهاتِكم، قد أسلمتْ، وبايَعت النبيَّ - ﷺ -، وأجبْني فيما أقول لك. فقال عثمان: صدق ابن أخي، إنّي أخبركم عنّي وعمّا وليتُ، إنّ صاحبيّ اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابًا، وإن رسول الله - ﷺ - كان يعطي قرابته، وأنا في رهط أهل عَيْلة، وقلّة معَاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال، لمكان ما أقوم به فيه، ورأيت: أنّ ذلك لي، فإن رأيتم ذلك خطأ فردّوه، فأمري لأمركم تَبَع. قالوا: أصبتَ، وأحسنتَ؛ قالوا: أعطيتَ عبد الله بن خالد بن أسيد ومروان - وكانوا يزعمون أنه أعطى مروان خمسة عشر ألفًا، وابن أسيد خمسين ألفًا - فرُدّوا منهما ذلك،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":549},{"text":"فرضُوا وقَبِلوا، وخرجوا راضين (١). (٤: ٣٤٤/ ٣٤٥).\n٧٩٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: صفى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يومًا، ثم إنهم منعوه الصلاة، فصلّى بالناس أميرهم الغافقيّ، دان له المصريون، والكوفيّون، والبصريون، وتفزق أهلُ المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتهم، لا يخرج أحدٌ ولا يجلس إلَّا وعليه سيفه يمتنع به من رَهق القوم وكان الحصار أربعين يومًا، وفيهن كان القتل، ومنْ تعرّض لهم وضعوا فيه السلاح، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يومًا يكفّون.\nوأما غيرُ سيف فإنّ منهم من قال: كانت مناظرة القوم عثمان وسبب حصارهم إياه (٢). (٤: ٣٥٣/ ٣٥٤).\n٧٩٧ - وأمّا الواقديّ فإنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خُشُب أمورًا كثيرة، منها ما قد تقدّم ذِكْره؛ ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته. ومنها ما ذكر: أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أبي عون مولى المِسْور، قال: كان عمرو بن العاص على مصر عاملًا لعثمان؛ فعزله عن الخراج، واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج؛ ثم جمعهما لعبد الله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل إليه يومًا عثمان خاليًا به، فقال: يا بن النابغة! ما أسرع ما قمل جُرُبّان جُبَّتك! إنما عهدك بالعمل عامًا أوّل. أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عنّي بآخر! والله لولا أُكْلَةٌ ما فعلتَ ذلك. قال: فقال عمرو: إنّ كثيرًا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل؛ فاتّق الله يا أميرَ المؤمنين في رعيتك! فقال عثمان: والله لقد استعملتك على ظلعِك، وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنتُ عاملًا لعمر بن الخطاب، ففارقني وهو عنّي راض. قال: فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقصتَ؛ ولكني لنت عليك فاجترأتَ عليّ، أما والله لأنا أعزُّ منك نفرًا في الجاهليّة؛ وقبل أن ألي هذا السلطان. فقال عمرو: دع عنك\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":550},{"text":"هذا، فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد - ﷺ - وهدانا به، قد رأيت العاصيَ بن وائل ورأيت أباك عفان، فوالله للعاصُ كانَ أشرفَ من أبيك. قال: فانكسر عثمان، وقال: ما لنا ولذكر الجاهليّة!\nقال: وخرج عمرو، ودخل مَرْوان، فقال: يا أميرَ المؤمنين! وقد بلغتَ مبلغًا يذكر عمرو بن العاص أباك! فقال عثمان: دَعْ هذا عنك، مَن ذى آباء الرجال ذكروا أباه.\nقال: فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي عليًّا مرّة فيؤلِّبه على عثمان، ويأتي الزّبير مرة فيؤلِّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلِّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمَّا كان حَصْر عثمان الأوّل؛ خرج من المدينة، حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها: السبْع؛ فنزل في قصر له يقال له: العجلان، وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان! .\nقال: فبينا هو جالس في قَصْره ذلك، ومعه ابناه محمد، وعبد الله، وسلامة بن رَوْح الجُذاميّ؛ إذْ مرّ بهم راكب، فناداه عمرو: من أين قدم الرجل؟ فقال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل؟ يعني: عثمان، قال: تركتُه محصورًا شديد الحصار. قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ قد يضرط العَيْر والمكواة في النار. فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مرّ به راكب آخر، فناداه عمرو: ما فعل الرجل؟ يعني: عثمان، قال: قتل، قال: أنا أبو عبد الله؛ إذا حكَكْتُ قَرْحة نكأتها، إن كُنت لأحرّض عليه؛ حتى إني لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشرَ قريش! إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نُخرج الحقّ من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحقّ شَرَعًا سواء. وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمِّه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ففارقها حين عزله (١). (٤: ٣٥٦/ ٣٥٧).\n٧٩٨ - قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن محمد عن أبيه، قال: كان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة بمصر يحرّضان على عثمان، فقدم محمد بن أبي بكر، وأقام محمد بن أبي حُذَيفة بمصر، فلما خرج المصريون؛\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":551},{"text":"خرج عبد الرحمن بن عُدَيس البلويّ في خمسمئة، وأظهروا أنهم يريدون العُمْرة، وخرجوا في رَجَب، وبحث عبد الله بن سعد رسولًا سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان: أنّ ابن عُدَيس وأصحابه قد وُجّهوا نحوه، وأنّ محمد بن أبي حذيفة شيَّعهم إلى عجرود، ثم رجع وأظهر محمد أن قال: خرج القوم عُمّارًا، وقال في السرّ: خرج القوم إلى إمامهم فإن نزع وإلّا قتلوه؛ وسار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خُشُب. وقال عثمان قبل قدومهم حين جاءه رسول عبد الله بن سعد؛ هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون - بزعمهم - العُمْرة، والله ما أراهم يريدونها؛ ولكن الناس قد دُخل بهم؛ وأسرعوا إلى الفتنة، وطال عليهم عمري؛ أما والله لئن فارقتُهم ليتمنّوْن أنّ عمري كان طال عليهم مكان كلّ يوم بسنة مما يرون من الدماء المسفوكة، والمحن والأثَرة الظاهرة، والأحكام المغيَّرة.\nقال: فلما نزلَ القوم ذا خُشب؛ جاء الخبر: أنّ القوم يريدون قتل عثمانَ إن لم ينزع، وأتى رسولهم إلى عليّ ليلًا، وإلى طلحة، وإلى عمّار بن ياسر. وكتب محمد بن أبي حذيفة معهم إلى عليّ كتابًا، فجاؤوا بالكتاب إلى عليّ، فلم يَظْهَرْ على ما فيه، فلما رأى عثمان ما رأى جاء عليًّا فدخل عليه بيته، فقال: يا بنَ عمّ! إنه ليس لي مترَّك؛ وإن قرابتي قريبة؛ ولي حقّ عظيم عليك، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مصبِّحيَّ؛ وأنا أعلم أنّ لك عند الناس قدرًا، وأنهم يسمعون منك، فأنا أحبّ أن تركب إليهم فتردّهم عنيّ، فإني لا أحبّ أن يدخلوا عليّ؛ فإن ذلك جرأة منهم عليّ، وليسمع بذلك غيرُهم. فقال عليَّ: عَلامَ أردّهم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرتَ به عليّ ورأيتَه لي؛ ولست أخرج من يديك؛ فقال عليّ: إني قد كنت كلمتك مرّة بعد مرّة، فكلّ ذلك نخرج فتُكلَّم، ونقول وتقول؛ وذلك كله فعل مرْوان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وابن عامر، ومعاوية؛ أطعتَهم، وعصيتَني. قال عثمان: فإني أعصيهم وأطيعك.\nقال: فأمر الناس، فركبوا معه: المهاجرون والأنصار. قال: وأرسل عثمان إلى عمّار بن ياسر، يُكلمه أن يركب مع عليّ فأبى، فأرسل عثمان إلى سعد بن أبي وقاص، فكلّمه أن يأتيَ عمّارًا فيكلمه أن يركب مع عليّ؛ قال: فخرج سعد حتى دخل على عمّار، فقال: يا أبا اليقظان! ألا تخرج فيمن يخرج! وهذا عليّ","vol":"8","page":552},{"text":"يخرج فاخرج معه، واردد هؤلاء القوم عن إمامك، فإني لأحسب أنك لم تركب مركبًا هو خيرٌ لك منه.\nقال: وأرسل عثمان إلى كَثير بن الصَّلْت الكِنديّ - وكان من أعوان عثمان - فقال: انطلق في إثر سعد؛ فاسمع ما يقول سعد لعمّار، وما يردّ عمّار على سعد، ثم ائتني سريعًا.\nقال: فخرج كَثير حتى يجد سعدًا عند عمّار مُخلِيًا به، فألقم عينَه جُحْر الباب، فقام إليه عمَّار ولا يعرفه، وفي يده قضيب، فأدخل القضيب الجُحْر الذي ألقمه كَثير عينَه، فأخرج كثير عينه من الجُحْر، وولّى مدبرًا متقنّعًا. فخرج عمار فعرف أثره، ونادى: يا قليل ابن أمّ قليل! أعليَّ تطّلع وتستمع حديثي! والله لو دريتُ: أنّك هو لفقأتُ عينك بالقضيب؛ فإنّ رسول الله - ﷺ - قد أحلّ ذلك. ثم رجع عمار إلى سعد، فكلمه سعد وجعل يفتله بكلّ وجه؛ فكان آخر ذلك أن قال عمَّار: والله لا أردّهم عنه أبدًا. فرجع سعد إلى عثمان، فأخبره بقول عمار، فاتّهم عثمان سعدًا أن يكون لم يناصحه، فأقسم له سعد بالله؛ لقد حرّض. فقبل منه عثمان. قال: وركب عليّ ﵇ إلى أهل مصر، فردّهم عنه، فانصرفوا راجعين (١). (٤: ٣٥٧/ ٣٥٨ / ٣٥٩).\n٧٩٩ - قال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبيد، قال: لما نزلوا ذا خُشب، كلم عثمان عليًّا وأصحاب رسول الله - ﷺ - أن يردّوهم عنه، فركب عليّ، وركب معه نفر من المهاجرين، فيهم سعيد بن زيد، وأبو جَهْم العدويّ، وجُبير بنُ مطعم، وحكيم بن حزام، ومَرْوان بن الحكَم، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد؛ وخرج من الأنصار أبو أسَيْد الساعديّ، وأبو حُمَيد الساعديّ، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومعهم من العرب نيار بن مِكْرم، وغيرهم ثلاثون رجلًا؛ وكلّمهم عليّ، ومحمد بن مسلمة - وهما اللذان قدِما - فسمعوا مقالتهما، ورجعوا. قال محمود: فأخبرني محمد بن مسلمة، قال: ما برِحنا من ذي خُشُب حتى رحلوا راجعين إلى مصر، وجعلوا يسلّمون على عليّ، فما أنسى\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وفي متنه الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":553},{"text":"قول عبد الرحمن بن عُدَيس: أتوصينا يا أبا عبد الرحمن بحاجة؟ قال: قلت: تتّقي الله وحدَه لا شريك له، وتردّ مَن قِبَلَك عن إمامه، فإنه قد وَعَدنا أن يرجع وينزع. قال ابنُ عُديس: أفعلُ إن شاء الله. قال: فرجع القوم إلى المدينة (١). (٤: ٣٥٩/ ٣٦٠).\n٨٠٠ - قال محمَّد بن عمر: فحدّثني عبد الله بن محمد عن أبيه، قال: لما رجع على ﵇ إلى عثمان ﵁، أخبره: أنهم قد رجعوا، وكلّمه عليّ كلامًا في نفسه، قال له: اعلم أني قائل فيك أكثر مما قلت. قال: ثمّ خرج إلى بيته، قال: فمكث عثمان ذلك اليوم؛ حتى إذا كان الغد جاءه مَرْوان، فقال له: تكلّم، وأعلم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا، وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلًا، فإنّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم؛ فيأتيك مَن لا تستطيع دفعه. قال: فأبى عثمان أن يخرج. قال: فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بعدُ، فإن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر؛ فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم. قال: فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد: اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت نهابير، وركبناها معك؛ فتب إلى الله نتب. قال: فناداه عثمان؛ وإنك هناك يا بن النابغة! قمِلَتْ والله جُبّتك منذ تركتُك من العمل. قال: فنودي من ناحية أخرى: تب إلى الله وأظهر التوبة يكفّ الناس عنك. قال: فرفع عثمان يديه مدًّا واستقبل القبلة، فقال: اللهمّ إني أوّل تائب تاب إليك! ورجع إلى منزله، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين، فكان يقول: والله إن كنت لألقى الراعِيَ فأحرّضه عليه (٢). (٤: ٣٦٥).\n٨٠١ - قال محمد بن عمر: فحدّثني عليّ بن عمر، عن أبيه، قال: ثمّ إن عليًّا جاء عثمان بعد انصراف المصريين، فقال له: تكلم كلامًا يسمعه الناس منك ويشهدون عليه، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة؛ فإن البلاد قد تمخّضتْ عليك؛ فلا آمنُ ركبًا آخرين يقدمون من الكوفة، فتقول: يا عليّ، اركب إليهم! ولا أقدر أن أركب إليهم؛ ولا أسمع عذرًا. ويقدم ركب آخرون من\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":554},{"text":"البصرة، فتقول: يا عليّ اركبْ إليهم! فإن لم أفعل رأيتَني قد قطعت رحِمك، واستخففتُ بحقك.\nقال: فخرج عثمان فخطب الخُطبة التي نزع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة، فقام فحمِد الله، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أما بعد أيها الناس! فوالله ما عابَ من عابَ منكم شيئًا أجهلُه، وما جئت شيئًا إلَّا وأنا أعرفه؛ ولكنّي مَنّتْني نفسي وكذبتني، وضلّ عني رشدي، ولقد سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"مَن زلّ فليتب، ومَن أخطأ فليتب، ولا يتماد في الهلكة، إنّ مَن تمادى في الجوْر كان أبعد من الطريق\"، فأنا أوّل من اتَعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نَزع، وتاب؛ فإذا نزلت فليأتني أشرافُكم فليُروني رأيهم؛ فوالله لئن ردَّني الحق عبدًا لأستنّ بسنة العبد، ولأذلّنّ ذلّ العبد، ولأكونَنّ كالمرقوق، إن مُلِك؛ صبر، وإن عتِق؛ شكر، وما عن الله مذهَب إلَّا إليه، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنو إليّ، لئن أبت يميني لتتابعنِّي شمالي.\nقال: فرقَّ الناس له يومئذ، وبكى مَن بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد، فقال: يا أميرَ المؤمنين! ليس بواصل لك مَن ليس معك؛ اللهَ اللهَ في نفسك! فأتمم على ما قلتَ. فلما نزل عثمان وجد في منزله مَرْوان، وسعيدًا، ونفرًا من بني أميَّة؛ ولم يكونوا شهدوا الخطبة؛ فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين! أتكلّم، أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفَرافصة، امرأة عثمان الكلبيّة: لا بل اصمت، فإنهم والله قاتلوه ومؤثِّموه؛ إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان، فقال: ما أنت وذاك! فوالله لقد مات أبوك وما يُحسن يتوضّأ، فقالت له: مهلًا يا مروان عن ذكر الآباء، تُخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه! وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه؛ أما والله لولا أنه عَمّه، وأنه يناله غمّه، أخبرتُك عنه ما لن أكذب عليه.\nقال: فأعرض عنها مروان، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلَّم، فقال مروان: بأبي أنت وأمّي! والله لوددتُ أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّلَ من رضي بها، وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلتَ حين بلَغ الحِزام الطُّبْيَيْن، وخلف السّيْلُ الزُّبى، وحين أعطى الخطّة الذليلةَ الذليلُ؛ والله لإقامةٌ على خطيئة تستغفر الله منها أجملُ من توبة تُخوّف عليها؛","vol":"8","page":555},{"text":"وإنك إن شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة؛ وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبالى من الناس. فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم، فإني أستحيي أن أكلمهم. قال: فخرج مروان إلى الباب والناسُ يركب بعضهم بعضًا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهبٍ! شاهت الوجوه! كلّ إنسان آخذ بأذُن صاحبه. ألا من أريدَ! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منَّا أمر لا يسرّكم؛ ولا تحمدوا غبّ رأيكم ارجعوا إلى منازلكم؛ فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا!\nقال: فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى عليًّا فأخبره الخبر، فجاء عليّ ﵇ مغضَبًا، حتى دخل على عثمان، فقال: أما رضيتَ من مروان ولا رضي منك إلَّا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؛ والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه؛ وأيم الله إني لأراه سيورِدك ثم لا يصدرك؛ وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبتَ شرفك، وغلبت على أمرك. فلما خرج عليّ دخلت عليه نائلة ابنة الفَرافصة امرأته، فقالت: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلمي؛ فقالت: قد سمعت قول عليّ لك؛ وإنه ليس يعاودك، وقد أطعتَ مرْوان يقودك حيث شاء. قالى: فما أصنع؟ قالت: تتَّقي الله وحدَه لا شريك له، وتتّبع سنة صاحبيك من قَبْلك، فإنك متى أطعت مَرْوان قتلك؛ ومروان ليس له عنْد الناس قدْر ولا هيبة ولا محبّة؛ وإنما تركَك الناس لمكان مروان؛ فأرسِل إلى عليّ فاستصلحه، فإن له قرابةً منك، وهو لا يُعصَى، قال: فأرسل عثمان إلى عليّ، فأبى أن يأتيَه، وقال: قد أعلمتُه أتي لست بعائد.\nقالى: فبلغ مروان مقالةَ نائلة فيه، قال: فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه، فقال: أتكلم أو أسكت؛ فقال: تكلم، فقال: إن بنت الفَرافصة ... فقال عثمان: لا تذكُرنّها بحرْف فأسوّئ لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك. قال: فكفّ مروان (١). (٤: ٣٦٠/ ٣٦١/ ٣٦٢/ ٣٦٣).\n٨٠٢ - قال محمد بن عمر: وحدَّثني شُرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال:\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":556},{"text":"سمعتُ عبدَ الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم، قال: قبّح الله مروان! خرج عثمان إلى الناس، فأعطاهم الرّضا، وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مُخْضَلّة من الدّموع، وهو يقول: اللهمّ إنِّي أتوب إليك! اللهم إني أتوب إليك! اللهم إنّي أتوب إليك! والله لئن ردّني الحق إلى أن أكون عبدًا قِنًّا لأرضينّ به! إذا دخلتُ منزلي فادخلوا عليَّ؛ فوالله لا أحتجب منكم، ولأعطينكم الرضا، ولأزيدنَّكم على الرّضا، ولأنحّينّ مروان وذويه. قال: فلما دخل أمر بالباب ففتح، ودخل بيته، ودخل عليه مَرْوان، فلم يزل يفتله في الذِّرْوة والغارب حتى فَتله عن رأيه؛ وأزاله عمّا كان يريد؛ فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياءً من الناس؛ وخرج مروان إلى الناس، فقال: شاهت الوجوه! ألا من أريد! ارجعوا إلى منازلكم؛ فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه، وإلّا قرّ في بيته. قال عبد الرحمن: فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمّار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان: صنَع مروان بالناس وصَنع. قال: فأقبل عليَّ عليٌّ، فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم، قال عليّ: عياذ الله، يا للمسلمين! إنّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتَنِي وقرابتي وحقي؛ وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مَرْوان، فصار سيّمة له، يسوقُه حيث شاء بعد كبَر السنّ وصحبة رسول الله - ﷺ -. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزُل حتى جاء رسول عثمان: ائتني، فقال عليّ بصوت مرتفع عالٍ مغضَب: قل له: ما أنا بداخل عليك، ولا عائد. قال: فانصرف الرسول. قال: فلقيتُ عثمان بعد ذلك بليلتين خائبًا، فسألت نائلًا غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ، فقال عبد الرحمن بن الأسود: فغدوتُ فجلست مع عليّ ﵇، فقال لي: جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إني غير عائد؛ وإني فاعل؛ قال: فقلت له: بعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله - ﷺ -، وأعطيتَ من نفسك، ثم دخلتَ بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم! قال: فرجع وهو يقول: قطعتَ رحمي، وخذلتَني، وجرّأت الناس عليَّ. فقلت: والله إني لأذبّ الناس عنك؛ ولكني كلَّما جئتك بهنَة أظنّها لك رضًا جاء بأخرى؛ فسمعتَ قولَ مروان عليّ، واستدخلت مروان. قال: ثمّ انصرف إلى بيته. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل أرى عليًّا منكِّبًا عنه","vol":"8","page":557},{"text":"لا يفعل ما كان يفعل، إلَّا أني أعلم أنه قد كلم طلحة حين حصر في أن يُدخَل عليه الرَّوايا، وغضب في ذلك غضبًا شديدًا، حتى دخلت الرّوايا على عثمان (١). (٤: ٣٦٣/ ٣٦٤).\n٨٠٣ - قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد: أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقام رجل، فقال: أقِمْ كتاب الله، فقال عثمان: اجلس، فجلس حتى قام ثلاثًا، فأمر به عثمان فجلس، فتحاثَوْا بالحصباء حتى ما تُرى السماء؛ وسقط عن المنبر، وحُمِل فأدخل داره مغشيًّا عليه، فخرج رجل من حجّاب عثمان، ومعه مصحف في يده وهو ينادي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ ودخل عليّ بن أبي طالب على عثمان ﵄ وهو مغشيٌّ عليه، وبنو أميَّة حوله، فقال: ما لك يا أمير المؤمنين؟ ! فأقبلتْ بنو أميَّة بمنطق واحد، فقالوا: يا عليُّ أهلكتَنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين! أما والله لئن بلغتَ الذي تريد لتُمَرَّنَ عليك الدّنيا. فقام عليّ مغضبًا (٢). (٤: ٣٦٤/ ٣٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>ذكر الخبر عن قتل عثمان ﵁</span>\nوفي هذه السنة قتل عثمان بن عفان ﵁.\nذكر الخبر عن قتله وكيف قتل:\nقال أبو جعفر ﵀: قد ذكرنا كثيرًا من الأسباب التي ذكر قاتلوه: أنهم جعلوها ذريعةً إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعللٍ دعت إلى الإعراض عنها؛ ونذكر الآن كيف قُتِل، وما كان بدء ذلك وافتتاحه، ومَن كان المبتدئ به والمفتتحَ للجرأة عليه قبل قتله.\n٨٠٤ - ذكر محمد بن عمر: أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أم بكر بنت المسْوَر بن مخرَمة، عن أبيها، قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان، فوهبها لبعض بني الحكَم، فبلغ ذلك عبدَ الرحمن بن عوف، فأرسل إلى\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":558},{"text":"المسوَر بن مخرَمة وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها، فقسَمها عبد الرحمن في الناس؛ وعثمان في الدار (١). (٤: ٣٦٥).\n٨٠٥ - قال محمد بن عمر: وحدَّثني محمد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة، عن عثمان بن الشَّريد، قال: مرّ عثمان على جَبلة بن عمرو الساعديّ وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال: يا نعثل؛ والله لأقتلنك؛ ولأحملنّك على قَلوص جرباء، ولأخرجنَّك إلى حَرّة النار! ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه (٢). (٤: ٣٦٥).\n٨٠٦ - حدثني محمد، قال: حدَّثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه، عن عامر بن سعد، قال: كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السيِّئ جبَلة بن عمرو الساعديّ، مرّ به عثمان وهو جالس في نديّ قومه، وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مرَّ عثمان سلَّم، فردّ القوم!، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا! قال: ثم أقبل على عثمان، فقال: والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عُنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه. قال عثمان: أيّ بطانة! فو الله إني لأتخيّر الناس؛ فقال: مروان تخيَّرته! ومعاوية تخيّرتَه! وعبد الله بن عامر بن كُرَيز تخترتَه! وعبد الله بن سعد تخيَّرتَه! منهم من نزل القرآن بدمِه، وأباح رسول الله - ﷺ - دمَه.\nقال: فانصرف عثمان، فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم (٣). (٤: ٣٦٥/ ٣٦٦).\n٨٠٧ - قال محمد بن عمر: وحدّثني ابن أبي الزّناد عن موسى بن عُقْبة، عن أبي حَبيبة، قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه، فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين! إنك قد ركبت نَهابير وركبناها معك، فتب، نتب. فاستقبل عثمان القبلة وشهرَ يديه - قال أبو حبيبة: فلم أرَ يومًا أكثر باكيًا ولا باكية من يومئذ - ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس، فقام إليه جَهْجَاهٌ الغِفاريّ؛ فصاح: يا عثمان! ألا إن هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءة وجامعة، فانزل فلندرّعك\n_________\n(١) محمد بن عمر الواقدي متروك والخبر لا يصح.\n(٢) الواقدي متروك وفي متن الخبر نكارة.\n(٣) خبر منكر والواقدي متروك.","vol":"8","page":559},{"text":"العَباءة، ولنطرحك في الجامعة؛ ولنحملك على الشارِف؛ ثم طرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به! قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلَّا عن ملأ من الناس؛ وقام إلى عثمان خيرته، وشيعته من بني أميّة، فحملوه فأدخلوه الدار.\nقال أبو حبيبة: فكان آخر ما رأيته فيه (١). (٤: ٣٦٦).\n٨٠٨ - قال محمد: وحدّثني أسامة بن زيد الليثيّ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبيّ - ﷺ - التي كان يخطب عليها، وأبو بكر، وعمر ﵄، فقال له جَهْجاه: قم يا نعثَل! فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظيَّة منها فيها؛ فبقي الجرح حتى أصابته الأكلَة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان، وحملوه، وأمر بالعصا فشدّوها، فكانت مضبّبة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلَّا خَرْجة، أو خرجتيْن؛ حتى حُصِر فقتل (٢) (٤: ٣٦٦/ ٣٦٧).\n٨٠٩ - حدّثني جعفر بن عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن عمّه عبد الرحمن بن يسار: أنه قال: لمَّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبي - ﷺ - إلى مَن بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرّقوا في الثغور: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله ﷿، تطلبون دينَ محمد - ﷺ - فإنَّ دين محمد قد أُفسِد من خلفكم وتُرِك، فهلمّوا فأقيموا دينَ محمد - ﷺ -. فأقبلوا من كلّ أفق حتى قتلوه. وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرْح عامله على مصر - حين تراجع الناس عنه، وزعم أنه تائب - بكتاب في الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشدّ أهل الأمصار عليه: أمَّا بعد؛ فانظر فلانًا وفلانًا فاضرب أعناقَهم إذا قدموا عليك؛ فانظر فلانًا وفلانًا فعاقبهم بكذا وكذا - منهم نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومنهم قوم من التّابعين - فكان رسوله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السُّلميّ، حمله عثمان على جَمل له، ثم أمره أن يقبل حتى يدخل مصر قبل أن يدخلها القوم، فلحقهم\n_________\n(١) الواقدي متروك والخبر منكر.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":560},{"text":"أبو الأعور ببعضِ الطريق، فسألوه: أيْن يريد؟ قال: أريد مصر؛ ومعه رجل من أهل الشأم من خوْلان؛ فلما رأوه على جمل عثمان، قالوا له: هل معك كتاب؟ قال: لا، قالوا: فيمَ أُرسِلتَ؟ قال: لا علم لي، قالوا: ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسِلت! إن أمرَك لمريب! ففتَّشوه، فوجدوا معه كتابًا في إداوة يابسة، فنظروا في الكتاب، فإذا فيه قتْل بعضهم، وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم. فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناسَ رجوعُهم، والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها، وثار أهل المدينة (١) (٤: ٣٦٧).\n٨١٠ - حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن محمد بن السائب الكلبيّ، قال: إنما ردّ أهلَ مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه: أنه أدركهم غلام لعثمان على جَمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم، وأن يصلب بعضهم. فلما أتوا عثمان، قالوا: هذا غلامك، قال: غلامي انطلق بغير علمي، قالوا: جملك، قال: أخذه من الدار بغير أمري، قالوا: خاتَمك، قال: نقش عليه، فقال عبد الرحمن بن عُدَيس التُّجيبيّ حين أقبل أهل مصر:\nأقْبلْنَ مِنْ بَلْبِيسَ والصَّعيدِ ... خُوصًا كأمثال القسِيِّ قودِ\nمسْتحْقِباتٍ حَلَقَ الحديدِ ... يطْلُبْنَ حَقَّ اللهِ في الوَليدِ\nوعِندَ عثمانَ وَفي سَعيد ... يا رَبِّ فارْجِعنا بما نريدُ\nفلما رأى عثمان ما قد نزل به، وما قد انبعث عليه من النّاس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشأم: بسم الله الرحمن الرحيم، أَمَّا بعد؛ فإنّ أهل المدينة قد كفروا، وأخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إليّ من قِبلَك من مقاتلة أهل الشأم على كلّ صعب وذَلول.\nفلما جاء معاويةَ الكتاب تربّص به، وكره إظهارَ مخالفة أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ وقد علم اجتماعهم؛ فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد بن كُرْز، وإلى أهل الشأم يستنفرهم ويُعظّم حقَّه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله ﷿ به من طاعتهم ومناصحتهم، ووعدِهم أن ينجدَهم جندٌ أو بطانةٌ\n_________\n(١) في إسناده (جعفر بن عبد الله المحمدي) مجهول الحال وهو خبر منكر.","vol":"8","page":561},{"text":"دون الناس، وذكّرهم بلاءه عندهم، وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجَل العجَل؛ فإن القوم مُعاجليَّ.\nفلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن أسد بن كُرْز البَجَليّ ثم القسْريّ؛ فحمِد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عثمان، فعظّم حقه، وحضَّهم على نصره، وأمرهم بالمسير إليه. فتابعه ناس كثير، وساروا معه حتى إذا كانوا بوادِي القُرى، بلغهم قتلُ عثمان ﵁، فرجعوا.\nوكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر؛ أن اندُب إليّ أهلَ البصرة (نسخة كتابه إلى أهل الشأم).\nفجمع عبد الله بن عامر الناس؛ فقرأ كتابه عليهم؛ فقامت خطباء من أهل البصرة يحضونه على نصر عثمان والمسير إليه، فيهم مجاشع بن مسعود السُّلمي؛ وكان أوّلَ من تكلّم، وهو يومئذ سيّد قيس بالبصرة. وقام أيضًا قيس بن الهيثم السُّلَميّ، فخطب وحضّ الناس على نصر عثمان، فسارع الناس إلى ذلك؛ فاستعمل عليهم عبدُ الله بن عامر مجاشعَ بن مسعود فسار بهم؛ حتى إذا نزل الناس الرَّبَذة، ونزلت مقدّمته عند صِرار - ناحية من المدينة - أتاهم قتلُ عثمان (١). (٤: ٣٦٨/ ٣٦٩).\n٨١١ - حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كتب أهلُ مصر بالسُّقيا - أو بذي خُشُب - إلى عثمان بكتاب؛ فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه، فلم يردّ عليه شيئًا، فأمر به فأخرج من الدار؛ وكان أهلُ مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمئة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة، مع كلّ رجل منهم لواء، وكان جِماع أمرهم جميعًا إلى عمرو بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ - وكان من أصحاب النبيّ - ﷺ - وإلى عبد الرحمن بن عُدَيس التُّجيبيّ، فكان فيما كتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أَمَّا بعد، فاعلم أنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فالله الله! ثم الله\n_________\n(١) في إسناده مجهولان كما مضى ومتهم بالكذب وهو الكلبي، وفي متنه نكارات، والروايات الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح تكذب هذه الأخبار المنكرة.","vol":"8","page":562},{"text":"الله! فإنك على دُنيا فاستتمَّ إليها معها آخرة، ولا تلْبس نصيبك من الآخرة؛ فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم أنّا والله لله نغضب، وفي الله نرضَى؛ وإنا لن نضع سيوفَنا عن عواتقنا حتى تأتينَا منك توْبة مصرّحة، أو ضلالة مجلّحة مُبْلِجة؛ فهذه مقالتنا لك، وقضيّتنا إليك، والله عذيرنا منك. والسلام.\nوكتب أهلُ المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجّون، ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدًا، حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ الله.\nفلما خاف القتلَ شاور نصحاءه وأهل بيته، فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم، فما المخرَج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردّهم عنه، ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولَهم حتى يأتيَه أمداد، فقال: إنّ القوم لن يقبلوا التعليل، وهم محمِّليّ عهدًا، وقد كان منّي في قَدْمتهم الأولى ما كان؛ فمتى أعطِهم ذلك يسألوني الوفاء به! فقال مروان بن الحكم: يا أميرَ المؤمنين! مقاربَتُهم حتى تقوى أمثلُ من مكاثرتهم على القُرْب، فأعطهم ما سألوك، وطاوِلْهم ما طاولوك؛ فإنما هم بغوْا عليك، فلا عهد لهم.\nفأرسل إلى عليّ فدعاه، فلما جاءه قال: يا أبا حسن! إنه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان مني ما قد علمت؛ ولست آمنُهم على قتلي، فارددْهم عني؛ فإن لهم الله ﷿ أن أعتِبَهم من كل ما يكرهون؛ وأن أعطيَهم الحقّ من نفسي ومن غيري؛ وإن كان في ذلك سفكُ دمي. فقال له عليٌّ: الناس إلى عدلك أحوجُ منهم إلى قتلك؛ وإني لأرى قومًا لا يرضوْن إلَّا بالرضا، وقد كنتَ أعطيتَهم في قدْمتهم الأولى عهدًا من الله: لترجعنّ عن جميع ما نقَموا؛ فرددتُهم عنك، ثم لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرّني هذه المرة من شيء فإني معطيهم عليك الحق. قال: نعم، فأعطهم، فوالله لأفينّ لهم. فخرج عليٌّ إلى الناس، فقال: أيّها الناس! إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه، إنّ عثمان قد زعم أنه منصفُكم من نفسه ومن غيره؛ وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكِّدوا عليه. قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه لنا، فإنا والله لا نرضى بقولٍ دون فعل. فقال لهم عليّ: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبرَ، فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلًا يكون لي فيه مهلة، فإني لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد، قال له عليّ: ما حضر بالمدينة فلا أجلَ فيه، وما غاب فأجلُه وصول أمرك، قال: نعم؛ ولكن","vol":"8","page":563},{"text":"أخلْني فيما بالمدينة ثلاثة أيام. قال عليٌّ: نعم، فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابًا أجّله فيه ئلاثًا، على أن يَرُدَّ كل مَظلمة، ويعزل كلّ عامل كرهوه؛ ثم أخذ عليه في الكتاب أعظمَ ما أخذ الله على أحدٍ من خلقه من عهد وميثاق، وأشهد عليه ناسًا من وجوه المهاجرين والأنصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه؛ فجعل يتأهّب للقتال، ويستعدّ بالسلاح - وقد كان ائخذ جندًا عظيمًا من رقيق الخُمْس - فلما مضت الأيام الثلاثة - وهو على حالِه لم يغيّر شيئًا مما كرهوه، ولم يعزل عاملًا - ثار به الناس. وخرج عمرو بن حزم الأنصاريّ حتى أتى المصريين وهم بذي خُشُب، فأخبرهم الخبر، وسار معهم حتى قدموا المدينة، فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارِقْك على أنك زعمت أنك تائب من إحداثك، وراجع عما كرهنا منك؛ وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه! قال: بلى؛ أنا على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك؛ وكتبت به إلى عاملك؛ قال: ما فعلتُ ولا لي علم بما تقولون. قالوا: بَريدك على جملك، وكتاب كاتبك عليه خاتَمُك؛ قال: أمّا الجمل فمسروق، وقد يشبه الخطّ الخطّ؛ وأما الخاتم فانتُقِش عليه، قالوا: فإنا لا نعجّل عليك؛ وإن كنا قد اتّهمناك، اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، واستعمل علينا من لا يُتَّهم على دمائنا وأموالنا، واردد علينا مظالمنا. قال عثمان: ما أراني إذًا في شيء إن كنت أستعمل مَن هويتم، وأعزل من كرهتم، الأمر إذًا أمركم! قالوا: والله لتفعلنّ أو لتُعزَلَنّ أو لتُقتَلنّ، فانظر لنفسك أو دَعْ. فأبى عليهم وقال: لم أكن لأخلَع سربالًا سَرْبَلنِيهِ الله، فحصروه أربعين ليلة، وطَلْحة يصلِّي بالناس (١). (٤: ٣٦٩/ ٣٧٠ / ٣٧١).\n٨١٢ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون، قال: حدَّثنا الحسن، قال: أنبأني وثّاب - قال: وكان فيمن أدركه عِتْقُ أمير المؤمنين عمر ﵁، قال: ورأيت بحلْقه أثَر طعنتيْن، كأنهما كتبان\n_________\n(١) في إسناده جعفر بن عبد الله المحمدي مجهول الحال إن لم يكن مجهول العين، وعمرو بن حماد قال الساجي: يتهم في عثمان وعنده مناكير. وقال أبو داود: كان من الرافضة (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٣)، وفي متنه نكارة ولا غرابة في ورود هذه النكارة إذا كان حال الرواة كما ذكرنا أعلاه والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"8","page":564},{"text":"طُعِنهما يومئذ يوم الدار - قال: بعثني عثمان، فدعوت له الأشتر، فجاء - قال ابن عون: فأظنّه قال: فطرحت لأمير المؤمنين وسادة وله وسادة - فقال: يا أشتر! ما يريد الناس مني؟ قال: ثلاثًا ليس من إحداهن بدٌّ؛ قال: ما هنَّ؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرَهم فتقول: هذا أمرُكم فاختاروا له مَنْ شئتم، وبين أن تُقِصَّ من نفسك؛ فإن أبيت هاتيْن فإنّ القوم قاتلوك. فقال: أما من إحداهن بدٌّ؟ ! قال: ما من إحداهنّ بدٌّ، فقال: أمّا أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالًا سربلَنيه الله ﷿ - قال: وقال غيرُه: والله لأن أقدَّم فتضرَب عنقي أحبُّ إليّ من أن أخلَع قميصًا قمّصَنيه الله، وأترك أمّة محمد - ﷺ - يعدُو بعضها على بعض. قال ابن عون: وهذا أشبه بكلامه - وأمّا أن أقِصّ من نفسي؛ فو الله لقد علمت أن صاحبيّ بين يديّ قد كانا يعاقِبان، وما يقوم بدني بالقصاص، وأما أن تقتلوني، فو الله لئن قتلتموني لا تتحاتون بعدي أبدًا، ولا تصلّون جميعًا بعدي أبدًا، ولا تقاتلون بعدي عدوًّا جميعًا أبدًا! قال: فقام الأشتر فانطلق؛ فمكثنا أيامًا. قال: ثم جاء رُوَيجل كأنه ذئب، فاطّلع من باب، ثم رجع وجاء محمد بن أبي بكر وثلاثة عشر حتى انتهى إلى عثمان، فأخذ بلحيته، فقال بها حتى سمعت وَقْع أضراسه، وقال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتبك! قال: أرسل لحيتي يا بنَ أخي، أرسل لحيتي! قال: وأنا رأيتُه استعدى رجلًا من القوم بعينه، فقام إليه بمِشْقَص حتى وجأ به في رأسه. قلت: ثم مه؛ قال: تغاووْا عليه حتى قتلوه (١). (٤: ٣٧١/ ٣٧٢).\n٨١٣ - وذكر الواقديّ: أنّ يحيى بن عبد العزيز حدّثه عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة، قال: خرجتُ في نفر من قومي إلى المصريين؛ وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عُدَيس البلَويّ، وسودان بن حُمران المراديّ، وعمرو بن الحَمِق الخزاعيّ - وقد كان هذا الاسم غلَب حتى كان يقال: حَبيس بن الحمق - وابن النِّباع. قال: فدخلت عليهم وهم في خِباء لهم أربعتهم، ورأيت الناس لهم تبعًا، قال: فعظّمت حقّ عثمان وما في رقابهم من البيعة، وخوَّفتهم بالفتنة، وأعلمتهم أنّ في قتله اختلافًا وأمرًا عظيمًا؛ فلا تكونوا أوّل من فتحه، وأنه ينزع عن هذه الخصال التي نَقَمتم منها عليه، وأنا ضامن لذلك. قال القوم:\n_________\n(١) في إسناده وثاب مجهول الحال.","vol":"8","page":565},{"text":"فإنْ لم ينزع؟ قال: قلت: فأمركم إليكم. قال: فانصرف القوم وهم راضون، فرجعت إلى عثمان، فقلت: أخلني فأخلاني، فقلت: الله الله يا عثمان في نفسك! إنّ هؤلاء القوم إنما قدموا يريدون دَمك، وأنت ترى خذلان أصحابك لك؛ لا بل هم يقوّون عدوّك عليك. قال: فأعطاني الرّضا، وجزاني خيرًا. قال: ثمّ خرجتُ من عنده، فأقمت ما شاء الله أن أقيم.\nقال: وقد تكلّم عثمان برجوع المِصريين، وذكر أنهم جاؤوا لأمر، فبلغهم غيرُه فانصرفوا، فأردت أن آتيَه فأعنِّفه بهما، ثم سَكتّ فإذا قائل يقول: قد قدم المصريون وهم بالسُّويداء، قال: قلت: أحقٌّ ما تقول؟ قال: نعم، قال: فأرسل إليّ عثمان.\nقال: وإذا الخبر قد جاءه، وقد نزل القوم من ساعتهم ذا خُشب، فقال: يا أبا عبد الرّحمن! هؤلاء القوم قد رجعوا، فما الرأي فيهم؟ قال: قلت: والله ما أدري؛ إلَّا أني أظن أنهم لم يرجعوا لخير. قال: فارجع إليهم فارددهم، قال: قلت: لا والله ما أنا بفاعل! قال: ولم؟ قال: لأنّي ضمنتُ لهم أمورًا تنزع عنها، فلم تنزع عن حرف واحد منها. قال: فقال: الله المستعان.\nقال: وخرجتُ، وقدم القوم، وحلُّوا بالأسواف، وحصروا عثمان.\nقال: وجاءني عبدُ الرحمن بن عُدَيس ومعه سُودان بن حُمران وصاحباه، فقالوا: يا أبا عبد الرّحمن! ألم تعْلم أنّك كلّمتَنا ورددتنا وزعمت أنّ صاحبنا نازعٌ عمّا نكره. فقلت: بلى، قال: فإذا هم يُخرِجون إليّ صحيفة صغيرة. قال: وإذا قصبة من رصاص؛ فإذا هم يقولون: وجدنا جملًا من إبل الصدقة عليه غلام عثمان، فأخذنا متاعه ففتّشناه، فوجدنا فيه هذا الكتاب؛ فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأما بعد؛ فإذا قدم عليك عبدُ الرحمن بن عُدَيس فاجْلِدْه مئة جلدة، واحلِق رأسه ولحيته، وأطِلْ حبْسَه حتى يأتيَك أمري؛ وعمرو بن الحمق فافعل به مثلَ ذلك، وسُودان بن حمران مثلَ ذلك، وعروة بن النِّباع الليثيّ مثلَ ذلك. قال: فقلت: وما يدريكم أنّ عثمان كتب بهذا؟ قالوا: فيفتات مروان على عثمان بهذا!","vol":"8","page":566},{"text":"فهذا شرّ؛ فيخرج نفسه من هذا الأمر. ثم قالوا: انطلق معنا إليه، فقد كلمنا عليًّا، ووعدنا أن يكلّمه إذا صلى الظهر. وجئنا سعد بن أبي وقّاص، فقال: لا أدخل في أمركم. وجئنا سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل فقال مثل هذا؛ فقال محمد: فأين وَعَدكم عليّ؟ قالوا: وعَدنا إذا صلى الظهر أن يدخل عليه.\nقال محمد: فصليت مع عليّ، قال: ثم دخلت أنا وعليّ عليه، فقلنا: إن هؤلاء المصريين بالباب، فأذن لهم - قال: ومروان عنده جالس - قال: فقال مروان: دعني جعلت فداك أكلّمهم! قال: فقال عثمان: فضّ الله فاك! اخرج عني؛ وما كلامك في هذا الأمر! قال: فخرج مروان، قال: وأقبل عليّ عليه - قال: وقد أنهى المصريُّون إليه مثل الذي أنهوا إليّ - قال: فجعل عليّ يخبره ما وجدوا في كتابهم. قال: فجعل يقسم بالله ما كتب ولا علم ولا شُوور فيه. قال: فقال محمد بن مسلمة: والله إنه لصادق؛ ولكن هذا عمل مرْوان، فقال عليّ: فأدخلهم عليك؛ فليسمعوا عذرك، قال: ثم أقبل عثمان على عليّ، فقال: إنّ لي قرابة ورحمًا؛ والله لو كنتَ في هذه الحلْقة لحللتها عنك؛ فاخرج إليهم، فكلِّمهم؛ فإنهم يسمعون منك. قال عليّ: والله ما أنا بفاعل؛ ولكن أدخِلْهم حتى تعتذر إليهم؛ قال: فادخلوا.\nقال محمد بن مسلمة: فدخلوا يومئذ، فما سلّموا عليه بالخلافة، فعرفتُ: أنه الشرّ بعينه؛ قالوا: سلام عليكم، فقلنا: وعليكم السلام، قال: فتكلَّم القوم وقد قدّموا في كلامهم ابنَ عُدَيس، فذكر ما صنع ابنُ سعد بمصر، وذكر تحاملًا منه على المسلمين وأهل الذمّة، وذكر استئثارًا منه في غنائم المسلمين؛ فإذا قيل له في ذلك، قال: هذا كتاب أمير المؤمنين إليّ، ثم ذكروا أشياء مما أحدث بالمدينة، وما خالف به صاحبيه. قال: فرحلنا من مصر ونحن لا نريد إلَّا دمَك أو تنزعَ؛ فردّنا عليّ، ومحمد بن مسلمة، وضمِن لنا محمد النزوع عن كلّ ما تكلمنا فيه - ثم أقبلوا على محمد بن مسلمة، فقالوا: هل قلت ذاك لنا؟ قال محمد: فقلت: نعم - ثم رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله ﷿ عليك ويكون حجة لنا بعد حجّة حتى إذا كنا بالبُوَيْب؛ أخذنا غلامك فأخذنا كتابَك وخاتمَك إلى عبد الله بن سعد، تأمره فيه بجلد ظهورنا، والمَثْل بنا في أشعارنا، وطول الحبس لنا؛ وهذا كتابك.","vol":"8","page":567},{"text":"قال: فحمد الله عثمانُ وأثنى عليه، ثم قال: والله ما كتبتُ، ولا أمرتُ، ولا شوورت، ولا علمتُ. قال: فقلت، وعليّ جميعًا: قد صدق. قال: فاستراح إليها عثمان، فقال المصريون: فمن كتبه؟ قال: لا أدري، قال: أفيجترأ عليك فيُبعثَ غلامُك وجملٌ من صدقات المسلمين، وينقَش على خاتمك، ويكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم! قال: نعم، قالوا: فليس مثلك يلي، اخلَعْ نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه قال: لا أنزع قميصًا ألبسنيه الله ﷿. قال: وكثرت الأصوات واللغط، فما كنت أظن أنهم يخرجون حتى يواثبوه. قال: وقام عليٌّ فخرج، قال: فلما قام علي قمت، قال: وقال للمصريين: اخرجوا، فخرجوا. قال: ورجعت إلى منزلي، ورجع عليٌّ إلى منزله، فما برحوا محاصريه حتى قتلوه (١). (٤: ٣٧٢/ ٣٧٣ / ٣٧٤/ ٣٧٥).\n٨١٤ - قال محمّد بن عمر: وحدَّثني عبد الله بن الحارث بن الفُضيل، عن أبيه، عن سفيان بن أبي العوْجاء، قال: قدم المصريّون القَدْمة الأولى، فكلّم عثمانُ محمد بنَ مسلمة، فخرج في خمسين راكبًا من الأنصار، فأتوهم بذي خُشُب فردّهم، ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبُويب؛ وجدوا غلامًا لعثمان معه كتاب إلى عبد الله بن سعد، فكرّوا، فانتهوا إلى المدينة، وقد تخلّف بها من الناس الأشتر، وحُكَيم بن جَبَلة، فأتوا بالكتاب، فأنكر عثمان أن يكون كتبه، وقال: هذا مفتعَل، قالوا: فالكتاب كتابُ كاتِبك! قال: أجل؛ ولكنّه كتبه بغير أمري، قالوا: فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتابَ غلامُك؛ قال: أجل؛ ولكنه خرج بغير إذني، قالوا: فالجمل جملُك، قال: أجل؛ ولكنه أخذ بغير علمي، قالوا: ما أنت إلَّا صادق أو كاذب؛ فإن كنت كاذبًا؛ فقد استحققتَ الخلع لمَا أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها، وإن كنت صادقًا؛ فقد استحققت أن تخلع لضعفك، وغفلتك، وخبث بطانتك؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا مَنْ يُقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه وغفلته. وقالوا له: إنّك ضربت رجالًا من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقّ عندما يستنكرون من أعمالك؛ فأقدْ مِن نفسك مَن ضربته وأنت له ظالم، فقال: الإمام يخطئ ويصيب؛ فلا أقيد من نفسي؛ لأني لو أقدت كلّ من أصبته بخطأ آتي على\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك، والخبر إلى الواقدي منقطع.","vol":"8","page":568},{"text":"نفسي؛ قالوا: إنك قد أحدثت أحداثًا عظامًا فاستحققت بها الخلْع؛ فإذا كُلّمتَ فيها أعطيتَ التوبة ثم عدت إليها وإلى مثلها، ثم قدمنا عليك فأعطيتَنا التوبة والرجوع إلى الحق؛ ولامنا فيك محمد بن مسلمة، وضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرّأ منك، وقال: لا أدخل في أمره؛ فرجعنا أوّل مرة لنقطع حجّتك ونبلغ أقصى الإعذار إليك، نستظهر بالله ﷿ عليك، فلحقَنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب. وزعمتَ أنه كُتِب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخط كاتبك وعليه خاتَمُك، فقد وقعتْ عليك بذلك التُّهمة القبيحة، مع ما بلوْنا منك قبل ذلك من الجوْر في الحُكم، والأثَرة في القَسْم، والعقوبة للأمر بالتبسُّط من الناس، والإظهار للتوبة، ثمّ الرجوع إلى الخطيئة، ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نخلعَك ونستبدلَ بك من أصحاب رسول الله - ﷺ - من لم يُحدث مثل ما جرّبنا منك، ولم يقع عليه من التُّهمة ما وقع عليك؛ فاردد خلافتَنَا؛ واعتزل أمرنا، فإنّ ذلك أسلم لنا منك، وأسلم لك منا.\nفقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، أحمَده وأستعينُه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون. أمّا بعد، فإنكم لم تعدلوا في المنطق، ولم تنصفوا في القضاء؛ أما قولكم: تخلع نفسك، فلا أنزع قميصًا قمَّصنيه الله ﷿ وأكرمني به، وخصَّني به على غيري، ولكني أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون؛ فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه. قالوا: إن هذا لو كان أوّل حدَث أحدثته ثم تبت منه ولم تقم عليه، لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك؛ ولكنه قد كان منك من الإحداث قبل هذا ما قد علمت، ولقد انصرفنا عنك في المرة الأولى، وما نخشى أن تكتب فينا، ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك. وكيف نقبل توْبتَك وقد بلونا منك أنك لا تعطي من نفسك التوبة من ذنب إلَّا عدتَ إليه، فلسنا منصرفين حتى نعزلَك ونستبدلَ بك، فإن حالَ مَن معك من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم؛ حتى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحُنا بالله. فقال عثمان: أمَّا أن أتبرّأ من الإمارة؛ فإن تصلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من أمر الله ﷿","vol":"8","page":569},{"text":"وخلافته. وأما قولكم: تقاتلون من قاتل دوني؛ فإنّي لا آمر أحدًا بقتالكم؛ فمن قاتل دوني فإنما قاتل بغير أمري؛ ولعمري لو كنتُ أريد قتالكم، لقد كنت كتبتُ إلى الأجناد فقادوا الجنود، وبعثوا الرّجال، أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق؛ فالله اللهَ في أنفسكم فأبقوا عليها إن لم تُبقوا عليّ؛ فإنكم مجتلبون بهذا الأمر - إن قتلتموني - دمًا. قال: ثمّ انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب، وأرسل إلى محمد بن مسلمة فكلّمه أن يردّهم، فقال: والله لا أكذب الله في سنة مرتين (١). (٤: ٣٧٥/ ٣٧٦/ ٣٧٧).\n٨١٥ - قال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن مسلم، عن موسى بن عُقْبة، عن أبي حبيبة، قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قُتل عثمان؛ دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب؛ فقال له مرْوان: الآن تندم! أنت أشعرته. فأسمع سعدًا يقول: أستغفر الله، لم أكن أظنّ الناس يجترئون هذه الجرأة، ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك، فنزع عن كلّ ما كُرِه منه، وأعطى التوبة، وقال: لا أتمادى في الهلكة؛ إن مَن تمادَى في الجوْر كان أبعد من الطريق؛ فأنا أتوب وأنزع. فقال مروان: إن كنتَ تريد أن تذبّ عنه؛ فعليك بابن أبي طالب، فإنه متستّر، وهو لا يُجْبَه؛ فخرج سعد حتى أتى عليًّا وهو بين القبر والمنبر، فقال: يا أبا حسَن! قم فداك أبي وأمّي! جئتك والله بخير ما جاء به أحد قطّ إلى أحد، تصل رحِم ابن عمّك، وتأخذ بالفضل عليه، وتحقِن دمه، ويرجع الأمر على ما نحبّ، قد أعطى خليفتُك من نفسه الرّضا. فقال عليّ: تقبّل الله منه يا أبا إسحاق! والله ما زلتُ أذبّ عنه حتى إني لأستحي؛ ولكن مروان، ومعاوية، وعبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى؛ فإذا نصحتُه وأمرته أن ينحِّيَهم استغشني حتى جاء ما ترى. قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر، فسارَّ عليًّا؛ فأخذ عليٌّ بيدي، ونهض عليّ وهو يقول: وأيّ خير توبتُه هذه! فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة: أن عثمان قد قتل؛ فلم نزل والله في شرّ إلى يومنا هذا.\nقال محمد بن عمر: وحدّثني شُرحبيل بن أبي عوْن عن يزيد بن أبي حبيب،\n_________\n(١) الإسناد إلى الواقدي منقطع، أضف إلى ذاك أن الواقدي متروك.","vol":"8","page":570},{"text":"عن أبي الخير، قال: لما خرج المصريّون إلى عثمان ﵁؛ بعث عبد الله بن سعد رسولًا أسرع السير يعلم عثمان بمخرجهم، ويخبره أنهم يُظهرون: أنهم يريدون العمرة. فقدم الرّسول على عثمان بن عفان، يخبرهم فتكلم عثمان، وبعث إلى أهل مكة يحذّر مَن هناك هؤلاء المصريين، ويخبِّرهم أنهم قد طعنوا على إمامهم. ثمّ إن عبد الله بن سعد خرج إلى عثمان في آثار المصريين - وقد كان كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له - فقدم ابن سعد؛ حتى إذا كان بأيْلة بلغه أنّ المصريين قد رجعوا إلى عثمان، وأنهم قد حصروه، ومحمد بن أبي حُذيفة بمصر؛ فلما بلغ محمدًا حَصرُ عثمان وخروجُ عبد الله بن سعد عنه غلب على مصر، فاستجابوا له، فأقبل عبد الله بن سعد يريد مصر، فمنعه ابنُ أبي حُذيفة، فوجّه إلى فلسطين، فأقام بها حتى قُتِل عثمان ﵁، وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواف، فحصروا عثمان، وقدم حُكَيم بن جبلة من البصرة في ركب، وقدم الأشتر في أهل الكوفة، فتوافَوْا بالمدينة، فاعتزل الأشتر؛ فاعتزل حُكَيم بن جبلة، وكان ابن عُديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فكانوا خمسمئة، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يومًا، حتى قُتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين (١). (٤: ٣٧٧/ ٣٧٨).\n٨١٦ - قال محمد: وحدّثني إبراهيم بن سالم، عن أبيه، عن بُسر بن سعيد، قال: وحدّثني عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، قال: دخلتُ على عثمان ﵁، فتحدثتُ عنده ساعة، فقال: يا بن عياش، تعال فأخذ بيدي، فأسمعني كلامَ مَنْ على باب عثمان، فسمعنا كلامًا؛ منهم من يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع، فبينا أنا وهو واقفان، إذ مرّ طلحة بن عبيد الله؛ فوقف فقال: أين ابن عُديس؛ فقيل: ها هو ذا، قال: فجاءه ابن عُدَيس، فناجاه بشيء، ثم رجع ابن عُدَيس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحدًا يدخل على هذا الرجل؛ ولا يخرج من عنده. قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله. ثم قال عثمان: اللهمّ اكفني طلحةَ بن عبيد الله، فإنه حمل عليّ هؤلاء وألَّبهم؛ والله إني لأرجو أن يكون منها صفرًا، وأن يُسفَك دمه، إنه\n_________\n(١) الخبر إلى الواقدي منقطع والواقدي متروك.","vol":"8","page":571},{"text":"انتهك مني ما لا يحل له، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يحلّ دم امرئ مسلم إلَّا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فيقتل، أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجَم، أو رجل قتل نفسًا بغير نفس\"، ففيم أقتل! قال: ثم رجع عثمان. قال ابن عياش: فأردت أن أخرج فمنعوني حتى مرّ بي محمد بن أبي بكر، فقال: خلّوه، فخلّوني (١). (٤: ٣٧٨/ ٣٧٩).\n٨١٧ - قال محمد: حدثني يعقوب بن عبد الله الأشعريّ عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزَى، عن أبيه، قال: رأيتُ اليوم الذي دُخل فيه على عثمان، فدخلوا من دار عمرو بن حزم خَوخة هناك حتى دخلوا الدار، فناوشوهم شيئًا من مناوشة، ودخلوا، فوالله ما نسينا أن خرج سُودان بن حمران، فأسمعه يقول: أين طلحة بن عبيد الله؟ قد قتلْنا ابن عفان! (٢).\n٨١٨ - قال محمد بن عمر: وحدّثني شُرَحبيل بن أبي عون عن أبيه، عن أبي حفصة اليمانيّ، قال: كنت لرجل من أهل البادية من العرب، فأعجبته - يعني: مروان - فاشتراني، واشترى امرأتي، وولدي، فأعتقنا جميعًا؛ وكنت أكون معه، فلما حُصر عثمان ﵁، شمّرتْ معه بنو أمية، ودخل معه مرْوان الدار. قال: فكنتُ معه في الدار، قال: فأنا والله أنشبت القتال بين الناس؛ رميت من فوق الدار رجلًا من أسلَم فقتلته؛ وهو نيار الأسلميّ، فنشب القتال، ثم نزلت، فاقتتل الناس على الباب، وقاتل مروان حتى سقط فاحتملته، فأدخلته بيت عجوز، وأغلقت عليه، وألقى الناس النيران في أبواب دار عثمان، فاحتردا بعضها، فقال عثمان: ما احترق الباب إلَّا لما هو أعظم منه، لا يحرّكنّ رجل منكم يده؛ فوالله لو كنت أقصاكم لتخطَّوكم حتى يقتلوني، ولو كنت أدناكم ما جاوزوني إلى غيري، هاني لصابر كما عهد إليّ رسول الله - ﷺ -، لأُصرعنّ مصرعي الذي كتب الله ﷿. فقال مروان: والله لا تقتَل وأنا أسمع الصوت، ثم خرج بالسيف على الباب يتمثّل بهذا الشعر:\nقد عَلِمَتْ ذاتُ القُرونِ المِيلِ ... والكَفِّ والأنامِلِ الطُّفولِ\n_________\n(١) الإسناد إلى الواقدي منقطع، والواقدي متروك.\n(٢) الواقدي متروك.","vol":"8","page":572},{"text":"أنِّي أَرُوعُ أوَّلَ الرَّعيل ... بفارِهٍ مِثْلِ قَطَا الشَّليلِ (١)\n(٤: ٣٧٩/ ٣٨٠).\n٨١٩ - قال محمد: وحدّثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه، عن أبي حفصة، قال: لما كان يوم الخميس دلّيت حجرًا من فوق الدار، فقتلت رجلًا من أسلم يقال له: نِيار، فأرسلوا إلى عثمان: أن أمكنّا من قاتله. قال: والله ما أعرف له قاتلًا، فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران، فلما أصبحوا غدوا، فأوّل من طلع علينا كنانة بن عتّاب، في يده شعلة من نار على ظهر سطوحنا، قد فتح له من دار آل حزم، ثم دخلت الشُّعَل على أثره تُنضح بالنِّفْط؛ فقاتلناهم ساعة على الخشب، وقد اضطرم الخشب، فأسمع عثمان يقول لأصحابه: ما بعد الحريق شيء! قد احترق الخشب، واحترقت الأبواب، ومَن كانت لي عليه طاعة فليمسك دارَه؛ فإنما يريدني القوم، وسيندمون على قتلي؛ والله لو تركوني؛ لظننت أني لا أحبّ الحياة؛ ولقد تغيّرت حالي، وسقط أسناني، ورقّ عظمي.\nقال: ثم قال لمروان: اجلس فلا تخرج، فعصاه مروان، فقال: والله لا تُقتل، ولا يُخلص إليك، وأنا أسمع الصوت، ثم خرج إلى الناس. فقلت: ما لمولاي مُترّك! فخرجت معه أذبّ عنه، ونحن قليل، فأسمع مروان يتمثّل:\nقد علمتْ ذاتُ القرون المِيلِ ... والكف والأنامِل الطُّفُولِ\nثم صاح: مَنْ يبارز؟ وقد رفع أسفل درعه؛ فجعله في منطقته. قال: فيثب إليه ابن النِّبَاع فضربه ضربة على رقبته من خلْفه فأثبته؛ حتى سقط، فما ينبض منه عرق، فأدخلتُه بيتَ فاطمة بنة أوْس جدّة إبراهيم بن العَدِيّ. قال: فكان عبد الملك وبنو أميّة يعرفون ذلك لآل العَديَّ (٢). (٤: ٣٨٠/ ٣٨١).\n٨٢٠ - حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدّثنا عبدُ الرحمن بن شريك، قال: حدّثني أبي عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن ابن الحارث بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن الحارث بن هشام،\n_________\n(١) الواقدي متروك.\n(٢) الواقدي متروك.","vol":"8","page":573},{"text":"قال: كأني أنظر إلى عبد الرحمن بن عُدَيس البلويّ وهو مسند ظهره إلى مسجد نبيّ الله - ﷺ - وعثمان بن عفان ﵁ محصور، فخرج مرْوان بن الحكم، فقال: مَن يبارز؟ فقال عبد الرحمن بن عُدَيس لفلان بن عُروة: قم إلى هذا الرّجل، فقام إليه غلام شابّ طُوال، فأخذ رَفرف الدرع فغرزه في منطقته، فأعور له عن ساقه، فأهوى له مروادْ وضربه ابن عروة على عُنقه، فكأني أنظر إليه حين استدار. وقام إليه عبيد بن رفاعة الزُّرَقي ليدفِّف عليه، قال: فوثبت عليه فاطمة ابنة أوس جدّة إبراهيم بن عدي - قال: وكانت أرضعت مروان، وأرضعت له - فقالت: إن كنت إنما تريد قتل الرجل فقد قتِلَ؛ وإن كنت تريد أن تلعب بلحمه فهذا قبيح. قال: فكفّ عنه، فما زالوا يشكرونها لها، فاستعملوا ابنها إبراهيم بعد.\nوقال ابن إسحاق: قال عبد الْرحمن بن عُدَيس البلويّ حين سار إلى المدينة من مصر:\nأقْبلْنَ مِنْ بَلْبيسَ والصَّعيدِ ... مُسْتَحْقباتٍ حَلَقَ الحَديدِ\nيَطْلُبن حَقَّ الله في سَعيدِ ... حتى رَجَعْنَ بالذي نريدُ (١)\n(٤: ٣٨١).\n٨٢١ - حدّثني جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدّثنا عمرو بن حماد، وعليّ بن حسين، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى عن أبيه، قال: لما مضت أيام التشريق أطافوا بدار عثمان ﵁، وأبى إلَّا الإقامة على أمره، وأرسل إلى حشمه وخاصته فجمعهم، فقام رجل من أصحاب النبي - ﷺ - ويقال له: نِيار بن عياض - وكان شيخًا كبيرًا - فنادى: يا عثمان! فأشرف عليه من أعلى داره؛ فناشده الله، وذكَّره الله لمَّا اعتزلهم! فبينا هو يراجعه الكلام إذ رَماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم، وزعموا: أنّ الذي رماه كَثير بن الصلْت الكنديّ؛ فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتل نِيار بن عياض فلنقتله به، فقال: لم أكن لأقتل رجلًا نصرني؛ وأنتم تريدون قتلي، فلمَّا رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فأحرقوه؛ وخرج عليهم مرْوان بن الحكم من دار عثمان في عصابة، وخرج سعيد بن\n_________\n(١) في إسناده عبد الرحمن بن شريك، قال أبو حاتم: واهي الحديث، وأبوه صدوق يخطئ كثيرًا.","vol":"8","page":574},{"text":"العاص في عصابة، وخرج المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ حليف بني زُهرة في عصابة؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ وكان الذي حدَاهم على القتال: أنه بلغهم أن مَددًا من أهل البصرة قد نزلوا صِرارًا - وهي من المدينة على ليلة - وأن أهل الشام قد توجّهوا مقبلين، فقاتلوهم قتالًا شديدًا على باب الدّار، فحمل المغيرة بن الأخنس الثقفيّ على القوم وهو يقول مرتجزًا:\nقدْ عَلِمَتْ جاريةٌ عُطْبول ... لها وشاحٌ وَلها حُجول\nأنّي بنَصْلِ السَّيْفِ خَنْشلِيلُ\nفحمل عليه عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي، وهو يقول كـ:\nإنْ تَكُ بالسّيْفِ كما تَقُول ... فاثْبتْ لِقرْنٍ ماجدٍ يَصول\nبمشْرَفيّ حدُّهُ مَصْقولُ\nفضربه عبد الله فقتله، وحمل رفاعة بن رافع الأنصاريّ، ثم الزرَقيّ على مروان بن الحكم، فضربه فصرعه، فنزل عنه وهو يرى أنه قتله؛ وجرح عبد الله بن الزبير جراحات، وانهزم القوم حتى لجؤوا إلى القصر، فاعتصموا ببابه، فاقتتلوا عليه قتالًا شديدًا، فقتلَ في المعركة على الباب زياد بن نُعَيْم الفهريّ في ناس من أصحاب عثمان، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو بن حزم الأنصاريّ باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان، ثمّ نادى الناس فأقبلوا عليه من داره، فقاتلوهم في جَوْف الدار. حتى انهزموا، وخلّى لهم عن باب الدار؛ فخرجوا هُرّابًا في طرق المدينة؛ وبقيَ عثمان في أناس من أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه؛ وقُتِل عثمان ﵁ (١). (٤: ٣٨١/ ٣٨٢/ ٣٨٣).\n٨٢٢ - قال أبو المعتمر: فحدّثنا الحسن: أنّ محمد بن أبي بكر دخل عليه فأخذ بلحيته. قال: فقال له: قد أخذت منّا مأخذًا، وقعدتَ مني مقعدًا ما كاد أبو بكر ليقعده أو ليأخذه. قال: فخرج وتركه. قال: ودخل عليه رجل يقال له: الموت الأسود. قال: فخنقه ثم خفقه. قال: ثم خرج فقال: والله ما رأيت شيئًا\n_________\n(١) في إسناده مجاهيل الحال، وهو خبر منكر.","vol":"8","page":575},{"text":"قطّ ألينَ من حلقه؛ والله لقد خنقته حتى رأيت نَفَسه يتردّد في جسده كنفس الجانّ. قال: فخرج (١). (٤: ٣٨٣/ ٣٨٤).\n٨٢٣ - قال في حديث أبي سعيد: دخل على عثمان رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله - قال: والمصحف بين يديه - قال: فيُهوي له بالسيف، فاتّقاه بيده، فقطعها، فقال: لا أدري أبانها أم قطعها ولم يُبنها. قال: فقال: أما والله إنها لأوّل كفّ خطّت المفصّل. وقال في غير حديث أبي سعيد: فدخل عليه التُّجيبيّ، فأشعره مِشْقَصًا فانتضح الدّم على هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: فإنها في المصحف ما حُكَّت.\nقال: وأخذت ابنة الفَرافصة - في حديث أبي سعيد - حَليَها فوضعته في حجرها، وذلك قبل أن يقتَل، قال: فلما أشعرَ - أو قال: قتل - ناحت عليه. قال: فقال بعضهم: قاتلها الله! ما أعظم عجيزتها! قال: فعلمت أن عدوّ الله لم يرد إلَّا الدنيا (٢). (٤. ٣٨٤).\n٨٢٤ - وأما سيف، فإنه قال - فيما كتب إلي السريّ عن شعيب، عنه: ذُكِر عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة: إنّ الله ﷿ إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إنّ الدنيا تفنَى، والآخرة تبقى، فلا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية؛ فآثروا ما يبقَى على ما يفنى؛ فإن الدنيا منقطعة؛ وإنّ المصير إلى الله. اتقوا الله جلّ وعزّ، فإنّ تقواه جُنّة من بأسه، ووسيلة عنده؛ واحذَروا من الله الغيَر، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابًا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٣) (٤: ٣٨٤).\n٨٢٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته، وعزم، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله، قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":576},{"text":"اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، وليجامعكم هؤلاء الذين حُبِسوا عني. وأرسل إلى طلحة، والزبير، وعليّ، وعدّة: أن ادنُوا. فاجتمعوا فأشرف عليهم، فقال: يا أيّها الناس! اجلسوا، فجلسوا جميعًا: المحارب الطارئ، والمسالم المقيم، فقال: يا أهلَ المدينة؛ إنّي أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي؛ وإنّي والله لا أدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يقضي الله فى قضاءه؛ ولأدعَنّ هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئًا يتّخذونه عليكم دَخلًا في دين الله، أو دنيا حتى يكون الله ﷿ الصانع في ذلك ما أحبّ. وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا إلَّا الحسن، ومحمدًا، وابن الزبير، وأشباهًا لهم؛ فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم؛ وثاب إليهم ناس كثير، ولزم عثمان الدار (١). (٤: ٣٨٥).\n٨٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان، ومحمد، وطلحة، قالوا: كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين، فلما مضت من الأربعين ثماني عشرة، قدم ركبان من الوجوه، فأخبروا خبر من قد تهيّأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشأم، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة؛ فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان؛ ومنعوه كلّ شيء حتى الماء؛ وقد كان يدخل عليّ بالشيء مما يريد. وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علّة، فعثروا في داره بالحجارة ليُرْمَوْا؛ فيقولوا: قوتلنا - وذلك ليلًا - فناداهم: ألا تتّقون الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري! قالوا: لا والله ما رميناك. قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله، قال: كذبتم، إنّ الله ﷿ لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا. وأشرف عثمان على آل حَزْم وهم جيرانه؛ فسرّح ابنًا لعمرو إلى عليّ بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئًا من الماء؛ فافعلوا. وإلى طلحة وإلى الزبير، وإلى عائشة ﵂، وأزواج النبيّ - ﷺ -؛ فكان أوّلهم إنجادًا له عليّ، وأمّ حبيبة؛ جاء عليّ في الغلَس، فقال: يا أيّها الناس! إنّ الذي تصنعون لا يشبه أمرَ المؤمنين ولا أمر الكافرين؛ لا تقطعوا عن هذا الرجل المادّة؛ فإن الرّوم، وفارس لتأسِرُ فتطعِم، وتسقي؛ وما تعرّض لكم هذا الرّجل؛ فبم تستحلّون حصره وقتله! قالوا: لا والله ولا نعمة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":577},{"text":"عين؛ لا نتركه يأكل، ولا يشرب! فرمى بعمامته في الدار بأنّي قد نهضت فيما أنهضتني؛ فرجع. وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملةً على إداوة، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إنّ وصايا بني أميّة إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلِك أموال أيتام وأرامل. قالوا: كاذبة، وأهوْوا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندّت بأمّ حبيبة، فتلّقاها الناس، وقد مالت رحالتها، فتعلّقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها. وتجهزت عائشة خارجة إلى الحجّ هاربة، واستتبعت أخاها، فأبَى؛ فقالت؛ أما والله لئن استطعتُ أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلنّ!\nوجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر، فقال: يا محمد! نستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعُها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحلّ فتتبعهم! فقال: ما أنت وذاك يا بن التميميّة! فقال: يا بن الخثعميّة! إن هذا الأمر إن صار إلى التغالُب، غلبتك عليه بنو عبد مناف، وانصرف وهو يقول:\nعَجبْتُ لِما يَخوضُ الناسُ فيهِ ... يرومونَ الخِلافَةَ أن تزولا\nولَوْ زالَتْ لزال الخَيْرُ عَنْهُمْ ... ولاقَوْا بَعْدَها ذُلًّا ذَليلا\nوكانوا كاليَهودِ أو النَّصارَى ... سواءٌ كُلُهُمْ ضَلُّوا السبيلا\nولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظًا على أهل مصر، وجاءها مَرْوان بن الحكم، فقال: يا أمَّ المؤمنين! لو أقمتِ كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجلَ، فقالت: أتريد أن يُصنع بي كما صُنع بأمِّ حبيبة، ثم لا أجد من يمنعني! لا والله ولا أعيَّر ولا أدري إلام يسْلم أمر هؤلاء! وبلغ طلحةَ، والزبيرَ ما لقي عليّ، وأم حبيبة، فلزِموا بيوتهم، وبقيَ عثمان يسقيه آل حزم في الغَفَلات، عليهم الرّقباء، فأشرف عثمان على الناس، فقال: يا عبد الله بن عباس! - فدعي له - فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممّن لزم الباب - فقال: والله يا أميرَ المؤمنين لجهَاد هؤلاء أحبّ إليّ من الحج؛ فأقسم عليه لينطلقنّ. فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة؛ ورمى عثمان إلى الزبير بوصيّته، فانصرف بها - وفي الزبير اختلاف: أأدرك مقتله، أو خرج قبله - وقال عثمان: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ........﴾ الآية، اللهم حُل بين","vol":"8","page":578},{"text":"الأحزاب وبين ما يأملون كما فُعل بأشياعهم من قبل (١). (٤: ٣٨٥/ ٣٨٦/ ٣٨٧).\n٨٢٧ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، قال: بعثتْ ليلى بنة عُمَيس إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، فقالت: إنّ المصباح يأكلُ نفسه، ويضيء للناس؛ فلا تأثما في أمرٍ تسوقانه إلى مَن لا يأثَم فيكما؛ فإنَّ هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غدًا، فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم؛ فلجَّا، وخرجا مغضَبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا عثمان؛ وتقول: ما صنع بكما! ألَّا ألزمكما الله! فلقيهما سعيد بن العاص، وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء، فأنكره حين لقيه خارجًا من عند ليلى، فتمثل له في تلك الحال بيتًا:\nاسْتبْقِ وُدَّكَ للصَّديق ولا تَكُنْ ... فيْئًا يَعَضُّ بخاذِلٍ مِلْجاجا\nفأجابه سعيد متمثلًا:\nتَرَوْنَ إذًا ضَرْبًا صميمًا مِنَ الذي ... له جانبٌ ناءً عَن الجُرْمِ مُعْوِرُ (٢)\n(٤: ٣٨٧).\n٨٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: فلمّا بويع الناس جاء السابق فقَدِم بالسلامة، فأخبرهم من الموسم أنهم يريدون جميعًا المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجّهم؛ فلمّا أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار؛ أعلقهم الشيطان، وقالوا: لا يخرجُنا مما وقعنا فيه إلَّا قتلُ هذا الرجل؛ فيشتغل بذلك الناس عنّا، ولم يبق خَصْلة يرجون بها النجاة إلَّا قتله، فراموا الباب؛ فمنعهم من ذلك الحسن، وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، ومَن كان من أبناء الصحابة أقام معهم، واجتلدوا، فناداهم عثمان: اللهَ اللهَ! أنتم في حلٍّ من نصرتي! فأبوا، ففتح الباب، وخرج ومعه التّرس والسيف لينهنهَهُم؛ فلما رأوْه أدبر المصريون، وركبهم هؤلاء،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":579},{"text":"ونهنههُم، فتراجعوا، وعظم على الفريقين، وأقسم على الصحابة ليدخلُنّ، فأبوا أن ينصرفوا، فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين - وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حجّ، ثم تعجَّل في نفر حجّوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يقتَل، وشهد المناوشة، ودخل الدار فيمن دخل، وجلس على الباب من داخل؛ وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألَّا ندعهم حتى نموت! فاتّخذ عثمان تلك الأيام القرآن نَحْبًا، يصلّي وعنده المصحف؛ فإذا أعيا جلس فقرأ فيه - وكانوا يروْن القراءة في المصحف من العبادة - وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب؛ فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب، ولا يقدرون على الدخول؛ جاؤوا بنار، فأحرقوا الباب والسقيفة، فتأجّجَ الباب والسقيفة؛ حتى إذا احترق الخشب خرّت السقيفة على الباب، فثار أهل الدار وعثمان يصلّي؛ حتى منعوهم الدخول؛ وكان أول مَنْ برز لهم المغيرة بن الأخنس، وهو يرتجز:\nقد عَلِمَتْ جارِيَةٌ عُطبولُ ... ذاتُ وشاحٍ ولَها جديلُ\nأتى بِنَصْلِ السّيْفِ خَنْشَليلُ ... لأمْنَعَنَّ مِنْكُمُ خَليلي\nبصارِمٍ ليس بذي فُلولِ\nوخرج الحسن بن عليّ وهو يقول:\nلا دينُهُمْ ديني ولا أنا مِنْهُمُ ... حتى أسيرَ إلى طَمَارِ شَمام\nوخرج محمد بن طلحة وهو يقول:\nأنا ابنُ من حامى عليه بأُحُدْ ... ورَدّ أحْزَابًا على رغْمِ مَعَدّ\nوخرج سعيد بن العاص وهو يقول:\nصَبَرْنا غَداةَ الدارِ والمَوْتُ واقِبُ ... بأسْيافنا دون ابْنِ أرْوَى نُضاربُ\nوكنّا غَداة الرَّوْعِ في الدار نُصْرَةً ... نشافِهُهُمْ بالضَّرْبِ والموْتُ ثاقِبُ\nفكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير؛ وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصيّة بما أراد، وأمره أن يأتيَ أهل الدار، فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فخرج عبد الله بن الزبير آخرَهم؛ فما زال يدّعي بها، ويحدّث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه (١). (٤: ٣٨٧/ ٣٨٨ / ٣٨٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":580},{"text":"٨٢٩ - كتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ، عن المغيرة بن شعبة، قال: قلت لعليّ: إنّ هذا الرجل مقتول، وإنّه إن قتل وأنت بالمدينة اتّخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا وكذا، فإنك إن فعلت، وكنت في غار باليمن طلبك الناس، فأبى، وحُصِر عثمان اثنين وعشرين يومًا، ثم أحرقوا الباب؛ وفي الدار أناس كثير، فيهم عبدُ الله بن الزُّبير، ومروان، فقالوا: ائذن لنا؛ فقال: إنّ رسولَ الله - ﷺ - عهِد إليّ عهدًا، فأنا صابر عليه؛ وإنّ القوم لم يحرقوا باب الدّار إلَّا وهم يطلبون ما هو أعظم منه، فأحرّجُ على رجل يستقل ويقاتل؛ وخرج الناس كلهم؛ ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إنّ أباك الآن لفي أمر عظيم؛ فأقسمتُ عليك لما خرجت! وأمر عثمان أبا كرب - رجلًا من هَمْدان - وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال؛ وليس فيه إلَّا غرارتان من ورق؛ فلما أطفئت النار بعد ما ناوشهم ابنُ الزبير، ومروان، وتوعّد محمد بن أبي بكر ابنَ الزبير، ومروان، فلما دخل على عثمان هربا. ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان؛ فأخذ بلحيته، فقال: أرسِل لحيتي؛ فلم يكن أبوك ليتناولها. فأرسلها؛ ودخلوا عليه، فمنهم من يجؤُه بنعل سيفه، وآخر يلكُزه؛ وجاءه رجل بمشاقِص معه، فوجأه في تَرْقُوَته، فسال الدّم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله؛ وكان كبيرًا، وغُشي عليه. ودخل آخرون فلما رأوه مغشيًّا عليه جرُّوا برجله، فصاحت نائلة وبناته، وجاء التُجيبيّ مخترطًا سيفه ليضعه في بطنه، فوقَتْه نائلة، فقطع يدها، واتّكأ بالسيف عليه في صدره. وقتل عثمان ﵁ قبل غروب الشمس، ونادى مناد: ما يحلّ دمُه ويحرَجُ ماله: فانتهبوا كلّ شيء، ثم تبادروا بيت المال، فألقى الرّجلان المفاتيح ونجوْا، وقالوا: الهرب الهرب! هذا ما طلب القوم (١). (٤: ٣٩٢/ ٣٩٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وفيه نكارة لا نظنها إلَّا من طريق شعيب الذي أراد هنا أن يلصق الهرب بابن الزبير ومروان عندما دخل محمد بن أبي بكر على عثمان، وهذا يخالف ما ذكرنا في قسم الصحيح من رواية ابن عبد البر في الاستيعاب (٨/ ٤٥) من حديث كنانة وفيه: شهدت مقتل عثمان فأخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش ملطخين بالدم محمولين كانوا يدرؤون عن عثمان ﵁ الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن محمد بن الحكم.\nثم إن عملية نهب بيت المال لم نجده في رواية مسندة صحيحة والله أعلم.","vol":"8","page":581},{"text":"٨٣٠ - وذكر محمد بن عمر: أنّ عبد الرحمن بن عبد العزيز حدّثه عن عبد الرحمن بن محمد: أنّ محمد بن أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم، ومعه كنانة بن بشْر بن عتّاب، وسُودان بن حُمران، وعمرو بن الحمق فوجدوا عثمان عند امرأتَه نائلة وهو يقرأ في المصحف في سورة البقرة، فتقدّمهم محمد بن أبي بكر؛ فأخذ بلحية عثمان، فقال: قد أخزاك الله يا نعثل! فقال عثمان: لستُ بنعثل؛ ولكني عبدُ الله، وأمير المؤمنين. قال محمد: ما أغنى عنك معاوية، وفلان، وفلان! فقال عثمان: يابن أخي، دَعْ عنك لحيتي! فما كان أبوك ليقبض على ما قبضتَ عليه. فقال محمد: لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك، وما أريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك. قال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمشْقَص في يده. ورفع كنانة بن بشر مشاقصَ كانت في يده، فوجأ بها في أصْلِ أذُن عثمان، فمضت حتى دخلت في حَلْقه، ثمّ علاه بالسيف حتى قتله، فقال عبد الرحمن: سمعت أبا عون يقول: ضَرب كنانة بن بشر جَبينَه ومقدّم رأسه بعمود حديد، فخرّ لجبينه، فضَربه سودان بن حُمران المراديّ بعد ما خرّ لجبينه فقتله (١). (٤: ٣٩٣/ ٣٩٤).\n٨٣١ - قال محمد بن عمر: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن عبد الرّحمن بن الحارث، قال: الذي قتَله كنانة بن بشر بن عتاب التُّجيبيّ. وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاريّ تقول: خرجنا إلى الحجّ؛ وما علمنا لعثمان بقتل؛ حتى إذا كنا بالعَرْج سمعنا رجلًا يتغنّى تحت الليل:\nألا إنَّ خيْر الناسِ بعد ثلاثةٍ ... قتيلُ التُّجيبيّ الذي جاء من مِصْرِ\nقال: وأما عمرو بن الحمق، فوثب على عثمان، فجلس على صدره وبه رمَق، فطعنه تسعَ طعنات. قال عمرو: فأما ثلاث منهنّ؛ فإني طعنتهنّ إيّاه لله؛ وأما ستّ فإني طعنتهن إيّاه لما كان في صدري عليه.\nقال محمد: وحدّثني إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، قال: رأيت عُروة بن شُيَيْم ضرب مروان يوم الدّار بالسيف على رقبتِه، فقطع إحدَى\n_________\n(١) إسناده إلى الواقدي منقطع، والواقدي متروك.\nبين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.","vol":"8","page":582},{"text":"علْباويه، فعاش مروان أوْقص؛ ومروان الذي يقول:\nما قُلتُ يومَ الدارِ للقَوْمِ حاجِزوا ... رُوَيْدًا ولا اسْتبْقوا الحياةَ على القَتلِ\nولكنِّي قد قلتُ للقوم ما صِعُوا ... بأسيافِكُمْ كَيْمَا يَصِلْنَ إلى الكَهْلِ (١)\n(٤: ٣٩٤).\n٨٣٣ - قال محمد الواقديّ: وحدّثني يوسف بن يعقوب عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، قال: كان حصر عثمان قبل قدوم أهل مصر، فقدم أهل مصر يوم الجمعة، وقتلوه في الجمعة الأخرى (٢). (٤: ٣٩٤).\n٨٣٤ - وحدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن حَرْملة بن عمران، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، قال: وليَ قتلَ عثمان نهران الصبَحيّ، وكان قاتِلَ عبد الله بن بُسرة؛ وهو رجل من بني عبد الدّار (٣). (٤: ٣٩٤).\n٨٣٥ - قال محمد بن عمر: وحدّثني الحكم بن القاسم عن أبي عَوْن مولى المِسْوَر بن مخرمة، قال: ما زال المصريّون كافين عن دمه وعن القتال؛ حتى قدمت أمدادُ العراق من البصرة ومن الكوفة ومن الشأم؛ فلما جاؤوا شجعوا القوم، وبلغهم: أن البعوث قد فصلت من العراق ومن مصر من عند ابن سعد؛ ولم يكن ابن سعد بمصر قبل ذلك؛ كان هاربًا قَد خرج إلى الشأم، فقالوا: نعاجله قبل أن تقدم الأمداد (٤) (٤: ٣٩٤/ ٣٩٥).\n٨٣٦ - قال محمد: وحدّثني الزّبير بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: أشرف عثمان عليهم وهو محصور؛ وقد أحاطوا بالدّار من كلّ ناحية، فقال: أنشدكم بالله جلّ وعزّ؛ هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن يخيرَ لكم، وأن يجمَعكم على خيركم! فما ظنكم بالله! أتقولونه: لم يستجب لكم، وهُنْتم على الله سبحانه، وأنتم يومئذ أهل حقّه من خلقه، وجميع أموركم لم تتفرق! أم تقولون: هان على\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٢) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) إسناده مرسل.\n(٤) فيه الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":583},{"text":"الله دينُه فلم يبال مَنْ ولّاه، والدّين يومئذ يُعبد به الله، ولم يتفرّق أهله، فتوكلوا، أو تخْذلُوا، وتعاقَبوا! أم تقولون: لم يكن أخذٌ عن مشورة؛ وإنما كابرتم مكابرة، فوكّل الله الأمة إذا عصته لم تشاوروا في الإمام، ولم تجتهدوا في موضع كراهته! أم تقولون: لم يَدْرِ الله ما عاقبة أمري؛ فكنتُ في بعض أمري محسنًا، ولأهل الدين رضًا، فما أحدثتُ بعدُ في أمري ما يسْخط الله، وتسْخَطون مما لم يعلم الله سبحانه يومَ اختارني، وسربلني سربال كرامته! وأنشدكم بالله، هل تعلمون لي من سابقة خير وسلف خير قدّمه الله لي، وأشهدنيه من حقه! وجهادُ عدّوه حقٌّ على كلّ مَن جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلَها. فمَهلًا، لا تقتلوني؛ فإنه لا يحلّ إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كَفر بعد إسلامه، أو قتل نفسًا بغير نفس فيقتل بها؛ فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم؛ ثم لم يرفعه الله ﷿ عنكم إلى يوم القيامة. ولا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني لم تُصلُّوا من بعدي جميعًا أبدًا، ولم تقتسموا بعدي فيئًا جميعًا أبدًا، ولن يرفع الله عنكم الاختلاف أبدًا.\nقالوا له: أمّا ما ذكرت من استخارةِ الله ﷿ الناس بعد عمر ﵁ فيمن يولّون عليهم، ثم ولّوْك بعد استخارة الله؛ فإنّ كلّ ما صنع الله الخيَرة؛ ولكن الله سبحانه جعل أمرك بليّةً ابتلى بها عباده. وأما ما ذكرت من قدَمك وسبْقك مع رسول الله - ﷺ -، فإنك قد كنت ذا قِدَم وسلَفٍ، وكنت أهلًا للولاية؛ ولكن بدّلْت بعد ذلك، وأحدثت ما قد علمت. وأما ما ذكرت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء؛ فإنه لا ينبغي تركُ إقامة الحقّ عليك مخافة الفتنة عامًا قابلًا. وأما قولك: إنه لا يحلّ إلّا قتل ثلاثة؛ فإنا نجد في كتاب الله قتلَ غير الثلاثة الذين سمّيتَ؛ قَتْل مَن سعى في الأرض فسادًا، وقَتْل مَنْ بغَى ثم قاتل على بغيه، وقتل مَن حال دون شيء من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه؛ وقد بغيتَ، ومنعتَ الحقّ، وحُلت دونه؛ وكابرتَ عليه؛ تأبى أن تُقيدَ من نفسك مَن ظلمت عمدًا، وتمسّكت بالإمارة علينا وقد جُرْت في حكمك وقَسْمك! فإن زعمت: أنك لم تكابرنا عليه، وأنّ الذين قاموا دونك، ومنعوك منا إنما يقاتلون بغير أمرك؛ فإنما","vol":"8","page":584},{"text":"يقاتلون لتمسّكك بالإمارة؛ فلو أنّك خلعت نفسك؛ لانصرفوا عن القتال دونك (١). (٤: ٣٩٥/ ٣٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>ذكر بعض سِيَر عثمان بن عفان ﵁</span>\n٨٣٧ - حدّثني زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا هُشيم، قال: زعم أبو المقدام عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد؛ فإذا أنا بعثمان بن عفان متّكِئًا على ردائه، فأتاه سقّاءان يختصمان، فقضى بينهما (٢). (٤: ٣٩٦).\n٨٣٨ - وفيما كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمارة بن القعقاع، عن الحسن البصريّ، قال: كان عمر بن الخطاب قد حجَر على أعلام قُريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلّا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه، فقام فقال: ألا إنّي قد سننت الإسلام سَنَّ البعير؛ يبدأ فيكون جَذَعًا، ثم ثَنِيًّا، ثم رَباعيًا، ثم سَديسًا، ثم بازِلًا، ألا فهل يُنتظر بالبازل إلا النقصان! ألا فإنّ الإسلام قد بَزَل. ألا وإن قريشًا يريدون أن يتّخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما وابنُ الخطاب حيّ فلا؛ إني قائم دون شِعب الحرّة، آخذ بحلاقيم قريش وحُجَزها أن يتهافتوا في النار (٣). (٤: ٣٩٦/ ٣٩٧).\n٨٣٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فلما وليَ عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأو الدنيا، ورآهم الناس، انقطعَ إليهم من لم يكن له طَوْل ولا مزيّة في الإسلام؛ فكان مغمومًا فى الناس، وصاروا أوزاعًا إليهم وأمّلوهم، وتقدّموا في ذلك، فقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم، وتقدّمنا في التقرّب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهَنٍ دخل على الإسلام؛ وأوّل فتنة كانت في العامّة، ليس إلا ذلك (٤). (٤: ٣٩٧).\n_________\n(١) السند بين الطبري والواقدي منقطع، والواقدي متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي، وهو متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":585},{"text":"٨٤٠ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لم يمت عُمر ﵁ حتى ملّتْه قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة، فامتنع عليهم، وقال: إنّ أخوفَ ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد؛ فإن كان الرجل ليَستأذنه في الغزو - وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين؛ ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة - فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله - ﷺ - ما يبلّغك؛ وخير لك من الغزو اليوم ألّا ترى الدنيا ولا تراك، فلما ولي عثمان خلّى عنهم، فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، فكان أحبّ إليهم من عمر (١). (٤: ٣٩٧).\n٨٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفُضَيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما ولي عثمان حجّ سنواته كلها إلا آخر حجّة، وحجّ بأزواج رسول الله - ﷺ - كما كان يصنع عمر؛ فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه؛ وجعل في موضع نفسه سعيد بن زيد؛ هذا في مؤخّر القطار، وهذا في مقدَّمه، وأمِن الناس؛ وكتب في الأمصار أن يوافِيَه العمّال في كل موسِم ومن يشكونهم. وكتب إلى الناس إلى الأمصار؛ أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ولا يُذلّ المؤمن نفسه، فإني مع الضعيف على القويّ ما دام مظلومًا إن شاء الله. فكان الناس بذلك، فجرى ذلك إلى أن اتّخذه أقوامٌ وسيلة إلى تفريق الأمة (٢). (٤: ٣٩٧/ ٣٩٨).\n٨٤٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لم تمض سنة من إمارة عثمان حتى اتّخد رجال من قريش أموالًا في الأمصار، وانقطع إليهم الناس، وثبتوا سبع سنين، كلّ قوم يحبّون أن يَليَ صاحبهم. ثم إن ابن السوداء أسلم، وتكلّم وقد فاضت الدنيا، وطلعت الأحداث على يديه، فاستطالوا عُمْرَ عثمان ﵁ (٣). (٤: ٣٩٨).\n٨٤٣ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عثمان بن حَكيم بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":586},{"text":"عباد بن حُنَيف، عن أبيه، قال: أوّل منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدّنيا، وانتهى وُسْع الناس طيَران الحمام والرّمي على الجُلاهقات، فاستعمل عليها عثمان رجلًا من بني ليث سنة ثمان، فقصّها وكسر الجُلاهقات.\nوكتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب، قال: أوّل من منع الحمام الطيّارة، والجُلاهقات عثمان؛ ظهرت بالمدينة، فأمّر عليها رجلًا، فمنعهم منها (١). (٤: ٣٩٨).\n٨٤٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، عن أبيه نحوًا منه؛ وزاد: وحدث بين الناس النَّشْو. قال: فأرسل عثمان طائفًا يطوف عليهم بالعصا، فمنعهم من ذلك، ثم اشتدّ ذلك فأفشى الحدود، ونبَّأ ذلك عثمان، وشكاه إلى الناس، فاجتمعوا على أن يجلَدوا في النبيذ، فأخذ نفرٌ منهم، فجلدوا (٢). (٤: ٣٩٨).\n٨٤٥ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما حَدثت الأحداث بالمدينة؛ خرج منها رجال إلى الأمصار مجاهدين، وليدنوا من العرب؛ فمنهم مَن أتى البصرة، ومنهم مَنْ أتى الكوفة، ومنهم من أتى الشام، فهجموا جميعًا من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة إلّا ما كان من أبناء الشام، فرجعوا جميعًا إلى المدينة إلّا مَن كان بالشام، فأخبروا عثمان بخبرهم؛ فقام عثمان في الناس خطيبًا، فقال: يا أهلَ المدينة! أنتم أصلُ الإسلام، وإنّما يفسُد الناس بفسادكم، ويصلحون بصلاحكم؛ والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلّا سيّرته! ألا فلا أعرفنّ أحدًا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب، فإنّ من كان قبلكم كانت تقطَع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحدٌ منهم بما عليه ولا له. وجعل عثمان لا يأخذ أحدًا منهم على شرّ أو شَهْر سلاح -عصًا فما فوقها- إلّا سيّره؛ فضجّ آباؤهم من ذلك حتى بلغه: أنهم يقولون: ما أحدث التسيير إلّا أنّ رسولَ الله - ﷺ - سيّر الحكَم بن أبي العاص، فقال: إنّ الحكَم كان مكِّيًّا، فسيّره\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":587},{"text":"رسول الله - ﷺ - منها إلى الطائف، ثم ردّه إلى بلده؛ فرسول الله - ﷺ - سيّره بذنبه، ورسول الله - ﷺ - ردّه بعفوه. وقد سيّر الخليفة من بعده؛ وعمر ﵁ من بعد الخليفة، وأيمُ الله لآخذنّ العفو من أخلاقكم، ولأبذلنّه لكم من خلقي؛ وقد دنتْ أمور، ولا أحبّ أن تحلّ بنا وبكم؛ وأنا على وجَلٍ وحذر، فاحذروا واعتبروا (١)! (٤: ٣٩٨/ ٣٩٩).\n٨٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، ويحيى بن سعيد، قالا: سأل سائل سعيد بن المسيّب عن محمد بن أبي حُذيفة: ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيمًا في حِجْر عثمان، فكان عثمان واليَ أيتام أهل بيته؛ ومحتمل كلِّهم؛ فسأل عثمانَ العملَ حين وُلِّيَ، فقال: يا بنيّ! لو كنت رضًا ثم سألتَني العمل لاستعملتُك، ولكن لستَ هناك! قال: فائذن لي فلأخرجْ فلأطلبْ ما يقوتني، قال: اذهب حيث شئتَ؛ وجهّزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغيّر عليه أن منعه الولاية. قيل: فعمّار بن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عُتْبة بن أبي لَهب كلامٌ، فضربهما عثمان، فأورث ذاك بين آل عمّار وآل عُتبة شرًّا حتى اليوم، وكَنَى عمّا ضُربا عليه، وفيه (٢). (٤: ٣٩٩).\n٨٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، قال: فسألت ابن سليمان بن أبي حَثْمة، فأخبرني أنه تقاذُف (٣). (٤: ٣٩٩).\n٨٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر، قال: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر: ما دعاه إلى ركوب عثمان؟ فقال: الغضب، والطمع. قلت: ما الغضب، والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغرّه أقوام فطمع. وكانت له دالّة فلزمه حقّ، فأخذه عثمان من ظهره، ولم يُدهن؛ فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مذمَّما بعد أن كان محمَّدًا (٤). (٤: ٣٩٩/ ٤٠٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":588},{"text":"٨٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عن سالم بن عبد الله، قال: لما وُلِّيَ عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعًا، ولم يعطِّل حقًّا، فأحبُّوه على لينه، فأسلمهم ذلك إلى أمر الله ﷿ (١). (٤: ٤٠).\n٨٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم، قال: كان مما أحدَث عثمان، فرُضِيَ به منه: أنه ضرب رجلًا في منازعة استخفّ فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له، فقال: نعم، أيفخِّم رسولُ الله - ﷺ - عمّه، وأرخّص في الاستخفاف به! لقد خالف رسولَ الله - ﷺ - مَن فعل ذلك، ومَن رضي به منه (٢). (٤: ٤٠٠).\n٨٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن رُزيق بن عبد الله الرازيّ، عن علْقمة بن مرثَد، عن حُمران بن أبان؛ قال: أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع، فدعوته إليه، فقال: مَالك تعبّدتَني! قال: لم أكن قطّ أحوجَ إليك مني اليوم، قال: الزم خمسًا؛ لا تنازعك الأمة خزائمَها ما لزمتَها، قال: وما هنّ؟ قال: الصبر عن القتل، والتحبّب، والصفح، والمداراة، وكتمان السرّ (٣). (٤: ٤٤٠).\n٨٥٢ - وذكر محمد بن عمر، قال: حدّثني ابنُ أبي سبرة عن عمرو بن أميّة الضّمريّ، قال: إن قريشًا كان مَن أسنّ منهم مولعًا بأكل الخزيرة؛ وإني كنت أتعشّى مع عثمان خَزِيرًا من طبْخ من أجود ما رأيت قطّ، فيها بطون الغنم، وأدُمها اللبن، والسمن، فقال عثمان: كيف ترى هذا الطعام؟ فقلت: هذا أطيب ما أكلتُ قطّ، فقال: يرحم الله ابنَ الخطّاب! أكلتَ معه هذه الخزيرة قطّ؟ قلت: نعم؛ فكادت اللقمة تَفرَثُ في يدي حين أهوي بها إلى فمي؛ وليس فيها لحم؛ وكان أدْمها السمن ولا لبنَ فيها. فقال عثمان: صدقت: إنّ عمر ﵁ أتعب والله من تبع أثره! وإنه كان يطلب بثَنْيِه عن هذه الأمور ظَلَفًا. أما والله ما آكله من مال المسلمين؛ ولكني آكلُه من مالي! أنت تعلم أني كنت أكثرَ قريش مالًا، وأجدّهم في التجارة؛ ولم أزل آكل من الطعام ما لان منه؛ وقد بلغت سنًّا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":589},{"text":"فأحبُّ الطعام إليّ ألينُه؛ ولا أعلم لأحد عليّ في ذلك تَبِعةً (١). (٤: ٤٠٠/ ٤٠١).\n٨٥٣ - قال محمد: وحدّثني ابنُ أبي سَبْرة عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، قال: كنت أفطِر مع عثمان في شهر رمضان؛ فكان يأتينا بطعام هو أليَن من طعام عمر، قد رأيت على مائدة عثمان الدَّرْمَك الجيّد، وصغار الضأن كلّ ليلة؛ وما رأيت عمر قط أكل من الدقيق منخولًا، ولا أكل من الغنم إلّا مسانّها، فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمر! ومن يُطيق ما كان عمر يطيق! (٢) (٤: ٤٠١).\n٨٥٤ - قال محمد: وحدّثني عبدُ الملك بن يزيد بن السائب عن عبد الله بن السائب، قال: أخبرني أبي، قال: أوّل فسطاط رأيته بمنىً فسطاط لعثمان، وآخر لعبد الله بن عامر بن كُريز، وأوّل من زاد النداء الثالث يوم الجمعة على الزَّوراء عثمان، وأوّل مَنْ نُخل له الدقيق من الولاة عثمان ﵁ (٣). (٤: ٤٠١).\n٨٥٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بلغ عثمان: أن ابن ذي الحبَكة النَّهديّ يعالج نيرنْجًا - فال محمد بن سلمة: إنما هو نيرج - فأرسل إلى الوليد بن عُقبة ليسأله عن ذلك؛ فإن أقرّ به فأوجعْه، فدعا به فسأله، فقال: إنما هو رِفْق وأمرٌ يعجَب منه؛ فأمر به فعزِّر، وأخبر الناسَ خبره، وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جُدَّ بكم، فعليكم بالجِدّ؛ وإياكم والهُزّال؛ فكان الناس عليه، وتعجّبوا من وقوف عثمان على مثل خبره، فغضب، فنفر في الذبن نفروا، فضرب معهم، فكتب إلى عثمان فيه، فلما سيّر إلى الشأم مَنْ سيّر، سيّر كعب بن ذي الحبَكة، ومالك بن عبد الله - وكان دينه كدينه - إلى دُنباوَند؛ لأنها أرضٌ سَحِرة، فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد:\nلعمري لئن طردَتني ما إلى التي ... طمِعْتَ بها من سقطَتِي لسبيلُ\nرَجَوْتُ رُجوعي يا بنَ أروَى ورجْعَتي ... إلى الحقّ دَهْرًا غال ذلك غُولُ\nوإنّ اغترابي في البلاد وجَفوَتي ... وشَتمِيَ في ذات الإله قليلُ\nوإن دُعائي كلَّ يومٍ وليلةٍ ... عليك بِدُنْباونْدِكمْ لطَويلُ\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٢) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) بين الواقدي والطبري انقطاع، والواقدي متروك.","vol":"8","page":590},{"text":"فلما وليَ سعيد أقفله، وأحسن إليه واستصلحه، فكفره، فلم يزدد إلا فسادًا. واستعار ضابئ بن الحارث البرجميّ في زمان الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلبًا يدعى قَرْحان، يصيد الظباء، فحبسه عنهم، فنافره الأنصاريون، واستغاثوا عليه بقومه فكاثروه، فانتزعوه منه، وردّوه على الأنصار، فهجاهم، وقال في ذلك:\nتَحَشَّمَ دوني وَفدُ قرحانَ خطةً ... تضلُّ لها الوَجْناءُ وهْيَ حَسيرُ\nفباتوا شِباعًا ناعمين كأنما ... حبَاهُمْ ببَيتِ المَرزُبان أمير\nفكلبكُمُ لا تَتْرُكوا فهوَ أمُّكُمْ .. فإنّ عقوقَ الأمَّهاتِ كبيرُ\nفاستعدَوا عليه عثمان، فأرسل إليه، فعزّره، وحبسه كما كان يصنع بالمسلمين، فاستثقل ذلك، فما زال في الحبس حتى مات فيه. وقال في الفتك يعتذر إلى أصحابه:\nهَمَمتُ ولم أفعَلْ وكدتُ ولَيتَني ... فعَلتُ ووَلَّيتُ البُكاءَ حَلائلهْ\nوقائِلةٍ قد ماتَ في السجنِ ضابئٌ ... ألا مَن لخصْمٍ لم يَجد مَن يُجادِلُه!\nوقائلةٍ لا يُبعِدِ اللهُ ضابئًا ... فَنعْمَ الفَتى تخلُو به وتُحاوِلهْ\nفلذلك صار عمير بن ضابئ سَبئيًّا (١). (٤: ٤٠١/ ٤٠٢ / ٤٠٣).\n٨٥٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير، عن أخيه، قال: والله ما علمت، ولا سمعتُ بأحد غزا عثمان ﵁، ولا ركب إليه إلا قتل؛ لقد اجتمع بالكوفة نفرٌ، فيهم الأشتر، وزيد بن صوحان، وكعب بن ذي الحبَكة، وأبو زينب، وأبو مورع، وكُمَيل بن زياد، وعمير بن ضابئ؛ فقالوا: لا والله لا يُرفَع رأسٌ ما دام عثمان على الناس؛ فقال عمير بن ضابئ، وكمَيل بن زياد: نحن نقتله. فركبا إلى المدينة؛ فأما عمير؛ فإنه نكل عنه، وأما كمَيل بن زياد؛ فإنه جسر، وثاوره؛ وكان جالسًا يرصده حتى أتى عليه عثمان، فوجأ عثمان وجهه، فوقع على استه، وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين! قال: أوَ لَستَ بفاتك! قال: لا والله الذي لا إله إلّا هو؛ فحلف وقد اجتمع عليه الناس، فقالوا: نفتّشه يا أمير المؤمنين! فقال: لا، قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":591},{"text":"أطّلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلتَ يا كميل فاقتدْ منّي -وجثا- فوالله ما حسبتك إلّا تريدني، وقال: إن كنتَ صادقًا فأجزل الله، وإن كنتَ كاذبًا فأذلّ الله. وقعد له على قدميه، وقال: دونك! قال: قد تركمتُ. فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما، فلمّا قدم الحجّاج قال: مَن كان من بعْث المهلّب فليوافِ مكتبه؛ ولا يجعل على نفسه سبيلًا. فقام إليه عمير، وقال: إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويّان؛ فأخرِجْ أحدهما مكاني أو كليهما، فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ، فقال: والله لقد عصيتَ الله ﷿ منذ أربعين سنة؛ ووالله لأنكِّلن بك المسلمين، غضبْت لسارق الكلب ظالمًا، إنّ أباك إذْ غُل لَهمَّ؛ وإنك هممت ونكلت، وإني أهُمّ، ثم لا أنكل. فضرِبت عنقه (١). (٤: ٤٠٣).\n٨٥٧ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، قال: حدّثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه: أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه؛ فلما قدم الحَجّاج، ونادى بما نادى به؛ عرض رجل عليه ما عِوَض نفسه، فقبل منه، فلما ولّى قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمّني، قال: ومَن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال:\nذكّرتني الطعن وكنت ناسيًا\nأليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم، كُمَيل، قال: عليّ بعُمير، فضرب عنقه، ودعا بكُميل فهرب؛ فأخذ النّخَع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكِبَر! فقال: أما والله لتحبسنّ عني لسانك أو لأحُسَّنَّ رأسك بالسيف. قال: أفعل. فلما رأى كُميل ما لقيَ قومه من الخوف وهم ألفا مقاتل، قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سَبَبي، وحرموا. فخرج حتى أتى الحجّاج، فقال له الحجّاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترضَ حتى أقعدته للقصاص إذْ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أيّ ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه، أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرِز، اقتله؛ قال: والأجر بيني وبينك؟ قال: نعم، قال أدهم: بل الأجر لك؛ وما كان من إثْم فعليّ. وقال مالك بن عبد الله - وكان من المسيّرين:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":592},{"text":"مَضَتْ لابنِ أروَى في كُمَيل ظُلامَةٌ ... عفاها له والمُستقِيدُ يُلامُ\nوقال له لا أُقبِحُ اليومَ مُثْلَةً ... علَيكَ أبا عَمْرٍو وأنت إمام\nرُوَيدَكَ رأسي والذي نَسَكَتْ له ... قرَيشٌ بِنا على الكبير حرامُ\nولِلعَفْوِ أمنٌ يَعرِفُ الناسُ فَضلَهُ ... ولَيسَ عَلَينا في القصاصِ أثامُ\nولو علِمَ الفاروق ما أنت صانِعٌ ... نهى عَنكَ نَهيًا ليس فيه كلامُ (١)\n(٤: ٤٠٣/ ٤٠٤).\n٧٥٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن سُحَيم بن حَفص، قال: كان ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شريكَ عثمان في الجاهليّة، فقال العباس بن ربيعة لعثمان: اكتب لي إلى ابن عامر يُسلفني مئة ألف؛ فكتب، فأعطاه مئة ألف وصلَه بها، وأقطعه دارَه؛ دار العباس بن ربيعة اليوم (٢). (٤: ٤٠٤).\n٨٥٩ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن إسحاق بن يحيى، عن موسى ابن طلحة، قال: كان لعثمان علَى طلحة خمسون ألفًا، فخرج عثمان يومًا إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيّأ مالُكَ فاقبضه، قال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك (٣)! (٤: ٤٠٤/ ٤٠٥).\n٨٦٠ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن عبد ربّه، عن نافع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حَكيم بن جابر، قال: قال عليّ لطلحة: أنشدك الله إلّا رددتَ الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى تُعْطِيَ بنو أمية الحقّ من أنفسها (٤). (٤: ٤٠٥).\n٨٦١ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا أبو بكر البكريّ عن هشام بن حسان، عن الحسن: أنّ طلحة بن عبيد الله باع أرضًا له من عثمان بسبعمئة ألف، فحملها إليه، فقال طلحة: إنّ رجلًا تتّسق هذه عنده وفي بيته لا يدري ما يطرُقه من أمر الله ﷿ لعزيزٌ بالله سبحانه! فبات ورسوله يختلف\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":593},{"text":"بها في سكك المدينة يقسمها حتى أصبح، فأصبح وما عنده منها درهم. قال الحسن: وجاء هاهنا يطلب الدينار والدرهم- أو قال: الصفراء والبيضاء (١). (٤: ٤٠٥).\n٨٦٢ - وحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة خمس وثلاثين- عبد الله بن عباس بأمر عثمان إياه بذلك؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢). (٤: ٤٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله أمر عثمان ﵁ عبد الله ابن عباس ﵁ أن يحجّ بالناس في هذه السنة</span>\n٨٦٣ - ذكر محمد بن عمر الواقديّ: أنّ أسامة بن زيد حدّثه عن داود بن الحصين، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: لما حُصِر عثمان الحصْر الآخر -قال عكرمة: فقلت لابن عبّاس: أو كَانا حَصْرين؟ فقال ابن عباس: نعم، الحصْر الأوّل، حُصر اثنتي عشرة- وقدم المصريون فلقيَهم عليٌّ بذي خُشب؟ فردّهم عنه؛ وقد كان والله عليّ له صاحبَ صدق، حتى أوغَر نفسَ عليّ عليه؛ جعل مروان، وسعيد، وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمَّل؛ ويقولون: لو شاء ما كلّمك أحد؛ وذلك أن عليًّا كان يكلمه، وينصحه، ويُغلِظ عليه في المنطق في مرْوان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك؛ وأنت إمامه، وسلْفه، وابن عمّه، وابن عمته؛ فما ظنّك بما غاب عنك منه! فلم يزالوا بعليّ حتى أجمع ألّا يقوم دونه؛ فدخلتُ عليه اليوم الذي خرجتُ فيه إلى مكة، فذكرتُ له: أن عثمان دعاني إلى الخروج، فقال لي: ما يريد عثمان أن ينصحه أحدٌ؛ اتّخذ بطانة أهل غِشّ ليس منهم أحد إلّا قد تسبّب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها؛ فقلت له: إنّ له رحمًا، وحقًّا؛ فإن رأيت أن تقوم دونه؛ فعلتَ؛ فإنك لا تُعذِر إلا بذلك.\nقال ابن عباس: فالله يعلم: أنّي رأيت فيه الانكسار، والرّقة لعثمان؛ ثم إني\n_________\n(١) في إسناده أبو بكر البكري مجهول، ورواية هشام عن الحسن مرسلة والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":594},{"text":"لأراه يؤتَى إليه عظيم. ثم قال عكرمة: وسمعت ابنَ عباس يقول: قال لي عثمان: يا بنَ عباس! اذهب إلى خالد بن العاص وهو بمكة، فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام، ويقول لك: إني محصور منذ كذا وكذا يومًا، لا أشرب إلّا من الأُجَاج من داري، وقد مُنعتُ بئرًا اشتريتها من صُلْب مالي، رُومةَ؛ فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئًا، ولا آكل إلّا مما في بيتي، منعت أن آكل مما في السوق شيئًا وأنا محصور كما ترى؛ فاؤمره وقل له: فليحج بالناس؛ وليس بفاعِل؛ فإنْ أبى فاحجُج أنت بالناس.\nفقدمت الحج في العَشْر، فجئت خالد بن العاص، فقلت له ما قال لي عثمان، فقال لي: هل طاقة بعداوة مَن ترى؟ فأبى أن يحجّ وقال: فحُجّ أنت بالناس: فأنت ابن عمّ الرجل؛ وهذا الأمر لا يُفضي إلّا إليه -يعني عليًّا- وأنت أحقّ أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس، ثم قفلت في آخر الشهر، فقدمت المدينة وإذا عثمان قد قتل؛ وإذا الناس يتواثبون على رَقَبة علي بن أبي طالب. فلما رآني عليّ ترك الناس، وأقبل على فانتجاني، فقال: ما ترى فيما وقع؟ فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به؛ فقلت: أرى أنه لا بدّ للناس منك اليوم؛ فأرى أنه لا يبايَع اليوم أحدٌ إلّا اتُّهم بدم هذا الرجل، فأبى إلّا أن يبايَع، فاتُّهم بدمه (١). (٤: ٤٠٥/ ٤٠٦/ ٤٠٧).\n٨٦٤ - قال محمد: فحدّثني ابنُ أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عكرمة، قال: قال ابنُ عباس: قال لي عثمان ﵁؛ إني قد استعملتُ خالد بن العاص بن هشام على مكة؛ وقد بلغ أهلَ مكة ما صنع الناس؛ فأنا خائف أن يمنعوه الموقف فيأبى، فيقاتلهم في حرَم الله جلّ وعز وأمنه. وإن قومًا جاؤوا من كلّ فجّ عميق، ليشهدوا منافع لهم؛ فرأيت أن أولِّيَك أمر الموسم. وكتب معه إلى أهلِ الموسم بكتاب يسألهم أن يأخذوا له بالحقّ ممن حصره. فخرج ابنُ عباس، فمرَّ بعائشة في الصُّلصُل؛ فقالت: يا بنَ عباس! أنشدك الله -فإنك قد أعطِيت لسانًا إزعيلًا- أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكّك فيه الناس! فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":595},{"text":"حُمّ؛ وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد أتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيحَ، فإن يَلِ يَسِرْ بسيرة ابن عمه أبي بكر، قال: قلتُ يا أمّهْ لو حدث بالرّجل حدث ما فزع الناس إلّا إلى صاحبنا. فقالت: إيهًا عنك! إني لست أريدُ مكابرتك، ولا مجادلتك.\nقال ابن أبي سَبْرة: فأخبرني عبد المجيد بن سهيل: أنه انتسخ رسالة عثمان التي كتب بها من عكرمة، فإذا فيها:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين؛ سلام عليكم، فإنّي أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد؛ فإنّي أذكّركم بالله جلّ وعزّ الذي أنعم عليكم، وعلّمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البيّنات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدوّ، وأسبغ عليكم نعمته؛ فإنّ الله ﷿ يقول وقوله الحق: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقال وقوله الحقّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وقال وقوله الحق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال وقوله الحقّ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إلى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال وقوله الحقّ: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال وقوله الحق: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إلى ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وقال وقوله الحق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال وقوله الحق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ إلى ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nأما بعد، فإنّ الله ﷿ رضي لكم السمع، والطاعة، والجماعة، وحذّركم المعصية، والفُرقة، والاختلاف، ونبّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه ليكون له الحُجةُ عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله","vol":"8","page":596},{"text":"﷿، واحذروا عذابه؛ فإنكم لن تجدوا أمةً هلكت إلّا من بعد أن تختلف؛ إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعًا، وسُلِّط عليكم عدوّكم، ويستحلّ بعضكم حرَم بعض؛ ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعًا، وقد قال الله جلّ وعزّ لرسوله - ﷺ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذّركم عذابه؛ فإن شعيبًا - ﷺ - قال لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.\nأما بعد؛ فإنّ أقوامًا ممن كان يقول في هذا الحديث أظهروا للناس أنَّمَا يدعون إلى كتاب الله ﷿ والحقّ، ولا يُريدون الدّنيا ولا منازعةً فيها؛ فلما عرِض عليهم الحقّ؛ إذا الناس في ذلك شتى؛ منهم آخذ للحق، ونازع عنه حين يعطاه؛ ومنهم تارك للحقّ ونازلٌ عنه في الأمر، يريد أن يبتزّه بغير الحقّ؛ طال عليهم عمري، وراثَ عليهم. أمَلُهم الإمْرة؛ فاستعجلوا القَدَر؛ وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم؛ ولا أعلم أنّي تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئًا؛ كانوا زعموا أنهم يطلبون الحُدود، فقلت: أقيموها على مَن علمتم تعدّاها في أحَد، أقيموها على مَن ظلمكم من قريب أو بعيد. قالوا: كتاب الله يُتَلى، فقلت: فَلْيتلُه مَنْ تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب. وقالوا: المحروم يرزق، والمال يوفَّى ليُسْتَنّ فيه السنّة الحسنة، ولا يُعتدى في الخُمس ولا في الصدقة، ويؤمَّر ذو القوّة والأمانة، وتردُّ مظالم الناس إلى أهلها؛ فرضيت بذلك واصطبرت له؛ وجئت نسوة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حتى كلمتهنّ، فقلت: ما تأمرنني؛ فقلن: تُؤَمِّر عمرو بن العاص، وعبد الله بن قَيْس، وتَدَع معاوية؛ فإنما أمّره أمير قبلك؛ فإنه مصلح لأرضه، راضٍ به جنده؛ واردد عمرًا؛ فإنّ جنده راضون به، وأمّرْه فليصلح أرضه؛ فكلّ ذلك فعلت. وإنه اعتُديَ عليّ بعد ذلك، وعُدِي على الحقّ.\nكتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر؛ استعجلوا القَدَر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين المسجد، وابتزُّوا ما قدروا عليه بالمدينة.\nكتبت إليكم كتابي هذا؛ وهم يخيّرونني إحدى ثلاث: إما يُقيدونَني بكلّ رجل أصبته خطأ أو صوابًا، غير متروك منه شيء؛ وإمّا أعتزل الأمر فيؤمِّرون آخرَ","vol":"8","page":597},{"text":"غيري، وإما يُرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرّؤون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة. فقلت لهم: أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب؛ فلم يُسْتَقد من أحد منهم؛ وقد علمت أنما يريدون نفسي؛ وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فأنْ يكْلُبوني أحبّ إلى من أن أتبرّأ من عمل الله ﷿ وخلافته. وأما قولكم: ترسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي؛ فلست عليكم بوكيل؛ ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة؛ ولكن أتوها طائعين، يبتغون مرضاةِ الله ﷿ وإصلاح ذات البين؛ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلّا ما كتب الله ﷿ له، ومن يكن إنما يريد وجه الله، والدار الآخرة، وصلاح الأمة، وابتغاء مرضاة الله ﷿، والسنة الحسنة التي استنّ بها رسول الله - ﷺ - والخليفتان من بعده ﵄؛ فإنما يجْزِي بذلكم الله؛ وليس بيدِي جزاؤكم؛ ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم؛ ولم يُغْنِ عنكم شيئًا، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده؛ فمن يرضَ بالنكث منكم فإني لا أرضاه له، ولا يرضى الله سبحانه أن تنكُثوا عهده. وأما الذي يخيّرونني فإنما كله النزع والتأمير. فملَكْت نفسي ومَنْ معي؛ ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنَّة السوء، وشقاق الأمّة، وسفك الدماء؛ فإني أنشدكم بالله والإسلام ألّا تأخذوا إلّا الحق، وتعطُوه مني، وتركَ البغي على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله ﷿، فإني أنشدكم الله سبحانه الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله؛ فإنّ الله سبحانه قال وقوله الحق: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، فإن هذه معذرة إلى الله، ولعلكم تذكّرون.\nأما بعد، فإني لا أبرئ نفسي، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾، وإن عاقبت أقوامًا فما أبتغي بذلك إلّا الخير، وإني أتوب إلى الله ﷿ من كلّ عمل عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلّا هو، إنّ رحمة ربي وسعت كلّ شيء، إنه لا يقنط من رحمة الله إلّا القومُ الضَّالون، وإنه يقبلُ التَّوبةَ عَنْ عباده، ويعفو عن السّيئات، ويعلم ما يفعَلُون. وأنا أسأل الله ﷿ أن يغفر لي ولكم، وأن يؤلّف قلوبَ هذه الأمة على الخير، ويكرّه إليها الفسق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها المؤمنون والمسلمون.","vol":"8","page":598},{"text":"قال ابن عباس: فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التَّروية بمكة بيوم (١). (٤: ٤٠٧/ ٤٠٨ / ٤٠٩/ ٤١٠/ ٤١١).\n٨٦٥ - قال: وحدّثني ابن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، قال: دعاني عثمان، فاستعملني على الحجّ. قال: فخرجت إلى مكة، فأقمتُ للناس الحجّ، وقرأت عليهم كتاب عثمان إليهم؛ ثم قدمت المدينة وقد بويع لعليّ (٢). (٤: ٤١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه عثمان ﵁ ومن صلّى عليه وولي أمره بعد ما قتل إلى أن فرِغ من أمره ودفنِه</span>\n٨٦٦ - حدّثني جعفر بن عبد الله المحمّديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد، وعلي بن حسين، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه، عن أبي ميمونة، عن أبي بشير العابديّ، قال: نبذ عثمان ﵁ ثلاثة أيام لا يُدفن؛ ثم إن حَكيم بن حزام القرشيّ، ثم أحد بني أسد بن عبد العزّى، وجُبير بن مطعِم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، كلّما عليًّا في دفنه، وطلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك، ففعل، وأذن لهم عليّ، فلما سُمِع بذلك، قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسيرٌ من أهله؛ وهم يريدون به حائطًا بالمدينة، يقال له: حشّ كَوْكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم؛ فلما خرج به على الناس رجموا سريرَه، وهمّوا بطرحه، فبلغ ذلك عليًّا، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّنّ عنه، ففعلوا، فانطلق حتى دفن ﵁ في حَشّ كوكب؛ فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدْم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البَقيع؛ فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حَوْل قبره حتى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين (٣). (٤: ٤١٢).\n٨٦٧ - وحدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ قالا: حدثنا حُسَين، عن\n_________\n(١) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٢) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) خبر منكر في إسناده مجاهيل.","vol":"8","page":599},{"text":"أبيه، عن المجالد بن سعيد الهمْدانيّ، عن يسار بن أبي كرِب، عن أبيه -وكان أبو كَرِب عاملًا على بيت مال عثمان- قال: دفن عثمان ﵁ بين المغرب والعَتَمة؛ ولم يشهد جنازته إلّا مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة، فناحت ابنته، ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة، وقالوا: نعثَل نعثل! وكادت ترجَم؛ فقالوا: الحائط الحائط؛ فدفن في حائط خارجًا (١). (٤: ٤١٢).\n٨٦٨ - وأما الواقديّ فإنه ذكر: أنّ سعد بن راشد حدّثه عن صالح بن كيسان: أنه قال: لما قتل عثمان ﵁ قال رجل: يدفن بدير سَلْع مقبرة اليهود، فقال حَكيم بن حزام: والله لا يكونُ هذا أبدًا وأحدٌ من ولد قصيّ حيٌّ؛ حتى كاد الشرّ يلتحم، فقال ابنُ عُدَيس البَلَويّ: أيّها الشيخ! وما يضرّك أين يدفن! فقال حكيم بن حزام: لا يدفن إلا ببقيع الغَرقَد حيث دفن سَلَفُه وفَرَطُه؛ فخرج به حكيم بن حزام في اثني عشر رجلًا، وفيهم الزّبير، فصلّى عليه حكيم بن حزام. قال الواقديّ: الثبت عندنا: أنه صلّى عليه جُبير بن مطعِم (٢). (٤: ٤١٣).\n٨٦٩ - قال محمد بن عمر: وحدّثني الضّحّاك بن عثمان، عن مخرَمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة ضحْوةً، فلم يقدروا على دفنه، وأرسلت نائلة بنة الفَرافصة إلى حُويطب بن عبد العُزَّى، وجُبير بن مطعم، وأبي جهم بن حُذَيفة، وحكيم بن حزام، ونيار الأسلميّ، فقالوا: إنّا لا نقدر أن نخرج به نهارًا، وهؤلاء المصريّون على الباب، فأمهلوا حتى كان بين المغرب والعشاء، فدخل القوم، فحيل بينهم وبينه، فقال أبو جهم: والله لا يحولُ بيني وبينه أحد إلا مِتّ دونه؛ احملوه، فحمل إلى البقيع؛ قال: وتبعتهم نائلة بسراج استسرجته بالبقيع، وغلام لعثمان، حتى انتهوا إلى نَخَلات عليها حائط؛ فدقّوا الجدار، ثم قبروه في تلك النَّخَلات، وصلّى عليه جبير بن مطعم، فذهبت نائلة تريد أن تتكلم، فزبرها القوم، وقالوا: إنا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء أن يَنْبِشوه، فرجعت نائلة إلى منزلها (٣). (٤: ٤١٣).\n_________\n(١) خبر منكر وفي إسناده مجاهيل.\n(٢) بين الواقدي والطبري انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) بين الواقدي والطبري انقطاع، والواقدي متروك.","vol":"8","page":600},{"text":"٨٧٠ - قال محمد: وحدّثني عبد الله بن يزيد الهذليّ عن عبد الله بن ساعدة، قال: لبِث عثمان بعد ما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنَه، ثم حمله أربعة: حكيم بن حزام، وجُبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبو جهم بن حذيفة؛ فلما وُضِع ليصلَّى عليه؛ جاء نفر من الأنصار يمنعونهم الصلاة عليه، فيهم أسلم بن أوس بن بجرة الساعديّ، وأبو حيّة المازنيّ، في عدّة؛ ومنعوهم أن يدفن بالبقيع؛ فقال أبو جهم: ادفنوه، فقد صلى الله عليه وملائكته، فقالوا: لا والله، لا يدفن في مقابر المسلمين أبدًا، فدفنوه في حَشّ كوكب. فلما ملَكت بنو أميّة أدخلوا ذلك الحشّ في البَقِيع؛ فهو اليوم مقبرة بني أميّة (١). (٤: ٤١٣).\n٨٧١ - قال محمد: وحدّثني عبد الله بن موسى المخزوميّ، قال: لما قتل عثمان ﵁؛ أرادوا حزَّ رأسه، فوقعت عليه نائلة وأمّ البنين، فمنعنَهم، وصِحْنَ، وضربن الوجوه، وخرقن ثيابهنّ، فقال ابن عُدَيس: اتركوه؛ فأخرِج عثمان ولم يُغسل إلى البقيع، وأرادُوا أن يصلّوا عليه في موضع الجنائز؛ فأبت الأنصار، وأقبل عُمير بن ضابئ، وعثمانُ موضوع على باب، فنَزَا عليه، فكسر ضلعًا من أضلاعه، وقال: سجنتَ ضابئًا حتى مات في السجن (٢). (٤: ٤١٤).\n٨٧٢ - وحدّثني الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدّثني عمّ جدّي الرّبيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، قال: كنت أحد حملة عثمان ﵁ حين قتل؛ حملناه على باب، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به؛ وإنّ بنا من الخوف لأمرًا عظيمًا حتى واريناه في قبره في حَشّ كَوكب (٣). (٤: ٤١٤).\n٨٧٣ - وأما سيف؛ فإنه روى فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عنه، عن أبي حارثة وأبي عثمان، ومحمد، وطلحة: أنّ عثمان لما قتل؛ أرسلت نائلة إلى عبد الرحمن بن عُدَيس، فقالت له: إنك أمسّ القوم رَحِمًا، وأولاهم بأن تقوم بأمري؛ أغرِبْ عنِّي هؤلاء الأموات. قال: فشتمها وزجرها؛ حتى إذا كان في\n_________\n(١) بين الواقدي والطبري انقطاع، والواقدي متروك.\n(٢) بين الواقدي والطبري انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":601},{"text":"جوف الليل خرج مروان حتى أتى دار عثمان، فأتاه زيد بن ثابت، وطلحة بن عبيد الله، وعليّ، والحسن، وكعب بن مالك، وعامّة من ثمَّ من أصحابه، فتوافَى إلى موضع الجنائز صبيان، ونساء؛ فأخرجوا عثمان فصلّى عليه مروان، ثمّ خرجوا به حتى انتهوْا إلى البقيع، فدفنوه فيه مما يلي حَشّ كوكب؛ حتى إذا أصبحوا أتوا أعبُد عثمان الذين قتلوا معه فأخرجوهم فرأوهم فمنعوهم من أن يدفنوا، فأدخلوهم حَشّ كَوكب؛ فلما أمسوْا؛ خرجوا بعبدين منهم فدفنوهما إلى جنب عثمان، ومع كلّ واحد منهما خمسة نفر، وامرأة؛ فاطمة أم إبراهيم بن عديّ. ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر، فقالوا: إنك أمسّ القوم بنا رَحمًا، فاؤْمُرْ بهاتين الجَيفتين اللّتين في الدار أن تُخرَجا، فكلّمهم في ذلك، فأبوْا، فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر، ومَن لفّ لفّهم، فأخرِجوهما فارموا بهما؛ فجُرّا بأرجلهما فرمى بهما على البلاط، فأكلتْهما الكلاب؛ وكان العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما: نُجيح، وصُبيح؛ فكان اسماهما الغالب على الرقيق لفضلهما وبلائهما؛ ولم يحفظ الناس اسم الثالث، ولم يغسَل عثمان، وكُفّن في ثيابه، ودمائه، ولا غُسِل غلاماه (١). (٤: ٤١٤/ ٤١٥).\n٨٧٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ قال: دفن عثمان ﵁ من اللّيل، وصلّى عليه مَرْوان بن الحكم، وخرجت ابنتُه تبكي في أثره، ونائلة بنة الفَرافصة، ﵏ (٢). (٤: ٤١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>ذكر الخبر عن الوقت الذي قتل فيه عثمان ﵁</span>\nاختُلف في ذلك بعد إجماع جميعهم على أنه قتل في ذي الحجّة، فقال بعضهم: قتل لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، فقال الجمهور منهم: قتل لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّهَ سنة خمس وثلاثين.\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وفيه مخالفة لما ثبت بالرواية الصحيحة التي ذكرنا من أن مروان بن الحكم والحسن بن علي أخرجا مجروحين من الدار محمولين فكيف صليا عليه.\nوأما عن دفنه في ثيابه دون غسله فقد ضعفه ابن كثير قائلًا: حملوه على باب بعد ما غسلوه وكفنوه، وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن، والصحيح الأول (البداية والنهاية ٧/ ١٩١).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1291>ذكر الرواية بذلك عن بعض من قال: إنه قتل في سنة ست وثلاثين</span>\n٨٧٥ - حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، قال الحارث: وحدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يومًا؛ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (١). (٤: ٤١٥).\n٨٧٦ - وقال أبو بكر: أخبرنا مُصعب بن عبد الله، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر.\nوقال آخرون: قتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين لثماني عشرة ليلة خلت منه (٢). (٤: ٤١٥/ ٤١٦).\nذكر من قال ذلك:\n٨٧٧ - حدثني جعفر بن عبد الله، قال: حدثنا عمرو بن حماد، وعلي، قالا: حدّثنا حسين عن أبيه، عن المجالد بن سعيد الهمْدانيّ، عن عامر الشعبيّ: أنه قال: حُصِر عثمان بن عفان ﵁ في الدّار اثنتين وعشرين ليلة، وقتل صُبْحة ثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وعشرين من وفاة رسول الله - ﷺ - (٣).\nوحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثمانيَ عشرة ليلة\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) في إسناده مجاهيل.","vol":"8","page":603},{"text":"مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلّا اثني عشر يومًا (١) (٤: ٤١٦).\n٨٧٩ - وحُدّثت عن زكرياء بن عديّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو عن ابن عَقِيل، قال: قتل عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين (٢). (٤: ٤١٦).\n٨٨٠ - وكتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان ومحمد وطلحة، قالوا: قتل عثمان ﵁ لثمانيَ عشرة ليلة خلَتْ من ذي الحجّة يوم الجمعة في آخر ساعة (٣). (٤: ٤١٦).\n٨٨١ - حدّثنا الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدّثني الضّحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة ضحوةً لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين (٤). (٤: ٤١٧).\nوقال آخرون: قتل في أيام التّشريق.\nذكر من قال ذلك:\n٨٨٢ - حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي أبو خيثمة، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: سمعت أبي قال: سمِعت يونس بن يزيد الأيْليّ، عن الزُّهريّ، قال: قتل عثمان ﵁، فزعم بعض الناس: أنه قتل في أيام التّشريق.\nوقال بعضهم: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة (٥) (٤: ٤١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>ذكر الخبر عن قدر مدَّة حياته</span>\nاختلف السلف قبلنا في ذلك، فقال بعضهم: كانت مدّة ذلك اثنتين وثمانين سنه.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":604},{"text":"ذكر من قال ذلك:\n٨٨٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر: أنّ عثمان ﵁ قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (١). (٤: ٤١٧).\n٨٨٤ - قال محمد بن عمر: وحدثني الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (٢). (٤: ٤١٧).\n٨٨٥ - قال محمد: وحدثني سعد بن راشد عن صالح بن كيسان، قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر (٣). (٤: ٤١٨).\nوقال آخرون: قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين.\nذكر من قال ذلك:\n٨٨٦ - حُدّثت عن الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدّثنا أبو هلال عن قتادة: أنّ عثمان ﵁ قتل وهو ابن تسعين، أو ثمان وثمانين سنة.\nوقال آخرون: قتل وهو ابن خمس وسبعين سنة؛ وذلك قولٌ ذكر عن هشام بن محمد (٤). (٤: ٤١٨).\n٨٨٧ - وقال بعضهم: قتل وهو ابن ثلاث وستين، وهذا قول نسبه سيف بن عمر إلى جماعة. كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف: أن أبا حارثة، وأبا عثمان، ومحمدًا، وطلحة، قالوا: قُتِل عثمان ﵁ وهو ابن ثلاث وستين سنة (٥). (٤: ٤١٨).\nوقال آخرون: قتل وهو ابن ستّ وثمانين.\nذكر من قال ذلك:\n_________\n(١) في إسناده الواقدي، وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي، وهو متروك.\n(٣) في إسناده الواقدي، وهو متروك.\n(٤) إسناده ضعيف.\n(٥) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":605},{"text":"٨٨٨ - حدّثني محمد بن موسى الحَرَشيّ، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي عن قتادة، قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن ستّ وثمانين (١). (٤: ٤١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>ذكر الخبر عن صفة عثمان</span>\n٨٨٩ - حدّثني زياد بن أيوب، قال: حدّثنا هُشيم، قال: زعم أبو المقدام عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد؛ فإذا أنا بعثمان ﵁ متّكئًا على ردائه، فنظرت إليه؛ فإذا رجلٌ حسن الوجه؛ وإذا بوجهه نكتَات من جُدَرِيّ؛ وإذا شعره قد كسا ذراعيْه (٢). (٤: ٤١٨).\n٨٩٠ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: سألت عمرو بن عبد الله بن عَنْبسة، وعروة بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن صفة عثمان، فلم أرَ بينهم اختلافًا، قالوا: كان رجلًا ليس بالقصير ولا بالطويل، حسنَ الوجه، رقيق البشرَة، كثّ اللحية عظيمها؛ أسمر اللون، عظيم الكراديس؛ عظيمَ ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفّر لحيته (٣). (٤: ٤١٩).\n٨٩١ - وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت أبي يقول: سمعت يونس بن يزيد الأيْليّ عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\nقلنا: أما الذهبي فقد اختار (٨٢ سنة) فقال: وهو الصحيح (تأريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين/ ٤٨١) وإليه مال تلميذه ابن كثير إذ قال: أما عمره ﵁ فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة (البداية والنهاية ٧/ ١٩٩) ووصف ابن كثير في الموضع نفسه قول الكلبي بأنه توفي عن (٧٥ سنة) بأنه غريب جدًّا وأغرب منه ما رواه سيف عن مشايخه أنهم قالوا: قتل عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة. اهـ.\nومن قبلهم اختار المؤرخ المتقدم خليفة بن خياط إلى اختلاف المؤرخين في السنة ثم روى عن أبي المقدام ومحمد بن عبد الله المخزومي أنه توفي عن (٨٢ عامًا) (تأريخ خليفة/ ١٧٧).\nويتفق الواقدي معهم أنه ﵁ توفي وعمره (٨٢ سنة) والله أعلم.\n(٢) في إسناده أبو المقدام وهو متروك.\n(٣) في إسناده الواقدي، وهو ومتروك.","vol":"8","page":606},{"text":"الزُّهريّ، قال: كان عثمان رجلًا مربوعًا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أرْوَح الرّجلين (١). (٤: ٤١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>ذكر الخبر عن وقت إسلامه وهجرته</span>\n٨٩٢ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كان إسلام عثمان قديمًا قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم. قال: وكان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى، والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعًا امرأته رُقيّة بنت رسول الله - ﷺ - (٢). (٤: ٤١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>ذكر الخبر عما كان يكنى به عثمان بن عفان ﵁</span>\n٨٩٣ - حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر: أنّ عثمان بن عفان ﵁ كان يُكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما كان في الإسلام ولد له من رقيّة بنت رسول الله - ﷺ - غلامٌ فسمّاه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ستّ سنين، فنقره ديكٌ على عينه، فمرض فمات في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، فصلّى عليه رسولُ الله - ﷺ -، ونزل في حُفرته عثمان ﵁.\nوقال هشام بن محمد: كان يكنى أبا عمرو (٣) (٤: ٤١٩/ ٤٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>ذكر أولاده وأزواجه</span>\nوقال هشام بن الكلبيّ: ولدت أمّ البنين بنت عيَينة بن حصن لعثمان عبد الملك وعتبة. وقال أيضًا: ولدت نائلة عنبسةَ.\nوزعم الواقديّ: أن لعثمان ابنة تدعَى أمّ البنين بنت عثمان من نائلة، قال: وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.\n_________\n(١) إسناده مرسل.\n(٢) في إسناده الواقدي، ولكن متنه صحيح. راجع العهد المكي من السيرة النبوية.\n(٣) في إسناده الواقدي، وهو متروك.","vol":"8","page":607},{"text":"وقتل عثمان ﵁ وعنده رملة بنة شيبة ونائلة وأمّ البنين بنت عيينة، وفاختة بنة غَزْوان؛ غير أنه -فيما زعم عليّ بن محمد- طلّق أمّ البنين؛ وهو محصور (١). (٤: ٤٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>ذكر أسماء عمَّال عثمان ﵁ في هذه السنة على البلدان</span>\n٨٩٤ - قال محمد بن عمر: قتل عثمان ﵁ وعمّاله على الأمصار - فيما حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد -: على مكة عبد الله بن الحضرميّ، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثَّقفيّ، وعلى صنعاء يعلى بن مُنْية، وعلى الجَنَد عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كُريز - خرج منها فلم يولِّ عليها عثمان أحدًا - وعلى الكوفة سعيد بن العاص - أخرج منها فلم يترك يدخلها - وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرْح - قدم على عثمان، وغلب محمد بن أبي حذيفة عليها. وكان عبد الله بن سعد استخلف على مصر السائب بن هشام بن عمرو العامريّ، فأخرجه محمد بن أبي حذيفة - وعلى الشأم معاوية بن أبي سفيان (٢). (٤: ٤٢١).\n٨٩٥ - وفيما كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان، قالا: مات عثمان ﵁ وعلى الشأم معاوية، وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنَّسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور بن سفيان، وعلى فلسطين علقمة بن حَكيم الكنانيّ، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاريّ. وعلى القضاء أبو الدّرداء (٣). (٤: ٤٢١).\n٨٩٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، قال: مات عثمان ﵁ وعلى الكوفة؛ على صلاتها أبو موسى، وعلى خراج السَّواد جابر بن عمرو المزنيّ - وهو صاحب المسنّاة إلى جانب الكوفة - وسماك\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":608},{"text":"الأنصاريّ. وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قَرْقيسياء جرير بن عبد الله، وعلى أذْرَبيجان الأشعث بن قيس، وعلى حُلْوان عُتَيبة بن النَّهّاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى هَمذَان النُّسَير، وعلى الرّيّ سعيد بن قيس، وعلى أصبَهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسَبَذان حُبَيش، وعلى بيت المال عُقبة بن عمرو. وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت (١). (٤: ٤٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>ذكر بعض خطب عثمان ﵁</span>\n٨٩٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عُتبة، قال: خطب عثمان الناس بعد ما بويع، فقال:\nأمَّا بعد: فإني قد حُمِّلت وقد قبلت. ألا وإني متّبع ولست بمبتدع. ألا وإنّ لكم عليّ بعد كتاب الله ﷿ وسنَّة نبيه - ﷺ - ثلاثًا: اتّباع مَن كان قبلي فيما اجتمعتم عليه، وسننتم، وسنُّ سنة أهلِ الخير فيما لم تسنُّوا عن ملأ، والكفّ عنكم إلّا فيما استوجبتم ألا وإن الدنيا خضِرة قد شهّيتْ إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا: أنها غير تاركة إلا مَن تركها (٢). (٤: ٤٢٢).\n٨٩٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة:\nإن الله ﷿ إنما أعطاكم الدنيا؛ لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها؛ لتركنوا إليها؛ إن الدنيا تفنَى والآخرة تبقى، فلا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلَنَّكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإنّ الدنيا منقطعة، وإنّ المصير إلى الله. اتّقوا الله جلّ وعز؛ فإن تقواه جُنّةٌ من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغِيَر، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابًا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. إلى آخر القصة (٣). (٤: ٤٢٢/ ٤٢٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>ذكر الخبر عمَّن كان يصلّي بالناس في مسجد رسول الله - ﷺ - حين حصِر عثمان</span>\n٨٩٩ - قال محمد بن عمر: حدّثني ربيعة بن عثمان: جاء المؤذن سعدُ القَرَظ إلى عليّ بن أبي طالب في ذلك اليوم، فقال: مَن يصلّي بالناس؟ فقال عليّ: ناد خالد بن زيد، فنادَى خالد بن زيد، فصلّى بالناس -فإنه لأوّل يوم عرِف أن أبا أيُّوب خالد بن زيد- فكان يصلّي بهم أيامًا، ثم صلى عليّ بعد ذلك بالناس (١). (٤: ٤٢٣).\n٩٠٠ - قال: وحدّثني عبد الله بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لما حُصِر عثمان صلى بالناس أبو أيُّوب أيامًا، ثم صلى بهم عليّ الجمعة والعيد، حتى قتل ﵁ (٢). (٤: ٤٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>ذكر ما رُثي به من الأشعار</span>\nوتقاول الشعراء بعد مقتله فيه، فمن مادح وهاجٍ، ومن نائح باكٍ، ومن سارّ فَرِح، فكان ممّن يمدحه حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك الأنصاريّان، وتميم بن أبيّ بن مقبل في آخرين غيرهم. مما مدحه به وبكاه حسان، وهجا به قاتله:\nأتركتُمُ غَزْوَ الدُّروبِ وراءكُم ... وغَزَوتُمونا عند قبرِ محمَّدِ!\nفلبئسَ هَدْيُ المسلمين هَدَيْتُمُ ... ولبِئسَ أمرُ الفاجر المُتَعَمِّدِ!\nإن تُقْدِموا نجْعلْ قِرَى سَرَواتِكمْ ... حوْلَ المدينةِ كلَّ ليْنٍ مِذْوَدِ\nأو تُدْبِروا فلبئسَ ما سافَرتُمُ ... ولَمِثْلُ أمْرِ أميرِكم لم يَرْشَدِ\nوكأنَّ أصحابَ النَّبي عَشِيَّةً ... بدْنٌ تُذَبِّحُ عِندَ بابِ المسجد\nأبكي أبا عَمْرٍو لحُسْنِ بلائِه ... أمْسَى مُقِيمًا في بَقيعِ الغَرْقَدِ\nوقال أيضًا:\n_________\n(١) في إسناده الواقدي، وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي، وهو متروك.","vol":"8","page":610},{"text":"إنْ تُمْسِ دارُ ابْن أرْوَى مِنْه خاوِيَةً ... بابٌ صَريعٌ وبابٌ مُحْرَق خرِبُ\nفقد يُصادِفُ باغي الخَيْرِ حاجتَهُ ... فيها ويهوي إليها الذكرُ والحَسَبُ\nيا أيُّها الناسُ أبْدوا ذاتَ أنْفُسِكُمْ ... لا يَسْتَوي الصّدْقُ عند الله والكذِبُ\nقوموا بِحَقِّ مليكِ الناسِ تَعْتَرفوا ... بغارةٍ عُصَبٍ مِنْ خَلفِها عُصَبُ\nفيهم حبيبٌ شِهابُ المَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مسْتَلئِمًا قد بدَا في وَجْهِه الغَضَبُ\nوله فيه أشعار كثيرة. وقال كعب بن مالك الأنصاريّ:\nيا للرِّجالِ لِلُبِّكَ المخْطوفِ ... ولِدمْعِك المُتَرَقْرِقِ المنزوفِ\nوَيْحٌ لأمْر قد أتاني رائع ... هدَّ الجبالَ فأنقَضتْ بِرُجوفِ\nقَتْلُ الخليفةِ كان أمرًا مُفْظِعًا ... قامَتْ لِذاك بَليَّةُ التخْويفِ\nقتْلُ الإمامِ له النجومُ خَواضعٌ ... والشمسُ بازغةٌ له بكُسوفِ\nيا لَهْفَ نفسي إذ تَوَلَّوْا غُدْوَةً ... بالنعش فوقَ عواتقٍ وكُتوفِ!\nوَلَّوْا ودَلَّوْا في الضَّريحِ أخاهُمُ ... ماذا أجنَّ ضريحُهُ المَسْقوفُ!\nمِن نائلٍ أو سُودَدٍ وحَمالَةٍ ... سبَقَتْ له في الناس أو معروفِ\nكم مِنْ يَتيمٍ كانَ يَجْبُرُ عظمَهُ ... أمْسى بمنزِلِه الضَّياع يطوف\nما زال يقْبَلُهُمْ ويَرْأَبُ ظُلْمَهمْ ... حتى سمعْتُ بِرَنَةِ التَّلهيف\nأمْسَى مُقيمًا بالبَقيعِ وأصبحوا ... متَفرَّقين قَد أجمعوا بخفوفِ\nالنارُ موعِدُهُمْ بقتل إمامِهِمْ ... عثمانَ ظَهْرًا في البلادِ عَفيف\nجَمَعَ الحمالَة بعدَ حِلْمٍ راجح ... والخيْرُ فيه مُبَيَّن معروف\nيا كعب لا تَنْفكّ تَبْكي مالكا ... ما دُمْتَ حيًّا في البلاد تطوف\nفأبكي أبا عمرو عَتيقًا واصلًا ... ولواءهم إذ كان غيْرَ سَخيفِ\nولَيَبْكِهِ عِنْدَ الحفاظِ لمُعْظِمٍ ... والخيْلُ بين مَقانبٍ وصُفوف\nقَتلوك يا عثمانُ غيْرَ مُدنَّسٍ ... قتْلًا لَعَمْرُكَ واقفًا بسَقيف\nوقال حسَّان:\nمن سَرَّهُ الموتُ صِرْفًا لا مِزَاجَ له ... فليأتِ مأسَدَةً في دارِ عُثْمانا\nمُستشْعري حَلَقِ الماذِيّ قدْ شفِعَتْ ... قبلَ المخاطِمِ بَيْضٌ زانَ أبْدانا\nصبْرًا فِدى لكُمُ أمّي وما وَلَدَتْ ... قد ينفعُ الصَّبْرُ في المَكْروهِ أحيانا\nفقد رَضينا بأهل الشأم نافِرةً ... وبالأمير وبالإخْوانِ إخْوانا","vol":"8","page":611},{"text":"إنِّي لَمِنْهُمْ وإن غابوا وإن شَهِدُوا ... ما دُمْتُ حيًّا وما سُمّيتُ حَسَّانا\nلَتَسْمَعَنَّ وشيكًا في دِيارِهِمُ ... اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانا\nيا ليتَ شعري وليتَ الطيْرَ تُخبرُني ... ما كان شأنُ عَلِيٍّ وابْنِ عَفّانا!\nوقال الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط يحرّض عُمارة بن عُقبة:\nألا إنَّ خيْر الناسِ بعد ثلاثةٍ ... قتيلُ التُّجيبيّ الذي جاء من مِصْرِ\nفإن يكُ ظَنِّي بابْنِ أمِّي صادقًا ... عمارةَ لا يَطْلُبْ بِذَحْلٍ ولا وِتْرِ\nيَبيتُ وأوتارُ ابْنِ عفّانَ عِنْدَهُ ... مخيّمهُ بين الخورْنَقِ والقَصْرِ\nفأجابه الفضل بن عباس:\nأتطلُبُ ثأرًا لستَ مِنْهُ ولا لَهُ ... وأيْنَ ابْنُ ذكوان الصَّفوريّ من عمرو!\nكما اتَّصلَتْ بِنْتُ الحِمَارِ بأُمَّها ... وتَنسَى أباها إذ تُسامي أولي الفَخرِ\nألا إنَّ خيْرَ الناسِ بعد محمَّدٍ ... وصيّ النَّبيّ المصطفى عِنْدَ ذي الذِّكرِ\nوأوَّلُ مَنْ صلّى وصِنْوُ نَبيّه ... وأوَّلُ من أردَى الغُواةَ لدَى بَدْرِ\nفلوْ رَأَتِ الأنصارُ ظُلْمَ ابنِ عمِّكُمْ ... لكانوا له من ظلمِهِ حاضري النَّصْر\nكفَى ذاكَ عَيْبًا أن يشيروا بقَتْلِه ... وأن يُسْلِمُوهُ للأَحابيشِ من مِصرِ\nوقال الحُباب بن يزيد المجاشعيّ، عمّ الفرزدق:\nلَعَمْرُ أبيكَ فلا تَجْزَعَن ... لقد ذهبَ الخيْرُ إلّا قليلا\nلقد سَفِهَ الناسُ في دينهم ... وخَلّى ابنُ عَفّانَ شَرًّا طويلا\nأعاذِلَ كُلُّ امرئٍ هالكٌ ... فسيري إلى اللهِ سيْرًا جميلا (١)\n(٤: ٤٢٣/ ٤٢٤/ ٤٢٥/ ٤٢٦).\n* * *\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"8","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1301>ضعيف تاريخ علي بن أبي طالب ﵁</span>","vol":"8","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1302>خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب البيعة</span>\n٩٠١ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر الهُذَليّ عن أبي الملَيح، قال: لما قتل عثمان ﵁؛ خرج عليّ إلى السوق، وذلك يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، فاتّبعه الناس، وبهَشوا في وجهه، فدخل حائطَ بني عمرو بن مبذول، وقال لأبي عمرة بن عمرو بن محْصَن: أغلق الباب، فجاء الناس، فقرعوا الباب، فدخلوا، فيهم طلحة، والزّبير، فقالا: يا عليّ ابسُط يَدك. فبايعه طلحة، والزّبير، فنظر حبيب بن ذُؤَيْب إلى طلحة حين بايع، فقال: أوّل من بدأ بالبَيْعة يدٌ شلّاء؛ لا يتمّ هذا الأمر! وخرج عليٌّ إلى المسجد فصعِد المنبر وعليه إزارٌ، وطاقٌ، وعمامة خزّ، ونعلاه في يده، متوكئًا على قوس؛ فبايعه الناس. وجاؤوا بسَعْد، فقال عليّ: بايع، قال: لا أبايعُ حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس! قال: خلّوا سبيله. وجاؤوا بابن عمر، فقال: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: ائتني بحميل، قال: لا أرى حميلًا، قال الأشتر: خلَّ عنّي أضربْ عنقه، قال عليّ: دعوه، أنا حميلُه، إنك - ما علمت - لسيِّئ الخلق صغيرًا وكبيرًا (١). (٤: ٤٢٨).\n_________\n(١) في إسناده متروك (أبو بكر الهذلي) وانقطاع، فأبو المليح لم يدرك الحادثة، وفي المتن مخالفة لما ورد في الروايات الصحيحة من أن هؤلاء الصحابة بايعوا وأما قول (أول من بدأ بالبيعة يدٌ شلاء لا يتم هذا الأمر) فقول ملفق، صدر عن حبيب بن ذؤيب، وبريء منه سيدنا علي، فلا يمكن أن يقول هذا الكلام عن يد شلّت في سبيل الله ودفاعًا عن رسول الله - ﷺ -.","vol":"8","page":615},{"text":"٩٠٢ - وحدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: سمعتُ أبي، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيْليّ عن الزُهريّ، قال: بايع الناس عليّ بن أبي طالب، فأرسل إلى الزبير، وطلحة، فدعاهما إلى البيعة، فتلكّأ طلحة، فقام مالك الأشتر، وسلّ سيفه، وقال: والله لتبايعن، أو لأضربن به ما بين عينيك! فقال طلحة: وأين المهرب عنه! فبايعه، وبايعه الزّبير والناس. وسأل طلحة، والزبير أن يؤمّرهما على الكوفَة والبصرة، فقال: تكونان عندي فأتحمَّل بكما، فإني وَحْشٌ لفراقكما. قال الزّهريّ: وقد بلغنا: أنه قال لهما: إنْ أحببتما أن تُبايعا لي، وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك؛ وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليُبايعَنا. فظهرا إلى مكة بعد قَتْل عثمان بأربعة أشهر (١). (٤: ٤٢٩).\n٩٠٣ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مِخْنف عن عبد الملك بن أبي سُليمان، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن محمد بن الحنفيَّة، قال: كنت أُمْسِي مع أبي حين قُتِل عثمان ﵁ حتى دخل بيتَه، فأتاه ناسٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قُتِل، ولا بدّ من إمام للناس، قال: أوَ تكون شورى؟ قالوا: أنت لنا رضًا، قال: فالمسجد إذًا يكون عن رضًا من الناس. فخرج إلى المسجد فبايعه مَن بايعه؛ وبايعت الأنصار عليًّا إلّا نُفَيرًا يسيرًا، فقال طلحة: ما لنا من هذا الأمر إلا كحِسَّة أنف الكلب (٢). (٤: ٤٢٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، فهو من رواية يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري والتي قال فيها أحمد: منكرات، أضف إلى ذلك فالإسناد مرسل فهو مرسل ضعيف جدًّا. والحق يقال: إن الزبير وطلحة لم يبايعا مكرهين خوفًا من فلانٍ وعلانٍ أو تحت ضغوطات التهديدات ولربما بايعا وهما كارهان وهذا شيء وأما البيعة بالإكراه والإجبار فلا يصح عنهما كما ذكرنا في الصحيح.\n(٢) في إسناده أبو مخنف وهو تالف هالك وفي متنه نكارة، وتحريف أبي مخنف هنا واضح جلي للعيان فجميع الروايات تذكر لفظة (خليفة) ولكنه قال (إمام) وقول طلحة: مالنا من هذا الأمر إلا كحسة أنف الكلب - لم نجدها عند غيره - وكذلك عبارة (قال: (أي علي) أو تكون شورى) فلم نجدها عند غيره، والحمد لله على نعمة الإسناد، فبالإسناد ينكشف الافتراء، والزيف.\nثم إن الرواية الصحيحة عن محمد بن الحتفية والتي أخرجها أحمد في فضائل الصحابة كما =","vol":"8","page":616},{"text":"٩٥٤ - وحدّثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا شيخٌ من بني هاشم عن عبد الله بن الحسن، قال: لما قتل عثمان ﵁ بايعت الأنصار عليًّا إلّا نُفيرًا يسيرًا، منهم حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلَّد، وأبو سعيد الخُدْريّ، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج، وفَضالة بن عُبَيد، وكعب بن عُجْرة، كانوا عثمانيّة، فقال رجل لعبد الله بن حسن: كيف أبَى هؤلاء بيعة عليّ! وكانوا عثمانية. قال: أما حسّان فكان شاعرًا لا يُبالي ما يصنع؛ وأما زيد بن ثابت فولّاه عثمان الديوانَ وبيتَ المال، فلما حُصِر عثمان، قال: يا معشر الأنصار! كونوا أنصارًا لله ... مرّتين، فقال أبو أيُّوب: ما تنصره إلا أنه أكثر لك من العِضْدان. فأما كعب بن مالك فاستعمله على صَدَقة مُزَيْنة وترك ما أخذ منهم له (١). (٤: ٤٢٩/ ٤٣٠).\n٩٠٥ - قال: وحدّثني منْ سمع الزّهريّ يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليًّا، ولم يبايعه قُدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلَام، والمغيرة بن شعبة. وقال آخرون: إنما بايع طلحة، والزبير عليًّا كَرهًا.\nوقال بعضهم: لم يُبايِعْه الزّبير (٢). (٤: ٤٣٠).\nذكرُ من قال ذلك:\n٩٠٦ - حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن جرير بن حَازم، قال: حدّثني هشام بن أبي هشام مولى عثمان بن عفان عن شيخ من أهل الكوفة، يحدّثه عن شيخ آخر،\n_________\n= ذكرنا تؤكد أن أبا مخنف قد حرّف وزيّف وتقوّل على محمد ابن الحنفية، وسياقه ما لم يقل، بل إن أبا مخنف لم يتحمل أن يروي مسألة تأثر سيدنا علي بمقتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ودخوله البيت وإغلاق بابه على نفسه، فخرقها، بينما هي في أصل الرواية الصحيحة عند أحمد عن محمد ابن الحنفية.\n(١) في إسناده مبهم (شيخ من بني هاشم) وهو مرسل كذلك فعبد الله بن الحسن لم يدرك بيعة علي ﵁، وفي متنه نكارة شديدة وطعن في صحابة رسول الله - ﷺ - وماذا عن رواية سندها هكذا ولم تثبت في رواية صحيحة إطلاقًا: أن هؤلاء الصحابة الذين ذكرهم بأسمائهم قد تخلفوا عن البيعة.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة كما سنذكر.","vol":"8","page":617},{"text":"قال: حُصِر عثمان وعليّ بخَيْبر، فلما قدِم أرسل إليه عثمان يدعوه، فانطلق، فقلت: لأنطلقنّ معه ولأسمعن مقالتهما، فلما دخل عليه كلّمه عثمان، فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد: فإنّ لي عليك حقوقًا؛ حقّ الإسلام، وحقّ الإخاء -وقد علمتَ: أن رسولَ الله - ﷺ - حين آخَى بين الصّحابة آخى بيني وبينك- وحق القرابة والصِّهْر، وما جعلتَ لي في عنقك من العهد والميثاق، فوالله لو لم يكن من هذا شيء ثم كنا إنما نحن في جاهليّة، لكان مُبَطَّأ على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تَيْم مُلْكَهم.\nفتكلم عليٌّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فكلّ ما ذكرتَ من حقّك عليَّ على ما ذكرتَ، أمّا قولك: لو كنا في جاهليّة لكان مبطَّأ على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تَيْم ملكَهم فصدقتَ، وسيأتيك الخبر. ثمّ خرج فدخل المسجدَ فرأى أسامَة جالسًا، فدعاه، فاعتمد على يده، فخرج يمشي إلى طلحة وتبعتُه، فدخلنا دار طلحة بن عبيد الله وهي دِحَاس من الناس، فقام إليه، فقال: يا طلحة! ما هذا الأمر الّذي وقعتَ فيه؟ فقال: يا أبا حسن! بعد ما مسّ الحزام الطبيين! فانصرف عليّ ولم يُحِرْ إليه شيئًا حتى أتى بيتَ المال، فقال: افتحوا هذا الباب، فلم يقدر على المفاتيح، فقال: اكسروه؛ فكُسر باب بيت المال، فقال: أخرجوا المال، فجعل يُعْطي الناس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع عليّ، فجعلوا يتسلّلون إليه حتى تُرِك طلحة وحده. وبلغ الخبرُ عثمانَ؛ فسُرّ بذلك، ثمّ أقبل طلحة يمشي عائدًا إلى دار عثمان، فقلت: والله لأنظرن ما يقول هذا؛ فتبعتُه، فاستأذن على عثمان، فلمّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين! أستغفر الله وأتوب إليه، أردتُ أمرًا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائِبًا، ولكنك جئت مغلوبًا، الله حسيبك يا طلحة! (١) (٤: ٤٣٠/ ٤٣١).\n٩٠٧ - وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه، عن سعد، قال: قال طلحة: بايعتُ والسيف فوق رأسي- فقال سعد:\n_________\n(١) في إسناده مجاهيل (شيخ من أهل الكوفة يحدثه عن شيخ آخر) بالإضافة إلى النكارة الشديدة في المتن فكيف يستدل به؟ ! .","vol":"8","page":618},{"text":"لا أدري والسيف على رأسه أم لا، إلّا أني أعلم أنه بايع كارهًا- قال: وبايع الناس عليًّا بالمدينة، وتربّص سبعة نفر، فلم يبايعوه؛ منهم: سعد بن أبي وقّاص، ومنهم ابن عمر، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة، وسلَمة بن وقْش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلَّف أحدٌ من الأنصار إلّا بايع فيما نعلم (١). (٤: ٤٣١).\n٩٠٨ - وحدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمي مصعب بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عبد الله بن مصِعب عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزّبير، قال: لما قَتل الناس عثمان ﵁، وبايعوا عليًّا؛ جاء عليٌّ إلى الزّبير، فاستأذن عليه، فاعلمته به، فسلّ السيفَ، ووضعه تحت فراشه، ثم قال: ائذن له، فأذنت له، فدخل؛ فسلّم على الزّبير؛ وهو واقفٌ بنحره، ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخَلَ المرء ما أقْصاه، قُمْ في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئًا؟ فقمتُ في مقامه فرأيت ذُباب السيف، فأخبرته فقال: ذاك أعجلَ الرّجلَ. فلما خرج عليّ سأله الناس، فقال: وجدتُ أبرَّ ابن أخْتٍ، وأوصلَه. فظنّ الناس خيرًا، فقال علي: إنه بايعه (٢). (٤: ٤٣١/ ٤٣٢).\n٩٠٩ - ومما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف بن عمر، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سواد بن نُوَيرة، وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة، وأبو عثمان، قالوا: بقِيَت المدينة بعد قَتْل عثمان ﵁ خمسةَ أيام - وأميرها الغافقيّ بن حرب - يلتمسون من يُجيبهم إلى القيام بالأمر، فلا يجدونه، يأتي المصريّون عليًّا فيخْتبئ منهم، ويلوذُ بحيطان المدينة، فإذا لَقوْه؛ باعدهم، وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرّة بعد مرّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسُلًا، فباعدهم، وتبرّأ من مقالتهم. ويطلب البصرّيون طلحةَ، فإذا لقيهم؛ باعَدهم، وتبرّأ من مقالتهم مرّة بعد مرّة؛ وكانوا مجتمعين على قَتْل عثمان مختلفين فيمن يهوَوْن، فلما لم يجدوا ممالئًا، ولا مُجيبًا؛ جمعهم الشرّ على أوّل من أجابهم، وقالوا: لا نولّي أحدًا من هؤلاء\n_________\n(١) في إسناده الواقدي (محمد بن عمر)، وهو متروك وفي متنه مخالفة لما في الروايات الصحيحة. راجع قسم الصحيح.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":619},{"text":"الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى، فرَأيُنا فيك مجتمع، فاقدُم؛ نبايعك، فبعث إليهم: إني، وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها على حال. وتمثل:\nلا تَخلِطَنَّ خبيثاتٍ بطَيبَةٍ ... واخلع ثيابَك منها وانجُ عُريانا\nثم إنهم أتوْا ابنَ عمر عبد الله، فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، واللهِ لا أتعرّض له! فالتمسوا غيري. فبقُوا حيارَى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم (١). (٤: ٤٣٢).\n٩١٠ - وكتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كانوا إذا لقوا طلحة؛ أبى، وقال:\nومن عَجَبِ الأيامِ والدَّهرِ أنني ... بقيتُ وحيدًا لا أمرُّ ولا أُحلِي\nفيقولون: إنَّك لتوعدنا. فيقومون فيتركونه، فإذا لقُوا الزّبير، وأرادوه؛ أبى، وقال:\nمتى أنت عن دارٍ بفَيْحان راحلٌ ... وباحتها تَخْنُو عليك الكتائبُ\nفيقولون: إنك لتوعدنا! فإذا لقوا عليًّا، وأرادوه؛ أبى، وقال:\nلو أنَّ قومي طاوَعَتني سَراتُهُمْ ... أمَرْتُهُمْ أمرًا يُديخ الأعاديا\nفيقولون: إنك لتوعدنا! فيقومون، ويتركونه (٢). (٤: ٤٣٣).\n٩١١ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنيّ، قال: أخبرنا مسلمة بن محارب عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: لما قتل\n_________\n(١) إسناده مظلم ومتنه منكر للغاية، فلم يثبت إسناد رواية تذكر ذلك بل إن الصحابة بايعوا عليًّا في اليوم الذي قتل فيه عثمان ﵁ ومن لم يبايعه في ذلك اليوم بايعه في اليوم الذي بعده مباشرة، ولم يكن الصحابة بهذا الضعف بحيث تبقى المدينة المنورة وعاصمة الخلافة في أيدي الخارجين لمدة خمسة أيام! وهذا هو دأب شعيب راوية سيف المجهول الحال والذي يتحامل على الصحابة في رواياته كما عرف عنه أئمة الجرح والتعديل وهو يريد تحت ستار أن يطعن في الصحابة ويظهر عجزهم في خضم ذكره لتأثر علي لمقتل عثمان ورفضه سماع كلام الخارجين عليه فينفذ سمه ولكن هيهات وأئمة الإسناد كانوا له بالمرصاد فرحمهم الله وجزاهم عنا خير الجزاء.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا ولم نجد ما يؤيده.","vol":"8","page":620},{"text":"عثمان ﵁؛ أتى الناسُ عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا له: ابسُط يدك نبايعْك، قال: لا تعجلوا فإنّ عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهِلوا يجتمع الناس، ويتشاورون. فارتدّ الناس عن عليّ؛ ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقَتْل عثمان ولم تقْم بعده قائم بهذا الأمر؛ لم نأمن اختلافَ الناس، وفساد الأمة، فعادوا إلى عليّ، فأخذ الأشْتَرُ بيده فقبضها عليّ، فقال: أبعد ثلاثة! أمَا والله لئن تركتها لتقصرنّ عَنيتَك عليها حينًا، فبايعته العامَّة. وأهل الكوفة يقولون: إنّ أوّل من بايعه الأشْتر (١). (٤: ٤٣٣).\n٩١٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان ﵁؛ جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعدًا، والزّبير خارجيْن، ووجدوا طلحة في حائط له، ووجدوا بني أميَّة قد هربوا إلّا من لم يُطِق الهرب، وهرب الوليد، وسعيد إلى مكة في أوّل من خرج، وتبعهم مروان، وتتابع على ذلك مَنْ تتابع، فلما اجتمع لهم أهلُ المدينة، قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامةَ، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصّبونه، ونحن لكم تبَع. فقال الجمهور: عليّ بن أبي طالب نحن به راضون (٢). (٤: ٤٣٣/ ٤٣٤).\n٩١٣ - وكتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فقالوا لهم: دونكم يا أهل المدينة فقد أجّلناكم يومين، فوالله لئن لم تفرُغوا لنقتلنّ غدًا عليًّا، وطلحة، والزّبير، وأناسًا كثيرًا! فغشي الناس عليًّا، فقالوا: نُبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام؛ وما ابتُلينا به من ذوي القُربى، فقال عليّ: دعوني، والتَمِسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرًا له وجوه، وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدُك الله ألا ترى ما نرى؟ ! ألا ترى الإسلام؟ ! ألا ترى الفتنة! ألا تخاف الله؟ ! فقال: قد أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم، ركبتُ بكم ما أعلم، وإن تركتموني؛ فإنما أنا كأحدكم، إلّا أني أسمعكم، وأطوَعكم لمن ولّيتموه أمركم. ثمّ افترقوا على ذلك، واتّعدوا الغد. وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة، والزبير، فقد استقامت. فبعث\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا ومتنه منكر كما سبق أن أشرنا في (٤/ ٤٣٢/ ٩٠٩).","vol":"8","page":621},{"text":"البصريّون إلى الزبير بصريًّا، وقالوا: احذر لا تحادّه -وكان رسولهم حُكَيم بن جبلة العبديّ في نفر- فجاؤوا به يحِدّونه بالسيف. وإلى طلحة كوفيًّا، وقالوا له: احذر لا تحادّه، فبعثوا الأشتر في نَفر، فجاؤوا به يحدّونه بالسيف. وأهلُ الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهلُ المدينة، وقد خشّع أهلَ الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعًا لأهل مصر وحِشْوة فيهم، وازدادوا بذلك على طلحة، والزّبير غيظًا، فلما أصبحوا من يوم الجمعة؛ حضر الناس المسجد، وجاء عليّ حتى صعد المنبر، فقال: يا أيّها الناس -عن ملأ وإذن- إنّ هذا أمرُكم ليس لأحد فيه حق إلّا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلّا فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وجاء القوم بطلحة، فقالوا: بايع، فقال: إني إنّما أبايع كرهًا، فبايع -وكان به شلل- أوّل الناس، وفي الناس رجل يعتاف، فنظر من بعيد، فلما رأى طلحة أوّل من بايع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أوّل يدٍ بايعت أمير المؤمنين يدٌ شلّاء، لا يتمّ هذا الأمر! ثم جيء بالزبير، فقال مثل ذلك، وبايع -وفي الزّبير اختلاف- ثمّ جيء بقوم كانوا قد تخلّفوا، فقالوا: نُبايع على إقامة كتاب الله في القريب، والبعيد، والعزيز، والذّليل، فبايعهم؛ ثمّ قام العامَّة، فبايعوا (١). (٤: ٤٣٤/ ٤٣٥).\n٩١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي زُهير الأزديّ، عن عبد الرحمن بن جندَب، عن أبيه، قال: لما قتل عثمان ﵁، واجتمع الناس على عليّ؛ ذهب الأشْتَر فجاء بطلحة، فقال له: دعنى أنظر ما يصنع الناس، فلم يدَعه، وجاء به يتُلُّه تَلًّا عنيفًا، وصعد المنبر فبايع (٢). (٤: ٤٣٥).\n٩١٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة كما ذكرنا فإن الصحابة بدؤوا بالبيعة في اليوم الذي قتل فيه سيدنا عثمان ولم تكن البيعة تحت تهديد الخارجين وما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بهذه الدرجة من الخوف من الناس، ولكن سيفًا وراويته (شعيب) يأبيان إلا أن يحرفا الحقائق فلا حول ولا قوة إلا بالله. والروايات الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح تكذب ذلك.\n(٢) إسناده ضعيف ومتنه منكر كما ذكرنا.","vol":"8","page":622},{"text":"قالا: وبايع النّاس كلهم (١). (٤: ٤٣٥).\nقال أبو جعفر: وسمح بعد هؤلاء الذين اشترطوا الذين جيء بهم، وصار لأمر أمر أهل المدينة، وكانوا كما كانوا فيه، وتفرّقوا إلى منازلهم لولا مكان النّزاع، والغوغاء فيهم (٢). (٤: ٤٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>اتساق الأمر في البيعة لعليّ بن أبي طالب ﵇</span>\n٩١٧ - وبويع عليّ يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذي الحجّة -والناس يحسبُون من يوم قتل عثمان ﵁- فأوّل خطبة خطبها عليّ حين استُخلف -فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن عليّ بن الحسين- حمِد الله وأثنى عليه، فقال:\nإنّ الله ﷿ أنزل كتابًا هاديًا بيَّن فيه الخير، والشرّ، فخذوا بالخير، ودعوا الشرّ. الفرائض أدّوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنَّة. إنّ الله حرّم حُرَمًا غير مجهولة، وفضّل حُرْمة المسلم على الحُرم كلّها، وشدّ بالإخلاص، والتوحيد المسلمين. والمسلم مَن سلم النّاس من لسانه ويده إلا بالحقّ، لا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصّة أحدكم الموتُ، فإنّ الناس أمامكم، وإن ما من خلفكم الساعةُ تحدوكم. تخفّفوا؛ تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتقوا الله عبادَه في عباده، وبلاده، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله ﷿ ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير؛ فخذوا به، وإذا رأيتم الشرّ؛ فدعوه، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nولما فرغ عليّ من خطبته وهو على المنبر قال المصريون:\nخُذْها ... واحْذَرًا أبا حَسَنْ ... إنَّا نمِرُّ الأمْرَ إمْرارَ الرَّسَنْ\nوإنما الشعر:\nخذها إليكَ واحذرًا أبا حَسَنْ\nفقال عليٌّ مجيبًا:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) لا إسناد له.","vol":"8","page":623},{"text":"إني عَجَزتُ عَجْزةً ما أعْتَذرْ ... سَوْفَ أكيسُ بعْدَها وأستَمِرّ (١)\n(٤: ٤٣٦).\n٩١٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ولما أراد عليّ الذهاب إلى بيته قالت السّبئيّة:\nخذها إليك واحذرًا أبا حسنْ ... إنَّا نُمِرُّ الأمرَ إمرارَ الرَّسَنْ\nصَوْلَةَ أقْوامٍ كَأَسْدادِ السُّفُنْ ... بمَشْرَفيَّات كَغُدْرانِ اللّبَنْ\nونطعن المُلكَ بِلَيْنٍ كالشَّطَنْ ... حتى يُمَرَّنَّ على غَيرِ عَننْ\nفقال عليّ وذكر تركهم العسكر والكينونة على عِدَة ما مُنُّوا حين غمزوهم، ورجعوا إليهم، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى ....\nإنِّي عجزتُ عجزةً لا أعتذِرْ ... سوف أكيسُ بعدها وأستمرّ\nأرْفَعُ مِنْ ذَيلي ما كنْتُ أجُرّ ... وأَجْمَعُ الأمْرَ الشَّتيتَ المُنْتَشِرْ\nإن لم يُشاغِبْني العَجُولُ المُنْتَصِرْ ... أو يترُكوني والسِّلاحُ يُبتَدَرْ\nواجتمع إلى عليّ بعد ما دخل طلحة، والزّبير في عدّة من الصّحابة، فقالوا: يا عليّ! إنّا قد اشترطنا إقامةَ الحدُود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرّجل وأحلّوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا، ولا نملكهم! ها هُمْ هؤلاء قد ثارت معهم عُبدانكم، وثابت إليهم أعرابُكم، وهم خِلالَكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل تروْن موضعًا لقُدْرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلّا رأيًا ترونه إن شاء الله؛ إنّ هذا الأمر أمرُ جاهليّة، وإنّ لهؤلاء القوم مادّة؛ وذلك أن الشيطان لم يشرَع شريعة قطّ فيبرح الأرضَ من أخذ بها أبدًا. إنّ الناس من هذا الأمر إن حُرِّك على أمور: فرْقة ترى ما تروْن، وفرْقة ترى ما لا ترون، وفرْقة لا ترى هذا، ولا هذا؛ حتى يهدأ الناس، وتقع القلوبُ مواقعَها، وتؤخَذ الحقوق، فاهدؤوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم، ثمّ عودوا.\nواشتدّ على قريش، وحالَ بينهم وبين الخروج على حال، وإنما هَيّجه على ذلك هربُ بني أميّة. وتفرّق القوم؛ وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمرُ لا قدرنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":624},{"text":"على انتصارٍ من هؤلاء الأشرار؛ لتَرْك هذا إلى ما قال عليّ أمثل. وبعضهم يقول: نقضي الّذي علينا ولا نؤخّره، ووالله إنّ عليًّا لمستغنٍ برأيه وأمره عنا، ولا نراه إلّا سيكون على قُريش أشدّ من غيره. فذُكر ذلك لعليّ، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر فَضْلهم، وحاجته إليهم، ونظرَه لهم، وقيامه دونهم، وأنه ليس له من سلطانهم إلّا ذلك، والأجر من الله ﷿ عليه، ونادى: برئت الذمة من عبدٍ لم يرجع إلى مواليه. فتذامَرت السّبئيّة، والأعْراب، وقالوا: لنا غدًا مثلها، ولا نستطيع نحتجّ فيهم بشيء (١). (٤: ٤٣٦/ ٤٣٧/ ٤٣٨).\n٩١٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: خرج عليٌّ في اليوم الثالث على الناس، فقال: يا أيُّها الناس! أخرجوا عنكم الأعْراب. وقال: يا معشر الأعراب! الحقوا بمياهكم. فأبت السَّبئيَّة، وأطاعهم الأعراب. ودخل عليٌّ بيته، ودخل عليه طلحة، والزّبير، وعدّة من أصحاب النبيّ - ﷺ -، فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه؛ فقالوا: عَشوا عن ذلك، قال: هم والله بعد اليوم أعْشى، وآبى. وقال:\nلو أنَّ قومي طاوعَتْني سَرَاتُهُمْ ... أمَرْتهُمُ أمْرًا يُديخُ الأعاديا\nوقال طلحة: دعني فلآت البصرة، فلا يفْجؤك إلّا وأنا في خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك. وقال الزّبير: دعني آتِ الكوفة، فلا يفجؤك إلّا وأنا في خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك؛ وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه، فقال: إنّ لك حقّ الطاعة، والنصيحة، وإنّ الرّأي اليوم تُحرز به ما في غد، وإنّ الضَّيَاع اليومَ تضيِّع به ما في غد؛ أقْرِرْ معاويةَ على عمله، وأقرر ابنَ عامر على عمله، وأقرر العمّال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم، وبيعةُ الجنود استَبْدَلْت، أو تركت. قال: حتى أنظر.\nفخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برَأي، وإنّ الرأي أن تعاجلهم بالنزوع، فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك؛ ثمّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، وإلّا فكيف يقبل الصحابة بيعة مشروطة وهم أفقه الناس بعد رسول الله - ﷺ -، ورواية سيف هذه تبين أن طلحة والزبير بايعوه بشرط إقامة الحدود منها القصاص من قتلة عثمان وهذا غير صحيح ولذلك قال ابن العربي: فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح في شرط البيعة (العواصم/ ١٥٠).","vol":"8","page":625},{"text":"خرج، وتلقّاه ابن عباس خارجًا؛ وهو داخل، فلما انتهى إلى عليّ؛ قال: رأيت المغيرَة خرج من عندك، ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذيّة، وذيّةَ، وجاءني اليوم بذَيَّة، وذيَّة، فقال: أمَّا أمس فقد نَصَحك، وأما اليوم فقد غشّك. قال: فما الرّأي؟ قال: كان الرّأي أن تخرج حين قُتِل الرّجل، أو قبل ذلك، فتأتيَ مكة، فتدخل دارك، وتغلق عليك بابَك، فإن كانت العربُ جائِلة مضطربة في أثرك لا تجد غيرك؛ فأمّا اليوم فإنّ في بني أميّة من يستَحْسنون الطلب بأن يلزموك شعبةً من هذا الأمر، ويشبّهون على الناس، ويطلبون مثل ماطلب أهلُ المدينة، ولا تقدر على ما يريدون، ولا يقدرون عليه، ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ذلك أمْوَت لحقوقهم؛ وأترك لها إلا ما يعجّلون من الشبهة. وقال المغيرة: نصحتُه والله، فلما لم يقبل غشَشْتُه. وخرج المغيرة حتى لحق بمكة (١). (٤: ٤٣٨/ ٤٣٩).\n٩٢٠ - حدّثني الحارث عن ابن سعد، عن الواقديّ، قال: حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن ابن عباس، قال: دعاني عثمان، فاستَعْملني على الحجّ، فخرجت إلى مكة فأقمت للناس الحجّ، وقرأتُ عليهم كتابَ عثمان إليهم، ثمّ قدِمْت المدينة؛ وقد بويع لعليّ؛ فأتيتُه في داره، فوجدتُ المغيرة بن شُعبة مستَخْليًا به، فحبسني حتى خرج من عنده، فقلت: ماذا قال لك هذا؟ فقال: قال لي قبل مَرّته هذه: أرْسِلْ إلى عبد الله بن عامر، وإلى معاوية، وإلى عمّال عثمان بعهُودهم تُقرّهم على أعمالهم، ويبايعون لك الناس، فإنّهم يهدّئون البلاد، ويسكّنون الناس؛ فأبيتُ ذلك عليه يومئذ، وقلتُ: والله لو كان ساعة من نهار؛ لاجتهدتُ فيها رأي، ولا ولّيتُ هؤلاء، ولا مثلُهم يُوَلَّى.\nقال: ثمّ انصرف من عندي وأنا أعرفُ فيه: أنه يرى أني مخطئ؛ ثمّ عاد إليَّ الآن، فقال: إني أشرتُ عليك أوّل مرَّة بالذي أشرتُ عليك، وخالَفْتني فيه، ثمّ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه ما لا يصح، فقد ورد فيها: (وقال طلحة: دعني فلآت البصرة فلا يفجؤك إلّا وأنا في خيل) وقال الزبير: (دعني آت الكوفة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل) وهذا لم يصح فلم يطلب الزبير ولا طلحة من علي أن يأذن لهما بالذهاب إلى البصرة لطلب الجيوش والمدد.","vol":"8","page":626},{"text":"رأيتُ بعد ذلك رأيًا، وأنا أرى أن تصنع الذي رأيتَ، فتنزعهم، وتستعين بمن تَثِق به، فقد كفى الله، وهم أهْوَنُ شوكة مما كان. قال ابن عباس: فقلتُ لعليّ: أما المرّة الأولى؛ فقد نصحك، وأما المرّة الآخرة، فقد غَشّك؛ قال له عليّ: ولم نصحني؟ قال ابن عباس: لأنَّك تعلم أن مُعاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثْبتهم؛ لا يبالوا بمن ولي هذا الأمر، ومتى تعزلْهم؛ يقولوا: أخَذَ هذا الأمْرَ بغير شورى، وهو قتلَ صاحبَنا؛ ويؤلِّبون عليك فينتقض عليك أهلُ الشأم، وأهلُ العراق، مع أني لا آمن طلحة، والزبير أن يكرّا عليك.\nفقال عليّ: أمَّا ما ذكرت من إقرارهم فوالله ما أشكّ أن ذلك خيرٌ في عاجل الدّنيا لإصلاحها، وأما الذي يلزمني من الحقّ، والمعرفة بعمّال عثمان فوالله لا أولِّي منهم أحدًا أبدًا؛ فإن أقبلوا؛ فذلك خير لهم، وإن أدْبروا؛ بذلت لهم السيف. قال ابن عباس: فأطِعْني، وادخل دارَك، والحق بمالِك بينْبُع، وأغلق بابك عليك، فإنّ العرب تجول جولة، وتضطربُ، ولا تجد غيرَك، فإنك والله لئن نَهَضْت مع هؤلاء اليوم ليُحَمّلَنَّك الناس دمَ عثمان غدًا. فأبى على، فقال لابن عباس: سر إلى الشأم فقد ولّيتُكَها؛ فقال ابن عباس: ما هذا برأي؛ معاويةُ رجل من بني أميّة، وهو ابنُ عمّ عثمان، وعامله على الشأم، ولست آمن أن يضرب عُنُقي لعثمان، أو أدْنى ما هو صانِعٌ أن يحبسني فيتحكم على. فقال له عليّ: ولم؟ قال: لقرابة ما بيني وبينك، وإنّ كلّ ما حمل عليك حمِل عليّ، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنِّه، وعِده. فأبى عليّ، وقال: والله لا كان هذا أبدًا (١). (٤: ٤٣٩/ ٤٤٠).\n٩٢١ - قال محمّد: وحدّثني هشام بن سعد عن أبي هلال، قال: قال ابن عبّاس: قدِمْت المدينة من مكة بعد قتل عثمان ﵁ بخمسة أيام، فجئْتُ عليًّا أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرةُ بن شعبة؛ فجلستُ بالباب ساعةً، فخرج المغيرة، فسلّم عليّ، فقال: متَى قدِمت؟ فقلت: الساعةَ. فدخلتُ على على، فسلّمت عليه، فقال لي: لقيتَ الزّبير، وطلحة؟ قال: قلت: لقيتهما\n_________\n(١) في إسناده الواقدي، وهو متروك وفي متنه ما يخالف الرواية الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح عند الحديث عن بيعة علي ﵁ من أن عبد الله بن عباس ﵄ بايعه من أول الأمر وكان حاضرًا غير غائب في الحج.","vol":"8","page":627},{"text":"بالنَّواصف. قال: مَن معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فِئة من قُريش. فقال عليّ: أما إنهم لن يَدَعوا أن يخرجوا يقولون: نطلب بدم عثمان؛ والله نعلم: أنهم قتلة عثمان. قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! أخبِرْني عن شأن المغيرة، ولمَ خلا بك؟ قال: جاءني بعد مَقْتل عثمان بيومين، فقال لي: أخْلِني، ففعلت؛ فقال: إنّ النّصح رخيص، وأنت بقيّة الناس، وإني لك ناصح، وإني أشير عليك بردّ عمال عثمان عامَك هذا؛ فاكتب إليهم بإثْباتهم على أعمالهم، فإذا بايَعوا لك، واطمأنّ الأمْرُ لك؛ عزَلْت من أحْببت، وأقرَرْت من أحبَبْت. فقلتُ: والله لا أدهِن في ديني، ولا أعطي الدّنيّ في أمري! قال: فإن كنت قد أبَيْتَ عليّ؛ فانزعْ من شئت، واترك معاوية، فإن لمعاوية جُرْأة، وهو في أهل الشأم يُسمع منه، ولك حُجّة في إثباته؛ كان عمر بن الخطاب قد ولّاه الشأم كلها، فقلتُ: لا والله! لا أستعمل معاويةَ يومين أبدًا. فخرج من عندي على ما أشار به، ثمّ عاد فقال لي: إنّي أشرتُ عليك بما أشرتُ به، فأبيتَ علَيَّ، ثمّ نظرتُ في الأمر، فإذا أنتَ مصيبٌ، لا ينبغي لك أن تأخُذَ أمرك بخَدْعة، ولا يكون في أمرك دُلْسة. قال: فقال ابن عباس: فقلت لعلى: أمَّا أوّل ما أشار به عليك؛ فقد نصَحك، وأما الآخر؛ فغَشّك؛ وأنا أشيرُ عليك بأن تُثْبِت معاوية، فإن بايع لك؛ فعليّ أن أقلعَهُ من منزله. قال عليٌّ: لا والله، لا أعطيه إلّا السيف! قال: ثم تمثَّل بهذا البيت:\nما ميتة إن مُتُّها غيْرَ عاجزٍ ... بعارٍ إذا ما غالَتِ النفسَ غولُها\nفقلت: يا أمير المؤمنين! أنت رجلٌ شجاع لست بأرِب بالحرْب، أما سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"الحرب خُدعة\"! فقال عليّ: بلى! فقال ابن عباس: أما والله لئن أطَعْتَني لأصدُرَنّ بهم بعد ورْد، ولأتركنّهم ينظرون في دُبُر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نُقصان عليك، ولا إثم لك. فقال: يا بن عباس! لستُ من هُنياتك وهنيات معاوية في شيء، تُشير عليّ وأرى، فإذا عصيتُك؛ فأطعني. قال: فقلت: أفْعل، إنّ أيسر مَالَكَ عندي الطاعة (١). (٤: ٤٤٠/ ٤٤١).\n_________\n(١) في إسناده الواقدي، وهو متروك وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1304>مسيرُ قُسْطنطين ملك الرّوم يُريد المسلمين</span>\n٩٢٢ - وفي هذه السنة -أعني: سنة خمس وثلاثين- سار قسطنطين بن هِرَقل -فيما ذكر محمد بن عمر الواقديّ عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نسيّ- في ألف مَركب يُريد أرضَ المسلمين، فسقط الله عليهم قاصِفًا من الرّيح، فغرّقهم، ونجا قسطنطين بن هِرَقل، فأتى صِقليّة، فصنعوا له حمّامًا، فدخله، فقتلوه فيه؛ وقالوا: قتلتَ رجالنا (١). (٤: ٤٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>تفريق عليّ عمّاله على الأمصار</span>\n٩٢٣ - ولمّا دخلت سنة ستّ وثلاثين فرّق عليٌّ عمّالَه؛ فممّا كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بعث عليٌّ عماله على الأمصار، فبعث عُثمان بن حُنَيف على البصْرة، وعُمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة؛ وعبيدَ الله بن عباس على اليَمن، وقيسَ بن سعد على مصر، وسهل بن حُنَيف على الشأم؛ فأمَّا سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتَبوك لقيته خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أيّ شيء؟ قال: على الشأم، قالوا: إن كان عثمان بعثَك فحيَّهلا بك، وإن كان بعثك غيرُه فارجع! قال: أوَما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلَى؛ فرجع إلى عليّ. وأما قيس بن سعد؛ فإنه لما انتهى إلى أيلَة لقيَتْهُ خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: من فالَّة عثمان، فانا أطلبُ من آوى إليه، وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد، قالوا: امضِ؛ فمضَى حتى دخل مصرَ، فافترق أهلُ مصرِ فِرَقًا؛ فرقة دخلت في الجمَاعة، وكانوا معه. وفِرْقة وقَفت، واعتزلت إلى خرْبِتَا، وقالوا: إن قُتِل قتَلةُ عثمان فنحن معكم، وإلّا فنحن على جديلتنا؛ حتى نحرّك، أو نصيب حاجتنا. وفرقةٌ قالوا: نحن مع عليّ ما لم يُقِدْ إخواننَا، وهم في ذلك مع الجماعة؛ وكتب قَيْس إلى أمير المؤمنين بذلك. وأمّا عثمان بن حُنَيف؛ فسار فلم يردّه أحدٌ عن دُخول\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":629},{"text":"البصرة، ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأيٌ، ولا حزم، ولا استقلال بحرب. وافترق الناس بها، فاتّبعت فرقةٌ القومَ، ودخلت فرقةٌ في الجماعة، وفرقةٌ قالت: ننظرُ ما يصنع أهلُ المدينة، فنصنع كما صنعوا. وأمّا عُمارة فأقبل حتى إذا كان بزُبالة؛ لقيه طليحة بن خُويلد؛ وقد كان حين بلغهم خبرُ عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه، ويقول: لهفي على أمْرٍ لم يسبقني، ولم أدْرِكْهِ!\nيا لَيتَني فيها جَذَعْ ... أكرُّ فيها وأضَعْ\nفخرج حين رجع القعقعاعُ من إغاثة عثمان فيمن أجابه حتى دخل الكوفَة، فطلع عليه عُمارة قادمًا على الكوفة، فقال له: ارجع فإنّ القومَ لا يريدون بأميرهم بدلًا، وإن أبيت؛ ضربتُ عنقَك. فرجعَ عمارة وهو يقول: احذر الخطَر ما يماسُّكَ، الشرُّ خير من شرّ منه.\nفرجع إلى عليّ بالخبر، وغلب على عُمارة بن شهاب هذا المثلُ من لدُنْ اعتاصَت عليه الأمور إلى أن مات. وانطلق عبيدُ الله بن عباس إلى اليَمن، فجمع يَعْلَى بن أميّة كلّ شيء من الجباية، وتركه، وخرج بذلك وهو سائرٌ على حاميته إلى مكة فقَدِمَها بالمال. ولما رجع سهلُ بن حُنيف من طريق الشأم، وأتَتْه الأخبار، ورجِع من رجع؛ دعا عليٌّ طلحةَ والزُّبير، فقال: إنّ الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم! وإنّ الأمر الذي وقع لا يُدرَك إلا بإمَاتَتِه، وإنها فِتنة كالنار؛ كلَّما سُعّرَت ازدادت، واستنارت. فقالا له: فَائْذَن لنا أن نخرج من المدينة، فإمّا أن نكابر، وإما أن تَدَعنا، فقال: سأمسِك الأمر ما استَمْسك؛ فإذا لم أجد بُدًّا فآخِر الدواء الكيّ.\nوكتب إلى معاوية، وإلى أبي موسى. وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهْل الكوفة، وبيْعتهم، وبيَّنَ الكاره منهم للّذي كان، والرَّاضيَ بالذي قد كانَ، ومن بَيْن ذَلك حتى كأن عليًّا على المُواجَهَة من أمْر أهل الكوفة. وكان رسول عليّ إلى أبي موسى مَعْبد الأسلميّ؛ وكان رسول أمير المؤمنين إلى مُعاوية سَبْرة الجُهَنيّ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء، ولم يُجِبْه وردَّ رسولَه، وجعل كلما تنجّز جوابَه لم يزد على قوله:\nأدِمْ إدامَةَ حِصن أو خُدًا بِيَدي ... حرْبًا ضَروسًا تَشُبُّ الجزْلَ والضّرَمَا\nفي جارِكُم وابنِكُمْ إذ كان مَقْتَلهُ ... شنعاءَ شَيَّبَتِ الأصداغَ واللَّمَما","vol":"8","page":630},{"text":"أعْيا المَسودُ بها والسَّيَدون فلَم ... يوجَد لها غَيْرُنا مولىً ولا حَكَما\nوجعل الجُهنيُّ كلما تنجّز الكتاب لم يزِدْه على هذه الأبيات؛ حتى إذا كان الشّهر الثالث من مَقْتل عثمان في صفر؛ دعا معاويةُ برجُل من بني عبْس، ثم أحد بَني رواحة يُدْعى قبيصة، فدفع إليه طُومارًا مَخْتومًا، عنوانهُ: من معاوية إلى عليّ. فقال: إذا دخلتَ المدينة؛ فاقبض على أسفل الطّومار، ثمّ أوصاه بما يقولُ وسَرَّح رسولَ عليّ. وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأوّل لغُرّته، فلما دخلا المدينة رفع العبسيّ الطُّومار كما أمره، وخرج الناس ينظُرون إليه، فتفرّقوا إلى منازلهم وقد علموا: أن معاوية معترض، ومضى حتى يدخل على عليّ، فدفع إليه الطُومار، ففضَّ خاتمه فلم يجد في جَوْفه كتابةً، فقال للرّسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إنّ الرّسل آمنة لا تُقتل؛ قال: ورائي أني تركتُ قومًا لا يرضوْن إلا بالقود، قال: ممن؟ قال: من خَيْط نفسك، وتركتُ ستين ألف شَيْخٍ يبكي تحت قَميص عُثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منْبَر دمشق. فقال: منِّي يطلبون دمَ عثمان! ألستُ موتورًا كترَة عثمان! اللهمّ إني أبرَأ إليك من دَم عثمان؛ نجا والله قتلةُ عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنه إذا أراد أمرًا أصابه؛ اخرج! قال: وأنا آمنٌ؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسيّ وصاحت السّبئيّة قالوا: هذا الكلبُ، هذا وافد الكلاب، اقتلوه! فنادى: يا آل مُضر! يا آل قَيس! الخيل والنَّبْل، إني أحلف بالله جلّ اسمُه ليرُدّنَّها عليكم أربعة آلاف خَصيّ، فانظروا كم الفحولة، والرّكاب! وتعاوَوْا عليه، ومنَعنه مُضَر، وجعلوا يقولون له: اسكْت، فيقول: لا والله! لا يفلح هؤلاء أبدًا، فلقد أتاهم ما يوعَدُون. فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حلّ بهم ما يحذَرون، انتهت والله أعمالُهم، وذهبَتْ ريحُهم! فو الله ما أمسوا حتى عرف الذلّ فيهم (١)! (٤: ٤٤٢/ ٤٤٣/ ٤٤٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، وهذا هو دأب شعيب لا يكاد يجد فرصة حتى يطعن في عدالة الصحابة ولكن الروايات الصحيحة أبت إلّا أن تكذب شعيبًا وأمثاله فقد ذكرت هذه الرواية من طريق (شعيب عن سيف) أن معاوية ﵁ اتهم سيدنا علي بقتل عثمان وأخذ يهدد عليًّا في رسالة أرسلها إليه وفيها من سوء الأدب بشأن الصحابة ما فيها، وهي تصور أن سيدنا معاوية ﵁ أرسل رسالة إلى علي لم يتقيد فيها حتى بأدب الأخوة بل بأدب الإسلام فلم يسم الله ولم يحمده وإنما عنون رسالته قائلًا [من معاوية إلى علي] وحاشا لسيدنا معاوية أن يكون بهذا المستوى الذي صورته هذه الرواية المختلقة من رجلٍ مجهول =","vol":"8","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1307>استئذان طلحة والزبير عليًّا</span>\n٩٢٤ - كتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: استأذن طلحةُ، والزبير عليًّا في العُمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة؛ وأحبّ أهلُ المدينة أن يعلموا ما رَأي عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيَه في قتال أهل القبلة؛ أيجسُر عليه، أو ينكُلُ عنه! وقد بلغَهم: أن الحسن بن عليّ دخل عليه، ودعاه إلى القُعود وترْك النّاس، فدسّوا إليه زيادَ بن حنظلة التميمى -وكان مُنقطعًا إلى عليّ- فدخل عليه فجلس إليه ساعةً ثمّ قال له عليّ: يا زياد! تيسَّر؛ فقال: لأيّ شيء؟ فقال: تغزو الشأم، فقال زياد: الأناةُ والرفق أمْثل، فقال:\nومَنْ لا يُصانِعْ في أمور كثيرةٍ ... يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويوطأْ بمنْسِمِ\nفتمثّل عليٌّ؛ وكأنه لا يريده:\nمتى تَجمَعِ القلبَ الذّكى وصارِمًا ... وأنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظَالِمُ\nفخرج زياد على النّاس والناس ينتَظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السَّيف يا قوم! فعرفوا ما هو فاعل. ودعا عليٌّ محمد بن الحنفيّة فدَفَعَ إليه اللواء، وولّى عبد الله بن عباس ميمَنَته، وعمر بن أبي سَلمةَ - أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد - ولّاه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح؛ ابن أخي أبي عُبيدة بن الجرّاح، فجعله على مقدّمته، واستخلف على المدينة قثم بن عبّاس، ولم يولّ ممن خرج على عثمان أحدًا، وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشأم، وإلى عثمان بن حُنَيف وإلى أبي موسى مثلَ ذلك، وأقبل على التهيُّؤ والتجهز، وخطب أهلَ المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفُرْقة، وقال: إنّ الله ﷿ بعث رسولًا هاديًا مهديًا بكتاب ناطِق وأمْر قائم واضح؛\n_________\n= الحال كشعيب (رواية سيف)، بل إن الرواية الصحيحة (تؤكد عدالة الصحابة التي اتفق عليها العلماء) وكما أخرج يحيى بن سليمان الجعفي عن أبي مسلم الخولاني: أنه قال لمعاوية: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه والطالب بدمه فائْتوه فقولوا له: فليدفع إليّ قتلة عثمان وأسلَّم له) سير أعلام النبلاء (٣/ ١٤٠)، البداية والنهاية (٨/ ١٢٩). وجوّد الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٩٢).","vol":"8","page":632},{"text":"لا يهلك عنه إلا هالك، وإنّ المبتدَعات والشبهات هنّ المهلكات إلّا من حفظ الله، وإن في سُلْطان الله عصمة أمركم، فأعطوه طاعَتَكم غيرَ مَلْويَّة ولا مستكرَه بها، والله لتفعلُنّ أو لينقُلنّ الله عنكم سلطانَ الإسلام ثمّ لا ينقلُه إليكم أبدًا حتى يأرِزَ الأمر إليها! انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرّقون جماعَتكم، لعلّ الله يصلح بكم ما أفْسد أهلُ الآفاق، وتقضُون الذي عليكم. بينا هم كذلك إذ جاءَ الخبرُ عن أهل مكة بنحو آخر وتمامٍ على خلاف، فقام فيهم بذلك؛ فقال: إن الله ﷿ جعل لظالم هذه الأمة العفو والمغفرة، وجعل لمن لزم الأمْر واستقام الفوزَ والنَّجاة، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل. ألا وإنّ طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي، ودَعوا النّاس إلى الإصلاح، وسأصبر ما لم أخَفْ على جماعتكم، وأكفّ إن كفوا، وأقتصر على ما بلغني عنهم.\nثمّ أتاه: أنهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس والأصلاح، فتعبّى للخروج إليهم، وقال: إن فعلوا هذا فقد انقَطع نظامُ المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا مَؤُونة ولا إكْراه. فاشتدّ على أهل المدينة الأمرُ، فتثاقَلُوا، فبعث إلى عبد الله بن عمر كُميْلًا النَّخَعِيّ، فجاء به فقال انهض معي، فقال: أنا مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا أفارقهم، فإن يخرجوا؛ أخرجْ وإن يقعدوا؛ أقعد. قال: فأعطني زعيمًا بألّا تخرج، قال: ولا أعطيك زعيمًا، قال: لولا ما أعرف من سوء خُلقك صغيرًا وكبيرًا لأنكرْتني، دعوه فأنا به زعيم. فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع، فإنّ هذا الأمر لمشتَبه علينا، ونحن مُقيمون حتى يُضيء لنا، ويسفر.\nفخرج من تحت ليلته وأخبر أمّ كلثوم بنت عليّ بالذي سمع من أهْل المدينة، وأنه يخرج معتمرًا مقيمًا على طاعة علىّ ما خلا النهوض؛ وكان صدوقًا فاستقَرَّ عندها؛ وأصبح عليّ، فقيل له: حدث البارحةَ حدَثٌ هو أشدّ عليك من طلحة، والزبير، وأمّ المؤمنين، ومعاوية. قال: وما ذلك؟ قال: خرج ابن عُمر إلى الشّأم! فأتى عليّ السوق، ودعا بالظَّهر، فحمل الرّجال، وأعدَّ لكل طريق طُلّابًا. وماج أهل المدينة، وسمعت أمّ كلثوم بالذي هو فيه، فدعت ببغْلتها، فركبتْها في رَحْل، ثمّ أتت عليًّا وهو واقفٌ في السوق يفرّق الرّجالَ في طلبه،","vol":"8","page":633},{"text":"فقالت: مَا لك لا تَزَنَّد من هذا الرّجل؟ إنّ الأمر على خلاف ما بُلِّغتَه، وحُدّثته. قالت: أنا ضامنَة له، فطابت نفسُه وقال: انصرفوا، لا والله ما كذبَتْ، ولا كذَب، وإنه عندي ثِقة، فانصرفوا (١). (٤: ٤٤٤/ ٤٤٥/ ٤٤٦).\n٩٢٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ولما رأى عليّ من أهل المدينة ما رأى لم يَرْضَ طاعتَهم حتى يكون معها نُصرته، قام فيهم وجمع إليه وجُوهَ أهْلِ المدينة، وقال: إنّ آخر هذا الأمر لا يَصْلُح إلّا بما صلَح أوّله، فقد رأيتم عواقِبَ قضاء الله ﷿ على من مضى منكم، فانصروا الله؛ يَنْصركم ويصلح لكم أمركم. فأجابه رجلان من أعلام الأنصار؛ أبو الهيثم بن التَّيِّهان -وهو بدريّ- وخزيمة بن ثابت؛ وليس بذي الشهادتين؛ مات ذو الشهادتين في زمن عثمان ﵁ (٢). (٤: ٤٤٧).\n٩٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن الحَكم، قال: قيل له: أشَهِد خُزَيمة بن ثابت ذو الشَّهادتين الجَمَل؟ فقال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارات وطامات وفيها من الافتراء على سيدنا علي والصحابة ما فيها، فزعم سيف في روايته هذه (ومن ورائه شعيب الحاقد على الصحابة) أن عليًّا ﵁ قال: \"ألا وإن طلحة والزبير وأم المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي ودعوا الناس إلى الإصلاح\" وحاشا لسيدنا علي أن يتهم هؤلاء الصحابة وفيهم حواري رسول الله - ﷺوأم المؤمنين عائشة ﵂، والروايات الصحيحة التي ذكرنا تؤكد خلاف هذه الرواية تمامًا فكما ذكرنا مرارًا رواية الأحنف بن قيس ﵁ وهو يحدث طلحة والزبير فيسألهما عن المخرج (وذلك عند مقتل عثمان ﵁) فيأمرانه بالذهاب إلى علي ﵁ ليبايعه ثم تعرج على عائشة ﵂ فتقول له كما قال طلحة والزبير فأين الرواية الصحيحة من كذب الرواة المجاهيل وتحاملهم على الصحابة، وأما تكلّم سيدنا علي على عبد الله بن عمر ﵄ بسوء فلم يصح أبدًا وإنما صحّ أن عليًا ﵁ كلّفه بالإمارة على الشام لأن أهل الشام يحبون عبد الله بن عمر، فأقسم عبد الله أن لا يقبل بولاية الشام (وهو معروف من مواقف عبد الله بن عمر أنه كان يتجنب هذه المواقف) ولما أيقن علي أنه لن يتولى خرج عنه ولم يتكلم بشيء كما قال عبد الله بن عمر: (فتركني وخرج). ابن أبي شيبة (٧/ ٤٧٢).\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":634},{"text":"ليس به، ولكنّه غيره من الأنصار؛ مات ذو الشهادتين في زمان عثمان بن عفان ﵁ (١). (٤: ٤٤٧).\n٩٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشّعبي، قال: بالله الذّي لا إله إلّا هو! ما نهض في تلك الفتنة إلّا ستَّة بدريِّين ما لهم سابع، أو سَبْعة ما لهم ثامن (٢). (٤: ٤٤٧).\n٩٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: بالله الذّي لا إله إلّا هو! ما نهض في ذلك الأمر إلّا ستة بدريين ما لهم سابع. فقلتُ: اختلفتما. قال: لم نختلف، إن الشّعبيَّ شكَّ في أبي أيوب: أخَرج حيثُ أرسلتْه أمّ سَلَمة إلى عليّ بعد صفين، أم لم يخرج؟ ! إلّا أنه قدِم عليه فمضى إليه، وعليٌّ يومَئِذ بالنَّهروان (٣). (٤: ٤٤٧).\n٩٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عن رجل، عن سعيد بن زيد، قال: ما اجتمع أربعةٌ من أصحاب النبي - ﷺ - ففازوا على الناس بخَيْر يحوزونَه إلّا وعليّ بن أبي طالب أحدهم.\nثم إنّ زياد بن حنظلة لما رأى تثاقُل الناس عن عليّ؛ ابتدر إليه، وقال: مَن تثاقل عنك فإنا نخفّ معك، ونقاتل دونك. وبينما عليٌّ يمشي في المدينة؛ إذ سمع زينب ابنة أبي سُفيان وهي تقول: ظلامتنا عند مُدَمَّم وعند مكحلة، فقال: إنها لتَعلم ما هما لها بثأر (٤). (٤: ٤٤٧/ ٤٤٨).\n٩٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة: أن عُثمان قُتل في ذي الحجة لثماني عشرة خلَتْ منه، وكان على مكة عبدُ الله بن عامر الحضرميّ، وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس، بعثه عثمان وهو مَحْصور، فتعجّل أناسٌ في يومين، فأدركوا مع ابن عباس، فقدموا المدينة بعد ما قُتِل وقبل أن يُبايَع عليّ، وهرب بنو أميَّة فلحقوا بمكة، وبويع عليّ لخمس\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٣) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":635},{"text":"بقين من ذي الحجَّة يوم الجمعة؛ وتساقط الهرّاب إلى مكة، وعائشة مقيمة بمكّة تريد عُمرة المحرّم، فلما تساقط إليها الهرّاب استخْبرتهم فأخبروها أنْ قد قُتِل عثمان ﵁، ولم يُجبْهم إلى التأمير أحدٌ، فقالت عائشة ﵂: ولكن أكياس، هذا غِبَّ ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح؛ حتى إذا قضَتْ عمرتَها وخرجت فانتهت إلى سَرِف لقِيهَا رجلٌ عن أخوالها من بني لَيْث -وكانت واصلة لهم، رفيقة عليهم- يُقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمّه أمّ كلاب، فقالت: مَهْيم! فأصمّ، ودمدم، فقالت: ويحك! علينا أو لنا؟ فقال: لا تدري، قُتل عثمان وبقوا ثمانيًا، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ فقال: أخذوا أهلَ المدينة بالاجتماع على عليّ، والقومُ الغالبون على المدينة. فرجحت إلى مكّة وهي لا تقول شَيئًا ولا يخرج منها شيء، حتى نزلت على باب المَسْجد وقصدت للحِجْر فستَّرَتْ فيه، واجتمع الناس إليها فقالت: يا أيّها الناس! إنّ الغوْغاء من أهل الأمصار، وأهل المياه، وعبيد أهل المدينة اجتَمعُوا أن عاب الغوغاءُ على هذا المقتول بالأمس الإرب، واستعمال مَنْ حدثت سنُّه، وقد استُعمل أسنانهم قبله، ومواضع من مواضع الحِمَى حماها لهم، وهي أمورٌ قد سُبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحًا لهم، فلما لم يجدوا حجَّةً ولا عذرًا؛ خلجوا وبادوْا بالعدْوان، ونَبَا فِعْلُهم عن قَوْلهم؛ فسفكوا الدَّمَ الحرامَ، واستحلّوا البلَدَ الحرام؛ وأخذوا المالَ الحرامَ، واستحلّوا الشهر الحرام. والله لإصبَع عثمان خيرٌ من طِباق الأرْض أمثالهم! فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى يَنْكل بهم غيرهم ويشرَّد مَنْ بعدهم، ووالله لو أن الَّذي اعتدّوا به عليه كان ذنبًا لخلّص منه كما يخلّص الذّهب من خَبثه أو الثّوب من دَرَنِه؛ إذ ماصُوه كما يماصُ الثوب بالماء. فقال عبد الله بن عامر الحضرميّ: ها أنذا لها أوّل طالب - وكان أوّلَ مُجيب، ومنتدب (١). (٤: ٤٤٨/ ٤٤٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، ومعلوم أن الروايات الصحيحة جاءت خلاف ما ذكرت هذه الرواية من أن البيعة كانت بعد ثمانية أيام من مقتل عثمان ﵁ وأن المدينة بقيت لأكثر من أسبوع بلا إمامة.\nوأما السيدة عائشة فليست بهذه الخشونة في حديثها عن سيدنا عثمان حتى تقول عنه: (هذا المقتول بالأمس) وإن كان هكذا تقديرها لعثمان فلماذا قالت وفي نفس الرواية (هذه): والله لإصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم- وحتى قولها بأنهم قتلوه بعد أن مصوه وتركوه =","vol":"8","page":636},{"text":"٩٣١ - حدّثني عمر بن شبّه، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنيّ، قال: حدّثنا سُحيم مولى وبرة التميميّ عن عبيد بن عمرو القُرشيّ، قال: خرجت عائشة ﵂ وعُثمان محصورٌ، فقدم عليها مكّة رجل يقال له: أخضر، فقالت: ما صنع الناس؟ فقال: قَتَلَ عثمانُ المصريين، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيقْتلُ قومًا جاؤوا يطلبون الحقّ، وينكرون الظلم! والله لا نَرضَى بهذا! ثمّ قدِم آخرُ فقالت: ما صنع الناس؟ قال: قَتَل المصريون عثمان، قالت: العجبُ لأخْضر، زَعم أنّ المقتول هو القاتل! . فكان يُضْرب به المثلُ: \"أكْذبُ من أخْضر\" (١). (٤: ٤٤٩).\n٩٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: خرجَتْ عائشةُ ﵂ نحو المدينة من مكَّة بعد مقتل عثمان، فلقيَها رجلٌ من أخْوالها، فقالت: ما وراءَك؟ قال: قُتِل عثمان، واجتمع الناس على عليّ، والأمرُ أمرُ الغَوْغاء. فقالت: ما أظنّ ذلك تامًّا، رُدُّوني. فانصرفَتْ راجعة إلى مكة، حتى إذا دخَلَتْها؛ أتاها عبد الله بن عامر الحضرميِّ -وكان أميرَ عثمان عليها- فقال: ما ردَّك يا أمّ المؤمنين؟ قالت: ردّني أنّ عثمان قُتِل مظلومًا، وأنّ الأمرَ لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمرٌ، فاطلبوا بدَم عُثمان تُعِزّوا الإسلامَ. فكان أوّل من أجابَها عبد الله بن عامر الحضرميّ، وذلك أوّل ما تكلمت بنو أميّة بالحجاز، ورفعوا رؤوسَهم، وقام معهم سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وسائرُ بني أميّة. وقد قدِم عليهم عبد الله بن عامر من البصْرة؛ ويَعْلَى بن أميّة من اليَمن، وطلحة، والزّبير من المدينة، واجتَمَع\n_________\n= كالماء نقيًّا. نقول: حتى هذه المقولة لم يتركها شعيب سالمة كما هي في الأصل عند خليفة بن خياط وغيره، بل حرّفها ولو بكلمة فأصل الرواية عند خليفة بن خياط (قالت عائشة: تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه تذبحونه كما تذبح الشاة).\nقال مسروق: فقلت: هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه، فقالت عائشة: والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسواد في بياض حتى جلست مجلسي هذا) قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها (تأريخ خليفة (١٧٦) وصحح ابن كثير إسناده (البداية والنهاية ٧/ ١٩٥) ولكن شعيبًا لم يتحمل أن يتم الرواية وينقل هذه العبارة الأخيرة التي تبرّئ عائشة من الإثارة على الفتنة وغير ذلك.\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":637},{"text":"ملؤهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة، وقالت: أيُّها الناس! إنّ هذا حدَث عظيمٌ، وأمْرٌ منكر، فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهْل البصرة فأنكروه، فقد كفاكم أهل الشأم ما عندهم، لعلّ الله ﷿ يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم (١). (٤: ٤٤٩/ ٤٥٠).\n٩٣٣ - كتب إليّ السريّ عن شُعَيْب، عن سَيْف، عن محمد، وطلحة، قالا: كان أوّل من أجاب إلى ذلك عبد الله بن عامر، وبنو أميّة؛ وقد كانوا سقَطِوا إليها بعد مَقْتل عثمان، ثم قدم عبد الله بن عامِر، ثمّ قدِم يَعْلَى بن أميّة، فاتَّفقَا بمكة، ومع يَعْلَى ستمئة بَعير وستمئة ألف، فأناخ بالأبْطح معسكرًا؛ وقدِم مَعهُما طلحةُ، والزّبير، فلقيا عائشةَ ﵂، فقالت: ما وراءَكُما؟ فقالا: وراءَنا أنا تحملنا بقلِّيَّتنا هُرّابًا من المدينة من غوغاء وأعْراب، وفارَقْنا قومًا حيارَى لا يعرفون حقًّا، ولا ينكرون باطِلًا، ولا يمنعون أنفسَهم. قالت: فائتمِرُوا أمرًا؛ ثمّ انهضوا إلى هذه الغوغاء.\nوتمثَّلت:\nولو أنَّ قومي طاوَعتني سَراتُهمْ ... لأنْقَذْتُهمْ من الحِبالِ أو الخَبْلِ\nوقال القومُ فيما ائتمروا به: الشأم. فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم الشأمَ من يستمرّ في حَوْزَته، فقال له طلحة والزّبير: فأين؟ قال: البصرة، فإنّ لي بها\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة وغمز ولمز- فأما قول عائشة ﵂ بعد أن علمت أن الناس قد اجتمعوا على علي: (وأن الأمر لا يستقيم لهم ولهذه الغوغاء أمر) وقولها: (ما أظن ذلك تامًّا ردوني) فلا يصح، وكيف يصح وهي التي كانت تأمر الناس ببيعة علي كما حفت الأحنف بن قيس، ثم إن خروجها إلى البصرة كان لأمرين الأول: إصلاح ذات البين والمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان ولكن دون اللجوء إلى القوة كما سنذكر بعد قليل، ولكن هذه الرواية الضعيفة السند أغفلت قصدها في إصلاح الناس كما أخرج أحمد في المسند (٦/ ٩٧) أن عائشة قالت لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله - ﷺ - قال لنا: أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب. فقال لها الزبير: ترجعين؟ ! عسى الله ﷿ أن يصلح بك الناس! وقال ابن كثير: وهذا إسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه (البداية والنهاية ٦/ ٢١٢) وفي رواية أخرى لأحمد (٦/ ٥٢): قالت: ما أظنني إلا راجعة فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ﷿ ذات بينهم ..... الحديث.","vol":"8","page":638},{"text":"صنائعَ ولهم في طَلْحة هوى، قالوا: قبحك الله! فوالله ما كُنْت بالمسالم، ولا بالمحارب، فهلّا أقمتَ كما أقام مُعاوية فَنكتَفي بك، ونأتي الكوفَة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهبَ! فلم يجِدُوا عنده جوابًا مقبولًا، حتى إذا استقام لهم الرّأيُ على البصرة قالوا: يا أمّ المؤمنين! دعي المدينةَ فإنّ مَن معنا لا يُقرنون لتلك الغوغاء التي بها، واشْخصي مَعنا إلى البصرة، فإنّا نأتي بلدًا مضيَّعًا، وسيحْتجّون علينا فيه ببيعة عليّ بن أبي طالب فتُنهضينهم كما أنْهَضْت أهلَ مكّة ثم تقعدين، فإن أصْلَح الله الأمْرَ كان الذي تُريدين، وإلّا؛ احتسبنا، ودَفَعْنا عن هذا الأمر بجَهْدنا حتى تقْضيَ الله ما أراد.\nفلما قالوا ذلك لها -ولم يكن ذلك مستقيمًا إلَّا بها- قالت: نعم؛ وقد كان أزواج النبيّ - ﷺ - معها على قصْد المدينة، فلمّا تحوّل رأيها إلى البصرة تركنَ ذلك؛ وانطلق القومُ بعدها إلى حَفْصة، فقالت: رأيي تَبَع لرأي عائشة؛ حتى إذا لم يبق إلّا الخروج قالوا: كيف نستقلّ وليس معنا مالٌ نجهّز به الناس! فقال يَعْلَى بن أميَّة: معي ستمئة ألف وستمئة بَعير فاركبوها؛ وقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهّزوا به. فنادى المنادي: إنّ أمّ المؤمنين، وطلحة، والزّبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يُريد إعْزاز الإسلام، وقتال المحلّين، والطلب بثأر عثمان، ومن لم يكن عِنْده مَرْكَب، ولم يَكن له جِهاز؛ فهذا جِهازٌ، وهذه نفقة، فحملوا ستمئة رجُل على ستمئة ناقَةٍ سوى مَن كان له مَرْكب -وكانوا جميعًا ألفًا- وتجهّزوا بالمال، ونادَوْا بالرّحيل، واستقلُّوا ذاهبين. وأرادت حَفصة الخروجَ، فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقَعدت، وبعثت إلى عائشة: أنّ عبد الله حال بيني وبَيْن الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! وبعثَتْ أمّ الفَضْل بنت الحارث رجلًا من جُهَيْنة يُدْعى ظفْرًا، فاستأجَرَتْه على أن يطويَ ويأتي عليًّا بكتابها، فقدِم على عليّ بكتاب أمّ الفضل بالخَبر (١). (٤: ٤٥٠/ ٤٥١).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، ولم ترد في رواية تأريخية صحيحة أنها ﵂ قالت: أنها تريد ومن معها قتال قتلة عثمان بل كانت تطالب بالقصاص من القتلة، ولم ترد في رواية صحيحة أن حفصة أرادت أن تخرج مع عائشة فمنعها عبد الله بن عمر (أخوها) وما كانت لتحرض أهل مكة ولا البصرة على علي ﵁ في أمر البيعة ولكن هذه الطامات من شعيب ولعلها من شيخه سيف والله أعلم.","vol":"8","page":639},{"text":"٩٣٤ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ عن أبي مخنف، قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي عمرة عن أبيه، قال: قال أبو قَتادة لعليّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ رسول الله - ﷺ - قلّدني هذا السيف وقد شِمْته فطال شَيْمه، وقد أنَى تَجْرِيدُه على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألُوا الأمّة غشًّا، فإن أحببتَ أن تُقَدّمني؛ فقدّمني. وقامت أمّ سلمة فقالت: يا أميرَ المؤمنين! لولا أنْ أعصيَ الله ﷿ وأنك لا تقبله منِّي؛ لخرجتُ معك؛ وهذا ابني عُمر -والله لهو أعزّ عليّ من نَفسي- يَخْرج معك فيشهد مشاهدَك. فخرج فلم يَزَل معه، واستَعمَله على البَحْرين، ثم عَزله، واستعمل النُّعمان بن عَجْلان الزُّرَقيّ (١). (٤: ٤٥١/ ٤٥٢).\n٩٣٥ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا مسلمة عن عوف، قال: أعان يَعْلَى بن أميّة الزُّبير بأربعمئة ألف، وحمل سبعين رجلًا من قُريش، وحَمَل عائِشة ﵂ على جَمَل يقال له: عسكر، أخذه بثمانين دينارًا، وخرجوا. فنظر عبد الله بن الزّبير إلى البَيْت؛ فقال: ما رأيتُ مثلك بركةَ طالب خير، ولا هاربٍ من شرّ (٢). (٤: ٤٥٢).\n٩٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سَيْف، عن محمّد، وطلحة، قالا: خرج المغيرة، وسعيد بن العاص معهم مرحلة من مكّة، فقال سعيد للمغيرة: ما الرّأي؟ قال: الرّأي والله الاعتزال، فإنَّهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله أتَيْناه، فقلنا: كان هَوَانَا، وصَغْوُنا معك؛ فاعتَزلا فجلسا، فجاء سعيدٌ مكة، فأقامَ بها، ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد (٣). (٤: ٤٥٢).\n٩٣٧ - حدّثني أحمد بن زُهَيْر، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وَهبْ بن جَرير بن حازم، قال: سمِعْتُ أبي، قالْ سمعتُ يونس بن يزيد الأيْلي، عن الزّهريّ، قال: ثمّ ظهرَا -يعني: طلحة والزّبير- إلى مكة بعد قتل عثمان ﵁ بأربعة أشْهر وابن عامر بها يجزُّ الدّنيا، وقدم يَعْلى بن أميّة معه بمال كثير، وزيادة على أربعمئة بَعير، فاجتمعوا في بَيت عائشة ﵂ فأرادوا\n_________\n(١) إسناده مظلم، ففيه التالف الهالك أبو مخنف إلا أن إرسال أم سلمة لولدها مع علي صحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح فليراجع.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":640},{"text":"الرّأي، فقالوا: نسيرُ إلى عليّ فنقاتِله، فقال بعضُهم: ليس لكم طاقة بأهل المدينة، ولكنَّا نسيرُ حتى نَدْخل البصرة، والكوفةَ، ولطلحة بالكوفَة شيعَةٌ، وهَوىً، وللزّبير بالبصرة هوىً، ومعونة. فاجتمع رأيُهم على أن يسيروا إلى البصرة وإلى الكوفة، فأعطاهم عبد الله بن عامر مالًا كثيرًا وإبلًا، فخرجوا في سبعمئة رَجُلٍ من أهل المدينة ومكة، ولحقَهم الناس حتى كانوا ثلاثةَ آلاف رَجُل، فبلغ عليًّا مسيرهم، فأمّر على المدينة سَهْل بن حُنَيف الأنصاريّ، وخَرَجَ فسار حتى نزل ذَا قارٍ، وكان مسيره إليها ثماني ليال، ومعه جماعةٌ من أهل المدينة (١). (٤: ٤٥٢/ ٤٥٣).\n٩٣٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا أبو عمرو عن عتبة بن المغيرة بن الأخنَس، قال: لَقِيَ سعيد بن العاص مَرْوان بن الحكم وأصحابه بذَاتِ عِرْق، فقال: أيْن تَذْهبون وثأركم على أعجاز الإبل! اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى مَنازلكم لا تقتلوا أنفسكم؛ قالوا: بل نسير فلَعلّنا نقتل قتلَةَ عثمان جميعًا. فخلا سعيدٌ بطلحة، والزّبير، فقال: إنْ ظفِرْتُما لمن تَجْعلان الأمْر؟ أصدِقاني؛ قالا: لأحَدِنا أيَّنَا اختارَه الناس. قال: بل اجعلوه لوَلَد عُثمان فإنكم خَرَجْتم تطْلبون بدَمِه، قالا: نَدَع شيوخَ المُهاجرين ونَجْعلُها لأبنائهم! قال: أفلا أراني أسْعى لأخرِجَها من بني عَبد مناف. فرجَع ورجع عبدُ الله بن خالد بن أسيد، فقال المغيرة بن شعبة: الرّأي ما رأى سعيد، مَن كان ها هنا من ثَقيف فلْيرجع؛ فرجَع ومضى القومُ، معهم أبَان بن عثمان والوليد بن عثمان، فاختلفوا في الطريق فقالوا: من ندعو لهذا الأمر؟ فخلا الزّبير بابنه عبد الله، وخلا طلحةُ بعَلْقمة بن وقّاص الليثيّ -وكان يُؤثِره على ولَده- فقال أحدهما: ائت الشأم، وقال الآخر: ائت العِراق، وحَاورَ كلُّ واحد منهما صاحبَه، ثم اتّفقا على البصرة (٢). (٤: ٤٥٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة -بل تخالف هذه الرواية حتى مرويات سيف السابقة ففيها خبط وخلط وفيها كذب على صحابة رسول الله - ﷺ - فلم ترد في رواية صحيحة أبدًا أن طلحة والزبير نهيا عائشة عن الذهاب إلى المدينة وأنهما رفضا أن يذهبا إلى مدينة أميرها علي وقد أجبرهم على البيعة. وكل ذلك محض كذب دحضناه في مسألة بيعة طلحة والزبير فليراجع. =","vol":"8","page":641},{"text":"٩٣٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الأغرّ، قال: لما اجتمع إلى مكّة بنو أميَّة، ويَعْلَى بن مُنْية، وطلحةُ، والزّبير؛ ائتَمَرُوا أمْرَهم، وأجمَع ملؤهم على الطلب بدَمِ عُثمان وقتال السبئيّة حش يثأروا وينْتقموا؛ فأمرتهم عائشةُ ﵂ بالخُروج إلى المدينة، واجتَمع القومُ على البصرة وردّوها عن رأيها، وقال لها طلحة، والزّبير: إنا نأتي أرضًا قد أضيعت، وصارت إلى عليّ، وقد أجبرنا عليّ على بَيْعته، وهم محتجّون علَيْنا بذلك، وتاركو أمْرنا إلّا أن تَخْرجي فتأمُري بمثل ما أمرت بمكة، ثمّ ترجعي. فنادى المنادي: إن عائِشة تريد البصرة وليس في ستمئة بعير ما تُغْنون به غوغاء وجَلَبة الأعراب وعبيدًا قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأوّل واعية. وبعثَتْ إلى حَفْصة، فأرادت الخُروج، فعزم عليها ابن عمر فأقامَتْ؛ فخرجت عائِشةُ ومعها طلحةُ والزّبير، وأمّرَت على الصّلاة عبدَ الرّحمن بن عتَّاب بن أسيد، فكان يُصلِّي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قُتل، وخرج معها مروانُ وسائر بني أميّة إلّا من خَشع، وتيامنت عن أوطاس؛ وهم ستمئة راكب سوى من كانت له مطيّة، فتركت الطّريق ليلةً وتيامنت عنها كأنهم سيَّارة ونَجَعة، مساحلين لم يَدْنُ من المنكدر، ولا واسط، ولا فلْج منهم أحَدٌ، حتَّى أتوا البصرة في عام خصيب. وتمثّلت:\nدَعي بلادَ جُموع الظُّلْمِ إذ صلُحَت ... فيها المياهُ وسيري سيْرَ مذْعور\nتخَيَّرِي النَّبْتَ فارْعيْ ثَمَّ ظَاهِرَةً ... وبَطْنَ وَادٍ من الضِّمَّارِ مَمْطُورِ (١)\n(٤: ٤٥٣/ ٤٥٤).\n٩٤٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عمر بن راشد اليماميّ، عن أبي كثير السُّحَيميّ، عن ابن عباس، قال: خرج أصحابُ الجمل في ستمئة، معهم عبد الرّحمن بن أبي بَكْرة، وعبد الله بن صفوان الجُمَحِىّ، فلما جاوزا بئْر مَيمون إذا هم بجَزُور قد نُحرت ونَحْرُها ينثعب، فتطيّروا. وأذّن مَروانُ حين فصل من مكة ثمّ جاء حتى وقف عليهما، فقال: أيّكما أسَلِّم بالإمرة وأؤذّن بالصّلاة؟ فقال عبد الله بن الزّبير: على أبي عبد الله، وقال محمد بن طلحة: على\n_________\n= وأما الغمز الآخر (تيامنت عن أوطاس) فهذا فن في الطعن واللمز يختص به شعيب راوية سيف وسنتحدث عن زيف ذلك بعد الرواية (٤/ ٤٦٠/ ٩٤٨).\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":642},{"text":"أبي محمد. فأرْسلَتْ عائشةُ ﵂ إلى مروان فقالت: مَا لَك؟ أتُريد أن تفرّق أمْرنا! ليُصَلِّ ابنُ أخْتي، فكان يصلّي بهم عبد الله بن الزبير حتى قدم البصرة، فكان معاذ بن عبيد الله يقول: والله لو ظفرنا لافْتَتَنَّا ما خلّى الزّبير بين طلحة والأمر، ولا خلّى طلحة بين الزّبير والأمر (١) (٤: ٤٥٤/ ٤٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>خروج عليّ إلى الرَّبَذَة يُريد البصرة</span>\n٩٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: جاء عليًّا الخبرُ عن طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين، فأمّر على المدينة تمام بن العباس، وبعث إلى مكّة قُثَم بن العباس، وخرج وهو يَرْجو أن يأخذهم بالطريق، وأراد أن يَعْتَرضهم، فاستَبان له بالرَّبَذَة أن قد فَاتُوه، وجاءه بالخَبَر عطاءُ بن رئاب مولى الحارث بن حَزْن (٢). (٤: ٤٥٥).\n٩٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بلغ عليًّا الخبرُ -وهو بالمدينة- باجْتماعهم على الخروجِ إلى البصرة وبالَّذي اجتمع عليه ملؤهم؛ طلحةُ، والزّبيرُ، وعائشةُ، ومَنْ تبعهم، وبلغه قولُ عائشة، وخَرجَ عليٌّ يبادِرُهم في تعْبيته التي كان تعبَّى بها إلى الشام، وخرج معه من نشط من الكوفيّين، والبصريّين متخفِّفين في سبعمئة رجُل، وهو يرجو أن يُدْرِكَهم فيَحُول بينهم وبين الخروج، فلقيَه عبد الله بن سَلام فأخذ بعنانِه، وقال: يا أميرَ المؤمنين! لا تَخْرج منها؛ فوالله لئن خَرَجْتَ منها لا ترجع إلَيْها ولا يعود إليها سُلطان المسلمين أبدًا. فسبُّوه، فقال: دَعُوا الرّجل؛ فنعم الرّجل من أصحاب محمد - ﷺ -! وسار حتى انتهى إلى الزَّبَذَة فبلغه مَمَرُّهم، فأقام حين فاتُوه يأتمر بالرَّبَذَة (٣). (٤: ٤٥٥).\n_________\n(١) في إسناده عمر بن راشد اليمامي وهو ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، ولم يصح أن عليًّا ﵁ خرج من المدينة في أثرهم أملًا في اللحاق بهم بل سلك طريق الكوفة وهم سلكوا طريق البصرة ولم ينحرف إلى البصرة حتى وصل إلى ذي قار.\n(٣) إسناده ضعيف وفيه ما يخالف الروايات الصحيحة كما ذكرنا سابقًا، إلا أن اعتراض عبد الله بن سلام له وحثه على عدم المسير إلى العراق صحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح (٤/ ٤٥٥).","vol":"8","page":643},{"text":"٩٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن خالد بن مهران البَجَليّ، عن مروان بن عبد الرحمن الخُميسيّ، عن طارق بن شهاب، قال: خَرَجْنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قَتْلُ عثمانَ ﵁، فلما انتَهَيْنا إلى الرَّبَذة -وذلك في وجه الصّبح- إذا الرّفاق وإذا بعضهم يحدو بعضًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين، فقلتُ: ما لَه؟ قالوا: غَلَبَهُ طلحة، والزّبير، فخرج يعترض لهما ليردّهما، فبلغَهُ أنهما قد فاتاه، فهو يُريد أن يخرج في آثارِهما، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! آتي عليًّا فأقاتل معه هذين الرّجلين، وأمَّ المؤمنين، أو أخالفه؟ ! إنّ هذا لشديد. فخرجتُ فأتَيْتُه، فأقيمت الصّلاة بغَلَس، فتقدّم فصلّى، فلما انصرَفَ؛ أتاه ابنهُ الحسن، فجلس، فقال: قد أمَرتك فعصيتَني، فتقتل غدًا بمَضيعَة لا ناصر لك، فقال عليّ: إنك لا تزال تخنّ خنين الجارية! وما الَّذي أمرتَني فعصيتك؟ قال: أمَرْتُك يوم أُحيطَ بعثمان ﵁ أن تَخْرج من المدينة فيُقْتل ولست بهَا، ثمّ أمَرْتُك يومَ قُتِل ألّا تُبايع حتى يأتيَك وُفود أهل الأمصار والعرب وبَيْعةُ كلّ مصر، ثمّ أمرتك حين فَعل هذان الرّجلان ما فعلا أن تَجْلس في بيتك حتى يَصْطَلحوا، فإن كان الفساد كان على يديْ غَيْرك؛ فعَصَيْتَني في ذلك كله. قال: أيْ بُنيّ! أمّا قولُك: لو خرجتَ من المدينة حين أحيط بعُثمان؛ فو الله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولُك: لا تُبايع حتى تأتيَ بَيْعةُ الأمصار، فإنّ الأمْر أمرُ أهل المدينة، وكَرِهْنا أن يضيع هذا الأمر. وأما قولُك حين خرج طلحةُ، والزّبير، فإن ذلك كان وهْنًا على أهل الإسلام، وواللهِ ما زلتُ مقهورًا مذ وليتُ، منقوصًا لا أصِل إلى شيء مما ينبغي. وأما قولك: اجلسْ في بيتك، فكيف لي بما قد لَزمني! أوَ مَن تُريدني؟ أتريد أن أكون مثل الضبُع التي يُحاط بها، ويقال: دَبابِ دبابِ! ليست ها هنا حتى يحلّ عُرْقوباها ثم تُخْرج؛ وإذا لم أنظرْ فيما لزمني من هذا الأمر، ويعنيني فمن يَنْظر فيه! فكفّ عنك أي بُنيّ (١)! (٤: ٤٥٥/ ٤٥٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي إسناده نكارة شديدة، فلا الحسن سيِّئ الأدب إلى هذه الدرجة مع أبيه ولا علي مع ولده، وأدب الحسن والحسين الجمّ معروف عند الجميع أما أن سيدنا علي خرج في آثار الزبير وطلحة فلم يلحق بهما فوهم، أما قوله لأبيه أنه نصحه بالخروج من المدينة حتى يقتل عثمان وليس بها علي فكذب وكل هذا لم يصح- وأكذب من ذلك افتراؤهم =","vol":"8","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>شراءُ الجمل لعائشة ﵂، وخبرُ كلاب الحوْءب</span>\n٩٤٤ - حدّثني إسماعيلُ بن موسى الفزاريّ، قال: أخْبرنا عليّ بن عابس الأزْرَق، قال: حدّثنا أبو الخطّاب الهجَريّ عن صفْوان بن قبيصة الأحمسيّ، قال: حدّثني العُرَنيّ صاحب الجَمَل، قال: بينما أنا أسيرُ على جَمَل إذ عَرَض لي راكبٌ، فقال: يا صاحبَ الجمل، تبيعُ جملَك؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلتُ: بألْف درهم، قال: مَجنون أنت! جَمَلٌ يُباع بألف درهم! قال: قلت: نعم، جملي هذا، قال: وممّ ذلك؟ قلت: ما طلبتُ عليه أحدًا قَطُّ إلّا أدركته، ولا طَلبني وأنا عليه أحدٌ إلا فُتّه. قال: لو تَعْلم لمن نُريده لأحْسَنْتَ بيعنا، قال: قلت: ولمن تريده؟ قال: لأمّك، قلتُ: لقد تركتُ أمي في بيتها قاعِدةً ما تريد بَراحًا، قال: إنما أريدُه لأمّ المؤمنين عائشة، قلت: فهو لك، فخُذْه بغَيْر ثمن، قال: لا، ولكن ارجع معنا إلى الرّحل فَلْنُعْطِك ناقة مهريّة ونزيدُك دراهِمَ، قال: فرجعْتُ، فأعطوْني ناقةً لها مَهْرية، وزادوني أربعمئة أو ستمئة درهم، فقال لي: يا أخا عُرَيْنة! هل لك دَلالة بالطريق؟ قال: قلت: نعم، أنا من أدْرك الناس، قال: فسِرْ معنا، فسِرْتُ معهم فلا أمرّ على واد ولا ماء إلّا سألوني عنه؛ حتى طرقْنا ماء الحوْءب فنبحتْنا كلابُها، قالوا: أيّ ماء هذا؟ قلتُ: ماء الحوْءب، قال: فصرخت عائشةُ بأعْلَى صوتها، ثم ضربت عَضُد بعيرها فأناخَتْه، ثم قالت: أنا والله صاحِبةُ كلاب الحوْءب طرُوقًا، رُدّوني! تقول ذلك ثلاثًا. فأناخَتْ وأناخوا حَوْلَها وهم على ذلك، وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغَد. قال: فجاءها ابن الزّبير فقال: النّجاء النّجاء! فقد أدْركَكُم والله عليّ بن أبي طالب! قال: فارتَحلوا، وشَتموني، فانصرفْتُ، فما سِرْت إلَّا قليلًا وإذا أنا بعليّ ورَكْب معه نحو من ثلاثمئة، فقال لي عليّ: يا أيّها الراكب! فأتَيْته، فقال:\n_________\n= وتقولهم على علي ما لم يقله كعبارة (ووالله ما زلت مقهورًا مذ وليت) وحاشا لعلي أن يقول مثل هذا الكلام كيف وهو لم يخش طول حياته غير الواحد القهار يوم أن بقي في فراش رسول الله - ﷺ -. وصناديد قريش حول البيت يتربصون الدوائر. وعليٌّ المعروف بالفصاحة والبلاغة والأدب لا يجد عبارة يعبّر عنها إلا عبارة (أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال: دباب دباب) وحاشاه ﵁ من هذا الكلام الذي لم يصح سندًا ولا متنًا.","vol":"8","page":645},{"text":"أين أتيت الظعينة؟ قلت: في مكان كذا وكذا، وهذه ناقَتها، وبعتُهم جَمَلي، قال: وقد ركِبَتْه؟ قلت: نعم؛ وسِرْتُ معهم حتى أتينا ماء الحَوْءب فنبحَتْ عليها كلابها، فقالت كذا وكذا، فلما رأيتُ اختلاط أمْرهم؛ انفتَلْتُ وارتَحلُوا؛ فقال عليّ: هل لك دلالة بذي قار؟ قلت: لعلّي أدَلّ الناس، قال: فَسِر معنا؛ فسِرْنا حتى نزلنا ذا قار، فأمر عليّ بن أبي طالب بجُو القين فضمَّ أحدَهُما إلى صاحبه، ثم جيء برحْل فوضع عليهما، ثم جاء يمشي حتى صعد عليه، وسدَل رجليه من جانبٍ واحدٍ، ثمّ حمِد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّد - ﷺ-، ثم قال: قد رأيتم ما صنع هؤلاء القَوْمُ، وهذه المرأة. فقام إليه الحسنُ فبكى، فقال له عليّ: قد جئتَ تخنُّ خنين الجارية! فقال: أجَلْ، أمرتُك فعصَيْتَني، فأنت اليوم تقتل بمضِيعة لا ناصِر لك، قال: حَدِّث القوْم بما أمرتَني به، قال: أمرتُك حينَ سار الناس إلى عثمان ألّا تبسط يدك ببَيْعة حتى تجول جائِلةُ العرب، فإنهم لن يقطعوا أمرًا دونك، فأبيتَ عَلَيَّ، وأمرتُك حين سارت هذه المرأة، وصَنَع هؤلاء القَوْم ما صَنَعُوا أن تلزم المدينةَ، وترسل إلى من استَجاب لك من شيعتك، قال عليّ: صدق والله، ولكنْ والله يا بنيّ ما كنتُ لأكون كالضّبُع تستمع لِلدّم، إن النبي - ﷺ - قُبِض وما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر مني، فبايع الناس أبا بكر، فبايَعْتُ كما بايعوا، ثم إن أبا بكر ﵁ هلك؛ وما أرى أحدًا أحقّ بهذا الأمر مني، فبايع الناس عُمرَ بن الخطاب، فبايَعْتُ كما بايعوا، ثمّ إنّ عمر ﵁ هلك؛ وما أرى أحدًا أحقّ بهذا الأمر مني، فجعلني سهمًا من ستّ أسهم، فبايع الناس عثمان، فبايعتُ كما بايعوا، ثم سار الناس إلى عثمان ﵁، فقَتلُوه، ثم أتوْني، فبايعوني طائعين غير مكرَهين، فأنا مُقاتِلٌ مَن خالَفني بمن اتَّبعني حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خَيْر الحاكمين (١). (٤: ٤٥٦/ ٤٥٧/ ٤٥٨).\n_________\n(١) خبر منكر ونكارته واضحة للعيان، ولم يصح في رواية تاريخية ولا حديثية أن عليًّا ﵁ كان يرى نفسه أولى بالخلافة من أبي يكر ولا من عمر ولا من عثمان وكل ذلك بسطناه في الموضع المناسب والله أعلم.","vol":"8","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1310>قول عائشة ﵂: والله لأطلبنَّ بدم عُثمان وخروجُها وطلحة والزّبير فيمن تبعهم إلى البصرة</span>\n٩٤٥ - كتب إليّ عليّ بن أحمد بن الحسن العجليّ: أن الحسين بن نصر العطار، قال: حدّثنا أبي نصر بن مُزاحم العطار، قال: حدّثنا سيف بن عمر، عن محمد بن نُويرة، وطلحة بن الأعلم الحنفيّ. قال: وحدّثنا عمر بن سعد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العِلْم: أنّ عائشة ﵂ لما انتَهتْ إلى سَرِف راجعة في طريقها إلى مكة؛ لقيها عبد بن أمّ كلاب -وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه- فقالت له: مَهْيم؟ قال: قتلوا عثمان ﵁، فمكثوا ثمانيًا؛ قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخَذَها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خيْر مجاز؛ اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب. فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تمَّ الأمرُ لصاحبك! رُدّوني! ردّوني! فانصَرَفَتْ إلى مكَّة وهي تقول: قُتِل والله عُثمان مظلومًا، والله لأطلبنّ بدَمِه، فقال لها ابن أمّ كلاب: ولمَ؟ فوالله إنّ أول من أمالَ حرفه لأنت! ولقد كُنْتِ تقولين: اقتلوا نعْثلًا فقد كفر؛ قالت: إنهم استَتَابوه ثم قَتَلُوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوّل؛ فقال لها ابن أمّ كلاب:\nفَمِنكِ البَداءُ ومِنكِ الغِير ... ومنكِ الرِّياحُ ومنكِ المَطَرْ\nوأنْتِ أمَرْتِ بقَتْل الإمام ... وقُلْتِ لنا إنّه قد كَفَرْ\nفَهَبْنا أطَعناكِ في قَتلهِ ... وقاتِلُهُ عِندنا مَن أمَرْ\nولَمْ يَسْقُطِ السّقْفُ مِن فَوْقِنَا ... ولَمْ تَنْكَسفْ شَمْسُنَا والقَمَرْ\nوقَدْ بايَعَ النَّاسُ ذا تُدْرَأ ... يزيلُ الشَّبَا ويُقيمُ الصَّعَرْ\nوَيلْبَسُ للْحَرْبِ أثْوابَها ... وما مَنْ وَفى مِثْلُ مَنْ قد غَدَرْ\nفانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحِجْر، فستَّرت واجتمع إليها الناس، فقالت: يا أيُّها الناس! إنّ عثمان قُتِل مظلومًا، ووالله لأطلبنّ بدَمِه (١). (٤: ٤٥٨/ ٤٥٩).\n_________\n(١) في إسناده مبهم وضعفاء ومتنه منكر، فقد ذكرنا قبل قليل أن عائشة ﵂ أقسمت بالله أنها ما كتبت إلى أحد ولا حرّضت أحدًا على سيدنا عثمان ناهيك عن هذه الفرية العظيمة: (ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلًا فقد كفر) وما شأنها أن تقول ذلك وهل هذه رواية أهل العلم =","vol":"8","page":647},{"text":"٩٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: كان عليٌّ في همّ مَنْ توجه القوم لا يدري إلى أين يأخذون! وكان أن يأتوا البصرةَ أحبَّ إليه. فلما تيقَّن: أن القوم يعارِضون طريقَ البصرة سُرّ بذلك، وقال: الكوفة فيها رجالُ العرب، وبُيوتاتهم، فقال له ابن عباس: إن الذي يسرّك من ذلك ليسوؤني، إن الكوفة فُسْطاطٌ فيه أعلام من أعلام العرب، ولا يحملهم عِدّة القوم، ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمرٍ لا ينالُه؛ فإذا كان كذلك شغب عليّ الذي قد نال حتى يفْثَأه فيفسد بعضهم على بعض. فقال عليّ: إن الأمر ليشبِه ما تقول، ولكن الأُثْرة لأهْل الطاعة وألْحقُ بأحسنهم سابقةً وقُدْمة، فإن استووا أعفَيْناهم، واختبرناهم، فإن أقْنَعهم ذلك؛ كان خيرًا لهم، وإن لم يقنعهم كلّفونا إقامتهم وكان شرًّا على من هو شرّ له. فقال ابن عباس: إن ذلك لأمر لا يدرَك إلّا بالقنوع (١). (٤: ٤٥٩/ ٤٦٠).\n٩٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لمَّا اجتمع الرّأي من طلحة، والزبير، وأمِّ المؤمنين، ومَن بمكة من المسلمين على السّير إلى البصرة، والانتصار من قَتَلة عثمان ﵁؛ خرج الزّبير، وطلحة حتى لقيا ابن عمر، ودعَوَاه إلى الخفُوف، فقال: إني امرؤٌ من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض؛ أنهض، وإن يجتمعوا على القُعود؛ أقعد، فتركاه، ورجعا (٢). (٤: ٤٦٠).\n٩٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن سعيد بن عبد الله، عن\n_________\n= الذين أدركوا عائشة [حاشا]، ونعيد هنا إلى الأذهان ما أخرجه خليفة بن خياط بسند صحيح (تأريخ خليفة/ ١٧٦) عن مسروق قال: قالت عائشة ﵂: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قربتموه تذبحونه كما تذبح الشاة. قال مسروق: فقلت هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه، فقالت عائشة: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسواد في بياض حتى جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون: أنه كتب على لسانها. اهـ.\nوصحح ابن كثير إسناده (البداية والنهاية ٧/ ١٩٥).\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":648},{"text":"ابن أبي مُلَيكة، قال: جمع الزّبير بَنيه حين أراد الرّحيل، فودّع بعضَهم، وأخرج بَعْضَهم، وأخرج ابنَيْ أسْماء جميعًا، فقال: يا فلان أقِمْ، يا عمرو أقم. فلما رأى ذلك عبد الله بن الزّبير، قال: يا عُرْوة أقم، ويا مُنْذر أقِمْ، فقال الزّبير: وَيْحك! أستصحب ابنيّ، وأستمتع منهما، فقال: إن خرجتَ بهم جميعًا فاخرجْ، وإن خلّفت منهم أحدًا فخلّفهما ولا تُعَرّض أسماء للثُكْل من بين نسائك. فبكَى، وتركَهُما، فخرجُوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس؛ تيامَنُوا، وسلَكوا طريقًا نحو البصرة، وتركوا طريقها يسارًا، حتى إذا دَنَوْا منها، فدخلوها؛ ركبوا المنكدِر (١). (٤: ٤٦٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأما بالنسبة لعبارة (حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس تيامنوا) وهذا يعني أن طلحة والزبير ﵄ ومن معهم أرادوا البصرة ولكنهم انحرفوا عن طريقها المعهود وكأنهم يريدون الاختفاء عن الأنظار وذلك غير صحيح فإنهم بايعوا على رؤوس الملأ دون إكراه ثم تحولوا إلى البصرة وهم يبغون الإصلاح بين الأطراف المختلفة. ولقد علّق الأستاذ الفاضل خالد الغيث في رسالته الجامعية في مرويات سيف بن عمر في تأريخ الطبري بعنوان (استشهاد عثمان ووقعة الجمل) فرأينا أن ننقل هنا تعليقه القيّم على عبارة (حتى إذا وصلوا إلى أوطاس تيامنوا):\nوهذا الخبر لا يصح بحق أولئك الصحب الكرام، حيث إنه بصور أصحاب الجمل -الذين خرجوا للإصلاح- بأنهم مجموعة من الخارجين على الخلافة، وأن خوفهم من علي ﵁ قد دفعهم إلى الابتعاد عن سلوك طريق البصرة لكي لا يلحق بهم.\nهذا وبدراسة خط سير أصحاب الجمل من مكة إلى البصرة -كما في الخريطة- اتضح أنهم سلكوا طريق البصرة ولم يحيدوا عنه كما زعمت الروايات السابقة.\nوبيان ذلك كما يلي:\nأ- ذكرت الروايات السابقة أن أصحاب الجمل حين وصلوا (أوطاس) تيامنوا عنها وتركوا طريق البصرة وساروا بمحاذاته.\nوهذا الخبر فيه تلبيس يوهم أن أصحاب الجمل قد تركوا طريق البصرة بينما حقيقة الأمر أن من أراد البصرة وكان خارجًا من مكة تيامن من عند أوطاس كما فعل أصحاب الجمل، ومن أراد الكوفة تياسر عنها حيث إن طريقي البصرة والكوفة يأخذان بالتفرع يمينًا ويسارًا من بعد أوطاس.\nب- ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد: أن كلاب الحوءب قد نبحت على عائشة ﵂ حين بلغت ديار بني عامر.\nوبنو عامر هؤلاء هم بنو عامر بن صعصعة، والحوءب ماء من مياه العرب يقع على طريق البصرة وهو من مياه بني بكر بن كلاب، وبنو كلاب هؤلاء بطن من عامر بن صعصعة. =","vol":"8","page":649},{"text":"(رسم تقريبي لخط سير علي وأصحاب الجمل نحو العراق)\n[خريطة]\n_________\n= وحيث إن بني كلاب كانوا يسكنون (ضرية) فإن هذا يعني: أن الحوءب تقع في (ضرية) وحيث إن ضرية تقع على طريق الحاج البصري فإن ذلك يعني: أن أصحاب الجمل قد سلكوا الطريق المعتاد بين مكة والبصرة، ولم يحيدوا عنه كما زعمت الروايات السابقة.","vol":"8","page":650},{"text":"٩٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن ابن الشَّهيد، عن ابن أبي مُلَيكة، قال: خرجَ الزّبير، وطلحة، ففصَلا، ثمّ خرجَتْ عائشةُ، فتَبِعها أمّهاتُ المؤمنين إلى ذات عِرْق، فلم يُرَ يومٌ كان أكثر باكيًا على الإسلام، أو باكيًا له من ذلك اليوم، كان يُسمّى يوم النَّحيب. وأمَّرَتْ عبدَ الرحمن بن عتّاب، فكان يصلّي بالناس، وكان عَدْلًا بينهم (١). (٤: ٤٦٠).\n٩٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن معن السُّلَميّ، قال: لما تيامَنَ عسكرها عن أوطاس؛ أتَوْا على مَليح بن عوف السّلميّ، وهو مطلع ماله، فسلّم على الزبير، وقال: يا أبا عبد الله! ما هذا؟ قال: عُدِيَ على أمير المؤمنين ﵁، فقُتل بلا ترة، ولا عذر، قال: ومَن؟ قال: الغوغاءُ من الأمصار، ونزّاع القبائل، وظاهَرَهم الأعراب، والعبيد، قال: فتُريدون ماذا؟ قال: نُنْهض الناس فيدرَك بهذا الدّم لئلّا يُبْطَل، فإن في إبطاله توهينَ سُلطان الله بَيْنَنا أبدًا؛ إذا لم يُفطَم الناس عن أمثالها؛ لم يبق إمامٌ إلّا قتله هذا الضّرب، قال: والله إنّ تَرْك هذا لَشديد، ولا تدرون إلى أين ذلك يسير! فودَّع كلّ واحد منهما صاحبَه، وافترقا، ومضَى الناس (٢). (٤: ٤٦١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>دخولهم البصرة والحربُ بينهم وبين عثمان بن حُنَيف</span>\n٩٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ومضى الناس حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة، لقيَهم عُمَير بن عبد الله التميميّ، فقال: يا أمّ المؤمنين! أنشدك بالله أن تقدَمي اليوم على قوم تُراسلي منهم أحدًا فيكفيَكِهم! فقالت: جئتَني بالرأي، امرؤٌ صالح، قال: فعجّلي ابن عامر؛ فليدخل، فإنّ له صنائع، فَلْيذهب إلى صنائعه، فليلقُوا الناس حتى تقدمي، ويسمعوا ما جئتم فيه. فأرسَلَتْه فاندَسَّ إلى البصرة، فأتَى القومَ. وكتبَتْ عائشة ﵂ إلى رجال من أهل البصرة، وكتبت إلى الأحنف بن قَيْس، وصبْرة بن شَيْمان، وأمثالهم من الوُجوه، ومضت حتى إذا كانت\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":651},{"text":"بالحُفَيْر؛ انتظرت الجوابَ بالخبر؛ ولما بلغ ذلك أهلَ البصرة؛ دعا عثمان بن حُنَيف عمران بن حُصَيْن -وكان رجلَ عامّة- وألزَّه بأبي الأسود الدؤليّ -وكان رجل خاصّة- فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعْلما علمهَا وعلم من معها، فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحُفَير، فاستأذَنا فأذنتْ لهما، فسلّما وقالا: إن أميرَنا بعثنا إليك نسألك عن مَسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يَسير بالأمْر المكتوم، ولا يغطّي لبنيه الخبر. إنّ الغوغاءَ من أهل الأمصار، ونزّاع القبائل غزوْا حَرَم رسول الله - ﷺ - وأحدَثوا فيه الأحْداث، وآوَوْا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لَعْنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قَتْلِ إمام المسلمين بلا تِرَة ولا عُذْر، فاستحلّوا الدَّمَ الحرام فسفكوه، وانتَهبوا المالَ الحرام، وأحلّوا البلدَ الحرام، والشهر الحرام، ومَزّقوا الأعْراض والجلُود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقَامهم ضارِّين مضِرّين، غير نافعين ولا متّقين؛ لا يقدرون على امتناع ولا يأمَنون، فخرجْتُ في المسلمين أُعْلمهم ما أتى هؤلاء القَوْمُ وما فيه الناس وراءَنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا. وقرأتْ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. ننهض في الإصلاح ممن أمر الله ﷿ وأمر رسول الله - ﷺ -؛ الصغير، والكبير، والذّكر، والأنْثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمرُكم به، ونحضّكم عليه، ومنكر نَنْهاكم عنه، ونحثّكم على تغييره (١). (٤: ٤٦١/ ٤٦٢).\n٩٥٢ - كتب إليّ السّريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فخرج أبو الأسود، وعمران من عندها، فأتيا طَلْحة، فقالا: ما أقْدَمَك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تُبايعْ عليًّا؛ قال: بلى، واللُّجُّ على عنقي، وما أستقيل عليًّا إن هو لم يحلْ بيننا وبين قَتَلَة عثمان. ثمَّ أتيا الزّبير، فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدَم عُثمان، قالا: ألم تُبايعْ عليًّا؟ قال: بلى، واللجّ على عُنقي، وما أستقيل عليًّا إن هو لم يحل بيننا وبين قَتلة عثمان. فرجَعا إلى أتم المؤمنين فودّعاها، فودّعت عمران، وقالت: يا أبا الأسود! إيَّاك أن يقودَك الهوى إلى النار، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ...﴾ الآية. فسَرَّحَتْهما؛\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":652},{"text":"ونادى مُناديها بالرّحيل، ومضى الرجلان حتى دَخلا على عثمان بن حُنَيْف، فبدر أبو الأسود عمران فقال:\nيَا بْنَ حُنَيْفٍ قد أتيتَ فانْفِرِ ... وطاعنِ القَوْمَ وجالدْ واصْبِرِ\nوابْرُزْ لَهَمْ مُسْتَلئمًا وشَمِّر\nفقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رَحا الإسلام وربِّ الكعبة! فانظروا بأيّ زَيَفان تزيف؟ ! فقال عمران: إي والله لتعْرُكنَّكم عركًا طويلًا ثم لا يساوي ما بقيَ منكم كثير شيء؛ قال: فأشرْ عَليَّ يا عمران! قال: إني قاعد فاقعد، فقال عثمان: بل أمنعُهم حتى يأتيَ أمير المؤمنين عليّ، قال عمران: بل يحكم الله ما يريد، فانصرف إلى بيته، وقام عثمان في أمْره، فأتاه هِشام بن عامر فقال: يا عثمان! إنّ هذا الأمر الذي تروم يُسلم إلى شرٍّ مما تكره، إنّ هذا فَتْق لا يُرتَق، وصَدْع لا يُجبر، فسامحهم حتى يأتيَ أمرُ عليّ، ولا تحادِّهم، فأبَى، ونادى عثمان في الناس، وأمَرهم بالتَّهيُّؤ، ولبسوا السِّلاح، واجتمعوا إلى المسجد الجامع، وأقبلَ عُثمان على الكَيْد فكاد الناسَ لينظر ما عندهم، وأمرهم بالتهيُّؤ، وأمر رجلًا ودسَّه إلى الناس خَدِعًا كوفيًّا قيسيًّا، فقام فقال: يا أيُّها الناس! أنا قيس بن العَقَديّة الحُميْسِيّ، إنّ هؤلاء القوم الذين جاؤوكم إن كانوا جاؤوكم خائِفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمَن فيه الطير، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدَم عثمان ﵁ فما نحن بقَتَلَة عثمان. أطيعوني في هؤلاء القَوْم فردّوهم من حيث جاؤوا. فقام الأسود بن سريع السعديّ، فقال: أوَ زعموا أنّا قتلة عثمان ﵁! فإنما فزعوا إلينا يَسْتعينون بنا على قَتَلة عثمان منا ومن غيرنا، فإن كان القوم أخرِجوا من ديارهم كما زعمت، فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال أو البُلدان! فحصبه الناس، فعرف عثمان أنّ لهم بالبصرة ناصرًا ممن يقوم معهم، فكسره ذلك. وأقبلت عائشة ﵂ فيمن مَعَها، حتى إذا انتهوا إلى المِرْبد، ودخلوا من أعْلاه، أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكونُ معَها، فاجتمعوا بالمِرْبد وجعلوا يثوبون حتى غصَّ بالناس.\nفتكلّم طلحةُ وهو في ميمنة المربد ومعه الزّبير وعثمان في ميسرته، فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان ﵁ وفضْله والبلدَ وما استحلّ","vol":"8","page":653},{"text":"منه، وعظّم ما أتيَ إليه، ودعا إلى الطلب بدَمه، وقال: إنّ في ذلك إعزازَ دين الله ﷿ وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حدٌّ من حُدود الله، وإنكم إن فعلتم أصبتم وعادَ أمركم إليكم، وإن ترَكْتُم؛ لم يقُم لكم سلطانٌ، ولم يكن لكم نظام.\nفتكلم الزبير بمثل ذلك. فقال مَن في ميمنة المِرْبد: صَدَقا وبرّا، وقالا الحق، وأمرَا بالحقّ. وقال مَن في ميسرته: فَجَرا وغَدَرا، وقالا الباطل، وأمرا به، قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان! وتحاثى الناس، وتحاصَبُوا، وأرهجوا، فتكلّمت عائشة -وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة- فحمِدت الله جلّ وعزّ، وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ﵁، ويُررُون على عمّاله، ويأتونَنا بالمدينة، فيَسْتَشيرونَنا فيما يخبروننا عنهم، ويروْن حسنًا من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريًّا، تقيًّا، وفيًّا، ونجدهم فجرَةً، كذبَة، يحاولون غير ما يظهرون. فلما قووا على المُكاثرة؛ كاثروه، فاقتحموا عليه دارَه، واستحلوا الدّمَ الحرامَ، والمال الحرامَ، والبلد الحرامَ، بلا تِرةٍ، ولا عُذْر، ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره، أخْذ قتلة عثمان ﵁ وإقامة كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾.\nفافترق أصحابُ عثمان بن حنيف فِرقتَيْن، فقالت فرقة: صَدَقَتْ والله، وبرَّت! وجاءت والله بالمعروف! وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما تقولون! فتحاثَوْا، وتحاصَبوا، وأرْهجوا، فلما رأت ذلك عائشةُ انحدرت، وانحدر أهل المَيْمَنة مفارقين لعثمان؛ حتى وقفوا في المِرْبد في موضع الدبّاغين، وبقيَ أصحابُ عثمان على حالهم يتدافَعون حتى تحاجزوا، ومال بعضُهم إلى عائشة، وبقي بعضُهم مع عثمان على فم السكة. وأتى عثمانُ بن حُنَيف فيمن معه، حتى إذا كانوا على فم السكة، سكة المسجد عن يمين الدّباغين؛ استقبلوا الناس، فأخذوا عليهم بفمها.\nرجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة، قال: فخرج أبو الأسود، وعمران، وأقبلَ حُكَيْم بن جَبَلة؛ وقد خرج وهو على الخيل، فأنشب القتال، وأشرع أصحابُ عائشة ﵂ رماحَهم، وأمسكوا","vol":"8","page":654},{"text":"ليُمسكوا، فلم يَنْتَهِ ولم يُثنَ، فقاتلهم؛ وأصحاب عائشة كافّون إلّا ما دَافَعُوا عن أنفسهم، وحُكيْم يذمُر خيله ويركبهم بها، ويقول: إنها قريش ليُرْديَنَّها جُبْنُها والطَّيش، واقتتلوا على فم السكة، وأشرفَ أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوىً، فرموا باقي الآخرين بالحجارة، وأمرت عائشةُ أصحابها فتيامنوا حتى انتهوْا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها مليًّا، وثار إلهم الناس، فحجز الليل بينهم. فرجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وجاء أبو الجَرْباء؛ أحدُ بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم إلى عائشة، وطلحة، والزّبير، فأشار عليهم بأمثل من مكانهم، فاستنصحوه، وتابعوا رَأيه، فساروا من مقبرة بني مازن، فأخذوا على مُسَنّاة البصرة من قبل الجبَّانة حتى انتهوْا إلى الزّابوقة، ثم أتوا مقبرة بني حِصْن وهي متنحيّة إلى دار الرّزق، فباتوا يتأهّبون، وبات الناس يسيرون إليهم، وأصبحوا وهم على رِجْل في ساحة دار الرّق، وأصبح عُثمان بن حُنَيف فغاداهم، وغدا حُكَيْم بن جَبَلة وهو يُبَرْبر وفي يده الرّمح، فقال له رجل من عبد القيس: مَن هذا الذي تسبّ، وتقول له ما أسمع؟ قال: عائشة، قال: يا بن الخبيثة! ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فوضع حُكَيم السِّنان بين ثدييه فقتله. ثمّ مرّ بامرأة وهو يسبُّها - يعني عائشة - فقالت: مَنْ هذا الذّي ألجأك إلى هذا؟ قال: عائشة، قالت: يا بن الخبيثة! ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فطعنها بين ثدييها فقتلها. ثمّ سار، فلما اجتمعوا؛ واقفوهم، فاقتتلوا بدار الرّزق قتالًا شديدًا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار وقد كثر القَتْلى في أصحاب ابن حُنَيف، وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادي عائشة يُناشدهم ويدعوهم إلى الكفّ، فيأبوْن، حتى إذا مسّهم الشرّ، وعضَّهم؛ نادوْا أصحابَ عائشة إلى الصّلح والمَتَات. فأجابوهم وتواعدوا، وكتبوا بينهم كتابًا على أن يبعثوا رسولًا إلى المدينة؛ وحتى يرجع الرّسول من المدينة، فإن كانا أكْرِها خرج عثمان عنهما، وأخلى لهما البصرة، وإن لم يكونا أكْرِها؛ خرج طلحة، والزبير:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اصطلح عليه طلحة، والزّبير، ومن معهما من المؤمنين، والمسلمين، وعثمان بن حُنَيف، ومَنْ معه من المؤمنين، والمسلمين. إنّ عثمان يقيم حيث أدركه الصّلْح على ما في يده، وإنّ طلحة، والزّبير يُقيمان حيث أدركهما الصّلح على ما في أيديهما، حتى يرجع أمينُ","vol":"8","page":655},{"text":"الفريقين ورسولُهم كعب بن سُور من المدينة. ولا يضارّ واحدٌ من الفريقين الآخرَ في مسجد، ولا سوق ولا طريق ولا فُرْضة، بينهم عيْبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر؛ فإن رجع بأنّ القوم أكرهوا: طلحةَ، والزّبير؛ فالأمر أمرُهما، وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيَّته، وإن شاء دخل معهما؛ وإن رجع بأنَّهما لم يكرَها فالأمرُ أمر عثمان، فإن شاء طلحة، والزّبير؛ أقاما على طاعة عليّ، وإن شاءا؛ خرجا حتى يلحقا بطيّتهما؛ والمؤمنون أعوان الفالح منهما.\nفخَرجَ كعبٌ حتى يقدَم المدينةَ، فاجتمع الناس لقدومه، وكان قدومه يوم جمعة، فقام كعب فقال: يا أهلَ المدينة! إني رسول أهل البصرة إليكم؛ أأكرهَ هؤلاء القومُ هذين الرّجلين على بيعة عليّ، أم أتياها طائعيْن؟ فلم يجبْه أحدٌ من القوم إلّا ما كان من أسامة بن زَيْد، فإنه قام، فقال: اللهم إنهما لم يُبايعا إلّا وهما كارِهان. فأمر به تقام، فواثبه سهل بن حُنَيف والناس، وثار صُهيب بن سِنان، وأبو أيّوب بن زيد في عدّة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فيهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يُقتَل أسامة، فقال: اللهم نعم! فانفرِجُوا عن الرّجل! فانفرجوا عنه، وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزلَه، وقال: قد علمت أن أمّ عامر حامِقة، أما وَسعك ما وسعنا من السكوت! قال: لَا والله! ما كنت أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت، وقد أبسَلَنا لِعظيم. فرجع كعبٌ؛ وقد اعتدّ طلحة، والزّبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتدّ به، منها: أنّ محمد بن طلحة -وكان صاحب صلاة- قام مقامًا قريبًا من عثمان بن حُنَيْف، فخشي بعضُ الزُّطّ والسيابجة أن يكون جاء لغير ما جاء له، فنحياه، فبعثا إلى عثمان، هذه واحدَة. وبلغ عليًّا الخبرُ الذي كان بالمدينة من ذلك، فبادر بالكتاب إلى عُثمان يعجّزه، ويقول: والله ما أكْرِها إلا كَرْهًا على فرقة، ولقد أكْرِها على جماعة وفضل، فإن كانا يُريدان الخلع؛ فلا عذرَ لهما، وإن كانا يُريدان غير ذلك؛ نَظَرْنا ونظرا. فقدِم الكتابُ على عثمان بن حُنيف، وقدم كعبٌ فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا، فاحتجّ عثمان بالكتاب وقال: هذا أمرٌ آخر غير ما كنا فيه؛ فجمع طلحة، والزّبير الرّجالَ في ليلة مظلمة باردة ذات رياح وندىً، ثمّ قصدا المسجدَ فوافقا صلاةَ العشاء -وكانوا يؤخّرونها- فأبطأ عثمانُ بن حُنيف فقدَّما عبد الرّحمن بن عتاب، فشهر الزّطُ والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم. فأقبلوا","vol":"8","page":656},{"text":"عليهم فاقتتلوا في المسجد وصبروا لهم، فأناموهم وهم أربعون، وأدخلوا الرّجال على عُثمان ليُخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطّؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة بالذي كان، واستطلعا رأيها. فأرسلت إليهما أن خلّوا سبيلَه فليذهب حيث شاءَ ولا تحبسوه، فأخرجوا الحرَس الذين كانوا مع عثمان في القصر ودخلوه، وقد كانوا يعتقبون حرسَ عثمان في كلّ يوم وفي كلّ ليلة أربعون، فصلَّى عبد الرحمن بن عتاب بالناس العشاءَ والفجرَ، وكان الرّسول فيما بين عائشة، وطلحة، والزّبير هو، أتاها بالخبر، وهو رجع إليهما بالجواب، فكان رسول القوم.\nرجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمد وطلحة؛ قالا؛ فأصبح طلحة، والزّبير، وبيتُ المال، والحرسُ في أيديهما، والناس معهما، ومن لم يكن معهما مغمور مستسرّ، وبعثا حين أصبَحا بأن حُكيمًا في الجمع، فبعثت: لا تحبسا عثمان وَدَعاه، ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته، وأصبح حُكيم بن جَبَلة في خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومَنْ نزع إليهم من أفناء ربيعة، ثمَّ وجّهوا نحو دار الرّزق وهو يقولُ: لستُ بأخيه إن لم أنصره، وجعل يشتم عائشة ﵂، فسمعته امرأةٌ من قومه، فقالت: يا بنَ الخبيثة! أنت أوْلى بذلك! فطعنها فقتلَها، فغضبت عبد القيس إلّا من كان اغتُمِر منهم، فقالوا: فعلتَ بالأمس وعُدتَ لمثل ذلك اليوم! والله لندعنّك حتى يُقيدك الله. فرجعوا وتركوه، ومضى حُكيم بن جَبَلة فيمن غزا معه عثمان بن عفان وحصره من نزَّاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزّابوقة عند دار الرّزق، وقالت عائشة: لا تقتلوا إلّا من قاتلكم، ونادوا من لم يكن من قَتَلة عثمان ﵁ فليكفف عنا، فإنا لانريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدًا، فأنشب حُكيمٌ القتال ولم يرء للمنادي، فقال طلحة، والزّبير: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهمّ لا تُبْقِ منهم أحدًا، وأقِدْ منهم اليوم فاقتلهم، فجادّوهم القتالَ فاقتتلوا أشدّ قتال ومعه أربعة قوّاد، فكان حُكَيم بحيال طلحة، وذَرِيج بحيال الزّبير، وابن المحرِّش بحيال عبد الرحمن بن عتّابٍ، وحُرْقوص بن زُهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمئة رجُل، وجعل حُكيم يضرب بالسيف ويقول:","vol":"8","page":657},{"text":"أضْرِبُهُمْ باليابِس ... ضَرْبَ غُلامِ عابسِ\nمن الحياةِ آيس ... في الغُرُفات نافِس\nفضرب رجل رِجْله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فأصاب جسده فصرَعه، فأتاه حتى قتله، ثم اتّكأ عليه وقال:\nيا فخْذِ لن تراعي ... إنَّ مَعي ذراعي\nأحْمي بها كُراعي\nوقال وهو يرتجز:\nليس عليَّ أنْ أمُوتَ عارُ ... والعارُ في الناس هو الفِرارُ\nوالمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمارُ\nفأتى عليه رجلٌ وهو رثيث، رأسه على الآخر، فقال: مَا لَك يا حُكيم؟ ! قال: قُتلتُ، قال: مَن قتلك؟ قال: وسادتي؛ فاحتمله فضمّه في سبعين من أصحابه، فتكلم يومئذ حُكيم وإنه لقائم على رِجل، وإن السيوف لتأخذهم فما يتعتَع، ويقول: إنا خلّفنا هذيْن وقد بايعا عليًّا وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا مخالفين مُحاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان، ففرّقا بيننا، ونحن أهلُ دار وجوار. اللهمَّ إنهما لم يريدا عثمان. فنادى مناد: يا خبيث! جزعت حين عضّك نكال الله ﷿ إلى كلام من نَصبَك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم، وفرّقْتُم من الجماعة، وأَصبتم من الدّماء، ونلتم من الدّنيا! فذُق وبال الله ﷿ وانتقامه، وأقيموا فيمن أنتم.\nوقتِل ذَرِيح ومن معه، وأفلت حُرْقوص بن زهير في نَفَر من أصحابه، فلجؤوا إلى قومهم، ونادى مُنادي الزّبير وطلحة بالبصرة: ألَا من كان فيهم من قبائلكم أحدٌ ممن غزا المدينة فليأتِنا بهم. فجيء بهم كما يُجَاءُ بالكلاب، فقُتِلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعًا إلّا حرقوص بن زُهير؛ فإنّ بني سعد منعوه، وكان من بني سعد، فمسَّهم في ذلك أمر شديد، وضربوا لهم فيه أجلًا وخَشَّنوا صدورَ بني سعد وإنَّهم لعُثْمانية حتى قالوا: نَعتَزل؛ وغضبت عبدُ القَيْس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومَن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم طاعةِ عليّ، فأمرا للنَّاس بأعطياتهم وأرزاقهم وحُقوقهم، وفضّلا بالفضل أهل السمع والطاعة، فخرجت عبدُ القيس وكثيرٌ من بَكر بن وائل حين","vol":"8","page":658},{"text":"زَوَوْا عنهم الفضول، فبادروا إلى بيت المال، وأكبّ عليهم الناس فأصابوا منهم، وخرج القوم حتى نزلوا على طريق عليّ، وأقام طلحة، والزّبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلّا حُرْقوص، وكتبوا إلى أهل الشأم بما صنعوا، وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضْع الحرب، وإقامة كتاب الله ﷿ بإقامة حُدوده في الشريف، والوضيع، والكثير، والقليل، حتى يكون الله ﷿ هو الذي يردّنا عن ذلك، فبايَعَنا خيارُ أهل البصرة، ونجباؤهم؛ وخالَفنَا شرارهم ونزّاعهم، فرَدُّونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذُ أمَّ المؤمنين رهينة، أن أمَرتهم بالحقّ وحثَّتْهم عليه. فأعطاهم الله ﷿ سُنَّة المسلمين مرّة بعد مرّة، حتى إذا لم يبقَ حجَّة ولا عذر؛ استبسل قتلةُ أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يُفلت منهم مخبر إلّا حرقُوص بن زُهير، والله سبحانه مُقيده إن شاء الله. وكانوا كما وصف الله ﷿؛ وإن نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به؛ فنلقى الله ﷿ وتلقوْنه وقد أعذرنا، وقضيْنا الذي علينا.\nوبعثوا به مع سيَّار العجليّ، وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجُل من بني عمرو بن أسد يدعَى مظفّر بن معرّض، وكتبوا إلى أهل اليمامة وعليها سَبْرة بن عمرو العنبريّ مع الحارث السَّدوسيّ. وكتبوا إلى أهل المدينة مع ابن قُدامة القُشيريّ، فدسّه إلى أهل المدينة.\nوكتبت عائشةُ ﵂ إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أمّا بعد فإني أذكّركم الله ﷿ والإسلام، أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه، اتقوا الله واعتصموا بحبله، وكونوا مع كتابه؛ فإنا قدمنا البصرة، فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حُدوده، فأجابَنا الصالحون إلى ذلك؛ واستقبلَنا من لا خير فيه بالسلاح، وقالوا: لنُتبعنكم عثمانَ، ليَزِيدوا الحدود تعطيلًا، فعاندوا، فشهدوا علينا بالكفر، وقالوا لنا المنكر، فقرأنا عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. فأذعن لي بعضهم، واختلفوا بينهم، فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك مَن كان منهم على رأيه الأوّل من وضع السلاح في أصحابي، وعزم عليهم عثمان بن حُنيف إلّا قاتَلوني حتى منعني الله ﷿ بالصّالحين، فردّ كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستًّا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حُدوده - وهو حَقْن الدّماء أن تُهراق دون من قد حلّ دمُه - فأبوْا","vol":"8","page":659},{"text":"واحتجّوا بأشياء، فاصطلَحْنَا عليها، فخافوا، وغدروا، وخَانُوا، فجمع الله ﷿ لعثمان ﵁ ثأرهم، فأقادهم فلم يُفلِت منهم إلّا رجلٌ، وأرْدَأنا الله، ومنَعنَا منهم بعُمير بن مرثَد، ومرثد بن قيس، ونفر من قيس، ونفر من الرِّباب والأزْد. فالزموا الرضا إلّا عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقّه، ولا تخاصموا الخائنين، ولا تمنعوهم، ولا ترضَوْا بِذُوِيِّ حدود الله فتكونوا من الظالمين. فكتبتُ إلى رجال بأسمائهم، فثبِّطوا الناس عن منع هؤلاء القوم، ونُصْرتهم، واجلسوا في بيوتكم، فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان ﵁، وفرّقوا بين جماعة الأمة، وخالفوا الكتاب والسنَّة، حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به، وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده بالكفر، وقالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصّالحون وعظَّموا ما قالوا، وقالوا: ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم - ﷺ -؛ أن أمَرتكم بالحقّ لتقتلوها وأصحابَ رسول الله - ﷺ - وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن حُنيف معهم على من أطاعهم من جهّال الناس وغوغائهم على زُطّهم وسيابجهم، فلُذنا منهم بطائفة من الفُسْطاط؛ فكان ذلك الدّأب ستة وعشرين يومًا ندعوهم إلى الحقّ وألّا يحولوا بيننا وبين الحقّ، فغدَرُوا، وخانوا، فلم نُقايِسْهم، واحتجّوا ببيعة طلحة، والزّبير؛ فأبردُوا بريدًا فجاءهم بالحجّة فلم يعرفوا الحقّ، ولم يصبروا عليه، فغادَوْني في الغَلس ليقتلوني؛ والذي يحاربهم غيري، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدَّة بيتي ومعهم هادٍ يهديهم إليّ، فوجدوا نفرًا على باب بيتي؛ منهم عُمير بن مرثَد، ومرثَد بن قيس، ويزيد بن عبد الله بن مَرْثدَ؛ ونفر من قيس، ونفر من الرِّباب والأزْد، فدارت عليهم الرّحا، فأطاف بهم المسلمون، فقتلوهم، وجمع الله ﷿ كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزُّبير وطلحة؛ فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر، وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وكتب عبيد بن كعب في جُمادى (١). (٤: ٤٦٢/ ٤٦٣/ ٤٦٤ - ٤٦٦/ ٤٦٧/ ٤٦٨/ - / ٤٧٠/ ٤٧١/ ٤٧٢/ ٤٧٣/ ٤٧٤)\n٩٥٣ - وفيما ذكر نَصْر بن مُزاحم عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفيه نكارة، وأغلب الظن أن النكارة من قبل شعيب وهو معروف بتحامله على الصحابة كما ذكرنا سابقًا.","vol":"8","page":660},{"text":"القاسم بن محمد، قال: وأقبل جارية بن قُدامة السّعديّ، فقال: يا أمّ المؤمنين! والله لَقتلُ عثمان بن عفان أهونُ من خُروجكِ من بيتكِ على هذا الجَمل الملعون عُرْضةً للسلاح! إنه قد كان لك من الله سِتْر وحرمة، فهتكْتِ سِترك، وأبحتِ حُرْمتَك، إنه مَن رأى قتالك فإنه يرى قَتْلَكِ، وإن كنتِ أتَيْتِنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتِنا مستكرهةً فاستعيني بالناس، قال: فخرج غلام شابٌّ من بني سعد إلى طلحة، والزّبير، فقال: أمّا أنت يا زُبير؛ فحواريُّ رسول الله - ﷺ -، وأمّا أنت يا طلحة؛ فوقَيْت رسول الله - ﷺ - بيدك، وأرى أمَّكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيء، واعتزل. وقال السعديّ في ذلك:\nصُنْتمْ حلائلَكُمْ وقُدْتُمْ أمّكُمْ ... هذا لَعَمرُك قِلَّةُ الإنْصافِ\nأمِرَتْ بجِرِّ ذيولها في بيتها ... فهَوتْ تشُقُّ البيدَ بالإيجاف\nغَرَضًا يُقاتلُ دونَها أبْناؤها ... بالنَبْلِ والخَطِّيِّ والأسياف\nهُتكَتْ بطلْحَةَ والزُّبَيْرِ سُتورُها ... هذا المُخَبرُ عنْهمُ والكافي\nوأقبل غلامٌ من جُهينة على محمد بن طلحة -وكان محمد رجلًا عابدًا- فقال: أخبِرْني عن قَتَلة عثمان! فقال: نعم، دمُ عثمان ثلاثة أثلاث، ثلثٌ على صاحبة الهوْدَج -يعني: عائشة- وثلثٌ على صاحب الجمل الأحمر -يعني: طلحة- وثلثٌ على عليّ بن أبي طالب؛ وضحك الغلام؛ وقال: ألا أراني على ضلال! ولحق بعليّ، وقال في ذلك شعرًا:\nسَأَلْتُ ابْنَ طلْحةَ عنْ هالِكٍ ... بجوْفِ المَدينةِ لَمْ يُقبَرِ\nفقال ثلاثة رَهْطٍ هُمُ ... أماتوا ابنَ عفَّان واسْتعْبرِ\nفثلْثٌ على تلْكَ في خِدْرها ... وثلْثٌ على راكبِ الأحْمَر\nوثُلْثٌ على ابْنِ أبي طالبٍ ... ونَحْنُ بدَوِّيَّةٍ قَرْقَر\nفقلْتُ صدَقْتَ على الأوَّليْن ... وأخْطَأْتَ في الثالثِ الأزْهرِ (١)\n(٤: ٤٦٥/ ٤٦٦).\n٩٥٤ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي مخنف عن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":661},{"text":"يوسف بن يزيد، عن سهل بن سعد، قال: لما أخذوا عُثمان بن حُنيف؛ أرسلوا أبانَ بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها في أمره، قالت: اقتلوه، فقالت لها امرأة: نشدتُك بالله يا أمّ المؤمنين في عُثمان وصحبته لرسول الله - ﷺ -! قالت: ردّوا أبانًا، فردّوه، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه، قال: لو علمتُ أنّكِ تدعينني لهذا لم أرجع، فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا شعرَ لحيته، فضربوه أربعينَ سوطًا، ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه (١). (٤: ٤٦٨/ ٤٦٩).\n٩٥٥ - حدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثني وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعتُ يونس بن يزيد الأيْليّ عن الزهرّيّ، قال: بلغني أنه لما بلغ طلحة والزّبير منزل عليّ بذي قار انصرفوا إلى البصرة، فأخذوا على المُنكَدرِ، فسمِعَتْ عائشة ﵂ نُباح الكلاب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ فقالوا: الحوْءب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! إني لهِيَهْ، قد سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ وعنده نساؤه: \"ليتَ شِعْري أيَّتكنّ تنبحها كلاب الحَوْءب! \". فأرادت الرّجوعَ، فأتاها عبد الله بن الزّبير، فزعم: أنه قال: كَذَب من قال إنّ هذا الحوءب. ولم يزل حتى مضت، فقدِموا البصرة؛ وعليها عثمان بن حُنيف، فقال لهم عثمان: ما نقَمتم على صاحبكم؟ فقالوا: لم نرَه أوْلى بها منَّا، وقد صنع ما صنع، قال: فإنَّ الرجل أمّرني فأكتب إليه فأعلمه ما جئتم له، على أن أصلّيَ بالناس حتى يأتيَنا كتابُه، فوقفُوا عليه وكتب، فلم يلبث إلّا يومين حتى وثبوا عليه فقاتلوه بالزّابوقة عند مدينة الرّزق، فظهروا، وأخذوا عثمان فأرادوا قَتْله، ثم خشُوا غضب الأنصار، فنالوه في شعره وجسَده، فقام طلحةُ، والزّبير\n_________\n(١) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف، ولم ترد في رواية صحيحة أن أصحاب الجمل أمروا بقتل والي البصرة عثمان بن حنيف والرواية التي قبل هذه وهي تكملة (٩٥٢) من طريق شعيب عن سيف تذكر أنهم نتفوا شعر وجهه وأن عائشة أمرت بإطلاق سراحه (أن خلّوا سبيله فليذهب حيث شاء ولا تحبسوه) وإسناده ضعيف جدًّا فكلا الإسنادين كما ترى لا يمكن الاحتجاج بهما وعلى هذه الأخبار الواهية المختلفة اعتمد المستشرق الألماني المعروف (بروكلمان) في كتابه تأريخ الشعوب الإسلامية فقال عن أصحاب الجمل أنهم قتلوا والي البصرة وعلمًا بأن هاتين الروايتين على ضعفهما لم تذكر أنهم قتلوه بل عذبوه ثم أطلقوا سراحه ولا يصح.","vol":"8","page":662},{"text":"خطيبين فقالا: يا أهل البصرة! توبة بحوْبة، إنما أردنا أن يستعتب أميرُ المؤمنين عثمان ولم نرد قتله، فغلب سُفهاء الناس الحلماءَ حتى قتلوه، فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد! قد كانت كُتبك تأتينا بغير هذا، فقال الزبير: فهل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتلَ عثمان ﵁ وما أتى إليه، وأظهر عيب عليّ، فقام إليه رجلٌ من عبد القيس، فقال: أيّها الرجل، أنصت حتى نتكلّم، فقال عبد الله بن الزبير: ومَالَك وللكلام! فقال العبديّ: يا معشر المهاجرين! أنتم أوّل من أجاب رسولَ الله - ﷺ -، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفِّيَ رسول الله - ﷺ - بايعتم رجلًا منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك فرضينا واتّبعناكم، فجعل الله ﷿ للمسلمين في إمارته بركة، ثمّ مات ﵁ واستخلف عليكم رجلًا منكم، فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا وسلّمنا، فلما توُفّيَ الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتمْ عثمان وبايعتموه عن غير مشورة منا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرّجل شيئًا، فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثمّ بايعتم عليًّا عن غير مشورة منا، فما الذي نقَمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء، أو عمل بغير الحقّ؟ أو عمل شيئًا تنكرونه فنكون معكم عليه! وإلّا فما هذا! فهمُّوا بقتل ذلك الرّجل، فقام من دونه عشيرتُه؛ فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى مَن كان معه، فقتلوا سبعين رجلًا (١). (٤: ٤٦٩/ ٤٧٠).\n٩٥٦ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن عن عامر بن حفص، عن أشياخه، قال: ضَرب عنقَ حُكَيم بن جبلة رجل من الحُدّان يقال له: ضخَيم، فمال رأسهُ، فتعلّق بجلده، فصار وجههُ في قفاه، قال ابن المثنّى الحُدّاني: الذي قتل حُكَيْمًا يزيدُ بن الأسحم الحُدانيّ، وجُد حُكيَم قتيلًا بين يزيد بن الأسحم، وكعب بن الأسحم، وهما مقتولان (٢). (٤: ٤٧٤).\n٩٥٧ - حدثني عمر، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثنا أبو بكر\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف وفي متنه نكارة، ويونس بن يزيد كان من أصحاب الزهري فإنه يأتي أحيانًا بمناكير عن الزهري وهذه منها وعلى أية حال فالسند مرسل ومراسيل الزهري ضعيفة والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":663},{"text":"الهُذليّ، عن أبي المليح، قال: لما قتل حُكَيم بن جبلة؛ أرادوا أن يقتلوا عثمان بن حُنيف، فقال: ما شئتم، أمَا إن سهل بن حُنيف والٍ على المدينة، وإن قتلتموني انتصر، فخلّوْا سبيله، واختلفوا في الصّلاة، فأمّرت عائشة ﵂ عبد الله بن الزبير فصلّى بالناس، وأراد الزّبير أن يعطيَ الناس أرزاقَهم ويقسم ما في بيت المال، فقال عبد الله ابنه: إن ارتزق الناس تفرّقوا. واصطلحوا على عبد الرحمن بن أبي بكر، فصيّروه على بيت المال (١). (٤: ٤٧٤).\n٩٥٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ عن أبي بكر الهُذَليّ، عن الجارود بن أبي سَبْرة، قال: لمّا كانت الليلة التي أخذ فيها عثمان بن حُنيف، وفي رَحَبَة مدينة الرّزق طعامٌ يرتزقه الناس، فأراد عبد الله أن يرزقه أصحابه وبلغ حُكَيم بن جبلة ما صنع بعثمان، فقال: لستُ أخاف الله إن لم أنصره، فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل وأكثرهم عبد القيس، فأتى ابن الزّبير مدينة الرزق، فقال: مَا لَك يا حُكيَم؟ قال: نريد أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تخلّوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدَم عليّ، والله لو أجد أعوانًا عليكم أخبِطكم بهم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلَكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإنّ دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا، أما تخافون الله ﷿! بم تستحلّون سَفْك الدّماء! قال: بدم عثمان بن عفان، قال: فالّذين قتلتموهم قتلوا عثمان! أما تخافون مقتَ الله؟ فقال له عبد الله بن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلّي سبيل عثمان بن حُنيف حتى يخلع عليًّا، قال حُكيم: اللهمّ إنك حكَم عَدْل فاشهد. وقال لأصحابه: إنّي لست في شكّ من قتال هؤلاء، فمن كان في شكّ فلينصرف، وقاتلَهَم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وضرب رجل ساق حُكيَم، فأخذ حكيمٌ ساقَه، فرماه بها، فأصاب عنقه فصرعه، ووَقَذَه، ثم حبا إليه، فقتله، واتَّكأ عليه، فمرّ به رجلٌ فقال: من قتلك؟ قال: وسادتي، وقتل سبعون رجلًا من عبد القيس، قال الهذليّ: قال حكيم حين قطعت رجله:\nأقولُ لَما جَدَّ بي زَماعي ... للرِّجْل يا رجلِيَ لن تراعي\nإنَّ مَعي مِنْ نجْدَةٍ ذراعي\n_________\n(١) في إسناده الهذلي وهو متروك.","vol":"8","page":664},{"text":"قال عامر، ومسلمة: قتل مع حُكيم ابنهُ الأشرف، وأخوه الرّعِل بن جبَلة (١). (٤: ٤٧٤/ ٤٧٥).\n٩٥٩ - حدَّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المثنَّى بن عبد الله عن عوف الأعرابيّ، قال: جاء رجل إلى طلحة والزّبير وهما في المسجد بالبصرة، فقال: نشدتكما بالله في مسيركما! أعَهِد إليكما فيه رسول الله - ﷺ - شيئًا! فقام طلحة ولم يجبْه، فناشد الزّبير، فقال: لا، ولكن بلغنا: أنّ عندكم دراهم، فجئنا نشارككم فيها (٢). (٤: ٤٧٥).\n٩٦٠ - حدثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا سُليمان بن أرقم عن قتادة، عن أبي عمرة مولى الزبير، قال: لما بايع أهل البصرة الزّبيرَ وطلحة، قال الزّبير: ألا ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ، فإما بيَّتُّه وإما صبَّحته، لعلِّي أقتله قبل أن يصل إلينا! فلم يُجبه أحدٌ، فقال: إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدّث عنها؛ فقال له مولاه: أتُسمّيها فتنة وتُقاتل فيها! قال: ويحك! إنا نُبصر ولا نبصر، ما كان أمر قطّ إلّا علمتُ موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فإني لا أدري أمُقْبل أنا فيه أم مُدبر (٣)! (٤: ٤٧٥/ ٤٧٦).\n٩٦١ - حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا هشام بن يوسف -قاضي صَنْعاء- عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن موسى بن عقبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: لما خرج طلحة، والزّبير، وعائشة ﵃؛ رأيتُ طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها، وهو ضاربٌ بلحيته على زَوْرِه، فقلت: يا أبا محمد! أرى أحبّ المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زَوْرك؛ إن كرهتَ شيئًا فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقّاص! بينا نحن يدٌ واحدة على مَن سوانا، إذ صرنا جبلين من حديد يَطلبُ بعضنا بعضًا، إنه كان منِّي في عثمان شيءٌ ليس توبتي إلّا أن يُسفك دمي في طلب دمه. قال: قلت: فرُدّ محمد بن\n_________\n(١) في إسناده الهذلي وهو متروك وفي متنه نكارة، ولم يثبت أن أصحاب الجمل دعوا إلى خلع علي ولم يثبت أنهم كانوا يقتلون من هَبَّ ودَبَّ.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة.\n(٣) في متنه سليمان بن أرقم ضعيف؛ وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":665},{"text":"طلحة فإنّ لك ضيعة وعيالًا؛ فإن يك شيء يخلفك؛ فقال: ما أحبّ أن أرى أحدًا يخِفّ في هذا الأمر فأمنعه، قال: فأتيت محمد بن طلحة، فقلت له: لو أقمتَ، فإن حدث به حدَث؛ كنتَ تخلفه في عياله وضيعته، قال: ما أحبّ أن أسأل الرجال عن أمره (١). (٤: ٤٧٦).\n٩٦٢ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن مجالد بن سعيد، قال: لما قدمت عائشةُ ﵂ البصْرة كتبتْ إلى زيد بن صُوحان: من عائشة ابنة أبي بكر أمّ المؤمنين حبيبة رسول الله - ﷺ - إلى ابنها الخالص زيد بن صُوحان، أمّا بعد: فإذا أتاك كتابي هذا؛ فاقدم؛ فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل؛ فخذل الناس عن عليّ.\nفكتب إليها: من زيد بن صُوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر الصدّيق حبيبةِ رسول الله - ﷺ -، أمّا بعد: فأنا ابنك الخالص؛ إن اعتزلت هذا الأمر ورجعت إلى بيتك، وإلّا فأنا أوّل من نابَذَكِ. قال زيد بن صُوحان: رحم الله أمَّ المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها وأمِرنا أن نُقاتل، فتركتْ ما أمِرَتْ به، وأَمَرَتْنا به، وصنعت ما أمِرْنا به، ونَهتنا عنا (٢)! (٤: ٤٧٦/ ٤٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>ذكر الخبر عن مسير عليّ بن أبي طالب نحو البصرة</span>\n٩٦٣ - مما كتب به إليّ السريّ: أن شعيبًا حدّثه، قال: حدّثنا سيفٌ، عَن عُبيدة بن معتِّب، عن يزيد الضخم، قال: لما أتى عليًّا الخبرُ وهو بالمدينة بأمر عائشة، وطلحة، والزّبير: أنهم قد تَوَجّهوا نحو العراق؛ خرج يُبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردّهم، فلما انتهى إلى الرّبَذة؛ أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا، فأقام بالرَّبَذة أيامًا، وأتاه عن القوم: أنهم يُريدون البصرة، فسرّيَ بذلك عنه، وقال: إنَّ أهلَ الكوفة أشدُّ إليَّ حبًّا، وفيهم رؤوس العرب وأعلامهم. فكتب إليهم: إنّي\n_________\n(١) في إسناده عبد الله بن مصعب الزبيري ضعفه ابن معين وذكره الذهبي في الضعفاء.\n(٢) في إسناده أبو مخنف وهو تالف، وأما ما ذكر من هذه المراسلة فلم يصح بل ورد من طريق سيف بإسناد ضعيف جدًّا، وأما حث عائشة ﵂ لزيد بن صوحان أن (يخذّل الناس عن علي) فهذا لمخالف لما ذكرنا من الروايات الصحيحة والله أعلم - علمًا بأن الإسناد على ضعفه الشديد فهو مرسل، فمجالد لم يدرك الحادثة.","vol":"8","page":666},{"text":"قد اخترتكم على الأمصار وإنّي بالأُثْرة (١). (٤: ٤٧٧).\n٩٦٤ - حدّثني عُمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن بشير بن عاصم، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: كتب عليّ إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني اخترتُكم والنزول بين أظهركم لما أعرف من مودَّتكم وحبكم لله ﷿ ولرسوله - ﷺ -، فمن جاءني، ونصرني؛ فقد أجاب الحقَّ وقضى الذي عليه (٢). (٤: ٤٧٧).\n٩٦٥ - حدّثني عمر: قال: حدّثنا أبو الحسن. قال: حدّثنا حبّان بن موسى عن طلحة بن الأعلم، وبشر بن عاصم عن ابن أبي ليلَى، عن أبيه، قال: بُعِث محمد بن أبي بكر إلى الكوفة ومحمّدُ بن عون، فجاء الناس إلى أبي موسى يستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: أمَّا سبيلُ الآخرة فأنْ تقيموا، وأمَّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا، وأنتم أعلم. وبلغ المحمديْن قولُ أبي موسى، فبايناه، وأغلظا له، فقال: أما والله إنَّ بيعة عثمان في عُنقي وعُنق صاحبكما الذي أرسلكما، إن أردْنا أن نُقاتِل لا نقاتل حتى لا يبقى أحد من قَتَلة عثمان إلا قُتل حيث كان. وخرج عليّ من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، فقالت أخت عليّ بن عديّ من بني عبد العزى بن عبد شمس:\nلا هُمَّ فاعْقِرْ بِعَلِيّ جَملَهْ ... ولا تُبَارك في بعيرٍ حَمَلهْ\nألا عليّ بنُ عَديٍّ ليس لَه (٣)\n(٤: ٤٧٧/ ٤٧٨).\n٩٦٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي مخنف، عن نُمَير بن وعْلة، عن الشعبيّ؛ قال: لمَّا نزل عليٌّ بالرَّبَذَةَ أتته جماعة من طيئ، فقيل لعليّ: هذه جماعة من طَييء قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك؛ قال: جزَى الله كلًّا خيرًا، وفَضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا، ثمّ دخلوا عليه فقال عليّ: ما شهدتمونا به؟ قالوا:\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو متنه نكارة سنبينها بعد (٤/ ٤٧٩).\n(٢) في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعفه البخاري وابن معين وأحمد وشعبة وغيرهم.\n(٣) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":667},{"text":"شهدناك بكلّ ما تحبّ، قال: جزاكم الله خيرًا! فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتَدّين، ووافيتم بصدقاتكم المسلمين، فنهض سعيد بن عبيد الطائيّ، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ من الناس من يعبّر لسانه عما في قلبه، وإني والله ما كلّ ما أجد في قلبي يعبّر عنه لساني وسأجهد وبالله التوفيق، أمّا أنا فسأنصح لك في السرّ والعلانية، وأقاتل عدوك في كلّ موطن، وأرى لك من الحقّ ما لا أراه لأحَدٍ من أهل زمانك لفضلك، وقرَابَتِك، قال: رحمك الله! قد أدَّى لسانُك عما يجنُّ ضميرك، فقُتِل معه بصفِّين ﵀ (١). (٤: ٤٧٨).\n٩٦٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما قدم عليَّ الرَّبَذَة؛ أقام بها، وسرّح منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر؛ وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانًا وأنصارًا، وأَيِّدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نُريد، لتعود الأمة إخوانًا، ومن أحبَّ ذلك، وآثره؛ فقد أحبَّ الحقّ وآثره، ومن أبغض ذلك؛ فقد أبغض الحقّ، وغمصه.\nفمضى الرَّجلان، وبقي عليّ بالرَّبَذة يتهيّأ، وأرسل إلى المدينة، فلحقه ما أراد من دابّة وسلاح، وأمِر أمرُه وقام في الناس فخطبهم؛ وقال: إنّ الله ﷿ أعزَّنَا بالإسلام، ورفَعَنا به، وجعلنا به إخوانًا بعد ذلَّة، وقلَّة، وتباغُضٍ، وتباعد؛ فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحقّ فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرّجل بأيدي هؤلاء القوم الذّين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا إنَّ هذه الأمَّة لابُدَّ مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم، فنعوذ بالله من شرّ ما هو كائن، ثمّ عاد ثانية، فقال: إنه لابدَّ مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستَفْتَرِقُ على ثلاث وسبعين فرقة، شرّها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعَمَلِي، فقد أدركتم، ورأيتم فالزموا دينكم، واهدوا بهدي نبيّكم - ﷺ -، واتَّبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن؛ فالزموه وما أنكره؛ فردّوه، وارضُوا بالله جلَّ وعزَّ ربًّا، وبالإسلام دينًا؛ وبمحمّد - ﷺ - نبيًّا، وبالقرآن حكمًا وإمامًا (٢). (٤: ٤٧٨/ ٤٧٩).\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا فهو من طريق أبي مخنف ولم نجد له شاهدًا أو متابعًا والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف، أما ما جاء مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - فقد صح ولكن ليس باللفظ الذي في =","vol":"8","page":668},{"text":"٩٦٨ - كَتَب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما أراد عليّ الخروجَ من الرَّبَذَة إلى البصرة قام إليه ابنٌ لرفاعة بن رافعٍ، قال: يا أمير المؤمنين! أيّ شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أمَّا الذي نريد وننوي فالإصلاح؛ إن قبلوا منّا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه؟ قال ندَعُهم بعذرهم ونعطيهم الحقّ ونصبر؛ قال: فإن لم يرضَوْا؟ قال: ندَعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذًا، وقام الحجاج بن غزّية الأنصاريّ قال: لأرضينّك بالفعل كما أرضيتني بالقول. وقال:\nدَرَاكها دَراكِها قَبْلَ الفوْت ... وانفِرْ بنا واسْمُ بنا نحْوَ الصَّوْت\nلا وَألَتْ نَفْسيَ إنْ هِبْتُ الموْت\nوالله لأنصرنّ الله ﷿ كما سمّانا أنصارًا، فخرج أمير المؤمنين؛ وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجرّاح، والرّاية مع محمّد بن الحنفيّة، وعلى الميمنة عبد الله بن عباس، وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة، أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وخرَجَ عليّ، وهو في سبعمئة وستين؛ وراجزُ عليّ يرجز به:\nسيروا أبابيلَ وحُثُّوا السَّيْرَا ... إذْ عَزَمَ السَّيْرَ وقولوا خَيْرا\nحتَّى يُلاقوا وتُلاقوا خيْرا ... نغزو بها طَلْحَةَ والزُّبَيرا\nوهو أمام أميرِ المؤمنين، وأميرُ المؤمنين عليّ على ناقة له حمراء يقود فرسًا كُميتًا. فتلقّاهم بفيْدَ غلامٌ من بني سعد بن ثعلبة بن عامر يدعى مُرّة، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أمير المؤمنين، فقال: سفرة فانية فيها دماء من نفوس فانية، فسمعها عليّ فدعاه، فقال: ما اسمك؟ قال: مُرَّة، قال: أمَرَّ الله عيْشك، كاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف؛ فلما نزل بفيد أتته أسد، وطيِّئ، فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: الزموا قراركم، في المهاجرين كفاية. وقدِم رجلٌ من أهل الكوفة فيْد قبل خروج عليّ، فقال: مَن الرجل؟ قال: عامر بن مطر، قال: الليثيّ؟ قال: الشيبانيّ. قال: أخبرني عما وراءك، قال: فأخبره حتى سأله عن\n_________\n= هذه الرواية فلقد صح عنه - ﷺ - قوله: \"افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) وصححه الحاكم على شرط مسلم (المستدرك ١/ ١٢٨).","vol":"8","page":669},{"text":"أبي موسى، فقال: إن أردت الصّلح فأبو موسى صاحبُ ذلك. وإن أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب ذلك، قال: والله ما أريدُ إلا الإصلاح حتى يردَّ علينا، قال: قد أخبرتك الخبر، وسكت، وسكت عليّ (١). (٤: ٤٧٩/ ٤٨٠).\n٩٦٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي محمد، عن عبد الله بن عمير، عن محمد بن الحنفيّة، قال: قدِم عُثمان بن حُنيف على عليّ بالرَّبَذَة وقد نتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، فقال: يا أميرَ المؤمنين! بعثتَني ذا لحية وجئتك أمرَد، قال: أصبت أجرًا وخيرًا، إنَّ الناس ولِيَهم قبلي رجلان، فعمِلا بالكتاب، ثمّ وليهم ثالث، فقالوا وفعلوا، ثم بايعوني، وبايعني طلحةُ والزّبير، ثمّ نكثَا بيعتي، وألَّبا الناس عليَّ، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما عليّ، والله إنهما ليعلمان أنى لستُ بدون رجل ممن قد مضى، اللهم فاحلل ما عقدا، ولا تبرم ما قد أحكما في أنفسهما وأرِهما المساءة فيما قد عملا (٢). (٤: ٤٨٠).\n٩٧٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولمَّا نزل على الثعلبيَّة؛ أتاه الّذي لقي عثمان بن حُنَيف وحرسُه، فقام وأخبر القوم الخبر، وقال: اللهمّ عافني مما ابتليتَ به طلحة والزبير من قَتْل المسلمين، وسلّمنا منهم أجمعين. ولما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقي حُكيمُ بن جَبَلة وقتلةُ عثمان بن عفان ﵁، فقال: الله أكبر، ما ينجيني من طلحة والزّبير إذ أصابا ثأرهما أو ينجيهما! وقرأ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. وقال:\nدَعَا حُكَيْمٌ دَعوَةَ الزِّماع ... حَلَّ بها مَنزلَةَ النِّزاع\nولما انتهوْا إلى ذي قار؛ انتهى إليه فيها عثمان بن حُنَيف، وليس في وجهه شعر، فلما رآه عليّ نظر إلى أصحابه، فقال: انطلق هذا من عندنا وهو شيخ، فرجع إلينا وهو شابّ. فلم يزل بذي قار يتلوّم محمدًا، ومحمدًا، وأتاه الخبر بما\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) في إسناده عبد الله بن عمير أخو عبد الملك مجهول، ولم نعرف من هو أبو محمد، وفي متنه نكارة، وقول علي هنا يخالف تمامًا ما ورد عنه في الروايات الصحيحة.","vol":"8","page":670},{"text":"لقيَتْ ربيعة وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق، فقال: عبد القيس خيرُ ربيعة، في كلّ ربيعة خير. وقال:\nيا لَهفَ نَفسي على رَبيعَهْ ... ربيعَةَ السامِعَةِ المُطِيعَهْ\nقد سَبَقَتْني فيهِمُ الوَقيعَهْ ... دعَا عَلَيٌّ دَعوةً سَمِيعَهْ\nحَلُّوا بها المَنْزِلَةَ الرَّفيعَهْ\nقال: وعرضَتْ عليه بكر بن وائل، فقال لهمْ مثل ما قال لطيّئ وأسد.\nولما قدم محمد، ومحمد على الكوفة، وأتيا أبا موسى بكتاب أمير المؤمنين، وقاما في الناس بأمره، لم يجابا إلى شيء، فلما أمسوا دخل ناسٌ من أهل الحِجا على أبي موسى، فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرّأي بالأمس ليس باليوم؛ إنّ الّذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جرّ عليكم ما تَرَوْن؛ وما بقِيَ إنما هما أمران: القُعود سبيل الآخرة، والخُروج سبيل الدّنيا، فاختاروا، فلم ينفِر إليه أحدٌ، فغضِب الرّجلان وأغلظا لأبي موسى، فقال أبو موسى: والله إنّ بيعة عثمان ﵁ لفي عُنقي، وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بُدّ من قتال لا نقاتل أحدًا حتى يُفرَغ من قَتَلة عثمان حيث كانوا، فانطلقا إلى عليّ فوافياه بذي قار وأخبراه الخبر، وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجِل إلى الكوفة، فقال عليّ: يا أشتر! أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترِض في كلّ شيء، اذهب أنت وعبد الله بن عبّاس فأصْلِحْ ما أفْسَدْت.\nفخرج عبد الله بن عباس؛ ومعه الأشتر، فقدما الكوفة وكَلَّما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة، فقال للكوفيين: أنا صاحبكم يوم الجَرَعة وأنا صاحبكم اليوم؛ فجمع الناس فخطبهم، وقال: يا أيّها الناس! إنّ أصحاب النبيّ - ﷺ - الّذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جلّ وعزّ وبرسُوله - ﷺ - ممّن لم يصحبه، وإنَّ لكم علينا حقًّا فأنا مؤدّيه إليكم. كان الرّأي ألّا تستخفُّوا بسلطان الله ﷿، ولا تجترئوا على الله ﷿، وكان الرّأي الثاني أن تأخذوا من قَدِم عليكم من المدينة فتردّوهم إليها حتى يجتمعوا، وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تَكلّفوا الدّخول في هذا، فأمّا إذا كان ما كان فإنها فتنة صمّاء، النائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خيرٌ من الرّاكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا","vol":"8","page":671},{"text":"السيوف، وأنصِلوا الأسنّة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم، والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفِتْنة (١). (٤: ٤٨١/ ٤٨٢).\n٩٧١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما رجع ابن عباس إلى عليّ بالخبر دعا الحسنَ بن عليّ فأرسله، فأرسل معه عمَّار بن ياسر، فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدتَ؛ فأقبلا حتى دخلا المسجد، فكان أوّل من أتاهما مسروق بن الأجْدع، فسلّم عليهما، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان! عَلام قتلتم عثمان ﵁؟ قال: عَلَى شَتم أعراضنا، وضرب أبشارنا! فقال: والله ما عاقَبْتُمْ بمثلِ ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيرًا للصّابرين، فخرج أبو موسى، فلقي الحسَن فضمَّه إليه، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان! أعَدَوْت فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحللت نفسَك مع الفجار! فقال: لم أفعل، ولمَ تَسُوْءُني؟ وقطع عليهما الحسن، فأقبل عَلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى! لِمَ تثبّط النّاس عنا! فوالله ما أردنا إلّا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يُخافَ على شيء، فقال: صدَقْتَ بأبي أنت وأمي! ولكنّ المستشار مُؤْتمن، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنها ستكون فتنةٌ، القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب\"؛ قد جعلنا الله ﷿ إخوانًا، وحرَّم علينا أموالنا ودماءَنا، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فغضب عمارٌ وساءَه، وقام، وقال: يا أيّها الناس! إنما قال له خاصّةً: أنت فيها قاعدًا خيرٌ منك قائمًا. وقام رجلٌ من بني تميم، فقال لعمار: اسكت أيها العبد! أنت أمس مع الغوغاء، واليوم تسافه أميرنا! وثار زَيْدُ بن صُوحان وطبقتُه وثار الناس، وجعل أبو موسى يُكَفْكِفُ الناس، ثمّ انطلق حتى أتى المنْبر، وسكن الناس، وأقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان من عائشة ﵂ إليه وإلى أهل الكوفة، وقد كان طلب كتاب العامّة فضمّه إلى كتابه، فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامّة: أمّا بعد، فثبّطوا أيّها الناس، واجلسوا في بيوتكم إلّا عن قتَلة عثمان بن عفان ﵁\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":672},{"text":"فلما فرغ من الكتاب قال: أمرتْ بأمر، وأمِرْنَا بأمر؛ أمرَت أن تقرّ في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتْنا بما أمِرَت به ورَكبتْ ما أمِرنا به. فقام إليه شبَث بن رَبْعيّ، فقال: يا عُمَانيّ -وزيد من عبد القيس عُمان وليس من أهل البَحْرَيْن- سرقتَ بجَلُولاء فقطعك الله، وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ما أمرتْ إلا بما أمر الله ﷿ به بالإصلاح بين الناس؛ فقلت: وربّ الكعبة! وتهاوى الناس. وقام أبو موسى فقال: أيّها الناس! أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوِي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائِف، إنّا أصحابَ محمد - ﷺ - أعلم بما سمعنا، إن الفتنة إذا أقبلت شبَّهت، وإذا أدبرت بيّنت، وإنّ هذه الفتنة باقِرة كَدَاء البطن، تجري بها الشَّمال، والجَنوب، والصَّبا، والدَّبور، فتسكن أحيانًا فلا يُدْرَى من أين تؤتَى، تَذَر الحليم كابن أمس، شيموا سيوفكم، وقَصّدوا رماحكم، وأرسلوا سهامكم، واقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتَكم. خلّوا قريشًا - إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتُق فتقَها، وتشعَب صدعَها، فإن فعلت؛ فلأنفسها سَعَت، وإن أبَتْ؛ فعلَى أنفسها منَتْ، سمْنها تُهريق في أديمها؛ استنصحوني، ولا تستغِشُّوني، وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحرّ هذه الفتنة مَنْ جَناها.\nفقام زيد فشال يدَه المقطوعة فقال: يا عبدَ الله بن قيس! ردّ الفرات عن دراجه، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تُريد، فدعْ عنك ما لست مدركه. ثم قرأ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ إلى آخر الآيتين؛ سيروا إلى أمير المؤمنين وسيّد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحقّ.\nفقام القعقاع بن عَمرو فقال: إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحبّ أن ترشُدوا، ولأقولنّ لكم قولًا هو الحقّ، أمّا ما قال الأمير فهو الأمر لو أن إليه سبيلًا، وأمّا ما قال زيد فزيدٌ في الأمر فلا تستَنْصِحوه فإنَّه لا ينتزع أحد من الفتنةِ طعَن فيها وجرى إليها؛ والقول الذي هو القول: إنه لابدّ من إمارة تنظم الناس، وتزَع الظالم، وتُعزّ المظلوم، وهذا عليّ يلِي بما ولي، وقد أنصف في الدّعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفِروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع.\nوقال سَيْحان: أيّها الناس! إنه لابدّ لهذا الأمر وهؤلاء الناس من والٍ يدفع","vol":"8","page":673},{"text":"الظالم، ويُعزّ المظلوم، ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمّة، الفقيه في الدّين، فمن نهض إليه فإنا سائرون معه، ولان عمّار بعد نَزْوته الأولى، فلما فرغ سَيْحان من خطبته، تكلم عمار، فقال: هذا ابن عمّ رسول الله - ﷺ - يستنفركم إلى زوجة رسول الله - ﷺ - وإلى طلحة والزّبير، وإني أشهد أنّها زوجته في الدنيا والآخرة، فانظروا ثمّ انظروا في الحق فقاتلوا معه؛ فقال رجل: يا أبا اليقظان! لَهو مع مَن شهدتَ له بالجنّة على من لم تشهد له. فقال الحسن: اكفف عنّا يا عمار! فإن للإصلاح أهلًا.\nوقام الحسن بن عليّ، فقال: يا أيّها الناس! أجيبوا دَعْوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن ينفر إليه، والله لأنْ يليَه أولو النهى أمثلُ في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم. فسامح الناس، وأجابوا، ورضوا به، وأتى قومٌ من طيِّئ عديًّا فقالوا: ماذا ترى وماذا تأمر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس، فأخبِر بقيام الحسن وكلام من تكلم، فقال: قد بايعنا هذا الرّجل، وقد دعانا إلى جميل، وإلى هذا الحدَث العظيم لننظر فيه، ونحن سائرون وناظرون.\nوقام هند بن عمرو، فقال: إنَّ أمير المؤمنين قد دعانا، وأرسل إلينا رسلَه؛ حتى جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله، وانتهوا إلى أمره، وانفروا إلى أميركم، فانظروا مَعه في هذا الأمر، وأعينوه برأيكم.\nوقام حُجْر بن عديّ، فقال: أيّها الناس! أجيبوا أميرَ المؤمنين وانفِروا خِفافًا وثِقالًا مُروا، أنا أولكم، وقام الأشتر فذكر الجاهليّة وشدّتها، والإسلام ورخاءَه، وذكر عثمان ﵁، فقام إليه المقطّع بن الهيثم بن فجيع العامريّ ثم البُكائي، فقال: اسكت قبحك الله! كلْبٌ خُلّيَ والنّباح؛ فثار الناس فأجلسوه.\nوقام المقطّع، فقال: إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أحدٌ بذكر أحد من أئمتنا! وإنّ عليًّا عندنا لمَقْنع، والله لئن يكن هذا الضّرب لا يرضى بعليّ، فعضّ امرؤ على لسانه في مشاهدنا! فأقبلوا على ما أحثّاكم.\nفقال الحسن: صدق الشيخ، وقال الحسن: أيّها الناسِ! إنّي غاد فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظَّهر، ومن شاء فليخرج في الماء فنفرَ معه تسعة آلاف،","vol":"8","page":674},{"text":"فأخذ بعضهم البرّ، وأخذ بعضهم الماءَ وعلى كل سُبْع رجُلٌ؛ أخذ البرّ ستة آلاف ومئتان، وأخذ الماء ألفان وثمانمئة (١). (٤: ٤٨٢/ ٤٨٣/ ٤٨٤/ ٤٨٥).\n٩٧٢ - وفيما ذكر نصرُ بن مزاحم العطار عن عمر بن سعيد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العلم: أن عبد خير الخَيْوانيّ قام إلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى! هل كان هذان الرّجلان -يعني: طلحة، والزبير- ممن بايع عليًّا؛ قال: نعم، قال: هل أحدث حدثًا يحِلّ به نقص بيعتِه؟ قال: لا أدري! قال: لا دريتَ! فإنا تاركوك حتى تدري. يا أبا موسى! هل تعلم أحدًا خارجًا من هذه الفتنة التي تزعم أنها هي فتنة؟ إنما بقي أربع فِرَق: عليٌّ بظهر الكوفة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة، وهنا يتبين لنا سرّ اتفاق علماء الجرح والتعديل على ضعف سيف في الحديث ويتبين لنا كم كان تلميذه وراويته شعيب خبيرًا في تحريف الكلم عن مواضعه، فأما إرسال علي لعمار والحسن إلى الكوفة فصحيح أما قوله له: (انطلق فأصلح ما أفسدت) فلا يصح. وليت الأمر وقف عند هذا الحدّ من الدّس والزيادة المنكرة ولكنه أضاف مرة أخرى فذكر أن عمارًا شارك في قتل سيدنا عثمان ﵁ (يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا) وهذا غير صحيح فلم يثبت في رواية صحيحة أن عمارًا ﵁ شارك في قتل عثمان ﵁ علمًا بأن الرواية نفسها تكذب ما جاء هنا فإن عمارًا في هذه الرواية ينكر مشاركته في قتل عثمان: (يا أبا اليقظان أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل). فبأي العبارتين نأخذ؟ ألا إنه الخلط والخبط من راو مجهول الحال (شعيب) لا يعرف عنه إلا أنه يتحامل على السلف الصالح رضوان الله عليهم- ومن نكارات هذه الرواية قول شيث بن ربعي لزيد بن صوجان (يا عُماني سرقت بجلولاء فقطعك الله وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله) وهذا لم يرد في رواية صحيحة ولا حتى ضعيفة (فيما نعلم) وفيه من الطعن ما فيه وهو من طريق شعيب راوية سيف كما نظن ومرة أخرى يظهر شعيب براعته في تحريف الحقائق فصحيح أن عمارًا ﵁ أخبر أن عائشة أم المؤمنين ولها فضلها عليهم ولكن الله ابتلاهم بها ليروا هل يسمعون كلامها في المطالبة بدم عثمان ويطيعونها في ذلك أم يسمعون للخليفة وهو الأولى بالطاعة لأنه الإمام العام؟\nفأراد شعيب أن يخلط الحابل بالنابل فتقول على لسان عمار: (هذا ابن عم رسول الله - ﷺ - ليستنفركم إلى زوجة رسول الله - ﷺ - وإلى طلحة والزبير) وليس الأمر كذلك فلم يستنفر أمير المؤمنين علي أحدًا على عائشة وطلحة والزبير ﵃ وكفّ عن القتال حتى وقع القتال وإنما ذهب إلى البصرة من ذي قار حتى تصلح الأمور وتستتب بعد أن شاع الاضطراب بالبصرة - وسنتطرق إلى هذا في قسم الصحيح فليراجع.","vol":"8","page":675},{"text":"وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة أخرى بالحجاز؛ لا يجبَى بها فيء، ولا يقاتَل بها عدوّ؛ فقال له أبو موسى: أولئك خيرُ الناس، وهي فتنة؛ فقال له عبد خير: يا أبا موسى! غلب عليك غِشُّك.\nقال: وقد كان الأشتر قام إلى عليّ فقال: يا أميرَ المؤمنين! إني قد بعثت إلى أهل الكوفة رجلًا قبل هذين فلم أره أحكم شيئًا، ولا قدر عليه، وهذان أخلَقُ من بعثت أن يُنْشَبَ بهم الأمر على ما تحبّ، ولستُ أدري ما يكون؛ فإن رأيت -أكرمك الله- يا أمير المؤمنين أن تبعثني في أثرهم، فإن أهل المصر أحسن شيء لي طاعةً، وإن قدمتُ عليهم رجوت ألّا يُخالفني منهم أحدٌ.\nفقال لي عليّ: الحقْ بهم؛ فأقبل الأشترُ حتى دخل الكوفةَ؛ وقد اجتمع الناس في المسجد الأعظم، فجعل لا يمرُّ بقبيلة يرى فيها جماعة في مجلس، أو مسجد إلا دعاهم، ويقول: اتّبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعةٍ من الناس، فاقتحم القصر، فدخله وأبو موسى قائم في المسجد يخطب النّاس ويثبِّطهم، يقول: أيها الناس! إنّ هذه فتنة عمياء صماء تطأُ خِطامها، النائم فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من الرّاكب؛ إنها فتنة باقرة كداء البطن، أتتكم من قِبَل مأمنكم، تَدَع الحليم فيها حيرانَ كابن أمس. إنا معاشر أصحاب محمد - ﷺ - أعلم بالفتنة، إنها إذا أقبلت شبَّهت وإذا أدبرت أسْفرت، وعمّار يُخاطبه، والحسن يقول له: اعتزل عَمَلَنا لا أمّ لك! وتنحّ عن منبرنا. وقال له عمار: أنت سمعتَ هذا من رسول الله - ﷺ -؟ فقال أبو موسى: هذه يدي بما قلت، فقال له عمّار: إنما قال لك رسول الله - ﷺ - هذا خاصة، فقال: \"أنتَ فيها قاعدًا خيرٌ منك قائمًا\"، ثمّ قال عمّار: غلب الله مَنْ غالبَه وجاحَده (١). (٤: ٤٨٦/ ٤٨٧).\n٩٧٣ - قال نصر بن مزاحم: حدّثنا عمر بن سعيد، قال: حدّثني رجل عن نُعَيم، عن أبي مريم الثقفيّ، قال: والله إني لفي المسجد يومئذ؛ وعمّار يخاطبُ أبا موسى ويقول له ذلك القولَ؛ إذ خرج علينا غلمان لأبي موسى يشتدّون\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة.","vol":"8","page":676},{"text":"ينادون: يا أبا موسى! هذا الأشتر قد دخل القصر، فضَرَبَنا، وأخرجنا، فنزل أبو موسى، فدخل القصرَ، فصاح به الأشتر: اخرج من قَصْرنا لا أمّ لك! أخرج الله نفسَك، فوالله إنك لمن المنافقين قديمًا، قال: أجّلني هذه العشيّة، فقال: هي لك، ولا تبيتنّ في القصر الليلة، ودخل الناس ينتهبون متاع أبي موسى فمنعهم الأشتر، وأخرجهم من القصر، وقال: إني قد أخرجته، فكفّ الناس عنه. (١) (٤/ ٤٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>نزول أمير المؤمنين ذا قار</span>\n٩٧٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما التقوا بذي قار؛ تلقّاهم عليّ في أناس، فيهم ابن عباس فرحّب بهم، وقال: يا أهلَ الكوفة! أنتم ولَّيتم شوكة العَجَم وملوكهم، وفضضتم جموعهم؛ حتى صارت إليكم مواريثُهم، فأغنيتم حَوْزَتكم، وأعنتم الناس على عدوّهم، وقد دعوتُكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة؛ فإن يرجعوا؛ فذاك ما نُريد وإن يلجّوا داويناهم بالرفق، وباينّاهم حتى يبدؤونا بظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاحٌ إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله!\nفاجتمع بذي قار سبعة آلاف ومئتان، وعبد القيس بأسرها في الطريق بين عليّ وأهل البصرة ينتظرون مرور عليّ بهم، وهم آلاف- وفي الماء ألفان وأربعمئة (٢). (٤: ٤٨٧).\n٩٧٥ - قال أبو جعفر: أخرج إليَّ زيادُ بن أيوب كتابًا فيه أحاديث عن شيوخ ذكر: أنه سمعها منهم؛ قرأ عليَّ بعضَها، ولم يقرأ عليّ بعضها، فممّا لم يقرأ عَلَيَّ من ذلك، فكتبتُه منه؛ قال: حدّثنا مُصعب بن سلام التميميّ، قال: حدّثنا محمد بن سُوقة، عن عاصم بن كُليب الجرميّ، عن أبيه، قال: رأيتُ فيما يرى النائم في زمان عثمان بن عفان: أنّ رجلًا يلي أمورَ الناس مريضًا على فراشه وعند رأسه امرأةٌ؛ والناس يريدونه، ويبهَشُون إليه، فلو نهتهم المرأة لانتهوْا؛ ولكنها\n_________\n(١) إسناده ضعيف وهو خبر منكر.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":677},{"text":"لم تفعل، فأخذوه، فقتلوه، فكنتُ أقصّ رؤيايَ على الناس في الحضَر والسفر، فيعجبون، ولا يدرون ما تأويلها! فلما قتل عثمان ﵁ أتانا الخبرُ ونحن راجعون من غَزاتنا، فقال أصحابنا: رؤياك يا كُليب. فانتهينا إلى البصرة فلم نلبث إلّا قليلًا حتى قيل: هذا طلحة، والزّبير معهما أمّ المؤمنين، فراع ذلك الناسَ وتعجّبوا، فإذا هم يزعمون للناس: أنهم إنما خرجوا غضَبًا لعثمان، وتوبةً مما صنعوا من خذلانه، وإنّ أمّ المؤمنين تقول: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث: إمارة الفُتِيّ، وموقع الغمامة، وضربة السوط والعصا، فما أنصفنا إن لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها إليه: حرمة الشهر، والبلد، والدم. فقال الناس: أفلم تُبايعوا عليًّا وتدخلوا في أمره! فقالوا: دخلنا واللجّ على أعناقنا، وقيل: هذا عليّ قد أظلّكم، فقال قومُنا لي ولرجلين معي: انطلقوا حتى تأتوا عليًّا وأصحابَه فسلوهم عن هذا الأمر الّذي قد اختلط علينا؛ فخرجنا حتى إذا دنونا من العسكر؛ طلع علينا رجل جميل على بغلة، فقلت لصاحبيّ: أرأيتم المرأةَ التي كنت أحدّثكم عنها: أنها كانت عند رأس الوالي؟ فإنها أشبه الناس بهذا، ففطن أنّا نخوضُ فيه، فلما انتهى إلينا قال: قفوا، ما الّذي قلتم حين رأيتموني؟ فأبينا عليه، فصاح بنا، وقال: والله لا تبرحون حتى تخبروني، فدخلتنا منه هيبةً، فأخبرناه، فجاوزَنا وهو يقول: والله لقد رأيت عجبًا، فقلنا لأدنى أهل العسكر إلينا: مَن هذا؟ فقال: محمّد بن أبي بكر، فعرفنا أن تلك المرأة عائشة ﵂، فازددنا لأمرها كراهيةً، وانتهينا إلى عليّ فسلمنا عليه، ثم سألناه عن هذا الأمر، فقال: عَدا الناس على هذا الرّجل وأنا مُعتزل فقتلوه، ثمّ ولَّوني وأنا كارهٌ، ولولا خشية على الدّين؛ لم أجبهم، ثمّ طفق هذان في النكث، فأخذت عليهما وأخذتُ عهودهما عند ذلك، وأذنْت لهما في العُمْرة، فقدما على أمّهما حليلة رسول الله - ﷺ - فرضيا لها ما رغبا لنسائهما عنه، وعرّضاها لما لا يحلّ لهما ولا يصلح، فاتّبعتُها لكيلا يفتقوا في الإسلام فتقًا، ولا يخرِقوا جماعة.\nثم قال أصحابه: والله ما نُريد قتالهم إلّا أن يقاتلوا، وما خرجنا إلّا لإصلاح. فصاح بنا أصحابُ عليّ: بايعوا بايعوا، فبايع صاحبيَّ، وأمّا أنا فأمسكتُ وقلت: بعثني قومي لأمر، فلا أحدث شيئًا حتى أرجع إليهم. فقال عليّ: فإن لم يفعلوا؟ فقلتُ: لم أفعل، فقال: أرأيتَ لو أنهم بعثوك رائدًا فرجعت إليهم، فأخبرتَهم","vol":"8","page":678},{"text":"عن الكَلأ والماء فحالوا إلى المعاطش والجُدوبة ما كنت صانعًا؟ قال: قلتُ: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء، قال: فمدّ يدك، فوالله ما استطعتُ أن أمتَنع، فبسطتُ يدي فبايعتُه، وكان يقول: عليٌّ من أدْهىَ العرب. وقال: ما سمعتَ من طلحة، والزّبير؟ فقلتُ: أما الزّبير فإنه يقول: بايعنا كرهًا، وأمّا طلحة فمقبل على أن يتمثّل الأشعارَ، ويقول:\nألَا أَبلِغ بني بكرٍ رسولًا ... فليسَ إلى بني كَعبٍ سبيلُ\nسيَرجِعُ ظُلمُكمْ منكمْ عليكمْ ... طويلُ السَّاعدين له فضُول\nفقال: ليس كذلك، ولكن:\nألمْ تَعلَمْ أبا سِمْعان أنَّا ... نصِمّ الشَّيخ مثلك ذَا الصُّداعِ\nويذْهَلُ عقلُه بالحرب حتَّى ... يقومَ فيستجيب لغير داعِ\nثم سار حتى نزل إلى جانب البصرة، وقد خَنْدق طلحة، والزّبير، فقال لنا أصحابنا من أهل البصرة: ما سمعتم إخواننا من أهل الكوفة يريدون، ويقولون؟ فقلنا: يقولون خرجنا للصلح وما نريد قتالًا، فبينا هم على ذلك لا يحدّثون أنفسهم بغيره؛ إذْ خَرج صبيان العسكرين، فتسابّوا، ثم ترامَوْا، ثم تتابع عبيدُ العسكرين، ثم ثلَّث السفهاء، ونشبت الحرب، وألجأتهم إلى الخندق، فاقتتلوا عليه حتى أجلَوْا إلى موضع القتال، فدخل منه أصحاب عليّ وخرج الآخرون.\nونادى عليّ: ألا لا تُتبعوا مُدبرًا، ولا تُجْهِزوا على جَريح، ولا تدخلوا الدّور، ونَهَى الناسَ، ثم بعث إليهم أن اخرجوا للبيعة، فبايعهم على الرّايات وقال: من عرف شيئًا فلْيأخذْه، حتى ما بقي في العسكرين شيء إلّا قبض، فانتهى إليه قوم من قيس شباب، فخطب خطيبُهم، فقال: أين أمراؤكم؟ فقال الخطيب: أصيبوا تحت نُظّار الجمل، ثمّ أخذ في خطبته، فقال عليٌّ: أما إنّ هذا لهو الخطيب السحْسَح، وفرغ من البيعة؛ واستعمل عبد الله بن عباس وهو يُريد أن يقيم حتى يحكم أمرها، فأمرني الأشتر أن أشتريَ له أثمنَ بَعير بالبصرة ففعلتُ، فقال: ائت به عائشة، وأقرئها مني السلام، ففعلتُ، فدعتْ عليه وقالت: اردُدْه عليه؛ فأبلغته، فقال: تلومُني عائشة أن أفلتُّ ابنَ أختها!\nوأتاه الخبر باستعمال عليّ ابنَ عباس فغضب وقال: علامَ قتلنا الشيخ! إذ","vol":"8","page":679},{"text":"اليمَنُ لعبيد الله، والحجاز لقُثَم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعليّ، ثم دعا بدابّته فركب راجعًا، وبلغ ذلك عليًّا فنادى: الرّحيل، ثمّ أجَدَّ السّير، فلحق به فلم يُره: أنه قد بلغه عنه، وقال: ما هذا السير؟ سبقتَنا! وخشيَ إن تُرِكَ والخروج أن يُوقع في أنفس الناس شرّا (١). (٤: ٤٩٠/ ٤٩١/ ٤٩٢/ ٤٩٣).\n٩٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما جاءت وفودُ أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أمّ المؤمنين، وطلحة، والزّبير بمثل رأيهم، جمع عليّ الناس، ثمّ قام على الغرائر، فحمد الله ﷿، وأثنى عليه، وصلى على النَّبي - ﷺ -. وذكر الجاهليَّة وشقاءَها والإسلامَ والسعادة وإنعامَ الله على الأمّة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله - ﷺ -، ثمّ الذي يليه، ثم حدَث هذا الحدث الّذي جرّه على هذه الأمّة أقوامٌ طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءَها الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رَدَّ الأشياء على أدبارها، والله بالغٌ أمره، ومصيبٌ ما أراد، ألا وإني راحلٌ غدًا فارتحلوا، ألّا ولا يرتحلنّ غدًا أحدٌ أعان على عُثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليُغْنِ السفهاء عني أنفسَهم.\nفاجتمع نفرٌ، منهم علباء بن الهيثم، وعديّ بن حاتم، وسالم بن ثعلبة العبسيّ، وشُرَيح بن أوفى بن ضُبَيعة، والأشتر في عدّة ممن سار إلى عثمان ورضيَ بسيْر مَن سار، وجاء معهم المصريون: ابن السوداء، وخالد بن ملجم، وتشاوروا، فقالوا: ما الرّأي؟ وهذا والله عليّ، وهو أبصر النّاس بكتاب الله، وأقرب ممّن يطلب قتلة عثمان، وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلّا هم والقليلُ من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، وإذا رأوا قِلّتنا في كثرتهم! أنتم والله ترادُون، وما أنتم بأنْجَى من شَيءْ. فقال الأشتر، أمّا طلحة، والزبير؛ فقد عَرفْنا أمْرَهما، وأمّا عليّ فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأيُ الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعليّ؛ فعَلَى دمائنا؛ فهلمّوا فلنتواثبْ على عليّ، فنلحِقه بعثمان؛ فتعود فتنة يُرضَى منّا فيها بالسّكون.\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة ومنها قولها: (دخلنا واللج على أعناقنا) أي في بيعة علي ولا يصح.","vol":"8","page":680},{"text":"فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرّأي رأيت! أنتمْ يا قتلةَ عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمئة أو نحو من ستمئة، وهذا ابن الحنظليّة، وأصحابُه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلًا، فارقأ على ظَلْعك.\nوقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عَنْهُمْ، ودعوهم، فإن قلّوا؛ كان أقوى لعدوهم عليهم، وإن كثروا؛ كان أحرى أن يصطلحوا عليكم؛ دَعُوهم، وارجِعوا، فتعلّقوا ببلد من البُلْدان حتى يأتيَكم فيه مَن تتّقون به، وامتنعوا من الناس. فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت! ودّ والله الناس أنكم على جَديلة، ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطّفكم كلّ شيء.\nفقال عديّ بن حاتم: والله ما رضيتُ ولا كرهت، ولقد عجبت من تردّد من تَرَدَّد عن قتله في خوض الحديث، فأمّا إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإنْ لنا عتادًا من خيول وسلاح محمودًا، فإن أقدمتم أقْدَمنا وإن أمسكتم أحجمنا، فقال ابن السّوداء: أحسنت!\nوقال سالم بن ثعلبة: مَنْ كان أراد بما أتى الدّنيا فإنّي لم أرِدْ ذلك، والله لئن لقيتُهم غدًا لا أرجع إلى بيتي، ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتُهُم لا يد على جَزْر جَزور، وأحلف بالله إنكم لتفرَقون السيوف فرَق قوم لا تصير أمورُهم إلّا إلى السّيف. فقال ابن السوداء: قد قال قولًا.\nوقال شريح بن أوفى: أبرِموا أمورَكم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخروا أمرًا ينبغي لكم تعجيلُه؛ ولا تعجّلوا أمرًا ينبغي لكم تأخيره؛ فإنّا عندَ الناس بشرّ المنازل، فلا أدري ما الناس صانِعون غدًا إذا ما هم التقوا!\nوتكلّم ابن السوداء فقال: يا قوم! إنّ عزّكم في خُلْطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدًا؛ فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر، فإذا مَن أنتم معه لا يجد بدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًّا، وطلحة، والزبير، ومن رَأى رأيهم عمّا تكرهون. فأبصَروا الرّأي، وتفرّقوا عليه؛ والناس لا يشعرون.\nوأصبح عليّ على ظَهر، فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عَبْد القيس؛ نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك، ثم ارتحل حتى نزل على أهل","vol":"8","page":681},{"text":"الكوفة وهم أمام ذلك، والناس متلاحِقون به وقد قطعهم، ولما بلغ أهلَ البصرة رأيُهم ونزل عليُّ بحيث نزل، قام أبو الجرباء إلى الزّبير بن العوّام فقال: إنّ الرّأي أن تبعث الآن ألف فارس فيمسّوا هذا الرّجل ويصبّحوه قبل أن يوافي أصحابه؛ فقال الزبير: يا أبا الجرباء! إنا لنعرف أمور الحرب؛ ولكنهم أهل دعوتنا؛ وهذا أمر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم، هذا أمر مَنْ لم يلق الله ﷿ فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة؛ ومع ذلك إنه قد فارقَنا وافدُهم على أمر، وأنا أرجو أن يتمّ لنا الصّلح؛ فأبشروا واصبروا، وأقبل صَبْرة بن شَيْمان فقال: يا طلحة! يا زبير! انتهزا بنا هذا الرّجُل فإنّ الرّأي في الحرب خيرٌ من الشدّة. فقالا: يا صَبْرة! إنا وهم مسلمون، وهذا أمرٌ لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن، أو يكون فيه من رسول الله - ﷺ - سُنّة، إنما هو حدَث، وقد زعم قوم: أنه لا ينبغي تحريكه اليوم. وهمّ علي ومَنْ معه، فقلنا: نحن لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم، ولا نؤخره، فقال عليّ: هذا الّذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شرّ وهو خير من شرّ منه، وهو كأمر لا يدرك، وقد كاد أن يبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمِّها منفعةً وأحوَطِها، وأقبل كعب بن سُور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد تورّدكم أوائلهم! اقطعوا هذا العُنق من هؤلاء. فقالوا: يا كعب! إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمرٌ ملتبس، لا والله ما أخذ أصحابُ محمد - ﷺ - مذ بعث الله ﷿ نبيّه طريقًا إلّا علموا أين مواقع أقدامهم؛ حتى حدث هذا؛ فإنهم لا يدرون أمُقبلون هم أم مدبرون! إن الشيء يحسن عندنا اليوم ويقبحُ عند إخواننا؛ فإذا كان من الغد قَبُحَ عندنا وحسن عندهم؛ وإنا لنحتجّ عليهم بالحجَّة فلا يروْنها حجَّة، ثم يحتجَّون بها على أمثالها، ونحن نرجو الصّلح؛ إن أجابوا إليه وتمّوا، وإلّا فإن آخر الدواء الكيّ.\nوقام إلى عليّ بن أبي طالب أقوامٌ من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم، فقام إليه فيمن قام الأعورُ بن بُنان المِنْقريّ؛ فقال له عليّ: على الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمة بنا، ويضع حَرْبَهم؛ وقد أجابوني، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم.\nوقام إليه أبو سلامة الدّألانيّ فقال: أترى لهؤلاء القوم حجّة فيما طلبوا من هذا","vol":"8","page":682},{"text":"الدم، إن كانوا أرادوا الله ﷿ بذلك؟ قال: نعم، قال: فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يُدرك فالحكم فيه أحوطُه وأعمُّه نفعًا، قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إنّي لأرجو ألّا يُقتَل أحدٌ نَقَّى قلبه لله منا ومنهم إلا أدخله الله الجنّة.\nوقام إليه مالك بن حبيب، فقال: ما أنت صانع إذا لقيتَ هؤلاء القوم؟ قال: قد بان لنا ولهم: أنّ الإصلاح الكفّ عن هذا الأمر، فإنْ بايعونا فذلك، فإن أبوا وأبينا إلّا القتال فصَدْعٌ لا يلتئم؛ قال: فإن ابتلينا فما بال قتلانا؟ قال: من أراد اللهَ ﷿ نفعه ذلك وكان نجاءه.\nوقام عليّ؛ فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيُّها الناس، املِكوا أنفسكم، كفُّوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم، واصبروا على ما يأتيكم، وإياكم أن تسبقونا فإنّ المخصوم غدًا من خَصم اليوم.\nثم ارتحل، وأقدم، ودفع تعبيته التي قدم فيها حتى إذا أطلّ على القوم؛ بعث إليهم حَكيم بن سلامة، ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو؛ فكفّوا، وأقِرّونا ننزل وننظر في هذا الأمر.\nفخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين، قد منعوا حرقوص بن زهير، ولا يرون القتال مع عليّ بن أبي طالب. فقال: يا عليّ! إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غدًا أنك تقتل رجالهم، وتسبي نساءَهم. فقال: ما مثلي يُخاف هذا منه، وهل يحلّ هذا إلّا ممّن تَولَّى وكَفرَ، ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾، وهم قوم مسلمون! هل أنت مُغنٍ عني قومك؟ قال: نعم، واخْتَر مني واحدة من ثنتين، إمَّا أن أكون آتيك فأكون معك بنَفْسي، وإمّا أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف، فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القُعود وقد بدأ فقال: يالَ خِنْدف، فأجابه ناسٌ، ثمّ نادَى يالَ تميم! فأجابه ناسٌ، ثم نادى! يالَ سعد؛ فلم يبق سعديّ إلّا أجابه، فاعتزل بهم، ثم نظرَ ما يصنع الناس، فلما وقع القِتال، وظفر عليّ جاؤوا وافرين، فدخلوا فيما دخل فيه الناس (١). (٤: ٤٩٣/ ٤٩٤/ ٤٩٥/ ٤٩٦/ ٤٩٧)\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، ومن هذه النكارات أن الصحابي الجليل عدي بن حاتم كان =","vol":"8","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1314>بعثة عليّ بن أبي طالب من ذى قار ابنه الحسن وعمَّار بن ياسِر ليستنفرا له أهل الكوفة</span>\n٩٧٧ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدثنا بشير بن عاصم عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال: خرج هاشم بن عتبة إلى عليّ بالرّبذَة؛ فأخبره بقُدوم محمد بن أبي بكر وقول أبي موسى، فقال: لقد أردْتُ عزله، وسألني الأشترُ أن أقِرّه فردّ عليّ هاشمًا إلى الكوفة وكتب إلى أبي موسى: إنّي وَجَّهْت هاشم بن عتبة ليُنهض مَنْ قبَلك من المسلمين إليّ، فأشخِص الناس فإنّي لم أولّك الذي أنت به إلّا لتكون من أعواني على الحقّ. فدعا أبو موسى السائب بن مالك الأشعريّ، فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكني لا أرى ذلك، فكتب هاشم إلى عليّ: إني قدِمْتُ على رجُل غالٍ مشاقٍّ ظاهر الغلّ والشنآن. وبعث بالكتاب مع المُحلّ بن خليفة الطائيّ، فبعث عليّ الحسن بن عليّ وعمَّار بن ياسر يستنفران له الناس، وبعث قرَظةَ بن كعب الأنصاريّ أميرًا على الكوفة، وكتب معه: إلى أبي موسى: أما بعد، فقد كنت أرى أن بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعل الله ﷿ لك منه نصيبًا سيمنعك من ردّ أمري، وقد بعثتُ الحسنَ بن عليّ، وعمّار بن ياسر، يستنفران الناس، وبعثتُ قرَظة بن كعب واليًا على المصر، فاعتزل عَمَلَنَا مذمومًا مدحورًا، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابِذك، فإن نابذتَه فظفر بك أن يقطِّعك آرابًا.\nفلما قدِم الكتابُ على أبي موسى؛ اعتزل، ودخل الحسن، وعمار المسجد فقالا: أيّها الناس! إنّ أمير المؤمنين يقول: إني خرجتُ مخرَجي هذا ظالمًا، أو مظلومًا؛ وإني أذكّر الله ﷿ رجلًا رعى الله حقًّا إلا نفر، فإن كنتُ مظلومًا أعانني، وإن كنت ظالمًا أخذ مني، والله إنّ طلحة، والزّبير لأوّلُ من بايعني!\n_________\n= ممن اجتمع إلى ابن سبأ ولم يصح هذا سندًا عند الطبري ولا عند غيره وهو متنًا مخالف لما أجمع عليه العلماء من عدالة الصحابة والحمد لله على نعمة الإسناد.\nوكيف يجلس صحابة رسول الله - ﷺ - إلى رجل مشبوه كعبد الله بن سبأ، علمًا بأن مرويات سيف نفسها ذكرت بأن الصحابة شكو في كونه يهوديًا لا مسلمًا.","vol":"8","page":684},{"text":"وأوّلُ من غدر، فهل استأثرتُ بمال، أو بدّلت حُكمًا! فانفِروا، فمروا بمعروف وانهَوْا عن منكر (١). (٤: ٤٩٩/ ٥٠٠).\n٩٧٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن جابر، عن الشعبيّ، عن أبي الطُّفَيْل، قال: قال عليٌّ: يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألفَ رجل ورجل، فقعدت على نَجفَةِ ذي قار، فأحصيتهُم فما زادوا رجلًا، ولا نقصوا رجلًا (٢). (٤: ٥٠٠).\n٩٧٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال: خرج إلى عليّ اثنا عشر ألف رجل، وهم أسباع: على قريش وكنانة وأسَد وتميم والرِّباب ومُزينة معقل بن يسار الرّياحيّ، وسُبْع قيس عليهم سعد بن مسعود الثقفيّ، وسُبْع بكر بن وائل وتغلب عليهم وَعْلة بن مخدوج الذّهلي، وسُبْع مَذحِج والأشعَرِيين عليهم حُجْر بن عديّ، وسُبْعُ بجيلة وأنمار وخَثْعم والأزْد عليهم مِخنف بن سُلَيم الأزديّ (٣). (٤: ٥٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>نزول عليّ الزاوية من البصرة</span>\n٩٨٠ - حدّثني عمر بن شبَّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن مسلمة بن محارب، عن قتادة، قال: نزل عليٌّ الزاويةَ وأقام أيامًا، فأرسل إليه الأحنف: إن شئتَ؛ أتيتُك، وإن شئتَ؛ كففتُ عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه عليٌّ: كيف بما أعطيت أصحابَك من الاعتزال! قال: إنّ من الوفاء لله ﷿ قتالَهم، فأرسل إليه: كُفَّ مَن قدرتَ على كفّه، ثم سار عليٌّ من الزّاوية، وسار طلحة، والزبير، وعائشة من الفُرْضَة، فالتَقوْا عند موضع قصر عُبيد الله -أو عبد الله- بن زياد، فلما نزل الناسُ أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبديّ: أن اخرج، فإذا خرجتَ؛ فمِلْ بنا إلى عسكر عليّ. فخرجا في عبد القيْس، وبكر بن وائل، فعدَلوا إلى عسكر أمير المؤمنين، فقال الناس: مَن كان هؤلاء معه\n_________\n(١) في إسناده ابن أبي ليلى ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":685},{"text":"غَلب، ودفع شَقيق بن ثور رايتهم إلى مولىً له يقال له: رَشْراشة، فأرسل إليه وعلة بن محدوج الذهلي: ضاعت الأحساب، دفعت مكرمة قومك إلى رشراشة فأرسل شقيق: أن أغنِ شأنَك فإنا نُغني شأننَا، فأقاموا ثلاثةَ أيام لم يكن بينهم قتال، يرسل إليهم عليّ، ويكلّمهم، ويردَعهم (١). (٤: ٥٠٠/ ٥٠١).\n٩٨١ - حدّثنا عمر، قال: حدّثنا أبو بكر الهُذَليّ عن قتادة، قال: سار عليٌّ من الزاوية، يريد طلحة، والزبير، وعائشة، وساروا من الفُرْضة، يريدون عليًّا، فالتقَوْا عند موضع قصر عُبيد الله بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثلاثين يوم الخميس، فلما تراءى الجَمعان؛ خَرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل: لعليّ: هذا الزبير؛ قال: أما إنه أحرى الرّجلين إن ذُكّر بالله أن يذكره، وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ، فدنا منهما حتى اختلفت أعناق دوابّهم، فقال عليّ: لعَمري لقد أعددتُما سلاحًا، وخيلًا، ورجالًا! إن كنتما أعددتُما عند الله عذرًا فاتّقيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نَقضتْ غزلَها من بعد قوّة أنكاثًا، ألم أكن أخاكما في دينكما، تحرِّمان دمي، وأحرِّم دماءكما! فهل من حَدَث أحلّ لكما دمي؟ قال: طلحة: ألَّبْت الناسَ على عثمان ﵁، قال عليّ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾؛ يا طلحة! تطلُب بدم عثمان ﵁؟ فلعن الله قَتلَة عثمانَ! يا زبير! أتذكر يوم مررتَ مع رسول الله - ﷺ - في بني غَنْم، فنظر إليّ، فضحك، وضحكت إليه، فقلتَ: لا يَدَع ابن أبي طالب زَهوَه، فقال لك رسولُ الله - ﷺ -: \"صَه، إنه ليس به زهو، ولتقاتلَنه وأنت له ظالم\"؟ فقال: اللهمّ نعم، ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدًا.\nفانصرف عليّ إلى أصحابه، فقال: أمّا الزّبير؛ فقد أعطى الله عهدًا ألّا يقاتلكم، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلّا وأنا أعرف فيه أمري غير مَوطِني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعَهم، وأذهب؛ فقال له ابنه عبد الله: جمعتَ بين هذين الغارَيْن، حتى إذا حدّد بعضهم لبعض؛ أردتَ أن تتركهم وتذهب! أحسست رايات ابن أبي طالب،\n_________\n(١) إسناده مرسل.","vol":"8","page":686},{"text":"وعلمتَ أنها تحملها فتيةٌ أنجاد. قال: إني قد حلفتُ ألّا أقاتله، وأحفَظَه ما قال له، فقال: كفِّر عن يمينك، وقاتلْه، فدعا بغلام له يقال له مكحول، فأعتقه، فقال عبد الرحمن بن سليمان التيميّ:\nلم أرَ كاليَومِ أخا إخوانِ ... أعْجَبُ مِنْ مُكَفِّرِ الأيمانِ\nبالعِتقِ في مَعْصِيَة الرَّحْمن\nوقال رجل من شعرائهم:\nيُعْتِقُ مَكْحولًا لصَونِ دينِهْ ... كفَارةً لله عن يَمينهْ\nوالنَّكثُ قد لاحَ على جَبِينهْ (١)\n(٤: ٥٠١/ ٥٠٢).\n٩٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الضُّرَيس البَجَليّ، عن ابن يعمَر، قال: لما رجع الأحنف بنُ قيس من عند عليّ لقيه هلالُ بن وكيع بن مالك بن عمرو، فقال: ما رأيك؟ قال! الاعتزال، فما رأيُك؟ قال: مكانفة أمّ المؤمنين، أفتدَعنا وأنت سيّدنا! قال: إنما أكون سيِّدكم غدًا إذا قتِلت وبقيتُ؛ فقال هلال: هذا وأنت شيخُنا! فقال: أنا الشيخ المعْصِيّ، وأنت الشابّ المطاع، فاتّبعتْ بنو سعد الأحنف، فاعتزل بهم إلى وادي السباع؛ واتَّبعت بنو حنظلة هلالًا، وتابعت بنو عمرو أبا الجرباء، فقاتلوا (٢). (٤: ٥٠٤).\n٩٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، قال: لما أقبل الأحنف نادى. يا لأدّ! اعتزلوا هذا الأمر، وولُّوا هذين الفريقين كَيْسَه وعَجْزَه، فقام المنجاب بن راشد فقال: يالَ الرّباب! لا تعتزلوا، واشهدوا هذا الأمرَ، وتولوا كَيْسَه، ففارقوا، فلما قال: يَال تميم! اعتزلوا هذا الأمر، وولوا هذين الفريقين كيسَه وعجْزه! قام أبو الجرباء -وهو من بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم- فقال: يالَ عمرو! لا تعتزِلوا هذا الأمر، وتولَّوا كيسَه، فكان أبو الجرباء على بني عمرو بن تميم، والمنجاب بن راشد على بني ضبَّة، فلما قال: يالَ زيد مَناة! اعتزلوا هذا الأمر، وولُّوا هذين الفريقين كيْسَه\n_________\n(١) في إسناده الهذلي متروك.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":687},{"text":"وعَجْزه؛ قال هلال بن وَكيع: لا تعتزلوا هذا الأمر؛ ونادى: يالَ حنظلة! تولوْا كَيْسَه، فكان هلالٌ على حنظلة، وطاوعتْ سعدٌ الأحنف، واعتزلوا إلى وادي السباع (١). (٤: ٥٠٤).\n٩٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: كان على هَوازن وعلى بني سُليم والأعجاز مجاشع بنُ مسعود السُّلميّ، وعلى عامر زُفَر بن الحارث، وعلى غَطفَان أعصُر بن النعمان الباهليّ، وعلى بكر بن وائل مالكُ بن مِسمَع، واعتزلت عبد القيس إلى عليّ إلّا رجلًا فإنه أقام، ومن بكر بن وائل قُيَّام، واعتزل منهم مثل مَن بقي منهم، عليهم سِنان، وكانت الأزد على ثلاثة رؤساء: صَبْرة بن شَيْمان، ومسعود، وزياد بن عمرو، والشواذب عليهم رجلان: على مضرَ الخِرّيت بن راشد، وعلى قضاعة والتوابع الرّعبي الجَرْميّ - وهو لقب - وعلى سائر اليمن ذو الآجرة الحِمْيَريّ.\nفخرج طلحة، والزبير فنزلا بالناس من الزّابوقة، في موضع قريةِ الأرزاق، فنزلتْ مضر جميعًا وهم لا يشكّون في الصلح، ونزلتْ ربيعة فوقَهم جميعًا وهم لا يشكّون في الصّلح، ونزلت اليمن جميعًا أسفل منهم، وهم لا يشكّون في الصلح، وعائشة في الحدّان، والناس في الزّابوقة، على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفًا، وردّوا حَكيمًا ومالكًا إلى عليّ؛ بأنّا علَى ما فارقْنا عليه القعقاع فاقدَم، فخرجا حتى قدما عليه بذلك، فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم، فنزلتِ القبائل إلى قبائلهم؛ مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكّون في الصّلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، ولا يذكرون ولا ينوون إلّا الصّلح، وخرح أمير المؤمنين فيمن معه، وهم عشرون ألفًا، وأهل الكوفة على رؤسائهم الذين قدموا معهم ذا قار، وعبد القيس على ثلاثة رؤساء: جَذيمة وبكرٌ على ابن الجارود، والعمور على عبد الله بن السّوداء، وأهل هَجَر على ابن الأشجّ، وبكر بن وائل من أهل البصرة على ابن الحارث بن نهار، وعلى دنور بن عليّ الزّط والسيابجة، وقدِم عليّ ذا قار في عشرة آلاف، وانضمّ إليه عشرة آلاف.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":688},{"text":"رجع الحديث إلى حديث محمد، وطلحة: قالا: فلما نزل الناس واطمأنوا، خرج عليّ وخرج طلحَة، والزبير، فتواقَفوا، وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصّلح ووضع الحرب حين رأوا الأمرَ قد أخذ في الانقِشاع، وأنه لا يُدرَك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع عليٌّ إلى عسكره، وطلحة، والزبير إلى عسكرهما (١). (٤: ٥٠٥ وتكملة ٥٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>أمر القتال</span>\n٩٨٥ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وبعث عليّ من العشيّ عبد الله بن عبّاس إلى طلحة، والزبير، وبعثاهما من العشيّ محمد بن طلحة إلى عليّ، وأن يكلم كل واحد منهما أصحابَه، فقالوا: نعمْ، فلما أمسَوْا - وذلك في جُمادى الآخرة - أرسل طلحةُ، والزُّبيرُ إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الّذين هَضُّوا عثمان، فباتوا على الصّلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنُّزوع عمَّا اشتهى الذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمرَ عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشْرَفوا على الهَلَكة، وجعلوا يتشاورون ليلتَهم كلّها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السرّ، واستسرّوا بذلك خشية أن يُفطَن بما حاولوا من الشرّ، فغدَوا مع الغَلَس، وما يشَعرُ بهم جيرانُهم، انسلُّوا إلى ذلك الأمر انسلالًا، وعليهم ظلمة، فخرج مُضَريُّهم إلى مضريِّهم، ورَبعيُّهم إلى ربعيِّهم، ويمانيُّهم إلى يمانيِّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم الذين بَهَتوهم، وخرج الزبير، وطلحة في وجوه الناس من مضرَ فبعثا إلى الميمنة - وهم ربيعة - يعبئوها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيِّد، وثبتا فى القلب، فقال: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكُوفة ليلًا، فقالا: قد علمنا: أنّ عليًّا غير منته حتى يسفك الدماء، ويستحلّ الحرْمة، وأنه لن يطاوعَنا، ثم رجعا بأهل البصرة، وَقَصف أهل البصرة أولئك حتى\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":689},{"text":"رَدّوهم إلى عسكرهم، فسمع عليّ وأهلُ الكوفة الصوتَ، وقد وضعوا رجلًا قريبًا من عليّ ليخبره بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال ذاك الرّجل: ما فجئَنا إلّا وقوم منهم بيَّتونا، فرددْناهم من حيث جاؤوا، فوجدْنا القوم على رِجْل فركبونا، وثارَ الناس، وقال عليّ لصاحب ميمنته: ائتِ الميمنة، وقال لصاحب ميسرته: ائت الميسرةَ، ولقد علمتَ: أنّ طلحة والزّبير غير منتهيين حتى يَسْفِكا الدّماء، ويستحلّا الحرمة، وأنهما لن يطاوِعانا، والسّبئيّة لا تفترُ إنشابًا، ونادى عليّ في الناس: أيها الناس! كفّوا فلا شيء. فكان من رأيهم جميعًا في تلك الفتنة ألّا يقتتلوا حتى يُبدؤوا؛ يطلبون بذلك الحُجّة، ويستحقون على الآخرين، ولَا يقتُلوا مدبرًا، ولا يُجْهزوا على جريح، ولا يُتبعوا، فكان مما اجتمع عليه الفريقان ونادَوا فيما بينهما.\nرجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد، وطلحة: قالا: ولما انهزم الناس في صدر النهار؛ نادى الزبير: أنا الزّبير، هلُمّوا إليَّ أيُّها الناس، ومعه مولىً له ينادي: أعن حواريّ رسول الله - ﷺ - تنهزمون! وانصرف الزبير نحو وادي السباع، واتَّبعه فُرسان، وتشاغلَ الناسُ عنه بالناس، فلما رأى الفُرسان تتبَعه؛ عطف عليهم، ففرّق بينهم، فكرُّوا عليه، فلمّا عرفوه قالوا: الزّبير! فدعوْه، فلما نفر فيهم علباء بن الهيثم؛ ومرّ القعقاع في نفر بطلحة وهو يقول: إلىَّ عباد الله! الصبرَ الصبر! قال له: يا أبا محمد؛ إنك لجريح، وإنك عمّا تريد لعليل؛ فادخل الأبياتَ، فقال: يا غلام! أدخِلني وابغني مكانًا. فأدخِل البصرة ومعه غلام ورجلان، فاقتتل الناس بعْده، فأقبل الناس في هزيمتهم تلك وهم يريدون البَصرة. فلمّا رأوا الجمل أطافت به مضر عادوا قَلْبًا كما كانوا حيث التقَوا، وعادوا إلى أمر جديد، ووقفتْ ربيعة البصرة، منهم ميمنة، ومنهم ميسرة، وقالت عائشة: خلّ يا كعب عن البعير، وتقدّم بكتاب الله ﷿ فادعُهم إليه، ودفعت إليه مصحفًا، وأقبل القوم وأمامهم السبئيّة يخافون أن يجري الصّلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعليٌّ من خلفهم يَزَعُهم ويأبَوْن إلّا إقدامًا، فلما دعاهم كعب رشَقوه رِشْقًا واحدًا، فقتلوه، ورمَوا عائشةَ في هَودجها، فجعلت تنادي: يا بَنيَّ! البقيّة البقيّة - ويعلو صوتُها كَثْرة - الله الله! اذكروا الله ﷿، والحساب، فيأبون إلّا إقدامًا، فكان أوّل شيء أحدثتْه حين أبوْا أن قالت: أيُّها الناس! العنوا قتلةَ عثمان وأشياعَهم، وأقبلتْ تدعو.","vol":"8","page":690},{"text":"وضجَّ أهل البصرة بالدعاء، وسمع عليُّ بن أبي طالب الدعاءَ فقال: ما هذه الضجَّة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قَتَلة عثمان وأشياعهم، فأقبل يدعو ويقول: اللهم العنْ قتلةَ عثمان وأشياعَهم، وأرسلتْ إلى عبد الرحمن بن عتّاب وعبد الرحمن بن الحارث: اثبُتا مكانَكما، وذمرت الناسَ حين رأت أنّ القوم لا يريدون غيرَها، ولا يكفّون عن الناس، فازدلفت مُضَر البصرة، فقصفت مضرَ الكوفة حتى زُوحم عليّ، فنخس عليٌّ قفا محمد، وقال: احمِل، فنكَل، فأهوى عليٌّ إلى الرّاية ليأخذَها منه، فحمل، فترك الراية في يده، وحملت مضر الكوفة، فاجتَلَدوا قدّام الجمل حتى ضرِسوا، والمجنِّبات على حالها، لا تصنع شيئًا، ومع عليِّ أقوام غير مُضَر، فمنهم زيد بن صُوحَان، فقال له رجل من قومه: تنحّ إلى قومك، مَا لَك ولهذا الموقف! ألستَ تعلم أن مضرَ بحيالك، وأن الجمل بين يديك، وأن الموتَ دونه! فقال: الموت خير من الحياة، الموت ما أريد؛ فأصيب، وأخوه سَيْحان، وارتُثّ صعصعة، واشتدّت الحرب، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى اليمن، وإلى ربيعة: أن اجتمعوا على مَن يليكم، فقام رجلٌ من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب الله ﷿؛ قالوا: وكيف يدعونا إلى كتاب الله مَن لا يقيم حدودَ الله سبحانه، ومن قتل داعيَ الله كعب بن سُور! فرمَتْه رَبيعة رِشْقًا واحدًا فقتلوه، وقام مسلم بن عبد الله العجليّ مَقامه، فرشقوه رِشقًا واحدًا، فقتلوه، ودعت يَمَنُ الكوفة يَمن البَصْرة فرشَقوهم (١). (٤: ٥٠٦/ ٥٠٧/ تكملة ٥١٢/ ٥١٣/ ٥١٤).\n٩٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة وأبي عمرو، قالوا: وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة ﵂، فقال: أدركي فقد أبى القوم إلّا القتال، لعلَّ الله يُصلح بكِ، فركبتْ، وألبسوا هَودجها الأدراع، ثم بعثوا جمَلَها، وكان جَملُها يدعى عسكرًا، حمَلَها عليه يَعلَى بن أميّة، اشتراه بمئتي دينار، فلما برزتْ من البيوت - وكانت بحيثُ تَسمَع الغوغاء - وقفتْ، فلم تلبث أن سمعتْ غوغاء شديدة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجّة العسكر؛ قالت: بخير أو بشر؟ قالوا: بشرّ. قالت: فأيّ الفريقين كانت منهم هذه الضجّة فهم المهزومون، وهي واقفة، فوالله ما فَجِئَها إلّا الهزيمة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفيه نكارة.","vol":"8","page":691},{"text":"فمضى الزبير من سننِه في وجهه، فسَلَك وادي السباع، وجاء طلحة سَهْم غَرْب يخُلّ ركبتَه بصفحة الفرس، فلما امتلأ مَوْزَجه دمًا وثَقُل قال لغلامه: اردفنى وأمْسكني، وابغني مكانًا أنزل فيه، فدخل البصرة وهو يتمثّل مثَله ومثَل الزبير:\nفإن تكُنِ الحوادِثُ أقْصَدَتْني ... وأَخْطَأَهُنَّ سَهْمي حين أَرْمي\nفقد ضُيِّعْتُ حين تَبِعْتُ سَهْمًا ... سفاهًا مَا سَفِهْتُ وضَلَّ حِلْمي\nندِمْتُ نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لمَّا ... شريْتُ رِضَا بني سَهْمٍ برَغْمِي\nأَطَعْتُهُمُ بفُرْقةِ آل لأْيٍ ... فأَلْقوْا للسِّباع دَمي ولَحْمِي (١)\n(٤: ٥٠٧/ ٥٠٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>خبر وقعة الجمل من رواية أخرى</span>\n٩٨٧ - قال أبو جعفر: وأما غير سيف فإنه ذكر من خبر هذه الوقعة، وأمر الزبير، وانصرافه عن الموقف الذي كان فيه ذلك اليوم غيرَ الذي ذكر سيف عن صاحبيه، والذي ذكر من ذلك بعضُهم ما حدّثَنيه أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي أبو خَيْثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعتُ أبي قال: سمعتُ يونس بنَ يزيد الأيْليّ عن الزّهريّ، في قصة ذكرها من خبر عليّ، وطلحة، والزبير، وعائشة في مسيرهم الذي نحن في ذكره في هذا الموضع. قال: وبلغ الخبرُ عليًّا - يعني: خبرَ السَّبْعين الذين قُتلوا مع العبديّ بالبصرْة - فأقبل -يعني: عليًّا- في اثني عشر ألفًا، فقدِم البصرة، وجعل يقول:\nيَا لَهْفَ نَفسي على رَبيعَهْ ... رَبيعَةَ السامعَةَ المُطيعَهْ\nسُنَّتُها كانت بها الوَقيعَهْ\nفلما تواقفوا خرج عليّ على فرسه، فدعا الزبيرَ، فتواقفا، فقال عليّ للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلًا، ولا أولى به منّا؛ فقال عليّ: لستَ له أهلًا بعد عثمان! قد كنا نَعدُّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنُك ابنُ السوء ففرَّق بيننا وبينك؛ وعظّم عليه أشياء، فذكر أن النبيّ - ﷺ - مرّ عليهما، فقال لعليّ: \"ما يقول ابن عمتك؟ ليُقاتِلنّك وهو لك ظالم\". فانصَرَف عنه الزبير،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":692},{"text":"وقال: فإني لا أقاتلك. فرجع إلى ابنه عبدِ الله فقال: مَا لي في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه: إنك قد خرجت على بصيرة، ولكنك رأيتَ رايات ابن أبي طالب، وعرفت أن تحتها الموت، فجبُنت، فأحفَظَه حتى أُرعد، وغضب، وقال: ويحك! إني قد حلفت له ألّا أقاتله، فقال له ابنه: كفِّر عن يمينك بعتْق غلامك سَرْجس، فأعتقه، وقام في الصّفّ معهم، وكان عليّ قال للزّبير: أتطلب مني دمَ عثمان وأنت قتلتَه! سلّط الله على أشدّنا عليه اليومَ ما يكره وقال عليّ: يا طلحة! جئت بعِرْسِ رسول الله - ﷺ - تقاتل بها وخَبَأتَ عِرْسَك في البيت! أما بايعتني! قال: بايعتُك وعلى عُنُقي اللجّ، فقال عليّ لأصحابه: أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يدُه أخَذَه بيده الأخرى، وإن قطعتْ أخذَه بأسنانه؟ قال فتىً شابٌّ: أنا، فطاف علىٌّ على أصحابه يعرض ذلك عليهم، فلم يقبله إلّا ذلك الفتى، فقال له علىٌّ: اعرضْ عليهم هذا، وقل: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، واللهَ في دمائنا ودمائكم، فحُمل على الفتى وفي يده المصحف، فقُطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قُتل، فقال عليّ: قد طاب لكم الضِّراب فقاتلوهم، فقتِل يومئذ سبعون رجلًا، كلهم يأخذ بخطام الجمل، فلما عُقرِ الجمل وهُزِم الناس، أصابت طلحة رَمية فقتلته، فيزعمون: أن مروان بنَ الحَكَم رماه، وقد كان ابن الزبير أخذ بخطام جمل عائشة، فقالت: من هذا؟ فأخبرها؛ فقالت: واثُكْل أسماء! فجُرِح، فألقى نفسَه في الجَرْحَى، فاستُخرِج فبرأ من جراحته، واحتمل محمد بنُ أبي بكر عائشة، فضُرب عليها فُسطاط، فوقف عليٌّ عليها فقال: استفززتِ الناس وقد فزّوا، فألَّبتِ بينهم، حتى قَتل بعضُهم بعضًا .... في كلام كثير. فقالت عائشة: يا بنَ أبي طالب! ملكتَ فأسجح، نعْم ما أبليت قومَكَ اليوم! فسرّحها عليّ، وأرسل معها جماعةً من رجال ونساء، وجهّزها؛ وأمر لها باثني عشر ألفًا من المال؛ فاستقلّ ذلك عبدُ الله بن جعفر، فأخرج لها مالًا عظيمًا، وقال: إن لم يُجزه أمير المؤمنين فهو عليّ. وقتِل الزبير، فزعموا أن ابن جُرموز لهو الذي قتله، وأنه وقف بباب أمير المؤمنين؛ فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزُّبير؛ فقال عليّ: ائذن له، وبشّره بالنار (١). (٤: ٥٠٨/ ٥٠٩/ ٥١٠).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":693},{"text":"٩٨٨ - حدّثني محمد بن عُمارة، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فُضيل عن سفيان بن عقبة، عن قرّة بن الحارث، عن جوْن بن قتادة، قال قرّة بن الحارث: كنتُ مع الأحنف بن قيس، وكان جَوْن بن قتادة ابن عمّي مع الزبير بن العوام، فحدّثني جَوْن بن قتادة، قال: كنتُ مع الزّبير ﵁، فجاء فارسٌ يسير -وكانوا يسلّمون على الزّبير بالإمْرة- فقال: السلام عليك أيّها الأمير! قال: وعليك السلام؛ قال: هؤلاء القوم قد أتَوْا مكان كذا وكذا، فلم أرَ قومًا أرثّ سلاحًا، ولا أقلّ عددًا، ولا أرعب قلوبًا من قوْم أتَوك، ثمّ انصرَف عنه. قال: ثمّ جاء فارسٌ فقال: السَّلام عليك أيّها الأمير! فقال: وعليك السلام، قال: جاء القوم حتى أتَوا مكانَ كذا وكذا، فسمعوا بما جمع الله ﷿ لكم من العَدد والعُدّة والحدّ، فقذف اللهُ في قلوبهم الرعب، فولَّوْا مدبرين؛ قال الزُّبير: إيهًا عنك الآن؛ فوالله لو لم يجد ابن أبي طالب إلا العَرْفَج؛ لدبّ إلينا فيه! ثم انصرف، ثم جاء فارس وقد كادت الخيول أن تخرج من الرّهَج فقال: السلام عليك أيّها الأمير! قال: وعليك السلام، قال: هؤلاء القوم قد أتَوْكَ، فلقيت عمارًا فقلت له وقال لي؛ فقال الزبير: إنه ليس فيهم، فقال: بلى والله إنه لَفيهم؛ قال: والله ما جعله الله فيهم، فقال: والله لقد جعله الله فيهم. قال: والله ما جعله الله فيهم؛ فلمّا رأى الرجلَ يخالفه قال لبعض أهله: اركب فانظر: أحقٌّ ما يقول! فركب معه، فانطلقا وأنا أنظر إليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلًا، ثم رجعا إلينا، فقال الزبير لصاحبه: ما عندك؟ قال: صدق الرجل؛ قال الزبير: يا جدْع أنفاه - أو يا قَطْع ظَهْراه؟ - قال محمد بن عُمارة: قال عبيد الله: قال فضيل: لا أدري أيّهما قال - ثم أخذه أفكَل، فجعل السلاح ينتفض، فقال جون: ثكلتني أمي، هذا الذي كنت أريد أن أموت معه، أو أعيشَ معه، والذي نفسي بيده! ما أخذ هذا ما أرى إلّا لشيء قد سمعه أو رآه من رسول الله - ﷺ -. فلمّا تشاغل الناسُ انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب، فانصرف جون فجلس على دابّته، فلحق بالأحنف، ثم جاء فارسان حتى أتَيَا الأحنف وأصحابه، فنزلا، فأتيا، فأكبّا عليه، فناجيَاه ساعة، ثم انصرَفا، ثم جاء عمرو بن جرمُوز إلى الأحنف، فقال: أدركتُه في وادي السباع فقتلتُه، فكان","vol":"8","page":694},{"text":"يقول: والذي نفسي بيَدِه إن صاحب الزبير الأحنف (١). (٤: ٥١٠/ ٥١١).\n٩٨٩ - حدثني عمر بن شبة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا بشير بن عاصم، عن الحجّاج بن أرطاة، عن عمار بن معاوية الدُّهني -حيّ من أحمَس بَجيلة- قال: أخذ عليٌّ مصحفًا يوم الجَمَل، فطاف به في أصحابه، وقال: مَنْ يأخذ هذا المصحف، يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقام إليه فتىً من أهل الكوفة عليه قَباء أبيَض محشوّ، فقال: أنا، فأعرَض عنه، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا المصحفَ يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقال الفتى: أنا، فأعرَض عنه، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا المصحفَ يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقال الفتى: أنا؛ فدفعه إليه، فدعاهم، فقطعوا يَده اليمنى، فأخذه بيده اليسرى، فدعاهم، فقطعوا يدَه اليسرى، فأخذه بصَدره والدّماء تسيل على قَبائه، فقتِل ﵁، فقال عليّ: الآن حلّ قتالُهم، فقالت أمّ الفتى بعد ذلك فيما ترثي:\nلا هُمَّ إنَّ مُسْلِمًا دَعاهُمُ ... يَتْلُو كتابَ الله لا يخْشاهُمُ\nوأمُّهُمْ قائمة تراهُمُ ... يأتمرون الغَيّ لا تَنْهاهُمُ\nقد خُضِبَتْ مِنْ علَقٍ لِحاهُمُ (٢)\n(٤: ٥١١/ ٥١٢).\n٩٩٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن جابر، عن الشعبيّ، قال: حملت ميمنةُ أمير المؤمنين على ميسرةِ أهلِ البصرة، فاقتتلوا، ولاذَ الناس بعائشةَ ﵂، أكثرهم ضَبّة والأزْد، وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر؛ ويقال: إلى أن زالت الشمس، ثم انهزموا، فنادى رجل من الأزد: كرّوا، فضربه محمد بن عليّ فقطع يده، فنادى: يا معشر الأزد فرّوا! واستحرّ القتل بالأزد، فنادَوا: نحن على دين عليّ بن أبي طالب؛ فقال رجل من بني ليث بعد ذلك:\nسائلْ بنا يَوْمَ لقينا الأزْدا ... والخَيْلُ تَعْدو أَشْقَرًا ووَرْدَا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":695},{"text":"لمّا قَطَعْنا كِبْدَهُمْ والزَّندَا ... سُحْقًا لَهُمْ في رَأْيهمْ وبُعْدَا (١)!\n(٤: ٥١٢).\n٩٩١ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا جعفر بنُ سليمان عن مالك بن دينار، قال: حمل عمّار على الزبير يومَ الجمل، فجعل يحُوزه بالرُّمح، فقال: أتريد أن تقتلني؟ قال: لا، انصرفْ. وقال عامر بن حفص: أقبل عمّارٌ حتى حاز الزبير يومَ الجمل بالرمح، فقال: أتقتلني يا أبا اليَقَظان! قال: لا يا أبا عبد الله (٢)! (٤: ٥١٢).\n٩٩٢ - كتب إلىَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان القتال الأوّل يستحرّ إلى انتصاف النهار، وأصيب فيه طلحة ﵁، وذهب فيه الزّبير، فلما أوَوْا إلى عائشةَ، وأبَى أهل الكوفة إلّا القتال، ولم يريدوا إلّا عائشة، ذمرتْهم عائشة، فاقتتلوا حتى تنادَوْا، فتحاجزوا، فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا، وذلك يومَ الخميس في جُمادى الآخرة، فاقتتلوا صدْرَ النهار مع طلحة والزبير، وفي وسطه مع عائشةَ، وتزاحف الناس، فهزمت يَمنُ البصرة يمنَ الكوفة، وربيعةُ البصرة ربيعةَ الكوفة، ونهد عليٌّ بمضر الكوفة إلى مضر البصرة، وقال: إن الموت ليس منه فَوْت، يُدرِك الهارب، ولا يَترك المُقيم (٣). (٤: ٥١٤).\n٩٩٣ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو عبد الله القرشيّ عن يونس بن أرقم، عن عليّ بن عمرو الكنديّ، عن زيد بن حساس، قال: سمعتُ محمد بن الحنفيّة يقول: دفع إليّ أبي الرايةَ يومَ الجمل، وقال: تقدّم؛ فتقدّمتُ حتى لم أجد متقدّمًا إلّا على رمح؛ قال: تقدّم لا أمَّ لك! فتكأكأتُ وقلتُ: لا أجد متقدَّمًا إلّا على سنان رُمْح، فتناوَل الرّايةَ من يدي متناوِلٌ لا أدري مَن هو! فنظرتُ فإذا أبي بين يدىّ وهو يقول:\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، وأما القتال فكان بين الظهر والمغرب كما في رواية ابن أبي شيبة الصحيحة (١٥/ ٢٨٦) وهذا مخالف لرواية أبي مخنف الهالك.\n(٢) إسناده مرسل.\n(٣) إسناده ضعيف ويخالف ما ورد في الرواية الصحيحة من أن القتال كان بعد الظهر كما سنذكر.","vol":"8","page":696},{"text":"أَنتِ الَّتي غَرَّكِ مِنِّي الحُسْنَى ... يا عَيْشَ إن القومَ قَوْمٌ أَعْدَا\nالخَفْضُ خَيْرٌ مِن قِتال الأبْنا (١)\n(٤: ٥١٤/ ٥١٥).\n٩٩٤ - كتبَ إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: اقتتلتِ المجنِّبتان حين تزاحفتا قتالًا شديدًا، يشبه ما فيه القَلْبان، واقتتل أهلُ اليمن، فقتِل على راية أمير المؤمنين من أهل الكوفة عشرة، كلما أخذها رجلٌ قتل خمسة من هَمْدان وخمسة من سائر اليمن، فلما رأى ذلك يزيد بن قيس؛ أخذها، فثبتتْ في يده وهو يقول:\nقد عِشْتِ يا نَفْس وقد غَنِيتِ ... دَهرًا فقَطكِ اليومَ ما بَقِيتِ\nأطْلُبُ طولَ العُمْر ما حَييتِ\nوإنما تمثّلها وهو قول الشاعر قبله. وقال نِمْران بن أبي نِمْران الهَمْدانيّ:\nجَرَّدتُ سَيْفي في رِجال الأزْدِ ... أَضْرِبُ في كُهولهِمْ والمُرْدِ\nكلَّ طويلِ الساعِدَيْنِ نَهْدِ\nوأقبلتْ ربيعة، فقتِل على راية الميسرة من أهل الكوفة زيد، وصرع صعصعة، ثم سَيْحان، ثم عبد الله بن رَقبة بن المغيرة، ثم أبو عُبيدة بن راشد بن سُلمَى؛ وهو يقول: اللهمّ أنت هدَيتَنا من الضّلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتَنا بالفتنة، فكنّا في شُبهة وعلى ريبة؛ حتى قتل، ثمّ الحصين بن معبد بن النُّعمان، فأعطاها ابنه معبدًا، وجعل يقول: يا معبد! قرِّب لها بَوَّها؛ تحدَب، فثبتتْ في يده (٢). (٤: ٥١٥).\n٩٩٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما رأت الكُماة من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر؛ تنادَوا في عسكر عائشة وعسكر عليّ: يا أيُّها الناس! طرِّفوا إذا فرغ الصبر، ونزع النصر، فجعلوا يتوجّؤون الأطراف: الأيدي والأرجُل، فما رُئيت وقعة قطّ قبلَها ولا بعدَها، ولا يسمع بها أكثر يدًا مقطوعة ورجلًا مقطوعة منها، لا يُدرَى مَن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":697},{"text":"صاحبها، وأصيبت يدُ عبد الرحمن بن عتّاب يومئذ قبل قتله، وكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب شيء من أطرافه استَقْتَل إلى أن يُقتَل (١). (٤: ٥١٥/ ٥١٦).\n٩٩٦ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة بن بلال، عن أبيه، قال: اشتدّ الأمر حتى أرِزت ميمنة الكوفة إلى القلب، حتى لزِقت به، ولزِقت ميسرة البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنةَ أهلِ الكوفة أن يختلطوا بقلبهم، وإن كانوا إلى جنبهم، وفعلَ مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة، فقالت عائشة -﵂- لمن عن يسارها: مَن القوم؟ قال صَبْرة بن شيمان: بَنُوكِ الأزْد، قالت: يا آل غَسّان! حافِظوا اليومَ جلادكم الذي كنا نسمع به، وتمثّلتْ:\nوجالَدَ مِنْ غَسَّانَ أهْلُ حِفاظِها ... وهِنْبٌ وأَوْسٌ جالَدَتْ وشَبيبُ\nوقالت لمن عن يمينها: مَن القوم؟ قالوا: بكر بن وائل؛ قالت: لكم يقول القائل:\nوجاؤوا إلَينا في الحَديدِ كَأَنَّهُمْ ... مِنَ العِزّةِ القَعْساءِ بكْرُ بنُ وائلِ\nإنما بإزائكم عبدُ القيس، فاقتتلوا أشدّ القتال من قتالهم قبل ذلك، وأقبلتْ على كتيبة بين يديها، فقالت: مَن القوم؟ قالوا: بنو ناجية، قالت: بَخٍ بَخٍ! سيوفٌ أبطحيّة، وسيوف قرشيّة، فجالدوا جلادًا يُتفادى منه، ثمّ أطافت بها بنو ضبّة، فقالت: ويهًا جمْرةَ الجمرات! حتى إذا رقُّوا؛ خالَطَهم بنو عديّ، وكثروا حولَها، فقالت: مَن أنتم؟ قالوا: بنو عديّ، خالطنا إخواننا، فقالت: ما زال رأس الجمل معتدلًا حتى قتلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأسَ الجمل، ثم ضربوا ضربًا ليس بالتعذير، ولا يعدَلون بالتطريف؛ حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكريْن جميعًا. رامُوا الجمل وقالوا: لا يُزال القومُ أو يصرع، وأرزتْ مجنِّبتا عليّ فصارتا في القلب، وفعل ذلك أهلُ البصرة، وكره القومُ بعضهم بعضًا، وتلاقَوا جميعًا بقلبيهم، وأخذ ابن يثربيّ برأس الجمل وهو يرتجز، وادّعى قتل علباء بن الهيثم، وزيد بن صُوحان، وهند بن عمرو، فقال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":698},{"text":"أنا لِمنْ يُنْكِرُني ابْنُ يَثْربي ... قاتلُ عِلْباء وهِنْدِ الجملي\nوابْنٍ لِصُوحانَ عَلَى دينِ علي\nفناداه عمّار: لقد لعمري لذتَ بحريز، وما إليك سبيل، فإن كنتَ صادقًا فاخرج من هذه الكتيبة إليّ؛ فترك الزمام في يد رجل من بني عديّ حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب عليّ، فزحم الناس عمّارًا حتى أقبل إليه، فاتّقاه عمار بدرَقته، فضربه فانتشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، فخرج عمّار إليه لا يَملِك من نفسه شيئًا، فأسفّ عمار لرجليه فقطعهما، فوقع على استه، وحمله أصحابه، فارتُثَّ بعدُ، فأتي به عليّ، فأمرَ بضرب عنقه، ولما أصيب ابن يثربيّ ترك ذلك العدَويُّ الزمام، ثم خرج فنادى: مَن يبارز؟ فخنَس عمّار، وبرز إليه ربيعة العُقَيليّ - والعدويّ يدعى عمرة بن بَجْرة، أشدّ الناس صوتًا - وهو يقول:\nيا أمّنا أَعَقّ أُمٍّ نَعْلَمُ ... والأُمُّ تَغْذو ولَدًا وتَرْحَمُ\nألا تَرَيْنَ كَمْ شجَاعٍ يُكلَمُ ... وتُختَلَى مِنْهُ يَدٌ ومِعْصَمُ!\nثم اضطرَبا، فأثْخنَ كلّ واحد منهما صاحبه، فماتا.\nوقال عطيّة بن بلال: ولحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث، من بني ضبّة، فقام مقام العَدَوِيّ، فما رأيْنا رجلًا قطّ أشدَّ منه، وجعل يقول:\nنحن بني ضَبَّةَ أصحابُ الجملْ ... نَنعَى ابن عفانَ بأطرافِ الأسَلْ\nالموتُ أحلَى عندنا من العسلْ ... رُدُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَجَلْ (١)\n(٤: ٥١٦/ ٥١٧/ ٥١٨).\n٩٩٧ - حدّثني عمرُ بن شبَّة، قال: حدَّثنا أبو الحسن، عن المفضّل بن محمد، عن عديِّ بن أبي عديّ، عن أبي رجاء العطارديّ، قال: إني لأنظر إلى رجل يومَ الجمل وهو يقلِّب سيفًا بيده كأنه مِخراق، وهو يقول:\nنحن بني ضبّة أصحابُ الجملْ ... ننازِلُ الموتَ إذا الموتُ نَزَلْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":699},{"text":"والموتُ أشهى عندَنا من العَسَلْ ... ننعى ابنَ عفَّانَ بأطراف الأسَلْ\nرُدُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَجَلْ (١)\n(٤: ٥١٨).\n٩٩٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن المفضّل الضبّيّ، قال: كان الرجل وسيمَ بن عمرو بن ضِرار الضبّي (٢). (٤: ٥١٨).\n٩٩٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن الهُذَليّ، قال: كان عمرو بن يثربيّ يحضّض قومَه يوم الجمل، وقد تعاوروا الخِطام يَرتجزون:\nنحن بني ضَبَّةَ لا نَفِرُّ ... حتى نَرَى جماجمًا تَخِرُّ\nيَخِرُّ منها العَلَقُ المُحْمَرُّ\nيا أُمّنا يا عيْشُ لن تُراعي ... كلّ بنِيكِ بطَلٌ شُجاعُ\nيا أُمّنا يا زوجَة النبيّ ... يا زوجة المباركِ المهْدِي\nحتى قُتل على الخِطام أربعون رجلًا، وقالت عائشة ﵂:\nما زال جَمَلي معتدلًا حتى فقدت أصواتَ بني ضَبّة، وقتل يومئذ عمرو بن يثربيّ علباءَ بن الهيثم السَّدوسىّ، وهندَ بن عمرو الجَمَليّ، وزيد بن صوحان؛ وهو يرتجز، ويقول:\nأضرِبُهُمْ ولا أَرى أَبا حَسَنْ ... كفى بهذا حَزَنًا من الحزنْ\nإنا نُمِرُّ الأمرَ إمرارَ الرَّسَنْ\nفزعم الهُذَليّ: أنَّ هذا الشعر تُمُثِّلَ به يومَ صفّين، وعرض عمار لعمرو بن يثربيّ - وعمار يومئذ ابن تسعين سنة، عليه فَرْوٌ قد شَدّ وسَطه بحَبل من ليف - فبَدره عَمرو بن يثربيّ فنحّى له دَرَقته فنشب سيفه فيها، ورماه الناس حتى صُرع وهو يقول:\nإن تقتلوني فأنا ابنُ يثْرِبيّ ... قاتلُ عِلباءَ وهنْد الجملي\nثمَّ ابنِ صُوحانَ على دينِ علي\nوأخِذ أسيرًا حتى انتُهِي به إلى عليّ، فقال: استبْقني، فقال: أبعد ثلاثة تُقبل\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":700},{"text":"عليهم بسَيفك تضربُ به وجوههم! فأمر به، فقُتل (١). (٤: ٥١٨/ ٥١٩)\n١٠٠٠ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن إسحاق بن راشد، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، قال: مشيت يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من ضربةٍ وطَعنةٍ، وما رأيتُ مثلَ يوم الجمل قطّ، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلّا كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلّا قُتل، فأخذه عبدُ الرحمن بن عتاب فقُتل، فأخذه الأسوَد بن أبي البَخْتريّ فصُرع، وجئتُ فأخذت بالخِطام، فقالت عائشة: مَن أنت؟ قلت: عبد الله بن الزّبير، قالت: واثُكْل أسماء! ومرّ بي الأشتر، فعرفتُه فعانقْته، فسقطنا جميعًا، وناديت: \"اقتُلُوني ومالِكًا\"؛ فجاء ناسٌ منا ومنهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزْنا، وضاع الخطام، ونادى عليّ: اعقروا الجمل، فإنه إن عُقر تفرّقوا؛ فضربَه رجلٌ فسقط، فما سمعتُ صوتًا قطّ أشدّ من عَجيج الجمل.\nوأمر عليّ محمدَ بن أبي بكر فضرب عليها قبّة، وقال: انظر، هل وصل إليها شيء؟ فأدخل رأسَه، فقالت: من أنتَ؟ وَيْلَك! فقال: أبغض أهلك إليكِ، قالت: ابن الخَثعميّة؟ قال: نعم؛ قالت: بأبي أنت وأميّ! الحمد لله الذي عافاك (٢). (٤: ٥١٩).\n١٠٠١ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن ابن عبد الرحمن بن جُندَب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان عمرو بن الأشرف أخذ بخطام الجمل، لا يدنو منه أحدٌ إلا خَبطه بسيفه؛ إذْ أقبل الحارث بن زُهَير الأزديّ وهو يقول:\nيا أُمَّنا يا خيْرَ أُمٍّ نَعلَمُ ... أما تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكلَمُ!\nوتُختَلَى هامَتُهُ والمِعْصَمُ!\nفاختلفا ضربتين، فرأيتُهما يفحصان الأرض بأرجُلهما حتى ماتا.\nفدخلتُ على عائشة ﵂ بالمدينة، فقالت: مَن أنت؟ قلت: رجل من الأزْد، أسكُن الكوفة؛ قالت: أشهِدْتنا يومَ الجمل؟ قلت: نعم. قالت: ألنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":701},{"text":"أمْ علينا؟ قلتُ: عليكم؛ قالت: أفتعرف الذي يقول:\nيا أمَّنا يا خيرَ أمٍّ نعلمُ\nقلت: نعم، ذاك ابنُ عمّي، فبكتْ حتى ظننتُ أنها لا تسكت (١). (٤: ٥٢٠/ ٥٢١).\n١٠٠٢ - حدّثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن عن أبي ليلى، عن دينار بن العَيْزار، قال: سمعت الأشتر يقول: لقيتُ عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، فلقيت أشدَّ الناس وأروَغَه، فعانقتُه، فسقطْنا إلى الأرض جميعًا، فنادى: \"اقْتُلُوني ومالِكًا\" (٢). (٤: ٥٢١).\n١٠٠٣ - حدّثني عمر قال: حدثنا أبو الحسن عن ابن أبي ليلى، عن دينار بن العيزار، قال: سمعت الأشتر يقول: رأيت عبد الله بن حَكيم بن حزام معه رايةُ قريش؛ وعديّ بن حاتم الطائيّ، وهما يتصاولان كالفحلين، فتعاوَرْناه، فقتلناه -يعني عبد الله- فطعن عبد الله عديًّا ففقأ عينَه (٣). (٤: ٥٢١).\n١٠٠٤ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن عمّه محمّد بن مخنف، قال: حدَّثني عدّةٌ من أشياخ الحيّ كلّهم شهد الجَمَل، قالوا: كانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخْنف سُلَيم، فقتل يومئذ، فتناول الراية من أهل بيته الصَّقعب وأخوه عبد الله بن سُليم، فقتلوه، فأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح، وهي في يده، وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن مسلم، فقتل وقتل معه زيد بن صُوحان وسَيْحان بن صُوحان؛ وأخذ الراية عدّة منهم فقُتِلوا؛ منهم عبد الله بن رقبة، وراشد، ثم أخذها مُنْقذ بن النُّعمان، فدفعها إلى ابنه مُرّة بن منقذ، فانقضى الأمر وهي في يده، وكانت راية بكْر بن وائل من أهل الكُوفة في بني ذُهْل، كانت مع الحارث بن حسَّان بن خُوط الذُّهليّ، فقال أبو العَرْفاء الرقاشيّ: أبقِ على نفسك وقومك، فأقدمَ، وقال: يا معشرَ بكر بن وائل، إنّه لم يكن أحدٌ له من رسول الله - ﷺ - مثل منزلة صاحبكم،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) في إسناده ابن أبي ليلى، مجهول.\n(٣) في إسناده ابن أبي ليلى، مجهول.","vol":"8","page":702},{"text":"فانصروه، فأقدمَ، فقُتل، وقُتل ابنه، وقُتِل خمسة إخوة له، فقال له يومئذ بشر بن خُوط وهو يقاتل:\nأنا ابنُ حَسَّان بن خُوطٍ وأبي ... رسولُ بَكْرٍ كلّها إلى النَّبي\nوقال ابنه:\nأنْعَى الرئيسَ الحارثَ بنَ حسَّانْ ... لآلِ ذُهْلٍ ولآلِ شَيْبانْ\nوقال رجل من ذُهْل:\nتَنعَى لنا خيرَ امْرِئٍ مِنْ عَدْنانْ ... عند الطِّعانِ ونِزالِ الأقرانْ\nوقُتل رجال من بني محدوج، وكانت الرِّياسة لهم من أهل الكوفة، وقُتل من بني ذُهْل خمسةٌ وثلاثون رجلًا، فقال رجل لأخيه وهو يقاتل: يا أخي! ما أحسنَ قتالَنا إن كنَّا على حقّ! قال: فإنا على الحقّ، إن الناسَ أخذوا يمينًا وشمالًا، وإنما تمسَّكنا بأهل بيت نبيِّنا؛ فقاتَلَا حتى قُتلا، وكانت رياسة عبد القيس من أهل البصرة -وكانوا مع عليّ- لعمرو بن مرحوم، ورياسة بكر بن وائل لشَقيق بن ثَوْر، والرّاية مع رَشراشة مولاه، ورياسة الأزْد من أهل البصرة -وكانوا مع عائشة- لعبد الرحمن بن جُشَم بن أبي حُنَيْن الحمّامِيّ -فيما حدّثني عامر بن حفص، ويقال: لصبرة بن شيْمان الحُدّانيّ- والراية مع عمرو بن الأشرف العَتكيّ، فقُتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلًا من أهل بيته (١). (٤: ٥٢١/ ٥٢٢).\n١٠٠٥ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو ليلى عن أبي عُكّاشة الهَمْدانيّ، عن رفاعة البَجَليّ، عن أبي البَخْتَريّ الطائيّ، قال: أطافت ضبّة، والأزد بعائشةَ يومَ الجمل، وإذا رجالٌ من الأزد يأخذون بعْرَ الجمل فيفتّونه ويشُمّونه، ويقولون: بعر جملِ أمِّنا ريحُه ريحُ المسك؛ ورجل من أصحاب عليّ يقاتل ويقول:\nجَرَّدتُ سيفي في رجال الأزْدِ ... أَضْرِب في كُهولِهِم والمُرْدِ\nكلَّ طويل الساعِدَيْن نهْدِ\nوماج الناس بعضُهم في بعض، فصرخ صارخ: اعقروا الجمل؛ فضَربه\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة، ومعلوم: أن حسان بن ثابت كغيره من الصحابة لا يفضل أحدًا عن الصحابة على الشيخين.","vol":"8","page":703},{"text":"بُجَير بن دُلْجة الضّبيّ من أهل الكوفة، فقيل له: لِمَ عَقرتَه؟ فقال! رأيتُ قومي يقتَلون، فخفت أن يفنَوا، ورجوت إن عقرته أن يبقَى لهم بقيّة (١). (٤: ٥٢٢/ ٥٢٣).\n١٠٠٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا الصّلْت بن دينار، قال: انتهى رجلٌ من بني عُقَيْل إلى كعب بن سُور -﵀- وهو مقتول، فوضع زُجَّ رمحه في عينيه، ثم خَضخضه، وقال: ما رأيت مالًا قطّ أحكم نَقدًا منك (٢). (٤: ٥٢٣).\n١٠٠٧ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا عَوانة، قال: اقتَتلُوا يومَ الجمل يومًا إلى الليل، فقال بعضهم:\nشَفى السَّيْف من زَيدٍ وهِنْدٍ نفوسَنا ... شفاءً ومن عينيْ عَدِيِّ بن حاتِم\nصبَرْنا لهم يومًا إلى الليلِ كلَّه ... بصمِّ القَنَا والمُرْهَفاتِ الصَّوارِم\nوقال ابن صامت:\nيا ضَبّ سيري فإن الأرضَ واسعةٌ ... على شِمالِكِ إن الموتَ بالقاعِ\nكَتيبةٌ كشعاعِ الشّمْسِ إذ طلعتْ ... لها أتِيٌّ إذا ما سال دُفَّاعُ\nإذًا نُقيم لكمْ في كلّ مُعْتَركٍ ... بالمَشْرَفِيّةِ ضَربًا غيرَ إِبْدَاع (٣)\n(٤: ٥٢٣).\n١٠٠٨ - حدّثنا العباس بن محمد، قال: حدّثنا رَوْح بن عُبادة، قال: حَدّثنا رَوْح عن أبي رَجاء، قال: رأيت رجلًا قد اصطُلِمت أذُنه، قلت: أخِلْقة، أم شيء أصابك؟ قال: أحدّثك؛ بينا أنا أمشي بين القتلَى يومَ الجمل، فإذا رجل يَفحَص برِجله، وهو يقول:\nلقد أوْرَدَتْنا حَوْمَةَ الموتِ أُمُّنا ... فلم ننصرفْ إلَّا ونحن رِواءُ\nأطعْنا قريشًا ضَلّةً من حُلومِنا ... ونُصْرَتنا أهلَ الحجازِ عَناءُ\nقلت: يا عبد الله! قل: لا إله إلا الله، قال: ادنُ مني، ولقِّنِّي؛ فإنّ في أذني\n_________\n(١) خبر منكر.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":704},{"text":"وقرًا، فدنَوت منه، فقال لي: ممن أنت؟ قُلت: رجل من الكوفة؛ فوثب عليّ، فاصطَلَم أذني كما ترى، ثمّ قال: إذا لقيت أمّك فأخبرها: أن عُمير بن الأهلب الضبيّ فعَل بك هذا (١). (٤: ٥٢٣/ ٥٢٤).\n١٠٠٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المفضَّل الراوية، وعامر بن حفص، وعبد المجيد الأسديّ، قالوا: جُرح يوم الجمل عُمير بن الأهلب الضّبيّ، فمرّ به رجلٌ من أصحاب عليّ وهو في الجرحى، فقال له عُمير: ادْنُ منِّي، فدنا منه، فقطع أذنه، وقال عُمير بن الأهلب:\nلقد أوردتْنا حومةَ الموت أمُّنا ... فلَم ننصرف إلا ونحن رِواءُ\nلقد كان عن نَصرِ ابن ضَبَّة أمَّهُ ... وشيعَتها مَندوحةٌ وغَنَاءُ\nأطعنا بني تَيمِ بن مُرَّةَ شَقْوَةً ... وهل تَيْمٌ إلَّا أَعْبُدٌ وإماءُ (٢)!\n(٤: ٥٢٤).\n١٠١٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثيّ، قال: كان منّا رجل يدعى هانئ بن خطّاب، وكان ممن غزا عثمان، ولم يشهد الجمل، فلمّا سمع بهذا الرجز- يعني رجزَ القائل:\nنحنُ بني ضَبَّة أصحابُ الجَملْ -\nفي حديث الناس، نقض عليه وهو بالكوفة:\nأَبَتْ شيوخُ مَذْحج وهَمْدانْ ... ألَا يرُدُّوا نَعْثَلًا كما كانْ\nخلْقًا جَدِيدًا بعد خَلق الرَّحمنْ (٣)\n(٤: ٥٢٤).\n١٠١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: جعل أبو الجرباء يومئذ يرتجز ويقول:\nأسامعٌ أنتَ مطيعٌ لعَلِي ... من قَبْلِ أن تَذوقَ حَدَّ المَشْرَفِي\n_________\n(١) في إسناده مبهم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":705},{"text":"وخاذِلٌ في الحقِّ أزواجَ النّبي ... أعْرِفُ قومًا لستُ فيه بِعَني (١)\n(٤: ٥٢٥).\n١٠١٢ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: كانت أمّ المؤمنين في حَلْقة من أهل النَّجَدات والبصائر من أفناء مُضَر، فكان لا يأخذه أحد بالزمام إلّا كان يحمل الرّاية واللواء لا يحسِّن تركها، وكان لا يأخذه إلّا معروف عند المُطيفين بالجمل فينتسب لها: أنا فلان بن فلان، فوالله إن كانوا ليقاتلون عليه؛ وإنه للموتُ لا يوصل إليه إلا بطِلبَةٍ وعَنت، وما رامه أحد من أصحاب عليّ إلّا قُتل أو أفلت، ثم لم يَعُد، ولما اختلط الناس بالقلب جاء عديّ بن حاتم، فحمل عليه، ففُقئتْ عينه ونكل، فجاء الأشتر فحامله عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد وإنه لأقطَع مَنْزوف، فاعتنقه، ثم جلد به الأرض عن دابّته، فاضطرب تحته، فأفلت وهو جريض (٢). (٤: ٥٢٥).\n١٠١٣ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان لا يجيء رجل فيأخذ بالزّمام حتى يقول: أنا فلان بن فلان يا أمّ المؤمنين! فجاء عبدُ الله بنُ الزّبير، فقالت حين لم يتكلم: مَنْ أنت؟ فقال: أنا عبد الله، أنا ابن أختك، قالت: واثُكْل أسماء! -تعني: أختها- وانتهى إلى الجمل الأشتر، وعديّ بن حاتم، فخرج عبد الله بن حَكِيم بن حزام إلى الأشتر، فمشى إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقتله الأشتر، ومشى إليه عبد الله بن الزبير، فضربه الأشتر على رأسه، فجرحه جرحًا شديدًا، وضرب عبد الله الأشتر ضربةً خفيفة، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبَه، وخرّا إلى الأرض يعتَركان، فقال عبد الله بن الزبير: \"اقْتُلُوني ومالكًا\".\nوكان مالك يقول: ما أحبّ أن يكون قال: \"والأشتر\" وأنّ لي حُمْر النَّعَم. وشدّ أناس من أصحاب عليّ وأصحاب عائشة فافترقا، وتنقّذ كلّ واحد من الفريقين صاحبَه (٣). (٤: ٥٢٥/ ٥٢٦).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":706},{"text":"١٠١٤ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصَّعْب بن عَطيّة، عن أبيه، قال: وجاء محمد بن طلحة فأخذ بزمام الجمل، فقال: يا أمّتاه! مُرِيني بأمرِك، قالت: آمرُك أن تكون كخير بني آدم إن تُرِكتَ.\nقال: فحمل، فجعل لا يَحمِل عليه أحد إلّا حمل عليه ويقول: \"حم لا ينصرون\"، واجتَمع عليه نفر، فكلّهم ادّعى قتلَه: المكعْبر الأسديّ، والمكعبر الضّبيّ، ومعاوية بن شدّاد العَبْسي، وعفّان بن الأشقر النصريّ، فأنفَذه بعضهم بالرّمح، ففي ذلك يقول قاتلُه منهم:\nوأَشعَثَ قَوَّامٍ بآياتِ ربّهِ ... قليلِ الأذى فيما ترى العيْنُ مُسْلِمِ\nهَتكتُ له بالرمح جَيْبَ قميصِه ... فخَرَّ صريعًا لليدين ولِلفَمِ\nيُذَكِّرُني حم والرمحُ شاجِرٌ ... فهَلا تَلا حم قبلَ التّقَدُّمِ!\nعلى غيرِ شيءٍ غيرَ أن ليس تابِعًا ... عَلِيًّا ومن لا يَتْبع الحقَّ يَنْدَمِ (١)\n(٤: ٥٢٦).\n١٠١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: قال القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلِّبه يومئذ: هل لك في العَود؟ فلم يجبه. فقال: يا أشتر! بعضنا أعلمَ بقتالِ بعض منك. فحمل القعقاع، وإنّ الزمام مع زُفَر بن الحارث، وكان آخر مَنْ أعقب في الزّمام، فلا والله ما بقي من بني عامر يومئذ شيخٌ إلّا أصيب قدّام الجمل، فقُتِل فيمن قُتل يومئذ ربيعة جدّ إسحاق بن مسلم، وزفر يرتجز ويقول:\nيا أمَّنا يا عَيْش لن تُراعِي ... كلُّ بَنيكِ بَطَلٌ شجاعُ\nليس بوَهّامٍ ولا بِراعي\nوقام القعقاع يرتجز ويقول:\nإذا وَرَدْنا آجِنًا جَهَرْناهُ ... ولا يُطاقُ وِرْدُ ما منعناهُ\nتمثّلها تمثُّلًا (٢). (٤: ٥٢٦/ ٥٢٧).\n١٠١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":707},{"text":"قالا: كان من آخر مَنْ قاتل ذلك اليوم زُفَر بن الحارث، فزحف إليه القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامرىّ مكتهِل إلّا أصيب، يتسرّعون إلى الموت، وقال القعقاع: يا بُجير بن دُلجة، صِحْ بقومك؛ فليَعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أمّ المؤمنين؛ فقال: يالَ ضَبة! يا عمرو بنَ دُلْجة! ادعْ بي إليك؛ فدعا به، فقال: أنا آمن حتى أرجع؟ قال: نعم. قال: فاجتثّ ساق البعير، فرمى بنفسه على شِقّه وجرجر البعير، وقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو، وزُفَر على قَطْع بِطَان البعير، وحَمَلا الهودج فوضَعاه، ثم أطافا به، وتفارّ مَن وراء ذلك من الناس (١). (٤: ٥٢٧).\n١٠١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: لما أمسى الناس وتقدّم عليٌّ وأحيط بالجمل ومَن حولَه، وعَقَره بُجَير بن دُلْجة، وقال: إنكم آمنون؛ كفَّ بعض الناس عن بعض. وقال عليّ في ذلك حين أمسى وانخَنَس عنهم القتال:\nإليك أشكو عُجَرِي وبُجَرِي ... ومَعْشَرًا غَشَّوْا عَليَّ بَصَري\nقَتلتُ منهمْ مُضَرًا بِمُضرِي ... شفيْتُ نفسي وقتلتُ مَعْشَرِي (٢)\n(٤: ٥٢٧).\n١٠١٨ - كتب إلىَّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال طلحة يومئذ: اللهمّ أعط عثمان منّي حتى يَرضَى؛ فجاء سهم غَرْبٍ وهو واقف، فَخلّ ركبتَه بالسرج، وثبت حتى امتلأ مَوْزجُه دمًا، فلما ثَقُل قال لمولاه: اردَفْني وابغني مكانًا لا أعرفُ فيه، فلم أر كاليوم شيخًا أضيَعَ دمًا مني. فركب مولاه، وأمسكه، وجعل يقول: قد لحقَنا القوم، حتى انتهى به إلى دار من دُور البصرة خَرِبة، وأنزله في فيئها، فمات في تلك الخَرِبة، ودفن ﵁ في بني سعد (٣). (٤: ٥٢٧/ ٥٢٨).\n١٠١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن البَخْتريّ العبديّ، عن أبيه، قال: كانت ربيعة مع عليّ يوم الجمل ثُلث أهل الكوفة، ونصف الناس\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":708},{"text":"يوم الوقعة، وكانت تعبيتهم مُضَر ومضر، وربيعة وربيعة، واليمن واليمن؛ فقال بنو صُوحان: يا أميرَ المؤمنين! ائذن لنا نقف عن مُضر؛ ففعل، فأتى زيد فقيل له: ما يوقفك حيال الجمل وبحيال مضر! الموت معك وبإزائك، فاعتزل إلينا، فقال: الموتَ نريد. فأصيبوا يومئذ، وأفلت صَعْصعة من بينهم (١). (٤: ٥٢٨).\n١٠٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطية، قال: كان رجل منا يدعَى الحارث، فقال يومئذ: يَال مُضَر! علامَ يقتل بعضكم بعضًا! تبادرون لا ندري إلّا أنَّا إلى قضاء، وما تُكْفَوْن في ذلك (٢). (٤: ٥٢٨).\n١٠٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن صعصعة المُزنيّ - أو عن صعصعة - عن عمرو بن جأوان، عن جرير بن أشرس، قال: كان القتال يومئذ في صدْر النهار مع طلحة، والزبير، فانهزم الناس؛ وعائشة تَوَقّع الصّلح، فلم يَفْجأها إلّا الناس، فأحاطت بها مُضَر، ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصفَ النهار مع عائشة، وعليّ ... كعب بن سُور أخذ مصحفَ عائشة وعليّ فبدر بين الصّفين يناشدهم الله ﷿ في دمائهم، وأعطى درعَه فرمى بها تحته، وأتى بتُرسه فتنكّبه، فرشقوه رِشقًا واحدًا، فقتلوه ﵁، ولم يُمهلوهم أن شدّوا عليهم، والتَحم القتال، فكان أول مقتول بين يدي عائشة من أهل الكوفة (٣). (٤: ٥٢٩).\n١٠٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلَد بن كثير، عن أبيه، قال: أرسلْنا مسلم بن عبد الله يدعو بني أبينا، فرَشَقوه -كما صنع القلب بكعب- رِشْقًا واحدًا، فقتلوه، فكان أوّلَ من قتل بين يديْ أمير المؤمنين وعائشة ﵂، فقالت أمّ مسلم ترثيه:\nلا هُمَّ إنّ مسلمًا أَتاهُم ... مُسْتسْلِمًا للموتِ إذ دَعاهُمُ\nإلى كتابِ اللهِ لا يخشاهمُ ... فرمَّلوهُ من دَمٍ إذ جاهُمُ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":709},{"text":"وأمُّهم قائمةٌ تراهُمُ ... يأتمرون الغَيَّ لا تنهاهُم (١)\n(٤: ٥٢٩).\n١٠٢٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن حكيم بن شريك، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما انهزمت مجنِّبتا الكوفة عشيّة الجمل، صاروا إلى القلب -وكان ابن يثربيّ قاضيَ البصرة قبل كعب بن سُور، فشهدهم هو وأخوه يوم الجمل، وهما عبد الله، وعمرو، فكان واقفًا أمامَ الجمل على فرس- فقال عليّ: مَن رجل يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو المراديّ، فاعترضَه ابن يثربيّ، فاختَلفَا ضربتين، فقتله ابن يثربيّ، ثم حمل سَيْحان بن صُوحان، فاعترضه ابن يثربيّ، فاختَلَفا ضربتين فقتله ابن يثربيّ، ثم حمل علباء بن الهيثم، فاعترضه ابن يثربيّ، فقتله، ثم حمل صعصعة فضربه، فقتل ثلاثة أجهَزَ عليهم في المعركة: علباء، وهند، وسَيْحان، وارتُثَّ صعصعة وزيد، فمات أحدهما، وبقي الآخَر (٢). (٤: ٥٢٩/ ٥٣٠).\n١٠٢٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: أخذ الخِطامَ يومَ الجمل سبعون رجلًا من قريش، كلُّهم يُقتل وهو آخذ بالخِطام، وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمّه، وواثَبَه عبد الله، فاعتنقه فخرّ بهِ، وجعل يقول: \"اقتلُوني ومالكًا\" - وكان الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال: \"والأشتر\"، وكانت له ألف نفس؛ ما نجا منها شيء - وما زال يضطرب في يديْ عبد الله حتى أفلَت، وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يَعُد. وجرِح يومئذ مَرْوان، وعبدُ الله بن الزبير (٣). (٤: ٥٣٠).\n١٠٢٥ - حدّثني عبدُ الله بنُ أحمد، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدّثني محمد بن أبي يعقوب، وابن عون عن أبي رَجَاء، قال: قال يومئذ عمرو بن يثربيّ الضّبيّ؛ وهو أخو عميرة القاضي:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":710},{"text":"نحن بنِي ضَبّة أصحابُ الجملْ ... ننْزِلُ بالموتِ إذا الموتُ نَزَلْ\nوزاد ابن عون- وليس في حديث ابن أبي يعقوب:\nالقَتْلُ أحْلَى عِندنا من العَسَلْ ... ننْعَى ابنَ عفَّانَ بأطراف الأسَلْ\nرُدُّوا علينا شَيْخَنا ثمَّ بَجَلْ (١)\n(٤: ٥٣٠).\n١٠٢٦ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن داود بن أبي هند، عن شيخ من بني ضَبّة، قال: ارتجز يومئذ ابن يثربيّ:\nأنا لمن أنكرَني ابن يثْرَبي ... قاتِلُ عِلْباءَ وهِنْدِ الجَملي\nوابنٍ لِصُوحانَ عَلى دينِ عَلي\nوقال: مَن يُبارز؟ فبَرَز له رجل، فقتله، ثم برز له آخر فقتَلهُ، وارتجز وقال:\nأقْتُلُهُمْ وقد أرى عليّا ... ولو أشا أوْجَرتُهُ عَمْريا\nفبرز له عمّار بن ياسر، وإنه لأضعف مَن بارَزَه، وإنّ الناس ليسترجعون حين قام عمار، وأنا أقول لعمار من ضعفه: هذا والله لاحقٌ بأصحابه، وكان قضيفًا، حَمْش الساقين، وعليه سيفٌ حمائلهُ تشفّ عنه قريب من إبطه، فيضربه ابن يثربيّ بسيفه، فنشب في حَجَفته، وضرَبه عمار وأوهطه، ورَمى أصحابُ عليّ ابنَ يَثْربي بالحجارة حتى أثخنوه، وارتَثُّوه (٢). (٤: ٥٣٠/ ٥٣١).\n١٠٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمّاد البُرجُميّ، عن خارجة بن الصلت، قال: لما قال الضبّيّ يوم الجمل:\nنحن بني ضبّة أصحابُ الجَمَل ... ننعَى ابن عفَّانَ بأطراف الأسَلْ\nردُّوا علينا شيخنَا ثمَّ بَجَلْ\nقال عُمير بُن أبي الحارث:\n_________\n(١) لم نجد لعم عبد الله ترجمة.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":711},{"text":"كيف نَرُدُّ شيخَكم وقد قَحَلْ ... نحن ضَرَبنا صدرَه حتَّى انجفَلْ (١)!\n(٤: ٥٣١).\n١٠٢٨ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف عن الصّعب بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: عقَر الجملَ رجلٌ من بني ضبّة يقال له: ابن دُلْجة - عمرو أو بُجير - وقال في ذلك الحارث بن قيس- وكان من أصحاب عائشة:\nنحن ضربنا ساقَهُ فانجدلا ... من ضربَةٍ بالنّفْرِ كانت فَيْصَلا\nلو لم نكَوَّنْ للرِّسول ثَقَلا ... وحُرْمَةً لاقْتسمُونا عُجَّلا\nوقد نُحِل ذلك المثنّى بن مخرمة من أصحاب عليّ (٢). (٤: ٥٣١/ ٥٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>شدَّة القتال يوم الجمل وخبر أعيَن بن ضُبيعة واطلاعه في الهودج</span>\n١٠٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نُوَيرة، عن أبي عثمان، قال: قال القعقاع: ما رأيتُ شيئًا أشبَه بشيء من قتال القلب يومَ الجَمَل بقتال صِفّين، لقد رأيتُنا ندافعهم بأسنّتنا ونتَّكئ على أزِجَّتنا، وهم مثل ذلك حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم (٣). (٤: ٥٣٢).\n١٠٣٠ - حدّثني عيسى بن عبد الرّحمن المَروزِىّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين العُرَنيّ، قال: حدّثنا يحيى بن يعلى الأسلميّ عن سليمان بن قَرْم، عن الأعمش، عن عبد الله بن سنان الكاهليّ، قال: لما كان يوم الجمل ترامَينا بالنَّبل حتى فَنيتْ، وتَطاعنَّا بالرِّماح حتى تشبّكت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سُيِّرت عليها الخيل لسارت، ثم قال عليّ: السيوفَ يا أبناءَ المهاجرين! قال الشيخ: فما دخلتُ دارَ الوليد إلا ذكرتُ ذلك اليوم (٤). (٤: ٥٣٢).\n١٠٣١ - حدّثني عبد الأعلى بن واصل، قال: حدّثنا أبو فُقيم، قال: حدّثنا فِطْر، قال: سمعت أبا بشير قال: كنتُ مع مولاي زمنَ الجمل، فما مررتُ بدار\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) في إسناده سليمان بن قرم، ضعفه ابن معين والنسائي وابن حبان وأبو حاتم.","vol":"8","page":712},{"text":"الوليد قَطّ، فسمعت أصواتَ القَصّارين يَضرِبون إلّا ذكرت قتالهم (١). (٤: ٥٣٢).\n١٠٣٢ - حدّثني عيسى بن عبد الرحمن المروزيّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين قال: حدّثنا يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطّان، قال: حاصَ الناس حَيْصة، ثم رجعنا؛ وعائشة على جمل أحمر، وفي هَوْدج أحمر، ما شبّهته إلا بالقنفذ من النَّبل (٢). (٤: ٥٣٢/ ٥٣٣).\n١٠٣٣ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد السُّلَميّ، عن ميسرة أبي جميلة: أنّ محمد بن أبي بكر، وعمّار بن ياسر أتَيَا عائشة؛ وقد عُقِر الجمل، فقطعا غُرْضة الرَّحْل، واحتَمَلا الهودج، فنَحَّياه حتى أمرهما عليٌّ فيه أمرَه بعد؛ قال: أدخِلاها البصرة، فأدخَلاها دارَ عبد الله بنِ خلف الخُزاعيّ (٣). (٤: ٥٣٣).\n١٠٣٤ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: أمر عليٌّ نفرًا بحَمل الهَوْدج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزُفَر بن الحارث أنزَلاه عن ظهر البعير، فوَضَعاه إلى جَنبْ البعير، فأقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه نفر، فأدخل يدَه فيه، فقالت: مَن هذا؟ قال: أخوكِ البَرّ، قالت: عَقوق، قال عمّار بن ياسر: كيف رأيت ضرْب بنيك اليوم يا أمّهْ؟ ! قالت: مَن أنت؟ قال: أنا ابنك البارّ عمار؛ قالت: لستُ لك بأمّ؛ قال: بلى، وإن كرهْتِ. قالت: فخرتم أن ظفرتم، وأتيتم مثل ما نقَمتم، هيهات! والله لن يظفر مَن كان هذا دأبَه! وأبرزوها بهَوْدجها من القتلى، ووَضعوها ليس قربها أحد، وكأنّ هودجَها فرخ مقصِّب مما فيه من النَّبل، وجاء أعين بن ضُبيعة المجاشعيّ حتى اطّلع في الهَوْدج، فقالت: إليكَ لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلّا حُمَيْراء؛ قالت: هتَك الله سترَك، وقطع يَدَك، وأبدى عورَتك! فقُتل بالبصرة وسُلب، وقطعتْ يده، ورُمي به عريانًا في خَرِبة من خَرِبات الأزْد، فانتهى إليها\n_________\n(١) لم نجد لأبي فقيم ترجمة وليس من شيوخ عبد الأعلى من اسمه أبو فقيم ولا في تلاميذ فطر والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":713},{"text":"عليّ، فقال: أيْ أمّه! يغفر الله لنا ولكم؛ قالت: غفر الله لنا ولكم (١). (٤: ٥٣٣/ ٥٣٤).\n١٠٣٥ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم بن شريك، عن أبيه، عن جده، قال: انتهى محمد بن أبي بكر ومعه عمّار، فقطع الأنساع عن الهودج، واحتملاه، فلما وضعاه، أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد، فقالت: مذمّم، قال: يا أخيَّة! هل أصابَكِ شيء؟ قالت: ما أنت من ذاك؟ قال: فمَن إذًا! الضُّلّال؟ قالت: بل الهُداة، وانتهى إليها عليّ، فقال: كيف أنتِ يا أمّه؟ ! قالت: بخير، قال: يغفر الله لكِ. قالت: ولكَ (٢). (٤: ٥٣٤).\n١٠٣٦ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ولما كان من آخر الليل خرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة، فأنزلها في دارِ عبد الله بن خلف الخُزاعيِّ على صفيَّة بنة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدّار، وهي أمّ طلحة الطَّلَحات بن عبد الله بن خَلَف.\nوكانت الوقعة يومَ الخميس لعشرٍ خلوْن من جُمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، في قول الواقديّ (٣). (٤: ٥٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>مقتل الزبير بن العوّام ﵁</span>\n١٠٣٧ - كتب إلىَّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما انهزم الناس يومَ الجمل عن طلحة، والزبير، ومضى الزّبير ﵁ حتى مرّ بعسكر الأحنف، فلما رآه، وأخبِر به قال: والله ما هذا بخيار، وقال للناس: مَن يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جُرموز لأصحابه: أنا، فأتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير -وكان شديدَ الغضب- قال: ما وراءك؟ قال:\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":714},{"text":"إنما أردتُ أن أسألك؛ فقال غلام للزّبير يُدعَى عطية كان معه: إنه مُعِدٌّ، ما يَهولك من رجل! وحضرت الصّلاة، فقال ابن جُرموز: الصلاة؛ فقال الزبير: الصلاة، فنزلا، واستدبره ابن جُرموز فطعنه من خلفه في جُرُبّان درعه، فقتله، وأخذ فرسَه وخاتمَه وسلاحه، وخلّى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع؛ ورجع إلى الناس بالخبر. فأما الأحنف؛ فقال: والله ما أدري أحسنت أم أسأت! ثمّ انحدر إلى عليّ وابن جُرموز معه، فدخل عليه، فأخبره، فدعا بالسيف، فقال: سيف طالمَا جلَّى الكُرَب عن وجه رسولِ الله - ﷺ -! وبعث بذلك إلى عائشة، ثم أقبل على الأحنف فقال: تربّصتَ؛ فقال: ما كنتُ أراني إلّا قد أحسنتُ، وبأمرك كان ما كان يا أميرَ المؤمنين! فارفُق؛ فإنّ طريقك الذي سلكتَ بعيد، وأنت إليَّ غدًا أحوَج منك أمسِ، فاعرف إحساني، واستصفِ مودّتي لغَدٍ، ولا تقولَنَّ مثلَ هذا، فإني لم أزل لك ناصحًا (١). (٤: ٥٣٤/ ٥٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى في البلاد</span>\n١٠٣٨ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ومضى الزبير في صدر يوم الهزيمة راجلًا نحو المدينة، فقتله ابن جُرموز، قالا: وخرج عُتْبة بن أبي سُفيان، وعبدُ الرحمن، ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد شُجِّجوا في البلاد، فلقوا عصمة بن أبَير التيمّي، فقال: هل لكم في الجوار؟ قالوا: مَن أنت؟ قال: عصمة بن أبَير. قالوا: نعم، قال: فأنتم في جواري إلى الحَوْل؛ فمضى بهم، ثم حَماهم وأقام عليهم حتى بَرَؤوا، ثم قال: اختاروا أحبَّ بلد إليكم أبْلِغكُموه، قالوا: الشام، فخرج بهم في أربعمئة راكب من تَيْم الرِّباب، حتى إذا وغلوا، في بلاد كلب بدُومة قالوا: قد وفيتَ ذمّتك وذِمَمَهم، وقضيتَ الذي عليك فارجع، فرجع، وفي ذلك يقول الشاعر:\nوَفى ابنُ أبَيْرٍ والرّماح شوارعٌ ... بِآل أَبي العاصي وفاءً مُذَكَّرَا\nوأما ابن عامر؛ فإنه خرج أيضًا مشجّجًا، فتلقاه رجل من بني حُرْقوص يُدعَى\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفيه نكارة، وما كان قيس ليقول هذا الكلام وقد ثبت عنه أنه قال: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله - ﷺ - (٤/ ٤٩٨).\nوأما قتل عمرو بن جرموز للزبير فصحيح.","vol":"8","page":715},{"text":"مُرَيًّا، فدعاه للجِوار، فقال: نعم، فأجاره، وأقام عليه، وقال: أىّ البلدان أحبّ إليك؟ قال: دمَشق، فخرج به في رَكب من بني حُرْقوص حتى بلغوا به دمشق، وقال حارثةُ بن بدر- وكان مع عائشة، وأصيب في الوقعة ابنه، أو أخوه زراع:\nأتاني من الأنباءِ أنَّ ابْنَ عامِرٍ ... أناخَ وألْقى في دِمَشْقَ المَراسيَا\nوأوَى مَرْوان بن الحَكم إلى أهل بيت من عنَزة يومَ الهزيمة، فقال لهم: أعلِموا مالكَ بنَ مِسمع بمكاني، فأتَوْا مالكًا، فأخبروه بمكانه، فقال لأخيه مقاتل: كيف نصنع بهذا الرجل الذي قد بعث إلينا يُعلِمنا بمكانه؟ قال: ابعث ابن أخي فأجِرْه، والتمسوا له الأمان من عليّ، فإن آمَنه؛ فذاك الذي نحبّ، وإن لم يؤمنه؛ خرجْنا به وبأسيافنا، فإن عرض له؛ جالَدْنا دونَه بأسيافنا، فإمّا أن نسلم، وإمّا أن نَهلك كرامًا، وقد استشار غيره من أهله من قَبْل في الذي استشار فيه مقاتلًا، فنهاه، فأخذ برأي أخيه، وترك رأيهم، فأرسل إليه، فأنزله داره، وعزم على منعه إن اضطر إلى ذلك، وقال: الموت دون الجوار وفاءٌ، وحفظ لهم بنو مَروان ذلك بعد، وانتفعوا به عندهم، وشرّفوهم بذلك، وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار رجل من الأزْد يُدعَى وزيرًا، وقال: ائتِ أمَّ المؤمنين، فأعلمْها بمكاني، وإيّاك أن يطّلع على هذا محمد بن أبي بكر، فأتَى عائشةَ ﵂، فأخبَرَها، فقالت: عليَّ بمحمد، فقال: يا أمّ المؤمنين! إنه قد نهاني أن يعلم به محمد، فأرسلت إليه فقالت: اذهب مع هذا الرجل حتى تجيئَني بابن أختك؛ فانطَلَق معه فدخل بالأزديّ على ابن الزبير، قال: جئتك والله بما كرهتَ، وأبتْ أمّ المؤمنين إلّا ذلك، فخرج عبدُ الله، ومحمد وهما يتشاتمان، فذكر محمد عثمان، فشَتمَه، وشتم عبد الله محمدًا حتى انتهى إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف -وكان عبد الله بن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة، وقُتل عثمانُ أخوه مع عليّ- وأرسلت عائشةُ في طلب من كان جريحًا فضمّت منهم ناسًا، وضمّت مرْوان فيمن ضَمّت، فكانوا في بيوت الدار (١). (٤: ٥٣٥/ ٥٣٦/ ٥٣٧).\n١٠٣٩ - كتب إليّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":716},{"text":"قالا: وغشيَ الوجوهُ عائشة؛ وعليٌّ في عسكره، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أوّل من دخل، فسلّم عليها، فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتَلدَا بين يديّ وارتَجزَا بكذا، فهل تَعرف كُوفيَّك منهما؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: \"أعقُّ أمٍّ نعلم\"، وكذَب والله، إنكِ لأبرّ أمّ نَعلَمُ، ولكن لم تطاعي، فقالت: والله لوددت أني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وخرج فأتى عليًّا فأخبره أنّ عائشة سألتْه، فقال: وَيْحك! منَ الرجلان؟ قال: ذلك أبو هالة الذي يقول:\nكيما أرى صاحبه عليًّا\nفقال: والله لوددتُ أني متّ قبلَ هذا اليومِ بعشرين سنة، فكان قولُهما واحدًا (١). (٤: ٥٣٧).\n١٠٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وتسلّل الجرحى في جوف الليل، ودخلَ البَصْرة مَن كان يطيق الانبعاث منهم، وسألتْ عائشةُ يومئذ عن عِدّة من الناس، منهم من كان معها، ومنهم من كان عليها، وقد غشيَها الناس، وهي في دار عبدالله بن خلَف، فكلما نُعيَ لها منهم واحد، قالت: يرحمُه الله! فقال لها رجل من أصحابها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسولُ الله - ﷺ -: فلانٌ في الجنة، وفلانٌ في الجنة. وقال عليّ بن أبي طالب يومئذ: إني لأرجو ألّا يكون أحد من هؤلاء نَقَّى قلبَه إلّا أدخله الله الجنّة (٢). (٤: ٥٣٧).\n١٠٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أبي أيّوب، عن عليّ، قال: ما نُزِّل على النبيّ - ﷺ - آية أفرَح له من قول الله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فقال - ﷺ -: \"ما أصاب المسلمَ في الدّنيا من مصيبة في نفسه فبذَنْب، وما يعفو الله ﷿ عنه أكثر، وما أصابه في الدّنيا فهو كفّارة له، وعفوٌ منه لا يُعتدّ عليه فيه عقوبة\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولكن قول علي: لوددت لو أني مت قبل عشرين سنة، صحيح (السنة لأحمد بن حنبل ٢/ ٥٨٩). وكذلك ندمت عائشة ﵂.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، فالصحيح عن علي ﵁ أنه أمر أصحابه ألا يجهزوا على جريح فلماذا يتسللون ليلًا؟","vol":"8","page":717},{"text":"يوم القيامة، وما عفا الله ﷿ عنه في الدنيا؛ فقد عفا عنه، واللهُ أعظم من أن يعودَ في عفوه\" (١). (٤: ٥٣٧/ ٥٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>توجّع عليّ على قتلى الجمل ودفنُهم وجمعه ما كان في العسكر والبعثُ به إلى البصرة</span>\n١٠٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وأقام عليّ بن أبي طالب في عسكره ثلاثةَ أيام لا يدخل البصرة، ونُدب الناس إلى موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، فطاف عليٌّ معهم في القتْلى، فلما أتِيَ بكَعْب بن سُور قال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحَبْر قد تروْن، وأتى علَى عبد الرحمن بن عتّاب، فقال: هذا يَعْسوب القوم -يقول الذي كانوا يُطيفون به- يعني: أنهم قد كانوا اجتمعوا عليه، ورضُوا به لصلاتهم، وجعل عليّ كلما مرّ برجل فيه خير قال: زعمَ مَن زعم أنه لم يخرج إلينا إلّا الغوغاء، هذا العابد المجتهد، وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة؛ وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، فكانوا مدَنيين ومَكيِّين، ودَفن عليٌّ الأطرافَ في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شيء، ثم بعث به إلى مسجد البصرة؛ أن من عرف شيئًا فليأخذه، إلّا سلاحًا كان في الخزائن عليه سِمَة السلطان، فإنه لمّا بقي لم يعرف، خذُوا ما أجلَبوا به عليكم من مال الله ﷿، لا يحلّ لمسلم من مال المسلم المتوفَّى شيء، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفيل من السلطان (٢). (٤: ٥٣٨/ ٥٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>عدد قتلَى الجمل</span>\n١٠٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان قتلَى الجمل حول الجمل عشرة آلاف؛ نصفهُم من أصحاب عليّ، ونصفهم من أصحاب عائشة؛ من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمئة، ومن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، ولم تصح برواية صحيحة أن عليًّا قال هذا الكلام والله أعلم.","vol":"8","page":718},{"text":"مضرَ ألفان، وخمسمئة من قيس، وخمسمئة من تميم، وألف من بني ضبّة، وخمسمئة من بكر بن وائل. وقيل: قتِل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقتل من أهل البصرة في المعركة الثانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف. قالا: وقُتل من بني عديّ يومئذ سبعون شيخًا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشّباب ومن لم يَقرأ القرآن.\nوقالت عائشة ﵂: ما زلتُ أرجو النصرَ حتى خفيتْ أصواتُ بني عديّ (١). (٤: ٥٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>دخول عليّ على عائشة وما أمر به من العقوبة فيمن تناولها</span>\n١٠٤٤ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ودخل عليّ البصرة يومَ الإثنين، فانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، ثم دخل البصرة، فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف -وهي أعظم دار بالبصرة- وجد النِّساءَ يبكين على عبد الله، وعثمان ابني خَلَف مع عائشة، وصفيّةُ ابنة الحارث مختمِرة تبكي، فلما رأته قالت: يا عليّ! يا قاتلَ الأحبّة! يا مفرّق الجمع! أيتمَ اللهُ بَنيك منك كما أيتمتَ ولدَ عبد الله منه! فلم يردّ عليها شيئًا، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلَّم عليها، وقعدَ عندها، وقال لها: جَبَهَتْنَا صفيّة، أما إني لم أرها منذ كانت جاريةً حتى اليوم، فلما خرج عليّ؛ أقبلت عليه، فأعادت عليه الكلام، فكفّ بغلته وقال: أمَا لهمَمْتُ -وأشار إلى الأبواب من الدار- أن افتح هذا الباب وأقتلَ من فيه، ثم هذا فأقتل مَن فيه، ثم هذا فأقتل من فيه -وكان أناس من الجرحَى قد لجؤوا إلى عائشة، فأخبِر عليٌّ بمكانهم عندها، فتغافل عنهم- فسكتت. فخرج عليُّ، فقال رجل من الأزد: واللهِ لا تُفلتنَا هذه المرأة. فغضب وقال: صَه! لا تَهْتِكُنّ سترًا، ولا تَدخُلنّ دارًا، ولا تُهيِّجُنّ امرأةً بأذَى، وإن شَتَمن أعراضَكم، وسفَّهن أمراءَكم، وصُلَحاءكم، فإنهنّ ضعاف؛ ولقد كنا نؤمر بالكفّ عنهنّ، وإنهنّ لمشركات، وإن الرجل ليكافئ المرأة، ويتناولها\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":719},{"text":"بالضّرب، فيُعيَّر بها عَقِبه من بعده، فلا يبلغنِّي عن أحد عرض لامرأة فأنكل به شرار الناس! ومضى عليّ، فلَحِق به رجل، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قام رجلان ممن لقيتُ على الباب، فتناولا مَنْ هو أمضُّ لك شتيمة من صفيّة. قال: ويحك! لعلها عائشة. قال: نعم، قام رجلان منهم على باب الدار فقال أحدهما:\nجُزيتِ عنّا أمَّنا عُقوقا\nوقال الآخر:\nيا أمَّنا تُوبي فقد خَطِيتِ\nفبعث القعقاعَ بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين، فقال: أضربُ أعناقهما، ثم قال: لأنهَكنّهما عقوبة، فضرَبهما مئةً مئة، وأخرجَهما من ثيابهما (١). (٤: ٥٣٩/ ٥٤٠).\n١٠٤٥ - كتب إلىّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الحارث بن حَصِيرة، عن أبي الكنود، قال: هما رجلان من أزْد الكوفة يقال لهما: عِجْل، وسعد ابنا عبدالله (٢). (٤: ٥٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>بيعة أهل البصرة عليًّا وقسمُه ما في بيت المال عليهم</span>\n١٠٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بايع الأحنف من العشيّ لأنه كان خارجًا هو وبنو سَعد، ثم دخلوا جميعًا البصرة، فبايع أهل البصرة على راياتهم، وبايع عليّ أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمِنة، فلما رجع مروان لحق بمعاوية، وقال قائلون: لم يبرح المدينة حتى فُرغ من صفين.\nقالا: ولما فرغ عليّ من بيعة أهل البصرة؛ نظر في بيت المال فإذا فيه ستمئة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه الوقعة، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمئة خمسمئة، وقال: لكن إن أظفركم الله ﷿ بالشام؛ مِثلُها إلى أعطياتكم.\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة شديدة، والثبت الصحيح أن عليًّا أمر أصحابه بعدم ملاحقة الهارب أو إيذاء الجرحى كما ذكرنا في الصحيح والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":720},{"text":"وخاض في ذلك السبَئيّة، وطعَنوا على عليّ من وراء وراء (١). (٤: ٥٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>سيرة عليّ فيمن قاتل يوم الجمل</span>\n١٠٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد، عن أبيه، قال: كان من سيرة عليّ ألّا تقتل مدبرًا ولا يذفِّف على جريح، ولا يكشف سِترًا، ولا يأخذ مالًا؛ فقال قوم يومئذ: ما يُحلّ لنا دماءهم، ويُحرّم علينا أموالهم؟ فقال عليّ: القومُ أمثالكم، من صفح عنّا فهو منّا، ونحن منه، ومن لجَّ حتى يصاب؛ فقتاله منِّي على الصّدر والنّحر، وإنّ لكم في خُمْسِه لغنىً، فيومئذ تكلّمت الخوارج (٢). (٤: ٥٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لها وخروجهما من البصرة إلى مكة</span>\n١٠٤٨ - كتب إلىّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: قصدتْ عائشة مكة فكان وجهها من البصرة، وانصرف مروان، والأسوَد بن أبي البَخْتَريّ إلى المدينة من الطريق، وأقامت عائشة بمكّة إلى الحجّ، ثم رجعت إلى المدينة (٣). (٤: ٥٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>ما كتب به عليّ بن أبي طالب من الفتح إلى عامله بالكوفة</span>\n١٠٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وكتب عليّ بالفتح إلى عامله بالكوفة حين كتب في أمرها وهو يومئذ بمكة: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين، أمّا بعد: فإنا التقينا في النصف من جمادى الآخرة بالحُريبة -فِناءٌ من أفنية البصرة- فأعطاهم الله ﷿ سُنّة المسلمين، وقُتل منّا ومنهم قتلَى كثيرة، وأصيب ممّن أصيب منا ثُمامَة بن المثنّى، وهند بن عمرو، وعِلباء بن الهيثم، وسَيْحَان، وزيد ابنا صُوحان، ومحدوج. وكتب\n_________\n(١) إسناده ضعيف، وأما بيعة الأحنف فقد سبق وأن بايع في المدينة كما ذكرنا في قسم الصحيح.\n(٢) إسناده ضعيف، والشطر الأول منه صحيح كما ذكرنا في الصحيح.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":721},{"text":"عبيد الله بن رافع. وكان الرسول زُفَر بن قيس إلى الكوفة بالبشارة في جمادَى الآخرة (١). (٤: ٥٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>أخذ عليّ البيعة على الناس وخبر زياد بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة</span>\n١٠٥٠ - وكان في البيعة: عليك عهدُ الله وميثاقُه بالوَفاء لتكونَنّ لسِلْمِنا سِلْمًا، ولحربنا حربًا، ولتكفّنّ عنّا لسانك ويدَك، وكان زياد بن أبي سفيان ممن اعتزل، ولم يشهد المعركة، قعد، وكان في بيت نافع بن الحارث، وجاء عبد الرحمن بن أبي بَكْرة في المستأمنين مسلّمًا بعدما فرغ عليّ من البيعة، فقال له عليٌّ: وعمُّك المتربّص المقاعد بي! فقال: والله يا أمير المؤمنين! إنه لك لَوَادّ، وإنه على مسرّتك لحريص، ولكنه بلغني أنه يشتكي، فأعلم لك علمَه ثم آتيك. وكتم عليًّا مكانه حتى استأمره، فأمره أن يُعلمه فأعلمه، فقال عليّ: امشِ أمامي فاهدني إليه، ففعل؛ فلما دخل عليه قال: تقاعدتَ عنّي، وتربّصْت- ووضع يده على صدره، وقال: هذا وجع بيّن- فاعتذر إليه زياد، فقبل عذره واستشاره. وأراده عليٌّ على البصرة، فقال: رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس؛ فإنه أجدر أن يطمئنّوا أو ينقادوا، وسأكفيكه وأشيرُ عليه. فافترقا على ابن عباس، ورجع عليٌّ إلى منزله (٢). (٤: ٥٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>تأمير ابن عبَّاس على البصرة وتولية زياد الخراج</span>\n١٠٥١ - وأمَّر ابنَ عبّاس على البصرة، وولَّى زيادًا الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه، فكان ابن عباس يقول: استشرته عند هَنَة كانت من الناس، فقال: إن كنتَ تعلم أنك على الحقّ، وأنّ مَنْ خالفك على الباطل، أشرتُ عليك بما ينبغي، وإن كنتَ لا تدري، أشرتُ عليك بما ينبغي كذلك،\n_________\n(١) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة، الصحيح أن عليًّا ﵁ قال بعد المعركة: يا حسن ليت أباك مات من عشرين سنة (كتاب السنة ٢/ ٥٨٩) وابن أبي شيبة (١٥/ ٢٨٢)، وجوّد الهيثمي إسناده (مجمع الزوائد ٩/ ١٥٠).\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":722},{"text":"فقلت: إنِّي على الحقّ، وإنهم على الباطل، فقال: اضرب بمن أطاعك مَنْ عصاك ومن ترك أمرَك، فإن كان أعزّ للإسلام وأصلح له أن يُضرب عنُقه فاضرب عنقه، فاستكتبتهُ، فلما ولّي رأيتُ ما صنع، وعلمتُ أنه قد اجتهد لي رأيه، وأعجلت السَّبَئيّةُ عليًّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرًا إن كانوا أرادوه، وقد كان له فيها مقام (١). (٤: ٥٤٣/ ٥٤٤).\n١٠٥٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: علم أهلُ المدينة بيوم الجمل يومَ الخميس قبل أن تغرب الشمس من نَسْر مرَّ بما حول المدينة، معه شيء متعلّقه، فتأمّله الناس فوقع، فإذا كفٌّ فيها خاتم، نقشه \"عبد الرحمن بن عتّاب\"، وجفل مَن بين مكة والمدينة من أهل البصرة، مَنْ قرُب من البصرة أو بعُد، وقد علموا بالوقعة مما ينقل إليهم النُّسور من الأيدي والأقدام (٢). (٤: ٥٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>تجهيز عليّ ﵇ عائشةَ ﵂ من البصرة</span>\n١٠٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: وجهّز عليّ عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركَب، أو زاد، أو متاع، وأخرج معها كلَّ من نجا ممّن خرج معها إلّا من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأةً من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهّز يا محمّد! فبلِّغها. فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه؛ جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجتْ على الناس، وودّعوها، وودّعتهم، وقالت: يا بَنيّ! تَعتَّب بعضُنا على بعض استبطاءً واستزادة، فلا يعتدّنّ أحدٌ منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلّا ما يكون بين المرأة وأحمائهَا؛ وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال عليٌّ: يا أيها الناس! صدقتْ والله وبَرّت، ما كان بيني وبينها إلّا ذلك، وإنها لزوجة نبيِّكم - ﷺ - في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":723},{"text":"وخرجت يوم السبت لغرَّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيَّعها عليٌّ أميالًا، وسرّح بنيه معها يومًا (١). (٤: ٥٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>ما رُوي من كثرة القتلى يوم الجمل</span>\n١٠٥٤ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا محمد بن الفضل بن عطيّة الخُراسانيّ عن سعيد القُطَعِيّ، قال: كنّا نتحدّث: أنّ قتلى الجمل يزيدون على ستّة آلاف (٢). (٤: ٥٤٥).\n١٠٥٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد بن شبّوَيْه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد الله عن جرير بن حازم، قال: حدّثني الزبير بن الخِرّيت عن أبي لبيد لمازة بن زياد، قال: قلت له: لمَ تسبّ عليًّا؟ قال: ألا أسبّ رجلًا قتل منا ألفين وخمسمئة، والشمس هاهنا! قال جرير بن حازم: وسمعتُ ابن أبي يعقوب يقول: قَتَل عليّ بن أبي طالب يومَ الجمل ألفين وخمسمئة، ألف وثلاثمئة وخمسون من الأزْد وثمانمئة من بني ضبّة، وثلاثمئة وخمسون من سائر الناس (٣). (٤: ٥٤٥).\n١٠٥٦ - وحدّثني أبي عن سليمان، عن عبد الله، عن جَرِير، قال: قتِل المعرِّض بن عِلاط يوم الجمل، فقال أخوه الحجّاج:\nلم أر يَوْمًا كان أكثرَ ساعِيًا ... بِكفّ شِمالٍ فارقتْها يمينُها\nقال معاذ: وحدّثني عبد الله، قال: قال جرير: قتل المعرِّض بن عِلاط يوم الجمل، فقال أخوه الحجّاج:\nلم أرَ يومًا كان أكْثرَ ساعِيًا ... بِكفّ شِمالٍ فارَقَتْها يَمينُها (٤)\n(٤: ٥٤٥).\n_________\n(١) إسناده ضعيف، ولكن المعنى صحيح وسنتطرق إلى إكرام علي لعائشة وإرجاعها إلى المدينة بعد قليل.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده ضعيف.\n(٤) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>آخر حديث الجمل بعثة عليّ بن أبي طالب قيس بن سعد بن عبادة أميرًا على مصر</span>\nوفي هذه السنة -أعني: سنة ست وثلاثين، قُتِل محمد بن أبي حذيفة، وكان سبب قتله أنه لما خرج المصريون إلى عثمان مع محمد بن أبي بكر، أقام بمصر، وأخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وضبطها، فلم يزل بها مقيمًا حتى قتل عثمان ﵁، وبويع لعليّ، وأظهر معاوية الخلاف، وبايعه على ذلك عمرو بن العاص، فسار معاوية، وعمرو إلى محمد بن أبي حُذيفة قبل قدوم قيس بن سعد مصر، فعالجا دخولَ مصر، فلم يقدرا على ذلك، فلم يزالا يخدعان محمد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى عَرِيش مصر في ألف رجل، فتحصّن بها، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل في ثلاثين من أصحابه وأخِذوا وقُتلوا ﵏.\n١٠٥٧ - وأما هشام بن محمد فإنه ذكر: أن أبا مِخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مِخنف بن سُليم حدّثه عن محمد بن يوسف الأنصاريّ مِن بني الحارث بن الخزرج، عن عبّاس بن سهل الساعديّ: أنّ محمد بن أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هو الذي كان سَرّب المصريّين إلى عثمان بن عفان، وإنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أحد بني عامر بن لؤيّ القرشيّ، وهو عامل عثمان يومئذ على مصر، فطرده منها، وصلى بالناس، فخرج عبد الله بن سعد من مصر فنزل على تُخوم أرضِ مصر مما يلي فِلَسطين، فانتظر ما يكون من أمر عثمان، فطلع راكبٌ فقال: يا عبد الله! ما وراءك؟ خبِّرنا بخبر الناس خلفك؛ قال: أفعل، قتل المسلمون عثمانَ ﵁، فقال عبد الله بن سعد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، يا عبد الله! ثم صنعوا ماذا؟ قال: ثم بايعوا ابنَ عمّ رسول الله - ﷺ - عليّ بن أبي طالب، قال عبد الله بن سعد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، قال له الرجل: كأنّ ولاية عليّ بن أبي طالب عدلتْ عندك قتلَ عثمان! قال: أجل. قال: فنظر إليه الرّجل، فتأمّله فعرفه وقال: كأنّك عبد الله بن أبي سرْح أمير مصر! قال: أجلْ؛ قال له الرجل: فإن كان لك في نفسك حاجة فالتجاء النّجاء، فإنّ رأيَ أمير المؤمنين فيك وفي أصحابك سَيِّئ، إن ظفر بكم قتلَكم أو نفاكم عن","vol":"8","page":725},{"text":"بلاد المسلمين، وهذا بعدي أمير يقدم عليك. قال له عبد الله: ومن هذا الأمير؟ قال: قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاريّ؛ قال عبد الله بن سعد: أبْعَد الله محمدَ بن أبي حذيفة! فإنه بغى على ابن عمِّه، وسعى عليه، وقد كان كفله وربّاه وأحسن إليه، فأساء جوارَه، ووثب على عمّاله، وجهز الرجال إليه حتى قتل، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان، لم يمتِّعه بسلطان بلاده حولًا ولا شهرًا، ولم يره لذلك أهلًا، فقال له الرجل: انجُ بنفسك، لا تُقتَل، فخرج عبد الله بن سعد هاربًا حتى قدم على معاوية بن أبي سُفيان دِمشق.\nقال أبو جعفر: فخبرُ هشامٍ هذا يدلّ على أن قيس بن سعد ولي مصر؛ ومحمد بن أبي حذيفة حيّ (١). (٤: ٥٤٦/ ٥٤٧).\n١٠٥٨ - وفي هذه السنة بعث عليّ بن أبي طالب على مصر قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، فكان من أمره ما ذكر هاشم بن محمد الكَلبيّ، قال: حدّثني أبو مِخنف عن محمد بن يوسف بن ثابت، عن سهل بن سعد، قال: لما قُتِل عثمان ﵁، وولي عليّ بن أبي طالب الأمر؛ دعا قيس بن سعد الأنصاريّ، فقال له: سر إلى مصرَ فقد وليتُكَها، واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك ومَن أحببت أن يصحبك حتى تأتيَها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوّك، وأعزّ لوليّك، فإذا أنت قدِمتهَا إن شاء الله فأحسِن إلى المحسن، واشتدّ على المريب، وارفُق بالعامة والخاصّة، فإنّ الرفق يُمن.\n_________\n(١) إسناده تالف وفيه نكارة، وقال يحيى: لم أجد أحدًا من المؤمنين وافق أبا مخنف فيما ذهب إليه سوى ما ذكره عن محمد بن أبي حذيفة عن تأليبه للناس وتخريبهم على عثمان ﵁ فهذا يكاد يكون محل إجماع بينهم (مرويات أبي مخنف/ ١٩٧).\nقلنا: ولكن هذا التأليب والتخريب من قبل محمد بن أبي حذيفة لم يرد بسند صحيح والله أعلم.\nولم نجد أحدًا من الصحابة ساوى بين مقتل عثمان والبيعة لعلي وكذلك فيه طعن في عدالة علي وسلوك سيدنا علي في وقعة الجمل وغيرها، وخير دليل على تكذيب ما ورد هنا (إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم) وقد شهد الكذب هذا الكلام ما قد ذكرنا في وقعة الجمل قول مروان بن الحكم لمحمد بن الحسين: ما رأيت أحدًا أكرم غلبة من أبيك - يعني عليًّا - ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبر ولا يذفف جريح (الأم ٤/ ٢١٦).\nأضف إلى ذلك فإن عبد الله بن سرح ذهب إلى عسقلان معتزلًا الفتنة والله أعلم (المعرفة والتأريخ ١/ ٢٥٤). و(التاريخ الكبير ٥/ ٢٩).","vol":"8","page":726},{"text":"فقال له قيس بن سعد: رحمك الله يا أميرَ المؤمنين! فقد فهمتُ ما قلتَ، أمّا قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلّا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدًا، فأنا أدَعُ ذلك الجند لك، فإن أنت احتجت إليهم كانوا منك قريبًا، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عُدّة لك، وأنا أصير إليها بنفسي وأهل بيتي، وأمّا ما أوصيتَني به من الرفق والإحسان، فإنّ الله ﷿ هو المستعان على ذلك.\nقال: فخرج قيس بن سعد في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر، فجلس عليه، وأمرَ بكتابٍ معه من أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى مَن بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإنّي أحمدَ إليكم اللهَ الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد، فإنّ الله ﷿ بحسن صنعه، وتقديره، وتدبيره اختار الإسلام دينًا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرّسل ﵈ إلى عباده، وخصّ به مَن انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله ﷿ به هذه الأمّة، وخصّهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محمدًا - ﷺ -، فعلَّمهم الكتاب، والحكمة، والفرائضَ، والسنّة، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما لا يتفرّقوا، وزكّاهم لكيما يتطهّروا، ورفّهَهُمْ لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله ﷿ صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. ثم إنَّ المسلمين استخلفوا به أميريْن صالحين، عَمِلَا بالكتاب والسنّة، وأحسَنَا السيرة، ولم يَعدُوَا السنّة، ثم توفّاهما الله ﷿، ﵄. ثم وليَ بعدهما والٍ فأحدث أحداثًا، فوجدت الأمة عليه مقالًا فقالوا، ثم نقَموا عليه فغَيّروا، ثم جاؤوني فبايعوني، فأستهدِي الله ﷿ بالهُدى، وأستعينه على التقوى، ألَا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -، والقيام عليكم بحقه والتنفيذ لسنّته، والنّصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقد بعثت إليكم قيسَ بن سعد بن عبادة أميرًا، فوازِروه وكانِفوه، وأعينوه على الحقّ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدّة على مُريبكم، والرّفق بعوامِّكم وخواصّكم، وهو ممّن","vol":"8","page":727},{"text":"أرضَى هديَه، وأرجو صلاحَه ونصيحته، أسأل الله ﷿ لنا ولكم عملًا زاكيًا، وثوابًا جزِيلًا، ورحمةً واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nوكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين.\nقال: ثم إنّ قيس بن سعد قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد - ﷺ -، وقال: الحمد لله الذي جاء بالحقّ، وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيّها الناس! إنا قد بايعْنا خير من نعلم بعد محمد نبينا - ﷺ -، فقوموا أيّها الناس فبايِعوا على كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ -، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعةَ لنا عليكم.\nفقام الناس فبايَعوا، واستقامت له مصر، وبعث عليها عمّاله، إلّا أن قريةً منها يقال لها: \"خِرِبْتَا\" فيها أناس قد أعظموا قتلَ عثمان بن عفان ﵁، وبها رجل من كنانة ثم من بني مُدْلِج يقال له: يزيد بن الحارث من بني الحارث بن مُدْلج، فبعث هؤلاء إلى قيس بن سعد: إنّا لا نقاتلك فابعث عمّالك، فالأرضُ أرضكَ، ولكن أقِرّنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.\nقال: ووثب مسلمة بن مخلَّد الأنصاريّ، ثمّ مَنْ ساعده من رهط قيس بن سعد، فنعى عثمان بن عفان ﵁، ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس بن سعد: ويحك، عليَّ تَثِب! فوالله ما أحبّ أنّ لي ملك الشام إلى مصرَ وأني قتلتك. فبعث إليه مسلمة: إني كافٌّ عنك ما دمت أنت واليَ مصر.\nقال: وكان قيس بن سعد له حزم ورأي، فبعث إلى الذين بِخِرِبْتَا: إنِّي لا أكرِهكم على البيعة، وأنا أدَعُكم وأكفّ عنكم، فهادَنَهم، وهادَن مسلمة بن مخلَّد، وجَبى الخراجَ، ليس أحد من الناس ينازعه.\nقال: وخرج أمير المؤمنين إلى أهل الجمل وهو على مصر، ورجع إلى الكُوفة من البصرة وهو بمكانه، فكان أثقلَ خلق الله على معاوية بن أبي سفيان لقربه من الشام، مخافة أن يُقبِل إليه عليٌّ في أهلِ العراق، ويُقبل إليه قيس بن سعد في أهل مصر، فيقع معاوية بينهما.\nوكتب معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد - وعلىّ بن أبي طالب يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صِفّين:","vol":"8","page":728},{"text":"من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد، سلام عليك، أمَّا بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمانَ بن عفان ﵁ في أُثْرةٍ رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في استعماله الفُتِيّ، فإنكم قد علمتم -إن كنتم تعلمون- أنَّ دمه لم يكن يحلّ لكم، فقد ركبتم عظيمًا من الأمر، وجئتم شيئًا إدًّا، فتبْ إلى الله ﷿ يا قيس بن سعد! فإنك كنت في المجلِبين على عثمان بن عفان - إن كانت التوبة من قتل المؤمن تُغني شيئًا - فأمّا صاحبك فإنا استيقنّا أنّه الذي أغْرَى به الناس، وحَمَلَهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عُظْم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطلب بدم عثمانَ فافعل. تابعْنا على أمرنا، ولك سلطان العِراقَين إذا ظهرتُ ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلْني غير هذا مما تحبّ، فإنّك لا تسألني شيئًا إلا أوتيتَه، واكتب إليّ برأيك فيما كتبت به إليك، والسلام.\nفلما جاءه كتاب معاوية؛ أحبّ أن يدافعه ولا يبدي له أمره، ولا يتعجّل له حربه، فكتب إليه:\nأمّا بعد: فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه من قتل عثمانَ، وذلك أمر لم أقارفه، ولم أطِفْ به، وذكرتَ: أنّ صاحبي هو أغرى الناسَ بعثمان، ودسَّهم إليه حتى قتلوه، وهذا مالم أطّلع عليه، وذكرت: أن عظْم عشيرتي لم تَسلَم من دم عثمان، فأوّل الناس كان فيه قيامًا عشيرتي، وأمّا ما سألتَني من متابعتك، وعرضتَ عليّ من الجزاء به، فقد فهمتُه، وهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرَع إليه، وأنا كافّ عنك، ولن يأتيَك مِن قِبَلي شيء تكرهه حتى تَرَى، ونرى إن شاء الله، والمستجارُ الله ﷿، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.\nقال: فلما قرأ معاوية كتابَه، لم يره إلّا مقارِبًا مباعِدًا، ولم يأمن أن يكون له فى ذلك مباعدًا مكايدًا، فكتب إليه معاوية أيضًا:\nأمّا بعدُ: فقد قرأتُ كتابك، فلم أرك تدنو فأعُدّك سِلْمًا، ولم أرك تباعِد فأعُدّك حربًا، أنت فيما هاهنا كحنَك الجَزور، وليس مثلي يصانع المخادع، ولا يَنْتزع للمكايد، ومعه عدد الرّجال، وبيده أعنّةُ الخيل؛ والسلام عليك.","vol":"8","page":729},{"text":"فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية، ورأى أنه لا يقبل معه المدافعة والمماطلة، أظهر له ذاتَ نفسه، فكتب إليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن قيس بن سعد، إلى معاوية بن أبي سُفيان. أما بعد: فإنّ العَجب من اغترارك بي، وطمعِك فيّ، واستسقاطك رأيي. أتسومني الخروج من طاعة أوْلى الناس بالإمْرة، وأقْوَلِهم للحق، وأهداهم سبيلًا، وأقربهم من رسول الله - ﷺ - وسيلةً، وتأمرني بالدُّخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقْوَلهم للزّور، وأضلِّهم سبيلًا، وأبعدِهم من الله ﷿ ورسوله - ﷺ - وسيلة، ولد ضالّين مُضلِّين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأمّا قولك: إني مالئ عليك مصر خيلًا ورَجْلًا فوالله إن لم أشغَلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمَّ إليك؛ إنك لذو جَدّ، والسلام! فلما بلغ معاوية كتاب قيس؛ أيس منه، وثقل عليه مكانُه.\nرجع الحديث إلى حديث هشام عن أبي مخنف: ولما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره؛ شقّ عليه ذلك، لما يعرف من حزمه وبأسهِ، وأظهر للناس قِبلَه: أن قيس بن سعد قد تابعكم، فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه، قال: واختلَق معاوية كتابًا من قيس بن سعد، فقرأه على أهل الشام:\nبسم الله الرحمن الرحيم، للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد، سلامٌ عليك، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، أمّا بعد، فإنّني لمّا نظرت رأيت: أنه لا يسعني مظاهرة قوم قَتلوا إمامَهم مُسلِمًا مُحرَّمًا برًّا تقيًّا، فنستغفر الله ﷿ لذنوبنا، ونسأله العصمةَ لديننا، ألَا وإنني قد ألقيت إليكم بالسِّلم، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمانَ، إمام الهدى المظلوم، فعوِّل عليّ فيما أحببت من الأموال والرجال أعجّل عليك، والسلام. فشاع في أهل الشام: أن قيس بن سعد قد بايع معاوية بن أبي سُفيان، فسرّحت عيون عليّ بن أبي طالب إليه بذلك؛ فلما أتاه ذلك، أعظمه، وأكبره، وتعجّب له، ودعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك، فقال: ما رأيكم؟ فقال: عبد الله بن جعفر: يا أميرَ المؤمنين! دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يرِيبُك، اعزِل قيسًا عن مصر. قال لهم","vol":"8","page":730},{"text":"عليّ: إني والله ما أصدّق بهذا على قيس؛ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين! اعزِله، فوالله لئن كان هذا حقًّا لا يعتزل لك إن عزلتَه!\nفإنهم كذلك إذ جاء كتابٌ من قيس بن سعد فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأما بعد: فإني أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله: أنّ قِبَلي رجالًا معتزلين قد سألوني أن أكفّ عنهم، وأن أدَعَهم على حالهم حتى يستقيمَ أمرُ الناس، فنرى ويَروْا رأيَهم، فقد رأيتُ أن أكفّ عنهم، وألّا أتعجّل حربَهم، وأن أتألّفهم فيما بين ذلك لعلّ الله ﷿ أن يُقبل بقلوبهم، ويفرّقهم عن ضلالتهم؛ إن شاء الله.\nفقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين! ما أخوَفَني أن يكون هذا ممالأة لهم منه، فمُرْه يا أمير المؤمنين بقتالهم، فكتب إليه عليّ:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأما بعد: فسِرْ إلى القوم الّذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون؛ وإلّا؛ فناجزْهم إن شاء الله.\nفلما أتى قيسَ بن سعد الكتابُ فقرأه، لم يتمالك أن كتب إلى أمير المؤمنين:\nأما بعد يا أمير المؤمنين! فقد عجبتُ لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافِّين عنك، مُفرِّغيك لقتال عدوّك! وإنّك متى حاربتَهم ساعدوا عليك عدوّك، فأطعني يا أمير المؤمنين! واكفُف عنهم، فإنّ الرأي تركهم، والسلام.\nفلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر: يا أميرَ المؤمنين! ابعَثْ محمد بن أبي بكر على مصر يَكفِك أمرَها، واعزِل قيسًا، والله لقد بلغني أن قيسًا يقول: والله إنّ سلطانًا لا يتمّ إلّا بقتل مسلمة بن مخلَّد لسلطان سَوْء؛ والله ما أحبّ أنّ لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلت ابن المخلّد، قال:\nوكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمّه، فبعث عليّ محمد بن","vol":"8","page":731},{"text":"أبى بكر على مصر، وعزل عنها قيسًا (١).\n(٤: ٥٤٧/ ٥٤٨/ ٥٤٩/ ٥٥٠/ ٥٥١، تكملة - ٥٥٣/ ٥٥٤/ ٥٥٥).\n_________\n(١) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف، ولم نجد لها ما يؤيدها إلّا ما أخرجه الطبري كما سيأتي بعد قليل (٤/ ٥٥٢/ ١٠٥٩) وعبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٤٥٨) ولكن من طريق يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري مرسلًا وهذا الإسناد إضافة إلى الإرسال فإن في رواية يزيد الأيلي عن الزهري منكرات كما قال الإمام أحمد -ولكنها مع ضعفها لم توافق رواية أبي مخنف فيما جاء من المنكرات- وفي رواية أبي مخنف هذه من الدّس والطعن ما فيها، منها قول قيس بن سعد: (أيها الناس قد بايعنا خير ما نعلم بعد نبينا - ﷺ -) ومعلوم أن الصحابة والتابعين ما كانوا ليفضلوا أحدًا من الصحابة على أبي بكر وعمر بعد رسول الله - ﷺ - وخير دليل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٩١) عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر وخشيت أن يقول: عثمان! قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين، ويبدو أن محمد بن الحنفية أحبّ في نفسه أن يكون عليًّا الثالث أو استعجل ذلك لكونه صغير السن يوم سأل أباه هذا السؤال كما بين الحافظ في الفتح معقبًا على هذه الرواية بقوله: وفي رواية (محمد بن سوقة) ثم عجلت للحداثة فقلت: ثم أنت يا أبي؟ قال: أبوك رجل من المسلمين (الفتح ٧/ ٤١).\nوفيه من حقد أبي مخنف على سيدنا عثمان ما فيه؛ إذ تقول أبو مخنف على قيس بن سعد قوله في رسالته: (فوجدت عليه الأمة مقالًا فقالوا ثم نقموا عليه فغيروا) وحاشا لقيس أن يقول ذلك بل هو الابتداع عند الراوي يشُهّي له الطعن في الصحابة وإلّا فالكلّ يعلم أن الذين قتلوا سيدنا عثمان هم أراذل القوم كالمصري جبلة (الموت الأسود).\nورواية الحسن البصري تكذب ما ورد في رواية أبي مخنف (فوجدت عليه الأمة: فغيروا) فقد أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا عبد الأعلى بن الهيثم قال: حدثني أبي قال: قلت للحسن: أكان فيمن قتل عثمان أحدًا من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا، كانوا أعلاجًا من أهل مصر (تأريخ خليفة/ ١٧٦) ومعلوم أن الحسن أدرك حادثة الدار (أي: حصار سيدنا عثمان ﵁ في الدار) وبيعة الأمة لسيدنا علي ﵁- ومن نكارات رواية أبي مخنف هذه: أنه اتهم سيدنا معاوية بأنه اختلق رسالة على لسان والي مصر قيس بن سعد ولا ندري كيف يعقل الناقد أن يفعل ذلك معاوية علمًا بأن والده أبو سفيان لم تسمح له نفسه بالكذب أيام كان مشركًا كما جاء في البخاري عن أبي سفيان عندما قال في بلاط هرقل: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عنه) فهل يكون كاتب الوحي لرسول الله - ﷺ - بهذه الدرجة من الخداع والمكر حاشا لسيدنا معاوية ﵁ ولقد قلنا بأن كل ما ورد في ذلك ضعيف جدًّا وأقلها ما رواه الطبري وعبد الرزاق برواية مرسلة ضعيفة من =","vol":"8","page":732},{"text":"١٠٥٩ - حدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزّهريّ، قال: كانت مصر من حين عليّ، عليها قيس بن سعد بن عبادة، وكان صاحبَ راية الأنصار مع رسول الله - ﷺ -، وكان من ذوِي الرأي والبأس، وكان معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جاهدَيْن على أن يُخرجاه من مصر ليَغلِبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدروا عليه، ولا على أن يفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيسَ بن سعد من قِبَل عليّ، وكان معاوية يحدّث رجالا من ذوِي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعتُ مكايدةً قطّ كانت أعجبَ عندي من مكايدة كدتُ بها قيسًا من قبَل عليّ وهو بالعراق حين امتنع منِّى قيس. قلت لأهل الشام: لا تسبّوا قيسَ بن سعد، ولا تدْعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيِّس نصيحته سرًّا. ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خِرِبْتَا، يُجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سِرْبَهم، ويُحسن إلى كلّ راكبٍ قدم عليه منكم، لا يستنكرونه في شيء!\nقال معاوية: وهممتُ أن أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فيسمع بذلك جواسيس عليّ عندي وبالعراق، فبلغ ذلك عليًّا، ونماه إليه محمد بن\n_________\n= طريق يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري، وفي حديثه عن الزهري منكرات كما ذكرنا.\nأما الرواية الصحيحة فهي تؤكد غير ذلك كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ١٤٦) من طريق محمد بن سيرين: (بعث بكتابه الأول إلى علي قال: فقال أهل الكوفة: عدو الله قيس بن سعد فاعزله، فقال علي: ويحكم أنا والله أعلم هي إحدى فعلاته، فأبوا إلا عزله فعزله) وإسناده حسن صحيح وهذا يعني أن عليًّا كان يأمن جانبه ويثق به ويدرك ما يرمي إليه مما يفعل ويكتب، ولكن من حوله من أهل الكوفة لم يكونوا ليدركوا ذلك -وأما بالنسبة لولاية قيس بن سعد (نفسها) (أي على مصر فقد قال خليفة: - ولي محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة مصر، ثم عزله وولّاها قيس بن سعد بن عبادة، ثم عزله وولّى الأمر الأشتر مالك بن الحارث النخعي فمات قبل أن يصل إليها فولّى محمد بن أبي بكر فقتل بها وغلب عمرو بن العاص على مصر) (تأريخ خليفة/ ٢٠١).\nوقال الدكتور يحيى اليحيى: إن ولاية قيس بن سعد بن عبادة (﵄) على مصر من قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أمر مُجْمَعٌ عليه (مرويات أبي مخنف/ ٢٠٦).","vol":"8","page":733},{"text":"أبي بكر، ومحمّد بن جعفر بن أبي طالب، فلما بلغ ذلك عليًّا؛ اتّهَم قيسًا، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خِرِبْتَا -وأهل خَربِتا يومئذ عشرة آلاف- فأبى قيس بن سعد أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافُهم، وأهلُ الحِفاظ منهم، وقد رَضُوا منّي أن أؤمِّن سِربَهم، وأُجرِيَ عليهم أعطياتِهم وأرزاقَهم، وقد علمت: أن هواهم مع معاوية، فلست مكايدهم بأمر أهوَن عليّ وعليك من الذي أفعل بهم، ولو أني غزوتُهم؛ كانوا لي قِرْنًا، وهم أسُود العرب، ومنهم بُسْر بن أبي أرطاة، ومسلمة بن مخلَّد، ومعاوية بن حُديج، فذَرْني فأنا أعلم بما أداري منهم، فأبى عليّ إلّا قتالَهم، وأبى قيس أن يقاتلهم.\nفكتب قيس إلى عليّ: إن كنت تتّهمني؛ فاعزلني عن عملك، وابعث إليه غيري، فبعث عليٌّ الأشتر أميرًا إلى مصر، حتى إذا صار بالقلزم شربَ شربَة عسل كان فيها حتفه، فبلغ حديثهم معاوية، وعمرًا، فقال عمرو: إن لله جُندًا من عَسَل.\nفلما بلغ عليًّا وفاة الأشتر بالقُلْزَم؛ بعث محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر. فالزُّهريّ يذكر: أنّ عليًّا بعث محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر بعد مَهلِك الأشتر بقلزم، وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر في خبره: أنّ عليًّا بعث بالأشتر أميرًا على مصر بعد مَهلِك محمد بن أبي بكر (١). (٤: ٥٥٢/ ٥٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>ولاية محمد بن أبي بكر مصر</span>\n١٠٦٠ - قال هشام عن أبي مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ -من والبة الأزْد- عن أبيه: أنّ عليًّا كتب معه إلى أهل مصر كتابًا، فلما قدم به على قيس؛ قال له قيس: ما بال أميرِ المؤمنين! ما غيَّره؟ أدَخَل أحدٌ بيني وبينه؟ قال له: لا، وهذا السلطان سلطانك؟ ! قال: لا، والله لا أقيم معك ساعة واحدة، وغضب حين عزله، فخرج منها مقبلًا إلى المدينة، فقدِمها، فجاءه حسان بن ثابت شامتًا به - وكان حسان عثمانيًا - فقال له: نزَعك عليّ بن أبي طالب، وقد\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، ورواية يونس عن الزهري فيه منكرات وكذلك أخرجه عبد الرزاق مرسلًا (المصنف ١١/ ١٤٦).","vol":"8","page":734},{"text":"قتلت عثمان فبقيَ عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمَى القلب والبصر! والله لولا أن ألقِيَ بين رهطي ورهطك حربًا؛ لضربتُ عنقك! اخرُج عنِّي.\nثم إن قيسًا خرج هو وسهل بن حُنَيف حتى قدما على عليّ، فخبّره قيس؛ فصدّقه عليّ، ثم إن قيسًا، وسهلًا شهدا مع عليّ صِفيّن (١). (٤: ٥٥٥).\n١٠٦١ - وأما الزّهريّ، فإنه قال فيما حدّثني به عبد الله بن أحمد؛ قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ: أنّ محمد بن أبي بكر قدم مصر، وخرج قيس فلَحِق بالمدينة، فأخافه مروان، والأسوَد بن أبي البَخْتَري، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يُقتل؛ ركب راحلته، فظهر إلى عليّ، فبعث معاوية إلى مروان، والأسود يتغيّظ عليهما، ويقول: أمَدَدتما عليًّا بقيس بن سعد، ورأيه، ومكانه، فوالله لو أنّكما أمددْتُما بمئة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظَ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى عليّ. فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثّه الحديث، وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر؛ عرف: أنّ قيس بن سعد كان يقاسي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأنّ من كان يهزُّه على عزل قيس بن سعد لم ينصح له، فأطاع عليٌّ قيسَ بن سعد في الأمر كله (٢). (٤: ٥٥٥).\n١٠٦٢ - قال هشام: عن أبي مخْنَف، قال: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ عن أبيه، قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حين قدم مصر، فلمّا قدم قرأ عليهم عهدَه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما عهِد عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولّاه مصر، وأمره بتقوى الله والطاعة في السرّ والعلانية، وخوفِ الله ﷿ في الغيب والمشهد، وباللين على المسلمين، وبالغِلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذّمة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس،\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه منكرات وسنتحدث عنه بعد الرواية (٤/ ٥٥٧/ ١٠٦٣).\n(٢) إسناده مرسل ضعيف وفي متنه نكارات.","vol":"8","page":735},{"text":"وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين، ويعذّب المجرمين. وأمره أن يدعوَ منْ قبَله إلى الطاعة والجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يَقدرُون قدره، ولا يَعرفون كُنهه، وأمره أن يَجبيَ خراج الأرض على ما كانت تُجبَى عليه من قبل، لا يُنتقص منه، ولا يُبتدع فيه، ثمّ يقسمَه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، وأن يُلين لهم جناحَه، وأن يواسيَ بينهم في مجلسه ووجهه، وليكن القريبُ والبعيدُ في الحقّ سواء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ، وأن يقوم بالقسط، ولا يتّبع الهوى، ولا يَخَفْ في الله ﷿ لومة لائم، فإنّ الله ﷿ ثناؤه مع من اتقى، وآثر طاعته، وأمرَه على ما سواه.\nوكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - لغرّة شهر رمضان.\nقال: ثمّ إن محمد بن أبي بكر قام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي هدانا وإيّاكم لما اختُلِف فيه من الحقّ، وبصّرنا وإيّاكم كثيرًا مما عَمِي عنه الجاهلون، ألا إنّ أمير المؤمنين ولّاني أمورَكم، وعهد إليّ ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهةً، ولن آلوَكم خيرًا ما استطعت، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾؛ فإن يكن ما ترون من إمارتي، وأعمالي طاعة لله، وتقوى؛ فاحمدوا الله ﷿ على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي، وإن رأيتم عاملًا عمل غير الحق زائغًا؛ فارفعوه إليّ، وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعَد، وأنتم بذلك جديرون، وفّقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته، ثمّ نزل (١). (٤: ٥٥٦/ ٥٥٧).\n١٠٦٣ - وذكر هشام عن أبي مخنف، قال: وحدّثني يزيد بن ظَبيان الهمْدانيّ: أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا وُلِّيَ؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهتُ ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعَها العامّة، قال: ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهرًا كاملًا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادَعَهم. فقال: يا هؤلاء! إمّا أن تدخلوا في طاعتنا، وإمّا أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: إنا لا نفعل، دعْنا حتى ننظرَ إلى ما تصير إليه\n_________\n(١) إسناده تالف، وسنتحدث عنه بعد الرواية (٤/ ٥٥٧/ ١٠٦٣).","vol":"8","page":736},{"text":"أمورنا، ولا تعجل بحرْبنا، فأبى عليهم، فامتنعوا منه، وأخذوا حِذْرهم، فكانت وقعة صِفّين، وهم لمحمّد هائبون، فلما أتاهم صبرُ معاوية، وأهل الشام لعليّ، وأنّ عليًّا وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشام، وصار أمرُهم إلى الحكومة؛ اجترؤوا على محمد بن أبي بكر، وأظهروا له المبارزة، فلما رأى ذلك محمد بعث الحارث بن جُمْهان الجعفيّ إلى أهل خِرِبْتَا، وفيها يزيد بنُ الحارث من بني كنانة، فقاتلهم، فقتلوه، ثم بعث إليهم رجلًا من كلب يُدعَى ابن مُضاهم، فقتلوه (١). (٤: ٥٥٧).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة فيما قيل: قدم ماهَوَيْهِ مَرْزبان مَرْو مقرًّا بالصلح الذي كان جرى بينه وبين ابن عامر على عليّ.\nذكر من قال ذلك:\n١٠٦٤ - قال عليّ بن محمد المدائنيّ عن أبي زكرياء العجْلانيّ، عن ابن إسحاق، عن أشياخه، قال: قدم ماهويه أبراز مَرْزُبان مرْو على عليّ بن أبي طالب بعد الجمل مقرًّا بالصلح، فكتب له عليٌّ كتابًا إلى دَهاقين مرْو،\n_________\n(١) إسناده تالف فهو من طريق الهالك أبي مخنف، وفيها نكارات سنذكر بعضها -وأما تولية محمد بن أبي بكر من قبل سيدنا عليّ على مصر فأشارت إليه أكثر مصادر التأريخ والحديث وذكر خليفة بن خياط أمر توليته إمارة مصر ضمن أحداث سنة (٣٨ هـ) (تأريخ خليفة/ ١٩٢) وقال الدكتور يحيى البحيى تعقيبًا على رواية أبي مخنف هذه أما النقاظ التي لها شواهد فهي:\n١ - تولية محمد بن أبي بكر على مصر وهذا مجمع عليه.\n٢ - خروج قيس بن سعد من مصر إلى المدينة ثم قدومه العراق على عليّ ﵁ له شاهد من رواية الزهري أخرجها عبد الرزاق بسند رجاله ثقات إلا أنها مرسلة، وأخرجها الطبري من روايته أيضًا (المصنف ٥/ ٤٦٠) (مرويات أبي مخنف/ ٢٢٢) وفي الرواية الأولى (٤/ ٥٥٥/ ١٠٦٠) من الطعن واللمز والافتراء على صحابة رسول الله وعدالتهم ما لا يصدر إلا من تالف هالك كأبي مخنف، ومنها ذلك الأسلوب الرديء الذي اختلقه أبو مخنف ولصقه بالصحابة زورًا كعبارة (يا أعمى القلب والبصر) وعبارة (وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم) وعبارة: (لا والله لا أقيم معك ساعة) ويكفي لكذب هذه العبارات أن إسناد الرواية مظلم ومظلم.\nويبدو أن أبا مخنف قد افترى كثيرًا وأساء الأدب بحق ولاة سيدنا علي ولذلك قال الطبري ﵀: (فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة) (٤/ ٥٥٧).","vol":"8","page":737},{"text":"والأساورة، والجند سلارين ومن كان في مَرْو:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nسلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن ماهويه أبراز مَرْزبان مَرْو جاءني، وإني رضيتُ عنه، وكتب سنة ست وثلاثين. ثم إنهم كفرُوا، وأغلقوا أبْرَشهَر (١). (٤: ٥٥٧/ ٥٥٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>توجيه عليّ خلَيد بن طَريف إلى خراسان</span>\n١٠٦٥ - قال عليّ بن محمد المدائنيّ: أخبرنا أبو مخنف عن حنظلة بن الأعلم، عن ماهان الحنفيّ، عن الأصبغ بن نُباتة المُجاشعيّ، قال: بعث عليٌّ خُلَيد بن قرّة اليَربوعيّ -ويقال: خُلَيد بن طريف- إلى خُراسان (٢). (٤: ٥٥٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>ذكر خبر عمرو بن العاص ومبايعته معاوية</span>\n١٠٦٦ - وفي هذه السنة -أعني: سنة ستٍّ وثلاثين- بايع عمرو بن العاص معاوية، ووافقه على محاربة عليّ، وكان السبب في ذلك ما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، وأبي حارثة، وأبي عثمان، قالوا: لما أحيط بعثمانَ -﵁- خرج عَمرو بن العاص من المدينة متوجّهًا نحو الشام، وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركَه قتْل هذا الرجل إلّا ضربه الله ﷿ بذلّ! من لم يستطع نصرَه فليهرُب. فسار، وسار معه ابناه عبد الله، ومحمد، وخرج بعدَه حسّان بن ثابت، وتتابع على ذلك ما شاء الله (٣). (٤: ٥٥٨).\n١٠٦٧ - قال سيف: عن أبي حارثة، وأبي عثمان، قالا: بينا عمرو بن العاص جالس بعَجْلان؛ ومعه ابناه؛ إذْ مرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة، فقال عمرو: ما اسمك؟ قال: حَصِيرة. قال عمرو: حُصِر الرجل،\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا، وقال خليفة: وجه إليها عون بن جعدة المخزومي فردوه فبعث خليد بن قرة التميمي (تأريخ خليفة/ ١٩٩).\n(٢) إسناده تالف.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":738},{"text":"قال: فما الخبر؟ قال: تركت الرجل محصورًا، قال عمرو: يُقتَل، ثم مكثوا أيامًا، فمرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة؛ قال عمرو: ما اسمُك؟ قال: قَتّال؛ قال عمرو: قُتِل الرجل، فما الخبرُ؟ قال: قُتِل الرجل. قال: ثم لم يكن إلّا ذلك إلى أن خرجتُ، ثم مكثوا أيّامًا، فمرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة؛ قال عمرو: ما اسمُك؟ قال: حرب، قال عمرو: يكون حرب؛ فما الخبر؟ قال: قُتِل عثمانُ بن عفان ﵁، وبويع لعليّ بن أبي طالب. قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ تكون حربٌ من حكَّ فيها قرحة نكَأها، رحم الله عثمان ورضيَ الله عنه، وغفَر له! فقال سلامة بن زِنْباع الجُذاميّ: يا معشر قريش! إنه والله قد كان بينكم وبين العرب باب، فاتخذوا بابًا إذ كُسر الباب. فقال عمرو: وذاك الّذي نريد. ولا يُصلِح البابَ إلا أشافٍ تُخرِج الحقّ من حافرة البأس، ويكون الناس في العدل سواء، ثم تمثّل عمرو في بعض ذلك:\nيا لَهْفَ نفسي على مالكٍ ... وهل يَصْرِفُ اللهْفُ حِفْظَ القَدَر!\nأنَزْعٌ من الحَرِّ أوْدَى بهمْ ... فأعذِرَهم أم بقومي سَكَرْ!\nثم ارتحل راجلًا يبكي كما تبكي المرأة، ويقول: واعُثْماناه! أنعَى الحياءَ والدين! حتى قدم دمشق، وقد كان سقط إليه من الذي يكون عِلْمٌ، فعمل عليه (١). (٤: ٥٥٨/ ٥٥٩).\n١٠٦٨ - كتب إليّ السرىّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: كان النبيُّ - ﷺ - قد بعث عمرًا إلى عُمان، فسمع هنالك من حَبْرٍ شيئًا، فلما رأى مِصداقَه وهو هناك أرسل إلى ذلك الحبْر، فقال: حدِّثني بوفاة رسول الله - ﷺ -، وأخبرني من يكون بعده؟ قال: الذي كتب إليك يكون بعده، ومدّته قصيرة، قال: ثمّ من؟ قال: رجل من قومه مثله في المنزلة؛ قال: فما مدّته؟ قال: طويلة؛ ثم يقتل. قال: غيلةً أم عن ملأ؟ قال: غِيلة؛ قال: فمن يلي بعده؟ قال: رجل من قومه مثله في المنزلة، قال: فما مدّته؟ قال: طويلة، ثم يُقتل، قال: أغيلة أم عن ملأ؟ قال: عن ملأ. قال: ذلك أشدّ؛ فمن يلي بعده؟\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":739},{"text":"قال: رجل من قومه ينتشر عليه الناس، وتكون على رأسه حرب شديدة بين الناس، ثمّ يُقتل قبل أن يجتمعوا عليه، قال: أغيلة أم عن ملأ؟ قال: غيلة، ثم لا يروْن مثله، قال: فمن يلي بعدَه؟ قال: أمير الأرض المقدّسة، فيطول ملكه، فيجتمع أهل تلك الفرقة وذلك الانتشار عليه، ثم يموت (١). (٤: ٥٥٩/ ٥٦٠).\n١٠٦٨ - وأما الواقديُّ، فإنه فيما حدّثني موسى بن يعقوب عن عمّه، قال: لما بلغ عَمرًا قتلُ عثمان ﵁، قال: أنا عبد الله: قتلتُه وأنا بوادي السِّباع، مَن يلي هذا الأمر من بعده! إن يَلِه طلحة فهو فتى العرب سيْبًا، وإن يَلِه ابن أبي طالب فلا أراه إلّا سيستنظِف الحقّ، وهو أكره مَن يليه إليّ، قال: فبلغه أنّ عليًّا قد بويع له، فاشتدّ عليه، وتربّص أيامًا ينظر ما يَصنع الناس، فبلغه مسير طلحة، والزبير، وعائشة، وقال: أستأنِي، وأنظر ما يصنعون. فأتاه الخبر: أنّ طلحة، والزبير قد قُتِلا، فأُرتِج عليه أمرُه، فقال له قائل: إن معاوية بالشام لا يريد أن يبايع لعليّ، فلو قاربت معاوية! فكان معاوية أحبّ إليه من عليّ بن أبي طالب، وقيل له: إنّ معاوية يُعظِم شأنَ قتل عثمان بن عفان، ويحرّض على الطلب بدمه؛ فقال عمرو: ادعوا لي محمدًا، وعبدَ الله، فدُعِيا له، فقال: قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمانَ ﵁، وبَيعة الناس لعليّ، وما يُرصِد معاوية من مخالَفة عليّ، وقال: ما تَريان؟ أما عليٌّ فلا خيرَ عنده، وهو رجل يُدِلّ بسابقته، وهو غير مُشرِكي في شيء من أمره، فقال عبد الله بن عمرو: توفّي النبيّ - ﷺ - وهو عنك راضٍ، وتوفي أبو بكر ﵁ وهو عنك راضٍ، وتوفّي عمرُ ﵁ وهو عنك راضٍ، أرى أن تكفّ يدك، وتجلسَ في بيتك، حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعَه. وقال محمد بن عمرو: أنت نابٌ من أنياب العرب، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر؛ وليس لك فيه صوت ولا ذكر، قال عمرو: أمّا أنت يا عبدَ الله؛ فأمرْتَني بالذي هو خير لي في آخرتي، وأسلمَ في دِيني، وأما أنت يا محمد؛ فأمرتَني بالّذي أنبه لي في دنياي، وشرٌّ لي في آخرتي، ثم خرج عمرو بن العاص ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهلَ الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحقّ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم -ومعاوية\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":740},{"text":"لا يلتفت إلى قول عمرو- فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك! انصرف إلى غيره، فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لَعَجب لك! إني أرفِدك بما أرفِدك وأنت مُعرِض عني! أما والله إن قاتلْنا معك نَطلب بدمِ الخليفة إنّ في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقتَه وفضله وقرابتَه؛ ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاويةُ، وعطَفَ عليه (١). (٤: ٥٦٠/ ٥٦١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>توجيه عليِّ بن أبي طالب جرير بن عبد الله البَجَليَّ إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته</span>\n١٠٧٠ - وفي هذه السنة وجّه عليّ عند منصرَفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من الجمل جريرَ بنَ عبد الله البَجَليّ إلى معاوية يدعوه إلى بَيعته، وكان جرير حين خرج عليّ إلى البصرة لقتال مَنْ قاتله بها بهمَذَان عاملًا عليها، كان عثمان استعمله عليها، وكان الأشعث بن قيس على أذْربِيجانَ عاملًا عليها، كان عثمان استعمله عليها، فلما قدم عليّ الكوفة منصرفًا إليها من البصرة، كتب إليهما يأمرهما بأخذ البَيْعة له على مَن قِبَلهما من الناس، والانصراف إليه، ففعلا ذلك، وانصَرَفا إليه.\nفلما أراد عليٌّ توجيهَ الرسول إلى معاوية، قال جرير بن عبد الله -فيما حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عوانة-: ابعثْني إليه، فإنه لي وِدّ؛ حتى آتيه فأدعوه إلى الدخول في طاعتك، فقال الأشتر لعليّ: لا تبعثه، فوالله إنّي لأظنّ هواه معه؛ فقال عليّ: دعْه حتى ننظرَ ما الذي يرجع به إلينا؛ فبعثه إليه، وكتب معه كتابًا يُعلِمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بَيْعته، ونكث طلحة والزبير، وما كان من حربِه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته، فشخص إليه جرير، فلمّا قدم عليه ماطله واستنظره، ودعا عمرًا فاستشاره فيما كتب به إليه، فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام، ويُلزم عليًّا دم عثمان، ويقاتله بهم، ففعل ذلك معاوية.\n_________\n(١) في إسناده الواقدي وهو متروك، وبين الطبري والواقدي انقطاع.","vol":"8","page":741},{"text":"فلما قدم جرير بن عبد الله على عليّ -فيما حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عوانة- فأخبره خبر معاوية، واجتماع أهل الشامِ معه على قتاله، وأنّهم يبكون على عثمان، ويقولون: إنّ عليًّا قتله، وآوى قتَلتَه، وإنّهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم، أو يقتلوه. فقال الأشتر لعليّ: قد كنت نهيتُك أن تبعث جريرًا، وأخبرتُك بعداوته وغشّه، ولو كنتَ بعثتَني كان خيرًا من هذا الذي أقام عنده حتى لم يَدَع بابًا يرجو فتحَه إلّا فتحَه، ولا بابًا يخاف منه إلّا أغلَقَه، فقال جرير: لو كنتَ ثمّ لقتلوك؛ لقد ذكروا أنَّك من قَتَلة عثمان ﵁، فقال الأشتر: لو أتيتُهم واللهِ يا جرير لم يُعيِني جوابُهم، ولحملتُ معاوية على خُطّة أعجِله فيها عن الفكر، ولو أطاعني فيك أميرُ المؤمنين؛ لحبَسَك وأشباهَك في محبس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور.\nفخرج جرير بن عبد الله إلى قَرْقِيسياءَ، وكتب إلى معاوية، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، وخرج أميرُ المؤمنين فعسكر بالنُّخيلة، وقدم عليه عبد الله بنُ عباس بمن نهض معه من أهل البصرة.\nعاد الحديث إلى حديث عوانة، فبعث عليٌّ زيادَ بن النّضر الحارثيّ طليعةً في ثمانيةِ آلاف، وبعث معه شُريح بن هانئ في أربعة آلاف، وخرج عليٌّ من النُّخَيلة بمن معه، فلمّا دخل المدائنَ شَخصَ معه مَن فيها من المقاتلة، وولّى على المدائن سعدَ بن مسعود الثقفيّ عمّ المختار بن أبي عُبيد، ووجّه عليّ من المدائن معقلَ بنَ قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيَه (١). (٤: ٥٦١/ ٥٦٢ وتكملة - ٥٦٥).\n١٠٧١ - وكان أهل الشام فيما كتب إليّ السريّ يذكر: أن شعيبًا حدّثه عن سيف، عن محمد وطلحة - لما قدم عليهم النّعمان بن بشير بقميص عثمانَ ﵁ - الذي قتل فيه مخضّبًا بدمِه وبأصابع نائلةَ زوجته مقطوعة بالبَراجم؛ إصبعان منها وشيء من الكفّ، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام - وضع معاوية القميصَ على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثابَ إليه الناس، وبكوْا سنة وهو على المنبر والأصابع معلّقة فيه، وآلى الرجال من أهل\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":742},{"text":"الشام ألّا يأتوا النساءَ، ولا يمسّهم الماء للغسل إلّا من احتلام، ولا يناموا على الفُرُش حتى يَقْتلوا قَتلَة عثمان، ومَن عرض دونهم بشيء، أو تفنى أرواحُهم، فمكثوا حول القميص سنة، والقميص يوضع كلّ يوم على المنبر ويجلَّلُه أحيانًا فيُلبَسه، وعُلّق في أردانه أصابع نائلة ﵂ (١). (٤: ٥٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>خروج علي بن أبي طالب إلى صِفِّين</span>\n١٠٧٢ - حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي عن سليمان، عن عبد الله، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن أبي بكر الهُذَليّ، أن عليًّا لما استَخلف عبدَ الله بن عبّاس على البصرة سار منها إلى الكوفة، فتهيَّأ فيها إلى صِفِّين، فاستشار الناسَ في ذلك، فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم؛ وأشار آخرون بالمسير، فأبَى إلّا المباشرة؛ فجهّز الناس، فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أمّا إذ بلغك أنه يسير فسِرْ بنفسك، ولا تغبْ عنه برأيك ومَكيدتك. قال: أمّا إذًا يا أبا عبد الله فجهّز الناس، فجاء عمرو فحضّض الناسَ، وضعَّف عليًّا وأصحابَه، وقال: إنّ أهل العراق قد فَرّقوا جمعَهم، وأوهَنُوا شوكتَهم، وفلّوا حدّهم، ثم إنّ أهل البصرة مخالفون لعليّ، قد وتَرهم وقتلهم، وقد تفانت صَناديدُهم وصناديدُ أهل الكوفة يومَ الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة، ومنهم مَن قد قَتل خليفَتكم؛ فاللهَ اللهَ في حقّكم أن تضيّعوه، وفي دمكم أن تُبطِلوه!\nوكتب في أجناد أهل الشام، وعقد لواءه لعمرو، فعقد لوَرْدان غلامِه فيمن عقد، ولابنيه عبدِ الله ومحمد، وعقد عليٌّ لغلامه قَنْبَر، ثم قال عمرو:\nهل يُغْنِيَنْ وَرْدانُ عَنّي قَنْبَرَا ... وَتغنِيَ السَّكونُ عنّي حِمْيَرَا\nإذا الكُماةُ لَبِسُوا السَّنَوَّرا\nفبلغ ذلك عليًّا فقال:\nلأصْبِحَنَّ العاصِيَ ابنَ العاصِي ... سبعين ألفًا عاقِدي النّواصِي\nمُجَنِّبِينَ الخيلَ بالقِلاصِ ... مُسْتَحْقِبيِنَ حَلَق الدِّلاصِ\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":743},{"text":"فلما سمع ذلك معاوية قال: ما أرى ابنَ أبي طالب إلّا قد وفىَ لك؛ فجاء معاوية يتأنى في مسيره. وكتب إلى كلّ من كان يرى أنه يخاف عليًّا أو طعن عليه ومَن أعظم دمَ عثمان واستعواهم إليه. فلما رأى ذلك الوليد بعث إليه يقول:\nألا أَبْلِغْ مُعاوية بنَ حرْبٍ ... فإنَّكَ من أخي ثِقَةٍ مُليمُ\nقَطَعْتَ الدهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنّى ... تُهدِّرُ في دِمَشْقَ فما تَريمُ\nوإنّك والكتابَ إلى عليٍّ ... كدابِغَةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ\nيُمَنّيكَ الإمارةَ كلُّ ركْبٍ ... لأنْقاضِ العراقِ بها رَسيم\nوليس أخو التِّرات بمن تَوانَى ... ولكنْ طالِبُ التِّرَةِ الغَشومُ\nولو كنتَ القتيلَ وكان حيًّا ... لَجَرَّدَ لا ألَفُّ ولا سَؤُومُ\nولا نَكِلٌ عن الأوتارِ حتّى ... يُبيءَ بها، ولا بَرِمٌ جَثومُ\nوقومُكَ بالمدينة قد أبيروا ... فهمْ صَرْعَى كأنَّهُمُ الهَشيمُ\nوقال غيرُ أبي بكر: فدعا معاوية شدّاد بنَ قيس كاتبه وقال: ابغني طُومارًا، فأتاه بطُومار، فأخذ القلم فكتب، فقال: لا تَعجلْ، اكتب:\nومُستعْجِبٍ مما يَرَى من أَناتِنا ... ولو زَبَنَته الحربُ لم يترمرَمِ\nثم قال: اطوِ الطّومار، فأرسل به إلى الوليد، فلما فتحه لم يجد فيه غير هذا البيت.\nقال أبو بكر الهذليّ: وكتب رجل من أهل العراق حيث سار عليّ بن أبي طالب إلى معاوية بيتين:\nأبْلِغْ أميرَ المؤمنيـ ... ـن أخا العِراق إذا أتَيْنَا\nأنَّ العِراقَ وأهلَها ... عُنُقٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتَا (١)\n(٤: ٥٦٣/ ٥٦٤/ ٥٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>ما أمر به عليّ بن أبي طالب من عمل الجسر على الفرات</span>\n١٠٧٣ - فلما انتهى عليٌّ إلى الرّقة قال فيما حُدّثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجّاج بن عليّ، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث\n_________\n(١) في إسناده أبو بكر الهذلي وهو متروك.","vol":"8","page":744},{"text":"البارقيّ - لأهل الرّقة: اجسُروا لي جسْرًا حتى أعبر من هذا المكان إلى الشام، فأبوا. وقد كانوا ضمّوا إليهم السفن، فنهض من عندهم ليعبر من جسر مَنبج، وخلّف عليهم الأشتر، وذهب ليمضيَ بالناس كيما يعبرَ بهم على جسر مَنْبج، فناداهم الأشتر، فقال: يا أهل هذا الحصن، ألا إني أقسم لكم بالله ﷿؛ لئن مضى أمير المؤمنين؛ ولم تُجسِّروا له عند مدينتكم جِسْرًا حتى يَعبُر لأجرّدنّ فيكم السيف، ثم لأقتلنّ الرجال ولأخرّبنّ الأرض، ولآخذنّ الأموال. قال: فلقيَ بعضهم بعضًا، فقالوا: أليس الأشتر يفي بما حلف عليه، أو يأتي بشرٍّ منه؟ قالوا: نعم، فبعثوا إليه: إنّا ناصبون لكم جسرًا، فأقبلوا، وجاء عليٌّ فنصبوا له الجسر، فعبر عليه بالأثقال والرجال، ثم أمر عليٌّ الأشترَ فوقف في ثلاثة آلافِ فارس، حتى لم يبق من الناس أحد إلّا عبر، ثم إنه عبر آخر الناس رجلًا (١). (٤: ٥٦٥/ ٥٦٦).\n١٠٧٤ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحجّاج بن عليّ عن عبد الله بن عمّار بن عبد يغوث: أنّ الخيل حين عبرت زَحمَ بعضُها بعضًا، فسقطت قَلَنْسُوَة عبد الله بن أبي الحصين الأزديّ، فنزل فأخذها ثم ركب، وسقطتْ قلنسوَةُ عبدِ الله بن الحجّاج الأزدّي، فنزل فأخذها، ثم ركب، وقال لصاحبه:\nفإن يكُ ظَنُّ الزاجرِي الطَّيْرِ صادقًا ... كما زعموا أُقْتَلْ وَشيكًا وتُقْتلُ\nفقال له عبد الله بن أبي الحصين: ما شيء أُوتاه أحبّ إليّ مما ذكرت؛ فقُتِلا جميعًا يومَ صِفّين (٢). (٤: ٥٦٦).\n١٠٧٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني خالد بن قطَن الحارثيّ: أنّ عليًّا لما قطع الفرات؛ دعا زياد بن النَّضر، وشُريح بن هانئ، فسرّحهما أمامَه نحو معاوية على حالهما التي كانا خرجا عليها من الكُوفة. قال: وقد كانا حيث سرّحهما من الكُوفة أخَذَا على شاطئ الفرات من قِبَل البرّ مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات، فبلغهما أخذُ عليّ على طريق الجزيرة، وبلغهما: أنّ معاوية قد أقبل من دمشق في جنود أهل الشام لاستقبال عليّ، فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي؛ أن نسير وبيننا\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":745},{"text":"وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر! وما لنا خير في أن نلقَى جنود أهل الشام بقلّة مَن معنا منقطعين من العدد والمدد. فذهبوا ليَعبُروا من عانات، فمنَعَهم أهلُ عانات، وحبسوا عنهم السُّفُن، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هِيت، ثم لحقوا عليًّا بقرية دون قَرْقِيسياء؛ وقد أرادوا أهلَ عانات، فتحصَّنوا وفرّوا، ولما لحقت المقدّمة عليًّا قال: مقدّمتي تأتيني من ورائي، فتقدّم إليه زياد بن النَّضر الحارثيّ وشريح بن هانئ؛ فأخبرَاه بالذي رأيَا حين بلغهما من الأمر ما بلغهما، فقال: سددتما، ثم مضى عليّ، فلما عبر الفرات قدّمهما أمامه نحوَ معاوية، فلما انتهيا إلى سور الرّوم لقيهما أبو الأعور السُّلَميّ عمرو بن سفيان في جند من أهل الشام، فأرسلا إلى عليّ: إنّا قد لقينا أبا الأعور السُّلميّ في جند من أهل الشام، وقد دعوناهم فلَم يُجبنا منهم أحد، فمرْنا بأمرك، فأرسل عليّ إلى الأشتر؛ فقال: يا مالك إنّ زيادًا وشريحًا أرسلا إلىّ يعلِماني: أنهما لقيا أبا الأعور السلميّ في جمع من أهل الشام، وأنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين، فالنَّجاء إلى أصحابك النّجاء، فإذا قدمتَ عليهم فأنت عليهم، وإيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلّا أن يبدؤوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع، ولا يَجِرَمنّك شنآنُهم على قتالهم قبل دعائهم، والإعذار إليهم مرة بعد مرّة، واجعل على ميمنتك زيادًا، وعلى ميسرتك شُريحًا، وقف من أصحابك وسطًا، ولا تدنُ منهم دنوّ من يريد أن يُنشب الحرب، ولا تَباعد منهم بُعد من يهاب البأس حتى أقدم عليك، فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله. قال: وكان الرّسول الحارث بن جُمهان الجُعفيّ، فكتب عليّ إلى زياد وشريح:\nأمّا بعد، فإني قد أمّرتُ عليكما مالكًا، فاسمعا له وأطيعا، فإنه ممن لا يخاف رهقُه ولا سِقاطُه ولا بطؤُه عمَّا الإسراع إليه أحزَم، ولا الإسراع إلى ما الإبطاء عنه أمثَل، وقد أمرْته بمثل الذي كنتُ أمرتكما به ألّا يبدأ القوم حتى يلقاهم فيدعوَهم ويُعذَر إليهم.\nوخرج الأشتر حتى قدم على القوم، فاتّبع ما أمره عليّ وكفّ عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السُّلَميّ، فثبتوا له، واضطربوا ساعة، ثم إنّ أهل الشام انصرفوا، ثم خرج إليهم من الغد هاشمُ بن عُتبة الزّهري في خيل ورجال حسن عَددها وعُدّتها، وخرج إليه","vol":"8","page":746},{"text":"أبو الأعور فاقتتلوا يومَهم ذلك، تَحمِل الخيلُ على الخيل والرجالُ على الرجال، وصبر القوم بعضهم لبعض، ثم انصرَفوا، وحمل عليهم الأشتر، فقُتل عبد الله بن المنذر التّنوخيّ، قتله يومئذ ظَبيان بن عمّار التميميّ، وما هو إلّا فتىً حدث، وإن كان التنوخيّ لفارس أهل الشام، وأخذ الأشتر يقول: وَيْحَكم! أروني أبا الأعور، ثم إن أبا الأعور دعا الناس، فرجعوا نحوَه، فوقف من وراء المكان الذي كان فيه أوّل مرة، وجاء الأشتر حتى صفّ أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور، فقال الأشتر لسنان بن مالك النّخَعيّ: انطلِق إلى أبي الأعور، فادعه إلى المبارزة، فقال: إلى مبارَزتي أو مبارزتك؟ فقال له الأشتر: لو أمرتُك بمبارزته فعلتَ؟ قال: نعم، والله لو أمرتَني أن أعترض صفّهم بسيفي ما رجعتَ أبدًا حتى أضرب بسيفي في صفّهم، قال له الأشتر: يابن أخي! أطال الله بقاءك! قد والله ازددتُ رغبةً فيك، لا أمرتك بمبارزته، إنما أمرتُك أن تدعوَه إلى مبارزتي، إنه لا يبرُز إن كان ذلك من شأنه إلّا لذوي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت -لربّك الحمد- من أهل الكفاءة والشرف، غير أنّك فتىً حدَث السنّ، فليس بمبارز الأحداث، ولكن ادعه إلى مبارزتي. فأتاه فنادى: آمنوني فإنِّي رسول. فاؤمن، فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور (١). (٤: ٥٦٦/ ٥٦٧/ ٥٦٨).\n١٠٧٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني النضر بن صالح أبو زهير العبسيّ، قال: حدّثني سنان، قال: فدنوت منه فقلت: إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته. قال: فسكت عني طويلًا ثم قال: إنّ خفّة الأشتر وسوءَ رأيه هو حمله على إجلاء عمّال ابن عفان ﵁ في العراق، وانتزاؤه عليه يقبّح محاسنه، ومن خِفّة الأشتر وسوءِ رأيه أن سار إلى ابن عفان ﵁ في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله، فأصبح متّبعًا بدمه؛ ألا لا حاجة لي في مبارزته. قال: قلتُ: إنك قد تكلمت، فاسمع حتى أجيبَك، فقال: لا، لا حاجة لي في الاستماع منك ولا في جوابك، اذهب عني، فصاح بي أصحابه فانصرفتُ عنه، ولو سمع إليَّ لأخبرته بعذر صاحبي وحجّتِه، فرجعت إلى الأشتر، فأخبرتُه أنه قد أبى المبارزة، فقال: لنفسه نظر، فوَاقفناهم حتى حجز الليلُ بيننا وبينهم، وبتنا\n_________\n(١) إسناده تالف، فأبو مخنف هالك ساقط وخالد بن قطن مجهول الحال.","vol":"8","page":747},{"text":"متحارِسين، فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم قد انصرفوا من تحت ليلتهم، ويصبّحنا عليّ بن أبي طالب غُدوة، فقدم الأشتر فيمن كان معه في تلك المقدّمة حتى انتهى إلى معاوية، فواقفه، وجاء عليّ في أثره فلحق بالأشتر سريعًا، فوقف وتواقفوا طويلًا.\nثمّ إنّ عليًّا طلب موضِعًا لعسكره، فلما وجده أمر الناسَ فوضعوا الأثقال، فلما فعلوا ذهب شبابُ الناس وغِلمَتُهم يستقون، فمنعهم أهلُ الشام، فاقتتل الناس على الماء، وقد كان الأشتر قال له قبل ذلك: إنّ القوم قد سبقوا إلى الشريعة وإلى سهولةِ الأرض وسعةِ المنزل، فإن رأيتَ سرنا نجوزُهم إلى القرية التي خرجوا منها، فإنهم يشخصون في أثرنا، فإذا هم لحقونا نزَلْنا فكنّا نحن وهم على السواء، فكَرِه ذلك عليٌّ، وقال: ليس كلّ الناس يقْوَى على المسير، فنَزَل بهم (١). (٤: ٥٦٨/ ٥٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>القتال على الماء</span>\n١٠٧٧ - قال أبو مخْنَف: وحدّثني تميم بن الحارث الأزديّ، عن جندَب بن عبد الله، قال: إنّا لما انتهينا إلى معاوية؛ وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفْيَح قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شريعة في الفُرات، ليس في ذلك الصقع شريعة غيرها، وجعلها في حيّزِه، وبعث عليها أبا الأعور يمنعها ويحميها، فارتفْعنا على الفرات رجاءَ أن نجد شريعة غيرَها نستغني بها عن شريعتهم فلم نجدها، فأتينا عليًّا فأخبرناه بعطش الناس، وأنا لا نجد غيرَ شريعة القوم. قال: فقاتلوهم عليها، فجاءه الأشعث بن قيس الكنديّ فقال: أنا أسير إليهم، فقال له عليّ: فسر إليهم، فسار، وسرنا معه، حتى إذا دنونا من الماء؛ ثاروا في وجوهنا ينضِحوننا بالنَّبل، ورشَقْناهم والله بالنّبل ساعة، ثم اطَّعَنّا والله بالرماح طويلًا، ثم صرنا آخر ذلك نحن والقوم إلى السيوف، فاجتلَدْنا بها ساعة. ثم إنّ القوم أتاهم يزيد بن أسد البَجَليّ مُمِدًّا في الخيل والرجال، فأقبلوا نحونا، فقلت في نفسي: فأمير المؤمنين لا يبعث إلينا بمن يغني عنا هؤلاء، فذهبتُ فالتفتّ فإذا عدّة القوم أو أكثر، قد سرّحهم إلينا ليغنُوا عنّا يزيد بن أسد وأصحابه، عليهم\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":748},{"text":"شَبَث بن رِبْعيّ الرّياحيّ، فوالله ما ازداد القتال إلّا شدّة، وخرج إلينا عمرو بن العاص من عسكر معاوية في جند كثير، فأخذ يُمدّ أبا الأعور ويزيدَ بن أسد، وخرج الأشتر من قبَل عليّ في جمع عظيم، فلمّا رأى الأشتر عمرو بن العاص يُمِدّ أبا الأعور ويزيد بن أسد، أمدّ الأشعثَ بن قيس، وَشبَث بن رِبعيّ، فاشتدّ قتالنا وقتالهم، فما أنسى قولَ عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزديّ:\nخَلُّوا لنا ماءَ الفُراتِ الجاري ... أو اثبُتوا لجحْفَلٍ جَرَّارِ\nلكلِّ قَرْمٍ مُسْتميتٍ شارِي ... مطاعنٍ برُمْحِه كَرَّارِ\nضَرَّابِ هاماتِ العِدَا مِغوارِ (١)\n(٤: ٥٦٩/ ٥٧٠).\n١٠٧٨ - قال أبو مخنف: وحدّثني رجل من آل خارجة بن التميميّ: أن ظَبْيان بن عُمارة جعل يومئذ يقاتِل وهو يقول:\nهل لك يا ظَبْيانُ مِن بقاءِ ... في ساكِنِ الأرْضِ بِغَيْرِ ماءِ\nلا وإلهِ الأرضِ والسَّماءِ ... فاضْرِبْ وجوهَ الغُدُرِ الأعْداءِ\nبالسَّيْفِ عند حَمَسِ الوغاء ... حتّى يُجيبوك إلى السّواءِ\nقال ظبيان: فضربناهم والله حتى خلّوْنا وإيّاه (٢). (٤: ٥٧٠).\n١٠٧٩ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبي يحيى بن سعيد عن عمّه محمد بن مخْنَف، قال: كنت مع أبي مخْنف بن سُليَم يومئذ، وأنا ابن سبع عشرة سنة، ولست في عطاء، فلما مُنع الناس الماءَ قال لي أبي: لا تبرحنّ الرّحْل، فلما رأيت المسلمين يذهبون نحو الماء لم أصبر، فأخذتُ سيفي، وخرجتُ مع الناس، فقاتلت، قال: وإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ومعه قِربة، فلما رأى أهل الشام قد أفرجوا عن الشريعة اشتدّ حتى ملأ قِرْبته، ثم أقبل، ويَشُدّ عليه رجل من أهل الشام فيضربه فيَصرعه، وسقطت القِربة منه. قال: وأشدّ على الشاميّ فأضربه فأصرَعه، واشتدّ أصحابُه فاستنقذوه، فسمعتُهم وهم يقولون: لا نأمن عليك، ورجعتُ إلى المملوك فاحتملتُه، فإذا هو يكلّمني وبه جرح\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":749},{"text":"رَغيب، فما كان أسرع من أن جاءه مولاه، فذهب به، وأخذتُ قربته وهي مملوءةٌ، وآتي بها أبي مخنفًا، فقال: من أين جئت بها؟ فقلت: اشتريتها وكرهت أن أخبره الخبر، فيَجِدَ عليَّ -فقال: اسقِ القومَ، فسقيتُهم، ثم شرب آخرهم، ونازعتْني نفسي والله إلى القتال، فأنطلق فأتقدّم فيمن يقاتل، فقاتلناهم ساعة، ثم أشهدُ أنهم خلّوا لنا عن الماء، فما أمسينا حتى رأينا سُقاتنا وسُقاتهم يزدحمون على الشريعة، وما يؤذِي إنسانٌ إنسانًا، فأقبلت راجعًا، فإذا أنا بمولَى صاحب القربة، فقلت: هذه قِرْبتك عندنا، فأرسِل من يأخذها، أو أعلِمني مكانَك حتى أبعث بها إليك، فقال: رحمك الله! عندنا ما نكتفي به؛ فانْصرفت وذهب، فلما كان من الغد مرّ على أبي، فوقف فسلّم عليه، ورآني إلى جَنْبتِه، فقال: ما هذا الفتى منك؟ قال: ابني؛ قال: أراك الله فيه السرور، أنقذ الله ﷿ أمس غلامي به من القتل، حدّثني شباب الحيّ أنه كان أمس أشجعَ الناس، فنظر إليّ أَبي نظرةً عرفتُ منها في وجهه الغضب، فسكتّ حتى إذا مضى الرجل قال: هذا ما تقدّمت إليك فيه! فحلّفني ألّا أخرج إلى قتال إلّا بإذنه، فما شهدت من قتالهم إلّا ذلك اليوم حتى كان يوم من أيامهم (١). (٤: ٥٧٠/ ٥٧١).\n١٠٨٠ - قال أبو مخنف: وحدّثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، عن مِرهان مولى يزيد بن هانئ، قال: والله إنّ مولاي يزيد بن هانئ ليُقاتل على الماء، وإنّ القربة لفي يده، فلما انكشف أهل الشام انكشافةً عن الماء، استدرْتُ حتى أسقي، وإنِّي فيما بين ذلك لأقاتل وأرامي (٢). (٤: ٥٧١).\n١٠٨١ - قال أبو مخْنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصِفّين، وجدناهم قد نزلوا منزلًا اختاروه مستويًا بِساطًا واسعًا، أخذوا الشريعة، فهي في أيديهم، وقد صفّ أبو الأعور السُّلميّ عليها الخيل والرجال، وقد قدّم المُرامية أمام من معه، وصفّ صفًّا معهم من الرماح والدّرَق، وعلى رؤوسهم البَيْض، وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماءَ، ففزعنا إلى أمير المؤمنين، فخبّرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صُوحان، فقال له: ائت معاوية وقل له: إنّا سِرْنا مسيرنا هذا إليكم،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":750},{"text":"ونحن نكرَه قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدّمت إلينا خيلَك ورجالك فقاتلتَنا قبل أن نقاتِلَك، وبدأتَنا بالقتال، ونحن من رأينا الكفّ عنك حتى ندعوَك ونحتجّ عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، قد حُلتم بين الناس وبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين الماء، ويكفّوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدِمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجبَ إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب، فعلْنا، فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفّان ﵁، حصروه أربعين صباحًا يمنعونه بَرْدَ الماء، ولينَ الطعام، اقتُلهم عطشًا، قَتلَهم الله عطشًا! فقال له عمرو بن العاص: خلِّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يَعطَشوا وأنت ريّان؛ ولكن بغير الماء، فانظر ما بينك وبينهم.\nفأعاد الوليد بن عقبة مقالته، وقال عبد الله بن أبي سَرْح: امنعهم الماءَ إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، ولو قد رجعوا كان رجوعُهم فَلًّا، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله ﷿ يوم القيامة الكَفرَة الفَسَقة وشَرَبة الخمر؛ ضَرْبك وضَرْب هذا الفاسقَ -يعني الوليد بن عقبة- قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه، فقال معاوية: كُفوا عن الرجل فإنه رسول (١). (٤: ٥٧١/ ٥٧٢).\n١٠٨٢ - قال أبو مِخْنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر: أن صعصعة رجع إلينا فحدّثنا عمّا قال لمعاوية، وما كان منه وما ردّ، فقلنا: فما ردّ عليك؟ فقال: لما أردت الانصرافَ من عنده قلت: ما ترد عليَّ؟ قال معاوية: سيأتيكم رأيي؛ فوالله ما راعنا إلا تسريتُه الخيل إلى أبي الأعور ليكفّهم عن الماء. قال: فأبرَزَنا عليٌّ إليهم، فارتمَينا ثم اطَّعنَّا، ثم اضطربنا بالسيوف، فنُصِرنا عليهم، فصار الماء في أيدينا، فقلنا: لا والله لا نسقيهُموه، فأرسل إلينا عليّ: أن خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخَلّوا عنهم؛ فإنّ الله ﷿ قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم (٢). (٤: ٥٧٢).\n_________\n(١) إسناده تالف، أما الوليد فقد وافى الرقة معتزلًا الفتنة (طبقات ٦/ ٢٥) و(الإصابة ٣/ ٦٣٨).\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1340>دعاء عليّ معاوية إلى الطاعة والجماعة</span>\n١٠٨٣ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة الحنفيّ: أنّ عليًّا قال: هذا يومٌ نُصِرتم فيه بالحميّة، وجاء الناس حتى أتوا عسكرهم، فمكث عليٌّ يومين لا يُرسل إلى معاوية أحدًا، ولا يرسل إليه معاوية، ثم إن عليًّا دعا بشير بن عمرو بنِ محْصَن الأنصاريّ، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وشَبَث بن ربعيّ التميميّ، فقال: ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة، والجماعة، فقال له شَبَث بن ربعيّ: يا أمير المؤمنين! ألا تُطمِعه في سلطان تولّيه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال عليّ: ائتوه فالقوه واحتجُّوا عليه، وانظروا ما رأيُه -وهذا في أول ذي الحجّة- فأتَوْه، ودخلوا عليه، فحمِد الله وأثنى عليه أبو عُمرة بشير بن عمرو، وقال: يا معاوية! إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله ﷿ محاسبك بعملك، وجازيك بما قدّمتْ يداك، وإني أنشدُك الله ﷿ أن تفرّق جماعةَ هذه الأمة، وأن تَسفِك دماءها بينها! فقطع عليه الكلام، وقال: هلّا أوصيت بذلك صاحبَك؟ فقال أبو عَمرة: إنّ صاحبي ليس مثلك، صاحبي أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمر في الفضل، والدّين، والسابقة في الإسلام، والقرابةِ من الرسول - ﷺ -. قال: فيقول ماذا؟ قال: يأمرك بتقوى الله ﷿، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحقّ، فإنّه أسلم لك في دنياك، وخيرٌ لك في عاقبة أمرك. قال معاوية: ونُطلّ دمَ عثمان ﵁! لا والله لا أفعل ذلك أبدًا، فذهب سعيد بن قيس يتكلّم، فبادره شَبث بن رِبْعيّ، فتكلّم فحمِد الله وأثنىَ عليه، وقال: يا معاوية! إني قد فهمت ما رددت على ابنِ محصَن، إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب؛ إنك لم تجد شيئًا تَستغوِي به الناسَ، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلّا قولك: \"قتل إمامكم مظلومًا، فنحن نطلب بدمه\"، فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمْنا أن قد أبطأتَ عنه بالنصر، وأحببتَ له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورُبّ متمنِّي أمر وطالبِه اللهُ ﷿ يحول دونَه بقدرته، وربما أوتي المتمنّي أمنيّتَه وفوق أمنيّته، ووالله مَا لَك في واحدةٍ منهما خير، لئن أخطأتَ ما ترجو إنك لشرّ العرب حالًا في ذلك، ولئن","vol":"8","page":752},{"text":"أصبت ما تَمنّى لا تصيبه حتى تستحقّ من ربِّك صُلِيَّ النار، فاتّق الله يا معاوية! ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهلَه.\nفحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن أوّل ما عرفت فيه سَفَهَك، وخفّة حلمك، قطعُك على هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقَه، ثم عنِيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبتَ، ولَؤُمتَ أيها الأعرابي الجِلْف الجافي في كلّ ما ذكرت ووصفت، انصرِفوا من عندي، فإنه ليس بيني وبينكم إلّا السيف، وغضب، وخرج القوم وشَبث يقول: أفَعليْنا تهوّل بالسيف! أقسم بالله ليُعجَلنّ بها إليك. فأتوا عليًّا وأخبروه بالذي كان من قوله، وذلك في ذي الحجة، فأخذ عليّ يأمر الرجل ذا الشرف، فيخرج معه جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يلقَوا بجمع أهل العراق أهل الشام لما يتخوّفون أن يكون في ذلك من الاستئصال والهلاك، فكان عليٌّ يخرج مرّة الأشتر، ومرّة حُجْر بن عديّ الكنديّ، ومرّة شَبَثَ بن رِبْعيّ، ومرّة خالد بن المعمّر، ومرّة زياد بن النضر الحارثيّ، ومرّة زياد بن خَصفة التيميّ، ومرّة سعيد بن قيس، ومرّة معقل بن قيس الرّياحيّ، ومرّة قيس بن سعد، وكان أكثر القوم خروجًا إليهم الأشتر، وكان معاوية يُخرج إليهم عبدَ الرحمن بن خالد المخزومي، وأبا الأعور السُّلميّ، ومرّة حبيب بن مسلمة الفهريّ، ومرّة ابن ذي الكَلاع الحِمْيريّ، ومرة عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، ومرّة شُرحبيل بن السِّمْط الكنديّ، ومرّة حمزة بن مالك الهمدانيّ، فاقتَتَلوا من ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرّتين أوّله وآخره (١). (٤: ٥٧٣/ ٥٧٤).\n١٠٨٤ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: حدّثني رجل من قومي: أنّ الأشتر خرج يومًا يقاتل بصفِّين في رجال من القرّاء، ورجال من فُرسان العرب، فاشتدّ قتالهم، فخرج علينا رجل واللهِ لَقَلَّما رأيتُ رجلًا قطّ هو أطوَل ولا أعظم منه، فدعا إلى المبارزة، فلم يخرج إليه أحد إلّا الأشتر، فاختلفا ضربتين، فضربه الأشتر، فقتله، وأيمُ الله لقد كنا أشفَقنْا عليه، وسألناه\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":753},{"text":"ألّا يخرج إليه، فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه:\nيا سَهْمُ سَهْمَ ابن أبي العَيْرَارِ ... يا خَيْرَ مَنْ نَعْلَمُهُ من زارٍ\nوزارة: حيٌّ من الأزد، وقال: أقسم بالله لأقتلنّ قاتلَك أو ليقتلنّي، فخرج فحمل على الأشتر، وعطف عليه الأشتر فضرَبَه، فإذا هو بين يديْ فرسه، وحمل عليه أصحابُه فاستنقذوه جريحًا، فقال أبو رُفَيْقة الفهميّ: هذا كان نارًا، فصادَف إعصارًا، واقتتل الناس ذا الحجّة كلّه، فلما انقضى ذو الحجّة تداعى الناس إلى أن يكفّ بعضهم عن بعضٍ المحرّم، لعلّ الله أن يُجري صلحًا أو اجتماعًا، فكفّ بعضُهم عن بعض (١). (٤: ٥٧٥).\n١٠٨٥ - وحجّ بالناس في هذه السنة عبدُ الله بن العباس بن عبد المطلب بأمر عليٍّ إيَّاه بذلك، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢). (٤: ٥٧٦).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده ضعيف، وكذلك ذكر ابن سعد (الطبقات ٣/ ٦٤) والمعرفة والتأريخ (٣/ ٣١١) وأما الذهبي فقد ذكر ذلك ضمن أحداث سنة ٣٥ (عهد الخلفاء ٤٢٩).","vol":"8","page":754},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين عليّ ومعاوية</span>\n١٠٨٦ - فكان في أوّل شهر منها -وهو المحرّم- موادَعة الحرب بين عليّ ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا في الصلح؛ فذكر هشام بن محمد؛ عن أبي مِخْنَف الأزديّ، قال: حدّثني سعد أبو المجاهد الطائيّ عن المُحِلّ بن خليفة الطائيّ، قال: لما توادَع عليّ ومعاوية يوم صِفّين، اختلف فيما بينهما الرُّسل رجاء الصُّلْح، فبعث عليّ عديَّ بنَ حاتم، ويزيدَ بنَ قيس الأرحبيّ، وشَبَث بن رِبْعيّ، وزياد بن خَصَفة إلى معاوية، فلمَّا دخلوا حمِد الله عديُّ بن حاتم، ثم قال: أمَّا بعد، فإنَّا أتيناكَ ندعوكَ إلى أمرٍ يجمعُ اللهُ ﷿ به كلمتنا وأمَّتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمِّن به السُّبل، ويصلح به ذاتَ البين، إنّ ابن عمك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله ﷿ بالذي رأوْا، فلم يبق أحد غيرك وغير مَن معك، فانتهِ يا معاوية لا يصبْك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدّدًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عديّ! كلّا والله إني لابنُ حرب، ما يُقعقَع لي بالشِّنان، أما والله إنك لمن المجلِبين على ابن عفَّان ﵁، وإنك لمن قَتَلتِه، وإنِّي لأرجو أن تكون ممن يَقتل اللهُ ﷿ به. هيهات يا عديّ بن حاتم! قد حلبتَ بالساعد الأشدّ. فقال له شَبَث بن رِبعيّ وزياد بن خَصَفة- وتنازَعا جوابًا وَاحدًا: أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك، فأقبلتَ تضرب لنا الأمثال! دَعْ ما لا يُنتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمُّنا وإياك نفعُه، وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلّا لنبلِّغك ما بُعثنا به إليك، ولنؤدّيَ عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم نَدَع أن ننصحَ لك، وأن نذكر ما ظننّا أن لنا عليك به حجّة، وأنَّك راجع به إلى الألفة والجماعة.\nإنَّ صاحبنا من قد عرفتَ وعرفَ المسلمون فضلَه، ولا أظنُّه يخفى عليك: إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعليّ، ولن يميِّلوا بينك وبينه، فاتَّق الله يا معاوية، ولا تخالف عليًّا، فإنَّا والله ما رأينا رجلًا قطّ أعملَ بالتقوى، ولا أزهدَ في الدنيا، ولا أجمعَ لخصال الخير كلِّها منه!","vol":"8","page":755},{"text":"فحمِد اللهَ معاويةَ وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إنّ صاحبكم قتل خليفتَنا، وفرّق جماعتَنا، وآوى ثأرنا، وقتلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتلْه، فنحن لا نردّ ذلك عليه، أرأيتم قتلَة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعْهم إلينا فلنقتلْهم به. ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.\nفقال له شَبَث: أيسرّك يا معاوية أنك أُمْكِنْت من عمّار تقتله! فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك! والله لو أمكِنْتُ من ابن سُميَّة ما قتلتُه بعثمانَ، ولكن كنتُ قاتلَه بناتل مولَى عثمان، فقال له شَبَث: وإله الأرض وإله السماء، ما عدلتَ معتدلًا. لا والذي لا إله إلّا هو لا تصل إلى عمَّار حتى تندُر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برُحْبها. فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيَق.\nوتفرّق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصَفة التيميّ، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطّع أرحامنا، وآوى قَتلَة صاحبنا. وإني أسألك النصر عليه بأسرَتك وعشيرِتك، ثم لك عهدُ الله جلّ وعزّ وميثاقُه أن أوَلِّيَك إذا ظهرتُ أىَّ المِصريْن أحببت (١). (٥: ٥ - ٦).\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارات وغرائب، ولم يتابع أبا مخنف أحدٌ في روايته هذه ولا ندري كيف يذهب عدي بن حاتم رسولًا للسلام والصلح ثم يقوم بتهديد الطرف الذي يريد أن يتفاوض ويصالح: (فانته يا معاوية لا يصيبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل) ونكرة أخرى من منكرات أبي مخنف في روايته هذه أن معاوية اتهم عدي بن حاتم بقتل عثمان وذلك لم يرد لا في رواية صحيحة ولا ضعيفة وقد ذكرنا في مسألة مقتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ قول الحسن: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا. كانوا أعلاجًا من أهل مصر (تأريخ خليفة/ ١٧٦) وكذلك ما أخرجه ابن عساكر (ترجمة عثمان / ٤٠٨) عن قيس بن أبي حازم أن قتلة عثمان ليس فيهم أحد من الصحابة.\nوالنكرة الأخرى التي تقوّلها على سيدنا معاوية أنه هدّد عمارًا بالقتل لا انتقامًا لدم عثمان ﵁ وإنما دم عمار أرخص من ذلك فهو لا يعدو أن يكون عدلًا لدم ناتل مولى عثمان، وحاشا لكاتب الوحي وصحابي رسول الله - ﷺ - (معاوية) أن يتقول بهذا الكلام ولم =","vol":"8","page":756},{"text":"١٠٨٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني سعد أبو المجاهد عن المحِلّ بن خليفة، قال: سمعت زياد بن خَصفة يحدّث بهذا الحديث، قال: فلما قضى معاوية كلامَه حمدتُ الله ﷿، وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني على بيِّنة من ربِّي وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظَهيرًا للمجرمين، ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص -وكان إلى جنبه جالسًا: ليس يكلّم رجل منا رجلًا منهم فيُجيب إلى خير، ما لهم عَضبهم الله بشرّ! ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد (١). (٥: ٦ - ٧).\n١٠٨٨ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد الأزديّ عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكُنود: أنّ معاوية بعث إلى عليّ حبيبَ بن مسلمة الفهريّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمِد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ عثمان بن عفان ﵁ كان خليفةً مهديًّا، يعمل بكتاب الله ﷿، ويُنيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاتَه، فعدوْتم عليه فقتلتموه؛ فادفع إلينا قتلةَ عثمان - إنْ زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزِل أمرَ الناس فيكون أمرُهم شورى بينهم، يولّى الناس أمرَهم مَن أجمع عليه رأيهم. فقال له عليّ بن أبي طالب: وما أنت لا أمَّ لك والعزل وهذا الأمر! اسكُت فإنك لستَ هناك ولا بأهل له! فقام وقال له: والله لترَينّي بحيث تكره. فقال عليّ: وما أنت ولو أجلبتَ بخَيْلك ورَجِلك! لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ! أحُقْرَةً وسوءًا؟ ! اذهب فصوِّب، وصعِّد ما بدا لك.\nوقال شُرحبيل بن السّمط: إنّي إن كلمتك فلَعَمْري ما كلامي إلّا مثل كلام صاحبي قبلُ، فهل عندك جواب غير الذي أجبتَه به؟ فقال عليّ: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبتُه به. فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّ الله جلّ ثناؤه بعث محمدًا - ﷺ - بالحقّ، فأنقَذ به من الضلالة، وانتاش به من الهَلَكة، وجمع به من الفُرْقة، ثمّ قبَضه الله إليه وقد أدّى ما عليه - ﷺ -، ثم استَخلف الناسُ أبا بكر ﵁، واستخلف أبو بكر عمرَ ﵁،\n_________\n= نجد هذا الإفتراء عند غبر التالف الهالك أبي مخنف.\n(١) إسناده تالف، وهو تكرار للرواية التي قبلها مع زيادة نكارة أخرى هى عبارة (فلن أكون ظهيرًا للمجرمين) ولم ترد رواية صحيحة ولا ضعيفة تذكر هذه المقولة المفتراة.","vol":"8","page":757},{"text":"فأحسَنَا السّيرة، وعدَلَا في الأمّة، وقد وَجَدنا عليهما أن تَولَّيا علينا- ونحن آل رسول الله - ﷺ - فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان ﵁ فعمل بأشياءَ عابها النّاس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورَهم، فقالوا لي: بايع، فأبَيتُ عليهم، فقالوا لي: بايعْ، فإنّ الأمة لا ترضى إلا بك! وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس؛ فبايعتُهم، فلم يَرعْنِي إلّا شقاق رجُلين قد بايَعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله ﷿ له سابقةً في الدين، ولا سلف صِدْق في الإسلام، طليق ابن طَلِيق، حِزْب من هذه الأحزاب، لم يزل لله ﷿ ولرسوله - ﷺ - وللمسلمين عدوًّا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غَرْوَ إلّا خلافكم معه، وانقيادُكم له، وتدَعون آلَ نبيكم - ﷺ - الذين لا ينبغي لكم شقاقُهم ولا خلافُهم، ولا أن تَعدِلوا بهم من الناس أحدًا، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله ﷿ وسنة نبيّه - ﷺ - وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.\nفقالا: اِشهَدْ أنّ عثمانَ ﵁ قُتل مظلومًا، فقال لهما: لا أقول إنه قُتل مظلومًا، ولا إنه قتل ظالمًا، قالا: فمَنْ لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلومًا فنحن منه براء، ثم قاما فانصرفا. فقال عليّ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثم أقبل عليّ على أصحابه فقال: لا يكون هؤلاء أوْلى بالجِدّ في ضلالهم منكم بالجِد في حقّكم وطاعة ربّكم (١). (٤: ٧ - ٨).\n_________\n(١) إسناده تالف، وفي متنه نكارات ومنها قوله: (ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم) والعجيب أننا لم نجد ولا رواية ضعيفة تؤيد افتراء أبي مخنف هذا حين زعم أن معاوية كان يطلب من خليفة المسلمين علي أن يعتزل الخلافة وإنما صح عنه أنه كان يطالب بالقصاص من قتلة عثمان ﵁ وقد سبق أن ذكرنا الرواية التاريخية بإسناد جيد عن أبي مسلم الخولاني عندما استفسر من معاوية عن سبب عدم طاعته للخليفة الراشد الرابع فكان مفهوم جواب سيدنا معاوية أنه يرى عليًّا أولى بأمر الخلافة ويقرّ له بذلك ولكن يريد أولًا القصاص من قتلة عثمان.\nونكرة أخرى هو تقوّل أبي مخنف على الإمام علي ﵁ بعبارة: (وولي عثمان ﵁ فعمل بأشياء عابها الناس عليها فساروا إليه فقتلوه) وكان سيدنا عثمان لم يكن ذا أهمية عند سيدنا علي ونسي! أبو مخنف أن عليًّا طلب الإذن من عثمان لكي يميلوا على =","vol":"8","page":758},{"text":"١٠٨٩ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني جعفر بن حُذَيفة من آل عامر بن جُوَين: أن عائذ بن قيس الحِزمريّ، واثبَ عديَّ بن حاتم في الرّاية بصِفّين -وكانت حِزْمر أكثر من بني عديّ رهط حاتم- فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائيّ البَوْلانيّ عند عليّ، فقال: يا بني حِزْمر، على عديّ تتوثّبون؟ ! وهل فيكم مثل عَدِيّ أو في آبائكم مثل أبي عَديّ! أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم رَوِيّة؟ أليس بابن ذي المِرباع وابن جواد العرب؟ ! أليس بابن المُنْهب ماله، ومانع جاره؟ ! أليس مَن لم يغدر ولم يفجُر، ولم يجهل ولم يبخَل، ولم يمنُن ولم يجبن؟ ! هاتوا في آبائكم مثلَ أبيه، أو هاتوا فيكم مِثلَه. أوَ ليس أفضلكم في الإسلام! أو ليس وافدكم إلى رسول الله - ﷺ -؟ ! أليس برأسكم يوم النُّخيَلة، ويوم القادسيَة، ويوم المدائن، ويوم جَلُولاء الوقيعة، ويوم نِهاوَند، ويوم تُستَر؟ ! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب مثلَ الذي تطلبون، فقال له عليّ بن أبي طالب: حسبُك يا بن\n_________\n= الخارجين ميلة واحدة بسيوفهم وأرسل ولده في مجموعة من أبناء الصحابة لحماية سيدنا عثمان كما سبق.\nونكرة أخرى لطالما يرددها أبو مخنف في كل مناسبة فيقول على سيدنا علي ﵁ ما لم يقل كزعمه أنه قال: (وقد وجدنا عليهما (أبي بكر وعمر) أن توليا علينا ونحن آل رسول الله - ﷺ - فغفرنا ذلك لهما).\nولقد كررنا مرارًا رواية البخاري عن محمد بن الحنفية: (أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ - قال أبو بكر ... الحديث) (الفتح ٧/ ٢٤).\nونزيد هنا رواية أخرى فقد قال الحافظ ابن كثير: أخرج البيهقي عن أبي وائل قال: (قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله - ﷺ - فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) ثم قال ابن كثير: إسناد جيد (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٠).\nونكارة أخرى يتوكأ عليها دائمًا المستشرقون والمتغربون وهي أن الصحابة كانوا يغذّون هذا الخلاف ويذكون نار الفرقة بما تذاكروا من أحقاد الجاهلية ومغالها ونسوا أن الإسلام قد داس نعرات الجاهلية ومفاخرها بأرجل بلال وصهبب وسلمان وساوى بين عثمان الغني وغيره الفقير وبين مصعب المنعم في أهله وبين عمّار اليتيم الأبوين، وهل نسي الصحابة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أم تراهم نسوا أن الإسلام يجب ما قبله؟ ! (حاشاهم) وحاشا لسيدنا علي أن يتهم معاوية وأباه بإسلامهما مكرهين ثم ينبش ما دفنه الإسلام من عيبة الجاهلية.","vol":"8","page":759},{"text":"خليفة! هَلُمّ أيّها القوم إليّ، وعليَّ بجماعة طيِّئ! فأتوْه جميعًا، فقال عليّ: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيّئ: عديّ، فقال له ابن خليفة: فسلْهم يا أمير المؤمنين! أليسوا راضين مسلّمين لعديّ الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عديّ أحقُّكم بالراية. فسلّموها له، فقال عليّ -وضجّت بنو الحِزْمِر-: إنّي أراه رأسَكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلهم إلا مسلّمين له غيرَكم، فاتّبع في ذلك الكثرة، فأخذها عديّ. فلما كان أزمان حُجْر بن عديّ طُلب عبد الله بن خليفة لِيُبْعَثَ به مع حُجر -وكان من أصحابه- فسيِّر إلى الجبلين؛ وكان عديّ قد منَّاه أن يردّه، وأن يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال:\nوتَنْسَونَني يَوْمَ الشَّريعَةِ والقنَا ... بصِفِّينَ في أكتفِهمْ قد تَكَسَّرا\nجَزَى ربُّهُ عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ ... برَفْضي وخِذلاني جَزاءً مُوَفَّرا\nأتَنْسَى بَلائي سادرًا يا بْنَ حاتِمٍ ... عشِيَّةَ ما أَغْنَتْ عَدِيُّكَ حِزْمرا\nفدَافَعْت عنك القَوْمَ حتى تخَاذَلوا ... وكنتُ أنا الخَصْمَ الألَدَّ العَذَوَّرا\nفوَلَّوا وما قاموا مقامي كأنّما ... رأَوْنِيَ لَيْثًا بالأباءَة مُخْدِرا\nنَصَرْتُكَ إذ خامَ القَريبُ وأبْعَطَ الـ ... ـبعيدُ وقد أفْرِدْتُ نَصْرًا مُؤزَّرا\nفكان جزائي أن أُجَرَّدَ بينكم ... سجينًا، وأنْ أولَى الهَوانَ وأوسَرا\nوكم عِدَةٍ لي مِنْكَ أنّكَ راجِعِي ... فَلَمْ تُغْنِ بالميعادِ عَنّيَ حَبْتَرا (١)\n(٥: ٨/ ٩/ ١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال</span>\nقال: ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرَّم أمر عليّ مَرْثَد بن الحارث الجُشَميّ فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: ألَا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّي قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ وتُنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله ﷿، فدعوْتكم إليه، فلم تَنَاهَوْا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حقّ، وإنّي قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص في الناس يكتّبان الكتائب ويعبّيان\n_________\n(١) إسناده تالف، فهو من طريق الهالك أبي مخنف.","vol":"8","page":760},{"text":"الناس، وأوقدوا النيران، وبات عليٌّ ليلتَه كلَّها يعبِّئ الناس، ويكتِّب الكتائب، ويدور في الناس يحرِّضهم.\n١٠٩٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزديّ عن أبيه، أنّ عليًّا كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا فيه معه عدوًّا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فأنتم بحمد الله ﷿ على حجّة، وتركُكم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبِرًا، ولا تُجهِزوا على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتِكوا سترًا، ولا تدخلوا دارًا إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تُهيِّجوا امرأةً بأذىً، وإن شتمن أعراضَكم، وسبَبن أمراءكم وصلحاءَكم، فإنهنّ ضعاف القُوَى والأنفس (١). (٥: ١٠ - ١١).\n١٠٩١ - قال أبو مِخْنف: وحدّثني إسماعيل بن يزيد عن أبي صادق، عن الحضرميّ، قال: سمعت عليًّا يحرّض الناس في ثلاثة مواطن: يحرّض الناس يومَ صِفّين، ويومَ الجمل، ويوم النَّهر، يقول: عباد الله! اتقوا الله، وغُضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلُّوا الكلام، ووطِّنوا أنفسكم على المنازلة، والمجاوَلة، والمبارَزة، والمناضَلة، والمُجالَدة، والمعانَقة، والمكادَمة، والملازمة، ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر.\nفأصبح عليّ من الغد، فبعث على الميمنة والميسرة والرجّالة والخيل، قال أبو مخنف: فحدّثني فضيل بن خَديج الكنِديّ: أن عليًّا بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حُنَيف، وعلى رجّالة أهل الكوفة عمّار بن ياسر، وعلى رجّالة أهل البصرة قيس بن سعد، وهاشم بن\n_________\n(١) إسناده تالف، وفيه نكارة وهي قوله: (ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم) فلم ترد رواية صحيحة عن سيدنا علي يجيز لهم ذلك ولا أجازه الفقهاء على مدى العصور فكيف يجيز علي وهو من كبار فقهاء الصحابة، وأما توصيته بعدم الإجهاز على جريح أو ملاحقة هارب فقد ذكرنا ذلك في وقعة الجمل وفي خاتمة المطاف من معركة صفين في قسم الصحيح فليراجع.","vol":"8","page":761},{"text":"عُتبة، ومعه رايته، ومِسعر بن فَدَكيّ التميميّ على قرّاء أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بُدَيل، وعمّار بن ياسر.\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن يزيد بن جابر الأزديّ عن القاسم مولى يزيد بن معاوية: أنّ معاوية بعث على ميمنته ابن ذي الكَلاع الحِمْيَرِيّ، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهريّ، وعلى مقدّمته يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السُّلَميّ -وكان على خيل أهل دمشق- وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها، ومسلم بن عقبة المرِّيّ على رجّالة أهل دمشق، والضحّاك بن قيس على رجّالة الناس كلها، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقّلوا أنفسهم بالعمائم، فكان المعقّلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصُفّون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفًّا، فخرجوا أوّل يوم من صفِّين فاقتتلوا وعلى مَن خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيبُ بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جُلَّ النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض، ثم خرج هاشم بن عُتبة في خيل ورجال حَسَنٍ عددُها وعُدّتها، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومَهم ذلك، يحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثمّ انصرفوا وقد كان القوم صَبر بعضُهم لبعض، وخرج اليومَ الثالث عمّارُ بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشدّ القتال، وأخذ عمّار يقول: يا أهلَ العراق! أتريدون أن تنظروا إلى من عادَى الله ورسوله وجاهدَهما، وبغى على المسلمين، وظاهَرَ المشركين، فلما رأى الله ﷿ يعزُّ دينَه، ويُظهر رسوله أتى النبيَّ - ﷺ - فأسلم، وهو فيما نرَى راهب غير راغب؛ ثم قبض الله ﷿ رسوله - ﷺ -! فوالله إنْ زال بعدَه معروفًا بعداوة المسلم، وهَوادة المجرم، فاثبُتوا له، وقاتِلوه فإنه يطفئ نورَ الله، ويظاهر أعداءَ الله ﷿.\nفكان مع عمّار زياد بن النّضْر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وشدّ عمّار في الرجال، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه، وبارز يومئذ زياد بن النّضر أخًا له لأمّه، يقال له: عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عُقَيل -وكانت أمّهما امرأة من بني يزيد- فلما التقيا تعارَفا فتواقفا، ثم انصرف كلّ واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس.","vol":"8","page":762},{"text":"فلمّا كان من الغد خرج محمد بن عليّ وعبيدالله بن عمر في جمعيْن عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال، ثم إن عبيد الله بن عمرَ أرسل إلى ابن الحنفيّة: أن اخرج إليّ؛ فقال: نعم، ثم خرج يمشي، فبصُر به أمير المؤمنين فقال: مَنْ هذان المتبارِزان؟ فقيل: ابن الحنفيّة وعُبيد الله بن عمر؛ فحرّك دابَّته ثم نادى محمّدًا، فوقف له، فقال: أمسِكْ دابّتي، فأمسَكَها، ثم مشى إليه عليّ فقال: أبرز لك، هلّم إليّ؛ فقال: ليست لي في مبارزتك حاجة، فقال: بلى، فقال: لا، فرجع ابن عمر، فأخذ ابن الحنفيَّة يقول لأبيه: يا أبتِ، لم منعتَنى من مبارزته؟ فوالله لو تركتَني لرجوتُ أن أقتلَه، فقال: لو بارزتَه لرجوتُ أن تقتله، وما كنتُ آمن أن يقتلَك، فقال: يا أبتِ أوَ تبرز لهذا الفاسق! والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبتُ بك عنه؛ فقال عليّ: يا بُنَيّ، لا تَقُلْ في أبيه إلا خيرًا، ثم إنّ الناس تحاجزوا، وتراجعوا.\nقال: فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عُقْبة فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ودنا ابن عبَّاس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسبّ بني عبد المطّلب، وأخذ يقول: يا بن عباس! قطّعتم أرحامَكم، وقتلتم إمامَكم، فكيف رأيتم الله صنع بكم؟ ! لم تُعطَوْا ما طلبتم، ولم تُدرِكوا ما أمّلتم، واللهُ إن شاء مُهلِككم وناصرٌ عليكم، فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز لي؛ فأبى. وقاتل ابن عباس يومئذ قتالًا شديدًا، وغشيَ الناس بنفسه.\nثم خرج قيس بن سعد الأنصاريّ وابن ذي الكَلاع الحِميَريّ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انصرَفا، وذلك في اليوم السادس.\nثمّ خرج الأشتر، وعاد إليه حبيب بن مَسلمة في اليوم السابع، فاقتتلا قتالًا شديدًا، ثم انصرفا عند الظهر، وكلٌّ غير غالب، وذلك يوم الثلاثاء (١). (٥: ١١/ ١٢/ ١٣).\n_________\n(١) إسناده تالف، وفي متنه نكارات نكتفي بواحدة لعظم زيفها وكذبها؛ فقد ألصق أبو مخنف مقولة كذب بعمار ﵁ وهو أنه قال لعمرو بن العاص: (يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين وظاهر المشركين) وهذه نكارة لم ترد حتى في رواية ضعيفة من غير هذا الطريق الساقط، ويكفي لتكذيب هذه الفرية ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٤) عن زياد بن حارثة قال: كنت إلى جنب =","vol":"8","page":763},{"text":"١٠٩٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهَنيّ عن زيد بن وهب: أن عليًّا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا! فقام في النّاس عشيّة الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذي لا يُبرَم ما نَقَض، وما أبرَم لا ينقضُه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خَلْقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضولُ ذا الفضل فضلَه، وقد ساقتْنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفّت بيننا فى هذا المكان، فنحن من رَبِّنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجّل النِّقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذِّب الله الظالم، ويَعلم الحقُّ أين مصيره؛ ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ألا إنكم لاقُوا القومِ غدًا، فأطِيلوا الليلة القيامَ، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلُوا الله ﷿ النّصر والصبر، والقَوْهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين، ثم انصرف، ووثب الناسُ إلى سيوفهم ورماحِهم ونبالهِم يصلحونها، ومرّ بهم كعب بن جُعَيل التغلبيّ وهو يقول:\nأصْبَحَتِ الأمَّةُ في أمْرٍ عَجَبْ ... والمُلك مجمْوعٌ غدًا لمن غَلَبْ\nفقلتُ قولًا صادقًا غيرَ كَذِبْ ... إنَّ غدًا تَهلكُ أعلامُ العربْ\nقال: فلما كان من الليل خرج عليٌّ فعبّى الناس ليلته كلها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فأخذ عليٌّ يقول: مَن هذه القبيلة؟ ومَن هذه القبيلة؟ فنُسبت له قبائل أهل الشام، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزَهم قال للأزد: اكفُوني الأزد، وقال لخثْعم: اكفوني خَثْعم، وأمر كلَّ قبيلة من أهل العراق أن تكفيَه أختها من أهل الشام إلّا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام، ليس منهم بالعراق واحد، مثل بَجيلة لم يكن منهم بالشام إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخْم، ثم تناهض الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالًا شديدًا نهارهم كلَّه، ثم انصرفوا عند المساء؛ وكلٌّ غير\n_________\n= عمار بن ياسر بصفين وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا واحد، وقبلتنا واحدة ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.","vol":"8","page":764},{"text":"غالب، حتى إذا كان غداة الخميس؛ صلى عليُّ بغَلَس (١). (٥: ١٣/ ١٤).\n١٠٩٣ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزديّ عن أبيه، قال: ما رأيت عليًّا غلّس بالصلاة أشدّ من تَغْليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم، فكان يبدؤهم فيسير إليهم، فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم (٢). (٥: ١٤).\n١٠٩٤ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أنّ عليًّا خرج إليهم غَداة الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهمّ ربَّ السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مَغيضًا لليل والنهار، وجعلتَ فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكّانه سِبْطًا من الملائكة، لا يسأمون العبادة، وربّ هذه الأرض التي جعلتَها قرارًا للأنام، والهوامّ والأنعام، وما لا يُحصى مما لا يُرَى ومما يُرَى من خَلْقك العظيم. وربّ الفلْك التي تجري في البحر بما يَنفع الناس، وربّ السحاب المسخَّر بين السماء والأرض، وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم، وربّ الجبال الرّواسي التي جعلتَها للأرض أوتادًا، وللخلق متاعًا؛ إن أظهرتَنا على عدوّنا؛ فجنِّبنا البغيَ، وسدِّدنا للحقّ، وإن أظهرتَهم علينا؛ فارزقني الشهادة، واعصم بقيَّة أصحابي من الفتنة.\nقال: وازدلف الناس يومَ الأربعاء، فاقتتلوا كأشدّ القتال يومَهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصّلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عن الليل؛ وكلٌّ غيرُ غالب، فأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ غداة الخميس، فغلّس بالصّلاة أشدّ التَّغليس، ثم بدأ أهل الشام بالخروج، فلما رأوه قد أقبل إليهم؛ خرجوا إليه بوجوههم، وعلى ميمنته عبد الله بن بُديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عبّاس، وقرّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمَّار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بُدَيل؛ والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلْب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وعُظْم مَن معه من أهل\n_________\n(١) إسناده تالف، ولم نجد مصدرًا تأريخيًا يذكر هذين البيتين الفارغين (بسند صحيح ولا ضعيف) إلا من هذا الطريق الساقط.\n(٢) إسناده تالف، والأغلب من سيرة سيدنا علي في الجمل وصفين أنه لم يكن ليبدأ بالمقاتلة حتى يقاتلوه وذلك خلاف ما ذكره أبو مخنف هنا.","vol":"8","page":765},{"text":"المدينة الأنصارُ، ومعه من خُزاعة عدد حَسن، ومن كنانةَ وغيرهم من أهل المدينة.\nثم زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قبَّةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس، وبايعه عُظْم الناس من أهل الشام على الموت، وبعث خيلَ أهل دمشق، فاحتاطت بقبّته، وزحف عبد الله بن بُدَيل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه؛ ويكشف خيلَه من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبّة معاوية عند الظهر (١). (٥: ١٤/ ١٥).\n١٠٩٥ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أنّ ابن بُدَيل قام في أصحابه فقال: ألَا إنّ معاوية ادَّعى ما ليس أهلَه، ونازع هذا الأمرَ من ليس مثلَه، وجادل بالباطل ليُدحِض به الحقّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زيّن لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حبَّ الفتنة، ولبَس عليهم الأمر، وزادهم رِجْسًا إلى رجسهم، وأنتم على نور من ربّكم، وبرهان مبين، فقاتلوا الطغاة الجفاة، ولا تخشَوهم، فكيف تخشوْنهم وفي أيديكم كتاب الله ﷿ طاهرًا مبرورًا! ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، وقد قاتلناهم مع النبيّ - ﷺ - مرّة، وهذه ثانية، والله ما هم في هذه بأتقى، ولا أزكى، ولا أرشد! قوموا إلى عدوّكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابه (٢). (٥: ١٦).\n١٠٩٦ - قال أبو مخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاريّ عن أبيه ومولى له: أنّ عليًّا حرّض الناس يومَ صِفّين، فقال:\nإنّ الله ﷿ قد دلّكم على تجارة تُنجيِكم من عذاب أليم، تُشفي بكم على\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف، وقال الدكتور يحيى اليحيى تعقيبًا على هذه الرواية: فيها غرابة شديدة وهي قول عبد الله بن بديل: (وقد قاتلناهم مع النبي - ﷺ - مرة وهذه ثانية) والصحيح أن عبد الله وأباه أسلما يوم الفتح فكيف يكون قاتلهم وعمرو بن العاص قد أسلم قبله. ثم قال في الحاشية: وقد روى البخاري في صحيحه (٥/ ٩١) أن بديل بن ورقاء كان مع أبي سفيان حين قدم المسلمون يوم الفتح يتحسسون الأخبار. (مرويات أبي مخنف/ ٣٢٨).","vol":"8","page":766},{"text":"الخير: الإيمان بالله ﷿ وبرسوله - ﷺ -، والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكنَ طيّبة في جناتِ عدن، ثم أخبركم أنه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص؛ فسوُّوا صفوفَكم كالبنيان المرصوص، وقدِّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وعَضّوا على الأضراس، فإنه أنبَى للسيوف عن الهام، والتَوُوا في أطراف الرماح، فإنّه أصوَن للأسنّة، وغُضّوا الأبصار فإنه أربَط للجأش، وأسكَن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرَد للفشل، وأولى بالوقار، راياتِكم فلا تُميلوها، ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذّمار، والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتهم ويكنفونها، يضربون حِفافيها خَلفها وأمامها، ولا يضعونها، أجزأ امرؤٌ وقذ قِرْنه -رحمكم الله- وآسى أخاه بنفسه، ولم يَكِل قِرنَه إلى أخيه، فيكسب بذلك لائمةً، ويأتِيَ به دناءة. وأنّى لا يكون هذا هكذا! وهذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك بيده يُدخل قرنه على أخيه هاربًا منه، أو قائمًا ينظر إليه! من يفعل هذا يمقتْه الله ﷿، فلا تعرّضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردّكم إلى الله، قال الله عزّ من قائل لقوم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وايمُ الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تَسلمون من سيف الآخرةِ! واستعِينوا بالصدق والصبر، فإنّ بعد الصبر يُنزل الله النصر (١). (٥: ١٦/ ١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>الجدّ في الحرب والقتال</span>\n١٠٩٧ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو رَوْق الهمْدانيّ: أن يزيد بن قيس الأرحبيّ حرّض الناس، فقال: إنّ المسلم السليمَ من سَلِم دينُه ورأيُه، وإنّ هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيّعناه، وإحياء حقّ رأونا أمَتْناه! وإن يقاتلوننا إلّا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرةً فيها ملوكًا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورًا ولا سرورًا! - لزموكم بمثل سعيد، والوليد، وعبد الله بن عامر السفيه الضالّ، يخبر أحدهم في مجلسه بمثل ديَته وديَة أبيه وجَدّه، يقول: هذا لي، ولا إثمَ عليّ، كأنما أعطي تراثه عن أبيه وأمه، وإنما\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":767},{"text":"هو مال الله ﷿، أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا، فقاتِلوا عباد الله القومَ الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا يأخذكم في جهادهم لومُ لائم، فإنهم إن يظهروا عليكم؛ يُفسِدوا عليكم دينكم، ودنياكم؛ وهم مَن قد عرفتم، وخبرْتم، وايمُ الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شرًّا! وقاتلهم عبد الله بن بُدَيل في الميمنة قتالًا شديدًا حتى انتهى إلى قبَّة معاوية. ثم إنّ الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية، فأمرهم أن يصمُدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهلُ العراق من قِبَل الميمنة حتى لم يبقَ منهم إلّا ابن بُديل في مئتين، أو ثلاثمئة من القرّاء، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض، وانجفل الناس، فأمر عليٌّ سهلَ بن حُنيف، فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتْهم جموعٌ لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتْهم بالميمنة، وكان في الميمنة إلى موقف عليٍّ في القلب أهل اليمن، فلما كشِفوا؛ انتهت الهزيمة إلى عليّ، فانصرف يتمشّى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مُضَر من الميسرة، وثبتت ربيعة (١). (٥: ١٧/ ١٨).\n_________\n(١) إسناده تالف، وفي متنه نكارات وصدق الدارقطني ﵀ إذ قال في أبي مخنف والكلبي: (بل الواقدي خير من ملء الأرض مثل هؤلاء) (الرد على البكري/ ١٨).\nوصدق الذهبي إذ قال: (إخباري تالف لا يوثق به) (الميزان ٣/ ٤٩٩٢). وصدق الدارقطني فلم نجد الواقدي (على شدة ضعفه) يفتري ويكذب ويصف الصحابة والتابعين بهذه الدرجة: (فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ولا يأخذكم في جهادكم لوم لائم فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم) وناهيك عن الإسناد الساقط التالف لهذه الرواية فانظر إلى هذا الوصف الشنيع! وكأن أبا مخنف يريد أن يشفي غليله في هذه الرواية وينفث سمه وحقده كلّه وهو هكذا في كلّ رواية. والحمد لله فلقد قيض الله لعلم الرواية أعلامًا كأحمد وابن معين وشعبة وغيرهم خبروا الرجال وقلَّبوهم كما يقلب الصيرفي العملة، وبيَّنوا كذب المختلقين من أمثال أبي مخنف.\nولم ترد رواية صحيحة ولا ضعيفة فيما نعلم تؤيد ما جاء في رواية أبي مخنف. ومن نكاراته هنا واصفًا جيش معاوية: (وإنما هو مال الله ﷿ أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا) وكأن الذين ذكر أسماءهم (معاوية، الوليد بن عقبة، عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص) لم يحملوا سيوفًا على عواتقهم ولم يمتطوا صهوة جيادهم يومًا.\nولو كان أبو مخنف ذكيًّا لما أوقع نفسه في مطب كبير، فالمشهور أن الوليد بن عقبة اعتزل =","vol":"8","page":768},{"text":"١٠٩٨ - قال أبو مِخنْف: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهَنيّ عن زيد بن وهب الجُهَني، قال: مرّ عليّ معه بنوه نحو الميسَرة. ومعه ربيعة وحدها، وإنِّي لأرى النَّبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلّا يقيه بنفسه. فيكره عليٌّ ذلك، فيتقدّم عليه، فيحول بين أهل الشام وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلْقيه بين يديه أو من ورائه، فبصُر به أحمر -مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أميّة- فقال عليّ: وربّ الكعبة! قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسانُ مولى عليّ، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بني أمية، وينتهزه عليٌّ، فيقع بيده في جيب درعه، فيجبذه، ثم حمله على عاتقه؛ فكأنّي أنظر إلى رُجَيْلَتَيْهِ، تختلفان على عنق علي، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعَضُديه، وشدّ ابنا عليّ عليه: حسين، ومحمد، فضرباه بأسيافهما، حتى برد، فكأني أنظر إلى عليّ قائمًا، وإلى شِبليْه يضربان الرجلَ، حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما، والحسن قائمًا؛ قال له: يا بنيّ، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كَفَياني يا أميرَ المؤمنين! ثمّ إن أهل الشام دنَوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعةً في مشيه، فقال له الحسن: ما ضرّك لو سعيتَ حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوّك من أصحابك؟ فقال: يا بنيّ! إن لأبيك يومًا لن يَعدُوَه ولا يبطِّئُ به عند السعي، ولا يعجّل به إليه المشي، إنّ أباك والله ما يبالي أوَقَع على الموت، أو وَقَع الموتُ عليه (١). (٥: ١٨/ ١٩).\n١٠٩٩ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج الكِنْديّ عن مولى للأشتر، قال: لما انهزمتْ ميمنة العراق وأقبل عليٌّ نحو الميسرة؛ مرّ به الأشتر يركض نحو الفَزع قبَل الميمنة، فقال له عليّ: يا ما لك! قال: لبّيك! قال: ائت هؤلاء القومَ فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تُعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم؟ ! فمضى فاستقبل الناسَ منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له عليٌّ، وقال: إليَّ أيّها الناس! أنا مالك بن الحارث، أنا مالك بن الحارث. ثم ظنّ أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إليّ أيُّها الناس! فأقبلت\n_________\n= القتال في الفتنة وكذلك عبد الله بن عامر وسعيد بن العاص، الذين وصفهم بالسعية حاشاهم.\n(١) إسناده تالف وفي متنه غرابة.","vol":"8","page":769},{"text":"إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيُّها الناس! عضِضتم بهَنِ آبائكم! ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أيُّها الناس! أخلِصوا إليَّ مذحِجًا. فأقبلت إليه مذحِج، فقال: عضِضتم بصمّ الجندل! ما أرضَيتُم ربّكم، ولا نصحتُم له في عدوّكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفِتيان الصباح، وفرسان الطِّراد، وحتوف الأقران، ومذحِج الطّعان؛ الذين لم يكونوا يُسبَقون بثأرهم، ولا تُطلّ دماؤهم، ولا يُعرفون في موطن بخسفٍ، وأنتم حَدُّ أهل مصركم، وأعدّ حيٍّ في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم؛ فاتقوا مأثور الأحاديث في غد، واصدقوا عدوَّكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفسُ مالك بيده ما من هؤلاء -وأشار بيَده إلى أهل الشام- رجلٌ على مثال جناح بعوضة من محمد - ﷺ -! أنتم ما أحسنتم القِراع، اجْلُوا سواد وجهي يرجعْ في وجْهي دمي. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ الله ﷿ لو قد فَضّه تبعه مَن بجانبيه كما يتبع مؤخَّر السيل مقدّمه.\nقالوا: خذ بنا حيث أحببت، وصمد نحو عُظْمهم فيما يلي الميمنة، فأخذ يزحف إليهم، ويردّهم، ويستقبله شباب من هَمْدان -وكانوا ثمانمئة مقاتل يومئذ- وقد انهزموا آخرَ الناس، وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومئة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسًا، كلّما قُتل منهم رجل أخذ الراية آخرُ، فكان الأوّل كُريب بن شُرَيح، ثم شُرحبيل بن شريح، ثم مرثَد بن شُريح، ثم هُبيرة بن شريح، ثم يريم بن شُريَح، ثم سُمَير بن شريح، فقتِل هؤلاء الإخوة الستّة جميعًا، ثم أخذ الراية سُفيان بن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كُرَيب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعًا، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير، ثم الحارث بن بشير، فقتِلا، ثم أخذ الراية وهب بن كُرَيب أخو القَلوص، فأراد أن يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية -رحمك الله- فقد قُتِل أشرافُ قومك حولَها، فلا تقتل نفسك، ولا من بقيَ من قومك! فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عِدّتَنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم، فلا ننصرف حتى نقتَل أو نظفر، فمرُّوا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إليّ أنا أحالفكم، وأعاقدكم على ألا نرجع أبدًا حتى نَظفرَ أو نَهلِك، فأتوه فوقفوا معه، ففي هذا القول قال كعب بن جُعَيل التغلبيّ:","vol":"8","page":770},{"text":"وهَمدانُ زُرْقٌ تبتَغي مَن تُحالِفُ\nوزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمُد لكتيبة إلا كَشفها، ولا لجمع إلا حازه وردّه؛ فإنه لكذلك؛ إذ مرّ بزياد بن النَّضْر يحمَل إلى العسكر، فقال: مَن هذا؟ فقيل: زياد بن النَّضر، استُلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدّم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا، وقاتل حتى صُرع، ثم لم يمكثوا إلا كَلَا شيء حتى مُرّ بيزيد بن قيس الأرحبيّ محمولًا نحو العسكر، فقال الأشتر: مَن هذا؟ فقالوا: يزيد بن قيس، لما صُرع زياد بن النّضر رفع لأهل الميمنة رايتَه، فقاتل حتى صُرع، فقال الأشتر: هذا واللهِ الصبرُ الجميل، والفعل الكريم، ألا يستحي الرّجلُ أن ينصرف لا يقتُل ولا يُقتَل، أو يُشفَى به على القتل (١). (٥: ١٩/ ٢٠/ ٢١).\n١١٠٠ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ عن الحرّ بن الصيّاح النّخَعيّ: أن الأشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية، إذا\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة، ولم يصح عن الأشتر أنه قال في جيش معاوية: (والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء -وأشار بيده إلى أهل الشام- رجل على مثال جناح بعوضة من محمد - ﷺ -).\nفهذه نكارة من نكارات أبي مخنف -وما أكثرها- ونرى من المناسب أن نذكر هنا رواية عن الأشتر تبيّن تمامًا زيف هذه الرواية فقد أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٧) وابن أبي شيبة (١٥/ ٢٦٥): (لما رجع علي من الجمل وتهيأ لصفين اجتمعت النخع حتى دخلوا على الأشتر فقال: هل في البيت إلّا نخعي؟ فقالوا: لا، فقال: إن هذه الأمة عمدت إلى خيرها فقتلته، وسرنا إلى أهل البصرة قوم لنا عليهم بيعة فنصرنا عليهم بنكثهم، وإنكم تسيرون غدًا إلى أهل الشام قوم ليس لكم عليهم بيعة، فلينظر امرؤ منكم أين يضع سيفه) وصححه الذهبي على شرط مسلم.\nقلنا: وهذه رواية صريحة تؤكد أنه كان شاكًّا (ومنذ البداية وقبل وقوع المعركة) في صحة خروجه إلى صفين أم لا، وأراد من قومه أن يتريثوا خشية أن يرتكبوا خطأً كما فعل قوم في الفتنة قبلها- فمن أين اصطنع أبو مخنف هذا الحماس المنقطع النظير الذي ملأ قلب الأشتر حتى صاح قائلًا: (أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم)؟ ! أو يقول: (أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدًا حتى نظفر أو نهلك).","vol":"8","page":771},{"text":"طأطأها خِلْت فيها ماء منصبًّا، وإذا رفعها كاد يُغْشِي البصرَ شعاعُها، وجعل يضرب بسيفه ويقول: الغَمَرَاتِ ثمَّ يَنْجَلِينا قال: فبصرُ به الحارث بن جُمهان الجُعفيّ؛ والأشتر متقنّع في الحديد، فلم يعرفه، فدنا منه فقال له: جزاك الله خيرًا منذ اليوم عن أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين! فعرفه الأشتر. فقال: يابن جمهان! مثلُك يتخلّف عن مثل موطني هذا الّذي أنا فيه! فنظر إليه ابن جُمهان فعرفه، فكان من أعظم الرجال وأطوَله -وكان في لحيته خِفةٌ قليلة- فقال: جُعلت فداك! لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة، ولا أفارقك حتى أموت! قال: ورآه منقذٌ وحِمْير ابنا قيس الناعِطيّان، فقال منقذ لحميرَ: ما في العرب مثل هذا، إن كان ما أرى من قتاله على نيَّته، فقال له حمير: وهل النيّة إلا ما تراه يصنع! قال: إني أخاف أن يكون يحاول مُلْكًا (١). (٥: ٢٢).\n١١٠١ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضيل بن خَدِيج عن مولى للأشتر: أنه لما اجتمع إليه عُظْم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم، ثم قال: عَضّوا على النَّواجذ من الأضراس، واستقبِلوا القوم بهامِكم، وشُدّوا شِدّةَ قوم موتورين ثأرًا بآبائهم وإخوانهم حِناقًا على عدوِّهم، قد وطَّنوا على الموت أنفسَهم كيلا يُسبَقُوا بوَتر، ولا يلحقوا في الدنيا عارًا، وايمُ الله ما وُتِر قوم قطّ بشي أشدّ عليهم من أن يوتَروا دينَهم! وإنّ هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليُميتوا السنَّة، ويُحيُوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله ﷿ منها بحسن البصيرة. فطيبوا عبادَ الله أنفسًا بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنّات النعيم، وإنّ الفِرار من الزّحف فيه السلب للعزّ، والغلَبة على الفيء، وذلّ المحيَا والممات، وعارُ الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) إسناده تالف، وفيه يبالغ أبو مخنف ليصف الأشتر بعاطفة الانتماء القبلي ويصوره بطلًا يؤدي دورًا أضخم مما يؤديه أمير المؤمنين علي، ويسرح بخياله وكأنه يرسم لوحة خيالية (وهو يصف حتى سلاح الأشتر فيقول): (في يده صفيحة يمانية إذ طأطأها خِلت فيها ماء منصبًا، وإذا رفعها كاد يغشي البصر شعاعها).\nولم يثبت هذا لا في رواية صحيحة ولا ضعيفة ولا حتى ضعيفة جدًّا بل انفرد به الهالك التالف أبو مخنف.","vol":"8","page":772},{"text":"وحَمَلَ عليهم حتى كشفهم، فألحقهم بصفوف معاويةَ بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بُديل وهو في عُصْبة من القرّاء بين المئتين والثلاثمئة، وقد لصِقوا بالأرض كأنّهم جُثًا، فكشف عنهم أهل الشام، فأبصروا إخوانَهم قد دنَوا منهم، فقالوا: ما فعل أميرُ المؤمنين؟ قالوا: حيٌّ صالح في الميسرة، يقاتل الناس أمامه، فقالوا: الحمد لله، قد كنا ظننّا أن قد هلك وهلكتم، وقال عبد الله بن بُدَيل لأصحابه: استقدِموا بنا؛ فأرسل الأشتر إليه: ألَّا تفعل، اثبتْ مع الناس فقاتِل، فإنَّه خيرٌ لهم وأبقَى لك ولأصحابك. فأبى، فمضى كما هو نحو معاوية، وحوله كأمثال الجبال، وفي يده سَيْفان، وقد خرج فهو أمامَ أصحابه، فأخذ كلَّما دنا منه رجلٌ ضربه فقتله، حتى قتل سبعة، ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتَلَ حتى قُتِل، وقُتِل ناس من أصحابه، ورجعتْ طائفة قد جرحوا منهزمين، فبعث الأشتر ابن جُمهان الجعفيّ فحمل على أهل الشام الذين يُتبعون مَن نجا من أصحاب ابن بُديل حتى نفّسوا عنهم، وانتهَوْا إلى الأشتر، فقال لهم: ألم يكن رأي لكم خيرًا من رأيكم لأنفسكم؟ ! ألم آمرْكم أن تثبتُوا مع الناس؟ ! وكان معاوية قال لابن بُديل وهو يضرب قُدُمًا: أتَرونه كبش القوم! فلما قُتِل؛ أرسل إليه، فقال: انظروا مَنْ هو؟ فنظر إليه ناس من أهل الشام فقالوا: لا نعرفه، فأقبل إليه حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبد الله بن بُدَيل، والله لو استطاعت نساءُ خُزاعة أن تقاتِلَنا فضلًا على رجالها لفعلتْ، مُدّوه، فمَدُّوه، فقال: هذا واللهِ كما قال الشاعر:\nأخو الحَرْب إنْ عَضَّتْ به الحرب عَضَّها ... وإن شَمَّرَتْ يومًا به الحربُ شَمَّرَا\nوالبيت لحاتم طيّئ، وإن الأشتر زحف إليهم، فاستقبله معاوية بعكّ والأشعَرِين، فقال الأشتر لمذحِج: اكفونا عَكًّا، ووقف في هَمْدان، وقال: لِكنْدة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ يخرج إلى قومه، فيقول: إنما هم عَكّ، فاحمِلوا عليهم، فيجثُون على الرُّكب ويرتجزون:\nيا وَيلَ أمِّ مَذْحِجٍ من عَكِّ ... هاتيكَ أمُّ مَذْحِجٍ تُبَكِّي\nفقاتلوهم حتى المساء. ثم إنه قاتلهم في هَمْدانَ وناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحَقَهم بالصفوف الخمسة المعقَّلة","vol":"8","page":773},{"text":"بالعمائم حول معاوية، ثم شَدّ عليهم شَدّة أخرى فصرع الصفوف الأربعة، -وكانوا معقَّلين بالعمائم- حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا معاوية بفرس فركب، وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرتُ قولَ ابنِ الإطنابة من الأنصار -كان جاهليًّا، والإطنابة امرأة من بَلْقَيْن-:\nأبتْ لي عِفّتي وحَياءُ نَفْسي ... وإقدامي على البَطَلِ الْمشيحِ\nوإعطائي على المَكروهِ مالي ... وأخذي الحَمْدَ بالثَّمَنِ الرَّبيح\nوقَوْلي كُلَّمَا جَشَأت وجاشَتْ ... مكانَكِ تُحْمدي أو تَستَريحي\nفمنعني هذا القولُ من الفرار (١). (٥: ٢٢/ ٢٣/ ٢٤).\n١١٠٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعين الجُهنيّ عن زيد بن وهْب: أنّ عليًّا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعِها ومصافّها وكشفت مَن بإزائها من عدوّها حتى ضاربوهم في مواقفِهم ومراكزهم؛ أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جَولتكم وانحيازَكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجافة وأعراب أهل الشام، وأنتم لَهامِيمُ العرب، والسَّنام الأعظم، وعُمّار الليل بتلاوة القرآن، وأهلُ دعوة الحق إذ ضلّ الخاطئون؛ فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكرُّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولِّي يومَ الزّحف دبرَه، وكنتم من الهالكين؛ ولكنْ هوّن وَجدي، وشفَى بعضَ أُحاحِ نفسي: أني رأيتكم بأخَرة حُزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافّهم كما أزالوكم، تحسُّونهم بالسيوف، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرَّدة الهيم؛ فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة، وثبَّتكم الله ﷿ باليقين، ليعلم المنهزم: أنه مسخِط ربّه، وموبِق نفسَه؛ إن في الفرار موجِدةَ الله ﷿ عليه، والذلّ اللازم، والعارَ الباقي، واعتصار\n_________\n(١) إسناده تالف، ومتنه يعجّ بالنكارات ومنها قول الأشتر ذلك البطل الأسطوري (في روايات أبي مخنف): (وإن هؤلاء القوم (ويقصد جيش معاوية) لا يقاتلونكم إلّا عن دينكم ليميتوا السنة ويحيوا البدعة ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله ﷿ منها بحسن البصيرة) وهل معنى الضلالة التي أخرج الله منها العرب إلّا شرك الجاهلية؟ فهل المعركة كانت بين جيوش المسلمين والكفار والكل يعلم أن سبب القتال هو طلب معاوية ﵁ ومن معه بدم عثمان وعاهدوا على عدم الكف حتى يأخذوا بدم الخليفة المظلوم فأين هذا الهدف مما تصف رواية الأشتر؟ ! ثم هل خلا جيش علي ﵁ من خطأ من أمثال الإمام علي نفسه وابنه الحسن ومحمد بن الحنفية وعمار وأبو موسى الأشعري وغيرهم كثير من أجلاء الصحابة؟ !","vol":"8","page":774},{"text":"الفيء من يده، وفساد العيش عليه، وإنّ الفارّ منه لا يزيد في عُمره، ولا يُرضِي ربّه، فموت المرء مُحِقًّا قبل إتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتأنيس لها، والإقرار عليها (١). (٥: ٢٥).\n١١٠٣ - قال أبو مخنف: حدّثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسيّ: أن راية بَجِيلة بصِفِّين كانت في أحْمس بن الغوث بن أنْمار مع أبي شدّاد -وهو قيس بن مَكْشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن عليّ بن أسلم بن أحْمَس بن الغوث- وقالت له بجِيلة: خذ رايتَنا. فقال: غيري خيرٌ لكم منّي. قالوا: ما نريد غيرَك! قال: والله لئن أَعطيتُمونِيها لا أنتهي بكم دون صاحب التُّرْس المُذهَب. قالوا: اصنَع ما شئتَ. فأخذها ثم زحف، حتى انتهى بهم إلى صاحب التُّرْس المُذهَب -وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية، وذكروا: أنّه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزوميّ- فاقتتل الناسُ هنالك قتالًا شديدًا، فشدّ بسيفه نحو صاحب التُّرس، فتعرّض له روميّ، مولى لمعاوية فيضرب قَدَم أبي شدّاد فيقطعها، ويضربه أبو شدّاد فيقتله، وأشرِعت إليه الأسنَّة فقتِل، وأخذ الرَّاية عبد الله بن قِلْع الأحمسيّ وهو يقول:\nلا يُبْعِدِ اللهُ أَبا شَدَّادِ ... حَيْثُ أَجاب دَعْوَةَ المنادِي\nوشَدَّ بالسيف على الأعادي ... نِعْمَ الفَتى كان لَدَى الطِّرادِ\nوفي طِعانِ الرَّجْل والجِلادِ\nفقاتل حتى قُتِل، فأخذ الرَّاية أخوه عبد الرحمن بن قِلْع، فقاتل حتى قُتِل، ثم أخذها عَفيف بن إياس، فلم تزل في يده حتى تحاجزَ الناس، وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسيّ -أخو قيس بن أبي حازم- يومئذ، وقتِل نُعيم بن صُهيب بن العُلَيّة البَجَليّ يومئذ، فأتى ابنُ عمّه، وسميُّه نُعيم بن الحارث بن العُليّة معاويةَ\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة، وحاشا لسيدنا علي ﵁ (وهو صاحب الخلق الرفيع واللسان الطاهر والأدب الجم) حاشاه أن يقول واصفًا جيشًا فيه معاوية ومن معهم من الصحابة رضوان الله عليهم (الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام)؛ وعلي ﵁ أعرف بأشراف الناس وأنسابهم ومنهم من مكة والمدينة مع كلا الجيشين وكذلك فإن الطرفين لا يخلوان من مثيري الفتنة السبئية وهؤلاء هم الذين يذكون نار الفتنة إذا خمدت ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"8","page":775},{"text":"-وكان معه- فقال: إن هذا القتيل ابنُ عمّي، فهبه لي أدفنه، فقال: لا تدفنه فليس لذلك أهلًا، والله ما قدرنا على دفن ابن عفَّان ﵁ إلا سرًّا، قال: والله لتأذننّ في دفنه، أو لألحقنّ بهم ولأدَعنّك! قال معاوية: أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورُهم، فأنت تسألني في دفن ابنِ عمك! ادفنه إن شئتَ أو دَعْ، فَدفَنه (١). (٥: ٢٥/ ٢٦).\n١١٠٤ - قال أبو مخنف: حدثنى الحارث بن حَصيرة الأزديّ، عن أشياخ من النَّمِر من الأزد: أن مِخْنَف بن سُليم لما نُدبت الأزْد للأزْد، حمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ من الخطأ الجليل، والبلاءِ العظيم، أنّا صُرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا، والله ما هي إلا أيدينا نقطّعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نجدّها بأسيافنا، فإن نحن لم نؤاسِ جماعتَنا، ولم نناصحْ صاحبنا، كفرْنا، وإن نحن فعلْنا فعزَّنا أبحْنا، ونارنا أخمَدْنا؛ فقال له جُندَب بن زهير: والله لو كنّا آباءهم وولدناهم، أو كنّا أبناءهم ووَلَدونا- ثم خرجوا من جماعتنا، وطعنوا على إمامنا، وإذًا هم الحاكمون بالجوْر على أهل ملّتنا وذمَّتنا، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى يرجعوا عمّا هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم.\nفقال له مخنف -وكان ابن خالته: أعزَّ الله بك النيّة! والله ما عُلمت صغيرًا وكبيرًا إلّا مشؤومًا! والله ما ميَّلْنا الرأيَ قطّ أيَّهما نأتي أو أيَّهما نَدَع- في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا- إلّا اخترتَ أعسرهما وأنكدَهما! اللهمّ أن تُعافِيَ أحبّ إلينا من أن تَبتَلِيَ! فأعطِ كلّ امرئ منّا ما يسألك.\nوقال أبو بُريدة بن عوف: اللهمّ احكم بيننا بما هو أرضى لك، يا قوم إنكم تبصرون ما يصنع الناس، وإنّ لنا الأسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حقّ، وإن يكونوا صادقين؛ فإنّ أُسْوةً في الشرِّ - والله ما علمنا - ضرَرٌ في المحيا والممات.\nوتقدّم جندَب بن زهير، فبارز رأسَ أزْد الشام فقتله الشاميّ، وقُتل من رهطه عِجْل وسَعْد ابنا عبد الله من بني ثعلبة وقُتِل مع مِخْنف من رهطه عبد الله وخالد ابنا\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة، ولا ندري لماذا لا يسمح سيدنا معاوية لمقاتل معه أن يدفن ابن عمه والدفن مأمور به في الدين الإسلامي الحنيف.\nوهل هذه معضلة تعكر على معاوية أمره وإذا كان أمر الجيش متوقفًا على رجل يدفن ميتًا فكيف استطاع الجيشان أن يقاتلا هذا القتال الشرس كما يزعم أبو مخنف؟","vol":"8","page":776},{"text":"ناجذ، وعمرو وعامر ابنا عُوَيف، وعبد الله بن الحجاج وجُندَب بن زهير، وأبو زينب بن عوف بن الحارث، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزديّ في الفقراء الذين مع عمّار بن ياسر فأصيب معه (١). (٥: ٢٦/ ٢٧).\n١١٠٥ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن حَصيرة عن أشياخ النَّمِر: أنّ عقبة بن حديد النمريّ قال يوم صِفّين: ألا إنّ مرعى الدنيا قد أصبح هشيمًا، وأصبح شجرُها خضِيدًا، وجديدها سَمَلًا، وحلوها مرَّ المذاق، ألا وإنّي أنبئكم نبأ امرئ صادق: إني قد سئمتُ الدنيا، وعزفتْ نفسي عنها، وقد كنت أتمنّى الشهادة، وأتعرّض لها في كلّ جيش وغارة؛ فأبى الله ﷿ إلا أن يبلِّغني هذا اليوم، ألا وإني متعرّض لها من ساعتي هذه، قد طمعت ألا أحرَمها، فما تنتظرون عبادَ الله بجهاد مَنْ عادى الله؟ خوفًا من الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كفٍّ بالسيف! تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله ﷿ وموافقة النبيّين، والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين في دار القرار! ما هذا بالرأي السديد! ثم مضى فقال: يا إخوتي! قد بعتُ هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها لا يبرح وجوهَكم، ولا يقطع الله ﷿ رجاءكم! فتبعه إخوته: عبيد الله وعوف ومالك، وقالوا: لا نطلب رزقَ الدنيا بعدَك، فقبَّح الله العيشَ بعدك! اللهمّ إنا نحتسب أنفسنَا عندك! فاستقدموا فقاتَلوا حتى قُتِلوا (٢). (٥: ٢٧/ ٢٨).\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده تالف وفي متنه نكارة، فعلى عادته يلصق أبو مخنف هذه الأوصاف بجيش معاوية ﵁ ويتقولها على لسان أتباع أمير المؤمنين علي ﵁ قولهم ومنها هذه العبارة: (فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله؟) ولا أصدق من رواية عمّار ردًا على هذه الأكاذيب كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٤) عن زياد بن الحارث ﵁ قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين وركبتي تمسُّ ركبتيه، فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: (لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه).\nومن فوائد هذه الرواية أن الراوي (وله صحبة) كان قريبًا جدًّا من عمار حين سمع هذه الكلمات (وركبتي تمس ركبته) - فلا مجال لتأويل آخر أو الشك في أن يكون عمارًا قائلًا لهذه الكلمات والله تعالى أعلم.","vol":"8","page":777},{"text":"١١٠٦ - قال أبو مخنف: حدّثني صلة بن زهير النهديّ عن مسلم بن عبد الله الضّبابيّ، قال: شهدت صِفِّين مع الحيّ ومعنا شَمر بن ذي الجوشن الضبابيّ، فبارزه أدهم بن محرز الباهلي، فضرب أدهم وجه شَمِر بالسيف، وضربه شَمِر ضربة لم تضْرره، فرجع شَمِر إلى رَحْله فشرب شربةً - وكان قد ظمئ - ثم أخذ الرمح، فأقبل وهو يقول:\nإنِّي زَعيمٌ لأَخي باهلَهْ ... بطَعْنَةٍ إنْ لم أُصبْ عاجِلهْ\nأو ضَرْبَةٍ تَحْتَ القَنا والوَغى ... شَبيهَةٍ بالقَتْلِ أو قاتِلَهْ\nثم حمل على أدهم فصرعه، ثم قال: هذه بتلك (١). (٥: ٢٨).\n١١٠٧ - قال أبو مخنف: حدّثني عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجُشَميّ: أن بشر بن عِصْمة المُزَنيّ كان لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصِفِّين؛ بَصُر بشر بن عِصْمة بمالك بن العَقَدِيّة -وهو مالك بن الجُلاح الجُشَميّ، ولكنّ العَقَدِيّة غلبتْ عليه- فرآه بِشْر وهو يَفرِي في أهل الشام فَرْيًا عجيبًا، وكان رجلًا مسلمًا شجاعًا، فغاظ بشرًا ما رأى منه، فحمل عليه فطعنه فصرعه، ثم انصرف، فندم لطعنته إيّاه جبَّارًا، فقال:\nوإني لأرْجو مِنْ مَليكي تَجَاوُزًا ... ومنْ صاحِبِ الموسوم في الصَّدْر هاجسُ\nدَلَفْتُ له تَحْتَ الغُبارِ بِطَعْنَةٍ ... على ساعَةٍ فيها الطِّعان تخَالسُ\nفبلغتْ مقالتُه ابنَ العَقَدِيّة، فقال:\nألا أَبْلِغَا بِشْرَ بنَ عِصْمَةَ أَنَّنِي ... شُغِلْتُ وألْهاني الّذِين أمارِسُ\nفصادَفْتَ مِني غِرَّةً وأصَبْتَها ... كذلكَ والأبْطالُ ماضٍ وخالِسُ\nثم حمل عبد الله بن الطُّفَيْل البَكّائيّ على جمع لأهل الشام، فلمّا انصرف؛ حمل عليه رجل من بني تَميم -يقال له: قيس بن قُرّة، ممّن لحق بمعاوية من أهل العراق- فيضع الرُّمح بين كتفي عبد الله بن الطُّفيل، ويعترضه يزيد بن معاوية، ابن عم عبد الله بن الطُّفيل، فيضع الرمح بين كتفي التميميّ، فقال: والله لئن طعنتَه؛ لأطعننّك! فقال: عليك عهد الله وميثاقُه لئن رفعتُ السنان على ظهر صاحبك لترفعنّ سنانَك عنِّي! فقال له: نعم، لك بذلك عهدُ الله! فرفع\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":778},{"text":"السنّان عن ابن الطُّفيل، ورفع يزيد السنانَ عن التَّميميّ، فقال: ممّن أنت؟ قال: من بني عامر؛ فقال له: جعلني الله فداكم! أينما أُلفكم أُلفِكم كرامًا، وإني لحادي عَشَرَ رجلًا من أهل بيتي ورهطي قتلتموهم اليوم، وأنا كنت آخرَهم، فلما رجع الناس إلى الكوفة؛ عتب على يزيد بن الطُّفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمّه، فقال له:\nألم تَرَني حامَيْتُ عنك مُناصِحًا ... بِصفِّينَ إذْ خَلَّاكَ كلُّ حَميمِ\nونَهْنَهْتُ عنك الحنظَليَّ وقدْ أتَى ... على سابحٍ ذي مَيْعَةٍ وهَزيمِ! (١)\n(٥: ٢٨/ ٢٩).\n١١٠٨ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَديج، قال: خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكنديّ، ثم الطمَحِيّ، فتجاوَلا ساعة، ثم إن عبد الرحمن حمل على الشاميّ فطعنه في ثُغرة نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحَه، فإذا هو حبشيّ، فقال: إنّا لله! لِمَنْ أخطرت نفسي! لعبد أسود! وخرج رجل من عكّ يسأل المبارزة، فخرج إليه قيس بن فَهْدان الكِنانيّ، ثم البَدَنِيّ، فحمل عليه العكِّيّ فضربه واحتمله أصحابُه فقال قيس بن فَهْدان:\nلَقَدْ عَلِمَتْ عَكٌّ بصِفّينَ أننا ... إذا التَقَتِ الخيلان نَطْعنُها شَزْرَا\nونحْمِلُ راياتِ الطّعانِ بِحَقِّها ... فنُورِدُها بيضًا ونُصْدِرُها حُمْرا (٢)\n(٥: ٣٠).\n١١٠٩ - قال أبو مخنف: وحدّثني فُضَيل بن خَدِيج: أن قيس بن فهدان كان يحرّض أصحابه فيقول: شدّوا إذا شددتم جميعًا، وإذا انصرفتم؛ فأقبِلوا معًا، وغُضّوا الأبصار، وأقلّوا اللفظ، واعتوِروا الأقران، ولا يؤتَينّ من قِبلكم العرب، قال: وقتلِ نُهَيك بن عُزَير -من بني الحارث بن عديّ، وعمرو بن يزيد من بني ذُهل، وسعيد بن عمرو- وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فرّ إلى معاوية من عليّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه أخوه أبو العَمَرّطة بن يزيد، فتعارفا،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف، وكل هذه التفاصيل انفرد بها أبو مخنف من بين معاصريه في هذه الرواية وبقية الروايات إلا ما أشرنا في الموضع المناسب.","vol":"8","page":779},{"text":"فتواقفا وانصرفا إلى الناس، فأخبر كلّ واحد منهما أنه لقي أخاه (١). (٥: ٣٠).\n١١١٠ - قال أبو مِخنف: حدّثني جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوَين الطائيّ: أن طيّئًا يوم صِفِّين قاتلت قتالًا شديدًا، فعبّيَت لهم جموع كثيرة، فجاءهم حمزة بن مالك الهمْدانيّ، فقال: ممّن أنتم، لله أنتم! فقال عبد الله بن خليفة البَوْلانيّ -وكان شيعيًّا شاعرًا خطيبًا: نحن طيِّئ السهل، وطيِّئ الرمل، وطيِّئ الجَبل، الممنوع ذي النخل؛ نحن حُماة الجبلين، إلى ما بين العُذَيب والعَيْن، نحن طيّئ الرماح، وطيِّئ النِّطاح، وفُرسان الصّباح، فقال حمزة بن مالك: بخٍ بخٍ! إنك لحسن الثناء على قومك، فقال:\nإنْ كُنْتَ لم تَشْعُر بنَجدَةِ مَعْشَرٍ ... فأَقدِمْ عَلَيْنا وَيْبَ غَيْرِك تَشعُرِ\nثم اقتتل الناس أشدّ القتال، فأخذ يناديهم ويقول: يا معشر طيّئ! فِدًى لكم طارِفي وتالِدي! قاتِلوا على الأحساب، وأخذ يقول:\nأنا الذي كنْت إذا الدّاعي دَعا ... مصَمِّمًا بالسَّيْفِ نَدْبًا أرْوَعَا\nفأنزل المُسْتَلْئِمَ المُقَنّعا ... وأقتلُ المُبالِطَ السَّمَيْدَعَا\nوقال بشر بن العَسوس الطائيّ ثم المِلْقطيّ:\nيَا طيّئ السُّهولِ والأجبالِ ... ألا انهدُوا بالبيضِ والعَوالي\nوبالْكُماةِ مِنْكُمُ الأبطالِ ... فقارِعوا أئِمَّةَ الجُهَّالِ\nالسّالِكينَ سُبُلَ الضَّلال\nففُقئتْ يومئذ عين ابن العَسوس، فقال في ذلك:\nألا لَيْتَ عَيني هذِهِ مِثلُ هذِهِ ... فلَم أمشِ في الآناسِ إلَّا بقائِدِ\nويا لَيْتَنِي لم أَبْقَ بعد مُطَرِّفٍ ... وسَعد وبعد المُسْتَنِيرِ بنِ خالِدِ\nفوارِسَ لم تَغْذُ الحواضِنُ مِثْلَهُمْ ... إذا الحربُ أَبدَتْ عن خدامِ الخَرائِد\nويا ليت رِجلي ثَمّ طُنَّتْ بِنِصْفِها ... ويا ليت كفِّي ثَمَّ طاحَتْ بِساعدي (٢)\n(٥: ٣٠/ ٣١).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف وفي متنه نكارة، ولم تكن هذه الألقاب شائعة يومها (شعبيًا) وإنما هو سبك الرواية بعبارات لا أصل لها والله أعلم.","vol":"8","page":780},{"text":"١١١١ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو الصّلت التيميّ، قال: حدّثني أشياخ محارب: أنّه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد، وكان من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يومَ صِفِّين، جعل يرى أصحابه منهزِمين، فأخذ ينادي: يا معشر قيْس! أطاعةُ الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن! الفِرار فيه معصية الله سبحانه وسخطُه، والصبر فيه طاعة الله ﷿ ورضوانُه، فتختارون سخطَ الله تعالى على رضوانِه، ومعصيتَه على طاعته! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسبًا لنفسه. وقال:\nلا وأَلَتْ نَفسُ امْرِئٍ وَلَّى الدُّبُرْ ... أنا الَّذِي لا يَنثني ولا يَفِرْ\nولا يُرَى مع المعازيل الغُدُرْ\nفقاتلَ حتى ارتُثّ، ثم إنه خرج مع الخمسمئة الذين كانوا اعتزلوا مع فَرْوة بن نَوْفل الأشجعيّ، فنزلوا بالدَّسكرة والبَنْدنيجَيْن، فقاتلت النَّخَع يومئذ قتالًا شديدًا، فأصيب منهم يومئذ بكْر بن هوْذَة، وحيّان بن هَوذة، وشُعيب بن نُعيم من بني بكْر النَّخع، وربيعة بن مالك بن وَهْبيل، وأبيّ بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقُطِعت رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحِبّ أنّ رجلي أصحّ ما كانت، وإنها لمما أرجو به حسنَ الثواب من ربي ﷿، وقال: لقد كنت أحبّ أن أرى في نومي أخي، أو بعض إخواني، فرأيتُ أخي في النوم، فقلت: يا أخي! ماذا قَدمتم عليه؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم، فاحتججنا عند الله ﷿، فحججْناهم، فما سُررت منذ عقلتُ سروري بتلك الرؤيا (١). (٥: ٣٢).\n١١١٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني سُويَد بن حيّة الأسديّ عن الحُضَين بن المنذر: أنّ أناسًا كانوا أتوْا عليًّا قبل الوقْعة فقالوا له: إنا لا نرى خالد بن المعمَّر إلّا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعَه، فبعَث إليه عليّ وإلى رجال من أشرافنا، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ يا معشر ربيعة! فأنتم أنصارِي، ومجيبو دَعْوَتي، ومِن أوثقِ حيٍّ في العرب في نفسي، وقد بلَغني: أنّ معاوية قد\n_________\n(١) إسناده تالف، ومرة أخرى يمتدح أبو مخنف بني قومه وأجداده (النخع) تمامًا كما يبالغ سيف في مدح بني قومه ويبالغ في دورهم في حرب الردة.\nولم نجد رواية صحيحة فيما بين أيدينا من المصادر صحيحة تؤيد هذه الرواية والله أعلم.","vol":"8","page":781},{"text":"كاتب صاحبَكم خالد بن المعمَّر، وقد أتيتُ به، وجمعتُكم لأشهِدَكم عليه، ولتسمعوا أيضًا ما أقوله، ثمّ أقبل عليه، فقال: يا خالد بن المعمر! إن كان ما بلغني حقّا فإني أُشهِد الله ومَن حَضرني من المسلمين أنّك آمِنٌ حتى تلحق بأرض العراق، أو الحجاز، أو أرضٍ لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنتَ مكذوبًا عليك، فإنْ صدورنا تطمئنّ إليك، فحلف بالله ما فعل، وقال رجال منّا كثير: لو كنا نعلم أنه فعل؛ أمثلناه، فقال شقيق بن ثوْر السَّدوسيّ: ما وُفّق خالد بن المعمّر أنْ نصَر معاوية وأهل الشأم على عليّ وربيعة! فقال زياد بن خَصفة التّيميّ: يا أمير المؤمنين! استوثِق من ابن المعمَّر بالأيمان لا يغدرنّك. فاستوثق منه، ثم انصرفنا، فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قِبَل الميمنة، فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عالٍ جهير، كغير المكترِث لما فيه الناس: من هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة، فقال: بل هي رايات الله ﷿، عصم الله أهلها، فصبّرهم، وثبّت أقدامهم، ثم قال لي: يا فتى! ألا تُدْني رايتَك هذه ذراعًا؟ قلت: نعم والله وعشرَةَ أذرُع؛ فقمت بها فأدنيتُها، حتى قال: إنّ حسبَك مكانك، فثبتُّ حيث أمرني، واجتمع أصحابي (١). (٥: ٣٣).\n١١١٣ - قال أبو مخنف: حدّثنا أبو الصّلت التيميّ، قال: سمعتُ أشياخَ الحي من تيم الله بن ثعلبة يقولون: إن راية ربيعة - أهل كوفتها وبصرتها - كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة. قال: وسمعتهم يقولون: إنّ خالد بن المعمر وسُفيان بن ثور السَّدوسيّ اصطلحا على أن ولّيا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحُضيْن بن المنذر الذُّهليّ، وتنافَسَا في الرّاية، وقالا: هذا فتىً منَّا له حَسَب، نجعلها له حتى نرى من رأينا.\nثم إنّ عليًّا ولَّى خالد بن المعمّر بعدُ راية ربيعة كلَّها، قال: وضرب معاوية لحميَر بسهمهم على ثلاث قبائل، لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عددًا منها يومئذ: على ربيعة، وهَمْدان، ومذحِج، فوقع سهم حِمْير على ربيعة، فقال ذو الكَلاع؛ قبّحك الله من سهم! كرهتَ الضِّراب! فأقبل ذو الكَلاع في حميَر ومَن تعلّقها، ومعهم عبيد الله بن عمرَ بن الخطّاب في أربعة آلاف من قرّاء أهل\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":782},{"text":"الشأم، وعلى ميمنتهم ذو الكَلاع، فحملوا على ربيعة، وهم ميسرة أهلِ العراق، وفيهم ابنُ عبّاس، وهو على الميسرة، فحمل عليهم ذو الكَلاع، وعبيد الله بن عمر حَمْلةً شديدة بخيلهم ورجلهم، فتضعضعتْ رايات ربيعة إلّا قليلًا من الأخيار والأبدال. قال: ثمّ إن أهل الشأم انصرفوا، فلم يمكثوا إلّا قليلًا حتى كرّوا، وعبيد الله بن عمر يقول: يا أهل الشأم! إنّ هذا الحيَّ من أهل العراق قتلة عثمان بن عفّان ﵁، وأنصار عليّ بن أبي طالب، وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان، وهلك عليّ بن أبي طالب، وأهل العراق، فشَدّوا على الناس شدّة، فثبتتْ لهم ربيعة، وصبروا صبرًا حسنًا إلا قليلًا من الضعفاء والفَشَلة، وثبت أهل الرايات، وأهلُ الصَّبر منهم، والحفاظ، فلم يزولوا، وقاتَلوا قتالًا شديدًا. فلما رأى خالد بن المعمّر ناسًا من قومه انصرفوا؛ انصرف، ولمّا رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا؛ رجع وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرّجوع، فقال: مَنْ أراد من قومه أن يتّهمه؛ أراد الانصراف، فلمّا رآنا قد ثبتنا؛ رجع إلينا، وقال هو: لما رأيت رجالًا منا انهزموا رأيتُ أن أستقبلهم وأردّهم إليكم، وأقبلت إليكم فيمن أطاعني منهم، فجاء بأمر مشبّه (١). (٥: ٣٣/ ٣٤/ ٣٥).\n١١١٤ - قال أبو مخنف: حدّثني رجل من بكر بن وائل عن محرز بن عبد الرحمن العجْليّ، أنّ خالدأ قال يومئذ: يا معشرَ ربيعة! إن الله ﷿ قد أتى بكلّ رجل منكم من منبته ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جمعًا لم يجمعكم مِثله منذ نشرَكم في الأرض، فإنْ تمسِكوا بأيديكم، وتنكُلوا عن عدوّكم، وتزولوا عن مصافِّكم؛ لا يرض الله فعلَكم، ولا تقدَموا من الناس صغيرًا أو كبيرًا إلّا يقول: فضحتْ ربيعة الذِّمار، وحاصَت عن القتال، وأتِيتْ من قِبلها العرب، فإيّاكم أن يتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم، وإنكم إن تمضُوا مقبلين مقدمين، وتصيروا محتسبين؛ فإنّ الإقدام لكم عادة، والصبر منكم سجيّة، واصبروا ونيّتكم صادقة أن تؤجَروا، فإنّ ثواب مَن نَوَى ما عند الله شرفُ الدنيا وكرامةُ الآخرة، ولن يُضيع اللهُ أجرَ من أحسن عملًا.\nفقام رجل من ربيعة فقال: ضاع والله أمرُ ربيعة حين جعلتْ إليك أمورَها!\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":783},{"text":"تأمرنا ألّا نزول ولا نحُول حتى تَقتل أنفسَنا، وتَسفِك دماءنا! ألا ترى الناس قد انصرف جُلُّهم! فقام إليه رجال من قومه فنهروه، وتناولوه بألسنتهم، فقال لهم خالد: أخرِجوا هذا من بينكم، فإنّ هذا إن بقيَ فيكم ضرّكم، وإن خرج منكم لم يَنْقصكم، هذا الذي لا ينقص العدَد، ولا يَملأ البلد، برّحك الله من خطيب قوم كرام! كيف جُنِّبتَ السداد! واشتدّ قتال ربيعة، وحمير، وعُبيد الله بن عمر حتى كثرتْ بينهم القتلى، فقتِل سُمَير بن الرّيان بن الحارث العجليّ، وكان من أشدّ الناس بأسًا (١). (٥: ٣٥/ ٣٦).\n١١١٥ - قال أبو مخنف: حدّثني جيفر بن أبي القاسم العبديّ عن يزيد بن علقمة، عن زيد بن بدر العَبْديّ: أن زياد بن خَصَفة أتى عبدَ القيس يومَ صفين وقد عُبّيتْ قبائلُ حميَر مع ذي الكَلاع - وفيهم عُبيد الله بن عمرَ بن الخطاب - لبكر بن وائل، فقوتلوا قتالًا شديدًا، خافوا فيه الهلاك، فقال زياد بن خَصَفة: يا عبدَ القيس! لا بَكْر بعد اليوم. فركبنا الخيولَ، ثم مضينا فواقفناهم، فما لبثْنا إلّا قليلًا حتى أصيب ذو الكَلاع، وقُتل عبيد الله بن عمرَ ﵁، فقالت هَمْدان: قتله هانئ بن خطّاب الأرحبيّ؛ وقالت حَضْرَمَوْت: قتله مالك بنُ عمرو التِّنْعيّ، وقالت بكر بن وائل: قتله مُحرِز بن الصّحصح من بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وأخذ سيفه ذا الوشاح، فأخذ به معاوية بالكُوفة بكرَ بن وائل، فقالوا: إنما قتله رجل منا من أهل البصرة، يقال له: محرز بن الصّحْصح، فبعث إليه بالبصرة فأخذ منه السيف، وكان رأسَ النَّمِر بن قاسط عبدُ الله بن عَمرو من بني تيم الله بن النّمِر (٢). (٥: ٣٦).\n١١١٦ - قال هشام بن محمد: الذي قتل عُبَيد الله بن عمرَ ﵁ محرزُ بن الصّحصحِ، وأخذ سيفه ذا الوشاح، سيفَ عمر، وفي ذلك قول كعب بن جُعيل التغلبيّ:\nألا إنَّما تُبْكِي العُيونُ لِفارِسٍ ... بصِفّينَ أجْلَتْ خَيْلُهُ وَهُوَ واقِفُ\nيُبَدِّلُ مِنْ أسْماءَ أسيافَ وائِلٍ ... وكان فتى لو أخْطَأتْهُ المَتالِفَ\nتركْنَ عُبَيْدَ الله بالقاعِ مُسْنَدًا ... تمُجُّ دَمَ الخِرْقِ العُرُوقُ الذَّوارِفُ\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":784},{"text":"وهي أكثر من هذا.\nوقُتل منهم يومئذ بِشر بن مرّة بن شُرَحبيل، والحارث بن شَرحبيل، وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميميّ تحت عبيد الله بن عمر، ثمّ خلَف عليها الحسن بن عليّ (١). (٥: ٣٧).\n١١١٧ - قال أبو مخنف: حدّثني ابن أخي غياث بن لَقيط البكريّ: أن عليًّا حيث انتهى إلى ربيعة، تبارتْ ربيعة بينها، فقالوا: إن أصيب عليّ فيكم وقد لجأ إلى رايتكم، افتضحتم، وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة! لا عذرَ لكم في العرب إن وُصِل إلى عليّ فيكم وفيكم رجلٌ حيّ، وإن منعتموه؛ فمجدُ الحياة اكتسبتموه، فقاتَلوا قتالًا شديدًا حين جاءهم عليّ لم يكونوا قاتَلوا مثلَه، ففي ذلك قال عليّ:\nلِمَنْ رَايَةٌ سوْداءُ يَخْفِق ظِلَّها ... إذا قيل قَدِّمها حُضَيْنُ تقَدَّما\nيُقَدِّمُها في المَوْتِ حتى يُزيرها ... حياضَ المَنايا تَقْطُرُ الموتَ والدَّما\nأذَقْنا ابنَ حَربٍ طَعنَنا وضِرابَنا ... بأَسيافنا حتى توَلَّى وأحجَما\nجَزَى الله قَومًا صابَروا في لقائهمْ ... لدى الموتِ قَومًا ما أعَفَّ وأكْرَما!\nوأطيبَ أخْبارًا وأكْرَمَ شيمَةً ... إذا كان أصواتُ الرِّجال تَغَمغُما\nرَبيعَةَ أعنِي أنَّهُمْ أهلُ نَجْدة ... وبأْسٍ إذا لاقَوْا جَسيمًا عَرَمرَما (٢)\n(٥: ٣٧/ ٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>مقتل عمَّار بن ياسر</span>\n١١١٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة الحنفيّ: أنّ عمّار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: اللهمّ إنك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك في أن أقذفَ بنفسي في هذا البحر؛ لفعلتُه، اللهمّ إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظُبَةَ سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تَخرج من ظهري؛ لفعلتُ، وإني لا أعلم اليومَ عملًا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أنّ عملًا\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":785},{"text":"من الأعمال هو أرضَى لك منه؛ لفعلته (١). (٥: ٣٨).\n١١١٩ - قال أبو مخنف: حدّثني الصّقْعب بن زُهير الأزديّ، قال: سمعتُ عمّارًا يقول: واللهِ إني لأرى قومًا ليضربُنكم ضربًا يرتاب منه المبطلون! وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر؛ لعلمنا أنّا على الحقّ، وأنهم على الباطل (٢)! (٥: ٣٨).\n١١٢٠ - حدّثني محمد! عن خلف، قال: حدّثنا منصور بن أبي نويرة عن أبي مِخْنف، وحُدِّثت عن هشام بن الكلبيّ، عن أبي مخنف، قال: حدّثني مالك بن أعينَ الجُهَنيّ، عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أن عمّار بن ياسر ﵀ قال يومئذ: أين مَن يبتغي رضوانَ الله عليه، ولا يثوب إلى مال ولا ولد! فأتتْه عصابة من الناس، فقال: أيُّها الناس! اقصدوا بنا نحوَ هؤلاء الذين يبغون دمَ ابن عفان، ويزعمون: أنه قتِل مظلومًا، والله ما طلبتهُم بدمه، ولكنّ القوم ذاقوا الدّنيا، فاستحبُّوها، واستمرؤوها، وعلموا أن الحقّ إذا لزمهم حالَ بينهم وبين\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه غرابة.\n(٢) إسناده تالف، ولكن صح عن عمار نحوًا من رواية أبي مخنف هذه إلّا أن أبا مخنف لم يروها بأمانة بل حرّفها، والرواية الصحيحة عند أحمد: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا شعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الضلالة (المسند ٤/ ٣١٩) ولفظ الحاكم: (لعرفت أن صاحبنا على الحق) (المستدرك ٣/ ٣٩٢) وعند ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٩٧) والطيالسي (منحة المعبود ٢/ ١٨٢): (لعرفت أن مصلحتنا ...) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٤٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سلمة وهو ثقة، وعقب الدكتور يحيى اليحيى على هذه اللفظة (مصلحينا) فقال: وهذا القيد مهم إذ أنه أبعد غوغاء الناس وأصحاب الأهداف الأخرى وهذه شهادة عظيمة من عمار ﵁ في تقويم جيش علي ﵁ (مرويات أبي مخنف/٣٦٧) ولكن أبا مخنف أبى إلّا أن يحرّف الكلم عن مواضعه فحذف لفظة (صاحبنا، أو مصلحينا) واستخدم لفظة عامة (أنا على الحق) كي يشمل به مثيري الفتنة وأهل البدع والذين ظهر زيفهم وضعف إيمانهم وجهلهم بحقائق الدين فمرقوا من جماعة الإسلام وانشقوا عن جيش خليفة المسلمين وحاربوا أمير المؤمنين ﵁ وسمّوا الخوارج وكان عمار ﵁ مدركًا لهذه الحقيقة ولم يدع مجالًا للمبتدعة يتستروا فميَّز بين الغث والسمين فقال: (صاحبنا، أو مصلحينا) فلم يصبر أبو مخنف حتى حرّف وحذف وزئف، وصدق الدارقطني إذ قال: بل الواقدي خير من ملء الأرض مثل هؤلاء (ويعني أبا مخنف والكلبي).","vol":"8","page":786},{"text":"ما يتمرّغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعةَ الناس والولايةَ عليهم، فخدعوا أتباعَهم أن قالوا: إمامُنا قتل مظلومًا، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكًا، وتلك مكيدة بلغوا بها ما تَرَوْن، ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان، اللهمّ إنْ تنصرْنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهي الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذابَ الأليم، ثم مضى، ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عَمرو فقال: يا عَمرو! بعتَ دينك بمصر، تبًّا لك تبًّا! طالما بغيت في الإسلام عِوَجًا. وقال لعُبيد الله بنِ عمَر بن الخطاب: صَرعك الله! بعتَ دينَك من عدوّ الإسلام وابن عدوّه، قال: لا، ولكن أطلب بدم عثمانَ بن عفّان ﵁؛ قال له: أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجْهَ الله ﷿؛ وإنّك إن لم تُقتل اليوم تمتْ غدًا، فانظر إذا أعطِيَ الناسُ على قدر نِيّاتهم ما نيّتك (١). (٥: ٣٩/ ٤٠).\n١١٢١ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: أخبرنا عبيد بن الصبّاح عن عطاء بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، قال: سمعت عقار بن ياسر بصِفِّين وهو يقول لعَمرو بن العاص: لقد قاتلتُ صاحبَ هذه الراية ثلاثًا مع رسول الله - ﷺ -، وهذه الرابعة ما هي بأبرّ ولا أتقى (٢). (٤٠: ٥).\n١١٢٢ - حدّثنا أحمد بن محمد، قال: حدّثنا الوليد بن صالح، قال: حدّثنا عطاء بن مسلم عن الأعمش، قال: قال أبو عبد الرحمن السُّلميّ: كنا مع عليّ\n_________\n(١) إسناده تالف وفيه نكارات - ومنها أن عمارًا ﵁ قال لعمرو: (يا عمرو بعت دينك بمصر تبًا لك تبًا! طالما بغيت في الإسلام عوجًا).\nويكفي أبا مخنف كذبًا وافتراءً أن لصق هذه المقولة بعمار ﵁ وهو الذي صح عنه قوله: (ربنا وربهم واحد وقبلتنا وقبلتهم واحدة) وكيف يقول لصحابي رسول الله - ﷺ -: بعت دينك بمصر - وتبًا لك طالما بغيت في الإسلام عوجًا!؟ وعمرو وجهاده في الفتوح وقبل ذلك خدمته لإعلاء كلمة الله في عهد الرسول ﵊ يكفي - ثم كيف لعمار أن يدخل قلوب الناس ويكثف عن نياتهم عندما قال لعبيد الله بن عمر بن الخطاب: أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله ﷿! فهل هذا من مقال صحابي جليل كعمار ﵁ أم أنها الروايات المظلمة المنكرة ولا إسناد يصح ولا متن.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":787},{"text":"بصِفِّين، فكنا قد وكَلْنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعِانه من أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلةٌ يحمِل فلا يرجع حتى يخضِب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفُه، فألقاه إليهم، وقال: لولا أنه انثنى ما رجعتُ - فقال الأعمش: هذا والله ضربُ غير مرتاب، فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئًا فأدّوه وما كانوا بكذّابين - قال: ورأيت عمارًا لا يأخذ واديًا من أودية صِفّين إلا تبعه مَن كان هناك من أصحاب محمد - ﷺ -؛ ورأيته جاء إلى المِرْقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية عليّ، فقال: يا هاشم! أعَورًا وجبنًا! لا خير في أعوَر لا يغشى البأس، فإذا رجلٌ بين الصفَّين قال: هذا والله ليخلُفَنّ إمامه، وليخذلَنّ جنده، وليَصْبِرَن جهده، اركب يا هاشم\" فركب، ومضى هاشم يقول:\nأعْوَرُ يَبْغي أهلَهُ مَحَلَّا ... قد عالَجَ الحياةَ حتى مَلَّا\nلابدَّ أن يَفُلَّ أو يُفَلَّا\nوعمّار يقول: تقدّم يا هاشم! الجنّة تحت ظلال السيوف، والموتُ في أطراف الأسَل، وقد فُتحِت أبواب السماء، وتزينت الحور العين.\nاليوم ألقى الأحبَّهْ ... محمَّدًا وحزبَه\nفلم يرجعا، وقُتلا - قال: يفيد لك علمهما مَنْ كان هناك من أصحاب رسول الله - ﷺ -، أنّهما كانا عَلما - فلما كان الليل قلت: لأدخلنّ إليهم حتى أعلم: هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا! وكنا إذا توادعنا من القتال تحدّثوا إلينا وتحدّثنا إليهم، فركبت فرسي وقد هدأت الرِّجل، ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون: معاوية، وأبو الأعور السُّلَميّ، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو - وهو خير الأربعة - فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشِّقَّيْن، فقال عبد الله لأبيه: يا أبت! قتلتم هذا الرجلَ في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله - ﷺ - ما قال! قال: وما قال: قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس يَنقلون حجرًا حجرًا ولَبِنة لَبِنة، وعمَّار ينقل حجريْن حَجريْن ولبنتين لبنتين، فغُشي عليه، فأتاه رسول الله - ﷺ -، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: \"ويحك يابن سُمَيّة! الناس ينقلون حجرًا حجرًا، ولبِنة لبِنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبةً منك في الأجر! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! \". فدفع عمرو صدرَ فرسه، ثم جذب معاوية إليه، فقال:","vol":"8","page":788},{"text":"يا معاوية! أما تسمع ما يقوله عبد الله! قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدّث بالحديت وأنت تدحَض في بَوْلك! أوَ نحن قتلنا عمَّارًا! إنما قتل عمَّارًا مَنْ جاء به. فخرج الناس من فَساطيطهم، وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمَّارًا من جاء به، فلا أدري مَن كان أعجب؟ هو أو هم (١)! (٥: ٤٠/ ٤١).\n١١٢٣ - قال أبو جعفر: وقد ذكر: أن عمارًا لما قتِل قال عليّ لربيعةٍ وهمْدان: أنتم درعي ورُمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفًا، وتقدّمهم عليٌّ على بغلته فحمل وحملوا معه حملةَ رجل واحد، فلم يبق لأهل الشأم صفّ إلّا انتقضى، وقتلوا كلَّ من انتهوا إليه، حتى بلغوا معاوية، وعليٌّ يقول:\nأضْرِبُهُمْ ولا أرى معاويَهْ ... الجاحِظَ العَيْنِ العظيمَ الحاوِيَه\nثم نادى معاوية، فقال عليٌّ: علامَ يُقتَّل الناس بيننا! هلمّ أحاكمك إلى الله، فأيّنا قتل صاحبَه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: أنصَفك الرجل، فقال معاوية: ما أنْصَفَ، وإنك نتعلم أنه لم يبارزْه رجل قطّ إلا قتله، قال له عمرو: وما يجمُل بك إلّا مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدي (٢). (٥: ٤١/ ٤٢).\n١١٢٤ - قال هشام، عن أبي مخنف: قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة عن سليمان الحضرميّ، قال: قلت لأبي عَمرة: ألا تواهم، ما أحسن هيئتَهم! يعني: أهل الشأم، ولا ترانا ما أقبح رعيَّتنا! فقال: عليك نفسَك فأصلِحها، وَدع الناسَ فإنَّ فيهم ما فيهم (٣). (٥: ٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>خبر هاشم بن عُتْبة المرقال وذكر ليلة الهَرير</span>\n١١٢٥ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو سلمة: أنَّ هاشم بن عتبة الزُّهريّ دعا الناسَ عند المساء: ألا مَن كان يريدُ الله والدار الآخرة فإليّ! فأقبل إليه ناسٌ كثيرة، فشدّ في عصابة من أصحابه على أهل الشأم لمرارًا، فليس من وجه يحمل\n_________\n(١) إسناده ضعيت.\n(٢) ذكره الطبري بلا إسناد، وهو خبر منكر.\n(٣) إسناده تالف.","vol":"8","page":789},{"text":"عليه إلّا صَبَر له وقاتَلَ فيه قتالًا شديدًا، فقال لأصحابه:\nلا يهولنّكم ما تروْنَ من صبرهم، فوالله ما تروْن فيهم إلّا حميَّة العرب وصَبْرًا تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضّلال، وإنكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابِروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدوّنا على تؤدة رويدًا، ثم اثبتوا وتناصَروا، واذكروا الله، ولا يَسأل رجل أخاه، ولا تُكثروا الالتفات، واصمدوا صمدَهم، وجاهدوهم محتسبين، حتى يحكمَ الله بيننا وبينهم وهو خيرُ الحاكمين.\nثم إنه مضى في عصابة معه من القرّاء، فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابهُ عند المساء حتى رأوْا بعض ما يُسرُّون به، قال: فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتىً شاب وهو يقول:\nأنا ابنُ أربابِ الملوكِ غَسّانْ ... والدَّائنُ اليومَ بدِين عثمانْ\nإنّي أتاني خبرٌ فأشجانْ ... أنَّ عليًّا قَتَلَ ابنَ عفَّانْ\nثم يشدّ فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثم يشتم ويلعن ويُكثر الكلام، فقال له هاشم بن عتبة: يا عبد الله! إن هذا الكلام، بعده الخِصام، وإن هذا القتال، بعده الحساب، فاتّق الله فإنك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردتَ به، قال: فإني أقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلِّي كما ذكر لي، وأنتم لا تصلّون أيضًا، وأقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم أردتموه على قتله، فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان! إنما قتله أصحابُ محمد، وأبناء أصحابه، وقرّاء الناس، حين أحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب؛ وهم أهل الدّين، وأوْلى بالنّظر في أمور الناس منك ومن أصحابك، وما أظنّ أمر هذه الأمة وأمرَ هذا الدين أهمِل طرفة عين. فقال له: أجَلْ، والله لا أكذب، فإن الكذب يضرّ ولا ينفع، قال: فإنّ أهل هذا الأمر أعلم به؛ فخلّه وأهل العلم به. قال: ما أظنك والله إلا نصحت لي؛ قال: وأمَّا قولك: إن صاحبنا لا يصلِّي، فهو أوّل من صلَّى مع رسول الله، وأفقَه خلق الله في دين الله، وأولى بالرسول، وأما كلّ مَنْ ترى معي فكلهم قارئ لكتاب الله لا ينام الليل تهجُّدًا، فلا يغوينَّك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون. فقال الفتى: يا عبدَ الله! إنّي أظنك امرأً صالحًا؛ فتخبرَني: هل تجد لي من توبة؟ فقال: نعم يا عبد الله! تُبْ إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل","vol":"8","page":790},{"text":"التوبةَ عن عباده، ويعْفو عن السيئات، ويحبّ المتطهرين، قال: فجشر والله الفتى الناس راجعًا، فقال له رجل من أهل الشأم: خدعَك العراقيّ، خدعك العراقيّ، قال: لا، ولكن نصحَ لي. وقاتل هاشم قتالًا شديدًا هو وأصحابه، وكان هاشم يُدعَى المِرْقال، لأنه كان يُرْقِل في الحرب، فقاتل هو وأصحابه حتى أبرّوا على من يليهم، وحتى رأوا الظفر، وأقبلتْ إليهم عند المغرب كتيبةٌ لتَنوخ فشدّوا على الناس، فقاتلهم وهو يقول:\nأعور يبغِي أهلَه محلَّا ... قد عالج الحياةَ حتَّى مَلأَّ\nيَتُلُّهُم بذي الكُعوبِ تَلَّا\nفزعموا: أنه قتل يومئذ تسعةً أو عشرة، وحمل عليه الحارث بن المنذر التَّنوخيّ فطعنه فسقط، وأرسل إليه عليٌّ: أن قدّم لواءك، فقال لرسوله: انظر إلى بطني، فإذا هو قد شُقّ، فقال الأنصاريّ الحجّاج بن غزِيّة:\nفإِن تَفْخروا بابن البُدَيل وهاشِمٍ ... فنحن قتَلْنا ذا الكَلاعِ وحَوْشَبا\nونحن تَرَكْنا بَعدَ مُعترَكِ اللِّقا ... أخاكم عبيد الله لَحْمًا مُلَحَّبا\nونحن أحطنا بالبعيرِ وأهلِه ... ونحن سقيناكمْ سِمامًا مُقَشَّبا (١)\n(٥: ٤٢/ ٤٣/ ٤٤).\n_________\n(١) إسناده تالف، وفيه نكارات منها (إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس حيث أحدث الأحداث) وقد بيّنا سابقًا في الحديث عن مقتل عثمان أن الصحابة برآءٌ من دم عثمان كما أخرج خليفة بن خياط عن الحسن عندما سئل: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا، كانوا أعلاجًا من أهل مصر (تأريخ خليفة/ ١٧٦).\nوأما أبناء الصحابة فقد ثبت كما ذكرنا أن أبناء الصحابة شاركوا في حماية عثمان ﵁ وخرج منهم من خرج محمولًا ملطخًا بدمائه وهم عبد الله بن عمر والحسن ومحمد بن طلحة.\nوأخرج ابن عساكر (ترجمة ص ٣٩٥) عن محمد بن سيرين: (لقد قتل عثمان يوم قتل وإن الدار يومئذ لغاصة فيهم عبد الله بن عمر وفيهم الحسن بن علي في عنقه السيف ولكن عثمان عزم عليهم أن لا يقاتلوا).\nوأخرج ابن عساكر (ترجمة عثمان/ تأريخ دمشق/ ٣٥) عن نافع مولى ابن عمر أنه قال: (إن الحسن بن علي وعبد الله بن عمر لم يزالا مع عثمان في الدار) وقال المحقق: رجال إسناده ثقات.\nومن نكارة هذه الرواية كذلك [فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي] بينما الرواية الصحيحة =","vol":"8","page":791},{"text":"١١٢٥ - هشام عن أبي مخنف، قال: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهنيّ عن زيد بن وهب الجهنيّ: أنّ عليًّا مرّ على جماعة من أهل الشأم فيها الوليد بن عقبة، وهم يشتمونه، فخبِّر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه، فقال: انهدَوا إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام، وسيما الصالحين، فوالله لأقربُ قوم من الجهل قائدهم، ومؤذِنهم معاوية، وابن النابغة، وأبو الأعور السلميّ، وابن أبي مُعيط شارب الخمر المجلود حدًّا في الإسلام، وهم أوْلى من يقومون فينقصونني، ويجدبونني، وقبل اليوم ما قاتَلوني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يَدْعُونني إلى عبادة الأصنام، الحمدُ لله، قديمًا عاداني الفاسقون قعيدهم الله ألم يُقْبَحوا! إن هذا لهو الخَطب الجليل؛ إن فسّاقًا كانوا غير مرضيّين، وعلى الإسلام وأهله متخوِّفين، خدعوا شطر هذه الأمّة، وأشرَبوا قاوبهم حبّ الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله ﷿، اللهمّ فافضض خدَمتهم، وشتِّت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم، فإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعزّ من عاديت (١). (٥: ٤٥).\n١١٢٦ - قال أبو مخنف: حدّثني نمير بن وَعْلة عن الشعبيّ: أنّ عليًّا مرّ بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرّض عليهم الناس، وذُكر أنهم غسّان، فقال: إنّ هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دَرَّاك يخرج منهم النَّسم، وضرب يفلِق منه الهام، ويُطيح بالعِظام، وتسقط منه المعاصم والأكفّ، وحتى\n_________\n= تؤكد أن الطرفين كان يرى أحدهم الآخر يؤذن ويقيم الصلاة ويصلي فكيف يقول الشاب الذي يصول ويجول: (لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي) فلا يحتاج الأمر إلى ذكر أحدهم له ثم هل صاحبكم مغمور بهذه الدرجة بحيث لا يعرفون أنه يصلي أم لا؟ أم أنه علم من أعلام الأمة ... ولقد أخرج سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٤٤) عن نعيم بن أبي هند عن عمه قال: (كنت مع علي بصفين فحضرت الصلاة فأذنَ وأذنوا وأقمنا فأقاموا فصلينا وصلوا).\n(١) إسناده تالف، ومتنه منكر ولم نعهد من سيرة سيدنا علي أن يستعمل هذه الألفاظ غير اللائقة ولم نعهد منه ولا من صحابة رسول الله أن ينبشوا عن عداوات الجاهلية ونعراتها فالإسلام أرفع وأعظم من ذلك - ويبدو أن أبا مخنف فشل هذه المرة كذلك في حبك الرواية بصورة لا تظهر فيها النكارة فقد ذكر قبل روايات أن عليًّا ﵁ قال: (بأن جيش معاوية ليس معه إلا الأعراب بينما يقول هنا: وخدعوا شطر هذه الأمة وأشربوا قلوبهم حب الفتنة) فأي رواية لأبي مخنف نصدق وروايته تضعف بعضها بعضًا.","vol":"8","page":792},{"text":"تُصدع جباههم بعُمُد الحديد، وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر، وطلّاب الأجر؟ ! فثاب إليه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدًا؛ فقال: امش نحوَ أهل هذه الراية مشيًا رُويدًا على هِينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسِك حتى يأتيَك رأي. ففعل، وأعدّ عليٌّ مثلهم، فلمّا دنا منهم فأشرع الرِّماح في صدورهم أمر على الذين أعدّ فشدّوا عليهم، وأنهض محمدًا بمن معه في وجوههيم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالًا، ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالًا شديدًا، فما صلَّى أكثر الناس إلّا إيماء.\nرجع الحديث إلى حديث أبي مِخنف: قال أبو مخنف: فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها حتى الصباح؛ وهي ليلة الهَرير، حتى تقصّفت الرّماح ونفد النَّبْل، وصارَ الناس إلى السيوف، وأخذ عليّ يسير فيما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كلَّ كتيبةٍ من القرّاء أن تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلّها خَلْف ظهره، والأشتر فى ميمنة الناس، وابن عبّاس في الميسرة، وعليّ فرب القلْب، والناس يقتتلون مْن كلّ جانب، وذلك يومَ الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولّاها عشيّة الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وأخذ يقول لأصحابه: ازحفوا قادَ هذا الرّمح، وهو يزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعلوا قال: ازحفوا قادَ هذا القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك، حتى ملّ أكثر الناس الإقدام، فلمَّا رأق ذلك الأشتر قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائرَ اليوم، ثم دعا بفرسه، وترك رايتَه مع حيَّان بن هوذة النخعيّ، وخرح يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسَه من الله ﷿، ويقاتل مع الأشتم، حتى يظهر أو يلحق بالله! فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه، وحيّان بن هوذة.\nرجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: فلما رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعًا، ولا يزيدهم إلّا فُرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حَكَمٌ بيننا وبينكم، فإن أي بعضُهم أن يقبلها وجدت فيهم مَن يقول: بلى، ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن","vol":"8","page":793},{"text":"قالوا: بلى، نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنّا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين. فرفعوا المصاحفَ بالرّماح وقالوا: هذا كتاب الله ﷿ بيننا وبينكم، مَن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام! ومَن لثغور أهلِ العراق بعدَ أهل العراق! فلما رأى الناس المصاحفَ قد رفعتْ، قالوا: نجيب إلى كتاب الله ﷿ وننيب إليه (١). (٥: ٤٥/ ٤٦/ ٤٧/ ٤٨).\n١١٢٧ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو بكر الكنديّ: أن عبد الله بن كعب المراديّ قتل يوم صفينَ، فمرّ به الأسوَدُ بن قيس المراديّ، فقال: يا أسوَد، قال: لبّيك! وعرفه وهو بآخر رَمَق، فقال: عزّ والله عليّ مصرَعُك، أما والله لو شهدتك لآسيتك، ولدافعتُ عنك، ولو عرفت الذي أشعرك لأحببتُ ألّا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك، ثم نزل إليه فقال: أما والله إن كان جارُك ليأمن بوائقَك، وإن كنتَ لَمِن الذاكرين اللهَ كثيرًا، أوصِني رحمك الله! فقال: أوصيك بتقوى الله ﷿، وأن تُناصحَ أمير المؤمنين، وتقاتل معه المحِلّين حتى يظهر أو تلحق بالله. قال: وأبلغه عنَي السلام، وقل له: قاتِل عن المعركة حتى تجعلَها خلْفَ ظهرك، فإنه من أصبح غدًا والمعركة خلف ظهره كان العاليَ، ثمّ لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى عليّ فأخبره، فقال: ﵀! جاهد فينا عدوّنا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة.\nقال أبو مخنف: حدّثني محمد بن إسحاق مولى بني المطّلب: أنّ عبد الرحمن بن حنبل الجُمحيّ، هو الذي أشار على عليّ بهذا الرأي يوم صِفّين (٢). (٥: ٤٦).\n١١٢٨ - قال هشام: حدّثني عَوانة، قال: جعل ابن حَنْبل يقول يومئذ:\nإنْ تَقتلوني فأنا ابْنُ حنبَلْ ... أنا الذي قدْ قلتُ فيكم نعْثلْ (٣)\n(٥: ٤٦).\n١١٢٩ - قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبيّ، عن عُمارة بن ربيعة\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده تالف وفي متنه نكارة.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":794},{"text":"الجَرْميّ، قال: مرّ بي واللهِ الأشترُ فأقبلتُ معه، واجتمع إليه ناسٌ كثير، فأقبك حتى رجع إلى المكان الذي كان به الميمنة، فقام بأصحابه، فقال: شدّوا شَدّة، -فِدىً لكم عمّي وخالي! - تُرضُون بها الربّ، وتُعِزّون بها الذين، إذا شَددتُ فشُدّوا، ثم نزل فضرب وجهَ دابَّته، ثم قال لصاحب رايته: قدّم بها، ثم شَدّ على القوم، وشَدّ معه أصحابُه، فضرب أهل الشأم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم؛ ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالًا شديدًا، فقتل صاحب رايته، وأخَذ عليّ - لمَا رأى من الظفر من قِبَله - يَمُدّه بالرّجال (١). (٥: ٤٧).\n١١٣٥ - حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان قال: حدّثني عبد الله، عن جويرية، قال: قال عمرو بن العاص يوم صفين لوَرْدان: تدري ما مَثلي ومَثلك! مثل الأشقر إنْ تقدّم عُقِر، وأن تأخّر نُحِر، لئن تأخَّرتَ لأضربنّ عنقك، ائتوني بقيد، فوضعه في رجليه فقال: أما والله يا أبا عبد الله لأورِدنك حياضَ الموت، ضع يدك على عاتقي، ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحيانًا، ويقول: لأورِدنّك حياضَ الموت (٢). (٥: ٤٧/ ٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>ما روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة</span>\n١١٣١ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُندَب الأزديّ عن أبيه: أنّ عليًّا قال: عبادَ الله! امضُوا على حقكم وصِدقكم قتالَ عدوّكم، فإن معاوية، وعمرَو بن العاص، وابنَ أبي مُعيط، وحبيب بن مَسلمة، وابن أبي سرْح، والضحّاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دِين ولا قرآن، أنا أعرَف بهم منكم، قد صحبتُهم أطفالًا، وصحبتهم رجالًا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، ويْحَكم! إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعةً ودَهْنًا ومَكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله ﷿ فنأبى أن نَقبله؛ فقال لهم: فإنِّي إنما قاتلتُهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنَّهم قد عصَوا الله ﷿ فيما أمَرَهم ونسُوا عهدَه، ونبذُوا كتابه. فقال له مِسْعر بن فَدَاكيّ التميميّ، وزيد بن حصين الطائيّ ثم السَّنْبِسيّ في عصابة معهما من القرّاء\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":795},{"text":"الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ! أجِب إلى كتاب الله ﷿ إذْ دعيتَ إليه، وإلّا ندفعك برُمّتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان؛ إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله ﷿ فقبلناه؛ والله لتفعلنّها، أو لنفعلنَّها بك! قال: فاحفظوا عنِّي نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، أمَّا أنا فإن تطيعوني؛ تقاتلوا، وإن تعصوني؛ فاصنعوا ما بدا لكم! قالوا له: إمّا لَا فابعث إلى الأشتر فليأتك (١). (٥: ٤٨/ ٤٩).\n١١٣٢ - قال أبو مخنف: حدّثني فضَيل بن خَديج الكنديّ، عن رجل من النَّخَع: أنه رأى إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير، قال: كنت عند على حين أكرَهه الناس على الحكومة، وقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك، قال: فأرسل عليّ إلى الأشتر يزيدَ بن هانئ السّبيعيّ: أن ائتني؛ فأتاه فبلّغه، فقال: قل له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تُزِيلني فيها عن موقفي، إن قد رجوت أن يُفتَح لي، فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هانئ إلى عليّ فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرّهَج، وعلت الأصوات من قِبَل الأشتر، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرتَه أن يقاتل، قال: من أين ينبغي أن ترَوا ذلك! رأيتموني ساررْته؛ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية، وأنتم تسمعونني! قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك، قال له: ويْحَك يا يزيد! قل له: أقبل إليّ، فإنّ الفتنة قد وقعتْ، فأبلغه ذلك، فقال له: ألِرفع المصاحف؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لقد ظننت حين رُفعتْ أنّها ستوقع اختلافًا وفُرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ألا ترى ما صنع الله لنا! أينبغي أن أدعَ هؤلاء وأنصرف عنهم! وقال يزيد بن هانئ: فقلت له: أتحب أنك ظفرتَ هاهنا، وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يُفرج عنه أو يُسْلَم؛ قال: لا والله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا: لَتُرسلنّ إلى الأشتر فلياتينّك أو لنقتلنّك كما قتلنْا ابن عفّان، فأقبل حتى انتهى إليهم فقال: يا أهلَ العراقّ يا أهل الذّلّ والوَهَن، أحين علوتم القوم ظهرًا، وظنّوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها! وقد والله تركوا\n_________\n(١) إسناده تالف، وفيه نكارة شديدة وإن كانوا حقًّا كما روى أبو مخنف أنهم ليسوا بأصحاب دين وقرآن فلماذا تحاكموا إلى القرآن؟ ! ولماذا لم يقاتلوا سيدنا علي كما يقاتل غيرهم ممن لا دين لهم ولا قرآن إلا أنه الافتراء والكذب من أبي محنف.","vol":"8","page":796},{"text":"ما أمر الله ﷿ به فيها، وسنّة من أنزلتْ عليه - ﷺ -، فلا تجيبوهم، أمهلوني عَدْوَ الفرس، فإني قد طمعت في النصر؛ قالوا: إذًا ندخل معك في خطيئتك؛ قال: فحدِّثوني عنكم، وقد قُتل أماثِلُكم، وبقيَ أراذلكم، متى كنتم محقِّين! أحين كنتم تقاتلون وخياركم يُقتلون! فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الان أنتم محقّون، فقَتْلاكم الذين لا تنكرون فضلَهم فكانوا خيرًا منكم في النار إذًا! قالوا: دعنا منك يا أشتر! قاتَلْناهم في الله ﷿، ونَدَع قتالهم لله سبحانه، إنا لسنا مُطيعِيك ولا صاحبك، فاجتنِبْنا، فقال: خُدِعتم والله فانخَدعتم، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحابَ الجباه السود! كنا نظنّ صلواتكم زَهادةً في الدنيا، وشوقًا إلى لقاء الله ﷿، فلا أرى فِراركم إلّا إلى الدنيا من الموت، ألا قبحًا يا أشباهَ النِّيب الجَلّالة! وما أنتم برائين بعدَها عزًّا أبدًا، فابعَدوُا كما بَعِدَ القوم الظالمون! فسبّوه، فسبّهم، فضربوا وجه دابّته بسياطهم، وأقبل يضرب بسوطه وجوهَ دوابّهم، وصاح بهم عليّ فكَفوا؛ وقال للناس: قد قبِلنا أن نجعلَ القرآن بيننا وبينهم حَكمًا، فجاء الأشدث بن قيس إلى عليّ فقال له: ما أرى الناسَ إلا قد رضُوا، وسرّهم أن يجيبوا القومَ إلى ما دعَوْهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيتُ معاوية فسألتُه ما يريد، فنظرتَ ما يسأل؛ قال: ائته إن شئتَ فسَلْه، فأتاه فقال: يا معاوية! لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ﷿ به في كتابه، تبعثون منكم رجلًا ترضَوْن به، ونبعث منّا رجلًا، ثم نأخذ عليهما أن يعمَلا بما في كتاب الله لا يعدُوانه، ثم نتبع ما اتّفقا عليه، فقال له الأشعث بنُ قيس: هذا الحقّ، فانصرف إلى عليّ فأخبرَه بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنا قد رصينا وقبِلنا، فقال أهل الشأم: فإنا قد اخترنا عمروَ بن العاص؛ فقاط الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارجَ بعد: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعريّ، قال عليّ: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصُوني الآن، إني لا أرى أن أولِّيَ أبا موسى.\nفقال الأشعث، وزيد بن حُصين الطائيّ، ومسعر بن فدكيّ: لا نرضى إلّا به، فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه؛ قال عليّ: فإنه ليس لي بثقة، قد فارقني، وخذّل الناسَ عني ثم هرب مني حتى آمنتُه بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس ولِّيه ذلك، قالوا: ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلّا رحلَّا هو منك ومن","vol":"8","page":797},{"text":"معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر، فقال عليّ: فإنّي أجعل الأشتر (١). (٥: ٤٩/ ٥٠/ ٥١).\n١١٣٣ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب الكلبيّ: أن الأشعث قال: وهل سَعّر الأرضَ غيرُ الأشتر (٢)؟ ! (٥: ٥١).\n١١٣٤ - قال أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن جُندَب، عن أبيه: أنّ الأشعث قال: وهل نحن إلا في حكم الأشتر! قال عليّ: وما حُكمه؛ قال: حكمه أن يَضرِب بعضُنا بعضًا بالسيوف حتى يكون ما أردتَ وما أراد؛ قال: فقد أبَيتم إلا أبا موسى! قالوا. نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم! فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال، وهو بعُرْضٍ، فأتاه مولى له؛ فقال: إن الناس قد اصطلحوا؛ فقال: الحمد لله ربّ العالمين! قال: قد جعلوك حَكَمًا؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر حتى أتى عليًّا فقال: ألِزّني بعمرو بن العاص، فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن ملأث عيني منه لأقتلنّه؛ وجاء الأحنف فقال: يا أميرَ المؤمنين! إنك قد رُميتَ بحجر الأرض، وبمَنْ حارب اللهَ ورسوله أنْفَ الإسلام، وإنّي قد عجمتُ هذا الرجلَ وحلبتُ أشطُرَه فوجدتُه كَلِيلَ الشَّفرة، قريبَ القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلّا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفّهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيتَ أن تجعلَني حَكَمًا، فاجعلني ثانيًا أو ثالثًا، فإنه لن يعقد عقدةً إلا حللتُها، ولن يحلّ عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكَم منها، فأبى الناسُ إلا أبا موسى والرِّضا بالكتاب؛ فقال الأحنف: فإنْ أبيتم إلا أبا موسى فأدفئِوا ظهرَه بالرجال. فكتبوا: بسم الله الرحمن الرّحيم؛ هذا ما تَقاضى عليه عليٌّ أميرُ المؤمنين ... فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميرُكم فأما أميرُنا فلا، وقال له الأحنف: لا تمح اسم \"إمارة المؤمنين\"، فإني أتخوّف إنْ محوتَها ألّا ترجع إليك أبدًا، لا تَمحُها وإن قتل الناسُ بعضهم بعضًا؛ فأبى ذلك عليّ مليًّا من النهار، ثم إنّ الأشعث بنَ قيس قال: امحُ هذا الاسم برحه الله! فمُحِيَ وقال على: الله أكبر، سنّة بسنّة، ومثَل\n_________\n(١) إسناده تالف، وإكراه علي ﵁ على الحكومة غير صحيح كما سنذكر في الخاتمة وكلها بأسانيد ضعيفة جدًّا، وكذلك رفع المصاحف على الرماح لا يصح.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":798},{"text":"بمثَل، والله إني لكاتب بين يديْ رسول الله - ﷺ - يومَ الحُدَيبية إذ قالوا: لستَ رسول الله، ولا نشهد لك به، ولكن اكتب اسمك واسمَ أبيك، فكتبه، فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! ومَثَلُ هذا أن نشبّه بالكفّار ونحن مؤمنون! فقال عليّ: يا بن النابغة! ومتى لم تكن للفاسقين وليًّا، وللمسلمين عدوًّا! وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك! فقام فقال: لا يجمع بيني وبينَك مجلسٌ أبدًا بعد هذا اليوم؛ فقال له عليّ: وإني لأرجُو أن يطهّر الله ﷿ مجلسي منك ومن أشباهِك، وكتب الكتاب.\nرجع الحديث إلى حديث أبي مخنف، وكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سُفيان، قاضى عليّ على أهل الكوفة ومَنْ معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضَى معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حُكم الله ﷿ وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله ﷿ بيننا مِن فاتحتِه إلى خاتمته، نُحيي ما أحيا، ونُميت ما أمات، فما وجد الحكَمَان في كتاب الله ﷿ - وهما أبو موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي - عَمِلَا به، وما لم يَجِدَا في كتاب الله ﷿ فالسنة العادلة الجامعة غير المفرّقة، وأخذ الحكَمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلِهما، والأمّة لهما أنصار على الذي يتقاضيَان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدُ الله وميثاقُه أنّا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبتْ قضيّتهما على المؤمنين، فإنّ الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهلِيهم وأموالِهم، وشاهِدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهدُ الله وميثاقُه أن يحكُمَا بين هذه الأمة، ولا تردّاها في حرب ولا فُرقة حتى يُعصيا، وأجَلُ القضَاء إلى رَمضان، وإن أحبّا إن يؤخّرا ذلك أخّراه على تراضٍ منهما، وإن تُوفِّي أحد الحَكَمين فإنْ أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المَعدلة والقِسط، وإنّ مكان قضيّتهما الذي يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل الكوفة وأهل الشأم؛ وإن رضيَا وأحبّا فلا يَحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحَكَمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة،","vol":"8","page":799},{"text":"وهم أنصارٌ على مَن ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا وظُلمًا، اللهم إنا نستنصرك على من تَرَك ما في هذه الصحيفة.\nشَهِد من أصحاب عليّ: الأشعثُ بن قيس الكنديّ، وعبدُ الله بن عباس، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وورقاء بن سُمَيّ البَجَليّ، وعبد الله بن مُحِلّ العِجليّ، وحُجْر بن عديّ الكِنديّ، وعبد الله بن الطفيل العامريّ، وعقبة بن زياد الحَضْرميّ، ويزيد بن حجيَّة التيميّ، ومالك بن كعب الهمدانيّ. ومن أصحاب معاوية: أبو الأعور السلميّ عمرو بن سفيان، وحبيب بن مسلمة الفِهريّ، والمخارق بن الحارث الزُّبيديّ، وزِمْل بن عمرو العذرِيّ، وحمزة بن مالك الهمْدانيّ، وعبد الرحمن بن خالد المخزوميّ، وسُبيع بن يزيد الأنصاريّ، وعلقمة بن يزيد الأنصاريّ، وعتبة بن أبي سُفيان، ويزيد بن الحرّ العبسيّ (١). (٥: ٥١/ ٥٢/ ٥٣/ ٥٤).\n١١٣٥ - حدثني عليّ بن مسلم الطوسيّ، قال: حدّثنا حَبّان، قال: حدّثنا مُبارك، عن الحسن، قال: أخبرني الأحنف: أنّ معاوية كتب إلى عليّ أن امحُ هذا الاسمَ إن أردتَ أن يكون صلح؛ فاستشار -وكانت له قبّة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم- قال: ما تروْن فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؛ - قال مبارك: يعني: أميرَ المؤمنين - قال: برّحه الله! فإنّ رسول الله - ﷺ - حين وادع أهَل مكة كتب: \"محمّد رسول الله\"، فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بنُ عبد الله، فقلت له: أيّها الرجل مالَك وما لرسول الله - ﷺ -! إنا والله ما حابَيْناك ببيعتِنا، وإنا لو علمنا أحدًا من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوتَ هذا الاسم الذي بايعتَ عليه، وقاتلتهم؛ لا يعود إليك أبدًا.\nقال: وكان واللهِ كما قال. قال. قلّما وُزِن رأيه برأيِ رجل إلا رَجَح عليه (٢). (٥٣: ٥).\n١١٣٦ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جناب الكلبيّ عن عُمارة بن ربيعة\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":800},{"text":"الجَرْميّ، قال: لما كُتبت الصحيفة دُعِيَ لها الأشتر فقال: لا صحِبتْنِي يميني، ولا نفعتْني بعدَها شمالي؛ إن خُط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادَعة، أوَلستُ على بيّنة من ربّي، ومن ضلال عدوّي! أوَلستم قد رأيتم الظَّفَر لو لم تُجمِعوا على الجور! فقال له الأشعث بن قيس: إنك والله ما رأيت ظَفَرًا ولا جَوْرًا، هلمَّ إلينا فإنه لا رغبة بك عنّا؛ فقال: بلى واللهِ لرغبة بي عنك في الدّنيا للدنيا والآخرة للآخرة، ولقد سفَكَ الله ﷿ بسيفي هذا دماءَ رجال ما أنت عندي خيرٌ منهم، ولا أحرَم دمًا؛ قال عُمارة: فنظرتُ إلى ذلك الرجل وكأنما قُصع على أنفه الحُمم - يعني: الأشعث (١). (٥: ٥٤/ ٥٥).\n١١٣٧ - قال أبو مخنف؛ عن أبي جَناب، قال: خرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويَعرِضه عليهم، فيقرؤونه، حتى مرّ به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدَيّة، وهو أخو أبي بلال، فقرأه عليهم، فقال عروة بن أدَيَّة: تحكّمون في أمر الله ﷿ الرجال! لا حكم إلا لله؛ ثم شدّ بسيفه فضرب به عجُز دابته ضربة خفيفة، واندفعت الدّابة، وصاح به أصحابه، أن املك يَدك، فرجع، فغضب للأشعث قومُه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى الأحنف بنُ قيس السعديّ، ومعقِل بن قيس الرّياحيّ، وِمِسْعر بن فَدَكِي، وناس كثيرٌ من بني تميم، فتنصّلوا إليه، واعتذروا؛ فقَبِل وصَفح (٢). (٥: ٥٥).\n١١٣٨ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو زيد عبد الله الأوديّ: أن رجلًا من أوْد كان يقال له: عمرو بن أوس، قاتَلَ مع عليّ يومَ صِفين، فأسره معاوية في أسارَى كثيرين، فقال له عمرو بن العاص: اقتلهم، فقال له عمرو بن أوس: إنك خالي، فلا تقتلْني، وقامت إليه بنو أوْد فقالوا: هب لنا أخانا؛ فقال: دعوه، لعمري لئن كان صادقًا فلنستغنينّ عن شفاعتكم، ولئن كان كاذبًا لتأتينّ شفاعتكم من ورائه، فقال له: من أين أنا خالك! فوالله ما كان بيننا وبين أوْدٍ مصاهَرة؛ قال: فإن أخبرتُك فعرفتَه فهو أماني عندَك؟ قال: نعم؛ قال: ألستَ تعلم أن أمّ حبيبة ابنة أبي سُفيان زوجُ النبيّ - ﷺ -؟ قال: بلى، قال: فإنّي ابنُها، وأنتَ أخوها، فأنت خالي؛ فقال معاوية: لله أبوك! ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":801},{"text":"غيره. ثم قال للأوْدِيّين: أيستغني عن شفاعتكم! خَلُّوا سبيله (١). (٥: ٥٥/ ٥٦).\n١١٣٩ - قال أبو مخنف: حدّثني نُمَير بن وَعْلَة الهمْدانيّ عن الشعبيّ: أدن أسارى كان أصرهم عليٌّ يومَ صِفّين كثير، فخلّى سبيلهم، فأتوا معاوية، وإنّ عمرًا ليقول - وقد أسر أيضًا أسارى كثيرة ت اقتلهم، فما شعروا إلا بأسَرائهم قد خُلِّيَ سبيلهم، فقال معاوية: يا عمرو! لو أطعناك في هؤلاء الأسرى: وقعْنا في قبيح من الأمر؛ ألا ترى قد خُلِّي سبيل أسارانا! وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الأسارى (٢). (٥: ٥٦).\n١١٤٠ - قال أبو مخنف: حدّثني إسماعيل بن يزيد عن حُميد بن مسلم، عن جندب بن عبد الله: أن عليًّا قال للناس يومَ صِفِّين؛ لقد فعلتم فَعلةً ضَعضعتْ قوّة، وأسقطتْ مُنّة، وأوهنت وأورثت وَهْنًا وذلّة، ولمّا كنتم الأعْلَيْن، وخاف عدوّكم الاجتياح، واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح؛ رفعوا المصاحف، ودَعوْكم إلى ما فيها ليفثَؤوكم عنهم، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم، ويتربّصوا بكم ريبَ المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تُدْهِنوا وتجوّزوا! وايم اللهِ ما أظنكم بعدها توافقون رَشَدًا! ولا تصيبون بابَ حزم. (٣) (٥٦٠٥)\nقال أبو جعفر: فكُتب كتاب القضيّة بين عليّ ومعاوية - فيما قيل - يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي عليّ ومعاوية موضع الحكمين بدُومة الجندل في شهر رمضان، مع كلّ واحد منهما أربعمئة من أصحابه وأتباعه.\n١١٤١ - فحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن يونس بن يزيدَ، عن الزّهريّ، قال: قال صعصعة بن صُوحان يومَ صفِّين حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا، تعلمُنّ واللهِ لئن ظهر عليّ؛\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.\n(٣) إسناده تالف.","vol":"8","page":802},{"text":"ليكوننّ مثل أبي بكر وعمرَ ﵄، وإن ظهر معاوية؛ لا يُقِرّ لقائل بقول حقّ.\nقال الزّهريّ: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفَهم، ودَعَوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحَكَمين، فاختار أهلُ العراق أبا موسى الأشعريّ، واختار أهلُ الشأم عمرَو بن العاص، فتفرّق أهلُ صِفّين حين حُكِّمَ الحكَمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفِضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد - ﷺ -، وأنّهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرُح.\nفلما انصرف عليّ خالفت الحَرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردّوا عليه: إنّ حكم بني آدم في حكم الله ﷿، وقالوا: لا حكمَ إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرُح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكَمان إلى عبد الله بن عمرَ بن الخطاب، وعبد الله بن الزّبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاويةُ بأهل الشأم، وأبى علي وأهل العراق أن يوافُوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوِي الرأي من قريش: أتروْن أحدًا من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحَكَمان أم يتفرّقان؟ قالوا: لا نرى أحدًا يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظنّ أنِّي سأعلمه منهما حين أخلُو بهما وأراجعهما. فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبدِ الله! أخبرني عمّا أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزِلة، فإنا قد شككْنا في الأمر الذي تبيّن لكم من هذا القتال، ورأيْنا أن نستأنيَ ونتثبَّت حتى تجتمع الأمة! قال: أراكم معشرَ المعتزِلة خَلْفَ الأبرار، وأمامَ الفُجّار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك؛ حتى دخل على أبي موسى فقال له مثلَ ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبتَ الناس رأيًا، فيكم بقيَّة المسلمين. فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرّأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكَمان وتكلّما؛ قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! رأيت أوّل ما تقضي به من الحقّ أن تقضيَ لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغَدرِهم؛ قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وأهل الشأم قد وَفَوا، وقَدمِوا للموعد","vol":"8","page":803},{"text":"الذي واعدْناهم إيّاه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتُبها؛ فكتَبها أبو موسى؛ قال عمرو: يا أبا موسى! أأنتَ على أن نسمِّيَ رجلًا يلِي أمرَ هذه الأمة؟ فسمِّه لي، فإن أقدر على أن أتابعَك فلك عليّ أن أتابعك، وإلا فلِي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمِّي لك عبدَ الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمِّي لك معاوية بن أبي سُفيان، فلم يَبرحا مجلسهما حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إنّي وجدت مَثلَ عمرو مَثل الّذين قال الله ﷿: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، فلمّا سكت أبو موسى؛ تكلم عمرو فقال: أيُّها الناس وجدت مَثلَ أبي موسى كَمَثل الذي قال ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وكتب كلُّ واحد منهما مَثلَه الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار.\nقال ابن شهاب: فقام معاوية عشيَّةً في الناس، فأثنَى على الله جلّ ثناؤه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلّمًا في الأمر؛ فليطلع لنا قَرْنَه، قال ابن عمر: فأطلقتُ حُبْوَتي، فأردت أن أقول قولًا يتكلَّم فيه رجالٌ قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرِّق الجماعة، أو يُسفك فيها دم، أو أحمَل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله ﷿ في الجنان أحبّ إليّ من ذلك، فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مَسْلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلّم؟ قلت: أردت ذلك، ثم خشيت أن أقول كلمة تُفرِّق بين جميع، أو يُسفَك فيها دم، أو أحمَل فيها إلى غير رأي، فكان ما وعد الله ﷿ من الجنان أحبّ إليّ من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عُصمْتَ (١). (٥: ٥٧/ ٥٨/ ٥٩).\n١١٤٢ - رجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف: قال أبو مخنف: حدثني فُضيل بن خَديج الكنديّ، قال: قيل لعليّ بعدما كُتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يُقرّ بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال عليّ: وأنا والله ما رضيتُ، ولا أحببتُ أن ترضَوْا، فإذْ أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيتُ، فإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرّضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يُعصَى الله\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، وأما المقطع الأخير من هذه الرواية أي من قوله: (فقام معاوية عشية في الناس ...) إلى آخر الرواية فصحيح كما ذكرنا في قسم الصحيح فليراجع.","vol":"8","page":804},{"text":"﷿، ويُتعدّى كتابُه، فقاتِلوا مَن تَرَك أمرَ الله ﷿. وأمّا الذي ذكرتم من تركه أمرِي وما أنا عليه؛ فليس من أولئك، ولستُ أخافهْ على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدًا يرى في عدوّي ما أرَى، إذًا لخفّتْ عليّ مؤونتكم، ورجوتُ أن يستقيم لي بعض أوَدكم؛ وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هَوازن:\nوهل أَنا إلَّا مِنْ غَزِيَّة إن غَوَتْ ... غَوَيتُ وإن تَرْشُدْ غزيّةُ أَرْشُدِ\nفقالت طائفة ممَّن معه: ونحن ما فعلْنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت؛ قال: نعم، فلِمَ كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنّا! وأما القضيّة فقد استوثقنا لكم فيها، وقد طمعت ألّا تَضلُّوا إن شاء الله ربّ العالمين.\nفكان الكتاب في صفَر، والأجل رمضان إلى ثمانية أشهر؛ إلى أن يلتقي الحَكَمان، ثم إنّ الناس دفنوا قتلاهم، وأمر عليٌّ الأعورَ فنادى في الناس بالرّحيل (١). (٥: ٥٩).\n١١٤٣ - قال أبو مِخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندت عن أبيه، قال: لما انصرفنا من صفِّين أخذنا غير طريقنا الذي أقبلْنا فيه؛ أخذنا على طريق البرّ على شاطئ الفرات، حتى انتهينا إلى هِيتَ، ثم أخذْنا على صَنْدودَاء، فخرج الأنصاريّون بنو سعد بن حرام، فاستقبلوا عليّا، فعرضوا عليه النزول، فبات فيهم ثم غدا، وأقبلْنا معه، حتى إذا جُزْنا النُّخَيلة، ورأينا بيوت الكوفة، إذا نحن بشيخ جالس في ظلّ بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه عليّ، ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه، فردّ ردًّا حسنًا ظننا أن قد عرفه، قال له عليّ: أرى وجهك منكفئًا فمِنْ مَهْ؟ أمِن مرض؟ قال: نعم، قال: فلعلَّك كرهتَه، قال: ما أحبّ أنه بغيري، قال: أليس احتسابًا للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى! قال: فأبشر برحمةِ ربّك وغفران ذنبِك، مَن أنت يا عَبد الله؟ قال: أنا صالح بن سُلَيم، قال: ممَّن؟ قال: أمّا الأصل فمِن سَلَامَان طيِّئ، وأما الجِوار والدَّعوة ففي بني سُليم بن منصور؛ فقال: سبحان الله! ما أحسَن اسمَك واسمَ أبيك واسمَ أدْعِيائك واسمَ من اعتزيتَ إليه! هل شهدتَ معنا غَزاتنا هذه؟ قال: لا والله\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":805},{"text":"ما شهدتُها! ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحَبِ الحمَّى خزَلني عنها؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nخبِّرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبينُ أهل الشام؟ قالا: فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغِشَّاء الناس - وفيهم المكبوت - الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نُصحاء الناس لك - فذهب لينصرف، فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطًّا لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجرَ فيه، ولكنه لا يَدَع على العبد ذنبًا إلا حطَّه؛ وإنما أجرٌ في القول باللسان، والعمل باليد، والرِّجل، وإنّ الله جل ثناؤه ليُدخل بصدق النيَّة والسريرة الصالحة عالمًا جمًّا من عباده الجنة. قال: ثم مضى عليٌّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وَدِيعة الأنصاريّ، فدنا منه، وسلّم عليه وسايره، فقال له: ما سمعتَ الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم المعجَب به، ومنهم الكاره له، كما قال ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. فقال له: فما قول ذَوِي الرّأي فيه؟ قال: أما قولهم فيه فيقولون: إنّ عليًّا كان له جمع عظيم ففرّقه، وكان له حِصن حَصِين فهدّمه، فحتى متى يبني ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرّق! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذًا كان ذلك الحزم. فقال عليٌّ: أنا هدمت أم هم هدموا! أنا فرّقت أم هم فرّقوا! أما قولهم: إنه لو كان مضى بمن أطاعه؛ إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يَظفرَ أو يهلك، إذًا كان ذلك الحزم، فوالله ما غَبِيَ عن رأيي ذلك، وإن كنتُ لسخيًّا بنفسي عن الدنيا طيّبَ النفس بالموت، ولقد هممتُ بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدَرَاني - يعني: الحسن، والحسين - ونظرتُ إلى هذين قد استقدماني - يعني: عبدَ الله بن جعفر، ومحمد بن عليّ - فعلمت أن هذين إنْ هلكا انقطع نسْلُ محمد - ﷺ - من هذه الأمَّة، فكرهت ذلك، وأشفقتُ على هذين أن يَهلِكا، وقد علمتُ أن لولا مكاني لم يستقدما - يعني: محمد بن علي، وعبدَ الله بن جعفر - وايمُ الله لئن لقيتُهم بعد يومي هذا لألقينّهم وليسوا معي في عسكر ولا دار! ثم مضى حتى إذا جُزْنا بني عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال عليٌّ: ما هذه القبور؟ فقال قُدامة بن العجلان الأزديّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ خبّاب بن الأرتّ توفِّي بعد مخرجك، فأوصَى بأن يُدفَن في الظَّهر، وكان الناس إنما يُدفنون في دُورهم","vol":"8","page":806},{"text":"وأفنِيَتهم، فدفن بالظَّهر ﵀، ودفَن الناس إلى جنبه، فقال عليٌّ: رحم الله خبّابًا، فقد أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلِيَ في جسمه أحوالًا! وإنّ الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا. تم جاء حتى وقف عليهم فقال: السّلام عليكم يا أهلَ الدّيار الموحشة، والمحالّ المقفِرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سَلَف فارط، ونحن لكم تَبَعٌ، بكم عمّا قليل لاحقون. اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوَز بعفوك عنّا وعنهم! وقال: الحمد لله الذي جعل منها خلقَكم، وفيها معادَكم، منها يبعثكم، وعليها يحشركم، طوبَى من ذكر المَعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكَفاف، ورضيَ عن الله ﷿! ثم أقبل حتى حاذَى سكَّة الثوريّين، ثم قال: خُشّوا، ادخُلوا بين هذه الأبيات (١). (٥: ٦٠/ ٦١/ ٦٢).\n١١٤٤ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: مرّ عليٌّ بالثوريِّين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلَى صفّين، فقال: أما إنّي أشهد من قُتل منهم صابرًا محتسِبًا بالشهادة! ثم مرّ بالفائشييّن، فسمع الأصوات، فقال مِثلَ ذلك، ثم مضى حتى مرّ بالشِّباميّين، فسمعَ رجّة شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شُرحبيل الشِّباميّ، فقال عليٌّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهنّ عن هذا الرَّنين! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت دارًا أو دارين أو ثلاثًا قدَرنا على ذلك، ولكن قُتِل من هذا الحيّ ثمانون ومئة قتيل، فليس دار إلا وفيها بكاء، فأمّا نحن معشرَ الرجال فإنا لا نبكي، ولكن نفرح لهم، ألا نفرح لهم بالشهادة! قال عليّ: رحم الله قَتلاكم وموتاكم! وأقبل يمشي معه؛ وعليٌّ راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مَشْيَ مِثلِك مع مثلي فتنةٌ للوالي، ومذلّة للمؤمن، ثم مضى حتى مرَّ بالناعطيّين - وكان جُلُّهم عثمانية - فسمع رجلًا منهم يقال له: عبد الرحمن بن يزيد، من بني عُبيد من الناعِطِيّين يقول: والله ما صنع عليّ شيئًا، ذهب ثم انصرف في غير شيء! فلما نظروا إلى عليّ؛ أبلَسوا، فقال: وجوه قوم ما رأوا الشأمَ العامَ. ثم قال لأصحابه: قوم فارقْناهم آنفًا خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول:\nأخوك الذي إنْ أَجْرَضتْكَ مُلِمَّةٌ ... منَ الدَّهْرِ لم يَبْرَحْ لِبَثِّك واجِمَا\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":807},{"text":"وليس أَخوك بالّذي إنْ تَشَعّبَتْ ... عليك الأمورُ ظَلَّ يلحَاك لائما\nثم مضى، فلم يزل يذكر الله ﷿ حتى دخل القصر (١). (٥: ٦٢/ ٦٣).\n١١٤٥ - قال أبو مخنف: حدّثنا أبو جَناب الكلبيّ، عن عُمارة بن ربيعة، قال: خرجوا مع عليّ إلى صفين وهم متوادُّون أحبّاء، فرجعوا متباغضين أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصِفّين حتى فشَا فيهم التحكيم، ولقد أقبلوا يتدافعون الطريقَ كله ويتشاتمون ويضطَرِبون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله! أدهنتم في أمر الله ﷿ وحكَّمتم! وقال الآخرون: فارقتم إمامَنا، وفرّقتم جماعتَنا، فلمّا دخل عليّ الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوْا حَرُوراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا، ونادى مناديهم: إنّ أمير القتال شَبَث بن رِبعيّ التميميّ، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليَشْكريّ، والأمر شُورَى بعد الفتح، والبيعة لله ﷿، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). (٥: ٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>بعثة عليّ جعدةَ بن هُبيرة إلى خُراسان وفي هذه السنة بعث عليٌّ جَعدة بن هبيرةَ فيما قيلَ إلى خراسان</span>\nذكر الخبر عن ذلك:\n١١٤٦ - ذكر عليُّ بن محمد قال: أخبرنا عبد الله بن ميمون عن عمرو بن شُجَيرة، عن جابر، عن الشعبي، قال: بعث عليّ بعدما رجع من صفِّين جَعْدة بنَ هُبيَرة المخزومي إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرَشَهْر، وقد كفروا، وامتنعوا، فقدم على عليّ. فبعث خُليد بن قُرّة اليربوعيّ، فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهلُ مَرْو، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان، فبعث بهما إلى عليّ، فعرض عليهما الإسلام وأن يزوّجهما، قالتا: زوّجنا ابنيك، فأبى، فقال له بعض الدّهَاقين: ادفعهما إليّ، فإنه كرامة تُكرِمُنِي بها، فدفعهما إليه، فكانتا عنده، يفرش لهما الديباج، ويُطعِمهما في آنية\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة، وكيف يقول سيدنا علي: (أما إني أشهد من قتل منهم صابرًا محتسبًا بالشهادة) وعلم ذلك عند الله، وقد نهى رسول الله - ﷺ - أصحابه عن ذلك.\n(٢) إسناده تالف، وفي متنه ما ورد صحيحًا كما في رواية الطبري (٥/ ٧٣).","vol":"8","page":808},{"text":"الذهب، ثمّ رجعتَا إلى خُراسان (١). (٥: ٦٣/ ٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>اعتزال الخوارج عليًّا وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك</span>\nوفي هذه السنة اعتزل الخوارج عليًّا وأصحابه، وحكّموا، ثم كلَّمهم عليٌّ فرجعوا ودخلوا الكوفة.\nذكر الخبر عن اعتزالهم عليًّا:\n١١٤٧ - قال أبو مخنف في حديثه عن أبي جَناب: عن عُمارة بن ربيعة، قال: ولما قدم عليٌّ الكوفة وفارقتْه الخوارج، وثبتْ إليه الشيعة فقالوا: في أعناقنا بَيعة ثانية، نحن أولياء من والَيت، وأعداءُ من عادَيت؛ فقالت الخوارج: استبقتم أنتم وأهلُ الشأم إلى الكُفْر كَفرَسَيْ رِهان، بايع أهلُ الشأم معاوية على ما أحبّوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليًّا على أنكم أولياء مَن والى وأعداءُ مَن عادَى؛ فقال لهم زياد بن النَّضر: والله ما بسط عليّ يدَه فبايعناه قطّ إلا على كتاب الله ﷿ وسنّة نبيِّه - ﷺ -، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعتُه، فقالوا: نحن أولياء مَن والَيت، وأعداءُ من عاديت؛ ونحن كذلك، وهو على الحقّ والهدى، ومن خالفه ضالٌّ مُضِل، وبعث عليٌّ ابنَ عبَّاس إليهم، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم حتى أتاهم، فأقبلوا يكلّمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقَمتم من الحَكَمين، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ فكيف بأمَّة محمد - ﷺ -! فقالت الخوارج: قلنا: أمَّا ما جعل حكمَه إلى الناس، وأمر بالنّظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به، وما حَكمَ فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه؛ حَكمَ في الزاني مئة جلدة، وفي السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا. قال ابن عبّاس: فإن الله ﷿ يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فقالوا: أوَتجعل الحُكم في الصَّيْد، وَالحدَث يكون بين المرأة وزوجها كالحُكم في دماء المسلمين! وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعَدْلٌ عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويَسفِك دماءنا! فإن كان عَدْلًا فلسنا بعدُول ونحن أهلُ حربه، وقد حكّمتم في أمر الله الرّجال، وقد أمضى الله ﷿ حكمه في معاوية وحزبِه أن يُقتَلوا، أو\n_________\n(١) بين الطبري وعلي بن محمد انقطاع، وهو مع ذلك إسناده مرسل وفيه نكارة.","vol":"8","page":809},{"text":"يرجعوا، وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله ﷿ فأبوْه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتابًا، وجعلتم بينكم وبينه الموادَعة والاستفاضة، وقد قطع ﷿ الاستفاضة والموادَعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلتْ براءة، إلا من أقرّ بالجزية.\nوبحث عليّ زياد بن النّضر إليهم، فقال: انظر بأيّ رؤوسهم هم أشدّ إطافة، فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيدَ بن قيس، فخرج عليّ في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فُسطاط يزيد بن قيس، فدخله فتوضأ فيه وصلى ركعتين، وأمّره على إصبهان والرّيّ، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابنَ عبّاس، فقال: انتهِ عن كلامهم، ألم أنْهَك رحمك الله! ثم تكلَّم فحمد الله ﷿ وأثنى عليه ثم قال: اللهمّ إنّ هذا مقامٌ مَنْ أفلجَ فيه كان أَولى بالفُلْح يوم القيامة، ومن نطق فيه وأوعث فهُوَ في الآخرة أعمَى وأضلُّ سبيلًا. ثم قال لهم: مَن زعيمُكم؟ قالوا: ابن الكوّاء. قال عليّ: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومَتُكم يومَ صفّين. قال: أنشُدُكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعُوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم: إني أعلم بالقومِ مِنكم، إنهم ليسوا بأصحاب دِين ولا قرآن، إني صحبتهم، وعَرفتهم أطفالًا ورجالا، فكانوا شرَّ أطفال وشرَّ رجال. امضُوا على حقِّكم وصِدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحفَ خديعة وَدهْنًا ومَكيدة. فرددتم عليّ رأي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتكم إيّاي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطتُ على الحَكَمين أن يُحييا ما أحيا القرآن، وأن يُمِيتا ما أماتَ القرآن، فإن حَكَما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حُكمًا يحكم بما في القرآن، وإن أبيَنا فنحن من حكمهما براء، قالوا له: فخبِّرنا أتراه عدلًا تحكيم الرّجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكّمنا الرجال، إنما حكَّمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خطّ مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلَّم به الرجال، قالوا: فخبّرنا عن الأجل، لم جعلتَه فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويتثبّت العالم، ولعل الله ﷿ يصلح في هذه الهدنة هذه الأمّة. ادخلوا مصرَكم رحمكم الله! فدخلوا مِن عند آخِرِهم (١). (٥: ٦٤/ ٦٥/ ٦٦).\n_________\n(١) إسناده تالف وفيه نكارة، ولبعضه ما يؤيده كما أخرج الطبري من رواية صحيحة سنذكرها في حينها (٩١: ٥).","vol":"8","page":810},{"text":"١١٤٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُنْدَب الأزديّ، عن أبيه بمثل هذا (١). (٥: ٦٦).\n١١٤٩ - وأما الخوارج فيقولون: قلنا: صدقتَ، قد كنا كما ذكرت، وفعلنا ما وصَفْت، ولكنّ ذلك كان منا كفرًا، فقد تُبْنا إلى الله ﷿ منه، فتبْ كما تُبْنا نبايعْك، وإلا فنحن مخالفون، فبايَعَنا عليّ وقال: ادخلوا فلنمكث ستّة أشهر حتى يجبَى المال، ويَسمَن الكُراع، ثم نخرج إلى عدوّنا، ولسنا نأخذ بقولهم؛ وقد كذبوا.\nوقدم معن بن يزيد بِن الأخنس السلَمِيّ في استبطاء إمضاء الحكومة، وقال لعليّ: إنّ معاوية قد وفى، فَفِ أنت لَا يَلْفِتنّك عن رأيك أعاريبُ بكر وتميم. فأمر عليٌّ بإمضاء الحكومة، وقد كانوا افترقوا من صِفّين على أن يقدم الحَكَمان في أربعمئة أربعمئة إلى دومة الجَنْدَل (٢). (٥: ٦٦).\n١١٤٩/ أ - وزعم الواقديّ: أنّ سعدًا قد شهد مع من شهد الحكمين، وأن ابنه عمر لم يدَعْه حتى أحضره أذرُحَ، فندم، فأحرم من بيت المَقدس بعُمرة (٣). (٥: ٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>اجتماع الحكَمين بدُومة الْجندَل</span>\nوفي هذه السنة كان اجتماع الحكَمين.\nذكر الخبر عن اجتماعهما:\n١١٥٠ - قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد عن الشعبيّ، عن زياد بن النَّضر الحارثيّ: أن عليًّا بحث أربعمئة رجل، عليهم شريح بن هانئ الحارثيُّ، وبحث معهم عبد الله بن عباس، وهو يصلّي بهم، ويلِي أمورَهم، وأبو موسى الأشعريّ معهم، وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمئة من أهل الشأم، حتى توافَوْا بدُومة الجندل بأذْرح، قال: فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"8","page":811},{"text":"الرسول وذهب لا يدري بما جاء به، ولا بما رجع به، ولا يسأله أهلُ الشأم عن شيء؛ وإذا جاء رسول عليّ؛ جاؤوا إلى ابن عبَّاس فسألوه: ما كتب به إليك أمير المؤمنين؟ فإن كتَمهم ظنوا به الظنون، فقالوا: ما نُراه كتب إلا بكذا وكذا. فقال ابن عباس: أما تعقلون! أما ترَوْن رسولَ معاوية يجيء لا يعلم بما جاء به، ويرجع لا يعلم ما رجع به، ولا يُسمع لهم صياح ولا لفظ، وأنتم عندي كل يوم تظنُّون الظنون!\nقال: وشهد جماعَتهم تلك عبدُ الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرّحمن بن الحارث بنِ هشام المخزوميّ، وعبد الرحمن بن عبد يَغوث الزُّهريّ، وأبو جَهْم بن حُذيفة العدويّ، والمغيرة بن شُعبة الثَّقفِيّ، وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبني سُليم بالبادية، فقال: يا أبتِ! قد بلغك ما كان بين الناس بصِفّين، وقد حكم الناسُ أبا موسى الأشعريّ، وعمرَو بنَ العاص، وقد شهدهم نفر من قريش؛ فاشهدهم فإنك صاحبُ رسول الله - ﷺ - وأحد الشورى، ولم تدخل في شيء كرهتْه هذه الأمة، فاحضُر فإنك أحقّ الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل، إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنه تكون فتنةٌ؛ خيرُ الناس فيها الخفيّ التقيّ\"، واللهِ لا أشهد شيئًا من هذا الأمر أبدًا.\nوالتقى الحَكَمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! ألستَ تعلم: أنّ عثمان ﵁ قتل مظلومًا؟ قال: أشهد، قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى؛ قال: فإن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، فما يمنعك من معاوية وليِّ عثمانَ يا أبا موسى، وبيتُه في قريش كما قد علمت؟ فإن تخوّفت أن يقول الناس: ولِيَ معاوية وليست له سابقة؛ فإن لك بذلك حُجَّة؛ تقول: إني وجدته وليّ عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير، وهو أخو أمّ حبيبة زوجة النبيّ - ﷺ -، وقد صحبه، فهو أحد الصحابة، ثم عرّض له بالسلطان، فقال: إن وَلي أكرمك كرامةً لم يُكرِمها خليفة، فقال أبو موسى:\nيا عمرو، اتّق الله ﷿! فأما ما ذكرت من شرَف معاوية فإنّ هذا ليس على الشرف يولّاه أهلُه، ولو كان على الشرت لكان هذا الأسر لآلِ أبْرَهة بن الصّبّاح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيَه أفضلَ قريش شرفًا","vol":"8","page":812},{"text":"أعطيتَه عليَّ بنَ أبي طالب. وأما قولك: إنّ معاوية وليّ دم عثمان فولّه هذا الأمر، فإني لم أكن لأولِّيَه معاوية وأدَعَ المهاجرين الأوّلين، وأما تعريضُك لي بالسلطان، فوالله لو خرج لي من سلطانه كلِّه ما وتَيتُه، وما كنت لأرتشيَ في حكم الله ﷿، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطَّاب (١). (٥: ٦٨/ ٦٧).\n١١٥١ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ، أنه كان يقول: قال أبو موسى: أما والله لئن استطعتُ لأحيينّ اسمَ عمر بن الخطاب ﵁. فقال له عمرو: إن كنت تحبّ بَيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضلَه وصلاحَه! فقال: إنّ ابنك رجل صِدْق، ولكنّك قد غمستَه في هذه الفتنة (٢). (٥: ٦٨).\n١١٥٢ - قال أبو مخنف: حدّثني محمد بن إسحاق، عن نافع مولى ابن عمر، قال: قال عمرو بن العاص: إنّ هذا الأمر لا يُصلحه إلّا رجل له ضِرْس يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمرَ غفلة، فقال له عبد الله بن الزبير: افطن، فانتبه، فقال عبد الله بن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئًا أبدًا، وقال: يا بن العاص، إنّ العرب أسندتْ إليك أمرَها بعدما تقارعتْ بالسيوف، وتناجزتْ بالرّماح، فلا تُردَّنّهم في فتنة (٣). (٥: ٦٩).\n١١٥٣ - قال أبو مخنف: حدّثني النّضر بن صالح العبسيّ، قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سِجِسْتان، فحدّثني: أن عليًّا أوصاه بكلمات إلى عَمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيتَه: إنّ عليًّا يقول لك: إنّ أفضلَ الناس عند الله ﷿ من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه - وإن نقصَه وكرهه - من الباطل وإن حنّ إليه وزاده. يا عمرو! والله إنك لتعلم أينَ موضع الحقّ، فلم تَجاهل؟ إن أوتيت طمعًا يسيرًا؛ كنتَ به لله وأوليائه عدوًّا، فكأن والله ما أوتيتَ قد زال عنك؛ وَيْحك! فلا تكن للخائنين خصيمًا، ولا للظالمين ظهيرًا، أمَا إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وَفاتك، تَمنَّى أنك لم تُظهِرْ لمسلم عداوةً،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.\n(٣) إسناده تالف.","vol":"8","page":813},{"text":"ولم تأخذ على حُكم رِشْوة. قال: فبلغتُه ذلك، فتمعّرَ وجهه، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة عليّ، أو أنتهي إلى أمره، أو أعتدّ برأيه؟ ! فقلت له: وما يمنعك يا بن النابغة أن تقبل من مولاك وسيّد المسلمين بعد نبيّهم مشورته؟ ! فقد كان من هو خير منك أبو بكر، وعمَر يستشيرانه، ويعمَلان برأيه. فقال: إنّ مِثلي لا يكلّم مثلك، فقلت له: وبأيّ أبويك ترغب عنّي؟ ! بأبيك الوَشِيظ أم بأمّك النابغة؟ ! قال: فقام عن مكانه، وقمت معه (١). (٥: ٦٩/ ٧٠).\n١١٥٤ - قال أبو مِخْنف: حدّثني أبو جَناب الكلبي: أنّ عَمرًا، وأبا موسى حيث التقيا بدُومة الجندل، أخذ عَمرو يقدّم أبا موسى في الكلام، يقول: إنك صاحب رسول الله - ﷺ - وأنت أسنّ مني، فتكلّم وأتكلّم. فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه في كلّ شيء، اغتزى بذلك كله أن يقدّمه فيبدأ بخلع عليّ، قال: فنظر في أمرهما وما اجتَمَعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبا موسى عمرًا على عبد الله بن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبّرني ما رأيك؟ قال: رأي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم مَن أحبّوا. فقال له عمرو: فإنّ الرأي ما رأيتَ، فأقبَلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى! أعلِمْهم بأنّ رأينا قد اجتمع واتّفق. فتكلم أبو موسى فقال: إنّ رأي ورأي عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يُصلِح الله ﷿ به أمرَ هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ، يا أبا موسى! تقدّم فتكلّم، فتقدّم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابنُ عباس: وَيْحك! واللهِ إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدّمه فليتكلمْ بذلك الأمر قبلك، ثم تكلّمْ أنتَ بعده، فإنّ عمرًا رجل غادر، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرّضا فيما بينك وبينه، فإذا قمتَ في الناس خالفَك - وكان أبو موسى مغفّلًا - فقال له: إنّا قد اتفقنا. فتقدّم أبو موسى فحمِد الله ﷿ وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نَرَ أصلح لأمرها، ولا ألمَّ لشَعَثها من أمر قد أجمع رأي ورأي عمرو عليه؛ وهو أن نخلع عليًّا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيوتوا منهم مَنْ أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًّا ومعاوية، فاستقبلوا أمرَكم. وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا؛ ثم تنحّى،\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":814},{"text":"وأقبل عمرو بن العاص فقام مَقامه، فحمِد اللهَ وأثنى عليه وقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبَه، وأنا أخلع صاحبَه كما خلعه، وأثبتُ صاحبي معاوية؛ فإنّه وليّ عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه، فقال أبو موسى: مالك لا وفّقك الله، غدرتَ وفجرتَ! إنما مَثَلك كمثل الكلب إن تَحمِل عليه يَلْهَثْ أو تتركْه يَلْهث. قال عمرو: إنما مَثَلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وحَمَل شُرَيح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، وحَمَل على شُرَيح ابنٌ لعَمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، وكان شُريح بعد ذلك يقول: ما ندمتُ على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألّا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدّهرُ ما أتى. والتمس أهلُ الشأم أبا موسى، فركب راحلتَه ولحق بمكّة.\nقال ابن عباس: قبَّح الله رأيَ أبي موسى! حذّرته وأمرته بالرأي فما عقل. فكان أبو موسى يقول: حذّرني ابنُ عباس غَدْرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثِر شيئًا على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى عليّ، وكان إذا صلى الغداة تقنت فيقول: اللهمّ العن معاويَة، وعَمرًا، وأبا الأعوَر السُلَميّ، وحبيبًا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحّاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قَنَت؛ لعَنَ عليًّا، وابن عباس، والأشتر، وحَسَنًا، وحُسينًا.\nوزعم الواقديّ أن اجتماع الحكَمين كان في شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (١). (٥: ٧٠/ ٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحَكَم للحكومة وخبر يوم النَّهر</span>\n١١٥٥ - قال أبو مخنف: عن أبي المغفّل، عن عون بن أبي جُحَيفة: أنّ عليًّا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة؛ أتاه رجلان من الخوارج: زُرْعة بن البُرْج\n_________\n(١) هذا خبر منكر، ولا يصح أن عليًّا كان يلعن معاوية وأصحابه ولم يصح أن معاوية لعن عليًّا، وكذلك قال ابن كثير في البداية والنهاية.","vol":"8","page":815},{"text":"الطائيّ، وحُرْقوص بن زُهير السعديّ، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكمَ إلا لله، فقال عليّ: لا حكم إلا لله، فقال له حُرْقوص: تُبْ من خطيئتك، وارجع عن قضيّتك، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، حتى نلقى ربّنا.\nفقال لهم عليّ: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودَنا ومواثيقنا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فقال له حُرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه! فقال عليّ: ما هو ذنب، ولكنه عَجْز من الرأي، وضعفٌ من الفعل، وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه، ونهيتُكم عنه. فقال له زُرعة بن البُرْج: أما والله يا على لئن لم تَدَع تحكيمَ الرجال في كتاب الله ﷿ قاتلتُك! أطلبُ بذلك وجهَ الله ورضوانَه، فقال له عليّ: بؤسًا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تَسفِي عليك الريح؛ قال: وددتُ أن قد كان ذلك؛ فقال له عليّ: لو كنت محقًّا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتّقوا الله ﷿؛ إنه لا خيرَ لكم في دُنيا تقاتِلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكّمان (١). (٥: ٧٢).\n١١٥٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن أبي حُرَة الحنفيّ: أنّ عليًّا خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفِي خطبته؛ إذْ حكّمت المحكّمة في جوانب المسجد، فقال عليّ: الله أكبر! كلمةُ حقّ يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلّموا حَجَجْناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربيّ، فقال: الحمد لله غير مودّع ربّنا ولا مستغنى عنه. اللهمّ إنا نعوذ بك من إعطاء الدنيَّة في ديننا، فإنّ إعطاء الدنيّة في الدّين إدْهان في أمرِ الله ﷿، وذلّ راجع بأهله إلى سخط القه، يا عليّ! أبالقتل تخوّفنا؟ ! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفَحات، ثم لتعلمُنّ أيّنا أولَى بها صِلِيًّا، ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنّهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنُّخَيْلة (٢). (٥: ٧٢/ ٧٣).\n١١٥٧ - قال أبو مخنف: وحُدّثنا عن القاسم بن الوليد: أن حكيم بن\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":816},{"text":"عبد الرحمن بن سعيد البَكائيّ كان يرى رأيَ الخوارج، فأتى عليًّا ذات يوم وهو يخطب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) (٥: ٧٢).\n١١٥٨ - قال أبو مِخْنف عن عبد الملك بن أبي حُرّة: إنّ عليًّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة؛ لقيت الخوارج بعضُها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الرّاسيّ، فحمِد الله عبدُ الله بن وهب، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد: فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حُكم القرآن أن تكون هذه الدنيا - التي الرّضا بها والرّكون بها والإيثار إياها عناء وتَبار - آثرَ عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحقّ، وإنْ مُنَّ وضُرَّ فإنه مَن يُمنّ ويُضرّ في هذه الدنيا فإنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله ﷿ والخلود في جنّاته، فاخرجوا بنا إخوانَنا من هذه القرية الظالِم أهلُها إلى بعض كُوَر الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكِرين لهذه البدع المضلّة. فقال له حُرْقوص بن زهير: إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل، وإنّ الفراق لها وشيك، فلا تدعوَنّكم زينتها، وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكّم عن طلب الحقّ، وإنكار الظلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فقال حمزة بن سنان الأسَدِيّ: يا قوم، إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمرَكم رجلًا منكم، فإنه لابدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها، وترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حصين الطائيّ فأبَى، وعرضوها على حُرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشُريح بن أوفَى العبسيّ فأبَيَا، وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدَعها فَرَقًا من الموت، فبايعوه لعشر خلْون من شوال - وكان يقال له ذو الثَّفِنات - ثم اجتمعوا في منزل شُريح بن أوفى العبسيّ، فقال ابن وهب: اشخَصُوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكمِ الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكّانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتُّبِعْتُم، ولكن اخرجوا وُحْدانًا مستَخْفِين،\n_________\n(١) إسناده تالف، وقد أخرج ابن أبي شيبة نحوه بسند ضعيف (١٥/ ٣٠٧).","vol":"8","page":817},{"text":"فأمّا المدائن فإنّ بها مَنْ يمنعكم، ولكن سِيروا حتى تنزلوا جسرَ النّهروان، وتكاتِبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرّأي.\nوكتب عبد الله بن وهب إلى مَن بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثّهم على اللحاق بهم، وستر الكتاب إليهم، فأجابوه: أنهم على اللحاق به، فلما عزموا على المسيرِ تعبّدوا ليلتَهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة - وساروا يومَ السبت، فخرج شُريح بن أوَفى العبسيّ، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\nوخرج معهم طرَفة بن عديّ بن حاتم الطائيّ، فاتّبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهَى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباطَ لقيَه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارسًا، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النّبْهانيّ وبشر بن زيد البَوْلانيّ، وأرسل عديّ إلى سعد بن مسعود عامل عليّ على المدائن يحذّره أمرَهم، فحذِر، وأخذ أبوابَ المدائن، وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم، فأخبر عبد الله بن وهب خبرَه فرابأ طريقه، وسار على بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكَرْخ في خمسمئةِ فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبدُ الله في ثلاثين فارسًا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القومُ منهم؛ وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلّهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإنْ أمَرَك باتّباعهم اتَّبعتَهم، وإن كَفاكَهُم غيرُك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم، فلما جَنّ عليهم الليلُ؛ خرج عبد الله بن وهب، فعَبَر دجلة إلى أرض جُوخَى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيِسُوا منه، وقالوا: إن كان هلك؛ ولَّيْنا الأمرَ زَيدَ بن حصين، أو حُرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردّهم أهلوهم كَرْهًا، منهم: القعقاع بن قيس الطائيّ عمّ الطِّرِمّاح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكّائيُّ، وبلغ عليًّا: أن سالم بن ربيعة العبسيّ يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى.\nولما خرجت الخوارج من الكوفة؛ أتى عليًّا أصحابُه وشيعتُه فبايعوه وقالوا: نحن أولياء مَن واليتَ، وأعداءُ مَن عادَيْت، فشرط لهم فيه سنّة رسولِ الله - ﷺ -،","vol":"8","page":818},{"text":"فجاءه ربيعة بن أبي شدّاد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصِفَين، ومعه راية خَثْعَم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنّةِ رسولِ الله - ﷺ -؛ فقال ربيعة: على سُنَّة أبي بكر وعمر؛ قال له عليّ: ويلك! لو أن أبا بكر وعمرَ عَمِلا بغير كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - لم يكونا على شيء من الحقِّ، فبايعه، فنظر إليه على وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرتَ مع هذه الخوارج فقُتلت، وكأني بك وقد وطئتْك الخيل بحوافرها، فقُتِل يوم النَّهر مع خَوارج البصرة.\nوأما خوارج البصرة؛ فإنهم اجتمعوا في خمسمئة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فَدَكيّ التميميّ، فعلم بهم ابن عبالص، فأتبعهم أبا الأسود الدُّؤليَّ، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلجَ مسعر بأصحابه، وأقبل يعترِض الناس وعلى مقذَمته الأشرسُ بنُ عوف الشيبانيّ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنّهر، فلما خرجت الخوارجُ، وهَرَب أبو موسى إلى مكة، وردَّ عليٌّ ابن عباس إلى البصرة؛ قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدّهرُ بالخطب الفادح، والحَدَثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله؛ أما بعد: فإن المعصية تورِث الحسرة، وتُعقِب الندم، وقد كنت أمرتُكم في هذين الرَّجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونَحَلْتكم رأي، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنتُ أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:\nأَمَرْتُهُمُ أَمري بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتَبينوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ\nألا إنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حَكَمين قد نَبذَا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييَا ما أماتَ القرآن، واتّبع كل واحد منهما هَواه بغير هدىً من الله، فحَكَما بغير حجّة بيتة، ولا سُنّة ماضية، واختَلَفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ اللهُ منهما ورسولُه وصالحُ المؤمنين.\nاستعِدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشأم، وأصبِحوا في لمعسكركم إن شاء الله يوم الإثنين، ثم نزل.\nوكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أمّا بعد، فإن هذين الرجلين اللذَين ارتضيْنا حكمَهما قد خالفا كتابَ الله، واتّبعا","vol":"8","page":819},{"text":"أهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يَعمَلا بالسنّة، ولم ينفِّذا للقرآن حُكمًا، فبرئ الله ورسولُه منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدوّنا وعدوّكم، ونحن على الأمر الأوّل الذي كنا عليه. والسلام.\nوكتبوا إليه: أمّا بعد؛ فإنّك لم تغضب لربّك، إنما غضبتَ لنفسك، فإن شهدتَ على نفسك بالكفر، واستقبلتَ التوبة؛ نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابَذْناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدَعَهم ويمضيَ بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم (١). (٥: ٧٤/ ٧٥/ ٧٦/ ٧٨).\n١١٥٩ - قال أبو مخنف: عن المعلّى بن كُليب الهمْدانيّ، عن جبر بن نَوْف أبي الودّاك الهمْدانِيّ: إن عليًّا لما نزل بالنُّخَيلة، وأيس من الخوارج؛ قام فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله، وأدْهن في أمره كان على شَفا هُلْكِه إلا أن يتداركَه الله بنعمة، فاتقوا الله، وقاتِلوا من حاد الله، وحاوَلَ أن يطفئ نورَ الله، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاءَ في الدين، ولا علماءَ في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام، والله لو ولّوا عليكم، لعملوا فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقل، تيسّروا، وتهيّؤوا للمسير إلى عدوِّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قَدموا، فاجتمعتم؛ شخصْنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.\nوكتب عليّ إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر: أمّا بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنُّخيلة، وقد أجمعْنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيَك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام.\nفلما قدم عليه الكتاب؛ قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألفٌ وخمسمئة رجل، فاستقلّهم عبد الله بن عبّاس، فقام في الناس، فحمِد الله وأثْنَى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل البصرة! فإنه\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":820},{"text":"جاءني أمرُ أميرِ المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتُكم بالنَّفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يَشخَص معه منكم إلا ألف وخمسمئة، وأنتم ستون ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! ألا انفِروا مع جارية بنِ قدامة السعديّ، ولا يجعلَنّ رجلٌ على نفسه سبيلًا، فإني مُوقع بكلّ من وجدتُه متخلِّفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدُّؤَليّ بحشْركم، فلا يَلُمْ رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسَه.\nفخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمئة، ثم أقبل حتى وافاه عليٌّ بالنُّخَيلة، فلم يزل بالنُّخَيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البَصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة، ورؤوس الأسباع، ورؤوس القبائل، ووجوه الناس. فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: يا أهلَ الكوفة! أنتم إخواني، وأنصاري، وأعواني على الحق، وصَحَابتِي على جهاد عدوّي المحلّين بكم، أضرب المدْبِر، وأرجو تمام طاعة المقْبِل، وقد بعثتُ إلى أهل البصرة فاستنفرتُهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فأعينوني بمناصحة جليّة خليّة من الغشّ، إنكم ... مَخرَجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كلّ قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتِلة الذين أدركوا القتال، وعبدان عشيرته، ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا.\nفقام سعيد بن قيس الهمْدانيّ، فقال: يا أمير المؤمنين! سمعًا وطاعة، وودًّا ونصيحة، أنا أوّل الناس جاء بما سألت، وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرّياحيّ فقال له نحوًا من ذلك، وقام عديّ بن حاتم وزياد بن خصَفة وحُجْر بن عديّ، وأشراف الناس والقبائل فقالوا مِثلَ ذلك.\nثمّ إن الرؤوس كَتبوا مَن فيهم، ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليَهم أن يخرجوا معهم، وألّا يتخلّف منهم عنهم أحد، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين! أمّا مَن عندنا من المقاتِلة وأبناء المقاتلة ممّن قد بلغ الحُلُم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذَوِي القوّة والجَلَد،","vol":"8","page":821},{"text":"وأمرْناهم بالشّخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم في ضِياعنا وأشياءَ مما يُصلحنا.\nوكانت العرب سبعةً وخمسين ألفًا من أهل الكوفة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفًا، وثلاثة آلاف ومئتي رجل من أهل البصرة، وكان جميع من معه ثمانية وستّين ألفًا ومئتي رجل (١). (٥: ٧٨/ ٧٩/ ٨٠).\n١١٦٠ - قال أبو مِخْنَف، عن أبي الصَّلْت التيميّ: إن عليًّا كتب إلى سعد بن مسعود الثَّقَفِي - وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك زيادَ بنَ خَصَفة فأشخص معه مَن قِبَلك من مقاتِلة أهل الكوفة، وعجّل ذلك إن شاء الله ولا قوّة إلا بالله.\nقال: وبلغ عليًّا: أنَّ الناس يقولون: لو سارَ بنا إلى هذه الحَروريّة فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجّهنا من وجّهنا ذلك إلى المُحِلّين! فقام في الناس فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني قولُكم: لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجتْ عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجهنا إلى المحِلّين؛ وإن غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم، فدعوا ذكرَهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكًا، ويتّخذوا عباد الله خَوَلًا.\nفتنادَى الناسُ من كلّ جانب: سْر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، قال: فقام إليه صيفيّ بن فَسيل الشيبانيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! نحن حِزبُك وأنصارُك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسِر بنا إلى عدوّك؛ من كانوا وأينما كانوا؛ فإنك إن شاء الله لن تُؤتَى من قلّة عَدَد، ولا ضعف نيّةِ أتباع، وقام إليه مُحرِز بن شهاب التميميّ من بني سعد فقال: يا أمير المؤمنين، شيعتك كقلْبِ رجل واحد في الإجماع على نُصْرتك، والجدّ في جهاد عدوّك، فأبْشِر بالنصر، وسِرْ بنا إلى أيّ الفريقين أحببت، فإنّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالَفك صالحَ الثواب، ونَخاف في خذلانك\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":822},{"text":"والتخلّف عنك شدّةَ الوبال (١). (٥: ٨٠/ ٨١).\n١١٦١ - قال أبو مخنف: حدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما أراد عليّ المسيرَ إلى أهل النهر من الأنبار، قدّم قيس بن سعد بن عُبادة وأمره أن يأتيَ المدائنَ فينزلَها حتى يأمرَه بأمره، ثم جاء مقبِلًا إليهم، ووافاه قيس، وسعد بن مسعود الثقفى بالنّهر، وبعث إلى أهل النّهر: ادفعوا إلينا قَتَلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم، وكافّ عنكم حتى ألقَى أهلَ الشأم؛ فلعلّ الله يقلِّب قلوبَكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه، فقالوا: كلنا قَتَلَتهُم، وكلنا نستحلّ دماءهم ودماءَكم (٢). (٥: ٨٣).\n١١٦٢ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني الحارث بن حَصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم: عباد الله! أخرِجوا إلينا طِلبتَنَا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم، وعودوا بنا إلى قتال عدوّنا وعدوّكم، فإنكم ركبتُم عظيمًا من الأمر، تشهدون علينا بالشِّرْك، والشِّرْك ظلمٌ عظيم، وتسفكون دماءَ المسلمين، وتعدّونهم مشركين! فقال عبد الله بن شجرة السُّلَميّ: إن الحقّ قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم، أو تأتونا بمثلِ عمر! فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وقال: نشدتكم بالله في أنفسكم أن تُهلكوها، فإنّي لأرى الفتنةَ قد غلبتْ عليكم! .\nوخطَبَهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاريّ؛ فقال: عبادَ الله! إنّا وإيّاكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فُرْقة، فعلام تقاتلوننا؟ ! فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكّمتم غدًا، قال: فإنِّي أنشُدكم الله أن تعجّلوا فتنة العام مخافةَ ما يأتي في قابل (٣)! (٥: ٨٣/ ٨٤).\n١١٦٣ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب: أن عليًّا أتى أهلَ النّهر، فوقف عليهم فقال: أيّتها العصابة التي أخرجَتْها عداوةُ المِراء واللَّجاجة، وصدّها عن الحقّ الهَوَى، وطمح بها النَّزَق، وأصبحتْ في اللّبس،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.\n(٣) إسناده تالف.","vol":"8","page":823},{"text":"والخطب العظيم! إني نذيرٌ لكم أن تُصبِحوا تُلفيكم الأمّة غدًا صَرْعَى بأثناء هذا النّهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بيِّنة من ربّكم، ولا برهان بيِّن، ألم تعلموا: أنّي نهيتُكم عن الحكومة، وأخبرتكم: أنّ طلب القوم إيّاها منكم دَهْن ومكيدة لكم! ونبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرَفُ بهم منكم، عرفتُهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهلُ المكَر والغَدْر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حتى أقررت بأن حَكَّمْتُ، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحَكَمين أن يُحييا ما أحيَا القرآن، وأن يُميتَا ما أماتَ القرآن، فاختلَفَا، وخالَفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرَهما، ونحن على أمرنا الأوّل، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم! قالوا: إنا حكَّمنا، فلمّا حكَمنا أثِمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تُبْنا فإن تبتَ كما تبنا فنحنُ منك ومعك، وإن أبيتَ فاعتزِلْنا فإنا منابِذُوك على سَواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فقال عليّ: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر! أبعْدَ إيماني برسول الله - ﷺ - وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكُفر؟ ! لـ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] قد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. ثم انصرف عنهم (١). (٥: ٨٤).\n١١٦٤ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو سَلَمة الزُّهريّ - وكانت أمّه بنت أنَس بن مالك -: أنّ عليًّا قال لأهل النّهر: يا هؤلاء! إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراقَ هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ، وأنبأتكم: أنّ القوم سألوكُمُوها مكيدةً ودَهنًا، فأبيتم عليَّ إباءَ المخالِفين، وعدلتم عنّي عدولَ النكَداء العاصِين، حتى صرفت رأي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفَّاء الهام، سُفَهاء الأحلام، فلم آتِ - لا أبا لكم - حرامًا، والله ما خبلتُكَم عن أموركم، ولا أخفيتُ شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عَشْوة، ولا دَنّيتُ لكم الضَّرّاء! وإن كان أمرُنا لأمرِ المسلمين ظاهرًا؛ فأجمَعَ رأي مَلَئِكم على أن اختاروا رجلين، فأخذْنا عليهما أن يَحكما بما في القرآن ولا يَعدُواه، فَتَاها وتركا الحقَّ وهما يُبصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسنا\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":824},{"text":"حين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ثم تَستعرضوا الناس، تضربون رقابَهم، وتَسفِكون دماءهم! إنّ هذا لهو الخسران المبين. والله لو قتلتم على هذا دجاجة لَعَظُم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتْلُها عند الله حرامٌ؟ !\nفتنادَوا: لا تُخاطبوهم، ولا تكلّموهم، وتهيّؤوا للقاء الربّ، الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنَّة! فخرج عليٌّ فعبّأ الناس، فجعل على ميمنته حُجْر بن عديّ، وعلى ميسرته شَبَث بن رِبْعيّ - أو معقِل بن قيس الرّياحيّ - وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاريّ، وعلى الرّجالة أبا قَتادة الأنصاريّ، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمئة أو ثمانمئة رجل - قيس بن سعد بن عُبادة.\nقال: وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حُصَين الطائيّ، وعلى الميسرة شُريح بن أوفَى العبسيّ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسَديّ، وعلى الرّجالة حُرقوص بن زُهير السعديّ.\nقال: وبعث عليّ الأسود بن يزيد المُراديّ في ألفي فارس؛ حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمئة فارس من خيلهم، ورفع عليٌّ رايةَ أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو أيوب: مَن جاء هذه الرّاية منكم ممّن لم يقتل، ولم يستعرض فهو آمِن، ومَن انصرف منكم إلى الكُوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آِمِن، إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قَتلةَ إخواننا منكم في سفك دمائكم. فقال فرْوة بن نوفل الأشجعيّ: والله ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليًّا! لا أرى إلا أن أنْصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتّباعه. وانصرف في خمسمئة فارس، حتى نزل البَنْدَنيجَيْن، والدَّسْكرة، وخرجت طائفةٌ أخرى متفرّقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى عليّ منهم نحو من مئة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقُوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمئة، وزحفوا إلى عليّ، وقدّم عليّ الخيلَ دون الرجال، وصفّ الناس وراء الخيل صَفّين، وصَفّ المرامية أمامَ الصفّ الأوّل، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدؤوكم، فإنهم لو قد شدّوا عليكم - وجُلّهم رجال - لم ينتهوا إليكم إلا لاغِبين وأنتم رادّون حامُون، وأقبلت الخوارج، فلما أن دنَوا من الناس نادَوا يزيد بن قيس، فكان يزيد بن قيس على","vol":"8","page":825},{"text":"أصبهان. فقالوا: يا يزيد بن قيس! لا حُكْمَ إلّا لله، وإن كرهتْ أصبهان! فناداهم عباس بن شريك وقَبيصة بن ضبَيعة العبسيّان: يا أعداء الله! أليس فيكم شُرَيح بن أوفى المسرِف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه؟ ! قالوا: وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة! فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم، وافترقتْ الخيل فرقتين: فِرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلتْ المرامية وجوهَهم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرّجال بالرّماح والسيوف، فوالله ما لَبَّثوهم أن أناموهم، ثم إنّ حمزة بن سنان صاحبَ خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزِلوا، فذهبوا لينزِلوا فلم يتقارّوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المراديّ، وجاءتهم الخيل من نحو عليّ، فأهمِدوا في الساعة (١). (٥: ٨٤/ ٨٥/ ٨٦).\n١١٦٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثُمامة الحنفيّ عن حكيم بن سعد، قال: ما هو إلّا أنْ لقينا أهلَ البصرة، فما لبّثناهم، فكأنما قيل لهم: موتوا؛ فماتوا قبل أن تشتدّ شوكتهم، وتعظمَ نكايتُهم (٢). (٥: ٨٧).\n١١٦٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو جَناب: أنّ أبا أيّوب أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين! قتلتُ زيدَ بن حُصين، قال: فما قلتَ له وما قال لك؟ قال: طعنتُه بالرّمح في صدره حتى نجمَ من ظهره، قال: وقلتُ له: أبشر يا عدوّ الله بالنار! قال: ستعلم أيُّنا أولَى بِها صِليًّا. فسكت عليٌّ عليها (٣). (٥: ٨٧).\n١١٦٧ - قال أبو مِخنف، عن أبي جَناب: إنْ عليًّا قال له: هو أوْلى لها صِليًّا، قال: وجاء عائذ بن حملة التميميّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قتلتُ كلابًا، قال: أحسنت! أنت محِقّ قتلتَ مُبطِلًا. وجاء هانئ بن خطاب الأرْحَبيّ، وزياد بن خَصَفة يحتجّان في قتل عبد الله بن وهب الراسبيّ، فقال لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يا أمير المؤمنين! لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعنّاه برمْحَيْنا،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.\n(٣) إسناده تالف.","vol":"8","page":826},{"text":"فقال عليّ: لا تختلفا، كلاكُما قاتِل. وشدّ جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانيّ على حُرقوص بن زهير فقَتلَه، وشدّ عبد الله بن زَحْر الخَوْلانيّ على عبد الله بن شَجرَة السُلمِيّ فقتله، ووقع شريحٍ بن أوفَى إلى جانب جدار، فقاتل على ثُلْمة فيه طويلًا من نَهار، وكان قَتَل ثلاثةً من هَمْدان، فأخذ يرتجِز ويقول:\nقد عَلِمَتْ جارِيَةٌ عَبْسِيَّهْ ... ناعِمَةٌ في أَهَلِها مَكْفِيَّهْ\nأَنِّي سَأَحْمي ثُلْمَتِي العَشِيَّهْ\nفشدّ عليه قيسُ بن معاوية الدُّهنِيّ، فقطع رجلَه، فجعل يقاتلهم، ويقول:\n* القَرْمُ يحْمي شَوْلهُ مَعْقولَا *\nثم شدّ عليه قيس بن معاوية فقتله، فقال الناس:\nاقتَتَلَتْ هَمْدانُ يَوْمًا ورَجُلْ ... اقتَتَلوا مِنْ غُدْوة حتى الأصُلْ\n* فَفتحَ الله لَهمْدانَ الرَّجُلْ *\nوقال شُريح:\nأَضْربُهُمْ وَلوْ أَرَى أَبا حَسَنْ ... ضَرَبْتُهُ بالسيفِ حتى يَطْمَئنّ\nوقال:\nأَضرِبُهُمْ ولو أَرَى عَليًّا ... أَلْبَسْتُهُ أَبْيَضَ مَشْرَفيَّا (١)\n(٥: ٨٧/ ٨٨).\n١١٦٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة: أنّ عليًّا خرج في طلب ذي الثُّدَيّة ومعه سليمان بن ثُمامة الحنفيّ أبو جَبْرة، والرّيان بن صبرة بن هَوْذة، فوجده الرّيان بن صبرة بن هَوْذة في حُفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا، قال: فلما استُخرِج نظر إلى عَضُدِه، فإذا لحم مجتمع على منكبِه كثَدْي المرأة، له حَلَمة عليها شَعَرات سُود، فإذا مُدّت امتدّت حتى تحاذى طول يده الأخرى، ثم تُترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استُخرج قال عليّ: الله أكبر! والله ما كذَبتُ، ولا كُذِبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتُكم بما قضى الله على لسان نبيّه - ﷺ - لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا للحقّ الذي نحن عليه. قال: ثم مرَّ وهم صرعَى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضرّكم مَن\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":827},{"text":"غرّكم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين! مَن غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمّارة، غرّتهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصي، ونبّأتهم أنهم ظاهرون، قال: وطلِب مَن به رَمَق منهم فوجدناهم أربعمئة رجل، فأمر بهم عليّ فدُفِعوا إلى عشائرهم، وقال: احمِلوهم معكم فداوُوهم، فإذا بَرِئوا فوافُوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء.\nقال: وأما السلاح والدّوابّ وما شهدوا به عليه الحرب فقسَّمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم ردّه على أهله، وطلب عديّ بن حاتم ابنه طَرفة فوجده، فدَفَنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك، ودَفَن رجالٌ من الناس قَتْلاهم، فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك: ارتحِلِوا إذًا، أتقتلونهم ثم تدفنونهم! فارتحل الناس (١). (٥: ٨٨/ ٨٩).\n١١٦٩ - قال أبو مِخنف عن مجاهد، عن المحِلّ بن خليفة: أنّ رجلًا منهم من بني سَدوس يقال له: العَيْزار بن الأخنس كان يرى رأيَ الخوارج، خرج إليهم، فاستقبل وراء المدائن عديّ بن حاتم، ومعه الأسود بن قيس، والأسود بن يزيد المُراديّان، فقال له العيزار حين استقبلَه: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟ فقال عديّ: لا، بل سالمٌ غانم، فقال له المراديّان: ما قلت هذا إلا لشرّ في نفسك، وإنك لنعرفك يا عَيزار برأي القوم، فلا تفارِقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبرَه خبرَك. فلم يكن بأوشَكَ أن جاء عليّ فأخبرَاه خبَره، وقالا: يا أميرَ المؤمنين! إنه يرى رأيَ القوم، قد عرفْناه بذلك، فقال: ما يحِلّ لنا دمه، ولكنا نحبسه، فقال عديّ بن حاتم: يا أميرَ المؤمنين! ادفَعْه إليّ وأنا أضمن ألّا يأتيَك مِن قبَله مكروه، فدَفَعَه إليه (٢). (٥: ٨٩).\n١١٧٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عمران بن حُدير عن أبي مِجْلز، عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله أنه لم يقتَل من أصحاب عليّ إلا سبعة (٣). (٥: ٨٩).\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارات.\n(٢) إسناده تالف.\n(٣) إسناده تالف.","vol":"8","page":828},{"text":"١١٧١ - قال أبو محْنف عن نُمَير بن وَعْلة اليناعيّ، عن أبي دَرْداء، قال: كان عليّ لما فرغ من أهل النهروان حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسَن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فَوْركم هذا إلى عدوّكم، قالوا: يا أمير المؤمنين! نفدَتْ نبالنا، وكَلّت سيوفُنا، ونصَلْت أسنّة رماحِنا، وعاد أكثرها قِصَدًا، فارجع إلى مِصرنا، فلنستَعدّ بأحسن عدّتنا، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عُدّتنا عُدّة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدوّنا، وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النّخَيلة، فأمر الناسَ أن يلزموا عسكرَهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفسَهم، وأن يُقلّوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم حتَّى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا فيه أيامًا، ثم تسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وتُرك العسكر خاليًا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيُه في المسير (١). (٥: ٨٩/ ٩٥).\n١١٧٢ - قال أبو مخنف عمّن ذكره، عن زيد بن وهب: إنّ عليًّا قال للناس - وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النّهر -:\nأيّها الناس! استعدّوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القُربة إلى الله ودرَك الوسيلة عنده، حيارَى في الحقّ، جُفاة عن الكتاب، نُكُبٌ عن الدّين، يَعمَهون في الطّغيان، ويُعْكَسون في غَمْرة الضلال، فأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل، وتوكّلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله نصيرًا!\nقال: فلا هم نفروا ولا تيسّروا، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوهَهم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنظرهم، فمنهم المعتلّ، ومنهم المكرَه، وأقلّهم من نَشِط، فقام فيهم خطيبًا، فقال:\nعبادَ الله! ما لكم إذا أمرتُكم أن تنفِروا اثّاقلتم إلى الأرض! أرَضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذّلّ والهوان من العِزّ! أوَ كلّما ندبتُكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":829},{"text":"ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذي عِزّ يُعتصَم إليه، لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم! إنكم تُكادون ولا تكيدون، ويتنقّص أطرافكم ولا تتحاشوْن، ولا يُنام عنكم وأنتم في غفلةٍ ساهون؛ إن أخا الحَرب اليَقْظان ذو عقل، وبات لذلّ مَن وادَع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب، ثم قال: أما بعد، فإنّ لي عليكم حقًّا، وإن لكم عليَّ حقًّا، فأمّا حقكم عليّ فالنّصيحة لكم ما صحبتُكم، وتوفيرُ فَيئكم عليكم، وتعليمُكم كيما لا تجهلوا، وتأديبُكم كي تَعلَّموا؛ وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يُرِد اللهُ بكم خيرًا؛ انتزعتم عما أكره، وتَراجَعوا إلى ما أحِبّ، تنالوا ما تَطلُبون، وتُدرِكوا ما تأمُلون (١). (٥: ٩٠/ ٩١).\n١١٧٣ - وذكر عليّ بن محمد عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شُجَيرة، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: بعث عليٌّ بعدما رجع من صِفين جَعْدة بن هبيرة المخزوميّ، وأمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب - إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرشهر؛ وقد كَفَروا وامتنعوا، فقدم على عليّ، فبعث خُليد بن قرّة اليربوعيّ، فحاصر أهل نَيْسابور حتى صالحوه، وصالحه أهلُ مرْو (٢). (٥: ٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n١١٧٤ - فمما كان فيها مَقتَل محمّد بن أبي بكر بمصر، وهو عاملٌ عليها، وقد ذكرنا سببَ تولية عليٍّ إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها، ونذكر الآن سببَ قتله، وأين قتل؟ وكيف كان أمره؟ ويبدأ بذكرٍ من تتمّة حديث الزّهريّ الذي قد ذكرنا أوّله قبلُ، وذلك ما حدّثنا عبد الله عن يونس، عن الزّهريّ، قال: لما حُدّث قيس بن سعد بمجيء محمد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميرًا، تلقّاه، وخلَا به، وناجاه، فقال: إنك جئت من عند امرئ لا رأيَ له، وليس عَزْلُكم\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":830},{"text":"إيّايَ بمانعي أن أنصح لكم، وأنا مِن أمرِكم هذا على بصيرة، وإني في ذلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرًا وأهل خِرْبَتا، فكايِدْهم به، فإنك إن تكايدْهم بغيره تَهلِك، ووصف قيس بن سعد المكايدة التي كان يكايدهم بها، واغتشّه محمد بن أبي بكر، وخالف كلّ شيء أمره به. فلما قدم محمد بن أبي بكر وخرج قيس قِبَل المدينة؛ بعث محمد أهلَ مصر إلى خِرْبَتا، فاقتتلوا، فهزِم محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك معاوية وعمرًا، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر، وقَتَلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيّز معاوية، حتى ظهر، وقدم قيس بن سعد المدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البَخْتريّ، حتى إذا خاف أن يؤخذ، أو يُقتَل؛ ركب راحلته، وظهر إلى عليّ. فكتب معاوية إلى مرْوان، والأسود يتغيّظ عليهما ويقول: أمددتُما عليًّا بقيس بن سعد، ورأيه، ومكايَدته، فوالله لو أنّكما أمددتُماه بمئة ألفِ مقاتل ما كان بأغيظَ إليّ من إخراجِكما قيسَ بن سعد إلى عليّ، فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثَّه الحديثَ، وجاءهم قتلُ محمد بن أبي بكر؛ عرف: أنّ قيس بن سعد كان يوازي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأنّ مَن كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم يَنصَح له.\nوأمّا ما قال في ابتداء أمرِ محمد بن أبي بكر في مصيرِه إلى مصر وولايتِه إياها أبو مخنف؛ فقد تقدّم ذكرُنا له، ونذكر الآن بقيّة خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظَبْيان الهَمْدانيّ، قال: ولما قتل أهل خِرْبَتا ابنَ مضاهم الكلبيّ الذي وجّهه إليهم محمد بن أبي بكر؛ خرج معاوية بن حُديج الكنديّ ثم السَّكونيّ، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخَرون، وفسدتْ مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليًّا وثوبُ أهل مصرَ على محمد بن أبي بكر، واعتمادُهم إياه، فقال: ما لمصرَ إلا أحد الرَّجُلين! صاحبنا الَّذي عزَلْناه عنها - يعني: قيسًا - أو مالك بن الحارث - يعني: الأشتر. قال: وكان عليّ حين انصرف من صِفِّين ردّ الأشترَ على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معي على شُرَطِي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذْرَبيجان؛ فإن قيسًا مقيم مع عليّ على شُرْطته. فلما انقضى أمرُ الحكومة كتب عليّ إلى مالك بن الحارث الأشتر، وهو يومئذ بنَصِيبين: أمّا بعد، فإنك ممّن استظهرتُه على إقامة الدين، وأقمعُ به نخوةَ الأثيم، وأشُدّ به الثّغر المَخُوف، وكنت ولّيت محمد بن أبي بكر مصر،","vol":"8","page":831},{"text":"فخرجتْ عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حَدَث ليس بذي تجرِبة للحَرْب، ولا بمجرّب للأشياء، فاقدم عليٌّ لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلِف على عَملك أهلَ الثقة والنصيحة من أصحابك، والسلام.\nفأقبَل مالكٌ إلى عليٍّ حتى دخل عليه، فحدّثه حديثَ أهل مصرَ، وخبّره خبرَ أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحِمَك الله! فإني إن لم أوصِك؛ اكتفيتُ برأيك، واستعِن بالله على ما أهمّك، فاخلِط الشدّة باللِّين، وارفق ما كان الرفق اْبلَغ، واعتزِم بالشدّة حين لا يغني عنك إلا الشدّة.\nقال: فخرج الأشتر من عند عليّ فأتى رحله، فتهيَّأ للخروج إلى مصر، وأتت معاويةَ عيونُه، فأخبروه بولاية عليّ الأشتر، فعظُم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم: أن الأشتر إنْ قدمها كان أشدّ عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: إنّ الأشتر قد وُلِّيَ مصر، فإن أنت كَفْيتَنيه؛ لم آخذْ منك خراجًا ما بقيتَ، فاحتلْ له بما قدرتَ عليه، فخرج الجايستار حتى أتى القُلْزم، وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصرَ، فلما انتهى إلى القلزُم؛ استقبله الجايستار، فقال: هذا مَنزِل، وهذا طعامٌ وعَلَف، وأنا رجلٌ من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدِّهقان بعَلَف وطعام، حتى إذا طَعِم؛ أتاه بشربة من عَسَل قد جعل فيها سُمًّا فسقاه إيّاه، فلما شربها مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم: إنّ عليًّا وجّه الأشتر إلى مصَر، فادعوا الله أن يَكفيَكُموه. قال: فكانوا كلّ يوم يَدْعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبَرَه بمَهلِك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبًا، فحَمِد اللهَ وأثنَى عليه وقال: أمّا بعد، فإنه كانت لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان، قُطعتْ إحداهما يومَ صِفِّين - يعني: عمّار بن ياسر - وقُطِعت الأخرى اليوم - يعني: الأشتر (١). (٥: ٩٤/ ٩٥/ ٩٦).\n١١٧٥ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَديج عن مولىً للأشتر، قال: لما هلك الأشتر؛ وجدْنا في ثَقَله رسالة عليّ إلى أهل مصر:\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، وسنتحدث عن متنه بعد الرواية (٥: ١٠٩/ ١١٨٢).","vol":"8","page":832},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلىّ أمّة المسلمين الذين غَضِبوا لله حين عُصِيَ في الأرض، وضَرَب الجورُ بأرواقه على البَرّ والفاجر، فلا حقّ يُستراح إليه، ولا منكرَ يُتناهَى عنه، سلام عليكم، فإني أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد بعثتُ إليكم عبدًا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا يَنكل عن الأعادي حِذارَ الدوائر، أشدّ على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مُذحِج، فاسمعوا له، وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف الله، لا نابي الضّريبة، ولا كلَيل الحدّ، فإن أمَرَكم أن تُقدموا؛ فأقدموا، وإن أمَرَكم أن تَنفِروا؛ فانفروا، فإنه لا يُقدم ولا يُحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنُصحِه لكم وشدّة شَكيمته على عدوّكم، عصَمَكم الله بالهدى، وثبّتكم على اليقين. والسلام.\nقال: ولما بلغ محمّد بن أبي بكر: أنّ عليًّا قد بعث الأشتر شقّ عليه، فكتب عليّ إلى محمد بن أبي بكر عند مَهلِك الأشتر، وذلك حين بلغه مَوْجِدةُ محمد بن أبي بكر لقُدوم الأشتر عليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فقد بلغني موجِدَتُك من تسريحي الأشترَ إلى عَمَلِك، وإني لم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهاد، ولا ازديادًا مني لك في الجدّ، ولو نزعتُ ما تحتَ يدك من سلطانك لولّيتُك ما هو أيسرُ عليك في المؤونة، وأعجب إليك ولايةً منه. إنّ الرجل الذي كنتُ وليته مصرَ كان لنا نصيحًا، وعلى عدوّنا شديدًا، وقد استكمَل أيّامَه، ولاقَى حِمامَه، ونحن عنه راضُون، فرضي الله عنه، وضاعَفَ له الثواب، وأحسَنَ له المآب. اصبر لعدوّك، وشمِّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِرْ ذكرَ الله، والاستعانةَ به، والخوفَ منه؛ يَكفِك ما أهمّك، ويُعِنْك على ما ولّاك، أعاننا الله وإيّاك على ما لا يُنَال إلا برحمته، والسلام عليك.","vol":"8","page":833},{"text":"فكتب إليه محمد بن أبي بكر جواب كتابه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nلعبد الله عليٍّ أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر، سلام عليك، فإنّي أحمد الله إليك الذي لا إلهَ غيره، أما بعد: فإنّي قد انتهى إليّ كتابُ أمير المؤمنين، ففهِمْته، وعرفتُ ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضَى مني برأي أميرِ المؤمنين، ولا أجهدَ على عدوّه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجتُ فعسكرتُ، وأمَّنتُ الناس إلا من نَصَب لنا حربًا، وأظهَر لنا خلافًا، وأنا متّبع أمرَ أمير المؤمنين وحافظُه، وملتجئ إليه، وقائمٌ به، والله المستعان على كلّ حال؛ والسلام عليك (١). (٥: ٩٦/ ٩٧).\n١١٧٦ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَهضم الأزديّ - رجل من أهل الشأم - عن عبد الله بن حَوالة الأزديّ: أنّ أهل الشأم لما انصرفوا من صِفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحَكَمان، فلما انصرفا، وتفرّقا؛ بايع أهلُ الشأم معاويةَ بالخلافة، ولم يزدد إلا قوّة، واختلف الناسُ بالعراق على على، فما كان لمعاوية همٌّ إلا مصر، وكان لأهلها هائبًا خائفًا، لقربهم منه، وشدّتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان عَلَى ذلك علِم: أن بها قومًا قد ساءهم قتلُ عثمانَ، وخالفوا عليًّا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب عليّ، لحكل خَراجها، قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش:\nعمروَ بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وبُسْرَ بن أبي أرطاة، والضحّاك بن قيس، وعبدَ الرحمن بن خالد بن الوليد؛ ومن غيرهم: أبا الأعور عَمرَو بن سُفيان السُّلَميّ، وحمزةَ بن مالك الهَمْدانيّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط الكِنديّ، فقال لهم: أتدرون لِمَ دعوتكم؟ إنِّي قد دعوتُكم لأمر مُهِمّ أحبّ أن يكون اللهُ قد أعان عليه، فقال القوم كلهم - أو من قال منهم: إنّ الله لم يُطلع على الغيب أحدًا، وما يُدرِينا ما تُريد! فقال عمرو بن العاص: أرى والله أمرَ هذه البلاد الكثير خراجُها، والكثير عُدَدُها وعدد أهلها، أهمّك أمرُها، فدعوتَنا إذًا لتسألَنا عن\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارات، وسنتحدث عنه بعد الرواية (٥: ١٠٩/ ١١٨٢).","vol":"8","page":834},{"text":"رأينا في ذلك، فإن كنتَ لذلك دعوتَنا، وله جمعتَنا؛ فاعزم وأقدم، ونِعمَ الرأي رأيتَ! ففي افتتاحها عِزُّك وعزّ أصحابك، وكَبْت عدوّك، وذلّ أهل الخلاف عليك. قال له معاوية مجيبًا: أهمَّك يا بن العاصِ ما أهمّك - وذلك لأن عمرو بن العاص كان صالَح معاويةَ حين بايعه على قتال عليّ بن أبي طالب، على أنّ له مصرَ طُعْمَةً ما بقيَ - فأقبل معاوية على أصحابه، فقال: إنّ هذا - يعني: عمرًا - قد ظنّ، ثم حقّق ظنّه، قالوا له: لكنا لا ندري؛ قال معاوية: فإنّ أبا عبد الله قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد الله، قال: إنّ أفضل الظُّنون ما أشبه اليقين.\nثم إنّ معاوية حمِد الله، وأثنَى عليه، ثم قال: أما بعد: فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوّكم، جاؤوكم وهم لا يَروْن إلا أنهم سيقيضون بَيضَتكم، ويُخربون بلادَكم، ما كانوا يرَون إلّا أنكم في أيديهم، فردّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبّوا، وحاكَمْناهم إلى الله، فحكم لنا عليهم، ثم جمع لنا كلمتَنا، وأصلح ذاتَ بينِنا، وجعلهم أعداء متفرّقين يشهدُ بعضهم على بعض بالكُفْر، ويسفِك بعضهم دَم بعض، والله إنّي لأرجو أن يتمّ لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نُحاول أهلَ مصرَ، فكيف تروْن ارتثاءنا لها! فقال عمرو: قد أخبرتُك عمَّا سألتَني عنه، وقد أشرتُ عليك بما سمعت؛ فقال معاوية: إنّ عَمرًا قد عزم وصَرَم، ولم يفسّر، فكيف لي أن أصنع! قال له عمرو: فإنّي أشير عليك كيف تصنع، أرى أن تَبعث جيشًا كثيفًا، عليهم رجلٌ حازم صارم تأمَنُه وتثق به، فيأتي مصرَ حتى يدخلَها، فإنه سيأتيه مَن كان من أهلها على رأينا فيظاهرهُ على مَن بها من عدوّنا، فإذا اجتمع بها جندُك ومَن بها من شيعتك على مَن بها من أهل حربك؛ رجوتُ أن يعين الله بنصرِك، ويُظهر فُلْجَك! قال له معاوية: هل عندك شيء دون هذا يُعمَل به فيما بيننا وبينهم؟ قال: ما أعلَمه، قال: بلى، فإنّ غير هذا عندي، أرى أن نكاتِب مَن بها من شيعتنا، ومَن بها من أهل عدوّنا، فأمّا شيعتنا فآمُرُهم بالثبات على أمرهم، ثم أصنِّيهم قُدومَنا عليهم. وأما مَن بها مِن عدوّنا فندعوهم إلى صلْحنا، ونمنِّيهم شكرَنا، ونخوّفهم حربنا، فإن صلَح لنا ما قبَلهم بغير قتال؛ فذاك ما أحببنا، وإلا كان حربُهم من وراء ذلك كلّه. إنك يا بن العاص امرؤ بورك لك في العَجَلة، وأنا امرؤٌ بورك لي في التُّؤَدة؛ قال: فاعمل بما أراك الله، فوالله ما أرى أمرَك وأمرَهم يصيرُ إلّا إلى الحرب العَوان.","vol":"8","page":835},{"text":"قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلّد الأنصاريّ، وإلى معاوية بن حُدَيج الكِنديّ - وكانا قد خالفا عليًّا:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأمّا بعد: فإنّ الله قد ابتَعَثكما لأمر عظيم أعظمَ به أجرَكما، ورفَع به ذِكرَكما، وزيّنكُما به في المسلمين، طَلبكما بدمِ الخليفة المظلوم، وغضبكما لله إذ تُرِك حكم الكتاب، وجاهدتما أهلَ البغي والعُدوان، فأبشروا برضوان الله، وعاجِل نصرِ أولياء الله، والمواساة لكما فَي الدنيا، وسلطاننا، حتى يُنْتَهَى في ذلك ما يرضيكما، ونؤدّي به حقَّكما إلى ما يصير أمرُكما إليه، فاصبروا وصابروا عدوَّكما، وادعوا المدبِر إلى هُداكما وحفظِكما، فإنّ الجيش قد أضِلّ عليكما، فانقشع كلّ ما تكرهان، وكان كلّ ما تَهوَيان، والسلام عليكما.\nوكَتب هذا الكتابَ وبَعث به مع مولىً له يقال له: سُبَيع.\nفخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر؛ ومحمد بن أبي بكر أميرها، وقد ناصَب هؤلاء الحربَ بها، وهو غير متخوّن بها يوم الإقدام عليه. فدفع كتابَه إلى مسلمة بن مخلّد، وكتابَ معاوية بن حُدَيج، فقال مسلمة: امضِ بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه، ثم القني به حتى أجيبه عني وعنه، فانطلق الرسول بكتاب معاويةَ بن حُدَيج إليه، فأقرأه إيّاه، فلما قرأه قال: إنّ مسلمة بن مخلّد قد أمرني أن أردّ إليه الكتاب إذا قرأتَه لكي يجيبَ معاوية عنك وعنه. قال: قل له فليفعل؛ ودفع إليه الكتاب، فأتاه، ثم كتب مسلمة عن نفسه، وعن معاوية بن حُدَيج: أما بعد، فإنّ هذا الأمر الذي بذلنا له نفسَنا، واتّبعْنا أمرَ الله فيه، أمرٌ نرجو به ثوابَ ربّنا، والنصرَ ممن خالفنا، وتعجيلَ النِّقمة من سَعَى على إمامنا، وطأطأ الرّكض في جهادنا، ونحن بهذا الحيّز من الأرض قد نَفَينا مَن كان به من أهل البغي، وأنهَضْنا من كان به من أهل القِسْط والعدل، وقد ذكرتَ المواساة في سلطانِك ودنياك، وبالله إنّ ذلك لأمرٌ مالَه نهضْنا، ولا إيّاه أردْنا، فإنْ يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمَنَّينا، فإنّ الدنيا والآخرةَ لله ربِّ العالمين، وقد يؤتيهما الله معًا عالمًا من خلقه، كما قال في كتابه، ولا خلفَ لموعده، قال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.","vol":"8","page":836},{"text":"عجّل علينا خَيلَك ورَجْلك، فإنّ عدوّنا قد كان علينا حربًا، وكنا فيهم قليلًا، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحْنا لهم مقرنين، فإن يأتنا الله بمَدَد من قِبَلك؛ يفتح الله عليكم، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل! والسلام عليك.\nقال: فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفِلَسطين، فدعا النّفرَ الذين سمّاهم في الكتاب فقال: ماذا ترون؟ قالوا: الرّأي أن تبعث جُندًا من قِبَلك، فإنك تفتتحها بإذن الله، قال معاوية: فتجهَّز يا أبا عبد الله إليها - يعني: عمرَو بنَ العاص - فال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودّعه وقال له ضد وداعه إيّاه: أوصيك يا عَمرو بتقوَى الله، والرفق فإنه يُمْن، وبالمهَل، والتُّؤدَة، فإنّ العَجَلَة من الشيطان، وبأن تقبلَ ممن أقبَل، وأن تعفوَ عمّن أدبرَ، فإن قَبل؛ فَبِها ونِعمتْ، وإن أبَى؛ فإن السطوة بعد المعذرة أبلَغ في الحجّة، وأحسَن في العاقبة، وادعُ الناسَ إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرتَ؛ فليكن أنصارُك آثرَ الناس عندَك، وكلَّ الناس فأوْلِ حُسْنًا. قال: فخرج عَمرٌو يسير حتى نزل أدانيَ أرض مصرَ، فاجتمعتَ العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر:\nأما بعد، فتنحّ عني بدمك يا بن أبي بكر! فإنّي لا أحبّ أن يصيبَك مني ظَفَر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، ورفضِ أمرِك، ونَدِموا على اتّباعك، فهم مُسلِموك لو قد التقت حَلْقتا البِطان، فاخرج منها، فإني لك من الناصحين؛ والسلام.\nوبعث إليه عمرو أيضًا بكتاب معاوية إليه:\nأما بعد، فإنّ غبَّ البغي والظلم عظيم الوَبال، وإنّ سَفْك الدم الحرام لا يَسلَم صاحبه من النّقمة في الدنيا، ومن التَّبعة الموبِقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدًا كان أعظم على عثمانَ بغيًا، ولا أسوأ له عيبًا، ولا أشدّ عليه خلافًا منك؛ سعيتَ عليه في الساعين، وسفكتَ دَمه في السافكين، ثم أنت تظنّ أني عنك نائمٌ، أو ناسٍ لك، حتى تأتي فتأمّر على بلاد أنتَ فيها جاري، وجُلّ أهلِها أنصاري، يرَون رأي، ويَرْقُبون قولي، ويَستصرخوني عليك. وقد بعثتُ إليك قومًا حِناقًا عليك، يستسقون دمَك، ويتقرّبون إلى الله بجهادك، وقد أعطَوا الله عهدًا ليمثّلُنّ بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك ولا أنذرتك،","vol":"8","page":837},{"text":"ولأحببتُ أن يقتلوك بظُلمك، وقطيعتك، وعَدْوِك على عثمان يوم يُطعَن بمشَاقِصك بين خُشَشائه وأوداجِه، ولكن أكرَه أن أمثّل بقرَشيّ، ولن يُسلِمك اللهُ من القصاص أبدًا أينما كنت! والسلام.\nقال: فطوى محمد كتابيْهما، وبعث بهما إلى عليّ، وكتب معهما: أما بعد، فإنّ ابن العاص قد نزل أدانيَ أرضِ مصرَ، واجتمع إليه أهلُ البلد جلُّهم ممن كان يَرى رأيَهم، وقد جاء في جيش لجِب خُرّاب، وقد رأيت ممن قِبَلي بعضَ الفشل، فإن كان لك في أرض مصرَ حاجة فأمدّني بالرجال والأموال؛ والسّلام عليك.\nفكتب إليه عليّ:\nأمّا بعد: فقد جاءني كتابُك تذكُر: أنّ ابن العاصِ قد نزل بأداني أرضِ مصرَ في لجبٍ من جيشه خُرّاب، وإن مَن كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروجُ مَن يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندَك. وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض مَنْ قبَلك فَشَلًا، فلا تَفشَل، وإن فشلوا؛ فحصِّنْ قريَتك، واضمُم إليك شيعتَك، واندُب إلى القوم كنانةَ بنَ بِشر المعروفَ بالنصيحة والنّجدة والبأس. فإني نادبٌ إليك الناسَ على الصَّعب والذَّلول، فاصبر لعدوّك، وامض على بصيرتك، وقاتلْهم على نيّتك، وجاهِدْهم صابرًا محتسبًا، وإن كانت فئتُك أقلَّ الفئتين، فإنّ الله قد يُعزّ القليل، ويَخذُل الكثير، وقد قرأتُ كتابَ الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عَمرو، المتحابَّيْن في عمل المعصية، والمتوافِقَين المرتَشِييْن في الحكومة، المنكسرين في الدنيا، قد استَمتَعوا بخَلاقهم كما استمتَع الذين من قبلهم بخَلاقهم، فلا يَهُلْك إرعادُهما، وإبراقُهما، وأجبْهما إن كنتَ لم تجبْهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالًا ما شئت، والسلام (١). (٥: ٩٧/ ٩٨/ ٩٩/ ١٠٠/ ١٠١/ ١٠٢).\n١١٧٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاريّ، عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جوابَ كتابه:\n_________\n(١) إسناده تالف وسنتحدث عنه بعد الرواية (٥/ ١٠٩/ ١١٨٢).","vol":"8","page":838},{"text":"أما بعد: فقد أتاني كتابُك تذكِّرني من أمرِ عثمانَ أمرًا لا أعتذر إليك منه، وتأمُرني بالتنحّي عنك كأنك لي ناصح، وتُخوّفني المُثْلَة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون ليَ الدائرةُ عليكم، فأجتاحَكم في الوقعة، وإن تُؤتَوا النصرَ ويكن لكم الأمر في الدّنيا، فكَم لَعمرِي من ظالم قد نَصرْتم، وكم من مؤمن قَتلتم، ومثّلتم به! وإلى الله مصيرُكم ومصيرُهم، وإلى الله مَرَدّ الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون! والسلام.\nوكتب محمد إلى عمرو بن العاص:\nأمّا بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ في كتابك يا بنَ العاص! زعمتَ: أنك تكره أن يصيبَني منك ظَفَر، وأشهدُ أنك من المبطِلين! وتَزعم: أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظَنين! وتَزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، ونَدِموا على اتّباعي، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبُنا الله ربّ العالَمين، وتوكَّلنا على الله ربّ العرش العظيم! والسلام.\nقال: أقبل عَمرو بن العاص حتى قصد مصرَ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد معاشرَ المسلمين والمؤمنين، فإنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحُرمة، ويَنعشُون الضلال، ويَشُبّون نارَ الفتنة، ويتسلّطون بالجَبريّة قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود، عبادَ الله! فمن أراد الجنّة والمغفرة فلْيخرج إلى هؤلاء القوم، فلْيجاهدْهم في الله. انتدبِوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر.\nقال: فانتدب معه نحو من ألفَي رجل، وخرج محمد في ألفَيْ رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانةَ وهو على مقدّمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانةَ، فلما دنا من كنانة سرّح الكتائبَ كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانةُ لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهلِ الشام إلا شدّ عليها بمن معه، فيضربها حتّى يقرّبها لعمرو بن العاص، ففعل ذلك مرارًا؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حُدَيج السَّكونيّ، فأتاه في مثل الدّهْم، فأحاط بكنانةَ وأصحابه، واجتمع أهلُ الشأم عليهم من كلّ جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه. ونزل أصحابُه وكنانة يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ","vol":"8","page":839},{"text":"الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. فضارَبَهم بسيفه حتى استشهد ﵀.\nوأقبل عمرو بن العاص نحوَ محمد بن أبي بكر، وقد تفرّق عنه أصحابُه لمّا بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خَرِبة في ناحية الطريق، فأوَى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حُدَيج في طلب محمّد حتى انتهى إلى عُلوج في قارعة الطريق، فسألهم: هل مرَّ بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حُدَيج: هو هو وربّ الكعبة؛ فانطلقوا يركُضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا؛ فأقبلوا به نحو فسطاط مصرَ. قال: ووثب أخوه عبدُ الرحمن بن أبي بكر إلى عَمرو بن العاص - وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرًا! ابعث إلى معاويةَ بن حُدَيجْ فانْهَه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيَه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانةَ بنَ بشر وأخلّي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. فقال لهم محمد: اسقُوني من الماء، قال له معاوية بن حُدَيج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبدًا! إنكم مَنعتمْ عثمانَ أن يشرب الماءَ حتى قتلتموه صائمًا مُحرِمًا، فلقاه الله بالزَحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا بن أبي بكر فيسقيك الله الحميمَ، والغَسّاق! قال له محمد: يا بن اليهودّية النسّاجة! ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله ﷿ يَسقي أولياءَه، ويُظمئ أعداءَه؛ أنتَ وضُرَبَاؤُك ومَن تولّاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنعُ بك؟ أدخِلك في جوف حمار. ثم أحْرِقُه عليك بالنار؛ فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فُعِل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النارَ التي تُحْرِقني بها أن يَجعَلها الله عليّ بردًا وسلامًا كما جعلها على خليلِه إبراهيمَ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذَ وأوليائِه، إنّ الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامكَ - يعني: معاوية، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تَلظَّى عليكم، كلَّما خَبَتْ زادها الله سعيرًا، قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان، قال له محمد: وما أنتَ وعثمان! إنّ عثمانَ عَمِل بالجور، ونبذ","vol":"8","page":840},{"text":"حكمَ القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فنقَمنا ذلك عليه، فقتلناه، وحسّنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برّأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكُه في إثمه، وعظم ذنبه، وجاعِلك على مثاله. قال: فغضب معاوية، فقدمه، فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار؛ فلما بلغ ذلك عائشةَ جزِعت عليه جزعًا شديدًا، وقَنَتت عليه في دُبُر الصلاة تدعو على معاوية، وعمرو، ثم قبضتْ عيالَ محمّد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها.\nرجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: وكتب عمرو بنُ العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر:\nأما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر في جموع جَمّة من أهل مصرَ، فدعوْناهم إلى الهدى، والسنّة، وحكم الكتاب، فرفضوا الحقّ، وتورّكوا في الضلال، فجاهَدْناهم، واستنصَرْنا اللهَ عليهم، فضرب الله وجوهَهم وأدبارَهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر، وأماثلَ القوم، والحمد لله رب العالمين! والسَّلام عليك (١). (٥: ١٠٢/ ١٠٤/١٠٣/ ١٠٥).\n١١٧٨ - وأما الواقديّ فإنه ذكر لي: أنّ سُوَيد بن عبد العزيز حدّثه عن ثابت بن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن: أنّ عمرو بن العاص خرج في أربعةِ آلاف، فيهم معاوية بن خُدَيج، وأبو الأعور السلَميّ، فالتقوا بالمسنّاة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتّاب التُّجيبِيّ، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلًا، فانهزم، فاختبأ عند جَبَلة بن مسروق، فدلّ عليه معاوية بن خُدَيج، فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قُتِل.\nقال الواقديّ: وكانت المسنّاة في صفرَ سنة ثمان وثلاثين، وأذْرُح في شعبانَ منها في عام واحدٌ (٢). (٥: ١٠٥).\nوفيها قُتِل محمد بن أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارات سنتحدث عنها بعد (٥/ ١٠٩/ ١١٨٢).\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":841},{"text":"ذكر الخبر عن مقتله:\n١١٧٩ - اختَلف أهلُ السير في وقت مَقتله؛ فقال الواقديّ: قُتل في سنة ست وثلاثين. قال: وكان سبب قتله: أنّ معاوية، وعمرًا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعَيْن شمس، فعالجا الدّخول، فلم يقدرا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذَيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العَريش، فخرج، وخلّف الحَكَم بن الصلت على مصرَ، فلما خرج محمد بن أبي حُذَيفة إلى العريش تحصّن، وجاء عمرو فنصب المجانيقَ حتى نزل في ثلاثينَ من أصحابه، فأخِذوا فقُتلوا. قال: وذاك قبل أن يَبعث عليّ إلى مصرَ قيسَ بنَ سعد (١). (٥: ١٠٥/ ١٠٦).\n١١٨٠ - وأما هشام بن محمد الكلبيّ فإنه ذكر: أنّ محمد بن أبي حُذَيفة إنما أخِذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر، ودخل عَمرو بن العاص مصرَ، وغلَب عليها، وزعم أنّ عمرًا لما دخل هو وأصحابه مصرَ؛ أصابوا محمد بن أبي حُذَيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غيرَ كثير، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خَال معاوية - فأرَى معاويةُ الناسَ أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشأم: مَنْ يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحبّ فيما يرون أن ينجوَ، فقال رجل من خَثْعم - يقال له: عبدُ الله بن عمرو بن ظلام، وكان رجلًا شجاعًا، وكان عثمانيًّا: أنا أطلبه. فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البَلْقاء بحَوْران وقد دخل في غار هناك. فجاءت حُمُرٌ تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمُر الرجل في الغار فزِعت، فنفرتْ، فقالَ حصّادُون كانوا قريبًا من الغار: والله إنّ لنَفْرِ هذه الحمُرِ من الغار لشأنًا، فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخِرجوا، ويوافِقهم عبدُ الله بن عمرو بن ظلام الخَثْعمِيّ، فسألهم عنه، ووصفه لهم، فقالوا له: هاهو ذا في الغار؛ قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يُرجعه إلى معاوية فيخلِّيَ سبيله، فضرب عنقه (٢). (٥: ١٠٦).\n١١٨١ - قال هشام: عن أبي مخنف، قال: وحدّثني الحارث بن كعب بن\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":842},{"text":"فُقَيم عن جُندَب، عن عبد الله بن فقيم، عمّ الحارث بن كعب ... يستصرخ من قبَل محمد بن أبي بكر إلى عليّ - ومحمّد يومئذ أميرُهم - فقام عليّ في الناس وقد أمر فنُوديَ الصّلاةَ جامعة! فاجتمع الناس، فحمد الله وأثْنَى عليه، وصلى على محمد - ﷺ -، ثم قال: أمّا بعد، فإن هذا صريخُ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النّابغة عدوّ الله، ووليّ من عادَى الله، فلا يكوننّ أهل الضّلال إلى باطلهم والرّكون إلى سبيل الطاغوت أشدَّ اجتماعًا منكم على حقّكم هذا، فإنهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغَزْو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر. عباد الله! إنّ مصرَ أعظم من الشأم، أكثر خيرًا، وخيرٌ أهلًا، فلا تغلَبوا على مصر، فإنّ بقاءَ مصر في أيديكم عزٌّ لكم، وكَبْتٌ لعدوّكم، اخرجوا إلى الجَرَعة بين الحيرة والكُوفة، فوافُوني بها هناك غدًا إن شاء الله. قال: فلمّا كان من الغد؛ خرج يمشي، فنزلها بُكرةً، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد؛ فرجع. فلما كان من العشيَ؛ بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب، فقال: الحمد لله على ما قضَى من أمري، وقدّر من فعلي، وابتلاني بكم أيَّتُها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرتُ، ولا يُجيب إذا دَعوتُ، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بصبركم، والجهاد على حقكم؟ !\nالموت والذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ، فوالله لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرّقنّ بيني وبينكم، وأنا لِصُحْبَتِكُمْ قالٍ؛ وبكم غيرُ ضنين، لله أنتم! لا دينَ يجمعكم، ولا حميّة تحميكم؛ إذا أنتم سيعتم بعدوّكم يَرِدُ بلادَكم، ويشنّ الغارة عليكم، أوَليس عجبًا: أنّ معاوية يدعو الجفاةَ الطَّغام فيتبعونه على غير عطاء، ولا معونة! ويجيبونه في السنة المرّتين والثلاث إلى أيّ وجه شاء، وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النّهَى وبقيّة الناس - على المعونة، وطائفةً منكم على العطاء، فتقومون عنّي، وتعصوْنني، وتختلفون عليّ؟ ! فقام إليه مالكُ بن كعب الهمْدانيّ ثم الأرحبيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! اندب الناسَ فإنه لا عطرَ بعد عروس! لمِثلِ هذا اليوم كنتُ أدّخر نفسي، والأجر لا يأتي إلا بالكرة، اتقوا الله وأجيبوا إمامَكم، وانصروا دعوتَه، وقاتلوا عدوَّه، ألْا أسير إليها يا أميرَ المؤمنين! قال: فأمر عليّ مناديَه سعدًا، فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب.","vol":"8","page":843},{"text":"ثمّ إنه خرج وخرج معه علي، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل، فقال: سِرْ فوالله ما إخالك تُدرِك القوم حتى ينقضيَ أمرهم؛ قال: فخرج بهم، فسار خمسًا، ثمّ إن الحجاج بن غَزيّة الأنصاريّ، ثم النّجّاريّ قَدِم على عليّ من مصر، وقَدم عبدُ الرحمن بن شَبيبٍ الفَزاريّ، فأمّا الفَزاريّ فكان عينَه بالشأم، وأما الأنصاريّ فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدّثه الأنصاريّ بما رأى وعايَن وبهلاك محمد، وحدّثه الفزاريّ أنه لم يخرج من الشام حتى قَدمت البُشَراء من قِبَل عمرو بن العاصِ تَتْرى، يمبعُ بعضُها بعضًا بفتح مصر، وقَتْل محمد بن أبي بكر، وحتى أذِّن بقتله على المنبر، وقال: يا أميرَ المؤمنين! قلّما رأيت قومًا قطّ أسرّ، ولا سرورأ قطّ أظهرَ من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاكُ محمد بن أبي بكر، فقال عليّ: أما إن حُزْننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافًا. قال: وسرّح عليّ عبدَ الرحمن بن شُريح الشّباميّ إلى مالك بن كعب، فردّه من الطريق. قال: وحَزِن عليّ على محمد بن أبي بكر حتى رئيَ ذلك في وجهه، وتبيّن فيه، وقام في الناس خطيبًا، فحمِد الله وأثنَى عليه، وصلَّى على رسوله - ﷺ -، وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفَجَرة أولو الجَوْر والظلم الذين صدّوا عن سبيل الله، وبغَوا الإسلام عِوَجًا، ألا وإنّ محمد بن أبي بكر قد استُشهد ﵀، فعند الله نَحتسبه، أما والله إن كان ما علمت لممّن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويُبغض شكل الفاجر، ويحبّ هدي المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمُقاساة الحرب لجدّ خبير، وإنّي لأقدِم على الأمر؛ وأعرِف وجهَ الحزم، وأقومُ فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنًا، وأناديكم نداءَ المستغيث مُعرِبًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بيَ الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القومُ لا يُدرَك بكم الثار، ولا تُنقَض بكم الأوتار؛ دعوتُكم إلى غِياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلةً فتجرجرتم جَرجرةَ الجَمَل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقُلَ من ليس له نيّة في جهاد العدوّ، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إليّ منكم جُنيْد متذانب كأنّما يُساقون إلى الموت وهم يَنظرون. فأفٍّ لكم! ثم نزل وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبَصرة:","vol":"8","page":844},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى عبد الله بن عبّاس، سلامٌ عليك، فإنّي أحمد اللهَ إليك الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد: فإن مصر قد افتتِحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نَحتسبه وندّخره، وقد كنت قمتُ في الناس في بدئه، وأمرْتهم بغياثِهِ قبل الوقعة، ودعوتهم سرًّا وجهرًا، وعَودًا وبدءًا، فمنهم من أتى كارهًا، ومنهم من اعتلّ كاذبًا، ومنهم القاعد حالًا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فَرَجًا ومَخرجًا، وأن يُريحَني منهم عاجلًا، والله لولا طمعي عند لقاء عدوّي في الشهادة لأحببتُ ألّا أبقى مع هؤلاء يومًا واحدًا، عَزَم الله لنا ولك على الرُّشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كلّ شيء قدير، والسلام.\nفكتب إليه ابنُ عبّاس:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nلعبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، من عبدِ الله بن عباس. سلامٌ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمة الله وبركاته! أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاحَ مصر، وهلاكَ محمد بن أبي بكر، فالله المستعان على كلّ حال، ورحم الله محمد بن أبي بكر، وآجَرَك يا أميرَ المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيّتك التي ابتليت بها فرَجًا ومخرجًا، وأن يُعزّك بالملائكة عاجلًا بالنصرة، فإن الله صانعٌ لك ذلك، ومعزّك، ومجيب دعوتك، وكابتٌ عدوّك، أخبرك يا أميرَ المؤمنين: أنّ الناس ربما تثاقلوا ثم ينشَطون، فارفق بهم يا أميرَ المؤمنين! وداجِنْهم ومَنِّهم، واستعنِ بالله عليهم، كفاك الله ألَمَهم والسلام (١). (٥: ١٠٦/ ١٠٨/١٠٧/ ١٠٩).\n١١٨٢ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج عن مالك بن الحور: أنّ عليًّا قال: رحِم الله محمدًا! كان غلامًا حَدَثًا، أما والله لقد كنتُ على أن أولِّيَ المِرْقال هاشم بن عُتْبة مصرَ، أما والله لو أنه وليّها ما خلّى لعمرو بن العاص\n_________\n(١) إسناده تالف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.","vol":"8","page":845},{"text":"وأعوانه الفَجَرة العَرْصةَ، ولمَا قُتِل إلا وسيفه في يده، لا بلا دمٍ كمحمدٍ، فرحم الله محمدًا، فقد اجتهد نفسَه، وقَضَى ما عليه (١). (٥: ١٠٩/ ١١٠).\nوفي هذه السنة وجّه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبدَ الله بن عمرو بن الحضرميّ إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحُكم عمرو بن العاص فيه.\nوفيها قُتل أعيَن بن ضبيعة المُجاشعيّ، وكان عليّ وجّهه لإخراج ابن الحضرميّ من البَصرة (٢). (٥: ١١٠).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) ضعيف.\nتحدثت الروايات التأريخية من (٥/ ٩٤) وحتى (٥/ ١١٠) عن تجهيز معاوية ﵁ جيشًا لمصر وأسباب ذلك وما جرى بين علي ﵁ ومحمد بن أبي بكر والي مصر المعين من قبل أمير المؤمنين وما بين ذلك من أحداث حتى مقتل محمد بن أبي بكر على يد عمرو بن العاص، وذكر أبو مخنف في رواياته هذه تفاصيل لم يتابع فيها - والدارس لروايات أبي مخنف يظهر له جليًّا ذلك الأسلوب الخطابي المليء بالسباب والشتائم والاتهام بالكفر من قبل الطرفين والألفاظ البذيئة والتي تنافي تمامًا ما صح روايته من سلوك وسيرة ذلك السلف الصالح.\nوعلى أية حال فإن في هذه الروايات محاور رئيسية لافتراءات أبي مخنف وسنفندها واحدًا واحدًا بإذن الله:\n١ - ذكرت روايات أبي مخنف أن معاوية ﵁ وعمرو بن العاص ومن معهما اتهما محمد بن أبي بكر بقتل عثمان بن عفان ﵁ وأن محمد بن أبي بكر لم ينكر ذلك بل تباهى قائلًا: (فنقمنا ذلك عليه فقتلناه) (٤: ١٠٤).\nقلنا: أما مشاركة محمد بن أبي بكر الخارجيين على عثمان ﵁ فهذا صحيح كما ذكرنا ولكن مشاركته في قتله فلا والله لا يصح - (كما أكد الحافظ ابن كثير) فقد دخل محمد بن أبي بكر على عثمان قبل أن يقتل وأخذ بلحيته فعاتبه سيدنا عثمان وذكره بمقامه من أبيه وكلمه فخجل محمد بن أبي بكر وندم وخرج من عنده ثم دخل الأوباش بعد ذلك فقتلوه ﵁.\nوأما الروايات التي تثبت عدم مشاركته في القتل فقد ذكرنا في قسم الصحيح ما أخرجه خليفة بن خياط (بسند حسن صحيح):\nحدثنا المعتمر عن أبيه الحسن: أن ابن أبي بكر أخذ بلحيته فقال عثمان: لقد أخذت مني مأخذًا أو قعدت مني مقعدًا ما كان أبوك ليقعده، فخرج وتركه. (تأريخ خليفة/ ١٧٤) وكذلك أخرجه الطبري (٤/ ٣٨٣).\nوالحديث الآخر هو ما أخرجه خليفة بن خياط في تأريخه حدثنا عبد الأعلى بن هيثم قال =","vol":"8","page":846},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حدثني أبي قال: قلت للحسن: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا كانوا أعلاجًا من أهل مصر (تأريخ خليفة/ ١٧٦).\nوروايات أخرى ذكرناها في قسم الصحيح منها حديث كنانة مولى صفية عندما سئل: (هل أندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ فقال: معاذ الله دخل عليه فقال عثمان: يابن أخي لسث بصاحبي. فخرج ولم يند بشيء) وفي إسناده من هو مقبول أو صدوق فيه لين ولكن يشهد له ما صح عن الحسن البصري عند خليفة كما سبق أن ذكرنا قبل قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>(الروايات التي تتهم محمد بن أبي بكر بقتل عثمان لا تصح)</span>\n١ - أخرج خليفة بن خياط بسنده عن وثاب وفيه (ما معناه) أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان وأشار إلى رجل ممن حوله فوجأ رأسه بمشقص، وهذه الرواية لا تصح لأن وثابًا مجهول الحال.\n٢ - أخرج الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٨٣) عن سياق عثمان (وهو مبهم) فلا يصح - وفيه عنعنة شارك وهو مدلّس -.\n٣ - أخرج ابن عساكر (تأريخ دمشق/ ترجمة عثمان / ٤٠٨) والطبري (٤/ ٣٧١) والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٨٣) في ماركة محمد بن أبي بكر عن وثاب وهو مجهول الحال كما ذكرنا.\n٤ - أخرج خليفة بن خياط في تأريخه قال حدثنا أبو الحسن عن أبي زكريا العجلاني عن نافع عن ابن عمر قال: ضربه ابن أبي بكر بمشقاص في أوداجه وبعجه سودان بن حمران بحربة (تأريخ خليفة/ ١٧٥) وفي إسناده أبو زكريا العجلاني مجهول - فهل هذه أخبار تقوم بها حجة (مبهم ومجهول ومجهول الحال) والحمد لله على نعمة الإسناد -.\nولذلك ردّ ابن كثير قول من قال: إن محمد بن أبي بكر شارك في قتله وقال: (والصحيح أن الذي فعله غيره) البداية والنهاية (٧/ ١٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>(لا يصح خبر قتل محمد بن أبي بكر حرقًا)</span>\nذكرت روايات أبي مخنف هذه أن معاوية ﵁ توعد أن يجعله في جوف حمار فيحرقه ثم نفذه عمرو بن العاص فأحرقه، وروايات حرقه لا تصح - وإنما صحّ أن عمرو بن العاص قتل محمد بن أبي بكر كما أخرج خليفة بن خياط: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: أتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرًا فقال: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ قال: لا، فأمر به فقتل وإسناده حسن صحيح.\nوأخيرًا ففي روايات أبي مخنف هذه نكارات كررها في روايات أخرى وبيّناها وفيها من الشناعة ما يدلّ على بطلانه وعدم صحته ويكفي ذلك دليلًا ناهيك عن كون راويه تالفًا ساقطًا بإجماع أئمة الجرح والتعديل - والله تعالى أعلم.\nومن نكارات رواية أبي مخنف هو بيانه أن أهل الشام بايعوا معاوية بالخلافة وعلي بن =","vol":"8","page":847},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1354>ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرميّ وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم</span>\n١١٨٣ - حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدّثنا أبو الذيّال عن أبي نَعامة، قال: لما قُتِل محمد بن أبي بكر بمصرَ، خرج ابنُ عباس من البَصرة إلى عليٍّ بالكوفة، واستَخلف زيادًا، وقدم ابنُ الحضرميّ من قِبَل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حُضَين بن المنذر، ومالك بن مِسمَع، فقال: أنتم يا معشر بَكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاتِه، وقد نزل ابن الحَضْرميّ حيث ترون، وأتاه مَنْ أتاه، فامنعوني حتى يأتيَني رأيُ أميرِ المؤمنين. فقال حُضَين: نعم، وقال مالك - وكان رأيه مائلًا إلى بني أميّة. وكان\n_________\n= أبي طالب حي، ولم يصح ذلك وقد ذكرنا في قسم الصحيح في ذكر أحاديث وقعة صفين أنه صح عن أهل الشام أنهم كانوا يقولون عن معاوية أمير ويقال لعلي أمير المؤمنين فلما استشهد علي ﵁ قيل لمعاوية: أمير المؤمنين. فليراجع في قسم الصحيح ولا داعي للإعادة هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>(خبر نشر المصاحف على الرماح في وقعة صفين لا يصح وكذلك لم يصح خلع أبي موسى لعلي وتثبيت عمرو لمعاوية ﵃ أجمعين)</span>\n١ - أما روايات أبي مخنف فلا حجة فيها وقد أجمع أئمة الجرح والتعديل على كونه تالفًا هالكًا محترقًا غير موثوق به متروكًا، وهذه ألفاظهم فيه:\n(متروك، تالف، هالك، محروق، ساقط).\n٢ - وأما الرواية التي أخرجها ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٦/ ١٥٣ أ) فهي من مراسيل الزهري ومراسيله لا شيء وفي إسنادها كذلك الواقدي وهو متروك.\n٣ - وأما ما أخرجه ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٣/ ٢٦٢ ب) عن عمر بن الحكم فهي مرسلة فعمر بن الحكم ولد سنة ٣٧ هـ أي في السنة التي وقعت فيها المعركة فأين له التناوش من بعيد؟\nوأضف إلى ذلك ففي إسناده أبو بكر بن أبي سبرة وقد اتهمه أحمد بوضع الحديث، وفيه الواقدي وهو متروك.\n٤ - وأما ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٤٦٣) والطبري من غير رواية أبي مخنف (٥٧/ ٥) فهي من مراسيل الزهري ومراسيله كالريح لا شيء أضف إلى ذلك فهي من رواية يونس عن الزهري وروايته عن الزهري مناكير كما قال أحمد فماذا يقول المبتدعة ومن اعتمد على رواياتهم من المستشرقين والمتغربين؟؟ والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"8","page":848},{"text":"مروانُ لجأ إليه يومَ الجمل: هذا أمرٌ لي فيه شركاء، أستشير وأنظر. فلما رأى زياد تَثاقُلَ مالك؛ خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع أن أشِرْ عليّ، فأشار عليه نافع بصَبِرة بن شَيْمان الحُدّانيّ، فأرسل إليه زياد، فقال: ألا تجيرني! وبيت مالِ المسلمين فإنه فَيئُكم، وأنا أمينُ أمير المؤمنين. قال: بلى إن حملتَه إليّ ونزلتَ داري. قال: فإني حامله، فحَمَله، وخرج زياد حتى أتى الحُدّان، ونزل في دار صَبِرة بن شَيْمان، وحوّل بيت المال والمنبر، فوضعه في مسجد الحُدّان، وتحوّل مع زياد خمسون رجلًا، منهم أبو أبي حاضر - وكان زياد يصلي الجمعة في مسجد الحُدَّان، ويطعم الطعام - فقال زياد لجابر بن وهب الرّاسبيّ: يا أبا محمد! إني لا أرى ابنَ الحضرميّ يكفّ، لا أراه إلا سيقاتلكم، ولا أدري ما عند أصحابك فآمِرْهم، وانظر ما عندهم، فلما صلى زياد جلس في المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشرَ الأزد! تميم تَزعم: أنهم هم الناس، وأنهم أصبرُ منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم حتى يأخذوا جارَكم، ويخرجوه من المِصر قسْرًا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجَرْتموه وبيت مال المسلمين! فقال صَبِرة بن شَيْمان - وكان مفخّمًا: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحُتَات جئت، وإن جاء شُبّان ففينا شُبّان. فكان زياد يقول: إنني استضحكت، ونهضت، وما كدتُ مكيدةً قطّ كنتُ إلى الفضيحة بها أقربَ مني للفضيحة يومئذ؛ لما غلبني من الضّحك. قال: ثمّ كتب زياد إلى عليّ: إنّ ابن الحضرميّ أقبل من الشأم فنزل في دار بني تميم، ونَعَى عثمان، ودعا إلى الحرب، وبايعتْه تميم وجُلُّ أهل البصرة، ولم يبقَ معي مَن أمتنع به، فاستجرت لنفسي ولبيت المال صَبِرة بن شَيْمان، وتحوّلت فنزلت معهم، فشيعةُ عثمان يختلفون إلى ابن الحضرميّ، فوخه عليّ أعين بن ضُبَيعة المجاشعيّ ليفرّق قومه عن ابن الحضْرميّ. فانظر ما يكون منه، فإن فُرّق جمعُ ابن الحضرميّ، فذلك ما تُريد، وإن ترقّت بهم الأمور إلى التمادي في العصيان؛ فانهض إليهم فجاهدْهم، فإنْ رأيتَ ممن قِبَلك تثاقلًا، وخِفتَ ألّا تبلغ ما تريد، فدارهمْ وطاوِلهم، ثم تسمّع وأبصر، فكأنّ جنود الله قد أظلّتك، تقتل الظالمين، فقَدِم أعيَن فأتى زيادًا، فنزل عنده، ثم أتى قومَه، وجمع رجالًا ونهض إلى ابن الحضرميّ، فدعاهم، فشتموه، وناوشوه، فانصرف عنهم، ودخل عليه قوم فقتلوه، فلما قتل أعيَن بن ضُبيعة؛ أراد زياد قتالَهم، فأرسلتْ بنو تميم إلى","vol":"8","page":849},{"text":"الأزْد: إنا لم نَعرِض لجاركم، ولا لأحد من أصحابه، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا! فكرِهَت الأزد القتالَ، وقالوا: إن عَرَضوا لجارنا منعناهم، وإن يكفُّوا عن جارنا كففْنا عن جارهم، فأمسكوا، وكتب زيادٌ إلى عليّ: أن أعيَن بن ضُبيَعة قَدِم فجمعَ مَن أطاعه من عشيرته، ثم نهض بهم بجدّ وصدق نيّة إلى ابن الحضرميّ، فحثّهم على الطاعة، ودعاهم إلى الكفّ والرجوع عن شِقاقهم، ووافقتْهم عامّة قوم، فهالَهم ذلك، وتصدَّع عنهم كثير ممن كان معهم، يمنّيهم نُصرَته، وكانت بينهم مناوَشة. ثم انصرف إلى أهله، فدخلوا عليه، فاغتالوه فأصيب، رحم الله أعيَن! فأردت قتالَهم عند ذلك، فلم يخفّ معي مَن أقوَى به عليهم، وتَراسَل الحيّان، فأمسك بعضُهم عن بعض.\nفلما قرأ عليٌّ كتابَه دعا جارية بن قدامة السعديّ، فوجّهه في خمسين رجلًا من بني تميم، وبعث معه شريك بن الأعور - ويقال: بعث مع جارية خمسمئة رجل - وكَتَب إلى زياد كتابًا يصوّب رأيه فيما صنع، وأمَرَه بمعونة جارية بن قُدامة والإشارةِ عليه، فقدِم جارية البصرة، فأتى زيادًا فقال له: احتفِزْ واحذر أن يصيبَك ما أصاب صاحبَك، ولا تثِقنّ بأحد من القوم، فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتابَ عليّ، ووعدهم، فأجابه أكثرُهم، فسار إلى ابن الحضرميّ فحصره في دار سُنْبيل، ثم أحرَق عليه الدار وعلى من معه، وكان معه سبعين رجلًا - ويقال أربعون - وتفرّق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة، وكتب إلى عليّ مع ظَبْيان بن عُمارة، وكان ممن قَدِم مع جارية ...... وأن جارية قَدِم علينا فسار إلى ابن الحضرميّ فقَتله حتى اضطرّه إلى دار من دُور بني تميم، في عدّة رجال من أصحابه بعد الإعذار والإنذار، والدعاء إلى الطاعة، فلم يُنيبوا ولم يَرجِعوا، فأضرَم عليهم الدّار فأحرَقَهم فيها، وهُدّمتْ عليهم، فبعدًا من طغى وعَصَى! فقال عمرو بن العَرنْدَس العَوْديّ:\nرَدَدْنا زِيادًا إلى دارِهِ ... وجارُ تَميمِ دخانًا ذَهَبْ\nلحَى اللهُ قَوْمًا شَوَوْا جارَهُمْ ... وللشاءِ بالدِّرْهَمَيْن الشَّصَبْ\nيُنادي الخِناقُ وخُفَانُها ... وقد سَمَطوا رأْسَهُ باللَّهَبْ\nونحْنُ أُناسٌ لنا عادَةٌ ... نحامي عَن الجارِ أَنْ يُغْتَصبْ\nحمَيْناهُ إذْ حَلَّ أَبياتَنا ... ولا يَمْنَعُ الجارَ إلا الحَسَبْ","vol":"8","page":850},{"text":"ولَمْ يَعْرِفوا حُرْمَةً لِلْجِوا ... ر إذْ أَعظَم الجارَ قَوْمٌ نُجُبْ\nكفِعْلِهِمُ قَبلَنا بالزُّبَيْر ... عَشِيَّةَ إذْ بَزُّهُ يُسْتَلَبْ\nوقال جرير بن عطيّة بن الخَطفَي:\nغَدَرْتمْ بالزُّبَيْرِ فما وَفَيْتمْ ... وَفاءَ الأَزدِ إذ مَنَعُوا زِيادَا\nفأَصْبَحِ جارهُمْ بنجاةِ عِزٍّ ... وجارُ مُجاشعٍ أَمَسى رمادا\nفلوْ عاقدتَ حَبْلَ أَبي سعيدٍ ... لذادَ القَوْمَ ما حَمَل النّجادا\nوأَدْنى الخَيْلَ مِنْ رَهَجِ المنايا ... وأَغْشَاها الأَسِنّةَ والصِّعادا (١)\n(٥: ١١٠/ ١١١/ ١١٢/ ١١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>الخرّيت بن راشد وإظهاره الخلاف على عليّ</span>\n١١٨٤ - ومما كان في هذه السنة - أعني: سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخِرّيت بن راشد في بني ناجية الخلاف على عليّ، وفراقُه إياه؛ كالذي ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، عن الحارث الأزديّ، عن عمّه عبد الله بن فُقَيم، قال: جاء الخِرِّيت بن راشد إلى عليّ - وكان مع الخِرّيت ثلاثمئة رجل من بني ناجية مقيمين مع على بالكوفة، قَدِموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يومَ الجمل، وشَهِدوا معه صِفّينَ والنهروان - فجاء إلى عليّ في ثلاثين راكبًا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يَديْ عليّ، فقال له: والله يا عليّ لا أطيع أمرَك، ولا أصلّي خلفك، وإنّي غدَا لمُفارِقك! وذلك بعد تحكيم الحَكَمين، فقال له على: ثكِلتْك أمّك! إذَا تعصي ربّك، وتَنكُث عهدَك، ولا تصرّ إلا نفسك، خبِّرني لِمَ تفعل ذلك؟ ! قال: لأنك حكّمتَ في الكتاب، وضعُفتَ عن الحقّ إذ جدّ الجدّ، وركنتَ إلى القوم الذين ظلموا أنفسَهم، فأنا عليك زارٍ، وعليهم ناقِم، ولكم جميعًا مُبَاين، فقال له عليّ: هلمّ أدارِسْك الكتاب، وأناظِرْك في السنن، وأفاتحْك أمورًا من الحقّ أنا أعلَم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن مُنكِر، وتَستبصِر ما أنت عنه الآن جاهل. قال: فإني عائد إليك. قال: لا يستهوينّك الشيطان، ولا يستخفنّك الجهل، وواللهِ لئن استرشدْتني،\n_________\n(١) هذا إسناد مرسل إن لم يكن معضلًا.","vol":"8","page":851},{"text":"واستنصحتني، وقبلتَ مني؛ لأهدينّك سبيلَ الرشاد.\nفخرج من عنده منصرفًا إلى أهله، فعجِلْت في أثره مسرِعًا، وكان لي من بني عمّه صديق، فأردت أن ألقى ابنَ عمّه ذلك فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أميرِ المؤمنين ومناصحته، ويخبره: أنّ ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجلِ الآخرة، فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني، فقمت عند باب داره، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخولَه على عليّ. قال: فوالله ما جزم شيئًا مما قال، ومما ردّ عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء! إني قد رأيت أن أفارقَ هذا الرجل، وقد فارقتُه على أن أرجعَ إليه من غد، ولا أراني إلّا مُفارقه من غد. فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيَه، فإنْ أتاك بأمير تعرفه قبلتَ منه، وإن كانت الأخرى فما أقدَرَك على فراقه، فقال لهم: فنِعم ما رأيتم. قال: ثم إني استأذنت عليه، فأذنوا لي، فدخلتُ فقلت: أنشُدك اللهَ أن تفارق أمير المؤمنين، وجماعةَ المسلمين، وأن تجعل على نفسك سبيلًا، وأن تقتل مَنْ أرى من عشيرتك! إنّ عليّا لَعلَى الحق. قال: فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجّته، وأنظر ما يعرض عليَّ به ويذكر، فإن رأيتُ حقًّا ورُشْدًا؛ قبلتُ، وإن رأيتُ غَيًّا وجَورًا؛ تَركتُ. قال: فخلوت بابن عمّه ذلك - قال: وكان أحد نفره الأدنين، وهو مدرك بن الرّيان، وكان من رجال العرب - فقلت له: إنّ لك عليّ حقًّا لإخائك وودّك ذلك عليّ بعد حقّ المسلم على المسلم، إنّ ابنَ عمّك كان منه ما قد ذكر لك، فأجِدَّ به، فاردد عليه رأيَه، وعظّم عليه ما أتَى، فإني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته، فقال: جزاك الله خيرًا من أخ! فقد نصحتَ وأشفقتَ، إن أراد صاحبي فراقَ أمير المؤمنين فارقتُه وخالفته، وكنتُ أشدّ الناس عليه، وأنا بعدُ فإني خال به، ومشير عليه بطاعة أمير المؤمنين، ومناصحتِه، والإقامةِ معه، وفي ذلك حظّه ورشْدُه.\nفقمت من عنده، وأردتُ الرُّجوعَ إلى أمير المؤمنين لأعلِمَه بالذي كان، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعتُ إلى منزلي فبت به ثم أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيتُ أميرَ المؤمنين، فجلستُ عنده ساعةً وأنا أريد أن أحدّثه بالذي كان من قوله لي على خَلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناسُ إلا كثرةً، فدنوت منه، فجلستُ وراءه، فأصغى إليّ بأذنيه، فخبَّرته بما سمعتُ من الخِرّيت بن -","vol":"8","page":852},{"text":"راشد، وبما قلتُ له، وبما ردّ علي، وبما كان من مقالتي لابن عمّه، وبما ردّ عليّ، فقال: دَعْه، فإن عَرَف الحقّ وأقبلَ إليه؛ عرفْنا ذلك، وقَبِلْنا منه، وإن أبى؛ طلبناه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ولمَ لا تأخذه الآن وتستوثقُ منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكلّ مَنْ نتّهمه من الناس ملأنا سجننَا منهم، ولا أراه - يعني الوثوبَ على الناس والحبس والعقوبة - حتى يُظهروا لنا الخلاف، قال: فسكتّ عنه، وتنحّيت، فجلست مع القوم.\nثم مكث ما شاء الله، ثم إنه قال: ادنُ مني؛ فدنوتُ منه، فقال لي مسرًّا: اذهب إلى منزل الرجل فاعلَم لي ما فعل، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة، فأتيتُ منزلَه، فإذا ليس في منزله منهم ديّار، فدعوتُ على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داعٍ ولا مجيب، فرجعت. فقال لي حين رآني: وطنوا فأمِنوا، أم جنبوا فظَعَنوا! فقلمت: بل ظعنوا فأعلنوا، فقال: قد فعلوها! بُعدًا لهم كما بَعِدتْ ثمود! أما لو قد أشرِعَتْ لهم الأسنّة، وصبّبَتْ على هامهم السيوف، لقد ندموا. إنّ الشيطان اليومَ قد استهواهم وأضلّهم، وهو غدًا متبرّئ منهم، ومخلٍّ عنهم.\nفقام إليه زياد بن خَصَفة، فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لو لم يكن من مضرّة هؤلاء إلا فراقهم إيّانا لم يعظم فقدُهم فنَأسَى عليهم، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنّا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فائْذَنْ لي في اتّباعهم حتى أردّهم عليك إن شاء الله. فقال له عليّ: وهل تدري أين توجّه القوم؟ فقال: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فقال له: اخرُج رحمك الله حتى تنزل ديرَ أبي موسى، ثم لا تتوجّه حتى ياتيَك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة. فإنّ عمّالي ستكتب إليّ بذلك، وإن كانوا متفرّقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عمّالي فيهم. فكتب نسخةً واحدةً فأخرجها إلى العمّال:\nأما بعد، فإنّ رجالًا خرجوا هُرّابًا ونظنّهم وجّهوا نحوَ بلاد البَصرة، فسلْ عنهم أهلَ بلادِك، واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضك، واكتب إليّ بما ينتهى إليك عنهم، والسلام.","vol":"8","page":853},{"text":"فخرج زياد بن خَصَفة حتى أتى دارَه، وجمع أصحابه، فحمد الله وأثنى عَليه، ثمّ قال: أمّا بعد يا معشرَ بكر بن وائل، فإن أمير المؤمنين ندَبني لأمر من أمره مُهِمّ له، وأمرني بالانكماش فيه، وأنتم شيعتُه وأنصارُه، وأوثقُ حيٍّ من الأحياء في نفسه، فانتدِبوا معي الساعة، واعجلوا. قال: فوالله ما كان إلا ساعةً حتى اجتمع له منهم مئة وعشرون رجلًا أو ثلاثون؛ فقال: اكتفينا، لا نريد أكثرَ من هذا، فخرجوا حتى قطعوا الجسر، ثم دير أبي موسى، فنزله، فأقام فيه بقيّة يومه ذلك ينتظر أمرَ أمير المؤمنين.\nرجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف، قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فُقَيم الأزديّ، قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع مَعْقل بن قيس، فلما أراد الخروج؛ أقبل إلى عليّ فودّعه، فقال: يا معقِل! اتق الله ما استطعت، فإنّها وصية الله للمؤمنين، لا تَبغِ على أهل القبلة، ولا تظلم أهلَ الذّمّة، ولا تتكبّر فإن الله لا يحبّ المتكبّرين. فقال: الله المستعان! فقال له عليّ: خيرُ مستعان؛ قال: فخرج؛ وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهلَ البصرة، وقد أبطؤوا علينا، فقام فينا معقلُ بن قيس، فقال: يا أيّها الناس! إنا قد انتظرنا أهلَ البصرة، وقد أبطؤوا علينا، وليس بحمد الله بناقِلةٌ ولا وَحْشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدوّ القليل الذّليل، فإني أرجو أن ينصركم الله، وأن يهلِكهم.\nقال: فقام إليه أخي كعب بن فُقَيم، فقال: أصبتَ - أرشَدَك الله - رأيك! فوالله إني لأرجو أن يَنصرَنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق تعزيةً عن الدنيا، فقال: سيروا على بَرَكة الله؛ قال: فسِرْنا ووالله ما زال معقِل لي مُكرمًا وَادًّا، ما يَعدل بي من الجند أحدًا؛ قال: ولا يزال يقول: وكيف قلت: إن في الموت على الحقّ تعزية عن الدّنيا؟ صدقت واللهِ، وأحسنت، ووُفِّقت! فوالله ما سِرْنا يومًا حتى أدركَنَا فيْج يشتدّ بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد، فإن أدركك رسوِلي بالمكان الذي كنت فيه مقيمًا، أو أدرَكك وقد شخصْتَ منه، فلا تبرحْ المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي، واثبتْ فيه حتى يقدم عليك بعثُنا الذي وجّهناه إليك، فإني قد بعثتُ إليك خالدَ بن معدان الطائيّ، وهو من أهل الإصلاح والدِّين والبأس والنجدة، فاسمع منه، واعرف ذلك له؛ والسلام.","vol":"8","page":854},{"text":"فقرأ معقل الكتاب على الناس، وحَمِد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم. قال: فأقمنا حتى قدم الطائيّ علينا، وجاء حتى دخل على صاحبنا، فسلَّم عليه بالإمْرة، واجتمعا جميعًا في عسكر واحد. قال: ثم إنا خرجْنا فسرنا إليهم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامَهُرْمُز يريدون قَلعة بها حصينة وجاءنا أهلُ البلد فأخبرونا بذلك، فخرجْنا في آثارهم نُتبعهم، فلحقناهم وقد دنَوا من الجبل، فصففْنا لهم، ثم أقبلْنا إليهم، فجعل معقِل على ميمنته يزيدَ بن المغْفِل، وعلى ميسرته مِنجاب بن راشد الضبِّيّ من أهل البَصرة، وصَفّ الخِرّيت بن راشد الناجى مَنْ معه من العرب، فكانوا ميمنةً، وجعل أهل البلد والعُلوج ومَنْ أراد كسرَ الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسَرة. قال: وسار فينا مَعْقل بن قيس يحرّضنا ويقول لنا: عبادَ الله! لا تَعدِلوا القومَ بأبصاركم، غُضّوا الأبصار، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشِروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقة مرقتْ من الدين، وعُلوجًا منعوا الخَراج؛ وأكرادًا: انظروني فإذا حملتُ؛ فشدّوا شَدّة رجل واحد. فمرّ في الصفّ كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مرّ بالناس كلّهم أقبل حتى وقف وسط الصفّ في القلب، ونظرنا إليه ما يصنع!\nفحرّك رايته تحريكتين، فوالله ما صبروا لنا ساعةً حتى ولَّوا، وشدَخنْا منهم سبعين عربيًّا من بني ناجية، ومن بعض من اتّبعهم من العرب، وقتلْنا نحوًا من ثلاثمئة من العُلوج والأكراد، قال كعب بن فُقَيم: ونظرتُ فيمن قُتِل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الرّيان قتيلًا، وخرج الخِزيت بن راشد وهو منهزِم حتى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف عليّ، ويبيّن لهم فراقَه، ويخبرهم: أنّ الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير، وأقام معقِل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى عليّ معي بالفتح، وكنت أنا الذي قدمتُ عليه، فكتب إليه:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، لعبد الله عليّ أمير المؤمنين، من معقِل بن قيس. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليكَ الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا لقِينا المارقين، وقد استظهَروا علينا بالمشركين، فقتَلْناهم قتلَ عاد وإرَم، مع أنا لم نَعْدُ فيهم سيرتَك، ولم نقتل من المارقين مدبرًا ولا أسيرًا، ولم نذفّف منهم على","vol":"8","page":855},{"text":"جريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.\nقال: فقدمتُ عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأيُ عامّتهم على قول واحد، فقالوا له: نرى أن تكتب إلى معقل ابن قيس فيتبع أثرَ الفاسق، فلا يزال في طلبه حتى يَقتلَه أو ينفيَه، فإنا لا نأمن أن يُفسد عليك الناس. قال: فردّني إليه، وكتب معي:\nأمَّا بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيرًا، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسَلْ عن أخي بني ناجية، فإنْ بلغك أنه قد استقرّ ببلد من البُلدان فسرْ إليه حتى تَقتلَه، أو تنفيَه، فإنه لن يزال للمسلمين عدوًّا، وللقاسِطِين وليًّا، ما بقي؛ والسلام عليك.\nفسأل معقل عن مستقرّه، والمكان الذي انتهَى إليه، فنبِّئَ بمكانه بالأسياف، وأنَّه قد ردّ قومه عن طاعة عليّ، وأفسدَ مَنْ قِبَله منِ عبد القيس ومَن والاهم من سائر العرب، وكان قومُه قد منعوا الصَّدَقة عام صِفين، ومنعوها في ذلك العام أيضًا، فكان عليهم عِقالان، فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارسَ حتى انتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخِرّيت بن راشد بمسيره إليه أقبل على مَنْ كان معه من أصحابه ممن يَرَى رأيَ الخوارج، فأسرَّ لهم: إني أرى رأيَكم، فإن عليًّا لن ينبغي له أن يُحكّم الرجالَ في أمر الله، وقال للآخرين مندّدًا لهم: إنّ عليًّا حَكم حَكَمًا، ورَضِيَ به، فَخلَعه حكَمُه الذي ارتضاه لنفسه، فقد رضيتُ أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة. وقال سرًّا من يرى رأيَ عثمان: أنا والله على رأيكم، قد والله قُتل عثمان مظلومًا، فأرضى كلّ صنف منهم، وأراهم أنه معهم، وقال من منع الصدقة: شدّوا أيديَكم على صدقاتكم، وصِلُوا بها أرحامَكم، وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم، وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا، فلمّا اختلف الناس بينهم؛ قالوا: والله لَدينُنا الذي خرجْنا منه خيرٌ وأهدى من دين هؤلاء الذي هم عليه؛ ما ينهاهم دينهُم عن سفك الدماء، وإخافةِ السبيل، وأخذ الأموال. فرجعوا إلى دينهم، فلقيَ الخِرّيت أولئك، فقال لهم: وَيْحكم! أتدرون حُكمَ عليّ فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى نصرانيته؟ لا والله ما يسمع لهم قولًا، ولا يرى لهم عذرًا، ولا يقبل","vol":"8","page":856},{"text":"منهم توبة ولا يدعوهم إليها، وإنّ حكمه فيهم لضربُ العنق ساعةَ يستمكِن منهم.\nفما زال حتى جمعهم، وخدَعَهم، وجاء من كان من بني ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم، واجتمع إليهم ناسٌ كثير.\nرجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مِخْنف: وحدّثني الحارث بن كعب، قال: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابًا من عليّ:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله عليٍّ أميرِ المؤمنين إلى من يُقْرَأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، والنّصارى والمرتدِّين. سلامٌ عليكم وعلى من اتّبع الهدى وآمَن بالله ورسوله وكتابه والبعثِ بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين، أمّا بعد، فإني أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، والعملِ بالحقّ، وبما أمر الله في الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكفّ يَده واعتَزَل هذا الهالكَ الحاربَ الذي جاء يحارب الله ورسولَه والمسلمين، وسعَى في الأرض فسادًا، فله الأمان على ماله ودمه، ومَن تابَعَه على حربنا والخروج من طاعتنا، استعنّا بالله عليه، وجعلْنا اللهَ بيننا وبينه، وكفى بالله نصيرًا!\nوأخرج معقل رايةَ أمانٍ فنصَبَها، وقال: مَن أتاها من الناس فهو آمن، إلا الخِرّيت وأصحابه الذين حاربونا وبدؤونا أوَل مرّة، فتفرّق عن الخِرّيت جُلّ مَن كان معه من غير قومه، وعبّأ معقِل بن قيس أصحابَه، فجعل على ميمنته يزيد بن المُغْفِل الأزديّ، وعلى ميسرته المِنْجاب بن راشد الضبيّ، ثم زحف بهم نحو الخِرّيت، وحضر معه قومُه مسلموهم ونصاراهم ومانعةُ الصدقة منهم (١).\n(٥: ١١٣/ ١١٤/ ١١٥/ ١١٦ تكملة ١٢٢/ ١٢٣/ ١٢٤/ ١٢٥ تكملة ١٢٦/ ١٢٧).\n١١٨٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الصَّلْت الأعوَر التيميّ عن أبي سعيد العُقَيليّ، عن عبد الله بن وأل التيميّ، قال: والله إني لَعندَ أمير المؤمنين إذ جاءه فَيْج، كتابٌ بيديْه، من قِبَل قَرَظة بن كعب الأنصاريّ:\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":857},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nأمّا بعد: فإنّي أخبر أميرَ المؤمنين: أنّ خيلًا مزت بنا من قِبَل الكوفة متوجِّهةً نحوَ نِفّر، وإنّ رجلًا من دَهاقِين أسفل الفرات قد صلّى، يقال له: زاذان فرّوخ، أقبل من قبَل أخواله بناحية نِفّر، فَعَرضوا له، فقالوا: أمسلِم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا: فما قولُك في عليّ؛ قال: أقول فيه خيرًا، أقول: إنه أميرُ المؤمنين، وسيّد البَشَر، فقالوا له: كفرت يا عدوّ الله! ثم حَملتْ عليه عصابةٌ منهم فقطّعوه، ووجدوا معه رجلًا من أهل الذمّة، فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذّمة، قالوا: أمّا هذا فلا سبيلَ عليه، فاقبل علينا ذلك الذّميّ فأخبرَنَا هذا الخبر، وقد سألتُ عنهم فلم يخبرْني أحدٌ عنهم بشيء، فليكتب إليّ أميرُ المؤمنين برأيه فيهم أنْتَهِ إليه. والسّلام.\nفكتب إليه:\nأما بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ من العصابة التي مرّت بك، فقتلت البَرَّ المُسلِم، وأمِن عندهم المخالِف الكافرِ، وإنّ أولئك قوم استهواهم الشيطان، فضَلّوا، وكانوا كالذين حسبوا ألّا تكون فتنةٌ، فعَموا، وصَمُّوا، فأسمِع بهم وأبصِر يوم تُخبَر أعمالهم. والزم عملَك، وأقبِل على خَراجِك؛ فإنك كما ذكرتَ في طاعتك ونصيحتك؛ والسلام (١). (٥: ١١٧).\n١١٨٦ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت الأعور التيْميّ عن أبي سعيد العُقَيْليّ، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب عليٌّ ﵇ معي كتابًا إلى زياد بن خَصَفة؛ وأنا يومئذ شابّ حَدَث:\nأما بعد: فإنّي كنت أمرتك أن تنزل ديرَ أبي موسى حتى يأتيَك أمري، وذلك لأنّي لم أكن علمت إلى أيّ وجه توجّه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها: نِفّر، فاتّبع آثارَهم، وسلْ عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلًا من أهل السواد مصلّيًا، فإذا أنت لحقتَهم؛ فارددْهم إليّ، فإن أبوْا؛ فناجِزْهم، واستعِن بالله\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":858},{"text":"عليهم، فإنهم قد فارقوا الحقّ، وسَفَكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل! والسلام.\nقال: فأخذتُ الكتاب منه، فمضيتُ به غيرَ بعيد، ثم رجعتُ به، فقلت: يا أميرَ المؤمنين! ألا أمضي مع زياد بن خَصَفة إذا دفعتُ إليه كتابك إلى عدوّك؟ فقال: يا بنَ أخي! افعل، فوالله إني أرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين! فقلت له: أنا والله يا أميرَ المؤمنين كذلك، ومن أولئك، وإنا حيث تحبّ!\nقال ابن وأل: فوالله ما أحبّ أنّ لي بمقالة علي تلك حُمْر النَعَم.\nقال: ثمّ مضيت إلى زياد بن خَصَفة بكتاب عليٍّ؛ وأنا على فرس لي رائع كريم، وعليَّ السلاح، فقال لي زياد: يا بن أخي! والله مالي عنك من غَناء! وإنّي لأحبّ أن تكون معي في وجهي هذا؛ فقلت له: قد استأذنتُ في ذلك أميرَ المؤمنين فأذِن لي، فسرّ بذلك.\nقال: ثمّ خرجنا حتى أتينا نِفّر، فسألنا عنهم، فقيل لنا: قد ارتفعوا نحو جَرْجَرايا، فاتّبعناهم، فقيل لنا: قد أخذوا نحو المذار، فلحقناهم؛ وهم نزول بالمذار، وقد أقاموا به يومًا وليلة، وقد استراحوا، وأعلفوا؛ وهم جامّون، فأتيناهم؛ وقد تقطّعنا، ولَغِبنا، وشَقِينا، ونَصِبنا، فلما رأونا؛ وثبوا على خيولهم فاستوَوْا عليها، وجئنا حتى انتهينا إليهم، فواقَفْناهم، ونادانا صاحبهم الخِرّيتُ بن راشد: يا عميانَ القلوب والأبصار! أمع اللهِ أنتم وكتابه وسنّة نبيه، أم مع الظالمين؟ فقال له زياد بن خَصَفة: بل نحن مع الله ومَنِ اللهُ وكتابه ورسوله آثرُ عندَه ثوابا من الدّنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى، أيّها العُمْي الأبصار، الصُّمُّ القلوب، والأسماع! فقال لنا: أخبروني ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجرّبًا رفيقًا: قد ترى ما بنا من اللُّغوب والسغوب، والذي جئنا له لا يُصلِحه الكلامُ علانيةً على رؤوس أصحابي وأصحابك، ولكن أنزل وتنزل، ثم نخلو جميعًا فنتذاكر أمرَنا هذا جميعًا وننظر، فإن رأيتَ ما جئناك فيه حظًّا لنفسك قبلتَه، وإن رأيتَ فيما أسمعه منك أمرًا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردُدْه عليك. قال: فانزل بنا، قال: فأقبل إلينا زياد فقال: انزلوا بنا على هذا الماء؛ قال: فأقبلْنا حتى إذا انتهينا إلى الماء، نزلناه فما هو إلا أن نزلْنا فتفرّقنا، ثم تحلّقنا من عشرة وتسعة","vol":"8","page":859},{"text":"وثمانية وسبعة، يضعون طعامَهم بين أيديهم فيأكلون، ثم يقومون إلى ذلك الماء، فيشربون. وقال لنا زياد: علّقوا على خيولكم، فعلّقنا عليها مَخاليَها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحَّوا ناحية، ثم نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرّقنا وتحلُّقَنا قال: سُبحان الله، أنتم أهلُ حرب؟ ! والله لو أن هؤلاء جاؤوكم الساعةَ على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التي أنتم عليها. اعجَلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعْنا، فتحشحشنا فمنا من يتنفض، ثم يتوضّأ، ومنّا من يشرب، ومنا من يسقي فرسَه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله؛ أتانا زياد؛ وفي يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتيْن أو ثلاثًا، وأتى بأداوة فيها ماءٌ، فشرب منه، ثم ألقى العَرْق من يده، ثم قال: يا هؤلاء! إنا قد لقينا القومَ، ووالله إن عدّتكم كعدّتهم، ولقد حَزرْتكم وإيّاهم، فما أظنّ أحدَ الفريقين يزيدُ على الآخر بخمسة نفر، وإنّي والله ما أرى أمرَهم وأمرَكم إلا يرجع إلى القتال، فإن كان إلى ذلك ما يصيِّر بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجزَ الفريقين. ثم قال لنا: ليأخذْ كلّ امرئ منكم بعنان فرسِه حتى أدنوَ منهم، وادعوا إليّ صاحبَهم فأكلّمه، فإن بايعَني على ما أريد؛ وإلا فإذا دعوتكم؛ فاستَوُوا على متون الخيل، ثم أقبِلوا إليَّ معًا غيرَ متفرِّقين.\nقال: فاستقدم أمامنا؛ وأنا معه، فأسمع رجلًا من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالُّون معيُون، وأنت جامُّون مستريحون، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا؛ هذا والله سوءُ الرأي! والله لا يرجع الأمرُ بكم وبهمْ إلا إلى القتال، فسكتوا، وانتهينا إليهم، فدعا زياد بن خَصفة صاحبهم، فقال: اعتزل بنا فلننظرْ في أمرنا هذا، فوالله لقد أقبل إليّ زياد في خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثةً من أصحابنا حتى نلقاهم في عدّتهم؛ فقال لي: اُدع مَن أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثًا، فكّنا خمسةً وخمسةً، فقال له زياد: ما الذي نقصْتَ على أمير المؤمنين وعلينا؛ إذ فارقْتَنا؟ فقال: لم أرضَ صاحبكم إمامًا، ولم أرضَ سيرتَكم سيرة، فرأيتُ أن أعتزِل وأكونَ مع مَن يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناسُ على رجل لجميع الأمة رضًا كنت مع الناس، فقال له زياد: وَيْحك! وهل يجتمع الناسُ على رجل منهم يداني صاحبَك الذي فارقته علمًا بالله، وبسُنن الله وكتابه، مع قرابته من الرّسول - ﷺ - وسابقته في الإسلام!","vol":"8","page":860},{"text":"فقال له: ذلك ما أقول لك، فقال له زياد: ففيم قتلتَ ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلتُه، إنما قتلتْه طائفةٌ من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا؛ قال: ما إلى ذلك سبيل؛ قال: كذلك أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع! قال: فدعَوْنا أصحابَنا، ودعا أصحابه، ثم أقبلنا؛ فوالله ما رأينا قتالًا مثلَه منذ خلقني ربّي، قال: اطّعنّا والله بالرماح حتى لم يبقَ في أيدينا رُمح! ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنتْ وعقِر عامّه خيلِنا وخيلهم، وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقُتل منّا رجلان: مولَى زياد كانت معه رايتُه يدعى سُوَيدًا، ورجل من الأبناء يدعَى وافد بن بكر، وصرَعْنا منهم خمسةً، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وقد والله كرهونا وكرِهناهم، وقد جرح زياد، وجرحت.\nقال: ثمّ إنّ القوم تنحّوا، وبتْنا في جانب، فمكثوا ساعةً من الليل، ثم إنهم ذهبوا، واتّبعناهم حتى أتينا البصرة، وبلَغَنا أنهم أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مئتين كانوا معهم يالكوفة، ولى يكن لهم من القوّة ما يُنهضهم معهم حتى نهضوا، فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم، وكتب زياد بن خَصَفة إلى علي:\nأمّا بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجيّ بالمذار، فدعَوْناهم إلى الهدى والحقّ وإلى كلمة السَّواء، فلم ينزلوا على الحقّ، وأخذتْهم العزّة بالإثم، وزَيّن لهم الشيطان أعمالَهم فصدّهم عن السبيل، فقَصَدوا لنا، وصَمدْنا صمدَهم، فاقتتلْنا قتالًا شديدًا ما بين قائم الظَّهيرةِ إلى دُلُوك الشمس، فاستشهِد منّا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسةُ نفر، وخلّوا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح. ثم إنّ القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكّبين إلى أرض الأهواز، فبلَغَنا أنهم نزلوا منها جانبًا ونَحن بالبصرة نُداوِي جراحَنا، ونَنتظر أمرَك رحمك الله؛ والسّلام عليك.\nفلما أتيتُه بكتابه قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قيس، فقال: أصلَحك الله يا أميرَ المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كلّ رجل منهم عشرة من المسلمين، فإذا لَحِقوهم استأصَلوهم وقطعوا دابرَهم، فأمّا أن يلقاهم أعدادُهم فلعَمري ليصبرُنَّ لهم، هم قومٌ عرب، والعدّة تصبر للعدّة، وتنتصف منها، فقال: تجهّز يا معقلَ بنَ قيس إليهم، وندب معه ألفين من أهل","vol":"8","page":861},{"text":"الكُوفة منهم يزيد بن المغفّل الأزديّ، وكتب إلى ابن عباس:\nأما بعد، فابعث رجلًا من قِبَلك صليبًا شجاعًا معروفًا بالصّلاح في ألفي رجل، فليتبع معقِلًا، فإذا مرّ ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقِلًا، فإذا لقي معقلًا فمعقلٌ أميرُ الفريقين، وليسمع من معقل وليُطِعه، ولا يخالفه، ومُر زيادَ بن خَصَفة فليُقبل، فنعم المرءُ زياد، ونعم القبيل قبيله (١)! (٥: ١١٧/ ١١٨/ ١١٩/ ١٢٠/ ١٢١).\n١١٨٧ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصَّلت الأعور عن أبي سعيد العُقيليّ، قال: كتب عليّ إلى زياد بن خَصَفة:\nأما بعد: فقد بلغني كتابك، وفهمتُ ما ذكرت من أمر الناجيّ وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم، وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم فهم يعمَهون، وَيحسبون أنهم يُحسنون صُنْعًا، ووصفتَ ما بلغ بك وبهم الأمر، فأمّا أنت وأصحابك فللَّه سعيُكم، وعلى الله تعالى جَزاؤكم! فأبشر بثواب الله خيرٌ من الدنيا التي يقتل الجهّال أنفسَهم عليها، فإنّ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. وأما عدوّكم الذين لقيِتموهم فحسْبهم بخروجهم من الهدى إلى الضّلال، وارتكابهم فيه، وردّهم الحق، ولجاجهم في الفتنة، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ودَعْهم في طغيانهم يَعمَهون، فتسمّع وتبصّر، كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل. أقبِل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء؛ والسلام.\nونزل الناجيّ جانبًا من الأهواز، واجتمع إليه عُلوجٌ من أهلها كثير أرادوا كسر الخَراج، ولصوصٌ كثيرة، وطائفة أخرى من العرب تَرَى رأيَه (٢). (٥: ١٢١/ ١٢٢).\n١١٨٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عليِّ بن مجاهد، قال: قال الشعبيّ: لما قتل عليٌّ ﵇ أهلَ النّهروان، خالَفَه قوم كثير،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"8","page":862},{"text":"وانتقضت عليه أطرافه، وخالَفَه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرميّ البصرة، وانتقض أهلُ الأهواز، وطَمِع أهلُ الخراج في كسرِه، ثم أخرجوا سهل بن حُنَيف من فارس، وكان عامل عليٍّ عليها، فقال ابن عبّاس لعلي: أكفيك فارسَ بزياد، فأمره عليٌّ أن يوجّهه إليها، فقدِم ابن عباس البَصرةَ، ووجّهه إلى فارسَ في جمع كثير، فوطئ بهم أهل فارس، فأدَّوا الخراج (١). (٥: ١٢٢).\n١١٨٩ - فحدّثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عبد الملك بن سعيد بن حاب، عن الحرّ، عن عمار الدّهنيّ، قال: حدّثني أَبو الطُّفَيل، قال: كنت في الجيش الذي بعثهم عليّ بن أبي طالب إلى بني نَاجِية، فقال: فانتهينا إليهم، فوجدناهم على ثلاثِ فِرَق، فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ نصارى، لم نر دينًا أفضلَ من ديننا، فثبتْنا عليه، فقال لهم: اعتزِلوا، وقال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟ قالوا: نحن كنّا نصارى، فأسلَمْنا، فثبتْنا على إسلامنا، فقال لهم: اعتزِلوا؛ ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ كنّا نصارى، فأسلمنَا، فلم نَرَ دينًا هو أفضلُ من ديننا الأوّل؛ فقال لهم: أسلِموا. فأبَوا؛ فقال لأصحابه: إذا مسحتُ رأسي ثلاثَ مرّات؛ فشدّوا عليهم، فاقتلوا المُقاتِلة، واسبُوا الذّرّية، فجيء بالذرّية إلى عليّ، فجاء مَصقَلة بن هُبيرة، فاشتراهم بمئتي ألف، فجاء بمئةِ ألف فلم يقبلها عليّ، فانطلق بالدراهم، وعمَد إليهم مصقلة فاعتقَهم ولحق بمعاوية، فقيل لعليّ: ألا تأخذ الذرّية؟ فقال: لا، فلم يَعرِض لهم (٢). (٥: ١٢٥/ ١٢٦).\n١١٩٠ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن أبي الصّديق النّاجيّ: أن الخِرّيت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمَكم، وقاتِلوا عن نسائكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم؛ ليقتلُنّكم، وليسبُنّكم.\nفقال له رجل من قومه: هذا والله ما جَنتْه علينا يَداك ولسانُك، فقال: قاتِلوا\n_________\n(١) إسناده مرسل.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":863},{"text":"لله أنتم! سَبَق السيفُ العَذَل، إيهًا والله لقد أصابت قومي داهيه\" (١)! (٥: ١٢٧).\n١١٩١ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فُقَيْم، قال: سار فينا معقِل فحرّض الناسَ فيما بين الميمنة والميسرة يقول: أيُّها الناس المسلمون! ما تزيدون أفضلَ مما سِيق لكم في هذا الموقف من الأجر العظيم؛ إنّ الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدّوا عن الإسلامِ، ونَكَثوا البيعة ظُلمًا وعدوانًا، فأشهد من قُتل منكم بالجنة، ومَنْ عاش فإن الله مُقِرّ عينَه بالفتح والغنيمة! ففعل ذلك حتى مرّ بالناس كلِّهم، ثم إنه جاء حتى وقف في القلْب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة: أنِ احملْ عليهم، فَحمَل عليهم، فثبَتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثم إنه انصرف حتى وقف موقِفه الذي كان به في الميمنة، ثم إنه بعث إلى مِنْجاب بن راشد الضّبيّ وهو في الميسرة، ثم إنّ مِنجابًا حَمَل عليهم، فثَبَتُوا، وقاتَلوا قتالًا شديدًا طويلًا، ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة، ثم إن معقلًا بعث إلى الميمنة والميسرة: إذا حملتُ؛ فاحملوا بأجمعكم، فحرّك رايتَه وهَزّها، ثم إنه حمل وحمل أصحابُه جميعًا، فصبروا ساعةً لهم، ثم إنّ النعمان بن صُهْبان الراسبيّ من جَزم بصُرَ بالخِرّيت بن راشد فحَمَل عليه، فطَعَنه فصرعه عن دابّته، ثم نزل وقد جَرَحه فأثْخنه، فاختَلَفا ضربتين، فقتله النعمان بن صُهْبان، وقُتِل معه في المعركة سبعون ومئة، وذهبوا يمينًا وشمالًا، وبعث معقل بن قيس الخيلَ إلى رحالهم، فسبَى مَن أدرك منهم، فسبى رجالًا كثيرًا ونساءً وصبيانًا، ثم نظر فيهم؛ فأمّا من كان مسلمًا؛ فخلّاه، وأخذ بيعته، وترك له عيالَه، وأما من كان ارتدّ فعرض عليه الإسلام، فرجعوا، وخلّى سبيلهم، وسبيلَ عيالهم إلّا شيخًا منهم نصرانيًّا يقال له: الرُّمَاحس بن منصور؛ قال: والله ما زَللْتُ منذ عقلتُ إلا في خروجي من ديني، دينِ الصّدق إلى دينكم دين السوء، لا والله لا أدع دِيني، ولا أقرب دينكم ما حييت! فقدّمه فضَرَب عنقَه، وجمع معقل الناسَ، فقال: أدُّوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة، فأخذ من المسلمين عِقالَين، وعمَد إلى النصارى، وعيالِهم فاحتملهم مقبلًا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيّعونهم، فأمر معقل بردّهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجالُ والنساء بعضهم إلى\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":864},{"text":"بعض. قال: فأشهد أنّي رحمتُهم رحمةً ما رحمتُها أحدًا قبلَهم ولا بعدَهم.\nقال: وكتب معقل بن قيس إلى عليّ: أما بعد، فإنِّي أخبر أميرَ المؤمنين عن جُنْده وعدوّه؛ إنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائلَ ذات عِدّة، وحِدّة، وجِدّ، وقد جُمعت لنا، وتحزّبتْ علينا، فدعَوْناهم إلى الطاعة والجماعة، وإلى حُكم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتابَ أمير المؤمنين، ورفعنا لهم رايةَ أمان، فمالَتْ إلينا منهم طائفة، وبقيتْ طائفة أخرى مُنابِذة، فقبلنا من التي أقبلت، وصَمدْنا للتي أدبرتْ، فضرب الله وجوهَهم، ونُصِرنا عليهم؛ فأمّا من كان مسلمًا؛ فإنا مننّا عليه، وأخذنا بيعتَه لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتدّ؛ فإنا عرضنا عليه الرجوع إلى الإسلام، وإلا؛ قتلناه، فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه، وأما النصارى، فإنا سبيْناهم، وقد أقبلْنا بهم ليكونوا نكالًا من بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا على قتال أهلِ القبلة، وهم أهل الصّغار والذلّ، رحمك الله يا أميرَ المؤمنين، وأوجَبَ لك جنّات النعيم! والسلام عليك.\nثم أقبل بهم حتى مرّ بهم على مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ، وهو عاملُ عليّ على أردَشِير خُرّه، وهم خمسمئة إنسان، فبكى النساء والصبيانُ، وصاحَ الرجال: يا أبا الفضل، يا حاميَ الرجال، وفَكّاك العُناة، امنن علينا فاشترِنا، وأعتِقنا! فقال مصقَلة: أقسم بالله لأتصدّقنَ عليهم، إنّ الله يَجزِي المتصدّقين! فبُلِّغها عنه معقِل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجُّعًا لهم، وزراءً عليكم؛ لضربتُ عنقَه، ولو كان في ذلك تفانِي تميم وبكْر بن وائل! ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذّهليّ إلى معقِل بن قيس فقال له: بِعني بني ناجية. فقال: نعم، أبيعك بألف ألف، ودفَعَهم إليه، وقال له: عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر، ثم أبعثُ بصدر آخر كذلك، حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى. وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنتَ وأصبتَ، وانتظَرَ عليٌّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال، وبلغ عليًّا: أنّ مصقلة خلَّى سبيلَ الأسارى ولم يسألهم أن يُعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظنّ مصقلة إلا قد تحمّل حَمالةً؛ ألا أراكم سترَوْنه عن قريب ملبّدًا، ثم إنه كتب إليه: أمّا بعد، فإن من أعظم الخيانة خيانة","vol":"8","page":865},{"text":"الأمة، وأعظم الغِشّ على أهل المصر غشّ الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمئة ألف، فابعث بها إليّ ساعةَ يأتيك رسولي، وإلا فاقبِل حين تنظرُ في كتابي، فإني قد تقدّمت إلى رسولي إليك ألّا يَدَعَك أن تقيمَ ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال! والسلام عليك.\nوكان الرسول أبو جُرّة الحنفيّ، فقال له أبو جُرّة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشْخَصْ إلى أمير المؤمنين. فلما قرأ كتابه؛ أقبل حتى نزل البَصرة، فمكث بها أيامًا، ثم إنّ ابن عباس سأله المال، وكان عمّال البصرة يحملون من كُوَر البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابنُ عباس هو الذي يبعث به إلى عليّ؛ فقال له: نعم، أنظِرني أيامًا، ثم أقبل حتى أتى عليًّا فأقرّه أيامًا، ثم سأله المال، فأدّى إليه مئتي ألف، ثم إنه عجز فلم تقدِر عليه (١). (٥: ١٢٧/ ١٢٨/ ١٢٩).\n١١٩٢ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت الأعور عن ذُهل بن الحارث، قال: دعاني مَصْقلة إلى رَحْلِه، فقُدّم عشاؤه، فطَعِمْنا منه، ثم قال: والله إن أميرَ المؤمنين يسألني هذا المال، ولا أقدِر عليه! فقلت: والله لو شئتَ ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميعَ المال؛ فقال: والله ما كنت لأحمّلهَا قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال: أما والله لو أن ابنَ هند هو طالبني بها، أو ابن عفان لتركها لي؛ ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعَم الأشعثَ من خراج أذْرَبيجان مئة ألف في كلّ سنة! فقلت له: إنّ هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئًا كنتَ أخذته، فسكت ساعةً، وسكت عنه، فلا والله ما مكث إلا ليلةً واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية. وبلغ ذلك عليًّا، فقال: ماله برّحه اللهَ؛ فعَل فِعلَ السيِّد، وفرّ فِرارَ العبد، وخان خيانة الفاجر! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدْنا له شيئًا أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه. ثم سار إلى داره فنقضها وهدّمها، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعتًا، ولعليٍّ مناصحًا، فكتب إليه مصقلة من الشأم مع رجل من النصارى من بني تَغلِب يقال له حُلْوان:\nأما بعد: فإني كلّمتُ معاويةَ فيك، فوعَدَك الإمارة، ومنّاك الكرامة، فأقبِل إليَّ ساعةَ يلقاك رسولي إن شاء الله؛ والسلام.\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":866},{"text":"فأخذه مالك بن كعب الأرحبيّ، فسرّح به إلى عليّ، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يَد النصرانيّ، فمات، وكتب نُعيم إلى أخيه مَصْقَلة:\nلا ترْمِيَنَّ هَداكَ اللهُ مُعْتَرِضًا ... بالظَّنِّ مِنْك فما بالي وحُلوانا!\nذاك الحَريصُ على ما نالَ مِن طَمَع ... وهْوَ البَعيدُ فلا يُحْزِنْكَ إذْ خانا\nماذا أَردْتَ إلى إرْسالِهِ سَفَهًا ... ترْجو سِقَاطَ امْرِئٍ لمْ يُلْفَ وَسْنانا\nعَرَّضْتَهُ لِعَليٍّ إنَّهُ أَسَدٌ ... يمشي العِرَضْنَةَ مِنْ آسادِ خَفّانا\nقد كنْتَ في مَنْظَرٍ عن ذا ومُسْتَمَعٍ ... تحْمِي العراقَ وتُدْعى خَيْرَ شيْبانا\nحَتَّى تَقَحَّمْتَ أَمْرًا كنْتَ تَكْرَهُهُ ... للرّاكبين لَهُ سِرًّا وإِعلانا\nلو كنْتَ أَدَّيْتَ ما للقَوْم مُصْطَبِرًا ... للْحَقِّ أَحْييْتَ أَحيانَا ومَوْتانا\nلكن لَحِقْتَ بأَهْلِ الشأمِ مُلتمِسًا ... فضل ابن هِنْدٍ وذاك الرأيُ أَشجانا\nفاليَوْمَ تَقْرَعُ سِنَّ الغُرْمِ من ندَمٍ ... ماذا تَقولُ وقَدْ كان الذي كانا!\nأَصْبحْتَ تُبْغِضكَ الأَحياءُ قاطِبةً ... لم يَرْفَع اللهُ بالبَغْضاء إنسانا\nفلما وَقَع الكتاب إليه عَلِم: أنّ رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلبيّون إلا قليلًا حتى بلغهم هلاكُ صاحبهم حُلوان، فأتوا مصقلةَ فقالوا: إنك بعثتَ صاحبَنا فأهْلَكتَه، فإما أن تُحييَه وإما أن تَدِيَه، فقال: أمّا أن أحِييَه فلا أستطيع، ولكنّي سأدِيه؛ فوَداه (١). (٥: ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١).\n١١٩٣ - قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندَب، قال: حدّثني أبي، قال: لما بلِغ عليًّا مصابُ بني ناجية، وقتلَ صاحبهم، قال: هوتْ أمّه! ما كان أنقَصَ عقله، وأجرَأه على ربّه! فإنّ جائيًا جاءني مرّة، فقال لي: في أصحابك رجالٌ قد خشيتُ أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت له: إنّي لا آخذ على التّهمة، ولا أعاقب على الظنّ، ولا أقاتل إلا من خالفَني، وناصَبَني، وأظهر لي العداوة، ولست مُقاتِلَه حتى أدعوَه وأعذرَ إليه، فإن تاب ورجع إلينا؛ قبلْنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلا الاعتزامَ على حربنا، استعنّا عليه اللهَ، وناجَزْناه. فكفّ عني ما شاء الله. ثم جاءني مرّة أخرى فقال لي: قد خشيت أن يَفسد عليك عبدُ الله بنُ وهب الراسبيّ وزيدُ بن حصين، إني سمعتُهما يَذكرانك\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":867},{"text":"بأشياء لو سمعتَها؛ لم تُفارِقْهما عليها حتى تقتلهما، أو توبِقهما، فلا تفارقْهما من حبسِك أبدًا، فقلت: إنّي مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: فإنّي آمرك أن تدعوَ بهما، فتضربَ رِقابهما. فعلمت: أنه لَا ورعٌ ولا عاقل، فقلت: واللهِ ما أظنّك وَرِعًا ولا عاقِلًا نافعًا، واللهِ لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلَهم أن تقول: اتّق اللهِ، لِم تستحلّ قتلَهم ولم يقتلوا أحدًا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك (١)! (٥: ١٣١/ ١٣٢).\nواختُلف في عامله على خُراسان فقيل: كان خليد بن قرّة اليربوعيّ، وقيل: كان ابن أبزَى؛ وأما الشأم ومصرَ فإنه كان بهما معاوية وعمّاله (٢). (٥: ١٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من الأحداث المذكورة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>تفريق معاوية جيوشه في أطراف عليّ</span>\n١١٩٤ - فوجّه النعمانَ بن بشير - فيما ذكر علي بن محمد بن عوانة - في ألفي رجل إلى عين التّمْر، وبها مالك بن كعب مَسلَحةً لعليّ في ألف رجل، فأذن لهم، فأتَوا الكوفة، وأتاه النعمان، ولم يبق معه إلّا مئة رجل، فكتب مالًا إلى عليّ يخبرُه بأمرِ النعمان ومن معه، فخطب عليّ النَّاس، وأمَرَهم بالخُروج، فتثاقلُوا، وواقع مالك النعمان، والنّعمان في ألفيْ رجل ومالك في مئة رجل، وأمر مالك أصحابَه أن يجعلوا جَدْرَ القرية في ظهورهم، واقتتلوا وكتب إلى مخْنف بن سُلَيْم يسأله أن يُمدّه وهو قريب منه، فقاتلهم مالك بن كعب في العصابة التي معه كأشدّ القتال، ووجّه إليه مخنَف ابنَه عبد الرحمن في خمسين رجلًا، فانتهوْا إلى مالك وأصحابه، وقد كسروا جفونَ سيوفهم، واستقتَلوا،\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) وقال خليفة بن خياط: (خراسان) وجّه إليها عون بن جعدة المخزومي فردّوه فبعث خليد بن قرة التميمي (تأريخ خليفة/ ١٩٩).","vol":"8","page":868},{"text":"فلما رآهم أهلُ الشأم وذلك عند المساء، ظنّوا: أنّ لهم مددًا، وانهزموا، وتبِعهم مالك، فقتل منهم ثلاثة نفر، ومضوْا على وجوههم.\nرجع الحديث إلى حديث عوانة، قال: ووجّه معاوية في هذه السنة سُفيانَ بن عوف في ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتيَ هِيت، فيقطعها، وأن يُغيرَ عليها، ثم يمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقعَ بأهلها، فسار حتى أتى هِيت فلم يَجِد بها أحدًا، ثم أتى الأنبارَ وبها مَسلَحة لعليّ تكون خمسمئة رجل، وقد تفرّقوا فلم يبقَ منهم إلا مئة رجل، فقاتَلَهم، فصبر لهم أصحابُ عليّ مع قلّتهم، ثم حملت عليهم الخيلُ والرَّجالة، فقتلوا صاحبَ المسلحة، وهو أشرَس بن حسّان البكرِيّ في ثلاثين رجلًا، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموالِ أهلها، ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر عليًّا، فخرج حتى أتى النُّخَيلة، فقال له الناس: نحن نكفيك! قال: ما تكفونني ولا أنفسكم. وسرّح سعيد بن قيس في أثر القوم، فخرج في طلبهم حتى جاز هِيت، فلم يلحقهم فرجع.\nقال: وفيها وجّه معاوية أيضًا عبدَ الله بن مسعدة الفَزَاريّ في ألف وسبعمئة رجل إلى تَيْماء، وأمره أن يُصَدِّق مَن مرّ به من أهل البوادي، وأن يقتل مَن امتنع من عطائه صدقة ماله، ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز، يفعل ذلك، واجتمع إليه بشرٌ كثير من قومه، فلما بلغ ذلك عليًّا وجه المسيَّب بن نَجبَة الفَزَاريّ؛ فسار حتى لحق ابن مسعدة بتَيْماء، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالًا شديدًا، وحمل المسيَّب على ابن مسعدة فضربه ثلاثَ ضَرَبات، كلّ ذلك لا يلتمس قتله، ويقول له: النَّجاء النَّجاء! فدخل ابن مسعدة وعامة مَن معه الحصن، وهرَب الباقون نحو الشأم، وانتهب الأعراب إبلَ الصّدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحَصَره ومَن كان معه المسيَّب ثلاثة أيام، ثم ألقَى الحطَب على الباب، وألقى النيرانَ فيه، حتى احترق، فلما أحسوا بالهلاك؛ أشرَفوا على المسيّب، فقالوا: يا مسيّب، قومك! فرقّ لهم، وكرِه هلاكَهم، فأمر بالنار فأطفئتْ، وقال لأصحابه: قد جاءتني عيون فأخبرُوني: أنَّ جندًا قد أقبل إليكم من الشأم، فانضمّوا في مكان واحد، فخرج ابنُ مسعدة في أصحابه ليلًا حتى لحقوا بالشأم، فقال له عبد الرحمن بن شبيب: سِرْ بنا في طلبِهم، فأبى ذلك عليه، فقال له: غششتَ أميرَ المؤمنين وداهنتَ في أمرهم.","vol":"8","page":869},{"text":"وفيها أيضًا وجّه معاويةُ الضحّاك بنَ قيس، وأمره أن يمرّ بأسفل واقِصة، وأن يُغير على كلّ مَن مرّ به ممن هو في طاعة عليّ من الأعراب، ووَجّه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار، فأخذ أموالَ الناس، وقتل من لقيَ من الأعراب، ومرّ بالثّعلبيّة، فأغار على مسالح عليّ، وأخذ أمتِعتهم، ومضى حتى انتهى إلى القُطْقُطانة، فأتى عَمرو بن عميس بن مسعود - وكان في خيل لعليّ وأمامه أهله، وهو يريد الحجّ - فأغار على من كان معه، وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذلك عليًّا؛ سرّح حُجْر بن عديّ الكنديّ في أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضَّحَّاك بتَدْمُر فقتل منهم تسعةَ عشرَ رجلًا، وقتِل من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حُجْر ومن معه.\nوفيها سار معاوية بنفسه إلى دِجْلة حتى شارَفَها، ثم نكص راجعًا، ذكر ذلك ابن سعد عن محمد بن عمر، قال: حدّثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة قال: لما كانت سنة تسع وثلاثين أشرَف عليها معاوية (١). (٥: ١٣٣/ تكملة ١٣٤/ ١٣٥/ ١٣٦).\n١١٩٥ - حدّثني عبدُ الله بن أحمدَ بن شبّوَيه المروزيّ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثني سليمان عن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن أبى معاوية عن عمرو بن حسّان، عن شيخ من بني فَزارة، قال: بعث معاوية النعمانُ بن بشير في ألفين، فأتوا عينَ التَمْر، فأغاروا عليها، وبها عامل لعليّ يقال له ابن فلان الأرحبيّ في ثلاثمئة، فكتب إلى عليّ يستمِدّه، فأمر الناسَ أن ينهضوا إليه، فتثاقلوا، فصعِد المنبر، فانتهيت إليه؛ وقد سبَقَني بالتشهّد وهو يقول:\nيا أهلَ الكُوفة! كلَّما سمعتم بمِنسر من مناسر أهل الشأم أظلّكم وأغلقَ بابَه؛ انجَحَر كلّ امرئ منكم في بيته انجحارَ الضبّ في جُحْره، والضّبع في وِجارِها؛ المغرورُ من غررتموه، ولمَنْ فازَ بكم فاز بالسهم الأخيَب. لا أحرارٌ عند النداء، ولا إخوانُ ثقة عند النجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا مُنِيتُ به منكم! عميٌّ لا تُبصِرون، وبُكْمٌ لا تنطقون، وصُمّ لا تَستَمعون إنا لله وإنا إليه راجعون (٢)! . (٥: ١٣٣/ ١٣٤).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":870},{"text":"١١٩٦ - وحدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر مثله (١). (٥: ١٣٦).\n١١٩٧ - واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بالناس فيها عبيد الله بن عبّاس من قبَل عليّ، وقال بعضُهم: حجّ بهم عبد الله بن عباس؛ فحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة، قال: يقال: إنّ عليًّا وجّه ابنَ عباس ليشهد الموسم، ويصلي بالناس في سنة تسع وثلاثين، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرّهاويّ.\nقال: وزعم أبو الحسن: أن ذلك باطل، وأن ابنَ عباس لم يشهد المَوْسم في عمل حتى قُتِل عليّ ﵇؛ قال: والذي نازعه يزيد بن شجرة قُثَم بن العباس، حتى إنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان، فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين (٢). (٥: ١٣٦).\n١١٩٨ - وكالذي حكيت عن أبي زيد عن أبي الحسن، قال أبو معشر في ذلك: حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى عنه (٣). (٥: ١٣٦).\nوقال الواقديّ: بعث عليّ على الموسم في سنة تسع وثلاثين عُبيد الله بن عباس، وبعث معاوية يزيدَ بن شجرة الرهاويّ ليقيمَ للناس الحِجّ، فلما اجتمعا بمكّة تَنازَعا، وأبَى كلُّ واحد منهما أن يسلّم لصاحبه، فاصطَلحا على شيبة بن عثمانَ بن أبي طلحة.\nوكانت عمّال عليٌّ في هذه السنة على الأمصار الذين ذكرْنا أنهم كانوا عمّالَه في سنة ثمان وثلاثين غير ابن عباس، كان شَخَصَ في هذه السنة عن عمله بالبَصرة، واستخلف زيادًا - الذي كان يقال له: زياد بنُ أبيه - على الخرَاج، وأبا الأسوَد الدُّؤَليّ على القضاء (٤). (٥: ١٣٦).\n_________\n(١) في إسناده مبهم.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"8","page":871},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1359>ذكر توجيه ابن عباس زيادًا إلى فارس وكرمان</span>\nوفي هذه السنة وجّه ابنُ عباس زيادًا عن أمر عليّ إلى فارسَ وكِرْمان عند منصرَفه من عند عليّ من الكُوفة إلى البَصرة.\nذكر سبب توجيهه إياه إلى فارس:\n١١٩٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ؛ قال: لما قتل ابن الحضْرميّ، واختلف الناسُ على عليّ؛ طَمِع أهلُ فارسَ، وأهلُ كَرمانَ في كسْر الخراج، فغلب أهلُ كل ناحية على ما يليهم، وأخرجوا عمّالَهم (١). (٥: ١٣٧).\n١٢٠٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو القاسم عن سَلَمة بن عثمان، عن عليّ بن كثير: أنّ عليًّا استشار الناسَ في رجُل يولّيه فارسَ حين امتنعوا من أداء الخراج، فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلّك يا أميرَ المؤمنين على رجل صليب الرأي، عالم بالسياسة، كافٍ لِمَا وليَ؟ قال: مَن هو؟ قال: زياد؛ قال: هو لها؛ فولّاه فارسَ، وكِرْمان، ووجّهه في أربعة آلاف، فدوّخ تلك البلادَ؛ حتى استقاموا (٢). (٥: ١٣٧).\n١٢٠١ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عليّ بن مجاهد، قال: قال الشعبيّ: لما انتقَض أهلُ الجبال، وطمع أهلُ الخراج في كسره، وأخرَجوا سهلَ بن حنيف من فارسَ - وكان عاملًا عليها لعليّ - قال ابن عباس لعليّ: أكفيكَ فارسَ! فقدم ابنُ عباس البَصرة، ووجّه زيادًا إلى فارسَ في جمع كثير، فوطِئ بهم أهلَ فارس، فأدَّوا الخَراج (٣). (٥: ١٣٧).\n١٢٠٢ - حدّثني عمر، قال: حدّثني أبو الحسن عن أيّوب بن موسى، قال: حدّثني شيخٌ من أهل إصْطَخْر قال: سمعتُ أبي يقول: أدركتُ زيادًا وهو أميرٌ على فارسَ وهي تَضرَم نارًا، فلم يزل بالمُداراة؛ حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطّاعة والاستقامة، لم يقفْ موقفًا للحرب، وكان أهل فارسَ يقولون: ما رأيْنا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) إسناده مرسل.","vol":"8","page":872},{"text":"سيرةً أشبه بسيرة كِسرَى أنوشِرْوان من سِيرة هذا العربيّ في اللين، والمُداراة، والعلم بما يأتي.\nقال: ولما قدِم زياد فارسَ؛ بعث إلى رؤسائها، فوعد مَن نَصرَه ومنّاه، وخوّفَ قومًا وتوعَّدهم، وضرب بعضَهم ببعض، ودلّ بعضَهم على عورةِ بعض، وهربتْ طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضُهم بعضًا، وصفتْ له فارس، فلم يَلْقَ فيها جمعًا ولا حَرْبًا، وفعل مثلَ ذلك بكَرْمان، ثم رجع إلى فارسَ، فسار في كُوَرها ومنّاهم، فسَكنَ الناسُ إلى ذلك، فاستقامت له البلاد، وأتى إصْطَخْرَ فنزلها، وحصّن قلعةً بها ما بين بيضاء إِصْطَخْر وإصْطَخْر، فكانت تسمَّى قلعةَ زياد، فحمل إليها الأموال، ثم تحصّن فيها بعد ذلك منصور اليشكريّ، فهي اليومَ تُسمَّى قلعةَ منصور (١). (٥: ١٣٧/ ١٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n١٢٠٣ - فمما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بُسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز.\nفذُكر عن زياد بن عبد الله البَكَّاليّ عن عَوانة، قال: أرسل معاويةُ بنُ أبي سفيان بعد تحكيم الحَكَمين بُسرَ بنَ أبي أرطاة - وهو رجلٌ من بني عامر بن لؤيّ في جيش - فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة، وعاملُ عليّ على المدينة يومئذ أبو أيوبَ الأنصاريّ، ففرّ منهم أبو أيوب، فأتى عليًّا بالكوفة، ودخل بُسر المدينة؛ قال: فصعِد مِنبرَها ولم يقاتلْه بها أحد، فنادى على المنبر: يا دينار، ويا نجّار، ويا زُريق، شَيْخي شَيْخي! عهدي به بالأمس، فأين هو! يعني عثمانَ، ثمّ قال: يا أهل المدينة! واللهِ لولا ما عهد إليّ معاويةُ ما تركتُ بها محتلِمًا إلّا قتلته! ثم بايَعَ أهل المدينة، وأرسل إلى بني سلِمة، فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايَعة حتى تأتوني بجابر بنِ عبد الله، فانطلق جابر إلى أمّ سَلمة زوج النبيّ - ﷺ - فقال لها: ماذا تَرَيْن؟ إنّي قد خشيتُ أن أقتل، وهذه بَيْعة ضلالة، قالت: أرى أن تبايعَ، فإنّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سَلَمة أن يبايع،\n_________\n(١) في إسناده مجهولان.","vol":"8","page":873},{"text":"وأمرتُ خَتَنِي عبد الله بن زَمْعة - وكانت ابنتها زينب بنة أبي سَلَمة عند عبد الله بن زمعة - فأتاه جابر فبايعه، وهدّم بُسْر دُورًا بالمدينة، ثم مضى حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتلَه، فقال له بُسر: ما كنتُ لأفعلَ بصاحب رسولِ الله - ﷺ - ذلك؛ فخلّى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليَمن: إنّ خيلًا مبعوثةً من عند معاوية تَقتُل الناس، تقتُل مَن أبَى أن يقرّ بالحكومة. ثم مضى بُسر إلى اليَمَن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملًا لعليّ، فلما بلغه مسيرُه فرّ إلى الكوفة حتى أتى عليًّا، واستخلف عبدَ الله بن عبد المَدان الحارثيّ على اليَمَن، فأتاه بُسر فقتله، وقتل ابنَه، ولقي بُسر ثَقَل عبيد الله بن عباس، وفيه ابنان له صغيران، فذبَحهما، وقد قال بعض الناس: إنه وجد ابني عبد الله بن عباس عند رجل من بني كنانةَ من أهل البادية، فلما أراد قتلَهما قال الكنانيّ: علامَ تَقتُل هذين ولا ذنب لهما! فإن كنتَ قاتِلَهما فاقتلني، قال: أفعل؛ فبدأ بالكنانيّ فقتله، ثم قتلَهما ثمّ رجع بُسْر إلى الشأم، وقد قيل: إن الكنانيّ قاتل عن الطفلين حتى قُتِل، وكان اسمُ أحدِ الطفلين اللذَين قتلَهما بُسْر: عبد الرحمن، والآخر قُثَم. وقَتل بُسر في مسيره ذلك جماعةً كثيرةً من شِيعة عليٍّ باليمن. وبلغ عليًّا خبرُ بُسر، فوجّه جارية بن قُدامة في ألفين، ووهْب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نَجْران فحرّق بها، وأخذ ناسًا من شِيعة عثمانَ فقتلهم، وهَرَب بُسْر وأصحابُه منه، وأتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعونا؛ فقالوا: قد هلك أميرُ المؤمنين، فلمن نبايع؟ قال: من بايَعَ له أصحابُ عليّ، فتثاقلوا: ثمّ بايعوا. ثمّ سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلِّي بهم، فهرب منه، فقال جارية: واللهِ لو أخذتُ أبا سِنَّوْر لضربتُ عنقَه، ثم قال لأهل المدينة: بايِعوا الحسنَ بن عليّ: فبايَعوه وأقام يومَه، ثم خرج منصرِفًا إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة فصلَّى بهم (١). (٥: ١٣٩/ ١٤٠).\nوفي هذه السنة - فيما ذكر - جرتْ بين عليٍّ وبين معاويةَ المهادنة - بعد مكاتبات جرتْ بينهما يطول بذكرها الكتاب - على وَضْعِ الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاويةَ الشأم، فلا يدخل أحدُهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غَزْو.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":874},{"text":"١٢٠٤ - قال زياد بنُ عبد الله عن أبي إسحاق: لما لم يعطِ أحدُ الفريقين صاحبَه الطاعةَ كتب معاويةُ إلى عليّ: أما إذا شئتَ فلك العراق وليَ الشأم، وتكفّ السيف عن هذه الأمة، ولا تُهَرِيق دماءَ المسلمين؛ ففعل ذلك، وتراضَيَا على ذلك، فأقام معاوية بالشأم بجنوده يَجْبيها وما حولها، وعليٌّ بالعراق يَجبيها ويقسمها بين جنوده (١). (٥: ١٤٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>خروج ابن عباس من البصرة إلى مكة</span>\nوفيها خرج عبدُ الله بن العباس من البَصرة ولحق مكة في قول عامة أهلِ السِّيَر، وقد أنكر ذلك بعضُهم، وزعَم أنه لم يَزلْ بالبصرة عاملًا عليها من قِبَل أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ حتى قُتِل، وبعد مَقتَل عليّ حتى صالح الحسن معاوية، ثمّ خرج حينئذ إلى مكة.\nذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق:\n١٢٠٥ - حدَّثني عمرُ بنُ شبّة، قال: حدّثني جماعة عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عُبيد أبي الكُنود، قال: مرّ عبدُ الله بنُ عباس على أبي الأسود الدّؤليّ، فقال: لو كنتَ من البهائم كنتَ جَمَلًا، ولو كنتَ راعيًا ما بلغتَ من المرعى، ولا أحسنتَ مهنته في المشْي. قال: فكتب أبو الأسود إلى عليّ:\nأما بعد، فإنّ الله جل وعلا جعلك واليًا مؤتمنًا، وراعيًا مستوليًا، وقد بلوناك فوجدْناك عظيمَ الأمانة، ناصحًا للرعية، توفر لهم فيْئهُم، وتَظْلَف نفسَك عن دنياهم، فلا تأكل أموالَهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابنَ عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير عِلمك، فلَمْ يَسعْني كتمانُك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب إليّ برأيك فيما أحببتَ أنتهِ إليك، والسلام.\nفكتب إليه عليّ: أما بعْد، فمِثلك نصح الإمامَ والأمة، وأدّى الأمانة، ودلّ على الحقّ، وقد كتبتُ إلى صاحبك فيما كتبتَ إليّ فيه من أمرِه، ولم أعلِمه أنك\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":875},{"text":"كتبتَ، فلا تَدَع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاحٌ، فإنك بذلك جدير، وهو حقٌّ واجب عليك؛ والسلام.\nوكتبَ إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وإني لِمَا تحت يدي ضابط قائم له وله حافظ، فلا تصدِّق الظنون؛ والسلام.\nقال: فكتب إليه عليّ: أما بعد، فأعلِمني ما أخذتَ من الجزية، ومِن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟\nقال: فكتب إليه ابنُ عباس: أما بعد، فقد فهمتُ تعظيمَك مَرْزَأة ما بلغك أنّي رَزَأتُه من مال أهلِ هذا البلد، فابعث إلى عملك مَنْ أحببت، فإنّي ظاعنٌ عنه، والسلام.\nثم دعا ابن عباس أخوالَه بني هلال بن عامر، فجاءه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رَزين بن أبي عمرو الهلاليَّان، ثم اجتمعت معه قيس كلُّها فحمل مالًا (١). (٥: ١٤١/ ١٤٢).\n١٢٠٦ - قال أبو زيد: قال أبو عبيدة: كانت أرزاقًا قد اجتمعتْ، فحمل معه مقدار ما اجتمع له، فبعثت الأخماس كلها، فلحقوه بالطَّفّ، فتواقَفوا يريدون أخذَ المال، فقالت قيس: واللهِ لا يُوصَل إلى ذلك وفينا عينٌ تَطرف. وقال صبرة بن شيمان الحُدّانيّ: يا معشر الأَزْد! واللهِ إنّ قيسًا لإخوانُنا في الإسلام، وجيرانُنا في الدار، وأعوانُنا على العدوّ! وإن الذي يصيبكم من هذا المال لو رُدّ عليكم لقليل، وهم غدًا خيرٌ لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرِفوا عنهم ودَعُوهم، فأطاعوه فانصرفوا؛ فقالت بكر، وعبد القيس: نعم الرأيُ رأيُ صَبِرة لقومه، فاعتزَلوا أيضًا، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم؛ نقاتلهم عليه. فقال الأحنف: قد ترك قتالَهم من هو أبعدُ منكم رَحمًا؛ فقالوا: واللهِ لنقاتلنّهم! فقال: إذًا لا أساعدكم عليهم، فاعتزلَهم؛ قال: فراسوا عليهم ابن المُجّاعة من بني تميم، فقاتَلوهم، وحمل الضحّاك على ابن المُجّاعة فطعنه، واعتَنَقَه عبد الله بن رَزِين، فسَقَطا إلى الأرض يعتَرِكان، وكثرت الجراح فيهم ولم يكن\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"8","page":876},{"text":"بينهم قتيل؛ فقالت الأخماس: ما صنعْنا شيئًا، اعتزلْناهم وتركْناهم يتحاربون، فضربوا وجوهَ بعضِهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: لنحن أسخَى منكم أنفسًا حين تركْنا هذا المال لبني عمِّكم، وأنت تقاتلونهم عليه، إن القومَ قد حَملَوا وحُموا، فخَلّوهم، وإن أحببتم فانصرِفوا، ومضى ابنُ عباس ومعه نحو من عشرين رجلًا حتى قدِم مكّة (١). (٥: ١٤٢).\n١٢٠٧ - وحدّثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدةَ - ولم أسمعه منه -: أنّ ابن عباس لم يبرحْ من البَصرة حتى قُتل عليّ ﵇، فشخص إلى الحسن، فشهد الصّلحَ بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة وثَقَلُه بها، فَحملَه ومالًا من بيت المال قليلًا؛ وقال: هي أرزاقي.\nقال أبو زيد: ذكرتُ ذلك لأبي الحسن فأنكرَه، وزعمَ: أنّ عليًّا قُتل؛ وابن عباس بمكة، وأنّ الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيدُ الله بن عباس (٢). (٥: ١٤٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالب</span>\n١٢٠٨ - وكذلك قال الواقديّ: حدّثني بذلك الحارث، عن ابن سعد عنه، وأما أبو زيد فحدّثني عن عليّ بن محمد: أنه قال: قُتِل عليُّ بنُ أبي طالب بالكُوفة يومَ الجمعة لإحدى عشرة. قال: ويقال: لثلاث عشرة بقيتْ من شهر رمضان سنة أربعين. قال: وقد قيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين (٣).\nذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله:\nحدّثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن الحرانيّ أبو عبد الرحمن، قال: أخبَرَنا إسماعيل بن راشد، قال: كان من حديث ابن مُلجَم وأصحابه: أنّ ابن ملجم، والبُرَك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميميّ اجتمعوا، فتذاكَروا أمرَ الناس، وعابوا على وُلاتهم، ثم\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.","vol":"8","page":877},{"text":"ذكروا أهلَ النّهر، فترحَّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدَهم شيئًا! إخوانُنا الذين كانوا دُعاةَ الناس لعبادة ربّهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومةَ لائم، فلو شَرَيْنا أنفسَنا فأتينا أئمّة الضلالة فالتمسْنا قتلَهم، فأرحْنا منهم البلاد، وثأرْنا بهم إخوانَنا! فقال ابن مُلجَم: أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب - وكان من أهل مصرَ - وقال البُرَك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاويةَ بنَ أبي سُفْيان؛ وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عَمرَو بنَ العاص، فتعاهَدوا وتواثَقوا بالله لا يَنكُص رجل منّا عن صاحبه الذي توجّه إليه حتى تقتلَه، أو يموت دونَه، فأخذوا أسيافَهم، فسمُّوها واتَّعَدوا لسبع عشرة تخلو من رمضانَ أن يثبَ كلُّ واحد منهم على صاحبه الذي توجّه إليه، وأقبل كلّ رجل منهم إلى المِصْرِ الذي فيه صاحبُه الذي يَطلب.\nفأما ابنُ ملجَم المُراديّ فكان عداده في كِنْدة، فخرج فلقيَ أصحابَه بالكوفة، وكاتَمهم أمرَه كراهة أن يُظهروا شيئًا من أمره، فإنه رأى ذاتَ يوم أصحابًا من تَيْمِ الرِّباب - وكان عليٌّ قَتَل منهم يوم النهر عشرة - فذكروا قَتْلاهم، ولقَى من يومه ذلك امرأة من تيم الرِّباب يقال لها: قَطام ابنة الشِّجْنَة - وقد قَتَل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقةَ الجمال - فلما رآها؛ التبستْ بعَقله، ونسي حاجتَه التي جاء لها؛ ثم خطبها، فقالت: لا أتزَوّجك حتى تَشفي لي! قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل عليّ بن أبي طالب، قال: هو مهرٌ لك، فأمّا قتل عليٍّ فلا أراكِ ذكرتِه لي وأنت تريديني! قالت: بلَى، التمس غرّته، فإن أصبت؛ شفيتَ نفسك ونفسي، ويَهنِئك العيشُ معي، وإن قُتِلت؛ فما عنَد الله خيرٌ من الدنيا، وزينتها، وزينة أهلها؛ قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المِصْر إلا قتلُ عليّ! فلك ما سألتِ. قالت: إنّي أطلب لك من يُسند ظهرَك، ويساعدُك على أمرك، فبعثتْ إلى رجل من قومها من تَيْم الرِّباب يقال له: وَرْدان، فكلّمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلًا من أشجع يقال له: شبيب بن بَجرَة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ ! قال: وما ذاك؟ قال: قتلُ عليّ بن أبي طالب؛ قال: ثكلتْك أمُّك! لقد جئتَ شيئًا إدًّا، كيف تقدر على عليّ! قال: أكمُن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شدَدْنا عليه فقَتلْناه، فإن نجوْنا؛ شفَيْنا أنفسَنا، وأدرَكنْا ثأرَنا، وإن قُتِلنا فما عند الله خيرٌ من الدنيا وما فيها، قال: وَيحك! لو كان غير عليٍّ؛ لكان أهوَن عليّ، قد عرفتَ بلاءَه في الإسلام،","vol":"8","page":878},{"text":"وسابقَتَه مع النبيّ - ﷺ - وما أجدني أنشرِح لقتله. قال: أما تعلم: أنه قتل أهلَ النهر العبّاد الصالحين! قال: بلى! قال: فنقتله بمن قَتل من إخواننا. فأجابه - فجاؤوا قَطام - وهي في المسجد الأعظم معتكِفة - فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل عليّ؛ قالت: فإذا أردتم ذلك؛ فائْتُوني، ثم عاد إليها ابن ملجَم في ليلة الجمعة التي قُتل في صبيحتها عليّ سنة أربعين - فقال: هذه الليلة التي واعدتُ فيها صاحبيّ أن يقتل كلّ منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير؛ فعصَبتْهم به، وأخذوا أسيافَهم؛ وجلسوا مقابل السدّة التي يَخرج منها عليّ، فلما خرج؛ ضربه شبيبٌ بالسيف، فوقع سيفُه بعِضادة الباب، أو الطّاق، وضَرَبَه ابنُ ملجَم في قَرْنه بالسيف، وَهرَب وَرْدان حتى دخل منزلَه، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحريرَ عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ ! فأخبره بما كان وانصرف فجاء بسيفه فعلا به وَرْدان حتى قَتَله، وخرج شبيب نحو أبواب كِنْدة في الغَلَس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموتَ يقال له: عُوَيْمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجَثم عليه الحضرميّ، فلما رأى الناسَ قد أقبلوا في طلبه، وسيفُ شبيب في يده خشيَ على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غُمار الناس، فشدّوا على ابن ملجم فأخذوه، إلّا أنّ رجلًا من هَمْدان يُكنّى أبا أدْماء أخذَ سيفه فضرب رجله، فصرَعه، وتأخّر عليّ، ورفع في ظهره جَعْدة بن هبيرة بن أبي وَهْب، فصلّى بالناس الغَدَاة، ثم قال عليّ: عليَّ بالرجل، فأُدْخِل عليه، ثم قال: أي عدوّ الله! ألم أحسِن إليك؟ ! قال: بلى! قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذتُه أربعين صباحًا، وسألتُ الله أن يقتل به شرّ خلقه؛ فقال ﵇: لا أراك إلا مقتولًا به، ولا أراك إلا مِن شرّ خلقه (١). (٥: ١٤٣/ ١٤٤/ ١٤٥).\n١٢١٠ - وذكروا: أن ابن مُلجَم قال قبل أن يَضرب عليًّا - وكان جالسًا في بني بكْر بن وائل؛ إذ مُرّ عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلّي أبي حجّار، وكان نصرانيًّا، والنصارى حولَه، وأناس مع حجّار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق بن ثور - فقال ابن ملجم: ما هؤلاء؟ فأُخبِر الخبر، فأنشأ يقول:\n_________\n(١) إسناده معضل، وقال المحدث الألباني: وهذا إسناد ضعيف معضل؛ فإن إسماعيل بن راشد هذا وهو السلمي الكوفي من أتباع التابعين مجهول الحال.","vol":"8","page":879},{"text":"لئن كان حَجّارُ بنُ أَبْجَرَ مُسْلِمًا ... لقد بُوعدَتْ منه جنازةُ أَبْجَرِ\nوإن كان حجّارُ بنُ أبجرَ كافرًا ... فما مِثْلُ هذا من كَفُورٍ بمُنكر\nأَتَرْضوْنَ هذا أَنَّ قَيْسًا وَمُسلِمًا ... جمِيعًا لدى نَعشٍ، فَيا قُبْحَ مَنْظَرِ!\nفلولا الَّذي أَنوِي لَفَرَّقْتُ جَمْعَهمْ ... بأَبْيَضَ مَصْقولِ الدِّياسِ مُشَهَّرِ\nولكنني أَنوِي بِذاك وسيلَةً ... إلى الله أو هذا فخُذ ذاك أَو ذَرِ\nوذكر: أنّ محمد بن الحنفيَّة، قال: كنتُ والله إني لأصلِّي تلك الليلةَ التي ضُرب فيها عليّ في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المِصْر، يصلون قريبًا من السدّة، ما هم إلّا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أوّل الليل إلى آخره؛ إذ خرج عليّ لصلاة الغَداة، فجعل ينادِي: أتها الناس! الصلاةَ الصلاة! فما أدري أخرج من السُّدّة فتكلّم بهذه الكلمات أم لا! فنظرتُ إلى بريق، وسمعتُ: الحكْم لله يا عليّ! لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفًا، ثم رأيت ثانيًا، ثم سمعتُ عليًّا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشدّ الناس عليه من كلّ جانب. قال: فلم أبرح حتى أُخذ ابنُ مُلجَم، وأدخِل على عليّ، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعتُ عليًّا يقول: النَفْس بالنفس، إن أنا؛ مِتّ فاقتلوه كما قتَلَني، وإن بقيتُ؛ رأيت فيه رأيي.\nوذكر: أنّ الناس دخلوا على الحسن فَزِعين لِما حدث من أمر عليّ، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوفٌ بين يديه، إذ نادته أمُّ كُلثوم بنت عليّ؛ وهي تبكي: أي عدوّ الله! لا بأسَ على أبي، والله مخزيك! قال: فعلى مَن تبكين؟ والله لقد اشتريتُه بألف، وسَممْته بألف، ولو كانت هذه الضّربة على جميع أهلِ المِصْر ما بقيَ منهم أحد.\nوذكر: أن جُندَب بن عبد الله دخل على عليّ فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين! إنْ فَقَدناك - ولا نَفْقِدك - فنُبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم، ولا أنهاكم، أنتمْ أبصر. فردّ عليه مثلَها، فدعا حسنًا، وحسينًا، فقال: أوصيكما بتقوى الله، وألّا تَبغِيا الدنيا؛ وإن بَغتْكما، ولا تَبكيا على شيء زُوِي عنكما، وقُولَا الحقّ، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنَعا للآخرة، وكونا للظالم خَصْمًا، وللمظلوم ناصرًا، واعْمَلا بما في الكتاب، ولا تأخذْكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنفيّة، فقال: هل حفظتَ ما أوصيتُ به أخوَيْك؟ قال:","vol":"8","page":880},{"text":"نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخوَيك، لعظيم حقِّهما عليك، فاتبع أمرَهما، ولا تقطع أمرًا دونَهما. ثم قال: أوصيكُما به، فإنه شقيقكما، وابنُ أبيكما، وقد علمتما: أن أباكما كان يحبّه، وقال للحسن: أوصيك أي بُنَيَّ بتقوى الله، وإقامِ الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسنِ الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطَهور، ولا تُقبَل صلاة من مانع زكاة، وأوصيكَ بغَفْر الذنب، وكَظْم الغيظ، وصلة الرِّحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبُّت في الأمر، والتعاهُد للقرآن، وحسن الجِوار، والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش.\nفلما حضرتْه الوفاة؛ أوصىَ، فكانت وصيَّته:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا ما أوصَى به عليّ بن أبي طالب، أوصَى: أنه يَشْهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه بالهدى ودينِ الحق ليظهرَه على الدّين كله ولو كره المشركون، ثم إنّ صلاتي ونُسُكي وَمحيايَ ومماتي لله رب العالمين، لا شريكَ له وبذلك أمِرت وأنا من المسلمين؛ ثمّ أوصيك يا حسن وجميعَ ولدي وأهلي بتقوى الله ربّكم، ولا تموتُنّ إلّا وأنتم مسلمون، واعتَصِموا بحبل الله جميعًا ولا تَفرَّقوا، فإنّي سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: \"إن صلاحَ ذات البين أفضلُ من عامّة الصلاة والصيام\"! انظروا إلى ذوِي أرحامِكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب، اللهَ الله في الأيتام! فلا تُعنوا أفواهَهم، ولا يضيعُنّ بحضرتكم. واللهَ اللهَ في جيرانكم! فإنّهم وصية نبيِّكم - ﷺ -، ما زال يُوصِي به حتى ظننّا أنه سيورِّثه. واللهَ اللهَ في القرآن! فلا يسبقَنَّكم إلى العملِ به غيرُكم. واللهَ الله في الصَّلاة، فإنها عمود دِينكم، واللهَ الله في بيتِ ربّكم فلا تُخفوه ما بقيتم، فإنه إن تُرِك لم يناظر، واللهَ الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم! والله الله في الزّكاة! فإنها تطفئ غضبَ الربّ، واللهَ الله في ذمّة نبيكم! فلا يُظْلمُنّ بين أظهركم، واللهَ الله في أصحاب نبيَّكم! فإنّ رسول الله أوصَى بهم، واللهَ الله في الفقراء والمساكين! فأشرِكوهم في معايشكم، واللهَ الله فيما ملكتْ أيمانكم! الصلاةَ الصلاةَ لا تخافُنّ في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم، وبَغَى عليكم. وقولُوا للنّاس حُسْنًا كما أمركم الله، ولا تَتْركُوا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن","vol":"8","page":881},{"text":"المنكر فيولّى الأمر شِراركم، ثم تَدْعُون فلا يُستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذُل، وإيّاكم والتدابر والتقاطُع والتفرّق، وتعاوَنوا على البِرّ والتقوى، ولا تَعاوَنوا على الإثم والعدوان، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. حفظكم الله من أهلِ بيت، وحفظ فيكم نبيَّكم، أستودِعكم الله، وأقرأ عليكم السلامَ ورحمةَ الله.\nثم لم ينطق إلا \"بلا إله إلا الله\" حتى قُبِض ﵁، وذلك في شهر رمضان سنة أربعين، وغسّله ابناه الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وكُفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكَبّر عليه الحسن تسع تكبيرات، ثم ولِيَ الحسن ستة أشهر.\nوقد كان عليٌّ نهى الحَسَن عن المُثْلة، وقال: يابني عبد المطلب! لا ألفينّكم تخوضون في دماءَ المسلمين، تقولون: قُتِل أمير المؤمنين، قُتِل أمير المؤمنين! ألا لا يقتَلنّ إلا قاتلي. انظر يا حسن؛ إنْ أنا مِتّ من ضربتِه هذه فاضربه ضربةً بضربة، ولا تمثل بالرّجل، فإني سمعتُ رسولَ الله - ﷺ -: يقول: \"إياكم والمُثْلة، ولو أنها بالكلب العَقور\". فلمَا قُبض ﵇؛ بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيتُ الله عهدًا إلا وفيتُ به! إني كنت قد أعطيت الله عهدًا عند الحَطيم أن أقتل عليًّا، ومعاويةَ، أو أموتَ دونهما، فإن شئتَ خلّيتَ بيني وبينه، ولك الله عليّ إن لم أقتله، أو قتلته، ثم بقيت أن آتيَك حتى أضعَ يدي في يدك. فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النارَ فلا، ثم قدّمه فقَتلَه، ثم أخذه الناسُ فأدرجوه في بواريّ، ثم أحرَقوه بالنار.\nوأما البُرَك بن عبدالله؛ فإنه في تلك الليلة التي ضرب فيها عليٌّ قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلّي الغداةَ شدّ عليه بسيفه، فوقع السيف في ألْيَته، فأخِذ، فقال: إنّ عندي خيرًا أسِرُّك به، فإن أخبرتُك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم؛ قال: إنّ أخًا لي قَتَل عليًّا في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك! قال: بلى! إنّ عليًّا يخرج ليس معه من يحرُسه؛ فأمر به معاوية فقُتِل، وبعث معاويةُ إلى الساعديّ - وكان طبيبًا - فلما نظر إليه قال: اخْتر إحدى خَصلتين: إما أن أحمِيَ حديدةً فأضعَها موضعَ السيف، وإمّا أن أسقيَك شربةً تَقطع منك الولَد، وتبرأ منها، فإنّ ضَرْبتك مسمومة، فقال معاوية: أمّا النار فلا","vol":"8","page":882},{"text":"صبرَ لي عليها، وأما انقطاع الولد فإنّ في يزيد، وعبد الله ما تَقرّ به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات، وحَرَس الليل، وقيام الشُّرْطة، على رأسه إذا سَجَد.\nوأما عمرو بن بكر؛ فجلس لعَمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يَخرج، وكان اشتكى بطنَه، فأمر خارجة بن حُذافة، وكان صاحب شُرطته، وكان من بني عامر بن لؤيّ، فخرج ليصلّي، فشدّ عليه وهو يرى: أنه عمرو، فضَرَبه، فقتله، فأخذه الناس، فانطَلَقوا به إلى عَمرو يسلّمون عليه بالإمْرة، فقال: مَن هذا؟ قالوا: عمرو؛ قال: فمن قتلتُ؟ قالوا: خارجة بن حُذافة، قال: أمَا والله يا فاسق ما ظننتُه غيرَك! فقال عَمرو: أردَتني وأراد الله خارجة، فقدّمه عمرو فقَتلَه، فبلغ ذلك معاوية، فكتب إليه:\nوقَتْلٌ وأَسبابُ المَنايا كثيرةٌ ... منيَّةُ شيخٍ من لؤيِّ بنِ غالِبِ\nفيا عمرُو مَهلًا إنما أَنت عَمُّهُ ... وصاحبُهُ دون الرجالِ الأَقارِبِ\nنحَوْتَ وقد بَلَّ المُراديُّ سَيْفهُ ... منِ ابن أَبي شَيخِ الأَباطِح طالِبِ\nويضرِبُني بالسيفِ آخَرُ مِثْلهُ ... فكانَتْ علينا تلك ضربَةَ لازِبِ\nوأَنتَ تُناغي كلَّ يوم وليلةٍ ... بمِصْرِك بيضًا كالظِّباء السَّوارِبِ\nولما انتهى إلى عائشةَ قتلُ عليّ - ﵁ - قالت:\nفألقتْ عَصاهَا واستقرَّتْ بها النَّوَى ... كما قَرَّ عينًا بالإِيابِ المُسافِرُ\nفمن قتله؟ فقيل: رجل من مُراد؛ فقالت:\nفإن يَكُ نائيًا فلقد نَعاهُ ... غُلامٌ ليس في فيهِ التُّرابُ\nفقالت زينب ابنة أبي سَلَمة: ألِعليّ تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسَى، فإذا نسيتُ فذكِّروني، وكان الذي ذهب بنعيه سُفيان بنُ عبدِ شمس بن أبي وقّاص الزُّهرِيّ، وقال ابن أبي ميّاس المراديّ في قتل عليّ:\nونحن ضرْبنا يا لكَ الخيْرُ حَيْدَرا ... أبا حَسَنٍ مأْمومَة فتَفَطَّرا\nونحن خلعْنا مُلكَهُ من نِظامِهِ ... بضربةِ سيفٍ إذْ عَلَا وتَجبَّرَا\nونحن كِرامٌ في الصَّباح أَعِزَّةٌ ... إذا الموتُ بالموتِ ارْتَدى وتأَزَّرا\nوقال أيضًا:\nولم أرَ مَهْرًا ساقَهُ ذو سَماحَةٍ ... كمْهرِ قَطامٍ من فصيحٍ وأَعجَم","vol":"8","page":883},{"text":"ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقَيْنَةٌ ... وضرْبُ عليّ بالحُسام المُصَمّم\nفلا مَهْرَ أَغلَى من عليٍّ وإن غَلَا ... ولا قَتْلَ إلَّا دون قَتْلِ ابْنِ مُلْجَمِ\nوقال أبو الأسوَد الدّؤليّ:\nأَلا أَبْلِغْ معاويَةَ بنَ حَرْبٍ ... فلا قَرَّتْ عيونُ الشامِتِينا\nأَفي شهرِ الصِّيامِ فَجَعْتُمُونا ... بخيْرِ الناس طُرًّا أَجْمَعينا!\nقَتَلْتُمْ خيرَ مَن رَكِبَ المَطايا ... ورحَّلَها ومن ركب السَّفينا\nومن لبِسَ النِّعالَ ومن حَذاها ... ومن قرأَ المَثانِيَ والمُبينا\nإذا اسْتقْبَلْتَ وجْهَ أَبي حُسيْنٍ ... رأَيتَ البدرَ راعَ الناظِرينا\nلقد علمَتْ قريشٌ حيثُ كانَتْ ... بأَنَّكَ خيْرُها حَسَبًا ودِينا\nواختُلِف في سنّه يومَ قُتل، فقال بعضهم: قُتل وهو ابن تسع وخمسين سنه (١).٥: ١٤٥/ ١٤٧/١٤٦/ ١٤٨/ ١٤٩/ ١٥٠/ ١٥١).\n١٢١١ - وحدّثت عن مصعب بن عبد الله، قال: كان الحسن بن عليّ يقول: قُتل أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة (٢). (٥: ١٥١).\n١٢١٢ - وحدّثنا عن بعضهم، قال: قُتل وهو ابن خمس وستين سنة (٣). (٥: ١٥١).\n١٢١٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: ضُرِب عليّ ﵇ ليلة الجمعة، فمكث يومَ الجمعة وليلةَ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا، وكذلك أخرج الطبراني في الكبير (١/ ح ١٦٦) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: توفي علي وهو ابن ثمان وخمسين وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٥) وقال: رجاله رجال الصحيح.\nقلنا: وليس كذلك ففي إسناده حسين بن زيد بن علي وهو ضعيف فقد ضعفه ابن المديني وابن معين وأبو حاتم ووثقه الدارقطني وحده (تحرير التقريب ١/ ت ١٣٢١) وأخرجه الحاكم (٣/ ١٤٤) وسكت عنه وكذلك الذهبي وصحح عبد السلام علوش إسناده وليس كذلك فمحمد بن علي بن الحسين أرسل عن جديه الحسن والحسين وجده الأعلى علي (جامع التحصيل/ ت ٧٠٠) وراجع ما كتبنا عن هذه الرواية في قسم الصحيح (٥/ ١٥١) والله أعلم.\n(٣) إسناده ضعيف.","vol":"8","page":884},{"text":"السبت، وتوفّي ليلةَ الأحد لإحدَى عشرةَ ليلة بقيتْ من شهر رمضانَ سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة (١). (٥: ١٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>ذكر الخبر عن صفته</span>\n١٢١٤ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبَرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، قال: سألت أبا جعفر محمد بن عليّ، قلت: ما كانت صفة عليّ ﵇؟ قال: رجلٌ آدَم شديد الأَدْمة ثقيلُ العَيْنين عظيمُهما، ذو بطن، أصلَع، هو إلى القِصر أقرَب (٢). (٥: ١٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده</span>\n١٢١٥ - وأما الواقديّ فإنه قال فيما حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبَرنا الواقديّ: أن أسماء ولدتْ لعليٍّ يحيى، وعونًا ابني عليّ. ويقول بعضهم: محمّد الأصغر لأمّ ولد، وكذلك قال الواقديّ في ذلك؛ وقال: قتل محمد الأصغر مع الحسين (٣) (٥: ١٥٤).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد عن الواقديّ، قال: كان النسل من ولد عليّ الخمسة: الحَسَن، والحسين، ومحمد بن الحنفيّة، والعباس بن الكلابيَّة، وعمر بن التغلبيَّة (٤). (٥: ١٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>ذكر بعض سيره ﵇</span>\n١٢١٦ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبَرَنا وَهْب، قال: أخبرني ابن أبي ذِئْب عن عباس بن الفَضْل مولَى بني هاشم، عن أبيه، عن جدّه ابن\n_________\n(١) في إسناده الواقدي، وهو متروك.\n(٢) في إسناده الواقدي وهو متروك، وهو في طبقات ابن سعد كذلك من طريق الواقدي (الطبقات الكبرى ٣/ ٢٧) وأخرجه الخطيب كذلك من طريق الواقدي (تأريخ بغداد/ ١/ ١٣٥).\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"8","page":885},{"text":"أبي رافع: أنه كان خازنًا لعليّ ﵇ على بيت المال، قال: فدخل يومًا وقد زُيّنت ابنته، فرأى عليها لؤلؤةً من بيت المال قد كان عرفها، فقال: من أين لها هذه؟ لله عليّ أن أقطع يَدَها؛ قال: فلما رأيتُ جِدّه في ذلك؛ قلتُ: أنا واللهِ يا أميرَ المؤمنين زَيّنتُ بها ابنةَ أخى! ومن أين كانت تَقدر عليها لو لم أعطِها! فسَكَت (١). (١٥٦: ٥).\n١٢١٧ - حدّثني إسماعيل بن موسى الفَزاريّ، قال: حدّثنا عبد السلام بن حرب، عن ناجية القرشيّ، عن عمّه يزيد بن عديّ بن عثمان، قال: رأيت عليًّا ﵇ خارجًا من هَمْدان، فرأى فئتين يقتتلان، ففرّق بينهما، ثم مضى فسمع صوتًا: يا غوثا بالله! فخرج يُحضِر نحوَه حتى سمعتُ خَفْقَ نعلِه؛ وهو يقول: أتاك الغَوْث؛ فإذا رجل يلازم رجلًا، فقال: يا أمير المؤمنين! بعتُ هذا ثوبًا بتسعةِ دراهم، وشرطتُ عليه ألّا يعطيَني مغموزًا ولا مقطوعًا - وكان شرطهم يومئذ - فأتيتُه بهذه الدراهم ليبدِّلها لي فأبَى، فلَزِمته، فلَطَمني، فقال: أبدِلْه؛ فقال: بيِّنتَك على اللّطمة؛ فأتاه بالبينة، فأقعده ثم قال: دونَك فاقتصّ؛ فقال: إنّي قد عفوتُ يا أمير المؤمنين! قال: إنما أردتُ أن أحتاط في حقّك، ثم ضرب الرجلَ تسعَ دِرّات، وقال: هذا حقّ السلطان (٢). (٥: ١٥٦/ ١٥٧).\n١٢١٨ - حدّثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الأصبهانيّ، قال: حدّثنا المسعوديّ عن ناجية، عن أبيه، قال: كنا قيامًا على باب القصر؛ إذ خرج عليٌّ علينا، فلما رأيناه؛ تنحّينا عن وجهه هيبةً له، فلما جاز؛ صرْنا خلفَه، فبينا هو كذلك؛ إذ نادى رجل: يا غوثا بالله! فإذا رجلان يقتَتِلان، فَلكَز صدرَ هذا وصدرَ هذا، ثم قال لهما: تنحّيا، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين! إنّ هذا اشترى مني شاةً، وقد شرطتُ عليه ألّا يعطيَني مغموزًا ولا محذَّقًا، فأعطاني دِرْهمًا مغموزًا، فرددتُه عليه، فلَطَمني. فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صَدقَ يا أميرَ المؤمنين! قال: فأعطه شرطَه، ثم قال لِلّاطِم: اجلِس، وقال لِلمَلْطوم: اقتصّ. قال: أوَ أعفو يا أميرَ المؤمنين؟ ! قال: ذاك إليك؛ قال: فلما جاز الرجل قال عليّ: يا معشر المسلمين! خذوه.\n_________\n(١) في إسناده العباس بن فضل مجهول، وفي متنه نكارة.\n(٢) في إسناده من ليس له ترجمة، وفي متنه نكارة.","vol":"8","page":886},{"text":"قال: فأخذوه، فحُمِل على ظهرِ رجل كما يُحمل صبيان الكتّاب، ثم ضربه خمسَ عشرةَ دِرّة، ثم قال: هذا نَكالٌ لِما انتهكتَ من حرمتِه (١). (٥: ١٥٧).\n١٢١٩ - حدّثني ابن سنان القزّاز، قال: حدّثنا أبو عاصم، قال: حدّثنا سُكَين بن عبد العزيز، قال: أخبَرَنا حفص بن خالد، قال: حدّثني أبي خالد بن جابر، قال: سمعتُ الحسن يقول: لما قُتِل عليّ ﵇ وقد قام خطيبًا، فقال: لقد قتلتم الليلةَ رجلًا في ليلة فيها نزل القرآن، وفيها رُفع عيسى بن مريمَ ﵇، وفيها قُتل يوشع بن نون فتَى موسى ﵉، والله ما سبَقه أحد كان قبله، ولا يدركُه أحد يكون بعدَه، والله إن كان رسولُ الله - ﷺ - ليبعثه في السريّة؛ وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، واللهِ ما ترك صَفراءَ، ولا بيَضاءَ إلا ثمانمئة - أو سبعمئة - أرصَدَها لخادمه (٢). (٥: ١٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>ذكر بيعة الحسن بن عليّ</span>\n١٢٢٠ - وفي هذه السنة - أعني: سنة أربعين - بويع للحسن بن عليّ ﵇ بالخلافة؛ وقيل: إنّ أوّل مَن بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسُط يَدك أبايعْك على كتاب الله ﷿، وسنّة نبيّه، وقتال المُحِلّين! فقال له الحسن ﵁: على كتاب الله وسنّة نبيّه؛ فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شَرْط؛ فبايَعَه، وسَكَت. وبايَعَه الناس.\nوحدّثني عبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزيّ، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ، قال: جعل عليّ ﵇ قيس بن سعد على مقدّمته من أهلِ العراق إلى قبَل أذْرَبيجان، وعلى أرضها وشُرْطة الخميس الذي ابتدعه من العرب، وكانوا أربعين ألفًا، بايعوا عليًّا\n_________\n(١) في إسناده من لم نجد له ترجمة.\n(٢) في إسناده محمد بن سنان القزاز ضعيف وسكين يروي عن الضعفاء، وأخرج الحاكم نحوه من طريق آخر وسكت عنه (المستدرك ٣/ ١٧٢).\nوقال الذهبي: ليس بصحيح.\nقلنا: وفي إسناده الحاكم حريث.","vol":"8","page":887},{"text":"﵇ على الموت، ولم يزل قيس يدارِئ ذلك البعثَ حتى قُتل عليّ ﵇؛ واستَخلَف أهل العراق الحسنَ بن عليّ ﵇ على الخلافة، وكان الحسن لا يرى القتال، ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن: أنّ قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه وأمّر عبيد الله بنَ عبّاس، فلما علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن ﵇ أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها، فشرط ذلك له معاوية (١).\n١٢٢١ - وحدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الحرّانيّ الخزاعيّ أبو عبد الرحمن، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد، قال: بايع الناسُ الحسنَ بن عليّ ﵇ بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيسَ بن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفًا، وأقبل معاويةُ في أهل الشأم حتى نزل مَسكِن، فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر: ألا إنّ قيسَ بنَ سعد قد قُتِل، فانفِرُوا، فنفروا ونَهبُوا سُرادِق الحسن ﵇ حتى نازَعوه بِساطًا كان تحته، وخرج الحسن حتى نزل المقصورةَ البيضاء بالمدائن، وكان عمّ المختار بن أبي عُبيد عاملًا على المدائن، وكان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار وهو غلام شابّ: هل لك في الغِنَى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تُوثِق الحسن، وتَستأمِن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنةُ الله، أثِبُ على ابن بنتِ رسول الله - ﷺ - فأوثِقه! بئس الرجل أنت! فلما رأى الحسنُ ﵇ تفرُّقَ الأمر عنه بَعَث إلى معاوية يطلب الصّلحَ، وبعث معاويةُ إليه عبدَ الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سُمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقَدِما على الحسن بالمدائن، فأعطيَاه ما أراد، وصالَحاه على أن يأخذ من بيت مالِ الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياءَ اشترطها، ثم قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق! إنه سَخَّى بنفسي عنكم ثلاث:\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف، فيونس وإن كان ثقة ففي مروياته عن الزهري مناكير كما قال أحمد، ولعلّ أوهامه عن الزهري ظهرت هنا في الروايات التأريخية إضافة إلى أن مراسيل الزهري شبه لا شيء والله أعلم.\nوفي هذا المتن زيادات على أصل بيعة الحسن ولم يتابع.","vol":"8","page":888},{"text":"قتلُكم أبي، وطعنُكم إيايّ، وانتهابُكم مَتاعي.\nودخل الناس في طاعة معاوية، ودخل معاوية الكوفةَ، فبايعه الناس (١). (٥: ١٥٧).\n١٢٢٢ - قال زياد بن عبد الله: عن عوانة، وذكر نحوَ حديث المسروقيّ، عن عثمان بن عبد الرحمن هذا، وزاد فيه: وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح، وطلب الأمان، وقال الحسن للحسين ولعبد الله بن جعفر: إني قد كتبتُ إلى معاوية في الصلح وطلب الأمان؛ فقال له الحسين: نشدْتُك اللهَ أن تصدِّق أحدوثةَ معاوية، وتكذّب أحدوثةَ عليّ! فقال له الحسن: اسكُت، فأنا أعلم بالأمر منك، فلمّا انتهى كتابُ الحسن بن عليّ ﵇ إلى معاوية؛ أرسل معاويةُ عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سَمُرة، فقَدِما المدائن، وأعطيا الحسن ما أرادَ، فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدّمته في اثني عشر ألفًا يأمره بالدّخول في طاعة معاوية، فقام قيس بن سعد في الناس فقال: يا أيّها الناس! اختاروا الدخولَ في طاعة إمامِ ضلالة، أو القتال مع غير إمام؛ قالوا: لا، بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة. فبايَعوا لمعاوية، وانصرف عنهمْ قيس بن سعد، وقد كان صالَح الحسنُ معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دارا بجرد على ألَّا يُشتمَ عليٌّ وهو يسمَع، فأخذ ما في بيت مالِه بالكوفة، وكان فيه خمسة آلاف ألف (٢). (٥: ١٦٠).\n١٢٢٣ - وحجّ بالناس في هذه السنة المغيرةُ بن شُعْبة، حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الخُزاعيّ أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد قال: لما حضر الموسم - يعني في العام الذي قُتِل فيه عليّ ﵇ - كتب المغيرةُ بن شعبة كتابًا افتعلهُ على لسان معاوية، فأقام\n_________\n(١) في إسناده إسماعيل بن راشد مجهول الحال، وفي متنه نكارة ولم نجد رواية صحيحة تؤكد أن جيش الحسن بن علي قد نهبوا متاعه، وأضف إلى ذلك فإن الحسن لم يعمد إلى الصلح بعد أن تفرق عليه أتباعه بل الروايات الصحيحة تؤكد أن أهل العراق أحبوا الحسن حبًا كبيرًا واجتمع له ما لم يجتمع لأبيه من الجيوش فلما رأى جيش معاوية ذلك هالهم الأمر وسارعوا إلى إرسال الرسل طلبًا للصلح كما ذكرنا في قسم الصحيح.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة، ولم نجد لتفاصيل هذه الرواية لما يقويها في رواية صحيحة والله أعلم.","vol":"8","page":889},{"text":"للناس الحجّ سنة أربعين، ويقال: إنّه عرّف يوم التروية، ونحر يوم عرفة، خوفًا أن يفطن بمكانه، وقد قيل: إنه إنما فعل ذلك المغيرة لأنه بلغه أن عُتبة بن أبي سُفيان مصبّحه واليًا على الموسم، فعجل الحجّ من أجل ذلك (١).\n* * *\n_________\n(١) في إسناده إسماعيل بن راشد مجهول، وقال الحافظ ابن كثير معقبًا على هذه الرواية:\nوهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل ولا يظن بالمغيرة ذلك وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل فإن الصحابة أجل قدرًا من هذا ولكن هذه نزعة شيعية (البداية والنهاية ٨/ ١٧).","vol":"8","page":890},{"text":"الضَّعِيفُ وَالمَسكوت عَنْه\nتَاريِخ الطَّبَري\nتَاريِخ الخِلَافَةِ في عَهْدِ الأَمَوييْنَ وَالعَبَاسيين\nلِلإِمَامِ أبِي جَعْفَر بْنِ جَرِير الطَّبَرِي\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقّقَه وَخَرَّج روَايَاتِه وعَلَّقَ عَلَيْه\nمحمّد بن طاهر البَرزنجيّ\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجّلد التّاسع\nدَار ابْن كَثير\nدمشق - بَيروت","vol":"9","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"9","page":2},{"text":"الضَّعِيفُ وَالمَسكوتُ عَنْه\nتَاريِخ الطَّبَري\nتَاريِخ الخَلَافِة في عَهدِ الأَمويين والعَبَاسِيين","vol":"9","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1367>المقدمة</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﵌.\nوبعد:\nفقد وضعنا في قسم الضعيف هذا من الروايات التاريخية التي أخرجها الطبري من [٥/ ١٥٢ إلى ٦/ ٥٧٣] وبما أن الطبري يكرر أسانيد معروفة عنده عشرات وأحيانًا مئات المرات رأينا من الضروري أن نذكر تلك الأسانيد الضعيفة في هذه المقدمة مع ذكر كلام أئمة الحديث وحكمهم على رجالها حتى لا يكرر كثيرًا فيصاب القارئ الكريم بالملل، وهذه الروايات إما من طريق تالف هالك، أو متهم بالوضع والكذب، أو ضعيف جدًّا، أو رواه الطبري معضلًا، أو بلا إسناد.\n١ - أغلب روايات هذا القسم من طريق التالف الهالك: أبي مخنف لوط بن يحيى.\nفقد أخرج الطبري من طريقه في هذا القسم أكثر من (٢٤٠) رواية ومتونها مليئة بالنكارات والطعن في عدالة الصحابة والكذب والتزوير والتشويه، وإليك آراء العلماء في لوط بن يحيى هذا (أبي مخنف):\nقال الحافظ ابن عدي: شيعي محترف صاحب أخبارهم.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا حاتم عنه، فنفض يده وقال: أحدٌ يسأل عن هذا؟","vol":"9","page":5},{"text":"وقال الذهبي: أخباري تالف لا يوثق به.\n[ميزان الاعتدال (ت ٧٤٥١)، لسان الميزان (٤/ ٥٨٤)، الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ١٦٢١)].\n٢ - الواقدي (محمد عمر).\nوتأتي رواياته بالدرجة الثانية بالنسبة لعددها مقارنة مع روايات أبي مخنف فقد أخرج عنه الطبري في هذا القسم في أكثر من (٩٠) موضعًا وقد ذكرنا جُلَّ مروياته في قسم الضعيف سوى ما يتعلق بالوفيات فلها لما يشهد لها مع روايات قليلة جدًّا له لما يؤيدها وإلَّا فأغلب رواياته في قسم الضعيف هنا، وإليك ما قاله الأئمة فيه:\nقال أحمد: هو كذاب.\nوقال ابن عدي: ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة.\nوقال النسائي: متروك.\nوقال البخاري: متروك.\nواتهمه أبو حاتم، والنسائي بوضع الحديث.\nوقال الذهبي: واستقر الإجماع على وهن الواقدي.\nوقال ابن حجر: متروك على سعة علمه.\n[التقريب (ت ٦١٧٥)، التاريخ الكبير (١/ ١٧٨/١)؛ الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٤١/ ١٧١٩)، ميزان الاعتدال (ت ٨٤٥٧)، الضعفاء والمتروكين (١/ ٢١٧ / ت ٥٥٧)].\n٣ - هشام بن محمد بن السائب الكلبي.\nأخرج عنه الطبري في هذا القسم أكثر من (٤٠) رواية بالإضافة إلى عشرات الروايات اجتمع فيها مع أبي مخنف فزاد الطين بلّةً والإسناد وهنًا وهشاشةً وطامةً، وإليك أقول العلماء فيه:\nقال الدارقطني: متروك.","vol":"9","page":6},{"text":"وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة.\nوقال ابن معين: غير ثقة وليس عن مثله يروى الحديث.\nوقال ابن حبان: يروي عن أبيه ومعروف مولى سليمان والعراقيين العجائب والأخبار التي لا أصول لها.\nوقال أيضًا: وكان غاليًا في التشيع أخباره في الأغلوطات أشهر من أن تحتاج إلى الإغراق في وصفها.\nوقال الذهبي: تركوه كأبيه وكانا رافضيين.\n[لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، ميزان الاعتدال (ت ٩٧٣٧)، المجروحين ٣/ ٩١)].\n٣ - وما عدا هؤلاء الثلاثة (أبو مخنف، الواقدي، هشام الكلبي) فقد أخرج الطبري روايات أخرى متفرقة عن متروكين أو وضاعين أو ضعفاء ولكن مروياتهم قليلة كالهيثم بن عدي (٤) روايات.\nوهو الذي قال فيه البخاري: كان يكذب.\nوقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي.\nوقال أبو داود والعجلي: كذاب.\n[الجرح والتعديل (٤/ ٢/ ٨٥)، لسان الميزان (٧/ ٢٩٦/ ت ٩٠٥٦)، التاريخ الكبير (٤/ ٢/ ٢١٨) تاريخ الثقات (٤٦/ ت ١٧٥٧)\nبالإضافة إلى رواة وردت أسماؤهم مرة واحدة أو أكثر من أمثال علي بن جعدبة (٦/ ٤١٥)، وهو كذاب متهم بالوضع.\n[تهذيب الكمال (ت ٧٠٣٥)].\nوإسحاق بن يحيى بن طلحة [٦/ ٨٢]، وهو متروك منكر الحديث.\n[ميزان الاعتدال (ت ٨٠٢)، الجرح والتعديل (٢/ ت ٨٣٠)].\nوعلي بن مجاهد الكابلي، وهو كذاب متروك.\n[التقريب (ت ٤٧٩٠)].","vol":"9","page":7},{"text":"ومحمد بن حميد الرازي (٥/ ٤٨٣) الذي ضعفه جمهور أئمة الجرح والتعديل كالبخاري والنسائي ويعقوب بن شيبة وقال: كثير المناكير.\n[تحرير التقريب (٣/ ت ٥٨٣٤)، تهذيب الكمال (٥/ ت ٦١٦٧)، الجرح والتعديل (٧/ ت ١٢٧٥)].\nومحمد بن السائب الكلبي (٦/ ١٠٣ - ٣٤٩ - ٣٦٤)، وهو متهم بالكذب ورمي بالرفض.\n[تقريب التهذيب (ت ٥٩٠١)].\nومحمد بن مخنف، مجهول.\n[لسان الميزان (ت ١٢٢٠)].\nوأبو بكر بن أبي سبرة، رموه بالوضع.\n[تقريب التهذيب (ت ١٠٠٢)].\nوأبو بكر الهذلي. وهو أخباري متروك من السادسة توفي ١٦٧ هـ. [التقريب (ت ٨٠٣١)].\nوزكريا بن يحيى بن أيوب الضرير، مجهول الحال.\nوزياد بن جيل. مجهول.\n[ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان (ت ٣٢٥٥)].\nوغيرهم من الرواة الذين ذكرنا حكم العلماء فيهم أثناء مرورنا بروايات الطبري في هذا القسم، ولقد فصلنا في ذكر تراجم الرواة في كتابنا [رجال تاريخ الطبري جرحًا وتعديلًا] فلا داعي للإطالة والتكرار.\nولعلنا ذكرنا رواية بعضهم في الصحيح وأخرى في الضعيف كالمفضل بن محمد فهو غير ثقة في الحديث ولكن إذا كان في إسناد مرسل متعدد المخارج، أو كان له ما يقويه ذكرنا روايته في قسم الصحيع اعتمادًا على قول الخطيب: كان","vol":"9","page":8},{"text":"أخباريًا موثقًا [لسان الميزان (٦/ ٨١)]، هذا إن لم نجد في متنه نكارة أو طعنًا في عدالة الصحابة، أو مخالفة لما في الرواية الصحيحة والله أعلم.\nوأخيرًا فإننا قد توصلنا إلى قناعة تامة حول الروايات التاريخية فما من نكارة في المتن إلَّا وله ما يبرره من السند من وجود راوٍ متروك أو وضاع أو كذاب، وما إلى ذلك، والحمد لله على نعمة الإسناد.\nولنبدأ الآن بذكر روايات قسم الضعيف المتمم لتاريخ القرن الهجري الأول فيما يتعلق بالصلح بين سيدنا الحسن وسيدنا معاوية ﵃ ثم عهد أمير المؤمنين معاوية وانتهاءً بوفاة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز سنة ١٠١ هـ.\n* * *","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1369>ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nذكر الخبر بذلك:\nحدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: أخبرني أبي، قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ، قال: بايع أهلُ العراق الحسنَ بنَ عليّ بالخلافة، فطفِق يشترط عليهم الحسن: إنكم سامعون مطيعون، تُسالِمون مَنْ سالمْت، وتحارِبون مَن حاربت، فارتاب أهلُ العراق في أمرِهم حين اشترط عليهم هذا الشرط، وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، وما يريد هذا القتال؛ فلم يلبث الحسنُ ﵇ بعدَ ما بايعوه إلا قليلًا حتى طُعِن طعنةً أشْوَتْه، فازداد لهم بُغْضًا، وازداد منهم ذُعْرًا، فكاتب معاوية، وأرسل إليه بشروط، قال: إن أعطيتَني هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفيَ لي به. ووقَعت صحيفةُ الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترِط في هذه الصحيفة التي ختمتُ أسفلَها ما شئت فهو لك.\nفلما أتت الحسنَ اشترط أضعافَ الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاويةُ صحيفةَ الحسن ﵇ التي كتب إليه يسأله ما فيها، فلما التقى معاويةُ والحسن ﵇، سأله الحسن أن يعطيَه الشروط التي شَرَط في السجلّ الذي ختم معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيَه ذلك، فقال: لك ما كنتَ كتبت إليّ أولًا تسألني أن أعطِيَكَه، فإني قد أعطيتُك حين جاءني كتابك. قال الحسن ﵇: وأنا قد اشترطتُ حين جاءني كتابُك، وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه. فاختلَفَا في ذلك، فلم يُنفِذ للحسن ﵇ من الشروط شيئًا، وكان عَمرو بنُ العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلّم معاوية، وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما تريد إلى أن يَخْطُب الناس! فقال عَمرو: لكني أريد أن يَبدُوَ عِيُّه للناس؛","vol":"9","page":10},{"text":"فلم يزل عَمرو بمعاوية حتى أطاعه، فخرج معاوية فخطب الناس، ثم أمر رجلًا فنادى الحسنَ بن عليٍّ ﵇؛ فقال: قم يا حَسَن فكلّم الناس، فتَشهّد في بديهةِ أمرٍ لم يروّ فيه، ثم قال: أما بعد، يا أيّها الناس، فإن الله قد هداكم بأوّلنا، وحَقَن دماءَكم بآخِرنا، وإن لهذا الأمر مدّة، والدنيا دوَل، وإن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]؛ فلمّا قالها قال معاوية: اجلس، فلم يزل ضَرِمًا على عَمرو، وقال: هذا من رأيك. ولحق الحسن ﵇ بالمدينة (١). (٥: ١٦٢/ ١٦٣).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: سلّم الحسن بن عليّ ﵇ إلى معاوية الكوفَة، ودخلها معاويةُ لخمس بقِين من ربيع الأوّل، ويقال من جُمَادى الأولى سنة إحدى وأربعين (٢). (٥: ١٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>ذكر خبر الصلح بين معاوية وقيس بن سعد</span>\nوفي هذه السنة جرى الصّلحُ بين معاويةَ وقيس بن سعد بعد امتناع قيس من بيعته.\nذكر الخبر بذلك:\nحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن الفَضْل، قال: حدّثني عبد الله عن يونس، عن الزُّهريّ، قال: لما كتب عبيدُ الله بنُ عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الأمان لنفسه إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي قد أصاب، فشَرَط ذلك له معاوية، بعث إليه معاوية ابنَ عامر في خيلٍ عظيمة، فخرج إليهم عبيد الله ليلًا حتى لحِق بهم، ونزل وترك جندَه الذي هو عليه لا أمير لهم، فيهم قيسُ بن سعد، واشترط الحسنُ ﵇ لنفسه، ثم بايع معاوية، وأمّرت شُرْطةُ الخميس قيسَ بنَ سعد على أنفسهم، وتعاهدوا هو وهم على قتالِ معاوية حتى يشترط لشيعة عليّ ﵇ ولمن كان اتّبعه على أموالهم ودمائهم. وما أصابوا في الفتنة؛ فَخلَص معاويةُ حين فرغ من عبيد الله بن عباس والحسن ﵇\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":11},{"text":"إلى مكايدة رجل هو أهمّ الناس عنده مكايدةً، ومعه أربعون ألفًا، وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشام، وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكّره اللهَ ويقول: على طاعة مَن تقاتل، وقد بايَعني الذي أعطيتَه طاعتك؟ فأبى قيس أن يَلينَ له، حتى أرسل إليه معاوية بسِجِلٍّ قد ختم عليه في أسفله، فقال: اكتب في هذا السجلّ ما شئتَ، فهو لك. قال عمرو لمعاوية: لا تُعطِه هذا، وقاتِلْه، فقال معاوية: على رِسْلِك! فإنا لا نَخلُص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادَهم من أهل الشام، فما خيرُ العيش بعد ذلك! وإني والله لا أقاتله أبدًا حتى لا أجد من قتاله بدًّا. فلما بعث إليه معاوية بذلك السجلّ أشترط قيس فيه له ولشيعة عليّ الأمان على ما أصابوا من الدّماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجلّه ذلك مالًا، وأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس ومَن معه في طاعته، وكانوا يَعُدّون دهاةَ الناس حين ثارت الفتنة خمسةَ رهْط، فقالوا: ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية بن أبي سُفْيان، وعَمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد؛ ومن المهاجرين عبد الله بن بُدَيل الخُزاعيّ؛ وكان قيس وابن بُدَيل مع عليّ ﵇، وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية، إلا أنّ المغيرة كان معتزلًا بالطائف حتى حُكّم الحكَمان، فاجتمعوا بأذرُح.\nوقيل: إنّ الصلح تمّ بين الحَسَن ﵇ ومعاوية في هذه السنة في شهر ربيع الآخر، ودخل معاوية الكوفة في غرّة جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: دَخلَها في شهر ربيع الآخر، وهذا قول الواقديّ (١). (٥: ١٦٣/ ١٦٤/ ١٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفة</span>\nوفي هذه السنة دخل الحسنُ والحسين ابنا عليّ ﵇ منصرِفَين من الكوفة إلى المدينة.\nذكر الخبر بذلك:\nولما وقع الصلح بين الحسن ﵇ وبين معاوية بمسكِن، قام - فيما حُدّثت عن زياد البَكّائيّ، عن عوانة - خطيبًا في الناس فقال: يا أهلَ العراق، إنه\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"9","page":12},{"text":"سَخَّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلُكم أبي، وطعنُكم إيّاي، وانتهابُكم مَتاعي. قال: ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا بحَشَمهم وأثقالهم حتى أتَوا الكوفة، فلما قَدِمها الحسن وبَرَأ من جِراحته، خرج إلى مسجد الكوفة فقال: يا أهل الكوفة، اتقوا الله في جِيرانكم وضِيفانكم، وفي أهل بيتِ نبيِّكم - ﷺ - الذين أذهبَ الله عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيرًا. فجعل الناسُ يَبكون، ثم تحمَّلوا إلى المدينة. قال: وحال أهلُ البصرة بينه وبين خَراج دارابجرد؛ وقالوا: فيئنا، فلما خرج إلى المدينة تلقّاه ناسٌ بالقادسيّة فقالوا: يا مُذِلّ العَرَب (١)! (٥: ١٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>ذكر خروج الخوارج على معاوية</span>\nوفيها خرجت الخوارجُ التي اعتزلتْ أيام عليّ ﵇ بشَهْرَزور على معاوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>ذكر خبرهم:</span>\nحدّثت عن زياد، عن عَوانة، قال: قدم معاوية قبل أن يَبرَح الحسن من الكوفة حتى نزل النُّخَيلة، فقالت الحَرُوريّة الخمسمئة التي كانت اعتزلتْ بشَهْرَزور مع فَرْوة بن نوفل الأشجعيِّ: قد جاء الآن ما لا شكّ فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكُوفة، فأرسل إليهم معاويةُ خيِلًا من خيل أهل الشام، فكَشَفوا أهلَ الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم والله عندي حتى تكفّوا بَوائقَكم؛ فخرج أهلُ الكوفة إلى الخوارج فقاتَلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويْلَكم! ما تَبْغُوِن منّا! أليس معاوية عدوّنا وعدوّكم! دعُونا حتى نُقاتِله، وإن أصبْناه كنا قد كَفيناكم عدوَّكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا والله حتى نقاتِلَكم؛ فقالوا: رحم اللهُ إخوِانَنا من أهل النّهر، هم كانوا أعلمَ بكم يا أهلَ الكوفة. وأخذتْ أشجعُ صاحبَهم فروة بن نوفل - وكان سيّد القوم - واستعملوا عليهم عبدَ اللهَ بن عَمرو بن العاص على الكُوفة، فأتاه المغيرةُ بن شُعبة وقال لمعاوية: استعملتَ عبد الله بنَ عمرو على\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا.","vol":"9","page":13},{"text":"الكوفة وعَمرًا على مصر، فتكون أنت بين لَحيَي الأسَد! فعزلَ عبد الله، ستعمَلَ المغيرةَ بن شعبة على الكوفة، وبلغ عمرًا ما قال المغيرة لمعاوية، فدخل عمرو على معاوية فقال: استعملتَ المغيرةَ على الكوفة؟ فقال: نعم، فقال: أجَعلتَه على الخراج؟ فقال: نعم؛ قال: تستعمل المغيرةَ على الخراج فيغتال المالَ، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئًا؛ استعمِل على الخراج مَن يَخافك ويهابُك ويتّقيك. فعزل المغيرةَ عن الخراج، واستعمله على الصّلاة، فلقيَ المغيرةُ عمرًا فقال: أنت المشيرُ على أمير المؤمنين بما أشرتَ به في عبدِ الله؟ قال: نعم؛ قال: هذه بتلك؛ ولم يكن عبدُ الله بنُ عَمرو بن العاص لمضى فيما بلغني إلى الكوفة ولا أتاها (١). (٥: ١٦٥/ ١٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>ذكر ولاية بسر بن أبي أرطاة على البصرة</span>\nوفي هذه السنة غلب حُمران بن أبان على البَصْرة، فوجّه إليه معاوية بُسرًا، أمره بقتل بني زياد.\nذكر الخبر عمّا كان من أمره في ذلك:\nحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: لما صالح الحسن بن عليّ ﵇ معاويةَ أوّل سنة إحدى وأربعين، وَثَب حُمران بن أبان على البصرة فأخذها، وغلب عليها، فأراد معاوية أن يَبعث رجلًا من بني القَيْن إليها، فكلّمه عبيدُ الله بن عباس ألّا يَفعل ويبعث غيره، فبعث بُسر بن أبي أرطاة، وزعم أنه أمرَه بقتل بني زياد (٢). (٥: ١٦٧).\nفحدثني مَسلمة بن مُحارب، قال: أخذ بعض بني زياد فحبسه - وزياد يومئذ بفارس، كان عليّ ﵇ بعثَه إليها إلى أكراد خرجوا بها، فظَفر بهم زياد، وأقام بإصْطَخْر - قال: فركب أبو بكْرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فاستأجَل بُسرًا، فأجّله أسبوعًا ذاهبًا وراجعًا، فسار سبعة أيام، فقتل تحته دابّتين، فكلّمه، فكتب معاوية بالكفّ عنهم.\n_________\n(١) إسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة وطعن في عدالة المغيرة بن شعبة ﵁.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":14},{"text":"قال: وحدّثني بعضُ علمائنا: أنّ أبا بكْرة أقبل في اليوم السابع وقد طلعت الشمس، وأخرج بُسْر بني زياد ينتظر بهم غروبَ الشمس ليقتلَهم إذا وجبتْ، فاجتمع الناس لذلك وأعينُهم طامحة ينتظرون أبا بكْرة؛ إذ رُفِع علم على نَجِيب أو برْذَون يكُدّه ويجهده، فقام عليه، فنزل عنه، وألاح بثوبه، وكبّر وكبّر الناسُ، فأقبل يسعى على رجليه حتى أدرك بُسْرًا قبل أن يقتلَهم، فدفع إليه كتابَ معاوية، فأطلقهم (١). (٥: ١٦٧).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: خطب بُسْر على مِنبرِ البَصرة، فَشتَم عليًّا ﵇، ثم قال: نشدْت الله رجلًا عَلِم أني صادق إلا صَدّقني، أو كاذب إلا كذّبني! قال: فقال أبو بكْرة: اللهمّ إنا لا نعلمك إلا كاذبًا؛ قال: فأمَر به فخُنِق، قال: فقام أبو لؤلؤة الضّبيّ فرمى بنفسه عليه، فمنعه، فأقطعه أبو بكْرة بعد ذلك مئةَ جَريب. قال: وقيل لأبي بكْرة: ما أردتَ إلى ما صنعت! قال: أيُناشِدُنا بالله ثم لا نصدّقه! قال: فأقام بُسْر بالبَصرة ستّة أشهر، ثم شَخَص لا نَعلَمه ولَّى شرطتَه أحدًا (٢). (٥: ١٦٧/ ١٦٨).\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، قال: أخبرني شيخٌ من ثَقيف، عن بُسر بن عُبيد الله، قال: خرج أبو بَكْرة إلى معاويةَ بالكوفة فقال له معاوية: يا أبا بَكْرة، أزائرًا جئتَ أم دعتْك إلينا حاجة؟ قال: لا أقول باطلًا، ما أتيتُ إلا في حاجة! قال: تُشَفَّع يا أبا بَكْرة ونرى لك بذلك فضلًا، وأنت لذلك أهل، فما هو؟ قال: تؤمّن أخي زيادًا وتكتب إلى بُسر بتَخْلية ولده وبترك التعرّض لهم؛ فقال: أما بنو زياد فنكتب لك فيهم ما سألت؛ وأما زياد ففي يده مالٌ للمسلمين، فإذا أدّاه فلا سبيل لنا عليه؛ قال: يا أميرَ المؤمنين، إن يكن عنده شيء فليس يحبسه عنك إن شاء الله. فكتب معاوية لأبي بكْرة إلى بُسْر ألّا يتعرّض لأحد من ولد زياد، فقال معاوية لأبي بَكْرة: أتعهد إلينا عهدًا يا أبا بكرة؟ قال: نعم، أعهد إليك يا أميرَ المؤمنين أن تنظرَ لنفسك ورعيّتك، وتعمل صالحًا فإنك قد تقلدت عظيمًا، خلافةَ الله في خلقه، فاتّق اللهَ فإنّ لك غاية لا تعدوها، ومن ورائك\n_________\n(١) إسناده مرسل.\n(٢) إسناده معضل وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":15},{"text":"طالب حَثيث، فأوشك أن تبلغ المدَى، فيلحق الطالب، فتصير إلَى من يسألك عمّا كنتَ فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرنّ على رضا الله ﷿ شيئًا (١). (٥: ١٦٩).\nحدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن سلَمة بن عثمان، قال: كتب بُسر إلى زياد: لئن لم تُقدِم لأصلبنّ بَنيك. فكتب إليه: إن تفعل فأهل ذلك أنتَ، إنما بعث بك ابنُ آكلة الأكباد. فركب أبو بكْرة إلى معاوية، فقال: يا معاوية، إنّ الناس لم يُعطوك بَيعتهم على قتل الأطفال، قال: وما ذاك يا أبا بَكْرة؟ قال: بُسر يريد قتلَ أولاد زياد، فكتب معاوية إلى بُسر: أن خلّ مَن بيدك من ولد زياد.\nوكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل عليّ ﵇ يتوعّده (٢). (٥: ١٦٩/ ١٧٠).\nفحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ عن حبّان بن موسى، عن المجالد، عن الشعبيّ، قال: كَتب ساوية حين قتِل عليّ ﵇ إلى زياد يتهدده، فقام خطيبًا فقال: العجبُ من ابن آكِلة الأكباد، وكهفِ النفاق، ورئيسِ الأحزاب؛ كتب إليّ يتهدّدني وبيني وبينه ابنا عمّ رسول الله - ﷺ - يعني ابن عباس والحسنَ بن عليّ - في تسعين ألفًا، واضعي سيوفَهم على عواتقهم، لا ينثنون، لئن خَلَص إليّ الأمرُ ليجدني أحمزَ ضَرّابًا بالسيف. فلم يزل زياد بفارسَ واليًا حتى صالح الحسن ﵇ معاوية، وقدم معاويةُ الكوفة، فتحصّن زيادٌ في القلعة التي يقال لها: قلعةُ زياد (٣). (٥: ١٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>ولاية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سِجِستان وخُراسان</span>\nوفي هذه السنة ولَّى معاويةُ عبدَ الله بنَ عامر البَصرة وحرب سجستان وخُراسان.\n_________\n(١) في إسناده مبهم.\n(٢) إسناده معضل وفي متنه نكارة.\n(٣) إسناده مرسل ضعيف ومتنه منكر وعلته مجالد والله أعلم.","vol":"9","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1376>ذكر الخبر عن سبب ولاية ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها:</span>\nحدّثني أبو زيد، قال: حدّثنا عليّ، قال: أراد معاوية توجيهَ عتبة بن أبي سُفيان على البَصرة، فكلمه ابن عامر وقال: إنّ لي بها أموالًا وودائع، فإن لم توجّهني عليها ذهبتْ. فولّاه البصرة، فقَدِمها في آخر سنة إحدى وأربعين وإليه خُراسان وسجِستان، فاراد زيدَ بن جَبَلة على ولاية شرطته فأبى، فولّى حبيبَ بن شهاب الشاميّ شُرْطته - وقد قيل: قيس بن الهثيم السُّلميّ - واستقضى عميرة بن يَثربيّ الضَبيّ أخا عمرو بن يثربيّ الضّبيّ (١). (٥: ١٧٠).\nحدّثني أبو زيد، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: خرج في ولاية ابن عامر لمعاوية يزيدُ مالك الباهليّ، وهو الخَطيم - وإنما سمّي الخَطيم لضربة أصابتْه على وجهه - فخرج هو وسهمُ بن غالب الهجيميّ فأصبحوا عند الجسِر، فوجدوا عبادة بن قرص الليثيّ أحد بني بُجير - وكانت له صحبة - يصلي عند الجسر، فأنكروه فقتلوه، ثم سألوه الأمان بعد ذلك، فآمنهم ابنُ عامر، وكتب إلى معاوية: قد جعلت لهم ذمّتك. فكتب إليه معاوية: تلك ذمّةٌ لو أخفرتَها؛ لَسُئِلْتَ عنها، فلم يزالوا آمنين حتى عُزل ابن عامر (٢). (٥: ١٧٠/ ١٧١).\nوفي هذه السنة ولد عليّ بن عبد الله بن عباس وقيل: وُلد في سنة أربعين قبل أن يُقتل عليّ ﵇، وهذا قول الواقديّ.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عُتبة بن أبي سُفيان في قول أبي معشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.\nوأما الواقديّ فإنه ذكر عنه: أنه كان يقول: حجّ بالناس في هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - عَنْبَسة بن أبي سُفيْان (٣). (٥: ١٧١).\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) في إسناده مبهم، وكذلك ذكر الذهبي في تأريخ الإسلام (عهد معاوية/ ٨).\nوأما خليفة فقد وافق الواقدي في قوله فقال: وأقام الحج عنبسة بن أبي سفيان بن حرب.","vol":"9","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1377>ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفافيها غزا المسلمون اللّان، وغزَوْا أيضًا الرّوم، فهزموهم هزيمةً منكرَة - فيما ذكروا - وقَتلوا جماعةً من بَطارِقتهم (١).\nوقيل: في هذه السنة وُلد الحجّاج بن يوسف (٥: ١٧٢).\nوذكر عليّ بن محمد عن محمد بن الفضل العبسييّ، عن أبيه، قال: بعث عبد الله بن عامر قيسَ بن الهيثم على خُراسان حين ولّاه معاوية البَصرة وخُراسان، فأقام قيس بخُراسان سنتين (٢). (٥: ١٧٢).\nوقد قيل في أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن أبي صالح السُّلَميّ عن زياد بن صالح، قال: بعث معاوية حيق استقامت له الأمور قيس بنَ الهيثم إلى خُراسان، ثم ضمَّها إلى ابن عامر، فترك قيسًا عليها (٣). (٥: ١٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>ذكر الخبر عن تحرّك الخوارج</span>\nوفي هذه السنة تحرّكت الخوارجُ الذين انحازوا عمّن قُتل منهم بالنَّهرَوان ومن كان ارتُثّ من جَرْحاهم بالنَّهروان، فبرَؤوا، وعفا عنهم عليّ بن أبي طالب ﵁ (٤). (٥: ١٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>ذكر الخبر عمّا كان منهم في هذه السنة:</span>\nذكر هشام بن محمد عن أبي مِخْنف، قالى: حدّثني النَّضْر بن صالح بن حبيب عن جَرير بن مالك بن زُهير بن جَذيمة العبسيّ، عن أبيّ بن عُمارة العبسيّ: أن حيّان بن ظَبيان السُّلَميّ كان يرى رأيَ الخوارج، وكان ممن ارتُثّ يومَ النّهراون،\n_________\n(١) لم نجد مصدرًا تأريخيًّا متقدمًا موثوقًا كالمعرفة والتأريخ للبلاذري، وأما تأريخ ابن خياط يذكر فيها هذه الغزوة برواية مسندة موصولة صحيحة والله أعلم.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٣) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":18},{"text":"فعفا عنه عليّ ﵇ في الأربعمئة الذين كان عفا عنهم من المرتثِّين يوم النّهر، فكان في أهله وعشيرته، فلبث شهرًا أو نحوَه. ثم إنه خرج إلى الرّيّ في رجال كانوا يَروْن ذلك الرأي، فلم يزالوا متهيمين بالرّيّ حتى بلغهم قتلُ عليّ كرّم الله وجهه، فدعا أصحابه أولئك - وكانوا بضعةَ عشر رجلًا، أحدهم سالم بن ربيعة العبسيّ - فأتَوْه، فحمدَ الله وأثنَى عليه ثم قال: أيّها الإخوان من المسلمين، إنه قد بلغني أنّ أخاكم ابن ملجم أخا مُراد قَعد لقتل عليّ ابن أبي طالب عند أغباش الصُّبح مقابل السُّدّة التي في المسجد مسجد الجماعة، فلم يبرح راكدًا ينتظر خروجَه حتى خرج عليه حين أقام المقيمُ الصّلاة صلاة الصبح، فشدّ عليه فضرب رأسَه بالسيف، فلم يَبق إلا ليلتين حتى مات، فقال سالم بن ربيعة العبسيّ: لا يقطع الله يمينًا علتْ قَذالَه بالسَّيف؛ قال: فأخذ القومُ يَحمَدون الله على قتلِه ﵇ ورضي الله عنه ولا رضيَ عنهم ولا رحمهم!\nقال النّضْر بن صالح: فسألت بعد ذلك سالمَ بن ربيعة في إمارة مُصعب بن الزبير عن قوله ذلك في عليّ ﵇، فأقرّ لي به، وقال: كنت أرى رأيهم حينًا، ولكن قد تركتُه؛ قال: فكان في أنفسنا أنه قد تركه؛ قال: فكان إذا ذكروا له ذلك يُرْمضه. قال: ثمّ إنّ حيّان بن ظَبيان قال لأصحابه: إنه والله ما يَبقى على الدّهر باقٍ، وما تَلبث الليالي والأيام والسنُون والشهور على ابن آدم حتى تُذيقَه الموت، فيفارق الإخوان الصالحين، ويدَع الدّنيا التي لا يَبكي عليها إلا العَجَزة، ولم تزل ضارّةً لمن كانت له همًّا وشَجَنًا؛ فانصرِفوا بنا رحمكم الله إلى مصرِنا، فلنأت إخوانَنا فلندْغهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذرَ لنا في القعود، ووُلاتُنا ظَلَمة، وسنّة الهدى متروكة، وثأرنا الّذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يُظفرنا الله بهمْ نعمِد بعد إلى التي هي أهدَى وأرضَى وأقومَ، ويَشفي الله بذلك صدورَ قوم مؤمنين، وإن نُقتل فإنّ في مفارقة الظالمين راحةً لنا، ولنا بأسلافنا أسوة. فقالوا له: كلّنا قائل ما ذكرتَ، وحامدٌ رأيَك الذي رأيت، فرِدْ بنا المِصرَ فإنا معك، راضون بهُداك وأمرك؛ فخرج وخرجوا معه مقبِلين على الكُوفة، فذلك حين يقول:\nخليلَيَّ ما بي من عَزاءٍ ولا صبْرِ ... ولا إِرْبَةٍ بعد المُصابِينَ بالنَّهْرِ\nسِوَى نَهَضاتٍ في كتائِبَ جَمَّةٍ ... إِلى الله ما تَدْعُو وفي الله ما تَفْرِي","vol":"9","page":19},{"text":"إِذا جاوزَتْ قُسْطانَةَ الرَّيِّ بَغلَتي ... فلستُ بسارٍ نحْوَها آخِرَ الدَّهرِ\nولكنَّنِي سارٍ وِإنْ قلّ ناصِرِي ... قريبًا فلا أُخزِيكما مَع مَنْ يَسْرِي\nقال: وأقبل حتى نزل الكوفة، فلم يزل بها حتى قَدِم معاوية، وبعث المغيرة بن شعبة واليًا على الكوفة، فأحبّ العافية، وأحسن في الناس السيرة، ولم يفتِّش أهلَ الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتَى فيقال له: إنّ فلانًا يَرَى رأيَ الشِّيعة، وإنّ فلانًا يرى رأيَ الخوارج. وكان يقول: قضى الله ألا تزالون مختلفين، وسيَحْكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، فأمِنه الناس، وكانت الخوارج يَلقَى بعضهم بعضًا، ويتذاكرون مكانَ إخوانهم بالنَّهْروان ويَروْن أن في الإقامة الغَبْن والوكَف، وأنّ في جهادِ أهل القبلة الفضل والأجر (١). (٥: ١٧٣/ ١٧٤).\nقال أبو مخنف: فحدّثني النَّضْر بن صالح، عن أبيّ بن عُمارة: أنّ الخوارج في أيام المُغيرة بن شُعبة فَزِعوا إلى ثلاثةِ نفر؛ منهم المستورِد بن عُلّفة، فخرج في ثلاثة رجالٍ مقبلًا نحو جَرْجَرايا على شاطئ دِجلْة (٢). (٥: ١٧٤).\nقال أبو مِخْنف: وحدّثني جعفر بن حُذَيفة الطائيّ من آل عامر بن جُوَين عن المحلّ بن خليفة: أنّ الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر؛ منهم المستورِد بن عُلّفة التّيميّ من تَيْم الرِّباب، وإلى حيّان بن ظَبيان السُّلميّ، وإلى معاذ بن جُوَين بن حُصين الطائيّ السِّنْبِسيّ - وهو ابن عمّ زيد بن حُصين، وكان زيد ممن قتله عليّ ﵇ يوم النَّهْروان، وكان معاذ بن جُوَين هذا في الأربعمئة الذين ارتُثُّوا من قَتلَى الخوارج، فعفا عنهم عليّ ﵇ - فاجتمعوا في منزل حيّان بن ظَبيان السُّلميِّ، فتشارووا فيمن يولُّون عليهم. قال: فقال لهم المستورِد: يا أيُّها المسلمون والمؤمنون، أراكم الله ما تحبّون، وعزلَ عنكم ما تَكرَهون، ولُّوا عليكم مَنْ أحببتم، فو الذي يَعلَم خائنةَ الأعين وما تُخفِي الصّدور ما أبالي مَن كان الوالي عليّ منكم! وما شرفَ الدنيا نريد، وما إلى البقاء فيها من سبيل، وما نريد إلا الخلود في دار الخلود. فقال حيّان بن ظَبْيان: أمّا أنا فلا حاجة لي فيها وأنا بك وبكلّ امرئٍ من إخواني راضٍ، فانظروا مَن شئتم\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة ومخالفة لما في الروايات الصحيحة التي ذكرنا في نتائج معركة النهروان وغير ذلك.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"9","page":20},{"text":"منكم فسمّوه، فأنا أوّل من يُبايعه. فقال لهم معاذ بن جُوَين بن حصين: إذا قلتما أنتما هذا؛ وأنتما سيِّدا المسلمين، وذَوَا أنسابهم في صَلاحِكما ودِينكما وقَدرِكما، فمن يرأس المسلمين، وليس كلّكم يصلح لهذا الأمر! وإنما ينبغي أن يليَ على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقَهُهم في الدين، وأشدُّهم اضطلاعًا بما حُمِّل، وأنتما بحمد الله ممن يُرضى بهذا الأمر، فليتولّه أحدكما. قالا: فتولّه أنت، فقد رضيناك، فأنتَ والحمدُ لله الكامل في دينك ورأيك، فقال لهما: أنتما أسنّ مني، فليتولّه أحدكما، فقال حينئذ جماعة مَن حضرهما من الخوارج: قد رضينا بكم أيّها الثلاثة، فولوا أيَّكم أحببتم؛ فليس في الثلاثة رجل إلا قال لصاحبه: تولّها أنت، فإني بك راضٍ، وإني فيها غيرُ ذي رغبة. فلما كثر ذلك بينهم قال حيّان بن ظَبيان، فإنّ معاذ بن جُوَين قال: إنّي لا ألي عليكما وأنتما أسنّ مني، وأنا أقول لك مِثلَ ما قال لي ولك، لا ألي عليك وأنت أسنّ مني، ابسطُ يدَك أبايعْك. فبَسَط يده فبايعه، ثم بايعه معاذ بن جوين، ثم بايعه القومُ جميعًا، وذلك في جُمادى الآخرة. فاتّعدِ القوم أن يتجّهزوا ويتيسرُوا ويستعدُوا، ثم يخرجوا في غرّة الهلال هلالِ شعبان سنة ثلاث وأربعين، فكانوا في جهازهم وعدّتهم (١). (٥: ١٧٤/ ١٧٥/ ١٧٦).\nوقيل: في هذه السنة سار بُسر بن أبي أرطاة العامريّ إلى المدينة ومكة واليَمن، وقَتل من قَتله في مسيره ذلك من المسلمين.\nوذلك قول الواقديّ، وقد ذكرتُ مَن خالفه في وقت مسيره هذا السير (٢). (٥: ١٧٦).\nوزعم الواقديّ: أن داودَ بن حيان حدّثه عن عطاء بن أبي مروان، قال: أقام بسر بن أبي أرطاةَ بالمدينة شهرًا يَستعرض الناسَ، ليس أحدٌ ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قَتَله (٣). (٥: ١٧٦).\nوقال عطاء بن أبي مَرْوان: أخبرني حَنْظلة بن عليّ الأسلميّ، قال: وجد قومًا\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده متروك.","vol":"9","page":21},{"text":"من بني كعب وغِلمانهم على بئرٍ لهم فألقاهم في البئر (١). (٥: ١٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>ذكر قدوم زياد على معاوية</span>\nوفي هذه السنة قَدِم زيادٌ - فيما حدّثني عمر - قال: حدّثنا أبو الحسن عن سليمان بن أرقم: قدم على معاوية من فارسَ، فصالحه على مال يحمِله إليه (٢). (٥: ١٧٦).\nوكان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس وما حدّثني عمر قال: حدّثنا أبو الحسن عن مسلمة بن محارب، قال: كان عبد الرحمن بن أبي بكْرة يلِي ما كان لزياد بالبصرْة، فبلغ معاوية: أنّ لزياد أموالًا عند عبد الرحمن، وخاف زيادٌ على أشياءَ كانت في يد عبد الرحمن لزياد، فكتب إليه يأمره بإحرازها، وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعبة لينظرَ في أموال زياد، فقدم المغيرة، فأخذ عبد الرحمن، فقال: لئن كان أساء إليّ أبوك لقد أحسن زياد. وكتب إلى معاوية: إني لم أصب في يد عبد الرحمن شيئًا يَحِلّ لي أخْذُه. فكتب معاويةُ إلى المغيرة أنْ عَذِّبه. قال: وقال بعض المشيخة: إنه عَذّب عبد الرحمن بن أبي بَكْرة إذْ كتب إليه معاوية، وأراد أن يُعْذِر ويبلغَ معاوية ذلك، فقال: احتفظ بما أمرك به عمُّك، فألقى على وجهه حريرةً ونضَحَها بالماء، فكانت تَلتزِق بوجهه، فغُشي عليه، ففعل ذلك ثلاث مرّات، ثم خلّاه، وكتب إلى معاوية: إني عذّبته، فلم أصب عنده شيئًا، فحفظ لزياد يدَه عنده (٣). (٥: ١٧٦/ ١٧٧).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عبد الملك بن عبد الله الثَّقَفيّ، عن أشياخ من ثَقيف، قالوا: دخل المغيرة بن شُعبة على معاوية، فقال معاوية حين نظر إليه:\nإنَّمَا موضعُ سِرّ المرءِ إِن ... باحَ بالسِّرِّ أَخوه لمُنْتَصِحْ\nفإِذا بُحْتَ بِسِرٍّ فِإلى ... ناصحٍ يَستُرُه أَوْ لا تَبُحْ\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده مرسل وسليمان ضعيف من السابعة.\n(٣) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"9","page":22},{"text":"فقال: يا أمير المؤمنين، إن تستودعْني تستودعْ ناصحًا شفيقًا وَرِعًا وثيقًا، فما ذاك يا أميرَ المؤمنين؟ قال: ذكرتُ زيادًا واعتصامه بأرض فارسَ، وامتناعَه بها، فلم أنم ليلتي. فأراد المغيرة أن يطأطئ من زياد، فقال: ما زياد هناك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: بئس الوطْء العجْزُ، داهية العرب معه الأموال، متحصّن بقلاع فارسَ، يدبِّر ويربِّص الحِيَل، ما يؤمِنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعاد عليّ الحرب خُدَعة. فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه! قال: نعم، فائْتِه وتلطف له، فأتى المغيرة زيادًا، فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة: ما قدِم إلا لأمر، ثم أذن له، فدخل عليه وهو في بَهْوِ له مستقبل الشمس، فقال زياد: أفلح رائد! فقال: إليك ينتهي الخبَر أبا المغيرة، إنّ معاوية استخفّه الوَجَل حتى بعثني إليك، ولم يكن يعلم أحدَا يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع معاوية، فخذْ لنفسك قبل التَّوطِين، فيستغني عنك معاوية، قال: أشِرْ عليّ، وارمِ الغرضَ الأقصى، ودعْ عنك الفُضول، فإنّ المستشارَ مؤتَمن؛ فقال المغيرة: في مَحْض الرأي بَشاعة، ولا خيرَ في المَذِيق، أرى أن تصلَ حبلَك بحبله، وتَشخَص إليه؛ قال: أرَى ويقضي الله (١).\n(٥: ١٧٧).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن مَسلمة بن محارب، قال: أقام زياد في القلعة أكثرَ من سنة، فكتب إليه معاوية: علامَ تُهلِك نفسَك؟ إليّ فأعلِمْني عِلمَ ما صار إليك مما اجتبيتَ من الأموال، وما خرج من يديك، وما بقي عندك، وأنت آمِن، فإن أحببتَ المُقام عندنا أقمتَ، وإن أحببتَ أن تَرجِع إلى مأمَنك رجعتَ. فخرج زياد من فارسَ، وبلغ المغيرة بن شعبة: أن زيادًا قد أجمع على إتيان معاوية، فشَخَص المغيرة إلى معاوية قبل شخوص زياد من فارسَ، وأخذ زياد من إصطَخْرَ إلى أرّجان، فأتى ماه بَهْزاذان، ثم أخذ طريق حُلْوان حتى قدم المَدائن، فخرج عبد الرحمن إلى معاوية يخبره بقدوم زياد، ثمّ قدِم زياد الشام، وقدم المغيرة بعد شهر، فقال له معاوية: يا مغيرة! زياد أبعدُ منك بمسيرة شهر، وخرجتَ قبلَه وسبَقَك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الأريب إذا كلَّم الأريب\n_________\n(١) في إسناده من لم يُسَم.","vol":"9","page":23},{"text":"أفحَمَه؛ قال: خذ حِذْرَك، واطوِ عنِّي سِرّك، فقال: إنّ زيادًا قدم يرجو الزّيادة، وقدمت أتخوّف النقصان، فكان سيرنا على حسب ذلك؛ قال: فسأل معاوية زيادًا عمّا صار إليه من أموال فارسَ، فأخبره بما حمل منها إلى عليّ ﵁، وما أنفق منها في الوجوه التي يحتاج فيها إلى النفقة، فصدّقه معاوية على ما أنفق، وما بقيَ عنده، وقبضَه منه، وقال: قد كنت أمينَ خلفائنا (١). (٥: ١٧٧/ ١٧٨).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو مِخْنف وأبو عبد الرحمن الأصبهَانيّ وسَلَمة بن عثمان وشيخ من بني تميم وغيرهم ممّن يوثَق بهم، قال: كتب معاوية إلى زياد وهو بفارسَ يسأله القدومَ عليه، فخرج زيادٌ من فارسَ مع المِنجاب بن راشد الضّبيّ، وحارثة بن بدر الغُدانيّ، وسرَّح عبدَ الله بن خازم في جماعة إلى فارس، فقال: لعلك تَلقَى زيادًا في طريقك فتأخذه. فسار ابنُ خازم إلى فارسَ، فقال بعضهم: لقيَه بسوق الأهواز، وقال بعضهم: لقيَه بأرّجان، فأخذ ابن خازم بعِنان زياد، فقال: انزِل يا زياد، فصاح به المِنجاب بن راشد: تنحّ يا بن سَوْداء، وإلا علَّقتُ يدَك بالعِنان. قال: ويقال: انتهى إليهم ابن خازم وزياد جالس، فأغلظ له ابن خازم، فشتَمَ المنجاب بن خازم، فقال له زياد: ما تريد يا بن خازم؟ قال: أريد أن تجيء إلى البصرة، قال: فإني آتيها؛ فانصرف ابن خازم استحياءً من زياد.\nوقال بعضهم: التقى زياد، وابن خازم بأرَّجان، فكانت بينهم منازعة، فقال زياد لابن خازم قد أتاني أمان مُعاوية، فأنا أريده، وهذا كتابه إليَّ. قال: فإن كنتَ تريد أميرَ المؤمنين فلا سبيل عليك، فمضى ابن خازم إلى سابورَ، ومضى زياد إلى ماه بَهْزَاذان. وقَدِم على معاوية، فسأله عن أموال فارسَ، فقال: دفعتُها يا أميرَ المؤمنين في أرزاق وأعطيات وحمَالات، وبقيتْ بقيَّة أودعتها قومًا، فمكث بذلك يردّده، وكتب زياد كتبًا إلى قوم منهم شِعبة بن القِلْعم: قد علمتم ما لي عندكم من الأمانة، فتدبَّروا كتابَ الله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ...﴾ الآية، فاحتفِظوا بما قِبَلكم. وسمَّى في الكتب\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"9","page":24},{"text":"بالمبلغ الذي أقرَّ به لمعاوية، ودسَّ الكتب مع رسوله، وأمره أن يعرض لبعض من يُبْلغ ذلك معاوية، فتعرَّض رسولُه حتى انتشر ذلك، وأخذ فأتيَ به معاوية، فقال معاوية لزياد: لئن لم تكن مكرتَ بي إنَّ هذه الكتب من حاجتي. فقرأها، فإذا هي بمثلِ ما أقرَّ به؛ فقال معاوية: أخاف أن تكون قد مكرتَ بي، فصالحْني على ما شئت، فصالَحه على شيء مما ذكره أنه عنده. فحمله، وقال زياد: يا أميرَ المؤمنين! قد كان لي مال قبل الولاية، فوددتُ أنَّ ذلك المالَ بقيَ، وذهب ما أخذت من الولاية. ثم سأل زياد معاوية أن يأذن له في نزول الكوفة فأذن له، فشَخَص إلى الكوفة، فكان المغيرة يكرمه ويعظِّمه، فكتب معاوية إلى المغيرة: خذ زيادًا وسليمانَ بن صُرَد وحُجْرَ بنَ عديِّ وشَبَث بن رِبْعيّ وابن الكوَّاء، وعَمرو بن الحَمقِ بالصلاة في الجماعة؛ فكانوا يَحضُرون معه في الصلاة (١).\nحدَّثني عمر بن شبَّة، قال: حدَّثنا عليُّ عن سليمان بن أرقم، قال: بلغني أنَّ زيادًا قدم الكوفة، فحضرتِ الصلاة، فقال له المغيرة: تقدَّم فصلِّ؛ فقال: لا أفعل، أنت أحقُّ منِّي بالصَّلاة في سلطانك. قال: ودخل عليه زياد وعند المغيرة أمّ أيوبَ بنتَ عُمَارة بن عقبة بن أبي مُعيط، فأجلسَها بين يديه، وقال: لا تستترِي من أبي المغيرة، فلما مات المغيرة تزوَّجها زياد وهي حَدَثة، فكان زياد يأمر بفيل كان عنده، فيُوقَف، فتَنظر إليه أمّ أيوب، فسمِّيَ بابَ الفيل (٢). (٥: ١٧٩/ ١٨٠).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عَنْبسة بن أبي سُفْيان، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٣). (٥: ١٨٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غَزْوة بُسر بن أبي أرطاةَ الرّوم، ومشتاه بأرضهم حتى بلغ\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده مرسل ضعيف لضعف سليمان بن أرقم.\n(٣) إسناده ضعيف وكذلك قال خليفة بن خياط (تأريخ خليفة/ ٢٠٥).","vol":"9","page":25},{"text":"القُسْطَنْطينيّة - فيما زعم الواقديّ - وقد أنكر ذاك قومٌ من أهل الأخبار. فقالوا: لم يكن لبُسْر بأرض الروم مَثنىً قطّ (١). (٥: ١٨١).\nوفيها ولّى معاويةُ عبد الله بن عمرو بن العاص مصرَ بعد موت أبيه، فوَلِيها له - فيما زعم الواقديّ - نحوًا من سنتين (٢). (٥: ١٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>خبر قتل المستورد بن علّفة الخارجيّ</span>\nوفيها قُتل المستورِد بن عُلفة الخارجيّ فيما زعم هشام بن محمد، وقد زعم بعضهم أنه قتل في سنة اثنتين وأربعين.\n* ذكر الخبر عن مقتله:\nقد ذكرنا ما كان من اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا ارتُثُّوا يومَ النهر، ومن كان منهم انحاز إلى الرّي وغيرهم إلى النفر الثلاثة الذين سمّيت قبلُ؛ الذين أحدُهم المستورِد بن عُلّفة، وذكرْنا بيعتهم المستورد، واجتماعهم على الخروج في غرّة هلال شعبان من سنة ثلاث وأربعين.\nفذكر هشام، عن أبي مِخْنف: أنّ جعفر بن حذيفة الطائيّ حدثه عن المحلّ بن خليفة: أن قُبيصة بن الدّمّون أتى المغيرة بن شُعبة - وكان على شُرطته - فقال: إن شمّر بن جَعْوَنة الكِلابيّ جاءني فخبّرني: أنّ الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيّان بن ظَبيان السُّلمَيّ، وقد اتّعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان، فقال المغيرة بن شعبة لقبيصة بن الدمّون - وهو حليف لثَقِيف، وزعموا أنّ أصلَه كان من حضر مَوْت من الصّدف -: سِرْ بالشُّرْطة حتى تحيط بدارِ حيّان بن ظَبيان فائْتِني به، وهم لا يَرَوْن إلا أنه أمير تلك الخوارج. فسار قَبيصة في الشُّرْطة وفى كثير من الناس، فلم يشعر حيّان بن ظبيَان إلا والرّجال معه في دارِه نصفَ النهار، وإذا معه معاذ بن جُوَين ونحوٌ من عشرين رجلًا من أصحابهما، وثارِت امرأته؛ أمُّ ولد له، فأخذتْ سيوفًا كانت لهم، فألقتْها تحت الفِراش، وفرخ بعضُ القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها، فاستسلموا فانطلق بهم إلى المُغيرة بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"9","page":26},{"text":"شعبة، فقال لهم المغيرة: ما حَمَلكم على ما أردتم من شقّ عصا المسلمين؟ فقالوا: ما أردْنا من ذلك شيئًا، قال: بلى، قد بلغني ذلك عنكم، ثم قد صدّق ذلك عندي جماعتكم؛ قالوا له: أمّا اجتماعنا في هذا المنزل فإن حيّان بن ظَبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه.\nفقال: اذهبوا بهمْ إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحوًا من سنة، وسمع إخوانُهم بأخذهم فَحذِروا، وخرج صاحبهم المستورِد بن عُلَّفة فنزل دارًا بالحيرة إلى جنب قصر العدسيّين من كَلْب، فبعت إلى إخوانه، وكانوا يختلفون إليه ويتجهّزون، فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قال لهم صاحبهم المستورِد بن عُلَّفة التيميّ: تحوّلوا بنا عن هذا المكانِ، فإنّي لا آمَن أن يُطَّلع عليكم، فإنهم في ذلك يقول بعضهم لبعض: نأتي مكان كذا وكذا، ويقول بعضهم: نأتي مكان كذا وكذا؛ إذْ أشرف عليهم حجّار بن أبْجر من دار كان هو فيها وطائفة من أهله، فإذا هم بفارِسَيْن قد أقبَلا حتى دخلا تلك الدار التي فيها القوم، ثم لم يكن بأسرعَ لمن أن جاء آخران فَدَخلا، ثمّ لم يكن إلا قليل حتى جاء آخر فدخل، ثم آخرُ فدخل، وكان ذلك بعينِه، وكان خروجُهم قد اقترب، فقال حجّار لصاحبة الدار التي كان فيها نازلًا وهي تُرضِع صبيًّا لها: وَيْحكِ! ما هذه الخيل التي أراها تَدخُل هذه الدار؟ قالت: واللهِ ما أدري ما همْ! إلا أنَّ الرجال يختلفون إلى هذه الدار رجالًا وفُرسانًا لا ينقطعون، ولقد أنكرْنا ذلك منذ أيام، ولا ندري مَن هم! فركب حجّار فرسَه، وخرج معه غلام له، فأقبل حتى انتهى إلى باب دارِهم، فإذا عليه رجلٌ منهم، فكلَّما أتى إنسان منهم إلى الباب دخل إلى صاحبه أعلمه، فأذن له، فإن جاءه رجل من معروفيهم دَخَل ولم يستأذن، فلمّا انتهى إليه حجّار لم يعرفه الرجل، فقال: مَن أنت رحمك الله؟ وما تريد؟ قال: أردت لقاءَ صاحبي. قال له: وما اسمك؟ قال له: حجّار بن أبجر؛ قال: فكما أنت حتى أوذِنهم بك، ثم أخرج إليك، فقال له حجّار: ادخُل راشدًا! فدخل الرجل، واتّبعه حجار مسرعًا، فانتهى إلى باب صُفّة عظيمة هم فيها، وقد دخل إليهم الرّجل فقال: هذا رجل يستأذن عليك أنكرتُه فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا حجّار بن أبجر، فسمعهم يتفزّعون ويقولون: حَجّار بن أبجر! والله ما جاء حجّار بن أبجر بخير، فلما سمع القول منهم أراد أن ينصرف ويكتفيَ بذلك من الاسترابة بأمرهم، ثم","vol":"9","page":27},{"text":"أبت نفسُه أن ينصرف حتى يعاينهم، فتقدّم حتى قام بين سِجْفَي باب الصُّفّة وقال: السلام عليكم، فنظر فإذا هو بجماعة كثيرة، وإذا سلاحٌ ظاهر ودروع، فقال حجّار: اللهمّ اجمعْهم على خير، مَن أنتم عافاكم الله؟ فعرفه عليّ بن أبي شمر بن الحصين، من تيم الرّباب - وكان أحدَ الثمانية الذين انهزَموا من الخوارج يومَ النهر، وكان من فُرسان العرب، ونُسَّاكهم وخِيارهم - فقال له: يا حجّار بن أبجر، إن كنتَ إنما جاء بك التماس الخبر فقد وجدتَه، وإن كنت إنما جاء بك أمرٌ غير ذلك فادخل، وأخبِرنا ما أتى بك؛ فقال: لا حاجة لي في الدخول، فانصرف، فقال بعضهم لبعض: أدرِكوا هذا فاحبِسوه، فإنه مؤذنٌ بكم، فخرجتْ منهم جماعةٌ في أثره - وذلك عند تطفيل الشمس للإياب - فانتهَوْا إليه وقد ركب فرسَه، فقالوا له: أخبِرنا خَبَرَك، وما جاء بك؟ قال: لم آت لشيء يروعُكم ولا يَهُولكم، فقالوا له: انتظر حتى ندنوَ منك ونكلّمكَ، أو تدنوَ منا؛ أخبرنا فنعلمك أمرَنا، ونذكر حاجتَنا، فقال لهم: ما أنا بدانٍ منكم، ولا أريد أن يدنوَ مني منكم أحد؛ فقال له عليّ ين أبي شمر بن الحصين: أفمؤمَّننا أنت من الإذن بنا هذه الليلة وأنت مُحسِن، فإنَّ لنا قَرابةً وحَقًّا؟ قال: نعم، أنتم آمنون من قبَلي هذه الليلة وليالي الدهر كلِّها، ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهلَه معه. وقال الآخرون بعضهم لبعض: إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا، فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتَنا هذه، قال: فصلَّوا المغرب، ثمّ خرجوا لمن الحِيرة متفرّقين، فقال لهم صاحبُهم: الحقوا بي في دار سُلَيْمِ بن محدوج العبديّ من بني سَلِمة، فخرج من الحِيرة، فمضى حتى أتى عبد القيس. فأتى بني سليم فبعث إلى سُليم بن محدوج - وكان له صهرًا - فأتاه، فأدخله وأصحابًا له خمسةً أو ستّة، ورجع حَجّار بن أبجر إلى رَحْله، فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكرٌ لهم عند السلطان أو الناس، فما ذكرهم عند أحد منهم، ولا بلغهم عنه في ذلك شيء يكرهونه.\nفبلغ الخبرُ المغيرةَ بن شُعْبة: أنّ الخوارج خارجةٌ عليه في أيامه تلك، وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم، فقام المغيرة بن شعبة في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أمّا بعد، فقد علمتم أيّها الناس أني لم أزل أحبّ لجماعتكم العافية، وأكفّ عنكم الأذى، وأنّي والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء","vol":"9","page":28},{"text":"لسفهائكم، فأمّا الحُلَماء الأتقياء فلا، وإيمُ الله لقد خشيتُ ألا أجد بدًّا من أن يُعصَب الحليم التقي بذنْب السفيه الجاهل، فكفُّوا أيُّها الناس سفهاءَكم قبلَ أن يَشملَ البلاءُ عوامَّكم، وقد ذُكر لي: أنّ رجالًا منكم يريدون أن يَظهَروا في المصر بالشقاق والخلاف، وايمُ الله لا يخرجون في حيٍّ من أحياء العرب في هذا المصْر إلا أبَدْتهم وجعلْتُهم نَكالًا لمن بعدهم، فنظر قومٌ لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقامَ إرادةَ الحجّة والإعذار.\nفقام إليه مَعقِل بن قيس الرّياحيّ فقال: أيُّها الأمير! هل سُمّيَ لك أحدٌ من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سُمُّوا لك فأعلِمْنا مَنْ هم؟ فإن كانوا منا كَفْيناكَهم، وإن كانوا من غيرنا أمرتَ أهل الطاعة من أهل مصرِنا، فأتتْك كلّ قبيلة بسفهائها، فقال: ما سُمِّيَ لي أحد منهم، ولكن قد قيل لي: إنّ جماعةً يريدون أن يخرجوا بالمِصر؛ فقال له معقِل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي، وأكفيك ما هم فيه، فليكفِك كلّ امرئ من الرؤساء قومَه، فنزل المغيرةُ بن شعبة، وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم، ثم قال لهم: إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم، وقد قلت ما قد سمعْتم، فليكفني كل امرئ من الرؤساء قومَه، وإلّا فوالذي لا إله غيره لأتحوّلنّ عما كنتم تَعرِفون إلى ما تُنكِرون، وعمّا تحبّون إلى ما تَكرَهون، فلا يَلُمِ لائمٌ إلا نفسَه، وقد أعذرَ من أنذر، فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم، فناشَدوهم اللهَ والإسلامَ إلا دلُّوهم على مَن يروْن أنه يريد أن يهيج فتنةً، أو يفارِق جماعةً، وجاء صَعْصعة بن صُوحان فقام في عبد القيس (١). (٥: ١٨١/ ١٨٢/ ١٨٣/ ١٨٤/ ١٨٥).\nقال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني الأسود بن قيس العبديّ عن مرّة بن النعمان، قال: قام فينا صعْصعة بن صُوحان، وقد والله جاءه من الخبر بمنزل التَّيميّ وأصحابه في دار سليم بن محدوج، ولكنه كَرِه على فِراقه إيّاهم وبغضه لرأيهم أن يؤخذوا في عشيرته، وكره مَساءة أهل بيت من قومه، فقال: قَوْلًا حسنًا، ونحن يومئذ كثيرٌ أشرافنا، حسنٌ عددُنا، قال: فقام فينا بعد ما صلّى العصر، فقال: يا معشرَ عباد الله! إنّ الله - وله الحمد كثيرًا - لمّا قسم الفضلَ بين المسلمين خصّكم منه بأحسن القسْم، فأجبْتم إلى دين الله الذي اختاره الله\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":29},{"text":"لنفسه، وارتضاه لملائكته ورُسله، ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسولَه - ﷺ - ثم اختلف الناس بعدَه فثبتت طائفة، وارتدّت طائفة، وأدهنَتْ طائفة، وتربَّصت طائفة، فلزمْتم دينَ الله إيمانًا به وبرسوله، وقاتلتم المرتدّين حتى قام الدّين، وأهلَك الله الظالمين، فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيرًا في كلّ شيء، وعلى كلّ حال، حتى اختلفتْ الأمّة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحةَ والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهلَ المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبيّ، راسب الأزْد، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهلَ البيت الذي ابتدأنا الله من قِبَلهم بالكرامة، تسديدًا من اللهِ لكم وتوفيقًا، فلم تزالوا على الحقّ لازمين له، آخذِين به، حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مِثل هداكم ورأيكم الناكِثين يومَ الجمل، والمارِقين يومَ النّهر - وسكت عن ذكر أهل الشأم، لأن السلطان كان حينئذ سلطانهم - ولا قوم أعدَى لله ولكم ولأهل بيت نبيِّكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة، الذين فارَقوا إمامَنا، واستحلُّوا دماءَنا، وشهدوا علينا بالكفْر؛ فإياكم أن تُؤووهم في دُوركم، أو تكتموا عليهم، فإنه ليس ينبغي لحيّ من أحياء العرب أن يكون أعدَى لهذه المارقة منكم، وقد والله ذُكِر لي: أنّ بعضهم في جانب من الحيّ، وأنا باحثٌ عن ذلك وَسَائلٌ، فإن كان حُكيَ لي ذلك حقًّا تقرّبت إلى الله تعالى بدمائهم، فإنّ دماءهم حلال، ثم قال: يا معشرَ عبدِ القيس! إنّ وُلاتنا هؤلاء هم أعرَف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلًا، فإنهم أسرَع شيء إليكم وإلى أمثالكم، ثم تنحّى فجلس، فكلّ قومه قال: لَعنَهم الله! قال: برئ الله منهم، فلا والله، فلا نُؤْويهم ولئن عَلِمنا بمكانهم؛ لنطلعنّك عليهم، غير سُليم بن محدوج، فإنه لم يقل شيئًا، فرجع إلى قومه كئيبًا واجمًا، يكرَه أن يخرجَ أصحابه من منزله فيَلُومُوه، وقد كانت بينهم مصاهَرة، وكان لهم ثقة، ويكره أن يُطلَبوا في داره فيَهلِكوا ويَهلِك، وجاء فدخل رحلَه، وأقبل أصحابُ المستورِد يأتونه، فليس منهم رجلٌ إلا يخبره بما قام به المغيرة بن شُعبة في الناس وبما جاءهم رؤساؤهم، وقاموا فيهم، وقالوا له: اخرُج بنا، فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا، قال: فقال لهم: أما تروْن رأسَ عبد القيس قام فيهم كما قامت رؤساءُ العشائر في عشائرهم؟ قالوا: بلى والله نرى. قال: فإنّ صاحب منزلي لم يذكر لي شيئًا؛ قالوا: نرى والله: أنه استحيا منك، فدعاه فأتاه، فقال: يابن محدوج؛ إنه قد بلغني أن رؤساء العشائر قاموا","vol":"9","page":30},{"text":"إليهم، وتقدّموا إليهم فيّ وفي أصحابي، فهل قام فيكم أحدٌ يذكر لكم شيئًا من ذلك؟ قال: فقال: نعم، قد قام فينا صعصعة بن صُوحان، فتقدّم إلينا في ألا نؤوِيَ أحدًا من طِلْبتهم، وقالوا أقاويلَ كثيرةً كرهتُ أن أذكرَها لكم فتحسَبوا أنه ثَقُل عليّ شيء من أمركم؛ فقال له المستورد: قد أكرمْتَ المثوَى، وأحسنت الفِعل، ونحن إن شاء الله مُرتحِلون عنك، ثم قال: أما والله لو أرادوك في رَحْلي ما وَصلوا إليك ولا إلى أحد من أصحابك حتى أموتَ دونكم، قال: أعاذك الله من ذلك!\nوبلغ الذين في مَحبِس المغيرة ما أجمع عليه أهلُ المِصر من الرأي في نفي من كان بينهم من الخوارج، وأخذِهم، فقال معاذ بن جُوَين بن حصين في ذلك:\nألا أيّها الشارُون قد حان لامرئٍ ... شرَى نفسَه لله أن يَتَرحَّلَا\nأَقَمتْم بدار الخاطئين جَهالةً ... وكلُّ امرئٍ منكم يُصادُ لِيُقْتَلَا\nفشُدُّوا علَى القومِ العُداةِ فِإنَّما ... أقامَتْكُمُ للذبْح رأْيًا مُضَلَّلَا\nألا فاقصِدُوا يا قومِ للغايةِ التي ... إذا ذُكِرَتْ كانت أَبَرَّ وأعْدَلَا\nفيا ليتني فيكم على ظهر سابحٍ ... شديدِ القُصَيْرَى دارِعًا غيرَ أَعْزَلا\nويا ليتني فيكم أعادي عدوَّكمْ ... فيَسقيَني كأْسَ المَنِيَّة أَوَّلا\nيعزّ عليَّ أن تُخافوا وتطرَدُوا ... ولما أُجَرِّدْ في المُحِلِّين مُنْصُلا\nولما يُفرّقْ جَمْعَهم كلُّ ماجِدٍ ... إذا قلتَ قد وَلَّى وأَدْبَرَ أقبَلَا\nمُشِيحًا بنَصْلِ السيف في حَمَس الوَغَى ... يرى الصبْرَ في بعض المواطِنِ أَمَثَلا\nوعزَّ عليّ أن تُضاموا وتُنْقَصوا ... وأَصْبَح ذا بثٍّ أَسيرًا مُكَبَّلا\nولو أنني فيكمْ وقد قصدوا لكمْ ... أثَرْتُ إذًا بين الفريقيْنِ قَسْطَلا\nفيا رُبّ جَمْعٍ قد فَللتُ وغارةٍ ... شهِدْتُ وقِرْنٍ قد تركْتُ مُجَدَّلا\nفبعث المستورِد إلى أصحابه فقال لهم: اخرُجوا من هذه القبيلة لا يُصِب امرأ مسلمًا في سببنا بغير علمٍ معرّةٌ. وكان فيهم بعضُ من يرى رأيهم، فاتّعدوا سورًا، فخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة، فتتامّوا بها ثلاثمئة رجل، ثم ساروا إلى الصَّراة، فباتوا بها ليلةً.\nثم إنّ المغيرة بن شُعبة أخبِر خبرَهم، فدعا رؤساء الناس، فقال: إنّ هؤلاء الأشقياء قد أخرجهم الحيْن وسوءُ الرأي، فمن تَرَوْن أبعث إليهم؟ قال: فقام إليه","vol":"9","page":31},{"text":"عديّ بن حاتم، فقال: كلُّنا لهم عدوّ، ولرأيهم مسفِّه، وبطاعتك مستمسِك، فأيَّنا شئت سار إليهم.\nفقام معقل بن قيس، فقال: إنك لا تبعث إليهم أحدًا ممن ترى حولَك من أشراف المصر إلا وجدتَه سامعًا مطيعًا، ولهم مفارقًا، ولهلاكهم محبًّا، ولا أرى أصلَحَك الله أن تَبعَث إليهم أحدًا من الناس أعدَى لهم ولا أشدّ عليهم منّي، فابعثني إليهم فإني أكفيكَهم بإذن الله؛ فقال: اخرج على اسم الله؛ فجهّز معه ثلاثة آلاف رجل.\nوقال المغيرة لقَبِيصة بن الدمُّون: الصق لي بشيعة عليٍّ، فأخرجهم مع مَعقل بن قيس، فإنه كان من رؤوس أصحابه، فإذا بعثت بشيعته الذين كانوا يُعرَفون فاجتمعوا جميعًا، استأنس بعضُهم ببعض وتنَاصَحوا وهم أشدّ استحلالًا لدماءِ هذه المارِقة، وأجرأ عليهم من غيرهم، وقد قاتلوا قبل هذه المرّة (١).\n(٥: ١٨٥/ ١٨٦/ ١٨٧/ ١٨٨).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الأسود بن قيس، عن مرّة بن منقذِ بن النعمان، قال: كنتُ أنا فيمن نُدِب معه يومئذ؛ قال: لقد كان صعصعة بن صُوحان قام بعد معقِل بن قيس، وقال: ابعثْني إليهم أيّها الأمير، فأنا والله لدمائهم مستحلّ، وبحَملِها مستقِلّ، فقال: اجلس؛ فإنما أنت خطيب، فكان أحفَظه ذلك، وإنما قال ذلك لأنه بلغه أنّه يعيب عثمانَ بن عفّان ﵁، ويُكثِر ذكرَ عليّ ويفضّله، وقد كان دعاه، فقال: إيّاك أن يبلغَني عنك أنَّك تعيب عثمان عند أحد من الناس، وإيّاك أن يَبلُغني عنك أنك تُظهِر شيئًا من فضل عليٍّ علانيةً، فإنك لست بذاكر من فضل عليٍّ شيئًا أجهَلُه، بل أنا أعلَم بذلك، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخِذْنا بإظهار عيبه للناس، فنحن نَدع كثيرًا مما أمِرنا به، ونذكر الشيءَ الذي لا نجد منه بدًّا، ندفع به هؤلاء القومَ عن أنفسنا تقيّة، فإن كنتَ ذاكرًا فضلَه فاذكره بينَك وبين أصحابك وفي منازِلكم سرًّا، وأما علانيةً في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفةُ لنا، ولا يعذرنا به، فكان يقول له: نعم أفعل، ثم يَبلُغه أنه قد عاد إلى ما نهاه عنه، فلما قام إليه، وقال له: ابعثْني إليهم\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":32},{"text":"وجد المغيرة قد حَقَد عليه خلافه إياه، فقال: اجلس فإنما أنت خطيب، فأحفَظَه، فقال له: أوَما أنا إلا خطيب فقط! أجل والله، إنّي للَخطيب الصّليب الرئيس، أما والله لو شهدتَني تحت راية عبد القَيْس يومَ الجمل حيث اختلفت القنا، فشؤون تُفْرَى، وهامةٌ تُختلَى؛ لعلمتَ أني أنا الليث الهِزَبر؛ فقال: حَسْبك الآن، لعمري لقد أوتيتَ لسانًا فصيحًا، ولم يلبَث قبيصة بن الدمُّون أن أخرج الجيشَ مع معقل. وهم ثلاثة آلاف نُقاوة الشيعة وفُرسانهم (١). (٥: ١٨٨/ ١٨٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني النّضر بن صالح، عن سالم بن ربيعة، قال: إني جالس عند المغيرة بن شُعْبة حين أتاه معقل بن قيس يسلِّم عليه ويودّعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس! إنِّي قد بعثت معك فُرسانَ أهلِ المصْر، أمرت بهم فانتُخبوا انتخابًا، فسرْ إلى هذه العصابة المارقة الذين فارَقوا جماعتَنا، وشهدوا عليها بالكُفْر، فادعهم إلى التَّوْبة، وإلى الدّخول في الجَماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، وأكفُفْ عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجِزْهم، واستعِن بالله عليهم.\nفقال معقل بن قيس: سندعُوهم ونعذِر، وايمُ الله ما أرَى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحقّ لا نَقبل منهم الباطل، هل بلغَك - أصلَحك الله - أين منزل القوم؟ قال: نعم، كتب إليّ سماك بن عُبَيد العبسيّ - وكان عاملًا له على المدائن - يُخبِرني: أنهم ارتحلوا من الصَّراة، فأقبلوا حتى نزلوا بَهُرَسير، وأنهم أرادوا أن يَعْبروا إلى المدينة العتيقة التي بها منازل كسرى وأبيَض المدائن، فمنعهم سماك أن يجوزوا، فنزلوا بمدينة بَهُرَسِير مقِيمين، فاخرج إليهم، وانكمِش في آثارهم حتى تَلحقَهم، ولا تَدَعهم والإقامةَ في بلد ينتهى إليهم فيه أكثر من الساعة التي تدعوهم فيها، فإن قبلوا وإلا فناهِضْهم، فإنهم لن يقيموا ببلد يومين إلا أفسدوا كلّ من خالَطَهم.\nفخرج من يوم فبات بسورا، فأمر المغيرة مولاه ورّادًا، فخرج إلى الناس في مسجد الجماعة، فقال: أيّها الناس! إنّ معقل بن قيس قد سار إلى هذه المارقة، وقد بات الليلةَ بسورا، فلا يتخلّفنّ عنه أحد من أصحابه.\n_________\n(١) إسناده تالف، وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":33},{"text":"ألا وإنّ الأمير يُحَرِّج على كلّ رجل من المسلمين منهم، ويَعزِم عليهم أن يبيتوا بالكوفة، ألا وأيُّما رجل من هذا البعث وجَدناه بعد يَومِنا بالكوفة فقد أحلّ بنفسه (١). (٥: ١٨٩/ ١٩٠).\nقال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب عن عبد الله بن عُقْبة الغَنَويّ، قال: كنت فيمن خرج مع المستورِد بن عُلّفة، وكنت أحدثَ رجلٍ فيهم، قال: فخرجنا حتى أتينا الصَّراة، فأقمنا بها حتى تتامّت جماعتُنا، ثم خرجْنا حتى انتهينا إلى بَهْرسير، فدخلناها ونذِر بنا سماك بن عبيد العبسيّ، وكان في المدينة العتيقة، فلما ذهبنا لنعبر الجسرَ إليهم قاتلْنا عليه، ثم قطعه علينا، فأقمنا ببَهُرسير. قال: فدعاني المستورِد بن عُلّفة، فقال: أتكتب يابن أخي؟ قلت: نعم، فدعا لي برَقٍّ ودَواة، وقال: اكتب: مِنْ عبد الله المستورِد أميرِ المؤمنين إلى سماك بن عبيد، أمّا بعد: فقد نقِمْنا على قومنا الجَوْر في الأحكام، وتعطيلَ الحدود، والاستئثارَ بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله ﷿ وسنّة نبيّه - ﷺ -، وولاية أبي بكر وعمرَ رضوان الله عليهما، والبراءة من عثمانَ وعليّ، لإحداثهما في الدّين، وتركهما حكمَ الكتاب، فإنْ تقبَل؛ فقد أدركت رُشْدَك، وإلا تَقْبَل؛ فقد بالغنا في الإعذار إليك، وقد آذنّاك بحرب، فنَبَذْنا إليك على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين. قال: فقال المستورِد: انطلق إلى سماك بهذا الكتاب فادفعهُ إليه، واحفظ ما يقول لك، والقَنِي.\nقال: وكنت فتىً حَدَثًا حين أدركتَ، لم أجرّب الأمور، ولا علمَ لي بكثير منها، فقلت: أصلحك الله! لو أمرتَني أن أستعرضَ دِجلة فألقِيَ نفسي فيها ما عصيتُك، ولكن تأمن عليّ سماكًا أن يتعلق بي، فيَحبِسني عنك، فإذا أنا قد فاتني ما أترجّاه من الجهاد! فتبسّم وقال: يابن أخي! إنما أنت رسولٌ، والرسوِل لا يُعرَض له، ولو خشيتُ ذلك عليك لم أبعثْك، وما أنت على نفسك بأشفق مني عليك، قال: فخرجتُ حتى عبرتُ إليهم في معْبَر، فأتيت سماك بن عبيد، وإذا الناس حولَه كثير، قال: فلما أقبلتُ نحوَهم أَبَدُّوني أبصارَهم، فلما دنوت منهم ابتدرني نحوٌ من عشرة، وظننتُ والله أنّ القومَ يريدون أخذي، وأنّ الأمرَ\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":34},{"text":"عندهم ليس كما ذكر لي صاحبي، فانتضَيْت سيفي، وقلتُ: كلًا، والذي نفسي بيَدِه، لا تَصِلون إليّ حتى أعذِر إلى الله فيكم، قالوا لي: يا عبدَ الله، من أنت؟ قلت: أنا رسولُ أمير المؤمنين المستورِد بن عُلّفة، قالوا: فلِمَ انتضيَت سيفك؟ قلت: لابتِداركم إليّ، فخفت أن توثقوني، وتغدروا بي، قالوا: فأنت آمِن، وإنما أتيناك لنقوم على جَنْبِك، ونُمسِكَ بقائم سيفك، وننظرَ ما جئت له، وما تسأل؛ قال: فقلت لهم: ألست آمِنًا حتى تردّوني إلى أصحابي؟ قالوا: بلى! فشِمْتُ سيفي، ثم أتيت حتى قصت على رأسِ سماك بن عُبَيْد وأصحابُه قد ائتشبوا بي، فمنهم مُمسِك بقائمِ سيفي، ومنهم ممسِكٌ بعَضُدِي، فدفعتُ إليه كتابَ صاحبي، فلما قرأه؛ رفَع رأسه إليّ، فقال: ما كان المستورِد عندي خليقًا لِما كنت أرَى من إخباته وتَواضُعه أن يخرج على المسلمين بسَيْفه، يَعْرِض عليَّ المستورِد البراءة من عليّ وعثمان، ويدعوني إلى ولايته! فبئسَ والله الشيخ أنا إذًا! قال: ثم نظر إليّ فقال: يا بُنيّ! اذهبْ إلى صاحبِك فقل له: اتّق الله وارجع عن رأيك، وادخُل في جماعة المسلمين، فإن أردتَ أن أكتبَ لك في طلب الأمان إلى المغيرة فعلت، فإنك ستجده سريعًا إلى الإصلاح، محبًا للعافية. قال: قلت له - وإنّ لي فيهم يومئذ بصيرة -: هيهات! إنما طلبْنا بهذا الأمر الذي أخافنا فيكم في عاجل الدنيا الأمن عند الله يوم القيامة. فقال لي: بؤسًا لك! كيف أرحمُك! ثم قال لأصحابه: إنهم خلَوْا بهذا، ثم جعلوا يقرؤون عليه القرآن، ويتخضّعون، ويتباكون فظنّ بهذا: أنهم على شيء من الحقّ، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ سبيلًا، والله ما رأيت قومًا كانوا أظهرَ ضلالة، ولا أبينَ شؤمًا، من هؤلاء الذي تروْن!\nقلت: يا هذا! إنني لَمْ آتِك لأشاتِمك ولا أسمع حديثك وحديثَ أصحابك، حدِّثني، أنت تجيبني إلى ما في هذا الكتاب أم لا تفعل فأرجع إلى صاحبي؟ فنظر إليّ ثم قال لأصحابه: ألا تَعجَبون إلى هذا الصبيّ! والله إنّي لأرأني أكبر من أبيه، وهو يقول لي: أتجيبني إلى ما في هذا الكتاب! انطلِق يا بُنيَّ إلى صاحبك، إنما تندَم لو قد اكتنفتكُم الخيلُ، وأشرِعت في صدوركم الرِّماح، هناك تَمنَّى لو كنتَ في بيت أمِّك! قال: فانصرفتُ من عنده فعبرتُ إلى أصحابي، فلما دنوتُ من صاحبي قال: ما ردّ عليك؟ قلت: ما ردّ خيرًا، قلت له: كذا، وقال لي: كذا،","vol":"9","page":35},{"text":"فقصصتُ عليه القصّة، قال: فقال المستورد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nقال: فلبثنا بمكاننا ذاك يوصين أو ثلاثَة أيّام، ثم استبان لنا مسير معقلِ بن قيس إلينا. قال: فجمعَنَا المستورِد، فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ، فإن هذا الخَرِق معقل بن قيس قد وجّه إليكم وهو من السَّبَئيَّة المفترين الكاذبين، وهو لله ولكم عدوّ، فأشيروا عليّ برأيكم. قال: فقال له بعضنا: والله ما خرجْنا نريد إلا الله، وجهاد مَن عادى الله، وقد جاؤونا فأين نذهب عنهم! بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين، وقالت طائفة أخرى: بل نعتَزِل ونتنحَّى ندعو الناسَ ونحتجّ عليهم بالدعاء.\nفقال: يا معشر المسلمين! إني والله ما خرجتُ ألتمس الدنيا ولا ذكرَها ولا فخرَها ولا البقاءَ، وما أحبّ أنها لي بحذافيرها، وأضعاف ما ويُتنافَس فيه منها بقبَالِ نعلي! وما خرجتُ إلا التماسَ الشهادة، وأن يهديَني الله إلى الكرامة بهَوان بعض أهل الضّلالة، وإني قد نظرت فيما استشرتُكم فيه فرأيت ألّا أقيمَ لهم حتى يُقدِموا عليّ وهم جامّون متوافِرون، ولكن رأيت أن أسيرَ حتى أمعِن فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طَلَبِنا، فتقطّعوا وتبدّدوا، فعَلَى تلك الحال ينبغي لنا قِتالهم، فاخرجوا بنا على اسم الله ﷿.\nقال: فخرجنا فمضينا على شاطئ دِجْلة حتى انتهينا إلى جَرْجَرايا، فعبَرْنا دِجلة، فمضينا كما نحن في أرض جُوخَى حتى بلغنا المَذار، فأقمنا فيها، وبلغ عبد الله بن عامر مكاننا الذي كنا فيه، فسأل عن المغيرة بن شعبة، كيف صنع في الجيش الذي بعث إلى الخوارج؟ وكم عِدّتهم؟ فأخبِر بعِدّتهم، وقيل له: إنّ المغيرة نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان قاتلَ الخوارج مع عليّ ﵇، وكان من أصحابه، فبَعثَه وبعث معه شيعةَ علي لعداوتهم لهم، فقال: أصاب الرأيَ، فبعث إلى شريك بن الأعور الحارثيّ - وكان يَرَى رأيَ عليٍّ ﵇ - فقال له: اخرج إلى هذه المارِقة فانتخِب ثلاثة آلافِ رجل من الناس، ثم أتبعْهم حتى تُخرجَهم من أرض البَصْرة أو تقتلهم، وقال له بينه وبينه: اخرج إلى أعداء الله بمن يستحلّ قتالَهم من أهل البصرة، فظَنّ شريك به إنما يعني شيعَة عليّ عليه","vol":"9","page":36},{"text":"السلام، ولكنه يكره أن يسمِّيَهم، فانتخب الناس، وألحّ على فُرسان ربيعة الذين كان رأيهم في الشيعة، وكان تجيبه العظماء منهم، ثمّ إنه خرج فيهم مقبلًا إلى المستورِد بن عُلّفة بالمذار (١). (٥: ١٩٠/ ١٩١ / ١٩٢/ ١٩٣ / ١٩٤)\nقال أبو مخنف: وحدّثني حُصيرة بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عبد الله بن الحارث، قال: كنت في الذين خرجوا مع معقِل بن قيس، فأقبلتُ معه، فوالله ما فارقتُه ساعةً من نهار منذ خرجتُ، فكان أوّل منزل نزلْناه سُورا.\nقال: فمكثْنا يومًا حتى اجتمع إليه جُلُّ أصحابه، ثمّ خرجنا مسرِعِين مبادِرين لعدوّنا أن يفوتَنا، فبعثْنا طليعةً، فارتحلنا فنزلنا كُوثَى، فأقمْنا بها يومًا حتى لحق بنا مَنْ تخلَّف، ثم أدلَج بنا من كُوثَى، وقد مَضَى من الليل هزيع، فأقبلْنا حتى دنوْنا من المدائن، فاستقبَلَنا الناسُ فأخبَرونا أنهم قد ارتحلوا، فشقّ علينا واللهِ ذلك، وأيقَنّا بالعَناء وطولِ الطَّلَب.\nقال: وجاء معقلُ بن قيس حتى نزل باب مدينة بَهُرَسير، ولم يدخلْها، فخرج إليه سماك بن عبيد، فسلَّم عليه، وأمر غلمانَه ومواليه فأتَوْه بالجزَر والشعير والقَتّ، فجاؤوه من ذلك بكلّ ما كفاه وكفى الجُنْد الذين كانوا معه.\nثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثًا جمعَ أصحابَه فقال: إن هؤلاء المارقة الضُّلَّال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادةً أن تتعجّلوا في آثارهم، فتقطّعوا وتبدّدوا، ولا تلحقوا بهم إلا وقد تَعِبتم ونَصِبْتم، وأنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله، فخرج بنا من المدائن، فقدم بين يديه أبو الروّاغ الشاكريّ في ثلاثمئة فارس، فاتبع آثارَهم، فخرج معقل في أثره، فأخذ أبو الروّاغ يسأل عنهم، ويَركب الوجه الذي أخذوا فيه، حتى عَبَروا جَرْجرايا في آثارهم، ثم سلك الوجه الذي أخذوا فيه، فاتّبعهم، فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين، فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقِتالهم قبل قدومِ معقل عليه، فقال له بعضهم: أقدم بنا عليهم فلنقاتلْهم، وقال بعضهم واللهِ مانرى أن تَعجَل إلى قتالهم حتى يأتيَنا أميرُنا، ونلقاهم بجماعتِنا (٢). (٥/ ١٩٤ / ١٩٥).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"9","page":37},{"text":"قال أبو مخنف: فحدّثني تليد بن زيد بن راشد الفائشيّ: أنّ أباه كان معه يومئذ. قال: فقال لنا أبو الروّاغ: إنّ معقل بن قيس حين سرّحني أمامَه أمرني أن أتبع آثارَهم، فإذا لحقتُهم لم أعْجَل إلى قتالهم حتى يأتيَني.\nقال: فقال له جميع أصحابه: فالرأي الآن بيِّن، تنحَّ بنا فلنكن قريبًا منهم حتى يقدم علينا صاحبُنا، فتنحّينا - وذلك عند المساء - قال: فبتنا ليلتَنا كلها متحارسين حتى أصبحنا، فارتفع الضُّحَى، وخرجوا علينا، قال: فخرجوا إليهم وعِدّتهم ثلاثمئة ونحن ثلاثمئة، فلما اقتربوا شَدّوا علينا، فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان، قال: فانهزمنا ساعة، ثم إن أبا الرّواغ صاح بنا، وقال: يا فُرسان السوء، قبّحكم الله سائر اليوم! الكرّة الكرّة! قال: فحَمَل وحملْنا معه، حتى إذا دنوْنا من القوم كرّ بنا، فانصرفنا وكَرّوا علينا، وكشَفونا طويلًا، ونحن على خيل مُعَلمة جيادٍ، ولم يُصَب منا أحد، وقد كانت جِراحات يسيرة، فقال لنا أبو الرّواغ: ثَكِلتْكم أمهاتكم! انصرِفوا بنا فنكرّ قريبًا منهم، لا نزايلهم حتى يقدَم علينا أميرُنا، فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش وقد انهزمنا من عدوّنا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكرّ القتلى، قال: فقال رجل منا يجيبه: إنّ الله لا يستحيي من الحقّ قد والله هزمونا، قال أبو الروّاغ: لا أكثر الله فينا ضربَك! إنّا ما لم ندع المعركة فلم نهزَم، وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريبًا منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش، ولم نرجع عن وَجْهنا، إنه والله لو كان يقال: انهزم أبو حمران حُمَيِّر بن بجيْر الهمْدانيّ ما باليت، إنما يقال: انهزم أبو الروّاغ: فقفوا قريبًا، فإن أتَوْكم فعجَزْتم عن قِتالِهم فانحازوا، فإن حملوا عليكم فعجزْتم عن قتالهم فتأخّروا وانحازوا إلى حامِيَة فإذا رجعوا عنكم فاعطِفوا عليهم، وكونوا قريبًا منهم، فإن الجيش آتِيكم إلى ساعة، قال: فأخذت الخوارجُ كلّما حملتْ عليهم انحازوا وهم كانوا حامية، وإذا أخذوا في الكرّة عليهم فتفرّق جماعتُهم قرب أبو الرّواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم، فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم، وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الأولى، فلما حضَرت صلاةُ الظهر نزل المستورِد للصّلاة، واعتزل أبو الرّواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين، ونزل أصحابُه فصلَّوا الظهر، وأقاموا رجلين رَبيئةً، وأقاموا مكانَهم حتى صلَّوا العصر، ثم إن فتى جاءهم بكتاب معقلِ بن قيس إلى أبي الرّواغ، وكان","vol":"9","page":38},{"text":"أهل القرى وعابر السبيل يمرّون عليهم ويرونهم يقتتلون، فمن مَضى منهم على الطريق نحو الوَجْه الذي يأتي من قِبله مَعقل استقبل معقلًا فأخبَره بالْتِقاء أصحابه والخوارج، فيقول: كيف رأيتموهم يصنعون؟\nفيقولون: رأينا الحَرُورية تطرد أصحابَك، فيقول: أما رأيتم أصحابي يَعطِفون عليهم ويقاتلونهم؟ فيقولون: بلى، يعطفون عليهم وينهزمون: فقال: إن كان ظنيّ بأبي الروّاغ صادقًا لا يقدم عليك منهزِمًا أبدًا، ثم وقف عليهم فدعا مُحرِز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن مِنقَر التميميّ فقال له: تخلَّف في ضَعفة الناس، ثم سِر بهم على مهَل، حتى تقدم بهم عليّ، ثم نادِ في أهل القوّة: ليتعجل كلّ ذي قوّة معي، اعجَلوا إلى إخوانكم، فإنهم قد لاقوْا عدوّهم، وإني لأرجو أن يُهلِكَهم الله قبل أن تصلوا إليهم.\nقالى: فاستجمعَ من أهل القوّة والشجاعة وأهلِ الخيل الجياد نحو من سبعمئة، وسار فأسرع، فلما دنا من أبي الروّاغ قال أبو الروّاغ: هذه غَبَرة الخيل، تقدَّموا بنا إلى عدوّنا حتى يقدم علينا الجند، ونحن منهم قريب، فلا يَرَوْن أننا تنحّينا عنهم ولاهِبنَاهم. قال: فاستقدم أبو الروّاغ حتى وقف مقابل المستورِد وأصحابه، وغشِيَهم معقل في أصحابه، فلما دنا منهم غَرَبت الشمس، فنزل فصلَّى بأصحابه، ونزل أبو الرّواغ فصلّى بأصحابه في جانب آخر، وصلّى الخوارج أيضًا، ثم إنّ معقل بن قيس أقبل بأصحابه حتى إذا دنا من أبي الروّاغ دعاه فأتاه، فقال له: أحسنت أبا الروّاغ! هكذا الظنّ بك، الصبر والمحافظة. فقال: أصلحك الله! إنّ لهم شدّات منكراتٍ، فلا تكن أنت تَليها بنفسك، ولكن قدّم بين يديك من يقاتلهم، وكن أنت من وراء الناس رِدءًا لهم؛ فقال: نِعمَ ما رأيت! فواللهِ ما كان إلا رَيْثَما قالها حتى شدّوا عليه وعلى أصحابه، فلما غَشوه انجَفَل عنه عامّةُ أصحابه، وثبتَ ونزل، وقال: الأرضَ الأرضَ يا أهل الإسلام! ونزل معه أبو الروّاغ الشاكريّ وناسٌ كثيرٌ من الفُرْسان وأهلِ الحفاظ نحو مئتي رجل، فلما غشيَهم المستورِد وأصحابهُ استقبلوهم بالرّماح والسيوف، وانجفلتْ خيلُ معقل عنه ساعة، ثم ناداهم مسكين بن عامر بن أنَيْف بن شُريح بن عمرو بن عُدُس - وكان يومئذ من أشجع الناس وأشدِّهم بأسًا - فقال: يا أهل الإسلام، أين الفِرار، وقد نزل أميركم! ألا تَستحيون! إنّ الفرار","vol":"9","page":39},{"text":"مَخزاةٌ وعار ولؤم، ثمّ كرّ راجعًا، ورجعتْ معه خيلٌ عظيمة، فشدّوا عليهم ومعقِل بن قيس يُضارِبهم تحتَ رايته مع ناس نَزلُوا معه من أهل الصّبر، فضَرَبوهم حتى اضطرّوهم إلى البيوت، ثمّ لم يلبثوا إلا قليلًا حتى جاءهم مُحرِز بن شهاب فيمن تخلَّف من الناس، فلما أتوهم أنزَلَهم ثم صفّ لهم، وجعل ميمنةً وميسَرة، فجعل أبا الروّاغ على ميمنته ومحرزَ بن بُجير بن سُفيان على مَيسرته ومسكينَ بن عامر على الخيل، ثم قال لهم: لا تَبرَحوا مَصافَّكم حتى تصبحوا، فإذا أصبحْتم ثُرْنا إليهم فناجَزْناهم، فوقف الناس مواقفهَم على مَصافِّهم (١). (٥: ١٩٥/ ١٩٦ / ١٩٧).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عُقْبة الغَنوِي، قال: لما انتهى إلينا معقل بن قيس قال لنا المستورد: لا تَدَعُوا مَعقِلًا حتى يعبِّيَ لكم الخيل والرَّجْل، شُدّوا عليهم شَدَّةً صادقة، لعلّ الله يَصرَعه فيها. قال: فشددْنا عليهم شدة صادقة، فانكشفوا فانفضّوا ثم انجفلوا ووثب مَعقِل عن فرسِه حين رأى إدبارَ أصحابه عنه، فرفع رايتَه، ونزل معه ناس من أصحابه، فقاتَلوا طويلًا، فصبروا لنا، ثم إنهم تداعَوا علينا، فعطفوا علينا من كلّ جانب، فانحَزْنا حتى جعلنا البيوتَ في ظهورنا، وقد قاتلْناهم طويلًا، وكانت بيننا جِراحةٌ وقتلٌ يسير (٢). (٥: ١٩٧/ ١٩٨).\nقال أبو مخنف: حدّثني حصيرة بن عبد الله عن أبيه: أنّ عُمَير بن أبي أشاءة الأزديّ قُتِل يومئذ وكان فيمن نزل مع معقلِ بن قيس، وكان رئيسًا.\nقال: وكنتُ أنا فيمن نَزَل معه، فواللهِ ما أنسَى قولَ عُمَيْر بن أبي أشاءة ونحن نقتتِل وهو يضارِبهُم بسيفه قُدْما:\nقد عَلِمتْ أَنّي إذا ما أَقْشَعُوا ... عنّيَ والتاثَ اللئامُ الوُضَّعُ\nأحْوَسُ عند الرَّوْعِ نَدْبٌ أَرْوَعُ\nوقاتل قتالًا شديدًا ما رأيت أحدًا قاتَلَ مثلَه، فجَرح رجالًا كثيرًا، وقَتَل وما أدري أنه قتل، ما عدا واحدًا وقد علمت أنه اعتنقه، فخرّ على صدره\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"9","page":40},{"text":"فذبحه، فما حزّ رأسَه حتى حمل عليه رجلٌ منهم فطعنَه بالرمح في ثُغْرة نَحرِه، فخرّ عن صدره، وانجَدَل ميّتًا، وشددْنا عليهم، وحُزْناهم إلى القَرْية، ثم انصرفْنا إلى معركتِنا، فأتيتُه وأنا أرجو أن يكون به رَمَق، فإذا هو قد فاظ، فرجعتُ إلى أصحابي فوقفتُ فيهم (١). (٥: ١٩٨).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنويّ، قال: إنا لمتواقِفون أوّلَ الليل إذ أتانا رجل كنا بعثْناه أوّلَ الليل، وكان بعض من يمرّ الطريق قد أخبَرَنا أنّ جيشًا قد أقبل إلينا من البَصرة، فلم نكترِث، وقُلْنا لرجل من أهل الأرض وجعلْنا له جُعْلًا: اذهبْ فاعلم هل أتانا من قبل البصرة جيش؟ فجاء ونحن مواقفو أهل الكوفة. وقال لنا: نعم، قد جاءكم شريكُ بن الأعور، وقد استقبلت طائفة على رأس فرسخ عند الأولى، ولا أرى القومَ إلا نازلين بكم الليل، أو مُصبِّحيكم غُدْوة، فأسقِط في أيدينا.\nوقال المستورد لأصحابه: ماذا ترون؟\nقلنا: نرى ما رأيت، قال: فإني لا أرى أن أقيمَ لهؤلاء جميعًا، ولكن نرجع إلى الوجه الذي جئنا منه، فإنّ أهلَ البَصرة لا يتبعونا إلى أرض الكوفة، ولا يتبعنا حينئذ إلا أهلُ مِصْرنا: فقلنا له: ولِمَ ذاك؟ فقال: قتال أهلِ مصرٍ واحدٍ أهوَن علينا من قتال أهلِ المِصْرَين؛ قالوا: سِرْ بنا حيث أحببتَ، قال: فانزلوا عن ظهور دوابِّكم فأريحوا ساعة، وأقضِموها، ثم انظروا ما آمُركم به، قال: فنزلْنا عنها، فأقضمْنَاها، قال: وبيننا وبينهم حينئذ ساعة قد ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيَّتهم؛ قال: فلما أرحْناها وأقْضَمْناها أمَرَنا فاستوَيْنا على مُتونها، ثم قال: ادخلُوا القرية، ثم اخرجوا من ورائها، وانطلِقوا معكم بعِلْجٍ يأخذ بكم من ورائها، ثم يعود بكم حتى يَردّكم إلى الطريق الذي منه أقبلْتم ودعْوا هؤلاء مكانَهم، فإنهم لم يشعُروا بكم عامة الليل، أو حتى تصبحوا. قال: فدخلْنا القرية وأخذْنا عِلْجًا، ثمّ خرجْنا به أمامنا، فقلنا: خذْ بنا من وراء هذا الصّفّ حتى نعودَ إلى الطريق الذي منه أقبلْنا، ففعل ذلك، فجاء بنا حتى أقامَنا على الطريق الذي\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":41},{"text":"منه أقبلْنا، فلزِمناه راجِعين، ثم أقبلْنا حتى نزلْنا جَرْجَرايا (١). (٥: ١٩٨/ ١٩٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني حُصَيرة بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث، قال: إنّي أوّل من فَطِن لذَهابهم، قال: فقلت: أصلحك الله! لقد رابني أمر هذا العدوّ منذ ساعة طويلة، إنهم كانوا مواقفين نرى سوادَهم، ثمّ لقد خَفِيَ عليَّ ذلك السوادُ منذ ساعة، وإني لخائف أن يكونوا زالوا من مكانهم ليَكيدوا الناسَ، فقال: وما تخاف أن يكون من كيدهم؟ قلت: أخاف أن يبيّتوا الناسَ، قال: والله ما آمَن ذلك؛ قال: فقلتُ له: فاستعدّ لذلك، قال: كما أنت حتى أنظر. يا عتّاب، انطلِق فيمن أحببتَ حتى تدنَو من القرية فتنظرَ هل ترى منهم أحدًا أو تسمَع لهم رِكزًا! وسَلْ أهلَ القرية عنهم.\nفخرج في خُمُس الغُزاة يَركض حتى نظر القرية فأخذ لا يرى أحدًا يكلّمه، وصاح بأهل القرية، فخرج إليه منهم ناسٌ، فسألهم عنهم، فقالوا: خرجوا فلا ندري كيف ذَهَبوا! فرجع إليه عتّاب فأخبره الخبر، فقال معقِل: لا آمن البَيات، فأين مُضَر؟ فجاءت مضر فقال: قفوا هاهنا، وقال: أين ربيعة؟ فجعل ربيعة في وجه، وتميمًا في وجه، وهمْدان في وجه، وبقيّة أهل اليَمَن في وجه آخر، وكان كلّ ربع من هؤلاء في وجه وظهره مما يلي ظهر الرّبع الآخر، وجالَ فيهم معقل حتى لم يَدع ربعًا إلا وقف عليه، وقال: أيّها الناس! لو أتوكم فبدَؤوا بغيركم فقاتَلوهم فلا تبرَحوا أنتم مكانكم أبدًا حتى يأتيَكم أمري، وليُغْنِ كلّ رجل منكم الوجَه الذي هو فيه، حتى نُصبحَ فنرى رأيَنا، فمكثوا متحارِسين يخافون بياتَهم حتى أصبحوا، فلما أصبحوا نزلوا فصلّوا، وأتُوا فأخبِروا أنّ القوم قد رجعوا في الطريق الذي أقبلوا منه عودَهم على بدئهم، وجاء شَريك بن الأعور في جيش من أهل البَصرة حتى نزلوا بمعقل بن قيس فلقيه، فتساءَلا ساعة، ثم إنّ معقلًا قال لشريك: أنا متَّبع آثارَهم حتى ألحقَهم لعلّ الله أن يُهلِكهم، فإني لا آمن إن قصّرتُ في طلبهم أن يكثروا فقام شريك فجمع رجالًا من وجوه أصحابه، فيهم خالد بنُ مَعْدان الطائيّ وبيْهسَ بن صُهَيب الجَرْميّ، فقال لهم: يا هؤلاء! هل لكم في خير؟ هل لكم في أن تسيروا مع إخواننا من أهل الكوفة في طلب هذا\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":42},{"text":"العدوّ الذي هو عدوّ لنا ولهم حتى يستأصلَهم الله ثم نرجع؟ فقال خالد بن مَعْدان وبَيْهس الجَرْميّ: لا والله، لا نفعل، إنما أقبلْنا نحوَهم لننفيَهم عن أرضنا، ونمنَعَهم من دخولها، فإنْ كفانا الله مؤونَتَهم فإنا منصَرِفون إلى مِصْرِنا، وفي أهل الكوفة من يَمنعون بلادَهم من هؤلاء الأكلب؛ فقال لهم: وَيْحَكم أطيعوني فيهم، فإنهم قومُ سُوء، لكم في قتالِهم أجرٌ وحُظْوة عند السلطان، فقال له بَيْهس الجَرميّ: نحن والله إذًا كما قال أخو بني كنانة:\nكَمُرْضِعَةٍ أَوْلَادَ أُخْرَى وضيّعتْ ... بَنِيها فَلَمْ تَرْقَعْ بذَلك مَرْقَعَا\nأما بَلَغك: أنّ الأكراد قد كفروا بجبال فارسَ! قال: قد بلغني، قال: فتأمرنا أن ننطَلق معك نحمِي بلادَ أهل الكوفة، ونقاتل عدوّهم، ونترك بلادَنا، فقال له: وما الأكراد! إنما يكفيهم طائفة منكم؛ فقال له: وهذا العدوّ الذي تَندُبنا إليه إنما يكفيه طائفة من أهل الكوفة، إنهم لعَمْري لو اضطُرّوا إلى نُصْرتنا لكان علينا نُصرتَهُم، ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد، وفي بلادنا فتقٌ مثل الفَتْق الذي في بلادهم، فليُغنوا ما قِبَلهم، وعلينا أن نغنيَ ما قِبلَنا، ولَعَمري لو أنَّا أطعناك في اتباعهم فاتّبعتهم كنتَ قد اجترأتَ على أميرك، وفعلتَ ما كان ينبغي لك أن تطلع فيه رأيه، ما كان ليحتمِلها لك، فلما رأى ذلك قال لأصحابه: سيروا فارتحِلوا، وجاء حتى لقي معقلًا - وكانا متحابَّيْن على رأي الشيعة متوادَّين عليه - فقال: أما والله لقد جَهدت بمن معي أن يتبعوني حتى أسير معكم إلى عدوكم فغلبوني، فقال له معقل: جزاك الله من أخ خيرًا! إنا لم نحتجْ إلى ذلك، أما والله إنّي أرجو أن لو قد جهدوا لا يُفلت منهم مُخبر (١). (٥: ١٩٩/ ٢٠٠/ ٢٠١).\nقال أبو مخنف: حدّثني الصَّقْعَب بن زُهير عن أبي أمامة عُبيد الله بن جُنادة، عن شريك بن الأعور، قال: حدّثنا بهذا الحديث شَرِيك بن الأعور، قال: فلمّا قال: والله إني لأرجو أن لو جهدوا لا يُفلت منهم مخبِر، كرهتُها والله له، وأشفقتُ عليه، وحسبت أن يكون شبَه كلام البَغْي؛ قال: وايمُ اللهِ ما كان من أهل البَغي (٢). (٥: ٢٠١/ ٢٠٢).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"9","page":43},{"text":"قال أبو مخنف: حدّثني حُصيرة بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن الحارث الأزديّ، قال: لما أتانا أنّ المستورِدَ بن عُلفة وأصحابه قد رجعوا عن طريقهم سُرِرْنا بذلك، وقلنا: نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن، وإن دنوا من الكُوفة كان أهلَك لهم؛ ودَعا معقلُ بن قيس أبا الروَّاغ فقال له: اتّبعه في أصحابك الذين كانوا معك حتى تحبسه عليّ حتى ألحَقك، فقال له: زدني منهم فإنه أقوَى لي عليهم إن هم أرادوا مناجَزتي قبل قدومك، فإنا كنا قد لقينا منهم بَرْحًا، فزاده ثلاثمئة، فاتّبعهم في ستمئة، وأقبلوا سِراعًا حتى نزلوا جَرْجرَايا، وأقبل أبو الرّواغ في إثرهم مسرعًا حتى لحقهم بجَرْجَرايا، وقد نزلوا، فنزل بهم عند طلوع الشمس، فلما نظروا إذا هم بأبي الرواغ في المقدِّمة، فقال يعضهم لبعض: إنّ قتالَكم هؤلاء أهونُ من قتال من يأتي بعدَهم.\nقال: فخرجوا إلينا، فأخذوا يُخرُجون لنا العَشَرة فُرسان منهم والعشرين فارسًا، فنخرج لهم مثلهم، فتطارد الخَيْلان ساعةً يَنتصِف بعضُنا من بعض، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فشدّوا علينا شَدّةً واحدة صَدَقوا فيها الحملة.\nقال: فصَرفونا حتى تركْنا لهم العَرْصة، ثم إن أبا الروّاغ نادى فيهم، فقال! يا فُرسان السوء، يا حُماة السوء، بئس ما قاتلتم القوم! إليّ إليّ! . فعالجَ نحوًا من مئةِ فارس، فعطف عليهم، وهو يقول:\nإنّ الفَتى كلّ الفتى من لم يُهَلْ ... إذا الجَبانُ حادَ عن وَقْعِ الأَسَلْ\nقد عَلِمَتْ أَنِّي إذا البأْسُ نزلْ ... أروَعُ يومَ الهَيْجِ مِقدامٌ بَطَلْ\nثم عطف عليهم فقاتلَهم طويلًا، ثم عطف أصحابُه من كلّ جانب، فصدَقوهم القتال حتى ردّوهم إلى مكانهم الذي كانوا فيه، فلما رأى ذلك المستورِد وأصحابه ظنوا أنّ معقلًا إن جاءهم على تفِئة ذلك لم يكن دون قتله لهم شيء؛ فمضى هو وأصحابُه حتى قَطعَوا دجلة، ووَقَعوا في أرض بَهُرسير، وقطعوا أبو الروّاغ في آثارهم فاتّبَعهم وجاء معقل بن قيس فاتّبع إثْرَ أبي الروّاغ، فقطع في إثره دِجْلة، ومضى المستورِد نحوَ المدينة العتيقة، وبلغ ذلك سِماك بن عُبيد، فخرج حتى عبر إليها، ثم خرج بأصحابه، وبأهل المَدائن، فصفّ على بابها، وأجلس رجالًا رُماةً على السُّور، فبلغهم ذلك، فانصرفوا حتى نزلوا سابَاطَ، وأقبل أبو الروّاغ في طلب القوم حتى مرّ بسماك بن عبيد بالمدائن، فخبّره","vol":"9","page":44},{"text":"بِوَجههم الذي أخذوا فيه، فاتبعهم حتى نزل بهم سابَاط (١). (٥: ٢٠٢/ ٢٠٣).\nقال أبو مخنف: حدّثني عبدالرحمن بن جندب عن عبدالله بن عُقْبة الغَنَوي، قال: لمّا نزل بنا أبو الروّاغ دعا المستورِد أصحابَه، فقال: إنّ هؤلاء الذين نزلوا بكم مع أبي الروّاغ هم حُرّ أصحاب معقل، ولا والله ما قَدِم إليك إلا حُماتُه وفُرسانُه، والله لو أعلم أني إذا بادرت أصحابه هؤلاء إليه أدركته قبل أن يفارِقوه بساعة لبادرتهم إليه، فليخرج منكم خارج فيسأل عن معقل أين هو؟ وأين بلغ؟ قال: فخرجتُ أنا فاستقبلت عُلُوجًا أقبَلوا من المدائن، فقلت لهم: ما بلغكم عن معقِل بن قيس؟ قالوا: جاء فَيْج لسماك بن عبيد من قبَله كان سرّحه ليستقبلَ معقلًا فينظر أين انتهى؟ وأين يريد أن ينزل؟ فجاءه فقال: تركته نزل ديلمايا - وهي قرية من قرى إسْتان بَهُرَسير إلى جانب دِجْلة، كانت لقُدامة بن العجلان الأزديّ - قال له: كم بيننا وبينهم من هذا المكان؟ قالوا: ثلاثة فراسخ، أو نحو ذلك.\nقال: فرجعتُ إلى صاحبي فأخبرتُه الخبر، فقال لأصحابه: اركبوا، فرَكِبوا، فأقبل حتى انتهى بهم إلى جسر سابَاط، وهو جسر نهرِ الملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة - وأبو الروّاغ وأصحابه مما يلي المدائن. قال: فجئْنا حتى وقفْنا على الجسر، قال: ثم قال لنا: لتنزل طائفةٌ منكم: قال: فنزل منا نحوٌ من خمسين رجلًا، فقال: اقطَعوا هذا الجسر، فنزَلْنا فقطعناه، قال: فلما رأوْنا وُقوفًا على الخيل ظنّوا أنا نريد أن نعبرُ إليهم؛ قال: فصفّوا لنا، وتعبّوْا، واشتغلوا بذلك عنا في قَطْعنا الجسر، ثمّ إنا أخَذْنا من أهل ساباطَ دليلًا فقلنا له: احضُر بين أيدينا حتى ننتهي إلى ديلمايا، فخرج بين أيدينا يسعى، وخرجنا تلمع بنا خيلُنا، فكان الخَبَب والوَجيف، فما كان إلا ساعة حتى أطللْنا على معقل وأصحابه وهم يتحمّلون، فما هو إلا أن بَصُر بنا وقد تفرّق أصحابُه عنه، ومقدمته ليست عنده، وأصحابه قد استقَدم طائفةً منهم، وطائفة تَزحَل، وهم غارّون لا يَشعرُون، فلما رآنا نَصَب رايَتَه، ونزل ونادى: يا عباد الله! الأرضَ الأرضَ! فنزل معه نحو من مئتي رجل؛ قال: فأخَذنا نحمل عليهم فيَستقبلونا\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":45},{"text":"بأطراف الرّماح جُثاةً على الرُّكَب فلا نَقدر عليهم، فقال: لنا المستورد: دَعُوا هؤلاء إذا نزلوا وشُدّوا على خَيْلهم حتى تَحُولوا بينها وبينهم، فإنكم إن أصبتم خيلَهم فإنهم لكم عن ساعة جُزرٌ؛ قال: فشَددْنا على خيلهم، فحُلْنَا بينهم وبينها، وقطعْنا أعنّتها، وقد كانوا قَرَنوها، فذهبتْ في كلّ جانب، قال: ثمّ مِلْنا على الناس المتزحّلين والمتقدّمين، فحمَلْنا عليهم حتى فرقنا بينهم، ثم أقبلنا إلى معقل بن قيس وأصحابه جُثاة على الرُّكب على حالهم التي كانوا عليها، فحَمَلْنا عليهم، فلم يتحَلحَلوا، ثم حَمَلْنا عليهم أخرى، ففعلوا مِثلَها، فقال لنا المستورد: نازِلوهم، لينزلِ إليهم نصفُكم، فنزل نصفُنا، وبقي نصفُنا معه على الخيل، وكنتُ في أصحاب الخيل.\nقال: فلما نزل إليهم رجّالتنا قاتلتْهم، وأخذنا نَحمِل عليهم بالخيل، وطمِعنا والله فيهم، قال: فوالله إنَّا لَنُقاتلهم ونحن نُرَى أن قد عَلَوناهم إذْ طلعتْ علينا مقدّمة أصحاب أبي الروّاغ، وهم حُرّ أصحابه وفُرسانُهم، فلما دنَوا منّا حملوا علينا، فعند ذلك نزلنا بأجمعنا فقاتلناهم حتى أصيب صاحبنا وصاحبُهم، قال: فما علمتُه نجا منهم يومئذ أحدٌ غيري، قال: وإني أحدثُهم رَجُلًا فيما أرَى (١). (٥: ٢٠٣/ ٢٠٤/ ٢٠٥).\nقال أبو مخنف: حدَّثني عبد الرحمن بن جندب عن عبد الله بن عُقْبة الغَنَويّ، قال: وحدّثنا بهذا الحديث مرّتين من الزمن، مرّة في إمارة مصعب بن الزبير بباجُمَيْرَا، ومرّةً ونحن مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بَديْر الجماجم، قال: فقُتِل والله يومئذ بدَيْر الجماجم يومَ الهزيمة، وإنه لمقْبِل عليهم يضاربهم بسيفه وأنا أراه؛ قال: فقلت له بدير الجماجم: إنك قد حدّثتني بهذا الحديث بباجُمَيرا مع مصعب بن الزبير، فلم أسألك كيف نجوتَ من بين أصحابك؟ قال: أحدّثك، والله إنّ صاحبنا لما أصيب قُتِل أصحابُه إلا خمسة نفر أو ستة؛ قال: فشَدَدْنا على جماعة من أصحابه نحو من عشرين رجلًا، فانكَشَفوا.\nقال: وانتهيت إلى فرس واقف عليه سَرْجُه ولجامه، وما أدري ما قصّة صاحِبه أقُتِل أم نَزل عنه صاحبُه يقاتل وتركه! قال: فأقبلتُ حتى أخذتُ بلِجامه،\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":46},{"text":"وأضع رجلي في الرّكاب وأستوِي عليه. قال: وشدّ والله أصحابه عليّ، فانتهوا إليَّ، وغمزتُ في جنب الفرس، فإذا هو والله أجوَد ما سُخِّر، ورَكَض منهم ناس في أثَري فلم يعلَقُوا بي، فأقبلتُ أركُض الفرسَ، وذلك عند المساء، فلما علمتُ أني قد فتُّهم وأمنت، أخذت أسيرُ عليه خَبَبًا وتقريبًا، ثمّ إني سرتُ عليه بذلك من سيره، ولقيت عِلْجًا فقلت له: اسعَ بين يديّ حتى تُخرِجني الطريق الأعظم، طريقَ الكوفة؛ ففعل، فوالله ما كانت إلا ساعة حتى انتهيت إلى كُوثَى، فجئت حتى انتهيت إلى مكان من النّهر واسع عريض، فأقحمتُ الفرس فيه، فعبَرْتُه، ثم أقبلتُ عليه حتى آتي ديرَ كعب، فنزلتُ فعلفتُ فرسي وأرحتُه وهوَّمت تهويمة، ثم إني هببت سريعًا، فحُلْت في ظهر الفرس، ثم سِرتْ في قِطْع من الليل فاتّخذت بقيّة الليل جَمَلًا، فصلّيت الغداة بالمزاحميّة على رأس فرسخين من قُبِّين، ثمّ أقبلتُ حتى أدخلَ الكوفة حينَ متَع الضّحى، فآتي من ساعتي شريك بن نملة المحاربيّ، فأخبرته خبري وخبرَ أصحابه، وسألته أن يَلقَى المغيرةَ بن شُعبة فيأخذَ لي منه أمانًا، فقال لي: قد أصبتَ الأمان إن شاء الله، وقد جئتَ ببشارة، والله لقد بتّ الليلة وإنّ أمر الناس ليَهمّني.\nقال: فخرج شريك بن نملة المحاربيّ حتى أتى المُغيرة مسرعًا فاستأذَن عليه، فأذن له، فقال: إن عندي بُشرَى، ولي حاجة، فاقض حاجتي حتى أبشّرك ببشارتي، فقال له: قُضِيتْ حاجتُك، فهاتِ بُشْراك؛ قال: تؤمِّن عبدَ الله بن عُقبة الغَنَوِي، فإنه كان مع القوم، قال: قد آمنته، والله لَودِدْت أنك أتيتني بهم كلهم فآمنتهم، قال: فأبشِر؛ فإنّ القوم كلهم قد قُتلوا، كان صاحبي مع القوم، ولم ينجُ منهم فيما حدّثني غيره، قال: فما فعل معقل بن قيس؟ قال: أصلحك الله! ليس له بأصحابنا عِلم. قال: فما فرغ من منطقة حتى قدم عليه أبو الروّاغ ومسكين بن عامر بن أنيف مبشّرين بالفَتْح فأخبروا: أن معقل بن قيس والمستورِد بن عُلّفة مشَى كلّ واحد منهما إلى صاحبه، بيَدِ المستورِد الرّمح وبيَد معقل السيف، فالتَقَيَا، فأشرَع المستورد الرّمح في صدرِ معقل حتى خرج السنان من ظهره، فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيفُ أمّ الدماغ، فخرّا ميّتَيْن (١). (٥: ٢٠٥/ ٢٠٦ / ٢٠٧).\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":47},{"text":"قال أبو مخنف: حدّثني حُصَيرة بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما رأينا المستورِد بن عُلّفة وقد نزلْنا به ساباط أقبل إلى الجِسْر فقطعه، كنا نظنّ أنه يريد أن يَعبُر إلينا. قال: فارتَفَعْنا عن مظلم ساباط إلى الصَّحراء التي بين المدائن وساباط فتعبّأنا وتهيّأنا، فطال علينا أن نراهم يخرجون إلينا. قال: فقال أبو الروّاغ: إن لهؤلاء لشأنًا، ألا رجل يَعلَم لك عِلمَ هؤلاء؟ فقلت: أنا ووهيب بن أبي أشاءة الأزديّ: نحن نَعلَمُ لك عِلمَ ذلك، ونأتيك بخبرهم، فقربنا على فَرسيْنا إلى الجسر فوجَدْناه مقطوعًا، فظننّا القومَ لم يقطعوه إلا هيبةً لنا ورُعْبًا منا، فرجَعْنا نَركُض سراعًا حتى انتهينا إلى صاحبنا، فأخبرنا بما رأينا، فقال: ما ظنّكم؟ قال: فقلنا: لم يَقطَعوا الجسرَ إلا لهيبتنا ولِمَا أدخل اللهُ في قلوبهم من الرّعب منّا. قال: لعمري ما خرج القومُ وهم يريدون الفِرار، ولكنّ القوم قد كادوكم، أتسمعون! والله ما أراهم إلا قالوا: إنّ معقلًا لم يبعث إليكم أبا الروّاغ إلا في حرّ أصحابه، فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا، وجدّوا في السير نحو معقل وأصحابه، فإنكم تجدُونهم غارِّين آمنين إن تأتوهم؛ فقطعوا الجسرَ لكيما يشغلوكم به عن لَحاقكم إياهم حتى يأتوا أميرَكم على غرّة، النّجاء النّجاء في الطلب! قال: فوقع في أنفسنا أنّ الذي قال لنا كما قال. قال: فصحْنا بأهل القرية؛ قال: فجاؤوا سراعًا: فقلنا لهم: عجِّلوا عقد الجسر، واستحَثثْناهم فما لَبِثوا أن فرغوا منه، ثم عَبرْنا عليه، فاتّبعناهم سِراعًا ما نلوي على شيء، فلزمنا آثارهم، فو الله ما زلْنا نسأل عنهم، فيقال: هم الآن أمامَكم، لحقتموهم، ما أقربَكم منهم، فو الله ما زلنا في طلبهم حِرْصًا على لَحاقهم حتى كان أوّل من استقبلنا مَن الناس فلّهم وهم منهزمون لا يلوي أحدٌ على أحد. فاستقبلهم أبو الروّاغ، ثمّ صاح بالناس: إليّ إليّ؛ فأقبَل الناس إليه، فلاذوا به، فقال: ويْلَكم! ما وراءكم؟ فقالوا: لا ندري، لمَ يَرُعْنا إلّا والقوم معنا في عسكرنا ونحن متفرّقون. فشدّوا علينا. ففرّقوا بيننا، قال: فما فعل الأمير؟ فقائل يقول: نزل وهو يقاتل؛ وقائل يقول: ما نراه إلا قُتل؛ فقال لهم: أيّها الناس! ارجعوا معي، فإنْ نُدْرِك أميرَنا حيًّا نقاتل معه، وإن نجدْه قد هلك قاتلْناهم، فنحن فُرسانُ أهلِ المصْر المنتخَبون لهذا العدوّ، فلا يفسدنّ فيكم رأي أميركم بالمصْر، ولا رأي أهل المصْر، وايمُ الله لا ينبغي لكم إن عاينتموه وقد قتلوا","vol":"9","page":48},{"text":"معقلًا أن تفارقوهم حتى تُبيروهم أو تباروا، سيروا على بركة الله. فساروا وسِرْنا، فأخذ لا يستقبل أحدًا من الناس إلا صاح به وردّه، ونادى وجوهَ أصحابه وقال: اضربوا وجوهَ الناس وردّوهم. قال: فأقبلْنا نردّ الناس حتى انتَهيْنا إلى العسكر، فإذا نحن براية معقل بن قيس منصوبة، فإذا معه مئتا رجل أو أكثر فُرسان الناس ووجوههم ليس فيهم إلا راجل، وإذا هم يقتتلون أشدّ قتال سَمع الناس به، فلما طلعنا عليهم إذا نحن بالخوارج قد كادوا يعلُون أصحابَنا، وإذا أصحابُنا على ذلك صابرون يجالدونهم، فلما رأوْنا كَرّوا ثم شدّوا على الخوارج، فارتفعتْ الخوارج عنهم غيرَ بعيد، وانتهينا إليهم، فنظر أبو الروّاغ إلى معقل فإذا هو مستقدم يذمِّر أصحابه ويحرّضهم، فقال له: أحيٌّ أنت فِداك عمّي وخالي! قال: نعم؛ فشدّ القوم، فنادى أبو الروّاغ أصحابه: ألا تَرَون أميركم حيًّا! شُدّوا على القوم، قال: فَحمَل وحملْنا على القوم بأجمعنا؛ قال: فصدَمْنا خيلَهم صدمةً منكرَة، وشدّ عليهم معقل وأصحابه، فنزل المستورِد، وصاح بأصحابه: يا معشر الشُّراة، الأرضَ الأرضَ، فإنها واللهِ الجنّة! والذي لا إله غيره لمن قتل صادق النيّة في جهاد هؤلاء الظَّلَمة وجلاحهم. فتنازَلوا من عند آخرهم، فنزلنا من عند آخرنا، ثم مضيْنا إليه منصلتين بالسيوف، فاضطرَبْنا بها طويلًا من النهار كأشدّ قتال اقتَتلَه الناس قطّ، غير أن المستورِد نادى معقلًا فقال: يا معقل! ابرُز لي، فخرج إليه معقل، فقلنا له: نَنشُدك أن تَخرُج إلى هذا الكلب الذي قد آيَسه الله من نفسِه! قال: لا والله لا يدعوني رجل إلى مبارَزة أبدًا فأكونَ أنا النّاكل؛ فمشى إليه بالسيف، وخرج الآخر إليه بالرمح، فناديناه أنْ الْقه برمح مثل رمحه، فأبى، وأقبل عليه المستورد فطعنه حتى خرج سنان الرمح من ظهره، وضربه معقلٌ بالسيف حتى خالط سيفُه أمَّ الدّماغ، فوقع ميّتًا، وقتل معقل، وقال لنا حين برز إليه: إن هلكتُ فأميرُكم عمرو بن محرز بن شهاب السعديّ ثم المِنقَريّ: قال: فلما هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز، وقال عمرو: إن قتلت فعليكم أبو الروّاغ، فإن قتل أبو الروّاغ فأميرُكم مسكين بن عامر بن أنَيف، وإنه يومئذ لفتىً حَدَث، ثم شدّ برايته، وأمر الناس أن يشدّوا عليهم، فما لبَّثوهم أن قتلوهم (١). (٥: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩).\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1383>[ذكر ولاية عبد الله بن حازم خراسان]</span>\nومما كان في هذه السنة تولية عبد الله بن عامر عبدَ الله بن خازم بن ظَبْيان خُراسان، وانصراف قيس بن الهيثم عنه، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر أبو مِخْنف عن مقاتل بن حيّان -: أن ابنَ عامر استبطأ قيسَ بن الهيثم بالخراج، فأراد أن يَعزِله، فقال له ابن خازم: ولّني خُراسانَ فأكفيكَها وأكفيكَ قيسَ بن الهيثم. فكتب له عهدَه أو همَّ بذلك، فبلغ قيسًا أن ابن عامر وجَد عليه لاستخفافه به، وإمساكه عن الهديّة، وأنه قد ولّى ابن خازم، فخاف ابن خازم أن يشاغبه ويحاسبه، فترك خُراسان، وأقبل فازداد عليه ابن عامر غضبًا، وقال: ضيَّعت الثَّغْر! فضَرَبه وحَبسَه، وبعث رجلًا من بني يَشكُرَ على خُراسان (١). (٥: ٢٠٩).\nقال أبو مخنف: بعث ابن عامر أسلم بن زُرْعة الكلابيّ حين عَزَل قيسَ بن الهيثم؛ قال عليّ بن محمد: أخبَرَنا أبو عبد الرحمن الثَّقفيّ، عن أشياخه، أنّ ابن عامر استعمل قيسَ بنَ الهثيم على خُراسان أيام معاوية، فقال له ابن خازم: إنك وجّهت إلى خُراسان رجلًا ضعيفًا، وإني أخاف إنْ لقيَ حربًا أن ينهزم بالناس، فَتهْلك خُراسان، وتَفتضح أخوالك. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهدًا: إدن هو انصرف عن عدوّك؛ قمت مقامه. فكتب له، فجاشت جماعةٌ من طُخَارِستان، فشاور قيس بن الهيثم فأشارَ عليه ابن خازم أن ينصرفَ حتى يجتمعَ إليه أطرافه؛ فانصرف، فلما سار من مكانه مرحلةً أو مرحلتين أخرج ابنُ خازم عهدَه، وقام بأمر الناس، ولقي العدوّ فهزمهم، وبلغ الخبر المصرَيْن والشأم فغضب القيسيّة وقالوا: خدَع قيسًا وابن عامر؛ فأكثروا في ذلك حتى شكَوْا إلى معاوية، فبعث إليه فقَدِم، فاعتذر مما قيل فيه؛ فقال له معاوية: قم فاعتذر إلى الناس غدًا؛ فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال: إني قد أمرت بالخطبة، ولست بصاحب كلام، فاجلسوا حولَ المنبر، فإذا تكلّمت فصدّقوني، فقام من الغد، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنما يتكلّف الخُطبة إمامٌ لا يجد منها بدًّا، أو أحمقُ يهمر من رأسه لا يبالي ما خرج منه، ولست بواحد منهما؛ وقد علم من\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":50},{"text":"عرفني: أني بصير بالفُرَص، وثّاب عليها، وقّاف عند المهالك، أنفذُ بالسرِيّة، وأقسم بالسويّة؛ أنشدكم بالله من كان يعرف ذلك منّي لما صدّقني! قال أصحابه حولَ المنبر: صدقت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك ممّن نشدت فقل بما تعلم؛ قال: صدقت (١). (٥: ٢٠٩/ ٢١٠)\nقال عليّ: أخبَرَنا شيخٌ من بني تميم يقال له: مَعمر، عن بعض أهل العلم أن قيسَ بنَ الهيثم قَدِم على ابن عامر من خُراسان مراغمًا لابن خازم، قال: فضربه ابن عامر مئةً وحَلَقه وحبسه، قال: فطلبتْ إليه أمُّه، فأخرجه (٢). (٥: ٢١٠).\nوحجَّ بالناس في هذه السنة - فيما قيل - مروانُ بن الحَكَم، وكان على المدينة، وكان على مكّة خالدُ بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرةُ بن شُعبة، وعلى قضائها شُريح، وعلى البَصرة وفارسَ، وسِجستان، وخُراسان، عبد الله بن عامر، وعلى قضائها عُمَير بن يثربيّ (٣). (٥: ٢١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك دخولُ المسلمين مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلادَ الرّوم ومَشتاهم بها، وغزو بُسْر بن أبي أرطاةَ البحر (٤). (٥: ٢١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>عزل عبد الله بن عامر عن البصرة</span>\nوفي هذه السنة عَزل معاويةُ عبدَ الله بن عامر عن البصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>ذكر الخبر عن سبب عزله:</span>\nكان سبب ذلك أن ابن عامر كان رجلًا ليّنًا كريمًا، لا يأخذ على أيدي\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) ذكر الطبري هذا عن علي المدائني معلقًا.\n(٣) قلنا: ذكر الطبري حج مروان بن الحكم بالناس بصيغة التمريض وأما خليفة فقد ذكر ذلك بصيغة الجزم فقال: وأقام الحج مروان بن الحكم (تأريخ خليفة/ ٢٠٦) وكذلك قال الذهبي (وأقام الحج مروان) (تأريخ الإسلام/ عهد معاوية/ ١١).\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":51},{"text":"السفهاء، ففَسَدت البصرةُ بسبب ذلك أيّامَ عمله بها لمعاوية، فحدثني عُمر بن شبّة، قال: أخبرنا يزيد الباهليّ، قال: شكا ابنُ عامر إلى زياد فسادَ الناس وظهور الخُبث، فقال: جرِّد فيهم السيف، فقال: إني أكرَه أن أصلِحهم بفسادِ نفسي (١). (٢١٢: ٥).\nحدّثني عمر، قال: قال أبو الحسن: كان ابن عامر ليّنًا سهلا، سهلَ الولاية، لا يعاقِب في سلطانه، ولا يقطع لصًّا، فقيل له في ذلك؛ فقال: أنا أتألّف الناس، فكيف أنظر إلى رجل قد قطعتُ أباه وأخاه! (٢) (٥: ٢١٢).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مَسلَمة بن محارب، قال: وفد ابن الكوّاء - واسم ابن الكوّاء: عبد الله بن أبي أوفَى - إلى معاوية، فسأله عن الناس، فقال ابن الكَوّاء: أمّا أهل البَصرة فقد غلب عليها سُفهاؤها، وعاملُها ضعيف، فبلغ ابن عامر قولُ ابن الكَوّاء، فاستعمل طُفيل بن عوف اليشكريّ على خُراسان، وكان الذي بينه وبين ابن الكوِّاء متباعدًا، فقال ابن الكَوّاء: إن ابن دَجاجة لقليلُ العلم فيَّ، أظَنَّ أنّ ولاية طُفيل خُراسانَ تسوءني! لَودِدت أنه لم يبق في الأرض يشكريٌّ إلا عاداني، وأنه ولّاهم. فعزل معاوية ابن عامر، وبعث الحارث بن عبد الله الأزديّ. قال: وقال القَحذميّ: قال ابن عامر: أيّ الناس أشدّ عداوةً لابن الكؤاء؟ قالوا: عبد الله بن أبي شيخ، فولّاه خُراسان؛ فقال ابن الكوّاء ما قال (٣). (٥: ٢١٣/ ٢١٢).\nوذكر عن عمر عن أبي الحسن، عن شيخ من ثقيف، وأبي عبد الرحمن الأصبهانيّ: أنّ ابن عامر أوفد إلى معاوية وَفدًا، فوافقوا عنده وفدَ أهل الكوفة، وفيهم ابن الكوّاء اليشكريّ، فسألهم معاوية عن العراق وعن أهل البصرة خاصّة؛ فقال له ابن الكَوّاء: يا أميرَ المؤمنين، إنّ أهل البَصرة أكَلَهم سفهاؤهم، وضَعُف عنهم سلطانهم. وعَجَّز ابنَ عامر وضعَّفه. فقال له معاوية: تَكلَّمُ عن أهلِ البصرة وهم حضور! فلما انصرف الوفد إلى البَصرة بَلّغوا ابنَ عامر ذلك، فغضِب، فقال: أيّ أهلِ العراق أشَدّ عداوةً لابن الكَوّاء! فقيل له: عبد الله بن أبي شيخ\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده مرسل.","vol":"9","page":52},{"text":"اليشكريّ، فولَّاه خُراسان، وبلغ ابنَ الكوّاء ذلك فقال ما قال (١). (٥: ٢١٣).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: لما ضعف ابن عامر عن عمله، وانتشر الأمر بالبصرة عليه، كتب إليه معاوية يستزيره، قال عمر: فحدّثني أبو الحسن: أنّ ذلك كان في سنة أربع وأربعين، وأنه استخلف على البَصرة قيسَ بن الهيثم، فقَدِم على معاوية، فردّه على عمله، فلما ودّعه قال له معاوية: إني سائلك ثلاثًا، فقل: هنّ لك. قال: هُنَّ لك، وأنا ابن أمّ حكيم، قال: تردّ عليّ عملي، ولا تَغضَب، قال: قد فعلت؛ قال: وتهب لي مالَكَ بعَرَفة؛ قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دُورَك بمكة؛ قال: قد فعلتُ، قال: وصلَتْك رَحِم! قال: فقال ابن عامر: يا أميرَ المؤمنين! إني سائلك ثلاثًا فقل: هنّ لك؛ قال: هُنّ لك، وأنا ابن هند؛ قال: تردّ عليّ مالي بعَرَفة، قال: قد فعلت، قال: ولا تُحاسب لي عاملًا، ولا تتّبع لي أثرًا. قال: قد فعلت، قال: وتُنكِحني ابنتك هندًا؛ قال: قد فعلت.\nقال: ويقال: إنّ معاوية قال له: اخِترْ بين أن أتتبّع أثرك وأحاسبَك بما صار إليك، وأردّك إلى عمَلك، وبين أن أسوّغك ما أصبت، وتعتزل، فاختار أن يسوِّغه ذلك ويَعتزل (٢). (٥: ٢١٣/ ٢١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>استلحاق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه</span>\nوفي هذه السنة استلحق معاويةُ نسبَ زياد بن سميّه بابيه أبي سُفيان فيما قيل.\nحدّثني عمرُ بن شبّه، قال: زعموا: أنّ رجلًا من عبد القيس كان مع زياد لمّا وفد على معاوية، فقال لزياد: إنّ لابن عامر عندي يدًا، فإن أذنتَ لي أتيتُه، قال: على أن تحدّثني ما يجري بينَك وبينَه؛ قال: نعم، فأذن له فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سميّة يقبّحُ آثاري، ويعرّض بعُمّالي! لقد هممتُ أن آتيَ بقَسَامة من قريش يَحلفون أنّ أبا سُفيان لم يرَ سُمية؛ قال: فلما رجع سأله زياد، فأبى أن يُخبره، فلم يَدَعْه حتى أخبره، فأخبر ذلك زيادٌ معاويةَ، فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجهَ دابّته عن أقصى الأبواب، ففعل ذلك\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":53},{"text":"به، فأتى ابن عامر يزيد، فشكا إليه ذلك، فقال له: هل ذكرتَ زيادًا؟ قال ت نعم، فركب معه يزيدُ حتى أدخلَه، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس فكم عسى أن تَقعُد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاويةُ وفي يده قَضيبٌ يَضرِب به الأبواب، ويتمثّل:\nلنا سِياقٌ ولكمْ سِياقُ ... قد عَلِمَت ذلكمُ الرِّفاقُ\nثم قعد فقال: يابن عامر! أنت القائل في زياد ما قلت! أما والله لقد علمَت العربُ أني كنت أعزَّها في الجاهليَّة، وإنّ الإسلام لم يزدني إلا عزًّا، وأنّي لم أتكثر بزيادٍ من قلّة، ولم أتعزّز به من ذِلّة، ولكن عرفتُ حقًّا له فوضعتهُ موضعَه، فقال: يا أمير المؤمنين! نرجع إلى ما يحبّ زياد، قال: إذًا نرجع إلى ما تحبّ؛ فخرج ابن عامر إلى زياد فترضَّاه (١). (٥: ٢١٤/ ٢١٥).\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدّثنا عمرو بن هاشم عن عُمر بن بشير الهمْدانيّ، عن أبي إسحاق: أنّ زيادًا لما قدم الكُوفة، قال: قد جئتُكم في أمرٍ ما طلبتُه إلا إليكم، قالوا: ادعنا إلى ما شئتَ، قال: تُلحِقون نسبي بمعاوية؛ قالوا: أمّا بشهادة الزُّور فلا؛ فأتى البَصرة، فشهد له رجل (٢). (٥: ٢١٥).\nوحجّ بالناس في هذه السنة معاوية.\nوفيها عَمِل مروانُ المقصورةَ، وعَمِلها - أيضًا فيما ذكر - معاوية بالشأم (٣). (٢١٥: ٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>ثم دخلت سنة خمس وأربعين ذكر الأحداث المذكورة التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك استعمال معاويةَ الحارث بن عبدِ الله الأزديّ فيها على البصرة.\n_________\n(١) ذكر ابن شبة هذا الخبر تعليقًا.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا وعبد الرحمن بن صالح معروف بوضعه في مثالب الصحابة وعمر بن بشير ضعيف كذلك وعمرو بن هاشم ضعفه غير واحد فالإسناد مسلسل بالضعفاء.\n(٣) ضعيف.","vol":"9","page":54},{"text":"فحدّثني عمرُ، قال: حدّثني عليُّ بن محمد، قال: عزل معاويةُ ابنَ عامر وولَّى الحارثَ بنَ عبد الله الأزديّ البَصرة في أوّل سنة خمس وأربعين، فأقام بالبصرة أربعةَ أشهر، ثم عَزَله. قال: وقد قيل: هو الحارث بن عَمرو وابن عَبْد عَمْرو. وكان من أهل الشأم، وكان معاوية عزل ابنَ عامر ليوليَ زيادًا، فولّى الحارث كالفرس المحلِّل، فولّى الحارثُ شُرْطَته عبدَ الله بن عمرو بن غيلان الثَّقَفيّ، ثم عَزَله معاوية وولّاها زيادًا (١). (٥: ٢١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة</span>\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليٌّ، قال: حدّثنا بعضُ أهلِ العلم: أنّ زيادًا لما قدِم الكوفة ظَنّ المغيرة أنه قدم واليًا على الكوفة، فأقام زياد في دار سَلْمان بن ربيعة الباهليّ، فأرسل إليه المغيرة وائلَ بنَ حُجر الحضرميّ أبا هُنَيدة، وقال له: اعلم لي عِلمَه. فأتاه فلم يَقدر منه على شيء، فخرج من عنده يريد المغيرة، وكان زاجرًا، فرأى غُرابًا يَنعَق، فرجع إلى زياد فقال: يا أبا المغيرة، هذا الغراب يرحِّلك عن الكوفة. ثم رجع إلى المغيرة، وقدم رسولُ معاويةَ على زياد من يومه: أن سِرْ إلى البَصْرة (٢). (٥: ٢١٦).\nوأما عبد الله بن أحمد المَروَزيّ فحدّثني، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن إسحاق - يعني ابن يحيى - عن معبد بن خالد الجدَليّ، قال: قَدِم علينا زيادٌ - الذي يقال له: ابنُ أبي سُفْيان - من عندِ معاويةَ، فنزل دارَ سلمان بن ربيعة الباهليّ ينتظر أمرَ معاوية قال: فبلغ المغيرةَ بن شعبة - وهو أميرٌ على الكوفة - أنّ زيادًا ينتظر أن تجيءَ إمارتُه على الكوفة، فدعا قطَن بن عبد الله الحارثيّ فقال: هل فيك من خير؟ تكفيني الكُوفة حتى آتيَك من عندِ أمير المؤمنين؛ قال: ما أنا بصاحب ذا، فدعا عتيبة بن النهّاس العِجْليّ، فعرض عليه فقبل، فخرج المغيرة إلى معاوية، فلما قدم عليه سأله أن يَعزِله، وأن يَقطَع له منازلَ بقَرْقِيسيَا بين ظهريْ قيس، فلما سمع بذلك معاوية خاف\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":55},{"text":"بائقتَه، وقال: والله لترجعنّ إلى عملكَ يا أبا عبد الله! فأبى عليه، فلم يزدْه ذلك إلا تُهمة، فردّه إلى عمله، فطرقَنا ليلًا، وإني لفَوْق القَصْر أحرُسه، فلما قرع البابَ أنكرْناه، فلما خاف أن ندَلِّيَ عليه حَجَرًا تسمَّى لنا، فنزلتُ إليه فرحّبت له وسلّمت، فتمثّل:\nبمثلي فافْزعي يا أُمَّ عَمْرٍو ... إذا ما هاجَني السَّفَرُ النَّعُورُ\nاذهب إلى ابن سُميّة فرحِّله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر. فخرجْنا فأتينا زيادًا، فأخرجْناه حتى طرحناه من وراء الجسر قبل أن يصبح (١). (٢١٦: ٥/ ٢١٧).\nفحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مسلمةَ والهُذلىّ وغيرُهما: أنّ معاوية استَعمل زيادًا على البصرة وخراسان وسِجسْتان، ثم جمع له الهند والبحرَيْن وعُمان، وقَدِم البصرة في آخر شهر ربيع الآخر - أو غرّة جُمادَى الأولى - سنة خمس، والفِسْق بالبَصرة ظاهر، فاشٍ، فخطب خُطبةً بَتْراءَ لَم يَحمَد الله فيها، وقيل: بل حَمِد الله فقال:\nالحمدُ لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيدَ من نِعَمه، اللهمّ كما رزقْتنا نعمًا، فألهِمْنا شكرًا على نعمتك علينا.\nأمّا بعد، فإنّ الجهالة الجَهْلاء، والضّلالة العَمْياء، والفَجْر المُوقِد لأهله النارَ الباقيَ عليهم سعيرُها، ما يأتي سفهاؤكم، ويشتَمل عليه حُلَماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأن لم تَسمعوا بآي الله، ولم تقرؤوا كتابَ الله، ولم تَسمَعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السَّرمد الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفتْ عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانيةَ على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدَثتم في الإسلام الحدَث الذي لم تُسْبَقوا به من ترككم هذه المَواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر؛ والعدد غير قليل! ألم تكن منكم نُهاةٌ تَمنع الغُواةَ عن دَلجٍ الليل وغارةِ النهار! قرّبتم القرابة، وباعدتم الدّين، تعتذرون بغير العذر، وتُغطُّون على المختلس، كلّ امرئ منكم يذبُّ\n_________\n(١) في إسناده إسحاق بن يحيى ضعيف، وقال أحمد: متروك الحديث.","vol":"9","page":56},{"text":"عن سفيهه، صنيعُ من لا يخاف عقابًا، ولا يرجو مَعادًا. ما أنتم بالحُلَماء، ولقد اتّبعتم السفهاء، ولم يزل بهم ما تروْن من قيامكم دونَهم، حتى انتهكوا حُرَم الإسلام، ثم أطرَقوا وراءكم كُنوسًا في مَكانس الرِّيَب. حُرِّم عليَّ الطعامُ والشرابُ حتى أسوّيَها بالأرض هَدْمًا وإحراقًا. إنّي رأيت آخرَ هذا الأمرِ لا يَصلُح إلّا بما صلَح [به] أوّلُه، لينٌ في غير ضَعْف، وشدّة في غير جَبريّة وعُنْف. وإنّي أقسم بالله لآخذنّ الوليّ بالوليّ، والمقيمَ بالظاعن، والمقْبِل بالمدبِر، والصحيحَ منكم بالسقيم، حتى يَلقَى الرجلُ منكم أخاه فيقول: انجُ سَعْد فقد هَلَك سعيد، أو تستقيم لي قَناتُكم. إنّ كذبة المنبر تَبقَى مشهورة، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة فقد حلّت لكم معصيتي، [وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ واعلموا أن عندي أمثالها] مَنْ بُيِّت منكم فأنا ضامنٌ لما ذهب له. إيّاي ودَلَج اللّيل، فإنّي لا أوتَى بمدلج إلا سفَكْتُ دَمه، وقد أجَّلتكم في ذلك بقدْر ما يأتي الخبر الكُوفة ويرجعُ إليّ. وإيّايَ ودعوى الجاهليّة، فإنّي لا أجد أحدًا دعَا بها إلا قطعت لسانَه. وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن، وقد أحدثْنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غَرّق قومًا غرّقتُه، ومن حرّق على قوم حرّقناه، ومن نَقَب بيتًا نقبتُ عن قلبه، ومن نَبَش قبرًا دفنتهُ [فيه] حيًّا؛ فكفّوا عنّي أيديَكم وألسنتَكم أكفُفْ يدي وأذايَ، لا يَظهر من أحد منكم خلافُ ما عليه عامّتكم إلّا ضربتُ عنقَه.\nوقد كانت بيني وبين أقوام إحَن، فجعلت ذلك دَبْرَ أذُني وتحتَ قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدَدْ إحسانًا، ومن كان مسيئًا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت: أنّ أحدكم قد قتلَه السُّلّ من بغضي لم أكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا؛ حتى يُبديَ لي صفحتَه، فإذا فعل لم أناظرْه؛ فاستأنفوا أمورَكم، وأعينوا على أنفسِكم، فربّ مبتئسٍ بقدومنا سيُسَرّ، ومسرورٍ بقدومِنا سَيبْتئس.\nأيّها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادة، نَسوسُكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا، فلنا عليكم السمعُ والطاعة فيما أحببْنا، ولكم علينا العدلُ فيما وُلِّينا، فاستوجبوا عدلَنا وفيئنا بمناصَحتكم. واعلَموا أني مهما قصّرت عنه فإني لا أقصّر عن ثلاث: لستُ محتجبًا عن طالبِ حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولاحابسًا رِزْقَا ولا عطاءً عن إبّانه، ولا مجمِّرَا لكم بعْثًا. فادعوا الله بالصّلاح لأئمتكم، فإنهم ساسَتُكم المؤدِّبون","vol":"9","page":57},{"text":"لكم، وكَهْفُكم الذي إليه تأوون، ومتى تَصلحوا يصلحوا. ولا تُشرِبوا قلوبَكم بغضَهم، فيشتدَّ لذلك غيظُكم، ويطولَ له حُزنكم، ولا تُدرِكوا حاجَتكم؛ مع أنه لو استجيبَ لكم؛ كان شرًّا لكم.\nأسأل الله أن يعين كلًّا على كلّ، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمرَ فأنفذوه على أذلاله، وايمُ الله إن لي فيكم لصرعَى كثيرة! فليحذر كلّ امرئٍ منكم أن يكون من صَرْعاي.\nقال: فقام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيّها الأمير أنك قد أُوتيتَ الحكمةَ، وفَصْلَ الخِطاب، فقال: كذبتَ، ذاك نبيّ الله داود ﵇.\nقال الأحنف: قد قلتَ فأحسَنت أيّها الأمير، والثناء بعد البلاء، والحمدُ بعدَ العطاء، وإنا لن نُثنيَ حتى نُبتلَى؛ فقال زياد: صَدقت.\nفقام أبو بلال مِرْداس بن أديَّه يَهمِس وهو يقول: أنبأ الله بغير ما قلت، قال الله ﷿: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾؛ فأوعَدَنا الله خيرًا مما واعدت يا زياد، فقال زياد: إنا لا نَجِد إلى ما تريد أنتَ وأصحابُك سبيلًا حتى نخوضَ إليها الدماء (١). (٥: ٢١٧/ ٢١٨ / ٢١٩/ ٢١٠ / ٢٢١).\nحدّثني عمرُ، قال: حدّثنا خلّاد بن يزيد، قال: سمعتُ من يخبر عن الشعبيّ، قال: ما سمعتُ متكلّمًا قطّ تكلَّم فأحسن إلا أحببتُ أن يَسكُت خوفًا أن يسيء إلا زيادًا، فإنه كان كلّما أكثر كان أجَود كلامًا (٢). (٥: ٢٢١).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن مسلمة، قال: استعمل زيادٌ على شُرْطته عبدَ الله بن حصن، فأمهَل الناس حتى بلغ الخبرُ الكوفةَ، وعاد إليه وصولُ الخبر إلى الكوفة، وكان يؤخّر العشاء حتى يكون آخر مَن يصلّي ثم يصلّي؛ يأمر رجلًا فيقرأ سورةَ البقرة ومثلها، يرتّل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يَرَى أنّ إنسانًا يبلغ الخُرَيْبة، ثم يآمر صاحب شُرطته بالخروج، فيخرج ولا يرى إنسانًا إلا\n_________\n(١) في إسناده مرسل ضعيف والهذلي متروك ولم نجد خبر الخطبة البتراء برواية صحيحة السند والله أعلم.\n(٢) في إسناده مبهم.","vol":"9","page":58},{"text":"قتله. قال: فأخذ ليلةً أعرابيًّا، فأتى به زيادًا، فقال: هل سمعتَ النداء؟ قال: لا والله، قدمتُ بحَلوبة لي، وغشيني الليلُ، فاضطررْتها إلى موضع، فأقمتُ لأصبح، ولا علمَ لي بما كان من الأمير. قال: أظنك واللهِ صادقً، ولكن في قتلك صلاحُ هذه الأمّة؛ ثم أمر به فضُربتْ عُنقُه.\nوكان زياد أوّلَ من شدّ أمرَ السلطان، وأكّد الملك لمعاوية، وألزَم الناسَ الطاعة، وتقدّم في العقوبة، وجرّد السيف، وأخذ بالظِّنّة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناسُ في سُلطانه خوفًا شديدًا، حتى أمِن الناسُ بعضُهم بعضًا، حتى كان الشيء يَسقُط من الرجل أو المرأة فلا يَعرِض له أحد حتى يأتيَه صاحبه فيأخذه، وتَبيت المرأة فلا تُغلِق عليها بابها، وساس الناسَ سياسةً لم يُرَ مثلُها، وهابه الناس هَيْبةً لم يهابوها أحدًا قبلَه، وأدرَّ العطاءَ، وبنى مدينَة الرّزق.\nقال: وسمع زياد جَرْسًا من دارِ عُمير، فقال: ما هذا؟ فقيل: محترس. قال: فليكفّ عن هذا، أنا ضامنٌ لما ذهب له؛ ما أصاب من إصْطَخْر.\nقال: وجعلَ زياد الشُّرَط أربعةَ آلاف، عليهم عبد الله بن حِصْن، أحد بني عُبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن، والجَعْد بن قيس النميريّ صاحب طاقِ الجَعْد، وكانا جميعًا على شُرَطه، فبينا زياد يومًا يسير وهما بين يديه يسيران بحرْبتيْن؛ تَنازَعا بين يديه، فقال زياد: يا جَعد، ألقِ الحربة! فألقاها، وثبت ابن حصن على شرَطه حتى مات زياد.\nوقيل: إنه ولّى الجعْد أمرَ الفُسّاق، وكان يتتبّعهم؛ وقيل لزياد: إن السُّبُل مَخُوفة؛ فقال: لا أعاني شيئًا سوى المِصْر حتى أغلب على المِصر وأُصلِحه، فإنْ غلبني المِصر فغيره أشدّ غلبة؛ فلما ضبط المِصْر تكلف ما سوى ذلك فأحكَمَه. وكان يقول: لو ضاع حَبْلٌ بيني وبين خُراسانَ علمتُ مَن أخَذَه.\nوكتب خمسمئة من مشيخة أهلِ البَصرة في صحابته، فرزقهم ما بين الثلاثمئة إلى الخمسمئة، فقال فيه حارثةُ بن بدر الغُدَانيّ:\nألا منْ مُبْلغٌ عنّي زِيادًا ... فنعْم أخو الخليفة والأميرُ!\nفأَنتَ إمامُ مَعْدَلة وقَصْدٍ ... وحَزْمٍ حين تَحضُرك الأُمورُ\nأخُوكَ خليفةُ الله ابْنُ حَرْبٍ ... وأَنْتَ وزيرُهُ، نِعْمَ الوزيرُ!\nتُصيب على الهَوَى منه وتأْتي ... محِبَّك ما يُجِنُّ لنا الضَّميرُ","vol":"9","page":59},{"text":"بأَمر الله مَنْصُورٌ مُعانٌ ... إذا جارَ الرعِيةُ لا تَجُورُ\nيَدِرُّ على يَدَيْك لما أَرادوا ... من الدُّنيا لهم حَلَبٌ غزِيرُ\nوتقسم بالسّواءِ فلا غَنيٌّ ... لضَيْمٍ يَشْتَكيكَ ولا فقيرُ\nوكنتَ حيًّا وجئتَ على زمانٍ ... خبيث، ظاهرٌ فيه شُرُورُ\nتَقاسَمَتِ الرّجالُ به هواها ... فما تُخْفِي ضغائِنَها الصُّدُورُ\nوخافَ الحاضرون وكلّ بادٍ ... يقِيمُ على المخافة أَو يَسِيرُ\nفلمّا قام سيْفُ الله فيهم ... زيادٌ قام أَبْلَجُ مُسْتَنيرُ\nقويٌّ لا مِنَ الحَدَثانِ غِرٌّ ... ولا جزِعٌ ولا فانٍ كبيرُ (١)\n(٥: ٢٢١/ ٢٢٣/٢٢٢/ ٢٢٤).\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: استعان زيادٌ بعدّةٍ من أصحاب النبيّ - ﷺ -، منهم عمران بن الحصين الخُزاعيّ ولّاه قضاءَ البصرة، والحَكَم بن عمرو الغِفاريَّ ولّاه خُراسان، وسَمُرة بن جُندب، وأنَس بن مالك، وعبد الرحمن بن سَمُرة؛ فاستعفاه عمران فأعفاه. واستقضى عبدَ الله بن فضالة الليثيّ، ثم أخاه عاصمَ بن فَضالة، ثم زُرارة بن أوفَى الحَرشيّ، وكانت أختُه لُبابة عند زياد.\nوقيل: إنّ زيادًا أوّل مَن سِير بين يَديه بالحراب، ومُشِيَ بين يديه بالعُمُد، واتّخذ الحرس رابطة خمسمئة، واستعمل عليهم شَيْبان صاحب مَقبُرة شيبان، من بني سعد، فكانوا لا يَبرَحون المسجد (٢). (٥: ٢٢٤).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: جعل زيادٌ خُراسانَ أرباعًا، واستعمل على مَرْوَ أمَيْر بن أحمر اليشكريّ، وعلى أبْرَشهر خُلَيد بن عبد الله الحنفيّ، وعلى مَرْوَ الرُّوذ والفارِياب والطالَقان قيسَ بن الهيثم، وعلى هَراةَ وباذغيس وقادس وبوشَنْج نافع بن خالد الطاحِيّ (٣). (٥: ٢٢٤).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مسلمة بن محارب وابن\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده معضل.","vol":"9","page":60},{"text":"أبي عمرو؛ شيخ من الأزْد: أنّ زيادًا عَتَب على نافع بن خالد الطاحيّ، فحبسه، وكتب عليه كتابًا بمئة ألف، وقال بعضهم: ثمانمئة ألف، وكان سبب مَوْجِدته عليه: أنه بعث بِخُوان بازهر قوائمه منه، فأخذ نافع قائمة، وجعل مكانها قائمة من ذهب، وبعث بالخُوان إلى زياد مع غلام له يقال له: زيد، كان قيّمَه على أمرِه كلّه، فسعى زيدٌ بنافع، وقال لزياد: إنه قد خانك، وأخَذَ قائمةً من قوائم الخوان، وجعل مكانها قائمة من ذهب، قال: فمشى رجال من وُجوه الأزْد إلى زياد، فيهم سَيْف بن وهب المَعْوَليّ، وكان شريفًا وله يقول الشاعر:\nاعْمِدْ بسَيْفٍ للسماحة والنَّدَى ... واعْمِدْ بِصَبْرَةَ للفعال الأعظمِ\nقال: فدخلوا على زياد وهو يَسْتاك، فتمثّل زيادٌ حين رآهم:\nاذكر بنا مَوْقِفَ أَفْراسنا ... بالحِنْوِ إذ أَنت إلينا فَقِيرْ\nقال: وأمّا الأزد فيقولون: بل تمثّل سيِفُ بن وهب أبو طلحة المَعْوَليّ بهذا البيت حين دخل على زياد، فقال: نعم. قال: وإنما ذكّره أيَّام أجارَه صَبْرة، فدعا زياد بالكتاب فمحاه بسِواكه وأخرَج نافعا\" (١). (٥: ٢٢٤/ ٢٢٥).\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ عن مَسلَمة: أنّ زيادًا عزل نافعَ بن خالد الطاحيّ وخُلَيد بنَ عبد الله الحنفيّ وأمَيْر بن أحمر اليشكُريّ، فاستعمل الحَكَم بن عَمرو بن مجدّع بن حذيْمَ بن الحارث بن نُعيلة بن مُليك - ونُعيلة أخو غفار بن مُليك - ولكنهم قليل، فصاروا إلى غفار.\nقال مسلمة: أمَرَ زيادٌ حاجبَه فقال: ادعُ لي الحَكَم - وهو يريد الحكم بنَ أبي العاص الثَقَّفي - فخرج الحاجبُ فرأى الحَكَم بن عَمرو الغِفاريّ فأدخله، فقال زيادٌ: رجل له شَرَف وله صحبةٌ من رسول الله - ﷺ -، فعَقَد له على خُراسان، ثم قال له: ما أردْتُك، ولكنّ الله ﷿ أرادَك (٢). (٥: ٢٢٥).\nحدّثني عمر قال: حدّثنا عليّ قال: أخبرَنا أبو عبد الرحمن الثَّقَفيّ ومحمد بن الفضل عن أبيه: أنّ زيادًا لمّا ولي العراقَ استعمل الحكمَ بنَ عَمرو الغفاريَّ على خُراسان، وجعل معه رجالًا على كُوَرٍ، وأمرَهم بطاعته، فكانوا على جِباية\n_________\n(١) إسناده مرسل.\n(٢) إسناده مرسل.","vol":"9","page":61},{"text":"الخَراج، وهم: أسلم بن زُرعة، وخُلَيد بن عبد الله الحنفيّ، ونافع بنُ خالد الطاحيّ، وربيعةُ بن عَسَل اليربوعيّ، وأميرُ بن أحمرَ اليشكريّ، وحاتمُ بن النعمان الباهليّ؛ فمات الحَكَم بن عمرو، وكان قد غزا طُخارِسْتان، فغَنم غنائمَ كثيرة، واستَخلف أنسَ بن أبي أناس بن زُنيم، وكان كتَبَ إلى زياد: إني قد رضيتُه لله وللمسلمين ولك، فقال زياد: اللهمّ إنّي لا أرضاه لدينك ولا للمسلمين ولا لي. وكتب زيادٌ إلى خُلَيد بنِ عبدِ الله الحنفيّ بولاية خُراسان، ثم بعث الربيعَ بنَ زياد الحارثيّ إلى خُراسان في خمسين ألفًا؛ من البَصرة خمسة وعشرين ألفًا، ومن الكوفة خمسة وعشرين ألفًا، على أهل البَصرة الربيع، وعلى أهل الكُوفة عبدُ الله بن أبي عَقِيل، وعلى الجماعة الرَّبيع بن زياد (١). (٥: ٢٢٥/ ٢٢٦).\nوقيل: حجّ بالناس في هذه السنة مَرْوانُ بن الحَكَم وهو على المدينة (٢). (٥: ٢٢٦).\nوفي هذه السنة كان مَشتَى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرضِ الرُّوم (٣). (٥: ٢٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك مَشتَى مالك بن عبد الله بأرضِ الرّوم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل بل كان مالك بن هُبيرة السَّكونيّ (٤). (٥: ٢٢٧).\n_________\n(١) في إسناده محمد بن الفضل. قال الحافظ في التقريب كذبوه.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف، وكذلك قال خليفة بن خباط (تأريخ خليفة/٢٠٧).\n(٤) وقال خليفة نقلًا عن ابن الكلبي (فيها شتى مالك بن عبد الله أبو حكيم بأرض الروم ويقال بل شتى ابن مالك بن هبيرة، تأريخ خليفة/٢٠٨).","vol":"9","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1391>خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه</span>\nوفيها انصراف عبدُ الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الرُّوم إلى حِمْص فدَسّ ابن أثال النَّصرانيّ إليه شَرْبةً مسمومةً - فيما قيل - فشرِبهَا فقتَلَتْه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>ذكر الخبر عن سبب هلاكه:</span>\nوكان السبب في ذلك ما حدّثني عمر، قال: حدثني عليّ عنَ مسلمة بن محارب: أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عَظُم شأنُه بالشأم، ومالَ إليه أهلُها، لما كان عندَهم من آثار أبيه خالد بنِ الوليد، ولغَنائه عن المسلمين في أرض الرُّوم وبأسِه، حتى خافه معاويةُ، وخشيَ على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضَمِن له إنْ هو فعل ذلك أن يضع عنه خَراجَه ما عاش، وأن يولِّيَه جبايةَ خراج حمصَ، فلمّا قدم عبد الرحمن بن خالد حِمْصَ منصرفًا من بلاد الروم دَسّ إليه ابن أثال شربةً مسمومةً مع بعض مماليكه، فشَربها فمات بحِمْص، فوفَّى له معاويةُ بما ضَمِن له، وولّاه خراجَ حِمْص، ووضع عنه خراجَه.\nقال: وقَدِم خالد بنُ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينةَ، فجلس يومًا إلى عُرْوة بن الزُّبير، فسلّم عليه، فقال له عُروة: مَن أنت؟ قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ فقال له عُرْوة: ما فعل ابن أثال؟ فقام خالد من عنده، وشخص متوجِّهًا إلى حمصَ، ثم رَصَد بها ابنَ أثال، فرآه يومًا راكبًا، فاعترض له خالدُ بن عبد الرحمن، فضَرَبه بالسيف، فقَتَله، فرفع إلى معاوية، فحبسه أيامًا، وأغرَمَه ديتَه، ولم يقدْه منه. ورجع خالدٌ إلى المدينة، فلمّا رجع إليها أتَى عروةَ فسلم عليه، فقال له عُرْوة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتُك ابنَ أثال، ولكن ما فَعل ابن جُرْموز؟ فسكت عروةُ. وقال خالدُ بن عبد الرحمن حين ضرب ابن أثال:\nأَنا ابنُ سيْفِ الله فاعْرِفُوني ... لم يبْقَ إلا حَسَبي وديني\nوصارِمٌ صلَّ به يَميني (١)\n(٥: ٢٢٧/ ٢٢٨).\n_________\n(١) إسناده مرسل وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1393>ذكر خروج سهم والخَطيم</span>\nوفيها خرج الخَطِيم، وسهم بن غالبِ الهُجَيميّ، فحكّما، وكان من أمرهما ما حدّثني به عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: لمّا وُلِّيَ زياد خافه سهم بنُ غالب الهُجيميّ، والخَطيم - وهو يزيد بن مالك الباهليِّ - فأما سهم فخرج إلى الأهواز فأحدَث؛ وحكَّم، ثم رَجَع فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمّنه زياد، وطلبه حتى أخذه، وقَتَله، وصلَبه على بابه. وأما الخَطيم فإنّ زيادًا سيّره إلى البحرين، ثم أذن له فقَدِم، فقال له: الزَم مصرَك؛ وقال لمسلم بن عمرو: اضمَنْه؛ فأبَى، وقال: إن بات عن بيته أعلمتُك. ثم أتاه مسلم فقال: لم يبت الخَطيم الليلةَ في بيته، فأمر به فقُتل، وألقي في باهلة (١). (٥: ٢٢٨).\nوحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>ثم دخلت سنة سبع وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nففيها كان مَشتَى مالك بن هُبيرة بأرض الرّوم، ومشتَى أبي عبد الرحمن القينيّ بأنطاكيَةَ (٣). (٥: ٢٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حُدَيج</span>\nوفيها عُزِل عبدُ الله بنِ العاص عن مصر، وولِيهَا معاويةُ بن حُدَيج، وسار - فيما ذكر الواقديّ - في المغرب، وكان عثمانيًّا.\nقال: ومرّ به عبد الرحمن بن أبي بكر وقد جاء من الإسكَندِرّية، فقال له: يا معاوية! قد لَعَمْري أخذتَ من معاوية جزاءَك، قتلت محمد بن أبي بكر لأنْ تليَ مصرَ، فقد وليتَها، قال: ما قتلتُ محمد بنَ أبي بكر إلا بما صنع بعُثمان؛\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف وانظر تاريخ خليفة (٢٠٨).","vol":"9","page":64},{"text":"فقال عبد الرحمن: فلو كنتَ إنما تَطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية فيما صنع حيث صنَع عمرو بن العاص بالأشعريّ ما صَنَع، فوثبتَ أوّل الناس فبايعته (١). (٥: ٢٢٩).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>ذكر غزو الغَوْر</span>\nوقال بعضُ أهلِ السيَر: وفي هذه السنة وجّه زياد الحَكَم بن عمرو الغِفاريَّ إلى خُراسان أميرًا، فغزا جبالَ الغَور وفراونده، فقهرهم بالسيف عَنْوةً ففتحها، وأصاب فيها مغانمَ كثيرة وسبايا، وسأذكر من خَالَف هذا القولَ بعدُ إنْ شاء الله تعالى.\nوذكَر قائل هذا القول: أن الحَكم بن عمرو قَفَل من غَزْوته هذه، فمات بمرو (٢). (٥: ٢٢٩).\nواختلفوا فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال الواقديّ: أقام الحجَّ في هذه السنة عُتبةُ بن أبي سُفيان، وقال غيره: بل الذي حجّ في هذه السنة عَنْبسة بن أبي سُفْيان (٣). (٥: ٢٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nوكان فيها مَشْتَى أبي عبد الرحمن القَيْني أنطاكيَة، وصائفة عبد الله بن قيس الفزاريّ، وغزوة مالك بنِ هُبيرة السَّكونيّ البحر، وغزوة عُقبة بن عامر الجهنيّ بأهل مصرَ البحر، وبأهل المدينة، وعلى أهل المدينة المنذرُ بنُ الزّهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.\nوقال بعضهم: فيها وجّه زيادٌ غالبَ بن فَضالة الليثيّ على خُراسان، وكانت له صحبةٌ مِن رسول الله - ﷺ - (٤). (٥: ٢٣١).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":65},{"text":"وهو يتوقع العزلَ لمَوْجِدة كانت من معاويةَ عليه، وارتجاعِه منه فَدَك، وقد كان وهَبَها له (١). (٥: ٢٣١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>ثم دخلت سنة تسع وأربعين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها كانت غَزوةُ فضالة بن عبيد جَربّة، وشتا بجَربّة، وفتِحتْ على يديه، وأصاب فيها سَبْيًا كثيرًا.\nوفيها كانت صائفةُ عبد الله بن كُرْز البَجَلّي.\nوفيها كانت غزوة يزيد بن شَجَرة الرّهاويّ في البحر، فَشتَا بأهل الشام.\nوفيها كانت غزوةُ عقبةَ بن نافع البحر، فشتا بأهلِ مصرَ.\nوفيها كانت غزوةُ يزيدَ بن معاوية الرّوم حتى بلغ قُسْطَنطينيّة، ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزّبير وأبو أيوبَ الأنصاريَ.\nوفيها عَزَل معاويةُ مروان بن الحَكَم عن المدينة في شهر ربيع الأوّل.\nوأمَّرَ فيها سعيدَ بن العاص على المدينة في شهر ربيع الآخر؛ وقيل: في شهر ربيع الأوّل.\nوكانت ولايةُ مروانَ كلّها بالمدينة لمعاويةَ ثمان سنينَ وشهرين.\nوكان على قضاء المدينة لمرْوان - فيما زعم الواقديّ - حين عُزِل عبد الله بن الحارث بن نوفل، فلما ولي سعيد بن العاص عزَلَه عن القضاء، واستَقضَى أبا سَلَمة بن عبد الرّحمن بن عوف.\nوقيل: في هذه السنة وقع الطاعون بالكُوفة، فهرب المغيرةُ بن شُعبة من الطاعون، فلما ارتفع الطاعون قيل له: لو رجعتَ إلى الكُوفة! فقَدِمها فُطعِن فمات؛ وقد قيل: مات المغيرة سنة خمسين، وضمّ معاويةُ الكوفَة إلى زياد، فكان أوّل من جمِع له الكُوفة والبَصرة (٢). (٥: ٢٣٢).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.","vol":"9","page":66},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص (١). (٥: ٢٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>ثم دخلت سنة خمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كانت غزوة بُسر بن أبي أرطاة، وسُفْيان بن عوف الأزديّ أرضَ الرُّوم. وقيل: كانت فيها غَزْوة فَضالَة بن عبيد الأنصاريّ البحرَ (٢). (٥: ٢٣٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة</span>\nوفيها - في قول الواقديّ والمدائنيّ - كانت وفاةُ المُغيرة بن شعْبة، قال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن أبي موسى الثقفيّ عن أبيه، قال: كان المغيرة بنُ شُعبةَ رجلًا طُوالًا، مصابَ العَين، أصيب باليَرْمُوك، توفِّيَ في شعبان سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة (٣). (٥: ٢٣٤).\nوأما عَوانة فإنه قال - فيما حدّث عن هشام بن محمد، عنه - هلَك المغيرُة سنة إحدى وخمسين.\nوقال بعضهم: بل هلك سنة تسع وأربعين (٤). (٥: ٢٣٤).\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: كان زيادٌ على البَصرة وأعمالِها إلى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبةَ بالكُوفة وهو أميرُها، فكتب معاويةُ إلى زياد بعَهْده على الكُوفة والبَصْرة، فكان أوّل من جمع له الكُوفة والبَصْرة، فاستخلف على البصرة سَمُرَة بن جُنْدَب، وشَخَصَ إلى الكُوفة، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكُوفة، وستة أشهرُ بالبَصْرة (٥).\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٤) إسناده ضعيف جدًّا.\n(٥) إسناده معضل.","vol":"9","page":67},{"text":"حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ عن مسلمة بن محارب، قال: لما مات المغيرة؛ جُمِعت العراقُ لزياد، فأتى الكوفةَ فصَعِد المنبرَ، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبَصْرة، فأردت أن أشخص إليكم فِي ألفين من شُرْطة البَصْرة، ثمّ ذكرتُ أنكم أهل حقّ، وأنّ حقّكم طالما دفع الباطل، فأتيتُكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رَفَع مني ما وَضَع الناس، وحَفِظ مني ما ضَيَّعوا ... حتى فَرَغ من الخطبة، فحُصب على المِنبر، فجلس حتى أمسكُوا، ثم دعا قومًا من خاصّته، وأمرَهم، فأخذوا أبوابَ المسجد، ثم قال: ليأخذْ كلّ رجل منكم جليسَه، ولا يقولنّ: لا أدْرِي من جليسي؟ ثم أمر بكرسيّ فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعةً أربعةً يحلفون بالله ما مِنّا مَنْ حَصَبَك، فمن حَلَف خلّاه، ومن لم يَحلِف حبَسه وعَزَله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال: بل كانوا ثمانين، فقطَّع أيديَهم على المكان (١). (٥: ٢٣٤/ ٢٣٥).\nقال الشعبيّ: فوالله ما تعلَّقنا عليه بكذْبة، وما وعدنا خيرًا ولا شرًّا إلا أنفَذَه.\nحدّثني عمر قال: حدّثنا عليّ عن سلمة بن عثمان، قال: بلغني عن الشعبيّ أنه قال: أوّل رجل قَتلَه زيادٌ بالكوفة أوفَى بن حصن، بلغه عنه شيء فطلبه فهرب، فعرض الناسَ زياد، فمرّ به، فقال: مَن هذا؟ قالوا: أوفَى بن حصن الطائيّ؛ فقال زياد: أتتك بحائن رِجْلاه، فقال أوْفَى:\nإنَّ زيادًا أبَا المغيرة لا ... يعجَلُ والناسُ فيهِمْ عَجَلهْ\nخِفتُكَ والله فاعْلَمْن حَلِفي ... خوفَ الحَفافِيثِ صَولَةَ الأَصَلهْ\nفجِئتُ إذْ ضاقَتِ البلاد فَلم ... يكنْ عليها لخِائِفٍ وأَلَهْ\nقال: ما رأيُك في عثمان؟ قال ختَن رسولِ الله - ﷺ - على ابنتَيه، ولم أنكِره، ولي محصولُ رأي، قال: فما تقول في معاوية؟ قال:\nجوَاد حليم؛ قال: فما تقول فيَّ؟ قال: بلغني أنك قلتَ بالبصَرة: والله لآخذن البرئ بالسقيم، والمقبلَ بالمدبر؛ قال: قد قلتُ ذاك، قال: خبطتَها عَشْواء؛ قال زياد: ليس النفاخ بشَرِّ الزَّمَرة، فقتَله؛ فقال عبد الله بن همّام السَّلوليّ:\n_________\n(١) إسناده مرسل.","vol":"9","page":68},{"text":"خَيَّبَ اللهُ سَعْيَ أَوفَى بنِ حِصنٍ ... حين أَضْحَى فَرُّوجَةَ الرَّقَاءِ\nقادَهُ الحَيْنُ والشقاءُ إلى لَيْـ ... ـثِ عَرِينٍ وحَيَّةٍ صَمّاءِ\nقال: ولما قدم زياد الكوفةَ؛ أتاه عُمَارة بن عُقبة بن أبي مُعَيط، فقال: إنّ عمرو بن الحَمِق يجتمع إليه من شيعة أبي تُراب، فقال له عمرو بن حُرَيث: ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقَّنُه ولا تدري ما عاقبتُه! فقال زياد: كلاكما لم يُصِب، أنت حيث تكلمني في هذا علانيةً وعمرو حِينَ يردُّك عن كلامك، قُومَا إلى عمرو بن الحَمِق فقولا له: ما هذه الزُّرافات التي تجتمع عندك! من أرادك، أو أردتَ كلامَه ففي المسجد.\nقال: ويقال: إنّ الذي رفع على عمرو بن الحَمِق، وقال له: قد أنْغَل المِصرَيْن يزيد بن رُوَيْم، فقال عمرو بن الحريث: ما كان قطّ أقبل على ما يَنفعه منه اليوم؛ فقال زياد ليزيدَ بن رُوَيم: أما أنت فقد أشطْت بدَمِه، وأما عمرو فقد حَقَن دمه، ولو علمت: أن مخّ ساقه قد سال من بغضي ماهِجته حتى يخرج عليّ.\nواتخذ زيادٌ المقصورة حين حَصبه أهلُ الكوفة (١). (٥: ٢٣٥/ ٢٣٦).\nوولّى زياد حين شَخَص من البصرة إلى الكُوفة سَمُرة بن جُنْدب، فحدّثني عمر، قال: حدّثني إسحاق بن إدريس، قال: حدّثني محمد بن سليم، قال: سألت أنس بن سيرينَ: هِل كان سَمُرة قَتَل أحدًا؟ قال: وهل يُحصَى من قَتَل سَمُرة بن جندب! استخلفَه زيادٌ على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانيةَ آلافٍ من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلتَ أحدًا بريئًا؟ قال: لو قتلتُ إليهم مثلهم ما خشيتُ - أو كما قال (٢). (٥: ٢٣٦/ ٢٣٧).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحُدّانيّ، عن أبي سوّار العدويّ، قال: قتل سَمُرة من قومي في غَداةٍ سبعة وأربعين رجلًا قد جَمَع القرآن (٣). (٥: ٢٣٧)\n_________\n(١) في إسناده انقطاع.\n(٢) في إسناده محمد بن سليم وهو ضعيف وفي متنه نكارة.\n(٣) في إسناده نوح بن قيس صدوق كان يتشيع ولا تقبل روايته هذه لأنه طعن في سمرة ﵁ لأنه عمل واليًا في عهد الأمويين فهذه الرواية تتماشى مع هواه في بدعته.","vol":"9","page":69},{"text":"حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد عن جعفر الصّدَفيّ، عن عوف، قال: أقبل سَمُرة من المدينة، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقّتهم، ففجأ أوائلَ الخيل، فحمل عليه رجلٌ من القوم فأوْجَرَه الحرْبَة، قال: ثم مضت الخيل، فأتَى عليه سَمُرة بن جندب، وهو متشحِّط في دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: أصابتْه أوائلُ خيل الأمير، قال: إذا سمعتم بنا قد ركبْنا فاتّقوا أسنّتنا (١). (٥: ٢٣٧).\n_________\n(١) في إسناده جعفر الصدفي لم نجد له ترجمة والإسناد مرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>سمرة بن جندب وما حاكته الروايات الواهية حول شخصيته</span>\nلقد استغل أعداء التاريخ الإسلامي (من المبتدعة والمستشرقين وغيرهم) كل رواية واهية أو موضوعة للنيل من صحابة رسول الله - ﷺ - والصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁ من هؤلاء، والسبب في ذلك كما قال الإمام الجزري: وكان شديدًا على الخوارج وكان إذا أتي بواحد منهم قتله، ويقول: شر قتلى تحت أديم السماء يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء فالحرورية ومن قاربهم في مذهبهم يطعنون عليه وينالون منه (أسد الغابة ٢/ ت ٢٢٤٣).\nولقد أورد الطبري روايات ثلاث لا يحتجّ بهن لضعف إسنادهن ونكارة متنهنّ أما الأولى فهي من طريق محمد بن سليم وهو ضعيف.\nوالرواية الثانية في إسنادها نوح بن قيس وهو صدوق قال عنه الإمام أحمد: كان يتشيع وطبيعي من راوٍ كهذا أن يروي ما يقوي بدعته ويطعن في صحابي مثل سمرة ويحمل عليه لأنه يكره من عمل واليًا لمعاوية ﵁ وسمرة كان أميرًا للبصرة في عهد معاوية ﵁ ولذلك ذكر أئمة الجرح والتعديل هذه المسائل وبيّنوا بدعة كل راوٍ.\nأما الرواية الثالثة ففي إسنادها جعفر الصدفي لم نجد له ترجمة وكذلك فالرواية عن عوف المعروف بالتشيع - إضافة إلى أنه توفي سنة (١٤٦ هـ) وله ست وثمانون أي أنه ولد في السنة التي توفي فيها معاوية ﵁ فروايته مرسلة هنا - إضافة إلى الضعف السابق الذي ذكرنا - ولقد روّج الرواة الضعفاء والمبتدعة لحديث (آخركم موتًا في النار) وخلاصة هذه الرواية: أن النبي - ﷺ - قال لمجموعة من الصحابة (لعشرة أو أقل): (آخركم موتًا في النار) وكان من ضمن هؤلاء سمرة بن جندب والذي كان آخرهن موتًا.\nولكن روايات هذا الحديث ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها إضافة إلى أن متنها مخالف لما تواتر عن عدالة الصحابة وفي روايات هذا الحديث ما رواه أبو سلمة عن أبي نضرة عن أبي هريرة، وقال الذهبي معقبًا على هذه الرواية:\nأبو نضرة لم يسمع من أبي هريرة - والرواية الأخرى من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن حكيم الضبي. =","vol":"9","page":70},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قلنا: وإسماعيل هذا مجهول الحال.\nوالرواية الأخرى من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فسألته فقال: إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت فجاء النبي - ﷺ - فقال: \"آخركم موتًا في النار\" فمات أبو هريرة ثم مات أبو محذورة.\nقلنا: وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف من الرابعة.\nوالرواية الأخرى من طريق عبد الله بن طاووس وغيره مرفوعًا وهذا إسناد معضل والله أعلم.\nوهذه الروايات ذكرها الحافظ الذهبي في ترجمة سمرة (عهد معاوية/ ٢٣٣) ورواية أخرى لم يذكرها الذهبي أخرجها ابن عبد البر، وفي إسنادها أحمد بن محمد بن الحجاج قال ابن عدي في ترجمته: كذبوه وأنكرت عليه أشياء:\nقلنا: وذكر الذهبي في بواطيله (ميزان الاعتدال ١/ ٥٣٧).\nفهل هذه أسانيد يعتمد عليها ويحتج بها في مخالفة عدالة الصحابة؟\nثم: إن صح متن هذه الروايات فالمقصود بها نار الدنيا لا نار الآخرة فسمرة هذا مات حرقًا ﵁ وأرضاه ولقد ذكر الحافظ الذهبي من طريق وهب بن جرير عن أبيه سمع أبا يزيد المديني يقول: لما مرض أصابه برد شديد، فأوقدت له نار في كانون بين يديه، وكانون خلفه، وكانون عن يمينه، وآخر عن شماله، فجعل لا ينتفع بذلك، وكان يقول: كيف أصنع بما في جوفي، فلم يزل كذلك حتى مات، ثم قال الذهبي: وإن صحَّ هذا فيكون إن شاء الله قوله ﵊: \"آخركم موتًا في النار\" متعلقًا بموته في النار لا بذاته (عهد معاوية/ ٢٣٤).\nوكذلك قال الحافظ ابن عبد البر في ترجمة سمرة: سقط في قدر مملوء ماءً حارًا كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه فسقط في القدر الحار فمات فكان ذلك تصديقًا لقول رسول الله - ﷺ - له ولثالث معهما آخركم موتًا في النار. (الاستيعاب/ ٢/ ٦٥٣).\nقلنا: ومعروف عند أئمة التابعين المشهورين بالعلم والتقوى والصدق كانوا يقولون عن الصحابي الجليل سمرة بن جندب خلاف ما يروجه المبتدعة تمامًا كما أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب قال حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الصمد ثنا أبو هلال ثنا عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين قال: \"كان سمرة ما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله\"، وأخرجه ابن عبد البر في طريق آخر: \"عبد الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ثنا محمد بن علي بن مروان (الاستيعاب ٢/ ٢١٤).\nوقال ابن الجزري في ترجمته: وكان شديدًا على الخوارج وكان إذا أتي بواحد منهم قتله، =","vol":"9","page":71},{"text":"حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو عبيدة، قال: قال زياد يومئذ على المِنبر: يا أهل البصرة! والله لتَكفُنِّي هؤلاء أو لأبْدأنّ بكم، والله لئن أفلتَ منهم رجلٌ لا تأخذون العامَ من عطائكم درهمًا، قال: فثار الناسُ بهم فقتلوهم (١). (٥: ٢٣٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة</span>\nقال محمد بن عمر: وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله - ﷺ - أن يُحمَل إلى الشام، محُرّك فكُسِفت الشمس حتى رُئيت النجوم باديةً يومئذ، فأعظم الناس ذلك، فقال: لم أرِدْ حملَه، إنما خفت أن يكون قد أرِضَ، فنظرت إليه، ثم كساه يومئذ (٢). (٥: ٢٣٨).\nوذكر محمد بن عمرَ: أنه حدّثه بذلك خالد بن القاسم عن شعيب بن عمرو الأمويّ (٣). (٥: ٢٣٩).\nقال محمد بن عمر: حدّثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه، قال: قال معاوية: إني رأيتُ أنّ منبرَ رسول الله - ﷺ - وعصاه لا يُتركَان بالمدينة، وهم قَتَلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه، فلمّا قدم طلب العصا وهي عند سعد القَرَظ، فجاءه أبو هريرة، وجابرُ بن عبد الله، فقالا: يا أمير المؤمنين؛ نذكّوك الله ﷿ أن تفعل هذا، فإنّ هذا لا يصلح، تُخرِج منبرَ رسولِ الله - ﷺ - من موضع وضعه، وتُخرِج عصاه إلى الشام؛ فانقل المسجد! فأقصر وزاد فيه ستّ درجات، فهو اليوم ثماني درجات، واعتذر إلى الناس مما صنع (٤). (٥: ٢٣٩)\n_________\n= ويقول: شر قتلى تحت أديم السماء يكفرون المسلمين ويسفكون الدماء فالحرورية ومن قاربهم في مذهبهم يطعنون عليه وينالون منه/ أسد الغابة (٢/ ت ٢٢٤٣).\n(١) إسناده معضل.\n(٢) ذكر الطبري هذا الخبر عن محمد بن عمر الواقدي وهو متروك وانظر تعليقنا بعد (٥: ٢٣٩/ ٢٤٠).\n(٣) في إسناده الواقدي وهو متروك.\n(٤) ذكر الطبري هذا الخبر منقطعًا بينه وبين الواقدي والواقدي متروك وانظر تعليقتا بعد الرواية (٥: ٢٣٩/ ٢٤٠).","vol":"9","page":72},{"text":"قال محمد بن عمر: وحدّثني سُويد بن عبد العزيز عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن أبان بن صالح، عن قبِيصة بن ذُؤَيب، قال: كان عبد الملك قد همّ بالمنبر، فقال له قَبيصة بن ذؤيب: اذكِّرك اللهَ ﷿ أن تفعل هذا، وأن تحوّله! إنّ أمير المؤمنين معاوية حرّكه فكُسفت الشمس، وقال رسولُ الله - ﷺ -: \"من حلف على مِنبري آثمًا فليتبوّأ مقعَدَه من النار\"، فتخرجه من المدينة وهو مقطّع الحقوق بينهم بالمدينة! فأقصَر عبدُ الملك عن ذلك، وكفّ عن أن يذكره، فلما كان الوليد وحجّ همّ بذلك وقال: خبّرانِي عنه، وما أراني إلا سأفعل: فأرسل سعيد بن المسيِّب إلى عمرَ بن عبد العزيز، فقال: كلِّم صاحبَك يتّق الله ﷿ ولا يتعرّض لله سبحانه ولسُخْطه، فكلّمه عمر بن عبد العزيز، فأقصَر وكفّ عن ذِكره، فلمّا حجّ سليمان بن عبد الملك أخبَرَه عمر بن عبد العزيز بما كان الوليد همّ به وإرسال سعيد بن المسّيب إليه، فقال سليمان: ما كنت أحبّ أن يذكر هذا عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد، هذا مكابَرة، وما لَنا ولهذا! أخذنا بالدنيا فهي في أيدينا، ونريد أن نَعمد إلى عَلَم من أعلام الإسلام يوفَد إليه، فنحمله إلى ما قِبلَنا! هذا ما لا يَصلُح (١). (٥: ٢٣٩/ ٢٤٠).\nوفيها عُزِلَ معاوية بن حُدَيْج عن مصرَ ووُلِّيَ مسلمة بن مخلّد مصر وإفريقيّة، وكان معاويةُ بن أبي سُفيان قد بعث قبل أن يولّي مسلمة مصر وإفريقيَة عُقْبَة بن نافع الفهِريّ إلى إفريقية، فافتتحها، واختطّ قَيْروانَها وكان موضعه غَيْضَةً - فيما زعم محمد بن عمر - لا تُرام من السباع والحيّات وغير ذلك من الدّوابّ، فدعا الله ﷿ عليها فلم يَبق منها شيء إلا خرج هاربًا، حتى إنّ\n_________\n(١) الواقدي متروك، قلنا: هذه روايات ثلاث من طريق الواقدي المتهم بالكذب، والوضع من قبل الشافعي، والنسائي وأبو حاتم الرازي وقال الذهبي: (استقر الإجماع على وصف الواقدي). (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٦٧).\nفليس من من الغريب أن تصدر هذه الروايات المكذوبة والمفتراة من أمثال الواقدي ولم نجد تأييدًا لما ذكر ولو من رواية مرسلة والحمد لله على نعمة الإسناد - وسيدنا معاوية كاتب وحي رسول الله - ﷺ - أجلُّ وأرفع من أن يفكر بهذه الصورة ولكن ماذا نقول لقوم أعمى الحقد على صحابة رسول الله بصائرهم فاتكؤوا على هذه الروايات الواهية المكذوبة وروّجوا لها مع صنوهم من المستشرقين الحاقدين على التاريخ الإسلامي والمرء يحشر مع من أحب نسأل الله الستر والسلامة.","vol":"9","page":73},{"text":"السباع كانت تحمِل أولادها (١). (٥: ٢٤٠).\nقال محمد بن عمر: حدّثني موسى بن علي، عن أبيه، قال: نادى عُقبة بن نافع:\nإنّا نازلونا فاظْعَنوا عِزينا\nفخرجن من جِحرَتهنّ هوارب (٢). (٥: ٢٤٠).\nقال: وحدّثني المفضّل بن فَضالة، عن زيد بن أبي حبيب، عن رجل من جند مصر، قال: قَدِمنا مع عُقْبة بن نافع، وهو أوّل الناس اختطّها وأقطعها للناس مساكن ودورًا، وبنى مسجدها، فأقمْنا معه حتى عُزل، وهو خير والٍ وخير أمير. (٥: ٢٤٠).\nثم عَزَل معاويةُ في هذه السنة - أعني سنة خمسين - معاويةَ بن حُدَيج عن مصر، وعُقْبة بن نافع عن إفريقيَة، وولّى مسلَمة بن مخلّد مصر والمغرب كلّه، فهو أوّل من جُمِع له المغرب كله ومصر وبَرْقة وإفريقيَة وطرابلُس، فولّى مسلمة بن مخلّد مولىً له يقال له: أبو المهاجِر أفريقيَة، وعزل عُقبة بن نافع، وكشَفَه عن أشياءَ، فلم يزل واليًا على مصر والمغرب، وأبو المهاجر على إفريقية من قِبَله حتى هلك معاوية بن أبي سُفْيان (٣). (٥: ٢٤٠).\nواختُلِف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بهم معاوية، وقال بعضهم: بل حجّ بهم ابنه يزيد، وكان الوالي في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص، وعلى البَصْرة والكوفة والمشرق وسِجسْتان وفارس والسّند والهند زياد (٤). (٥: ٢٤٠/ ٢٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>ذكر هرب الفرزدق من زياد</span>\nوفي هذه السنة طَلب زيادٌ الفرزدقَ، واستَعْدت عليه بنو نَهْشل وفُقَيم،\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) الواقدي متروك.\n(٣) الواقدي متروك.\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":74},{"text":"فهرب منه إلى سعيد بن العاص - وهو يومئذ والي المدينة من قِبَل معاوية - مستجِيرًا به، فأجاره (١). (٥: ٢٤١).\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا أبو عبيدة، وأبو الحسن المدائنيّ، وغيرهما: أنّ الفرزدق لما هجا بني نهشل، وبني فُقَيم لم يزد أبو زيد في إسناده خبره على ما ذكرت (٢). (٥: ٢٤١).\nوأما محمد بن عليّ فإنه حدّثني عن محمد بن سعد عن أبي عبيدة، قال: حدّثني أعيَن بن لَبَطة بن الفرزدق، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما هاجَيْت الأشهبَ بنَ رُمَيلة والبَعيث فَسَقَطا، استعدَتْ عليّ بنو نَهْشل، وبنو فقَيم زيادَ بن أبي سُفيان، وزعم غيرُه: أنّ يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن رِبْعيّ بن سلمي بن جندل بن نهشل استعدى أيضًا عليه، فقال أعين: فلم يعرفه زياد حتى قيل له: الغلام الأعرابيّ الذي أنهبَ ورقه، وألقى ثيابه؛ فعرفه.\nقال أبو عبيدة: أخبرَني أعين بن لَبَطة، قال: أخبَرني أبي عن أبيه، قال: بعثني أبي غالبٌ في عِير له وجَلَبٍ أبيعُه وأمتَار له وأشتَري لأهله كُسًا، فقدمتُ البصرة، فبعْتُ الجَلب، فأخذتُ ثمنَه فجعلتهُ في ثوبي أزاوله، إذ عرَض لي رجل أراه كأنه شيطان، فقال: لشَدّ ما تستوثق منها! فقلت: وما يمنعني! قال: أما لو كان مكانَك رجل أعرفه ما صبر عليها؛ فقلت: ومَن هو؟ قال: غالب بن صَعْصعة؛ قال: فدعوتُ أهل المِرْبد فقلت: دُونَكموها - ونثرتُها عليهم - فقال لي قائل: ألقِ رداءك يا بن غالب، فألقَيتُه، وقال آخر: ألق قميصَك؛ فألقَيتُه، وقال آخر: ألقِ عمامَتك فألقيتُها حتى بقيتُ في إزارٍ، فقالوا: ألْقِ إزارَك، فقلت: لن ألقيَه وأمشي مجرّدًا، إنّي لست بمجنون، فبلغ الخبرُ زيادًا، فأرسل خيلًا إلى المِرْبد ليأتوه بي، فجاء رجل من بني الهُجَيم على فَرس؛ قال: أتِيتَ فالنَّجاء! وأرْدَفني خلفَه، ورَكَض حتى تغيّب، وجاءت الخيلُ وقد سبقت، فأخذ زياد عَمّين لي: ذهيلًا والزحّاف ابني صعصة - وكانا في الدّيوان على ألفين\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"9","page":75},{"text":"ألفين، وكانا معه - فحبسهما فأرسلتُ إليهما: إن شئتما أتيتُكما، فبعَثَا إليّ: لا تَقرَبْنا، إنّه زياد! وما عسى أن يَصنَع بنا، ولم نُذنِب ذنبًا! فمكثا أيّامًا، ثم كُلّم زياد فيهما، فقالوا: شيخان سامعان مطيعان، ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابيّ من أهل البادية؛ فخلّى عنهما؛ فقالا لي: أخْبرنا بجميع ما أمَرَك أبوك من مِيرةٍ أو كسوة؛ فخبّرتهما به أجمع، فاشترياه وانطلقتُ حتى لحقت بغالب، وحملتُ ذلك معي أجمع، فأتيتُه وقد بلغه خبري، فسألني: كيف صنعتَ؟ فأخبرتُه بما كان؛ قال: وإنك لتُحسن مِثلَ هذا! ومَسَح رأسي، ولم يكن يومئذ يقول الشّعر، وإنما قال الشعر بعد ذلك، فكانت في نفس زياد عليه.\nثمّ وفَد الأحنفُ بنُ قيس، وجاريةُ بنُ قدامة من بني ربيعة بن كعب بن سعد، والجوْن بن قَتادة العَبْشَميّ، والحُتات بن يزيد أبو منازل أحد بني حُويّ بن سُفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبي سُفْيان، فأعطى كلّ رجل منهم مئة ألف، وأعطى الحُتات سبعين ألفًا، فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضًا، فأخبروه بجوائزهم، فكان الحُتات أخذ سبعين ألفًا، فرجع إلى معاوية، فقال: ما ردّك يا أبا منازل؟ قال: فضَحْتَني في بني تميم، أما حسبي بصحيح! أوَلَسْتُ ذا سِنّ! أوَلَسْتُ مطاعًا في عشيرتي! فقال معاوية: بلى! قال: فما بالك خَسَسْت بي دون القوم! فقال: إني اشتريت من القوم دينَهم ووكَلْتُك إلى ديِنك ورأيك في عثمان بن عفان - وكان عثمانيًّا - فقال: وأنا فاشترِ منِّي دِيني، فأمر له بتمامِ جائزةِ القوم، وطعن في جائزته، فحبسها معاوية، فقال الفرزدق في ذلك:\nأَبوك وعمي يا معاوِيَ أَوْرثا ... تراثًا فيخْتارُ التُّراثَ أقاربُهْ\nفما بالُ ميراث الحُتات أَخذتَه ... وميراثُ حرْبٍ جامدٌ لك ذائبُهْ!\nفلو كانَ هذا الأَمر في جاهليَّةٍ ... علِمْتَ من المرءُ القليلُ حَلائبهْ\nولو كان في دينٍ سوى ذا شنِئتُمُ ... لنا حقّنا أو غَصَّ بالماء شاربُهْ\nولو كان إذ كنَّا وفي الكفّ بسطةٌ ... لَصمّم عَضْبٌ فيك ماضٍ مَضارِبُهْ\n- وأنشد محمد بن عليّ \"وفي الكفّ مبسط\" -\nوقد رُمْتَ شيئًا يا معاوِيَ دونَهُ ... خياطِف عِلْودٍّ صعاب مراتبُهْ\nوما كنتُ أُعطى النّصَف من غير قدرةٍ ... سواكَ، ولو مالتْ عليَّ كتائبه\nألَستُ أعزَّ الناس قومًا وأسرةً ... وأمنعَهُمْ جارًا إذا ضِيمَ جانبُهْ","vol":"9","page":76},{"text":"وما ولدَتْ بعدَ النبيِّ وآلِهِ ... كمِثْلي حَصانٌ في الرجالِ يقارِبهْ\nأبي غالبٌ والمرءُ ناجيةُ الَّذي ... إلى صعصعٍ يُنمَى فمن ذا يناسبه!\nوبيْتي إلى جنب الثرَيّا فِناؤه ... ومن دونِه البدْرُ المضِيءُ كواكبُه\nأنا ابنُ الجبال الصُّمِّ في عدَدِ الحَصَى ... وعرْقُ الثَّرَى عِرقي، فمن ذا يُحاسبه!\nأَنا ابنُ الَّذي أحيا الوئيدَ وضامِنٌ ... على الدهرِ إذْ عزَّتْ لِدهرٍ مكاسبُهْ\nوكم من أَبٍ لي يا معاوِيَ لم يَزَل ... أغَرَّ يباري الريح ما أزْوَرَّ جانبُهْ\nنمتْهُ فروعُ المالكيْنِ ولم يكُن ... أبوك الذي من عبدِ شمسٍ يقاربُهْ\nترهُ كنَصْلِ السَّيف يهتَزُّ للندى ... كرِيمًا يُلافى المجدَ ما طَرَّ شاربه\nطويل نِجاد السيف مذ كان لم يكنْ ... قصيٌّ وعبدُ الشمس ممَّنْ يخاطبُهْ\nفردّ ثلاثين ألفًا على أهله، وكانت أيضًا قد أغضبت زيادًا عليه، قال: فلما استعدتْ عليه نهشل، وفُقَيم ازدادَ عليه غضبًا، فطلبه فهرب، فأتى عيسى بنَ خُصَيلة بن معتّب بن نصر بن خالد البَهْزيّ، ثم أحد بني سُليم، والحجّاج بن عِلاط بن خالد السَّلَميّ (١). (٥: ٢٤١/ ٢٤٣/٢٤٢/ ٢٤٤).\nقال ابن سعد: قال أبو عبيدةَ: فحدّثني أبو موسى الفضل بن موسى بن خُصَيلة، قال: لما طرد زياد الفرزدقَ جاء إلى عمِّي عيسى بن خُصَيلة ليلًا فقال: يا أبا خُصَيلة! إنّ هذا الرجل قد أخافني، وإنّ صديقي وجميع من كنت أرجو قد لفظونِي، وإني قد أتيتك لتغيِّبَني عندك؛ قال: مَرْحبًا بك! فكان عنده ثلاثَ ليالٍ، ثم قال: إنه قد بدا لي أن ألحق بالشام، فقال: ما أحببتَ! إنْ أقمتَ معي ففي الرّحب والسعة؛ وإن شَخَصتَ فهذه ناقة أرحبيّة أمتِّعُك بها، قال: فركب بعدَ ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال الفرزدق في ذلك:\nحَباني بها البَهزيُّ حُمْلان مَنْ أبى ... من الناس والجانِيُّ تُخافُ جرائمهْ\nومنْ كان يا عيسى يونّبُ ضيْفهُ ... فضَيْفُكَ محْبُورٌ هنيٌّ مطاعِمُهْ\nوقال تعلَّمْ أنَّها أَرْحَبِيّةٌ ... وأَنَّ لها الليلَ الذي أَنت جاشمُهْ\nفأصبحتُ والملقَى ورائي وحَنْبَلٌ ... وما صَدَرَتْ حتى علا النَّجْم عاتِمُهْ\n_________\n(١) لم نجد ترجمة لأعين بن لبطة، ولا لأبيه. والله أعلم.","vol":"9","page":77},{"text":"تَزاوَرُ عن أَهلِ الحُفَير كأنّها ... ظليمٌ تبارَى جنحَ ليلٍ نَعائمهْ\nرأتْ بين عينيها دُويَّةَ وانجلى ... لها الصّبح عن صَعْلٍ أَسيلٍ مخاطِمُهْ\nكأن شراعًا فيه مَجْرَى زمامها ... بدِجْلَةَ إلَّا خَطمُهُ وملاغمُهْ\nإذا أَنتِ جاوَزتِ الغَرِيَّيْنِ فاسلَمِي ... وأعرَضَ من فَلْجٍ ورائي مخارمُهْ\nوقال أيضًا:\nتدارَكني أسبابُ عيسى من الرَّدى ... ومن يَكُ مَولاهُ فليْسَ بواحِدِ\nوهي قصيدة طويلة.\nقال: وبلغ زيادًا أنه قد شَخَص، فأرسل عليّ بن زَهْدم أحد بني نَوْلة بن فُقَيم في طلبه.\nقال أعيَن: فطلبه في بيت نصرانّية يقال لها: ابنة مرّار، من بني قيس بن ثعلبة تنزل قَصِيمة كاظمة؛ قال: فسلَّتْه مِنْ كِسْرِ بيتها، فلم يقدر عليه؛ فقال في ذلك الفرزدق:\nأتيت ابنَةَ المَرّار أهبِلتَ تبتغِي ... وما يُبتَغى تحت السَّويَّةِ أَمثالِي\nولكن بُغائي لو أردتَ لقاءَنا ... فضاءُ الصحارى لا ابتغاءٌ بأدغال\nوقيل: إنها ربيعة بنت المرّار بن سلامة العِجليّ أمّ أبي النجم الرّاجز.\nقال أبو عبيدة: قال مِسمَع بن عبد الملك: فأتى الرَّوحاءَ، فنزل في بكر بن وائل، فأمِن، فقال يمدحهم:\nوقد مثَلتْ أَين المسيرُ فلم تجدْ ... لفَوْرتها كالحيِّ بكْر بن وائل\nأعفَّ وأوفى ذمةً يعْقِدونها ... إذا وازنتَ شُمَّ الذُّرَا بالكواهِل\nوهي قصيدة طويلة، ومدحهم بقصائدَ أُخَر غيرها.\nقال: فكان الفرزدق إذا نزل زياد البَصرة نزل الكوفة، وإذا نزل زيادٌ الكوفة نزل الفرزدق البَصرة، وكان زياد ينزل البصرة ستّة أشهر والكوفة ستّة أشهر، فبلغ زيادًا ما صنع الفرزدق، فكتب إلى عامله على الكوفة عبدِ الرحمن بن عُبيد: إنّما الفرزدق فحلُ الوحوش يَرعَى القِفار، فإذا ورد عليه الناس ذُعِر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع؛ فاطلبه حتى تظفَر به، قال الفرزدق: فطُلبت أشدّ طلب، حتى جعل مَن كان يُؤْويني يُخرجني من عنده، فضاقت عليّ الأرض،","vol":"9","page":78},{"text":"فبينا أنا ملفِّف رأسي في كسائي على ظهر الطريق، إذ مرّ بي الذي جاء في طلبي، فلمّا كان الليل أتيتُ بعضَ أخوالي من بني ضَبّة وعندهم عُرْس - ولم أكن طعمتُ قبلَ ذلك طعامًا، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام - قال: فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادِي فرسٍ وصدرِ رُمح قد جاوَز بابَ الدار داخلًا إلينا، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه، فخرجت منه، وألقَوا الحائط فعاد مكانَه، ثم قالوا: ما رأيناه، وبحثوا ساعةً ثم خرجوا، فلمّا أصبحنا جاؤوني فقالوا: اخرُج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلو ظفر بك البارحَة أهلكتَنَا؛ وجمعوا ثمن راحلتين، وكلّموا لي مقاعِسًا أحد بني تَيْم الله بن ثعلبة - وكان دليلًا يسافر للتجار - قال: فخرجْنا إلي بانِقْبا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تُنزل، فلم يُفتح لنا الباب، فألقينا رحالَنا إلى جنب الحائط والليلة مُقمِرة، فقلت: يا مقاعس! أرأيت إن بعث زياد بعدما نصبح إلى العتيق رجالًا، أيقدرون علينا؟ قال: نعم، يَرصُدوننا - ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خَندَق كان للعَجَم - قال: فقلت: ما تقول العرب؟ قال: يقولون: أمهِلْه يومًا وليلة ثم خذه، فارتحل؛ فقال إني أخاف السباعَ، فقلت: السباعُ أهوَن من زياد، فارتحلْنا لا نرى شيئًا إلا خلّفناه، ولزِمَنا شخصٌ لا يُفارقنا، فقلت: يا مُقاعس، أترى هذا الشخص! لم نمررْ بشيء إلّا جاوزناه غيره، فإنه يسايرنا منذ الليلة، قال: هذا السَّبُع، قال: فكأنه فهِمَ كلامَنا، فتقدّم حتى رَبَض على مَتْن الطريق، فلما رأينا ذلك نزلْنا فشددْنا أيدي ناقتَيْنا بثِنايَيْن وأخذتُ قوسي، وقال مقاعس:\nيا ثعلب، أتدري ممّن فرْرنا إليك؟ من زياد، فأحْصَب بذَنَبه حتى غشيَنا غبارُه وغشيَ ناقتَيْنا، قال: فقلت: أرميه، فقال: لا تَهجْه، فإنه إذا أصبح ذهب، قال: فجعل يُرعِد ويُبرِق ويزئِر ومُقاعس يتوعّده حتى انشقّ الصبح، فلما رآه ولّى، وأنشأ الفرزدق يقول:\nما كنتُ أحْسِبُني جَبانًا بعدما ... لاقَيْتُ ليلةَ جانِبِ الأَنهارِ\nليْثًا كأَنّ على يدَيْه رِحالةً ... شثْنَ البراثِنِ مُؤجَدَ الأَظفار\nلما سَمعْتُ له زَمازمَ أجْهَشَتْ ... نفْسي إليّ وقلت أَينَ فِراري!\nورَبَطْتُ جِرْوتَها وقلتُ لها اصْبِري ... وشَدَدْتُ في ضِيقِ المقامِ إِزارِي","vol":"9","page":79},{"text":"فلأَنتَ أَهْوَنُ من زِيادٍ جانِبًا ... اذْهَبْ إليك مُخرِّم الأَسفارِ (١)\n(٥: ٢٤٤/ ٢٤٦/٢٤٥/ ٢٤٤).\nقال ابن سعد: قال أبو عُبيدة: فحدّثني أعيَن بن لَبطَة، قال: حدّثني أبي عن شَبَث بن رِبعيّ الرياحيّ، قال: فأنشدتُ زيادًا هذه الأبيات فكأنه رقَّ له، وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيتُه، فبلغ ذلك الفرزدق؛ فقال:\nتَذكَّرَ هذا القلبُ من شَوْقِه ذِكْرَا ... تذَكَّرَ شَوْقًا ليس ناسيَهُ عَصْرَا\nتَذَكّرَ ظَمياءَ الَّتي ليس ناسِيا ... وإن كان أَدْنى عَهْدِها حِجَجًا عَشْرا\nوما مُغْزِلٌ بالغَوْر غَوْرِ تِهامةٍ ... ترَعَّى أراكًا في منابتِهِ نَضْرا\nمن الأُدُمِ حَوَّاءِ المدامع تَرْعَوِي ... إلى رَشاءٍ طِفلٍ تخالُ به فَتْرا\nأصابَتْ بِوادي الوَلْولَان حِبالةً ... فما اسْتَمْسَكَتْ حتى حسِبْنَ بها نفْرا\nبأحْسَنَ من ظَمْياءَ يومَ تَعَرَّضَتْ ... ولامُزْنةٌ راحَتْ غمامتها قصْرا\nوكم دونها من عاطفٍ في صريمة ... وأَعداءِ قومٍ يَنْذُرُونَ دمي نَذْرَا!\nإذا أَوْعَدُوني عند ظَمياءَ ساءَها ... وعيدي وقالت لا تقولوا له هُجرا\nدعاني زيادٌ للعطاءِ ولم أَكنْ ... لآتِيَهُ ما ساقَ ذو حَسَب وَفرا\nوعند زيادٍ لو يُرِيدُ عطاءَهُمْ ... رجالٌ كثيرٌ قد يرَى بهِم فقرا\nقُعُودٌ لدى الأَبواب طُلَّابُ حاجةٍ ... غَوانٍ من الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرا\nفلمّا خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهِمَ سودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا\nنميَتُ إلى حَرْفٍ أَضَرَّ بِنِيِّها ... سُرَى الليل واستعرَاضُها البلدَ القَفرا\nتنَفَّس في بهوٍ من الجوف واسعٍ ... إذا مَدَّ حيزومَا شَراسيِفها الضَّفْرا\nتَراها إذا صامَ النَّهارُ كأنَّما ... تسامِى فَنيقًا أو تُخالسُهُ خَطْرا\nتخُوضُ إذا صاح الصَّدى بعد هَجعةٍ ... من الليل مُلتجًّا غياطلهُ خُضرا\nفإِن أعرَضَتْ زَوراءُ أو شَمَّرَتْ بها ... فلاةٌ ترَى منها مخارِمَها غُبْرا\nتعاديْنَ عن صُهبِ الحَصى وكأَنما ... طحنَّ به من كلّ رَضراضةٍ جَمْرا\nوكم من عَدُوٍّ كاشحٍ قد تجاوَزَتْ ... مخافتَهُ حتى تكون لها جِسْرا\nيَؤمُّ بها المَوماةَ منْ لا يرى له ... إلى ابن أَبي سُفيان جاهًا ولا عُذْرا\nولا تُعجلاني صاحبيَّ فربّما ... سَبَقتُ بوِرد الماءِ غاديةً كُدْرا\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"9","page":80},{"text":"وحِضْنين من ظلماءِ ليلٍ سَرَيتُهُ ... بأغيَدَ قد كان النعاس له سُكْرا\nرماه الكرى في الرأْس حتى كأنَّه ... أميمُ جلامِيدٍ تركنَ به وَقْرا\nمن السَّيْرِ والإِدلاج تحْسِبُ أَنما ... سقاهُ الكرى في كلٌ منزلة خَمْرا\nجرَرنا وفدَّيناه حتى كأَنما ... يرى بهوادِي الصُّبْح قَنبلةً شُقرا\nقال: فمضينا وقَدِمنا المدينة وسعيد بن العاص بن أميّه عليها، فكان في جنازة، فتبعتُه فوجدتُه قاعدًا والميّت يُدفَن حتى قمت بين يديه، فقلت: هذا مَقامُ العائذ من رجل لم يُصِب دمًا ولا مالًا! فقال: قد أجَرْتُ إن لم تكن أصبتَ دمًا ولا مالًا؛ وقال: مَنْ أنت؟ قلت: أنا همّام بن غالب بن صعصعة، وقد أثنيتُ على الأمير، فإنْ رأى أن يأذن لي فأسمِعَه فليفعل؛ قال: هاتِ فأنشدتُه:\nوكُومٍ تُنْعِمُ الأَضيافَ عينًا ... وتصْبِحُ في مَباركها ثِقالَا\nحتى أتيتُ إلى آخرِها؛ قال: فقال مروان:\nقُعُودًا ينظرون إلى سَعيد\nقلتُ: والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك.\nقال: وقال كعب بن جُعَيل: هذه واللهِ الرّؤيا التي رأيت البارحة؛ قال سعيد: وما رأيتَ؟ قال: رأيتُ كأني أمشي في سكّة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قِتْرة في جُحْر، فكأنه أراد أن يتناولني، فاتّقيته، قال: فقام الحطيئة فشقّ ما بين رجُلين حتى تجاوز إليّ، فقال: قل ما شئت فقد أدركتَ من مضى، ولا يدركك من بقي، وقال لسعيد: هذا والله الشِّعر، لا يعلّل به منذ اليوم، قال: فلم نزل بالمدينة مرّة وبمكة مرّة، وقال الفرزدق في ذلك:\nألا من مُبلغٌ عنِّي زيادًا ... مغَلْغلةً يَخُبُّ بها البَرِيدُ\nبأنّي قد فَررتُ إلى سَعيدٍ ... ولا يُسْطاعُ ما يَحْمِي سَعيدُ\nفَرَرتُ إليه من لَيْثٍ هِزَبْرٍ ... تفادَى عن فرِيسَتِهِ الأُسُودُ\nفإن شئتَ انتسبتُ إلى النَّصارى ... وإن شئتَ انتسبتُ إلى اليهود\nوإن شئت انتسبتُ إلى فُقَيمٍ ... وناسبني وناسبتُ القُرُودُ\nويُروَى:\nوناسبني وناسبت اليهودُ\nوأبغَضُهم إليّ بنو فُقيمٍ ... ولكنْ سوف آتِي ما ترِيدُ","vol":"9","page":81},{"text":"وقال أيضًا:\nأتاني وعيدٌ من زيادٍ فلم أَنم ... وسَيْلُ اللِّوَى دوني فَهضْبُ التَّهائمِ\nفبتُّ كأَني مُشعَرٌ خَيبَريّةً ... سَرَت في عظامي أو سِمَامَ الأَراقمِ\nزيادَ بن حَربٍ لن أظُنَّكَ تاركي ... وذا الضِّغْنِ قد خَشَّمْتَهُ غيرَ ظالم\nقال: وأنشدَنيه عمرو:\nوبالضّغن قد خشّمتني غير ظالم\nوقد كافَحت منِّي العراقَ قَصيدةٌ ... رَجُومٌ مع الماضي رؤوسَ المخارِم\nخَفيفةُ أفواهِ الرُّواةِ ثقيلة ... على قِرْنها نَزالةٌ بالموَاسم\nوهي طويلة.\nفلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد (١). (٥: ٢٤٧/ ٢٤٨ / ٢٤٩/ ٢٥٠)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الأشل وسبب هلاكه</span>\nحدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني حاتم بن قَبيصة، قال: حدّثنا غالب بن سليمان عن عبد الرحمن بن صبح، قال: كنتُ مع الحكَم بن عمرو بخُراسان، فكتب زيادٌ إلى عمرو: إنّ أهلَ جبل الأشلّ سلاحُهم اللُّبود، وآنيتهم الذّهب. فغزاهم حتى توسّطوا، فأخذوا بالشِّعاب والطرق، فأحدقوا به، فعيّ بالأمر، فولّى المهلّب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيمًا من عظمائهم، فقال له: اخترْ بين أن أقتلَك، وبين أن تُخرِجَنا من هذا المَضيق؛ فقال له: أَوْقِد النارَ حيالَ الطريق من هذه الطُّرُق، ومر بالأثقال فلتُوجَّه نحوه، حتى إذا ظنّ القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فإنّهم يستجمعون لكم، ويُعَرُّون ما سواه من الطرق، فبادِرْهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه، ففعلوا ذلك،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.","vol":"9","page":82},{"text":"فنجا وغَنِموا غنيمةً عظيمة (١). (٥: ٢٥٠/ ٢٥١).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد؛ قال: لما قفل الحَكم بن عمرو من غَزْوة جبل الأشلّ ولّى المهلّب ساقتَه، فسلكوا في شِعاب ضيّقة، فعارَضه التُّرك فأخذوا عليهم بالطُّرق، فوجدوا في بعض تلك الشِّعاب رجلًا يتغنّى من وراء حائط ببيتين:\nتَعَزَّ بصبرٍ لا وجَدِّكَ لا تَرَى ... سَنام الحِمَى أُخرى اللّيالي الغوابر\nكأنّ فؤادي من تذكُّرِيَ الحِمَى ... وأهلَ الحمى يهفُو به ريشُ طائرِ\nفأتي به الحكَم، فسأله عن أمره، فقال: غايرتُ ابنَ عمّ لي، فخرجتُ تَرفَعني أرض وتَخفِضني أخرى، حتى هَبَطتُ هذه البلاد، فحمله الحكمُ إلى زياد بالعراق.\nقال: وتخلّص الحَكم من وجهه حتى أتى هَراةَ، ثم رجع إلى مَرْو (٢). (٢٥١: ٥)\nقال عمر: قال عليّ بن محمد: لما حَضَرت الحكَم الوفاةُ بمرْو، استخلفَ أنس بن أبي أناس، وذلك في سنة خمسين (٣). (٥: ٢٥٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها مشتَى فضالة بن عُبيد بأرض الروم، وغزوة بُسْر بن أبي أرطاةَ الصائفة، ومقتلَ حُجْر بن عَدِيّ وأصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>ذكر مقتل حُجْر بن عديّ وأصحابه</span>\n* ذكر سبب مقتله:\n_________\n(١) في إسناده حاتم بن قبيصة مجهول الحال.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده معضل.","vol":"9","page":83},{"text":"قال هشام بن محمد: عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقْعب بن زهير، وفضيل بن خَدِيج، والحسين بن عُقْبة المراديّ، قال: كلٌّ قد حدّثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث حُجْر بن عديّ الكِنْديّ وأصحابه: إنّ معاوية بن أبي سُفيان لما ولّى المغيرة بن شُعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دَعاه، فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أمّا بعد فإن لذي الحِلْم قبل اليومِ ما تُقرَع العَصَا، وقد قال المتلمّس:\nلِذِي الحِلْم قبلَ اليوم ما تُقْرَعُ العصا ... وما عُلِّمَ الإِنسانُ إلَّا ليعْلَما\nوقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياءَ كثيرة، فأنا تاركُها اعتمادًا على بَصرك بما يرضيني ويُسعِد سلطاني، ويُصْلَحُ به رعيّتي، ولست تاركًا إيصاءك بخَصْلة: لا تتحمَّ عن شتمِ عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم؛ وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم، فقال المغيرة: قد جَرّبْتُ وجُرّبتُ، وعملتُ قَبْلك لغيرك، فلم يُذْممْ بي دَفع ولا رفع ولا وَضْع، فستبلو فَتحْمَد أو تَذُمَّ. قال: بل نحمَد إن شاء الله (١). (٥: ٢٥٣/ ٢٥٤)\nقال أبو مخنف: قال الصقعب بن زهير: سمعتُ الشعبيّ يقول: ما ولِينَا والٍ بعده مثله، وإن كان لاحقًا بصالح مَن كان قبله من العمّال.\nوأقام المغيرةُ على الكوفة عاملًا لمعاوية سبعَ سنين وأشهرًا، وهو من أحسن شيء سيرةً، وأشدّه حبًّا للعافية، غير أنه لا يدَع ذمّ عليّ والوقوعَ فيه والعيبَ لقتَلة عثمان، واللّعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار، والتزكيةَ لأصحابه، فكان حُجْر بن عديّ إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فذمّم الله ولعن! ثم قال فقال: إنّ الله ﷿ يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وأنا أشهد أن من تذّمون وتعيّرون لأحقّ بالفضل، وأن من تزكّون وتُطْرُون أوْلى بالذّم؛ فيقول المغيرة: يا حُجْر، لقد رُمِيَ بسهمك؛ إذ كنتُ أنا الوالي عليك، يا حُجْر\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":84},{"text":"وَيْحك! اتّق السلطان اتق غضبَه وسطوتَه، فإنّ غضْبَة السلطان أحيانًا مما يُهلِك أمثالَك كثيرًا. ثم يكفّ عنه ويصفح.\nفلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهمّ ارحم عثمانَ بن عفان وتجاوَزْ عنه، وأجزِه بأحسنِ عمله، فإنه عَمِل بكتابك، واتّبع سنة نبيك - ﷺ -، وجمَعَ كلمتنا، وحقَن دماءَنا، وقُتل مظلومًا؛ اللهم فارحم أنصارَه وأولياءه ومحبّيه والطالبين بدمه! ويدعو على قتَلته، فقام حُجْر بن عديّ فنَعَر نعرةً بالمغيرة سِمَعها كلّ مَن كان في المسجد وخارجًا منه، وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هَرَمك! أيها الإنسان، مُر لنا بأرزاقنا وأعطِياتنا، فإنك قد حبستَها عنا، وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلَك، وقد أصبحت مولَعًا بذمِّ أمير المؤمنين، وتقريظِ المجرِمين، قال: فقام معه أكثر من ثُلُثي الناس يقولون: صدَق والله حُجْر وبَرَّ، مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطِياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدى علينا شيئًا؛ وأكثروا في مِثل هذا القول ونحوه، فنزل المغيرة، فدخل واستأذن عليه قومُه، فأذن لهم، فقالوا: علامَ تترك هذا الرجلَ يقول هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة! إنَّك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أوّلهما فتهوين سلطانِك، وأما الأخرى فإنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخَطَ له عليه - وكان أشدّهم له قولًا في أمر حُجْر والتعظيم عليه عبد الله أبي عقيل الثَّقَفيّ - فقال لهم المغيرة: إنّي قد قتلته؛ إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسَبه مثل فيصنع به شبيهًا بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة، إنه قد اقترب أجلي وضَعُف عملي، ولا أحبّ أنْ ابتدئ أهلَ هذا المِصر بقتل خيارِهم، وسَفْكِ دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعزّ في الدنيا معاوية ويذلّ يوم القيامة المغيرة؛ ولكني قابلٌ من محسنهم، وعافٍ عن مسيئهم، وحامدٌ حليمَهم، وواعظٌ سِفيهَهم، حتى يفرّق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جرّبوا العمّال بعدي (١). (٢٥٤: ٥/ ٢٥٥)\nقال أبو مخنف: سمعتُ عثمان بنَ عقبة الكنديّ، يقول: سمعت شيخًا للحيّ\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":85},{"text":"يذكر هذا الحديث يقول: قد واللهِ جرّبناهم فوجدناه خيرَهم أحمَدهم للبريء، وأغفرَهم للمسيء، وأقَبَلَهم للعذر (١). (٥: ٢٥٥).\nقال هشام: قال عَوانة: فوِليَ المغيرة الكوفة سنة إحدى وأربعين في جُمادى، وهلك سنة إحدى وخمسين، فجُمِعت الكوفة والبَصرة لزياد بن أبي سُفيان، فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة، ثم صعد المنبر فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّا قد جَرّبنا وجُرّبنا، وسُسْنا وساسَنا السائسون، فوجدْنا هذا الأمر لا يَصلُح آخره إلّا بما صلَح أوّله، بالطاعة اللّينة المشبّه سرّها بعلَانيتها، وغيْب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلّا لين في غير ضَعْف، وشدّة في غير عُنْف وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كِذْبة إمام على المنبر، ثم ذكر عثمانَ وأصحابَه فقرّظهم، وذكَر قتلتَه ولعَنَهم فقام حُجر ففعل مِثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وقد كان زيادٌ قد رجع إلى البصرة وولَّى الكوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة فبَلَغه أنّ حُجْرًا يجتمع إليه شيعة عليّ، ويُظهرون لعنَ معاوية والبراءة منه، وأنهم حَصَبوا عمرو بن الحريث، فشَخَص إلى الكوفة حتى دخلها، فأتى القصر فدخله، ثم خرج فصَعِد المنبر وعليه قَباء سُنْدس ومُطرَف خَزّ أخضر، قد فرق شعره، وحُجْر جالسٌ في المسجد حولَه أصحابُه أكثر ما كانوا، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ غِبَّ البَغْي والغيّ وخيم، إنّ هؤلاء جمّوا فأشِروا، وأمنوني فاجترؤوا عليَّ، وايمُ الله لئن لم تستقيموا لأداوينّكم بدوائكم؛ وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحةَ الكوفة من حُجْر وأدَعْه نكالًا لمن بعَده! ويلُ أمّك يا حُجر! سَقَط العَشاء بك على سِرْحان، ثم قال:\nأبلغْ نُصَيحَة أنّ راعِي إبْلِها ... سَقط العَشاءُ بِه على سِرْحان\nوأما غيرُ عوانة، فإنه قال في سبب أمر حُجْر (٢): (٥: ٢٥٥/ ٢٥٦)\nحدّثني عليّ بن حسن قال: حدّثنا مسلم الجَرْمي، قال: حدّثنا مخلَد بن\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده ضعيف جدًّا وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":86},{"text":"الحسن عن هشام، عن محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يومًا في الجمعة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حُجْر بن عديّ: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشي حُجر فَوْتَ الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا، وثارَ إلى الصلاة وثار الناسُ معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلّى بالنّاس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثَّر عليه.\nفكتب إليه معاوية أن شُدَّه في الحديد، ثم احمله إليّ، فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قومُ حُجر أن يمنَعوه، فقال: لا، ولكن سمعٌ وطاعة، فشدّ في الحديد، ثم حُمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السّلام عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقِيلك ولا أستَقِيلك، أخرجوه فاضربوا عنقَه، فأخرج من عنده، فقال حُجر للذين يَلُون أمرَه: دعوني حتى أصلّي ركعتين؛ فقالوا: صلّ؛ فصلّى ركعتين خففّ فيهما، ثم قال: لولا أن تظنّوا بي غيرَ الذي أنا عليه لأحببتُ أن تكونا أطولَ مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خيرٌ فما في هاتين خير؛ ثم قال لمن حضره من أهله: لا تُطلِقوا عني حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ألاقي معاوية غدًا على الجادّة، ثم قُدِّم فضربتْ عنقُه.\nقال مخلد: قال هشام: كان محمد إذا سئل عن الشهيد يُغسَّل، حدَّثهم حديثَ حُجْر.\nقال محمد: فلقيَتْ عائشة أمّ المؤمنين معاوية - قال مخلد: أظنّه بمكة - فقالت: يا معاوية، أين كان حِلمُك عن حُجْر! فقال لها: يا أمّ المؤمنين! لم يحضرني رشيد!\nقال ابن سيرين: فبلغنا أنه لما حضرتْه الوفاة جعل يُغرغِر بالصوت ويقول: يومي منك يا حُجْر يومٌ طويل! (١) (٥: ٢٥٦/ ٢٥٧).\n_________\n(١) في إسناده مسلم الجرمي مجهول الحال إن لم يكن مجهول العين، ومخلد بن الحسن البصري مقبول (أي: إذا توبع وإلا فلين الحديث) وكذلك أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ت ٥٣٧) وفي إسناده أحمد بن محمد بن الحجاج، قال ابن عدي: كذبوه وأنكرت عليه أشياء وذكر الذهبي بعضًا من بواطيله في الميزان وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمصر =","vol":"9","page":87},{"text":"قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني إسماعيل بن نُعَيم النّمَريّ، عن حسين بن عبد الله الهمْدانيّ، قال: كنت في شُرَط زياد، فقال زياد: لينطلِقْ بعضُكم إلى حُجْر فليدْعُه؛ قال: فقال لي أمير الشُّرْطة - وهو شدّاد بن الهيثم الهلاليّ: اذهب إليه فادْعه؛ قال: فأتيتُه، فقلت: أجِبِ الأميرَ؛ فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة! قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحبَ الشُّرْطة أن يبعث معي رجالًا، قال: فبعث نفرًا؛ قال: فأتيناه فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبّونا وشتَمَونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة! أتشجّون بيدٍ وتأسُون بأخرى! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حُجْر! هذا الهَجهاجة الأحمق المذبوب أنتم معي وإخوانُكم وأبناؤكم وعشائركم مع حُجر! هذا والله من دَحْسكم وغِشّكم! والله لتظهرَنّ لي براءَتُكم أو لآتينّكم بقوم أقيم بهم أوَدكم وصَعَركم! فوَثَبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكلّ ما ظننا أنّ فيه رضاك، وما يَستبين به طاعتَنا وخلافنا لحُجر فمُرْنا به، قال: فليقم كلّ امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حُجر فليدْعُ كلّ رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كلّ مَن استطعتم أن تقيموه، ففعلوا ذلك، فأقاموا جُلّ من كان مع حُجْر بن عدّي، فلما رأى زياد أنّ جُلَّ مَن كان مع حُجْر أقيم عنه، قال لشدّاد بن الهيثم الهلاليّ - ويقال: هيثم بن شدّاد أمير شرطته -: انْطلِق إلى حُجْر، فإن تَبِعك فائْتني به، وإلا فمرْ مَن معك فلينتزعوا عُمُد السوق، ثم يشدّوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونَه، فأتاه الهلاليّ فقال: أجب الأميرَ؛ قال: فقال أصحاب حُجْر: لا ولا نُعمةَ عين! لا نجيبه، فقال لأصحابه: شُدّوا على عُمُد السوق، فاشتدّوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيدَ الكنديّ من بني هند - وهو أبو العَمَرَّطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيري، وما يغني عنك! قال: فما ترى؟ قال: قُمْ من هذا المكان\n_________\n= ولم أحدث عنه لما تكلموا فيه (الجرح والتعديل ١/ ١/ ت ١٠٣).\nوتوهم عبد السلام علوش في تحقيقه للمستدرك إذ قال في الحاشية (٤/ ٥٩١/ ح ٦٠٣٥): وأخرجه ابن عبد من وجه آخر .... فثبتت الواقعة.\nقلنا: كيف تثبت ورواية ابن عبد البر هذه حالها وطريقها؟","vol":"9","page":88},{"text":"فالحق بأهلِك يَمنَعْك قومُك، فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعُمُد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له: بكر بن عبيد - رأس عمرو بن الحَمِق بعمود فوقع، وأتاه أبو سُفْيان بن عُوَيمر والعَجْلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزْد - فحَمَلاه؛ فأتَيَا به دار رَجل من الأزْد - يقال له: عبيد الله بن مالك - فخبّأه بها، فلم يزل بها متواريًا حتى خرج منها.\nثم رجع إلى أوّل الحديث، قال: فلما ضرب عمرًا تلك الضربة وحمَلَه ذانك الرّجلان، انحاز أصحابُ حُجْر إلى أبواب كِنْدة، ويضرب رجلٌ من جُذام كان في الشُّرْطة رجلًا يقال له: عبدُ الله بن خليفة الطائيّ بعمود، فضَرَبه ضربةً فصرعه، فقال وهو يرتجز:\nقد علِمَتْ يَوْمَ الهِياج خُلَّتي ... أني إذا ما فِئتِي تَولّتِ\nوكَثُرَتْ عُداتُها أو قلَّتِ ... أَنِّي قتَّالٌ غداةَ بَلَّتِ\nوضُرِبتْ يد عائذ بن حملة التميميّ، وكُسرتْ نابه، فقال:\nإِنْ تَكْسِروا نابي وعَظْمَ ساعِدِي ... فإِنَّ فيَّ سوْرةَ المُناجِدِ\nوبعضَ شَغْبِ البَطَلِ المُبالِدِ\nوينتزع عمودًا من بعض الشُّرْطة، فقاتل به وحمَى حُجْرًا وأصحابه؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كِنْدة، وبغلة حُجْر موقوفة، فأتى بها أبو العمرطة إليه، ثم قال: اركب لا أبَ لغيرك! فوالله ما أراك إلّا قد قتلتَ نفسك، وقتلتَنا معك؛ فوضع حُجْر رجلَه في الرِّكاب؛ فلم يستطع أن ينهض، فحمله أبو العمرّطةَ على بغلته، ووثب أبو العمرّطة على فرسه؛ فما هو إلا أدا استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسْلِيّ - وكان يغْمِز - فضرب أبا العمّرطة بالعمود على فخذه، ويخترط أبو العمرّطة سيفه، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخرّ لوجهه، ثم إنه برأ بعدُ، فله يقول عبد الله بن همّام السّلوليّ:\nأَلُؤمَ ابْنَ لُؤمٍ ما عدا بك حاسِرًا ... إلى بَطَلٍ ذي جُرْأَةٍ وشَكِيمِ!\nمعاود ضَرْبِ الدَّارِعين بسَيْفِهِ ... على الهام عند الرَّوْغ غَيْرَ لئيم\nإلى فارِسِ الغارَيْنِ يومَ تلَاقَيا ... بصفِّين قَرْمٍ خَيْرِ نَجل قُرُوم\nحَسِبْتَ ابنَ بَرصاءَ الحِتار قِتالَهُ ... قِتالَك زَيْدًا يَوْمَ دارِ حَكيم\nوكان ذلك السيف أوّل سيف ضُرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس،","vol":"9","page":89},{"text":"ومضى حُجْر وأبو العَمرّطة حتى انتهيا إلى دار حُجْر، واجتمع إلى حُجْر ناس كثير من أصحابه، وخرج قيس بن فهدان الكِنديّ على حمار له يسير في مجالس كِنْدة، يقول:\nيا قَوْمَ حُجْرٍ دافِعُوا وصاوِلوا ... وعَنْ أخيكمْ ساعَةً فقاتِلوا\nلا يُلْفَيا مِنكمْ لحُجْرٍ خاذِلُ ... ألَيْسَ فيكُمْ رامحٌ ونابلُ\nوفارِسٌ مُسْتَلْئِمٌ وراجلٌ ... وضارِبٌ بالسَّيْفِ لا يُزايلُ!\nفلم يأته من كِنْدة كثير أحد، وقال زياد وهو على المنبر: ليقم همْدان وتميم وهَوازن وأبناء أعصُر ومذحِج وأسد وغَطفان فليأتوا جبّانةَ كِنْدة، فليَمْضوا مِنْ ثمّ إلى حُجْر فليأتوني به، ثم إنه كره أن يسيّرَ طائفةً من مضرَ مع طائفة من أهل اليَمن فيقع بينهم شَغَب واختلاف، وتفسُد ما بينهم الحميّة، فقال: لتقُم تميم وهَوازنُ وأبناء أعصُر وأسَد وغَطَفان ولتمضِ مَذحِج وهَمْدان إلى جبّانة كِنْدة، ثم لينهضوا إلى حُجْر فليأتوني به، وليَسِر سائرِ أهلِ اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديّين، فليمضوا إلى صاحبهم، فليأتوني به، فخرجَتِ الأزْدُ وبَجيلةُ وخثعم والأنصار وخُزاعة وقضاعة، فنزلوا جبّانة الصائديّين، ولم تخرج حضر موت مع أهل اليَمن لمكانهم من كِنْدة، وذلك أنّ دعوة حضر موتَ مع كِنْدة، فكرهوا الخروجَ في طلب حجر (١). (٥: ٢٥٨/ ٢٥٧، تكملة ٢٥٨/ ٢٦٠/٢٥٩/ ٢٦١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما انصرفنا من غزوة باجُمَيرا قبل مَقتل مُصعب بعام، فإذا أنا بأحمريّ يسايرني - ووالله ما رأيتُه من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحَمِق، وما كنت أرى لو رأيتُه أن أعرفه - فلما رأيته ظننتُ أنه هو هو؛ وذاك حين نظرْنا إلى أبيات الكوفة، فكرهتُ أن أسألَه: أنت الضارب عمرو بن الحَمِق؟ فيُكابرني، فقلت له: ما رأيتُك من اليوم الذي ضربتَ فيه رأسَ عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتُك الآن حين رأيتُك؛ فقال لي: لا تَعْدم بصرَك، ما أثبتَ نظرَك! كان ذلك أمرُ الشيطان، أما إنه قد بلغني أنه كان امرأ صالحًا، ولقد ندمتُ على تلك الضربة، فأستغفر الله، فقلت له: ألا ترى والله\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":90},{"text":"لا أفترق أنا وأنت حتى أضربَك على رأسك مِثلَ الضّربة التي ضربتَها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت! فناشدَني الله وسألني الله، فأبَيْتُ عليه، ودعوتُ غلامًا لي يُدعَى رشيدًا من سَبْي أصبهان معه قَناة له صلْبة، فأخذتُها منه، ثم أحمل عليه بها، فنزل عن دابّته، وألحقه حين استوت قَدَماه بالأرض، فأصفع بها هامَتَه، فخرّ لوجهه، ومضيتُ وتركته، فبَرأ بعدُ؛ فلقيتُه مرّتين من الدهر، كلّ ذلك يقول: الله بيني وبينك! وأقول: الله ﷿ بينك وبين عمرو بن الحَمِق (١)! (٥: ٢٥٨/ ٢٥٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني يحيى بن سعيد بن مخنف عن محمد بن مخنف، قال: إني لمع أهل اليَمَن في جبّانة الصائديّين؛ إذ اجتمع رؤوس أهلِ اليَمَن يتشاورون في أمر حُجْر، فقال لهم عبد الرحمن بن مِخنف: أنا مشير عليكم برأي إذا قبلتموه رجوتُ أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن تَلبثوا قليلًا فإنْ سُرْعان شباب هَمْدان ومذحِج يُكفونكم ما تكرهون أن تلُوا من مساءة قومكم في صاحبكم قال: فأجمع رأيهم على ذلك، قال: فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحِج وهَمْدان قد دخلوا فأخَذوا كلّ من وجدوا من بني جَبَلَة قال: فمرّ أهل اليمن في نواحي دور كِندة معذِّرة، فبلغ ذلك زيادًا، فأثنَى على مذحِج وهَمْدان وذمّ سائرَ أهل اليمن، وإنّ حُجرًا لَما انتهى إلى داره فنظر إلى قلّة مَنْ معه من قومه، وبلغه أنّ مذحِج وَهَمْدان نزلوا جبّانة كندة وسائر أهل اليمن جبّانة الصائديّين قال لأصحابه: اِنصرفوا فوالله ما لكم طاقةٌ بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحبّ أن أعرّضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا، فلحقتْهم أوائلُ خيل مذحِج وهَمْدان، فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدِيّ وعبد الرحمن بن مُحرِز الطّمحيّ، وقيس بن شمر، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرِحوا، وأسِر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبَا لكم! تفرّقوا لا تقاتلوا فإني آخُذُ في بعض السِّكك، ثم آخذ طريقَّا نَحوَ بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دارِ رجل منهم يقال له: سليم بن يزيد، فدخل دارَه، وجاء القومُ في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليم بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكتْ بناتُه؛ فقال له حُجْر:\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":91},{"text":"ما تريد؟ قال: أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتُهم بسيفي هذا ما ثبتَ قائمُه في يدي دونك؛ فقال حُجر: لا أبا لغيرك! بئس ما دخلتَ به إذًا على بناتك! قال: إنّي والله ما أمُونُهنّ، ولا رزقُهنّ إلا على الحيّ الذي لا يموت؛ ولا أشتري العارَ بشيء أبدًا، ولا تخرج من داري أسيرًا أبدًا وأنا حيّ أملك قائمَ سيفي، فإنْ قتِلتُ دونك فاصنع ما بدا لك. قال حُجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خَوْخة أخرج منها، عسى أن يسلمني الله ﷿ منهم ويسلّمك، فإذا القوم لم يقَدرِوا عليّ عندك لم يضروك! قال: بلى هذه خَوْخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى مرّ ببني ذُهْل، فقالوا له: مَرَّ القومُ آنفًا في طلبك يقْفون أثرَك. فقال: منهم أهرُب؛ قال: فخرج ومعه فِتْية منهم يتقصّوْن به الطريق، ويسلُكون به الأزقّة حتى أفضَى إلى النَّخَع، فقال لهم عند ذلك: انصرِفوا رحمكم الله! فانصرَفوا عنه، وأقبل إلي دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها، فإنّه لكذلك قد ألقى له الفرُشَ عبدُ الله، وبسط له البُسُط، وتلقاه ببَسْط الوجه، وحُسن البِشْر، إذ أتي فقيل له: إنّ الشُّرَط تسأل عنك: في النَّخَع- وذلك أنّ أمةً سوداء يقال لها: أدماء، لقيتْهم، فقالت: مَنْ تطلبون قالوا: نطلب حُجْرًا؛ قالت: ها هو ذا قد رأيتُه في النَّخَع، فانصرَفوا نحو النَّخَع- فخرج من عند عبد الله متنكِّرًا، ورَكِب معه عبدُ الله بنُ الحارث ليلًا حتى أتى دارَ ربيعة بن ناجد الأزديّ في الأزْد، فنزلها يومًا وليلة، فلما أعجَزَهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له: يا أبا مَيْثاء، أما والله لتأتينّي بحُجْر أو لا أدَع لك نخلةً إلا قطعتُها، ولا دارًا إلا هدمتها ثم لا تسلَم مني حتى أقطِّعكَ إرْبًا إرْبًا؛ قال: أمهِلني حتى أطلبه؛ قال: قد أمهلتك ثلاثًا، فإن جئتَ به وإلا عُدّ نفسك مع الهَلْكَى. وأخرِج محمدًا نحو السجن منتقع اللون يُتلّ تلًّا عنيفًا، فقال حُجر بن يزيد الكنديّ لزياد: ضَمنِّيه وخلّ سبيلَه يطلب صاحبه؛ فإنه مخلَّى سَرْبُه أحْرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسًا، فقال: أتضْمنه؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لئن حاصَ عنك لأزيرنّك شَعوب، وإن كنت الآن عليَّ كريمًا، قال: إنه لا يفعل فخلّى سبيله.\nثمّ إن حُجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أُتِيَ به أسيرًا، فقال لهم: ما على قيس بأس، قد عرفْنا رأيَه في عثمان، وبلاءَه يومَ صِفّين مع أمير المؤمنين،","vol":"9","page":92},{"text":"ثم أرسل إليه فأتِيَ به، فقال له: إني قد علمتُ أنك لم تقاتل مع حُجْر: أنك ترى رأيَه، ولكن قاتلتَ معه حميّة قد غفرتُها لك لما أعلَم من حُسن رأيك، وحُسن بلائك؛ ولكن لن أدعَك حتى تأتيَني بأخيك عمير؛ قال: أجيئك به إن شاء الله؛ قال: فهات من يضمَنُه لي معك، قال: هذا حُجر بن يزيد يضْمنه لك معي؛ قال: حُجْر بن يزيد: نعم أضمنه لك، على أن تؤمّنه على ماله ودمِه، قال: ذلك لك، فانطلَقا، فأتيا به وهو جريح، فأمَرَ به فأوقِر حديدًا، ثم أخذتْه الرجال ترفعه، حتى إذا بلغ سُرَرَها ألقَوْه، فوقع على الأرض، ثم رفعوه وألقوه، ففعلوا به ذلك مِرارًا، فقام إليه حُجر بن يزيدَ فقال: ألم تؤمّنه على ماله ودمِه أصلحك الله! قال: بلى، قد آمنته عِلى ماله ودمه، ولست أهريق له دمًا، ولا آخذ له مالًا، قال: أصلحك الله! يُشفى به على الموت، ودنا منه وقامَ من كان عنده من أهل اليمن، فدنَوا منه وكلَّموه، فقال: أتضمنونه لي بنفسه، فمتى ما أحدث حدثًا أتيتموني به؟ قالوا: نعم؛ قال: وتضمنون لي أرْش ضربة المسلّى، قالوا: ونضمنها؛ فخلّى سبيلَه.\nومكث حُجر بن عديّ في منزل ربيعة بن ناجد الأزديّ يومًا وليلة، ثم بعث حُجر إلى محمد بن الأشعث غلامًا له يدعى رشيدًا من أهل إصبهان: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد، فلا يهولنّك شيء من أمره، فإنّي خارج إليك، أجمع نفرًا من قومك ثم أدخل عليه فأسأله أن يُؤمِّنَني حتى يبعث بي إلى معاوية فيرى فيّ رأيه.\nفخرج ابن الأشعث إلى حُجْر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلّموه وطلبوا إليه أن يؤمّنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه، ففعل، فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه أنه قد أخذْنا الذي تسأل، وأمروه أن يأتي؛ فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد: مرحبًا بك أبا عبد الرحمن! حرب في أيام الحرب، وحربٌ وقد سالم الناس! على أهلها تَجنِي بَراقِش، قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لَعلى بيعتي؛ فقال: هيهات هيهات يا حُجر! تَشُجّ بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذا أمكَن الله منك أن نرضى! كلّا والله! .\nقال: ألم تؤمّنّي حتى آتيَ معاوية فيرى فيّ رأيه! قال: بلى قد فعلْنا، انطلقوا","vol":"9","page":93},{"text":"به إلى السجن، فلما قُفّيَ به من عنده قال زياد: أما والله لولا أمانُه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه (١). (٥: ٢٦١/ ٢٦٣/٢٦٢/ ٢٦٤).\nقال هشام بن عروة: حدّثني عوانة، قال: قال زياد: واللهِ لأحرِصنّ على قطع خيط رقبته (٢). (٥: ٢٦٤)\nقال هشام بن محمد: عن أبي مخنف، وحدثني المجالد بن سعيد عن الشعبيّ، وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: أنّ حُجرًا لما قُفِّيَ به من عند زياد نادَى بأعلى صوْتِهِ: اللهمّ إنّي على بيْعتي، لا أقِيلُها ولا أستقيلُها، سماعَ اللهِ والناس، وكان عليه بُرنُس في غداة باردة، فحبس عشرَ ليال، وزيادٌ ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حُجر، فخرج عمرو بن الحَمَق، ورفاعة بن شدّاد؛ حتى نزلا المدائن، ثم ارتَحلا حتى أتيا أرض الموصل، فأتيا جبلًا فَكمَنا فيه، وبلغ عاملَ ذلك الرّستاق: أنّ رجلين قد كمَنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما -وهو رجل من هَمْدان يقال له: عبد الله بن أبي بَلْتعة- فسار إليهما في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد، فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو بن الحَمِق فكان مريضًا، وكان بطنُه قد سُقِيَ فلم يكن عنده امتناع؛ وأما رفاع بن شدّاد -وكان شابًّا قويًّا- فوثب على فرس له جواد، فقال له: أقاتل عنك؟ قال: وما ينفعني أن تقاتل! انجُ بنفسك إن استطعتَ، فحمل عليهم، فأفرجوا له، فخرج تنفِر به فرسُه، وخرجت الخيلُ في طلبه -وكان راميًا- فأخذ لا يلحقه فارسٌ إلا رماه فجرحه أو عَقَره، فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحَمِق، فسألوه: مَن أنت؟ فقال: مَن إن تركتموه كان أسَلَم لكم، وإن قتلتموه كان أضرّ لكم؛ فسألوه: فأبَى أن يخبرهم، فبعث به ابن أبي بَلْتعة إلى عامل الموصل -وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ- فلما رأى عمَرو بن الحَمِقِ عَرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفّان تسع طَعَنات بمَشاقصَ كانت معه، وإنا لا نريد أن نعتديَ عليه، فأطعنه تسعَ\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"9","page":94},{"text":"طَعَنات كما طعن عثمان، فأُخرِج، فطُعِن تسعَ طَعَنات، فمات في الأولى منهنّ أو الثانية (١). (٥: ٢٦٤/ ٢٦٥).\nقال أبو مخنف: وحدّثني المجالد عن الشعبيّ وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، قال: وجّه زياد في طلب أصحاب حُجر، فأخذوا يَهرُبون منه، ويأخذ من قَدَر عليه منهم، فبعث إلى قَبيصة بن ضُبيعة بن حرْملة العبسيِّ صاحب الشُّرْطة -وهو شدّاد بن الهيثم- فدعا قَبيصة في قومه، وأخذ سيفه، فأتاه ربعيّ بن خراش بن جَحْش العبسيّ ورجال من قومه ليسوا بالكثير، فأراد أن يقاتل، فقال له صاحب الشُّرْطة: أنت آمن على دمك ومالك، فلِمَ تقتل نفسك؟ فقال له أصحابُه: قد أومِنتَ، فعَلام تقتل نفسَك وتقتلنا معك؟ ! قال: ويحكم! إنّ هذا الدَّعيَّ ابن العاهرة، واللهِ لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدًا أو يقتلني؛ قالوا: كلا! فوضع يدَه في أيديهم، فأقبَلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد: وحيّ عَبْسٍ تُعِزّوني على الدّين، أما والله لأجعلنّ لك شاغلًا عن تلقيح الفِتَنِ، والتوثُّب على الأمراء! قال: إني لم آتك إلا على الأمان؛ قال: انطلقوا به إلى السجن، وجاء قيس بن عباد الشيبانيّ إلى زياد، فقال له: إنّ امرأً منّا من بني همام يقال له: ضيفى بن فَسيل من رؤوس أصحاب حُجْر، وهو أشدّ الناس عليك، فبعث إليه زياد، فأتِيَ به، فقال له زياد: يا عدوّ الله! ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب؛ قال: ما أعرَفَك به! قال: ما أعرفه! قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟ قال: بلى، قال: فذاك أبو تراب، قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب الشُّرْطة: يقول لك الأمير: هو أبو تُراب، وتقول أنتَ: لا! قال: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب وأشهدَ له على باطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضًا مع ذنبك! عليَّ بالعصا، فأتي بها، فقال: ما قولك [في عليّ؟]، قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله [أقوله في] المؤمنين، قال: اضرِبوا عاتِقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزمَ الأرض، ثمّ قال: أقلِعوا عنه، إيهٍ، ما قولُك في عليّ؟ قال: والله لو شرَّحْتَني بالموَاسي والمُدَى ما قلتُ إلا ما سمعتَ منّي؛ قال لتلعَننّه أو لأضربنّ عنقكَ؛ قال: إذًا تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيتَ إلا أن تضربَها رضيت بالله،\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":95},{"text":"وشقيتَ أنت؛ قال: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقِروه حديدًا، وألقُوه في السجن.\nثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائيّ -وكان شهد مع حُجْر وقاتَلهم قتالًا شديدًا- فبعث إليه زيادٌ بُكَيرَ بن حُمران الأحمريّ -وكان تبيعَ العمّال- فبعثه في أناس من أصحابه، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عديّ بن حاتم، فأخرجوه، فلما أراد أن يذهبوا به -وكان عزيز النفس- امتنَع منهم فحارَبَهم وقاتلهم، فشجّوه ورَمْوه بالحجارة حتى سقط، فنادتْ ميثاء أخته: يا معشرَ طيّئ أتسلمون ابنَ خليفة لسانَكم وسِنانَكم!\nفلما سمع الأحمريّ نداءها خشيَ أن تجتمع طيّئ فيهلك، فهرب وخرج نسوةٌ من طيّئ فأدخلنَه دارًا، وينطلق الأحمريّ حتى أتى زيادًا، فقال: إنّ طيّئًا اجتمعتْ إليَّ فلم أطِقهم، فأتيتك، فبعث زيادٌ إلى عديّ -وكان في المسجد- فحبسه وقال: جئني به -وقد أخبر عديّ بخبر عبد الله- فقال عديّ: كيف آتيك برجل قد قتلَه القوم: قال: جئْني حتى أرى أن قد قتلوه، فاعتلّ له، وقال: لا أدري أين هو، ولا ما فعل! فحبسه، فلم يبق رجلٌ من أهل المِصْر من أهل اليَمَن وربيعة ومضرَ إلا فزع لعديّ، فأتَوا زيادًا فكلّموه فيه، وأخرج عبد الله فتغيَّب في بُحْتر، فأرسل إلى عديّ: إن شئتَ أن أخرجَ حتى أضع يَدِي في يدِك فعلتُ؛ فبعث إليه عديّ: والله لو كنت تحتَ قدميَّ ما رفعتُهما عنك، فدعا زياد عديًّا، فقال له: إني أخلّي سبيلَك على أن تجعل لي لِتنفِيَه من الكوفة، ولتسيرَ به إلى الجبلين؛ قال: نعم، فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: اخْرج، فلو قد سكن غضبه لكلّمته فيك حتى ترجع إن شاء الله؛ فخرج إلى الجبلين.\nوأتِيَ زياد بكريم بن عَفيف الخثعميّ فقال: ما اسمك؟ قال: أنا كريم بن عفيف؛ قال: ويحْك، أو وَيلك! ما أحسن اسمَك واسمَ أبيك، وأسوأ عَمَلك ورأيَك! قال: أما والله إنّ عهدك برأيي لمنذ قريب، ثم بعث زيادٌ إلى أصحاب حُجْر حتى جمع اثني عشر رجلًا في السجن، ثم إنه دعا رؤوسَ الأرباع، فقال: اشهَدوا على حُجْر بما رأيتم منه -وكان رؤوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حُرَيث على رُبْع أهل المدينة، وخالد بن عُرْفطة على رُبع تميم وهَمْدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على رُبع ربيعة وكِنْدة، وأبو بُرْدة بن أبي موسى","vol":"9","page":96},{"text":"على مَذْحِج وأسد- فشهِد هؤلاء الأربعةُ أنَّ حُجْرًا جمع إليه المجموع، وأظهر شتمَ الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يَصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصْر وخرج عاملَ أمير المؤمنين، وأظهر عذرَ أبي تراب والترحُّم عليه، والبراءة من عدوّه وأهل حربه، وأنّ هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه، وعلى مثِل رأيه وأمره، ثم أمر بهم ليخرجوا، فأتاه قيس بن الوليد فقال: إنه قد بلغني أنّ هؤلاء إذا خُرج بهم عَرَض لهم، فبعث زياد إلى الكُناسة فابتاع إبلًا صِعابًا، فشدّ عليها المَحامِل، ثم حملهم عليها في الرّحَبة أوّل النهار، حتى إذا كان العشاء قال زياد: مَن شاء فليعرِض، فلم يتحرّك من الناس أحد، ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظنّ هذه الشهادة قاطعة، وإني لأحب أن يكون الشهود أكثرَ من أربعة (١). (٥: ٢٦٦/ ٢٦٧/ ٢٦٨).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن حُصَيرة عن أبي الكَنُود -وهو عبد الرحمن بن عبيد- وأبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبي راشد عن أبي الكنود بأسماء هؤلاء الشهود:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما شَهِد عليه أبو بُرْدة بن أبي موسى لله ربّ العالمين؛ شهد: أنّ حُجْر بن عديّ خلعَ الطاعة، وفارقَ الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموعَ يدعوهم إلى نَكْث البيعة وخَلْعِ أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله ﷿ كَفْرةً صَلْعاء.\nفقال زياد: على مِثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجْهَدنّ على قطع خيط عنق الخائن الأحمق، فشَهِد رؤوس الأرباع [الثلاثة الآخرون] على مِثل شهادته -وكانوا أربعة- ثم إنّ زيادًا دعا الناس فقال: اشهَدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع، فقرأ عليهم الكتاب، فقام أوّل الناس عناق بن شُرَحبيل بن أبي دَهم التيميّ تيم الله بن ثعلبة، فقال: بيّنوا اسمي، فقال زياد: ابدؤوا بأسامي قريش، ثمّ اكتبوا اسمَ عناق في الشهود، ومَنْ نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنّصيحة والاستقامة.\nفشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":97},{"text":"طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعُمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وعبد الرحمن بن هنَّاد، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعامر بن مسعود بن أميّة بن خلف، ومحرِز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس، وعبيد الله بن مسلم بن شعبة الحضرميّ، وعناق بن شُرحبيل بن أبي دَهْم، ووائل بن حُجْر الحضرميّ، وكثِير بن شهاب بن حصين الحارثيّ، وقَطن بن عبد الله بن حُصين، والسريّ بن وقّاص الحارثيّ -وكتب شهادتَه وهو غائب في عمله- والسائب بن الأقرع الثقفيّ، وشَبث بن رِبْعيّ، وعبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، ومصقَلة بن هبيرة الشيبانيّ، والقعقاع بن شور الذهليّ، وشدّاد بن المنذر بن الحارث بن وَعْلة الذّهليّ -وكان يدعى ابن بُزَيعة، فقال: ما لهذا أبٌ ينسب إليه! ألقوا هذا من الشهود، فقيل له: إنه أخو الحضَين، وهو ابن المنذر، قال: فانسبوه إلى أبيه، فنُسب إلى أبيه. فبلغتْ شدّادًا، فقال: وَيْلي على ابن الزانية! أوَليست أمُّه أعَرفَ من أبيه! واللهِ ما ينسب إلّا إلى أمّه سمية، وحَجّار بن أبجر العجليّ فغضبتْ ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم: شهدتهم على أوليائنا وحلفائنا! فقالوا: ما نحن إلا من الناس، وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير -وعمرو بن الحجاج الزّبيديّ ولبيد بن عُطارد التميميّ، ومحمد بن عُمَير بن عطارد التّميميّ، وسُوَيد بن عبد الرحمن التميميّ من بني سعد، وأسماء بن خارجة الفَزاريّ- كان يعتذر من أمره- وشمِر بن ذي الجَوْشن العامريّ، وشدّاد ومَرْوان ابنا الهيثم الهلاليّان، ومحفّز بن ثعلبة من عائذةِ قريش، والهيثم بن الأسود النخعيّ- وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسديّ، والحارث وشداد ابنا الأزمع الهَمْدانيّان، ثم الوادِعيّان، وكُرَيب بن سلمة بن يزيد الجعفيّ، وعبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعفيّ، وزحْر بن قيس الجُعفي، وقُدامة بن العَجْلان الأزْديّ وعَزرة بن عَزْرة الأحمسيّ- ودعا المختار بن أبي عُبيد وعُرْوة بن المغيرة بن شعبة ليشهَدوا عليه، فراغًا- وعمر بن قيس ذي اللحية وهانئ بن أبي حية الوادعيّان.\nفشهد عليه سبعون رجلًا، فقال زياد: ألقُوهم إلا من قد عُرف بحسَب وصَلاح في دِينه، فألقُوا حتى صُيّرُوا إلى هذه العدّة، وألقيتْ شهادة عبد الله بن الحجّاج الثعلبيّ وكتِبتْ شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة، ثم دفعها إلى وائل بن حُجْر","vol":"9","page":98},{"text":"الحضرميّ وكثير بن شهاب الحارثيّ، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم، وكتب في الشهود شُريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ الحارثيّ؛ فأما شريح فقال: سألني عنه، فأخبرتُه: أنه كان صوّامًا قوّامًا، وأما شريح بن هانئ الحارثيّ فكان يقول: ما شهدتُ، ولقد بلغني أن قد كتبتْ شهادتي، فأكذبته ولُمْتُه، وجاء وائل بن حُجْر، وكَثِير بن شهاب، فأخرج القوم عشيّة، وسار معهم صاحبُ الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة.\nفلما انتهوا إلى جبّانة عَرْزَم نظر قَبِيصة بن ضُبَيعة العبسيّ إلى داره وهي في جبّانة عرْزم، فإذا بناتُه مشرِفات، فقال لوائل وكَثير: ائْذَنا لي فأوصى أهلي، فأذِنا له، فلمّا دنا منهنّ وهنّ يبكين، سكت عنهنّ ساعة ثم قال: اسكتْنَ؛ فسكَتْن، فقال: اتَّقين الله ﷿، واصبْرن فإني أرجو من ربيّ في وجهي هذا إحدى الحُسْنَيَين: إمَّا الشهادة، وهي السعادة؛ وإما الانصراف إليكنّ في عافية، وإن الذي كان يرزُقكُنّ ويكفيني مُؤنتكُنّ هو الله تعالى -وهو حيّ لا يموت- ألّا يضيّعَكُنّ وأن يحفظني فيكنّ ثم انصرف فمرّ بقومه، فجعل القوم يدعون الله له بالعافية، فقال: إنه لمِمّا يعدل عندي خطرَ ما أنا فيه هلاكُ قومي، يقول: حيث لا ينصرونني، وكان رجا أن يتخلّصوه (١). (٥: ٢٦٨/ ٢٦٩/ ٢٧٠/ ٢٧١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني النضر بن صالح العبسيّ عن عبيد الله بن الحرّ الجعفي، قال: والله إني لواقف عند باب السريّ بن أبي وقّاص حين مرّوا بحُجر وأصحابه، قال: فقلتُ: ألا عشرة رَهْط أستنقِذ بهم هؤلاء! ألَا خمسة! قال: فجعل يتلهّف، قال: فلم يجبني أحدٌ من الناس، قال: فمضَوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغَريّيْنِ، فلَحِقهم شُريح بن هانئ معه كتاب، فقال لكثير: بلّغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، قال: ما فيه؟ قال: لا تسألْني فيه حاجتي؛ فأبى كثير وقال: ما أحبّ أن آتيَ أميرَ المؤمنين بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى ألّا يوافقه! فأتى به وائلَ بن حُجْر فقَبِله، ثم مَضَوا بهم حتى انتهَوا بهم إلى مَرْج عَذْراء، وبينها وبين دمشقَ اثنا عشر مِيلًا (٢). (٥: ٢٧١).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) إسناده تالف.","vol":"9","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1408>تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية</span>\nحُجر بن عديّ بن جَبَلة الكنديّ، والأرقم بن عبد الله الكنديّ من بني الأرقم، وشريك بن شدّاد الحضرميّ، وصيفيّ بن فسيل، وقَبِيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسيّ، وكريم بن عفيف الخثعميّ من بني عامر بن شهران، ثم من قحافة، وعاصم بن عوف البَجَليّ، وورقاء بن سُمَيّ البَجليّ، وكدام بن حيّان، وعبد الرحمن بن حَسّان العَنَزِيّان من بني هُمَيم، ومحرز بن شهاب التميميّ من بني مِنْقَر، وعبد الله بن حَوّية السعديّ من بني تميم، فمضَوا بهم حتى نزلوا مرْجَ عذراء، فحُبسوا بها، ثم إنّ زيادًا أتبعهم برجلين آخَرَين مع عامر بن الأسْود العِجْليّ بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بنِ هوازن، وسعيد بن نمران الهمْدانيّ، ثم الناعطيّ، فتمّوا أربعة عشر رجلًا، فبعث معاوية إلى وائل بن حُجر، وكَثير بن شهاب فأدخلهما، وفضّ كتابهما، فقرأه على أهل الشام، فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاويةَ أمير المؤمنين من زياد بن أبي سُفْيان، أمّا بعد: فإنّ الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوّه، وكفاه مؤنة من بَغَى عليه. إن طواغيتَ من هذه التُّرابيّة السبئيّة؛ رأسهم حُجْر بن عديّ خالَفوا أميرَ المؤمنين، وفارَقوا جماعةَ المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرَنا الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوتُ خيارَ أهل المِصر، وأشرافهم، وذوي السنّ والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثتُ بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادةَ صلحاء أهلِ المِصْر وخيارِهم في أسفل كتابي هذا.\nفلما قرأ الكتابَ وشهادةَ الشهود عليهم، قال: ماذا تَرَوْن في هؤلاء النّفر الذين شهد عليهم قومُهم بما تستمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البَجَليّ: أرَى أن تفرّقهم في قُرَى الشام فيكفيكَهم طواغيتُها.\nودفَع وائل بن حُجر كتابَ شُريح بن هانئ إلى معاوية، فقرأه فإذا فيه:\nبسم الله الرّحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أميرِ المؤمنين من شُريح بن هانئ أما بعد: فإنه بلغني أنّ زيادًا كتب إليك بشهادتي على حُجْر بن عديّ، وأن","vol":"9","page":100},{"text":"شهادتي على حُجْر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحجّ والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدّم والمال، فإن شئتَ فاقتله، وإن شئت فدَعْه! فقرأ كتابَه على وائل بن حُجْر وكثِير، فقال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسَه من شهادتكم.\nفحبس القوم بمرْج عذراء، وكتب معاوية إلى زياد: أما بعد، فقد فهمتُ ما اقتصصتَ به من أمر حُجر وأصحابه، وشهادة من قبَلك عليهم، فنظرتُ في ذلك، فأحيانًا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانًا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام.\nفكتب إليه زيادٌ مع يزيد بن حُجيّة بن ربيعة التيميّ: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيَك في حُجْر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المِصْر فلا تَرُدنّ حجرًا وأصحابه إليّ.\nفأقبل يزيد بن حُجَيّة حتى مرّ بهم بعذراء، فقال: يا هؤلاء أما والله ما أرى براءَتَكم، ولقد جئتُ بكتاب فيه الذّبح، فمرُوني بما أحببتم مما ترون: أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطِق به، فقال حُجر: أبلغ معاوية أنّا على بيعتنا، لا نستقيلها ولا نُقيلها، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظِنّاء. فقدم يزيدُ بالكتاب إلى معاويةَ فقرأه، وبلَّغه يزيد مقالةَ حُجْر؛ فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حُجْر؛ فقال عبد الرحمن بن أمّ الحكم الثقفيّ- ويقال: عثمان بن عمير الثقفيّ: جَذَاذُها جَذَاذُها، فقال له معاوية: لا تَعَنِّ أبْرًا، فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن، فأتَوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابنِ أمّ الحكم، فقال النّعمان: قتل القوم، وأقبل عامر بن الأسوَد العجليّ وهو بعذراء يريد معاويةَ ليُعلِمه علمَ الرجلين اللَّذَين بَعَث بهما زياد، فلما ولّى ليمضي؛ قام إليه حُجر بن عديّ- يَرْسُف في القيود، فقال: يا عامر! اسمع مني، أبلِغْ معاويةَ أنّ دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أو مِنّا وصالَحناه، فليتق الله، ولينظر في أمرنا، فقال له نحوًا من هذه الكلام، فأعاد عليه حُجْر مرارًا، فكان الآخر عرّض، فقال قد فهمت لك- أكثرت، فقال له حُجْر: إنّي ما سمعْت بعيب، وعلى أيّةٍ تلوم! إنك والله تُحبَى وتُعْطَى، وإن حُجرًا يُقَدّمُ ويقتل، فلا ألومك أن تستثقل كلامي،","vol":"9","page":101},{"text":"اذهب عنك، فكأنه استحيا، فقال: لا والله ما ذلك بي، ولأبلغنّ ولأجهَدنّ، وكأنه يزعم أنه قد فعل وأنّ الآخر أبى.\nفدخل عامر على معاويةَ فأخبره بأمر الرّجلين، قال: وقام يزيد بن أسد البجَليّ، فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي ابنَيْ عمِّي -وقد كان جرير بن عبد الله كتب فيهما: إنّ امرَأيْن من قومي من أهل الجماعة والرأي الحسن، سَعَى بهما ساعٍ ظَنِين إلى زياد، فبعث بهما في النّفر الكوفيّين الذين وجّه بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يُحدِث حدَثًا في الإسلام ولا بغيًا على الخليفة، فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين- فلما سألهما يزيدُ ذكرَ معاوية كتاب جرير، فقال: قد كتب إليّ ابنُ عمّك فيهما جرير محسنًا عليهما الثناء، وهو أهلٌ أن يصدَّق قولُه، وتُقبل نصيحتُه، وقد سألتَني ابنَيْ عمك، فهُما لك، وطلب وائل بن حُجْر في الأرقم، فتركه له، وطلب أبو الأعور السُّلميّ في عُتْبة بن الأخنس، فوهبه له، وطلب حُمرة بن مالك الهمْدانيّ في سعيد بن نمران الهمْداني، فوهبه له، وكلّمه حبيب بن مسلمة في ابن حَويّة، فخلّى سبيله.\nوقام مالك بن هُبيرة السَّكونيّ، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين! دَعْ لي ابنَ عمِّي حُجْرًا، فقال: إنّ ابن عمك حُجرًا رأس القوم، وأخاف إنْ خلّيت سبيلَه أن يُفسد على مِصرِي، فيضطرنا غدًا إلى أن نُشخِصك وأصحابك إليه بالعراق، فقال له: والله ما أنصفتَني يا معاوية! قاتلتُ معك ابن عمك فتلقّاني منهم يومٌ كيومِ صِفِّين، حتى ظفرتْ كفّك، وعلا كعبُك ولم تُخَف الدوائر، ثم سألتُك ابنَ عمي فسطوتَ وبسطت من القول بما لا أنتفع به؛ وتخوّفت فيما زعمت عاقبة الدوائر! ثم انصرف فجلس في بيته، فبعث معاويةُ هُدبةَ بنَ فيّاض القُضاعيّ من بني سَلامان بن سعد والحُصين بن عبد الله الكلابيّ وأبا شريف البدّيّ، فأتَوْهم عند المساء، فقال الخثعميّ حين رأى الأعور مقبلًا: يُقتَل نصفُنا وينجو نصفُنا؛ فقال سعيد بن نمران: اللهمّ اجعلني ممّن ينجو وأنت عني راضٍ؛ فقال عبد الرحمن بن حسن العَنَزيّ: اللهمّ اجعلني ممّنْ يُكْرَمُ بهوانِهم وأنت عنّي راضٍ؛ فطالما عرّضتُ نفسي للقتل، فأبى اللهُ إلا ما أراه! .\nفجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستّة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعنَ له، فإن فعلتم تركناكم،","vol":"9","page":102},{"text":"وإن أبيتم قتلناكم، وإنّ أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهكِ مصْركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك، فابرؤوا من هذا الرجل نُخَلّ سبيلَكم، قالوا: اللهمّ إنّا لسنا فاعلِي ذلك، فأمر بقبورهم فحفرتْ، وأدنيتْ أكفانُهم، وقاموا الليلَ كلَّه يصلّون، فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أوّل من جار في الحكم، وعَمِل بغير الحقّ؛ فقال أصحاب لمعاوية: أميرُ المؤمنين كان أعلمَ بكم، ثم قاموا إليهم فقالوا: تبرؤون من هذا الرجل! قالوا: بل نتولّاه ونتبرّأ ممن تبرّأ منه؛ فأخذ كلّ رجل منهم رجلًا ليقتلَه، ووقع قَبِيصة بن ضبيعة في يديْ أبي شريف البدّي، فقال له قَبِيصة: إنّ الشّر بين قَومي وقومك أمِنٌ، فليقتلْني سواك؛ فقال له: برّتك رَحِم! فأخذ الحضرميّ فقتله، وقتل القضاعيّ قَبِيصة بن ضُبَيعة.\nقال: ثم إنّ حُجرًا قال لهم: دعوني أتوضأ، قالوا له: توضّأ، فلما أن توضّأ قال لهم: دعوني أصلّ ركعتين فأيْمُنُ الله ما توضأت قطّ الأصلّيت ركعتين؛ قالوا: لتُصلّ، فصلَّى، ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاةً قطّ أقصرَ منها، ولولا أن تروْا أن ما بي جَزع من الموت لأحببتُ أن أستكثرَ منها، ثم قال: اللهمّ إن نستعديك على أمّتنا، فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأوّل فارس من المسلمين هَلَك في واديها، وأوّل رجل من المسلمين نبحَتْه كلابها، فمشى إليه الأعور هُدْبة بن فيّاض بالسيف، فأرعِدت خَصائله، فقال: كلّا، زعمتَ أنك لا تجزع من الموت؛ فأنا أدَعك فابرأ من صاحبك، فقال: ما لي لا أجزعُ وأنا أرى قبرًا محفورًا، وكفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا؛ وإني والله إنْ جزعتُ من التهتل لا أقول ما يُسخط الرّب، فقَتَله؛ وأقبلوا يقتلونهم واحدًا واحدًا حتى قَتلوا ستة، فقال عبد الرحمن بن حسّان العَنَزي وكريم بن عَفيف الخثعميّ: ابعثَوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرّجل مِثلَ مقالته؛ فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أن ائتوني بهما.\nفلما دخلا عليه قال الخثعميّ: اللهَ اللهَ يا معاوية! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤول عمّا أردت بقتلنا، وفيمَ سفكت","vol":"9","page":103},{"text":"دماءَنا، فقال معاوية: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول فيه قولك، قال: أتبرأ من دين عليّ الذي كان يَدِينُ اللهَ به؟ فسكَت، وكَرِه معاوية أن يجيبَه.\nوقام شَمِر بن عبد الله من بني قحافة، فقال: يا أميرَ المؤمنين! هب لي ابن عمّي؛ قال: هو لك، غير أني حابسُه شَهْرًا، فكان يرسل إليه بين كلّ يومين فيكلمه، وقال له: إني لأنفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك.\nثمّ إنّ شَمِرًا عاوده فيه الكلام، فقال: نُمِرُّك على هبة ابن عمك، فدعاه فخلّى سبيله على ألا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان، فقال: تخيّر أيّ بلاد العرب أحبّ إليك أن أسيّرك إليها، فاختار المَوْصلَ فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمتُ المِصْر، فمات قبل معاوية بشهر.\nثم أقبل عبد الرحمن العَنَزيّ فقال: إيه يا أخا ربيعة! ما قولك في عليّ؟ قال: دَعْني ولا تسألْني فإنه خيرٌ لك؛ قال: والله لا أدَعك حتى تخبرَني عنه؛ قال: أشهد أنه كان من الذّاكرين اللهَ كثيرًا، ومن الآمرين بالحقّ والقائمين بالقِسط، والعافينِ عن الناس؛ قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أوّل مَن فتح باب الظلم، وأرْتجَ أبواب الحقّ؛ قال: قتلتَ نفسَك؛ قال: بل إيّاك قتلتُ؛ ولا ربيعة بالوادي -يقول حين كلّم شَمِر الخعثميّ في كريم بن عَفيف الخثعميّ، ولم يكن له أحدٌ من قومه يكلّمه فيه- فبعث به معاوية إلى زياد، وكتب إليه: أما بعد، فإنّ هذا العَنَزيّ شرّ مَن بَعثْت فعاقبْه عقُوبته التي هو أهلها، واقتلْه شر قِتلة.\nفلما قُدِم به على زياد بعث به زياد إلى قُسّ الناطف، فدُفِن به حيًّا.\nقال: ولما حُمِل العَنَزيّ والخثعميّ إلى معاوية قال العَنزي لحُجْر: يا حُجْر! لا يبعدَنْك الله، فنِعم أخو الإسلام كنتَ! وقال الخثعميّ: لا تَبْعَدْ ولا تُفْقَد، فقد كنتَ تأمر بالمعروف وتَنهى عن المنكر، ثم ذهب بهما وأتبعَهُما بصرَه، وقال: كَفَى بالموت قطّاعًا لحبل القرائن! فذهب بعُتبة بن الأخنس وسعيد بن نَمِران بعد حُجْر بأيام، فخلَّى سبيلهما.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>تسمية من قتل من أصحاب حُجْر ﵀:</span>\nحُجْر بن عديّ، وشريك بن شدّاد الحضرميّ، وصَيْفيّ بن فسيل الشيبانيّ،","vol":"9","page":104},{"text":"وقَبيصة بن ضبيعة العبسيّ، ومُحرِز بن شهاب السعديّ ثم المِنْقَريّ، وكدام بن حيّان العَنَزيّ، وعبد الرحمن بن حسّان العَنَزيّ، فبعث به إلى زياد فدُفن حيًّا يقسّ الناطف، فهم سبعة قُتلوا وكفنوا وصُلى عليهم.\nقال: فزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حُجْر وأصحابه، قال: صلُّوا عليهم، وكفّنوهم، وأستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم، قال: حجّوهم وربّ الكعبة!\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>تسمية من نجا منهم:</span>\nكريم بن عفيف الخثعميّ، وعبد الله بن حويّة التميميّ، وعاصم بن عوف البَجَليّ، وورقاء بن سُميّ البَجَليّ، والأرقم بن عبد الله الكِنْديّ، وعتبة بن الأخنس، من بني سعيد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمدانيّ فهم سبعة.\nوقال مالك بن هُبيرة السَّكوني حين أبَى معاوية أن يهبَ له حُجْرًا وقد اجتمع إليه قومُه من كِندَة والسَّكون وناس من اليَمَن كثير، فقال: والله لنحن أغنَى عن معاوية من معاوية عنّا، وإنّا لنجد في قومه منه بدلًا، ولا يجد منّا في الناسِ خلَفًا، سيروا إلى هذا الرجل فلنُخلّه من أيديهم؛ فأقبَلوا يسيرون ولم يشكّوا أنهم بَعذْراء؛ لم يُقتلوا، فاستقبلَتْهم قتَلَتُهم قد خرجوا منها، فلما رأوْه في الناس ظنّوا أنما جاء بهم ليخلّص حُجْرًا من أيديهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ قال: تاب القوم، وجئنا لنخبر معاوية، فسكت عنهم، ومضى نحو عذراء، فاستقبله بعضُ من جاء منها فأخبره أنّ القوم قد قُتلوا، فقال: عليّ بالقوم! وتبعتْهم الخيلُ وسبَقُوهم حتى دخلوا على معاوية فأخبروه خبرَ ما أتى له مالكَ بن هبيرة ومن معه من الناس، فقال لهم معاوية: اسكنُوا، فإنما هي حرارةٌ يجدها في نفسه، وكأنها قد طفئتْ، ورجع مالك حتى نزل في منزله، ولم يأتِ معاوية، فأرسل إليه معاوية فأبَى أن يأتيه، فلما كان الليل بعث إليه بمئة ألف درهم، وقال له: إنّ أمير المؤمنين لم يمنعه أن يشفِّعك في ابن عمّك إلا شَفقة عليك وعلى أصحابك أن يُعيدوا لكم حَرْبًا أخرى، وإن حُجْر بن عديّ لو قد بقي خشيت أن يكلِّفك وأصحابك الشخوص إليه، وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قَتْل","vol":"9","page":105},{"text":"حُجْر. فقَبلها، وطابت نفسهُ، وأقبل إليه من غده في جموع قومه حتى دخل عليه ورضيَ عنه (١). (٥: ٢٧١/ ٢٧٢/ ٢٧٣/ ٢٧٤/ ٢٧٥/ ٢٧٦/ ٢٧٧/ ٢٧٨).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق: أنّ عائشةَ ﵂ بعثتْ عبدَ الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حُجر وأصحابه، فقدِم عليه وقد قتلَهم فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلمُ أبي سُفْيان؟ قال: غاب عني حين غاب عني مِثلُك من حُلَماء قومي، وحَمّلني ابن سُميّة فاحتملت (٢). (٥: ٢٧٨/ ٢٧٩).\nقال أبو مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: كانت عائشة تقول: لولا أنا لم نغيِّر شيئًا إلا آلت بنا الأمور إلى أشدّ مما كنا فيه لغيَّرنا قتل حُجْر، أما والله إن كان ما علمتُ لمَسلمًا حَجّاجًا معتمِرًا (٣). (٥: ٢٧٩).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل عن سعيد المقبريّ: أنّ معاوية حين حجّ مرّ على عائشة -رضوانُ الله عليهما- فاستأذن عليها، فأذِنتْ له، فلما قعد قالت له: يا معاوية، أأمِنْتَ أن أخبئ لك من يقتلك؟ قال: بيتَ الأمن دخلت، قالت: يا معاوية: أما خشيتَ الله في قَتْل حُجْر وأصحابه؟ ! قال: لستُ أنا قتلتُهم، إنما قتَلَهم من شهد عليهم (٤). (٥: ٢٧٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، قال: أدركتُ الناسَ وهم يقولون: إن أوّل ذُلّ دخل الكوفة موتُ الحسن بن عليّ وقتلُ حُجْر بن عديّ، ودعوةُ زياد (٥). (٥: ٢٧٩).\nقال أبو مخنف: وزعموا أنّ معاوية قال عند موته: يومٌ لي من ابن الأدبَرِ طويلٌ! ثلاثَ مرات- يعني: حُجرًا (٦). (٥: ٢٧٩).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذه التفاصيل بلا إسناد والأغلب أنها امتداد لرواية أبي مخنف (٥/ ٢٧١/ م ١٠١) والله أعلم.\n(٢) إسناده تالف، وراجع تعليقنا على الرواية (٥: ٢٥٦/ ٢٥٧).\n(٣) إسناده تالف.\n(٤) إسناده تالف.\n(٥) إسناده تالف.\n(٦) إسناده تالف.","vol":"9","page":106},{"text":"قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير، عن الحسن، قال: أربع خصال كنّ في معاوية؛ لو لم يكن فيه منهنّ إلا واحدة لكانت مُوبِقة: انتزاؤه على هذه الأمّة بالسفهاء حتى ابْتزَّها أمرَها بغير مَشُورة منهم وفيهم بقايا الصّحابة وذو الفضيلة. واستخلافُه ابنه بعده سِكّيرًا خِمّيرًا، يلبس الحرير ويَضرِب بالطنابير. وادّعاؤه زيادًا، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"الولد للفِراش، وللعاهِر الحجَرُ\". وقتلهُ حُجْرًا، ويْلًا له من حُجْرٍ! مرّتين.\nوقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصاريّة، وكانت تَشَيَّع تَرثِي حُجْرًا:\nتَرفَّع أيّها القمرُ المنِيرُ ... تبَصَّرْ هل ترى حُجْرًا يَسيرُ\nيسيرُ إلى معاويةَ بن حرْبٍ ... ليقْتُلَهُ كما زعم الأَميرُ\nتجَبَّرَتِ الجَبابِرُ بعد حُجْرٍ ... وطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّدِيرُ\nوأصَبَحَتِ البلادُ بها مُحُولًا ... كأَن لم يُحْيها مُزْنٌ مَطِيرُ\nألا يا حُجْرُ حجْر بني عَدِيٍّ ... تلقَّتكَ السلامةُ والسُّرُور\nأخافُ عليك ما أَرْدَى عَدِيًّا ... وشَيخًا في دِمشقَ له زئيرُ\nيَرَى قتلَ الخِيارِ عليه حقًّا ... له من شَرٍّ أُمَّتِهِ وَزير\nألا يا ليتَ حُجْرًا مات مَوْتًا ... ولم ينحَرْ كما نُحِرَ البعيرُ\nفإن تَهلِكْ فكلُّ زعيمِ قَومٍ ... من الدنيا إلى هُلكٍ يَصِيرُ\nوقالت الكنديّة ترثي حُجرًا- ويقال: بل قائلها هذه الأنصاريّة:\nدُموعُ عيْنِي دِيمةٌ تَقطُرُ ... تبكِي على حُجْرٍ وما تَفتُرُ\nلو كانت القوْس على أَسرِه ... ما حُمِّلَ السيفَ له الأَعورُ\nوقال الشاعر يحرّض بني هند من بني شَيْبانَ على قيس بن عُباد حين سعى بصَيفيّ بن فَسِيل:\nدَعا ابنُ فسيل يالَ مُرَّةَ دعوةً ... ولاقى ذبابَ السيف كَفًّا ومِعْصما\nفحَرِّضْ بني هِند إذا ما لَقِيتَهُمْ ... وقُلْ لِغِياثٍ وابنهِ يَتَكلَّما\nلِتَبْكِ بني هِندٍ قتيلةُ مِثلَ ما ... بكَتْ عِرْسُ صَيْفِيٍّ وتبعثُ مأْتما\nغياث بن عمران بن مرّة بن الحارث بن دُبّ بن مرّة بن ذهل بن شَيْبان، وكان شريفًا، وقُتيلَةُ أخت قيس بن عُباد، فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه، فقال حَوْشب للحجّاج بن يوسف: إن منّا امرأ صاحب","vol":"9","page":107},{"text":"فتن ووثوب على السلطان، لم تكن فتنةٌ في العراق قطّ إلا وثب فيها، وهو ترابيّ يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث فشهد معه في مواطنه كلها، يحرّض الناسَ حتى إذا أهلكهم الله؛ جاء فجلس في بيته، فبعث إليه الحجاجُ فضرب عنقَه، فقال بنو أبيه لآل حوشب: إنما سعيتمْ بنا سعيًا، فقالوا لهم: وأنتم إنما سعيتم بصاحبنا سعيًا (١). (٥: ٢٧٩/ ٢٨٠/ ٢٨١).\nفقال أبو مخنف: وقد كان عبد الله بن خليفة الطائيّ شهد مع حُجْر بن عدي، فطلبه زياد، فتوارَى، فبعث إليه الشُّرَط، وهم أهل الحمراء يومئذ، فأخذوه، فخرجتْ أخته النوّار فقالت: يا معشر طيئ، أتسلمون سنانَكم ولسانَكم عبدَ الله بن خليفة! فشدّ الطاليُّون على الشُّرَط فضربوهم وانتَزعوا منهم عبدَ الله بن خليفة! فرجعوا إلى زياد، فأخبروه، فوَثَب على عديّ بن حاتم، وهو في المسجد، فقال: ائتني بعبد الله بن خليفة؛ قال: وما له! فأخبره، قال: فهذا شيء كان في الحيّ لا علمَ لي به؛ قال: والله لتأتيَنِّي به؛ قال: لا، والله لا آتيك به أبدًا، أجيئك بابن عمّي تقتُله! والله لو كان تحت قدميّ ما رفعتُهما عنه، قال: فأمر به إلى السجن؛ قال: فلم يَبق بالكوفة يمانيٌّ ولا رَبَعيٌّ إلّا أتاه وكلّمه، وقالوا: تفعل هذا بعديّ بن حاتم صاحبِ رسول الله - ﷺ -! قال: فإني أخرجه على شرط، قالوا: ما هو؟ قال: يخرج ابن عمّه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان، فأتِيَ عديّ فأخبر بذلك، فقال: نعم، فبعث عديّ إلى عبد الله بن خليفة فقال: يا بن أخي! إنّ هذا قد لجّ في أمرِك، وقد أبى إلا إخراجَك عن مِصْرِك ما دام له سلطان، فالحقْ بالجبلين، فخرج؛ فجعل عبد الله بن خليفة يكتب إلى عديّ، وجعل عديٌّ يمنّيه، فكتب إليه:\nتذكَّرتُ ليلى والشَّبِيبةَ أَعصُرا ... وذكْرُ الصِّبَا بَرْخٌ على من تذكَّرا\nووَلّى الشَّبابُ فافتقدتُ غُضُونَهُ ... فيا لك من وَجْد به حين أَدْبَرا\nفدع عنك تذكار الشبابِ وفَقدهُ ... وآثارهُ إذ بانَ منك فأَقصَرا\nوبَكِّ على الخُلانِ لمّا تُخُرِّمُوا ... ولم يجدُوا عن مَنهَلِ الموتِ مَصدرا\nدعَتهمْ مَناياهمْ ومَنْ حانَ يَومُهُ ... من الناس فاعلم أنه لن يؤِخَّرا\nأولئك كانوا شِيعةً لي ومَوْئلًا ... إذا اليوم أُلفِي ذا احتِدَام مُذكَّرا\n_________\n(١) إسناده تالف وفي متنه نكارة وأما الحديث المرفوع (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فصحيح.","vol":"9","page":108},{"text":"وما كنتُ أهوى بعدهمْ مُتعَلّلًا ... بشيءٍ من الدنيا ولا أَن أُعَمَّرا\nأقولُ ولا والله أنَسى ادِّكارَهمْ ... سجِيسَ اللَّيالي أو أموتَ فأُقْبَرا\nعلى أَهلِ عذراءَ السلامُ مُضاعَفًا ... من الله وليُسْق الغمامَ الكَنهْوَرا\nولاقى بها حُجْرٌ من الله رحمةً ... فقد كان أَرْضى اللهَ حجرٌ وأعذَرا\nولا زالَ تَهْطال مُلِثٌّ وديمة ... على قبرِ حُجْرٍ أو ينادَى فيُحْشَرا\nفيا حُجْرُ مَنْ للخيل تُدْمَى نُحُورُها ... وللمَلِك المُغْزِي إذا ما تَغْشمَرا\nومَن صادِعٌ بالحقّ بعدكَ ناطِق ... بتقَوى ومَنْ إن قيلَ بالجَوْرِ غيّرا\nفنِعْم أخو الإسلام كنتَ وإنني ... لأطمَعُ أن تُؤتى الخلودَ وتُحْبَرا\nوقد كنتَ تعطى السيفَ في الحرب حَقَّه ... وتَعرِفُ مَعرُوفًا وتنكِرُ مُنكَرا\nفيا أخَوَيْنا من هُمَيمٍ عُصِمْتُما ... ويُسّرْتُما للصالحاتِ فأَبْشِرا\nويا أخَوَيَّ الخِندفِيَّين أَبْشِرا .... فقد كنتما حيِّيتُما أن تُبَشَّرا\nويا إخْوَتا من حضرموتَ وغالب ... وشيبانَ لُقِّيتُمْ حسابًا مُيَسَّرا\nسَعِدْتُم فلم أسمع بأصوَبَ مِنكُمُ ... حِجاجًا لدَى الموتِ الجليل وأصبَرا\nسأبكِيكمُ ما لاح نجْم وعَرّدَ الـ ... ـحمامُ بِبَطْن الوادِيَيْنِ وقَرَقرا\nفقلتُ ولم أظلم اغَوثَ بنَ طيِّئٍ ... متى كنتُ أخشَى بينكم أن أُسَيّرا!\nهَبِلتُم أَلا قاتَلتُمُ عن أخيكمُ ... وقد ذَبَّ حتى مال ثم تجَوَّرا\nففرّجتُمُ عني فغُودِرتُ مُسلَمًا ... كأني غريب في إِيادٍ وأعصُرا\nفمن لكم مثِلي لدَى كلِّ غارةٍ ... ومن لكُم مثلي إذا البأسُ أصحرا\nومن لكمُ مثلي إذا الحربُ قلَّصَتْ ... وأوضعَ فيها المُسْتَمِيتُ وشَمَّرا\nفَها أَنا ذا دارِي بأجبَال طَيْئٍ ... طَرِيدًا ولو شاءَ الإلهُ لَغيّرَا\nنَفاني عَدُوِّي ظالمًا عن مُهاجَرِي ... رضيتُ بما شاءَ الإِلهُ وقَدَّرا\nوأسلَمَني قومي لغيرِ جِنايةٍ ... كأن لم يكونوا لي قَبيلًا ومَعشَرا\nفإنْ أُلْفَ في دارٍ بأَجبالِ طيّئٍ ... وكان معانًا من عُصَيْر ومحضَرا\nفما كنتُ أخشى أن أُرَى مُتغَرِّبا ... لحَا اللهُ من لاحَى عليه وكثَّرا\nلحا الله قتل الحضرميّين وائلا ... ولَاقى الفَنَا من السنان الموفَّرا\nولَاقَى الرَّدى القومُ الذين تحزّبوا ... علينا وقالوا قَول زُورٍ ومُنكَرا\nفلا يَدْعُني قومٌ لَغوثِ بن طيئٍ ... لأنْ دَهرُهم أشقَى بهم وتغيّرا\nفلم أغزُهمْ في المُعلَمِينَ ولم أُثر ... عليهمْ عَجاجًا بالكُوَيفةِ أكَدَرا","vol":"9","page":109},{"text":"فبلِّغ خليلي إن رحَلتَ مُشَرِّقًا ... جَديلةَ والحَيَّيْن مَعْنًا وبُحتُرا\nونَبْهانَ والأَفْناءَ من جِذْم طيئِ ... ألم أكُ فيكمْ ذا الغناءِ العَشنزرا!\nألم تذكروا يومَ العُذَيب ألِيَّتي ... أمامكُمُ ألَّا أرَى الدّهرَ مُدبِرا!\nوكَرِّي على مِهران والجمعُ حاسر ... وقَتلِي الهُمام المُستَميتَ المُسَوّرا\nويومَ جَلولاءِ الوَقيعة لم أُلَمْ ... ويومَ نِهاوَندِ الفُتُوح وتُستَرا\nوتَنسَونني يومَ الشَّريعةِ والقَنَا ... بصِفّينَ في أَكتافهم قد تَكَسَّرَا\nجَزَى رَبُّهُ عني عَديَّ بن حاتمٍ ... برَفضي وخِذلاني جزاءً مُوفَّرا\nأتَنسَى بَلائِي سادِرًا يا بنَ حاتمٍ ... عشيَّةَ ما أغنَت عَدِيُّكَ حِزْمَرا!\nفدافَعتُ عنك القومَ حتى تخَاذَلوا ... وكنتُ أنا الخصمَ الألَدَّ العَذَوَّرا\nفَوَلَّوا وما قاموا مقامي كأَنما ... رأَونِيَ لَيثًا بالأَبَاءَة مُخدرا\nنَصَرتُكُم إذ خامَ القريبُ وأبعَطَ الـ ... بَعِيدُ وقد أفرِدتُ نَصرًا مؤزرًا\nفكان جزائي أن أجَرَّد بينكم ... سَجينًا وأن أُولَى الهوانَ وأوسَرا\nوكم عِدَة لي منك أَنك راجعِي ... فلم تُغنِ بالميعادِ عنِّي حبتَرا\nفأَصبحتُ أرعَى النِّيبَ طَورًا وتارة ... أُهَرْهِرُ إن راعي الشُّوَيهات هرهَرا\nكأَني لم أَركَب جَوادًا لغارةٍ ... ولم أترُكِ القِرن الكميَّ مُقَطَّرا\nولم أَعتَرِض بالسَّيفِ خَيلًا مُغِيرةً ... إذا النكسُ مَشى القَهقَرى ثم جَرجَرا\nولم أستحِثَّ الركضَ في إثرِ عُضبةٍ ... مُيَمّمةٍ عُليا سِجاسٍ وأبهرَا\nولم أذعرِ الأَبْلامَ مني بغارةٍ ... كَورْدِ القَطاثم انحدرتُ مُظَفَّرا\nولم أَرَ في خَيلٍ تُطاعِن بالقَنَا ... بقَزوينَ أو شَروِينَ أو أغزُ كُندُرا\nفذلك دهرٌ زال عني حميدُهُ ... وأصبح لي معروفُه قد تَنكَّرا\nفلا يَبعَدَنْ قومي وإن كنت غائبًا ... وكنتُ المُضاعَ فيهمُ والمُكَفَّرا\nولا خيرَ في الدنيا ولا العيش بعدهمْ ... وإن كنتُ عنهم نائِيَ الدار مُحصَرا\nفمات بالجبَلين قبل موت زياد.\nوقال عُبَيدة الكنديّ ثم البذيّ؛ وهو يعيّرِ محمد بن الأشعث بخِذْلانه حُجْرًا:\nأَسلمتَ عمَّك لم تُقاتِلْ دونَهُ ... فرَقًا ولولا أنتَ كان منيعَا\nوقتلتَ وافِدَ آلِ بَيت محمّدٍ ... وسَلَبتَ أَسيافًا له ودُروعا","vol":"9","page":110},{"text":"لو كنتَ من أَسدٍ عرفتَ كرامتي ... ورأيتَ لي بيتَ الحُباب شفيعا (١)\n(٥: ٢٨١/ ٢٨٢/ ٢٨٣/ ٢٨٤/ ٢٨٥).\n* * *\n_________\n(١) إسناده تالف.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-1411> خلاصة القول في قتل حجر بن عدي</span>-\nذكر الطبري روايات عدة في هذه المسألة استغرقت الصفحات (٢٥٣ - ٢٨٥) وجميعها من طريق التالف الهالك أبي مخنف وهو متروك غير موثوق به، ومعروف بطعنه في عدالة الصحابة ويعمد إلى الخبر الصحيح فيزيد عليه أضعافًا من الكذب والافتراء والطعن- سوى رواية واحدة أخرجها الطبري من طريق آخر (٥/ ٢٥٦) وفي إسناده مسلم الجرمي مجهول الحال إن لم يكن مجهول العين ومخلد بن الحسن البصري مقبول (أي: إذا توبع، وإلا فلين) وكذلك أخرجها ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ت ٥٣٧) وفي إسناده أحمد بن محمد بن الحجاج، قال ابن عدي: كذبوه وأنكرت عليه أشياء وذكر الذهبي من بواطيله في ترجمته في الميزان وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمصر ولم أحدث عنه لما تكلموا فيه. (الجرح والتعديل ١/ ١/ ١٠٣) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٩) عن ابن سيرين مع بعض الاختلاف وفي أول إسناده علي بن عيسى جاء ذكره في تكملة الإكمال لابن نقطة (٢/ ٤٨٤) والمشتبه للذهبي (١/ ١٨٥) ولم نجد من يوثقه (والله أعلم).\nوتوهم عبد السلام علوش في تحقيقه للمستدرك إذ قال في الحاشية (٤/ ٥٩١/ ح ٦٠٣٥): وأخرجه ابن عبد البر من وجه آخر. . . فثبتت الواقعة.\nقلنا إن كان ذلك من أجل تقوية رواية الحاكم برواية ابن عبد البر فقد بينا قبل قليل: أن في إسناد: أحمد بن محمد بن الحجاج الذي قال فيه ابن عدي كذبوه وذكر الذهبي في بواطيله ولم يحدث عنه ابن أبي حاتم لما تكلموا فيه والله أعلم.\nوسنذكر هنا ما ورد في هذه المسألة:\nأخرج يعقوب بن سفيان عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فعاتبته في قتل حجر وأصحابه قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يقتل من بعدي أناس يغضب الله لهم وأهل السماء) (المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢٠) وقال الحافظ في إسناده انقطاع (الإصابة ١/ ٣١٤).\nوأخرج يعقوب بن سفيان من طريق حرملة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء حجرًا وأصحابه. فقال: يا أم المؤمنين إني رأيت في قتلهم صلاحًا للأمة. . . إلخ (المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢٠).\nوقال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد ضعيف منقطع (البداية والنهاية ٨/ ٥٧).\nثم أخرج ابن كثير رواية مغايرة فقال: وقد رواه عبد الله بن البارك عن ابن لهيعة عن أبي الأسود: أن عائشة قالت: بلغني أنه سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء (٨/ ٥٧).","vol":"9","page":111},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرج يعقوب بن سفيان (٣/ ٣٢١) حدثني ابن لهيعة حدثني الحارث عن يزيد عن عبد الله بن أبي رزين الغافقي قال سمعت عليًّا يقول: (يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود قال: يقتل حجر وأصحابه) وقال الحافظ ابن كثير: ابن لهيعة ضعيف (البداية والنهاية ٨/ ٥٧).\nوقال الأستاذ العمري في حاشية المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٣١): في السند انقطاع وأقل ما يكون بين يعقوب وابن لهيعة راوٍ وأحسبه هنا يحيى بن عبد الله بن بكير. اهـ.\nقلنا: ورواية أخرجها البلاذري من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة ﵂ فقالت: يا معاوية قتلت حجرًا وأصحابه وفعلت الذي فعل. . . الخبر. . . وفي آخره قال معاوية: فدعيني وحجرًا حتى نلتقي عند ربنا ﷿ (المعرفة والتاريخ ٣/ ٣٢١).\nقلنا: وفي إسناده علي بن يزيد وهو ضعيف والله أعلم.\nوأخرج أحمد عن عفان عن ابن عليه عن أيوب عن عبد الله بن أبي مليكه (أو غيره): لما قدم لمعاوية المدينة دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرًا؟ . . الحديث وفي آخره قال: فدعيني وحجرًا حتى نلتقي عند ربنا ﷿) (البداية والنهاية ٨/ ٥٨).\nقلنا: وإن صح هذا فقد تأول معاوية واجتهد فأخطأ في اجتهاده وتأويله وكان يعتقد أن ذلك سيقطع الطريق على بقية من خرج على طاعة أمير المؤمنين ومن قبله أخطأ خالد أو أخطأ أصحابه على الأصح (كما بينا في عهد الخلفاء الراشدين) ثم بيّن عذره لأبي بكر ﵁ فقبل عذره وامتنع من عزله وقال لسيدنا عمر تأوّل فأخطأ كف لسانك عن خالد، لا أشيم سيفًا سله الله على المشركين).\nوالروايات الواردة في هذا الباب تبين لنا بعض الغموض، ففي إحدى الروايات: أنه ﵁ كان يرى قتل رجلٍ خيرًا من قتل ألف أي أنه لو لم يقتله لاستفحل أمره وظهرت الفتنة مرة أخرى بين المسلمين ويكفيهم فتنة الجمل وصفين. . . ونحن بصدد تاريخ بشر غير معصومين (الصحابة) ولكنهم خير القرون، وكفى بالمرء فخرًا أن تعدّ مساوئه، فإن كان المبتدعة الجهال ينبشون ويبحثوق بين الروايات عسى أن يتشبثوا ولو برواية واحدة تثبت أن سيدنا معاوية يتحمل قسطًا من مسؤولية قنل حجر بن عدي فالبشر يخطئون وسبحان من لا يخطئ.\nوالصحابة اجتهد بعضهم فأخطأ كذلك فقد عفا بعضهم أحيانًا كما في عصيان الصحابة أوامر الرسول - ﷺ - والنزول من جبل الرماة في غزوة أُحُد، وَأَحَدُ الصحابة كان يشرب الخمر فيأمر رسول الله بجلده، وكذلك أخطأ خالد ودخل مكة من إحدى الطرق وخرج وعلى سيفه دم فماذا قال رسول الله - ﷺ -؟ قال: \"اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد\" ولكن لم يتبرأ من خالد وإنما من فعلته ومن قبل تاب الله على الذين عصوا أمر رسول الله - ﷺ - وحوادث متفرقة وغيرها ولكنها حوادث معدودة على عدد الأصابع ولا تخرج الصحابة من عدالتهم التي أصبحت سمة =","vol":"9","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1412>ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان</span>\nوفي هذه السنة وجّه زيادٌ الربيعَ بن زياد الحارثيّ أميرًا على خُراسان بَعد موت الحكم بن عمرو الغِفاريّ، وكان الحكم قد استَخلف على عمله بعد موته أنسَ بن أبي أناس، وأنس هو الذي صلى على الحكم حين مات فدُفن في دار خالِد بن عبد الله أخي خُليد بن عبد الله الحنفيّ، وكتب بذلك الحَكَم إلى زياد، فعزَل زيادٌ أَنسًا، وولّى خُلَيد بن عبد الله الحنفيّ (١). (٥: ٢٨٥).\nفحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: لما عزل زيادٌ أنسًا، وولى مكانَه خُليد بن عبد الله الحنفيّ قال أنسٌ:\nألا مَنْ مُبلِغ عني زِيادًا ... مغَلغَلَةً يَخُبُّ بها البَرِيدُ\nأتعزِلني وتطعِمُها خُليدًا ... لقد لاقت حَنيفَهُ ما تريدُ\nعليكم باليمامةِ فاحرُثوها ... فأوّلُكم وآخرُكم عَبيدُ\nفولى خُليدًا شهرًا ثم عزله، وولى خُراسانَ ربيع بن زياد الحارثي في أول سنة إحدى وخمسين، فنقل الناسُ عيالاتِهم إلى خُراسان، ووطنوا بها، ثم عزل الربيع (٢). (٣: ٢٨٦).\nفحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، عن مسلمة بن محارب وعبد الرحمن بن أبان القرشيّ، قالا: قدم الربيع خُراسان ففتح بلخ صُلْحًا، وكانوا قد أغلقوها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس، وفتح قُهِسْتان عنوةً، وكانت بناحيتها أتراك، فقتلهم وهزمهم، وكان ممن بقي منهم نيزك طَرخان، فقتله قُتيبةُ بن مسلم في ولايته (٣). (٥: ٢٨٦).\n_________\n= عامة مميزة لهم ثم إن حجرًا اعترف بخطئه وسار مختارًا إلى دار الخلافة وكان باستطاعته أن يسمع كلام قومه ويبدأ بعصيان عسكري يقود فيها بني قومه ضد أمير المؤمنين ولكنه لم يفعل وقتل ﵁ وأرضاه.\n(١) ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"9","page":113},{"text":"حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فرّوخ وجاريته شريفةُ، فغنم وسلم، فأعتَقَ فرّوخًا، وكان قد قطع النّهر قبله الحَكَم بن عمرو في ولايته ولم يفتح (١). (٥: ٢٨٦).\nفحدّثني عمر، عن عليّ بن محمد، قال: كان أوّل المسلمين شرب من النهر مولى للحَكم، اغترف بتُرسه فشرب، ثم ناوَلَ الحكم فشرب، وتوضّأ وصلى من وراء النهر ركعتين، وكان أوّل الناس فعلَ ذلك، ثم قَفَل (٢). (٥: ٢٨٦).\nوحجّ بالناس في هذه السنة يزيدُ بن معاوية؛ حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ (٣). (٥: ٢٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين</span>\nفزعم الواقديّ: أنّ فيها كانت غَزوة سُفْيان بن عوف الأزديّ، ومشتاه بارض الرّوم، وأنه توفِّي بها، واستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاريّ.\nوقال غيره: بل الذي شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بُسْر بن أبي أرْطاةَ، ومعه سُفْيان بن عوف الأزديّ، وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبد الله الثَّقَفي.\nوحجّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص في قول أبي معشر، والواقديّ، وغيرِهما (٤). (٣: ٢٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك مشتَى عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم الثقفيّ بأرض الرّوم.\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":114},{"text":"وفيها فتحت رُودُس -جزيرة في البحر- ففتحها جُنادة بن أبي أميّة الأزْديّ، فنزلها المسلمون -فيما ذكر محمد بن عمر- وزَرَعوا واتّخذوا بها أموالًا ومواشيَ يَرْعَوْنها حولَها، فإذا أمسَوْا أدخلوها الحصن، ولهم ناطورٌ يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكَيْد، فكانوا على حَذرٍ منهم، وكانوا أشدّ شيء على الرّوم، فيعترضونهم في البحر فيقطعون سفنَهم، وكان معاوية يُدِرّ لهم الأرزاق والعطاء، وكان العدوّ قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم يزيدُ بن معاوية (١). (٥: ٢٨٨).\nوفيها كانت وفاةُ زياد بن سُميّة.\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا زهير، قال: حدّثنا وهيب، قال: حدّثني أبي عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن الزّبير، عن فيل مولَى زياد، قال: ملك زياد العراقَ خمسَ سنين، ثم مات سنة ثلاث وخمسين (٢). (٥: ٢٨٨).\nحدّثني عمر، قال، حدّثنا عليّ بن محمد، قال: لما نزل زياد على العراق بقيَ إلى سنة ثلاث وخمسين، ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سَمُرة بن جندَب (٣). (٥: ٢٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>ذكر سبب مهلك زياد بن سُمَية</span>\nحدّثني عبد الله بن أحمدَ المروزيّ، قال: حدّثنا أبي، قال حدثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني عبدُ الله بن شَوْذب، عن كثير بن زياد: أنّ زيادًا كتب إلى معاوية: إني ضبطت العراقَ بشمالي، ويميني فارغة. فضمّ إليه معاوية العَرُوض -وهي اليمامة وما يليها- فدعا عليه ابن عمَر، فطُعِن ومات. فقال ابن عمرَ حين بلغه الخبر: اذهبْ إليك ابنَ سُميّة، فلا الدّنيا بقيَتْ لك، ولا الآخرةَ أدركتَ (٤). (٥: ٢٨٨/ ٢٨٩).\n_________\n(١) ضعيف لأن الواقدي متروك، وأما خليفة ويعقوب بن سفيان فقد أخرجا روايات في فتح رودس ضمن أحداث سنة (٥٩) هـ والله أعلم.\n(٢) في إسناده مجهول الحال.\n(٣) إسناده معضل.\n(٤) إسناده مرسل وقال ابن حبان: زياد بن كثير يروي عن الحسن وأهل العراق الأشياء المقلوبة =","vol":"9","page":115},{"text":"حدثني عمر، قال: حدثني عليّ، قال: كتب زيادٌ إلى معاوية: قد ضبطتُ لكَ العراق بشمالي؛ ويميني فارغة، فاشغلها بالحجاز، وبعث في ذلك الهيثم بن الأسودَ النخعيّ، وكتب له عهدَه مع الهَيْثم، فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبدَ الله بن عمَر بن الخطاب، فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يَكفيكموه، فاستقْبَل القبلةَ واستقبلوها فدَعوا ودعا، فخرجت طاعونةٌ على أصبعه، فأرسل إلى شريح -وكان قاضيَه- فقال: حَدَث بي ما تَرَى، وقد أمرْت بقطعها، فأشِرْ عليّ؛ فقال له شُريح: إني أخشى أن يكون الجراح على يدك، والألمُ على قلبك، وأن يكون الأجلُ قد دنا، فتلقَى اللهَ ﷿ أجْذَم، وقد قطعْتَ يدَكَ كراهيةً للقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير وقد قطعتَ يدكَ فتعيش أجذَمَ وتُعيّر ولدك. فتركها؛ وخرج شريح فسألوه، فأخبرَهم بما أشار به، فلامُوه، وقالوا: هلّا أشرتَ عليه بقطعها! فقال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"المستشار مؤتمَن\" (١). (٥: ٢٨٩).\nحدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: قال عبد الله: سمعتُ بعضَ مَنْ يحدّث: أنه أرسل إلى شُريح يستشيره في قطع يده، فقال: لا تفعل؛ إنك إن عشتَ صرتَ أجذَمَ، وإن هلكتَ إيّاك جانيًا على نفسك، قال: أنام والطاعون في لحاف! فعزم أن يفعل، فلما نظر إلى النار والمَكاوي جَزع وترك ذلك (٢). (٥: ٢٨٩).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عبد الملك بن قُرَيب الأصمعيّ، قال: حدّثني ابن أبي زياد، قال: لما حضرتْ زيادًا الوفاةُ؛ قال له ابنه: يا أبتِ! قد هيّأت لك ستين ثوبًا أكفّنك فيها؛ قال: يا بنيّ، قد دنا من أبيك لباسٌ خيرٌ من لباسه هذا، أو سلبٌ سريع. فمات فدُفن بالثُّوَيَّة إلى جانب الكوفة، وقد توجه يزيد إلى الحجاز واليًا عليها، فقال مسكين بن عامر بن شُريح بن عَمرو بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم:\n_________\n= استحب مجانبة ما انفرد به من الروايات (المجروحين ٢/ ٢٢٤).\n(١) إسناده معضل.\n(٢) في إسناده مبهم.","vol":"9","page":116},{"text":"رَأَيتُ زيادَةَ الإسلامِ وَلَّت ... جِهارًا حينَ ودَّعَنا زيادُ (١)\n(٥: ٢٨٩/ ٢٩٥).\nوقال الفرزدق لمسكين- ولم يكن هجا زيادًا حتى مات:\nأَمِسْكِينُ أَبكى الله عيْنَك إنما ... جرَى في صلالٍ دَمعُها فَتَحَدَّرَا\nبَكيْتَ امرأً مِن آلِ مَيْسانَ كَافِرًا ... ككِسرى على عَدّانه أَو كقَيْصَرا\nأقولُ له لمّا أتاني نَعِيُّهُ ... به لا بِظَبْيٍ بالصَّريمةِ أَعْفَرا\nفأجابه مسكين، فقال:\nألا أَيُّها المرءُ الذي لَسْتُ ناطقًا ... ولا قاعِدًا في القوم إلا انْبَرَى لِيَا\nفجِئني بِعَمٍّ مِثْلِ عمّيَ أَو أَبٍ ... كمثْلِ أبي أَو خالِ صدْقٍ كخاليا\nكعَمْرِو بن عمرٍو أَو زُرارةَ والدًا ... أَوِ البِشْرِ من كلٍّ فَرَعتُ الرَّوابيا\nوما زال بي مِثلُ القَناةِ وسابحٍ ... وخَطَّارةٍ غِبّ السُّرَى مِن عياليا\nفهذا لأيّام الحِفاظِ وهذِهِ ... لِرَحْلي وهذا عُدَّة لارتحاليا!\nوقال الفرزدق:\nأَبلغ زِيادًا إذا لاقَيْتَ مَصْرَعهُ ... أنَّ الحمامة قد طارت من الحَرَمِ\nطارَت فما زال يَنْمِيهَا قَوادِمُها ... حتى استَغاثتْ إلى الأنْهار والأَجَم (٢)\n(٥: ٢٩٠).\nحدّثني عبدُ الله بن أحمَد، قال: حدّثني أبي عن سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن جَرير بن حازم، عن جرير بن يزيد، قال: رأيت زيادًا فيه حُمرةٌ، في عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص مرقوع، وهو على بغلة عليها لجامُها قد أرسنها (٣). (٥: ٢٩٠).\n_________\n(١) في إسناد يزيد بن أبي زياد، وقال ابن معين لا يحتج بحديثه وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوقال ابن عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه (تهذيب الكمال ٣٢/ ١٤٠/ ت ٧٥٩٢) وقال الحافظ في التقريب ضعيف (ت ٧٧١٧).\n(٢) ضعيف.\n(٣) في إسناده جريد بن يزيد ضعيف.","vol":"9","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1416>ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي</span>\nذكر الخبر عن سبب وفاته:\nحدّثِني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: وَلي الربيعُ بنُ زياد خُراسان سنتين وأشهرًا، ومات في العام الذي مات فيه زياد، واستخلف ابنه عبدَ الله بن الربيع، فولي شهرين، ثم مات عبدُ اللهِ. قال: فقدم عهده من قبل زياد على خُراسانَ وهو يُدفن، واستَخلف عبدُ الله بن الربيع على خُراسان خُليدَ بن عبد الله الحنفيّ (١). (٥: ٢٩١).\nقال عليّ: وأخبرني محمد بن الفضل عن أبيه، قال: بلغني: أنّ الرّبيع بن زياد ذكر يومًا بَخُراسان حُجْرَ بن عديّ، فقال: لا تزال العَرَب تُقتل صبرًا بعدَه، ولو نفرتْ عند قتله لم يُقتل رجل منهم صَبْرًا، ولكنها أقرّت فذلّت، فمكث بعد هذا الكلام جمعةً، ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة، فقال: أيّها الناس، إني قد مَلِلتُ الحياة، وإني داعٍ بدعوة فأمِّنوا. ثم رفع يده بعد الصلاة، وقال: اللهمّ إنْ كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك عاجلًا. وأمّن الناسُ فخرج. فما توارتْ ثيابُه حتى سقط فحُمل إلى بيته، واستخلفَ ابنهُ عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه، فاستخلف خليد بن عبد الله الحنفيّ، فأقره زياد، فمات زياد وخُلَيد على خُراسان، وهلك زياد وقد استَخلف على عمله على الكوفة عبدَ الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ (٢). (٥: ٢٩١).\nفحدثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ، قال: مات زياد وعلى البصرة سَمُرة بن جُندب خليفة له، وعلى الكُوفة عبدُ الله بن خالد بن أسيد، فأقرّ سَمُرة على البصرة ثمانية عشر شهرًا (٣). (٥: ٢٩١).\nقال عمر: وبلَغني عن جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال: أقرّ معاوية سَمُرة بعد زياد ستة أشهر، ثم عَزَله، فقال سَمُرة: لعن الله معاوية! والله لو أطعتُ اللهَ كما\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده معضل.","vol":"9","page":118},{"text":"أطعتُ معاوية ما عذَّبني أبدًا (١). (٥: ٢٩١).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل، قال: حدّثني سليمان بن مسلم العِجليّ، قال: سمعتُ أبي يقول: مررت بالمسجد، فجاء رجلٌ إلى سَمُرة فأدّى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقَه، فإذا رأسُه في المسجد، وبدنُه ناحيةً، فمرّ أبو بكْرة، فقال: يقول الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، قال أبي: فشهدتُ ذاك، فما مات سَمُرة حتى أخذه الزَّمْهرير، فمات شرّ ميتة، قال: وشهدته وأُتيَ بناسٍ كثير وأنَاس بين يديه فيقول للرجل: ما دينُك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه وأني بريءٌ من الحَروريّة، فيقدَّم فيُضرَب عنقه حتى مرّ بضعةٌ وعشرون (٢). (٥: ٢٩٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص في قول أبي معشر الواقديّ وغيرِهما (٣). (٣: ٢٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>ثم دخلت سنة أربع وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كان مَشتَى محمد بن مالك أرض الرّوم، وصائفة مَعْن بن يزيد السُّلَميّ.\nوفيها -فيما زعم الواقديّ- فَتَح جُنادةُ بن أبي أميّة جزيرةً في البحر قريبةً من قُسْطنطينيّة يقال لها: أرْواد.\nوذكر محمد بن عمرَ: أنّ المسلمين أقاموا بها دهْرًا، فيما يقال سبع سنين، وكان فيها مجاهد بن جَبْر. قال: وقال تُبَيع ابنُ امرأةِ كعب: تروْن هذه الدرجة؟ إذا انقلعت جاءت قفْلتنا. قال: فهاجَتْ ريحٌ شديدة فقلعتْ الدّرجة، وجاء نعيّ\n_________\n(١) ذكره الطبري من قول عمر بلا إسناد- وقال الحافظ ابن كثير تعقيبًا على هذه الرواية: وهذا لا يصح عنه (أي عن سمرة) (البداية والنهاية/ ٨/ ٦٩).\n(٢) سليمان بن مسلم العجلي مجهول الحال وكذلك أبوه وفي متن هذه الرواية نكارة شديدة.\n(٣) ضعيف.","vol":"9","page":119},{"text":"معاوية وكتاب يزيد بالقَفْل فَقفَلْنا، فلم تَعْمُرْ بعد ذلك وخَرِبت، وأمِن الروم (١). (٥: ٢٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان</span>\nوفيها عَزَل معاويةُ سعيدَ بن العاص عن المدينة، واستَعملَ عليها مَرْوانَ بنَ الحكم.\nذكر سبب عزل معاوية سعيدًا واستعمال مَرْوان:\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن جُويرة بن أسماء، عن أشياخه: أنّ معاوية كان يُغرِي بين مرْوان وسعيد بن العاص، فكتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة: اهدم دارَ مَرْوان؛ فلم يَهدِمها، فأعاد عليه الكتابَ بهدمها، فلم يَفعل، فعزَلَه وولَّى مروان.\nعاد الحديث إلى حديث عمر عن عليّ بن محمد، قال: فلما ولّى مَرْوان كتب إليه: اهدِم دارَ سعيد، فأرسل الفَعَلة، ورَكِب ليهدمَها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم دارِي! قال: نعم، كتب إليّ أميرُ المؤمنين، ولو كتب في هدم داري لفعلتَ؛ قال: ما كنتُ لأفعلَ؛ قال: بلى، واللهِ لو كتب إليك لهدمتَها، قال: كلّا أبا عبد الملك. وقال لغلامه: انطلق فجئني بكتاب معاوية؛ فجاء بكتاب معاوية إلى سعيد بن العاص في هدم دار مَروانَ بن الحكم، قال: مَروانُ كَتبَ إليك يا أبا عثمان في هدم داري، فلم تَهْدم ولم تُعلمني. قال:\nما كنتُ لأهدمَ دارَك، ولا أمُنَّ، عليك؛ وإنما أراد معاوية أن يحرّض بيننا، فقال مَرْوان: فِداك أبي وأمّي! أنت والله أكثرُ منا ريشًا وعَقبًا. ورجع مروانُ ولم يَهدِم دارَ سعيد (٢). (٥: ٢٦٣/ ٢٩٤/ ٢٩٥).\nوأما محمد بن عمر؛ فإنه ذكرة أنّ معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموالِ مروانَ كلّها فيجعلَها صافيةً، ويقبضَ فدَكَ منه- وكان وهبها له، فراجَعَه سعيد بن العاص في ذلك، وقال: قرابتُه قريبة. فكتب إليه ثانية يأمره\n_________\n(١) ضعيف والواقدي متروك.\n(٢) في إسناده من لم يُسَمَّ.","vol":"9","page":120},{"text":"باصطفاء أموالِ مَرْوان، فأبى، وأخذ سعيد بن العاص الكتابَيْن فوضعهما عند جارية، فلما عُزِل سعيد عن المدينة فوليهَا مروان، كتب معاويةُ إلى مَرْوان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز، وأرسل إليه بالكتاب مع ابنه عبد الملك، فخبّره أنه لو كان شيئًا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيتُ، فدعا سعيدُ بن العاص بالكتابيْن اللّذَين كتب بهما معاويةُ إليه في أموال مَرْوان يأمره فيهما بقبض أموالِه، فذهب بهما إلى مَرْوان، فقال: هوَ كان أوصَلَ لنا مِنّا له! وكفّ عن قبض أموالِ سعيد.\nوكتب سعيدُ بن العاص إلى معاوية. العَجبُ مما صنع أمير المؤمنين بنا في قَرابتنا، أن يُضْغن بعضَنا على بعض! فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأجنبيْن، وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلّا بما جمعنا الله عليه من نَصْر الخليفة المظلوم، واجتماع كلمتنا؛ لكان حقًّا علينا أنْ نَرعَى ذلك، والذي أدركنا به خير. فكتب إليه يتنصّل من ذلك، وأنه عائدٌ إلى أحسن ما يَعهده (١). (٥: ٢٩٤/ ٢٩٣).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو محمد بن ذَكْوان القرشيّ، قال: قدم سعيد بن العاص على معاوية، فقال له: يا أبا عثمان! كيف تركتَ أبا عبد الملك؟ قال: تركتُه ضابطًا لعَملِك، منفذًا لأمرك. قال: إنه كصاحب الخُبْزة كُفيَ نُضجَها فأكلَها، قال: كلّا، واللهِ يا أمير المؤمنين! إنه لمع قوم لا يُحمل بهم السوط، ولا يحلّ لهم السيف، يتهادَوْن كوَقْع النّبل، سهمٌ لك وسهمٌ عليك؛ قال: ما باعدَ بينك وبينه؟ قال: خافني على شرَفه، وخِفْتُه على شرفي، قال: فماذا له عندَك؟ قال: أسرّه غائبًا، وأسرّه شاهدًا؛ قال: تركتَنا يا أبا عثمان في هذه الهَنات! قال: نعم يا أمير المؤمنين، فتحمّلتُ الثِّقْل، وكفيتُ الحزم، وكنتُ قريبًا لو دعوتَ أجبتُ، ولو ذهبتَ رفعتُ (٢). (٥: ٢٩٥)\n_________\n(١) خبر منكر ولا غرابة فقد ذكره الواقدي هكذا بلا إسناد وهو متروك.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":121},{"text":"وفي هذه السنة كان عزل معاوية سَمُرة بن جُنْدب عن البصرة، واستعمل عليها عبدَ الله بن عمرو بن غيلان. فحدثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد قال: عزل معاويةُ سمرةَ وولى عبدَ الله بن عمرو بن غيْلان، فأقرّه ستة أشهر، فولى عبدُ الله بن عمرو شرطتَه عبد الله بن حِصْن (١). (٥: ٢٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>ذكر تولية معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان</span>\nوفي هذه السنة ولى معاويةُ عبيدَ الله بن زياد خُراسان (٢). (٥: ٢٩٥).\nذكر سبب ولاية ذلك:\nحدّثني عمر؛ قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدّثنا مسلمة بن محارب ومحمد بن أبَان القرشيّ، قالا: لما مات زيادٌ وفد عُبيد الله إلى معاوية، فقال له: مَن استخلَفَ أبي على عمله بالكُوفة؟ قال: عبدَ الله بن خالد بن أسِيد؛ قال: فمَن استعمل على البَصرة؟ قال: سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ، فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال له عبيد الله: أنشُدك الله أن يقولها إليّ أحدٌ بعدَك: لو ولّاك أبوك وعمّك لولّيتك! .\nقالا: وكان معاوية إذا أراد أن يولّي رجلًا من بني حَرْب ولّاه الطائف، فإن رأى منه خيرًا وما يعجبه ولّاه مكة معها، فإن أحسن الولايةَ وقام بما وُلِّيَ قيامًا حسنًا جمع له معهما المدينةَ، فكان إذا ولى الطائف رجلًا قيل: هو في أبي جاد، فإذا ولّاه مكة قيل: هو في القرآن، فإذا ولّاه المدينة قيل: هو قد حَذَق.\nقالا: فلما قال عبيد الله ما قال ولّاه خُراسان، ثم قال له حين ولّاه: إني قد عهدتُ إليك مثل عهدي إلى عمّالي، ثم أوصيك وصيّة القرابة لخاصّتك عندي: لا تبيعنّ كثيرًا بقليل، وخذْ لنفسك من نفسِك، واكتف فيما بيننك وبين عدوّك بالوفاء تخفّ عليك المؤونة وعلينا منك، وافتح بابَك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء، وإذا عزمتَ على أمر فأخرجه إلى الناس ولا يكن لأحد فيه\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) أما خليفة فقد ذكر أن عبيد الله بن زياد قد غزا خراسان في هذه السنة (تأريخ خليفة/ ٢٢٢).\nوأما الذهبي فقد ذكر أن معاوية أمّر عبيد الله في سنة (٥٣) هـ (عهد معاوية/ ١٥٦).","vol":"9","page":122},{"text":"مَطمَع، ولا يرجعنّ عليك وأنت تستطيع، وإذا لقيت عدوّك فغَلَبوك على ظهر الأرض فلا يَغلبوك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تؤاسيَهم بنفسِك فآسِهِم (١). (٢٩٥/ ٢٩٦).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، قال: أخبرنا عليّ بن مجاهد عن ابن إسحاق، قال: استعمل معاويةُ عبيدَ الله بن زياد وقال:\nاستمسك الفَسْفاسَ إن لم يقطع\nوقال له: اتقّ الله ولا تؤثرنّ على تقوى الله شيئًا، فإن في تقواه عِوَضًا، عِرْضَك من أن تُدنِّسه، وإذا أعطيتَ عهدًا؛ فَفِ به، ولا تبيعنَّ كثيرًا ولا تُخرِجنّ منك أمرًا حتى تُبرِمَه، فإذا خرج فلا يُردنّ عليك، وإذا لقيت عدوّك فكن أكثرَ من معك، وقاسمهم على كتاب الله، ولا تُطْمِعَنَّ أحدًا في غير حقه، ولا تؤيسنّ أحدًا من حقّ له. ثم وَدَّعَه (٢). (٥: ٢٩٦/ ٢٩٧).\nحدثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مسلمة، قال: سار عبيد الله إلى خراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وعشرين سنة من الشام، وقدم إلى خُراسان أسلمُ بن زُرْعة الكلابيّ، فخرج، فخرج معه من عبْد بن قيس النَّمَريّ يَرجُز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها: (٣) (٥: ٢٩٧).\nحدّثني عمرُ مرّة أخرى في كتابه الذي سمّاه كتاب \"أخبار أهل البصرة\"، حدّثني أبو الحسن المدائنيّ قال: لما عقد معاويةُ لعبيد الله بن زياد خراسان خرج وعليه عمامةٌ -وكان وَضيئا- والجعْد بن قيس يُنشِده مرثية زياد:\nأبقِ علَيّ عاذِلِي من اللّومْ ... فيما أُزِيلتْ نِعْمَتي قبلَ اليومْ\nقد ذَهَبَ الكَريمُ والظِّلُّ الدّومْ ... والنّعَمُ المُؤَثلُ الدّثرُ الْحَومْ\nوالماشيات مِشْيةَ بعدَ النَّومْ ... ليْتَ الجيادَ كلَّها مع القومْ\nسقين سُمَّ ساعةٍ قَبْلَ اليومْ ... لأربَع مَضيْنَ من شهرِ الصّومْ\nوحجّ بالناس في هذه السنة مَروانُ بن الحَكَم، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت،\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) في إسناده علي بن مجاهد فإن كان الكابلي فهو متروك بالإضافة إلى كون المسند مجهول.\n(٣) إسناده معضل.","vol":"9","page":123},{"text":"عمّن حدّثه عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيرُه (١). (٢٩٥: ٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>ثم دخلت سنة خمس وخمسين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك مَشتَى سُفْيان بن عوف الأزديّ بأرض الرّوم في قول الواقديّ.\nوقال بعضهم: بل الذي كان شَتَا بأرض الرُّوم في هذه السنة عَمرو بنُ محرز.\nوقال بعضهم: بل الذي شَتَا بها عبدُ الله بن قيس الفَزَاريّ.\nوقال بعضهم: بل ذلك مالكُ بن عبد الله (٢). (٥: ٢٩٩).\nوفيها عَزَل معاويةُ عبد الله بن عَمرو بن غَيْلانَ عن البَصرة وولاها عُبيد الله بنَ زياد (٣). (٥: ٢٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيد الله البصرة</span>\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا الوليد بن هشام وعليّ بن محمد -قال: واختلفا في بعض الحديث- قالا: خطب عبدُ الله بنُ عمرو بن غيْلانَ على منبر البَصرة، فحصَبه رجل من بني ضَبّة -قال عمر: قال أبو الحسن: يُدعَى جبيرَ بن الضحاك أحد بني ضِرار- فأمَر به فقُطعتْ يده، فقال:\nالسمعُ والطاعَةُ والتسليمْ ... خيرٌ وأعفى لبني تميمْ\nفأتتْه بنو ضَبّة، فقالوا: إنّ صاحبنا جَنى ما جنى على نفسه، وقد بالغَ الأميرُ في عقوبته، ونحن لا نأمن أن يَبلُغ خبرُه أميرَ المؤمنين، فيأتي من قِبله عقوبة تخصّ أو تَعمُّ، فإنْ رأى الأميرُ أن يكتب لنا كتابًا يخرج به أحدنا إلى أمير\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) وأما الذهبي فقد ذكر هذا ضمن أحداث سنة (٥٤) هـ، والله أعلم.","vol":"9","page":124},{"text":"المؤمنين يُخبره أنه قطعه على شُبْهة وأمر لم يَضِحْ، فكتب لهم بعد ذلك إلى معاوية، فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة -وقال أبو الحسن: لم يَزد على ستة أشهر- فوجّه إلى معاوية، ووافاه الضَّبّيون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه قطع صاحبنا ظلمًا، وهذا كتابُه إليك، وقرأ الكتاب، فقال: أما القَودَ من عمّالي فلا يصحّ، ولا سبيل إليه، ولكن إن شئتم ودَيْتُ صاحبَكم؛ قالوا: فَدِه؛ فوَدَاه من بيت المال، وعَزَل عبدَ الله، وقال لهم: اختاروا مَن تحبون أن أولّي بلدَكم؛ قالوا: يتخيّر لنا أميرُ المؤمنين، وقد علم رأيَ أهل البصرة في ابن عامر؛ فقال: هل لكم في ابن عامر؟ فهو مَن قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته، قالوا: أميرُ المؤمنين أعلمُ، فجعل يُردّد ذلك عليهم ليَسْبُرَهم، ثم قال: قد ولّيت عليكم ابنَ أخي عُبيد الله بن زياد (١). (٥: ٢٩٩/ ٣٠٠).\nقال عمر: حدّثني عليّ بن محمد، قال: عَزَل معاويةُ عبدَ الله بن عَمرو، وولى عُبيدَ الله بن زياد البصرة في سنة خمسٍ وخمسين وولى عبيد الله أسلم بن زُرْعة خُراسان فلم يغزُ، ولم يفتح بها شيئًا، وولّى شُرَطه عبدَ الله بن حصن، والقَضاء زُرارة بن أوفى، ثم عَزله، وولى القضاءَ ابن أذينة العبديّ (٢). (٥: ٣٠٠).\nوفي هذه السنة عزل معاويةُ عبدَ الله بن خالد بن أسيد عن الكُوفة، وولّاها الضحّاك بن قيس الفِهْريّ (٣). (٥: ٣٠٠).\nوحجّ بالناس في هذه السنة مَروانُ بنُ الحَكَم، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٤). (٥: ٣٠٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>ثم دخلت سنة ست وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كان مشتَى جُنادة بن أبي أميّة بأرض الرّوم؛ وقيل: عبد الرحمن بن مسعود.\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) ضعيف.\n(٤) في إسناده مبهم.","vol":"9","page":125},{"text":"وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شَجَرة الرّهاويّ، وفي البرّ عِياض بن الحارث (١). (٥: ٣٠١).\nوحجّ بالناس -فيما حدّثني أحمد بن ثابت عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر- الوليد بن عُتبة بن أبي سُفْيان.\nوفمِها اعتَمَر معاوية في رجب (٢). (٥: ٣٠١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد</span>\nوفيها دعا معاويةُ الناسَ إلى بيعة ابنه يزيدَ من بعده، وجعله وليّ العهد.\nذكر السبب في ذلك:\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا أبو إسماعيل الهمْدانيّ وعليّ بن مجاهد، قالا: قال الشعبيّ: قَدِم المغيرةُ على معاويةَ واستعفاه وشكا إليه الضَّعف، فأعفاه، وأراد أن يولّيَ سعيدَ بن العاص، وبلغ كاتب المغيرة ذلك، فأتى سعيدَ بن العاص فأخبرَه وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له: ربيعة -أو الربيع- من خُزاعة، فأتى المغيرة فقال: يا مغيرة! ما أرى أميرَ المؤمنين إلّا قد قلَاك، رأيتُ ابن خُنَيس كاتِبَك عند سعيد بن العاص يخبره: أنّ أمير المؤمنين يولّيه الكوفَة، قال المغيرة: أفلا يقول كما قال الأعشى:\nأَمْ غابَ رَبُّكَ فاعْتَرتْكَ خَصاصةٌ ... ولعلّ ربَّك أن يعودَ مؤيِّدَا\nرُوَيْدًا! ادخُل على يزيد؛ فدخل عليه فعرّض له بالبيعة، فأدّى ذلك يزيد إلى أبيه، فردَّ معاوية المغيرة إلى الكوفة، فأمره أن يعمل في بيعة يزيد، فشَخَص المغيرة إلى الكوفة، فأتاه كاتبُه ابن خُنَيْس، فقال: والله ما غششْتك ولا خُنْتُك، ولا كرهتُ ولايتَك، ولكنّ سعيدًا كانت له عندي يَدٌ وبلاء، فشكرتُ ذلك له، فرضيَ عنه وأعداه إلى كتابته، وعَمِل المغيرةُ في بيعة يزيد، وأوفد في ذلك وافدًا إلى معاوية (٣). (٥: ٣٠١/ ٣٠٢).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) في إسناده مبهم.\n(٣) علي بن مجاهد متروك إن كان الكابلي وإلا فمجهول وأبو إسماعيل هذا لم نجد له ترجمة.","vol":"9","page":126},{"text":"حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عليّ عن مَسلَمة، قال: لما أراد معاوية أن يبايع ليزيدَ كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النُّميريّ، فقال: إنّ لكلّ مستشير ثقة، ولكلّ سرٍّ مستودَع، وإنّ الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السرّ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السرّ إلا أحد رجلين، رجلُ آخرة يرجو ثوابًا، ورجل دُنْيا له شَرَف في نفسه وعَقْل يصون حَسبَه، وقد عجمْتُهما منك، فأحمدت الذي قِبَلك، وقد دعوتُك لأمر اتّهمتُ عليه بطونَ الصّحُف؛ إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوّف نَفْرةَ الناس، ويرجو مطابقَتهم، ويستشيرني، وعلاقةُ أمرِ الإسلام وضمانُه عظيم، ويزيد صاحبُ رَسْلَة وتهاون، مع ما قد أولِع به من الصيد، فالقَ أمير المؤمنين مؤدّيًا عني، فأخبره عن فَعَلات يزيد؛ فقال له: رُوَيْدَك بالأمر، فأقْمَنُ أن يتمّ لك ما تريد، ولا تَعجَل فإنّ دَرَكًا في تأخير خير من تعجيل عاقبتُهُ الفَوْت. فقال عُبيد له: أفلا غير هذا! قال: ما هو؟ قال: لا تُفسِد على معاويةَ رأيَه، ولا تمقِّت إليه ابنَه، وألقَى أنا يزيدَ سرًّا من معاوية فأخبِره عنك أنّ أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوَّفُ خلاف الناس لهنَاتٍ ينقمونها عليه، وأنّك ترى له ترك ما يُنقَمُ عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجّة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكونَ قد نصحت يزيد وأرضيتَ أميرَ المؤمنين؛ فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمّة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحَجَرِهِ، اشخَص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغَشّ وأبْعُد بك إن شاء الله من الخطأ، قال: تقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يَعلمَ. فقدم على يزيدَ فذاكره ذلك. وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة، وألّا يَعجَل، فقبل ذلك معاوية، وكفّ يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عُبيد على زياد فأقطعه قطيعة (١). (٥: ٣٠٢/ ٣٠٣).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا عليّ، قال: لما مات زياد دعا معاويةُ بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد، إن حدَثَ به حدثُ الموت فيزيد وليّ عهد، فاستوسق له الناس على البيعة ليزيدَ غير خمسة نفر (٢). (٥: ٣٠٣).\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":127},{"text":"فحدّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عون، قال: حدّثني رجل بنخلة، قال: بايع الناسُ ليزيدَ بن معاوية غير الحسين بن عليّ، وابن عمرَ، وابن الزّبير، وعبد الرحمن بن أبي بَكر، وابن عبّاس؛ فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن عليّ، فقال: يا بن أخي! قد استوسق الناسُ لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودُهْم؛ يا بنَ أخي! فما إرْبك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم؛ قال: فأرسل إليهم، فإنْ بايعوا كنتُ رجلًا منهم، وإلا لم تكن عجلتَ عليّ بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم، قال: فأخذ عليه ألّا يُخبر بحديثهم أحدًا قال: فالْتوى عليه، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقعدَ له ابنُ الزبير رجلًا بالطريق قال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئًا.\nثم أرسل بعدَه إلى ابن الزّبير، فقال له: قد استوسق الناسُ لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم؛ يا بن أخي! فما إرْبك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم، قال: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنتُ رجلًا منهم، وإلا لم تكن عجلتَ عليَّ بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم، قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدًا قال: يا أمير المؤمنين، نحن في حَرَم الله ﷿، وعهدُ الله سبحانه ثقيل، فأبى عليه، وخرج.\nثم أرسل بعدَه إلى ابن عمر فكلّمه بكلام هو أليَن من كلام صاحبه، فقال: إنّي أرهب أن أدعَ أمة محمد بعدي كالضأن لا راعيَ لها، وقد استوسَق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، فما إرْبك إلى الخلاف! قال: هل لك في أمرٍ يُذهب الذمّ، ويحقن الدم، وتُدرك به حاجتك؟ قال: وددتُ! قال: تبرز سريرك، ثم أجيء فأبايعك، على أنّي أدخل بعدَك فيما تجتمع عليه الأمة، فوالله لو أنّ الأمة اجتمعتْ بعدك على عبد حبشي لدخلتُ فيما تدخل فيه الأمة؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم، ثم خرج فأتى منزلَه فأطبق بابَه، وجعل الناسُ يجيئون فلا يأذن لهم.\nفأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: يا بن أبي بكر، بأيّة يدٍ أو رِجل تُقدِم على معصيتي! قال: أرجو أن يكون ذلك خيرًا لي؛ فقال: والله لقد هممتُ","vol":"9","page":128},{"text":"أن أقتلَك؛ قال: لو فعلتَ لأتبعَك الله به لعنةً في الدنيا، وأدخلك به في الآخرة النار.\nقال: ولم يذكر ابن عباس (١). (٥: ٣٠٣/ ٣٠٤)\nوكان سبب ولايته خُراسانَ ما حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، قال: أخبرني محمد بن حفص، قال: سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خُراسان، فقال: إنّ بها عبيد الله بن زياد، فقال: أما لقد اصطنعك أبي ورَفاك حتى بلغتَ باصطناعه المَدَى الذي لا يُجارَى إليه ولا يُسامَى، فما شكرتَ بلاءه، ولا جازيته بآلائه، وقدّمت عليَّ هذا -يعني: يزيد بن معاوية- وبايعتَ له؛ ووالله لأنا خير منه أبًا وأمًّا ونفسًا؛ فقال: فقال معاوية: أمّا بلاء أبيك فقد يحقّ عليّ الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني طلبتُ بدمه حتى تكشفت الأمور، ولست بلائم لنفسي في التّشمير؛ وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خيرٌ مني وأقربُ برسول الله - ﷺ -؛ وأما فضل أمّك على أمه فما يُنكَر، امرأةٌ من قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلُك عليه فو الله ما أحبّ أن الغُوطة دُحِسَتْ ليزيد رجالًا مثلك. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، ابنُ عمّك، وأنت أحقّ مَن نظر في أمره، وقد عَتَب عليك فأعتبه. قال: فولاه حربَ خُراسان، وولى إسحاق ابنَ طلحة خَراجها، وكان إسحاق ابن خالة معاوية، أمّه أمّ أبان ابنة عُتبة بن ربيعة، فلما صار بالرّيّ مات إسحاق بن طلحة فولى سعيد خراجَ خُراسان وحربَها (٢). (٣٠٥: ٥).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، قال: أخبرنا مسلمة، قال: خرج سعيد إلى خُراسان، وخرج معه أوس بن ثعلبة التّيميّ صاحب قصر أوس؛ وطلحة بن عبد الله بن خَلَف الخُزاعيّ، والمهلّب بن أبي صُفْرة، وربيعة بن عِسْل أحدُ بني عمرو بن يَربوع؛ قال: وكان قومٌ من الأعراب يقطعون الطريقَ على الحاجّ ببطن فَلْج، ققيل لسعيد: إن هاهنا قومًا يقطعون الطريق على الحاجّ ويُخيفون السبيل، فلو أخرجتَهم معك! قال: فأخرج قومًا من بني تميم، منهم مالك بن الرَّيْب\n_________\n(١) في إسناده مبهم.\n(٢) إسناده ضعيف.","vol":"9","page":129},{"text":"المازنيّ في فِتْيان كانوا معه، وفيهم يقول الراجز:\nالله أنجاك من القصيم ... ومن أبى حَرْدبَةَ الأثيمِ\nومن غُوَيْثٍ فاتح العُكُومِ ... ومالِكٍ وسيفه المَسْمُومِ\nقال عليّ: قال مسَلَمة: قدم سعيد بنُ عثمانَ، فقطع النّهر إلى سَمرْقَنْد، فخرج إليه أهل الصُّغد، فتواقفوا يومًا إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال، فقال مالكُ بن الرَّيْب يذمّ سعيدًا:\nما زلتَ يومَ الصُّغْدِ تُرعَدُ واقفًا ... من الجُبن حتى خِفتُ أن تَتَنصَّرا\nوما كان في عثمانَ شيءٌ علِمتُه ... سوى نَسْلِهِ في رهطِه حين أدبرَا\nولولا بنو حرب لَظلَّتْ دماؤُكُمْ ... بُطُونَ العَظايا من كسيرٍ وأَعورَا\nقال: فلما كان الغدُ خرج إليهم سعيدُ بن عثمانَ، وناهَضَه الصُّغد، فقاتلهم فهزَمهم وحصَرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطَوْه رُهُنًا منهم خمسين غلامًا يكونون في يده من أبناء عظمائهم، وعَبَر فأقام بالتِّرْمِذ، ولم يفِ لهم، وجاء بالغلْمان الرّهن معه إلى المدينة.\nقال: وقدم سعيد بن عثمانَ خُراسان وأسلم بن زُرْعة الكلابيّ بها من قبَل عُبيد الله بن زياد، فلم يزل أسلم بن زُرعة بها مقيمًا حتى كتب إليه عُبيد الله بن زياد بعهده على خُراسان الثانية، فلما قدِم كتابُ عبيد الله على أسلم طرق سعيد بن عثمانَ ليلًا، فأسقطتْ جارية له غلامًا، فكان سعيد يقول: لأقتلنّ به رجلًا من بني حرب؛ وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه، وغضبت القيسيّة؛ قال: فدخل همّام بن قَبيصة النَّمَري فنظر إليه معاوية محمرَّ العينين، فقال: يا همام! إنّ عينيك لمحمرَّتان؛ قال همّام: كانتا يومَ صفِّين أشدّ حُمرة؛ فغمّ معاوية ذلك، فلما رأى ذلك سعيد كفّ عن أسلم، فأقام أسلم بن زُرْعة على خُراسان واليًا لعُبيد الله بن زياد سنتين (١). (٥: ٣٠٥/ ٣٠٧/٣٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1424>ثم دخلت سنة سبع وخمسين</span>\nوكان فيها مَشتَى عبد الله بن قيس بأرض الرّوم.\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"9","page":130},{"text":"وفيها صُرف مروانُ عن المدينة في ذي القعدة في قول الواقديّ؛ وقال غيره: كان مروانُ إليه المدينة في هذه السنة.\nوقال الواقديّ: استعمل معاويةُ على المدينة حين صَرَف عنها مروانَ الوليدَ بن عُتْبة بن أبي سُفْيان.\nوكالذي قال الواقديّ: قال أبو معشر: حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت الرازيّ عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها نزعَ معاويةُ مروانَ عن المدينة في ذي القعدة في قول أبي معشر، وأمَّر الوليد بن عتبة بن أبي سُفْيان عليها؛ حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه (٢). (٥: ٣٠٩).\nوفيها غزا مالكُ بن عبد الله الخثعميّ أرضَ الروم.\nوفيها قتل يزيد بن شجرة في البحر في السفن في قول الواقديّ. قال: ويقال عمرو بن يزيد الجُهَني، وكان الذي شتا بأرض الروم، وقد قيل: إنّ الذي غزا في البحر في هذه السنة جُنادة بن أبي أميّة (٣). (٥: ٣٠٩).\nوحجّ بالناس في هذه السنة الوليدُ بن عُتبة بن أبي سُفْيان، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيره (٤). (٥: ٣٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>عزل الضحّاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أمّ الحكم</span>\nوفي هذه السنة ولى معاويةُ الكوفةَ عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن\n_________\n(١) ضعيف وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة/ ٢٢٤).\n(٢) إسناده ضعيف.\n(٣) ضعيف.\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":131},{"text":"عثمان بن ربيعة الثقفيّ، وهو ابن أمّ الحَكَم أخت معاوية بن أبي سُفْيان، وعزل عنها الضحّاك بن قيس، ففي عمله في هذه السنة خرجتْ الطائفة الذين كان المغيرةُ بن شعبة حبَسَهم في السّجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن عُلَّفة، فظَفِر بهم فاستَودعَهم السجن، فلما مات المغيرةُ خرجا من السجن (١). (٣٠٩: ٥)\nفذكر هشام بن محمد: أنّ أبا مخنف، حدّثه عن عبد الرحمن بن جُندب، عن عبد الله بن عُقْبة الغَنَوِيّ: أنّ حيَّان بن ظَبْيان السُّلَميّ جمع إليه أصحابه، ثم إنه حَمِد الله وأثنى عليه ثم قال لهم: أمّا بعد، فإنّ الله ﷿ كتب علينا الجهاد، فمنّا من قَضَى نحْبَه، ومنّا من يَنتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومَنْ يكن منّا من ينتظر فهو من سلَفنا القاضين نحبَهم، السابقين بإحسان؛ فمن كان منكم يريد الله وثوابهَ فليَسلك سبيلَ أصحابه وإخوانه يؤته اللهُ ثوابَ الدنيا وحُسنَ ثوابِ الآخرة والله مع المحسنين.\nقال معاذ بن جُوَين الطائيّ: يا أهل الإسلام! إنا والله لو علمْنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجوْر، كان لنا به عند الله عذر، لكان تركه أيْسَر علينا، وأخفَّ من ركوبه، ولكنّا قد علمنا واستيقنّا أنه لا عذر لنا، وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم، ونُغيّر الجوْر، ونجاهِد الظالمين، ثم قال: ابسط يَدك نبايعك، فبايعه وبايَعَه القومُ، فضربوا على يد حيَّان بن ظَبْيان، فبايعوه، وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، وهو ابن أمّ الحَكَم، وكان على شرطته زائدة بن قُدامة الثقفيّ.\nثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائيّ. فقال لهم حيَّان بن ظَبْيان: عبادَ الله! أشيروا برأيكم، أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حُلوان حتى ننزلها، فإنها كورةٌ بين السهل والجبل، وبين المصر والثّغر -يعني بالثغر: الري- فمن كان يرى رأيَنا من أهل المِصْر والثَّغر والجبال والسواد لحق بنا. فقال له حيّان: عدوُّك مُعاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لَعَمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم، ولكن قد رأيت\n_________\n(١) ضعيف.","vol":"9","page":132},{"text":"أن أخرجَ معكم في جانب الكوفة والسَّبخة أو زُرارة والحيرة، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربّنا، فإني والله لقد علمتُ: أنكم لا تقدرون وأنتم دون المئة رجل أن تَهزموا عدوَّكم، ولا أن تشتدّ نكايتكم فيهم؛ ولكن متى عَلم الله: أنكم قد أجهدتم أنفسَكم في جهادِ عدوّه وعدوّكم كان لكم به العذر، وخرجتم من الإثم. قالوا: رأينا رأيك، فقال لهم عتريس بن عُرقوب أبو سليمان الشيبانيّ: ولكن لا أرى رأيَ جماعتكم، فانظروا في رأي لكم، إنِّي لا إخالُكم تجهَلون معرفتي بالحرب، وتجربتي بالأمور. فقالوا له: أجَل، أنت كما ذكرت، فما رأيك؟ قال: ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر، إنكم قليل في كثير، والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم؛ وتقرّوا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة إذْ آثرتم أن تَخرجوا على قومكم، فكيدوا عدوَّكم ما يضرّهم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: تسيرون إلى الكُورة التي أشار بنزولها مُعاذ بن جُوَين بن حصين -يعني: حُلوان- أو تسيرون بنا إلى عَين التّمر فنقيم بها، فإذا سمع بنا إخواننا أتَوْنا من كلّ جانبٍ وأوْب؛ فقال له حيّان بن ظَبْيان: إنك والله لو سرتَ بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما أطمَأنَنْتم به حتى يلحق بكم خيولُ أهل المِصْر، فأنى تشْفُونَ أنفسَكم! فو الله ما عِدَّتكم بالكثيرة التي ينبغي أن تَطمَعوا معها بالنصر في الدّنيا على الظالمين المعتدين، فاخرجوا بجانب من مِصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالفَ طاعة الله، ولا تربّصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة، وتُخرِجون أنفسكم بذلك من الفتنة. قالوا: أما إذا كان لا بدّ لنا فإنا لن نخالفَك، فاخرج حيث أحببت.\nفمكث حتى إذا كان آخر سنة من سني ابن أمّ الحَكَم في أوّل السنة -وهو أوّل يوم من شهر ربيع الآخر- اجتمع أصحابُ حيّان بن ظَبْيان إليه، فقال لهم: يا قوم! إنّ الله قد جمعكم لخير وعلى خيرٍ، والله الذي لا إله غيره ما سررتُ بشيء قطّ في الدنيا بعد ما أسلمت سُروري لمُخرَجي هذا على الظَّلمة الأثمَة، فوالله ما أحبّ أنّ الدنيا بحذافيرها لي وأن الله حَرَمني في مُخرَجي هذا الشهادة. وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير، فإذا خرج إليكم الأحزابُ ناجزْتمُوهم. فقال عتْريس بن عُرقوب البَكْريّ: أمّا أن نقاتلَهم في جوف المِصْر فإنه يقاتلنا الرّجال، وتَصعَد النساءُ والصّبيان والإماء فيرموننا بالحجارة؛ فقال","vol":"9","page":133},{"text":"لهم رجل منهم: انزلوا بنا إذًا من وراء المِصْر الجسرَ -وهو موضع زرارة، وإنما بنيت زُرارة بعد ذلك إلا أبياتًا يسيرة كانت منها قبل ذلك- فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائيّ: لا، بل سيروا بنا فلننزل بانقِيَا فما أسرع ما يأتيكم عدوّكم، فإذا كان ذلك استقبلْنا القومَ بوجوهنا، وجعلْنا البيوت في ظهورنا، فقاتلْناهم من وجه واحد. فخرجوا، فبُعث إليهم جيش، فقُتلوا جميعًا.\nثم إنّ عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم طرده أهل الكوفة، فحدّثت عن هشام بن محمد، قال: استعمل معاويةُ ابن أمّ الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم، فطردوه، فلحق بمعاوية وهو خاله، فقال له: أولّيك خيرًا منها؛ مِصرَ؛ قال: فولّاه، فتوجه إليها، وبلغ معاويةَ بن حُديج السَّكونيّ الخبر، فخرج فاستقبله على مَرْحلتين من مصر، فقال: ارجع إلى خالك فلَعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة.\nقال: فرجع إلى معاوية، وأقبل معاوية بن حُدَيج وافدًا؛ قال: وكان إذا جاء قُلِّسَتْ له الطريق -يعني ضُرِبت له قِباب الرّيحان- قال: فدخل على معاوية وعنده أمّ الحكم، فقالت: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بخٍ! هذا معاوية بن حُدَيج؛ قالت: لا مرحَبًا به! تَسمعَ بالمُعَيْديّ خيرٌ من أن تراه؛ فقال: على رِسْلِكِ يا أمّ الحكم! أما والله لقد تزوّجتِ فما أكرمتِ، وولدتِ فما أنْجَبْتِ، أردتِ أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة؛ ما كان الله ليُرِيَه ذلك، ولو فعل ذلك لضربْناه ضربًا يطأطئ منه، وإن كره ذلك الجالس. فالتفت إليها معاوية، فقال: كُفي (١). (٥: ٣٠٩/ ٣١٠/ ٣١١/ ٣١٢).\nوأما مِرْداس بن أديّة فإنه خرج بالأهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حَبَسه -فيما حدّثني عمر، قال: حدّثني خلّاد بن يزيدَ الباهليّ، قال-: حبس ابن زياد -فيمن حَبَسَ- مرداسَ بن أديّة، فكان السجّان يرى عبادته واجتهادَه، وكان يأذن له في الليل، فينصرف، فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، وكان صديقٌ لمرداس يسامرُ ابنَ زياد، فذكر ابن زياد الخوارج ليلةً فعزم على قتلهم إذا أصبح، فانطلق صديقُ مرداس إلى منزل مِرداس فأخبرهم، وقال: أرسلوا إلى\n_________\n(١) إسناده تالف.","vol":"9","page":134},{"text":"أبي بلال في السجن فليعهدْ فإنه مقتول، فسمع ذلك مرداس، وبلغ الخبرُ صاحبَ السجن، فبات بليلة سوء إشفاقًا من أن يعلم الخبر مِرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به قد طلع، فقال له السجّان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم؛ قال: ثمّ غدوتَ! قال: نعم، ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقَب بسببي؛ وأصبح عُبيد الله فجعل تقتل الخوارج، ثم دعا بمرداس، فلمّا حضر وَثَب السجّان -وكان ظئرًا لعبيد الله- فأخذ بقدمه، ثم قال: هب هذا؛ وقصّ عليه قصّته، فوهبه له وأطلَقه (١). (٥: ٣١٣).\nوقيل: مات في هذه السنة عُميرة بن يثربيّ قاضي البَصرة، واستُقضِيَ مكانَه عليها هشامُ بن هُبيرة.\nوكان على الكوفة في هذه السنة عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم. وقال بعضهم: كان عليها الضحّاك بن فقيس الفِهْريّ، وعلى البَصْرة عُبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُريح.\nوحجّ بالناس الوليدُ بنُ عُتبة في هذه السنة، كذلك قال أبو معشر والواقديّ (٢). (٥: ٣١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>ثم دخلت سنة تسع وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كان مَشتَى عَمرو بن مرّة الجُهَنيّ أرض الروم في البرّ؛ قال الواقديّ: لم يكن عامَئذٍ غزوٌ في البحر. وقال غيره: بل غزا في البحر جُنادة بنُ أبي أميّة.\nوفيها عُزِل عبدُ الرحمن بن أمّ الحكم عن الكوفة، واستُعمل عليها النعمانُ بنُ بَشير الأنصاريّ؛ وقد ذكرنا قبلُ سببَ عزل ابن أمّ الحَكَم عن الكوفة (٣). (٣١٥: ٥)\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"9","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1428>ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان</span>\nوفي هذه السنة ولَّى معاوية عبدَ الرحمن بنَ زياد بن سُمَيَّة خُراسان.\nذكر سبب استعمال معاوية إيَّاه على خراسان:\nحدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا أبو عمرو، قال: سمعتُ أشياخَنا يقولون: قدم عبدُ الرحمن بنُ زياد وافدًا على معاوية، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أمَا لنا حقٌّ؟ قال: بلَى؛ قال: فماذا تولّيني؟ قال: بالكوفة النعمان رشيدٌ، وهو رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وعبيد الله بن زياد على البَصرة وخُراسان، وعبّاد بن زياد على سِجسْتان، ولست أرى عملًا يُشبهك إلا أن أشركك في عمل أخيك عبيد الله؛ قال أشوكني، فإنَّ عمله واسمع يحتمل الشركة، فولّاه خُراسان (١). (٥: ٣١٥)\nقاله علي: وذكر أبو حفص الأزديّ، قال: حدّثني عمر، قال: قدم علينا قيسُ بنُ الهيثم السُّلَميّ، وقد وجّهه عبد الرحمن بن زياد، فأخذ أسلم بن زُرْعة فحبسه، ثم قَدِم عبد الرحمن، فأغرَمَ أسلم بن زرْعة ثلاثَمئة ألف درهم (٢). (٥: ٣١٥/ ٣١٦)\nقال: وذكر مصعب بنِ حيان، عن أخيه مُقاتل بن حيان، قال: قدمَ عبدُ الرحمن بن زياد خُراسان، فقدمَ رجلٌ سخيٌّ حريصٌ ضعيفٌ لم يغزُ غزوةً واحدةً، وقد أقام بخُراسان سنتين (٣). (٥: ٣١٦)\nقال عليّ: قال عوانة: قدم عبدُ الرحمن بن زياد على يزيدَ بن معاوية من خُراسان بعد قتل الحسين ﵇، واستخلف على خُراسان قيسَ بن الهيثم (٤). (٥: ٣١٦).\nقال: وحدّثني مسلمة بن محارب وأبو حفص، قالا: قال يزيدُ لعبد الرحمن\n_________\n(١) في إسناده من لم يسم (بعض أشياخنا).\n(٢) في إسناده انقطاع.\n(٣) في إسناده مصعب بن حيان، لين الحديث.\n(٤) إسناده مرسل ضعيف.","vol":"9","page":136},{"text":"ابن زياد: كم قدمتَ به معك من المال من خُراسان؟ قال: عشرين ألف ألف درهم؛ قال: إن شئتَ؛ حاسبناك وقبضناها منك، ورددناك على عملك، وإن شئتَ؛ سوّغناك وعزَلْناك، وتعطي عبدَ الله بن جعفر خمسمئة ألف درهم؛ قال: بل تسوّغني ما قلت، ويُستعمل عليها غيري. وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم، وقال: خمسمئة ألف من قِبل أمير المؤمنين، وخمسمئة ألف من قبلي (١). (٥: ٣١٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>ذكر وفود عبيد الله بن زياد على معاوية</span>\nوفي هذه السنة وَفَد عُبيد الله بن زياد على معاوية في أشراف أهل البَصرة، فعزله عن البصرة، ثم ردّه عليها وجدّد له الولاية.\nذكر من قال ذلك:\nحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، قال: وفد عُبيد الله بن زياد في أهل العراق إلى معاوية فقال له: ائذنْ لوفدك على منازلهم وشرفهم، فأذِن لهم، ودخل الأحنفُ في آخرهم، وكان سَيّئ المنزلة من عُبيد الله، فلما نظر إليه معاويةُ رحّب به، وأجلسه معه على سريره، ثم تكلم القومُ فأحسنوا الثناءَ على عبيد الله، والأحنفُ ساكت، فقال: ما لَكَ يا أبا بَحْر لا تتكلّم! قال: إن تكلّمتُ؛ خالفتُ القومَ. فقال: انهضوا فقد عزلْته عنكم، واطلبوا واليًا ترضَوْنه، فلم يَبق في القوم أحد إلا أتى رجلًا من بني أميّة أو من أشراف أهل الشأم، كلّهم يطلب، وقعد الأحنف في منزله، فلم يأت أحدًا، فلبثوا أيامًا، ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم، فلما دخلوا عليه قال: مَن اخترتم؟ فاختلفتْ كلمتهم، وسمّى كلّ فريق منهم رجلًا والأحنف ساكتٌ، فقال له معاوية: مالَك يا أبا بحر لا تتكلّم! قال: إن ولّيت علينا أحدًا من أهل بيتك لم نعدل بعُبَيد الله أحدًا، وإنْ ولّيت من غيرهم فانظر في ذلك، قال معاوية: فإني قد أعدته عليكم، ثم أوصاه بالأحنف، وقبّح رأيَه في مباعدته، فلما هاجت الفتنةُ لم يفِ لعُبيد الله غيرُ الأحنف (٢). (٥: ٣١٦/ ٣١٧)\n_________\n(١) إسناده مرسل ضعيف.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1430>ذكر هجاء يزيد بن مفرّغ الحميري بني زياد</span>\nوفي هذه السنة كان ما كان من أمر يزيد بن مفرِّغ الحميريّ وعبّاد بن زياد وهجاء يزيد بني زياد.\nذكر سبب ذلك:\nحدّثت عن أبي عُبيدة مَعمر بن المثنّى: أن يزيدَ بن ربيعة بن مفرِّغ الحِمْيَريّ كان مع عبّاد بن زياد بسِجستان، فاشتغل عنه بحرب التّرك، فاستبطأه، فأصاب الجند مع عبّاد ضِيقٌ في أعلاف دوابّهم، فقال ابنِ مفرِّغ:\nألا لَيْتَ اللِّحَى عادتْ حَشيشًا ... فنعْلِفها خُيُولَ المُسْلِمينَا!\nوكان عتاد بن زياد عظيمَ اللحية، فأنهيَ شِعْرُه إلى عبّاد؛ وقيل: ما أراد غيرَك، فطلبه عبّاد، فهرب منه، وهجاه بقصائد كثيرة، فكان مما هجاه به قوله:\nإذا أَوْدَى مُعاوية بنُ حَرْبٍ ... فبَشَرْ شعْبَ قعْبكَ بانصداع\nفأَشْهدُ أنَّ أُمكَ لم تُباشِرْ ... أبا سُفيانَ واضعةَ القِناعِ\nولكِنْ كان أَمرًا فيه لَبْسٌ ... على وَجَلٍ شَديدٍ وارتياعِ\nوقوله:\nألا أَبْلغْ مُعاويَة بن حَرْبٍ ... مُغَلْغَلةً من الرَّجُل اليماني\nأتَغْضبُ أن يُقال أَبُوكَ عَفٌّ ... وتَرضَى أن يُقالَ أَبُوكَ زَانِ!\nفأَشْهَد أنَّ رِحْمَكَ من زِيادٍ ... كرِحْم الفِيل من ولَدِ الأتان (١)\n(٥: ٣١٧/ ٣١٨).\nفحدثّني أبو زيد، قال: لما هجا ابن المفرِّغ عبّادًا فارقه مقبلًا إلى البَصرة، وعبيد الله يومئذ وافدٌ على معاوية، فكتب عبّاد إلى عُبيد الله ببعض ما هجاه به، فلمّا قرأ عُبيد الله الشعرَ دخل على معاوية فأنشده إياه، واستأذنه في قتل ابن مفرِّغ، فأبى عليه أن يقتلَه، وقال: أدِّبْه ولا تبلغ به القتل، وقدم ابن مفرِّغ\n_________\n(١) بين الطبري وأبي عبيدة من لم يُسَمّ ثم ذكره أبو عبيدة بلا إسنادٍ والله أعلم.","vol":"9","page":138},{"text":"البَصرة، فاستجار بالأحنف بن قيس، فقال: إنا لا نجير على ابن سميّة، فإن شئتَ كفيتُك شعراءَ بني تميم؛ قال: ذاك ما لا أبالي أنْ أكفاه، فأتى خالد بن عبد الله فوعده، وأتى أميّة فوعده، ثم أتَى عمر بن عبيد الله بن معمر فوعده، ثم أتى المنذرَ بن الجارود فأجاره، وأدخله دارَه، وكانت بَحْرِيَّة بنت المنذر عند عُبيد الله، فلما قدم عبيد الله البَصرة أخبر بمكان ابن مفرِّغ عند المنذر، وأتَى المنذرُ عبيدَ الله مسلِّمًا، فأرسل عبيد الله الشُّرَط إلى دار المنذر، فأخذوا ابن مفرِّغ، فلم يشعر المنذر وهو عند عُبيد الله إلا بابن مفرِّغ قد أقيم على رأسه، فقام إلى عُبيد الله، وقال: أيّها الأمير! إني قد أجرته، قال: والله يا منذر ليمدحنّك وأباك ويهجوني أنا وأبي، ثم تجيره عليّ! فأمر به فسُقي دواءً، ثم حُمل على حمار عليه إكافٌ فجعل يطاف به وهو يَسلَح في ثيابه، فيُمَرُّ به في الأسواق، فمرّ به فارسي فرآه، فسأل عنه، فقال: إين جيست؟ ففهمها ابن مفرّغ، فقال:\nآبْ استْ نبيذ است ... عصارات زبيب اسْت\nسُمَيّة روسيد استْ\nثم هجا المنذر ابن الجارود:\nتركتُ قُرَيشًا أن أُجاورَ فيهمُ ... وجاوَرْتُ عبدَ القيسِ أهْلَ المُشَقَّرِ\nأُناسٌ أَجارُونا فكان جوارُهُمْ ... أعاصيرَ من فَسْوِ العِراق المُبَذِّرِ\nفأَصبح جارِي من جُذيمَةَ نائمًا ... ولا يمنَعُ الجِيران غَيرُ المُشمّر\nوقال لعُبيد الله:\nيَغْسِلُ الماءُ ما صَنَعْتَ وقَوْلي ... راسِخٌ منكَ في العظامِ البَوالي\nثم حمله عُبيد الله إلى عبّاد بسِجستان، فكلّمت اليمانية فيه بالشأم معاوية، فأرسل رسولًا إلى عبّاد، فحمل ابن مفرّغ من عنده حتى قَدِم على معاوية، فقال في طريقه:\nعَدَسْ ما لِعتادٍ عَلَيْكِ إمارةٌ ... نجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ\nلَعَمْري لقد نجّاكِ من هُوَّةِ الرَّدى ... إمامٌ وحبْل للأَنام وَثِيقُ\nسأشكرُ ما أَوْلَيْتَ من حُسْنِ نِعْمةٍ ... ومِثلي بِشُكْرِ المنعِمِينَ حقيقُ\nفلما دخل على معاوية بكى، وقال: رُكبَ مني ما لم يُرْكَبْ من مسلم على غير حَدَث ولا جريرة! قال: أوَ لست القائل:","vol":"9","page":139},{"text":"ألا أبلغ معاويةً بن حَرْبٍ ... مُغلغلةً من الرَّجلِ اليَماني!\nالقصيدة- قال: لا والذي عظَّم حقَّ أمير المؤمنين ما قلتُ هذا؛ قال: أفلمْ تقل:\nفأشهَدُ أَن أُمَّكَ لم تُباشِرْ ... أَبا سُفْيانَ واضعةَ القِناع\nفي أشعار كثيرة هجوتَ بها ابن زياد! اذهب فقد عفونا لك عن جُرمك، أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء، فانطلق؛ وفي أيّ أرض شئتَ فانزل، فنزل المَوْصِلَ، ثمّ إنه ارتحل إلى البَصرة، فقدمها، ودخل على عُبيد الله فآمنه (١). (٥: ٣١٨/ ٣١٩/ ٣٢٠).\nوأما أبو عُبيدة فإنه قال في نزول ابن مفرّغ الموصل عن الذي أخبرني به أبو زيد، قال: ذكر أنّ معاويةَ لما قال له: ألست القائل:\nألَا أبلغْ معاويةَ بَن حَرْبٍ ... مُغلغَلةً من الرّجل اليَماني\nالأبيات؛ حَلف ابن مفرّغ أنه لم يقله، وأنه إنما قاله عبدُ الرحمن بن أُمّ الحَكَم أخو مرْوان، واتخذني ذريعةً إلى هجاء زياد، وكان عَتَب عليه قبل ذلك، فغضب معاويةُ على عبد الرحمن بن أم الحكم وحرَمه عطاءَه، حتى أضرّ به، فكُلّم فيه، فقال: لا أرضى عنه حتى يَرضَى عُبيد الله؛ فقدم العراق على عبيد الله، فقال عبد الرحمن له:\nلأنتَ زيادةٌ في آل حَرْبٍ ... أحَبُّ إليّ من إحدى بنانِي\nأراكَ أخًا وعمًّا وابنَ عمٍّ ... ولا أَدري بِغيْبٍ ما ترانِي\nفقال: أراك واللهِ شاعر سَوْء! فرضيَ عنه، فقال معاوية لابن مفرّغ: ألستَ القائل:\nفَأَشْهدُ أنَّ أُمّك لَم تُباشِرْ ... أَبا سُفْيانَ واضعةَ القِناعِ\nالأبيات! لا تعودَنّ إلى مثلها، عَفوْنا عنك. فأقبل حتى نزل الموصلَ، فتزوّج امرأة، فلما كان في ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصّيد، فلقيَ ذَهّانًا أو عطَّارًا على حمار له، فقال له ابن مفرِّغ: من أين أقبلت؟ قال: من الأهواز؛ قال: وما فعل ماءُ مسْرُفان؟ قال: على حاله؛ قال: فخرج ابن مفرّغ فتوجه قِبَل\n_________\n(١) ذكر أبو زيد هذا الخبر بلا إسناد.","vol":"9","page":140},{"text":"البصرة، ولم يُعلم أهلَه بمسيره، ومضى حتى قدم على عُبيد الله بن زياد بالبصرة، فدخل عليه فآمنه، ومكث عنده حتى استأذنه في الخروج إلى كَرْمان، فأذن له في ذلك، وكتب إلى عامله هنالك بالوَصاة والإكرام له، فخرج إليها. وكان عامل عُبيد الله يومئذ على كَرْمانَ شريكُ بنُ الأعور الحارثيّ (١). (٥: ٣٢٠/ ٣٢١)\nوحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سُفْيان، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيره (٢). (٥: ٣٢١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>ثم دخلت سنة ستين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nففي هذه السنة كانت غزوةُ مالك بن عبد الله سُوريَة ودخولُ جُنادةَ بن أبي أميّة رودس، وهدمه مدينتها في قول الواقديّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>ذكر عهد معاوية لابنه يزيد</span>\nوفيها كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عُبيد الله بن زياد البيْعة لابنه يزيد، وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه في النّفر الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البَيعة (٣). (٥: ٣٢٢)\nوكان عهدُه الذي عهد ما ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مَخرَمة: أنّ معاوية لما مَرِض مرضَتَه التي هلك فيها دعا يزيد ابنَه، فقال: يا بنيَّ، إنّي قد كَفَيتك الرّحلة والتّرحال، ووطّأت لك الأشياء، وذلّلت لك الأعداء، وأخضعتُ لك أعناقَ العرب، وجمعتُ لك من جمع واحد، وإني لا أتخوَّف أن ينازعك هذا الأمر\n_________\n(١) بين الطبري وأبي عبيدة انقطاع وقد ذكره أبو عبيدة بلا إسناد.\n(٢) ضعيف.\n(٣) ضعيف.","vol":"9","page":141},{"text":"الذي استتبّ لك إلّا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأمّا عبد الله بن عمر فرجلٌ قد وقَذَته العبادة، وإذا لم يبق أحدٌ غيره بايعك، وأما الحسين بن عليّ فإنّ أهل العراق لن يَدَعوه حتى يُخرجوه، فإن خرج عليك فظفرتَ به فاصفح عنه فإنّ له رَحمًا ماسّة وحقًّا عظيمًا؛ وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابَه صنعوا شيئًا صنع مثلَهم، ليس له همّة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثومَ الأسد، ويراوغك مراوَغة الثعلب، فإذا أمكنتْه فرصةٌ وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعَلَها بك فقَدَرت عليه فقطّعه إرْبًا إرْبًا (١). (٥: ٣٢٢/ ٣٢٣).\nقال هشام: قال عَوانة: قد سمعْنا في حديث آخر: أنّ معاوية لما حضره الموت -وذلك في سنة ستين- وكان يزيد غائبًا، فدعا بالضحّاك بنِ قيس الفهريّ -وكان صاحب شرطته- ومسلم بن عقبة المرّيّ، فأوصى إليهما فقال: بلّغا يزيدَ وصيّتي، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرِم من قدم عليك منهم، وتعاهد مَن غاب، وانظر أهلَ العراق، فإن سألوك أن تَعزِل عنهم كلّ يوم عاملًا فافعل، فإنّ عَزْلَ عامل أحبّ إليّ من أن تُشهر عليك مئة ألف سيف، وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعَيْبَتَك، فإن نابك شيء من عدوّك فانتصر بهم، فإذا أصبتَهم فارددْ أهلَ الشأم إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم؛ وإني لست أخاف من قريش إلّا ثلاثة: حسينَ بن عليّ، وعبدَ الله بن عمر، وعبَد الله بن الزبير؛ فأمّا ابن عمرَ فرجل قد وقَذَه الدّين، فليس ملتمسًا شَيئًا قبَلك، وأما الحسين بن على فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قَتَل أباه، وخَذَل أخاه، وإنّ له رَحمًا ماسَّة، وحقًّا عظيمًا، وقرابةً من محمد - ﷺ -، ولا أظنّ أهلَ العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرتَ عليه فاصفح عنه، فإنّي لو\n_________\n(١) إسناده تالف ويكفي كشفًا لزيف أبي مخنف إذا علمنا أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر قد توفي قبل موت معاوية بسنتين كذلك قال ابن كثير وصححه (البداية والنهاية ٨/ ١١٨) وقال البلاذري: وروى بعضهم أن عبد الرحمن كان باقيًا حتى مات، وذلك باطل (أنساب الأشراف ٤/ ١٤٦).\nوكعادة أبي مخنف فهو يستغل كل مناسبة ليكيل الشتائم ويطعن ويغمز ويلمز وما درى بأن أئمة الجرح والتعديل ﵏ قد قطعوا الطريق على أمثاله من الكذابين فبيّنوا أحوال كلٍّ بما يستحق.","vol":"9","page":142},{"text":"أني صاحبه عفوتُ عنه، وأما ابن الزبير فإنه خَبٌّ ضَبٌّ، فإذا شَخَص لك فالبِدْ لَهُ، إلّا أن يلتمس منك صُلحًا، فإن فعل فاقبلْ، واحْقُنْ دماءَ قومك ما استطعت (١). (٥: ٣٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان</span>\nوفي رجب منها -فقال هشام بن محمد-: مات معاويةُ لهلالِ رجب من سنة ستين.\nوقال الواقديّ: مات معاويةُ للنّصف من رجب.\nوقال عليّ بن محمّد: مات معاويةُ بدمشقَ سنة ستين يوم الخميس لثمانٍ بقين من رَجَب؛ حَدّثني بذلك الحارث عنه (٢). (٥: ٣٢٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>ذكر الخبر عن مدة ملكه</span>\nوحدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني يحيى بن سعيد بن دينار السعديّ عن أبيه، قالوا: توفيَ معاوية ليلةَ الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يومًا (٣). (٥: ٣٢٤).\nوحَدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: بايع أهل الشأم معاويةَ بالخلافة في سنة سبع وثلاثين في ذي القعدة حين تفرّق الحكَمان، وكانوا قبلُ بايَعوه على الطلب بدم عثمان، ثمّ صالحه الحسنُ بنُ عليّ، وسلّم له الأمر سنة إحدى وأربعين، لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل، فبايع الناسُ جميعًا معاوية، فقيل: عام الجماعة؛ ومات بدمشقٍ سنة ستين، يوم الخميس لثمان بقين من رجب. وكانت ولايتُه تسعَ عشرةَ سنةً وثلاثةَ أشهر وسبعةً وعشرين يومًا (٤). (٥: ٣٢٤).\n_________\n(١) إسناده تالف.\n(٢) ضعيف.\n(٣) الواقدي متروك.\n(٤) إسناده معضل وفي متنه نكارة.","vol":"9","page":143},{"text":"قال: ويقال: كان بين موت عليّ ﵇ وموتِ معاويةَ تسعَ عشرةَ سنةً وعشرةُ أشهر وثلاثُ ليالٍ (١). (٥: ٣٢٤)\nوقال هشام بنُ محمد: بويع لمعاوية بالخلافة في جُمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فولي تسع عشرةَ سنة وثلاثةَ أشهر إلّا أيامًا، ثم مات لهلال رجب من سنه ستين (٢) (٣٢٥: ٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>ذكر مدّة عمره</span>\nواختَلَفوا في مدّة عمره، وكم عاش؟ فقال بعضهم: مات يومَ مات وهو ابن خمسٍ وسبعين سنة.\nذكر من قال ذلك:\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: أخبرني هشام بن الوليد، قال: قال ابن شهاب الزّهريّ: سألني الوليدُ عن أعمار الخلفاء، فأخبرتُه: أنّ معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة؛ فقال: بَخٍ بَخٍ! إن هذا لعُمْر (٣). (٥: ٣٢٥)\nوقال آخرون: مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.\nذكر من قال ذلك:\nحدّثني عير، قال: حدّثني أحمد بن زهير، قال: قال عليّ بن محمد: مات معاويةُ وهو ابن ثلاث وسبعين، قال: ويقال: ابن ثمانين سنة.\nوقال آخرون: توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة (٤). (٥: ٣٢٥)\nذكر من قال ذلك:\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن\n_________\n(١) ضعيف.\n(٢) هشام بن محمد متروك.\n(٣) هشام بن الوليد لم نعرف من هو.\n(٤) إسناده معضل.","vol":"9","page":144},{"text":"عمر، قال: حدّثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه، قال: توفي معاوية وهو ابن ثمان وسبعين سنة (١). (٥: ٣٢٥)\nوقال آخرون: توفي وهو ابن خمس وثمانين سنة، حُدّثتُ بذلك عن هشام بن محمد: أنه كان يقوله عن أبيه (٢). (٥: ٣٢٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>ذكر العلَّة التي كانت فيها وفاته</span>\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا أبو عُبيدة عن أبي يعقوب الثقفيّ، عن عبد الملك بن عمير، قال: لما ثَقُل مُعاوية وحدَّث الناس: إنه الموت، قال لأهله: احشُوا عيني إثمِدًا، وأوسِعوا رأسي دُهنًا، ففعلوا، وبرّقوا وجهَه بالدّهن، ثم مُهِّدَ له، فجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلّموا قيامًا، ولا يَجلس أحدٌ، فجعل الرجل يدخل فيسلّم قائمًا فيراه مكتحلًا مُدّهنًا فيقول: يقول الناس: هو لمآبِه، وهو أصحّ الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية:\nوتجَلُّدي للشامِتينَ أُرِيهمُ ... أنِّي لِرَيبِ الدهرِ لا أتَضَعْضَعُ\nوإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبتْ أَظْفارَها ... أَلفَيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنفعُ\nقال: وكان به النُّفاثات، فمات من يومه ذلك (٣). (٥: ٣٢٦)\nحدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد، عن إسحاق بن أيوب، عن عبد الملك بن ميناس الكلبيّ، قال: قال معاوية، لابنتيه في مرضه الذي مات فيه وهما تقلّبانه: تُقلّبان حُوّلًا قُلّبًا، جمع المال من شُبَّ إلى دُبَّ إن لم يدخل النار، ثم تمثّل:\nلقد سعيتُ لكم من سَعْيِ ذي نَصَب ... وقد كَفَيتُكُمُ التّطْوافَ والرِّحَلَا\n_________\n(١) فيه الواقدي وهو متروك.\n(٢) هشام بن محمد متروك.\n(٣) إسناده ضعيف ومتنه منكر والصحيح الثابت عنه أنه كان يطلب المغفرة من ربه وينقطع لله سبحانه (راجع قسم الصحيح- الفصل الأخير).","vol":"9","page":145},{"text":"ويقال: \"من جمع ذي حسب\" (١). (٥: ٣٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>ذكر الخبر عمَّن صلّى على معاوية حين مات</span>\nحدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: صلّى على معاوية الضحّاك بن قيس الفهريّ، وكان يزيد غائبًا حين مات معاوية (٢). (٥: ٣٢٧).\nوحُدّثت عن هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدّثتي عبد الملك بن نوفل بن مُساحِق بن عبد الله بن مَخرمة، قال: لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس حتى صعِد المنبرَ وأكفانُ معاوية على يديه تلوح، فَحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان عُود العرب، وحدّ العرب، قطع الله ﷿ به الفتنة، ومَلّكهُ على العباد، وفتح به البلاد. ألا إنه قد مات، فهذه أكفانه، فنحن مُدْرِجُوه فيها، ومُدْخلوه قبرَه، ومُخلُّون بينه وبين عمله، ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشَهَده فليحضُر عند الأولى. وبعث البَريدَ إلى يزيدَ بوجع معاوية، فقال يزيد في ذلك:\nجاءَ البريدُ بقرطاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فأَوْجَسَ القلبُ من قرطاسهِ فَزَعا\nقلنا: لك الويلُ ماذا في كتابِكُمُ؟ ... قالوا: الخليفةُ أمْسَى مُثْبَتًا وجِعا\nفمادتِ الأرضُ أَو كادَتْ تَميدُ بنا ... كأَنَّ أغْبَرَ من أركانها انقطعا\nمن لا تَزَلْ نفسُهُ تُوفِي على شَرَفٍ ... تُوشكْ مقاليدُ تلك النفسِ أن تقعا\nلمّا انتهَيْنا وبابُ الدار مُنْصَفِقٌ ... وصوتُ رَملةَ ريعَ القلبُ فانصَدَعا (٣)\n(٥: ٣٢٧/ ٣٢٨).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن إسحاقَ بن خُليدَ، عن خليد بن عَجْلان مولى عبّاد، قال: مات معاويةُ ويزيد بحُوّارِين، وكانوا كتبوا إليه حين مرض، فأقبل وقد دُفِن، فأتى قبرَه فصلى عليه، ودعا له، ثم أتى منزلَه، فقال: \"جاء البريد بقِرْطاس. . .\" الأبيات. (٤) (٥: ٣٢٨).\n_________\n(١) (م/١٦٨): في إسناده عبد الملك بن ميناس لم نجد له ترجمة.\n(٢) إسناده معضل، وتفيد هذه الرواية أن ابنه يزيد كان غائبًا حين توفي أبوه معاوية ﵁.\n(٣) إسناده تالف.\n(٤) إسناده ضعيف، وفي إسناده إسحاق بن خليد، وخليد بن عجلان لم نجد لهما ترجمة. =","vol":"9","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1438>ذكر نسائه وولده</span>\nومنهنّ فاختة ابنة قَرَظة بن عبد عَمرو بن نوفل بن عبد مناف. ولدتْ له عبدَ الرحمن وعبد الله ابني معاوية، وكان عبد الله محمَّقًا ضعيفًا، وكان يُكَنى أبا الخير. حدّثني أحمد عن عليّ بن محمد، قال: مرّ عبد الله بن معاوية يومًا بطحّان قد شدّ بغلَه في الرّحا للطحن، وجعل في عنقه جَلاجلَ، فقال له: لِمَ جعلتَ في عنق بغلك هذه الجلاجل؟ فقال الطحّان: جعلتُها في عنقه لأعلمَ إنْ قد قام فلم تَدُر الرّحا، فقال له: أرأيت إن هو قام وحرّك رأسه كيف تعلم أنه لا يدير الرحا؟ فقال له الطحان: إنّ بغلي هذا -أصلح الله الأمير- ليس له عَقْل مِثل عقل الأمير!\nوأما عبد الرحمن فإنه مات صغيرًا (١). (٥: ٣٢٩).\nومنهنّ نائلة بنت عُمارة الكلبية، تزوّجها؛ فحدّثني أحمد عن عليّ قال: لما تزوج معاوية نائلة قال لميْسون: انطلقي فانظري إلى ابنة عمك، فنظرت إليها، فقال: كيف رأيتِها؟ فقالت: جميلة كاملة، ولكن رأيت تحتَ سرّتها خالًا ليوضعنّ رأس زوجها في حِجْرها، فطلّقها معاوية، فتزوّجها حبيب بن مسلمة الفهريّ، ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان بن بَشير الأنصاريّ، فقتل، ووضع رأسه في حِجْرها (٢). (٥: ٣٢٩).\n_________\n= وأخرج البلاذري قال: حدثني العمري عن ابن عدي عن ابن عياش قال: كان يزيد بن معاوية حين مات أبوه بحوارين فقدم وقد دفن أبوه عند الباب الصغير بدمشق (أنساب الأشراف ٤/ ١٥٦/ ح ٤٣٧) ولا يخفى ضعف هذا الإسناد بسبب ابن عدي إضافة إلى أنه مرسل والله أعلم.\nأما الحافظ الذهبي فقد قال: قال أبو مسهر: صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية (عهد معاوية/ ٣١٧).\nوأما تلميذه الحافظ ابن كثير فقد قال: قال محمد بن إسحاق، والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد (البداية والنهاية ٨/ ١٤٦).\nقلنا: ولم نجد رواية صحيحة المسند تؤيد أيًّا من الرأيين ولعلّ معاوية ﵁ مت وابنه يزيد غائب فصلى عليه الضحاك بن قيس ثم لما جاء يزيد صلى على قبره والله تعالى أعلم.\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.","vol":"9","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1439>ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيره</span>\nحدّثني أحمد بن زهير عن عليّ، قال: لما بويع لمعاوية بالخلافة صيّر على شرطته قيس بن حمزة الهمْدانيّ، ثم عزله، واستعمل زُميل بن عمرو العُذْريّ -ويقال: السَّكْسَكيّ. وكان كاتبه وصاحبَ أمره سرجون بن منصور الرّوميّ، وعلى حَرَسه رجلٌ من الموالي يقال له: المختار؛ وقيل: رجل يقال له: مالك، ويكنى أبا المخارق، مولى لحميرَ. وكان أوّل مَن اتّخذ الحرس. وكان على حجّابه سعد مولاه، وعلى القضاء فَضالة بن عبيد الأنصاريّ، فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبد الله الخَوْلانيّ. إلى ها هنا حديث أحمد عن علي (١). (٥: ٣٢٩/ ٣٣٠)\nوقال غير عليّ: وكان على ديوان الخاتَم عبد الله بن مِحصَن الحِمْيَريّ، وكان أوّل من اتّخذ ديوان الخاتم. قال: وكان سبب ذلك: أن معاوية أمر لعَمرو بن الزُّبير في معونته وقضاء دَينه بمئة ألف درهم، وكتب بذلك إلى زياد بن سُميّة وهو على العراق، ففضّ عمرو الكتاب وصيّر المئة مئتين، فلما رفع زياد حسابَه أنكرها معاوية، فأخذ عمرًا برِدّها وحبسه، فأدّاها عنه أخوه عبد الله بن الزبير، فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم وخَزْم الكتب، ولم تكن تُخْزَم (٢). (٥: ٣٣٠)\nحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: قرأت على عبد الله عن فُليح، قال: أخبرت: أن عمرو بنَ العاص وفد إلى معاوية ومعه أهلُ مصر، فقال لهم عمرو: انظروا، إذا دخلتم على ابن هند فلا تُسلّموا عليه بالخلافة، فإنه أعظم لكم في عينه، وصغّروه ما استطعتم. فلما قدموا عليه قال معاوية لحجّابه: إني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغّر أمري عند القوم، فانظروا إذا دخل الوفد فتَعتعوهم أشدّ تَعْتَعة تقدرون عليها، فلا يبلغني رجل منهم إلّا وقد همّه نفسه بالتّلف. فكان أوّل مَنْ دخل عليه رجل من أهل مصرَ يقال له\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) ضعيف.","vol":"9","page":148},{"text":"ابن الخيّاط، فدخل وقد تُعتِع، فقال: السّلام عليك يا رسولَ الله، فتتابع القومُ على ذلك، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة، فسلّمتم عليه بالنبوّة!\nقال: ولبس معاوية يومًا عمامتَه الحرَقانيّة واكتَحَل، وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك. شكّ عبد الله فيه: سمعه، أو لم يسمعْه (١). (٥: ٣٣٠/ ٣٣١)\nحدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد، قال: حدّثنا أبو محمد الأمويّ، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، فرأى معاوية في موكب يتلقّاه، وراح إليه في موكب، فقال له عمر: يا معاوية! تَروحُ في موكب وتغدو في مِثلِه؛ وبلغني أنك تُصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك! قال: يا أمير المؤمنين! إنّ العدوّ بها قريب منا، ولهم عيون وجواسيس، فأردتُ يا أمير المؤمنين أن يَروْا للإسلام عزًّا؛ فقال له عمر: إنّ هذا لكيدُ رجل لبيب، أو خُدْعَةُ رجل أريب؛ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين! مُرْني بما شئتَ أصِرْ إليه؛ قال: وَيْحَك! ما ناظرتُك في أمر أعِيب عليك فيه إلا تركتَني ما أدري آمرك أم أنهاك! (٢) (٥: ٣٣١)\nحدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن مَعمَر، عن جعفر بن بُرْقان: أنِّ المغيرة كتب إلى معاوية: أمّا بعد، فإني قد كَبِرَتْ سني، ودَقّ عظمي، وشَنِفتْ لي قريش، فإنْ رأيتَ أن تعزلَني؛ فاعزِلني.\nفكتبَ إليه معاوية: جاءني كتابُك تذكر فيه أنه كبِرتْ سنّك، فلعَمري ما أكل عمرَك غيرُك، وتذكر أنّ قريشًا شنفتْ لك، ولَعَمري ما أصبتَ خيرًا إلّا منهم. وتسألني أن أعزلك، فقد فعلت، فإنْ تك صادقًا فقد شفَّعتُك، وإن تك مخادعًا فقد خدعتُك (٣). (٥: ٣٣١)\nحدّثني أحمد عن عليّ بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، قال: قال معاوية:\n_________\n(١) في إسناده فليح صدوق كثير الخطأ ولم يدرك معاوية وفي متنه نكارة.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) رجاله ثقات غير جعفر بن برقان فهو صدوق بهم في حديث الزهري ولم يدرك زمن المغيرة والله أعلم.","vol":"9","page":149},{"text":"إذا لم يكن الأمويّ مصلحًا لماله، حليمًا، لم يشُبه مَن هو منه، وإذا لم يكن الهاشميّ سخيًّا جوادًا لم يشبه من هو منه، ولا يقدمْك من الهاشميّ اللسان والسخاء والشجاعة (١). (٥: ٣٣٢)\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن عوانة وخلّاد بن عيدة، قال: تغدَّى معاوية يومًا وعنده عُبيد الله بن أبي بكْرة، ومعه ابنُه بشير -ويقال: غير بشير- فأكثر من الأكل، فلحَظه معاوية، وفَطن عبيد الله بن أبي بَكْرة، فأراد أن يغمِز ابنه، فلم يمكنه، ولم يرفع رأسَه حتى فرغ، فلما خرج لامَه على ما صنع، ثم عاد إليه وليس معه ابنه، فقال معاوية: ما فعل ابنُك التِّلقامة؟ قال: اشتكَى؛ فقال: قد علمتُ أن أكلَه سيورِّثه داءً (٢). (٥: ٣٣٢).\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن جويرية بن أسماء، قال: قدم أبو موسى على معاوية، فدخل عليه في بُرنُسٍ أسوَد، فقال: السّلام عليك يا أمينَ الله! قال: وعليك السلام؛ فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخِ لأوَلِّيَه، ولا والله لا أوَلّيه (٣). (٥: ٣٣٢).\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن شهاب بن عبيد الله، عن يزيدَ بن سويد، قال: أذن معاوية للأحنف وكان يبدأ بإذنه، ثم دخل محمد بن الأشعث فجلس بين معاوية والأحنف، فقال معاوية: إنا لم نأذن له قبلك فتكونَ دونه، وقد فعلتَ فعالَ من أحصن من نفسه ذُلًّا، إنا كما نَملِك أمورَكم نملك إذنكم، فأريدوا منا ما نريد منكم، فإنه أبقى لكم (٤). (٥: ٣٣٢).\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن سحَيم بن حفص، قال: خطب ربيعة بن عِسْل اليربوعيّ إلى معاوية، فقال معاوية: اسقُوه سَوِيقًا؛ وقال له معاوية: يا ربيعة! كيف الناسُ عندكم؟ قال: مختلفون على كذا وكذا فرقةً؛ قال: فمن أيّهم أنت؟ قال: ما أنا على شيء من أمرهم؛ فقال معاوية: أراهم أكثر ممّا قلت؛ قال: يا أمير المؤمنين! أعنّي في بناء داري باثني عشرَ ألف جِذْع؛ قال معاوية: أين\n_________\n(١) في إسناده علي بن مجاهد فإن كان الكابلي فهو متروك وإلا فمجهول.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده معضل.\n(٤) ضعيف.","vol":"9","page":150},{"text":"دارُك؟ قال: بالبَصرة، وهي أكثر من فرسخين في فرسخين؛ قال: فدارُك في البَصرة، أو البَصرة في دارك! فدخل رجل من ولده على ابن هُبيْرة فقال: أصلح الله الأمير! أنا ابنُ سيِّد قومه، خطب أبي إلى معاوية، فقال ابن هبيرة لسلْم بن قتيبة: ما يقول هذا؟ قال: هذا ابن أحمق قومِه؛ قال ابن هبيرة: هل زوّج أباك معاوية؟ قال: لا، قال: فلا أرى أباك صنع شيئًا (١). (٥: ٣٣٣).\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن أبي محمّد بن ذَكوان القرشيّ، قال: تنازع عُتبة وعنبسة ابنا أبي سُفيان -وأمّ عتبة هند وأتم عنبسة ابنة أبي أُزيْهِر الدَّوْسيّ- فأغلظ معاويةُ لعنبسةَ، وقال عنبسة: وأنت أيضًا يا أميرَ المؤمنين! فقال: يا عنبسَة! إن عُتبةَ ابنُ هند، فقال عنبسة:\nكنَّا بخير صالحًا ذاتُ بينِنا ... قديمًا فأَمست فَرّقَتْ بيننا هندُ\nفإنْ تك هندٌ لم تلِدْني فإنَّني ... لبيضاءَ يَنمِيها غَطارفةٌ نُجْدُ\nأبوها أبو الأضياف في كلِّ شتْوةٍ ... ومأوى ضعافٍ لا تَنُوْءُ من الجَهدِ\nجُفيْنَاته ما إنْ تزال مُقيمة ... لمن خافَ من غَوْرَي تهامةَ أو نجدِ\nفقال معاوية: لا أعيدها عليك أبدًا (٢). (٥: ٣٣٣).\nحدّثني عبد الله، قال: حدّثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك عن جرير بن حازم، قال: سمعت محمد بن الزبير يحدّث، قال: حدّثني عبد الله بن مسعدة بن حَكَمة الفزاريّ من بني آل بدر، قال: أنتقل معاويةُ من بعض كورِ الشأم إلى بعض عمله، فنزل منزلًا بالشأم، فبَسُط له على ظهر إجّار مُشرِف على الطريق، فأذن لي، فقعدت معه، فمرّت القُطُرات والرّحائل والجواري والخيول، فقال: يا بن مسعدة! رحم الله أبا بكر! لم يُرد الدنيا ولم تُرِده الدنيا، وأما عمر -أو قال: ابن حَنْتمة- فأرادتْه الدنيا، ولم يردْها، وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابتْ منه، وأما نحن فتمرّغنا فيها، ثم كأنه ندم، فقال: والله إنّه لمُلْك آتانا الله إيّاه (٣). (٥: ٣٣٤).\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) في متنه نكارة شديدة وهو من قبل محمد بن الزبير متروك كما قال الحافظ، وقال البخاري: منكر الحديث وفيه نظر وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا (تهذيب الكمال ت ٥٨١٩).","vol":"9","page":151},{"text":"حدّثني أحمد عن على بن محمّد، عن عليّ بن عبيد الله، قال: كتب عَمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبدِ الله بن عمرو ما كان أعطاه أباه من مصر، فقال معاوية: أراد أبو عبد الله أن يكتب فهدَر، أشهدكم أني إن بقيتُ بعدَه فقد خلعتُ عهدَه. قال: وقال عمرو بن العاص: ما رأيت معاوية متّكئًا قطّ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى كاسرًا عينه يقول لرجل: تكلّم، إلا رحمتُه (١). (٥: ٣٣٥)\nقال أحمد: قال عليُّ بن محمد: قال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين! ألستُ أنصحَ الناس لك؟ قال: بذلك نلتَ ما نلت (٢). (٥: ٣٣٥)\nقال أحمد: قال عليّ: عن جويرية بن أسماء: أنّ بسر بن أبي أرطاة نال من على عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس، فعلاه بِعَصًا فشجه، فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ من قريش سيّد أهل الشأم فضربتَه! وأقبل على بُسر، فقال: تَشتمُ عليًّا وهو جدّه؛ وابن الفاروق على رؤوس الناس، أو كنت ترى أنه يَصبر على ذلك! ثم أرضاهما جميعًا. قال: وقال معاوية: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي، وجهلٌ أكثر من حلمي، أو عورةٌ لا أواريها بستري، أو إساءةٌ أكثر من إحساني. قال: وقال معاوية: زَين الشريف العفَاف؛ قال: وقال معاوية: ما من شيء أحبّ إليّ من عين خرّارة، في أرض خَوّارة، فقال عمرو بن العاص: ما من شيء أحبّ إليّ من أن أبيت عَروسًا بعقيلةٍ من عقائل العرب؛ فقال وَرْدان مولَى عَمرو بن العاص: ما من شيء أحبّ إليّ من الإفضال على الإخوان، فقال معاوية: أنا أحقّ بهذا منك؛ قال: ما تحبّ فافعل (٣). (٥: ٣٣٥)\nحدّثني أحمد عن علي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يُبرد بريدًا إلى معاوية؛ أمر مُنادِيَه فنادَى: مَن له\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) إسناده معضل.","vol":"9","page":152},{"text":"حاجةٌ يكتب إلى أمير المؤمنين؛ فكتب زِرّ بن حُبيش -أو أيْمَن بن خُرَيم- كتابًا لطيفًا ورَمَى به في الكُتُب، وفيه:\nإذا الرجالُ وَلَدَتْ أولادُها ... واضطَرَبَتْ من كِبَر أعْضادُها\nوجَعلتْ أسقامُها تعْتادُها ... فهي زُرُوعٌ قد دَنا حَصادُها\nفلمّا وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب؛ قال: نعى إليّ نفسي (١). (٥: ٣٣٥/ ٣٣٦)\nقال: وقال معاوية: ما من شيء ألذّ عندي من غيظ أتجرّعه.\nقال: وقال معاوية لعبدر الرحمن بن الحَكَم بن أبي العاص: يا بن أخي! إنك قد لهجْتَ بالشعر، فإيّاك والتشبيبَ بالنساء فتعُرّ الشريفة، والهجاء فتعرّ كريمًا، وتستثير لئيمًا، والمدح، فإنه طُعمة الوَقاح، ولكن افخرْ بمَفاخر قومك، وقلْ من الأمثال ما تزين به نفسَك، وتؤدِّب به غيرَك (٢). (٥: ٣٣٦)\nحدّثني أحمد عن علي، قال: قال الحسن بن حماد: نظر معاويةُ إلى الثُّما في عباءة، فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ العباءة لا تكلّمك، وإنما يكلّمك مَن فيها (٣). (٥: ٣٣٦).\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن سليمان، قال: قال معاوية: رجلان إن ماتا؛ لم يموتا، ورجُلٌ إنْ مات؛ مات، أنا إنْ متّ خَلَفني ابني، وسعيد إن مات خلفه عمرو، وعبد الله بن عامر إن مات مات؛ فبلغ مزوان، فقال: أمَا ذكر ابني عبد الملك؟ قالوا: لا؛ قال: ما أحبّ أن لي بابني ابنَيْهما (٤). (٥: ٣٣٦)\nحدّثني أحمد عن عليّ، قال: حدّثنا عبد الله بن صالح، قال: قال رجل لمعاوية: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: أشدّهم لي تحبيبًا إلى الناس. قال: وقال معاوية: العقل والحلم أفضل ما أعطِيَ العبد، فإذا ذُكِّر؛ ذَكر، وإذا أعطِي؛\n_________\n(١) إذا كان أحمد هو ابن إبراهيم بن المطلب الذي يروي عن أبيه فهو مقبول، وإن كان محمد بن إبراهيم بن عثمان، فهو ثقة ولكن أبان ضعيف وللحديث شاهد.\n(٢) ضعيف.\n(٣) إسناده معضل.\n(٤) إسناده معضل.","vol":"9","page":153},{"text":"شَكَر، وإذا ابتُلي؛ صَبَر، وإذا غَضِب؛ كَظَم، وإذا قدَر؛ غَفر، وإذا أساء؛ استغفر، وإذا وَعَد؛ أنجَز (١). (٥: ٣٣٦).\nحدّثني أحمد عن عليّ، عن محمد بن عامر، قال: لامَ معاوية عبدَ الله بن جعفر على الغناء، فدخل يومًا على معاوية ومعه بُدَيْحٌ، ومعاوية واضع رِجلًا على رِجل، فقال عبد الله لبُديح: إيهًا يا بديح! فتغنّى، فحرّك معاوية رِجلَه، فقال عبدُ الله: مهْ يا أميرَ المؤمنين! فقال معاوية: إن الكريم طَروب.\nقال: وقَدِم عبدُ الله بن جعفر على معاوية ومعه سائبُ خاثر -وكان مولًى لبني لَيث، وكان فاجرًا- فقال له: ارفع حوائجكَ؛ ففعل، ورفَع فيها حاجة سائب خاثر؛ فقال معاوية: مَن هذا؟ فخَبَّره؛ فقال: أدخِله، فلمّا قام على باب المجلسَ غنَّى:\nلِمَن الديارُ رُسُومُها قَفْرُ ... لَعِبَتْ بها الأرواحُ والقَطْرُ!\nوخَلَا لَهَا من بعد ساكِنِها ... حِجَجٌ خَلوْنَ ثَمان أَو عَشْرُ\nوالزّعفران على تَرائِبها ... شَرِقًا به اللَّبّاتُ والنَّحرُ\nفقال أحسنتَ، وقضى حوائجَه (٢). (٥: ٣٣٦/ ٣٣٧).\nحدّثني عبد اللهِ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن سُفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن قبيصة بن جابر الأسديّ، قال: ألَا أخبركم مَن صحبتُ؟ صحبتُ عمر بنَ الخطاب فما رأيت رجلًا أفقَه فِقْهًا، ولا أحسنَ مُدارَسة منه؛ ثم صحبتُ طلحةَ بنَ عبيد الله، فما رأيت رجلًا أعطَى للجزيل من غير مسألة منه؛ ثم صحبتُ معاويةَ فما رأيت رجلًا أحبَّ رفيقًا، ولا أشبَهَ سريرةً بعلانية منه، ولو أنّ المغيرة جُعِل في مدينة لا يُخرَج من أبوابها كلِّها إلّا بالغدر؛ لخرجَ منها (٣). (٥: ٣٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>خلافة يزيد بن معاوية</span>\nوقال هشام بن محمد، عن أبي مخنَف؛ وليَ يزيد في هلال رجب سنة\n_________\n(١) إسناده معضل.\n(٢) إسناده معضل.\n(٣) في إسناده مجالد ليس بالقوي وتغير بآخره.","vol":"9","page":154},{"text":"ستين، وأمير المدينة الوليدُ بن عُتبة بن أبي سُفيان، وأمير الكوفة النّعمان بن بشير الأنصاري، وأمير البَصرة عُبيد الله بن زياد، وأمير مكّة عَمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همّة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبَوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيدَ حين دعا الناس إلى بيعته، وأنه ولي عهده بعدَه، والفراغ من أمرهم، فكتب إلى الوليد:\nبسم الله الرحمن الرحيم، مِن يزيدَ أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد: فإنَّ معاوية كان عبدًا من عباد الله، أكرمه الله واستخلَفه، وخوّله، ومكّن له، فعاش بقَدَر، ومات بأجَل، فرحمه الله، فقد عاش محمودًا، ومات بَرًّا تقيًّا، والسلام.\nوكتب إليه في صحيفة كأنها أذْنُ فأرة:\nأما بعد: فخذ حُسَينًا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيْعة أخْذًا شديدًا ليست فيه رُخصة حتى يبايعوا، والسلام.\nفلما أتاه نَعِيَّ معاوية فَظِع به، وكبُر عليه، فبعث إلى مروانَ بن الحكم فدعاه إليه -وكان الوليد يومَ قدم المدينة قَدِمها مروانُ متكارِهًا- فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مرْوان، فجلس عنه وصرَمه، فلم يزل كذلك حتى جاء نعيّ مُعاوية إلى الوليد، فلما عظُم على الوليد هلاكُ معاوية وما أُمِر به من أخذ هؤلاء الرّهط بالبيْعة، فزع عند ذلك إلى مروان، ودعاه، فلما قرأ عليه كتابَ يزيدَ؛ استرجع وترحّم عليه، واستشاره الوليدُ في الأمر وقال: كيف ترى أن نصنع؟ قال: فإني أرى أن تبعث الساعةَ إلى هؤلاء النفر فتدعوَهم إلى البيعة والدّخول في الطاعة، فإن فعلوا؛ قَبِلْتَ منهم، وكَففتَ عنهم، وإن أبَوا قدّمتَهم فضربتَ أعناقَهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموت معاوية وثَبَ كلّ امرئ منهم في جانب، وأظهرَ الخلافَ والمنابذَة، ودعا إلى نفسه لا أدري؛ أما ابنُ عمرَ فإني لا أراه يرَى القتال، ولا يحبّ أنه يُوَلَّى على الناس، إلّا أن يُدفَع إليه هذا الأمر عَفوًا. فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان -وهو إذ ذاك غلامٌ حَدَث- إليهما يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس، ولا يأتيانه في مثلها، فقال: أجيبَا، الأمير يدعوكما، فقالا له: انصرف؛ الآن نأتيه، ثم أقبل أحدُهما على الآخر،","vol":"9","page":155},{"text":"فقال عبد الله بن الزبير للحسين: ظُنّ فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها! فقال حُسين: قد ظننتُ. أرى طاغِيتَهُم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يَفْشُوَ في الناس الخبر، فقال: وأنا ما أظنّ غيرَه. قال: فما تريد أن تصنع؟ قال: أجمَع فِتْياني الساعة، ثم أمشي إليه، فإذا بلغتُ البابَ احتبستهم عليه، ثم دخلت عليه. قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت؛ قال: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر، فقام فجمع إليه مواليَهُ وأهلَ بيته، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه: إني داخلٌ، فإن دعوتُكم أو سمعتم صوتَه قد علا فاقتحموا عليّ بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم، فدخل فسلّم عليه بالإِمْرة ومرْوانُ جالسٌ عندَه، فقال حسين؛ كأنه لا يظنّ ما يظنُّ من موت معاوية: الصّلة خيرٌ من القطيعة، أصلَح اللهُ ذاتَ بينكما! فلم يجيباه في هذا بشيء، وجاء حتى جلس، فأقرأه الوليد الكتابَ، ونَعَى له معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقال حسين: إنا لله وإنا إليه راجعون! ورَحِم الله معاوية، وعَظَّم لك الأجر! أمّا ما سألتني من البَيعة فإنّ مثلى لا يُعطي بَيعته سرًّا، ولا أراك تجتزئ بها مني سرًّا دون أن نُظهِرَها على رؤوس الناس علانية؛ قال: أجَلْ، قال: فإذا خرجتَ إلى الناس فدعوتَهم إلى البيعة دعوتَنا مع الناس فكان أمرًا واحدًا؛ فقال له الوليد -وكان يحبّ العافية: فانصرِف على اسم الله حتى تأتيَنا مع جماعة الناس؛ فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يُبايع؛ لا قدرتَ منه على مثلها أبدًا حتى تَكثُر القتلَى بينكم وبينه، احبس الرجلَ، ولا يخرج من عندك حتى يبايع، أو تضرب عنقَه؛ فوثب عند ذلك الحسين، فقال: يا بن الزَّرقاء، أنت تقتلني أم هو! كذبت والله وأثمت! ثم خرج فمرّ بأصحابه، فخرجوا معه حتى أتى منزله. فقال مروانُ للوليد: عصيتَني، لا والله لا يُمكنك مِن مثلها مِن نفسه أبدًا، قال الوليد: وَبِّخْ غيرَك يا مروان، إنك اخترتَ لي التي فيها هلاكُ ديني، والله ما أحبّ أن لي ما طلعتْ عليه الشمس وغربتْ عنه من مال الدنيا ومُلكِها، وأني قتلتُ حُسيْنًا، سبحان الله! أقتل حسينًا أن قال: لا أبايع! والله إني لا أظنّ امرأً يحاسَبُ بدمِ حسين لخفيفُ الميزان عند الله يوم القيامة! فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبتَ فيما صنعت، يقول هذا له؛ وهو غير الحامد له على رأيه.","vol":"9","page":156},{"text":"وأما ابنُ الزبير، فقال: الآن آتيكم، ثمّ أتى دارَه فكمن فيها، فبعث الوليد إليه فوجده مجتمِعًا في أصحابه متحرّزًا، فألحّ عليه بكثرة الرّسُل والرجال في إثر الرجال؛ فأما حُسين فقال: كُفّ حتى تنظر وننظر، وتَرى ونَرى؛ وأما ابنُ الزبير فقال: لا تعجلوني فإني آتيكم، أمهِلوني فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها وأوّل ليلهما، وكانوا على حسين أشدّ إبقاءً، وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالي له فشتموه، وصاحوا به: يا بن الكاهليّة، والله لتأتينّ الأميرَ أو ليقتلنّك! فلبث بذلك نهارَه كلَّه وأوّل ليلة يقول: الآن أجيء، فإذا استحثّوه قال: والله لقد استربت بكثرة الإرسال، وتتابع هذه الرجال، فلا تُعْجلوني حتّى أبعث إلى الأمير مَنْ يأتيني برأيه وأمرِه، فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير، فقال: رحمك الله! كفّ عن عبد الله فإنك قد أفزعْته وذعَرْته بكثرة رُسلك، وهو آتيك غدًا إن شاء الله، فمُرْ رُسلك فلْينصرفوا عنّا، فبعث إليهم فانصرفوا، وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفُرْع هو وأخوه جعفر، ليس معهما ثالث، وتجنّب الطريق الأعظم مخافَة الطلب، وتوجّه نحو مكة، فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج، فقال مروان: واللهِ إن أخطأ مكة! فسَرِّحْ في أثره الرجال، فبعث راكبًا من موالي بني أمية في ثمانين راكبًا، فطلبوه فلم يَقدِروا عليه، فرجعوا فتشاغلوا عن حُسين بطلب عبدِ الله يومهم ذلك حتى أمسَوْا ثم بعث الرجال إلى حسين عند المساء فقال: أصبحوا ثم ترَون ونَرى، فكفّوا عنه تلك الليلة، ولم يُلِحّوا عليه، فخرج حسين من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومَين بقِيَا من رجب سنة ستّين.\nوكان مخرج ابن الزبير قبلَه بليلة. خرج ليلةَ السبت فأخذ طريقَ الفُرْع، فبينا عبد الله بن الزبير يُسايرُ أخاه جعفرًا؛ إذ تمثّل جعفرٌ بقول صَبِرة الحنظليّ:\nوكل بنى أُمٍّ سَيُمْسُون ليلةً ... ولم يثق من أَعْقابِهِمْ غَيْرُ واحِد\nفقال عبد الله! سبحان الله، ما أردتَ إلى ما أسمعُ يا أخي! قال: والله يا أخي ما أردتُ به شيئًا مما تكره؛ فقال: فذاك والله أكرهُ إليّ أن يكون جاء على لسانك من غير تعمّد -قال: وكأنه تطيّرَ منه- وأما الحُسين فإنه خرج ببنيه وإخوَتِه وبني أخيه وجلّ أهل بيته، إلا محمد بن الحنفيّة فإنه قال له: يا أخي! أنتَ أحبّ الناس إليّ، وأعزّهم عليّ، ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحقّ بها","vol":"9","page":157},{"text":"منك، تَنَحّ بِتَبعَتِك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رُسُلَك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايَعوا لك حمدتَ الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم يَنقُص الله بذلك دِينَك ولا عقلَك، ولا يُذهب به مروءتَك ولا فَضلك، إني أخاف أن تدخل مِصْرًا مَن هذه الأمصار، وتأتيَ جماعةً من الناس، فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأوّل الأسنّة، فإذا خير هذه الأمة كلّها نفسًا، وأبًا، وأمًّا أضْيَعُها دمًا، وأذلّها أهلًا؛ قال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي! قال: فانزل مكة فإن اطمأنَتْ بك الدارُ فسبيلٌ ذلك، وإن نَبَتْ بك لحقتَ بالرمال، وشَعَف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصْوَب ما تكون رأيًا وأحْزَمه عملًا حين تستقبل الأمور استقبالًا، ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكَل منها حين تستدبرها استدبارًا؛ قال: يا أخي قد نصحتَ فأشفقتَ، فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفَّقًا (١)! (٥: ٣٣٨ - ٣٤٢).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مُساحق عن أبي سعد المَقْبُريّ، قال: نظرت إلى الحسين داخلًا مسجدَ المدينة، وإنه ليمشي وهو معتمد على رَجُلين، يعتمد على هذا مرّةً وعلى هذا مرّة، وهو يتمثّل بقول ابن مفرِّغ:\nلا ذَعَرْتُ السَّوامَ في فَلَق الصّبْـ ... ـحِ مُغِيرًا ولا دُعِيتُ يَزِيدا\nيومَ أُعْطَى من المهابةِ ضَيمًا ... والَمَنَايَا يَرْصُدْنَنِي أَن أَحيدا\nقال: فقلت في نفسي: والله ما تمثّل بهذين البيتين إلا لشيء يريد، قال: فما مكث إلا يومين حتى بلغني: أنه سار إلى مكة.\nثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمرَ فقال: بايعْ ليزيد، فقال: إذا بايع الناسُ بايعت؛ فقال رجل: ما يمنعك أن تبايع؛ إنما تريد أن يختلف الناسُ فيقتتلوا ويتَفانوْا، فإذا جَهَدهم ذلك قالوا: عليكم بعبد الله بن عمرَ، لم يَبْق غيرُه، بايِعوه! قال عبد الله: ما أحبّ أن يقتتلوا، ولا يختلفوا، ولا يتفانَوْا. ولكن إذا بايع ولم يَبق غيري بايعتُ؛ قال: فتركوه وكانوا لا يتخوّفونه.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":158},{"text":"قال: ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد، فلما دخل مكّة قال: إنما أنا عائذ، ولم يكن يصلّي بصلاتهم، ولا يُفيض بإفاضتهم، كان يقف هو وأصحابُه ناحيةً، ثم يُفيض بهم وحدَه، ويصلّي بهم وحدَه، قال: فلما سار الحسين نحو مكة، قال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فلما دخل مكة قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١). (٣٤٢: ٥ - ٣٤٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمرو بن سعيد</span>\nوفي هذه السنة عَزل يزيدُ الوليد بن عُتبة عن المدينة، عزله في شهر رمضان، فأقرّ عليها عمرو بن سعيد الأشدق.\nوفيها قَدِم عمرو بن سعيد بن العاص المدينةَ في رمضان، فزعم الواقديّ: أن ابن عمرَ لم يكن بالمدينة حين ورد نعيّ معاوية وبيعة يزيدَ على الوليد، وأنّ ابنَ الزّبير والحسين لما دُعِيا إلى البيعة ليزيد أبَيَا وخرجَا من ليلتهما إلى مكة، فلقيهما ابنُ عباس وابن عمر جائيَيْنِ من مكة، فسألاهما، ما وراءكما؟ قالا: موتُ معاوية والبَيعة ليزيد، فقال لهما ابن عمر: اتَّقيا الله، ولا تفرّقا جماعة المسلمين! وأما ابنُ عمر فقَدِم فأقام أيّامًا، فانتظر حتى جاءت البيعة من البُلدان، فتقدّم إلى الوليد بن عتبة فبايَعه، وبايَعه ابن عباس. (٥: ٣٤٣)\nوفي هذه السنة وجّه عَمرو بن سعيد عَمرَو بن الزبير إلى أخيه عبدِ اللهِ بنِ الزبير لحربِه.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذكر محمد بن عمر: أن عَمرو بن سعيد بن العاص الأشدق قَدِم المدينة في رمضان سنة ستين فدخل عليه أهلُ المدينة، فدخلوا على رجل عظيم الكِبرَ مفوّه.\nقال محمّد بن عمر: حدّثنا هشام بن سعيد، عن شيبة بن نصاح، قال: كانت\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":159},{"text":"الرسل تجري بين يزيدَ بن معاوية وابن الزبير في البَيعة، فحلف يزيد ألّا يقبل منه حتى يؤتَى به في جامعة، وكان الحارث بن خالد المخزوميّ على الصلاة، فمنعه ابن الزبير، فلما منعه كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد؛ أن ابعث جيشًا إلى ابن الزبير، وكان عمرو بن سعيد لما قدم المدينة ولّى شُرطته عمرو بن الزبير، لِمَا كان يعلم ما بينه وبين عبد الله بن الزبير من البغْضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضَرْبًا شديدًا. (٥: ٣٤٣ - ٣٤٤)\nقال محمد بن عمر: حدّثني شُرَحبيل بن أبي عون عن أبيه، قال: نظر إلى كل من كان يَهوى هَوَى ابن الزّبير فَضرَبه، وكان ممن ضرب: المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوثَ، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخُبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمّار بن ياسر، فضرَبَهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، وفرّ منه عبد الرحمن بن عثمان، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكّة، فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير: مَن رجلٌ نوجّه إلى أخيك؟ قال: لا توجّه إليك رجلًا أبدًا أنكأ له منّي، فأخرج لأهل الديوان عشرات، وخرج من موالي أهل المدينة ناسٌ كثير، وتوجّه معه أنيس بن عمرو الأسلميّ في سبعمئة، فوجّهه في مقدّمته، فعسكر بالجرف، فجاء مروان بن الحَكم إلى عمرو بن سعيد فقال: لا تَغزُ مكة، واتق الله، ولا تُحِلّ حرمةَ البيت، وخلّوا ابن الزبير فقد كَبِر، هذا له بِضعٌ وستون سنةً، وهو رجلٌ لَجوج، والله لئن لم تقتلوه ليموتَنّ، فقال عمرو بن الزبير: والله لنقاتلنه ولنغزونّه في جوف الكعبة على رغم أنف من رَغِم؛ فقال مروان: والله إنّ ذلك ليسوءني؛ فسار أنَيس بن عمرو الأسلمي حتى نزل بذي طُوىً، وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأبطح، فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه: بُرَّ يَميِنَ الخليفة، واجعل في عنقك جامعة من فضّة لا ترى، لا يضرب الناس بعضهم بعضًا، واتَّقِ الله فإنك في بلد حرام.\nقال ابن الزبير: موعدك المسجد؛ فأرسل ابن الزبير عبدَ الله بن صفوان الجمحيّ إلى أنيس بن عمرو من قبل ذي طُوىً، وكان قد ضوى إلى عبد الله بن صَفْوان قومٌ ممن تزل حول مكة، فقاتلوا أنيس بن عمرو، فهزم أنيس بن عمرو أقبَح هزيمة، وتفرّق عن عمرو جماعةُ أصحابه، فدخل دارَ علقمة، فأتاه","vol":"9","page":160},{"text":"عبيدة بن الزبير، فأجارَه، ثم جاء إلى عبد الله بن الزبير فقال: إني قد أجَرْته؛ فقال: أتجير من حقوق الناس؟ هذا ما لا يصلح! . (٥: ٣٤٤ - ٣٤٥).\nقال محمد بن عمر: فحدّثت هذا الحديثَ محمد بنَ عُبيد بن عمير فقال: أخبَرَني عمرو بن دينار، قال: كتب يزيدُ بن معاويَة إلى عمرو بن سعيد: أن استعمل عمرو بن الزبير على جيش، وابعثه إلى ابن الزبير، وابعث معه أنيس بن عمرو، قال: فسار عمرو بن الزبير حتى نزل في داره عند الصّفا، وفزل أنيس بن عمرو بذي طُوىً، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي خلفه عبد الله بن الزبير، فإذا انصرف شبّك أصابعه في أصابعه، ولم يبق أحدٌ من قريش إلا أتى عمرو بن الزبير، وقعد عبد الله بنُ صفوان فقال: ما لي لا أرى عبد الله بنَ صفوان! أما والله لئن سرت إليه ليعلمن أن بني جُمَح ومَنْ ضوى إليه من غيرهم قليل، فبلغ عبد الله بن صفوان كلمتُه هذه، فحرّكته، فقال لعبد الله بن الزبير: إني أراك كأنك تريد البُقْيا على أخيك، فقال عبد الله: أنا أبقِي عليه يا أبا صَفْوان! والله لو قَدرتُ على عَوْن الذَّرّ عليه لاستعنتُ بها عليه؛ فقال ابنُ صفوان: فأنا أكفيك أنيس بن عمرو، فاكفني أخاك؛ قال ابن الزبير: نعم؛ فسار عبد الله بن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذي طُوىً، فلاقاه في جمع كثير من أهل مكّة وغيرهم من الأعوان، فهزم أنيس بن عمرو ومن معه، وقتلوا مدبِرَهم، وأجهزوا على جَريحِهم، وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو، وتفرّق عنه أصحابه حتى تخلّص إلى عمرو بن الزبير، فقال عبيدة بن الزبير لعمرو: تعالَ أنا أجيرك، فجاء عبد الله بن الزبير، فقال: قد أجرت عمرًا، فأجره لي، فأبى أن يجيرَه، وضرَبَه بكلِّ من كان ضَرَب بالمدينة، وحبَسه بسجن عارم. (٥: ٣٤٥).\nقال الواقديّ: قد اختلفوا علينا في حديث عمرو بن الزبير، وكتبت كلّ ذلك.\nحدّثني خالد بن إلياس عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهشم، قال: لمّا قدم عمرو بن سعيد المدينة واليًا؛ قدم في ذي القعدة سنة ستّين، فولّى عمرَو ابن الزبير شُرطتَه، وقال: قد أقسَم أميرُ المؤمنين ألّا يقبل بيعةَ ابن الزبير إلا أن يؤتَى به في جامعة، فَلْيُبِرَّ يمين أمير المؤمنين، فإني أجعل جامعة خفيفةً من ورِق أو ذهب، ويلبس عليهما بُرْنُسًا، ولا تُرَى إلا أن يُسمع صوتُها، وقال:","vol":"9","page":161},{"text":"خُذْها فليستْ للعزِيز بخُطَةٍ ... وفيها مقالٌ لامرئٍ مُتَذَلِّلِ\nأعامِرُ إنَّ الْقَومَ ساموكَ خُطَّةً ... ومالكَ في الجيران عذلُ مُعَذِّل\n(٣٤٦: ٥)\nقال محمّد: وحدّثني رِياح بن مسلم عن أبيه، قال: بُعِث إلى عبد الله بن الزّبير عمرو بن سعيد، فقال له أبو شُريح: لا تَغْزُ مكة فإنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنما أذن الله لي في القتال بمكة ساعةً من نهار، ثم عادت كحُرْمتها\"، فأبى عمرو أن يسمع قوله، وقال: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ؛ فبعث عمرو جيشًا مع عمرو ومعه أنَيْس بن عمرو الأسلميّ، وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام، -وكانوا نحو ألفين- فقاتلهم أهلُ مكة، فقُتل أنَيْس بن عمرو والمهاجر مولى القَلمَّس في ناس كثير، وهُزم جيشُ عمرو، فجاء عبيدة بن الزبير، فقال لأخيه عمرو: أنت في ذمتي، وأنا لك جار، فانطَلَق به إلى عبد الله، فدخل على ابن الزبير فقال: ما هذا الدّم الذي في وجهك يا خبيث! فقال عمرو:\nلَسْنا على الأَعقاب تَدْمَى كُلومُنا ... ولكنْ على أقدامنا تَقْطُرُ الدِّمَا\nفحبسه وأخفر عُبيدة، وقال: أمرْتُك أن تجير هذا الفاسق المستحِلّ لحرمات الله؛ ثم أقاد عَمرًا من كلّ من ضربه إلا المنذر وابنه، فإنهما أَبيَا أن يستقيدا، ومات تحت السِّياط، قال: وإنما سمّي سجن عارِم لعبد كان يقال له: زيد عارِم، فسمّيَ السِّجنُ به، وحَبَس ابنَّ الزبير أخاه عمرًا فيه. (٥: ٣٤٦ - ٣٤٧).\nقال الواقدي: حدّثنا عبد الله بن أبي يحيى، عن أبيه! قال: كان مع أنَيس بن عمرو ألفان. (٥: ٣٤٧).\nقال الإمام الطبري رحمه الله تعالى:\nوفي هذه السنة (أي: ٦٠ هـ) وجَّه أهل الكوفة الرسل إلى الحسين ﵇ وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمِّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵄.\n* * *","vol":"9","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1442>ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيِّين الحُسين ﵇ للمصير إلى ما قبلهم وأمْر مسلم بن عقيل ﵁</span>\nحدّثني زكريّا بن يحيى الضرير، قال: حدّثنا أحمد بن جناب المَصِّيصيّ -ويكنَى أبا الوليد- قال: حدّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القَسْريّ، قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ، قال: قلت لأبي جعفر: حدّثْنِي بمقتَل الحسين حتّى كأنّي حضرتُه؛ قال: مات معاويةُ والوليدُ بن عُتبة بن أبي سُفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن عليّ ليأخذ بيعته، فقال له: أخِّرني وارفُق، فأخّره، فخرج إلى مكة، فأتاه أهلُ الكوفة ورُسُلهم: إنا قد حبسنا أنفسَنا عليك، ولسنا نحضر الجُمُعة مع الوالي، فأقدم علينا- وكان النعمان بن بَشير الأنصاريّ على الكوفة؛ قال: فبعث الحسين إلى مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب ابن عمّه فقال له: سِرْ إلى الكوفة فانظر ما كَتبوا به إليّ، فإنْ كان حقًّا؛ خرجْنا إليهم. فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرّا به في البرّيّة، فأصابهم عطَشٌ، فمات أحدُ الدَّليلين، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين: أن امض إلى الكوفة، فخرج حتى قَدِمها، ونزل على رجل من أهلها يقال له: ابن عَوْسجة؛ قال: فلمّا تحدّث أهل الكوفة بمَقدَمه دبّوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشرَ ألفًا. قال: فقام رجل ممن يَهوَى يزيد بن معاوية إلى النّعمان بن بَشير، فقال له: إنك ضعيف أو متضعِّف؛ قد فسدَت البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفًا وأنا في طاعة الله أحبّ إلي من أن أكون قويًّا في معصية الله، وما كنتُ لأهتك سترًا ستَرَهُ الله.\nفكتب بقول النعمان إلى يزيد، فدعا مولىً له يقال له: سَرْجون؛ -وكان يستشيره- فأخْبرَه الخبر، فقال له: أكنتَ قابلًا من معاوية لو كان حيًّا؟ قال: نعم. قال: فاقبل منّي، فإنه ليس للكوفة إلّا عُبيد الله بن زياد، فولِّها إيّاه -وكان يزيد عليه ساخطًا، وكان همّ بعزله عن البصْرة- فكتب إليه برضائه، وأنه قد ولّاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عَقِيل فيقتلَه إنْ وجده.\nقال: فأقبل عُبيد الله في وجوه أهل البَصْرة حتى قدم الكوفة متلثِّمًا، ولا يمرّ","vol":"9","page":163},{"text":"على مجلس من مجالسهم فيسلِّم إلّا قالوا: عليك السلام يا بن بنتِ رسول الله -وهم يظنون أنه الحسين بن عليّ ﵇- حتى نزل القصر، فدعا مولىً له فأعطاه ثلاثةَ آلاف، وقال له: اذهبْ حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهلُ الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حِمْصَ جئتَ لهذا الأمر، وهذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوّى، فلم يزل يتلطّف ويَرفُق به حتى دُلّ على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة، فلقيَه فأخبره، فقال له الشيخ: لقد سَرَّني لقاؤك إيَّاي، وقد ساءني؛ فأما ما سرّني من ذلك فما هداك الله له، وأما ما ساءني فإنّ أمرَنا لم يستحكم بعدُ، فأدخَلَه إليه، فأخذ منه المال وبايعه، ورجع إلى عبيد الله فأخبَرَه.\nفتحوّل مسلم حين قدم عُبيد الله بن زياد من الدّار التي كان فيها إلى منزل هانئ بن عُروة المُراديّ، وكتب مسلم بن عَقيل إلى الحسين بن عليّ ﵇ يخبره ببيعة اثني عشر ألفًا من أهل الكُوفة، ويأمره بالقدوم، وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: ما لي أرى هانئَ بنَ عروةَ لم يأتني فيمن أتاني! قال: فخرج إليه محمّد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره، فقالوا: إنّ الأمير قد ذكَرَك واستبطأك، فانطلق إليه، فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتّى دخل على عُبيد الله وعنده شُريح القاضي، فلما نظر إليه قال لشريح: \"أتتْك بحائنٍ رِجْلاه\"؛ فلمّا سلّم عليه قال: يا هانئ، أين مسلم؟ قال: ما أدري؛ فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم، فخرج إليه، فلما رآه قُطع به، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوتُه إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه عليّ؛ قال: ائتني به؛ قال: والله لو كان تحت قدمَيَّ ما رفعتهما عنه؛ قال: أدنُوه إليّ، فأدنِيَ فضربه على حاجبه فشجّه، قال: وأهوَى هانئٌ إلى سيفِ شُرَطيّ ليسلّه، فدُفع عن ذلك، وقال: قد أحلّ الله دمك، فأمر به فحُبِس في جانب القصر (١). (٥: ٣٤٧ - ٣٤٩).\n_________\n(١) ولنا وقفة عند إسناد الطبري هذا، فأما شيخه زكريا بن يحيى الضرير فقد ترجم له الخطيب دون جرح أو تعديل.\nوأما خالد بن يزيد القسري، فقد سكت عنه ابن حجر في التقريب وهو ضعيف، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها لا يتابع عليها.\nوسيرجع الطبري مرة أخرى إلى هذا الإسناد عند الحديث عن استشهاد الحسين ﵁. =","vol":"9","page":164},{"text":"رجع الحديث إلى حديث عمّار الدُّهنيّ: عن أبي جعفر، قال: فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر إلى مذْحِج، فإذا على باب القصر جَلَبَة سمعها عبيد الله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مَذحج، فقال لشُريح: اخرج إليهم فأعلِمهم أني إنما حبسته لأسائله، وبعتَ عَينًا عليه من مواليه يسمع ما يقول، فمرّ بهانئ بن عروة، فقال له هانئ: اتّق الله يا شُريح، فإنه قاتلي، فخرج شريح حتى قام على باب القصر، فقال: لا بأس عليه، إنما حبسه الأمير ليسائله، فقالوا: صدق، ليس على صاحبكم بأس، فتفرّقوا، فأتى مسلِمًا الخبرُ، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، فقدّم مقدّمته، وعَبَّى ميَمنَته ومَيْسَرته، وسار في القلب إلى عُبيد الله، وبعث عُبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر، فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرَفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردّونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسلَّلون حتى أمسى في خَمسمئة، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا.\nفلما رأى مسلم أنه قد بقي وحده يتردّد في الطُّرق أتى بابًا فنزل عليه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: اسقيني، فسقتْه، ثمّ دخلتْ فمكثتْ ما شاء الله، ثم خرجت فإذا هو على الباب؛ قالت: يا عبدَ الله! إنّ مجلسك مجلسُ ريبة، فقمُ؛ قال: إني أنا مسلم بن عَقِيل، فهل عندكِ مأوىً؟ قالت: نعم، ادخل، وكان ابنها مولىً لمحمد بن الأشعث، فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره، فانطلق محمد إلى عبيد الله فأخبره، فبعث عُبيد الله عمرو بن حريث المخزومي -كان صاحبَ شُرَطه- إليه ومعه عبد الرحمن بن محمد بن\n_________\n= وقال غير أبي جعفر: الذي جاء بهانئ بنِ عُروة إلى عُبيد الله بن زياد عمرو بن الحجَّاج الزَّبيديّ:\n* ذكر من قال ذلك:\nحدّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا أبو قُتيبة، قال: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق عن العَيْزار بن حُرَيث، قال: حدّثنا عُمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيط، فجلس في مجلس ابن زياد فحدّث، قال: طردتُ اليوم حُمُرًا فأصبتُ منها حمارًا فعقرتُه، فقال له عمرو بن الحجاج الزُّبيديّ: إنّ حمارًا تَعْقِرُهُ أنتَ لَحِمارٌ حائن؛ فقال: ألا أخبرك بأحْيَنَ من هذا كلّه! رجل جيء بأبيه كافرًا إلى رسول الله - ﷺ -، فأمَر به أن يضرب عنقه، فقال: يا محمد فمن للِصّبْية؟ قال: النارُ، فأنت من الصبْية، وأنت في النار؛ قال: فضحك ابن زياد. (٥: ٣٤٩).","vol":"9","page":165},{"text":"الأشعث، فلم يَعلم مُسلم حتى أحيط بالدار، فلما رأى ذلك مسلمٌ خرج إليهم بسيفه فقاتَلَهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان، فأمكن من يده، فجاء به إلى عبيد الله، فأمر به فأصعِد إلى أعلى القصر فضُربت عنقُه، وألقَى جُثَّتَه إلى الناس، وأمر بهانئ فسُحب إلى الكُناسة، فصُلب هنالك، وقال شاعرُهم في ذلك:\nفإنْ كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري ... إلى هانئ في السُّوقِ وابنِ عقِيلِ\nأصابَهُمَا أَمْرُ الإمام فأَصبحا ... أحاديثَ منْ يَسْعى بكلِّ سبيل\nأيرْكبُ أسماءُ الهمَالِيج آمنًا ... وقد طَلَبتْهُ مَذْحِجٌ بِذُحول!\n(٥: ٣٤٩ - ٣٥١).\nوأما أبو مِخْنف فإنه ذكر من قصّة مسلم بن عَقيل وشخوصِه إلى الكُوفة ومقتله قصةً هي أبشع وأتمّ من خبر عمَّار الدّهنيّ عن أبي جعفر الذي ذكرناه ما حُدِّثت عن هشام بن محمد، عنه، قال: حدثني عبد الرحمن بنُ جُندَب، قال: حدّثني عُقبة بن سَمْعان مولى الرِّباب ابنة امرئ القيس الكلبيَّة امرأة حسين -وكانت مع سُكينة ابنة حسين، وهو مولَى لأبيها، وهي إذ ذاك صغيرة- قال: خرجْنا فلزمنا الطريقَ الأعظم، فقال للحسين أهلُ بيته: لو تنكَّبتَ الطريقَ الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب؛ قال: لا، والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو أحبّ إليه، قال: فاستقبَلَنا عبْدُ الله بن مُطيع فقال للحسين: جُعلت فِداك! أين تريد؟ قال: أما الآن فإني أريد مكة، وأما بعدها فإني أستخير الله، قال: خار الله لك، وجَعَلَنا فداك؛ فإذا أنت أتيت مكَّة فإياك أن تَقرُب الكوفة، فإنها بلدةٌ مشؤومة، بها قُتل أبوك، وخُذِل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه؛ الزَم الحَرَم؛ فإنَّك سيِّد العرب، لا يَعدِل بك والله أهلُ الحجاز أحدًا، ويتداعَى إليك الناسُ من كلّ جانب، لا تفارق الحرَم فِدَاك عمّي وخالي! فوالله لئن هلكتَ لنُستَرقَّنَ بعدك! .\nفأقبل حتى نزل مكة، فأقبل أهلُها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير قد لزم الكَعبة، فهو قائم يصلِّي عندها عامَّة النهار ويطوف، ويأتي حُسَينًا فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليَيْن، ويأتيه بين كلّ يومين مرّة، ولا يزال يشير عليه بالزأي وهو أثقل خلْق الله على ابن الزُّبير، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبدًا ما دام حسين بالبلد، وأنّ","vol":"9","page":166},{"text":"حسينًا أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوَعُ في الناس منه.\nفلما بلغ أهلَ الكوفة هلاكُ معاوية أرجف أهلُ العراق بيزيد، وقالوا: قد امتنع حسين وابن الزبير، ولَحِقا بمكة، فكتب أهل الكوفة إلى حسين، وعليهم النعمان بن بَشير (١). (٥: ٣٥١ - ٣٥٢).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحجّاج بنِ عليّ عن محمد بن بشر الهَمْدانيّ، قال: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صُرد، فذكرْنا هلاكَ معاوية، فحمِدنْا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صُرَد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسينًا قد تقتضَ على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإنْ كنتمِ تعلَمون: أنكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهَلَ والفشَل فلا تغرُّوا الرَّجلَ من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوَّه ونقتل أنفسنا دونه؛ قال: فاكتبوا إليه، فكَتَبوا إليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن عليّ من سُليمان بن صُرَد، والمسيّب بن نَجبَة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مُظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلامٌ عليك، فإنا نحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قَصَم عدوَّك الجبَّار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرَها، وغصَبَها فَيْئَهَا وتأمّر عَلَيْها بغير رضًا منها، ثم قتل خيارَها، واستبقَى شِرارَها، وجعل مال الله دُولةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعْدًا له كما بَعِدتْ ثمود! إنه ليس علينا إمام، فأقبِلْ لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جُمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغَنا أنك قد أقبلتَ إلينا أخرجْناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله؛ والسلام ورحمةُ الله عليك.\nقال: ثم سرّحنا بالكتاب مع عبد الله بن سَبُع الهَمْدانيّ وعبد الله بن وال، وأمرناهما بالنَّجاء؛ فخرج الرجلان مسرِعَيْن حتى قَدِما على حسين لعشر مضين من شهر رمضانَ بمكة، ثم لبثْنا يومين، ثم سرّحنا إليه قيسَ بن مُسْهر الصَّيداويّ وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبيّ وعُمارة بن عبيد السَّلوليّ، فحملوا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":167},{"text":"معهم نحوًا من ثلاثة وخمسين صحيفةً؛ [الصحيفة] من الرجل والاثنين والأربعة.\nقال: ثمّ لبثنا يومين آخرَين، ثم سرّحنا إليه هانئَ بن هانئ السَّبيعيّ وسعيد بن عبد الله الحنفيّ، وكتبْنا معهما:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، لحسين بن عليّ من شيعته من المؤمنين والمسلمين، أمّا بعدة فحيَّهلا، فإنْ الناس ينتظرونك، ولا رأيَ لهم في غيرك، فالعجَل العجَل، والسلام عليك.\nوكتب شبَث بن رِبُعي وحجّار بن أبْجَر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رُويم وعَزْرة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزُّبيديّ ومحمد بن عُمير التميميّ:\nأما بعد: فقد اخضرّ الجنَاب، وأينعَت الثمار، وطَمَّت الجِمام، فاذا شئت فاقدَم على جندٍ لك مجنَّد؛ والسلام عليك.\nوتلاقت الرسُل كلها عنده، فقرأ الكتب وسأل الرسل عن أمر الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ السَّبيعيّ وسعيد بن عبد الله الحنفيّ، وكانا آخر الرسل:\nبسم الله الرحمن الرحيم، من حسين بن على إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين؛ أما بعد: فإن هانئًا وسعيدًا قدِمَا عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جُلِّكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبِل لعلّ الله أن يجمعَنَا بك على الهدى والحقّ، وقد بعثتُ إليكم أخي وابن عمتي وثقتي من أهل بيتي، وأمرتُه أن يكتب إليّ بحالكم وأمرِكم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنه قد أجمع رأي مَلئِكم وذوي الفضل والحِجَى منكم على مثل ما قدمتْ عليَّ به رُسُلكم، وقرأتُ في كُتُبكم؛ أقدم عليكم وشيكًا إن شاء الله؛ فلَعَمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسَه على ذات الله، والسلام (١). (٥: ٣٥٢ - ٣٥٣).\nقال أبو مخنف: وذكر أبو المخارق الراسبيّ، قال: اجتمع ناس من الشيعة بالبَصْرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها: مارية ابنة سعْد -أو منقذ- أيامًا وكانت تَشيَّع، وكان منزلُها لهم مألَفًا يتحدّثون فيه، وقد بلغ ابنَ زياد إقبالُ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":168},{"text":"الحسين، فكتب إلى عامله بالبَصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق.\nقال: فأجِمع يزيد بن نُبَيط الخروج -وهو من عبد القيس- إلى الحسين، وكان له بَنون عشرة، فقال: أيُّكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعتُ على الخروج، وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحابَ ابن زياد؛ فقال: إنّي والله لو قد استوت أخفافهما بالجَدَد لَهَان عليّ طلب من طلبني.\nقال: ثم خرج فتقدَّى في الطريق حتَّى انتْهى إلى حسين ﵇، فدخل في رحله بالأبطح، وبلغ الحسينَ مجيئُه، فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رَحْل الحسين، فقيل له: قد خرج إلى منزلك، فأقبل في أثرِه، ولما لم يجده جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجَدَه في رَحْله جالسًا، فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ قال: فسلَّم عليه، وجلس إليه، فخبّره بالذي جاء له، فدعا له بخير، ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه، فقتِل معه هو وابناه، ثم دعا مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مُسهر الصيداويّ، وعمارة بن عبيد السَّلوليّ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبيّ، فأمره بتقوى الله وكتمانِ أمرِه، واللطفِ، فإن رأى الناسَ مجتمعين مستوسِقين عجّل إليه بذلك.\nفأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلّى في مسجدِ رسول الله - ﷺ -، وودّع من أحبّ من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلَا به، فضلا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدّليلان: هذا الطريقَ حتى تنتهي إلى الماء، وقد كادوا أن يموتوا عطشًا، فكتب مسلم بن عَقِيل مع قيس بن مسهر الصيداويَ إلى حسين، وذلك بالمَضيق من بطن الخُبيت:\nأما بعد: فإني أقبلتُ من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلّا، واشتدّ علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء، فلم ننجُ إلا بُحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يُدعَى المَضيق من بطن الخُبيت؛ وقد تطيّرت من وجهي هذا، فإن رأيتَ أعفيتني منه، وبعثتَ غيري، والسلام.\nفكتب إليه حسين:\nأمّا بعد: فقد خشيت ألّا يكون حَمَلك على الكتاب إليّ في الاستعفاء من","vol":"9","page":169},{"text":"الوجه الذي وجهتك له إلا الجُبْن، فامض لوجهك الذي وجهتُك له؛ والسلام عليك.\nفقال مسلم لمن قرأ الكتاب: هذا ما لستُ أتخوّفه على نفسي؛ فأقبَل كما هو حتى مرّ بماء لطيِّئ، فنزل بهم، ثمّ ارتحل منه، فإذا رجل يرمي الصَيْد، فنظرْ إليه قد رَمَى ظَبْيًا حين أشرف له، فصرعه، فقال مُسلِم: يُقتل عدوُّنا إن شاء الله، ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دارَ المختار بن أبي عبيد -وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب- وأقبلتْ الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعةٌ منهم قرأ عليهم كتابَ حسين، فأخذوا يبكون.\nفقام عابس بن أبي شَبيب الشاكريمّما، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرُّك منهم، والله لأحدّثنك عما أنا موطِّن نفسي عليه، واللهِ لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدؤكم، ولأضربنّ بسيفي دونَكم حتى ألقَى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.\nفقام حبيب بن مظاهِر الفَقْعسيّ؛ فقال: رحمك الله! قد قضيتَ ما في نفسك، بواجز مِنْ قولك، ثم قال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه.\nثم قال الحنفيّ مِثلَ ذلك. فقال الحجاج بن علي: فقلت لمحمد بن بشر: فهل كان منك أنت قولٌ؟ فقال: إن كنتُ لأحبّ أن يعِزّ الله أصحابي بالظَّفَر، وما كنتُ لأحبّ أن أقتل، وكرهتُ أن أكذب.\nواختلفت الشيعة إليه حتى عُلِم مكانه، فبلغ ذلك النعمان بن بَشير (١). (٣٥٣: ٥ - ٣٥٥).\nقال أبو مِخْنف: حدّثني نُمير بن وَعلة، عن أبي الودّاك، قال: خرج إلينا النعمان بن بَشير فصعِد المنبر، فحمدِ الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فاتقوا الله عبادَ الله، ولا تُسارِعوا إلى الفتنة والفُرْقة، فإنَّ فيهما يَهلِك الرجال وتُسفَك الدماء، وتُغصَب الأموال -وكان حليمًا ناسكًا يحبّ العافية- قال: إنّي لم أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثِب على مَن لا يَثب عليّ، ولا أشاتمكم، ولا أتحرَّش بكم، ولا آخذ بالقَرْف ولا الظِّنة ولا التُّهمة، ولكنكم إن أبْديتمْ صفحتكم لي،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":170},{"text":"ونكثْتُم بَيْعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمهُ في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أمَا إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر مما يُرْديه الباطل.\nقال: فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرميّ حليف بني أميّة فقال: إنه لا يصلح ما ترى إلّا الغَشْم، إنَّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأيُ المستضعَفين؛ فقال: أنْ أكون من المستضعَفين في طاعة الله أحبُّ إليّ من أن أكون من الأعزِّين في معصية الله؛ ثم نزل.\nوخرج عبد الله بن مسلم، وكتب إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فإن مسلم بن عَقيل قد قدم الكُوفة فبايعتْه الشيعةُ للحُسَين بن عليّ، فإن كان لك بالكوفة حاجةٌ فابعث إليها رجلًا قويًّا ينفّذ أمرَك، ويعمَل مثلَ عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف؛ أو هو يتضعّف. فكان أوّل من كتب إليه.\nثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بنُ سعد بن أبي وقّاص بمثل ذلك (١). (٥: ٣٥٥ - ٣٥٦).\nقال هشام: قال عَوانة: فلما اجتمعت الكتب عند يزيدَ ليس بين كتبهم إلا يومان، دعا يزيد بن معاوية سَرْجون مولى معاوية فقال: ما رأيك؟ فإنّ حسينًا قد توجّه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعْفٌ وقوْلٌ سيئ -وأقرأه كتبهم- فما ترى من أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبًا على عُبيد الله بن زياد؛ فقال: سرجون: أرأيتَ معاويةَ لو نُشِر لك، أكنتَ آخذًا برأيه؟ قال: نعم؛ فأخرج عهدَ عبيد الله على الكوفة فقال: هذا رأيُ معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب، فأخذ برأيه وضّم المصرَين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة.\nثم دعا مسلم بن عمرو الباهليّ -وكان عنده- فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه: أما بعد، فإنه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عَقِيل بالكوفة يجمع الجموعَ لشقّ عصا المسلمين؛ فسِرْ حين\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":171},{"text":"تقرأ كتابي هذا حتى تأتيَ أهلَ الكوفة فتطلبَ ابنَ عَقيل كطلب الخرزَة حتى تَثْقَفَه فتُوثقِه، أو تقتلَه، أو تنفيه؛ والسلام.\nفأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عُبيد الله بالبصرة، فأمر عُبيد الله بالجهاز والتَّهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد.\nوقد كان حسين كتبَ إلى أهل البصرة كتابًا؛ قال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير عن أبي عثمان النَّهديّ، قال: كتب حسين مع مولى لهم يقال له: سليمان، وكتب بنُسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف؛ فكتب إلى مالك بن مِسمعَ البكريّ، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس بن الهيثم، وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمَر، فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها: أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمدًا - ﷺ - خلقه، وأكرَمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلَّغ ما أرسِل به - ﷺ -، وكنا أهلَه وأولياءَه وأوصياءَه وورثتَه وأحقَّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرَضينا وكرهْنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أن أحقّ بذلك الحقّ المستحَقّ علينا ممن تولّاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحرَّوُا الحقّ، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه - ﷺ -، فإنّ السنّة قد أميتت، وإن البدعة قد أحيِيت، وإن تَسمَعوا قولي وتطيعوا أمري أهدِكُمْ سبيلَ الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله.\nفكلُّ من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمَه، غيرُ المنذر بن الجارود، فإنَّه خشيَ بزعمه أن يكون دَسيسًا من قبَل عبيد الله، فجاءه بالرسول من العشيَّة التي يريد صبيحتَها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأه كتابَه. فقدَّم الرسولَ فضرب عنقه. وصعد عبيد الله منبرَ البصرة فحمد الله وأثنَى عليه، ثم قال:\nأما بعد: فوالله ما تُقْرَن بي الصّعْبة، ولا يُقعقع لي بالشِّنان، وإنّي لَنِكلٌ لمن عاداني، وسَمٌّ لمن حاربني، أنصف القارةَ مَنْ راماها، يا أهلَ البصرة، إنّ أمير المؤمنين ولّاني الكوفة وأنا غاب إليها الغداة، وقد استخلفتُ عليكمُ عثمان بن زياد بن أبي سُفيان، وإيّاكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنّه وعريفه ووليّه، ولآخذنّ الأدنى بالأقصى حتى","vol":"9","page":172},{"text":"تستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاقّ، أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبَه خال ولا ابن عمّ.\nثم خرج من البَصرة واستخلف أخاه عثمانَ بن زياد، وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهليّ، وشريك بن الأعور الحارثيّ وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء، وهو متلثّم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم، فهم ينتظرون قدومَه، فظنُّوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين، فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس إلّا سلّموا عليه، وقالوا: مرحبًا بك يا بنَ رسول الله! قدمتَ خيرَ مَقْدَم، فرأى من تباشيرهم بالحسين ﵇ ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخّروا، هذا الأميرُ عُبيد الله بن زياد، فأخذ حين أقبل على الظهر؛ وإنما معه بضعة عشر رجلًا، فلما دخل القصرَ وعلم الناسُ أنه عبيد الله بن زياد دَخلَهم من ذلك كآبة وحُزن شديد، وغاظ عبيدَ الله ما سمع منهم، وقال: ألا أرى هؤلاء كما أرى. (٥: ٣٥٦ - ٣٥٨) (١).\nقال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني المعلَّى بن كليب، عن أبي ودَّاك، قال: لما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة، قال: فاجتمع الناس، فخرج إلينا، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصرَكم وثغرَكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاءِ محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم رمطيعكم، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متّبع فيكم أمرَه، ومنفّذ فيكم عهدَه، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البرّ، وسوطي وسيفي على مَنْ ترك أمري، وخالفَ عهدي، فليُبقِ امرؤٌ على نفسه. الصدق ينبئ عنكَ لا الوعيد؛ ثم نزل.\nفأخذ العُرفاء والناس أخذًا شديدًا، فقال: اكتبوا إليّ الغرباءَ، ومن فيكم من طِلْبة أمير المؤمنين، ومَن فيكم من الحروريّة، وأهلِ الرّيَب الذين رأيُهم الخلاف والشقاق، فَمن كَتبهم لنا فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدًا، فيضمن لنا ما في عرافته ألّا يخالفنا منهم مخالِف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل برئتْ منه الذمّة، وحلال لنا مالُه وسفكُ دمه، وأيُّما عريفٍ وجِد في عرافته من\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":173},{"text":"بُغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره، وألقِيت تلك العرافة من العطاء، وسُيِّر إلى موضع بعُمانَ الزّارة.\nوأما عيسى بن يزيدَ الكنانيّ فإنه قال -فيما ذكر عمر بن شبّة، عن هارون بن مسلم، عن عليّ بن صالح، عنه- قال: لمّا جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد؛ انتخب من أهل البَصرة خمسمئة، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل، وشريك بن الأعور -وكان شيعةً لعليّ، فكان أوّل من سقط بالناس شريك، فيقال: إنه تساقط غَمْرةً ومعه ناس- ثم سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس، ورجَوْا أن يلوي عليهم عُبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة، فجعل لا يلتفت إلى مَن سقط، ويمضي حتى ورَد القادسيّة، وسقط مِهْران مولاه، فقال: أيا مِهران، على هذه الحال، إن أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مئة ألف، قال: لا، والله ما أستطيع، فنزل عُبيد الله فأخرج ثيابًا مقطَّعة من مقطّعات اليَمَن، ثم اعتجر بمعجَرة يمانية، فركب بغلته، ثم انحدر راجلًا وحده، فجعل يمرّ بالمحَارس فكلّما نظروا إليه لم يشكّوا أنه الحسين، فيقولون: مرحبًا بك يا بن رسولِ الله! وجَعَل لا يكلّمهم، وخرج إليه الناس من دُورهم وبيُوتهم، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلّق عليه وعلى خاصّته، وانتَهى إليه عبيد الله وهو لا يشك أنه الحسين، ومعه الخلق يضجّون، فكلّمه النعمان، فقال: أنشدُك اللهَ إلا تنحَّيتَ عني! ما أنا بمسلمِ إليك أمَانتي، وما لي في قَتْلك من أرب؛ فجعل لا يكلمه، ثم إنه دنا وتدلّى الآخر بين شُرْفتينِ، فجعل يكلّمه فقال: افتح لا فتحتَ، فقد طال ليْلُك، فسمعها إنسان خلفه، فتكفّى إلى القوم، فقال: أيْ قومُ، ابن مَرجانة، والذي لا إله غيره! فقالوا: وَيْحك! إنما هوِ الحسين، ففتح له النعمان، فدخل، وضربوا الباب في وجوه الناس، فانَفضّوا، وأصبح فجلس على المنبر فقال: أيُّها الناس! إني لأعلم أن قد سار معي، وأظهر الطاعةَ لي من هو عدوّ للحسين حين ظنّ أنّ الحسين قد دخل البلد وغلب عليه، واللهِ ما عرفتُ منكم أحدًا؛ ثم نزل.\nوأخبِر أن مسلم بن عَقيل قدم قبله بلِيلة، وأنه بناحية الكوفة، فدعى مولىً لبني تميم، فأعطاه مالًا، وقال: انتحلْ هذا الأمرَ، وأعنْهم بالمال، واقصد لهانئ ومسلم وانزل عليه؛ فجاء هانئًا فأخبره أنه شيعة، وأنّ معه مالًا، وقدم","vol":"9","page":174},{"text":"شريك بن الأعور شاكيًا، فقال لهانئ: مُرْ مسلمًا يكن عندي، فإنّ عبيد الله يعودني؛ وقال شريك لمسلم: أرأيتَك إن أمكنتُك من عُبيد الله أضارِبه أنت بالسيف؟ قال: نعم والله. وجاء عبيدُ الله شريكًا يعوده في منزل هانئ -وقد قال شريك لمسلم: إذا سمعتني أقول: اسقُوني ماءً فاخرجْ عليه فاضرْبه- وجلس عبيد الله على فراش شريك، وقام على رأسه مِهْران، فقال: اسقوني ماء، فخرجتْ جاريةً بقدح، فرأت مسلمًا، فزالت، فقال شريك: اسقونِي ماءً؛ ثم قال الثالثة: ويلَكم تحموني الماء! أسقُونيه ولو كانت فيه نفسي؛ ففطن مِهران فغمز عبيدَ الله، فوثب، فقال شريك: أيّها الأمير، إنّي أريد أن أوصي إليك؛ قال: أعود إليك، فجعل مِهران يطَّرد به؛ وقال: أراد والله قتلك؛ قال: وكيف مع إكرامي شريكًا وفي بيت هانئ ويد أبي عنده يده! فرجع فأرسل إلى أسماءَ بن خارجة ومحمَّد بن الأشعث فقال: ائتياني بهانئ، فقالا له: إنه لا يأتي إلا بالأمان؛ قال: وما لَه وللأمان! وهل أحدثَ حدَثًا! انطلقا فإن لم يأتِ إلا بأمان فآمناه، فأتياه فدعَواه، فقال: إنه إن أخذني قتَلَني، فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيد الله يخطب يومَ الجمعة، فجلس في المسجد، وقد رجَّل هانئ غدَيرتَيْه، فلمَّا صلَّى عُبيد الله، قال: يا هانئ، فتَبِعه، ودخل فسلَّم، فقال عبيد الله: يا هانئ، أما تعلم أن أبي قَدِم هذا البلد فلم يترك أحدًا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حُجر، وكان من حُجْر ما قد علمتَ، ثمّ لم يزل يُحسنُ صُحْبتَك، ثم كتب إلى أمير الكوفة: إن حاجتي قبلَك هانئ؟ قال: نعم، قال: فكان جزائي أن خبأتَ في بيتك رجلًا ليقتلني! قال: ما فعلت، فأخرج المميميَّ الذي كان عينًا عليهم، فلمَّا رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر، فقال: أيّها الأمير، قد كان الذي بلغك، ولن أضيّع يدك عنِّي، فأنت آمنٌ وأهلك، فسرْ حيثُ شئت.\nفكَبَا عبيد الله عندها، ومهْران قائم على رأسه في يده معْكَزة، فقال: واذلّاه! هذا العبد الحائك يؤمِّنك في سلطانك! فقال: خذه؛ فطرح المعكزة، وأخذ بضفيرتيْ هانئ، ثم أقنع بوجهه، ثم أخذ عبيد الله المعكزة فضرب بها وجهَ هانئ، وندرَ الزُّجّ، فارتزّ في الجدار، ثم ضرب وجهَه حتى كسر أنفه وجبينَه، وسمع الناسُ الهيْعة، وبلغ الخبر مَذْحج، فأقبلوا فأطافوا بالدار، وأمر عبيد الله بهانئ فألقي في بيت، وصيَّح المذحِجيّون، وأمر عبيد الله مِهران أن يُدخل عليه","vol":"9","page":175},{"text":"شُريْحًا، فخرج فأدخله عليه، ودخلت الشُّرَط معه، فقال: يا شريح! قد ترى ما يصنع بي! قال: أراك حيًّا؛ قال: وحيٌّ أنا مع ما ترى! أخبرْ قومي: أنهم إن انصرفوا قتلني؛ فخرج إلى عبيد الله فقال: قد رأيتُه حيًّا، ورأيت أثرًا سيّئًا؛ قال: وتُنكر أن يعاقب الوالي رعيَّته! اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم، فخرج وأمر عبيد الله الرجلَ فخرج معه، فقال لهم شريح: ما هذه الرّعة السيّئة! الرجل حيٌّ، وقد عاتبه سلطانُه بضرب لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تُحِلُّوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فانصرفوا. (١). (٥: ٣٥٨ - ٣٦١).\nوذكر هشام عن أبي مخنف، عن المعلَّى بن كليب، عن أبي الودّاك، قال: نزل شريك بن الأعور على هانئ بن عُرْوة المراديّ، وكان شريك شيعيًّا، وقد شهد صفين مع عمَّار.\nوسمع مسلم بن عَقيل بمجيء عبيد الله ومقالته التي قالها، وما أخذ به العُرَفاء والناس، فخرج من دار المختار -وقد عُلِم به- حتى انتهى إلى دار هانئ بن عُروة المراديّ، فدخل بابه، وأرسل إليه أن اخرج، فخرج إليه هانئ، فكره هانئ مكانه حين رآه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرَني وتُضِيفني؛ فقال: رحمك الله! لقد كلفْتَنِي شطَطا، ولولا دخولُك داري وثقتُك لأحببتُ ولسألتُك أن تخرج عني، غير أنه يأخذني من ذلك زِمامٌ، وليس مردود مثلي على مثلك عن جهَل ادخُل.\nفآواه، وأخذتِ الشيعةُ تختلف إليه في دار هانئ بن عروة، ودعا ابن زياد مولىً له يقال له: معقل، فقال له: خذ ثلاثةَ آلاف درهم، ثم اطلب مسلم بن عَقيل، واطلب لنا أصحابه، ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف، فقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوّكم، وأعلِمهم أنك منهم، فإنّك لو قد أعطيتَها إياهم اطمأنوا إليك، ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئًا من أخبارهم؛ ثم اغدُ عليهم ورُحْ، ففعل ذلك، فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عَوْسجة الأسديّ من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلّي، وسمع الناسَ يقولون: إنّ هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال: يا عبدَ الله، إني امرؤ من أهل الشأم، مولى لذي الكَلاع، أنعَم الله عليّ بحُبّ أهل هذا البيت وحبِّ مَن أحبَّهم، فهذه\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":176},{"text":"ثلاثة آلاف دِرهم أردتُ بها لقاءَ رجلٍ منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله - ﷺ -، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدًا يدلّني عليه ولا يعرف مكانه، فإنِّي لجالسٌ آنفًا في المسجد إذ سمعتُ نفرًا من المسلمين يقولون: هذا رجلٌ له علْم بأهل هذا البيت؛ وإنّي أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلَني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه، فقال: احمد الله على لقائك إيّاي، فقد سرّني ذلك لتنال ما تحبّ، ولينصر الله بك أهلَ بيت نبيِّه، ولقد ساءَني معرفتك إيّاي بهذا الأمر من قبل أن يَنْمى مَخافة هذا الطاغية وسَطوته.\nفأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيقَ المغلَّظة ليناصحنّ، وليكتُمنّ، فأعطاه مِن ذلك ما رَضِيَ به، ثم قال له: اختلِف إليّ أيّامًا في منزلي، فأنا طالبٌ لك الإذن على صاحبك. فأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن، فمرض هانئ بن عروة، فجاء عبيد الله عائدًا له، فقال له عُمارة بن عُبيد السَّلوليّ: إنّما جماعتنا وكيدُنا قتل هذا الطاغية، فقد أمكَنَك الله منه فاقتله؛ قال هانئ: ما أحبّ أن يُقتلَ في داري، فخرج فما مكث إلا جمعةً حتى مرض شريك بن الأعورَ -وكان كريمًا على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيُّع- فأرسل إليه عُبيد الله: إني رائحٌ إليك العشيّة؛ فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشيّة، فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله، ثم اقعد في القصر، ليس أحدٌ يحُول بينك وبينه، فإن برئتُ من وَجَعي هذا أيامي هذه سرْتُ إلى البصرة وكفَيتُك أمرَها.\nفلما كان من العشيِّ أقبل عُبيد الله لعيادة شريك، فقام مسلم بن عَقِيل ليَدخل، وقال له شريك: لا يفوتّنك إذا جلس؛ فقام هانئ بنُ عروة إليه فقال: إني لا أحبّ أن يُقتَل في داري -كأنه استَقبح ذلك- فجاء عبيد الله بن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكًا عن وجعه، وقال: ما الذي تجدُ؟ ومتى أشكَيت؟ فلمّا طال سؤاله إياه، ورأى أن الآخَر لا يَخرج، خشيَ أن يفوته، فأخذ يقول:\nما تنتظرون بسَلمَى أن تُحيُّوها\nاسقنيها وإن كانت فيها نفسي، فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا؛ فقال عبيد الله، ولا يَفطن ما شأنُه: أتروْنه يهجُر؟ فقال له هانئ: نعم أصلحك الله! ما زال هذا دَيدنَه قبيل عَماية الصبح حتى ساعته هذه، ثم إنه قام فانصرف، فخرج مسلم،","vol":"9","page":177},{"text":"فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خَصْلتان: أما إحداهما فكراهة هانئ أن يُقتَلِ في داره، وأما الأخرى فحديثٌ حدّثه الناسُ عن النبيّ - ﷺ -: \"إنّ الإيمان قيد الفتْك، ولا يفتك مؤمن\"؛ فقال هانئ: أما والله لو قتلتَه لقتلتَ فاسقًا فاجرًا كافرًا غادرًا، ولكن كرهتُ أن يُقتَل في داري، ولبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثًا ثم مات، فخرج ابن زياد فصلّى عليه، وبلغ عُبيد الله بَعد ما قَتَل مسلمًا وهانئًا: أن ذلك الذي كنتَ سمعت من شريك في مرضه إنما كان يُحرّضُ مسلمًا، ويأمره بالخروج إليك ليقتلَك؛ فقال عبيد الله: والله لا أصلّي على جنازة رجل من أهلِ العراق أبدًا، ووالله لولا أن قبر زياد فيهم لنَبَشْتُ شريكًا.\nثم إن مَعقلًا مولى ابن زياد الذي دسّه بالمال إلى ابن عَقِيل وأصحابه اختلف إلى مسلم بن عَوْسجة أيامًا ليدخله على ابن عَقِيل، فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور، فأخبَره خبره كلَّه، فأخذ ابن عَقِيل بيعته، وأمَرَ أَبَا ثُمامة الصائديّ، فقبض مالَه الَّذي جاء به -وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضًا، يشتري لهم السلاح، وكان به بصيرًا، وكان من فُرسان العرب ووجوهِ الشيعة- وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج، يَسمَع أخبارهم، ويَعلم أسرارَهم، ثم ينطلِق بها حتّى يُقرّها في أذن ابن زياد. قال: وكان هانئ يغدو ويَروح إلى عُبيد الله، فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتَمارَض، فجعل لا يَخرُج، فقال ابن زياد لجلسائه: ما لي لا أرى هانئًا! فقالوا: هو شاكٍ، فقال: لو علمتُ بمرضه لعدْتُه! (٥: ٣٦١ - ٣٦٤).\nقال أبو مخنف: فحدّثني المجالد بن سعيد، قال: دعا عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة. (٥: ٣٦٤) (١).\nقال أبو مخنف: حدثني الحسن بن عُقبة المراديّ: أنه بعث معهما عمرو بن الحجّاج الزّبيدي (٢). (٣: ٣٦٤).\nقال أبو مخنف: وحدّثني نُمَير بن وعلة، عن أبي الودّاك، قال: كانت رَوْعة\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":178},{"text":"أخت عمرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة، وهي أمّ يحيى بن هانئ، فقال لهم: ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا؟ قالوا: وما ندري أصلحك الله!\nوإنه ليَتشكّى؛ قال: قد بلغني أنه قد برأ، وهو يجلس على باب دارِه، فالقَوه، فمُروه ألّا يدَعَ ما عليه في ذلك من الحقّ، فإنّي لا أحبّ أن يَفسُد عندي مِثلُه من أشراف العَرب. فأتَوه حتى وقفوا عليه عشيّةً وهو جالسٌ على بابه، فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير؛ فإنه ذكرك، وقد قال: لو أعلمُ أنه شاكٍ لعُدْته؟ فقال لهم: الشكَوى تَمنعُني، فقالوا له: يبلُغه أنك تجلس كلّ عشيَّة على باب دارك، وقد استبطأك والإبطاء والجفاء لا يحتملُه السلطان، أقسَمْنا عليك لمّا ركبتَ معنا! فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلة فركِبها حتى إذا دنا من القصر؛ كأنّ نفسه أحسَّت ببعض الذي كان، فقال لحسَّان بن أسماء بن خارجة: يا بنَ أخي! إنّي والله لِهذا الرجل لخَائف، فما ترى؟ قال: أيْ عمّ، والله ما أتخوّف عليك شيئًا، ولِمَ تجعل على نفسك سبيلًا وأنت بريءٌ! وزعموا أن أسماءَ لم يَعلَم في أيّ شيء بَعث إليه عُبيد الله؛ فأسا محمد فقد عَلِم به؛ فدخل القوم على ابن زياد، ودخل معهم، فلما طلع قال عُبيد الله: أتتْك بحائنٍ رِجْلاه! وقد عرَّس عُبيد الله إذ ذاك بأمِّ نافع ابنة عُمارة بن عُقبة؛ فلما دنا من ابن زياد وعنده شُريح القاضي التَفت نحوَه، فقال:\nأريدُ حِباءَهُ ويريدُ قَتْلي ... عذِيرَكَ من خليلك من مُرادِ\nوقد كان له أوّل ما قدم مُكْرِمًا مُلْطِفًا، فقال له هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟ قال: إيهٍ يا هانئ بن عروة! ما هذه الأمور التي تَرَبَّصُ في دُورك لأمير المؤمنين وعامهَ المسلمين! جئتَ بمسلم بن عَقِيل فأدخِلتَه دارك، وجمعتَ له السلاح والرجال في الدّور حولك، وظننتَ أنّ ذلك يخفى عليّ لك!\nقال: ما فعلت، وما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت؛ قال: ما فعلت؛ قال: بلى، فلما كثُر ذلك بينهما، وأبى هانئٌ إلا مجاحدَتَه ومناكَرته، دعا ابنُ زياد معقلًا ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال: أتعرِف هذا؟ قال: نعم، وعَلِم هانئٌ عند ذلك أنه كان عينًا عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم، فسُقط في خَلَده ساعةً، ثم إنّ نفسَه راجعتْه، فقال له: اسمع مني، وصدّق مقالتي، فوالله لا أكذِبك، واللهِ الذي لا إله غيرُه ما دعوتُه إلى منزلي، ولا علمتُ بشيء","vol":"9","page":179},{"text":"من أمره، حتى رأيته جالسًا على بأبي، فسألني النزولَ علي، فاستحييتُ من ردّه، ودَخلَني من ذلك ذِمام، فأدخلتُه داري وضفتُه وآويته، وقد كان من أمره الذي بلغك، فإن شئتَ أعطيتُ الآن موثقًا مغلَّظًا وما تطمئنّ إليه ألّا أبغيك سوءًا، وإن شئت أعطيتُك رهينةً تكون في يدك حتى آتيَك، وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره؛ فقال: لا والله لا تفارقني أبدًا حتى تأتيَني به؛ فقال: لا، والله لا أجيئك أبدًا، أنا أجيئك بضيفي تَقتلُه! قال: والله لتأتينّي به، قال: والله لا آتيك به.\nفلما كثُر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهليّ -وليس بالكوفة شأميّ ولا بَصْريّ غيره- فقال: أصلح الله الأمير! خفَني وإياه حتى أكلّمه -لمّا رأى لجَاجته وتأبِّيَه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلمًا- فقال لهانئ: قم إليّ هاهنا حتى أكلمك؛ فقام فخلا به ناحيةً من ابن زياد، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما؛ إذا رَفَعا أصواتهما سمع ما يقولان، وإذا خَفَضا خفيَ عليه ما يقولان؛ فقال له مسلم: يا هانئ، إني أنشدُك الله أن تقتلَ نفسَك، وتُدخل البلاءَ على قومك وعشيرتك! فوالله إني لأنفس بك عن القتل، وهو يرى أنّ عشيرته ستحرّك في شأنه أنّ هذا الرجل ابن عمّ القوم، وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مَخزاة ولا مَنقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، قال: بلى، والله إنّ عليَّ في ذلك للخِزْيُ والعارُ، أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح أسمَعُ وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان! والله لو لم أكن إلا واحدًا ليس لي ناصرٌ لم أدفعْه حتى أموت دونَه، فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفَعه إليه أبدًا، فسمع ابن زياد ذلك، فقال: أدنُوه منّي، فأدنَوْه منه، فقال: والله لتأتينِّي به أو لأضربنّ عنقك؛ قال: إذًا تكثر البارقة حولَ دارك، فقال: والهفا عليك! أبالبارقة تخوّفني! وهو يظنُ أنّ عشيرته سيمنعونه، فقال ابن زياد: أدنُوه مني، فأدنِي، فاستَعرض وجهَه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبينَه وخدَّه حتى كسر أنفه، وسيّل الدماءَ على ثيابه، ونثر لحمَ خدّيه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شُرطيّ من تلك الرّجال، وجابَذه الرجلُ ومنِع فقال عبيد الله: أحَروريّ سائر اليوم! أحللتَ بنفسك، قد حلّ لنا قتلُك، خذوه فألقوهُ في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، واجعلوا عليه حَرسًا، ففُعِلَ","vol":"9","page":180},{"text":"ذلك به، فقام إليه أسماء بن خارجة فقال: أرُسُل غَدْر سائر اليوم! أمرْتنَا أن نجيئك بالرّجل حتى إذا جئناك به، وأدخلناه عليك هشمْتَ وجهَه، وسيّلت دمَه على لحيته، وزعمَت أنك تقتله! فقال له عبيد الله! وإنك لهاهنا! فأمر به فَلُهِزَ وتُعْتعَ به، ثم تُرِكَ فحبِس.\nوأما محمد بن الأشعث فقال: قد رضينا بما رأى الأمير؛ لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدّب، وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئًا قد قُتل، فأقبَل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمعٌ عظيم، ثمّ نادى: أنا عمرو بن الحجّاج، هذه فُرْسان مَذحِج ووُجوهُها، لم تخلع طاعةً، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أنّ صاحبهم يُقتل، فأعظَموا ذلك، فقيل لعبيد الله: هذه مذحِج بالباب. فقال لشُريح القاضي: ادخُل على صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج فاعلمْهم أنه حيّ لم يُقتل، وأنك قد رأيتَه، فدخل إليه شريح فنَظَر إليه (١). (٥: ٣٦٤ - ٣٦٧).\nفقال أبو مخنف: فحدّثني الصّقْعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن شرَيح، قال: سمعته يحدّث إسماعيل بن طلحة، قال: دخلت على هانئ، فلما رآني قال: يا الله! يا للمْسلمين! أهَلكتْ عشيرتي؟ فأين أهل الدين؟ ! وأين أهل المِصْر؟ ! تفاقدوا! يُخلُّوني وعدوّهم وابنَ عدوّهم! والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الرّجة على باب القصر، وخرجت واتّبعني، فقال: يا شريح! إني لأظنُّها أصواتُ مذحِج وشيعتي من المسلمين، إن دخل عليّ عشرة نفر أنقذوني؛ قال: فخرجتُ إليهم ومعي حُميد بن بكير الأحمريّ -أرسله معي ابن زياد، وكان من شُرَطه ممّن يقوم على رأسه- وايمُ الله لولا مكانُه معي لكنتُ أبلغتُ أصحابَه ما أمَرَني به؛ فلما خرجتُ إليهم قلت: إنّ الأمير لما بلغه مكانُكم ومقالتُكم في صاحبكم أمرَني بالدخول إليه، فأتيتُه فنظرتُ إليه، فأمرني أن ألقاكم، وأن أعلِمكم أنه حيّ، وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلًا. فقال عمرو وأصحابه: فأمّا إذْ لم يُقتَل فالحمدُ لله، ثم انصرفوا (٢). (٥: ٣٦٧ - ٣٦٨).\nقال أبو مخنف: حدّثني الحجاج بن عليّ، عن محمد بن بشر الهمْدانيّ،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":181},{"text":"قال: لما ضرب عُبيد الله هانئًا وحَبَسه خشيَ أن يَثبَ الناسُ به، فخرج فصَعِد المنبَر ومعه أشراف الناس وشُرَطُه وحشمه، فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أمّا بعد، أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا ولا تفرّقوا؛ فتَهلكوا وتَذِلّوا وتقتلوا وتُجْفوا وتحرموا، إنّ أخاك من صدَقك، وقد أعْذَر مَنْ أنذر.\nقال: ثم ذهب لينزل، فما نزل عن المنبَر حتى دخلت النّظارة المسجد من قبل التَّمّارين يشتدّون ويقولون: قد جاء ابن عقيل! قد جاء ابن عقيل! فدخل عُبيد الله القصرَ مسرعًا، وأغلق أبوابه (١). (٥: ٣٦٨).\nقال أبو مخنف: حدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن خازم، قال: أنا والله رسول ابن عَقيل إلى القصر لأنظر إلى ما صار أمرُ هانئ، قال: فلما ضُرب وحُبس ركبتُ فرسي، وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عَقيل بالخبر، وإذا نسوةٌ لمراد مجتمعات ينادين: يا عَثْرتاه! يا ثُكلاه! فدخلت على مسلم بن عَقِيل بالخبر، فأمرني أن أناديَ في أصحابه وقد ملأ منهم الدُّور حوله، وقد بايعه ثمانية عشر ألفًا، وفي الدور أربعة آلاف رجل، فقال لي: نادِ: يا منصور أمتْ؛ فناديتُ: يا منصورُ أمتْ؛ وتنادَى أهلُ الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزير الكندىِّ على رُبْع كندة وربيعة، قال: سرْ أمامي في الخيل، ثم عقد لمسلم بن عَوْسجة الأسديّ على رُبْع مَذْحج، وأسَد، وقال: انزِل في الرّجال فأنت عليهم؛ وقعد لأبي ثُمامة الصائديَ على رُبع تميم وهَمْدان، وعقد لعباس بن جَعْدة الجدليّ على رُبْع المدينة، ثم أقبل نحو القصر، فلما بلغ ابنَ زياد إقبالُه تحرّز في القصر، وغَلَّقَ الأبواب (٢). (٥: ٣٦٨ - ٣٦٩)\nقال أبو مخنف: وحدّثني يونس بن أبي إسحاق، عن عبّاس الجَدليّ قال: خرجنا مع ابن عَقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصرَ إلا ونحن ثلاثمئة.\nقال: وأقبل مسلم يسيرُ في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر، ثم إنّ الناس تداعَوْا إلينا واجتَمعوا، فوالله ما لبثْنا إلا قليلًا حتى امتلأ المسجد من الناس\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":182},{"text":"والسوق، وما زالوا يثَوِّبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله ذَرْعه، وكان كُبْر أمرِه أن يتمسَّك بباب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلًا من الشُّرَط وعشرون رجلًا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابنَ زياد من قبَل الباب الذي يلي دارَ الروميِّين، وجعل مَن بالقصر مع ابن زياد يشُرِفون عليهم، فينظرون إليهم فيتَّقون أن يرمُوهم بالحجارة، وأن يشتموهم وهم لا يَفترون على عبيد الله وعلى أبيه، ودعا عبيدُ الله كثيرَ بن شهاب بن الحصين الحارثيّ فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحِج، فيسير بالكوفة؛ ويخذّل الناس عن ابن عَقِيل ويخوّفهم الحرب، ويحذّرهم عقوبةَ السلطان، وأمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنْدة وحَضْرَموْت. فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثلَ ذلك للقعقاع بن شَوْر الذهليّ وشَبَث بن رِبْعي التميميّ وحَجّار بن أبجر العجْليّ وشَمر بن ذي الجَوْشن العامريّ، وحبس سائرَ وجوه الناس عنده استيحاشًا إليهم لقلّة عدد مَن معه من الناس، وخرج كَثير بن شهاب يُخذِّل الناس عن ابن عَقيل (١). (٥: ٣٦٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو جناب الكلبيّ: أن كثيرًا ألفَى رجلًا من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابنَ عقيل في بني فِتْيان، فأخَذَه حتى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبرَه، فقال لابن زياد: إنما أردتك؛ قال: وكنتَ وعدتَني ذلك من نفسك؛ فأمر به فحبِس، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دُورِ بني عمارة، وجاءه عمارة بن صَلْخَب الأزْديّ وهو يريد ابن عَقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شُريح الشبَّاميّ، فلما رأى محمد بن الأشعث كثرةَ من أتاهُ، أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذّهليّ إلى محمد بن الأشعث: قد جُلْتُ على ابن عقيل من العرارِ، فتأخرْ عن موقفهِ، فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبَل دار الروميين، فلما اجتمعَ عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال له كثير -وكانوا مناصحين لابن زياد-: أصلَحَ اللهُ الأمير! معكَ في القصرِ ناسٌ كثير من أشراف الناس ومن شُرَطك وأهل بيتك ومَواليكَ، فاخرج بنا إليهم، فأبى عُبيد الله،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":183},{"text":"وعقد لشبَث بن رِبْعيّ لواءً، فأخرجه، وأقامَ الناسُ مع ابن عقيل يكبّرون ويثوّبون حتى المساء، وأمرُهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثم قال: أشرِفوا على الناسِ فمنُّوا أهل الطاعة الزّيادةَ والكرامة، وخوّفوا أهلَ المعصية الحرمان والعقوبةَ، وأعلموهم فُصولَ (١) الجنود من الشأم إليهم.\nقال أبو مخنف: حدّثني سُليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن خازم الكثيريّ من الأزْد، من بني كثير، قال: أشرف علينا الأشرافُ، فتكلم كثير ابن شهاب أوّل الناس حتى كادت الشمس أن تَجِب، فقال: أيّها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجّلوا الشرّ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيدُ قد أقبلتْ، وقد أعطى الله الأميرُ عهدًا: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيَتكم أن يحرم ذرّيتكم العطاء، ويفرّقَ مُقاتِلِيكم في مَغازِي أهلِ الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى لهُ فيكم بقيَّة من أهل المعصية إلا أذاقها وبالَ ما جرَّت أيديها، وتكلَّمَ الأشراف بنحو من كلامِ هذا؛ فلما سمعَ مقالتَهم الناسُ أخذوا يتفرّقون وأخذوا ينصرفون.\nقال أبو مخنف: فحدّثني المجالد بن سعيد؛ أن المرأة كانت تأتي ابنَها أو أخاها فتقول: انصرِفْ؛ الناسُ يكفُونك، ويجيء الرّجلُ إلى ابنه أو أخيه فيقول: غدًا يأتيكَ أهلُ الشام، فما تصنع بالحرب والشرّ! انصرف. فيذهب به؛ فما زالوا يتفرّقون ويتصدّعون حتى أمسى ابن عقيل وما معهُ ثلاثون نفسًا في المسجد، حتى صُلِّيَتِ المغرب، فما صلّى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفسًا. فلما رأى أنه قد أمسى وليسَ معهُ إلا أولئكَ النَّفر خرج متوجّهًا نحو أبواب كنْدة، وبلغ الأبواب ومعهُ منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسانٌ، والتفتَ فإذا هو لا يحسّ أحدًا يدلّه على الطريق، ولا يدُلّه على منزل ولا يواسيهِ بنفسهِ إنْ عرض له عدوٌّ، فمضى على وجههِ يتلدّد في أزقَّةِ الكُوفة لا يَدْري أينَ يَذهب! حتى خرج إلى دُورِ بني جَبَلة من كندة، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقالُ لها: طَوْعة أمّ ولد -كانت للأشعث بن قيس، فأعتقها فتزوّجها أسيد الحضرميّ فولدتْ له بلالًا، وكان بلالٌ قد خرج من الناس وأمه قائمة تنتظره- فسلَّم عليها ابن عَقيل، فردّت عليه، فقال لها: يا أمة الله، اسقيني ماءً، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت","vol":"9","page":184},{"text":"الإناء، ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب! قال؛ بلَى، قالت: اذهب إلى أهلك؛ فسكت؛ ثم عادت فقالت مثلَ ذلك، فسكت؛ ثم قالت له: فيّ الله، سبحان الله يا عبد الله! فمرّ إلى أهلك عافاك الله؛ فإنه لا يَصلح لك الجلوس على بابي، ولا أحلّه لك؛ فقام فقال: يا أمَة الله، ما لي في هذا المصر منزلٌ ولا عشيرة؛ فهل لك إلى أجر ومعروف، ولعلّي مكافئك به بعد اليوم! فقالت: يا عبد الله، وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عَقيل، كَذَبني هؤلاء القوم وغَرّوني؛ قالت: أنت مسلم! قال: نعم، قالت: ادخُل، فأدخلتْه بيتًا في دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشتْ له، وعرضتْ عليه العَشاء فلم يتعشَّ، ولم يكن بأسرعَ من أن جاء ابنها فرآها تُكثر الدخولَ في البيت والخروجَ منه، فقال: والله إنه ليَريبني كثرةُ دخولِك هذا البيتَ منذ الليلة وخروجك منه! إن لك لشأنًا؛ قالت: يا بنيّ، الْهُ عن هذا، قال لها: والله لتخبرنّي: قالت: أقبلْ على شأنك ولا تسألني عن شيء، فألحّ عليها، فقالت: يا بنيّ، لا تحدّثن أحدًا من الناس بما أخبرك به؛ وأخذتْ عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرتْه، فاضطجع وسكت -وزعَموا أنه قد كان شريدًا من الناس، وقال بعضهم: كان يشرب مع أصحاب له- ولما طال على ابن زياد، وأخذ لا يسمع لأصحاب ابن عَقيل صوتًا كما كان يسمعه قبل ذلك قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هَلْ تَروْن منهم أحدًا! فاشرَفوا فلم يَرْوا أحدًا؛ قال: فانظروا لعلَّهم تحت الظلال قد كَمَنوا لكم؛ ففرَعوا بحابحَ المسجد، وجعلوا يخفضون شُعَلَ النار في أيديهم، ثم ينظرون: هل في الظلال أحدٌ؟ وكانت أحيانًا تُضيء لهم، وأحيانًا لا تُضيء لهم كما يريدون، فدلّوا القناديل وأنصاف الطِّنان تشَدّ بالحبال، ثم تُجعل فيهم النيران، ثم تُدَلَّى، حتى تنتهي إلى الأرض، ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظُّلّة التي فيها المنبر، فلما لم يروْا شيئًا أعلموا ابنَ زياد، ففتح باب السُّدّة التي في المسجد، ثم خرج فصعد المنبرَ، وخرج أصحابهُ معه، فأمرهم فجلسوا حوله قبيْل العَتَمة، وأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا بَرِئت الذّمة من رجل من الشّرْطة والعُرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلَّى العَتَمة إلا في المسجد؛ فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس، ثم أمر مناديَه فأقام الصلاةَ، فقال الحُصَين بن تميم: إن شئتَ صليتَ بالناس، أو يصلِّي بهم غيرُك، ودخلتَ أنت فصلَّيتَ في القصر، فإني لا آمن أن يغتالَك بعضُ أعدائك! فقال: مُرْ حَرَسي","vol":"9","page":185},{"text":"فلْيقوموا ورائي كما كانوا يقفون، ودُرْ فيهم فإني لست بداخل إذًا. فصلَّى بالناس، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّ ابن عَقِيل السفيه الجاهل، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرِئت ذمّة الله من رجل وجدْناه في داره، ومن جاء به فله دِيتُهُ، اتقوا الله عباد الله، والزَموا طاعتكم وبَيعَتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلًا. يا حُصين بن تميم، ثكلتْك أمّك إنْ صاح بابُ سكّةٍ من سكك الكُوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلَّطتُك على دُور أهل الكوفة، فابعث مُراصِدة على أفواه السكَك، وأصْبح غدًا واستَبْرِ الدُّور وجُسْ خلالَها حتى تأتيَني بهذا الرجل -وكان الحصين على شُرَطه، وهو من بني تميم- ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعَمرو بن حُرَيْث رايةً وأمَّره على الناس، فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مَرْحبًا بمن لا يُسْتَغَشّ ولا يُتَّهَم! ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابنَ عقيل، فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبَرَه بمكان ابن عَقِيل عند أمه؛ قال: فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد، فسارّه، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عَقِيل في دار من دورنا، فنَخَسَ بالقضيب في جَنْبه ثم قال: قم فائتني به الساعة (١). (٥: ٣٧١ - ٣٧٣)\nقال أبو مخنف: فحدّثني قُدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفيّ: أنّ ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عَقيل بعث إلى عمرو بن حُرَيْث وهو في المسجد خليفته على الناس، أن ابعَثْ مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلًا كلهم من قَيْس -وإنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أنّ كلّ قوم يكرَهون أن يُصادَف فيهم مثل ابن عَقيل- فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عبَّاس السُلَميّ في ستين أو سبعين من قَيْس، حتى أتوا الدارَ التي فيها ابن عَقِيل، فلما سمع وقعَ حَوافر الخيل وأصواتَ الرجال عَرَف أنه قد أتِيَ، فخرج إليهم بسيفه، واقتحموا عليه الدار، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه، فشدّ عليهم كذلك، فاختلف هو وبُكيْر بن حُفران الأحْمَريّ ضربتين، فضرب بُكيْر فمَ مسلم فقطع شفَتَه العُلْيا، وأشْرَعَ السيف في السّفْلى، ونصلتْ له ثنيَّتاه، فضربه مسلم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":186},{"text":"ضربةً في رأسه مُنكرةَ، وثَنى بأخرى على حبل العاتق كادت تَطلُع على جَوْفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمُونه بالحجارة، ويُلْهبون النارَ في أطنان القصب، ثمّ يَقْلبونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصْلتًا بسيفه في السكة فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تَقْتُلْ نفسَك؛ فأقبَل يقاتلُهم، وهو يقول:\nأَقْسَمْتُ لا أُقْتَلُ إلَّا حُرَّا ... وإن رأَيتُ المَوت شيئًا نُكْرَا\nكُلُّ امرئً يومًا مُلاقٍ شَرَّا ... ويُخلط البارد سُخْنًا مُرَّا\nرُد شُعاع الشمس فاستقرا ... أَخافُ أَن أُكْذَبَ أو أُغَرا\nفقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تُكْذَب ولا تُخْدَع ولا تُغرّ، إنّ القوم بنو عمِّك، وليسوا بقاتليك ولا ضارِبيك، وقد أثْخِن بالحجارة، وعجز عن القتال وانْبَهَر، فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار؛ فدنا محمد بن الأشعث، فقال: لك الأمان، فقال: آمنٌ آنا؟ قال: نعم؛ وقال القوم: أنت آمنٌ؛ غير عمرو بن عبيد الله بن العباس السلَميّ فإنه قال: لا ناقةَ لي في هذا ولا جَمَل، وتنحَّى.\nوقال ابن عَقِيل: أما لو لمِ تؤمّنوني ما وضعتُ يدي في أيديكم، وأتِيَ ببغلة فحُمِل عليها، واجتمعوا حولَه، وانتزعوا سيفَه من عنقه، فكأنه عند ذلك آيسٌ من نفسه، فدمَعَت عيناه، ثم قال: هذا أوّل الغدر؛ قال محمد بن الأشعث: أرجو ألّا يكون عليك بأس؛ قال: ما هو إلا الرّجاء؛ أين أمانُكم! إنا لله وإنا إليه راجعون! وبكى؛ فقال له عمرو بن عُبيد الله بن عباس: إنْ من يطلب مثلَ الذي تطلب إذا نزل به مثْلُ الذي نزل بك لم يَبكِ، قال: إنّي والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرْثي، وإن كنت لم أحبّ لها طُرْفة عين تلفًا، ولكن أبكي لأهل المُقْبلين إليّ، أبكي لحسين وآلِ حسين! ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبدَ الله! إني أراك والله ستعجز عن أماني، فهل عندك خير؟ ! تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا على لساني يبلغ حسينًا، فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلًا، أو هو خرج غدًا هو وأهلُ بيته، وإنّ ما ترى من جزعي لذلك، فتقول: إنّ ابن عَقِيل بعثني إليك، وهو في أيدي القوم أسير لا يَرَى أن تمشيَ حتى تُقتل، وهو يقول: ارجعْ بأهل بيتك، ولا يغرّك أهلُ الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقَهم بالموت أو القتل؛ إنّ أهلَ الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني، وليس","vol":"9","page":187},{"text":"لمكذّب رأي؛ فقال ابن الأشعث: والله لأفعلنّ؛ ولأعلمنّ ابنَ زياد أني قد أمَّنتُك (١). (٥: ٣٧٣ - ٣٧٥).\nقال أبو مخنف: فحدّثني جعفر بن حذيفة الطائيّ -وقد عرف سعيد بن شيبان الحديث- قال: دعا محمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائيّ من بني مالك بن عَمرو بن ثمامة، وكان شاعرًا، وكان لمحمد زَوّارًا، فقال له: إِلْقَ حسينًا فأبلغه هذا الكتاب، وكتب فيه الذي أمره ابن عَقِيل، وقال له: هذا زادُك وجَهازُكَ، ومُتْعة لعيالك؛ فقال: من أين لي براحلة، فإنّ راحلتي قد أنضيْتُها؟ قال: هذه راحلة فاركْبها برَحلها، ثم خرج فاستقبله بزُبالةَ لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلَّغه الرسالة، فقال له حسين: كلُّ ما حُمَّ نازل، وعند الله نحتسب أنفسَنا، وفساد أمَّتنا.\nوقد كان مسلم بن عَقِيل حيث تحوَّل إلى دار هانئ بن عروة وبايَعه ثمانية عشر ألفًا، قدّم كتابًا إلى حسين مع عابس بن أبي شبيب الشاكريّ: أما بعد، فإن الرائد لا يَكْذِب أهلَه، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجّل الإقبالَ حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوَىً؛ والسلام.\nوأقبل محمد بن الأشعث بابن عَقِيل إلى باب القصر، فاستأذن فأذِن له، فأخبر عبيد الله خبرَ ابن عَقِيل وضرب بُكيْر إياه، فقال: بُعْدًا له! فأخبره محمد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إيَّاه، فقال عبيد الله: ما أنت والأمان! كأنا أرسلْناك تؤمِّنُه! إنما أرسلناك لتأتيَنا به؛ فسكت. وانتهى ابن عِقيل إلى باب القصر وهو عطشان، وعلى باب القصر ناسٌ جلوس ينتظرون الإذن، منهم عمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيْط، وعمرو بن حُريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب. (٥: ٣٧٥) (٢).\nقال أبو مخنف: فحدّثني قُدامة بن سعد: أنّ مسلم بن عَقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قُلَّة باردة موضوعة على الباب، فقال ابن عَقِيل: اسقُوني من هذا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":188},{"text":"الماء، فقال له مسلم بن عَمرو: أتراها ما أبرَدها! لا والله لا تذوق منها قطرةً أبدًا حتى تذوقَ الحميم في نار جهنَّم! قال له ابن عَقيِل: وَيْحك! مَنْ أنت؟ قال: أنا ابن مَن عرفَ الحقّ إذ أنكرتَه، ونصحَ لإمامه إذْ غششتَه، وسمع وأطاع إذ عصيتَه وخالفتَ، أنا مسلم بن عمرو الباهليّ؛ فقال ابن عَقِيل: لأمّك الثكْلُ! ما أجفاك، وما أفظَّك؛ وأقسَى قلبَك وأغلَظك! أنت يا بن باهلة أوْلى بالحميم والخلود في نار جهنم مني؛ ثم جلس متساندًا إلى حائط. (٥: ٣٧٥ - ٣٧٦) (١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني قُدامة بن سعد: أنّ عمرو بن حُريث بعث غلامًا يُدعَى سليمان. فجاءَه بماء في قُلَّة فسقاه (٢). (٣٧٦: ٥).\nقال أبو مخنف: وحدّثني سعيد بن مدرك بن عُمارة: أن عُمارة بن عُقبة بعث غلامًا له يُدعى قيْسًا، فجاءه بقُلَّة عليها منديل ومعه قَدَح فصبّ فيه ماءً، ثم سقاه، فأخذ كلَّما شرب امتلأ القدح دمًا، فلما ملأ القدحَ المرّة الثالثة ذهب ليشرب فسقطتْ ثنيَّتاه فيه، فقال: الحمد لله! لو كان لي من الرزق المقسوم شربتُه. وأدخِل مسلمٌ على ابن زياد فلم يسلِّم عليه بالإمْرة، فقال له الحَرَسيّ: ألا تسلّم على الأمير! فقال له: إن كان يريد قتلي فما سَلامي عليه! وإن كان لا يريد قتلي فلَعَمري ليَكثُرنّ سلامي عليه؛ فقال له ابن زياد: لعَمري لتُقْتلنّ؛ قال: كذلك؟ قال: نعم؛ قال: فدَعني أوصِ إلى بعض قومي، فنظر إلى جلساءِ عبيد الله وفيهم عمر بن سعد، فقال: يا عمر، إنّ بيني وبينك قرابةً، ولي إليك حاجة، وقد يجب لي عليك نُجْحُ حاجتي، وهو سرّ، فأبى أن يمكّنه من ذكرها، فقال له عبيد الله: لا تمتنع أنْ تنظر في حاجة ابن عمّك، فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد، فقال له: إنّ عليّ بالكوفة دَيْنًا استدنتُه منذ قدمتُ الكوفةَ، سبعمئة درهم، فاقضها عني، وانظر جُثّتي فاستوهبْها من ابن زياد، فوارِها، وابعثْ إلى حسين مَنْ يردّه، فإني قد كتبتُ إليه أعلمه: أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلًا. فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال لي؟ إنه ذَكر كذا وكذا؛ قال له ابن زياد: إنه لا يخونُك الأمينُ، ولكن قد يوتَمن الخائن، أمَّا مالُكَ فهو لك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببتَ؛ وأما حسين؛ فإنه إن لم يُردْنا لم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":189},{"text":"نُرِدْه، وإن أرادنا؛ لم نكفَّ عنه، وأما جُثَّته فإنا لن نشفّعك فيها، إنه ليس بأهل منَّا لذلك، قد جاهَدنَا وخالفَنا، وجهَد على هلاكنا. وزعموا أنه قال: أما جُثَّته فإنّا لا نبالي إذ قتلناه ما صُنع بها. ثم إنّ ابن زياد قال: إيه يا بنَ عَقيل! أتيتَ الناس وأمرُهم جميع، وكَلِمتُهم واحدة، لتُشتِّتَهم، وتُفرّق كلمتَهم، وتَحمل بعضهم على بعض! قال: كلَّا، لستُ أتيتُ، ولكنّ أهل المِصْر زعموا: أنّ أباك قَتَل خيارَهم، وسفك دماءَهم، وعمل فيهم أعمالَ كسرَى وقيصَر، فأتيناهم لنأمُر بالعدل وندعوَ إلى حكم الكتاب، قال: وما أنت وذاك يا فاسقُ! أوَلم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر! قال: أنا أشرب الخمر! واللهِ إنّ الله ليعلم أنك غيرُ صادق، وأنك قلتَ بغير علم، وأني لستُ كما ذكرتَ، وإنّ أحقّ بشرب الخمر مني وأوْلى بها من يَلَغُ في دماء المسلمين ولْغًا فيقتل النفس التي حرّم الله قتلَها، ويَقتُل النفسَ بغير النفس، ويسفك الدَم الحرام، ويَقتل على الغضَب والعداوة وسوء الظنّ، وهو يلهو ويلعب كأنْ لم يصنع شيئًا. فقال له ابن زياد: يا فاسق! إنّ نفسك تمنِّيك ما حالَ اللهُ دونه، ولم يرَك أهلَه؛ قال: فمن أهلُه يا بن زياد! قال: أمير المؤمنين يزيد. فقال: الحمد لله على كلّ حال، رضِينا بالله حَكَمًا بيننا وبينكم؛ قال: كأنك تظنّ أنّ لكم في الأمر شيئًا! قال: والله ما هو بالظنّ، ولكنه اليقين؛ قال: قتلني اللهُ إن لم أقتْلك قِتلةً لم يُقْتَلها أحدٌ في الإسلام! قال: أما إنك أحقّ مَنْ أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تَدَعُ سوءَ القِتْلة، وقبح المُثْلة، وخُبثَ السيرة، ولؤم الغلبة، ولا أَحَدَ من الناس أحقّ بها منك، وأقبل ابن سُمية يشَتمه، ويَشتم حسينًا، وعليًّا، وعَقيلًا، وأخذ مسلم لا يكلّمه، وزعم أهلُ العلم أنّ عبيد الله أمر له بماء فسُقيَ بخَزقةٍ، ثم قال له: إنه لم يمنعنا أن نسقيَك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها. ثم نقتلك ولذلك سقيناك في هذا، ثم قال: اصْعَدوا به فوق القصر فاضربوا عنقَه، ثم أتبعوا جسدَه رأسَه، فقال: يا بن الأشعث، أما والله لولا أنك آمنتَني ما استسلمت؛ قمْ بسيفك دوني فقد أخفِرَتْ ذمِّتُك، ثم قال: يا بن زياد! أما والله لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتَني؛ ثم قال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابنُ عقيل رأسَه بالسيف وعاتقَه؟ فدُعيَ، فقال: اصْعَدْ فكن أنت الذي تضرب عنقَه، فصُعِد به وهو يكبِّر ويستغفر ويصلّي على ملائكة الله ورسله وهو يقول:","vol":"9","page":190},{"text":"اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكَذَبونا وأذَلّونا، وأشرف به على موضع الجزّارين اليوم، فضربت عُنقهُ، وأتبع جسده رأسه. (٥: ٣٧٦ - ٣٧٨) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جُحَيْفة قال: نزل الأحمريّ بُكَيْر بن حُمران الذي قتل مسلمًا، فقال له ابن زياد: قتلتَه؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال: كان يكثر ويسِبّح ويستغفر، فلمَّا أدنيتُه لأقتُله قال: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم كذَبونا وغرّونا وخَذلونا وقتلونا، فقلت له: ادنُ منّي، الحمد لله الذي أقادني منك! فضربته ضربة لم تغن شيئًا؛ فقال: أما ترى في خدش تَخدِشُنيه وفاءً من دمك أيها العبد! فقال ابن زياد: أوَ فخرًا عند الموت! قال: ثمّ ضربتُه الثانية فقتلتُه.\nقال: وقام محمَّد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلّمه في هانئ بن عُروة، وقال: إنك قد عرفتَ منزلةَ هانئ بن عروة في المصْر، وبيْتَه في العشيرة، وقد علم قومُه أني وصاحبي سُقناه إليك، فأنشدك اللهَ لمّا وهبتَه لي، فإنّي أكره عداوةَ قومه، هم أعزّ أهل المِصْر، وعُدَدُ أهل اليَمَن! .\nقال: فوعده أن يفعل، فلما كان من أمر مسلم بن عَقيل ما كان، بدا له فيه، وأبَى أن يفيَ له بما قال.\nقال: فأمر بهانئ بن عروة حين قُتِل مسلم بن عَقيل فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقَه، قال: فأخرِج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من السوق كان يُباع فيه الغَنَم وهو مكتوف، فجعل يقول؛ وامَذْحِجاه! ولا مَذحجَ لي اليوم! وامَذْحجاه، وأين مني مَذْحج! فلما رأى أنّ أحدًا لا ينصره جذَبَ يدَه فنزعها من الكتاف، ثم قال: أما من عصًا أو سكّين أو حجر أو عظم يُجاحش به رجلٌ عن نفسه!\nقال: ووثبوا إليه فشدُّوه وثَاقًا، ثم قيل له: امْدُد عنقَك، فقال: ما أنا بها مُجْدٍ سَخيّ، وما أنا بمعينِكم على نفسي.\nقال: فضربه مولىً لعُبيد الله بن زياد -تركيّ يقال له: رشيد- بالسيف، فلَم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":191},{"text":"يصنع سيفهُ شيئًا، فقال هانئ: إلى الله المَعاد! اللهمّ إلى رحمتك ورضوانِك! ثم ضربه أخرى فقَتلَه.\nقال: فبصُر به عبد الرحمن بن الحصين المراديّ بخازِرَ، وهو مع عُبيد الله بن زياد؛ فقال الناس: هذا قاتلُ هانئ بن عُروة؛ فقال ابن الحصين: قتلني الله إنْ لم أقتلْه أو أقتلَ دونَه! فحَمَل عليه بالرُّمح فطعنه فقتَله. ثم إن عُبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عَقِيل وهانئ بن عُروة دعا بعبد الأعلى الكلبيّ الذي كان أخذه كَثِير بن شهاب في بني فِتْيان، فأتِيَ به، فقال له: أخبرني بأمرك؛ فقال: أصلَحَك الله! خرجتُ لأنظرَ ما يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب. فقال له: فعليك وعليك، من الأيمان المغلّظة، إن كان أخرجك إلا ما زعمت! فأبَى أن يَحلِف، فقال عُبيد الله: انطلِقوا بهذا إلى جبّانة السَّبيع فاضربوا عنقه بها؛ قال: فانطلِقَ به فضُربت عنقه. قال: وأخرج عمارة بن صلخب الأزديّ -وكان ممن يريد أن يأتي مسلم بن عَقِيل بالنصرة لينصرَه- فأتي به أيضًا عبيد الله فقال له: ممّن أنت؟ قال: من الأزد. قال: انطلقوا به إلى قومه، فضُربتْ عنقُه فيهم، فقال عبد الله بن الزبير الأسديّ في قِتلةِ مُسلمِ بن عَقيل وهانئ بن عُروة المراديّ - ويقال: قاله الفرزدق:\nإن كنت لا تدرينَ ما الموتُ فانظري ... إلى هانئ في السُّوقِ وابن عقيل\nإلى بطَل قد هشَّمَ السيفُ وجْهَهُ ... وآخر يهْوِي من طَمار قَتِيلِ\nأَصابَهما أمْرُ الأَميرِ فأَصبحا ... أَحاديثَ من يَسْرِي بكلِّ سبيل\nتريْ جسدًا قد غيَّر الموتُ لوْنَهُ ... ونَضْحَ دمٍ قد سال كلَّ مسِيلِ\nفتىً هو أحْيا من فَتاةٍ حَييّة ... وأقطعُ من ذي شَفرتَين صقيل\nأيرْكَبُ أَسماءُ الهمالِيج آمَنًا ... وقد طلبتْه مَذْحِجٌ بِذُحول!\nتُطِيفُ حواليْه مُرادٌ وكلهُم ... على رِقْبة من سائل ومَسُول\nفإنْ أنتمُ لم تَثأَرُوا بأَخيكُمُ ... فكونوا بغايَا أُرْضِيَتْ بقليل\n(٥: ٣٧٨ - ٣٨٠) (١).\nقال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبّي، قال: ثم إن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":192},{"text":"عبيد الله بن زياد لما قتل مسلمًا وهانئًا بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ والزبير بن الأروح التميميّ إلى يزيدَ بن معاوية، وأمرَ كاتبَه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيدَ بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ، فكتب إليه كتابًا أطال فيه -وكان أولَ من أطال في الكتب- فلما نظر فيه عُبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتُب:\nأمّا بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوّه. أخبر أمير المؤمنين أكرَمه الله: أن مسلم بن عَقِيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المُراديّ، وأنّي جعلت عليهما العيون، ودسستُ إليهما الرجال، وكِدْتُهما حتى استخرجتُهما، وأمكن الله منهما، فقدّمتهما فضربتُ أعناقهما، وقد بعثتُ إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الهَمْدانيّ والزبير بن الأرْوَاح التميمي - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أميرُ المؤمنين عما أحبّ من أمر، فإن عندهما عِلمًا وصدقًا، وفَهمًا ووَرعًا، والسلام.\nفكتب إليه يزيد: أما بعد، فإنك لم تَعْدُ أن كنت كما أحبّ، عملتَ عملَ الحازم، وصُلتَ صَوْلة الشجاع الرابِط الجأش، فقد أغنيتَ وكفيتَ، وصدّقتَ ظنّي بك، ورأيي فيك، وقد دعوتُ رسولَيك فسألتُهما، وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت؛ فاستَوصِ بهما خيرًا، وإنه قد بلغني أن الحسين بن عليٍّ قد توجّه نحو العراق؛ فضَعِ المنَاظر والمَسالح، واحترس على الظنّ، وخُذ على التهمة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ في كل ما يَحدُث من الخبر؛ والسلام عليك ورحمة الله. (٥: ٣٨٠ - ٣٨١) (١).\nقال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جُحَيفة، قال: كان مُخرج مسلم بن عَقِيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمانِ ليال مضَين من ذي الحجّة سنة ستين، ويقال يوم الأربعاء لسبع مضَيْن سنة ستين من يوم عرفة بعد مُخَرج الحسين من مكة مقبلًا إلى الكوفة بيوم - قال: وكان مُخرَج الحسين من المدينة إلى مكة يومَ الأحد لليْلتين بقيَتَا من رجب سنة ستّين، ودخل مكة ليلَة الجمعة لثلاث مضَين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوّالًا وذا القعدة،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":193},{"text":"ثم خرج منها لثمانٍ مضَين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم الترْوَية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عَقِيل.\nوذكر هارون بن مسلم عن عليّ بن صالح، عن عيسى بن يزيد، أن المختار بن أبي عُبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حُمْر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حُريث، وقال: إنما خرجتُ لأمنع عمرًا، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شَوْر وشَبَث بن رِبعيّ قاتلوا مسلمًا وأصحابَه عشيّة سار مسلم إلى قصر ابن زياد قِتالًا شديدًا، وأن شَبَثًا جعل يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا؛ فقال له القعقاع: إنك قد سددتَ على الناس وجَه مصيرهم، فافرُج لهم يَنسرِبوا، وإن عُبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جُعْلًا، فأتيَ بهما فحُبِسا. (٣٨١: ٥) (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>ذكر مسير الحسين إلى الكوفة</span>\nوفي هذه السنة كان خروج الحسين ﵇ من مكّة متوجِّهًا إلى الكوفة.\n* ذكر الخبر عن مسيره إليها وما كان أمره في مسيره ذلك:\nقال هشام عن أبي مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، قال: لما قدمتْ كتُب أهل العراق إلى الحسين وتهيّأ للمسير إلى العراق، أتيتُه فدخلتُ عليه وهو بمكة، فحمِدت الله وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني أتيتك يا بن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة، فإن كنتَ ترى أنك تستنصحني وإلا كففتُ عما أريد أن أقول؛ فقال: قل، فوالله ما أظنك بسيّئ الرأي، ولا هو للقبيح من الأمر والفعل؛ قال: قلت له: إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفقٌ عليك من مسيرك؛ إنك تأتي بلدًا فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوتُ الأموال، وإنما الناسُ عَبيدٌ لهذا الدرهم والدينار، ولا آمَنُ عليك أن يقاتلك من وعدك نصرَه، ومن أنت أحبّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":194},{"text":"إليه ممن يقاتلك معه؛ فقال الحسين: جزاك الله خيرًا يا بن عمّ؛ فقد واللهِ علمتُ أنك مشيتَ بنُصح، وتكلّمت بعقل، ومهما يُقضَ من أمر؛ يكن، أخذتُ برأيك أو تركتُه، فأنت عندي أحمدُ مُشيرٍ، وأنصَح ناصح.\nقال: فانصرفتُ من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، فسألني: هل لقيتَ حسينًا؟ فقلت له: نعم؛ قال: فما قال لك، وما قلت له؟ قال: فقلت له: قلت كذا وكذا، وقال كذا وكذا؛ فقال: نصحتَه وربِّ المَرْوَة الشَّهباء، أما وربّ البنيَّة إنّ الرأي لما رأيتَه قَبِلهُ أو تركه، ثم قال:\nرُبَّ مستنصَحٍ يَغُشُّ ويُرْدِي ... وظَنينٍ بالغَيْبِ يُلْفَى نَصِيحَا\n(٥: ٣٨٢) (١).\nقال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب الوالبيّ عن عقبة بن سِمْعان: أن حسينًا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يا بن عمّ، إنك قد أرجف الناسُ أنك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعتُ المسير في أحد يومَّيَ هذين إن شاء الله تعالى؛ فقال له ابن عبّاس: فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبِرْني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرَهم، وضبطوا بلادهم، ونَفوْوا عَدُوَّهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسرْ إليهم، وإن كانوا إنما دَعَوْك إليهم وأميرُهم عليهم قاهر لهم، وعمّاله تَجبِي بلادَهم، فإنهم إنما دعَوك إلى الحرب والقتال، ولا آمَن عليك أن يغرُّوك ويكذبوك، ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك؛ فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون.\nقال: فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير فحدَّثه ساعةً، ثم قال: ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القوم وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، ووُلاة هذا الأمر دونهم! خبّرْني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: واللهِ لقد حدّثتُ نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إليَّ شِيعتي بها وأشرافُ أهلِها، وأستخير الله، فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثلُ شيعتك ما عدلتُ بها؛ قال: ثم إنه خَشيَ أن يتّهمه، فقال: أما إنك لو أقمتَ بالحجاز ثم أردتَ هذا الأمر هاهنا ما خُولفَ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":195},{"text":"عليك إن شاء الله؛ ثم قام فخرج من عنده، فقال الحسين: ها إنّ هذا ليس شيء يُؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم: أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يَعدِلوه بي، فودّ أني خرجت منها لتخلو له.\nقال: فلما كان من العشيّ أو من الغد، أتى الحسينَ عبدُ الله بن العباس فقال: يا بن عمّ إني أتصبّر ولا أصبر، إني أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال؛ إن أهلَ العراق قوم غُدُر، فلا تقربنَّهم، أقم بهذا البلد فإنك سيّد أهل الحجاز؛ فإنْ كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم فإن أبيْتَ إلا أنه تَخرج فسر إلى اليَمن فإن بها حصونًا وشِعابًا، وهي أرضٌ عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عُزْلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبثّ دُعاتك، فإني أرجو أن يأتيَك عند ذلك الذي تحبُّ في عافية؛ فقال له الحسين: يا بن عمّ، إني والله لأعلم أنك ناصحٌ مشْفِق، ولكنّي قد أزمعتُ وأجمعتُ على المسير؛ فقال له ابن عباس: فإن كنتَ سائرًا فلا تَسِرْ بنسائك وصبْيَتِك، فوالله إني لخائف أن تُقْتلَ كما قُتِل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: لقد أقررتَ عينَ ابنِ الزبير بتخلِيَتك إياه والحجازَ والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذتُ بشعرِك وناصيتِك حتى يجتمعَ عليَّ وعليك الناسُ أطعتَني؛ لفعلتُ ذلك، قال: ثم خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بعبد الله بن الزبير، فقال: قرَّت عينُك يا بن الزبير! ثم قال:\nيا لكِ من قُبَّرة بمعَمْرِ ... خَلا لَكِ الجوُّ فبيِضي وأصْفِرِي\nونَقّرِي ما شِئتِ أَنْ تُنَقِّري\nهذا حسينُ يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز. (٥: ٣٨٣ - ٣٨٤) (١).\nقال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي حيّة عن عديّ بن حرملة الأسديّ، عن عبد الله بن سُليم والمذريّ بن المشمعلّ الأسَديّين قالا: خرجنا حاجَّيْن من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروِيَة، فإذا نحن بالحسين\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":196},{"text":"وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحُجْر والباب، قالا: فتقرّبنا منهما، فسمعنا ابن الزبير، وهو يقول للحسين: إن شئتَ أن تقيم أقمت فولِّيتَ هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحْنا لك وبايعناك؛ فقال له الحسين: إنّ أبي حدثني: أن بها كبشًا يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش؛ فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئتَ وتوِلّيني أنا الأمر فتطاع ولا تُعصَى؛ فقال: وما أريد هذا أيضًا؛ قالا: ثم إنّهما أخفيَا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيَان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجِّهين إلى منىً عند الظهر؛ قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصَّفا والمروَة، وقصَّ من شعره، وحلّ من عُمرته، ثم توجّه نحو الكوفة، وتوجّهنا نحوَ الناس إلى منىً. (٥: ٣٨٤ - ٣٨٥) (١).\nقال أبو مخنف: عن أبي سعيد عَقيصَى، عن بعض أصحابه، قال: سمعتُ الحسينَ بن عليّ وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزُّبير، فقال له ابن الزبير: إليّ يا بن فاطمة، فأصغَى إليه، فسارّه، قال: ثم التفت إلينا الحسين فقال: أتدرون ما يقول ابنُ الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلَنا الله فداك! فقال: قال: أقمْ في هذا المسجد أجمع لك الناس؛ ثم قال الحسين: والله لأن أقتَلَ خارجًا منها بشبرٍ أحبّ إليّ من أقتلَ داخلًا منها بشبر، وايم الله لو كنت في جُحْر هامّة من هذا الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، ووالله ليعتدُن عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت. (٥: ٣٨٥) (٢).\nقال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن عُقبة بن سِمعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رُسلُ عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرِف؛ أين تذهب! فأبى عليهم ومضى، وتَدافَع الفريقان، فاضطربوا بالسّياط، ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعًا قويًّا، ومضى الحسين ﵇ على وجهه، فنادَوه: يا حسين! ألا تتقي الله! تَخرُج من الجماعة، وتفرِّق بين هذه الأمة! فتأوَّل حسينٌ قولَ الله عز وجك: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":197},{"text":"قال: ثم إن الحسين أقبل حتى مرّ بالتَّنعيم، فلقيَ بها عِيرًا قد أقبِل بها من اليَمَن، بَعَث بها بَحِير بن رَيْسِانِ الحِميريّ إلى يزيدَ بن معاوية، -وكان عامله على اليمن- وعلى العِير الوَرْسُ والحُلَل يُنطلَقَ بها إلى يزيد فأخَذَها الحسين، فانطلق بها؛ ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرِهكمِ، مَن أحبَّ أن يمضيَ معنا إلى العراق أوْفينا كِراءه وأحسنا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكِراء على قدر ما قطع من الأرض؛ قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفي حقّه، ومن مضى منهم معه أعطاه كِراءَه وكَساه. (٥: ٣٨٥ - ٣٨٦) (١).\nقال أبو مخنف: عن أبي جَناب، عن عدّي بن حَرْملة، عن عبد الله بن سليم والمذري قالا: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصِّفاح، فلقينَا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسينًا فقال له: أعطاك الله سُؤلَك وأملك فيما تحبّ، فقال له الحسين: بَيّنْ لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: مِن الخبير سألتَ، قلوبُ الناس معك، وسيوفُهم مع بني أميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له الحسين: صدقتَ، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربُّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمَد الله على نَعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرّجاء؛ فلم يَعتدِ مَن كان الحقُّ نيّته، والتقوى سريرته. ثم حرّك الحسينُ راحلتَه فقال: السلام عليك؛ ثم افترقا. (٥: ٣٨٦) (٢).\nقال هشام: عن عوانة بن الحكم، عن لَبَطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه، قال: حججتُ بأمّي، فأنا أسوق بعيرَها حين دخلت الحَرم في أيام الحجّ، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسينَ بن عليّ خارجًا من مكة معه أسيافه وتِراسُه، فقلت: لمن هذا الفطار؟ فقيل: للحُسين بن عليّ، فأتيته فقلت: بأبي وأمي يا بن رسول الله! ما أعجَلك عن الحجّ؟ فقال: لو لم أعجل لأخذتُ؛ قال: ثم سألني: ممّن أنت؟ فقلت له: امْرؤ من العراق؛ قال: فوالله ما فتّشني عن أكثرَ من ذلك، واكتفى بها منِّي، فقال: أخبِرنِي عن الناس خلفك؟ قال: فقلت له: القلوب معك، والسيوف مع بني أميّة، والقضاء بيد الله؛ قال: فقال لي:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":198},{"text":"صدقتَ؛ قال: فسألته عن أشياءَ، فأخبرني بها من نذور ومناسك؛ قالَ: وإذا هو ثقيل اللسان من بِرسام أصابَه بالعراق، قال: ثم مضيتُ فإذا بفسطاط مضروب في الحرم، وهيئته حسنَة، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني، فأخبرتُه بلقاء الحسين بن عليّ، فقال لي: ويلك: فهلّا اتّبعتَه، فوالله ليملكنّ، ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه، قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته، ثمّ ذكرت الأنبياءَ وقَتْلَهم، فصدّني ذلك عن اللَّحاق بهم، فقدمتُ على أهلي بعُسْفانَ، قال: فوالله إني لعندهم؛ إذ أقبلت عِيرٌ قد امتارت من الكوفة، فلما سمعتُ بهم خرجتُ في آثارهم حتى إذا أسمعتُهم الصوت وعجِلْتُ عن إتيانهم صرختُ بهم: ألا ما فعل الحسينُ بنُ عليّ؟ قال: فردُّوا، عليّ: ألا قد قُتل؛ قال: فانصرفتُ وأنا ألعنُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص؛ قال: وكان أهلُ ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر، وينتظرونه في كلّ يوم وليلة، قال: وكان عبدُ الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصّغير حتى يظهر هذا الأمر؛ قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوَهْط؟ قال: فقال لي: لعنةُ الله على فلان -يعني معاوية- وعليك؛ قال: فقلت لا، بل عليك لعنة الله؛ قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحدٌ فألقى منهم شرًّا؛ قال: فخرجتُ وهو لا يعرفني -والوَهْط حائطٌ لعبد الله بن عمرو بالطائف؛ قال: وكان معاوية قد ساوَمَ به عبدَ الله بن عمرو، وأعطاه به مالًا كثيرًا، فأبى أن يبيعه بشيء- قال: وأقبل الحسين مُغِذًّا لا يَلوِي على شيء حتى نزل ذاتَ عِرْق. (٥: ٣٨٦ - ٣٨٧).\nقال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب قال: لما خرجنا من مكة كتب عبدُ الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن عليّ مع ابنيه: عَون ومحمد: أما بعد، فإنّي أسألك بالله لَمَّا انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مُشفِقٌ عليك من الوجه الذي توجّه له أن يكون فيه هلاكُك واستئصالُ أهلِ بيتك، إن هلكتَ اليومَ طَفئ نورُ الأرض، فإنك عَلَمُ المهتدين: ورجاء المؤمنين؛ فلا تعجَل بالسير فإني في أثر الكتاب؛ والسلام.\nقال: وقام عبد الله بنُ جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه.\nوقال: اكتبْ إلى الحسين كتابًا تَجعَل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البِرّ والصّلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئنّ إلى ذلك فيرجع؛ فقال عمرو بن","vol":"9","page":199},{"text":"سعيد: اكتب ما شئتَ وائتِني به حتى أختمَه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد فقال له: اختِمه، وابعثْ به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنه أحْرَى أن تطمئنّ نفسُه إليه، ويعلم: أنه الجِدّ منك، ففعل، وكان عمرو بن سعيد عاملَ يزيدَ بن معاوية على مكة، قال: فلحقه يحيى، وعبد الله بن جعفر، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأناه الكتاب، وجهدْنا به، وكان مما اعتذَر به إلينا أن قال: إني رأيتُ رؤيا فيها رسول الله - ﷺ -، وأمِرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليّ كان أوْ لي؛ فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدّثت أحدًا بها، وما أنا محدّث بها حتى ألقَى ربِّي.\nقال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ، أما بعد: فإني أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقُك، وأن يهديَك لما يرشدُك؛ بلغني أنك قد توجّهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه سلاك، وقد بعثتُ إليكَ عبدَ الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبِلْ إليّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان والصّلة والبرّ وحُسن الجوار لك، الله عليّ بذلك شهيدٌ، وكفيلٌ، ومُراعٍ ووكيلٌ؛ والسلام عليك.\nقال: وكتب إليه الحسين: أما بعد؛ فإنه لم يشاقِقِ الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله ﷿ وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين؛ وقد دعوتَ إلى الأمان والبرّ والصّلة، فخير الأمان أمانُ الله، ولن يؤمنَ الله يومَ القيامة مَنْ لم يخفْه في الدّنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا تُوجب لنا أمانه يومَ القيامة، فإن كنتَ نوَيتَ بالكتاب صلتي وبرّي، فجُزيت خيرًا في الدنيا والآخرة؛ والسلام. (٥: ٣٨٧ - ٣٨٩) (١).\nرجع الحديث إلى حديث عمار الدّهنيّ عن أبي جعفر، فحدّثني زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدَّثنا أحمد بن جناب المصّيصيّ قال: حدّثنا خالد بن يزيدَ بن عبد الله القسريّ قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ قال: قلت لأبي جعفر: حدّثني عن مَقتلِ الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: فأقبَل حسينُ بن عليّ بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسيّة ثلاثة أميال، لقيَه الحُرّ بن يزيدَ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":200},{"text":"التميميّ، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المِصْر؛ قال له: ارجع فإني لى أدعْ لك خلفي خيرًا أرجوه، فهمّ أن يرجع، وكان معه إخوةُ مسلم بن عَقِيل، فقالوا: واللهِ لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقتَل؛ فقال: لا خيرَ في الحياة بعدكم! فسار فلقيَتْه أوائلُ خيلِ عُبيد الله، فلما رأى ذلك عدلَ إلى كربلاء فأسند ظهرَه إلى قصباء وخلًّا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابُه خمسةً وأربعين فارسًا ومئة راجل، وكان عُمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولّاه عبيد الله بن زياد الرّيّ وعهد إليه عهدَه فقال: اكفني هذا الرجل؛ قال: أعفني، فأبَى أن يُعفيَه؛ قال: فأنظرْني الليلة؛ فأخَّره، فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضيًا بما أمر به، فتوجّه إليه عُمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اخترْ واحدةً من ثلاث: إما أن تدعوَني فأنصرِف من حيث جئتُ، وإما أن تدعوَني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوَني فألحق بالثغور؛ فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عُبيد الله: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي! فقال له الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدًا، فقاتله فقُتل أصحابُ الحسين كلُّهم، وفيهم بضعة عشَرَ شابًا من أهل بيته، وجاء سهمٌ فأصاب ابنًا له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دَعَوْنا لينصرونا فقتلونا؛ ثم أمر بحبرة فشقّقها، ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قُتِل صلوات الله عليه؛ قتله رجلٌ من مذْحج وحزّ رأسه. وانطلق به إلى عبيد الله وقال:\nأَوْقِرْ ركابي فِضَّةً وذَهبَا ... فقد قَتَلْتُ المَلِكَ المُحجَّبا\nقَتَلتُ خَيْر الناسِ أُمًّا وأبَا ... وخَيْرهُمْ إذ يُنْسبُونَ نَسبا\nوأوفده إلى يزيدَ بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسَه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلميّ، فجعل ينكُتُ بالقَضيب على فيه ويقول:\nيُفَلِّقْنَ هامًا مِن رجالٍ أعِزَّة ... علَينا وَهُمْ كانوا أعقَّ وأظْلَمَا\nفقال له أبو برْزة: ارفع قضيبَك، فو الله لربما رأيتُ فا رسولِ الله - ﷺ - على فيه يلثمه! وسرّح عمر بن سعد بحرَمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقيَ من أهل بيت الحسين بن علي ﵇ إلا غلام كان مريضًا مع النساء، فأمر به عُبيد الله ليُقتل، فطرحتْ زينْب نفسَها عليه وقالت: والله لا يُقتل حتى تقتلوني! فرقَّ لها، فتركه وكفّ عنه.","vol":"9","page":201},{"text":"قال: فجهَّزهم وحملهم إلى يزيدَ، فلما قدموا عليه جمع مَنْ كان بحضرته من أهلِ الشام، ثم أدخلوهم، فهنَّؤوه بالفتح، قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفةٍ من بناتهم، فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه، فقالت زينب: لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرُج من دين الله، قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كُفَّ عن هذا! ثم أدخلهم على عياله، فجهّزهم وحملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأةٌ من بني عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعةً كمَّها على رأسها تلقاهم وهي تبكي وتقول:\nماذا تقولون إن قال النَّبيُّ لكم ... ماذا فَعلْتمْ وأنتُمْ آخِرُ الأُمَمِ!\nبعترتي وبأَهْلي بعْدَ مُفتَقَدِي ... منهم أُسارَى وقتلَى ضَرِّجوا بِدَمِ\nما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم ... أن تُخْلُوني بسوءٍ في ذوي رحِمي!\n(٥: ٣٨٩ - ٣٩٠) (١).\n_________\n(١) قلنا: أما شيخ الطبري: زكريا بن يحيى الضرير فلم نجد له ترجمة إلَّا عند الخطيب البغدادي فقد ترجم له ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكر له أكثر من راويين فهو مجهول الحال [تاريخ بغداد (٨/ ٤٥٧)]. وأما خالد بن يزيد القسري فقد سكت عنه ابن حجر في التقريب. وقال ابن عدي: وهو عندي ضعيف إلَّا أن أحاديثه إفرادات ومع ضعفه كان يكتب حديثه [الكامل (٨/ ٥٧٨)].\nوقال أيضًا: أحاديثه كلها لا يتابع عليها.\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٥٦) وهو والي العراق في العهد الأموي [ميزان الاعتدال (ت ٢٤٧٩)].\nقلنا: هذا حال هذا الإشاد ولكنه أحسن حالًا ألف مرة من تلفيقات أبي مخنف، وشبهات الواقدي وغيرهما.\nوفي متن هذه الرواية من المقاطع ما يؤيدها من الرواية الصحيحة الأولى عند الطبري (٥/ ٣٩١)، وهي من طريق الحصين، وسنذكر ما في متن هذه الرواية الثانية من أمور لا توافقها الروايات الصحيحة:\n- تذكر هذه الرواية (الثانية) أي: رواية عمار الدهني عن أبي جعفر أن الحر بن يزيد لقي الحسين بن علي على بُعد ثلاثة أميال من القادسية وحذَّره من مغبة القدوم فهم الحسين أن يرجع.\nبينما تذكر رواية الحصين أن الحسين أوجس في نفسه حين سأل الأعراب فأخبروه أنهم لا يعرفون ما الأمر وأنهم منعوا من الدخول أو الخروج فانطلق يريد الشام ثم إن الحر بن يزيد =","vol":"9","page":202},{"text":"قال حصين: فلما قتِل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثةً، كأنما تلطّخ الحوائط بالدماء ساعة تطلُع الشمس حتى ترتفع. (٥: ٣٩٣).\nقال: وحدّثني العلاء بن أبي عاثة قال: حدّثني رأس الجالوت عن أبيه قال: ما مررت بكربَلاء إلا وأنا أركُض دابتي حتى أخلّف المكان، قال: قلت: لِمَ؟ قال: كنا نتحدّث أنّ ولَد نَبيّ مقتول في ذلك المكان؛ قال: وكنت أخاف أن أكون أنا، فلمّا قتِل الحسين قلنا: هذا الذي كنا نتحدث. قال: وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير، ولا أركض. (٥: ٣٩٣).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثني عليّ بن محمّد عن جعفر بن سليمان الضّبَعيّ قال: قال الحسين: والله لا يدَعوني حتى يستخرجوا هذه العَلَقة من جَوْفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فَرَم الأمَة؛ فقَدِم للعراق فقُتِل بنِينوَى يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين. (٣٩٣: ٥ - ٣٩٤).\nقال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: قُتل الحسينُ بن\n_________\n= لقيه أثناء المعركة وانضم إلى صفوف الإمام ﵁ وأرضاه.\n- والأمر الثاني هو أن عمار الدهني ذكر في روايته عن أبي جعفر: أن ابن زياد همَّ بقتل علي بن الحسين.\nولكن الرواية الأولى الصحيحة لا تذكر ذلك بل تؤكد أن ابن زياد أكرم بقية أهل بيتِ الحسين، وأمر لهم بمنزل في مكان منعزل وأجرى لهم الرزق والكسوة والنفقة وأنه همَّ بضرب عنق من أساء إليهم وقتل منهم غلامين وهما يفران -وهما لعبد الله بن جعفر- ثم أمر ابن زياد بهدم دار ذلك الرجل وهو من طيئ.\n- وذكر أبو عمار الدهني في روايته عن أبي جعفر: أن ابن زياد أرسل الرأس إلى يزيد.\nبينما في الرواية الأولى عند الطبري فإن الحصين ذكر أن ابن زياد أرسل رأس الحسين إلى يزيد ولكنه أبهم اسم الراوي الذي أخبره -أي: أخبر الحصين- بذلك ووصفه بقوله: وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال لما أُتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه.\n- وأخيرًا فإن هذه الرواية الضعيفة السند في متنها: أن أبا برزة الأسلمي كان عند يزيد حين وضع الرأس الشريف بين يديه وهذا غريب لأن أبا برزة كان اعتزل الجميع وهو يرى أن الأطراف جميعًا تقاتل من أجل الملك فكيف يجالس يزيدًا؟\nفرواية البخاري تذكر رأيه الواضح في الاعتزال في تلك المحنة.","vol":"9","page":203},{"text":"علي ﵇ في صفر سنة إحدى وستين وهو يومئذ ابن خمس وخمسين.\nحدّثني بذلك أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القُرَظيّ، قال الحارث: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر عن أبي معشر، قال: قُتِل الحسين لعشر خلوْن من المحرّم. قال الواقديّ: هذا أثبت. (٥: ٣٩٤).\nقال الحارث: قال ابن سعد: أخبَرَنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا عطاء بن مسلم عمّن أخبره، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: أول رأس رُفع على خشبة. رأس الحسين - ﵁ - وصلّى الله على رُوحه. (٥: ٣٩٤).\nقال أبو مخنف: عن هشام بن الوليد، عمّن شهد ذلك، قال: أقبل الحسين بن عليّ بأهله من مكة ومحمد بن الحنفيّه بالمدينة؛ قال: فبلغه خبرُه، وهو يتوضّأ في طَسْت؛ قال: فبكى حتى سمعتُ وكْفَ دموعه في الطَّست. (٥: ٣٩٤) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، قال: ولما بلغ عبيدَ الله إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن تميم صاحب شُرَطه حتى نزل القادسيّة ونظمِ الخيلَ ما بين القادسيَة إلى خَفّان، وما بين القادسيّة إلى القُطْقُطانة وإلى لَعْلع، وقال الناس: هذا الحسين يريدُ العراق. (٥: ٣٩٤) (٢).\nقال أبو مخنف: وحدّثني محمد بن قيس: أنّ الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرُّمَّة بعث قيس بن مُسهِر الصّيداويّ إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ كتابَ مسلم بن عَقِيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع مَلئكم على نصرنا، والطلبِ بحقِّنا، فسألتُ الله أن يُحسن لنا الصنعِ، وأن يثيبَكم على ذلك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":204},{"text":"أعظم الأجر، وقد شخصتُ إليكم من مكّة يومَ الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم الترْويَة، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمرَكم وجدّوا، فإني قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nوكان مسلم بن عَقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يُقتل لسبع وعشرين ليلة: أما بعد، فإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه، إنَّ جَمْع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي، والسلام عليك.\nقال: فأقبل الحسين بالصّبيان والنساء معه لا يَلوِي على شيء، وأقبل قيس بن مُسهر الصّيداويّ إلى الكُوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسيّة أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعَد إلى القصر فَسُبّ الكذّاب بن الكذّاب؛ فصعِد ثم قال: أيها الناس؛ إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خَلق الله؛ ابن فاطمة بنتِ رسول الله، وأنا رسولَه إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر، فأجيبوه؛ ثمّ لعن عُبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ بن أبي طالب، قال: فأمر به عُبيد الله بن زياد أن يُرمَى به من فوق القصر، فرُمي به، فتقطّع فمات، ثم أقبل الحسين سيرًا إلى الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبدُ الله بن مطيع العدَويّ، وهو نازل هاهنا، فلما رأى الحسينَ قام إليه، فقال: بأبي أنت وأمّي يا بن رسول الله! ما أقْدَمَك! واحتَمله فأنزله، فقال له الحسين: كان من موت معاوية ما قد بلغك: فكتب إليّ أهلُ العراق يدعونني إلى أنفسهم، فقال له عبد الله بن مُطيع: أذكِّرك الله يا بن رسول الله وحرمةَ الإسلام أن تُنتهَك! أنشدكَ اللهَ في حُرمة رسولِ الله - ﷺ -! أنشدك الله في حُرمة العرب! فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أميّة ليقتُلنَّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدًا أبدًا، والله إنها لحُرْمة الإسلام تُنتهَك، وحُرْمةُ قريش وحُرْمة العرب، فلا تَفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تَعَرَّضْ لبني أميَّة؛ قال: فأبَى إلا أن يمضي؛ قال: فأقبل الحسين حتى كان بالماء فوق زَرُود. (٥: ٣٩٤ - ٣٩٦) (١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني السدّي، عن رجل من بني فَزارة قال: لما كان زمن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":205},{"text":"الحجّاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التّمّارين؛ التي أقطعت بعدُ زهيرَ بن ألقَين، من بني عمرو بن يَشكرَ من بَجيلة، وكان أهل الشام لا يدخلونها، فكنا مُخْتَبِئين فيها، قال: فقلت للفَزاريّ: حدّثْني عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن عليّ. قال: كنا مع زهير بن القيْن البَجَليّ حين أقبلنا من مكة نساير الحسينَ، فلم يكن شيء أبغضَ إلينا من أن نسايرَه في منزل، فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القَيْن، وإذا نزل الحسينُ تقدّم زهير، حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بُدًّا من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا، إذ أقبل رسولُ الحسين حتى سلّم، ثم دخل فقال: يا زهير بن القَيْن! إنّ أبا عبد الله الحسين بن عليّ بعثني إليك لتأتيَه؛ قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير. (٣٩٦: ٥) (١).\nقال أبو مخنف: فحدّثتْني دلهم بنت عَمرو امرأة زهير بن القَيْن، قالت: فقلت له: أيَبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيتَه فسمعتَ من كلامه! ثم انصرفت؛ قالت: فأتاه زهير بن القَيْن، فما لبث أن جاء مستبشرًا قد أسفر وجهُه؛ قالت: فأمر بفُسطاطه وثقَله ومتاعه فقُدّم، وحُمل إلى الحسين، ثم قال لامرأته: أنتِ طالقٌ، الحقي بأهلك، فإني لا أحبّ أن يصيبك من سبي إلا خير، لمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، إني سأحدّثكم حديثًا، غَزوْنا بلَنْجَر، ففتح الله علينا، وأصبْنا غنائم، فقال لنا سَلْمان الباهليّ: أفرِحْتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شبابَ آل محمد فكونوا أشدّ فرحًا بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فإنّي أستودعكم الله، قال: ثمّ والله ما زال في أوّل القوم حتى قُتل.\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ عن عديّ بن حرملة الأسَديّ، عن عبد الله بن سُليم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همّة إلا اللَّحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلنا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":206},{"text":"تُرْقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزَرودَ، فلما دنوْنا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين؛ قالا: فوقف الحسين كأنه يريده، ثم تركه، ومضى ومضينا نحوَه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك، قال: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم قلنا: فمَن الرجل؟ قال: أسديّ، فقلنا: فنحن أسديّان فمَن أنت؟ قال: أنا بكير بن المثعبة، فانتسبنا له، ثم قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك، قال: نعم لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، فرأيتهما يُجَرّان بأرجلهما في السوق، قالا: فأقبلنا حتى لحقْنَا بالحسين، فسايرناه حتى نزل الثعلبيّة ممسيًا، فجئناه حين نزل، فسلّمنا عليه فردّ علينا، فقال له: يرحمك الله؛ إن عندنا خبرًا فإن شئت حدّثنا علانيةً، وإن شئتَ سرًّا؛ قال: فنظر إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سرّ؛ فقلنا له: أرأيت الراكبَ الذي استقبلك عشاءَ أمس؟ قال: نعم، وقد أردتُ مسألته؛ فقلنا: قد استبرأنا لك خبَره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ من أسد منا، ذو رأي وصدق، وفضل وعقل، وإنه حدّثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، وحتى رآهما يُجَرّان في السوق بأرجلهما، فقال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! رحمة الله عليهما، فردّد ذلك مرارًا، فقلنا: نَنشدُك الله في نفسك وأهلِ بيتك إلا انصرفتَ من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة، بل نتخوّف أن تكون عليك! قال: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب. (٥: ٣٩٦ - ٣٩٧).\nقال أبو مخنف: حدّثني عمر بن خالد عن زيد بن عليّ بن حسين، وعن داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس، أنّ بني عقيل قالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرَنا، أو نذوقَ ما ذاق أخونا. (٥: ٣٩٧) (١).\nقال أبو مخنف: عن أبي جَناب الكلبيّ، عن عديّ بن حرملة، عن عبد الله بن سُلَيم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين، قالا: فنظر إلينا الحسين فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء؛ قالا: فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير؛ قالا: فقلنا:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":207},{"text":"خارَ الله لك! قالا: فقال: رحمكما الله! قالا: فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عَقيل، ولو. قدمتَ الكوفة لكان الناسُ إليك أسرع؛ قال الأسديّان: ثم انتظر حتى إذا كان السَّحَر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستَقوا وأكثروا، ثمّ ارتحلوا وساروا حتى انتهَوْا إلى زُبالة. (٥: ٣٩٨) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو عليّ الأنصاريّ، عن بكر بن مصعب المُزنيّ، قال: كان الحسين لا يمرّ بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زُبَالة سقط إليه مَقْتل أخيه من الرّضاعة، مقتلُ عبد الله بن بُقْطُر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عَقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب، فتلقاه خيلُ الحصين بن تميم بالقادسيّة، فسرّح به إلى عُبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فالعَنِ الكذّاب ابنَ الكذّاب، ثم انزِل حتى أرى فيك رأيي! قال: فصعد، فلما أشرَف على الناس قال: أيّها الناس، إني رسول الحسين بن فاطمةَ بنت رسول الله - ﷺ - لتنصروه وتؤازِروه على ابن مَرْجانة بن سمّية الدعيّ، فأمر به عُبيد الله فألقيَ من فوق القصر إلى الأرض فكُسرت عظامُه وبقي به رَمَق، فأتاه رجل يقال له: عبد الملك بن عُمَير اللَّخْميّ فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحَه. (٥: ٣٩٨) (٢).\nقال هشام: حدّثنا أبو بكر بن عياش عمّن أخبره قال: والله ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعْد طُوال يشبه عبَد الملك بن عمير، قال: فأتى ذلك الخبرُ حسينًا وهو بزُبالة، فأخرج للناس كتابًا، فقرأ عليهم:\nبسم الله الرّحمن الزحيم، أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مُسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة وعبد الله بن بُقْطُر، وقد خذلتْنا شيعتُنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرفْ، ليس عليه منا ذِمام.\nقال: فتفرّق الناس عنه تفرّقًا، فأخذوا يمينًا وشمالًا حتى بقيَ في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، وإنما فعل ذلك لأنه ظنّ أنما اتبعه الأعراب،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":208},{"text":"لأنهم ظنّوا أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعةُ أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون عَلَام يقدمون، وقد علم أنَّهم إذا بَيَّنَ لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموتَ معه، قال: فلما كان من السَّحَر أمر فتيانَه فاستقَوْا الماء وأكثَروا، ثم سار حتى مرَّ ببطْنِ العَقَبة، فنزَل بها. (٥: ٣٩٨ - ٣٩٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني لَوْذان أحدُ بني عكْرمة: أنّ أحدَ عمومته سأل الحسين ﵇ أين تريد؟ فحدَّثه، فقال له: إنّي أنشدُك الله لمّا انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنَّة وحدّ السيوف، فإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوْك مؤنة القتال، ووطَّؤوا لك الأشياء فقدمتَ عليهم كان ذلك رأيًا، فأمّا على هذا الحال التي تذكرها فإنّي لا أرى لك أن تفعل، قال: فقال له: يا عبدَ الله! إنه ليس يخفى عليّ، الرأيُ ما رأيتَ، ولكنّ الله لا يُغلَب على أمره؛ ثم ارتحل منها. (٣٩٩: ٥) (١).\nونَزَع يزيدُ بن معاوية في هذه السنة الوليدَ بن عتبة عن مكة، وولّاها عمرو بن سعيد بن العاص، وذلك في شهر رمضانَ منها، فحجّ بالناس عمرو بن سعيد في هذه السنة؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعدما عزل الوليد بن عُتبة عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالها عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبَيرة. (٥: ٣٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه</span>\nحُدّثت عن هشام، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو جناب عن عدّي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين قالا: أقبل الحسين ﵇ حتى نزل شَراف، فلما كان في السَّحَر أمر فتيانَه فاستَقَوْا من\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":209},{"text":"الماء فأكثرَوا، ثم ساروا منها، فرسموا صدرَ يومهم حتى انتصف النهار، ثم إنّ رجلًا قال: الله أكبر! فقال الحسين: الله أكبر ما كبَّرتَ؟ قال: رأيتُ النخل، فقال له الأسديان: إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلةً قطّ؛ قالا: فقال لنا الحسين: فما تَرَيانه رأى؟ قلنا: نراه رأى هَوادِيَ الخيل؛ فقال: وأنا والله أرى ذلك؛ فقال الحسين: أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا، ونستقبل القومَ من وجه واحد؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسُمٍ إلى جنبك، تَميل إليه عن يسارك، فإن سبقتَ القوم إليه فهو كما تريد، قالا: فأخذ إليه ذاتَ اليسار؛ قالا: وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعتْ علينا هوادي الخيل، فتبينّاها، وعدنا، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأنّ أسنَّتهم اليعاسيب، وكأنّ راياتهم أجنحة الطير، قال: فاستبقنا إلى ذي حُسُم، فسبقناهم إليه، فنزل الحسين، فأمر بأبنيته فضُربتْ، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحُرِّ بن يزيد التميميّ اليربوعيّ حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حَرّ الظَّهيرة، والحسين وأصحابه معتمّون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشِّفوا الخيل ترشيفًا، فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفًا، فقام فتية وسقَوا القوم من الماء حتى أرِووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأتْوار والطِّساس من الماء ثم يُدنونَها من الفرَس، فإذا عبَّ فيه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا عُزلتْ عنه، وسقَوا آخَرَ حتى سَقَوا الخيل كلَّها. (٥: ٤٠٠ - ٤٠١) (١).\nقال هشام: حدّثني لَقيط عن عليّ بن الطّعان المحاربيّ: كنت مع الحُرّ بن يزيد، فجئت في آخر مَن جاء من أصحابه، فلما رأى الحسينُ ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الرّاوية -والراوية عندي السقاء- ثم قال: يا بن أخِي!، أنخ الجمل، فأنختُه، فقال: اشربْ، فجعلت كلما شربتُ سال الماء من السقاء، فقال الحسين: اخنث السقاء -أي: اعطفه- قال: فجعلتُ لا أدري كيف أفعل! قال: فقام الحسين فخنَثَه، فشربتُ وسَقَيتُ فَرسي، قال: وكان مجيء الحُرّ بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسيّة، وذلك: أنّ عبيد الله بن زياد لما بلغه إقبالُ الحسين بعث الحصين بن تميم التميميّ -وكان على شُرَطه- فأمَرَه أن ينزل القادسيّة، وأن يضع المسَالحَ فينظم ما بين القُطْقطانة إلى خَفّان، وقدّم الحُرّ بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":210},{"text":"يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسيّة، فيستقبل حسينًا. قال: فلَم يزل مواقفًا حسينًا حتى حضرت الصّلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجّاج بن مسروق الجعفيّ أن يؤذّن، فأذّن، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسين في إزار ورداء، ونعلين، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إنها معذرة إلى الله ﷿ وإليكم؛ إنِّي لم آتكمْ حتى أتتْني كُتُبكم، وقدمتْ عليّ رُسُلكم: أن اقدمْ علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تُعطوني ما أطمئنُّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصرَكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقْدمي كارهين انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم، قال: فسكتوا عنه وقالوا للمؤذّن: أقم، فأقام الصلاة، فقال الحسين ﵇ للحُرّ: أتريدُ أن تصلّي بأصحابك! قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك؛ قال: فصلّى بهم الحسين، ثم إنه دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحُرّ إلى مكانه الذي كان به، فدخل خَيْمَةً قد ضُربت له، فاجتمع إليه جماعةٌ من أصحابه، وعاد أصحابُه إلى صَفِّهم الذي كانوا فيه، فأعادوه، ثم أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلها، فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤوا للرّحيل، ثم إنه خرج فأمر مناديَه فنادى بالعصر، وأقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم، وانصرف إلى القوم بوجهه فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحقّ لأهله؛ يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولَى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجوْر والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غيرَ ما أتتْني كتبكم، وقدمتْ به عليَّ رُسُلكم؛ انصرفتُ عنكم، فقال له الحُرّ بن يزيد: إنّا والله ما ندري ما هذه الكُتُب التي تذكر! فقال الحسين: يا عقبة بن سِمْعان! أخرج الخرجَيْن اللَّذَين فيهما كتبهم إليّ، فأخرج خرْجين مملوءين صُحُفًا، فنشرها بين أيديهم؛ فقال الحُرّ: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك؛ ألّا نفارقَك حتى نُقدمك على عبيد الله بن زياد، فقال له الحسين: الموتُ أدنَى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا، فركبوا وانتظروا حتى ركبتْ نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا، فلما ذهبوا لينصرفوا حالَ القومَ بينهم وبين الانصراف، فقال الحُسين للحر: ثكلتْك أمُّك! ما تريد! قال: أما والله لو غيرُك من العرب","vol":"9","page":211},{"text":"يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركتُ ذكْر أمه بالثُّكل أن أقولَه كائنًا من كان، ولكنْ والله مالي إلى ذكْر أمِّك من سبيل إلّا بأحسن ما يقدَر عليه؛ فقال له الحسين: فما تريد؟ قال الحرّ: أريد والله أن أنطلق بك إلى عُبيد الله بن زياد! قال له الحسين: إذًا والله لا أتْبعك، فقال له الحُرُّ: إذًا والله لا أدَعك؛ فترادّا القولَ ثلاث مرّات، ولما كثر الكلامُ بينهما قال له الحرّ: إنّي لم أومَر بقتالك، وإنما أمِرت ألّا أفارقَك حتى أقدمَك الكُوفة، فإذا أبيتَ فخذ طريقًا لا تُدخلك الكوفة، ولا تردّك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفًا حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنتَ إلى يزيدَ بن معاوية إن أردتَ أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئتَ، فلعلّ الله إلى ذاك أن يأتيَ بأمر يرزقني فيه العافية من أن ابتلَى بشئ من أمرك؛ قال: فخذ هاهنا فتياسرْ عن طريق العُذَيْب والقادسيّة، وبينه وبين العُذَيب ثمانية وثلاثون ميلًا، ثمّ إنّ الحسين سار في أصحابه والحُرّ يسايره. (٥: ٤٠١ - ٤٠٣).\nقال أبو مخنف: عن عقبة بن أبي العَيزار: إنّ الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحُرّ بالبِيضَة، فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيها الناس! إنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لُحرَم الله، ناكثًا لعَهْد الله، مخالفًا لسنة رسول الله، يَعملُ في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقًّا على الله أن يُدخله مُدخلَه\". ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حَرام الله، وحرّموا حلالَه، وأنا أحقّ من غَيّر، قد أتتْني كتبكم، وقدمتْ عليّ رُسُلكم ببيعتكم؛ أنكم لا تُسلموني ولا تَخذُلوني، فإنْ تممتم على بيعتكم تصيبُوا رشدَكم، فأنا الحسين بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله - ﷺ -، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيَّ أسْوة، وإن لم تفعلوا ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم، فلَعَمْري ما هي لكم بنُكْر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم، ومَن نكث فإنما يَنكُث على نفسه، وسيُغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته.\nوقال عقبة بن أبي العَيزار: قام حسين ﵇ بذي حُسُم، فحَمِد الله","vol":"9","page":212},{"text":"وأثنَى عليه ثمّ قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد تروْن، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت، وأدبر معروفُها واستمرّت جدًّا، فلم يَبَقَ منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمَرعَى الوَبيل، ألا ترون أنّ الحق لا يُعْمَل به، وأنّ الباطل لا يتُناهى عنه! ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقًّا، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرَمًا.\nقال: فقام زهير بن القَيْن البَجَليّ، فقال لأصحابه: تكلَّمون أم أتكلم؟ قالوا: لا؛ بل تكلم، فَحمِد الله فأثنَى عليه ثم قال: قد سمعْنا -هَداك الله- يا بنَ رسول الله مقالتَك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلَّدين إلا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك؛ لآثرْنا الخروجَ معك على الإقامة فيها.\nقال: فدعا له الحسين ثم قال له خيرًا، وأقبل الحُرّ يسايره وهو يقول له: يا حسين! إني أذكّرك اللهَ في نفسك، فإنِّي أشهد لئن قاتلتَ لتُقتلن، ولئن قوتلتَ لتهلكنّ فيما أرى، فقال له الحسين: أفبالموت تخوّفني! وهل يعدو بكم الخَطْب أن تقتلوني! ما أدري ما أقول لك! ولكن أقول كما قال أخو الأوْس لابن عمه، ولقيَه وهو يريد نُصرةَ رسولِ الله - ﷺ -، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول؟ فقال:\nسأَمضِي وما بالموتِ عارٌ على الفتَى ... إذا ما نَوَى حقًّا وجاهدَ مسلمَا\nوآسى الرجالَ الصالِحينَ بنفسِه ... وفارق مثبورًا يَغُشُّ ويُرْغما\nقال: فلما سمع ذلك منه الحُرّ تنحّى عنه، وكان يسير بأصحابه في ناحية وحسين في ناحية أخرى، حتى انتهوا إلى عُذيب الهِجانات، وكان بها هَجائن النعمان تَرعَى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم، يجنبُون فرسًّا لَنافع بن هلال يقال له: الكامل، ومعهم دليلُهم الطِّرِمّاح بن عديّ على فرسه، وهو يقول:\nيا ناقتِي لا تُذعَرِي من زَجْرِي ... وشمّري قبلَ طلوعِ الفَجْرِ\nبخير رُكْبانٍ وخير سَفْرِ ... حتَّى تَحِلِّي بكرِيم النَّجْرِ\nالماجدِ الحرِّ رَحيبِ الصدرِ ... أَتَى به اللهُ لخيرِ أَمْرِ\nثُمّتَ أبقاه بقاءَ الدَّهر\nقال: فلما انتهوا إلى الحسين أنشَدوه هذه الأبيات، فقال: أما والله إني لأرجو","vol":"9","page":213},{"text":"أن يكون خيرًا ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظَفرنا؛ قال: وأقبل إليهم الحرّ بن يزيدَ فقال: إن هؤلاء النفرَ الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم، فقال له الحسين: لأمنعنّهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنتَ أعطيتَني ألّا تَعرض لي بشيء حتى يأتيَك كتاب من ابن زياد، فقال: أجلْ، لكن لم يأتوا معك، قال: هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تممتَ على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتُك؛ قال: فكفَّ عنهم الحرّ؛ قال: ثمّ قال لهم الحسين: أخبِروني خبرَ الناس وراءكم، فقال له مجمِّع بن عبد الله العائذيّ، وهو أحد النَّفَر الأربعة الذين جاؤوه: أما أشراف الناس فقد أعظِمتْ رِشوَتُهم، ومُلئت غَرائرُهم، يُستمال ودّهم، ويستخلص به نصيحتهم، فهم ألْبٌ واحدٌ عليك، وأما سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تَهوي إليك، وسيوفَهم غدًا مشهورة عليك؛ قال: أخبروني، فهل لكم برسولي إليكم؟ قالوا: من هو؟ قال: قيس بن مُسْهر الصيْداويّ؛ فقالوا: نعم، أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابنُ زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك، ولعَنَ ابنَ زياد وأباه، ودعا إلى نُصْرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فأُلقيَ من طَمارِ القصر. فترقرقتْ عينا حُسين ﵇ ولم يملك دمعهَ، ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ اللهم اجعلْ لنا ولهم الجنة نُزلا، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك! (٥: ٤٠٣ - ٤٠٥) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني جميل بن مَرْثد من بني مَعْن، عن الطرمّاح بن عديّ: أنه دنا من الحسين فقال له: والله إني لأنظر فما أرى معك أحدًا، ولو لم يقاتلْك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازِميك لكان كفى بهم؛ وقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهرَ الكوفة وفيه من الناس ما لم تَر عيناي في صعيد واحد جَمْعًا أكثر منه، فسألت عنهم، قيل: اجتَمعوا ليُعرَضوا، ثم يسرَّحون إلى الحسين، فأنشِدُك الله إن قدرتَ على ألّا تقدم عليهم شبرًا إلّا فعلت! فإن أردتَ أن تنزل بلدًا يمنعك الله به حتى ترى من رأيك. ويستبين لك ما أنت صانع، فسرْ حتى أنزلك مَناع جبلنا الذي يُدعَى أجَأ، امتنعْنا والله به من ملوك غسّانَ وحميَر ومن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":214},{"text":"النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر. والله إن دخل علينا ذلّ قطُّ؛ فأسير معك حتى أنزلك القُرَيَّة، ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجَأ وسَلمَى من طيىّء، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى تأتيَك طيىَء رجالًا ورُكبانًا، ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هَيْج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يَضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يُوصَل إليك أبدًا ومنهم عين تَطرف؛ فقال له: جزاك الله وقومَك خيرًا! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علامَ تَنصرف بنا وبهم الأمورُ في عاقبِه! (٥: ٤٠٦) (١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني جميل بن مَرْثَد، قال: حدّثني الطِّرِماح بن عَديّ، قال: فودّعتُه وقلتُ له: دفع الله عنك شرّ الجن والإنس، إنّي قد امترتُ لأهلي من الكوفة ميرةً، ومعي نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثم أُقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكوننَّ من أنصارك؛ قال: فإن كنتَ فاعلًا فعجِّلْ رحمك الله؛ قال: فعلمتُ أنه مستوحشٌ إلى الرجال حتى يسألني التعجيل، قال: فلما بلغتُ أهلي وضعتُ عندهم ما يصلحهم، وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون: إنك لتصنع مَرّتَك هذه شيئًا ما كنتَ تصنعه قبل اليوم، فأخبرتُهم بما أريد. وأقبلتُ في طريق بني ثُعَل حتى إذا دنوتُ من عُذَيب الهجانات، استقبلَني سَماعة بن بدر، فنعاه إليّ، فرجعت، قال: ومضى الحسين ﵇ حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل، فنزل به، فإذا هو بفُسطاط مضروب. (٥: ٤٠٦ - ٤٠٧) (٢).\nقال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد عن عامر الشَّعبي: أنّ الحسين بن عليّ - ﵁ - قال: لمَن هذا الفساط؟ فقيل: لعبيد الله بن الحُرّ الجعفيّ؛ قال: ادعوه لي، وبَعَثَ إليه، فلما أتاه الرسول، قال: هذا الحسين بن عليّ يدعوك؛ فقال عبيد الله بن الحُرّ: إنَا لله وإنا إليه راجعون! والله ما خرجتُ من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن أراه ولا يراني، فأتاه الرسولُ فأخبَرَه، فأخذ الحسين نعليْه فانتعل، ثم قام فجاءه حتى دخل عليه، فسَلّم وجلس، ثمّ دعاه إلى الخروِج معه، فأعاد إليه ابن الحُرّ تلك المقالة، فقال: فإلا تنصرْنا فاتّق الله أن تكون ممّن يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيَتنا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":215},{"text":"أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك؛ قال: أمّا هذا فلا يكون أبدًا إن شاء الله، ثم قام الحسين ﵇ من عنده حتى دخل رَحلَه. (٥: ٤٠٧) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُنْدُب عن عقبة بن سِمْعان قال: لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمَرَنا بالرحيل، ففعلْنا؛ قال: فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرْنا ساعةً خفق الحسين برأسه خَفْقة، ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين؛ قال: ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثًا، قال: فأقبل إليه ابنُه عليّ بن الحسين على فرس له فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ الِعالمين، يا أبتِ جُعلْت فداك! مِمَّ حمِدتَ الله واسترجعتَ؟ قال: يا بنيّ، إني خفقتُ برأسي خَفْقةً فعنّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تَسرِي إليهم، فعلمتُ أنها أنفسُنا نُعيَتْ إلينا، قال له: يا أبتِ! لا أراك الله سوءًا، ألسْنا على الحقّ! قال: بلى والذي إليه مرجع العباد؛ قال: يا أبت، إذًا لا نبالي، نموت محقِّين، فقال له: جزاك الله من وَلدٍ خيرَ ما جزَى وَلَدًا عن والده؛ قال: فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثمّ عجّل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم، فيأتيه الحُرّ بن يزيدَ فيردّهم فيردّه، فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردًّا شديدًا امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون حتى انتَهوا إلى نِينَوَى؛ المكان الذي نزل به الحسين؛ قال: فإذا راكبٌ على نجيب له وعليه السلاح متنكّب قوسًا مُقبلٌ من الكوفة، فوقفوا جميعًا ينتظرونه، فلما انتهَى إليهم سلّم على الحُرّ بن يزيد وأصحابه، ولم يسلّم على الحسين ﵇ وأصحابه، فدفع إلى الحُرّ كتابًا من عبيد الله بن زياد فإذا فيه: أما بعد، فجَعْجِعْ بالحسين حين يبلغُك كتابي، ويَقدُم عليك رسولي، فلا تُنزله إلا بالعَراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرتُ رسولي أن يلَزمك ولا يفارقك حتى يأتيَني بإنفاذك أمري؛ والسلام.\nقال: فلما قرأ الكتاب قال لهم الحرُّ: هذا كتاب الأمير عُبيد الله بنِ زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابُه، وهذا رسوله، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفِذ رأيَه، وأمْرَه، فنظر إلى رسول عُبيد الله يزيدُ بن زياد بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":216},{"text":"المهاصِر أبو الشعثاء الكِنْديّ ثم البهدليّ فعنّ له، فقال: أمالك بن النُّسير البَدّيّ؟ قال: نعم -وكان أحد كِنْدة- فقال له يزيد بن زياد: ثكلتْك أمك! ماذا جئتَ فيه؟ قال: وما جئتُ فيه! أطعتُ إمامي، ووفيتُ ببَيْعتي، فقال له أبو الشعثاء: عصيتَ ربَّك، وأطعتَ إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار، قال الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، فهو إمامك. قال: وأخذ الحرُّ بنِ يزيدَ القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دَعْنا ننزِلْ في هذه القرية، يعنون: نِينَوَى -أو هذه القرية- يعنون: الغاضريّة -أو هذه الأخرى- يعنون: شُفيّة. فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إليّ عينًا، فقال له زهير بن القيْن: يا بن رسول الله، إن قتال هؤلاء أهوَن من قتال من يأتينا من بعدِهم، فلعَمري ليأتينا من بَعدُ من ترى ما لا قبَل لنا به؛ فقال له الحسين: ما كنتُ لأبدأهم بالقتال؛ فقال له زهير بن القين: سرْ بنا إلى هذه القرية حتى تَنزلها فإنها حصينة، وهي على شاطئ الفرات، فإنْ منعونا قاتلْناهم، فقتالُهم أهوَنُ علينا من قتال من يجيء من بعدهم؛ فقال له الحسين: وأية فرية هي؟ قال: هي العَقْر، فقال الحسين: اللهم إني أعوذ بك من العَقْر، ثم نزل، وذلك يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين فلما كان من الغد قدم عليهم عمرُ بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف. قال: وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين ﵇ أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكُوفة يسير بهم إلى دَسْتَبَى، وكانت الديلَم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابنُ زياد عهدَه على الرَّيّ، وأمَرَه بالخروج.\nفخرج معسكِرًا بالناس بحمّام أعيَن، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابنُ زياد عمرَ بن سعد، فقال: سرْ إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرتَ إلى عملك، فقال له عمر بن سعد: إنْ رأيتَ -رحمك الله- أن تُعفِيَني فافعل، فقال له عبيد الله: نعم، على أن تردّ لنا عهدَنا؛ قال: فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد: أمهلْني اليومَ حتى أنظرَ؛ قال: فانصرف عمر يستشير نُصَحاءه، فلم يكن يستشير أحدًا إلا نهاه، قال: وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة -وهو ابن أخته- فقال: أنشُدكَ الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربِّك،","vol":"9","page":217},{"text":"وتقطعَ رحِمَك! فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلِّها لو كان ذلك، خيرٌ لك من أن تَلقَى اللهَ بدم الحسين! فقال له عمر بن سعد: فإني أفعل إن شاء الله. (٥: ٤٠٧ - ٤٠٩) (١).\nقال هشام: حدّثني عوانة بن الحَكَم عن عمّار بن عبد الله بن يسار الجُهَنيّ، عن أبيه، قال: دخلتُ على عمرَ بن سعد، وقد أُمِر بالمسير إلى الحسين، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيتُ ذلك عليه، فقلتُ له: أصاب الله بك، أرشَدَك الله، أحِلْ فلا تفعل ولا تَسِرْ إليه. قال: فخرجتُ من عنده، فأتاني آتٍ وقال: هذا عمُر بن سعد يَندب الناسَ إلى الحسين؛ قال: فأتيتُه فإذا هو جالس، فلما رآني أعرَض بوجهِه فعرفتُ أنه قد عزم على المسير إليه، فخرجتُ من عنده؛ قال: فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد فقال: أصلحك الله! إنك ولَّيتَني هذا العمل، وكتبت لي العهد، وسَمع به الناسُ، فإن رأيتَ أن تنفذ لي ذلك فافعلْ وابعثْ إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لستُ بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه؛ فسمّى له أناسًا، فقال له ابن زياد: لا تُعلِمني بأشراف أهل الكُوفة، ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، إن سرتَ بجندنا، وإلا فابعث إلينا بعهدنا، فلما رآه قد لجّ قال: فإني سائر، قال: فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نِينوَى.\nقال: فبعث عُمر بن سعد إلى الحسين ﵇ عَزْرة بن قيس الأحمَسيّ، فقال: ائته فسَلْه ما الّذي جاء به؟ وماذا يريد؟ وكان عَزْرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه أن يأتيَه، قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلُّهم أبى وكرهه، قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبيّ -وكان فارسًا شجاعًا ليسَ يُردّ وجهَه شيءٌ- فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئتَ لأفتكنّ به، فقال له عمر بن سعد: ما أريد أن يُفتك به، ولكن ائته فسَلْه ما الذى جاء به؟ قال: فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائديّ قال للحسين: أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شرُّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتَكه، فقام إليه، فقال: ضَعْ سيفَك؛ قال: لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتُكم ما أرسِلتُ به\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":218},{"text":"إليكم، وإن أبيَتم انصرفتُ عنكم؛ فقال له: فإني آخذٌ بقائِم سيفك، ثم تكلمُ بحاجتك، قال: لا والله، لا تمسّه فقال له: أخبرني ما جئتَ به وأنا أبلِغه عنك، ولا أدعُك تدنو منه، فإنك فاجر؛ قال: فاستبّا، ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، قال: فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظليّ فقال له: وَيحْك يا قرّة! القَ حسينًا فسَله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ قال: فأتاه قرّة بن قيس، فلما رآه الحسين مقبلًا قَال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مُظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميميّ، وهو ابن أختنا، ولقد كنتُ أعرفه بحسن الرأي، وما كنتُ أراه يشهد هذا المشهد، قال: فجاءَ حتى سلَّم على الحسين، وأبلغه رسالةَ عمر بن سعد إليه له، فقال الحسين: كتب إليّ أهلُ مصركم هذا أنْ اقدَم، فأما إذ كَرهوني فأنا أنصرف عنهم؛ قال: ثم قال له حبيب بن مظاهر: وَيْحك يا قرة بن قيس! أنَّى ترجع إلى القوم الظالمين! انصرْ هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة وإيَّانا معك؛ فقال له قرّة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرَى رأيي؛ قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فقال له عمر بن سعد: إني لأرجو أن يعافيَني الله من حربه وقتاله. (٥: ٤٠٩ - ٤١١).\nقال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسيّ، عن حسان بن فائد بن بكير العبسيّ، قال: أشهد: أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني حيث نزلتُ بالحسين بعثتُ إليه رسولي، فسألته عما أقدَمَه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إليَّ أهلُ هذه البلاد وأتتْني رسُلهم، فسألوني القدومَ ففعلت؛ فأما إذ كرهوني فبدَا لهم غير ما أتتْني به رُسُلهم، فأنا منصرفٌ عنهم، فلما قُرئ الكتاب على ابن زياد قال:\nالآن إذا عَلِقَتْ مَخالِبُنا به ... يرجو النجاةَ ولاتَ حِينَ مناصِ!\nقال: وكتب إلى عمَر بن سعد:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، أما بعد، فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ ما ذكرتَ، فاعرِض على الحسين أن يبايع ليزيدَ بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا، والسلام.","vol":"9","page":219},{"text":"قال: فلما أتى عمرَ بن سعد الكتابُ، قال: قد حسبتُ ألّا يقبل ابن زياد العافية. (٥: ٤١١ - ٤١٢) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الأزديّ، قال: جاء من عُبيد الله بن زياد كتاب إلى عمرَ بن سعد: أما بعد، فُحلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صُنع بالتقيّ الزّكيّ المظلوم أميرِ المؤمنين عثمان بن عفان، قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجَّاج على خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين حسين وأصحابه، وبين الماء أن يُسقَوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث. قال: ونازَلَه عبد الله بن أبي حُصين الأزديّ -وعِداده في بَجيلة- فقال: يا حسين! ألا تنظر إلى الماء كأنه كَبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عَطشًا؛ فقال حسين: اللهمّ اقتُله عَطَشًا، ولا تَغفِرْ له أبدًا. قال حميد بن مسلم: والله لعُدتُه بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيتُه يَشرَب حتى يبغر، ثم يقيء، ثم يعود فيَشَرب حتى يبغر فما يَروَى، فما زال ذلك دأبه حتى لَفَظ عصبه، يعني نفسه- قال: ولما اشتدَّ على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارسًا وعشرين راجلًا، وبعث معهم بعشرين قِربةً، فجاؤوا حتى دنَوا من الماء ليلًا واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجمليّ، فقال عمرو بن الحجاج الزبيديّ: من الرجل؟ فجيء فقال: فاشربْ هنيئًا، قال: لا والله، لا أشرب منه قطرةً وحسينٌ عطشان ومن ترى من أصحابه، فطَلَعوا عليه، فقال: لا سبيلَ إلى سقي هؤلاء، إنما وُضِعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله: املؤوا قِرَبكم، فشدّ الرّجالة فملؤوا قِرَبهم، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن عليّ، ونافع بن هلال فكفّوهم، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فقالوا: امضوا، ووقَفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه واطَّردوا قليلًا، ثم إن رجلًا من صُداء طُعِن من أصحاب عمرو بن الحجاج طعنه نافع بن هلال، فظنّ: أنها ليست بشيء، ثم إنها انتقضت بعد ذلك، فمات\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":220},{"text":"منها، وجاءَ أصحابُ حسين بالقِرَب فأدخلوها عليه. (٥: ٤١٢ - ٤١٣) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو جَنَاب، عن هانئ بن ثُبَيْت الحضرميّ -وكان قد شهد قتلَ الحسين، قال: بعث الحسينُ ﵇ إلى عمَر بن سعد عمرو بن قرظةَ بن كعب الأنصاريّ: أن القَني الليلَ بين عسكري وعسكرك. قال: فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسًا، وأقبل حسين في مثلِ ذلك، فلما التقوْا أمر حسين أصحابهَ أن يتنحَّوا عنه، وأمر عمر بن سعد أصحابَه بمِثل ذلك؛ قال: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمَع أصواتَهما ولا كلامَهما؛ فتكلّما فأطالا حتى ذهب من الليل هَزِيعٌ، ثم انصرف كلُّ واحد منهما إلى عسكره بأصحابه، وتحدّث الناس فيما بينهم؛ ظنًّا يظنّونه أنّ حسينًا قال لعمر بن سعد: اخرُج معي إلى يزيدَ بن معاوية وندع العسكرَيْن؛ قال عمر: إذنْ تُهدَم داري؛ قال: أنا أبنيها لك، قال: إذنْ تؤخذ ضِياعي؛ قال: إذن أعطيك خيرًا منها من مالي بالحِجاز، قال: فتكرّه ذلك عمر؛ قال: فتحدَّث الناس بذلك، وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئًا ولا علموه. (٥: ٤١٣) (٢).\nقال أبو مخنف: وأمّا ما حدّثنا به المجالد بن سعيد والصَّقْعَب بن زهير الأزديّ وغيرهما من المحدّثين، فهو ما عليه جماعة المحدّثين، قالوا: إنه قال: اختاروا منّي خصالًا ثلاثًا: إمّا أن أرجع إلى المكان الذي أقبلتُ منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرَى فيما بيني وبينه رأيَه، وإما أن تسيّروني إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلًا من أهلِه، لي ما لَهم وعليَّ ما عليهم. (٤١٣: ٥) (٣).\nقال أبو مخنف: فأما عبد الرحمن بن جندَب فحدّثني عن عقبة بن سمْعان قال: صحبتُ حسينًا فخرجتُ معه من المدينة إلى مكة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقْه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق، ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يومِ مقتله إلا وقد سمعتُها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس، وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":221},{"text":"ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذْهَبْ في هذه الأرض العريضة حتى ننظرَ ما يصير أمرُ الناس. (٥: ٤١٣ - ٤١٤) (١).\nقال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد الهمْدانيّ والصّقعب بن زهير: أنهما كانا التقَيَا مرارًا ثلاثًا أو أربعًا؛ حسين وعمر بن سعد، قال: فكتب عمر بن سعد إلى عُبيد الله بن زياد: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلَح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتَى، أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلًا من المسلمين له ما لَهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتيَ يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضًا، وللأمة صلاحٌ، قال: فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميرِه، مشفِق على قومِه، نعمْ قد قبلتُ. قال: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن. فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك! والله لئن رحل من بلدك، ولم يضع يده في يدك، ليكوننّ أولى بالقوّة والعزة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تُعطِه هذه المنزلَة فإنها من الوَهَن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبتَ فأنت وليّ العقوبة، وإن غفرتَ كان ذلك لك، واللهِ لقد بلغني: أنَّ حسينًا وعمر بن سعد يجلسان يبن العسكرين فيتحدّثان عامّة الليل، فقال له ابن زياد: نعم ما رأيتَ! الرأيُ رأيُك. (٥: ٤١٤) (٢).\nقال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم، قال: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد دعا شَمِر بنَ ذي الجَوْشن فقال له: اخرجْ بهذ الكتاب إلى عُمَر بن سعد فلْيعرض على الحسين وأصحابه النزول على حُكمِي، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ مسلمًا، وإن هم أبَوا فليقاتلْهم فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتِلهم، فأنت أمير الناس. وثِبْ عليه فاضرب عنقه، وابعث إليَّ برأسه (٣). (٥: ٤١٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ، قال: ثم كتب عبيد الله بن زياد\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":222},{"text":"إلى عمر بن سعد: أما بعد: فإني لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه ولا لتطاوِلَه، ولا لتمنِّيَه السلامة والبقاء، ولا لتقعدَ له عندي شافعًا ... انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إليّ سلمًا، وإن أبوْا فازحف إليهم حتى تقتُلَهم وتمثِّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتِل حسين فأوْطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه، فإنه عاقّ مشاقّ، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يُصَرّ بعد الموت شيئًا، ولكن عليَّ قول لو قد قلتُه فعلت هذا به، إن أنتَ مضيتَ لأمرِنا فيه جَزَيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيتَ فاعتزِلْ عمَلَنا وجندَنا، وخلّ بين شمِر بن ذي الجوْشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا، والسلام (١). (٥: ٤١٥).\nقال أبو مخنف: عن الحارث بن حَصيرة، عن عبد الله بن شريك العامريّ قال: لمّا قبض شمر بن ذي الجوشَن الكتاب قام هو وعبد الله بن أبي المحلّ وكانت عمته أمّ البنين ابنة حزام عنِد عليّ بن أبي طالب ﵇، فولدتْ له العبّاسَ وعبَد الله وجعفرًا وعثمانَ -فقال عبد الله بن أبي المحلّ بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلح الله الأمير! إن بني أختنا مع الحسين، فإن رأيتَ أن تكتب لهم أمانًا فعلت؛ قال: نعم ونعمةَ عَيْن. فأمر كاتبه، فكتب لهم أمانًا، فبعث به عبد الله بن أبي المحلّ مع مولىً له يقال له: كُزمان، فلما قدم عليهم دعاهم، فقال: هذا أمانٌ بعثَ به خالكم، فقال له الفتية: اقرئ خالَنا السلام، وقل له: أن لا حاجةَ لنا في أمانكم، أمانُ الله خير من أمان ابن سمية. قال: فأقبل شمِر بن ذي الجَوْشن بكتاب عبَيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم به عليه فقرأه عليه قال له عمر: ما لَك ويْلَك! لا قرّب الله دارَك، وقبّح الله ما قدمت به عليّ! والله إني لأظنُّك أنت ثَنَيتَه أن يَقبَل ما كتبتُ به إليه، أفسدت علينا أمرًا كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إنّ نفسًا أبيَّةً لبَيْن جنبَيْه، فقال له شَمِر: أخبِرْني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوّه، وإلا فخلّ بيني وبين الجند والعسكر؛ قال: لا ولا كرامةَ لك، وأنا أتولّى ذلك؛ قال: فدونك، وكن أنت على الرّجال؛ قال: فنهض إليه عشيّة الخميس لتسعٍ مضَين من المحرّم؛ قال: وجاء شمِر حتى وقف على أصحاب الحسين،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":223},{"text":"فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو عليّ، فقالوا له: ما لَك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون؛ قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمانَ له! قال: ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى: يا خيلَ الله اركبي وأبشري، فركِب في الناس، ثم زحف نحوَهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمامَ بيته محتبيًا بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبَتَيْه، وسمعتْ أخته زينت الصيحة فدنتْ من أخيها، فقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت! قال: فرفع الحسينُ رأسه فقال: إنّي رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا؛ قال: فلطمتْ أختُه وجهَها وقالت: يا ويلنا! فقال: ليس لكِ الويل يا أخيّة، اسكّني رحمكِ الرّحمن! وقال العباس بن عليّ: يا أخي أتاك القومُ؛ قال: فنهض ثم قال: يا عباس اركَب بنَفْسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم؟ وما بدَا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس؛ فأستقبلهم في نحو من عشرين فارسًا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العباس: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نَعرِض عليكم أن تنزلوا على حُكمه أو ننازِلكم؛ قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرِض عليه ما ذكرتم؛ قال: فوقفوا ثم قالوا: القَه فأعلِمه ذلك، ثمّ القنَا بما يقول؛ قال: فانصرف العبّاس راجعًا يركض إلى الحسينَ يُخبره بالخبر، ووقف أصحابُه يخاطبون القومَ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلِّم القومَ إن شئتَ، وإن شئتَ كلمتُهم، فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلّمهم، فقال له حبيب بن مظاهر: أما والله لبئسَ القومُ عند الله غدًا قومٌ يقدَمون عليه قد قتلوا ذرّية نبيّه ﵇ وعترتَه وأهلَ بيته - ﷺ - وعبّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرِين اللهَ كثيرًا؛ فقال له عَزْرة بن قيس: إنك لتُزكّي نفسك ما استطعتَ، فقال له زهير: يا عَزْرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتَق الله يا عزرة، فإني لك من الناصحين، أنشُدُك اللهَ يا عَزْرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكيّة! قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنتَ عثمانيًّا، قال: أفَلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم! أما والله ما كتبتُ إليه كتابًا قطّ، ولا أرسلتُ إليه رسولًا قطّ، ولا وعدتُه نُصرتي قطّ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرتُ به رسولَ الله - ﷺ - ومكانَه\nمنه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصرَه، وأن أكون في","vol":"9","page":224},{"text":"حزبه، وأن أجعل نفسي دونَ نفسه، حِفظًا لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله ﵇، قال: وأقبل العبّاس بن عليّ يركض حتى انتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تَنصرِفوا هذه العشيّة حتى ينظر في هذا الأمر، فإنّ هذا أمرٌ لم يُجْرِ بينكم وبينه فيه مَنطقٌ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإمّا رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهْنا فرددْناه، وإنما أراد بذلك أن يردّهم عنه تلك العشيّة حتى يأمر بأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن عليّ بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمِر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك؛ قال: قد أردت ألّا أكون؛ ثم أقبل على الناس فقال: ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزُّبيديّ: سبحان الله! والله لو كانوا من الدّيلم ثم سألوك هذه المنزلةَ لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها؛ وقال قيس بن الأشعث: أجِبْهم إلى ما سألوك، فلَعَمري ليصبحُنّك بالقتال غُدْوة؛ فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتُهم العشيّة؛ قال: وكان العباس بن عليّ حين أتى حسينًا بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم، فإن استطعتَ أن تؤخّرَهم إلى غُدْوة وتدفعَهم عند العشيّة لعلنا نصلّي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يَعلم أني قد كنتُ أحبّ الصلاة له وتلاوةَ كتابه وكثرةَ الدعاء والاستغفار! (١) (٥: ٤١٥ - ٤١٧).\nقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حَصيرة، عن عبد الله بن شريك العامريّ، عن عليّ بن الحسين قال: أتانا رسولٌ من قِبَل عمر بن سعد فقام مثل حيث يُسمَع الصوت، فقال: إنا قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى أميرنا عُبيد الله بن زياد، وإن أبَيتم فلسنا تارِكِيكُمْ (٢). (٥/ ٤١٧ - ٤١٨).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي -بَطْن من هَمْدان-: أنّ الحسين بن عليّ ﵇ جمع أصحابه (٣). (٥: ٤١٨).\nقال أبو مِخْنف: وحدّثني أيضًا الحارث بن حَصيرة عن عبد الله بن شريك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":225},{"text":"العامريّ، عن عليّ بن الحسين، قالا: جمع الحسين أصحابَه بعد ما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء، قال عليّ بن الحسين: فدنوتُ منه لأسمع وأنا مريض، فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه: أُثني على الله ﵎ أحسنَ الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهم إنِّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين؛ أما بعد، فإني لا أعلم أصحابًا أولَى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصلَ لمن أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعًا خيرًا؛ ألا وإني أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا، ألا وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعًا في حلّ، ليس عليكم منِّي ذِمام، هذا ليلٌ قد غشيكم، فاتّخِذوه جَمَلا (١). (٥: ٤١٨).\nقال أبو مخنف: حدّثنا عبد الله بن عاصم الفائشيّ -بطن من هَمْدان- عن الضّحاك بن عبد الله المشرقيّ، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبيّ على الحسين، فسلّمنا عليه، ثم جلسنا إليه، فردّ علينا، ورحَّب بنا، وسألنا عما جئنا له، فقلنا: جئنا لنسلّم عليك، وندعوَ الله لك بالعافية، ونحدِثَ بك عهدًا، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدّثك أنهم قد جمعوا على حربك فرَ رأيك. فقال الحسين ﵇: حسبي الله ونعم الوكيل! قال: فتذممنا وسلمنا عليه، ودعَوْنَا اللهَ له، قال: فما يمنعكما من نُصرتي؟ فقال مالك بن النّضر: عليّ دَين، ولي عيال، فقلتُ له: إنّ عليّ دَينًا، وإنّ لي لعيالًا، ولكن إن جعلتني في حِلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلًا قاتلت عنك ما كان لك نافعًا، وعنك دافعًا! قال: قال: فأنت في حلٍّ؛ فأقمتُ معه، فلما كان الليل قال: هذا الليل قد غشيكم، فاتَّخِذُوه جَمَلا، ثم ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج الله، فإنّ القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهَوْا عن طَلِب غيري؛ فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدًا؛ بدأهم بهذا القول العباس بن عليّ، ثم إنهم تكلّموا بهذا ونحوه، فقال الحسين ﵇: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنتُ لكم؛ قالوا: فما يقول\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":226},{"text":"الناس! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرْم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برُمح، ولم نضربْ سهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا! لا والله لا نفعل ولكن تفدِيك أنفسنا وأموالُنا وأهلُونا، ونقاتل معك حتى نَرِدَ مَورِدكَ، فقبح الله العيش بعدَك (١)! (٥: ٤١٨ - ٤١٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم، عن الضّحاك بن عبد الله المِشرقيّ، قال: فقام إليه مسلم بن عَوْسجة الأسديّ فقال: أنحنُ نخلّي عنك ولمّا نُعذِر إلى الله في أداء حقك! أما والله حتى أكسرَ في صدورهم رُمْحي، وأضربَهم بسيفي ما ثبت قائمهُ في يدي، ولا أفارقك؛ ولو لم يكن معي سلاح أقاتلُهم به لقذفتُهم بالحجارة دونَك حتى أموت معك.\nقال: وقال سعيد بن عبد الله الحنفيّ: والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أنا حفظنا غيبةَ رسول الله - ﷺ - فيك، والله لو علمتُ أني أقتل ثم أحيا ثمّ أُحرَق حيًّا ثم أذرّ؛ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتُك حتى ألقَى حِمامي دونَك، فكيف لا أفعل ذلك! وإنما هي قَتْلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا.\nقال: وقال زهير بن القَيْن: والله لوددتُ أنّي قُتِلت، ثم نشِرت، ثم قتِلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، قال: وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضُه بعضًا في وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارِقُك، ولكنْ أنفسنا لك الفداء نَقِيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وَفيْنا، وقَضينا ما علينا (٢). (٥: ٤١٩ - ٤٢٠)\nقال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك، عن عليّ بن الحسين بن عليّ قال: إني جالس في تلك العشيّة التي قُتِل أبي صبيحتَها، وعمتي زينب عندي تمرّضني؛ إذ اعتزلِ أبي بأصحابه في خِباء له، وعنده حُوَيّ مولَى أبي ذَرّ الغِفاريّ، وهو يعالج سيفه ويصلِحُه وأبي يقول:\nيا دهرُ أُفٍّ لك من خليلِ ... كم لك بالإِشراقِ والأَصيل\nمِن صاحبٍ أو طالبٍ قَتيل ... والدَّهر لا يقنعُ بالبَدِيل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":227},{"text":"وإنما الأَمرُ إلى الجليلِ ... وكلُّ حيٍّ لسَالكُ السّبيل\nقال: فأعادها مرّتين أو ثلاثًا حتى فهمتُها، فعرفتُ ما أراد، فخنقتْني عَبرتي، فرددتُ دمعي ولزمت السكون، فعلمتُ أنّ البلاء قد نزل؛ فأما عمتي فإنها سمعتْ ما سمعتُ، وهي امرأة، وفي النساء الرِّقَّة والجَزَع، فلم تملكْ نفسها أن وثبتْ تجرّ ثوبَها، وإنها لَحاسرة حتى انتهت إليه؛ فقالت: واثكْلاه! ليت الموتَ أعدَمَني الحياةَ! اليوم ماتت فاطمة أمي وعليّ أبي وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثِمال الباقي، قال: فنظر إليها الحسين ﵇ فقال: يا أُخَيّة! لا يُذهبنَّ حِلمك الشيطان؛ قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! استقتلَت نفسي فِداك؛ فردّ غُصّته، وترقرقتْ عيناه، وقال: لو ترِك القَطَا لَيْلًا لنام؛ قالت: يا ويلَتي! أفتغصب نفسك اغتصابًا، فذلك أقْرَح لقلبي، وأشدُّ على نفسي! ولطمتْ وجهَها، وأهوَتْ إلى جَيْبها وشَقَّته، وخرَّت مغشيًّا عليها، فقام إليها الحسين فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: يا أُخيّة! اتَّقي الله وتعزَّي بعزاء الله .. واعلمي: أنّ أهلَ الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يَبقْون، وأنّ كلّ شيء هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحدَه، أبي خيرٌ مني، وأمي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة؛ قال: فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخيّة! إني أقسم عليك فأبرِّي قَسمي، لا تشقِّي عليّ جيبًا، ولاتَخمِشي عليّ وجهًا، ولا تَدْعي عليّ بالوَيْل والثبُور إذا أنا هلكتُ؛ قال: ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرّبوا بعضَ بيوتهم من بعض، وأن يُدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوِّهم (١). (٥: ٤٢٠ - ٤٢١).\nقال أبو مخنف: عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المِشْرَقيّ، قال: فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليلَ كلَّه يصلّون ويستغفرون، ويَدْعون ويتضرّعون، قال: فتمرّ بنا خيلٌ لهم تحرسنا، وإنّ حسينًا ليقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":228},{"text":"كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فسمِعَها رجل من\nتلك الخيل التي كانت تحرسنا فقال: نحن وربّ الكعبة الطيِّبون، مُيِّزنا منكم.\nقال: فعرفتُه فقلتُ لبُرَير بن حُضَير: تدري مَن هذا؟ قال: لا؛ قلت هذا أبو حَرْب السَّبِيعيّ عبد الله بن شهر -وكان مِضْحاكًا بَطّالًا، وكان شريفًا شُجاعًا فاتكًا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية- فقال له بُريَر بن حُضَير: يا فاسق! أنتَ يجعلك الله في الطيِّبين! فقال له: من أنت؟ قال: أنا بُرَير بن حُضَير، قال: إنا لله! عزّ عليَّ! هلكتَ والله، هلكت والله يا برَير! قال: يا أبا حرب! هل لَك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام! فوالله إنا لنحن الطيِّبون، ولكنكم لأنتم الخَبيثون؛ قال: وأنا على ذلك من الشاهدينَ، قلتُ: ويحك! أفلا ينفعك معرفتُك! قال: جُعلت فداك! فمن ينادم يزيدَ بن عذرة العَنَزيّ من عَنَز بن وائل! قال: هاهو ذا معي؛ قال: قبح الله رأيَك على كلّ حال! أنت سفيه. قال: ثم انصرف عنّا، وكان الذي يحرُسنا بالليل في الخيل عَزْرة بن قيس الأحْمسيّ، وكان على الخيل؛ قال: فلما صلّى عمر بن سعد الغداةَ يوم السبت -وقد بلغَنا أيضًا أنه كان يوم الجمعة، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء- خرج فيمن معه من الناس.\nقال: وعبّأ الحسين أصحابه، وصلّى بهم صلاةَ الغَداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا، فجعل زهير بنَ القين في ميمنة أصحابه، وحبيبَ بن مُظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطَى رايتَه العباس بن عليّ أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيُوت يُحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم، قال: وكان الحسين ﵇ أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفِض كأنه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثمّ ألقَوْا فيه ذلك الحَطب والقصب، وقالوا: إذا عَدَوْا علينا فقاتَلُونا ألقَيْنا فيه النار كيلا نُؤتَى من ورائنا، وقاتلنا القوم من وجه واحد، ففعلوا، وكان لهم نافعًا (١). (٥: ٤٢١ - ٤٢٢).\nقال أبو مخنف: حدّثني فُضيل بن خَديج الكنديُّ عن محمد بن بشر، عن عمرو الحضرميّ، قال: لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على رُبْع أهل المدينة\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":229},{"text":"يومئذ عبدُ الله بن زهير بن سُليم الأزديّ، وعلى رُبْع مُذْحِج وأسَد عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجعفيّ وعلى رُبْع ربيعة وكِنْدة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمْدان الحرّ بن يزيد الرّياحيّ؛ فشهد هؤلاء كلُّهم مقتلَ الحسين إلا الحُرّ بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين، وقُتل معه، وجعل عمرُ على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزُّبيديّ، وعلى ميسرته شَمر بن ذي الجوْشن بن شُرَحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية -وهو الضِّباب بن كلاب- وعلى الخيل عزْرة بن قيس الأحمسيّ، وعلى الرّجال شَبَث بن ربْعيّ الرياحيّ، وأعطى الراية ذُوَيدًا مولاه (١). (٥: ٤٢٢).\nقال أبو مخنف: حدّثني عمرو بن مرَّة الجمَليّ عن أبي صالح الحنفيّ، عن غلام لعبد الرّحمن بن عبد ربّه الأنصاريّ، قال: كنت مع مولاي، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين؛ أمر الحسينُ بفُساط فضُرب، ثم أمر بمسك، فميثَ في جَفْنة عظيمة أو صَحْفة؛ قال: ثم دخل الحسين ذلك الفُسْطاطَ فتطلَّى بالنُّورة، قال: ومولاي عبدُ الرحمن بنُ عبد رّبه وبُرَير بن حُضَير الهمْدانيّ على باب الفُسْطاط تحتكّ مناكبهما، فازدحما أيهما يَطّلى على أثره، فجعل بريَر يهازل عبدَ الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له بُرَير: والله لقد علم قومي أني ما أحببتُ الباطل شابًّا ولا كَهْلًا، ولكنْ والله إنّي لمستبشرٌ بما نحن لاقون، والله إنْ بيننا وبين الحُور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولَوددتُ أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم، قال: فلما فرغ الحسين دخلنا فاطّلينا، قال: ثمّ إن الحسين ركب دابّته ودعا بمصحف فوضعه أمامَه؛ قال: فاقتتل أصحابُه بين يديه قتالًا شديدًا، فلما رأيتُ القوم قد صُرِعوا أفلَتّ وتركتُهم (٢) (٤٢٢: ٥ - ٤٢٣).\nقال أبو مخنف: عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهليّ، قال: لما صبّحت الخيل الحسينَ رفع الحسين يديه، فقال: اللهمّ أنت ثقتِي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزَل بي ثقة وعُدّة، كم من همّ يَضعُف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمَت فيه العدوّ أنزلتَه\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":230},{"text":"بك، وشكوته إليك، رغبةً مني إليك عمّن سواك، ففرَّجته، وكشفتَه، فأنت وليّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومُنتَهى كلّ رغبة (١). (٥: ٤٢٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عبد الله بن عاصم، قال: حدّثني الضحّاك المِشرقيّ قال: لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خَلفنا؛ إذْ أقبل إلينا منهم رجل يَركُض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتى مرّ على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلّا حطبًا تلتهب النار فيه، فرجع راجعًا، فنادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلتَ النارَ في الدنيا قبل يوم القيامة! فقال الحسين: مَن هذا؟ كأنه شَمِر بن ذي الجَوْشن! فقالوا: نعم، أصلحك الله! هو هو، فقال: يا بن راعية المِعْزَى، أنت أَوْلى بها صلِيًّا؛ فقال له مسلم بن عَوْسَجَة: يا بن رسول الله، جُعِلتُ فِداك! ألا أرميه بسهم! فإنه قد أمكنني، وليس يَسقُط [منّي] سهم، فالفاسق من أعظم الجَبّارين، فقال له الحسين: لا ترمِه، فإني أكره أن أبدأهم، وكان مع الحسين فرس له يُدْعى لاحقًا حمل عليه ابنَه عليّ بن الحسين؛ قال: فلما دنا منه القوم عاد براحلتِه فركبها، ثم نادى بأعلى صوته دُعاءً يُسمع جُلَّ الناس: أيها الناس! اسمَعوا قولي، ولا تُعجلوني حتى أعِظَكم بما لحقٍّ لكم عليّ، وحتى أعتذرَ إليكم من مقدَمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدَّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تُعطُوا النَّصَف من أنفسكم ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. قال: فلما سمع أخواته كلامه هذا صِحْن وبكيْن، وبكى بناته فارتفعت أصواتُهنّ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن عليّ وعليًّا ابنه، وقال لهما: أسْكِتاهنَّ، فلَعمري ليكثرن بكاؤهنّ؛ قال: فلما ذهبا ليُسكتاهنّ قال: لا يَبْعد ابن عباس؛ قال: فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهنّ، لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ، فلما سكتن حَمِد الله وأثنى عليه، وذَكَر الله بما هو أهلُه، وصلى على محمد - ﷺ - وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر لمن ذلك ما الله أعلم وما لا يُحصى ذكرُه، قال: فوالله ما سمعتُ متكلِّمًا قطّ قبْلَه ولا بعدَه أبلغَ في\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":231},{"text":"منطق منه؛ ثم قال: أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا؛ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيِّكم - ﷺ - وابنَ وصيِّه وابن عمّه، وأوَّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه! أوَليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي! أوَليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمِّي! أوَ لم يبلغْكم قول مستفيض فيكم: إنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: \"هذان سيّدا شباب أهل الجنة\"! فإن صدَّقتموني بما أقول -وهو الحقّ- فوالله ما تعمَّدت كذبًا مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذَّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخَبَركم؛ سَلُوا جابرَ بنَ عبد الله الأنصاريّ، أو أبا سعيد الخُدْريّ، أو سهل بن سعد الساعديّ، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله - ﷺ - لي ولأخي، أفَما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دمي؟ ! فقال له شَمِر بن ذي الجوشن: هو يَعبد الله على حَرْفٍ إن كان يدري ما يقول! فقال له حبيب بن مُظاهر: والله إني لأراك تَعبُد الله على سبعين حرفًا، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع اللهُ على قلبك؛ ثم قال لهم الحسين: فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أثَرًا ما أنّى ابنُ بنت نبيّكم! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنتِ نبيّكم خاصّة. أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلتُه، أو مالٍ لكم استهلكته، أو بقِصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه، قال: فنادى: يا شَبَث بن رِبْعيّ، ويا حجّار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا يزيد بن الحارث! ألم - تكتبوا إليّ أن قد أيْنعَت الثمار، واخضرّ الجنَاب، وطمَّت الجمام، وإنما تقدُم على جند لك مُجنَّد، فأقبِلْ؟ ! قالوا له: لم نفعل، فقال: سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم! ثم قال: أيها الناس! إذْ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض، قال: فقال له قيس بن الأشعث: أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك، فإنهم لن يُرُوك إلا ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثرَ من دم مسلم بن عَقِيل، لا والله لا أعطيهم بيدي إعْطَاء الذليل، ولا أقرُّ إقرارَ العبيد، عباد الله! ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾؛ قال: ثمّ إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمِعْان فعقَلها،","vol":"9","page":232},{"text":"وأقبلوا يزحفون نحو (١). (٥/ ٤٢٣ - ٤٢٦).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عليّ بن حنظلة بن أسعد الشاميّ عن رجل من قومه شهد مقتلَ الحسين حين قُتِل يقال له: كثير بن عبد الله الشعبيّ؛ قال: لما زحفنا قِبَل الحسين خرج إلينا زُهير بن قَيْن على فرس له ذنوب شاكٍ في السلاح، فقال: يا أهلَ الكوفة! نَذارِ لكم من عذاب الله نَذار! إنّ حقًّا على المسلم نصيحةَ أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد، ومِلّة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم لنصيحة منا أهلٌ، فإذا وقع السيف انقطعت العِصمة، وكنا أمّة وأنتم أمة، إنَّ الله قد ابتلانا وإياكم من بذرّيّة نبيه محمد - ﷺ - لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخِذلان الطاغية عُبيد الله بن زياد، فإنكم لا تدركون منهما إلا يسوء عُمْر سلطانهما كلِّه، ليَسملانِّ أعينكم، ويقطّعانِّ أيديكم وأرجلَكم، ويمثّلانِّ بكم، ويرفعانكم طى جُذُوع النخل، ويقتِّلانِّ أماثلَكم وقُرّاءَكم، أمثال حُجر بن عَديّ وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه، قال: فسبُّوه، وأثنَوا على عُبيد الله بن زياد، ودَعوا له، وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومَنْ معه، أو نبعثَ به وبأصحابه إلى الأمير عُبيد الله سِلْمًا؛ فقال لهم: عباد الله! إنَّ ولد فاطمة رضوان الله عليها أحقّ بالودّ والنصر من ابن سُمَيّة، فإنْ لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم؛ فخلّوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيدَ بن معاوية، فلَعَمري إنَّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين؛ قال: فرَماه شَمِر بن ذي الجوْشن بسهم وقال: اسكتْ أسكتَ الله نأمَتك، أبرمْتَنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: يا بنَ البَوّال على عَقبِيْه، ما إيّاك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تُحكِم من كتاب الله آيتَين، فأبشِرْ بالخزي يومَ القيامة والعذاب الأليم؛ فقال له شمِر: إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة؛ قال: أفبالموت تُخوّفِني؟ ! فوالله للموت معه أحبّ إليّ من الخُلد معكم! قال: ثمّ أقبل على الناس رافعًا صوته، فقال: عبادَ الله! لا يغرّنكم من دينكم هذا الجِلْف الجافي وأشباهه، فوالله لا تنال شفاعةُ محمد - ﷺ - قومًا هَراقوا دماء ذُرّيته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذبَّ عن حريمهم، قال: فناداه رجل فقال له: إنّ أبا عبد الله يقول لك: أقبل، فلَعمري لئن كان\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":233},{"text":"مؤمنُ آل فرعون نصح لقومه وأبلَغ في الدعاء، لقد نصحتَ لهؤلاء وأبلغتَ لو نفع النصح والإبلاغ! (١) (٥: ٤٢٦ - ٤٢٧).\nقال أبو مخنف: عن أبي جَناب الكَلْبي، عن عديِّ بن حرمَلة، قال: ثمّ إنْ الحُرّ بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له: أصلحك الله! مُقاتِلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالًا أيسرُه أن تسقط الرؤوسُ وتطيح الأيدي، قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضًا؟ قال عمر بن سعد: أما والله لو كان الأمر إليَّ لفعلت، ولكنّ أميركَ قد أبى ذلك؛ قال: فأقبل حتى وقف من الناس موقفًا، ومعه رجل من قومه يقال له: قرّة بن قيس، فقال: يا قرّة! هل سقيتَ فرسَكَ اليوم؟ قال: لا؛ قال: إنما تريد أن تسقيَه؟ قال: فظننت والله أنه يريد أن يتنحَّى فلا يشهد القتالَ، وكره أن أراه حين يصنع ذلك، فيخاف أن أرفعه عليه؛ فقلت له: لم أسقه، وأنا منطلِق فساقيه؛ قال: فاعتزلت ذلك المكانَ الذي كان فيه؛ قال: فوالله لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين؛ قال: فأخذ يدنو من حُسَين قليلًا قليلًا، فقال له رجل من قومه يقال له: المهاجر ابن أوس: ما تريد يا بن يزيدَ؟ ! أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العُرَوَاء، فقال له يا بن يزيد، والله إنّ أمرك لمريب، والله ما رأيتُ منك في موقف قطّ مثلَ شيء أراه الآن، ولو قيل لي: مَن أشجع أهلِ الكوفة رجلًا ما عدوْتُك، فما هذا الذي أرى منك؟ ! قال: إني والله أخيِّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئًا ولو قُطِّعتُ وحُرّقت؛ ثم ضرب فرسَه فلحِق بحسين ﵇، فقال له: جعلني الله فِداك يا بن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع، وسايرتُك في الطريق. وجَعجعت بك في هذا المكان، واللهِ الذي لا إله إلا هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضتَ عليهم أبدًا، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجتُ من طاعتهم، وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتُها منك؛ وإنّي قد جئتك تائبًا مما كان مني إلى ربي، ومواسيًا لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟ ! قال: نعم، يتوب الله عليك، ويغفر لك، ما اسمك؟\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":234},{"text":"قال: أنا الحُرّ بن يزيد؛ قال: أنت الحُرّ كما سمّتك أمك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة؛ انزلْ؛ قال: أنا لك فارسًا خيرٌ منِّي راجلًا، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري، قال الحسين: فاصنع يَرحمك الله ما بدا لك! فاستقدم أمامَ أصحابه ثم قال: أيّها القوم، ألا تقبلون من حسين خَصلةً من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيَكم الله من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلّمْه، فكلّمَه بمثل ما كلمه به قبل، وبمثل ما كلّم به أصحابه، قال عمر: قد حرصتُ، ولو وجدتُ إلى ذلك سبيلًا فعلت، فقال: يا أهل الكوفة، لأمِّكم الهَبَل والعُبْر إذْ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتُموه، وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه، ثم دعوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكَظْمه، وأحطتم به من كل جانب، فمنعتموه التوجّهَ في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهلُ بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يَملك لنفسه نفعًا، ولا يَدفع ضرًّا، وحلأتموه ونساءه وأصَيْبِيتَه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهوديّ والمجوسيّ، والنصرانيّ، وتمرَّغُ فيه خنازير السواد وكلابه، وهاهم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خَلَفْتم محمَّدًا في ذريته! لا سقاكم الله يومَ الظمأ إن لم تتوبوا وتَنزِعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه! فحملتْ عليه رَجَّالة لهم ترميه بالنَّبل؛ فأقبل حتى وقف أمام الحسين (١). (٤٢٧: ٥ - ٤٢٩).\nقال أبو مخنف: عن الصّقعب بن زهير وسليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: وزحف عمر بن سعد نحوَهم، ثمّ نادى: يا ذوَيْد! أدْنِ رايتَك؛ قال: فأدناها ثم وضع سَهمه في كَبد قوسه، ثمّ رمى فقال: اشهَدوا أني أوّل مَنْ رمى (٢). (٤٢٩: ٥).\nقال أبو مخنف: حدَّثني أبو جناب، قال: كان منا رجل يدعَى عبدَ الله بن عُمير من بني عُليم، كان قد نزل الكوفة، واتّخذ عند بئر الجَعْد من هَمْدان دارًا، وكانت معه امرأةٌ له من النَّمِر بن قاسط يقال لها: أمّ وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنُّخيلة يُعرَضون ليُسرَّحوا إلى الحسين، قال: فسأل عنهم، فقيل له: يسرّحون\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":235},{"text":"إلى حسينِ بن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -؛ فقال: والله لقد كنتُ على جهاد أهل الشرك حريصًا، وإني لأرجو ألّا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيّهم أيسرَ ثوابًا عند الله من ثوابه إيَّاي في جهاد المشركين؛ فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سَمع، وأعلَمها بما يريد، فقالت: أصبتَ أصاب الله بك أرشدَ أمورك، افعلْ وأخرجْني معك؛ قال: فخرج بها لَيْلًا حتى أتى حسينًا، فأقام معه، فلما دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموْا؛ خرج يسار مولَى زياد بن أبي سفْيان؛ وسالم مولى عُبيد الله بن زياد، فقالا: مَنْ يبارز؛ ليخرجْ إلينا بعضُكم، قال: فوثب حبيب بن مُظاهر؛ وبُرَيْرُ بن حُضَيْر، فقال لهما حسين: اجلسا؛ فقام عبد الله بن عمير الكلبيّ فقال: أبا عبد الله، رحمك الله! ائذن لي فلأخرج إليهما؛ فرأى حسين رجُلًا آدم طويلًا شديدَ الساعدين بعيدَ ما بين المنكبين، فقال حسين: إنِّي لأحسبه للأقران قتَالًا، اخرجْ إن شئتَ؛ قال: فخرج إليهما، فقالا له: مَنْ أنت؟ فانتَسَب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرجْ إلينا زهير بن القَيْن، أو حبيب بن مُظاهر، أو بُرير بن حُضَير، ويسار مُستنتِلٌ أمامَ سالم، فقال له الكلبيّ: يا بن الزانية! وبك رغبةٌ عن مُبارَزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك؟ ثم شدَّ عليه فضربه بسيفه حتى برد، فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شدّ عليه سالم، فصاح به: قد رَهَقك العبد؛ قال: فلم يأبهْ له حتى غشيَه فبدَره الضّربة، فاتَّقاه الكلبيّ بيده اليسرى، فأطار أصابع كفِّه اليسرى، ثم مال عليه الكلبيّ فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبيّ مرتجِزًا وهو يقول، وقد قتلهما جميعًا:\nإنْ تُنكرُونِي فأَنا ابن كلبِ ... حسْبيَ بَيْتِي في عُلَيمٍ حَسْبي\nإن امرُؤٌ ذو مِرّةِ وعصْبِ ... ولستُ بالخَوَّارِ عندَ النَكْبِ\nإنِّي زعيمٌ لكِ أُمَّ وهب ... بالطعنِ فيهمْ مُقدِمًا والضربِ\nضَرْبِ غُلام مؤمنٍ بالرَّبِّ\nفأخذتْ أمّ وهب امرأته عمودًا، ثم أقبلتْ نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمي! قاتِلْ دون الطيِّبين ذريّة محمد، فأقبل إليها يردّها نحو النساء فأخذتْ تجاذب ثوبَه، ثمّ قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها حسين، فقال: جُزيتم من أهلِ بيت خيرًا، ارجعي رحمكِ الله إلى النساء فاجلسي معهنّ،","vol":"9","page":236},{"text":"فإنه ليس على النساء قتال؛ فانصرفت إليهنّ. قال: وحمَل عمرو بن الحجّاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة، فلما أن دنا من حسين جَثَوْا له على الرُّكَب، وأشرَعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرَشَقُوهم بالنَّبل، فصرعوا منهم رجالًا، وجَرَحوا منهم آخرين (١). (٥: ٤٢٩ - ٤٣٠).\nقال أبو مخنف: فحدّثني حسين أبو جعفر، قال: ثمّ إنّ رجلًا من بني تميم -يقال له: عبد الله بن حَوْزة- جاء حتى وقف أمام الحسين، فقال: يا حسين، يا حسين! فقال حسين: ما تشاء؟ قال: أبشرْ بالنار؛ قال: كلّا، إني أقدِم على ربّ رحيمٍ، وشفيع مطاع، من هذا؟ قال له أصحابه: هذا ابن حَوْزة، قال: ربِّ حُزْه إلى النار؛ قال: فاضطرب به فِرسُه في جدْوَل فوقع فيه، وتعلّقتْ رجلُه بالركاب، ووقع رأسُه في الأرض ونَفر الفرس، فأخذ يمرُّ به فيضرب برأسه كلّ حجرٍ وكلّ شجرةٍ حتى مات (٢). (٥: ٤٣٠ - ٤٣١).\nقال أبو مخنف: وأمَّا سُوَيد بن حَيَّة؛ فزعم لي: أنّ عبد الله بن حَوْزة حين وقع فرسه بقيتْ رجلُه اليسرى في الرّكاب، وارتفعت اليُمنى فطارت، وعَدا به فرسُه يضرب رأسه كلَّ حَجَر وأصل شجرة حتى مات (٣). (٥: ٤٣١).\nقال أبو مخنف: عن عطاء بن السائب، عن عبد الجبّار بن وائل الحضرميّ، عن أخيه مسروق بن وائل، قال: كنتُ في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين، فقلت: أكون في أوائلها لعلِّي أصيب رأسَ الحسين، فأصيب به منزلةً عند عُبيد الله بن زياد؛ قال: فلما انتهينا إلى حسين تقدّم رجل من القوم يقال له: ابن حَوْزة، فقال: أفيكم حسين؟ قال: فسكَت حسينٌ؛ فقالها ثانية، فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال: قولوا له: نَعَم، هذا حسين، فما حاجتُك؟ قال: يا حسين، أبشرْ بالنار؛ قال: كذبتَ، بل أقدم على ربٍّ غفور وشفيع مطاع، فمَن أنت؟ قال: ابن حَوْزة؛ قال: فرفع الحسين يدَيه حتى رأينا بياض إبطَيْه من فوق الثياب، ثم قال: اللهمّ حُزْه إلى النار، قال: فغضب ابن حَوْزة، فذهب ليُقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر؛ قال: فعَلقتْ قدمُه بالرّكاب، وجالت به الفرس فسقط\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":237},{"text":"عنها؛ قال: فانقطعت قدمه وساقُه وفخذُه، وبقيَ جانبه الآخر متعلقًا بالرّكاب، قال: فرجع مسروق وترك الخيلَ من ورائه؛ قال: فسألتُه، فقال: لقد رأيتُ من أهل هذا البيت شيئًا لا أقاتلهم أبدًا؛ قال: ونشب القتال (١). (٥: ٤٣١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عَفيف بن زهير بن أبي الأخنس -وكان قد شهد مَقتلَ الحسين- قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عَميرة بن ربيعة وهو حليف لبني سَليمة من عبد القيس، فقال: يا بُرَير بن حُضَير! كيف ترى الله صَنَع بك؟ قال: صنِع اللهُ واللهِ بي خيرًا، وصنع الله بك شرًّا؛ قال: كذبتَ، وقبل اليوم ما كنت كذّابًا، هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان وأنت تقول: إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفًا، وإنّ معاوية بن أبي سُفْيان ضالّ مُضلّ، وإن إمام الهدى والحقّ عليّ بن أبي طالب؟ فقال له برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي؛ فقال له يزيد بن معقل: فإنّي أشهد أنك من الضالين؛ فقال له بُرَير بن حُضَير: هل لكْ فلأُباهِلْك، ولندْعُ اللهَ أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل، ثمّ اخرجْ فلأبارزك؛ قال: فخرجا فرفعا أيديَهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المُحقُّ المبطلَ؛ ثم برز كل واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضَرب يزيدُ بن معقل بُرَيْر بن حُضَير ضربةً خفيفة لم تضرّه شيئًا، وضربه برير بن حُضير ضربةً قدّت المِغفر، وبلغت الدّماغَ، فخرَّ كأنما هَوَى من حالق، وإن سيف ابنَ حُضير لثابت في رأسه، فكأني أنظر إليه يُنضْنضه من رأسه، وحمل عليه رضيّ بن مُنقذ العبديّ فاعتنق بُرَيرًا، فاعتركا ساعةً، ثمّ إنّ بُريرًا قعد على صدره فقال رضيّ: أين أهل المِصاع والدفاع؟ قال: فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزديّ ليحمل عليه، فقلت: إنّ هذا بُرَير بن حُضير القارئ الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد؛ فحمل عليه بالرّمح حتى وضعه في ظهره، فلمَّا وجد مسَّ الرّمح برك عليه فعضّ بوِجهه، وقطع طرف أنفه، فطعنه كعب بن جابر حتى ألقاه عنه، وقد غيَّب السنان في ظهره، ثمّ أقبل عليه يضربه بسيفه حتى قتله؛ قال عفيف: كأني أنظر إلى العبديِّ الصريع قام ينفُض الترابَ عن قَبائه، ويقول: أنعمت عليّ يا أخا الأزد نعمةً لن أنساها أبدًا؛ قال: فقلت: أنت رأيت هذا؟ قال: نعم، رأيَ عيني وسمْعَ أذني.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":238},{"text":"فلمَّا رجع كعب بن جابر قالت له امرأته، أو أخته النَّوار بنت جابر: أعنتَ على ابن فاطمةَ، وقتلتَ سيِّد القُرَّاء؛ لقد أتيتَ عظيمًا من الأمر، والله لا أكلِّمك من رأسي كلمةً أبدًا.\nوقال كعب بن جابر:\nسَلِي تُخبَري عنّي وأَنتِ ذميمةٌ ... غَداةَ حُسينٍ والرّماحُ شوارعُ\nأَلمْ آتِ أَقصى ما كرهتِ ولَم يُخِلْ ... عليَّ غداةَ الرَّوْع ما أَنا صانعُ\nمعي يَزنيٌّ لم تَخُنْه كعوبُهُ ... وأَبْيضُ مخشوبُ الغِرَارين قاطع\nفجرَّدْتُه في عُصبةٍ ليس دينُهمْ ... بديني وإِنِّي بابنِ حربٍ لقانعُ\nولم تَر عيني مِثلهم في زمانِهمْ ... ولا قبلَهم في الناس إذ أنا يافعُ\nأشدَّ قِراعًا بالسيوفِ لدى الوَغَى ... ألا كلُّ مَنْ يحمي الذِّمارَ مُقارعُ\nوقد صبرُوا للطعنِ والضرب حُسَّرًا ... وقد نازلوا لو أَنَّ ذلك نافعُ\nفأبلغْ عبيد اللهِ إِمَّا لقِيتَه ... بأَنِّي مُطيعٌ للخليفةِ سامعُ\nقَتلتُ بُريرًا ثم حَمَّلتُ نِعمةً ... أَبا مُنقذ لمَّا دعا: من يُماصعُ؟ (١)\n(٥: ٤٣١ - ٤٣٣).\nقال أبو مخنف: حدّثني عبد الرّحمن بن جُندَب، قال: سمعتُه في إمارة مُصْعَب بن الزُّبير؛ وهو يقول: يا ربّ إنا قد وَفيْنا، فلا تجعلنا يا ربّ كمن قد غدر! فقال له أبي: صدق، ولقد وَفَى وكَرُم، وكَسبت لنفسك شرًّا؛ قال: كلا، إنّي لم أكسب لنفسي سرًّا، ولكنّي كسبتُ لها خيرًا.\nقال: وزعموا: أن رضّي بن منقذ العبديّ ردَّ بعدُ على كعب بن جابر جوابَ قوله، فقال:\nلو شاءَ ربّي ما شهدتُ قِتَالَهُم ... ولا جعَل النَّعْماءَ عندي ابْنُ جابر\nلقد كانَ ذاك اليومُ عارًا وسُبَّة ... يُعيَّرُهُ الأَبناءُ بعد المعاشرِ\nفيا ليتَ أني كنتُ من قبلِ قتلِهِ ... ويوم حُسينٍ كنت في رَمْسِ قابرِ\nقال: وخرج عمرو بن قَرَظَة الأنصاريُّ يقاتل دون حسين وهو يقول:\nقد علمَتْ كتِيبةُ الأَنصارِ ... أنِّي سأَحْمِي حوْزَةَ الذِّمارِ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":239},{"text":"ضَرْبَ غُلام غير نكْس شارِي ... دون حسين مُهجتي ودارِي (١)\n(٤٣٣: ٥ - ٤٣٤).\nقال أبو مخنف: عن ثابت بن هبيرة، فقتل عمرو بن قرظة بن كعب، وكان مع الحسين، وكان عليّ أخوه مع عمر بن سعد، فنادى عليُّ بن قُريظة: يا حسينُ، يا كذّاب ابن الكذّاب، أضللتَ أخي وغررتَه حتى قتلتَه! قال: إنّ الله لم يضلّ أخاك، ولكنه هَدَى أخاك وأضلّك؛ قال: قتلني اللهُ إن لم أقتلك أو أموتَ دونك؛ فحمَل عليه، فاعترضه نافع بن هلال المراديّ، فطعنه فصرعه، فحمله أصحابُه فاستنقذوه، فدُووي بعدُ فبَرأ (٢). (٥: ٤٣٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني النضر بن صالح أبو زهير العبسيّ أنّ الحرّ بن يزيدَ لما لحق بحسين قال رجل من بني تميم من بني شَقرة -وهم بنو الحارث بن تميم- يقال له- يزيد بن سُفيان: أما والله لو أني رأيتُ الحُرّ بنَ يزيدَ حين خرج لأتبعته السِّنان؛ قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحرّ بن يزيدَ يَحمل على القوم مقدمًا ويتمثَّل قولَ عَنْتَرة:\nما زِلتُ أَرْميهِمْ بثُغْرَةِ نَحْرِهِ ... وَلَبانِهِ حتَّى تَسَربَلَ بالدَّمِ\nقال: وإنّ فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبه، وإن دماءه لَتسيل، فقال الحصين بن تميم -وكان على شُرطة عبيد الله، فبعثه إلى الحسين، وكان مع عمر بن سعد، فولّاه عمر مع الشرطة المجفّفة- ليزيد بن سُفْيان: هذا الحرّ بن يزيد الذي كنت تتمنّى؛ قال: نعم فخرج إليه فقال له: هل لك يا حرّ بن يزيد في المبارزة؟ قال: نعم قد شئتُ، فبرز له؛ قال: فأنا سمعتُ الحصين بن تميم يقول: واللهِ لأبرز له؛ فكأنما كانت نفسُه في يده.\nفما لبّثه الحُرّ حين خرج إليه أن قتَله (٣). (٥: ٤٣٤ - ٤٣٥).\nقال هشام بن محمّد، عن أبي مخنّف، قال: حدّثني يحيى بن هانئ بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":240},{"text":"عروة: أنّ نافع بنَ هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: \"أنا الجَمَلِي، أنا عَلى دينِ عَلي\".\nقال: فخرج إليه رجل يقال له: مُزاحم بن حُرَيث، فقال: أنا على دين عثمان، فقال له: أنت على دين شيطان، ثمّ حمل عليه فقتله، فصاح عمرو بن الحجّاج بالناس: يا حَمقى، أتدرون من تقاتلون! فرسانَ المِصْر؛ قومًا مستميتين، لا يبرزنَّ لهم منكم أحد، فإنهم قليل، وقلّما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم؛ فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأيُ ما رأيتَ، وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألّا يبارز رجلٌ منكم رجلًا منهم (١). (٥: ٤٣٥).\nقال أبو مخنف: حدّثني الحسين بن عقبة المراديّ: قال الزّبيدي: إنه سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول: يا أهلَ الكوفة! الزَموا طاعتكم وجماعتَكم، ولا ترتابوا في قتل من مَرَق من الدّين، وخالَفَ الإمام، فقال له الحسين: يا عمرو بن الحجّاج! أعليَّ تحرّض الناس؟ أنحن مَرَقنا وأنتم ثبتُّم عليه؟ أما والله لتعلمنّ لو قد قبضتْ أرواحكم، ومِتُّم على أعمالكم، أيّنا مَرَق من الدّين، ومن هو أولى بصليّ النار! قال: ثمّ إنّ عمرو بن الحجاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفُرات، فاضطربوا ساعةً؛ فصرع مسلم بن عَوْسجة الأسديّ أوّل أصحاب الحسين، ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه، وارتفعت الغَبرَة، فإذا هم به صريع، فمشى إليه الحسين فإذا به رَمَقٌ، فقال: رحمك ربُّك يا مسلم بن عوسجة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.\nودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: عزَّ عليَّ مصرعُك يا مسلم، أبشر بالجنة! فقال له مسملم قولًا ضعيفًا: بشَّرك الله بخير! فقال له حبيب: لولا أني أعلم أنّى في أثرك لا حقٌ بك من ساعتي هذه لأحببتُ أن توصيني بكلّ ما أهمَّك حتى أحفظَك في كلّ ذلك بما أنت أهلٌ له في القرابة والدّين؛ قال: بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله -وأهوَى بيَدِه إلى الحسين- أن تموت دونه، قال: أفعل وربِّ الكعبة؛ قال:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":241},{"text":"فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم، وصاحت جارية له، فقالت: يا بن عوسجتاهْ! يا سيّداهْ! فتنادَى أصحاب عمرو بن الحجاج: قتلْنا مسلمَ بنَ عوسجة الأسديّ؛ فقال شَبَث لبعض مَن حوله من أصحابه: ثَكِلتْكم أمهاتكم! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذللون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يُقتَل مثل مسلم بن عوسجة! أما والذي أسلمت له لرُبَّ موقف له قد رأيته في المسلمين كريم! لقد رأيته يوم سَلَقِ آذربيجان قَتَل ستّةً من المشركين قبل تتامِّ خيول المسلمين، أفيُقتل منكم مثله وتفرحون! قال: وكان الذي قتل مسلمَ بن عَوْسجة مسلمُ بن عبد الله الضَّبَابيّ، وعبد الرحمن بن أبي خُشكارة البَجَليّ. قال: وحمل شمِر بن ذي الجَوْشن في الميسرة على أهل الميسرة فثبتوا له، فطاعَنوه وأصحابه، وحَمَل على حسين وأصحابه من كلّ جانب، فقُتل الكلبيّ وقد قتَلَ رجلين بعد الرّجلين الأوّلَين، وقاتل قتالًا شديدًا، فحمل عليه هانئ بن ثُبَيْت الحضرميّ وبُكير بن حَيّ التّيميّ. من تيم الله بن ثعلبة، فقَتَلاه، وكان القتيلَ الثاني من أصحاب الحسين، وقاتلهم أصحابُ الحسين قتالًا شديدًا، وأخذتْ خيلُهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارسًا، وأخذتْ لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته، فلما رأى ذلك عَزْرَة بن قيس -وهو على خيل أهل الكوفة- أنَّ خيله تنكشف من كلّ جانب، بعث إلى عمر بن سعد عبدَ الرحمن بن حصن، فقال: أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العِدّة اليسيرة! ابعث إليهم الرّجال والرّماةَ؛ قال لشَبَث بن رِبْعيّ: ألا تقدم إليهم! فقال: سبحان الله! أتعمِد إلى شيخ مُضَر وأهلِ المصر عامة تبعثه في الرّماة! لِم تجد مَنْ تندب لهذا ويجزئ عنك غيري! قال: وما زالوا يرون من شَبَث الكراهة لقتاله. قال: وقال أبو زهير العبسيّ: - فأنا سمعتُه في إمارة مصعب يقول: لا يعطي الله أهلَ هذا المِصر خيرًا أبدًا، ولا يسدّدهم لرُشْد، ألا تَعجَبون أنّا قاتْلنا مع عليّ بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سُفْيان خمسَ سنين، ثم عدَوْنا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتلُه مع آل معاوية وابن سميّة الزانية! ضلال يا لك من ضلال!\nقال: ودعا عمر بن سعد الحصينَ بن تميم فبعث معه المجفّفة وخمسمئة من المرامية، فأقبلوا حتى إذا دنَوا من الحسين وأصحابه رشَقُوهم بالنَّبل، فلم يلَبَثوا","vol":"9","page":242},{"text":"أن عقروا خيولهم، وصاروا رَجَّالةً كلَّهم (١). (٥: ٤٣٥ - ٤٣٧).\nقال أبو مخنف: حدّثني نُمير بن وَعْلة أن أيّوب بن مِشْرَح الخيْواني كان يقول: أنا والله عقرتُ بالحُرّ بن يزيدَ فرسَه، حشأتُه سهمًا، فما لبث أن أرعِد الفرس واضطرب وكبا، فوَثب عنه الحرّ كأنه ليث والسيف في يده وهو يقول:\nإن تَعْقِرُوا بي فأَنا ابنُ الحُرِّ ... أشْجَعُ من ذي لِبَدٍ هِزَبْر\nقال: فما رأيت أحدًا قطّ يفري فرْيَه؛ قال: فقال له أشياخٌ من الحيّ: أنت قتلتَه؟ قال: لا والله ما أنا قتلتُه، ولكنْ قتلَه غيري، وما أحبّ أني قتلتُه، فقال له أبو الودَّاك: ولِمَ؟ قال: إنه كان زعموا من الصّالحين، فوالله لئن كان ذلك إثمًا لأنْ ألقَى الله بإثم الجراحة والموقف أحبّ إليَّ من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم، فقال له أبو الودّاك: ما أراك إلا ستلقَى الله بإثم قتلِهم أجمعين، أرأيتَ لو أنك رميت ذا فعقرت ذا، ورميتَ آخَرَ، ووقفتَ موقفًا، وكررتَ عليهم، وحرّضتَ أصحابك، وكثرت أصحابك، وحمل عليك، فكرهت أن تفرّ، وفعل آخر من أصحابك كفعلك، وآخر وآخر، كان هذا وأصحابه يقتلون! أنتم شركاءُ كلكم في دمائهم؛ فقال له: يا أبا الودّاك، إنك لتقنِّطنا من رحمة الله، إن كنتَ وليّ حسابنا يوم القيامة فلا غَفَر الله لكَ إنْ غفرتَ لنا! قال: هو ما أقول لك؛ قال: وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشدَّ قتال خَلَقه الله، وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلّا من وجهٍ واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارُبِ بعضِها من بعض.\nقال: فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجالًا يقوِّضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم؛ قال: فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخلّلون البيوت فيشدّون على الرجل وهو يقوّض وينتهب فيقتلونه ويرمُونه من قريب ويعقرونه، فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال: أحرقوها بالنار، ولا تَدخُلوا بيتًا ولا تقؤضوه، فجاؤوا بالنار، فأخذوا يحرّقون، فقال حسين: دَعُوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرَّقوها لم يستطعيوا أن يجوزوا إليكم منها، وكان ذلك كذلك، وأخذوا لا يقاتلونهم إلّا من وجه واحد. قال: وخرجت امرأة الكلبيّ تمشي إلى زوجها حتى جلستْ عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول: هنيئًا لك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":243},{"text":"الجنّة! فقال شمر بن ذي الجوْشَن لغلام يسمَّى رُستَم: اضرِب رأسها بالعمود؛ فضرب رأسَها فشَدخه، فماتت مكانَها؛ قال: وحَملَ شَمِر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه، ونادى: عليّ بالنار حتى أحرّقَ هذا البيت على أهله، قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط؛ قال: وصاح به الحسين: يا بن ذي الجوشَن! أنت تدعو بالنار لتحرّق بيتي على أهلي. حرَقك الله بالنار! (١) (٥: ٤٣٧ - ٤٣٨).\nقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حُميد بن مسلم، قال: قلت لشَمر بن ذي الجوشن: سبحان الله! إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين، تعذّب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء! والله إنّ في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك؛ قال: فقال: من أنت؟ قال: قلت: لا أخبرك من أنا، قال: وخشيتُ والله أن لو عرفني أن يضرّني عند السلطان؛ قال: فجاءه رجل كان أطوَعَ له مني؛ شَبَث بن رِبْعيّ، فقال: ما رأيتُ مقالًا أسوأ من قولك، ولا موقفًا أقبحَ من موقفك، أمُرعِبًا للنساء صرتَ! قال: فأشهد أنه استحيا، فذهب لينصرف، وحَمَل عليه زهيرُ بن القَيْن في رجال من أصحابه عشرة، فشدّ على شمر بن ذي الجوْشن وأصحابه، فكشَفهم عن البيوت حتى ارتقوا عنها، فصَرَعوا أبا عزّة الضِّبَابيّ فقتلوه، فكان من أصحاب شَمِر، وتعطّف الناس عليهم فكثروهم، فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل، فإذا قتِل منهم الرّجل والرّجلان تبيّن فيهم، وأولئك كثير لا يتبيَّن فيهم ما يقتَل منهم؛ قال: فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائديّ قال للحسين: يا أبا عبد الله! نفسي لك الفِداء! إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتى أُقتلَ دونك إن شاء الله، وأحبّ أن ألقى ربي وقد صلّيتُ هذه الصلاة التي دنا وقتُها؛ قال: فرفع الحسينُ رأسَه ثم قال: ذكرتَ الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين! نعم، هذا أوّل وقتها؛ ثم قال: سلوهم أن يكفّوا عنا حتى نصلِّي؛ فقال لهم الحصين بن تميم: إنها لا تُقبَل؛ فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقبَل زعمتَ! الصلاة من آل رسولِ الله - ﷺ - لا تُقبلَ وتُقبلَ منك يا حمار! قال: فحمل عليهم حصين بن تميم، وخرج إليه حبيب بن مظاهر، فصرب وجه فرسه بالسيف، فشبّ ووقع عنه،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":244},{"text":"وحمَله أصحابُه فاستنقذوه، وأخذ حبيب يقول:\nأُقسِمُ لو كُنَّا لكلم أَعْدادًا ... أو شَطرَكمْ ولَّيتمُ أكتَادا\nيا شَرَّ قوم حَسبًا وآدا\nوقال: وجعل يقول يومئذ:\nأنا حبيب وأبي مُظاهِرُ ... فارِسُ هيجاءَ وحوب تُسعَرُ\nأنتمْ أَعَدُّ عُدَّة وأكثرُ ... ونحن أَوفَى منكمُ وأَصبَرُ\nونحن أَعْلى حُجَّةً وأَظهرُ ... حقّا وأَتَقَى منكمُ وأَعْذَرُ\nوقاتل قتالًا شديدًا، فحَمَل عليه رجلٌ من بني تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله -وكان يقال له: بديل بن صُرَيْم من بني عُقْفان- وحمل عليه آخرُ من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف، فوقع، ونزل إليه التميميّ فاحتزّ رأسه، فقال له الحصين: إنّي لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله ما قتَلَه غيري؛ فقال الحصين: أعطِنيه أعلِّقه في عُنق فرسي كيْما يرى الناسُ ويَعلَموا أني شَركتُ في قتله؛ ثم خذه أنت بعدُ فامضِ به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجةَ لي فيما تعطاه على قتلك إياه، قال: فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأسَ حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر قد علّقه في عنق فرسه، ثمّ دفعه بعد ذلك إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخرُ رأسَ حبيب فعلقه في لبَان فرسه، ثمّ أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبَصُر به ابنُه القاسم بن حبيب، وهو يومئذ قد راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، كلَّما دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به، فقال: ما لك يا بنيّ تتبعني! قال: لا شيء، قال: بلى، يا بنيّ أخبرني، قال له: إنّ هذا الرأس الذي معك رأس أبي، أفتعطينيه حتى أدفنَه؟ قال: يا بنيّ، لا يرضى الأميرُ أن يُدفَن وأنا أريد أن يثيبَني الأميرُ على قتله ثوابًا حسنًا؛ قال له الغلام: لكنّ الله لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب: أما والله لقد قتلتَ خيرًا منك، وبكى، فمكث الغلامُ حتى إذا أدرك لم يكن له همَّةٌ إلا اتّباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غِرّةً فيقتلهُ بأبيه، فلما كان زمان مُصعَب بن الزبير وغزا مصعب باجُمَيْرا دخل عسكرَ مصعب فإذا قاتِلُ أبيه في فسطاطه، فأقبل يختلف في طلبه والتماس","vol":"9","page":245},{"text":"غِرَّته، فدخل عليه وهو قائلٌ نصفَ النهار فضربه بسيفه حتى برد (١).\n(٤٣٨: ٥ - ٤٤٠).\nقال أبو مخنف: حدّثني محمد بن قيس، قال: لما قُتِل حبيب بن مظاهر هدّ ذلك حسينًا وقال عند ذلك: أحتَسِب نفسي وحُماةَ أصحابي، قال: فأخذ الحُرّ يرتجز ويقول:\nآليتُ لا أُقتلُ حتَى أَقتُلَا ... ولنْ أُصابَ اليومَ إلَّا مُقبلَا\nأضْربُهُمْ بالسيف ضَرْبًا مِقْصَلَا ... لا ناكِلًا عَنْهمْ ولا مهللًا\nوأخذ يقول أيضًا:\nأضْرِبُ في أعراضِهمْ بالسيفْ ... عن خيرِ مَنْ حَلّ مني والخَيْفْ\nفقاتل هو وزهير بن القَيْن قتالًا شديدًا، فكان إذا شدَّ أحدُهما؛ فإن استُلحِمَ شدّ الآخر حتى يخلّصه، ففعلا ذلك ساعة، ثمّ إنّ رجّالة شدّت على الحرّ بن يزيد فقتل، وقتَل أبو ثمامة الصائديّ ابنَ عمّ له كان عدوًّا له، ثم صلّوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاةَ الخوف، ثتم اقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ قتالهم، ووُصِل إلى الحسين، فاستقدم الحنفيّ أمامَه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يمينًا وشمالًا قائمًا بين يديه، فما زال يُرمى حتى سقط، وقاتل زهير بن القَيْن قتالًا شديدًا، وأخذ يقول:\nأنا زُهير وأَنا ابنُ القَيْنِ ... أذُودُهمْ بالسيفِ عن حسين\nقال: وأخذ يَضرِب على مَنكِب حسين ويقول:\nأقدِمْ هُدِيتَ هادِيًا مَهدِيًا ... فاليومَ تَلْقَى جَسدَّكَ النَّبِيَّا\nوحَسنًا والمرتضىَ عليًّا ... وذا الجنَاحَيْنِ الفَتَى الكَميَّا\nوأسدَ اللهِ الشهيدَ الحيَّا\nقال: فشدّ عليه كثيرُ بن عبد الله الشعبيّ ومهاجرُ بن أوْس فقتَلاه، قال: وكان نافع بن هلال الجمليّ، قد كتب اسمَه على أفواق نَبْله، فجعل يرمي بها مسوّمةً وهو يقول: \"أنا الجمَليّ، أنَا على دين عَلي\".\nفقتَل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى مَنْ جرح؛ قال: فضرِب حتى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":246},{"text":"كُسرت عضداه وأخذ أسيرًا؛ قال: فأخذه شَمِر بن ذي الجوشن، ومعه أصحاب له يسوقون نافعًا حتى أتى به عمر بن سعد، فقال له عمر بن سعد: ويْحك يا ناقع! ما حمَلك على ما صنعتَ بنفسك! قال: إنّ ربي يعلم ما أردتُ؛ قال: والدماء تسيل على لحيته وهو يقول: والله لقد قتلتُ منكم اثني عشر سوَى من جرحتُ، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيتْ لي عضد وساعدٌ ما أسرتموني؛ فقال له شمِر: اُقِتُلْه أصلحك الله! قال: أنت جئتَ به، فإن شئتَ فاقتله، قال: فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما والله أنْ لو كنت من المسلمين لَعَظُم عليك أن تلقى اللهَ بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يديْ شِرارِ خلقه؛ فقتله.\nقال: ثمّ أقبل شمِر يحمل عليهم وهو يقول:\nخَلُّوا عُداةَ اللهِ خلّوا عن شَمِرْ ... يَضرِبُهُمْ بسيفه ولَا يَفِرْ\nوهو لكم صابٌ وسَمٌ ومَقِرْ\nقال: فلما رأى أصحابُ الحسين أنهم قد كُثِروا، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسينًا ولا أنفسَهم، تنافسوا في أن يُقتَلوا بين يديه، فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عَزْرة الغِفاريّان، فقالا: يا أبا عبد الله! عليك السلام، حازَنَا العدوّ إليك، فأحبَبْنا أن نُقتَل بين يديْك، نمنعك وندفع عنك، قال: مرحبًا بكما! أذنُوَا منّي، فدنَوَا منه، فجعلا يقاتلان قريبًا منه، وأحدهما يقول:\nقد علِمتْ حقًّا بنو غِفَارِ ... وخِنْدِفٌ بعد بني نزارِ\nلنَضْربَنَ معْشَرَ الفجَّارِ ... بكل عَضْبٍ صارمٍ بَتَّارِ\nيا قوم ذُودُوا عن بني الأَحرارِ ... بالمَشْرِفيّ والقَنا الخطَّارِ\nقال: وجاء الفَتيَان الجابريّان: سيف بن الحارث بن سُرَيْع، ومالك بن عبد بن سريع، وهما ابنا عمّ، وأخَوان لأمّ، فأتيا حسينًا فدَنَوا منه وهما يبكيان، فقال: أي ابنَيْ أخي! ما يُبكيكما؟ فوالله إنّي لأرجو أن تكونا عن ساعة قريريْ عين، قالا: جعلنا الله فِداك! لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنّا نبكي عليك، نراك قد أحيط بك، ولا نقدر على أن نمنعك؛ فقال: جزاكما الله يا بَنيْ أخي بوَجْدكما من ذلك، ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسنَ جزاءِ المتقين؛ قال: وجاء حنظلة بن أسعد الشّباميّ فقام بين يدي حسين، فأخذ ينادي: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ","vol":"9","page":247},{"text":"يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يا قوم تقتلوا حسينًا فيُسْحِتَكُمُ الله بعذاب ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ فقال له حسين: يا بن أسعد، رحمك الله! إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتَهم إليه من الحقّ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابَك، فكيف بهم الآن وقد قَتلوا إخوانَك الصالحين! قال: صدقت، جعلت فداك! أنت أفقه منِّي وأحقّ بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟ فقال: رُحْ إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها، وإلى مُلكٍ لا يَبْلى، فقال: السلام عليك أبا عبد الله، صلى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بيننا وبينك في جنّته، فقال: آمين آمين؛ فاستقدم فقاتل حتى قُتل. قال: ثم استقدم الفَتَيان الجابريّان يلتفتان إلى حسين ويقولان: السَّلام عليك يابنَ رسول الله! فقال: وعليكما السلام ورحمة اللهِ؛ فقاتَلا حتى قُتلا؛ قال: وجاء عابس بن أبي شَبيب الشاكريّ، ومعه شوْذب مولَى شاكر، فقال: يا شَوْذب! ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله - ﷺ - حتى أقتل؛ قال: ذلك الظنّ بك، أمَّا لا فتقدّمْ بين يديْ أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرَك من أصحابه، وحتى أحتسِبك أنا، فإنه لو كان معي الساعة أحدٌ أنا أَوْلَى به منّي بك لسرّني أن يتقدّم بين يديّ حتى أحتسبه، فإنَّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجرَ فيه بكلّ ما قدَرْنا عليه، فإنه لا عملَ بعد اليوم، وإنما هو الحساب؛ قال: فتقدّم فسلّم على الحسين، ثم مضى فقاتل حتى قُتل. ثم قال عابس بن أبي شبيب: يا أبا عبد الله! أما والله ما أمسَى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعزَّ على ولا أحبَّ إليَّ منك؛ ولو قدرتُ على أن أدفع عنك الضيمَ والقتلَ بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلتُه؛ السلام عليك يا أبا عبد الله! أشهدُ اللهَ أني على هَدْيك وهدْي أبيك؛ ثم مشى بالسيف مصلتًا نحوَهم وبه ضربة على جبينه (١). (٥: ٤٤٠ - ٤٤٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني نمير بن وَعْلة، عن رجل من بني عبد من هَمْدان يقال له: ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم، قال: لما رأيتُه مُقبلًا عرفتُه وقد شاهدته في\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":248},{"text":"المَغازِي، وكان أشجعَ الناس، فقلت: أيُّها الناس، هذا الأسد الأسوَد، هذا ابن أبي شبِيب؛ لا يخرجنْ إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجلٌ لرجل! فقال عمر بن سعد: ارضَخُوه بالحجارة؛ قال: فرُمِيَ بالحجارة من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقَى دِرْعه ومِغفرَه، ثمّ شدّ على الناس، فوالله لرأيتهُ يكرُد أكثرَ من مئتين من الناس؛ ثم إنهم تعطَّفوا عليه من كلّ جانب، فقتِل؛ قال: فرأيت رأسَه في أيدي رجال ذوي عُدَّة؛ هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته، فأتَوا عمرَ بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتلْه سنان واحد. ففرَّق بينهم بهذا القول (١). (٥: ٤٤٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم، عن الضحّاك بن عبد الله المِشرقيّ. قال: لما رأيتُ أصحاب الحسين قد أصيبوا، وقد خُلِص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غيرُ سُويد بن عمرو بن أبي المطاع الحثْعَميّ، وبُشَير بن عمرو الحضرميّ، قلت له: يا بن رسول الله! قد علمتَ ما كان بيني وبينك؛ قلتُ لك: أقاتل عنك مارأيتُ مقاتلًا، فإذا لم أر مقاتلًا فأنا في حِلّ من الانصراف؛ فقلتَ لي: نعم؛ قال: فقال: صدقتَ، وكيف لك بالنَّجاء! إنْ قدَرتَ على ذلك فأنتَ في حلّ؛ قال: فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيلَ أصحابنا تُعقَر، أقبلتُ بها حتى أدخلتها فسطاطًا لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلًا، فقَتلت يومئذ بين يَدِي الحسين رجليْن، وقطعت يدَ آخر، وقال لي الحسين يومئذ مرارًا: لا تُشلل، لا يقطع الله يَدَك، جزاك الله خيرًا عن أهلِ بيتِ نبيِّك - ﷺ -! فلما أذن لي استخرجتُ الفرس من الفساط، ثم استويْتُ على متْنها، ثم ضربتُها حتى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عُرضَ القوم، فافرجوا لي، واتبعني منهم خمسة عشر رجلًا حتى انتهيتُ إلى شفيَّة؛ قرية قريبة من شاطئ الفُرات، فلما لحقوني عطفتُ عليهم، فعرَفَني كثير بن عبد الله الشعبيّ وأيوب بن مِشْرَح الخَيْوانيّ وقيس بن عبد الله الصائديّ، فقالوا: هذا الضحَّاك بن عبد الله المِشرقيّ، هذا ابنُ عمِّنا، نَنشُدكم اللهَ لما كففتم عنه! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبنّ إخوانَنا وأهلَ دعوتنا إلى ما أحبُّوا من الكفّ عن صاحبهم؛ قال: فلما تابع التميميُّون أصحابي كفّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":249},{"text":"الآخَرون؛ قال: فنَجّاني الله (١). (٥: ٤٤٤ - ٤٤٥).\nقال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خُديج الكندي: أنّ يزيد بن زياد؟ وهو أبو الشعثاء الكنديّ من بني بَهْدَلة جَثَا على ركبتيه بين يدي الحسين، فرَمَى بمئة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكان راميًا، فكان كلّما رَمَى قال: أنا ابن بهدلهْ. فُرْسانِ العَرْجلهْ؛ ويقول حسين: اللهمّ سَددْ رميتَه، واجعلْ ثوابَه الجنَةَ؛ فلما رمى بها، قام فقال: ما سقط منها إلا خمسة أسهم، ولقد تبيَّن لي أني قد قتلتُ خمسة نفر، وكان في أوّل من قُتل، وكان رجزُه يومئذ:\nأَنا يزيدُ وأَبي مُهاصِرْ ... أشجعُ من ليثٍ بِغيلٍ خادرْ\nيا ربّ إنَي للحسيْن ناصِرْ ... ولابن سعدٍ تاركٌ وهاجرْ\nوكان يزيد بن زياد بن المهاصر ممّن خرج مع عُمر بن سعد إلى الحسين، فلما ردّوا الشُروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتى قُتل، فأمّا الصيداويّ عمر بن خالد، وجابر بن الحارث السلمانيّ، وسعد مولى عمر بن خالد، ومجمّع بن عبد الله العائذيّ، فإنهم قاتلوا في أوّل القتال، فشدّوا مُقْدِمين بأسيافهم على الناس، فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد، فحمل عليهم العباس بن عليّ فاستنقذهم، فجاؤوا قد جُرِّحوا، فلما دنا منهم عدوّهم شدّوا بأسيافهم فقاتلَوا في أوّل الأمر حتى قُتِلوا في مكان واحد (٢). (٥: ٤٤٥ - ٤٤٦).\nقال أبو مخنف: حدّثني زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعميّ، قال: كان آخر من بقي مع الحسين من أصحابه سُويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعميّ، قال: وكان أوّل قتيل من بني أبي طالب يومئذ عليٌّ الأكبر بن الحسين بن عليّ -وأمه ليلى ابنة أبي مُرّة بن عُروة بن مسعود الثقفيّ- وذلك أنه أخذ يشدّ على الناس وهو يقول:\nأَنا عَليُّ بنُ حسينِ بن عَلِي ... نَحن وربِّ البيت أَولَى بالنَّبِي\nتالله لا يَحْكُم فينا ابنُ الدَّعِي\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":250},{"text":"قال: ففعل ذلك مرارًا، فبَصر به مُرّة بن منقذ بن النعمان العبديّ ثمّ الليثيّ، فقال: عليّ أثَامُ العرب إنْ مَرّ بي يفعل مِثلَ ما كان يفعل إنْ لم أثكِله أباه؛ فمرَّ يشدّ على الناس بسيفه، فاعترضه مرَّة بن منقذ، فطعنه فصُرع؛ واحتَوَله الناس فقطّعوه بأسيافهم (١). (٥: ٤٤٦).\nقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الأزديّ، قال: سماعُ أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل الله قومًا قتلوك ياِ بنيّ! ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعَدَك العَفاء!\nقال: وكأني أنظر إلى امرأة خرجتْ مسرعةً كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا أخيّاهْ! ويا بن أخَيّاهْ! قال: فسألتُ عليها، فقيل: هذه زينب ابنة فاطمةَ ابنة رسول الله - ﷺ -، فجاءت حتى أكبّت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيَدها فردَّها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه، فقال: احمِلوا أخاكم، فحملوه مِنْ مَصَرعه حتى وضعوه بين يدَي الفساط الذي كانوا يقاتلون أمامه. قال: ثمّ إن عمرو بن صُبيح الصّدائيّ رَمَى عبد اِلله بن مسلم بن عَقيل بسهم فوضع كفّه على جبهته، فأخذ لا يستطيع أن يحرّك كفّيه، ثم انتحَى له بسهم آخرَ ففلق قلَبه، فاعتَوَرهم الناس من كلّ جانب، فحمل عبد الله بن قطْبَة الطائيُّ ثم النّبهانيّ على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فَقَتله، وحمل عامر بن نهْشَلْ التيميُّ على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتلَه؛ قال: وشدّ عثمان بن خالد بن أسَيْر الجهُنيّ، وبشر بن سوط الهمْدانيّ ثمّ القابضيّ على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقَتَلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعميّ جعفرَ بن عَقِيل بن أبي طالب فقَتَله (٢). (٤٤٦: ٥ - ٤٤٧).\nقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حُميد بن مسلم، قال: خرج إلينا غلام كأنَّ وجهه شقّة قمر، في يده السيف، عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شِسْع أحدهما، ما أنسَى أنها اليسرى، فقال لي عمرو بن سعد بن نُفَيل الأزديّ: والله لأشدّنّ عليه؛ فقلت له: سبحان الله! وما تريد إلى ذلك! يكفيك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":251},{"text":"قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم؛ قال: فقال: والله لأشدّنّ عليه؛ فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلامُ لوجهه، فقال: يا عمّاه! قال: فجلَّى الحسين: ما يجلّي الصقر، ثم شدّ شدّةَ ليث غُضُبٍّ، فضرب عمرًا بالسيف، فاتقاه بالساعد، فأطنّها من لَدُن المِرفق، فصاح، ثمّ تنحّى عنه، وحملتْ خيلٌ لأهل الكوفة لسيتنقذوا عمرًا من حسين، فاستقبلت عمرًا بصدورها، فحرّكت حوافرَها وجالت الخيل بفرسانها عليه، فوطئَتْه حتى مات، وانجلت الغبرة، فإذا أنا بالحسين قائمٌ على رأس الغلام، والغلام يَفحصُ برجليه؛ وحسين يقولُ: بُعدًا لقوم قتلوك؛ ومن خَصمهم يوم القيامة فيك جَدُّك! ثم قال: عز والله على عمِّك أن تدعوَه فلا يُجيبُك، أو يجيبُك ثم لا ينفعك! صوت والله كَثر واتِرُه، وقلّ ناصِرهُ، ثم احتمله فكأني أنظر إلى رِجلَي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع حسين صدرَه على صدره؛ قال: فقلتُ في نفسي: ما يصنع به! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه عليّ بن الحسين وقَتلَى قد قُتلتْ حوْلَه من أهل بيته، فسألتُ عن الغلام، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب. قال: ومكث الحسين طويلًا من النهار كلَّما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولّى قتلَه وعظيم إثمه عليه؛ قال: وإنّ رجلًا من كِنْدة يقال له: مالك بن النُّسير من بني بَدّاء، أتاه فَضَربَه على رأسه بالسيف، وعليه بُرنُس له، فقطع البرنس، وأصاب السيف رأسَه، فأدمى رأسَه، فامتلأ البرنس دمًا، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربتَ، وحشرك الله مع الظالمين! قال: فألقى ذلك البرنس، ثمّ دعا بقَلنْسُوة فلبسها، واعتمّ، وقد أعيا وبَلّد. وجاء الكنديّ حتى أخذ البرنس -وكان من خزّ- فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أمّ عبد الله ابنة الحرّ أخت حسين بن الحرّ البَدّيّ، أقبل يَغسِل البرنسَ من الدم، فقالت له امرأته: أسَلبَ ابن بنت رسول الله - ﷺ - تدخِلُ بيتي! أخرِجْه عنّي؛ فذكر أصحابُه أنه لم يزل فقيرًا بشرّ حتى مات. قال: ولما قعد الحسين أتي بصبيّ له فأجلسَه في حِجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين (١) (٥: ٤٤٧ - ٤٤٨).\nقال أبو مخنف: قال عُقْبة بن بشير الأسديّ: قال لي أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين: إنَّ لنا فيكم يا بني أسد دمًا؛ قال: قلت: فما ذنبي أنا في ذلك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":252},{"text":"رحمك الله يا أبا جعفر! وما ذلك؟ قال: أتِيَ الحسين بصبيّ له، فهو في حِجْره، إذ رماه أحدُكم يا بني أسد بسهم فذَبَحه، فتلقى الحسينُ دمه، فلما ملأ كفَّيه صبّه في الأرض ثم قال: ربِّ إنْ تك حبستَ عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقمْ لنا من هؤلاء الظالمين؛ قال: ورمى عبدُ الله بن عقبة الغنويّ أبا بكر بن الحسين بن عليّ بسهم فقتله، فلذلك يقول الشاعر؛ وهو ابن أبي عَقِب:\nوعِندَ غَنِيٍّ قَطرةٌ من دِمائِنا ... وفي أَسدٍ أخرى تُعَدُّ وتُذْكرُ\nقال: وزعموا: أنّ العبَّاس بن عليّ قال لإخوته من أمِّه: عبد الله، وجعفر وعثمان: يا بنِي أمِّي، تقدّموا حتى أرِثكم، فإنه لا ولدَ لكم، ففعلوا، فقتِلوا. وشدّ هانئ بن ثُبَيت الحضرميّ على عبد الله بن عليّ بن أبي طالب فقتله، ثمّ شدّ على جعفر بن عليّ فقتله وجاء برأسه، ورمى خَوَليُّ بن يزيد الأصبحيّ عثمانَ بن على بن أبي طالب بسهم، ثم شدً عليه رجل من بني أبان بن دارم فقَتَله، وجاءَ برأسه، ورمى رجلٌ من بني أبان بن دارم محمد بن عليّ بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه (١). (٤٤٨: ٥ - ٤٤٩).\nقال هشام: حدّثني أبو الهُذَيل -رجلٌ من السَّكون- عن هانئ بن ثبيت الحضرميّ، قال: رأيتُه جالسًا في مجلس الحضرميّين في زمان خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير؛ قال: فسمعتُه وهو يقول: كنت ممن شهد قتلَ الحسين، قال: فوالله إني لواقف عاشرَ عشرة ليس منّا رجل إلا على فرس، وقد جالت الخيلُ وتصعصعتْ؛ إذ خرج غلامٌ من آل الحسين وهو مُمسِك بعُود من تلك الأبنية، عليه إزار وقميص، وهو مذعور، يتلفت يمينًا وشمالًا، فكأني أنظر إلى دُرتَّين في أذنيه تذبذبان كلما التَفَتَ، إذْ أقبل رجل يركض، حتى إذا دنا منه مالَ عن فرسه، ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف.\nقال هشام: قال السَّكونيّ: هانى بن ثُبَيت هو صاحب الغلام، فلما عُتب عليه كَنى عن نفسه. (٤٤٩: ٥).\nقال هشام: حدّثني عمرو بن شمر عن جابر الجُعْفيّ، قال: عطش الحسين\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":253},{"text":"حتى اشتدَّ عليه العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقى الدمَ من فمه، ويرَمِي به إلى السماء، ثم حَمِد الله وأثَنى عليه، ثمّ جمع يديه فقال: اللهم أحصِهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تَذَرْ على الأرض منهم أحدًا. (٣: ٤٤٩).\nقال هشام عن أبيه محمد بن السائب، عن القاسم بن الأصبغ بن نُباتة، قال: حدّثني من شهد الحسينَ في عسكره: أنّ حسينًا حين غُلِب على عسكره ركب المسنّاة يريد الفرات، قال: فقال رجل من بني أبان بن دارم: وَيْلكم! حُولوا بينه وبين الماء لا تتامّ إليه شيعته؛ قال: وضرب فرسه، واتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهمّ أظْمِهِ، قال: وينتزع الأبِانيّ سهم، فأثبَتَه في حنك الحسين، قال: فانتزع الحسين السهمَ، ثم بسط كفّيه فامتلأتْ دمًا، ثم قال الحسين: اللهمّ إني أشكو إليك ما يُفْعل بابن بنتِ نبيِّك، قال: فوالله إنْ مكث الرجل إلا يسيرًا حتى صبّ الله عليه الظمأ، فجعل لا يَروَى. (٤٤٩: ٥ - ٤٥٠).\nقال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيتُني فيمن يرَوّح عنه والماء يبرَّد له فيه السَّكرَ وعِساس فيها اللبن، وقِلال فيها الماء، وإنه ليقول: ويْلَكم! اسقُوني قتلني الظمأ، فيُعطَى القُلّة أو العُسَّ كان مرويًا أهل البيت فيشربه، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهُنيْهةَ ثم يقول: وَيْلكم! اسقوني قتلني الظمأ، قال: فوالله ما لبث إلا يسيرًا حتى انقدّ بطنُه انقداد بطن البعير. (٥: ٤٥٠).\nقال أبو مخنف في حديثه: ثم إنّ شَمِر بن ذي الجوشن أقبلَ في نفرٍ نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة قبَل منزل الحسين الذي فيه ثقَله وعيالُه، فمشى نحوَه، فحالوا بينه وبين رَحْلِه، فقال الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخانون يومَ المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحرارًا ذوي أحساب، امنعوا رَحْلي وأهلي من طَعامكم وجُهّالكم، فقال ابن ذي الجوْشن: ذلك لك يا بن فاطمة؛ قال: وأقدَم عليه بالرجّالة، منهم أبو الجَنوب -واسمه عبد الرحمن الجُعفيّ- والقَثْعَم بن عمرو بن يزيد الجعفيّ، وصالح بن وهب اليزَنيّ، وسنان بن أنس النخَعيّ، وخَوَقي بن يزيد الأصبحيّ، فجعل شمر ابن ذي الجوشن يحرّضهم، فمرّ بأبي الجَنوب وهو شاكٍ في السلاح فقال له: أقدِم عليه؛","vol":"9","page":254},{"text":"قال: وما يمنعك أن تقدم عليه أنت! فقال له شمِر: ألِي تقول ذا! قال: وأنت لي تقول ذا! فاستبَّا، فقال له أبو الجَنُوب -وكان شجاعًا: والله لهممتُ أن أخضخض السنان في عينك؛ قال: فانصرف عنه شمر، وقال: والله لئن قدرتُ على أن أضرّك لأضرّنّك قال: ثمّ إنّ شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجّالة نحو الحسين؛ فأخذ الحسين يشدّ عليهم فينكشفون عنه، ثم إنهم أحاطوا به إحاطةً، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذتْه أخته زينب ابنة عليّ لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه، فأبى الغلام، وجاء يشتدّ إلى الحسين، فقام إلى جنبه؛ قال: وقد أهوى بحر بن كعب بن عبيد الله -من بني تيْم الله بن ثعلبة بن عكابة- إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يابن الخبيثة، أتقتل عمِّي! فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنّها إلا الجلدة، فإذا يده معلَّقة، فنادى الغلام: يا ألمَّتاه! فأخذه الحسين فضمَّه إلى صدره، وقال: يا بن أخي! اصبِر على ما نزل بك، واحتسِب في ذلك الخير، فإنّ الله يُلحقك بآبائك الصالحين؛ برسول الله - ﷺ -، وعليّ بن أبي طالب، وحمزة، وجعفر، والحسن بن عليّ، صلى الله عليهم أجمعين (١). (٥: ٤٥٠ - ٤٥١).\nقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم، قال: سمعت الحسينَ يومئذ وهو يقول: اللهمّ أمسك عنهم قَطْرَ السماء، وامنعهم بركاتِ الأرض، اللهمّ فإنْ متّعتَهم إلى حينٍ ففرّقهم فِرَقا، واجعلهم طرائقَ قِدَدًا، ولا ترْض عنهم الوُلاة أبدًا، فإنهم دعَوْنا لينصرونا فعَدَوْا علينا فقتلونا، قال: وضارب الرَّجَّالة حتى انكشفوا عنه، قال: ولما بقي الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويلَ محقَّقة يلمع فيها البَصَر، يَمانيّ محقَّق، ففزره ونكثه لكيلا يسلبَه، فقال له بعض أصحابه: لو لبست تحته تُبَّانًا! قال: ذلك ثوب مذلّة، ولا ينبغي لي أن ألبسه: قال: فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجرَّدًا (٢). (٥: ٤٥١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عمرو بن شعيب، عن محمد بن عبد الرحمن أنّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":255},{"text":"يدَيْ بحر بن كعب كانتا في الشتاء تَنضَحان الماء، وفي الصيف تَيْبسان كأنهما عود (١). (٥: ٤٥١).\nقال أبو مخنف عن الحجَّاج، عن عبد الله بن عمَّار بن عبد يغوث البارقيّ: وعُتِب على عبد الله بن عمّار بعد ذلك مشهده قتل الحسين، فقال عبد الله بن عمار: إنّ لي عند بني هاشم لَيَدًا، قلنا له: وما يَدُك عندهم؟ قال: حملتُ على حسين بالرُّمح فانتهيت إليه، فوالله لو شئت لطعنتُه، ثم انصرفتُ عنه غيرَ بعيد، وقلت: ما أصنع بأن أتولّى قتلَه! يقتله غيري، قال: فشدّ عليه رَجّالة ممّن عن يمينه وشماله، فحمل على مَن عن يمينه حتى ابذعرُّوا، وعلى من عن شماله حتى ابذعرُّوا، وعليه قميص له من خَزّ وهو معتمٌّ؛ قال: فوالله ما رأيت مكسورًا قطّ قد قتِل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشًا، ولا أمضى جَنانًا ولا أجرأ مقدمًا منه، والله ما رأيتُ قبلَه ولا بعَده مِثلَه؛ أن كانت الرّجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشافَ المِعزَى إذا شدّ فيها الذئب؛ قال: فوالله إنه لكذلك؛ إذ خرجتْ زينبُ ابنة فاطمة أخته، وكأني أنظر إلى قُرْطها يجول بين أذنيها وعاتمَها وهي تقول: ليت السماء تطابقتْ على الأرض! وقد دنا عمر بن سعد من حسين؛ فقالت: يا عمر بن سعد، أيُقتَل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه! قال: فكأني أنظر إلى دموع عمرَ وهي تسيل على خدّيه ولحيته؛ قال: وصرف بوجهه عنها (٢) (٥ - ٤٥٢: ٤٥١)\nقال أبو مخنف: حدّثني الصَّقْعب بن زهير، عن حُميد بن مسلِم، قال: كانت عليه جُيَّة من خزّ وكان معتمًّا، وكان مخضوبًا بالوَسِمة، قال: وسمعتُه يقول قبل أن يُقتَل، وهو يقاتل على رجليه قتالَ الفارس الشجاع بتَّقي الرمية، ويفترصُ العورة، ويشدّ على الخيل، وهو يقول: أعَلى قتلي تَحاثُّون! أما والله لا تَقتُلون بعدي عَبْدًا من عباد الله اللهُ أسخطَ عليكم لقَتْلهِ منّي؛ وايم الله إني لأرجُو أن يكرِمني الله بهوانكم، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون! أمّا والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقَى الله بأسَكُم بينكم، وسفك دماءَكم، ثم لا يرضَى لكم حتى يضاعفَ لكم العذاب الأليم! قال: ولقد مكث طويلًا من النهار ولو شاء الناس أن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":256},{"text":"يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيَهم هؤلاء؛ قال: فنادى شمر في الناس: وَيْحكم؛ ماذا تنظرون بالرجل! اقتلوه ثكِلتْكم أمّهاتكم! قال: فحُمل عليه من كلّ جانب، فضُربت كفُّه اليُسرَى ضربةً، ضربها زُرْعَة بن شريك التميميّ، وضُرِب على عاتقه، ثم انصرفوا وهو يَنُوء ويَكبو؛ قال: وحَمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النَّخَعى فطَعَنه بالرّمح فوقع، ثم قال لخوليّ بن يزيد الأصبحيّ: احتزّ رأسه، فأراد أن يفعل، فضَعف فأرعِد، فقال له سنان بن أنس: فتّ الله عَضُديك، وأبان يَدَيْكَ! فنزل إليه فَذَبَحَه واحتزّ رأسه، ثُم دِفع إلى خَوليّ بن يزيد، وقد ضرِب قبل ذلك بالسيوف (١). (٥: ٤٥٢ - ٤٣٣).\nقال أبو مخنف: عن جعفر بن محمد بن عليّ، قال: وجد بالحسين ﵇ حين قُتل ثلاثٌ وثلاثون طعنة وأربعٌ وثلاثون ضربة؛ قال: وجعل سِنان بن أنس لا يدنُو أحدٌ من الحسينِ إلّا شدّ عليه مخافة أن يُغلب على رأسه، حتى أَخذ رأسَ الحسين فدَفعَه إلى خولي؛ قال: وسُلِب الحسينُ ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته -وكانت من خزّ، وكان يسمَّى بعدُ: قيس قطيفة- وأخَذ نعليه رجل من بني أوْد يقال له: الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نَهشَل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بُدَيل؛ قال؛ ومال الناس على الوَرْس والحُلَل والإبل وانتهبوها؛ قال: ومال الناسُ على نساء الحسين وثقَله ومتاعِه، فإنْ كانت المرأة لَتنازع ثوبَها عن ظهرها حتى تُغلبَ عليه فيُذهَب به منها (٢). (٤٥٣: ٥).\nقال أبو مخنف: حدّثني زهير بن عبد الرحمن الخثعميّ: أن سويد بن عمرو بن أبي المطاع كان صُرع فأثخن، فوقع بين القتلى مُثخَنًا، فسمعهم يقولون: قُتل الحسين، فوجد إفاقةً، فإذا معه سكِّين وقد أُخِذ سيفه، فقاتَلَهم بسكِّينه ساعةً، ثم إنه قُتل، قتله عروة بن بطار التغلبيّ، وزيد بن رُقاد الجنبيّ، وكان آخر قتيل (٣). (٥: ٤٥٣).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":257},{"text":"قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حُميد بن مسلم، قال: انتهيتُ إلى على بن الحسين بن عليّ الأصغر وهو منبسط على فراش له، وهو مريض، وإذا شَمِر بن ذي الجوشن في رَجّالة معه يقولون: ألا نقتل هذا؟ قال: فقلتُ: سبحان الله! أنقتل الصبيانَ! إنما هذا صبيّ، قال: فما زال ذلك دأبى أدفع عنه كلَّ من جاء حتى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلنّ بيتَ هؤلاء النسوة أحد، ولا يَعرِضنّ لهذا الغلام المريض، ومَنْ أخذ من متاعهم شيئًا فليردّه عليهم، قال: فوالله ما ردّ أحد شيئًا؛ قال: فقال عليّ بن الحسين: جُزيت من رجل خيرًا! فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شرًّا، قال: فقال الناس لسنان بن أنس: قتلتَ حسين بن عليّ وابن فاطمة ابنةَ رسولِ الله - ﷺ -، قتلتَ أعظمَ العرب خطرًا، جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن سلكهم، فائْتِ أمراءَك فاطلب ثوابك منهم، لو أعطَوْك بيوتَ أموالِهم في قتل الحسين كان قليلًا، فأقبل على فرسه، وكان شجاعًا شاعرًا، وكانت به لُوثة، فأقبل حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثمّ نادى بأعلى صوته:\nأوقِرْ ركابي فضَّةً وذَهبًا ... أنا قتلتُ المَلِك المحجَّبَا\nقتلتُ خير الناس أُمًّا وأَبًا ... وخيرَهم إذْ يُنسبون نسبَا\nفقال عمر بن سعد: أشهد إنك لمجنون ما صححتَ قطّ، أدخِلوه عليّ، فلما أدخِل حَذَفه بالقضيب ثم قال: يا مجنون! أتتكّلم بهذا الكلام! أما واللهِ لو سمعك ابن زياد لضرب عنقَك؛ قال: وأخذ عمر بن سعد عُقْبة بن سِمْعان -وكان مولىً للرَّباب بنت امرئ القيس الكلبيَّة، وهي أمّ سُكينة بنت الحسين- فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبدٌ مملوك، فخلّى سبيله، فلم ينجُ منهم أحد غيره، إلا أن المرقّع بن ثمامة الأسديّ كان قد نثر نبلَه وجثا على ركبتيه، فقاتل، فجاءه نفر من قومه، فقالوا له: أنت آمِن، اخرُج إلينا، فخرج إليهم، فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد وأخبره خبرَه سيَّره إلى الزارة، قال: ثمّ إن عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينْتدب للحسين ويوطئه فرسَه؟ فانتدب عشرة، منهم: إسحاق بن حَيْوَةَ الحضرميّ، وهو الذي سلب قميصَ الحسين -فبرِص بعدُ- وأحبَش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرميّ، فأتوْا فداسوا الحسين بخيُولهم حتى رضّوا ظهرهَ وصدرَه، فبلغني: أنّ أحبش بن مرثَد بعد ذلك بزمان أتاه سهمُ","vol":"9","page":258},{"text":"غَرْب؛ وهو واقف في قتال ففَلَق قلبَه، فمات؛ قال: فقُتِل من أصحاب الحسين ﵇ اثنان وسبعون رجلًا، ودفَن الحسينَ وأصحابه أهلُ الغاضريَّة من بني أسد بعدما قُتلوا بيوم، وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا سوى الجَرحى، فصلّى عليهم عمر بن سعد ودَفنهم؛ قال: وما هو إلا أن قتِل الحسين، فسرِّح برأسه من يومه ذلك مع خوليّ بن يزيد وحميد بن مسلم الأزديّ إلى عُبيد الله بن زياد، فأقبل به خَوليّ فأراد القصر، فوجد بابَ القصر مُغلقًا، فأتى منزله فوضعه تحت إجّانة في منزله، وله امرأتان: امرأة من بني أسد، والأخرى من الحضرميّين يقال لها: النَّوار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرميَّة (١). (٥: ٤٥٣ - ٤٥٥).\nقال هشام: فحدّثني أبي عن النّوار بنت مالك، قالت: أقبل خَوليّ برأس الحسين فوضَعَه تحت إجَّانة في الدار، ثم دخل البيت، فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر؟ ما عندك؟ قال: جئتكِ بغنَى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار؛ قالت: فقلت: ويلك- جاء الناس بالذهب والفضة وجئتَ برأس ابن رسول الله - ﷺ -! لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيتٌ أبدًا؛ قالت: فقمت من فراشي، فخرجتُ إلى الدار، فدعا الأسدّية فأدخلها إليه، وجلستُ أنظر، قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يَسْطع مِثلَ العمود من السماء إلى الإجّانة، ورأيت طيرًا بيضًا تُرفرِف حولها.\nقال: فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد، وأقام عمر بن سعد يوَمه ذلك والغد، ثمّ أمر حميد بن بكير الأحمريّ فأذّن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومنْ كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريضٌ. (٥: ٤٥٥).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو زهير العبسيّ، عن قرّة بن قيس التميميّ، قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صِحْن، ولطمْنَ وجوههنّ، قال: فاعترضتُهنَّ على فَرَس، فما رأيت مَنظرًا من نسوة قطّ كان أحسنَ من منظر رأيتَه منهن ذلك [اليوم]، والله لهن أحسَنُ من مهَايبَرِين.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":259},{"text":"قال: فما نسيتُ من الأشياء لا أنْس قولَ زينب ابنة فاطمة حين مرّت بأخيها الحسين صريعًا وهي تقول: يا محمّداه، يا محمّداه! صلى عليك ملائكةُ السماء، هذا الحسينُ بالعَراء، مرمَّل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتَّلة، تَسفِي عليها الصَّبا. قال: فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق؛ قال: وقُطف رؤوس الباقين، فسُرّح باثنين وسبعين رأسًا مع شَمِر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزْرة بن قيس، فأقبلوا حتى قدموا بها على عُبيد الله بن زياد. (٥: ٤٥٥ - ٤٥٦).\nقال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حُميد بن مسلم، قال: دعاني عمر بن سعد فسرَّحني إلى أهله لأبشّرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلتُ حتى أتيتُ أهله، فأعلمتُهم ذلك، ثمّ أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجد الوفد قد قدموا عليه؛ فأدخلهم، وأذن للناس، فدخلتُ فيمن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو يَنكُت بقضيب بين ثنيّتيه ساعةً، فلما رآه زيد بن أرقم لا يُنجِم عن نَكْته بالقضيب، قِال له: اُعْلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيَّتين، فوالذي لا إله غيرُه! لقد رأيت شَفتيْ رسول الله - ﷺ - على هاتين الشفتين يقبّلهما، ثم انفضخ الشيخُ يبكي؛ فقال له ابن زياد: أبكَى الله عينيك! فوالله لولا أنك شيخ قد خَرِفتَ وذهب عقلُك لضربتُ عنقَك! قال: فنهض فخرج، فلما خرج سمعتُ الناس يقولون: واللهِ لقد قال زيد بن أرقم قولًا لو سمعه ابن زياد لقَتَله؛ قال: فقلت: ما قال؟ قالوا: مرّ بنا وهو يقول: مَلَّكَ عَبْدٌ عبدًا، فاتّخذهم تُلدًا؛ أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمَّرتم ابن مُرْجانة، فهو يقتل خيازَكم، ويستعبد شِرارَكم، فرضيتم بالذلّ، فبعدًا لمن رضى بالذّل!\nقال: فلما دُخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبستْ زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها، وتنكّرت وحفّتْ بها إماؤها، فلما دخلتْ جلست، فقال عبيد الله بن زياد: مَن هذه الجالسة؟ فلم تكلّمه؛ فقال ذلك ثلاثًا، كلّ ذلك لا تكلّمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة؛ قال: فقال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فضَحكم وقتّلكم وأكذَبَ أحدُوثتَكم! فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد - ﷺ - وطهَّرنا تطهيرًا، لا كما تقول أنت، إنما","vol":"9","page":260},{"text":"يفتضح الفاسق، ويكذَّب الفاجر؛ قال: فكيف رأيتِ صنعَ الله بأهل بيتك! قالت: كُتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينَك وبينَهم، فتحاجّون إليه، وتَخاصمون عنده؛ قال: فغضب ابن زياد واستشاط؛ قال: فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها! إنها لا تؤاخذ بقول، ولا تُلام على خَطل، فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعُصاة المَردة من أهل بيتك؛ قال: فبكتْ ثم قالت: لَعَمري لقد قتلتَ كَهْلي، وأبرْت أهلي، وقطّعت فَرْعِي، واجتثثتَ أصلي، فإن يَشْفِك هذا فقد اشتفيت، فقال لها عبيد الله: هذه شجاعة، قد لعَمرِي كان أبوك شاعرًا شجاعًا؛ قالت: ما للمرأة والشجاعة! إنّ لي عن الشجاعة لشُغْلا، ولكنّ نفثي ما أقول (١). (٥: ٤٥٦ - ٤٥٧).\nقال أبو مخنف عن المجالد بن سعيد: إنّ عُبيد الله بن زياد لما نظر إلى عليّ بن الحسين قال لشرطيّ: انظر هل أدرك ما يدرِك الرّجال؟ فكَشَط إزاره عنه، فقال: نعم، قال انطلقوا به فاضربوا عنقه، فقال له عليّ: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهنّ رجلًا يحافظ عليهنّ؛ فقال له ابن زيادْ تعالَ أنتَ، فبعثَه معهنّ (٢). (٤٥٧: ٥).\nقال أبو مخنف: وأما سليمان بن أبي راشد، فحدّثني عن حُميد بن مسلم قال: إنّي لقائم عند ابن زياد حين عُرض عليه عليّ بن الحسين، فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا عليّ بن الحسين، قال: أو لم يَقتُل الله عليّ بن الحسين! فسكت، فقال له ابن زياد: ما لَك لا تتكلم! قال: قد كان لي أخ يقال له أيضًا عليّ، فقتله الناس، قال: إن الله قد قتله، قال: فسكت عليّ، فقال له: مالك لا تتكلم! قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: أنت والله منهم، وَيْحك! انظروا هل أدرك؟ والله إنّي لأحسبه رجلًا؛ قال: فكشف عنه مُريّ بن معاذ الأحمريّ، فقال: نعم قد أدرَك؛ فقال: اقتله؛ فقال عليّ بن الحسين: من توَكِّل بهؤلاء النسوة؟ وتعلقتْ به زينب عمته\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":261},{"text":"فقالت: يا بن زياد! حسبُك منّا، أما رَوِيتَ من دمائنا؟ ! وهل أبقيت منا أحدًا؟ ! قال: فاعتنقتْه، فقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنًا إنْ قتلتَه لما قتلتَني معه! قال: وناداه على فقال: يا بن زياد! إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهنّ رجلًا تقيًّا يصحبهن بصحبة الإسلام؛ قال: فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال: عجبًا للرّحِم! والله إني لأظنها ودَّت لو أنّي قتلتُه أنى قتلتُها معه؛ دعوا الغلام، انطلق مع نسائك (١). (٤٥٧: ٥ - ٤٥٨).\nقال حميد بن مسلم: لما دخل عبيد الله القصرَ ودخل الناسُ، نوديَ: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصَعد المنبَر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهلَه، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبَه، وقَتَل الكذَّاب ابن الكذَّاب، الحسينَ بن عليّ وشيعته! فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عَفيف الأزديّ ثم الغامديّ، ثم أحد بني والبة -وكان من شيعة عليّ كرم الله وجهه، وكانت عينُه اليسرى ذهبتْ يومَ الجمل مع عليّ، فلما كان يومَ صِفّين ضُرِب على رأسه ضربةً، وأخرى على حاجبه، فذهبتْ عينُه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجدَ الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف -قال: فلما سمع مقالةَ ابن زياد، قال: يا بن مَرْجانة! إنّ الكذّاب ابنَ الكذّاب أنت وأبوك والذي ولآك وأبوه! يا بن مرجانة! أتقتلون أبناء النبيّين، وتكلّمون بكلام الصدّيقين؟ ! فقال ابن زياد: عليَّ به؛ قال: فوثبتْ عليه الجَلاوزة فأخذوه؛ قال: فنادى بشعار الأزد: يا مبرور- قال: وعبد الرحمن بن مخنف الأزديّ جالس- فقال: ويح غيرك! أهلكت نفسك، وأهلكتَ قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزْد سبعمئة مقاتل؛ قال: فوثب إليه فتيةٌ من الأزد فانتزعوه فأتَوْا به أهلَه فأرسل إليه من أتاه به، فقَتَله وأمَرَ بصَلْبه في السَّبَخة، فصُلب هنالك. (٤٥٨: ٥ - ٤٣٩).\nقال أبو مخنف: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة، فجعل يُدار به في الكوفة، ثم دعا زَحْر بن قيس فسرّح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيدَ بن معاوية، وكان مع زحْر أبو بُردة بن عوف الأزديّ وطارق بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":262},{"text":"أبي ظَبيان الأزديّ، فخرجوا حتى قدموا بها الشأم على يزيدَ بن معاوية (١). (٤٥٩: ٥).\nقال هشام: فحدّثني عبد الله بن يزيد بن رَوْح بن زِنْباع الجُذاميّ عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجُرشى؛ من حمير، قال: والله إنا لعند يزيدَ بن معاوية بدمشق؛ إذ أقبل زَحْر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك؟ وما عندك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، وَرَدَ علينا الحسينُ بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته وستِّين من شيعته، فسرنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حُكم الأمير عُبيدِ الله بن زياد، أو القتال؛ فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدوْنا عليهِم مع شروق الشمس، فأحطْنا بهم من كلّ ناحية، حتى إذا أخذتِ السيوفُ مأخَذها من هام القوم، يَهربون إلى غير وَزَر، ويلوذون منا بالآكام والحُفَر، لواذًا كما لاذ الحمَائم من صقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جَزْرَ جَزور أو نومةَ قائل حِتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادُهم مجرَّدة، وثيابُهم مرمَّلة وخدودهم معفرة، تصهرُهم الشمس، وتَسفي عليهم الريح، زُوَّارهم العِقْبان والرَّخَم بقيّ سَبْسَب، قال: فدمعتْ عينُ يزيد، وقال: قد كنت أرضَى من طاعتكم بدون قتلِ الحسين، لعن الله ابن سُميّة! أما والله لو أنّي صاحبه لعفوتُ عنه، فرحم الله الحسينَ! ولم يصله بشيء.\nقال: ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجُهِّزن، وأمر بعليّ بن الحسين فَغُلَّ بغلّ إلى عنقه، ثم سرّح بهم مع مُحَفّز بن ثعلبة العائذيّ، عائذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد، فلم يكن عليّ بن الحسين يكلم أحدًا منهما في الطريق كلمة حتى بلغوا، فلمّا انتهَوا إلى باب يزيدَ رفع مُحَفز بن ثعلبة صوتَه، فقال: هذا محفَز بن ثعلبة أتي أميرَ المؤمنين باللئام الفَجَرة، قال: فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدتْ أم مَحفز شرٌّ وألأم (٢). (٥: ٤٥٩ - ٤٦٠).\nقال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن القاسم بن عبد الرحمن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":263},{"text":"مولَى يزيد بن معاوية، قال: لما وُضعت الرؤوس بين يديْ يزيدَ -رأسُ الحسين وأهل بيته وأصحابه- قال يزيد:\nيُفَلِّقْنَ هامًا من رجال أعِزَّةٍ ... عَلَينا وَهُمْ كانوا أعَقَّ وأَظْلَما\nأما والله يا حسينُ، لو أنا صاحبُك ما قتلتُك (١)! (٥: ٤٦٠).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو جعفر العبسيّ، عن أبي عمارة العبسيّ، قال: فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم:\nلهامٌ بجَنْبِ الطَّفِّ أدْنى قَرابةً ... مَن ابن زيادِ العبدِ ذي الحسَب الوَغْل\nسُمَيَّةُ أمسى نَسلها عدد الحصى ... وبنتُ رَسُولِ الله لَيْسَ لها نَسْل\nقال: فضرب يزيدُ بن معاوية في صدر يحيى بن الحكَم وقال: اسكت.\nقال: ولمَّا جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حولَه، ثم دعا بعليِّ بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأدخِلوا عليه والناس ينظرون، فقال يزيد لعليّ: يا على! أبوك الذي قطع رَحمي، وجَهل حَقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيتَ! قاله: فقال عليّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. فقال يزيد لابنه خالد: اردْد عليه؛ قال: فما دَرَى خالد ما يردّ عليه؛ فقال له يزيد: قل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ثمٍ سكت عنه؟ قال: ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئةً قبيحة، فقال: قبح الله ابنَ مَرْجانة! لو كانت بينه وبينكم رَحِم أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بَعث بكم هكذا (٢). (٥: ٤٦٥ - ٤٦١).\nقال أبو مخنف: عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت عليٍّ، قالت: لما أجلِسْنا بين يديْ يزيدَ بن معاوية؛ رقّ لنا، وأمَرَ لنا بشيء، وألطَفنا؛ قالت: ثم إن رجلًا من أهل الشأم أحمرَ قام إلى يزيدَ فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه -يعنيني، وكنتُ جارية وَضيئةً- فأرعِدتُ وفرِقْتُ، وظَننتُ أنّ ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب أختي زينب؛ قالت: وكانت أختي زينب أكبرَ منّي وأعقلَ، وكانت\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":264},{"text":"تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت: كذبتَ والله ولؤُمتَ! ما ذلك لك وله، فغضب يزيد، فقال: كذبت واللهِ، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعلَه لفعلت؛ قالت: كلَّا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملَّتنا، وتدينَ بغير ديننا؛ قالت: فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إيَّاي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدّين أبوكِ وأخوكِ؛ فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدّي اهتديتَ أنتَ وأبوك وجدك، قال: كذبتِ يا عدّوة الله! قالت: أنت أميرٌ مسلَّط، تشتم ظالمًا، وتقهر بسلطانك! قالت: فوالله لكأنه استحيا؛ فسكتَ ثم عاد الشاميّ فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه الجارية؛ قال: اعزُبْ، وهَب الله لك حَتفًا قاضيًا! قالت: ثمّ قال يزيدُ بنُ معاوية: يا نعمان بن بشير! جهِّزهم بما يُصلِحهم، وابعث معهم رجلًا من أهل الشأم أمينًا صالحًا، وابعث معه خيلًا وأعوانًا فيسير بهم إلى المدينة، ثمّ أمر بالنسوة أن يُنْزلن في دارٍ على حِدَة، معهنّ ما يصلحهنّ، وأخوهنّ معهنّ عليّ بن الحسين، في الدار التي هنّ فيها قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم لتبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتْهنَ تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحةَ ثلاثًا، وكان يزيد لا يتغدّى ولا يتعشى إلا دعا عليّ بن الحسين إليه؛ قال: فدعاه ذاتَ يوم، ودعا عمر بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمر بن الحسن: أتقاتل هذا الفتى؟ يعني خالدًا ابنه، قال: لا، ولكنْ أعطني سكينًا وأعطِه سكينًا، ثم أقاتله، فقال له يزيد: وأخذه فضمه إليه ثمّ قال: \"شنْشِنةٌ أعْرفُها من أخْزَم\"؛ هل تلِد الحيّه إلّا حيّة! قال! ولما أرادوا أن يخرجوا؛ دعا يزيدُ عليّ بنَ الحسين ثمّ قال: لعن الله ابنَ مرجانة، أما والله لو أني صاحبُه ما سألني خصلة أبدأ إلا أعطيتها إياه، ولدفعتُ الحتْف عنه بكلّ ما استطعتُ ولو بهلاك بعض ولَدي، ولكنّ الله قضى ما رأيت، كاتبْني وأنه كلَّ حاجة تكون لك، قال: وكساهم وأوصَى بهم ذلك الرسول، قال: فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم وتفرّق هو وأصحابه حولَهم كهيئة الحرَس لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءًا أو قضاءَ حاجة لم يحتشم، فلم يزل يُنازلهم في الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويُلطِفهم حتى دخلوا المدينة.\nوقال الحارث بن كعب: فقالت لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب:","vol":"9","page":265},{"text":"يا أخَيَّة، لقد أحسنَ هذا الرجل الشأمي إلينا في صحبتنا، فهل لكِ أن نصِلَه؟ فقالت: واللهِ ما معنا شيء نصِلُه به إلّا حُليّنا؛ قالت لها: فنعطيه حُليَّنا؛ قالت: فأخذتُ سِواري، ودُمْلُجي، وأخذتْ أختي سِوارَها، ودُملجَها، فبعثنا بذلك إليه، واعتذرْنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيّانا بالحسَن من الفعل؛ قال: فقال: لو كان الذي صنعتُ إنما هو للدنيا كان في حليكنّ ما يرضيني ودونَه، ولكنْ والله ما فعلتُه إلا لله، ولقرابتكم من رسول الله - ﷺ - (١). (٥: ٤٦٣ - ٤٦١).\nقال هشام: وأما عَوانة بن الحكم الكلبيّ فإنه قال: لما قُتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عُبيد الله، فبينا القومُ محتبسون إذ وقع حجَر في السجن، معه كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيدَ بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يومًا، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبيرَ فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرًا فهو الأمان إن شاء الله؛ قال: فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد أُلقيَ في السجن، ومعه كتاب مربوط ومُوسى، وفي الكتاب: أوصُوا واعهَدُوا فإنما يُنتظر البريد يوم كذا وكذا، فجاء البريد ولم يُسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرّح الأسارى إليّ. قال: فدعا عبيد الله بن زياد محفّز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجَوْشن، فقال: انطلقوا بالثقَل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيدَ، فقام مُحفّز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته: جئنا برأس أحمَق الناس وألأمِهم؛ فقال يزيد: ما ولدتْ أمّ مُحفّز ألأمَ وأحمقَ، ولكنه قاطعٌ ظالم؛ قال: فلما نظر يزيد إلى رأس الحسين، قال:\nيفلِّقن هامًا من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلَما\nثم قال: أتدرون من أين أُتِي هذا؟ قال: أبي عليٌّ خيرٌ من أبيه، وأمِّي فاطمة خيرٌ من أمه، وجدّي رسول الله خيرٌ من جدّه، وأنا خيرٌ منه وأحقّ بهذا الأمر منه؛ فأما قوله: \"أبوه خيرٌ من أبي\"، فقد حاجّ أبي أباه، وعلم الناسُ أيُّهما حكم له؛ وأما قولُه: \"أمّي خير من أمّه\"، فلَعْمري فاطمةُ ابنة رسول الله - ﷺ - خيرٌ من\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":266},{"text":"أمي؛ وأما قوله: \"جدّي خيرٌ من جدّه\"، فلعمري ما أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عِدْلًا ولا نِدًّا، ولكنه إنما أتِيَ من قبَل فقهه، ولم يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ثم أدخِل نساء الحسين على يزيد، فصاح نساء آل يزيد، وبنات معاوية، وأهله، ووَلْوَلنَ، ثم إنهن أدخِلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين- وكانت أكبرَ من سُكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد! فقال يزيد: يا ابنة أخي! أنا لهذا كنت أكره؛ قالت: والله ما ترِك لنا خُرْص، قال: يا ابنة أخي! ما آتٍ إليكِ أعظَم مما أخِذَ منكِ، ثم أخرجن فأُدخلن دارَ يزيد بن معاوية، فلم تبق امرأةٌ من آل يزيدَ إلا أتتهنّ، وأقمن المأتَم، وأرسل يزيد إلى كلّ امرأة: ماذا أخِذ لك؟ وليس منْهنّ امرأة تدَّعى شيئًا بالغًا ما بلغ إلا قد أضعفه لها، فكانت سكينة تقول: ما رأيتُ رجلًا كافرًا بالله خيرًا من يزيد بن معاوية، ثم أدخل الأسارى إليه وفيهم عليٌّ بن الحسين، فقال له يزيد: إيهٍ يا عليّ! فقال عليّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال يزيد: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ثم جهزه وأعطاه مالًا، وسرّحه إلى المدينة. (٥: ٤٦٣ - ٤٦٤).\nقال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو حمزة الثُّماليُّ، عن عبد الله الثُّماليّ، عن القاسم بن بُخَيْت، قال: لما أقبل وفدُ أهلِ الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم، كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلًا، فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرؤوس والسَّبايا، فوثب مروان فانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم، فقال: ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال: حُجبتم عن محمد يومَ القيامة؛ لن أجامعَكم على أمر أبدَّا ثَم قام فانصرف، ودخلوا على يزيدَ فوضعوا الرأسَ بين يديه، وحدّثوه الحديث. قال: فسمعتْ دَوْرَ الحديثِ هند بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز -وكانت تحت يزيد بن معاوية- فتقنّعتَ بثوبها، وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين! أرأس الحسين بن فاطمةَ بنت رسول الله! قال: نعم فأعْوِلي عليه، وحُدّي على","vol":"9","page":267},{"text":"ابن بنت رسول الله - ﷺ -، وصريحة قريش، عجلَ عليه ابن زياد فقتله قَتَله الله! ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيبٌ فهو ينكُت به في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيّانا كما قال الحُصَين بنُ الحُمَام المُرّيّ:\nيفلِّقن هامًا من رجالٍ أحبةٍ ... إلينا وهم كانوا أعقَّ وأَظلما\nقال: فقال رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقال له أبو برزة الأسلميّ: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخَذ قضيبُك من ثغره مأخذًا، لربما رأيتُ رسول الله - ﷺ - يَرشِفه، أما إنك يا يزيد تجئ يومَ القيامة، وابن زياد شفيعك، ويجئ هذا يومَ القيامة ومحمد - ﷺ - شفيعه؛ ثم قام فولَّى (١). (٥: ٤٦٥).\nقال هشام: حدّثني عَوَانة بن الحكم، قال: لما قَتل عبيدُ الله بن زياد الحسينَ بن عليّ وجيء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السُّلَمِيّ، فقال: انطلقْ حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشِّره بقَتْل الحسين -وكان عمرو بن سعيد بن العاص أميرَ المدينة يومئذ- قال: فذهب ليعتلّ له، فزجره -وكان عبيد الله لا يُصطلَى بنارِه- فقال: انطلق حتى تأتيَ المدينة، ولا يسبقك الخبر؛ وأعطاه دنانير، وقال: لا تعتلّ، وإن قامت بك راحلتُك، فاشتر راحلة؛ قال عبد الملك: فقدمت المدينة، فلقيَني رجل من قريش، فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قُتِل الحسين بن عليّ؟ فدخلتُ على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما سَرَّ الأمير، قُتِل الحسين بن عليّ؛ فقال: نادِ بقَتْله، فنادَيْت بقتله، فلم أسمع والله واعيةً قطّ مثل واعية نساء بني هاشم في دُورهنّ على الحسين، فقال عمرو بن سعيد وضحك:\nعجَّت نساءُ بني زياد عجّةً ... كَعجيجِ نِسْوتنا غَداةَ الأَرْنب\nوالأرنب: وقعةٌ كانت لبني زُبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، من رهط عبد المدان، وهذا البيتُ لعَمرو بن معد يكرَب، ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمانَ بن عفَّان، ثم صعد المنبَر فأعْلَمَ الناسَ قتلَه. (٥: ٤٦٥ - ٤٦٦).\nقال هشام: عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":268},{"text":"عبيد أبي الكَنود، قال: لما بلغ عبدَ الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين؛ دخل عليه بعضُ مواليه والناس يعزّونه -قال: ولا أظنّ مولاه ذلك إِلا أبا اللِّسلاس- فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين! قال: فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يا بن اللَّخناء، أللحسين تقول هذا! والله لو شهدتُه لأحببتُ ألّا أفارقَهُ حتى أقتلَ معه، والله إنه لما يسخِّي بنفسي عنهما، ويهوّن عليّ المصابَ بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيَيْن له؛ صابرَيْن معه، ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله ﷿ على مصرَع الحسين، إلا تكن آستْ حسينًا يدي، فقد آساه ولَديَّ، قال: ولَمَّا أتى أهلَ المدينة مقتلُ الحسين خرجتْ ابنةُ عَقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوى بثوبها وهي تقول:\nماذَا تقولونَ إنْ قال النبيُّ لكمْ ... ماذا فعلتمْ وأنتمْ آخِرُ الأُمَمِ\nبعِتْرتي وبأهلي بعَد مُفتَقَدي ... منهمْ أُسارَى ومنهمْ ضُرّجِوا بدم! (١)\n(٥ - ٤٦٧: ٤٦٦).\nقال هشام: عن عوانة، قال: قال عُبيد الله بن زياد لعمَر بن سعد بعد قتله الحسين: يا عمر! أين الكتاب الذي كتبتُ به إليك في قتل الحسين؟ قال: مضيتُ لأمرك وضاع الكتاب؛ قال: لتجيئنّ به؛ قال: ضاع، قال: والله لتجيئنّي به؛ قال: تُرك والله يُقرأ على عجائز قريش اعتذارًا إليهنّ بالمدينة، أمّا والله لقد نصحتُك في حسين نصيحةً لو نصحتُها أبي سعد بن أبي وّقاص كنت قد أدّيت حقه، قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله، لوَددتُ أنه ليس من بني زياد رجلٌ إلا وفي أنفه خِزامةٌ إلى يوم القيامة وأنّ حسينًا لم يُقتل؛ قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله. (٤٦٧: ٥).\nقال هشام: حدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن أبي المقدام، قال: حدّثني عمرو بن عكرمة، قال: أصبحنا صبيحةَ قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولى لنا يحدّثنا، قال: سمعتُ البارحة مناديًا ينادي وهو يقول:\nأيّها القاتلون جَهْلًا حُسينًا ... أبشِروا بالعذابِ والتَّنكيِل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":269},{"text":"كل أهل السماء يدعو عليكمْ ... من نبيٍّ وملأَكٍ وقبيل\nقد لُعنِتمْ على لسان ابن داو ... دَ وموسى وحامِل الإنجيل\nقال هشام: حدّثني عمر بن حيزوم الكلبيّ، عن أبيه، قال: سمعتُ هذا الصوت. (٥: ٤٦٧).\nذكر أسماء من قُتل من بني هاشم مع الحسين ﵇ وعدد من قُتل من كلّ قبيلة من القبائل التي قاتلته:\nقال هشام: قال أبو مخنف: ولما قِتل الحسين بن عليّ ﵇ جيء برؤوس مَن قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عُبيد الله بن زياد، فجاءت كِنْدة بثلاثة عشر رأسًا، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هَوازنُ بعشرين رأسًا وصاحبهم شَمر بن ذي الجوْشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسًا، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مَذْحِج بسبعة أرؤس، وجاء سائرُ الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأسًا.\nقال: وقُتل الحسين -وأمّه فاطمةَ بنت رسول الله - ﷺ- قتلَه سنان بن أنس النَّخعيّ ثم الأصبحيّ وجاء برأسه خَوْليّ بن يزيد، وقُتل العباس بن عليّ بن أبي طالب- وأمه أمّ البنين ابنة حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد -قتله زيد بن رُقاد الجَنبيّ، وحكيم بن الطفيل السِّنْبِسيّ، وقتل جعفر بن عليّ بن أبي طالب- وأمه أمّ البنين أيضًا- وقُتل عبد الله بن عليّ بن أبي طالب -وأمه أمّ البنين أيضًا- وقتل عثمان بن عليّ بن أبي طالب -وأمه أمّ البنين أيضًا- رماه خوليّ بن يزيدَ بسهم فقتله -وقتل محمد بن عليّ بن أبي طالب- وأمه أم ولد -قتله رجل من بني أبان بن دارم، وقتل أبو بكر بن عليّ بن أبي طالب- وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربْعيّ بن سُلْمَي بن جندل بن نَهْشَل بن دارم، وقد شُكّ في قتله، وقُتل عليّ بن الحسين بن عليّ -وأمه ليلى ابنة أبي مرَّة بن عروة بن مسعود بن معتِّب الثقفيّ، وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب- قتله مرّة بن مُنقذ بن النعمان العبديّ، وقتل عبد الله بن الحسين بن عليّ -وأمه الرّباب ابنة امرئ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عُليم من كلْب- قتله هانئ بن ثُبيت الحضرميّ، واستصغِر عليّ بن الحسين بن على فلم يُقتل، وقُتل أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب -وأمه أمّ ولد- قتله عبدُ الله بن عقبة","vol":"9","page":270},{"text":"الغَنَويّ، وقُتل عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب -وأمه أمّ ولد- قتله حرملة بن الكاهن، رماه بسهم؛ وقتل القاسم بن الحسن بن عليّ -وأمه أم ولد- قتله سعد بن عمرو بن نُفَيل الأزديّ، وقتل عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -وأمه جمانة ابنة المسيِّب بن نَجَبة بن ربيعة بن رياح من بني فَزارة- قتله عبد الله بن قُطْبَة الطائي ثم النَّبْهانيّ، وقتِل محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -وأمّه الخوصاء ابنة خَصَفة بن ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل- قتَله عامر بن نَهْشل التيميّ، وقُتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب -وأمه أمّ البنين ابنة الشقر بن الهضاب- قتله بشر بن حَوْط الهمْدانيّ، وقُتِل عبد الرحمن بن عَقِيل -وأمه أمّ ولد- قتله عثمان بن خالد بن أسير الجُهنيّ، وقتل عبد الله بن عقيل بن أبي طالب، وأمه أمّ ولد -رماه عمرو بن صُبيَح الصدائيّ فقتله؛ وقتل مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب- وأمّه أمّ ولد، ولد بالكوفة- وقتِل عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وأمّه رُقيّة ابنة عليّ بن أبي طالب وأمها أمّ ولد- قتله عمرو بن صبيح الصدائيّ؛ وقيل: قتله أسيد بن مالك الحضرميّ، وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل -وأمه أمّ ولد- قتله لقيط بن ياسر الجهني، واستُصغر الحسن بن الحسن بن عليّ، وأمه خولة ابنة منظور بن زبّان بن سيار الفَزارّي، واستصغر عمر بن الحسين بن علي فتُرِك فلم يُقتل -وأمه أمّ ولد- وقُتِل من الموالي سليمان مولى الحسين بن عليّ، قتله سليمان بن عوف الحضرميّ، وقتل مُنْجِح مولى الحسين بن عليّ، وقتل عبد الله بن بُقْطُر رضيع الحسين بن عليّ (١). (٤٦٧: ٥ - ٤٦٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي: أن عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم ير عبيد الله بن الحُرّ، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه، فقال: أين كنت يابن الحرّ؟ قال: كنت مريضًا؛ قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد منَّ الله عليَّ بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبتَ؛ ولكنك كنتِ مع عدوّنا؛ قال: لو كنت مع عدوّك لرُئيَ مكاني، وما كان مثل لمكاني يخفى؛ قال: وغفل عنه ابن زياد غفلةً، فخرج ابن الحرّ فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحرّ؟\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":271},{"text":"قالوا: خرج الساعة؛ قال: عليَّ به؛ فأحضِرَت الشُّرَط فقالوا له: أجب الأميرَ؛ فدفع فرسه ثم قال: أبلغوه أنِّي لا آتيه والله طائعًا أبدًا؛ ثم خرج حتى أتى منزل أحمر بن زياد الطائيّ فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثم مضى حتى نزل المدائن، وقال في ذلك:\nيقولُ أمير غادرٌ حقَّ غادرٍ: ... ألَا كنتَ قاتَلْتَ الشهيد ابنَ فاطمةْ!\nفيا نَدمي ألَّا أكونَ نصرتُهُ ... ألا كلُّ نفس لا تُسدّد نادِمَهْ\nوإنِّي لأنِّي لم أكْن من حُماتِهِ ... لذُو حسرةٍ ما إن تفارق لازمَه\nسَقَى الله أرواحَ الذين تأزّروا ... على نصرهِ سُقْيَا من الغيْثِ دائمهْ\nوقفتُ على أجْداثِهمْ ومجالِهمْ ... فكاد الحَشَا ينفَضُّ والعينُ ساجمَه\nلَعَمْري لقد كانوا مَصَالِيتَ في الوَغى ... سِراعًا إلى الَهيجا حُماةً خَضارمَهْ\nتآسَوْا على نَصْر ابن بنتِ نبيِّهمْ ... بأسيافهمْ آسادَ غِيلٍ ضَراغِمَهْ\nفإن يُقتلوا فكلُّ نفسٍ تقيَّةٍ ... على الأَرض قد أَضْحَت لذلك واجمَهْ\nوما إن رأى الرَّاؤُون أفضل منهُمُ ... لدى الموتِ ساداتٍ وزُهْرًا قماقِمهْ\nأتقتلهمْ ظلمًا وترجو ودادَنا ... فَدَع خُطَّةً ليست لنا بملائمهْ!\nلعمري لقد راغَمتُمونا بقتلِهمْ ... فكم ناقِمٍ مِنَّا عليكم وناقِمَهْ\nأهُمّ مِرارًا أن أَسِيرَ بجَحْفلٍ ... إلى فئةٍ زاغَّتْ عن الحقِّ ظالِمهْ\nفكُفُّوا وإلَّا ذُدتُكمْ في كَتَائبٍ ... أشَدَّ عليكمْ من زُحُوفِ الديالِمَهْ (١)\n(٤٦٩: ٥ - ٤٧٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حُدَير</span>\nوفي هذه السنة قتِل أبو بلال مرداس بن عمرو بن حُدَير من ربيعة بن حنظلة.\nذكر سبب مقتله:\nقال أبو جعفر الطبريّ: قد تقدم ذكر سبب خروجه، وما كان من توجيه عبيد الله بن زياد إليه أسلَم بن زُرعة الكلابيّ في ألفيْ رجل، والتقائهم بآسَك وهزيمة أسلم وجيشه منه ومن أصحابه فيما مضى من كتابنا هذا.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":272},{"text":"ولما هزم مرداس أبو بلال أسلمَ بن زرعة، وبلغ عبيدَ الله بن زياد؛ سرَّح إليه -فيما حُدّثتُ عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ- ثلاثة آلاف، عليهم عبّاد بن الأخضر التميميّ، فأتبعه عبّاد يطلبه حتى لحقه بتَوَّج، فصفّ له، فحمل عليهم أبو بلال وأصحابه، فثبتوا، وتعطّف النالس عليهم فلم يكونوا شيئًا، وقال أبو بلال لأصحابه: مَنْ كان منكم إنما خرج للدنيا فليذهب، ومن كان منكم إنما أراد الآخرة ولقاءَ ربِّه فقد سبق ذلك إليه، وقرأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، فنزل ونزل أصحابه معه لم يفارقه منهم إنسان، فقُتلوا من عند آخرهم، ورجع عبَّاد بن الأخضر، وذلك الجيش الذي كان معه إلى البصرة، وأقبل عبيدة بن هلال معه ثلاثة نفر هو رابعهم، فرصد عبّاد بغ الأخضر، فأقبل يريد قصر الإمارة وهو مردف ابنًا له غلامًا، صغيرًا، فقالوا: يا عبد الله! قف حتى نستفتيك؛ فوقف، فقالوا: نحن إخوةٌ أربعة، قُتل أخونا، فما تَرَى؟ قال: استَعدُوا الأميرَ، قالوا: قد استعدَيناه فلم يُعْدِنا؛ قال: فاقتلوه، قتله الله! فوَثَبوا عليه فحكَّموا، وألقى ابنَه فقتلوه (١). (٥: ٤٧٠ - ٤٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>ذكر خبر ولاية سَلْم بن زياد على خراسان وسجستان</span>\nوفي هذه السنة وَلَّى يزيد بن معاوية سَلْمَ بن زياد سِجستانَ وخُراسان.\nذكر سبب توليته إياه:\nحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدّثنا مسلَمة بن مُحارب بن سلم بن زياد، قال: وفد سَلْم بن زياد على يزيدَ بن معاوية وهو ابن أربع وعشرين سنة، فقال له يزيد: يا أبا حرْب! أولّيك عمل أخوَيك: عبد الرحمن وعبّاد؟ فقال: ما أحَبَّ أميرُ المؤمنين. فولّاه خُراسان وسجِستان، فوجَّه سلْم الحارثَ بن معاوية الحارثيّ جدّ عيسى بن شبيب من الشام إلى خُراسان، وقَدِم سلم البصرة، فتجهز وسار إلى خراسان، فأخذ الحارث بن قيس بن الهيثم السُّلمِيّ فحبسه، وضرب ابنه شبيبًا، وأقامه في سراويلَ، ووّجه أخاه يزيد بن زياد إلى سجستان، فكتب عبيد الله بن زياد إلى عبّاد أخيه -وكان له\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":273},{"text":"صديقًا- يخبره بولاية سَلْم، فقسم عبّاد ما في بيت المال في عبيده، وفَضلَ فضلٌ فنادَى مناديه: من أراد سلفًا فليأخذ، فأسلف كلّ من أتاه، وخرج عبّاد عن سِجِسِتْان، فلمْا كان بجِيرَفْت بلغه مكانُ سَلْم -وكان بينهما جبل- فعدل عنه، فذهب لعبّاد تلك الليلة ألف مملوك، أقلُّ ما مع أحدهم عشرة آلاف، قال: فأخذ عبّاد على فارس، ثمّ قدم على يزيد، فقال له يزيد: أين المال؟ قال: كنتُ صاحبَ ثغر، فقسمتُ ما أصبتُ بين الناس، قال: ولما شخَصَ سَلْم إلى خُراسانَ شخص معه عمران بن الفَصِيل البُرْجمي، وعبد الله بن خازم السلَميّ، وطلحة بن عبد الله بن خَلَف الخُزاعيّ، والمهلّب بن أبي صُفْرَةَ، وحنظلة بن عَرَادة، وأبو حُزّابة الوليد بن نَهيك أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويحيى بن يَعْمَر العَدْوانيّ حليف هُذَيل، وخلْق كثير من فُرسان البصرة وأشرافهم، فقَدِم سَلْم بن زياد بكتاب يزيدَ بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد بنُخْبَةِ ألفَي رجل ينتخبهم -وقال غيره: بل نُخبةِ ستة آلاف- قال: فكان سلْم ينتخب الوجوهَ والفرسان، ورغب قوم في الجهاد فطلبوا إليه أن يُخرجهم، فكان أول من أخرجه سلم حنظلة بن عَرَادة، فقال له عُبيد الله بن زياد: دعه لي؛ قال: هو بيني وبينك، فإن اختارك فهو لك، وإن اختارني فهو لي، فاختار سَلْمًا؛ وكان الناس يكلّمون سلمًا ويطلبون إليه أن يكتبهم معه، وكان صلة بن أشْيَم العَدوِيّ يأتي الديوان فيقول له الكاتب: يا أبا الصّهباء، ألا أثبتُ اسمك، فإنه وجهٌ فيه جهادٌ وفَضل؟ فيقول له: أستخير الله وأنظرُ، فلم يزل يدافع حتى فرغ من أمرِ الناس، فقالت له امرأته مُعاذة ابنة عبد الله العَدوّية: ألَا تكتب نفسك؟ قال: حتى أنظر، ثم صلى واستخار الله؛ قال: فرأى في منامه آتيًا أتاه، فقال له: أخرج فإنك تَرْبَح وتُفلِح وتنجح؛ فأتى الكاتب فقال له: أثبتني؛ قال: قد فرغْنا ولن أدعَك، فأثبته وابنه، فخرج سلْم فصيَّره سلم مع يزيد بن زياد فسار إلى سِجِستان. (٥: ٤٧١ - ٤٧٣).\nقال عليّ بن محمد: ذكر الحسن بن رشيد الجُوزَجانيُّ عن شيخ من خُزاعة، عن أبيه، عن جدّه، قال: غزوت مع سَلم بن زياد خُوارَزْم، فصالحوه على مال كثير، ثم عبر إلى سمرقند فصالحه أهلُها، وكانت معه امرأته أمّ محمد، فولدتْ له في غزاته تلك ابنًا، وأرسلتْ إلى امرأة صاحب الصُّغْد تستعير منها حليًّا، فبعثتْ إليها بتاجها؛ وقَفَلوا، فذهبتْ بالتاج. (٥: ٤٧٣ - ٤٧٤).","vol":"9","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1448>ذكر سبب عزل يزيد عمرَو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة</span>\nوكان السبب في ذلك وسبب إظهار عبد الله بن الزّبير الدعاءَ إلى نفسه -فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نَوْفل- قال: حدّثني أبي، قال: لما قُتل الحسين ﵇ قام ابن الزُّبير في أهل مكة وعظَّم مقتلَه، وعاب على أهل الكوفة خاصّة، ولامّ أهلَ العراق عامة، فقال بعد أن حَمِد الله وأثْنَى عليه وصَلى على محمد - ﷺ -: إن أهل العراق غُدُرٌ فُجُرٌ إلا قليلًا، وإن أهل الكوفة شِرارُ أهل العراق؛ وإنهم دَعَوا حُسينًا لينصروه ويولّوه عليهم، فلما قدِم عليهم ثاروا إليه، فقالوا له: إمّا أن تضع يدَك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميَّة سِلْمًا فيُمضِيَ فيك حكمَه، وإما أن تحارب؛ فرأى -والله إنه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله ﷿ لم يُطلع على الغيب أحدًا-: أنه مقتول، ولكنّه اختار الميتة الكريمةَ على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينًا، وأخزَى قاتلَ حسين! لعَمري لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناهٍ عنهم، ولكنه ما حُمَّ نازل، وإذا أراد الله أمرًا لن يُدْفَع، أفبعد الحسين نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهدًا؟ ! لا، ولا نراهم لذلك أهلًا؛ أما والله لقد قتلوه طويلًا بالليل قيامه، كثيرًا في النهار صيامه، أحقَّ بما هم فيه منهم وأوْلى به في الدّين والفضل! أما والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناءَ، ولا بالبكاء من خشية الله الحُداء، ولا بالصّيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حَلَق الذكر الرّكض في تَطْلاب الصيد -يعرّض بيزِيد- فسوف يلقون غَيًّا.\nفثارَ إليه أصحابه فقالوا له: أيُّها الرجل أظهِر بيعتك، فإنه لم يبقَ أحد -إذْ هَلَك حسين- ينازعك هذا الأمر، وقد كان يبايع الناس سرًّا، ويُظهر: أنه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا. وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة، وقد كان أشدّ شيء عليه وعلى أصحابه، وكان مع شدّته عليهم يداري ويرفق. فلما استقرّ عند يزيدَ بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجُموع بمكة، أعطى الله عهدًا ليُوثِقَنّه في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضّة، فمرّ بها البريد على مَرْوان بن الحَكَم بالمدينة، فأخبِر خبر ما قدم له وبالسلسلة التي معه، فقال مروان:\nخُذْها فليستْ للعزيز بخُطَّةٍ ... وفيها مقالٌ لامرئٍ مُتضَعفِ","vol":"9","page":275},{"text":"ثم مضى من عندِه حتى قدم على ابن الزبير، فأتى ابنَ الزبير فأخبَرَه بممرّ البريد على مروان، وتمثُّل مروان بهذا البيت، فقال ابن الزبير: لا والله لا أكون أنا ذلك المتضعّف؛ وردّ ذلك البريد ردًّا رقيقًا.\nوعلا أمر ابن الزبير بمكة، وكاتَبه أهلُ المدينة، وقال الناس: أمّا إذ هَلَك الحسين ﵇ فليس أحدٌ ينازع ابن الزبير (١). (٥: ٤٧٤ - ٤٧٥).\nقال هشام: عن خالد بن سعيد، عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد: إن عمرو بن سعيد لما رأى الناس قد اشرأبُّوا إلى ابن الزُّبير، ومَدُّوا إليه أعناقَهم؛ ظَنّ أن تلك الأمور تامّةٌ له، فبعث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص -وكانت له صُحبهَ، وكان مع أبيه بمِصْر، وكان قد قرأ كتب دنيال هنالك، وكانت قريش إذ ذاك تَعُدّه عالمًا- فقال له عمرو بن سعيد: أخبِرْني عن هذا الرجل، أتَرَى ما يطلب تامًا له؟ وأخبِرْني عن صاحبي إلى ما ترى أمرَه صائرًا إليه؟ فقال: لا أرى صاحبَك إلا أحد الملوك الذين تتمُّ لهم أمورهم حتى يموتوا وهم ملوك، فلم يزدد عند ذاك إلا شدّةً. على ابن الزبير وأصحابه، مع الرفق بهم، والمداراة لهم.\nثمّ إنّ الوليد بن عتبة وناسًا معه من بني أمية قالوا ليزيد بن معاوية: لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث به إليك، فسرّح الوليد بن عُتْبة على الحجاز أميرًا، وعزل عَمرًا. (٥: ٤٧٦ - ٤٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عمَّا كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية</span>\nذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليه:\nوكان السبب في ذلك -فيما ذكر لوط بن يحيى، عن عبد الملك بن نوفل بن مُساحق، عن عبد الله بن عروة: أنّ يزيد بن معاوية لما سرّح الوليد بن عُتْبة على الحجاز أميرًا، وعَزَل عمرو بن سعيد؛ قدم الوليدُ المدينة فأخذ غلمانًا كثيرًا لعمرو ومواليَ له، فحبَسَهم، فكلّمه فيهم عمرو، فأبى أن يخلّيَهم، وقال له:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":276},{"text":"لا تجزع يا عمرو؛ فقال أخوه أبان بن سعيد بن العاص: أعمرو يَجزع! والله لو قبضتم على الجَمْرِ وقبض عليه ما تَرَكه حتى تتركوه، وخرج عمرو سائرًا حتى نزل من المدينة على ليلتين، وكتب إلى غلمانه ومواليه وهم نحوٌ من ثلاثمئة رجل: إني باعث إلى كلّ رجل منكم جَمَلًا وحقيبةً وأداته، وتُناخ لكم الإبل في السوق، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا بابَ السجن، ثم ليقمْ كلُّ رجل منكم إلى جَمَله فليركبْه، ثمّ أقبِلوا عليّ حتى تأتوني؛ فجاء رسولُه حتى اشترى الإبل، ثمّ جهزها بما ينبغي لها، ثمّ أناخها في السوق، ثمّ أتاهم حمَى أعلمهم ذلك، فكسروا باب السجن، ثم خرجوا إلى الإبل فاستوَوْا عليها، ثمّ أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد فوجدوه حين قدم على يزيدَ بن معاوية، فلما دخل عليه رحّب به وأدنى مجلسَه.\nثمّ إنه عاتبه في تقصيره في أشياء كان يأمره بها في ابن الزّبير، فلا ينفّذ منها إلا ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين! الشاهدُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وإنّ جُلَّ أهلِ مكة وأهل المدينة قد كانوا مالُوا إليه وهوَوه وأعطوه الرّضا، ودعا بعضهم بعضًا سِرًّا وعلانية، ولم يكن معي جند أقوى بهم عليه لو ناهضتهُ، وقد كان يحذَرُني ويتحرَّز مني، وكنت أرفق به وأداريه لأستمكر منه فأثبَ عليه، مع أني قد ضَيَّقتُ عليه، ومنعتُه من أشياءَ كثيرة لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونةً، وجعلتُ على مكة وطُرُقها وشعابها رجالًا لا يَدَعون أحدًا يدخلها حتى يكتبوا إليّ باسمه واسم أبيه، ومن أيّ بلاد الله هو، وما جاء به وما يريد؛ فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددتُه صاغرًا، وإن كان ممن لا أتَّهم، خلّيتُ سبيلَه، وقد بعثتَ الوليد، وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضلّ مبالغتي في أمرك، ومناصحتي لك إن شاء الله، واللهُ يصنع لك، ويَكبت عدوّك يا أمير المؤمنين! .\nفقال له يزيد: أنت أصدَق ممن رقَّى هذه الأشياء عنك، وحَمَلّني بها عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدخره لرأبِ الصَّدْع، وكفاية المُهمّ، وكشفِ نوازل الأمور العظام؛ فقال له عمرو: وما أرى يا أميرَ المؤمنين أنّ أحدًا أولَى بالقيام بتشديد سلطانك، وتوهين عدوك، والشدّة على من نابَذَك مني.\nوأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير، فلا يجده إلا متحذّرًا متمنّعًا، وثار","vol":"9","page":277},{"text":"نَجْدة بن عامر الحنفيّ باليمامة حين قُتل الحسين، وثار ابن الزبير، فكان الوليد يُفيض من المُعَرَّف، وتُفيض معه عامة الناس، وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقفٌ في أصحابه، ثم يُفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه، لا يُفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه، وكان نجدة يَلقَى ابن الزّبير فيكثر حتى ظنّ الناس أنه سيبايعه، ثمّ إنّ ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد بن عُتبة، فكتب إلى يزيدَ بن معاوية: إنك بعثتَ إلينا رجلًا أخرَق، لا يَتَّجه لأمر رشَد، ولا يَرعَوي لعظَة الحكيم، ولو بعثتَ إلينا رجلًا سهلَ الخُلُق، ليِّن الكتف؛ رجوتُ أن يَسْهُل من الأمور ما استَوْعَر منها، وأن يجتمع ما تفرّق، فانظر في ذلك، فإن فيه صلاح خواصنا وعوامّنا إن شاء الله؛ والسلام.\nفبعث يزيدُ بن معاوية إلى الوليد فعزَله وبعث عثمان بن محمد بن أبي سُفْيان -فيما ذكر أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حميد بن حمزة؛ مولىٌ لبني أمية، قال: فقَدِم فتى غزٌّ حَدَثٌ غَمْرٌ لم يُجرّب الأمور، ولم يحنّكه السنّ، ولم تُضرّسه التجارب؛ وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، وبعث إلى يزيدَ وفدًا من أهل المدينة فيهم عَبدُ الله بن حنظلة الغَسيل الأنصاريّ وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ، والمنذر بن الزبير، ورجالًا كثيرًا من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيدَ بن معاوية، فأكرمهم، وأحسنَ إليهم، وأعظم جوائزَهم، ثمّ انصرفوا من عنده، وقَدِموا المدينة كلهم إلّا المنذر بن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة -وكان يزيد قد أجازه بمئة ألف درهم- فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينةَ قاموا فيهم فأظهروا شَتْمَ يزيدَ وعُتبة، وقالوا: إنا قدمْنا من عندِ رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويَعزِف بالطنابير، ويَضرِب عنده القيان، ويَلعَب بالكلاب، ويسامر الخُرَّاب والفتيان، وإنا نُشهدكم أنا قد خلعناه؛ فتابَعَهم الناس (١). (٤٧٨: ٥ - ٤٨٠).\nقال لوط بن يحيى: فحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أنّ الناس أتَوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم (٢). (٥: ٤٨).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":278},{"text":"قال لوط: وحدثني أيضًا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف: ورجع المنذر من عند يزيدَ بن معاوية، فقَدِم على عُبيد الله بن زيادة البصرةَ، فأكرمه وأحسن ضيافتَه، وكان لزياد صديقًا، إذ سقط إليه كتابٌ من يزيد بن معاوية حيث بلغه أمرُ أصحابه بالمدينة، أن أوثقْ المنذرَ بن الزبير واحبِسه عندَك حتى يأتيَك فيه أمري؛ فكره ذلك عبيد الله بن زياد لأنه ضيْفه، فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إياه، وقال له: إنك كنت لزياد وُدًّا وقد أصبحتَ لي ضيفًا، وقد آتيتُ إليك معروفًا، فأنا أحبُّ أن أسدِيَ ذلك كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فقُمْ فقُلْ: ائذنْ لي فلأنصرفْ إلى بلادي، فإذا قلتُ: لا بَلْ أقِمْ عندي فإنّ لك الكرامةَ والمواساة والأثَرةَ، فقُل: لي ضيعةٌ وشُغْلٌ، لا أجد من الانصراف بُدًّا فائْذَنْ لي، فإني آذنُ لك عند ذلك؛ فالحقْ بأهلك.\nفلما اجتمع الناس عند عُبيد الله قام إليه فاستأذنه فقال: لا بل أقِمْ عندي فإني مُكرمُك ومُواسيك ومؤثرُك، فقالى له: إنّ لي ضيعةً وشُغلًا، ولا أجدُ من الانصراف بدًّا فائْذَنْ لي؛ فأذن له، فانطلق حتى لحِق بالحجاز، فأتى أهلَ المدينة، فكان فيمن يحرِّض الناسَ على يزيد، وكان من قوله يومئذ: إن يزيدَ والله لقد أجازني بمئة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إليّ أن أخبركم خبرَه، وأصدُقكم عنه، والله إنه ليَشرب الخمر، وإنه ليَسكَرْ حتى يدَع الصلاة؛ وعابه، بمثل ما عابه به أصحابُه الذين كانوا معه وأشدَّ، فكان سعيد بن عمرو يحدِّث بالكوفة: أنّ يزيدَ بن معاوية بلغه قولُه فيه فقال: اللهمَّ إني آثرتُه وأكرمتُه، ففعل ما قد رأيت، فاذكرْه بالكذب والقطيعة (١). (٥: ٤٨٠ - ٤٨١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني سعيد بن زيد أبو المثلم: أنّ يزيدَ بن معاوية بعث النعمان بن بشير الأنصاريّ فقال له: ائتِ الناس وقومك فافثأهم عمّا يريدون، فإنهم إنْ لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناسُ على خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحبّ أن ينهض في هذه الفتنة فيَهلك.\nفأقبل النعمان بن بشير فأتى قومَه، ودعا الناس إليه عامّة، وأمَرَهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوَّفهم الفتنةَ، وقال لهم: إنه لا طاقةَ لكم بأهل الشام؛ فقال\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":279},{"text":"عبد الله بن مطيع العدويّ: ما يحملك يا نُعمانُ على تفريق جماعتنا، وفسادِ ما أصلَح الله من أمرنا! فقال النعمان: أمَا والله لكاني بك لو قد نزلتْ تلك التي تدعو إليها، وقامت الرَجال على الرُّكَب تَضرِب مفَارقَ القوم وجباهَهم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربتَ على بغلتك تضرب جنبيْها إلى مكة، وقد خلّفت هؤلاء المساكين -يعني الأنصار- يُقتلون في سِكَكِهم ومساجدهم، وعلى أبواب دُورهم! فعصاه الناس، فانصرف، وكان والله كما قال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>فمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية عثمانَ بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وإظهارهم خلعَ يزيد بن معاوية وحصارهم من كان بها من بني أمية</span>\nذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كُرّة: أنّ أهل المدينة لمّا بايعوا عبد الله بن حنظلة الغَسيل على خلع يزيد بن معاوية؛ وثبوا على عثمانَ بن محمد بن أبي سُفْيان، ومن بالمدينة من بني أميّة ومواليهم ومَن رأى رأيَهم من قريش، فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دارَ مروان بن الحكم، فحاصَرَهم الناسُ فيها حصارًا ضعيفًا، قال: فدعت بنو أميّة حبيب بن كرّة، وكان الذي بَعَث إليه منهم مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان بن عفان، وكان مروان هو يدبِّر أمرهم. فأما عثمان بن محمد بن أبي سُفْيان فإنما كان غلامًا حدَثًا لم يكن له رأي قال عبد الملك بن نوفل: فحدّثني حبيب بن كرة، قال: كنت مع مروان، فكتب معي هو وجماعة من بني أميّة كتابًا إلى يزيدَ بن معاوية، فأخذ الكتابَ عبدُ الملك بن مروان حتى خرج معي إلى ثنيّة الوَدَاع، فدفع إليّ الكتاب وقال: قد أجّلتك اثنتي عشرة ليلة ذاهبًا واثنتي عشرة ليلة مُقبلًا، فوافِني لأربع وعشرين ليلة في هذا المكان تجدني إن شاءَ الله في هذه الساعة جالسًا أنتظرك. وكان الكتاب:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":280},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم: أمّا بعد، فإنه قد حُصِرنا في دار مروان بن الحَكم، ومُنِعنا العذْب، ورُمِينا بالجَبوب، فياغَوْثاه! يا غَوْثاه!\nقال: فأخذتُ الكتاب ومضيت به حتى قدمتُ على يزيد وهو جالس على كُرسيّ، واضع قدمَيه في ماء طست من وَجَع كان يجده فيهما -ويقال: كان به النِّقْرِس- فقرأه ثمّ قال فيما بلغَنا متمثِّلًا:\nلقد بدّلوا الحِلم الَّذي مِن سَجيَّتي ... فبدّلتُ قومي غِلظةً بليانِ\nثم قال: أما يكون بنو أميَّة ومواليهم ألفَ رجل بالمدينة؟ قال: قلت: بلى، والله وأكثر؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار! قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين! أجمع الناس كلهم عليهم، فلم يكن لهم بجمع الناس طاقةٌ؛ قال: فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتابَ، وأخبَره الخبر، وأمَرَه أن يسير إليهم في الناس، فقال له: قد كنتُ ضبطتُ لك البلاد، وأحكمتُ لك الأمور، فأمّا الآن؛ إذ صارت إنما هي دِماء قريش تُهراق بالصّعيد، فلا أحبّ أن أكون أنا أتولى ذلك، يتولّاها منهم مَن هو أبعد منهم متي، قال: فبعثني بذلك الكتاب إلى مسلم بن عُقْبة المرّيّ -وهو شيخ كبير ضعيف مريض- فدفعتُ إليه الكتاب، فقرأه، وسألني عن الخبر فأخبرتُه، فقال لي مِثلَ مقالة يزيدَ: أمَا يكون بنو أمية ومواليهم وأنصارهم بالمدينة ألفَ رجل! قال: قلت: بل يكونون؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار! ليس هؤلاء بأهل أن يحصَروا حتى يَجهَدوا أنفسهم في جهاد عدّوهم، وعِز سلطانهم؛ ثم جاء حتى دخل على يزيدَ فقال: يا أمير المؤمنين! لا تنصر هؤلاء فإنهم الأذلّاء؛ أما استطاعوا أن يقاتلوا يومًا واحدًا أو شَطرَه، أو ساعة منه؟ ! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهَدوا أنفسهَم في جهاد عدوّهم، وعزّ سلطانهم، ويستبينَ لك من يقاتل منهم على طاعتك، ويصبر عليها أو يستسلم؛ قال: وَيحْك! إنه لا خيرَ في العيش بعدهم، فاخرج فأنْبِئْني نبَأك، وسرْ بالناس؛ فخرج مناديه فنادَى: أن سيروا إلى الحِجاز على أخذِ أعطياتكم كَمَلًا ومعونه مئة دينار توضَحُ في يد الرجل من ساعته، فانتدب ذلك اثنا عشر ألف رجل (١). (٥: ٤٨٢ - ٤٨٣)،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":281},{"text":"حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير، عن مغيرة، قال: كتب يزيد إلى ابن مَرْجانة: أن اغزُ ابنَ الزبير؛ فقال: لا أجمعهما للفاسق أبدًا، أقتل ابنَ بنت رسولِ الله - ﷺ -، وأغزو البيتَ!\nقال: وكانت مَرْجانة امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتِل الحسين ﵇: ويْلك! ماذا صنعتَ! وماذا ركبت! (٥: ٤٨٣ - ٤٨٤).\nرجع الحديث إلى حديث حبيب بن كُرّة، قال: فأقبلت حتى أوفِيَ عبد الملك بن مروان في ذلك المكان في تلك الساعة أو بُعَيدَها شيئًا.\nقال: فوجدتُه جالسًا متقنِّعًا تحت شجرة، فأخبرته بالذي كان، فُسرّ به، فانطلقنا حتى دخلنا دارَ مروانَ على جماعة بني أمية، فنبّأتهم بالذي قُدِمتُ به، فحمِدوا الله ﷿ (١). (٥: ٤٨٤).\nقال عبد الملك بن نوفل. حدَّثني حبيب: أنه بلغه في عشرة، قال: فلم أبرحْ حتى رأيت يزيد بن معاوية خرج إلى الخيل يتصفّحها وينظر إليها؛ قال: فسمعتُه وهو يقول وهو متقلِّد سيفًا، متنكبٌ قوسًا عربيَّة:\nأَبلغْ أبا بَكرٍ إذا الليلُ سَرَى ... وهَبَطَ القومُ على وادِي القُرَى\nعشرون ألفًا بين كهلٍ وفتى ... أجَمْع سكرانَ مِنَ القوم تَرَى!\nأم جَمْع يَقظانَ نُفي عنه الكَرَى! ... يا عجبًا مِن مُلْحِدٍ يا عَجبا!\nمُخادع في الدين يقْفُو بالعُرى\nقال عبد الملك بن نوفل: وفَصَل ذلك الجيش من عند يزيدَ وعليهم مُسلِم بن عُقْبة، وقال له: إن حَدث بك حَدَثٌ فاستخلفْ على الجيش حصين بن نُمَير السَّكونيّ؛ وقال له: ادعُ القومَ ثلاثًا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلْهم، فإذا أظْهِرتَ عليهم فأبِحْها ثلاثًا، فما فيها من مالٍ أو رِقَةٍ أو سِلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاثُ فاكفُف عن الناس؛ وانظر عليّ بن الحسين، فاكففْ عنه، واستَوْصِ به خيرًا، وأدنِ مجلسَه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وقد أتاني كتابُه، وعليّ لا يعلم بشيء مما أوصَى به يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة، وقد كان عليّ بن الحسين لما خرج بنو أمية نحو الشأم أوى إليه ثَقَل مروان بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":282},{"text":"الحكم، وامرأتَه عائشة بنت عثمان بن عفّان، وهي أمّ أبان بن مروان.\n(٥: ٤٨٥ - ٤٨٤).\nوقد حدّثت عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، قال: لما أخرج أهلُ المدينة عثمانَ بن محمد من المدينة، كلّم مروان بن الحكم بن عمر أن يغيِّب أهلَه عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم عليَّ بن الحسين، وقال: يا أبا الحسن، إن لي رحِمًا وحُرَمي تكون مع حُرَمك، فقال: أفعل؛ فبعث بحُرَمه إلى عليّ بن الحسين، فخرج بحُرمه وحُرَم مروان حتى وضعهم بيَنْبُعَ، وكان مروانُ شاكرًا لعليّ بن الحسين، مع صداقة كانت بينهما قديمة. (٤٨٥: ٥).\nرجع الحديث إلى حديث أبي مخنف عن عبد الملك بن نَوْفل، قال: وأقبل مسلم بن عُقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهلَ المدينة إقبالُه وثبوا على مَنْ لمعهم من بني أميّة، فحصروهم في دار مَرْوان، وقالوا: والله لا نكفّ عنكم حتى نستنزلَكم ونضربَ أعناقكم، أو تُعطونا عهدَ الله وميثاقَه لاتَبْغونا غائلةً، ولا تدلّوا لنا على عَوْرة، ولا تظَاهِروا علينا عدوّا، فنكفّ عنكم ونُخرجَكم عنّا، فأعطَوْهم عهدَ الله وميثاقَه لا نبغيكم غائلةً، ولا ندل لكم على عورة، فأخرَجوهم من المدينة، فخرجتْ بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القُرى، وخرجتْ عائشة بنت عثمان بن عفان إلى الطائف، فتمر بعلي بن حسين وهو بمالٍ له إلى جنب المدينة قد اعتزلها كراهية أن يشهد شيئًا من أموالهم، فقال لها: احملي ابني عبد الله معكِ إلى الطائف فحملتْه إلى الطائف حتى نُقِضتْ أمورُ أهل المدينة.\nولما قدمت بنو أميّة على مسلم بن عُقبة بوادي القرى دعا بعَمرو بن عثمان بن عفان أوَّل الناس فقال له: أخبرني خبرَ ما وراءك، وأشِرْ على؛ قال: لا أستطيع أن أخبرَك، أخِذ علينا العهودَ والمواثيقِ ألّا ندلَّ على عورة، ولا نظاهرَ عدوًّا، فانتهره ثم قال: والله لولا أنَّك ابنُ عثمان لضربتُ عنقَك، وَايمُ الله لا أقيلها قُرَشيّا بعدك، فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه، فقال مَرْوان بن الحكَم لابنه عبد الملك: ادخُلْ قبلي لعلّه يجتزِئ بك عني، فدخل عليه عبد الملك، فقال: هاتِ ما عندَك، أخبِرني خبرَ الناس، وكيف ترى، فقال له: نعم أرى أن تسير بمن معك؛ فتنكَبَ هذا الطريقَ إلى المدينة، حتى إذا انتهيتَ إلى أدنى نَخل بها","vol":"9","page":283},{"text":"نزلتَ، فاستظل الناس في ظلّه، وأكلوا من صَقْره؛ حتى إذا كان الليلُ أذكيتَ الحرس الليل كلّه عقبًا بين أهل العسكر، حتى إذا أصبحت صلّيتَ بالناس الغداةَ، ثمّ مضيتَ بهم وتركت المدينة ذاتَ اليسار، ثمّ أدَرْت بالمدينة حتى تأتيَهم من قبل الحرّة مُشرّقًا، ثمّ تستقبل القومَ، فإذا استقبلتَهم وقد أشرقَتْ عليهم وطلعت الشمسُ طلعت بين أكتاف أصحابك، فلا تؤذيهم، وتقع في وجوههم فيؤذيهم حَرُّها، ويصيبهم أذاها، ويرون ما دمتُم مُشَرقين من ائتلاق بيضكم وحِرابِكم، وأسنَّة رماحِكم وسيوفِكم ودروعِكم وسَواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ما داموا مغَرِّبين، ثم قاتِلْهم واستَعِنْ بالله عليهم، فإن الله ناصِرُك؛ إذا خالفوا الإمام، وخرجوا من الجماعة، فقال له مسلم: لله أبوك! أيَّ امرئ ولد إذ ولدك! لقد رأى بك خَلفًا، ثمّ إنّ مروان دخَل عليه فقال له: إيه! قال: أليس قد دخل عليك عبد الملك! قال: بلى، وأيّ رجل عبد الملك! قلّما كلمت من رجال قريش رجلًا به شبيهًا؛ فقال له مروان: إذا لقيتَ عبد الملك فقد لقيتَني؛ قال: أجَل، ثمّ ارتحل من مكانه ذلك، وارتحل الناسُ معه حتى نزل المنزل الذي أمره به عبد الملك، فصنع فيه ما أمره به، ثم مضى في الحَرّة حتى نزلها، فأتاهم من قِبَل المشرق، ثمّ دعاهم مسلم بن عقبة، فقال: يا أهلَ المدينة! إنّ أمير المؤمنين يزيدَ بن معاوية يزعم أنكم الأصل، وإني أكره هِراقةَ دمائكم، وإنَي أؤجّلكم ثلاثًا، فمن ارعوَى وراجَع الحقّ قبلنا منه، وانصرفت عنكم، وسرت إلى هذا المُلْحد الذي بمكة، وإن أبَيتم كنا قد أعذرنا إليكم- وذلِك في ذي الحِجّة من سنة أربع وستّين؛ هكذا وجدتُه في كتابي، وهو خطأ، لأنَّ يزيد هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت وقعة الحَرّة في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه.\nولما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة! قد مضت الأيام الثلاثة، فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب؟ فقال لهم: لا تفعلوا، بل ادخلوا في الطاعة، ونجعل حدَّنا وشوكتنا على هذا الملحِد الذي قد جمع إليه المُرّاقَ والفُسّاق من كلّ أوْب، فقالوا لهم: يا أعداءَ الله! والله لو أردتم أن تجوزوا إليهم ما تركناكم حتى نقاتلَكم، نحن نَدعكم أن تأتوا بيت الله الحرام، وتخِيفوا أهلَه، وتلحدوا فيه، وتستحلوا حرمتهُ! لا والله لا نفعل! .","vol":"9","page":284},{"text":"وقد كان أهل المدينة اتّخذوا خندقًا في جانب المدينة، ونزله جمع منهم عظيمٌ، وكان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف ابن عمّ عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة، وكان مَعْقِل بن سنان الأشْجَعيّ على ربع آخر في جانب المدينة، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاريّ، في أعظم تلك الأرباع وأكثرها عددًا (١). (٥: ٤٨٥ - ٤٨٧).\nقال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي، فذكر: أنّ عبد الله بن مطيع كان على قريش من أهل المدينة، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ومعقِل بن سنان على المهاجرين. (٥: ٤٨٧).\nقال هشام: عن أبي مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: وصمد مسلم بن عُقْبة بجميع من معه، فأقبل من قِبل الحَرّة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، ثم وجّه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل على الخيل في الرجال الذين معه حتى كشف الخيل، حتى انتهوا إلى مسلم بن عقبة، فنهض في وجوههم بالرّجال، وصاح بهم، فانصرفوا فقاتلوا قتالًا شديدًا.\nثمّ إنّ الفضلَ بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى عبد الله بن حنظلة الغسيل فقاتل في نحو من عشرين فارسًا قتالًا شديدًا حَسْنًا. ثم قال لعبد الله: مُر من معك فارسًا فليأتني فليقفْ معي، فإذا حملتُ فليحْملوا، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلمًا، فإمّا أن أقتلَه، وإما أن أقتَل دونه، فقال عبد الله بن حنظلة لعبد الله بن الضحاك من بني عبد الأشهل من الأنصار: نادِ في الخيل فلْتَقف مع الفضل بن العباس، فنادى فيهم فجمعهم إلى الفضل، فلما اجتمعت الخيل إليه حمل على أهل الشأم فانكشفوا، فقال لأصحابه: ألا ترونهم كُشْفًا لئامًا! احملوا أخرى جُعِلتُ فداكم! فوالله لئن عاينتُ أميرهم، لأقتلنه أو لأقتَلنَّ دونه، إنّ صبر ساعة مُعقِبٌ سرور أبد، إنه ليس بعدُ لصبرنا إلا النصرُ، ثم حمل وحمل أصحابه معه، فانفرجت خيلُ أهل الشأم عن مسلم بن عقبة في نحو من خمسمئة راجل جُثاة على الرُّكَب، مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":285},{"text":"كما هو نحوَ رايته حتى يضربَ رأس صاحب الراية، وإنّ عليه لمِغفرًا، فقطّ المغفر، وفلق هامته فخرّ ميتًا، فقال: خذها منيّ وأنا ابن عبد المطلب! فظنّ أنه قَتَل مسلمًا، فقال: قتلتُ طاغيةَ القوم وربّ الكعبة! فقال مسلم: أخطَأت استُك الحُفرةَ! وإنما كان ذلك غلامًا له، يقال له: روميّ وكان شجاعًا، فأخذ مسلم رايتَه ونادى: يا أهلَ الشأم، أهذا القتال قتالُ قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم، وأن يُعزّوا به نصر إمامهم! قبَّح الله قتالَكم منذُ اليوم! ما أوجعه لقلبي، وأغيظه لنفسي! أمَا والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تُحرَموا العطاءَ، وأن تجمّروا في أقاصي الثغور، شدّوا مع هذه الراية، ترّح الله وجوهكم إن لم تُعتِبوا! فمشى برايته، وشدّت تلك الرّجال أمام الراية، فصُرع الفضل بن عباس، فقُتل وما بينه أطناب مسلم بن عقبة إلَّا نحو من عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وقُتل معه إبراهيم بن نُعيم العدويّ في رجال من أهل المدينة كثير (١). (٤٨٧: ٥ - ٤٨٩).\nقال هشام، عن عوانة: وقد بلغنا في حديث آخر: أنِّ مسلم بن عقبة كان مريضًا يومَ القتال، وأنه أمر بسرير وكرسي فوُضع بين الصفين، ثم قال: يا أهل الشام، قاتِلوا عن أميركم أو دَعُوا، ثمّ زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمِدون لرُبعٍ من تلك الأرباع إلا هزموه، ولا يقاتلون إلا قليلًا حتى تولَّوا.\nثم إنه أقبل إلى عبد الله بن حنظلة فقاتله أشدَّ القتال، واجتمع من أراد القتال من تلك الأرباع إلى عبد الله بن حنظلة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فحمل الفضل ابن العبّاس بن ربيعة في جماعة من وجوه الناس وفُرسانهم يريد مسلمَ بن عقبة، ومسلم على سريره مريض، فقال: احمِلوني فضعوني في الصفّ، فوضعوه بعدما حملوه أمام فسطاطه في الصّف، وحمل الفضل بن العباس هو وأصحابه أولئك حتى انتهى إلى السرير، وكان الفضل أحمَر، فلما رفع السيفَ ليضربَه صاح بأصحابه: إن العبد الأحمر قاتلي، فأين أنتم يا بَني الحرائر! اشْجروه بالرّماح، فوثبوا إليه فطعنوه حتى سقط. (٥: ٤٨٩).\nقال هشام: قال أبو مخنف: ثمّ إنّ خيل مسلم ورجالَه أقبلتْ نحو عبد الله بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":286},{"text":"حنظلة الغسيل ورجاله بعده -كما حدّثني عبد الله بن مُنْقذ- حتى دنَوا منه، وركب مسلم بن عُقْبة فرسًا له، فأخذ يسير في أهل الشأم ويحرّضهم ويقول: يا أهل الشام! إنكم لستُم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عددًا، ولا أوسعها بلدًا، ولم يخصُصْكم الله بالذي خصّكم به من النصر على عدوّكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم، إلا بطاعتكم واستقامتكم؛ وإنَّ هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيَّروا فغيَّر الله بهم، فتِمّوا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمّم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفُلْج، ثمّ جاء حتى انتهى إلى مكانه الذي كان فيه، وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل، وأصحابه، فأخذتِ الخيلُ إذا أقدمتْ على الرّجال فثاروا في وجوهها بالرّماح والسيوف نفرتْ وابذعرّتْ وأحجمتْ، فنادى فيهم مسلم بن عقبة: يا أهلَ الشأم! ما جعلهم الله أولَى بالأرض منكم، يا حُصَيْن بن نُمَير، انِزِل في جندك؛ فنزل في أهل حِمْصَ، فمشى إليهم، فلما رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام في أصحابه فقال: يا هؤلاء؛ إنّ عدوّكم قد أصابوا وَجْه القتال الذي كان ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألّا تلبثوا إلا ساعةً حتى يفصل الله بينكم وبينهم إمّا لكم وإمّا عليكم، أمّا إنكم أهل البصيرِة ودار الهجرة، والله ما أظنّ ربَّكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضي منه عنكم، ولا على أهل بلد من بُلدان العرب بأسخطَ منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، إنّ لكل امرئ منكم ميتةً هو ميِّت بها، والله ما من ميتة بأفضلَ من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها، فوالله ما كلّ ما أردتموها وجدْتموها، ثم مشى برايته غيرَ بعيد، ثمّ وقف، وجاء ابن نمير برايته حتى أدناها، وأمر مسلم بن عُقْبة عبد الله بن عضاه الأشعريّ فمشى في خمسمئة مُرامٍ حتى دنَوا من ابن الغسيل وأصحابه، فأخذوا ينضحونهم بالنّبل، فقال ابن الغسيل: علامَ تستهدفون لهم! من أراد التعجّل إلى الجنة فليلزم هذه الراية؛ فقام إليه كلّ مستميت، فقال: الغدُوّ إلى ربّكم، فوالله إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريرِي عَيْن؛ فنهض القوم بعضُهم إلى بعض فاقتتلوا أشدّ قتال رُئيَ في ذلك الزمان ساعةً من نهار، وأخذ يقدّم بنيه أمامه واحدًا واحدًا حتى قتلوا بين يديه، وابن الغسيل يضرب بسيفه، ويقول:\nبُعْدًا لمن رامَ الفَسادَ وطَغَى ... وجانَبَ الحقَّ وآيات الهدى\nلا يُبْعِدِ الرحْمَنُ إلَّا مَنْ عَصَى","vol":"9","page":287},{"text":"فقُتِل، وقُتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بنِ قيس بن شمّاس، استقدم فقاتل حتى قتِل، وقال: ما أحبّ أنّ الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم؛ ثم قاتل حتى قُتل وقُتل معه محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فمرَّ عليه مروان بن الحَكَم وكأنه بِرْطيل من فِضّة، فقال: رحمك الله! فرُبَّ سارية قد رأيتك تطيل القيامَ في الصلاة إلى جنبها (١). (٥: ٤٨٩ - ٤٩١).\nقال هشام: فحدّثني عوانة، قال: فبلغنا: أنّ مسلم بن عقبة كان يجلس على كرسيّ ويحمله الرجال وهو يقاتل ابن الغسيل يوم الحَرّة وهو يقول:\nأحْيا أَباه هاشِمُ بن حَرْمَلهْ ... يوم الهَبَاتَيْن ويومَ اليعْمُلَهْ\nكلُّ المُلوك عِنْدَهُ مُغَرْبَلَة ... ورُمحُهُ للوالدات مثكلَهْ\nلا يُلبِثُ القتيلَ حتى يَجْدِله ... يَقْتُل ذا الذَّنْبِ ومن لا ذَنْبَ لهْ\n(٤٩١: ٥).\nقال هشام عن أبي مخنف: وخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص يومئذ يقاتل، فلما انهزم الناسُ مال عليهم يضربهم بسيفه حتى غلبته الهزيمةُ، فذهب فيمن ذهب من الناس، وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناسَ ويأخذون الأموالَ؛ فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخُدْريّ حتى دخل في كَهْف في الجبل، فبَصُر به رجل من أهل الشأم، فجاء حتى اقتحم عليه الغار (٢). (٥: ٤٩١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحسن بن عطية العَوْفيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: دخل إليَّ الشاميّ يمشي بسيفه، قال: فانتضيتُ سيفي فمشيت إليه لأرعِبَهُ لعله ينصرف عنيّ، فأبى إلا الإقدامَ عليَّ، فلما رأيت أن قد جدّ شمتُ سيفي، ثمّ قلتُ له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال لي: من أنت لله أبوك! فقلت: أنا أبو سعيد الخُدْريّ، قال: صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قلت: نعمَ؛ فانصرف عنّي (٣). (٥: ٤٩١).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":288},{"text":"قال هشام: حدّثني عوانة، قال: دعا الناسَ مُسلم بن عُقْبة بقُبَاء إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش: ليزيدَ بن عبد الله بن زَمْعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى ومحمد بن أبي الجَهْم بن حذيفة العدويّ ولمعقل بن سنان الأشجعيّ، فأتِي بهما بعد الوقعة بيوم فقال: بايعا، فقال القرشيّان: نبايعك على كتاب الله وسنَّة نبيِّه؛ فقال: لا والله لا أقيلكم هذا أبدًا، فقدّمهما فضرب أعناقهما! فقال له مروان: سبحان الله! أتقْتل رجليْنِ من قريش أتَيَا ليؤمنا فضَربتَ أعناقهما! فنَخسَ بالقضيب في خاصرتِه ثم قال: وأنتَ والله لو قلتَ بمقالتهما ما رأيتَ السماءَ إلا بَرْقَةً. (٥: ٤٩١ - ٤٩٢).\nقال هشام: قال أبو مخنف: وجاء مَعقل بن سنان، فجلس مع القوم، فدعا بشراب ليُسقَى، فقال له مسلم: أيّ الشراب أحبّ إليك؟ قال: العسل، قال: اسقوه، فشَرِب حتى ارتَوى، فقال له: أقضيت رِيَّك من شرابِك؟ قال: نعم، قال: لا والله لا تشرب بعده شرابًا أبدًا إلا الحميمَ في نار جهنم، أتذكر مقالتكَ لأمير المؤمنين: سرتُ شهرًا، ورجعتُ شهرًا، وأصبحتُ صِفرًا، اللهمّ غَيِّر. تعني: يزيدَ! فقدمه فضرب عنقه (١). (٥: ٤٩٢).\nقال هشام: وأمّا عوانة بن الحَكم فذكر: أن مسلم بن عقبة بعث عمرو بن مُحْرِز الأشجعى فأتاه بمَعقِل بن سنان فقال له مسلم: مرحبًا بأبي محمد! أراك عطشان! قال: أجَل، قال: شُوبوا له عسلًا بالثلج الذي حملتموه معنا -وكان له صديقًا قبل ذلك- فشابوه له، فلما شرب معقل قال له: سقاك الله من شراب الجنة؛ فقال له مسلم: أمَا والله لا تشربُ بعدها شرابًا أبدًا حتى تشربَ من شراب الحَميم؛ قال: أنشُدُك الله والرَّحِمَ! فقال له مسلم: أنت الذي لقيتني بطبريّة ليلةَ خرجت من عند يزيد، فقلت: سرْنا شهرًا ورجعْنا من عند يزيد صفرًا، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق، ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين! فيمَ غطفان وأشجع من الخلع والخلافة! إنّي آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر فيه على ضرب عنقك إلا فعلت، ثمّ أمر به فقُتِل.\nقال هشام: قال عوانة: وأتِيَ بزيد بن وهب بن زَمْعة؛ فقال: بايعْ، قال:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":289},{"text":"أبايعك على سنّة عمر؛ قال: اقتلُوه، قال: أنا أبايع! قال: لا والله لا أقيلك عثرتَك، فكلّمه مروان بن الحكم -لصهر كان بينهما- فأمر بمروان فوجِئتْ عنقُه، ثم قال: بايعوا على أنكم خوَل ليزيدَ بن معاوية، ثمّ أمر به فقُتل. (٥: ٤٩٢ - ٤٩٣).\nقال هشام: قال عوِانة: عن أبي مخنف، قال: قال عبد الملك بن نوفل بن مساحق: ثمّ إنّ مروان أتِيَ بعليّ بن الحسين، وقد كان عليّ بن الحسين حين أخرِجت بنو أميّة منع ثَقَل مروان وامرأته وآواها، ثمّ خرجتْ إلى الطائف، فهي أمّ أبان ابنة عثمان بن عفان، فبعث ابنه عبد الله معها، فشكر ذلك له مروان -وأقبل عليّ بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان، فجاء حتى جلس عنده بينهما، فدعا مروان بشراب ليتحرّم بذلك من مسلم، فأتى له بشراب، فشرب منه مروان شيئًا يسيرًا، ثمّ ناوله عليًّا، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا، فأرعِدت كفّه، ولم يأمنْه على نفسه، وأمسك القَدَح بكفّه لا يشربه ولا يضعه، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي؛ والله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك، ولكنّ أمير المؤمنين أوصاني بك، وأخبَرَني أنك كاتبته، فذلك نافِعُك عندي، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، وإن شئت دعونا بغيره، فقال: هذه التي في كفّي أريد، قال: اشرَبها، ثم قال: إليَّ هاهنا، فأجلَسه معه (١). (٥: ٤٩٣).\nقال هشام: وقال عوانة بن الحكم: لما أتى بعليّ بن الحسين إلى مسلم، قال: مَن هذا؟ قالوا: هذا عليّ بن الحسين؛ قال: مرحبًا وأهلًا؛ ثم أجلَسَه معه على السرير والطِّنفِسة، ثم قال: إنّ أمير المؤمنين أوصاني بك قبلًا، وهو يقول: إنّ هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وُصْلتك؛ ثم قال لعليّ: لعلّ أهلك فزِعوا! قال: إي والله! فأمر بدابّته فأسرِجتْ، ثمّ حمله فردّه عليها. (٥: ٤٩٣ - ٤٦٤).\nقال هشام: وذكر عوانة: أنّ عَمرو بن عثمان لم يكن فيمن خرج من بني أميّة، وأنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عُقْبة فقال: يا أهل الشام! تعرفون هذا؟ قالوا: لا؛ قال: هذا الخبيث ابن الطيّب، هذا عمرو بن عثمان بن عفّان أمير\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":290},{"text":"المؤمنين، هيه يا عمرو! إذا ظهر أهل المدينة قلتَ: أنا رجل منكم، وإن ظهر أهلُ الشام قلتَ: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنُتِفت لحيتُه، ثم قال: يا أهل الشام! إنّ أمّ هذا كانت تدخِل الجُعَل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين! حاجيْتك ما في فمي؟ وفي فمها ما ساءَها وناءَها، فخلّي سبيله، وكانت أمُّه من دَوْس. (٣: ٤٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>وقعة الحرة</span>\nوقد ذُكر من أمر وقعة الحرّة ومقتل ابن الغسيل أمرٌ غيْرُ الذي رُوي عن أبي مخنف، عن الذين رَوَى ذلك عنهم، وذلك ما حدّثني أحمد بن زهير قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعتُ أشياخَ أهل المدينة يحدّثون: أن معاوية لمّا حضرته الوفاة دعا يزيدَ فقال له: إن لك من أهل المدينة يومًا، فإنْ فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفتُ نصيحتَه. فلما هلك معاوية وفد إليه وفدٌ منْ أهل المدينة، وكان ممن وفد عليه عبدُ الله بنُ حنظلة بن أبي عامر، وكان شريفًا فاضلًا سيّدًا عابدًا، معه ثمانية بنينَ له، فأعطاه مئةَ ألف درهم، وأعطَى بنيه لكلّ واحد منهم عشرة آلاف سوى كُسوتهم وحُملانهم، فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس، فقالوا: ما وراءك؟ قال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بنيَّ هؤلاء لجاهدتهُ بهم؛ قالوا: قد بلغَنا: أنه أجداك، وأعطاك، وأكرمك؛ قال: قد فعل، وما قبلتُ منه إلا لأتقوَّى به؛ وحضَّض الناسَ فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد، فبعث مُسْلم بن عُقْبة إليهم، وقد بعث أهل المدينة إلى كلّ ماء بينهم وبين الشأم، فصبّوا فيه زقًّا من قَطِران، وعُوِّر، فأرسل الله السماء عليهم، فلم يستقوا بدَلْوٍ حتى ورَدُوا المدينة، فخرج إليهم أهلُ المدينة بجموع كثيرة، وهيئة لم يُرَ مِثلُها، فلما رآهم أهل الشأم هابُوهم وكرهوا قتالَهم، ومسلم شديدُ الوجع، فبينما الناس في قتالهم؛ إذ سمعوا التكبيرَ من خلْفهم في جوف المدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة أهلَ الشأم، وهم على الجَدّ، فانهزم الناسُ، فكان من أصيب في الخندق أكثرَ ممن قُتل من الناس، فدخلوا المدينة، وهُزم الناس وعبد الله بن حنظلة مستندٌ إلى أحد بنيه يغطّ نومًا، فنبّهه ابنه، فلما فتح عينيه فرأى ما صنع","vol":"9","page":291},{"text":"الناسُ أمرَ أكبرَ بنيه، فتقدّم حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة، فدعا الناسَ للبيعة على أنهم خَوَلٌ ليزيدَ بن معاوية، يحْكم في دمائهم وأموالهم وأهلِيهم ما شاء. (٥: ٤٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nقال أبو جعفر: فمن ذلك مسيرُ أهل الشام إلى مكة لحرب عبد الله بن الزّبير ومَنْ كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيدَ بن معاوية.\nولما فرغ مسلم بن عُقْبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جندِه أموالهم ثلاثًا، شَخَص بمن معه من الجند متوجّهًا إلى مكة، كالذي ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدّثني عبد الملك بن نوفل: أنّ مسلمًا خرج بالناس إلى مكة يريد ابن الزبير، وخلَّف على المدينة رَوْح بن زِنباع الجُذاميّ.\nوأما الواقديّ فإنه قال: خلَّف عليها عمرو بن محرز الأشجعيّ؛ قال: ويقال: خلَّف عليها رَوْح بن زِنْباع الجُذاميّ. (٥: ٤٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>ذكر موت مسلم بن عقبة ورمي الكعبة وإحراقها</span>\nرجع الحديث إلى أبي مخنف، قال: حتى إذا انتهى إلى المُشلَّل - ويقال: إلى قفا المشلَّل - نزل به الموت، وذلك في آخر المحرَّم من سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السَّكونيّ فقال له: يا بن برذعة الحمار، أمَا والله لو كان هذا الأمر إليّ ما ولَّيتُك هذا الجندَ! ولكنّ أمير المؤمنين ولّاك بعدي، وليس لأمر أمير المؤمنين مَرَدٌّ؛ خُذ عني أربعًا: أسرع السيرَ، وعجّل الوِقاع، وعمّ الأخبار، ولا تُمكِنْ قُرَشيًّا من أذنك! ثمّ إنه مات، فدُفن بقَفا المشلّل (١). (٥: ٤٩٦).\nقال هشام بن محمد الكلبيّ: وذكر عَوَانة: أنّ مسلم بن عُقْبة شخص يريد ابن الزبير، حتى إذا بلغ ثنيَّة هَرْشَا نزل به الموت، فبعث إلى رؤوس الأجناد،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":292},{"text":"فقال: إنَّ أمير المؤمنين عهد إليَّ إنْ حدَثَ بي حَدَثُ الموت أن أستخلف عليكم حصينَ بن نمير السَّكونيّ، والله لو كان الأمر إليّ ما فعلت، ولكن أكره معصية أمرِ أمير المؤمنين عند الموت، ثمَّ دعا به فقال: انظر يا برذعة الحمار، فاحفظ ما أوصيك به: عمِّ الأخبار، ولا تُرْعِ سمعَك قريشًا أبدًا، ولا تردّنّ أهل الشام عن عدوّهم، ولا تقيمنّ إلا ثلاثًا حتى تناجزَ ابن الزبير الفاسق؛ ثمّ قال: اللهمّ إني لم أعمل عملًا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله أحبَّ إليّ من قتلي أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة، ثمّ قال لبني مُرَّة: زرَّاعتي التي بَحوْرانَ صدقةٌ على مرَّة، وما أغلقتْ عليه فلانة بابَها فهو لها - يعني أمَّ ولدِه - ثمَّ مات.\nولما مات خرج حصين بن نمير بالناس، فقَدِم على ابن الزبير مكة وقد بايعه أهلُها، وأهلُ الحجاز. (٥: ٤٩٦ - ٤٩٧).\nقال هشام: قال عوانة: قال مسلم قبل الوصيّة: إنَّ ابني يزعم: أنّ أم ولدي هذه سقتْني السمّ؛ وهو كاذب، هذا داءٌ يُصيبُنا في بطوننا أهلَ البيت، قال: وقدم عليه - يعني: ابن الزبير - كلُّ أهل المدينة، وقد قدم عليه نَجْدة بن عامر الحنفيّ في أناس من الخوارج يمنعون البيت، فقال لأخيه المنذر: ما لهذا الأمر ولدفع هؤلاء القوم غيري وغيرُك - وأخوه المنذر ممن شهد الحرّة، ثمّ لحق به - فجرّد إليهم أخاه في الناس، فقاتلهم ساعةً قتالًا شديدًا. ثمّ إنَّ رجلًا من أهل الشام دعا المنذر إلى المبارزة - قال: والشاميُّ على بغلة له - فخرج إليه المنذر، فضرب كلُّ واحد منهما صاحبَه ضربةً خرّ صاحبُه لها ميّتًا، فجثا عبدُ الله بنُ الزّبير على ركبتيه وهو يقول: يا ربّ أَبِرْها من أصلها ولا تَشدَّها، وهو يدعو على الذي بارز أخاه، ثمّ إنّ أهل الشام شدُّوا عليهم شَدّةً منكرةً، وانكشف أصحابُه انكشافةً، وعثرتْ بغلته فقال: تعْسًا! ثمَّ نزل وصاح بأصحابه: إليَّ؛ فأقبَلَ إليه المِسْوَر بن مَخْرمة بن نوفل بن أهْيَب بن عبد مناف بن زُهرة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزّهرّي، فقاتلوا حتى قُتلوا جميعًا، وصابرَهم ابنُ الزبير يجالدهم حتى الليل، ثمّ انصرفوا عنه؛ وهذا في الحصار الأوّل، ثمّ إنهم أقاموا عليه يقاتلونه بقيّة المحرّم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع","vol":"9","page":293},{"text":"الأوّل يوم السبت سنة أربع وستين قَذَفوا البيتَ بالمجَانيق، وحرّقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون:\nخطَّارةٌ مِثلُ الفنِيق المزبدِ ... نَرْمِي بها أَعْوَادَ هذا المْسجدِ\nقال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بنُ حَوْط السدوسيّ يقول:\nكيف تَرى صنيع أُمِّ فَرْوَهْ ... تأْخُذُهُمْ بين الصَّفَا والمَرْوَهْ\n(٥: ٤٩٧ - ٤٩٨).\nيعني بأمّ فروةَ المنجنيق.\nوقال الواقديّ: سار الحُصين بن نمير حين دُفن مسلم بن عُقبة بالمشلَّل لسبعٍ بقين من المحرّم، وقدم مكة لأربع بقين من المحرّم، فحاصر ابنَ الزبير أربعًا وستين يومًا حتّى جاءهم نعْي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر. (٥: ٤٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>دكر الخبر عن حرق الكعبة</span>\nوفي هذه السنة حُرقت الكعبة.\nذكر السبب في إحراقها:\nقال محمَّد بن عمر: احترقت الكعبة يومَ السبت لثلاث ليال خلوْن من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين قبل أن يأتيَ نعيُ يزيدَ بن معاوية بتسعة وعشرين يومًا، وجاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء. (٥: ٤٩٨).\nقال محمَّد بن عمر: حدّثنا رياح بن مسلم عن أبيه، قال: كانوا يوقدون حولَ الكعبة، فأقبلتْ شَرَرة هبّت بها الريح، فاحترقتْ ثياب الكعبة، واحترف خشبُ البيت يومَ السبت لثلاثِ ليال خلوْن من ربيع الأوّل. (٥: ٤٩٨).\nقال محمَّد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن زيد، قال: حدّثني عروة بن أذَيْنَة، قال: قدمتُ مكة مع أمّي يومَ احترقت الكعبة قد خَلَصتْ إليها النار، ورأيتُها مجرّدة من الحرير، ورأيت الرّكن قد اسودّ وانصدع في ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير، قالوا: هذا احترقتْ بسببه، أخذ قبَسًا في رأس رمح له فطيّرت الريحُ به، فضرَبتْ أستارَ الكعبة ما بين الركن اليمانيّ والأسوَد. (٥: ٤٩٨ - ٤٩٩).","vol":"9","page":294},{"text":"وأما هشام بن محمَّد الكلبيّ فإنَّه قال في سنّ يزيدَ خلافَ الذي ذكره الزهريّ؛ والذي قال هشام في ذلك - فيما حُدِّثنا عنه -: استُخلف أبو خالد يزيد بن معاوية بن أبي سُفيان وهو ابن اثنتين وثلاثين سنةً وأشهر في هلال رجب سنة ستين، وولي سنتين وثمانية أشهر، وتوفي لأربع عشرةَ ليلةً خلت من ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وستين وهو ابن خمسن وثلاثين، وأمّه مَيْسون بنت بَحْدل بن أنيف بن وَلْجة بن قُنافةَ بن عديّ بن زهير بن حارثة الكلبيّ. (٥: ٤٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>خلافة معاوية بن يزيد</span>\nفحدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثنا عبد العزيز بن خالد بن رُسْتم الصنعانيّ أبو محمَّد، قال: حدّثنا زياد بن جيل، قال: بينا حُصَين بن نمير يقاتل ابنَ الزبير؛ إذْ جاء موت يزيد؛ فصاح بهم ابن الزبير، فقال: إنَّ طاغِيتَكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخلَ فيما دخل فيه الناس فلْيفعلْ، فمن كَرِه فليلْحقْ بشأمه، فغَدَوْا عليه يقاتلونه.\nقال: فقال ابن الزبير للحصين بن نُمَير: اُدنُ مني أحدّثْك، فدنا منه فحدّثه، فجعل فرسُ أحدهما يجْفِل - والجَفل: الرَّوْث - فجاء حَمام الحَرَم يلتقط من الجَفْل، فكفّ الحصين فرسَه عنهنّ، فقال له ابن الزبير: ما لَك؟ قال: أخاف أن يَقتُل فرسي حَمامَ الحرَم؛ فقال له ابن الزبير: أتتحَرَّجُ من هذا وتريد أن تَقتُل المسلمين! فقال له: لا أقاتلك؛ فائْذَنْ لنا نَطفْ بالبيت، وننصرف عنك، ففعل فانصرفوا. (٥: ٥٠١).\nوأما عوانة بن الحكَم فإنَّه قال - فيما ذكر هشام، عنه - قال: لما بلغ ابنَ الزبير موتُ يزيد، وأهل الشام لا يعلمون بذلك، قد حصروه حصارًا شديدًا وضيّقوا عليه - أخذ يناديهم هو وأهل مكّة: علامَ تقاتلون؟ قد هلك طاغيِتُكم؛ وأخذوا لا يصدّقونه حتى قدم ثابت بن قيس بن المُنْقَع النخَعيّ من أهل الكوفة في رؤوس أهل العراق، فمرّ بالحصين بن نمير - وكان له صديقًا، وكان بينهما صِهْر، وكان يراه عند معاوية، فكان يعرف فضلَه وإسلامَه وشرفَه - فسأل عن الخبر، فأخبره بهلاك يزيدَ، فبعث الحصين بن نُمَير إلى عبد الله بن الزبير، فقال: موعدُ ما بيننا وبينك الليلةَ الأبطحُ، فالتقيا، فقال له الحصين: إن يكُ هذا الرجل قد","vol":"9","page":295},{"text":"هلك فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر؛ هلمَّ فلنبايعْك، ثمّ أخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذي معي هم وجوهُ أهل الشام وفُرسانُهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمّن الناس وتُهدِر هذه الدّماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرَّة؛ فكان سعيد بن عمرو يقول: ما مَنَعه أن يبايعَهم ويخرج إلى الشام إلَّا تطَيّرٌ، لأنَّ مكة التي منعه الله بها، وكان ذلك من جند مروان، وإن عبد الله والله لو سار معهم حتى يدخل الشام ما اختلف عليه منهم اثنان، فزعم بعضُ قريش: أنَّه قال: أنا أهدِر تلك الدماء! أما والله لا أرضى أن أقتُل بكلّ رجل منهم عَشرة، وأخذ الحصينُ يكلّمه سرًّا، وهو يجهر جهرًا، وأخذ يقول: لا والله لا أفعل؛ فقال له الحصين بن نمير: قبح اللهُ من يعدّك بعد هذه داهيًا قطّ أو أديبًا! قد كنتُ أظنّ أنّ لك رأيًا، ألا أراني أكلمك سرًّا وتكلمني جهرًا، وأدعوك إلى الخلافة، وتعِدُني القتلَ والهَلَكة!\nثمَّ قام فخرج وصاح في الناس، فأقبل فيهم نحوَ المدينة، وندم ابن الزبير على الذي صنع، فأرسل إليه: أمَّا أن أسيرَ إلى الشام فلستُ فاعلًا، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هنالك فإنِّي مؤمّنكم وعادلٌ فيكم، فقال له الحصين: أرأيتَ إن لم تقدم بنفسك، ووجدتُ هنالك أناسًا كثيرًا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، فما أنا صانعٌ؟ فأقبَل بأصحابه ومَنْ معه نحوَ المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلة له، فسلّم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نمير فرسٌ له عتيق، وقد فَنِيَ قَتُّهُ وشعيرُه، فهو غَرِضٌ، وهو يسبّ غلامَه ويقول: من أين نجد هنا لدابّتنا عَلفًا! فقال له عليّ بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابّتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوَجهه، فأمر له بما كان عنده من عَلَف، واجترأ أهلِ المدينة وأهلُ الحجاز على أهل الشام فذلّوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلَّا أخِذ بلجام دابته ثمَّ نُكِس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون.\nوقالت لهم بنو أميّة: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، وقد أوصى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية بن يزيد، فَلم يلبث إلَّا ثلاثة أشهر حتى مات (١). (٥: ٥٠١ - ٥٠٣).\n_________\n(١) والنكارة أن ابن الزبير عالم من علماء الصحابة ولم يصح أنَّه قال عن يزيد بأنّه طاغية بل كل =","vol":"9","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1457>ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد</span>\nحدّثني عمر، قال زهير: قال: حدثنا وهب، قال: وحدّثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سُمَير: أنّ شقيق بن ثور، ومالك بن مِسْمع، وحضين بن المنذر أتوا عبيد الله ليلًا وهو في دار الإمارة، فبلغ ذلك رجلًا من الحيّ من بني سَدُوس؛ قال: فانطلقتُ فلزمتُ دار الإمارة، فلبثوا معه حتى مضى عليه الليل، ثمّ خرجوا ومعهم بغلٌ موقَرٌ مالًا؛ قال: فأتيت حضينًا فقلت: مُرْ لي من هذا المال بشيء، فقال: عليك ببني عمّك، فأتيت شقيقًا فقلت: مُرْ لي من هذا المال بشيء - قال: وعلى المال مولىً له يقال له: أيّوب - فقال: يا أيوب! أعطِه مئة درهم؛ قلت: أما مئة درهم والله لا أقبلها، فسكت عني ساعةً، وسارَ هنَيْهة، فأقبلتُ عليه فقلتُ: مُرْ لي من هذا المال بشيء، فقال: يا أيّوب! أعطه مئتي درهم، قلت: لا أقبل والله مئتين، ثمَّ أمر بثلاثمئة ثمَّ أربعمئة، فلما انتهينا إلى الطُّفاوة قلت: مُرْ لي بشيء؛ قال: أرأيتَ إن لم أفعل ما أنت صانع؟ قلتُ: أنطلق والله حتى إذا توسَّطتُ دُورَ الحيّ وضعتُ إصبعيّ في أذنيَّ، ثمّ صرختُ بأعلى صوتي: يا معشر بكر بن وائل! هذا شقيق بن ثور، وحضَين بن المنذر، ومالك بن المسمع، قد انطلقوا إلى ابن زياد، فاختلفوا في دمائكم؛ قال: ما له فعَل الله به وفعل! ويلك أعطِه خمسمئة درهم؛ قال: فأخذتها ثمّ صبَّحت غاديًا على مالك - قال وهب: فلم أحفظ ما أمر له به مالك - قال: ثمّ رأيت حضَينًا فدخلت عليه، فقال: ما صنع ابن عمّك؟ فأخبرتُه وقلت: أعطني من هذا المال؛ فقال: إنَّا قد أخذْنا هذا المال ونجوْنا به، فلن نَخشَى من الناس شيئًا، فلم يعطِني شيئًا. (٥: ٥٠٥ - ٥٠٦).\nقال أبو جعفر: وحدّثني أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى: أنّ يونس بن حبيب الجَرْميّ حدّثه، قال: لما قتَل عُبيدُ الله بنُ زياد الحسينَ بن عليّ ﵇ وبني أبيه؛ بعث برؤوسهم إلى يزيدَ بن معاوية، فسُرّ بقَتْلهم أوّلًا، وحسُنَتْ بذلك\n_________\n= ما أخذه عليه أنَّه لا يستحق أن يكون خليفة لربما لفسقه أو لغير ذلك وامتنع عن البيعة له، أما أن يقول له: طاغية فلا ولم يصح والله أعلم.","vol":"9","page":297},{"text":"منزلةُ عُبيد الله عنده، ثمّ لم يلبث إلَّا قليلًا حتى ندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما كان عليّ لو احتملتُ الأذى وأنزلتُه معي في داري، وحكَّمته فيما يريد؛ وإن كان عليّ في ذلك وكَفٌ وَوَهنٌ في سلطاني، حِفْظًا لرسولِ الله - ﷺ - ورعايةً لحقه وقرابته! لعن الله ابنَ مَرْجانة، فإنَّه أخرجه واضطرّه، وقد كان سأله أن يُخَلِّيَ سبيلَه، ويرجع فلم يفعل، أو يضع يَده في يدي، أو يلحق بثَغْر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله ﷿ فلم يفعل، فأبى ذلك وردّه عليه وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوةَ، فبَغَضَني البَرُّ والفاجرُ، بما استعظم الناس من قتلي حُسينًا؛ مالي ولابن مرجانة لعنه الله، وغضِب عليه!\nثمّ إنّ عبيد الله بعث مولىً يقال له: أيوب بن حَمْران إلى الشام ليأتيَه بخبر يزيدَ، فركب عبيد الله ذاتَ يوم حتى إذا كان في رَحْبة القصّابين؛ إذا هو بأيوب بن حُمران قد قَدِم، فلحقه فأسرّ إليه موتَ يزيدَ بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك فأتى منزلَه، وأمر عبد الله بن حِصْن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: الصلاة جامعة.\nقال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدّثني قال: الذي بعثه عُبيد الله حُمران مولاه، فعاد عُبيد الله عبدَ الله بن نافع أخا زياد لأمه، ثمَّ خرج عبيد الله ماشيًا من خَوْخة كانت في دار نافع إلى المسجد، فلما كان في صحنه إذا هو بمولاه حُمران أدنى ظلمة عند المساء - وكان حُمران رسولَ عبيد الله بن زياد إلى معاوية حياتَه وإلى يزيدَ - فلما رآه ولم يكن [آن] له أن يقدم - قال: مَهيْم! قال: خيرٌ، قال: وما وراءك؟ قال: أدنو منك. قال: نعم - وأسرّ إليه موتَ يزيد واختلاف أمر الناس بالشام، وكان يزيدُ ماتَ يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الأولّ سنة أربع وستين - فأقبل عبيد الله مِن فَوْرِهِ، فأمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعِد المنبرَ فنعَى يزيدَ، وعرّض بثلبِه لِقَصْد يزيد إياه قبل موته حتى يخافه عبيد الله، فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيدَ في أعناقنا بَيْعة، وكان يقال: أعْرِضْ عن ذي فَنَن، فأعرَض عنه، ثمَّ قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام، وقال: إنّي قد وليتكم. . . ثمَّ ذكر نحو حديث عمر بن شبّة عن زهير بن حرب إلى: فبايعوه عن رِضًا منهم ومشورةٍ.\nثمَّ قال: فلمّا خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفّهم بباب الدار وحيطانه،","vol":"9","page":298},{"text":"ويقولون: ظَنَّ ابن مرجانة أنا نوليه أمرَنا في الفرقة! قال: فأقام عبيد الله أميرًا غيرَ كثير حتى جعل سلطانه يضعف، ويأمرنا بالأمر فلا يقضى، ويرى الرأي فيُردّ عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيُحال بين أعوانه وبينه. (٥: ٥٠٦ - ٥٠٧).\nقال أبو عبيدة: فحدّثني غيرُ واحد، عن سَبْرة بن الجارود الهُذليّ، عن أبيه الجارُود، قال: وقال عبيدُ الله في خطبته: يا أهلَ البصرة! والله لقد لبسْنَا الخزّ واليُمنة والليّن من الثياب حتى لقد أجمَنا ذلك وأجمَتْه جلوُدنا، فما بِنَا إلى أن نُعقِبها الحديدَ! يا أهل البصرة! والله لو اجتمعتم على ذَنب عَيْر لتكسروه ما كَسرتُموه، قال الجارود: فوالله ما رُمي بجُمّاح حتى هَرب، فتَوارَى عند مسعود فلما قُتل مسعود لحق بالشام.\nقال يونس: وكان في بيت مال عبيد الله يومَ خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقلُّ - وقال عليّ بن محمَّد: تسعة عشر ألف ألف - فقال للناس: إنَّ هذا فيئكم، فخذوا أعطياتِكم وأرزاق ذراريّكم منه، وأمر الكَتَبَةَ بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتَّاب في ذلك حتى وكَّل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا بالشمع.\nقال: فلما صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان؛ كفّ عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى اليوم تَردّدُ في آل زياد، فيكون فيهم العُرس أو المأتم فلا يُرى في قريش مثلهم، ولا في قريش أحسن منهم في الغَضارة والكسوة. فدعا عبيد الله رؤساءَ خاصّة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا معه، فقالوا: إنْ أمَرَنا قُوّادُنا قاتلْنا معك، فقال إخوةُ عبيد الله لعبيد الله: والله ما من خليفة فتقاتلَ عنه فإن هُزِمتَ فئتَ إليه وإن استمددتَه أمدّك، وقد علمتَ أَنّ الحرب دُوَل، فلا ندري لعلها تدول عليك، وقد اتّخذنا بين أظهر هؤلاء القوم أموالًا، فإن ظفروا أهلَكونا وأهلَكوها، فلم تَبقَ لك باقية. وقال له أخوه عبد الله لأبيه وأمّه مرجانة: والله لئن قاتلَ القوم لأعْتمِدنَّ على ظُبَة السيف حتى يخرج من صُلبي. فلما رأى ذلك عبيد الله أرسل إلى حارث بن قيس بن صُهْبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جَهْضَم بن جذَيمة بن مالك بن فَهْم، فقال له: يا حارِ! إنَّ أبي كان أوصاني إن احْتجتُ إلى الهرب يومًا أن أختاركم، وإنّ نفسي تأبى غيركم، فقال الحارث: قد أبلَوْك في أبيك ما قد علِمت، وأبلَوْه فلم يجدوا","vol":"9","page":299},{"text":"عنده ولا عندَك مُكافأةً، وما لك مَردٌّ إذا اخترتنَا، وما أدري كيف أتأتّى لك إن أخرَجتك نهارًا! إني أخاف ألَّا أصِلَ بك إلى قومي حتى تُقْتَلَ وأقتَلَ، ولكنّي أقيم معك حتى إذا وارى دَمْسٌ دَمْسًا وهَدَأت القدَمُ؛ ردفتَ خلفي لئلا تُعرف، ثمَّ أخذتك على أخوالي بني ناجِية، قال عبيد الله: نِعْمَ ما رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب؛ حمله خَلْفَه، وقد نَقل تلك الأموال فأحرزها، ثمّ انطلق به يمرّ به على الناس، وكانوا يتحارسون مخافة الحروريّة فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره؛ فلما كانوا في بني سُليم قال عبيد الله: أين نحن؟ قال: في بني سُلَيم؛ قال: سلِمنا إن شاء الله، فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية؛ قال: نجوْنا إن شاء الله؛ فقال بنو ناجية: مَن أنتَ؟ قال: الحارث بن قيس؛ قالوا: ابن أختِكم؛ وعرف رجل منهم عبيدَ الله فقال: ابن مرجانة! فأرسل سهمًا فوقع في عمامته، ومضى به الحارث حتى ينزله دارَ نفسه في الجهاضم، ثمّ مضى إلى مسعود بن عمرو بن عديّ بن محارب بن صُنَيم بن مُليح بن شَرْطان بن مَعْن بن مالك بن فهم، فقالت الأزد ومحمد بن أبي عيينة: فلما رآه مسعود قال: يا حارِ، قد كان يُتعوّذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بالله من شرّ ما طرقتَنا به؛ قال الحارث: لم أطرقك إلا بخير، وقد علمتَ: أنّ قومك قد أنجَوا زيادًا فوفَوْا له، فصارت لهم مكرُمة في العرب يفتخرون بها عليهم، وقد بايَعْتَم عبيد الله بيعةَ الرضا؛ رِضًا عن مَشورَة، وبيعةً أخرى قد كانت في أعناقكم قبل البيعة - يعني: بيعةَ الجماعة - فقال له مسعود: يا حارِ، أترى لنا أن نعاديَ أهلَ مِصْرِنا في عبيد الله، وقد أبليْنا في أبيه ما أبلينا، ثمَّ لم نُكافأ عليه، ولم نُشكَر! ما كنتُ أحسب أن هذا من رأيك؛ قال الحارث: إنه لا يُعاديك أحد على الوَفاء ببيْعتك حتى تبلغَه مأمنَه (٥: ٥٠٨ - ٥١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجهًا إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد</span>\nقال وهب: فحدّثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان: أنهم جعلوا يقولون: أين ترونه توجّه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجّه! اندَحَسَ والله في أجَمَةِ أبيه.\nوكانت وفاةُ يزيدَ حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألف","vol":"9","page":300},{"text":"ألف، ففرّق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كان دعا البخارّية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبَوا عليه. (٥: ٥١١).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا الأسوَد بن شيبان عن عبد الله بن جَرير المازنيّ، قال: بعث إليّ شقيق بن ثور، فقال لي: إنه قد بلغني: أنّ ابن منجوف هذا وابن مسمع يُدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردّا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذَيْن الغاريْن، فيهريقوا دماءكم، ويُعِزُّوا أنفسهم، ولقد هممتُ أن أبعَثَ إلى ابن منجوف فأشدَّه وثاقًا، وأخرِجَه عني؛ فاذهب إلى مسعود، فاقرأ ﵇ منّي، وقيل له: إنّ ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك، قال: وكان معه عُبيد الله، وعبد الله ابنا زياد، قال: فدخلتُ على مسعود وابنا زياد عنده: أحدُهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قَيْس، قال: وعليك السلام؛ قلتُ: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنه بلغني؛ فردّ الكلام بعينه إليَّ: \"فأخرِجهما عنك\"؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونَسِي كُنْيَتَه، إنما كان يُكنَى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرْتُمونا، وعقدتم لنا ذِمَّتَكم، فلا نخرج حتى نُقتَلَ بين أظهُرِكم، فيكون عارًا عليكم إلى يوم القيامة. (٥: ٥١١ - ٥١٢).\nقال أصحابنا: دعت مُضرُ إلى العبّاس بن الأسود بن عوف الزهريّ، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعَتِ اليَمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناسُ أن حكّموا قيسَ بن الهيثم والنعمان بن صُهْبان الراسبيّ لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيُهما على أن يولّيا المضريّ الهاشميّ إلى أن يجتمع أمرُ الناس على إمام؛ فقيل في ذلك:\nنزَعْنَا وَوَلَّيْنا وبَكْرُ بنُ وائلٍ ... تَجُرُّ خُصاهَا تَبتِغي من تحالِفُ\nفلما أمّروا ببّة على البصرة ولّى شرطتَه هِمْيان بن عديّ السَّدُوسيّ.\n(٥: ٥١٢ - ٥١٣).\nقال أبو جعفر: وأمَّا أبو عُبيدة فإنَّه - فيما حدّثني محمَّد بن عليّ، عن أبي سعدان، عنه - قصّ من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غيرَ القصّةِ التي قصّها وهب بن جرير، عمّن روى عنهم خبرَهم، قال: حدّثني مسلمة بن","vol":"9","page":301},{"text":"محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمّن أدرك ذلك منهم ومِنْ مواليهم - والقوم أعلم بحديثهم -: أنّ الحارث بن قيس لم يكلِّم مسعودًا، ولكنه آمن عبيدَ الله، فحمل معه مئةَ ألف درهم، ثمَّ أتى بها إلى أمّ بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمّه، ومعه عُبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذِنتْ له، فقال لها الحارث: قد أتيتُكِ بأمر تَسُودِين به نساءَكِ وتتمّين به شرفَ قومك، وتعجّلين غنىً ودنيا لك خاصّة، هذه مئة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضُمّي عبيد الله، قالت: إني أخاف ألَّا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوبًا من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلّي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلمّا جاءَ مسعود أخبرتْه، فأخذ برأسها، فخرج عبيد الله والحارث من حَجَلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتْني ابنة عمّك عليك، وهذا ثوبك عليّ، وطعامُك في بطني، وقد التفّ عليّ بيتُك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطّفا له حتى رضي.\nقال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحوًا من خمسين ألفًا، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قُتِل مسعود. (٥: ٥١٣).\nقال أبو عبيدة: فحدّثني يزيد بن سُمَير الجَرْميّ عن سَوّار بن عبد الله بن سعيد الجرميّ؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبَر أهلُ البَصْرِة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمّرون عليهم، ثمَّ تراضَوْا برجلين يختاران لهم خِيرَة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السُّلَميّ، وبنعمان بن سُفْيان الراسبيّ، راسب بن جَرْم بن رَبَّان بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة - أن يختارا مَن يرضيان لهم، فذكَرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سُفْيان بن حرب بن أميّة - وكان يلقب بَبّة، وهو جدّ سليمان بن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزّهريِّ، فلما أطبقا عليهما اتَّعدا المِرْبَد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذيْن.\nقال: فحضر الناسُ، وحضرتُ معهم قارعةَ المِربد - أي: أعلاه - فجاء قيس بن الهيثم، ثمّ جاء النعمان بعد، فتجاوَلَ قيس والنعمان، فأرى النعمان قيسًا: أنّ هواه في ابن الأسود، ثمّ قال: إنَّا لا نستطيع أن نتكلم معًا، وأراده أن يجعل الكلام إليه، ففعل قيس وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان","vol":"9","page":302},{"text":"على الناس عهدًا لَيرَضَوُنَّ بما يختار، قال: ثمّ أتى النعمانُ عبدَ الله بن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه شرائطَ حتى ظنّ الناس: أنَّه مبايِعه، ثمّ تركه، وأخذ بيد عبد الله بن الحارث، فاشترط عليه مِثلَ ذلك، ثمّ حمِد الله تعالى وأثنَى عليه، وذكر النبيّ - ﷺ - وحقّ أهل بيته وقرابته، ثمَّ قال: يا أيّها الناس! ما تَنقِمون من رجل من بني عمّ نبيّكم - ﷺ -، وأمّه هند بنت أبي سُفْيان! فإن كان فيهم فهو ابن أختكم؛ ثمَّ صفق على يده وقال: ألا إني قد رضيتُ لكم به، فنادَوْا: قد رَضِينا؛ فأقبَلوا بعبد الله بن الحارث إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك في أوّل جُمادى الآخرة سنة أربع وستين، واستعمل على شُرطته هميان بن عديّ السدوسيّ، ونادى في الناس: أن احضروا البيعة، فحضروا فبايعوه، فقال الفرزدق حين بايعه:\nوبايعتُ أقوامًا وفَيت بعهدِهم ... وبَبَّةُ قد بايعتُهُ غَيرَ نادِم\n(٥: ٥١٣ - ٥١٤).\nقال أبو عبيدة: فحدَّثني زهير بن هُنَيد، عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسْمَع الجَحْدَريّ في الباطنة عند باب عبد الله الإصبهانيّ في خُطّ بني جَحدر، الذي عند مسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، فبينا هو قاعد فيه - وذلك بعد يسيرٍ من أمر ببَّة - وافى الحلْقةَ رجلٌ من ولد عبد الله عامر بن كُرَيْز القرشيّ يريد ببّة، ومعه رسالة من عبد الله بن خازم، وبيعته بَهَراة، فتنازعوا، فأغلظ القرشيُّ لمالك، فلطم رجلٌ من بكر بن وائل القرشيَّ، فتهايج مَنْ ثمَّ مِنْ مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة، فنادى رجل: يالَ تميم! فسمعَت الدّعوةَ عصبةٌ من ضَبّة ابن أدّ - كانوا عند القاضي - فأخذوا رماح حَرَس من المسجد وتِرَسَتَهم، ثمَّ شدّوا على الرّبَعيّين فهزموهم، وبلغ ذلك شقيق بن ثور السدوسيّ - وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل - فأقبل إلى المسجد فقال: لا تجدُنّ مضريًّا إلا قتلتموه، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلًا يُسكّن الناس، فكفّ بعضُهم عن بعض، فمكث الناس شهرًا أو أقلّ، وكان رجل من بني يشكر يجالس رجلًا من بني ضبّة في المسجد، فتذاكرَا لطمة البَكْريّ القرشيَّ، ففخر اليشكريّ، قال: ثمَّ قال: ذهبت ظَلْفًا، فأحفظ الضّبيّ بذلك، فوجأ عنقَه، فوقذَه الناس في الجمعة، فحُمِل إلى أهله ميتًا - أعني: اليشكريّ -","vol":"9","page":303},{"text":"فثارت بكر إلى رأسهم أشيمَ بن شقيق، فقالوا: سِرْ بنا؛ فقال: بل أبعث إليهم رسولًا، فإن سيّبوا لنا حقَّنا وإلا سرنا إليهم، أبتْ ذلك بكر، فأتَوْا مالك بن مسمع - وقد كان قبل ذلك مملَّكًا عليهم قبل أشيم، فغلب أشيمَ على الرّياسة حين شخص أشيم إلى يزيدَ بن معاوية؛ فكتب له إلى عبيد الله بن زياد أن ردّوا الرّياسة إلى أشيم، فأبت اللَّهازم، وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافوا هم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يَشكُر، وذهل بن ثعلبة وحلفاؤها ضُبيْعة بن ربيعة بن نزار؛ أربع قبائل وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوَبَر في الجاهلية، فكانت حنيفة بقيتْ من قبائل بكر لم تكن دخلتْ في الجاهلية في هذا الحلف، لأنهم أهلُ مَدَر، فدخلوا في الإِسلام مع أخيهم عجل، فصاروا لِهْزمةً، ثمّ تراضوْا بحكم عمران بن عِصام العَنَزيّ أحد بني هُمَيْم، وردّها إلى أشيَم، فلما كانت هذه الفتنة استخفّت بكر مالك بن مسمع، فخفّ وجمع وأعدّ، فطلب إلى الأزد أن يجدّدوا الحِلْف الذي كان بينهم قبل ذلك في الجماعة على يزيد بن معاوية، فقال حارثة بن بدر في ذلك:\nنزعْنا وأَمَرْنا وبكرُ بن وائل ... تجر خُصاها تبتغي من تحالِفُ\nوما باتَ بَكريٌّ من الدهرِ ليلةً ... فيُصْبِحَ إلَّا وهو لِلذُّلّ عارِفُ\nقال: فبلغ عبيد الله الخبر - وهو في رحْلِ مسعود - من تباعد ما بين بكر وتميم، فقال لمسعود: اِلقَ مالكًا فَجدّدِ الحِلف الأوّل؛ فلقِيَه، فترادّا ذلك، وتأبَّى عليهما نفر من هؤلاء وأولئك، فبعث عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطاه جزيلًا من المال، حتى أنفق في ذلك أكثر من مئتي ألف درهم على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه: استوثق من القوم لأهل اليمن، فجددوا الحِلْف، وكتبوا بينهم كتابًا سوى الكتابين اللذين كانا كتُبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتابًا عند مسعود بن عمر. (٥: ٥١٤ - ٥١٦).\nقال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود: أنّ أول تسمية من فيه الصّلت بن حُريْث بن جابر الحنفيّ، ووضعوا كتابًا عند الصّلت بن حريث أوّل تسميته ابن رجاء العَوْذيّ، من عَوْذ بن سُود، وقد كان بينهم قبل هذا حِلف. (٥: ٥١٦).\nقال أبو عبيدة: وزعم محمَّد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حُدَير وزهير بن هنيد: أنّ مضر كانت تَكثُر ربيعةَ بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخرَ من","vol":"9","page":304},{"text":"نزل بالبَصرة، كانوا حيث مُصِّرت البصرة، فحوّل عمر بن الخطّاب ﵀ من تَنُوخَ من المسلمين إلى البَصرة، وأقامت جماعة الأزد لم يتحولوا، ثمَّ لحقوا بالبَصرة بعد ذلك في آخر خلافة معاوية، وأوّل خلافة يزيدَ بن معاوية، فلمَّا قدموا قالت ينو تميم للأحنف: بادرْ إلى هؤلاء قبل أن تسبقنَا إليهم ربيعة، وقال الأحنف: إنْ أتَوكم فاقبلوهم، وإلّا؛ لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعًا. فأتاهم مالكُ بنُ مِسمَع ورئيس الأزْد يومئذ مسعود بن عمرو المعني، فقال مالك: جدّدوا حِلفنَا وحلف كندة في الجاهليّة، وحلْف بني ذُهْل بن ثعلبة في طيّئ بن أدَد من ثُعَل، فقال الأحنف: أما إذ أتوهم، فلن يزالوا لهم أتباعًا أذنابًا. (٥: ٥١٦ - ٥١٧).\nقال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حُدَير عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أن جرت بكر إلى نصر الأزد على مضرَ، وجدّدوا الحِلف الأوَّل، وأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منّا، فرأسوا مسعودًا عليهم. (٥: ٥١٧).\nقال أبو عبيدة: فحدثني مسلمة بن محارب، قال: قال مسعود لعبيد الله: سرْ معنى حتى نعيدَك في الدار؛ فقال: ما أقدر على ذلك، امضِ أنتَ، وأمر برواحله فشدّوا عليها أدواتها وسوادها، وتزمّل في أهبة السفر، وألقوا له كرسيًّا على باب مسعود، فقعد عليه؛ وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلمانًا له على الخيل مع مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحْدُث فأقول: إذا كان كذا؛ فليأتني بعضُكم بالخبر، ولكن لا يحدثَنّ خير ولا شرّ إلَّا أتاني بعضكم به، فجعل مسعود لا يأتي على سكّة، ولا يتجاوز قبيلةً إلا أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك، وقدم مسعود ربيعةَ، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا جميعًا سكّة المربد، فجاء مسعود حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له: إنَّ مسعودًا وأهل اليمن وربيعة قد ساروا، وسيهيج بين الناس شرّ، فلو أصلحتَ بينهم أو ركبت في بني تميم عليهم! فقال: أبعدهم الله! لا والله لا أفسدت نفسي في إصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول:\nلأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ ... جارِيَةً في قبَّهْ\nتَمْشُطُ رأسَ لَعْبهْ","vol":"9","page":305},{"text":"فهذا قول الأزْد وربيعة، فأما مضرُ فيقولون: إنَّ أمه هند بنت أبي سُفْيان كانت ترقّصِه وتقول هذا؛ فلما لم يحلْ أحد بين مسعود وبين صعود المِنبر؛ خرج مالك بن مسمع في كتيبته حتى علا الجبَّان من سكة المرْبد، ثمَّ جعل يمرّ بعِداد دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدويَّة من قِبل الجبَّان، فجعل يحرّق دورَهم للشَّحناء التي في صدورهم لقتل الضبيّ اليشكريّ، ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهَراة، قال: فبينا هو في ذلك إذ أتَوْه فقالوا: قتلوا مسعودًا، وقالوا: سارت بنو تميم إلى مسعود، فأقبل حتى إذا كان عند مسجد بني قيس في سكّة المِربد، وبلغه قتلُ مسعود، وقف. (٥: ٥١٧ - ٥١٨).\nقال أبو عبيدة: فحدّثني زهير بن هُنيد، قال: حدّثنا الضحاك - أو الوضّاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارِم - قال: حدّثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون؛ قال: فأتيته وأتتْه بنو تميم، فقالوا: إنّ مسعودًا قد دخل الدار، وأنت سَيدنا، فقال: لستُ بسيّدكم، إنما سيّدكم الشيطان. (٥: ٥١٨).\nوأما هبيرة بن حدير، فحدّثني عن إسحاق بن سويد العدويّ، قال: أتيت منزل الأحنف في النظّارة، فأتوا الأحنف، فقالوا: يا أبا بحر، إنَّ ربيعة والأزد قد دخلوا الرَّحبَة، فقال: لستم بأحقَّ بالمسجد منهم؛ ثمَّ أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار؛ فقال: لستم بأحقَّ بالدار منهم؛ فتسرّع سلمة بن ذؤيب الرّياحيّ، فقال: إليَّ يا معشر الفتيان، فإنما هذا جِبْسٌ لا خير لكم عنده، فبدرت ذؤبان بني تميم فانتدب معه خمسمئة، وهم مع ماه أفريذون، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إيَّاكم أردنا؛ قال: فتقدّموا. (٥: ٥١٨).\nفحدّثني زهير، قال: حدّثنا أبو ريحانة العُرَيْنيّ، قال: كنتُ يومَ قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عبد الله السعديّ أعْدُو حتى بلغْنا شريعة القديم. (٥: ٥١٩).\nقال إسحاق بن سويد: فأقبلوا، فلما بلغوا أفواهَ السّكَك وقفوا، فقال لهم ماه أفريذون بالفارسيّة: ما لكم يا معشر الفِتْيان؟ قالوا: تلقّونا بأسنّة الرّماح؛ فقال لهم بالفارسية: صكّوهم بالفنجقان - أي بخمس نُشَّابات في رَمْيَة، بالفارسيّة - والأساورة أربعمئة، فصكّوهم بألفي نشّابة في دفعة، فأجلوا عن أبواب","vol":"9","page":306},{"text":"السكّك، وقاموا على باب المسجد، ودلفت التميميّة إليهم، فلما بلغوا الأبواب؛ وقفوا، فسألهم ماه أفريذون: ما لَكم؟ قالوا: أسندوا إلينا أطرافَ رماحِهم؛ قال: ارموهم أيضًا؛ فرمَوْهم بألفيْ نشّابة، فأجلوهم عن الأبواب، فدخلوا المسجدَ، فأقبلوا ومسعود يخطب على المنبر ويحضّض، فجعل غَطَفان بن أنيف بن يزيد بن فهدة. أحد بني كعب بن عمرو بن تميم - وكان يزيد بن فهدة فارسًا في الجاهلية يقاتل ويحضُّ قومَه ويرتجِز:\nيال تميمٍ إنَّها مذكوره ... إنْ فات مسعودٌ بها مَشْوَرَهْ\nفاستمسِكوا بجانبِ المقْصورَهْ\nأي: لا يهرب فيفوت.\nقال إسحاق بن يزيد: فأتَوْا مسعودًا وهو على المِنبَر يحضّ، فاستنزلوه فقتلوه، وذلك في أوّل شوّال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئًا، فانهزموا. وبادر أشْيمُ بن شَقِيق القوم بباب المقصورة هاربًا، فطعنه أحدُهم فنجا بها، ففي ذلك يقول الفرزدق:\nلو أنَّ أشيْمَ لم يَسْبقْ أَسِنَّتَنا ... وأخطأ البابَ إذْ نِيرانُنا تَقِد\nإذًا لصاحَبَ مسْعودًا وصاحِبه ... وقد تهافَتَتِ الأعفاجُ والكَبِدُ\n(٥: ٥١٩ - ٥٢٠).\nقال أبو عبيدة: فحدّثني سلّام بن أبي خَيْرة، وسمعتُه أيضًا من أبي الخَنْساء كُسَيْب العنبريّ يحدّث في حَلْقة يونسَ، قالا: سمعنا الحسنَ بن أبي الحسن يقول في مجلسه في مسجد الأمير: فأقبل مسعود من هاهنا - وأشار بيده إلى منازل الأزْد في أمثال الطير - مُعْلِمًا بقباء ديباج أصفر مغيّر بسواد، يأمر الناسَ بالسنّة، وينهى عن الفتنة: ألا إنَّ من السّنة أن تأخذ فوق يديك، وهم يقولون: القَمر القمَرَ، فوالله ما لبثوا إلَّا ساعةً حتى صار قمرهم قُميْرًا، فأتوه فاستنزلوه عن المِنبر وهو عليه - قد علم الله - فقتلوه.\nقال سلّام في حديثه: قال الحسن: وجاء الناس من هاهنا - وأشار بيده إلى دُور بني تميم. (٥: ٥٢٠).\nقال أبو عُبيدة: فحدّثني مسْلَمة بن محارب، قال: فأتَوا عُبيدَ الله، فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم يُرمَ دون الدار بكُثّاب، فبيناه في ذلك يتهيَّأ ليجئ","vol":"9","page":307},{"text":"إلى الدار؛ إذ جاؤوا فقالوا: قد قتل مسعود، فاغترز في ركابه فلحق بالشام، وذلك في شوّال سنة أربع وستين. (٥: ٥٢١).\nقال أبو عبيدة: فحدثني رَوَّاد الكعبيّ، قال: فأتى مالكَ بن مسمع أناسٌ من مضرَ، فحصروه في داره، وحرّقوا، ففي ذلك يقول غَطَفان بن أنيف الكعبيّ في أرجوزة:\nوأصْبَح ابنُ مِسْمَع مَحْصورَا ... يَبْغِي قُصورًا دونَهُ وَدُورَا\nحَتَّى شَببْنا حَوْلَهُ السَّعِيرَا\nولما هرب عُبيد الله بن زياد اتَّبعوه، فأعجز الطلبَة، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول وافد بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر بن مِنقرَ بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد:\nيا رُبَّ جَبَّار شَدِيد كَلْبُهْ ... قد صَارَ فينا تاجُهُ وسَلَبُهْ\nمِنْهُم عُبيْدُ اللهِ حينَ نَسْلُبهْ ... جيادَهُ وبزَّه ونَنْهَبُهْ\nيوْم التَقَى مِقْنَبُنا ومِقْنَبُهْ ... لَوْ لَمْ يُنْجِّ ابنَ زيادٍ هَرَبُهْ\nوقال جرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدويّة في قتل مسعود في كلمة طويلة:\nومسْعودَ بن عَمرو إذْ أَتانا ... صبَحْنَا حَدَّ مَطْرُور سَنينَا\nرجا التَّأْمِيرَ مسعودٌ فأَضحى ... صَريعًا قد أَزرْناهُ المَنونَا\n(٥: ٥٢١)\nقال أبو جعفر محمَّد بن جرير: وأمَّا عُمر؛ فإنَّه حدّثني في أمر خروج عبيد الله إلى الشام، قال: حدّثني زهير، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدّثنا الزبير بن الخِرِّيت، قال: بعث مسعود مع ابن زياد مئةً من الأزْد، عليهم قرّة بن عمرو بن قيس، حتى قاموا به الشام. (٥: ٥٢١ - ٥٢٢).\nوحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو عاصم النبيل، عن عمرو بن الزبير وخلّاد بن يزيد الباهليّ والوليد بن هشام عن عمّه، عن أبيه، عن عمرو بن هُبيرة، عن يَسَاف بن شُرَيح اليشكريّ، قال: وحدّثنيه عليّ بن محمَّد، قال - وقد اختلفوا فزاد بعضُهم على بعض: إنَّ ابن زياد خرج من البَصْرة، فقال ذات ليلة: إنه قد ثَقُل عليّ ركوبُ الإبل، فوطِّئوا لي على ذي حافر؛ قال: فألقِيتْ له","vol":"9","page":308},{"text":"قطيفةٌ على حمار، فركبه وإنّ رجليه لتكادان تخُدّان في الأرض. قال اليشكريُّ: فإنَّه لَيسير أمامي إذ سكتَ سكْتَةً، فأطالها، فقلت في نفسي: هذا عُبيد الله أميرُ العراق أمس نائمٌ الساعةَ على حمار، لو قد سقط منه أعْنَتَه، ثمّ قلت: والله لئن كان نائمًا لأنغّصنّ عليه نومَه؛ فدنوتُ منه، فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا؛ قلت: فما أسكتك؟ قال: كنتُ أحدّث نفسي؛ قلتُ: أفلا أحدّثك ما كنت تحدّث به نفسَك؟ قال: هاتِ، فوالله ما أراك تكيس، ولا تصيب! قال: قلتُ: كنت تقول: ليتني لم أقتل الحسين، قال: وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني لم أكن قتلتُ من قتلت؛ قال: وماذا؟ قلتُ: كنتَ تقول: ليتني لم أكن بنَيتُ البَيضَاء؛ قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدّهاقِين، قال: وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنتُ؛ قال: فقال: والله ما نطقتَ بصواب، ولا سكتَّ عن خطأ، أما الحسين فإنَّه سار إليّ يريد قتلي، فاخترت قتلَه على أن يقتلني؛ وأما البيضاء فإني اشتريْتها من عبد الله بن عثمان الثقفيّ، وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيتُ فلأهلي، وإن هلِكتُ لم آسَ عليها مما لم أعنِّف فيه؛ وأما استعمال الدّهاقين فإنّ عبد الرحمن بن أبي بَكرة وزاذان فرُّوخ وقَعا فيَّ عند معاوية حتى ذكرا قشورَ الأرزّ، فبلغَا بخراج العراق مئة ألف ألف، فخيَّرني معاوية بين الضّمان والعزْل؛ فكرهتُ العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدّمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركتُه تركتُ مالَ الله وأنا أعرِف مكانَه، فوجدتُ الدّهاقينَ أبصر بالجباية، وأوفَى بالأمانة، وأهوَن في المطالبة منكم، مع أني قد جعلتكم أمناءَ عليهم لئلا يظلِموا أحدًا، وأما قولك في السخاء، فوالله ما كان لي مال فأجودَ به عليكم، ولو شئتُ لأخذتُ بعض مالِكم فخصَصْتُ به بعضَكم دون بعض، فيقولون: ما أسخاه! ولكني عمَمتكم، وكان عندي أنفع لكم، وأما قولك: ليتني لم أكن قتلتُ من قتلتُ؛ فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملًا هو أقربُ إلى الله عندي من قتلي من قتلتُ من الخوارج، ولكني سأخبرك بما حدّثت به نفسي؛ قلت: ليتني كنتُ قاتلت أهلَ البَصرة، فإنهم بايعوني طائعين غيرَ مكرهين، وايمُ الله لقد حرَصتُ على ذلك؛ ولكن بني زياد أتَوْني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظَهَروا عليك لم يبقوا منا أحدًا، وإن تركتهم تغيَّب الرجل منّا عند أخواله وأصهاره، فرفقت لهم فلم أقاتل، وكنتُ أقول: ليتني كنت أخرجتُ أهلَ السجن","vol":"9","page":309},{"text":"فضربتُ أعناقَهم، فأما إذ فأتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام ولم يُبرِموا أمرًا.\nقال بعضهم: فقدم الشام ولم يُبرموا أمرًا، فكأنما كانوا معه صبيانًا؛ وقال بعضهم: قدم الشام وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه. (٥: ٥٢٢ - ٥٢٣).\nوفي هذه السنة طرد أهلُ الكوفة عَمرو بن حُرَيث وعَزَلوه عنهم، واجتمعوا على عامر بن مسعود.\nذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حُريث وتأميرهم عامرًا.\nقال أبو جعفر: ذكر الهيثم بن عديّ، قال: حدّثنا ابن عيَّاش، قال: كان أوّل من جُمع له المِصران: الكوفة والبَصرة زيادًا وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفًا، وحبس عبيد الله منهم أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيبًا، فقال: إنَّ الذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمّرتموني جبَيْت فَيْئكم، وقاتلتُ عدوّكم، وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مُقاتِل ابن مِسمَع وسعيد بن قرحا، أحد بني مازن، وخليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث، فقاما بذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رُوَيم الشيبانيّ، فقال: الحمد لله الذي أراحنا من ابن سُمَيَّة، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو فلبِّب ومُضِيَ به إلى السجن، فحالت بكْر بينهم وبينه، فانطلق يزيد إلى أهله خائفًا، فأرسل إليه محمَّد بن الأشعث: إنَّك على رأيك، وتتابعت عليه الرُّسُل بذلك، وصعد عمرو المنبر فحَصبُوه، فدخل دارَه، واجتمع الناسُ في المسجد فقالوا: نؤمِّر رجلًا إلى أن يجتمعَ الناسُ على خليفة، فأجمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء هَمْدان يبكين حُسيْنًا ورجالُهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمِنبر، فقال محمَّد بن الأشعث: جاء أمرٌ غيرَ ما كنا فيه، وكانت كِنْدة تقوم بأمرِ عمر بن سَعْد لأنهم أخوالُه، فاجتمعوا على عامر بن مسعود، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقرّه. (٥: ٥٢٣ - ٥٢٤).\nوأما عوانة بن الحَكم؛ فإنَّه قال فيما ذكر هشام بن محمَّد عنه: لما بايع أهلُ البَصرة عُبيد الله بن زياد بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مِسمَع، وسعد بن القرحا التميمّي؛ ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعةَ لعُبيد الله بن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: إنَّ هذين الرجلين قد أتيَاكم من قِبَل أميركم يدعُوانكم إلى أمر يجمعَ الله به كلمَتكم، ويُصلح به ذات بينكم، فاسمعوا","vol":"9","page":310},{"text":"منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما بِرُشْدٍ ما أتيَاكم.\nفقام عمرو بن مسمع، فحمدَ الله وأثنَى عليه، وذكَرَ أهل البصرة، واجتماعَ رأيهم على تأمير عُبيد الله بن زياد حتى يرى الناسُ رأيهم فيمن يولّون عليهم، وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمرَكم فيكونَ أميرُنا وأميركم واحدًا، فإنما الكوفة من البَصْرة والبَصْرة من الكوفة، وقام ابن القرحا فتكلم نحوًا من كلام صاحبه.\nقال: فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيبانيّ - وهو ابن رُويم - فحَصَبهما أوّل الناس، ثمّ حصبهما الناسُ بعد، ثمَّ قال: أنحن نبايع لابن مَرْجانة! لا ولا كرامة؛ فشرّفت تلك الفعلة يزيدَ في المِصْر ورفعتْه، ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا: أهلُ الكوفة يخلعونه، وأنتم تولّونه وتبايعونه! فوثب به الناس، وقال: ما كان في ابن زياد وصمةٌ إلا استجارته بالأزد.\nقال: فلمَّا نابذَه الناسُ استجار بمسعود بن عمرو الأزديّ، فأجاره ومنعه، فمكث تسعين يومًا بعد موت يزيدَ، ثمّ خرج إلى الشام، وبعثت الأزد وبكر بن وائل رجالًا منهم معه حتى أوردوه الشام، فاستخلف حيث توجّه إلى الشام مسعود بن عمرو على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضَى ولا نجيز ولا نولِّي إلَّا رجلًا ترضاه جماعتُنا، فقال مسعود: فقد استخلفني فلا أدَعُ ذلك أبدًا؛ فخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعتْ تميم إلى الأحنف بن قيس، فقالوا له: إنَّ الأزد قد دخلوا المسجد؛ قال: ودخل المسجد فمَهْ! إنما هو لكم ولهم، وأنتم تدخلونه؛ قالوا: فإنَّه قد دخل القصر، فصَعِد المنبرَ، وكانت خوارجُ قد خرجوا، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عُبيد الله بن زياد إلى الشام، فزعم الناس أنّ الأحنف بعث إليهم أنّ هذا الرجل الذي قد دخل القصر لنا ولكم عدوّ، فما يَمنَعكم من أن تبدؤوا به! فجاءت عصابةٌ منهم حتى دخلوا المسجد، ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع مَن أتاه، فيرميه عِلْج يقال له: مُسلم من أهل فارسَ، دخل البصرة فأسلم ثمّ دخل في الخوارج، فأصاب قلبَه فقتله وخرج، وجال الناسُ بعضُهم في بعض فقالوا: قُتِل مسعود بن عمرو، قتلتْه الخوارج، فخرجَتْ الأزْد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجَرّحوا، وطردوهم عن البَصرة، ودفنوا مسعودًا، فجاءهم الناس فقالوا لهم: تعلمون أنّ بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو، فبعثَت الأزدُ تسأل عن ذلك؛ فإذا","vol":"9","page":311},{"text":"أناسٌ منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأّسوا عليهم زيادَ بن عمرو العتكيّ، ثمَّ ازدَلفوا إلى بني تميم وخرجتْ مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بني تميم، وأقبلت تميم إلى الأحنف يقولون: قد جاء القوم، أخرج. وهو متمكِّث، إذ جاءته امرأةٌ من قومه بمجمر فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، أي إنما أنت امرأة؛ فقال: اسْتك أحقّ بها، فما سُمِع منه بعد كلمةٌ كانت أرفثَ منها، وكان يُعرَف بالحلم، ثمّ إنه دعا برايته فقال: اللهمّ انصُرْها ولا تُذللها، وإن نُصرتها ألا يُظهرَ بها ولا يُظهَر عليها؛ اللهمّ احقنْ دماءَنا، واصلح ذاتَ بيننا، ثمَّ سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه، فالتقَى القوم فاقتتلوا أشدَّ القتال، فقُتل من الفريقين قَتلَى كثيرة، فقالت لهم بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومَنْ شئتم من أهل الإِسلام، فإن كانت لكم علينا بيّنةٌ أنّا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بيّنة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلًا، وإن لم تريدوا ذلك فنحن نَدِي صاحبكم بمئة ألف درهم، فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس في وجوه مضرَ إلى زياد بن عمرو العَتَكيّ، فقال: يا معشر الأزد! أنتم جيرَتنا في الدار، وإخوتُنا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسلِّ سخيمتكم، ولكم الحكمُ مرسلًا، فقولوا على أحلامنا وأموالنا، فإنَّه لا يتعاظمُنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا، فقالوا: أتدون صاحبَنا عشرَ ديات؟ قال: هي لكم، فانصرف الناس واصطلحوا؛ فقال الهيثم بن الأسود:\nأعْلَى بمسعودٍ النّاعِي فقلتُ له ... نِعْمَ اليماني تجرُّوأً على الناعي\nأَوْفَى ثمانين ما يسطِيعُهُ أحدٌ ... فتىً دعاهُ لرأْس العدَّةِ الداعِي\nآوَى ابن حرب وقد سُدَّتْ مذاهبُه ... فأَوسعَ السَّرْبَ منه أَيَّ إيساعَ\nحتَّى توارت به أرضٌ وعامِرها ... وكانَ ذا ناصرٍ فيها وأشيَاعِ\nوقال عُبيد الله بن الحُرّ:\nما زِلتُ أَرجو الأَزدَ حتَّى رأيتُها ... تقصَّرُ عن بنْيانِها المتطاوِلِ\nأيُقتلُ مسعودٌ ولم يثْأَرُوا به ... وصارَتْ سيوفُ الأَزدِ مِثلَ المناجلِ\nوما خيرُ عقلٍ أوْرَثَ الأَزْدَ ذِلَّةً ... تسَبُّ به أحياؤهم في المحافِلِ","vol":"9","page":312},{"text":"على أَنَّهمْ شُمْطٌ كأنَّ لِحاهُمُ ... ثعالِبُ في أعناقِها كالجَلاجِلِ\nواجتمع أهلُ البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميرًا يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهرًا، ثمَّ جعلوا ببَّة - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - فصلى بهم شهرَين، ثمّ قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن مَعُمر من قبَلِ ابن الزبير، فمكث شهرًا، ثمّ قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ بعزله، فوليها الحارث وهو القُباع. (٥: ٥٢٤ - ٥٢٧).\nقال أبو جعفر: وأما عمر بن شبَّة؛ فإنَّه حدّثني في أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز وأمر ببَّة ومسعود وقتله، وأمر عمر بن عبيد الله غيرَ ما قال هشام عن عوانة، والذي حدّثني عمر بن شبّة في ذلك: أنَّه قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، عن أبي مُقرِّن عبيد الله الدّهنيّ، قال: لما بايع الناسُ ببَّة ولّى ببّة شُرطته همْيَان بن عديّ، وقدم على ببَّة بعضُ أهل المدينة، وأمر هميان بن عديّ بإنزاله قريبًا منه، فأتى هميان دارًا للفيل مولى زياد التي في بني سُليم وهمّ بتفريغها ليُنزلَها إيَّاه، وقد كان هرب وأقفل أبوابَه، فمنعت بنو سُليم هميان حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز، فأرسل بُخارِيَّته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار، وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلِّم على بَبَّة، فلقيَه على الباب رجلٌ من بني قيس بن ثعلبة، فقال: أنت المعيّن علينا بالأمس! فرفع يدَه فلطمه، فضرب قوم من البخاريَّة يدَ القيسيّ فأطارها؛ ويقال: بل سلِم القيسيّ، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبتْ له مضر، فاجتمعتْ وأتت بكر بن وائل أشيمَ بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال: أيّ مضريّ وجدتموه فاسلبوه، وزعم بنو مسمع: أنّ مالكًا جاء يومئذ متفضّلًا في غير سلاح ليردّ أشيم عن رأيه، ثمّ انصرفت بكر وقد تحاجزوا هم والمضريّة، واغتنمت الأزد ذلك، فحالفوا بكرًا، وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع، وفزعَتْ تميم إلى الأحنف، فعقد عمامتَه على قناة، ودفَعها إلى سلمة بن ذُؤَيب الرّياحيّ، فأقبل بين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزَلوه فقتلوه، وزَعمَت الأزْد: أن الأزَارقَة قتلوه، فكانت الفتْنة، وسفر بينهم عمر بن","vol":"9","page":313},{"text":"عبيد الله بن معمر، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام حتى رَضيت الأزدُ من مسعود بعشر ديَات، ولزم عبد الله بن الحارث بيته، وكان يتديّن، وقال: ما كنتُ لأصلح الناس بفساد نفسي. (٥: ٥٢٧ - ٥٢٨).\nقال عمر: قال أبو الحسن: فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير، فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصّلاة بالناس، فصلَّى بهم أربعين يومًا. (٥: ٥٢٨).\nحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمَّد، قال: كتب ابن الزبير إلى عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر التيميّ بعهده على البَصرة، ووجّه به إليه، فوافقه وهو متوجّه يريد العُمْرة، فكتب إلى عُبيد الله يأمره أن يصلِّيَ بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر. (٥: ٥٢٨).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي، قال: سمعتُ محمَّد بن الزبير، قال: كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشميّ، فولي أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فقال الناس لعبد الله: إن الناس قد أكل بعضُهم بعضًا؛ تؤخذ المرأة من الطريق فلا يَمنَعُها أحد حتى تُفضَح؛ قال: فتريدون ماذا؟\nقالوا: تضَع سيفَك، وتَشدُّ على الناس؛ قال: ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام! ناوِلني نعلي، فانتعل ثمّ لحق بأهله، وأمَّر الناس عليهم عُمَر بن عبيد الله بن مَعمَر التيميّ. قال أبي، عن الصَّعْب بن زيد:\nإن الجارف وقع وعبد الله على البصرة، فماتت أمُّه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حُفرتها، وهو الأمير يومئذ. (٥: ٥٢٨ - ٥٢٩).\nحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، قال: كان ببّة قد تناول في عمله على البَصرة أربعين ألفًا من بيت المال، فاستودَعها رجلًا، فلما قدم عمر بن عبيد الله أميرًا أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه، وعذّب مولىً له في ذلك المال حتى أغرمه إياه. (٥: ٥٢٩).\nحدّثني عمر قال: حدَّثني عليُّ بن محمَّد عن القافْلانيّ، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل: رأيتك زمان","vol":"9","page":314},{"text":"استعمِلت علينا أصبْتَ من المال، واتَّقيت الدم، فقال: إنَّ تَبِعة المال أهوَن من تبِعة الدم. (٥: ٥٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>ذكر الخبر عن ولاية عامر بن مسعود على الكوفة</span>\nوفي هذه السنة ولَّى أهلُ الكوفة عامرَ بن مسعود أمرَهم، فذكر هشام بن محمَّد الكلبيّ، عن عوانة بن الحكم: أنهم لما ردّوا وافدَيْ أهل البصرة اجتمع أشرافُ أهل الكوفة، فاصطلحوا على أن يصلّيَ بهم عامر بن مسعود - وهو عامر بن مسعود بن خلف القرشيّ، وهوُ دحروجَةُ الجُعَل الذي يقول فيه عبد الله بن هَمَّام السَّلوليّ:\nاشْدُدْ يديْكَ بزيْدٍ إن ظَفِرْتَ بهِ ... واشفِ الأَرامِلَ مَن دُحرُوجَةِ الجُعلِ\nوكان قصيرًا - حتى يرى الناس رأيهم، فمكث ثلاثةَ أشهر من مَهلك يزيدَ بن معاوية، ثمَّ قدم عليهم عبدُ الله بن يزيدَ الأنصاريّ ثمَّ الخَطْميّ على الصلاة، وإبراهيم بن محمَّد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، فاجتمع لابن الزبير أهلُ الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشام، وأهل الجزيرة إلا أهلَ الأردُنّ. (٥: ٥٢٩ - ٥٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>خلافة مروان بن الحكم</span>\nوفي هذه السنة بُويع لمروانَ بن الحكم بالخلافة بالشام.\nذكر السبب في البيعة له:\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا محمَّد بن عمرَ، قال: لما بويع عبدُ الله بن الزبير ولَّى المدينةَ عُبيدةَ بن الزبير، وعبد الرحمن بن جَحْدَم الفِهْريّ مصرَ، وأخرجَ بني أميَّة ومراون بن الحكم إلى الشام - وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين - فلما قدم حصين بن نمير ومَن معه إلى الشام أخبر مَرْوانَ بما خلَّف عليه ابن الزبير، وأنه دعاه إلى البيعة، فأبى فقال له ولبني أمية: نراكم في اختلاط شديد، فأقيموا أمرَكم قبل أن يدخل عليكم شامكم، فتكون فتنة عمياءَ صمَّاء؛ فكان من رأي مروانَ أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه، فقَدِم","vol":"9","page":315},{"text":"عبيد الله بن زياد، واجتمعت عنده بنو أميّة، وكان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان، فقال له: استحييتُ لك مما تريد! أنت كبيرُ قريش وسيِّدها، تصنع ما تصنعه! فقال: ما فات شيءٌ بعدُ؛ فقام معه بنو أميَّة ومواليهم، وتجمع إليه أهلُ اليمن، فسار وهو يقول: ما فات شيءٌ بعدُ؛ فقدم دمشقَ ومن معه، والضّحاك بن قيس الفهريّ قد بايعه أهلُ دمشق على أن يصلِّيَ بهم؛ ويقيمَ لهم أمرهم حتى يجتمع أمرُ أمَّة محمَّد. (٥: ٥٣٠).\nوأما عوانة فإنَّه قال - فيما ذكر هشام عنه - إنَّ يزيد بن معاوية لما مات وابنه معاوية من بعده، وكان معاوية بن يزيدَ بن معاوية - فيما بلغني - أمَرَ بعد ولايته فنوديَ بالشام: الصلاة جامعة! فحَمد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفتُ عنه، فابتغيت لكم رجلًا مثلَ عمرَ بن الخطَّاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجدْه، فابتغيت لكم ستَةً في الشورى مثل ستّة عمر، فلم أجدها، فأنتم أولَى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثمَّ دخل منزلَه ولم يخرج إلى الناس، وتغيَّب حتى مات، فقال بعض الناس: دُسّ إليه فسُقي سمًا، وقال بعضهم: طُعن. (٥: ٥٣٠ - ٥٣١).\nرجع الحديث إلى حديث عوانة، ثمّ قدم عبيد الله بن زياد دمشق وعليها الضحاك بن قيس الفهريّ، فثار زُفَر بن الحارث الكلابيّ بقِنَّسرِين يبايع لعبد الله بن الزبير، وبايع النعمان بن بشير الأنصاريّ بحمص لابن الزبير، وكان حسان بن مالك بن بحْدَل الكلبيّ بفلَسْطين عاملًا لمعاوية بن أبي سُفْيان، ثمَّ ليزيد بن معاوية بعده، وكان يهوَى هَوَى بني أميَّة، وكان سيِّدَ أهل فلَسطين، فدعا حسَّان بن مالك بن بحدل الكلبيّ رَوْحَ بن زنْباع الجُذاميّ، فقال: إني مستخلفُك على فلسطين، وأدخل هذا الحيَّ من لَخْم وجُذام، ولست بدون رجل إذ كنت عينهم قاتلت بمن معك من قومك. وخرج حسَّان بن مالك إلى الأردُنّ واستخلف رَوْح بن زَنْباع على فلسطين، فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه، فاستولى على فلَسطين، وبايع لابن الزبير، وقد كان عبد الله بن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفيَ بني أميَّةَ من المدينة، فنُفوا بعيالاتهم ونسائهم إلى الشام، فقدِمتْ بنو أميّة دمشق وفيها مروان بن الحكم، فكان الناس فريقين: حسّان بن مالك بالأردن يَهوَى هَوى بني أمية، ويدعو إليهم؛ والضحَّاك بن قيس","vol":"9","page":316},{"text":"الفهريّ بدمشقَ يَهوَى هَوَى عبد الله بن الزبير، ويدعو إليه.\nقال: فقام حسان بن مالك بالأردنّ، فقال: يا أهلَ الأردنّ! ما شهادتُكم على ابن الزبير وعلى قَتْلَى أهلِ الحرّة؟ قالوا: نشهد أنّ ابن الزبير منافق، وأنّ قتلى أهلِ الحرّة في النار؛ قال: فما شهادتُكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرّة؟ قالوا: نشهد أنّ يزيد على الحقّ، وأنّ قتلانا في الجنة؛ قال: وأنا أشهد لئن كان دينُ يزيدَ بن معاوية وهو حيّ حقًّا يومئذ إنه اليومَ وشيعتُه على حقّ؛ وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليومَ على باطل وشيعته؛ قالوا له: قد صدقتَ، نحن نبايعك على أن نقاتل مَن خالفك من الناس، وأطاعَ ابنَ الزبير، على أن تجنِّبنا هذين الغلامين، فإنا نكره ذلك - يعنُون: ابنَي يزيد بن معاوية عبد الله، وخالدًا - فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتيَنا الناس بشيخ ونأتيهم بصبيّ، وقد كان الضحاك بن قيس بدمشقَ يَهَوى هَوَى ابن الزبير، وكان يمنعه من إظهار ذلك أنّ بني أميَّة كانوا بحضرته، وكان يعمل في ذلك سرًّا، فبلغ ذلك حسان بن مالك بن بحدل، فكتب إلى الضحاك كتابًا يعظّم فيه حقّ بني أمية، ويذكر الطاعة والجماعة وحُسْنَ بلاءِ بني أميَّة عندَه وصنيعهم إليه، ويدعوه إلى طاعتهم، ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه، ويذكر: أنَّه منافق، قد خلع خليفتَين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس، ودعا رجلًا من كَلْب يُدعى ناغضة فسرَّح بالكتاب معه إلى الضحَّاك بن قيس، وكتب حسَّان بن مالك نسخةَ ذلك الكتاب، ودفَعه إلى ناغضة، وقال: إن قرأ الضحَّاك كتابي على الناس وإلّا فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس؛ وكتب حسَّان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقَدِم ناغضةُ بالكتاب على الضحَّاك فدفعه إليه ودفع كتابَ بني أميَّة إليهم، فلما كان يومَ الجمعة صعِد الضحَّاك المنبر فقام إليه ناغضة، فقال: أصلح الله الأمير! ادعُ بكتاب حسَّان فاقرأه على الناس، فقال له الضحاك: اجلس، فجلس، ثمّ قام إليه الثانية فقال له: اجلس؛ ثمّ قام إليه الثالثة فقال له: اجلس؛ فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتابَ الذي معه فقرأه على الناس، فقام الوليد بن عُتبة بن أبي سُفْيانَ فصدّق حسانًا وكذّب ابنَ الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النِّمس الغسّانيّ، فصدّق مقالة حسان وكتابَه، وشتم ابن الزبير، وقامَ سُفيان بن الأبرد الكلبيّ فصدّق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير.","vol":"9","page":317},{"text":"وقام عمرو بن يزيد الحكميّ فشتم حسّان وأثنَى على ابن الزبير، واضطرب الناس تبعًا لهم، ثمّ أسر الضحاك بالوليدَ بنَ عُتبة ويزيد بن أبي النّمس وسُفْيان بن الأبرد الذين كانوا صدّقوا مقالةَ حسان وشتَموا ابن الزبير فحُبسوا، وجال الناسُ بعضُهم في بعض، ووثبت كَلْب على عمرو بن يزيد الحَكَميّ، فضربوه وحرّقوه بالنار، وخرّقوا ثيابه.\nوقام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرْقاتين من المنبر، وهو يومئذ غلام. والضحَّاك بن قيس على المنبر، فتكلَّم خالد بن يزيد بكلام أوْجَز فيه لم يُسمع مثلُه، وسكن الناس ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة، ثمّ دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيانَ بن الأبرد، وجاءت غسَّان فأخرجوا يزيد بن أبي النِّمس، فقال الوليد بن عتبة، لو كنتُ من كلب أو غسان أخرِجت.\nقال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالد، وعبد الله؛ معهما أخوالُهما من كلب فأخرجوه من السِّجن، فكان ذلك اليوم يسمِّيه أهل الشام يومَ جَيْرون الأوّل.\nوأقام الناس بدمشقَ، وخرج الضحَّاك إلى مسجد دمشقَ، فجلس فيه فذكر يزيدَ بنَ معاوية، فوقع فيه، فقام إليه شابٌّ من كلب بِعَصًا معه فضربه بها، والناس جلوس في الحلق متقلِّدي السُّيوف، فقام بعضُهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونُصرْة الضحَّاك، وكلْب تدعو إلى بني أمية ثمَّ إلى خالد بن يزيد، ويتعصّبون ليزيد، ودخل الضحاك دارَ الإمارة، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر، وكان من الأجناد ناس يهوَوْن هَوَى بني أمية، وناس يهوَوْن هَوَى ابن الزبير، فبعث الضحاك إلى بني أميَّة فدخلوا عليه من الغد، فاعتذر إليهم، وذكر حُسنَ بلائهم عند مواليه وعنده، وأنه ليس يريد شيئًا يكرهونه.\nقال: فتكتبون إلى حسّان ونكتب، فيسير من الأردنّ حتى ينزل الجابية، ونسير نحن وأنتم حتى نوافيَه بها، فنبايع لرجل منكم، فرضيَتْ بذلك بنو أميّة، وكتبوا إلى حسّان، وكتب إليه الضحَّاك، وخرج الناس وخرجت بنو أميّة واستقبلت الرايات، وتوجَّهوا يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن بن يزيد بن الأخنس السُلَميّ إلى الضحاك، فقال: دعوْتَنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعْناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابيّ من كَلْب تستخلف ابنَ أخيه خالد بن يزيد!","vol":"9","page":318},{"text":"فقال له الضحّاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نُظهر ما كنا نسرّ وندعو إلى طاعة ابن الزبير، ونقاتل عليها، فمالَ الضحّاك بمن معه من الناس فعَطفهم، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمَرْج راهطَ.\nواختُلف في الوقعة التي كانت بمرج راهط بين الضحّاك بن قيس ومروان بن الحَكَم، فقال محمَّد بن عمرَ الواقديّ: بُويع مروانُ بنُ الحكم في المحرّم سنة خمس وستين، وكان مروانُ بالشام لا يُحدّث نفسه بهذا الأمر حتى أطْمَعَه فيه عُبيد الله بن زياد حين قَدِم عليه من العراق، فقال له: أنت كبيرُ قريش ورئيسها، يلي عليك الضحاك بن قيس! فذلك حين كان ما كان، فخرج إلى الضحاك في جيش، فقَتلهم مروان والضحاك يومئذ في طاعة ابن الزبير، وقُتلت قيس بمرج راهط مقتلةً لَمْ يُقتل مِثلُها في موطن قطّ. (٥: ٥٣١ - ٥٣٤).\nقال محمَّد بن عمر: حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عُروة، قال: قُتِل الضحاك يومَ مَرْج راهط على أنَّه يدعو إلى عبد الله بن الزبير، وكُتِبَ به إلى عبد الله لما ذُكِر عنه من طاعته وحسن رأيه. (٥: ٥٣٤).\nوقال غيرُ واحد: كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان في سنة أربع وستّين.\nوقد حُدِّثت عن ابن سعد، عن محمَّد بن عمر، قال: حدّثني موسى بن يعقوب عن أبي الحُوَيْرث، قال: قال أهل الأردنّ وغيرهم لمروان: أنت شيخٌ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزبير كَهْل، وإنما يُقرع الحديدُ بعضُه ببعض، فلا تبارِه بهذا الغلام، وارمِ بنحرك في نحوه، ونحن نبايعك، ابسُط يدَك، فَبَسَطها، فبايعوه بالجابِيَة يومَ الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين. (٥: ٥٣٤).\nقال محمَّد بن عمر: وحدّثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله: أن الضّحاك لما بلغه: أنّ مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة، بايع من معه لابن الزبير، ثمَّ سار كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل الضحاك وأصحابه. (٥: ٥٣٤ - ٥٣٥).\nقال محمَّد بن عمر: وحدّثني ابن أبي الزّناد، عن أبيه؛ قال: لما ولي المدينة","vol":"9","page":319},{"text":"عبد الرحمن بن الضحاك كان فتىً شابًّا، فقال: إنَّ الضحاك بن قيس قد كان دعا قيسًا وغيرَها إلى البيعة لنفسه، فبايعهم يومئذ على الخلافة، فقال له زُفَر بن عقيل الفِهريّ: هذا الذي كنا نعرف ونسمع، وإنّ بني الزبير يقولون: إنما كان بايع لعبد الله بن الزبير، وخرج في طاعته حتى قتل، الباطلَ والله يقولون؛ كان أوّل ذاك أنّ قريشًا دعتْه إليها، فأبى عليها حتى دخل فيها كارهًا. (٥: ٥٣٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحَّاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث في سنة أربع وستين</span>\nقال أبو جعفر: حدّثنا نوح بن حبيب، قال: حدّثنا هشام بن محمَّد، عن عوانة بن الحَكم الكلبيّ، قال: مال الضحاك بن قيس بمن معه من الناس حين سار يريد الجابية للقاء حسَّان بن مالك، فعَطَفهم، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمرْج راهط، وأظهر البيعة لابن الزبير، وخلع بني أميَّة، وبايعه على ذلك جُلّ أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم.\nقال: وسارت بنو أميّة ومَن تبعهم حتى وافَوا حسّانَ بالجابية، فصلّى بهم حسّان أربعين يومًا، والناس يتشاورون، وكتب الضحاك إلى النعمان بن بشير وهو على حِمْص، وإلى زُفر بن الحارث وهو على قِنَّسرين، وإلى ناتل بن قيس، وهو على فِلسطين يستمدّهم، وكانوا على طاعة ابن الزبير، فأمدّه النعمان بشُرَحبْيل بن ذي الكلَاع، وأمدّه زُفَر بأهل قنَّسْرِين، وأمدّه ناتل بأهل فلَسطين، فاجتمعت الأجناد إلى الضحاك بالمرْج.\nوكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة، فأمَّا مالك بن هبيرة السَّكُونيّ فكان يَهَوى هوى بني يزيد بن معاوية، ويحبّ أن تكون الخلافة فيهم، وأما الحصين ابن نمير السَّكونيّ فكان يهوَى أن تكون الخلافة لمروانَ بن الحكم، فقال مالك ابن هبيرة لحصين بن نمير: هلمّ فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه، فإنَّه يحملنا على رقاب العرب غدًا - يعني: خالد بن يزيد - فقال الحصين: لا، لعمر الله! لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبيّ؛ فقال مالك: هذا ولم تردى تهامة، ولما يَبلُغ الحزامُ الطُّبيين.","vol":"9","page":320},{"text":"فقالوا: مهلًا يا أبا سليمان! فقال له مالك: والله لئن استخلفت مروان وآل مروان ليحسدُنَّك على سوطك وشراك نعلك وظلّ شجرة تستظلّ بها؛ إنَّ مروان أبو عشيرة، وأخو عشيرة، وعمّ عشيرة، فإن بايعتموه كنتم عبيدًا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد، فقال حصين: إنّي رأيت في المنام قِنْديلًا معلَّقًا من السماء، وإنّ من يمدّ عنقه إلى الخلافة تناوَلَه فلم ينله، وتناوله مروان فناله، والله لنستخلفنَّه؛ فقال له مالك: ويحك يا حصين! أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من قيس! فلما اجتمع رأيُهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذاميّ، فحمد الله، وأثنى عليه ثمَّ قال: أيُّها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن الخطّاب وصُحبَتَه من رسول الله - ﷺ -، وقدمَه في الإِسلام، وهو كما تذكرون؛ ولكن ابن عمر رجلٌ ضعيفٌ، وليس بصاحب أمة محمَّد الضعيفُ، وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون بأنّه لابنُ الزبير حواريّ رسول الله - ﷺ - وابن أسماء ابنة أبي بكر الصدّيق ذات النِّطاقين، وهو بعدُ كما تذكرون في قدمه وفضْله، ولكنّ ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية ابن يزيد، وسَفَك الدماء، وشقّ عصا المسلمين، وليس صاحبَ أمر أمة محمَّد - ﷺ - المنافقُ؛ وأمَّا مروان بن الحكم؛ فوالله ما كان في الإِسلام صَدَعٌ قطُّ إلا كان مروان ممَّن يشعب ذلك الصّدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان يوم الدار، والذي قاتل عليّ بن أبي طالب يومَ الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبُّوا الصغير - يعني بالكبير: مروان ابن الحكم، وبالصغير: خالد بن يزيد بن معاوية، قال: فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان، ثمّ لخالد بن يزيد من بعده، ثمَّ لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أنّ إمارة دمشق لعمرو بن سعيد بن العاص، وإمارة حمص لخالد بن يزيد بن معاوية، قال: فدعا حسان بن مالك بن بحدل خالد بن يزيد فقال: يَابْنَ أختي! إنّ الناس قد أبَوْك لحداثة سنِّك، وإني والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظرًا لكم؛ فقال له خالد بن يزيد: بل عُجِّزت عنا، قال: لا والله ما عُجِّزت عنك، ولكنّ الرأي لك ما رأيتُ ثمّ دعا حسان بمروان فقال: يا مروان! إن الناس والله ما كلُّهم يرضى بك، فقال له مروان: إن يُرِد الله أن يعطنيها لا يمنعني إياها أحدٌ من خلقه، وإن يُردْ أن يمنَعنيها لا يُعطنيها أحدٌ من خلقه. قال: فقال له","vol":"9","page":321},{"text":"حسان: صدقت، وصَعِد حسان المنبر يومَ الاثنين، فقال: يا أيها الناس! إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله. فلما كان يوم الخميس بايع لمروانَ، وبايع الناسُ له، وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مَرْجَ راهط على الضحاك في أهل الأردنّ من كلب، وأتته السَّكاسك والسَّكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردنّ.\nقال: وعلى ميمنته - أعني: مروان - عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العُقيْليّ وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه، وكان يزيد بن أبي النِّمس الغسانيّ لم يشهد الجابية، وكان مختبئًا بدمشق، فلما نزل مروانُ مرجَ راهط ثار يزيد ابن أبي نمس بأهل دمشق في عبيدها، فغلب عليها، وأخرج عامل الضحاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمدَّه بالأموال والرجال والسلاح، فكان أوّلَ فتح فتحَ على بني أميّة. قال: وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلةً كان، ثمَّ هُزِم أهل المرج، وقُتِلوا وقُتل الضحاك، وقُتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلًا كلهم كان يأخذ القطيفة، والذي كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين في العطاء، وقتل أهل الشام يومئذ مقتلةً عظيمةً لم يقتلوا مثلها قطّ من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عُليم يقال له: مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقُتل يومئذ صاحب لواء قُضاعة حيث دخلت قضاعة الشام، وهو جدّ مُدلَّج ابن المقدام بن زَمْل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجُرَشيّ، وقُتِل ثور بن معن بن يزيد السُّلميّ، وهو الذي كان ردّ الضحاك عن رأيه. قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب؛ وذكروا: أنّ مروان حين أتِيَ برأسه ساءه ذلك، وقال: الآن حين كبِرتْ سنّي ودقّ عظمي وصرتُ في مثل ظِمءِ الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! قال: وذكروا: أنَّه مرّ يومئذ برجل قتيل فقال:\nومَا ضرَّهُمْ غير حَيْنِ النُّفُو ... سِ أيُّ أمِيري قريش غَلَبْ\nوقال مروان حين بُويع له ودعا إلى نفسه:\nلما رأيتُ الأَمرَ أمرًا نَهْبا ... سيّرت غسّان لهمْ وكلَبا\nوالسَّكسكيِّين رجالًا غُلبا ... وطَيِّئًا تأْباه إلَّا ضَرْبا","vol":"9","page":322},{"text":"والقَيْن تمشي في الحديد نُكبا ... ومن تنوخَ مشمَخِرًّا صعبا\nلا يأْخذونَ المُلْك إلَّا غَصْبَا ... وإنْ دَنَتْ قيسٌ فقل لا قربَا\n(٥: ٥٣٥ - ٥٣٨).\nقال هشام بن محمَّد: حدّثني أبو مخنف لوط بن يحيى؛ قال: حدّثني رجل من بني عبد ود من أهل الشام، قال: حدّثني من شهد مقتل الضحاك بن قيس، قال: مرّ بنا رجلٌ من كلب يقال له: زُحنة بن عبد الله، كأنما يرمي بالرجال الجَدَّاء، ما يطعن رجلًا إلا صَرَعهُ، ولا يضرب رجلًا إلا قتله، فجعلت أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرجال؛ إذ حمل عليه رجل فصرعه زُحنة وتركه، فأتيته فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس، فأخذت رأسه فأتيتُ به إلى مروان، فقال: أنت قتلته؟ فقلت: لا، ولكن قتله زُحنة بن عبد الله الكلبي، فأعجبه صدقي إيّاه، وتركي ادعاءه، فأمرَ لي بمعروف، وأحسنَ إلى زحنة (١). (٥: ٥٣٨)\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن حبيب بن كرّة، قال: والله إنَّ راية مروان يومئذ لمعي، وإنه ليدفع بنعل سيفه في ظهري، وقال: ادْنُ برايتك لا أبا لك! إنَّ هؤلاء لو قد وجدوا لهم حدّ السيوف انفرجوا انفراجَ الرأس، وانفراج الغنم عن راعيها، قال: وكان مروان في ستة آلاف، وكان على خيله عبيد الله بن زياد، وكان على الرُّجال مالك بن هُبيرة؛ قال عبد الملك بن نوفل: وذكروا: أنّ بِشر بن مروان كانت معه يومئذ رايةٌ يقاتل بها وهو يقول:\nإنَّ على الرئيسِ حقًّا حقَّا ... أن يَخضِبَ الصَّعْدَةَ أو تَنْدَقَّا\nقال: وصُرع يومئذ عبد العزيز بن مروان. قال: ومرَّ مروان يومئذ برجل من محارب وهو في نفر يسيرٍ تحت راية يقاتل عن مروان، فقال مروان: يرحمك الله! لو أنك انضممت بأصحابك، فإني أراك في قلة! فقال: إنَّ معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مددًا أضعاف من تأمرنا ننضمّ إليه، قال: فُسرَّ بذلك مروان وضحك، وضمَّ أناسًا إليه ممّن كان حوله؛ قال: وخرج الناس منهزمين من المرج إلى أجنادهم، فانتهى أهل حمص إلى حمص والنعمان بن بشير عليها،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":323},{"text":"فلمَّا بلغ النعمان الخبر خرج هاربًا ليلًا ومعه امرأته نائلة بنت عُمارة الكلبيَّة، ومعه ثَقَله وولدُه، فتحيَّر ليلته كلَّها، وأصبح أهل حمص فطلبوه؛ وكان الذي طلبه رجل من الكلاعيِّين يقال له: عمرو بن الخليّ فقتله، وأقبل برأس النعمان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها، فألقى الرأس في حجر أمّ أبان ابنة النعمان التي كانت تحتَ الحجَّاج بن يوسف بعد. قال: فقالت نائلة: ألقُوا الرأس إليّ فأنا أحقّ به منها، فألقي الرأسُ في حجرها، ثمّ أقبلوا بهم وبالرأس حتى انتهوا بهم إلى حمص، فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها. قال: وخرج زُفَر بن الحارث من قنَّسرين هاربًا فلحق بقرقيسيا، فلما انتهى إليها وعليها عياض الجرشي وهو ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن حدس بن أسلم - وكان يزيد بن معاوية ولاه قرقيسيا، فحال عياض بين زفر وبين دخول قرقيسيا، فقال له زفر: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت حمّامها أن أخرج منها؛ فلما انتهى إليها ودخلها لم يدخل حمّامها وأقام بها، وأخرج عياضًا منها، وتحصّن زُفر بها وثابتْ إليه قيس. قال: وخرج ناتل بن قيس الجُذاميّ صاحب فلسطين هاربًا، فلحق بابنِ الزبير بمكة، وأطبق أهل الشام على مروان، واستوثقوا له، واستعمل عليها عمّاله (١). (٥: ٥٣٩ - ٥٤٠).\nقال أبو مخنف: حدّثني رجل من بني عبد ودّ من أهل الشام - يعني: الشرقيّ - قال: وخرج مروان حتى أتى مصر بعد ما اجتمع له أمر الشام، فقدم مصر وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشيّ يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إليه فيمن معه من بني فهر، وبعث مروان عمرو بن سعيد الأشدق من ورائه حتى دخل مصر، وقام على منبرها يخطب الناس، وقيل لهم: قد دخل عمرو مصر، فرجعوا، وأمَّر الناس مروان وبايعوه، ثمّ أقبل راجعًا نحو دمشق، حتى إذا دنا منها بلغه أنّ ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزُّبير نحو فلسطين، فسرّح إليه مروان عمرو بن سعيد بن العاص في جيش، واستقبله قبل أن يدخل الشام، فقاتله فهزم أصحاب مصعب، وكان معه رجل من بني عذرة يقال له محمَّد بن حريث بن سليم، وهو خال بني الأشدق، فقال: والله ما رأيت مثل مصعب بن الزبير رجلًا قط أشدّ قتالًا فارسًا وراجلًا، ولقد رأيته في الطريق يترجَّل فيطَّرد بأصحابه، ويشدّ على\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":324},{"text":"رجليه، حتى رأيتهما قد دميتا. قال: وانصرف مروانُ حتى استقرت به دمشق، ورجع إليه عمرو بن سعيد.\nقال: ويقال: إنه لما قدم عبيد الله بن زياد من العراق، فنزل الشام أصاب بني أميَّة بتدمُر، قد نفاهم ابن الزبير من المدينة ومكة، ومن الحجاز كله، فنزلوا بتدمرُ، وأصابوا الضّحاك بن قيس أميرًا على الشام لعبد الله بن الزبير، فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فيأخذ منه الأمان لبني أميَّة؛ فقال له ابن زياد: أنشدُك الله ألَّا تفعل، ليس هذا برأي أن تنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيب بالخلافة، ولكن ادع أهل تدمر فبايعهم، ثمَّ سر بهم وبمن معك من بني أمية إلى الضحّاك بن قيس حتى تخرجَه من الشام؛ فقال عمرو بن سعيد بن العاص: صدق والله عبيد الله بن زياد، ثمّ أنت سيد قريش وفرعها، وأنت أحقّ الناس بالقيام بهذا الأمر، إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام - يعني: خالد بن يزيد بن معاوية - فتزوج أمّه فيكون في حجرك؛ قال: ففعل مروان ذلك، فتزوج أمّ خالد بن يزيد. وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ثمّ جمع بني أميّة فبايعوه بالإمارة عليهم، وبايعه أهلُ تدمر ثمَّ سار في جمع عظيم إلى الضحاك بن قيس، وهو يومئذ بدمشق، فلما بلغ الضحّاك ما صنع بنو أميّة ومسيرتُهم إليه؛ خرج بمن تبعه من أهل دمشق وغيرهم، فيهم زفر بن الحارث، فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل الضحاك بن قيس الفهريّ وعامّة أصحابه، وانهزم بقيّتهم فتفرّقوا، وأخذ زفر بن الحارث وجهًا من تلك الوجوه، هو وشابّان من بني سليم فجاءت خيل مروان تطلبهم، فلما خاف السُّلميّان أن تلحقهم خيل مروان قالا لزفر: يا هذا، انجُ بنفسك، فأما نحن فمقتولان، فمضى زفر وتركهما حتى أتى قرقيسيا، فاجتمعت إليه قيس، فرأسوه عليهم، فذلك حيث يقول زفر بن الحارث:\nأريني سلاحي لا أبا لكِ إنَّني ... أرى الحرب لا تزدَادُ إلَّا تماديا\nأتَانيَ عَنْ مرْوَانَ بالغَيْبِ أَنَّهُ ... مقِيدٌ دَمي أَو قاطعٌ من لسانِيا\nففِي العيِس منْجَاةٌ وفي الأَرْض مَهْرَب ... إذا نحْنُ رفَّعْنا لَهُنَّ المَثانِيَا\nفلا تحْسِبُوني إِنْ تَغَيَّبْتُ غافِلًا ... ولا تفْرَحوا إِنْ جئتُكمْ بلِقائيا\nفقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى ... وتَبْقَى حزازاتُ النُّفُوس كما هِيَا","vol":"9","page":325},{"text":"أتذْهَبُ كَلْبٌ لم تَنَلْها رِماحُنا ... وتُتْرَك قَتلَى رَاهِط هِيَ ما هِيَا!\nلَعمرِي لقد أَبْقتْ وَقيعَةُ رَاهِطٍ ... لِحَسَّان صَدْعًا بَيّنًا متنائيا\nأَبَعْدَ ابن عمرٍو وابنِ مَعْنٍ تتابعا ... ومقْتَلِ هَمّامٍ أُمَنَّى الأَمانِيَا!\nفلم تُرَ مِنِّي نبْوَةٌ قَبْلَ هذه ... فِرَارِيَ وتَرْكي صاحبيَّ ورَائيَا\nعشِيةَ أعْدو بالقِرانِ فلا أَرَى ... من الناسِ إلا مَنْ عَلَيّ ولا ليَا\nأيَذهَبُ يوْمٌ واحدٌ إِنْ أَسَأْتُهُ ... بِصالح أَيّامي وحُسْنِ بَلائيا\nفلا صُلْحَ حَتَّى تَنْحِطَ الخَيْلُ بالقَنَا ... وتثْأَرَ مِنْ نِسْوَانِ كَلْبٍ نِسَائِيَا\nألَا لَيْتَ شِعْرِي هلْ تُصيبَنَّ غارتي ... تَنوخًا وحَيَّ طَيئٍ من شِفائِيا\nفأجابه جَوّاس بن قَعْطل:\nلعَمْرِي لَقدْ أبقَتْ وقِيعَةُ راهِطٍ ... على زُفَرٍ دَاءً مِنَ الدَّاءِ باقِيَا\nمقِيمًا ثَوَى بَيْنَ الضُّلوعِ مَحَلُّه ... وبَيْن الحَشا أَعْيا الطِّبِيبَ المُداوِيا\nتُبَكِّي عَلَى قَتلَى سُليْم وعَامرٍ ... وذُبْيَانَ مَعْذورًا وتُبْكِي البواكِيَا\nدَعا بِسِلَاحٍ ثمَّ أَحْجَمَ إذْ رأَى ... سُيُوفَ جنَابٍ والطوالَ المذَاكِيا\nعليْها كأُسْدِ الغابِ فِتْيانُ نجْدَةٍ ... إذا شَرعُوا نحْوَ الطِّعان العوالِيَا\nفأجابه عمر بن المِخْلَاة الكلبيّ من تيم اللّات بن رُفَيْدة، فقال:\nبكى زُفَرُ القيسِيُّ من هُلكِ قَوْمِهِ ... بعَبْرَةِ عَيْنٍ ما يَجِفُّ سُجُومُهَا\nيُبكِّي على قَتْلى أُصِيبَتْ بِرَاهِطٍ ... تجَاوبُهُ هامُ القِفارِ وبُومُهَا\nأَبحْنَا حِمىً للحيِّ قَيْسٍ بِرِاهِط ... ووَلّتْ شِلَالًا واستُبِيح حرِيمُها\nيُبَكِّيهمُ حَرَّانَ تجْرِي دُموعُهُ ... يُرَجِّي نِزارًا أَنْ تَثُوبَ حُلومُها\nفَمُتْ كمدًا أَوْ عِشْ ذَليلًا مُهضَّمًا ... بِحْسَرَةِ نَفس لا تَنَامُ هُمُومُهَا\nإذا خَطَرتْ حَوْلي قُضَاعَةُ بالقَنا ... تَخَبطُ فِعْلَ المُصعَبَاتِ قُرُومُهَا\nخَبطْتُ بهِمْ من كادَني مِنْ قبيلة ... فمن ذا إذا عَزَّ الخُطوبُ يرُومُهَا\nوقال زُفر بن الحارث أيضًا:\nأَفي الله أمَّا بَحْدَلٌ وابنُ بَحْدَل ... فيحيا وأمَّا ابن الزُّبير فيُقْتَلُ!\nكذبْتُمْ وبَيْتِ الله لا تَقْتُلونَهُ ... ولمّا يَكنْ يومٌ أغرُّ مُحَجَّلُ\nولمّا يكُن للمشْرَفيَّة فَوْقكم ... شُعاعٌ كقَرْنِ الشَّمسِ حِين تَرجَّلُ\nفأجابه عبد الرحمن بن الحكم، أخو مروان بن الحكم، فقال:","vol":"9","page":326},{"text":"أتذهب كلب قد حمتْها رماحُها ... وتترُكُ قَتْلى راهطٍ ما أُجنَّتِ!\nلَحا الله قَيْسًا قَيْسَ عيْلانَ إنها ... أضاعَتْ ثُغُورَ المسلمين وَولَّتِ\nفباهِ بقيْسٍ في الرَّخاء ولا تكنْ ... أخاها إذا ما المَشْرفِيَّةُ سُلَّتِ\nقال أبو جعفر: ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن هبيرة فيما أشار به عليه من بيعة خالد بن يزيد بن معاوية، واستقرّ لمروانَ بن الحكم المُلك، وقد كان الحصين بن نمير اشترط على مروان أن يُنزل البَلْقاءَ من كان بالشام من كندة، وأن يَجعلَها لهم مأكلةً، فأعطاه ذلك؛ وإنّ بني الحكم لما استوثق الأمرُ لمروان، وقد كانوا اشترطوا لخالد بن يزيد بن معاوية شروطًا؛ قال مروان ذات يوم وهو جالسٌ في مجلسه، ومالك بن هبيرة جالس عنده: إن قومًا يدّعون شروطًا منهم عطّارة مكحلة - يعني: مالك بن هبيرة وكان رجلًا يتطيَّب ويكتحل - فقال مالك بن هبيرة - هذا ولمّا تَرِدِي تهامة، ولما يبلغ الحزام الطُّبْييْن؛ فقال مروان: مهلًا يا أبا سليمان، إنما داعبناك؛ فقال مالك: هو ذاك، وقال عويج الطائيّ يمتدح كَلْبًا وحُميد بن بَحْدَل:\nلقد علِمَ الأَقوامُ وقْع ابنِ بَحْدَلٍ ... وأُخْرَى عليهم إن بقَي سَيُعيدُها\nيَقْودونَ أَولادَ الوجِيه ولاحقٍ ... من الرِّيفِ شهرًا ما يَني من يَقُودُها\nفهذا لهذا ثمَّ إني لنافِضٌ ... على الناسِ أقوامًا كثيرًا حُدودُها\nفلولا أمير المؤمنين لأَصْبَحت ... قُضاعةُ أَرْبابًا وقَيْس عبيدُها\nوفي هذه السنة بايع جُنْد خُراسان لسلم بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة. (٥: ٥٤٠ - ٥٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد</span>\nقال عليّ بن محمَّد: وحدّثنا شيخٌ من أهل خُراسان، قال: لم يحبّ أهلُ خُراسان أميرًا قط حُبّهم سلَم بن زياد، فسُمّي في تلك السنين التي كان بها سلْم أكثر من عشرين ألف موْلود بسَلْم، من حُبِّهم سَلْما.\nقال: وأخبرَنا أبو حفص الأزديّ، عن عمه قال: لما اختلف الناس بُخراسان ونكثوا بيعة سَلْم، خرج سَلْم عن خُراسان وخلّف عليها المهلب بن أبي صُفوة، فلما كان بسَرَخْسَ لقيه سليمان بن مَرْثَد أحد بني قيس بن ثعلبة، فقال له: مَنْ","vol":"9","page":327},{"text":"خَلّفت على خراسان؟ قال: المهلب؛ فقال: ضاقت عليك نِزارٌ حتى ولَّيتَ رجلًا من أهل اليمن! فولّاه مَرْوَ الرُّوذ، والفارياب، والطالَقَان، والجُوزَجان، وولى أوس بن ثعلبة بن زفر - وهو صاحب قصر أوس بالبَصرة - هراةَ، ومضَى فلما صار بنَيسابور لقيه عبد الله بن خازم، فقال: مَنْ ولَّيت خُراسان؟ فأخبره، فقال: أمَا وجدت في مُضَرَ رجلًا تستعمله حتى فرَّقت خُراسان بين بكر بن وائل ومَزُون عمَانَ! وقال له: اكتبْ لي عَهْدًا على خُراسان؛ قال: أوالي خراسان أنا! قال: اكتب لي عهدًا وخَلاك ذمّ.\nقال: فكتب له عهدًا على خُراسان، قال: فأعنّي الآن بمئة ألف درهم فأمَرَ له بها، وأقبل إلى مَرْو، وبلغ الخبرُ المهلبَ بن أبي صُفرة، فأقبل واستخلف رجلًا من بني جُشَم بن سعد بن زيد مناة بن تميم.\nقال: وأخبَرَنا المفضَّل بن محمَّد الضَّبّيُّ عن أبيه، قال: لما صار عبد الله بن خازم إلى مروَ بعهد سَلْم بن زياد؛ منعه الجُشميّ، فكانت بينهما مناوشَة، فأصابت الجشميّ رميةٌ بحجَر في جبهته، وتحاجزوا وخَلَّى الجشميّ بين مرْو الرُّوذ وبينَه، فدخلها ابن خازم، ومات الجشميّ بعد ذلك بيومين. (٥: ٥٤٥ - ٥٤٦).\nقال: وكان الذي وليَ قتلَ عمرو بن مرثد زهير بن حيّان العدويّ فيما يروون، فقال الشاعر:\nأتذْهبُ أَيَّامُ الحروبِ ولم تُبِئ ... زهير بن حيّانٍ بعَمْرٍو بنِ مَرْثَدِ!\nقال: وحدّثنا أبو السَّريّ الخُراسانيّ - وكان من أهل هَراة - قال: قتل عبد الله ابن خازم سليمان وعمرًا ابنْي مرثد المرثديَّين من بني قيس بن ثعلبة ثمَّ رجع إلى مَرْو، وهرب مَن كان بمروَ الرّوذ من بكر بن وائل إلى هَراة، وانضم إليها من كان بكُور خُراسان من بكر بن وائل، فكان لهم بها جمعٌ كثير عليهم أوْس بن ثعلبة؛ قال: فقالوا له: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم، وتُخرجَ مُضَرَ من خُراسان كلِّها؛ فقال لهم: هذا بَغْيٌ، وأهلُ البغي مخذولون، أقيموا مكانَكم هذا، فإنْ تركَكُم ابن خازم - وما أراه يفعل - فارضوا بهذه الناحية، وخلّوه وما هو فيه؛ فقال بنو صُهيب - وهم موالي بني جحْدَر: لا والله لا نَرْضَى أن نكون نحن ومُضَر في بلد، وقد قتلوا ابني مَرْثَد، فإن أجبتَنا إلى هذا، وإلا أمَّرْنا علينا غيرَك؛ قال:","vol":"9","page":328},{"text":"إنما أنا رجلٌ منكم، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فبايَعوه، وسار إليهم ابن خازم، واستخلف ابنه موسى، وأقبل حتى نزل على واد بين عسكره وبين هَراة، قال: فقال البكريّون لأوس: اخرجْ فخندِقْ خندقًا دون المدينة فقاتِلْهم فيه، وتكون المدينة من ورائنا، فقال لهم أوس: الزموا المدينة فإنها حصينة، وخلّوا ابن خازم ومنزلَه الذي هو فيه؛ فإنَّه إن طال مُقامُه ضجِر فأعطاكم ما ترضون به، فإن اضطررتم إلى القتال قاتلتم، فأبَوْا، وخرجوا من المدينة، فخندقوا خندقًا دونها، فقاتلهم ابن خازم نحوًا من سنة.\nقال: وزعم الأحنف بن الأشهب الضبيّ، وأخبرنا أبو الذيال زهير بن الهُنَيد: سار ابن خازم إلى هراةَ وفيها جمعٌ كثير لبكر بن وائل قد خندقوا عليهم، وتعاقدوا على إخراج مضرَ إن ظفروا بخُراسان، فنزل بهم ابن خازم، فقال له هلال الضّبيّ أحد بني ذُهْل، ثمَّ أحد بني أوس: إنما تقاتل إخوتَك من بني أبيك، والله إن نِلتَ منهم ما تريد؛ ما في العيش بعدَهم من خير، وقد قتلت بمرو الرّوذ منهم من قتلت، فلو أعطيتهم شيئًا يرضَوْن به، أو أصلحتَ هذا الأمر! قال: والله لو خرجتُ لهم عن خُراسان ما رَضُوا به، ولو استطاعوا أن يُخرجوكم من الدنيا لأخرجوكم، قال: لا، والله لا أرمي معك بسهم، ولا رجلٌ يطيعني من خِندف حتى تُعْذِر إليهم؛ قال: فأنت رسولي إليهم فأرضِهم، فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة فناشدَه اللهَ والقرابة، وقال: أذكّرك الله في نزار أن تسفك دماءها، وتضربَ بعضَها ببعض! قال: لقيتَ بني صهيب؟ قال: لا والله؛ قال: فالقهم؛ فخرج فلقي أرقم بن مطرّف الحنفيّ، وضَمْضَم بن يزيد - أو عبد الله بن ضمضم بن يزيد وعاصم بن الصّلت بن الحريث الحنفيّين، وجماعة من بكر بن وائل وكلمهم بمثل ما كلم به أوسًا، فقالوا: هل لقيت بني صُهيب؟ فقال: لقد عظّم الله أمر بني صُهَيب عندكم، لا لم ألقهم، قالوا: القهم، فأتى بني صهيب فكلّمهم، فقالوا: لولا أنك رسولٌ لقتلناك؛ قال: أفما يرضيكم شيء؟ قالوا: واحدةٌ من اثنتين، إما أن تخرجوا عن خُراسان، ولا يدْعو فيها لمُضرَ داعٍ، وإما أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل كُراع وسلاح وذهب وفضّة؛ قال: أفما شيء غير هاتين؟ قالوا: لا، قال: حسبُنا الله ونعم الوكيل! فرجع إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ قال: وجدتُ إخوتَنا قُطّعًا للرَّحم، قال: قد أخبرتُك أنّ ربيعة لم تزل غِضابًا على ربّها","vol":"9","page":329},{"text":"منذ بَعث اللهُ النبيَّ - ﷺ - من مضرَ. (٥: ٥٤٧ - ٥٤٨).\nقال أبو جعفر: وأخبرنا سليمان بن مجالد الضّبيّ، قال: أغارت الترك على قصر إسفاد وابن خازم بَهراةَ، فحصروا أهله، وفيه ناس من الأزْد هم أكثر مَن فيه، فهزمتْهم، فبعثوا إلى من حولهم من الأزْد فجاؤوا لينصروهم فهزمتْهم الترك فأرسلوا إلى ابن خازم، فوجَّه إليهم زهيرَ بن حيان في بني تميم وقال له: إياك ومُشاوَلة الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم، فأقبَل فوافاهم في يوم بارد، قال: فلما التقَوا شدُّوا عليهم فلم يَثْبتوا لهم، وانهزمت الترك واتّبعوهم حتى مضى عامّةُ الليل حتى انتهوا إلى قصر في المفازة، فأقامت الجماعة، ومضى زهير في فوارسَ يتبعهم، وكان عالمًا بالطريق، ثمّ رجع في نصف من الليل، وقد يَبِسَتْ يدُه على رُمحه من البَرد، فدعا غلامَه كعبًا، فخرج إليه، فأدخله، وجعل يُسخن له الشَّحم فيضعه على يده، ودهنوه وأوقدوا له نارًا حتى لانَ ودفِئ؛ ثمَّ رجع إلى هَراة، فقال في ذلك كعبُ بنُ معدانَ الأشْقَريّ:\nأتاك أَتاك الغوثُ في بَرْقِ عارِضٍ ... دُرُوعٌ وبَيْضٌ حشْوهُنَّ تميمُ\nأَبْوا أن يَضُمُّوا حَشْو ما تجمَعُ القُرَى ... فضَمَّهُمُ يومَ اللقاءِ صَميمُ\nورزْقهُمُ من رائحاتٍ تزينُها ... ضروع عَرِيضات الخَواصِرِ كومُ\nوقال ثابت قُطْنة:\nفدَتْ نفسي فَوارِس من تميمٍ ... على ما كان من ضَنْكِ المُقامِ\nبِقصر الباهِليِّ وقد أَراني ... أُحامِي حين قَلَّ به المُحامِي\nبسيفي بعد كسرِ الرُّمْحِ فيهم ... أذودُهمُ بِذِي شطَبٍ حُسامِ\nأكُرُّ عليهمُ اليحْمُومَ كَرًّا ... كَكَر الشَّرْبِ آنِيَةَ المُدامِ\nفلولا الله ليَس له شريكٌ ... وضرْبِي قَوْنَسَ المَلِكِ الهُمَامِ\nإذًا فاظتْ نساءُ بَني دِثارٍ ... أمام التُّرْك بادِية الخِدامِ\n(٥: ٥٤٩ - ٥٥٠)\n* * *\nقال أبو جعفر: وحدّثني أبو الحسن الخُراسانيّ عن أبي حمّاد السُّلَميّ قال: أقام ابن خازم بهَراةَ يقاتل أوسَ بن ثعلبة أكثر من سنة، فقال يومًا لأصحابه: قد طال مُقامُنا على هؤلاء، فنادُوهم: يا معشرَ ربيعة! إنكم قد اعتصمتم","vol":"9","page":330},{"text":"بخندقكم، أفرضيتم من خُراسانَ بهذا الخندق؟ ! فأحفَظَهم ذلك، فتنادى الناس للقتال، فقال لهم أوس بن ثعلبة: الزموا خندقكم وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم، ولا تَخرجوا إليهم بجماعتكم، قال: فعصَوْه وخرجوا إليهم، فالتقى النَّاس، فقال ابن خازم لأصحابه: اجعلوه يومَكم فيكونَ المُلْك لمن غلب، فإن قُتلتُ فأميركم شَّماس بن دِثار العُطارِديّ، فإن قُتل فأميركم بكيْر بن وِشاح الثقفيّ. (٥: ٥٥٠).\nقال عليّ: وحدّثنا أبو الذيّال زهير بن هُنَيد عن أبي نَعَامة العَدَويّ عن عبيد بن نقيد، عن إياس بن زهير بن حيّان: لما كان اليوم الذي هرب فيه أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل، قال ابن خازم لأصحابه حين التقوا: إني قِلْع فشدّوني على السرج، واعلموا أن عليّ من السلاح ما لا أقتلُ قدرَ جَزُوْرَيْن، فإن قيل لكم: إنّي قد قُتِلت فلا تصدّقوا.\nقال: وكانت راية بني عديّ مع أبي وأنا على فرس مُحزَّم، وقد قال لنا ابن خازم: إذا لقيتم الخيلَ فاطعنوها في مناخرِها، فإنَّه لن يطعن فرسٌ في نخْرته إلا أدبر أو رَمَى بصاحبه، فلما سمع فرسي قَعقَعَة السلاح وثب بي واديًا كان بيني وبينهم؛ قال: فتلقاني رجل من بكر بن وائل فطعنت فرسَه في نُخرته فصرعه وحمل أبي ببني عدّي، واتبعتْه بنو تميم من كلّ وجه، فاقتتلوا ساعةً، فانَهزمتْ بكر بن وائل حتى انتهَوا إلى خندقهم وأخذوا يمينًا وشمالًا، وسقط ناسٌ في الخندق فقُتلوا قتلًا ذريعًا، وهرب أوسُ بن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتَى بأسيرٍ إلا قتَله حتى تغيب الشمس، فكان آخرَ من أتِي به رجلٌ من بني حنيفة يقال له: مَحْمِيَة فقالوا لابن خازم: قد غابت الشمس، قال: وفُّوا به القتلَى؛ فقُتِل. (٥: ٥٥٠ - ٥٥١).\nقال: فأخبرَني شيِخٌ من بني سعد بن زيد مَنَاة: أنّ أوس بن ثعلبة هرب وبه جِراحاتٌ إلى سِجِستان، فلما صار بها أو قريبًا منها؛ مات.\nوفي مقتل ابن مرثد وأمْر أوس بن ثعلبة يقول المغيرةُ بن حَبْناء، أحد بني ربيعة بن حنظلة:\nوفي الحرب كنتمْ في خُراسان كلِّها ... قتيلًا ومَسجونًا بها ومُسيّرا\nويوم احْتَوَاكمْ في الحفِيرِ ابنُ خازمٍ ... فلم تَجدوا إلَّا الخنادِق مَقْبَرا","vol":"9","page":331},{"text":"ويومَ تَركتمْ في الغبارِ ابن مرثدٍ ... وأَوسًا تركتمْ حيثُ سار وعَسكرا\n(٥: ٥٥١).\nقال: وأخبرَني أبو الذّيال زهير بن هنيد عن جدِّه أبي أمّه، قال: قُتل من بكر بن وائل يومئذ ثمانيةُ آلاف. (٥: ٥٥١).\nقال: وحدّثنا التميميّ، رجل من أهل خُراسان، عن مولىً لابن خازم، قال: قاتل ابن خازم أوسَ بن ثعلبة وبكر بن وائل، فظَفِر بهرَاةَ، وهرب أوس وغلبه ابن خازم على هَراة، واستعمل عليها ابنَه محمدًا، وضّم إليه شّماس بن دثار العُطارديّ، وجعل بُكَير بن وِشَاح على شُرطِتِه، وقال لهما: ربِّياه؛ فإنَّه ابن أختكما، فكانت أمه من بني سعد يقال لها: صفيّة، وقال له: لا تخالفْهما، ورجع ابن خازم إلى مَرْو. (٥: ٥٥١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>ذكر الخبر عن تحرُّك الشيعة للطلب بدم الحسين</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحرّكت الشيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع بالنُّخَيلة في سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن عليّ، وتكاتَبوا في ذلك.\nذكر الخبر عن مبدأ أمرهم في ذلك:\nقال هشام بنُ محمَّد: حدّثنا أبو مخنف: قال: حدّثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزديّ، قال: لما قتل الحسين بن عليّ، ورجع ابن زياد من مُعسكَره بالنَّخِيْلة، فدخل الكوفة؛ تلاقتِ الشيعة بالتلاوُم والتندُّم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرًا بدُعائهم الحسينَ إلى النصرة وتركهم إجابتَه، ومقتِله إلى جانبهم لم يَنصروه، ورأوا أنَّه لا يُغسل عارُهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل مَن قَتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكُوفة إلى خمسةِ نفر من رؤوس الشيعة إلى سليمان بن صُرَد الخُزاعيّ، وكانت له صُحبة مع النبيّ - ﷺ -، وإلى المُسَيّب بن نجبَة الفزارِيّ، وكان من أصحاب عليّ وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزديّ، وإلى عبد الله بن والٍ التَّيميّ، وإلى رِفاعة بن شَدَّاد البَجَليّ.","vol":"9","page":332},{"text":"ثمّ إنَّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صُرَد، وكانوا من خيار أصحاب عليّ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.\nقال: فلما اجتمعوا إلى منزل سليمانَ بن صُرَد؛ بدأ المسيّب بن نَجَبة القوم بالكلام، فتكلَّم فحمدَ الله وأثنَى عليه وصلَّى على نبيه - ﷺ - ثمَّ قال:\nأما بعد، فإنا قد ابتُلينا بطول العمر، والتعرّض لأنواع الفِتَن فنرغب إلى ربنا ألَّا يجعلنا ممن يقول له غدًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]؛ فإنّ أمير المؤمنين قال: العُمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مُغرَمين بتزكِيَة أنفُسنا، وتقريظِ شيعتنا، حتى بلا الله أخيارَنا فوجدنَا كاذبين في موطنَيْن من مواطن ابن ابنة نبيّنا - ﷺ -، وقد بلغتْنا قبل ذلك كُتُبه، وقدمَت علينا رُسُله، وأعذَر إلينا يسألنا نَصَره عَوْدًا وبدءًا، وعلانيةً وسرًّا، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتِل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلْنا عنه بألسِنَتِنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النُّصرة إلى عشائرنا، فما عُذرنا إلى ربّنا وعند لقاء نبيِّنا - ﷺ - وقد قُتل فينا ولدُه وحبيبه، وذرّيتهُ ونَسلُه! لا والله، لا عُذرَ دون أن تَقتلُوا قاتلَه والمُوالين عليه، أو تُقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربّنا أن يَرضَى عنّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمِن. أيها القوم! ولّوا عليكم رجلًا منكم فإنَّه لابدّ لكم من أمير تَفزَعون إليه، وراية تحفّون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\nقال: فبدر القومَ رِفَاعة بن شدّاد بعد المسيّب الكلام، فحَمِد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ - ﷺ - ثمَّ قال: أما بعد، فإنّ الله قد هداك لأصوبَ القول، ودعوت إلى أرشَد الأمور، بدأتَ بحمد الله والثناءَ عليه، والصلاة على نبيّه - ﷺ -، ودعوتَ إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبول قولُك؛ قلتَ: ولُّوا أمرَكم رجلًا منكم تَفزَعون إليه، وتحفّون برايته، وذلك رأيٌ قد رأينا مثلَ الذي رأيتَ، فإن تكن أنت ذلك الرجل عندنا مرضيًّا، وفينا متنصّحًا، وفي جماعتنا محَبًّا، وإن رأيتَ رأي أصحابنا ذلك؛ ولّينا هذا الأمر شيخَ الشيعة صاحبَ رسول الله - ﷺ -، وذا السابقة والقَدَم سليمان بن صُرَد المحمود في بأسه ودينه، والموثوق بحزمه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","vol":"9","page":333},{"text":"قال: ثمّ تكلم عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد، فحَمِدا ربَّهما وأثنيَا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شدّاد، فذكرا المسيَّب بن نجَبَة بفضله، وذكرا سليمان بن صُرَد بسابقته، ورضاهما بتولِيته، فقال المسيّب بنِ نجَبَة: أصبتم ووفقتم، وأنا أَرَى مِثلَ الذي رأيتم، فولّوا أمرَكم سليمان بنَ صُرَد (١). (٥: ٥٥١ - ٥٥٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثت سليمانَ بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال: حدّثني حُميد بن مسلم، قال: والله إنّي لَشاهدٌ بهذا اليوم، يوم ولَّوا سليمان بن صُرَد، وإنا يومئذ لأكثر من مئة رجل من فُرسان الشيعة ووجوهِهم في داره.\nقال: فتكلّم سليمان بن صرد فشدّد، وما زال يردّد ذلك القولَ في كل جمعة حتى حفظتُه، بدأ فقال: أثني على الله خيرًا، وأحمد آلاءَه وبلاءَه.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسوله، أمَّا بعد: فإني والله لخائف ألَّا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدتْ فيه المعيشة، وعظُمت فيه الرّزية، وشَمِل فيه الجورُ أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير؛ إنا كنا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا، ونمنّيهم النصرَ، ونحثّهم على القدوم، فلما قدموا ونَيْنا وعجزْنا، وادّهنّا، وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قُتل فينا وَلَدُ نبيّنا وسُلالتُه وعُصارتُه وبضعةٌ من لحمه ودمه؛ إذ جعل يستصرِخ فلا يُصرَخ، ويسأل النّصف فلا يُعطاه، اتّخذه الفاسقون غرَضًا للنَّبل، ودريّة للرّماح حتى أقصدوه، وعدَوْا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخِط ربُّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضي الله، والله ما أظنه راضيًا دون أن تناجِزوا من قتله، أو تُبيروا، ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه اسرؤٌ قطّ إلا ذلّ، كونوا كالأولَى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فما فعل القومُ؟ جَثَوا على الرُّكب واللهِ، ومدّوا الأعناق ورضُوا بالقضاء حتى حين علموا أنَّه لا ينجيهم من عظيم الذّنب إلَّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعِي القوم إليه! اشحَذوا السيوف،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":334},{"text":"وركِّبوا الأسنّة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، حتى تُدعوا حين تُدْعَون وتُستنفرون.\nقال: فقام خالد بن سعد بن نُفيل، فقال: أما أنا فوالله لو أعلم أنّ قتلي نفسي يُخرِجني من ذنبي ويُرضي ربّي لقتلتُها، ولكن هذا أمِر به قومٌ كانوا قبلنا ونُهينا عنه، فأشهد اللهَ ومَن حضر من المسلمين أنّ كلَّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوّي صدقةً على المسلمين، أقوّيهم به على قتال القاسطين.\nوقام أبو المعتمر حَنَش بن ربيعة الكنِانيّ فقال: وأنا أشهِدكم على مثل ذلك.\nفقال سليمان بن صُرَد: حَسْبُكم؛ مَنْ أراد من هذا شيئًا فليأت بماله عبدَ الله بن وال التيميّ تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلّ ما تريدون إخراجَه من أموالكم جهّزْنا به ذوي الخَلَّة والمَسكَنة من أشياعكم (١). (٥: ٥٥٤ - ٥٥٥).\nقال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن سليمان بن أبي راشد، قال: فحدّثنا حُمَيد بن مسلم الأزديّ: أنّ سليمان بن صُرَد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين قال له: والله لو علمت أنّ قتلي نفسي يُخرِجني من ذنبي ويَرضَى عني ربي لقتلتُها، ولكنّ هذا أمِر به قوم غيرنُا كانوا من قبلنا ونُهينا عنه؛ قال: أخوكم هذا غدًا فَريسُ أوّلِ الأسنَّة؛ قال: فلما تصدّق بماله على المسلمين قال له: أبشر بجزيل ثواب الله للَّذين لأنفسُهم يَمهَدون (٢). (٥: ٥٥٥).\nقال أبو مخنف: حدّثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نُفيل قال: أخذت كتابًا كان سليمان بن صُرَد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليَمانِ بالمدائن، فقرأتُه زمانَ وليَ سليمان، قال: فلما قرأتُه أعجبني، فتعلَّمته فما نسيته، كتب إليه:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، من سليمانَ بن صُرَد إلى سعد بن حذيفة ومَن قِبَله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد؛ فإنّ الدنيا دارٌ قد أدبر منها ما كان معروفًا، وأقبل منها ما كان مُنكّرًا، وأصبحتْ قد تشنّأتْ إلى ذوِي الألباب، وأزمَع بالتَّرحال منها عبادُ الله الأخيار، وباعوا قليلًا من الدنيا لا يبقَى بجزيلِ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":335},{"text":"مثوبة عند الله لا تَفنى، إنَّ أولياءَ من إخوانكم، وشيعة آل نبيِّكم نظروا لأنفسهم فيما ابتُلوا به من أمر ابن بنت نبيّهم الذي دُعِيَ فأجاب، ودعا فلم يجَب، وأراد الرجعة فحُبِس، وسأل الأمان فمُنع، وترك الناسَ فلم يتركوه، وعَدْوا عليه فقتلوه، ثمَّ سلبوه وجرّدوه ظلمًا وعُدوانًا وغِرَّةً بالله وجهلًا، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فلما نظر إخوانكم وتدبّروا عواقبَ ما استقبلوا؛ رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزّكيّ الطيّب، وإسلامه، وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيرًا ليس لهم منه مخرجٌ ولا توبة، دون قتل قاتلِيه أو قتلهم حتى تفنَى على ذلك أرواحهم؛ فقد جَدّ إخوانكم فجِدّوا، وأعِدّوا واستعدّوا، وقد ضربْنا لإخواننا أجلًا يوافوننا إليه، وموطنًا يَلقَوننا فيه؛ فأما الأجل فغُرّةُ شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأمَّا الموطن الذي يَلقَوننا فيه فالنُّخَيلة.\nأنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخوانًا، وإلا وقد رأينا أن ندعوَكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون، ويُظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم جُدَرَاءُ بتَطْلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربّكم من الذنب، ولو كان في ذلك حزُّ الرقاب، وقتلُ الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العَشائر؛ ما ضرّ أهلَ عذراء الذين قُتلوا ألَّا يكونوا اليوم أحياءً عند رَبّهم يُرزَقون، شهداء قد لَقُوا الله صابرين محتسبين، فأثابهَم ثوابَ الصابرين - يعني حُجرًا وأصحابه - وما ضرّ إخوانكم المُقتَّلين صبْرًا، المُصلَّبِين ظُلمًا، والممثَّل بهم، المعتدَى عليهم، ألَّا يكونوا أحياء مبتليْن بخطاياكم، قد خيرَ لهم فلقوا ربهم، ووفّاهم الله إن شاء الله أجرهم، فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضرّاء وحينَ البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب؛ فوالله إنكم لأحرياء ألَّا يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شيء من النبلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماسَ الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاءَ الله طالبٌ بشيء من الأشياء، ولو أنَّه القتلُ إلا طلبتم رضا الله به، إنَّ التقوى أفضلُ الزّاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنَى، فلتعزِف عنها أنفسُكم، ولتكن رغبتُكم في دارِ عافيتِكم وجهادِ عدّو الله وعدوّكم، وعدوّ أهل بيت نبيِّكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيّبةً، وأجارنا وإيّاكم من النار، وجعل منايانا قتلًا في سبيله على يديْ أبغض خَلقه إليه","vol":"9","page":336},{"text":"وأشدّهم عداوةً له؛ إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء؛ والسلام عليكم.\nقال: وكتب ابن صُرَد الكتاب وبعثَ به إلى سعد بن حذيفة بن اليَمان مع عبد الله بن مالك الطائيّ، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى مَن كان بالمدائن من الشيعة، وكان بها أقوامٌ من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطَنوها وهم يقدمون الكوفة في كلّ حين عطاءٍ ورِزْق، فيأخذون حقوقَهم، وينصرفون إلى أوطانهم، فقرأ عليهم سعد كتابَ سليمان بن صرد، ثمّ إنه حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإنكم قد كنتم مجتمعين مُزْمِعيِن على نصر الحسين وقتال عدوِّه، فلم يَفْجأكم أوّلُ من قتله، والله مثيبُكم على حُسن النيَّة وما أجمعتم عليه من النصر أحسنَ المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانُكم يستنجدونكم ويستمدّونكم، ويدعونكم إلى الحقّ وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضلَ الأجر والحظّ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فقال القوم بأجمعهم: نجيبُهم ونقاتلُ معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم.\nفقام عبد الله بن الحنظل الطائيّ ثمَّ الحِزْمِريّ، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإنا قد أجبنا إخوانَنا إلى ما دعونا إليه، وقد رأيْنا مثلَ الذي قدر رَأوْا، فسرّحنْي إليهم في الخيل، فقال له: رويدًا، لا تعجلْ، استعدّوا للعدوّ، وأعدّوا له الحرب، ثمّ نسير وتسيرون.\nوكتب سعد بن حذيفة بن اليمَانِ إلى سليمانَ بن صُرَد مع عبد الله بن مالك الطائيّ:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، إلى سليمان بن صرد، من سعد بن حذيفة ومن قبَله من لمؤمنين، سلام عليكم، أما بعد، فقد قرأنا كتابَك، وفهمنا الذي دعوْتنَا إليه من الأمر الذي عليه رأيُ الملأ من إخوانك، فقد هُدِيتَ لحظك، ويُسِّرتَ لرُشدك، ونحن جادّون مجدُّون، معدُّون مُسرِجون مُلْجِمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي؛ فإذا جاء الصَّريخ؛ أقبلْنا ولم نُعَرّج إن شاء الله؛ والسلام.\nفلما قرأ كتابه سليمان بن صُرَد قرأه على أصحابه، فسُرّوا بذلك.\nقالوا: وكتب إلى المثنّى بن مخرِّبة العبديّ نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظَبْيان بن عُمارة التميميّ من بني","vol":"9","page":337},{"text":"سعد، فكتب إليه المثنّى: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن مُوافُوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت وفي الموطن الذي ذكرت؛ والسلام عليك، وكتب في أسفل كتابه:\nتبَصَّرْ كأنِّي قد أتيتُك مُعْلِمًا ... على أَتْلِع الهادي أجَشَّ هَزِيمِ\nطويلِ القَرَانَهْدِ الشَّوَاةِ مقلَّصٍ ... مُلِحٍّ على فأْسِ اللجام أَزُومِ\nبكلِّ فتىً لا يملأُ الرَّوْع نَحرَه ... مُحِسٍّ لِعَضّ الحربِ غير سؤُومِ\nأَخي ثقةٍ يَنوِي الإله بِسَعْيهِ ... ضَرُوبٍ بِنَصلِ السيفِ غير أَثيم (١)\n(٥: ٥٥٥ - ٥٥٨).\nقال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن الحارث بن حَصيرة، عن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال: كان أوّل ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قُتلَ فيها الحسين - ﵁ -، فلم يزل القومُ في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السرّ مِن الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنّفر بعد النّفر.\nفلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتى مات يزيدُ بنُ معاوية يومَ الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين، وكان بين قتل الحسين وهلاك يزيدَ بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وهلك يزيدُ وأمير العراق عبيدُ الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حُريث المخزوميّ، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثَبنا على عمرو بن حريث فأخرجْناه من القصر، ثمّ أظهرنا الطلبَ بدم الحسين، وتتبّعنا قَتَلَتَه، ودعوْنا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثرَ عليهم، المدفوعين عن حقهم، فقالوا في ذلك فأكثروا؛ فقال لهم سليمان بن صُرَد: رُويدًا، لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما تذكرون، فرأيت أنّ قتلَة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفُرسان العرب وهم المطالَبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون، وعلموا أنهم المطالبون؛ كانوا أشدّ عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرَهم، ولم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":338},{"text":"يَشفُوا أنفسَهم، ولم ينكوا في عدوّهم، وكانوا لهم جَزَرًا، ولكن بُثّوا دُعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا، شيعتَكم وغيرَ شيعتكم، فإنّي أرجو أن يكون الناس اليومَ حيث هلك هذا الطاغية أسرعَ إلى أمركم استجابةً منهم قبل هلاكه، ففعلوا؛ وخرجتْ طائفة منهم دُعاةٌ يدعون الناسَ، فاستجاب لهم ناسٌ كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعافُ من كان استجاب لهم قبل ذلك (١). (٥: ٥٥٨ - ٥٥٩).\nقال هشام: قال أبو مخنف: وحدّثنا الحصين بن يزيد، عن رجل مُزَينة قال: ما رأيتُ من هذه الأمة أحدًا كان أبلغَ من عبيد الله بن عبد الله المرّيّ في مَنطِق ولا عظة، وكان من دُعاةِ أهل المصر زمانَ سليمان بن صُرَد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعةٌ من الناس فوعظهم بدأ بحَمْد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله - ﷺ -، ثمَّ يقول: أما بعد، فإنّ الله اصطفى محمدًا - ﷺ - على خلقه بنبوَّته، وخصّه بالفضل كلِّه، وأعزكم باتباعه وأكرمكم بالإيمان به، فحقَن به دماءكم المسفوكة، وأمّن به سُبُلَكم المَخُوفة، ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقًّا على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرّية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظمُ حقًّا على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله، ما كان ولا يكون لله أنتم! ألمْ ترَوْا ويبلغكم ما اجتُرِم إلى ابن بنت نبيِّكم! أما رأيتم إلى انتهاك القوم حُرمتَه، واستضعافِهم وحدَته، وترميلِهِم إيَّاه بالدّم، وتجرارهِمُوه على الأرض! لم يرقُبوا فيه ربّهم ولا قرابتَه من الرسول - ﷺ -؛ اتّخذوه للنبل غرضًا، وغادروه للضّباع جَزَرًا، فلله عينًا من رأى مِثلَه! ولله حسين بن عليّ، ماذا غادروا به ذا صِدْق وصَبْر، وذا أمانة ونجدة وحزم! ابنُ أوّل المسلمين إسلامًا، وابن بنت رسول ربّ العالمين، قلَّت حُماته، وكثرت عُداتُه حولَه، فقتَلَه عدوُّه، وخذَلَه وليُّه، فويل للقاتِل، وملامة للخاذِل! إنَّ الله لم يجعل لقاتله حُجّة، ولا لخاذله مَعْذِرةً، إلَّا أن يناصِح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذَ القاسطين؛ فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة، ويُقيل العثرة؛ إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنَة نَبيّه، والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المُحلِّين والمارقين، فإن قُتلنا، فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظَهَرنا؛ ردَدْنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنا.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":339},{"text":"قال: وكان يعيد هذا الكلامَ علينا في كلّ يوم حتى حَفِظه عامّتنا.\nقال: ووثب الناس على عمرو بن حُرَيث عند هلاك يزيدَ بن معاوية، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أميّة بن خلف الجُمَحيّ. وهو دُحْرُوجة الجُعَل الذي قال له ابنُ همّام السّلُوليّ:\nاشددْ يديْك بزيدٍ إنْ ظفِرْتَ بِهِ ... واشفِ الأَرامِلَ من دُحْرُوجَةِ الجُعَلِ\nوكان كأنه إبهامٌ قِصَرًا، وزيد مولاه وخازنُهُ، فكان يصلّي بالناس.\nوبايع لابن الزبير، ولم يزل أصحاب سليمانَ بن صُرَد يدعون شعيتهم وغيرهم من أهل مصرهم حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيدَ بن معاوية أسرعَ منهم قبل ذلك، فلما مضت ستّة أشهر من هلاك يزيدَ بن معاوية، قدم المختارُ بن أبي عُبَيد الكوفة، فقدم في النصف من شهر رمضان يومَ الجمعة، قال: وقَدِم عبد الله بن يزيد الأنصاريّ ثمّ الخطميّ مِن قِبَل عبد الله بن الزبير أميرًا على الكوفة على حربها وثَغرِها، وقدم معه من قِبَل ابن الزبير إبراهيمُ بن محمَّد بن طلحة بن عبيد الله الأعرج أميرًا على خَراج الكوفة، وكان قدوم عبد الله بن يزيدَ الأنصاريّ ثمّ الخطمي، يومَ الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وستّين.\nقال: وقدم المختار قبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمَّد بثمانية أيام، ودخل المختار الكوفة، وقد اجتمعت رؤوس الشيعة ووجوهُها مع سليمان بن صُرَد فليس يَعدِلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة: هذا سليمان بن صُرَد شيخ الشيعة، قد انقادوا له واجتمعوا عليه، فأخذ يقول للشيعة: إني قد جئتكم من قِبل المهديّ محمَّد بن عليّ بن الحنفيَّة مؤتمنًا مأمونًا، منتجَبًا ووزيرًا، فوالله ما زال بالشّيعة حتى انشعبت إليه طائفةٌ تُعَظِّمُه وتجيبه، وتنتظر أمره، وعُظْمُ الشِّيعة مع سليمانَ بن صُرَد، فسليمان أثقل خلق الله على المختار.\nوكان المختار يقول لأصحابه: أتدرون ما يريد هذا؟ يعني: سليمان بن صُرَد - إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، ليس له بصرٌ بالحروب، ولا له علمٌ بها.","vol":"9","page":340},{"text":"قال: وأتى يزيد بن الحارث بن يزيدَ بن رُوَيْم الشيبانيّ عبدَ الله بن يزيد الأنصاريّ فقال: إنَّ الناس يتحدّثون: أنّ هذه الشيعة خارجةٌ عليك مع ابن صُرَد، ومنهم طائفة أخرى مع المختار، وهي أقلّ الطائفتين عددًا، والمختار فيما يذكر الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمرُ سليمان بن صُرَد، وقد اجتمع له أمره، وهو خارج من أيّامه هذه، فإن رأيت أن تَجمعَ الشُّرَط والمقاتِلَة ووجوه الناس، ثمّ تنهض إليهم، وننهض معك، فإذا دفعت إلى منزله دعوتَه، فإن أجابك فحَسْبُه، وإنْ قاتلك قاتلتَه، وقد جمعتُ له وعبأت وهو مغترّ، فإني أخاف عليك إن هو بدأك وأقررته حتى يخرج عليك أن تشتدّ شوكتُه، وأن يتفاقم أمرُه.\nفقال عبد الله بن يزيد: اللهُ بيننا وبينهم، إنْ هم قاتلونا قتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم، حدِّثني: ما يريد الناس؟ قال: يذكر الناس أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليّ؛ قال: فأنا قتلتُ الحسين! لعن اللهُ قاتِلَ الحسين! قال: وكان سليمان بن صُرَد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكُوفة، فخرج عبد الله بن يزيد حتى صَعِد المنبرَ، ثمَّ قام في الناس فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال: أمَّا بعد، فقد بلغني: أنّ طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألتُ عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا: أنهم يطلبون بدم الحسين بن عليّ، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دُلِلتُ على أماكنهم، وأمِرت بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدؤوك، فأبيت ذلك، فقلت: إنْ قاتلوني قاتلتُهم، وإن تركوني لم أطلبهم؛ وعلامَ يقاتلونني! فوالله ما أنا قتلتُ حسينًا، ولا أنا ممن قاتَلَه، ولقد أصِبْت بمقتله رحمة الله عليه! فإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ولينتشِروا ظاهرين ليسيروا إلى مَنْ قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا لَهم على قاتِلِه ظَهير؛ هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأماثلِكم، قد توجّه إليكم؛ عَهْدُ العاهد به على مسيرة ليلة من جسر مَنبِج، فقتاله والاستعداد له أولى وأرشَد من أن تجعلوا باسَكم بينكم، فيقتل بعَضُكم بعضًا، ويسفك بعضُكم دماءَ بعض، فيلقاكم ذلك العدوّ غدًا وقد رققتم، وتلك والله أمنيّة عدوّكم، وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم، مَن ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين، لا يُقلِعان عن قتل أهل العَفاف والدّين، هو الذي قتلكم، ومن قِبَله أُتيتم، والذي قتل من","vol":"9","page":341},{"text":"تثأرون بدمه، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم؛ إني لم آلُكُم نصحًا، جمع الله لنا كلمتَنا، وأصلح لنا أئمّتنا!\nقال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيُّها الناس، لا يغرّنَّكم لمن السيف والغشم مقالةُ هذا المُداهنِ الموادِع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنّه، ولئن استقينا أن قومًا يريدون الخروجَ علينا لنأخذنّ الوالد بولده، والمولودَ بوالده، ولنأخذنّ الحميم بالحميم، والعريف بما في عرافته حتى يدِينوا للحقّ، ويذلُّوا للطاعة. فوثب إليه المسيِّب بن نَجَبة فقطع عليه منطقه ثم قال: يابن الناكثين! أنت تهدّدنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذلّ من ذلك؛ إنا لا نلومك على بغضنا، وقد قتلنا أباك وجدّك، والله إني لأرجو ألا يخرجك الله من بين ظهرانيْ أهل هذا المصر حتى يثلِّثوا بك جدّك وأباك، وأمّا أنت أيها الأمير فقد قلتَ قولًا سديدًا، وإني والله لأظنّ مَن يريد هذا الأمر مستنصحًا لك، وقابلًا قولَك.\nفقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: إي والله! ليقتلنّ وقد أدهن ثمّ أعلن. فقام إليه عبد الله بن وال التيميّ، فقال: ما اعتراضُك يا أخا بني تيم بن مرّة فيما بيننا وبين أميرنا! فوالله ما أنت علينا بأمير، ولا لَك علينا سلطان، إنما أنت أميرُ الجِزْية، فأقبِل على خراجِك، فلعَمر الله لئن كنت مفسدًا ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدّك الناكثان، فكانت بهما اليدان، وكانت عليهما دائرة السَّوْء.\nقال: ثم أقبل مسيِّب بن نَجَبَة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا: أمّا رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامَّة محمودًا وأن تكون عند الذي عَنَيْتَ واعتريت مقبولًا. فغضب أناسٌ من عمال إبراهيمَ بن محمد بن طلحة وجماعة مِمَّن كان معه، فتشاتموا دونه، فشتَمهم الناس وخصَموهم.\nفلما سمع ذلك عبد الله بن يزيد نزل ودخل. وانطلق إبراهيم بن محمد وهو يقول: قد داهن عبد الله بن يزيد أهلَ الكوفة، والله لأكتبنّ بذلك إلى عبد الله بن الزبير، فأتى شَبَث بن رِبعيّ التيميّ عبدَ الله بن يزيد فأخبره بذلك، فركب به وبيزيد بن الحارث بن رُوَيم حتى دخل على إبراهيم بن محمد بن طلحة، فحلف له بالله ما أردتُ بالقول الذي سمعتَ إلا العافية وصلاحَ ذات البين، إنما أتاني يزيد بن الحارث بكذا وكذا، فرأيتُ أن أقوم فيهم بما سمعت إرادةَ ألّا تختلف","vol":"9","page":342},{"text":"الكلمة، ولا تتفرّق الألفة، وألّا يقع بأس هؤلاء القوم بينهم، فعَذَره وقَبِل منه.\nقال: ثمّ إنَّ أصحاب سليمان بن صُرَد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين، ويتجهّزون يجاهرون بجهازهم وما يُصلِحهم (١). (٥: ٥٥٩ - ٥٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير</span>\nوفي هذه السنة فارق عبد الله بن الزبير الخوارجُ الذين كانوا قَدِموا عليه مكة، فقاتلوا معه حصين بن نمير السَّكونيّ، فصاروا إلى البصرة، ثمّ افترقت كلمتُهم فصاروا أحزابًا.\nذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير، والسبب الذي من أجله فارقوه، والذي من أجله افترقتْ كلمتهم:\nحُدّثت عن هشام بن محمَّد الكلبيّ، عن أبي مخنف لوط بن يحيى قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ، قال: لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ما ركِب، وقد كان قبل ذلك لا يكفّ عنهم ولا يستبقيهم غير أنَّه بعد قتل أبي بلال تجرّد لاستئصالهم وهلاكِهم، واجتمعت الخوارجُ حين ثار ابن الزبير بمكّة، وسار إليه أهلُ الشام، فتذاكروا ما أتَى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: إنَّ الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفَرَض عليكم فيه الجهاد، واحتجّ عليكم بالبيان، وقد جرّد فيكم السيوفَ أهلُ الظلم، وأولو العِدَا والغَشْم، وهذا من قد ثار بمكة، فأخرجوا بنا نأتِ البيت ونَلقَ هذا الرّجل، فإن يكن على رأينا جاهدْنا معه العدوّ، وإن يكن على غير رأينا دافعْنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا، فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير، فسُرّ بمقدَمهم، ونبّأهم أنَّه على رأيهم، وأعطاهم الرّضا من غير توقُّف ولا تفتيش؛ فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشام عن مكة، ثمّ إنَّ القوم لقيَ بعضهم بعضًا، فقالوا: إنَّ هذا الذي صنعتم أمسِ بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنما كان أمسِ يقاتلكم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":343},{"text":"هو وأبوه ينادي: يالَ ثارات عثمان! فَائْتوه وسَلُوه عن عثمان، فإنْ برئ منه؛ كان وليَّكم، وإن أبي كان عدوَّكم، فمشَوا نحوَه فقالوا له: أيها الإنسان، إنا قد قاتلنا معك، ولم نُفتِّشك عن رأيك حتى نعلم أمِنَّا أنت أم مِنْ عدوّنا! خبّرنا ما مقالتُك في عثمان؟ فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليلٌ، فقال لهم: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردتُ القيام، ولكن رُوحوا إليّ العشيّة حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون.\nفانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فقال: البسوا السلاح، واحضرُوني بأجمعكم العشيّة، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حولَه سِمَاطَيْن عليهم السلاحُ، وقامت جماعةٌ منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشيَ الرجل غائلتَكم، وقد أزمع بخلافكم، واستعدّ لكم؛ ما تَرَوْن؟\nفدنا منه ابن الأزرق، فقال له: يابن الزبير! اتّق الله رّبك، وأَبْغِض الخائن المستأثر، وعادِ أوّل من سنّ الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالفَ حُكمَ الكتاب، فإنك إن تفعل ذلك تُرْضِ ربَّك، وتَنْج من العذاب الأليم نفسُك، وإن تركتَ ذلك فأنت من الذين استمتَعوا بخَلاقِهم، وأذهبوا في الحياة الدنيا طيِّباتِهم.\nيا عبيدة بن هلال! صِف لهذا الإنسان ومن معه أسْرَنا الذي نحن عليه، والذي ندعو الناس إليه، فتقدّم عبيدة بن هلال (١). (٥/ ٥٦٣ - ٥٦٥).\nقال هشام: قال أبو مخنف: وحدّثني أبو علقمة الخثعمي عن قبيصة بن عبد الرحمن القحافيّ، من خثعم، قال: أنا والله شاهدٌ عبيدة بن هلال؛ إذ تقدَّم فتكلّم، فما سمعت ناطقًا قطّ ينطق كان أبلغَ ولا أصوَبَ قولًا منه، وكان يرى رأيَ الخوارج.\nقال: وإن كان لَيَجمع القولَ الكثير في المعنى الخطير، في اللفظ اليسير.\nقال: فحمِد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإن الله بعث محمدًا - ﷺ - يدعُو إلى عبادة الله، وإخلاص الدّين، فدعا إلى ذلك، فأجابه المسلمون، فعمِل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":344},{"text":"فيهم بكِتاب الله وأمرِه، حتى قبضه الله إليه - ﷺ -، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عُمَر، فكلاهما عمل بالكتاب وسنّة رسول الله، فالحمد لله ربّ العالمين، ثمّ إنَّ الناس استخلفوا عثمانَ بنَ عفان، فحمى الأحماءَ، وآثر القُربَى، واستعمل الفتى ورفع الدِّرّة، ووضع السَّوْط، ومزّق الكتاب، وحقّر المسلم، وضرب مُنْكِري الجوْر، وآوى طريدَ الرسول - ﷺ -، وضرب السابقين بالفضل، وسَيَّرهم وحَرَمهم، ثمَّ أخذ فيءَ الله الذي أفاءه عليهم فقسَمه بين فُسّاقِ قريش، ومُجّان العرب، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، لا يُبالون في الله لومةَ لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياءُ، ومن ابن عفان وأوليائه بُرآء، فما تقول أنت يا بن الزبير؟ ! قال: فحَمِد الله ابنُ الزبير وأثنى عليه تْمّ قال: أما بعد، فقد فهمتُ الذي ذكرتَ، وذكرتَ به النبيّ - ﷺ -، فهو كما قلت - ﷺ - وفوق ما وصفته، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وُفِّقت وأصبت، وقد فهمتُ الذي ذكرتَ به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكانَ أحد من خلق الله اليوم أعلمَ بابن عفان وأمره منّي، كنت معه حيث نقم القوم عليه، واستعتبوه فلم يَدعْ شيئًا استعتَبَهُ القوم فيه إلا أعتبهم منه، ثمَّ إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون: أنَّه كتبه فيهم، يأمر فيه بقتلهم فقال لهم: ما كتبتُه، فإن شئتم فهاتوا بيّنتَكم؛ فإن لم تكن حلفتُ لكم؛ فوالله ماجاؤوه ببيّنة، ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبتَه به، فليس كذلك، بل هو لكل خيرٍ أهل، وأنا أشهِدكم ومن حضر أني وليٌّ لابن عفّان في الدنيا والآخرة، وولّي أوليائه، وعدوّ أعدائه، قالوا: فبرئ اللهُ منك يا عدوّ الله! قال: فبرئ الله منكم يا أعداءَ الله!\nوتفرّق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلّي، وعبد الله بن صَفّار السعديّ من بني صَرِيم بن مقاعس، وعبد الله بن إباض أيضًا من بني صريم، وحنظلة بن بَيْهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله، والزبير، من بني سَلِيط بن يربوع، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوتَ من بني زمَّان بن مالك بن صعب بن علّي بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فُدَيْك من بني قيس بن ثعلبة وعطيّة بن الأسود اليشكريّ إلى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثمّ أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفيّ، فأما البصريّون منهم فإنهم قَدِموا","vol":"9","page":345},{"text":"البصرة وهم مُجمِعون على رأي أبي بلال (١). (٥: ٥٦٥ - ٥٦٧)\nقال هشام: قال أبو مخنف لوط بن يحيى: فحدّثني أبو المثنّى عن رجل من إخوانه من أهل البصرة، أنهم اجتمعوا فقالت العامَّة منهم: لو خرج منّا خارجون في سبيل الله، فقد كانت منّا فَترة منذ خرج أصحابُنا، فيقوم علماؤنا في الأرض، فيكونون مصابيحَ الناس يدعونهم إلى الدّين، ويخرج أهلُ الوَرَع والاجتهاد فيلحقون بالربّ، فيكونون شُهَداءَ مرزوقين عند الله أحياء.\nفانتدب لها نافع بن الأزرق، فاعتقد على ثلاثمئة رجل، فخرج وذلك عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكَسْر الخوارج أبوابَ السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزْد، وربيعة، وبني تميم، وقيس في دم مسعود بن عمرو، فاغتنمت الخوارج اشتغالَ الناس بعضهم ببعض، فتهَيّؤوا واجتمعوا، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهلُ البَصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلِّي بهم، وخرج ابن زياد إلى الشام، واصطلحت الأزْد وبنو تميم، فتجرّد الناس للخوارج، فاتبعوهم وأخافوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة، فلَحِق بابن الأزرق، إلا قليلًا منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبُد الله بن صَفّار، وعبدُ الله بن إباض، ورجالٌ معهما على رأيهما، ونظر نافع بن الأزرق ورأى: أنّ ولايةَ من تخلّف عنه لا تنبغي، وأنّ من تخلَّف عنه لا نجاةَ له، فقال لأصحابه: إنَّ الله قد أكرمكم بمُخرَجكم، وبصّركم ما عَمِيَ عنه غيرُكم؛ ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته، وأمرَه؟ ! فأمرُه لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنما تتبعون سُننَه وأثره، فقالوا: بلى! فقال: أليس حكمُكم في وليِّكم حكم النبيّ - ﷺ - في وليّه، وحكمُكم في عدوّكم حكم النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدوّه، وعدوّكم اليوم عدوّ الله وعدوّ النّبيِّ - ﷺ -، كما أنّ عدوّ النبيّ - ﷺ - يومئذ هو عدوّ الله وعدوّكم اليوم؟ ! فقالوا: بلى، قال: فقد أنَزل الله ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].\nوقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقد حرّم الله ولايتَهم، والمُقَامَ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":346},{"text":"بين أظهُرهم، وإجازةَ شهادتهم، وأكلَ ذبائحهم وقبول علم الدّين عنهم، ومناكحتهم، ومواريثهم، وقد احتجّ الله علينا بمعرفة هذا، وحق علينا أن نُعلِّم هذا الدّينَ الذين خرجْنا من عندهم، ولا نكتم ما أنزل الله، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فاستجاب له إلى هذا الرأي جميعُ أصحابه.\nفكتب: من عُبيد الله نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن صفّار، وعبد الله بن إباض، ومن قِبلَهما من الناس، سلامٌ على أهل طاعة الله من عباد الله، فإنّ من الأمر كيتَ وكيتَ؛ فقصّ هذه القصّة، ووصف هذه الصفة، ثمّ بعث بالكتاب إليهما، فأتيَا به، فقرأه عبد الله بن صفّار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه على الناس خشيةَ أن يتفرّقوا، ويختلفوا، فقال له عبدُ الله بن إباض: ما لَكَ للهِ أبوك! أيَّ شيء أصبْت! أأن قد أصيب إخواننا، أو أسِر بعضهم! فدفَع الكتابَ إليه، فقرأه، فقال: قاتله الله! أيَّ رأي رأى! صَدق نافع بن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوبَ الناس رأيًا وحُكمًا فيما يشير به، وكانت سيرتُه كسِيرة النبيّ - ﷺ - في المشركين، ولكنه قد كذَب، وكذَّبنَا فيما يقول، إنَّ القوم كفار بالنِّعم والأحكام، وهم بُرآء من الشِّرْك، ولا تَحلّ لنا إلا دماؤهم، وما سِوَى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام؛ فقال ابن صفّار: برئ اللهُ منك، فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا، برئ الله منكما جميعًا؛ وقال الآخر: فبرئ الله منك ومنه.\nوتفرّق القوم، واشتدّت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جُمُوعه، وأقبل نحوَ البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عُبيس بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة (١). (٥: ٥٦٧ - ٥٦٩).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1465>ذكر الخبر عن مقتل أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة قَتَلَ بُكيرُ بنُ وِشاح السعديّ أميةَ بنَ عبد الله بن خالد بن أسيد:\n* ذكر سبب قتله إيّاه:\nوكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد - أنّ أمية بن عبد الله وهو عاملُ عبدِ الملك بنِ مروانَ على خُراسان، ولَّى بكيرًا غزوَ ما وراءِ النهر، وقد كان ولاه قبل ذلك طُخارسْتان، فتجهّز للخروج إليها، وأنفق نفقةً كثيرةً فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصُرَيميّ على ما بيّنت قبلُ، فأمَره أميّة بالمقام.\nفلما ولّاه غزوَ ما وراء النهر تجهّز وتكلف الخيل والسلاح، وادّان من رجالٍ الشُغْد وتجارِهم، فقال بحير لأميَّة: إنْ صار بينك وبينه النهر ولقي الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه، فأرسل إليه أمية: أقم لَعَلِّي أغزو فتكون معي، فغضب بكير، وقال: كأنه يُضارّني، وكان عتابُ اللِّقْوة الغُدَانيّ استدان ليخرج مع بكير، فلما أقام أخذه غرماؤه، فحبِس فأدّى عنه بُكير وخرج، ثمّ أجمع أميَّة على الغَزْو، قال: فأمر بالجهاز ليغزوَ بخارَى، ثمّ يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالتِّرْمِذ، فاستعدّ الناسُ وتجهّزوا، واستخلف على خُراسان ابنَه زيادًا، وسار معه بكير فعسكَر بكُشْماهَن، فأقام أيامًا، ثمّ أمر بالرحيل، فقال له بحير: إنّي لا آمن أن يتخلف الناس فقل لبُكَير: فلتكن في الساقة ولتحشر الناس، قال: فأمَره أميَّة فكان على الساقة حتى أتى النهر، فقال له أمية: اقطع يا بكير؛ فقال عتّاب اللِّقوة الغُدانيّ: أصلَحَ الله الأمير! اعبر ثمّ يَعبرُ الناسُ بعدَك، فعبَر ثمّ عبَر الناس، فقال أمية لبكير: قد خفت ألَّا يضبط ابني عمله وهو غلام حَدث، فارجع إلى مروَ فاكفِنيها فقد ولّيتُكَها فزيِّن ابني وقم بأمرِه، فانتخب بكير فُرسانًا من فُرسان خُراسان قد كان عرفهم ووَثِق بهم وعبرَ، ومضى أمية إلى بُخارَى وعلى مقدّمته أبو خالد ثابت مولى خُزاعة، فقال عتّاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية: إنا قتلْنا أنفسَنا وعشائرَنا حتى ضبطْنا خُراسان، ثمَّ طلبنا أميرًا من قُريش يجمع أمرنا، فجاءنا أميرٌ يَلعَب بنا يحوّلنا من سجن إلى سجن، قال: فما ترى؟","vol":"9","page":348},{"text":"قال: احرقْ هذه السفن، وامضِ إلى مَرْوَ فاخلع أمية، وتقيم بمروَ تأكلها إلى يوم ما؛ قال: فقال الأحنف بن عبد الله العنبريّ: الرأي ما رأى عتّاب، فقال بكير: إنّي أخاف أن يَهلِك هؤلاء الفُرسان الذين معي، فقال: أتخاف عدم الرّجال! أنا آتيك من أهل مروَ بما شئت إنْ هلك مِنْ هؤلاء الذين معك، قال: يهلك المسلمون؛ قال: إنما يكفيك أن ينادي منادٍ: مَن أسلمَ رفعْنا عنه الخَراج فيأتيك خمسون ألفًا من المصلين أسَمع لك من هؤلاء وأطَوع؛ قال: فيهلك أميةُ ومَن معه؛ قال: ولِمَ يهلِكون ولهم عُدّة وعَدَد ونَجْدة وسلاح ظاهر، وأداة كاملة، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فأحرَق بكير السفُن، ورجع إلى مَرْوَ، فأخذ ابن أمية فحبسه، ودعا الناسَ إلى خلع أمية فأجابوه، وبلغ أمية، فصالح أهل بُخارى على فِدْية قليلة، ورجع فأمر باتخاذ السفن، فاتُّخذت له وجُمعت، وقال لمن معه من وجوه تميم: ألا تعجبون من بكير! إنّي قدمتُ خُراسانَ فحذّرته، ورُفع عليه وشُكي منه، وذكروا أموالًا أصابها، فأعرضت عن ذلك كله، ثمَّ لم أفتشه عن شيء ولا أحدًا من عُمّاله، ثمّ عرضت عليه شرطتي فأبَى، فأعفيته، ثمّ وليته فحُذِّرته، فأمرتُه بالمُقام، وما كان ذلك إلا نظرًا له، ثمّ رددته إلى مروَ، وولّيته الأمر، فكفر ذلك كلَّه، وكافأني بما ترون، فقال له قوم: أيها الأمير، لم يكن هذا من شأنه، إنما أشار عليه بإحراق السفن عتابُ اللِّقوة، فقال: وما عتّاب! وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة، فبلغ قولُه عتابًا، فقال عتاب في ذلك:\nإنَّ الحَواضِنَ تلقاها مجفَّفةً ... غُلْبَ الرِّقاب على المنسوبةِ النُّجُبِ\nتركتَ أمرَك من جُبْنٍ ومن خَوَرٍ ... وجئتَنَا حُمُقًا يا أَلأَمَ العربِ\nلما رَأيتَ جبالَ السُّغْدِ مُعْرضةً ... ولَّيتَ موسى ونوحًا عُكْوةَ الذَّنَبِ\nوجئتَ ذيخًا مُغِذًّا ما تُكلمُنا ... وطِرْتَ من سَعَفِ البحرينِ كالخَرب\nأَوعِدْ وعِيدكَ إني سوف تَعرِفني ... تحتَ الخوافِقِ دون العارض اللجِبِ\nيَخُبُّ بي مشرفٌ عار نواهقهُ ... يغْشَى الكتيبةَ بين العَدْوِ والخَببِ\nقال: فلمّا تهيأت السفن، عبَرَ أمية وأقبَلِ إلى مروَ، وترك موسى بن عبد الله، وقال: اللهمّ إني أحسنت إلى بُكير، فكفر إحساني، وصنع ما صنع، اللهم اكفنيه.","vol":"9","page":349},{"text":"فقال شمّاس بن دثار - وكان رجع من سجِسْتانَ بعد قتل ابن خازم، فغزا مع أمية: أيها الأمير، أنا أكفيكه، إن شاء الله، فقدَّمَه أميةُ في ثمانمئة، فأقبَل حتى نزل باسان وهي لبني نصر، وسار إليه بكيرٌ ومعه مُدركُ بن أنيف وأبوه مع شماس، فقال: أما كان في تميم أحدٌ يحاربني غيرك! ولامَه، فأرسل إليه شماس: أنت ألوَم وأسوأ صنيعًا مني، لم تَفِ لأمية ولم تشكر له صنيعَه بك؛ قَدم فأكرمك ولم يَعرِض لك ولا لأحد من عمّالك.\nقال: فبيّته بكير ففرّق جمعَه، وقال: لا تَقتلُوا منهم أحدًا، وخذوا سلاحَهم، فكانوا إذا أخذوا رجلًا سلَبوه وخلّوا عنه، فتفرّقوا، ونَزَل شماس في قرية لطّيئ يقال لها: بُوينَه، وقدِم أمية فنزل كَشْماهن، ورجع إليه شمّاس بنُ دِثار فقدّم أمية ثابتَ بن قطبة مولى خُزاعة، فلقيَه بكير فأسر ثابتًا وفرّق جمعَه، وخلى بكير سبيلَ ثابت لِيَدٍ كانت له عنده.\nقال: فرجع إلى أمية، فأقبل أمية في الناس، فقاتله بكير وعلى شُرطة بكير أبو رُستم الخليل بن أوْس العَبْشَميّ، فأبلى يومئذ، فنادَوه: يا صاحب شرطة عارمة - وعارمةُ جاريةُ بكير - فأحجمَ، فقال له بكير: لا أبَالَك، لا يَهدّك نداءُ هؤلاء القوم، فإنّ للعارمة فَحْلا يمنعها، فقدّمْ لواءَك، فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط، فنزل السوقَ العتيقة، ونزل أمية بَاسَان فكانوا يلتقون في ميدانِ يَزيدَ، فانكشفوا يومًا، فحماهم بكير، ثمّ التقَوا يومًا آخر في الميدان، فضرب رجلٌ من بني تميم على رجله فجعل يَسحبها، وهُريم يَحمِيه، فقال الرجل: اللهمّ أيِّدنا فأمِدَّنا بالملائكة، فقال له هُريم: أيها الرّجل، قاتلْ عن نفسك، فإنّ الملائكة في شُغْل عنك، فتَحامَلَ ثمّ أعاد قولَه: اللهمّ أمِدّنا بالملائكة، فقال هُريم: لتكُفنّ عني أو لأدعنّك والملائكة، وحماهُ حتى ألحقَه بالناس، قال: ونادى رجلٌ من بني تميم: يا أميةُ، يا فاضحَ قريش؛ فآلى أمية إنْ ظَفِر به أن يذبحه، فَظفِر به فذبحه بين شُرْفَتَيْن من المدينة، ثمّ التقَوا يومًا آخر، فضرب بكير بن وشاح ثابتَ بن قطبة على رأسه وانتمَى: أنا ابنُ وشاح؛ فحمل حُريث بن قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير، وانكشف أصحابُه، وأتبع حُريث بكيرًا حتى بلغ القنطرة، فناداه: أين يا بكير؟ فكرّ عليه، فضَرَبَه حريثٌ على رأسه،","vol":"9","page":350},{"text":"فقطع المِغفَر، وعضّ السيفُ برأسه، فصُرع، فاحتمَلَه أصحابُه، فأدخَلوه المدينة.\nقال: فكانوا على ذلك يقاتلونهم، وكان أصحابُ بكير يَغدُون متفضِّلين في ثياب مصبَّغة، وملاحفَ وأزُر صُفْر وحُمْر، فيجلسون على نواحي المدينة، يتحدَّثون، وينادي منادٍ: مَن رَمى بسهم رَمَيْنا إليه برأس رجل من ولدِه وأهلِه؛ فلا يرميهم أحد.\nقال: فأشفق بكير، وخاف إن طال الحصار أن يخذُله الناس، فطلب الصّلح، وأحبّ ذلك أيضًا أصحابُ أمية لمكان عِيالاتهم بالمدينة، فقالوا لأمية: صالِحْه - وكان أمية يحبّ العافية - فصالحه على أن يقضيَ عنه أربعمئة ألف، ويَصِلَ أصحابَه ويولّيه أيضًا أيّ كُوَر خُراسانَ شاء، ولا يسمع قولَ بَحِير فيه، وإن رابَه منه رَيْب فهو آمِن أربعين يومًا حتى يخرج عن مروَ، فأخذ الأمان لبكير من عبد الملك، وكَتَب له كتابًا على باب سِنْجان، ودخل أميّةُ المدينة.\nقال: وقوم يقولون: لم يخرج بكير مع أمية غازيًا، ولكنّ أمية لما غزا استخلفه على مروَ فخلعه، فرجع أميّةُ فقاتَله، ثمّ صالحه ودخَل مروَ ووفَى أميةُ لبكير، وعاد إلى ما كان عليه من الإكرام وحُسْن الإِذن، وأرسَل إلى عتَّاب اللقوة، فقال: أنت صاحبُ المَشُورة: فقال: نعَم أصلحَ الله الأمير! قال: ولِمَ؟ قال: خف ما كان في يدي، وكَثُر دَيْني، وأعديت على غرمائي؛ قال: وَيْحك! فضربْت بين المسلمين، وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدوّ، وما خفت الله! قال: قد كان ذلك، فاستغفرِ الله، قال: كم دينُك؟ قال: عشرون ألفًا؛ قال: تكفّ عن غِشّ المسلمين وأقضِي دينَك؟ قال: نعم، جعلني الله فِداك! قال: فَضحِك أميَّة وقال: إنَّ ظني بك غير ما تقول، وسأقضي عنك، فأدّى عنه عشرين ألفًا، وكان أمية سهلًا لينًا سخيًّا، لم يُعط أحدٌ من عُمال خُراسان بها مثل عطاياه؛ قال: وكان مع ذلك ثقيلًا عليهم، كان فيه زَهْو شديد، وكان يقول: ما أكتفِي بخُراسان وسِجِسْتان لمَطْبخى، وعَزل أميةُ بحيرًا عن شرطته، وولّاها عطاءَ بن أبي السائب، وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمرِ بكير وصفحِه عنه، فضرب عبدُ الملك بَعْثًا إلى أميّة بخُراسان فتَجاعَلَ الناس، فأعطَى شقيقَ بن سَليل الأسديّ جعَالَته رَجُلًا من جَرْم، وأخذ أمية الناس بالخراج، واشتدّ عليهم فيه،","vol":"9","page":351},{"text":"فجلس بكير يومًا في المسجد وعنده ناسٌ من بني تميم، فذكروا شِدّة أمية على الناس، فذمّوه، وقالوا: سلّط علينا الدّهاقين في الجباية وبَحِير وضِرار بن حُصَين وعبد العزيز بن جارية بن قُدامة في المسجد، فنقل بَحِير ذلك إلى أمية فكذّبه فادّعى شهادة هؤلاء، وادّعى شهادة مُزاحم بن أبي المُجشر السلميّ، فدعا أميةُ مزاحمًا فسأله فقال: إنما كان يمزَح، فأعرض عنه أمية، ثمَّ أتاه بحير فقال: أصلح الله الأمير! إنَّ بكيرًا والله قد دعاني إلى خَلعك، وقال: لولا مَكانك لقتلتُ هذا القرشيّ وأكلتُ خُراسانَ، فقال أميَّة: ما أصدَق بهذا وقد فعل ما فعل؛ فآمنتُه ووصَلْته.\nقال: فأتاه بضِرار بن حُصين وعبد العزيز بن جارية فشهدا أنّ بكيرًا قال لهما: لو أطعتُماني لقتلتُ هذا القرشيّ المخنَّث، وقد دعانا إلى الفَتْك بك، فقال أمية: أنتم أعلم وما شهِدْتم، وما أظُنّ هذا به وإن تركه، وقد شهدتم بما شهدتم عجزٌ؛ وقال لحاجبه عبيدة ولصاحبِ حَرسِه عطاء بن أبي السائب: إذا دخل بكير، وبدل وشمردل ابنا أخيه، فنهضتُ فخذوهم، وجلس أمية للناس وجاء بكير وابنا أخيه، فلما جلسوا قام أمية عن سريره فدخل، وخرج الناس وخرج بكير، فحبسوه وابنَيْ أخيه، فدعا أمية ببكير فقال: أنت القائل كذا وكذا؛ قال: تَثَبَّت أصلحك الله، ولا تسمعنّ قول ابنِ المحلوقة\" فحَبَسه، وأخذ جاريته العارمَة فحبَسها، وحبَس الأحنف بن عبد الله العنبريّ، وقال: أنت ممن أشار على بُكَير بالخَلْع.\nفلما كان من الغد أخرج بُكَيرًا فشهد عليه بحيرٌ وضِرار وعبد العزيز بن جارية أنَّه دعاهم إلى خلْعه والفتكِ به، فقال: أصلحك الله! تثبّتْ فإنّ هؤلاء أعدائي، فقال أمية لزياد بن عُقْبة - وهو رأسُ أهل العالية - ولابن والان العدويّ - وهو يومئذ من رؤساء بني تميم - وليعقوب بن خالد الذّهليّ: أتقتلونه؟ فلم يجيبوه؛ فقال لبَحِير: أتقتُلُه؟ قال: نعم، فدفعه إليه، فنهض يعقوبُ بن القَعْقاع الأعْلم الأزْديّ من مجلسه - وكان صديقًا لبُكير - فاحتَضَن أميّة، وقال: أذكّرك اللهَ أيها الأمير في بكير، فقد أعطيتَه ما أعطيتَه من نفسك، قال: يا يعقوب ما يقتله إلا قومه، شهدوا عليه، فقال عطاءُ بن أبي السائب الليثيّ وهو على حَرَس أميّة: خلّ عن الأمير؛ قال: لا، فضَرَبه عطاء بقائم السيف، فأصاب أنفه فأدماه،","vol":"9","page":352},{"text":"فخرج، ثمّ قال لبحِير: يا بحير، إنَّ الناس أعطوا بكيرًا ذمّتهم في صلحه، وأنت منهم، فلا تخفر ذمّتك؛ قال: يا يعقوب ما أعطيته ذمّةً، ثمّ أخذ بحير سيفَ بكير الموصول الذي كان أخذه من أسوار الترجمان تَرْجُمان ابن خازم، فقال له بكير: يا بحير، إنك تُفرّق أمرَ بني سعد إن قتلْتني، فدَع هذا القرشيّ يلي مني ما يريد؛ فقال بحير: لا والله يا بن الإصبهانية لاتصلح بنو سعد ما دُمنا حيَّيْن، قال: فشأنك يا بن المحلوقة، فقتَلَه، وذلك يوم جمعة.\nوقتَل أمية ابني أخي بكير، ووهب جارية بكير العارمةَ لبَحير، وكلِّمَ أمية في الأحنف بن عبد الله العنبريّ، فدعا به من السجن، فقال: وأنتَ ممن أشار على بُكَير، وشَتَمه، وقال: قد وهبتُك لهؤلاء، قال: ثمّ وجّه أميّةُ رجلًا من خُزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فقتَله عمرو بن خالد بن حُصين الكلابيّ غِيلةً، فتفرّق جيشهُ؛ فاستأمن طائفةٌ منهم موسى، فصاروا معه، ورجع بعضُهم إلى أمية (١). (٦/ ٣١١ - ٣١٧).\nوفي هذه السنة عبر النهرَ، نهرَ بَلخْ أمية للغَزْو، فحُوصِر حتى جُهِد هو وأصحابه، ثمّ نجوْا بعدما أشرَفوا على الهلاك؛ فانصرف والذين معه من الجُنْد إلى مروَ، وقال عبد الرحمن بنُ خالدِ بن العاص بنِ هشام بن المغيرة يهجو أميّة:\nألَا أَبلغْ أُميةَ أَنْ سيُجزَى ... ثَوابَ الشَّرِّ إنَّ له ثَوابَا\nومَن يَنظر عتابَكَ أَو يُرِدْهُ ... فلستُ بناظر منكَ العِتَابَا\nمحا المعروفَ منك خلالُ سَوْءٍ ... مُنحتَ صَنِيعَهَا بابًا فبابَا\nومَن سَمَّاكَ إذْ قسَم الأَسامِى ... أُميةَ إِذ وُلِدتَ فقد أَصَابا\n(٦/ ٣١٧ - ٣١٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>ثمَّ دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة ذكر الخبر عن غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتْبيل</span>\nوفيها غزا عُبيد الله بن أبي بكرة رُتْبيل.\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل الذي استغرق صفحات، رواه المدائني من طريق المفضل ولم نعتد بمروياته ولم يؤيده الآخرون كما هاهنا.","vol":"9","page":353},{"text":"ذكر الخبر عن غزوته إيّاه:\nقال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي المُخارق الراسبيّ، قال: لما ولَّى الحجّاجُ المهلَّبَ خرُاسانَ، وعبيد الله بن أبي بَكْرة سجستانَ، مضى المهلَّب إلى خُراسان وعبيد الله بن أبي بَكرة سجستانَ، وذلك في سنة ثمان وسبعين. فمكث عبيد الله بن أبي بَكْرة بقية سنته. ثمّ إنه غزا رُتْبيل وقد كان مصالحًا، وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خرَاجًا، وربَّما امتنع فلم يفعل، فبعث الحجاج إلى عُبيد الله بن أبي بَكْرة أنْ ناجزْه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيحَ أرضَه، وتَهدم قِلاعَه، وتَقتُل مُقاتلته، وتَسبي ذرّيته. فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهلِ البَصرة، وكان على أهل الكوفة شُرَيح بن هانئ الحارثيّ ثمّ الضبّانيّ، وكان من أصحاب عليّ، وكان عُبيد الله على أهل البَصْرة، وهو أمير الجماعة، فمضى حتى وَغَل في بلاد رُتْبيل، فأصاب من البقر والغنم والأموال ما شاء وَهدّم قلاعًا وحصُونًا، وغلب على أرض من أرضهم كثيرة، وأصحاب رُتْبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض، حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم، وكانوا شها ثمانية عشر فرسخًا، فأخذوا على المسلمين العقابَ والشِّعاب، وخلّوهم والرَّساتيق، فسُقط في أيدي المسلمين، وظنوا أنْ قد هلكوا، فبعث ابن أبي بَكرْة إلى شُرَيح بن هانئ: إنّي مصالح القوم على أن أعطِيَهم مالًا، ويخلوا بيني وبين الخروج، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمئة ألف درهم، فلقيَه شُريح فقال: إنك لا تصالح على شيء إلا حَسبه السلطان عليكم في أعطياتكم، قال: لو منُعنا العطاءَ ما حَييِنا كان أهوَن علينا من هلاكنا؛ قال شُريح: والله لقد بلغتُ سنًّا، وقد هلكتْ لِدَاتي. ما تأتي عليّ ساعة من ليل أو نهار فأظنّها تمضي حتى أموت، ولقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان، ولئن فاتتني اليومَ ما أخالني مُدْركها حتى أموت، وقال: يا أهل الإِسلام، تعاونوا على عدوّكم؛ فقال له ابن أبي بَكْرة: إنك شيخ قد خَرِفْتَ، فقال شريح: إنما حسبك أن يقال: بُستان ابن أبي بَكْرة وحمَام ابن أبي بَكْرة يا أهل الإِسلام، من أراد منكم الشهادة فإليّ. فأتبعه ناسٌ من المتطوّعة غير كثير، وفرُسان الناس وأهل الحِفاظ، فقاتلوا حتّى أصيبوا إلا قليلًا، فجعل شُريح يرتجز يومئذ ويقول:","vol":"9","page":354},{"text":"أصبحتُ ذا بَثٍّ أُقاسي الكِبرَا ... قد عِشتُ بين المشركين أَعصُرَا\nثمَّتَ أدركتُ النبيَّ المُنذِرا ... وبعدَه صِدِّيقَهُ وعَمرَا\nويومَ مِهرانَ ويومَ تُستَرَا ... والجَمْعَ في صِفِّينهِم والنَّهَرَا\nوباجُمَيْرَاتٍ مع المُشَقَّرا ... هيهاتَ ما أطوَلَ هذا عُمُرا\nفقاتل حتى قُتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا، فخرجوا من بلاد رُتْبيل حتى خرجوا منها، فاستقبلَهم مَن خرجوا إليهم من المسلمين بالأطعمة، فإذا أكلَ أحدُهم وشبِع مات، فلما رأى ذلك الناسُ حذروا يطعمونهم، ثمّ جعلوا يطعمونهم السَّمْن قليلًا قليلًا، حتى استمرؤوا. وبلغ ذلك الحجاج، فأخذه ما تقدَّم وما تأخّر، وبلغ ذلك منه كلّ مبلغ، وكتب إلى عبد الملك:\nأما بعد: فإنّ جُند أمير المؤمنين الذين بسِجستان أصيبوا فلم يَنج منهم إلا القليل، وقد اجترأ العدوّ بالذي أصابه على أهل الإِسلام فدخلوا بلادَهم، وغلبوا على حصونهم وقصورهم، وقد أردت أن أوجّه إليهم جندًا كثيفًا من أهل المِصرَين، فأحببتُ أن أستطلع رأيَ أمير المؤمنين في ذلك فإنْ رأى لي بعثةَ ذلك الجند أمضيْتُه، وإن لم يَرَ ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده، مع أني أتخوَّف إن لم يأت رُتْبيل ومن معه من المشركين جندٌ كثيف عاجلًا أن يستوْلُوا على ذلك الفَرْج كلِّه (١). (٦/ ٣٢٢ - ٣٢٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>ثمَّ دخلت سنة ثمانين ذكر الأحداث الجليلة التي كانت في هذه السنة تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رتبيل</span>\nوفي هذه السنة وجه الحجاج عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك، وقد اختلف أهل السير في سبب توجيهه إياه إليها، وأين كان عبدُ الرحمن يومَ ولّاه الحجّاج سجستان وحرب رُتْبيل؛ فأما يونس بن إسحاق - فيما حدّث هشام، عن أَبي مِخنَف عنه - فإنَّه ذَكر أنَّ عبد الملك لما ورد عليه كتاب الحجّاج بن يوسف بخبر الجيش الذي كان مع عُبيد الله بن أبي بَكْرة في بلاد رُتْبيل وما لَقُوا بها كتب إليه: أما بعد، فقد أتاني كتابُك تَذكُر فيه مُصاب\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":355},{"text":"المسلمين بسجستانَ وأولئك قومٌ كَتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وعلى الله ثوابهم. وأما ما أردت أن يأتيك فيه رأيي من توجيه الجنود وإمضائها إلى ذلك الفرْج الذي أصيب فيه المسلمون أو كفّها، فإنّ رأيي في ذلك أن تُمضِيَ رأيَك راشدًا موفَّقًا.\nوكان الحجّاج وليس بالعراق رجلٌ أبغضَ إليه من عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قطّ إلا أردتُ قتلهَ (١). (٦/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني نمير بن وَعْلة الهَمْدانيّ، ثمَّ اليناعيّ عن الشعبيّ، قال: كنت عند الحجاج جالسًا حين دخل عليه عبدُ الرحمن بنُ محمَّد بن الأشعث، فلما رآه الحجاج قال: انظر إلى مشيَته، والله لَهممتُ أن أضربَ عنقه. قال: فلما خرج عبد الرّحمن خرجت فسبقتُه وانتظرته على باب سعيد بن قيس السَبيعيّ، فلما انتهى إليّ قلت: ادخل بنا الباب، إني أريد أن أحدثك هو عندك بأمانة الله أن تذكره ما عاش الحجّاج. فقال: نعم، فأخبرتُه بمقالة الحجاج له؛ فقال: وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أزِيلهَ عن سلطانه، فأجهَد الجهد إذ طال بي وبه بقاء.\nثمّ إنَّ الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البَصْرة، وجدّ في ذلك وشمّر، وأعطى الناس أعطياتَهم كمَلًا، وأخذهم بالخيول الرّوائع، والسلاح الكامل، وأخذ في عرض الناس، ولا يرى رجلًا تُذكرَ منه شجاعةٌ إلا أحسن معونَته، فمرّ عبيد الله بن أبي محْجن الثقفيّ على عباد بن الحصين الحَبَطيّ، وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن بن أم الحَكمَ الثقفيّ، وهو يَعرض الناس، فقال عبّاد: ما رأيت فرسًا أرْوعَ ولا أحسن من هذا، وإنّ الفرس قوّة وسلاح وإنّ هذه البغلة عَلنْداة، فزاده الحجاج خمسين وخمسمئة درهم، ومرّ به عطية العنبريّ، فقال له الحجاج؛ يا عبد الرّحمن، أحسنْ إلى هذا. فلما استَتَبّ له أمرُ ذَيْنك الجندَين، بعث الحجاج عطارد بن عمرَ التميميّ فعَسكرَ بالأهواز، ثمّ بعث عُبيد الله بن حجَر بن ذي الجوشن العامريّ من\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":356},{"text":"بني كلاب. ثمَّ بدا له، فبعث عليهم عبدَ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث وعزل عبيد الله بن حجر، فأتَى الحجاجَ عمُّه إسماعيلَ بن الأشعث، فقال له: لا تبعثه فإني أخاف خلافَه، والله ما جازَ جسر الفرات قطّ فرأى لوالٍ من الوُلاة عليه طاعةً وسلطانًا. فقال الحجاج: ليس هناك، هُو لي أهيَب وفيَّ أرغَب من أن يخالف أمري أو يخرج من طاعتي؛ فأمضاه على ذلك الجيش، فخرج بهم حتى قدم سِجستان سنة ثمانين؛ فجمع أهلَها حين قَدِمَها (١). (٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو الزّبير الأرحَبيّ - رجل من هَمْدان كان معه - أنَّه صَعد منبرَها فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أيها الناس، إنَّ الأمير الحجّاج ولّاني ثغرَكم، وأَمَرَني بجهاد عدوّكم الذي استباح بلادكم وأباد خيارَكم، فإياكم أن يتخلّف منكم رجل فيُحل بنفسه العقوبة، اخرجُوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس. فعسكر الناسُ كلهم في معسكرهم ووضعت لهم الأسواق، وأخذ الناس بالجهاز والهيئة بآلة الحرب، فبلغ ذلك رُتبيل، فكتَبَ إلى عبد الرحمن بن محمَّد يعتذر إليه من مُصاب المسلمين ويخبره أنَّه كان لذلك كارهًا، وأنهم ألجؤوه إلى قتالهم، ويسأله الصّلح ويَعرض عليه أن يَقبلَ منه الخراج، فلم يُجبه، ولَم يقبَل منه. ولَم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود إليه حتى دخل أوّل بلاده، وأخذ رُتْبيل يضمّ إليه جندَه، ويدع له الأرض رُستاقًا رستاقًا، وحصنًا حصنًا، وطفق ابن الأشعث كلما حوَى بلَدًا بعث إليه عاملًا، وبعَثَ معه أعوانًا، ووضع البُرُد فيما بين كل بلد وبلد، وجعل الأرصاد على العِقاب والشعاب، ووضع المَسالح بكلّ مكان مخوف، حتى إذا جاز من أرضه أرضًا عظيمة، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة، حبس الناسَ عن الوُغول في أرض رُتْبيل وقال: نكتفي بما أصبْناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، وتجترئ المسلمون على طُرقها، ثمّ نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثمّ لم نزل نتنقّصهم في كلّ عام طائفةً من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريِّهم، وفي أقصى بلادهم، وممتنَع حصونهم، ثمَّ لا نزايل بلادهم حتى يُهلكهم الله.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":357},{"text":"ثمَّ كتب إلى الحجّاج بما فتح الله عليه من بلاد العدوّ، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأي الذي رآه لهم. (٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\nوأما غيرُ يونس بن إسحاق وِغيرُ من ذكرت الرواية عنه في أمر ابن الأشعث فإنَّه قال في سبب ولايته سجستانَ ومسيره إلى بلاد رُتْبيل غير الذي رويت عن أبي مخنَف، وزَعم أَن السبب في ذلك كان أن الحجاج وجّه هميان بن عديّ السدوسيّ إلى كرمانَ، مَسلَحة لها ليمد عاملَ سجستانَ والسِّند إن احتاجا إلى مَدَد، فعصى هِمْيان ومن معه، فوجّه الحجاج ابن الأشعث في محاربته فهزمه، وأقام بموضعه (١). (٦/ ٣٢٩).\nومات عُبيد الله بن أبي بَكْرة، وكان عاملًا على سِجستان، فكتب الحجاج عهدَ ابن الأشعث عليها، وجهَّز إليها جيشًا أنفق عليهم ألفَي ألف سوى أعطياتهم، كان يُدعى جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رُتْبيل (٦/ ٣٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>ثمَّ دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>ذكر الخبر عن مقتل بَحِير بن ورقاءَ بخراسان</span>\nوفي هذه السنة قُتل بحير بن ورقاء الصُّريميّ بخُراسان.\nذكر الْخبر عن مقتله:\nوكان سببُ قتله أنّ بَحيرًا كان هو الذي تولى قَتل بُكَير بن وشاح بأمرِ أمية بن عبد الله إياه بذلك، فقال عثمان بنُ رجاء بن جابر بن شدّاد أحدُ بني عَوف بن سعد من الأبناء يحضّ رجلًا من الأبْناء من آل بُكَير بالوِتْر:\nلعَمْري لَقَدْ أَغْضَيْتَ عَيْنًا عَلَى القَذَى ... وبِتَّ بَطِينًا من رَحِيقٍ مُرَوَّقِ\nوخَلَّيْتَ ثَأرًا طُلَّ واختَرتَ نَوْمةً ... ومَن شرب الصَّهْبَاءَ بالوِتْرِ يُسْبَقِ\nفلو كنْتَ مِنْ عوْفِ بن سعدٍ ذُؤابَةً ... ترَكْتَ بَحِيرًا في دَم مُتَرَقرِقِ\nفقل لبَحِيرٍ نَمْ ولا تخشَ ثائرًا ... بعَوفٍ فعوفٌ أهلُ شاةٍ حَبَلَّقِ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":358},{"text":"دَع الضأْنَ يومًا قد سُبِقْتُم بوِترِكمْ ... وصرتُم حَدِيثًا بيْنَ غَربٍ ومَشْرقِ\nوَهُبّوا فلو أَمسى بُكَيْرٌ كعَهْدِهِ ... صحيحًا لَغَادَاهم بِجَأواءَ فَيلَقِ\nوقال أيضًا:\nفلو كان بكرٌ بارِزًا في أَداتِهِ ... وذي العَرْشِ لم يُقْدِم عليه بَحِيرُ\nففي الدهر إنْ أَبْقَانِيَ الدَّهرُ مَطلَبٌ ... وفي الله طَلَّابٌ بذاكَ جديرُ\nوبلغ بَحِيرًا أنّ الأبناء يتوعّدونه، فقال:\nتوعَّدني الأَبناءُ جَهْلًا كأَنما ... يَرَون فِنائِي مُقْفِرًا من بني كعبِ\nرفَعْتُ له كفِّي بحدّ مُهنَّد ... حُسامٍ كلون المِلح ذي رَوْنَقٍ عَضْبِ\nفذكر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد، أن سبعة عشر رجلًا من بني عوف بن كعب بن سعد تعاقَدوا على الطلب بدمِ خُراسان، فنظر إلى بحير واقفًا، فشدّ عليه فطعنه فصرَعه، فظن أنَّه قد قتله، وقال الناس: خارجيّ، فراكَضَهم، فعثَر فرسُه فنَدر عنه فقُتِل.\nثمّ خرج صَعْصعة بن حُرب العَوْفيّ، ثمّ أحد بني جُندُب، من البادية وقد باع غُنَيْماتِ له، واشترى حمارًا، ومضى إلى سِجستانَ فجاور قَرابةً لبَحِير هناك ولاطَفَهم، وقال: أنا رجل من بني حنيفة من أهل اليمامة، فلم يَزلْ يأتيهم ويجالسُهم حتى أنِسوا به، فقال لهم: إنَّ لي بخُراسان ميراثًا قد غُلبتُ عليه، وبلغني أنّ بَحيرًا عظيمُ القَدْر بخُراسان، فاكتُبوا لي إليه كتابًا يُعينُني على طلب حقي، فكتبوا إليه، فخرج فقَدِم مَرْوَ والمهلّب غازٍ. قال: فلقيَ قومًا من بني عوف، فأخبرَهم أمرَه، فقام إليه مولىً لبكير صيْقَل فقبَّل رأسه، فقال له صعصعة: اتخذ لي خِنْجرًا فعمل له خنجرًا وأحماه وغَمَسه في لَبَنِ أتانٍ مِرارًا، ثمّ شخَص من مَرْوَ فقطع النهر حتى أتى عسكرَ المهلب وهو بأخرون يومئذ، فلقي بَحيرًا بالكتاب، وقال: إني رجل من بني حنيفة، كنتُ من أصحاب ابن أبي بَكْرة، وقد ذهب مالي بسِجِستان، ولي ميراثٌ بمَرْو، فقدِمت لأبيعَه، وأرجع إلى اليمامة.\nقال: فأمر له بنفَقة وأنزله معه، وقال له: استعن بي على ما أحببتَ، قال: أقيمُ عندَك حتى يقفُل الناسُ، فأقام شهرًا أو نحوًا من شهر يحضُر معه بابَ المهلَّب ومجلسه حتى عرف به، قال: وكان بحِير يخاف الفَتْك به، ولا يأمن أحدًا، فلما قَدِم صعصعةُ بكتابِ أصحابه قال: هو رجلٌ من بكر بن وائل،","vol":"9","page":359},{"text":"فأمنه، فجاء يومًا وبحير جالس في مجلس المهلّب، عليه قميص ورداء ونعلان، فقعد خلفَه، ثمّ دنا منه، فأكبّ عليه كأنه يكلمه، فوَجأه بخِنجره في خاصرته، فغيّبه في جوفه، فقال الناس: خارجيّ! فنادَى: يالَثارات بُكير، أنا ثائر ببكير! فأخذه أبو الَعجْفاء بن أبي الخَرْقاء، وهو يومئذ على شُرَط المهلب، فأتيَ به المهلّب فقال له: بُؤسًا لك! ما أدركتَ بثأرك، وقتلتَ نفسَك، وما على بَحيِر بأس، فقال: لقد طعنته طعنةً لو قُسمتْ بين الناس لمَاتُوا، ولقد وجدتُ ريح بطنِه في يدِي، فحَبَسه فدخل عليه السجن قومٌ من الأبناء فقبّلوا رأسَه، قال: ومات بَحِير من غد عند ارتفاع النهار، فقيل لصَعْصعة: مات بَحير، فقال: اصنَعوا بي الآن ما شئتم، وما بدا لكم، أليس قد حلّت نُذورُ نساء بني عوف، وأدركتُ بثأري! لا أبالي ما لقيت، أما والله لقد أمكنني ما صنعتُ خاليًا غَيْرَ مرّة، فكرهت أن أقتلَه سرًّا؛ فقال المهلّب: ما رأيتُ رجلًا أسخَى نفسًا بالمَوت صبرًا من هذا؛ وأمرَ بقتله أبا سُوَيقة ابن عمّ لبَحِير، فقال له أنس بن طلق: وَيحك! قتِل بحير فلا تقتلوا هذا، فأبى وقَتَله، فشتمَه أنَس.\nوقال آخرون: بعث به المهلّب إلى بَحِير قبل أن يموت، فقال له أنَس بن طَلْق العَبْشَميّ: يا بحير، إنك قتلتَ بكيرًا، فاستحْي هذا، فقال بحير: أدنوه منّي، لا والله لا أموت وأنت حيّ، فأدنَوْه منه، فوضع رأسَه بين رجليه وقال: اصبِر عفاق، إنه شرّ باق، فقال ابن طلحة لبَحِير: لعنك الله! أكلّمك فيه وتقتله بين يديّ! فطعنه بَحِير بسيفِه حتى قتلَه ومات بَحِير، فقال المهلب: إنا لله وإنا إليه راجعون، غزوَة أصيبَ فيها بَحِير؛ فَغَضب عوف بنُ كعب والأبناء وقالوا: علام قُتِل صاحبنا، وإنما طلب بثأره! فنازعتهم مُقاعس والبُطون حتى خاف الناس أن يَعظُم البأس، فقال أهلُ الحِجَى: احِملوا دمَ صَعْصَعة، واجْعَلوا دمَ بحير بَواءً ببُكيْر فوَدَوا صَعْصعة، فقال رجل من الأبناء يمدَح صعصعة:\nلله دَرُّ فتىً تجَاوزَ هَمّهُ ... دونَ العِرَاق مَفَاوِزًا وبُحُورَا\nما زال يَدْأَبُ نَفْسَهُ ويكُدُّها ... حتَّى تَنَاولَ في خَرُونَ بَحيرَا\nقال: وخرج عبدُ ربّه الكبير أبو وَكيع، وهو من رَهْط صَعْصعة إلى البادية، فقال لرَهْط بُكَير: قُتِل صعصعة بطَلبِه بدمِ صاحبكم، فودَوْه، فأخذ لصعصعة دِيتَين. (٦/ ٣٣١ - ٣٣٤).\n* * *","vol":"9","page":360},{"text":"ذكرَ هشامٌ عن أبي مِخنَف قال: قال أبو المُخارِق الراسبيّ: كتب الحجّاج إلى عبد الرحمن بن محمَّد جواب كتابه:\nأما بعد، فإن كتابك أتاني، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه، وكتابُك كتاب امرئ يحبّ الهدْنة، ويستريح إلى الموادَعة، قد صانع عدوًّا قليلًا ذليلًا، قد أصابوا من المسلمين جُندًا كان بلاؤهم حَسنًا، وغَناؤهم في الإِسلام عظيمًا، لعمرُك يا بن أمّ عبد الرحمن؛ إنك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ بجُندي وحَدّي لسخِيُّ النفس عمّن أصيب من المسلمين، إني لم أعدد رأيكَ الذي زعمت أنك رأيته رأيَ مكيدة، ولكني رأيتُ أنَّه لم يحملك عليه إلا ضَعفك، والتياثُ رأيك، فامضِ لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، والهدمِ لحصونهم، وقتلِ مُقاتلتِهم، وسَبْي ذراريِّهم.\nثمَّ أَردَفه كتابًا فيه:\nأما بعد، فمُرْ مَن قِبلَك من المسلمين فليْحرُثوا وليقيموا، فإنها دارُهم حتى يَفتَحها الله عليهم.\nثمّ أردفه كتابًا آخر فيه:\nأما بعد، فامضِ لما أمرتكَ به من الوغول في أرضهم، وإلّا فإن إسحاق بن محمّد أخاك أمير الناس، فخلّه وما وُلِّيتَهُ.\nفقال حين قرأ كتابَه: أنا أحمِل ثقل إسحاق؛ فعَرَض له، فقال: لا تَفعل، فقال: وربّ هذا - يَعني المُصحَف - لئن ذكرتَه لأحد لأقتلنّك، فظنّ أنَّه يريد السيف، فوضع يده على قائم السيف، ثمّ دعا الناسَ إليه، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: أيها الناس، إني لكم ناصح، ولصلاحِكم مُحِبّ، ولكم في كل ما يُحيط بكم نفعُه ناظر، وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوّكم رأيٌ استشرتُ فيه ذوي أحلامِكم، وأولى التجربة للحَرْب منكم، فرضُوه لكم رأيًا، ورأوْه لكم في العاجل والآجل صلاحًا، وقد كتبت إلى أميركم الحجّاج، فجاءني منه كتاب يعجّزني ويضعفُني، ويأمُرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدوّ، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضَيتم، وأأبَى","vol":"9","page":361},{"text":"إذا أبيتم، فثارَ إليه الناسُ فقالوا: لا، بل نأبَى على عدوّ الله، ولا نَسمَع له ولا نطيع (١). (٣٣٤/ ٦ - ٣٣٥).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني مطرّف بن عامر بن واثلة الكنانيّ أنّ أباه كان أوّل متكلّم يومئذ، وكان شاعرًا خطيبًا، فقال بعدَ أن حَمِد الله وأثنى عليه:\nأما بعد، فإن الحجّاج والله ما يَرَى بكم إلا ما رأى القائل الأوّل إذ قال لأخيه: احمِل عبدَك على الفرَس، فإنْ هَلَك هلك، وإن نجا فَلك، إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطرَ بكم فيُقحِمَكم بلادًا كثيرة اللُّهوب واللُّصوب، فإن ظفِرتم فغنمتم أكَلَ البلاد وحازَ المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظَفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البُغَضاء الذي لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدوَّ الله الحجاج، وبايعوا عبدَ الرحمن، فإني أشهدكم أنّي أوّل خالعٍ، فنادَى الناس من كلّ جانب، فعلنا فعلنا، قد خلعْنا عدوّ الله، وقام عبدُ المؤمن بن شَبَث بن ربِعيّ التميميّ ثانيًا - وكان على شُرْطته حين أقبَل - فقال: عبادَ الله، إنكم إن أطعتم الحجّاج جعل هذه البلاد بلادَكم ما بقيتم، وجمّركم تجميرَ فرعونَ الجنود، فإنَّه بلغني أنَّه أول من جمّر البعُوث، ولن تعاينوا الأحبّة، فيما أرى أو يموتَ أكثركم، بايِعوا أميرَكم، وانصرِفوا إلى عدوّكم فانفوه عن بلادِكم، فوثَب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه، فقال: تبايعوني على خَلع الحجّاج عدوّ الله وعلى النصرة لي وجِهاده معي حتى ينفيَه الله من أرض العراق، فبايعه الناس، ولم يذكر خلع عبد الملك إذا ذاك بشيء (٢). (٦/ ٣٣٥ - ٣٣٦).\nقال أبو مِخنَف: حدّثني عمر بن ذَرّ القاصّ، أن أباه كان معه هنالك، وأنّ ابن محمَّد كان ضرَبَه وحبَسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم بن محمَّد، فلمّا كان من أمره الذي كان من الخلاف دعاه فحمَلَه وكساه وأعطاه، فأقبَل معه فيمن أقبَل، وكان قاصًّا خطيبًا (٣). (٦/ ٣٣٦).\nقال أبو مخنَف: حدّثني سيف بن بشْر العِجليّ، عن المنخّل بن حابس\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":362},{"text":"العبديّ، أنَّ ابنَ محمّد لما أقبل من سِجِستانَ أمّر على بُسْتِ عياضَ بن هيمان البَكريّ، من بني سَدُوس بن شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة، وعلى زَرْنِج عبد الله بن عامر التميميّ، ثمَّ الدارِميّ، ثمَّ بعث إلى رُتْبيل، فصالحه على أن ابنَ الأشعث إن ظَهَر فلا خَرَاجَ عليه أبدًا ما بَقيَ، وإن هُزم فأراده ألجأه عندَه (١). (٦/ ٣٣٦).\nقال أبو مِخنَف: حدثني خُشَينة بنُ الوَليد العبسيّ أنّ عبد الرحمن لمّا خرج من سِجِستَانَ مقبلًا إلى العراق سار بين يديه الأعشَى على فرس، وهو يقول:\nشَطَّت نَوَى مَنْ دارُهُ بالإِيوانْ ... إِيوانِ كِسْرى ذي القُرَى والرَّيحانْ\nمِن عاشِقٍ أَمسَى بزَابُلِسْتَانْ ... إنَّ ثقيفًا منهمُ الكذَّابانْ\nكذَّابُهَا الماضِي وكذابٌ ثانْ ... أمكَنَ ربِّي من ثقيفِ هَمْدانْ\nيومًا إلى الليل يُسَلّى ما كان ... إِنَّا سَمَوْنا للكَفُور الفَتَّانْ\nحين طَغَى في الكفر بعدَ الإِيمانْ ... بالسَّيّدِ الغِطْرِيفِ عبدِ الرّحمنْ\nسارَ بجمْع كالدَّبَى من قَحْطانْ ... ومِن مَعَدٍّ قد أتى ابن عَدْنانْ\nبِجَحْفَل جَمٍّ شديدِ الإِرْنَانْ ... فقلْ لحجَّاجٍ وليّ الشيطانْ\nيثبُتْ لِجَمْعِ مَذْحِجٍ وَهَمْدانْ ... فإنَّهمْ ساقُوه كأْسَ الذَّيْفَانْ\nومُلحِقُوهُ بقُرَى ابنِ مَرْوَانْ\nقال: وبعَث على مقدمته عطية بن عمرو العنبريّ، وبعث الحجاج إليه الخيل، فجعل لا يَلقَى خيلًا إلا هزمَها، فقال الحجاج: من هذا؟ فقيل له: عطيّة، فذلك قولُ الأعشى:\nفإذا جَعلتَ دُرُوب فا ... رِسَ خَلْفَهُمْ درْبًا فدَرْبَا\nفابْعَثْ عطِيَّةَ في الخُيو ... لِ يُكِبُّهُنَّ عَلَيْكَ كَبَّا\nثمّ إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس، فسأل عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وكان قد كتبه في أصحابه، وكان يقول: أنت خالي، فقيل له: ألا تأتيه فقد سأل عنك! فكرِه أن يأتيَه، ثمّ أقبل حتى مرّ بكَرْمان فبعث عليهم خَرَشة بن عمرو التميميّ، ونزل أبو إسحاق بها، فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم، ولما دخل الناسُ فارسَ اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنا إذا خلعنا الحجّاجَ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":363},{"text":"عاملَ عبد الملك فقد خلعْنا عبدَ الملك؛ فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس (١). (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\nقال أبو مخنف فيما حدثني أبو الصلت التيمي: خلع عبد الملك بن مروان تيحانُ بن أبْجر من بني تيم الله بن ثعلبة، فقام فقال: أيها الناس، إني خلعت أبا ذِبَّان كَخلْعي قميصِي، فخلعه الناسُ إلَّا قليلًا منهم، ووثبوا إلى ابن محمَّد فبايعوه، وكانت بيعتُه: تُبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحِلِّين، فإذا قالوا: نعم بايَع، فلما بلغ الحجّاج خلعُه كتب إلى عبد الملك يخبره خبرَ عبدِ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث، ويسأله أن يعجل بعثة الجنود إليه، وبعث كتابه إلى عبدِ الملك يتمثّل في آخره بهذه الأبيات، وهي للحارث بن وَعْلة:\nسائِلْ مُجَاوِرَ جَرْمٍ هل جَنَيْتُ لهمْ ... حَرْبًا تُفَرِّقُ بين الجِيرَةِ الخُلُطِ\nوهلْ سمَوْتُ بِجَرَّارٍ له لَجبٌ ... جَمِّ الصَّوَاهِلِ بين الجمِّ والفُرُط\nوهل تركتُ نساءَ الحَيِّ ضاحيةً ... في سَاحَةِ الدّار يَسْتَوْقِدْنَ بالغُبُطِ\nوجاء حتى نزل البصْرة، وقد كان بلغ المهلبَ شقاق عبد الرحمن وهو بسِجسْتان، فكتب إليه:\nأما بعد، فإنك وضعتَ رجْلك يا بن محمَّد في غَرْز طويل الغَيّ على أمة محمَّد - ﷺ -، اللهَ الله فانظر لنفسك لا تُهلِكْها؛ ودماء المسلمين فلا تَسفِكْها، والجماعة فلا تفرّقها، والبَيعة فلا تَنكُثْها، فإن قلتَ: أخاف الناس على نفسِي فاللهُ أحقّ أن تخافه عليها من الناس، فلا تُعرّضها لله في سَفْك لم، ولا استحلال محرّم والسلام عليك.\nوكتَبَ المهلّب إلى الحجّاج:\nأما بعد فإنّ أهلَ العراق قد أقبلوا إليك وهم مِثل السَّيْل المنحدر من عَل، وليس شيء يردّه حتى ينتهي إلى قراره، وإنّ لأهل العراق شِرَّةً في أوّل مخرجهم، وصَبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردّهم حتى يَسقُطوا إلى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":364},{"text":"أهليهم، ويشمّوا أولادهم، ثمّ واقِفهم عندها، فإنّ الله ناصرُك عليهم إن شاء الله.\nفلما قرأ كتابَه قال: فعَل الله به وفَعل، لا واللهِ مالي نَظَر، ولكنْ لابن عمّه نَصَح، لما وقع كتابُ الحجاج إلى عبد الملك هاله ثمّ نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد بنِ معاوية، ودعاه فأقْرأه الكتاب، ورأى ما به من الجَزع، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنْ كان هذا الحدث من قِبَل سِجستان، فلا تَخفْه، وإن كان من قِبَل خُراسانَ تخوّفته، قال: فخرج إلى الناس فقام فيهم فَحِمد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال:\nإن أهل العراق طال عليهم عمري فاستعجَلوا قَدَرِي، اللهم سلط عليهم سيوفَ أهل الشام حتى يَبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سُخْطك. ثمَّ نزل.\nوأقام الحجّاجُ بالبَصْرة وتجهّز ليَلقَى ابنَ محمّد، وترك رأيَ المهلب وفُرسان الشام يسقُطون إلى الحجاج، في كلّ يوم مئة وخمسون وعشرة وأقلّ على البُرد من قبَل عبد الملك، وهو في كلّ يوم تَسقُط إلى عبدِ الملك كتُبه ورُسله بخبر ابن محمَّد أيَّ كورة نَزَل، ومن أيّ كورة يَرتحِل، وأيُّ الناس إليه أسرَع (١). (٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\nقال أبو مخنَف: حدّثني فُضيل بن خديج أنّ مكتبه كان بكَرْمان، وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة، فلما مرّ بهم ابن محمَّد بن الأشعث، انجَفلوا معه، وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الأشعث، فسار أهل الشام حتى نزل تُسْتَر، وقدم بين يديه مطهر بن حرّ العكّيّ - أو الجُذاميّ - وعبد الله بن رُمَيثْة الطائيّ، ومطهّر على الفريقين، فجاؤوا حتى انتَهوْا إلى دُجَيْل وقد قطَع عبد الرحمن بن محمَّد خيلًا له، عليها عبد الله بن أبان الحارثيّ في ثلاثمئة فارس - وكانت مَسلحةً له وللجُند - فلما انتهى إليه مطهّر بن حرّ أمَرَ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":365},{"text":"عبد الله بن رُمَيثة الطائيّ فأقدَم عليهم، فهزمتْ خيلُ عبد الله حتى انتهتْ إليه، وجُرح أصحابه (١). (٦/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\nقال أبو مِخَنف: فحدّثني أبو الزبير الهمْداني، قال: كنت في أصحاب ابن محمَّد إذ دعا الناس وجمعهم إليه ثمّ قال: اعبُروا إليه من هذا المكان، فأقحم الناسُ خيولَهم دُجيلَ من ذلك المكان الذي أمرهم به، فوالله ما كان بأسرَع من أن عَبَرَ عُظْم خيولِنا، فما تكاملت حتى حملْنا على مطهّر بن حرّ والطائيّ فهزمناهما يوم الأضحى في سنة إحدى وثمانين وقتلناهم قَتْلا ذريعًا، وأصبنا عسكرَهم، وأتت الحجاجَ الهزيمةُ وهو يخطُب، فصَعِد إليه أبو كعب بن عبيد بن سَرْجِس فأخَبَره بهزيمة الناس، فقال: أيّها الناس، ارتحِلوا إلى البصرة إلى معسكر ومقاتَل وطعام ومادّة، فإنّ هذا المكان الذي نحن به لا يحمل الجند، ثمّ انصرفَ راجعًا وتبعتْه خيولُ أهل العراق، فكلما أدركوا منهم شاذًّا قتَلوه، وأصابوا ثِقْلًا حووْه، ومضى الحجاج لا يَلوى على شيء حتى نزل الزاوية وبعث إلى طعامِ التجار بالكلّاء فأخذه فحَمله إليه، وخلّى البَصرةَ لأهل العراق، وكان عامله عليها الحَكم بن أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفيّ، وجاء أهل العراق حتى دخلوا البصرة، وقد كان الحجاج حين صدم تلك الصّدمة وأقبل راجعًا دعا بكتاب المهلَّب، فقرأه ثمّ قال: لله أبوه! أيّ صاحب حرب هو! أشار علينا بالرأي، ولكنّا لم نقبل (٢). (٦/ ٣٤٠).\nوقال غيرُ أبي مِخنَف: كان عامل البصرة يومئذ الحَكم بن أيّوب على الصّلاة والصدقة، وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشُّرَط، فسار الحجاج في جيشه حتى نزل رُسْتُقْباذ وهي من دَسْتَوَى من كور الأهواز، فعَسكر بها، وأقبل ابنُ الأشعث فنزل تُسْتر، وبينهما نهر، فوجّه الحجاج مُطَهّر بنَ حرّ العَكيّ في ألفي رجل، فأوقعوا بمسلحة لابن الأشعث، وسار ابن الأشعث مبادرًا، فواقَعهم، وهي عشيّةُ عرفَة من سنة إحدى وثمانين فيقال: إنهم قَتلوا من أهل الشام ألفًا وخمسمئة، وجاءه الباقون منهزمين، ومعه يومئذ مئةً وخمسون ألف ألف، ففرّقها في قُوّاده، وضمّنهم إياها، وأقبل منهزِمًا إلى البَصْرة، وخطب\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":366},{"text":"ابن الأشعث أصحابَه فقال: أما الحجّاج فليس بشيء، ولكنا نريد غزوَ عبدِ الملك، وبلغ أهلَ البصرة هزيمةُ الحجّاج، فأراد عبدُ الله بنُ عامر بن مِسمَع أن يقطع الجِسر دونَه، فرَشاه الحَكم بن أيّوبَ مئة ألف، فكفّ عنه، ودخل الحجاج البَصرة، فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المئةَ الألف منه. (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١).\nرَجْع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف عن أبي الزبير الهَمْدانيّ.\nفلما دخل عبدُ الرحمن بنُ محمَّد البَصرة بايعه على حرب الحجاج، وخلْع عبدِ الملك جميعُ أهلها من قُرّائها وكُهولها، وكان رجل من الأزد من الجَهاضِم يقال له عُقْبة بن عبد الغافر له صحابة، فنزا فبايع عبد الرحمن مستبصرًا في قتال الحجاج، وخَنْدق الحجّاجُ عليه، وخندقَ عبدُ الرحمن على البصرة، وكان دخولُ عبدِ الرحمن البَصرة في آخر ذي الحجة من سنة إحدى وثمانين (١). (٦/ ٣٤١).\n* * *\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1470>ثمَّ دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية</span>\nفمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبدِ الرحمن بن محمَّد من الحروب بالزاوية.\nذكر هشامُ بنُ محمَّد، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزّبير الهَمْدانيّ قال: كان دخولُ عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في المحرّم من سنة اثنتين وثمانين، فتزاحفوا ذاتَ يوم، فاشتدّ قتالهم، ثمّ إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوْا إلى الحجاج، وحتى قاتلوهم على خنادِقهم، وانهزمتْ عامة قريش وثَقيف، حتى قال عبيد بن مَوهَب مولى الحجاج وكاتبه:\nفر البَراءُ وابن عَمِّهِ مُصْعبٌ ... وفرَّتْ قريشٌ غيْرَ آل سَعِيد\nثمّ إنهم تزاحَفوا في المحرّم في آخره في اليوم الذي هزمَ فيه أهلُ العراق أهلَ الشام، فنكصتْ ميمنتهم وميسرتهم، واضطربتْ رِماحهم، وتقوّض صفُّهم؛ حتى دَنوا منّا فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركْبتيه، وانتَضى نحوًا من شِبر من سيْفه، وقال: لله دَرّ مُصْعَب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نَزَل! فعلمت أنَّه والله لا يريد أن يفرّ. قال: فغمزتُ أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربَه بسيفي، فغمَزني غمزةً شديدة، فسكنت، وحانتْ مني التفاتة، فإذا سُفيان بنُ الأبرد الكلبيّ قد حَمل عليهم فهزَمهم من قِبَل الميمنة، فقلتُ: أبِشر أيُّها الأمير، فإنّ الله قد هَزَم العدوّ، فقال لي: قم فانظر؛ قال: فقمتُ فنظرت؛ فقلتُ: قد هزمهم الله، قال: قُمْ يا زياد فانظر؛ قال: فقام فنظر فقال: الحقّ أصلحك الله يقينًا قد هُزِموا، فخرّ ساجدًا، فلما رجعت شتمني أبي وقال: أردتَ أن تُهلِكني وأهل بيتي.\nوقتل في المعركة عبد الرحمن بن عَوْسجة أبو سُفْيان النهميّ، وقتِل عقبة بن عبد الغافر الأزديّ ثمّ الجهضميّ في أولئك القرّاء في رِبْضة واحدة، وقُتِل عبد الله بن رِزام الحارثيّ، وقُتِل المنذرُ بنُ الجارود، وقُتل عبد الله بن عامر بن مسمَع، وأتيَ الحجاجُ برأسه، فقال: ما كنتُ أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه؛ وبارز سعيد بن يحيى بن سعيد بن العاص رجلًا يومئذ فقتَله، وزعموا أنَّه كان مولىً للفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان شجاعًا","vol":"9","page":368},{"text":"يُدعَى نُصَيرًا، فلما رأى مشيتَه بين الصفَّين، وكان يلومه على مِشْيته قال: لا ألومُه على هذه المِشْية أبدًا.\nوقتِل الطفيل بن عامر بن واثلة، وقد كان قال وهو بفارسَ يُقبل مع عبد الرحمن من كَرْمان إلى الحجاج:\nأَلا طَرَقَتْنا بالغَريَّيْنِ بَعدَما ... كلِلْنَا على شَحْط المَزارِ جَنُوبُ\nأَتوْكَ يقُودُون المَنايا وإِنَّمَا ... هدَتها بأوَلَانا إليك ذُنوبُ\nولا خيْرَ في الدّنيا لِمن لم يكَن لهُ ... منَ اللهِ في دَارِ القرَارِ نصيب\nألا أَبلِغ الحجّاج أَنْ قد أظَلَّهُ ... عذاب بأَيْدِي المؤمنينَ مُصيبُ\nمتى نَهْبط المصرَين يهْرُبْ مُحمّدٌ ... ولَيْسَ بِمُنْجِى ابنِ اللعين هرُوبُ\nقال: منَّيتَنا أمرًا كان في علم الله أنَّك أولَى به، فعجَّلَ لك في الدنيا، وهو معذبك في الآخرة، وانهزمَ الناسُ، فأقبل عبد الرحمن نحوَ الكوفة وتبعه من كان معه من أهلِ الكوفة، وتَبِعه أهلُ القوّة من أصحاب الخيل من أهل البَصْرة.\nولما مضى عبدُ الرحمن نحوَ الكوفة وَثَب أهل البَصرة إلى عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتَل بهم خمسَ ليال الحجّاج أشدّ قتال رآه الناس، ثمّ انصرف فلَحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البَصْرة فلَحِقوا به، وخرج الحَرِيش بن هلال السعديّ وهو من بني أنيف الناقة - وكان جريحًا - إلى سَفَوانَ فماتَ من جِراحتِه، وقُتِل في المعركة زيادُ بنُ مقاتل بن مِسمَع من بني قيس بن ثعلبة، فقامت حَمِيدة ابنتُه تَندبُه، وكان على خُمس بكرِ بن وائل مع ابن الأشعث وعلى الرّجال، فقالت:\nوحامَى زيادٌ على رايتَيْهِ ... وفرَّ جُدَيُّ بني العَنبَرِ\nفجاء البلتَع السعديّ فسمعها وهي تَندُب أباها، وتعيب التميميّ، فجاء وكان يبيع سَمْنًا بالمِربَد، فترك سَمْنه عند أصحابه، وجاء حتى قام تحتها فقال:\nعلامَ تلَوِمينَ من لم يُلِمْ ... تَطاول لَيْلكِ من مُعْصِرِ!\nفإنْ كانَ أَردَى أَباكِ السِّنانُ ... فقَدْ تلْحَقُ الخَيْلُ بالمدْبِرِ\nوقَدْ تَنْطَحُ الخَيْلُ تحْتَ العَجَا ... ج غَيْرَ البريّ ولا المُعْذِرِ\nونَحْنُ منَعْنَا لواءَ الحَريشِ ... وطاح لواءُ بني جحْدرِ\nفقال عامر بن واثلة يرثي ابنَه طُفيلًا:","vol":"9","page":369},{"text":"خَلَّى طُفيلٌ عَلَيَّ الهَمَّ فانشَعَبا ... وهَدَّ ذلك رُكنِي هَدَّةً عجبَا\nوابْنَىْ سُمَيَّةَ لا أَنساهما أَبَدًا ... فيمن نسيتُ وكل كان لي نَصَبَا\nوأخْطأَتْني المنايا لا تُطالعُني ... حتى كبِرْتُ ولم يَتْرُكنَ لي نشَبَا\nوكنْتُ بعْدَ طُفَيْلٍ كالذي نَضَبَتْ ... عنه الميَاه وفاض الماءُ فانْقَضَبَا\nفلا بَعِيرَ لَهُ في الأرضِ يَركَبُهُ ... وإن سَعى إثر مَنْ قَدْ فاتَهُ لَغَبَا\nوسارَ من أَرضِ خاقانَ الَّتي غلَبت ... أبناءُ فارسَ في أَرْبائها غَلَبَا\nومنْ سجِستَانَ أَسبابٌ تُزَيّنُهَا ... لك المَنِيَّةُ حَيْنًا كان مُجْتَلَبَا\nحتى وَرَدت حياض الموتِ فانكَشَفَتْ ... عنك الكتائِبُ لا تخفى لها عقبا\nوغَادَرُوكَ صريعًا رهْن معْركَةٍ ... تُرَى النُّسورُ على القتلى بها عُصَبا\nتعاهَدُوا ثمَّ لَمْ يُوفُوا بما عَهِدُوا ... وأَسلَمُوا للِعَدُوِّ السَّبْيَ والسَّلَبَا\nيا سَوءَةَ القَوْمِ إِذْ تُسْبىَ نِسَاؤُهُمُ ... وهُمْ كثِيرٌ يَرَونَ الخزيَ والحربَا (١)\n(٦/ ٣٤٢ - ٣٤٥)\nقال أبو مخنَف: فحدّثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفيّ أنّ الحجّاج أقام بقيّة المحرّم وأوّل صفر، ثمَّ استعمل على البَصرة أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل، ومضى ابن الأشعث إلى الكوفة، وقد كان الحجاج خلّف عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضْرميّ، حليف حَرْب بن أمية على الكوفة (٢). (٦/ ٣٤٥).\nقال أبو مخنَف - كما حدّثني يونس بن أبي إسحاق -: إنه كان على أربعة آلاف من أهل الشام (٣). (٦/ ٣٤٥).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني سهمُ بنُ عبد الرحمن الجُهنيّ أنهم كانوا ألفين، وكان حنظلة بنُ الورّاد من بني رِياح بن يَرْبوع التميميّ وابن عتّاب ابنِ وَرْقاء على المدائن، وكان مطرُ بن ناجية من بني يَرْبوع على المعونة، فلما بلغه ما كان من أمر ابن الأشعث أقبلَ حتى دنا من الكوفة، فتحصّن منه ابنُ الحضْرميّ في القصر، ووثب أهلُ الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضْرميّ، ومن معه من أهل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":370},{"text":"الشام، فحاصَرَهم، فصالحوه على أن يخرجوا ويخلّوه والقصر، فصالحهم (١). (٦/ ٣٤٥).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني يونسُ بن أبي إسحاقَ أنَّه رآهم يَنزلون من القصر على العَجَل، وفتِح باب القصر لمطر بن ناجية، فازدَحَم الناسُ على باب القصر، فزُحم مَطر على باب القصر، فاخترط سيفَه، فضَرَب به جحْفَلة بغل من بغالِ أهل الشام، وهم يخرجون من القصر، فألقى جحْفلته ودخل القَصْر، واجتمع الناس عليه فأعطاهم مئتي درْهم، قال يونس: وأنا رأيتها تُقسَم بينهم، وكان أبو السقر فيمن أعطِيَها، وأقبل ابنُ الأشعث منهزمًا إلى الكوفة، وتبعَه الناسُ إليها (٢). (٦/ ٣٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت وقعة دَيْر الجَماجم بين الحجاج وابن الأشعث في قول بعضهم. قال الواقدي: كانت وقعةُ دَيْر الجَماجم في شعبان من هذه السنة، وفي قول بعضهم: كانت في سنة ثلاث وثمانين.\n* ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الأشعث إلى دَيْر الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجّاج بها:\nذكر هشام عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزبير الهَمْدانيّ ثمّ الأرجيّ، قال: كُنت قد أصابتْني جِراحة، وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابنَ الأشَعث حين أقبل، فاستقبلوه بعدما جازَ قنطرَة زبارا، فلما دنا منها قال لي: إن رأيتَ أن تعدل عن الطريق - فلا يرى الناسُ جراحتَك فإني لا أحبّ أن يستقبلهم الجرحى - فافعل، فعدلتُ ودخل الناسُ، فلما دخل الكوفة مالَ إليه أهلُ الكوفة كلهم، وسبقتْ همْدان إليه، فحفّت به عند دارِ عمروِ بنُ حُرَيث إلا طائفةً من تميم لَيْسوا بالكثير قد أتَوا مطرَ بنَ ناجية، فأرادوا أن يقاتِلوا دونَه، فلم يُطيقوا قتالَ الناس، فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعَجل، فوُضِعتْ ليَصعدَ الناسُ القَصْر، فصعِد\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":371},{"text":"الناسُ القصر فأخذوه، فأتِيَ به عبد الرحمن بن محمَّد، فقال له: استبقني فإني أفضلُ فُرسانِك وأعظمُهم عنك غَناء؛ فأمر به فحُبس، ثمّ دعا به بعد ذلك فعفا عنه وبايَعه مَطَرٌ، ودخلَ الناس إليه فبايعوه، وسَقَط إليه أهلُ البصرة، وتَقَوَّضَتْ إليه المَسالِح والثغور، وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن بنُ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرِف بذلك، وكان قد قاتل الحجاج بالبَصْرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثًا، فبلغ ذلك عبد الملك بنَ مروان، فقال: قاتل الله عُديّ الرَّحْمن، إنه قد فرّ! وقاتل غلمانٌ من غِلمان قريش بعده ثلاثًا، وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البرّ حتى مرّ بين القادسيَة والعُذَيب، ومَنَعوه من نزول القادسيّة، وبعث إليه عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث عبد الرحمن بن العبّاس في خيل عظيمة من خيل المصرَيْن فمنعوه من نزول القادسيّة، ثمَّ سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثمّ تَسايرَوا حتى نزل الحجاج ديرَ قُرَّة، ونزل عبدُ الرحمن بنُ العباس ديرَ الجماجم، ثمّ جاء ابن الأشعث فنزل بديرِ الجمَاجم والحجاج بدير قُرَّة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبدُ الرحمن يزْجُر الطيرَ حيث رآني نزلتُ ديرَ قُرَّة، ونزل ديرَ الجماجم!\nواجتمع أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الثغور والمسالح بدَيْر الجماجم والقرّاء من أهل المِصرَين، فاجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، وجمَعَهم عليه بغضُهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مُقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مَواليهم، وجاءت الحجاجَ أيضًا أمدادُه من قِبَل عبد الملك من قبل أن ينزل ديرَ قُرَّة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن يَنزِل ديرَ قُرَّة أن يرتفع إلى هِيتَ وناحية الجزيرة إرادةَ أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيَه المددُ من الشام من قريب، ويقترب من رَفاغة سِعْر الجزيرة، فلما مرّ بدَيْر قرة قال: ما بهذا المنزل بُعدٌ من أمير المؤمنين، وإنّ الفلاليج وعين التمر إلى جَنْبنا، فنزل فكان في عسكره مخندِقًا وابن محمَّد في عسكره مخندقًا، والناس يخرجون في كلّ يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يُدنِي خَندقَه نحو صاحبه، فإذا رآه الآخر خندقَ أيضًا، وأدنَى خندقه من صاحبه، واشتدّ القتال بينهم، فلما بلغ ذلك رؤوس قريش وأهلُ الشام قِبَل عبد الملك ومَواليه قالوا: إن كان إنما يُرْضِي أهل العراق أن يُنزَعَ عنهم الحجاج، فإنّ نزع الحجاج أيسرُ من حَرْب أهلِ العراق، فانزِعْه","vol":"9","page":372},{"text":"عنهم تُخْلص لك طاعتُهم، وتحقن به دِماءنا ودماءَهم، فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمَّد بن مروان بأرض المَوْصل يأمره بالقدوم عليه، فاجتمَعا جميعًا عنده؛ كلاهما في جُنْدَيهما؛ فأمرهما أن يَعرِضا على أهل العراق نزعَ الحجّاج عنهم، وأن يُجرِيَ عليهم أعطياتِهم كما تُجرَى على أهل الشام، وأن ينزل ابن محمَّد أيّ بلد من عراق شاءَ، يكون عليه واليًا ما دام حيًّا، وكان عبد الملك واليًا؛ فإن هم قبلوا ذلك عُزل عنهم الحجاج، وكان محمَّد بن مروان أمير العراق، وإن أبَوا أن يقبلوا فالحجّاج أميرُ جماعة أهلِ الشام ووليّ القتال، ومحمد بن مروانَ وعبد الله بن عبد الملك في طاعته، فلم يأتِ الحجاجَ أمرٌ قطَ كان أشدّ عليه ولا أغيَظ له ولا أوَجعَ لقَلْبه منه مخافةَ أن يقبلوا فيُعزَلَ عنهم، فكتَب إلى عبد الملك:\nيا أميرَ المؤدمنين، والله لئن أعطيتَ أهلَ العراق نَزْعى لا يلبثون إلَّا قليلًا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلَّا جرأةً عليك، ألم تر وتَسمع بوُثوب أهلِ العراق مع الأشتر على ابن عفّان، فلما سألهم ما يريدون قالوا: نزعَ سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه! إنَّ الحديدَ بالحديدِ يُفْلَح خارَ الله لك فيما ارتأيتِ، والسلام عليك.\nفأبَى عبدُ الملك إلَّا عرضَ هذه الخِصال على أهل العراق إرادةَ العافية من الحَرْب، فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبدُ الله بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق، أنا عبدُ الله بن أمير المؤمنين، وهو يُعطيكم كذا وكذا، فذكَر هذه الخصال التي ذكرْنا، وقال محمَّد بنُ مروان: أنا رسولُ أمير المؤمنين إليكم، وهو يَعرِض عليكم كذا وكذا، فذكَرَ هذه الخصالَ، قالوا: نرجع العشيّة، فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الأشعث، فلم يَبقَ قائدٌ ولا رأس قوم ولا فارسٌ إلَّا أتاه، فَحمِد الله ابنُ الأشعث وأثنَى عليه ثمّ قَالَ:\nأما بعد، فقد أعطِيتم انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذِي الرّأي غدًا حَسْرة، وإنكم اليومَ على النّصف وإن كانوا اعتدّوا بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيَوْم تُسْتَرَ فاقبلوا ما عَرضوا عليكم وأنتم أعزّاءُ أقوياءُ، والقومُ لكم هائبون وأنتم لهم منتقصِون، فلا واللهِ لا زِلتم عليهم جُرّاء، ولا زلتمْ عندهم أعزّاء، إن أنتم قبلتم أبدًا ما بقيتم.","vol":"9","page":373},{"text":"فوَثب الناسُ من كل جانب، فقالوا: إنَّ الله قد أهلكهم فأصبحوا في الأزْل والضّنْك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العَدَد الكثير، والسعر الرفيغ والمادّة القريبة، لا واللهِ لا نقبل.\nفأعادوا خلعَه ثانية، وكان عبد الله بن ذواب السلميّ وعمَير بن تيحان أوّل من قام بخلعه في الجمَاجم، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارسَ.\nفرجع محمَّد بنُ مروانَ وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا: شأنَك بعَسْكرك وجندِك فأعمل برأيك، فإنا قد أمِرْنا أن نَسمَع لك ونطيع، فقال: قد قلتُ لكما: إنه لا يُراد بهذا الأمر غيرُكما، ثمَّ قال: إنما أقاتل لكما، وإنما سلطاني سلطانُكما، فكانا إذا لَقِياه سلَّما عليه بالإمرة، وقد زَعَم أبو يزيدَ السَّكْسكيّ أنَّه إنما كان أيضًا يسلّم عليهما بالإمرة إذا لقيَهما، وخلَّياه والحرب فتولّاها (١). (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٩).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني الكلبي محمَّد بن السائب أنّ الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعتُ عبد الرحمن بن محمَّد وهو يقول: ألا إنَّ بني مَرْوان يعيَّرون بالزّرقاء، والله ما لهم نسبٌ أصحّ منه إلا أن بني أبي العاص أعلاجٌ من أهل صَفّورِيَة، فإن يكنْ هذا الأمر في قريش فعنّي فُقئتْ بَيضة قريش، وإن يَك في العرب فأنا ابن الأشعث بن قيس - ومدّ بها صوتَه يُسمِع الناسَ - وبَرَزوا للقتال، فجعل الحجّاجُ على ميمنته عبدَ الرحمن بنَ سُليم الكلبيّ، وعلى ميسرَته عُمارة بن تميم اللّخميّ، وعلى خَيلِه سُفْيان بن الأبرد الكلبي، وعلى رجَّالته عبد الرحمن بن حبيب الحكميّ، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجّاج بن جارية الخثعميّ، وعلى ميسَرته الأبرد بن قرّة التميميّ، وعلى خَيلِه عبد الرّحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشميّ، وعلى رجَّالته محمَّد بن سعد بن أبي وقّاص، وعلى مجففته عبد الله بن رِزَام الحارثيّ، وجعل على القرّاء جَبَلة بن زَحْر بن قيس الجعفيّ، وكان معه خمسةَ عشرَ رجلًا من قريش،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":374},{"text":"وكان فيهم عامر الشعبيّ، وسعيد بنُ جبير، وأبو البختريّ الطائيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.\nثمَّ إنهم أخذوا يتزاحفون في كلّ يوم ويقتتلون؛ وأهل العراق تأتيهم موادّهم من الكوفة ومن سواِدها فيما شاؤوا من خِصبِهم، وإخوانُهم من أهل البَصْرة وأهل الشام في ضِيق شديد، قد غلتْ عليهم الأسعار، وقَلّ عندهم الطعام، وفَقَدوا اللّحم، وكانوا كأنهم في حصار، وهم على ذلك يُغادون أهلَ العراق ويراوِحُونهم، فيقَتتلون أشدّ القتال، وكان الحجاجُ يُدنى خندقه مرّة وهؤلاء أخرى، حتى كان اليوم الذي أصيبَ فيه جَبلة بن زحْر، ثمّ إنه بعث إلى كُمَيل بن زياد النخعيّ وكان رَجُلًا رَكينًا وقورًا عند الحرب، له بأس وصوتٌ في الناس، وكانت كتيبتُه تُدعى كتيبة القرّاء، يُحمل عليهم فلا يكادون يبرحون، ويحملون فلا يكذبون، فكانوا قد عرفوا بذلك، فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون، وخرج الناسُ، فعبّى الحجاج أصحابَه، ثمّ زحف في صُفوفه، وخرج ابن محمّد في سبعة صفوف بعضها على أثَر بعض، وعبّى الحجاج لكتيبة القرّاء التي مع جَبلَة بن زَحْر ثلاث كتائب، وبعث عليها الجرّاح بن عبد الله الحَكَميّ، فأقبلوا نحوَهم (١). (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو يزيد السَّكْسَكيّ، قال: أنا والله في الخيلِ التي عُبِّيت لجبلَة بن زَحْر، قال: حملْنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات؛ كلّ كتيبة تحمل حَمْلة، فلا والله ما استنقَصْنا منهم شيئًا (٢). (٦/ ٣٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلّب</span>\nوفي هذه السنة تُوُفِّي المغيرةُ بنُ المهلّب بخُراسانَ.\nذكَر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضل بن محمَّد، قال: كان المغيرةُ بنُ المهلب خليفةَ أبيه بمَرْو على عَمله كله، فمات في رجَب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد، وعلمَه أهلُ العسكر فلم يُخبِروا المهلّب، وأحبّ يزيد أن يبلّغه، فامر\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":375},{"text":"النساء فصرَخْن، فقال المهلّب: ما هذا؟ فقيل: مات المغيرة، فاسترْجعَ وجَزِع حتى ظهر جزَعُه عليه، فلَامه بعضُ خاصّته، فدعا يزيدَ فوجّهَه إلى مَرْوَ، فجعل يُوصِيه بما يَعمَل ودموعه تَنْحدِر على لحيته، وكتب الحجّاج إلى المهلب يعزّيه عن المغيرة، وكان سيدًا، وكان المهلب يومَ مات المغيرة مقيمًا بكِسّ وراء النهر لحرْب أهلِها.\nقال: فسار يزيدُ في ستين فارسًا - ويقال: سبعين - فيهم مُجّاعة بن عبد الرحمن العَتَكيّ، وعبد الله بن مُعمّر بن سُمير اليَشكريّ، ودينار السجِسْتانيّ، والهيثم بن المنخّل الجُرْموزيّ، وغَزوان الإسكاف صاحب زَمّ - وكان أسلَمَ على يد المهلب - وأبو محمَّد الزّميّ، وعطية - مولى لعتيك - فلقيَهم خمسمئة من الترك في مَفازةِ نَسَفَ، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجّار؛ قالوا: فأين الأثقال؟ قالوا: قدّمناها؛ قالوا: فأعطُونا شيئًا، فأبى يَزيد، فأعطاهم مُجّاعة ثوبًا وكرابيسَ وقَوسًا، فانصرَفوا ثمّ غَدرُوا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنتُ أعلمُ بهم فقاتِلوهم، فاشتدّ القتال بينهم، ويزيدُ على فرس قريب من الأرض، ومعه رجلٌ من الخَوارج كان يزيدُ أخَذه، فقال: استَبْقني؛ فمنّ عليه، فقال له: ما عندَك؟ فحمَل عليهم حتى خالطهم، وصار من ورائِهم وقد قَتَل رَجلأ، ثمّ كرّ فخالطهم حتى تقدّمهم وقَتَل رجلًا ثمّ رجع إلى يزيدَ، وقتَل يزيدُ عظيمًا من عظمائهم، ورُمى يزيدُ في ساقه، واشتدّت شوكتهم، وهرب أبو محمَّد الزّميّ، وصبر لهم يزيدُ حتى حاجَزوهم، وقالوا: قد غَدرنا، ولكن لا ننصرف حتى نموتَ جميعًا أو تموتوا أو تُعطونا شيئًا، فحلف يزيدُ لا يعطيهم شيئًا، فقال مُجّاعة: أذكّرك اللهَ، قد هلك المغيرة، وقد رأيتَ ما دخل على المهلب من مصابه، فأنشُدك الله أن تصابَ اليومَ!\nقال: إنَّ المغيرة لم يَعْدُ أجلَه، ولستُ أعدو أجَلي، فرمى إليهم مُجَّاعة بِعمامة صفراءَ فأخذوها وانصَرَفوا، وجاء أبو محمَّد الزّميّ بفوارسَ وطعام، فقال له يزيد: أسلَمتنا يا أبا محمَّد؛ فقال: إنما ذهبتُ لأجيئكم بمَدَد وطعام، فقال الراجز:\nيزيدُ يا سَيفَ أَبي سعيدْ ... قد علمَ الأقوامُ والجنودْ\nوالجمعُ يَوم المجمع المشهودْ ... أنك يوم التُّركِ صَلبُ العودْ","vol":"9","page":376},{"text":"وقال الأشقريّ:\nوالتُّرك تعلمُ إذ لَاقى جُموعَهُمُ ... أنْ قد لقوهُ شِهابًا يَفرِج الظُّلمَا\nبفِتيَةٍ كأُسُودِ الغابِ لم يَجِدوا ... غيرَ التأسِّي وغيرَ الصبرِ مُعْتَصَمَا\nنرى شَرائجَ تَغشى القومَ من علقٍ ... وما أَرى نبوةً منهمْ ولا كَزَما\nوتحتَهُمْ قرَّحٌ يَرْكبْنَ ما ركِبوا ... من الكريهة حتى ينْتلعن دَمَا\nفي حازَّةِ الموتِ حتى جنَّ لَيْلُهُمُ ... كِلَا الفريقين ما وَلَّى ولا انهزما (١)\n(٦/ ٣٥٠ - ٣٥٢).\n* * *\nوفي هذه السنة صالَح المهلب أهل كسّ على فِدْية، ورحلَ عنها يريد مَرْوَ. ذكر الخبر عن سبب انصراف المهلَّب عن كِسّ:\nذكر عليّ بنُ محمَّد، عن المفضّل بن محمَّد، أن المهلب اتّهم قومًا من مُضرَ فحبسهم وقَفَل من كِسّ وخَلّفهم، وخَلّف حريث بنَ قُطْبة مولَى خُزاعة، وقال: إذا استوفيتَ الفِدْية فرُدَّ عليهم الرُّهُن، وقطع النَّهر فلما صار ببَلْخَ أقام بها وكَتَب إلى حُرَيث: إني لستُ آمن إن رددت عليهم الرّهُن أن يغيروا عليك، فإذا قبضتَ الفِديَة فلا تخلّى الرُّهُن حتى تقدم أرض بَلْخ. فقال حُرَيث لِملك كِسّ: إنَّ المهلب كتب إليّ أن أحبس الرُّهُن حتى أقدم أرض بَلْخ، فإن عَجّلت لي ما عليك سلّمتُ إليك رهائنَك، وسرت فأخبرتُه أن كتابه ورد، وقد استوفيتُ ما عليكم، ورددتُ عليكم الرهُن؛ فعجِّل لهم صُلحَهم، وردّ عليهم من كان في أيديهم منهم، وأقبَل، فعرَضَ لهم الترك، فقالوا: افْدِ نفسَك ومن معك، فقد لقينا يزيدَ بن المهلّب ففَدَى نفسِه، فقال حُرَيث: ولَدَتْني إذًا أمّ يزيد! وقاتَلَهم فقَتَلهم، وأسرَ منهم أسرَى ففدوْهم، فمنّ عليهم وخلّاهم، وردّ عليهم الفِداء، وبلِغ المهلّبَ قولُه: ولدتْني أمّ يزيدَ إذًا، فقال: يأنف العبدُ أن تَلده رَحِمهُ! وغَضِب.\n_________\n(١) المفضل بن محمَّد غير ثقة في الحديث علَّامة ثقة في التاريخ كما قال الخطيب البغدادي، وانظر لسان الميزان.\nوهو لم يشهد تلك الأحداث إنما يرسل الرواية عنها وقد أخذنا بروايته إذا تابعه آخرون ولم يتابع هنا والله أعلم.","vol":"9","page":377},{"text":"فلما قدم عليه بَلَخَ قال له: أين الرّهُن؟ قال: قبضتُ ما عليهم وخلَّيتهُم، قال: ألم أكتبْ إليك ألَّا تخلّيَهم! قال: أتاني كتابُك وقد خليتُهم، وقد كُفيتُ ما خفتَ؛ قال: كذبتَ، ولكنك تقرّبت إليهم وإلى مَلكِهم فأطلعتَه على كتابي إليك، وأمَرَ بتجريده، فجَزِع من التجريد حتى ظنّ المهلبُ أن به برصًا، فجرّده وضَرَبه ثلاثين سَوْطًا، فقال حُرَيث: وَدِدتُ أنَّه ضربني ثلاثمئة سَوْط ولم يجرّدني، أنَفًا واستِحياء من التجريد، وحلف ليَقتلنّ المهلّب.\nفرَكِب المهلب يومًا ورَكِب حُرَيث، فأمر غلامين له وهو يَسيرُ خلفَ المهلّب أن يضرباه، فأبى أحدُهما وتَرَكه وانصرف، ولم يجترئ الآخر لمّا صار وحده أن يُقدمَ عليه، فلما رجع قال لغلامه: ما منعك منه؟ قال: الإشفاق والله عليك، وواللهِ ما جزعتُ على نفسي، وعلمتُ أنا إنْ قتلناه أنك ستُقتَل ونقتَل، ولكن كان نظري لك، ولو كنت أعلم أنك تسلم مِنْ القَتل لقتلتُه.\nقال: فترك حُرَيث إتيانَ المهلّب، وأظهر أنَّه وَجِعٌ، وبلغ المهلّب أنَّه تمارَض وأنه يريد الفتك به، فقال المهلب لثابت بن قطبة: جئني بأخيك، فإنما هو كبعض ولدي عِندْي، وما كان ما كان منّي إليه إلَّا نظرًا له وأدبًا، ولربما ضربتُ بعضَ ولدي أؤدِّبه، فأتى ثابت أخاه فناشَدَه، وسأله أن يركَبَ إلى المهلب، فأبى وخافَه، وقال: واللهِ لا أجيئُه بعدما صَنَع بي ما صَنَع، ولا آمنُه ولا يأمنُني، فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له: أما إنْ كان هذا رأيُك فأخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم، وخاف ثابت أن يَفتِك حريثٌ بالمهلّب فيُقتلون جميعًا؛ فخرجا في ثلاثمئة من شاكريّتهما والمنقطِعين إليهما من العرب (١). (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>خبر وفاة المهلب بن أبي صفرة</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي المهلب بن أبي صفرة.\n* ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته:\nقال عليّ بن محمَّد: حدّثني المفضّل، قال: مضى المهلب منصرَفَهُ من كِسّ\n_________\n(١) انظر التعليقة السابقة على الرواية التي مرت آنفًا.","vol":"9","page":378},{"text":"يريد مَرْوَ، فلما كان بزاغولَ من مَرْو الرُّوذ أصابتْه الشَّوْصة - وقوم يقولون: الشوْكة - فدعا حبيبًا ومَن حضَره من ولده، ودعا بسهام فحُزمتْ، وقال: أترونكم كاسرِيها مجتمعةً؟ قالوا: لا، قال: أفترَوْنكم كاسِريها متفرّقة؟ قالوا: نعم؛ قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتَقَوى الله وصلةِ الرّحِم، فإن صِلَة الرّحِم تُنسئ في الأجل، وتُثْرى المال، وتُكثر العَدَدِ؛ وأنهاكم عن القطيعة، فإن القطيعة تُعْقِب النار، وتورِث الذلَّة والقِلّة، فتحابّوا وتواصَلوا، وأجمِعوا أمرَكم ولا تختَلفوا، وتبارُّوا تجتمعْ أمورُكم؛ إنَّ بني الأمّ يختلفون، فكيف ببني العَلّات! وعليكم بالطاعة والجماعة، وليكن فعالُكم أفضل من قولكم، فإني أحبّ للرجل أن يكون لعمله فضلٌ على لسانه، واتقوا الجوَابَ وزلّة اللسان، فإنّ الرجل تزِلّ قدمُه فينتعِش من زَلته، ويزِلّ لسانُه فيَهلِك، اعرِفوا لمَن يغشاكم حقَّه، فكفى بغَدوّ الرجل ورَواحِه إليكم تذكرةً له، وآثروا الجُودَ على البُخْل، وأحِبّوا العَرَب واصطنعوا العُرْف، فإنّ الرجل من العرب تَعدُه العِدةَ فيموتَ دونَك، فكيف الصنيعة عندَه! عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإنْ أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوّه قيل: أتى الأمرَ من وَجْهه، ثمّ ظفِر فحُمد، وإن لم يَظهر بعد الأناة قيل: ما فرّط ولا ضيّع، ولكنّ القضاء غالب، وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنَن، وأدب الصّالحين، وإياكم والخِفّة وكثرَة الكلام في مجالسكم، وقد استخلفتُ عليكم يزيدَ، وجعلتُ حبيبًا على الجُنْد حتّى يَقدم بهم على يزيد، فلا تُخالفوا يزيدَ، فقال له المفضّل: لو لم تقدّمه لقدّمناه.\nومات المهلّب وأوصى إلى حبيب، فصلّى عليه حبيب، ثمّ سار إلى مَرْوَ، وكتب يزيدُ إلى عبد الملك بوَفاةِ المهلب واستخلافهِ إياه، فأقرّه الحجّاج.\nويقال: إنه قال عند موته ووصيّته: لو كان الأمرُ إليّ لولّيتُ سيد ولدي حبيبًا، قال: وتوفِّيَ في ذي الحِجة سنة اثنتين وثمانين، فقال نَهارُ بنُ تَوسِعة التميميّ:\nأَلَا ذَهبَ الغزوُ المُقَرِّبُ للغِنَى ... ومات النَّدى والجُودُ بعد المهلَّبِ\nأقامَا بمروَ الرُّوذِ رَهنَيْ ضريحِهِ ... وقد غُيّبَا عن كلّ شرقٍ ومغربِ\nإذا قيلَ أيُّ الناسِ أَولى بنعمةٍ ... على الناسِ؟ قلناه ولم نتَهَيَّبِ\nأبَاحَ لنا سهلَ البلادِ وحزنَها ... بخيلٍ كأَرسال القَطَا المُتَسَرِّبِ","vol":"9","page":379},{"text":"يُعرِّضُها للطَّعنِ حتّى كأَنَّما ... يجلِّلها بالأرجُوان المُخضَّبِ\nتُطيفُ به قَحطانٌ قد عُصِّبتْ به ... وأحلافُها من حيّ بكرٍ وتَغلِبِ\nوحَيَّا مَعدٍّ عُوَّذٌ بِلِوائه ... يُفدُّونَه بالنفس والأم والأَب\n(٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥)\n* * *\nوفي هذه السنة ولّى الحجّاجُ بن يوسفَ يزيدَ بنَ المهلب خُراسانَ بعد موت المهلّب.\nوفيها عَزَل عبدُ الملك أبانَ بن عثمان عن المدينة؛ قال الواقديّ: عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلتْ من جُمادَى الآخرة.\nقال: وفيها ولّى عبدُ الملك هشامَ بن إسماعيلَ المخزوميّ المدينة، وعَزَل هشامُ بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفَلَ بن مُساحق العامريّ، وكان يحيى بن الحَكم هو الذي استقضاه على المدينة، فلما عُزل يحيى ووَليها أبانُ بنُ عثمان أقرّه على قضائها؛ وكانت ولاية أبانَ المدينةَ سبع سنينَ وثلاثةَ أشهر وثلاث عشرةَ ليلة، فلما عَزَل هشامُ بن إسماعيلُ نوفَلَ بن مُساحِق عن القضاء ولَّى مكانَه عمرو بن خالد الزُّرَقيّ.\nوحجّ بالناس في هذه السنة أبانُ بنُ عثمان، كذلك حدّثني أحمدُ بنُ ثابت عمّن ذكره، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكان على الكوفة، والبَصْرة والمَشرِق الحجّاجُ، وعلى خُراسانَ يزيدُ بنُ المهلب من قبَل الحجّاج. (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>ثمَّ دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الأحداث التي كانت فيها خبر هزيمة ابن الأَشعث بدير الجماجم</span>\nفمما كان فيها من ذلك هزيمةُ عبدِ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث بدَيْر الجمَاجم.\n* ذكر الخبر عن سبب انهزامه:\nذكر هشام بن محمَّد، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو الزّبير الهمْدانيّ،","vol":"9","page":380},{"text":"قال: كنتُ في خَيْل جَبَلة بن زحْل، فلما حَمَل عليه أهلُ الشام مرة بعد مرّة نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشرَ القرّاء، إنَّ الفِرار ليس بأحد من الناس بأقبحَ منه بكم؛ إني سمعتُ عليًّا - رفع الله درجتَه في الصّالحين، وأثابَه أحسَن ثوابَ الشهداء والصدّيقين - يقول يومَ لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه مَن رأى عُدوانًا يُعمَل به، ومُنكَرًا يُدعَى إليه، فأنكرَهَ بقَلْبه فقد سَلم وبَرِئ، ومن أنكر بلِسانه فقد أجِر، وهو أفضلُ من صاحبه، ومَن أنكَره بالسيف لتكون كلمةُ الله العُلَيا وكلمةُ الظالمين السفْلَى، فذلك الذي أصابَ سبيلَ الهُدى، ونوّر في قلبه اليقين، فقاتِلوا هؤلاء المُحِلّين المُحدِثين المبتدعِين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعَمِلوا بالعدوان فليس يُنْكرونه.\nوقال أبو البَخْتَري: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم ودُنْياكم، فوالله لئن ظهَروا عليكم ليُفسِدُنّ عليكم دينكم، وليَغلِبُنّ على دنياكم.\nوقال الشعبيّ: يا أهل الإِسلام قاتِلُوهم ولا يأخذْكم حَرَجٌ من قتالهم، فوالله ما أعلم قومًا على بَسيطِ الأرض أعمَل بِظُلم، ولا أجْوَرَ منهم في الحُكم، فليكن بهم البدار.\nوقال سعيد بنُ جُبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم قاتِلوهم على جَوْرِهم في الحُكْم، وتجبّرهم في الدين، واستذلالِهم الضّعفاء وإماتتهم الصّلاة (١). (٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\nقال أبو مخنَف: قال أبو الزّبير: فتهيّأنا للحَمْلة عليهم، فقال لنا جَبَلة: إذا حمِلتم عليهمْ فاحملوا حملةً صادقة، ولا تردّوا وجوهكم عنهم حتى تُواقِعوا صفَّهم، قال: فحملنا عليهم حملةً بجدّ منّا في قتالِهم، وقوّة منا عليهم، فضربنا الكتائبَ الثلاث حتى اشفترّت، ثمّ مضينا حتى واقعْنا صفّهم فضربناهم حتى أزلْناهم عنه، ثمّ انصرفْنا فمررنا بجَبَلة صريعًا لا نَدري كيف قُتل.\nقال: فهدّنا ذلك وَجبُنّا فوقَفْنا موقفنا الذي كنّا به، وإنّ قُرّاءنا لمتوافِرون ونحن نتنَاعى جبلةَ بن زَحْر بيننا، كأنما فقدَ به كلّ واحد منا أباه أو أخاه، بل هو\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":381},{"text":"في ذلك المَوطِن كان أشدّ علينا فَقدًا، فقال لنا أبو البَخْتريّ الطائيّ: لا يستبينَنّ فيكم قتلُ جَبَلة بن زَحْر، فإنما كان كرجل منكم أتتْه منيّته ليَومها، فلم يكن ليتقدّم يومُه ولا ليتأخّر عنه، وكلّكم ذائق ما ذاقَ، ومدعوّ فمجيب، قال: فنظرتُ إلى وجوه القُرّاء فإذا الكآبةُ على وجوههم بيّنة، وإذا ألسنتهم منقطِعة، وإذا الفَشَل فيهم قد ظَهَر، وإذا أهلُ الشام قد سُرّوا وجَذِلوا، فنادَوا: يا أعداءَ الله، قد هَلَكتم، وقد قَتَل الله طاغُوتكم (١). (٦/ ٣٥٨).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني أبو يزيد السَّكسكيّ أنّ جبَلة حين حَمل هو وأصحابُه علينا انكشفْنا، وتبعونا، وافترقتْ منا فِرقة فكانت ناحيةً، فنظرْنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابَنا، وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رَهوة فقال بعَضُنا: هذا والله جَبَلة بن زَحْر، احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيلَ بالقِتال عنه لعلّكم تصيبونه، قال: فحملْنا عليه، فأشهَدُ ما وَلَّى ولكن حَمل علينا بالسيف، فلمّا هبط من الرَّهوة، شَجرْناه بالرّماح فأذْرَيناه عن فرسه فوقع قتيلًا، ورجع أصحابُه، فلما رأيناهم مقبلين تنحيْنا عنهم، فلما رأوه قتيلًا رأينا من استرجاعهم وجزعِهم ما قرّت به أعيُننا؛ قال: فتبينّا ذلك في قتالهم إيانا وخروجِهم إلينا (٢). (٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\nقال أبو مخنَف: حدّثني سهم بنُ عبد الرحمن الجُهَنيّ، قال: لما أصيب جَبلة هدّ الناسَ مقتلُه، حتى قدم علينا بِسطام بن مَصقَلة بن هُبيرة الشيبانيّ، فشجع الناسَ مقدَمُه، وقالوا: هذا يقوم مقامَ جَبَلة، فسَمِع هذا القولَ من بعضهم أبو البَختريّ، فقال: قُبِّحتم! إن قتل منكم رجل واحد ظننتمْ أن قد أحِيط بكم، فإن قُتل الآن ابنَ مصقَلة ألقَيتم بأيديكم إلى التهلكة، وقلتم: لم يَبق أحد يقاتِل معه! ما أخَلَقكم أن يُخلَفَ رجاؤنا فيكم! وكان مَقدم بِسطام من الرّيّ، فالتقى هو وقتيبة في الطريق، فدعاه قُتيبة إلى الحجّاج وأهل الشام، ودعاه بِسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه، وقال بِسطام: لأنَّ أموتَ مع أهل العراق أحَبّ إليّ من أن أعيشَ مع أهل الشام، وكان قد نزل ماسَبَذَانَ؛ فلمّا قدم قال لابن محمَّد: أمِّرْني على خيل ربيعةَ؛ ففعل، فقال لهم: يا معشر\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":382},{"text":"ربيعة، إنَّ فيّ شَرسَفةً عند الحرب فاحتملوها لي - وكان شُجاعًا - فخرج الناسُ ذاتَ يوم ليَقتتلوا، فَحمل في خيلِ ربيعةَ حتى دخل عسكرَهم، فأصابوا فيهم نحوًا من ثلاثين امرأةً من بين أمَة وسُرّيّة، فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردّهنّ، فجئن ودخلْنَ عسكر الحجاج، فقال: أوْلَى لهم! مَنَع القومُ نساءَهم، أما لو لم يردّوهنّ لسبيت نساؤهم غدًا إذا ظَهرت ثمَّ اقتَتلوا يومًا آخَر بعد ذلك، فحمَل عبدُ الله بنُ مُلَيل الهَمْدانيّ في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثمانيَ عشرةَ امرأةً، وكان معه طارقُ بنُ عبد الله الأسديّ - وكان راميًا - فخرج شيخٌ من أهل الشام من فُسْطاطِه، فأخَذ الأسديّ يقول لبعض أصحابه: استرْ منّي هذا الشيخَ لعلّني أرمِيه أو أحمل عليه فأطعنه، فإذا الشيخ يقول رافعًا صوتَه: اللهمّ لُمّنا وإيّاهم بعافية؛ فقال الأسَديّ: ما أحبّ أن أقتَل مِثلَ هذا، فتركه وأقبَل ابنُ مليل بالنساء غيرَ بعيد؛ ثمّ خلّى سبيلَهنّ أيضًا، فقال الحجّاج مِثلَ مقالتِه الأولى (١). (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\nقال هشام: قال أبي: أقبل الوليد بن نُحيْت الكلبيّ من بني عامر في كتيبة إلى جَبَلة بن زحْر، فانحطّ عليه الوليد من رابية - وكان جسيمًا، وكان جبَلة رجلًا رَبْعةً - فالتَقَيا، فضربَه على رأسه فسَقَط، وانهزَم أصحابُه وجِيء برأسِه. (٦/ ٣٦٠).\nقال هشام: فحدّثني بهذا الحديث أبو مِخنَف وعَوانة الكلبيّ، قال: لمّا جيء برأس جبلة بن زَحْر إلى الحجاج حَمَله على رمحين ثمّ قال: يا أهل الشام، أبشِروا؛ هذا أوّل الفتح، لا والله ما كانت فِتنة قطّ فخبَتْ حتى يُقتل فيها عظيمٌ من عظماء أهل اليَمَن، وهذا من عظمائهم، ثمّ خرجوا ذاتَ يوم فخرج رجلٌ من أهل الشام يدعو إلى المبارَزة، فخرج إليه الحجّاج بن جارية، فحملِ عليه، فطعنَه فأذْراه، وحمل أصحابُه فاستنقَذوه، فإذا هو رجل من خَثْعَم يقال له أبو الدَّرداء، فقال الحجاج بن جارية: أما إنّي لم أعرفه حتى وقع، ولو عرفتُه ما بارزته، ما أحِبّ أن يصابَ من قومي مِثله، وخرج عبد الرحمن بن عوف الرّؤاسيّ أبو حميد فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ابن عمّ له من أهل الشام،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":383},{"text":"فاضطربا بسيْفَيهما، فقال كلّ واحد منهما: أنا الغلام الكلابيّ، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: مَنْ أنت؟ فلمّا تساءَلا تحاجَزا، وخرج عبدُ الله بنُ رِزام الحارثيّ إلى كَتيبة الحجاج، فقال: اخرُجوا إليّ رجلًا رجلًا، فأخرج إليه رجلٌ، فقتَلَه ثمّ فعل ذلك ثلاثة أيام، يَقتُل كلّ يوم رجلًا، حتى إذا كان اليوم الرابع أقبَل، فقالوا: قد جاء لا جاء الله به! فدعا إلى المبارَزة، فقال الحجاج للجرّاح: اخُرج إليه، فخرج إليه، فقال له عبدُ الله بنُ رِزام - وكان له صديقًا: ويْحَك يا جرّاح! ما أخرجك إليّ! قال: قد ابتُليتُ بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: أنهزِم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنتَ عندَه وحَمِدَك، وأما أنا فإني أحتمل مقالَة الناس في انهزامي عنك حُبًّا لسلامتك، فإني لا أحبّ أن أقتلَ من قومي مثلك؛ قال: فافعل، فحَملَ عليه فأخذ يَستَطرد له - وكان الحارثيّ قد قطعتْ لهاتُه، وكان يَعطش كثيرًا، وكان معه غلامٌ له معه إدَاوةٌ من ماء، فكلَّما عَطِش سقاهُ الغلام - فاطَّرد له الحارثيّ، وحمَل عليه الجرّاح حملةً بجد لا يريد إلَّا قتله، فصاح به غُلامُه: إنّ الرجل جادّ في قتلك! فعَطَف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصَرَعه، فقال لغلامه: انضَحْ على وجهه من ماء الإداوة، واسقِه؛ ففعلَ ذلك به، فقال: يا جرّاح، بئْسَما جزَيْتني، أردتُ بك العافية وأردتَ أن تُزيرني المنيّة! لم أرِدْ ذلك، فقال: انطَلِقْ فقد تركتُك للقرابة والعشيرة (١). (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١).\nقال محمّد بن عمر الواقديّ: حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن صالح بن كَيْسان، قال: قال سعيد الحَرَشيّ: أنا في صفّ القتال يومئذ إذ خرج رجلٌ من أهل العراق، يقال له: قدامة بن الحَريش التميميّ، فوقف بين الصّفين، فقال: يا معشر جَرامِقة أهلِ الشام، إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسوله، فإن أبيتم فليخرج إليّ رجلٌ، فخرج إليه رجلٌ من أهل الشام فقتَله، حتى قتل أربعة، فلما رأى ذلك الحجاج أمر مناديًا فنادَى: لا يَخرج إلى هذا الكَلْب أحد، قال: فكفّ الناس، قال سعيد الحَرَشيّ: فدنوتُ من الحجاج فقلت: أصلَح الله الأمير! إنك رأيتَ ألَّا يَخرُج إلى هذا الكلب أحد، وإنما هلك مَن هلك من هؤلاء النفر بآجالهم، ولهذا الرجل أجَلٌ، وأرجو أن يكون قد حضر، فائْذن لأصحابي الذين قَدِموا معي فليخرج إليه رجل منهم، فقال الحجّاج: إن هذا الكلب لم يزل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":384},{"text":"هذا، له عادة وقد أرعب الناس، وقد أذنت لأصحابك، فمن أحبَّ أن يقوم فليَقم.\nفرجع سعيد الحَرشيّ إلى أصحابه فأعلمهم، فلما نادى ذلك الرجل بالبراز بَرَز إليه رجل من أصحاب الحرشيّ، فقتله قدامةُ، فشقّ ذلك على سعيد، وثَقُل عليه لكلامه الحجاج، ثمَّ نادى قدامة: مَن يُبارِز؟ فدنا سعيد من الحجاج، فقال: أصلَحَ الله الأمير! ائذَن لي في الخروج إلى هذا الكَلْب، فقال: وعندَك ذلك؟ قال سعيد: نعم، أنا كما تحبّ؛ فقال الحجاج: أرِني سيفَك، فأعطاه إياه، فقال الحجّاج - ونظر إلى سعيد فقال: ما أجوَدَ دِرعَك وأقوى فرسك! ولا أدري كيف تكون مع هذا الكلب! قال سعيد: أرجو أن يُظفِرني الله به، قال الحجاج: أخرج على بَرَكة الله، قال سعيد: فخرجتُ إليه، فلما دنوتُ منه، قال: قفْ يا عدوَّ الله، فوقفتْ، فسرّني ذلك منه، فقال: اختَر إما أنْ تُمكِنني فأضربَك ثلاثًا، وإما أن أمكِنك فتضرَبني ثلاثًا، ثمّ تُمكِنني، قلت: أمكِنّي، فوَضَع صدرَه على قَرَبوسه ثمّ قال: اضربْ، فجمعتَ يديّ على سَيْفي، ثمَّ ضربتَ على المِغفرَ متمكِّنًا، فلم يصنع شيئًا، فساءني ذلك من سيفي ومِن ضَرْبتي، ثمّ أجمع رأيي أن أضربَه على أصل العاتق، فإما أن أقطع وإما أن أوهن يدَه عن ضربته، فضربتُه فلم أصنع شيئًا؛ فساءني ذلك ومن غاب عني ممّن هو في ناحية العسكر حتى بلغه ما فعلت، والثالثةَ كذلك، ثمّ اخترط سيفًا ثمَّ قال: أمكنّي، فأمكَنْته، فضربني ضربةً صَرَعني منها، ثمَّ نزل عن فرسه وجلس على صَدري، وانتَزعَ من خُفّيْه خِنْجرًا أو سكّينًا فوضعها على حَلْقي يريد ذَبْحي، فقلتُ له: أُنشدُك الله! فإنك لست مصيبًا من قتلى الشرف والذكر مثلَ ما أنت مصيب من تَرْكي، قال: ومن أنتَ؟ قلت: سعيد الحَرشيّ، قال: أوْلى يا عدو الله! فانْطلِقْ فأعلِم صاحبك ما لقيت.\nقال سعيد: فانطلقتُ أسعى حتى انتهيتُ إلى الحجاج، فقال: كيف رأيتَ! فقلتُ: الأميرُ كان أعلمَ بالأمر. (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٣).\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف، عن أبي يزيد، قال: وكان","vol":"9","page":385},{"text":"أبو البَخْتري الطائيّ وسعيد بن جُبَير يقولان: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا. . .﴾ إلى آخر الآية، ثمَّ يَحمِلان حتى يُواقِعا الصّفّ.\nقال أبو المُخارِق: قاتلْناهم مئةَ يوم سَواء أعدّها عدًّا. قال: نَزلْنا ديرَ الجماجم مع ابن محمَّد غداةَ الثلاثاء لليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين، وهُزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضتْ من جُمادى الآخرة عند امتداد الضّحى ومُتوع النهار، وما كنا قطّ أجرأ عليهم ولا هم أهوَن علينا منهم في ذلك اليوم.\nقال: خرجْنا إليهم وخرجوا إلينا يومَ الأربعاء، لأربع عشرة مضتْ من جُمادى الآخِرة، فقاتلْناهم عامّة النهار أحسنَ قتال قاتلناهُمُوه قَطّ، ونحن آمنون من الهزيمة، عالُون للقوم، إذ خرج سُفيان بنُ الأبرد الكلبيّ في الخيل من قِبَل ميمنة أصحابه، حتى دنا من الأبرد بن قُرّة التميميّ، وهو على مَيْسرة عبد الرحمن بن محمد، فوالله ما قاتَلَه كبير قتال حتى انهزم، فأنكَرها الناسُ منه، وكان شجاعًا، ولم يكن الفِرار له بعادة، فظنّ الناسُ أنَّه قد كان أومِن، وصُولح على أن يَنهزم بالناس، فلما فعلها تقوَّضَت الصفوفُ من نحوه، ورَكِب الناس وجوههم وأخذوا في كلّ وجه، وصَعِد عبد الرحمن بن محمَّد المِنبَر، فأخذ يُنادِي الناس: عبادَ الله، إليّ أنا ابنُ محمَّد؛ فأتاه عبدُ الله بن رزام الحارثيّ، فوقف تحت منبره، وجاء عبدُ الله بن ذؤاب السُّلَميّ في خيل له، فوقف منه قريبًا، وثبت حتى دنا منه أهل الشام، فأخذتْ نَبلُهم تحوزُه، فقال: يا بن رِزام، احِمل على هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا، ثمَّ جاءت خيل لهم أخرى ورَجّالة، فقال: احمل عليهم يا بن ذُؤاب، فحمَل عليهم حتى أمعَنوا، وثبت لا يبرَح مِنبرَه، ودخل أهل الشام العسكر، فكبَّروا، فصَعِد إليه عبدَّ الله بن يزيد بن المغفَّل الأزديّ - وكانت مُلَيكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن - فقال: انزل، فإني أخافُ عليك إن لم تنزل أن تؤسَر، ولعلك إن انصرفْتَ أن تجمع لهم جَمْعًا يُهلكُهم الله به بعد اليوم، فنزل وخَلَّى أهل العراق العسكر، وانهزَموا لا يلوُون على شيء، ومضى عبدُ الرحمن بنُ محمَّد مع ابن جَعدة بن هُبيرة ومعه أناس من أهل بيته، حتى إذا حاذَوا قريةَ بني جَعْدة بالفلّوجة دعوا بِمعبَر، فعبَروا فيه، فانتهى إليهم بِسطام بنُ مَصقَلة، فقال: هل في السفينة عبدُ الرحمن بن محمَّد؟ فلم يكلّموه، وظنّ أنَّه فيهم، فقال:","vol":"9","page":386},{"text":"لا وأَلَتْ نفس عليها تُحاذِرُ\nضَرَّمَ قَيْسٌ عليَّ البِلا ... دَ حتى إذا اضْطَرَمت أجْذَمَا\nثمَّ جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح، وهو على فرسه لم يَنزل عنه، فخرجتْ إليه ابنتُه فالتزمها، وخرج إليه أهلُه يبكون، فأوصاهم بوصيّة وقال: لا تَبكُوا، أرأيتم إن لم أتركْكم، كم عسَيتُ أن أبقَى معكم حتى أموت! وإن أنا مِتّ فإن الذي رَزَقكم الآن حيٌّ لا يموت، وسَيرْزقكم بعدَ وَفاتي كما رَزقكم في حياتي، ثمّ ودّع أهلَه وخرج من الكُوفة (١). (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\nقال أبو مِخنف: فحدّثني الكلبيّ سحمد بن السائب، أنهم لما هُزِموا ارتفاعَ النهار حين امتدّ ومَتَع، قال: جئتُ أشتدّ معي الرمح والسيف والتُّرس حتى بلغتُ أهلي من يومي، ما ألقيتُ شيئًا من سلاحي، فقال الحجاج: اتركوهم فليتبدّدوا ولا تتبعوهم، ونادى المنادِي: مَن رجع فهو آمِن، ورجع محمَّد بنُ مروانَ إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام بعد الوقعة، وخلّيا الحجّاج والعراق، وجاء الحجّاج حتى دخل الكوفة، وأجلس مَصقَلة بن كرب بن رَقَبة العبدّي إلى جَنْبه، وكان خطيبًا، فقال: اشتم كلَّ امرئ بما فيه ممّن كُنّا أحسنا إليه، فاشتمه بقلّة شكره، ولؤم عهده؛ ومن علمتَ منه عيبًا فعبْه بما فيه، وصغّرْ إليه نفسَه، وكان لا يبايعه أحدٌ إلا قال له: أتشهد أنك قد كفرتَ؟ فإذا قال: نعم، بايَعه وإلا قتَله، فجاء إليه رجل من خَثْعَم قد كان مُعتزِلًا للناس جميعًا من وراء الفُرات، فسأله عن حاله فقال: ما زلتُ معتزلًا وراءَ هذه النّطفة، منتظِرًا أمرَ الناس حتى ظهرتَ، فأتيتُك لأبايعَك مع الناس؛ قال: أمتربِّص! أتَشْهَد أنك كافر؟ قال: بئسَ الرَّجل أنا إن كنتُ عبدتُ الله ثمانين سنةً ثمّ أشهد على نفسي بالكفر؛ قال: إذًا أقتُلَكَ؛ قال: وإن قتلتَني فوالله ما بقي من عُمْري إلَّا ظِمْءُ حِمار، وإني لأنتظر الموتَ صباحَ مساءَ، قال: اضربوا عنقه، فضُربتْ عنقه، فزَعموا أنَّه لم يبق حولَه قرشيّ ولا شاميّ، ولا أحد من الحزْبَيْن إلَّا رحمه ورَثى له من القَتْل.\nوَدَعَا بكُميل بن زياد النَّخَعيّ فقال له: أنت المقتصّ من عثمانَ أمير المؤمنين؟ قد كنت أحبّ أن أجدَ عليك سبيلًا، فقال: واللهِ ما أدري على أيّنا أنتَ أشدّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":387},{"text":"غضبًا؟ عليه حين أقادَ من نفسه، أم عليّ حين عفوتُ عنه؟ ثمِّ قال: أيّها الرجل من ثَقيف، لا تَصرِف عليَّ أنيابَك، ولا تهدَّمْ عليَّ تهدُّم الكَثِيب، ولا تكشِرْ كَشَرانَ الذئب، والله ما بقي من عمري إلَّا ظِمْءُ الحمار، فإنَّه يشرب غُدوةً ويموت عشيّة، ويشرب عشيّة ويموت غُدْوة، اقضِ ما أنتَ قاض، فإنّ الموعد اللهُ، وبعد القتل الحساب، قال الحجاج: فإنّ الحجة عليك، قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى، كنتَ فيمن قتلَ عثمانَ، وخلعتَ أميرَ المؤمنين، اقتلوه.\nفقُدِّم فقُتل، قتَلَه أبو الجَهْم بن كنانة الكلبيّ من بني عامر بن عوف، ابن عمّ منصور بن جمهور.\nوأتِيَ بآخرَ من بعده، فقال الحجّاج: إِني أرى رجلًا ما أظنه يشهد على نفسه بالكُفر، فقال: أَخادِعي عن نفسي! أنا أكفر أهلِ الأرض، وأكفَر من فرعون ذِي الأوتادِ، فضحك الحجاج وخلّى سبيلَه.\nوأقام بالكوفة شهرًا. وعَزَل أهل الشام عن بيوت أهل الكوفة (١). (٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>هزيمة ابن الأَشعث وأَصحابه في وقَعة مسكن</span>\nوفي هذه السنة كانت الوقعة بمَسْكن بين الحجّاج وابن الأشعث بعدما انهزم من دير الجماجم.\n* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها:\nقال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي يزيدَ السَّكْسكيّ، قال: خرج محمّد بن سعد بن أبي وَقاص بعد وَقْعة الجماجم حتى نزل المدائن، واجتمع إليه ناسٌ كثير، وخرج عُبيد الله بنُ عبد الرّحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس القُرَشيّ حتى أتى البَصرة وبها أيّوب بن الحكَم بن أبي عقِيل، ابن عمّ الحجاج، فأخذها، وخرج عبد الرّحمن بن محمَّد حتى قدم البَصرة وهو بها، فاجْتمعَ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":388},{"text":"الناسُ إلى عبد الرحمن ونزل، فأقبل عُبيد الله حينئذ إلى ابن محمَّد بن الأشعث، وقال له: إني لم أرِد فِراقَك، وإنما أخذتها لك، وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن، فأقام عليها خَمْسًا حتى هيأ الرجال في المعَابر، فلما بلغ محمَّد بن سعد عبورُهم إليهم خرجوا حتى لحِقوا بابن الأشعث جميعًا، وأقبَل نحوَهم الحجاج، فخرج الناسُ معه إلى مَسكن على دُجَيل، وأتاه أهلُ الكوفة والفُلول من الأطراف، وتَلَاوم الناسُ على الفِرار، وبايع أكثرهم بِسطام بن مَصقَلة على الموت، وخنَدَقَ عبدُ الرحمن على القوم؛ فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرّحمن فأدركه بالسوس، فقاتَلَه ساعةً من نهار، ثمّ إنه انهزَم هو وأصحابه فمضَوا حتى أتَوا سابور، واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمَّد الأكرَادُ مع من كان معه من الفُلول، فقَاتَلَهم عمارة بن تميم قتالًا شديدًا على العَقَبة حتى جُرِح عمارة وكثيرٌ من أصحابه، ثمّ انهزم عمارة وأصحابه وخلَّوْا لهم عن العَقَبة، ومضى عبدُ الرحمن حتى مرّ بكَرمان (١). (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\nقال الواقديّ: كانت وقعة الزاوية بالبَصرة في المحرّم سنة ثلاث وثمانين. (٦/ ٣٦٨).\nقال أبو مخنفَ: حدّثني سيف بن بِشْر العجْليّ، عن المنخل بن حابس العبديّ، قال: لما دخل عبد الرحمن بن محمَّد كَرْمان تلقاه عمرو بن لَقيط العبديّ - وكان عاملَه عليها - فهيأ له نُزُلًا فَنَزل، فقال له شيخ من عبد القيس يقال له مَعقِل: واللهِ لقد بَلَغنا عنك يا بن الأشعث أن قد كنت جَبانًا، فقال عبدُ الرحمن: واللهِ ما جَبُنْتُ، والله لقَد دلَفْتُ الرّجال بالرّجال، ولففتُ الخيلَ بالخيل، ولقد قاتلت فارسًا، وقاتلت راجلًا، وما انهزمتُ ولا تركتُ العرْصة للقوم في مَوْطن حتى لا أجِد مُقاتَلًا ولا أرى معي مقَاتلًا، ولكني زاولتُ مُلْكًا مؤجلًا، ثمّ إنه مضى بمن معه حتى فوّز في مَفازةِ كرْمان (٢). (٦/ ٣٦٨).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني هشام بن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبي عَقِيل الثقفيّ، قال: لما مضى ابن محمَّد في مفازة كَرمان وأتْبعه أهلُ الشام دخل بعضُ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":389},{"text":"أهل الشام قصرًا في المَفازة، فإذا فيه كتاب قد كتَبه بعضُ أهل الكوفة من شِعْر أبي جلدة اليَشكُريّ، وهي قصيدة طويلة:\nأَيا لَهْفًا ويا حَزنًا جميعًا ... ويا حَرَّ الفؤاد لِمَا لَقِينَا!\nتركنا الدّينَ والدنيا جميعًا ... وأَسلمْنا الحلائلَ والبنِينَا\nفما كنّا أُناسًا أهلَ دينٍ ... فنَصبِرَ في البلاءِ إذا ابتلينا\nوما كنَّا أُناسًا أهل دنْيَا ... فنمْنَعَهَا وَلَوْ لم نرجُ دينا\nتركنا دُورنا لطَغَامِ عَكٍّ ... وأنباطِ القُرَى والأَشَعرينا\nثمّ إن ابن محمَّد مضى حتى خرج على زَرَنْج مدينة سِجِستَان وفيها رجل من بني تميم قد كان عبد الرحمن استعمَلَه عليها، يقال له عبد الله بن عامر البعّار من بني مُجَاشع بن دارِم، فلما قَدِم عليه عبد الرّحمن بن محمَّد على أصحابه، وبَشَقَ الماء من جانب، فجعل القتال من وجه واحد، وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القَسْريّ من خُراسان في ناس من بَعْث الكوفة، فاقتَتَلوا خمسَ عشرةَ ليلةً من شعبان أشدَّ القتال حتى قُتِل زيادُ بن غُنيم القَينيّ، وكان على مَسالِح الحجّاج، فهدّه ذلك وأصحابَه هدًّا شديدًا (١). (٦/ ٣٦٦).\nقال أبو مِخنَف: حدّثني أبو جَهْضَم الأزْديّ، قال: بات الحجّاج ليلَه كلَّه يسير فينا يقول لنا: إنكم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية، وأنتم تَسعَوْن في رضوان الله، وهم يَسَعَون في سُخْط الله، وعادة الله عندكم فيهم حَسَنة؛ ما صدقتمُوهم في موطِن قطّ ولا صبرتُم لهم إلَّا أعقَبَكم الله النصرَ عليهم والظفَر بهم؛ فأصبِحوا إليهم عادِين جادِّين، فإني لست أشكّ في النصر إن شاء الله.\nقال: فأصبَحْنا، وقد عبّأنا في السَّحَر، فباكرناهم فقاتَلْناهم أشدَّ قتال قاتلناهُمُوه قطّ، وقد جاءنا عبدُ الملك بن المهلب مجفّفًا، وقد كُشفتْ خيل سُفيان بن الأبرد، فقال له الحجاج: ضمّ إليك يا عبد الملك هذا النّشَر لعلي أحمِل عليهم، ففعَل، وحمل الناسُ من كلّ جانب، فانهزم أهلُ العراق أيضًا، وقتِل أبو البَخْتريّ الطائيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقالا قبل أن يُقتَلا: إنَّ الفِرار كلّ ساعة بنا لَقبيح، فأصيبا.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":390},{"text":"قال: ومشى بِسطام بن مَصقَلة الشيبانيّ في أربعة آلاف من أهل الحِفاظ من أهل المصرَيْن، فكَسَروا جفونَ السيوف، وقال لهم ابن مَصقَلة: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجوْنا منه فَرَرنا، ولكنا قد علمنا أنَّه نازل بنا عما قليل، فأين المَحيد عما لابدّ منه! يا قوم إنكم مُحِقون، فقاتِلوا على الحقّ، واللهِ لو لم تكونوا على الحقّ لكان موتٌ في عزّ خيرًا من حياة في ذُلّ.\nفقاتَلَ هو وأصحابُه قتالًا شديدًا كَشَفوا فيه أهلَ الشام مرارًا، حتى قال الحجّاج: عليّ بالرماة لا يقاتلهم غيرُهم، فلما جاءتْهم الرّماة وأحاطَ بهم الناس من كلّ جانب قُتلوا إلا قليلًا، وأخذ بكير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ أسيرًا، فأتِيَ به الحجاج فقتله (١). (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو الجَهْضَم، قال: جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس، فقال الحجاج: يا أهل الشام، إنه من صُنعْ الله لكم أنّ هذا غلام من الغِلْمان جاء بفارس أهل العراق أسيرًا، اضرب عنقَه، فقتله.\nقال: ومضى ابن الأشعث والفَلّ من المنهزِمين معه نحو سِجِسْتانَ فأتْبَعهم الحجّاج عمارة بن تميم اللخميّ، ومعه ابنه محمَّد بن الحجاج وعمارة أميرٌ منهزمًا أَغلَق باب المدينة دونَه، ومنعه دخولَها، فأقام عليها عبد الرّحمن أيامًا رجاءَ افتتاحها ودخولها، فلما رأى أنَّه لا يصل إليها خرج حتى أتى بُسْتَ، وقد كان استعمل عليها رجلًا من بكر بن وائل يقال له عِياض بن هِمْيان أبو هِشام بن عياضِ السدوسيّ، فاستقبَلَه، وقال له: انزِل، فجاء حتى نزل به، وانتظر حتى إذا غَفل أصحاب عبد الرحمن وتفرّقوا عنه وثب عليه فأوثَقَه، وأراد أن يأمَن بها عند الحجاج، ويتخذ بها عندَه مكانًا، وقد كان رُتْبيل سمع بمقدم عبد الرّحمن عليه، فاستقبله في جنوده، فجاء رُتْبيل حتّى أحاط ببُسْت، ثمّ نزل وبعث إلى البكريّ: والله لئن آذيتَه بما يُقذِي عينَه، أو ضررته ببعض المضرّة، أو رزأته حَبْلًا من شَعَر لا أبرح العَرْصة حتى أستنزِلَك فأقتُلَك وجميع من معك، ثمّ أسبي ذراريَّكم، وأقسِّم بين الجند أموالَكم، فأرسل إليه البكريّ، أن أعطنا أمانًا على أنفسِنا وأموالنا، ونحن ندفعه إليك سالمًا، وما كان له من مال مُوَفّرًا،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":391},{"text":"فصالحهم على ذلك، وآمنهم ففَتحوا لابن الأشعث الباب وخلّوا سبيلهُ، فأتى رُتْبيل فقال له: إنّ هذا كان عاملي على هذه المدينة، وكنت حيث ولّيته واثقًا به، مطمئنًا إليه، فغدَرَ بي وركب مني ما قد رأيتَ، فائْذنْ لي في قَتْله، قال: قد آمنتُه وأكرَه أن أغدِر به، قال: فأذْن لي في دفْعه وَلهزِه، والتصغير به، قال: أمّا هذا فنعم، ففعَل به عبدُ الرحمن بن محمد، ثمّ مضى حتىِ دخل مع رُتْبيل بلاده، فأنزله رُتْبيل عنده وأكرمه وعظّمه، وكان معه ناس من الفلّ كثير.\nثمّ إن عُظْم الفُلول وجماعةَ أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو الأمان؛ من الرّؤوس والقادة الذين نصبوا للحجّاج في كلّ موطن مع ابن الأشعث، ولم يَقبَلوا أمان الحجّاج في أوّل مرّة، وجهَدوا عليه الجهْدَ كلَّه، أقبلوا في أثر ابن الأشعث وفي طلبه حتى سَقَطوا بسِجِستانَ، فكان بها منهم وممن تَبِعهم من أهل سِجِسْتان وأهل البلد نحو من ستّين ألفًا، ونزلوا على عبد الله بنِ عامر البعّار فحصروه، وكَتَبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومِهم وعَددِهم وجماعتِهم، وهو عند رُتْبيل، وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فكَتَبوا إليه: أن أقبِلْ إلينا لعلنا نسير إلى خُراسان، فإنّ بها منا جُنْدًا عظيمًا، فلعلّهم يبايعوننا على قتال أهلِ الشام، وهي بلادٌ واسعة عريضة، وبها الرّجال والحُصون، فخرج إليهم عبد الرحمن بن محمد بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر البعّار حتى استنزَلوه، فأمر به عبد الرحمن فضُرِب وعُذّب وحُبِس، وأقبل نحوَهم عمارة بن تميم في أهل الشام، فقال أصحابُ عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن: اخرُج بنا عن سِجِستَان فلندعها له ونأتيَ خُراسان، فقال عبدُ الرحمن بن محمد: على خُراسان يزيد بن المهلب، وهو شابّ شجاع صارم، وليس بتارك لكمْ سلطانَه، ولو دخلتمُوها وجدتموه إليكم سريعًا، ولن يدع أهل الشام اتّباعكم، فأكره أن يجتمعَ عليكم أهلُ خُراسان وأهل الشام، وأخاف ألّا تنالوا ما تَطلبون، فقالوا: إنما أهل خُراسان منّا، ونحن نرجو أن لو قد دخلناها أن يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا، وهي أرضٌ طويلة عريضة ننتحِي فيها حيث شئنا، ونمكث حتى يُهلِك الله الحجّاج أو عبد الملك، أو نرى من رأينا، فقال لهم عبد الرحمن: سيرُوا على اسم الله.\nفساروا حتى بلغوا هَراةَ، فلم يشعُروا بشيء حتى خرج من عسكره عُبيد الله بن","vol":"9","page":392},{"text":"عبد الرحمن بن سَمُرة القرشيّ في ألفين، ففارَقَه فأخذ طريقًا سوى طريقِهم، فلمَّا أصبح ابن محمد قام فيهم فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال:\nأما بعد، فإني قد شهدتكم في هذه الموَاطن، وليس فيها مَشهَد إلّا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يَبقَى منكم فيه أحد، فلما رأيتُ أنكم لا تقاتلون، ولا تَصبرون، أتيتُ ملجأ ومأمنًا فكنتُ فيه، فجاءتني كتبُكم بأن أقبل إلينا، فإنا قد أجتمعْنا وأمرُنا واحد، لعلنا نقاتل عدوّنا، فأتيتكم فرأيت أن أمضيَ إلى خُراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لي، وأنكم لن تفرّقوا عني، ثمّ هذا عبيد الله بن عبد الرّحمن قد صنع ما قد رأيتم، فَحسبي منكم يومي هذا فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبَله، فمن أحبّ منكم أن يتّبعني فليتّبعْني، ومن كَرِه ذلك فليذهبْ حيث أحبّ في عياذ من الله.\nفتفرّقت منهم طائفة، ونزلتْ معه طائفة، وبقي عُظْم العسكر، فَوثَبُوا إلى عبد الرحمن بن العبّاس لما انصرف عبدُ الرحمن، فبايعوه، ثمّ مضى ابن محمد إلى رُتْبيل ومضوا هم إلى خُراسان حتى انتَهوا إلى هَرَاةَ، فلقوا بها الرّقاد الأزديّ من العَتيك، فقتَلوه، وسار إليهم يزيد بن المهلب.\nوأما عليّ بن محمد المدائنيّ فإنه ذكر عن المفضّل بن محمد أنّ ابن الأشعث لما انهزَم من مَسكِن مضى إلى كابُل، وأنّ عبيد الله بن عبد الرّحمن بن سَمُرة أتى هَراةَ فذمَ ابنَ الأشعث وعابَه بفراره، وأتى عبدُ الرّحمن بن عباس سِجِستْان فانضمّ إليه فَلّ ابنِ الأشعث، فسار إلى خُراسانَ في جمع يقال في عشرين ألفًا، فنَزل هراةَ ولقوا الرُّقّاد بن عبيد العَتَكى فقَتلوه، وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبدُ الرحمن بن المنذر بن الجارود، فأرسل إليه يزيدُ بن المهلّب: قد كان لك في البلاد متَّسعٌ، ومن هو أكلّ مني حَدًّا وأهوَنُ شَوْكة، فارتحِلْ إلى بلد ليس فيه سلطان، فإني أكره قِتالَك، وإن أحببتَ أن أمِدَّك بمال لسفرِك أعنتُك به؛ فأرسَلَ إليه: ما نزلْنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريحَ، ثمّ نَشخَص إن شاء الله، وليست بنا حاجةٌ إلى ما عرضتَ. فانصرَف رسولُ يزيدَ إليه، وأقبل الهاشميّ على الجباية، وبلغ يزيدَ، فقال: من أراد أن يُريحَ ثمّ يجتازَ لم يجْبِ الخَراجَ، فقدّم المفضّل في أربعة آلاف - ويقال في ستة آلاف - ثمّ أتبعه في أربعة آلاف، ووَزَن يزيدُ نفسَه بسلاحِه، فكان أربعَمئة رطل، فقال:","vol":"9","page":393},{"text":"ما أراني إلا قد ثَقُلت عن الحرب، أيّ فرس يحملني! ثمّ دعا بفرسه الكامل فرَكبهِ، واستخلَف على مرَو خالَه جُدَيع بن يزيد، وصيّر طريقَه على مَرْوَ الرُّوذ، فأتى قبرَ أبيه فأقام عندَه ثلاثة أيام، وأعطى من معه مئَة درهم مئَة درهم، ثمّ أتى هَراةَ فأرسل إلى الهاشميّ: قد أرحْتَ وأسمنْتَ وجَبَيْتَ، فلك ما جَبَيْتَ، وإن أردتَ زيادةً زِدناك، فأخرج فوالله ما أحِبّ أن أقاتلَك، قال: فأبى إلّا القتالَ ومعه عُبيد الله بنُ عبد الرحمن بن سَمُرة، ودسَّ الهاشميّ إلى جند يزيدَ يمنِّيهم ويدعوهم إلى نفسِه، فأخبر بعضهم يزيدَ، فقال: جَلَّ الأمرُ عن العتاب، أتغدَّى بهذا قبل أن يتعشَّى بي؛ فسار إليه حتى تَدانَى العسكران، وتأهبّوا للقتال، وألِقيَ ليزيدَ كرسيّ فقعد عليه، وولَّى الحربَ أخاه المفضّل، فأقبل رجلٌ من أصحاب الهاشميّ - يقال له خُلَيد عَيْنَيْنِ من عبد القيس - على ظَهْر فرَسه، فرفع صوتَه فقال:\nدَعتْ يا يَزِيدَ بنَ المهلَّب دَعْوَةً ... لها جَزَعٌ ثم استهلَّتْ عيُونُها\nولو يُسمِع الداعي النِّداء أَجابَها ... بصُمِّ القَنَا والبيض تُلْقَى جفُونُها\nوقدْ فَرَّ أَشرافُ العِرَاق وغادرُوا ... بها بقَرًا للحيْنِ جُمًّا قُرونُها\nوأراد أن يحضّ يزيد، فسكت يزيدُ طويلًا حتى ظنّ الناس أن الشِّعر قد حرَّكه، ثمّ قال لرجل: نادِ وأسِمعْهم، جَشّموهم ذلك، فقال خُلَيد:\nلبئس المنادِي والمنوَّهُ باسمِه ... تُنَادِيه أَبكارُ العِراقِ وعُونُها\nيَزيدُ إذا يُدعَى لِيَوْم حَفيظَةٍ ... ولا يَمْنَعُ السَّوْآتِ إلَّا حُصُونها\nفإِنّي أَراه عن قليلٍ بنفسِهِ ... يُدانُ كما قد كان قَبْلُ يَدِينُها\nفلا حُرَّةٌ تَبكِيهِ لكنْ نوَائحٌ ... تُبكِّي عليه البُقْعُ منها وَجُونُها\nفقال يزيدُ للمفضّل: قدِّم خيلَك، فتقدّم بها، وتهايَجوا فلم يكن بينهم كبيرُ قتال حتى تفرّق الناس عن عبد الرحمن، وصبر وصبرتْ معه طائفة من أهل الحفاظ، وصبر معه العبديّون، وحمل سعد بن نجد القُرّدوسيّ على حُلَيس الشيبانيّ وهو أمام عبد الرحمن، فطعنه حُلَيس فأذراه عن فرسِه، وسماه أصحابُه، وكثرهم الناس فانكشفوا، فأمر يزيدُ بالكَفّ عن اتباعهم، وأخذوا ما كان في عسكرهم، وأسَروا منهم أسرَى، فولى يزيدُ عطاءَ بنَ أبي السائب العسكر، وأمَرَه بضّم ما كان فيه، فأصابوا ثلاثَ عشرةَ امرأة، فأتوا بهنّ يزيدَ","vol":"9","page":394},{"text":"فدفعهنّ إلى مرّة بن عطاء بن أبي السائب، فحمَلَهنّ إلى الطّبَسَين، ثمّ حملهنّ إلى العِراق، وقال يزيد لسعد بن نجد: مَن طعنَك؟ قال: حليس الشيبانيّ، وأنا والله راجلًا أشدّ منه وهو فارس. قال: فبلغ حُليسًا، فقال: كذب واللهِ، لأنا أشدُّ منه فارسًا وراجلًا، وهرب عبد الرحمن بنُ منذر بن بِشر بن حارثة فصار إلى موسى بنِ عبد الله بنِ خازم، قال: فكان في الأسرى محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن موسى بن عبيد الله بن مَعمَر، وعيّاش بن الأسوَد بن عوف الزّهريّ والهلقام بن نُعيم بن القَعقاع بن مَعبد بن زُرارة، وفَيروز حصين، وأبو العِلْج مولَى عُبيد الله بن معمَرَ، ورجل من آل أبي عَقيل، وسَوّار بن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خَلَف، وعبد الله بن فَضالة الزّهرانيّ.\nولحق الهاشميّ بالسِّند، وأتى ابنُ سَمُرة مروَ، ثمّ انصرف يزيدُ إلى مروَ وبعث بالأسرى إلى الحجاج مع سَبْرة بن نَخْف بن أبي صُفْرة، وخلى عن ابن طلحة وعبدِ الله بن فضَالة، وسعى قومٌ بعُبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة، فأخذه يزيدُ فحبسه (١). (٦/ ٣٦٨ - ٣٧٣).\nوأمّا هشام فإنه ذكر أنه حدّثه القاسم بن محمد الحضرمي، عن حفص بن عمرو بن قَبيصة، عن رجل من بني حنيفة يقال له جابر بن عمارة، أنّ يزيدَ بن المهلب حبس عندَه عبدَ الرحمن بن طلحة وآمنَه، وكان الطلحيّ قد آلَى على يمينٍ ألا يرَى يزيدَ بنَ المهلب في موقف إلّا أتاه حتى يقبِّل يدَه شكرًا لما أبلاه، قال: وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص ليزيدَ: أسألك بدعوةِ أبي لأبيك! فخلّى سبيلَه، ولقول محمد بن سعد ليزيدَ: \"أسألك بدعوةٍ أبي لأبيك\" حديثٌ فيه بعضُ الطول. (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\nقال هِشام: حدّثني أبو مِخنَف: قال: حدّثني هشام بن أيّوب بن عبد الرحمن بن أبي عَقيل الثقفيّ، قال: بعث يزيد بن المهلب ببقية الأسرى إلى الحجاج بن يوسفَ؛ بعمَر بن موسى بن عُبيد الله بن مَعمَر، فقال: أنت صاحبُ شرطة عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! كانت فتنةٌ شملت البَرَّ والفاجر،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":395},{"text":"فدخلنا فيها، فقد أمكَنَك الله منا، فإنْ عفوتَ فبِحلمك وفضلِك، وإنه عاقبْت عاقبتَ ظَلَمَةً مذنِبين، فقال الحجّاج: أما قولك: \"إنها شمِلتِ البرّ والفاجرَ\" فكذبتَ، ولكنها شملت الفُجّارَ، وعُوفيَ منها الأبرار، واما اعترافك بذَنبْك فعسى أن يَنفَعَك، فعُزِل، ورجا الناس له العافية حتى قُدِم بالهلقام بن نعيم، فقال له الحجاج: أخبِرْني عنك، ما رجوتَ من اتباع عبد الرحمن بن محمد؟ أرجوتَ أن يكون خليفةَ؟ قال: نعم، رجوتُ ذلك، وطمِعت أن يُنزلني منزلتَك من عبد الملك، قال: فغضب الحجاج وقال: اضربوا عنقَه، فقُتل.\nقال: ونظر إلى موسى بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمرَ وقد نُحِّي عنه فقال: اضِربُوا عُنقَه، وقتل بقيّتهم، وقد كان آمن عمرو بن أبي قرّة الكنديّ ثمّ الحجْريّ وهو شريف وله بيتٌ قديم، فقال: يا عمرو، كنت تُفضي إليّ وتحدّثني أنك ترغب عن ابن الأشعث وعن الأشعث قبله، ثمّ تبعتَ عبد الرّحمن بن محمد بن الأشعث؛ والله ما بك عن اتّباعهم رغبةٌ، ولا نَعمةَ عين لك ولا كرامة.\nقال: وقد كان الحجاجُ حين هُزِم الناس بالجماجم نادى مناديه: مَن لِحق بقتَيْبة بن مسلم بالريّ فهو أمانُه، فلحق ناسٌ كثير بقتيبة، وكان فيمن لحق به عامر الشَّعبيّ، فذكر الحجّاجُ الشعبيَّ يومًا فقال: أين هو؟ وما فعل؟ فقال له يزيد بنُ أبي مسلم: بلغني أيها الأمير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالرّيّ، قال: فابحث إليه فلنُؤتَ به، فكَتَبَ الحجّاج إلى قتيبة: أمّا بعد، فابحث إليّ بالشعبيّ حين تَنظُر في كتابي هذا؛ والسّلام عليك؛ فسُرّح إليه. (٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني السرّيّ بن إسماعيل عن الشعبيّ، قال: كنتُ لابن أبي مسلم صَدِيقًا، فلما قُدِم بي على الحجاج لقيتُ ابن أبي مسلم فقلتُ: أشِرْ عليّ؛ قال: ما أدري ما أشيرُ به عليك غير أن أعتَذِر ما استطعت من عذر! وأشار بمثلِ ذلك عليّ نُصَحائي وإخواني، فلما دخلتُ عليه رأيتُ واللهِ غيرَ ما رأوا لي، فسلّمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيّها الأمير، إنّ الناس قد أمروني أن أعتذرَ إليك بغير ما يَعلم الله أنه الحقّ، وايمُ الله لا أقول في هذا المقام إلّا حقًّا، قد والله سوِّدنا عليك، وحرّضَنا وجهدنا عليك كلّ الجهد، فما آلِونا، فما كنا بالأقوياء الفجَرة، ولا الأتقياء البَرَرَة، ولقد نصرك اللهُ علينا، وأظفرَك بنا، فإن سطوتَ فبذُنوبنا وما جَرّت إليه أيدينا، وإن عفوتَ عنا فبحلمك، وبعد الحجة.","vol":"9","page":396},{"text":"لك علينا، فقال له الحجاج: أنت واللهِ أحبّ إليّ قولًا ممن يدخل علينا يَقطر سيفُه من دمائنا ثمّ يقول: ما فعلتُ ولا شهدتُ؛ قد أمِنْتَ عندنا يا شَعبيُّ، فانصرِفْ، قال: فانصرفتُ، فلما مَشَيتُ قليلًا قال: هلّم يا شعبيّ؛ قال: فوَجِل لذلك قلبي، ثمّ ذكرتُ قولَه: \"قد أمِنْت يا شعبيّ\" فاطمأنت نفسي، قال: كيف وجدتَ الناس يا شعبيّ بعدنا؟ قال - وكان لي مكرمًا: فقلتُ: أصلَح اللهُ الأمير! اكتحلتُ واللهِ بعدَك السَّهَر، واستوعَرْتُ الجَناب، واستحلَسْتُ الخوف، وفقدْتُ صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خَلَفًا. قال: انصرِف يا شَعبيّ، فانصرَفْتُ (١). (٦/ ٣٧٥).\nقال أبو مِخنَف: قال خالد بن قَطَن الحارثيّ: أتِيَ الحجّاجُ بالأعشى، أعشَى همْدانَ فقال: إيه يا عَدُوّ الله! أنشِدْني قولَك: \"بين الأشجّ وبين قيس\"، أنفِذْ بيتَك، قال: بل أنشدُك ما قلتُ لك؛ قال: بل أنشدْني هذه؛ فأنشدَهَ:\nأبى الله إلا أَن يُتَمِّمَ نُورَهُ ... ويُطْفئَ نُورَ الفَاسِقِينَ فيَخمُدا\nويُظهِرَ أَهْلَ الحَقّ في كلّ مَوْطِنٍ ... ويُعْدِلَ وقْع السَّيْفِ من كان أَصيَدا\nويُنْزِلَ ذُلّا بالعِرَاقِ وأَهلِهِ ... لِما نَقَضُوا العَهْد الوثيقَ الموكَّدَا\nوما أحْدَثوا مِنْ بِدْعَةٍ وعظيمةٍ ... من القوْلِ لم تَصْعدْ إلى اللهِ مَصْعدا\nوما نكَثوا مِنْ بَيْعةٍ بعْد بَيْعَةٍ ... إذا ضَمِنُوها اليَوْمَ خَاسُوا بها غَدَا\nوجُبْنًا حَشاهُ رَبهُمْ في قلوبِهِمْ ... فما يقْربُونَ الناس إلا تَهدُّدا\nفلا صِدْقَ في قَولٍ وِلا صَبْرَ عِنْدَهْم ... ولكِنَّ فخرًا فيهِمُ وتَزيُّدا\nفكَيْفَ رأيت اللهَ فرَّقَ جَمْعَهُمْ ... ومزَّقهُمْ عَرْضَ البلادِ وشرَّدَا!\nفقَتْلَاهم قَتلَى ضلَالٍ وفتْنةٍ ... وحيُّهُمُ أَمسى ذَلِيلًا مُطرَّدا\nولما زَحَفْنَا لابنِ يُوسُفَ غُدْوةً ... وأَبْرَقَ مِنَّا العَارِضَانِ وأَرْعَدا\nقَطَعْنَا إليه الخندقَين وإِنَّما ... قطَعْنا وأَفضينا إلى الموت مُرْصِدا\nفكافَحَنَا الحجّاجُ دُونَ صُفُوفنَا ... كِفاحًا ولَمْ يضْرِبْ لذلك موْعِدَا\nبِصَفٍّ كأَنَّ البَرقَ في حَجَراتِهِ ... إذا ما تجَلَّى بيْضهُ وتَوقّدا\nدلفْنَا إليه في صُفُوفٍ كأَنَّها ... جِبَالُ شَرَوْرَى لو تُعان فتَنْهُدا\nفما لَبثَ الحجّاجُ أَنْ سَلَّ سَيْفهُ ... عليْنَا فولَّى جَمْعُنا وتَبَدَّدَا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":397},{"text":"وما زاحَفَ الحجّاجُ إلا رأَيْتَهُ ... مُعانًا مُلَقَّى للْفتُوحِ مَعُوَّدَا\nوإنَّ ابْنَ عباسٍ لفي مرجَحِنَّةٍ ... نُشبّهُهَا قِطْعًا من الليْل أَسْوَدا\nفما شَرَعُوا رُمْحًا ولا جَرَّدُوا له ... ألا رُبَّما لاقى الجَبان فَجَرَّدا\nوكرَّتْ علَيْنا خَيْلُ سُفْيَانَ كَرَّةً ... بفرْسانها والسَمْهَريِّ مُقَصدَا\nوسُفْيَان يَهْدِيها كأنَّ لواءَهُ ... من الطعن سِندٌ بات بالصِّبغ مُجسدا\nكهولٌ ومُرْدٌ من قُضَاعَةَ حَوْلَهُ ... مَسَاعير أبَطال إذا النِّكْسُ عَرَّدا\nإذا قال شُدُّوا شَدَّةً حمَلوا مَعًا ... فأَنْهَلَ خِرْصانَ الرِّماح وأوردَا\nجُنُودُ أَمير المؤمنينَ وخَيْلُهُ ... وسلطَانُهُ أمسى عزيزًا مؤيَّدَا\nفيَهْنى أميرَ المؤمنينَ ظُهُورُه ... على أمّة كانوا بُغاةً وحسّدا\nنزوْا يَشتكونَ البغْيَ من أمرائِهِمْ ... وكانوا هُمُ أبغَى البغاةِ وأَعنَدا\nوجَدْنا بَنِي مروَانَ خَيْرَ أئمةٍ ... وأفضلَ هذي النّاسِ حِلْمًا وسُودَدَا\nوخَيْرَ قُريشٍ في قريش أرُومَةً ... وأكرمَهُم إلا النبيَّ محمّدا\nإذا ما تَدَبَّرنَا عَواقِبَ أَمرهِ ... وجَدْنا أَمير المؤمنين مُسَدَّدا\nسيُغلَب قوم غالبُوا الله جَهرةً ... وإن كايَدُوهُ كانَ أقوَى وأكْيَدا\nكذاك يضِلُّ اللهُ من كان قلبُه ... مريضًا ومَنْ والى النِّفاقَ وألْحدَا\nفقد تركوا الأَهلِينَ والمالَ خلفَهُمْ ... وبيضًا عليهنَّ الجلابيب خُرّدَّا\nيُنادينهم مُسْتَعْبرات إليهم ... ويُذْرِينَ دَمعًا في الخُدُودِ وإِثمِدَا\nفإِلّا تُنَاوِلْهُنَّ مِنكَ برحْمةٍ ... يكنَّ سَبايَا والبُعُولَةُ أعبُدَا\nأنكْثًا وعِصْيَانًا وغَدْرًا وذِلّةً ... أهان الإلهُ من أَهانَ وأبْعَدَا\nلقد شأم المِصْريْنِ فَرْخُ مُحَمدٍ ... بحقّ وما لاقى من الطَير أسْعدَا\nكما شأمَ اللهُ النُّجَيرَ وأهلَهُ ... بجَدٍّ لهُ قد كانَ أَشقى وأنكدَا\nفقال أهل الشام: أحْسَن، أصلح الله الأمير! فقال الحجّاج: لا، لم يحسْن، إنكم لا تدرون ما أراد بها، ثمّ قال: يا عدوّ الله، إنا لسنا نحْمَدُك على هذا القول، إنما قلت: تأسُّفَ ألا يكون ظَهَر وظَفِر وتحريضًا لأصحابك علينا، وليس عن هذا سألناك، أنفِذْ لنا قولَك:\nبيْنَ الأشَجّ وبيْنَ قيْسٍ باذخٌ\nفأنفَذَها، فلما قال:","vol":"9","page":398},{"text":"بَخْ بَخْ لوالِدِه وللمَوْلودِ\nقال الحجاج: لا واللهِ لا تُبَخبخ بعدَها لأحد أبدًا، فقَدّمه فضَرَب عُنقَه (١).\n(٦/ ٣٧٥ - ٣٧٨).\nوقد ذُكر من أمر هؤلاء الأسرى الذين أسَرَهم يزيدُ بن المهلب ووجّههم إلى الحجّاج ومن فُلول ابن الأشعث الذين انهزَموا يومَ مسكِن أمرٌ غيرَ ما ذكره أبو مِخنَف عن أصحابه، والذي ذُكِر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابنُ الأشعث مضى هؤلاء مع سائر الفَلّ إلى الرّي، وقد غلب عليها عُمر بن أبي الصّلت بن كنارا مولى بني نَصْر بن معاوية، وكان من أفْرَس الناس، فانضمّوا إليه، فأقبَل قتيبةُ بن مسلم إلى الرّيّ مِن قِبَل الحجاج وقد ولّاه عليها. فقال النفرُ الذين ذكرت أنّ يزيد بن المهلّب وجّههم إلى الحجاج مقيّدين وسائر فلّ ابن الأشعث الذين صاروا إلى الرّي لعمرَ بن أبي الصّلت: نوليك أمرَنا وتحارب بنا قتيبة؛ فشاور عُمر أباه أبا الصّلت، فقال له أبوه: والله يا بُنيّ ما كنتُ أبالي إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تُقتَل من غد، فعقد لواءه، وسار فَهُزم وهُزم أصحابه، وانكشفوا إلى سِجِستانَ، واجتمعتْ بها الفُلول، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رُتْبِيل، ثمّ كان من أمرهم وأمر يزيدَ بن المهلب ما قد ذكرتُ.\nوذكَر أبو عُبيدة أنّ يزيدَ لما أراد أن يوجّه الأسرى إلى الحجّاج قال له أخوه حبيب: بأيّ وجه تَنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة! فقال يزيدُ: هو الحجاج، ولا يُتعرّض له! وقال: وَطن نفسَك على العَزْل، ولا تُرسل به، فإنّ له عندنا بلاءً، قال: وما بلاؤه؟ قال لُزِم المهلب في مسجد الجماعة بمئتي ألف، فأدّاها طلحة عنه، فأطلقَه، وأرسل بالباقين، فقال الفرزدق:\nوَجَد ابنُ طلحةَ يومَ لاقى قومَه ... قَحطانَ يوم هَراةَ خيرَ المعشَرِ\n(٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\nوقيل: إنّ الحجاج لما أتِي بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب قال لحاجبه: إذا دعوتُك بسيِّدهم فائْتني بفيْرُوز، فأبرز سريره - وهو حينئذ بواسِط القَصَب قبل أن تُبنَى مدينة واسط - ثمّ قال لحاجبه: جئني بسيّدهم؛ فقال لفَيْروز:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":399},{"text":"قم؛ فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرَجك مع هؤلاء؟ فوالله ما لحمُك من لحومِهم، ولا دَمُك من دمائهم! قال: فتنةٌ عمّت الناس، فكنّا فيها، قال: اكتبْ لي أموالك، قال: ثمّ ماذا؟ قال: اكتبها أوّل؛ قال: ثمّ أنا آمِن على دمي؟ قال: اكتبها، ثمّ أَنظُر؛ قال: اكتبْ يا غلام، ألف ألف ألفيْ ألف، فذَكرَ مالًا كثيرًا، فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي، قال: فأدّها؛ قال: وأنا آمِن على دمي؟ قال: والله لتؤدّينها ثمّ لأقتلنك؛ قال: والله لا تَجمَع مالي ودمي، فقال الحجاج للحاجب: نَحِّهِ، فنحّاه.\nثمّ قال: ائتني بمحمد بن سعد بن أبي وقّاص، فدعاه، فقال له الحجاج: إيهًا يا ظِلّ الشيطان أعظمَ الناس تِيهًا وكِبرًا، تأَبى بيعةَ يزيدَ بن معاوية، وتشبّه بحسين وابن عُمر، ثمّ صرتَ مؤذنًا لابن كنارا عبد بني نصر - يَعْني عمر بن أبي الصَّلت - وجعل يَضرِب بعُود في يده رأسَه حتى أدماه؛ فقال له محمد: أيها الرجل، مَلكتَ فأسجح! فكَفّ يدَه، فقال: إن رأيتَ أن تكتبَ إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفوٌ كنتَ شريكًا في ذلك محمودًا، وإن جاءك غيرُ ذلك كنتَ قد أعذَرتَ، فأطرق مَلِيًّا ثمّ قال: اضرب عنقَه، فضُرِبت عنُقه.\nثمّ دعا بعمرَ بن موسى فقال: يا عبدَ المرأة، أتقوم بالعَمود على رأس ابن الحائك، وتَشَربَ معه الشراب في حمّام فارسَ، وتقول المقَالَة التي قلت! أين الفرزدق؟ قم فأنشِدْه ما قلت فيه. فأنشَدَه:\nوخضَبْتَ أيْرَكَ للزِّناءِ ولم تكنْ ... يومَ الهِيَاج لتَخْضِبَ الأَبطَالا\nفقال: أما واللهِ لقد رفعتُه عن عقائلِ نِسائك، ثمّ أمَر بضَرْب عنِقه.\nثمّ دعا ابنَ عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمرة، فإذا غلام حَدَث، فقال: أصلَحَ ألله الأمير! ما لي ذنبٌ، إنما كنت غلامًا صغيرًا مع أبي وأمي لا أمرَ لي ولا نَهْي، وكنت معهما حيث كانا، فقال: وكانت أمُّك مع أبيك في هذه الفِتن كلّها؟ قال: نعم، قال: على أبيك لعنةُ الله.\nثمّ دعا بالهلْقام بن نعيم فقال: اجعل ابنَ الأشعث طلَبَ ما طَلَب، ما الذي أمّلت أنتَ معه؟ قال: أمّلتُ أن يملك فيولّيني العرافَ كما ولّاك عبدُ الملك، قال: قم يا حَوْشَب فاضربْ عنقَه، فقام إليه، فقال له الهِلْقام: يا بن لقيطة، أتَنْكَأ القرح! فضرب عنقه.","vol":"9","page":400},{"text":"ثمّ أُتِيَ بعبد الله بن عامر، فلما قدم بين يديه قال: لا رأتْ عيناك يا حجّاج الجنة إن أقلتَ ابن المهلب بما صَنَع، قال: وما صَنَع؟ قال:\nلأنَّه كاس في إِطلاقِ أُسرَتِهِ ... وقادَ نحوَكَ في أغلالها مُضَرَا\nوَقَى بقومِكَ ورد الموتِ أسرَتَه ... وكان قومُك أدنى عندَه خَطَرا\nفأطْرَق الحجّاج مَلِيًّا، ووَقرَتْ في قلبه، وقال: وما أنتَ وذاك! اضرِب عنقَه، فضُربتْ عنقُه، ولم تزل في نفس الحجّاج حتى عَزلَ يزيدَ عن خُراسانَ وحَبَسه.\nثمّ أمر بفَيْروزَ فعذّب، فكان فيما عُذّب به أن كان يشُدّ عليه القصب الفارسيّ المشقوق، ثم يجرّ عليه حتى يخرّق جسدَه، ثم يُنْضَح عليه الخَلّ والمِلح، فلما أحسّ بالموت قال لصاحب العذاب: إن الناس لا يَشُكّون أني قد قُتلتُ، ولي ودائع وأموال عند الناس، لا تؤدَّي إليكم أبدًا، فأظهِروني للناس ليِعلَموا أني حيّ فيؤدّوا المالَ، فأعلم الحجاج، فقال: أظهروه، فأخرج إلى باب المدينة، فصاحَ في الناس: مَنْ عرَفني فقد عرَفني، ومن أنكَرني فأنا فيروزُ حصين؛ إنّ لي عند أقوامٍ مالًا، فمن كان لي عندَه شيء فهو له، وهو منه في حِلّ، فلا يؤدينّ منه أحد درهمًا، ليُبَلغ الشاهدُ الغائبَ، فأمر به الحجاج فقُتِل، وكان ذلك ممّا روى الوليدُ بن هشام بن قحذم، عن أبي بكر الهُذليّ. (٦/ ٣٧٩ - ٣٨١).\nوذكر ضَمْرة بن ربيعة، عن أبي شَوْذب، أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه: إن الخَراج قد انكسر، وإنّ أهَل الذمّة قد أسلموا ولَحقوا بالأمصار، فكَتَب إلى البَصْرة وغيرِها أنّ من كان له أصلٌ في قرية فليخرج إليها، فخرج الناسُ فعَسكرَوا، فجعلوا يَبكون وينادُون: يا محمّداه يا محمّداه! وجعلوا لا يدرون أين يذهبون! فجعل قرّاء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنّعين فيبكون لما يَسمعون منهم ويَروْن، قال: فقدِمَ ابنُ الأشعثِ على تَفِيئةِ ذلك، واستبْصر قرّاء أهلِ البَصْرة في قتال الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث. (٦/ ٣٨١).\nوذكر عن ضمرة بن ربيعَة عن الشيْبانيّ، قال: قَتَل الحجاجُ يوم الزاوية أحدَ عشر ألفًا، ما استحيَا منهم إلّا واحدًا، كان ابنهُ في كُتّاب الحجاج، فقال له: أتحبّ أن نَعفوَ لك عن أبيك؟ قال: نعم. فترَكَه لابنه؛ وإنما خدعَهم بالأمان، أمر مناديًا فنادى عند الهزيمة: ألا لا أمانَ لفلان ولا فلان، فسمَّى رجالًا من","vol":"9","page":401},{"text":"أولئك الأشراف، ولم يَقُل: الناس آمنون، فقالت العامّة: قد آمَن الناس كلهم إلّا هؤلاء النفَر، فأقبلوا إلى حُجْرته فلما اجتمعوا أمرَهم بوَضْع أسلِحتهم، ثم قال: لآمرن بكم اليومَ رجلًا ليس بينكم وبينه قرابة، فأمر بهم عُمارة بن تميم اللخميّ فقرّبهم فقتَلهم. (٦/ ٣٨١).\nورُوي عن النّضر بن شُميل، عن هشام بن حسّان، أنه قال: بلغ ما قَتَل الحجّاجُ صبرًا مئةً وعشرين، أو مئةً وثلاثين ألفًا. (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢).\nوقد ذُكر في هزيمة ابن الأشعث بمَسكِن قولٌ غيرُ الذي ذكره أبو مِخنَف؛ والذي ذُكِر من ذلك أنّ ابن الأشعث والحجّاج اجتمَعا بمَسكِن من أرض أبزقباذ، فكان عسكرُ ابن الأشعث على نهر يُدعَى خداش مؤخّر النهر، نهر تِيرَى، ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعًا بين دِجلَة والسّيْب والكَرْخ، فاقتتَلوا شَهْرًا - وقيل: دون ذلك - ولم يكن الحجّاج يَعرِف إليهم طريقًا إلا الطريق الذي يلتَقُون فيه، فأتِيَ بشَيْخ كان راعيًا يُدعَى زَوْرقًا، فدلّه على طريق من وراء الكَرْخ طولُه ستّة فراسخ، في أجَمةٍ وضَحْضاح من الماء، فانتخب أربعة آلاف من جِلّة أهلِ الشام، وقال لقائدهم: لِيكُن هذا العِلْج أمامَك، وهذه أربعةُ آلاف دِرْهم معك، فإن أقامَكَ على عسكرهم فادفع المالَ إليه، وإن كان كَذِبًا فاضربْ عنقَه، فإن رأيتَهم فاحملْ عليهم فيمن معك، وليكنْ شعارُكم: يا حجّاج يا حجّاج. فانطلق القائدُ صلاةَ العصر، والتَقَى عسكرُ الحجاج وعسكرُ ابن الأشعث حين فَصَل القائد بمن معه، وذلك مع صلاة العصر، فاقتَتَلوا إلى الليل، فانكشف الحجّاج حتى عبر السِّيب - وكان قد عقده - ودخل ابنُ الأشعث عسكرَه فانتَهبَ ما فيه. فقيل له: لو اتبعتَهُ؟ فقال: قد تعِبنا ونَصِبْنا، فرَجَع إلى عسكرِه فألقَى أصحابُه السلاحَ، وباتوا آمِنين في أنفسِهم لهم الظَّفَر، وهجم القومُ عليهم نصفَ الليل يصيحون بشِعارهم، فجعل الرجلُ من أصحاب ابن الأشعث لا يدري أين يتوجّه! دُجَيل عن يساره ودِجلة أمامَه، ولها جُرْف منكَر، فكان من غَرق أكثر ممن قُتِل.\nوسمع الحجاج الصوتَ فعبر السِّيبَ إلى عسكره، ثمّ وجّه خيلَه إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الأشعث، وانحازَ في ثلاثمئة، فمضى على شاطئ دِجلةَ حتى أتى دُجَيلا فعبَره في السفن، وعَقَروا دوابَّهم، وانحدَروا في","vol":"9","page":402},{"text":"السفن إلى البَصْرة، ودخل الحجاج عسكرَه فانتهب ما فيه، وجعل يَقتُل من وجد حتى قَتل أربعةَ آلاف؛ فيقال: إنّ فيمن قُتِل عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وقتل فيهم بِسْطام بن مَصْقَلة بن هُبيرة، وعمر بن ضُبيْعة الرّقاشيّ، وبشر بن المنذر بن الجارود والحَكم بن مخرَمة العبديَّيْن، وبُكَير بن ربيعة بن ثَرْوان الضّبيّ؛ فأتِي الحجاج برؤوسهم على تُرْس، فجعل يَنظُر إلى رأس بِسطامَ ويتمثّل:\nإذا مَررْتَ بوادِي حَيَّةٍ ذَكَرٍ ... فاذهبْ ودَعْني أقاسي حيةَ الوادِي\nثم نظر إلى رأس بُكَير، فقال: ما ألقى هذا الشقيّ مع هؤلاء، خُذْ بأذنه يا غلام فألقِه عنهم، ثمّ قال: ضَعْ هذا الترس بين يديْ مسمَع بن مالك بن مِسمَع، فوُضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجّاج: ما أبكاك؟ أحزنًا عليهم؟ قال: بل جَزعًا لهم من النار. (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>ذكر خبر بناء مدينة واسط</span>\nوفي هذه السنة: بنى الحجاج واسطًا، وكان سبب بنائه ذلك - فيما ذكر - أنّ الحجاج ضرب البَعْث على أهل الكُوفة إلى خُراسان، فعسكروا بحمّام عُمر، وكان فتىً من أهل الكوفة من بني أسَد حديثُ عهد بعُرس بابنة عمّ له، انصرف من العسكر إلى ابنة عمِّه لَيْلًا، فطرق البابَ طارق ودقّه دقًّا شديدًا، فإذا سكرانُ من أهل الشام، فقالت للرجل ابنةُ عمِّه: لقد لقِينا من هذا الشأمي شرًّا، يفعل بنا كلَّ ليلة ما تَرَى، يريد المكروهَ، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه، وعَرَفوا ذلك، فقال: ائذنوا له، ففعلوا، فأغلَق البابَ، وقد كانت المرأة نجّدت منزلها وطيَّبتُه، فقال الشاميّ: قد آن لكم، فاستقنأه الأسديّ، فأندَر رأسَه، فلما أذِّن بالفَجْر خرج الرّجل إلى العسكر وقال لامرأته: إذا صلّيت الفجر فابعثي إلى الشاميّين أن أخرِجوا صاحبَكم، فسيأتون بكِ الحجاجَ، فاصدقِيه الخبَر على وجهِه؛ ففعلتْ، ورُفع القتيلُ إلى الحجاج، وأدخلت المرأة عليه وعنده عنْبَسة بن سعيد على سريره، فقال لها: ما خَطْبُك؟ فأخبرتْه، فقال: صدَقْتِني. ثم قال لُولاة الشاميّ: ادفنوا صاحبَكم فإنه قتيلُ الله إلى النار، لا قَوَدَ له ولا عَقْل، ثمّ نادى مناديه: لا ينزلنّ أحدٌ على أحد، واخرُجوا فعَسكروا.","vol":"9","page":403},{"text":"وبعث رُوّادًا يرتادون له مَنزِلًا، وأمعن حتى نزل أطراف كسْكَر، فبينا هو في موضعِ واسِط إذا راهبٌ قد أقبل على حمار له وعبرَ دِجلةَ، فلما كان في موضع واسط تفاجّت الأتان فبالتْ، فنزل الراهبُ، فاحتفر ذلك البول، ثمّ احتمَله فرمى به في دجْلة، وذلك بِعَيْن الحجّاج، فقال: عليَّ به، فأتى به، فقال: ما حَملك على ما صنعتَ؟ قال: نجد في كُتُبنا أنه يبنى في هذا الموضع مَسجدٌ يُعبْد الله فيه ما دامَ في الأرض أحدٌ يوحِّده.\nفاختطّ الحجّاج مدينةَ واسِطَ، وبَنَى المسجدَ في ذلك الموضع. (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر قتل الحجّاج أيوب بنَ القِرِّيَّة</span>\nوفيها قَتَل الحجّاجُ أيوبَ بن القِرِّيَّة، وكان ممن كان مع ابن الأشعث، وكان سبب قتله إياه - فيما ذُكِر - أنه كان يدخل على حَوْشب بن يزيد بعد انصرافه من دَيْر الجَماجم - وحَوْشب على الكوفة عامل للحجاج - فيقول حوْشب: انظروا إلى هذا الواقف معي، وغدًا أو بعدَ غد يأتي كتاب من الأمير لا أستطيع إلا نفاذَه، فبينا هو ذاتَ يوم واقف إذا أتاه كتاب من الحجّاج:\nأما بعد فإنك قد صرت كَهْفًا لمُنافِقي أهلِ العراق ومأوىً، فإذا نظرتَ في كتابي هذا فابعثْ إليَّ بابن القِرّيَّة مشدودة يدُه إلى عنقه، مع ثقةٍ من قبَلك.\nفلما قرأ حوشب الكتابَ رَمى به إليه، فقرأه فقال: سمعًا وطاعة؛ فبعث به إلى الحجاج مُوثَقًا، فلما دخل الحجّاج قال له: يا بن القِرِّيَّة، ما أعددتَ لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير! ثلاثةَ حروف كأنهنَّ ركْبٌ وُقوف، دنيا، وآخرةٌ، ومعروف، قال: اخرج مما قلتَ، قال: أفعلُ، أما الدنيا فمالٌ حاضر، يأكلُ منه البرّ والفاجر، وأما الآخرة فميزان عادِل، ومَشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان عليّ اعترفتُ، وإن كان لي اغترفْتُ، قال: إمّا لا فاعترف بالسيف إذا وَقَع بك، قال: أصلح الله الأمير! أقِلْني عَثْرتي، وأسغني","vol":"9","page":404},{"text":"رِيقي، فإنه ليس جواد إلا له كَبْوة، ولا شجاعٌ إلا له هَبْوة، قال الحجّاج: كلا والله لأُرِينّك جهنّم، قال: فأرِحْني فإنّي أجد حَرَّها، قال: قدّمْه يا حَرسِيّ فاضربْ عنقَه، فلما نظر إليه الحجّاج يتشحَّط في دمِه قال: لو كنّا تركْنا ابنَ القِرية حتى نَسمَع من كلامه! ثمّ أمر به فأخرج فرُمِيَ به.\nقال هشام: قال عَوانة: حين مَنَع الحجاجُ من الكلام ابنَ القِريّة، قال له ابنُ القِريَّة: أما واللهِ لو كنتُ أنا وأنت على السوّاء لسكنا جميعًا، أو لألْفَيْتَ مَنِيعًا. (٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>[فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس]</span>\nوفي هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس.\n* ذكر سبب فتحه إياها:\nذكَر عليّ بنُ محمد عن المفضّل بن محمد، قال: كان نِيزَك يَنزل بقَلْعة باذغيس، فتحيّن يزيدُ غزوَه، ووَضع عليه العيون، فبلغه خروجُه، فخالفه يزيدُ إليها، وبلغ نيزك فرجع، فصالَحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن، ويرتحِل عنها بعِياله، فقال كَعْب بنُ معْدانَ الأشقَريّ:\nوباذَغيسُ التي مَن حل ذُرْوتَها ... عزَّ الملوكَ فإِن شَا جَار أَوْ ظَلما\nمَنيعةٌ لم يَكِدْها قبله ملكٌ ... إلا إذا وَاجَهَتْ جيشًا له وجَما\nتخَالُ نيرانها من بُعد منظرها ... بعضَ النّجوم إذا ماليلُها عَتما\nلمّا أَطافَ بها ضاقتْ صدورهُمُ ... حتى أقرّوا له بالحُكم فاحتكما\nفذلَّ ساكِنُها من بَعدِ عِزَّتهِ ... يُعطي الجِزَى عارفًا بالذل مُهتضَما\nوبعد ذلك أَيامًا نعدّدها ... وقبلها ما كَشَفْتَ الكرب والظلما\nأَعطاك ذاك وليُّ الرزق تقْسِمُهُ ... بين الخلائق والمحرومُ من حُرما\nيداك إحداهما تُسقي العدو بها ... سَمًّا وأُخرى نداها لم يزَلْ دِيَمَا\nفهل كَسَيْبِ يزيدَ أَوْ كنائلهِ ... إِلا الفراتُ وإلا النِّيلُ حين طَما\nليسا بأجود منه حينَ مَدِّهِما ... إذ يعلوَانِ حداب الأرض والأَكَما\nوقال:\nثنائي على حيِّ العتيك بأَنَّها ... كِرامٌ مقاريها، كِرامٌ نصابُها","vol":"9","page":405},{"text":"إذا عقدوا للجارِ حَلَّ بِنجْوةٍ ... عزيز مَراقيها، منيع هضَابُها\nنَفى نيزَكًا عن باذَغيسَ ونيزكٌ ... بمنزلة أعيا الملوكَ اغتصِابُها\nمُحَلّقَةٍ دونَ السماء كأَنها ... غمَامةُ صَيف زلّ عنها سحابها\nولا يبلُغ الأَرْوى شماريخَها العلا ... ولا الطيرُ إلّا نسرُها وعُقابها\nوما خُوِّفتْ بالذئب وِلْدانُ أَهلها ... ولا نَبَحَتْ إلا النجومَ كِلَابُها\nتمنّيتُ أن ألقى العتيكَ ذوي النُّهَى ... مسلّطة تُحمى بملكٍ ركابُها\nكما يتمنى صاحبُ الحرثِ أُعطشَت ... مزارِعُهُ غيثًا غَزيرًا رَبابُها\nفأُسْقى بعد اليأس حتى تحَيَّرَتْ ... جدَاولها رِيًّا وَعبّ عبابُها\nلقد جمع الله النوى وتشَعَّبَتْ ... شعوبٌ مِنَ الآفاقِ شَتى مآبها\nقال: وكان نيزك يُعظِّم القلعة إذا رآها سجَد لها، وكتَب يزيدُ بن المهلب إلى الحجاج بالفَتْح، وكانت كُتُب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يَعمر العَدْوانيّ، وكان حليفًا لهذيل، فكتب: إنا لَقِينا العدو فمنحنَا الله أكتافهم، فقتلْنا طائفةً، وأسرْنا طائفة، ولحقتْ طائفة برؤوس الجبال وعَراعِر الأودية، وأهضامِ الغِيطان وأثناءِ الأنهار، فقال الحجّاج: من يكتب ليزيدَ؟ فقيل: يحيى بن يَعمر، فكَتبَ إلى يزيدَ فحمَلَه على البريد، فقَدِم عليه أفصَح الناس، فقال له: أينَ وُلِدتَ؟ قال: بالأهواز؛ قال: فهذه الفَصاحة؟ قال: حفظتَ كلَام أبي وكان فصيحًا، قال: مِن هناك فأخبرني هل يَلحَن عنبسة بن سعيد؟ قال: نَعَم كثيرًا، قال: ففُلان؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عنّي أألحَن؟ قال: نعم تلحَن لحْنًا خفيًّا؛ تزيد حرفًا وتَنقص حرفًا، وتجعَل أنْ في موضع إنْ، وإنْ في موضع أنْ.\nقال: قد أجّلتك ثلاثًا، فإن أجدْك بعدَ ثلاث بأرض العراق قتلْتك. فرجَع إلى خُراسان (١). (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٨).\n_________\n(١) قلنا: والمفضل ثقة في التاريخ فقط كما يدل كلام الخطيب. وسبحان الله ما وجدنا راويًا طعن فيه أهل الحديث بجرح مفسر إلَّا وفي بعض رواياته التاريخية غرابة إن لم تكن نكارة، والمفضل هنا ذكر في المتن غير ما عرف عن الحجاج من الفصاحة والبلاغة، والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1480>ثمّ دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>خبر هلال عبد الرحمن بن محمد بن الأَشعث</span>\nففيها كان هلاكُ عبدِ الرحمن بن محمد بن الأشعث.\n* ذكر السبب الذي به هلك، وكيف كان:\nذَكَر هشام بنُ محمد، عن أبي مِخنَف، قال: لما انصرفَ ابنُ الأشعث من هَرَاةَ راجعًا إلى رُتْبيل، كان معه رجلٌ من أوْد يقال له علْقمة بن عمرو، فقال له: ما أريد أن أدخُل معك؛ فقال له عبد الرحمن: لمَ: قال: لأني أتخوّف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء، فوَقع إلى رُتْبيل يُرغِّبه ويُرهِّبه، فإذا هو قد بعث بك سَلْمًا أو قتَلكم. ولكن ها هنا خمسمئة قد تبايعْنا على أن ندخل مدينةً فنتحصّن فيها، ونقاتلَ حتى نُعطَى أمانًا أو نموتَ كرامًا، فقال له عبد الرّحمن: أما لو دخلتَ معي لآسيْتُك وأكرَمْتك، فأبى عليه علقمةُ، ودخل عبد الرّحمن بنُ محمد إلى رُتْبيل، وخرج هؤلاء الخمسمئة فبعثوا عليهم مودودًا النَّصْريّ، وأقاموا حتى قدم عليهم عُمارة بن تميم اللَّخميّ فحاصرَهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم، فخرجوا إليه فَوَفى لهم.\nقال: وتتابعت كُتُب الحجاج إلى رُتْبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إليّ، وإلا فوالذي لا إله إلا هو لأوطِئنّ أرْضَك ألفَ ألف مُقاتل، وكان عند رُتْبيل رجلٌ من بني تميم ثمّ من بني يَربوع يقال له عُبيَد بن أبي سُبَيع، فقال لرُتْبيل: أنا آخذُ لك من الحجّاج عهدًا ليكفنّ الخراجَ عن أرضك سبعَ سنينَ على أن تَدفَع إليه عبدَ الرحمن بن محمّد، قال رتبيل لعبيد: فإن فعلتَ فإنّ لك عندي ما سألتَ.\nفكتب إلى الحجّاج يُخبِره أنّ رُتبيلَ لا يعصِيه، وأنه لن يَدَع رُتْبيل حتى يَبعث إليه بعبد الرحمن بن محمد، فأعطاه الحجّاج على ذلك مالًا وأخذ من رُتْبيل عليه مالًا، وبعث رُتْبيل برأسِ عبد الرحمن بن محمد إلى الحجّاج، وترك له الصلح الذي كان يأخذه منه سبعَ سنين، وكان الحجّاج يقول: بعث إليّ رتْبيل بعدوّ الله،","vol":"9","page":407},{"text":"فألقَى نفسه من فوق إجار فمات (١). (٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\nقال أبو مخنَف: وحدّثني سليمان بنُ أبي راشد، أنه سمع مليكةَ ابنةَ يَزيدَ تقول: واللهِ لماتَ عبدُ الرحمن وإنّ رأسَه لعلى فَخِذِي، كان السلّ قد أصابه، فلما مات وأرادوا دفَنه بعث إليه رُتْبيل فحزّ رأسَه، فبعث به إلى الحجاج، وأخذ ثمانية عشرَ رجلًا من آل الأشْعث فحبَسهم عندَه، وترك جميعَ من كان معه من أصحابه، وكتب إلى الحجّاج بأخذه الثمانية عشر رجلًا من أهل بيت عبد الرّحمن، فكتب إليه: أن اضرِب رقابَهم، وابعث إليّ برؤوسهم، وكره أن يُؤتَى بهم إليه أحياءً فيُطلبَ فيهم إلى عبد الملك، فيترك منهم أحدًا (٢). (٦/ ٣٩٠).\nوقد قيل في أمر بنِ أبي سُبيع وابن الأشعث غير ما ذكرتُ عن أبي مِخنَف، وذلك ما ذكر عن أبي عُبيدة مَعمَر بن المثنَّى أنه كان يقول: زعم أن عُمارة بن تميم خرج من كَرْمان فأتَى سجستانَ وعليها رجلٌ من بني العنبر يُدعَى مودودًا، فحصَره ثمّ آمنه، ثم استولى على سِجِسْتَانَ، وأرسل إلى رُتْبيل، وكَتَب إليه الحجّاج: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك عُمارةَ بن تميم في ثلاثين ألفًا من أهل الشام لم يخالِفوا طاعة، ولم يخلَعوا خليفة، ولم يتّبعوا إمام ضلالة، يُجرى على كل رجل منهم في كلّ شهر مئة دِرْهم، يستطعِمون الحربَ استطعامًا، يَطلُبون ابن الأشعث، فأبى رتبيل أن يسلمه، وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبي سُبيع التميميّ قد خصّ به، وكان رسولُه إلى رُتْبيل، فحصّ برتبيل أيضًا، وخفّ عليه، فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرِحمن: إني لا آمن غدرَ التميميّ، فاقتلْه، فهَمّ به، وبلغ ابن أبي سُبيع، فخافه فوشَى به إلى رُتْبيل، وخوّفه الحجّاج، ودعاه إلى الغَدْر بابن الأشعث فأجابه، فخرج سرًّا إلى عُمارة بن تميم، فاستعجل في ابن الأشعث، فجعل له ألفَ ألفٍ، فأقام عندَه، وكتَب بذلك عُمارة إلى الحجّاج، فكتب إليه أن أعطِ عبيدًا ورُتْبيلَ ما سألاك واشترطْ، فاشترط رُتبيلُ ألّا تغزى بلادُه عشر سنين، وأن يؤدّيَ بعد العشر سنينَ في كلّ سنة تسعمئة ألف، فأعطى رُتْبيل وعبيدًا ما سألا، وأرسلَ رتبيل إلى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":408},{"text":"ابن الأشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته، وقد أعدّ لهم الجوامع والقيود، فألقى في عنقِه جامعةً، وفي عنق القاسم جامعة، وأرسل بهم جميعًا إلى أدنى مَسالح عمارة منه، وقال لجماعة من كان مع ابنِ الأشعث من الناس: تفرّقوا إلى حيث شئتم، ولما قرب ابن الأشعث من عمارة ألقَى نفسَه من فوق قَصْر فمات، فاحتزّ رأسه، فأتى به وبالأسرى عمارة، فضرب أعناقهم، وأرسل برأس ابن الأشعث، وبرؤوس أهلِه وبامرأته إلى الحجّاج، فقال في ذلك بعضُ الشعراء:\nهيهات موضعُ جُثَّةٍ من رأسِها ... رأسٌ بمصرَ وجثَّة بالرَّخَّجِ\nوكان الحجاج أرسل به إلى عبدِ الملك، فأرسل به عبد الملك إلى عبد العزيز وهو يومئذ على مِصر. (٦/ ٣٩٠ - ٣٩١).\nوذكر عمر بن شبّة أن ابن عائشةَ حدّثه قال: أخبرَني سعد بنُ عُبيد الله قال: لما أتِي عبدُ الملك برأسِ بن الأشعث، أرسَل به مع خصيّ إلى امرأة منهم كانت تحتَ رجل من قريش، فلما وُضع بين يديْها قالت: مرحبًا بزائر لا يتكلّم؛ مَلِك من الملوك طلَب ما هو أهلهُ فأبت المقادير، فذهب الخَصِيّ يأخذ الرأس فاجتذبتْه من يدِه، قالت: لا واللهِ حتى أبلغ حاجتي، ثمّ دعت بخَطميّ فغسَلَتْه وغلّفتْه ثمّ قالت: شأنَك به الآن. فأخذه، ثم أخبر عبد الملك، فلمَّا دخل عليه زوجُها، قال: إن استطعتَ أن تصيبَ منها سَخْلة.\nوذكر أنّ ابن الأشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارِبٌ إلى بلاد رتْبيلَ فتمثّل:\nيطردُه الخَوف فهوُ تائهٌ ... كذاكَ مَنْ يكرَهُ حَرَّ الجِلادِ\nمنُخَرقُ الخُفَّين يشكو الوَجَا ... تنكبُه أطراف مَرْوٍ حِدادِ\nقد كان في الموت له راحةٌ ... والموتُ حَتْمٌ في رقابِ العبادِ\nفالتفت إليه فقال: يا لحية، هلّا ثبتَّ في موطن من المواطن فنَموت بيت يديك، فكان خيرًا لك مما صرتَ إليه! (٦/ ٣٩١ - ٣٩٢).\nقال هشام: قال أبو مِخنَف: خرج الحجّاج في أيامه تلك يسير ومعه حُمَيد الأَرْقَط وهو يقول:\nما زال يَبني خَنْدقًا ويَهدِمُهْ ... عن عسكرٍ يقودُه فيُسلمُهْ","vol":"9","page":409},{"text":"حتَّى يصيرَ في يدْيكَ مَقسِمهْ ... هيهاتَ من مصفِّه مُنَهَزمُهْ\nإنَّ أَخا الكِظاظِ من لا يسأَمُهْ\nفقال الحجّاج: هذا أصدَقُ من قولِ الفاسق أعشَى هَمْدان:\nنُبِّئت أنّ بُنيّ يو ... سف خرَّ من زَلَقٍ فتبَّا\nقد تبيّن له من زَلِقَ وتبَّ ودحَض فانكبّ، وخاف وخابَ، وشكّ وارتاب؛ ورفع صوته فما بقي أحدٌ إلا فزِع لغضبه، وسَكت الأرَيقط، فقال له الحجّاج: عدْ فيما كنت فيه، ما لَك يا أرْقط! قال: إني جُعلت فداكَ أيّها الأمير وسلطان الله عزيز، ما هو إلا أن رأيتُك غضبتَ فأرعدَتْ خصائلي، واحزألّتْ مَفاصلي، وأظلم بَصَري، ودارت بي الأرض، قال له الحجاج: أجلْ، إنّ سلطان الله عزيز، عدْ فيما كنتَ فيه، ففعل.\nوقال الحجاج وهو ذاتَ يوم يسيرُ ومعه زيادُ بن جَرير بن عبد الله البَجَليّ وهو أعوَر، فقال الحجّاج للأريقط: كيف قلتَ لابن سمُرة؟ قال: قلت:\nيا أعوَر العَيْن فدَيْتُ العُورَا ... كنتَ حَسِبْت الخَنْدَقَ المحْفورا\nيرُدُّ عنْك القدَرَ المقدورا ... ودائرات السَّوْء أن تَدورا\nوقد قيل: إنّ مَهلك عبد الرّحمن بن محمّد كان في سنة أربع وثمانين (١).\n(٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان</span>\nوفي هذه السنة عَزَل الحجّاج بن يوسف يزيدَ بن المهلَّب عن خُراسان وولّاها المفضّل بن المهلّب أخا يزيد.\n* ذكر السبب الذي من أجله عزله الحجاج عن خُراسان واستعمَل المفضّل:\nذَكَرَ عليّ بنُ محمد، عن المفضَّل بن محمد، أن الحجاج وَفَد إلى عبد الملك، فمرَّ في منصرَفه بدير فنزَلَه، فقيل له: إنّ في هذا الدَّيْر شيخًا من أهل الكُتُب عالمًا، فدعا به فقال: يا شيخ، هل تجدون في كُتُبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":410},{"text":"نعم، نجد ما مضى من أمْرِكم وما أنتم فيه وما هو كائن؛ قال: أفمسمَّى أم موصوفًا؟ قال: كلّ ذلك؛ موصوف بغير اسم، واسم بغير صفة، قال: فما تجدون صفةَ أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه؛ ملك أقرَع، من يقم لسبيله يُصرَع، قال: ثمّ من؟ قال: اسم رجل يقال له الوَليد، قال: ثمّ ماذا؟ قال: رجل اسمه اسمُ نبيّ يفتَح به على الناس، قال: أفتعرفني؟ قال: قد أخْبِرت بك.\nقال: أفتعلم ما ألِي؟ قال: نعم، قال: فمن يَلِيه بَعدي؟ قال: رجلٌ يقال له يزيد، قال: في حياتي أم بعد موتي؟ قال: لا أدري، قال: أفتعرف صفتَه؟ قال: يغدر غُدرةً؛ لا أعرف غير هذا.\nقال: فوقَع في نفسه يزيدُ بنُ المهلّب، وارتحل فسار سَبْعًا وهو وَجِل من قولِ الشيخ؛ وقَدِم فكَتَب إلى عبد الملك يَستَعفيه من العراق، فكتب إليه: يا بنَ أمّ الحجاج، قد علمتُ الذي تغزو، وأنك تريد أن تَعلَم رأيي فيك، ولَعَمري إني لأرَى مكانَ نافع بنِ عَلْقمة، فالْهُ عن هذا حتى يأتي الله بما هوَ آت؛ فقال الفرزدق يَذكُر مسيرَه:\nلو أنَّ طيْرًا كُلِّفتْ مثلَ سَيْره ... إلى واسطٍ من إيلياءَ لمَلَّتِ\nسَرى بالمَهارِي منْ فِلَسطينَ بعدما ... دنا الليلُ من شمس النهار فوَلَّتِ\nفما عاد ذاك اليومُ حتى أناخها ... بمَيْسان قدْ ملَّتْ سُراها وكلَّتِ\nكأنَّ قُطاميًّا على الرّحْل طاويًا ... إذا غمْرةُ الظَّلماء عنْه تجلَّت\nقال فبينا الحجّاج يومًا خالٍ إذا دعا عبيدَ بن مَوْهب، فدخل وهو يَنكُتُ في الأرض، فرفع رأسَه فقال: ويحَك يا عُبيد! إن أهل الكتب يَذكرون أنّ ما تحت يدي يليه رجلٌ يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيدَ بن أبي كبشة، ويزيدَ بن حُصَين بن نُمَير، ويزيد بن دينار، فليسوا هناك، وما هوَ إن كان إلا يزيد بن المهلب، فقال عبيد: لقد شرّفتَهم وأعظمت ولايتَهم، وإنّ لهم لعَدَدًا وجَلَدًا، وطاعة وحظًّا، فأخلق به، فأجمع على عزل يزيد فلم يَجِد له شيئًا حتى قدم الخيار بن أبي سَبْرة بن ذُؤيب بن عَرْفجة بن محمد بن سُفيان بن مُجاشع - وكان من فُرسان المهلب - وكان مع يزيد - فقال له الحجاج: أخبرْني عن يزيدَ، قال: حَسَن الطاعة، ليّن السيرة، قال: كذبت، أصدِقني عنه، قال: اللهُ أجلّ","vol":"9","page":411},{"text":"وأعظم، قد أسرج ولم يُلجم، قال: صدقتَ، واستعمل الخيار على عُمان بعد ذلك.\nقال: ثمّ كتب إلى عبد الملك يذمّ يزيدَ وآلَ المهلّب بالزبيريّة، فكتب إليه عبدُ الملك: إني لا أرى نَقْصًا بآل المهلب طاعتهم لآل الزّبير، بل أراه وفاء منهم لهم، وإنّ وَفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي، فكَتَب إليه الحجّاج يخوّفه غدرَهم لما أخبره به الشيخ، فكتب إليه عبدُ الملك: قد أكثرتَ في يزيدَ وآل المهلب، فسمّ لي رجلًا يَصلُح لخُراسان؛ فسَمَّى له مُجّاعة بن سعر السعديّ، فكتب إليه عبدُ الملك: إنّ رأيك الذي دعاك إلى استفساد آلِ المهلب هو الذي دعاك إلى مُجّاعة بن سعر، فانظر لي رجلًا صارمًا، ماضيًا لأمرك، فسَمَّى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: ولِّه، وبلغ يزيد أنّ الحجاج عزَلَه، فقال لأهل بيته: مَن تروْن الحجاج يولي خُراسان؟ قالوا: رجلًا من ثَقيف، قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعَهْده، فإذا قدمتُ عليه عزلَه وولى رجلًا من قيس، وأخلِق بقتيبة! قال: فلما أذن عبد الملك للحجّاج في عَزْل يزيدَ كرِه أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه أن استخلف المففضَّل وأقِبل، فاستشار يزيدُ حُضَينَ بن المنذر، فقال له: أقم واعتلّ، فإنّ أميرَ المؤمنين حَسَن الرأي فيك، وإنما أتيتَ من الحجاج، فإنْ أقمتَ ولم تَعجل رجوتُ أن يكتب إليه أن يقرّ يزيد، قال: إنّا أهلَ بيت بُورِك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف؛ فأخذ في الجهَاز، وأبطأ ذلك على الحجّاج، فكتب إلى المفضّل: إني قد ولّيتُك خُراسان، فجعل المفضل يستحِثّ يزيدَ، فقال له يزيد: إنّ الحجّاج لا يُقرّك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنَع مخَافةَ أن أمتَنِعَ عليه، قال: بل حسدتَني، قال يزيد: يا بن بَهلة، أنا أحسدُك! ستعلم، وخرج يزيدُ في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين.\nفعزل الحجاجُ المفضّل، فقال الشاعر للمفضّل وعبد الملك وهو أخوه لأمّه:\nيا بَنيْ بَهلَةَ إنَّما أخْزَاكما ... ربّي غَدَاة غَدا الهُمَامُ الأَزْهَرُ\nأحَفَرْتُمُ لأَخيكُم فَوَقَعْتُم ... في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ أخُوها المُعْوِرُ\nجُودُوا بتَوْبةِ مُخْلِصينَ فإِنَّما ... يأْبَى ويأْنَف أن يَتُوبَ الأَخْسَرُ\nوقال حُضَين ليزيد:\nأَمَرْتك أَمْرًا حازمًا فعَصَيْتَني ... فأصْبَحْتَ مَسلوب الإِمَارةِ نادِما","vol":"9","page":412},{"text":"فما أنا بالبَاكي عَليكَ صَبَابَةً ... وما أَنا بالدَّاعي لَتَرْجعَ سَالِمَا\nفلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: كيف قلت ليزيد؟ قال: قلت:\nأَمَرتْكَ أَمْرًا حازمًا فعصيتني ... فنَفْسَكَ أوْلِ اللوْمَ إنْ كُنْتَ لائما\nفإن يَبلغ الحجَّاجَ أَنْ قَدْ عَصَيْتَهُ ... فإِنَّك تَلْقى أَمْرَهُ مَتفَاقما\nقال: فماذا أمرتَه به فعصاك؟ قال: أمرتُه ألّا يَدَع صفراءَ ولا بيضاءَ إلا حمَلَها إلى الأمير، فقال رجل لعياض بن حضين: أما أبوك فوجَده قتيبةُ حين فرّه قارِحًا بقوله: \"أمرته ألّا يدعَ صَفراء ولا بيضاءَ إلا حملها إلى الأمير\". (٦/ ٣٩٣ - ٣٩٦).\nقال عليّ: وحدّثنا كُلَيب بن خَلَف، قال: كتب الحجّاج إلى يزيدَ أن اغزُ خُوارزم، فكتَب إليه: أيها الأمير، إنها قليلة السَّلَب، شديدةُ الكَلَب، فكَتَب إليه الحجّاج: استخلِف واقدم، فكتَبَ إليه، إني أريد أن أغزوَ خُوارزم، فكتَب إليه: لا تغزُها فإنها كما وصَفت؛ فغزا ولم يُطِعه، فصالَحه أهلُ خوارزم، وأصاب سَبْيًا ممّا صالحوه، وقَفَل في الشتاء، فاشتدّ عليهم البردُ، فأخذ الناس ثيابَ الأسرَى فلبِسوها، فمات ذلك السبيّ من البَرْد، قال: ونزل يزيدُ بلستانة، وأصاب أهلَ مَرْو الروذ طاعونٌ ذلك العام، فكتب إليه الحجاج: أن اقدم، فقَدِم، فلم يمرّ ببلد إلا فَرَشوا له الرَّياحين، وكان يزيدُ ولي سنة اثنتين وثمانين، وعزل سنة خمس وثمانين، وخرج من خُراسان في ربيع الآخِر سنة خمس وثمانين وولي قتيبة. (٦/ ٣٩٦).\nوأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنَف في عزل الحجاج يزيد عن خُراسان سببًا غير الذي ذكره عليّ بنُ محمد، والذي ذُكر من ذلك عن أبيِ مِخنَف أن أبا المُخارق الراسبيّ وغيره حدّثوه أن الحجّاج لم يكن له حين فرَغ من عبد الرّحمن بن محمد همٌّ إلا يزيدَ بن المهلّب وأهل بيته - وقد كان الحجاج أذلّ أهلَ العراق كلّهم إلا يزيد وأهل بيته ومَن معهم من أهل المِصْرَين بخُراسان، ولم يكن يتخوّف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غيرَ يزيد بن المهلب - فأخذ الحجاجُ في مواربة يزيد ليستخرجَه من خُراسان، فكان يبعث إليه ليأتيه، فيعتلّ عليه بالعدوّ وحَرْب خُراسان، فمكث بذلك حتى كان آخرَ سلطان عبدِ الملك، ثمّ إنّ الحجّاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعَزْل يزيدَ بن المهلب، ويخبره","vol":"9","page":413},{"text":"بطاعة آل المهلب لابن الزّبير، وأنه لا وفاءَ لهم؛ فكتب إليه عبدُ الملك: إنّي لا أرى تقصيرًا بوَلَد المهلب طاعتَهم لآل الزبير ووفاءهم لهم، فإنّ طاعتهم ووفاءهم لهم، هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لي.\nثمّ ذكر بقيّة الخبر نحوَ الذي ذَكره عليّ بن محمّد (١). (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>خبر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالتّرمذ</span>\nوفي هذه السنة قُتِل موسى بنُ عبد الله بن خازم السُّلميّ بالتِّرمِذ.\n* ذكر سَببِ قتلِه ومصيره إلى التّرمذ حتى قُتِل بها:\nذُكر أن سبب مصيره إلى التِّرمذ كان أنّ أباه عبد الله بن خازم لما قَتَل مَنْ قَتَل من بني تميم بفرْتَنا - وقد مضَى ذِكرى خبَر قتلِه إيّاهم - تفرّقَ عنه عُظمُ من كان بقيَ معه منهم، فخرج إلى نيسابورَ وخاف بني تميم على ثقله بمَرْو، فقال لابنه موسى: حوّل ثقَلي عن مَرو، واقطع نهرَ بَلْخَ حتى تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه، فشَخَص موسى من مرو في عشرين ومئتين فارس، فأتى آمُل وقد ضوى إليه قومٌ من الصَّعاليك، فصار في أربعمئة، وانضمّ إليه رجال من بني سُلَيم، منهم زُرعة بن علقمة، فأتى زمَّ فقاتلوه، فظَفِر بهم وأصاب مالًا، وقطع النهر، فأتى بُخارَى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافَه، وقال: رجل فاتك، وأصحابُه مثله أصحاب حَرْب وشَرّ، فلا آمنه، وبعث إليه بصلة عين ودوابّ وكُسْوة، ونزل على عظيم من عظماء أهل بُخارى في نوقان، فقال له: إنه لا خيرَ في المُقام في هذه البلاد، وقد هَابَك القومُ وهم لا يأمَنونك، فأقام عند دِهْقان نوقانَ أشهرًا، ثمّ خرج يلتمس ملِكًا يَلجَأ إليه أو حِصْنًا، فلم يأت بلدًا إلا كَرِهوا مُقامَه فيهم، وسألوه أن يخرج عنهم.\nقال عليّ بن محمد: فأتى سمرقَنْد فأقام بها، وأكرَمَه طَرْخونُ مَلِكُها، وأذن له في المُقام، فأقام ما شاء الله، ولأهلِ الصُّغد مائدةٌ يوضعَ عليها لحم وَدِك وخُبْز وإبريق شراب، وذلك في كلّ عام يومًا، يُجعل ذلك لفارس الصّغْد فلا يقرَبه أحد غيرُه، هو طعامه في ذلك اليوم، فإن أكل منه أحدٌ غيرهُ بارزَه فأيُّهما\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":414},{"text":"قَتَل صاحبَه فالمائدةُ له، فقال رجلٌ من أصحاب موسى: ما هذه المائدة؟ فأخبِر عنها، فسكت، فقال صاحب موسى: لآكلنّ ما على هذه المائدة، ولأبارزنّ فارسَ الصُّغْد، فإن قتلتُه كنتُ فارسَهم. فجلس فأكل ما عليها، وقيل لصاحب المائدة، فجاء مُغضَبًا، فقال: يا عربيّ، بارِزْني، قال: نعم، وهل أريدُ إلا المُبارزَة! فبارَزَه فقتَله صاحب موسى، فقال مَلِك الصّغد: أنزلتُكم وأكرمتُكم فقتلتم فارسَ الصّغد! لولا أنّي أعطيتُك وأصحابَك الأمان لقتلتُكم، اخرُجوا عن بلدي، ووَصله.\nفخرج موسى فأتى كِسّ فكَتَب صاحبَ كِس إلى طرخون يستنصرِه، فأتاه، فخرج إليه موسى في سبعِمئة فقاتَلَهم حتى أمسَوْا، وتحاجَزوا وبأصحاب موسى جراحٌ كثيرة، فلما أصبحوا أمرهم موسى فحلّقوا رؤوسَهم كما يَصنَع الخوارج، وقطعوا صفِنات أخبيتهم كما يصنع العجَم إذا استماتوا.\nوقال موسى لزُرْعة بن علقمة: انطلِق إلى طَرْخون فاحتلْ له، فأتاه، فقال له طرخون: لِمَ صَنَع أصحابُك ما صنَعوا؟ قال: استقتلوا فما حاجتك إلى أن تَقتل أيّها الملك موسى وتُقتَل! فإنك لا تصل إليه حتى يقتَل مِثل عدّتهم منكم، ولو قتلتَه وإياهم جميعًا ما نلت حظًّا، لأنّ له قَدْرًا في العرَب، فلا يلي أحدٌ خُراسان إلا طالبَك بدمه، فإن سلمتَ من واحد لم تَسلَمَ من آخَر؛ قال: ليس إلى تَرْك كِسّ في يده سبيل؛ قال: فكُفّ عنه حتى يَرتحِل، فكفّ وأتى موسى التِّرْمِذ وبها حصن يشُرِف على النهر إلى جانب منه، فنزل موسى على بعض دهاقين التّرمِذ خارجًا من الحِصن والدِّهقان مُجانِب لِترْمذشاه، فقال لموسى: إن صاحبَ التِّرمِذ متكرّم شديدُ الحياء، فإن ألطفْتَه وأهَديْت إليه أدخلَك حِصنَه، فإنه ضعيف، قال: كلّا، ولكنّي أسألُه أن يُدخِلني حِصنَه، فسأله فأبَى، فماكَرَهُ موسى وأهدى له، وألطَفَه، حتّى لطف الذي بينهما، وخرج فتصيّد معه، وكثر إلطاف موسى له، فصنع صاحبُ الترمذي طعامًا وأرسل إليه: إنّي أحِبّ أن أكرِمَك، فتغدَّ عندي، وائتني في مئة من أصحابك، فانتخَب موسى من أصحابه مئةً، فدخلوا على خُيولهم، فلما صارت في المدينة تصاهَلَتْ، فتطيّر أهلُ الترْمذ وقالوا لهم: انزِلوا، فنَزَلوا فأدخلوا بيتًا خمسين في خمسين، وغدّوهم.\nفلما فرَغُوا من الغَداء اضطجع موسى، فقالوا له: اخرُج، قال: لا أصيب","vol":"9","page":415},{"text":"مَنزِلًا مِثلَ هذا، فلستُ بخارج منه حتى يكون بيتي أو قَبْري. وقاتَلُوهم في المدينة، فقُتِل من أهلِ الترِمذ عدّة، وهرب الآخرون فدخلوا منازلهم، وغلب موسى على المدينة، وقال الترمذشاه: اخرج، فإنّي لستُ أعرِض لك ولا لأحد من أصحابك، فخرج المَلِك وأهلُ المدينة فأتَوا الترْكَ يستنصرونهم، فقالوا: دخل إليكم مئةَ رجل فأخرَجوكم عن بلادكم، وقد قاتلناهم بِكسّ، فنحن لا نقاتل هؤلاء، فأقام ابن خازم بالتِّرمِذ، ودخل إليه أصحابُه، وكانوا سبعمئة، فأقام، فلمّا قُتِل أبوه انضمّ إليه من أصحاب أبيه أربعمئة فارس، فقوي، فكان يخرج فيُغير على مَن حولَه، قال: فأرسل الترك قومًا إلى أصحاب موسى ليعلموا عِلمَه، فلما قَدِموا قال موسى لأصحابه: لا بدّ من مَكيدة لهؤلاء - قال: وذلك في أشدّ الحرّ - فأمر بنار فأجِّجَتْ، وأمَرَ أصحابَه فَلبسوا ثيابَ الشتاء، ولبسوا فوقَها لُبِودًا، ومدُّوا أيديَهم إلى النار كأنهم يصطَلُون، وأذن موسى للترك فدخلوا، ففزِعوا ممّا رأَوا، وقالوا: لمَ صنعتم هذا؟ قالوا: نجد البَرْد في هذا الوقت، ونجد الحرّ في الشتاء، فرجعوا وقالوا: جِنٌّ لا نُقاتِلهم، قال: وأراد صاحبُ الترك أن يغزوَ موسى، فوجّه إليه رُسُلًا، وبعث بسمّ ونُشّاب في مسك، وإنما أراد بالسمّ أنّ حربَهم شديدة، والنشّاب الحرب، والمسك السلم، فاخترْ الحربَ أو السلم، فأحرق السمّ، وكسر النشاب، ونثر المِسْك، فقال القوم: لم يريدوا الصّلح، وأخبر أنّ حربهم مثل النار، وإنه يَكْسرُنا فلم يَغزُهم.\nقال: فولي بُكيْرُ بن وشاح خُراِسانَ فلم يَعرِضَ له، ولم يوجّه إليه أحدًا، ثمّ قدم أميّة فسار بنفسِه يريدُه، فخالَفه بكير، وخلع، فرجع إلى مرْو، فلما صالح أمية بكيرًا أقام عامَه ذلك، فلما كان في قابِل وجّه إلى موسى رجلًا من خُزاعَة في جَمع كثير، فعاد أهلُ الترمذ إلى الترك فاستنصَروهم فأبَوا، فقالوا لهم: قد غزاهم قومٌ منهم وحصروهم، فإنْ أعنّاهم عليهم ظفِرْنا بهم، فسارت الترْك مع أهل الترْمذ في جمع كثير، فأطاف بموسَى الترك والخُزَاعيّ، فكان يُقاتِل الخُزاعيّ أول النهار والتركَ آخِر النهار، فقاتَلَهم شهرين أو ثلاثة، فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين الكلابيّ - وكان فارسًا: قد طال أمرُنا وأمرُ هؤلاء، وقد أجمعتُ أن أبيِّت عسكرَ الخُزاعيّ، فإنهم للبيات آمنون، فما ترى؟ قال: البيَات نِعمّا هو، وليكن ذلك بالعَجَم، فإنّ العرب أشدّ حَذَرًا، وأسرَع فَزَعًا، وأجرَأ","vol":"9","page":416},{"text":"على الليل من العَجَم، فبَيِّتْهم فإنّي أرجو أن ينصرَنا الله عليهم، ثمّ ننفردَ لقتالِ الخُزاعيّ فنحن في حصن وهم بالعَراء، وليسوا بأوْلَى بالصبر، ولا أعلم بالحرْب منّا، قال: فأجمَعَ موسى على بياتِ الترك، فلما ذهب من الليل ثُلثُه خرج في أربعمئة، وقال لعمرو بن خالد: اخرجوا بعَدنا وكُونوا منّا قريبًا؛ فإذا سمعتم تكبيرَنا فكبّروا، وأخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق العسكر، ثمّ أخذ من ناحية كفتان، فلمّا قُربَ من عسكرهم جعل أصحابَه أرباعًا، ثمّ قال: أطيفوا بعسكرِهم، فإذا سمعتم تكبيرَنا فكبِّروا وأقبَل وقدَّم عَمْرًا بين يديه ومشَوْا خلفَه، فلما رأتْه أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟ قالوا: عابِري سبيل.\nقال: فلما جازوا الرَّصَد تفرّقوا وأطافوا بالعسكر، وكبّروا، فلم يشعر الترك إلا بوَقْع السيوف، فثاروا يقتل بعضهم بعضًا وولَّوا، وأصيب من المسلمين ستّة عشر رجلًا، وحَووا عسكرَهم وأصابوا سلاحًا ومالًا، وأصبح الخُزاعيّ وأصحابه قد كسرَهم ذلك، وخافوا مِثلها من البَيات، فتحذّروا. فقال لموسى عمرو بن خالد: إنك لا تَظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم يكثرون، فدَعْني آتِهم لعلّي أصيب من صاحبهم فرصة؛ إني إن خلوتُ به قتلتُه، فتناوَلْني بضرب، قال: تتعجّل الضّرب وتتعرّض للقتل! قال: أما التعرّض للقَتْل فأنا كلّ يوم متعرِّضٌ له، وأما الضرب فما أيْسَرَهُ في جَنْب ما أريد، فتنَاولَه بضرب؛ ضربه خمسين سَوْطًا، فخرج من عسكر موسى فأتى عسكر الخُزاعيّ مستأمِنًا وقال: أنا رجل من أهل اليَمَن كنتُ مع عبد الله بن خازم، فلما قُتِل أتيتُ ابنَه فلم أزل معه، وكنتُ أوّل من أتاه، فلما قدمت اتهمَني وتعصّب عليّ، وتنكّر لي وقال لي: قد تعصّبت لعدّونا، فأنت عينٌ له، فضَرَبني ولم آمَن القَتْل، وقُلت: ليس بعد الضرب إلا القتل، فهربت منه، فآمنه الخُزاعيّ وأقام معه.\nقال: فدخل يومًا وهو خالٍ ولم يَرَ عنده سلاحًا، فقال كأنه يَنْصَح له: أصلَحَك الله! إنّ مِثلَك في مِثلِ حالك لا ينبغي أن يكون في حال من أحواله بغيرِ سلاح، فقال: إنّ معي سلاحًا، فرفَع صدر فراشه فإذا سَيفٌ منتضىً، فتناوَله عمرو فضرَبَه فقتله، وخرج فركب فرسَه، ونَذَروا به بعد ما أمعَن، فطلبوه ففاتَهم، فأتى موسى وتفرّق ذلك الجيش، فقطع بعضُهم النهر، وأتى بعضُهم موسى مستأمِنًا، فآمنه فلم يوجِّه إليه أميّةُ أحدًا.","vol":"9","page":417},{"text":"قال: وعُزِل أميّة، وقَدِم المهلب أميرًا فلم يَعرِض لابن خازم، وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون وُلاةَ هذا الثغر ما أقام هذا الثطّ بمكانِه، فإنْ قُتل كان أوّل طالع عليكم أميرًا على خُراسان رجلٌ من قيس، فماتَ المهلب ولم يوجّه إليه أحدًا، ثم تولى يزيدُ بنُ المهلب فلم يَعرِض له، وكان المهلب ضرب حُرَيْثَ بن قُطْبة الخُزاعيّ، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، فلما ولى يزيد بن المهلب أخذ أموالَهما وحرَمَهما وقَتَلَ أخاهما لأمهما؛ الحارث بن مُنقِذ، وقَتلَ صِهرًا لهما كانت عندَه أمّ حفص ابنةُ ثابت، فبلَغهما ما صنع يزيد.\nقال: فخرج ثابت إلى طَرْخون فَشَكا إليه ما صنع به - وكان ثابت محبَّبًا في العَجَم، بعيدَ الصّوت، يعظمونه ويثقون به، فكان الرّجل منهم إذا أعطَى عهدًا يريدُ الوفَاء به حلفَ بحياة ثابت فلا يَغدِر - فغَضِب له طَرْخون وجمعَ له نَيْزك والسَّبَل وأهلَ بخارى والصّغانيان، فقَدِموا مع ثابت إلى موسى بن عبد الله، وقد سُقِط إلى موسى فَلّ عبد الرحمن بن العباس من هَراةَ، وفلّ ابن الأشعث من العِراق ومن ناحية كابُل، وقومٌ من بني تميم ممن كان يقاتل ابنَ خازم في الفتنة من أهل خُراسان، فاجتمع إلى موسى ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن، فقال له ثابت وحرَيْث: سرْ تقطع النهر فتُخرج يزيدَ بنَ المهلب عن خُراسان؛ ونوليك، فإنّ طَرْخون ونَيزَك والسبل وأهلَ بُخارَى معك، فهمّ أن يفعَل، فقال له أصحابه: إنّ ثابتًا وأخاه خائفان ليزيد، وإن أخرجت يزيدَ عن خُراسان وأمِنَا تولَّيا الأمر وغَلَباك على خُراسان، فأقمْ مكانَك، فقبل رأيَهم، وأقام بالترْمِذ.\nوقال لثابت: إنْ أخرجنا يزيدَ قَدِم عاملٌ لعبِد الملك، ولكنا نخرج عمَّال يزيدَ من وراء النهر مما يلينا، وتكون هذه الناحية لنا نأكلها، فرضَي ثابت بذلك، وأخرج من كان من عمال يزيدَ من وراء النهر، وحُملت إليهم الأموالُ، وقويَ أمرُهم وأمرُ موسى، وانصرف طرخون ونيزك وأهل بخارى والسبل إلى بلادهم، وتَدْبير الأمر لحريْث وثابت، والأميرُ موسى ليس له غيرُ الاسم، فقال لموسى أصحابُه: لسنا نرى من الأمر في يديك شيئًا أكثرَ من اسم الإمارة، فأمَّا التدبير فلِحُريث وثابت، فاقتُلْهما وتولَّ الأمَر، فأبى وقال: ما كنت لأغدر بهما وقد قوَّيا أمري، فحسَدُوهما وألحّوا على موسى في أمرهما حتى أفسَدوا قلَبه، وخوّفوه","vol":"9","page":418},{"text":"غدرَهما، وهمَّ بمتابَعتهم على الوثُوب بثابت وحُريث، واضطرَب أمرُهم؛ فإنهم لفي ذلك إذ خرجتْ عليهم الهَياطِلة والتَّبَّت والتُّرك، فأقبلوا في سبعين ألفًا لا يعُدّون الحاسرَ ولا صاحبَ بَيْضَة جمّاء، ولا يعدون إلا صاحبَ بَيْضة ذات قَوْنَس، قال: فخرج ابنُ خازم إلى رَبَض المدينة في ثلاثمئة راجل وثلاثين مجففًا، وألقِيَ له كرسيٌ فقعد عليه، قال: فأمر طَرْخون أن يثلم حائطَ الرّبض، فقال موسى: دَعُوهم، فهدموا ودخل أوائلهم، فقال: دعوهم يكثرون، وجعل يقلّب طَبْرزِينًا بيده، فلما كثروا قال: الآن امنعوهم، فركب وحمل عليهم فقاتَلَهم حتى أخرَجهم عن الثُّلمة، ثمّ رجع فجلس على الكرسيّ وذمّر الملكُ أصحابه ليعودوا، فأبَوْا، فقال لفرسانه: هذا الشيطان، منْ سَرّه أن ينظرَ إلى رستم فلينظرْ إلى صاحب الكرسيّ، فمن أبى فليقدَم عليه، ثمّ تحوّلت الأعاجم إلى رُسْتاق كفتان، قال: فأغاروا على سَرْح موسى، فاغتمّ ولم يَطعم، وجعلَ يَعبثُ بلِحيته، فسار ليلًا على نهر في حافَتَيْه نبات لم يكن فيه ماء، وهو يُفضِي إلى خَنَدَقهم، في سبعمئة، فأصبحوا عند عسكرهم، وخرج السَّرْح فأغار عليه فاستاقه، وأتبعه قومٌ منهم، فعطف عليه سَوَّار، مولىً لموسى، فطعن رجلًا منهم فصرَعَه، فرجعوا عنهم وسَلِم مُوسى بالسَّرح، قال: وغاداهم العَجَم القتال، فوقف مَلِكُهم على تلّ في عشرة آلاف في أكمل عُدّة، فقال موسى: إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشيء، فقصد لهم حُرَيْثُ بن قُطْبة فقاتَلَهم صدرَ النهار، وألحّ عليهم حتى أزالوهم عن التلّ، ورُمي يومئذ حُرَيث بُنشابة في جبهته، فتحاجزوا فبَيّتَهم موسى، وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة مَلِكهم، فوجأ رجلًا منهم بقَبِيعة سيفِه، فطعن فرَسه، فاحتَمَله فألقاه في نهر بَلْخ فغَرق، وعليه درْعان، فقتل العجم قَتْلًا ذريعًا، ونجا منهم من نجا بشرّ، ومات حُرَيث بن قطبة بعد يومين، فدُفن في قبّته.\nقال: وارتحل موسى، وحَملوا الرؤوسَ إلى التِّرْمذ، فبنَوا من تلك الرؤوس جَوْسَقَين، وجعلوا الرؤوس يقابل بعضها بعضًا، وبلغ الحجاجَ خبرُ الوقعة، فقال: الحمد لله الذي نَصَرَ المنافقين على الكافرين، فقال أصحاب موسى: قد كُفِينا أمرَ حُريث، فأرحْنا من ثابت، فأبَى، وقال: لا وبلَغ ثابتًا بعضُ ما يخوضون فيه، فدسّ محمد بن عبد الله بن مَرثَد الخُزاعيّ، عمّ نَصْر بن","vol":"9","page":419},{"text":"عبد الحميد عامل أبي مسلم على الرّيّ - وكان في خدمة موسى بن عبد الله - وقال له: إياك أن تتكلم بالعربية، وإن سألوك من أين أنت! فقل: من سَبْي الباميان، فكان يَخدُم موسى وينقُل إلى ثابت خبرَهم، فقال له: تحفَّظْ ما يقولون، وحَذِر ثابت فكان لا ينام حتى يرجعَ الغلام، وأمر قومًا من شاكِرِيّته يحرسونه، ويبيتون عندَه في داره، ومعهم قوم من العَرَب، وألحّ القوم على موسى فأضجَروه، فقال لهم ليلةً: قد أكثرتم عليّ، وفيم تريدون هلاكَكم، وقد أبرَمْتموني! فعلى أيّ وجه تَفتِكون به، وأنا لا أغدِر به! فقال نوح بن عبد الله أخو موسى: خَلِّنا وإياه، فإذا غدا إليك غُدوةً عَدلْنا به إلى بعض الدّور، فضربْنا عنقَه فيها قبل أن يصلَ إليك، قال: أمَا والله إنه لهلاككم، وأنتم أعلم - والغلام يسمَع - فأتى ثابتًا فأخبَره، فخرج من ليلته في عشرين فارسًا، فمضى، وأصبَحوا وقد ذهب فلم يَدْروا من أين أوتُوا.\nوفَقَدوا الغلام، فعلِموا أنه كان عَيْنًا له عليهم، ولحق ثابت بحشورا فنَزل المدينة، وخرج إليه قومٌ كثير من العَرب والعجم، فقال موسى لأصحابه: قد فتحتم على أنفسكم بابًا فسُدّوه، وسار إليه موسى، فخرج إليه ثابت في جمع كثير فقاتلَهم، فأمر موسى بإحراق السور، وقاتَلهم حتى ألجؤوا ثابتًا وأصحابَه إلى المدينة، وقاتلوهم عن المدينة.\nفأقبل رقبة بن الحرّ العَنبريّ حتى اقتحم النار؛ فانتهى إلى باب المدينة، ورجل من أصحاب ثابت واقفٌ يحمِي أصحابَه، فقتَله، ثمّ رجع فخاض النار وهي تَلتهِب، وقد أخذتْ بجوانب نَمَط عليه، فرَمى به عنه ووقفَ، وتحصّن ثابت في المدينة، وأقام موسى في الرّبض، وكان ثابت حين شَخَص إلى حشورا أرسَل إلى طَرْخون، فأقبَل طرْخون مُعينًا له، وبلغ موسى مجيءُ طَرْخون، فرجع إلى التّرْمِذ، وأعانه أهلُ كِسّ ونَسَعف وبُخارَى، فصار ثابت في ثمانين ألفًا، فحَصَروا موسى وقطعوا عنه المادّة حتى جُهدوا.\nقال: وكان أصحابُ ثابت يَعبُرون نهرًا إلى موسى بالنهار - ثمّ يرجعون بالليل إلى عسكرهم، فخرج يومًا رقَبة - وكان صديقًا لثابت، وقد كان يَنهى أصحاب موسى عمّا صنعوا - فنادى ثابتًا، فبَرز له - وعلى رَقَبَةَ قَباء خزّ - فقال له: كيف حالك يا رَقبة؟ فقال: ما تسأل عن رَجل عليه جُبّة خَزّ في حَمارَّة القَيْظ! وشكا إليه","vol":"9","page":420},{"text":"حالهم، فقال: أنتم صنعتم هذا بأنفسِكم، فقال: أما والله ما دخلتُ في أمرِهم، ولقد كرهتُ ما أرادوا، فقال ثابت: أين تكون حتى يأتيَك ما قُدّر لك؟ قالّ: أنا عند المُحلّ الطفاويّ - رجلٌ من قيس من يَعْصُر - وكان المحلّ شيخًا صاحب شراب - فنزل رَقَبة عندَه.\nقال: فبعث ثابت إلى رَقَبة بخمسمئة درهم مع عليّ بن المهاجر الخُزاعيّ، وقال: إنّ لنا تجّارًا قد خرجوا من بَلخ، فإذا بلغك أنهم قد قَدِموا فأرسلْ إليّ تأتِكَ حاجَتُك، فأتى على باب المُحِلّ، فدخل فإذا رَقّبة والمُحلّ جالسان بينهما جَفنة فيها شراب، وخِوانٌ محل عليه دَجاج وأرغفة، ورَقَبة شعِث الرأس، متوشِّح بمِلحفة حمراء، فَدفع إليه الكيس، وأبلَغَه الرسالة وما كلمه، وتناوَلَ الكيس وقال له بيَدِه، اخرجْ، ولم يكلِّمه، قال: وكان رقبةُ جَسيمًا كبيرًا، غائرَ العينين، ناتئ الوَجْنتين، مفلّج، بين كلِّ سِنَّيْن له موضع سنّ، كأنّ وجَهه تُرس.\nقال: فلمّا أضاق أصحابُ موسى واشتدّ عليهم الحصار قال يزيدُ بن هزيل: إنما مقَام هؤلاء مع ثابت والقَتْل أحسَنُ من الموت جُوعًا، والله لأفتكنَّ بثابت أو لأموتَنّ، فخرج إلى ثابت فاستأمَنَه، فقال له ظُهير: أنا أعرَفُ بهذا منك، إنّ هذا لم يأتِك رغبةً فيك ولا جزَعًا لك، ولقد جاءك بغُدْرَة، فاحذرْه وخَلّني وإياه، فقال: ما كنتُ لأقدِم على رَجل أتاني، لا أدري أكذلك هو أم لا. قال: فَدَعْني أرتهن منه رَهْنًا، فأرسل ثابث إلى يزيدَ فقال: أما أنا فلم أكن أظنّ رجلًا يَغدِر بعد ما يسأل الأمان، وابنُ عمِّك أعلَم بك مني، فانظر ما يُعاملك عليه، فقال يزيد لظُهير: أبيتَ يا أبا سعيد إلا حَسَدًا! قال: أما يكفيك ما تَرَى من الذُّل! تشرّدتُ عن العراقِ وعن أهلي، وصوتُ بخُراسان فيما ترى، أفما تَعطِفك الرَّحمُ! فقال له ظُهير: أما والله لو تُركْتُ ورأيي فيكَ لما كان هذا، ولكن أرْهِنَا ابنيْك قُدامة والضحّاك، فدَفَعهما إليهم، فكانا في يديْ ظُهير.\nقال: وأقام يزيدُ يَلتمس غِرّةَ ثابت، لا يَقدِر منه على ما يريد، حتى مات ابنٌ لزياد القصير الخُرميّ، أتى أباه نَعيّه من مَرْوَ، فخرج متفضّلًا إلى زياد ليعزّيه، ومعه ظُهير ورَهطٌ من أصحابه، وفيهم يزيد بن هُزَيل، وقد غابت الشمس، فلما صار على نهر الصغَانيَان تأخّر يزيدُ بن هزيل ورجلان معه، وقد تقدم ظُهير وأصحابه، فدنا يزيد من ثابت فضربه فعضّ السيف برأسه، فوصل إلى الدماغ،","vol":"9","page":421},{"text":"قال: ورمى يزيد وصاحباه بأنفسِهم في نَهْر الصَّغانِيان، فرمْوهم، فنجا يزيدُ سباحة وقُتل صاحباه، وحُمِل ثابت إلى منزله، فلما أصبح طَرْخون أرسَل إلى ظهير: ائِتني بابنَيْ يزيدَ، فأتاه بهما، فقدّم ظهيرٌ الضحّاك بن يزيدَ فقَتَله، ورمى به وبرأسه في النهر، وقدّم قدامَة ليقتلَه، فالتفتَ فوَقَع السيف في صدره، ولم يُبِنْ، فألقاه في النهر حيًّا فغرَق، فقال طرخون: أبوهما قتلهما وغدرُه، فقال يزيد بن هزيل: لأقتلنّ يا بنيّ كلَّ خُزاعيٍّ بالمدينة، فقال له عبدُ الله بنُ بُدَيل بنِ عبد الله بن بُدَيل بنِ وَرْقاء - وكان ممن أتَى موسى من فَلّ ابن الأشعث:\nلو رُمْتَ ذاكَ من خُزاعة لَصعُب عليكَ. وعاش ثابتُ سبعةَ أيام ثمّ مات، وكان يزيدُ بن هزيل سخيًّا شجاعًا شاعرًا، ولي أيّام ابن زياد جزيرةَ ابن كاوان، فقال:\nقد كنتُ أدعو الله في السرّ مخلصًا ... ليُمكّنني من جزيةٍ ورِجالِ\nفأترُك فيها ذِكْرَ طَلحةَ خاملًا ... ويُحمَدُ فيها نائلي وفِعالي\nقال: فقام بأمرِ العجَم بعد موت ثابت طَرْخون، وقام ظُهَير بأمر أصحابِ ثابت، فقاما قيامًا ضعيفًا، وانتَشَر أمرُهم، فأجمع موسى على بَياتِهم، فجاء رجلٌ فأخبرَ طرخون، فضَحِك وقال: موسى يَعجز أن يدخل متوضّأه، فكيف يبيِّتنا! لقد طار قلْبك، لا يحرسنّ الليلة أحدٌ العسَكر. فلما ذهب من الليل ثُلثُه خرج موسى في ثمانمئة قد عبّاهم من النهار، وصيّرهم أرباعًا، قال: فصيّر على رُبْع رقَبة بن الحرّ وعلى رُبْع أخاه نُوح بن عبد الله بن خازم، وعلى رُبْع يزيدَ بن هزيل، وصار هو في ربع، وقال لهم: إذا دخلتم عسكرَهم فتفرّقوا، ولا يمُرَّن أحدٌ منكم بشيء إلا ضربه، فدخلوا عسكرَهم من أربع نواحٍ لا يمرّون بدابّة ولا رجل ولا خِباء ولا جوالِق إلا ضَرَبوه، وسمع الوجبَة نَيْزك فَلبس سلاحَه، ووقف في ليلة مظلمه، وقال لعليّ بن المُهاجر الخُزاعِي: انطلق إلى طرْخونَ فأعِلمه مَوقفي، وقيل له: ما ترَى أعمل به، فأتى طرخون، فإذا هو في فازة قاعدٌ على كرسيّ وشاكرّيته قد أوقَدوا النيرانَ بين يديْه، فأبلغه رسالةَ نَيزَك، فقال: اجلسْ، وهو طامح ببصِره نحَو العسكر والصّوت، إذ أقبل مَحْمِيَةُ السُّلَميّ وهو يقول: \"حم لا يُنْصَرَون\"، فتفّرق في الشاكرّية، ودخل محمِيَةُ الفازة، وقام إليه طَرْخون فبدَره فضَرَبه، فلم يُغنِ شيئًا، قال: وطَعَنَه طرْخون بذُباب السيف في","vol":"9","page":422},{"text":"صَدْرِه فصَرَعه، ورجع إلى الكرسيّ فجلس عليه، وخرجَ محمِية يَعدُو.\nقال: ورجعت الشاكرّية، فقال لهم طَرْخون: فَرَرتم من رجل! أرأيتم لو كان نارًا هل كانت تَحرِق منكم أكثرَ من واحد! فما فَرَغ من كلامه حتى دخل جوارِيه الفازَة، وخَرَج الشاكرّية هُرّابًا، فقال للجواري: اجلِسْن، وقال لعليّ بن المهاجر: قُمْ، قال: فخرجنا فإذا نوح بنُ عبد الله بن خازم في السُّرادق، فتجاوَلَا ساعة، واختَلَفا ضربتيْن، فلم يَصنَعا شيئًا، وولّى نوح وأتبَعه طَرْخون، فطَعَن فرس نُوح في خاصِرَته فشَبّ، فَسَقَط نُوح والفرَس في نهر الصَّغانيان، ورجع طَرْخون وسيفُه يَقطُر دمًا، حتى دخل السرادق وعليّ بن المهاجرِ معه، ثمّ دخلا الفازة.\nوقال طَرْخون للجواري: ارجعن: فرَجَعن إلى السرادق؛ وأرسَل طرخون إلى موسى: كُفّ أصحابَك؟ فإنا نرتحل إذا أصبحْنا، فرجَع موسى إلى عسكره، فلما أصبحوا ارتَحَل طَرْخون والعَجَم جميعًا، فأتى كلّ قوم بلادهم. قال: وكان أهلُ خُراسان يقولون: ما رأيْنا مِثلَ موسى بن عبد الله بن خازم، ولا سَمِعنا به، قاتَلَ مع أبيه سنتين، ثمّ خرج يسير في بلاد خُراسان حتى أتى مَلِكًا فغَلَبه على مدينته، وأخَرَجَه منها، ثمّ سارت إليه الجنُود من العَرَب والترك فكان يُقاتِل العَرب أوّل النهار والعَجَم آخر النهار، وأقام في حِصنه خمسَ عشرةَ سنة، وصار ما وراءَ النهر لموسى، لا يُعازّه فيه أحدٌ.\nقال: وكان بقُومِسَ رجلٌ يقال له عبد الله، يَجتمع إليه فِتيانٌ يتنادَمون عندَه، في مؤونته ونفقَته، فلزِمه دَيْن، فأتى موسى بن عبد الله، فأعطاه أربعةَ آلاف، فأتَى بها أصحابَه، فقال الشاعر يُعاتِب رجلًا يقال له موسى:\nفما أنتَ مُوسَى إذ يُناجِي إلهَهُ ... ولا وَاهِب القَيْنَات موسَى بنُ خازمِ\nقال: فلما عُزل يزيدُ ووُلِّيَ المفضّل خُراسانَ أراد أن يحظى عند الحجّاج بقِتال موسى بن عبد الله، فأخرج عثمانَ بن مسعود - وكان يزيد حبَسَه - فقال: إني أريد أن أوجِّهَك إلى موسى بن عبد الله، فقال: واللهِ لقد وترَني، وإنّي لثائر بابن عمّي ثابت وبالخُزاعيّ، وما يَد أبيك وأخِيك عندي وعندَ أهل بيتي بالحَسنة، لقد حبستموني، وشرّدتم بني عمّي، واصطفيَتْم أموالهم، فقال له المفضَّل: دَعْ هذا عنك، وسرْ فأدْرِكْ بثأرك، فوجّهه في ثلاثة آلاف، وقال له: مُر مناديًا فليُناد:","vol":"9","page":423},{"text":"مَن لحق بنا فلَه دِيوان، فنادَى بذلك في السوق، فسارَعَ إليه الناس، وكتب المفضّل إلى مُدرِك وهو بَبَلْخَ أن يسيرَ معه، فخرج، فلما كان ببلْخ خرج ليلةً يطوف في العسكر، فسَمِع رجلًا يقول: قتلتُه واللهِ، فرَجَع إلى أصحابه، فقال: قتلتُ موسَى وربِّ الكعبة!\nقال: فأصبَح فسار مِنْ بَلْخ وخرج مدرك معه مُتثاقِلًا، فقطع النهرَ فنزَل جزيرةً بالتِّرمِذ يقال لها اليوم جزِيرة عثمان - لنزول عثمانَ بها في خمسة عشر ألفًا - وكتب إلى السَّبَل وإلى طَرْخون فقَدِموا عليه، فحَصَروا موسى، فضيَّقوا عليه وعلى أصحابه، فخرج موسى ليلًا فأتى كفتان، فامتار منها، ثمّ رجع فمكث شهرين في ضِيق، وقد خَنْدَق عثمان وحذر البَيَات، فلم يَقدِر موسى منه على غِرَّة، فقال لأصحابه: حتى متى! اخرُجُوا بنا فاجعَلوا يومَكم؛ إما ظفرتم وإما قُتِلتم، وقال لهم: اقصِدوا للصّغْد والترك، فخرج وخلّف النضرَ بنَ سليمان بن عبد الله بن خازم في المدينة، وقال له: إن قُتلتُ فلا تدفعنّ المدينةَ إلى عثمان، وادفَعْها إلى مُدْرِك بن المهلّب. وخرج فصيّر ثُلثَ أصحابه بإزاء عثمان وقال: لا تهايجوه إلا أن يقاتلكم، وقصد لطَرْخون وأصحابه، فَصَدقوهم، فانهزم طرْخونُ والترك، وأخذوا عسكرَهم فجعلوا يَنقلُونه، ونظر معاويةُ بن خالد بن أبي بَرْزة إلى عثمان وهو على بِرْذَوْن لخالد بن أبي برْزة الأسلَميّ، فقال: انزِل أيها الأمير، فقال خالد: لا تنزلْ فإنّ معاوية مشؤوم، وكرّت الصُّغْد والترك، راجعةً، فحالوا بين موسى وبين الحصين، فقَاتلَهم، فعُقِر به فسَقَط، فقال لمولىً له: احملني، فقال: الموتُ كَرِيه، ولكن ارتدِف، فإنْ نجوْنا نجوْنا جميعًا، وإن هلكْنا هلكنا جميعًا، قال: فارتَدَف، فنظر إليه عثمانُ حين وَثَبَ فقال: وَثْبةُ موسى وربّ الكعبة! وعليه مِغفر له مُوشّىً بخزّ أحمَر في أعلاه ياقوتة اسمانْجُونِيَّة، فخرجِ من الخندق فكَشَفوا أصحابَ موسى، فقصد لموسى، وعثرتْ دابة موسى فسَقَط هو ومَوْلاه، فابتَدرُوه، فانطَووا عليه فقتلوه، ونادى منادِي عثمان: لا تقتُلوا أحدًا، من لقيتموه فخُذوه أسيرًا.\nقال: فتفرّق أصحابُ موسى وأسِر منهم قومٌ، فعُرضوا على عثمان، فكان إذا أتِيَ بأسير من العرب قال: دماؤُنا لكم حلال، ودماؤكم علينا حرام! ويأمر بقتلِه، وإذا أتِيَ بأسير من المَوالي شتَمه، وقال: هذه العربُ تقاتِلني، فهلّا","vol":"9","page":424},{"text":"غضبتَ لي! فيأمر به فيُشدَخ، وكان فظًّا غليظًا، فلم يسلمَ عليه يومئذ أسيرٌ إلا عبد الله بنَ بُدَيل بنِ عبد الله بن بُدَيلَ بن ورْقاء؛ فإفه كان مولاه، فلما نظر إليه أعرضَ عنه وأشارَ بيده أن خَلّوا عنه، ورَقَبة بن الحرّ لما أُتِيَ به نَظَرَ إليه وقال: ما كان من هذا إلينا كبيرُ ذَنْب، وكان صديقًا لثابت، وكان مع قوم فوَقي لهم، والعَجب كيف أسرْتُموه! قالوا: طُعن فرسُه فسَقَط عنه في وهدة فأسِر؛ فأطلقه وحَمَله، وقال لخالد بن أبي بَرْزة: ليكُنْ عندَك، قال: وكان الذي أجهزَ على موسى بن عبد الله واصِلُ بن طَيسلة العَنْبريّ.\nونظر يومئذ عثمانُ إلى زُرعة بن عَلْقمة السُّلَميّ والحجاج بن مروان وسِنان الأعرابي ناحيةً فقال: لكم الأمان، فظنّ الناسُ أنه لم يؤمنهم حتى كاتَبوه.\nقال: وبقيت المدينةُ في يَدَي النضْر بن سليمان بن عبد الله بن خازم، فقال: لا أدفُعها إلى عثمانَ، ولكني أدفعُها إلى مُدرك، فدفَعَها إليه وآمنه، فدفَعَها مُدرِك إلى عثمانَ، وكتب المفضّل بالفَتْح إلى الحجَّاج، فقال الحجّاج: العجب من ابن بَهْلة! آمرُه بقَتْل ابن سَمُرة فيكتب إليّ أنه لمآبه ويكتب إليَّ: أنه قتَل موسى بن عبد الله بن خازم، قال: وقُتِل موسى سنة خمس وثمانين، فذَكَر البحتريّ أن مَغراء بن المغيرة بن أبي صُفْرة قَتَلَ موسى فقال:\nوقد عَرَكتْ بالتِّرمذ الخيلُ خازمًا ... ونوحًا وموسى عَركةً بالكَلَاكل\nقال: فضرب رجل من الجند ساقَ موسى، فلما ولّى قتيبة أخبِر عنه فقال: ما دعاك إلى ما صنعتَ بفتى العرب بعد مَوْته! قال: كان قتَل أخي، فأمَرَ به قُتَيبة فقُتِل بين يديه. (٦/ ٣٩٨ - ٤١٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>عزم عبد الملك بن مروان على خلع أَخيه عبد العزيز</span>\nوفي هذه السنة أراد عبدُ الملك بنُ مروانَ خلعَ أخيه عبدِ العزيز بنِ مَرْوان.\n* ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه:\nذكَر الواقديّ أنّ عبدَ الملك همّ بذلك، فنَهاه عنه قبيَصةُ بن ذُؤَيب، وقال: لا تَفعلْ هذا، فإنك باعثٌ على نفسك صوتَ نعّار، ولعلّ الموتَ يأتيه فتستريحَ","vol":"9","page":425},{"text":"منه! فكفّ عبدُ الملك عن ذلك ونفسُه تُنازِعه إلى أن يَخلَعه.\nودخل عليه رَوْح بنُ زِنْباع الجُذاميّ - وكان أجلَّ الناسِ عندَ عبدِ الملك - فقال: يا أمير المؤمنين، لو خلعتَه ما انتطَح فيه عنْزان، فقال: ترَى ذلك يا أبا زرْعة؟ قال: إي واللهِ، وأنا أوّلُ من يُجيبُك إلى ذلك؛ فقال: نَصيحٌ إن شاء الله، قال: فبينا هو على ذلك وقد نامَ عبدُ الملك ورَوْح ابنُ زِنْباعٍ إذ دخل عليهما قَبيِصة بن ذُؤيب طروقًا، وكان عبدُ الملك قد تقدّم إلى حُجّابه فقال: لا يُحجب عني قبيصة أيّ ساعة جاءَ من ليل أو نهار، إذا كنت خاليًا أو عندي رجل واحد، وإن كنت عند النساء أدخِل المجلسَ وأعلِمتُ بمكانه فَدخَل وكان الخاتَمُ إليه، وكانت السكّة إليه، تأتيه الأخبارُ قبل عبدِ الملك، وتقرأ الكتبَ قبلَه، ويأتي بالكتاب إلى عبدِ الملك مَنْشورًا فيقرؤه، إعظامًا لقبيصة - فدخل عليه فسلم عليه، وقال: آجرَك اللهُ يا أميرَ المؤمنين في أخيك عبد العزيز! قال: وهل تُوفِّى؟ قال: نعم، فاسترجَع عبدُ الملك، ثمّ أقبَل على رَوْح فقال: كفانا الله أبا زُرْعة ما كنا نريد وما أجمَعْنا عليه، وكان ذلك مخالفًا لك يا أبا إسحاق، فقال قَبيصة: ما هو؟ فأخَبَره بما كان؛ فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، إنّ الرأي كله في الأنَاة، والعجلةُ فيها ما فيها، فقال عبدُ الملك: ربما كان في العَجَلة خيرٌ كثير، رأيتَ أمرَ عمرو بنِ سعيد، ألم تكن العَجَلة فيه خيرًا من التأنِّي! (٦/ ٤١٢ - ٤١٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>[خبر موت عبد العزيز بن مروان]</span>\nوفي هذه السنة تُوفِّيَ عبدُ العزيز بنُ مروانَ بمصرَ في جُمادَى الأولى، فضمّ عبد الملك عَمَله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وولّاه مصرَ.\nوأما المدائني فإنه قال في ذلك ما حدّثنا به أبو زَيد عنه، أنّ الحجّاج كَتَب إلى عبد الملك يزيّن له بيعةَ الوليد، وأوفَدَ وفدًا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنَزَيّ، فقام عِمْران خطيبًا، فتكلّم وتكلّم الوَفْد وحثّوا عبدَ الملك، وسألوه ذلك، فقال عمران بنُ عِصام:\nأميرَ المُؤْمنين إليك نُهدِي ... على النأْيِ التحيَّةَ والسلَاما\nأجِبْني في بَنيكَ يكُنْ جوابي ... لهمْ عادِيّةً ولنا قِوَاما","vol":"9","page":426},{"text":"فلو أنَّ الوليدَ أُطاعُ فيه ... جعلتُ له الخلافةَ والذِّماما\nشَبيهُكَ حَول قُبَّتهِ قريشٌ ... به يَستَمطِرُ الناسُ الغماما\nومثلك في التُّقى لم يَصْبُ يومًا .. لدُنْ خَلَعَ القلائدَ والتَّماما\nفإن تُؤثِرْ أَخاكَ بها فإنَّا ... وجَدّكَ لا نُطِيقُ لها اتّهاما\nولكنَّا نُحاذرُ من بَنيه ... بنى العَلَّاتِ مأْثَرَةً سَمَامَا\nونخشى إن جَعلتَ المُلكَ فيهمْ ... سحابًا أن تَعُودَ لهم جَهَامَا\nفلا يَكُ ما حَلْبتَ غدًا لقومٍ ... وبعدَ غَدٍ بَنُوِكَ هُمُ العِيامَا\nفأُقسِمُ لو تَخطَّأَني عِصَامٌ ... بذلك ما عَذرتُ به عِصَاما\nلو أَنِّي حَبَوتُ أَخًا بفضل أريدُ به المقالة والمقاما\nلعَقَّبَ في بَنِيَّ على بنيه ... كذلك أو لَرُمتُ له مرامَا\nفَمَن يَكُ في أقَاربه صُدُوع ... فصدعُ الملكِ أبطؤهُ التئَامَا\nفقال عبدُ الملك: يا عِمرانُ، إنه عبد العزيز، قال: احتَلْ له يا أميرَ المؤمنين.\nقال عليّ: أراد عبدُ الملك بيعةَ الوليدِ قبل أمرِ ابن الأشعث، لأنّ الحجَّاج بعثَ في ذلك عمران بن عصام، فلما أبى عبدُ العزيز أعرض عبدُ الملك عمّا أراد حتى ماتَ عبد العزيز، ولما أراد أن يَخلَع أخاه عبدَ العزيز ويُبايعَ لابنه الوليد كتب إلى أخيه: إن رأيت أن تصيِّر هذا الأمر لابن أخيك! فأبى، فكَتَب إليه: فاجعلْها له من بعدك، فإنه أعزّ الخلق على أمير المؤمنين، فكتب إليه عبد العزيز: إني أرَى في أبي بكر بن عبد العزيز ما تَرَى في الوليد، فقال عبد الملك: اللهمّ إنّ عبد العزيز قَطعَني فاقطعْه، فكتب إليه عبدُ الملك: احمِل خراجَ مصرَ، فكتَبَ إليه عبدُ العزيز: يا أميرَ المؤمنين، إني وإيّاكَ قد بلَغْنا سِنًّا لم يبلْغها أحدٌ من أهلِ بيتك إلا كان بقاؤه قليلًا، وإنّي لا أدري ولا تَدرِي أيُّنا يأتيه الموتُ أوّلًا! فإن رأيتَ ألّا تغثّث عليّ بقيةَ عمري فافعل.\nفرقّ له عبدُ الملك وقال: لَعمْرِي لا أغثّث عليه بقية عُمرِه، وقال لابنَيه: إن يُرد الله أن يُعِطيكموها لا يَقدِرْ أحدٌ من العباد على ردّ ذلك. وقال لابنيه: الوليد وسليمان: هل قارفتُما حَرامًا قطّ؟ قالا: لا واللهِ، قال: الله أكبر، نِلتُماها ورب الكعبة!\nقال: فلما أبى عبدُ العزيز أن يجيبَ عبدَ الملك إلى ما أراد، قال:","vol":"9","page":427},{"text":"عبدُ الملك: اللهمّ قد قطَعني فاقطَعْه، فلما مات عبدُ العزيز قال أهلُ الشام: رَدّ على أمير المؤمنين أمرَه، فدعا عليه، فاستُجيب له.\nقال: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشيرُ عليه أن يستكتب محمد بن يزيدَ الأنصاريّ، وكتب إليه: إن أردتَ رجلًا مأمونًا فاضلًا عاقلًا وديعًا مُسلمًا كَتُومًا تتّخذه لنفسِك، وتَضع عندَه سِرَّك، وما لا تحبّ أن يَظهَر فاتخذْ محمد بن يزيدَ، فكتب إليه عبدُ الملك: احمله إليّ فَحَمَله، فاتّخذه عبدُ الملك كاتبًا، قال محمد: فلم يكن يأتيه كِتابٌ إلا دفعه إليّ، ولا يسترُ شيئًا إلا أخبَرَني به وكتَمه الناسَ، ولا يكتبُ إلى عامل من عماله إلا أعلَمنيه، فإني لجالسٌ يومًا نِصفَ النهار إذا ببَريد قد قَدِم من مصرَ، فقال: الإذن على أمير المؤمنين، قلت: ليست هذه ساعة إذن، فأعلمني ما قد قدمتَ له، قال: لا. قُلت: فإن كان معك كتاب فادفعه إليّ، قال: لا، قال: فأبلَغَ بعضُ من حضَرَني أمير المؤمنين، فخرج فقال: ما هذا؟ قلتُ: رسولٌ قَدِم في مصرَ، قال: فخُذ الكتاب، قلتُ: زَعَم أنه ليس معه كتاب، قال: فسَلْه عما قدِم له، قلتُ: قد سألتهُ فلم يُخبِرْني، قال أدخِلْه، فأدخَلته، فقال: آجرَك الله يا أميرَ المؤمنين في عبد العزيز! فاسترْجعَ وبكى ووَجَم ساعةً ثمّ قال: يَرحَم الله عبدَ العزيز! مَضَى واللهِ ععدَ العزيز لشأنهِ، وتركَنَا وما نحن فيه، ثمّ بكى النساءُ وأهل الدار، ثمّ دعاني من غَد، فقال: إنّ عبد العزيز ﵀ قد مَضَى لسبيله، ولا بدّ للناس من عَلَم وقائم يقومُ بالأمْرِ من بَعدي، فمن تَرَى؟ قلت: يا أميرَ المؤمنين، سيّد الناس وأرضاهم وأفضلُهم الوليدُ بنُ عبد الملك، قال: صدقتَ وفّقك الله! فمَن تَرى أن يكون بعده؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أين تَعْدلها عن سليمانَ فتَى العرب! قال: وفّقتَ، أما إنَّا لو تركْنا الوليدَ وإياها لجعَلَها لبنيه، اكتُب عَهدًا للوليد وسُليمانَ مِن بَعدِه، فكتبتُ بيعةَ الوليد ثم سليمان من بعدِه، فغَضب عليَّ الوليدُ فلم يُولني شيئًا حين أشرْتُ بسليمان من بعدِه. (٦/ ٤١٣ - ٤١٥).\nقال عليّ: عن ابن جُعْدبة: كتب عبدُ الملك إلى هشام بن إسماعيلَ المخزوميّ أن يدعوَ الناس لبيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غيرَ سعيِد بن المسيِّب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حَيّ؛ فضَرَبه هشام ضَرْبًا مُبرِّحًا وألبَسَه المسُوحَ، وسرّحه إلى ذباب - ثنيّة بالمدينة كانوا يُقتلون عندها","vol":"9","page":428},{"text":"ويُصلَبون، فظنّ أنهم يريدون قتلَه، فلما انتهَوا به إلى ذلك الموضع رَدّوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يَصْلبوني ما لبستُ سراويلَ مُسوح، ولكنْ قلتُ: يصلبونني فيسترني، وبلغ عبدَ الملك الخبرُ، فقال: قبح الله هشامًا! إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبي يَضرِب عنقَه، أو يكفّ عنه (١). (٦/ ٤١٥ - ٤١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>بيعة عبد الملك لابنيه: الوليد ثم سليمان</span>\nوفي هذه السنة بايع عبد الملك لابنيه: الوليد، ثم من بعده لسليمان.\nوأما الحارث فإنه قال: حدّثني ابن سَعْد، عن محمد بن عمَر الواقديّ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ جعفر وغيرُه من أصحابنا قالوا: استعمَل عبدُ الله بن الزبير جابرَ بن الأسود بنَ عوف الزّهري على المدينة، فدعا الناسَ إلى البَيْعة لابن الزبير، فقال سعيدُ بنُ المسيِّب: لا، حتى يجتَمعَ الناسُ؛ فضرَبَه ستّين سَوْطًا، فَبلَغ ذلك ابن الزبير، فَكَتَب إلى جابر يلومُه، وقال: ما لَنا ولسعيد، دَعْه! (٦/ ٤١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>خبر وفاة عبد الملك بن مروان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>ذكر أولاده وأَزواجه</span>\nمنهم الوَليد، وسليمان، ومَرْوان الأكبر - دَرَج - وعائشة؛ أمّهم ولّادة بنت\n_________\n(١) قلنا: وابن جعدبة هذا كذاب متهم بالوضع وقال ابن حبان: كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير والمقلوبات عن الثقات، وقال أبو حاتم والبخاري ومسلم: منكر الحديث [تهذيب الكمال (تر ٧٠٣٥)].\nوقد عمد إلى هذا الخبر - امتناع سعيد عن البيعة لاثنين في آن واحد - فأضاف إليه أن عبد الملك قال: (فإن أبى يضرب عنقه) أي: أن ابن جعدبة يريد أن يصور لنا خلفاء بني أمية لا يرفون إلَّا ضرب الأعناق ولكن أئمة الحديث جزاهم اللهُ خيرًا كشفوا لنا زيف الروايات بكشفهم عن حال الرواة الوضاعين الكذابين والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"9","page":429},{"text":"العبّاس بن جَزْء بن الحارث بن زهير بن جذَيمة بن رَوَاحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قُطَيعة بن عَبْس بن بَغِيض.\nويزيد، ومَرْوان، ومعاوية - دَرَج - وأمّ كُلْثوم، وأمّهم عاتكة بنت يَزيدَ بن معاوية بن أبي سُفْيان.\nوهشام، وأمّه أمّ هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وقال المدائنيّ: اسمها عائشة بنت هشام.\nوأبو بكْر، واسمُه بكار، أمّه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عُبَيْد الله، والحَكم - دَرَج - أمه أمّ أيّوب بنت عمرو بن عثمانَ بن عفّان.\nوفاطمة بنت عبدِ الملك، أمّها أمّ المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هِشام بن المغيرة.\nوعبد الله ومَسلَمة والمنذر وعَنْبسة ومحمد وسعيد الخير والحجّاج؛ لأمهاتِ أولاد. (٦/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n* * *\nقال المَدائنيّ: وكان له من النساء - سوى من ذكرْنا - شقراءُ بنتُ سَلَمة بن حلبَس الطائيّ، وابنة لعليّ بن أبي طالب ﵇، وأمّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر. (٦/ ٤٢٠).\nوذكرَ المدائنيّ، عن عوانة وغيره أنّ سلَمَة بن زيد بن وهب بن نُباتَة الفَهميّ، دخل على عبدِ الملك فقال له: أيّ الزمان أدركتَ أفضل؟ وأيّ الملوك أكمَل؟ قال: أما الملوك فلَمْ أرَ إلا ذامًّا وحامدًا؛ وأما الزمان فيَرفَع أقوامًا ويَضَع أقوامًا، وكلهم يَذُمّ زمانَه لأنه يُبلي جديدَهم، ويُهرِم صغيرَهم، وكلّ ما فيه منقطع غير الأمل؛ قال: فأخبِرْني عن فَهْم، قال: هم كما قال مَن قال:\nدَرَج الليْلُ والنَّهارُ على فَهـ ... ـمِ بنِ عَمْرو فأَصبحُوا كالرَّميمِ\nوخَلَتْ دارُهُمْ فأَضَحَتْ يَبَابًا ... بعْدَ عزٍّ وثَرْوَة ونعيمِ\nكذَاك الزمانُ يَذْهَبُ بالنا ... س وتبْقَى ديَارُهُمْ كالرُّسومِ","vol":"9","page":430},{"text":"قال: فمن يقول منكم:\nرأيتُ الناسَ مذ خُلقُوا وكانوا ... يحبُّون الغَنِيَّ من الرجالِ\nوإن كان الغَنيُّ قليلَ خيْرٍ ... بخيلًا بالقليل من النوالِ\nفما أَدْري عَلَامَ وفيمَ هذا ... وماذا يَرْتَجُون من البِخَال!\nأَلِلدّنيا؟ فلَيْسَ هُنَاك دنْيا ... ولا يُرْجى لحادثَةِ اللَّيَالي\nقال: أنا.\nقال عليّ: قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط لعبدِ المَلِك بن مَرْوان:\nنبِّئتُ أنَّ ابنَ القَلمَّس عابَني ... ومن ذا من النَّاس الصحيحُ المسَلَّمُ!\nفأَبصرَ سُبْلَ الرشدِ سيّدُ قومه ... وقد يُبْصِرُ الرشْدَ الرئيسُ المعَمَّمُ\nفمن أنتمُ؟ ها خَبّرونا من أنتُمُ؟ ... وقد جعلت أَشياءُ تبْدُو وتُكْتَمُ\nفقال عبد الملك: ما كنتُ أرى أنّ مثلَنا يقال له: من أنتُم! أما واللهِ لولا ما تَعلم لقلتُ قَوْلًا ألحقكم بأصلكم الخبيث، ولضربتُك حتى تموت. (٦/ ٤٢٠ - ٤٢١).\nوقال عبدُ الله بنُ الحجّاج الثعلبيّ لعبدِ الملك:\nيا بنَ أَبي العاص ويا خيرَ فَتَى ... أنتَ سِدادُ الدِّين إِن دِينٌ وَهَى\nأَنتَ الَّذي لا يَجعلُ الأَمرَ سُدَى ... جيبتْ قريش عنكمُ جَوْبَ الرَّحَى\nإنّ أَبا العاصِي وفي ذاك اعْتَصَى ... أوْصَى بَنيهِ فوَعَوْا عنه الوَصَى\nإِنْ يَسعروا الحرْبَ ويأبوا ما أَبى ... الطاعنين في النُّحورِ والكُلَى\nشَزْرًا ووصْلًا للسيوف بالخُطَا ... إلى القتال فَحوَوْا ما قد حَوَى\nوقال أعشى بني شَيْبان:\nعرفتْ قرَيشٌ كلُّها ... لبَني أَبي العاص الإِمَارهْ\nلأَبَرِّها وأحَقِّها ... عند المشورَةِ بالإشارَهْ\nالمانعين لِمَا وَلُوا ... والنافعِين ذوِي الضَّرارهْ\nوَهُمُ أحَقُّهُم بها ... عند الحلاوة والمرارهْ\nوقال عبد الملك: ما أعلم مكانَ أحد أقوَى على هذا الأمر منّي، وإنّ","vol":"9","page":431},{"text":"ابنَ الزّبير لطويلُ الصّلاة، كثير الصيام ولكنْ لبخله لا يَصلُح أن يكون سائسًا. (٦/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>خلافة الوليد بن عبد الملك</span>\nوفي هذه السنة بويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة.\nفكان أوّل من قام لبيَعته عبدُ الله بن هَمّام السَّلوليّ، فإنه قام وهو يقول:\nاللهُ أعْطَاكَ الَّتي لا فَوْقَها ... وقد أَرَاد الملحدُون عَوْقَها\nعَنْكَ ويأْبى الله إلَّا سَوْقَها ... إِلَيْكَ حتى قَلَّدُوكَ طَوْقَها\nفبايعه، ثمّ تتابعَ الناسُ على البَيعة. (٦/ ٤٢٣).\nوأما الواقديّ فإنه ذكرَ أنّ الوليدَ لمّا رجع من دَفْن أبيه، ودُفِن خارج باب الجابية، لم يدخُل منزلَه حتى صعد على مِنبرِ دِمشقَ، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثمّ قال:\nأيّها الناسُ، إنه لا مُقدِّم لِما أخّر الله، ولا مؤخّر لِمَا قَدّم الله، وقد كان من قضاء الله وسابِق عِلمهِ وما كَتَب على أنبيائه وحَمَلة عرشِه الموت. وقد صار إلى منازل الأبرار ولّى هذه الأمة الذي يحقّ عليه لله من الشدّة على المُريب، واللِّين لأهل الحقّ والفضل، وإقاصة ما أقام الله من مَنار الإسلام وأعلامه؛ من حَجّ هذا البيت، وغَزْو هذه الثغور، وشَنّ هذه الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزًا ولا مُفرِّطًا، أيها الناس، عليكم بالطاعة، ولزومِ الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد، أيها الناس، مَن أبدَى لنا ذات نفسِه ضرْبنا الذي فيه عَيْناه، ومن سَكَت ماتَ بدَائه.\nثمّ نزَل، فَنَظَر إلى ما كان من دوابّ الخلافة فحَازه، وكان جبّارًا عنيدًا. (٦/ ٤٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>ولاية قتيبة بن مسلم على خراسان من قِبَل الحجاج</span>\nذكر ما كان من أمر قتيبة بخُراسان في هذه السنة، ثمّ عرَض قُتيبةُ الجُندَ في السلاح والكُراع، وسار واستخلَف بمرْوَ على حَرْبها إياسَ بن عبد الله بن عمرو،","vol":"9","page":432},{"text":"وعلى الخَراج عثمان بن السعديّ، فلما كان بالطالَقان تلقّاه دَهاقينُ بَلْخَ وبعضُ عُظَمائِهم فساروا معه، فلما قَطَع النهرَ تلقّاه تيش الأعورَ مَلِك الصّغانيانِ بهَدايا ومِفتاح من ذهب، فدعاه إلى بلاده، فأتاه وأتَى ملك كفتان بهدايا وأموال، ودعاه إلى بلاده فمضى مع بيش إلى الصَّغَانيان، فسلَّم إليه بلادَه، وكان ملك أخْرون وشُومان قد أساءَ جوارَ تيش وغزاه وضَيّق عليه، فسار قُتيبةُ إلى أخْرون وشومان - وهما من طخارستان، فجاءه غشتاسبان فصالَحه على فِدْية أدّاها إليه، فَقبِلها قتيبة ورضيَ، ثمّ انصرف إلى مَرْوَ، واستخلفَ على الجند أخاه صالحَ بنَ مسلم، وتقدّم جندَه فسبَقَهم إلى مَرْوَ، وفتَح صالح بعد رجوع قتيبةَ باسارا، وكان معه نصر بن سيّار فأبلى يومئذ؛ فوَهَب له قريةً تُدْعَى تنجانة، ثمّ قَدِم صالح على قُتيبةَ فاستعمَلَه على التِّرمذ.\nقال: وأما الباهليّون فيقولون: قَدِم قتيبةُ خُراسانَ سنة خمس وثمانين فعَرَض الجندَ، فكان جميعُ ما أحصَوا من الدرّوع في جُنْد خُراسان ثلاثمئة وخمسين دِرْعًا، فغزا أخْرون وشُومان، ثمّ قَفل فركِبَ السفُن فانْحدَرَ إلى آمُل، وخَلّف الجُنْد، فأخذوا طريق بَلْخ إلى مَرْو، وبلغ الحجّاج، فكَتَب إليه يلومه، ويعجّز رأيَه في تخليفه الجندَ، وكتب إليه: إذا غزوتَ فكنْ في مُقدَّم الناس، وإذا قفلتَ فكن في أخْرَياتهم وساقَتِهم.\nوقد قيل: إنّ قتيبةَ أقامَ قبلَ أن يقطَع النهر في هذه السنة على بَلْخ، لأن بعضها كان منتقِضًا عليه، وقد ناصَبَ المسلمين، فحارَبَ أهلَها، فكان ممن سَبَى امرأة بَرْمك، أبي خالد بن بَرْمك - وكان بَرمَك على النُّوبَهار - فصارت لعبد الله بن مسلم الذي يقال له الفقير، أخي قُتَيبة بن مسلم، فوقَع عليها، وكان به شيء من الجُذام، ثمّ إنّ أهلَ بَلْخ صالحوا من غَد اليوم الذي حارَبهم قُتيبةُ، فأمَر قتيبة بردّ السَّبْي، فقالت امرأة برْمك لعبد الله بن مسلم: يا تازِي، إنِّي قد عَلِقْتُ منك، وحضرتْ عبد الله بن مسلم الوفاةُ، فأوصَى أن يُلحق به ما في بطنها، وردّت إلى بَرْمَك.\nفذكر أن ولدَ عبدِ الله بن مُسلم جاؤوا أيامَ المهديّ حين قَدِم الرّيّ إلى خالد، فادّعَوْه، فقال لهم مُسلِم بنُ قتيبة: إنه لا بدّ لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تُزوّجوه، فتركوه وأعرضوا عن دَعْواهم.","vol":"9","page":433},{"text":"وكان بَرْمَك طبيبًا، فدّاوى بعد ذلك مَسلمةَ من عِلّة كانت به. (٦/ ٤٢٤ - ٤٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>خبر إمارة عمر بن عبد العزيز</span>\nقال: وقَدِم على ثلاثين بعيرًا، فَنَزل دارَ مَروانَ، قال: فحدّثني عبدُ الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: لما قَدِم عمر بنُ عبد العزيز المدينةَ ونَزَل دارَ مروانَ دخل عليه الناسُ فسلَّموا، فلما صلَّى الظهرَ دعا عشرةً من فُقهَاء المدينة: عُرْوةَ بنَ الزبير، وعبيدَ الله بن عبد الله بن عُتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وسليمان بن يَسَار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زَيْد؛ فدخلوا عليه فجلسوا، فحمِد الله وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثمّ قال:\nإني إنما دعوتكم لأمرٍ تؤجَرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحقّ، ما أريد أن أقطعَ أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حَضَر منكم، فإن رأيتيم أحدًا يتعدّى، أو بلَغَكم عن عامل لي ظُلامة، فأَحرّجُ الله على مَن بلغه ذلك إلا بلّغني.\nفخرجوا يُجزوُنه خيرًا، وافترقوا.\nقال: وكتب الوليدُ إلى عمرَ يأمرُه أنْ يقف هشام بن إسماعيلَ للناس، وكان فيه سيِّئ الرأي. (٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨).\nقال الواقديّ: فحذثني داودُ بن جُبير، قال: أخبرتْني أمّ وَلد سعيد بن المسيّب أن سعيدًا دعا ابنَه ومواليَه فقال: إنّ هذا الرجل يُوقف للناس - أو قد وُقف - فلا يتعرّضْ له أحدٌ ولا يؤذِه بكلمة، فإنا سنتْرُك ذلك لله وللرَّحِم، فإن كان ما علمتُ لسيِّئ النظر لنفسهِ، فأمّا كلامُه فلا أكلّمه أبدًا. (٦/ ٤٢٨).\nقال: وحدّثني محمد بنُ عبد الله بن محمد بن عمَر، عن أبيه، قال: كان هشامُ بنُ إسماعيلَ يسيء جِوارَنا ويؤذِينا، ولقيَ منه علي بنُ الحسين أذىً شديدًا،","vol":"9","page":434},{"text":"فلما عُزل أَمَر به الوليدُ أن يُوقَف للناس، فقال: ما أخاف إلا من عليّ بن الحسين، فمَرّ به عليّ وقد وُقِف عند دارِ مَرْوان، وكان عليّ قد تقدّم إلى خاصّته ألّا يَعرِض له أحد منهم بكلمة؛ فلما مرّ ناداه هشامُ بنُ إسماعيل: اللهُ أعلمُ حيث يجعَل رِسالاته. (٦/ ٤٢٨).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>خبر غزو قتيبة بِيكَنْد</span>\nقال عليّ: حدّثنا أبو الذّيال، عن أشياخ من بني عَدِيّ، أنّ مسلمًا الباهليَّ قال لِوَألانَ: إنّ عندي مالًا أحبّ أن أستودِعَكَه، قال: أتريد أن يكون مكتومًا أو لا تكره أن يعلَمه الناسَ؟ قال: أحِبّ أن تكتُمه؛ قال: ابعث به مع رجلِ تَثِق به إلى موضع كذا وكذا، ومُرْه إذا رأى رجلًا في ذلك الموضع أن يَضع ما معه ويَنصرِف؛ قال: نعم، فجَعل مسلم المال في خُرْج، ثمّ حَمَله على بغل وقال لمولىً له: انطلق بهذا البغل إلى موَضع كذا وكذا، فإذا رأيت رجلًا جالسًا فخلِّ عن البَغْل وانصَرِف، فانطَلَق الرجلُ بالبَغْل، وقد كان وألان أتى الموضَع لمِيعاده.\nفأبطأ عليه رسولُ مسلم، ومضى الوقت الذي وَعدَه، فظنّ أنه قد بدا له، فانصرف، وجاء رجلٌ من بني تَغلِبَ فجلس في ذلك الموضع، وجاء مولَى مسلم فرأى الرجل جالسًا، فخلَّى عن البغل ورَجعَ، فقام التغلبيُّ إلى البَغْل، فلما رأى المال ولم يَر مع البَغْل أحدًا قادَ البغَل إلى منزِله، فأخذ البغلَ وأخذَ المال، فظنّ مسلم أن المال قد صار إلى وألان، فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه، فَلقيَه فقال: مالي! فقال: ما قبضت شيئًا، ولا لك عندي مال، قال: فكان مُسلم يشكوه ويتنقّصه، قال: فأتى يومًا مجلس بني ضبَيعة فشّكاه والتغلبيُّ جالسٌ، فقام إليه فخَلا به وسأله عن المال، فأخبَرَه، فانطَلَق به إلى منزِله، وأخرج الخُرْج فقال: أتعرِفه؟ قال: نَعَم، قال: والخاتمَ؟ قال: نعم؛ قال: اقِبض مالَك، وأخبرَه الخَبر، فكان مسلم يأتي الناسَ والقبائلَ التي كان يشكو إليهم وألان فيَعذِره ويُخبرهم الخبَر، وفي وألان يقول الشاعر:","vol":"9","page":435},{"text":"ولَسْتَ كَوألَان الَّذي سَادَ بالتُّقى ... ولستَ كعمرانٍ ولَا كالمُهلَّبِ\n(٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣)\nوعِمْرانُ: ابنُ الفصِيل البُرْجُميّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>خبر فتح حصون طوانة من بلاد الروم</span>\nفذكر محمّد بن عمَر الواقديّ أن ثورَ بن يزيدَ حدّثه عن أصحابه قال: كان فَتْح طُوانة على يديْ مسلَمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، وهَزم المسلمون العدوّ يومئذ هزيمةً صاروا إلى كنيستهم، ثمّ رجَعوا فانهَزَم الناس حتى ظَنّوا ألا يجتبروها أبدًا، وبقِيَ العباس معه نُفَير؛ منهم ابن مُحيْرِيز الجُمْحيّ، فقال العباس لابن مُحَيريزَ: أين أهلُ القرآن الذين يريدون الجنة؟ فقال: ابنُ مَحيريز: نادِهم يأتوك؛ فنادَى العبّاس: يا أهلَ القرآن! فأقبَلوا جَميعًا، فهزَم الله العدوّ حتى دخلوا طُوانة. (٦/ ٤٣٤).\nوكان الوليدُ بنُ عبد الملك ضرب البَعْث على أهل المدينة في هذه السنة، فذكَر محمّد بن عمَر، عن أبيه، أنّ مَخرمة بن سليم الوالبيّ قال: ضرب عليهم بعث ألفين، وأنهم تجاعَلوا فخرج ألف وخمسمئة، وتخلّف خمسمئة، فغَزوا الصائفة مع مَسلَمة والعبّاس، وهما على الجيش، وإنهم شتَوا بطُوانة وافتتَحوها. (٦/ ٤٣٤).\n* * *\nوفيها وُلِد الوليدُ بن يزيدَ بن عبد الملك. (٦/ ٤٣٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>ذكر عمارة مسجد النبي - ﷺ </span>-\nوفيها أمرَ الوليدُ بنُ عبد الملك بهَدْم مسجدِ رسول الله - ﷺ - وهدم بيوت أَزْواج رسولِ الله - ﷺ - وإدخالها في المسجد، فذَكَر محمد بنُ عمر، أَنّ محمد بن جعفر بن ورْدان البنّاء قال: رأيتُ الرسولَ الذي بعثَه الوليدُ بن عبد الملك قَدِم في","vol":"9","page":436},{"text":"شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين، قدم مُعتجِرًا، فقال الناس: ما قَدِم به الرسول! فدَخل على عمَر بن عبد العزيز بكتاب الوليد يأمره بإدخال حُجَر أزواج رسول الله - ﷺ - في مسجد رسول الله، وأن يشتري ما في مؤخَّره ونواحيه حتى يكون مئتي ذراع في مئتي ذواع ويقول له: قدّم القِبْلة إنْ قَدَرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمرْ أهل المصر فليقوّموا له قيمة عدل، ثم اهدمْ عليهم وأدفَع إليهم الأثمان، فإنْ لك في ذلك سَلَف صِدق؛ عمر وعثمان فأقرأهم كتابَ الوليد وهم عندَه، فأجاب القوم إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وأخَذَ في هَدْم بيوتِ أزواج النبيّ - ﷺ - وبناء المسجد، فلم يمكُث إلا يَسيرًا، حتى قدمِ الفَعلة، بَعَثَ بهم الوليد. (٦/ ٤٣٥).\nقال محمد بنُ عمَر: وحدّثني موسى بن يعقوبَ، عن عمّه، قال: رأيت عمرَ بن عبد العزيز يَهدِم المسجدَ ومعه وجوة الناس: القاسم، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد اللهِ بن عمرَ، يُرُونه أعلامًا في المسجد ويقدّرونه، فأسَّسُوا أساسَه. (٦/ ٤٣٥)\nقال محمد بن عمر: وحدّثني يحيى بنُ النعمان الغِفاريّ عن صالح بن كَيْسان، قال: لما جاء كتابُ الوليد من دمشقَ وسار خمس عشرةَ بهدم المسجد، تجرّد عمرُ بنُ عبد العزيز، قال صالح: فاستعملني على هَدْمه وبنائه، فهدَمْناه، بعمّال المدينة، فبدأنا بهَدْم بيوت أزواج النبيّ - ﷺ - حتى قَدِم علينا الفَعَلة الذين بَعَثَ بهم الوليد. (٦/ ٤٣٥).\nقال محمد: وحدّثني موسى بن أبي بكر، عن صالح بن كَيْسان، قال: ابتدأنا بهَدْم مسجد رسول الله - ﷺ - في صَفر من سنة ثمان وثمانين، وبَعَثَ الوليدُ إلى صاحب الرّوم يُعلمه أنه أمر بهدم مَسجد رسولِ الله - ﷺ -، وأن يُعينَه فيه، فبعث إليه بمئة ألفِ مثقال ذهب، وبَعث إليه بمئة عامل، وبعث إليه من الفُسَيْفِساء بأربعين حِمْلا. وأمر أن يتتبَّع الفُسَيْفِساء في المدائن التي خُرّبت، فبعث بها إلى الوليد، فبعث بذلك الوليد إلى عمرَ بن عبد العزيز.\nوفي هذه السنة ابتدأ عمرُ بن عبد العزيز في بناء المسجد. (٦/ ٤٣٦).\n* * *","vol":"9","page":437},{"text":"وفيها غَزا أيضًا مَسلمَةُ الرّوم، ففُتِح على يديه حُصونٌ ثلاثة: حِصن قُسْطَنْطِينة، وغَزالة، وحِصن الأخْرم، وقتل من المستَعربة نحوٌ من ألف مع سَبْي الذرّيّة، وأخذِ الأموال. (٦/ ٤٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>خبر غزو قتيبة بخارى</span>\nوفي هذه السنة غزا قُتيبةُ بُخارى، ففتح راميثنه، ذكر عليّ بنُ محمّد عن الباهليّين أنهم قالوا ذلك، وأن قتيبة رَجَع بعدما فتحها في طريق بَلْخ، فلمّا كان بالفارِياب أتاه كتاب الحجّاج: أن رِدْ وَرْدان خُذَاه.\nفرجع قتيبة سنة تسع وثمانين، فأتى زَمِّ، فقطع النهر، فلِقيَه السُّغد وأهل كِسّ ونَسَف في طريق المفازة، فقاتَلوه، فظَفِر بهم ومَضى إلى بُخارَى، فنَزل خَرْقانة السفْلى عن يمين وَرْدان، فلقوه بجمع كثير، فقاتَلَهم يومَين وليلَتين، ثمّ أعطاه الله الظَّفر عليهم؛ فقال نَهار بن تَوسِعَة:\nوباتت لَهُمْ منَّا بخَرْقانَ لَيْلة ... ولَيْلَتُنا كانت بِخرْقان أَطْولَا\n(٦/ ٤٣٩).\nوقيل: كتَب إليه الحجاج أن كِسّ بكسّ وانسفْ نسَف ورِدْ وَرْدان، وإيّاك والتحويط، ودَعْني من بُنيّاتِ الطريق. (٦/ ٤٤٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>خبر ولاية خالد القسريّ على مكة</span>\nوفي هذه السنة وليَ خالد بن عبد الله القَسْريّ مكّة فيما زعم الواقديّ، وذكَرَ أنّ عمر بن صالح حدّثه عن نافع مولَى بني مخزوم، قال: سمعت خالدَ بن عبد الله يقول على مِنبرِ مَكّة وهو يخطب:\nأيّها الناس، أيّهما أعظَم؟ أخليفةُ الرّجل على أهله، أمْ رسوله إليهم؟ واللهِ لو لم تعلَموا فضْل الخَليفة، إلا أنّ إبراهيمَ خليلَ الرّحمن استَسْقى فسَقاه ملْحًا أجاجًا، واستسقاه الخليفةُ فَسَقاه عَذْبًا فراتًا، بِئرًا حَفَرَها الوليد بنُ عبد الملك","vol":"9","page":438},{"text":"بالثَّنيتيْن - ثَنِيَّة طوىً وثنيّة الحجُون - فكان ينقَل ماؤها فيوضَع في حوض من أدَم إلى جَنْب زمزمَ ليُعْرف فضلُه على زَمْزَم.\nقال: ثمّ غارت البئر فذهبتْ فلا يُدرَى أين هيَ اليوم (١). (٦/ ٤٤٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>خبر صلح قتيبة مع السُّغْد</span>\nوفي هذه السنة جدّد قتيبةُ الصلحَ بينه وبين طَرْخون مَلِك السُّغْد.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nقال عليّ: ذَكَر أبو السَّريّ عن الجَهم الباهليّ، قال: لما أوقع قتيبة بأهل بُخارَى ففضّ جمعهم هابَه أهلُ السُّغْد، فرجع طَرْخون مَلك السُّغد ومعه فارسان حتى وقف قريبًا من عسكر قُتيبة وبينهما نَهر بُخارى، فسأل أن يبعث إليه رجلًا يكلمه، فأمر قتيبةُ رجلًا فدنا منه.\nوأما الباهليّون فيقولون: نادى طَرْخونُ حيّانَ النَّبَطِيّ فأتاه، فسألهم الصّلح على فِدْية يؤدّيها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طَلَب، وصالحه، وأخذ منه رَهْنًا حتى يبعثَ إليه بما صالحه عليه، وانصرف طرخون إلى بلاده، ورجع قتيبةُ ومعه نِيزَك. (٦/ ٤٤٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>خبر فتح الطالقان</span>\nوفي هذه السنة، أوقع قتيبة بأهل الطالقَان بخراسان - فيما قال بعض أهل الأخبار - فقتل من أهلها مقتلةً عظيمة، وصلب منهم سِمَاطيْن أربعة فراسخَ في نظام واحد.\n_________\n(١) خبر منكر، وانظر تاريخ الإسلام للذهبي، وهو من وضع الواقدي، وقال ابن كثير: وهذا الكلام يقتضي كفرًا إن صح عن قائله، وعندي أن خالد بن عبد الله القسري لا يصح عنه هذا الكلام (٧/ ٢٢٧).","vol":"9","page":439},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nوكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أنّ نِيزَك طرخان لما غدر وخَلَع قتيبة وعزَم على حَربه، طابَقَه على حربه مَلِك الطالَقان، وواعَدَه المصيرَ إليه منَ استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قُتيبة، فلما هَرَب نِيزَك من قتيبة ودخل شِعب خُلم الذي يأخذ إلى طُخارِستان عَلِم أنه لا طاقةَ له بقُتيبة، فهَرَب، وسار قُتيبةُ إلى الطالقان فأوقع بأهلها، ففعل ما ذكرتُ فيما قبل.\nوقد خُولف قائلُ هذا القول فيما قال من ذلك، وأنا ذاكرُه في أحداث سنة إحدى وتسعين. (٦/ ٤٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج</span>\n* ذكر الخبر عن سبب تخلّصهم كمن سجن الحجّاج ومسيرِهم إلى سليمان:\nقال هشام: حدّثني أبو مِخنَف، عن أبي المُخارق الراسبيّ، قال: خرج الحجّاج إلى رُسْتُقْباذ للبَعْث، لأنّ الأكرادَ كانوا قد غلبوا على عامة أرضِ فارسَ، فخرج بيزيدَ وبإخوانه المفضّل وعبد الملك حتى قَدِم بهم رستقْباذ؛ فجعلهم في عسكرِه، وجعل عليهم كهَيْئة الخَنْدق، وجَعَلَهم في فُسطاط قريبًا من حُجرته، وجعل عليهم جَرَسًا من أهل الشام، وأغرَمَهم ستّة آلافِ ألف، وأخذ يعذّبهم، وكان يزيدُ يَصبِر صبرًا حَسَنًا، وكان الحجّاج يَغيظُه ذلك، فقيل له: إنه رُمي بنُشابة فثَبَت نصلُها في ساقه، فهو لا يمسّها شيء إلا صاح، فإن حرّكت أدنى شيء سمعْت صوتَه، فأمَر أن يعذَّب ويُدهَق ساقُه، فلما فُعل ذلك به صاحَ، وأخته هند بنت المهلب عند الحجّاج، فلما سمعتْ صيِاحَ يزيدَ صاحتْ وناحتْ، فطلّقها، ثمّ إنه كفّ عنهم، وأقبَل يستأدِيهم، فأخذوا يؤدّون وهم يَعمَلون في التخلّص من مكانهم، فبعثوا إلى مروانَ بن المهلب، وهو بالبَصْرة يأمرونه أن يضمرّ لهم الخيل، ويُرِي الناسَنه إنما يريد بيعَها ويَعرِضها على البيع، ويُغلى بها لئّلا تُشتَرى فتكون لنا عُدَّة إن نحن قَدرنا على أن ننجوَ مما ها هنا، ففعل ذلك مروان، وحبيب بالبَصرة يعذب أيضًا، وأمر يزيدُ بالحَرَس فصُنع لهم طعام كثير فأكَلوا؛ وأمَر بشراب فسُقُوا، فكانوا متشاغلين به، ولبسَ يزيدُ ثيابَ طَبّاخه، ووضَع على لحيته لحية بَيْضاء، وخرج فرآه بعضُ الحرس","vol":"9","page":440},{"text":"فقال: كأنّ هذه مِشْية يزيد! فجاء حتى استعرض وجهَه ليلًا، فرأى بياضَ اللِّحية، فانصرف عنه، فقال: هذا شيخ، وخرج المفضَّل على أثره، ولم يُفطَن له، فجاؤوا إلى سُفنهم وقد هيَّؤوها في البطائح، وبينهم وبين البَصرة ثمانية عشرَ فَرْسخًا، فلما انتهوا إلى السفن أبطأ عليهم عبدُ الملك وشُغِل عنهم، فقال يزيد للمفضّل: اركب بنا فإنه لاحقٌ. فقال المفضّل - وعبد الملك أخوه لأمّه - وهي بهلة هنديّة: لا والله، لا أبرَح حتى يجيء ولو رجعتُ إلى السجن، فأقام يزيدُ حتى جاءهم عبد الملك، وركبوا عند ذلك السفُن، فساروا ليلتَهم حتى أصبحوا، ولما أصبح الحرَس عَلِموا بذَهابهم، فرُفع ذلك إلى الحجّاج، وقال الفرزدق في خروجهم:\nفلمْ أَر كالرَّهْط الذينَ تَتَابعوا ... على الجِذْع والحرَّاسُ غيرُ نيامِ\nمَضوْا وهْمُ مُسْتَيْقنُون بأَنَّهمْ ... إلى قَدَرٍ آجالُهمْ وحِمَامِ\nوإنْ منهمُ إلا يُسَكِّن جأْشَهُ ... بعَضْب صقِيلٍ صارمٍ وحُسام\nفلمَّا التقَوْا لم يلتَقوا بمُنَفَّهٍ ... كبيرٍ ولا رَخْصِ العظام غلام\nبمثلِ أبيهمْ حين تمّت لِدَاتُهُمْ ... لخمسين قلْ في جُرْأَةٍ وتمام\nففزع له الحجّاج، وذهب وهمه أنّهم ذهبوا قِبَل خُراسان، وبعث البريدَ إلى قتيبة بن مسلم يحذِّره قدومَهم، ويأمُره أن يستعدّ لهم، وبعث إلى أمَراء الثغور والكوَر أن يرصدوهم، ويستعدّوا لهم، وكتب إلى الوليد بنِ عبد الملكِ يُخبِره بِهرَبهم، وأنه لا يراهم أرادوا إلا خُراسان، ولم يزل الحجّاج يظنّ بيزيدَ ما صنع، كان يقول: إني لأظنه يحدِّث نفسَه بمثِل الذي صنع ابنُ الأشعث.\nولمّا دنا يزيدُ من البطائح، من مَوْقُوع استقبلتْه الخيل، قد هُيَّئت له ولإخوته، فخرجوا عليها ومعهم دليلٌ لهم من كَلْب يقال له: عبد الجبّار بن يزيدَ بن الربعة، فأخذ بهم على السَّمَاوَة، وأتِيَ الحجاج بعد يومين، فقيل له: إنما أخذ الرجل طريقَ الشام، وهذه الخيلُ حَسْرَى في الطريق، وقد أتَى من رآهم موجَّهين في البرّ، فبعث إلى الوليد يُعلِمه ذلك، ومَضَى يزيدُ حتى قَدِم فِلَسطين، فنَزَل على وهيب بن عبد الرّحمن الأزْديّ - وكان كريمًا على سليمان- وأنزل بعضَ ثَقَله وأهلِه على سُفْيان بن سليمان الأزديّ، وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان، فقال: هذا يزيدُ بن المهلَّب، وإخوتُه في","vol":"9","page":441},{"text":"منزلي، وقد أتوك هُرّابًا من الحجّاج متعوِّذين بك؛ قال: فائتِني بهم فهم آمنون لا يُوصَل إليهم أبدًا وأنا حيّ. فجاء بهم حتى أدخَلَهم عليه، فكانوا في مكان آمِن. وقال الكلبيّ دليلُهم في مَسيرِهم:\nألا جَعَل اللهُ الأخلَّاءَ كلَّهُمْ ... فداءً على ما كان لابنِ المُهلَّبِ\nلَنِعْمَ الفتى يا مَعْشَر الأَزْد أَسَعفتْ ... رِكابُكُمُ بالوهب شَرْقيَّ مَنْقَبِ\nعَدَلْنَ يَمينًا عنهمُ رَمْلُ عالِجٍ ... وذات يمينِ القوم أعلامُ غُرَّبِ\nفإِلَّا تُصَبِّحْ بعدَ خَمْسٍ ركابُنا ... سليمانَ من أهل اللِّوى تنتأوَّبِ\nتَقَرُّ قَرار الشَّمس ممّا وراءَنا ... وتذْهَبُ في داجٍ مِنَ الليلِ غَيْهَب\nبقومٍ هُمُ كانوا الملوكَ هَدَيْتُهُمْ ... بظلْمَاءَ لم يُبْصَرْ بها ضَوءُ كوكب\nولا قمرٍ إلّا ضئيلًا كأَنه ... سِوارٌ حَنَاهُ صائغ السُّور مُذْهَب (١)\n(٦/ ٤٤٨ - ٤٥٠).\nقال هشام: فأخبرني الحسَن بن أبَان العُلَيميُّ، قال: بينا عبد الجبار بن يزيدَ بن الرّبعة يَسرِي بهم فسقطتْ عِمامةُ يزيدَ، ففقَدَها فقال: يا عبدَ الجبار، ارجعْ فاطلُبْها لنا، قال: إنّ مثِلي لا يُؤمَر بهذا، فأعاد، فأبى، فتناوَله بالسوط، فانتَسَب له، فاستحيا منه، فذلك قولُه:\nألا جعلَ اللهُ الأخلّاءَ كلَّهمْ ... فداءً على ما كان لابن المهلَّبِ\nوكتب الحجّاج: إن آل المهلب خانوا مالَ الله وهرَبوا منّي ولَحِقوا بسليمان، وكان آل المهلّب قدِموا على سليمان، وقد أمِر الناس أن يحصَّلوا ليسرَّحوا إلى خراسان، لا يَرَون إلا أنّ يزيدَ توجّه إلى خُراسان ليَفتِن مَن بها، فلما بلغ الوليدَ مكانُه عند سليمان هوّن عليه بعَض ما كان في نفسه، وطار غضبًا للمال الذي ذَهَب به، وكتب سليمانُ إلى الوليد: إنّ يزيدَ بن المهلب عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجّاج أغرَمهم ستّة آلاف ألف فأدَّوْا ثلاثَة آلاف ألف، وبقي ثلاثة آلاف ألف، فهيَ عليّ، فكتب إليه: لا والله لا أؤمّنه حتى تبعث به إليّ، فكتب إليه، لئن أنا بعثتُ به إليك لأجيئنّ معه، فأنشدكُ الله أن لا تفضَحني ولا أن تُخفِرني، فكَتَب إليه: واللهِ لئن جئتَني لا أؤمِّنه، فقال يزيد:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":442},{"text":"ابعثني إليه، فوالله ما أحبّ أن أوقع بينك وبينه عداوةً وحَرْبًا، ولا أن يتشاءم بي لكما الناسُ، ابعث إليه بي، وأرسِل معي ابنك، واكتُب إليه بألطفِ ما قدَرتَ عليه، فأرسَل ابنه أيوب معه، وكان الوليد أمَرَه أن يبعَثَ به إليه في وَثاق، فبعَث به إليه، وقال لابنه: إذا أردتَ أن تَدخُل عليه فادخلْ أنتَ ويزيد في سِلسلة ثمّ ادخُلا جميعًا على الوليد ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد، فدخَلا عليه، فلما رأى الوليدُ ابنَ أخيه، في سِلسلة، قال: واللهِ لقد بلغْنا من سليمان! ثمّ إنّ الغلامَ دفَع كتابَ أبيه إلى عمّه وقال: يا أميرَ المؤمنين، نفسي فداؤُك! لا تُخفر ذِمّة أبي، وأنت أحقّ من مَنعها، ولا تَقَطعَ منّا رجاءَ من رجَا السلامة في جوارِنا لمكاننا منك، ولا تُذِلّ من رَجا العِزّ في الانقطاع إلينا لعزّنا بك، وقرأ الكتَاب:\nلعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سُليمان بن عبد الملك، أما بعدُ يا أميرَ المؤمنين، فوالله إن كنتُ لأظنّ لو استجار بي عدوّ قد نابَذَك وجاهَدَك فأنزلتُه وأجَرْتُه أنك لا تُذل جارِي، ولا تُخفر جِواري، بلْه لم أجِرْ إلا سامعًا مطيعًا حَسَن البلاء والأثَر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثتُ به إليك، فإنْ كنت إنما تَغْزو قطيعَتي والإخفار لذمّتي، والإبلاغ في مَسَاءتي، فقد قدرتَ إن أنت فعلت، وإني أعيذُك بالله من احتراد قَطيعَتي، وانتهاكِ حُرْمتي وتركِ برّي وصِلَتي، فوالله يا أميرَ المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يُفرّق الموت بيني وبينَك! فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سرورَه ألا يأتي علينا أجلُ الوفاة إلا وهو لي واصل، ولحقّي مؤدّ، وعن مساءتي نازع، فَليَفعل.\nوالله يا أميرَ المؤمنين ما أصبحتُ بشيء من أمر الدنيا بعد تَقَوى الله فيها بأسَرَّ منّي برِضاك وسرورِك، وإنّ رضاك مما ألتمِس به رضوانَ الله، فإن كنتَ يا أميرَ المؤمنين تريد يومًا من الدّهر مسرّتي وصلَتي وكَرامتي وإعظام حقّي فتجاوَزْ لي عن يزيدَ، وكلّ ما طلَبْته به فهو عليّ.\nفلما قرأ كتابَه، قال: لقد شَققنا على سليمان! ثمّ دعا ابنَ أخيه، فأدناه منه، وتكلّم يزيدُ فحَمِد الله وأثنى عليه وصلى على نبيّه ﵌ ثمّ قال:\nيا أمير المؤمنين: إنّ بلاءكم عندنا أحسنُ البَلاء، فمن يَنْس ذلك فلَسنا ناسيه، ومن يَكُفر فلَسنا كافرِيه، وقد كان من بلائنا أهلَ البيت في طاعتكم","vol":"9","page":443},{"text":"والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العِظام في المشارق والمَغارب ما إنّ المنة علينا فيها عظيمة.\nفقال له: اجْلس، فجلس فآمَنه وكفّ عنه، ورجع إلى سليمانَ وسَعى إخوتُه في المال الذي عليه، وكَتب إلى الحجّاج:\nإني لم أصِل إلى يزيدَ، وأهلُ بيته مع سليمان، فاكفُف عنهم، والْهُ عن الكتاب إليّ فيهم.\nفلما رأى ذلك الحجاج كفّ عنهم، وكان أبو عُيَينة بن المهلّب عند الحجّاج عليه ألف ألف درْهم، فترَكها له، وكفّ عن حبيب بن المهلب.\nورَجَعَ يزيدُ إلى سليمانَ بن عبد الملك فأقام عندَه يُعلِّمه الهَيْئة، ويَصنَع له طيّبَ الأطعمة، ويُهدِي له الهَدايا العِظام، وكان من أحسن الناس عنده منزلةً، وكان لا تأتي يزيدَ بن المهلب هديّة إلا بعث بها إلى سليمان، ولا تأتي سليمانَ هدّيةٌ ولا فائدةٌ إلا بعث بنصفها إلى يزيدَ بن المهلّب، وكان لا تُعجِبه جاريةٌ إلا بعث بها إلى يزيدَ إلا خطيئة الجارية، فبلغ ذلك الوليد بن عبد الملك، فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الأشعريّ، فقال: انطلِق إلى سليمان فقل له: يا خالفةَ أهلِ بيته، إن أمير المؤمنين قد بلغه أنه لا تأتيك هديّة ولا فائدةٌ إلا بعثتَ إلى يزيدَ بِنصْفها، وإنك تأتي الجاريةُ من جوارِيك فلا يَنقضي طُهرُها حتى تَبعَث بها إلى يزيدَ، وقبِّحْ ذلك عليه، وعَيِّرْه به، أتراك مبلّغًا ما أمرتُك به؟ قال: طاعتُك طاعة، وإنما أنا رسول؛ قال: فائْته فقل له ذلك، وأقِمْ عندّه، فإني باعث إليه بهدية فادفعها إليه، وخُذْ منه البراءة بما تَدفَع إليه.\nثمّ أقبلَ فمَضَى حتى قَدِم عليه وبين يديه المُصحَف، وهو يقرأ، فدخل عليه فسلّم، فلم يردّ ﵇ حتى فرغ عن قراءته، ثمّ رفع رأسَه إليه فكلّمه بكّل شيء أمَرَه به الوليدُ، فتمعَّر وجهُه، ثم قال: أما والله لئن قدرتُ عليكَ يومًا من الدهر لأقطعنّ منك طابقًا! فقال له: إنما كانت عليّ الطاعة.\nثمّ خرج من عندِه، فلما أتى بذلك الذي بعث به الوليدُ إلى سليمانَ، دخل عليه الحارثُ بن ربيعة الأشعريّ وقال له: أعطني البراءَة بهذا الذي دفعتُ إليك، فقال: كيف قلتَ لي؟ قال: لا أعيدُه عالمًا أبدًا، إنما كان عليّ فيه الطاعة،","vol":"9","page":444},{"text":"فسكَن، وعلِم أن قد صَدقَه الرّجل، ثمّ خرج وخرجوا معه، فقال: خُذُوا نصفَ هذه الأعْدال وهذه الأسْفاط، وابعثوا بها إلى يزيدَ.\nقال: فعَلِم الرجُل أنه لا يطيع في يزيدَ أحدًا، ومكَث يزيدُ بن المهلب عند سليمانَ تسعة أشهر.\nوتُوفّي الحجاج سنة خمس وتسعين في رمضانَ لِتسع بقِين منه في يوم الجمعة. (٦/ ٤٥٠ - ٤٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>تتمة خبر قتيبة مع نيزك</span>\nوأما الباهِليّون فيقهولون: لم يُؤمنه ولم يُؤمنه سُلَيم، فلما أراد قتلَه دعا به ودعا بسَيْف حَنَفيّ فانتضاه وطوّل كمّيه ثمّ ضرب عنقَه بيَده، وأمَرَ عبد الرحمن فضَرَب عنقَ مصول، وأمر صالحًا فقَتَل عثمان - ويقال: شُقْران ابن أخي نِيزَك - وقال لبَكر بن حبيب السهْميّ من باهِلَة: هل بك قوّة؟ قال: نعم، وأريد - وكانت في بكر أعرابيَّة - فقال: دُونَك هؤلاء الدّهاقِين، قال: وكان إذا أتِيَ برجل ضَرَب عنقّه وقال: أوردوا ولا تُصدروا، فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفًا في قول الباهليّين، وصلب نِيزَك وابني أخيه في أصل عين تُدعَى وخْش خاشان في أسكيمشت، فقال المغيرة بن حَبْنَاء يَذكُر ذلك في كلمة له طويلة:\nلعَمْري لَنِعْمَتْ غَزْوةُ الجُند غَزْوةً ... قَضَتْ نَحْبَهَا من نِيزكٍ وتَعلَّتِ\n(٦/ ٤٥٨)\nقال: وأطلَق قتيبة جبغويه ومَنَّ عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد، ورجع قتيبة إلى مرْوَ، واستعمل أخاه عبدَ الرحمن على بَلْخ، فكان الناس يقولون: غدَر قتيبة بنيِزَك، فقال ثابتُ قُطنَة:\nلا تَحْسبَنَّ الغَدْرَ حزمًا فربَّما ... تَرَّقَتْ به الأَقْدَامُ يوْمًا فَزَلَّت\nوقال: وكان الحجّاج يقول: بعثتُ قتيبةَ فتىً غِرًّا فما زدتُهُ ذِراعًا إلا زادني باعًا. (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠).","vol":"9","page":445},{"text":"قال عليّ: أخبرَنا حمزةُ بنُ إبراهيم، عن أشياخ من أهلِ خُراسان، وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريدة، عن مَرْزُبان قُهِستْان وغيرِهما، أن قتيبة بنَ مسلم لما رجع إلى مَرْوَ وقَتَل نِيزَك طَلَب ملِكَ الجُوزجان - وكان قد هَرَب عن بلاده - فأرسَل يطلب الأمانَ، فآمنه على أن يأتيَه فيصالحه، فطلب رُهُنًا يكونون في يديه ويُعطِي رهائن، فأعطَى قتيبةُ حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حُصَين الباهليّ، وأعطى مَلِكُ الجوزجان رَهائنَ من أهل بيته، فخلَّف مَلِك الجوزجان حبيبًا بالجُوزجان في بعض حُصونِه، وقَدِم على قتيبة فصالَحه، ثمّ رجع فمات بالطالقان.\nفقال أهلُ الجُوزجان: سمّوه، فقَتلوا حبيبًا، وقتل قتيبة الرّهن الذين كانوا عندَه، فقال نَهار بنُ تَوسِعة لقتيبة:\nأَراك اللهُ في الأَتراك حُكمًا ... كحُكْمٍ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ\nقضَاءٌ من قُتيبةَ غَيْرُ جوْر ... بهِ يُشفى الغليلُ من الصُدُورِ\nفإِن يرَ نِيزكٌ خزيًا وذُلًّا ... فكمْ في الحَرب حُمِّق من أَمير!\nوقال المغيرة بن حَبْناء يَمدح قتيبة ويذكر قتلَ نِيزَك ووصول ابن أخي نِيزَك وعثمان - أو شُقْران:\nلِمَن الدِّيارُ عَفتْ بسَفِح سَنَامِ ... إلا بقيةَ أيصر وثُمامِ\nعَصَفَ الرياحُ ذُيولَهَا فمحَونَها ... وجَرَينَ فوق عِرَاضِهَا بتَمام\nدارٌ لجَاريَةٍ كأنَّ رُضابَها ... مسكٌ يُشَابُ مزاجُهُ بِمُدَامِ\nأَبلغ أَبا حَفصٍ قتيبَةَ مِدحتِي ... واقرأ عليه تحيَّتِي وسلامِي\nيا سيفُ أَبلغها فإنَّ ثنَاءَها ... حسَنٌ وإِنَّك شاهدٌ لمقامي\nيسْمو فتَتَّضِعُ الرِّجالُ إذا سما ... لقُتَيْبةَ الحَامِي حِمَى الإِسلام\nلأغَرَّ مُنتجبٍ لكلِّ عظيمَةٍ ... نحْرٍ يباح به العدُوُّ لُهامِ\nيمضي إذا هاب الجبانُ وأحمشَتْ ... حربٌ تَسَعَّرُ نارُها بضِرَام\nتُروَى القَنَاةُ مع اللواءِ أَمامه ... تحتَ اللوامع والنحُورُ دوَامِ\nوالهامُ تفريهِ السُّيُوفُ كأنَّهُ ... بالقاع حينَ تَرَاهُ قَيْضُ نَعَامِ\nوترى الجيادَ مَعَ الجيَادِ ضَوامِرًا ... بفنَائه لِحَوادث الأَيام\nوبهنّ أنزَلَ نِيزَكَا من شاهق ... والكرز حَيْثُ يَرُوم كُلّ مرامِ","vol":"9","page":446},{"text":"وأَخاهُ شقرَانًا سَقَيْتَ بكأْسهِ ... وسقَيْتَ كأْسَهُمَا أَخا باذَام\nوتَرَكْتَ صولا حِينَ سأل مُجَدَّلا ... يرْكَبْنَهُ بدوَابر وحَوامِ\n(٦/ ٤٦٠ - ٤٦١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>خبر غزو قتيبة شومان وكسّ ونسف</span>\nوفي هذه السنة - أعني سنة إحدى وتسعين - غزا قتيبة شُومان وكسّ ونسَف غزْوَتَه الثانية وصالَحَ طَوخان.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nقال عليّ: أخبَرنا بِشْر بن عيسى عن أبي صفْوان، وأبو السرّي وجَبَلة بن فرّوخ عن سليمان بن مجالد، والحسن بن رشيد عن طُفيل بن مِرْداس العميّ، وأبو السريّ المَرْوَزي عن عمه، وبشْر بن عيسى وعليّ بن مجاهد عن حَنْبل بن أبي حريدة عن مَرْزُبان قِهْستْان، وعيَّاش بن عبد الله الغَنَويّ عن أشياخ من أهلِ خُراسان، قال: وحدّثني ظئْرى - كلٌّ قد ذَكرَ شيئًا، فألفته، وأدخلتُ من حديث بعضِهم في حديث بعض - أنّ فيلسنشب باذق - وقال بعضهم: قيسبشتان مَلك شومان - طرد عاملَ قتيبةَ ومَنَع الفِدْية التي صالح عليها قتيبة، فبعث إليه قُتيبةُ عَيّاشا الغنَويّ ومعه رجلٌ من نُسّاك أهل خُراسان يدعوان مَلِك شومان إلى أن يؤديَ الفِدية على ما صالح عليه قُتيبَة، فقَدِما البلدَ، فخرجوا إليهما فرموهما، فانصرف الرجلُ وأقَام عيَاش الغَنَويّ فقال: أما ها هنا مسلمٌ! فخرج إليه رجلٌ من المدينة فقال: أنا مسلم، فما تريد؟ قال: تُعينُني على جهادِهم، قال: نعم، فقال له عيَّاش: كن خَلْفي لتمنَع لي ظهْري، فقام خَلفه - وكان اسمُ الرجل المهلب - فقاتَلَهم عيّاش، فحمَل عليهم، فتفرّقوا عنه، وحَمَل المهلَّبُ على عياش من خلفه فقَتَله، فوجدوا به ستّين جراحةً، فغمّهم قتله، وقالوا: قتلْنا رجلًا شجاعًا.\nوبلغ قتيبة، فسار إليهم بنفسِه، وأخذ طريقَ بَلْخ، فلما أتاها قدّم أخاه عبد الرحمن، واستعمل على بَلْخ عمرو بن مسلم، وكان مَلِك شومان صديقًا لصالح بن مسلم، فأرسَل إليه صالح رجلًا يأمره بالطاعة، ويضمنُ له رِضَا قتيبة إن رجع إلى الصّلح، فأبى وقال لرسول صالح: ما تخوّفني به من قتيبة، وأنا","vol":"9","page":447},{"text":"أمنَعُ المُلوك حصْنًا أرْمي أعلاه، وأنا أشدُّ الناس قوسًا وأشدّ الناس رَميًا، فلا تَبلغُ نُشابتي نصف حِصْني، فما أخاف من قتيبة! فمضى قتيبة من بلْخَ فعبَر النهر، ثم أتى شومان وقد تحصّن مَلِكُها فوضعِ عليه المجَانِيقَ، ورَمى حصنه فهشَمه، فلما خاف أن يظهَرَ عليه، ورأى ما نَزَل به جَمَع ما كان له من مال وجَوْهر فرَمَى به في عَيْن في وَسَط القلعة لا يُدرَك قعرُها.\nقال: ثم فَتَح القلعة وخرج إليهم فقاتَلهم فقُتل، وأخذ قتيبةُ القلعة عنوة، فقتَل المُقاتلة وسَبى الذرّية، ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كسّ ونَسَف، وكَتَب إليه الحجاج، أنّ كس بكسّ واسِفْ نسَف، وإيّاك والتحويط، ففتَح كسّ ونَسَف، وامتنَع عليه فِرْياب، فحرّقها فسمِّيت المحترِقة، وسرّح قتيبة من كِس ونَسَف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السُّغد، إلى طرخون، فسارحتي نزل بمرْج قريبًا منهم، وذلك في وقت العَصْر، فانتَبذ الناسُ وشَربوا حتى عبثوا وعاثُوا وأفسدوا، فأمر عبدُ الرحمن أبا مرضيّة - مولىً لهم - أن يمنَع الناس من شُرْب العصير، فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصبّ نبيذهم فسال في الوادي، فسُمِّي مَرْج النبيذ، فقال بعضُ شعرائهم:\nأَمَّا النَّبيذ فلستُ أشرَبُه ... أخشَى أَبا مرضيَة الكَلْبِ\nمُتعَسفًا يسْعَى بشِكَّتِه ... يتَوَثَّب الحِيطانَ للشُّرْب\nفقَبَض عبدُ الرحمن من طرخون شيئًا كان قد صالَحه عليه قُتيبة، ودفع إليه رُهُنًا كانوا معه، وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببُخارَى، فرجعوا إلى مَرْو، فقالت السُّغد لطَرخون: إنك قد رضيتَ بالذلّ واستطبْت الجزْية وأنت شيخٌ كبير فلا حاجةَ لنا بك، قال: فولُّوا من أحبَبْتم، قال: فوَلَّوْا غَوْزَك، وحَبَسوا طرخون؛ فقال طرخون: ليس بعد سَلْب المُلْك إلا القتل، فيكون ذلك بيَدي أحتبّ إليّ من أن يليه مني غيري، فاتّكأ على سيفه حتى خرج من ظَهْره، قال: وإنما صنعوا بطرخون هذا، حين خرج قتيبةُ إلى سِجِستان، وولوا غوزك؟ (٦/ ٤٦١ - ٤٦٣).\nوأما الباهليّون فيقولون: حَصَر قتيبةُ ملك شومان، ووَضع على قَلْعته المَجانيق، ووَضَع منجنيقًا كان يسميها الفَحْجاء، فرَمَى بأوّل حَجَر فأصاب الحائط، ورَمَى بآخر فوقَع في المدينة، ثم تتابَعت الحجارةُ في المدينة فوَقَع","vol":"9","page":448},{"text":"حَجَر منها في مجلس المَلِك، فأصاب رجلًا فقتَله، ففتح القلعة عَنْوةً، ثم رجع إلى كسّ ونسَف، ثمّ مضى إلى بُخارَى فنزلَ قريةً فيها بيتُ نار وبيتُ آلهة، وكان فيها طَواويس، فسمَّوه مَنزل الطَّواويس، ثمّ سار إلى طرخون بالسُّغْد ليقبِض منه ما كان صالَحه عليه، فلما أشرَف على وادي السُّغد فرأى حُسنَه تمثّل:\nوَادٍ خَصِيبٌ عَشيبٌ ظَلَّ يمنَعُهُ ... منَ الأَنِيسِر حذارُ اليوم ذي الرَّهَج\nوَرَدَتُهُ بعَنَانيجٍ مُسَوَّمَةٍ ... يَرْدِينَ بالشُّعْثِ سفَّاكينَ للمُهَج\nقال: فقَبض من طرخون صُلحه، ثمّ رجع إلى بخارى فمَلّك بُخارى خُذاه غلامًا حَدَثا، وقتل من خاف أن يُضادَّه، ثمّ أخذ على آمُل ثمّ أتَى مَرْوَ.\nقال: وذكر الباهِليّون عن بشار بن عمرو، عن رجل من باهِلَة، قال: لم يَفرُغ الناسُ من ضَرْب أبنيَتهم حتى افتتحت القلعة. (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>ولاية خالد بن عبد الله القسري على مكة</span>\nفذكر محمد بن عمر الواقدي أن إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبة حدّثه عن نافع مولَى بني مخزوم، قال: سمعتُ خالدَ بنَ عبد الله يقول:\nيا أيها الناس، إنكم بأعظمِ بلادِ الله حُرمة، وهي التي اختار الله من البُلْدان، فَوضَع بها بيتَه، ثم كتب على عباده حَجَّه من استطاع إليه سبيلًا.\nأيها الناس، فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات، فإني واللهِ ما أوتَى بأحد يَطعَن على إمامِه إلا صلبتُه في الحرَم، إنّ الله جعل الخلافَة منه بالموضع الذي جَعلَها، فسَلموا وأطيعوا، ولا تقولوا كيْتَ وكَيْت، إنه لا رأيَ قيما كَتَب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قومًا من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون في بلادِكم، فإياكم أن تُنزِلوا أحدًا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحدًا منهم في منزل أحد منكم إلا هدَمتُ منزله، فانظروا من تنزلون في منازِلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة، فإنّ الفُرقة هي البلاءُ العظيم. (٦/ ٤٦٤).\nقال محمد بن عمرو: حدّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن موسى بن عُقْبة عن أبي حَبيبة، قال: اعتمرتُ فنزلتُ دورَ بني أسَد في منازل الزّبير، فلم أشعر إلا به","vol":"9","page":449},{"text":"يدعوني، فدخلت عليه، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل المدينة؛ قال: ما أنزلَك في مَنَازل المُخالِف للطاعة! قلت: إنما مُقامي إن أقمتُ يومًا أو بعضَه، ثم أرجع إلى منزلي وليس عندي خلاف، أنا ممن يُعظم أمرَ الخلافة، وأزعمُ أن من جَحَدها فقد هَلَك، قال: فلا عَليكَ ما أقمتَ، إنما يكره أن يُقيمَ من كان زاريًا على الخليفة، قلت: معاذ الله!\nوسمعتُه يومًا يقول: واللهِ لو أعلمُ أنّ هذه الوحْش التي تأمَن في الحَرَم لو نطقتْ لم تقِرَّ بالطاعة لأخرجتُها من الحَرم، إنه لا يَسْكن حرمَ الله وأمنَه مخالفٌ للجماعة، زارٍ عليهم، قلتُ: وفق الله الأمير. (٦/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\nوكذلك قال محمد بن عمَر: حدّثني موسى بن أبي بكر، قال: حدّثنا صالح بنُ كَيْسان، قال: لما حضر قدوم الوليد أمرَ عمرُ بنُ عبد العزيز عشرين رجلًا من قريش يَخرجُون معه، فيتلقّوْن الوليدَ بنَ عبد الملك، منهم أبو بكر بنُ عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام، وأخوه محمد بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فخرجوا حتى بَلَغوا السوَيْداء، وهم مع عمر بن عبد العزيز - وفي الناس يومَئذ دوابُّ وخَيْلٌ - فلقوا الوليدَ وهو على ظَهْر، فقال لهم الحاجب: انزِلوا لأمير المؤمنين، فنزَلوا، ثمّ أمرهم فركِبوا، فدعا بعمَر بن عبد العزيز فسايرَه حتى نزل بذي خُشُب، ثم أحضِروا، فدعاهم رجلًا رجلًا، فسلموا عليه، ودعا بالغَداء، فتغدَّوا عندَه، وراح من ذي خُشُب، فلما دخل المدينةَ غَدا إلى المسجد يَنظرُ إلى بنائه، فأخرج الناس منه، فما تُرِكَ فيه أحدٌ وبقي سعيد بنُ المسيِّب ما يجترئ أحد من الحَرس أن يخرجه، وما عليه إلا رَيْطتان ما تساويان إلا خمسةَ دراهم في مُصَلّاه، فقيل له: لو قمتَ! قال: والله لا أقوم حتى يأتيَ الوقتُ الذي كنتُ أقوم فيه، قيل: فلو سلّمتَ على أمير المؤمنين! قال: واللهِ لا أقوم إليه، قال عمرُ بنُ عبد العزيز: فجعلتُ أعدِل بالوليد في ناحية المسجد رجاءَ ألّا يرى سعيدًا حَتى يقومَ، فحانت من الوليد نَظْرة إلى القِبْلة، فقال: مَنْ ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيدُ بنُ المسيِّب؟ فجعل عمرُ يقول: نَعَم يا أميرَ المؤمنين ومِنْ حاله ومِنْ حالِه ... ولو علم بمكانِك لقامَ فسلّم عليك، وهو ضعيف البَصَر.\nقال الوليد: قد علمتُ حالَه، ونحن نأتيِه فنسلم عليه، فدارَ في المسجد","vol":"9","page":450},{"text":"حتى وقَف على القبر، ثمّ أقبل حتى وقف على سَعِيد فقال: كيف أنتَ أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرَّك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أميرُ المؤمنين وكيفَ حالُه؟ قال الوليد: خير والحمدُ لله، فانصرَف وهو يقول لعمرَ: هذا بقيّة الناس، فقلت: أجل يا أميرَ المؤمنين.\nقال: وقسّم الوليد بالمدينة رَقيقًا كثيرًا عُجْمًا بين الناس، وآنيةً من ذهب وفضّة، وأموالًا وخَطَب بالمدينة في الجُمُعة وصلى بهم. (٦/ ٤٦٥ - ٤٦٦).\nقال محمد بن عمر: وحدّثني إسحاقُ بن يحيى، قال: رأيتُ الوليد يَخطب على منبر رسول الله - ﷺ - يومَ الجمعة عامَ حَجَّ، قد صَفّ له جُندُه صفّين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، في أيديهنم الجِرزَة وعُمُد الحديد على العواتق، فرأيته طَلَع في دُرّاعة وقَلَنسُوَة، ما عليه رداء، فصَعِد المنبرَ، فلما صَعِد سلم ثمّ جلس فأذن المؤذِّنون، ثم سكتوا، فخَطَب الخطبةَ الأولى وهو جالس، ثم قام فَخَطَب الثانية قائمًا، قال إسحاق: فلقيتُ رجاءَ بنَ حَيْوَة وهو معه، فقلتُ: هكذا يَصنَعون! قال: نَعَم، وهكذا صَنَعَ معاوية فهلمَّ جَرا، قلت: أفَلا تكلّمه؟ قال: أخبَرَني قبَيضةُ بن ذُؤَيب أنه كَلم عبدَ الملك بنَ مروان فأبَى أن يَفعل؛ وقال: هكدا خَطَب عثمان، فقلتُ: والله ما خَطَب هكذا، ما خَطَب عثمان إلا قائمًا، قال رجاء: رُوى لهم هَذَا فأخذوا به.\nقال إسحاق: لم نَر منهم أحدًا أشدّ تجبّرًا منه. (٦/ ٤٦٦ - ٤٦٧).\nقال محمد بن عمر: وقَدِم بِطيب مسجد رسول الله - ﷺ - ومجمَرِه وبكسْوَة الكَعْبة فُنشِرت وعُلقتْ على حبال في المسجد من دِيباج حَسَن ولم يُرَ مثلُه قطّ، فنَشَرها يومًا وطُوي ورفع. (٦/ ٤٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>فتح الأندلس</span>\nزعم الواقدي أن ملك الأندلس يقال له: أدرينوق، وكان رجلًا من أهل أصبهان، قال: وهم مُلُوك عَجَم الأندلس - فزَحَف له طارق بجَميع مَنْ معه،","vol":"9","page":451},{"text":"فزحف الأدرينوق في سَرِير الملك، وعلى الأدرينوق تاجُه وقُفَّازُه وجميعُ الحِلْية التي كان يَلبَسها الملوك، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا حتى قَتَل الله الأدرينوق، وفَتَح الأندلس سنة اثنتين وتسعين. (٦/ ٤٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد</span>\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه:\nذَكَر عليُّ بنُ محمد أنَّ أبا الذّيال أخبَرَه عن المهلّب بن إياس والحسّن بن رشيد، عن طُفَيل بن مِرْداس العَميّ وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريدة، عن مَرْزُبان قُهِسْتان وكليب بن خَلَف والباهليّين وغيرهم - وقد ذَكر بعضُهم ما لم يَذكُر بعضَ فألفته - أنّ مَلِك خُوارزْم كان ضعيفًا، فغلَبَه أخُوه خُرَّزاذ على أمرِه - وخرّزاذ أصغَر منه - فكان إذا بَلغه أنّ عند أحد ممن هو منقطِع إلى المَلك جاريةً أو دابةً أو متاعًا فاخرًا أرسَل فأخَذَه، أو بَلغه أنّ لأحد منهم بنتًا أو أخْتًا أو امرأةً جميلة أرسل إليه فَغصَبه، وأخذَ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يَمتنع عليه أحد، ولا يمنَعه الملكُ، فإذا قيل له، قال: لا أقوَى عليه، وقد ملأه مع هذا غَيْظًا، فلما طال ذلك منه عليه كَتَب إلى قتيبة يدعوه إِلى أرضه يريد أن يسلِّمها إليه، وبعث إليه بمفاتيح مدائنِ خُوارزم: ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشتَرط عليه أن يَدفَع إليه أخاه وكلَّ من كان يُضادّه، يَحكُم فيه بما يَرَى، وبعث في ذلك رُسُلًا، ولم يُطلع أحدًا من مَرازِبتِه، ولا دَهاقِينهِ على ما كتَب به إلى قتَيبة، فقَدِمتْ رسلُه على قتيبةَ في آخر الشتاء ووقت الغَزْو، وقد تهيّأ للغزو، فأظهَر قتيبة أنه يريد السُّغْد، ورجع رُسُل خوارزم شاه إليه بما يُحبّ من قِبَل قتيبة، وسار واستخلف على مَرْوَ ثابتًا الأعَور مولَى مُسلم.\nقال: فَجمَع ملوكَه وأحبارَه ودَهاقِينه فقال: إنّ قتيبة يريدُ السُّغْد، وليس بغازيكم، فهلمَّ نتنعَّم في ربيعِنا هذا، فأقبلوا على الشرب، والتنعم، وأمنوا عند أنفسِهم الغَزْو.\nقال: فلم يشعروا حتى نزل قتيبةُ في هَزَارَسْب دُون النهر، فقال خُوارَزْم شاه","vol":"9","page":452},{"text":"لأصحابه: ما تَرَوْن؟ قالوا: نَرَى أنْ نقاتِله، قال: لكني لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوَى منا وأشدّ شوْكَةً؛ ولكني أرَى أن نَصرِفه بشيء نؤديه إليه، فنصرِفه عامنا هذا، ونرى رأيَنا، قالوا: ورأينا رأيك، فأقبَل خُوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر.\nقال: ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد، فمدينة الفيل أحصنهن، فنزلها خوارزم شاه - وقتيبة في هزارسب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ - فصالحه على عشرة آلاف رأس، وعين ومَتاع، وعلى أن يُعينَه على ملك خام جرد، وأن يفيَ له بما كتَب إليه، فقبل ذلك منه قتيبة، ووَفى له، وبعث قتيبة أخاه إلى مَلِك خامِ جرد، وكان يعادى خوارزم شاه، فقاتله، فقتله عبد الرحمن، وغلب على أرضه وقَدِم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير، فقتَلَهم، وأمر قتيبةُ لمّا جاءه بهم عبد الرحمن بسريره فأخرِج وبَرزَ للناس، قال: وأمر بقتل الأسرى فقتِل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخَلْف ظهره ألف، قال: قال المهلَّب بن إياس: أخِذتْ يومئذ سيوف الأشراف فضُرِبَ بها الأعناق، فكان فيها ما لا يَقطَع ولا يَجرَح، فأخذوا سَيْفي فلم يُضْرَب به شِيء إلا أبانه، فحَسَدني بعضُ آل قتيبة، فغمز الذي يضرب أن أصفح به، فصفح به قليلًا، فوقَع في ضِرسْ المقتول فثَلَمه.\nقال أبو الذّيال: والسيف عندي، قال: ودفع قتيبةُ إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتَلهم، واصطَفَى أموالَهم فبعث بها إلى قتيبة، ودخل قتيبة مدينةَ فيل، فقَبِل من خوارزم شاه ما صالَحه عليه، ثم رَجَع إلى هزارسبَ، وقال كَعْب الأشْقريّ:\nرَمَتْكَ فِيلٌ بما فيها وما ظَلَمَتْ ... ورامَها قبلك الفَجْفَاجَةُ الصَّلِفُ\nلا يُجْزِئُ الثَّغْرَ خَوَّارُ القَناة ولَا ... هَشُّ المكاسِر والقَلبُ الذي يَجفُ\nهل تَذْكُرونَ ليالي التُّرك تقتُلُهُمْ ... ما دون كازَهَ والفَجْفَاجُ مُلتَحِف\nلم يركَبُوا الخيلَ إلا بعدما كبروا ... فَهمْ ثِقَال على أَكتافِها عُنُفُ\nأنتم شباس ومرداذان محتقرٌ ... وبسْخرَاء قبُورٌ حشْوُهَا القُلَف\nإني رأَيتُ أبا حفص تُفَضِّلُهُ ... أيَامُهُ ومَسَاعِي الناسِ تخْتَلِفُ\nقيْس صَريح وبعضُ الناسِ يجْمَعُهُمْ ... قُرىً وريف فمنسوبٌ ومُقْتَرَف","vol":"9","page":453},{"text":"لو كنتَ طاوَعت أهلَ العجز ما اقتسمُوا ... سبعِين أَلفًا وعزُّ السُّغْدِ مُؤْتَنِفُ\nوفي سمرقندَ أُخرى أنت قاسِمُها ... لئن تأَخَّر عن حوبائك التَّلَفُ\nما قَدَّمَ الناسُ من خيرٍ سبقتَ به ... ولا يَفوتُك مما خلَّفُوا شَرَفُ\nقال: أنشدني عليّ بن مجاهد:\n\"رَمَتْك فيلٌ بما دون كاز .... \"\nقال: وكذلك قال الحسنُ بن رشيد الجُوزجانيّ؛ وأمَّا غيرُهما فقال:\n\"رمتك فيلٌ بما فيها ..... \"\nوقالوا: فيلُ مدينة سمَرْقَنْد؛ قال: وأثبتُها عندي قولُ علي بن مجاهد (١).\n(٦/ ٤٦٩ - ٤٧١).\nقال: وقال الباهليون: أصاب قتيبة من خوارزم مئة ألفِ راس. قال:\nوكان خاصةُ قتيبةَ كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانّون قَدِموا من سِجِسْتَان فأجمّهم عامَهم هذا، فأبى، قال: فلمّا صالح أهل خُوارزم سارَ إلى السّغْد، فقال الأشقريّ:\nلو كنتُ طاوعتُ أهَل العَجْز ما اقتَسموا ... سبعين أَلفًا وعزُّ السُّغْد مُؤتَنف\n(٦/ ٤٧١ - ٤٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>فتح سمرقند</span>\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nقد تقدّم ذكرى الإسناد عن القوم الذين ذكر عليّ بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالَح قتيبة صاحب خُوارزم، ثمّ ذكر مدرجًا في ذلك أنّ قتيبة لمّا قبض صُلح خوارزم قَام إليه المجشّر بن مُزاحم السُّلَميّ، فقال: إنّ لي حاجةً، فأخْلِني، فأخْلاه، فقال: إن أردتَ السُّغد يومًا من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيَهم من عامِك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام.\nقال: أشار بهذا عليك أحد؟ قال: لا، قال: فأعلمتَهُ أحدًا؟ قال: لا، قال:\n_________\n(١) فيها نكارة.","vol":"9","page":454},{"text":"والله لئن تكلم به أحد لأضربنّ عنقَك، فأقام يومَه ذلك، فلما أصبح من الغد دعا عبدَ الرحمن فقال: سِرْ في الفرْسان والمُرامية، وقدّم الأثقالَ إلى مَرْو، فوُجّهَت الأثقال إلى مَرو، ومضى عبدُ الرحمن يَتْبع الأثقال يريدُ مَرو يومه كلّه، فلما أمسَى كتب إليه: إذا أصبحتَ فوجِّه الأثقالَ إلى مَرْوَ وسرْ في الفُرسان والمُرامية نحو السُّغْد، واكتُم الأخبار فإني بالأثَر.\nقال: فلما أتى عبدَ الرحمن الخبرُ أمرَ أصحابَ الأثقال أن يمضوا إلى مَرْوَ، وسار حيث أمرَه، وخَطَب قتيبة الناسَ فقال:\nإن الله قد فَتَح لكم هذه البلدة في وقت الغَزْوُ فيه ممكن، وهذه السُّغد شاغِرَةٌ برِجْلها، قد نَقَضوا العَهْد الذي كان بيننا، منعونا ما كنّا صالَحْنا عليه طرخون، وصَنعوا به ما بَلَغكم، وقال الله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، فسيِرُوا على برَكة الله، فإنّي أرجو أن يكون خَوارزم والسُّغْد كالنَّضير وقُرَيظة، وقال الله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾.\nقال: فأتى السُّغْد وقد سَبَقه إليها عبدُ الرحمن بن مسلم في عشرين ألفًا، وقَدم عليه قتيبةُ في أهل خُوارزم وبُخارَى بعد ثلاثة أو أربعة مِن نزولِ عبد الرحمن بهم، فقال: إنا إذا نزَلنا بِسَاحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. فحصرَهم شهْرًا، فقاتَلُوا في حِصارهم مِرارًا من وجهٍ واحد.\nوكتب أهلُ السُّغْد وخافوا طولَ الحصار إلى ملك الشاش، وإخشاذ فَرْغانة: إن العرب إنْ ظفروا بنا عادوا عليكم بمِثل ما أتَوْنا، فانظُروا لأنفسكم، فأجمَعوا على أن يأتوهم وأرسَلوا إليهم: أرسِلوا من يشغلهم حتى نبيّت عسكرَهم.\nقال: وانتخبوا فُرْسانًا من أبناء المَرازِبة والأساوِرة والأشدّاء الأبطال فوجّهوهم وأمَروهم أن يبيِّتوا عسكرَهم، وجاءت عيونُ المسلمين فأخبَروهم.\nفانتخَب قتيبة ثلاثمئة أو ستمئة من أهل النَّجْدة، واستعمل عليهم صالح بن مسلم، فصيّرهُم في الطريق الذي يخاف أن يُؤتَى منه، وبعث صالحٌ عيونًا يأتونه بخَبر القوم، ونزل على فرسَخَين من عسكر القوم، فرجعتْ إليه عيونُه فأخبروه أنهم يَصلون إليه من ليلتِهم، ففرّق صالحٌ خيلَه ثلاثَ فِرَق؛ فجعل كَمِينًا في موضعَيْن، وأقام على قارعةِ الطريق، وطرَقَهم المشركون ليلًا، ولا يَعلمون","vol":"9","page":455},{"text":"بمكان صالح، وهم آمنون في أنفسِهم من أن يَلقَّاهم أحدٌ دون العسكر، فلم يعلَموا بصالح حتى غَشوه، قال: فشدّوا عليه حتى إذا اختلَفتِ الرماح بينهم خرج الكَمِينان فاقتَتلوا، قال: وقال رجلٌ من البَراجم: حصرتُهم فما رأيتُ قطّ قومًا كانوا أشدَّ قتالًا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبَر، فقَتلْناهم فلم يُفلِتْ منهم إلَّا نفرٌ يسير، وحوَيْنا سلاحَهم، واحتَززْنا رؤوسَهم، وأسَرْنا منهم أسرَى، فسألناهم عمّن قَتلْنا، فقالوا: ما قتلتم إلا ابن مَلِك، أو عظيمًا من العُظماء، أو بَطلًا من الأبطال؛ ولقد قتلتم رجالًا إن كان الرجل ليُعدَل بمئة رجل، فكتَبنا على آذانهم، ثمّ دخَلْنا العسكَر حين أصبَحْنا وما منا رجل إلا معلِّق رأسًا معروفًا باسمه، وسَلبنا من جيّد السلاح وكريمِ المتاع، ومناطِق الذهب ودوابَّ فُرَّهةٍ، فنفَلنا قتيبةُ ذلك كله، وكَسَر ذلك أهلَ السُّغد، ووضع قتيبة عليهم المَجانيق، فرماهم بها، وهو في ذلك يُقاتِلهم لا يُقلع عنهم، وناصَحَه مَن معه من أهل بُخارى وأهلِ خُوارزم، فقاتلوا قِتالًا شديدًا، وبذلوا أنفسَهم.\nفأرسَل إليه غوزك: إنما تقاتلني بإخوَتي وأهلِ بيتي من العَجم، فأخرِجْ إليَّ العَربَ، فغضبَ قتيبة ودعا الجدليّ فقال: اعرِض الناس، ومَيّز، أهل البأس، فجمعَهَم، ثمّ جلس قتيبة يَعرِضهم بنفسِه، ودعا العُرَفاءَ فجعل يدعو برجل رجل، فيقول: ما عندَك؟ فيقول العريف: شجاع، ويقول: ما هذا؟ فيقول: مختصر، ويقول: ما هذا؟ فيقول: جَبان، فسمى قتيبة الجُبَناء الأنْتان، وأخذ خيلَهم وجيّدَ سلاحِهم فأعطاه الشَّجعَان والمختصرين، وترك لهم رَثّ السلاح، ثم زحف بهم فقاتَلَ بهم فُرسانًا ورجالًا، ورَمَى المدينة بالمجانيق، فثَلم فيها ثُلْمةً فسدّوها بغوائر الدُّخن، وجاء رجل حتى قام على الثّلْمة فَشتَم قتيبةَ، وكان مع قتيبة قومٌ رُماة، فقال لهم قتيبة: اختاروا منكم رجلين، فاختاروا، فقال: أيّكما يَرمِي هذا الرجل، فإنْ أصابَه فله عشرةُ آلاف، وإن أخطأه قُطعتْ يده؟ فتلكَّأ أحدُهما وتقدّم الآخرُ، فرماه فلم يُخِطئ عينَه، فأمَر له بعَشرة آلاف. (٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤).\nقال: وأخبرنا الباهليُّون، عن يحيى بن خالد، عن أبيه خالد بن باب مولَى مُسِلم بن عمرو، قال: كنتُ في رُماة قتيبة، فلما افتتَحنا المدينَة صعدتُ السور فأتيتُ مُقامَ ذلك الرّجل الذي كان فيه فوجدتُه ميّتًا على الحائط، ما أخطأتِ","vol":"9","page":456},{"text":"النُّشابة عينَه حتى خرجتْ من قَفاه، ثمّ أصبحوا من غد فرمَوا المدينَة، فثلَموا فيها، وقال قتيبة: ألِحّوا عليها حتى تعبُروا الثلْمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثُلْمة المدينة، ورماهم السّغد بالنشّاب، فوضَعوا تَرَستهم، فكان الرجل يضعُ ترسَه على عَيْنه، ثمّ يحمِل حتى صاروا على الثلمة، فقالوا له: انصرِفْ عنا اليومَ حتى نصالَحك غدًا.\nفأما باهلة فيقولون: قال قُتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالُنا على الثْلمة، ومجانيقُنا تَخطِر على رؤوسِهم ومدينتِهم.\nقال: وأما غيرهم فيقولون: قال قتيبة: جَزعَ العبيدُ، فانصرفوا على ظفرِكُم، فانصرَفوا فصالَحهم من الغد على ألفي ألف ومئتي ألف في كلّ عام، على أن يُعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، ليس فيهم صبيّ ولا شَيْخ ولا عيب، على أن يُخلُوا المدينةَ لقُتيبة فلا يكون لهم فيها مُقاتِل، فيُبنَى له فيه مسجد فيدخل ويصلي، ويُوضَع له فيها مِنبَر فيَخطب، ويتغدَّى ويخرِج.\nقال: فلما تمّ الصّلح بعث قتيبةُ عشرةً، من كلّ خُمس برجلين، فقَبَضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلّوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم، ثمّ أخلَوا المدينة وبنَوا مسجدًا ووضَعوا مِنبرًا، ودَخَلها في أربعة آلاف انتخَبهم، فلما دَخَلها أتَى المسجَد فصلَّى وخَطَب ثمّ تغدَّى، وأرسل إلى أهل السُّغْد: من أراد منكم أن يأخذَ متاعَه فليأخُذْه؛ فإني لستُ خارجًا منها، وإنما صنعتُ هذا لكم، ولستُ آخذُ منكم أكثرَ مما صالحتُكم عليه، غير أنّ الجُنْد يقيمون فيها.\nقال: أما الباهليّون فيقولون: صالَحَهم قتيبةُ على مئة ألف رأس، وبيوت النيران وحلية الأصنام، فقَبض ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسُلِبتْ؛ ثم وُضعتْ بين يديه، فكانت كالقَصْر العظيم حين جُمعِت، فأمَر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إنّ فيها أصنامًا مَنْ حرّقها هَلَك، فقال قتيبة: أنا أحَرّقها بيدي، فجاء غوزك، فجَثَا بين يديه وقال:\nأيها الأمير، إنّ شكرك عليّ واجب، لا تَعرِض لهذه الأصنام، فَدَعا قتيبة بالنار وأخذَ شُعْلةً بيَده، وخرج فكبر، ثمّ أشعَلها، وأشعَل الناس فاضطرمتْ،","vol":"9","page":457},{"text":"فوجَدُوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضّة خمسين ألف مثقال. (٦/ ٤٧٤ - ٤٧٦).\nقال: وأخبرَنَا مَخلَد بن حمزة بن بَيض عن أبيه، قال: حدّثني من شَهد قتيبة وفَتْح سمرقند أو بعض كُور خُراسان فاستخرَجوا منها قدُورًا عظامًا من نُحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسانَ، أتُرَى رقاشِ كان لها مِثل هذه القدُور؟ قال: لا، لكن كان لعَيْلان قِدْر مِثل هذه القدور، فضَحِك قتيبة وقال: أدركتَ بثَأرِك. (٦/ ٤٧٦).\nقال: وقال محمد بن أبي عُيَينة لسَلْم بنِ قتيبة بين يدَي سليمانَ بن عليّ: إن العَجَم ليعيِّرون قتيبةَ الغدرَ إنه غدر بخوارَزْم وسمَرقَنْد. (٦/ ٤٧٦).\nقال: فأخبرَنا شيخٌ من بني سَدُوسَ عن حَمزةَ بن بيض قال: أصابَ قتيبةُ بخُراسان بالسُّغد جاريةَ من ولد يَزدِجرد، فقال: أتَرَوْن ابنَ هذه يكون هَجينًا؟ فقالوا: نعم، يكون هَجِينًا من قِبَل أبيه، فبعث بها إلى الحجاج، فبعث بها الحجّاج إلى الوليد، فولدت له يزيدَ بن الوليد. (٦/ ٤٧٦).\nقال: وأخبَرَنا بعضُ الباهليِّين عن نهَشَل بن يزيدَ، عن عمه - وكان قد أدرك ذلك كلَّه - قال: لما رأى غوزكَ إلحاحَ قتيبةَ عليهم كَتَب إلى ملك الشاش وإخشاذ فَرْغانة وخاقَان: إنا نحن دونّكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنتمْ أضعَفَ وأذَلّ، فمهما كان عندَكم من قوّة فابذلُوها؛ فنظروا في أمْرِهِم فقالوا: إنما نُؤتَى من سَفِلتَنا، وإنهم لا يَجِدون كوَجْدنا، ونحن معشرَ المُلوك المعنيّون بهذا الأمر، فانتخبوا أبناءَ الملوك وأهل النجدة من فِتْيان ملوكهم، فليخرجوا حتى يأتوا عسكرَ قُتيبة فليبيّت، فإنه مشغول بحصار السُّغْد، ففعلوا، ولوا عليهم ابنًا لخاقان، وسارُوا وقد أجمَعوا أن يبيّتوا العسكر، وبلغ قتيبة فانتخَبَ أهلَ النّجْدة والبأس ووجوه الناس، فكان شعبة بن ظهير وزُهَير بن حيّان فيمن انتُخب، فكانوا أربعمئة، فقال لهم: إنّ عدوَّكم قد رأوا بلاءَ الله عندكم، وتأييدَه إياكم في مُزاحَفتِكم، ومُكاثَرَتِكم، كلّ ذلك يُفلجكم الله عليهم، فأجمعُوا على أن يحتَالوا غِرَّتَكم وبيَاتكم، واختاروا دَهاقينهم ومُلوكَهم، وأنتم دَهاقين العَرب وفُرسانُهم، وقد فضّلكم الله بدِينه، فأبلُوا الله بلاءً حسنًا تستوجِبون به الثواب، مع الذَّبّ عن أحسابكم.","vol":"9","page":458},{"text":"قال: ووضع قتيبةُ عيونًا على العدوّ حتى إذا قَرُبوا منه قَدْرَ ما يَصِلُون إلى عسكره من الليل أدخَل الذين انتخَبَهم فكلَّمهم وحَضَّهم واستَعَمل عليهم صالح بن مسلم، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا فنزلوا على فَرسَخَينَ من العسكر على طريق القوم الذين وَصَفوا لهم، ففرّق صالح خيلَه، وأكمن كَمِينًا عن يمينه، وكَمِينًا عن يساره، حتى إذا مَضَى نصفُ الليل أو ثلثاه، جاء العدوّ باجتماع وإسراع وصَمت، وصالحٌ واقفٌ في خَيْله، فلما رأوْه شدّوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شدَّ الكَمِينان عن يمين وعن شِمال، فلَم نسَمع إلا الاعتزاء، فلم نَرَ قومًا أشدَّ منهم. (٦/ ٤٧٦ - ٤٧٧).\nقال: وقال رجلٌ من البَراجم: حدّثني زُهير أو شُعبة قال: إنا لنختَلف عليهم بالطعن والضّرب إذ تبينت تحتَ الليل قُتيَبةَ، وقد ضربتُ ضربةً أعجبتْني وأنا انظر إلى قتيبة، فقلت: كيف ترى بأبي أنت وأمي! قال: اسكُت دَقّ اللهُ فاك! قال: فقتلناهم فلم يُفلِت منهم إلا الشريد، وأقمنا نَحوِي الأسلابَ ونحتزّ الرؤوسَ حتى أصبحْنا، ثم أقبلْنا إلى العسكر، فلم أر جماعةً قطّ جاؤوا بمثل ما جئنا به، ما مِنّا رجلٌ إلَّا معلِّق رأسًا معروفًا باسمه، وأسيرًا في وَثاقه.\nقال: وجئنا قُتيبةَ بالرؤوس، فقال: جزاكم الله عن الدِّين والأعراض خيرًا.\nوأكرمني قتيبة من غير أن يكون باحَ لي بشيء، وقرن بي في الصّلة والإكرام حيّانَ العدَويّ وحُلَيسًا الشيبانيّ، فظننتُ أنه رأى منهما مِثلَ الذّي رأى منّي، وكسر ذلك أهل السّغْد، فطلبوا الصلْح وعرَضوا الفِدْية فأبى، وقال: أنا ثائر بدم طَرْخون، كان مولاي وكان من أهل ذمتي. (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨).\nقالوا: حدث عمرو بن مسلم عن أبيه، قال: أطال قتيبةُ المُقامَ، وثُلمتِ الثلمة في سمرقند. قال: فنادى منادٍ فصيح بالعربية يَشتُم قتيبة؛ قال: فقال عمرو بن أبي زَهْدم: ونحنُ حولَ قتيبةَ، فحين سمعنا الشتم خرجْنا مسرِعين، فمَكثْنا طويلًا وهو مُلِحٌّ بالشتم، فجئتُ إلى رِواق قُتيبةَ فاطّلعت، فإذا قتيبةُ محْتَب بشَمْلة يقول كالمناجي لنفسِه: حتى متى يا سمرقَنْد يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحتُ لأحاولنّ مِن أهلِك أقصى غاية، فانصرفتُ إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبيّة ستموت غدًا منّا ومنهم! وأخبرتُهم الخبَر. (٦/ ٤٧٨)","vol":"9","page":459},{"text":"قال: وأما باهلة فيقولون: سار قتيبةُ فجعل النهرَ يمينَه حتى وردَ بخارَى، فاستنهَضَهم معه، وسار حتى إذا كان بمدينة أرْبِنْجَن، وهي التي تُجلَب منها اللبود الأربنْجَنيَّة، لقيهم غوزك صاحبُ السُّغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفَرْغانة، فكانت بينهم وقائعُ من غير مُزاحفة، كل ذلك يَظهر المسلمون ويتحاجَزون حتى قَربُوا من مدينة سَمَرْقند، فتزاحفوا يومئذ، فَحمل السُّغد على المسلمين حملةً حَطموهم حتى جازُوا عسكرهم، ثمّ كرّ المسلمون عليهم حتى رَدُّوهم إلى عسكرهم، وقَتَل الله من المشركين عددًا كثيرًا، ودخلوا مدينةَ سمرقند فصالَحوهم. (٦/ ٤٧٨).\nقال: وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صَغِيرة؛ قال: رأيت خيلًا يومئذ تُطاعِنُ خيلَ المسلمين، وقد أمر يومئذ قتيبةُ بسَريره فأبرز، وقَعد عليه، وطاعَنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لمُحْتَب بسيفِه ما حَلّ حَبْوتَه، وانطوتْ مجنّبتَا المسلمين على الذين هَزَموا القَلْب، فهزَموهم حتى رَدّوهم إلى عسكرهم، وقُتِل من المشركين عددٌ كثير، ودخلوا مدينةَ سمرقنْد فصالَحوهم، وصنع غوزك طعامًا ودعا قُتيبةَ، فأتاه في عدد من أصحابه، فلما تَغدّى استوهَبَ منه سمرقنْد، فقال للمَلِك، انتقِلْ عنها، فانتَقَل عنها، وتلا قُتَيبة: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. (٦/ ٤٧٨)\nقال: وأخبرنا أبو الذّيالِ، عنْ عمر بن عبد الله التميميّ، قال: حدّثني الذي سرّحه قُتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقَنْد، قال: قدمتُ على الحجّاج فوَجهني إلى الشام، فقدمْتها فدخلت مسجدَها، فجلستُ قبل طلوع الشمس وإلى جَنْبي رجلٌ ضَرير، فسألتُه عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلتُ: أجَل؛ قال: من أيّ بلد أنت؟ قلتُ: من خُراسان. قال: ما أقدَمَك؟ فأخبرتُه؛ فقال: والذي بعثَ محمّدًا بالحق ما افتتحِتموها إلا غدرًا، وإنكم يا أهل خُراسانَ للّذين تَسلُبون بني أمية مُلكهم، وتَنقُضُون دمشقَ حَجرًا حجرًا. (٦/ ٤٧٩).\nقال: وأخبَرنا العلاءُ بن جَرير، قال: بلَغني أن قتيبةَ لما فتح سمرقند وقَف على جَبَلِها فنظر إلى الناس متفرّقين في مُروج السُّغْد، فتمثَّل قولَ طرَفة:\nوأَرْتَعَ أَقوام ولولا مَحَلُّنا ... بمَخشِيَةٍ ردُّوا الجمال فَقَوَّضُوا\nقال: وأخبرَنا خالدُ بن الأصْفَح، قال: قال الكُمَيْت:","vol":"9","page":460},{"text":"كانت سمرقندُ أحقابًا يَمانيةً ... فاليوم تَنْسُبُهَا قَيْسيةً مُضَرُ\n(٦/ ٤٧٩).\nقال: وقال أبو الحسن الجُشميّ: فدعا قتيبةُ نهارَ بنَ تَوْسِعة حين صالَح أهلَ السُّغْد، فقال: يا نهارُ، أين قولك:\nألا ذَهَبَ الغزْوُ المُقَرِّبُ للغنَى ... وماتَ النَّدَى والجودُ بَعْدَ المهلَّبِ\nأقَاما بمرْوِ الرُّوذ رَهْنَ ضَريحهِ ... وقَدْ غَيّبا عن كلِّ شَرْقٍ ومغْرِب\nأفغَزْوٌ هذا يا نهارٌ؟ قال: لا، هذا أحسنُ، وأنا الذي أقول:\nوما كان مُذْ كُنَّا ولا كان قَبْلنا ... ولا هو فيما بعدَنا كابن مُسلم\nأعمَّ لأهل الترْك قَتْلًا بسيْفِهِ ... وأكثرَ فينا مَقْسِمًا بعدَ مَقسِم\nقال: ثمّ ارتحل قتيبة راجعًا إلى مروَ واستخلف على سمرقند عبدَ الله بن مسلم، وخلّف عنده جندًا كثيفًا، وآلةً من آلة الحرب كثيرةٌ، وقال: لا تدَعنّ مُشرِكًا يدخل بابًا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد، وإن جفّتَ الطينة قبل أن يَخرُج فاقتُله، وإن وجدتَ معه حديدةً؛ سكينًا فما سواه فاقتلْه، وإن أغلَقْت الباب ليلًا فوجدتَ فيها أحدًا منهم فاقتله، فقال كَعْب الأشقريّ - ويقال رجلٌ من جُعفيّ:\nكُلّ يومٍ يَحْوِى قتيبةُ نَهبًا ... ويزيدُ الأَموِالَ مالًا جدِيدَا\nباهليٌّ قد أُلبسَ التاجَ حتَّى ... شاب منهُ مَفارِقٌ كنَّ سُودَا\nدَوَّخ السُّغدَ بالكتَائِب حتَّى ... تركَ السُّغد بالعرَاءِ قُعُودَا\nفوليدٌ يبكي لفَقْدِ أَبيهِ ... وأبٌ مُوجَعٌ يُبَكِّي الوليدا\nكلما حَلَّ بلدةً أو أتاهَا ... تَرَكتْ خَيْلهُ بها أخدُودَا\nقال: وقال قتيبةُ: هذا العَداءُ لا عداءُ عَيرين، لأنه فتَح خُوارزم وسَمرقند في عام واحد؛ وذلك أنّ الفارس إذا صَرَع في طلق واحد عَيرَين قيل: عادَى بينَ عَيْرَين، ثم انصرفَ عن سمرقنَد فأقام بمَرْو. (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\nوكان عامله على خوارزم إياسُ بنُ عبد الله بن عمرو على حَرْبها، وكان ضعيفًا وكان على خَراجها عُبيد الله بن أبي عُبيد الله مولى بني مسلم.\nقال: فاستَضعف أهلُ خوارزم إياسًا، وجَمَعوا له، فكَتَب عُبيدُ الله إلى قتيبة، فبعث قتيبةُ عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملًا، وقال: اضرِبْ إياسَ بن","vol":"9","page":461},{"text":"عبد الله وحيّان النَّبْطى مئةً مئة، واحلِقْهما، وضمَّ إليك عُبيد الله بن أبي عُبيد الله، مولَى بني مسلم، واسْمَعْ منه فإنّ له وفاءً.\nفمضى حتى إذا كان في خُوارزم على سِكّة، فدسّ إلى إياس فأنذَره فتنحَّى، وقَدِم فأخَذَ حيّان فضربه مئة وحَلَقه.\nقال: ثمّ وجّه قتيبةُ بعد عبدِ الله المغيرَة بن عَبد الله في الجنود إلى خُوارزَم، فبَلَغهم ذلك، فلما قَدِم المغيرةُ اعتزَل أبناءَ الذين قتَلَهم خوارزم شاه، وقالوا: لا نعينك، فهَرَب إلى بلاد الترك، وقدِم المغيرةُ فسبى وقَتل. وصالحَه الباقون، فأخذ الجزْية، وقَدِم على قتيبة، فاستعمله على نَيْسابور. (٦/ ٤٨٠ - ٤٨١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>فتح طليطلة</span>\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذكر محمد بن عمر أنّ موسى بن نُصير غَضِب على طارق في سنة ثلاث وتسعين، فشَخَص إليه في رجب منها، ومعه حبيب بنُ عُقْبة بن نافع الفهْريّ، واستخلف حين شَخَص على إفريقيّة ابنَه عبدَ الله بن موسى بن نُصير، وعَبَر موسى إلى طارق في عشرةِ آلاف، فتلقّاه، فترضّاه فرضيَ عنه، وقَبِل منه عُذرَه، ووجّهه منها إلى مدينة طُلْيَطِلةَ - وهي من عظام مَدائن الأندلس، وهي من قُرطُبَة على عشرين يومًا - فأصاب فيها مائدةَ سُلَيمان بن داود، فيها من الذَّهب والجَوْهر ما اللهُ أعلمُ به. (٦/ ٤٨١).\nقال: وفيها أجدَبَ أهلُ إفريقيّة جَدْبًا شديدًا، فخرج موسى بنُ نُصير فاستْسقَى، ودعا يومئذ حتى انتصَف النهارُ، وخَطَب الناسَ، فلما أراد أن يَنزِل قيل له: ألا تَدْعو لأميرِ المؤمنين! قال: ليس هذا يوم ذاك. فسُقُوا سَقْيًّا كَفاهمْ حِينًا. (٦/ ٤٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز</span>\n* ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها:\nوكان سبب ذلك - فيما ذُكِر - أنّ عمرَ بنُ عبد العزيز كَتَب إلى الوليد يُخبره","vol":"9","page":462},{"text":"بعَسْفِ الحجاج أهلَ عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حقّ ولا جِناية، وأنّ ذلك بلغ الحجاج، فاضطَغنه على عمَر، وكتب إلى الوليد: إنّ مَنْ قبلي من مُرّاق أهلِ العراق وأهلِ الشقاق قد جَلوْا عن العِراق، ولجؤوا إلى المدينة ومكة، وإنّ ذلك وَهْن.\nفكتب الوليدُ إلى الحجّاج: أن أشِرْ عليّ برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمانَ بن حيّان وخالد بن عبد الله، فولى خالدًا مكّة وعثمان بالمدينة، وعزلَ عمَر بن عبد العزيز. (٦/ ٤٨١ - ٤٨٢).\nقال: محمد بنُ عمر: خرج عمرُ بنُ عبِد العزيز من المدينة فأقامَ بالسوَيداء، وهو يقول لمزاحم: أتخَاف أن تكون ممن نَفتْه طيبة! (٦/ ٤٨٢).\n* * *\nوفيها ضربَ عمرُ بن عبد العزيز خُبيبَ بنَ عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إيّاه، وصبّ على رأسه قِربةً من ماء بارد، ذكر محمد بنُ عمر، أن أبا المليح حدّثه عمّن حضر عمرَ بن عبد العزيز، حين جَلَد خُبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سَوْطًا، وصَبَّ على رأسِه قِربةً من ماء في يوم شاتٍ. ووَقفه على باب المسجد، فمَكَث يومَه ثم مات. (٦/ ٤٨٢).\n* * *\nوحَجّ بالناس في هذه السنة عبدُ العزيز بن الوليد بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمد بنُ ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعشَر.\nوكانت عُمّال الأمصار في هذه السنة عُمالها في السنة التي قبلها، إلّا ما كان من المدينة، فإنّ العاملَ عليها كان عثمان بن حيّان المُرّيّ، وليَها - فيما قيل - في شعبان سنة ثلاث وتسعين. (٦/ ٤٨٢).\nوأما الواقدي فإنه قال: قَدِم عثمانُ المدينةَ لليلتين بقيتا من شوّال سنة أربع وتسعين. (٦/ ٤٨٢).\nوقال بعضهم: شَخَص عمرُ بنُ عبد العزيز عن المدينة مَعْزولًا في شَعبانَ من","vol":"9","page":463},{"text":"سنة ثلاث وتسعين وغَزَا فيها، واستخلف عليها حين شَخَص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ، وقَدِم عثمان بنُ حيّان المدينة لليَلتين بقيَتا من شوّال. (٦/ ٤٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>غزو الشاش وفرغانة</span>\nوفيها غزا قُتيبةُ شاش وفَرْغانة حتى بلغ خْجَنْدَة، وكاشانَ؛ مدينَتي فَرْغانة.\n* ذكر الخبر عن غزوة قُتَيبة هذه:\nذكَر عليُّ بن محمد؛ أن أبا الفوارس التميميّ، أخبَره عن ماهانَ ويونس ابن أبي إسحاق، أنّ قتيبة غزا سنة أربع وتسعين، فلما قطع النّهر فرض على أهل بُخارَى وكسّ ونسَف وخُوارزم عشرين ألفَ مُقاتِل، قال: فساروا معه إلى السُّغْد، فوجّهوا إلى الشاش، وتوجّه هو إلى فَرْغانة، وسار حتى أتى خُجَنْدَة، فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مرارًا، كلّ ذلك يكون الظفر للمسلمين، ففرغ الناسُ يومًا فرَكِبوا خيولَهم، فأوفَى رجلٌ على نَشَزٍ فقال: تا لله ما رأيت كاليوم غرّةً، لو كان هَيْجٌ اليومَ ونحنُ على ما أرى من الانتشار لكانت الفَضيحة، فقال له رجل إلى جَنْبه: كلا، نحن كما قال عَوْف بن الخَرِع:\nنؤمّ البلادَ لحُب اللِّقَا ... ولا نَتَّقي طائرًا حيثُ طارَا\nسنيحًا ولا جارِيًا بارِحًا ... على كلّ حالٍ نُلاقِي اليسارا\nوقال سحْبان وائل يذكر قتالَهم بخُجَنْدَة:\nفَسَلِ الفَوارِسَ في خُجَنـ ... ـدةَ تحتَ مُرهَفَةِ العَوَالي\nهل كُنتُ أجمَعُهُم إذا ... هزِموا وأُقدِمُ في قِتالي\nأم كنْتُ أَضْرِبُ هامَةَ الـ ... ـعاتي وأَصبِرُ للعَوالي\nهذا وأنتَ قرِيعُ قَيـ ... ـسٍ كُلِّهَا ضَخْمُ النَّوَالِ\nوفَضَلتَ قيسًا في النَّدَى ... وأبوك في الحِجَج الخَوالي\nولقَد تَبَيَّنَ عدلُ حُكـ ... ـمكَ فيهمُ في كلِّ مال\nتمَّتْ مروءتُكُمْ ونَا ... غى عِزُّكُم غُلبَ الجِبَالِ","vol":"9","page":464},{"text":"قال: ثمّ أتى قتيبةُ كاشانَ مدينةَ فَرغانة، وأتاه الجنودُ الذين وجّههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرّقوا أكثَرها، وانصرف قتيبةُ إلى مَرْوَ، وكتَب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفيّ أنْ وجِّه من قِبلَكَ من أهل العراق إلى قتيبة؛ ووجِّه إليهم جَهْم بن زَحْر بن قيس، فإنه في أهل العراق خيرٌ منه في أهل الشام، وكان محمد وادًّا لجَهْم بن زَحْر، فبعث سليمان بن صَعْصَعة وجهْم بن زَحْر، فلما ودّعه جهمٌ بكى وقال: يا جَهْم، إنه للْفراق؛ قال: لا بدّ منه.\nقال: وقدم على قتيبة سنة خمس وتسعين (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>ولاية عثمان بن حيّان المرّي على المدينة</span>\nوفي هذه السنة قَدِم عثمانُ بنُ حيّانَ المرّيّ المدينةَ واليًا عليها من قِبَل الوليد بنِ عبد الملك.\n* ذكر الخبر عن ولايته:\nقد ذكرْنا قبلُ سببَ عَزْل الوليد عمرَ بنَ عبد العزيز عن المدينة ومكّة وتأميره على المدينة عثمان بن حيّان، فزعم محمد بنُ عمر أن عثمان قدم المدينة أميرًا عليها للَيلتين بقيَتَا من شوّال سنة أربع وتسعين، فنزل بها دارَ مَرْوان وهو يقول: محلّة والله مِظعانٌ، المغرور من غرّ بك، فاستقضى أبا بكر بن حَزْم. (٦/ ٤٨٥).\nقال محمد بنُ عمر: حدّثني محمد بنُ عبد الله بن أبي حُرّة، عن عمه قال: رأيتُ عثمانَ بنَ حيّانَ أخذ رِياحَ بنَ عبيد الله ومُنِقذًا العِراقيّ فحبَسَهم وعاقَبَهم، ثمّ بعث بهم في جوامع إلى الحجّاج بن يوسف، ولم يَترك بالمدينة أحدًا من أهل العراق تاجرًا ولا غيرَ تاجر، وأمر بهم أن يُخرَجوا من كلّ بلد، فرأيتُهم في الجوامع، واتبع أهل الأهواء، وأخذ هَيْصَما فقطعه، ومنحورًا - وكان من الخوارج - قال: وسمعتُه يَخطُب على المِنبَر يقول بعد حمد الله:\nأيها الناس، إنا وجدناكم أهلَ غشٍّ لأمير المؤمنين في قديمِ الدّهر وحديثه، وقد ضَوَى إليكم من يَزيدُكم خَبالا، أهلُ العراق هم أهْلُ الشقاق والنفاق، هم والله عُشّ النفاق وبَيْضَته التي تفلّقتْ عنه، والله ما جرّبتُ عِراقيًّا قط إلا وجدت أفضَلهم عند نفسِه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة،","vol":"9","page":465},{"text":"وإنهم لأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سَفْك دمائهم فإني والله لا أوتَى بأحد آوَى أحدًا منهم، أو أكْراه مَنزِلا، ولا أنْزَلَه إلا هدمتُ منزلهَ، وأنزلتُ به ما هو أهلُه، ثمّ إنّ البُلدانَ لما مصّرها عمرُ بنُ الخطاب، وهو مجتهِد على ما يُصلِح رعيّته جعل يمرّ عليه من يريد الجهاد فيستشيره: الشام أحبّ إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب إليّ، إني رأيتُ العراقَ داءً عُضالا، وبها فرّخ الشيطان، والله لقد أَعضَلوا بي، وإني لأراني سأفرّقهم في البُلْدان، ثم أقول: لو فرّقتهم لأفْسَدوا من دخلوا عليه بجَدَل وحِجَاج، وكَيفَ؟ ولِمَ؟ وسُرعَةِ وجيف في الفِتنة، فإذا خُبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل، لم يصلحوا على عثمان، فلقى منهم الأمَرّين، وكانوا أوّلَ الناس فَتَقَ هذا الفَتْقَ العظيم، ونَقَضوا عُرَى الإسلام عُرْوةً عُرْوة، وأنغلوا البُلدان والله إني لأتقرّب إلى الله بكل ما أفعل بهم لِمَا أعرِف من رأيهم ومَذَاهبِهم، ثمّ وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامَجهم، فَلم يَصلحوا عليه، ووَليهم رجلُ الناسِ جلدًا فبَسَط عليهم السيف، وأخافَهم، فاستقاموا له أحبُّوا أو كرهوا وذلك أنه خَبَرهم وعرَفَهم.\nأيها الناس، إنا والله ما رأينا شِعارًا قطّ مِثلَ الأمْن، ولا رأينا حِلسًا قطّ شرًّا من الخَوْف، فالزَموا الطاعة، فإنّ عندي يا أهلَ المدينة خِبرةً من الخِلاف، واللهِ ما أنتم بأصحاب قِتال، فكونوا من أحْلاس بيُوتكم، وعَضّوا على النواجذ، فإني قد بعثتُ في مجالسكم من يَسمَع فيبلغني عنكم، إنكم في فضول كلام غيرُهُ ألزَمَ لكم، فدعُوا عَيبَ الوُلاة، فإنّ الأمر إنما يُنقض شيئًا شيئًا حتى تكونَ الفتنة وإن الفِتنة مِن البلاء، والفِتَن تَذهَب بالدين وبالمال والوَلَد.\nقال: يقول القاسمُ بن محمد: صدَق في كلامه هذا الأخير، إنّ الفتنة لهكذا. (٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦).\nقال محمد بن عمر: وحدّثني خالدُ بنُ القاسم، عن سعيد بن عمرو الأنصاريّ، قال: رأيتُ مناديَ عثمان بن حيّان ينادِي عندنا: يا بني أمية بن زيد، برئَتْ ذِمة ممن آوَى عِراقيًّا - وكان عندَنا رجلٌ من أهل البصرة له فضلٌ يقال له أبو سَوادةَ، من العُبّاد - فقال: والله ما أحِبّ أن أدخِل عليكم مكروهًا، بلغوني مأمَني؛ قلت: لا خيرَ لك في الخُروج، إنّ الله يَدْفَع عنا وعنك، قال: فأدخلتُه بيتي، وبلغ عثمان بن حَيّان فبَعَث أحراسًا فأخرجْته إلى بيت أخي، فما قَدَروا","vol":"9","page":466},{"text":"على شيء، وكان الذي سَعَى بيِ عَدُوًّا، فقلت للأمير: أصلَح الله الأمير! يؤتَى بالباطل فلا تُعاقب عليه، قال: فضَرَب الذي سَعَى بي عشرين سوطًا، وأخَرَجْنَا العراقيّ، فكان يصلّي معنا ما يغيبُ يومًا واحدًا، وحَدِب عليه أهلُ دارِنا، فقالوا: نموتُ دونَك! فما بَرِح حتى عُزل الخبيث. (٦/ ٤٨٦ - ٤٨٧).\nقال محمد بن عمر: وحدّثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَروة، قال: إنما بعَثَ الوليدُ عثمانَ بنَ حيّان إلى المدينة لإخراج من بها من العِراقييّن وتفريق أهلِ الأهواء ومن ظَهر عليهم أو علا بأمرهم؛ فلم يبعثه واليًا، فكان لا يَصعد المنبر ولا يَخطُب عليه، فلما فعل في أهلِ العراق ما فعل، وفي مَنْحور وغيره أثبتَه على المدينة، فكان يَصعد على المِنبَر. (٦/ ٤٨٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جبير</span>\nفلما جاء به إلى داره التي كان فيها سعيد وهي دارهم هذه، حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا يزيدُ بن أبي زياد مولَى بني هاشم، قال: دخلتُ عليه في دار سعيد هذه، جيءَ به مقيَّدًا فدخل عليه قرّاء أهل الكوفة، قلتُ: يا أبا عبدِ الله فحدّثكم؟ قال: إي واللهِ ويَضْحَك؟ وهو يحدّثُنا، وبُنَيّة له في حِجْره، فنظرتْ نظرةً فأبصِرَت القيد فبكَتْ، فسمعتهُ يقول: أيْ بُنَيّة لا تَطيَّري، إيّاك - وشَق والله عليه - فاتبعناه نشيعه، فانتَهيْنا به إلى الجِسْر، فقال الحَرَسيان: لا نَعبُر به أبدًا حتى يعطيَنا كفيلًا، نخاف أن يُغرِق نفسه. قال: قلنا: سَعيدٌ يُغرّق نفسَه! فما عبروا حتى كفلنا به (١). (٦/ ٤٨٩).\nوذكر أبو بَكر الباهليّ، قال: سمعتُ أنس بنَ أبي شيخ، يقول: لما أتِيَ الحجاجُ بسَعيد بن جُبير، قال: لعن اللهُ ابنَ النصرانية - قال: يعني خالدًا القَسْرّي، وهو الذي أرسَل به من مكة - أما كنتُ أعرف مكانَه! بلي واللهِ والبيت الذي هو فيه بمكة، ثمّ أقَبلَ عليه فقال: يا سعيد، ما أخرجك عليّ؟ فقال: أصلحَ اللهُ الأمير! إنما أنا امرؤٌ من المسلمين يُخطِئ مرّة ويُصيبُ مَرّة، قال: فطابت نفسُ الحجاج، وتَطلَّق وجهُه، ورجا أن يتخلّص من أمره؛ قال: فعاوَدَه\n_________\n(١) قلنا: يزيد ضعيف، والله أعلم.","vol":"9","page":467},{"text":"في شيء، فقال له: إنما كانت له بيْعة في عُنقي؛ قال: فغَضِب وانتفَخَ حتى سَقَط أحد طَرَفي رِدائه عن مَنكِبه، فقال: يا سعيد، ألم أقدَم مكة فَقتلتُ ابنَ الزّبير، ثم أخذت بيعةَ أهلِها، وأخذتُ بيعتَك لأمير المؤمنين عبدِ الملك! قال: بلى، قال: ثم قدمتُ الكوفَة واليًا على العراق، فجدّدت لأمير المؤمنين البيعة، فأخذتُ بيَعتَك له ثانيةً! قال: بلى؛ قال: فتنْكث بيْعَتين لأمير المؤمنين، وتَفي بواحدة للحائِك ابنِ الحائك! اضرِبا عنقَه؛ قال: فإياه عَنى جرير بقوِله:\nيا رُبَّ نَاكِثِ بَيعَتَينِ تَرَكْتَهُ ... وخِضابُ لحيَتِهِ دَمُ الأَوداج\n(٦/ ٤٨٩ - ٤٩٠).\nوذكر عتّاب بن بِشْر، عن سالم الأفطس، قال: أتِيَ الحجاج بسَعيد بن جُبَير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رِجْليه في الغَرْز - أو الركاب - فقال: واللهِ لا أركب حتى تَبوءَ مقعَدك من النار، اضربوا عنقَه، فضُرِبت عنقُه، فالتبس مكانَه، فجعل يقول: قيودُنا قيودُنا، فظَنّوا أنه قال: القيود التي على سَعِيد بن جبير، فقَطعُوا رِجْليه من أنصاف ساقَيْه وأخَذُوا القيود. (٦/ ٤٩٠).\nقال محمدُ بن حاتم: حدّثنا عبدُ الملك بنُ عبد الله عن هلال بن خَبّاب قال: جيء بسعيد بن جُبَير إلى الحجاج، فقال: أكتَبْتَ إلى مصعب بن الزبير؟ قال: بل كتَب إليّ مصْعَب؛ قال: والله لأقتلنك؛ قال: إنّي إذًا لَسعيد كما سمّتني أمي! قال: فقَتله؛ فلم يَلْبَث بعدَه إلّا نحوًا من أربعين يومًا، فكان إذا نام يراه في منامِه يأخذ بمَجامع ثوبِه فيقول: يا عدّو الله، لِمَ قتلتني؟ فيقول: ما لي ولسعيد بن جُبَير! ما لي ولسعيد بنِ جُبيرَ! (١). (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nوفيها بنيت واسط القصب في شهر رمضان.\nوفيها انصرف موسى بن نُصَير إلى إفريقية من الأندلس، وضحى بقصر الماء - فيما قيل - على ميل من القيروان. (٦/ ٤٩٢).\n_________\n(١) فيه عبد الملك بن عبد الله، قال الذهبي: شيخ مجهول (ميزان الاعتدال) (ترجمة ٥٢١٩).","vol":"9","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1521>ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nقال عليّ: وكان الوليد صاحب البناء واتّخاذ المصانع والضّياع، وكان الناس يلتقون في زَمانه، فإنما يسأل بعضُهم بعضًا عن البناء والمَصانع، فولي سليمان، فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يَسأل بعضُهم بعضًا عن التزويج والجَوارِي، فلما ولي عمِرُ بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما ورْدك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتَى تَختِم؟ ومتى خَتَمْتَ؟ وما تَصومُ من الشهر؟ ورَثى جرير الوليدَ فقال:\nيا عَين جُودِي بدمعٍ هاجَهُ الذِّكَرُ ... فما لدمعِكِ بَعْد اليوم مُدَّخَرُ\nإنَّ الخليفةَ قد وارَتْ شَمائِلَهُ ... غبرَاءُ مُلحَدَةٌ في جُولِهَا زَوَرُ\nأَضحى بَنُوه وقد جَلَّت مُصِيبَتُهُم ... مثل النّجوم هَوَى من بينِها القمَرُ\nكانوا جميعًا فلَم يَدفع مِنِيَّتَهُ ... عبدُ العزيز ولا رَوحٌ ولا عمرُ\n(٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\nحدّثني عمرُ، قال: حدّثنا عليّ، قال: حجّ الوليدُ بنُ عبد الملك، وحجّ محمد بنُ يوسفَ من اليمَن، وحَمَل هدايا للوليد، فقالت أمّ البنين للوليد: يا أميرَ المؤمنين، اجعَلْ لي هديّةَ محمد بن يوسف، فأمَرَ بصَرْفها إليها، فجاءت رسلُ أمّ البنين إلى محمّد فيها، فأبى وقال: يَنظُر إليها أميرُ المؤمنين فيَرَى رأيَه - وكانت هدايا كثيرةً - فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنك أمرتَ بهدايا محمد أن تُصرَف إليّ، ولا حاجةَ لي بها، قال: ولمَ؟ قالت: بلغَني أنه غَصبها الناسَ، وكلّفهم عملَها، وظَلمهم، وحَملَ محمد المتاعَ إلى الوليد، فقال: بلَغني أنك أصبْتَها غَصْبًا، قال: معاذَ الله! فأمر فاستُحلِف بينَ الرّكن والمقام خمسين يمينًا والله ما غَصَب شيئًا منها، ولا ظلَم أحدًا، ولا أصابَها إلا من طَيّب؛ فحلَف، فقبلَها الوليدُ وَدفَعها إلى أمّ البنين، فمات محمد بنُ يوسفَ باليمَن، أصابه داءٌ تَقطَّع منه. (٦/ ٤٩٨).\nوفي هذه السنة كان الوليد أرادَ الشخوصَ إلى أخيه سليمان لخلعه، وأراد البَيْعةَ لابنه مِن بعدِه، وذلك قبلَ مَرْضتهِ التي مات فيها حدّثني عمر، قال: حدّثنا","vol":"9","page":469},{"text":"عليّ؛ قال: كان الوليدُ وسليمان وَلِييْ عهدِ عبد الملك، فلما أفْضَى الأمرُ إلى الوليد، أرادَ أن يبايعَ لابنه عبد العزيز ويخلَع سليمان، فأبى سليمان، فأراده على أن يجعَله له من بعدِه، فأبى، فعَرض عليه أموالًا كثيرة، فأبى، فكَتَب إلى عمالِه أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناسَ إلى ذلك؛ فلم يُجبه أحد إلا الحجاجَ وقتيبةَ وخواصَّ من الناس، فقال عبَّاد بن زياد: إنّ الناس لا يُجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمَنهم على الغَدْر بابنك، فاكتبْ إلى سليمان فليقدم عليك، فإنّ لك عليه طاعة، فأرِدْه على البَيْعة لعبدِ العزيز من بعده، فإنه لا يقَدِر على الامتناع وهو عندَك، فإنْ أبى كان الناسُ عليه.\nفكتب الوليدُ إلى سليمانَ يأمُره بالقدوم، فأبطأ فاعتَزَم الوليدُ على المسير إليه وعلى أن يَخلعَه فأمر الناسَ بالتأهب، وأمر بحُجَره فأخرجتْ فمرض، وماتَ قبل أن يَسير وهو يريد ذلك. (٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\nقال عمر: قال عليّ: أراد الوليد أن يبنيَ مسجدَ دمشق، وكانت فيه كنيسة، فقال الوليد لأصحابه: أقسمتُ عليكم لمَّا أتاني كلّ رجل منكم بِلَبنةِ، فَجعل كلّ رجل يأتيه بِلبَنة، ورجل من أهل العراق يأتيه بلَبِنَتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: مِنْ أهل العراق؛ قال: يا أهل العراق، تُفرطون في كلّ شيء حتى في الطاعة! وهَدموا الكنيسةَ وبناها مسجدًا، فلما ولي عمر بنُ عبد العزيز شكَوا ذلك إليه، فقيل: إنّ كل ما كان خارجًا من المدينة افتُتِح عَنْوة، فقال لهم عمر: نردّ عليكم كنيستَكم ونَهدِم كنيسة تُومَا، فإنها فُتِحت عنوة، نبنيها مسجدًا، فلما قال لهم ذلك قالوا: بل نَدَع لكم هذا الذي هَدَمه الوليد، ودَعُوا لنا كنيسةَ تُوما، ففعَل عمرُ ذلك. (٦/ ٤٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>خلافة سليمان بن عبد الملك</span>\nقال الواقديّ: وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم قد استأذن عثمانَ أن ينام في غد، ولا يَجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين، فأذن له، وكان أيوب بنُ سلمة المخزوميّ عندَه، وكان الذي بين أيّوب بن سلمة وبين أبي بكر بن عمرو بن حَزْم سَيئًا، فقال أيوب لعثمان: ألم تَر إلى ما يقول هذا؟ إنما هذا منه رِثاء؛ فقال عثمان: قد رأيتُ ذلك، ولستُ لأبي إن أرسلتُ إليه","vol":"9","page":470},{"text":"غُدوةً ولم أجده جالسًا لأجلدنه مئة، ولأحلقنّ رأسه ولحيته.\nقال أيوب: فجاءني أمرٌ أحبه، فعجّلت من السحر، فإذا شَمْعة في الدار، فقلتُ: عَجِل المرّيّ، فإذا رسولُ سليمانَ قد قَدِم على أبي بكر بتأمِيره وعَزْلِ عثمان وحدّه.\nقال أيوب: فدخلتُ دارَ الإمارة، فإذا ابنُ حَيّان جالس، وإذا بأبي بكر على كرسيّ يقول للحدّاد: اضربْ في رِجْل هذا الحديدَ، ونظر إليّ عثمان فقال:\nآبُوا على أَدبارهم كُشُفًا ... والأَمرُ يَحدُثُ بعده الأَمرُ\n(٦/ ٥٠٥).\nوفي هذه السنة عَزَل سليمانُ يزيدَ بنَ أبي مسلم عن العراق، وأمّر عليه يزيدَ بهن المهُلَّب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخَراج، وأمَره أن يَقتُل آل أبي عقيل ويَبسُط عليهم العَذاب، فحدّثني عمرُ بن شَبّة، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: قَدِم صالح العراقَ على الخَراج، ويزيدُ على الحَرْب، فبعث يزيد زيادَ بن المهلب على عُمان، وقال له: كاتبْ صالحًا، وإذا كتبتَ إليه فابدأ باسمه، وأخذ صالح آلَ أبي عُقيل فكان يُعذبهم، وكان يلِي عذابَهم عبدُ الملك بن المهلب. (٦/ ٥٠٦).\n* * *\nوأما أبو عُبيدة مَعمَر بن المثنى، فإنه قال - فيما حدّثت عنه: كان في الكتاب الأوّل وقيعة في يزيد بن المهلب، وذكرُ غدرِه وكفرِه وقلة شكرِه، وكان في الثاني ثناء على يزيد، وفي الثالث: لئن لم تُقرّني على ما كنتُ عليه وتؤمّنني لأخلعنك خلعَ النَّعل، ولأملأنّها عليك خَيْلًا ورِجالًا، وقال أيضًا: لما قرأ سليمانُ الكتابَ الثالث وضَعه بين مثالَين من المُثُل التي تحتَه ولم يُحِرْ في ذلك مرجوعًا. (٦/ ٥٠٨).\n* * *\nقال عليّ: وحدّثني بعضُ العَنبريين، عن أشياخ منهم، أنّ تَوْبةَ ابن أبي أسيد العَنْبري، قال: قَدِم صالح العراقَ، فوجّهني إلى قتيبة ليُطلِعني طِلْعَ ما في يده، فصَحِبَني رجل من بني أسد، فسألني عمّا خرجتُ فيه، فكاتمتُه أمري، فإنا لنسير إذا سنَحَ لنا سانح؛ فنظر إليّ رفيقي فقال: أراك في أمر جسيم","vol":"9","page":471},{"text":"وأنت تكتمني! فمضيتُ، فلما كنت بحُلوان تلقاني الناسُ بقتل قتيبة. (٦/ ٥٠٨ - ٥٠٩).\nقال عليّ: وذكر أبو الذّيال وكُليب بن خَلَف وأبو عليّ الجُوزجانيّ عن طُفيل بن مِرْداس، وأبو الحسن الجشَميّ، ومصعَب بن حيّان عن أخيه مقاتِل بن حيّان، وأبو مخنَف وغيرهم، أن قتيبة لما همّ بالخَلْع استشار إخوتَه، فقال له عبد الرحمن: اقطع بعثًا فوجِّه فيه كلّ من تَخافه، ووجِّه قومًا إلى مَرْو، وسِر حتى تنزلَ سمَرْقند، ثم قل لمن معك: مَن أحَبّ المقام فله المواساة، ومن أراد الانصرافَ فغيْر مستكرَه ولا مَتْبوعٍ بسوء، فلا يقيم معك إلا مناصح، وقال له عبد الله: اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعِه، فليس يختلف عليك رجلان، فأخذ برأي عبد الله، فخلع سليمان، ودعا الناسَ إلى خَلْعه، فقال للناس:\nإني قد جمعتكم من عين التمر وفيْض البحر فضممت الأخ إلى أخيه، والولدَ إلى أبيه، وقسمتُ بينكم فيئكم، وأجَرْيت عليكم أعطِياتِكم غير مكدّرة ولا مؤخَّرة، وقد جرّبتم الوُلاةَ قَبلي؛ أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين إنّ خَراجَ خُراسان لا يقوم بمطبخي، ثمّ جاءكم أبو سعيد فدوّم بكم ثلاثَ سنينَ لا تَدْرون أفي طاعة أنتم أم في معصية! لم يَجْب فَيْئًا، ولم يَنكَأ عدوًّا، ثمّ جاءكم بنَوه بعدَه؛ يزيد، فحل تبارَى إليه النساء، وإنما خليفتُكم يزيدُ بن ثروان هَبَنّقَةُ القَيْسيّ.\nقال: فلم يُجبه أحد، فغَضِب فقال: لا أعزّ اللهُ من نصرْتم، والله لو اجتمعتم على عَنْز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافِلة - ولا أقول أهلَ العالية - يا أوباشَ الصَّدَقة، جمعتُكم كما تُجمَع إبلُ الصدقة من كلّ أوْب، يا معشرَ بكر بن وائل، يا أهل النفخ والكذب والبُخْل. بأيّ يومَيْكم تفخَرون؟ بيَوم حَرْبكم، أو بيوم سلمِكم! فوالله لأنا أعزّ منكم، يا أصحاب مُسيلمة، يا بني ذميم - ولا أقول تميم - يا أهل الخَوَر والقَصْف والغَدْر، كنتم تسمّون الغَدْر في الجاهلية كَيْسان، يا أصحابَ سَجاح، يا معشر عبد القيس القُساة، تبدّلتم بأبْر النَّحل أعنّةَ الخيل.\nيا معشر الأزْد، تبدّلتم بقُلُوس السفن أعنة الخيل الحُصُن؛ إن هذا لَبدعة في الإسلام! والأعراب، وما الأعراب! لعنةُ الله على الأعراب! يا كناسةَ المصرَيْن،","vol":"9","page":472},{"text":"جمعتُكم من منابت الشيح والقَيْصوم ومَنابت القِلقِل تركبون البَقَر والحُمُر في جزيرة ابنِ كاوانَ، حتى إذا جمعتُكم كما تُجمَع قَزَع الخريف قُلتُم كَيتَ وكَيْت! أما والله إني لابن أبيه! وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عَصْبَ السَّلمة، إنّ حَوْل الصِّلِّيان الزمْزَمة. يا أهل خُراسانَ، هل تدرون من وليُّكم؟ وليَكم يزيدُ بن ثَرْوان، كأني بأمير مزجاء، وحَكَم قد جاءكم فغلَبكم على فيئكم وأظلالِكم، إن ها هنا نارًا ارْمُوها أرْم معكم، ارُموا غرضكم الأقصى، قد استُخْلف عليكم أبو نافع ذو الوَدَعات، إنّ الشام أبٌ مَبْرور، وإن العراق أبٌ مكفور. حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنِيتكم وظِلالِ دياركم! يا أهل خُراسانَ، انسبُوني تجدوني عراقيّ الأمّ، عراقيّ الأب، عراقيّ المولد، عراقيّ الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليومَ فيما تَرَون من الأمْنِ والعافية قد فَتَح الله لكمَ البلاد، وآمن سُبُلَكم، فالظّعينة تَخرُج من مَرْوَ إلى بَلْخَ بغير جَواز، فاحمدوا الله على النعمة، وسَلوه الشكرَ والمزيدَ.\nقال: ثمّ نزل فدخل منزلَه، فأتاه أهلُ بيته فقالوا: ما رأيْنا كاليومِ قطّ، واللهِ ما اقتصرتَ على أهل العالية وهم شِعارُك ودِثارُك، حتى تناولتَ بَكرًا وهم أنصارُك، ثمّ لم ترض بذلك حتى تناولتَ تميمًا وهم إخوتُك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولْتَ الأزْد وهم يدك! فقال: لما تكلمتُ فلم يجبْني أحدٌ غضبت، فلم أدرِ ما قلتُ؛ إنّ أهل العالية كإبل الصَّدَقة قد جُمِعتْ من كل أوْب، وأمّا بَكْر فإنها أمَة لا تمنَع يَد لامس، وأما تميم فَجمَل أجْرَب، وأما عبد القيس فما يضرب العير بَذَنَبْه، وأما الأزْد فأعلاجٌ شرارُ مَنْ خَلَق الله، لو ملكتُ أمرَهم لوسمتهم.\nقال: فغضب الناسُ وكَرِهوا خلْعَ سليمان، وغضبَت القبائلُ من شتْم قتيبة، فأجمَعوا على خلافه وخَلْعِه، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حُضَين بن المنذر فقالوا: إنّ هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خَلْع الخليفة، وفيه فسادُ الدين والدنيا، ثمّ لم يَرضَ بذلك حتى قصّر بنا وشَتَمنا، فما تَرَى يا أبا حفص؟ وكان يُكتنَى في الحرب بأبي ساسان، ويقال: كُنْيته أبو محمد - فقال لهم: حُضين: مُضَرُ بخُراسان تَعدل هذه الثلاثة الأخماس؛ وتميم أكثر الخمسَيْن، وهم فُرسانُ خُراسان، ولا يرَضَوْن أن يصيرَ الأمرُ في غير مُضَرَ، فإن أخرجْتموهم من الأمر أعانوا قتيبة؛ قالوا: إنه قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم، قال: لا تنظروا إلى هذا","vol":"9","page":473},{"text":"فإنهم يتعصَّبون للمُضَرّية، فانصرفوا رادِّين لرأي حُضَين، فأرادوا أن يولّوا عبدَ الله بن حَوْذان الجَهْضَميّ، فأبى، وتدافَعوها، فرجعوا إلى حُضَين، فقالوا: قد تدافَعنا الرياسة، فنحن نولّيك أمرَنا، وربيعةُ لا تخالفك، قال: لا ناقَة لي في هذا ولا جَمَل؛ قالوا: ما تَرَى؟ قال: إن جعلتمْ هذه الرياسةَ في تميم تمّ أمرُكُم، قالوا: فمَن ترى من تميم؟ قال: ما أرَى أحدًا غيرَ وكيع، فقال حيّان مولى بني شَيبان: إنّ أحدًا لا يتقلد هذا الأمْرَ فيَصلَى بحَرّه، ويَبذل دمَه، ويتعرّض للقتل، فإنْ قَدِم أميرٌ أخَذَه بما جَنَى وكان المهنأُ لغيره إلا هذا الأعرابيّ وكيع؛ فإنه مِقدام لا يُبالي ما رَكب، ولا يَنظر في عاقبة، وله عشيرة كثيرة تطيعه، وهو مَوْتور يَطلبُ قتيبةَ برياسته التي صرَفَها عنه وصيّرها لضِرار بن حُصَين بن زَيْد الفوارس بن حُصَين بن ضرار الضَّبيّ، فمشَى الناسُ بعضُهم إلى بعض سِرًّا، وقيل لقُتيبة: ليس يُفسد أمر الناس إلا حيّان.\nفأراد أن يغتالَه - وكان حيّانُ يلاطِف حَشَم الوُلاة فلا يُخفُون عنه شيئًا - قال: فدعا قتيبةُ رجلًا فأمرَه بقَتْل حيّان، وسمِعه بعضُ الخدم، فأتى حيّان فأخبَره، فأرسل إليه يدعُوه، فحذِر وتمارَض، وأتى الناسُ وكيعًا فسألوه أن يقوم بأمرِهم؛ فقال: نعم، وتمثّل قولَ الأشْهَب بن رُمَيلة:\nسأجني ما جَنَيت وإنَّ رُكْنِي ... لمعتمدٌ إلى نَضَدٍ رَكينِ\nقال: وبخُراسان يومئذ من المقاتِلة من أهل البَصْرة من أهل العالية تسعة آلاف، وبَكر سبعة آلاف، رئيسُهم الحضَين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف عليهم ضِرار بنُ حُصَين الضّبيّ، وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن عُلوْان عوذيّ، والأزْد عشرة آلاف رأسُهم عبدُ الله بن حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جِهْم بن زحْر - أو عبيد الله بن عليّ - والموالي سبعة آلاف عليهم حيّان - وحيّان يقال إنه من الدّيلم، ويقال: إنه من خراسان، وإنما قيل له نبطيٌّ للكنته - فأرسل حيّان إلى وكيع: أرأيتَ إنْ كففتُ عنكَ وأعنْتُك تجعَل لي جانبَ نهرِ بَلْخ وخَراجَه ما دمتَ حيًّا، وما دمت واليًا؟ قال: نعم؛ فقال للعَجَم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدَعُوهم يقتِّل بعضُهم بعضًا؛ قالوا: نعم، فبايَعوا وكيعًا سرًّا، فأتى ضِرارُ بن حُصَين قُتيبة، فقال: إنّ الناسَ يختلفون إلى وكيع، وهم يُبايعونه - وكان وكيع يأتي منزلَ عبد الله بن مسلم الفقير فيَشرَب عنْده - فقال","vol":"9","page":474},{"text":"عبد الله: هذا يَحسُد وكيعًا، وهذا الأمرُ باطل، هذا وكيع في بيتي يَشرَب ويَسكر ويسَلح في ثِيابه؛ وهذا يَزْعم أنهم يبايعونه، قال: وجاء وكيع إلى قتيبةَ فقال: احذَرْ ضِرارًا فإني لا آمَنُه عليك، فأنزل قتيبةُ ذلك منهما على التحاسد، وتمارَض وَكيع.\nثمّ إنّ قتيبةَ دسّ ضِرارَ بنَ سنان الضَّبيّ إلى وكيع فبايَعَه سرًّا، فتبيّن لقُتيبة أنّ الناس يبايعونه، فقال لِضرار: قد كنتَ صَدقْتني، قال: إني لم أخبْرك إلا بعلم، فأنزلتَ ذلك مني على الحسَد، وقد قضيتُ الذي كان عليّ، قال: صدقتَ، وأرسَل قتيبةُ إلى وكيع يَدْعوه فوجَده رسولُ قُتيبة قد طَلى على رِجْله مَغْرة، وعلى ساقه خَرَزًا وودَعًا، وعنده رجلان من زَهران يَرقِيان رجْلَه، فقال له: أحب الأميرَ، قال: قد تَرى ما بِرِجلي، فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه، قال: يقول لك: ائتني محمولًا على سَرير، قال: لا أستطيع، قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلي أحد بني وائل - وكان على شرطته - ورجل من غنيّ انطلِقا إلى وَكيع فأتِياني به.\nفإنْ أبى فاضرِبا عنقَه؛ ووجَّه معهما خيلًا، ويقال: كان على شُرَطه بخُراسان وَرْقاءُ بن نَصرْ الباهليّ. (٦/ ٥٠٩ - ٥١٣).\nقال عليّ: قال أبو الذّيال: قال: تمامة بن ناجذ العَدَوّي: أرسل قتيبة إلى وكيع مَنْ يأتيه به، فقلت: أنا آتيك به أصلَحك الله! فقال: ائتني به، فأتيتُ وَكيعًا - وقد سَبَقَ إليه الخبر أنَّ الخيل تأتيه - فلمأ رآني قال: يا ثُمامة نادِ في الناس، فناديتُ، فكان أوّل من أتاه هُرَيْم بن أبي طَحْمَةَ في ثمانية. (٦/ ٥١٣).\nقال: وقال الحسن بن رَشِيد الجُوزجَانيّ: أرسل قتيبة إلى وكيع، فقال هُرَيم: أنا آتِيك به، قال: فانطلق، قال: هُرَيم: فركبتُ بِرْذَوني مخافةَ أن يردّني، فأتيتُ وكيعًا وقد خرج. (٦/ ٥١٣).\nقال: وقال كُليب بن خَلَف: أرسل قتيبة إلى وكيع شعبةَ بن ظهير أحد بني صَخْر بن نَهشَل، فأتاه، فقال: يا بنَ ظهير:\nلبِّث قليلًا تلحَق الكتائب\nثمّ دعا بسكين فقطع خَرزًا كان على رجْليه، ثمّ لَبِس سلاحَه، وتمثل:","vol":"9","page":475},{"text":"شُدُّوا عليَّ سُرَّتي لا تَنْقَلِف ... يومٌ لهَمْدانَ ويومٌ للصَّدِفْ\nوخرج وحدَه، ونظر إليه نسوةٌ فقُلن: أبو مطرّف وحدَه؛ فجاء هُريم بن أبي طَحْمة في ثمانية، فيهم عميرة البَريد بن رَبيعة العُجَيفي. (٦/ ٥١٣ - ٥١٤).\nقال حمزة بن إبراهيم وغيره: إن وَكِيعًا خرج فتلقّاه رجلٌ، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسَد؛ قال: ما اسمُك؟ قال: ضِرْغامة؛ قال: ابنُ مَن؟ قال: ابن لَيْث، قال: دونَك هذه الراية. (٦/ ٥١٤).\nقال المفضل بن محمد الضبي: ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازنيّ؛ قال: ثم رجع إلى حديثهم، قالوا: فخرج وكيع وأمر غلمانَه، فقال: اذهَبوا بثقَلي إلى بني العمِّ، فقالوا: لا نَعرف موضعهم، قال: انظروا رُمْحين مجموعين أحدُهما فوقَ الآخر، فوقَهما مِخْلاة، فهمْ بنو العمّ، قال: وكان في العسكر منهم خمسمئة؛ قال: فنَادى وَكيع في الناس، فأقبَلوا أرْسالًا من كلّ وجه، فأقبلَ في الناس يقول:\nقَرْمٌ إذا حُمّلَ مَكروهَةً ... شدَّ الشَّراسِيفَ لها والحزيم\n(٦/ ٥١٤).\nوقال قوم: تمثل وكيع حين خرج:\nأنخنَ بلُقَمان بنِ عادٍ فَجُسْنَهُ ... أَرِيني سلاحي لن يَطيروا بأعزَلِ\nواجتمع إلى قتيبة أهل بيته، وخواصّ من أصحابه وثقاته، فيهم إياس بن بَيْهس بن عمرو، ابن عمّ قتيبة دنْيا، وعبد الله بن وألان العدويّ، وناسٌ من رهْطِه، بني وائل، وأتاه حيّان بن إياس العدويّ في عشرة، فيهم عبدُ العزيز بن الحارث، قال: وأتاه مَيْسرة الجدليّ - وكان شجاعًا - فقال: إن شئتَ أتيتُك برأسِ وكيع، فقال: قفْ مكانَك، وأمر قتيبةُ رجلًا، فقال: نادِ في الناس، أين بنو عامر؟ فنادَى: أين بنو عامر؟ فقال: محفن بن جَزْء الكلابيّ - وقد كان جَفاهم: حَيْث وضَعْتَهُم؛ قال: نادِ أذكِّركم الله والرَّحِم! فنادى محفن: أنت قطعتَها، قال: نادِ لكمُ العُتْبى، فناداه محفن أو غيره: لا أقالنا اللهُ إذًا، فقال قتيبة:\nيا نَفْسُ صبرًا على ما كان من ألمٍ ... إذ لم أجد لفُضول القوم أقْرانَا\nودعا بعمامة كانت أمّه بعثتْ بها إليه، فاعتمّ بها، كان يعتمّ بها في الشدائد،","vol":"9","page":476},{"text":"ودعا بِبرْذَوْن له مدرّب، كان يتطيّر إليه في الزّحوف، فقرِّب إليه ليَركَبه، فجعل يقمِص حتى أعياه، فلما رأى ذلك عاد إلى سَريره فقَعدَ عليه وقال: دعُوه؛ فإنّ هذا أمرٌ يُراد، وجاء حيّان النَّبطيّ في العَجَم، فوقف وقُتيبة واجدٌ عليه، فوقَف معه عبدُ الله بنُ مسلم، فقال عبدُ الله لحيّان: احمل على هذين الطَّرَفين، قال: لم يأنِ لذلك فغضِب عبدُ الله، وقال: ناوِلْني قَوْسي، قال حبَّان: ليس هذا يوم قوس، فأرسَل وكيع إلى حيّان: أين ما وعدَتني؟ فقال حيّانُ لابنه: إذا رأيتَني قد حوّلتُ قَلنْسُوتي، ومضيتُ نحوَ عسكرِ وكيع، فمِلْ بمن معك في العجم إليّ، فوقَف ابنُ حيّان مع العَجم، فلما حوّل حيان قَلَنْسُوتَه مالت الأعجام إلى عسكر وكيع، فكبّر أصحابُه، وبعث قتيبةُ أخاه صالحًا إلى الناس فرماه رجلٌ من بني ضَبّة يقال له سليمان الزنجيرج - وهو الخُرْنُوب، ويقال: بل رماه رجل من بَلْعمْ فأصاب هامَتَه - فحمِل إلى قتيبةَ ورأسُه مائل، فوُضع في مُصَلّاه، فتحوّل قتيبةُ فجلس عنده ساعة، ثمّ تحوّل إلى سَريره. (٦/ ٥١٤ - ٥١٥).\nقال: وقال أبو السّري الأزْدِيّ: رمى صالحًا رجلٌ من بني ضَبّة فأثقَله، وطعَنَه زياد بنُ عبد الرحمن الأزديّ، من بني شريك بن مالك. (٦/ ١٥١).\n* * *\nقال: وقال أبو مخنف: حمَل رجل من غني على الناس فرأى رجلًا مجفّفًا فشبّهه بجهْم بن زُحَر بن قيس فطَعَنه، وقال:\nإنَّ غنِيًّا أَهلُ عِزٍّ ومصدَقٍ ... إذا حارَبوا والناسُ مُفْتَتِنُونَا\nفإذا الذي طُعِن علْج، وتهايَج الناسُ، وأقبل عبدُ الرحمن بن مُسلم نحوَهم، فرماه أهلُ السوق والغَوْغاء، فقتَلوه وأحرقَ الناس موضعًا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابّه، ودنوا منه، فقاتَلَ عنه رجلٌ من باهِلَةَ من بني وائل، فقال له قتيبةُ: انْجُ بنَفْسك، فقال له: بئس ما جزيتُك إذًا، وقد أطعمتني الجَردَق، وألبسْتَني النُّرمق!\nقال: فدعا قتيبةُ بدابة، فأتِي ببرْذَوْن فلم يقرّ ليركبه، فقال: إنّ له لشأنًا؛ فلم يركبْه، وجلسَ وجاءَ الناسُ حتى بلغوا الفُسْطاط، فخرج إياسُ بنُ بَيْهَس، وعبدُ الله بن وألان حين بلغ الناس الفُسْطاط وتركا قُتيبة، وخرج عبدُ العزيزِ بن الحارث يطلب ابنَه عَمْرًا - أو عُمَر - فلقِيَه الطائيّ فحذِره، ووجد ابنَه فأردَفه،","vol":"9","page":477},{"text":"قال: وفَطِن قتيبةُ للهَيْثم بن المنخَّل وكان ممن يعين عليه، فقال:\nأُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كلَّ يومٍ ... فلَمَّا اشتدّ ساعِدُهُ رَمانِي\nقال: وقتِل معه إخوتُه عبدُ الرحمن وعبدُ الله وصالح وحُصَين وعبد الكريم، بنو مسلم، وقتِل ابنه كثير بنُ قُتيبة وناسٌ من أهل بيته، ونجا أخوه ضِرار، استنقَدَه أخوالُه، وأمّه غرّاء بنت ضِرار بن القَعْقاع بن مَعبَد بن زُرارة، وقال قوم: قُتِل عبدُ الكريم بن مسلم بقَزْوِين، وقال أبو عبيدة: قال أبو مالك: قَتلوا قتيبةَ سنة ست وتسعين، وقتِل من بني مسلم أحد عشر رجلًا، فصلَبهم وكيع، سبعة منهم لصُلب مسلم وأربعة من بني أبنائهم: قتيبةُ، وعبد الرحمن، وعبد الله الفقِير، وعبيد الله، وصالح وبشّار، ومحمَّد بَنُو مسلم، وكثير بن قتيبة، ومغلّس بن عبد الرّحمنق، ولم يَنجُ من صُلب مسلم غيرُ عمرو - وكان عامل الجوزجان - وضِرار، وكانت أمه الغَرّاء بنت ضِرار بن القَعْقاع بن مَعبد بن زُرَارة، فجاء أخوالُه فدفعوه حتى نحّوه، ففي ذلك يقول الفرزدق:\nعَشِيَّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّةَ أَنَّهُ ... له من سِوَانا إذ دعا أَبَوانِ\nوضُرب إياس بن عمرو - ابن أخي مُسلِم بن عمرو - على ترقُوَته فعاش.\nقال: ولما غشَى القومُ الفُسْطاط قطعوا أطنابَه، قال زهير: فقال جَهْم بن زَحْر لسعْد: انزِل، فحزّ رأسَه، وقد أثخِن جراحًا، فقال: أخاف أن تَجُولَ الخيلُ، قال: تخاف وأنا إلى جَنبَك! فنزل سعد فشق صَوْقَعةَ الفُسطاط؛ فاحتزّ رأسَه، فقال حُضَيْن بن المنذر:\nوإنَّ ابن سَعد وابن زَحْرٍ تَعاوَرَا ... بسيفَيهما رأسَ الهُمام المُتَوَّج\nعَشيَّة جئنَا بابنِ زَحْر وجِئتمُ ... بأدغَمَ مَوقُوم الذراعين دَيزَجِ\nأَصَمَّ غُدَانيٍّ كأنَّ جبينَه ... لطاخةُ نِقسٍ في أَدِيمٍ مَمُجمَجِ\nقال: فلما قتل مسلمةُ يزيدَ بن المهلب استُعملِ على خُراسانَ سعيدُ بن خُذيَنةَ بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، فحبس عمال يزيدَ، وحَبس فيهم جَهمِ بن زَحْر الجُعفيّ، وعلى عذابه رجلٌ من باهِلَة، فقيل له: هذا قاتلُ قتيبةَ، فقتَله في العذاب، فلامه سعيدٌ، فقال: أمرْتَني أن أستخرج منه المال فعذّبته فأتى عليّ أجَلُه.\nقال: وسقطتْ على قتيبةَ يومَ قُتِل جاريةٌ له خُوارزميّة، فلما قُتل خرجتْ،","vol":"9","page":478},{"text":"فأخَذَها بعد ذلك يزيدُ بن المهلب، فهي أمّ خُلَيدة (١). (٦/ ٥١٥ - ٥١٧).\nقال عليّ: قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليَقظَان: لما قُتِل قتيبةُ صَعِد عُمارة بن جنية الرياحيّ المنبرَ فتكلم فأكثر، فقال له وكيع: دعْنا من قَذَرك وهَذَرك، ثمّ تكلّم وكيع فقال: مثلي ومَثَلُ قُتيبة كما قال الأوّل:\nمن يَنِكِ العَيْرَ يَنِكْ نيَّاكا\nأراد قتيبةُ أن يقتلَني وأنا قتّال.\nقد جَرَّبوني ثمّ جرّبوني ... من غلوتَيْن ومِن المِئينِ\nحتَّى إذا شِبتُ وشيَّبوني ... خلَّوا عِنَاني وتنكَّبُوني\n(٦/ ٥١٧).\nأنا أبو مطرّف.\nقال: وأخبَرنا أبو معاوية، عن طلحة بن إياس، قال: قال وكيع يوم قتِل قُتَيبة:\nأنا ابن خِنْدِفَ تَنْميني قَبَائِلُهَا ... للصالحات وعَمّي قَيسُ عَيلَانا\nثم أخذ بلحْيته ثمّ قال:\nشيخٌ إذا حُمّل مَكْرُوهَةً ... شَدَّ الشراسِيفَ لها والخَزِيمْ\nوالله لأقتلَنّ، ثم لأقتلنّ، ولأصلبنّ، ثم لأصلبنّ؛ إني والغٌ دمًا، إن مَرْزُبانكم هذا ابنُ الزانية قد أغلَى عليكم أسعارَكم، والله ليصيِّرن القفيزُ في السوق غدًا بأربعة أو لأصلّبنه، صَلّوا على نبيّكم، ثمّ نزل. (٦/ ٥١٧ - ٥١٨).\nقال عليّ: وأخَبَرنا المفضَّل بن محمَّد وشيخٌ من بني تميم، ومسلْمة بن محارب، قالوا: طلب وكيع رأس قُتيبة وخاتمَه، فقيل له: إن الأزْد أخذتُه، فخرج وكيع وهو يقول: دُهْ دُرَّينِ، سَعدُ القيَنِ:\nفي أيِّ يومَيَّ مِنَ المَوتِ أَفِرّ ... أيومَ لم يُقْدَر أَمْ يومَ قُدِرْ\nلا خيَرَ في أحزَمِ جُيّاد القَرَعْ ... في أيِّ يومٍ لم أرعْ ولم أُرَعْ\nوالله الذي لا إله غيرهُ لا أبرحَ حتى أوتَى بالرأس، أو يُذْهَب برأسي مع رأس\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":479},{"text":"قتيبة، وجاء بخَشَب فقال: إنّ هذه الخيل لا بدّ لها من فُرْسان - يتهدَّدُ بالصَّلْب - فقال له حُضَين: يا أبا مطرّف، تؤتى به فاسكن، وأتى حضينٌ الأزدَ فقال: أحمْقَى أنتم! بايَعْناه وأعطَيْناه المقَادة، وعرض نفسَه، ثم تأخذون الرأسَ! أخرجوه لعنَه الله من رأس! فجاؤوا بالرأس فقالوا: يا أبا مطرّف، إن هذا هو احتزّه، فاشكمْه؛ قال: نعم، فأعطاه ثلاثة آلاف، وبعث بالرّأس مع سَلِيط بن عبد الكريم الحنَفيّ، ورجال من القبائل وعليهم سليط، ولم يَبعث من بني تميم أحدًا. (٦/ ٥١٨).\nقال: قال أبو الذّيال: كان فيمن ذهب بالرأس أنيَف بن حسان أحد بني عديّ. (٦/ ٥١٨).\nقال أبو مخنَف: وَفَى وكيع لحيّان النّبطي، بما كان أعطاه، قال: قال خُريم بن أبي يحيى: عن أشياخ من قيس، قالوا: قال سليمان للهُذيل بن زُفَر حين وُضع رأسُ قتيبة ورؤوسُ أهل بيته بين يديه: هل ساءك هذا يا هُذيل؟ قال: لو ساءَني ساء قومًا كثيرًا؛ فكلّمه خُرَيم بن عمرو والقَعْقاع بن خُليد، فقال: ائذَن في دَفْن رؤوسهم، قال: نعم، وما أردت هذا كله (١). (٦/ ٥١٨ - ٥١٩).\nقال عليّ: قال أبو عبد الله السلميّ، عن يزيدَ بن سُوَيد، قال: قال رجلٌ من عَجَم أهلِ خُراسان: يا معشر العَرَب، قتلتم قتيبةَ، والله لو كان قتيبةُ منا فماتَ فينا جَعلْناه في تابوت فكُنّا نستفتح به إذا غَزَوْنا، وما صنع أحد قطّ بخُراسان ما صنع قتيبة، إلا أنه قد غَدَر، وذلك أنّ الحجاج كتب إليه أن اختلهم واقتلُهم في الله. (٦/ ٥١٩).\nقال: وقال الحسن بنُ رشيد: قال الإصْبهبَذ لرَجُل: يا معشر العَرَب، قَتلتم قتيبةَ ويزيدَ وهما سيّدَا العَرَب! قال: فأيّهما كان أعظم عندكم وأهيَب؟ قال: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جُحْر به في الأرض مكبَّلًا بالحديد، ويزيد معنا في بلادنا والٍ علينا لكان قتيبةُ أهيَب في صدورنا وأعظم من يزيد. (٦/ ٥١٩).\nقال عليّ: قال المفضّل بن محمد الضّبيّ جاء رجل إلى قتيبة يومَ قُتِل وهو\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":480},{"text":"جالس، فقال: اليوم يُقتَل ملك العَرب - وكان قتيبةُ عندهم مَلِكَ العرب فقال له: اجلِس. (٦/ ٥١٩).\nقال: وقال كُلَيب بن خَلَف: حدّثني رجل ممن كان مع وكيع حين قتُل قتيبة، قال: أمر وكيعٌ رجُلًا فنادَى: لا يُسلَبنَّ قتيل، فمَرّ ابنَ عبيد الهَجريّ على أبي الحجر الباهليّ فسَلَبه، فبَلَغ وكيعًا فضرَب عنقَه. (٦/ ٥١٩).\nقال أبو عبيدة: قال عبد الله بن عمر، من تَيْم اللات: رَكِبَ وكيع ذاتَ يوم، فأتَوْه بسَكرانَ، فأمو به فقُتل، فقيل له: ليس عليه القَتْل، إنما عليه الحدّ، قال: لا أعاقِب بالسياط، ولكنّي أعاقِب بالسيف، فقال نَهار بن تَوسِعة:\nوكنا نُبَكِّي من البَاهِليِّ ... فهذا الغُدانيُّ شَرٌّ وشَرُّ\nوقال أيضًا:\nولما رأَينا البَاهِليَّ ابنَ مسلمٍ ... تجَبر عَمَّمْناه عَضْبًا مُهَنَّدا\nوقال الفرزْدَق يَذكُر وقعةَ وكيع:\nومنَّا الذي سلّ السيوفَ وشامَهَا ... عشيّةَ باب القَصر مِن فَرَغانِ\nعشيّةَ لم تمنَع بَنيهَا قَبيلةٌ ... بعِزّ عِراقيّ ولا بيمَانِ\nعشيّةَ ما وَدَّ ابنُ غَرَّاءَ أنه ... له من سِوَانا إذ دعا أَبوانِ\nعشيّة لم تَسْتر هَوازِنُ عامرٍ ... ولا غَطَفانٌ عورَةَ ابنِ دُخانِ\nعشيَّةَ وَدَّ الناسُ أَنهمُ لنا ... عبيدٌ إذِ الجمعان يَضطَرِبانِ\nرأَوا جَبَلًا يَعلُو الجِبالَ إذا التقَتْ ... رؤوسُ كَبِيرَيْهِنَّ يَنتَطِحَانِ\nرِجالٌ على الإسلام إذْ ما تَجَالدُوا ... على الدينِ حتَّى شَاعَ كلَّ مكانِ\nوحتى دعا في سُورِ كلّ مَدِينةٍ ... منادٍ ينادِي فوقَها بأَذَانِ\nسيجزي وكيعًا بالجماعة إذْ دعا ... إليها بسيفٍ صارمٍ وبَنانِ\nجزاءً بأعمالِ الرجال كما جَرى ... ببَدرٍ وباليَرمُوك فيءَ جَنان\nوقال الفرزدق في ذلك أيضًا:\nأتاني ورَحْلى بالمدينةِ وقعةٌ ... لآلِ تميم أقعدت كلَّ قائِم\n(٦/ ٥١٩ - ٥٢٠).\nوقال عليّ: أخبَرَنا خرَيم بن أبي يحيى، عن بعض عمومته قال: أخبرني","vol":"9","page":481},{"text":"شيوخ من غسان قالوا: إنا لَبثنيَّة العُقاب إذ نحن برجل يشبه الفُيُوج معه عصًا وجِراب، قلنا: من أين أقبلتَ؟ قال: مِن خُراسان؛ قلنا: فهل كان بها من خبَر؟ قال: نعم، قُتل قتيبةُ بن مسلم أمْس، فتعجَّبْنا لقوله، فلما رأى إنكارَنا ذلك قال: أين ترونَني الليلةَ من إفريقيّة؟ ومضى واتبعناه على خيولنا، فإذا شيء يَسبِق الطَّرْف، وقال الطرِمّاح:\nلولا فوارسُ مَذْحِجَ ابنةَ مذحجٍ ... والأَزدِ زُعزعَ واستبيح العسكرُ\nوتقَطَّعَتْ بهم البلادُ ولم يَؤُبْ ... مِنهمْ إِلى أَهل العراقِ مُخبِّرُ\nواسْتَضَلَعَتْ عُقَد الجماعة وازدري ... أمرُ الخليفةِ واستُحِلَّ المنكرُ\nقومٌ همُ قَتَلوا قُتيبةَ عَنْوَةً ... والخيلُ جانحةٌ عليها العِثْيَرُ\nبالمَرجِ مرج الصِّين حيثُ تَبَيّنت ... مُضَرُ العراق مَنِ الأعَزُّ الأَكبرُ!\nإذْ حالفت جزعًا ربيعةُ كلها ... وتفرَّقتْ مُضَرٌ ومَن يَتَمَضَّرُ\nوتقَدَّمَتْ أَزدْ العِراق ومذحِجٌ ... للموتِ يَجمعُهَا أَبوها الأَكبرُ\nقَحطانُ تضرب رأْس كلّ مدجَّجٍ ... تحمِي بصائرَهُنَّ إذ لا تبصرُ\nوالأزدْ تعلمُ أنّ تحتَ لوائها ... مُلكًا قُراسيَةً ومَوتٌ أَحمرُ\nفبِعِزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمَدٌ ... وبنا تثبّتَ في دمشقَ المنبرُ\nوقال عبد الرحمن بن جُمانةَ الباهليّ:\nكأنَّ أبَا حفص قتيبة لم يَسِرْ ... بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يَعلُ مِنبرَا\nولم تخفِقِ الرايات والقومُ حَوْله ... وقوف ولم يَشَهَدْ له الناسُ عسكرَا\nدَعَتْهُ المنايا فاستجاب لربِّه ... وراح إلى الجَنَّاتِ عَفًّا مُطَهّرَا\nفما رُزِيء الإِسلامُ بعدَ محمّدِ ... بمثلِ أبي حَفْص فبَكّيه عَبْهَرا\nيعني أمَّ ولَد له.\nوقال الأصمّ بن الحجَّاج يَرثِي قتيبة:\nأَلمْ يأْنِ للأَحْيَاءِ أن يَعرفوا لنا ... بلى نحنُ أولَى الناسِ بالمجْدِ والفخرِ\nنَقُودُ تميمًا والموالي ومَذْحِجًا ... وأَزْدَ وعبد القيْسِ والحيَّ من بكرِ\nنقَتِّل من شئنا بعِزَّةِ مُلكنَا ... ونَجْبُرُ مَنْ شئنا على الخسف والقَسْر\nسليمان كم من عسكرٍ قد حَوَت لكمْ ... أسِنَّتُنَا والمُقْرَبَاتُ بنا تجري\nوكم من حصون قد أَبَحْنَا منيعةٍ ... ومن بلدٍ سَهْلٍ ومن جبل وعْرِ","vol":"9","page":482},{"text":"ومن بلدةٍ لم يغْزُها الناسُ قَبْلَنا ... غزَونا نَقُودُ الخيلَ شهرًا إلى شهرِ\nمرَنَّ على الغزو الجرور ووُقرّتْ ... على النَّفْرِ حتى ما تُهالُ من النَّفرِ\nوحتى لو أن النارَ شُبَّتْ وأكرِهَتْ ... على النارِ خاضَتْ في الوغى لهبَ الجمرِ\nتلَاعِبُ أطرافَ الأَسنَةِ والقنا ... بلبَّاتِها والموت في لجج خضْرِ\nبهنَّ أبَحْنَا أهلَ كلِّ مدينةٍ ... من الشرك حتى جاوزتْ مطلع الفجرِ\nولو لم تُعَجّلنا المنايا لجاوزتْ ... بنا رَدْم ذي القرنين ذا الصَّخْرِ والقَطْرِ\nولكنَّ آجالًا قُضِينَ ومُدَّةً ... تَناهَى إليها الطَّيّبُونَ بنو عَمرو\n(٦/ ٥٢٠ - ٥٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\nوفيها غزا - فيما ذكر الواقديّ - مسلمةُ بنُ عبد الملك أرضَ الرّوم، ففتح الحِصْن الذي كان فتَحه الوضاح صاحب الوضّاحيّة.\nوفيها غزا عمر بنُ هُبيرة الفزاريّ في البحر أرضَ الرّوم، فشتا بها.\nوفيها قُتِل عبد العزيز بن موسى بن نُصَير بالأندلس، وقدِم برأسه على سليمان حبيبُ بن أبي عُبيد الفِهْريّ. (٦/ ٥٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>ولاية يزيد بن المهلّب على خراسان</span>\nوفيها ولَّى سليمانُ بنُ عبد الملك يزيدَ بن المهلَّب خُراسانَ.\n* ذكر الخبر عن سبب ولايته خراسان:\nوكان السبب في ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لما أفضَت الخلافةُ إليه ولى يزيد بن المهلَّب حربَ العراق والصّلاة وخرَاجها.\nفذَكَر هشام بنُ محمد عن أبي مخنَف، أنّ يزيد نظر لمّا ولّاه سليمانُ ما ولّاه من أمر العراق في أمر نفسه، فقال: إنّ العراق قد أخر بها الحجاجُ، وأنا اليومَ رجاءُ أهل العراق؛ ومتى قدمتُها وأخذتُ الناسَ بالخراج وعذّبتُهم عليه صرتُ مِثلَ الحجَّاج أدْخل على الناس الحربَ، وأعيدُ عليهم تلك السجون التي قد","vol":"9","page":483},{"text":"عافاهم الله منها، ومتى لم آتِ سليمانَ بمثلِ ما جاء به الحجّاج لم يقبَل مني، فأتى يزيدُ سليمان فقال: أدلّك على رجل بصير بالخَراج توليه إياه، فتكونَ أنت تأخذهُ به؟ صالح بن عبد الرّحمن، مولى بني تميم، فقال له: قد قبلنا رأيك، فأقبلَ يزيدُ إلى العراق (١). (٦/ ٥٢٣).\nوحدّثني عمرُ بنُ شبّة، قال: قال عليّ: كان صالح قَدِم العراق قبل قُدوم يزيدَ، فنزل واسطًا، قال عليّ: فقال عباد بن أيوب: لما قدم يزيد خرَج الناسُ يتلقَّونه، فقيل لصالح: هذا يزيد، وقد خرج الناس يتلقّونه، فلم يخرج حتى قَرُب يزيدُ من المدينة، فخرج صالحٌ، عليهُ درَّاعة ودبوسيّة صفراء صغيرة، بين يديه أربعمئة من أهل الشام، فلقي يزيدَ فسايَرَه، فلما دخل المدينةَ قال له صالح: قد فرّغت لكَ هذه الدار - فأشار له إلى دار - فنزل يزيد، ومضى صالح إلى منزله، قال: وضيّق صالحٌ على يزيدَ فلم يملّكه شيئًا، واتخذ يزيدُ ألف خوان يُطعِم الناسَ عليها، فأخذها صالح، فقال له يزيد: اكتبْ ثمنَها عليّ، واشترى متاعًا كثيرًا، وصكّ صِكاكًا إلى صالح لباعَتِها منه، فلم يُنفِذه، فرجحوا إلى يزيدَ، فغضب وقال: هذا عَمَلي بنفسي، فلم يَلبث أن جاء صالحٌ، فأوْسَع له يزيد، فجلس وقال ليزيد: ما هذه الصِّكاك؟ الخَراجُ لا يقوم لها، قد أنفذتُ لك منذ أيام صَكًّا بمئةِ ألف، وعَجلت لك أرزاقك، وسألت مالًا للجنُد، فأعطيتُك، فهذا لا يقوم له شيء، ولا يَرضَى أميرُ المؤمنين به، وتؤخذ به! فقال له يزيد: يا أبا الوليد، أجزْ هذه الصِّكاك هذه المرة، وضاحَكَه، قال: فإني أجيزُها، فلا تُكثِرنّ عليّ، قال: لا. (٦/ ٥٢٤).\nوأمّا أبو عُبيدة معمَر بنُ المثنى فإنه قال في ذلك: حدّثني أبو مالك أنّ وَكيع بن أبي سُود بعث بطاعته وبرأسِ قُتيبةَ إلى سليمان، فوقَع ذلك من سليمان كلَّ موقع، فجعل يزيدُ بنُ المهلب، لعبد الله بن الأهتم مئةَ ألف على أن ينقُر وكيعًا عنده، فقال: أصلَح اللهُ أمير المؤمنين! والله ما أحدٌ أوجَب شكرًا، ولا أعظَم عندي يدًا من وكيع، لقد أدرك بثَأري، وشفاني من عَدُوّي، ولكن أميرَ المؤمنين أعظمُ وأوجبُ عليّ حَقًّا، وإنّ النصيحةَ تلزَمني لأمير المؤمنين؛ إنّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":484},{"text":"وكيعًا لم يجتمع له مئة عنَان قطّ إلا حدّث نفسَه بغدرة؛ خامل في الجماعة، نابه في الفتنة، فقال: ما هو إذًا ممن نستعين به - وكانت قيسٌ تَزعُم أن قتيبة لم يخلع - فاستعمل سليمانُ يزيد بن المهلب على حَرْب العراق، وأمَره إن أقامت قيسٌ البيّنة أن قتيبة لم يَخلَع فينزَع يدًا من طاعة، أن يُقيد وكيعًا به، فغدَر يزيدُ، فلم يُعْطِ عبدَ الله بن الأهتم ما كان ضَمِن له، ووجَّه ابنَه مخلدَ بن يزيد إلى وكيع. (٦/ ٥٢٦ - ٥٢٧).\nرَجْع الحديثِ إلى حديث عليّ، قال عليّ: أخبَرَنا أبو مخنف عن عثمانَ بن عمرو بن محصن، وأبو الحسن الخُراسانيّ عن الكرمانيّ، قال: وجه يزيدَ ابنَه مخلدًا إلى خُراسان فقدّم مخلَدُ عمرو بن عبد الله بن سِنان العتَكيّ، ثم الصَّنَابحيّ حين دَنَا من مَرْوَ، فلما قدمها أرسل إلى وكيع أن الْقَني، فأبى، فأرسَل إليه عمرو، يا أعرابي أحمقَ جِلفًا جافيًا، انطَلِق إلى أميرك فتَلقه، وخَرَج وجوهٌ من أهل مَرْوَ يتلقَّونْ مخلَدًا، وتثاقلَ وكيعٌ عن الخروج، فأخرَجهَ عمرو الأزْديّ، فلما بلغوا مخلَدًا نزل الناس كلّهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعديّ وعبّاد بن لقيط أحد بني قيس بن ثعلبة، فأنزلوهم، فلما قَدِم مروَ حبس وكيعًا فعذَّبه، وأخذ أصحابه فعذّبهم قبل قُدوم أبيه. (٦/ ٥٢٧).\nقال عليّ: عن كلُيب بن خلف، قال: أخبرنا إدريسُ بن حنظلة، قال: لما قَدِمَ مخلد خُراسان حَبَسني، فجاءني ابن الاهتم فقال لي: أتريد أن تَنجُوَ؟ قلت: نعم، قال: أخرج الكتبَ التي كِتَبها القَعْقاع بن خُلَيد العَبْسيّ وخُرَيم بن عمرو المرّيّ إلى قُتيبةَ في خَلْع سليمان، فقلت له: يا بنَ الأهتم، إيّاي تخدع عن ديني! قال: فدعا بطُومار وقال: إنك أحمَق، فكتب كُتُبًا عن لِسان القَعْقاع ورجال من قَيْس إلى قُتيبة، أنَّ الوليد بن عبد الملك قد مات، وسليمان باعث هذا المَزُونيّ على خُراسان فاخلَعه. فقلتُ: يا بنَ الأهتم، تُهلِك واللهِ نفسَك! والله لئن دخلتُ عليه لأعْلمنَّه أنك كتبتَها. (٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\nقال: ووَصَل يزيدَ عبد الملك بن سلام السّلُوليّ فقال:\nما زال سيْبُك يا يزِيدُ بَحوبَتي ... حتَّى أتوَيتُ وجُودكُمْ لا يُنكَرُ\nأنتَ الرَّبيع إذا تكون خَصَاصةٌ ... عاش السَّقيِم به وعاش المُقتِرُ","vol":"9","page":485},{"text":"عمَّت سَحَابَتُهُ جَمِيعَ بِلَادِكم ... فرَوْوا وأغدَقَهُم سَحابٌ مُمطِر\nفسقَاك رَبكَ حَيْثُ كنتَ مَخيلةً ... ريًّا سَحائِبها تَروحُ وتُبكِر\n(٦/ ٥٢٩)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية</span>\nفذكر محمد بن عمر أنَّ ثور بن يزيد حدثه عن سليمان بن موسى.\nقال: لما دنا مَسلَمة من قُسْطنْطينية أمر كلّ فارس أن يحمل على عَجْز فرسِه مُدْيين من طعام حتى يأتيَ به القُسْطَنطينية، فأمر بالطعام فألقى في ناحية مثل الجبال، ثمّ قال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئًا، أغيرُوا في أرضهم، وازدرعوا، وعمِل بيوتًا من خشب، فَشَتا فيها وزرَع الناسُ، ومَكث ذلك الطعام في الصحراء لا يكنُّه شيء، والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات، ثمّ أكلوا من الزّرع، فأقام مَسلَمة بالقُسْطَنطينية قاهرًا لأهِلها، معه وجوهُ أهل الشام: خالد بن مَعْدان، وعبد الله بن أبي زكرياء الخُزاعيّ، ومجاهد بن جَبْر؛ حتى أتاه موتُ سليمانَ فقال القائل:\nتْحمِل مُدْيَيْهَا ومُدْيَيْ مَسلَمهْ\n(٦/ ٥٣٠)\nحدّثني أحمد بن زُهير، عن عليّ بن محمد، قال: لما وليَ سليمانُ غزَا الرّومِ فنزل دابِق، وقدّم مسلَمة فهابَه الرّوم، فشَخص إليُونُ من أرْمينيَة، فقال لمَسلمة: ابعث إليّ رجلًا يكلّمني، فبعث ابن هُبيرة فقال له ابنُ هبيرة: ما تعُدّون الأحمَق فيكم؟ قال: الذي يملأ بطنه من كلّ شيء يَجِده، فقال له ابن هُبَيرة: إنّا أصحاب دين، ومِنْ ديننا طاعةُ أمرائنا؛ قال: صدقت، كنا وأنتم نُقاتِل على الدين ونَغضَب له، فأما اليومَ فإنا نُقاتِل على الغلبة والمُلْك، نُعطيك عن كلّ رأس دينارًا.\nفرجع ابنُ هبيرة إلى الرّومِ من غده، وقال: أبى أن يَرضَى، أتيتُه وقد تغدَّى وملأ بطنه ونامَ، فانتَبَه وقد غَلب عليه البلغم، فلم يدرِ ما قلتُ.","vol":"9","page":486},{"text":"وقالت البطارقة لإليون: إن صرفت عنا مسَلَمة ملّكناك، فوَثَقوا له، فأتَى مَسلَمة فقال: قد عَلِم القومُ أنك لا تَصدقهم القتال، وأنك تُطاولهم ما دام الطعام عندَك، ولو أحرقتَ الطعامَ أعطوْا بأيديهم، فأحَرَقه، فقوي العدوّ، وضاقَ المسلمون حتى كادوا يَهلكون، فكانوا على ذلك حتى مات سليمان، قال: وكان سليمانُ بنُ عبد الملك لما نزل دابق أعطَى الله عَهْدًا ألا ينصرف حتى يدخل الجيش الذي وجهه إلى الروم القسطنطينيّة.\nقال: وهَلَك مَلِكُ الرّوم، فأتاه إليون فأخبَرَه، وضَمِن له أن يَدفَع إليه أرضَ الرّوم، فوجه معه مسلمة حتى نزل بها، وجَمع كلّ طعام حولها وحَصَر أهلَها وأتاهم إليون فملّكوه، فكتب إلى مسلَمة يُخبره بالذي كان، ويسأله أن يُدخِل من الطعام مَا يعيش به القوم، ويُصدّقونه بأنّ أمرَهِ وأمرَ مَسلَمة واحد، وأنهم في أمان من السِّباء والخُروج من بلادهم، وأن يأذن لهم ليلَةً في حَمْل الطعام، وقد هيّأ إليون السفُن والرّجال، فأذنِ له، فما بقيَ في تلك الحظائر إلا ما لا يُذكَر؛ حُمل في ليلة، وأصبح إليون محاربًا، وقد خدعه خديعة لو كان امرأةً لعيبَ بها، فلقى الجنْد ما لم يَلْقَ جيشٌ، حتى إن كان الرجُل ليَخافُ أنْ يَخرُج من العَسكَر وحدَه، وأكَلوا الدّوابّ والجُلود وأصولَ الشجر والورَق، وكلّ شيء غير التراب، وسليمان مقيمٌ بدابِق، ونزل الشتاءُ فلم يقدر يُمِدّهم حتى هَلَك سليمان. (٦/ ٥٣٠ - ٥٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>مبايعة سليمان لابنه أيوب ولِيًّا للعهد</span>\nوفي هذه السنة بَايَع سليمانُ بنُ عبد الملك لابنهِ أيوبَ بن سليمان وجَعلَه وليّ عهدِه، فحدّثني عمرِ بن شبّة، عن عليّ بن محمد، قال: كان عبدُ الملك أخَذ على الوليد وسليمان أن يُبايعا لابن عاتِكة ولمروانَ بن عبد الملك من بعدهِ، قال: فحدّثني طارقُ بنُ المبارك، قال: ماتَ مروانُ بنُ عبدِ الملك في خلافة سليمانَ منصَرفه من مكة، فبايع سليمان حين ماتَ مَروانُ لأيوبَ، وأمسَك عن يزيدَ وتربَّص به، ورَجَا أن يهلك، فهَلَك أيّوب وهو وليّ عهده. (٦/ ٥٣١ - ٥٣٢).\nوفي هذه السنة - فيما زعم الواقديّ - غَزا الوليد بنُ هشام وعمرُو بنُ قيس،","vol":"9","page":487},{"text":"فأصيبَ ناسٌ من أهل إنطَاكية، وأصابَ الوليدُ أناسًا من ضَواحي الرّوم وأسَر منهم بَشَرًا كَثيرًا. (٦/ ٥٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>غزو جرجان وطبرستان</span>\nفذكر هشامَ بن محمد عن أبي مخنَف، أنّ يزيد بن المهلب لما قدم خُراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعةً، ثم أقْبَل إلى دِهِسْتانَ وجُرْجانَ وبعث ابنه مخلَدًا على خُراسان، وجاء حتى نزل بدهستان، وكان أهلُها طائفةً من الترك فأقام عليها، وحاصَر أهلَها، معه أهلُ الكوفة وأهلُ البَصْرة وأهلُ الشام ووجوه أهل خُراسان والرّي، وهو في مئة ألف مُقاتل سوى المَوالِي والمَماليك والمتطوّعين، فكانوا يَخرُجون فيُقاتِلون الناسَ، فلا يُلبثهم الناسُ أن يَهزِموهم فَيدخلُون حصنَهم، ثمّ يخرجون أحيانًا فيُقاتِلون فيشتدّ قِتالهم.\nوكان جَهْم وجمال ابنا زَحْر من يزيد بمكان، وكان يُكرمهما، وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعْفيّ له لسان وبأس، غير أنه كان يُفسِد نفسَه بالشراب، وكان لا يُكثر غِشْيان يزيد وأهل بيته، وكأنه أيضًا حَجَزه عن ذلك ما رَأى من حُسْن أثَرهم على ابني زَحْر جَهْم وجمال، وكان إذا نادى المنادي: يا خيلَ الله ارْكبي وأبشِري كان أول فارس من أهل العسكر يبادر إلى موقِف البَأس عند الرّوع محمد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة، فنُودِيَ ذات يوم في الناسِ، فبدر الناس ابنُ أبي سَبْرة، فإنه لواقفٌ على تَلّ إذ مرّ به عثمانُ بنُ المفضّل، فقال له: يا بن أبي سَبْرة، ما قدرتُ علي أن أسبقَك إلى الموقِف قَطّ، فقال: وما يُغِني ذلك عني، وأنتم تُرشّحون غِلمان مِذحجِ، وتَجهلون حقّ ذوي الأسنان والتجارب والبَلاء! فقال: أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نَعدل عنك ما أنتَ له أهل.\nقال: وخرج الناسُ فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فحمل محمد بن أبي سَبْرة على تركيّ قد صدّ الناسَ عنه، فاختَلَفا ضربتَين، فثبتَ سيفُ التركي في بَيضة ابن أبي سبرة، وضَرَبَه ابنُ أبي سَبْرة فقتَله، ثمّ أقبل وسيفُه في يَدِه يقطرُ دَمًا، وسيفُ التركيّ في بَيضَته، فنظر الناسُ إلى أحسَن منظرَ رأوه من فارس، ونظر يزيد إلى ائتلاق السَّيْفين والبَيضة والسلاح فقال: مَن هذا؟ فقالوا: ابنُ أبي سَبْرة، فقال: لله أبوه! أيّ رجل هو لولا إسرافُه على نفسه!","vol":"9","page":488},{"text":"وخرج يزيد بعد ذلك يومًا وهو يرتادُ مكانًا يَدخُل منه على القوم، فلم يَشعُر بشيء حتى هَجم عليه جماعةٌ من الترك - وكان معه وجوه الناس وفُرسانُهم، وكان في نحو من أربعمئة، والعدوّ في نحو من أربعة آلاف- فقاتلَهم ساعةً، ثمّ قالوا ليزيد: أيّها الأمير، انصرِف ونحنُ نُقاتِل عنك، فأبَى أن يَفعَل، وغَشَى القِتال يومئذ بنفسه، وكان كأحدهم، وقاتل ابن أبي سَبْرة وابنا زَحْر والحجَّاجُ بن جارية الخثعَميّ وجُل أصحابه فأحسنوا القِتال، حتى إذا أرادوا الانصراف جَعَل الحجّاجَ بن جارية على الساقة، فكان يُقاتِل مَن وراءه حتى انتهى إلى الماء، وقد كانوا عَطِشوا فَشرِبوا، وانَصَرف عنهم العدوّ، ولم يَظفرُوا منهم بشيء، فقال سُفيان بن صفْوان الخَثْعميّ:\nلولا ابنُ جارِيَةَ الأغَرُّ جَبينُهُ ... لَسُقِيتَ كأْسًا مُرَّةَ المُتَجَرَّعِ\nوحَمَاكَ في فُرْسَانِهِ وخيُولهِ ... حتَّى وَرَدتَ الماءَ غَيْرَ مُتَعتَع\nثم إنّه ألحّ عليها وأنزل الجنود من كلّ جانب حولَها، وقَطَع عنهم الموادّ، فلمّا جُهِدوا، وعَجَزوا عِن قتالِ المسلمين، واشتدّ عليهم الحصار والبلاء، بعث صُول دِهْقان دِهستان إلى يزيدَ: إني أصالحك على أن تؤمنَني على نفسي وأهل بيتي ومالي، وأدفَع إليك المدينة وما فيها وأهلها.\nفصالَحه، وقَبِل منه، ووَفَى له، ودَخَل المدينَة فأخذ ما كان فيها من الأموال والكُنوز ومن السَّبي شيئًا لا يُحصَى، وقتَل أربعةَ عشر ألف تُركيّ صَبْرًا، وكتَب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك.\nثمّ خَرَج حتى أتى جُرْجانَ، وقد كانوا يُصالحون أهلَ الكوفة على مئة ألف، ومئتي ألف أحيانًا، وثلاثمئة ألف، وصالحوهم عليها، فلما أتاهم يزيدُ استقبلوه بالصّلح، وهابوه وزادُوه، واستخلَف عليهم رجلًا من الأزد يقال له: أسدُ بنُ عبد الله، ودخل يزيدُ إلى الإصبهبَذ في طَبَرِسْتان فكان معه الفَعَلة يَقطَعون الشَّجر، ويُصلِحون الطرق، حتى انتهوْا إليه، فنَزل به فحصَرَه وغَلَب على أرضِه، وأخذ الإصبهبذ يَعوِض على يزيدَ الصلح ويزيده على ما كان يُؤخَذ منه، فيأبَى رجاء افتتاحهَا، فبعث ذاتَ يوم أخاه أبا عُيينة في أهل المِصريْن، فأصَعد في الجَبَل إليْهم، وقد بعث الإصبهبذ إلى الدّيلم، فاستجاشَ بهم، فاقتتلو!، فحازهم المسلمون ساعةً وكَشفوهم، وخرج رأسُ الدّيلم يَسأل المُبارَزة، فخرج","vol":"9","page":489},{"text":"إليه ابن أبي سَبْرة فقتَله، فكانت هزيمتُهم حتى انتهَى المسلمون إلى فَمِ الشَّعب؛ فذَهبَوا ليَصعَدوا فيه، وأشرَف عليهم العدوّ، يَرشُقونهم بالنشاب، ويَرمُونَهم بالحِجارة، فانهَزَم الناسُ من فَمِ الشِّعب من غير كبير قتال ولا قوّة من عدوّهم على اتباعهم وطلبِهم، وأقبلوا يَركب بعضهم بعضًا، حتى أخذوا يَتساقَطون في اللُّهوب، ويتَدهْدى الرجلُ من رأسِ الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يَعبَؤون بالشرّ شيئًا.\nوأقامَ يزيدُ بمكانِه على حالِه، وأقبل الإصبهبذ يكاتب أهلَ جُرْجان ويسألهم أن يَثبوا بأصحاب يزيد، وأن يَقطعَوِا عليه مادّته والطرق فيما بينَه وبين العرب، ويَعِدهم أن يكافِئهم على ذلك، فوثَبوا بمن كان يزيد خلّف من المسلمين، فقتلَوا منهم من قَدَروا عليه، واجتمعَ بقيَّتهم فتحصّنوا في جانب، فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد، وأقام يزيدُ على الإصبهبذ في أرضه حتى صالَحه على سبعمئة ألف درهم وأربعمئة ألف نقدًا ومئتي ألف وأربعمئة حمار موقرة زَعْفرانًا، وأربعمئة رَجُل، على رأس كلّ رجل بُرْنُس، على البُرْنس طَيْلَسان ولجام من فضّة وسَرقة من حرير، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مئتي ألف درهم.\nثمّ خرج منها يزِيدُ وأصحابُه كأنهم فَلّ، ولولا ما صنعَ أهلُ جُرجانَ لم يَخرج من طبَرستان حتى يَفتحها (١). (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٥).\nقال عليّ: قال أبو بكر الهذليّ: كان شَهْر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أن أخذَ خَريطةً، فسأله يزيدُ عنها، فأتاه بها، فدعا يزيدُ الذي رَفَع عليه فشَتَمه؛ وقال لشَهر: هي لك، قال: لا حاجةَ لي فيها، فقال القُطاميّ الكلبيّ - ويقال: سِنان بن مكمّل النّميريّ:\nلقد بَاعَ شَهرٌ دِينَهُ بِخَريطَةٍ ... فمن يأْمَنُ القرَّاءَ بعدَك يا شَهْرُ؟ !\nأخَذْتَ به شيئًا طَفِيفًا وبِعْتَهُ ... من ابن جونبوذ إنَّ هذا هو الغَدْرُ\nوقال مرة النَّخْعيّ لشهْر:\nيابن المُهَلَّب ما أَرَدتَ إلى امرئٍ ... لولَاكَ كان كصالح القُرَّاء\n(٦/ ٥٣٨ - ٥٣٩).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":490},{"text":"قال عليّ في حديثه، عمّن ذكر خَبَر جُرْجان عنهم: وزاد فيه عليّ بن مجاهد، عن خالد بن صبيح أنّ يزيدَ بن المهلب لما صالح صولا طَمع في طَبرستان أن يفتَحها، فاعتزَم على أن يسيرَ إليها، فاستعمل عبدَ الله بن المعَمَر اليشكريّ على البياسان ودهسْتان، وخلف معه أربعة آلاف، ثم أقبل إلى أداني جُرْجان مما يلي طَبَرِستان، واستعَمَل على أندرِسْتان أسد بن عمرو - أو ابن عبد الله بن الرّبعة - وهي مما يلي طَبَرِسْتان وخَلّفه في أربعة آلاف، ودخل يزيدُ بلادَ الإصبَهْبذ، فأرسل إليه يسأله الصّلح.\nوأن يَخرُج من طَبَرِسْتان، فأبى يَزيدُ وَرَجا أن يفتَحها، فوجَّه أخاه أبا عُيينة من وجه، وخالدَ بن يزيد ابنه من وجه، وأبا الجَهْم الكلبيّ من وجه، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عُيينة على الناس، فسار أبو عُيينة في أهل المِصْريْن ومعه هُرَيم بن أبي طحمة، وقال يزيد لأبي عُيينة: شاوِرْ هُرَيمًا فإنه ناصِح وأقام يزيد معسكرًا.\nقال: واستجاش الإصبهبذ بأهل جِيلانَ وأهل الدَّيْلم، فأتَوْه فالتَقوا في سَند جبل، فانهزَم المشركون، وأتبعهم المسلمون حتى انتَهوا إلى فَم الشِّعب فدخله المسلمون، فصَعد المشركون في الجَبَل، وأتبعهم المسلمون، فرماهم العدوّ بالنّشاب والحجارة، فانهزَم أبو عُيينة والمسلمون، فركب بعضُهم بعضًا يتساقطون من الجبل، فلم يَثْبتُوا حتى انتهَوا إلى عسكر يزيدَ، وكَفّ العدوّ عن اتّباعهم، وخافَهم الإصبهبذُ، فكتب إلى المَرزبان ابن عمّ فَيروز بن قُول وهو بأقصى جُرْجان مما يلي البياسان: إنا قد قتلنا يزيد وأصحابه فاقتُلْ من في البياسان من العَرب، فخرج إلى أهل البياسان والمسلمون غارُّون في منازِلهم، قد أجمَعوا على قتلِهم، فقُتِلوا جميعًا في ليلة، فأصبَح عبدُ الله بن المعمّر مقتولًا وأربعة آلاف من المسلمين لم يَنجُ منهم أحدٌ، وقُتِل من بني العمّ خَمْسون رجلًا؛ قُتِل الحسينُ بنُ عبد الرحمن وإسماعيل بن إبراهيم بن شمّاس، وكتَب إلى الإصبهبذ يأخذُ بالمَضايق والطرق.\nوبلغ يزيدَ قتل عبد الله بن المَعمَّر وأصحابه، فأعظَموا ذلك، وهالَهم، ففَزع يزيدُ إلى حيّان النَّبطيّ. وقال: لا يمنعْك ما كان منّي إليك من نصيحة المسلمين، قد جاءنا عن جُرجان ما جاءنا، وقد أخذ هذا بالطرق، فأعمل في الصّلح؛ قال:","vol":"9","page":491},{"text":"نعم، فأتى حيّان الإصبهبذ فقال: أنا رجلٌ منكم، وإن كان الدين قد فرَّق بيني وبينكم، فإني لكم ناصح، وأنت أحبّ إليّ من يزيد، وقد بعث يَستمدّ، وأمدادهُ منه قريبة، وإنما أصابوا منه طَرفًا، ولستُ آمَن أن يأتيك ما لا تقومُ له، فأرحْ نفسَك منه، وصالحْه فإنك إن صالَحته صيَّر حدَّه على أهل جُرجْان، بغدرهم وقتلهم مَن قتلوا، فصالَحه على سبعمئة ألف - وقال عليّ بن مُجاهد: على خمسمئة ألف - وأربعمئة وقرْ زَعفران أو قيمته من العَينْ، وأربعمئة رجل، على رجل كل بُرْنس وطَيْلَسان، ومع كلّ رجل جام فضّة وسَرَقة خَزّ وكِسوْة.\nثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال: ابعث من يحَمل صُلحهم الذي صالحتُهم عليه، قال: من عندهم أو من عندنا؟ قال: من عندهم. وكان يزيدُ قد طابتْ نفسُه على أن يُطيعهم ما سألوا، ويَرجع إلى جُرجْان فأرسَل يزيدُ من يَحمل ما صالحَهم علمِه حيَّان، وانصرف إلى جُرجْان وكان يزيدُ قد غرّم حيّانًا مئتي ألف، فخاف ألَّا يُناصِحه.\nوالسبب الذي له أغرم حيّان فيه ما حدَّثني عليّ بن مجاهد، عن خالد بن صبيح، قال: كنتُ مؤدبًا لولَد حيّان، فدعاني فقال لي: أكتبْ كتابًا إلى مَخلَد بن يزيد - ومَخلدَ يومئذ ببَلْخَ، ويزيدُ بمَرْو - فتناولتُ القِرطْاس فقال: اكتب: مِنْ حيّتانَ مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيدَ، فغمزني مُقاتل بن حيان ألَّا تَكتُب، وأقبلَ على أبيه فقال: يا أبتِ تَكتُب إلى مخلَد وتَبدأ بنفسك! قال: نَعَم يا بنيّ، فإن لى يَرضَ لقي ما لقي قتيبة. ثمّ قال لي: اكتُب، فكتبتُ، فبعَثَ مخلَد بكتابه إلى أبيه، فأغرم يزيدُ حيّان مئتي ألف دِرهَم. (٦/ ٥٣٩ - ٥٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>فتح جرجان</span>\nوفي هذه السنة فَتَح يزيُد جُرجْان الفتحَ الآخر بعد غدرِهم بجُنده ونقضهِم العَهْد، قال عليّ: عن الرّهط الِذين ذكَر أنهم حَدّثوه بخبر جُرْجان وطَبَرِستان: ثمّ إنّ يزيد لما صالح أهل طَبَرِستان قَصَد لجرْجان، فأعطى الله عَهْدًا؛ لئن ظَفِر بهم ألَّا يقلِع عنهم، ولا يرَفع عنهم السيفَ حتى يطحن بدمائهم، ويختبزَ من ذلك الطحينِ، ويأكل منه، فلما بلغ المَرزْبانَ أنه قد صالح الإصبهبذ وتوجه إلى جُرجان، جَمعَ أصحابَه وأتى وجاه، فتحصّن فيها، وصاحبها لا يحتاج إلى عُدَّة","vol":"9","page":492},{"text":"من طعام ولا شَراب. وأقبل يزيدُ حتى نَزل عليها وهم متحصِّنون فيها، وحولها غياض فليس يُعرف لها إلَّا طريق واحد، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يَقدر منهم على شيء، ولا يَعرِف لهم مَأتى إلَّا مِن وجه واحد، فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونة ويرجعون إلى حِصْنهم، فَبيْناهُم على ذلك إذْ خرج رجلٌ من عَجم خُراسانَ كان مع يزيد يتصّيدُ ومعه شاكريّةٌ له. (٦/ ٥٤١ - ٥٤٢).\nوقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: فخَرَج رجل من عسكره من طيّئ يتصيّد، فأبصَر وَعلًا يَرقى في الجَبَل، فاتّبعه، وقال لمن معه: قفوا مَكانكم، ووقَل في الجَبَل، يقتصّ الأثر، فما شَعر بشيء حتى هَجَم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، فخاف ألَّا يهتديَ، فجعل يُخرّق قبَاءه ويَعقد على الشجر علامات حتى وَصَل إلى أصحابه، ثم رجع إلى العسكر. ويقال: إنّ الذي كان يتصيد الهيّاج بن عبد الرحمن الأزديّ من أهل طُوس، وكانَ منْهومًا بالصيّد، فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أينم الواشجيّ صاحب شرْطة يَزيد، فمَنعوه من الدّخول، فصاح: إنّ عندي نَصيحة (١). (٦/ ٥٤٢).\nوقال هِشام عن أبي مخنف: جاء حتى رَفعَ ذلك إلى ابني زَحْر بن قيس، فانطلق به ابنا زَحْر حتى أدخلاه على يرْيد، فأعلمَه، فضَمن له بضمان الجُهنيّة - أمّ ولد كانت ليزيد - على شيء قد سمّاه (٢) (٦/ ٥٤٢).\nوقال عليّ بن محمد في حديثه عن أصحابه: فدعا به يزيد فقال: ما عندَك؟ قال: أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال؟ قال: نعم، قال: جعَالتي؟ قال: احتَكمْ، قال: أربعة آلاف؛ قال: لك دِيَة، قال: عَجِّلوا لي أربعة آلاف، ثم أنتم بعدُ من وراء الإحسان. فأمَر له بأربعة آلاف، ونَدَب الناس، فانتدب ألف وأربعمئة، فقال: الطريق لا يَحمِل هذه الجماعة لالتفاف الغياض، فاختار منهم ثلاثمئة، فوجّههم، واستعمل عليهم جَهْم بن زَحْر. (٦/ ٥٤٢).\nوقال بعضهم: استعملَ عليهم ابنه خالد بن يزيد، وقال له: إن غُلبتَ على الحياة فلا تُغلَبنَّ على الموت، وإياك أن أراكَ عندي منهزِمًا، وضمّ إليه جَهْم بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":493},{"text":"زَحْر، وقال يزيد للرجل الذي ندَب الناسَ معه: متَى تَصلُ إليهم؟ قال: غدًا عند العَصْر فيما بين الصّلاتين، قال: امضُوا على بركة الله؛ فإني سأجهَد على مناهضتهم غدًا عند صلاة الظهر، فساروا، فلما قارب انتصاف النهار من غدٍ أمَر يزيدُ الناس أن يُشعِلوا النارَ في حَطَب كان جمعَه في حِصارِه إياهم، فصيّره آكامًا، فأضرَموه نارًا؛ فلم تَزُل الشمس حتى صارَ حولَ عسكره أمثال الجبال، من النيران، ونَظَر العدوّ إلى النار، فهالَهم ما رأوا من كَثْرتها، فخرجوا إليهم، وأمَرَ يزيدُ الناسُ حين زالت الشمس فصلّوْا، فجمعوا بين الصّلاتين، ثمّ زحَفوا إليهم فاقتَتَلوا وسار الآخرون بقيّةَ يومهم والغد، فهَجَموا على عسكر الترك قُبَيْل العَصْر، وهم آمِنون من ذلك الوجه، ويزيدُ يُقاتِل من هذا الوجه، فما شَعروا إلَّا بالتكبير من ورائهم، فانقطَعوا جميعًا إلى حِصْنهم، ورَكِبهُم المسلمون، فأعطَوْا بِأيديهم، ونَزَلوا على حُكْم يزيدَ، فسبي ذراريَّهم، وقتّل مقاتِلتَهم، وصلبهم فرْسَخين عن يمين الطريق ويسارِه، وقاد منهم اثني عشرَ ألفًا إلى الأندرهز - وادي جرْجان - وقال: مَنْ طلبهم بثأر فليقتُل، فكان الرجلُ من المسلمين يَقتلُ الأربعة والخمسَة في الوادي، وأجرِي الماء في الوادي على الدّم، وعليه أرحاء ليطحَن بدمائهم، ولتبرّ يمينُه، فطَحَن واختَبَز وأكَل وبَنَى مدينةَ جُرْجان، وقال بعضهم: قَتَل يزيدُ من أهل جُرجان أربعين ألفًا، ولم تكن قبلَ ذلك مدينة ورَجع إلى خُراسان واستعمَل على جُرجانَ جَهْم بن زَحْر الجعفيّ (١). (٦/ ٥٤٣).\nوأمّا هشام بنُ محمد فإنه ذكَر عن أبي مخنَف أنه قال: دعا يزيد جهمَ بن زَحْر فبعث معه أربعمئة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دُلّوا عليه وقد أمَرَهم يزيدُ فقال: إذا وصَلْتم إلى المدينة فانتَظِروا، حتى إذا كان في السَّحر فكَبِّروا، ثم انطلِقوا نحوَ باب المدينة، فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها؛ فلما دخل ابن زَحْر المدينةَ أمهل حتى إذا كانت الساعةُ التي أمره يزيدُ أن يَنهضَ\n_________\n(١) فيه نكارة، إضافة إلى وجود مجاهيل في إسناد هذه الرواية فإنه لحكمة ما لم يعتد أئمة الحديث برواية الرجل الذي لم يوثقه سوى ابن حبان ولولا أن العلماء تساهلوا في رواية التاريخ لما ذكرنا رواية هؤلاء في قسم الصحيح، ومع ذلك فإننا قد ضربنا بعرض الحائط كل رواية من طريق رواة هذا إذا كان لهم في المتن نكارة، وأية نكارة أشد من هذا الذي ذكره الطبري هنا عن شيوخ المدائني؟ ! فكيف يختبز المسلمون عن دماء سفحت والدم المسفوح حرام؟","vol":"9","page":494},{"text":"فيها مَشَى بأصحابه، فأخذَ لا يَستقبل من أحراسِهم أحدًا، إلَّا قتلَه، وكَبَّر، ففزع أهلُ المدينة فَزَعًا لم يَدخُلهم مِثلُه قطّ فيما مضى، فلم يَرعهم، إلَّا والمسلمون معهم في مَدينتهم يكبّرون فدُهِشوا، فألقَى اللهُ في قلوبهم الرّعب، وأقبَلوا لا يَدْرون أي يتوجّهون! غيرَ أنّ عِصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جَهْم بن زَحْر، فقَاتَلوا ساعة، فدُقت يدُ جَهْم، وصبر لهم هو وأصحابُه، فلم يُلبثوهم أنّ قتلوهم إلَّا قليلًا، وسمع يزيدُ بنُ المهلب التكبيرَ، فوَثَب في الناس إلى الباب، فوجدوهم قد شَغلَهم جَهْم بن زَحْر عن الباب، فلَم يجدْ عليه من يمنعُه ولا مَن يَدفع عنه كبير دَفع، ففتَح الباب ودخَلَها من ساعته، فأخرَج من كان فيها من المُقاتِلة، فنَصب لهم الجُذوعَ فرْسَخين عن يمين الطريق ويسارِه، فصَلَبهم أربعةَ فراسخ، وسَبَى أهلَها، وأصاب ما كان فيها (١). (٦/ ٥٤٣ - ٥٤٤).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفّي أيوب بنُ سليمانَ بن عبد الملك، فحدّثت عن عليّ بن محمد، قال: حدثنا عليّ بن مجاهد، عن شيخِ من أهل الرّيّ أدرَكَ يزيدَ، قال: أتَى يزيدُ بن المهلب الرّي حين فَرَغ من جُرْجان، فبلغه وفاةُ أيوب بن سليمان وهو يسيرُ في باغ أبي صالح على بابِ الرّي، فارتجز راجزٌ بين يَدْيه، فقال:\nإن يَك أَيّوبُ مَضَى لشانِهِ ... فإِنَ داودَ لفِي مَكانِهِ\nيقيمُ ما قدْ زَال مِنْ سُلْطَانِهِ (٦/ ٥٤٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>ثم دخلت سنة تسع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>وفاة سليمان بن عبد الملك</span>\nوقال عليّ: قال المفضَّل بنُ المهلَّب: دخلتُ على سليمانَ بدابِقَ يومَ جمعة، فدعا بثياب فلبسها، فلم تعجبه، فدعا بغيرها بثياب خُضْر سُوسيّة بَعَث بها يزيدُ بن المهلب، فلبسها واعتمّ وقال: يا بن المهلَّب، أعجبتْك؟ قلتُ: نعَم،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":495},{"text":"فحَسَر عن ذراعَيه ثمّ قال: أنا المَلِك الفَتِيّ، فصلَّى الجُمعة، ثمّ لم يُجمّع بعدَها، وكتب وصِيّته، ودَعا ابنَ أبي نُعَيم صاحب الخاتَم فختَمه. (٦/ ٥٤٦ - ٥٤٧).\nقال عليّ: قال بعضُ أهل العِلم: إن سليمانَ لبس يومًا حُلة خضراء وعمامةً خضراء ونظَرَ في المرآة فقال: أنا المَلِك الفَتِيّ، فما عاشَ بعد ذلك إلَّا أسبوعًا. (٦/ ٥٤٧).\nقال علي: وحدّثنا سُحَيم بن حَفْص، قال: نظرتْ إلى سليمانَ جاريةٌ له يومًا، فقال: ما تنظرين؟ فقالت:\nأنتَ خَيْرُ المَتَاعِ لو كنتَ تبْقَى ... غيْرَ أَنْ لا بَقَاء للإنسَانِ\nلَيْسَ فيما عَلمْتُهُ فيكَ عَيْبٌ ... كانَ في الناس غيْرَ أَنَّكَ فان\nفَنَفض عمامتَه. (٦/ ٥٤٧).\nقال عليّ: كان قاضِي سليمانَ سليمانُ بنُ حَبيب المحاربيّ، وكان ابن أبي عُيَيْنة يُقصّ عندَه. (٦/ ٥٤٧).\nوحُدِّثْتُ عن أبي عُبيدة، عن رُؤْبة بن العَجاج، قال: حجّ سليمان بنُ عبد الملك، وحجّ الشعراء معه، وحججتُ معهم، فلما كان بالمدينة راجعًا تَلَقّوه بنحو من أربعمئة أسير من الرُّوم، فقَعد سليمانُ، وأقرَبُهم منه مَجلسًا عبدُ الله بن الحسَن بن الحسَن بن عليّ بن أبي طالب صَلَوات الله عليهم، فقُدّمَ بِطْريقُهم فقال: يا عبدَ الله، اضرب عنُقه، فقام فما أعطاه أحدٌ سَيْفًا حتى دَفع إليه حَرسيّ سيْفه فضَرَبه فأبانَ الرأسَ، وأطنّ الساعد، وبعض الغُلّ، فقال سليمان: أما واللهِ ما من جودة السيف جادَت الضَّربة، ولكن لحَسَبِه، وجَعل يَدْفع البقيّة إلى الوجوُه وإلى الناس يقتلونهم حتى دَفَع إلى جرير رجُلًا منهم، فدلسّت إليه بنو عَبْس سَيْفًا في قِراب أبيَض، فضَرَبه فأبان رأسَه، ودُفِع إلى الفَرَزْدق أسيرٌ فلم يَجد سَيفًا، فدَسّوا له سَيْفًا ددانا مثنيًّا لا يَقطعِ فضرَب به الأسير ضَرَبات، فلم يَصنع شيئًا، فضحِك سليمانُ والقَوْم، وشمِت بالفَرزَدق بنو عَبْس أخوال سليمانَ، فألقَى السيفَ وأنشأ يقول، ويعتذر إلى سليمان، ويأتسى بنُبُوّ سَيْف وَرْقاءَ عن رأسِ خالد:","vol":"9","page":496},{"text":"إن يكُ سيفٌ خَانَ أَوْ قَدرٌ أتى ... بتأْخير نفسٍ حَتْفُها غيرُ شاهدِ\nفسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبَا بِيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالد\nكذاك سُيُوفُ الهند تَنْبُو ظُبَاتها ... وتَقطَعُ أحيانًا مَناط القلائدِ (١)\nوورقاء هو وَرْقاء بن زُهَير بن جَذيمة العَبْسيّ، ضربَ خالدَ بنَ جَعْفر بنِ كلاب، وخالد مُكِبٌّ على أبيه زُهَير، قد ضَرَبه بالسَّيف وصَرَعه، فأقبَل وَرْقاء بنُ زهير فَضرَب خالدًا، فلم يَصنَع شيئًا، فقال ورقاء بنُ زُهير:\nرأيتُ زهيرًا تحت كَلْكَل خالدٍ ... فأقبلتُ أَسعَى كالعَجُولِ أَبادِرُ\nفشُلَّت يميني يومَ أضْرِبُ خالدًا ... ويُحْصِنُهُ مِنِّي الحديدُ المظاهرُ\nوقال الفِرْزَدق في مُقامِه ذلك:\nأَيَعْجَبُ النّاسُ أَنْ أَضحَكتُ خَيْرَهُمُ ... خليفةَ اللهِ يُسْتَسْقَى به المطرُ\nفما نبَا السيفُ عن جُبْنٍ ولا دَهَشٍ ... عند الإمام ولكن أَخَّرَ القَدَرُ\nولو ضربْتُ على عمرٍ ومُقَلَّدَهُ ... لخَرَّ جُثْمانُهُ ما فوقه شَعَرُ\nوما يُعَجِّلُ نفسًا قبلَ مِيتَتِهَا ... جمعُ اليدين ولا الصَّمْصامةُ الذَّكَرُ\nوقال جرير في ذلك:\nبسيفِ أبي رَغوَانَ سيفِ مجاشعٍ ... ضربْتَ ولم تضرب بسيف ابن ظالِم\nضربتَ به عند الإِمام فأرْعِشَتْ ... يداك، وقالوا مُحدَثٌ غيرُ صارِمِ\n(٦/ ٥٤٧ - ٥٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>ثم دخلت سنة مئة ذكر الخبر عن الأحدات التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك خروج الخارجة التي خرجتْ على عمرَ بن عبد العزيز بالعراق.\n* ذكر الخبر عن أمرهم:\nذكر محمد بن عمرَ أنّ ابن أبي الزّناد حدّثه، قال: خرجتْ حَرُوريّة بالعراق،\n_________\n(١) قلنا: في إسناده رؤبة بن العجاج، قال ابن القطان: دع رؤبة العجاج، وضعفه غير واحد.\nالضعفاء والمتروكين (١/ ٢٧٧) لابن الجوزي وللعقيلي (٢/ ٦٤) ولقد أبهم الطبري اسم الوسيط بينه وبين رؤبة.","vol":"9","page":497},{"text":"فكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب عامل العِراق يأمره أن يدعوهم إلى العَمَل بكتاب الله وسنّة نبيّة - ﷺ -، فلما أعذَر في دعائهم بعث إليهم عبدُ الحميد جيشًا فهزمتْهم الحرورّية، فبلغ عمر، فبعث إليهم مَسلَمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهّزهم من الرّقة، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعلَ جيشك جيشُ السوء، وقد بعثتُ مَسلَمة بنَ عبد الملك، فخلِّ بينه وبينهم، فلقيهم مسلَمة في أهل الشام، فلم يَنْشَب أن أظهره الله عليهم. (٦/ ٥٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>خبر خروج شوذب الخارجي</span>\nوذكر أبو عُبيدةَ مَعمَر بن المثنى أنّ الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرّحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شَوْذَب - واسمه بِسطام من بني يَشكُر - فكان مُخرَجه بجوْخَى في ثمانين فارسًا أكثرُهم من ربيعة، فكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عبد الحميد؛ ألَّا تحرّكهم إلَّا أن يسفكوا دمًا، أو يُفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحُلْ بينهم وبين ذلك، وانظر رجلًا صَليبًا حازمًا فوجِّهْه إليهم، ووجّه معه جندًا، وأوصِه بما أمرتك به، فعقد عبدُ الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البَجَليّ في ألفَيْن من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بِسْطام يدعوه ويسأله عن مُخرَجه، فقدم كتاب عمرَ عليه، وقد قدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يحرّكه ولا يهيّجه، فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجتَ غضبا لله ولنبيه، ولستَ بأولى بذلك منّي، فهلمّ أناظرْك فإن كان الحقّ بأيدينا دخَلْتَ فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرْنا في أمرنا، فلم يحرّك بسطام شيئًا، وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثتُ إليك رجلين يُدارِسانك ويناظرانِك - قال أبو عُبيدة: أحد الرَّجلين اللذَين بعثهما شوذَب إلى عمر مَمْزوج مولَى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يَشكُر - قال: فيقال: أرسل نَفرًا فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين، فاختاروهما، فدخَلَا عليه فناظَراه، فقالا له: أخبِرْنا عن يزيد لِمَ تُقرّه خليفةً بعدَك؟ قال: صيَّره غيري؛ قالا: أفرأيت لو وَليت مالًا لغيرك ثُمَّ وكَلتَه إلى غير مأمون عليه، أتُراك كنتَ أدّيت الأمانة إلى من ائتمنَك! قال: فقال: أنظِراني","vol":"9","page":498},{"text":"ثلاثًا، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يُخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال وأن يَخلَع يزيدَ، فدسوا إليه مَنْ سقاه سُمًّا، فلم يَلبثْ بعد خروجهما من عنده إلَّا ثلاثًا حتى مات. (٦/ ٥٥٥ - ٥٥٦).\nوفي هذه السنة أغزَى عمرُ بن عبد العزيز الوليدَ بن هشام المُعَيْطي وعمرَو بن قيس الكِنديّ من أهل حِمص الصائفةَ.\nوفيها شخَصَ عمرُ بن هُبيرة الفَزاريّ إلى الجزيرة عاملًا لعمرَ عليها. (٦/ ٥٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>خبر القبض على يزيد بن المهلب</span>\nذكر الخبر عن سبب ذلك، وكيف وصل إليه حتى استوثق منه.\nاختلف أهل السير في ذلك، فأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنَف أنّ عمر بن عبد العزيز لما جاء يزيدُ بن المهلب فنزل واسطًا، ثم ركب السفن يريد البَصْرة، بعث عديّ بن أرطاة إلى البصرة أميرًا، فبعث عديّ موسى بن الوجيه الحميريّ، فلحقه في نهر مَعقِل عند الجِسر، جِسر البَصرة فأوثَقه، ثمّ - بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فقَدِم به عليه موسى بن الوجيه، فدعا به عمر بن عبد العزيز - وقد كان عمر يَبغَض يزيدَ وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جَبابرة، ولا أحبّ مِثلَهم، وكان يزيد بن المهلب يَبغَض عمرَ ويقول: إني لأظنه مرائيًا، فلما ولي عمر عرف يزيدُ أن عمرَ كان من الرِّياء بعيدًا، ولما دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، فقال: كنتُ من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبتُ إلى سليمانَ لأسمّع الناسَ به، وقد علمتُ أن سليمان لم يكن ليأخذَني بشيء سمعت، ولا بأمر أكرهه، فقال له: ما أجد في أمرك إلَّا حبسَك، فاتّق الله وأدّ ما قِبَلك، فإنها حقوقُ المسلمين، ولا يَسَعُني تَركُها، فَردَّه إلى محبِسه وبعث إلى الجرّاح بن عبد الله الحَكمي فسرّحه إلى خُراسان، وأقبل مخلد بن يزيدَ من خُراسان يُعطي الناسَ، ولا يمرّ بكُورة إلَّا أعطاهم فيها أموالًا عظامًا، ثمّ خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ الله يا أمير المؤمنين صَنَع لهذه الأمة بولايتك عليها، وقد ابتُلينا بك، فلا تكن أشقَى الناس","vol":"9","page":499},{"text":"بولايتك، عَلَام تَحبس هذا الشيخَ! أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل، فقال عمر: لا، إلَّا أن تحمل جميعَ ما نسألُه إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنينْ، إن كانت لك بيّنة فخذْ بها، وإن لم تكن بيّنة فصدّق مقالَة يزيد، وإلا فاستحْلِفه، فإن لم يفعل فصالحه، فقال له عمر: ما أجِد إلَّا أخذَه بجميع المال، فلما خرج مخلَد قال: هذا خيرٌ عندي من أبيه، فلم يَلبَث مخلد إلَّا قليلا حتى مات، فلما أبى يزيد أن يؤدّيَ إلى عمرَ شيئًا ألبسه جُبّةً من صوف، وحمَله على جمَل، ثمَّ قال: سيروا به إلى دَهْلَك، فلما أخرج فمُرَّ به على الناس أخذ يقول: مالي عشيرة، مالي يُذهب بي إلى دَهْلَك! إنما يُذهَب إلى دَهْلَك بالفاسق المُريب الخارب، سبحان الله! أما لي عشيرة! فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخوْلانى، فقال: يا أمير المؤمنين، ارْدُدْ يزيد إلى محبسه؛ فإني أخاف إن أمضيتَه أن ينتزعه قومه؛ فإني قد رأيتُ قومَه غَضِبوا له، فردّه إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر (١). (٦/ ٥٥٦ - ٥٥٨).\nوأما غير أبي مخنف فإنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب، ودفعه إلى مَنْ بعين التمر من الجند، فوجّهه عديّ بن أرطاة مع وكيع بن حسان بن أبي سُود التميميّ مغلولًا مقيّدًا في سفينة، فلما انتهى به إلى نهر أبان، عرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع فانتضى سيفه، وقطع قَلْس السفينة، وأخذ سيف يزيد بن المهلب، وحلف بطَلاق امرأته ليضربنّ عنقه إن لم يتفرقوا، فناداهم يزيد بن المهلب، فأعلمهم يمين وكيع، فتفرّقوا، ومضى به حتى سلّمه إلى الجند الذين بعيْن التّمر، ورجع وكيع إلى عديّ بن أرطاة، ومضى الجند الذين بعين التّمْر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز، فحبسه في السجن. (٦/ ٥٥٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيريّ، فكانت ولاية الجرّاح\n_________\n(١) في إسنادها لوط ين يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":500},{"text":"بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين، وخرج منها لأيام بقيت من شهر رمضان سنة مئة.\n* ذكر سبب عزل عمر إياه:\nوكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمد عن كليب بن خلف، عن إدريس بن حنظلة، والمفضّل عن جدّه، وعليَّ بن مجاهد عن خالد بن عبد العزيز، أن يزيد بن المهلب ولّى جَهْم بن زَحْر جُرجان حين شخص عنها، فلما كان من أمر يزيد ما كان وجّه عامل العراق من العراق واليًا على جرجان، فقدم الوالي عليها من العراق، فأخذه جَهْم فقيّده وقيّد رهطًا قدموا معه، ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجرّاح بخراسان، فأطلق أهل جُرجان عاملَهم، فقال الجراح لجهم: لولا أنك أبنُ عمِّي لم أسوّغك هذا، فقال له جَهْم: ولولا أنك ابنُ عمي لم آتِك - وكان جهم سِلْف الجراح من قبَل ابنتي حصين بن الحارث وابن عمّه، لأنّ الحكم وجعفيّ ابنا سعد - فقال له الجرّاح: خالفتَ إمامك، وخرجت عاصيًا، فاغزُ لعلك أن تظفر، فيصلح أمرك عند خليفتك، فوجّهه إلى الخُتَّل، فخرج، فلما قرب منهم سار متنكِّرًا في ثلاثة، وخلَف في عسكره، ابن عمّه القاسم بن حبيب - وهو خَتَنُه على ابنته أمّ الأسود - حتى دخل على صاحب الخُتَّل فقال له: أخْلني، فأخلاه، فاعتزى، فنزل صاحب الخُتّل عن سريره وأعطاه حاجته - ويقولون: الخُتل موالي النعمان - وأصاب مغنمًا؛ فكتب الجرَّاح إلى عمر: وأوفد وفدًا، رجلين من العرب، ورجلًا من الموالي من بني ضَبَّة، ويكنى أبا الصيداء واسمه صالح بن طريف، كان فاضلًا في دينه، وقال بعضهم: المولّى سعيد أخو خالد أو يزيد النحويّ، فتكلّم العربيان والآخر جالس، فقال له عمرُ: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، قال: فما يمنعك من الكلام! قال: يا أمير المؤمنين، عشرون ألفًا من الموالي يَغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذِّمة يُؤخذون بالخراج، وأميرنا عصبيّ جافٍ يقوم على منبرنا، فيقول: أتيتكم حفيًّا، وأنا اليوم عصبيّ! والله لرجلٌ من قومي أحبّ إليّ من مئة من غيرهم، وبلغ من جفائه أنّ كُمّ درعه يبلغ نصف درعه، وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم والعدوان، فقال عمر: إذًا مثلك فليوفَّد.\nوكتب عمر إلى الجرّاح: انظر مَنْ صلّى قِبلَك إلى القبلة، فضع عنه الجزية،","vol":"9","page":501},{"text":"فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجرّاح: إنّ الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفورًا من الجزية؛ فامتحنهم بالخِتَان.\nفكتب الجرّاح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدًا - ﷺ - داعيًا ولم يبعثه خاتنًا، وقال عمر: ابغوني رجلًا صدوقًا، أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدتَه، عليك بأبي مِجْلَز، فكتب إلى الجرّاح: أن أقبل واحمل أبا مجْلز وخلَّف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نُعَيم الغامديّ، وعلى جزيتها عبيد الله - أو عبد الله - بن حبيب.\nفخطب الجرّاح فقال: يا أهل خراسان، جئتكم في ثيابي هذه التي عليّ وعلى فرسي، لم أصب من مالكم إلَّا حلية سيفي، ولم يكن عنده إلَّا فرس قد شاب وجهه، وبغلة قد شاب وجهها، فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم، فلما قدم قال له عمر: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان، قال: قد صدق مَن وَصَفك بالجفاء، هلّا أقمت حتى تُفْطِرَ ثمّ تخرج! وكان الجرَّاح يقول: أنا والله عصبى عقبيّ - يريد من العصبيّة.\nوكان الجرّاح لما قدم خراسان كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قومًا قد أبطرتهم الفتنة فهم يَنزُون فيها نزوًا، أحبّ الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حقّ الله عليهم، فليس يكفّهم إلَّا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلَّا بإذنك فكتب إليه عمر:\nيابن أمّ الجرّاح، أنت أحرصُ على الفتنة منهم، لا تضربنّ مؤمنًا ولا معاهدًا سوطَّا إِلّا في حق، واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يَعْلم خائنة الأعيُنِ وما تخْفي الصُدور، وتقرأ كتابًا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها.\nولما أراد الجرّاح الشخوص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفًا وقال بعضهم: عشرة آلاف من بيت المال، وقال: هي على سلفًا حتى أؤديها إلى الخليفة، فقدم على عمر، فقال له عمر: متى خرجت؟ قال: لأيام بقِين من شهر رمضان، وعليّ دين فاقضِه؛ قال: لو أقمت حتى تفطِر ثم خرجت قضيت عنك، فأدى عنه قومه في أعطياتهم (١). (٦/ ٥٥٨ - ٥٦٠).\n_________\n(١) قلنا: هذا الخبر الطويل رواه الطبري من طريق المدائني وإن لم يذكر الطبري الواسطة بينه =","vol":"9","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1536>ثم دخلت سنة إحدى ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه</span>\n* ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه:\nذكر هشام بن محمد عن أبي مخنَف، أن عمر بن عبد العزيز لما كُلِّم في يزيد بن المهلب حين أراد نفيَه إلى دَهْلك، وقيل له: إنا نخشى أن ينتزعه قومه، ردّه إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر، فأخذ يعمل بعد في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك، لأنه كان قد عذّب أصهاره آل أبي عُقَيْل - كانت أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف أخِي الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك، فولدت له الوليد بن يزيد المقتول - فكان يزيد بن\n_________\n= وبين المدائني فإننا قد اعتبرنا قوله (ذكر المدائني) غير منقطع لأنه درس مرويات المدائني واطلع على ما كتبه من طريق ابن شبة وغيره من أئمة التاريخ وإن كنا من قبل نعده انقطاعًا فإننا اضطررنا إلى هذه الليونة وإلَّا تركنا فجوات كبيرة في التاريخ الإسلامي ومع ذلك فإننا لم نتنازل عن منهجنا في عدم قبول هذه الروايات وبهذه الأسانيد إن وجدنا نكارة فيها أو طعنا في عدالة الصحابة أو تزويرًا للحقائق التاريخية، والله أعلم.\nوالمدائني بدوره روى الخبر بإسناد مركب من طريق شيوخه الثلاثة وبأسانيد لا تخلو من مجهول الحال أو ضعيف أو متروك ومتنها لا يخلو من نكارة كالآتي:\nفي المتن تناقض واضح فكيف يوصف الجراح بن عبد الله بأنه عمل بالظلم والعدوان في منتصف الرواية، ثم يذكر بعد ذلك بأسطر بأنه لم يصب شيئًا من أموال الناس وخرج منهْم بسيفه وفرسه ثم إن الرواية تذكر أنه جاف مع الرعية وأن عشرين ألفًا من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج وهذا يخالف ما ذكرته الروايات الصحيحة وما ذكره أئمة التاريخ المتقدمين والمتأخرين من أن الجراح كان رجلًا صالحًا عابدًا، محبًا للجهاد والموت في سبيل الله في ساحة المعركة وأن العباد في جميع البلاد قد حزنوا على موته؟\nكما سنذكر كل ذلك ضمن أحداث سنة (١١٢ هـ) عند الحديث عن مقتله.\nفكيف يحزن العباد في جميع البلاد على موت رجل جاف ظالم؟ !\nألا إن هذا من افتراء المتروكين الكذابين من أمثال علي بن مجاهد الكابلي وغيره والله تعالى أعلم، والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"9","page":503},{"text":"عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعنّ منه طابقًا فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه، فأعدّوا له إبلًا؛ وكان مرض عمر في دَيْر سَمْعان، فلما اشتدّ مرض عمر أمر بإبله، فأتيَ بها، فلما تبتن له أنه قد ثقُل نزل من محبسه، فخرج حتى مضى إلى المكان الذي واعدهم فيه؛ فلم يجدهم جاؤوا فجَزع أصحابه وضجروا، فقال لأصحابه: أتروْنني أرجع إلى السجن! لا والله لا أرجع إليه أبدًا، ثم إن الإبل جاءت، فاحتمل، فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات بن معاوية العامرية من بني البكّاء في شقّ المحمل، فمضى.\nفلما جاز كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني والله لو علمتُ أنك تبقى ما خرجتُ من محبسي؛ ولكني لم آمن يزيدَ بن عبد الملك، فقال عمرُ: اللهمّ إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شرًّا فأكفهم شرّه، واردد كيده في نحره، ومضى يزيد بن المهلب حتى مرّ بحدث الزّقاق، وفيه الهذيل بن زُفر معه قيس، فأتبعوا يزيد بن المهلب حيث مرّ بهم، فأصابوا طَرَفًا من ثَقَله وغِلمة من وصفائه، فأرسل الهذيل بن زُفير في آثارهم، فردَّهم فقال: ما تطلبون؟ أخبروني، أتطلبون يزيد بن المهلّب أو أحدًا من قومه بتَبْل؟ فقالوا: لا، قال: فما تريدون؟ إنما هو رجل كان في إسار، فخاف على نفسه فهرب (١). (٦/ ٥٦٤ - ٥٦٥).\nوزعم الواقديّ أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>خبر وفاة عمر بن عبد العزيز</span>\nوقال بعضهم: كان له أربعون سنة:\nوقال هشام: توفى عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر، وكان يكنى أبا حفص، وله يقول عُويف القوافي، وقد حضره في جنازة شهدها معه:\nأجِبْنِي أَبا حفصٍ لَقِيتَ محمَّدًا ... على حَوْضِهِ مُسْتَبْشِرًا ورآكَا\nفأَنت امْرُؤٌ كِلتَا يديك مُفِيدَةٌ ... شمالكَ خيرٌ مِنْ يَمِينِ سِوَاكَا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"9","page":504},{"text":"وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له: أشجّ بني أمية، وذلك أن دابة من دوابّ أبيه كانت شجّته فقيل له: أشجّ بني أميّة. (٦/ ٥٦٦).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: كنتُ أسمع ابن عمر كثيرًا يقول: ليت شعري مَنْ هذا الذي مِنْ ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلًا! (٦/ ٥٦٦).\nوحُدَّثت عن منصور بن أبي مزاحم، قال: حدَّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتِيتْ به أمه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضَمَّته إليها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذُله وتلومه، وتقول: ضيَّعت ابني، ولم تضمّ إليه خادمًا ولا حاضنًا يحفظه من مثل هذا! فقال لها: اسكتي يا أمّ عاصم، فطوباك إذا كان أشجّ بني أمية! (٦/ ٥٦٦).\n* * *","vol":"9","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1539>ثم دخلت سنة أربع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>[ذكر الوقعة بين الحرشيّ والسُّغد]</span>\nففي هذه السنة كانت وقعة الحرَشيّ بأهل السُّغْد وقتله مَنْ قتل من دهاقينها (١).\nذكر الخبر عن أمره وأمرهم في هذه الوقعة:\nذكر عليّ عن أصحابه أن الحرشيّ غزا في سنة أربع ومئة فقطع النهر.\nوعرض الناس. ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدَّبُوسيّة، ولم يجتمع إليه جنده.\nقال: فأمر الناس بالرّحيل، فقال له هلال بن عُليَم الحنظليّ: يا هناه، إنك وزيرًا خيرٌ منك أميرًا، الأرض حربٌ شاغرة برجْلها، ولم يجتمع لك جندُك، وقد أمرتَ بالرحيل! قال: فكيف لي؟ قال: تأمر بالنزول، ففعل.\nوخرج النّيلان ابن عمّ ملك فرغانة إلى الحرشيّ، وهو نازل على مُغون فقال له: إن أهل السغد بخُجَندة؛ وأخبره خبرهم وقال: عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشِّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل، فوجّه الحَرشيّ مع النيلان عبد الرحمن القشيريّ وزياد بن عبد الرحمن القُشيريّ في جماعة، ثم ندم على ما فعل فقال: جاءني عِلْجٌ لا أدري صدق أم كذب، فغزرتُ بجند من المسلمين، وارتحل في أثرهم حتى نزل في أشْرُوسَنة، فصالحهم بشيء يسير، فبينا هو يتعشىّ إذ قيل له: هذا عطاءٌ الدّبُوسيّ - وكان فيمن وجهه مع القشيريّ - ففزع وسقطت ال قْمة من يده، ودعا بعطاء، فدخل عليه، فقال: ويلك! قاتلتم أحدًا؟ فقال: لا، قال: الحمد لله، وتعشّى، وأخبره بما قدم له عليه،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٧/ ١٨٣).","vol":"9","page":506},{"text":"فسار جوادًا مغذًّا، حتى لحق القشيريّ بعد ثالثة، وسارَ فلما انتهى إلى خُجَندة، قال للفضل بن بسّام: ما ترى؟ قال: أرى المعاجلة، قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجُلٌ فإلى أين يرجع! أو قتل قتيل فإلى مَن يُحمَل! ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب، فنزل فرفع الأبنية وأخذ في التأهب، فلم يخرج أحد من العدوّ، فجبَّن الناسُ الحرشيّ، وقالوا: كان هذا يُذكر بأسه بالعراق ورأيه، فلما صار بخراسان ماقَ. قال: فحمل رجلٌ من العرب، فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، وقد كانوا حفروا في رَبَضهم وراء الباب الخارج خندقًا، وغطَوْه بقصب، وعَلَّوه بالتراب مكيدة، وأراد إذا التقوا إن انهزموا أن يكونوا قد عرفوا الطريق، ويشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق.\nقال: فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطؤوهم الطريق، فسقطوا في الخندق فأخرجوا من الخندق أربعين رجُلًا، على الرّجل دِرْعان دِرْعان، وحصرهم الحرشي، ونصب عليهم المجانيق، فأرسلوا إلى ملك فَرْغانة: غدرْتَ بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال لهم: لم أغير ولا أنصركم؛ فانظروا لأنفسكم؛ فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري، فلما أيسوا من نصره طلبوا الصُّلح، وسألوا الأمان وأن يردَّهم إلى السُّغْد، فاشترط عليه أن يردّوا مَن في أيديهم من نساء العرب وذراريّهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدًا، ولا يتخلّف منهم بخجنَدة أحد، فإن أحدثوا حدثًا حلّت دماؤهم.\nقال: وكان السَّفير فيما بينهم موسى بن مشكان مولى آل بسام، فخرج إليه كارزنج، فقال له: إنّ لي حاجة أحبّ أن تشفِّعني فيها، قال: وما هي؟ قال: أحبّ إن جنى منهم رجل جناية بعد الصلح ألَّا تأخذني بما جنى، فقال الحرَشيّ: ولي حاجة فاقضِها، قال: وما هي؟ قال: لا يلحقني في شرَطي ما أكره. قال: فأخرجَ الملوك والتجار من الجانب الشرقيّ، وترك أهل خُجَندة الذين هم أهلها على حالهم، فقال كارزنج للحَرَشيّ: ما تصنع؟ قال: أخاف عليكم معرّة الجند. قال: وعظماؤهم مع الحرشيّ في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان، فبلغ الحَرَشيّ أنهم قتلوا امرأة من نساء كنَّ في أيديهم، فقال لهم: بلغني أن ثابتًا الأشتيخنيّ قتل امرأة ودفنها تحت حائط،","vol":"9","page":507},{"text":"فجحدوا فأرسل الحرشي إلى قاضي خُجَندة، فنظروا فإذا المرأة مقتولة، قال: فدعا الحرشيّ بثابت، فأرسل كارزنج غلامَه إلى باب السرادق ليأتيَه بالخبر، وسأل الحرشيّ ثابتًا وغيره عن المرأة، فجحد ثابت وتيقّن الحرشيّ أنه قتلها فقتله، فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشيّ، فقال لأيوب بن أبي حسان: إنِّي ضيفُك وصديقك، فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خَلق، قال: فخذ سراويلي. قال: وهذا لا يجمل، أقتَل في سراويلاتكم! فسرّح غلامك إلى جلنج ابن أخي يجيئوني بسراويل جديد - وكان قد قال لابن أخيه: إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل - فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطّعها عصائبَ، وعصبها برؤوس شاكريّته، فاعترض الناس فقتل ناسًا، ومرّ بيحيى بن حُضَين فنفحه نفحة على رجله، فلم يزل يخمَعُ منها، وتضعضع أهل العسكر، ولقي الناس منه شرًّا، حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود، وكان في أيدي السُّغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومئة، ويقال: قتلوا منهم أربعين؛ قال: فأفلت منهم غلام فأخبر الحَرشيّ - ويقال: بل أتاه رجل فأخبره - فسألهم فجحدوا، فأرسل إليهم مَن علم علمهم، فوجد الخبر حقًّا، فأمر بقتلهم، وعزل التجار عنهم - وكان التجار أربعمئة، كان معهم مالٌ عظيم قدموا به من الصين - قال: فامتنع أهل السُّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشَب، فقتِلوا عن آخرهم، فلما كان الغد دعا الحراثين - ولم يعلموا ما صنع أصحابهم - فكان يختم في عُنق الرجل ويخرُج من حائط إلى حائط فيقتل، وكانوا ثلاثة آلاف - ويقال سبعة آلاف - فأرسل جرير بن هميان والحسن بن أبي العَمَرّطة ويزيد بن أبي زينب فأحصوا أموال التجار - وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل - فاصطفى أموال السُّغد وذراريّهم، فأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا مسلم بن بُديَل العدويّ عديِّ الرّباب، فقال: قد وليتك المقَسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليلة!، وَلِّه غيرى؛ فولّاه عبيد الله بن زهير بن حيّان العدوي، فأخرج الخمس، وقسّم الأموال؛ وكتب الحرشيّ إلى يزيد بن عبد الملك، ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما وجد عليه عليه عمر بن هبيرة، فقال ثابت قُطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم:","vol":"9","page":508},{"text":"أقَرَّ العَيْن مَصْرَعُ كارزنجٍ ... وكشَّينٍ وما لاقى بيارُ\nوديْواشني وما لاقى جلنجٌ ... بِحِصْنِ خُجَنْدَ إذ دَمَروا فبارُو!\nويروى: \"أقرّ العين مصرع كارزنج، وكشكيش\" ويقال: إن ديواشني دِهْقان أهل سَمَرْقند، واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشني.\nويقال: كان على أقْبَاض خُجَندة عِلبْاء بن أحمر اليشكريَّ، فاشترى رجل منه جُونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضعٌ يده على عينه كأنه رمد، فردَّ الجُونة، وأخذ الدرهمين، فطلِب فلم يوجد.\nقال: وسرّح الحَرَشيّ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوانة إلى قلعة لا يُطيف بها وادي السُّغد إلَّا من وجه واحد، ومعه شوكر بن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان، فوجّه سليمان بن أبي السريّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحيّ، فتلقَّوْه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم، فهزمهم المسيّب حتى ردَّهم إلى القلعة فحصرهم سليمان، ودِهْقانها يقال له ديواشني.\nقال: فكتب إليه الحَرَشيّ فعرض عليه أن يمدّه، فأرسل إليه: ملتقانا ضيّق فسر إلى كِسّ؛ فإنا في كفاية الله إن شاء الله. فطلب الديواشني أن ينزل على حكم الحرشيّ، وأن يوجّهه مع المسيِّب بن بشر إلى الحرشيّ، فوفى له سليمان ووجّه إلى سعيد الحَرشيّ، فألطفه وأكرمه مكيدةً، فطلب أهل القلعة الصُّلْح بعد مسيره على ألا يعرض لمئة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويُسلمون القَلعة، فكتب سليمان إلى الحرشيّ أن يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة.\nقال: فبعث محمدَ بن عزيز الكنديّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ. فباعوا ما في القلعة مزايدةً، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم، وخرج الحوشيّ إلى كِسّ فصالحوه على عشرة آلاف رألس. ويقال: صالح دهقان كِسّ، واسمه ويك - على ستة آلاف رأس، يوفيه في أربعين يومًا على ألَّا يأتيه فلما فرغ من كِسّ خرج إلى رَبِنْجَن، فقتل الديواشنيّ، وصلبَه على ناووس وكتب على أهل ربنجن كتابًا بمئة إن فُقد من موضعه، وولّى نصر بن سيار قبضَ صلح كِسّ، ثم عزل سَوْرة بن الحرّ وولَّى نصر بن سيار، واستعمل سليمان بن أبي السريَّ على كِسّ، ونَسَف حربها","vol":"9","page":509},{"text":"وخراجها، وبعث برأس الديواشني إلى العراق، ويده اليسرى إلى سليمان بن أبي السريَّ إلى طخارستان.\nقال: وكانت خُزَار منيعة، فقال المجشّر بن مُزاحم لسعيد بن عمرو الحَرَشيّ: ألا أدلك على مَن يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى، قال: المسرْبَل بن الخرّيت بن راشد الناجيّ، فوجّهه إليها - وكان المسربل صديقًا لملكها، واسم الملك سبقرى، وكانوا يحبّون المسربل - فأخبر الملك ما صنع الحرشيّ بأهل خُجَندة وخوّفه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تنزل بأمان، قال: فما أصنع بمن لحق بي من عوامّ الناس؟ قال: نصيّرهم معك في أمانك، فصالحهم فآمنوه وبلاده.\nقال: ورجع الحَرَشيّ إلى مَرْو ومعه سبقرى، فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بن يزيد الحَرَشيّ، وأمره أن يوافَيه ببرذون بن كُشانِيشاه قتل سبقرى وصلبه ومعه أمانه - ويقال: كان هذا دِهْقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أمانًا لأهل السُّغد، فحبسه الحَرَشيّ في قهندز مَرْو، فلما قدم مَرْوَ دعا به، وقتله وصلبه في الميدان، فقال الراجز:\nإذا سَعِيدٌ سارَ في الأَخْماسِ ... في رَهَج يَأْخذُ بالأَنفاس\nدارَتْ على التّرْكِ أَمَرُّ الكاسِ ... وطَارَتِ التُّرْكُ على الأَحلاسِ\nولّوْا فِرارًا عُطّلَ القياسِ [٧/ ٧ - ١٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبدَ الرحمن بن الضحاك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال</span>\nوكان سبب ذلك - فيما ذكر محمد بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن أبي يحيى - قال: خطب عبدُ الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهريّ فاطمة بنة الحسين، فقالت: والله ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنيّ هؤلاء؛ وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه، قال: وألخ عليها وقال: والله لئن لم تفعلي لأجلدنّ أكبر بنِيك في الخمر - يعني عبد الله بن الحسن - فبينا هو كذلك؛ وكان على ديوان المدينة ابن هرمز (رجل من أهل الشام)، فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه، ويدفع الديوان، فدخل على فاطمة بنت الحسين يودّعها، فقال:","vol":"9","page":510},{"text":"هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضّحاك، وما يتعرّض منِّي، قال: وبعثت رسولًا بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها، وتذكر ما ينال ابنُ الضحاك منها، وما يتوعّدها به.\nقال: فقدم ابن هرمز والرّسول معًا. قال: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل كان من مغرّبة خبر؟ فلم يذكر ابن هُرمز من شأن ابنة الحسين، فقال الحاجب: أصلح الله الأمير! بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فقال ابن هرمز: أصلح الله الأمير! إنّ فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حمَّلتني رسالة إليك، فأخبره الخبر.\nقال: فنزل من أعلى فراشه، وقال: لا أمّ لك! ألم أسألك هل من مغرّبة خبر، وهذا عندك لا تخبرنيه! قال: فاعتذر بالنسيان، قال: فأذن للرسول فأدخله، فأخذ الكتاب، فاقترأه، قال: وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول: لقد اجترأ ابن الضّحاك! هل من رجل يُسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضْريّ. قال: فدعا بقرطاس، فكتب بيده:\nإلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضْريّ وهو بالطائف: سلام عليك؛ أما بعد فإني قد ولّيتُك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرِمْه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوتَه وأنا على فراشي.\nقال: وأخذ البريد الكتاب، وقدِم به المدينة، ولم يدخل على ابن الضحاك وقد أوجستْ نفس ابن الضحاك، فأرسل إلى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا ألف دينار، فقال: هذه ألف دينار لك ولك العهد والميثاق؛ لئن أنت أخبرتني خبرَ وجهك هذا دفعتُها إليك، فأخبره، فاستنظر البريد ثلاثًا حتى يسير، ففعل، ثم خرج ابنُ الضحاك، فأغذّ السَّيْر حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرقّقه وذكر حاجة جاء لها، فقال: كلّ حاجة تكلمت فيها هي في يديك ما لم يكن ابن الضحاك، فقال: هو والله ابن الضّحاك! فقال: والله لا أعفيه أبدًا وقد فعل ما فعل، قال: فردّه إلى المدينة إلى النَّضْريّ.\nقال عبد الله بن محمد: فرأيتُه في المدينة عليه جُبّة من صوف لسأل الناس،","vol":"9","page":511},{"text":"وقد عذِّب ولقي شرًّا، وقدم النَّضْريّ يوم السبت للنصف من شوال سنة أربع ومئة.\nقال محمد بن عمر: حدّثني إبراهيم بن عبد الله بن أبي فرْوة، عن الزّهريّ، قال: قلت لعبد الرحمن بن الضحاك: إنك تقدم على قومِك وهم ينكرون كلّ شيء خالف فعلهم، فالزم ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله؛ فإنهما لا يألوانك رشدًا، قال الزهريّ: فلم يأخذ بشيء من ذلك وعادى الأنصار طرًّا، وضرب أبا بكر بن حزم ظلمًا وعدوانًا في باطل فما بقي منهم شاعر إلَّا هجاه ولا صالح إلَّا عابه وأتاه بالقبيح، فلما ولي هشام رأيتُه ذليلًا (١) [٧/ ١٢ - ١٤].\nوفي هذه السنة غزا الجرّاح بن عبد الله الحكَمىّ وهو أمير على أرمينيَة وأذْرَبيجان - أرض الترك ففُتح على يديه بَلَنْجَرَ وهْزم الترك وغزقهم وعامة ذرارتهم في الماء، وسبوا ما شاؤوا، وفتح الحصون التي تلي بَلنْجر وجلا عامة أهلها.\nوفيها ولد - فيما ذكر - أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ في شهر ربيع الآخر.\nوفيها دخل أبو محمد الصادق وعِدّة من أصحابه من خُراسان إلى محمد بن عليّ وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خِرْقة وقال لهم: والله ليتمنّ هذا الأسر حتى تدركوا ثأركم من عدوّكم.\nوفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحَرَشيّ عن خُراسان، وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيدَ بن عمرو الحَرَشيّ عن خراسان</span>\nذُكر أنّ سبب ذلك كان في موجِدة وجدَها عمر على الحَرَشيّ أمر الديواشنيّ،\n_________\n(١) وقد ذكر ابن كثير هذه القصة [٧/ ١٢ - ١٣ - ١٤] مختصرًا وانظر البداية والنهاية [٧/ ١٨٣].","vol":"9","page":512},{"text":"وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وكان البريد والرّسول إذا ورد العراق قال له: كيف أبو المثنَّى؟ ويقول لكاتبه: اكتب إلى أبي المثنى يقول: \"الأمير\"، ويكثر أن يقول: قال أبو المثنَّى وفعل أبو المثنَّى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعى جُمَيل بن عمران، فقال له: بلغني أشياء عن الحَرَشيّ، فاخرج إلى خراسان، وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين، واعلم لي علمه. فقدِم جُميل، فقال له الحَرَشيّ: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين، فقيل للحرشيّ: ما قدم جميل لينظر في الدواوين، وما قدم إلَّا ليعلم عِلْمَك، فسمَّ بِطِّيخةَ، وبعث بها إلى جميل، فأكلها فمرض، وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فعولج واستبلّ (١) وصحَّ فقال لابن هبيرة: الأمر أعظم مما بلغك؛ ما يرى سعيد إلَّا أنك عامل من عماله، فغضب عليه وعزله وعذبه، ونفح في بطنه النمل (٢)، وكان يقول حين عزله: لو سألني عُمر درهمًا يضعه في عينه ما أعطيمَه؛ فلما عذب أدّى، فقال له رجل: ألم تزعم أنك لا تعطيه درهمًا! قال: لا تعنّفني؛ إنه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أَذَينة بن كليب - أو كليب بن أذيْنة:\nتَصَبَّرْ أَبا يحيى فَقَدْ كنْتَ - علمَنا - ... صَبُورًا وَنَهَّاضًا بِثقْلِ المغارِمِ (٣)\nوقال عليّ بن محمد: إنّما غضب عليه ابنْ هبيرة أنه وجه معقل بن عروة إلى هَرَاة؛ إما عاملًا وإما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل أن يمرّ على الحَرَشيّ، وأتَى هَراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، وكتب إلى الحَرَشيّ، فكتب الحَرَشيّ إلى عامله: أن احمل إليّ معقلًا، فحمله، فقال له الحرَشيّ: ما منعك من إتياني قبل أن تأتي هَراة؟ قال: أنا عامل لابن هُبيرة ولّاني كما ولاك. فضربه مئتين وحلّقه (٤). فعزله ابن هبيرة، واستعمل على خُراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة، فكتب إلى الحَرَشيّ يلخِّنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللّخناء، وكتب إلى مسلم أن احمِل إليّ الحَرَشيّ مع معقِل بن عروة. فدفعه إليه، فأساء به وضيّق\n_________\n(١) استبل: أي برئ وشفي. القاموس المحيط ص ١٢٥١.\n(٢) النمل هنا: بثور صغار مع ورم يسير. القاموس المحيط ص ١٣٧٦.\n(٣) انظر البداية والنهاية [٧/ ١٨٤].\n(٤) حلقه؛ وسمه بحلقة في فخذه. القاموس المحيط ص ١١٣٠.","vol":"9","page":513},{"text":"عليه، ثم أمره يومًا فعذّبه، وقال: اقتله بالعذاب، فلما أمسىَ ابن هُبيرة سمَر فقال: مَنْ سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قال: دعوا هذا، سيّد قيس الكوْثر بن زفر، لو بوق بليلٍ لوافاه عشرون ألفًا. لا يقولون: لم دعوتنا ولا يسألونه، وهذا الحمار الذي في الحبْس - قد أمرت بقتله - فارسُها، وأما خيرُ قيس لها فعسىَ أن أكونه؛ إنه لم يعرض إليّ أمر أرى أني أقدر فيه على منفعة وخير إلَّا جررته إليهم، فقال له أعرابيّ من بني فَزارة: ما أنت كما تقول، لو كنتَ كذلك ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل أن كُفّ عما كنتُ أمرتك به.\nقال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: لمّا هرب ابنُ هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بن عمرو الحَرَشيّ، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة، وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قُبَيض، فعرَفه الحَرَشيّ فقال له: قُبيض؟ قال: نعم، قال: أفي السفينة أبو المثنى؟ قال: نعم، قال: فخرج إليه ابنُ هبيرة، فقال له الحرَشيّ: أبا المثنى، ما ظنُّك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلًا من قومك إلى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنّجاء.\nقال عليّ: قال أبو إسحاق بن ربيعة: لما حبس ابن هبجرة الحرَشيّ دخل عليه معقل بن عروة القُشيريّ، فقال: أصلح الله الأمير! قيَّدت فارس قيس وفضحته، وما أنا براضٍ عنه؛ غير أني لم أحبّ أن تبلغ منه ما بلغت، قال: أنت بيني وبينه، قدمتُ العراق فوليته البصرة، ثم وليته خراسان، فبعث إليّ ببرذون حَطِم (١) واستخفّ بأمري، وخان فعزلتُه، وقلت له: يا بن نَسْعة، فقال لي: يا بن بُسرة، فقال معقل؛ وفعل ابن الفاعلة! ودخل على الحَرَشيّ السجن، فقال: يابن نَسعة، أمك دخلت واشتُريت بثمانين عَنْزًا جربًا، كانت مع الرّعاء ترادفها الرجال مطية الصادر والوارد، تجعلها ندًّا لبنت الحارث بن عمرو بن حَرجة! وافترى عليه، فلما عُزِل ابن هبيرة، وقدم خالد العراق استعدَى الحَرشيّ على معقل بن عروة، وأقام البيّنة أنه قذفه، فقال للحَرَشيّ: اجلد، فحدّه، وقال: لولا أنّ ابن هبيرة وهّن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: أسأتَ إلى ابن عمك وقذفتَه، فأداله الله منك، فصرتَ لا شهادةَ\n_________\n(١) الحطم: داء في قوائم الدابة. القاموس المحيط (ص ١٤١٥).","vol":"9","page":514},{"text":"لك في المسلمين، وكان معقل حين ضرب الحدّ قذف الحَرشيّ أيضًا فأمر خالد بإعادة الحدّ، فقال القاضي: لا يُحَدّ، قال: وأمّ عمر بن هبيرة بُسرة بنت حسان، عدوّية من عديّ الرِّباب (١) [٧/ ١٤ - ١٧].\nقال. ثم سمر ليلة ومسلم في سَمَرِه، فتخلّف مسلم بعد السُّمَّار، وفي يد ابن هبيرة سفرْجلة، فرمى بها، وقال: أيسُرّك أن أولِّيَك خراسان؟ قال: نعم، قال: غدوة إن شاء الله، قال: فلما أصبح جلس، ودخل الناس؛ فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده، وأمره بالسير، وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد، ودعا بجبلَة بن عبد الرحمن مولَى باهلة فولّاه كِرْمان، فقال جبلة: ما صنعت بي المولوّية! كان مسلم يطمع أن ألِي ولايةً عظيمة فأولِّيه كورة، فعُقد له على خُراسان وعقد لي على كرمان! قال: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة أربع ومئة - أو ثلاث ومئة - نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقًا، فأتى دار الدوابّ فوجد الباب مغلقًا فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلَقًا، فصلى، وخرج وصيفٌ من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلِم الحَرَشيّ، وقيل له: قدم مسلم بن سعيد بن أسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميرًا أو وزيرًا أو زائرًا؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خراسان زائرًا ولا وزيرًا، فأتاه الحَرشيّ فشتمه وأمر بحبسه، فقيل له: إن أخرجته نهارًا قتِل، فأمر بحسبه عنده حتى أمسى، ثم حبسه ليلًا وقيّده، ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قَيْدًا، فأتاه حزينًا، فقال: مالك؟ فقال: أُمِرْتُ أن أزيدك قيدًا، فقال لكاتبه: اكتب إليه: إنّ صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيدًا، فإن كان أمرًا ممّن فوقك فسمعًا وطاعةً، وإن كانْ رأيًا رأيته فسيرك الحَقْحقة (٢)، وتمثّل:\nهُمُ إن يَثقفوني يقتلوني ... ومن أَثْقَفْ فليس إلى خلود (٣)\n_________\n(١) أبو إسحاق: مجهول - ولطالما ورد ذكر ألفاظ السب والشتم من طريق رواة مجاهيل وكأن الأمراء لم يكونوا يعرفوا غير ألفاظ السب والشتم اللاذع ولا يصح ذلك.\n(٢) الحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر. القاموس المحيط ص ١١٣٠.\n(٣) من أبيات لخالد بن جعفر بن كلاب، ذكرها صاحب الأغاني في ١١: ٨٣، وفي اللسان: ثقفته ثقفًا، أي: صادفته.","vol":"9","page":515},{"text":"ويروى:\nفإما تثقَفُوني فاقتلوني ... فمَنْ أَثَقفْ فليس إلى خُلود\nهُمُ الأعَداءُ إن شَهدُوا وغابوا ... أولوا الأَحْقَادِ والأكَبادُ سودُ\nأَرِيغُوني إِرَاغَتَكُمْ فإِني ... وحَذْفَةَ كالشَجَا تحتَ الوريدِ\nويروى: \"أريدوني إرادتكم\".\nقال: وبعث مسلم على كُوره رجلًا من قِبَله على حربها.\nقال: وكان ابنُ هبيرة حريصًا، أخذ قَهرمانًا ليزيد بِن المهلب، له علم بخراسان وبأشرافهم، فحبسه فلم يَدَع منهم شريفًا إلَّا قَرَفَه (١)، فبعث أبا عبيدة العنبريّ ورجلًا يقال له خالد، وكتب إلى الحَرَشِيّ وأمره أن يدفع الذين سمَّاهم إليه يستأديهم فلم يفعل، فردّ رسول ابن هُبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد أمره بجباية تلك الأموال، فلمّا قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الأموال التي قرفت عليهم، فقيل له: إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى توضَع عنهم فسدَتْ عليك وعليهم خراسان؛ لأنّ هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الأموال أعيان البلد قُرِفوا بالباطل؛ إنما كان على مِهْزَم بن جابر ثلاثمئة ألف فزادوا مئة ألف فصارت أربعمئة ألف، وعامَّة من سُمّوا لك ممن كثر عليه بمنزله.\nفكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفدًا فيهم مِهْزَمَ بن جابر، فقال له مِهْزم بن جابر: أيها الأمير، إنّ الذين رُفع إليك الظلم والباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق إلَّا القليل الذي لو أخذنا به أدّيناه، فقال ابن هبيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فقال: اقرأ ما بعدها: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢)، فقال ابن هبيرة: لابُدَّ من هذا المال، قال: أما والله لئن أخذتَه لتأخذنّه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوّك، وليضرّن ذلك بأهل خراسان في عدَّتهم وكُراعهم وحَلْقتهم؛ ونحن في ثغر نُكابد فيه عدوًّا لا ينقضي حربهم؛ إنَّ أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه إلى جلده، حتى إن الخادم\n_________\n(١) قرفه: اتهمه ورماه. القاموس المحيط ص ١٠٩١.\n(٢) سورة النساء: ٥٨.","vol":"9","page":516},{"text":"التي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذى تخدمُه لريح الحديد؛ وأنتم في بلادكم متفضِّلون في الرِّقاق وفي المعصفرة؛ والذين قرِفوا بهذا المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي: وقِبَلنا قوم قدِموا علينا من كلّ فجّ عميق، فجاؤوا على الحُمُرات، فَوُلُّوا الولايات، فاقتطعوا الأموال، فهي عندهم موقَرة جمة.\nفكتب ابن هبيرة إلى مسلم بن سعيد بما قال الوفد، وكتب إليه أن استخرج هذه الأموال ممن ذَكر الوفد أنها عندهم، فلما أتى مسلمًا كتابُ ابن هبيرة أخذ أهلَ العهد بتلك الأموال، وأمر حاجب بن عمرو الحارثيّ أن يعذّبهم ففعل وأخذ منهم ما فرّق عليهم. [٧/ ١٨ - ٢٠].\nوفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرضَ الروم؛ فبعث سرّية في نحو من ألف مقاتل، فأصيبوا - فيما ذكر - جميعًا.\nوفيها غزا مسلم بهن سعيد الترك، فلم يفتح شيئًا، فقفل ثم غزا أفشِينَة (مدينة من مدائن السُّغد) بعد في هذه السنة، فصالح ملكها وأهلها.\nذكر الخبر عن ذلك:\nذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنّ مسلم بن سعيد مَرْزَت بهرام سيس فجعله المرزبان، وأنّ مسلمًا غزا في آخر الصيف من سنة خمس ومئة، فهلم يفتح شيئًا وقفل، فاتّبعه الترك فلحقه، والنّاس يعبرون نهر بلْخ وتميم على الساقة، وعبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا، وفات يزيد بن عبد الملك، وقام هشام، وغزاء مسلم أفشين فصالَح ملكها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام سنة خمس ومئة. [٧/ ٢١].\nقال عليّ: قال أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك: إنك تملك أربعين سنة، فقال وجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه يملك أربعين قَصَبة، والقصبة شهر، فجعل الشهر سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>ذكر بعض سيره وأموره</span>\nحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: كان يزيد بن عاتكة من فِتْيانهم، فقال يومًا وقد طرب، وعنده. حَبَابة وسلّامة: دعُوني أطير، فقالت","vol":"9","page":517},{"text":"حَبابة: إلى من تَدَعُ الأمّة! فلما مات قالت سَلّامة القَسّ:\nلا تَلُمْنا إن خَشَعنَا ... أَو هَممْنَا بالخشوعِ (١)\nقد لَعَمْري بتُّ لَيلِي ... كأَخي الدَّاءِ الوَجيعِ\nثم باتَ الهمُّ منِّي ... دونَ مَن لي من ضَجِيع (٢)\nللذي حلَّ بنا اليو ... مَ من الأَمر الفَظِيعِ\nكلَّما أَبصرْتُ رَبْعًا ... خاليًا فاضَتْ دُمُوعي\nقد خلا من سيِّدٍ كان ... لنا غيرَ مُضيعِ\nثم نادت: واأمير المؤمنيناه! والشعر لبعض الأنصار.\nقال عليّ: حجَّ يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان بن عبد الملك فاشترى حَبابة - وكان اسمها العالية - بأربعة آلاف دينار من عثمان بن سهل بن حَنيف. فقال سليمان: هممت أن أحجر على يزيد، فردّ يزيد حَبابة فاشتراها رجل من أهل مصر، فقالت سعْدة ليزيد: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه بعد؟ قال: نعم حَبابة، فأرسلت سَعدة رجلًا فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وصنّعتها (٣) حتى ذهب عنها كَلال السفر، فأتت بها يزيد، فأجلستها من وراء الستر، فقالت: يا أمير المؤمنين، أبقي شيء من الدنيا تتمناه؟ قال: ألم تسأليني عن هذا مرّة فأعلمتُك! فرفعت الستر، وقالت: هذه حَبَابة، وقامت وخلّتها عنده، فحظيت سَعْدة عند يزيد وأكرمها وحباها. وسَعدة امرأة يزيد، وهي من آل عثمان بن عفان (٤).\nقال عليّ عن يونس بن حبيب: إن حبابة جارية يزيد بن عبد الملك غنَّت يومًا:\nبين التراقي واللهَاةِ حرَارَةٌ ... ما تطمئنّ ومَا تسُوغُ فتَبرُدُ\n_________\n(١) الأغاني: ٨: ٣٤٦ - ٣٤٨، قال: \"والشعر للأحوص والنوح لمعبد، صنعه لسلامة وناحت به على يزيد\".\n(٢) في رواية الأغاني:\nونجى الهم مِنِّي ... باب أَدنى من ضلوعي\n(٣) صنعتها؛ أي زينتها ونظفّتها.\n(٤) الخبر في الأغاني ١٥: ١٢٤؛ مع اختلاف في الرواية.","vol":"9","page":518},{"text":"فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجةً، فمرضت وثقِلت (١)، فقال: كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه، فبكى وقال:\nلئن تَسلُ عنكِ النفسُ أو تَذهَل الهوى ... فباليأْس يَسلُو القلب لا بالتَّجلّدِ\nوسمع جارية لها تتمثل:\nكفى حَزَنًا بالهائمِ الصَّبّ أن يرَى ... منازل مَن يهَوَى مُعطَّلَةً قَفرَا\nفكان يتمثّل بهذا.\nقال عمر: قال عليّ: مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حَبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس؛ أشار عليه بذلك مَسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناس (٢). [٧/ ٢٢ - ٢٤].\n* * *\n_________\n(١) ثقلت، أي: اشتد مرضها. القاموس المحيط ص ١٢٥٦.\n(٢) هذا خبر باطل.\nورحم الله الطبري لم يسمع خبرًا عن خلفاء بني أمية والعباس إلَّا وسجّله هذا في تأريخه وهذا الخبر أورده الطبري عن المدائني ولم يولد المدائني إلَّا بعد ربع قرن من الزمان من بعد وفاة يزيد فكيف عرف ذلك والشطر الأخير من الخبر أورده عن يونس بن حبيب ولم يبيّن من يونس هذا والذي في كتب التراجم بهذا الاسم لم يرو عنه المدائني بل ليس من هذه الطبقة قطعًا.\nوالخبر أورده البلاذري وابن عساكر من طرق لا تخلو من متروك أو كذاب أو وضاع (ابن جعدبة، الهيثم بن عدي، الواقدي) فكيف يثبت هذا الخبر المنكر؟ أضف إلى أمور أخرى تكذب هذه الروايات ذكرناها بالتفصيل في قسم الصحيح فليراجع هناك.","vol":"9","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1544>خلافة هشام بن عبد الملك</span>\nوأمّه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت حمقاء، أمرها أهلها ألَّا تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثنِي الوسائد وتركب الوِسادة وتزجرها كأنها دابّة، وتشتري الكُنْدُر (١) فتمضغه وتعمل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد، وقد سمّت كل تمثال باسم جارية، وتنادي: يا فلانة ويا فلانة؛ فطلقها عبد الملك لحمقها. وسار عبد الملك إلى مُصعب ففتله، فلما قتله بلغه مولد هشام، فسمّاه منصورًا، يتفاءل بذلك، وسمَّته أمه باسم أبيها هشام، فلم ينكر ذلك عبد الملك، وكان هشام يكنى أبا الوليد.\nوذكر محمد بن عمر عمّن حدَّثه أنّ الخلافة أتت هشامًا وهو بالزيتونة في منزله في دُويرة له هناك.\nقال محمد بن عمر: وقد رأيتها صغيرة، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، وسلّم عليه بالخلافة، فركب هشام من الرُّصافة حتى أتى دمشق.\nوفي هذه السنة قدِم بكيْر بن ماهان من السّند - وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجمانًا له - فلما عُزل الجنيد بن عبد الرحمن، قدم الكوفة ومعه أربع لبِنات من فضة ولبِنة من ذهب، فلقي أبا عكْرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالمًا الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة، فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبِل ذلك ورضيه، وأنفق ما معه عليهم، ودخل إلى محمد بن عليّ، ومات ميسرة فوجه محمد بن عليّ بُكَير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه (٢).\n_________\n(١) الكندر: اللبان. القاموس المحيط ص ٦٥٦.\n(٢) وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٨٦).","vol":"9","page":520},{"text":"وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، والنضريّ على المدينة.\nقال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن محمد بن شُرحبيل عن أبيه، قال: كان إبراهيم بن هشام بن إسماعيل حجّ، فأرسل إلى عطاء بن [أبي] رباح متى أخطب بمكة؟ قال: بعد الظهر، قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر، وقال: أمرني رسولي بهذا عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرتُه إلَّا بعد الظهر، قال: فاستحيا إبراهيم بن هشام يومئذ، وعدُّوه منه جهلًا. [٧/ ٢٥ - ٢٦].\nذكر محمد بن سلام الجُمحيّ، عن عبد القاهر بن السريّ، عن عمر بن يزيد بن عمير الأسيّديّ (١) قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، وعنده خالد بن عبد الله القسرِيّ، وهو يذكر طاعة أهل اليمن، قال: فصفّقت تصفيقةً بيدي دقّ الهواء مضها، فقلت: تالله ما رأيتُ هكذا خطأ ولا مثله خَطَلًا! والله ما فتحَتْ فتنة في الإسلام إلَّا بأهل اليمن، هم قتلوا أميرَ المؤمنين عثمان، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإنّ سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب. قال: فلما قمت تبعني رجلٌ من آل مروان كان حاضرًا، فقال: يا أخا بني تميم، ورتْ بك زِنادي، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين مولٍّ خالدًا العراق، وليست لك بدار. [٧/ ٢٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>ثم دخلت سنة ست ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأَحداث</span>\nحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنِي عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، قال: مات سالم بن عبد الله سنة خمس ومئة في عقب ذي الحجة، فصلى كليه هشام بن عبد الملك بالبَقيع، فرأيت القاسم بن محمد بن أبي بكر جالسًا عند القبر وقد أقبل هشام ما عليه إلا\n_________\n(١) في ابن الأثير: \"الأسيدي، بضم الهمزة وتشديد الياء؛ هكذا يقول المحدثون، وأما النحاة فإنهم يخففون الياء؛ وهي عند الجميع نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم بضم الهمزة وتشديد الياء\".","vol":"9","page":521},{"text":"دُرّاعة، فوقف على القاسم فسلم عليه، فقام إليه القاسم فسأله هشام: كيف أنت يا أبا محمد؟ كيف حالك؟ قال: بخير، قال: إني أحبّ والله أن يجعلكم بخير. ورأى في الناس كثرة، فضرب عليهم بعث أربعة آلاف؛ فسمّى عام الأربعة الآلاف.\nوفيها استقضى إبراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجُمحيّ ثم عزله، واستقضى الصَّلت الكنديّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>[ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية وربيعة] </span>(١)\nوفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بين المضرية واليمانية وربيعة بالبَرُوقان من أرض بلْخ.\nذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة:\nوكان سبب ذلك - فيما قيل - أنّ مسلم بن سعيد غزا، فقطع النّهر، وتباطأ الناس عنه، وكان ممَّن تباطأ عنه البخْتَريّ بن درهم، فلما أتى النّهر ردّ نصر بن سيار وسليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ وأبا حفص بن وائل الحنظليّ وعُقبة بن شهاب المازنيّ وسالم بن ذؤابة إلى بلْخ، وعليهم جميعًا نصْر بن سيار، وأمرهم أن يخرِجوا النّاس إليه. فأحرق نصر باب البَخْتَريّ وزياد بن طريف الباهليّ، فمنعهم عمرو بن مسلم من دخول بلْخ - وكان عليها - وقطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البَرُوقان، فأتاه أهل صَغَانِيَان، وأتاه مسلمة العُقْفاني من بني تميم، وحسان بن خالد الأسديّ، كلّ واحد منهما في خمسمئة، وأتاه سنان الأعرابيّ وزُرْعة بن علقمة وسلمة بن أوس والحجاج بن هارون النميريّ في أهل بيته، وتجمّعت بكْر والأزد بالبَرُوقان، رأسهم البختريّ، وعسكر بالبَرُوقان على نصف فرسخ منهم، فأرسل نصْر إلى أهل بلْخ: قد أخذتم أعطياتكم فالحقوا بأميركم، فقد قطع النّهر، فخرجت مُضَر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزْد إلى عمرو بن مسلم، وقال قوم من ربيعة: إنّ\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر بلا إسناد (فيما قيل) ولم نجد لهذه الواقعة أصلًا ولو بسند معضل أو منقطع لا عند خليفة ولا غيره من المتقدمين والله أعلم.","vol":"9","page":522},{"text":"مسلم بن سعيد يريد أن يخلع؛ فهو يكرهنا على الخروج، فأرسلت تَغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه شعرًا قاله رجل عزا باهلة إلى تَغْلِب (١) - وكان بنو قتيبة من بَاهلة - فقالوا: إنّا من تغلِب، فكرهتْ بكْر أن يكونوا في تَغلب فتكثر تغلِب، فقال رجل منهم:\nزَعمَتْ قتيبةُ أنها مِنْ وَائِل ... نسَبٌ بعيدٌ يا قتيبةُ فاصْعَدِي\nوذكر أن بني مَعن من الأزد يُدْعَوْن باهلة، وذكر عن شريك بن أبي قيلة المعنى أن عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بني معْن، فيقول: لئن لم نكن منكم ما نحن بعرب؛ وقال عمرو بن مسلم حين عَزاه التّغلبَيّ إلى بني تغلِب: ويزيد بن المفضل الحُدّانيّ، وكلما نصرًا وناشداه فانصرف. فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختريّ على نصر، ونادوا: يالَ بكر! وجالوا، وكرّ نصر عليهم؛ فكان أوّلَ قتيل رجلٌ من باهلة، ومع عمرو بن مسلم البحتريُّ وزياد بن طَريف الباهليّ فقتِل من أصحاب عمرو بن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلًا، وقتِل كردان أخو الفُرافِصَة ومَسْعدة ورجل من بكر بن وائل يقال له إسحاق، سوى مَن قتل في السكك، وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر وأرسل إلى نصر: ابعث إلى بلْعاء بن مجاهد، فأتاه بلعاء، فقال: خذْ لي أمانًا منه، فآمنه نصر، وقال: لولا أني أُشمِت بك بكر بن وائل لقتلتك.\nوقيل: أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونة، فأتوا به نصرًا في عُنقه حَبْل، فآمنه نصر، وقال له ولزياد بن طريف والبختريّ بن دِرْهَم: الحقوا بأميركم.\nوقيل: بل التقى نصر وعمرو بالبرُوقان، فقتِل من بكر بن وائل واليمن ثلاثون، فقالت بكر: علام نقاتل إخواننا أميرنا، وقد تقرّبنا إلى هذا الرجل فأنكر قرابتنا! فاعتزلوا، وقاتلت الأزْد، ثم انهزموا ودخلوا حصنًا فحصرهم نصر، ثم أخذ عمرو بن مسلم والبختريَّ أحد بني عبَّاد وزياد بن طريف الباهليَّ، فضربهم نصر مئة مئة، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم المُسوح. وقيل: أخذ البَختريّ في غيضة كان دخلها، فقال نصر في يوم البرُوقان:\nأرَى العينَ لجَّتْ في ابتدارٍ وما الذي ... يَرُدّ عليها بالدموعِ ابتدارُها!\n_________\n(١) ابن الأثير: \"قاله رجل من باهلة إلى تغلب\".","vol":"9","page":523},{"text":"فما أَنا بالواني إذا الحربُ شَمَّرَتْ ... تَحَرَّقُ في شَطْرِ الخميسَين نارُها\nولكنَّني أَدعو لها خِندِفَ التي ... تطلَّعُ بالعِبْء الثَّقيلِ فِقارها\nوما حَفظَتْ بكرٌ هنالك حِلفَها ... فصار عليها عارُ قيسٍ وعارُها\nفإن تكُ بَكرٌ بالعراقِ تَنَزَّرَتْ ... ففي أَرِض مَرْوٍ عَلُّهما وأزْوِرارُها\nوقد جَرَّبَت يَومَ البَروقان وقعةً ... لخِندِفَ إِذ حانَتْ وآنَ بوارُها\nأتتني لِقَيْسٍ في بَجيلةَ وقعةٌ ... وقد كان قبلَ اليومِ طالَ انتظارُها\nيعني حين أخذ يوسف بن عمر خالدًا وعياله.\nوذكر عليّ بن محمد أن الوليد بن مسلم قال: قاتل عمرو بن مسلم نصر بن سيار فهزمه عمرو، فقال لرجل من بني تميم كان معه: كيف ترى أستاه قومك يا أخا بني تميم؟ يعيِّره بهزيمتهم، ثم كرَّت تميم فهزموا أصحاب عمرو، فانجلى الرَّهج وبلعاء بن مجاهد في جمع من بني تميم يشُلُهم، فقال التميميّ لعمرو: هذه أستاه قومي. قال: وانهزم عمرو، فقال بلعاء لأصحابه: لا تقتلوا الأسرى ولكن جَرِّدوهم، وجوبوا سراويلاتهم عن أدبارهم ففعلوا، فقال بيان العنبريّ يذكر حربهم بالبَرُوقان:\nأتاني ورَحْلي بالمدينةِ وقعةٌ ... لآلِ تميمٍ أَرْجَفتْ كلَّ مُرجَفِ\nتَظَلُّ عُيونُ البُرْشِ بكر بن وائِلٍ ... إذَا ذكِرَت قتلى البَرُوقانِ تَذْرفُ\nهُمُ أسلموا للموتِ عَمْرو بنَ مسلِمٍ ... ووَلَّوْا شِلَالًا والأَسنةُ تَرْعُف\nوكانت من الفتيانِ في الحربِ عادة ... ولم يصبرُوا عندَ القنا المُتَقَصِّفِ\n(٧/ ٢٩ - ٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>ذكر الخبر عن غزوة مسلم بن سعيد هذه الغزوة:</span>\nذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أنَّ مسلمًا غزا في هذه السنة، فخطب الناس في ميدان يزيد، وقال: ما أُخَلِّفُ بعدي شيئًا أهمّ عندي من قوم يتخلّفون بعدي مخلْقِي الرقاب، يتواثبون الجُدران على نساء المجاهدين؛ اللهمّ افعل بهم وافعل! وقد أمرتُ نصرًا ألَّا يجد متخلِّفًا إلَّا قتله، وما أرثى لهم من عذاب ينزله الله بهم - يعني عمرو بن مسلم وأصحابه - فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسريّ بولايته على العراق، وكتب إليه: أتممْ غزاتك. فسار","vol":"9","page":524},{"text":"إلى فَرْغانة، فقال أبو الضحاك الرَّواحيّ - أحد بني رَوَاحة من بني عبس، وعِداده في الأزد، وكان ينظر في الحساب: ليس على متِخلّفٍ العامَ معصية، فتخلّف أربعة آلاف، وسار مسلم بن سعيد، فلما صار بفرْغانة بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، وأتاه شُمَيْل - أو شُبَيْل - بن عبد الرحمن المازنيّ، فقال: عاينت عسكر خاقان في موضع كذا وكذا، فأرسل إلى عبد الله بن أبي عبد الله الكرْمانيّ مولى بني سليم، فأمره بالاستعداد للمسير، فلما أصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في يوم؛ ثم سار من غد حتى قطع وادي السّبوح، فأقبل إليهم خاقان، وتوافت إليه الخيل؛ فأنزل عبد الله بن أبي عبد الله قومًا من العُرَفاء والموالي، فأغار الترك على الذين أنزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم، وأصابوا دوابّ لمسلم وقتِل المسيّب بن بشر الرَّياحيّ، وقتِل البراء - وكان من فرسان المهلّب - وقتل أخو غوْزك، وثار النّاس في وجوههم، فأخرجوهم من العسكر، ودفع مسلم لواءه إلى عامر بن مالك الحِمَّانيّ، ورحل بالناس فساروا ثمانية أيام، وهم مطيفون بهم؛ فلما كانت الليلة التاسعة أراد النزول، فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول، وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء، والماءُ منا غير بعيد؛ وإنك إن نزلت المرْج تفرّق الناس في الثمار، وانتُهب عسكرُك، فقال لسورة بن الحرّ: يا أبا العلاء، ما ترى؟ قال: أرى ما رأى الناس ونزلوا. قال: ولم يرفع بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية والأمتعة، فحرَّقوا قيمة ألف ألف، وأصبح الناس فساروا، فوردوا الماء فإذا دون النّهر أهلُ فرغانة والشّاش، فقال مسلم بن سعيد: أعزِم على كلّ رجل إلَّا اخترط سيفه؛ ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفًا، فتركوا الماء وعبروا، فأقام يومًا، ثم قطع من غدٍ، وأتبعهم ابن الخاقان. قال: فأرسل حُميد بن عبد الله وهو على الساقة إلى مسلم: قف ساعةً فإنّ خلفي مئتي رجل من الترك حتى أقاتلهم - وهو مثقَلٌ جراحةً - فوقف الناس، فعطف على الترك، فأسر أهل السُّغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة، وانصرف البقيّة، ومضى حميد ورُمي بنشّابة في ركبته، فمات.\nوعطش الناس وقد كان عبد الرحمن بن نعيم العامري حمل عشرين قربة على إبله، فلما رأى جهد الناس أخرجها، فشربوا جُرَعًا، واستسقى يوم العطش مسلم بن سعيد فأتوْه بإناء، فأخذه جابر - أو حارثة - بن كثير أخو سليمان بن كثير","vol":"9","page":525},{"text":"من فيه، فقال مسلم: دعوه، فما نازعني شَرْبتي إلَّا من حرّ دخَله، فأتوا خُجَنْدة، وقد أصابتهم مَجاعة وجَهد، فانتشر الناس فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم، فأتياه بعهده على خُراسان من أسد بن عبد الله، فأقرأه عبد الرحمن مسلمًا، فقال: سمعًا وطاعة، قال: وكان عبد الرحمن أوّل من اتخذ الخيام في مفازة آمُل.\nقال: وكان أعظم الناس غنىً يوم العطش إسحاق بن محمد الغُدانيّ، فقال حاجب الفيل لثابت قُطْنة، وهو ثابت بن كعب:\nنقْضي الأُمورَ وبكرٌ غَيرُ شاهدها ... بين المجاذِيفِ والسُّكانِ مشغولُ\nما يَعْرفُ الناسُ منه غَيرَ قُطْنَتِه ... وما سواها مِنَ الآباءِ مجْهُولُ\nوكان لعبد الرحمن بن نعيم من الولد نُعَيم وشَديد وعبد السلام وإبراهيم والمِقْداد، وكان أشدَّهم نُعَيم وشَديد، فلما عُزل مسلم بن سعيد، قال الخزرج التغلبيّ: قاتلنا الترك، فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك؛ فنظرت إليهم وقد اصفرّت وجوههم، فحمل حَوْثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحُنَيف بن نصر بن يزيد بن جَعْوَنة على الترك في أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة ثم رجع، وأقبل نصر بن سيار في ثلاثين فارسًا، فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم، وحمل الناس عليهم؛ فانهزم الترك.\nقال: وحوثرة هذا هو ابن أخي رَقَبة بن الحرّ. قال: وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولّاه خراسان: ليكن حاجبُك من صالح مواليك، فإنه لسانك والمعبّر عنك، وحُثّ صاحب شُرطتك على الأمانة، وعليك بعمال العذر، قال: ومَا عمال العُذْر؟ قال: مُرْ أهلَ كلّ بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإذا اختاروا رجلًا فولّه، فإن كان خيرًا كان لك، وإن كان شرًّا كان لهم دونك؛ وكنت معذورًا.\nقال: وكان مسلم بن سعيد كتب إلى ابن هُبيرة أن يوجه إليه توبة بن أبي أسيْد مولى بني العنبر، فكتب ابن هبيرة إلى عامله بالبصرة: احمل إليّ توبة بن أبي أسَيْد، فحمله فقدم - وكان رجلًا جميلًا جهيرًا له سَمْتٌ - فلما دخل على ابن هبيرة، قال ابن هبيرة: مثل هذا فليولّ، ووجَّه به إلى مسلم، فقال له مسلم: هذا خاتمي فاعمل برأيك؛ فلم يزل معه حتى قدم أسد بن عبد الله، فأراد توبة أن","vol":"9","page":526},{"text":"يشخص مع مسلم، فقال له أسد: أقم معي فأنا أحوَج إليك من مسلم، فأقام معه، فأحسن إلى الناس وألان جانبه، وأحسن إلى الجند وأعطاهم أرزاقهم، فقال له أسَد: حلّفهم بالطلاق فلا يتخلف أحد عن مغزاه، ولا يدخل بديلًا، فأبى ذلك توبة فلم يحلفهم بالطلاق.\nقال: وكان الناس بعد توبة يُحلّفون الجند بتلك الأيمان، فلما قدم عاصم بن عبد الله أراد أن يحلّف الناس بالطلاق فأبوا، وقالوا: نحلف بأيمان توبة. قال: فهم يعرفون ذلك، يقولون: أيمان توبة (١). [٧/ ٣٢ - ٣٥].\nقال الواقدي: حدّثني ابن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: كتب إليّ هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن اكتب لي سُنَن الحج، فكتبتها له، وتلقاه أبو الزناد، قال أبو الزّناد: فإني يومئذ في الموكب خلفه، وقد لقيَه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، وهشام يسير، فنزل له، فسلم عليه، ثم سار إلى جَنْبه، فصاح هشام ة أبو الزناد! فتقدَّمتُ، فسرت إلى جنبه الآخر، فأسمع سعيدًا يقول: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يَلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب، فأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه في هذه المواطن الصالحة؛ قال: فشقّ على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قال: مَا قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجّاجًا. ثم قطع كلامه وأقبل عليّ فقال: يا عبد الله بن ذكوان، فرغتَ مما كتبتُ إليك؟ فقلت: نعم فقال أبو الزناد: وثقُل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام، فرأيته منكسرًا كلما رآني (٢).\nوفي هذه السنة كلّم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشامَ بن عبد الملك - وهشام واقف قد صلّى في الحِجْر - فقال له: أسألك بالله وبحرْمة هذا الييت والبلد الذي خرجتَ معظِّمًا لحقه إلَّا رددتَ عليّ ظلامتي! قال: أيّ ظلامة؟ قال: داري، قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن الوليد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن سليمان؟ قال: ظلمني، قال: فعن عمر بن عبد العزيز؛ قال: يرحمه الله، ردّها والله عليّ، قال: فعن\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٧/ ١٨٥).\n(٢) هذا خبر لا يصح والواقدي متروك ولم يتابعه على هذا الخبر غيره.","vol":"9","page":527},{"text":"يزيد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، هو قبضها مني بعد قبضِي لها، وهي في يديك، قال هشام: أما والله لو كان فيك ضربٌ لضربتك، فقال إبراهيم: فيّ والله ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع، كيف سمعتَ هذا اللسان؟ قال: ما أجود هذا اللسان! قال: هذه قريش وألسنتها، ولا يزال في الناس بقايا ما رأيتَ مثل هذا. [٧/ ٣٥ - ٣٦].\nوفيها استعمل خالد أخاه أسد بن عبد الله أميرًا على خراسان، فقدمها ومسلم بن سعيد غازٍ بفرغانة، فذكر عن أسد أنه لما أتى النهر ليقطع، منعه الأشهب بن عبيد التميميّ أحد بني غالب، وكان من السفن بآمُل، فقال له أسد: أقطِعني، فقال: لا سبيل إلى إقطاعك؛ لأني نُهِيت عن ذلك، قال: لاطفوه وأطمعوه، فأبى؛ قال: فإني الأمير، ففعل، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نَشْرَكه في أمانتنا، فقطع النهر، فأتى السُّغد، فنزل مرْجها، وعلى خراج سَمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس يتلقى أسدًا، فأتَوه بالمرْج، وهو جالس على حجَر، فتفاءل الناس، فقالوا: أسد على حَجر! ما عند هذا خير، فقال له هانئ: أقدمتَ أميرًا فنفعل بك ما نفعل بالأمراء؟ قال: نعم. قدمتُ أميرًا. ثم دعا بالغداء فتغدّى بالمرْج، وقال: مَن ينشط بالمسير وله أربعة عشر درهمًا - ويقال: قال ثلاثة عشر درهمًا - وهاهي ذي في كميّ؟ وإنه ليبكي ويقول: إنما أنا رجل مثلكم، وركب فدخل سَمَرْقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، فقدم الرَّجلان على عبد الرحمن بن نعيم، وهو في وادي أفشين على السّاقة - وكانت الساقة على أهل سمَرْقند الموالي وأهل الكوفة - فسألا عن عبد الرحمن فقالوا: هو في الساقة، فأتياه بعهد وكتاب بالقَفل والإذن لهم فيه، فقرأ الكتاب، ثتم أتى به مسلمًا وبعهده، فقال مسلم: سمعًا وطاعة، فقام عمرو بن هلال السدوسيّ - ويقال التيميّ - فقنّعه سوطين لما كان منه بالبَرُوقان إلى بكر بن وائل، وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز، فغضب عبد الرحمن بن نعيم، فزجرهما ثم أغلظ لهما، وأمر بهما فدفعا، وقفل بالناس وشخص معه مسلم.\nفذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنهم قدموا على أسد، وهو بسمَرْقند، فشخص أسد إلى مَرْو، وعزل هانئًا، واستعمل على سمَرْقَنْد الحسن بن","vol":"9","page":528},{"text":"أبي العَمَرّطة الكنديّ من ولد آكل المُرار، قال: فقدمِتْ على الحسن امرأته الجَنوب ابنة القعقاع بن الأعلم رأس الأزد، ويعقوب بن القعقاع قاضي خراسان، فخرج يتلقاها، وغزاهم الترك، فقيل له: هؤلاء الترك قد أتوك - وكانوا سبعة آلاف - فقال: ما أتَوْنا بل أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم، وأيمُ الله مع هذا لأدنينَّكم منهم، ولأقرننّ نواصي خيلكم بنواصي خيلهم.\nقال: ثم خرج فتباطأ حتى أغاروا وانصرفوا، فقال الناس: خرج إلى امرأته يتلقاها مسرعًا، وخرج إلى العدو متباطئًا، فبلغه فخطبهم، فقال: تقولون وتعيبون! اللهمَّ اقطع آثارهم وعجّل أقدارهم، وأنزل بهم الضّراء وارفع عنهم السراء! فشتمه الناس في أنفسهم.\nوكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قُطْنة، فخطب الناس فحصر فقال: من يطع اللهَ ورَسُوله فقد ضلّ، وأرتِج عليه، فلم ينطق بكلمة، فلما نزل عن المنبر قال:\nإنْ لم أكنْ فيكمْ خَطِيبًا فإِنني ... بسيفي إذا جَدَّ الوغى لخَطيب (١)\nفقيل له: لو قلت هذا على المنبر، لكنت خطيبًا، فقال حاجب الفيل اليشكريّ يعيره حَصَرَه:\nأبا العَلاءِ لقد لاقيتَ مُعْضلَةً ... يومَ العَرُوبة مِنْ كَربِ وتَخنِيق\nتَلوي اللسانَ إذا رُمتَ الكلامَ بهِ ... كما هوى زَلَقٌ من شاهِقِ النِّيقِ\nلمَّا رَمَتْكَ عُيُونُ الناسِ ضاحيةً ... أنشأْتَ تَجْرَضُ لمَّا قمتَ بالرِّيق\nأما القرانُ فَلا تُهدَى لِمَحْكَمَةٍ ... مِنَ القِرانِ وَلا تُهْدَى لِتَوفيقِ\nوفي هذه السنة ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب. [٧/ ٣٧ - ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>ثم دخلت سنة سبع ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من خروج عبّاد الرُّعيْني باليمن محكِّمًا، فقتله يوسف بن\n_________\n(١) أورد الجاحظ الشعر في البيان والتبيين ١: ٢٣١، وروايته:\nفإِلَّا أَكُنْ فيهمْ خطيبًا فإِنَّني ... بسُمْرِ القنا والسَّيْفِ جدُّ خطيب","vol":"9","page":529},{"text":"عمر، وقتل معه أصحابه كلهم وكانوا ثلثمئة (١) [٧/ ٤٠].\nوفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عِكْرمة وأبا محمد الصّادق ومحمد بن خنيس وعمار العباديّ في عِدّة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله، فوَشى بهم إليه، فأتى بأبي عكرمة ومحمد بن خُنيس وعامة أصحابه، ونجا عمّار، فقطع أسد أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم، وصلبهم، فأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب به إلى محمد بن عليّ، فأجابه: الحمد لله الذي صدّق مقالتكم ودعوتكم، وقد بقيت منكم قتلى ستُقتل (٢).\nوفي هذه السنة حُمل مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله، وكان أسد بن عبد الله له مكرِّمًا لم يعرض له ولم يحبسه، فقدم مسلم وابن هبيرة مُجْمعٌ على الهرب، فنهاه عن ذلك مسلم، وقال له: إن القوم فينا أحسن رأيًا منكم فيهم. [٧/ ٤٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>ذكر الخبر عن غزوة أسد هذه الغزوة:</span>\nذكر عليّ بن محمد عن أشياخه.، أنّ أسدًا غزا الغُور، فعمد أهلُها إلى أثقالهم فصيّروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتّخاذ توابيت ووضع فيها الرجال، ودلّاها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه، فقال ثابت قُطْنة:\nأرَى أَسَدًا تَضَمَّنَ مُفظِعَاتٍ ... تهيَّبَهَا الملوكُ ذَوُو الحجابِ\nسَمَا بالخيل في أكنافِ مرو ... وتوفِزُهُنَّ بين هلا وهابِ\nإلى غُور ين حيثُ حَوى أَزَبٌّ ... وصكٌّ بالسُّيوفِ وبالحرابِ\nهَدانا اللهُ بالقتلى تَراها ... مصَلَّبَةً بأَفواهِ الشِّعابِ\nمَلاحِمُ لم تَدَعْ لِمسراةِ كلبٍ ... مهاترةً وَلا لبني كِلَاب\nفأوردها النِّهابَ وآبَ منها ... بأَفضلِ ما يصابُ مِنَ النهابِ\nوكان إِذَا أناخَ بدارِ قومٍ ... أراها المُخزياتِ من العذاب\nألم يُزِرِ الجبالَ جبال مُلع ... ترى من دونها قِطَعَ السَّحابِ\n_________\n(١) انظر المنتظم لابن الجوزي (٧/ ١١٧) والبداية والنهاية (٧/ ١٨٦).\n(٢) راجع المنتظم (٧/ ١١٧) والبداية والنهاية (٧/ ١٨٦).","vol":"9","page":530},{"text":"بأَرْعَنَ لم يدع لهمُ شَرِيدًا ... وعاقَبَهَا المُمِضَّ مِنَ العقابِ\nوملع من جبال خُوط فيها تعمل الحزُم الملعيّة.\nوفي هذه السنة نقل أسد من كان بالبَرُوقان من الجند إلى بلْخ، فأقطع كلّ مَن كان له بالبَرُوقان مسكنٌ مسكنًا بقدر مسْكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنًا، وأراد أن ينزلهم على الأخماسِ، فقيل له: إنهم يتعصّبون، فخلط بينهم، وكان قسم لعمارة مدينة بلْخ الفعَلة على كلّ كُورة على قدر خراجها، وولَّى بناء لمدينة بلْخ برمك أبا خالد بن برمك، - وكان البَرُوقان منزل الأمراء وبين البَرُوقان وبين بلْخ فرسخان وبين المدينة والنوبهار قدر غَلْوتين - فقال أبو البريد في بنيان أسد مدينة بلْخ:\nشَعفتْ فؤادكَ فالهوى لك شاعِفُ ... رِئمٌ على طِفل بحَوْملَ عاطفُ\nترعَى البَريَر بجانبيْ مُتَهدِّلٍ ... ريَّانَ لا يَعْشُو إليه آلِفُ\nبمَحاضِرٍ مِنْ مُنْحنًى عَطفَتْ له ... بقَرٌ تَرَجَّح زَانَهنَّ رَوادفُ\nإنَّ المباركةَ التي أحْصنتَها ... عُصِمَ الذَّلِيلُ بها وَقَرَّ الخائِفُ\nفأراك فيها ما رَأَى مِنْ صَالحٍ ... فتحًا وأبوابُ السماءِ رَواعِفُ\nفمضى لكَ الإِسمُ الذي يَرضى به ... عنك البصيرُ بما نويتَ الَّلاطف\nيا خيْرَ ملكٍ ساسَ أمرَ رَعِيَّة ... إني على صِدْقِ اليمينِ لحالِفُ\nاللهُ آمنَها بصُنعكَ بَعدَما ... كانت قلوبٌ خَوفهنّ رَواجِفُ\n[٧ - ٤١/ ٤٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>ثم دخلت سنة ثمان ومئة ذكر ما كان فيها من الأَحداث</span>\nوفيها أيضًا غزا إبرهيم بن هشام ففتحَ أيضًا حصنًا من حصون الروم (١) وفيها وجَّه بكير بن ماهان إلى خراسان عدّة؛ فيهم عمَّار العِبَاديّ؛ فوشى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله، فأخذ عمّارًا فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه، فقدموا على بكير بن ماهان فأخبروه الخبر، فكتب بذلك إلى محمد بن عليّ، فكتب إليه في\n_________\n(١) انظر المنتظم (٧/ ١٢١) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٠).","vol":"9","page":531},{"text":"جواب الكتاب: الحمد لله الذي صدّق دعوتكم ونجّى شيعتكم (١).\nوفيها كان الحريق بدابق؛ فذكر محمد بن عمر أنّ عبد الله بن نافع حدّثه عن أبيه، قال: احترق المرعَى حتى احترق الدوابّ والرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>غزو الخُتَّل</span>\nوفيها غزا أسد بن عبد الله الختَّل؛ فذكر عن عليّ بن محمد أن خاقان أتى أسدًا وقد انصرف إلى القَوادَيان، وقطع النهر، ولم يكن بينهم قتال في تلك الغزاة. وذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: بل هزموا أسدًا وفضحوه؛ فتغنَّى عليه الصبيان:\nأزْ خُتَّلَانَ آمذِي ... برُو تَباهُ آمذِي\nقال: وكان السبْل محاربًا له، فاستجلب خاقان، وكان أسد قد أظهر أنه يشتو بسُرْخ درَه، فأمر أسد الناس فارتحلوا، ووجه راياته، وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ دره، فكبَّر الناس، فقال أسد: ما للناس؟ قالوا: هذه علامتهم إذا قفلوا، فقال لعروة المنادى: نادِ إن الأمير يريد غورين؛ ومضى وأقبل خاقان حين انصرفوا إلى غورين النهر فقطع النهر، فلم يلتق هو ولا هم، ورجع إلى بلْخ، فقال الشاعر في ذلك يمدح أسد بن عبد الله:\nندبْتُ لي من كل خُمسٍ أَلفيْن ... من كلّ لحّاف عريضِ الدَّفَّيْنِ\nقال: ومضى المسلمون إلى الغُوريان فقاتلوهم يومًا، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه وركز رمحه، وقد أعلِم بعصابة خضراء - وسَلْم بن أحوَز واقف مع نصر بن سيّار - فقال سلم لنصر: قد عرفت رأي أسد، وأنا حامل على هذا العِلْج؛ فلعلي أن أقتله فيرضى. فقال: شأنك فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم فطعنه، فإذا هو بين يدي فرسه، ففحص برجله، فرجع سلم فوقف، فقال لنصر: أنا حامل حملة أخرى؛ فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتيْن، فقتله سلْم، فرجع سلم جريحًا، فقال نصر لسلم: قفْ لي حتى أحمل عليهم، فحمل حتى خالط العدؤ، فصرع رجلين ورجع جريحًا، فوقف فقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟\n_________\n(١) انظر المنتظم (٧/ ١٢١).","vol":"9","page":532},{"text":"لا أرضاه الله! فقال: لا والله فيما أظنّ. وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم وقلة غنائكما جمن المسلمين، لعنكما الله! فقالا: آمين إن عدنا لمثل، هذا، وتحاجزوا يومئذ، ثم عادوا من الغد فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد فأسروا وسبوا وغنموا، وقال بعضهم رجع أسد في سنة ثمان ومئة مفلولًا من الختَّل، فقال أهل خراسان:\nأزْ ختّلان آمذي برو تباه آمذي ... بيدَل فَراز آمذي (١)\nقال: وكان أصاب الجند في غزاة الختّل جوع شديد، فبعث أسد بكبشين مع غلام له، وقال: لا تبعْهما بأقلّ من خمسمئة، فلما مضى الغلام، قال أسد: لا يشتريهما إلَّا ابن الشَّخِّير، وكان في المسلخة، فدخل ابن الشّخِّير حين أمسى، فوجد الشاتين في السوق، فاشتراهما بخمسمئة، فذبح إحداهما وبعث بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما رجع الغلام إلى أشد أخبره بالقصة، فبعث إليه أسد بألف درهم.\nقال: وابن الشَّخِّير هو عثمان بن عبد الله بن الشِّخّير، أخو مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير الحَرَشيّ. [٧/ ٤٣ - ٤٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>ثم دخلت سنة تسع ومئة ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>خبر مقتل عمر بن يزيد الأُسيِّديّ</span>\nوفيها قتل عمر بن يزيد الأُسيِّديّ؛ قتله مالك بن المنذر بن الجارود.\nذكر الخبر عن ذلك:\nوكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن خالد بن عبد الله شهد عمر بن يزيد أيام حرب يزيد بن المهلب، فأعجب به يزيد بن عبد الملك، وقال: هذا رجل العراق،\n_________\n(١) مثل سابقه زاد عليه ما معه: \"رجع مكسور الخاطر\".","vol":"9","page":533},{"text":"فغاظ ذلك خالدًا، فأمر مالك بن المنذر وهو على شُرْطة البصرة أن يعظّم عمر بن يزيد، ولا يعصي له أمرًا حتى يعرّفه الناس، ثم أقبل يعتلّ عليه حتى يقتله، ففعل ذلك، فذكر يومًا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فافترى عليه مالك، فقال له عمر بن يزيد: تفتري على مثل عبد الأعلى! فأغلظ له مالك، فضربه بالسياط حتى قتله.\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>غزو غورين</span>\nوفيها غزأ أسد بن عبد الله غورين، وقال ثابت قُطْنة:\nأرَى أَسدًا في الْحَربِ إذْ نَزَلَتْ به ... وقَارعَ أَهْلَ الحَرْبِ فازَ وأوجبَا\nتناوَل أَرضَ السَّبْل، خاقانُ رِدؤه ... فحَرَّقَ ما استَعصَى عليه وخَرَّبا\nأتتْكَ وُفُودُ التّرْك ما بَيْنَ كابلٍ ... وغُورِينَ إذ لم يَهْربُوا منْكَ مَهْرَبا\nفما يغْمُرُ الأَعَدَاءَ مِن ليْثِ غابَة ... أبِي ضارِيَاتٍ حَرَّشُوهُ فَعَقَّبا\nأَزَبَّ كأنَّ الوَرْسَ فوْقَ ذِراعِهِ ... كرِيَه المُحَيَّا قَدْ أسنَّ وجرَّبا\nألم يَكُ في الحِصْن المبارَكِ عصمةٌ ... لجندِكَ إذ هابَ الْجَبانُ وأَرْهَبَا!\nبنى لكَ عَبْدُ اللهِ حِصنًا وَرِثتَهُ ... قدِيمًا إذا عُدّ القديمُ وأنجَبا\n[٧/ ٤٦ - ٤٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>ذكر الخبر عن عزل هشام خالدًا وأخاه عن خراسان:</span>\nوكان سبب ذلك أن أسدًا أخا خالد تعصّب حتى أفسد الناس، فقال أبو البريد - فيما ذكر عليّ بن محمد لبعض الأزد: أدخلني على ابن عمّك عبد الرحمن بن صبح، وأوصه بي، وأخبِرْه عني، فأدخله عليه - وهو عامل لأسَد على بلْخ - فقال: أصلح الله الأمير! هذا أبو البريد البكريّ أخونا وناصرنا، وهو شاعر أهل المشرق، وهو الذي يقول:\nإنْ تَنقُضِ الأَزْدُ حِلْفًا كان أكَّدَهُ ... في سالف الدَّهر عَبَّادٌ ومَسْعُود\nومالكٌ وسُوَيدٌ أكّداه معًا ... لما تُجَرَّدُ فيها أيَّ تجرِيدِ\nحتى تنادُوا أتاكَ اللهُ ضاحيَةً ... وفي الجُلود من الإِيقاع تَقْصيدُ","vol":"9","page":534},{"text":"قال: فجذب أبو البريد يدَه، وقال: لعنك الله من شفيع كذب! أصلحك الله!\nولكني الذي أقول:\nالأزْدُ إخْوتُنا وَهُمْ حُلَفَاؤنا ... ما بَيْنَنَا نكْثٌ ولا تَبْدِيْلُ\nقال: صدقت، وضحك، وأبو البريد من بني عِلباء بن شيبان بن ذُهل بن ثعلبة.\nقال: وتعصّب على نصر بن سيار ونفر معه من مُضر، فضربهم بالسياط، وخطب في يوم جمعة فقال في خطبته: قبح الله هذه الوجوه! وجوه أهل الشقاق والنفاق، والشغَب والفساد، اللهم فرّق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني، وقلّ مَن يروم ما قِبَلي أو يترمرم، وأمير المؤمنين خالي، وخالد بن عبد الله أخي، ومعي اثنا عشر ألف سيف يمانٍ.\nثم نزل عن منبره، فلما صلى ودخل عليه الناس، وأخذوا مجالسهم، أخرج كتابًا من تحت فراشه، فقرأه على الناس، فيه ذكر نَصْر بن سيار وعبد الرحمن بن نعيم الغامديّ وسوْرة بن الحرّ الأبانيّ - أبان بن دارم - والبَختريّ بن أبي درهم من بني الحارث بن عبَّاد، فدعاهم فأنّبهم، فأزِم القوم، فلم يتكلم منهم أحد، فتكلم سوْرة، فذكر حاله وطاعتَه ومناصحته، وأنه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من قرفهم بالباطل، فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجُرّدوا، فضرب عبد الرحمن بن نعيم، فإذا رجل عظيم البطن أرسح (١)؛ فلما ضرب التوى، وجعل سراويله يزلّ عن موضعه، فقام رجل من أهل بيته، فأخذ رداءً له هَرَويًّا، وقام مادًّا ثوبه بيده، وهو ينظر إلى أسد، يريد أن يأذن له فيؤزّره، فأومَى إليه أن افعل، فدنا منه فأزّره - ويقال بل أزّره أبو نميلة - وقال له: اتَّزر أبا زهير، فإن الأمير وال مؤدب، ويقال بل ضَربهم في نواحي مجلسه.\nفلما فرغ قال: أين تيس بني حِمّان؟ - وهو يريد ضربه؛ وقد كان ضربه قبل - فقال: هذا تيس بني حِمان؛ وهو قريب العَهْد بعقوبة الأمير، وهو عامر بن مالك بن مسلمة بن يزيد بن حجر بن خيسْق بن حِمّان بن كعب بن سعد. وقيل إنه\n_________\n(١) الرسح؛ قلة لحم العجز والفخذين. القاموس المحيط ص ٢٨٠.","vol":"9","page":535},{"text":"خلفهم بعد الضَّرب، ودفعهم إلى عبد ربه بن أبي صالح مولى بني سليم - وكان من الحرس - وعيسى بن أبي بُرَيق، ووجَّههم إلى خالد، وكتب إليه: إنَّهم أرادوا الوثوب عليه؛ فكان ابن أبي بريق كلما نبت شعر أحدهم حلَقه، وكان البختريّ بن أبي درهم، يقول: لَودِدت أنه ضربني وهذا شهرًا - يعني نصر بن سيار لما كان بينهما بالبرُوقان - فأرسل بنو تميم إلى نصر: إن شئتم انتزعناكم من أيديهم، فكفّهم نصر، فلما قدم بهم على خالد لام أسدًا وعنّفه، وقال: ألا بعثت برؤوسِهم! فقال عرفِجة التميميّ:\nفكَيفَ وأنصارُ الخَليفة كُلّهُمْ ... عُناةٌ وأعداءُ الخَليفَة تُطْلَقُ!\nبكَيْتُ ولم أملك دُمُوعي وَحُقَّ لي ... ونَصْرٌ شهابُ الْحَرْبِ في الغلّ موثقُ\nوقال نصر:\nبَعَثَتْ بالعِتابِ في غَيْر ذَنْبٍ ... في كتاب تَلومُ أُم تميم\nإنْ أكْن موثقًا أسِيرًا لدَيْهِمْ ... في هُمُومٍ وكُربَة وَسُهُومِ\nرهْنَ قَسْرٍ فما وَجَدْتَ بَلاءً ... كإِسارِ الكِرَامِ عندَ اللئيمِ\nأَبلغِ المُدّعينَ قسرًا وَقَسْرٌ ... أهلُ عود القناة ذاتِ الوُصوم\nهَلْ فطِمْتُمْ عنِ الخيانَةِ والغدْرِ ... أَم أنتمْ كالحاكرِ المُسْتَدِيم؟\nوقال الفرزدق:\nأخالِدُ لَوْلا اللهُ لَمْ تعطَ طاعَةً ... ولولا بنوْ مروانَ لمْ توثقُوا نصرَا\nإذًا للقيتمْ دُونَ شدِّ وِثاقِهِ ... بني الحرْب لا كُشْفَ اللقاءِ ولا ضَجْرا\nوخطب أسد بن عبد الله على منْبر بلْخ، فقال في خطبته: يا أهل بلْخ، لقبتموني الزّاغ والله لأزيغنّ قلوبكم. [٧/ ٤٧ - ٤٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>[ذكر الخبر عن دعاة بني العباس]</span>\nوذكر عليّ بن محمد أن أوّل من قدِما خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى هَمْدان في ولاية أسد بن عبد الله الأولى، بعثه محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وقال له: ادع الناس إلينا وانزِلْ في اليمن، والطف بمُضر، ونهاه عن رجل من أبْرشهر، يقال له غالب؛ لأنه كان مفرطًا في حبّ بني فاطمة.","vol":"9","page":536},{"text":"ويقال: أوّل من جاء أهل خراسان بكتاب محمد بن عليّ حرْب بن عثمان، مولى بني قيس بن ثعلبة من أهل بَلْخ.\nقال: فلما قدم زياد أبو محمد، ودعا إلى بني العباس، ذكر سيرة بني مروان وظلمهم، وجعل يطعم الناس الطعام، فقدم عليه غالب من أبرشهر؛ فكانت بينهم منازعة؛ غالب يفضّل آل أبي طالب وزياد يفضّل بني العباس، ففارقه غالب، وأقام زياد بمرْو شتوةً، وكان يختلف إليه من أهل مَرْو يحيى بن عقيل الخُزاعيّ وإبواهيم بن الخطاب العدويّ.\nقال: وكان ينزل بَرْزَن سويد الكاتب في دور آل الرقاد، وكان على خراج مَرْو الحسن بن شيخ، فبلغه أمرُه، فأخبر به أسد بن عبد الله، فدعا به - وكان معه رجل يكنى أبا موسى - فلما نظر إليه أسد، قال له: أعرّفك؟ قال: نعم، قال له أسد: رأيتك في حانوت بدمشق، قال! نعم، قال لزياد: فما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: رُفع إليك الباطل، إنما قدمت خراسان في تجارة، وقد فرّقت مالي على الناس، فإذا صارَ إليّ خرجت. قال له أسد: اخرج عن بلادي، فانصرف، فعاد إلى أمره، فعاود الحسن أسدًا، وعطم عليه أمره، فأرسل إليه، فلما نظر إليه، قال: ألم أنهك عن المقام بخراسان! قال: ليس عليك أيها الأمير مني بأس. فأحفظه وأمر بقتلهم، فقال له أبو موسى: فاقض ما أنتَ قاض، فازداد غضبًا، وقال له: أنزلتَني منزلة فرعون! فقال له: ما أنزلتُك ولكن الله أنزلك. فقتِلوا، وكانوا عشرة من أهل بيت الكوفة، فلم ينجُ منهم يومئذ إلَّا غلامان استصغرهما، وأمر بالباقين فقتلوا بكشانشاه.\nوقال قوم: أمر أسد بزياد أن يُحطّ وسطه، فمُدِّ بين أثنين، فضرِب فنيا السيف عنه، فكبّر أهل السوق، فقال أسد: ما هذا؟ فقيل له، لم يحِك السيف فيه، فأعطى أبا يعقوب سيفًا، فخرج في سراويل، والناس قد اجتمعوا عليه، فضربه، فنبا السيف، ففحربه ضربة أخرى، فقطعه باثنتين. [٧/ ٤٩ - ٥٠].\nوكان أسد استعمل عيسى بن شداد البُرْجُميّ إمْرته الأولى في وجه وجّهه على ثابت قطنهٌ، فغضب، فهجا أسدًا، فقال:\nأرى كُلَّ قَوْمٍ يَعْرفونَ أباهُمُ ... وأبُو بَجِيلَةَ بَيْنهُمْ يَتَذَبْذَبُ\nإن وجَدْتُ أبي أَباكَ فلا تكنْ ... إلْبًا علي مع العَدُوِّ تجَلَّبُ","vol":"9","page":537},{"text":"أَرْمي بسهْمِي من رماكَ بسَهْمِهِ ... وعدُوّ من عادَيتَ غَيْرُ مكَذَّبِ\nأسدُ بن عبدِ اللهِ جَلَّلَ عفوُهُ ... أهلَ الذنوبِ فكَيف من لم يُذْنِبِ!\nأجعلتَنِي للبُرْجُمِي حَقِيبَةً ... والبُرْجُمِي هو اللئيمُ المُحْقَبُ\nعبدٌ إذا استَبقَ الكِرامُ رأَيتَهُ ... يأْتي سُكَينًا حاملًا في الموكِبِ\nإني أعُوذُ بقَبْرِ كرز أَن أرَى ... تبعًا لِعبْدٍ من تَميمٍ مُحْقَبِ\n[٧/ ٥١].\nوكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان واستعمل على الرابطة عبد الملك بن دثار الباهليّ، وتولى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه.\nقال: وكان أشرس لما قدم خراسان كبَّر الناس فرحًا به، فقال رجل:\nلَقَدْ سَمِعَ الرَّحْمنُ تكْبِيرَ أُمَّةٍ ... غداةَ أتاها من سليمٍ إِمامُها\nإِمامُ هُدى قوَّى لهم أمرهُمْ بهِ ... وكانت عجافًا ما تُمِخُّ عظامُها\nوركب حين قدم حمارًا، فقال له حيّان النبطيّ: أيها الأمير: إن كنت تريد أن تكون والي خراسان فاركب الخيل، وشدّ حزام فرسك، وألزم السوط خاصرته حتى تقدم النار، وإلّا فارجع، قال: أرجع إذن. ولا أقتحم النار يا حيّان، ثم أقام وركب الخيل.\nقال عليّ: وقال يحيى بن حُضَين: رأيتُ في المنام قبل قدوم أشرس قائلًا يقول: أتاكم الوعْر الصّدر، الضّعيف الناهضة، المشؤوم الطائر، فانتبهت فزعًا ورأيت في الليلة الثانية: أتاكم الوعْر الصدر، الضعيف الناهضة، المشؤوم الطائر، الخائن قومه، جغر، ثم قال:\nلقد ضاعَ جيشٌ كانَ جَغرٌ أميرَهُم ... فَهَل من تلافٍ قبل دَوْس القبَائِلِ!\nفإن صُرفَتْ عَنْهم به فَلِعَلَّةٍ ... وإلا يكونوا من أحاديثِ قائلِ\nوكان أشرس يلقب جَغْرًا بخراسان. [٧/ ٥٢ - ٥٣].\nوقال الواقديّ: خطب الناس إبراهيم بن هشام بمنى في هذه السنة الغد من يوم النحر بعد الظهر. فقال سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحدًا أعلَم مني، فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية؛ أواجبةٌ هي أم لا؟ فما دري أيّ شيء يقول له! فنزل. [٧/ ٥٣].","vol":"9","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1557>ثم دخلت سنة عشر ومئة</span>\nوفي هذه السنة دعا الأشرس أهلَ الذّمة من أهل سمرْقنْد ومَن وراء النهر إلى الإسلام، على أن تُوضَع عنهم الجزية، فأجابوا إلى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، وطالبهم بها، فنصبوا له الحرب (١). [٧/ ٥٤].\nذكر الخبر عما كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلك:\nذكر أن أشرس قال في عَمله بخراسان: ابغونِي رجلًا له ورع وفضل أوجّهه إلى مَن وراء النهر، فيدعوهم إلى الإسلام فأشاروا عليه بأبي الصّيداء صالح بن طريف، مولى بني ضبّة، فقال: لستُ بالماهر بالفارسيّة، فضموا معه الربيع بن عمران التميميّ، فقال أبو الصيداء: أخرج على شريطة أنّ مَن أسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خَرْجُ خُراسان على رؤوس الرجال، قال أشرس: نعم، قال: أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم.\nفشخص إلى سَمَرْقند، وعليها الحسن بن أبي العَمَرّطة الكنديّ على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهلَ سمرْقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن تُوضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس: إنّ الخراج قد انكسر؛ فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرّطة: إنّ في الخراج قوّة للمسلمين، وقد بلغني أنّ أهل السُّغد وأشباههم لم يُسلموا رغبة، وإنما دخلوا في الإسلام تعوّذًا من الجِزْية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسُن إسلامه، وقرأ سورةً من القرآن، فارفع عنه خراجَه، ثم عزل أشرس ابنَ أبي العمرّطة عن الخراج، وصيّره إلى هانئ بن هانئ، وضم إليه الأشحيذ، فقال ابنُ أبي العمرّطة لأبي الصيداء: لستُ من الخراج الآن في شيء، فدونك هانئًا والأشحيذ؛ فقام أبو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ: إنّ الناس قد أسلموا وبنوا المساجدَ، فجاء دهاقين بُخارى إلى أشبرس فقالوا: ممن تأخذ\n_________\n(١) وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٠) فقد ذكره ابن كثير بلا إسناد ولم نجد للخبر أصلًا صحيحًا والله أعلم.","vol":"9","page":539},{"text":"الخراج، وقد صار الناس كلهم عربًا؟ فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزيْة على من أسلم، فامتنعوا؛ واعتزل من أهل الشُغد سبعة آلاف، فنزلوا على سَبْعة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميميّ والقاسم الشيبانيّ وأبو فاطمة الأزديّ وبشر بن جرموز الضبِّيِّ وخالد بن عبد الله النحويّ وبشر بن زنبور الأزديّ وعامر بن قشير - أو بشير، الخُجَنديّ، وبيان العنبريّ وإسماعيل بن عُقْبة، لينصروهم.\nقال: فعزل أشرسُ ابنَ أبي العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلميّ، وضمّ إليه عُمَيرة بن سعد الشيبانيّ.\nقال: فلما قدم المجشَّر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابهُ، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليسر بغدر ما كان فيه حَقْن الدماء، وحمل أبا الصيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده؛ فلما حُمل أبو الصيداء اجتمع أصحابُه، وولوا أمرهم أبا فاطمة، ليقاتلوا هانئًا، فقال لهم: كفّوا حتى أكتبَ إلى أشرس فيأتينَا رأيُه فنعمل بأمره. فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشْرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصِّيداء، فضعف أمرهم، فتُتبِّع الرّؤساء منهم فأخِذوا، وحمِلوا إلى مَرْو، وبقي ثابت محبوسًا، وأشرك أشرس مع هانئ بن هانئ سليمانَ بن أبي السريّ مولى بني عوافة في الخراج، فألحّ هانئ والعمال في جباية الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم، وسلَّط المجشّر عميرة بن سعد على الدّهاقين، فأقيموا وخُرّقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجِزية ممن أسلم من الضُّعفاء، فكفرت السُّغْد وبُخارى، واستجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشّر، حتى قدم نصر بن سيار واليًا على المجشّر، فحمل ثابتًا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثيّ فحبسه، وكان نصر بن سيَّار ألطفه، وأحسن إليه، فمدحه ثابت قُطْنة، وهو محبوس عند أشرس فقال:\nما هاجَ شوقك من نؤْيٍ وأحجارِ ... ومَنْ رُسُومِ عفاها صَوبُ أمطارِ!\nلم يبَقَ منها وَمِنْ أعلام عَرْصتِها ... إلَّا شَجِيجٌ وإلّا موقدُ النارِ","vol":"9","page":540},{"text":"ومائِلٌ في ديار الحَيّ بعدَهُمُ ... مثلُ الرَّبيئة في أَهدامِهِ العاري\nدِيارُ ليلَى قِفارٌ لا أَنيسَ بها ... دون الحُجونِ، وأَيْنَ الحجن منْ دَارِي!\nبُدِّلتُ منها وقد شَطَّ المَزَارُ بها ... وادِي المخافة لا يَسْري بها الساري\nبَيْنَ السَّماوة في حَزمٍ مُشرَّقةٍ ... ومُعْنقٌ دوننا آذيُّهُ جار\nنُقارعُ التركَ ما تَنفَكّ نائِحةٌ ... منَّا وَمنْهُم على ذي نَجْدةٍ شار\nإن كانَ ظني بنصْر صادِقًا أَبَدًا ... فيما أُدبِّرُ مِنْ نَقْضي وإمرارِي\nيَصْرفُ الجُنْدَ حتى يَسْتَفِيءَ بهم ... نهبًا عظِيمًا ويحْوِي مُلكَ جبَّار\nوتَعثُرُ الخَيْلُ في الأَقيادِ آونَةً ... تحْوي النِّهابَ إلى طُلّابِ أَوتار\nحتَّى يَرَوْهَا دُوَيْنَ السَّرْجِ بارِقَةً ... فيها لواءٌ كظِلِّ الأَجدَلِ الضارِي\nلا يَمْنعُ الثَّغْرَ إلَّا ذُو مُحافَظة ... منْ الخَضارِمِ سبّاق بأوتارِ\nإني وإِن كُنْت منْ جَذْم الذي نَضُرتْ ... منْهُ الفروعُ وَزَندِي الثاقِبُ الوارِي\nلذاكِرٌ منْكَ أمرًا قَدْ سَبَقْتَ بِهِ ... من كان قَبْلكَ يا نَصْر بن سَيَّار\nناضَلْتَ عَنِّي نِضالَ الحُرِّ إذْ قَصَرَتْ ... دوني العَشِيرَةُ واسْتبْطأْتُ أَنصارِي\nوصارَ كُلُّ صدِيقٍ كُنْتُ آمُلُه ... ألبًا عَلَيّ وَرَثَّ الْحَبْلُ من جارِي\nوما تَلبَّسْتُ بالأَمْرِ الذي وَقَعُوا ... به عليَّ ولا دَنّسْتُ أطمارِي\nولا عَصَيْتُ إمامًا كان طاعَتَهُ ... حقًّا عليَّ ولا قَارفْتُ من عار\n[٧/ ٥٤ - ٥٧].\nقال عليّ: ويقال إنّ أشْرس قطع النهر، ونزل بيكنْد؛ فلم يجد بها ماء، فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوْا من قصر بُخار خداه - وكان منزله منهم على ميل - تلقّاهم ألفُ فارس، فأحاطوا بالعسكر وسطع رَهج الغُبار، فلم يكن الرّجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه، قال: فانقطع منهم ستة آلاف، فيهم قطن بن قتيبة وغَوْزك من الدّهاقين، فانتهوا إلى قصر من قصور بُخارى، وهم يروْن أنّ أشرس قد هلك، وأشرس في قصور بخارى؛ فلم يلتقُوا إلَّا بعد يومين، ولحق غوزك في تلك الوقعة بالترك، وكان قد دخل القصر مع قَطن، فأرسل إليه قَطَن رجلًا، فصاحوا برسول قطن؛ ولحق بالترك.\nقال: ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بدًا من اللحاق بهم. ويقال إنّ أشرس أرسل إلى غَوزك يطلب منه طاسًا، فقال لرسول أشرس: إنه لم","vol":"9","page":541},{"text":"يبقَ معي شيء أتدهن به غير الطاس، فاصفَحْ عنه، فأرسل إليه: اشرب في قَرْعة، وابعث إليّ بالطاس، ففارقه.\nقال: وكان على سَمَرْقند نصر بن سيار، وعلى خراجها عُميرة بن سعد الشيبانيّ، وهم محصورون، وكان عميرة ممّن قدم مع أشرس، وأقبل قُريش ابن أبي كهْمَس على فرس، فقال لقَطَن: قد نزل الأمير والناس؛ فلم يُفْقَد أحد من الجند غيرك، فمضى قطن والناس إلى العسكر، وكان بينهم ميل.\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>ذكر وقعة كمرجة</span>\nقال: ويقال إنّ أشرس نزل قريبًا من مدينة بُخارى على قدْر فرسخ؛ وذلك المنزل يقال له المسجد، ثم تحول منه إلى مَرْج يقال له بوادرة، فأتاهم سبابة - أو شبابة - مولى قيس بن عبد الله الباهلى؛ وهم نزول بكَمَرْجة - وكانت كَمَرْجة من أشرف مدن خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته - فقال لهم: إن خاقان مارٌّ بكم غدًا، فأرى لكم أن تُظهِروا عُدّتكم، فيرى جِدًّا واحتشادًا، فينقطع طمعه منكم. فقال له رجل منهم: استوثِقوا من هذا فإنه جاء ليَفتّ في أعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا، وقد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به الموْلى، وصبّحهم خاقان، فلما حاذَى بهم ارتفع إلى طريق بُخارى كأنه يريدها، فتحدّر بجنوده من وراء تلّ بينهم وبينه، فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهِم، فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التلّ، فإذا جبل حديد: أهل فرْغانة والطارَبنْد وأفشيِنة ونَسَف وطوائف من أهل بخارى. قال: فأسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بن قَنان الذهليّ: هم يريدون مزاحفَتكم فسرّبُوا دوابكم المجفَّفة في طريق النهر، كأنكم تريدون أن تسقوها، فإذا جرّدتموها فخذوا طريق الباب، وتسرّبوا الأوّل فالأوّل؛ فلما رآهم الترك يتسربّون شدُّوا عليهم في مضايق، وكانوا هم أعلَم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلًا كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، وهو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه؛ فاقتتلوا، وجاء رجلٌ من العرب بحُزمةِ قصب قد أشعلها، فرمى بها","vol":"9","page":542},{"text":"وُجوههم فتنحّوْا، وأخلَوْا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوْا انصرف الترك، وأحرق العربُ القنطرة، فأتاهم خُسرو بن يَزْدَجِرْد في ثلاثين رجلًا، فقال: يا معشَر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد عليّ مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف.\nقال: وجاءهم بازغري في مئتين - وكان داهية - من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمِنونا حتى ندنُوَ منكم، فأعرِض عليكم ما أرسلني إليكم به خاقان، فآمنوه، فدنا من المدينة، وأشرفوا عليه ومعه أسَراء من العرب، فقال بازغري: يا معشَر العرب، أحدِروا إليّ رجلًا منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيبًا مولى مَهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم، فقال: أحِدروا إليّ رجلًا يعقل عني، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهليّ، وكان يشدّو شدوًا من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء. وقال: إن خاقان أرسلني إليكم؛ وهو يقول لكم: إني أجعل مَنْ كان عطاؤه منكم ستمئة ألفًا، ومن كان عطاؤه ثلاثمئة ستمئة؛ وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاءٌ! لا يكون بيننا وبينكم صلح. فغضب بازغري، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان. وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغري إلَّا أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النِّصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السُّغد، فرضي بازغري والتركيان بما قال: فقال له: أعرض على القوم ما تراضيْنا به، وأقبل فأخذ بطرَف الحبْل فجذبوه حتى صار على سُور المدينة، فنادى: يا أهل كَمَرْجَة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين. قالوا: نموت جميعًا قبل ذلك. قال: فأعلموهم.\nقال: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادى بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أنتم عندنا إلَّا بمنزلة مَن في أيدينا منكم - وكان في أيديهم الحجاج بن حُميد","vol":"9","page":543},{"text":"النضريّ - فقالوا له: يا حجاج، ألا تَكلَّم؟ قال: عليّ رقباءُ، وأمر خاقان بقطْع الشجر، فجعلوا يلقُون الحطب الرّطب، ويلقى أهل كَمَرْجة الحطَب اليابس، حتى سوّى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريحٌ شديدة - صُنْعًا من الله ﷿ - قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فاوجعناهم وشغلناهم بالجراحات. قال: وأصابتْ بازغري نُشابة في سرتّه، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانَهم، وأصبحوا بشرّ، منكّسين رؤوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم، فلما امتدّ النهار جاؤوا بالأسْرى وهم مئة؛ فيهم أبو العوْجاء العتَكيّ وأصحابه، فقتلوهم، ورمْوا إليهم برأس الحجاج بن حُميد النضريّ، وكان مع المسلمين مثتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتدّ القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: مَنْ لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاويّ: أنا لك بهم، فذهب يسعى. وقال لفتيان: امشوا خلْفِي، وهو جريح، قال: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة. قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجَب أنه لم يبقَ ملِك فيما وراء النهر إلَّا قاتل بكَمَرْجة غيري، وعزّ عليّ ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني. فلم يزل أهلُ كمَرْجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فَرْغانة، فعيَّر خاقانُ أهلَ السُّغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حمارًا، وأنّا نفتحها في خمسة أيام؛ فصارت الخمسة الأيام شهريْن، وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جُهدًا، ولكن أحضرنا غدًا فانظر؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطارَبَنْد؛ فاستأذنه في القِتال والدّخول عليهم، قال: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع - وكان خاقان يعظّمه - فقال: اجعل لي جاريتيْن من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم؛ فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثُلْمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خَرْق يفضِي إلى الثلْمة، وفي البيت رجلٌ من بني تميم مريض، فرماه بكَلُّوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته؛ ورماه رجلٌ بحجَر؛ فأصاب أصلَ أذنه فصُرع، وطعنه رجل فقتله، وجاء شابّ أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده - قال: ويقال: إنّ الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش - فكانوا قد اتخذوا صنَاعًا، وألصقوها بحائط","vol":"9","page":544},{"text":"الخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبوبًا له؛ فأقعدوا الرُّماة وراءها؛ وفيهم غالب بن المهاجر الطائي عمّ أبي العباس الطوسيّ ورجلان، أحدُهما شيبانيّ والآخر ناجيّ، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجى فلم يخطئ قَصبة أنفه، وعليه كاشخودة تبّتيّة، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانيّ وليس يرى منه غير عينيه؛ فرماه غالب بن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقانَ شيءٌ أشدّ منه.\nقال: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجَزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس منْ رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو نرحّلهم عنها. فقال له كليب بن قَنَان: وليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نُقْتَل، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سَمَرْقند أو الدَّبُوسيّة، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خُروجكم مِن هذه المدينة.\nقال: ورأى أهل كَمَرْجة ما هم فيه من الحِصار والشدّة، فقالوا: نشاور أهل سَمَرْقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطاليّ، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدّهقان الذي بها صديق له، فقال له: إنّي بُعِثت إلى سَمَرْقند؛ فاحْمِلْني، فقال: ما أجد دابة إلَّا بعض دوابّ خاقان، فإن في روضة خمسين دابة؛ فخرجا جميعًا إلى تلك الرَّوْضة، فأخذ برذونًا فركبه، وكان إلْفه برْذون آخر، فتبعه فأتى سَمَرْقند من ليلته، فأخبر هم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدّبُوسيَة، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألَّا يعرِضوا لهم، وسألوهم رجلًا من الترك يتقوَّوْن به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا مَنْ شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حَيْث أرادوا. ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابَه، وأمرهم بالارتحال عنهم؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السُّغْد وقالوا: لا تفعل أيها الملك؛ ولكن أعطِهم أمانًا يخرجون عنها، ويروْن أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه، فأجابهم إلى ذلك، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.","vol":"9","page":545},{"text":"قال: فصار الرّهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سَمَرْقند - وكان الرّهن الذي في أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل خاقان - قال: كورصول للعرب: ارتحلوا قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب.\nقال: فكفّ عنهم، حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة، وقالط: إنما الشدّة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخْين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة؛ فارتحلوا وفي يد الترك من الرّهن من العرب نفر، منهم شعيب البكريّ أو النصريّ، وسِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خَلْف كلّ رجل من الترك رجلًا من العرب معه خنجر، وليس على التركيّ غير قَباء، فساروا بهم.\nثم قال العجم لكورصول: إنّ الدبُوسيَة فيها عشرة آلاف مقاتل؛ فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين الدّبُوسيَة قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى فرسان وبياذقة وجمْع. فظنوا أن كَمَرْجة قَد فُتحت، وأنّ خاقان قصد لهم. قال: وقربنا منهم وقد تأهتوا للحرب؛ فوجّه كليب بن قَنان رجلًا من بني ناجية يقال له الضّحاك على بِرذْون يركض، وعلى الدبُوسيَة عَقيل بن ورّاد السّغديّ، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف؛ فرسان ورجّالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبُوسيَة يركُضون، فحمِل مَن كان يضعف عن المشي ومَنْ كان مجروحًا.\nثمّ إن كليبًا أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن درْهَم ليُعلِما سِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلَّوا عن الرّهن، فجعلت العرب ترسل رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من العرب؛ حتى بقيَ سِبَاع بن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغَدْر، فقال سِبَاع: خلّوا رهينة الترك، فخلّوه وبقي سِباع في أيديهم، فقال له كورصول: لمَ فعلت هذا؟ قال: وثقتُ برأيك فيّ، وقلت: ترفَّعُ نفسك عن الغدْر في مثل هذا، فوصله وسلّحه وحمله على برْذون، ورده إلى أصحابه.","vol":"9","page":546},{"text":"قال: وكان حصار كمَرْجة ثمانية وخمسين يومأ، فيقالى إنهم لم يسقوا إبلَهم خمسة وثلاثين يومًا.\nقال: وكان خاقان قسَم في أصحابه الغنم، فقال: كلُوا لحومها واملؤوا جلودها ترابًا، واكبسوا خندقَكم؛ ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم.\nوكان مع أهل كَمَرْجة قومٌ من الخوارج، فيهم ابن شُنْجٍ مولى بني ناجية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>ذكر ردّة أهل كرْدر</span>\nوفي هذه السنة ارتدّ أهل كُرْدر، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم، وقد كان الترك أعانوا أهل كُرْدَر؛ فوجّه أشرس إلى مَنْ قرب من كُرْدَر من المسلمين ألف رجل ردْءًا لهم؛ فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك، فظفِروا بأهل كردر، وقال عَرْفَجة الدارميّ:\nنحْن كَفينا أَهْلَ مروٍ وغَيْرَهُمْ ... ونحنُ نَفَيْنا التُّرْك عن أَهْل كَرْدَرِ\nفإِن تجعَلوا ما قد غَنِمْنَا لِغَيْرنا ... فَقَدْ يُظلمُ المَرءُ الكَريمُ فيَصْبر\n* * *\nوفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بُردة؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء.\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.\nوكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خُراسان أشرس بن عبد الله. [٧/ ٥٩ - ٦٦].","vol":"9","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1560>ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأَحداث</span>\nقال الواقديّ: غزا سنة إحدى عشرة ومئة على جيش البحر عبد الله بن أبي مريم، وأمّر هشام على عامَّة الناس من أهل الشأم ومصر الحكَم بن قيس بن مخرَمة بن المطّلب بن عبد مناف.\nوفيها سارت الترك إلى أذْربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم (١). [٧/ ٦٧].\nقال: وكان سبب استعماله إيّاه أنه أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشامًا، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد؛ فسأله أكثرَ من تلك الدوابّ فلم يفعل؛ فقدم خراسان في خمسمئة - وأشرسُ بن عبد الله يقاتل أهلَ بخارى والسُّغْد - فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر، فدُلّ على الخَطاب بن محرز السلَميّ خليفة أشرس، فلما قدم آمُل أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من بزَمّ ومن حوله، فيقدموا عليه، فأبى وقطع النهر، وأرسل إلى أشرس أن أمِدّني بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه، فوجّه إليه أشرس عامرَ بن مالك الحِمَّانيّ، فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك والسُّغْد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجُنيد، فدخل عامر حائطًا حصينًا، فقاتلهم على ثُلْمة الحائط، ومعه وَرْد بن زياد بن أدهم بن كلثوم؛ ابن أخي الأسود بن كلثوم، فرماه رجل من العدوّ بنُشّابة، فأصاب عَرْض منخره، فأنفذ المنخرين، فقال له عامر بن مالك: يا أبا الزاهريّة، كأنك دجاجة مقرّق (٢). وقتِل عظيم من عظماء الترك عند الثلمة، وخاقان على تلّ خلفه أجمَةٌ، فخرج عاصم بن عمير السَّمَرقنديّ وواصل بن عمرو القيسيّ في شَاكرّية، فاستدارا حتى صارا من وراء\n_________\n(١) انظر المنتظم (٧/ ١٤٣) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٤).\n(٢) القرق: صوت الدجاجة، والدجاجة تقع على الذكر والأنثى والتاء دخلته على أنه الواحد. القاموس المحيط ص ١١٨٨.","vol":"9","page":548},{"text":"ذلك الماء، فضمّوا خشبًا وَقصبًا وما قدروا عليه، حتى اتَّخذوا رَصَفًا (١)، فعبَروا عليه فلم يشعر خاقان إلَّا بالتكبير، وحمل واصل والشاكريّة على العدوّ فقاتلوهم؛ فقُتِل تحت واصل برذون، وهُزم خاقان وأصحابه.\nوخرج عامر بن مالك من الحائط، ومضى إلى الجُنيد وهو في سبعَة آلاف؛ فتلقى الجنيد وأقبل معه، وعلَى مقدّمة الجنيد عُمارة بن حُرَيم، فلما انتهى إلى فرسخين من بِيكَنْد، تلقته خيل الترك فقاتلهم؛ فكاد الجنيد أن يهلك ومن معه، ثم أظهره الله؛ فسار حتى قدم العسكر. وظفر الجنيد، وقتل الترك، وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زَرْمان من بلاد سَمَرْقند، وقطَن بن قتيبة على ساقة الجنيد، وواصل في أهل بخارى - وكان ينزلها - فأسر ملك الشاش، وأسرَ الجُنَيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة؛ فبعث به إلى الخليفة، وكان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشِّر بن مزاحم على مَرْو وولّى سورة بن الحُرّ من بني أبان بن دارم بلْخ، وأوفد لما أصاب في وجهه ذلك عُمارة بن معاوية العدويّ ومحمد بن الجرّاح العبديّ وعبد ربّه بن أبي صالح السُلميّ إلى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا؛ فتوافقوا بالتِّرمذ، فأقاموا بها شهرين.\nثم أتى الجُنيد مَرْو وقد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام متْرَف، هَزَمني العامَ وأنا مهلكه في قابل؛ فاستعمل الجنيد عُمّاله، ولم يستعمل إلَّا مُضَريًّا؛ استعمل قَطن بن قتيبة على بُخارى، والوليد بن القعقاع العبسيّ على هَراة، وحبيب بن مرّة العبسيّ على شرَطه، وعلى بلْخ مسلم بن عبد الرحمن الباهليّ. وكان نصر بن سيار على بلْخ؛ والذي بينه وبين الباهليّين متباعد لما كان بينهم بالبَرُوقان، فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائمًا، فجاؤوا به في قميص ليس عليه سَراويل، ملبَّبًا، فجعل يضمّ عليه قميصَيْه، فاستحيا مسلم، وقال: شيخ من مُضَر جئتم به على هذه الحال! ثم عزل الجُنيد مسلمًا عن بَلْخ، وولّاها يحيى بن ضُبَيعَة، واستعمل على خراج سَمرقَنْد شداد بن خالد الباهليّ، وكان مع الجنيد السّمْهريّ بن قَعْنب. [٧/ ٦٧ - ٦٩].\n_________\n(١) الرصف: ما يرصف بعضه إلى بعض في مسيل؛ خشب أو حجارة. القاموس المحيط ص ١٠٥١.","vol":"9","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1561>ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث [٧/ ٧٠]</span>\nقال: وكان الجُنيد يذكر خالد بن عبد الله، ويقول: رَبَذَة من الرّبَذ، صنبور بن صنبور، قُلّ ابن قُلّ، هيْفة من الهيف - وزعم أن الهيْفة الضَّبُع، والعُجْرة الخنزيرة، والقلّ: الفرد - قال: وقدمت الجنود مع عمرو بن مسلم الباهليّ في أهل البصرة وعبد الرحمن بن نعيم الغامديُّ في أهل الكوفة وهو بالصّغانيان، فسرح معهم الحوثرة بن يزيد العنبريّ فيمن انتدب معه من التجار وغيرهم، وأمرهم أن يحملوا ذراريّ أهل سمرقند، ويدَعوا فيها المقاتلة. ففعلوا.\nقال أبو جعفر: وقد قيل: إن وقعة الشِّعب بين الجُنيد وخاقان كانت في سنة ثلاث عشرة ومئة.\nوقال نصر بن سيّار يذكر يوم الشِّعب وقتال العبيد:\nإنِّي نَشأْتُ وَحُسَّادِي ذَوُو عَدَدٍ ... يا ذا المعارجِ لا تَنقصْ لهمْ عَدَدا\nإن تحسدوني على مثل البلاء لكُمْ ... يومًا فمثلُ بلائي جَرَّ لِي الحَسدَا\nيأْبَى الإِلُه الذي أَعلَى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عُددا\nأَرْمِي العدُوَّ بأفراسٍ مُكلَّمَةٍ ... حتى اتخذْن على حُسَّادِهنَّ يدا\nمن ذا الذي منكُمُ في الشِّعب إذ وردُوا ... لَمْ يتَّخِذْ حَوْمة الأَثقالِ مُعْتَمَدَا!\nفما حفظتمْ منَ اللهِ الوَصاة ولا ... أنتم بصَبْرٍ طَلَبتُمْ حُسْنَ ما وَعَدَا\nولا نَهَاكمْ عَنِ التَّوْثابِ في عتَبٍ ... إلَّا العَبيدُ بضَرْب يَكسِرُ العَمَدا\nهَلَّا شَكرتمْ دِفاعِي عَنْ جُنَيدِكُمُ ... وَقْعَ القَنَا وشِهَابُ الحربِ قَدَ وَقَدا!\nوقال ابن عرس العبديّ يمدح نَصرًا يوم الشِّعب ويذّم الجُنيد؛ لأن نصرًا أبلى يومئذ:\nيا نصرُ أنت فتى نزارٍ كُلِّها ... فَلَكَ المآثِرُ والفَعالُ (١) الأَرفَعُ\nفَرَّجْتَ عَنْ كلِّ القَبائل كُربَةً ... بالشَعب حِينَ تَخاضَعُوا وتَضعْضَعُوا\nيَوَمَ الجُنيدِ إذ القنا مُتَشاجرٌ ... والنَّحرُ دامٍ والخَوافِقُ تلمَعُ\n_________\n(١) الفَعال: الفِعْلُ الحسن من الجودِ، والكرم، وغير ذلك. وقيل: يكون في الخير والشرِّ، يقال: حسن الفعال، أو: قبيح الفعال.","vol":"9","page":550},{"text":"ما زلتَ تَرمِيهمْ بنفسٍ حُرّةٍ ... حتَّى تَفَرَّجَ جَمعُهُمْ وتَصَدَّعُوا\nفالناسُ كُلٌّ بَعْدها عُتَقاؤكمْ ... ولك المكارمُ والمعالِي أجْمَعُ\nوقال الشرعبيّ الطائيّ:\nتذكَّرتُ هِندًا في بِلادٍ غَرِيبَةٍ ... فيالكَ شَوْقًا، هل لِشَملِكَ مَجْمَع!\nتذكَّرتُهَا والشاشُ بَيني وبينها ... وشِعْبُ عِصَامٍ والمنايا تَطلَّعُ\nبلادٌ بها خاقانُ جَمٌّ زُحُوفُهُ ... ونيلانُ في سبعينَ ألفًا مُقَنَّعُ\nإذا دَبّ خاقانٌ وسارت جنودُهُ ... أتتنَا المَنايا عندَ ذلك شُرَّع\nهنالك - هندُ - ما لَنا النِّصفُ ... منهمُ وما إنْ لنا يا هندُ في القومِ مَطْمَعُ\nألا رُبَّ خَوْدٍ خَدْلةٍ قد رأيتُها ... يسُوق بها جَهمق مِنَ السُّغدِ أَصْمَعُ\nأُحامي عليها حين ولَّى خليلُها ... تنادِي إليها المسلمينِ فتُسمعُ\nتنادي بأَعلى صوتِها صَفَّ قومِها ... ألا رجلٌ منكم يَغارُ فيَرجعُ!\nألا رجلٌ منكُم كَريمٌ يَرُدُّنِي ... يرى الموت في بعضِ المواطنِ ينفع!\nفما جاوبُوها غير أنّ نَصيفَها ... بكَفِّ الفتى بين البرازيق أَشْنَعُ\nإِلى اللهِ أَشكُو نَبوَةً في قلوبها ... ورُعبًا مَلا أجوافها يَتَوَسَّعُ\nفمَن مُبْلغ عَنِّي ألوكًا صحيفةً ... إلى خالِدٍ مِنْ قَبلِ أن نَتَوَزَّعُ\nبأنَّ بقايانا وأنَّ أَميرنا ... إذا ما عَدَدْنَاهُ الذَّلِيلُ المَوقعُ\nهُمُ أطْمَعُوا خاقانَ فينا وجُنْدَهُ ... ألا ليتَنَا كُنَّا هَشِيمًا يُزَعْزَعُ\nوقال ابن عرس - واسمه خالد بن المعارك من بني غَنْم بن وديعة بن لكيز بن أفصى. وذكر عليّ بن محمد عن شيخ من عبد القيس أنّ أمه كانت أمَة، فباعه أخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط أحد بني عامر بن الحارث، فأعتقه عمرو لما حضرته الوفاة، فقال: يا أبا يعقوب، كم لي عندك من المال؟ قال: ثمانون ألفًا، قال: أنت حُرّ وما في يديك لك. قال: فكان عمرو ينزل مَرْو الرّوذ؛ وقد اقتتلت عبد القيس في ابن عُرْس؛ فردّوه إلى قومه، فقال ابنُ عرس للجُنيد:\nأينَ حُماةُ الحرب منْ معشَرٍ ... كانوا جَمالَ المنسَرِ الحارِد!\nبَادُوا بآجالٍ تَوافَوْا لها ... والعائِرُ المُمْهَلُ كالبائِدِ\nفالعينُ تُجرِي دَمْعها مُسْبَلًا ... ما لِدُمُوعِ العينِ من ذائد\nانظرْ ترى للميْتِ مِنْ رَجْعَةٍ ... أمْ هل ترى في الدهر من خالد!","vol":"9","page":551},{"text":"كُنَّا قديمًا يُتَّقى بأْسُنا ... ونَدْرَأ الصَّادِرَ بالوارِدِ\nحتى مُنِينا بالذي شامَنا ... من بعدِ عِزٍّ ناصرٍ آئدِ\nكعاقِر الناقةِ لا يَنثنِي ... مبْتَدِئًا ذِي حَنَق جاهِدِ\nفَتَقْتَ ما لم يلتئِم صَدْعُهُ ... بالجَحْفَلِ المحْتَشِدِ الزائدِ\nتَبكي لها إنْ كشَفَت ساقَها ... جدْعًا وَعَقْرًا لك من قائدِ!\nترَكْتَنا أجزاءَ مَعْبُوطةٍ ... يَقسِمُها الجازرُ للناهد\nتَرَقّتِ الأَسيافُ مَسْلولَةً ... تزيلُ بينَ العَضْدِ والساعدِ\nتَسَاقَطُ الهاماتُ من وقعِها ... بينَ جَنَاحَيْ مُبرِقٍ راعد\nإذْ أنت كالطفلةِ في خِدرِها ... لمْ تَدرِ يومًا كَيْدَةَ الكائدِ\nإنَّا أناسٌ حَربُنا صَعبَةٌ ... تعصِفُ بالقائِمِ والقَاعدِ\nأضحَتْ سمرْقندُ وأشياعُها ... أحدوثَةَ الغائِبِ والشاهدِ\nوكم ثَوَى في الشعبِ من حازمٍ ... جَلدِ القُوَى ذي مِرَّةٍ ماجد\nيَستَنْجِدُ الخَطْبَ ويَغشَى الوغى ... لا هائبٍ غُسٍّ ولا ناكِدِ (١)\nليتَك يومَ الشِّعْب في حُفرَةٍ ... مرمُوسَةٍ بالمَدَرِ الجامِدِ\nتلعبْ بك الحربُ وأبناؤِها ... لعْبَ صُقُورٍ بِقَطًا واردِ\nطارَ لها قلبُكَ من خيفةٍ ... ما قلبك الطائرُ بالعائدِ\nلا تحسِبَنَّ الحربَ يومَ الضحى ... كشربِكَ المُزَّاءَ بالبارِدِ (٢)\nأبغَضتُ من عَينِكَ تَبْرِيجَها ... وصورةً في جسدٍ فاسِدِ\nجُنيدُ ما عِيصُكَ منسوبُهُ (٣) ... نبْعًا وَلا جَدُّكَ بالصَّاعد\nخمسون ألفًا قُتِلوا ضِيعَةً ... وأنتَ منهم دعوة الناشد\nلا تَمَريَنَّ الحربَ من قابلٍ ... ما أنتَ في العَدوَةِ بالحامد\nقلَّدتُه طَوْقًا على نحرِهِ ... طوق الحمامِ الغرِدِ الفارِد\nقصيدةً حبَّرَهَا شاعِرٌ ... تسعَى بها البُرْدُ إلى خالِدٍ\n[٧/ ٨٤ - ٨٧].\n_________\n(١) الغس: الضعيف اللئيم. القاموس المحيط ص ٧٢٣.\n(٢) المزاء: الخمر اللذيذة الطعم، سميت بذلك للذعها في الفم. لسان العرب (٥/ ٤١٠).\n(٣) منسوبه، بالرفع بدل اشتمال مما قبله.","vol":"9","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1562>ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممَّا كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بُخت، وهو مع البطَّال عبد الله بأرض الرّوم؛ فذكر محمد بن عمر، عن عبد العزيز بن عمر، أن عبد الوهاب بن بُخْت غزا مع البطّال سنة ثلاث عشرة ومئة، فانهزم الناس عن البطّال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكرّ فرسه وهو يقول (١): ما رأيتُ فرسًا أجبن منه، وسَفَك الله دمي إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بُخت؛ أمِن الجنة تفرّون! ثم تقدّم في نحور العدوّ؛ فمرّ برجل وهو يقول: واعطشاه! فقال: تقدّم؛ الرِّيُّ أمامك؛ فخالط القوم فقُتِل وقُتل فرسه.\n* * * *\nومن ذلك ما كان من تفرِيق مسلمة بن عبد الملك الجيوشَ في بلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم، وأسر وسبَى، وحرَق خلقٌ كثير من الترك أنفسَهم بالنار، ودان لمسلمة مَن كان وراء جبال بلنجر وقتل ابن خاقان (٢).\nومن ذلك غَزْوة معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مَرعش ثم رجع.\nوفي هذه السنة صار من دُعاة بني العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلًا منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدرٌ (٣). [٧/ ٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفي هذه السنة أصاب الناس بخُراسان قحط شديد ومجاعة، فكتب الجُنيد\n_________\n(١) انظر سيرته في البداية والنهاية (٧/ ١٩٦).\n(٢) انظر المنتظم (٧/ ١٥٧) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٦).\n(٣) انظر المنتظم (٧/ ١٥٧) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٦).","vol":"9","page":553},{"text":"إلى الكور: إنَّ مرْو كانت آمِنة مطمئنَّة يأتيها رزقُها رغدًا من كلّ مكان، فكفرت بأنعُمِ الله؛ فاحملوا إليها الطعام (١).\nقال عليّ بن محمد: أعطى الجُنيد في هذه السنة رجلًا درهمًا، فاشترى به رغيفًا، فقال لهم: تشكون الجوع ورغيف بدرهم! لقد رأيتُني بالهند وإن الحبّة من الحبوب لتباع عددًا بالدرهم؛ وقال: إنَّ مَرْو كما قال الله ﷿: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [٧/ ٩٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nذكر عليّ بن محمد، عن أشياخه، أنّ الجُنيد بن عبد الرحمن تزّوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلَّب، فغضب هشام على الجُنيد، وولّى عاصم بن عبد الله خراسان؛ وكان الجُنيد سَقَى بطنُه، فقال هشام لعاصم: إن أدركتَه وبه رمَق فأزهقْ نفسه، فقدم عاصم وقد مات الجنيد.\nقال: وذكروا أنَّ جبلة بن أبي روّاد دخل على الجُنيد عائدًا، فقال: يا جبلة، ما يقول الناس؟ قال: قلت يتوجَّعون للأمير؛ قال: ليس عن هذا سألتك، ما يقولون؟ وأشار نحو الشأم بيده. قال: قلت: يقدم على خراسان يزيد بن شجرة الرَّهاويّ، قال: ذلك سيّد أهل الشأم، قال: ومن؟ قلت: عصمة أو عصام، وكنّيت عن عاصم، فقال: إن قدِم عاصم فعدوّ جاهد؛ لا مرحبًا به ولا أهلًا.\nقال: فمات في مرضه ذلك في المحرّم سنة ست عشرة ومئة، واستخلف عمارة بن حُرَيم. وقدم عاصم بن عبد الله، فحبس عُمارة بن حُرَيم وعمال الجنيد وعذّبهم، وكانت وفاته بمرْو، فقال أبو الجُوَيرية عيسى بن عصمة يرثيه:\nهلك الجُودُ والجنيدُ جميعًا ... فعلى الجود والجُنيدِ السّلامُ\nأصبحا ثاوِيَيْن في أَرضِ مَرْوٍ ... ما تَغَنَّتْ على الغُصونِ الحمامُ\nكنتُمَا نُزْهَةَ الكرامِ فلما ... مِتَّ ماتَ النَّدَى وماتَ الكِرامُ\n_________\n(١) انظر المنتظم (١/ ١٥٧).","vol":"9","page":554},{"text":"ثم إنَّ أبا الجويرية أتى خالد بن عبد الله القسريّ وامتدحه، فقال له خالد: ألست القائل:\nهلك الجود والجُنيد جميعًا\nما لك عندنا شيء، فخرج فقال:\nتظَلّ لامِعَة الآفاقِ تَحْمِلُنَا ... إلى عُمارَةَ والقُودُ السَّرَاهِيدُ\nقصيدة امتدح بها عُمارة بن حُريم، ابنَ عمّ الجنيد، وعُمارة هو جدّ أبي الهَيْذام صاحب العصبيّة بالشأم.\nقال: وقدم عاصم بن عبد الله فحبس عمارة بن حُرَيم وعمال الجنيد وعذَّبهم (١) [٧/ ٩٣ - ٩٤].\nذكر الخبر عن ذلك:\nذكر عليّ عن أشياخه، قال: لما قدم عاصم خراسان واليًا، أقبل الحارث بن سُريج من النّخُذ حتى وصل إلى الفارَياب، وقدم أمامه بشر بن جُرْمُوز. قال: فوجّه عاصم الخطَّابَ بن محرز السُّلميّ ومنصورَ بن عمر بن أبي الخَرْفاء السُلميّ وهلال بن عُليم التيميّ والأشهبَ الحنظليّ وجرير بن هميان السدوسيّ، ومقاتل بن حيّان النبَطيّ مولى مصقلة إلى الحارث؛ وكان خطّاب ومقاتل بن حيّان قالا: لا تلقوْه إلَّا بأمان، فأبى عليهما القوم؛ فلما انتهوا إليه بالفارياب قيّدهم وحبَسهم، ووكَّل بهم رجلًا يحفظهم. قال: فأوثقوه وخرجوا من السّجن، فركبوا دوابّهم، وساقوا دوابّ البريد، فمرُّوا بالطالَقان فهمَّ سهْرَب صاحب الطالَقان بهم، ثم أمسك وتركهم. فلما قدموا مَرْو أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدره، ثم مضى الحارث إلى بَلْخ وعليها نصر، فقاتلوه؛ فهزم أهل بلْخ ومضى نصر إلى مرْو.\nوذكر بعضهم: لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التُّجيبيّ بن ضُبيَعة المرّيّ ونصر بن سيار، وولّاهما الجنيد، قال: فانتهى إلى قنطرة عطاء وهي على نهر بلْخ على فرسخين من المدينة، فتلقى نصربن سيار في عشرة آلاف\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٧) ولم نجد لهذا الخبر أصلًا صحيحًا والله أعلم.","vol":"9","page":555},{"text":"والحارث بن سُريج في أربعة آلاف، فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرضا؛ فقال قطن بن عبد الرحمن بن جُزيّ الباهليّ: يا حارث؛ أنت تدعو إلى كتاب الله والسنّة؛ والله لو أنّ جبريل عن يمينك وميكائيل عن يسارك ما أجبتُك؛ فقاتلهم فأصابته رمية في عينه؛ فكان أوّلَ قتيل. فانهزم أهلُ بلخ إلى المدينة، وأتبعهم الحارث حتى دخلَها، وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارثَ بالكفّ عنهم، فقال رجل من أصحاب الحارث: إني لأمشي في بعض طرق بلْخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة تقول: يا أبتاه! ليت شعري من دهاك! وأعرابيّ إلى جَنْبي يسير؛ فقال: مَنْ هذه الباكية؟ فقيل له: ابنة قَطَن بن عبد الرحمن بن جزيّ، فقال الأعرابي: وأنا وأبيك دهيْتُك، فقلت: أنت قتَلته؟ قال: نعم.\nقال: ويقال: قدم نصر والتَّجيبيّ على بلْخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوسًا حتى هزم الحارث نصرًا؛ وكان التَّجيبيّ ضرب الحارث أربعين سوطًا في إمْرة الجنيد، فحوّله الحارث إلى قلعة باذكر بزَمّ، فجاء رجل من بني حَنِيفة فادّعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هَراة، فدفعه الحارث إلى الحنفيّ، فقال له التُّجيبيّ: أفتدي منك بمئة ألف، فلم يقبل منه وقتله. وقوم يقولون: قُتِل التُّجيبيّ في ولاية نصر قبل أن يأتيَه الحارث.\nقال: ولما غلب الحارث على بلْخ استعمل عليها رجلًا من ولَد عبد الله بن خازم، وسار، فلما كان بالجُوزجان دعا وابصة بن زُرارة العبديّ، ودعا دجاجة ووحشًا العجليَّيْن وبشر بن جُرموز وأبا فاطمة، فقال: ما ترون؟ فقال أبو فاطمة: مَرْو بَيْضة خراسان؛ وفرسانهم كثير؛ لو لم يلقوْك إلَّا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإن أتوْك قاتلتَهم وإن أقاموا قطعت المادة عنهم، قال: لا أرى ذلك، ولكن أسير إليهم. فأقبل الحارث إلى مَرْو، وقد غلب على بلْخ والجُوزجان والفارياب والطالَقان ومرْو الرّوذ، فقال أهل الدين من أهل مَرْو: إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فَرّق جماعتنا وإن أتانا نكب.\nقال: وبلغ عاصمًا أن أهل مَرْو يكاتبون الحارث، قال: فأجمع على الخروج وقال: يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سُريج، لا يقصد مدينة إلَّا خلّيتموها له، إني لاحق بأرض قومي أبرشهر، وكاتبٌ منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدّني بعشرة آلاف من أهل الشأم، فقال له المجشّر بن مزاحم: إن أعطوْك","vol":"9","page":556},{"text":"بيعتَهم بالطلاق والعتَاق فأقم، وإن أبوْا فسر حتى تنزل أبرشهر، وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدّك باهل الشأم. فقال خالد بن هريم أحد بني ثعلبة بن يربوع وأبو محارب هلال بن عُلَيْم: والله لا نخلِّيك والذهاب، فيلزمنا دَينْك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال. قال: أفعل، قال يزيد بن قرّان الرّياحيّ: إن لم أقاتل معك ما قاتل فابنةُ الأبرد بن قُرّة الرياحيّ طالق ثلاثًا - وكانت عنده - فقال عاصم: أكلّكم على هذا؟ قالوا: نعم. وكان سلمة بن أبي عبد الله صاحب حَرسه يحلِّفهم بالطلاق.\nقال: وأقبل الحارث بن سُريج إلى مَرْو في جمع كثير - يقال في ستين ألفًا - ومعه فرسان الأزْد وتميم؛ منهم محمد بن المثنّى وحمّاد بن عامر بن مالك الحِمانيّ وداود الأعسر وبشْر بن أنَيف الرياحيّ وعطاء الدَّبُوسيّ. ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان الفارياب وسهرب ملك الطَّالقان، وقرياقس دهقان مَرْو، في أشباههم.\nقال: وخرج عاصم في أهل مَرْو وفي غيرهم؛ فعسكر بجياسر عند البيعة، وأعطى الجند دينارًا دينارًا، فخفّ عنه الناس، فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير، وأعطى الجند وغيرهم؛ فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر فكسِرت، وجاء أصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا في البرّيّة! دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له، فأبَوْا وذهب رجّالتهم يُصلِحون القناطر، فأتاهم رجّالة أهل مَرْو فقاتلوهم؛ فمال محمد بن المثنّى الفراهيذيَّ برايته إلى عاصم فأمالها في ألفين فأتى الأزْد؛ ومالط حماد بن عامر بن مالك الحِمّانيّ إلى عاصم، وأتى بني تميم.\nقال سلمة الأزديّ: كان الحارث بعث إلى عاصم رسلًا - منهم محمد بن مسلم العنبريّ - يسألونه العملَ بكتاب الله وسنة نبيّة - ﷺ -. قال: والحارث بن سريج يومئذ على السواد. قال: فلمَّا مال محمد بن المثنى بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى الناس؛ فكان أوّل قتيل غياث بن كلثوم من أهل الجارُود، فانهزم أصحاب الحارث، فغرِق بشر كثير من أصحاب الحارث في أنهار مَرْو والنهر الأعظم، ومضت الدّهاقين إلى بلادهم؛ فضُرِب يومئذ خالد بن","vol":"9","page":557},{"text":"علباء بن حبيب بن الجارود على وجهه؛ وأرسل عاصم بن عبد الله المؤمنَ بن خالد الحنفيّ وعِلباء بن أحمر اليشكريّ ويحيى بن عَقِيل الخُزاعيّ ومقاتل بن حَيَّان النَّبَطي إلى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث الحارث محمدَ بن مسلم العنبريّ وحدَه، فقال لهم: إنَّ الحارث وإخوانكم يقرؤونكم السلام، ويقولون لكم: قد عطشنا وعطشت دوابُّنا، فدعونا ننزل الليلة، وتختلف الرّسل فيما بيننا ونتناظر؛ فإن وافقناكم على الذي تريدون وإلّا كنتم مِنْ ورَاء أمركم؛ فأبوا عليه وقالوا مقالًا غليظًا؛ فقال مقاتل بن حيّان النبطيّ: يا أهلَ خراسان، إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد؛ ويدنا على عدوّنا واحدة؛ وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم؛ وجّه إليه أميرنا بالفقهاء والقرَّاء من أصحابه، فوجّه رجلًا واحدًا. قال محمد: إنما أتيتُكم مبلِّغًا، نطلب كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وسيأتيكم الّذي تطلبون من غد إن شاء الله تعالى.\nوانصرف محمَّد بن مسلم إلى الحارث، فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصمًا، فلما أصبح سار إليه فالتقوْا، وعلى ميمنة الحارث رابض بن عبد الله بن زرارة التغلَبيّ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فحمل يحيى بن حُضَيْن - وهو رأس بكر بن وائل، وعلى بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج - فقتِلوا قتلًا ذريعًا، فقطع الحارث وادي مَرْو؛ فضرب رواقًا عند منازل الرّهبان، وكفّ عنه عاصم. قال: وكانت القتلى مئة، وقتِل سَعيد بن سعد بن جَزء الأزديّ، وغرق خازم بن موسى بن عبد الله بن خازم - وكان مع الحارث بن سُريج - واجتمع إلى الحارث زُهاء ثلاثة آلاف، فقال القاسم بن مسلم: لما هُزِم الحارث كفّ عنه عاصم، ولو ألحَّ عليه لأهلكه. وأرسل إلى الحارث: إني رادٌّ عليك ما ضمنت لك ولأصحابك؛ على أن ترتحل؛ ففعل.\nقال: وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب أتى الحارث ليلة هزم، وكان أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث، وقالوا: ألم تزعم أنه لا يردّ لك راية! فأتاهم فسكّنهم.\nوكان عطاء الدّبوسيّ من الفُرسان، فقال لغلامه يوم زَرْق: أسرِج لي بِرذوْني","vol":"9","page":558},{"text":"لعلِّي ألاعب هذه الحمارة، فركب ودعا إلى البراز، فبرز له رجل من أهل الطالَقان، فقال بلغته: إي كيرِخَر. [٧/ ٩٤ - ٩٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>ذكر الخبر عن سبب عزل هشام عاصمًا وتوليته خالدًا خراسان</span>\nوكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ عن أشياخه - أنّ عاصم بن عبد الله كتب إلى هشام بن عبد الملك: أمَّا بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ الرائد لا يكذب أهله؛ وقد كان من أمر أمير المؤمنين إليّ ما يحقّ به عليّ نصيحته، وإن خراسان لا تصلح إلَّا أن تضمّ إلى صاحب العراق، فتكون موادُّها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب؛ لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطؤ غياثه عنها.\nفلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بن حُضَين والمجشّر بن مزاحم وأصحابهم؛ فأخبرهم، فقال له المجشّر بعدما مضى الكتاب: كأنك بأسد قد طلع عليك، فقدم أسد بن عبد الله؛ بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر، فبعث الكُميت بن زيد الأسديّ إلى أهل مَرْو بهذا الشعر:\nألا أَبْلغ جماعَةَ أَهْل مَرْو ... على ما كانَ مِنْ نأْي وَبُعْدِ\nرِسالة ناصِحٍ يُهْدِي سلامًا ... ويأْمُرُ في الذي رَكِبُوا بِجَدِّ\nوأَبْلِغْ حارثًا عَنَّا اعْتِذارًا ... إلَيْهِ بأَنَّ مَنْ قِبَلي بِجُهْدِ\nولَوْلا ذاك قَدْ زارَتْك خَيْلٌ ... منَ المِصرَينِ بالفُرْسَانِ تُرْدِي\nفلا تهنُوا ولا ترْضَوْا بِخَسْفٍ ... ولا يَغْرُرْكُمُ أَسدٌ بَعَهْدِ\nوكونوا كالبَغايا إنْ خُدِعْتُمْ ... وإنْ أقررْتُمُ ضَيْمًا لِوَغْدِ\nوإلَّا فارْفَعُوا الراياتِ سُودًا ... على أهلِ الضلالَة والتَّعَدِّي\nفَكَيْف وأنتُمُ سَبْعُونَ ألْفًا ... رماكُمْ خالِدٌ بِشَبِيهِ قِرْدِ\nومَنْ وَلّى بذِمتَّهِ رَزِينًا ... وشِيعَتَهُ وَلَمْ يُوفِ بِعَهْدِ\nومَنْ غَشَّى قُضاعَةَ ثَوْبَ خِزْي ... بقَتْلِ أَبي سلَامَانَ بْنِ سَعْدِ","vol":"9","page":559},{"text":"فَمَهلًا يا قُضَاعَ فَلَا تكونِي ... توَابعَ لا أصُولَ لَهَا بِنَجْدِ\nوكنْتَ إذا دَعَوْتَ بَني نِزارِ ... أتاكَ الدُّهْمُ مِنْ سَبْطٍ وَجَعْدِ\nفجُدّعَ مِنْ قُضاعَةَ كُلُّ أَنفٍ ... ولا فازتْ على يَوْمٍ بِمَجْدِ\nقال: ورَزِين الذي ذُكِر كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفة، فأعطاه الأمان ثم لم يَفِ به.\nوقال فيه نصر بن سيّار حين أقبل الحارث إلى مَرْو وسوَّد راياته - وكان الحارث يرى رأي المرجِئة:\nدَعْ عَنْكَ دُنيا وأَهْلًا أَنْتَ تارِكُهمْ ... ما خَيْرُ دُنْيَا وأَهْل لَا يَدُومُونا!\nإلَّا بَقيَّةَ أيامٍ إلى أَجَلٍ ... فاطلُبْ مِنَ اللهِ أَهلًا لا يَمُوتونا\nأكثرِ تقَى اللهِ في الإِسْرَارِ مُجْتَهِدًا ... إنَّ التُّقَى خَيْرُهُ ما كان مكْنُونا\nواعْلَم بأَنَّكَ بالأَعمالِ مُرْتَهنٌ ... فكن لذاكَ كَثِيرَ الهَمّ مَحْزُونا\nإني أرَى الغَبَنَ المُردِي بصاحِبهِ ... منْ كان في هذه الأَيَّامِ مَغْبُونا\nتكونُ للمَرءِ أطْوارًا فتَمنَحُهُ ... يومًا عِثارًا وطَورًا تمنحُ اللينا\nبَينا الفَتَى في نعِيمِ العَيْشِ حَوَّلَهُ ... دهْرٌ فأَمسى به عَنْ ذاك مَزبُونا\nتحْلو له مَرَّةً حَتَّى يُسَرَّ بِهَا ... حينًا وتُمقِرُهُ (١) طَمعًا أحايينا\nهل غابرٌ مِنْ بَقَايا الدَّهرِ تَنْظُرهُ ... إلَّا كما قد مضى فيما تُقَضُّونا\nفامْنحْ جهادَكَ مَنْ لَم يَرْجُ آخِرَةً ... وكن عَدُوًّا لِقَومٍ لا يُصَلّونا\nواقتُلْ مُواليَهمْ مِنَّا وناصِرَهُمْ ... حينًا تكفِّرُهُمْ والعَنْهُمُ حينا\nوالعائبينَ علينا ديننَا وهُمُ ... شرُّ العِبادِ إذا خابَزْتَهُمْ دِينا\nوالقائلينَ سَبيلُ اللهِ بغْيَتُنا ... لَبُعدَ ما نكَبُوا عَمَّا يَقُولونا\nفاقتُلُهُمُ غَضَبًا للهِ مُنْتَصِرًا ... منْهُمْ بهِ وَدَعِ المُرتابِ مَفتُونا\nإِرْجاؤُكُمْ لزَّكُمْ والشرْكَ في قَرَنٍ ... فأنتُمُ أَهْلُ إِشراكِ وَمُرْجُونا\nلا يُبْعِدِ اللهُ في الأَجْداثِ غَيْرَكُمُ ... إذ كان دِينكُمُ بالشِّرْكِ مَقْرُونا\nألقَى بِهِ اللهُ رُعبًا في نُحُورِكِمُ ... واللهُ يَقضِي لَنَا الحُسْنى ويُعْلينا\nكَيْما نكُونَ المَوالي عِند خائِفةٍ ... عمَّا تَرُومُ به الإِسْلَامِ والدينا\n_________\n(١) تمقره: أي تمر الطعم له. القاموس المحيط ص ٦١٤.","vol":"9","page":560},{"text":"وهَلْ تَعيبُونَ مِنَّا كاذِبين بِهِ ... غالٍ ومُهْتَضِمٍ، حَسْبي الذي فينا\nيأْبَى الذي كان يُبْلِي اللهُ أَوَّلَكُمْ ... على النِّفاقِ وما قد كان يُبْلينا\nقال: ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فلمّا بلغ عاصمًا أن أسد بن عبد الله قد أقبل، وأنه قد سيَّر على مقدمته محمد بن مالك الهمْدانيّ، وأنه قد نزل الدندانقان، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتابًا على أن ينزل الحارث أيّ كورخراسان شاء، وعلى أن يكتبا جميعًا إلى هشام؛ يسألانه كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن أبى اجتمعا جميعًا عليه. فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن حُضَين أن يختم، وقال: هذا خَلْعٌ لأمير المؤمنين، فقال خلَف بن خليفة ليحيى:\nأَبَى هَمُّ قلبِكَ إِلَّا اجتماعا ... ويَأْبَى رُقادُكَ إِلا امْتناعَا\nبِغيرِ سماعٍ ولم تَلقَنِي ... أُحاوِلُ مِنْ ذَاتِ لهوٍ سماعا\nحَفِظ أُمية في مُلْكها ... ونَخْطِرُ مِنْ دونها أَنْ تُراعَى\nندافِعُ عنها وعَنْ مُلْكِهَا ... إِذَا لم نَجدْ بِيدَيْها امتِناعا\nأَبى شَعْبُ ما بينَنَا في القديمِ ... وبَينَ أُميَّةَ إِلا انصِداعا\nألمْ نَختَطِفْ هامَةَ ابنِ الزُّبيرِ ... ونَنتَزعِ المُلكَ منه انتِزاعا\nجعلنا الخِلَافَةَ في أَهلها ... إذا اصطَرَعَ الناسُ فيها اصطراعا\nنَصرْنا أُميةَ بالمَشْرَفِيِّ ... إذا انْخلَعَ الملكُ عنها انخلاعا\nومنَّا الذي شدَّ أهلَ العراق ... ولو غابَ يَحيَى عن الثَّغْرِ ضاعا\nعلى ابنِ سُرَيج نَقضْنَا الأُمورَ ... وقد كان أحكَمَها ما استَطاعا\nحَكيمٌ مقالَتُهُ حِكْمَةٌ ... إذا شتّت القوم كانت جَماعا\nعَشيَّةَ زَرْقٍ وقد أَزمَعُوا ... قَمَعْنا مِنَ الناكِثِينَ الزَّماعا\nولولَا فتى وائِلٍ لَمْ يكنْ ... لِيُنضِجَ فيها رَئيسٌ كُراعا\nفَقل لأُميةَ تَرعَى لنا ... أَيادِي لمْ نُجْزَها واصْطِناعا\nأتَلهِينَ عَنْ قتلِ ساداتِنا ... ونأْبَى لحقّكِ إلَّا اتباعا\nأَمَنْ لَمْ يُبِعْكِ مِنَ المُشتَرِينَ ... كآخرَ صادَف سُوقًا فَباعا!\nأبى ابنُ حُضَيْنٍ لِما تَصْنَعـ ... ـينَ إلَّا اضطلاعا وإِلَّا اتّباعا\nولو يأْمَنُ الحارثُ الوائلينَ ... لراعكِ في بعض مَنْ كان راعا","vol":"9","page":561},{"text":"وقد كانَ أصْعَرَ ذَا نَيْرَبِ ... أشاعَ الضَّلالَةَ فيما أَشاعا\nكَفَيْنَا أُميةَ مَختُومَةً ... أطاعَ بها عاصمٌ مَنْ أطاعا\nفلولَا مَراكزُ راياتِنا ... مِن الجند خافَ الجنودُ الضَّياعا\nوصَلْنَا القَدِيمَ لَها بالحَدِيث ... وتأْبَى أمَيَّةُ إلَّا انْقطَاعا\nذخائرُ في غَيْرِنَا نَفْعُها ... وما إنْ عَرَفنا لَهُنّ انتفاعا\nولَوْ قدمَتْها وبَانَ الحجا ... بُ لأرْتَعْتِ بيْنَ حشاكِ ارتياعا\nفأَين الوَفَاءُ لأهْلِ الوَفَاءِ ... والشُّكْرُ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُضاعا!\nوأَيْنَ ادِّخارُ بَنِي وائلٍ ... إذ الذَّخرُ في الناس كان ارتجاعا!\nأَلَمْ تَعلَمِي أَنَّ أَسيافَنَا ... تُداوِي العَلِيلَ وتَشْفي الصُّداعا!\nإِذَا ابْنُ حُضَيْنٍ غَدا باللواءِ ... أسلمَ أهلُ القِلاع القِلاعا\nإذا ابنُ حُضَين غدَا باللواءِ ... أشارَ النُّسُورَ به والضِّباعا\nإذا ابن حُضينٍ غدا باللواءِ ... ذَكَى وكانَتْ مَعَدٌّ جُداعا\nقال: وكان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شَراحيل اليشكريّ من أهل الرَّأي، فأشار على يحيى بنقض الصحيفة؛ وقال له: \"غمراتٌ ثم ينجَلينَ\"، وهي المغمَّضات، فغمّض.\nقال: وكان عاصم بن عبد الله في قرية بأعلى مَرْو لكندة، ونزل الحارث قرية لبني العنبر؛ فالتقوْا بالخيل والرّجال، ومع عاصم رجل من بني عَبْس في خمسمئة من أهل الشأم وإبراهيم بن عاصم العُقَيليّ في مثل ذلك؛ فنادى منادي عاصم: مَنْ جاء برأسٍ فله ثلثمئة درهم؛ فجاء رجل من عمّاله؛ برأس وهو عاضّ على أنفه، ثم جاءه رجل من بني ليث - يقال له ليث بن عبد الله - برأس. ثم جاء آخر برأس، فقيل لعاصم: إن طمع الناس في هذا لم يَدَعوا ملَّاحًا ولا عِلْجًا إلَّا أتوْك برأسه؛ فنادى مناديه: لا يأتنا أحد برأس؛ فمن أتانا به فليس له عندنا شيء؛ وانهزم أصحابُ الحارث فأسروا منهم أسارَى، وأسروا عبد الله بن عمرو المازنيّ رأس أهل مَرْو الرَّوذ، وكان الأسراء ثمانين؛ أكثرهم من بني تميم، فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الداندانقان، وكانت اليمانية بعثت من الشأم رجلًا يعدل بألف يكنى أبا داود، أيّام العصبيَّة في خمسمئة؛ فكان لا يمرّ بقرية من قُرى خراسان إلَّا قال: كأنكم بي قد مررتُ راجعًا حاملًا رأس الحارث بن سُريج؛ فلما","vol":"9","page":562},{"text":"التقوْا دعا إلى البراز، فبرز له الحارث بن سُريج؛ فضربه فَوْق منكبه الأيسر فصرعه، وحامى عليه أصحابه فحملوه فخولط، فكان يقول: يا أبرشهر الحارث بن سريجاه! يا أصحاب المعموراه! ورمِيَ فرس الحارث بن سريج في لَبَانه، فنزع النّشابة؛ واستحضره وألخ عليه بالفحرب حتى نزّقه (١) وعرّقه، وشغله عن ألم الجراحة.\nقال: وحمل عليه رجل من أهل الشأم؛ فلما ظنّ أن الرمح مخالطُه؛ مال عن فرسه واتّبع الشأميّ، فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! قال: انزل عن فرسك؛ فنزل وركبه الحارث، فقال الشأميّ: خذ السرج؛ فوالله إنه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس:\nتَوَلَّتْ قريشٌ لَذَّةَ العَيْشِ واتَّقَتْ ... بنا كُلَّ فَجٍّ من خُراسان أغْبَرا\nفلَيتَ قُرَيشًا أصبحوا ذات ليلَةٍ ... يَعومُون في لُجٍّ من البحرِ أخضَرا\nقال: وعظّم أهل الشأم يحيى بن حُضَين لما صنع في أمر الكتاب الذي كتبه عاصم، وكتبوا كتابًا، وبعثوا مع محمد بن مسلم العنبري ورجل من أهل الشأم، فلقوا أسد بن عبد الله بالرّيّ - ويقال: لقوه ببيْهق - فقال: ارجعوا فإني أصلح هذا الأمر، فقال له محمد بن مسلم: هُدمتْ داري، فقال: أبنيها لك، وأردُّ عليكم كلّ مظلمة.\nقال: وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى. قال: فأجاز خالد يحيى بن حُضين بعشرة آلاف دينار وكساه مئة حُلّة. قال: وكانت ولاية عاصم أقلّ من سنة - قيل كانت سبعة أشهر - وقدم أسد بن عبد الله وقد انصرف الحارث، فحبس عاصمًا وسأله عمّا أنفق، وحاسبه فاخذه بمئة ألف درهم؛ وقال: إنك لم تغزُ ولم تخرج من مَرْو، ووافق عمارة بن حُرَيم وعمّال الجُنيد محبوسين عنده؛ فقال لهم: أسير فيكم بسيرتنا أم بسيرة قومكم؟ قالوا: بسيرتك، فخلَّى سبيلَهم.\nقال عليّ عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشامَ بن عبد الملك أمرُ الحارث بن سريج، كتب إلى خالد بن عبد الله: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجيَّة\n_________\n(١) نزقة: ضربه ضربًا شديدًا. القاموس المحيط ص ١١٩٤.","vol":"9","page":563},{"text":"فلتكن به، قال: فوجّه أخاه أسدًا إلى خراسان، فقدِم أسد وما يملك عاصم من خراسان إلَّا مَرْو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريج بمرْو الرّوذ وخالد بن عبيد الله الهجريّ بآمُل، ويخاف إن قصد للحارث بمرْو الروذ دخل خالد بن عبيد الله مَرْو من قِبَل آمُل، وإن قصد لخالد دخلها الحارث من قِبَل مَرْو الرّوذ، فأجمع على أن يوُجّه عبد الرحمن بن نُعيم الغامديّ في أهل الكوفة وأهل الشام في طلب الحارث إلى ناحية مَرْو الرّوذ، وسار أسد بالناس إلى آمُل، واستعمل على بني تميم الحَوْثرة بن يزيد العنبريّ، فلقيهم خيل لأهل آمُل، عليهم زياد القرشيّ مولى حيّان النّبطيّ عند ركايا عثمان، فهزمهم حتى انتهوْا إلى باب المدينة، ثم كرُّوا الناس، فقِتل غلام لأسد بن عبد الله يقال له جَبَلة؛ وهو صاحب عَلمه، وتحصَّنوا في ثلاث مدائن لهم.\nقال: فنزل عليهم أسد وحصَرهم، ونصب عليهم المجانيق، وعليهم خالد بن عبيد الله الهجريّ من أصحاب الحارث، فطلبوا الأمان، فخرج إليهم رويد بن طارق القطعيّ ومولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: فلكم ذلك، قالوا: على ألَّا تأخذ أهل هذه المدن بجنايتنا. فأعطاهم ذلك، واستعمل عليهم يحيى بن نعيم الشيجانيّ أحد بني ثعلبة بن شيبان، ابن أخي مصقلة بن هبيرة، ثم أقبل أسد في طريق زمّ يريد مدينة بلْخ؛ فتلقاه مولًى لمسلم بن عبد الرحمن، فأخبره أنّ أهل بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فقدم بلخ، واتّخذ سفنًا وسار منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصرًا سنانًا الأعرابيّ السُلمِيّ، ومعه بنو الحجّاج بن هارون النميريّ، وبنو زُرْعة وآل عطية الأعور النّضريّ في أهل التّرمذ، والسبل مع الحارث، فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق القطوع إليهم ولا أن يمدّهم، وخرج أهل التِّرمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالًا شديدًا، وكان الحارث استطرد لهم، ثم كرّ عليهم، فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن المنخّل وعاصم بن معوّل النّجليّ في خمسين ومئة من أهل الشأم وغيرهم؛ وكان بشر بن جُرموز وأبو فاطمة الأياديّ ومن كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب التِّرمذ، فيبكون ويشكون بني مَرْوان وجَوْرَهم، ويسألونهم النُّزول إليهم على أن يمالئوهم على حَرْب بني مروان فيأبوْن عليهم؛ فقال السّبل وهو مع الحارث: يا حارث؛ إن","vol":"9","page":564},{"text":"الترمذ قد بُنيت بالطبول والمزامير؛ ولا تُفتَح بالبكاء وإنما تفتح بالسيف، فقاتِل إن كان بك قتال، وتركه السبل وأتَى بلاده.\nقال: وكان أسد حين مرّ بأرض زَمّ تعرّض للقاسم الشيبانيّ وهو في حصن بزَمّ يقال له باذكر؛ ومضى حتى أتى التّرْمذ، فنزل دون النهر، ووضع سريره على شاطئ النهر، وجعل الناس يعبرون؛ فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينة؛ فالتقوْا في سفينة فيها أصحاب أسَد، فيهم أصغر بن عيناء الحميريّ، وسفينةُ أصحاب الحارث فيها داود الأعسر، فرمى أصغر فصكّ السفينة، وقال: أنا الغلام الأحمريّ، فقال داود الأعسر: لأمْرٍ ما انتميت إليه، لا أرض لك! وألزق سفينته بسفينة أصغر فاقتتلوا؛ وأقبل الأشكند - وقد أراد الحارث الانصراف - فقال له: إنما جئتك ناصرًا لك؛ وكمن الأشكند وراء دير؛ وأقبل الحارث بأصحابه؛ وخرج إليه أهل التِّرمذ، فاستطرد لهم فاتّبعوه، ونصر مع أسد جالس ينظر؛ فأظهر الكراهيَة. وعرف أنّ الحارث قد كادهم، فظنّ أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث حين ولّى؛ فأراد أسد معاتبة نصر؛ فإذا الأشكند قد خرج عليهم، فحمل على أهل التِّرمذ فهربوا، وقتِل في المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخّل الجرموزّي من الأزْد، وعاصم بن معوّل - وكان من فرسان أهل الشأم - ثم ارتحل أسد إلى بلْخ، وخرج أهل التِّرمذ إلى الحارث فهزموه، وقتلوا أبا فاطمة وعِكْرمة وقومًا من أهل البصائر، ثم سار أسد إلى سَمَرْقند في طريق زَمّ؛ فلما قدم زَمّ بعث إلى الهيثم الشيبانيّ - وهو في باذكر، وهو من أصحاب الحارث - فقال: إنكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم، ولم يبلغ ذلك النّساء ولا استحلال الفُروج ولا غلبة المشركين على مثل سمَرْقند؛ وأنا أريد سمَرْقند؛ وعليّ عهد الله وذمّته ألَّا يبدأك مني شرٌّ، ولك المؤاساة واللطف والكرامة والأمان ولمن معك، وأنت إن غمصت ما دعوتُك إليه فعليّ عهد الله وذمّة أمير المؤمنين وذمّة الأمير خالد إن أنت رميتَ بسهم ألَّا أؤمِّنك بعده؛ وإن جعلتُ لك ألف أمان لا أفِي لك به. فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان فآمنه، وسار معه إلى سَمَرْقند فأعطاهم عطاءين، وحملهم على ما كان من دوابّ ساقها معه، وحمل معه طعامًا من بُخارى، وساق معه شاءً كثيرة من شاء الأكراد قسمها فيهم؛ ثم ارتفع إلى ورغْسَر وماءُ سمرقند منها، فسكر الوادي","vol":"9","page":565},{"text":"وصرفه عن سَمَرْقند؛ وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها في السّكْر (١)، ثم قفل من سَمَرْقند حتى نزل بلْخ.\nوقد زعم بعضُهم أن الذي ذكرت من أمر أسد وأمر أصحاب الحارث كان في سنة ثمان عشرة (٢). [٧/ ٩٩ - ١٠٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>أمر أَسد بن عبد الله مع دعاة بني العباس</span>\nوفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دُعاة بني العباس بخراسان، فقتل بعضهم، ومثّل ببعضهم، وحبس بعضهم، وكان فيمن أخذ سليمان بن كَثِير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهزِ بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة بن زُرَيق، فأتِىَ بهم، فقال لهم: يا فسَقة، ألم يقل الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٣).\nفذُكر أن سليمان بن كثير قال: أتكلم أم أسكت؟ قال: بل تكلم، قال: نحن والله كما قال الشاعر:\nلو بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغَضَانِ؛ بالماء اعْتِصارِي (٤)\nتدري ما قصتنا؟ صِيدت والله العقارب بيدك أيّها الأمير؛ إنا أناس من قومك، وإن هذه المضريَّة إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشدَّ الناس على قتيبة بن مسلم؛ وإنما طلبوا بثأرهم، فتكلّم ابنُ شريك بن الصامت الباهليّ، وقال: إنّ هؤلاء القوم قد أخِذُوا مرَّة بعد مرّة، فقال مالك بن الهيثم: أصلح الله الأمير! ينبغي لك أن تعتبر كلام هذا بغيره؛ فقالوا: كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة! نحن والله كنا أشدَّ الناس عليه؛ فبعث بهم أسد إلى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بن نُعيم فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تمنّ بهم على عشائرهم، قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال: تخلّي سبيلهما، قال: أنا إذًا من عبد الله بن يزيد نفِيّ، قال: فكيف\n_________\n(١) سكر النهر: سد فاه، والسكر: الشق ومنفرج الماء. القاموس ص ٥٢٤.\n(٢) انظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٧).\n(٣) سورة المائدة: الآية: ٩٥.\n(٤) لعدي بن زيد، الأغاني ٢: ١٦٤، والاعتصار أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر الماء، وهو أن يشربه قليلًا قليلًا.","vol":"9","page":566},{"text":"تصنع بالرّبعيّ؟ قال: أخلّي والله سبيله. ثم دعاء بموسى بن كعب وأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب فجذِب حتى تحطّمت أسنانه، ثم قال: اكسروا وجهه، فدُقّ أنفه، ووجأ لحيته، فنَدَرَ ضرس له، ثم دعا بلاهز بن قريط، فقال لاهز: والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا، وتترك اليمانييّن والرّبَعيين، فضربه ثلثمئة سوط، ثم قال: اصلبوه، فقال الحسن بن زيد الأزديّ، هو لي جار وهو بريء مما قُذِف به، قال: فالآخرون؟ قال: أعرفهم بالبراءة، فخلّى سبيلهم. [٧/ ١٠٧ - ١٠٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومئة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>ولاية عمار بن يزيد على شيعة بني العباس بخراسان</span>\nوفيها وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد إلى حراسان واليًا على شيعة بني العباس؛ فنزل - فيما ذكر - مرْو، وغيّر اسمه وتَسمى بخِداش، ودعا إلى محمد بن عليّ؛ فسارع إليه الناس، وقبلوا ما جاءهم به؛ وسمعوا إليه وأطاعوا، ثم غيَّر ما دعاهم إليه، وتكذَّب وأظهر دين الخُرّميّة؛ ودعا إليه، ورخّص لبعضهم في نساء بعض؛ وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن عليّ؛ فبلغ أسد بن عبد الله خبرُه، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتِيَ به، وقد تجهّز لغزو بلخ، فسأله عن حاله، فأغلظ خِداش له القول، فأمر به فقطِعت يده، وقلع لسانه، وسُملت عينه (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع أصحابه</span>\nفذكر عليّ بن محمد عن أشياخه، قال: لما قدم أسد آمُل في مبدئه، أتوه بخِداش صاحب الهاشميّة، فأمر به قُرْعة الطبيب، فقطع لسانه، وسمل عينه، فقال: الحمد لله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! ثم دفعه إلى يحيى بن نعيم الشّيبانيّ عامل آمُل. فلما قفل من سَمَرْقند كتب إلى يحيى فقتله وصلبه بآمُل، وأتِيَ أسد بحزَوّر مولى المهاجر بن دارة الضّبيّ، فضرب عنقه بشاطئ النهر، ثم\n_________\n(١) انظر المنتظم (٧/ ١٨٦) والبداية والنهاية (٧/ ١٩٨).","vol":"9","page":567},{"text":"نزل أسد منصرفَه من سَمَرْقند بلْخ، فسرَّح جُدَيْعًا الكِرمانيَّ إلى القلعة التي فيها ثَقَل الحارث وثقل أصحابه - واسم القلعة التّبوشكان من طخارستان العليا، وفيها بنو بَرْزَى التَّغلبيّون، وهم أصهار الحارث - فحصرهم الكرمانيّ حتى فتحها، فقتل مقاتلَتهم وقتل بني بَززَى، وسبى عامّة أهلها من العرب والموالي والذراريّ، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، فقال عليّ بن يَعْلَى - وكان شهد ذلك: نقم على الحارث أربعمئة وخمسون رجلًا من أصحابه؛ وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضي؛ وفيهم بشر بن أنيف الحنظليّ وداود الأعسر الخوارزميّ، فقال الحارث: إن كنتم لابد مفارقيّ وطلبتم الأمان. فاطلبوه وأنا شاهد؛ فإنه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلتُ قبل ذلك لم يعطوا الأمان، فقالوا: ارتحل أنت وخلَّنا، ثم بعثوا بشر بن أنيف ورجلًا آخر، فطلبوا الأمان فأمّنهما أسد ووصلهما، فغدروا بأهل القلْعة، وأخبراه أن القوم ليس لهم طعامٌ ولا ماءٌ، فسرَّح أسد الكرمانيّ في ستة آلاف؛ منهم سالم بن منصور البَجَليّ، على ألفين، والأزهر بن جُرموز النميريّ في أصحابه، وجند بلْخ وهم ألفان وخمسمئة من أهل الشأم، وعليهم صالح بن القعقاع الأزديّ؛ فوجّه الكِرمانيّ منصور بن سالم في أصحابه، فقطع نهر ضرغام؛ وبات ليله وأصبح، فأقام حتى متَع النهار؛ ثم سار يومَه قريبًا من سبعة عشر فرسخًا، فأتعب خيله، ثم انتهى إلى كشتم من أرض جبغويه؛ فانتهى إلى حائط فيه زَرع قد قُصّب، فأرسل أهل العسكر دوابّهم فيه، وبينهم وبين القلعة أربعة فراسخ، ثم ارتحل فلما صار إلى الوادي جاءته الطلائع فاخبرته بمجيء القوم ورأسهم المهاجر بن ميمون؛ فلما صاروا إلى الكِرمانيّ كابدهم فانصرفوا، وسار حتى نزل جانبًا من القلعة؛ وكان أول ما نزل في زهاء خمسمئة في مسجد كان الحارث بناه؛ فلما أصبح تتامَّتْ إليه الخيل، وتلاحقت من أصحاب الأزهر وأهل بلْخ.\nفلما اجتمعوا خطبهم الكرمانيّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهلَ بلخ؛ لا أجد لكم مثلًا غيرَ الزّانية، مَنْ أتاها أمكنته من رجلها؛ أتاكم الحارث في ألف رجل من العجم فأمكنتموه من مدينتكم، فقتل أشرافكم، وطرد أميرَكم، ثم سرتم معه من مكانفيه إلى مَرْو فخذلتموه، ثم انصرف إليكم منهزمًا فأمكنتموه من المدينة؛ والذي نفسي بيده لا يبلغني عن رجل منكم كتب كتابًا إليهم في سَهْم","vol":"9","page":568},{"text":"إلَّا قطعتُ يده ورجله وصلبتُه، فأما مَن كان معي من أهل مَرْو فهم خاصتي ولست أخاف غدرهم، ثم نهد إلى القلعة فأقام بها يومًا وليلة من غير قتال؛ فلما كان من الغد نادى مناد: إنا قد نَبَذْنا إليكم بالَعهد؛ فقاتلوهم؛ وقد عطش القوم وجاعوا؛ فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويُترك لهم نساؤهم وأولادهم، فنزلوا على حكم أسد، فأقام أيامًا، وقدم المهلب بن عبد العزيز العتَكيّ بكتاب أسد، أن احملوا إليَّ خمسين رجلًا منهم؛ فيهم المهاجر بن ميمون ونظراؤه من وجوههم؛ فحملوا إليهم فقتلهم؛ وكتب إلى الكرمانيّ أن يصيّر الذين بقوا عنده أثلاثًا، فثلْت يصلّبهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم؛ ففعل ذلك الكِرمانيّ، وأخرج أثقالهم فباعها فيمن يزيد، وكان الذين قتلهم وصلبهم أربعمئة، واتّخذ أسد مدينة بلخ دارًا في سنة ثمان عشرة ومئة، ونقل إليها الدواوين واتخذ المصانع، ثم غزا طَخارستان ثم أرض جبْغويه، ففتح وأصاب سَبْيًا [٧/ ١٠٩ - ١١١].\nوقيل إنه ولد في الليلة التي ضرب فيها عليّ بن أبي طالب وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة أربعين، فسمّاه أبوه عليًّا، وقال: سميته باسم أحبّ الخلق إليّ، وكناه أبا الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد؛ وسأله: هل وُلدَ له من ولد؟ وكان قد ولد له يومئذ محمد بن عليّ، فأخبره بذلك، فكناه أبا محمد [٧/ ١١١ - ١١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزوة الوليد بن القعقاع العبسيّ أرضَ الروم (١).\nوفيها غزأ أسد بن عبد الله الخُتَّل، فافتتح قلعة زغرزك، وسار منها إلى خِداش، وملأ يديه من السبي والشاء؛ وكان الجيش قد هرب إلى الصين.\n* * * *\n_________\n(١) المنتظم (٧/ ١٩٢).","vol":"9","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1572>ذكر غزو الترك ومقتل خاقان</span>\nوفيها لقي أسد خاقان صاحب الترك فقتله، وقتل بشرًا كثيرًا من أصحابه، وسلم أسد والمسلمون، وانصرفوا بغنائم كثيرة وسَبْي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>ذكر الخبر عن هذه الغزوة:</span>\nذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أنهم قالوا: كتب ابن السائجيّ إلى خاقان أبي مُزاحم - وإنما كني أبا مزاحم لأنه كان يزاحم العرب - وهو مُوالث (٢)، يعلمه دخول أسد الختَّل وتفرّق جنوده فيها؛ وأنه بحال مَضيعةٍ (٣). فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز - وكان الخاقان مرْج وجبل حمًى لا يقربهما أحد، ولا يتصيّد فيهما، يتركان للجهاد فضاء، ما كان في المرْج ثلاثة أيام، وما في الجبل ثلاثة أيام - فتجهّزوا وارتعوا ودبغوا مُسوك الصّيد؛ واتخذوا منها أوعية؛ واتخذوا القسيّ والنّشّاب، ودعا خاقان ببرذون مسرَج ملجَم، وأمر بشاة فقُطِعت ثم عُلّقت في المعاليق، ثم أخذ شيئًا من مِلْح فصيَره في كيس، وجعله في منطقته، وأمر كلّ تركيٍّ أن يفعل مثل ذلك، وقال: هذا زادكم حتى تلقوا العرب بالخُتَّلِ.\nوأخذ طريق خُشوراغ؛ فلما أحسّ ابن السائجيّ أنّ خاقان قد أقبل بعث إلى أسد: أُخرج عن الختّل فإن خاقان قد أظلّك، فشتم رسولَه، ولم يصدّقه؛ فبعث صاحب الخُتّل: إنيّ لم أكذبك؛ وأنا الذي أعلمته دخولك؛ وتفرّق جندك، وأعلمته أنها فرْصة له، وسألته المدد، غير أنك أمعرت (٤) البلاد، وأصبت الغنائم؛ فإن لقيك على هذه الحال ظفِر بك؛ وعادتني العرب أبدًا ما بقيت، واستطال عليّ خاقان واشتدّت مؤونته؛ وامتنَّ عليّ بقوله: أخرجتُ العرب من بلادك، ورددت عليك ملكك؛ فعرف أسد أنه قد صَدَقه، فأمر بالأثقال أن تُقدّم، وولّى عليها إبراهيم بن عاصم العقيليّ الجَزريّ، الذي كان وليَ سجستان\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٩).\n(٢) الولث: العهد. الضعيف. القاموس المحيط ص ٢٢٧.\n(٣) المضيعة: الهوان. القاموس المحيط ص ٩٦٠.\n(٤) أمعرت البلاد: أي سلبت ما فيها. القاموس المحيط ص ٦١٤.","vol":"9","page":570},{"text":"بعدُ، وأخرج معه المشيخة، فيهم كَثِير بن أمية وأبو سليمان بن كثير الخُزاعيّ وفُضَيل بن حيّان المهريّ وسنان بن داود القطعيّ، وكان على أهل العالية سِنان الأعرابيّ السُّلميّ، وعلى الأقباض عثمان بن شباب الهمَذَانيّ، جدّ قاضي مَرْو، فسارت الأثقال؛ فكتب أسد إلى داود بن شُعيب والأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ - وقد كان وجّههما في وجه: إنّ خاقان قد أقبل، فانضمّا إلى الأثقال؛ إلى إبراهيم بن عاصم.\nقال: ووقع إلى داود والأصبغ رجل دَبُوسيّ، فأشاع أنّ خاقان قد كسر المسلمين وقتل أسدًا.\nوقال الأصبغ: إن كان أسد ومَن معه أصيبوا فإنّ فينا هشامًا ننحاز إليه؛ فقال داود بن شعيب: قبح الله الحياة بعد أهل خراسان! فقال الأصبغ: حبّذا الحياة بعد أهل خراسان! قتِل الجرّاح ومن معه فما ضرّ المسلمين كثير ضرّ، فإن هلك أسد وأهل خراسان فلن يخذل الله دينَه، وإنّ الله حيّ قيوم، وأمير المؤمنين حيّ وجنود المسلمين كثير. فقال داود: أفلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم! فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم فإذا هما بالنِّيران، فقال داود: هذه نيران المسلمين أراها متقاربة ونيران الأتراك متفرّقة؛ فقال الأصبغ: هم في مَضِيق. ودنَوا فسمعوا نهيق الحمير، فقال داود: أما علمت أنّ الترك ليس لهم حمير! فقال الأصبغ: أصابوها بالأمس؛ ولم يستطيعوا أكلها في يوم ولا اثنين؛ فقال داود: نسرّح فارسين فيكبِّران؛ فبعثا فارسين؛ فلما دنوَا من العسكر كبّرا، فأجابهما العسكر بالتكبير، فأقبلوا إلى العسكر الذي فيه الأثقال؛ ومع إبراهيم أهل الصغَانيان وصَغان خُذاه؛ فقام إبراهيم بن عاصم مبادرًا.\nقال: وأقبل أسد من الختّل نحو جبل المِلْح يريد أن يخوض نهر بَلْخ، وقد قطع إبراهيم بن عاصم بالسْبي وما أصاب، فأشرف أسد على النهر وقد أتاه أن خاقان قد سار من سوياب لممبع عشرة ليلة، فقام إليه أبو تمام بن زَحْر وعبد الرحمن بن خنفر الأزديّان، فقالا: أصلح الله الأمير! إن اللهُ قد أحسن بلاءك في هذء الغزوة فغنمت وسلمت فاقطعْ هذه النّطفة، واجعلها وراء ظهرك، فأمر بهما فُوجئَت رقابهما، وأُخِرجَا من العسكر وأقام يومه. فلما كان من الغد ارتحلَ وفي النّهر ثلاثة وعشرون موضعًا يخوضه النّاس، وفي موضع مجتمع ماء","vol":"9","page":571},{"text":"يبلغ دفّتي السّرج، فخاضه الناس، وأمر أن يحمل كلّ رجل شاة، وحمل هو بنفسه شاة؛ فقال له عثمان بن عبد الله بن مطرِّف بن الشِّخِّير: إنّ الذي أنت فيه من حمل الشاة ليس بأخطر مما تخاف؛ وقد فرّقتَ الناس وشغلتهم، وقد أظلك عدوّك، فدَعْ هذا الشاء لعنة الله عليه، وأمر الناس بالاستعداد. فقال أسد: والله لا يعبُر رجل ليست معه شاة حتى تفنى هذه الغنم إلَّا قطعت يدَه، فجعل الناس يحملون الشّاء؛ الفارس يحملها بين يديه والراجل على عُنقه؛ وخاض الناس. ويقال: لما حفرت سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباخة فكان بعضهم يميل فيقع عن دابته، فأمر أسد بالشاء أن تقذف، وخاض الناس، فما استكملوا العبور حتى طلعت عليهم الترك بالدّهْم، فقتلوا مَن لم يقطع، وجعل الناس يقتحمون النّهر - ويقال كانت المسلحة على الأزْد وتميم، وقد خُلِّف ضَعفة الناس - وركب أسد النّهر، وأمر بالإبل أن يقطع بها إلى ما وراء النهر، حتى تحمل عليها الأثقال؛ وأقبل رَهَجٌ من ناحية الخُتَّل؛ فإذأ خاقان؛ فلما توافَى معه صدْر من جنده حمل على الأزْد وبني تيم فانكشفوا، وركض أسد حتى انصرف إلى معسكره، وبعث إلى أصحاب الأثقال الذين كان سرّح أمامه: أن انزلوا وخندقوا مكانكم في بطن الوادي. قال: وأقبل خاقان، فظنّ المسلمون أنه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر؛ فلما نظر خاقان إلى النّهر أمر الأشكند - وهو يومئذ أصبهبذ نسف - أن يسير في الصفّ حتى يبلغ أقصاه، ويسأل الفرسان وأهل البَصر بالحرب والماء: هل يطاق قطوع النهر والحمل على أسد؟ فكلّهم يقول: لا يطاق؛ حتى انتهى إلى الأشتيخَن، فقال: بلى يطاق، لأنّا خمسون ألف فارس؛ فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة ردّ بعضنا عن بعض الماء فذهب جَرْيته، قال: فضربوا بكوساتهم (١) فظنّ أسد ومن معه أنه منهم وعيد، فأقحموا دوابّهم، فجعلت تنخر أشدّ النخير؛ فلما رأى المسلمون اقتحامَ الترك ولّوا إلى العسكر، وعبرت الترك فسطع رَهَجٌ عظيم لا يبصر الرّجل دابّته، ولا يعرف بعضهم بعضًا؛ فدخل المسلمون عسكَرهم وحَوَوا ما كان خارجًا، وخرج الغلمان بالبراذِع والعَمد، فضربوا الترك؛ فأدبروا، وبات أسد؛ فلما أصبح - وقد كان عبّأ أصحابه من الليل تخوّفًا مِنْ غَدْر خاقان وغدوّه عليه، ولم ير شيئًا - دعا وجوه\n_________\n(١) الكوس: الطبل. القاموس المحيط ص ٧٣٧.","vol":"9","page":572},{"text":"الناس فاستشارهم، فقالوا له: اقبل العافية، قال: ما هذه عافية، بل هي بليَّة، لقينا خاقان أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح؛ فما منعه منّا اليوم إلَّا أنه قد وقع في يديه أسراء فأخبروه بموضع الأثقال أمامنا، فترك لقاءنا طمعًا فيها، فارتحل فبعث أمامه الطلائع، فرجع بعضهم فأخبره أنه عاين طوقات (١) الترك وأعلامًا من أعلام الإشكند، في بشر قليل، فسار والدوابّ مثقلة، فقيل له: انزل أيها الأمير واقبل العافية، قال: وأين العافية فأقبلَها! إنما هي بليّة وذهاب الأنفس والأموال. فلما أمسى أسد صار إلى منزل، فاستشار الناس: أينزلون أم يسيرون؟ فقال الناس: اقبل العافية؛ وما عسى أن يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بن سيار مطرق، فقال أسد: ما لك يا بن سيار مطرقًا لا تتكلم! قال: أصلح الله الأمير! خَلّتان كلتاهما لك، إن تَسِرْ تُغِثْ مَنْ مع الأثقال وتخلّصهم، وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطَعتَ قُحْمة لابدّ من قطوعها، فقبل رأيه وسار يومه كلّه.\nقال: ودعا أسد سعيدًا الصغير - وكان فارسًا مولى باهلة، وكان عالمًا بأرض الخُتّل - فكتب كتابًا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد؛ فإنّ خاقان قد توجّه إلى ما قِبَلك، وقال: سِرْ بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل؛ فإن لم تفعل فأسد بريء من الإسلام إن لم يقتلْك؛ وإن أنت لحقت بالحارث فعلى أسدٍ مثلُ الذي حلَف، إن لم يغ امرأتك الدلّالُ في سوق بلْخ وجميع أهل بيتك. قال سعيد: فادفع إليّ فرسك الكُميت الذَّنوب (٢) قال: لعمري لئن جُدْتَ بدمك، وبخلتُ عليك بالفرس إني للئيم. فدفعه إليه. فسار على دابّة من جنائبه، وغلامه على فرس له، ومعه فرس أسد يجنُبه، فلمّا حاذى الترك وقد قصدوا الأثقال طلبته طلائعهم؛ فتحوّل على فرس أسد، فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب، وتَبِعه بعض الطلائع - يقال عشرون رجلًا - حتى رأوْا عسكر إبراهيم، فرجعوا إلى خاقان فأخبروه. فغدا خاقان على الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقًا، فأتاهم وهم قيام عليه؛ فأمر أهل السُّغد بقتالهم؛ فلما دنوا من مسلحة المسلمين ثاروا في وجوههم فهزموهم، وقتلوا منهم رجلًا، فقال خاقان: اركبوا، وصعد خاقان\n_________\n(١) في اللسان: الطاق: ضرب من الملابس، قيل: هو الطيلسان الأخضر. [اللسان (١٠/ ٢٣٣)].\n(٢) الكميت: الذي خالط حمرته قنوء، والذنوب: الفرس الوافر الذنب. القاموس المحيط ص ٢٠٤.","vol":"9","page":573},{"text":"تلًا فجعل ينظر العورة، ووجّه القتال، قال: وهكذا كان يفعل؛ ينفرد في رجلين أو ثلاثة، فإذا رأى عَوْرة أمر جنوده فحملت من ناحية العَوْرة، فلما صعد التلّ رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة، فدعا بعض قوّاد الترك، فأمره أن يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه حتى يصيروا إلى الجزيرة، ثم ينحدروا في الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دُبُر، وأمرهم أن يبدؤوا بالأعاجم وأهل الصغانيان، وأن يدَعوا غيرهم؛ فإنهم من العرب، وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم، وقال لهم: إن أقام القوم في خندقهم فأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم؛ وإن ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دُبُره عليهم، ففعلوا ودخلوا عليهم من ناحية الأعاجم، فقتلوا صغان خُذاه وعامّة أصحابه، واحتووا على أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا عامة ما فيه، وترك المسلمون التعبئة واجتمعوا في موضع، وأحسوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء؛ فإذا أسد في جنده قد أتاهم، فجعلت الترك ترتفع عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يتعجب من كَفّهم وقد ظفروا وقتلوا مَنْ قتلوا وأصابوا ما أصابوا، وهو لا يطمع في أسد.\nقال: وكان أسد قد أغذّ السير، فأقبل حتى وقف على التّلّ الذي كان عليه خاقان، وتنحّى خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إليه مَن بقي ممّن كان مع الأثقال، وقد قتِل منهم بشرٌ كثير؛ قتل يومئذ بركة بن خوْليّ الراسبيّ وكثير بن أمية ومشيخة من خُزاعة، وخرجت امرأة صَغان خُذاه إلى أسد، فبكت زوجها، فبكى أسد معها حتى علا صوته، ومضى خاقان يقود الأسراء من الجند في الأوْهاق (١) ويسوق الإبل موقَرة والجواري.\nقال: وكان مصعب بن عمر والخزاعيّ ونفر من أهل خراسان قد أجمعوا على موافقتهم فكفّهم أسد، وقال: هؤلاء قوم قد طابت لهم الرّيح واستكلبوا، فلا تعرّضوا لهم، وكان مع خاقان رجل من أصحاب الحارث بن سُريج فأمره فنادى: يا أسد؛ أما كان لك فيما وراء النهر مغزى! إنك لشديد الحرْص، قد كان لك عن الخُتّل مندوحةٌ، وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال أسد: كان ما رأيت؛ ولعلّ الله\n_________\n(١) الوهق: الحبل. لسان العرب (١٠/ ٣٨٥).","vol":"9","page":574},{"text":"أن ينتقم منك. قال كورمغانون - وكان من عظماء الترك: لم أرَ يومًا كان أحسن من يوم الأثقال، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أصبت أموالًا عظيمة، ولم أر عدوًّا أسمجَ من أسراء العرب، يعدو أحدهم فلا يكاد يبرح مكانه.\nوقال بعضهم: سار خاقان إلى الأثقال، فارتحل أسد؛ فلما أشرف على الظّهر، ورأى المسلمين الترك امتنعوا وقد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا فأتوا الأعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم، فأسروا أولادهم.\nقال: فأردف كلّ رجل منهم وصيفًا أو وصيفة، ثم أقبلوا إلى عسكر أسد عند مغيب الشمس. قال: وسار أسدٌ بالنّاس، حتى نزل مع الثقل. وصبَّحوا أسدًا من الغدِ؛ وذلك يوم الفِطْر، فكادوا يمنعونهم من الصلاة. ثم انصرفوا ومضى أسد إلى بلْخ، فعسكر في مَرْجها حتى أتى الشتاء، ثم تفرّق الناس في الدور، ودخل المدينة، ففي هذه الغَزاة قيل له بالفارسية:\nأَزْ خُتَّلانْ آمديه ... بَرُوتباهْ آمَديه\nآبار بازْ آمَديه ... خُشك نزارآمَديه\nقال: وكان الحارث بن سريج بناحية طَخارستان؛ فانضمّ إلى خاقان؛ فلمّا كان ليلة الأضحى قيل لأسد: إن خاقان نزل جزّة، فأمر بالنِّيران فرفعت على المدينة، فجاء الناس من الرّساتيق إلى مدينة بلْخ، فأصبح أسد فصلّى وخطب الناس، وقال: إن عدوّ الله الحارث بن سُريج استجلب طاغيته ليطفئ نور الله، ويبدّل دينه، والله مذلّه إن شاء الله، وإن عدوّكم الكلب أصاب من إخوانكم مَنْ أصاب، وإن يُرِدِ الله نصركم لم يضرّكم قلّتكم وكثرتُهم، فاستنصروا الله، وقال: إنه بلغني أنه العبد أقربُ ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله؛ وإني نازل وواضع جبهتي، فادعوا الله واسجدوا لرّبكم، وأخلصوا له الدعاء، ففعلوا ثم رفعوا رؤوسهم، وهم لا يشكّون في الفتح، ثم نزل عن المنبر، وضحّى وشاورَ الناس في المسير إلى خاقان، فقال قوم: أنت شابٌّ، ولستَ ممن تخوِّف من غارة، على شاة ودابة تخاطر بخروجك. قال: والله لأخرجنّ؛ فإما ظَفر وإما شهادة.\nويقال: أقبل خاقان، وقد استمدّ من وراء النهر وأهل طَخَارستان وجَبْغويه الطُّخاريّ بملوكهم وشاكريّتهم بثلاثين ألفًا، فنزلوا خُلْم، وفيها مسلَحة؛ عليها","vol":"9","page":575},{"text":"أبو العوجاء بن سعيد العبديّ، فناوشهم فلم يظفروا منه بشيء، فساروا على حاميتهم في طريق فيروزبخشين من طخارستان، فكتب أبو العوجاء إلى أسد بمسيرهم. قال: فجمع الناس، فأقرأهم كتاب أبي العوجاء وكتاب الفُرافِصة صاحب مسلحة جَزّة بعد مرور خاقان به، فشاور أسد الناس، فقال قوم: تأخذ بأبواب مدينة بلْخ، وتكتب إلى خالد والخليفة تستمدُّه، وقال آخرون: تأخذ في طريق زمّ، وتسبق خاقان إلى مَرْو.\nوقال قوم: بل تخرج إليهم وتستنصر الله عليهم؛ فوافق قولُهم رأيَ أسد وما كان عزم عليه من لقائهم، ويقال: إن خاقان حين فارق أسدًا، ارتفع حتى صار بأرض طخارستان عند جبغويه، فلمّا كان وسط الشتاء أقبل فمرَّ بجزَّة، وصار إلى الجوزجان وبثّ الغارات؛ وذلك أن الحارث بن سريج أخبره أنه لا نهوض بأسد، وأنه لم يبق معه كبير جند؛ فقال البختريّ بن مجاهد مولى بني شيبان: بل بثّ الخيول حتى تنزل الجوزجان، فلما بثّ الخيل، قال له البحتريّ: كيف رأيت رأيي؟ قال: وكيف رأيتَ صنع الله ﷿ حين أخِذ برأيك فأخذ أسد من جبلة بن أبي روّاد عشرين ومئة ألف درهم، وأمر للناس بعشرين عشرين، ومعه من الجنود من أهل خراسان وأهل الشام سبعة آلاف رجل، واستخلف على بَلْخ الكرمانيَّ بن عليّ، وأمره ألَّا يدع أحدًا يخرج من مدينتها، وإن ضرب الترك باب المدينة. فقال له نصر بن سيار الليثيّ والقاسم بن بُخيت المراغيّ من الأزد وسليم بن سليمان السُّلميّ وعمروبن مسلم بن عمرو ومحمد بن عبد العزيز العتكيّ وعيسى الأعرج الحنظليّ والبختريّ بن أبي درهم البكريّ وسعيد الأحمر وسعيد الصغير مولى باهلة: أصلح الله الأمير؛ ائذن لنا في الخروج، ولا تهجّن طاعتنا، فأذن لهم ثم خرج فنزل بابًا من أبواب بلْخ وضُرِبت له قُبّةٌ فازتان (١) وألصق إحداهما بالأخرى، وصلى بالناس ركعتين طوّلهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: ادعوا الله؛ وأطال في الدعاء، ودعا بالنّصر، وأمَّن الناس على دعائه، فقال: نُصرتم وربّ الكعبة! ثم انفتل من دعائه فقال: نصرتم وربّ الكعبة إن شاء الله، ثلاث مرات، ثم نادى مناديه: برئتْ ذمّة الله من رجل حمل امرأة ممّن كان من الجند، قالوا: إنّ أسدًا إنما خرج هاربًا، فخلَّف أمْ بكر أمَّ ولده\n_________\n(١) الفازة: بناء من خرق وغيرها يبنى للعساكر. لسان العرب (٥/ ٣٩٣).","vol":"9","page":576},{"text":"وولده؛ فنظر فإذا جارية على بَعير، فقال: سلوا لمن هذه الجارية؛ فذهب بعض الأساورة فسأل ثم رجع، فقال: لزياد بن الحارث البكريّ - وزياد جالس - فقطب أسد، وقال: لا تنتهون حتى أسطوَ بالرجل منكم يكرُم عليّ، فأضرِب ظهره وبطنه، فقال زياد: إن كانت لي فهي حُرّة، لا والله أيّها الأمير ما معي امرأة، فإن هذا عدوّ حاسد.\nوسار أسدٌ، فلما كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمرو الكرمانيّ، وهو يومئذ خليفة الكرمانيّ على الأزد: ابغني خمسين رجلًا ودابّة أخلفهم على هذه القنطرة، فلا تَدَع أحدًا ممن جازها أن يرجع إليها، فقال مسعود: ومِنْ أين أقدر على خمسين رجلًا! فأمر به فصُرع عن دابَّته، وأمر بضرب عنقه، فقام إليه قومٌ فكلَّموه فكفّ عنه، فلما جاز القنطرة نزل منزلًا، فأقام فيه حتى أصبح، وأراد المقام يومه، فقال له العُذافير بن زيد: ليأتمر الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس. قال: فأمر بالرحيل وقال: لا حاجة لنا إلى المتخلّفين، ثم ارتحل، وعلى مقدّمته سالم بن منصور البَجَليّ في ثلثمئة، فلقي ثلثمئة من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة منهم معه، وهرب بقيّتهم، فأتى به أسد. قال: فبكى التركيّ، قال: ما يبكيك؟ قال: لستُ أبكي لنفسي، ولكني أبكي لهلاك خاقان، قال: كيف؟ قال: لأنه قد فرّق جنوده فيما بينه وبين مَرْو.\nقال: وسار أسد؛ حتى نزل السِّدْرة - قرية ببلخ - وعلى خيل أهل العالية ريحان بن زياد العامريّ العبدليّ من بني عبد الله بن كعب. قال: فعزله، وصيّر على أهل العالية منصور بن سالم، ثم ارتحل من السِّدرة، فنزل خريستان، فسمع أسد صهيل فرس، فقال: لمن هذا؟ فقيل: للعقّار بن ذُعَيْر، فتطيّر من اسمه واسم أبيه، فقال: ردّوه قال: إني مقتول بجرأتي على الترك، قال: أسد: قتلك الله! ثم سار حتى إذا شارف العَثن الحارّة استقبله بشْر بن رزين - أو رزين بن بشر - فقال بشارة ورزانة؛ ما وراءك يا رزين؟ قال: إن لم تغثنا غلبنا على مدينتنا، قال: قل للمقدام بن عبد الرحمن يطاول رمحي، فسار فنزل من مدينة الجُوزجان بفرسخين، ثم أصبحنا وقد تراءتْ الخيلان، فقال خاقان للحارث: مَنْ هذا؟ فقال: هذا محمد بن المثنى ورايته؛ ويقال: إن طلائع لخاقان انصرفت إليه فأخبرتْه أنّ رهجًا ساطعًا طلع من قِبَل بلْخ، فدعا خاقان الحارث، فقال: ألم","vol":"9","page":577},{"text":"تزعم أنّ أسدًا ليس به نهوض! وهذا رَهَج قد أقبل من ناحية بلْخ، قال الحارث: هذا اللصّ الذي كنت قد أخبرتُك أنه من أصحابي، فبعث خاقان طلائع، فقال: انظروا هل تروْن على الإبل سريرًا وكراسيّ؟ فجاءته الطلائع، فأخبروه أنّهم عاينوها، فقال خاقان: اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسيّ، وهذا أسد قد أتاك. فسار أسد غَلْوة فلقيه سالم بن جناح، فقال: أبشر أيّها الأمير، قد حزرتُهم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله، فقال المجشّر بن مزاحم، وهو يسايره: أنزِلْ أيّها الأمير رجالك؛ فضرب وجْه دابته، وقال: لو أطِعْتَ يا مجشّر ما كنّا قدمنا هاهنا، وسار غير بعيد، وقال: يا أهلَ الصّباح، انزلوا، فنزلوا وقرّبوا دوابَهم، وأخذو النَّبْل والقسيّ، قال: وخاقان في مرْج قد بات فيه تلك الليلة.\nقال: وقال عمرو بن أبي موسى: ارتحل أسد حين صلّى الغداة، فمرّ بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشُّبورُقان، قال: وقصور الجوزجان إذا ذاك ذليلة، قال: وأتاه المقدام بن عبد الرحمن بن نُعيم الغامديّ في مقاتلته وأهل الجوزجان - وكان عاملها - فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: أقيموا في مدينتكم، وقال للجوزجان بن الجوزجان: سِرْ معي؛ وكان على التعبئة القاسم بن بُخَيت المرَاغيّ؛ فجعل الأزد وبني تميم والجوزجان بن الجوزجان وشاكريتَه ميمنته، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو الخزاعيّ، وأهل قنَّسرين عليهم صغراء بن أحمر، وجعل ربيعة ميسرة، عليهم يحيى بن حُضَين، وضمّ إليهم أهل حِمْص عليهم جعفر بن حنظلة البهْرانيّ، وأهل الأزد وعليهم سليمان بن عمرو المقرئ من حِمْيَر؛ وعلى المقدّمة منصور بن مسلم البَجَليّ، وأضاف إليهم أهلَ دمشق عليهم حملة بن نُعيم الكلبيّ، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد.\nقال: وعبّى خاقان الحارث بن سُرَيج وأصحابه وملك السُّغد وصاحب الشاش وخرَا بُغْرة أبا خاناخزة، جدّ كاوس وصاحب الخُتّل وجبغويه، والتّرك كلهم ميمنة، فلمّا التقوا حمل الحارث، ومَنْ معه من أهل السُّغد والبابيّة وغيرهم على الميسرة، وفيها ربيعة وجندان من أهل الشأم؛ فهزمهم فلم يردّهم شيء دون رواق أسد؛ فشدّت عليهم الميمنة - وهم الأزْد وبنو تميم والجوزجان - فما وصلوا","vol":"9","page":578},{"text":"إليهم حتى انهزم الحارث والأتراك، وحمل الناس جميعًا، فقال أسد: اللهمّ إنهم عصوْني فانصرهم؛ وذهب التُّرك في الأرض عباديد لا يلوون على أحد، فتبعهم النّاس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون مَنْ يقدرون عليه، حتى انتهوْا إلى أغنامهم؛ فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين ومئة ألف شاة ودوابّ كثيرة، وأخذ خاقان طريقًا غير الجادّة في الجبل، والحارث بن سُرَيج يحميه، ولحقهم أسد عند الظهر، ويقال: لما واقف أسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق، فأمر أسد برواقه فرفع، فقال رجل من بني قيس بن ثعلبة: يا أهلَ الشأم؛ أهكذا رأيكم، إذا حضر الناس رفعتم الأبنية فأمر به فُحطّ، وهاجت ريح الحرب التي تسمى الهفافة، فهزمهم الله، واستقبلوا القبلة يَدْعون الله ويكبّرون، وأقبل خاقان في قريب من أربعمئة فارس عليهم الحُمرة، وقال لرجل يقال له سورى: إنما أنت ملك الجُوزجان إن أسلمتَ العرب؛ فمن رأيت من أهل الجوزجان مولّيًا فاقتله، وقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله الشِّخيِّر: إني لأعلم ببلادي وطُرقها؛ فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكرٌ ما بقيت؟ قال: ما هو؟ قال: تتبعني؛ قال: نعم؛ فأخذ طريقًا يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكُوسات فضربت ضربة الانصراف، وقد شبّطت الحرب، فلم يقدر الترك على الانصراف، ثم ضربت الثانية فلم يقدروا، ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم، فحمل ابنُ الشِّخيّر والجوزجان على الطوقات، وولّى خاقان مدبرًا منهزمًا، فحوى المسلمون عسكرهم وتركوا قدورهم تغلي ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك، ووحل بخاقان بِرْذونه فحماه الحارث بن سريج، قال: ولم يعلم الناس أنه خاقان، ووجد عسكر الترك مشحونًا من كلّ شيء من آنية الفضة وصنّاجات الترك، وأراد الخصيّ أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لُبود (١) مضرَّب.\nقال: فبعث أسد بجواري التّرك إلى دهاقين خُراسان، واستنقذ مَن كان في أيديهم من المسلمين.\n_________\n(١) في اللسان: كل شعر أو صوف متلبد بعضه على بعض فهو لبد ولبدة، والجمع ألباد ولبود على توهم طرح الهاء\". [اللسان (٣/ ٣٨٦)].","vol":"9","page":579},{"text":"قال: وأقام أسد خمسة أيام. قال: فكانت الخيول التي فرّق تقبِل فيصيبهم أسد، فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلْخ يوم التالممع من خروجه، فقال ابن السِّجْف المجاشعيّ:\nلو سرْتَ في الأَرْضِ تَقِيس الأَرْضَا ... تَقِيسُ منها طُولَها والعَرْضا\nلَمْ تَلْقَ خَيْرًا مِرَّةً ونقْضا ... مِنَ الأَميرِ أَسدٍ وأَمْضَى\nأفْضَى إِلَيْنا، الخَيْرُ حِين أَفضى ... وجَمَعَ الشَّملَ وكانَ رَفْضا\nما فاتَهُ خاقانُ إلا رَكْضا ... قد فُضَّ مِن جُمُوعِهِ ما فُضَّا\nيابْنَ سُرَيج قَدْ لَقيتَ حَمْضَا ... حَمْضًا بِهِ يُشْفى صُداعُ المرضى\nقال: وارتحل أسد، فنزل جَزّة الجوزجان من غد، وخاقان بها، فارتحل هاربًا منه. وندب أسد الناس، فانتدب ناسٌ كثيرٌ من أهل الشام وأهل العراق، فاستعمل عليهم جعفر بن حنظلة البهراني، فساروا ونزلوا مدينة تسمَّى ورد من أرض جَزّة، فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر - ويقال: أصابهم الثّلج - فرجعوا. ومضى خاقان فنزل على جبغويه الطخاريّ، وانصرف البهرانيّ إلى أسد، ورجع أسد إلى بلْخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمرْو الرّوذ منصرفة لتغير على بلْخ، فقتلوا مَنْ قدروا عليه منهم، وكان التّرك قد بلغوا بيعة مَرْو الرّوذ، وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف دِرْع؛ فلمّا صار ببلْخ أمر الناس بالصّوم لافتتاح الله عليهم.\nقال: وكان أسد يوجّه الكرمانيّ في السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون الرّجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك؛ ومضى خاقان إلى طخارستان العليا، فاقام عند جبغويه الخَزْلخِيّ تعزّزًا به، وأمر بصنيعة الكُوسات، فلما جفّت وصلَحت أصواتها ارتحل إلى بلاده؛ فلما ورد شروسنة، تلقّاه خرابغره أبو خاناخره، جدّ كاوس أبي أفشِين باللّعّابين، وأعدّ له هدايا ودوابّ له ولجنده - وكان الذي بينهما متباعدًا - فلما رجع منهزمًا أحبّ أن يتخذ عنده يدًا، فأتاه كلّ ما قدر عليه. ثم أتى خاقان بلاده، وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سَمْرقند، وحُمِل الحارث بن سُرَيج وأصحابه على خمسة آلاف بِرْذون، وفرّق براذين في قوّاد الترك، فلاعب خاقان يومًا كُورصُول بالنّرد على خَطَر (١) تُدْرجة، فقمَر كورصول\n_________\n(١) الخطر: السبق يتراهن عليه. القاموس المحيط ص ٤٩٤.","vol":"9","page":580},{"text":"التَرقشيّ، فطلب منه التُّدرجة، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر؛ فتنازعا، فكسر كُورصول يَد خاقان، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كُورصول؛ وبلغ كووصول، فتنحّى وجمع جمعًا من أصحابه، فبيّت خاقان فقتله؛ فأصبحت الترك فتفرقوا عنه وتركوه مجرّدًا، فأتاه زُريق بن طُفَيل الكُشانيّ وأهل بيت الحموكيّين - وهم من عظماء الترك - فحمله ودفنه، وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل. فتفرّقت الترك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش؛ فعند ذلك طمع أهل السُّغد في الرَّجعة إليها، قال: فلم يسلمْ من خَيْل الترك التي تفرّقت في الغارات إلَّا زرّ بن الكسيّ، فإنه سلم حتى صار إلى طَخَارستان، وكان أسد بعث من مدينة بلخ سيفَ بن وصّاف العجليّ على فرس، فسار حتى نزل الشُّبورقان. قال: وفيها إبراهيم بن هشام مسلحة، فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله، فأخبره، ففظع به هشام فلم يصدّقه، وقال للربيع حاجبه: ويحك! إن هذا الشيخ قد أتانا بالطامّة الكبرى إذا كان صادقًا؛ ولا أراه صادقًا، اذهب فعِدْه ثم سله عمّا يقوله وائتِني بما يقول. فانطلق إليه ففعل الذي أمره به، فأخبره بالذي أَخبر به هشامًا. قال: فدخل عليه أمر عظيم؛ فدعا به بعد، فقال: من القاسم بن بُخَيت منكم؟ قال: ذلك صاحب العسكر، قال: فإنه قد أقبل، قال: فإن كان قد أقبل فقد فتح الله على أمير المؤمنين - وكان أسد وجّهه حين فتح الله عليه - فأقبل القاسم بن بُخيت، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبِّر وهشام يكبِّر لتكبيره، حتى انتهى إليه، فقال: الفتح يا أميرَ المؤمنين؛ وأخبره الخبر، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر؛ وهي واحدة عندهم. قال: فحسدت القيسيّة أسدًا وخالدًا، وأشاووا على هشام أن يكتب إلى خالد بن عبد الله، فيأمرَ أخاه أن يوجّه مقاتل بن حيّان، فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بن حيان على رؤوس الناس، فقال: سر إلى أمير المؤمنين فاخبِرُه بالذي عاينت وقل الحقّ؛ فإنك لا تقول غير الحقّ إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك. قالوا: إذًا لا يأخذ شيئًا، قال: أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا وكذا، وجهَّزه.\nفسار فقدم على هشام بن عبد الملك وهو والأبرش جالسان، فسأله فقال: غزونا الخُتّل، فأصبنا أمرًا عظيمًا، وأنذِر أسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا","vol":"9","page":581},{"text":"واستنقَذوا من غنائمنا، واستباحوا بعض عسكرنا، ثم دفعونا دفعة قريبًا من خُلْم، فانتهى الناس إلى مشاتيهم، ثم جاءنا مسير خاقان إلى الجوزجان، ونحن قريبو العهد بالعدوّ، فسار بنا حتى التقينا برُستاق بينا وبين أرض الجُوزجان، فقاتلناهم وقد حازوا ذراريّ من ذراريّ المسلمين، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم. ثم حملت ميمنتنا عليهم، فأعطانا الله عليهم الظّفر، وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان؛ فأُجْلِيَ عنه - وهشام متّكئ فاستوى جالسًا عند ذكره عسكر خاقان - فقال ثلاثًا: أنتم استبحتم عسكر خاقان! قال: نعم، قال: ثمّ ماذا؟ قال: دخلوا الخُتَّل وانصرفوا. قال هشام: إن أسدًا لضعيف، قال: مهلًا يا أمير المؤمنين؛ ما أسدٌ بضعيف وما أطاق فوق ما صنع، فقال له هشام: حاجتَك؟ قال: إنّ يزيد بن المهلب أخذ من أبي حيّان مئة ألف درهم بغير حق؛ فقال له هشام: لا أُكلفك شاهدًا، احلف بالله أن كما قلت، فحلفَ، فردّها عليه من بيت مال خراسان؛ وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها؛ فكتب إليه، فأعطاه أسدٌ مئة ألف دِرهم، فقسمها بين ورثة حيّان على كتاب الله وفرائضه. ويقال: بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك، فإن كان ما ذكر حقًّا أعطي مئة ألف درهم.\nوكان الذي جاء بفتح خُراسان إلى مَرْو عبد السلام بن الأشهب بن عتبة الحنظلي. قال: فأوفد أسد إلى خالد بن عبد الله وفدًا في هزيمته يوم سان، ومعهم طوقات خاقان ورؤوس مَنْ قُتِلوا منهم، فأوفدهم خالد إلى هشام، فأحلفهم أنهم صَدقوا، فحلفوا، فوصلهم، فقال أبو الهنديّ الأسديّ لأسد يذكر وقعة سان:\nأبا مُنذِرٍ رُمْتَ الأُمُورَ فَقِسْتها ... وساءَلْتَ عَنْها كالحريصِ المُساوِم\nفَما كانَ ذو رَأْيٍ من الناسِ قسْتَهُ ... برَأَيْك إلَّا مِثلَ رَأْيِ البهائِم\nأَبَا مُنْذِرٍ لوْلَا مَسِيرُكَ لم يَكُن عِراق ... وَلا انْقادَتْ مُلوك الأَعاجم\nولا حَجَّ بَيْتَ اللَهِ - مذُ حُجَّ - راكبٌ ... ولا عَمَر البَطْحَاء بَعْدَ المَواسِم\nفَكمْ مِنْ قَتِيل بَيْنَ سانٍ وَجَزَةٍ ... كثِيرِ الأيادي من مُلوكٍ قَماقِم\nتَرَكتَ بأَرْضِ الجوْزَجانِ تزُورُهُ ... سِباعٌ وعِقْبَانٌ لِحَز الغَلاصِم\nوَذي سُوقَة فيه منَ السيف خُطّة ... بهِ رَمَق حامتَ عَلَيْهِ الحَوائم","vol":"9","page":582},{"text":"فمن هارِب مِنَّا وَمِنْ دَائِنٍ لنا ... أَسير يُقَاسِي مُبْهَمَاتِ الأَدَاهم\nفدتْكَ نُفُوسٌ من تميمٍ وعامِرٍ ... ومن مُضَرَ الحَمْرَاءِ عِنْدَ المآزِم\nهُمُ أَطْعَمُوا خاقان فينا فأَصبحَتْ ... جلائبهُ ترْجو احْتِوَاءَ المغانِم\nقال: وكان السبّل أوصى عند موته ابنَ السائجيّ حين استخلفه بثلاث خصال، فقال: لا تستطل على أهل الخُتّل استطالتي التي كانت عليهم؛ فإني ملِك ولستَ بملِك؛ إنما أنت رجل منهم، فلا يحتملون لك ما يحتلمون للملوك، ولا تدَع أن تطلب الجيش حتى تردّه إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي والملوك هم النظّام، والناس ما لم يكن لهم نظام طَغام، ولا تحاربوا العرب واحتالوا لهم كلّ حيلة تدفعونهم بها عن أنفسكم ما قدرتم. فقال له ابن السائجيّ: أما ما ذكرت من تركي الاستطالة على أهل الختَّل فإني قد عرفت ذلك، وأما ما أوصيتَ من ردّ الجيش فقد صدق الملك، وأما قولك: لا تحاربوا العرب، فكيف تنهى عن حربهم، وقد كنتَ أكثر الملوك لهم محاربة! قال: قد أحسنتَ إذ سألتَ عمَّا لا تعلم؛ إني قد جرّبت قوّتكم بقوّتي، فلم أجدكم تقعون مني موقعًا، فكنت إذا حاربتُهم لم أفلِت منم إلَّا جَريضًا، وإنكم إن حاربتموهم هلكتم في أول محاربتكم إياهم.\nقال وكان الجيش، قد هرب إلى الصين، وابن السائجي الذي أخبر أسد بن عبد الله بمسير خاقان إليه، فكره محاربة أسد (١). [٧/ ١١٣ - ١٢٨].\nوذكر أبو زيد أن أبا بكر بن حفص الزهريّ، قال: أخبرني محمد بن عقيل، عن سعيد بن مرادابند، مولى عمرو بن حُرَيث، قال: رأيتُ خالدًا حين أتِيَ بالمغيرة وبيان في ستّة رهط أو سبعة، أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان (٢) قصب ونِفْط فأحضرا، ثم أمر المغيرة أن يتناول طنًّا فكعّ عنه وتأنّى، فصبّت السياط على رأسه، فتناول طنًّا فاحتضنه، فشُدّ عليه، ثم صُبّ عليه وعلى الطنّ نِفط، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا، ثم أمر الرهط ففعلوا، ثم أمر بيانًا آخرهم فقدِم إلى الطنّ مبادرًا فاحتضنه، فقال خالد: ويلكم! في كل أمر\n_________\n(١) لم نجد لهذه المعركة وتفاصيلها المذكورة عند الطبري ما يؤيدها من مرويات خليفة بن خياط وغيره من المتقدمين ولقد ذكره الطبري عن المدائني عن أشياخه فالله أعلم.\n(٢) أطنان: جمع طن؛ وهو حزمة القصب. القاموس المحيط ص ١٥٦٦.","vol":"9","page":583},{"text":"تحمُقون، هلا رأيتم هذا المغيرة! ثم أحرقه.\nقال أبو زيد: لما قتل خالد المغيرة وبيانًا أرسل إلى مالك بن أعين الجُهنيّ فسأله فصدّقه عن نفسه، فأطلقه، فلما خلا مالك بمن يثق به - وكان فيهم أبو مسلم صاحب خراسان - قال:\nضَرَبْتُ له بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ لاحبًا ... وَطِنْتُ عَليْهِ الشَّمْسُ فيمَنْ يطينُها\nوألقيْتهُ في شبْهَةٍ حِينَ سألني ... كما اشتَبَها في الخَط سِينٌ وشينُها\nفقال أبو مسلم حين ظهر أمره: لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه.\nقال أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: خرج المغيرة بن سعيد في سبعة نفر، وكانوا يُدعون الوصفاء، وكان خروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسريّ بخروجهم وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماء، فنعَى ذلك عليه ابن نوفل (١)، فقال:\nأخالد لا جَزاك اللهُ خيرًا ... وأَيْرٌ في حِرِ أمكَ مِنْ أَمِير\nتمَنَّى الفَخْرَ في قَيْس وقَسْرٍ ... كأنَّكَ من سَرَاةِ بنِي جَرير\nوأُمُّك عِلجَةٌ وأَبُوكَ وَغْدٌ ... وما الأَذنابُ عِدْلًا للصُّدُورِ\nجَرِيرٌ مِنْ ذوي يَمَنٍ أصيلٌ ... كَريمُ الأَصل ذو خطرٍ كبيرِ\nوأنتَ زعمْتَ أَنكَ مِنْ يزيدٍ ... وَقَدْ أُدْحِقْتُمُ دحق العبُورِ (٢)\nوكُنْتَ لدَى المُغِيرَةِ عَبْدَ سَوْءٍ ... تَبُول مِن المَخافَة للزَّئيرِ\nوقلتَ لِما أَصابَك: أَطعِمُوني ... شَرابًا ثُمَّ بُلتَ على السريرِ\nلأَعلاج ثمانيَة وَشيخٍ ... كبيرِ السن ليْسَ بذِي نَصِيرِ\n* * * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>خبر مقتل بهلول بن بشر</span>\nوفي هذه السنة حكّم بُهلول بن بشر الملقب كثارة فقتِل.\n_________\n(١) هو يحيى بن نوفل، والشعر في البيان والتبيين: ٢؛ ٢٦٦، ٢٦٧، مع اختلاف في الرواية.\n(٢) الدحق: الدفع. لسان العرب (١٠/ ٩٥).","vol":"9","page":584},{"text":"* ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله:\nذكر أبو عبيدة معمر بن المثنّى أن بُهْلولًا كان يتألّه (١)، وكان له قوت دانق، وكان مشهورًا بالبأس عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحجّ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلًا بدرهم، فجاءه غلامه بخمر، فأمر بردّها وأخْذ الدراهم، فلم يُجَب إلى ذلك، فجاء بُهلول إلى عامل القرية - وهي من السواد - فكلّمه، فقال العاسل: الخمر خير منك ومن قومك؛ فمضى بهلول في حجّه حتى فرغ منه، وعزم على الخروج على السلطان، فلقيَ بمكة مَن كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمع بها أربعون رجلًا، وأمّروا عليهم البهلول، وأجمعوا على ألَّا يمرّوا بأحد إلَّا أخبروه أنّهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، ووجّههم إلى خالد ليُنفذِهم في أعمالهم، فجعلوا لا يمرّون بعامل إلَّا أخبروه بذلك. وأخذوا دوابّ من دوابّ البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي كان ابتاع فيها الغلام الخلّ فأعطِيَ خمرًا، قال بهلول: نبدأ بهذا العامل الذي قال ما قال؛ فقال له أصحابه: نحن نريد قتل خالد؛ فإن بدأنا بهذا شُهِرنا وحذِرَنا خالد وغيره؛ فننشدك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد؛ ويبني البيعَ والكنائس، ويولِّي المجوس على المسلمين، ويُنكح أهلَ الذّمة المسلمات، لعلنا نقتله فيريح الله منه. قال: والله لا أدَعُ ما يلزمني لما بعده؛ وأرجو أن أقتل هذا الذي قال لي ما قال وأدرك خالدًا فأقتله؛ وإن تركتُ هذا وأتيتُ خالدًا شُهر أمرنا فأفلت هذا، وقد قال الله ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٢)، قالوا: أنت ورأيك، فأتاه فقتله، فنذر بهم الناس وعلموا أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطريق هزابًا، وخرجت البرُد إلى خالد فأخبروه أن خارجةً قد خرجت؛ وهم لا يدرون حينئذ مَن رئيسهم.\nفخرج خالد من واسط حتى أتى الحِيرة وهو حينئذ في الحلَق، وقد قدم في تلك الأيام قائد من أهل الشأم من بني القَيْن في جيش قد وَجّهوا مددًا لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة، فلذلكَ قصدها خالد، فدعا رئيسهم فقال: قاتلْ هؤلاء المارقة؛ فإنّ من قتل منهم رجلًا أعطيته عطاء سوى ما قبض بالشأم، وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند - وكان الخروج إلى أرض الهند شاقًّا عليهم -\n_________\n(١) يتأله: يتعبد. القاموس المحيط ص ١٦٠٣.\n(٢) سورة التوبة: ١٢٣.","vol":"9","page":585},{"text":"فسارعوا إلى ذلك، فقالوا: نقتل هؤلاء النفر ونرجع إلى بلادنا، فتوجّه القيْنيّ إليهم في ستمئة، وضمّ إليهم خالد مئتين من شُرَط الكوفة، فالتقوا على الفُرات، فعبّأ القْينيّ أصحابه، وعزل شرط الكوفة، فقال: لا تكونوا معنا - وإنما يريد في نفسه أن يخلوَ هو وأصحابه بالقوم فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد - وخرج إليهم بُهلول، فسأل عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم تنكّر له، ومعه لواء أسود، فحمل عليه فطعنه في فرْج درعه؛ فأنفذه. فقال: قتلتَني قتلك الله! فقال بهلول؛ إلى النار أبعدك الله.\nوولّى أهل الشأم مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتى بلغوا باب الكوفة، وبُهلول وأصحابه يقتلونهم، فأما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه؛ وأما شُرَط الكوفة فإنه لحقهم، فقالوا: اتق الله فينا فإنا مكرهون مقهورون؛ فجعل يقرع رؤوسهم بالرّمح، ويقول: الحقوا! النّجاء النّجاء! ووجد البهلول مع القينيّ بَدْرة فأخذها.\nوكان بالكوفة ستة نفر يرون رأي البهلول، فخرجوا إليه يريدون اللّحاق به فقتِلوا، وخرج إليهم البُهلول وحمل البَدْرة بين يديه، فقال: مَنْ قتل هؤلاء النفر حتى أعطيَه هذه الدراهم؟ فجعل هذا يقول: أنا، وهذا يقول: أنا؛ حتى عرفهم؛ وهم يروْن أنه من قِبَل خالد جاء ليعطيهم مالًا لقتلهم مَنْ قتلوا، فقال بُهلول لأهل القرية، أصَدق هؤلاء، هم قتلوا النفر؟ قالوا: نعم؛ وخشي بهلول أنهم اذعوا ذلك طمعًا في المال، فقال لأهل القرية: انصرفوا أنتم؛ وأمر بأولئك فقُتِلوا، وعاب عليه أصحابه فحاجّهم، فأقرّوا له بالحجّة.\nوبلغت هزيمةُ القوم خالدًا وخبر مَنْ قُتِل من أهل صرِيفين، فوجّه قائدًا من بني شَيْبان أحد بني حوشب بن يزيدبن رويم؛ فلقيهم فيما بين الموصل والكوفة، فشدّ عليهم البُهلول، فقال: نشدتك بالرحم! فإني جانح مستجير! فكفّ عنه؛ وانهزم أصحابه، فأتوْا خالدًا وهو مقيم بالحيرة ينتظر، فلم يرعْه إلَّا الفَلّ قد هجم عليه؛ فارتحل البُهلول من يومه يريد الموصل؛ فخافه عامل الموصل، فكتب إلى هشام: إنّ خارجةً خرجت فعاثت وأفسدت؛ وأنه لا يأمن على ناحيته، ويسأله جندًا يقاتلهم به؛ فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كُثارة بن بشر - وكان هشام لا يعرف البهلول إلَّا بلقبه - فكتب إليه العامل: إن الخراج هو كُثارة.","vol":"9","page":586},{"text":"قال: ثم قال البهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانيّة شيئًا - يعني خالدًا - وما خرجت إلَّا لله، فلمَ لا نطلب الرأس الذي يسلط خالدًا وذوي خالد! فتوجّه يريد هشامًا بالشام، فخاف عمّال هشام مَوْجِدته إن تركوه يجوز بلادهم حتى ينتهي إلى الشأم، فجنّد له خالد جندًا من أهل العراق، وجند له عامل الجزيرة جندًا من أهل الجزيرة، ووجّه إليه هشام جندًا من أهل الشأم؛ فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بُهلول حتى انتهى إليهم - ويقال: التقوْا بالكُحَيل دون الموصل - فأقبل بهلول، فنزل على باب الدَّيْر، فقالوا له؛ تزحزح عن باب الدير حتى نخرج إليك فتنحّى وخرجوا؛ فلما رأى كثرتهم وهو في سبعين جعل من أصحابه ميمنة وميسرة، ثم أقبل عليهم فقال: أكلّكم يرجو أن يقتلنا ثم يأتي وأهله سالمًا؛ قالوا: إنا نرجو ذلك إن شاء الله، فشدّ على رجل منهم فقتله، فقال: أما هذا فلا يأتي أهله أبدًا؛ فلم يزل ذلك ديدنَه حتى قتل منهم ستة نفر؛ فانهزموا، فدخلوا الدّير فحاصرهم، وجاءتهم الأمداد فكانوا عشرين ألفًا، فقال له أصحابه: ألَا نعقر دوابّنا، ثم نشدّ عليهم شدة واحدة؛ فقال: لا تفعلوا حتى نبلي الله عذرًا ما استمسكنا على دوابّنا، فقاتلوهم يومهم ذلك كله إلى جنح العصر حتى أكثروا فيهم القتل والجراح.\nثم إن بهلولًا وأصحابه عقروا دوابّهم وترجّلوا، وأصلتوا لهم السيوف، فأوجعوا فيهم؛ فقتِل عامة أصحاب بُهلول وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، وحمل عليه رجل من جَدِيلة قيس يكنى أبا الموت، فطعنَه فصرعه، فوافاه مَن بقي من أصحابه، فقالوا له: وَلِّ أمرنا مِن بعدَك من يقوم به، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنينَ دِعامة الشيبانيّ، فإن هلك دعامة فأمير المؤمنين عمرو اليشكريّ، وكان أبو الموت إنما ختل البهلول، ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دِعامة وخلّاهم، فقال رجل من شعرائهم:\nلبئس أَميرُ المؤمنينَ دِعامةٌ ... دِعامَةُ في الهَيْجاءِ شَرُّ الدَّعائم\nوقال الضحاك بن قيس يَرثي بُهلولًا، ويذكر أصحابه:\nبُدِّلتُ بعد أَبي بِشر وصحبِته ... قومًا عليَّ معَ الأَحزاب أَعوانا\nكأَنَّهمْ لم يكونوا من صَحَابتِنا ... ولم يكونوا لنا بالأَمسِ خُلَّانا\nيا عينُ أَذري دُمُوعًا منك تهتانا ... وابكي لنا صحبةً بانوا وإخوانا","vol":"9","page":587},{"text":"خَلَّوا لنا ظاهِرَ الدنيا وباطنَها ... وأَصبحوا في جنان الخلد جيرانا\nقال أبو عبيدة: لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكريّ فلم يلبث أن قتل، ثم خرج العنزيّ صاحب الأشهب - وبهذا كان يعرف - على خالد في ستّين، فوجّه إليه خالد السّمط بن مسلم البَجليّ في أربعة آلاف، فالتقوا بناحية الفرات، فشدّ العنزيّ على السّمط، فضربه بين أصابعه فألقى سيفه، وشلّت يده، وحمل عليهم فانهزمت الحَروريّة فتلقاهم عَبيد أهل الكوفة وسفلتهم، فرموْهم بالحجارة حتى قتلوهم.\nقال أبو عبيدة: ثم خرج وزير السختيانيّ على خالد في نفر؛ وكان مخرجه بالحيرة، فجعل لا يمرّ بقرية إلَّا أحرَقها، ولا أحد إلَّا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجّه إليه خالد قائدًا من أصحابه وشُرَطًا من شُرَط الكوفة، فقاتلوه وهو في نفير؛ فقاتل حتى قتِل عامة أصحابه. وأثخِن بالجراح؛ فأخذ مرتثًّا، فأتيَ به خالد، فاقبل على خالد فوعظه، وتلا عليه آيات من القرآن. فأعجب خالد ما سمع منه، فأمسك عن قتله وحبسه عنده، وكان لا يزال يبعث إليه في الليالي فيؤتَى به فيحادثه ويسائله، فبلغ ذلك هشامًا وسُعي به إليه، وقيل: أخذ حروريًّا قد قتَل وحرق وأباح الأموال، فاستبقاه فاتّخذه سميرًا، فغضب هشام، وكتب إلى خالد يشتمه، ويقول: لا تستبق فاسقًا قتَل وحرق، وأباح الأموال؛ فكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه وفصاحته. فكتب فيه إلى هشام يرقّق من أمره - ويقال: بل لم يكتب ولكنه كان يؤخّر أمره ويدفع عنه - حتى كتب إليه هشام يؤنبه ويأمره بقتله وإحراقه؛ فلما جاءه أمر عزيمة لا يستطيع دفعه بعث إليه وإلى نفر من أصحابه كانوا أخِذوا معه؛ فأمر بهم فأدخلوا المسجد، وأدخلت أطنان القَصب فشُدّوا فيها، ثم صبّ عليهم النّفْط، ثم أخرِجوا فنصبوا في الرّحبة، ورُموا بالنّيران؛ فما منهم أحد إلَّا من اضطرب وأظهر جَزعًا، إلَّا وزيرًا فإنه لم يتحرك، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات.\n* * *\nوفي هذه السنة غزا أسد بن عبد الله الخُتّل، وفيها قتل أسد بدرطرخان ملك الخُتَّل.","vol":"9","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1575>ذكر الخبر عن غزو أَسد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>الخُتّل هذه الغزوة وسبب قتله بدرطرخان</span>\nذكر عليّ بن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قبل أنهم قالوا: غزا أسد بن عبد الله الختَّل وهي غزوة بدرطرخان، فوجّه مصعب بن عمرو الخُزاعيّ إليها، فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدرطرخان؛ فطلب الأمان على أن يخرج إلى أسد. فأجابه مُصعب، فخرج إلى أسد فطلب منه أشياء فامتنع، ثم سأله بدرطرخان أن يقبل منه ألف ألف درهم، فقال له أسد: إنك رجل غريب من أهل الباميان، اخرج من الختَّل كما دخلتها، فقال له بدرطرخان: دخلتَ أنت خراسان على عشرة من المحذّفة، ولو خرجت منها اليوم لم تستقلّ على خمسمئة بعير؛ وغيرُ ذلك أنِّي دخلت الخُتَل بشيء فارْدُدْه عليّ حتى أخرج منها كما دخلتها، قال: وما ذاك؟ قال: دخلتُها شابًّا فكسبت المال بالسيف، ورزق الله أهلًا وولدًا، فاردد عليّ شبابي حتى أخرج منها؛ هل ترى أن أخرج من أهلي وولدي! فما بفائي بعد أهلي وولدي! فغضب أسد.\nقال: وكان بدرطرخان يثق بالأمان، فقال له أسد: أختم في عنقك؛ فإني أخاف عليك معرّة الجند، قال: لستُ أريد ذلك؛ وأنا أكتفي من قِبَلك برجل يبلغ بي مصعبًا، فأبى أسد إلَّا أن يختم في عنقه، فختم في رقبته ودفعه إلى أبي الأسد مولاه، فسار به أبو الأسد، فانتهى إلى عسكر المصعب عند المساء، وكان سلمة بن أبي عبد الله في الموالي مع مُصعب، فوافى أبو الأسد سلمةَ، وهو يضع الدّراجة (١) في موضعها، فقال سلمة لأبي الأسد، ما صنع الأمير في أمر بدرطرخان؟ فقصّ الذي عرض عليه بدرطرخان وإباء أسد ذلك، وسرحه معه إلى المصعب ليدخله الحصن، فقال سلمة: إن الأمير لم يُصِبْ فيما صنع، وسينظر في ذلك ويندم؛ إنما كان ينبغي له أن يقبض ما عرض عليه أو يحبسه فلا يدخله حصنه؛ فإنا إنما دخلناه بقناطر اتّخذناها، ومضايق أصلحناها؛ وكان يمنعه أن يغير علينا رجاءُ الصلح؛ فأما إذ يئس من الصّلح فإنه لا يدَع الجهد، فدعْه الليلة\n_________\n(١) الدراجة: العجلة التي يدب الشيخ والصبي عليها. القاموس المحيط ص ٢٤٠.","vol":"9","page":589},{"text":"في قُبّتي؛ ولا تنطلق به إلى مصعب؛ فإنه ساعة ينظر إليهُ يدخله حصنه.\nقال: فأقام أبو الأسد وبدرطرخان معه في قبّة سلمة، وأقبل أسدٌ بالناس في طريق ضيّق، فتقطّع الجند، ومضى أسد حتى انتهى إلى نهر وقد عطِش - ولم يكن أحد من خَدمه - فاستسقى؛ وكان السُّغديّ بن عبد الرحمن أبو طعمة الجرميّ معه شاكريّ له، ومع الشاكريّ قَرْن تُبَّتَيّ؛ فأخذ السُّغديّ القرن؛ فجعل فيه سَويقًا، وصبّ عليه ماء من النهر، وحرّكه وسقى أسدًا وقومًا من رؤساء الجند، فنزل أسد في ظلّ شجرة، ودعا برجل من الحرَس، فوضع رأسه في فخذه، جاء المجشَّر بن مُزاحم السُّلميّ يقود فرَسه حتى قعد تُجاهه حيث ينظر أسدًا، فقال أسد: كيف أنت يا أبا العَدَبَّس؟ قال: كنتُ أمسِ أحسنَ حالًا منّي اليوم، قال: وكيف ذاك؟ قال: كان بدرطرخان في أيدينا وعرض ما عرض؛ فلا الأمير قبِل منه ما عرض عليه ولا هو شدّ يده عليه؛ لكنه خلّى سبيله؛ وأمر بإدخاله حصنه لما عنده - زعم - من الوفاء. فندم أسد عند ذلك، ودعا بدليل من أهل الختّل ورجل من أهل الشأم نافذ، فاره الفرسِ فأتى بهما، فقال للشاميّ: إن أنت أدركتَ بدرطرخان قبل أن يدخل حصنه فلك ألف درهم؛ فتوجّها حتى انتهيا إلى عسكر مُصعب؛ فنادى الشأميّ: ما فعل العِلْج؟ قيل: عند سلمة، وانصرف الدّليل إلى أسد بالخبر، وأقام الشاميّ مع بدرطرخان في قُبّة سلَمة، وبعث أسد إلى بَدرطرخان فحوّله إليه فشتمه، فعرف بدرطرخان أنه قد نقض عهده، فرفع حصاة فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد الله؛ وأخذ أخرى فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد (محمد - ﷺ -)، وأخذ يصنع كذلك بعهد أمير المؤمنين وعهد المسلمين؛ فأمر أسد بقطع يده، وقال أسد: مَنْ هاهنا من أولياء أبي فديك؟ (رجل من الأزد قتله بدرطرخان)، فقام رجل من الأزد فقال: أنا، قال: اضرب عنقه؛ ففعل. وغلب أسد على القلعة العظمى، وبقيت قلعة فوقها صغيرة فيها ولده وأمواله، فلم يوصل إليهم، وفرَّق أسد الخيل في أودية الخُتّل (١).\nقال: وقدم أسد مَرْو، وعليها أيّوب بن أبي حسان التميميّ، فعزله واستعمل خالد بن شديد، ابن عمه. فلما شخص إلى بلْخ بلغه أنّ عمارة بن حُرَيم تزوّج\n_________\n(١) وقد ذكر ابن كثير هذه الوقعة بلا إسناد [البداية والنهاية ٧/ ٢٠١].","vol":"9","page":590},{"text":"الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فكَتب إلى خالد بن شديد: احمل عُمارة على طلاق ابنة يزيد؛ فإن أبى فاضربه مئة سوط؛ فبعث إليه فأتاه وعنده العذافر بن زيد التميميّ، فأمره بطلاقها، ففعل بعد إباء منه؛ وقال عذافر: عمارة والله فتى قيس وسيّدها، وما بها عليه أبّهة؛ أي ليست بأشرف منه، فتوفّيَ خالد بن شديد، واستخلف الأشعث بن جعفر البَجَليّ.\n* * * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>ظهور الصحاري بن شبيب الخارجيّ</span>\nوفيها شرى (١) الصحاريّ بن شبيب، وحكم بجبُّل.\nذكر خبره:\nذكر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن الصحاريّ بن شبيب أتى خالدًا يسأله الفريضة، فقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة! فودّعه ابن شبيب، ومضى، وندم خالد وخاف أن يفتق عليه فتقًا، فأرسل إليه يدعوه، فقال: أنا كنت عنده آنفًا؛ فأبوْا أن يَدَعوه، فشدّ عليهم بسيفه، فتركوه فركب وسار حتى جاوز واسطًا، ثم عقَر فرسه وركب زورقًا ليخفى مكانه، ثم قصد إلى نفر من بني تَيْم اللات بن ثعلبة، كانوا بَجبُّل، فأتاهم متقلدًا سيفًا فأخبرهم خبره وخبر خالد، فقالوا له: وما كنت ترجو بالفريضة! كنتَ لأن تخرج إلى ابن النصرانيّة فتضربه بسيفك أحْرَى، فقال: إني والله ما أردت الفريضة، وما أردت إلَّا التوصّل إليه لئلا ينكرني، ثم أقتل ابن النصرانيّة غيلة بقتله فلانًا - وكان خالد قَبْل ذلك قد قتل رجلًا من قَعَدة الصُّفْريّة صَبْرًا - ثم دعاهم الصحاريّ إلى الوثوب معه فأجابه بعضهم، وقال بعضهم: ننتظر، وأبى بعضهم وقالوا: نحن في عافية، فلما رأى ذلك قال:\nلم أُردْ منه الفريضةَ إلَّا ... طَمَعًا في قتله أَنْ أَنالا\nفأُرِيحَ الأَرْضَ منه وَمِمّن ... عاثَ فيها وعَنِ الحَقِّ مالا\nكُلّ جبارٍ عنيد أَرَاهُ ... تَرَكَ الحق وَسَنَّ الضلالا\n_________\n(١) شرى؛ أي اتخذ مذهب الشراة؛ وهم الخوارج. القاموس المحيط ص ١٦٧٦.","vol":"9","page":591},{"text":"إنَّني شَارٍ بنفسي لربّي ... تَارِكٌ قِيلا لديهمْ وقالا\nبَائعٌ أَهلي ومَالِيَ أَرجو ... في جنانِ الخلدِ أهلًا ومالا\nقال: فبايعه نحو من ثلاثين، فشرَي بجَبُّل، ثم سار حتي أتي المبارَك. فبلغ ذلك خالدًا، فقال: قد كنت خفتُها منه، ثم وجه إليه خالد جندًا، فلقوه بناحية المنَاذِر، فقاتلهم قتالًا شديدًا، ثم انطووا عليه فقتلوه وقتلوا جميع أصحابه (١). [٧/ ١٢٩ - ١٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>ثم دخلت سنة عشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nذكر الخبر عن سبب وفاته:\nوكان سبب ذلك أنه كانت به -فيما ذكر- دُبَيلة (٢) في جوفه؛ فحضر المِهرجان وهو ببلْخ، فقدم عليه الأمراءُ والدّهاقين؛ فكان ممن قدم عليه إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفيّ عامله علي هَراة وخُراسان، ودهقان هراة؛ فقدِما بهديَّة قُوّمت بألف ألف؛ فكان فيما قَدما به قَصْران: قصر من فضّة وقصر من ذهب، وأباريق من ذهب وأباريق من فضّة وصحاف من ذهب وفضة؛ فأقبلا وأسد جالس علي السرير، وأشراف خُراسان علي الكراسيّ؛ فوضعا القَصْرين؛ ثم وضعا خلْفهمَا الأباريق والصِّحاف والديباج المرويّ والقوهيّ والهرويّ وغير ذلك؛ حتي امتلأ السماط؛ وكان فيما جاء به الدّهقان أسدًا كُرَة من ذهَب؛ ثم قام الدهقان خطيبًا، فقال: أصلح الله الأمير! إِنَّا معشر العَجم؛ أكلنا الدّنيا أربعمئة سنة؛ أكلناها بالحلْم والعقل والوقار؛ ليس فينا كتاب ناطق، ولا نبيّ مرسل؛ وكانت الرّجال عندنا ثلاثة: ميمون النقيبة أينما توجه فتح الله علي يده، والذي يليه تمتّ مُروّته في بيته فإن كان كذلك رُجِيَ وعُظِّم، وقوّد وقدّم؛ ورجل رحُب صدره، وبسط يده فُرجِيَ؛ فإذا كان كذلك قُوِّد وقُدِّم، وإن الله جعل صفات هؤلاء الثلاثة الذين أكلنا الدّنيا بهم أربعمئة سنة فيك أيها الأمير؛ وما نعلم أحدًا هو أتمّ\n_________\n(١) ذكر ابن كثير هذا الحادثة مختصرًا وبدون إسناد انظر البداية والنهاية [٧/ ٢٠١].\n(٢) الدبيلة: دمل كبير يظهر في الجوف. النهاية (١/ ٥٥٢).","vol":"9","page":592},{"text":"كَتْخُدانيَّة منك؛ إنك ضبطتَ أهل بيتك وحشمك ومواليك؛ فليس منهم أحد يستطيع أن يتعدّي علي صغير ولا كبير، ولا غنيّ ولا فقير، فهذا تمام الكُتْخدانيّة، ثم بنيتَ الإيوانات في المفاوز؛ فيجيءُ الجائي من المشرق والآخر من المغرب؛ فلا يجدان عيبًا إلا أن يقولا: سبحان الله ما أحسن ما بُني! ومِن يُمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مئة ألف، معه الحارث بن سريج فهزمتَه وفللتَه، وقتلت أصحابَه، وأبحت عسكره. وأما رُحْب صدرِك وبَسْط يدك، فإنّا ما ندري أيّ المالين أقرّ لعينك؟ أمالٌ قدم عليك، أم مال خرج من عندك؟ بل أنتَ بما خرج أقرّ عينًا، فضحك أسد، وقال: أنت خير دهاقين خُراسان وأحسنهم هديّة، وناوله تفاحة كانت في يده؛ وسجد له دِهْقان هَراة، وأطرق أسد ينظر إلي تلك الهدايا؛ فنظر عن يمينه، فقال: يا عُذافر بن يزيد، مُرْ من يحمل هذا القَصْر الذهب، ثم قال: يا معن بن أحمر رأس قيس -أو قال قنّسرين- مرْ بهذا القصر يحملَ، ثم قال: يا فلان خذ إبريقًا، ويا فلان خذ إبريقًا، وأعطي الصِّحاف حتي بقيت صحفتان، فقال: قم يا بن الصيداء، فخذ صُحيفة، قال: فأخذ واحدة فرزنها (١) فوضعها، ثم أخذ الأخري فرزنها، فقال له أسد: مالك؟ قال: آخذ أرزنهما، قال: خذهما جميعًا؛ وأعطي العُرَفاء وأصحاب البلاء؛ فقام أبو اليعفور- وكان يسير أمام صاحب خراسان في المغازي- فنادي: هلمَّ إلي الطريق، فقال أسد: ما أحسن ما ذكرّت بنفسك! خذ ديباجتين، وقام ميمون العذَّاب فقال: إليّ، إلي يساركم، إلي الجادّة؛ فقال: ما أحسن ما ذكَّرت نفسك! خذ ديباجة، قال: فأعطي ما كان في السّماط كلّه، فقال نهر بن تَوْسِعة:\nتقِلُّون إِنْ نادي لِرَوعٍ مُثوِّبٌ ... وأَنتم غَداةَ المهرَجانِ كثيرُ\nثم مرض أسد، فأفاق إفاقة فخرج يومًا، فأتِيَ بكمّثري أوّل ما جاء، فأطعمَ الناس منه واحدة واحدة؛ وأخذ كُمّثراة فرمي بها إلي خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدُّبَيلة، فهلك، واستخلف جعفرًا البهرانيّ، وهو جعفر بن حنظلة سنة عشرين ومئة فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بن سيّار في رجب سنة إحدي وعشرين ومئة، فقال ابن عِرْس العبديّ:\nنَعَي أَسَد بنَ عبد اللهِ نَاعٍ ... فَرِيعَ القلبُ للملِكِ المُطاعِ\n_________\n(١) رزن الشيء: رفعه لينظر ثقله. القاموس المحيط ص ١٥٤٨.","vol":"9","page":593},{"text":"ببَلخٍ وافَقَ المِقَدارُ يُسْرِي ... وما لقضاءِ ربكِ مِنْ دفاع\nفجودِي عَينُ بالعَبَراتِ سَحًّا ... أَلم يُحْزنْكِ تَفْرِيقُ الجماع!\nأتَاهُ حِمامُهُ في جوف صِيغٍ ... وكم بالصيغِ من بطل شجاع!\nكتائبُ قد يُجيبُونَ المنادي ... علي جُرْدٍ مسوّمة سراع\nسُقِيتَ الغيث إِنَّك كنت غيثًا ... مَريعًا عِندَ مُرْتَاد النَّجاع\nوقال سليمان بن قتّة مولي بني تيم بن مرة- وكان صديقًا لأسد:\nسَقَي الله بلْخًا، سَهْلَ بلخ وحَزْنَها ... ومَرْوَيْ خُراسانَ السَّحابَ المُجمَّمَا\nومَا بي لِتُسْقَاهُ ولكنَّ حُفرَةً ... بها غَيَّبُوا شِلْوًا كِريمًا وأعظُمًا\nمُراجِمَ أقوامٍ ومُرْدِي عَظِيمةٍ ... وطَلَّابَ أَوتارٍ عِفرْنًا عَثَمثَما\nلقد كان يُعطي السَّيْفَ في الرَّوع حَقَّهُ ... ويُرْوي السنانَ الزَّاغبيَّ المُقَوَّما (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>أمر شيعة بني العباس بخراسان</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجّهت شيعة بني العباس بخراسان إلي محمد بن عليّ بن العباس سليمانَ بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد:</span>\nوكان السبب في ذلك موجِدة كانت من محمد بن عليّ علَي مَنْ كان بخُراسان من شيعته من أجل طاعتهم، كانت لخداش الذي ذكرنا خبره قبل وقبولهم منه ما روي عليه من الكذب؛ فترك مكاتبتهم؛ فلما أبطأ عليهم كتابُه، اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم؛ فأجمعوا علي الرِّضا بسليمان بن كَثير ليلقاه بأمرهم، ويخبره عنهم، ويرجع إليهم بما يردّ عليه؛ فقدم -فيما ذكر- سليمان بن كَثير علي محمد بن عليّ وهو متنكّر لمن بخُراسان من شيعته، فأخبره عنْهم، فعنّفهم في اتّباعهم خداشًا وما كان دعا إليه، وقال: لعن الله خداشًا ومَنْ كان علي ديِنه! ثم صرف سليمان إلي خراسان، وكتب إليهم معه كتابًا، فقدم عليهم، ومعه\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل (٧/ ١٣٩ - ١٤١] ذكره الطبري بلا إسناد وكذلك ذكره ابن كثير بلا إسناد [البداية والنهاية ٧/ ٢٠١].","vol":"9","page":594},{"text":"الكتاب مختومًا، فَفضوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئًا، إلّا: \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، فغلظ ذلك عليهم وعلموا أنّ ما كان خداش أتاهم به لأمره مخالف.\nوفي هذه السنة وجّه محمد بن عليّ بكير بن ماهان إلي شيعته بخُراسان بعد منصرَف سليمان بن كَثير من عنده إليهم، وكتب معه إليهم كتابًا يعلمهم أن خِداشًا حمل شيعته علي غير مِنهاجه، فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدّقوه واستخفّوا به؛ فانصرف بكير إلي محمد بن عليّ، فبعث معه بعصيّ مضبّبة بعضها بالحديد وبعضها بالشّبَه؛ فقدم بها بكير وجمع النقباء والشّيعة، ودفع إلي كلّ رجل منهم عصًّا، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته، فرجعوا وتابوا (١).\n* * *\nوفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدَ بن عبد الله عن أعماله التي كان ولاه إياه كلَّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>ذكر سبب عزل هشام خالدًا</span>\nقد قيل في ذلك أقوال، نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره؛ فممّا قيل في ذلك: إن فَرُّوخ أبا المثني كان قد تقبَّل من ضياع هشام بن عبد الملك بموضع يقال له رُستاق الرّمان أو نهر الرّمان -وكان يُدعي بذلك فرّوخ الرّمانيّ- فثقل مكانه علي خالد، فقال خالد لحسان النَّبطيّ: ويحك! اخرج إلي أمير المؤمنين فزِدْ علي فرّوخ، فخرج فزاد عليه ألف ألف درهم؛ فبعث هشام رِجلين من صُلحاء أهل الشأم، فحازَا الضياع، فصار حسان أثقلَ علي خالد من فرّوخ؛ فجعل يضرّ به، فيقول له حسّان: لا تفسدني وأنا صنيعتك! فأبي إلَّا الإضرار به، فلما قدم عليه بثق البثوق علي الضّياع، ثم خرج إلي هشام، فقال: إن خالدًا بَثَق البُثوق علي ضياعك. فوجّه هشام رجلًا، فنظر إليها ثم رجع إلي هشام فأخبره، فقال حسان لخادم مِن خدم هشام: إن تكلّمتَ بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي ألف دينار، قال: فعجِّل لي الألف وأقول ما شئت، قال: فعجّلها له وقال له: بَكّ صبيًّا من صبيان هشام؛ فماذا بكي فقل له: اسكت؛ والله لكأنك ابنُ خالد\n_________\n(١) ذكره الطبري كعادته في ذكر دعوة بني العباس بلا إسناد وانظر البداية والنهاية [٧/ ٢٠٢].","vol":"9","page":595},{"text":"القسريّ الذي غلّته ثلاثة عشر ألف ألف. فسمعها هشام فأغضي عليها. ثم دخل عليه حسّان بعد ذلك، فقال له هشام: ادنُ مني فدنا منه، فقال: كم غَلّة خالد؟ قال: ثلاثة عشر ألف ألف، قال: فكيف لم تخبرني بهذا! قال: وهل سألتَني؟ فوقرتْ في نفس هشام، فأزمع علي عزله.\nوقيل: كان خالد يقول لابنه يزيد: ما أنت بدون مسلمة بن هشام؛ فإنّك لتفخر علي الناس بثلاث لا يفخر بمثلها أحدٌ: سكَرْت دجلة ولم يتكلّف ذلك أحد، ولي سِقايةٌ بمكة، ولي ولاية العراق.\nوقيل: إنّما أغضب هشامًا علي خالد: أنّ رجلًا من قريش دخل علي خالد فاستخفّ به عضّه بلسانه، فكتب إلي هشام يشكوه، فكتب هشام إلي خالد:\nأمّا بعد؛ فإنَّ أمير المؤمنين -وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاك أمره، واستحفظك عليه، للّذي رجا من كفايتك، ووثِق به من حسن تدبيرك- لم يُفرشك غُرّة أهل بيته لتطأه بقدمِك، ولا تحدّ إليه بصرك؛ فكيف بك وقد بسطت علي غُرّتهم بالعراق لسانَك بالتوبيخ؛ تريد بذلك تصغير خَطَره، واحتقار قدره؛ زعمت بالنّصفة (١) منه حتي أخرجك ذلك إلي الإغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامة، غير متحلحل (٢) له حين رأيتَه مقبلًا من صدر مهادك الذي مهد له الله، وفي قومك مَن يعلوك بحسبه، ويغمرُك بأوّليته، فنِلتَ مهَادَك بما رفع به آلُ عمرو من ضَعتك خاصّةً، مساوين بك فروع غُرَر القبائل وقرومها (٣) قِبَل أمير المؤمنين؛ حتي حللتَ هضبةً أصبحتَ تنحو (٤) بها عليهم مفتخرًا، ها إن لم يدهده بك قلة شكرك متحطّمًا وقيذًا (٥). فهلّا -يا بن مجرّشة (٦) قومك- أعظمت رجُلَهم عليك داخلًا، ووسَّعت مجلسه إذ رأيتَه إليك مقبلًا، وتجافيتَ له عن\n_________\n(١) النصفة: الانتصاف. القاموس المحيط ص ١١٠٧.\n(٢) غير متحلحل؛ أي غير متزحزح؛ يقال: حلحله؛ إذا أزاله عن مكانه. القاموس المحيط ص ١٢٧٥.\n(٣) القروم: جمع قرم؛ وهو السيد. القاموس المحيط ص ١٤٨١.\n(٤) تنحو بها؛ أي تطل وتشرف. القاموس المحيط ص ١٧٢٤.\n(٥) دهده الحجر فتدهده؛ دحرجه فتدحرج لسان العرب (٣/ ٤٣٤)، والوقيذ: الصريع. القاموس المحيط ص ٤٣٣.\n(٦) المجرشة: الماشطة؛ يقال: جرش رأسه بالمشط؛ إذا حكه. القاموس المحيط ص ٧٥٦.","vol":"9","page":596},{"text":"صدر فراشك مكرّمًا، ثم فاوضتَه مقبلًا ببِشرك إكرامًا لأمير المؤمنين، فإذا اطمأنّ به مجلسه نازعته بحييّ السرار (١)، معظّمًا لقرابتَه، عارفًا لحقّه؛ فهو سِنّ البيتيْن ونابهم (٢). وابن شيخ آل أبي العاص وحَرْبٍ وغُرّتهم. وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدّم من حُرْمتك وما يكره من شماتة عدوّك بك لوضع منك ما رفع؛ حتي يردّك إلي حال تفقد بها أهلَ الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك. ما أقربني من أن أجعلك تابعًا لمن كان لك تَبعًا؛ فانهض علي أيّ حالٍ ألفاك رسولُ أمير المؤمنين وكتابُه، من ليل أو نهار، ماشيًا علي قدمك بمن معك من خوَلك؛ حتي تقف علي باب ابن عمرو صاغرًا (٣)، مستأذنًا عليه، متنصلًا إليه؛ أذن لك أو منعك؛ فإن حركتْه عواطف رحمة احتملك. وإن احتملتْه أنَفة وحميّة من دخولك عليك فقف ببابه حَوْلًا غير متحلحل ولا زائل؛ ثم أمْرُك بعدُ إليه؛ عزل أو ولَّى، انتصر أو عفا؛ فلعنك الله من متّكل عليه بالثقة؛ ما أكثر هفواتك، وأقذع (٤) لأهل الشرف ألفاظك؛ التي لا تزال تبلغ أمير المؤمنين من إقدامك بها علي مَنْ هو أولي بما أنت فيه من ولاية مِصْرَي العراق، وأقدم وأقوم.\nوقد كتب أمير المؤمنين إلي ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليه، ليري في العفو عنك والسخط عليك رأيه، مفوّضًا ذلك إليه مبسوطة فيه يدُه، محمودًا عند أمير المؤمنين علي أيّهما أتي به إليك، موفقًا إن شاء الله تعالي.\nوكتب إلى ابن عمرو:\nأما بعد: فقد بلغ أميرَ المؤمنين كتابُك، وفهِم ما ذكرت من بَسْطِ خالد عليك لسانَه في مجلسَ العامة محتقرًا لقَدْرك، مستصغرًا لقرابتك من أمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك وإمساكِك عنه، تعظيمًا لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسكًا بوثائق عِصم (٥) طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه وشرارة منطقه، وإكثابه عليك عند إطراقك عنه، مرويًّا فيما أطلق أمير المؤمنين من\n_________\n(١) السرار: المسارة؛ أي جادلته في سرار مقرون بالحياء. القاموس المحيط ص ٥٢١.\n(٢) ناب القوم: سيدهم. القاموس المحيط ص ١٧٩.\n(٣) صاغرًا: ذليلًا. القاموس المحيط ص ٥٤٥.\n(٤) القذع: الخنا والفحش. القاموس المحيط ص ٩٦٧.\n(٥) العصم: جمع عصمة؛ وهي ما يعتصم به من عقد أو سبب. القاموس المحيط ص ١٤٦٩.","vol":"9","page":597},{"text":"لسانه (١)، وأطالَ من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله؛ وكذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هَذَر الذّنابيّ (٢) وطائشة أحلامها، صُمْتٌ من غير إفحام، بل بأحلام تَخِفّ بالجبال وزنًا. وقد حمِد أمير المؤمنين تعظيمَك إياه، وتوقيرك سلطانه وشكره؛ وقد جعل أمر خالد إليك في عزلك إياه أو إقراره؛ فإن عزلتَه أمضي عزلك إيّاه، وإن أقررتَه فتلك منَّة لك عليه لا يشركك أمير المؤمنين فيها، وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سِنَة الهاجع عند وصوله إليه، يأمره بإتيانك راجلًا علي أيّه حال صادفه كتابُ أمير المؤمنين فيها، وألفاه رسولُه الموجَّه إليه من ليله أو نهاره، حتي يقف ببابك؛ أذنت له أو حجبته، أقررتَه أو عزلته، وتقدَّم أمير المؤمنين إلي رسوله في ضربه بين يديك علي رأسه عشرين سوطًا إلا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته؛ فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين في برّك وعظمِ حُرْمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقًا، وإليه حبيبًا، فيما ينوي من قضاء حق آل أبي العاص وسعيد. فكاتبْ أمير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئًا ومجيبًا ومحادثًا وطالبًا؛ ما عسي أن يُنزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين من حوائجهم التي تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبَله لبعد دارهم عنه، وقلة إمكان الخروج لإنزالها به؛ غير محتشم من أمير المؤمنين، ولا مستوحش من تكرارها عليه، علي قَدْرِ قرابتهم وأديانهم وأنسابهم، مستمنحًا ومسترفدًا، وطالبًا مستزيدًا، تجد أمير المؤمنين إليك سريعًا بالبرّ لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم، وبالله يستعين أمير المؤمنين علي ما ينوي، وإليه يرغب في العَوْن علي قضاء حقّ قرابته، وعليه يتوكّل، وبه يثق، والله وليّه ومولاه، والسلام.\n* * *\nوقيل: إنّ خالدًا كان كثيرًا ما يذكر هشامًا، فيقول: ابن الحمقاء. وكانت أم هشام تستحمق، وقد ذكرنا خبرها قبلُ.\n_________\n(١) الشرارة: مصدر؛ كالشر القاموس المحيط ص ٥٣١، وأكثب عليه: حمل وكر القاموس المحيط ص ١٦٥، وروي في الأمر: نظر وفكر. القاموس المحيط ص ١٦٦٥.\n(٢) هذر في كلامه، كضرب ونصر: هذي، والذنابي: أذناب الناس وسفلتهم. القاموس المحيط ص ٦٣٩.","vol":"9","page":598},{"text":"وذكر أنه كتب إلي هشام كتابًا غاظَه، فكتب إليه هشام: يا بن أمّ خالد؛ قد بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف؛ فيابن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفًا، وأنت مِنْ بجيلة القليلة الذليلة! أما والله إني لأظنّ أنّ أوّل من يأتيك صغير من قريش، يشدّ يديْك إلي عنقك.\nوذكر أن هشامًا كتب إليه: قد بلغني قولك: أنا خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز؛ ما أنا بأشرف الخمسة، أما والله لأرُدّنك إلي بَغْلتِك وطَيْلسانك الفيروزيّ.\nوذكر أن هشامًا بلغه أنه يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين! فظهر الغضب في وجهه.\nوقيل: إن هشامًا قدم عليه رجل من أهل الشأم، فقال: إني سمعت خالدًا ذكر أمير المؤمنين بما لا تنطلِق به الشفتان؛ قال: قال: الأحول؟ قال: لا، بل قال أشدّ من ذلك، قال: فما هو؟ قال: لا أقوله أبدًا، فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتي تغيّر له.\nوذكر أن دهقانًا دَخل علي خالد، فقال: أيّها الأمير، إنّ غلة ابنك قد زادت علي عشرة آلاف ألف؛ ولا آمنُ أن يبلغ هذا أمير المؤمنين فيستكثره. وإنّ الناس يحبون جسدَك، وأنا أحبّ جسدك وروحك؛ قال: إن أسد بن عبد الله قد كلّمني بمثل هذا، فأنت أمرته؟ قال: نعم، قال: ويحك! دع ابني، فلربما طلب الدّرْهم فلم يقدر عليه.\nثم عزم هشام -لما كثر عليه ما يتّصل به عن خالد من الأمور التي كان يكرهها- علي عزله؛ فلما عزم علي ذلك أخفي ما قد عزم له عليه من أمره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالد حين صحّ عزمُه علي عزله</span>\nذكر عمر أن عُبيد بن جنّاد حدّثه أنه سمع أباه وبعض الكتبة يذكر أن هشامًا أخفي عَزْل خالد، وكتب إلي يوسف بخطّه -وهو علي اليمن- أن يُقبِل في ثلاثين","vol":"9","page":599},{"text":"من أصحابه. فخرج يوسف حتي صار إلي الكوفة، فعرّس قريبً منها، وقد ختن طارق -خليفة خالد علي الخراج- ولدَه؛ فأهدي له ألف عتيق وألف وصيف؛ وألف وصيفة سوي الأموال والثياب وغير ذلك؛ فمرّ العاسّ بيوسف وأصحابه ويوسف يصلي ورائحة الطيب تنفح من ثيابه، فقال: ما أنتم؟ قالوا: سفّار؛ قال: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فأتوا طارقًا وأصحابَه، فقالوا: إنا رأينا قومًا أنكرناهم، والرأي أن نقتلهم، فإن كانوا خوارجَ استرحنا منهم؛ وإن كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم علي أمرهم، فنهوْهم عن قتلهم؛ فطافوا؛ فلما كان في السَّحر وقد انتقل يوسف وصار إلي دور ثَقيف، فمرّ بهم العاسّ، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: سفّار، قال: فأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع، فأتوا طارقًا وأصحابه، فقالوا: قد صاروا إلي دور ثَقيف والرأي أن نقتلهم، فمنعوهم وأمر يوسف بعض الثَّقفيّين، فقال: اجمع لي مَن بها من مُضر. ففعل، فدخل المسجد مع الفجْر، فأمر المؤذّن بالإقامة، فقال: حتي يأتي الإمام؛ فانتهره فأقام، وتقدّم يوسف فقرأ: \"إذا وقعت الواقعة\"، و\"سأل سائل\"، ثم أرسل إلي خالد وطارق وأصحابهما، فأخِذوا وإنّ القُدور لتغلِي (١).\nقال عمر: قال عليّ بن محمد، قال: قال الربيع بن سابور مولي بني الحَرِيش -وكان هشام جعل إليه الخاتم مع الحَرس: أتي هشامًا كتابُ خالدٍ فغاظه، وقدم عليه في ذلك اليوم جندب مولي يوسف بن عمر بكتاب يوسف، فقرأه ثم قال لسالم مولي عنبسة بن عبد الملك: أجِبْه عن لسانك، وكتب هو بخطّه كتابًا صغيرًا، ثم قال لي: ائتني بكتاب سالم- وكان سالم علي الديوان- فأتيتُه به، فأدرج فيه الكتاب الصّغير، ثم قال لي: اختمه ففعلت، ثم دعا برسول يوسف، فقال: إن صاحبك لمتعدٍّ طوَره، ويسأل فوق قدره؛ ثم قال لي: مَزِّق ثيابَه، ثم أمر به فضرب أسواطًا، فقال: أخرجه عنّي وادفع إليه كتابه. فدفعتُ إليه الكتاب، وقلت له: ويلك! النّجاء! فارتاب بَشير بن أبي ثلجة من أهل الأردنّ، وكان خليفة سالم وقال: هذه حيلة؛ وقد ولّي يوسف العراق؛ فكتب إلي عامل لسالم على أجمَة سالم، يقال له عياض: إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني؛\n_________\n(١) لم نجد لوالد عبيد بن جناد ترجمة ولم نجد ما يؤيد هذا الخبر من مصدر متقدم والخبر فيه نكارة ومبالغة واضحة تدل علي أن الخبر غير صحيح بل موضوع والله أعلم.","vol":"9","page":600},{"text":"فإذا أتاك فالبسه واحمد الله، وأعلم ذلك طارقًا، فبعث عياض إلي طارق بن أبي زياد بالكتاب، وندم بشير علي كتابه، وكتب إلي عياض: إنّ أهلك قد بدا لهم في إمساك الثوب فلا تتكل عليه؛ فجاء عياض بالكتاب الآخر إلي طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأوّل؛ ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الخبر فكتب بهذا، وركب طارق من الكوفة إلي خالد وهو بواسط؛ فسار يومًا وليلة، فصبّحهم، فرآه داود البربري -وكان علي حجابة خالد وحرسه وعلي ديوان الرسائل- فأعلم خالدًا، فغضب، وقال: قدم بغير إذن؛ فأذن له؛ فلمّا رآه قال: ما أقدمك؟ قال: أمرٌ كنت أخطأت فيه؛ قال: وما هو؟ قال: وفاة أسد ﵀، كتبتُ إلي الأمير أعزّيه عنه، وإنما كان ينبغي لي أن آتيَه ماشيًا، فرقّ خالد ودمعت عيناه، وقال: ارجع إلي عملك؛ قال: أردت أن أذكر للأمير أمرًا أسِرُّه، قال: ما دون داود سرّ، قال: أمر من أمرِي، فغضب داود وخرج، وأخبر طارق خالدًا، قال: فما الرأي؟ قال: تركب إلي أمير المؤمنين فتعتذر إليه من شيء إن كان بلغه عنك. قال: فبئس الرجل أنا إذًا إن ركبت إليه بغير إذنه، قال: فشيء آخر، قال: وما هو؟ قال: تسير في عملك، وأتقدّمك إلي الشأم، فأستأذِنه لك؛ فإنك لا تبلغ أقصي عملك حتي يأتيَكَ إذنه، قال: ولا هذا، قال: فاذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميعَ ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهدك مستقبلًا، قال: وما يبلغ ذاك؟ قال: مئة ألف ألف، قال: ومِن أين آخذ هذا! والله ما أجدُ عشرة آلاف درهم، قال: أتحمّل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم، والزينبيّ وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف؛ وتفرِّق الباقي علي العمال، قال: إني إذًا للئيم، أن كنت سوَّغتُ قومًا شيئًا ثم أرجع فيه، فقال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ونستأنف الدنيا، وتبقي النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء مَن يطالبنا بالأموال؛ وهي عند تجار أهل الكوفة، فيتقاعسون ويتربّصون بنا فنقتل، ويأكلون تلك الأموال، فأبي خالد فودّعه طارق وبكَي، وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا؛ ومضي.\nودخل داود، فأخبره خالد بقول طارق، فقال: قد علم أنك لا تخرج بغير إذن؛ فأراد أن يختِلَك ويأتي الشأم، فيتقبّل بالعراق هو وابن أخيه سعيد بن راشد، فرجع طارق إلي الكوفة، وخرج خالد إلي الحمّة.","vol":"9","page":601},{"text":"قال: وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال له: ما وراءك؟ قال: الشرّ، أمير المؤمنين ساخط، وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان، ففضّ الكتاب فقرأه، فلما انتهي إلي آخره قرأ كتاب هشام بخطه: أن سرْ إلي العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بذاك أحد؛ وخذ ابنَ النصرانيّة وعمّاله فاشفني منهم؛ فقال يوسف: انظروا دليلًا عالمًا بالطريق، فأتِي بعدّة، فاختار منهم رجلًا وسار من يومه، واستخلف علي اليمن ابنه الصّلت فشيَّعه؛ فلما أراد أن ينصرف سأله: أين تريد؟ فضربه مئة سوط، وقال: يا بن اللخناء، أيخفي عليك إذا استقرّ بي منزل، فسار، فكان إذا أتي إلي طريقين سأل، فإذا قيل: هذا إلي العراق، قال: أعرِق، حتي أتي الكوفة. [٧/ ١٣٩ - ١٥٠].\nقال عمر: قال عليّ: قال سالم زنبيل: لما صرنا إلي النَّجف قال لي يوسف: انطلق فائْتني بطارق؛ فلم أستطع أن آبَى عليه، وقلت في نفسي: مَنْ لي بطارق في سلطانه! ثم أتيت الكوفة، فقلت لغلمان طارق: استأذنوا لي علي طارق، فضربوني فصِحْتُ له: ويلك يا طارق! أنا سالم رسول يوسف، وقد قدم علي العراف. فخرج فصاح بالغلمان، وقال: أنا آتيه.\nقال: وروي أنّ يوسف قال لكيسان: انطلق فائْتني بطارق؛ فإنْ كان قد أقبل فاحمله علي إكاف، وإن لم يكن أقبل فأت بِهِ سَحبًا. قال: فأتيته بالحيرة دار عبد المسيح -وهو سيّد أهل الحيرة- فقلت له: إنّ يوسف قد قدم علي العراق؛ وهو يأمرك أن تشدّ طارقًا وتأتيهَ به؛ فخرج هو وولده وغلمانه حتي أتوْا منزل طارق -وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح وعدّة- فقال لطارق: إن أذنْتَ لي خرجت إلي هؤلاء فيمن معي فقتلتُهما، ثم طرتَ علي وجهك. فذهبتَ حيث شئت. قال: فأذن لكيسان، فقال: أخبِرْني عن الأمير، يريد المال؟ قال: نعم؛ قال: فأنا أعطيه ما سأل؛ وأقبلوا إلي يوسف فتوافوْا بالحيرة، فلما عاينه ضربه ضربًا مبرّحًا -يقال: خمسمئة سوط- ودخل الكوفة، وأرسل عطاء بن مقدّم إلي خالد بالحمّة. قال عطاء: فأتيتُ الحاجب فقلتُ: استأذن لي علي أبي الهيثم. فدخل وهو متغيّر الوجه فقال له خالد: ما لك؟ قال: خير، قال: ما عندك خير، قال: عطاء بن مقدّم قال: استأذن لعب علي أبي الهيثم، فقال:","vol":"9","page":602},{"text":"ائذن له، فدخلت: فقال: ويل أمها سُخْطَة! قال: فلم أستقرَّ حتي دخل الحكَم بن الصّلْت، فقعد معه، فقال له خالد: ما كان ليلي عليّ أحد هو أحب إليّ منكم.\nوخطب يوسف بالكوفة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني بأخذ عمال ابن النصرانيّة، وأن أشفِيَه منهم، وسأفعل وأزيد والله يا أهل العراق، ولأقتلنّ منافقيكم بالسيف وجُناتَكم بالعذاب وفسّاقكم، ثم نزل ومضي إلي واسط، وأتِيَ بخالد وهو بواسط.\nقال عمر: قال حدثني الحكم بن النّضر: قال: سمعت أبا عبيدة يقول: لما حبس يوسف خالدًا صالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابُه علي تسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف. وقيل له: لو لم تفعل لأخذتَ منه مئة ألف ألف درهم. قال: ما كنت لأرجع وقد رهنت لساني بشيء. وأخبر أصحاب خالد خالدًا، فقال: قد أسأتم حين أعطيتموه عند أوّل وَهْلة تسعة آلاف ألف، ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم، فارجعوا، فجاؤوا فقالوا: إنا قد أخبرنا خالدًا فلم يرضَ بما ضمنّا، وأخبرنا أنّ المال لا يمكنه، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم؛ فأما أنا فلا أرجع عليكم؛ فإن رجعتم لم أمنعكم، قالوا: فإنا قد رجعنا، قال: وقد فعلتم! قالوا: نعم، قال: فمنكم أتي النقض؛ فوالله لا أرضي بتسعة آلاف ألف ولا مثليْها ولا مثلها، فأخذ أكثر من ذلك. وقد قيل: إنه أخذ مئة ألف ألف. [٧/ ١٥٠ - ١٥١].\nقال الهيثم بن عديّ: أخبرني الحسن بن عمارة عن العُريان بن الهيثم، قال: كنت كثيرًا ما أقول لأصحابي: إنّي أحسب هذا الرجل قد تخلّي منه؛ إن قريشًا لا تحتمل هذا ونحوه؛ وهم أهل حسد، وهذا يُظهر ما يُظهر، فقلتُ له يومًا: أيها الأمير؛ إنّ الناس قد رمَوْك بأبصارهم، وهي قريش، وليس بينك وبينها إلّ (١)، وهم يجدون منك بُدًّا؛ وأنت لا تجد منهم بُدًا؛ فأنشدك الله إلا ما كتبت إلي هشام تخبره عن أموالك، وتعرض عليه منها ما أحبّ؛ فما أقدرك علي أن تتخذ مثلها؛ وهو لا يستفسدك؛ وإن كان حريصًا علي ذلك فلعمري لأنْ يذهب\n_________\n(١) الإل: الحلف والعهد.","vol":"9","page":603},{"text":"بعض ويبقي بعض خير من أن تذهب كلها؛ وما كان يستحسن فيما بينك وبينه أن يأخذها كلها، ولا آمن أن يأتيَه باغ أو حاسد فيقبل منه؛ فلأن تعطيَه طائعًا خير من أن تعطيه كارهًا. فقال: ما أنت بمتّهم، ولا يكون ذلك أبدًا. قال: فقلت أطعني واجعلني رسولك، فوالله لا يحلّ عقدةً إلا شددتها، ولا يشدّ عقدة إلا حللتها. قال: إنّا والله لا نعطي علي الذلّ، قال: قلتُ: هل كانت لك هذه الضياع إلا في سلطانه! وهل تستطيع الامتناع منه إن أخذها! قال: لا، قلتُ: فبادره، فإنه يحفظها لك ويشكرك عليها، ولو لم تكن له عندك يد إلّا ما ابتدأك به كنت جديرًا أن تحفظه، قال: لا والله لا يكون ذلك أبدًا، قال: قلتُ فما كنتَ صانعًا إذا عزلك وأخذ ضياعك؟ فاصنعه، فإنّ إخوته وولده وأهل بيته قد سبقوا لك، وأكثروا عليه فيك، ولك صنائع تعود عليهم بما بدا لك، ثم استدرك استتمام ما كان منك إلي صنائعك من هشام. قال: قد أبصرتُ ما تقول وليس إلي ذلك سبيل. وكان العريان يقول: كأنكم به قد عُزِل وأخذ ماله وتجُنّيَ عليه ثم لا ينتفع بشيء، قال: فكان كذلك.\nقال الهيثم: وحدّثني ابن عيَّاش: أنّ بلال بن أبي بردة كتب إلي خالد وهو عامله علي البصرة حين بلغه تعتّب هشام عليه: إنّه حدَث أمر لا أجد بدًّا من مشافهتك فيه؛ فإن رأيتَ أن تأذن لي؛ فإنما هي ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفًا. فكتب إليه: أن أقبِلْ إذا شئت، فركب هو وموليان له الجمّازات، فسار يومًا وليلة، ثم صلي المغرب بالكوفة؛ وهي ثمانون فرسخًا، فأخبِر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصّب، فقال: أبا عمرو، أتعبتَ نفسك، قال: أجل، قال: متى عهدُك بالبصرة؟ قال: أمسِ، قال: أحقٌّ ما تقول! قال: هو والله ما قلت: قال: فما أنصبك؟ قال: ما بلغني من تعتّب أمير المؤمنين وقوله: وما بغاك به ولدُه وأهل بيته؛ فإنْ رأيت أن أتعرّض له وأعرض عليه بعض أموالنا، ثم ندعوه منها إلي ما أحبّ وأنفسنا به طيّبة، ثم أعرض عليه مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد. قال: ما أتّهمك وحتي أنظر؛ قال: إني أخاف أن تعاجَل، قال: كلا، قال: إن قريشًا من قد عرفتَ، ولاسيما سرعتهم إليك قال: يا بلال؛ إني والله ما أعطي شيئًا قسرًا أبدًا. قال أيها الأمير، أتكلم؟ قال: نعم، قال: إن هشامًا أعذر منك، يقول: استعملتُك، وليس لك شيء، فلم تر من","vol":"9","page":604},{"text":"الحق عليك أن تعرض عليّ بعض ما صار إليك، وأخاف أن يزيّن له حسان النّبطيّ ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفترة. قال: أنا ناظر في ذلك فانصرف راشدًا، فانصرف بلال وهو يقول: كأنكم بهذا الرجل قد بُعث إليه رجل بعيد أتيّ (١)، به حمَز (٢)، بغيض النفس سخيف الدِّين، قليل الحياء، يأخذه بالإِحَن والترات، فكان كما قال.\nقال ابن عياش: وكان بلال قد اتخذ دارًا بالكوفة، وإنما استأذن خالدًا لينظر إلي داره، فما نزلها إلّا مقيّدًا، ثم جُعلت سِجْنًا إلي اليوم.\nقال ابن عيّاش: كان خالد يخطب فيقول: إنكم زعمتم أنّي أُغْلِي أسعاركم؛ فعلي مَن يغليِها لعنة الله! وكان هشام كتب إلي خالد لا تبيعنّ من الغّلات شيئًا حتي تباع غلّات أمير المؤمنين حتي بلغت كيلجة درهمًا (٣).\nقال الهيثم، عن ابن عياش: كانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومئة ثم عزل في جُمادي الأول سنة عشرين ومئة. [٧/ ١٥٢ - ١٥٤].\n* * *\nوقيل: إنّ يوسف لما قدم العراق أراد أن يولِّيَ خراسان سَلْم بن قُتيبة، فكتب بذلك إلي هشام، ويستأذنه فيه، فكتب إليه هشام: إنّ سلم بن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيرة؛ ولو كان له بها عشيرة لم يقتَل بها أبوه.\nوقيل إنّ يوسف كتب إلي الكِرماني بولاية خُراسان مع رجل من بني سُليم وهو بمَرْو؛ فخرج إلي الناس يخطبهم، فحمِد الله وأثني عليه، وذكر أسدًا وقدومه خراسان، وما كانوا فيه من الجهد والفتنة، وما صُنع لهم علي يديه، ثم ذكر أخاه خالدًا بالجميل، وأثني عليه؛ وذكر قدوم يوسف العراق، وحثّ الناس علي الطاعة ولزوم الجماعة، ثم قال: غفر الله للميت -يعني أسدًا- وعافي الله المعزول، وبارك للقادم. ثم نزل [٧/ ١٥٤].\n_________\n(١) الآتيّ: الدخيل في القوم. القاموس المحيط ص ١٦٢٤.\n(٢) الحمز: الشدة. القاموس المحيط ص ٦٥٤.\n(٣) الكيلجة: مكيال عندهم. القاموس المحيط ص ٢٦٠.","vol":"9","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1583>ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بن سيَّار خُراسان</span>\nذكر عليّ بن محمد عن شيوخه أنّ وفاة أسد بن عبد الله لما انتهت إلي هشام بن عبد الملك اشتشار أصحابَه في رجل يصلح لخُراسان؛ فأشاروا عليه بأقوام، وكتبوا له أسماءَهم؛ فكان ممن كتِب له عثمان بن عبد الله بن الشِّخَير ويحيي بن حضين بن المنذر الرقاشيّ ونصر بن سيار الليثيّ وقَطن بن قتيبة بن مسلم والمجشّر بن مزاحم السُّلميّ أحد بني حَرام؛ فأما عثمان بن عبد الله بن الشِّخِّير، فقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له: المجشّر شيخ هِمّ، وقيل له: ابن حُصين رجل فيه تيه وَعَظمة، وقيل له: قطن بن قتيبة موتور؛ فاختار نصر بن سيّار، فقيل له: ليست له بها عشيرة، فقال هشام: أنا عشيرته، فولّاه وبعث بعهده مع عبد الكريم بن سلِيط بن عقبة الهِفانِيّ؛ هفان بن عدِيّ بن حنيفة، فأقبل عبد الكريم بعهده، ومعه أبو المهند كاتبه مولي بني حَنيفة، فلما قدم سَرَخْس ولا يعلم به أحد، وعلي سَرَخسْ حفص بن عمر بن عبَّاد التيميّ أخو تميم بن عمر، فأخبره أبو المهند، فوجّه حفص رسولًا، فحمله إلي نصر، ونفذ ابن سليط إلي مَرْو، فأخبر أبو المهند الكرمانيّ، فوجّه الكرمانيّ نصر بن حبيب بن بحر بن ماسك بن عمر الكرمانيّ إلي نصر بن سيار، فسبق رسول حفص إلي نصر بن سيار؛ فكان أوّل مَنْ سلم علمه بالإمْرة، فقال له نصر: لعلك شاعر مكّار! فدفع إليه الكتاب. وكان جعفر بن حنظلة ولّي عمرو بن مسلم مَرْو، وعزل الكِرمانيّ وولّي منصور بن عمر أبرشهر، وولّي نصر بن سيار بخاري، فقال جعفر بن حنظلة: دعوتُ نصرًا قبل أن يأتيَه عهده بأيام؛ فعرضتُ عليه أن أولّيَه بخاري، فشاور البختريّ بن مجاهد، فقال له البختريّ، وهو مولي بني شيبان: لا تقبلها، قال: ولمَ؟ قال: لأنك شيخ مُضَر بخُراسان؛ فكأنك بعهدك قد جاء علي خُراسان كلها؛ فلما أتاه عهده بعث إلي البختريّ فقال البختري لأصحابه: قد ولي نصر بن سيار خُراسان؛ فلما أتاه سلم عليه بالإِمْرة، فقال له: أنَّي علمت؟ قال: لما بعثتَ إليّ، وكنتَ قبل ذلك تأتيني، علمتُ أنك قد وليت.\nقال: وقد قيل إنّ هشامًا قال لعبد الكريم حين أتاه خبرُ أسد بن عبد الله بموته، مَنْ تري أن نولّيَ خراسان، فقد بلغني أنّ لك بها، وبأهلها علمًا؟","vol":"9","page":606},{"text":"قال عبد الكريم: قلت: يا أمير المؤمنين؛ أمّا رجلُ خراسان حزمًا ونجْدة فالكِرمانيّ؛ فأعرض بوجهه، وقال: ما اسمه؟ قلت: جُدَيع بن عليّ، قال: لا حاجة لي فيه، وتطيّر، وقال: سَمْ لي غيره، قلت: اللسِن المجرّب يحيي بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ أبو الميلاء، قال: ربيعة لا تُسَدّ بها الثغور -قال عبد الكريم: فقلت في نفسي: كرِه ربيعة واليمن، فأرميه بمُضر- فقلت: عقيل بن معقل الليثيّ، إن اغتفرت هَنةً، قال: ما هي؟ قلت: ليس بالعفيف، قال: لا حاجة لي به، قلت: منصور بن أبي الخرقاء السُّلميّ، إن اغتفرت نكره فإنه مشؤوم، قال: غيره، قلت: المحشّر بن مزاحم السلميّ، عاقل شجاع، له رأي مع كذب فيه، قال: لا خير في الكذِب، قلت: يحيي بن حُضَين، قال: ألم أخبرك أنّ ربيعة لا تسدّ بها الثغور! قال: فكان إذا ذكرت له ربيعة، واليمن أعرض، قال عبد الكريم: وأخّرت نصرًا وهو أرجلُ القوم وأحزمهم وأعلمهم بالسياسة، فقلت: نصر بن سيار الليثيّ، قال: هو لها، قلت: إن اغتفرتَ واحدة؛ فإنه عفيف مجرّب عاقل، قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليلة، قال: لا أبا لك، أتريد عشيرة أكثر مني! أنا عشيرته.\nوقال آخرون: لما قدم يوسف بن عمر العراق قال: أشيروا علي برجل أولّه خُراسان، فأشاروا عليه بمسلمة بن سليمان بن عبد الله بن خازم وقُدَيد بن منيع المنقريّ ونصر بن سيّار وعمرو بن مسلم ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم ومنصور بن أبي الخرقاء وسلْم بن قُتيبة ويونس بن عبد ربّه وزياد بن عبد الرحمن القُشيريّ؛ فكتب يوسف بأسمائهم إلي هشام، وأطرَي القيسيّه، وجعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيار الكنانيّ، فقال هشام: ما بال الكنانيّ آخرهم! وكان في كتاب يوسف إليه: يا أميرَ المؤمنين، نصر بخُراسان قليلُ العشيرة. فكتب إليه هشام: قد فهمت كتابَك وإطراءك القيسيَة، وذكرت نصرًا وقلة عشيرته، فكيف يقلّ مَنْ أنا عشيرته! ولكنك تقيّست عليّ، وأنا متخندف عليك؛ ابعث بعهد نصر؛ فلم يقلّ مَن عشيرته أمير المؤمنين؛ بلْهَ ما إن تميمًا أكثر أهل خراسان. فكتب إلي نصر أن يكاتبَ يوسف بن عمر، وبعث يوسف سَلْمًا وافدًا إلي هشام؛ وأثني عليه فلم يولّه، ثم أوفد شريك بن عبد ربه النُّميريّ، وأثني عليه ليوليَه خراسان، فأدي عليه هشام.","vol":"9","page":607},{"text":"قال: وأوفد نصرٌ مِنْ خُراسان الحكم بن يزيد بن عمير الأسديّ إلي هشام، وأثني عليه نصر، فضربه يوسف ومنعه من الخروج إلي خراسان؛ فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة استعمل الحكم بن يَزيد علي كِرْمان، وبعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفيّ -ومعه كاتبه أبو المهند مولي بني حنيفة- فلما أتي سَرَخْس وقع الثلْج، فأقام ونزل علي حفص بن عمر بن عباد التيميّ، فقال له: قدمتُ بعهد نَصر علي خُراسان، قال: وهو عامل يومئذ علي سَرَخْس -فدعا حفص غلامه، فحمله علي فرس وأعطاه مالًا، وقال له: طِرْ واقتل الفرس؛ فإن قام عليك فاشترِ غيرَه حتي تأتي نصرًا. قال: فخرج الغلامُ حتي قدِم علي نصر ببلْخ، فيجده في السوق، فدفع إليه الكتاب، فقال: أتدرِي ما في هذا الكتاب؟ قال: لا، فأمسكه بيده، وأتي منزله، فقال الناس: أتي نصرًا عهده علي خراسان، فأتاه قوم من خاصّته، فسألوه فقال: ما جاءني شيء، فمكث يومَه، فدخل عليه من الغد أبو حفص بن عليّ، أحد بني حنظلة -وهو صهره؛ وكانت ابنته تحت نَصْر، وكان أهوج كثير المال، فقال له: إنّ الناس قد خاضُوا وأكثروا في ولايتك؛ فهل جاءك شيء؟ فقال: ما جاءني شيء، فقام ليخرج. قال: مكانَك؛ وأقرأه الكتاب، فقال: ما كان حفص ليكتب إليك إلا بحقّ، قال: فبينا هو يكلمه إذ استأذن عليه عبدُ الكريم، فدفع إليه عهده، فوصله بعشرة آلاف درهم، ثم استعمل نصر علي بَلْخ مسلمَ بن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل وشاح بن بكير بن وشاح علي مَرْو الروذ، والحارث بن عبد الله بن الحشرج علي هراة، وزياد بن عبد الرحمن القُشيريّ علي أبرشهر، وأبا حفص بن عليّ ختنه علي خوارزم، وقطن بن قُتيبة علي السُّغْد، فقال رجل من أهل الشأم من اليمانية: ما رأيتُ عصبيّة مثل هذه! قال: بلي، التي كانت قبل هذه، فلم يستعمل أربع سنين إلا مُضريًّا، وعَمرت خُراسان عمارة لم تعمر قبل ذلك مثلَها، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية، فقال سَوَّار بن الأشعر:\nأَضْحتْ خُراسانُ بَعدَ الخوفِ آمنَةً ... مِنْ ظُلمِ كلِّ غشُوم الحكمِ جَبّار\nلما أَتى يُوسُفًا أَخبارُ ما لقِيتْ ... اختَارَ نَصْرًا لها؛ نَصْرَ بنَ سَيَّار\nوقال نصْر بن سيار فيمن كره ولايته:\nتَعَزّ عنِ الصَّبابةِ لا تُلَامُ ... كذلك لا يلُمّ بك احتمامُ","vol":"9","page":608},{"text":"أَأَنْ سَخِطَتْ كبيرةُ بعد قُرْبٍ ... كلِفْتَ بها وباشَرَكَ السَّقام!\nتُرَجّي اليومَ ما وعَدَتْ حديثًا ... وقد كُذِبَتْ مواعِدَها الكرامُ\nأَلمْ تَرَ أنَّ ما صَنَعَ الغَوَانِي ... عَسِيرٌ لا يَريعُ به الكلامُ\nأَبَتْ لي طاعَتِي وأَبَى بَلَائِي ... وفَوْزِي حين يَعْتَرِكُ الخصامُ\nوإِنَّا لا نُضِيعُ لنا مُلِمًّا ... ولا حَسَبًا إذا ضاعَ الذِّمامُ\nولا نُغْضِي علي غَدْرٍ وِإنَّا ... نُقِيمُ علي الوفاء فلا نُلَامُ\nخليفتُنا الذي فازتْ يَداهُ ... بِقِدْحِ الحمدِ والمَلِكُ الهمامُ\nنَسُوسُهُمُ به ولنا عليهم ... إذا قلنا مَكارِمُهُ جِسَامُ\nأَبو العاصِي أَبُوهُ وعبدُ شَمسٍ ... وحَرْبٌ والقَماقِمَةُ الكرامُ\nومروانٌ أَبو الخلفاءِ عالٍ ... عليه المجدُ فهو لهم نِظامُ\nوبيت خليفةِ الرحمن فينا ... وبَيْتاهُ المُقَدَّسُ والحرامُ\nونحنُ الأَكرمُونَ إذا نُسِبنا ... وعِرْنِينُ البَريّة والسَّنامُ\nفأَمْسَيْنا لنا من كلِّ حَيٍّ ... خراطِيمُ البرية والزِّمامُ\nلنا أَيدٍ نريش بها ونبْري ... وأَيدٍ في بوادِرها السَّمامُ\nوبأْسٌ في الكريهةِ حين نلقى ... إذا كانَ النَّذيرُ بها الحسامُ\nقال: وأتي نصرًا عهده في رجب من سنة عشرين ومئة، وقال له البختريّ: اقرأ عهدك واخطب الناس؛ فخطب الناس؛ فقال في خطبته: استمسكوا أصحابنا بجُدّتِكم، فقد عرفنا خيرَكم وشركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>ثم دخلت سنة إحدي وعشرين ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزْوة مسلمة بن هشام بن عبد الملك الرّوم، فافتتح بها مطامير. وغَزْوة مرْوان بن محمد بلاد صاحب سَرِير الذهب، فافتتح قلاعه وخرَّب أرضه، وأذعن له بالجزْية، في كلّ سنة ألف رأس يؤدّيه إليه، وأخذ منه بذلك الرّهن، وملَّكه مروان علي أرضه (١).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٧/ ٢٠٣] والمنتظم [٧/ ٢٠٧].","vol":"9","page":609},{"text":"وفيها ولد العباس بن محمد. [٧/ ١٦٠].\nاختُلف في سبب خروجه؛ فأما الهيثم بن عديّ فإنه قال -فيما ذكر عنه، عن عبد الله بن عياش- قال: قدم زيد بن عليّ ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب وداود بن عليّ بن عبد الله بن عباس علي خالد بن عبد الله وهو علي العراق، فأجازهم ورجعوا إلي المدينة؛ فلما ولِّي يوسف بن عمر كتب إلي هشام بأسمائهم وبما أجازهم به، وكتب يذكر أن خالدًا ابتاع من زيد بن عليّ أرضًا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه، فكتب هشام إلي عامل المدينة أن يسرّحَهم إليه ففعل، فسألهم هشام فأقرّوا بالجائزة، وأنكروا ما سوي ذلك، فسأل زيدًا عن الأرض فأنكرها، وحلفوا لهشام فصدّقهم.\nوأما هشام بن محمد الكلبيّ، فإنه ذكر أن أبا مخنف حدّثه أن أوّل أمر زيد بن عليّ كان أن يزيد بن خالد القسْريّ ادّعي مالًا قِبَل زيدَ بن عليّ ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، وداود بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، فكتب فيهم يوسف بن عمر إلي هشام بن عبد الملك -وزيد بن عليّ يومئذ بالرُّصافة يخاصم بني الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في صدقة رسول الله - ﷺ -، ومحمد بن عمر بن عليّ يومئذ مع زيد بن عليّ- فلما قدِمت كتب يوسف بن عمر علي هشام بن عبد الملك بعث إليهم فذكَر لهم ما كتب به يوسف بن عمر إليه مما ادّعي قبَلهم يزيدُ بن خالد، فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه، فقال له زيد بن عليّ: أنشدك الله والرّحم أن لا تبعث بي إلي يوسف بن عمر! قال: وما الذي تخاف من يوسف بن عمر؟ قال: أخاف أن يعتديَ عليّ، قال له هشام: ليس ذلك له، ودعا هشام كاتبه فكتب إلي يوسف بن عمر:\nأما بعد: فإذا قدِم عليك فلان وفلان، فاجمعْ بينهم وبين يزيد بن خالد القسريّ، فإن هم أقرُّوا بما ادّعي عليهم فسرِّح بهم إليّ، وإن هم أنكروا فسله بيّنةً، فإن هو لم يُقِم البيّنة فاستحلفْهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما استودعهم يزيد بن خالد القسريّ وديعةً، ولا له قبلهم شيءٌ! ثم خلّ سبيلهم.\nفقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدّي كتابَك، ويطول علينا، قال: كلَّا، أنا","vol":"9","page":610},{"text":"باعث معكم رجلًا من الحرَس يأخذه بذلك؛ حتي يعجّل الفراغ، فقالوا: جزاك الله والرّحم خيرًا؛ لقد حكمتَ بالعدل، فسرَّح بهم إلي يوسف، واحتبس أيوب بن سلمة؛ لأن أمّ هشام بن عبد الملك ابنة هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وهو في أخواله، فلم يؤخذ بشيءٍ، من ذلك القَرْف.\nفلما قدموا علي يوسف، أدخِلوا عليه، فأجلسَ زيد بن عليّ قريبًا منه، وألطفه في المسألة، ثم سألهم عن المال، فأنكروا جميعًا، وقالوا: لم يستودعنا مالًا، ولا له قِبَلنا حقّ، فأخرج يوسف يزيدَ بن خالد إليهم، فجمع بينه وبينهم، وقال له: هذا زيد بن عليّ، وهذا محمد بن عمر بن عليّ، وهذا فلان وفلان الذي كنتَ ادّعيت عليهم ما ادّعيت، فقال: مالي قِبَلهم قليل ولا كثير، فقال يوسف: أفبِي تهزأ أم بأمير المؤمنين! فعذّبه يومئذ عذابًا ظنّ أنه قد قتله، ثم أخرجهم إلي المسجد بعد صلاة العصر، فاستحلفهم، فحلفوا له، وأمر بالقوم فبسط عليهم؛ ما عدا زيدَ بن عليّ فإنه كفّ عنه فلم يقتدر عند القوم علي شيء. فكتب إلي هشام يُعلمه الحال، فكتب إليه هشام: أن استحلفْهم، وخلّ سبيلهم، فخلّي عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بن عليّ بالكوفة.\nوذكر عُبيد بن جنّاد، عن عَطاء بن مُسْلم خفّاف أنّ زيد بن علي رأي في منامه أنه أضرَم في العراق نارًا، ثم أطفأها ثم مات، فهالتْه، فقال لابنه يحيي: يا بنيّ، إني رأيت رؤيا قد راعتني، فقصّها عليه، وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك يأمره بالقدوم عليه، فقدِم، فقال له: الحق بأميرك يوسف، فقال له: نشدُتك بالله يا أمير المؤمنين، فوالله ما آمن إن بعثتَني إليه ألّا أجتمع أنا وأنت حيّين علي ظهر الأرض بعدها، فقال: الحق بيوسف كما تؤمر؛ فقدم عليه. [٧/ ١٦٠ - ١٦٢].\nوقيل: إن زيدًا إنما قدم علي هشام مخاصمًا ابنَ عمّه عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ، ذُكِر ذلك عن جُويرية بن أسماء، قال: شهدتُ زيد بن عليّ وجعفر بن حسن بن حسن يختصمان في ولاية وقوف عليّ، وكان زيد يخاصم عن بني حُسيْن، وجعفر يخاصم عن بني حسن؛ فكان جعفر وزيد يتبالغان بين","vol":"9","page":611},{"text":"يدي الوالي إلي كلّ غاية، ثم يقومان فلا يُعيدان مما كان بينهما حرفًا، فلما مات جعر قال عبد الله: من يكفينا زيدًا؟ قال حسن بن حسن بن حسن: أنا أكفيكه، قال: كلًا، إنا نخاف لسانَك ويدَك؛ ولكني أنا. قال: إذًا لا تبلغ حاجتَك وحُجَّتك، قال: أما حُجَّتي فسأبلغُها؛ فتنازعا إلي الوالي -والوالي يومئذ عندهم فيما قيل إبراهيم بن هشام- قال: فقال عبد الله لزيد: أتطمع أن تنالها وأنتَ لأمَةٍ سنِدّية! قال: قد كان إسماعيل لأمَة؛ فنال أكثر منها؛ فسكت عبد الله، وتبالغا يومئذ كلّ غاية؛ فلما كان الغد أحضرهم الوالي، وأحضر قريشًا والأنصار، فتنازعا، فاعترض رجل من الأنصار، فدخل بينهما، فقال له زيد: وما أنت والدخول بيننا، وأنت رجل من قحطان! قال: أنا والله خيرٌ منك نفسًا وأبًا وأمًّا. قال: فسكت زيد، وانبري له رجلٌ من قريش فقال: كذبتَ، لعمرُ الله لهو خير منك نفسًا وأبًا وأمًّا وأوّلًا وآخرًا، وفوق الأرض وتحتها، فقال الوالي: وما أنت وهذا! فأخذ القرشيّ كفًا من الحصي، فضرب به الأرض وقال: والله ما علي هذا من صَبْر، وفطن عبد الله وزيد لشماتة الوالي بهما، فذهب عبدُ الله ليتكلّم، فطلب إليه زيد فسكت، وقال زيد للوالي: أمّا والله لقد جمعتَنا لأسر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعانا علي مثله؛ وإني أشهِد الله ألّا أنازعَه إليك محقًّا ولا مبطلًا ما كنتُ حيًّا، ثم قال لعبد الله: انهض يا بن عمّ؛ فنهضا وتفرّق الناس.\nوقال بعضهم: لم يزل زيد ينازع جعفَر بن حسن ثم عبد الله بعده؛ حتي ولّي هشام بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة، فتنازعا، فأغلظ عبد الله لزيد، وقال: يا بن الهندكيّة، فَتضاحك زيد، وقال: قد فعلتها يا أبا محمد! ثم ذكر أمّه بشيء.\nوذكر المدائنيّ أن عبد الله لما قال ذلك لزيد قال زيد: أجلْ والله، لقد صبرتْ بعد وفاة سيّدها فما تعتّبتَ بابها إذ لم يصبر غيرُها، قال: ثم ندم زيد واستحيا من عمته؛ فلم يدخل عليها زمانًا، فأرسلت إليه: يابن أخي، إني لأعلم أنّ أمّك عندك كأمّ عبد الله عنده.\nوقيل: إن فاطمة أرسلتْ إلي زيد: إن سبّ عبد الله أمَّك فاسببْ أمّه؛ وأنها قالت لعبد الله: أقلت لأمّ زيد كذا وكذا؟ قال: نعم، قالت: فبئس والله ما صنعت! أما والله لنعم دخيلة القوم كانت!","vol":"9","page":612},{"text":"فذكر أن خالد بن عبد الملك، قال لهما: اغْدُوَا علينا غدًا، فلستُ لعبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل: كذا وقائل كذا، قائل يقول قال زيد كذا، وقائل يقول: قال عبد الله كذا. فلما كان الغدُ جلس خالد في المجلس في المسجد، واجتمع الناس، فمن شامت ومن مهموم، فدعا بهما خالد، وهو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجَل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلي خالد أبدًا؛ ثم أقبل علي خالد فقال له: يا خالد؛ لقد جمعتَ ذرّية رسول الله - ﷺ - لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؛ قال خالد: أما لهذا السفيه أحدٌ! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا بن أبي تراب وابن حسين السفيه، ما تري لوالٍ عليك حقًّا ولا طاعة! فقال زيد: اسكت أيَّها القحطانيّ، فإنا لا نجيب مثلك، قال: ولمَ ترغب عني! فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمّي خير من أمك! فتضاحك زيد، وقال: يا معشرَ قريش، هذا الدين قد ذهب، أفذهبت الأحساب! فوالله إنه ليذهب دينُ القوم وما تذهب أحسابهم.\nفتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت والله أيّها القحطانيّ، فوالله لهو خير منك نفسًا وأبًا وأمًّا ومحتدًا، وتناوله بكلام كثير؛ قال القحطانيّ: دعْنا منك يا بن واقد؛ فأخذ ابن واقد كفًّا من حصىً؛ فضرب بها الأرض، ثم قال له: والله مالنا علي هذا صبر، وقام.\nوشخص زيد إلي هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص؛ فكلّما رفع إليه قصّة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلي أميرك؛ فيقول زيد: والله لا أرجع إلي خالد أبدًا، وما أسأل مالًا؛ إنما أنا رجل مخاصم؛ ثم أذن له يومًا بعد طول حَبْس.\nفذكر عمر بن شبّة، عن أيوب بن عمر بن أبي عمرو، قال: حدّثني محمد بن عبد العزيز الزهريّ قال: لما قدم زيد بن عليّ علَي هشام بن عبد الملك أعلمه حاجبُه بمكانه، فرقِيَ هشام إلي عِلّيّة له طويلة، ثم أذن له، وأمر خادمًا أن يتبعَه، وقال: لا يَرينّك، واسمع ما يقول قال: فأتعبته الدَّرَجَةَ -وكان بادنًا- فوقف في بعضها، فقال: والله لا يحبّ الدنيا أحد إلا ذلّ، فلما صار إلي هشام قضي حوائجه، ثم مضي نحو الكوفة، ونسي هشام أن يسأل الخادم حتي مضي","vol":"9","page":613},{"text":"لذلك أيام، ثم سأله فأخبره، فألتفت إلي الأبرش، فقال: والله ليأتينّك خلعُه أوّلَ شيء، وكان كما قال (١). [٧/ ١٦٣ - ١٦٥].\nرجع الحديث إلي حديث هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: فجعلت الشيعة تختلف إلي زيد بن عليّ، وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون المنصورَ، وأن يكون هذا الزمان الذي يهلِك فيه بنو أمية. فأقام بالكوفة، فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه، فيقال: هو هاهنا، فيبعث إليه أن اشخص، فيقول: نعم؛ ويعتلّ له بالوَجع، فمكث ما شاء الله، ثم سأل أيضًا عنه فقيل له: هو مقيم بالكوفة بعدُ لم يبرح، فبعث إليه، فاستحثّه بالشخوص، فاعتلّ عليه بأشياء يبتاعُها، وأخبره أنه في جهازه، ورأي جدّ يوسف في أمره فتهيَّأ، ثم شخص حتي أتي القادسيّة، وقال بعض الناس: أرسل معه رسولًا حتي بلَّغه العُذَيب، فلحقتْه الشّيعة، فقالوا له: أين تذهب عنّا ومعك مئة ألف رجل من أهل الكوفة، يضربون دونَك بأسيافهم غدًا وليس قبَلك من أهل الشأم إلا عدّة قليلة، لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحِج أو هَمْدان أو تميم أو بكْر نصبت لهم لكفتكهم بإذن الله تعالي! فننشدك الله لمَّا رجعتَ؛ فلم يزالوا به حتي ردُّوه إلي الكوفة. [٧/ ١٦٦].\nوأما أبو عبيدة، فذكِر عنه، أنه قال: صدّق هشامٌ زيدًا ومن كان يوسف قرفه بما قرفه به، ووجَّههم إلي يوسف، وقال: إنهم قد حلفوا لي، وقبلتُ أيمانهم وأبرأتُهم من المال، وإنما وجهتُ بهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذّبُوه، قال: ووصلهم هشام؛ فلما قدموا علي يوسف أنزلهم وأكرمهم، وبعث إلي خالد فأتِيَ به، فقال: قد حلف القوم، وهذا كتاب أمير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بيّنة بما ادعيت؟ فلم تكن له بيّنة، فقال القوم لخالد: ما دعاك إلي ما صنعت؟ قال: غلّظ عليّ العذاب فادّعيت ما ادعيت، وأمّلْت أن يأتيَ الله بفرج قبل قدومكم، فأطلقهم يوسف، فمضي القرشيَّان: الجمحيّ والمخزوميّ إلي المدينة؛ وتخلّف الهاشميَّان: داود بن عليّ وزيد بن عليّ بالكوفة.\nوذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: اتّبعوه إلي الثعلبّية وقالوا له: نحن أربعون\n_________\n(١) في إسناده محمد بن عبد العزيز الزهري وهو منكر الحديث.","vol":"9","page":614},{"text":"ألفًا، إن رجعت إلي الكوفة لم يتخلّف عنك أحدٌ، وأعطوُه المواثِيق والأيمان المغلَّظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي. فيحلفون له، فيقول داود بن عليّ: يابن عمّ، إن هؤلاء يغرّونَك من نفسك! أليس قد خذلوا مَن كان أعزّ عليهم منك؛ جدّك عليّ بن أبي طالب حتي قتل! والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فُسطاطه، وجرَحوه! أوَليس قد أخرجوا جدّك الحسين، وحلَفوا له بأوْكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه، ثم لم يرضْوا بذلك حتي قتلوه! فلا تفعلْ ولا ترجع معهم، فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنتَ، ويزعم أنه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم، فقال: زيد لداود: إن عليًّا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشأم، وإنّ الحسين قاتله يزيد بن معاوية والأمر عليهم مقبل؛ فقال له داود: إني لخائف إن رجعتَ معهم ألّا يكون أحد أشدَّ عليك منهم؛ وأنت أعلم، ومضي داود إلي المدينة ورجع زيد إلي الكوفة [٧/ ١٦٧ - ١٦٨].\nوذكر عمر عن أبي إسحاق -شيخٌ من أهل أصبهان حدّثه- أن عبد الله بن حسن كتب إلي زيد بن عليّ: يا بن عمّ؛ إن أهلَ الكوفة نُفخ العلانية، خور السريرة، هُوج في الرخاء، جُزُع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبُهم، لا يبيتون بعُدّة في الأحداث، ولا ينوؤن بدولة مرجوّة، ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم، فصمّصْت عن ندائهم؛ وألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم؛ يأسًا منهم واطراحًا لهم؛ وما لي مَثَل إلا ما قال عليّ بن أبي طالب:\nإن أهمِلتم خضتم، وإن حُوربتم خُرْتم، وإن اجتمع الناس علي إمام طعنتم، وإن أجبتم إلي مشاقّة نكصتم. [٧/ ١٦٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>ذكر الخبر عن غزوة نصر بن سيّار ما وراء النهر</span>\nوفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرِّتين، ثم غزا الثالثة، فقتل كورصُول.\nذكر الخبر عن غزواته هذه:\nذكرَ عليّ عن شيوخه: أن نصرًا غزا من بَلْخ ما وراء النهر من ناحية باب","vol":"9","page":615},{"text":"الحديد؛ ثم قفل إلي مَرْو، فخطب الناس، فقال: ألا إن بهرامسيس كان مانحَ المجوس، يمنحهم ويدفع عنهم، ويحمل أثقالهم علي المسلمين؛ ألا إنّ اشبداد بن جريجور كان مانح النصاري؛ ألا إن عقيبة اليهوديّ كان مانح اليهود يفعل ذلك، ألا إني مانح المسلمين، أمنحهم وأدفع عنهم، وأحمل أثقالهم علي المشركين؛ ألا إنه لا يُقبل مني إلا يُوَفّى الخراج علي ما كتِب ورفع. وقد استعملتُ عليكم منصور بن عمر بن أبي الخَرْقاء، وأمرتُه بالعدل عليكم، فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثُقِّل عليه في خراجه، وخفّف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إلي المنصور بن عمر، يحوّله عن المسلم إلي المشرك. قال: فما كانت الجمعة الثانية؛ حتي أتاه ثلاثون ألف مُسلِم، كانوا يؤدُّون الجزية عن رؤوسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيِت عنهم جزيتهم، فحوّل ذلك عليهم، وألقاه عن المسلمين. ثم صنّف الخراج حتي وضعه مواضعه، ثم وظّف الوظيفة التي جَري عليها الصُّلح. قال: فكانت مَرْو يؤخذ منها مئة ألف سوي الخراج أيام بني أميّة، ثم غزا الثانية إلي وَرَغْرَ وسمرقند ثم قفل، ثم غزا الثالثة إلي الشاش من مَرْو، فحال بينه وبين قطوع النهر (نهر الشاش) كورصول في خمسة عشر ألفًا، استأجر كلّ رجل منهم في كلّ شهر بشِقّة حرير؛ الشقّة يومئذ بخمسة وعشرين درهمًا، فكانت بينهم مراماة، فمنع نصرًا من القطوع إلي الشاش، وكان الحارث بن سُريج يومئذ بأرض الترك، فأقبل معهم؛ فكان بإزاء نصر، فرمي نصرًا؛ وهو علي سريره علي شاطيء النهر بِحُسبان (١)، فوقع السهم في شِدْق وصيف لنصر يوضّئه، فتحوّل نصر عن سريره، ورمي فرسًا لرجل من أهل الشأم فنفق، وعبر كورصول في أربعين رجلًا، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء لأهل بُخاري، وكانوا في الساقة، وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة؛ ومع نصر أهل بخاري وسمرقند وكِسّ وأشْرُوسنة، وهم عشرون ألفًا، فنادي نصر في الأخماس: ألا لا يخرجنّ أحدٌ من بنائه، واثبتوا علي مواضعكم، فخرج عاصم بن عمير وهو علي جُنْد أهل سَمرقند، حتي مرّت خيل كورصول، وقد كانت الترك صاحتْ صيحة، فظنّ أهلُ العسكر أنّ الترك قد قطِعوا كلُّهم، فلما مرّت خيل كورصول علي ذلك حمل\n_________\n(١) الحسبان: السهام الصغار. القاموس المحيط ص ٩٥.","vol":"9","page":616},{"text":"علي آخرهم، فأسر رجلًا؛ فإذا هو مَلِك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فجاؤوا به إلي نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعَه شِبْرًا، وعليه رانا ديباج فيهما حلَقٌ، وقباء فرند مُكفّف بالدّيباج، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصولي، فقال نصر: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدّو الله! قال: فما ترجو من قَتْل شيخ. وأنا أعطيك ألف بعير من إبل الترك، وألف برْذون تقوّي بها جندك، وخلّ سبيلي! فقال نصر لمن حوله من أهل الشأم وأهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا: خلّ سبيله، فسأله عن سنّه، قال: لا أدري، قال: كم غزوت؟ قال: اثنتين وسبعين غزوة، قال: أشهدتَ يوم العَطَش؟ قال: نعم، قال: لو أعطيتني ما طلعتْ عليه الشمس ما أفلتَّ من يدي بعدما ذكرت من مشاهدك. وقال لعاصم بن عمير السغديّ: قم إلي سَلبِه فخذه؛ فلما أيقن بالقتل، قال: مَنْ أسرني؟ قال نصر وهو يضحك: يزيد بن قُرّان الحنظليّ -وأشار إليه- قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استَه -أو قال لا يستطيع أن يتمّ بوله- فكيف يأسرني! فأخبِرْني مَنْ أسرني؛ فإني أهلٌ أن أقتَل سبع قتلات، قيل له: عاصم بن عمير، قال: لستُ أجد مسَّ القتل إذ كان الذي أسرني فارسًا من فرسان العرب، فقتله وصلبَه علي شاطيء النهر، قال: وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتِل بنهاوند أيام قحطبة.\nقال: فلما قتِل كورصول تخدّرت الترك وجاؤوا بأبنيتِه فحرقوها، وقطعوا آذانهم، وجرّدوا وجوهَهم، وطفِقوا يبكون عليه؛ فلما أمسى نصر وأراد الرحلة، بعث إلي كورصول بقارورة نِفْط، فصبّها عليه، وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه، قال: وكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.\nوارتفع نصر إلي فَرْغانة، فسبي منها ثلاثين ألف رأس، قال: فقال عنبر بن بُرْعُمَة الأزدي: كتب يوسف بن عمر إلي نصر: سرْ إلي هذا الغارز ذنبه بالشاش -يعني الحارث بن سُريج- فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش، فخرّب بلادهم، واسب ذراريّهم؛ وإياك وورْطة المسلمين.\nقال: فدعا نصرٌ الناس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال: ما ترون؟ فقال يحيي بن حُضَين: امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير، فقال نصر: يا يحيي، تكلمتَ لياليَ عاصم بكلمة، فبلغت الخليفة فحظيتَ بها، وزيد في عطائك،","vol":"9","page":617},{"text":"وفرِض لأهل بيتك، وبلغتَ الدّرجة الرفيعة، فقلتَ: أقول مثلَها، سرْ يا يحيي، فقد ولّيتُك مقدّمتي، فأقبل الناس علي يحيي يلومونه، فقال نصر يومئذ: وأيّ ورطة أشدّ من أن تكون في السفر وهم في القرار! .\nقال: فسار إلى الشاش، فأتاه الحارث بن سُريج فنصب عرّادتين (١) تلقاء بني تميم؛ فقيل له: هؤلاء بنو تميم، فنقلهما فنصبهما علي الأزْد -ويقال: علي بكر بن وائل- وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترك، فقتله المسلمون، وأسروا سبعة من أصحابه، فأمر نصر بن سيار برأس الأخرم، فرمي به في عسكرهم بمنجَنيق، فلما رأوه ضجوا ضجة عظيمة، ثم ارتحلوا منهزمين، ورجع نصر، وأراد أن يعبُر، فحِيل بينه وبين ذلك، فقال أبو نميلة صالح بن الأبَّار:\nكنا وأَوْبَةُ نصر عندَ غيبته ... كراقِبِ النَّوْء حتي جاده المطَرُ\nأوْدَي بأخرَم منه عارضٌ بَرِدٌ ... مُسْتَرْجِفٌ بمنايا القوم مُنْهَمرُ\nوأقبل نصر فنزل سَمَرْقند في السنة التي لقي فيها الحارث بن سريج، فأتاه بخاراخُذاه منصرفًا؛ وكانت المسلحة عليهم، ومعهم دهقانان من دهاقين بُخاري، وكانا أسلما على يدي نصر، وقد أجمعا على الفَتْك بواصل بن عمرو القيسي عامل بُخاري وببخاراخُذاه يتظلّمان من بخاراخذاه، -واسمه طوق شياده- فقال بخاراخذُاه لنصْر: أصلح الله الأمير! قد علمت أنهما قد أسلما على يديك، فما بالهما معلِّقي الخناجر عليهما! فقال لهما نصر. ما بالكما معلِّقي الخناجر وقد أسلمتما! قال: بيننا وبين بخاراخذاه عَدَاوَةٌ فلا نأمنه علي أنفسنا، فأمر نصر هارون بن السياوش مولَي بني سليم -وكان يكون علي الرابطة- فاجتذبهما فقطعهما، ونهض بخاراخذُاه إلي نصر يسارّه في أمرهما، فقالا: نموت كريميْن؛ فشدّ أحدهما علي واصل بن عمرو فطعنه في بطنه بسكين، وضربه واصل بسيفه علي رأسه؛ فأطار قَحْف رأسه فقتله، ومضي الآخر إلي بخاراخُذاه -وأقيمت الصّلاة، وبخاراخُذاه جالس علي كرسيّ- فوثب نصر، فدخل السرادق، وأحضر بخاراخُذاه، فعثر عند باب السرادق فطعَنه، وشدّ عليه\n_________\n(١) العرادة: شبه المنجنيق، صغيرة. القاموس المحيط ص ٣٨١.","vol":"9","page":618},{"text":"الجوزجان بن الجوزجان، فضربه بجرُز كان معه فقتله، وحُمل بخاراخُذاه فأدخل سرادق نصر، ودعا له نصر بوسادة فاتّكأ عليها، وأتاه قرعة الطبيب، فجعل يعالجه وأوصي إلي نصر، ومات من ساعته، ودفن واصل في السرادق، وصلي عليه نصر. وأما طوْق شياده فكشطوا عنه لَحمه، وحملوا عظامه إلى بخارى.\nقال: وسار نصر إلي الشَّاش، فلا قدم أشروسنَة عَرض دهقانها أباراخرّه مالًا، ثم نفذ إلي الشاش، واستعمل علي فَرْغانة محمد بن خالد الأزديّ، وجّهه إليها في عشرة نفر، وردّ من فَرْغانة أخاجيش فيمن كان معه من دهاقين الخُتَّل وغيرهم، وانصرف منها بتماثيل كثيرة، فنصبها في أشروسنة.\nوقال بعضهم: لما أتي نصر الشاش تلقّاه قدر ملكها بالصُّلح والهدّية والرّهن، واشترط عليه إخراجَ الحارث بن سُريج من بلده، فأخرجه إلي فاراب؛ واستعمل علي الشاش نيزك بن صالح مولي عمرو بن العاص، ثم سار حتي نزل قُبَاء من أرض فرغانة، وقد كانوا أحسوا بمجيئه، فأحرقوا الحشِيش وحبسوا الميرة، ووجّه نصر إلي وليّ عهد صاحب فرغانة في بقية سنة إحَدي وعشرين ومئة، فحاصروه في قلعة من قلاعها، فغفل عنهم المسلمون، فخرجوا علي دوابّهم فاستاقوها، وأسروا ناسًا من المسلمين، فوجّه إليهم نصر رجالًا من بني تميم، ومعهم محمد بن المثنى -وكان فارسًا- فكايدهم المسلمون، فأهملوا دوابّهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضَها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدِّهقان، وأسروا منهم أسراء، وحمل ابن الدهقان المقتول علي ابن المثني، فختله محمد بن المثنّي، وهو غلام أمرد، فأتي به نصرًا فضرب عنقه.\nوكان نصر بعث سليمان بن صول إلي صاحب فَرْغانة بكتاب الصلح بينهما، قال سليمان: فقدمتُ عليه فقال لي: مَنْ أنت؟ قلت: شاكريٌّ خليفةُ كاتب الأمير، قال: فقال: أدخلوه الخزائن ليري ما أعددنا، فقيل له: قم، قال: قلت ليس بي مَشْي، قال: قدّموا له دابة يركبها، قال: فدخلت خزائنَه، فقلت في نفسي: يا سليمان، شمِتِ بك إسرايل وبشر بن عُبَيد؛ ليس هذا إلّا لكراهة الصلح، وسأنصرف بخُفَّيْ حُنَيْن. قال: فرجعت إليه، فقال: كيف رأيت","vol":"9","page":619},{"text":"الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قلت: سهلًا كثير الماء والمرعي؛ فكره ما قلت له، فقال: ما علمك؟ فقلت: قد غزوت غُرْشِسْتان وغُور والختل وطَبَرِستان، فكيف لا أعلم! قال: فكيف رأيتَ ما أعددنا؟ قلت: رأيت عُدّة حسنة؛ ولكن أما علمت أن صاحب الحصار لا يسلم من خصال! قال: وما هُنّ؟ قلت: لا يأمن أقربَ الناس إليه وأحبَّهم إليه وأوثقَهم في نفسه أن يثب به يطلب مرتبته، ويتقرّب بذلك، أو يفني ما قد جمع، فيسلم برُمَّته، أو يصيبه داء فيموت فقطّب وكره ما قلت له وقال: انصرف إلي منزلك، فانصرفت فأقمت يومين، وأنا لا أشكّ في تركه الصلح، فدعاني فحملتُ كتاب الصّلح مع غلامي، وقلت له: إن أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف إلي المنزل، ولا تظهر الكتاب، وقل لي: إني خلفتُ الكتاب في المنزل، فدخلت عليه، فسألني عن الكتاب، فقلت: خلّفتُه في المنزل، فقال: ابعث مَنْ يجيئك به، فقبل الصُّلح، وأحسن جائزتي، وسرّح معي أمّه، وكان صاحبة أمره.\nقال: فقدمتُ على نصْر؛ فلما نظر إليّ قال: ما مثلك إلا كما قال الأوّل:\nفأرْسِل حكيمًا ولا تُوصِهِ (١)\nفأخبرته، فقال: وُفِّقت، وأذن لأمه عليه، وجعل يكلمها والترجمان يعبّر عنها، فدخل تميم بن نصر، فقال للترجمان: قل لها: تعرفين هذا؟ فقالت: لا، فقال: هذا تميم بن نصر، فقالت: والله ما أري له حلاوة الصّغِير، ولا نُبْل الكبير.\nقال أبو إسحاق بن ربيعة: قالت لنصر: كل مَلِك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملِك: وزير يباثُّه بكتاب نفسه وما شجر في صدره من الكلام، ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ إذا لم يشتهِ الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتمًّا فَنظر إلي وجهها زال غمّه، وحصن إذا فزع أو جُهد فزع إليه فأنجاه -تعني البرذون- وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانتَه، وذخيرة إذا حملها فأين وقع بها من الأرض عاش بها.\n_________\n(١) الأغاني ٦: ٨٢، وصدره *إذا كنت في حاجة مرسلًا*.","vol":"9","page":620},{"text":"ثم دخل تميم بن نصر في الأزفلة (١) وجماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا فتي خراسان، هذا تميم بن نصر، قالت: ماله نُبْل الكبار ولا حلاوة الصغار.\nثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: مَنْ هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، قال: فحيّتْه، وسألت عنه؛ وقالت: يا معشر العرب، مالكم وفاء؛ لا يصلح بعضكم لبعض، قتيبة الذي وطّن لكم ما أري، وهذا ابنه تُقعده دونك! فحقك أن تجلسه هذا المجلس وتجلس أنت مجلسَه. [٧/ ١٧٣ - ١٧٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>خبر مقتل زيد بن عليّ</span>\nفمن ذلك مقتل زيد بن عليّ.\nذكر الخبر عن ذلك:\nذكرَ هشام عن أبي مخنف، أنّ زيد بن عليّ لما أمرَ أصحابه بالتأهّب للخروج والاستعداد، أخذ مَن كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك، فانطلق سليمان بن سُراقة البارقيّ إلي يوسف بن عمر، فأخبره خبره، وأعلمه أنه يختلف إلي رجل منهم يقال له عامر، وإلي رجل من بني تميم يقال له طُعْمَة؛ ابن أختٍ لبارق؛ وهو نازل فيهم، فبعث يوسف يطلب زيد بن عليّ في منزلهما فلم يوجد عندهما، وأخِذ الرّجلان، فأتيَ بهما، فلما كلَّمهما استبان له أمرُ زيد وأصحابه، وتخوّف زيد بن عليّ أن يُؤخذ، فتعجّل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، قال: وعلي أهل الكوفة يومئذ الحكَم بن الصلْت، وعلي شُرَطه عمرو بن عبد الرحمن، (رجل من القارة)؛ وكانت ثقيف أخواله؛ وكان فيهم ومعه عبيد الله بن العباس الكنديّ، في أناس من أهل الشأم، ويوسف بن عمر بالحيرة، قال: فلما رأي أصحابُ زيد بن عليّ الذين بايعوه أنّ يوسف بن عمر قد\n_________\n(١) الأزفلة: الجماعة من الناس، القاموس المحيط ص ١٣٠٥.","vol":"9","page":621},{"text":"بلغه أمر زيد، وأنه يدسّ إليه، ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم، فقالوا: رحمَك الله! ما قولك، في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرًا، قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل هذا البيت إلّا أن وثبا علي سلطانكم فنزعاه من أيديكم! فقال لهم زيد: إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم أنّا كنا أحقّ بسلطان رسول الله - ﷺ - من الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا، قد وُلّوا فعَدَلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء! وإن كان أولئك لم يظلموك، فلمَ تدعو إلي قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: وإنّ هؤلاء ليسوا كأولئك؛ إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم؛ وإنما ندعوكم إلي كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وإلي السنن أن تُحيا، وإلي البِدَع أن تُطفأ؛ فإن أنتم أجبتمونا سعِدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل، ففارقوه ونكثوا بيعتَه، وقالوا: سبق الإمام- وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن عليّ أخا زيد بن عليّ هو الإمام -وكان قد هلك يومئذ- وكان ابنه جعفر بن محمد حيًا، فقالوا: جعفر إمامنا اليومَ بعد أبيه؛ وهو أحق بالأمر بعد أبيه؛ ولا نتبَع زيد بن عليّ فليس بإمام. فسمّاهم زيد الرّافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذي سماهم الرافضة المغيرة (١) حيث فارقوه، وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مرّوا إلي جعفر بن محمد بن عليّ، فقالوا له: إن زيد بن عليّ فينا يبايع؛ أفتري لنا أن نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه، فهو والله أفضلُنا وسيدنا وخيرُنا فجاؤوا، فكتموا ما أمرهم به.\nقال: واستتبّ لزيد بن عليّ خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة.\nوبلغ يوسفَ بن عمر أنّ زيدًا قد أزمع علي الخروج، فبعث إلي الحكَم بن الصلت، فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرُهم فيه، فبعث الحكم إلي العُرَفاء والشُّرط والمناكب (٢) والمقاتلة، فأدخلهم المسجد، ثم نادي مناديه: ألا إنّ الأمير يقول: مَنْ أدركناه في رحلة فقد برئت منه الذّمّة؛ ادخلوا\n_________\n(١) هو المغيرة بن سعيد العجلي، وانظر ص ١٢٨، ١٢٩.\n(٢) المناكب: قوم دون العرفاء، وفي حديث النخعي: كان يتوسط العرفاء والمناكب.","vol":"9","page":622},{"text":"المسجد الأعظم، فأتي الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيدًا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج ليلًا، وذلك ليلة الأربعاء، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق، فرفعوا الهراديّ (١) فيها النيران ونادوا: يا منصور أمتْ، أمتْ يا منصور، فكلما أكلت النار هُرْديًّا رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتي طلع الفجر؛ فلما أصبحوا بعث زيد بن عليّ القاسم التِّنْعيّ ثم الحضرميّ ورجلًا آخر من أصحابه، يناديان بشعارهما، فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكنِديّ، فشدُّوا عليه وعلي أصحابه، فقتِل الرجل الذي كان مع القاسم التِّنعيّ، وارتُثّ القاسم، فأتِيَ به الحكم، فكلمه فلم يردّ عليه شيئًا، فأمر به فضربتْ عُنُقه على باب القصر؛ فكان أوّل مَنْ قتِل من أصحاب زيد بن عليّ هو وصاحبه، وأمر الحكم بن الصلت بدروب (٢) السوق فغلقت، وغلقت أبواب المسجد علي أهل الكوفة، وعلى أرباع الكوفة يومئذ؛ على رُبْع أهل المدينة إبراهيم بن عبد الله بن جرير البجليّ، وعلى مَذْحج وأسد عمرو بن أبي بذْل العبديّ، وعلى كِنْدة وربيعة المنذر بن محمد بن أشدث بن قيس الكنديّ، وعلى تميم همْدان محمد بن مالك الهمْدانيّ ثم الخَيْوانيّ.\nقال: وبعث الحكم بن الصّلت إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر، فأمر يوسف مناديه فنادي في أهل الشأم: مَنْ يأتي الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبَرهم؟ فقال جعفر بن العباس الكنديّ: أنا، فركب في خمسين فارسًا، ثم أقبل حتي انتهي إلي جبّانة سالم السَّلوليّ، فاستخبرهم، ثم رجع إلي يوسف بن عمر فأخبره، فلما أصبح خرج إلي تلّ قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس؛ وعلي شُرْطته يومئذ العباس بن سعيد المُزَنيّ، فبعث الرّيان بن سلَمة الإراشيّ في ألفين ومعه ثلثمئة من القِيقانيّة رُجّالًا معهم النُّشاب.\nوأصبح زيد بن عليّ، فكان جميعُ مَنْ وافاه تلك الليلة مئتي رجل وثمانية\n_________\n(١) في اللسان: \"الهردية: قصبات تضم ملوية بطاقات الكرم تحمل عليها قضبانه\". اللسان (٣/ ٤٣٦).\n(٢) الدرب: الباب الأكبر. القاموس المحيط ص ١٠٦.","vol":"9","page":623},{"text":"عشر رجلًا، فقال زيد: سبحان الله! أين الناس! فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا والله ما هذا لمن بايَعنا بعذر، وسمع نصر بن خزيمة النداء، فأقبل إليه، فلقي عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصّلت في خيله من جُهينة عند دار الزّبير بن أبي حكمة في الطريق الذي يخرج إلي مسجد بني عدّي، فقال نصر بن خزيمة، يا منصور أمتْ؛ فلم يردّ عليه شيئًا، فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عمر بن عبد الرحمن، وانهزم مَن كان معه، وأقبل زيد بن عليّ من جبّانة سالم حتي انتهي إلي جبّانة الصائديّين، وبها خمسمئة من أهل الشأم، فحمل عليهم زيد بن عليّ فيمن معه فهزمهم، وكان تحت زيد بن عليّ يومئذ بِرْذَوْن أدْهَم بهيم؛ اشتراه رجل من بني نَهْد بن كهمس بن مروان النجّاريّ بخمسة وعشرين دينارًا، فلما قتِل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بن الصّلت.\nقال: وانتهي زيد بن عليّ إلي باب دار رجل من الأزْد، يقال له أنس بن عمرو -وكان فيمن بايعه- فنودي وهو في الدار فجعل يجيب، فناداه زيد يا أنَس: اخرج إليّ رحمك الله، فقد جاء الحق وزهقالباطل، إن الباطل كان زهوقًا، فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم!\nقال: ثم إنّ زيدًا مضي حتي انتهي الكُناسة، فحمل علي جماعة بها من أهل الشأم فهزمهم؛ ثم خرج حتي ظهر إلي الجبّانة ويوسف بن عمر علي التلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه حِزام بن مرة المزنيّ وزمزم بن سُلَيم الثعلبيّ؛ وهما علي المجفّفة، ومعه نحو من مئتي رجل؛ والله لو أقبل علي يوسف لقتله، والريّان بن سلَمة يتْبع أثر زيد بن عليّ بالكوفة في أهل الشأم.\nثم إن زيدًا أخذ ذات اليمين علي مصلّي خالد بن عبد الله حتي دخل الكوفة، وكانت فرقة من أصحاب زيد بن عليّ حيث وجّه إلي الكُناسة قد انشعبتْ نحو جبّانة مِخْنف بن سُلَيم، ثم قال بعضهم لبعض: ألا ننطلق نحو جَبانةِ كنْدة! قال: فما زاد الرّجل علي أن تكلم بهذا الكلام. وطلع أهلُ الشأم؛ فلما رأوهم دخلوا زُقاقًا فمضَوْا فيه، وتخلّف رجل منهم، فدخل المسجد فصلي فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة، ثم إنهم صرَعُوه، فجعلوا يضربونه بأسيافهم؛ فنادي رجل منهم مقنَّع بالحديد: أن اكشفوا المِغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد؛ ففعلوا؛ وقتِل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل، وانصرف أهل","vol":"9","page":624},{"text":"الشأم؛ وقد اقتطعوا رجلًا، ونجا سائرهم، فذهب ذلك الرّجل حتي دخل دار عبد الله بن عَوْف، فدخل أهل الشأم عليه فأسروه، فذهب به إلي يوسف بن عمر فقتله.\nقال: وأقبل زيد بن عليّ، وقد رأي خِذلان الناس إيّاه، فقال: يا نصر بن خزيمة، أتخاف أن يكون قد جعلوها حسينيّة! فقال له: جعلني الله لك الفداء! أما أنا فوالله لأضربنّ معك بسيفي هذا حتي أموت؛ فكان قتاله يومئذ بالكوفة. ثم إن نصر بن خزيمة قال لزيد بن عليّ: جعلني الله لك الفداء! إنّ الناس في المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عَرْفطة، وبلغ عبيدَ الله بن العباس الكنديّ إقبالُه، فخرج في أهل الشأم، وأقبل زيد فالتقوْا علي باب عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فكعّ (١) صاحب لواء عبيد الله -وكان لواؤه مع سلمان مولاه- فلما أراد عبيد الله الحملة ورآه قد كعّ عنه، قال: احمل يا بن الخبيثة! فحمل عليهم، فلم ينصرف حتي خُضِّب لواؤه بالدّم.\nثم إن عبيد الله برز فخرج إليه واصل الحنّاط، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحول: خذها منّي وأنا الغلام الحنّاط! وقال الآخر: قطع الله يدي إن كِلْتَ بقفيزٍ أبدًا. ثم ضربه فلم يصنع شيئًا، وانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابُه، حتي انتهوْا إلي دار عمرو بن حُرَيث، وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوْا إلى باب الفيل، فجعل أصحابُ زيد يُدخلون راياتِهم من فوق الأبواب، ويقولون: يا أهلَ المسجد، اخرجوا، وجعل نصر بن خُزَيمة يناديهم، ويقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذلّ إلى العزّ، اخرجوا إلى الدين والدنيا؛ فإنكم لستم في دين ولا دنيا، فأشرف عليهم أهلُ الشام، فجعلوا يرمُونهم بالحجارة من فوق المسجد -وكان يومئذ جمع كبير بالكوفة في نواحيها، وقيل في جبّانة سالم- وانصرف الريّان بن سلَمة إلى الحيرة عند المساء، وانصرف زيد بن عليّ فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق، فأتاه الريّان بن سلمة، فقاتله عند دار الرزق قتالًا شديدًا، فجرح من أهل الشأم وقتِل منهم ناس كثير،\n_________\n(١) كع: جبن وضعف. القاموس المحيط ص ٩٨١.","vol":"9","page":625},{"text":"وتبعهم أصحاب زيد من دار الرّزق؛ حتى انتهوْا إلى المسجد؛ فرجع أهلُ الشأم مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنًّا؛ فلما كان من الغد غداة يوم الخميس، دعا يوسف بن عمر الريّان بن سَلمة، فلم يوجَد حاضرًا تلك الساعة.\nوقال بعضُهم: بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفَّفَ به، وقال له: أفٍّ لك من صاحب خيل! اجلس، فدعا العباس بن سعيد المُزنيّ صاحب شرطته، فبعثه في أهل الشأم، فسار حتى انتهى إلى زيد بن عليّ في دار الرزق، وثَمّ خشب للتجار كثير، فالطريق متضايق، وخرج زيد في أصحابه، وعلى مجنَّبتيه نصر بن خزيمة العبسيّ ومعاوية بن إسحاق الأنصاريّ، فلما رآهم العباس -ولم يكن معه رجال- نادي: يا أهلَ الشأم، الأرضَ والأرضَ! فنزل ناسٌ كثير ممن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في المعركة، وقد كان رجل من أهل الشأم من بني عَبْس يقال له نائل بن فَرْوة قال ليوسف بن عمر: والله لئن أنا ملأتُ عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنّه أو ليقتلنّي، فقال له يوسف: خذ هذا السيف، فدفع إليه سيفًا لا يمرّ بشيء إلا قطعه، فلما التقي أصحاب العباس بن سعيد وأصحاب زيد واقتتلوا، بصُر نائل بن فروة بنصر بن خزيمة، فأقبل نحوه، فضرب نصرًا فقطع فَخِذه، وضربه نصر ضربةً فقتله؛ فلم يلبث نصر أن مات، واقتتلوا قتالًا شديدًا.\nثم إن زيد بن عليّ هزمهم وقتل من أهل الشأم نحوًا من سبعين رجلًا، فانصرفوا وهم بشرّ حال، وقد كان العباس بن سعيد نادي في أصحابه أن اركبوا؛ فإن الخيل لا تطيق الرجال في المضِيق فركبوا، فلما كان العشيّ عبّأهم يوسف بن عمر ثم سرّحهم، فأقبلوا حتى التقوْا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلي السَّبَخة، ثم شدّ عليهم بالسبَخة حتى أخرجهم إلي بني سُليم، ثم تبعهم في خيله ورجاله: حتى أخذوا علي المسنّاة (١).\nثم إنّ زيدًا ظهر لهم فيما بين بارق ورُؤَاس، فقاتلهم هنالك قتالًا شديدًا.\nوصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبي مالك بن مسروح، من بني سعد بن زيد، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان مسروح السعديّ تزوّج\n_________\n(١) المسناة: ضفيرة تبني للسيل لترد الماء. القاموس المحيط ص ١٦٧٢.","vol":"9","page":626},{"text":"صفية بنت العباس بن عبد المطلب، فجعلت خيلُهم لا تثبُت لخيله ورجله، فبعث العباس إلي يوسف بن عمر يعلمه ذلك، فقال له: ابعث إليّ الناشبة، فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبيّ في القِيقانيّة والبُخاريّة؛ وهم ناشبة، فجعلوا يرمون زيدًا وأصحابه، وكان زيد حريصًا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السَّبَخة، فأبوْا عليه، فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاريّ بين يدي زيد بن عليّ قتالًا شديدًا، فقتل بين يديه، وثبت زيد بن عليّ ومَنْ معه حتى إذا جنح الليل رُمِيَ بسهم فأصاب جانب جَبهته اليسري، فتشبّث في الدّماغ، فرجع ورجع أصحابه؛ ولا يظنُّ أهلُ الشأم أنهم رجعوا إلا للمساء والليل.\nقال: فحدّثني سلمة بن ثابت الليثيّ -وكان مع زيد بن عليّ، وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ، هو وغلام لمعاوية بن إسحاق- قال: أقبلتُ أنا وصاحبي نقصُّ أثر زيد بن عليّ، فنجدهُ قد أنزل؛ وأدخل بيت حَرّان بن كريمة (مولى لبعض العرب في سكّة البريد في دُور أرْحَب وشاكر). قال سلمة بن ثابت: فدخلت عليه، فقلت له: جعلني الله فداك أبا الحسين! وانطلق أصحابهُ فجاؤوا بطبيب يقال له شُقَير (مولىً لبني رُؤاس) فانتزع النَّصل من جبهته، وأنا أنظر إليه، فوالله ما عدا أن انتزعه جعل يصيح، ثم لم يلبث أن قضى؛ فقال القوم: أين ندفُنه، وأين نواريه؟ فقال بعض أصحابه: نلبّسه درعَه ونطرحُه في الماء، وقال بعضهم: بل نحتزّ رأسَه ونضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: لا بل نحمله إلى العباسيّة فندفنه.\nقال سلمة: فأشرتُ عليهم أن ننطلق به إلي الحُفْرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها، فقبلوا رأي وانطلقنا، وحفرنا له بين حُفْرتَين، وفيه حينئذ ماء كثير؛ حتى إذا نحن أمكنّا له دفناه، وأجرينا عليه الماء، وكان معنا عبد له سنديٌّ، قال: ثم انصرفنا حتى نأتي جبّانة السبجع، ومعنا ابنه، فلم نزل بها، وتصدّع الناس عنا، وبقيت في رهط معه لا يكونون عشرة، فقلت له: أين تريد؟ هذا الصبح قد غشيك -ومعه أبو الصّبَّار العبديّ- قال: فقال: النّهرين، فظننتُ أنه يريد أن يتشطّط الفرات ويقاتلهم- فقلتُ له: لا تبرح مكانَك، تقاتلهم حتى تُقتل، أو يقضي الله ما هو قاض. فقال لي: أنا أريد نهرَيْ كربلاء.\nفقلت له: فالنّجاء قبل الصبح، فخرج من الكوفة، وأنا معه وأبو الصبّار","vol":"9","page":627},{"text":"ورهط معنا، فلمّا خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذّنين، فصلينا الغَداة بالنُّخيلة، ثم توجَّهنا سراعًا قِبَل نِينَوَي، فقال لي: إني أريد سابقًا مولي بشر بن عبد الملك بن بِشْر، فأسرع السير، وكنتُ إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعَمُ الأرغفة فأطعِمها إياه، فيأكل ونأكل معه، فانتهينا إلي نِينَوَي وقد أظلمنا، فأتينا منزل سابق، فدعوتُ علي الباب، فخرج إلينا فقلت له: أما أنا فآتي الفيّوم، فأكون به؛ فإذا بدا لك أن ترسل إليّ فأرسل، قال: ثم إني مضيت وخلّفته عند سابق؛ فذلك آخر عهدي به.\nقال: ثم إن يوسف بن عمر بعث أهل الشأم يطلبون الجرحَي في دور أهل الكوفة، فكانوا يخرجون النساء إلي صحن الدار، ويطوفون البيت يلتمسون الجرحَي.\nقال: ثم دلّ غلام زيد بن علي السنديُّ يوم الجمعة علي زيد، فبعث الحكم بن الصَّلت العباسَ بن سعيد المزنيّ وابن الحكم بن الصَّلت، فانطلقا فاستخرجاه، فكرِه العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بن الصّلت، فتركه وسرّح بشيرًا إلى يوسف بن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بن عليّ مع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عَقيل، فقال أبو الجُويرية مولي جُهَينة:\nقُلْ للذينَ انتهكوا المحارمْ ... ورفعوا الشَّمْعَ بصَحْرا مالِمْ\nكيف وَجَدْتُمْ وقعةَ الأَكارمْ ... يا يوسفَ بنَ الحكمِ بن القاسم!\nقال: ولما أتي يوسفَ بن عمر البشيرُ، أمر يزيد فصلب بالكُناسة، هو ونصر بن خُزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ وزياد النهديّ؛ وكان يوسف قد نادي: مَن جاء برأسٍ فله خمسمئة درهم، فجاء محمد بن عبّاد برأس نصر بن خُزيمة، فأمر له يوسف بن عمر بألف درهم، وجاء الأحول مولي الأشعريّين برأس معاوية بن إسحاق؛ فقال: أنت قتلتَه؟ فقال: أصلح الله الأمير! ليس أنا قتلته؛ ولكني رأيتُه فعرفته، فقال: أعطوه سبعمئة درهم، ولم يمنعه أن يتمّ له ألفًا، إلّا أنه زَعم أنه لم يقتله.\nوقد قيل: إنّ يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلي الكوفة بعدما شخص إلّا بإعلام هشام بن عبد الملك إياه. وذلك أن رجلًا من بني أمية كتب -فيما ذكر- إلى هشام، يذكر له أمر زيدٍ، فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجهّله، ويقول: إنك لغافل، وزيد غارز ذَنبه بالكوفة يبايَع له فألححْ في","vol":"9","page":628},{"text":"طلبه، فأعطِه الأمان فإن لم يقبل فقاتله، فكتب يوسف إلي الحَكم بن الصّلت من آل أبي عَقيل وهو خليفته علي الكوفة بطلبه، فطلبه فخفيَ عليه موضعَهُ، فدسّ يوسف مملوكًا خُراسانيًّا ألكَن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأميره أن يلطف لبعض الشّيعة فيخبره أنه قد قدم من خُراسان حبًّا لأهل البيت، وأنّ معه مالًا يريد أن يقوّيَهم به؛ فلم يزل المملوك يلقَي الشيعة، ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه علي زيد، فخرج فدَلّ يوسف علي موضعه، فوجّه يوسف إليه الخيل، فنادي أصحابه بشعارهم، فلم يجتمع إليه منهم إلا ثلثمئة أو أقلّ، فجعل يقول: كان داود بن عليّ أعلم بكم؛ قد حذّرني خِذلانكم فلم أحذر! .\nوقيل: إنّ الذي دَلّ علي موضع زيد الذي كان دُفن فيه -وكان دفن في نهر يعقوب فيما قيل، وكان أصحابُه قد سَكروا (١) النهر ثم حفروا له في بطنه، فدفنوه في ثيابه، ثم أجْروا عليه الماء- عَبْدٌ قصَّار كان به، فاستجعل جُعلًا علي أن يدلَّهم علي موضعه، ثم دلّهم، فاستخرجوه، فقطعوا رأسَه، وصلبوا جسده، ثم أمروا بحراسته لئلا يُنزل، فمكث يُحرَس زمانًا.\nوقيل إنه كان فيمن يحرُسه زهير بن معاوية أبو خيثمة، وبُعث برأسه إلي هشام فأمر به فنصِب علي باب مدينة دمشق، ثم أرسِل به إلي المدينة، ومكث البَدَن مصلوبًا حتى مات هشام، ثم أمر به الوليد فأنزِل وأحرق، وقيل: إن حكيم بن شريك كان هو الذي سعي بزيد إلي يوسف.\nفأما أبو عبيدة معمر بن المثني فإنه قال في أمر يحيي بن زيد: لما قُتِل زيد عَمد رجلٌ من بني أسد إلي يحيي بن زيد، فقالي له: قد قتِل أبوك، وأهلُ خراسان لكم شيعةٌ، فالرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف لي بذلك؟ قال: تتواري حتى يكفّ عنك الطلب ثم تَخرج، فواراه عنده ليلة، ثم خاف فأتي عبد الملك بن بشر بن مَرْوان، فقال له: إن قَرابة زيد بك قريبة، وحقّه عليك واجب، قال له: أجَل؛ ولقد كان العفو عنه أقربَ إلي التقوي، قال: فقد قتل وهذا ابنه غلامًا حَدَثًا لا ذنب له؛ وإن علم يوسف بن عمر بمكانه قتله، فتُجيره وتواريه عندك، قال: نعم وكرامة، فأتاه به فواراه عنده، فبلغ الخبر يوسف، فأرسل إلي عبد الملك:\n_________\n(١) سكروا النهر: سدوا فاه. القاموس المحيط ص ٥٢٤.","vol":"9","page":629},{"text":"قد بلَغني مكان هذا الغلام عندك، وأعطي الله عهدًا لئن لم تأتني به لأكتبنّ فيك إلي أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: أتاك الباطل والزور؛ أنا أواري مَنْ ينازعني سلطاني ويدّعي فيه أكثر من حقي! ما كنت أخشاك علي قبول مثل هذا عليّ ولا الاستماع من صاحبه، فقال: صدق والله ابن بِشْر؛ ما كان ليواري مثل هذا، ولا يستر عليه؛ فكفّ عن طلبه؛ فلما سكن الطلبُ خرج يحيي في نفر من الزيدّية إلي خُراسان (١).\nوخطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفة فقال:\nيا أهل الكوفة، إن يحيَي بن زيد يتنقّل في حِجال نسائكم كما كان يفعل أبوه؛ والله لو أبدي لي صفحته لعرقتُ خصيَيه كما عرقت خصيَي أبيه.\nوذكر عن رجل من الأنصار قال: لما جيء برأس زيد فصُلب بالمدينة في سنة ثلاث وعشرين مئة، أقبل شاعر من شعراء الأنصار فقام بحياله، فقال:\nألا يا ناقِضَ الميثا ... قِ أَبشرْ بالذي ساكا\nنقَضتَ العهْدَ والميثا ... قَ قِدْمًا كان قدْماكا\nلقد أخلَفَ إِبليس الّـ ... ـذي قد كان مَنّاكا\nقال: فقيل له: ويلك! أتقول هذا لمثل زيد! فقال: إن الأمير غضبان فأردتُ أن أرضيَه، فردَّ عليه بعض شعرائهم:\nألا يا شاعرَ السوْءِ ... لقد أَصْبَحْت أفَّاكا\nأَشَتْمُ ابنِ رسول اللـ ... ـه يُرْضِي مَنْ تَوَلاكا\nألَا صَبّحَكَ اللهُ ... بخِزيٍ ثم مَسّاكا\nويوم الحشر لا شكَّ ... بأَن النَّارَ مثواكا\nوقيل: كان خِراش بن حَوْشب بن يزيد الشيباني علي شُرَط يوسف بن عمر؛ فهو الذي نَبَشَ زيدًا، وصلَبه، فقال السيّد:\nبتّ ليلي مُسهدَا ... ساهِرَ الطَّرفِ مُقصَدا\nولقد قلتُ قولةً ... وأطَلتُ التَّبلّدا\n_________\n(١) ذكر الطبري قول معمر بن المثنى للمقارنة مع رواية أبي مخنف ولم نجد لهذه التفاصيل ما يقويها من مصادر أخرى والله أعلم.","vol":"9","page":630},{"text":"لَعَن اللهُ حَوْشَبًا ... وخِراشًا ومزْيَدا\nويزيدًا فإِنه ... كان أعْتَى وأعْندا\nألفَ ألف وألفَ أَلـ ... ـفٍ من اللعْن سَرمدا\nإنهم حاربوا الإِلـ ... ـه وآذوْا محمدا\nشركوا في دَمِ المطـ ... ـهَّرِ زيد تعَنُّدا\nثم عالوه فوق جِذْ ... عٍ صريعًا مُجَرَّدا\nيا خِراشَ بنَ حوشَبٍ ... أنت أشقَى الورَى غدَا\nقال أبو مخنف: ولما قتل يوسف زيدَ بن عليٍّ أقبل حتى دخل الكوفة فصعِد المنبر، فقال:\nيا أهلَ المدَرة الخبيثة، إني والله ما تقرَن بي الضَّعْبَة، ولا يقعقَع لي بالشّنان، ولا أخَوّف بالذنب، هيهات! حُبِيت بالساعد الأشدّ، أبشروا يا أهلَ الكوفة بالصَّغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق؛ ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم، أمَا والله ما علوت منبري إلا أسمعتُكم ما تكرهون عليه، فإنكم أهلُ بغي وخلاف، ما منكم إلا مَن حارب الله ورسوله؛ إلا حكيم بن شريك المحاربيّ؛ ولقد سألت أميرَ المؤمنين أن يأذن لي فيكم؛ ولو أذن لقتلتُ مقاتلتكم، وسبيت ذراريّكم (١). [٧/ ١٨٠ - ١٩١].\nوفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ.\nوفيها وجّه يوسف بن عمر بن شُبرمة علي سِجِسْتان، فاستقضي ابنَ أبي ليلي [٧/ ١٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>[ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السُّغْد]</span>\nفمن ذلك ما جرَى بين أهل السُّغد ونَصْر بن سيار من الصّلح.\n_________\n(١) من عادة أبي مخنف التالف الهالك أن يستغرق في ذكر تفاصيل لا يؤيده فيها أحد من الثقات وكذلك الأمر هنا والله أعلم [١٣٣ - ١٤٤] من هذا الجزء.","vol":"9","page":631},{"text":"* ذكر الخبر عن ذلك وسببه:\nذكر عليّ بن محمد، عن شيوخه، أن خاقان لما قُتل في ولاية أسد، تفرَّقت الترك في غارة بعضها على بعض؛ فطمع أهل السُّغد في الرَّجْعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولي نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الفيئة والمراجعة إلى بلادهم، وأعطاهم كلّ ما أرادوا.\nقال: وكانوا سألوا شُروطًا أنكرها أمراء خُراسان؛ منها: ألّا يعاقب مَن كان مسلمًا وارتدّ عن الإسلام، ولا يعدّى عليهم في دَين لأحد من الناس، ولا يؤخذون بقَبالة عليهم في بيت المال، ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضيّة قاض وشهادة العدول؛ فعاب الناس ذلك على نصر، وكلّموه فقال: أما والله لو عاينتم شَوْكتهم في المسلمين ونِكايتهم مثل الذي عاينت ما أنكرتم ذلك! فأرسل رسولًا إلى هشام في ذلك؛ فلما قدم الرّسول أبى أن ينفذ ذلك لنصر، فقال الرسول: جَرّبت يا أمير المؤمنين حرْبنا وصُلْحنا، فاختر لنفسك، فغضب هشام، فقال الأبرش الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، تألّف القوم واحمل لهم؛ فقد عرفْتَ نكايتهم كانت في المسلمين، فأنفذ هشام ما سأل (١).\nوفي هذه السنة أوفد يوسفُ بن عمر الحَكَم بن الصّلت إلى هشام بن عبد الملك، يسأله ضمّ خراسان إليه وعَزْل نصر بن سيّار.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان من الأمر فيه:\nذكر عليّ عن شيوخه، قال: لما طالت ولاية نَصْر بن سيار، ودانت له خُراسان، كتب يوسف بن عمر إلى هشام حسدًا له: إن خُراسان دَبَرةٌ دبِرةٌ (٢)، فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمَّها إلي العراق فأسرّح إليها الحكَم بن الصلت؛ فإنه كان مع الجُنيد، ووليَ جسيم أعمالها، فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم. وأنا باعث بالحكم بن الصَّلْتِ إلي أمير المؤمنين، فإنه أديب أريب، ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودّتنا أهلَ البيت.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٧/ ٢١٠).\n(٢) الدبرة، بالتحريك: قرحة الدابة، ودبرت فهي دبرة، كفرحة، أي أنها موطن للقلاقل. القاموس المحيط ص ٤٩٩.","vol":"9","page":632},{"text":"فلما أتى هشامًا كتابُه بعث إلى دار الضيافة، فوجد فيها مقاتل بن عليّ السُّغديّ، فأتوْه به، فقال: أمِن خراسان أنت؟ قال: نعم، وأنا صاحب الترك -قال: وكان قدم علي هشام بخمسين ومئة من الترك- فقال: أتعرف الحكم بن الصلت؟ قال: نعم، قال: فما وليَ بخراسان؟ قال: وليَ قرية يقال لها الفارَياب، خراجها سبعون ألفًا، فأسِره الحارث بن سُريج، قال: ويحك! وكيف أفلتَ منه! قال: عرك أذنه، وقفده (١)، وخلّي سبيله، قال: فقدم عليه الحكم بعدُ بخراج العراق، فرأي له جمالًا وبيانًا، فكتب إلى يوسف، إنّ الحكمَ قدم وهو على ما وصفت، وفيما قبَلك له سعةٌ، وخلِّ الكنانيّ وعمله.\n* * *\nوفي هذه السنة غزا نصر فرغانة غزوتَه الثانية، وأوفد مغراء بن أحمر إلى العراق، فوقع فيه عند هشام.\n* ذكر الخبر عن ذلك وما كان من هشام ويوسف بن عمر فيه:\nذكر أن نصرًا وجّه مَغْراءَ بن أحمر إلى العراق وافدًا، منصرفَه من غَزْوتِه الثانية فَرْغانة، فقال له يوسف بن عمر: يا بن أحمر؛ يغلبكم ابن الأقطع يا معشر قيس على سلطانكم! فقال: قد كان ذلك أصلح الله الأمير! قال: فإذا قدمتَ على أمير المؤمنين فابقر بطنه، فقدموا على هشام، فسألهم عن أمر خُراسان، فتكلّم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يوسف بن عمر بخير، فقال: ويحك! أخبرني عن خراسان، قال: ليس لك جند يا أمير المؤمنين أحدّ ولا أنجد منهم، من سُواذق (٢) في السماء، وفرسان مثل الفيلة؛ وعُدّة وعَدد من قوم ليس لهم قائد، قال: ويحك! فما فعل الكنانيّ؟ قال: لا يعرف ولَده من الكبَر، فردّ عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتِيَ بشُبَيل بن عبد الرحمن المازنيّ، فقال له هشام: أخبرني عن نَصْر: قال: ليس بالشيخ يُخشي خَرَفه، ولا الشابّ يُخشي سفهُه، المجرِّب المجرَّب، قد ولي عامَّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته، فكتب إلى يوسف بذلك، فوضع يوسف الأرصاد، فلما انتهوا إلى الموْصِل\n_________\n(١) قَفَدَه: صفع قفاه بباطن كفِّه. القاموس المحيط ص ٣٩٨.\n(٢) السواذق: الصقر. القاموس المحيط ص ١١٥٣.","vol":"9","page":633},{"text":"تركوا طريق البَريد، وتكأدَّوا حتى قدموا بيْهق- وقد كُتِب إلى نصر بقول شُبَيل - وكان إبراهيم بن بسام في الوفْد، فمكر به يوسف، ونعَى له نصرًا، وأخبره أنه قد ولّى الحكم بن الصّلت بن أبي عقيل خُراسان. فقسم له إبراهيم أمر خُراسان كله؛ حتى قدم عليه إبراهيم بن زياد رسول نصر؛ فعرف أنّ يوسف قد مكَر به وقال: أهلكني يوسف.\nوقيل: إن نصرًا أوفد مغراء، وأوفد معه حَمَلة بن نعيم الكلبيّ، فلما قدموا على يوسف، أطمع يوسف مغراء، إن هو تنقّص نصرًا عند هشام أن يوليَه السند، فلما قدما عليه ذكر مَغْراء بأس نصر ونجدته ورأيه، وأطنب في ذلك، ثم قال: لو كان الله متّعنا منه ببقيّة! فاستوى هشام جالسًا، ثم قال: ببقيّة ماذا؟ قال: لا يَعْرِف الرّجل إلا بِجِرْمه، ولا يفهم عنه حتى يُدني منه، وما يكاد يُفهم صوته من الضّعف لأجل كِبَره، فقام حَمَلة الكلبيّ، فغال: يا أميرَ المؤمنين، كذب والله، ما هو كما قال: هو هو. فقال هشام: إن نصرًا ليس كما وصف، وهذا أمر يوسف بن عمر حسدٌ لنصر؛ وقد كان يوسف كتب إلى هشام يذكر كِبَر نصر وضعفه، ويذكر له سَلْم بن قتيبة، فكتب إليه هشام: الْهُ عن ذكر الكنانيّ، فلما قدم مغراء علي يوسف، قال له: قد علمتَ بلاء نصر عندي، وقد صنعتُ به ما قد علمتَ، فليس لي في صحبته خير، ولا لي بخراسان مقام؛ فأمره بالمقام، وكتب إلى نصر: إني قد حوّلت اسمَه، فأشخص إليّ مَن قِبَلك من أهله.\nوقيل: إنّ يوسف لما أمر مغراء بعيب نَصْر، قال: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي! فلم يزل به، فقال: فبِمَ أعيبه؟ أعيب تجربته أم طاعته؟ أم يُمْن نقيبته أم سياسته؟ قال: عِبْه بالكِبَر، فلما دخل علي هشام تكلم مغراء، فذكر نصرًا بأحسن ما يكون، ثم قال في آخر كلامه: لولا ...، فاستوى هشام جالسًا، فقال: ما لولا! قال: لولا أنّ الدهر قد غلب عليه، قال: ما بلغ به ويحك الدهرُ! قال: ما يعرِف الرّجل إلا من قريب، ولا يعرفه إلا بصوته، وقد ضعُف عن الغَزْو والرّكُوب، فشقّ ذلك على هشام، فتكلّم حَمَلة بن نُعيم، فلما بلغ نصرًا قول مغْراء بعث هارون بن السياوش إلى الحكم بن نُميلة، وهو في السرّاجيق يعرض الجند، فأخذ برجله فسحبه عن","vol":"9","page":634},{"text":"طِنفسة له، وكسر لواءه على رأسه، وضرب بطِنْفسته وجهه، وقال: كذلك يفعل الله بأصحاب الغدر!\nوذكر عليُّ بن محمد عن الحارث بن أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة: لما ولي (١) نصر خراسان أدني مغراء بن أحمر بن مالك بن سارية النميريّ والحكم بن نُمَيلة بن مالك والحجاج بن هارون بن مالك؛ وكان مغراء بن أحمر النميريّ رأس أهلِ قنَّسرين، فآثر نصر مغراء وسنَّي منزلته، وشفَّعه في حوائجه، واستعمل ابنَ عمه الحكم بن نُميلة علي الجُوزَجان، ثم عقد للحكم علي أهل العالية، وكان أبوه بالبصرة عليها؛ وكان بعده عُكَابة بن نُمَيلة، ثم أوفد نصر وفدًا من أهل الشأم وأهل خراسان، وصيّر عليهم مغراء؛ وكان في الوفد حَمَلة بن نعيم الكلبيّ، فقال عثمان بن صدقة بن وثاب لمسلم بن عبدالرحمن بن مسلم عامل طُخارستان:\nخيَّرَنِي مسْلمٌ مراكِبَهُ ... فقُلْتُ حَسْبي مِنْ مُسْلِمٍ حكَما\nهذا فتى عامر وسَيِّدُها ... كَفى بمَنْ سادَ عامرًا كرما\nيعني الحكم بن نُميْلة.\nقال: فتغيّر نصر لقيس وأوحشه ما صنع مغراء. قال: وكان أبو نُمَيلة صالح الأبّار مولي بني عبس، خرج مع يحيي بن زيد بن عليّ بن حسين، فلم يزل معه حتى قُتل بالجُوزَجان. وكان نصر قد وَجد عليه لذلك، فأتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر، فقال:\nقد كُنْتُ في هِمَّةٍ حَيْرَان مَكْتَئبًا ... حتَّي كفاني عُبَيْدُ اللهِ تَهْمامِي\nناديْتُهُ فسَما للمَجْدِ مُبْتَهِجًا ... كغُرَّة البَدْرِ جَلَّي وَجْه إِظلام\nفاسْمُ برَأي أَبي ليْثٍ وصَوْلَتِهِ ... إن كنتَ يَوْمَ حفاظٍ بامريءٍ سامِ\nتظفرْ يَداكَ بمنْ تَمَّتْ مُرُوَّتهُ ... واخْتصَّهُ رَيُّه مِنْهُ بإِكرامِ\nماضي العزائمِ ليْثِيٍّ مَضاربُهُ ... على الكَريهَةِ يَوْمَ الرَّوْعِ مِقدام\nلا هَذِرٌ ساحَةَ النَّادي ولا مَذِلٌ ... فيه ولا مُسْكِتٌ إِسكاتَ إِفحامِ\nله مِنَ الحِلم ثوْباهُ ومجْلِسُهُ ... إِذَا المجالِسُ شانَتْ أَهَلَ أَحلام\n_________\n(١) في إسناده الحارث بن أفلح ذكره العقيلي والساجي في الضعفاء وقال ابن معين ليس بثقة [لسان الميزان ٢/ تر ٢١٧٥].","vol":"9","page":635},{"text":"قال: فأدخله عبيد الله على نصر، فقال أبو نُمَيلة: أصلحك الله! إني ضعيف؛ فإن رأيت أن تأذن لراويتي! فأذن له، فأنشده:\nفاز قِدْحُ الكلبيّ فاعْتقَدَتْ مَغـ ... ـرَاءَ في سعْيهِ عُرُوقُ لئيم\nفأَبينِي نُمَيْرُ ثُمّ أَبِينِي ... أَلعَبْدٍ مغراءُ أَمْ لِصَمِيم\nفلئِنْ كان منكمُ ما يكُونُ الـ ... ـغدرُ والكفْر مِنْ خصالِ الكرِيمِ\nولئنْ كان أصلُه كان عبْدا ... ما عليْكمْ مِنْ غدْرِهِ مِنْ شتيم\nوليته لَيْثٌ وأَيُّ وُلاةٍ ... بأَيادٍ بيضٍ وأَمْرٍ عظيمِ!\nأسمنْتهُ حتى إذا راحَ مَغْبُو ... طًا بخيْرٍ مِنْ سَيْبِها المَقْسومِ\nكادَ ساداتِهِ بأَهْون مِنْ نَهـ ... ـقَةِ عَيْرٍ بقَفْرَة مَرْقومِ\nفضرَبنا لِغيْرنا مَثلَ الكَلـ ... ـبِ ذميمًا والذَّمُّ للمَذْمُومِ\nوحَمِدنا ليثًا ويأْخُذُ بالفَضـ ... ـل ذَوُو الجود والنَّدَي والحُلُومِ\nفاعلَمُنْ يَا بني القَساورةِ الغُلـ ... ـب وأَهل الصَّفا وأَهلَ الحَطيمِ\nأن في شكرِ صالِحِينا لَمَا يَدْ ... حَضُ قَوْلَ المرهّقِ المَوصُومِ\nقد رأَى اللهُ ما أَتَيْتَ ولنْ يَنـ ... ـقصَ نبْحُ الكلابِ زُهْرَ النُّجُومِ\nفلما فرغ قال نصر: صدقت، وتكلمت القيسية واعتذروا، قال: وأهان نصر قيسًا وباعدهم حين فعل مغراء ما فعل، فقال في ذلك بعض الشعراء:\nلقدْ بَغَّض الله الكِرامَ إليكُم ... كما بغَّضَ الرَّحمنُ قيْسًا إلى نَصرِ\nرأَيْتُ أَبا لَيْث يُهينُ سَرَاتَهمْ ... ويُدْني إليْه كلَّ ذي والثٍ غُمْرِ\n[٧/ ١٩٢ - ١٩٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمِمّا كان فيها من ذلك مَقْدَم جماعة من شيعة بني العباس الكوفَة يريدون مكّة، وشرَى بُكَير بن ماهان -في قول بعض أهل السير- أبا مسلم صاحبَ دعوْة بني العباس من عيسي بن معقل العجليّ.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nوقد اختُلف في ذلك؛ فأمّا عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن حمزة بن طلحة","vol":"9","page":636},{"text":"السّلميّ حدثه عن أبيه، قال: كان بُكير بن ماهان كاتبًا لبعض عمّال السند، فقدمها، فاجتمعوا بالكوفة في دار، فغُمِز بهم فأخذوا، فحبس بكير وخُلِّي عن الباقين، وفي الحبس يونس أبو عاصم وعيسي بن معقل العجليّ، ومعه أبو مسلم يخدُمه، فدعاهم بُكير فأجابوه إلى رأيه، فقال لعيسي بن معقل: ما هذا الغلام؟ قال: مملوك، قال: تبيعه؟ قال: هو لك، قال: أحبّ أن تأخذ ثمنه، قال: هو لك بما شئت؛ فأعطاه أربعمئة درهم، ثم أُخْرِجوا من السجن، فبعث به إلى إبراهيم فدفعه إبراهيم إلى أبي موسي السراج، فسمع منه وحفظ، ثم صار إلى أن اختلف إلى خراسان (١).\nوقال غيره: توجّه سليمان بن كئير ومالك بن الهْيثم ولاهز بن قريظ، وقَحطبة بن شَبيب من خراسان، وهم يريدون مكة في سنة أربع وعشرين ومئة، فلما دخلوا الكوفة أتوْا عاصم بن يونس العِجليّ؛ وهو في الحبس، قد اتُّهم بالدّعاء إلى ولد العباس، ومعه عيسي وإدريس ابنا معقل؛ حبسهما يوسف بن عمر فيمن حبس من عُمّال خالد بن عبد الله، ومعهما أبو مسلم يخدُمهما؛ فرأوْا فيه العلامات، فقالوا: مَن هذا؟ قالوا: غلام معنا من السَّراجين -وقد كان أبو مسلم يسمع عيسي وإدريس يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكي- فلما أروا ذلك منه دعوْه إلى ما هم عليه، فأجاب وقبِل.\nوفي هذه السنة غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فسلم وغنم (٢).\nوفيها مات -في قول الواقديّ- محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٣). [٧/ ١٩٨ - ١٩٩].\nوحجّ في هذه السنة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك معه امرأته أم سلمة بنت هشام بن عبد الملك.\nوذكر محمد بن عمر أن يزيد مولى أبي الزّناد حدّثه، قال: رأيت محمد بن\n_________\n(١) في إسناده مجهول والله أعلم والخبر ذكره فيما سبق تبعًا للطبري [البداية والنهاية ٧/ ٢١٠].\n(٢) انظر البداية والنهاية (٧/ ٢١٠).\n(٣) قال ابن كثير والصحيح أنه توفي في التي بعدها [البداية والنهاية ٧/ ٢١٠].","vol":"9","page":637},{"text":"هشام على بابها يرسل بالسلام وألطافه على بابها كثيرة، ويعتذر فتأبى؛ حتى كان يأيس من قبول هدّيته، ثم أمرت بقبضها (١). [٧/ ١٩٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاته</span>\nحدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدثني شيبة بن عثمان، قال: حدّثني عمرو بن كليع؛ قال: حدّثني سالم أبو العلاء كاتب هشام، قال: خرج علينا هشام بن عبد الملك يومًا وهو كئيب، يعرَف ذلك فيه، مسترخٍ عليه ثيابه، وقد أرخى عنان دابّته، فسار ساعةً ثم انتبه، فجمع ثيابه وأخذ بعِنان دابته، وقال للرّبيع: ادعُ الأبرش، فدُعِيَ فسار بيني وبين الأبرش، فقال له الأبرش: يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيتُ منك شيئًا غمّني، قال: \"وما هو؟ قال: رأيتك قد خرجت على حال غمّني، قال: ويحك يا أبرش! وكيف لا أغتمّ وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يومًا! قال سالم: فرجعت إلى منزلي، فكتبت في قرطاس: \"زعم أمير المؤمنين يوم كذا وكذا أنه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يومًا\". فلمّا كان في الليلة التي استكمل فيها ثلاثة وثلاثين يومًا إذا خادم يدقّ الباب يقول: أجِبْ أميرَ المؤمنين، واحمِل معك دواء الذُّبَحة -وقد كان أخذه مرّة فتعالج فأفاق- فخرجتُ ومعي الدواء فتغرغَر به، فازداد الوجعُ شِدّة، ثم سكن فقال لي: يا سالم، قد سكن بعض ما كنت أجد؛ فانصرِفْ إلى أهلكِ، وخلّف الدواء عندي. فانصرفت، فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصُّراخ عليه، فقالوا: مات أمير المؤمنين! فلما مات أغلق الخزّان الأبواب، فطلبوا قُمقمًا يسخَّن فيه الماء لغسله، فما وجدوه حتى استعاروا قُمقمًا من بعض الجيران، فقال بعض من حضر ذلك: إن في هذا لمعتبرًا لمن اعتبر، وكان وفاته بالذُّبَحَة، فلما مات صلى عليه ابنه مَسْلمَة بن هشام. [٧/ ٢٠٠ - ٢٠١].\nوحدثني أحمد، قال عليّ: لم يكن أحدٌ يسير في أيام هشام في موكب إلّا\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٧/ ٢١١].","vol":"9","page":638},{"text":"مسلمة بن عبد الملك، قال: ورأي هشام يومًا سالمًا في موكب، فزجره وقال: لأعلمنّ متي سرتَ في موكب. وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، ويقول: حاجتك، ويمنعه أن يسير معه، وكان سالم كأنه هو أمّر هشامًا.\nقال: ولم يكن أحدٌ من بني مَرْوان يأخذ العطاء إلا عليه الغزْو؛ فمنهم مَنْ يغزو، ومنهم من يُخرج بدلًا.\nقال: وكان لهشام بن عبد الملك مولي يقال له يعقوب، فكان يأخذ عطاء هشام مئتي دينار ودينارًا، يفضّل بدينار، فيأخذها يعقوب ويغزو، وكانوا يصيّرون أنفسَهم في أعوان الدّيوان، وفي بعض ما يجوّز لهم المقام به، ويوضع به الغَزْو عنهم، وكان داود وعيسي ابنا عليّ بن عبد الله بن عباس، -وهما لأم- في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله، فأقاما عنده، فوصلهما، ولولا ذلك لم يستطع أن يحبسهما، فصيّرهما في الأعوان، فسمَرا، وكانا يسامرانه ويحدّثانه.\nقال: فولَّى هشام بعض مواليه ضيعةً له، فعمَّرها فجاءت بغلَّة عظيمة كبيرة ثم عمَّرها أيضًا، فأضعفت الغلّة، وبعث بها مع ابنه، فقدم بها علي هشام، فأَخبره خبر الضَّيْعة فجزاه خيرًا، فرأي منه انبساطًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: زيادة عشرة دنانير في العطاء، فقال: ما يخيّل إلى أحدكم أن عشرة دنانير في العطاء إلا بقدر الجوْز! لا لعمري لا أفعل.\nحدّثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال حماد الأبحّ: قال: هشام لغيْلان: ويحك يا غيلان! قد أكثر الناس فيك، فنازعنْا بأمرك، فإن كان حقًّا اتّبعناك، وإن كان باطلًا نزعتَ عنه، قال: نعم، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلِّمه، فقال له ميمون: سلْ؛ فإنّ أقوي ما تكونون إذا سألتم، قال له: أشاء الله أن يُعصَى؟ فقال له ميمون: أفعُصي كارهًا! فسكت، فقال هشام: أجبه فلم يجبه، فقال له هشام: لا أقالني الله إن أقلته، وأمر بقطع يديه ورجليه.\nحدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ عن رجل من غَنيّ، عن بِشْر مولى هشام، قال: أتِيَ هشامٌ برجل عنده قِيان وخَمْر وبَرْبَط، فقال: اكسروا الطنبور (١) على\n_________\n(١) الطنبور: من آلات الطرب؛ ذو عنق طويل وستة أوتار، والبربط: العود. القاموس المحيط ص ٥٥٤.","vol":"9","page":639},{"text":"رأسه، وضربه، فبكى الشيخ، قال بِشْر: فقلت له -وأنا أعزّيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضّرب! إنما أبكي لاحتقاره للبَرْبَط إذ سماه طنبورًا!\nقال: وأغلظ رجل لهشام، فقال له هشام: ليس لك أن تُغلظ لإمامك!\nقال: وتفقّد هشام بعض ولده -ولم يحضر الجمعة- فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقَتْ دابتي، قال: أفعجزتَ عن المشي فتركت الجمعة! فمنعه الدّابّة سنَة.\nقال: وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إنّ بغلتي قد عجزت عني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمُر لي بدابّة فعل، فكتب إليه: قد فهم أميرُ المؤمنين كتابك، وما ذكرتَ من ضَعْف دابّتك، وقد ظنّ أمير المؤمنين أن ذلك من قلة تعهّدك لعلَفها، وأنّ علفها يضيع، فتعهّد دابّتَك في القيام عليها بنفسك، ويرى أمير المؤمنين رأيه في حُملانك (١).\nقال: وكتب إليه بعضُ عمّاله: إني قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلّة دُراقن (٢)؛ فليكتب إليَّ أميرُ المؤمنين بوصولها، فكتب إليه: قد وصل إلى أمير المؤمنين الدّراقن الذي بعثتَ به فأعجبه، فزدْ أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء.\nقال: وكتب إلى بعض عُمّاله: قد وصلتِ الكَمْأة التي بعثتَ بها إلى أمير المؤمنين وهي أربعون، وقد تغيّر بعضها، ولم تُؤتَ في ذلك إلا من حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين منها شيئًا فأجد حَشْوَها في الظَّرْف الذي تجعلها فيه بالرّمل؛ حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضُها بعضًا.\nحدّثني أحمد، قال: حدثني عليّ، قال: حدّثنا الحارث بن يزيد، قال: حدّثني مولي لهشام، قال: بعث معي مولي لهشام كان على بعض ضِياعه بطيْرين ظريفين، فدخلت إليه وهو جالس على سرير في عَرْصة الدار، فقال: أرسلهما في الدار، قال: فأرسلتهُما فنظر إليهما، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، جائزتي، قال: ويلك! وما جائزة طيرين؟ قلتُ: ما كان، قال: خذ أحَدهما، فعدوْتُ في\n_________\n(١) حملانك؛ أي حملك. القاموس المحيط ص ١٢٧٦.\n(٢) الدراقن: شجر مثمر مشهور من الفصيلة الوردية وهو الخوخ بلغة أهل مصر، وله أنواع وفي غوطة دمشق نوع جيِّد يعرف بالدرَّاقن الزهري.","vol":"9","page":640},{"text":"الدار عليهما، فقال: ما لك؟ قلت: أختار خيرَهما، قال: أتختار أيضًا خيرهما وتدع شرّهما لي! دعْهما ونحن نعطيك أربعين درهمًا أو خمسين درهمًا (١).\nقال: وأُقطِع هشام أرضًا يقال لها دورين، فأرسل في قَبْضها؛ فإذا هي خراب، فقال لذُوَيْد (كاتب كان بالشأم): ويحك! كيف الحيلة؟ قال: ما تجعل لي؟ قال: أربعمئة دينار، فكتب \"دورين وقراها\"، ثم أمضاها في الدواوين، فأخذ شيئًا كثيرًا، فلما ولي هشام دخل عليه ذُويَد، فقال له هشام: دورين وقراها! لا والله لا تلي لي ولاية أبدًا، وأخرجه من الشأم. [٧/ ٢٠٣ - ٢٠٥].\nقال: وقال بعض آل مروان لهشام: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبَّان؟ قال: ولمَ لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف! .\nقال: وقال هشام يومًا للأبرش: أوَضَعَتْ أعنزك؟ قال: إي والله، قال: لكن أعنزي تأخّر ولادها، فاخرج بنا إلى أعنزك نُصِبْ من ألبانها، قال: نعم، أفأقدّم قومًا؟ قال: لا، قال: أفأقدّم خباءً حتى يضرب لنا؟ قال: نعم، فبعث برجلين بخباء فضُرب، وغدا هشام والأبرش وغدا الناس، فقعد هشام والأبرش، كلّ واحد منهما على كرسيّ، وقدّم إلى كلّ واحد منهما شاة، فحلب هشام الشاة بيده، وقال: تعلّم يا أبرش أني لم أبسّ الحلب! ثم أمر بمَلّة فعُجنت، وأوقد النّار بيده، ثم فحصها وألقي الملَّة، وجعل يقلِّبها بالمحراث، ويقول: يا أبرش: كيف تري رفقي! حتى نضجت ثم أخرجها، وجعل يقلّبها بالمحراث، ويقول: جبينك جبينك، والأبرش يقول: لبّيك لبيك -وهذا شيء تقوله الصبيان إذا خُبزت لهم المَلَّة- ثم تغدَّي وتغدّي الناس ورجع.\nقال: وقدم علباء بن منظور الليثيّ على هشام، فأنشده:\nقالت عُليَّةُ واعْتزْمتُ لِرَحْلةٍ ... زَوْرَاءَ بالأُذْنَيْن ذاتِ تسَدُّرِ\nأينَ الرحيلُ وأَهلُ بيتكَ كلّهُمْ ... كَلٌّ عليك كبيرهُمْ كالأَصْغرِ!\nفأَصاغِرٌ أَمثالُ سِلكانِ القَطا ... لا في ثَري مالي ولا في مَعْشر\nإني إلى ملكِ الشَّآم لَراحِلٌ ... وإِليه يَرْحَلُ كُلّ عبد مُوقَر\nفلأترُكَنَّكِ إن حِييتُ غَنِيّة ... بِنَدَى الخليفةِ ذي الفَعالِ الأَزهرِ\n_________\n(١) في إسناده مجهول وهو راوي الخبر ولم يتابعه أحد فكيف يصح؟","vol":"9","page":641},{"text":"إنّا أُناسٌ مَيّتٌ دِيوَانُنا ... ومتى يُصِبْهُ ندَي الخليفة ينشرِ\nفقال له هشام: هذا الذي كنت تحاول، وقد أحسنتَ المسألة، فأمر له بخمسمئة دِرْهم، وألحق له عَيْلًا في العطاء.\nقال: وأتي هشامًا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: ما لك عندي شيء، ثم قال: إيّاك أن يغرّك أحد فيقول: لم يعرفك أمير المؤمنين؛ إني قد عرفتُك، أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقيمنّ وتُنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، فالحق بأهلك.\nقال: ووقف هشام يومًا قريبًا من حائط فيه زَيتْون، ومعه عثمان بن حَيّان المريّ، وعثمان قائم يكاد رأسه يوازِي رأسَ أمير المؤمنين وهو يكلمه إذ سمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطًا، ولا تنفضوه نفضًا، فتتفقّأ عيونُه، وتتكسَّر غصونه.\nقال: وحجّ هشام، فأخذ الأبرش مخنّثين ومعهم البرابط، فقال هشام: احبسوهم وبيعوا متاعهم -وما درى ما هو- وصيِّروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردّوا عليهم الثمن (١).\nوكان هشام بن عبد الملك ينزل الرُّصافة -وهي فيما ذكر- من أرض قنَّسرين. وكان سبب نزوله إياها -فيما حدّثني أحمد بن زهير بن حرب، عن عليّ بن محمد- قال: كان الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدّوْن ويهربون من الطاعون، فينزلون البرّيّة خارجًا عن الناس، فلما أراد هشام أن ينزل الرُّصافة قيل له: لا تخرج؛ فإنّ الخلفاء لا يُطعَنون؛ ولم نرَ خليفة طُعِن، قال: أتريدون أن تجرّبوا بي! فنزل الرُّصافة وهي برّية، ابتني بها قصرين، والرّصافة مدينة رُوميّة بنتْها الروم.\nوكان هشام أحول، فحدثني أحمد، عن عليّ، قال: بعث خالد بن عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بحادٍ فحَدا بين يديه بأرجوزة أبي النجم:\nوالشمسُ في الأُفْقِ كعَين الأَحولِ ... صَغْواءُ قد هَمَّتْ ولَمَّا تفَعْلِ\nفغضب هشام وطرده.\n_________\n(١) ذكر الطبري أخبارًا من ص ١٥٤ إلى ص ١٥٥ ولم ينسب هذه الأقوال إلى أحد وإنما ورد الخبر هكذا قال ولم نجد لهذه الأقوال صدى في مصادر متقدمة موثوقة والله أعلم.","vol":"9","page":642},{"text":"وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدثنا أبو عاصم الضبيّ، قال: مرّ بي معاوية بن هشام، وأنا أنظر إليه في رَحْبة أبي شِريك -وأبو شريك رجل من العجم كانت تنسب إليه وهي مزرعة- وقد أختبز خبزة، فوقف عليّ، فقلتُ: الغداء! فنزل وأخرجتها، فوضعتها في لَبن، فأكل ثم جاء الناس، فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: معاوية بن هشام، فأمر لي بصلة، وركب وثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غَلْوة؛ حتى عثر به فرسه فسقَط فاحتملوه ميّتًا، فقال هشام: تالله لقد أجمعتُ أن أرشّحه للخلافة، ويتبع ثعلبًا (١).\nقال: وكانت عند معاوية بن هشام ابنة إسماعيل بن جرير وامرأة أخرى، فأخرج هشام كلّ واحدة منهما من نصف الثُّمْن بأربعين ألفًا. [٧/ ٢٠٥ - ٢٠٧].\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، قال: حدّثنا حسين بن يزيد عن شهاب بن عبد ربّه عم عمرو بن عليّ، قال: مشيتُ مع محمد بن عليّ إلى داره عند الحمّام، فقلت له: إنه قد طال مُلك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين، وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربّهُ مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدري ما أحاديث الناس! ولكن أبي حدّثني عن أبيه، عن عليّ، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: \"لن يعمّر الله مَلِكًا في أمَّة نبيّ مضَي قبله ما بلغ بذلك النبيّ من العمر\" (٢). [٧/ ٢٠٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة</span>\nقد مضى ذكري سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافة بعد\n_________\n(١) في إسناد الطبري تصحيف واضح والصواب كما ذكر البلاذري عن أبي عاصم عن رجل من بني ضبة أي أن في الإسناد مجهول [أنساب الأشراف ٨/ ٣٥٧٧].\n(٢) الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك كما عند الطبري من طريق حسين بن يزيد عن شهاب بن عبد ربه [المستدرك ٢/ ٥٨٧] والحسين بن يزيد ضعيف وشهاب بن عبد ربه لم نجد له ترجمة والحديث سكت عنه الحاكم وقال الذهبي لا يصح، [مختصر استدراك الحافظ على المستدرك / ٢/ ١٠٣٥/ ح ٤٣٣] وقال ابن خيثمة ليس حديث فيه توقيت غير هذا [انظر البداية والنهاية ٧/ ٢١٢].","vol":"9","page":643},{"text":"أخيه هشام بن عبد الملك؛ وكان الوليدُ بن يزيد يومَ عَقد له أبوه يزيد ذلك ابنَ إحدى عشرة سنة، فلم يمُتْ يزيد حتى بلغ ابنُه الوليد خمس عشرة سنة، فندِم يزيد على استخلافه هشامًا أخاه بعده؛ وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد، قال: الله بيني وبين مَنْ جعل هشامًا بيني وبينك! فتوفِّي يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة، وولي هشام وهو للوليد مكرّم معظم مقرّب؛ فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب؛ حمله على ذلك (١) فيما حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن جُويرية بن أسماء وإسحاق بن أيوب وعامر بن الأسود وغيرهم: عبدُ الصمد بن عبد الأعلى الشبّانيّ أخو عبد الله بن عبد الأعلى - وكان مؤدّب الوليد - واتَّخذ الوليد ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحجَّ سنة تسع عشرة ومئة، فحمل معه كلابًا في صناديق، فسقط منها صندوق - فيما ذكر عليّ بن محمد عمّن سميتُ من شيوخه - عن البعير وفيه كلب، فأجالوا على الكريّ السِّياط، فأوجعوه ضربًا، وحمل معه قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمرًا، وأراد أن ينصب القبَّة على الكعبة؛ ويجلس فيها؛ فخوّفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك؛ فلم يحرّكها. وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشامًا فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة؛ فأبي، فقال له: اجعلها له مِنْ بعدك؛ فأبَى، فتنكَّر له هشام وأضرّ به، وعمل سرًّا في البيعة لابنه؛ فأجابه قوم (٢)،\n_________\n(١) غير صحيح.\n(٢) هذا خبر غير صحيح ولم أجد من المؤرخين المتأخرين من درس هذه المسألة دراسة متمعنة.\nولعلّ الدكتور حسين عطوان هو من أعطي هذه المسألة مساحة جيدة في كتابه - الوليد بن يزيد - عرض ونقد - وقد توصل إلى نتائج جيدة إلّا أنه نوزع في جوانب أخرى وكالآتي:\nيقول الدكتور حسين عطوان: ولا أصل لما رواه أحمد بن زهير من أن الوليد أخذ معه كلابًا في صناديق أو خمرًا أو قبة ليضعها فوق الكعبهَ ويشرب فيها ولا أصداء له عند غيره من تلاميذ البلاذري (لعله يقصد المدائني) وهو يخلط بين حج الوليد أثناء ولايته للعهد وبين تفكيره في الحج خلال خلافته وتحذير خالد بن عبد الله القسري له/ ص ٢٩٦.\nويقول أيضًا: \"هو أول من غمز الوليد بأنه خطط لتشييد مقصف له فوق ظهر الكعبة هو اليعقوبي إذ اتهمه بذلك في سياق تقويمه لسياسته /٢٩٦\". ويقول أيضًا: \"والغالب أن اليعقوبي هو الذي صنع خبر توجيه الوليد مهندسًا لينشيء له مقصفًا فوق ظهر الكعبة ثم أخذه =","vol":"9","page":644},{"text":"قال: فكان ممَّن أجابه خالاه: محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميّ، وبنو القعقاع بن خليد العبسيّ وغيرهم من خاصّته.\nقال: وتمادى الوليدُ في الشراب وطلب اللذات فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تَدع شيئًا من المنكر إلا أتيْتَه غير متحاشٍ ولا مستتر به! فكتب إليه الوليد:\n_________\n= عنه معاصروه من الأخباريين كأحمد بن زهير/٢٩٧ ويقول أخيرًا: وأحمد بن زهير من القدرية الذين ثار متقدموهم بالوليد مع يزيد بن الوليد ومن أتباع العباسيين وكأنه مزج فيما سرد من أخبار الوليد بين رواية المدائني وتشنيع اليعقوبي وهو معاصر لليعقوبي/ ٢٩٧.\nقلت: أما أن رواية الطبري من طريق أحمد بن زهير فهي غير صحيحة كما قال الدكتور عطوان - ولكن العلة ليست في أحمد بن زهير فهو إمام حافظ معروف بإطلاعه الواسع بالتاريخ وقد وصفه الخطيب البغدادي بالبصير بأيام الناس وأنسابهم ولم نعلم فيه جرحًا - ومعاصرته لليعقوبي لا تعني بالضرورة تأثره به.\nونحن لا نختلف مع الدكتور عطوان في أن مَزْجًا قد حصل في هذا الخبر إلا أنه من قبل المدائني الذي درج على خلط المتون المتعددة مع بعضها ويكتفي يذكر الإسناد المركب في بداية الخبر ثم يذكر متونهم مجتمعة. ومن دون تمييز فيخلط بذلك بين متن رواه الثقة وغيره من الضعفاء والمجاهيل بل وأحيانًا المتروكين الهالكين كأبي مخنف وقد صرّح بذلك في مواضع كثيرة من تاريخ الطبري.\nومن خلال دراستنا لروايات الطبري وتخريجها وجدنا المدائني يأتي بالنكارات عادة في حالة الخلط هذه - وبينا ذلك في مواضعها -.\nوأما قول الأستاذ عطوان بأن أصل الرواية عند ابن عساكر (أشرف فوق الكعبة) بدلًا من (أشرب) فصحيح والذي في المخطوط من تأريخ ابن عساكر (أُشرف).\nكما في مخطوطة المكتبة الظاهرية/ ٣٣٨١/ مجلدًا/ الورقة ٤٦٥ وكما أشار عطوان وكذلك محقق مختصر تأريخ دمشق لابن منظور.\nوأما أن المزج بمِن حجّ الوليد أيام كان وليًا للعهد وبين نيّته الحج أيام خلافته فهذا صحيح.\nومما لا نوافق للأستاذ عطوان فيه أن الوليد قد أمر ببناء القبة دون إرسال مهندس وما إلى ذلك ولكن كان قصده من وراء ذلك أن يطوف هو وحاشيته في ظل القبة فلا يتعرض للحرِّ والتعب ويطوف الناس من خلف القبة ما عارضته الأمة بقيادة علمائها وبعض أمرائها وكانت النتيجة الفشل الذريع إلّا أن الذي لم يصح أنه أمر بصناديق لتوضع فيها كلاب أو خمر وما إلى ذلك من الكذب ولقد ذكرنا في قسم الصحيح رواية الإمام سفيان بن عيينة وبسند صحيح من أنه أراد أن ينصب قبة فوق الكعبة فلم يتم له ذلك نظرًا للمعارضة الشديدة التي أبداها العلماء وهدّمت القبة قبل أن تصل إلى مكة، وانظر قسم الصحيح [٧/ ٢٠٩].","vol":"9","page":645},{"text":"يا أَيُّها السائل عن دينِنا ... نحن على دين أَبي شاكر (١)\nنشرْبُها صِرْفًا وممزوجةً ... بالشُّخْنِ أَحيانًا وبالفاتِر\nفغضب هشام على ابنه مسَلمة - وكان يكني أبا شاكر - وقال له: يعيّرني بك الوليد وأنا أرشّحك للخلافة! فالزم الأدب واحضر الجماعة.\nوولّاه الموسم سنة تسع عشرة ومئة، فأظهر النسك والّوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالًا، فقال مولى لأهل المدينة:\nيا أيّها السائل عن ديننا ... نحنُ على دين أبي شاكِر\nالواهبِ الجُرْدَ بأرسانها ... ليس بزِندِيق ولا كافِر\nيعرّض بالوليد.\nوأمّ مسلمة بن هشام أمّ حكيم بنت يحيي بن الحكم بن أبي العاص، فقال الكميت:\nإنّ الخلافة كائنٌ أَوتادُها ... بعدَ الوليد إلى ابن أُتمّ حكيم\nفقال خالد بن عبد الله القسريّ: أنا برئ من خليفة يكني أبا شاكر؛ فغضب مسلمة بن هشام على خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله، كتب أبو شاكر إلى خالد بن عبد الله بشعر هجا به [يحيي] بن نوفل خالدًا وأخاه أسدًا حين مات:\nأَراحَ مِن خالدٍ وأَهلكه ... ربُّ أَراح العبادَ مِنْ أَسدِ\nأَمَّا أَبُوهُ فكان مؤتَشِبًا ... عبدًا لئيمًا لأَعْبُد قُفْدِ (٢)\nوبعث بالطومار مع رسول على البريد إلى خالد؛ فظنّ أنه عزاه عن أخيه، ففضّ الخاتم، فلم ير في الطُومار غير الهجاء، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية!\nوكان هشام يعيب الوليدَ ويتنقَّصه، وكَثُر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلمّا رأي الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق؛ بين أرض بَلْقَيْنَ وفَزارة، على ماء يقال له الأغدف، وخلَّف كاتبه عيَاض بن مسلم\n_________\n(١) في الأغاني: ٧: ٣، وقال: \"بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحله إياه\".\n(٢) مؤتشب: أي غير صريح في نسبه. القاموس المحيط ص ٧٦، والعبد الأقفد: الكزاليدين والرجلين القصير الأصابع. القاموس المحيط ص ٣٩٨.","vol":"9","page":646},{"text":"مولى عبد الملك بن مروان بالرّصافة، فقال له: اكتب إليّ بما يحدث قبَلكم، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يومًا فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب، قل أبياتًا، فقال (١):\nأَلم تَر للنجم إذ شُيِّعا ... يُبادِرُ في بُرجِه المَرْجِعا\nتحيَّرَ عنْ قصدِ مَجْراتِهِ ... أَتي الغوْر والتَمَس المَطْلَعا\nفقلتُ وأعْجبَنِي شأْنُه ... وقد لاحَ إذ لاحَ لِي مُطعِمَا:\nلعَلَّ الوليدَ دنا مُلكُهُ ... فأَمسى إليه قدِ استُجمعَا\nوكنَّا نؤمِّلُ في ملكِه ... كتأْميلِ ذي الجدْب أن يُمْرِعًا\nعَقَدنا له مَحْكمَاتِ الأُمو ... رِطوعًا فكان لهَا مَوْضعا\nورُوي الشعر؛ فبلغ هشامًا؛ فقطع عن الوليد ما كان يُجري عليه، وكتب إلى الوليد: بلغني عَنْك أنك اتّخذتَ عبد الصمد خِدنًا ومحدّثًا ونديمًا؛ وقد حقَّق ذلك عندي ما بلغني عنك، ولم أبَرئك من سوء، فأخرِج عبد الصمد مذمومًا مدحورًا، فأخرجه، وقال فيه:\nلقد قَذفوا أَبا وهْبٍ بأَمرٍ ... كبير بل يزيدُ على الكَبيرِ (٢)\nفأَشهَدُ أنهم كَذبوا عليه ... شهادةَ عالِمٍ بِهِمِ خبِيرِ\nوكتب الوليد إلى هشام يُعْلمه إخراج عبد الصمد، واعتذر إليه مما بلغه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه - وكان ابن سهيل من أهل اليمن وقد ولي دمشق غير مرّة، وكان ابن سهيل من خاصّة الوليد - فضرب هشام بنَ سُهيل وسيّره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد، وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد، فضربه ضربًا مبرِّحًا، وألبسه المُسوح. فبلغ الوليد، فقال: مَنْ يثق بالناس، ومن يصطنع المعروف! هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي على أهل بيته فصيَّره وليّ عهده، ثم يصنع بي ما ترون؛ لا يعلم أنّ لي في أحد هوًى إلا عبث به، كتب إليّ أن أخرِج عبد الصمد فأخرجتُه إليه، وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليّ، فضربه وسيَّره، وقد علم رأي فيه، وقد علم انقطاع عياض بن مسلم إليّ، وتحرّمه بي ومكانه مني وأنه كاتبي، فضربه\n_________\n(١) الأغاني ٧: ٨.\n(٢) الأغاني ٧: ٩.","vol":"9","page":647},{"text":"وحبسه، يضارّني بذلك، اللهم أجرني منه! وقال:\nأنا النذِيرُ لِمسْدِي نعمة أبدًا ... إلى المقاريف ما لَم يَخبُرِ الدّخَلَا (١)\nإن أَنْت أكرمتهُمْ أَلفَيْتهُم بُطُرًا ... وإِن أَهَنْتهُمُ أَلفيتهمْ ذُلُلا\nأتشمُخونَ ومنَّا رأَسُ نعمتِكمْ ... ستَعَلَمُونَ إِذَا كانت لنا دُوَلا\nانظرْ فإن كنت لم تَقدِرْ على مَثَل ... له سوى الكلب فاضربْه له مَثلا\nبينا يُسمِّنُهُ للصيدِ صاحبُهُ ... حتى إذا ما قوي مِنْ بَعدِ ما هُزلا\nعدَا عليه فلم تَضرُرْهُ عَدْوَتُهُ ... ولو أَطاقَ له أَكلا لقد أَكَلَا\nوكتب إلى هشام:\nلقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قَطْع ما قطع عنّي، ومحو ما محا من أصحابي وحُرَمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلِيَ الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه؛ فإن يكن ابن سُهَيل كان منه ما كان فبحسب العيْر أن يكون قدر الذئب؛ ولم يبلغ من صنيعي في ابن سُهيل واستصلاحه، وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كُنْه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي؛ فإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ، فقد سبّب الله لي من العهد، وكتب لي مت العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مُدّته، ولا صرف شيء عن مواقعه؛ فقدَر الله يجوي بمقاديره فيما أحبّ الناس أو كرهوا، ولا تأخيرَ لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، ولا يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفّق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور (٢).\nفقال هشام لأبي الزبير: يا نسَطاس، اْتري الناس يرضون بالوليد إن حدث بي حدث؟ قال: بل يطيل الله عمرَك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! لابدّ من\n_________\n(١) الأغاني ٧: ١٠. المقاريف: الأنذال. القاموس المحيط ص ١٠٩١.\n(٢) الأغاني: ٧: ١٢، ١٣، وبعدها هناك: \"وكتب له الوليد في آخر كتابه:\nأليْسَ عظيمًا أن أَرَى كُلَّ واردٍ ... حياضك يومًا صادرًا بالنّوافلِ\nفأَرجعَ محمودَ الرجاءِ مُصَرَّدًا ... بتحْلئة عن وِرْد تلك المناهِل\nفأصْبَحْتُ ممّن كنتُ آمُلُ مِنْكُمُ ... ولي بلاقٍ ما رجا كلُّ آملِ\nكمقتبض يومًا عُرْض هَبْوَة ... يشُدُّ عَلَيْهَا كفَّهُ بالأَنامِل","vol":"9","page":648},{"text":"الموت؛ أفتري الناس يرضَوْن بالوليد؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ له في أعناق الناس بَيْعةً، فقال هشام: لئن رضي الناس بالوليد ما أظنُّ الحديث الذي رواه الناس: \"إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار\"، إلا باطلًا.\nوكتب هشام إلى الوليد:\nقد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قَطْع ما قَطَع عنك وغير ذلك؛ وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك؛ ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع، ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدُهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجري عليك؛ وهو يعلم وضعَك له وإنفاقه في غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك، وإدرار أرزاقهم عليهم؛ لا ينالهم ما ينال المسلمين في كلّ عام من مكروه عند قطع البعوث، وهم معك قجُول بهم في سَفهك؛ ولأميرُ المؤمنين أحري في نفسه للتقصير في القتْرِ عليك منه للاعتداء عليك فيها، مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قَطْع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه منه، وأما ابنُ سُهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلًا أن تُسرَّ فيه أو تساء؛ ما جعله الله كذلك، وهل زاد ابنُ سهيل - لله أبوك - على أن كان مغنيًا زفّانًا (١)، قد بلغ في السفه غايته! وليس ابن سهيل مع ذلك بشرٍّ ممَّن تستصحبه في الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنتَ لَعمر الله أهلًا للتوبيخ به؛ ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك؛ إنك إذًا لغير آلٍ عن هوى أمير المؤمنين من ذلك.\nوأما ما ذكرتَ مما سبّب الله لك؛ فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك، واصطفاه له؛ والله بالغٌ أمره. لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربّه؛ أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضَرًّا ولا نفعًا؛ وإن الله وليّ ذلك منه؛ وإنه لا بدّ له من مزايلته؛ والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضيّ له منهم، وإنّ أمير المؤمنين من حسن ظنه برّبه لعلي أحسن الرّجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم، فإنّ بلاءَ الله عند أمير المؤمنين\n_________\n(١) الزفان: الرقاص، القاموس المحيط ص ١٥٥٣.","vol":"9","page":649},{"text":"أعظمُ من أن يبلغه ذكره، أو يؤديه شكره؛ إلا بعون منه؛ ولئن كان قُدِّرَ لأمير المؤمنين تعجيل وفاةٍ، وإنّ في الذي هو مفضٍ إليه إن شاء الله من كرامةِ الله لخَلَفًا من الدنيا، ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبتَ به لغيرُ مستنكر من سفهك وحمقك، فاربَع على نفسك من غُلوائها، وارقأ على ظَلْعك؛ فإن لله سطوات وعينًا؛ يصيب بذلك من يشاءُ، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله؛ وأميرُ المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له.\nفكتب الوليد إلى هشام:\nرأَيتُكَ تبْنِي جاهدًا في قَطِيعَتِي (١) ... فَلَوْ كُنْتَ ذَا إِرْبٍ لَهَدَّمْت ما تبْنِي\nتُثِيرُ على الباقِينَ مَجْنَى ضَغينةٍ ... فَوَيلٌ لهُمْ إِنْ مِتّ مِن شَرّ ما تجني!\nكأَني بهمْ واللَّيْثُ أَفْضل قوْلهِمْ ... أَلَا لَيْتَنا واللَّيْث إذ ذاكَ لا يُغْنِي\nكفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لو شَكَرَتَها ... جَزَاكَ بها الرَّحمنُ ذو الفضل والمنِّ\nقال: فلم يزل الوليد مُقيمًا في تلك البرّية حتى مات هشام؛ فلما كان صبيحةُ اليوم الذي جاءته فيه الخلافة، أرسل إلى أبي الزّبير المنذر بن أبي عمرو، فأتاه فقال له: يا أبا الزبير؛ ما أتت عليّ ليلة منذ عقلت عقلي أطولَ من هذه الليلة؛ عرضت لي هموم، وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل؛ الذي قد أولع بي - يعني هشامًا - فاركب بنا نتنَّفس؛ فركبا، فسارا ميلين؛ ووقف على كثيب، وجعل يشكو هشامًا إذ نظر إلى رَهج، فقال: هؤلاء رسلُ هشام؛ نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان؛ أحدهما مولىً لأبي محمد السفيانيّ، والآخر جَرْدَبَة.\nفلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوَان حتى دنَوَا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوَجَم، وجعل جردبة يكرّر ﵇ بالخلافة، فقال: ويحك! أمات هشام! قال: نعم؛ قال فممّن كتابك؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، فدعا مولي أبي محمد السُّفيانيّ، فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لم يزل محبوسًا حتى نزل بهشام أمرُ الله. فلما صار في حدّ لا تُرجَى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخُزّان؛\n_________\n(١) الأغاني: ٧: ٨، وفي ابن الأثير: \"تبني دائمًا\".","vol":"9","page":650},{"text":"أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحدٌ منه إلى شيء. وأفاق هشام إفاقةً، فطلب شيئًا فمنعوه فقال: أرانا كنا خُزّانًا للوليد! ومات من ساعته، وخرج عياضٌ من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزِل عن فرشه؛ فما وجدوا له قُمقمًا يسخّن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنًا من الخزائن؛ فكفَّنه غالب مولي هشام؛ فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتيَ الرُّصافة، فيحصيَ ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عمّاله وحشَمه؛ إلا مسلمة بن هشام؛ فإنه كتب إليه ألّا يعرض له، ولا يدخل منزله؛ فإنه كان يكثر أن يكلم أباه في الرّفق به، ويكفَّه عنه، فقدم العباس الرُّصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد؛ وكتب إلى الوليد بأخذ بني هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام، فقال الوليد:\nلَيْتَ هِشامًا كان حَيًّا يَرَي ... مِحْلَبَهُ الأَوْفَرَ قَدْ أُترِعا (١)\nويروى:\nلَيْت هشامًا عاشَ حتى يري ... مِكيْالَهُ الأَوْفَرَ قَدْ طُبّعا\nكِلْنَاهُ بالصاعِ الذي كاله ... وما ظَلَمْنَاهُ به إِصْبعَا\nوما أتينا ذاكَ عَنْ بِدْعَةٍ ... أَحَلَّهُ الفُرقانُ لي أجْمَعا\nفاستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق؛ وكتب إليه العمَّال، وجاءته الوفود؛ وكتب إليه مروان بن محمد:\nبارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده؛ وكان من تغشِّي غمْرة سكرة الولاية ما حمل هشامًا على ما حاول من تصغير ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعَب عليه؛ الذي أجابه إليه المدخولون (٢) في آرائهم وأديانهم؛ فوجد ما طمع فيه مستصعبًا، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزَّره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلًا، ونهض مستقلًا بما حُمِّل منها، مثبتة ولايته في سابق الزُّبُر (٣) بالأجل المسمي، وخصّه الله بها على خلْقه وهو\n_________\n(١) الأغاني: ٧: ١٨.\n(٢) المدخول: من في عقله دخل؛ أي فساد. القاموس المحيط ص ١٢٩٠.\n(٣) الزبر: جمع زبور؛ وهو الكتاب. القاموس المحيط ص ٥٠٩.","vol":"9","page":651},{"text":"يرى حالاتِهم، فقلّده طَوقها، ورمى إليه بأزمّة الخِلافة وعِظم الأمور.\nفالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عُرَى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم؛ فمن أقام على تلك الخسِيسة من الأمور أوْبق (١) نفسه، وأسخطَ ربَّه، ومن عدلتْ به التوبة نازعًا عن الباطل إلى حقّ وجد الله توّابًا رحيمًا.\nأُخْبِرُ أميرَ المؤمنين أكرمه الله أني عندما انتهى إليّ من قيامه بولاية خلافة الله، نهضتُ إلى منبري؛ عليّ سيفان مستعدًّا بهما لأهل الغشّ، حتى أعلمت مَنْ قِبلَي ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسرّ من ولاية أمير المؤمنين؛ وقد بسطتُ يدي لبيعتك فجدّدتها ووكَّدتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان، فكلهم حسُنت إجابتُهم وطاعتُهم، فأثبْهم يا أميرَ المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي آتاك؛ فإنك أجودُهم جودًا وأبسطهم يدًا؛ وقد انتظروك راجين فضلَك قِبلَهم بالرّحم الذي استرحموك، وزدْهم زيادة يفضّل بها مَنْ كان قِبلَك؛ حتى يظهر بذلك فضلُك عليهم وعلي رعيّتِك؛ ولولا ما أحاول من سدّ الثغر (٢) الذي أنا به، لخفتُ أن يحملني الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلًا على غير أمره، وأقدمَ لمعاينة أمير المؤمنين؛ فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمة وإن عظمت؛ فإنْ رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في المسير إليه لأشافهه بأمور كرهتُ الكتاب بها فعل.\nفلما وليَ الوليد أجري على زَمْني أهِل الشأم وعميانهم وكسَاهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيبَ والكسوة؛ وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة؛ لأهل الشأم خاصّة، وزاد مَن وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضِّعْف، وكان وهو وليّ عهد يُطعِم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويُطعِم من صدَر عن الحجّ بمنزل يقال له زِيزاء ثلاثة أيام،\n_________\n(١) أوبق نفسه؛ أي أهلكها. القاموس المحيط ص ١١٩٧.\n(٢) الثغر: موضع المخافة من فروج البلدان. القاموس المحيط ص ٤٥٨.","vol":"9","page":652},{"text":"ويعلف دوابّهم، ولم يقُلْ في شيء يُسأله: لا، فقيل: له: إن في قولك: أنظرُ، عِدَةً ما يقيم عليها الطالب؛ فقال: لا أعوّد لساني شيئًا لم أعتَده، وقال:\nضمِنْتُ لكم إنْ لم تُعقْنِي عَوائِق ... بأَنَّ سَماءَ الضُرِّ عَنكم سَتُقْلِعُ (١)\nسَيُوشِكُ إلحاقٌ مَعًا وزيادةٌ ... وأعطِيَة مِنِّي عَليكُمْ تَبَرَّعُ\nمُحرَّمكُمْ دِيوانكُمْ وعطاؤكمْ ... به يكْتُبُ الكتَّابُ شَهْرًا وتَطبَعُ\n* * *\nوفي هذه السنة عقد الوليد بن يزيد لابنيْه الحكَم وعثمان البَيْعة من بعده، وجعلهما وليّيْ عهده؛ أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدّمًا على عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار؛ وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نَصر بن سيار؛ وكانت نسخة الكتاب إليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار؛ أما بعد فإني بعثت إليك نسخًة كتاب أمير المؤمنين الذي كتب به إلى مَنْ قِبَلي في الذي ولّي الحَكَم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده مع عقّال بن شَبَّة التميميّ وعبد الملك القينيّ، وأمرتهما بالكلام في ذلك؛ فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومُرْهم فليحشُدوا له، وقُمْ فيهم بالذي كتب أمير المؤمنين؛ فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، وائْذَن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم العهد والميثاق على الذي نسختُ لك في آخر كتابي هذا الذي نسخ لنا أمير المؤمنين في كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل الله أن يبارك لأمير المؤمنين ورعيّته في الذي قضي لهم على لسان أمير المؤمنين، وأن يصلح الحَكم وعثمان، ويبارك لنا فيهما؛ والسلام عليك.\nوكتب النّضرْ يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة.\nبسم الله الرحمن الرحيم، تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكَم ابن\n_________\n(١) الأغاني ٧: ٢١.","vol":"9","page":653},{"text":"أمير المؤمنين إن كان من بعده وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة؛ وإن حدَث بواحد منهما حدث فأميرُ المؤمنين أملك في ولده ورعيته، يقدّم من أحبّ، ويؤخر مَنْ أحبّ. عليك بذلك عهد الله وميثاقه؛ فقال الشاعر في ذلك:\nنبايع عُثمانَ بَعْدَ الوَليـ ... ـد لِلعَهْدِ فينا ونرْجُو يَزِيدا\nكما كان إذا ذاك في ملكهِ ... يَزِيدُ يُرَجِّي لذاك الوَليدا\nعَلَى أَنَّها شَسَعَتْ شَسْمعَةً ... فنحْنُ نومّلُها أَن تَعُودا\nفإنْ هِيَ عَادَت فأَرْض القَريـ ... ـب عنها لِيؤيِسَ منها البَعِيدا\nقال أحمد: قال عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: فقدِم عقّال بن شبَّة وعبد الملك بن نُعيم على نَصْر، وقدما بالكتاب وهو:\nأما بعدُ؛ فإنّ الله تباركتْ أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالي ذكره، اختار الإسلام دينًا لنفسه، وجعله دين خيرته من خَلْقه، ثم اصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس؛ فبعثهم به، وأمرهم به؛ وكان بينهم وبين مَن مضي من الأمم، وخلا من القرون قَرْنًا فقرْنًا يدعون إلى التي هي أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم؛ حتى انتهت كرامة الله في نبوّته إلى محمد صلوات الله عليه؛ على حين دُروسٍ من العلم، وعميً من الناس، وتشتيت من الهوي، وتفرّقٍ من السبُل، وطموسٍ من أعلام الحق؛ فأبان الله به الهُدَي، وكشف به العمي، واستنقذ به من الضلالة والرّدَي، وأبهج به الدين؛ وجعله رحمةً للعالمين، وختم به وحَيه، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله؛ وقفَّي به على آثارهم؛ مصدّقًا لما نزل معهم، ومهيمنًا عليه، وداعيًا إليه، وآمرًا به؛ حتى كان مَنْ أجابه من أمته، ودخل في الدين الذي أكرمهم الله به، مصدّقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذّبهم فيه قومُهم، منتصحين لهم فيما يُنهونه، ذابّين لحُرمهم عما كانوا منتهكِين؛ معظمين منها لما كانوا مصغّرين؛ فليس من أمة محمد - ﷺ - أحدٌ كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبًا، ولا عليه في ذلك طاعنًا، ولا له مؤذيًا بتسفيه له، أو ردٍّ عليه. أو جحد ما أنزل الله عليه ومعه، فلم يبقَ كافر إلا استحلّ بذلك دمَه، وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه؛ وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتَهم، ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوتّه؛ حين قبض نبيَّه - ﷺ -، وختَم به وحَيه لإنفاذ","vol":"9","page":654},{"text":"حكمه، وإقامة سنّته وحدوده، والأخذ بفرائضه وحقوقه، تأييدًا بهم للإسلام، وتشييدًا بهم لعُرَاه؛ وتقويةً بهم لقوي حبله، ودفعًا بهم عن حريمه، وعَدْلًا بهم بين عباده، وإصلاحًا بهم لبلاده؛ فإنه تبارك وتعالي يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، فتتابع خلفاء الله على ما أورثَهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه؛ لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرَعه الله، ولا يفارق جماعتهم أحدٌ إلا أهلكه الله؛ ولا يستخفّ بولايتهم، ويتَّهم قضاء الله فيهم أحدٌ إلا أمكنَهم الله منه، وسلّطهم عليه، وجعله نكالًا وموعظة لغيره؛ وكذلك صنع الله بمن فارقَ الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها، والأثرة لها؛ والتي قامت السموات والأرض بها؛ قال الله تبارك وتعالي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ (٢) وقال عزّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣).\nفبالخلافة أبقى مَن أبقي في الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة مَنْ ولّاه إياها سعد من ألهمها ونصرها؛ فإن الله ﷿ علم أنْ لا قوام لشيء، ولا صلاح له إلا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه، ويُمضي بها أمره، ويُنْكِل (٤) بها عن معاصيه، ويوقف عن محارِمه، ويذبّ عن حرُماته؛ فمن أخذ بحظه منها كان لله وليًّا ولأمره مطيعًا، ولرشده مصيبًا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصًا؛ ومَن تركها ورغب عنها وحادّ الله فيها أضاع نصيبَه، وعصي ربّه، وخسر دنياه وآخرته؛ وكانَ ممن غلبت عليه الشِّقْوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية، التي تورد أهلها أفظعَ المشارع (٥)، وتقودهم إلى شرّ المصارع، فيما يحلّ الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمة، ويصيّرهم فيما عندهم من العذاب والحسْرة.\n_________\n(١) البقرة: ٢٥١.\n(٢) فصلت: ١١.\n(٣) البقرة: ٣٠.\n(٤) أنكله عن حاجته: دفعه عنها. القاموس المحيط ص ١٣٧٦.\n(٥) المشارع: جمع مشرعة؛ وهو مورد الشاربة. القاموس المحيط ص ٩٤٦.","vol":"9","page":655},{"text":"والطاعة رأس هذا الأمر وذِرْوته وسنامه ومِلاكه وزمامه، وعصمته وقوامه بعد كلمة الإخلاص التي ميّز الله بها بين العباد، وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفي المعصية مما يحلّ بغيرهم من نقماته، ويُصيبهم عليه، ويحقُّ من سخطه وعذابه، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبذّل [للمعصية] بها، أهلك الله مَن ضلّ وعَتا، وعمى وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى.\nفالزموا طاعة الله فيما عَراكم ونالكم؛ وألَمَّ بكم من الأمور وناصحوها واستوثقوا عليها، وسارعوا إليها وخالصوها، وابتغوا القُرْبة إلى الله بها؛ فإنكم قد رأيتم مواقع الله لأهلها في إعلائه إياهم، وإفلاجه (١) حجّتهم، ودفعه باطل مَنْ حادّهم وناوأهم وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذي معهم، وخُبّرتُم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التَّوبيخ لهم والتقصير بهم؛ حتى يؤولَ أمرُهم إلى تبار وصَغار، وذلة وبوار، وفي ذلك لمن كان له رأي وموعظة عبرة يُنتفع بواضحها، ويتمسَّك بحظوتها؛ ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها.\nثم إن الله - وله الحمد والمنّ والفضل - هدي الأمة لأفضل الأمور عاقبةً لها في حَقْن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كَلِمتها، واعتدال عَمُودها، وإصلاح دهمائها (٢). وذخر النعمة عليها في دنياها، بعد خلافَتِه التي جعلها لهم نظامًا، ولأمرهم قوامًا؛ وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه توكيَده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم عندما يحدث بخلافائهم ثقةً في المفزع وملتجأ في الأمر، ولمًّا للشَّعَث، وصلاحًا لذات البَيْن، وتثبيتًا لأرجاء الإسلام، وقطعًا لنزغات الشيطان، فيما يتطلع إليه أولياؤه، ويُوثبهم عليه من تلَف هذا الدين وانصداع شَعْب أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه؛ فلا يريهم الله في ذلك إلّا ما ساءهم، وأكذب أمانيَّهم، ويجدون الله قد أحكم بما قضي لأوليائه من ذلك عُقد أمورهم، ونفي عنهم من أراد فيها إدغالًا أو بها إغلالًا، أو لما شدّد الله منها توهينًا، أو فيما تولّى الله منها اعتمادًا، فأكمل الله بها لخلفائه وحِزْبه البَرّ\n_________\n(١) أفلج لله حجته: نصرها وأظهرها. القاموس المحيط ص ٢٥٨.\n(٢) الدهماء: جماعة الناس. القاموس المحيط ص ١٤٣٣.","vol":"9","page":656},{"text":"الذين أودعهم طاعته أحسن الذي عوّدهم، وسبّب لهم من إعزازه وإكرامه وإعلائه وتمكينه، فأمْرُ هذا العهد من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنَن العظام؛ ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديْه، وقضي به على لسانه، ووفّقه لمن ولّاه هذا الأمر عنده أفضلَ الذُّخر؛ وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثِر بهم من منفعته، ويتّسع لهم من نعمته، ويستندون إليه من عِزّه، ويدخلون فيه من وزره الذي يجعل الله لهم به منَعة، ويحرزهم به من كلّ مهلّكة، ويجمعهم به من كلّ فُرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصِمهم به من كلّ اختلاف وشقاق، فاحمدَوا الله ربَّكم الرؤوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذي دلّكم عليه من هذا العهد؛ الذي جعله لكم سكنًا ومعولًا تطمئنون إليه، وتستظلون في أفنانه؛ ويستنهج لكم به مثْنَي أعناقكم، وَسِمات وجوهكم، وملتَقي نواصيكم في أمر دينكم ودنياكم؛ فإنّ لذلك خطرًا عظيمًا من النعمة، وإنّ فيه من الله بلاء حسنًا في سعة العافية؛ يعرفه ذوو الألباب والنيات المريِّئون (١) من أعمالهم في العواقب، والعارفون منارَ مناهج الرّشد؛ فأنتم حقيقون بشكْر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه، وحمده على الذي عزم لكم منه؛ فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته في أنفسكم على قَدْر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله.\nثم إنّ أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشيء من الأمور أشدَّ اهتمامًا وعنايةً منه بهذا العهد؛ لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها، ويكرمهم بما يقضي لهم ويختار له ولهم فيه جهده؛ ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليّه؛ الذي بيده الحكْم وعند الغيب، وهو على كل شيء قدير، ويسأله أن يعينه من ذلك على الذي هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامَّة.\nفرأى أمير المؤمنين أن يعهدَ لكم عهدًا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم، في مُهْلة من انفساح الأمل وطُمأنينة النفس، وصلاح ذات البين؛ وعِلْم موضع الأمر الذي جعله الله لأهله عصمةً ونجاةً وصلاحًا وحياة، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدّين وفساد إهله وقْمًا وخسارًا\n_________\n(١) ريأ في الأمر ترئية: نظر فيه وتعقبه ولم يعجل بالجواب. القاموس المحيط ص ٥٣.","vol":"9","page":657},{"text":"وقدْعًا (١)، فولَّى أمير المؤمنين ذلك الحكمَ ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممّن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه، وأكمل فيه أحسنَ مناقب من كان يوليه إياه، في وفاء الرّأي وصحة الدين، وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور، ولم يألُكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادًا وخيرًا.\nفبايعوا للحكَم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركتِه ولأخيه من بعده؛ على السمع والطاعة، واحتسبوا في ذلك أحسنَ ما كان الله يُريكم ويبليكم ويعوّدكم ويعرّفكم في أشباهه فيما مضي، من اليسر الواسع والخير العام، والفضل العظيم الذي أصبحتم في رَجائه وخفضه وأمنه ونعمته، وسلامته وعصمته، فهو الأمر الذي استبطأتموه واستسرعتم إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه، وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكرًا، ورأيتموه لكم حظًّا، تستبقونه وتجهدون أنفسكمِ في أداء حقّ الله عليكم، فإنه قد سبق لكم في ذلك من نِعمَ الله وكرامته وحسن قسْمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه، وحَدَبكم عليه، على قَدْر الذي أبلاكم الله، وصنع لكم منه.\nوأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من وليّيْ عهده حَدَثٌ أَوْلَي بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذي كان به مَنْ أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدّمه بين يدي الباقي منهما إن شاء، أو أن يؤخره بعده، فاعلموا ذلك وافهموه.\nنسأل الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أنْ يبارك لأمير المؤمنين ولَكُم في الذيما قضي به على لسانه من ذلك وقدّر منه؛ وأن يجعل عاقبته عافيةً وسرورًا وغبطة؛ فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هُوَ، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله.\nوكتب سَمَال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومئة.\n* * *\nوفيها وفد يوسف بن عمر على الوليد، فاشتري نصرًا وعماله منه، فردّ إليه الوليد ولاية خراسان.\nوفي هذه السنة كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيَّار يأمره بالقدوم عليه،\n_________\n(١) الوقم: الإذلال القاموس المحيط ص ١٥٠٧، والقدع: الكف. القاموس المحيط ٩٦٧.","vol":"9","page":658},{"text":"ويحمل معه ما قدَر عليه من الهدايا والأموال.\n* ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر في ذلك:\nذكر عليّ عن شيوخه: أن يوسف كتب إلى نَصْر بذلك، وأمرَه أن يقدَم معه بعياله أجمعين، فلما أتي نصرًا كتابه، قسّم على أهل خراسان الهدايا وعلي عُمّاله، فلم يدعْ بخُراسان جاريةً ولا عبدًا ولا بِرذوْنا فارهًا إلا أعدَّه، واشتري ألف مملوك، وأعطاهم السلاح، وحملهم على الخيل.\nقال: وقال بعضهم: كان قد أعدَّ خمسمئة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفِضَّة وتماثيل الظباء ورؤوس السّباع والأيايل وغير ذلك؛ فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثّه، فسّرح الهدايا حتى بلغ أوائلها بَيْهق؛ فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، فقال بعض شعرائهم:\nفأَبْشِرْ يا أَمِينَ اللـ ... ـهِ أَبشِرْ بتَباشِيْر\nبإِبْل يُحْمَلُ المالُ ... عليها كالأَنابيرْ\nبِغالٌ تَحْملُ الخمرَ ... حَقائِبها طَنابِيرْ\nودَلُّ البَرْبَريَّاتِ ... بِصَوتِ البَمِّ والزيْر\nوقَرْعُ الدُّفِّ أحيانًا ... ونَفْخٌ بالمزامِيرْ\nفهذا لك في الدنيا ... وفي الجَنَّةِ تَحْبيرْ\nقال: وقدم الأزرق بن قرّة المِسمَعيُّ من التِّرمذ أيام هشام على نصر، فقال لنصر: إنْي أريتُ الوليد بن يزيد في المنام؛ وهو وليّ عهد شبه الهارب من هشام، ورأيتُه على سرير، فشرب عسلًا وسقاني بعضه، فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار وكُسوة، وبعثه إلى الوليد، وكتب إليه نصر.\nفأتي الأزرقُ الوليد، فدفع إليه المال والكسوة، فسُرّ بذلك الوليد، وألطف الأزرق، وجزي نصرًا خيرًا، وانصرف الأزرق، فبلغه قبل أن يصل إلى نَصْر موتُ هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره؛ فلمّا ولي الوليدُ كتب إلى الأزرق وإلي نصر، وأمر رسوله أن يبتدئ بالأزرق فيدفع إليه كتابه، فأتاه ليلًا، فدفع إليه كتابه وكتاب نصر، فلم يقرأ الأزرق كتابه، وأتي نصرًا بالكتابين؛ فكان في كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتّخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كلَّ صَنّاجة بخراسان يقدر عليها، وكلَّ بارئ","vol":"9","page":659},{"text":"وبِرْذون فاره، ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه أهل خراسان، فقال رجل من باهلة: كان قوم من المنجّمين يُخبرون نصرًا بفتنةٍ تكون؛ فبعث نصر إلى صدقة بن وثَّاب وهو ببلْخ - وكان منجمًا - وكان عنده، وألحَّ عليه يوسف بالقدوم؛ فلم يزل يتباطأ، فوجّه يوسف رسولًا وأمره بلزومه يستحثه بالقدوم، أو ينادي في الناس أنه قد خَلَع؛ فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه، وتحوّل إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم؛ فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة، فتحوّل نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسديّ على خُراسان، وولّي المهلبَ بن إياس العدويّ الخراج، وولّي موسي بن ورقاءَ الناجيَ الشاشَ، وحسان من أهل صَغَانِيانَ الأسديَّ سَمَرْقند، ومُقاتل بن عليّ الشُغديَّ آمُل، وأمرهم إذا بلغهم خروجُه من مَرْو أن يستحلبوا الترك؛ وأن يغيروا على ما وراء النهر؛ لينصرف إليهم بعد خروجه، يعتلُّ بذلك، فبينما هو يسير يومًا إلى العراق طَرَقَه ليلًا موليً لبني لَيث؛ فلمَّا أصبح أذِن للناس، وبعث إلى رسل الوليد؛ فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: قد كان في مسيري ما قد علمتُم، وبعثي بالهدايا ما رأيتم؛ فطرَقني فلان ليلًا، فأخبرني أنّ الوليد قد قُتل، وأن الفتنة قد وقعت بالشأم؛ وقدم منصور بن جمهور العراق، وقد هرب يوسف بن عمر، ونحن في بلاد قد علمتم حالتها وكثرة عدوّنا، ثم دعا بالقادم فأحلفه إنّ ما جاء به لحقّ! فحلف؛ فقال سلْم بن أحوز: أصلح الله الأمير، لو حَلفتُ لكنت صادقًا؛ إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتِك، فسِرْ ولا تهجِّنا. قال: يا سلم أنتَ رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعة لبني أمية؛ فأمَّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأي أمَة همّاء (١).\nثم قال نصر: لم أشهد بعد ابن خازم أمرًا مفظعًا إلّا كنت المفزِعَ في الرأي؛ فقال الناس: قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك. [٧/ ٢٠٩ - ٢٢٦].\n* * *\nوفي هذه السنة وجَّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ واليًا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابني هشام بن\n_________\n(١) الهماء: التي انكسرت ثنيتها. القاموس المحيط ص ٧٢.","vol":"9","page":660},{"text":"إسماعيل المخزومي موثَقَيْن في عباءتين، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة، فأقامهما للناس بالمدينة، ثم كتب الوليد إليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو يومئذ عامله على العراق؛ فلما قدما عليه عذبّهما حتى قتلهما؛ وقد كان رُفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالًا كثيرًا.\n* * *\nوفي هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاريّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>غزو قبرس</span>\nوفيها غزّى الوليد بن يزيد أخاه الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك، وأمَّر على جيش البحر الأسودَ بن بلال المحاربيّ، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيّرهم بين المسير إلى الشأم إن شاؤوا، وإن شاؤوا إلى الروم، فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشأم؛ واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها.\n* * *\nوفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قُريظ وقحطبة بن شبيب مكة، فلقوا - في قول بعض أهل السيرَ - محمد بن عليّ فأخبروه بقصّة أبي مسلم وما رأوْا منه؛ فقال لهم؛ أحرٌّ هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسي فيزعم أنّه عبد، وأما هو فيزعم أنه حرٌّ. قال: فاشتروْه وأعتقوه، وأعطوا محمد بن عليّ مئتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدَثَ بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد، فإني أثق به وأوصيكم به خيرًا، فقد أوصيته بكم، فصدروا من عنده. [٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧].\nوحجّ بالناس في هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق بن عيسي، عن أبي معشر. [٧/ ٢٢٨].\n* * *","vol":"9","page":661},{"text":"* ذكر الخبر عن مقتله:\nقد مضى ذكرُنا قبلُ أمرَ مصير يحيى بن زيد بن عليّ إلى خراسان، وسبب ذلك؛ ونذكر الآن سبَب مقتله؛ إذ كان ذلك في هذه السنة.\nذكر هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: أقام يحيى بن زيد بن عليّ عند الحَريش بن عمرو بن داود ببَلْخ حتى هلك هشام بن عبد الملك، وولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكتب يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله الذي كان ينزل؛ حتى أخبره أنه عند الحَريش، وقال له: ابعث إليه وخُذْه أشدّ الأخذ. فبعث نصر بن سيَّار إلى عَقِيل بن معقِل العجليّ، يأمره أن يأخذ الحرِيش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد بن عليّ. فبعث إليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا عِلْمَ لي به، فجلده ستمئة سَوْط، فقال له الحَرِيش: والله لو أنه كان تحت قدميّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فلما رأي ذلك قُرَيش بن الحَريش أتي عَقِيلًا، فقال: لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه، فأرسل معه فدلّه عليه، وهو في بيت في جوف بيت، فأخذه ومعه يزيد بن عمر والفضل مولي عبد القيس - كان أقبل معه من الكوفة - فأتي به نصر بن سيَّار فحبسه، - وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك؛ فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد، فكتب الوليد إلى نصر بن سيَّار، يأمره أن يؤمنَه، ويخلّي سبيله وسبيل أصحابه، فدعاه نصر بن سيَّار، فأمره بتقوي الله، وحذَّره الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد، وأمر له بألفي درهم وبغلين، فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سَرَخْس، فأقام بها وعليها عبد الله بن قيس بن عُبّاد، فكتب إليه نصر بن سيّار أن يشخصه عنها، وكتب إلى الحسن بن زيد التميميّ - وكان رأس بني تميم، وكان على طُوس - أن انظر يحيى بن زيد، فإذا مرّ بكم فلا تَدَعه يقيم بطوس حتى يخرج منها، وأمرهما إذا هو مرّ بهما ألّا يُفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبْرَشهر. فأشخصه عبد الله بن قيس من سَرْخس، ومرّ بالحسن بن زيد فأمره أن يمضي، ووكّل به سرحان بن فرُّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ أبا الفضل، وكان على مَسْلحة.\nقال: فدخلت عليهُ، فذكر نصرَ بن سيّار، وما أعطاه؛ فإذا هو كالمستقلّ له؛ فذكر أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فأثني عليه، وذكر مجيئه بأصحابه معه،","vol":"9","page":662},{"text":"وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يُسَمَّ أو يُغَمَّ، وعرَّض بيوسف؛ وذكر أنه إياه يتخوَّف، وقد كان أراد أن يقع فيه ثم كفّ، فقلت له: قُل ما أحببت رحمك الله؛ فليس عليك مني عين؛ فقد أتي إليك ما يستحقّ أن تقول فيه.\nثم قال: العجب من هذا الذي يقيم الأحراس أو أمر الأحراس، قال: - وهو حينئذ يتفصّح: والله لو شئتُ أن أبعث إليه؛ فأوتَي به مربوطًا، قال: فقلتُ له: لا واللهِ ما بك صُنع هذا؛ ولكن هذا شيء يصنع في هذا المكان أبدًا، لمكان بيت المال، قال: واعتذرتُ إليه من مسيري معه، وكنت أسير معه على رأس فرْسخ، فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بن زُرارة، فأمر له بألف درِهم، ثم أشخصه حتى انتهى إلى بَيْهق، وخاف اغتيال يوسف إياه، - فأقبل من بَيْهق - وهي أقصي أرض خراسان، وأدناه من قُومِس - فأقبل في سبعين رجلًا إلى عمرو بن زرارة، ومرّ به تجار، فأخذ دوابّهم، وقأل: علينا أثمانها، فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيار، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلي الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه، فجاؤوا حتى انتهوْا إلى عمرو بن زرارة، واجتمعوا فكانوا عشرة آلاف، وأتاهم يحيى بن زيد؛ وليس هو إلّا في سبعين رجلًا، فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة، وأصاب دوابّ كثيرة.\nوجاء يحيى بن زيد حتى مرّ بهَراة، وعليها مغلّس بن زياد العامريّ، فلم يعرض واحد منهما لصاحبه، فقطعها يحيى بن زيد، وسرّح نصر بن سيَّار سلم بن أحوز في طلب يحيى بن زيد، فأتي هَرَاة حين خرج منها يحيى بن زيد فأتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها، وعليها حماد بن عمرو السُّغديّ.\nقال: ولحق بيحيى بن زيد رجل من بني حنيفة يقال له أبو العجلان، فقتِل يومئذ معه: ولحق به الحَسْحاس الأزديّ فقطع نصر بعد ذلك يدَه ورجله.\nقال: فبعث سلم بن أحوز سَوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ على ميمنته، وحمّاد بن عمرو السغديّ على ميسرته، فقاتله قتالًا شديدًا، فذكروا أن رجلًا من عَنَزة، يقال له عيسى، مولى عيسى ين سليمان العَنَزيّ رماه بنُشَّابة، فأصاب جبهته.\nقال: وقد كان محمد شهد ذلك اليوم، فأمره سلم بتعبئَة الناس، فتمارض","vol":"9","page":663},{"text":"عليه، فعبّي الناس سوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ، فاقتتلوا فقُتلوا من عند آخرهم، ومرّ سوْرة بيحيى بن زيد فأخذ رأسه، وأخذ العَنِزيّ سلَبه وقميصَه، وغلبه سوْرة على رأسه.\nفلما قتل يحيى بن زيد وبلغ خبرُه الوليد بن زيد، كتب - فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب؛ أنه حدثه - إلى يوسف بن عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليمّ نسفًا، قال: فأمر يوسف خراش بن حوشب، فأنزله من جِذْعه وأحرقه بالنار، ثم رضّه فجعله في قَوْصرة، ثم جعله في سفينة، ثم ذرّاه في الفرات. [٧/ ٢٢٨ - ٢٣٠].\nقال: وقال عمرو بن سعيد الثقفيّ: أوفدني يوسف بن عمر إلى الوليد فلما قدمتُ قال لي: كيف رأيتَ الفاسقَ؟ يعني بالفاسق الوليد - ثم قال: إياك أن يسمع هذا منك أحدٌ، فقلت: حبيبة بنت عبد الرحمن بن جُبير طالق إن سمعتْه أذني ما دمتَ حيًّا؛ فضحك. قال: فثقل الوليدُ على الناس، ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكُفر وغشيان أمّهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مئة جامعة؛ وكتب على كلّ جامعة اسمَ رجل من بني أمية ليقتله بها، ورموْه بالزّندقة، وكان أشدّهم فيه قولًا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناسُ إلى قوله أميل؛ لأنه كان يُظِهر النسك ويتواضع، ويقول: ما يسعنا الرضَا بالوليد؛ حتى حمل الناس على الفتْك به. [٧/ ٢٣٢].\n* * *\nوقال عليّ عن الحكم بن النعمان، قال: أجمع الوليد على عزل يُوسف واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجّاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبتَ إلى أمير المؤمنين تذكر تخريبَ ابن النصرانيَّة البلاد، وقد كنتَ على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عَمَرت البلاد حتى رددتَها إلى ما كانت عليه؛ فاشخص إلى أمير المؤمنين، فصدّق ظنَّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد، وليعرِف أمير المؤمنين فضلَك على غيرك؛ لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القَرابة؛ فإنك خالُه، وأحقّ الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمتَ ممّا أمر به أمير المؤمنين لأهل الشأم، وغيرهم من الزّيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهلَ بيته لطول جَفْوة هشام إياهم، حتى أضرّ ذلك","vol":"9","page":664},{"text":"ببيوت الأموال، قال: فخرج يوسف واستخلف ابن عمّه يوسف بن محمد، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحملْ من العراق مثله. فقدم - وخالد بن عبد الله محبوس - فلقيه حسَان النَّبطيّ ليلًا، فأخبره أنّ الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وأنه لابدّ ليوسف فيها من إصلاح أمر وزرائه، فقال: ليس عندي فضل درهم، قال: فعندي خمسمئة ألف درهم، فإن شئتَ فهي لك، وإن شئت فارددْها إذا تيسرت. قال: فأنت أعرفُ بالقوم ومنازلهم من الخليفة مني، ففرّقْها على قدر عِلْمِك فيهم، ففعل، وقدم يوسف والقوم يعطمّونه، فقال له حسان: لا تَغْدُ على الوليد؛ ولكن رُحْ إليه رواحًا؛ واكتب على لسان خليفتك كتابًا إليك: إنّي كتبت إليك ولا أملك إلا القَصْر، وادخل على الوليد والكتابُ معك متحازِنًا، فأقْرئه الكتاب، ومُرْ أبان بن عبد الرحمن النميريّ يشتري خالدًا منه بأربعين ألف ألف، ففعل يوسف، فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، فقال له أبان: ادفع إليّ خالدًا وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم، قال: ومن يضمن عنك؟ قال: يوسف، قال: أتضمن عنه؟ قال: بل ادفعه إليّ، فأنا أستأديه خمسين ألف ألف، فدفعه إليه، فحمله في محمل بغير وِطاء.\nقال محمد بن محمد بن القاسم: فرحمتُه، فجمعت ألطافًا كانت معنَا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، وأنا على ناقة فارهة، فتغَفّلتُ يوسفَ، فأسرعتُ ودنوتُ من خالد، ورميتُ بالمنديل في محمله، فقال لي: هذا من متاع عُمان - يعني أن أخي الفَيْض كان على عُمان، فبعث إليّ بمال جسيم - فقلت في نفسي: هذا على هذه الحالة وهو لا يَدع هذا! ففطن يوسف بي فقال لي: ما قلتَ لابن النصرانيَّة؟ فقلت: عرضتُ عليه الحاجة، قال: أحسنتَ، هو أسير؛ ولو فطن بما ألقيتُ إليه للقيني منه أذيً.\nوقدم الكوفة فقتله في العذاب؛ فقال الوليد بن يؤيد - فيما زعم الهيثم بن عديّ - شعرًا يُوبّخ به أهل اليمن في تركهم نُصرة خالد بن عبد الله.\nوأما أحمد بن زهر، فإنه حدّثه عن عليّ بن محمد؛ عن محمد بن سعيد العامريّ، عامر كلب، أنّ هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية:","vol":"9","page":665},{"text":"أَلمْ تهتجْ فتدّكرَ الوصالَا ... وحَبْلًا كان مُتَّصِلًا فزالا\nبَلَي فالدَّمعُ منك له سِجَامٌ ... كماءِ المُزن يَنَسجِلُ انسجالا\nفَدَعْ عنك ادِّكارَكَ آلَ سُعْدي ... فنحن الأَكثُرونَ حصًى ومالا\nونحن المالكون الناس قسْرًا ... نَسُومهُمُ المذَلّةَ والنكالا\nوَطِئنا الأشعرينَ بعِزّ قيسٍ ... فيالك وطأَةً لن تُستقالا!\nوهذا خالدٌ فينا أَسِيرًا ... ألا منعوه إنْ كانوا رجالا!\nعَظِيمُهُمُ وسيّدُهُمْ قِديمًا ... جعلنا المُخْزِياتِ له ظلالا\nفلو كانت قبائلَ ذاتَ عزٍّ ... لَما ذهَبَتْ صَنائِعُهُ ضَلالا\nولا ترَكوهُ مسلوبًا أسيرًا ... يُسامِرُ من سَلاسِلنِا الثقالا\n- ورواه المدائنيّ: \"يعالج من سلاسلنا\" -\nوكِنْدَةُ والسّكون فما استقالوا ... ولا برحَتْ خُيولهمُ الرّحَالا\nبها سُمْنا البَريَّة كُلَّ خَسْفٍ ... وهَدَّمنا السُّهُولةَ والجبالا\nولكنّ الوقائع ضَعْضَعتهمْ ... وجَذَّتهُمْ وَردَّتهُمْ شِلالا\nفما زالوا لنا أَبَدًا عَبيدًا ... نسُومُهُمُ المذلَّةَ والسِّفالا\nفأصبحتُ الغداة عليَّ تاجٌ ... لمُلكِ الناس ما يَبغي انتِقالا\nفقال عمران بن هلباء الكلبيّ يجيبه:\nقِفي صدْرَ المَطِيَّةِ يا حلالا ... وجذّي حَبْل مَنْ قطعَ الوصالا\nأَلمْ يحْزُنْكِ أنَّ ذوِي يَمانٍ ... يُرَي مَنْ حاذَ قَيْلهم جُلالا\nجَعلنا للقبائِلِ مِنْ نزارٍ ... غَداة المَرْج أيامًا طِوالا\nبنا مَلكَ المُملّكُ من قريش ... وأوْدَي جَدّ مَنْ أوَدي فَزالا\nمتى تلقَ السَّكُون وتلق كلبًا ... بعَبْس كل تَخْشَ مِنْ ملكٍ زوالا\nكذاكَ المرءُ ما لم يُلفَ عَدْلًا ... يكون عليه منطِقُهُ وَبَالا\nأَعِدُّوا آلَ حِمْيرَ إذْ دُعِيتُم ... سُيُوفَ الهندِ والأَسَلَ النهالا\nولَّ مُقلَّصٍ نَهدِ القُصَيْرَي ... وذا فَوْدَينِ والقُبَّ الجبالا\nيَذَرْنَ بكلّ مُعْتَرَكٍ قتيلا ... عليه الطيرُ قد مَذِلَ السؤالا\nلِئن عَيرْتمونا ما فعلنا ... لقد قلتمْ وجَدِّكُمُ مَقالا\nلإخوانُ الأَشاعِثِ قَتَّلوهمْ ... فما وُطِئوا ولا لاقَوْا نكالا","vol":"9","page":666},{"text":"وأبناءُ المهلّبِ نحنُ صُلنا ... وقائِعَهُمْ وما صُلتُمْ مَصالا\nوقد كانَتْ جُذَامُ على أخيهمْ ... ولخمٌ يقتُلونُهُم شلالا\nهربنا أن نُساعِدَكُمْ عليهمْ ... وقد أخطا مُساعِدُكمْ وفالا\nفإن عُدْتُمْ فإنَّ لنا سُيوفًا ... صَوارِمَ نَسْتَجِدُّ لها الصقالا\nسَنَبَكِي خالِدًا بِمُهنَّداتٍ ... ولا تَذهَبْ صَنائِعُهُ ضَلالا\nأَلمْ يَكُ خالدٌ غَيثَ اليَتامي ... إذا حَضرُوا وكنتَ لهم هُزالا!\nيُكفِّنُ خالدٌ مَوْتي نِزار ... ويُثرِي حَيّهمْ نَشَبًا ومالا\nلو أنَّ الجائِرينَ عليه كانوا ... بساحةِ قومِهِ كانوا نَكالا\nستَلقَى إن بَقِيتَ مُسَوّماتٍ ... عوابسَ لا يُزايلنَ الحِلالا\nفحدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: فازداد الناس على الوليد حنَقًا لمّا روي هذا الشعر، فقال ابن بيض:\nوصلتَ سَمَاءَ الضُّرِّ بالضرِّ بعدما ... زعمْتَ سَماءُ الضرِّ عنا سَتُقلَعُ\nفليت هشامًا كان حيًّا يَسُوسُنا ... وكنَّا كما كنَّا نُرَجِّي ونَطمَعُ (١)\nوكان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قِنسَّرين وعبد الملك بن القعقاع على حِمْص، فضرب الوليد بن القعقاع ابنَ هبيرة مئة سوط؛ فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه، فعاثوا بقبْر يزيد بن عبد الملك؛ فبعث إليهم، فدفعهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان على قنَّسرين - فعذّبهم، فمات في العذاب الوليد بن القعقاع وعبد الملك بن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع، واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله، فأتت اليمانية يزيدَ بن الوليد، فأرادوه على البَيْعة، فشاور عمرو بن يزيد الحكميّ، فقال: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس بن الوليد، فإنه سيّد بني مروان؛ فإنْ بايعك لم يخالفْك أحد، وإن أبي كان الناسُ له\n_________\n(١) ابن الأثير: وقال أيضًا:\nيا وَليدَ الخنَى ترَكتَ الطَّريقَا ... واضحًا وارتكبتَ فجًّا عميقًا\nوتمادْيت واعتديتَ وأسرفـ ... ـتَ وأغويْتَ وانبعثْتَ فسوقَا\nأبدًا هاتِ ثم هاتِ وهاتي ... ثمّ هاتي حتَّي تخرّ صَعِيقا\nأنتَ سَكرانُ ما تفيقُ فما تَر ... تق فتقًا وقَدْ فتقْتَ فتُوقا","vol":"9","page":667},{"text":"أطَوَع، فإن أبيتَ إلّا المضيّ على رأيك فأظهِرْ أنّ العباس قد بايعك، وكانت الشأم تلك الأيام وبيّة، فخرجوا إلى البوادي؛ وكان يزيد بن الوليد متبدّيًا، وكان العباس بالقَسْطل بينهما أميال يسيرة.\nفحدّثني أحمد بن زهير. قال: حدّثني عليّ، قال: أتي يزيد أخاه العباس، فأخبره وشاوره، وعاب الوليد، فقال له العبّاس: مهلًا يا يزيد؛ فإنّ في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا، فرجع يزيد إلى منزله، ودبّ في الناس فبايعوه سرًّا، ودسّ الأحنفَ الكلبيّ ويزيدَ بن عنبسة السكسكيَّ وقومًا من ثِقاته من وجوه الناس وأشرافهم، فدعوا الناس سرًّا، ثم عاود أخاه العباس ومعه قَطن مولاهم، فشاوره في ذلك، وأخبره أنّ قومًا يأتونه يريدونه على البَيْعة، فزَبرَه العباس، وقال: إن عدّت لمثل هذا لأشدَّنَّكَ وثاقًا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين! فخرج يزيد وقَطَن، فأرسل العباس إلى قَطن، فقال: ويحك يا قطن! أتري يزيد جادًّا! قال: جُعلتُ فداك! ما أظنّ ذاك؛ ولكنه قد دخله مما صنع الوليد ببني هشام وبني الوليد وما يَسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعًا، قال: أما والله إني لأظنُّه أشأم سَخْلة في بني مروان؛ ولولا ما أخاف من عَجَلة الوليد مع تحامُله علينا لشددتُ يزيد وَثاقًا، وحملته إليه؛ فازجُرْه عن أمره، فإنه يسمع إليك. فقال يزيد لقَطَن: ما قال لك العباس حين رآك؟ فأخبره، فقال له: والله لا أكفّ.\nوبلغ معاويةَ بن عمرو بن عتبة خوضُ الناس؛ فأتي الوليدَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك تبسط لساني بالأنس بك، وأكفُّه بالهيبة لك، وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن، أفأتكلم ناصحًا، أو أسكت مطيعًا؟ قال: كلٌّ مقبول منك؛ ولله فينا علم غَيْب نحن صائرون إليه؛ ولو علم بنو مرْوان أنهم إنما يوقدون على رَضْف (١) يلقوْنه في أجوافهم ما فعلوا، ونَعود ونسمع منك.\nوبلغ مَرْوانَ بن محمد بأرمينيَة أنّ يزيد يؤلّب الناس، ويدعو إلى خَلْع الوليد؛ فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مَرْوان يأمره أن ينهَي الناس ويكفّهم - وكان\n_________\n(١) الرضف: الحجارة المحماة. القاموس المحيط ص ١٠٥١.","vol":"9","page":668},{"text":"سعيد يتألَّه -: إن الله جعل لكل أهل بيت أركانًا يعتمدون عليها، ويتّقوُن بها المخاوف، وأنت بحمد ربّك ركْنٌ من أركان أهل بيتك؛ وقد بلغني أنّ قومًا من سفهاء أهلِ بيتك قد استنّوا أمرًا - إن تمَّت لهم رَوِيّتُهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقضِ بيعتهم - استفتحوا بابًا لن يغلِقَه الله عنهم حتى تُسفك دماء كثيرة منهم؛ وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فُرَجًا، ولو جَمَعتَنِي وإياهم لَرممْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك؛ لعلمي ما في عواقب الفُرْقة من فساد الدين والدنيا؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطُّ إلا بتشتيت كلمتهم؛ وإنّ كَلمتهم إذا تشتّت طمع فيهم عدُّوهم، وأنت أقربُ إليهم منّي، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم؛ فإذا صرت إلى علم ذلك فتهدَّدْهم بإظهار أسرارهم، وخُذْهم بلسانك، وخَوِّفهم العواقب؛ لعلّ الله أن يردَّ إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم؛ فإن فيما سعَوْا فيه تغيّر النعم وذهاب الدّولة، فعاجل الأمر وحَبْل الألفة مشدودٌ، والناس سكون، والثّغور محفوظة؛ فإنّ للجماعة دَوْلة من الفُرْقة وللسَّعة دافعًا من الفقر، وللعدد منتقصًا، ودُوَل الليالي مختلفة على أهل الدنيا، والتقلّب مع الزيادة والنقصان؛ وقد امتدّت بنا - أهل البيت - متتابعات من النعم، قد يعيبها جميع الأمم وأعداء النعم وأهل الحسد لأهلها؛ وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة، وقد أمّل القومُ في الفتنة أملا؛ لعلَّ أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا، ولكلّ أهل بيت مشائيم يُغيّر الله النعمة بهم - فأعاذك الله من ذلك - فاجعلني من أمرهم على علم، حفظَ الله لك دينَك، وأخرجَك مما أدخلك فيه، وغلب لك نفسك على رشدك.\nفأعظم سعيد ذلك، وبعث بكتابه إلى العباس، فدعا العباس يزيدَ فعذَله وتهدَّده، فحذّره يزيد، وقال: يا أخي، أخاف أن يكون بعض مَنْ حسدنا هذه النعمة من عَدُوّنا أراد أن يُغْرِيَ بيننا؛ وحَلَفَ له أنه لم يفعل، فصدّقه. [٧/ ٢٣٣ - ٢٣٩].\nقال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبدّ، أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال، متنكرًّا في سبعة نفر على حمِير، فنزلوا بجَرود على مَرْحلة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام، وقال القوم لموليً لعباد بن زياد: أما عندك طعام فنشتريه؟ قال: أما لبيعٍ فلا، ولكن عندي قراكم وما يسعكم.","vol":"9","page":669},{"text":"فأتاهم بدَجاج وفراخ وعسل وسمن وشوانيز، فطعِموا، ثم سار فدخل دمشق ليلًا، وقد بايع ليزيد أكثرُ أهل دمشق سرًّا، وبايع أهل المِزّة غير معاوية بن مصاد الكلبيّ - وهو سيد أهل المِزّة - فمضي يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مَصاد ماشيًا في نُفير من أصحابه - وبين دمشق وبين المِزّة ميل أو أكثر - فأصابهم مطر شديد، فأتوْا منزل معاوية بن مَصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا فقال ليزيد: الفراشَ أصلحك الله! قال: إن في رجلي طينًا، وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسدُ، فكلّمه يزيد فبايعه معاوية - ويقال هشام بن مصاد - ورجع يزيد إلى دمشق؛ فأخذ طريق القناة، وهو على حمار أسود؛ فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخُشنيّ، وخرج الوليد بن رَوْح، وحلف لا يدخل دمشق إلّا في السلاح، فلبس سلاحه، وكَفَّر عليه الثياب، وأخذ طريق النّيْرَب - وهو على فرس أبلق - حتى وافى يزيد، وعلي دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء، فخرج فنزل قَطَنًا واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شُرْطته أبو العاج كثير بن عبد الله السُّلَميّ، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل:\nإنّ يزيد خارج، فلم يصدّق، وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومئة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّنوا العتَمة، فدخلوا المسجد، فصَلَّوا - وللمسجد حَرَسٌ قد وُكّلُوا بإخراج الناس من المسجد بالليل - فلمَّا صلّي الناس صاح بهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غيرُ الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحَرس، ومضي يزيد بن عَنْبَسَة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه وأخذ بيده، وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعَوْنه، فقام وقال: اللهمّ إن كان هذا لك رضًا فأعنِّي عليه وسدّدْني له؛ وإن كان غير ذلك فاصرفه عنّي بموتٍ.\nوأقبل في اثني عشر رجلًا، فلمّا كان عند سوق ألحمُر لقوا أربعين رجلًا من أصحابهم، فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زُهاء مئتي رجل من أصحابهم، فمضوا إلى المسجد فدخلوه، فأخذوا باب المقصورة فضربوه وقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا، وأخذوا أبا العاج وهو سكران،","vol":"9","page":670},{"text":"وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد، وأرسل إلى كلِّ من كان يحذره فأُخِذ. وأرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيدة - مولي معيد ابن العاص، وهو على بعلبكَّ - فأخذه، وأرسل من ليلته إلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، فأخذه ووجّه إلى الثنية إلى أصحابه ليأتوه، وقال للبوابين: لا تفتحوا الباب غدوةً إلا لمن أخبركم بشعارنا. فتركوا الأبواب بالسلاسل، وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، ولم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحًا كثيرًا، فلما أصبحوا جاء أهل المِزّة وابن عصام، فما انتصف النهار حتى تبايع الناس، ويزيد يتمثل [قول النابغة]:\nإذا اسْتُنْزِلوا عَنْهُنَّ لِلطَّعْنِ أرْقَلوا ... إلى المَوْتِ إِرْقَالَ الجمالِ المصاعبِ\nفجعل أصحاب يزيد يتعجّبون، ويقولون: انظروا إلى هذا، هو قبيل الصبح يُسبّح، وهو الآن ينشد الشعر! [٧/ ٢٣٩ - ٢٤١].\nوحدّثني أحمد، عن علي، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دُكين بن الشّماخ الكلبيّ وأبو عِلاقة بن صالح السَّلامانيّ أن يزيد بن الوليد نادي بأمره منادٍ: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقل من ألف رجل، فأمر رجلًا فنادي: مَنْ ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمئة؟\nفانتدب إليه يومئذ ألف وخمسمئة، فعقد لمنصور بن جُمْهور على طائفة، وعقد ليعقوب بن عبد الرحمن بن سُلَيم الكَلبيّ على طائفة أخرى، وعقد لهَرِم بن عبد الله بن دِحيْة على طائفة أخرى، وعقد لحُميد بن حبيب اللخميّ على طائفة أخرى، وعليهم جميعًا عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالحِيرة (١).\nوحدّثني (٢) أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم بن الوليد أنّ مولىً للوليد لما خرج يزيد بن الوليد، خرج على فرس له، فأتي الوليد من يومه، فنفق فرسُه حين بلغه، فأخبر الوليد الخبر، فضربه مئة سوط وحبسه، ثم دعا أبا محمد بن\n_________\n(١) الأغاني: ٧: ٨٧.\n(٢) الأغاني: ٧: ٧٩ وما بعدها.","vol":"9","page":671},{"text":"عبد الله بن يزيد بن معاوية فأجازه، ووجّهه إلى دمشق، فخرج أبو محمد، فلما انتهى إلى ذنَبَةَ أقام، فوجّه يزيد بن الوليد إليه عبد الرحمن بن مصاد، فسالمه أبو محمد، وبايع ليزيد بن الوليد وأتي الوليد الخبر، وهو بالأغدف - والأغدف من عمان - فقال بَيْهس بن زُمَيل الكلابيّ - ويقال: قاله يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجّه الجنود إلى يزيد فيُقتل أو يؤسر، فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدَع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويُعذر والله مؤيدُ أمير المؤمنين وناصرُه، فقال يزيد بن خالد: وماذا يخاف على حرمه! وإنما أتاه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وهو ابن عمهنّ، فأخذ بقول ابن عنبسة، فقال له الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: يا أمير المؤمنين تَدْمُر حصينة، وبها قومي يمنعونك، فقال: ما أرى أن نأتي تَدْمُر وأهلها بنو عامر؛ وهم الذين خرجوا عليّ؛ ولكن دُلَّني على منزل حصين، فقال: أري أن تنزل القرية، قال: أكرهها، قال: فهذا الهَزِيم قال: أكره اسمه، قال: فهذا البَخْراء، قصرُ النعمان بن بشير، قال: ويحك! ما أقبح أسماء مياهكم! فأقبل في طريق السماوة، وترك الرّيف، وهو في مئتين، فقال:\nإذا لَم يكنْ خَيْرٌ مَع الشرّ لَمْ تَجِدْ ... نصيحًا ولا ذا حاجة حينَ تَفْزَعُ\nإذا ما هُم هَهمّوا بإِحْدَي هَنَاتِهِمْ ... حَسَرْتُ لهم رَأسي فلا أتقَنَّعُ\nفمرّ بشبكة الضّحاك بن قيس الفهريّ؛ وفيها مِنْ ولده وولد ولده أربعون رجلًا، فساروا معه وقالوا: إنا عُزْل؛ فلو أمرتَ لنا بسلاح؛ فما أعطاهم سيفًا ولا رُمحًا. فقال له بيهس بن زُمَيل: أمّا إذْ أبيتَ أن تمضيَ إلى حِمْص وتَدْمُر فهذا الحصن البَخْراء فإنه حَصِين، وهو من بناء العجم فانزله، قال: إني أخاف الطاعون، قال: الذي يُراد بك أشدّ من الطاعون؛ فنزل حصن البَخراء.\nقال: فندب يزيد بن الوليد الناسَ إلى الوليد مع عبد العزيز، ونادى مناديه. مَن سار معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم ألفيْن ألفيْن، وقال: موعدكم بذَنَبة، فوافَى بذَنبَة ألف ومئتان، وقال: موعدكم مصنعة بني عبد العزيز","vol":"9","page":672},{"text":"ابن الوليد بالبرّيّة، فوافاه ثمانمئة، فسار، فتلقاهم ثَقَل (١) الوليد فأخذوه، ونزلوا قريبًا من الوليد، فأتاه رسول العباس بن الوليد: إني آتيك، فقال الوليد: أخرجوا سريرًا، فأخرجوا سريرًا فجلس عليه وقال: أعليّ توثّب الرجال، وأنا أثِبُ على الأسد وأتخصّرُ (٢) الأفاعي! وهم ينتظرون العباس، فقاتلهم عبد العزيز، وعلي الميمنة عمرو بن حُوَيّ السَّكسَكيّ وعلي المقدّمة منصور بن جُمهور وعلى الرّجالة عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، ودعا عبد العزيز ببغل له أدْهم فركبه، وبعث إليهم زياد بن حصين الكلبيّ، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فقتله قطريّ مولي الوليد، فانكشف أصحابُ يزيدُ، فترجّل عبد العزيز، فكرّ أصحابه، وقد قتل من أصحابه عدّة، وحملت رؤوسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البَخْراء قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالجابِية، وقتِل من أصحاب الوليد بن يزيد عثمان الخَشَبيّ، قتله جناح بن نعيم الكلبيّ، وكان من أولاد الخشبيّة الذين كانوا مع المختار.\nوبلغ عبدَ العزيز مسيرُ العباس بن الوليد، فأرسل منصور بن جُمهور في خيل، وقال: إنكم تلقون العباس في الشِّعْب، ومعه بنوه [في الشِّعب] فخذوهم، فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشِّعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقالوا له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتَمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدّمتَ لأنفُذنّ حَصيَنك - يعني درعك - وقال نوح بن عمرو بن حُوَيّ السكسكيُّ: الذي لقي العباسَ بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبيّ - فعدل به إلى عبد العزيز، فأبي عليه فقال: يا بن قُسْطنْطِين، لئن أبيتَ لأضربنّ الذي فيه عيناك، فنظر العباس إلى هَرِم بن عبد الله بن دحية، فقال: مَنْ هذا؟ قال: يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم، قال: أما والله إن كان لبغيضًا إلى أبيه أن يقف ابنُه هذا الموقف؛ وعدل به إلى عسكر عبد العزيز، ولم يكن مع العباس أصحابه، كان تقدّمهم مع بنيه، فقال: إنه لله! فأتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بن الوليد، فبايع ووقف ونصبوا راية، وقالا: هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فقال العباس:\n_________\n(١) الثقل: المتاع. القاموس المحيط ص ١٢٥٦.\n(٢) تخصر: أخذ المخصرة بيده. القاموس المحيط ص ٤٩٢.","vol":"9","page":673},{"text":"إنا لله! خُدْعَةٌ من خُدَع الشيطان! هلك بنو مروان فتفرّق النّاس عن الوليد، فأتوا العباس وعبد العزيز وظاهر الوليد بين دِرْعين، وأتوه بفرسيْه: السنديّ والزّائد، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قِتْلةَ قوم لوط، ارموه بالحجارة (١).\nفلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب، وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أمَا فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! فقال له يزيد بن عنبسة السَّكسكيّ: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك؛ ألم أزِدْ في أعطياتكم! ألم أرفع المؤَن عنكم! ألم أعطِ فقراءكم! ألم أخدم زَمْنَاكم! فقال: إنا ما ننقم عليكَ في أنفسنا، ولكن ننقِم عليك في انتهاك ما حَرّم الله وشُرْب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفَافك بأمر الله؛ قال: حسبُك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت؛ وإن فيما أحِلّ لي لسعةً عمّا ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفًا، وقال: يوْمٌ كيوم (٢) عثمان؛ ونشر المصحف يقرأ، فَعَلُوا الحائط، فكان أوّل من علا الحائط يزيد بن عنبسة السَّكْسَكيّ، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جَنْبه، فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردتُ السيف لكانتْ لي ولك حالة فيهم (٣) غير هذه، فأخذ بيد الوليد؛ وهو (٤) يريد أن يحبسه ويؤامرَ\n_________\n(١) بعدها في الأغاني ٧: ٧٩: \"فرموه بالحجارة؛ فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب\"، وقال:\nدعُوا لي سُلَيمَى والطّلَاءَ وقَيْنَةً ... وكأْسًا ألا حسبي بذلك مالا\nإذا ما صَفا عَيْشٌ برملهِ عالجٍ ... وعانقتُ سلمي لا أريد بِدالا\nخذوا ملككم، لا ثبّتَ الله ملككمْ ... ثباتًا يساوي ما حِييتِ عِقالا\nوخَلُّوا عِناني قبل عَيْرٍ وما جَرَي ... ولا تحسدوني أَن أموت هُزَالا\n(٢) يريد عثمان بن عفان فإنه لما قتل كان يقرأ في المصحف، وجرى دمه عليه.\n(٣) من الأغاني.\n(٤) الأغاني: \"وهو يريد أن يدخله بيتًا ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة؛ فيهم منصور بن جمهور وعبد الرحمن وقيس مولى يزيد بن عبد الملك والسري بن زياد بن أبرهة، فضربه عبد الرحمن السلمي على رأسه ضربة، وضربه السري بن زياد على وجهه، وجروه بين خمسة ليخرجوه\".","vol":"9","page":674},{"text":"فيه، فنزل من الحائط عشرة: منصور بن جمهور وحبال بن عمرو الكلبيّ وعبد الرحمن بن عَجْلان مولي يزيد بن عبد الملك وحميد بن نصر اللخْميّ والسريّ بن زياد بن أبي كبشة وعبد السلام اللخْميّ، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السريّ على وجهه، وجرُّوه بين خمسة ليخرجوه (١)، فصاحت امرأة كانت معه في الدار، فكفّوا عنه ولم يخرجوه، واحتزّ أبو علاقة القُضاعيّ رأسه، فأخذ عَقَبًا (١) فخاط الضَّرْبة التي في وجهه، وقدم بالرأس على يزيد رَوْح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسْرِ من كان معه، والعباس - ويزيد يتغدّي - فسجد ومَن كان معه، وقام يزيد بن عنبسة السّكسكِيّ، وأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله، فاختلج يزيد يده من كفّه، وقال: اللهمَّ إن كان هذا لك رضًا فسدّدني، وقال ليزيد بن عنبسة: هل كلّمكم الوليد؟ قال: نعم، كلّمني من وراء الباب، وقال: أما فيكم (٢) ذو حسب فأكلّمه! فكلمته ووبّخته، فقال: حسبُك، فقد لعمري أغرقت وأكثرت، أما والله لا يُرْتَقُ فتقكم، ولا يُلمّ شعثكم، ولا تجمع كلمتكم. [٧/ ٢٤٣ - ٢٤٧].\nوحدّثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني المثنّى بن معاوية، قال: أقبل الوليد فنزل اللؤلؤة، وأمر ابنه الحَكم والمؤمّل بن العباس أن يفرضا لمن أتاهما ستين دينارًا في العطاء، فأقبلتُ أنا وابن عمّي سليمان بن محمد بن عبد الله إلى عَسْكر الوليد، فقرّبني المؤمّل وأدناني، وقال: أدخلِك على أمير المؤمنين، وأكلّمه حتى يفرض لك في مئة دينار.\nقال المثنّى: فخرج الوليد من اللؤلؤة فنزل المليكة، فأتاه رسول عمرو بن قيس من حِمْص يخبره أن عمرًا قد وجَّه إليه خمسمئة فارس، عليهم عبد الرحمن بن أبي الجَنوب البهرانيّ، فدعا الوليد الضّحاك بن أيمن من بني عوف بن كلب، فأمره أن يأتيَ ابن أبي الجنَوب - وهو بالغُوَير - فيستعجله، ثم يأتي الوليد بالملكية، فلما أصبح أمر الناس بالرّحيل، وخرج على برْذون كُمَيت، عليه قبَاء خَزّ وعمامة خز، محتزمًا برَيْطة رقيقة قد طواها، وعلى كتفيه\n_________\n(١) العقب: العصب الذي تعمل منه الأوتار. القاموس المحيط ص ١٤٩.\n(٢) ح: \"ما\".","vol":"9","page":675},{"text":"رَيْطة صفراء فوق السيف، فلقيه بنو سليم بن كيسان في ستة عشر فارسًا ثم سار قليلًا، فتلقَّاه بنو النعمان بن بشير في فوارس، ثم أتاه الوليد ابن أخي الأبرش في بني عامر من كَلْب، فحمله الوليد وكساه، وسار الوليد على الطريق ثم عدل في تَلْعة يقال لها المشبهة، فلقيه ابنُ أبي الجنوب في أهل حِمْص، ثم أتي البَخْراء، فضجّ أهلُ العسكر، وقالوا: ليس معنا عَلَف لدوابنا، فأمر رجلًا فنادي: إن أمير المؤمنين قد اشترَى زُروع القرية، فقالوا: ما نصنع بالقصيل (١)! تضعف عليه دوابُّنا؛ وإنما أرادوا الدراهم.\nقال المثنّى: أتيت الوليد، فدخلت من مؤخّر الفُسطاط، فدعا بالغَداء، فلما وُضع بين يديه أتاه رسولُ أمّ كُلْثوم بنت عبد الله بن يزيد بن عبد الملك يقال له عمرو بن مُرّة، فأخبره أنّ عبد العزيز بن الحجاج؛ قد نزل اللؤلؤة، فلم يلتفت إليه، وأتاه خالد بن عثمان المخراش - وكان على شُرَطه - برجل من بني حارثة بن جناب، فقال له: إنّي كنتُ بدمشق مع عبد العزيز، وقد أتيتك بالخبر؛ وهذه ألف وخمسمئة قد أخذتها - وحلَّ هِمْيانًا من وسطه، وأراه - وقد نزل اللؤلؤة: وهو غاد منها إليك، فلم يجبه والتفَت إلى رجل إلى جَنْبه، وكلمه بكلام لم أسمعْه، فسألت بعض مَنْ كان بيني وبينه عمّا قال، فقال: سأله عن النهر الذي حفره بالأردنّ: كم بقي منه؟ وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة، فأتي المليكة فحازَها، ووجّه منصور بن جمهور، فأخذ شرقيّ القري - وهو تلّ مشرف في أرض مَلْساء على طريق نِهْيا إلى البَخْراءِ - وكان العباس بن الوليد تهيأ في نحو من خمسين ومئة من مواليه وولده، فبعث العباس رجلًا من بني ناجية يقال له حُبيش إلى الوليد يخيِّره بين أن يأتيَه فيكون معه؛ أو يسير إلى يزيد بن الوليد، فاتّهم الوليد العباس، فأرسل إليه يأمره أن يأتيَه فيكون معه، فلقي منصور بن جمهور الرّسول، فسأله عن الأمر فأخبره، فقال له منصور: قل له: والله لئن رحلتَ من موضعك قبل طلوع الفجر لأقتلَنك ومَنْ معك؛ فإذا أصبح فليأخذ حيث أحبّ، فأقام العباس يتهيّأ؛ فلما كان في السَّحرَ سمعنا تكبير أصحاب عبد العزيز قد أقبلوا إلى البَخْراءِ، فخرج خالد بن عثمان المخْراش، فعبّأ الناس؛ فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس؛ وكان مع أصحاب يزيد بن\n_________\n(١) القصيل: الزرع يجزُّ أخضر لعلف الدَّواب.","vol":"9","page":676},{"text":"الوليد كتاب معلّق في رمح، فيه: إنا نَدْعُوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وأن يصير الأمر شورى، فاقتتلوا فقتِل عثمان الخشبيّ، وقُتِل من أصحاب الوليد زهاءُ ستين رجلًا، وأقبل منصور بن جُمهور على طريق نِهيْا، فأتي عسكر الوليد مِن خلفهم، فأقبل إلى الوليد وهو في فُسطاطه؛ ليس بينه وبين منصور أحد. فلما رأيتُه خرجتُ أنا وعاصم بن هبيرة المَعَافريّ خليفة المخراش، فانكشف أصحاب عبد العزيز، ونكص أصحاب منصور، وصُرع سُميّ بن المغيرة وقُتِل، وعدل منصور إلى عبد العزيز، وكان الأبرش على فرس له يدعي الأديم، عليه قَلَنسوة ذات أذنين؛ قد شدّها تحت لحيته؛ فجعل يصيح بابن أخيه: يا بن اللخناء، قدّمْ رايتَك، فقال له: لا أجدُ متقدّمًا، إنها بنو عامر.\nوأقبل العباس بن الوليد فمنَعه أصحاب عبد العزيز، وشدّ مولي لسليمان بن عبد الله بن دحْية - يقال له التركيّ - على الحارث بن العباس بن الوليد، فطعنه طعنة أذْراه عن فرسه؛ فعدل العباس إلى عبد العزيز، فأسقِط في أيدي أصحاب الوليد وانكسروا، فبعث الوليد بن يزيد الوليدَ بن خالد إلى عبد العزيز بن الحجاج بأن يعطيَه خمسين ألف دينار، ويجعل له ولاية حِمْص ما بقي، ويؤمِّنه على كلّ حَدَث، على أن ينصرف ويكفّ؛ فأبي ولم يجبه، فقال له الوليد: ارجعْ إليه فعاودْه أيضًا، فأتاه الوليد فلم يجبه إلى شيء، فانصرف الوليد؛ حتى إذا كان غيرَ بعيد عطف دابَّته، فدنا من عبد العزيز، فقال له: أتجعل له خمسة آلاف دينار وللأبرش مثلها، وأن أكون كأخصّ رجل من قومي منزلة وآتيك، فأدخل معك فيما دخلت فيه؟ فقال له عبد العزيز: على أن تحمل الساعة على أصحاب الوليد؛ ففعل. وكان على ميمنة الوليد بن أبي سفيان بن يزيد بن خالد، فقال لعبد العزيز: أتجعل لي عشرين ألف دينار وولاية الأردنّ والشركة في الأمر على أن أصير معكم؟ قال: على أن تحمل على أصحاب الوليد من ساعتك، ففعل، فانهزم أصحاب الوليد، وقام الوليد فدخل البَخْراء، وأقبل عبد العزيز فوقف على الباب وعليه سلسلة، فجعل الرّجل بعد الرّجل يدخل من تحت السلسلة.\nوأتى عبْدَ العزيز عبد السلام بن بكير بن شمّاخ اللخميّ، فقال له: إنه يقول: أخرج على حُكْمك، قال: فليخرج؛ فلما ولّى قيل له: ما تصنع بخروجه! دعه يكفيكه الناس، فدعا عبد السلام فقال: لا حاجة لي فيما عَرَض عليّ، فنظرت","vol":"9","page":677},{"text":"إلى شابّ طويل على فرس، فدنا من حائط القَصْر فعلاه، ثم صار إلى داخل القصر، قال: فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قَصب وسراويل وَشْي، ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه، فأقبل إليه بشر بن شيبان مولى كنانة بن عمير؛ وهو الذي دخل من الحائط، فمضى الوليد يريد الباب - أظنه أراد أن يأتي عبد العزيز - وعبد السلام عن يمينه ورسول عمرو بن قيس عن يساره، فضربه على رأسه؛ وتعاوره الناس بأسيافهم فقتِل، فطرح عبد السلام نفسَه عليه يحتزُّ رأسه - وكان يزيد بن الوليد قد جعل في رأس الوليد مئة ألف - وأقبل أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسريّ فسلخ من جلد الوليد قَدْر الكفّ، فأتي بها يزيدَ بن خالد بن عبد الله، وكان محبوسًا في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه، وأتاني يزيد العُلَيميّ أبو البَطريق بن يزيد؛ وكانت ابنته عند الحكم بن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتي، فما وصل أحدٌ إلى شيء زعم أنه له.\nقال أحمد: قال عليّ: قال عمرو بن مَروان الكلبيّ: لما قُتل الوليد قُطعت كفّه اليسرى، فبُعث بها إلى يزيد بن الوليد، فسبقت الرّأس؛ قُدِم بها ليلة الجمعة، وأتِيَ برأسه من الغِد، فنصبه للناس بعد الصلاة، وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز، فلما أتاهم رأس الوليد سكتوا وكفّوا. قال: وأمر يزيد بنصب الرأس، فقال له يزيد بن فروة مولي بني مروان: إنما تنصب رؤوس الخوارج، وهذا ابنُ عمّك؛ وخليفة، ولا آمنُ إن نصبتَه أن ترقّ له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته؛ فقال: والله لأنصبنّه، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطُفْ به في مدينة دمشق؛ وأدخله دار أبيه. ففعل، فصاح الناس وأهل الدار، ثم ردّه إلى يزيد، فقال: انطلق به إلى منزلك؛ فمكث عنده قريبًا من شهر، ثم قال له: ادفعه إلى أخيه سليمان - وكان سليمان أخو الوليد ممن سعي على أخيه - فغسل ابن فروة الرّأس، ووضعه في سَفط، وأتي به سليمان، فنظر إليه سليمان، فقال: بُعدًا له! أشهد أنه كان شَرُوبًا للخمر، ماجنًا فاسقًا؛ ولقد أرادني على نفسي الفاسق، فخرج ابن فروة من الدار، فتلقَّته مولاة للوليد، فقال لها: ويحكِ! ما أشدَّ ما شتمه! زعم أنه أراده على نفسه! فقالت: كذب والله الخبيث، ما فعل، ولئن كان أراده على نفسه لقد فَعَل؛ وما كان ليقدر على الامتناع منه.","vol":"9","page":678},{"text":"وحدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدثني يزيد بن مَصَاد، عن عبد الرحمن بن مصاد، قال: بعثني يزيد بن الوليد إلى أبي محمد السفيانيّ - وكان الوليد وجّهه حين بلغه خبر يزيد واليًا على دمشق وأتي ذنَبَة، وبلغ يزيد خبره، فوجّهني إليه - فأتيته، فسالم وبايع ليزيد، قال: فلم نرِمْ حتى رُفع لنا شخص مُقبلٌ من ناحية البَرّية، فبعثت إليه، فأتيت به فإذا هو الغُزَيِّل أبو كامل المغنِّي، على بغلة للوليد تدعي مريم، فأخبرنا أنّ الوليد قد قتل، فانصرفت إلى يزيد، فوجدت الخبر قد أتاه قبل أن آتيَه.\nحدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دُكَين بن شمَّاخ الكلبيّ ثم العامريّ، قال: رأيت بشر بن هلباء العامريّ يوم قُتِل الوليد ضرب باب البَخْراء بالسيف، وهو يقول:\nسَنبكي خالدًا بمُهَنَّداتٍ ... ولا تَذْهَبْ صنائعُهُ ضَلالا\nوحدّثني أحمد، عن عليّ، عن أبي عاصم الزّياديّ، قال: ادّعي قتلَ الوليد عشرة، وقال: إني رأيتُ جلدةَ رأس الوليد في يدِ وَجْه الفَلْس فقال: أنا قتلته؛ وأخذت هذه الجلدة، وجاء رجل فاحتزَّ رأسه، وبقيت هذه الجلدة في يدِي، واسم وجه الفَلْس عبد الرحمن، قال: وقال الحكم بن النعمان مولي الوليد بن عبد الملك: قدم برأس الوليد على يزيد منصور بن جمهور في عشرة؛ فيهم رَوْح بن مُقْبِل، فقال رَوْح: يا أميرَ المؤمنين؛ أبشر بقتل الفاسق وأسرِ العباس؛ وكان فيمن قدم بالرأس عبد الرحمن وَجْه الفلْس، وبشر مولي كنانة من كلْب؛ فأعطى يزيد كلَّ رجل منهم عشرة آلاف. قال؛ وقال الوليد يوم قُتِل وهو يقاتلهم: مَنْ جاء برأس فله خمسمئة:؛ فجاء قوم بأرؤس، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس: يا أمير المؤمنين؛ ليس هذا بيوم يُعْمَل فيه بنسيئة!\nقال: وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغنّي وعمرو الوادي؛ فلما تفرّق عن الوليد أصحابُه، وحُصِر، قال مالك لعمرو: اذهب بنا، فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء؛ ونحن لا يُعْرَضُ لنا لأنا لسنا ممن يقاتل، فقال ما لك: ويلك! والله لئنْ ظفروا بنا لا يقتَل أحد قبلي وقبلك؛ فيوضع رأسه بين رأسيْنا؛ ويقال","vol":"9","page":679},{"text":"للناس: انظروا مَن كان معه في هذه الحال؛ فلا يعيبونه بشيء أشدّ من هذا؛ فهربا. [٧/ ٢٤٧ - ٢٥٢].\nوكان يكنى أبا العباس، وأمه أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفيّ؛ وكان شديد البَطْش، طويل أصابع الرجلين؛ كان يوتَد له سكة حديد فيها خيط ويشُدّ الخيط في رجله، ثم يثب على الدابة، فينتزع السكة ويركب، ما يمسّ الدابة بيده.\nوكان شاعرًا شَروبًا للخمر؛ حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن ابن أبي الزّناد، قال: قال أبي: كنتُ عند هشام، وعنده الزُّهريّ، فذكر الوليدَ، فتنقّصاه وعاباه عَيْبًا شديدًا، ولم أعرض في شيء مما كانا فيه؛ فاستأذن الوليد، فأذن له، وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلًا، ثم قام، فلما مات هشام كتب فيّ فحمِلت إليه فرحّب بي، وقال: كيف حالك يابن ذكوان؟ وألطف المسألة بي، ثم قال: أتذكُر يوم الأحول وعنده الفاسق الزهريّ، وهما يعيبانني؟ قلت: أذكر ذلك؛ فلم أعرض في شيء مما كانا فيه، قال: صدقت؛ أرأيت الغلام الذي كان قائمًا على رأس هشام؟ قلت: نعم، قال: فإنه نمَّ إليّ بما قالا؛ وايمُ الله لو بقيَ الفاسق - يعني الزُّهريّ - لقتلته، قلتُ: قد عرفتُ الغضب في وجهك حين دخلت، ثم قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول بعمري، فقلت: بل يطيل الله لك عمرك يا أمير المؤمنين؛ ويمتّع الأمة ببقائك؛ فدعا بالعَشاءِ فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وتحدّثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس، وقال: اسقني؛ فجاؤوا بإناء مغطَّى، وجاء ثلاث جوار فصُففن بين يديه، بيني وبينه، ثم شرب؛ وذهبنا فتحدّثنا واستسقي فصنعن مثل ما صنعن أولًا؛ قال: فما زال على ذلك يتحدّث ويستسقي ويصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر، فأحصيتُ له سبعين قدحًا (١). [٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤].\n* * *\nوفي هذه السنة قتِل خالد بن عبد الله القسريّ.\n_________\n(١) في إسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد قال ابن معين ليس بشيء وقال النسائي لا يحتج بحديثه وقال ابن عدي هو ممن يكتب حديثه، ولم نجد له متابعًا والله أعلم.","vol":"9","page":680},{"text":"* ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:\nقد تقدم ذكرنا الخبر عن عزل هشام إياه عن عمله وولايته العراق وخراسان واستعماله على العراق يوسف بن عمر؛ وكان - فيما ذكر - عمل لهشام على ذلك خمس عشرة سنة غير أشهر؛ وذلك أنه - فيما قيل - ولي العراق لهشام سنة خمس ومئة، وعُزل عنها في جمادي الأولي سنة عشرين ومئة، ولما عزله هشام وقدم عليه يوسف واسطًا أخذه وحبسه بها، ثم شخص يوسف بن عمر إلى الحِيرة، فلم يزل محبوسًا بالحيرة تمام ثمانية عشر شهرًا مع أخيه إسماعيل بن عبد الله وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد بن عبد الله، واستأذن يوسف هشامًا في إطلاق يده عليه وتعذيبه، فلم يأذن له حتى أكثر عليه، واعتلّ عليه بانكسار الخراج وذهاب الأموال، فأذن له مرّة واحدة، وبعث حرسيًّا يشهد ذلك، وحلف: لئن أتى على خالد أجلُه، وهو في يده ليقتلنّه؛ فدعا به يوسف؛ فجلس على دُكان بالحيرة وحضر الناس، وبسط عليه؛ فلم يكلّمه واحدةً حتى شتمه يوسف، فقال: يابنَ الكاهن - يعني شِقّ بن صعب الكاهن - فقال له خالد: إنك لأحمق، تعيّرني بشرفي! ولكن يا بن السبّاء، إنما كان أبوك سَبّاء خمر - يعني يبيع الخمر - ثم ردّه إلى حبسه، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومئة، فنزل خالد في قصر إسماعيل بن عبد الله بدُوران، خلْف جسر الكوفة، وخرج يزيد بن خالد وحده؛ فأخذه على بلاد طّييء؛ حتى ورد دمشق، وخرج خالد ومعه إسماعيل والوليد؛ قد جهَّزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أخذ لهم، وردّ بعض الموالي إلى الرّقّ، فقدم خالد قصر بني مقاتل؛ وقد أخذ كل شيء لهم، فسار إلى هِيت، ثم تحمَّلوا إلى القرية - وهي بإزاء باب الرُّصافة - فأقام بها بقيَّة شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرّم وصَفر؛ لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه، والأبْرَشُ يكاتب خالدًا، وخرج زيد بن عليّ فقُتِل.\nقال الهيثم بن عديّ - فيما ذكر عنه -: وكتب يوسف إلى هشام: إن أهلَ هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعًا؛ حتى كانت همَّةُ أحدهم قوت عياله؛ فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال فقَوْوا بها حتى تاقت أنفسهم إلى طلَب","vol":"9","page":681},{"text":"الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأي خالد؛ والدليل على ذلك نزولُ خالد بالقرية على مَدْرجة العراق يستنشي (١) أخبارها.\nفسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب، ثم قال للحكم بن حَزْن القينيّ - وكان على الوفد، وقد أمره يوسف بتصديق ما كتَب به، ففعل - فقال له هشام: كذبت وكذبَ مَنْ أرسلك؛ ومهما اتَّهمنا خالدًا فلسنا نتَّهمه في طاعة؛ وأمر به فوجِئَتْ عنقه، وبلغ الخبرُ خالدًا فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفة، فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد بن عبد الله؛ وعلى دمشق يومئذ كلثوم بن عِيَاض القسريّ، وكان متحاملًا على خالد؛ فلما أدربوا (٢) ظهر في دور دمشق حريق؛ كلّ ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو العمرَّس وأصحاب له؛ فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون، وكان إسماعيل بن عبد الله والمنذر بن أسد بن عبد الله وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم؛ فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق، ويخبره أنه لم يكن قطّ؛ وأنه عمَلُ موالي خالد؛ يريدون الوثوب على بيت المال، فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد؛ الصغير منهم والكبير، ومواليهم والنساء؛ فأخذ إسماعيل والمنذر ومحمد وسعيد من الساحل فقدِم بهم في الجوامع ومَن كان معهم من مواليهم؛ وحبس أمّ جرير بنت خالد والرّائقة وجميع النساء والصبيان؛ ثم ظهر على أبي العمرّس؛ فأخذ ومَن كان معه، فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل خراج دمشق إلى هشام يخبره بأخذ أبي العمرّس ومَن كان معه، سماهم رجلًا رجلًا، ونسبهم إلى قبائلهم وأمصارهم، ولم يُذكر فيهم أحد من موالِي خالد، فكتب هشام إلى كلثوم يشتِمه ويعنّفه، ويأمره بتخلية سبيل جميع من حبس منهم، فأرسلهم جميعًا واحتبس الموالي رجاء أن يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفة، فلما أقبل الناس وخرجوا عن الدّرب بلغ خالدًا حبسُ أهله، ولم يبلغه تخليتُهم؛ فدخل يزيد بن خالد في غمار الناس حتى أتى حمص، وأقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق، فلما أصبح أتاه الناس، فبعث إلى ابنتيه: زينب وعاتكة؛ فقال: إني قد كبِرت وأحببت أن تليَا خدمتي؛ فسُرَّتا بذلك - ودخل عليه إسماعيل أخوه ويزيد\n_________\n(١) يستنشي الأخبار: يبحث عنها. القاموس المحيط ص ١٧٣٠.\n(٢) يقال: أدرب القوم؛ إذا دخلوا أرض العدو من بلاد الروم. القاموس المحيط ص ١٠٦.","vol":"9","page":682},{"text":"وسعيد ابناه، وأمر بالإذن، فقامت ابنتاه لتتنحيّا، فقال: وما لهما تَتنحيّان، وهشام في كلّ يوم يسوقهنّ إلى الحبس! فدخل الناس، فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما، فقال خالد: خرجتُ غازيًا في سبيل الله؛ سامعًا مطيعًا، فخُلفتُ في عَقِبي، وأخذ حُرَمي وحُرَم أهل بيتي؛ فحبِسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرْك! فما منع عصابةً منكم أن تقوم فتقول: علام حُبس حُرم هذا السامع المطيع! أخفتم أن تقتلوا جميعًا! أخافكم الله! ثم قال: ما لي ولهشام! ليكفنّ عني هشام أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوي شأميّ الدار حجازيّ الأصل - يعني محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس - وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشامًا، فلما بلغه ما قال، قال: خَرِفَ أبو الهيثم.\nوذكر أبو زيد أن أحمد بن معاوية حدّثه عن أبي الخطاب، قال: قال خالد: أما والله، لئن ساء صاحب الرُّصافة - يعني هشامًا - لننصبنّ لنا الشأميّ الحجازيَّ العراقيَّ، ولو نخر نخرةً تداعتْ من أقطارها.\nفبلغت هشامًا، فكتب إليه: إنك هذَّاءَةٌ هُذَرَةٌ (١)، أبِبَجيلة القليلة الذليلة تتهدَّدني! قال: فوالله ما نصره أحد بيدٍ ولا بلسان إلّا رجل من عبس، فإنه قال:\nأَلا إنَّ بَحْرَ الجُودِ أَصْبَحَ سَاجِيًا ... أَسِيرَ ثَقيفٍ مُوثَقًا في السّلَاسِل\nفإنْ تَسْجُنوا القسريَّ لا تَسْجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفَهُ في القبائل\nفأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق، ويوسف ملحٌّ على هشام يسأله أن يوجه إليه يزيد، وكتب هشام إلى كُلثوم بن عياض يأمره بأخْذ يزيد والبعثة به إلى يوسف، فوجه كلثوم إلى يزيد خيلًا وهو في منزله، فشدّ عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، وجاءت الخيل إلى كُلثوم فأخبروه، فأرسل إلى خالد الغدَ من يوم تنحّى يزيد خيلًا، فدعا خالد بثيابه فلبسَها، وتصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو أمرتَ هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: ولمَ؟ أما والله لولا الطاعة لعَلم عبد بني قَسْر أنه لا ينال هذه مني، فأعلِموه مقالتي؛ فإن كان\n_________\n(١) هذأه بلسانه، إذا أسمعه ما يكره. القاموس المحيط ص ٧٢، والهذر: الكلام الباطل. القاموس المحيط ص ٦٣٨.","vol":"9","page":683},{"text":"عربيًّا كما يزعم؛ فليطلب جَدّه مني، ثم مضي معهم فحبس في حَبْس دمشق، وسار إسماعيل من يومه حتى قدم الرُّصافة على هشام، فدخل على أبي الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد، فدخل أبو الزُّبير على هشام فأعلمه، فكتب إلى كُلثوم يعنِّفه، ويقول: خليت عمَّن أمرتك بحبسه، وحبست من لم آمرك بحبسه. ويأمره بتخلية سبيل خالد، فخلّاه.\nوكان هشام إذا أراد أمرًا أمَر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أنّ عبد الرحمن بن ثويب الضِّنيّ - ضنة سعد إخوة عُذْرة بن سعد - قام إليك، فقال: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إنّ الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم ... حتى عدّ عشرًا؛ وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلنّ دمك؛ فاكتب إليّ بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين.\nفكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلًا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرِّف ما كان فيه إلى غيره؛ قام إليّ عبد الرحمن بن ثُويب، فقال: يا خالد أني لأحبّك لعشر خصال: إن الله كريم يحبّ كلّ كريم، والله يحبك وأنا أحبك لحبّ الله إياك؛ حتى عدّد عشر خصال؛ ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحِمْيريّ إلى أمير المؤمنين، وقوله: يا أمير المؤمنين، خليفتك في أهلك أكرمُ عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين: بل خليفتي في أهلي، فقال ابنُ شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله؛ ولعمري لضلالة رجل من بَجيلة إن ضلّ أهون على العامة والخاصّة من ضلالة أمير المؤمنين، فأقرأ الأبرش هشامًا كتابه، فقال خَرِفَ أبو الهيثم.\nفأقام خالد بدمشق خلافةَ هشام حتى هلَك، فلما هلك هشام، وقام الوليد، قدم عليه أشراف الأجناد؛ فيهم خالد؛ فلم يأذن لأحد منهم. واشتكى خالد، فاستأذن فأذِن له، فرجع إلى دمشق، فأقام أشهرًا، ثم كتب إليه الوليد: إنّ أمير المؤمنين قد علِم حال الخمسين الألف ألف؛ التي تعلم، فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله؛ فقد أمره ألّا يُعجلك عن جِهاز.\nفبعث خالد إلى عدّة من ثقاته، منهم عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، فأقرأهم الكتاب، وقال: أشيروا عليّ؛ فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون عليك؛ فالرأي أن","vol":"9","page":684},{"text":"تدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال وتدعوَ إلى من أحببت؛ فأكثرُ الناس قومُك، ولن يختلف عليك رجلان، فال: أو ماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتقيم حتى تتوثّق لنفسك، قال: أو ماذا؟ قالوا: أو تتوارى، قال: أما قولكم: تدعو إلى من أحببت؛ فإني أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، وأما قولكم: تتوثّق لنفسك؛ فأنتم لا تأمنون عليّ الوليد؛ ولا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي وقد أخذت بُيوت الأموال! وأما التواري؛ فوالله ما قنَّعت رأسي خوفًا من أحد قطّ؛ فالآن وقد بلغت من السنّ ما بلغت! لا، ولكن أمضي وأستعين بالله.\nفخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدعُ به، ولم يكلّمه وهو في بيته؛ معه مواليه وخدمُه، حتى قُدِم برأس يحيى بن زيد من خُراسان، فجمع الناس في رِواق، وجلس الوليد، وجاء الحاجب فوقف، فقال له خالد: إن حالي ما ترى؛ لا أقدر على المشي؛ وإنما أحِمَل في كرسيّ، فقال الحاجب: لا يدخل عليه أحد يُحمَل، ثم أذن لثلاثة نَفر، ثم قال: قم يا خالد، فقال: حالي ما ذكرت لك، ثم أذن لرجل أو رجلين، فقال: قم يا خالد، فقال: إن حالي ما ذكرت لك؛ حتى أذن لعشرة، ثم قال: قم يا خالد، وأذن للناس كلهم، وأمر بخالد فحمِل على كرسيّه؛ فدخِل به والوليد جالسٌ على على سريره، والموائد موضوعة، والناس بين يديه سماطان، وشبّة بن عقّال - أو عقّال بن شبّة - يخطب، ورأس يحيى بن زيد منصوب، فميل بخالد إلى أحد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصُرف الناس، وحُمل خالد إلى أهله؛ فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فردّه، فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: أين يزيد بن خالد؟ فقال: كان أصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله؛ فلما لم يظهر ظننّاه ببلاد قومه من السّراة، وما أوشكه، فرجع إليه الرسول، فقال: لا ولكنك خلَّفته طلبًا للفتنة، فقال خالد للرسول: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهلَ بيت طاعة، أنا وأبي وجدي - قال خالد: وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول: أنّ الوليد قريب حيث يسمع كلامي - فرجع الرّسول، فقال: يقول لك أمير المؤمنين؛ لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوتَه، وقال: قل له: هذا أردتَ، وعليه دُرْتَ؛ والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فاصنع","vol":"9","page":685},{"text":"ما بدا لك! فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبَسْط عليه، وقال له: أسمعني صوته. فذهب به غَيْلان إلى رَحْله، فعذْبه بالسلاسل، فلم يتكلم فرجع غَيْلان إلى الوليد، فقال: والله ما أعذّب إنسانًا؛ والله ما يتكلم ولا يتأوَّه، فقال: اكفُف عنه واحبسه عندك، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمالٍ من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم وجلس الوليد للناس ويوسف عنده؛ فتكلّم أبان بن عبد الرحمن النميريّ في خالد، فقال يوسف: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد إنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف؛ فإن كنت تضمنها وإلّا دفعتُك إليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تُباع؛ والله لو سألتني أن أضمن هذا - ورفع عودًا من الأرض - ما ضمنتُه، فرَ رأيك.\nفدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه بأخري، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المُريّ ابن أخي الوليد بن تَلِيد - وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحْدَثة، على مَرْحلة من عسكر الوليد، ثم دعا به فذكر أمَّه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبدًا. فبسط عليه، وعذّبه عذابًا شديدًا [وهو] لا يكلّمه كلمة، ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينيّ بشربة سويق حبّ رمّان مع مولى له يقال له سالم النفّاط، فبلغ يوسف فضرب زيدًا خمسمئة سوط، وضرب سالمًا ألف سوط، ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلّمه، وصبر إبراهيم بن هشام وخَرعَ محمد بن هشام، فمكث خالد يومًا في العذاب، ثم وضَع على صدره المضرّسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرّم سنة ست وعشرين ومئة في قول الهيثم بن عديّ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعريّ فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمئة سوط.\nقال أبو زيد: حدّثني أبو نُعيم قال: حدّثني رجل، قال: شهدتُ خالدًا حين أتِيَ به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرّجال حتى كسِرت قدماه؛ فوالله ما تكلّم ولا عَبس، ثم على ساقيه حتى كُسِرَتا، ثم على فخذيه ثم على حَقْويه ثم على صدره حتى مات، فوالله ما تكلم ولا عَبس، فقال خلف بن خليفة لما قتِل الوليد بن يزيد:","vol":"9","page":686},{"text":"لقد سَكَّنَتْ كلبٌ وأَسباقُ مَذْحِجٍ ... صَدىً كان يَزْقو لَيْلَهُ غَيرَ راقِدِ\nتَرَكْنَ أميرَ المؤمنينَ بخالدٍ ... مُكِبًّا على خَيْشُومِهِ غَيرَ سَاجِدِ\nفإنْ تَقْطَعُوا مِنّا مَناطَ قِلَادَةٍ ... قَطَعْنا به منكمْ منَاطَ قَلائِدِ\nوَإنْ تشْغَلُونا عن ندانا فإِنَّنا ... شَغلنا الوليدَ عن غناءِ الولائد\nوإِنْ سافَرَ القَسريّ سَفرَةَ هالكٍ ... فإنَّ أَبا العباسِ ليسَ بشاهِدِ\nوقال حسان بن جعدة الجعفريّ يكذّب خلف بن خليفة في قوله هذا:\nإنَّ امْرَأً يَدَّعِي قتلَ الوليدِ سوَى ... أَعمامِهِ لَمَلِيء النفسِ بالكَذِب\nما كان إلا امْرَأً حانَتْ مَنِيَّتُهُ ... سَارتْ إليه بنو مرْوان بالعَرَبِ\nوقال أبو محْجن مولى خالد:\nسائلْ وَليدًا وسائلْ أهلَ عسكَرِه ... غداة صَبَّحَهُ شُؤْبُوبُنا البَرِدُ\nهلْ جاءَ مِنْ مُضَرٍ نَفسٌ فتَمْنَعهُ ... والخَيْلُ تحْتَ عجاجِ الموتِ تَطّرِدُ\nمَنْ يَهْجُنا جاهِلًا بالشِّعْر نَنْقُضهُ ... بالبيض إنها بِها نَهْجُو ونَفتئدُ\nوقال نصر بن سعيد الأنصاريّ:\nأَبْلغ يَزيدَ بَنِي كرْزٍ مُغَلْغَلةً ... أَني شُفِيتُ بِغَيْب غَيْرَ مَوْتُورِ\nقَطَعتَ أَوْصال قَنُّورٍ على حَنَقٍ ... بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ الهِنْدِ مأْثورِ\nأمْسَتْ حلائلُ قَنُّورٍ مُجَدَّعَةً ... لِمَصْرَعِ العبدِ قنُّورِ بن قَنُّورِ\nظلّتْ كِلابُ دمَشْقٍ وَهْيَ تَنْهَشُهُ ... كأنَّ أعضاءَهُ أعضاءُ خنزِير\nغادَرْنَ مِنْهُ بقايا عِنْدَ مَصرَعِهِ ... أنقاضَ شِلْوٍ على الأَطْنَابِ مَجْرور\nحكّمْتَ سَيْفك إذ لَمْ تَرْضَ حكمَهمُ ... والسَّيْفُ يحكمُ حكْمًا غَيْر تعذِير\nلا ترْضَ مِنْ خالدٍ إنْ كُنْتَ مُتَّئرًا ... إلا بكلِّ عَظِيم المُلك مَشْهُورِ\nأسعرْتَ مُلكَ نِزَارٍ ثمَّ رُعْتَهُمُ ... بالخيْلِ ترْكُضُ بالشُمّ المَغَاوير\nما كانَ في آل قَنُّور ولا وَلَدوا ... عَدْلًا لبدرْ سَماء ساطِعٍ النّور\n[٧/ ٢٥٤ - ٢٦١].\nقال عمرو بن مروان؛ فحدّثني يزيد بن مَصَاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حِمْص، وقد نزلوا السلمانيّة، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبَل على شمائلهم، والجِباب خلفهم؛ وليس عليهِم مأتىً إلا من وجْه واحد، وقد نزلوا أوّل الليل، فأراحوا دوابَّهم، وخرجنا نسري ليلتَنا","vol":"9","page":687},{"text":"كلَّها، حتى دفعنا إليهم؛ فلما متَع (١) النهار واشتدّ الحرّ، ودوابنا قد كلّت وثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بن الوليد، فقلت له - وسليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد أن يُقدِم الأمير جندَه إلى القتال في هذه الحال! فأقبل سليمان فقال: يا غلام، أصبر نفسَك، فوالله لا أنزل حتى يقضيَ الله بيني وبينهم ما هو قاض، فتقدَّم وعلى ميمنتِه الطُّفيل بن حارثة الكلبيّ، وعلى ميسرته الطُّفَيل بن زرارة الحبشيّ، فحملوا علينا حَمْلة، فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غَلْوتين، وسليمان في القلْب لم يزُل من مكانه؛ ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردّوهم إلى موضعهم، فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مرارًا، فقتِل منهم زُهاء مئتي رجل، فيهم حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وأصيب من أصحاب سليمان نحوٌ من خمسين رجلًا، وخرج أبو الهَلباء البَهْرانيّ - وكان فارسَ أهل حمْص - فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه حَيّة بن سلامة الكلبيّ فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، وشدّ عليه أبو جعدة (مولىً لقريش من أهل دمشق) فقتله، وخرج ثُبيت بن يزيد البهرانيّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه إيراك السُّغديّ، من أبناء ملوك السُّغد كان منقطعًا إلى سليمان بن هشام - وكان ثبيت قصيرًا، وكان إيراك جسيمًا - فلما رآه ثُبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف إيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبْده، قال: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثَنيّة العُقَاب، فشدّ عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتَل ونفذ إلينا.\n[قال أحمد]: قال عليّ: قال عمرو بن مروان: فحدّثني سليمان بن زياد الغسانيّ قال: كنت مع عبد العزيز بن الحجاج: فلما عاين عسكر أهل حمص، قال لأصحابه: موعدكم التلَّ الذي في وسط عسكرهم؛ والله لا يتخلّف منكم أحدٌ إلّا ضربتُ عنقه. ثم قال لصاحب لوائه: تقدّم، ثم حمل وحملنا معه؛ فما عرض لنا أحد إلا قُتِل حتى صرنا على التلّ، فتصدّع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسريّ: الله الله في قومك! فكفّ الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز؛ وكاد يقع الشرّ بين الذَّكوانيَّة وسليمان وبين بني عامر من كلْب، فكفُّوا عنهم، علَى أن يبايعوا ليزيد بن الوليد، وبعث\n_________\n(١) متع النهار: طال وامتد. القاموس المحيط ص ٩٨٥.","vol":"9","page":688},{"text":"سليمان بن هشام إلى أبي محمد السفيانيّ ويزيد خالد بن يزيد بن معاوية فأخِذا، فمرَّ بهما على الطُفيل بن حارثة، فصاحا به: يا خالاه! ننشدك الله والرّحم! فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما، فخاف بنو عامر أن يقتلَهما، فجاءت جماعة منهم؛ فكانت معهما في الفُسطاط، ثم وجّههما إلى يزيد بن الوليد، فحبسهما في الخَضْراء مع ابني الوليد، وحبس أيضًا يزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان؛ خال عثمان بن الوليد معهم، ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق؛ ونزلا بعذراء، واجتمع أمر أهل دمشق، وبايعوا يزيد بن الوليد، وخرجوا إلى دمشق وحِمْص وأعطاهم يزيد العَطَاء، وأجاز الأشراف منهم معاوية بن يزيد بن الحصين والسِّمط بن ثابت وعمرو بن قيس وابن حُوَيّ والصقر بن صفوان؛ واستعمل معاوية بن يزيد بن حصين من أهل حمص، وأقام الباقون بدمشق، ثم ساروا إلى أهل الأردنّ وفلسطين وقد قتل من أهل حِمْص يومئذ ثلثمئة رَجُل. [٦/ ٢٦٤ - ٢٦٦].\nقال: وحدّثني عثمان بن داود الخوْلانيّ، قال: وجّهني يزيد بن الوليد ومعي حذيفة بن سعيد إلى محمد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان، يدعوهما إلى طاعته، ويعدهما ويمنّيهما، فبدأنا بأهل الأردنّ ومحمد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة منهم؛ فكلّمتُه فقال بعضهم: أصلح الله الأمير! اقتل هذا القدَريّ الخبيث، فكفهم عني الحكم بن جرو القيني. فأقيمت الصلاة فخلوتُ به، فقلتُ: إني رسول يزيد إليك، والله ما تركت ورائي راية تُعْقَدُ إلّا على رأس رجل من قومك، ولا دِرهم يخرج من بيت المال إلّا في يد رجل منهم؛ وهو يحمل لك كذا وكذا. قال: أنت بذاك؟ قلت: نعم: ثم خرجت فأتيت ضِبْعان بن رَوْح، فقلت له مثل ذلك، وقلت له: إنه يوليك فلسطين ما بَقِيَ، فأجابني فانصرفت، فما أصبحت حتى رَحل بأهلِ فلسطين.\nحدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: سمعتُ محمد بن سعيد بن حسان الأردنيّ، قال: كنت عَيْنًا ليزيد بن الوليد بالأردنّ، فلما اجتمع له ما يريد ولّاني خراج الأردنّ، فلما خالفوا يزيد بن الوليد أتيتُ سليمان بن هشام، فسألته أن يوجّه معي خيلًا، فأشنّ الغارة على طَبريّة، فأبى سليمان أن يوجّه معي أحدًا، فخرجت إلى يزيد بن الوليد، فأخبرته الخبر، فكتب إلى","vol":"9","page":689},{"text":"سليمان كتابًا بَخطه، يأمره أن يوجه معي ما أردت؛ فأتيتُ به سليمان، فوجه معي مسلم بن ذَكْوان في خمسة آلاف، فخرجت بهم ليلًا حتى أنزلتهم البطيحة، فتفرّقوا في القُري، وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبريّة، وكتبوا إلى عسكرهم، فقال أهل طَبريّة: علام نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا! ومضوا إلى حجرة يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، فانتهبوهما وأخذوا دوابهما وسلاحهما، ولحقوا بقراهم ومنازلهم؛ فلما تفرّق أهلُ فلسطين والأردنّ، خرج سليمان حتى أتى الصِّنَّبْرَة، وأتاه أهل الأردنّ، فبايعوا ليزيد بن الوليد؛ فلما كان يوم الجمعة وجّه سليمان إلى طَبريَة، وركب مركبًا في البحيرة، فجعل يسايرهم حتى أتى طبريّه، فصلى بهم الجمعة، وبايع مَنْ حضر ثم انصرف إلى عسكره.\nحدثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني عثمان بن داود، قال: لما نزل سليمان الصَّنّبرة، أرسلني إلى يزيد بن الوليد، وقال لي: أعلِمْه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين، وقد كفي الله مؤونتهم، وقد أزمعت على أن أولِّيَ ابن سراقة فلسطين والأسود بن بلال المحاربيّ الأردنّ. فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال: أخبرني كيف قلت لضِبْعان بن رَوْح؟ فأخبرته، قال: فما صنع؟ قلت: ارتحلَ بأهل فلسطين، وارتحل ابن جِرْو بأهل الأردنّ قبل أن يُصبِحا. قال: فليسا بأحقّ بالوفاء منا، ارجع فمرْه ألّا ينصرف حتى ينزل الرمْلة، فيبايعْ أهلها، وقد استعملتُ إبراهيم بن الوليد على الأردنّ وضِبعان بن رَوْح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنَّسرين وابن الحصين على حِمص. [٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨].\nثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، فكان أول من بايعه الأفقم يزيد بن هشام، وبايعه قيس بن هانيء العبسيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ودُمْ على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحدٌ من أهل بيتك؛ وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، وإن عمر أخذها بحبل سوء. فبلغ مروان بن محمد قولُه، فقال: ما له قاتله الله ذمّنا جميعًا وذمّ عمر! فلما وليّ مروان بعث رجلًا، فقال: إذا دخلتَ مسجد دمشق فانظر قيس بن هانيء، فإنه طالما صلّى فيه، فاقتله؛ فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فرأى قَيْسًا يصلي فقتله.\n* * *","vol":"9","page":690},{"text":"وفي هذه السنة عَزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصورَ بن جُمْهور.\nذكر الخبر عَنْ عزل يوسف بن عمر وولاية منصور بن جُمْهور:\nولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشام، ندب - فيما قيل - لولاية العراق عبدَ العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبيّ، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولّاها منصور بن جمهور.\nوأما أبو مخنف، فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه: قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء، لليلتين بقيَتا من جمادي الآخرة سَنة ست وعشرين ومئة، وبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق، وسار منصور بن جمهور من البَخْراء في اليوم الذي قتِل فيه الوليد بن يزيد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبرُه يوسفَ بن عمر فهرب، وقدم منصور بن جمهور الحيرة في أيام خَلْون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لأهل العطاءِ والأرزاق، واستعمل حُريث بن أبي الجهم على وَاسط، وكان عليها محمد بن نُباتة، فطرقه ليلًا فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولَّى العمال، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وفي كورها، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بَقِينَ منه.\nوأما غيرُ أبي مخنف فإنه قال: كان منصور بن جمهور أعرابيًّا جافيًا غَيْلانيًّا، ولم يكن من أهل الدّين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغَيْلانيّة، وحميّةً لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق: قد وليتُك العراق فسر إليه، واتّق الله، واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولمَا أظهرَ من الجوْر؛ فلا ينبغي لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه، فدخل على يزيد بن الوليد يزيدُ بن حجرة الغسانيّ - وكان ديّنًا فاضلًا ذا قَدْر في أهل الشأم، قد قاتل الوليد ديانةً - فقال: يا أمير المؤمنين، أولّيتَ منصورًا العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحسن معونته، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنه ليس هناك في أعرابيّته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أولّ منصورًا في حسن معاونته فمَنْ أوَلِّي! قال: تولِّي رجلًا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود؛ وما لي لا أري أحدًا من قيس يغشاك، ولا يقف ببابك! قال: لولا أنه ليس من شأني","vol":"9","page":691},{"text":"سفك الدماء لعاجلتُ قيسًا، فوالله ما عزَّتْ إلّا ذلّ الإسلام.\nولما بلغ يوسفَ بن عمر قتلُ الوليد، جعل يعمِد إلى مَن بحضرته من اليمانيَة فيلقيهم في السُّجون، ثم جعل يخلُو بالِرجل بعد الرّجل من المضريّة، فيقول له: ما عندك إن اضطرب حبل أو انفتق فَتْق؟ فيقول: أنا رجل من أهل الشام، أبايع مَنْ بايعوا، وأفعل ما فعلوا، فلم يرَ عندهم ما يحبّ، فأطلَق مَنْ في السجون من اليمانية، وأرسل إلى الحجاج بن عبد الله البصريّ ومنصور بن نصير - وكانا على خَبَر ما بينه وبين أهل الشام - فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر، وجعل على طريق الشام أرصادًا، وأقام بالحيرة وجلًا، وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع؛ كتب إلى سُليمان بن سُليم بن كيسان كتابًا:\nأما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له؛ وإنّ الوليد بن يزيد بدّل نعمة الله كفرًا، فسفّك الدّماء، فسفك الله دَمه، وعجَّله إلى النار! وولى خلافته مَنْ هو خير منه، وأحسن هديًا؛ يزيد بن الوليد، وقد بايعه الناس، وولّى على العراق الحارثَ بن العباس بن الوليد، ووجّهني العباس لآخذ يوسف وعماله، وقد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين؛ فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنّك منهم أحد، فاحبسهم قِبَلك، وإياك أن تخالف، فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قِبَل لك به؛ فاختر لنفسك أو دَعْ.\nوقيل إنه لما كان يعين التّمْر كتب إلى مَنْ بالحيرة من قوّاد أهل الشأم يُخبرهم بقتل الوليد، ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله. وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سُليم بن كَيْسان، وأمره أن يفرّقها على القوّاد، فأمسكها سليمان، ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، فَبعِل به (١).\nقال حُريث بنُ أبي الجهم: كان مكثي بواسط؛ فما شعرت إلا بكتاب منصور بن جمهور قد جاءني أن خذْ عمال يوسف، فكنت أتولّى أمره بواسط، فجمعت مواليَّ وأصحابي، فركبنا نحوًا من ثلاثين رجلًا في السلاح؛ فأتينا المدينة. فقال البوابون: مَنْ أنت؟ قلتُ: حُرَيث بن أبي الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاء\n_________\n(١) بعل به؛ أي: تبرم فلم يدر ما يصنع، والبعل: الضجر والتبرم بالشيء.","vol":"9","page":692},{"text":"بحريث إلا أمر مهمٌّ؛ ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، وأصبحنا فأخذنا البَيْعة من الناس ليزيد بن الوليد.\nقال: وذكر عمر بن شجرة أنّ عمرو بن محمد بن القاسم كان على السِّند، فأخذ محمد بن غزّان - أو عِزّان - الكلبيّ، فضربه وبعث به إلى يوسف، فضربه وألزمه مالًا عظيمًا يؤدّى منه في كل جمعة نجمًا، وإن لم يفعل ضرِب خمسة وعشرين سوطًا، فجفت يده وبعض أصابعه، فلما ولي منصور بن جمهور العراق ولّاه السِّند وسجستان، فأتى سجسْتان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بن محمد، فأوثقه وأمر به حرَسًا يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفًا مع الحَرَس، فاتّكأ عليه مسلولًا حتى خالط جوفه، وتصايح الناسُ؛ فخرج ابن غَزّان فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: خفت العذاب، قال: ما كنت أبلغ منك ما بلغتَه من نفسك. فلبث ثلاثًا ثم مات، وبايع ابن غزّان ليزيد؛ فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبيّ حين أقرأه كتاب منصور بن جمهور: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشأم الحارث بن العباس معك، ولا آمن عليك منصور بن جمهور إن قدم عليك، وما الرّأي إلا أن تلحق بشأمك؛ قال: هو رأيي، فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد، وتدعُو له في خُطبتك؛ فإذا قرب منصور وجّهتُ معك مَنْ أثق به. فلما نزل منصور بحيث يصبّح الناس البلدَ، خرج يوسف إلى منزل سليمان بن سليم، فأقام به ثلاثًا، ثم وجّه معه من أخذ به طريق السَّمَاوة حتى صار إلى البَلْقاء.\nوقد قيل إنّ سليمان قال له: تستخفي وتَدع منصورًا والعملَ، قال: فعند مَنْ؟ قال: عندي، وأضعك في ثقة؛ ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤويَ يوسف، وقال: أنت امرؤٌ من قريش، وأخوالك بكر بن وائل؛ فآواه. فال عمرو: فلم أر رجلًا كان مثل عُتُوّه رُعب رُعْبَه؛ أتيته بجارية نفيسة، وقلت: تدفئه وتطيِّب نفسه، فوالله ما قربها ولا نظر إليها، ثم أرسل إليّ يومًا فأتيته، فقال: قد أحسنتَ وأجملت؛ وقد بقيتْ لي حاجة، قلت: هاتها، قال: تخرجني من الكوفة إلى الشأم، قلت: نعم، وصبّحنَا منصور بن جمهور، فذكر الوليد فعابه، وذكر يزيد بن الوليد،","vol":"9","page":693},{"text":"فقرظه وذكر يوسف وجَوْره، وقامت الخطباء فشعّثوا من الوليد ويوسف، فأتيته فأقصصت قِصّتهم، فجعلت لا أذكر رجلًا ممّن ذكره بسوء إلا قال: لله عليّ أن أضربه مئة سوّط، مئتي سوط؛ ثلثمئة سوط؛ فجعلت أتعجّب من طمعه في الولاية بعد؛ وتهدده الناس، فتركه سليمان بن سُليم، ثم أرسله إلى الشام فاختفى بها، ثم تحوّل إلى البلقاء.\nذكر عليّ بن محمد أن يوسف بن عمر وجّه رجلًا من بني كلاب في خمسمئة، وقال لهم: إن مرّ بكم يزيد بن الوليد فلا تَدعُنّه يجوز، فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، وأدخلهم الكوفة، قال: ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلّا سفيان بن سلامة بن سليم بن كيسان وغسّان بن قعاس العذريّ، ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى، ودخل منصور الكوفة لأيام خَلَوْن من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العَطاء والأرزاق، وأطلق مَن في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج.\nقال: فلما بلغ يوسف البلقَاء حينئذ بلغ خبرُه إلى يزيد بن الوليد؛ فحدّثني أحمد بن زهير؛ قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت محمد بن سعيد الكلبيّ - وكان من قوّاد يزيد بن الوليد - يقول: إنّ يزيد وجّهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء، قال: فخرجت في خمسين فارسًا أو أكثر، حتى أحطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتّش، فلم نر شيئًا، وكان يوسف قد لبس لُبسة النساء، وجلس مع نسائه وبناته، ففتشهنّ فظفر به مع النساء، فجاء به في وَثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد، فكان في الحبس ولايةَ يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم؛ فلما قدم مروان الشام وقرب من دمشق وليَ قتلهم يزيد بن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد - يكنى أبا الأسد - في عدَّة من أصحابه، فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعَمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه.\nوقيل: إن يزيد بن الوليد لما بلغه مصيرُ يوسف إلى البَلْقاء وجّه إليه خمسين فارسًا، فعرض له رجل من بني نُمير، فقال: يابن عمّ، أنت والله مقتول فأطعني وامتنع، وائذن لي حتى أنتزعَك من أيادي هؤلاء. قال: لا، قال: فَدعْنِي أقتلك","vol":"9","page":694},{"text":"أنا، ولا يقتلك هذه اليمانية؛ فتغيّظنا بقتلك، قالى: ما لي في واحدة مما عرضتَ عليّ خيار، قال: فأنت أعلم.\nومضوا به إلى يزيد، فقال: ما أقدمك؟ قال: قدم منصور بن جمهور واليًا فتركته والعمل، قال: لا، ولكنك كرهت أن تليَ لي، فأمر بحبسه، وقل: إن يزيد دعا مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد بن مطرِّف الكلبيّ، فقال لهما؛ إنه بلغني أنّ الفاسق يوسف بن عمر قد صارَ إلى البلقاء، فانطلِقا فائْتياني به، فطلباه فلم يجدَاه: فرهَّبا ابنًا له، فقال: أنا أدلّكما عليه، فقال: إنه انطلق إلى مَزرعة له على ثلاثين ميلًا، فأخذا معهما خمسين رجلًا من جُنْد البلقاء، فوجدوا أثره - وكان جالسًا - فلما أحسّ بهم هرب وترك نعليه، ففتّشا فوجداه بين نسوة قد ألقيْن عليه قطيفة خزّ، وجلسْنَ على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، فجعل يطلب إلى محمد بن سعيد أن يُرضِيَ عنه كلبًا، ويدفع عشرة آلاف دينار وديَةَ كلثوم بن عمير وهانئ بن بشر، فأقبلا إلى يزيد، فلقيه عاملٌ لسليمان على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته فهزّها، ونتف بعضها - وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة - فأدخلاه على يزيد، فقبض على لحية نفسه - وإنها حينئذ لتَجوز سرّته - وجعل يقول: نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعرة. فأمر به يزيد فحبُس في الحَضْراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: أما تخاف أن يطلّع عليك بعض من قد وترت، فيُلقى عليك حجرًا! فقال: لا والله ما فطنت إلى هذا، فنشدتك الله إلّا كلمتَ أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا؛ وإن كان أضيقَ منه! قال: فأخبرت يزيد، فقال: ما غاب عنك من حُمقه أكثر، وما حبستُه إلا لأوجّهه إلى العراق، فيقام للناس وتُؤخذ المظالم من ماله ودمه.\nولما قَتل يزيد بن الوليد الوليدَ بن يزيد، ووجّه منصور بن جمهور إلى العراق كتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق كتابًا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به - فيما حدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد: إنّ الله اختار الإسلام دينًا وارتضاه وطهّره، وافترض فيه حقوقًا أمر بها، ونهى عن أمور حرّمها؛ ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم، فأكمل فيه كلّ منقبَة خير وجسيم فضل؛ ثم تولّاه، فكان له حافظًا ولأهله المقيمين حدوده وليًّا، يحوطهم ويعرّفهم بفضل","vol":"9","page":695},{"text":"الإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدًا يأخذ بأمر الله وينتهي إليه فيناوئه أحدٌ بميثاق أو يحاول صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث إلّا كان كيدُه الأوْهن، ومكرُه الأبور؛ حتى يتمّ الله ما أعطاه، ويدّخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوّه الأَضَلّ سبيلًا، الأخسرَ عملًا.\nفتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحُكْمه، متبعين فيه لكتابه؛ فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام.\nثم أفضى الأمر إلى عدوّ الله الوليد المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مُسلم، ولا يُقدِم عليها كافر؛ تكرُّمًا عن غشيان مثِلها، فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتدّ فيه البلاء، وسُفِكت فيه الدماء، وأخِذَت الأموال بغير حقها؛ مع أمور فاحشة، لم يكن الله ليمليَ للعاملين بها إلا قليلًا، سرتُ إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله إتمام الذي نويتُ؛ من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو رضا، حتى أتيت جندًا، وقد وَغرَتْ صدورهم على عدوِّ الله، لما رأوا من عمله؛ فإنّ عدوّ الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئًا إلا أراد تبديلَه، والعمل فيه بغير ما أنزل الله؛ وكان ذلك منه شائعًا شاملًا عريان لم يجعل الله فيه سترًا، ولا لأحد فيه شكًّا، فذكرتُ لهم الذي نَقِمتُ وخِفت من فساد الدين والدنيا، وحَضَضْتهم على تلافِي دينهم والمحاماة عنه؛ وهم في ذلك مُستريبون، قد خافوا أن يكونوا قد أبقوْا لأنفسهم بما قاموا عليه، إلى أن دعوتُهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة.\nفابتعث الله منهم بعثًا يخبرهم من أولي الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقىِ عدوَّ الله إلى جانب قرية يقال لها البَخْراء، فدعوْه إلى أن يكون الأمر شورَى، ينظر المسلمون لأنفسهم مَنْ يقلدونه ممّن اتفقوا عليه، فلم يجب عدوّ الله إلى ذلك؛ وأبى إلّا تتايُعًا في ضلالته؛ فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزًا حكيمًا، وأخْذَه أليمًا شديدًا، فقتله الله على سوء عمله وعُصبتَه؛ ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة،","vol":"9","page":696},{"text":"لا يبلغون عشرة، ودخل مَنْ كان معه سواهم في الحقّ الذي دُعوا إليه، فأطفأ الله جَمْرته وأراح العباد منه، فبُعدًا له ولمن كان على طريقته!\nأحببت أن أعلمكم ذلك، وأعجّل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليومَ على أمثل حالكم؛ إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يُسار فيكم بخلافه؛ فأكثروا على ذلك حمد ربِّكم، وتابعوا منصور بن جمهور؛ فقد ارتضيتُه لكم، على أنّ عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهِد وعقد على أحد من خلقه؛ لتستمعُنّ وتطيعنّ لي، ولمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الأمة، ولكم عليّ مثل ذلك؛ لأعملنّ فيكم بأمر الله وسنة نبيه - ﷺ -، واتبع سبلَ مَنْ سلف من خياركم؛ نسأل الله ربَّنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه [٧/ ٢٦٩ - ٢٧٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور بن جمهور</span>\nوفي هذه السنة امتنع نصر بن سيار بخُراسان من تسليم عمله لعامل منصور بن جمهور، وقد كان يزيد بن الوليد ولّاها منصورًا مع العراق.\nقال أبو جعفر: قد ذكرت قبلُ من خَبر نصر؛ وما كان من كتاب يوسف بن عمر إليه بالمصير إليه مع هدايا الوليد بن يزيد، وشخوص نصر من خُراسان متوجهًا إلى العراق، وتباطئه في سفره، حتى قدم عليه الخبر بقتل الوليد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ الباهليّ أخبره، قال: قدم على نصر بشرُ بن نافع مولى سالم الليثيّ - وكان على سكك العراق - فقال: أقبل منصور بن جمهور أميرًا على العراق؛ وهرب يوسف بن عمر؛ فوجّه منصور أخاه منظور بن جمهور على الرّيّ، فأقبلتُ مع منظور إلى الرّي، وقلت: أقدم على نصر فأخبرُه، فلما صرتُ بنيسابور حبسني حُميد مولى نصر، وقال: لن تجاوزني أو تخبرَني؛ فأخبرته، وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ألّا يخبر أحدًا حتى أقدم على نصر فأخبره، ففعل؛ فأقبلنا جميعًا حتى قدمنا على نصر، وهو بقصره بماجان، فاستأذنّا، فقال خصيّ له: هو نائم، فألححنا عليه، فانطلق فأعلمه، فخرج","vol":"9","page":697},{"text":"نصر حتى قبض على يدي وأدخلني؛ فلم يكلمني حتى صرتُ في البيت، فسألني فأخبرته، فقال لحميد مولاه: انطلق به؛ فائتِه بجائزة؛ ثم أتاني يونس بن عبد ربّه وعبيد الله بن بسام فأخبرتهما، وأتاني سلم بن أحْوَز فأخبرتُه، قال: وكان خبر يوسف عند نصر، فأتوه حين بلغهم الخبر، فأرسل إليّ فلما أخبرتهم كذبوني فقلت: استوثق من هؤلاء؛ فلما مضت ثلاث على ذلك؛ جعل على ثمانين رجلًا حَرسًا، فأبطأ الخبر على ما كنت قدّرت، فلما كانت الليلة التاسعة - وكانت ليلة نوروز - جاءهم الخبر على ما وصفتُ، فصرف إليّ عامة تلك الهدايا، وأمر لي ببرذْون بسرجه ولجامه، وأعطاني سَرْجًا صينيًّا، وقال لي: أقم حتى أعطيَك تمام مئة ألف، قال: فملا تيقّن نصر قتل الوليد ردَّ تلك الهدايا، وأعتق الرقيق، وقسم روقة (١) الجواري في ولده وخاصّته وقسم تلك الآنية في عوامّ الناس، ووجّه العمال، وأمرهم بحسن السيرة.\nقال: وأرجفت الأزد في خراسان أن منصور بن جمهور قادم خراسان؛ فخطب نصر، فقال في خطبته: إن جاءنا أميرٌ ظنين قطعنا يديه ورجليه. ثم باح به بعدُ؛ فكان يقول: عبد الله المخذول المثبور.\nقال: وولّى نصر بن سيار ربيعة واليمن، وولّى يعقوب بن يحيى بن حضين على أعلى طُخارستان، ومسعدة بن عبد الله اليشكريّ على خُوَارَزْم؛ وهو الذي يقول فيه خلَف:\nأقلوُ لأَصحابي معًا دون كَردَرٍ ... لمَسْعَدةُ البكرىّ غَيثُ الأَرامِلِ\nثم أتبعه بأبان بن الحكم الزهرانيّ؛ واستعمل المغيرة بن شعبة الجهضميّ على قُهِستان وأمرهم بحسن السيرة، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه، فقال في ذلك:\nأقولُ لِنَصْرٍ وبايعتُهُ ... على جُلِّ بكرٍ وأحلافِها\nيَدِي لك رَهْنٌ بِبَكْرِ العرا ... قِ سَيِّدِها وابنِ وَصَّافها\nأَخَذْتُ الوثيقَةَ للمسلمينَ ... لأَهلِ البلاد وأُلَّافِها\n_________\n(١) روقة الجواري، أي: حسانهم. القاموس المحيط ص ١١٤٧، وفي ابن الأثير: \"حسان الجواري\".","vol":"9","page":698},{"text":"إذا آل يحيى إلى ما تُريدُ ... أتَتكَ الدِّماكُ بأخفافِها\nدَعَوْتَ الجنُودَ إلى بيعَةٍ ... فأنصَفْتَها كُل إنصافِها\nوطَدْتَ خُراسانَ للمسلمين ... إن الأَرض هَمَّتْ بإرجافها\nوإنْ جُمِعَتْ ألفَةُ المسلمينَ ... صَرَفَتَ الضِّرابَ لأُلّافِهِا\nأجارَ وَسَلَّمَ أهلَ البلا ... دِ والنازلينَ بأطرافِها\nفَصِرْتَ على الجندِ بالمشرقيْن ... لقوحًا لهمْ دَرُّ أخلافِها\nفنحن على ذاك حتى تبينَ ... مَناهِج سُبْلٍ لِعَرَّافها\nوحتى تَبُوحَ قريشٌ بما ... تَجُنّ ضَمائرُ أَجْوافِها\nفأقسَمتُ للمعْبَرَاتُ الرِّتا ... عُ لَلْعرْوُ أَوفى لأصوافِها\nإلى ما تؤدِّي قريشُ البطَا ... حِ أخُلّافُها بَعدَ أَشرافِها\nفإن كان مَنْ عَزَّ بزَّ الضَّعِيفَ ... ضَربْنَا الخيولَ بأَعْرافِها\nوجَدنا العَلائفَ أنّى يكو ... نُ يُحْمَى أَوارِيُّ أعلافها\nإذا ما تَشَارَكُ فيه كَبَتْ ... خَوَاصِرُها بَعْدَ إخطافِها\nفنحن على عهدنا نَسْتَديمُ ... قُريشًا ونَرْضى بأَحلافِها\nسنَرْضَى بظِلكَ كِنًّا لها ... وظِلُّكَ مِنْ ظِلِّ أَكنافِها\nلَعَلّ قريشًا إذا ناضَلَت ... تُقَرْطسُ في بعض أهدافها\nوتُلبِسُ أغْشيَةً بالعراقِ ... رَمَتْ دلوَ شَرْقٍ بِخُطَّافِها\nوبالأُسْد مِنَّا وإنَّ الأُسودَ ... لها لِبَدٌ فوقَ أكتافِها\nفإنْ حاذَرَتْ تَلَفًا في النِّفا ... رِ فالدهْر أَدْنى لإتلافها\nفقد ثَبَتتْ بك أقدامُنا ... إذا آنهارَ منهارُ أجْرافِها\nوَجَدْناكَ بَرًّا رؤوفًا بنا ... كرأْمَةِ أُمٍّ وإلطافِها\nولَمْ تَكُ بَيْعَتُنا خُلسَةً ... لأَسرَع نَسْفةِ خَطَّافِها\nنِكاحَ التي أَسْرَعَتْ بالحليـ ... ـل قَبْلَ تَخَضُّبِ أَطْرافِها\nفكَشَّفها البَعْل قبلَ الصَّدَا ... قِ فاسْتَقْبَلَتْه بمعْتافِهَا\nقال: وكان نصر ولَّى عبد الملك بن عبد الله السلميّ خُوارزم؛ فكان يخطبهم ويقول في خطبته: ما أنا بالأعرابي الجلْف، ولا الفزاريّ المستنبط؛ ولقد كرّمتني الأمور وكرّمتها، أما والله لأضعنّ السيف موضعه؛ والسوط موضعه،","vol":"9","page":699},{"text":"والسجن مدخله، ولتجدّني غشمشمًا، أغْشَى الشَّجر، ولتستقيمُنّ لي على الطريقة ورفض البكّارة في السنن الأعظم، أو لأصكّنكم صكّ القطاميّ القطا القاربَ يصكهنّ جانبًا فجانبًا.\nقال: فقدم رجل من بَلْقين خراسان، وجّهه منصور بن جمهور، فأخذه مولىً لنصر، يقال له حميد، كان على سكّة بنيسابور؛ فضربه وكسر أنفه، فشكاه إلى نصر، فأمر له نصر بعشرين ألفًا وكساه، وقال: إنّ الذي كسر أنفك مولىً لي وليس بكفء فأقضك منه، فلا تقلْ إلّا خيرًا. [قال: ما قبلت جائزتك، وأنا أريد ألا أذكر إلا خيرًا].\nقال عصمة بن عبد الله الأسديّ: يا أخا بَلْقَين، أخبر مَنْ تأتي أنا قد أعددنا قيسًا لربيعة وتميمًا للأزد، وبقيت كنانة، ليس لها مَن يكافئها، فقال نصر: كلما أصلحتُ أمرًا أفسدتموه!\nقال أبو زيد عمر بن شبّة: حدثني أحمد بن معاوية عن أبي الخطاب، قال: قدم قدامة بن مصعب العبديّ ورجلٌ من كندة على نَصْر بن سيّار من قِبَل منصور بن جمهور، فقال: أمات أمير المؤمنين؟ قالا: نعم، قال: وولِيَ منصور بن جمهور وهرب يوسف بن عمر عن سرير العراق؟ قالا: نعم، قال: أنا بجمهوركم من الكافرين، ثم حبسهما ووشَع عليهما، ووجّه رجلًا حتى أتى فرأى منصورًا يخطب بالكوفة، فأخرجهما، وقال لقدامة: أوليَكم رجل من كلب؟ قال: نعم؛ إنما نحن بين قيس واليمن، قال: فكيف لا يولاها رجل منكم! قال: لأنا كما قال الشاعر:\nإذا ما خَشِينا مِنْ أَمير ظُلَامَةً ... دَعَوْنا أَبا غَسَّانَ يومًا فَعَسْكَرَا\nفضحك نصر، وضمّه إليه.\nقال: ولما قدم منصور بن جمهور العراق ولّى عبيد الله بن العباس الكوفَة - أو وجده واليًا عليها فأقرّه - وولّى شرطتَهُ ثمامة بن حوشب ثم عزَله وولّى الحجاج بن أرطاة النخعيّ [٧/ ٢٧٧ - ٢٨٠].\n* * *","vol":"9","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1596>[ذكر مخالفة مروان بن محمد]</span>\nوفي هذه السنة كتب مَرْوان بن محمد إلى الغمْر بن يزيد، أخي الوليد بن يزيد يأمره بدم أخيه الوليد.\nذكر نسخة ذلك الكتاب الذي كتب إليه:\nحدّثني أحمد عن عليّ، قال: كتب مروان إلى الغمْر بن يزيد بعد قتل الوليد:\nأما بعد، فإن هذه الخلافة من الله على مناهج نبوّة رسله، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم الله بما قلّدهم، يعزّهم ويعزّ من يعزّهم، والحَيْن (١) على مَنْ ناوأهم فابتغي غير سبيلهم، فلم يزالوا أهل رِعاية لما استودعهم الله منها يقوم بحقها ناهضٌ بعد ناهض، بأنصار لها من المسلمين، وكان أهل الشام أحسن خلقه فيه طاعة، وأذبَّه عن حُرَمه، وأوفاه بعهده، وأشدّه نكاية في مارِق مخالف ناكث ناكب (٢) عن الحق، فاستدرّت نعمة الله عليهم، قد عَمِر بهم الإسلام، وكُبِت (٣) بهم الشرك وأهله، وقد نكثوا أمر الله، وحاولوا نكثَ العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامهَا، وإن كانت القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ولايةٌ (٤) من بني أمية؛ فإن دمه غير ضائع؛ وإن سكنتْ بهم الفتنة، والتأمت الأمور؛ فأمرٌ أراده الله لا مردّ له.\nفاكتب بحالك فيما أبرموا وما تَرى؛ فإني مطرْق إلى أن أرى غِيرًا (٥) فأسطو بانتقام، وأنتقم لدين الله المنبوذة فرائضه، المتروكة مجانة، ومعي قوم أسكن الله طاعتي قلوبَهم؛ أهلُ إقدام إلى ما قدِمت بهم عليه، ولهم نظراء صدورهم مترعة ممتلئة لو يجدون منزعَّا (٦) والنّقمة دولة تأتي من الله؛ ووقت مؤجل؛ ولم\n_________\n(١) الحين: الهلاك والمحنة. القاموس المحيط ص ١٥٣٩.\n(٢) نكب عنه: عدل. القاموس المحيط ص ١٧٨.\n(٣) كبته: صرعه وأخزاه. القاموس المحيط ص ٢٠٢.\n(٤) الولاية: الإمارة والسلطان. القاموس المحيط ص ١٧٣٢؛ والمعنى ذوو ولاية؛ أي أمراء من بني أمية.\n(٥) غير الدهر: حوادثه المغيرة. القاموس المحيط ص ٥٨٣.\n(٦) المنزع: الموضع الذي يصعد فيه الدلو إذا نزع من البئر؛ أي: لو يجدون مجالًا وفرصة للانتقام. القاموس المحيط ص ٩٩٠.","vol":"9","page":701},{"text":"أشبه محمدًا ولا مروان (١) - غير أن رأيت غِيَرًا - إن لم أشمّر للقدريّة إزاري، وأضربهم بسيفي جارحًا وطاعنًا، يرمي قضاء الله بي في ذلك حيث أخذ، أو يرمي بهم في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه؛ وما إطراقي إلّا لما أنتظر مما يأتيني عنك، فلا تهن عن ثأرك بأخيك، فإنّ الله جارُك وكافيك، وكفى بالله طالبًا ونصيرًا.\nحدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، عن مسلم بن ذَكْوان، قال: كلّمَ يزيد بن الوليد العباسَ بن الوليد في طُفَيل بن حارثة الكلبيّ، وقال: إنه حَمل حَمالة، فإن رأيتَ أن تكتب إلى مروان بن محمد في الوصَاة به، وأن يأذن له أن يسأل عشيرته فيها - وكان مروان يمنعُ الناس أن يسألوا شيئًا من ذلك عند العطاء - فأجابه وحمله على البريد.\nوكان كتاب العباس ينفذ في الآفاق بكلّ ما يكتب به، وكتب يزيد إلى مروان أنه اشترى من أبي عبيدة بن الوليد ضَيعَة بثمانية عشر ألف دينار، وقد احتاج إِلى أربعة آلاف دينار. قال مسلم بن ذكوان: فدعاني يزيد، وقال: انطلق مع طُفيل بهذا الكتاب، وكلِّمه في هذا الأمر، قال: فخرجنا ولم يعلم العباسُ بخروجي، فلما قدمنا خِلاط، لقينا عمرو بن حارثة الكلبيّ، فسألَنا عن حالنا فأخبرناه، فقال: كذبتما؛ إن لكما ولمروان لقصّةً، قلنا: وما ذاك؟ قال: أخْلَاني حين أردت الخروج، وقال لي: جماعة أهل المِزَّة يكونون ألفًا؟ قلت: وأكثر، قال: وكم بينها وبين دمشق؟ قلت: يسمعهم المنادي، قال: كم ترى عدّة بني عامر؟ (يعني بني عامر من كلْب)، قلت: عشرون ألف رجل، فحرّك أصبعه، ولوى وجهه، قال مسلم: فلما سمعت ذلك طمعتُ في مرْوان، وكتبت إليه على لسان يزيد: أما بعد، فإنني وجهت إليك ابنَ ذكوان مولاي بما سيذكره لك، ويُنْهيه إليكَ، فألق إليه ما أحببتَ، فإنه من خيار أهلي وثقات مواليّ؛ وهو شعب حصين، ووعاء أمين؛ إن شاء الله، فقدمنا على مَرْوان، فدفع طُفَيل كتاب العبالس إلى الحاجب، وأخبره أنّ معه كتاب يزيد بن الوليد، فقرأه، فخرج الحاجب، وقال: أما معك كتاب غير هذا، ولا أوصاك بشيء! قلت: لا، ولكني\n_________\n(١) محمد أبوه ومروان جده.","vol":"9","page":702},{"text":"معي مسلم بن ذكوان، فدخل فأخبره، فخرج الحاجب، فقال: مرْ مولاه بالرواح. قال مسلم: فانصرفت، فلما حضرت المغرب أتيت المقصورة؛ فلما صلَّى مروان انصرفتُ لأعيد الصلاة، ولم أكن أعتدّ بصلاته، فلما استويت قائمًا جاءني خَصيّ، فلما نظر إليّ انصرفت وأوجزتُ الصلاة، فلحقته، فأدخلني على مروان؛ وهو في بيت من بيوت النساء، فسلمتُ وجلست، فقال: من أنت؟ فقلت: مسلم بن ذكوان مولى يزيد، قال: مولى عتاقة أو مولى تباعة؟ قلت: مولى عتاقة، قال: ذاك أفضل؛ وفي كلّ ذلك فضل؛ فاذكر ما بدا لك، قلت: إن رأى الأمير أن يجعل لي الأمان على ما قلته، أوافقه في ذلك أو أخالفه؛ فأعطاني ما أردت، فحمَدت الله وصلَّيت على نبيّه، ووصفت ما أكرم الله به بني مَرْوان من الخلافة ورضا العامة بهم، وكيف نقض الوليد العُرَى، وأفسد قلوب الناس، وذمَّتْه العامّة؛ وذكرت حاله كلَّها، فلما فرغت تكلم؛ فوالله ما حمِد الله ولا تشهَّد، وقال: قد سمعت ما قلت، قد أحسنتَ وأصبت، ولنعم الرأي رأي يزيد؛ فأشهد الله أني قد بايعته، أبذل في هذا الأمر نفسي ومالي؛ لا أريد بذلك إلا ما عند الله؛ واللهِ ما أصبحت أستزيد الوليد، لقد وصل وفرض وأشرك في ملكه؛ ولكني أشهد أنه لا يؤمن بيوم الحساب، وسألني عن أمر يزيد، فكبّرت الأمر وعظمته، فقال: اكتم أمرك؛ وقد قضيتُ حاجةَ صاحبك، وكفيته أمر حَمالته، وأمرت له بألف درهم، فأقمت أيامًا، ثم دعاني ذات يوم نصفَ النهار، ثم قال: الحقْ بصاحبك، وقل له: سدّدك الله، امض على أمر الله؛ فإنك بعين الله. وكتب جواب كتابي، وقال لي: إن قدرتَ أن تطوى أو تطير فطِرْ، فإنه يخرج بالجزيرة إلى ستّ ليال أو سبع خارجة؛ وقد خفت أن يطول أمرهم فلا تقدر أن تجوز، قلت: وما علمُ الأمير بذلك؟ فضحك، وقال: ليس من أهل هوى إلّا وقد أعطيتهم الرّضا حتى أخبروني بذات أنفسهم، فقلت في نفسي: أنا واحد من أولئك، ثم قلت: لئن فعلت ذلك أصلحك الله؛ إنه قيل لخالد بن يزيد بن معاوية: أنّي أصبت هذا العلم؟ قال: وافقتُ الرجال على أهوائهم، ودخلت معهم في آرائهم؛ حتى بذلوا لي ما عندهم، وأفضوْا لي بذات أنفسهم.\nفوّدعته وخرجت. فلما كنت بآمِد لقيت البُرُد تتبع بعضها بعضًا بقتل الوليد؛","vol":"9","page":703},{"text":"وإذا عبد الملك بن مروان [بن محمد] قد وثب على عامل الوليد بالجزيرة، فأخرجه منها، ووضع الأرصاد على الطريق، فتركت البُرد، واستأجرت دابّة ودليلًا، فقدمت على يزيد بن الوليد [٧/ ٢٨١ - ٢٨٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق</span>\nوفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصورَ بن جمهور عن العراق، وولّاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذُكِر عن يزيد بن الوليد أنه قال لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز: إن أهل العراق يميلون إلى أبيك فسرْ إليها فقد ولّيتُكها؛ فذكر عن أبي عبيدة، قال: كان عبد الله بن عمر متألّهًا متألمًا، فقدّم حين شخص إلى العراق بين يديه رُسلًا وكتبًا إلى قوّاد الشام الذين بالعراق، وخاف ألّا يسلِّم له منصور بن جمهور العمل، فانقاد له كلهم، وسلّم له منصور بن جمهور، وانصرف إلى الشام، ففرق عبد الله بن عمر عماله في الأعمال، وأعطى الناسَ أرزاقهم وأعطياتهم؛ فنازعه قوّاد أهل الشام، وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنَا وهم عدوّنا! فقال عبد الله لأهل العراق: إني قد أردتُ أن أردّ فيئكم عليكم، وعلصت أنكم أحقّ به؛ فنازعني هؤلاء فأنكروا عليّ.\nفخرج أهل الكوفة إلى الجبّانة، وتجمَّعوا، فأرسل إليهم قوّاد أهل الشام يعتذرون وينكرون، ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئًا مما بلَغهم، وثار غوغاء الناس من الفريقين، فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يُعرفوا وعبدُ الله بن عمر بالحيرة، وعبيد الله بن العباس الكنديّ بالكوفة؛ قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها فأراد أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل إلى عمر بن الغضبان بن القبعثريّ، فأتاه فنحَّى الناس عنه، وسكّنهم وزجر سفاءهم حتى تحاجزوا، وأمن بعضهم بعضًا، وبلغ ذلك عبد الله بن عمر، فأرسل إلى ابن الغَضْبان، فكساه وحَمله، وأحسن جائزته، وولَّاه شُرَطه وخراج السواد","vol":"9","page":704},{"text":"والمحاسبات، وأمره أن يفرض لقومه، ففرض في ستين وفي سبعين. [٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>[ذكر وقوع الخلاف بين اليمانية والنزارية في خراسان]</span>\nوفي هذه السنة وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية والنزاريّة، وأظهر الكِرمانيّ فيها الخلاف لنصر بن سيار، واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته.\n* ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذي أحدث ذلك:\nذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن عبد الله بن عمر لمّا قدم العراق واليًا عليها من قِبَل يزيد بن الوليد، كتب إلى نصر بعهده على خراسان؛ قال: ويقال: بل أتاه كتابه بعد خروج الكرمانيّ من حَبْس نصر، فقال المنجّمون لنصر: إنَّ خراسان سيكون بها فتنة؛ فأمر نصر برفع حاصل (١) بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورِقًا وذهبًا من الآنية التي كان اتخذها للوليد بن يزيد؛ وكان أوّل من تكلم رجل من كِندة أفوه طُوال، فقال: العطاء العطاء! فلما كانت الجمعة الثانية، أمر نصر رجالًا من الحرَس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم في المسجد مخافة أن يتكلم متكلم، فقام الكنديّ فقال: العطاء العطاء! فقام رجل مولى للأزْد - وكان يلقب أبا الشياطين - فتكلم، وقام حمّاد الصائغ وأبو السَّلِيل البكريّ، فقالا: العطاء العطاء! فقال نصر: إياكم والمعصية؛ عليكم بالطاعة والجماعة؛ فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به.\nفصعد سَلْم بن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلّمه، فقال: ما يغني عنَّا كلامك هذا شيئًا، ووثب أهل السوق إلى أسواقهم؛ فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا، ثم قال: كأني بالرّجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه، فلطم وجهَه في جمل يُهْدَى له وثوب يكساه، ويقول: مولاي وظئري؛ وكأني بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شرّ لا يطاق، وكأني بكم مطّرحين\n_________\n(١) الحاصل من كل شيء: ما بقي منه. القاموس المحيط ص ١٢٧٢.","vol":"9","page":705},{"text":"في الأسواق كالجزُر المنحورة؛ إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملّوها؛ وأنتم يا أهلَ خراسان؛ مسلحة في نحور العدوّ، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان.\nقال عليّ: قال عبد الله بن المبارك، قال نصر في خطبته: إني لمكفِّر ومع ذلك لمظَلِّم؛ وعسى أن يكون ذلك خيرًا لي، إنكم تغشوْن أمرًا تريدون فيه الفتنة، فلا أبقى الله عليكم، والله لقد نشرتكم وطويتكم، وطويتكم ونشرتكم، فما عندي منكم عشرة. وإني وإياكم كما قال مَن كان قبلكم:\nاسْتَمْسِكُوا أصحابَنا نَحدُو بكمْ ... فقد عرفنا خَيركم وشَرَّكمْ\nفاتقوا الله، فوالله لئن اختلف فيكم ليتمنَّينّ الرجل منكن أن يُخلع من ماله وولده ولم يكنِ رآه، يا أهل خراسان، إنكم غمطتم الجماعة وركنتم إلى الفرقة، أسلطان المجهول تريدون وتنتظرون! إنه فيه لهلاككم معشر العرب، وتمثَّل بقول النابغة الذبيانيّ:\nفإنْ يَغْلِبْ شَقاؤكُمُ عليكمْ ... فإني في صَلَاحِكُم سَعَيْتُ\nوقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعديّ:\nأبِيتُ أَرعى النجومَ مرْتَفِقًا ... إذا استَقَلَّتْ تَجْرِي أوائِلُها\nمِنْ فِتنَةٍ أصبحَتْ مجَلِّلةً ... قد عَمَّ أهلَ الصَّلاةِ شامِلُها\nمَنْ بِخُرَاسانَ والعراقِ ومَنْ ... بالشامِ كلٌّ شَجاهُ شاغِلها\nفالناسُ منها في لونِ مَظلمةٍ ... دَهْماءَ ملتَجَّةٍ غَياطِلُها\nيمْسِي السّفِيه الذي يُعنَف بالـ ... جَهْل سواءً فيها وعاقلها\nوالناسُ في كُرْبَةٍ يَكاد لها ... تَنبِذُ أولادَها حَوامِلُها\nيَغدون منها في ظلّ مُبْهَمَةٍ ... عمياءَ تغتَالهم غوائلها\nلا يَنظُر الناس في عواقبِها ... إلَّا التي لا يبِين قائلها\nكرَغوَةِ البَكرِ أَوْ كَصَيْحَةِ حُبْ ... ـلى طرَقتْ حولها قوابُلها\nفجاء فينا أزرَى بِوجْهَتِهِ ... فيها خُطوبٌ حُمْرٌ زَلازِلها\nقال: فلما أتى نصرًا عهده من قبَل عبد الله بن عمر قال الكِرْماني لأصحابه: الناس في فتنة؛ فانظروا لأموركم رجلًا - وإنما سُمّي الكرمانيّ لأنه ولد بكرْمان، واسمه جُدَيع بن عليّ بن شبيب بن بَراري بن صُنيم المعنيّ - فقالوا: أنت لنا، فقالت المضريّة لنصر: الكرمانيّ يفسد عليك؛ فأرْسِل إليه فاقتله، [أو","vol":"9","page":706},{"text":"فاحبسه]، قال: لا، ولكن لي أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بَنيّ من بناته وبنيه من بناتي؛ قالوا: لا، قال: فأبعث إليه بمئة ألف درهم، فإنه بخيل ولا يعطي أصحابه شيئًا، ويعلمون بها فيتفرّقون عنه، قالوا: لا. هذه قوة له، قال: فدَعوه على حاله يتَّقينا ونتَّقيه، قالوا [لا، قال]: فأرسل إليه فحبسه.\nقال: وبلغ نصرًا أنّ الكرمانيّ يقول: كانت غايتي في طاعة بني مروان أن يقلَّد ولدي السيوف فأطلبَ بثأر بني المهلب، مع ما لقينا من نَصْر وجفائه وطول حرمانه ومكافاته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه، فقال له عصمة بن عبد الله الأسديّ: إنها بدء فتنة، فتجنّ عليه فاحشة، وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سِباع بن النعمان الأزديّ والفَرَافصَة بن ظهير البكريّ، فإنه لم يزل متغضّبًا على الله بتفضيله مضر على ربيعة.\nوكان بخراسان، وقال جَميل بن النعمان: إنك قد شرّفتَه وإن كرهتَ قتله فادفعه إليّ أقتله، وقيل: إنما غضب عليه في مكاتبته بكْر بن فراس البَهرانيّ عامل جرْجان، يعلمه حال منصور بن جمهور حين بعث عهد الكرمانيّ مع أبي الزّعفران مولى أسد بن عبد الله، فطلبه نصر فلم يقدرْ عليه، والذي كتب إلى الكرمانيّ بقتل الوليد وقدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار.\nوقيل: إن قومًا أتوا نصرًا، فقالوا: الكرمانيّ يدعو إلى الفتنة، وقال أصرم بن قبيصة لنصر: لو أن جُديعًا لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهوّد، وكان نصر والكرمانيّ متصافيين، وقد كان الكِرمانيّ أحسنَ إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما وليَ نصر خراسان عزَل الكِرمانيّ عن الرئاسة وصيَّرها لحرب بن عامر بن أيثم الواشجيّ، فمات حرب فأعاد الكرمانيّ عليها، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى عزله، وصيّرها لجميل بن النعمان، قال: فتباعد ما بين نصر والكرمانيّ فحبس الكرمانيّ في القهندز وكان على القهندز مقاتل بن عليّ المرئيّ - ويقال المريّ.\nقال: ولما أراد نصر حبس الكِرمانيّ أمر عبيد الله بن بسّام صاحب حرسه؛ فأتاه به، فقال له نصر: يا كِرمانيّ، ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر يأمرني بقتلك، فراجعتُه وقلت له: شيخ خراسان وفارسها، وحقنت دمك! قال: بلى! قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمتُه في أعطيات الناس! قال:","vol":"9","page":707},{"text":"بلى! قال ألم أرِش عليًّا ابنك على كرْه من قومك! قال: بلى، قال: فبدّلت ذلك إجماعًا على الفتنة! قال الكرمانيّ: لم يقل الأمير شيئًا إلّا وقد كان أكثر منه، فأنا لذلك شاكر؛ فإنْ كان الأمير حَقَن دمي فقد كان منّي أيام أسد بن عبد الله ما قد علم، فليستأنِ الأمير ويتثبَّت فلست أحبّ الفتنة، فقال عصمة بن عبد الله الأسديّ: كذبتَ؛ وأنت تريد الشَّغب، وما لا تناله. وقال سلم بن أحْوَزِ: اضرب عنقه أيها الأمير، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نُعَيم الغامديّ: لَجلساء فرعون خير منكم، إذ قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١)، والله لا يقتلَنْ الكرمانيّ بقولك يا بن أحوز [وعلت الأصوات، فأمر] نصر سلمًا بحبس الكرمانيّ، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومئة، فكلمت الأزْد، فقال نصر: إنّي حلفت أن أحبسه ولا يبدؤه مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلًا يكون معه، قال: فاختاروا يزيد النحويّ؛ فكان معه في القهندز، وصيَّر حرسه بني ناجية أصحاب عثمان وجَهْم ابني مسعود. قال: وبعث الأزد إلى نصر المغيرة بن شعبة الجهضميّ وخالد بن شعيب بن أبي صالح الحُدانيّ، فكلَّماه فيه. قال: فلبث في الحبس تسعة وعشرين يومًا؛ فقال عليّ بن وائل أحد بني ربيعة بن حنظلة: دخلت على نَصْر، والكِرمانيّ جالس ناحية، وهو يقول: ما ذنبي إن كان أبو الزعفران جاء! فوالله ما واريته ولا أعلم مكانه.\nوقد كانت الأزد يوم حُبس الكِرمانيّ أرادت أن تنزعَه من رُسله، فناشدهم الله الكرمانيّ ألّا يفعلوا، ومضى مع رسل سَلْم بن أحوز، وهو يضحك، فلما حبِس تكلّم عبد الملك بن حَرْملة اليَحْمَديّ والمغيرة بن شعبة وعبد الجبار بن شعيب بن عبّاد وجماعة من الأزْد، فنزلوا نَوْش، وقالوا: لا نرضى أن يحبَس الكرمانيّ بغير جناية ولا حَدَث، فقال لهم شيوخ من اليحمَد: لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم، فقالوا: لا نرضى؛ ليَكفّنّ عنا نصر أو لنَبدأنّ بكم، وأتاهم عبد العزيز بن عبّاد بن جابر بن همام بن حنظلة اليحْمَدي في مئة، ومحمد بن المثنّى وداود بن شعيب، فباتوا بنَوْش مع عبد الملك بن حَرْملة ومَن كان معه، فلما أصبحوا أتوا حوْزان، وأحرقوا منزل عزّة أمّ ولد نصر - وأقاموا ثلاثة أيام، وقالوا: لا نرضى؛ فعند ذلك صيّروا عليه الأمناء، فجعلوا معه يزيد النحويّ\n_________\n(١) الأعراف: ١١١.","vol":"9","page":708},{"text":"وغيره، فجاء رجل من أهل نَسَف، فقال لجعفر غلام الكِرمانيّ: ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا: لك ما سألت، فأتى مجرى الماء من القهندز فوسّعه، وأتى ولد الكرمانيّ، وقال لهم: اكتبوا إلى أبيكم يستعدّ الليلة للخروج، فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب في الطعام، فدعا الكرمانيّ يزيد النحويّ وحصين بن حكم فتعشَّيا معه وخرجا، ودخل الكرمانيّ السرب، فأخذوا بعَضُده، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، فقال بعض الأزد: كانت الحيّة أزْدية فلم تضرّه.\nقال: فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسُحج منكبه وجنبه، فلما خرج ركب بغلته دوّامة - ويقال: بل ركب فرسه البشير - والقيْد في رجله، فأتوْا به قرية تسمى غلَطان، وفيها عبد الملك بن حَرْملة، فأطلق عنه.\nقال عليّ: وقال أبو الوليد زهير بن هنيد العدويّ: كان مع الكِرمانيّ غلامه بسّام، فرأى خرقًا على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه. قال: فأرسل الكِرمانيّ إلى محمد بن المثنى وعبد الملك بن حَرْملة: إني خارج الليلة، فاجتمعوا وخرج فأتاهم فَرْقد مولاه، فأخبرهم، فلقوه في قرية حزب بن عامر، وعليه ملْحفة متقلدًا سيفًا، ومعه عبد الجبار بن شعيب وابنا الكرمانيّ: عليّ وعثمان، وجعفر غلامه، فأمر عمرو بن بكر أن يأتيَ غَلطان وأندَغ وأشْتُرْجَ معًا، وأمرهم أن يوافُوه على باب الرّيان بن سنان اليَحمديّ بنَوش في المرج - وكان مصلّاهم في العيد - فأتاهم فأخبرهم، فخرج القومُ من قراهم في السلاح، فصلَّى بهم الغَداة، وهم زهاء ألف، فما ترجّلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، وأتاهم أهل السقادم، فسار على مَرْج نيران حتى أتى حَوْزان، فقال خلف بن خليفة:\nأَصْحِروا لِلمَرْج أَجْلَى لِلعَمَى ... فلقد أَصْحَرَ أصحاب السَّربْ\nإنَّ مَرْجَ الأَزدِ مَرْجٌ واسعٌ ... تَسْتَوي الأَقدام فِيهِ والرُّكبْ\nوقيل: إن الأزْد بايعت لعبد الملك بن حَرْملة على كتاب الله ﷿ ليلة خرج الكِرمانيّ، فلما اجتمعوا في مَرْج نَوْش أقيمت الصلاة، فاختلف عبد الملك والكِرمانيّ ساعة، ثم قدمه عبد الملك، وصيَّروا الأمر له، فصلى الكِرمانيّ، ولما هَرَب الكِرمانيّ أصبح نصر معسكرًا بباب مرْو الرّوذ بناحية إبردانَة، فأقام يومًا أو يومين.","vol":"9","page":709},{"text":"وقيل: لما هرب الكِرمانيّ استخلف نصر عصمة بن عبد الله الأسديّ؛ وخرج إلى القناطر الخمس بباب مَرْو الرّوذ، وخطب الناس، فنال من الكرمانيّ، فقال: وُلد بكرمان وكان كِرْمانيًّا، ثم سقط إلى هَراة فكان هَرَويًّا، والساقط بين الفراشَيْن لا أصل ثابت؛ ولا فرع نابت، ثم ذكر الأزْد، فقال: إن يستوثقوا فأذلّ قوم، وإن يأبوْا فهم كما قال الأخطل (١):\nضَفادِع في ظلماء لَيْلٍ تجاوَبَتْ ... فَذَّل عليها صَوْتُها حَيَّةَ البحر\nثم نَدِمَ على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنّ ذكر الله شفاء، ذكر الله خيرٌ لا شرّ فيه، يُذهب الذنب، وذكرُ الله براءة من النفاق.\nثم اجتمع إلى نصر بَشَرٌ كثير، فوجَّه سلم بن أحوَز إلى الكِرمانيّ في المجفَّفة في بشر كثير، فسفر الناس بين نصرِ والكِرمانيّ، وسألوا نصرًا أن يؤمنه ولا يحبسه، ويضمن عنه قومُه ألّا يخالفه، فوضع يده في يد نصر فأمرَه بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شيء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بالقناطر، فأتاه القاسم بن نجيب، فكلمه فيه فآمنه، وقال له: إنْ شئت خرج لك عن خُراسان، وإن شئت أقام في داره - وكان رأي نصر إخراجه - فقال له سلم: إن أخرجتَه نوّهت باسمه وذكره، وقال الناس: أخرجه لأنه هابه، فقال نصر: إن الذي أتخوّفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوّفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نُفِيَ عن بلده صَغُر أمره، فأبوْا عليه، فكفّ عنه، وأعطى مَن كان معه عشرة عشرة، وأتى الكِرمانيّ نصرًا، فدخل سرادقه فآمنه. ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سُريج، وأتى نصرًا عزلُ منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوّال سنة ست وعشرين ومئة؛ فخطب الناس؛ وذكر ابن جمهور، وقال: قد علمتُ أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيب بن الطيب؛ فغضب الكرمانيّ لابن جمهور، فعاد في جمْع الرجال واتخاذ السلاح، وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمئة وأكثر وأقل، فيصلي خارجًا من المفصورة ثم يدخل على نَصر، فيسلم ولا يجلس، ثم ترك إتيان نَصر وأظهر الخِلاف، فأرسل إليه نصر مع سلْم بن أحوز: إنّي والله ما أردت\n_________\n(١) في ديوانه ١٣.","vol":"9","page":710},{"text":"بك في حَبْسك سوءًا، ولكن خفتُ أن تفسِدَ أمر الناس، فائْتني، فقال الكِرماني: لولا أنك في منزلي لقتلتُك، ولولا ما أعرف من حُمقك أحسنتُ أدَبك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خَير وشرّ، فرجع إلى نصر فأخبره، فقال: عُد إليه، فقال: لا والله، وما بي هيبة له ولكني أكره أن يُسمِعَني فيك ما أكره، فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسديّ، فقال: يا أبا عليّ، إني أخاف عليك عاقبَة ما ابتدأتَ به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خِصالًا؛ فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد بذلك إلا الإنذار إليك. فقال الكِرمانيّ: إني أعلم أن نصرًا لم يقل هذا لك ولكن أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل مَن أحب غَيرك. فرجع عصمة، وقال: ما رأيت عِلْجًا أعدى لطورِه من الكِرمانيّ، وما أعجبُ منه؛ ولكن من يحيى بن حُصين لَعنهم الله [والله لهم، أشدّ تعظيمًا له من أصحابه، قال سَلْم بن أحوز: إني أخاف فساد هذا الثغر والناس، فأرسل إليه قُدَيدًا، وقال: نصر لقُديد بن مَنيع: انطلق إليه، فأتاه فقال له: يا أبا عليّ، لقد لججتَ وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعًا، وتشمَت بنا هذه الأعاجم، فقال: يا قُديد؛ إني لا أتهمك؛ وقد جاء ما لا أثق بنصر معه، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"البكريّ أخوك ولا تثق به\"؛ قال: أما إذْ وقع هذا في نفسك فأعطه رهْنًا، قال: من؟ قال: أعطه عليًّا وعثمان، قال: فمن يعطيني؟ ولا خير فيه، قال: يا أبا عليّ، أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك، ورجع إلى نصر، فقال لعَقيل بن معقل الليثيّ: ما أخوفَني أن يقع بها الثَّغر بلاء، فكلم ابن عمك، فقال عَقيل لنصر: أيها الأمير؛ أنشدك الله أن تشأم عشيرتك، إن مَرْوان بالشام تقاتله الخوارج، والناس في فتنة والأزْد سفهاء وهم جيرانك. قال: فما أصنع؟ إن علمتَ أمرًا يُصلِح الناس فدونك، فقد عزم أنه لا يثق بي، قال: فأتى عَقيل الكِرمانيّ، فقال: أبا عليّ، قد سننت سنة تُطلَبُ بعدك من الأمراء، إني أرى أمرًا أخاف أن تَذهب فيه العقول، قال الكِرمانيّ: إنّ نصرًا يريد أن آتيَه ولا آمنه، ونريد أن يعتزل ونعتزل، ونختار رجلًا من بَكْر بن وائل، نرضاه جميعًا، فيلي أمرنا جميعًا حتى يأتيَ أمرٌ من الخليفة؛ وهو يأبَى هذا، قال: يا أبا عليّ، إني أخاف أن يهلِك أهلُ هذا الثغر، فائْتِ أميرك وقل ما شئت تُجَبْ إليه، ولا تُطمِع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه، فقال الكرمانيّ: إني لا أتهمك في نصيحة","vol":"9","page":711},{"text":"ولا عقْل، ولكنّي لا أثق بنصر؛ فليحمل من مال خَراسان ما شاء ويشخص، قال: فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما؟ تتزوّج إليه ويتزوّج إليك، قال: لا آمنه على حال، قال: ما بعد هذا خيرٌ، وإني خائف أن تهلِك غدًا بمضْيعَة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له عَقيل: أعود إليك؟ قال: لا؛ ولكن أبلغه عني وقل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقيّة بعده؛ فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدّماء فيها، وتهيّأ ليخرج إلى جرجان [٧/ ٢٨٥ - ٢٩٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>[خبر الحارث بن سريج مع يزيد]</span>\nوفي هذه السنة آمن يزيد بن الوليد الحارثَ بن سريج، وكتب له بذلك، فكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره بردّ ما كان أخذ منه من ماله وولده.\nذكر الخبر عن سبب ذلك:\n* ذكر أنّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نَصْر والكرمانيّ، خاف نصر قدوم الحارث بن سُرَيج عليه بأصحابه والترك، فيكون أمره أشدّ عليه من الكرمانيّ وغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل إليه مقاتل بن حيّان النَّبطيّ وثعلبة بن صفوان البنانيّ وأنس بن بَجالة الأعرجي وهدْبَة الشعراويّ وربيعة القرشيّ ليردّوه عن بلاد الترك.\nفذكر عليّ بن محمد عن شيوخه أن خالد بن زياد البدّيّ من أهل التّرمذ وخالد بن عمر ومولى بني عامر، خرجا إلى يزيد بن الوليد يطلبان الأمان للحارث بن سُرَيج، فقدما الكوفة، فلقيَا سعيد خُدَينة، فقال لخالد بن زياد: أتدري لم سمَّوْني خُدَينة؟ قال: لا، قال: أرادوني على قتل أهل اليمن فأبيت. وسألا أبا حنيفة أن يكتب لهما إلى الأجْلح - وكان من خاصة يزيد بن الوليد - فكتب لهما إليه، فأدخلهما عليه، فقال له خالد بن زياد: يا أمير المؤمنين، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله، وعمّالك يغشمون ويظلمون! قال: لا أجد أعوانًا غيرهم، وإني لأبغضهم، قال: يا أمير المؤمنين، ولّ أهل البيوتات، وضمّ إلى كلّ عامل رجالًا من أهل الخير والفقه يأخذونهم بما في عهدك، قال:","vol":"9","page":712},{"text":"أفعل، وسألاه أمانًا للحارث بن سريج، فكتب له:\nأما بعد، فإنا غضبنا لله، إذْ عُطلت حدوده، وبُلغ بعباده كلّ مبلغ وسفكت الدماء بغير حلِّها، وأخذت الأموال بغير حقها، فأردنا أن نعمل في هذه الأمة بكتاب الله جلّ وعزّ وسنة نبيه - ﷺ -، ولا قوّة إلا بالله؛ فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا، فاقبلِ آمنًا أنت ومن معك؛ فإنكم إخواننا وأعواننا وقد كتبتُ إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بردّ ما كان اصطفى من أموالكم وذراريّكم.\nفقدما الكوفة فدخلا على ابن عمر، فقال خالد بن زياد: أصلح الله الأمير! ألا تأمر عمالك بسيرة أبيك؟ قال: أوليس سيرة عمر ظاهرة معروفة! قال: فما ينفع النَّاس منها ولا يُعمل بها! ثم قدما مَرْو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر، فردّ ما كان أخذ لهم مما قدر عليه، ثم نفذا إلى الحارث، فلقيا مقاتل بن حيّان وأصحابه الذين وجّههم نصر إلى الحارث، وكان ابن عمر كتب إلى نصر: إنك آمنت الحارث بغير إذني ولا إذن الخليفة، فأسْقِط في يديه فبعث يزيد بن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة، فلما لقيا مقاتلًا بآمُل قطع إليه مقاتل بنفسه، فكفّ عنه يزيد، قال: فأقبل الحارث يريد مَرْو - وكان مقامه بأرض الشرّك اثنتي عشرة سنة - وقدم معه القاسم الشيبانيّ ومضرّس بن عمران قاضيه وعبد الله بن سنان، فقدم سمرقند وعليها منصور بن عمر فلم يتلفَّه. وقال: أحسنْ بلاءه! وكتب إلى نصر يستأذنه في الحارث أن يثبَ به، فأيّهما قتل صاحبه فإلى الجنة أو إلى النار، وكتب إليه: لئن قدم الحارث على الأمير وقد ضرّ ببني أمية في سلطانهم، وهو والغ في دم بعد دم، قد طوى كشحًا عن الدنيا بعد أن كان في سلطانهم أقراهم لضيف، وأشدهم بأسًا، وأنفذهم غارة في الترك؛ ليفرّقن عليك بني تميم، وكان سَرْدر خُداه محبوسًا عند منصور بن عمر؛ لأنه قتل بياسان، فاستعدى ابنُه جنده (١) منصورًا، فحبسه، فكلم الحارث منصورًا فيه، فخلّى سبيله، فلزم الحارث ووفّى له.\n* * *\n_________\n(١) هو جنده بن بياسان.","vol":"9","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1600>كتاب إبراهيم الإمام إلى شيعة بني العباس</span>\nوفي هذه السنة - فيما زعم بعضهم - وجّه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بُكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصيّة، فقدم مَرْو، وجمع النقباء ومَنْ بها من الدّعاة، فنعى لهم الإمام محمد بن عليّ، ودعاهم إلى إبراهيم، ودفع إليهم كتاب إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم بن محمد. [٧/ ٢٩٣ - ٢٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد</span>\nوفي هذه السنة أظهر مَرْوان بن محمد الخلاف على يزيد بن الوليد؛ وانصرف من أرمينيَة إلى الجزيرة، مظهرًا أنه طالبٌ بدم الوليد بن يزيد، فلما صار بحرّان بايع يزيد.\n* ذكر الخبر عما كان منه في ذلك وعن السبب الذي حمله على الخلاف ثم البيعة:\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان - وسألته عما شهد مما حدثنا به فقال: لم أزل في عسكر مَرْوان بن محمد - قال: كان عبد الملك بن مَرْوان بن محمد بن مروان حين انصرف عن غَزاته الصائفة مع الغَمْر بن يزيد بحرّان، فأتاه قتلُ الوليد وهو بها، وعلى الجزيرة عَبْدة بن رباح الغسانيّ عاملًا للوليد عليها، فشخص منها - حيث بلغه قتلُ الوليد - إلى الشام، ووثب عبد الملك بن مَرْوان بن محمد على حرّان ومدائن الجزيرة فضبطها، وولّاها سليمان بن عبد الله بن عُلاثة، وكتب إلى أبيه بأرمينيَة يعلمه بذلك، ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم، فتهيّأ مَرْوان للمسير، وأظهر أنه يطلب بدم الوليد، وكره أن يَدَع الثَّغْر معطَّلًا حتى يُحكم أمرَه؛ فوجَّه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيليّ - وهو رأس قيس - وثابت بن نعيم الجذاميّ من أهل فلسطين - وهو رأس اليمن - وكان سبب صحبة ثابت إياه أن مروان كان خلَّصه من حبس هشام بالرُّصافة، وكان مَرْوان يقدُم على هشام المرّة في السنتين، فيرفع إليه أمر الثَّغْر وحاله ومصلحة مَنْ به من جنوده، وما ينبغي أن","vol":"9","page":714},{"text":"يعمل به في عدوّه، وكان سبب حبس هشام ثابتًا ما قد ذكرنا قبل من أمره مع حَنْظلة بن صفوان وإفساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر وأهل إفريقيَة؛ إذ قتلوا عامل هشام عليهم، كلثوم بن عياض القسريّ، فشكا ذلك من أمره حنظلة إلى هشام في كتاب كتبه إليه، فأمر هشام حنظلة بتوجيهه إليه في الحديد، فوجّهه حنظلة إليه، فحبسه هشام، فلم يزل في حبسه حتى قدم مروان بن محمد على هشام في بعض وفاداته - وقد ذكرنا بعض أمر كلثوم بن عياض وأمر إفريقية معه في موضعه فيما مضى من كتابنا هذا - فلما قدم مروان على هشام أتاه رؤوس أهل اليمانية؛ ممن كان مع هشام، فطلبوا إليه فيه؛ وكان ممن كلّمه فيه كعب بن حامد العبسيّ صاحب شرط هشام وعبد الرحمن بن الضخم وسليمان بن حبيب قاضيه، فاستوهبه مَرْوان منه فوهبه له، فشخص إلى أرمينيةَ، فولّاه وحبَاه، فلما وجّه مروان ثابتًا مع إسحاق إلى أهل الباب، كتب إليهم معهما كتابًا يعلمهم فيه حال ثغرهم وما لهم من الأجر في لزوم أمرهم ومراكزهم، وما في ثبوتهم فيه من دفْع مكروه العدوّ عن ذراريّ المسلمين.\nقال: وحمل إليهم معهما أعطياتِهم، وولَّى عليهم رجلًا من أهل فلسطين يقال له حميد بن عبد الله اللخميّ - وكان رضيًّا فيهم وكان وليهم قبل ذلك - فحمدوا ولايتَه، فقاما فيهم بأمره، وأبلغاهم رسالته، وقرأا عليهم كتابه، فأجابوا إلى الثبوت في ثغرهم ولزوم مراكزهم، ثم بلغه أنّ ثابتًا قد كان يدسّ إلى قوّادهم بالانصراف من ثَغْرهم واللحاق بأجنادهم، فلما انصرفا إليه تهيّأ للمسير وعرض جنده، ودسّ ثابت بن نعيم إلى من معه من أهل الشام بالانخزال عن مَرْوان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم، ويتولَّى أمرهم؛ فانخزلوا عن عسكرهم مع من فرّ ليلًا وعسكروا على حِدة، وبلغ مروان أمرُهم فبات ليلَته ومن معه في السلاح يتحارسون حتى أصبح؛ ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون على من مع مَروان، فصافُّوهم ليقاتلوهم، فأمر مروان منادين فنادوْا بين الصّفين من الميمنة والميسرة والقلب، فنادوهم: يا أهل الشام؛ ما دعاكم إلى الانعزال! وما الذي نقمتم عليّ فيه من سِيَري! ألم ألِكم بما تحبّون، وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم! ما الذي دعاكم إلى سفك دمائكم! فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة خليفتنا وقد قتِل خليفتنا وبايع أهل الشأم يزيد بن الوليد، فرضينا","vol":"9","page":715},{"text":"بولاية ثابت، ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نردّ إلى أجنادنا، فأمر مناديه فنادى: أن قد كذبتم، وليس تريدون الذي قلتم؛ وإنما أردتم أن تركبوا رؤوسكم، فتغصِبوا من مررتم به من أهل الذّمة أموالَهم وأطعمتَهم وأعلافهم؛ وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إليّ، فأسير بكم حتى أورِدكم الفرات، ثم أخلِّي عن كل قائد وجنده، فتلحقون بأجنادكم، فلما رأوا الجدّ منه انقادوا إليه ومالوا له، وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده؛ وهم أربعة رجال: رفاعة، ونعيم، وبكْر، وعمران، قال: فأمر بهم فأنزِلوا عن خيولهم، وسلِبوا سلاحهم، ووضع في أرجلهم السلاسل. ووكل بهم عدّة من حَرسِه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة من الجند من أهل الشام والجزيرة، وضمهم إلى عسكره، وضبطهم في مسيره، فلم يقدر أحد منهم على أن يفسد ولا يظلم أحدًا من أهل القرى، ولا يرزأه شيئًا إلا بثمن، حتى ورد حرّانِ، ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم، وحبس ثابتًا معه، ودعا أهل الجزيرة إلى الفَرْض، ففرض لنيّف وعشرين ألفًا من أهل الجَلَد منهم، وتهيَّأ للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد على أن يبايعَه ويوليه ما كان عبد الملك مروان ولّى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وأرمينيَة والموصل وأذْربيجان، فبايع له مَرْوان، ووجّه إليه محمد بن عبد الله بن عُلاثة ونفرًا من وجوه الجزيرة [٧/ ٢٩٥ - ٢٩٨].\nوقال بعضهم: توفِّيَ وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكان يكنى أبا خالد وأمه أم ولد اسمها شاه آفْريد بنت فَيْرُوز بن يَزْدجِرْد بن شَهْرِيار بن كسرى، وهو القائل:\nأَنَا ابنُ كِسْرى وأبى مَروانْ ... وقيصر جدي وجدّ خاقانْ\nوقيل: إنه كان قدريًّا، وكان - فيما حدثني أحمد، عن عليّ بن محمد في صفته - أسمر طويلًا، صغير الرأس، بوجهه خال، وكان جميلًا من رجل، في فمه بعض السعة، وليس بالمفرِط [٧/ ٢٩٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث [٦/ ٣٠٠]</span>\nقال: ويقال قدم عبد الله بن معاوية الكوفة وجمع جمعًا، فلم يعلم عبد الله بن عمر حتى خرج في الجبَّانة مجمعًا على الحرب، فالتقوْا، وخالد بن","vol":"9","page":716},{"text":"قَطَن الحارثيّ على أهل اليمن، فشدّ عليه الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ في أهل الشام، فانهزم خالد وأهل الكوفة وأمسكت نزار عن نزار ورجعوا، وأقبل خمسون رجلًا من الزّيدّية إلى دار ابن محرز القرشيّ يريدون القتال، فقتِلوا ولم يقتل من أهل الكوفة غيرهم.\nقال: وخرج ابن معاوية من الكوفة مع عبد الله بن عباس التميميّ إلى المدائن، ثم خرج منها فغلب على الماهين وهَمَذان وقومِس وأصبهان والرّيّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، وقال:\nفلا تَرْكَبَنَّ الصنيعَ الذي ... تَلُومُ أخاكَ على مثله\nولا يُعْجِبَنّكَ قَول امْرئٍ ... يخالف ما قال في فعله\nوأما أبو عبيدة معمر بن المثنَّى؛ فإنه زعم أن سبب ذلك أن عبد الله والحسن ويزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدموا على عبد الله بن عمر؛ فنزلوا في النَّخَع، في دار مولى لهم، يقال له: الوليد بن سعيد، فأكرمهم ابن عمر وأجازهم، وأجرى عليهم كلّ يوم ثلثمئة درهم، فكانوا كذلك حتى هلَك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فقدِمت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفة، فبايع الناس لهما، وزادهم في العطاء مئة مئة؛ وكتب بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة، فبينا هو كذلك؛ إذ أتاه الخبر بأنّ مروان بن محمد قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم بن الوليد، وأنه امتنع من البيعة له، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجري عليه، وأعدّه لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له؛ ويقاتل به مَرْوان؛ فماج الناس في أمرهم، وقرب مَرْوان من الشام، وخرج إليه إبراهيم فقاتله مروان، فهزمه وظفر بعسكره وخرج هاربًا، وثبت عبد العزيز بن الحجاج يقاتل حتى قتِل، وأقبل إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسريّ هاربًا حتى أتى الكوفة؛ وكان في عسكر إبراهيم، فافتعل كتابًا على لسان إبراهيم بولاية الكوفة، فأرسل إلى اليمانية، فأخبرهم سرًا أنَّ إبراهيم بن الوليد ولّاه العراق، فقبلوا ذلك منه، وبلغ الخبرُ عبدَ الله بن عمر فباكره صلاةَ الغداة، فقاتله مِن ساعته، ومعه عمر بن الغَضْبان؛ لما رأى إسماعيل ذلك - ولا عهد معه وصاحبه الذي افتعل العهد على","vol":"9","page":717},{"text":"لسانه هارب منهزم - خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: إني كارهٌ لسفك الدماء، ولم أحسّ أن يبلغ الأمر ما بلغ، فكفُّوا أيديَكم، فتفرَّق القوم عنه، فقال لأهل بيته: إنَّ إبراهيم قد هرب، ودخل مروان دمشق، فحُكي ذلك عن أهل بيته، فانتشر الخبر، واشرأبَّت الفتنة، ووقعت العصبيَّة بين الناس.\nوكان سبب ذلك أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضَر وربيعة عطايَا عظامًا، ولم يعطِ جعفر بن نافع بن القعقاع بن شَوْر الذهليَّ وعثمان بن الخَيبَرِيّ أخا بني تيم اللات بن ثعلبة شيئًا، ولم يسوّهما بنظرائهما؛ فدخلا عليه؛ فكلّماه كلامًا غليظًا، فغضب ابنُ عمر، وأمر بهما، فقام إليهما عبد الملك الطائي - وكان على شُرطه يقوم على رأسه - فدفعهما، فدفعاه وخرجا مغضَبيْن.\nوكان ثمامة بن حَوْشب بن رُويم الشيبانيّ حاضرًا، فخرج مغاضبًا لصاحبيه، فخرجوا جميعًا إلى الكوفة، وكان هذا وابن عمر بالحيرة فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا آل ربيعة، فثارت إليهم ربيعة، فاجتمعوا وتنمّرُوا، وبلغ الخبرُ ابنَ عمر، فأرسل إليهم أخاه عاصمًا، فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم، وقال: هذه يدي لكم فاحكموا؛ فاستحَيْوا وعظَّموا عاصمًا، وتشكَّروا له، وأقبل على صاحبيْهم فسكتا وكفّا، فلمّا أمسى ابنُ عمر أرسل من تحت ليلته إلى عمر بن الغَضْبان بمئة ألف، فقسمها في قومه بني همام بن مرة بن ذُهْل بن شيبان، وأرسل إلى ثُمامة بن حَوْشب بن رُوَيم بمئة ألف، فقسَّمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف، وإلى عثمان بن الخيبريّ بعشرة آلاف (١).\nقال أبو جعفر: فلما رأت الشيعة ضَعْفَه اغتمزوا فيه، واجترؤوا عليه وطعنوا فيه ودعوْا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان الذي ولي ذلك هلال بن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد، فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية، ثم مضوا من فَوْرهم إلى عبد الله، فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد؛ حتى أدخلوه\n_________\n(١) لقد شكك الطبري في هذه التفاصيل بقوله في بداية الخبر: وأما أبو عبيدة فإنه زعم.","vol":"9","page":718},{"text":"القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحِيرة، وجاء ابنَ معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان بن القبعثريّ ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسريّ ومَن كان من أهل الشام بالكوفة له أهل وأصل، فأقام بالكوفة أيامًا يبايعه النالس، وأتتْه البَيْعة من المدائن وفَمِ النيل، واجتمع عليه الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة، وبرز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من أهل الشام، فخرج رجل من أهل الشام يسأله البِراز، فبرز له القاسم بن عبد الغفار، فقال له الشاميّ: لقد دعوتُ حين دعوت، وما أظنّ أن يخرج إليّ رجل من بَكر بن وائل، والله ما أريد قتالَك، ولكن أحببتُ أن ألقى إليك ما انتهى إلينا؛ أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن؛ لا منصور ولا إسماعيل ولا غيرهما إلا وقد كاتب عبد الله بن عمر، وجاءته كتب مضَر، وما أرى لكم أيها الحيّ من ربيعة كتابًا ولا رسولًا، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تُصْبِحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألّا تكون بكم الحزّة فافعلوا، فإني رجل من قَيْس، وسنكون غدًا بإزائكم؛ فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغتُه، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حالَ الناس، فدعا القاسم رجالًا من قومه، فأعلمهم ما قال له الرجل؛ وأنّ ميمنة ابن عمر من ربيعة، ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال عبد الله بن معاوية: إنَّ هذا علامة ستظهر لنا إن أصبحنا؛ فإن أحبّ عمر بن الغضبان فليلقَني الليلة؛ وإن منعه شغل ما هو فيه فهو عذْر، وقلْ له: إني لأظن القيسيّ قد كذب، فأتى الرّسول عمرَ بذلك، فردّه إليه بكتاب يُعلِمه أن رسولي هذا بمنزلتي عندي، ويأمره أن يتوثّق من منصور وإسماعيل، وإنما أراد أن يعلمهما بذلك. قال: فأبى ابنُ معاوية أن يفعَل، فأصبح الناس غادين على القتال، وقد جعل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى مُنادٍ: من أتى برأس فله كذا وكذا، أو بأسير فله كذا وكذا، والمال عند عمر بن الغضبان.\nوالتقى الناسُ واقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فَوْرهما إلى الحيرة ورجمتْ غوغاء النالس أهلَ اليمن من أهل الكوفة، فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلًا، وقُتل الهاشميّ العباس بن عبد الله زوج ابنة الملاة.","vol":"9","page":719},{"text":"ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدثَّه عن أبيه، عن عاتكة بنت الملاة، تزوّجت أزواجًا، منهم العباس بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قُتِل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبيّة بالعراق، وقتل مبكر بن الحواريّ بن زياد في غيرهم؛ ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخل نصر الكوفة، وبقيت الميسرة من مُضَر وربيعة ومَنْ بإزائهم من أهل الشام، وحمل أهلُ القلب من أهل الشام على الزيديّة فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفة، وبقيتَ الميسرة وهم نحو خمسمئة رجل، وأقبل عامر بن ضُبارة ونُبَاتة بن حنظلة بن قبيصة وعتبة بن عبد الرحمن الثعلبيّ والنضر بن سعيد بن عمرو الحرَشيّ، حتى وقفوا على ربيعة، فقالوا لعمر بن الغضبان: أمّا نحن يا معشر ربيعة، فما كنا نأمنُ عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوّف عليكم مثلها؛ فانصرفوا. فقال عمر: ما كنت ببارح أبدًا حتى أموت، فقالوا: إن هذا ليس بمغنٍ عنك ولا عن أصحابك شيئًا، فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة.\nقال عمر: حدثني عليّ بن محمد، عن سليمان بن عبد الله النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا خِرَاش بن المغيرة بن عطية مولى لبني ليث، عن أبيه، قال: كنت كاتب عبد الله بن عمر؛ فوالله إني لعنده يومًا وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال: هذا عبد الله بن معاوية قد أقبل في الخَلْق، فأطرق مليًّا وجاءه رئيس خبّازِيه، فقام بين يديه كأنه يؤُذنه بإدراك طعامه، فأومأ إليه عبدُ الله: أن هاته، فجاءه بالطعام، وقد شخصت قلوبُنا، ونحن نتوقع أن يهجُم علينا ابن معاوية ونحن معه، قال: فجعلت أتفقّده: هل أراه تغيَّر في شيء من أمره من مطعم أو مشرب، أو منظر أو أمر أو نهي؟ فلا والله، ما أنكرت من هيئته قليلًا ولا كثيرًا، وكان طعامه إذا أتِيَ به وُضع بين كلّ اثنين منا صَحفة، قال: فوضِعت بيني وبين فلان صَحفة، وبين فلان وفلان صحفة أخرى؛ حتى عدّ من كان على خوانه، فلما فرغ من غدائه ووضوئه، أمر بالمال فأخرج؛ حتى أخرجت آنية من ذهب وفضة وكُسًا، ففرّق أكثر ذلك في قوّاده، ثم دعا مولى له أو مملوكًا كان يتبرّك به ويتفاءل باسمه - إمّا يدعى ميمونًا أو فتحًا أو اسمًا من الأسماء المتبرَّك بها - فقال له: خذ لواءك، وامض إلى تلّ كذا وكذا فاركزه [عليه]، وادع أصحابَك، وأقِمْ حتى آتيَك، ففعل وخرج عبدُ الله وخرجنا معه، حتى صار إلى التلّ فإذا الأرض","vol":"9","page":720},{"text":"بيضاء من أصحاب ابنِ معاوية، فأمر عبد الله مناديًا، فنادى: من جاء برأس فله خمسمئة؛ فوالله ما كان بأسرع من أن أتِيَ برأس، فوُضِع بين يديه؛ فأمر له بخمسمئة، فدفعت إلى الذي جاء به، فلما رأى أصحابه وفاءه لصاحب الرأس، ثاروا بالقوم؛ فوالله ما كان إلا هُنَيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمئة رأس قد ألقيت بين يديه؛ وانكشف ابنُ معاوية ومَن معه منهزمين، فكان أوّل مَنْ دخل الكوفة من أصحابه منهزمًا أبو البلاد مولى بني عبس وابنه سليمان بين يديه - وكان أبو البلاد متشيعًا - فجعل أهلُ الكوفة ينادونهم كلَّ يوم؛ وكأنهم يعيرونهم بانهزامه؛ فجعل يصيح بابنه سليمان: امضِ ودع النّواضح (١) ينفقن، قال: ومرّ عبد الله بن معاوية فطوى الكوفة، ولم يعرّج بها حتى أتى الجبل (٢). [٧/ ٣٠٣ - ٣٠٨].\n* ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه:\nذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن الحارث سار إلى مَرْو، مخرجَه من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومئة، فتلقاه سلم بن أحوز، والناس بكشماهن، فقال محمد بن الفضل بن عطية العبسيّ: الحمد لله الذي أقرَّ أعينَنَا بقدومك، وردّك إلى فئة الإسلام وإلى الجماعة، قال: يا بنيّ؛ أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلًا، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا كثيرًا! وما قرّت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرة عيني إلا أن يطاع الله، فلما دخل مَرْو قال: اللهمّ إني لى أنوِ قطّ في شيء مما بيني وبينهم إلّا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرْني عليهم، وتلقَّاه نصر فأنزله قَصْر بُخاراخُذاه، وأجرى عليه نزُلًا خمسين درهمًا في كلّ يوم، وكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر مَن كان عنده من أهله؛ أطلق\n_________\n(١) النواضح: جمع ناضح؛ وهو البعير أو الثور أو الحمار يستقى عليه. القاموس المحيط ص ٣١٣.\n(٢) لم نجد لسليمان النوفلي ولا لأبيه ترجمة، ويبدو أن هذا الإسناد ملفق فالمدائني الذي ولد سنة (١٣٠ هـ) أو بعده بقليل لا يحتاج إلى هذه السلسلة الطويلة ليصل إلى شاهد عيان وفي المتن نكارة ومبالغة واضحة.","vol":"9","page":721},{"text":"محمد بن الحارث والألوف بنت الحارث وأمَّ بكر؛ فلما أتاه ابنه محمد، قال: اللهمَّ اجعله بارًّا تقيًّا.\nقال: وقدم الوضاح بن حبيب بن بُدَيل على نَصْر بن سيّار من عند عبد الله بن عمر، وقد أصابه برد شديد، فكساه أثوابًا، وأمر له بقرىً وجاريتين؛ ثم أتى الحارث بن سريج، وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه، فقال له: إنَّا بالعراق، نشهر عظْم عمودك وثقله؛ وإني أحبّ أن أراه، فقال: ما هو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء - وأشار إلى أصحابه - ولكني إذا ضربت به [شهرت] ضربتي، قال: وكان في عموده بالشامي ثمانية عشر رطلًا.\nقال: ودخل الحارث بن سريج على نَصْر، وعليه الجوشن (١) الذي أصابه من خاقان، وكان خيّره بين مئة ألف دينار دنبكانيَّة وبين الجوشن؛ فاختار الجوشن، فنظرت إليه المرزُبانة بنت قديد؛ امرأة نصر بن سيار، فأرسلت إليه بِجرْز لها سمُّور (٢)، مع جارية لها فقالت، أقرئي ابنَ عمي السَّلام، وقولي له: اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجرْز السَمُّور، فالحمد لله الذي أقدمك صالحًا، فقال للجارية: أقرئي بنت عميّ السلام، وقولي لها: أعارية أم هدية؟ فقالت: بل هديّة؛ فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها في أصحابه. وبعث إليه نصر بفرُش كثيرة وفرس، فباع ذلك كلّه، وقسّمه في أصحابه بالسّويّة، وكان يجلس على بَرذعة، وتُثْنى له وسادة غليظة، وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه مئة ألف دينار، فلم يقبل، وأرسل إلى نصر: إني لستُ من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات، ولا من تزويج عقائل العرب فيِ شيء؛ وإنما أسأل كتاب الله ﷿ والعمل بالسنّنة واستعمال أهل الخير والفضْل، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك.\nوأرسل الحارث إلى الكرمانيّ: إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضَدتُه وقمتُ بأمر الله، وإن لم يفعل استعنتُ بالله عليه، وأعنتك إن ضمنت لي ما أريد من القيام بالعدل والسنة.\n_________\n(١) في اللسان (٥/ ٨٨): \"الجوشن من السلاح \": زرد يلبس على الصدر.\n(٢) الجرز، بالكسر: لباس النساء من الوبر والجلد. اللسان (٥/ ٣١٨). وفي اللسان (٤/ ٣٨٠) السمور: دابة معروفة تسوى من جلودها فراء غالية الأثمان.","vol":"9","page":722},{"text":"وكان كلما دخل عليه بنو تُميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه محمد بن حمران ومحمد بن حرب بن جِرْفاس المِنقريّان والخليل بن غَزْوان العدويّ، وعبد الله بن مُجّاعة وهبيرة بن شَراحيل السعدّيان، وعبد العزيز بن عبدربّه الليثيّ، وبشر بن جرموز الضبيّ، ونهار بن عبد الله بن الحُتات المجاشعيّ، وعبد الله النباتي.\nوقال الحارث لنصر: خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارًا للجوْر، وأنت تريدني عليه! فانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف [٧/ ٣٠٩ - ٣١٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك</span>\nحدثني أحمد، قال: حدثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد بن صالح، قال: لما انصرف مروان إلى منزله من حَرّان بعد فراغه من أهل الشام لم يلبث إلا ثلاثة أشهر؛ حتى خالفه أهل الشام، وانتقضوا عليه؛ وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، وراسلهم وكاتبهم، وبلغ مَرْوان خبرهم، فسار إليهم بنفسه، وأرسل أهل حمص إلى مَنْ بتدمر من كلْب؛ فشخص إليهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ ومعه بنون له ثلاثة رجال: حمرة وذؤالة وفُرافصة ومعاوية السكسكيّ - وكان فارس أهل الشام - وعصمة بن المقشعِر وهشام بن مَصاد وطفيل بن حارثة ونحو ألف من فرسانهم، فدخلوا مدينة حِمْص ليلة الفطر من سنة سبع وعشرين ومئة.\nقال: ومروان بحَماة ليس بينه وبين مدينة حِمْص إلا ثلاثون ميلًا، فأتاه خبرهم صبيحة الفِطْر، فجدّ في السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام؛ وقد كانا راسلاه وطلبا إليه الأمان، فصارا معه في عسكره يكرمهما ويُدنيهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، ويسيران معه في مَوْكبه.\nفانتهى إلى مدينة حِمْص بعد الفِطْر بيومين، والكلبيّة فيها قد ردموا أبوابها من داخل، وهو على عُدّة معه روابطه، فأحدقت خيله بالمدينة، ووقف حذاء باب من أبوابها، وأشرف على جماعة من الحائط، فناداهم مناديه: ما دعاكم إلى","vol":"9","page":723},{"text":"النكث؟ قالوا: فإنا على طاعتك لم ننكث، فقال لهم: فإن كنتم على ما تذكرون فافتحوا، ففتحوا الباب، فاقتحم منه عمرو بن الوضاح في الوضّاحية [وهم] نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم في داخل المدينة؛ فلما كَثَرتهم خيلُ مروان، انتهوْا إلى باب من أبواب المدينة يقال له باب تدْمر، فخرجوا منه والروابط عليه فقاتلوهم، فقتِل عامتهم، وأفلت الأصبغ بن ذؤالة والسكسكيّ وأسر ابنا الأصبغ: ذؤالة وفُرَافصة في نيّف وثلاثين رجلًا منهم، فأُتِيَ بهم مروان فقتلهم وهو واقف، وأمر بجمع قتلاهم وهم خمسمئة أو ستمئة، فصلبوا حول المدينة، وهدم مِنْ حائط مدينتها نحوًا من غَلْوة، وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق، فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولَّوْا عليهم يزيد بن خالد القسريّ، وثبت مع زامل المدينة وأهلها وقائد في نحو أربعمئة، يقال له أبو هبَّار القرشي فوجّه إليهم مَرْوان من حِمْص أبا الورد بن الكوْثر بن زُفَر بن الحارث - واسمه مجزأة - وعمرو بن الوضّاح في عشرة آلاف، فلما دنَوْا من المدينة حملوا عليهم، وخرج أبو هَبّار وخيله من المدينة، فهزموهم واستباحوا عسكرهم وحرقوا المِزّة من قرى اليمانية، ولجأ يزيد بن خالد وأبو عِلاقة إلى رجُلٍ من لخم من أهل المِزّة، فدُلّ عليهما زامل، فأرسل إليهما، فقتِلا قبل أن يوصل بهما إليه، فبعث برأسيْهما إلى مَرْوان بحِمْص، وخرج ثابت بن نُعَيم من أهل فلسطين؛ حتى أتى مدينة طَبَرِيّة، فحاصر أهلها، وعليها الوليد بن معاوية بن مَرْوان؛ ابن أخي عبد الملك بن مروان، فقاتلوه أيامًا، فكتب مَرْوان إلى أبي الورد أن يشخص إليهم فيمدّهم. قال: فرحل من دمشق بعد أيام، فلما بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومَن معه، فاستباحوا عسكرهم، فانصرف إلى فِلَسطين منهزمًا، فجمع قومه وجُنده؛ ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية، وتفرّق مَن معه، وأسِر ثلاثة رجال من ولده؛ وهم نُعيم وبكْر وعمران، فبعث بهم إلى مَرْوان فقُدم بهم عليه؛ - وهو بدير أيوب - جرحى، فأمر بمداواة جراحاتهم، وتغيّب ثابت بن نعيم، فوُلِّي الرُّماحس بن عبد العزيز الكنانيّ فلسطين، وأفلت مع ثابت من ولده رفاعة بن ثابت - وكان أخبَثهم - فلحق بمنصور بن جمهور، فأكره وولّاه، وخلّفه مع أخ له يقال له منصور بن جمهور؛ فوثب عليه فقتَله، فبلغ منصورًا وهو متوجِّه إلى المُلْتان، وكان أخوه","vol":"9","page":724},{"text":"بالمنصورة، فرجع إليه فأخذه، فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة، وأدخله فيها، ثم سمّره إليها، وبنى عليه.\nقال: وكتب مَرْوان إلى الرُّماحس في طلب ثابت والتلطف له، فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر، فأتِي به مَرْوان موثَقًا بعد شهرين، فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه، فقطِعت أيديهم وأرجلهم؛ ثم حمِلوا إلى دمشق، فرأيتهم مقطَّعين، فأقيموا على باب مسجدها؛ لأنه كان يبلغه أنهم يرجفون بثابت، ويقولون: إنه أتى مصر؛ فغلب عليها، وقتل عامل مَرْوان بها، وأقبل مَرْوان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله، وزوّجهما ابنتي هشام بن عبد الملك؛ أمّ هشام وعائشة، وجمع لذلك أهل بيته جميعًا؛ من ولد عبد الملك محمد وسعيد وبكار وولد الوليد وسليمان ويزيد وهشام وغيرهم من قريش ورؤوس العرب، وقطع على أهل الشام بعثًا وقوّاهم، وولى على كل جند منهم قائدًا منهم، وأمرهم باللّحاق بيزيد بن عمر بن هُبيرة، وكان قبل مسيره إلى الشام وجهه في عشرين ألفًا من أهل قِنّسرين والجزيرة، وأمره أن ينزل دورين إلى أن يقدم، وصيّره مقدّمة له، وانصرف من دير أيوب إلى دمشق؛ وقد استقامت له الشام كلها ما خلا تدمر، وأمر بثابت بن نعيم وبنيه والنّفر الذين قطعهم فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق، قال: فرأيتُهم حين قتِلوا وصُلِبوا. قال: واستبقى رجلًا منهم يقال له عمرو بن الحارث الكلبيّ، وكان - فيما زعموا - عنده علم من أموال كان ثابت وضعها عند قوم، ومضى بمن معه، فنزل القسطل من أرض حِمْص مما يلي تدمُر؛ بينهما مسيرة ثلاثة أيام؛ وبلغه أنهم قد عَوَّروا (١) ما بينه وبينها من الآبار، وطمُّوها بالصخر؛ فهيّأ المزاد والقرب والأعلاف والإبل، فحمل ذلك له ولمن معه، فكلمه الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام وغيرهما، وسألوه أن يُعذِر إليهم، ويحتجّ عليهم، فأجابهم إلى ذلك، فوجّه الأبرش إليهم أخاه عمرو بن الوليد، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يُجيبوه، فسأله الأبرش أن يأذن له في التوجّه إليهم، ويؤجله أيامًا، ففعل، فأتاهم فكلمهم وخوّفهم وأعلمهم أنهم\n_________\n(١) عور البئر: أفسدها. القاموس المحيط (٦١٢). وفي اللسان (٤/ ٦١٧): وفي حديث علي: أمره أن يعور آبار بدر، وأن يدفنها ويطمها.","vol":"9","page":725},{"text":"حمقى، وأنه لا طاقة لهم به، وبمَن معه، فأجابه عامّتهم، وهرب مَنْ لم يثق به منهم إلى برّية كلب وباديتهم، وهم: السكسكيّ وعِصمة بن المقشعرّ وطفيل بن حارثة ومعاوية بن أبي سفيان بن يزيد بن معاوية، وكان صهر الأبرش على ابنته، وكتب الأبرش إلى مرْوان يعلمه ذلك، فكتب إليه مرْوان: أن اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إليّ بمن بايعك منهم.\nفانصرف إليه ومعه [من رؤوسهم الأصبغ بن ذؤالة وابنه حمزة وجماعة من رؤوسهم، وانصرف مَرْوان بهم على طريق البريّه على سورية ودير اللثق، حتى قدم الرُّصافة ومعه سليمان بن هشام وعمه سعيد بن عبد الملك وإخوته جميعًا وإبراهيم المخلوع وجماعة من ولَد الوليد وسليمان ويزيد، فأقاموا بها يومًا، ثم شخص إلى الرَّقة فاستأذنه سليمان، وسأله أن يأذن له أن يقيم أيامًا ليقوَى من معه من مواليه، ويجمّ ظهره ثم يتبعه، فأذن له ومضى مَرْوان، فنزل عند واسط على شاطئ الفرات في عسكر كان ينزله، فأقام به ثلاثة أيام، ثم مضى إلى قَرْقِيسيا وابنُ هبيرة بها، ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيبانيّ الحرُوريّ، فأقبل في نحو عشرة آلاف ممن كان مَرْوان قطع عليهم البَعْث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم حتى حلُّوا بالرُّصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته [٧/ ٣١٢ - ٣١٦].\nويقال: إنّ عبد الله بن عمر لمّا وليّ العراق ولَّى الكوفة عبيد الله بن العباس الكنديّ، وعلى شرَطه عمر بن الغضبان بن القَبَعثري، فلم يزالا على ذلك حتى مات يزيد بن الوليد، وقام إبراهيم بن الوليد، فأقرّ ابن عمر على العراق، فولَّى ابنُ عمر أخاه عاصمًا على الكوفة، وأقرّ ابن الغضبان على شُرَطه، فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله بن معاوية فاتّهم عمر بن الغضبان، فلما انقضى أمرُ عبد الله بن معاوية ولَّى عبدُ الله بن عمر عمرَ بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفةَ، وعلى شُرَطه الحكم بن عتيبة الأسديّ من أهل الشام، ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفة، ثم عزل عمر بن الغضبان عن شُرَطه وولى الوليد بن حسان الغسانيّ، ثم ولّى إسماعيل بن عبد الله القسريّ وعلى شرَطه أبان بن الوليد، ثم عزل إسماعيل وولّى عبد الصمد بن أبان بن النعمان بن","vol":"9","page":726},{"text":"بشير الأنصاريّ، ثم عزله فولَّى عاصم بن عمر، فقدم عليه الضّحاك بن قيس الشيبانيّ.\nويقال: إنما قدم الضحاك وإسماعيل بن عبد الله القسريّ في القصر وعبد الله بن عمر بالحيرة وابن الحَرَشيّ بدير هند، فغلب الضحاك على الكوفة، وولّى مِلْحان بن معروف الشيبانيّ عليها، وعلى شرطه الصُّفرْ من بني حنظلة - حَروريَ - فخرج ابن الحَرشيّ يريد الشام، فعارضه مِلْحان، فقتله ابنُ الحَرَشيّ فولى الضحاك على الكوفة حسان فولَّي حسان ابنه الحارث على شرَطه.\nوقال عبد الله بن عمر يرثى أخاه عاصمًا لما قتله الخوارج:\nرَمَى غَرَضِي رَيْبُ الزَّمانِ فلَمْ يدَعْ ... غداةَ رَمَى للقَوْسِ في الكَفِّ مِنزَعا\nرَمَى غرَضي الأَقصى فأَقصَدَ عاصِمًا ... أخًا كان لي حِرْزًا ومأْوًى ومفْزَعَا\nفإنْ تكُ أحزانٌ وفائضُ عَبْرَةٍ ... أذابَتْ عبيطًا من دَم الجَوْفِ منقعَا\nتَجرَّعْتُها في عاصِمٍ واحْتَسَيْتُها ... فأَعظَمُ منْها ما احْتسَى وتَجَرَّعا\nفلَيْتَ المنايا كُنَّ خلَّفْنَ عاصِمًا ... فعِشْنا جَمِيعًا أوؤذَهَبْنَ بِنَا معا\nوذكر أن عبد الله بن عمر يقول: بلغني أنّ عين بن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم بن ميم، وكان يأمل أن يقتله؛ فقتله عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فذكر أن أصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط، قال لابن عمر أصحابُه: علام تقيم وقد هرب الناس! قال: أتلوّم وأنظر .. فأقام يومًا أو يومين لا يرى إلا هاربًا، وقد امتلأت قلوبهم رُعبًا من الخوارج، فأمر عند ذلك بالرَّحيل إلى واسط، وجمع خالد بن الغُزَيّل أصحابَه، فلحق بمرْوان وهو مقيم بالجزيرة، ونظر عبيد الله بن العباس الكنديّ إلى ما لقيَ الناس، فلم يأمن على نفسه، فجنح إلى الضَّحاك فبايعه؛ وكان معه في عسكره، فقال أبو عطاء السنديّ يعيّره باتباعه الضحاك، وقد قتل أخاه:\nقُلْ لعُبيد اللهِ لوْ كان جَعْفَرٌ ... هو الحَيّ لم يجنحْ وأَنْتَ قَتِيلُ\nولم يتبَع المرَّاقَ والثَّأْرُ فيهمُ ... وفي كفِّه عَضْب الذُّباب صَقِيل\nإلى مَعْشَرٍ أرْدَوْا أخاك وأكفَرُوا ... أباك، فماذا بعد ذاك تَقُول!","vol":"9","page":727},{"text":"- فلما بلغ عبيدَ الله بن العباس هذا البيت من قول أبي عطاء، قال أقول: أعضَّك الله ببظر أمِّك -\nفلا وصلَتْك الرَّحْمُ من ذي قَرَابَةٍ ... وطالِبِ وتْر، والذَّليلُ ذَليلُ\nتركتَ أخا شَيْبَانَ يَسلبُ بَزَّهُ ... ونَجَّاك خَوَّارُ العنَانِ مَطولُ\nقال: فنزل ابن عمر منزلَ الحجاج بن يوسف بواسط - فيما قيل - في اليمانية ونزل النّضر وأخوه سليمان ابنا سعيد وحنظلة بن نُباتة وابناه محمد ونباتة في المضريّة ذات اليمين إذا صعدتَ من البصرة، وخلوا الكوفة والحيرة للضّحاك والشُّراة، وصارت في أيديهم وعادت الحرب بين عبد الله بن عمر والنَّضْر بن سعيد الحرَشيّ إلى ما كانت عليه قبل قدوم الضّحاك يطلب النضر أن يسلم إليه عبد الله بن عمر ولايةَ العراق بكتاب مَرْوان، ويأتِي عبد الله بن عمر واليمانية مع ابن عمر والنزارية مع النّضْر، وذلك أن جند أهل اليمن كانوا مع يزيد الناقص تعصّبًا على الوليد حيث أسلم خالد بن عبد الله القسريّ إلى يوسف بن عمر حتى قتله؛ وكانت القيسية مع مَرْوان، لأنه طلب بدم الوليد - وأخوال الوليد من قيس، ثم من ثقيف، أمّه زينب بنت محمد بن يوسف ابنة أخي الحجاج - فعادت الحرب بين ابن عمر والنّضر، ودخل الضحاك الكوفة فأقام بها، واستعمل عليها مِلْحَان الشيبانيّ في شعبان سنة سبع وعشرين ومئة، فأقبل منقضًّا في الشّراة إلى واسط، متبعًا لابن عمر والنضر، فنزل باب المِضْمار.\nفلما رأى ذلك ابنُ عمر والنضرْ نكلا عن الحرب فيما بينهما، وصارت كلمتهما عليه واحدة؛ كما كانت بالكوفة؛ فجعل النضْر وقوّاده يعبرُون الجسر، فيقاتلون الضّحاك وأصحابه مع ابن عمر ثم يعودون إلى مواضعهم، ولا يقيمون مع ابن عمر؛ فلم يزالوا على ذلك: شعبان وشهر رمضان وشوال، فاقتتلوا يومًا من تلك الأيام، فاشتدّ قتالهم، فشدّ منصور بن جمهور على قائد من قوّاد الضحاك، كان عظيم القَدْر في الشُّراة، يقال له عكرمة بن شيبان، فضربه على باب القورَج، فقطعه باثنين فقتله، وبعث الضحاك قائدًا من قوّاده يدعى شوالًا من بني شيبان إلى باب الزّاب، فقال: اضرمْه عليهم نارًا، فقد طال الحصار علينا، فانطلق شوّال ومعه الخيبريّ؛ أحد بني شيبان في خيلهم، فلقيَهم عبدُ الملك بن علقمة، فقال لهم: أين تريدون؟ فقال له شوّال: نريد باب","vol":"9","page":728},{"text":"الزّاب، أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فقال: أنا معك؛ فرجع معه وهو حاسر، لا درَع عليه؛ وكان من قوّاد الضّحاك أيضًا وكان أشدّ الناس، فانتهوا إلى الباب فأضرموه، فأخرج لهم عبد الله بن عمر منصورَ بن جمهور في ستمئة فارس من كلْب، فقاتلوهم أشدّ القتال، وجعل عبد الملك بن علقمة يشدّ عليهم وهو حاصر؛ فقتل منهم عِدّة، فنظر إليه منصور بن جمهور، فغاظه صنيعه، فشدّ عليه فضربه على حبل عاتقه فقطعه حتى بلغ حَرْقفته؛ فخرّ ميتًا، وأقبلت امرأة من الخوارج شادَة؛ حتى أخذت بلجام منصور بن جمهور، فقالت: يا فاسق، أجب أمير المؤمنين، فضرب يدها - ويقال: ضرب عنان دابته فقطعه في يدها - ونجا.\nفدخل المدينة الخيبريّ يريد منصورًا، فاعترض عليه ابنُ عمّ له من كلْب، فضربه الخيبريّ فقتله؛ [فقال حبيب بن خدرة مولى بني هلال]- وكان يزعم أنه من أبناء ملوك فارس - يرثي عبد الملك بن علقمة:\nوقائلة وَدَمْعُ العَيْن يجري ... على روح ابن علقَمَة السَّلام\nأأَدْركَكَ الحِمامُ وأنتَ سار ... وكلُّ فتىً لمصْرَعِهِ حِمام\nفلا رَعشُ اليَدَيْنِ ولا هدانٌ ... ولا وكَلُ اللقاء ولا كَهَام\nوما قَتْلٌ على شار بعار ... ولكن يُقْتَلُونَ وهُمْ كِرامُ\nطغامُ الناسِ لَيْسَ لَهُمْ سبيلٌ ... شجاني يابن علقَمةَ الطغامُ\nثم إنّ منصورًا قال لابن عمر: ما رأيتُ في الناس مثل هؤلاء قطّ - يعني الشُّراة - فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرّضا، واجعلهم بينك وبين مرْوان، فإنك إن أعطيتهم الرّضا خلَّوْا عنا ومضْوا إلى مروان، فكان حدُّهم وبأسهم عليه، وأقمتَ أنت مستريحًا بموضعك هذا؛ فإن ظفروا بها كان ما أردْتَ وكنتَ عندهم آمنًا، وإن ظفر بهم وأردت خلافَه وقتاله قاتلته جامًّا مستريحًا؛ مع أن أمره وأمرهم سيطول، ويوسعونه شرًّا، فقال ابن عمرُ: لا تعجل حتى نتلوّم وننظر، فقال: أيّ شيء ننتظر!\nفما تستطيع أن تطلع معهم ولا تستقرّ؛ وإن خرجنا لم نقم لهم، فما انتظارنا بهم ومروان في راحة، وقد كفيناه حدَّهم وشغلناهم عنه! أما أنا فخارج لاحقٌ بهم، فخرج فوقف حيال صفِّهم وناداهم: إني جانحٌ أريد أن أسلِم وأسمع كلام الله - قال: وهي محنتهم - فلحق بهم فبايعهم، وقال: قد أسلمتُ، فدعوْا له","vol":"9","page":729},{"text":"بغداء فتغدّى، ثم قال لهم: من الفارس الذي أخذ بعناني يوم الزّاب؟ يعني يوم ابن علقمة - فنادوا يا أمّ العنبر، فخرجت إليهم؛ فإذا أجمل الناس، فقالت له: أنت منصور؟ قال: نعم، قالت: قبح الله سيفك، أين ما تذكر منه! فوالله ما صنع شيئًا، ولا ترك - تعني ألّا يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة - وكان منصور لا يعلم يومئذ أنها امرأة، فقال: يا أمير المؤمنين، زَوّجنْيها، قال: إن لها زوجًا - وكانت تحت عبيدة بن سوَّار التغلبيّ - قال: ثم إنّ عبد الله بن عمر خرج إليهم في آخر شوّال فبايعه [٧/ ٣١٩ - ٣٢٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد</span>\nوفي هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومئة - خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان مروان بن محمد ونصب الحرب.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما جرى بينهما:\nحدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: لما شخص مروان من الرصافة إلى الرَّقة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضّحاك بن قيس الشيبانيّ استأذنه سليمان بن هشام في مُقام أيام، لإجمام ظهره وإصلاح أمره؛ فأذن له. ومضى مرْوان، فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مَرْوان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوّادهم؛ حتى جاؤوا الرُّصافة، فدعوْا سليمان إلى خَلْع مَروان ومحاربته، وقالوا: أنت أرضى منه عند أهل الشام وأوْلى بالخلافة، فاستزلّه الشيطان، فأجابهم، وخرج إليهم بإخوته وولده ومواليه، فعسكر [بهم] وسار بجمعهم إلى قِنَّسرين، فكاتب أهل الشام فانقضُّوا إليه من كلّ وجه وجند؛ وأقبل مَروان بعد أن شارف قَرْقيسيا منصرفًا إليه، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره من دورين حتى نزل معسكرَه بواسط، واجتمع مَن كان بالهَنيّ من موالي سليمان وولد هشام، فدخلوا حِصْنَ الكامل بذراريّهم فتحصّنوا فيه، وأغلقوا الأبواب دونه، فأرسل إليهم: ماذا صنعتم؟ خلعتم طاعتي ونقضتم بيعتي بعدما أعطيتموني من العهود والمواثيق! فردُّوا على رسله: إنا مع سليمان على مَن","vol":"9","page":730},{"text":"خالفه، فردّ إليهم: إنّي أحذّركم وأنذركم أن تعرضوا لأحد ممّن تبعني من جنْدي أو يناله منكم أذىً، فتحلُّوا بأنفسكم؛ ولا أمانً لكم عندي، فأرسلوا إليه: إنا سنكفّ.\nومضى مرْوان، فجعلوا يخرجون من حصنهم، فيغيرون على من اتّبعه من أخريات الناس وشذاذ الجند؛ فيسلبونهم خيولَهم وسلاحَهم، وبلغه ذلك، فتحرّق عليهم غيظًا، واجتمع إلى سليمان نحوٌ من سبعين ألفًا من أهل الشام والذّكْوانية وغيرهم، وعسكر في قرية لبني زفر يقال له خُسَاف من قِنسَّرين من أرضها، فلما دنا منه مَرْوان قدّم السكسكيّ في نحو سبعة آلاف، ووجّه مرْوان عيسى بن مسلم في نحو من عدّتهم، فالتقوْا فيما بين العسكرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والتقى السكسكيّ وعيسى، وكلّ واحد منهما فارس بطل، فاطّعنا حتى تقصّفت رماحهما، ثم صارا إلى السيوف، فضرب السكسكيُّ مقدّم فرس صاحبه، فسقط لجامُه في صدره، وجال به فرسه، فاعترضه السَّكسكيّ، فضربه بالعمود فصرعه، ثم نزل إليه فأسره، وبارز فارسًا من فرسان أنطاكيَة، يقال له سلساق قائد الصّقالية، فأسره، وانهزمت مقدّمة مروان وبلغه الخبر وهو في مسيره، فمضى وطوى على تعبية، ولم ينزل حتى انتهى إلى سليمان، وقد تعبّأ له، وتهيّأ لقتاله، فلم يناظره حتى واقعه فانهزم سليمان ومَن معه، وأتْبعتهم خيوله تقتلهم وتأسرهم؛ وانتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه، ووقف مروان مَوقِفًا، وأمر ابنيه فوقفا موقفين، ووقف كوثر صاحب شرطته في موضع، ثم أمره ألّا يأتوا بأسير إلّا قتلوه إلّا عبدًا مملوكًا، فأحصِيَ مِنْ قتلاهم يومئذ نيّف على ثلاثين ألفًا.\nقال: وقُتِل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده، وأتِي بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد بن هشام المخزوميّ - وكان بادنًا كثير اللحم - فأدنِيَ إليه وهو يلْهث، فقال له: يا فاسق؛ أما كان لك في خمر المدينة وقيانها ما يكفُّك عن الخروج مع الحرّاء تقاتلني! قال: يا أمير المؤمنين، أكرهني، فأنشِدك الله والرّحم! قال: وتكذب أيضًا! كيف أكرهَك وقد خرجتَ بالقيان والزقاق والبَرابط معك في عسكره؟ فقتله. قال: وادّعى كثير من الأسَراء من الجند أنهم رقيق، فكفّ عن قتلهم، وأمر ببيعهِم فيمن يزيد مع ما بيع مما أصيب في عسكرهما (١).\n_________\n(١) في المتن نكارة واضحة. فخال هشام معروف، ولا داعي إلى هذه العبارة (وأتِي بخال ...) =","vol":"9","page":731},{"text":"قال: ومضى سليمان مفلولًا حتى انتهى إلى حِمْص؛ فانضمّ إليه من أفلت ممّن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها، ووجّه مَرْوان يوم هزمه قوّادًا، وروابط في جَرِيدة خيل، وتقدّم إليهم أن يسبقوا كلَّ خبر؛ حتى يأتوا الكامل، فيحدقوا بها إلى أن يأتيهم حَنقًا عليهم فأتوهم فنزلوا عليهم، وأقبل مَرْوان نحوهم حتى نزل معسكرَه من واسط، فأرسل إليهم أن انزلوا على حكمي، فقالوا: لا حتى تؤمّننا بأجمعنا، فدلَف إليهم، ونصب عليهم المجانيق، فلما تتابعت الحجارة عليهم نزلوا على حكْمِه، فمثّل بهم واحتملهم أهل الرَّقة فآووْهم، وداووا جراحاتهم، وهلك بعضُهم وبقي أكثرهم، وكانت عِدّتِهم جميعًا نحوًا من ثلثمئة، ثم شخص إلى سليمان ومَنْ تجمّع معه بحِمْص، فلما دنا منهم اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان! هلمّوا فلنتبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتى نموت جميعًا، فمضى على ذلك من فرسانهم من قد وطّن نفسه على الموت نحو من تسعمئة، وولَّى سليمان على شَطْرهم معاوية السَّكسكيّ، وعلى الشَّطر الثاني ثُبيتًا البَهرانيّ، فتوجهوا إليه مجتمعين، على أن يبيّتوه إن أصابوا منه غِرّة، وبلغه خبرهم وما كان منهم، فتحرّز وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبية، فراموا تبييته فلم يقدروا، فتهيؤوا له وكمنوا في زيتون ظَهَر على طريقه، في قرية تسمى تَل منَّس من جبل السّماق، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبيَة، فوضعوا السلاح فيمن معه، وانتبذ لهم، ونادى خيولَه فثابت إليه من المقدمة والمجنّبتين والسَّاقة، فقاتلوهم من لَدُن ارتفاع النهار إلى بعد العَصْر، والتقى السَّكسكِيّ وفارس من فرسان بني سليم، فاضطربا، فصرعه السُّلميّ عن فرسه، ونزل إليه، وأعانه رجل من بني تميم، فأتياه به أسيرًا وهو واقف؛ فقال: الحمد لله الذي أمكَن منك فطالما بلغت منَّا! فقال: استبقني فإني فارس العرب، قال: كذبت؛ الذي جاء بك أفرسُ منك، فأمر به فأوثق، وقتل ممّن صبر معه نحو من ستة آلاف.\nقال: وأفلت ثُبَيت ومَن انهزم معه، فلما أتوْا سليمان خلف أخاه سعيد بن\n_________\n= وهو رجل عرف بالصلاح وانشغاله بالجهاد على الثغور؛ ومن مزايا المتون الملفقة كثرة ألفاظ السب والشتم البذئ كما ها هنا والله أعلم.","vol":"9","page":732},{"text":"هشام في مدينة حِمْص، وعرف أنه لا طاقة له به، ومضى هو إلى تَدْمر، فأقام بها، ونزل مَرْوان على حِمْص، فحاصرهم بها عشرة أشهر، ونصب عليها نَيّفًا وثمانين مِنْجنيقًا، فطرح عليهم حجارتها بالليل والنهار وهم في ذلك يخرجون إليه كلّ يوم فيقاتلونه، وربما بيّتوا نواحي عسكره، وأغاروا على الموضع الذي يطمعون في إصابة العوْرة والفرضة منه.\nفلما تتابع عليهم البلاء، ولزمهم الذُّلُّ سألوه أن يؤمّنهم على أن يمكنوه من سعيد بن هشام وابنْيه عثمان ومرْوان ومن رجل كان يسمى السكسكيّ، كان يغير على عسكرهم، ومن حبشيّ كان يشتمه ويفتري عليه؛ فأجابهم إلى ذلك وقبِله، وكانت قصّة الحبشي أنه كان يشرف من الحائط ويربط في ذكَرَه ذكَرَ حمار، ثم يقول: يا بني سليم، يا أولاد كذا وكذا، هذا لواؤكم! وكان يشتم مروان، فلما ظفر به دفعه إلى بني سُليم، فقطعوا مذاكيرَه، وأنفه، ومثّلوا به، وأمر بقتل المتسمّي السكسكيّ والاستيثاق من سعيد وابنيه، وأقبل متوجّهًا إلى الضحاك.\nوأما غير أبي هاشم مخلّد بن محمد، فإنه ذكر من أمر سليمان بن هشام بعد انهزامِه من وقعة خُساف غير ما ذكره مخلّد؛ والذي ذكره من ذلك أن سليمان بن هشام بن عبد الملك حين هزمه مَرْوان يوم خُساف أقبل هاربًا؛ حتى صار إلى عبد الله بن عمر، فخرج مع عبد الله بن عمر إلى الضّحاك، فبايعه، وأخبر عن مروان بفسق وجور وحضّض عليه، وقال: أنا سائر معكم في مواليّ ومَن اتبعني، فسار مع الضحاك حين سار إلى مروان، فقال شُبيل بن عَزْرة الضُّبَعيّ في بيعتهم الضحاك:\nألم ترَ أنَّ الله أظهَرَ دينَهُ ... فصَلَّتْ قرَيْشٌ خَلف بَكْرِ بنِ وائِل\nفصارت كلمة ابن عمر وأصحابه واحدة على النَّضر بن سعيد، فعلم أنه لا طاقة له بهم؛ فارتحل من ساعته يريد مَرْوان بالشام.\nوذكر أبو عبيدة أن بَيْهسًا أخبره: لما دخل ذو القعدة سنة سبع وعشرين ومئة، استقام لمرْوان الشام ونفى عنها مَن كان يخالفه، فدعا يزيد بن عمر بن هبيرة، فوجَّهَه عاملًا على العراق، وضمّ إليه أجناد الجزيرة، فأقبل حتى نزل سعيد بن عبد الملك، وأرسل ابن عمر إلى الضَّحاك يعلمه ذلك.","vol":"9","page":733},{"text":"قال: فجعل الضّحاكَ لَنا مَيْسان وقال: إنها تكفيكم حتى ننظر عما تنجلي واستعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بن النعمان.\nفأما أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر عنه هشام: إن عبد الله بن عمر صالح الضّحاك على أنّ بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفة وسوادها، وبيد ابن عمر ما كان بيده من كَسْكَر وميسان وِدَسْتميسان وكور دجلة والأهواز وفارس، فارتحل الضَّحاك حتى لقي مروان بكَفرْتوثَا من أرض الجزيرة.\nوقال أبو عبيدة: تهيّأ الضّحاك ليسير إلى مَرْوان، ومضى النَّضْر يريد الشام، فنزل القادسيّة، وبلغ ذلك مِلْحان الشيبانيّ عامل الضَّحاك على الكوفة، فخرج إليه فقاتله وهو في قلَّة من الشَّراة، فقاتله فصبر حتى قتله النّضر، وقال ابن خدرة يرثيه وعبد الملك بن علقمة:\nكائِنْ كمِلْحانَ مِنْ شارٍ أَخِي ثِقَةٍ ... وابْنِ علقَمَةَ المسْتَشهدِ الشارِي\nمن صادِقٍ كُنْتُ أُصْفِيهِ مخالَصتي ... فباعَ داري بأَعلى صَفْقَةِ الدارِ\nإخوان صِدْقٍ أُرَجّيهمْ وأَخذلهُمْ ... أَشْكو إلى اللهِ خذلانِي وإِخفارِي\nوبلغ الضّحاك قتل ملْحان، فاستعمل على الكوفة المثنّى بن عمران من بني عائدة، ثم سار الضَّحاك في ذي القَعْدة، فأخذ الموصل، وانحطّ ابن هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزّة من عين التَّمْر، وبلغ ذلك المثنّى بن عمران العائذيّ، عامل الضحاك على الكوفة، فسار إليه فيمَن معه من الشراة، ومعه منصور بن جمهور، وكان صار إليه حين بايع الضَّحاك خلافًا على مروان، فالتقوا بغَزّة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيامًا متوالية؛ فقتل المثنى وعزيز وعمرو - وكانوا من رؤساء أصحاب الضحاك - وهرب منصور، وانهزمت الخوارج، فقال مسلم حاجب يزيد:\nأَرَتْ للمثنَّى يومَ غزَّةَ حَتفَهُ ... وأذرَتْ عُزَيرًا بينَ تلكَ الجَنادل\nوعمرًا أزارَتْهُ المنيَّةَ بَعْدَ ما ... أَطافَتْ بمْنصُورٍ كِفاتُ الحَبائِل\nوقال غَيْلان بن حُرَيث في مدحه ابن هبيرة:\nنصرْتَ يَومَ العَيْنِ إذ لقيتا ... كنَصْر داودٍ على جالُوتا\nفلما قتل منهم مَنْ قتل في يوم العين، وهرب منصور بن جمهور، أقبل","vol":"9","page":734},{"text":"لا يلوي حتى دخل الكوفة، فجمع بها جَمْعًا من اليمانية والصُفْريَّة ومَن كان تفرّق منهم يوم قتل مَلْحان ومَنْ تخلف منهم عن الضحاك، فجمعهم منصور جميعًا، ثم سار بهم حتى نزل الرَّوْحاء، وأقبل ابن هبيرة في أجْنادِه حتى لقيَهم، فقاتلهم أيامًا ثم هزمهم، وقتِل البرذَوْن بن مرزوق الشيبانيّ، وهرب منصور ففي ذلك يقول غيلان بن حُرَيث:\nويَوم رَوْحاء العُذَيْبِ دفَّفُوا ... على ابنِ مرزُوقٍ سَمَامٌ مُزْعِفُ\nقال: وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج، وبلغ الضَّحاك ما لقي أصحابه، فدعا عبيدة بن سوّار التغلبيّ، فوجَّهه إليهم، وانحط ابن هبيرة يريد واسطًا وعبد الله بن عمر بها، وولى على الكوفة عبد الرحمن بن بشير العجليّ، وأقبل عبيدة بن سوّار مغذًّا في فرسان أصحابه، حتى نزل الصرّاة، ولحق به منصور بن جمهور؛ وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا بالصرّاة في سنة سبع وعشرين ومئة.\n* * *\nوفي هذه السنة توجّه سليمان بن كثير ولاهز بن قُرَيظة وقحطبة بن شبيب - فيما ذكر - إلى مكة، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومئتي ألف درهم ومسْكًا ومتاعًا كثيرًا، فأمرهم بدفع ذلك إلى ابن عورة مولى محمد بن عليّ، وكانوا قدموا معهم بأبي مسلم ذلك العام، فقال ابن كثير لإبراهيم بن محمد: إنّ هذا مولاك.\nوفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد يخبره أنه في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنه قد استخلف حفص بن سليمان، وهو رضًا للأمر، وكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه؛ وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلَمة إلى خراسان فصدّقوه، وقبلوا أمره، ودفعوا إليه ما اجتمع قبَلهم من نَفَقات الشيعة وخمس أموالهم [٧/ ٣٢٣ - ٣٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة</span>\n* ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:\nقد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من بلاد","vol":"9","page":735},{"text":"الترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار، وما كان من نَصْر إليه، واجتماع مَن اجتمع إلى الحارث مستجيبين له، فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه، أنَّ ابن هبيرة لما وَليَ العراق كتب إلى نصر بعهْده، فبايع لمرْوان، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد بن الوليد، ومَرْوان لا يُجيز أمانَ يزيد، فلا آمنه، فدعا إلى البيْعة، فشتَم أبو السليل مَرْوانَ، فلما دعا الحارث إلى البَيْعة أتاه سلْم بن أحوز وخالد بن هرَيم وقَطَن بن محمد وعبّاد بن الأبرد بن قرّة وحمّاد بن عامر، وكلموه وقالوا له: لِمَ يصيّر نصرٌ سلطانَه وولايته في أيدي قومك؟ ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان! وإنما أتى بك لئلا يجترئ عليك عدوّك فخالفتَه، وفارقتَ أمر عشيرتك، وأطمَعْت فيهم عدوّهم، فنذكِّرك الله أن تفرّق جماعتنا! فقال الحارث: إنَّي لأرى في يدي الكرمانيّ ولاية، والأمر في يد نصر، فلم يجبْهم بما أرادوا، وخرج إلى حائط لحمزة بن أبي صالح السلميّ بإزاء قصر بخاراخذاه، فعسكر وأرسل إلى نصر، فقال له: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، فخرج الحارث فأتى منازل يعقوب بن داود، وأمر جَهْم بن صَفْوان، مولى بني راسب، فقرأ كتابًا سيَّر فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبِّرون، وأرسل الحارث إلى نصر: اعزل سلْم بن أحوز عن شُرَطك، واستعمل بشر بن بسْطام البِرْجميِّ، فوقع بينه وبين مغلس بن زياد كلام، فتفرقت قيس وتميم، فعزله، واستعمل إبراهيم بن عبد الرحمن، واختاروا رجالًا يسمون لهم قومًا يعملون بكتاب الله، فاختار نصر مقاتلَ بن سليمان ومقاتل بن حَيان، واختار الحارث المغيرةَ بن شعبة الجَهْضميّ ومعاذ بن جَبلة، وأمر نصرٌ كاتبه أن يكتب ما يرضوْن من السُّنَن، وما يختارونه من العمال، فيولِّيَهم الثَّغرين؛ ثغر سَمَرْقند وطخارستان، ويكتب إلى مَن عليهما ما يرضونه من السير والسنَن.\nفاستأذن سلْم بن أحوز نصرًا في الفتك بالحارث، فأبى وولّى إبراهيم الصائغ، وكان يوجّه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مَرو، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرّايات السود؛ فأرسل إليه نصر: إن كنتَ كما تزعم، وأنكم تهدمِون سور دمشق، وتزِيلون أمر بني أميَّة، فخذْ مني خمسمئة رأس ومئتي بعير، واحمل من الأموال ما شئتَ وآلة الحرب وسرْ؛ فلعمري لئن كنتَ صاحب ما ذكرت إني لفي يدك؛ وإن كنت لستَ ذلك فقد أهلكتَ عشيرتك، فقال","vol":"9","page":736},{"text":"الحارث: قد علمتُ أن هذا حقٌ، ولكن لا يبايعني عليه مَنْ صحبني، فقال نصر: فقد استبان أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثلُ بصيرتك، وأنهم هم فساق ورَعاع، فأذكرك الله في عشرين ألفًا من ربيعة واليمن سيَهْلكون فيما - بينكم، وعرض نصر على الحارث أن يولّيَه ما وراء النهر، ويعطيَه ثلثمئة ألف؛ فلم يقبل؛ فقال له نصر: فإن شئت فابدأ بالكرْمانيّ فإن قتلتَه فأنا في طاعتك، وإن شئت فخلِّ بيني وبينه؛ فإن ظفرتُ به رأتحط رأيك، وإن شئتَ فسرْ بأصحابك؛ فإذا جزت الرّيّ فأنا في طاعتك.\nقال: ثم تناظر الحارث ونصر، فتراضيا أن يحكم بينهم مقاتل بن حيَان وجَهْم بن صفوان، فحكما بأن يعتزل نصر، ويكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر، وكان جَهْم يقصّ في بيته في عسكر الحارث، وخالف الحارث نصرًا، ففرض نصر لقومه من بني سلمة وغيرهم، وصيّر سَلْمًا في المدينة في منزل ابن سوّار، وضمّ إليه الرَّابطة وإلى هدبة بن عامر الشعراويّ فرسًا، وصيَّره في المدينة، واستعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيّان السُّلميّ، وحوَّل السلاح والدّواوين إلى القهندز، واتَّهم قومًا من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث، فأجلس عن يساره مَن اتّبعهم ممن لا بلاء له عنده، وأجلس الّذَين ولَّاهم واصطنعهم عن يمينه؛ ثم تكلم وذكر بني مَرْوان ومَن خرج عليهم؛ كيف أظفر الله به؛ ثم قال: أحمدُ الله وأذمُّ مَن على يساري؛ وليتُ خراسان فكنتَ يا يونس بن عبد ربّه ممن أراد الهرب من كلف مؤونات مَرْو، وأنت وأهل بيتك ممن أراد أسد بن عبد الله أن يختم أعناقهم، ويجعلهم في الرّجالة، فوليتكم إذ وليتكم واصطنعتكم وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردتُ المسير إلى الوليد، فمنكم مَنْ رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ، ثم ملأتم الحارث عليّ، فهلّا نظرتم إلى هؤلاء الأحرار الذين لزموني مؤاسين على غير بلاء! وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه، فاعتذر القوم إليه، فقبل عذرهم.\nوقدم على نصر من كورخراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة جماعةٌ؛ منهم عاصم بن عمير الصُّريميّ وأبو الذيّال الناجيّ وعمرو الفادوسبان السُّغدْيّ البخاريّ وحسان بن خالد الأسديّ من طُخارستان في فوارس، وعَقيل بن معْقل الليثيّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسعد الصَّغير في فرسان.","vol":"9","page":737},{"text":"وكتب الحارث بن سريج سيرته، فكانت تقرأ في طريق مَرْو والمساجد فأجابه قوم كثير؛ فقرأ رجل كتابه على باب نصر بماجان، فضربه غلمان نصر، فنابذه (١) الحارث، فأتى نصرًا هبيرة بن شرَاحيل ويزيد أبو خالد، فأعلماه، فدعا الحسن بن سعد مولى قريش، فأمره فنادى: إن الحارث بن سريج عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله ولا حوْل ولا قوّة إلا بالله.\nوأرسل من ليلته عاصم بن عمير إلى الحارث، وقال لخالد بن عبد الرحمن: ما نفعل شعارَنا غدًا؟ فقال مقاتل بن سليمان: إن الله بعث نبيًّا فقاتل عدوًّا له، فكان شعاره \"حم لا ينْصَرون\"، فكان شعارهم \"حم لا ينصرون\"، وعلامتهم على الرّماح الصوف.\nوكان سلْم بن أحْوَز وعاصم بن عُمير وقَطَن وعَقِيل بن معقل ومسلم بن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة في طرف الطخارّية ويحيى بن حُضَين وربيعة في البخارييّن، ودلّ رجل من أهل مدينة مَرْو الحارث على نَقْب في الحائط، فمضى الحارث فنقَب الحائط، فدخلوا المدينة من ناحية باب بالين وهم خمسون، ونادوْا: يا منصور - بشعار الحارث - وأتوا باب نِيق، فقاتلهم جَهْم بن مسعود الناجيّ، فحمل رجل على جَهْم فطعنه في فيه فقتله، ثم خرجوا من باب نِيق حتى أتوا قبة سلْم بن أحوز فقاتلهم عصْمة بن عبد الله الأسديّ وخضِر بن خالد والأبرد بن داود من آل الأبرد بن قرّة، وعلى باب بالين حازم بن حاتم، فقتلوا كلّ من كان يحرسه، وانتهبوا منزلَ ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن منيع؛ ونهاهم الحارث أن ينتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن مَنِيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابني عبد الله السلميّ إلا الدوابّ والسلاح، وذلك ليلة الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.\nقال: وأتى نصرًا رسولُ سلْم يخبره دنوّ الحارث منه، وأرسل إليه: أخّرْه حتى نصبح، ثم بعث إليه أيضًا محمد بن قَطَن بن عمران الأسديّ، أنه قد خرج عليه عامّة أصحابه، فأرسل إليه: لا تبدأهم.\n_________\n(١) المنابذة: نقض العهد. القاموس المحيط ص ٤٣٢.","vol":"9","page":738},{"text":"وكان الذي أهاج القتال، أنّ غلامًا للنَّضْر بن محمد الفقيه يقال له عطية، صار إلى أصحاب سَلْم، فقال أصحاب الحارث: رُدُّوه إلينا، فأبوْا، فاقتتلوا، فرمى غلامًا لعاصم في عينه فمات؛ فقاتلهم ومعه عَقِيل بن مَعْقِل فهزمهم، فانتهوْا إلى الحارث وهو يصليّ الغداةَ في مسجد أبي بَكرْة، مولى بني تميم؛ فلما قضى الصلاة دنا منهم، فرجعوا حتى صاروا إلى طَرف الطُخارِيَّة، فدنا منه رجلان، فناداهما عاصم: عَرْقِبا بِرْذونه؛ فضرب الحارث أحَدهما بعَموده فقتله، ورجع الحارث إلى سكة السُّغد، فرأى أعينَ مولى حيّان، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتل، وعَدَل في سكة بني عصمة، فأتبعه حماد بن عامر الحمانيّ ومحمد بن زُرعة، فكسر رمحيْهما، وحملِ على مرزوق مولَى سَلْم؛ فلما دنا منه رمى به فرسه؛ فدخل حانوتًا، وضرب بِرْذَوْنه على مؤخّره فنفق. قال: وركب سلْم حين أصبح إلى باب نيق، فأمرهم بالخندق، فخندقوا وأمر مناديًا، فنادى: مَن جاء برأس فله ثلثمئة، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث، وقاتلهم الليل كله، فلما أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق، فأدركوا عبد الله بن مجّاعة بن سعد، فقتلوه، وانتهى سلْم إلى عسكر الحارث؛ وانصرف إلى نَصْر فنهاه نصر، فقال: لست منتهيًا حتى أدخل المدينة على هذا الدبُّوسيّ؛ فمضى معه محمد بن قَطَن وعبيد الله بن بسام إلى باب دَرْسنْكان - وهو القهندز - فوجده مردومًا، فصعِد عبد الله بن مَزْيَد الأسديّ السور ومعه ثلاثة، ففتحوا الباب، ودخل بن أحْوَز، ووكّل بالباب أبا مطهّر حرب بن سليمان، فقتِل سلم يومئذ كاتب الحارث بن سرَيج، واسمه يزيد بن داود، وأتى عبد ربه ابن سِيسن فقتَله، ومضى سلْم إلى باب نِيق ففتحه، وقتل رجلًا من الجزّارين كان دلّ الحارث على النَّقْب؛ فقال المنذر الرقاشيّ ابن عمّ يحيى بن حضين، يذكر صبر القاسم الشيبانيّ:\nما قاتَلَ القومَ منكُمْ غَيْرُ صاحِبنا .. في عُصْبَةٍ قاتلوا صَبرًا فما ذُعِرُوا\nهُمْ قاتلوا عِندَ بابِ الحصنِ ما وَهَنُوا ... حتى أتاهُمْ غِياثُ اللهِ فانتَصرُوا\nفقاسِمٌ بَعدَ أَمْرِ اللهِ أحرَزَها ... وأنتَ في معزلٍ عن ذاكَ مقتَصِرُ\nويقال: لما غلظ أمر الكرمانيّ والحارث أرسل نَصْر إلى الكرمانيّ، فأتاه على عهد، وحضرهم محمد بن ثابت القاضي ومقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن بن","vol":"9","page":739},{"text":"نعيم الغامديّ وسلْم بن أحْوز، فدعا نصرٌ إلى الجماعة، فقال للكرْمانيّ: أنت أسعدُ الناس بذلك؛ فوقع بين سَلْم بن أحوْزَ والمقدام كلام؛ فأغلظ له سَلْم، فأعانه عليه أخوه، وغضِب لهما السُّغديّ بن عبد الرحمن الحزْميّ، فقال سلْم: لقد هممتُ أن أضربَ أنفك بالسيف، فقال السُّغديّ: لو مسستَ السَّيْف لم ترجع إليك يدُك، فخاف الكرماني أن يكون مكرًا من نصْر، فقام وتعلقوا به، فلم يجلس، وعاد إلى باب المقصورة.\nقال: فتلقّوْه بفرسه، فركب في المسجد، وقال نصر: أراد الغدر بي، وأرسل الحارث إلى نصر: إنا لا نرضى بك إمامًا، فأرسل إليه نصر: كيف يكون لك عقل، وقد أفنيتَ عمرك في أرض الشرْك وغزوتَ المسلمين بالمشركين!\nأتراني أتضرَّع إليك أكثر مما تضرَّعت! قال: فأسِر يومئذ جَهْم بن صفوان صاحب الجَهميّة، فقال لسلم: إن لي ولْثًا من ابنك حارث؛ قال: ما كان ينبغي له أن يفعل؛ ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكبَ، وأبرأك إليّ عيسى ابن مريم ما نجوتَ؛ والله لو كنتَ في بطني لشققتُ بطني حتى أقتلَك؛ والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمتَ؛ وأمر عبد ربّه بن سِيَسن فقتله، فقال الناس: قتِل أبو محِرز - وكان جَهْم يكنى أبا محرز.\nوأسِر يومئذ هبيرة بن شراحيل وعبد الله بن مجّاعة فقال: لا أبقى الله من استبقاكما؛ وإن كنتما من تميم. ويقال: بل قُتل هبيرة، لحقَتْهُ الخيل عند دار قدَيد بن منيع فقتِل، قال: ولما هَزم نصر الحارثَ، بعث الحارث ابنَه حاتمًا إلى الكرمانيّ، فقال له محمد بن المثنّى: هما عدوّاك، دعهما يضطربان؛ فبعث الكرمانيّ السُّغديّ بن عبد الرحمن الحزْميّ معه، فدخل السُّغديّ المدينة من ناحية باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازة (١) الكِرْمانيّ، ومع الكِرْمانيّ داود بن شعيب الجدّانيّ ومحمد بن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرمانيّ، ثم ركب الحارث، فسار معه جماعة بن محمد بن عزيز أبو خلف، فلمّا كان الغد سار الكِرمانيّ إلى باب ميدان يزيد، فقاتل أصحابَ نصر، فقتِل سعد بن سَلْم المراغيّ، وأخذوا عَلم عثمان بن الكرمانيّ؛ فأوّل من أتى الكرمانيّ\n_________\n(١) في اللسان (٥/ ٣٩٣): الفازة: مظلة تمد بعمود.","vol":"9","page":740},{"text":"بهزيمة الحارث وهو معسكر بباب ماسَرْجَسَان على فرسخ من المدينة النَّضْر بن غلّاق السُّغديّ وعبد الواحد بن المنخَّل، ثم أتاه سوادة بن سريج، [وحاتم بن الحارث والخليل بن غزوان العذريّ، أتوه ببيعة الحارث بن سريج].\nوأول من بايع الكرمانيَّ يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ، فوجه الكرمانيّ إلى الحارث بن سريج سورة بن محمد الكندي [إلى أسمانير] والسغديَّ بن عبد الرحمن أبا طعمة وَصْعبًا أو صُعيبًا، وصبّاحًا، فدخلوا المدينة من باب ميخان، حتى أتوْا باب ركَك، وأقبل الكِرمانيّ إلى باب حَرْب بن عامر، ووجّه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء، فترامَوْا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، قال: والتقوْا يوم الجمعة، فانهزمت الأزْد؛ حتى وصلوا إلى الكِرمانيّ، فأخذ اللواء بيده فقاتل به، وحمل الخَضر بن تميم وعليه تجْفافٌ، فرموْه بالنّشاب، وحمل عليه حبيش مولى نَصْر فطعنه في حَلْقه، فأخذ الخضر السّنَان بشماله من خلفه؛ فشبَّ به فرسه، وحمل فطعن حبيشًا فأذراه عن بِرْذونه، فقتله رجَّالة الكِرمانيَ بالعصيِّ.\nقال: وانهزم أصحابُ نصر، وأخذوا لهم ثمانين فرسًا، وصرع تميم بن نصر، فأخذوا له برذَوْنين؛ أخذ أحدهما السُّغديَ بن عبد الرحمن، وأخذ الآخر الخَضِر، ولحق الخضر بسلم بن أحوْز، فتناول من ابن أخيه عمودًا فضربه فصرَعه، فحمل عليه رجلان من بني تميم فهرب، فرمى سَلْم بنفسه تحت القناطر وبه بضمع عشرة ضربة على بَيْضته فسقط، فحمله محمد بن الحدَّاد إلى عسكر نصر، وانصرفوا، فلما كان في بعض الليالي خرج نصر من مَرْو، وقُتِل عصمة بن عبد الله الأسديّ، وكان يحمي أصحاب نصر؛ فأدركه صالح بن القعقاع الأزديّ، فقال له عصمة: تقدّم يا مَزُونيّ، فقال صالح: أثبت يا خصيُّ - وكان عقيمًا - فعطَف فرسه فشبَّ فسقط، فطعنه صالح فقتله.\nوقاتل ابن الديليمريّ، وهو يرتجز؛ فقتِل إلى جنب عصْمة، وقتل عبيد الله بن حوتمة السلميّ، رمى مروان البهرانيّ بجرُزة، فقتل؛ فأتي الكرمانيّ برأسه فاسترجع - وكان له صديقَّا - وأخذ رجل يماني بعنان فرس مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه، واقتتلوا ثلاثة أيام، فهزمت آخرَ يوم المضرّيةُ اليمن، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشرَ ربيعة واليمن؛ قد دخل","vol":"9","page":741},{"text":"الحارثُ السوق، وقتِل ابن الأقطع؛ ففتّ في أعضاد المضرّية، وكان أوّل من انهزم إبراهيم بن بسام الليثيّ، وترجّل تميم بن نصر، فأخذ برذَوْنه عبد الرحمن بن جامع الكنديّ، وقتلوا هَيَّاجًا الكلبيّ ولقيط بن أخضر؛ قتله غلام لهانئ البزّار.\nقال: ويقال: لما كان يوم الجمعة تأهبَّوا للقتال، وهدموا الحيطان ليتَّسع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بن قطن إلى الكرمانيّ: إنك لست مثل هذا الدبّوسيّ، فاتق الله، لا تشرع في الفتنة، قال: وبعث تميم بن نصر شاكريّته، وهم في دار الجَنوب بنت القعقاع؛ فرماهم أصحاب الكرمانيّ من السطوح ونذروا بهم، فقال عقيل بن معقِل لمحمد بن المثنَّى: علامَ نقتل أنفسنا لنصر والكرمانيّ! هلمّ نرجع إلى بلدنا بطَخارستان، فقال محمد: إن نصرًا لم يفِ لنا، فلسنا ندعَ حربه، وكان أصحاب الحارث والكرمانيّ يرمون نصرًا وأصحابه بعرّادة فضُرب سرادقه وهو فيه فلم يحوّله، فوجه إليهم سلْم بن أحوز فقاتلهم؛ فكان أوّل الظَّفرَ لنصر، فلما رأى الكرمانيّ ذلك أخذ لواءه من محمد بن محمد بن عَميرة، فقاتل به حتى كَسَره، وأخذ محمد بن المثنى والزّاغ وحِطَّان في كارابكل، حتى خرجوا على الرّزيق، وتميم بن نصر على قنطرة النهر، فقال محمد بن المثنى لتميم حين انتهى إليه: تنحّ يا صبيّ، وحمل محمد والزاغ معه راية صفراء، فصرعوا أعين مولى نصر، وقتلوه؛ وكان صاحب دواة نصر، وقتلوا نفرًا من شاكريّتِه وحمل الخضر بن تميم على سلْم بن أحوَز فطعنه، فمال السنان، فضربه بجُرْز على صدره وأخرى على منكبه؛ وضربه على رأسه فسقط، وحمى نصر أصحابه في ثمانية، فمنعهم من دخول السوق.\nقال: ولما هزَمت اليمانيَة مُضَر، أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانيَة يعيّرونني بانهزامكم؛ وأنا كافّ؛ فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرْمانيّ، فبعث إليه نصر يزيد النحويّ أو خالدًا يتوثّق منه؛ أن يفيَ له بما أعطاه من الكفّ.\nويقال: إنما كفّ الحارث عن قتال نَصْر أن عمران بن الفضل الأزديّ وأهل بيته وعبد الجبار العدويّ وخالد بن عبيد الله بن حبيب العدويّ وعامة أصحابه نقِموا على الكِرماني فعلمه بأهل التبوشكان؛ وذلك أن أسدًا وجّهه [إليهم]، فنزلوا على حكْم أسد، فبَقر بطون خمسين رجلًا وألقاهم في نهر بَلْخ، وقطع","vol":"9","page":742},{"text":"أيدي ثلثمئة منهم وأرجلهم وصلب ثلاثةً، وباع أثقالهم فيمن يزيد، فنقِموا على الحارث عَوْنه الكرمانيّ، وقتاله نصرًا، فقال نصرٌ لأصحابه حين تغير الأمر بينه وبين الحارث: إن مُضَرَ، لا تجتمع لي ما كان الحارث مع الكرمانيّ؛ لا يتفقان على أمر، فالرأي تركهما؛ فإنهما يختلفان، وخرج إلى جُلْفرَ فيجد عبد الجبار الأحول العدويّ وعمر بن أبي الهيثم الصغديّ، فقال لهما: أيسعكما المقام مع الكرمانيّ؟ فقال عبد الجبار: وأنت فلا عدمت آسيًا؛ ما أحلك هذا المحلّ!\nفلما رجع نصر إلى مَرْو أمر به فضرب أربعمئة سوط، ومضى نصر إلى خَرَق، فأقام أربعة أيام بها، ومعه مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسلم بن أحْوَز وسنان الأعرابيّ، فقال نصر لنسائه: إنّ الحارث سيخلفني فيكنّ ويحميكنّ، فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه: ما أقدمك، وقد أظهرت من العصبية أمرًا قد كان الله أطفأه؟ وكان عامل نصر على نَيْسابور ضرار بن عيسى العامريّ، فأرسل إليه نصر بن سيار سنانًا الأعرابيّ ومسلم بن عبد الرحمن وسلم بن أحْوَز، فكلموهم فخرجوا، فتلقوْا نصرًا بالمواكب والجواري والهدايا، فقال سلم: جعلني الله فداك! هذا الحىّ من قيس؛ فإنما كانت عاتبة، فقال نصر:\nأنَا ابْنُ خِنْدِفَ تنميني قبائِلُهَا ... للصالحات وعمِّي قيسُ عَيْلانا\nوأقام عند نصر حين خرج من مَرْو يونس بن عبد ربّه ومحمد بن قَطَن وخالد بن عبد الرحمن في نظرائهم.\nقال: وتقدّم عبّاد بن عمر الأزديّ وعبد الحكيم بن سعيد العَوْذيّ وأبو جعفر عيسى بن جرز على نَصْر من مكة بأبر شهر، فقال نصر لعبد الحكيم: أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ فقال عبد الحكيم: بل سفهاء قومك؛ طالت ولايتها في ولايتك، وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن حلماء وسُفهاء فغلب السفهاء الحكماء، فقال عبّاد: أتستقبل الأمير بهذا الكلام! قال: دَعْه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بن جرز - وهو من أهل قرية على نهر مَرْو: أيها الأمير، حسبك من هذه الأمور والولاية، قإنه قد أطلّ أمرٌ عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يُظهر السواد، ويدعو إلى دوْلة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون، فقال نصر: ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء، واستجراح الناس، وسوء ذات البين، وجّهتُ إلى الحارث وهو بأرض الترك،","vol":"9","page":743},{"text":"فعرضتُ عليه الولاية والأموال فأبى وشغب، وظاهر عليّ، فقال أبو جعفر عيسى: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانيّ من ذلك ببعيد، فوصله نصر، قال: وكان سَلْم بن أحوز يقول: ما رأيت قومًا أكرم إجابةً، ولا أبذل لدمائهم من قيس.\nقال: فلما خرج نصر من مَرْو غلب عليها الكرمانيّ، وقال للحارث: إنما أريد كتاب الله، فقال قحطبة: لو كان صادقًا لأمددتُه ألف عنان، فقال مقاتل بن حيّان: أفي كتاب الله هدمُ الدور وانتهاب الأموال! فحبسه الكرمانيّ في خَيمة في العسكر، فكلّمه معمّر بن مقاتل بن حيّان - أو معمر بن حيان - فخلاه، فأتى الكرمانيّ المسجدَ، ووقف الحارث، فخطب الكرمانيّ الناس، وآمنهم غير محمد بن الزبير ورجل آخر، فاستأمن لابن الزبير داود بن أبي داود بن يعقوب، ودخل الكاتب فآمنه؛ ومضى الحارث إلى باب دوران وسَرخس، وعَسْكر الكرمانيّ في مصلّى أسد، وبعث إلى الحارث فأتاه، فأنكر الحارث هَدْم الدُّور وانتهاب الأموال، فهمّ الكرمانيّ به، ثم كفّ عنه، فأقام أيامًا، وخرج بشر بن جرموز الضبيّ بخَرقان، فدعا إلى الكمَاب والسنّة، وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلبَ العدل، فأمّا إذْ كنتَ مع الكرمانيّ، فقد علمتُ أنك إنما تقاتل ليقال: غلب الحارث! وهؤلاء يقاتلون عصبيّة، فلستُ مقاتلًا معك، واعتزل في خمسة آلاف وخمسمئة - ويقال في أربعة آلاف - وقال: نحن الفئة العادلة، ندعو إلى الحقّ ولا نقاتل إلّا مَن يقاتلنا، وأتى الحارث مسجد عياض، فأرسل إلى الكرمانيّ يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرمانيّ، وبعث الحارث ابنه محمدًا فحمل ثقله من دار تميم بن نصر، فكتب نصر إلى عشيرته ومُضر؛ أن الزموا الحارث مناصحةً فأتوه؛ فقال الحارث: إنكم أصلُ العرب وفرعها، وأنتم قريب عهد بالهزيمة، فاخرجوا إليّ بالأثقال، فقالوا: لم نكن نرضى بشيء دون لقائه، وكان من مدبّري عسكر الكِرمانيّ مقاتل بن سليمان، فأتاه رجل من البُخاريّين، فقال: أعطني أجر المِنجنيق التي نصبتها، فقال: أقم البيّنة أنك نصبتَها من منفعة المسلمين، فشهد له شيبة بن شيخ الأزدي، فأمر مقاتل فصُكّ له إلى بيت المال، قال: فكتب أصحاب الحارث إلى الكِرْمانيّ: نوصيكم بتقوى الله وطاعته وإيثار أئمة الهدى وتحريم ما حرّم الله من دمائكم؛ فإن الله جعل","vol":"9","page":744},{"text":"اجتماعَنا كان إلى الحارث ابتغَاء الوسيلة إلى الله، ونصيحةً في عباده، فعرّضنا أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف، فصغُر ذلك كله عندنا في جنْب ما نرجو من ثواب الله؛ ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدوّ، فاتقوا الله وراجعوا الحقّ، فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها.\nفأقاموا أيامًا، فأتى الحارث بن سُريج الحائط فثلَم فيه ثلمة ناحية نوبان عند دار هشام بن أبي الهيثم، فتفرّق عن الحارث أهلُ البصائر، وقالوا: غدرت، فأقام القاسم الشيبانيّ وربيع التيميّ في جماعة، ودخل الكرمانيّ من باب سرخس، فحاذى الحارث، ومرّ المنخّل بن عمرو الأزديّ فقتله السَّميدع؛ أحد بني العَدوِيّة، ونادى: يا لثارات لَقِيط! واقتتلوا وجعل الكرمانيّ على ميمنته داود بن شعيب وإخوته: خالدًا ومزيَدًا والمهلب، وعلى ميسرته سورة بن محمد بن عزيز الكِنديّ، في كندة وربيعة، فاشتدّ الأمر بينهم، فانهزم أصحابُ الحارث، وقُتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث، والحارث على بَغْل فنزل عنه، وركب فرسًا فضربه، فجرى وانهزم أصحابُه، فبقي في أصحابه، فقتِل عند شجرة، وقُتل أخوه سوادة وبشر بن جُرْموز وقَطن بن المغيرة بن عجرد، وكَفّ الكرمانيّ وقُتل مع الحارث مئة، وقُتل من أصحاب الكِرمانيّ مئة، وصُلب الحارث عند مدينة مَرْو بغير رأس.\nوكان قُتل بعد خروج نصر من مَرو بثلاثين يومًا، قُتل يومَ الأحد لستّ بقين من رَجب، وكان يقال: إن الحارث يُقتل تحت زيتونة أو شجرة غُبَيْراءَ.\nفقتل كذلك سنة ثمان وعشرين ومئة، وأصاب الكِرمانيّ صفائح ذهب للحارث فأخذها وحبس أمّ ولده ثم خلّى عنها، وكانمت عند حاجب بن عمرو بن سلمة بن سكن بن جون بن دبيب، قال: وأخذ أموال مَنْ خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال إبراهيم: بِمَ تستحل ماله؟ فقال صالح من آل الوضاح: اسقِني دمه، فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان، فأتى به منزله. [٧/ ٣٣٠ - ٣٤١].\nوقالت أم كثير الضبيّة:\nلا بارَكَ اللهُ في أُنثى وعذَّبَها ... تزَوَّجتْ مضَريًّا آخِرَ الدهرِ\nأبْلغْ رجالَ تميمٍ قَولَ مُوجَعَةٍ ... أحلَلتُمُوها بدار الذلِّ والفقر","vol":"9","page":745},{"text":"إنْ أنتمُ لَمْ تكرُّوا بَعْدَ جَوْلتِكُمْ ... حتَى تُعِيدُوا رِجالَ الأَزْدِ في الظَّهْر\nإنِّي استَحَيْتُ لَكُمْ من بَذْلِ طاعَتِكُمُ ... هذا المَزُونيَّ يَجْبيكُم على قَهْر\nوقال عبّاد بن الحارث:\nألا يا نَصْرُ قَدْ بَرَحَ الخَفاءُ ... وقد طالَ التَّمنِّي والرِّجاءُ\nوأصْبَحَتِ المَزُونُ بأَرْضِ مَروٍ ... تُقَضِّي في الحكومَةِ ما تَشاءُ\nيَجُوزُ قضاؤها في كُلِّ حُكْمِ ... على مُضَرٍ وإِنْ جارَ القضاءُ\nوَحِمْيَرُ في مَجالسِهِا قُعُودٌ ... ترَقرَقُ في رَقابِهِمُ الدِّمِاءُ\nفإنْ مُضَرٌ بذا رَضِيَتْ وَذلَّتْ ... فطالَ لها المَذَلَّة والشَّقَاءُ\nوإنْ هِيَ أعتَبَتْ فيها وإلا ... فحَلَّ على عساكِرِها العفاءُ\nوقال:\nألا يا أيها المرءُ الْـ ... لَذي قد شَفَّهُ الطَّرَبُ\nأَفِقْ وَدَعِ الذي قَد كنْـ ... ـت تطلبُهُ ونَطَّلِبُ\nفقد حَدَثَتْ بحَضْرَتنا ... أمُورٌ شأْنُها عجبُ\nالأزْدُ رأيْتُها عَزَّتْ ... بمَرْوَ وَذَلّتِ العَرَبُ\nفجَازَ الصُّفرُ لما كا ... ن ذاكَ وبُهْرِجَ الذهَبُ\nوقال أبو بكر بن إبراهيم لعليّ وعثمان ابني الكرمانيّ\nإني لمُرْتَحِلٌ أُريدُ بِمِدْحَتِي ... أخوَيْن فوْقَ ذُرَى الأَنامِ ذراهُما\nسبقا الجيادَ فَلَمْ يزالا نُجْعَةً ... لا يَعْدَمُ الضَّيْفُ الغريبُ قراهُما\nيسْتَعْلِيَانِ ويَجْريانِ إلى العُلا ... ويَعِيشُ في كَنَفيْهمَا حَيَّاهُما\nأعْنِي عَلِيًّا إِنَّهُ وَوَزيرَهُ ... عُثمانَ ليسَ يَذِلُّ مَنْ والاهُما\nجَرَيَا لكَيْمَا يَلحقَا بأبيهِمَا ... جَرْيَ الجيادِ من البعيدِ مَداهُما\nفلئنْ هُما لَحِقا به لمُنَصَّبٍ ... يَسْتَعلِيانِ ويَلحقَانِ أبَاهُما\nولَئِنْ أَبَرَّ عليهمَا فَلَطَالما ... جَرَيا فَبذَّهُما وبَذّ سِواهُما\nفلأَمْدَحَنَّهُمَا بما قدْ عاينَت ... عيني وإِنْ لَمْ أُحْصِ كلَّ نَداهُما\nفَهُما التَّقيَّانِ المُشارُ إليْهما ... الحَامِلانِ الكاملان كِلاهُما\nوهُما أزالا عن عرِيكَةِ ملكهِ ... نصْرًا ولاقى الذلَّ إذْ عاداهُما\nنَفَيَا ابنَ أقطَعَ بعدَ قتل حُماتِهِ ... وتَقَسَّمَتْ أسلَابَهُ خَيلاهُما","vol":"9","page":746},{"text":"والحارث بن سُرَيج إذ قَصَدُوا لَهُ ... حتى تعاورَ رأْسَهُ سَيفاهُمَا\nأخذا بِعَفْو أبيهما في قدرِهِ ... إذ عزَّ قَوْمهُما ومن والاهما\n* * *\nوفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله؛ فإني قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك؛ فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوْا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: إني قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوْه عليّ، وذلك أنه كان عَرض ذلك قبلَ أن يوجّه أبا مسلم على سليمان بن كثير، فقال: لا ألِي اثنين أبدًا، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة، ثم قال: يا عبد الرحمن، إنك رجلٌ منّا أهل البيت؛ فاحتفظ وصيَّتي، وانظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمْهم وحُلّ بين أظهرهم؛ فإن الله لا يتمّ هذا الأمر إلا بهم؛ وانظر هذا الحيّ من ربيعة فاتَّهِمْهم في أمرهم، وانظر هذا الحيّ من مضر؛ فإنهم العدوّ القريب الدار، فاقتل مَنْ شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومَنْ وقع في نفسك منه شيء؛ وإن استطعت ألّا تدع بخراسان لسانًا عربيًّا فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ - يعني سليمان بن كثير - ولا تعصِه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتفِ به منى (١) [٧/ ٣٤٢ - ٣٤٤].\nوقال الواقدي: وافتتح مروان حمص وهدم سورها، وأخذ نُعيم بن ثابت الجُزاميّ فقتله في شوال سنة ثمان، وقد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل. [٧/ ٣٤٨].\nوقد حدثني محمد بن حسن: أن أبا حمزة مر بمعدن بن سليم وكثير بن\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر بلا إسناد، وبين مولد الطبري وهذه السنة (١٢٨) ما يقرب من قرن من الزمان فكيف لنا أن نتأكد من صحة هذا الخبر. بل هو خبر باطل، والإمام إبراهيم الهاشمي لم يدعُ إلى قتل العرب، وكيف وهو عربي قرشي ويدعو إلى الرضا عن آل محمد؟ ألا إنه خبر باطل لا أصل له والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"9","page":747},{"text":"عبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمره به فجلد سبعين سوطًا، ثم مضى إلى مكة، فلما قدم أبو حمزة المدينة، حين افتتحها تغيّب كثير حتى كان من أمرهم ما كان (١) [٧/ ٣٤٨].\n*ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الأمر فيه:\nقال عليّ بن محمد عن شيوخه: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خُراسان، حتى وقَعت العصبيّة بها؛ فلما اضطرب الحبل، كتب سليمان بن كثير إلى أبي سَلَمة الخلّال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم، يسأله أن يوجّه رجلًا من أهل بيته، فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فبعث أبا مسلم، فلما كان في سنة تسع وعشرين ومئة، كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس، فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسًا من النقباء، فلما صار بالدَّنْدانقان من أرض خُراسان عرض له كامل - أو أبو كامل - قال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، ثم خلا به أبو مسلم، فدعاه فأجابهم، وكفّ عنهم، ومضى أبو مسلم إلى بيوَرْد، فأقام بها أيامًا، ثم سار إلى نَسا؛ وكان بها عاصم بن قيس السُّلميَ عاملًا لنصر بن سيار الليثيّ؛ فلما قرب منها أرسل الفَضْل بن سليمان الطوسيّ إلى أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قريةً من قرى نَسا، فلقي رجلًا من الشيعة يعرفه، فسأله عن أسيد، فانتهره، فقال: يا عبد الله، ما أنكرت من مسألتي عن منزل رجل؟ قال: إنه كان في هذه القرية شرّ، سَعَى برجلين قدما إلى العامل، وقيل: إنهما داعيان، فأخذهما، وأخذ الأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فضالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان. فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكَّب الطريق، وأخذ في أسفل القُرى، وأرسل طرخان الجمّال إلى أسيد، فقال: ادعُه لي ومَن قدرتَ عليه من الشيعة، وإياك أن تكلم أحدًا لم تعرفه، فأتى طرخان أسيدًا فدعاه، وأعلمه بمكان أبي مسلم، فأتاه فسأله عن الأخبار، قال: نعم، قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتبٍ من الإمام إليك، فخلّفا الكتبَ عندي وخرجا، فأخِذَا فلا أدري مَنْ سعى بهما! فبعث بهما العامل إلى عاصم بن قيس، فضرب\n_________\n(١) الخبر في الأغاني (٢٠/ ٩٩).","vol":"9","page":748},{"text":"المهاجرين عثمان وناسًا من الشيعة، قال: فأين الكتب؟ قال: عندي، قال: فائْتني بها [فأتاه بالكتب فقرأها].\nقال: ثم سار حتى أتى قُومِس، وعليها بيهس بن بُديل العِجليّ، فأتاهم بَيْهس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، قال: أفمعكم فضل بِرْذون تبيعونه؟ قال أبو مسلم: أما بيعًا فلا؛ ولكن خذ أيّ دوابَنا شئت؛ قال: اعرضوها عليّ، فعرضوها، فأعجَبَه برْذون منها سَمَنْد، فقال أبو مسلم: هو لك، قال: لا أقبله إلّا بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمئة، قال: هو لك، وأتاه وهو بقومِس كتاب من الإمام إليه وكتاب إلى سليمان بن كثير؛ وكان في كتاب أبي مسلم: إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك كتابي، ووجّهْ إليّ قَحطبة بما معك يوافني به في الموسم، فانصرف أبو مسلم إلى خُراسان، ووجّه قحطبة إلى الإمام، فلما كانوا بنَسا عرض لهم صاحب مَسْلحة في قرية من قُرى نَسا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أردنا الحجّ، فبلغنا عن الطريق شيء خفناه، فأوصلهم إلى عاصم بن قيس السلَميّ، فسألهم فأخبروه، فقال: [ارتحلوا وأمر] المفضل بن الشرقي السلميّ - وكان على شُرطته - أن يزعجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم، فأجابه، وقال: ارتحلوا على مَهل، ولا تعجلوا، وأقام عندهم حتى ارتحلوا.\nفقدم أبو مسلم مرْو في أول يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، وكان فيه أن أظهرْ دعوَتك ولا تربّص، فقد آن ذلك، فنصبوا أبا مُسلم، وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعْوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى مَنْ قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم، ونزل أبو مُسلم قريةً من قرى خُزاعة يقال لها سفيذنج، وشيبان والكِرمانيّ يقاتلان نصر بن سيار، فبثّ أبو مسلم دعاتَه في الناس، وظهر أمره، وقال الناس: قدم رجل من بني هاشم، فأتوْه من كلّ وجه، فظهر يومَ الفطر في قرية خالد بن إبراهيم، فصلى بالناس يوم الفِطر القاسم بن مجاشع المَرائيّ، ثم ارتحل فنزل بالين - ويقالى قرية اللين - لخزاعة، فوافاه في يوم واحد أهلُ ستين قرية، فأقام اثنين وأربعين يومًا؛ فكان أوّلى فتح أبي مسلم من قبَل موسى بن كعب في بيوَرْد، وتشاغل بقتل عاصم بن قيس، ثم جاء فتح من قبل مَرْوالرّوذ.","vol":"9","page":749},{"text":"قال أبو جعفر: وأما أبو الخطاب فإنه قال: كان مقدم أبي مسلم أرض مَرْو منصرفًا من قومِس، وقد أنفذ من قُومِس قحطبة بن شبيب بالأموال التي كانت معه والعروض إلى الإمام إبراهيم بن محمد، وانصرف إلى مَرْو، فقدمها في شعبان سنة تسع وعشرين ومئة لتسع خلوْن منه يوم الثلاثاء، فنزل قرية تدعى فنين على أبي الحكم عيسى بن أعين النّقيب، وهي قرية أبي داود النقيب، فوجّه منها أبا داود ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلْخ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان من عامهم، ووجّه النّضر بن صبيح التميميّ ومعه شريك بن غضيّ التميميّ إلى مَرْوالرّوذ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان، ووجّه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان، ووجه أبا الجهم بن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدّعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم دون الوقت، فعرض لهم بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يُظهِروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها، ويجاهدوا أعداء الله ومَنْ شغلهم عدوّهم عَن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت.\nثم تحوّل أبو مسلم عن منزل أبي الحكم عيسى بن أعين، فنزل على سليمان بن كثير الخُزاعيّ في قريته التي تدعى سَفيذنج من رُبع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومئة؛ فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يُدعى الظلّ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الرّاية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعًا، وهو يتلو: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، ولبس السوّاد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، منهم غيلان بن عبد الله الخُزاعيّ - وكان صهر سليمان على أخته أم عمرو بنت كثير - ومنهم حُمَيد بن رزين وأخوه عثمان بن رُزين، فأوقدوا النيران ليلتهم أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان - وكانت العلامة بين الشيعة - فتجمعوا له حين أصبحوا مُغِذّين، وتأويل هذين الاسمين: الظلّ والسحاب، أن السحاب يطبّق الأرض؛ وكذلكَ دعوة بني العباس، وتأويل الظلّ أن الأرض لا تخلو من الظلّ أبدًا، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسيّ أبد الدهر.","vol":"9","page":750},{"text":"وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مَرْو بمن أجاب الدعوة؛ وكان أوّل مَنْ قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح الهُرْمُزْفرّيّ عيسى بن شُبيل في تسعمئة رجل وأربعة فرسان، ومن أهل هُرْمُزفرّة سليمان بن حسان وأخوه يزدان بن حسان والهيثم بن يزيد بن كيسان، وبُويع مولى نصر بن معاوية وأبو خالد الحسن وجردي ومحمد بن علوان، وقدم أهل السقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوبانيّ في ألف وثلثمئة راجل وستة عشر فارسًا، ومنهم من الدّعاة أبو العباس المرّوزيّ وخذام بن عمّار وحمزة بن زُنيم، فجعل أهل السقادم يكبّرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بن إبراهيم يُجيبونهم بالتكبير؛ فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج؛ وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبي مسلم بيومين، وأمر أبو مسلم أن يُرَمّ حصن سفيذنج ويحصّن ويدرّب؛ فلما حضر العيد يوم الفطرْ بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرًا في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أميّة تبدأ بالخطبة والأذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاة يوم الجمعة فيخطبون على المنابر جلوسًا في الجمعة والأعياد - وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبّر الركعة الأولى ستّ تكبيرات تِباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكانت بنو أمية تكبر في الرّكعة الأولى أربع تكبجرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات (١) فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مُسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم الخراسانيّ، فطعموا مستبشرين، وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار يكتب: للأمير نصر؛ فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه، فكتب: إلى نصر: أما بعد، فإن الله تبارك\n_________\n(١) لم يرد في خبر صحيح ولا ضعيف أن بني أمية قد غيروا في عدد تكبيرات صلاة العيد، فهذا غير صحيح، والخبر هنا بلا إسناد. أما تقديم الخطبة، فقد حدث مرات قليلة دون أن يكون من الأمور المتكررة، والمعهودة. بل أنكرها الصحابة كأبي سعيد الخدري وابن عباس ﵄ ولو كانت مستمرة في عهد الأمويين لغيرها عمر بن عبد العزيز، أو من بعده هشام فهما ممن قمع البدعة وأحيا السنة والله أعلم.","vol":"9","page":751},{"text":"أسماؤه وتعالى ذكره عيّر أقوامًا في القرآن فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣].\nفتعاظم نصرٌ الكتاب وأنه بدأ بنفسه، وكسر له إحدى عينيه [وأطال الفكرة] وقال: هذا كتاب له جواب، فلما استقرّ بأبي مسلم معسكره بالماخُوَان أمر محرز بن إبراهيم أن يخندق خندقًا بجِيرَنْج، ويجتمع إليه أصحابه ومَنْ نزع إليه من الشيعة، فيقطع مادّة نصر بن سيار من مروالروذ وبلخ وكُور طخارستان.\nففعل ذلك محرز بن إبراهيم، واجتمع له في خندق نحو من ألف رجل، فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر أن يوجه رجلًا إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض مَنْ فيه وإحصائهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم وقراهم، فوجّه أبو صالح حُميدًا الأزرق لذلك، وكان كاتبًا، فأحصى في خندق محرز ثمانمئة رجل وأربعة رجال من أهل الكفّ؛ وكان فيهم من القوّاد المعروفين زيادة بن سيّار الأزديّ من قرية تدعى أسبِوادق من ربع خرقان، وخِذام بن عمار الكنديّ من ربع السقادِم ومن قرية تدعى بالأوايق، وحنيفة بن قيس من ربع السقادم، ومن قرية تدعى الشنج، وعبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من أهل هَراة، وكان يجلب الغنم إلى مَرْو، وحمزة بن زُنيم الباهليّ من ربع خرقان من قرية تدعى ميلاذ جرد، وأبوه هاشم خَليقة بن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جُوبان وأبو خَديجة جيلان بن السغديّ وأبو نُعيم موسى بن صبيح، فلم يزل محرز بن إبراهيم مقيمًا في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مَرْو، وعطل الخندق بماخُوَان وإلى أن عسكر بمارسَرْجَس يريد نيسابور؛ فضمّ إليه محرز بن إبراهيم أصحابه؛ وكان من الأحداث، وأبو مسلم بسَفيذنْج، وكان نصر بن سيار وجّه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرًا من ظهوره، فوجّه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخُزاعيّ ومَعه مصعب بن قيس، فالتقوْا بقرية تدعى آلين، فدعاهم مالك إلى الرّضا من آل رسول الله - ﷺ -، فاستكبروا عن ذلك، فصافّهم مالك وهو في نحو من مئتين من أوّل النهار إلى وقت العصر.\nوقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضّبيّ وإبراهيم بن يزيد وزياد بن","vol":"9","page":752},{"text":"عيسى فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتْهم الأمداد، فاحملوا على القوم؛ ففعلوا، وترجّل أبو نصر وحضّ أصحابه، وقال: إني لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفًا، فاجتلدوا جلادًا صادقًا، وصبر الفريقان، فقتِل من شيعة بني مروان أربعة وثلاثون رجلًا، وأسر منهم ثمانية نفر، وحمل عبدُ الله الطائيّ - على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره، وانهزم أصحابه، فوجّه أبو نصر عبدَ الله الطائيّ بأسيره في رجال من الشيعة، ومعهم الأسرى والرؤوس، وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج، وفي الوفد أبو حماد المروزيّ وأبو عمرو الأعجميّ، فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنُصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد الأسلميَّ إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نَصْر من جراحات كانت به، ويحسن تعاهده، وكتب إلى أبي نصر بالقُدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جِراحاته دعاه أبو مسلم، فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالمًا، وأعطنا عهد الله ألّا تحاربنا وألّا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت؛ فاختار الرجوع إلى مولاه، فخلى له الطريق، وقال أبو مسلم: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح، فإنَّا عندهم على [غَير] الإسلام.\nوقدم يزيد على نصر بن سيار؛ فقال: لا مرحبًا بك؛ والله ما ظننت استبقاك القوم إلّا ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: فهو والله ما ظننتَ، وقد استحلفوني ألّا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون الكتاب، ويذكرون الله كثيرًا، ويدعون إلى ولاية رسول الله - ﷺ -؛ وما أحسب أمرهم إلا سيعلو؛ ولولا أنك مولاي أعتقتنِي من الرقّ ما رجعتُ إليك، ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بني مروان. [٧/ ٣٥٣ - ٣٥٩].\n* * *\nقال أبو جعفر: وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبي مسلم وإظهاره الدّعوة ومصيره إلى خُراسان وشخوصه عنها وعودِه إليها بعد الشخوص قولًا خلاف","vol":"9","page":753},{"text":"قولهم؛ والذي قال في ذلك: إنّ إبراهيم الإمام زوّج أبا مسلم لما توجّه إلى خراسان ابنةَ أبي النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى النقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبي مسلم، وكان أبو مسلم - فيما زعم - من أهل خُطَرْنِيَة، من سواد الكوفة، وكان قَهرمانًا لإدريس بن معقل العِجْلى، فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن عليّ، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد بن عليّ فقدم خُراسان وهو حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه، فردّوه - وأبو داود خالد بن إبراهيم غائب خَلْف نهر بَلْخ - فلما انصرف أبو داود، وقدم مَرْو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذي وجَّهه، فأخبروه أن سليمان بن كثير ردّه، فأرسل إلى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل، فقال لهم أبو داود: أتاكم كتاب الإمام فيمن وجَّهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجَّتكم في ردّه؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثة سنه، وتخوّفًا ألّا يقدر على القيام بهذا الأمر؛ فأشفقنا على مَنْ دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا، فقال: هل فيكم أحد ينكر أن الله ﵎ اختار محمدًا ﵌ وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ فهل فيكم أحدٌ ينكر ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: أفتشكون أنّ الله تعالى نزّل عليه كتابه فأتاه به جبريل الرّوح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه، وشرّع فيه شرائعه، وسنّ فيه سننه، وأنباه فيه بما كان قبله، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا: لا، قال: أفتشكون أن الله ﷿ قبضه إليه بعدما أدّى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا، قال: أفتظنّون أن ذلك العلم الذي أنزل عليه رُفع معه أو خلّفه؟ قالوا: بل خلّفه، قال: أفتظنونه خلّفه عند غير عِتْرته، وأهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قال: فهل أحدٌ منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالًا، ورأى الناس له مجيبينَ بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قال: لستُ أقول لكم فعلتم، ولكن الشيطان ربما نَزع النزعة فيما يكون وفيما لا يكون.\nقال: فهل فيكم أحدٌ بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عِتْرة النبي - ﷺ -؟ قالوا: لا، قال: أفتشكُّون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراث","vol":"9","page":754},{"text":"رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: لا، قال: فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم عليهم علمهم؛ ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم، لما بعثوه إليكم، وهو لا يتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم (١).\nفبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود؛ وولَّوْه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا، ولم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود، وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبي مسلم، وأطاعوه وتنازعوا، وقبِلوا ما جاء به، وبثّ الدعاة في أقطار خُراسان؛ فدخل الناس أفواجًا، وكثروا، وفشت الدّعاة بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيَه بالموسم في هذه السنة - وهي سنة تسع وعشرين ومئة -، ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه بقَحْطبة بن شبيب، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال؛ وقد كان اجتمع عنده ثلثمئة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بعامَّتها عَروضًا من متاع التجار؛ من القوهيّ والمرْويّ والحرير والفِرْند، وصيّر بقيته سبائك ذهب وفضة وصيّرها في الأقبية المحشوّة، واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة، ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مُجاشع وطلحة بن رزيق؛ ومن الشيعة واحد وأربعون رجلًا، وتحمَّل من قُرى خزاعة، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بَغْلًا، وحمل على كلّ بغل رجلًا من الشيعة بسلاحه، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى أبيوَرْد.\nفكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نَهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، وبينه وبينهم خمسة فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلًا، ثم ارتحلوا من أبيورَدٌ؛ حتى انتهوْا إلى قرية يقال لها قافس؛ من قرى نَسا، فبدث الفضل بن سليمان إلى أندومان - قرية أسِيد - فلقي بها رجلًا من الشيعة، فسأله عن أسيد، فقال له الرّجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شرّ طويل من العامل أخِذ، فأخِذَ معه\n_________\n(١) هذا خبر باطل لا سند له، وفي متنه نكارة. وعلم الشرع لم يكن حكرًا على العترة وآل البيت ﵃. بل حفظه علماء الصحابة بلا استثناء، وأدّوه إلى من بعدهم بكل أمانة، وسامح الله الطبري كيف التقط هذه الأخبار المليئة بالنكارات ولم يعلق عليها ولو بكلمة، واكتفى بتبرئة ذمته في مقدمة تأريخه.","vol":"9","page":755},{"text":"الأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فَضْالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان، فحمِلوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحروريّ، فحبسهم، وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوْا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نسَا؛ فأخبره أبو مالك أنّ الكتاب الذي كان مع رسول الإمام عنده، فأمره أن يأتيَه به، أتاه بالكتاب وبلواءٍ وراية؛ فإذا في الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه؛ وأن يظهر الدعوة، فعقد اللواء الذي أتاه من الإمام على رمح، وعقد الراية، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرؤوس ومعه أهل أبيوَرْد الذي قدموا معه.\nوبلغ ذلك عاصمَ بن قيس الحروريّ، فبعث إلى أبي مسلم يسأله عن حاله، فأخبره أنه من الحاجّ الذين يريدون بيت الله، ومعه عدّة من أصحابه من التجار، وسأله أن يخلِّيَ سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرْطًا على نفسه؛ أن يصرف من معه من العبيد وما معه من الدوابّ والسلاح، على أن يخلّوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم، فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك، وخلى سبيل أصحابه؛ فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا، وقرأ عليهم كتاب الإمام، وأمرهم بإظهار الدعوة؛ فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ وزُرَيق بن شَوْذب وَمَنْ قدم عليه من أبيَورْد، وأمر مَن انصرف بالاستعداد، ثم سار فيمن بقي من أصحابه ومعه قَحْطَبة بن شبيب؛ حتى نزلوا تُخوَم جُرجان؛ وبعث إلى خالد بن بَرْمك وأبي عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قِبَلهما من مال الشّيعة، فقدما عليه؛ فأقام أيامًا حتى اجتمعت القوافل. وجَهّز قحطبة بن شبيب، ودفع إليه المال الذي كان معه، والأحمال بما فيها؛ ثم وجّهه إلى إبراهيم بن محمد، وسار أبو مسلم بمَن معه حتى انتهى إلى نَسَا، ثم ارتحل منها إلى أبيوَرْد حتى قدمَها؛ ثم سار حتى أتى مَرْو متنكرًا، فنزل قرية تدعى فَنين من قرى خُزاعة لسبعِ ليال بقين من شهر رمضان؛ وقد كان واعد أصحابه أن يوافُوه بمَرْو يوم الفِطْر.\nووجّه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طَخَارستان، والنضر بن صبيح إلى آمل وبخُارى ومعه شريك بن عيسى، وموسى بن كعب إلى أبيوَرْد ونَسا، وخازم بن خزيمة إلى مَرْورُوذ، وقدموا عليه، فصلّى بهم القاسم بن مجاشع التميميّ يوم -","vol":"9","page":756},{"text":"العيد؛ في مصلّى آل قَنْبر؛ في قرية أبي داود خالد بن إبراهيم. [٧/ ٣٦٠ - ٣٦٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبي مسلم</span>\nوفي هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة مَنْ كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم؛ وذلك حين كثر تُباع أبي مسلم وقويَ أمره.\nوفيها تحوّل أبو مسلم من معسكره بإسفِيذَنْج إلى الماخُوان.\n*ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه:\nقال عليّ: أخبرنا الصبَّاح مولى جبريل، عن مسلمة بن يحيى، قال: لما ظهر أبو مسلم، تسارع إليه الناس، وجعل أهل مَرْو يأتونه؛ لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم، وكان الكِرمانيّ وشَيْبان لا يكرهان أمر أبي مسلم؛ لأنه دعا إلى خلع مَرْوان بن محمد، وأبو مسلم في قرية يقال بها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس، وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم، له حلْم ووقار وسكينة؛ فانطلق فتية من أهل مَرْو نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خَبَرِي خير لكم من نسبي، وسألوه عن أشياء من الفقه، فقال: أمرُكُم بالمعروف ونهيُكم عن المنكر خير لكم من هذا؛ ونحن في شغل، ونحن إلى عونِكم أحوجُ منا إلى مسألتكم، فأعفونا، قالوا: والله ما نعرف لك نسبًا، ولا نظنك تبقى إلا قليلًا حتى تقتل؛ وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرّغ أحد هذين؛ قال: أبو مسلم: بل أنا أقتلهما إن شاء الله.\nفرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدّثوه، فقال: جزاكم الله خيرًا، مثلكم تفقّد هذا وعرفه، وأتوا شيبان فأعلموه، فأرسل: إنا قد أشجى بعضنا بعضًا؛ فأرسل إليه نصر: إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعْني على حربه حتى أقتله أو أنفيَه؛ ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه، فهمَّ شيبانُ أن يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فأتت عيون أبي مسلم فأخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذي بلغهم! تكلّمت عند أحد بشيء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوْه؛ فقال: هذا لذاك إذًا، فكتبوا إلى عليّ بن الكرمانيّ: إنك موتور؛ قتل أبوك ونحن نعلم","vol":"9","page":757},{"text":"أنك لست على رأي شيبان؛ وإنما تقاتل لثأرك؛ فامنع شيبان من صلح نصر؛ فدخل على شيبان، فكلمه فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك لمغرور؛ وايم الله ليتفاقمنّ هذا الأمر حتى تستصغرَني في جنبه (١).\nفبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النَّضر بن نُعَيم الضّبي إلى هَراة وعليه عيسى بن عَقيل الليثيّ، فطرده عن هَرَاة، فقدم عيسى على نَصرٍ منهزمًا، وغلب النَّضْر على هراة، قال: فقال يحيى بن نُعَيم بن هبيرة: اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مُضَر أو مضر قبلكم، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: إن هذا الرجل إنما ظهر أمرُه منذ شهر، وقد صار في عسكره مثل عسكركم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: صالحوا نَصْرًا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصْرًا وتركوكم؛ لأنّ الأمر في مُضر، وإن لم تصالحوا نصرًا صالحوه وقاتلوكم، ثم عادوا عليكم، قالوا: فما الرأي؟ قال: قدّموهم قبلكم ولو ساعة؛ فتقرّ أعينكم بقتلهم. فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه، فأرسل إلى سَلْم بن أحوز، فكتب بينهم كتابًا، فأتى شيبان، وعن يمينه ابن الكِرمانيّ، وعن يساره يحيى بن نُعيم، فقال سَلْم لابن الكِرمانيّ: يا أعْوَر، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أنَّه يكون هلاك مضر على يديه! ثم توادعوا سنة؛ وكتبوا بينهم كتابًا؛ فبلغ أبا مسلمٍ، فأرسل إلى شيبان: إنا نُوادعك أشهرًا، فتوادعنا ثلاثة أشهر؛ فقال ابنُ الكرمانىّ: فإني ما صالحت نصرًا؛ وإنما صالحه شيبان؛ وأنا لذلك كاره، وأنا موتور، ولا أدَع قتاله، فعاوده القتال؛ وأبى شيبان أن يعينَه، وقال: لا يحلّ الغدر، فأرسل ابنُ الكرمانيّ إلى أبي مسلم يستنصرُه على نَصْر بن سيار، فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخُوان، وأرسل إلى ابنِ الكرمانيّ شبلَ بن طهمان: إني معك على نصر،\n_________\n(١) قال ابن الأثير: \" وقال شعرًا يخاطب به ربيعة واليمن، ويحثهم على الإنفاق معه على حرب أبي مسلم:\nأَبْلِغْ ربيعةَ في مَرْوٍ وفي يمنٍ ... أَنِ اغضبوا قبل أَلَّا ينفع الغضبُ\nما بَالُكُمْ تَنْشبُونَ الحرْبَ بينكُمْ ... كأَنَّ أَهْلَ الحِجَى عن رأيكُمْ غيُبُ\nوتتركونَ عَدُوًّا قدْ أَحاط بِكُمْ ... مِمَّنْ تَأَشبَ لا دينٌ ولا حَسَبُ\nلا عرْب مثلكم في النَّاس تَعْرِفُهُمْ ... ولا صريحٌ موالٍ إن هُمُ نُسِبوا\nمَنْ كان يَسْألُنِي عن أَهْلِ دينهم ... فإنّ دينهُمْ أَنْ تَهْلِكَ العرَبُ\nقَوْمٌ يقولون قولًا ما سعمتُ بهِ ... عن النَّبِيِّ ولا جاءَت به الكُتُب","vol":"9","page":758},{"text":"فقال ابنُ الكِرمانيّ: إني أحبّ أن يلقاني أبو مسلم، فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يومًا، ثم سار إلى ابن الكرمانيّ، وخلف عسكره بالماخُوان، فتلقاه عثمان بن الكرمانيّ في خيل، وسار معه حتى دخل العسكر؛ وأتى لحجرة عليّ فوقف، فأذن له فدخل، فسلّم على عليّ بالإمرة، وقد اتخذ له عليٌّ منزلًا في قصر لمخلّد بن الحسن الأزديّ، فأقام يومين، ثم انصرف إلى عسكره بالماخُوان؛ وذلك لخمس خلوْن من المحرّم من سنة ثلاثين ومئة.\nوأما أبو الخطاب، فإنه قال: لما كثرت الشيعة في عسكر أبي مسلم، ضاقت به سَفيذنج، فارتاد معسكرًا فسيحًا، فأصاب حاجته بالماخُوان؛ - وهي قرية العلاء بن حُريث وأبي إسحاق خالد بن عثمان، وفيها أبو الجهم بن عطية وإخوته، وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يومًا، وارتحل من سفيذنج إلى الماخُوان، فنزل منزل أبي إسحاق خالد بن عثمان يوم الأربعاء، لتسعِ ليال خلْون من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين ومئة، فاحتفر بها خندقًا، وجعل للخندق بابين، فعسكر فيه والشيعة، ووكّل بأحد بابي الخندق مُصعب بن قيس الحنفيّ وبهدل بن إياس الضبِّيّ، ووكّل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الأعجمي، واستعمل على الشُّرَط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صُبيح؛ والقاسم بن مجاشع النقيب التميميّ على القضاء، وضمّ أبا الوضاح وعدّة من أهل السقادم إلى مالك بن الهيثم، وجعل أهل نَوْشان - هم ثلاثة وثمانون رجلًا - إلى أبي إسحاق في الحرس.\nوكان القاسم بن مجاشع يصلي بأبي مسلم الصّلَوات في الخندق، ويقصّ القصص بعد العصر، فيذكر فَضْل بني هاشم ومعايب بني أميّة، فنزل أبو مسلم خندق الماخُوان، وهو كرجل من الشيعة في هيئته؛ حتى أتاه عبد الله بن بسْطام؛ فأتاه بالأرْوقة والفسَاطيط والمطابخ والمعالف للدوابّ وحياض الأدم للماء؛ فأوّل عامل استعمل أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرّاز؛ فردّ أبو مسلم العبيد عن أن يضاموا في خندقه، واحتفر لهم خندقًا في قرية شوّال، وولى الخندق داود بن كرّاز، فلما اجتمعت للعبيد جماعة، وجّههم إلى موسى بن كعب بأبيوَرْد، وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض أهل الخندق بأسمائهم","vol":"9","page":759},{"text":"وأسماء آبائهم فينسبهم إلى القوي، ويجعل ذلك في دفتر ففعل ذلك كامل أبو صالح، فبلذت عدّتهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكلّ رجل، ثم أعطاهم أربعة أربعة على يدي أبي صالح كامل.\nثم إنّ أهل القبائل من مُضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب، وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم، فإذا نفوه عن مرْو نظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه، فكتبوا على أنفسهم بذلك كتابًا وثيقًا.\nوبلغ أبا مسلم الخبر، فأفظعه ذلك وأعظمه، فنظر أبو مسلم في أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء؛ فتخوّف أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء، فتحوّل إلى آلين - قرية أبي منصور طلحة بن رزيق النقيب - وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخُوان، فنزل آلين في ذي الحجة من سنة تسع وعشرين ومئة، يوم الخميس لستّ خلون من ذي الحجة، فخندق بآلين خندقًا أمام القرية، فيما بينها وبين بلاش جَرِدْ، فصارت القرية من خلف الخندق، وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان بن بشر المزنيّ في الخندق، وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكّن نصر بن سيار قطع الشرب عن آلين، وحضر العيدُ يوم النحر، وأمر القاسم بن مجاشع التميميّ فصلى بأبي مسلم والشيعة في مصلى آلين، وعسكر نصر بن سيّار على نهر عياض، ووضع عاصم بن عمرو ببلاش جَرْد، ووضع أبا الذّيال بطوسان، ووضع بشر بن أنيف اليربوعيّ بجلفر، ووضع حاتم بن الحارث بن سريج بخرقَ؛ وهو يلتمس مواقعة أبي مسلم، فأمَّا أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهُم وذبحوا الدجاج والبقر والحمام، وكلفوهم الطعام والعلَف، فشكت الشيعة ذلك إلى أبي مسلم، فوجّه معهم خيلًا، فلقوا أبا الذيّال فهزموه، وأسروا من أصحابه ميمونًا الأعسر الخوارزميَّ في نحو من ثلاثين رجلًا، فكساهم أبو مسلم، وداوى جراحاتهم وخلَّى لهم الطريق. [٧/ ٣٦٣ - ٣٦٧].\n* * *\n* ذكر الخبر عن مقتله:\nقد مضى قبلُ ذكرُنا مقتلَ الحارث بن سُريج، وأنّ الكرمانيّ هو الذي قتله، ولما قتل الكِرمانيّ الحارث، خلَصت له مَرْو بقتله إياه، وتنحَّى نصر بن سيّار","vol":"9","page":760},{"text":"عنها إلى أبرشهر، وقوي أمرُ الكِرمانيّ، فوجَّه نصر إليه - فيما قيل - سَلْم بن أحوز، فسار في رابطة نصر وفرسانه؛ حتى لقي أصحاب الكِرمانيّ، فوجد يحيى بن نُعَيم أبا الميلاء واقفًا في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنّى في سبعمئة من فرسان الأزْد، وابن الحسن بن الشيخ الأزديّ في ألف من فِتيانهم، والحزميّ السغْديّ في ألف رجل من أبناء اليمن، فلما تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمد بن المثنَّى: يا محمّد بن المثنى، مُرْ هذا الملّاح بالخروج إلينا، فقال محمد لسلم: يا بن الفاعلة؛ لأبي عليّ تقول هذا! ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلْم بن أحوز، وقتِل من أصحابه زيادة على مئة، وقتِل من أصحاب محمد زيادة على عشرين، وقدم أصحاب نصر عليه فلولًا، فقال له عَقِيل بن معقل: يا نصر شأمْتَ العرب؛ فأما إذ صنعت ما صنعتَ فجُدّ وشمر عن ساق، فوجَّه عصمة بن عبد الله الأسديّ فوقف موقف سَلْم بن أحوز، فنادى: يا محمد، لتعلمنّ أن السمك لا يغلب اللُّخْم؛ قال له محمد: يا بن الفاعلة، قف لنا إذًا، وأمر محمد السغديّ فخرج إليه في أهل اليمن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عِصْمة حتى أتى نصر بن سيار، وقد قتل من أصحابه أربعمئة.\nثم أرسل نصر بن سيَّار مالك بن عمرو التميميّ فأقبل في أصحابه، ثم نادى: يا بن المثنى، ابرز لي إن كنت رجلًا! فبرز له، فضربه التميمي على حبل العاتِق فلم يصنع شيئًا؛ وضربه محمد بن المثنّى بعمود فشدخَ رأسه؛ فالتحم القتال؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا كأعظم ما يكون من القتال، فانهزم أصحاب نصر، وقد قتل منهم سبعمئة رجل، وقتِل من أصحاب الكِرمانيّ ثلثمئة رجل؛ ولم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا جميعًا إلى الخندقين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فلما استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه؛ وأنه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب إلى شَيْبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضريّة، فإنهم سيعرضون لك، ويأخذون كتبَك، فكانوا يأخذونها فيقرؤون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم، فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم؛ فإني أرجو أن يريَك الله ما تحبّ، ولئن بقيت لا أدَع لهم شَعرًا ولا ظفرًا. ويرسل رسولًا آخر في طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرّية وإطراء اليمن بمثل ذلك؛ حتى صار هوى","vol":"9","page":761},{"text":"الفريقين جميعًا معه؛ وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرمانيّ: إنّ الإمام قد أوصاني بكم، ولستُ أعدو رأيه فيكم، وكتب إلى الكُور بإظهار الأمر؛ فكان أول من سَوّد - فيما ذكر - أسيد بن عبد الله بنسا، ونادى: يا محمد، يا منصور، وسوّد معه مقاتل بن حكيم وابن غزوان، وسوّد أهل أبيَورد وأهل مَرْو الرّوذ، وقرى مَرْو.\nوأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بن سيار وخندق جُديع الكرمانيّ، وهابه الفريقان، وكثر أصحابه، فكتب نصر بن سيار إلى مَرْوان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة مَن معه ومَن تبعه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب بأبيات شعر:\nأَرَى بَيْنَ الرَّماد وَميضَ جَمْرٍ ... فأَحجِ بأَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرامُ\nفإنَّ النارَ بالعودَيْن تُذْكَى ... وإنَّ الحَرْبَ مَبْدؤها الكلامُ\nفقُلت من التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْري ... أأَيقاظٌ أمَيَّةُ أَمْ نِيامُ!\nفكتب إليه: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قِبَلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألّا نصر عنده، فكتب إلى يزيد بن عمر بن هُبيرة يشهّده، وكتب إليه بأبيات شعر:\nأبلغ يزيدَ وخيْرُ القول أصدقه ... وقد تبيَّنْتُ ألَّا خَيْرَ في الكذب\nأَنَّ خُراسانَ أَرْضٌ قد رأَيْتُ بها ... بيْضًا لو أفْرَخَ قد حُدثْتَ بالعَجَب\nفِراخُ عامَيْنِ إلا أنَّها كبِرَتْ ... لمّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَبِ\nفإنْ يَطِرنَ ولَمْ يُحْتَلْ لَهُنَّ بِها ... يُلْهِبْنَ نيرانَ حرْب أيَّما لَهَب\nفقال يزيد: لا غلبة إلا بكثرة؛ وليس عندي رجل. وكتب نصر إلى مَرْوان يخبره خبر أبي مسلم وظهورَه وقوّته؛ وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فألفى الكتاب مَرْوان وقد أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم؛ كان قد عاد من عند إبراهيم، ومعه كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم ويسبّه؛ حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرمانيّ؛ إذ أمكناه، ويأمره ألّا يدع بخُراسان عربيًّا إلا قتله. فدفع الرسول الكتاب إلى مَرْوان، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق، يأمره أن يكتب إلى عامل البَلْقاء، فيسير إلى كرار الحُميمة، فليأخذ إبراهيم بن محمد ويشدّه وثاقًا،","vol":"9","page":762},{"text":"وليبعث به إليه في خيل؛ فوجه الوليد إلى عامل البَلْقاء فأتى إبراهيم وهو في مسجد القرية، فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، فحمله إلى مَرْوان فحبسه مروان في السجن (١).\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث نصر والكرمانيّ، وبعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرمانيّ ونصر إلى الكرمانيّ: إني معك، فقبِل ذلك الكِرمانيّ وانضمّ إليه أبو مسلم، فاشتدّ ذلك على نَصْر، فأرسل إلى الكِرمانيّ: ويلك لا تغترر! فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه؛ ولكن هلمّ إلى الموادعة، فتدخل مَرْو، فنكتب بيننا كتابًا بصلح - وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبي مسلم - فدخل الكِرمانيّ منزله، وأقام أبو مسلم في المعسكر، وخرج الكِرمانيّ حتى وقف في الرَّحبَة في مئة فارس، وعليه قرطق خشكشونة، ثم أرسل إلى نصر: اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فأبصر نصر منه غِرّة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلثمئة فارس، فالتقوا في الرَّحبَة، فاقتتلوا بها طويلًا.\nثم إنّ الكرمانيّ طُعِن في خاصرته فخرّ عن دابَّته، وحماه أصحابُه حتى جاءهم ما لا قِبل لهم به، فقتل نصر الكِرمانيَّ وصلبَه، ومعه سمكة، فأقبل ابنه عليّ - وقد كان صار إلى أبي مسلم، وقد جمع جمعًا كثيرًا - فسار بهم إلى نصر بن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مَرْو، وأقبل أبو مسلم حتى دخل مَرْو، فأتاه عليّ بن جُديع الكرمانيّ فسلَّم عليه بالإمْرة، وأعلمه أنه معه على مساعدته، وقال: مُرْني بأمرك، فقال: أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري [٧/ ٣٦٨ - ٣٧١].\n* ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذي وصل به إلى الغَلَبة عليها:\nذكر عليّ بن محمد: أنّ عاصم بن حفص التميميّ ولخيره حدّثوه أنّ عبد الله بن\n_________\n(١) هذا خبر منكر. ذكره الطبري بلا إسناد وكيف يأمر الإمام إبراهيم أبا مسلم بقتل كل عربي لقيه بخراسان، ونقباء الدعوة العباسية عرب أقحاح، ومعظم جيوشهم من أهل الشام وغيرهم من العرب، وإذا كان ذلك كذلك فلمَ لم يقتل أبو مسلم عرب أهل الشام في نهاوند، بعد أن انتصر عليهم، وكيف تثبت تهمة خطيرة كهذه بلا إسناد؟ وهل من المعقول أن يقول ذلك في ظرفٍ هو في أمس الحاجة إلى استمالة قلوب الناس؟ وانظر تعليقنا على الخبر [٧/ ٣٤٤].","vol":"9","page":763},{"text":"معاوية لما هُزم بالكوفة، شخص إلى المدائن، فبايعه أهلُ المدائن، فأتاه قومٌ من أهل الكُوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها، وعلى حُلوان وقُومِس وأصبهان والريّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، فلمّا غلب على ذلك أقام بأصبهان؛ وقد كان محارب بن موسى مولى بني يَشْكر عظيم القدر بفارس، فجاء يمشي في نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل؛ عامل ابن عمر عنها، وقال لرجل يقال له عمارة: بايع الناس، فقال له أهل إصطخر: علامَ نبايع؟ قال: على ما أحببتم وكرهتم، فبايعوه لابن معاوية، وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم، وأصاب في غارته إبلًا لثعلبة بن حسان المازنيّ فاستاقها، ورجع.\nفخرج ثعلبة يطلب إبِله في قرية له تدعى أشهر - قال: ومع ثعلبة مولىً له - فقال له مولاه: هل لك أن نفتك بمحارب؛ فإن شئت ضربتَه وكفيتني الناس؛ وإن شئت ضربتُه وكفيتُك الناس؟ قال: ويحك! أردتَ أن تفتك [وتذهب الإبل ولم نلق] الرجل! ثم دخل على محارب فرحّب به، ثم قال: حاجتك! قال: إبلي، [قال: نعم لقد أخذت]، وما أعرفها، وقد عرفتها، فدونك إبلك! فأخذها، وقال لمولاه: [هذا خير، وما أردت؟].\nقال: ذلك لو أخذناها كان أشفى، وانضمّ إلى محارب القواد والأمراء من أهل الشام: فسار إلى مسلم بن المسيّب وهو بشيراز عامل لابن عمر، فقتله في سنة ثمان وعشرين ومئة، ثم خرج محارب إلى أصبهان، فحوّل عبد الله بن معاوية إلى إصطخر؛ واستعمل أخاه عبد الله أخاه الحسن على الجبال، فأقبل فنزل في دير على ميل من إصطخر، واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام، فأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم؛ وجبَى المال، وبعث العمال؛ وكان معه منصور بن جُمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك وشيبان بن الحِلْس بن عبد العزيز الشيبانيّ الخارجيّ، وأتاه أبو جعفر عبد الله، وعبد الله وعيسى ابنا عليّ، وقدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق، فأرسل نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى عبد الله بن معاوية؛ وبلغ سليمان بن حبيب أنّ ابن هُبيرة ولَّى نباتة الأهواز، فسرّح داود بن حاتم، فأقام بكربُج دينار ليمنع نباتة من الأهواز، فقدم نُباتة، فقاتله، فقتل داود، وهرب سليمان إلى سابور؛ وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، وأخرجوا المسيح بن الحماريّ، فقاتلهم سليمان، فطرد الأكراد عن سابور،","vol":"9","page":764},{"text":"وكتب إلى عبد الله بن معاوية بالبيعة، فقال: عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب: لا يفي لك، وإنما أراد أن يدفعك عنه؛ ويأكل سابور؛ فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقًا، فكتب إليه فقدم، وقال لأصحابه: ادخلوا معي؛ فإن منَعكم أحد فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاوية: أنا أطوع الناس لك، قال: ارجع إلى عملك، فرجع.\nثم إن محارب بن موسى نافر ابنَ معاوية، وجمع جمعًا، فأتى سابور - وكان ابنه مخلد بن محارب محبوسًا بسابور، أخذه يزيد بن معاوية فحبسه - فقال لمحارب: ابنك في يديه وتحاربه! أما تخاف أن يقتل ابنك! قال: أبعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث، فصار معه، ثم نافرَ ابن الأشعث فقتله وأربعة وعشرين ابنًا له. ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضُبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة، فوجَّه ابن هبيرة معنَ بن زائدة من وَجْه آخر، فقال سليمان لأبان بن معاوية بن هشام: قد أتاك القوم، قال: لم أؤمَرْ بقتالهم؛ قال: ولا تؤمر والله بهم أبدًا، وأتاهم فقاتلهم عند مَرْو الشاذان، ومعن يرتجز:\nلَيْسَ أَميرُ القَوْمِ بالْخَبِّ الخدَعْ ... فَرَّ من الموْتِ وفي الموْتِ وقَعْ\nقال ابن المقفع أو غيره:\nفرّ من الموت وفيه قد وقع.\nقال: عمدًا، قلت: قد عملت، فانهزم ابن معاوية، وكفّ معن عنهم، فقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمَرْو الشاذان، وأسروا أسَراء كثيرة، فقتل ابن ضبارة عدّة كثيرة؛ فيقال: كان فيمن قُتِل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد، ويقال: قتِل بالأهواز قتله نباتة.\nولما انهزم ابنُ معاوية هرب شيبان إلى جَزيرة ابن كاوان ومنصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عُمان، وعمرو بن سهل بن عبد العزيز إلى مصر؛ وبعث ببقيّة الأسرَاء إلى ابن هبيرة.","vol":"9","page":765},{"text":"قال حميد الطويل: أطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن وعلة السدُوسيّ، ولما أمر بقتله قال: أُقتَلُ من بين الأسراء! قال: نعم، أنت مشرِك، أنت الذي تقول:\nولَوْ آمُرُ الشمْسَ لَمْ تُشْرِقِ\nومضى ابنُ معاوية من وجهه إلى سِجستان، ثم أتى خراسان ومنصور بن جمهور إلى السند، فسار في طلبه معن بن زائدة وعطيَّة الثعلبيّ وغيره من بني ثعلبة، فلم يدركوه، فرجعوا، وكان حصين بن وَعْلة السدوسي مع يزيد بن معاوية، فتركه [ولحق بعبد الله بن معاوية] فأسره مورع السلميّ، رآه دخل غيضة فأخذه فأتى به [معن بن زائدة] فبعث به معن إلى ابن ضُبارة، فبعث به ابن ضبارة إلى واسط؛ وسار ابن ضبارة إلى عبد الله بن معاوية بإصطخر، فنزل بإزائه على نهر إصطخر، فعبر ابن الصَّحْصحَ في ألف، فلقيه من أصحاب عبد الله بن معاوية أبان بن معاوية بن هشام فيمن كان معه من أهل الشام، ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا، فمال ابنُ نباتة إلى القنطرة، فلقيَهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج، فانهزم أبان والخوارج، فأسر منهم ألفًا، فأتوْا بهم ابن ضُبارة، فخلى عنهم، وأخذ يومئذ عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس في الأسراء، فنسبه ابن ضبارة، فقال: ما جاء بك إلى ابن معاوية، وقد عرفت خلافه أمير المؤمنين! قال: كان على دين فأدّيته، فقام إليه حرب بن قطن الكنانيّ، فقال: ابن أختنا، فوهبه له، وقال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش، وقال له ابن ضبارة: إن الذي قد كنت معه قد عِيبَ بأشياء، فعندك منها علم؟ قال: نعم، وعابه ورمى أصحابه بالِّلواط، فأتوا ابن ضبارة بغلمان عليهم أقبية قُوهيَّة مصبَّغة ألوانًا، فأقامهم للناس وهم أكثر من مئة غلام، لينظروا إليهم، وحمل ابن ضبارة عبدَ الله بن عليّ على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره، فحمله ابن هبيرة إلى مَروان في أجناد أهل الشام، وكان يعيبه، وابن ضُبارة يومئذ في مفازة كِرمان في طلب عبد الله بن معاوية، وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة، فوجّه ابن هبيرة كرَب بن مصقلة والحكم بن أبي الأبيض العبسيّ وابن محمد السكرنّي؛ كلهم خطيب، فتكلموا في تقريظ ابن ضُبارة،","vol":"9","page":766},{"text":"فكتب إليه أن سِر بالناس إلى فارس، ثم جاءه كتاب ابن هبيرة سر إلى أصبهان (١) [٧/ ٣٧١ - ٣٧٤].\n* * *\nزارَ الحَجيجَ عصابَةٌ قَدْ خالفوا ... دِينَ الإلهِ فَفَرَّ عبدُ الواحدِ\nتَرَكَ الحَلائلَ والإمارَةَ هارِبًا ... ومضى يُخَبّط كالبَعِيرِ الشَّارِدِ\nلو كان والِدُهُ تَنَصَّلَ عِرْقُه ... لَصَفَتْ مَضارِبُهُ بعرْقِ الوالد (٢)\n٧/ ٣٧٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها</span>\n* ذكر الخبر عن ذلك وسببه:\nذكر أبو الخطاب أن دخولَ أبي مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة التي ينزلها عمَّال خراسان كان في سنة ثلاثين ومئة لتسع خلوْن من جمادى الآخرة يوم الخميس، وأن السبب في مسير عليّ بن جُديع مع أبي مسلم كان أن سليمان بن كثير كان بإزاء عليّ بن الكرمانيّ حين تعاقد هو ونصر على حَرْب أبي مسلم؛ فقال سليمان بن كثير لعليّ بن الكرمانيّ: يقول لك أبو مسلم: أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار، وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! ما كنتُ أحسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه! فأدرك عليّ بن الكرمانيّ الحفيظة، فرجع عن رأيه\n_________\n(١) هذا خبر باطل. لم ينسبه الطبري إلى أحد من الرواة الذين شهدوا تلك الواقعة وحضروا ذلك الحوار. وكل من لديه أدنى فهم وأبسط بصيرة يتبين نكارة ما في هذا المتن وبشاعة هذا الاتهام الموجه إلى أئمة أهل البيت الأطهار، فكيف بعبد الله بن معاوية الهاشمي يمارس الفاحشة ... غفر الله للطبري كيف جمع هذه الأخبار، ووقف بأعصاب باردة أمام هذا الاتهام الباطل الذي لا يصح سندًا ولا متنًا! ! !\n(٢) رحم الله الطبري ما ضرّه لو لم يكتب هذه الأبيات التي تطعن في خليفة المسلمين الصالح سليمان بن عبد الملك (لو كان والدُهُ تنصَّلَ عِرْقُه) أي والد عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك - علمًا بأن هذه الأبيات لرجل مجهول - وهي لا تقدم ولا تؤخر شيئًا في مسار الواقعة التأريخية.","vol":"9","page":767},{"text":"وانتقض صلح العرب، قال: ولما انتقض صلحُهم بعث نصر بن سيار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مُضر، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبي مسلم بمثل ذلك، فتراسلوا بذلك أيامًا، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان؛ فإنّ السلطان في مُضَر، وهم عمال مروان الجعديّ، وهم قتلة يحيى بن يزيد، فقدم الوفدان؛ فكان في وفد مُضر عقيل بن معقل بن حسان الليثيّ وعبيد الله بن عبد ربه الليثيّ والخطاب بن محرز السُّلَميّ، في رجال منهم، وكان في وفد قحطان عثمان بن الكِرمانيّ ومحمد بن المثنى وسَوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ، في رجال منهم؛ فأمر أبو مسلم عثمان بن الكِرْمانيّ وأصحابه فدخلوا بستان المحتفز، وقد بسط لهم فيه؛ فقعدوا وجلس أبو مسلم في بيت في دار المحتفز، وأذن لعَقِيل بن معقل وأصحابه من وفد مُضر، فدخلوا إليه، ومع أبي مسلم في البيت سبعون رجلًا من الشيعة، قرأ على الشيعة كتابًا كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان بن كثير، فتكلم - وكان خطيبًا مفوّهًا - فاختار عليَّ بن الكرمانيّ وأصحابه، وقام أبو منصور طلحة بن رزيق النقيب فيهم - وكان فصيحًا متكلِّمًا - فقال كمقالة سليمان بن كَثير، ثم قام مزيد بن شقيق السلميّ، فقال: مضر قتلة آل النبي - ﷺ - وأعوان بني أمية وشيعة مَرْوان الجعديّ، ودماؤنا في أعناقهم، وأموالنا في أيديهم، والتّباعات قبَلهم، ونصر بن سيار عامل مروان على خراسان يُنفذ أمورَه، ويدعو له على منبره، ويسميِّه أمير المؤمنين؛ ونحن من ذلك إلى الله بُراء وأن يكون مَرْوان أميو المؤمنين، وأن يكون نصرٌ على هدىً وصواب، وقد اخترنا عليّ بن الكرماني وأصحابه من قحطان وربيعة، فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بن شقيق.\nفنهض وفْد مضر عليهم الذّلة والكآبة؛ ووجَّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد عليّ بن الكرمانيّ مسرورين منصورين، وكان مقام أبي مسلم بآلين تسعة وعشرين يومًا، فرحل عن آلين راجعًا إلى خندقه بالماخُوان، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا المساكن، ويستعدوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمة العرب، وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة؛ وكان ذلك قَدَرًا من الله مقدورًا.","vol":"9","page":768},{"text":"وكان دخول أبي مسلم الماخُوان منصرفًا عن آلين سنة ثلاثين ومئة، للنصف من صفر يوم الخميس، فأقام أبو مسلم في خَنْدقه بالماخُوان ثلاثة أشهر؛ تسعين يومًا، ثم دخل حائط مرْو يوم الخميس لتسع خلَوْن من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومئة.\nقال: وكان حائط مَرْو إذ ذاك في يد نصر بن سيّار لأنّه عامل خراسان، فأرسل على بن الكرمانيّ إلى أبي مسلم أن أدخل الحائط مَن قِبَلك، وأدخل أنا وعشيرتي من قِبَلي، فنغلب على الحائط، فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمَن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتي؛ ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه؛ فدخل عليّ ين الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم أبا عليّ شبل بن طهمان النقيب في جُند، فدخلوا الحائط، فنزل في قصر بخاراخذاه، فبعثوا إلى أبي مسلم أن أدخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخُوان، وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعيّ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميميّ؛ حتى دخل الحائط؛ والفريقان يقتتلان، فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ٥] ومضي أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرْو الذي كان ينزله عمال خُراسان؛ وكان ذلك لتسع خلوْن من جُمادى الأوتى سنة ثلاثين ومئة، يوم الخميس.\nوهرب نصر بن سيّار عن مَرْو الغد من يوم الجمعة لعشرٍ خلْون من جُمادى الأولى من سنة ثلاثين ومئة، وصفت مَرْو لأبي مسلم، فلما دخل أبو مسلم حائط مَرْو أمر أبا منصور طلحة بن رُزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشميّة خاصّة - وكان أبو منصور رجلًا فصيحًا نبيلًا مفوّهًا عالمًا بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم؛ وهو أحد النقباء الاثني عشر؛ والنقباء الاثنا عشر هم الذين اختارهم محمد بن عليّ من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومئة أو أربع ومئة - وأمره أن يدعو إلى الرّضا، ولا يسمي أحدًا، ومثّل له مثالًا ووصف من العدل صفة، فقدمها فدعا سرًّا، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثني عشر نقيبًا.\nمنهم من خُزاعة: سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح","vol":"9","page":769},{"text":"وطلحة بن رُزيق وعمرو بن أعين. ومن طيّئ: قحطبة - واسمه زياد بن شبيب بن خالد بن مَعْدان - ومن تميم: موسى بن كعب أبو عيينة ولاهز بن قريظ والقاسم بن مجاشع، كلُّهم من بني امرئ القيس، وأسلم بن سلام أبو سلام؛ ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم من بني عمرو بن شيبان أخي سدُوس وأبو عليّ الهرويّ.\nويقال: شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين، وعيسى بن كعب وأبو النجم عمران بن إسماعيل مكان أبي علي الهرَويّ، وهو ختَن أبي مسلم.\nولم يكن في النقباء أحد والده حيّ غير أبي منصور طلحة بن رزيق بن أسعد؛ وهو أبو زينب الخزاعيّ، وقد كان شهد حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وصحب المهلب بن أبي صفرة وغزا معه؛ فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويسأله عمّا شهد من الحروب والمغازي، ويسأله عن الكنية بأبي منصور: يا أبا منصور، ما تقول؟ ما رأيك؟\nقال أبو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعة على الهاشميَّة: أبايعكم على كتاب الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ - والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله - ﷺ - عليك بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعَتاق، والمشي إلى بيت الله، وعلى ألّا تسألوا رزقًا ولا طمعًا حتى يبدأكم به ولاتكم؛ وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم، فلما حبس أبو مسلم سَلْم بن أحْوز ويونس بن عبد ربه، وعقيل بن معقل ومنصور بن أبي الخرقاء، وأصحابه، شاور أبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر؛ فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم، وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلًا. [٧/ ٣٧٧ - ٣٨٠].\nقال عليّ: أخبرنا المفضل، قال: لما قتِل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل - يقال له خَفَاف - برسل أبي مسلم الذين كان أرسلهم إلى شيبان، وهم في بيت، فأخرجهم وقتلهم.\nوقيل: إن أبا مسلم وجّه إلى شيبان عسكرًا من قِبَله، عليهم خزيمة بن خازم وبسام بن إبراهيم [٧/ ٣٨٦].\n* * *","vol":"9","page":770},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1608>ذكر خبر قتل عليّ وعثمان ابني جُدَيع</span>\nوفي هذه السنة قَتل أبو مسلم عليًّا وعثمان ابني جُديع الكِرمانيّ.\n*ذكر سبب قتل أبي مسلم إياهما:\nوكان السبب في ذلك - فيما قيل: أن أبا مسلم كان وجّه موسى بن كعب إلى أبيوَرْد فافتتحها، وكتب إلى أبي مسلم بذلك، ووجّه أبا داود إلى بَلْخ وبها زياد بن عبد الرحمن القُشيريّ، فلما بلغه قَصْد أبي داود بلْخ خرج في أهل بلْخ والترمذ وغيرهما، من كُورطُخارستان إلى الجُوزجان، فلما دنا أبو داود منهم، انصرفوا منهزمين إلى التِّرمذ، ودخل أبو داود مدينة بلْخ، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء [على بلخ، فخرج] أبو داود، فلقيه كتاب من أبي مسلم يأمره بالانصراف، فانصرف، وقدم عليه أبو الميلاء؛ فكتاب زيادَ بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم أبو الميلاء أن يصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيريّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهليّ وعيسى بن زُرْعة السُّلميّ وأهل بلْخ والترمذ وملوك طخارستان، وما خلْف النهر وما دونه، فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلْخ، وخرج إليه يحيى بن نعيم بمَن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة، مضريّهم ويمانيهم وربَعيُّهم ومَن معهم من الأعاجم على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النبَطيّ؛ كراهة أن يكون من الفرق الثلاثة، وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل أبو داود بمَن معه حتى اجتمعوا على نهر السّرجَنان، وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجّهوا أبا سعيد القرشيّ مسلحةً فيما بين العود وبين قرية يقال لها أمديان؛ لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم، وكانت أعلام أبي سعيد وراياته سودًا، فلما اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما، واصطفوا للقتال، أمر أبو سعيد القرشيُّ أصحابَه أن يأتوا زيادًا وأصحابه مِنْ خلفهم، فرجع وخرج عليهم من سكة العود وراياته سود، فظنّ أصحاب زياد أنهم كَمِين لأبي داود، وقد نشب القتال بين الفريقين، فانهزم زياد ومَن معه، وتبعه أبو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان، وقتل عامة رجالهم المتخلّفين، ونزل أبو داود عسكرهم،","vol":"9","page":771},{"text":"وحوَى ما فيه، ولم يتبع زيادًا ولا [أصحابه وأكثر من تبعهم سرعان من سرَعان] خيل أبي داود إلى مدينة [بلخ لم يجاوزها]، ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى الترمذ، وأقام أبو داود يومه [ذلك ومن الغد، ولم يدخل مدينة بلخ] واستصفى أموال من قتل بالسرجنان ومن هرب من العرب وغيرهم، واستقامت بلْخ لأبي داود.\nثم كتب إليه أبو مسلم يأمره بالقُدوم عليه، ووجّه النضر بن صُبيح المُرّيّ على بلخ، وقدم أبو داود، واجتمع رأي أبي داود وأبي مسلم على أن يفرّقا بين علي وعثمان ابني الكرمانيّ، فبعث أبو مسلم عثمان عاملًا على بلْخ، فلما قدمها استخلف الفُرافصة بن ظُهير العبسيّ على مدينة بلْخ، وأقبلت المضريّة من تِرْمذ، عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي، فالتقوا وأصحاب عثمان بن جُديع بقرية بين البَرُوقان وبين الدَّسْتَجرد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أصحاب عثمان بن جُديع، وغلب المضرّية ومسلم بن عبد الرحمن على مدينة بلْخ، وأخرجوا الفُرافصة منها، وبلغ عثمان بن جُديع الخبر والنّضر بن صُبيح، وهما بمرْو الرّوذ، فأقبلا نحوهم، وبلغ أصحاب زياد بن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، وعتّب النضر في طلبهم، رجاء أن يفوتوا، ولقيهم أصحاب عثمان بن جُديع، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أصحاب عثمان بن جُديع، وأكثروا فيهم القتل، ومضت المضريّة إلى أصحابها، ورجع أبو داود من مَرْو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه عليّ بن جُديع إلى نيسابور.\nواتّفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتل أبو مسلم عليًّا، ويقتل أبو داود عثمان في يوم واحد، فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملًا على الخُتل فيمن معه من يماني أهل مَرْو وأهل بلْخ وربَعيّهم، فلما خرج من بلخ خرج أبو داود [فاتبع الأثر فلحق عثمان على شاطئ نهر بوخش] من أرض الخُتّل، فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه، فحبسهم جميعًا ثم ضرب أعناقهم صَبْرًا، وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم عليّ بن الكرمانيّ، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمّي له خاصته ليوليَهم، ويأمر لهم بجوائز وكُسًا، فسماهم له فقتلهم جميعًا. [٧/ ٣٨٦ - ٣٨٨].\nقال أبو جعفر: فأما غيرُ الَّذين روى عنهم علي بن محمد ما ذكرنا في أمر","vol":"9","page":772},{"text":"قَحْطبة وتوجيه أبي مسلم إياه إلى نصر وأصحابه، فإنه ذكر أن أبا مسلم لما قتل شيبان الخارجيّ وابني الكرمانيّ، ونفى نصرًا عن مرْو، وغلب على خُراسان، وجّه عماله على بلادها، فاستعمل سباع بن النعمان الأزديّ على سَمَرْقند وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ووجَّه محمد بن الأشعث إلى الطَّبَسيْن وفارس، وجعل مالك بن الهيثم على شُرْطته، ووجّه قحطبة إلى طُوس، ومعه عدّة من القوّاد؛ منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد ومقاتل بن حكيم العكيّ وخالد بن بَرْمك وخازم بن خزيمة والمنذربن عبد الرحمن وعثمان بن نهِيك وجَهْور بن مرار العجليّ وأبو العباس الطوسيّ وعبد الله بن عثمان الطائيّ وسلمة بن محمد وأبو غانم عبد الحميد بن ربعيّ وأبو حُميد وأبو الجهم - وجعله أبو مسلم كاتبًا لقحطبة على الجند - وعامر بن إسماعيل ومحرز بن إبراهيم، في عدّة من القوّاد، فلقي مَنْ بطوس فانهزموا، وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قُتِل؛ فبلغ عدّة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفًا، ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسْابور على طريق المحجة؛ وكتب إلى قحْطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيّار والنابي بن سويد، ومَنْ لجأ إليهما من أهل خُراسان، وأن يصرف إليه موسى بن كعب من أبِيورد، فلما قدم قحطبة أبيورد صرف موسى بن كعب إلى أبي مسلم، وكتب إلى مقاتل بن حكيم يأمره أن يوجّه رجلًا إلى نيسابور، ويصرف منها القاسم بن مجاشع؛ فوجّه أبو مسلم عليّ بن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، وأمره [إذا دخل] قحطبة طوس أن يستقبله بمَنْ معه وينضمّ إليه؛ فسار عليّ بن معقل حتى نزل قرية يقال لها حُلوان، وبلغ قَحْطبة مسير عليّ [ونزوله حيث] نزل، فعجَّل السير إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بن نصر والنابي بن سويد، ووجّه على مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ في [ثلاثة آلاف رجل من شيعة] أهل نسا وأبِيورد، فسار حتى نزل قرية يقال [لها حبوسان، فتعبّأ تميم والنابي] لقتاله، فكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه [ما أجمعوا عليه من قتاله، وأنه إن] لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله ﷿، وأخبره أنهما في ثلاثين ألفًا من صناديد أهل خُراسان وفرسانهم. فوجّه قحطبة مقاتل بن حكيم العكيّ في ألف وخالد بن برمك في ألف، فقدما على أسيد؛ وبلغ ذلك تميمًا والنابي فكسرهما. ثم قدم عليهم قحطبة بمن معه، وتعبّأ لقتال تميم، وجعل على ميمنته مقاتل بن حكيم","vol":"9","page":773},{"text":"وأبا عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك، وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله الخُزاعي والحسن بن قحطبة والمسيّب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار هو في القلب، ثم زحف إليهم، فدعاهم إلى كتاب الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ -، وإلى الرضا من آل محمد - ﷺ - فلم يجيبوه، فأمر الميمنة والميسرة أنَ يحملوا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أشدّ ما يكون من القتال، فقتل تميم بن نصر في المعركة، وقتل معه منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم، وأفلت النابي في عدّة، فتحصنّوا في المدينة، وأحاطت بهم الجنود، فنقبوا الحائط ودخلوا إلى المدينة، فقتلوا النابي ومنْ كان معه، وهرب عاصم بن عمير السمرقنديّ وسالم بن راوية السعيديّ إلى نصر بن سيّار بنيسابور، فأخبراه بمقتل تميم والنابي ومَن كان معهما؛ فلما غلب قحطبة على عسكرهم بما فيه صيّر إلى خالد بن بَرْمك قبض ذلك، ووجّه مقاتل بن حكيم العكيّ على مقدمته إلى نيسابور؛ فبلغ ذلك نصر بن سيار؛ فارتحل هاربًا في أثر أهل إبْرَشهر حتى نزل قُومِس وتفرّق عنه أصحابه، فسار إلى نُباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده. [٧/ ٣٨٩ - ٣٩٠].\nوأقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة من سنة ثلاثين ومئة، ومعه أسيد بن عبد الله الخزاعيّ وخالد بن بَرْمك وأبو عون عبد الملك بن يزيد وموسى بن كعب المرائىّ والمسيب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ، وعلى ميمنته موسى بن كعب، وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله، وعلى مقدّمته الحسن بن قحطبة، فقال قحطبة: يا أهلَ خُراسان، أتدرون إلى من تسيرون، ومن تقاتلون؟ إنما تقاتلون بقيَّة قوم أحْرقوا بيت الله ﷿، وأقبل الحسن حتى نزل تُخوم خُراسان، ووجَّه الحسن عثمان بن رُفيع ونافعًا المروزيّ وأبا خالد المروروزيّ ومسعدة الطائيّ إلى مسلحة نُبَاتة، وعليها رجل يقال له ذُؤيب، فبيّتوه، فقتلوا ذؤيبًا وسبعين رجلًا من أصحابه، ثم رجعوا إلى عسكر الحسن، وقدم قحطبة فنزلوا بإزاء نباتة وأهل الشأم في عدّة لم يرَ الناس مثلها. فلما رآهم أهل خُراسان هابوهم حتى تكلَّموا بذلك وأظهروه. وبلغ قحطبة. فقام فيهم خطيبًا فقال:\nيا أهل خراسان؛ هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا يُنصرون على","vol":"9","page":774},{"text":"عدوّهم بعدلهم وحسن سيرتهم؛ حتى بدّلوا وظلموا، فسخط الله ﷿ عليهم، فانتزع سلطانهم، وسلط عليهم أذلّ أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم، واستنكحوا نساءهم، واسترقّوا أولادهم؛ فكانوا بذلك يحكُمون بالعدل ويوفون بالعهد، وينصرون المظلوم، ثم بدّلوا وغيّروا وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البِرّ والتقوى من عِترة رسول الله - ﷺ -، فسلّطكم عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا أشدّ عقوبة؛ لأنكم طلبتموهم بالثأر. وقد عهد إليّ الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدّة فينصركم الله ﷿ عليهم فتهزموهم وتقتلونهم.\nوقد قرئ على قحطبة كتاب أبي مسلم، من أبي مسلم إلى قحطبة: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد. فناهض عدوّك؛ فإنّ الله ﷿ ناصرك؛ فإذا ظهرتَ عليهم فأثخن في القتل.\nفالتقوا في مستهلّ ذي الحجة سنة ثلاثين ومئة في يوم الجمعة، فقال قحطبة: يا أهلَ خراسان. إن هذا اليوم قد فضّله الله ﵎ على سائر الأيام والعمل فيه مضاعف، وهذا شهر عظيم فيه عيد من أعظم أعيادكم عند الله ﷿، وقد أخبرنا الإمام أنكم تُنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم، فالقوْه بجدّ وصبر واحتساب؛ فإنّ الله مع الصابرين. ثم ناهضهم وعلى ميمنته الحسن بن قحطبة. وعلى ميسرته خالد بن بَرْمك ومقاتل بن حكيم العكِّيّ، فاقتتلوا وصبر بعضهم لبعض، فقتل نباتة، وانهزم أهل الشأم فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث قحطبة إلى أبي مسلم برأس نُباتة وابنه حيّة.\nقال: وأخبرنا شيخٌ من بني عديّ، عن أبيه، قال: كان سالم بن راوية التميميّ ممن هرب من أبي مسلم، وخرج مع نصر، ثم صار مع نباتة، فقاتل قَحْطبة برجان، فانهزم الناس، وبقيَ يقاتل وحده، فحمل عليه عبد الله الطائيّ - وكان من فُرْسان قحطبة - فضربه سالم بن راوية على وجهه، فأندر عينه، وقاتلهم حتى اضطر إلى المسجد، فدخله ودخلوا عليه، فكان لا يشدّ من ناحية إلا كشفهم، فجعل ينادي: شَرْبة! فو الله لأُنقعنّ لهم شرًّا يومي هذا. وحرّقوا عليه سقف المسجد، فرموه بالحجارة حتى قتلوه وجاؤوا برأسه إلى قحطبة،","vol":"9","page":775},{"text":"وليس في رأسه ولا وجهه مصحّ؛ فقال قحطبة: ما رأيت مثل هذا قطّ! [٧/ ٣٩١ - ٣٩٣].\nوقد زعم بعضُ الناس أن خُزاعة دلت أبا حمزة على عَوْرتهم، وأدخلوهم عليهم فقتلوهم؛ وكانت المقتلة على قريش، هم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة، واْصيب منهم عدد كثير.\nقال العباس: قال هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أن رجلًا من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن وهو يقول: الحمد لله الذي أقرّ عيني بمقتل قريش، فقال لابنه: يا بنيّ ابدأ به - وقد كان من أهل المدينة - قال: فدنا منه ابنه فضرب عنقه، ثم قال لابنه: أي بنيّ، تقدم، فقاتلا حتى قتلا. ثم ورد قُلّال الناس المدينة وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح، فما تبرح النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رحالهنّ فتخرج النساء امرأة امرأة؛ كل امرأة تذهب إلى حميمها [فتنصرف] حتى ما تبقى عندها امرأة.\nقال: وأنشدني أبو ضَمْرة هذه الأبيات في قَتْلَى قُديد الذين أصيبوا من قومه، رثاهم بعض أصحابهم فقال:\nيا لَهفَ نَفْسي ولَهْفي غَيْرَ كاذِبَة ... على فوارِسَ بالبَطْحاء أنجادِ\nعَمْرٌو وعَمْرٌو وعَبْدُ اللهِ بَيْنَهُما ... وابناهُما خامِسٌ والحارثُ السادِي\n[٧/ ٣٩٣ - ٣٩٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1609> ذكر الخبر عن دخول أبي حمزة المدينة وما كان منه فيها:</span>\nحدثني العباس بن عيسى، قال: حدثنا هارون بن موسى الفروي، قال: حدثني موسى بن كثير، قال: دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومئة، ومضى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام، فرقيَ المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:\nيا أهل المدينة؛ سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم - لعمر الله - فيهم القول، وسألناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم لنا: نعم، وسألناكم: هل يستحلون المال الحرام والفَرْج الحرام؟ فقلتم لنا: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نناشدهم الله إلّا تنحّوا عنا وعنكم، فقلتم: لا يفعلون، فقلنا لكم: تعالوا","vol":"9","page":776},{"text":"نحن وأنتم نقاتلهم؛ فإن نظهر نحن وأنتم [نأت] بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد - ﷺ -، فقلتم: لا نقوى، فقلنا لكم: فخلُّوا بيننا وبينهم؛ فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم - ﷺ -[ونقسم] فيئكم بينكم، فأبيتم، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم، فأبعدكم الله وأسحقكم!\nقال محمد بن عمر: حدّثني حزام بن هشام، قال: كانت الحَرُورية أربعمئة، وعلى طائفة من الحروية الحارث، وعلى طائفة بكار بن محمد العدويّ؛ عديّ قريش، وعلى طائفة اْبو حَمْزة، فالتقوا وقد تهيّأ الناس بعد الإعذار من الخوارج إليهم، وقالوا لهم: إنا والله ما لنا حاجة بقتالكِم، دعونا نمض إلى عدوّنا. فأبى أهل المدينة، فالتقوا لسبع ليال خَلَوْن من صَفر يوم الخميس سنة ثلاثين ومئة، فقتل أهل المدينة، لم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل أميرهم عبد العزيز بن عبد الله، واتهمت قريش خُزاعة أن يكونوا داهنوا الحروريّة. فقال لي حزام: والله لقد آويتَ رجالًا من قريش منهم حتى آمن الناس؛ فكان بَلْج على مقدّمتهم. وقدمت الحروريّة المدينة لتسع عشرة ليلة خلت من صفر.\nحدثني العباس بن عيسى، قال: قال هارون بن موسى: أخبرني بعض أشياخنا، أن أبا حمزة لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته:\nيا أهل المدينة مررتُ [بكم] في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم وكتبتم إليه تسألونه أن يضع أخراصكم عنكم، فكتب إليكم يضعها عنكم، فزاد الغنيّ غنى، وزاد الفقير فقرًا، فقلتم: جزاك الله خيرًا؛ فلا جزاكم الله خيرًا ولا جزاه. [٧/ ٣٩٤ - ٣٩٥].\nقال العبّاس: قال هارون: وأخبرني عبد الملك بن الماجشون، قال: لما لقى أبو حمزة وابن عطيّة، قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تخبرُوهم، قال: فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ قال: فصاح ابنُ عطيَّة: نضعه في جوف الجُوالق، قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل مالَه ونفجُر بأمِّه .. في أشياء بلغني أنهم سألوهم عنها. قال: فلما سمعوا كلامهم، قاتلوهم حتى أمسوا، فصاحوا: ويحك يابن عطية! إنّ الله ﷿ قد جعل الليل سكنًا،","vol":"9","page":777},{"text":"فاسكن نسكن. قال: فأبى فقاتلهم حتى قتلهم (١) [٧/ ٣٩٩].\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا الصَّائفة - فيما ذكر - الوليد بن هشام، فنزل العمق، وبنى حصن مَرْعش.\nوفيها وقع الطاعون بالبصرة (٢).\nوفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان من قتل من أهلها؛ قيل: إنه قتل منهم زُهاء ثلاثين ألفًا؛ وذلك أنه بلغه - فيما ذكر - عن أهل جرجان أنه أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قحطبة، فدخل قحطبة لما بلغه ذلك من أمرهم؛ واستعرضهم، فقتل منهم من ذكرت. ولما بلغ نصر بن سيار قتل قحطبة نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس، ارتحل حتى نزل خُوار الرّيّ [٧/ ٤٠١].\nقال عليّ: وأخبرنا المفضّل بن محمد الضبيّ، قال: لما لقي قحطبة ابنَ ضُبارة انهزم داود بن يزيد بن عمر، فسأل عنه عامر، فقيل: انهزم، فقال: لعن الله شرَّنا منقلبًا! وقاتل حتى قتل.\nقال عليّ: وأخبرنا حفص بن شبيب، قال: حدّثني من شهد قحطبة وكان معه، قال: ما رأيتُ عسكرًا قطّ جمعَ ما جمع أهلُ الشأم بأصبهان من الخيل والسلاح والرقيق، كأنا افتتحنا مدينة؛ وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير؛ ولقلّ بيت أو خِباء ندخله إلا أصبنا فيه زُكْرة أو زِقًّا من الخمر، فقال بعض الشعراء:\nلما رَمَيْنَا مُضرًا بالقبّ ... قرْضَبَهُمْ قَحْطَبَةُ القِرْضَبِّ\nيَدْعُونَ مَروانَ كَدَعْوَى الرَّبِّ (٣)\n[٧/ ٤٠٦].\n_________\n(١) هذا خبر منكر.\n(٢) بينما ذكر خليفة خبر طاعون البصرة ضمن أحداث سنة (١٣١ هـ) عن المدائني تأريخ خليفة ص ٤٢١.\n(٣) هذا خبر باطل وكيف نعتمد على رجل لا نعرف اسمه (من شهد قحطبة) في إثبات هذه التهمة الكبيرة (وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط ...). واعتمادًا على هذه الأخبار الملفقة شوه المبتدعة والشعوبيون التأريخ الإسلامي. ولكن الحمد لله على نعمة الإسناد، ولولاه قال من شاء ما شاء كما هنا.","vol":"9","page":778},{"text":"قال عليّ: وأخبرنا أبو الحسن الخُراسانيّ وجبلة بن فرّوخ؛ قالا: لما قدم قحطبة نهاوند والحسن محاصرهم، أقام قحطبة عليهم، ووجّه الحسن إلى مَرْج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خُزيمة إلى حُلوان، وعليها عبد الله بن العلاء الكِنديّ، فهرب من حُلوان وخلَّاها.\nقال عليّ: وأخبرنا محرز بن إبراهيم، قال: لما فتح قحطبة نَهاوند؛ أرادوا أن يكتبوا إلى مرْوان باسم قَحْطبة، فقالوا: هذا اسم شنيع، اقلبوه فجاء \"هبط حقّ\" فقالوا: الأول مع شنعته أيسر من هذا. فردّوه [٧/ ٤٠٨ - ٤٠٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>ذكر وقعة شهرزور وفتحها</span>\nوفي هذه السنة كانت وقعة أبي عون بشهرزور.\nذكر الخبر عنها وعمّا كان فيها:\nذكر عليّ: أن أبا الحسن وجَبلة بن فروخ، حدّثاه قالا: وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانيّ ومالك بن طريف الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بن سفيان على مقدّمة عبد الله بن مَرْوان، فقدم أبو عون ومالك، فنزلا على فرسخين من شهرزور، فأقاما به يومًا وليلة، ثم ناهضا عثمان بن سفيان في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومئة فقتل عثمان بن سفيان، وبعث أبو عون بالبشارة مع إسماعيل بن المتوكّل، وأقام أبو عون في بلاد الموصل.\nوقال بعضهم: لم يُقتل عثمان بن سفيان، ولكنّه هرب إلى عبد الله بن مَرْوان، واستباح أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة بعد قتال شديد. وقال: كان قحطبة وجَّه أبا عون إلى شهرِزور في ثلاثين ألفًا بأمر أبي مسلم إياه بذلك. قال: ولما بلغ خبرُ أبي عون مروان وهو بحرَّان، ارتحل منها ومعه جنود الشأم والجزيرة والموصل، وحشرت بنو أمية معه أبناءهم مقبلًا إلى أبي عون؛ حتى انتهى إلى الموصل، ثم أخذ في حفر الخنادق من خند إلى خندق؛ حتى نزل الزّاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهرزور بقيّة ذي الحجة والمحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وفرض فيها لخمسة آلاف رجل. [٧/ ٤٠٩].","vol":"9","page":779},{"text":"وقد ذكر أن الوليد بن عروة إنما كان خرج خارجًا من المدينة، وكان مروان قد كتب إلى عمه عبد الملك بن محمد بن عطية يأمره أن يحجّ بالناس وهو باليمن؛ فكان مِنْ أمره ما قد ذكرت قبلُ، فلمّا أبطأ عليه عمه عبد الملك افتعل كتابًا من عمّه يأمره بالحجّ بالناس، فحجّ بهم.\nوذكر أن الوليد بن عروة بلغه قتلُ عمه عبد الملك فمضى [إلى] الذين قتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وبقر بطون نسائهم، وقتل الصبيان، وحرّق بالنيران مَنْ قدر عليه منهم. [٧/ ٤١٠ - ٤١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوذكر عليّ: أن الحسن بن رشيد وجبله بن فرّوخ أخبراه: أنّ قحطبة لما ترك ابنَ هبيرة ومضى يريد الكوفة، قال حوثرة بن سهيل الباهليّ وناس من وجوه أهل الشأم لابن هبيرة: قد مضى قحطبة إلى الكوفة، فاقصد أنت خراسان، ودعه ومروان فإنك تكسره، فبالحري أن يتبعك، فقال: ما هذا برأي، ما كان ليتبعني ويدع الكوفة؛ ولكنّ الرأي أن أبادره إلى الكوفة. ولما عبر قحطبة الفرات، وسار على شاطيء الفرات ارتحل ابن هُبيرة من معسكره بأرض الفلُّوجة، فاستعمل على مقدّمته حوثرة بن سهيل، وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على شاطئ الفرات؛ ابن هُبيرة بين الفرات وسورا، وقحطبة في غربيه مما يلي البرّ. ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابيّ في زورق، فسلَّم على قحطبة، فقال: ممن أنت؟ قال: من طيئ، فقال الأعرابيّ لقحطبة: اشرب من هذا واسقني سؤرك، فغرف قحطبة في قصعة فشرب وسقاه، فقال: الحمد لله الذي نسأ أجلي حتى رأيتُ هذا الجيش يشرب من هذا الماء. قال قحطبة: أتتك الرواية؟ قال: نعم؛ قال: ممن أنت؟ قال: من طيِّئ، ثم أحد بني نَبْهان، فقال قحطبة: صدقني إمامي، أخبرني أن لي وقعة على هذا النهر لي فيها النصر، يا أخا بني نبهان، هل ها هنا مخاضة؟ قال: نعم ولا أعرفها، وأدلك على مَنْ يعرفها؛ السنديّ بن عصم. فأرسل إليه قحطبة، فجاء وأبو السنديّ وعون، فدلُّوه على المخاضة وأمسى ووافتْه مقدّمة ابن هبيرة في عشرين ألفًا، عليهم حَوْثرة.","vol":"9","page":780},{"text":"فذكر عليّ، عن ابن شهاب العبدّي، قال: نزل قحطبة الجبارية فقال: صدقني الإمام أخبرني أن النصر بهذا المكان، وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم، فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل، فقال: لا تزالون بخير ما كنتم على هذا. ووافته خيول الشام، وقد دلُّوه على مخاضة فقال: إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومئة. [٧/ ٤١٣ - ٤١٤].\nرجع الحديث إلى حديث عليّ عن ابن شهاب العبديّ: فأما صاحب علمَ قحطبة خيران أو يسار مولاه، فقال له: اعبر، وقال لصاحب رايته مسعود بن علاج (رجل من بكر بن وائل): اعبر، وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بن ربعيّ أبي غانم أحد بني نبهان من طيئ: اعبر يا أبا غانم، وأبشر بالغنيمة، وعبر جماعة حتى عبر أربعمئة، فقاتلوا أصحاب حوثرة حتى نَحَّوْهم عن الشريعة، ولقوا محمد بن نباتة فقاتلوه، ورفعوا النيران، وانهزم أهل الشأم، وفقدوا قحطبة فبايعوا حُميد بن قحطبة على كُره منه، وجعلوا على الأثقال رجلًا يقال له أبو نصر في مئتين، وسار حُميد حتى نزلا كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسيَّة. [٧/ ٤١٤].\nقال عليّ: وذكر عبد الله بن بدر قال: كنتُ مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا إلينا، فقاتلونا على مسنَّاة عليها خمسة فوارس؛ فبعث ابنُ هبيرة محمد بن نباتة، فتلقاهم فدفعناهم دفعًا، وضرب معن بن زائدة قحطبة على حبل عاتقه، فأسرع فيه السيف، فسقط قحطبة في الماء فأخرجوه، فقال: شدُّوا يديّ، فشدّوها بعمامة، فقال: إن متّ فألقوني في الماء لا يعلم أحد بقتلي. وكرّ عليهم أهل خراسان، فانكشف ابن نباتة وأهل الشام، فاتبعونا وقد أخذ طائفة في وجه، ولحقنا قوم من أهل خراسان، فقاتلناهم طويلًا، فما نجونا إلّا برجلين من أهل الشام قاتلوا عنا قتالًا شديدًا، فقال بعض الخراسانيّة: دعُوا هؤلاء الكلاب (بالفارسية) فانصرفوا عنا. ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة؛ فسلموا هذا الأمرَ إليه. ورجع ابن هبيرة إلى واسط.\nوقد قيل في هلاك قحطبة قول غير الذي قاله مَن ذكرنا قوله من شيوخ عليّ بن محمد؛ والذي قيل من ذلك: إنّ قحطبة لما صار بحذاء ابن هُبيرة من الجانب","vol":"9","page":781},{"text":"الغربيّ من الفرات، وبينهما الفرات، قدّم الحسن ابنه على مقدّمته، ثم أمر عبد الله الطائيّ ومسعود بن علاج وأسد بن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم في الفرات، فعبروا بعد العصر، فطُعن أوّل فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة، فولّوا منهزمين حتى بلغت هزيمتهم جسر سورا حتى اعترضهم سويد صاحب شُرطة ابن هبيرة، فضرب وجوههم ووجوه دوابّهم حتى ردّهم إلى موضعهم؛ وذلك عند المغرب؛ حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه؛ فكثروهم، فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد الله بسَّام وسلمة بن محمد - وهم في جريدة خيل - أن يعبروا، فيكونوا ردءًا لمسعود بن علاج، فعبروا ولقيهم محمد بن نباتة، فحصر سلمة ومن معه بقرية على شاطى الفرات، وترجّل سلمة ومن معه، وحمي القتال، فجعل محمد بن نُباتة يحمل على سلمة وأصحابه، فيقتل العشرة والعشرين، ويحمل سلمة وأصحابه على محمد بن نباتة وأصحابه، فيقتل منهم المئة والمئتين، وبعث سلمة إلى قحطبة يستمدّه، فأمدّه بقواده جميعًا، ثم عبر قحطبة بفُرسانه، وأمر كل فارس أن يردف رجلًا؛ وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرّم، ثم واقع قحطبة محمد بن نباتة ومن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزمهم قحْطبة حتى ألحقهم بابن هُبيرة، وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة، وخلّوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح والرّثّة والآنية وغير ذلك؛ ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصَّراة، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا بفم النيل، وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه؛ فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار، ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه، فأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولَّوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما في عسكر ابن هُبيرة، ووكّل بذلك رجلًا من أهل خراسان يكنى أبا النضر في مئتي فارس، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء، ثم ارتحل فنزل سورا، ثم نزل بعدها دير الأعور ثم سار منه فنزل العباسيّة. وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بابن هُبيرة بواسط.\nوكان سبب قتل قحطبة - فيما قال هؤلاء - أنّ أحلم بن إبراهيم بن بسام مولى بني ليث قال: لما رأيتُ قحطبة في الفرات، وقد سبحت به دابته حتى كادت تعبر","vol":"9","page":782},{"text":"به من الجانب الذي كنت فيه أنا وبسام بن إبراهيم أخي - وكان بسام على مقدّمة قحطبة - فذكرت من قُتل من ولد نصر بن سيار وأشياء ذكرتها منه؛ وقد أشفقت على أخي بسام بن إبراهيم لشيء بلغه عنه، فقلت: لا طلبتُ بثأر أبدًا إن نجوتَ الليلة. قال: فأتلقاه وقد صعدت به دابَّته لتخرج من الفرات وأنا على الشطّ، فضربته بالسيف على جبينه وأعجله الموت؛ فذهب في الفرات بسلاحه. ثم أخبر ابن حصين السعديّ بعد موت أحلم بن إبراهيم بمثل ذلك، وقال: لولا أنه أقرّ بذلك عند موته ما أخبرتُ عنه بشيء. [٧/ ٤١٥ - ٤١٧].\nوكان سبب قتال سلم بن قتيبة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب - فيما ذكر - أن أبا سلمة الخلال وجّه إذ فرّق العمال في البلدان بسام بن إبراهيم مولى بني ليث إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضّه، فلحق سلم بن قتيبة الباهليّ بالبَصْرة؛ وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة. وكتب أبو سلمة إلى الحسن بن قحطبة أن يوجّه إلى سَلْم من أحبّ من قُوّاده، وكتب إلى سُفيان بن معاوية بعهده على البَصْرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس، ويدعو إلى القائم منهم؛ وينفي سلم بن قتيبة. فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة، ويخبره بما أتاه من رأي أبي سلمة؛ فأبى سلم ذلك، وامتنع منه، وحشد مع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة؛ وكان بعثه مددًا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة، فاستعدّ له سلم، وحشد معه من قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبَصْرة من بني أمية ومواليهم، وسارعت بنو أمية إلى نَصْره.\nفقدم سفيان يوم الخميس وذلك في صفر؛ فأتى المربد سَلْم، فوقف منه عند سوق الإبل، ووجّه الخيول في سكة المربد وسائر سكك البصرة للقاء من وجه إليه سفيان، ونادى: مَنْ جاء برأس فله خمسمئة درهم ومن جاء بأسير فله ألف درهم. ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة خاصةً، فلقيه خيلٌ من تميم في السكة التي تأخذ إلى بني عامر في سكّة المربد عند الدار التي صارت لعمر بن حبيب، فطعن رجلٌ منهم فرس معاوية، فشبّ به فصرعه؛ فنزل إليه رجل من بني ضبّة يقال له: عياض، فقتله، وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة، فأعطاه ألف","vol":"9","page":783},{"text":"درهم، فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه، وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر.\nوقدم على سلم بعد غلبته على البصرة جابر بن توبة الكلابيّ والوليد بن عتبة الفراسيّ من ولد عبد الرحمن بن سمُرة في أربعة آلاف رجل، كتب إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مددًا لسلم وهو بالأهواز، فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الأزْد، فأغاروا عليهم، فقاتلهم من بقي من رجال الأزد قتالًا شديدًا حتى كثرت القتلى فيهم؛ فانهزموا، فسبى جابر ومن معه من أصحابه النساء، وهدموا الدور وانتهبوا؛ فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام؛ فلم يزل سلم مقيمًا بالبصرة حتى بلغه قتلُ ابن هبيرة، فشخص عنها فاجتمع من البصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أيامًا يسيرة، حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخُزاعيّ من قِبَل أبي مسلم، فوليَها خمسة أيام، فلما قام أبو عباس ولّاها سفيان بن معاوية [٧/ ٤١٩ - ٤٢٠].\nإلى هنا انتهى العصر الأموي\n* * *","vol":"9","page":784},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1612>خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>ذكر الخبر عن سبب خلافته</span>\nوكان بدء ذلك - فيما ذكر عن رسول الله - ﷺ - أنه أعلم العباس بن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى ولده، فلم يزل ولدهُ يتوقّعون ذلك، ويتحدّثون به بينهم (١).\nوذكر عليّ بن محمد أن إسماعيل بن الحسن حدّثه عن رشيد بن كُريب، أنّ أبا هاشم خرج إلى الشام، فلقي محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، فقال: يا بن عمّ، إن عندي عِلْمًا أنبذه إليك فلا تطلعنّ عليه أحدًا؛ إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس، فيكم، قال: قد علمتُ فلا يسمعنَّه منك أحد (٢).\nقال عليّ: وأخبرنا سليمان بن داود، عن خالد بن عجلان، قال: لما خالف ابن الأشعث، وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتْق من سِجِسْتَان فليس عليك بأس؛ إنما كنا نتخوّف لو كان من خراسان.\nوقال عليّ: أخبرنا الحسن بن رُشيد وجبلة بن فرّوخ التاجيّ ويحيى بن طفيل والنعمان بن سريّ وأبو حفص الأزدي وغيرهم أن الإمام محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بن معاوية، ورأس المئة وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم يُقبِل أنصارنا من المشرق حتى تردَ خيولهم المغرب، ويستخرجوا ما كنز الجبّارون فيها.\nفلمّا قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقيَة، ونقضت البربر، بعث محمد بن عليّ\n_________\n(١) قال الذهبي: لا يصح هنا الخبر ولكن آل العباس كان الت س يحبونهم ويحبون آل علي ويودون أن يؤول الأمر إليهم حبًّا لآل رسول الله - ﷺ - أسير أعلام النبلاء ٦/ ٥٨].\n(٢) في هذا الإسناد تصحيف والصواب رشدين بن كريب وهو منكر الحديث (تهذيب الكمال/ تر ١٨٩٧).","vol":"9","page":785},{"text":"رجلًا إلى خُراسان، وأمره أن يدعوَ إلى الرضا، ولا يسمّي أحدًا (١).\nوقد ذكرنا قَبْلُ خبر محمد بن عليّ، وخبر الدّعاة الذي وجههم إلى خُراسان، ثم مات محمد بن عليّ وجعل وصيّه من بعده ابنه إبراهيم؛ فبعث إبراهيم بن محمد إلى خُراسان أبا سَلمة حفص بن سليمان مولى السَّبيع، وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبِلوا كتبه وقام فيهم، ثم رجع إليه فردّه ومعه أبو مسلم، وقد ذكرنا أسر أبي مسلم قَبْلُ وخبره.\nثم وقع في يد مَرْوان بن محمد كتاب لإبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم، جواب كتاب لأبي مسلم يأمره بقتل كل مَن يتكلم بالعربيّة بخراسان، فكتب مَرْوان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبَلْقاء أن يسيرَ إلى الحُميمة (٢) ويأخذ إبراهيم بن محمد يوجِّه به إليه، فذكر أبو زيد عمر بن شبَّة أن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب حدّثه عن عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: إني مع أبي جعفر بالحُميمة ومعه ابناه محمد وجعفر، وأنا أرقّصهما، إذ قال لي: ماذا تصنع؟ أما ترى إلى ما نحن فيه! قال: فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد، قال: فقلت: دعْني أخرج إليهم، قال: تخرج من بيتي وأنت ابن عمار بن ياسر! قال: فأخذوا أبواب المسجد حين صلوا الصبح، ثم قالوا للشاميّين (٢) الذي معهم: أين إبراهيم بن محمد؟ فقالوا: هو ذا، فأخذوه؛ وقد كان مروان أمرهم بأخْذِ إبراهيم، ووصف لهم صفة أبي العباس التي كان يجدها في الكتب أنه يقتلهم؛ فلما أتوه بإبراهيم، قال: ليس هذه الصّفة التي وصفت لكم، فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، فردّهم في طلبه، ونُذروا، فخرجوا إلى العراق هُرّابًا.\nقال عمر: وحدّثني عبد الله بن كثير بن الحسن العبديّ، قال: أخبرني عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: بعث مَرْوان بن محمد رسولًا إلى الحُميمة يأتيه\n_________\n(١) لم يكن الإسام محمد - ﵀ - منجمًا ولا متنبئًا ولا يصح نسبة هذا الكلام إليه بإسناد جلّهُ مجاهيل.\n(٢) هذا خبر منكر كما ذكرنا سابقًا ولا يصح إسناده قط، كما ذكرنا في نهاية تاريخ الخلافة في عهد الأمويين (سنة ١٣٢ هـ).","vol":"9","page":786},{"text":"بإبراهيم بن محمد، ووصف له صفتَه (١) فقدم الرّسُول فوجد الصفة صفة أبي العباس عبد الله بن محمد، فلما ظهر إبراهيم بن محمد وأمن قيل للرسول: إنما أمِرت بإبراهيم؛ وهذا عبد الله! فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به، قال: فشخصت معه أنا وأناس من بني العباس ومواليهم، فانطلق بإبراهيم، ومعه أمّ ولد له كان بها معجبًا، فقلنا له: إنما أتاك رجل، فهلمّ فلنقتله ثم ننكفئ إلى الكوفة، فهمْ لنا شيعة، فقال: ذلك لكم، قلنا: فأمهِلْ حتى نصيرَ إلى الطريق التي تُخْرِجُنا إلى العراق.\nقال: فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعّب إلى العراق، وأخرى إلى الجزيرة، فنزلنا منزلًا؛ وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أمّ ولده، فأتينا للأمر الذي اجتمعنا عليه، فصرَخْنا به، فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده، وقالت: هذا وقت لم تكن تخرج فيه؛ فما هاجك! فالتوى عليها، فأبت حتى أخبرها، فقالت: أنشدك الله أن تقتلَه فتشأم أهلك! والله لئن قتلته لا يُبقي مروانُ من آل العباس أحدًا بالحُميمة إلّا قتله؛ ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل، ثم خرج إلينا وأخبرنا، فقلنا: أنت أعلم.\nقال عبد الله: فحدثني ابن لعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان، عن أبيه، قال: قلت لمروان بن محمد: أتتّهمني؟ قال: لا. قلتُ: أفيَحُطُّك صهرُه؟ قال: لا، قلت: فإني أرى أمره ينبغ عليك فأنكِحْه وأنكح إليه، فإن ظهر كنتَ قد أعلقتَ بينك وبينه سببًا لا يريبك معه، وإن كفيته لم يشنْك صهره. قال: ويحك! والله لو علمته صاحب ذلك لسبقتُ إليه، ولكن ليس بصاحب ذلك (٢).\nوذكر أن إبراهيم بن محمد حين أخِذ للمضيّ به إلى مروان نعى إلى أهل بيته حين شيّعوه نفسَه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد، وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العباس، وجعله الخليفة بعده؛ فشخص أبو العباس عند ذلك ومَنْ معه من أهل بيته؛ منهم عبد الله بن محمد وداود بن عيسى، وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو عليّ ويحيى بن\n_________\n(١) في إسناده عبد الله بن كثير بن الحسن العبدي مجهول وكذلك شيخه وأبو شيخه.\n(٢) في إسناده مجهولان فكيف يصح.","vol":"9","page":787},{"text":"محمد وعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام؛ حتى قدموا الكوفة في صَفَر، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سَعْد مولى بني هاشم في بني أوْد، وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة. وأراد - فيما ذكر - أبو سلمة تحويلَ الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ جبلة بن فرُّوخ وأبا السريّ وغيرهما قالا: قدم الإمام الكوفة في ناس من أهل بيته، فاختفوا، فقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد، فألحّ عليه يسأله، قال: قد أكثرتَ السؤال، وليس هذا وقت خروجه فكانوا بذلك، حتى لقي أبو حُميد خادمًا لأبي العباس، يقال له سابق الخوارزميّ، فسأله عن أصحابه، فأخبره أنهم بالكوفة، وأنّ أبا سلمَة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبي الجَهْم، فأخبره خبرهم، فسرّح أبو الجهم أبا حُميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع وجاء معه إبراهيم ابن سلمَة (رجل كان معهم)، فأخبر أبا الجهم عن منزِلهم ونزول الإمام في بني أوْد، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حُميد وإبراهيم إلى موسى بن كعْب، وقصُّوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام بمئتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمَة، فسأله عن الإمام، فقال: ليس هذا وقت خروجه؛ لأن واسطًا لم تفتح بعد، فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن رِبْعيّ وسلمَة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشَراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حُميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام، فبلَغ أبا سلمة، فسأل عنهم فقيل: ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم.\nوأتى القومُ أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا: أيّكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة؛ فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم الآخرين؛ فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبتُ إلى إمامي. فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أنَّ أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده؛ فلما انتهى","vol":"9","page":788},{"text":"إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحدٌ، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس.\nوخرج أبو العباس على بِرْذَوَن أبْلَق يوم الجمعة، فصلّى بالناس، فأخبرنا عَمارة مولى جبرئيل وأبو عبد الله السُّلميّ أن أبا سلمة لما سلَّم على أبي العباس بالخلافة، قال له أبو حُميد: على رَغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه! فقال له أبو العباس: مَهْ! (١).\nوذكر أنّ أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة، قام في أعلَاه، وصعد داود بن عليّ فقام دونه، فتكلم أبو العباس، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الِإسلام لنفسه تكرمة، وشرَّفه وعظَّمه، واختاره لنا وأيّده لنا، وجعلنا أهله وكهْفه وحصنه والقوّام به، والذابين عنه والناصرين له، وألزمَنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحمِ رسول الله - ﷺ - وقرَابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نَبْعته؛ جعله من أنفسنا عزيزًا عليه ما عَنِتْنَا، حريصًا علينا بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابًا يُتْلَى عليهم، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٥) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٦) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا، وفضلًا علينا، والله ذو الفضل العظيم.\n_________\n(١) عمارة وصاحبه مجهولان وما الداعي لهذا الخبر الذي لا يقدم ولا يؤخر في الخبر شيئًا.\n(٢) سورة الأحزاب: ٣٣.\n(٣) سورة الشورى: ٢٣.\n(٤) سورة الشعراء: ٢١٤.\n(٥) سورة الحشر: ٧.\n(٦) سورة الأنفال: ٤١.","vol":"9","page":789},{"text":"وزعمت السبئيّة الضُّلال، أن غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيّها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هَلَكتهم، وأظهر بنا الحقّ، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة، وتمَّ بنا النقيصة، وجمع الفُرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخوانًا على سرُر متقابلين في آخرتهم؛ فتح الله ذلك منّةً ومنحةً لمحمد - ﷺ - فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحوَوْا مواريث الأمم، فعدّلوا فيها ووضعُوها مواضعها، وأعطوْها أهلها، وخرجوا خماصًا منها. ثم وثب بنو حَرْب ومَرْوان، فابتزّوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنَا، وتدارك بنا أمّتنا، وولي نصرَنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألّا يأتيَكم الجوْر من حيث أتاكم الخيرُ، ولا الفسادُ من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودَّتنا. أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولمَ يُثنكِم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم؛ حتى أدركتُم زماننا، وأتاكم الله بدَوْلتِنا؛ فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا؛ وقد زدتُكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدُّوا، فأنا السفاح المبِيح، والثائر المبير.\nوكان موعوكًا فاشتدّ به الوعَك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال:\nالحمد لله شكرًا شكرًا شكرًا، الذي أهلَك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد - ﷺ -. أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزَعه، ورجع الحق إلى نصابه؛ في أهل بيت نبيِّكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف عليكم.\nأيها الناس، إنا والله ما خرجْنا في طلب هذا الأمرِ لنكثر لُجيْنًا ولا عقيانًا، ولا نحفرَ نَهْرًا، ولا نبني قصرًا؛ وإنما أخرَجنا الأنَفةُ من ابتزازهم حقَّنا،","vol":"9","page":790},{"text":"والغَضَبُ لبني عمنا، وما كرَثَنا من أموركم، وبَهظَنَا من شؤونكم، ولقد كانت أموركم تُرِمضُنا ونحن على فُرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخُرْقهم بكم، واستذلالهم لكم، واستئثارُهم بفَيْئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. لكم ذمة الله ﵎، وذمة رسوله ﵌، وذمة العبّاس ﵀؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامَّة منكم والخاصَّة بسيرة رسول الله - ﷺ -. تبًا تبًا لبني حَرْب بن أمية وبني مَرْوان! آثروا في مُدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدارَ الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغَشُوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنّتهم في البلاد التي بها استلذُّوا تسربُل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنَّة المعاصي، وركضوا في ميادين الغيّ، جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتًا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزِّقوا كل ممزّق، فبعدًا للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غرّه بالله الغرور، أرسل لعدوِّ الله في عنانه حتى عثر في فضل خِطامه، فظنَّ عدوّ الله أن لن نقدِر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مَكْر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلالَه، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفَنَا وعزّنا، وردّ إلينا حقنا وإرثنا.\nأيها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصرًا عزيزًا، إنما عاد إلى المنبر بعد الصَّلاة؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدّة الوَعْك، وادْعُوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدوِّ الرحمن خليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشابَّ المكهّل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى.\nفعج الناس له بالدعاء ثم قال:\nيا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا لمظلومين مقهورين على حقِّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حَقَّنَا، وأفلج بهم حجّتنا، وأظهر بهم","vol":"9","page":791},{"text":"دولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، وإليه تتشوّفون، فأظهر فيكم الخليفةَ من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان، وعز الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة. فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تُخْدَعوا عن أنفسكم فإن الأسر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصرًا؛ وإنكم مصرُنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله - ﷺ - إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم ﵇، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا.\nثم نزل أبو العباس وداود بن عليّ أمامه؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البَيْعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم، حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب وجنّهم الليل فدخل (١).\nوذكر أن داود بن عليّ وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشُّراة فلقيَهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن عليّ وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ونفر من مواليهم بدَوْمة الجندل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ وما قِصّتكم؟ فقصّ\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل (٤٢٥ - ٤٢٨) حول خطب أبي العباس الخليفة وعمه داود بن علي - خبر لا يصح إسنادًا ولا متنًا - فقد ذكره الطبري بلا إسناد فقال (وذُكر) وأما المتن ففيه نكارات خبر واضحة وعلى سبيل المثال فقد جاء فيه أن داود بن علي أخبر الناس أنه لم يصعد منبر الكوفة بعد رسول الله - ﷺ -[إلّا علي بن أبي طالب وأبي العباس]، وهذا يخالف ما أخرجه خليفة برواية مسندة موصولة إلى من حضر وسمع هذه الخطابة وفيها يقول داود: إنه والله ما علا منبركم هذا خليفة بعد علي بن أبي طالب غير ابن أخي هذا.\n(تأريخ خليفة/ ٢٦٨) وهذا يعني أنه يقرّ بخلافة الراشدين الأربع وهذا ما ثبت عن خلفاء بني العباس أنهم كانوا يقرون به أما عدم اعترافهم بأن بني أمية خلفاء وإنما هم ملوك فلا غبار على قولهم هذا لأنهم خصومهم التقليديون فلا غرابة إذا لم يقرّوا بخلافتهم ولو أقروا بذلك لما خرجوا عليهم - وإن كانت الروايات التي سنذكرها فيما أبعد تذكر أن بعض خلفاء بني العباس كالمنصور أقرّ واعترف فيما بعد بخلافة الأمويين حتى آخرهم مروان بن محمد وفي المتن نكارات أخرى واضحة والله تعالى أعلم والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"9","page":792},{"text":"عليه أبو العباس قِصّتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها، ويظهروا أمرهم، فقال له داود: يا أبا العباس، تأتي الكوفة وشيخ بني مروان؛ مَرْوان بن محمد بحرّان مطلٌّ على العراق في أهل الشأم والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حلْبة العرب! فقال أبو الغنائم: من أحبَّ الحياة ذلَّ ثم تمثل بقول الأعشى:\nفما ميتَةٌ إن مِتُّها غيرَ عاجز ... بعارِ إذا ما غالتِ النفسَ غُولُها\nفالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزَّاء أو نمت كرامًا، فرجعوا جميعًا، فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحُميمة يريدون الكوفة: إن نفرًا أربعة عشر رجلًا خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبَنا، لعظيمٌ همّهم كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. [٧/ ٤٢١ - ٤٢٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>ذكر بقيَّة الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومئة</span>\nتمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ وما كان من أمره:\nقال أبو جعفر: قد ذكرنا من أمر أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ما حضرنا ذكره قبلُ، عمن ذكرنا ذلك عنه؛ وقد ذكرنا من أمره وأمر أبي سلمة وسبب عقد الخلافة لأبي العباس أيضًا ما أنا ذاكره؛ وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتلُ مروان بن محمد إبراهيمَ الذي كان يقال له الإمام، بدا له في الدعاء إلى ولد العباس وأضمر الدّعاء لغيرهم؛ وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع مَن قدم معه من أهل بيته في دار الوليد بن سعد في بني أوْد، فكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل ذلك من أمره وهو في معسكره بحمّام أعين حتى خرج أبو حُميد، وهو يريد الكُناسة، فلقي خادمًا لإبراهيم يقال له سابق الخوارزميّ، فعرفه، وكان يأتيهم بالشأم فقال له: ما فعل الإمام إبراهيم؟ فأخبره أنّ مَرْوان قتله غِيلة، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه","vol":"9","page":793},{"text":"أبي العباس، واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعدُ بيني وبينك غدًا في هذا الموضع، وكره سابق أن يدلّه عليهم إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي وعد فيه سابقًا، فلقيه، فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته، فلما دخل عليهم سأل أبو حُميد: مَن الخليفة منهم؟ فقال داود بن عليّ: هذا إمامكم وخليفتكم - وأشار إلى أبي العباس - فسلم عليه بالخلافة، وقبّل يديه ورجليه، وقال: مُرنا بأمرك، وعزّاه بالإمام إبراهيم.\nوقد كان إبراهيم بن سلمة دخل عسكر أبي سَلمة متنكِّرًا، فأتى أبا الجهم فاستأمنه، فأخبره أنه رسول أبي العباس وأهل بيته، وأخبره بمن معه وبموضعهم، وأنَّ أبا العباس كان سرّحه إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، يعطيها للجمّال كراء الجمال التي قدِم بهم عليها، فلم يبعث بها إليه، ورجع أبو حميد إلى أبي الجَهم، فأخبره بحالهم، فمشى أبو الجَهْم، وأبو حُميد ومعهما إبراهيم بن سلمة، حتى دخلوا على موسى بن كعب، فقصّ عليه أبو الجهم الخبرَ، وما أخبره إبراهيم بن سلمة، فقال موسى بن كعب: عجِّل البعثة إليه بالدّنانير وسرّحه، فانصرف أبو الجَهْم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بن سلمة، وحمله على بَغْل وسرّح معه رجلين، حتى أدخلاه الكوفة، ثم قال أبو الجهم لأبي سلمة، وقد شاع في العسكر أن مروان بن محمد قد قتل الإمام: فإن كان قد قُتِل كان أخوه أبو العباس الخليفة والإمام من بعده؛ فردّ عليه أبو سلمة: يا أبا الجهم، اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة، فإنهم أصحاب إرجاف وفساد.\nفلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم بن سلمة أبا الجهم وموسى بن كعب، فبلّغهما رسالة من أبي العباس وأهل بيته، ومشى في القواد والشيعة تلك الليلة، فاجتمعوا في منزل موسى بن كعب؛ منهم عبد الحميد بن رِبعيّ وسلمة بن محمد وعبد الله الطائيّ وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وغيرهم من القوّاد، فأتمروا في الدخول إلى أبي العباس وأهل بيته، ثم تسللوا من الغد حتى دخلوا الكوفة وزعيمهم موسى بن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميريّ - وهو محمد بن إبراهيم - فانتهوا إلى دار الوليد بن سعد، فدخلوا عليهم، فقال موسى بن كعب، وأبو الجهم: أيّكم أبو العباس؟ فأشاروا إليه، فسلموا عليه","vol":"9","page":794},{"text":"وعزّوه بالإمام إبراهيم، وانصرفوا إلى العسكر، وخلّفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين ومحمد بن الحارث ونهار بن حُصين ويوسف بن محمد وأبا هريرة محمد بن فروخ.\nفبعث أبو سلمة إلى أبي الجَهْم فدعاه، وكان أخبره بدخوله الكوفة، فقال: أين كنت يا أبا الجهم؟ قال: كنت عند إمامي، وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بن صدّان، فبعثه إلى الكوفة، وقال له: ادخل فسلِّم على أبي العباس بالخلافة، وبعث إلى أبي حميد وأصحابه: إن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحدَه؛ فإن دخل وبايع فسبيله ذلك؛ وإلا فاضربوا عنقه؛ فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحدَه، فسلم على أبي العباس بالخلافة، فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره، فانصرف من ليلته، فأصبح الناس قد لبسوا سلاحَهم، واصطفّوا لخروج أبي العباس، وأتوْه بالدواب، فركب ومَن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الإمارة بالكوفة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الآخر، ثم دخل المسجد من دار الإمارة، فصعِد المِنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، وذكر عظمة الربّ ﵎ وفضل النبي - ﷺ - وقاد الولاية والوراثة حتى انتهيَا إليه، ووعد الناس خيرًا ثم سكت.\nوتكلّم داود بن عليّ وهو على المنبر أسفلَ من أبي العباس بثلاث درجات، فحمِد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - ﷺ -، وقال: أيّها الناس، إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله - ﷺ - خليفة إلا عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا الذي خلفي، ثم نزلا وخرج أبو العباس، فعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سَلمة، ونزل معه في حجرته، بينهما ستر، وحاجب أبي العباس يومئذ عبد الله بن بسام، واستخلف على الكوفة وأرضها عمّه داود بن عليّ، وبعث عمه عبد الله بن عليّ إلى أبي عَوْن بن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قَحْطبة، وهو يومئذ بواسط محاصر ابنَ هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حُميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طريف، وأقام أبو العباس في العسَكر أشهرًا ثم ارتحل، فنزل المدينة الهاشميّة في قصر","vol":"9","page":795},{"text":"الكوفة، وقد كان تنكّر لأبي سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك (١). [٧/ ٤٢٩ - ٤٣١].\nقال عليّ: حدثنا شيخ من أهل خراسان فال: قال مرْوان للمخارق تعرف المخارق إن رأيته؛ فإنهم زعموا أنه في هذه الرؤوس التي أتينا بها، قال: نعم، قال: اعرضوا عليه تلك الرؤوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرؤوس، ولا أراه إلّا وقد ذهب. فخلّى سبيله، وبلغ عبد الله بن عليّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مَرْوان قبل أن يصل الفَلّ إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق، فدعا عبد الله بن عليّ محمد بن صوْل، فاستخلفَه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مَرْوان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانية والصَّحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم؛ وإن قاتلونا قبل الزوال؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زُريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله.\nفقال مروان لأهل الشأم: قِفوا لا تبدؤوهم بقتال، فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه، وقاتل ابنُ معاوية أهلَ الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن عليّ، فقال موسى بن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس، وأشرعوا الرماح، وجَثَوْا على الرّكَب، فقاتلوهم فجعل أهل الشأم يتأخّرُونَ كأنهم يدفعون، ومشى عبد الله قُدمًا وهو يقول: يا ربّ حتى متى نُقْتَل فيك! ونادى: يا أهل خُراسان، يا لثارات إبراهيم! يا محمد، يا منصور!\nواشتدّ بينهم القتال، وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحمِلوا\n_________\n(١) بيّنا آنفًا (٧/ ٤٢٨) أن هذه الخطبة محرفة عن الخطبة الأصلية التي ذكرها (خليفة بن خياط في تأريخه (ص ٢٦٨) وأن العبارة الصحيحة [خليفة بعد علي بن أبي طالب إلا أبا العباس] أو نحوًا من هذا وانظر تعليقنا ص ١٦ والتعليقة (١).","vol":"9","page":796},{"text":"فأرسل إلى السَّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شُرَطه: انزل، فقال: لا والله ما كنتُ لأجعَل نفسي غَرضًا، قال: أما والله لأسموءنّك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك، ثم انهزم أهل الشام، وانهزم مروان، وقطع الجسر؛ فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قُتِل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع وأمر عبد الله بن عليّ فعقد الجِسْر على الزّاب، واستخرجوا الغرقَى فأخرجوا ثلاثمئة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن عليّ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١).\nوأقام عبد الله بن عليّ في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد بن العاص يعيّر مروان:\nلَجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لَهُ ... عادَ الظلومُ ظَليمًا همُّه الهَرَبُ\nأَين الفرارُ وتركُ المُلْكِ إذ ذهبت ... عنك الهُوَينَى فلا دين ولا حَسبُ\nفراشَةُ الحِلم فِرْعَوْنُ العِقابِ وِإنْ ... تَطْلُبْ نَداهُ فكلبٌ دونه كَلِبُ\nوكتب عبد الله بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحا كثيرًا وأموالا؛ ولم يجدوا فيه امرأةً إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلمّا أتى العباس كتابُ عبد الله بن عليّ صلى ركعتين، ثم قال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٢). وأمر من شهد الوقعة بخمسمئة خمسمئة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.\nحدثنا أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: قال عبد الرحمن بن أميّة: كان مَرْوان لما لقيه أهلُ خُراسان لا يدبّر شيئًا إلا كان فيه الخلل والفساد، قال: بلغني أنَّه كان يوم انهزم واقفًا، والناس يقتتلون؛ إذ أمَر بأموال فأخرِجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناسٌ من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنَّ الناس قد مالوا على هذا المال، ولا نأمنهم أن\n_________\n(١) سورة البقرة: ٥٠.\n(٢) سورة البقرة: ٢٥١.","vol":"9","page":797},{"text":"يذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سِرْ في أصحابِك إلى مؤخر عسكرك، فاقتل مَنْ أخذ من ذلك المال وامنعْهم؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة؛ فانهزموا.\nحدّثنا أحمد بن عليّ، عن أبي الجارود السُّلميّ، قال: حدّثني رجل من أهل خُراسان، قال: لقيَنا مروان على الزّاب، فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد، فجثوْنا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا كأنهم سحابة، ومَنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجِسْر ممّا يليهم حين عبروا، فبقيَ عليه رجلٌ من أهل الشام، فخرج عليه رجل منا، فقتله الشأميّ، ثم خرج آخر فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي سيفًا قاطعًا، وتُرْسًا صلبًا، فأعطيناه، فمشى إليه فضربه الشأميّ فاتَّقاه بالترس، وضرب رِجْله فقطعها، وقتله ورجع؛ وحملناه وكثرنا فإذا هو عبيد الله الكابليّ. [٧/ ٤٣٣ - ٤٣٥].\n* ذكر من قال ذلك:\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد بن صالح، قال: قدم مروان بن محمد الرَّقة حين قدمها متوجهًا إلى الضحاك بسعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيْه عثمان ومرْوان؛ وهم في وثاقهم معه؛ فسرّح بهم إلى خليفته بحرَّان، فحبسهم في حَبْسها، ومعهم إبراهيم بن عليّ بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد، وأبو محمد السفْيانيّ - وكان يقال له البَيْطار - فهلك في سجن حَرّان منهم في وباء وقع بحرّان العباس بن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر، قال: فلمَّا كان قبل هزيمة مَرْوان من الزَّاب يوم هزمه عبد الله بن عليّ بجمعة، خرج سعيد بن هشام ومَن معه من المحبَّسين، فقتلوا صاحب السجن، وخرج فيمن معه، وتخلف أبو محمد السفيانيّ في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبْس، فقتلَ أهل حَرّان ومَنْ كان فيها من الغوغاء سعيد بن هشام وشَراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبطريق أرمينية الرابعة - وكان اسمه كوشان - بالحجارة، ولم يلبث مَرْوان بعد قتلهم إلا نحوًا من خمس عشرة ليلة؛ حتى قدم حرّان منهزمًا من الزّاب، فخلَّى عن","vol":"9","page":798},{"text":"أبي محمد ومَن كان في حبسه من المحبَّسين.\nوذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبديّ، حدّثه عن عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتًا فقتله.\nقال عمرو: وحدثني محمد بن معروف بن سويد، قال: حدثني أبي عن المهلهل بن صفوان - قال عمر: ثم حدّثني المفضّل بن جعفر بن سليمان بعده، قال: حدّثي المهلهل بن صفوان - قال: كنتُ أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس؛ وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك فكانوا يتزاورون، وخصّ الذي بين إبراهيم وشَراحيل فأتاه رسوله يومًا بلبن، فقال: يقول لك أخوك: إنّي شربتُ من هذا اللبن فاستطبتُه فأحببتُ أن تشربَ منه، فتناوله فشرب فتوصّب من ساعته وتكسر جسده (١)، وكان يومًا يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه، فأرسل إليه: جُعِلت فداك! قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلته إليّ أخلفني، فأتاه شراحيل مذعورًا وقال: لا والله الذي لا إله إلا هو؛ ما شرِبْتُ اليوم لبنًا، ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل لك والله، قال: فوالله ما بات إلّا ليلته وأصبح من غد ميتًا؛ فقال إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر بن هرمة بن هذيل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عديّ بن قيس - وقيس هو ابن الحارث بن فهر - يرثيه (٢):\nقد كنتُ أحسِبُني جَلدًا فَضعْضَعَني ... قبرٌ بحَرَّانَ فيه عِصْمَةُ الدينِ\nفيه الإِمامُ وخيرُ الناس كلِّهمُ ... بين الصفائح والأَحجار والطينِ\nفيه الإِمامُ الذي عَمَّتْ مُصيبتُه ... وعَيَّلَتْ كلَّ ذي مال ومِسكينِ\nفلا عفا الله عن مروانَ مظلمةً ... لكنْ عفا اللهُ عمَّن قال آمين\n[٧/ ٤٣٧ - ٤٣٦].\n_________\n(١) في الإسناد تصحيف فالصواب قال عمر (أي ابن شبة) وأما محمد بن معروف فلم نجد له ترجمة وشيخ أبيه المهلهل بن صفوان مجهول الحال على أقل تقدير والخبر لا يصح.\n(٢) قال المؤرخ ابن كثير: وكان وفاة مروان يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة وقيل يوم الخميس لست مضين منها سنة اثنتين وثلاثين ومئة وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعثرة أيام. [البداية والنهاية (٨/ ٤٢)].","vol":"9","page":799},{"text":"وقد خولف هؤلاء في عدد من كان مع عبد الله بن عليّ يومئذ، فذكر مسلم بن المغيرة، عن مصعب بن الربيع الخثعميّ وهو أبو موسى بن مصعب - وكان كاتبًا لمروان - قال: لما انهزم مروان، وظهر عبد الله بن عليّ على الشأم، طلبت الأمان فامنني، فإني يومًا جالس عنده؛ وهو متكى إذ ذكر مروان وانهزامه، قال: أشهدتَ القتال؟ قلتُ: نعم أصلح الله الأمير! فقال: حدَّثني عنه؛ قال: قلت: لما كان ذلك اليوم قال لي: احزر القوم، فقلت: إنما أنا صاحب قلم؛ ولستُ صاحب حرب؛ فأخذ يمنة ويسرة ونظر فقال: هم اثنا عشر ألفًا، فجلس عبد الله، ثم قال: ما له قاتله الله! ما أحصى الديوان يومئذ فضلًا على اثني عشر ألف رجل!\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث علي بن محمد عن أشياخه: فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل؛ وعليها هشام بن عمرو التغلبيّ، وبشر بن خزيمة الأسديّ، وقطعوا الجسر، فناداهم أهل الشأم: هذا مروان، قالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ، فسار إلى بلد، فعبر دجْلة، فأتى حرّان ثم أتى دمشق، وخلّف بها الوليد بن معاوية، وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشأم، ومضى مَرْوان حتى أتى فلسطين، فنزل نهر أبي فُطْرُس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضَبْعان الجُذاميّ، فأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زِنباع، فأجازه، وكان بيت المال في يد الحكم، وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ يأمره باتباع مروان، فسار عبد الله إلى الموصل، فتلقاه هشام بن عمرو التغلبيّ وبشر بن خزيمة، وقد سوّدا في أهل الموصل، ففتحوا له المدينة، ثم سار إلى حَرّان، وولّى الموصل محمد بن صول؛ فهدم الدّار التي حبس فيها إبراهيم بن محمد، ثم سار من حَرَان، إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل مَنْبج وولاها أبا حميد المروروذيّ، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم أبو أمية التغلبيّ، وقدم عليه عبد الصمد بن عليّ، أمده به أبو العباس في أربعة آلاف، فأقام يومين بعد قدوم عبد الصّمد، ثم سار إلى قنَّسرين، فأتاها وقد سوّد أهلها، فأقام يومين، ثم سار حتى نزل حِمْص، فأقام بها أيّامًا وبايع أهلها، ثم","vol":"9","page":800},{"text":"سار إلى بعلبكّ، فأقام يومين ثم ارتحل، فنزل بعين الحرّ، فأقام يومين، ثم ارتحل، فنزل مِزّة (قرية من قرى دمشق) فأقام وقدم عليه صالح بن علي مَدَدًا، فنزل مَرْج عذراء في ثمانية آلاف، معه بسام بن إبراهيم وخفّاف وشعبة والهيثم بن بسام، ثم سار عبد الله بن عليّ، فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح بن علي على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسام على باب الصغير، وحُميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس - وفي دمشق الوليد بن معاوية - فحصروا أهل دمشق والبلْقاء، وتعصّب الناس بالمدينة، فقتل بعضهم بعضًا، وقتلوا الوليد، ففتحوا الأبواب يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فكان أوّل مَنْ صعد سور المدينة من الباب الشرقيّ عبد الله الطائيّ، ومن قبَل باب الصغير بسّام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وأقام عبد الله بن على بدمشق خمسة عشر يومًا، ثم سار يريد فلسطين، فنزل نهر الكُسوة، فوجّه منها يحيى بن جعفر الهاشميّ إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردن، فأتوْه وقد سوّدوا، ثم نزل بَيْسان، ثم سار إلى مَرْج الرّوم، ثم أتى نهر أبي فُطْرُس، وقد هرب مَرْوان فأقام بفلسطين، وجاءه كتاب أبي العباس؛ أن وجّه صالح بن عليّ في طلب مروان، فسار صالح بن عليّ من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومئة؛ ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل وأبو عون، فقدّم صالح بن عليّ أبا عون على مقدّمته وعامر بن إسماعيل الحارثيّ، وسار فنزل الرّمْلة، ثم سار فنزلوا ساحل البحر، وجمع صالح بن عليّ السفن وتجهز يريد مَروان، وهو بالفرَماء، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر؛ حتى نزل العريش.\nوبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب، ومضى صالح بن عليّ فنزل الليل، ثم سار حتى نزل الصعيد، وبلغه أن خيلًا لمرْوان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّادًا، فأخذوا رجالًا، فقدِموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مَرْوان النيل، وقطع الجسر، وحرق ما حَوْله، ومضى صالح يتبعه، فالتقى هو وخيل لمرْوان على النيل فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثم مضى إلى خليج، فصادف عليه خيلًا لمروان، فأصاب منهم طرفًا وهزمهم، ثم","vol":"9","page":801},{"text":"سار إلى خليج آخر فعبروا، ورأوا رَهَجًا فظنوه مروان، فبعث طليعة عليها الفضْل بن دينار ومالك بن قادم، فلم يلقوْا أحدًا ينكرونه، فرجعوا إلى صالح فارتحل، فنزل موضعًا يقال له ذات الساحل؛ ونزل فقدم أبو عون عامرَ بن إسماعيل الحارثيّ، ومعه شعبة بن كثير المازنيّ، فلقوا خيلًا لمروان وافوهم، فهزموهم وأسروا منهم رجالًا، فقتلوا بعضهم، واستحيوْا بعضًا، فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه، على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلًا في كنيسة في بُوصير، ووافوهم في آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفرٍ يسير، فأحاطوا به فقتلوه.\nقال عليّ: وأخبرني إسماعيل بن الحسن، عن عامر بن إسماعيل قال: لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة فشدوا علينا، فانضوينا إلى نخل ولو يعلمون بقلتنا لأهلكونا، فقلت من معي من أصحابي: فإن أصبحنا فرأوْا قلّتنا وعددنا لم ينجُ منا أحد؛ وذكرت قول بكير بن ماهان: أنت والله تقتل مروان؛ كأني أسمعك، تقول \"دهيد ياجوانكثان\"، فكسرت جُفْن سيفي، وكسر أصحابي جفونَ سيوفهم، وقلت: \"دهيد ياجوانكثان\"، فكأنها نار صُبّت عليهم، فانهزموا وحمل رجل على مرْوان فضربه بسيفه فقتله، وركب عامر بن إسماعيل إلى صالح بن عليّ، فكتب صالح بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس: إنّا اتّبعنا عدوّ الله الجعديّ حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتلته بأرضه (١).\nقال عليّ: حدثنا أبو طالب الأنصاريّ، قال: طعن مروان رجلٌ من أهل البصرة - يقال له المغود، وهو لا يعرفه - فصرعه، فصاح صائح: صُرع أمير المؤمنين، وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان، فاحتزّ رأسه، فبعث عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى أبي عَوْن، فبعث بها أبو عون إلى صالح بن عليّ، وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ - وكان على شرَطه - إلى أبي العباس يوم الأحد، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة، ورجع صالح إلى الفسطاط، ثم انصرف إلى الشام، فدفع الغنائم إلى\n_________\n(١) لم نجد لشيخ المدائني (إسماعيل بن الحسن) ترجمة ولا للراوي عامر بن إسماعيل الذي شهد ذلك والله أعلم.","vol":"9","page":802},{"text":"أبي عَوْن، والسلاحَ والأموال والرّقيق إلى الفَضْل بن دينار، وخلّف أبا عون على مِصْر.\nقال عليّ: وأخبرَنا أبو الحسن الخُراسانيّ، قال: حدّثنا شيخ من بكْر بن وائل (١)، قال: إني لبدير قنَّى مع بكير بن ماهان ونحن نتحدّث؛ إذ مرّ فتىً معه قربتان؛ حتى انتهى إلى دجْلة، فاستقى ماء، ثم رجع فدعاه بكير، فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر، قال: ابن مَنْ؟ قال: ابنُ إسماعيل، من بَلْحارث، قال: وأنا من بَلْحارث، قال: فكن من بني مُسليَة، قال: فأنا منهم، قال: فأنت والله تقتل مَرْوان، لكأني والله أسمعك تقول: \"ياجوانكثان دهيد\".\nقال علي حدثنا الكناني قال: سمعت أشياخنا بالكوفة يقولون بنو مسلية قتله مروان [٧/ ٤٣٩ - ٤٤٢].\nوقد حدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، قالا: كان يقال: إنّ أم مَرْوان بن محمد كانت لإبراهيم بن الأشتر؛ أصابها محمد بن مَرْوان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر، فأخذها من ثقَله وهي تتنيّق، فولدت مَرْوان على فراشه، فلما قام أبو العباس دخل عليه عبد الله بن عيَّاش المنتوف، فقال: الحمد لله الذي أبدَلنا بحمار الجزيرة وابن أمَة النَّخَع ابن عمّ رسول الله - ﷺ - وابن عبد المطلب (٢).\n* * *\nوفي هذه السنة قتل عبد الله بن عليّ مَن قتل بنهر أبي فطرس من بني أمية، وكانوا اثنين وسبعين رجلًا.\nوفيها خلع أبو الورْد أبا العباس بقنّسرين؛ فبيّض وبتضوا معه. [٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣].\n* * *\n_________\n(١) (شيخ من بكر بن وائل) هكذا أورده شيخ المدائني مبهمًا فكيف يصح الخبر.\nوكيف تحوّل كل القادة والأمراء إلى منجّمين ومتنبّئين هذا من زيف المجاهيل والمتروكين والحمد لله على نعمة الإسناد.\n(٢) أما علي بن مجاهد الكابلي فهو متروك ولم نجد لصاحبه أبي سنان الجهني ترجمة والخبر لا يصح.","vol":"9","page":803},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1615>ذكر الخبر عن تبييض أبي الورد وما آل إليه أمره وأمر من بيّض معه</span>\nوكان سبب ذلك فيما حدثني أحمد بن زهير - قال: حدّثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: كان أبو الوَرْد - واسمه: مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابيّ، من أصحاب مَرْوان وقوّاده وفرسانه - فلما هُزِم مروان، وأبو الورد بقنَّسرين، قدِمها عبد الله بن عليّ فبايعه ودخل فيما دخل فيه جندُه من الطاعة، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاوِرين له ببالِس والناعورة، فقدِم بالس قائد من قوّاد عبد الله بن عليّ من الأزارمردين في مئة وخمسين فارسًا، فبعث بولد مسلَمة بن عبد الملك ونسائهم، فشكا بعضهُم ذلك إلى أبي الورْد، فخرج من مزرعة يقال لها زرّاعة بني زفر - ويقال لها خُساف - في عدّة من أهل بيته؛ حتى هجَم على ذلك القائد وهو نازل في حصن مسلمة؛ فقاتله حتى قتله ومَن معه، وأظهر التبييض والخَلْع لعبد الله بن عليّ، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك، فبيّضوا بأجمعهم، وأبو العباس يومئذ بالحيرة وعبد الله بن عليّ يومئذ مشتغل بحرْب حبيب بن مرّة المرّيّ، فقاتله بأرض البلْقاء والبثنيّة وحُوران، وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتلهم، وكان بينه وبينهم وقعات؛ وكان من قوّاد مَرْوان وفرسانه، وكان سبب تبييضِه الخوف على نفسه وعلى قومه، فبايعتْه قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور؛ البثنية وحُوران فلما بلغ عبد الله بن علي تبييضُهُم، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجّهًا نحو قنَّسرين للقاء أبي الوْرد، فمرّ بدمشق، فخلف فيها أبا غانم عبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في أربعة آلاف رجل من جنده؛ وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بن عليّ أمّ البنين بنت محمد بن عبد المطلب النوفليّة أخت عمرو بن محمد، وأمهات أولاد لعبد الله وثَقَل له. فلما قدِم حِمْص في وجهه ذلك انتقض عليه بعده أهلُ دمشق فبيّضوا، ونهضوا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزديّ، قال: فلقُوا أبا غانم ومَنْ معه، فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله بن عليّ خلّف من ثقَله ومتاعه؛ ولم يعرِضوا لأهله، وبيّض أهل دمشق","vol":"9","page":804},{"text":"واستجمعوا على الخلاف، ومضى عبد الله بن عليّ - وقد كان تجمّع مع أبي الوْرد جماعة أهل قنَّسرين، وكاتبوا مَنْ يلِيهم من أهل حِمْص وتَدْمر، وقدمهم ألوف، عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمد، ودعوا إليه وقالوا: هو السفيانيّ الذي كان يذكر وهم في نحو من أربعين ألفًا - فلما دنا منهم عبد الله بن عليّ وأبو محمد معسكر في جماعته بمرْج يقال له مرْج الأخرم - وأبو الورْد المتولى لأمر العسكر والمدبّر له وصاحب القتال والوقائع - وجّه عبد الله أخاه عبد الصمد بن عليّ في عشرة آلاف من فرسان من معه؛ فناهضهم أبو الورْد، ولقيَهم فيما بين العسكرين، واستحرَّ القتل فيما بين الفريقيْن، وثبت القوم، وانكشف عبد الصمد ومَن معه، وقتِل منهم يومئذ ألوف، وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حُميد بن قحطبة وجماعة ممَّن معه من القوّاد، فالتقوْا ثانية بمرْج الأخرم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وانكشف جماعة ممّن كان مع عبد الله، ثم ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة فهزموهم، وثبت أبو الورْد في نحو من خمسمئة من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعًا وهرب أبو محمد ومَن معه من الكلبيّة حتى لحقوا بتدمُر، وآمن عبد الله أهلَ قنَّسرين، وسوّدوا وبايعوه، ودخلوا في طاعته؛ ثم انصرف راجعًا إلى أهل دمشق، لما كان من تبييضهم عليه، وهزيمتهم أبا غانم، فلما دنا من دمشق هرَب الناس وتفرقوا، ولم يكن بينهم وقعة، وآمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم.\nقال: ولم يَزَلْ أبو محمد متغيّبًا هاربًا؛ ولحق بأرض الحِجَاز، وبلغ زياد بن عبيد الله الحارثيّ عامل أبي جعفر مكانه الذي تغيّب فيه، فوجّه إليه خيلًا، فقاتلوه حتى قُتِل وأخذ ابنيْن له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد وابنيه إلى أبي جعفر أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما.\nوأما عليّ بن محمد فإنه ذكر أنّ النعمان أبا السريّ حدّثه وجبلة بن فرّوخ وسليمان بن داود وأبو صالح المروزيّ، قالوا: خلع أبو الورد بقنَّسرين، فكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ وهو بفُطْرُس أن يقاتلَ أبا الورد، ثمّ وجّه عبد الصمد إلى قنَّسرين في سبعة آلاف، وعلى حرسه مخارق بن غفار، وعلى شُرَطه كلثوم بن شبيب؛ ثم وجّه بعده ذؤيب بن الأشعث في خمسة آلاف، ثم","vol":"9","page":805},{"text":"جعل يوجه الجنود، فلقيَ عبد الصمد أبا الورد في جَمْع كثير، فانهزمَ الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حِمْص؛ فبعث عبد الله بن عليّ العباس بن يزيد بن زياد وسروان الجرجانيّ وأبا المتوكل الجرجانيّ؛ كلّ رجل في أصحابه إلى حِمْص؛ وأقبل عبد الله بن عليّ بنفسه، فنزل على أربعة أميال مِنْ حمص - وعبد الصمد بن عليّ بحمص - وكتب عبد الله إلى حُميد بن قحطبة، فقدم عليه من الأردنّ، وبايع أهل قنسرين لأبي محمد السفيانيّ زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأبو الورد بن حسنا، وبايعه الناس، وأقام أربعين يومًا، وأتاهم عبد الله بن عليّ ومعه عبد الصّمد وحُميد بن قحطبة، فالتقوْا فاقتتلوا أشدّ القتال بينهم، واضطرهم أبو محمد إلى شِعْب ضيّق، فجعل الناس يتفرّقون، فقال حُميد بن قحطبة لعبد الله بن عليّ: علامَ نقيم؟ هم يزيدون وأصحابنا ينقصون! ناجزهم؛ فاقتتلوا يوم الثلاثاء في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وعلى ميمنة أبي محمد أبو الورْد وعلى ميسرته الأصبغ بن ذؤالة، فجرح أبو الوَرْد، فحمل إلى أهله فمات، ولجأ قوم من أصحاب أبي الورْد، إلى أجَمة، فأحرقوها عليهم؛ وقد كان أهل حمص نقضوا، وأرادوا إيثار أبي محمد؛ فلما بلغهم هزيمته أقاموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>[ذكر خبر خلع حبيب بن مرّة المرّيّ]</span>\nوفي هذه السّنة خَلَع حبيب بن مرة المرّيّ وبيّض هو ومن معه من أهل الشأم.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذكر عليّ عن شيوخه، قال: بيّض حبيب بن مرّة المريّ وأهل البثنيّة وحَوْران، وعبد الله بن عليّ في عسكر أبي الورْد الذي قتِل فيه.\nوقد حدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلَد بن محمد، قال: كان تبييض حبيب بن مرة وقتاله عبدَ الله بن عليّ قبل تبييض أبي الوْرد؛ وإنما بَيّض أبو الورد وعبد الله مشتغل بحرب حَبيب بن مرة المُريّ بأرض البلقاء أو البثنية وحَوْران، وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتله، وكان بينه وبينه وقَعات، وكان من قوَّاد مروان وفرسانه؛ وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعه قيس","vol":"9","page":806},{"text":"وغيرهم ممّن يليهم من أهل تلك الكُور؛ البثنية وحَوْران، فلما بلغ عبد الله بن عليّ تبييض أهل قنَّسرين، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه، وآمنه ومَنْ معه، وخرج متوجهًا إلى قنَّسرين للقاء أبي الورد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>[ذكر خبر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم أبا العباس]</span>\nوفي هذه السنة بيّض أيضًا أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس.\n* ذكر الخبر عن أمرهم وما آل إليه حالهم فيه:\nحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: كان أهلُ الجزيرة بيّضوا ونقضوا؛ حيثُ بلغهم خروجُ أبي الوَرْد وانتقاض أهل قِنَّسرين، وساروا إلى حَرّان، وبحرّان يومئذ موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من الجند، فتشبّث بمدينتها وساروا إليه مبيّضين من كلّ وجه، وحاصروه ومن معه؛ وأمرُهم مشتت؛ ليس عليهم رأس يجمعهم.\nوقدم على تفيئة (١) ذلك إسحاق بن مسلم من أرمينية - وكان شخص عنها حين بلغه هزيمة مَرْوان - فرأممه أهل الجزيرة عليهم، وحاصر موسى بن كعب نحوًا من شهرين، ووجَّه أبو العباس أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود التي كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتى مرّ بقرْقيسيَا وأهلها مبيّضون، وقد غلّقوا أبوابها دونه، ثم قدم مدينة الرَّقة وهم على ذلك، وبها بكار بن مسلم، فمضى نحو حرّان، ورحل إسحاق بن مسلم إلى الرُّهاء - وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من مدينة حرّان، فلقُوا أبا جعفر، وقدم بكار على أخيه إسحاق بن مسلم، فوجّهه إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين - ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورّية يقال له بُريكة - فصمَد إليه أبو جعفر، فلقيَهم فقاتلوه بها قتالًا شديدًا، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرُّهاء فخلَفه إسحاق بها، ومضى في عُظْم العسكر إلى سُمَيْساط،\n_________\n(١) أي عقب ذلك.","vol":"9","page":807},{"text":"فخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر في جُموعه حتى قابله بكار بالرّهاء؛ وكانت بينهما وقعات.\nوكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ في المسير بجنوده إلى إسحاق بسُمَيْسَاط، فأقبل من الشأم حتى نزل بإزاء إسحاق بسُمْيَساط؛ وهم في ستين ألفًا أهل الجزيرة جميعها، وبينهما الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرُّهاء فكاتبهم إسحاق وطلب إليهم الأمَان، فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى أبي العباس، فأمرهم أن يؤضنوه ومَن معه، ففعلوا وكتبوا بينهم كتابًا، ووثقوا له فيه، فخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وتمّ الصلح بينهما؛ وكان عنده من آثر أصحابه.\nفاستقام أهلُ الجزيرة وأهل الشأم، وولّى أبو العباس أبا جعفر الجزيرة وأرمينيَة وأذربيجان، فلم يزل على ذلك حتى استخلف.\nوقد ذُكِر أن إسحاق بن مسلم العقيليّ هذا أقام بسُمَيْساط سبعة أشهر، وأبو جعفر محاصره، وكان يقول: في عُنقي بَيْعة، فأنا لا أدَعها حتى أعلم أنّ صاحبها قد مات أو قتل، فأرسل إليه أبو جعفر: إنّ مروان قد قتل، فقال: حتى أتيقن، ثم طلب الصلح، وقال: قد علمتُ أن مَرْوان قد قتل، فآمنه أبو جعفر وصار معه، وكان عظيم المنزلة عنده.\nوقد قيل: إن عبد الله بن عليّ هو الذي آمنه. [٧/ ٤٤٣ - ٤٤٨].\n* ذكر الخبر عن سبب مسير أبي جعفر في ذلك، وما كان من أمره وأمر أبي مسلم في ذلك:\nقد مضى ذكرى قبلُ أمرَ أبي سلَمة، وما كان من فعله في أمر أبي العباس ومن كان معه من بني هاشم عند قدومهم الكوفة، الذي صار به عندهم متّهمًا؛ فذكر عليّ بن محمد أن جبلة بن فرُّوخ قال: قال يزيد بن أسيد: قال أبو جعفر: لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين سمرنا ذات ليلة، فذكرنا ما صنع أبو سلمة، فقال رجل منا: ما يدريكم، لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم! فلم ينطق منّا أحدٌ، فقال: أمير المؤمنين أبو العباس: لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم إنا لَبِعَرض بلاء؛ إلّا أن يدفَعه الله عنّا.\nوتفرّقنا فأرسل إليّ أبو العباس، فقال: ما ترى؟ فقلت: الرأي رأيُك،","vol":"9","page":808},{"text":"فقال: ليس منا أحد أخصَّ بأبي مسلم منك، فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفى عليك، فلو قد لقيتَه، فإن كان عن رأيه أخذنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسُنا.\nفخرجت على وجل؛ فلما انتهيت إلى الريّ، إذا صاحب الريّ قد أتاه كتاب أبي مسلم: إنه بلغني أن عبد الله بن محمد توجّه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعةَ قدومه عليك، فلما قدمت أتاني عامل الريّ فأخبرني بكتاب أبي مسلم، وأمرني بالرّحيل، فازددت وجَلًا، وخرجت من الرّيّ وأنا حَذر خائف فسرت؛ فلما كنت بنيسابور إذا عاملُها قد أتاني بكتاب أبي مسلم: إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فأشخصه ولا تَدَعه يقيم، فإن أرضك أرض خوراج ولا آمن عليه، فطابت نفسي وقلت: أراه يُعْنَى بأمري. فسرتُ، فلما كنت من مَرْوَ على فرسخين، تلقّاني أبو مسلم في الناس، فلما دنا منّي أقبل يمشي إليّ؛ حتى قبّل يدي، فقلت: اركب، فركب فدخل مَرْو، فنزلت دارا فمكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع: ما أقدمك؟ فأخبرته، قال: فعلها أبو سلمة! أكفيكموه! فدعا مرّار بن أنس الضبيّ، فقال: انطلق إلى الكوفة، فاقتل أبا سلمة حيث لقيته؛ وانته في ذلك إلى رأي الإمام، فقدم مرار الكوفة، فكان أبو سَلمة يسمرُ عند أبي العبّاس، فقعد في طريقه، فلما خرج قتله فقالوا: قتله الخوارج.\nقال عليّ: فحدثني شيخ من بني سليم، عن سالم، قال: صحبتُ أبا جعفر من الرّيّ إلى خُراسان، وكنت حاجبَه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على باب الدّار، ويجلس في الدهليز، ويقول: استأذِنْ لي، فغضب أبو جعفر عليّ، وقال: ويلك! إذا رأيته فافتح له الباب، وقل له يدخل على دابته، ففعلت وقلت لأبي مسلم: إنه قال كذا وكذا، قال: نعم، أعلم، واستأذن لي عليه.\nوقد قيل: إنّ أبا العباس قد كان تنكّر لأبي سَلمة قبل ارتحاله من عسكره بالنُّخيلة، ثم تحوّل عنه إلى المدينة الهاشميّة، فنزل قصر الإمارة بها، وهو متنكر له، قد عرف ذلك منه، وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه، وما كان همّ به من الغِشّ، وما يتخوّف منه، فكتب أبو مسلم إلى أمير المؤمنين:\nإن كان اطلع على ذلك منه فليقتله؛ فقال داود بن عليّ لأبي العباس: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فيحتج عليك بها أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك، وحاله","vol":"9","page":809},{"text":"فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله، فكتب إلى أبي مسلم بذلك، فبعث بذلك أبو مسلم مرّار بن أنس الضبيّ، فقدم على أبي العباس في المدينة الهاشمية وأعلمه سبب قدومه فأمر أبو العباس مناديًا فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه وكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلةً، فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج منصرفًا إلى منزله يمشي وحده؛ حتى دخل الطاقات، فعرض له مرّار بن أنس ومَن كان معه من أعوانه فقتلوه، وأغلقت أبواب المدينة، وقالوا: قتل الخوارج أبا سلمة، ثم أخرِج من الغد؛ فصلى عليه يحيى بن لمحمد بن عليّ، ودفن في المدينة الهاشميّة، فقال سليمان بن المهاجر البَجليّ:\nإنَّ الوزيرَ وزيرَ آل محمد ... أَودَى فمن يَشْناك كان وزيرا\nوكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبي مسلم: أمين آل محمد، فلما قتِل أبو سلمة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر في ثلاثين رجلًا إلى أبي مُسلم؛ فيهم الحجاج بن أرطاة وإسحاق بن الفضل الهاشميّ.\nولما قدم أبو جعفر على أبي مسلم سايَره عبيد الله بن الحسين الأعرج وسليمان بن كثير معه، فقال سليمان بن كثير للأعرج: يا هذَا؛ إنا كنّا نرجو أن يتمّ أمركم؛ فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظنَّ عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك، وبلغ أبا مسلم مسايرةُ سليمان بن كثير إياه، وأتى عبيد الله أبا مُسلم، فذكر له ما قال سليمان، وظنّ أنه إن لم يفعل ذلك اغتاله فقتله، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كَثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام لي: من اتهمتَه فاقتله؟ قال: نعم، قال: فإني قد اتّهمتك، فقال: أنشدك الله! قال: لا تناشدني الله وأنت منطوٍ على غشّ الإمام؛ فأمر بضرب عنقه، ولم يرَ أحدًا ممن كان يضرب عنقه أبو مسلم غيره، فانصرف أبو جعفر من عند أبي مسلم، فقال لأبي العباس: لستَ خليفةً ولا أمرك بشيء إن تركتَ أبا مسلم ولم تقتله، قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال أبو العباس: اسكت فاكتمها. [٧/ ٤٤٨ - ٤٥٠].\nوذكر أبو زيد أنّ محمد بن كثير حدّثه، قال: كلَّم ابن هبيرة يومًا أبا جعفر، فقال: يا هناه - أو يا أيّها المرء - ثم رجع، فقال: أيها الأمير؛ إنّ عهدي بكلام","vol":"9","page":810},{"text":"الناس بمثل ما خاطبتك به حديث، فسبقني لساني إلى ما لم أرده، وألحّ أبو العباس على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه، حتى كتب إليه: والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حُجرتك، ثم يتولى قتله، فأزمع على قتله، فبعث خازم بن خزعة والهيثم بن شعبة بن ظهير؛ وأمرهما بختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه مَن معه من القيسيَّة والمضريّة، فأقبل محمد بن نباتة وحوثرة بن سُهيل وطارق بن قدامة وزياد بن سويد وأبو بكر بن كعب العُقيليّ وأبان وبشر ابنا عبد الملك بن بشر؛ في اثنين وعشرين رجلًا من قيس، وجعفر بن حنظلة وهزّان بن سعد.\nقال: فخرج سلّام بن سليم، فقال: أين حوثرة ومحمد بن نباتة؛ فقاما، فدخلا، وقد أجلس عثمان بن نهيك والفضل بن سليمان وموسى بن عقيل في مئة في حُجْرة دون حجرته، فنُزعت سيوفهمَا وكتِّفا، ثم دخل بشر وأبان ابنا عبد الملك بن بشر، ففُعل بهما ذلك؛ ثمّ دخل أبو بكر بن كعب وطارق بن قدامة، فقام جعفر بن حنظلة، فقال: نحن رؤساء الأجناد، وَلِمَ يكون هؤلاء يقدّمون علينا؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من بَهْراء، فقال: وراءك الدّار أوسع لك، ثم قام هزّان، فتكلم فأخِّر، فقال روح بن حاتم: يا أبا يعقوب نزعت سيوف القوم، فخرج عليهم موسى بن عقيل، فقالوا له: أعطيتمونا عهد الله ثم خِسْتم به! إنا لنرجو أن يدرككم الله، وجعل ابن نباتة يفرَط في لحية نفسه، فقال له حوثرة: إنّ هذا لا يغني عنك شيئًا؛ فقال: كأني كنت أنظر إلى هذا، فقتِلوا. وأخذت خواتيمهم.\nوانطلق خازم والهيثم بن شعبة والأغلب بن سالم في نحو من مئة، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل المال، فقال ابن هبيرة لحاجبه: يا أبا عثمان انطلق فدلهم عليه، فأقاموا عند بيت نفرًا، ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيّوب وحاجبه وعدّة من مواليه، وبنيٌّ له صغير في حِجْره، فجعل ينكر نظرهم فقال: أقسم بالله إنّ في وجوه القوم لشرًّا، فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم، فقال: ما وراءكم؟ فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقِه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتِل وقتل مواليه، ونحَّى الصبّي من حِجره، وقال: دونكم هذا الصبيّ، وخرّ ساجدًا فقتل وهو ساجد، ومضوا","vol":"9","page":811},{"text":"برؤوسهم إلى أبي جعفر، فنادى بالأمان للناس إلّا للحكم بن عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزوميّ وعمر بن ذرّ، فاستأمن زياد بن عبيد الله لابن ذرّ فآمنه أبو العباس، وهرب الحكم، وآمن أبو جعفر خالدًا، فقتله أبو العباس، ولم يُجزْ أمان أبي جعفر، وهرب أبو علاقة وهشام بن هثيم بن صفوان بن مزيد الفزاريّان، فلحقهما حجر بن سعيد الطائيّ، فقتلهما على الزّاب، فقال أبو عطاء السِّنديّ يرثيه:\nألَا إنَّ عينًا لم تجُدْ يوم واسِطٍ ... عليك بجاري دمعِها لَجَمودُ (١)\nعشيَّةَ قام النائحاتُ وشُقِّقَتْ ... جُيُوبٌ بأَيْدي مأْتمٍ وخُدودُ\nفإن تُمْس مهجورَ الفِناءِ فربّمَا ... أقامَ به بعد الوفود وُفودُ\nفإنك لم تَبْعُدْ على متعهّدٍ ... بلى كلُّ من تحت الترابِ بعيدُ\nوقال منقذ بن عبد الرحمن الهلال يرثيه:\nمَنَع العزاءَ حرارةُ الصَّدْر ... والحُزن عقدَ عزيمةِ الصبْرِ\nلما سمِعْتُ بوَقعَةٍ شملتْ ... بالشيب لونَ مَفارقِ الشعْر\nأفنى الحُماة الغُرَّ أَنْ عَرَضَتْ ... دون الوفاء حَبِائِلُ الغَدر\nمالت حبائلُ أَمرهم بفتىً ... مثلِ النجوم حَفَفْنَ بالبدرِ\nعَالَى نعِيَّهمُ فقلت له ... هَلَّا أتَيتَ بصيْحةِ الحشرِ!\nلله درّك مَنْ زعمتَ لنا ... أَن قد حَوَتْه حوادثُ الدهر\nمَن للمنابر بعد مَهْلَكِهم ... أو مَنْ يَسُدُّ مكارم الفخر!\nفإذا ذكرتُهُمُ شكا ألَمًا ... قلبي لفَقد فوارس زُهْرِ\nقَتلى بدِجْلَة ما يَغُمُّهُمُ ... إلا عُبابُ زَواخِرِ البحر\nفلتَبْكِ نِسْوَتنا فوارسهَا ... خيرَ الحماةِ لياليَ الذُّعْرِ\nوذكر أبو زيد أن أبا بكر الباهلي حَدَّثه، قال: حدثني شيخ من أهل خراسان، قال: كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ابنتَه على ابنه معاوية، فأبى أن يزوّجه، فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن\n_________\n(١) ديوان الحماسة ٢: ٢٩٥ - بشرح التبريزي.","vol":"9","page":812},{"text":"القعقاع كلام؛ فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع، فضربه وحبسه، فقال ابن طَيْسلة:\nيا قَلَّ خيرُ رجالٍ لا عقولَ لهمْ ... مَنْ يَعدلون إلى المحبوس في حَلَب\nإلى امرئ لم تُصِبْهُ الدّهرَ معْضِلةٌ ... إلا استقلَّ بها مُسْتَرْخِيَ اللبَبِ\nوقيل: إن أبا العباس لما وجّه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، كتب إلى الحسن بن قحطبة: إن العسكر عسكرُك، والقُوادَ قوّادُك، ولكن أحببتُ أن يكون أخي حاضرًا، فاسمع له وأطع، وأحسِن مؤازرته، وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك؛ فكان الحسن المدبر لذلك العسكر بأمر المنصور.\nوفي هذه السنة وجّه أبو مسلم محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سملمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك.\nوفي هذه السنة وجه أبو العباس عمّه عيسى بن عليّ على فارس، وعليها محمد بن الأشعث، فهمّ به، فقيل له، إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرني أبو مسلم ألا يقدمَ عليّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلا ضربتُ عنقه.\nثم ارتدع عن ذلك لما تخوّف من عاقبته، فاستحلف عيسى بالأيمان المحرجة ألا يعلو منبرًا، ولا يتقلدَ سيفًا إلّا في جهاد؛ فلم يَل عيسى بعد ذلك عملًا، ولا تقلد سيفًا إلّا في غَزْو، ثم وجه أبو العباس بعد ذلك إسماعيل بن عليّ واليًا على فارس [٧/ ٤٥٥ - ٤٥٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\nوفيها كتب أبو العباس إلى أبي عون بإقراره على مصر واليًا عليها، وإلى عبد الله وصالح ابني عليّ على أجناد الشأم.\nوفيها توجّه محمد بن الأشعث إلى إفريقيّة فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى فتحها.\nوفيها خرج شُرَيك بن شيخ المهريّ بخُراسان على أبي مسلم ببخارَى ونقم","vol":"9","page":813},{"text":"عليه، وقال: ما على هذا اتّبعنا آل محمد، على أن نسفك الدماء، ونعمل بغير الحقّ، وتبعه على رأيه أكثرُ من ثلاثين ألفًا، فوجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخُزاعيّ فقاتله فقتله.\nوفيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم من الوَخْش إلى الخُتّل، فدخلها ولم يمتنع عليه حنَش بن السبل ملكها، وأتاه ناس من دهاقين الخُتّل، فتحصّنوا معه؛ وامتنع بعضهم في الدُّروب والشعاب والقلاع، فلما ألحّ أبو داود على حَنَش، خرج من الحصن ليلًا ومعه دهاقينه وشاكريّتُه حتى انتهوْا إلى أرض فَرْغانة، ثم خرج منها في أرض الترك، حتى وقع إلى ملك الصين؛ وأخذ أبو داود مَنْ ظفر به منهم، فجاوز بهم إلى بَلْخ، ثم بعث بهم إلى أبي مسلم.\nوفيها قُتِل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب؛ قتله سليمان الذي يقال له الأسود، بأمانٍ كتبه له.\nوفيها وجّه صالح بن عليّ سعيدَ بن عبد الله لغزو الصّائفة؛ وراء الدروب، وفيها عزِل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بن عليّ. [٧/ ٤٥٩ - ٤٦٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>[ذكر خبر خلع بسام بن إبراهيم]</span>\nففيها خالف بسام بن إبراهيم بن بسام، وخَلَع، وكان من فُرسان أهلِ خراسان، وشخص - فيما ذكر - من عسكر أبي العباس أمير المؤمنين مع جماعة ممّن شايعه على ذلك من رأيه؛ مستسرِّين بخروجهم، ففحص عن أمرهم، وإلى أين صاروا، حتى وقف على مكانهم بالمدائن، فوجّه إليهم أبو العباس خازم بن خزيمة، فلما لقى بسامًا ناجزه القتال، فانهزم بسام وأصحابُه وقتل أكثرهم، واستبيح عسكره، ومضى خازم وأصحابه في طلبهم في أرض جوخى إلى أن بلغ ماه، وقتل كلّ مَن لحقه منهزمًا، أو ناصبه القتال، ثم انصرف من وجهه ذلك؛ فمرّ بذات المطامير - أو بقرية شبيهة بها - وبها من بني الحارث بن كعب من بني عبد المدان؛ وهم أخوال أبي العباس ذَنَبة فمرّ بهم وهم في مجلس لهم - وكانوا","vol":"9","page":814},{"text":"خمسة وثلاثين رجلًا منهم، ومن غيرهم ثمانية عشر رجلًا، ومن مواليهم سبعة عشر رجلًا - فلم يسلِّم عليهم، فلما جاز شتموه؛ وكان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيرة بن الفزع، وأنه لجأ إليهم، وكان من أصحاب بسام بن إبراهيم فكرّ راجعًا، فسألهم عما بلغه من نزول المغيرة بهم، فقالوا: مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه؛ فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنها، فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين ويأتيكم عدوّه، فيأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له الجواب، فأمر بهم فضُرِبت أعناقهم جميعًا، وهُدمت دورهم، وانتهبت أموالهم، ثم انصرف إلى أبي العباس؛ وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك؛ واجتمعت كلمتُهم، فدخل زياد بن عبيد الله الحارثيّ على أبي العباس مع عبد الله بن الربيع الحارثيّ وعثمان بن نهيك، وعبد الجبار بن عبد الرحمن؛ وهو يومئذ على شُرْطة أبي العباس؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن خازمًا اجترأ عليك بأمر لم يكن أحد من أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به؛ من استخفافه بحقّك؛ وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد، وأتوك معتزّين بك، طالبين معروفك؛ حتى إذا صاروا إلى دارك وجوارك، وثب عليهم خازم فضرب أعناقهم، وهدم دورهم، وأنهب أموالهم، وأخرب ضياعهم، بلا حدث أحدثوه، فهمّ بقتل خازم؛ فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا على أبي العباس، فقالا: بلغنا يا أمير المؤمنين ما كان من تحميل هؤلاء القوم إياك على خازم؛ وإشارتهم عليك بقتله؛ وما هممتَ به من ذلك؛ وإنا نعيذك بالله من ذلك؛ فإنّ له طاعةً وسابقة؛ وهو يُحتمل له ما صنع؛ فإنّ شيعتَكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب من الأولاد والآباء والإخوان؛ وقتلوا من خالفكم، وأنت أحقّ من تعمد إساءة مسيئهم؛ فإن كنتَ لابد مجمعًا عَلى قتله فلا تتولّ ذلك بنفسك، وعرّضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي أردت، وإن ظفر كان ظفره لك، وأشاروا عليه بتوجيهه إلى مَن بعُمان من الخوارج إلى الجلندَى وأصحابه، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فأمر أبو العباس بتوجيهه مع سبعمئة رجل؛ وكتب إلى سليمان بن عليّ وهو على البصرة بحملهم في السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمَان فشخص.\n* * *","vol":"9","page":815},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1621>[أمر الخوارج مع خازم بن خزيمة وقتل شيبان بن عبد العزيز]</span>\nوفي هذه السنة شخص خازم بن خزيمة إلى عُمان، فأوقع بمَنْ فيها من الخوارج، وغلب عليها وعلى ما قرُب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجيّ.\n* ذكر الخبر عما كان منه هنالك:\nذُكر أن خازم بن خزيمة شخص في السبعمئة الذين ضمّهم إليه أبو العباس، وانتخب من أهل بيته وبني عمه وسواليه ورجال من أهل مَرْو الرّوذ، قد عرفهم ووثق بهم، فسار إلى البَصْرة، فحملهم سليمان بن عليّ، وانضمّ إلى خازم بالبصرة عدّة من بني تميم، فساروا حتى أرسوْا بجزيرة ابن كاوان، فوجّه خازم نضلة بن نعيم النهشليّ في خمسمئة رجل من أصحابه إلى شيبان، فالتقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فركب شيبان وأصحابه السكن، فقطعوا إلى عُمان - وهم صُفريّة - فلما صاروا إلى عُمان نَصب لهم الجلندَى وأصحابه - وهم إباضية - فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل شيبان وَمَن معه، - ثم سار خازم في البحر بمن معه؛ حتى أرسوْا إلى ساحل عُمان، فخرجوا إلى صحراء، فلقيَهم الجلندى وأصحابه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم؛ وهم يومئذ على ضفة البحر، وقتِل فيمن قُتِل أخٌ لخازم لأمه يقال له إسماعيل، في تسعين رجلًا من أهل مَرْو الروذ، ثم تلاقوْا في اليوم الثاني؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وعلى ميمنته رجل من أهل مَرْو الروذ، يقال له حميد الورتكانيّ، وعلى ميسرته رجل من أهل مَرْو الرّوذ يقال له مسلم الأرغدّي، وعلى طلائعه نضلة بن نعيم النهشليّ، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمئة رجل، وأحرَقوا منهم نحوًا من تسعين رجلًا، ثم التقوْا بعد سبعة أيام من مَقْدَم خازم على رأي أشار به عليه رجلٌ من أهل الصُّغْد وقع بتلك البلاد، فأشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المُشاقة ويرووها بالنِّفط، ويشُعِلوا فيها النيران؛ ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندَى.\nوكانت من خشب وخِلاف؛ فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتُهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم شدّ عليهم خَازم وأصحابه؛ فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين منهم، وقتِل الجلندى فيمن قُتِل، وبلغ عدّة مَنْ قتل","vol":"9","page":816},{"text":"عشرة آلاف؛ وبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة، فمكثتْ بالبصرة أيامًا، ثم بعث بها إلى أبي العباس، وأقام خازم بعد ذلك أشهرًا؛ حتى أتاه كتاب أبي العباس بإقفاله فقفلوا (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>[ذكر غزة كسّ]</span>\nوفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كسّ فقتل الأخريد ملكها؛ وهو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلْخ، ثم تلقاه بكندك مما يلي كسّ؛ وأخذ أبو داود من الأخريد وأصحابه حين قتلهم من الأواني الصينيّة المنقوشة المذهبة التي لم يُرَ مثلها، ومن السروج الصينيّة ومتاع الصين كله من الديباج وغيره، ومن طُرَف الصين شيئًا كثيرًا، فحمله أبو داود أجمع إلى أبي مسلم وهو بسَمْرقَنْد، وقتل أبو داود دهقان كسّ في عدّة من دهاقينها واستحيا طاران أخا الأخريد وملكه على كسّ، وأخذ ابن النجاح وردّه إلى أرضه، وانصرف أبو مسلم إلى مَرْو بعد أن قتل في أهل الصّغْد وأهل بخارى، وأمر ببناء حائط سَمَرْقند، واستخلف زياد بن صالح على الصّغْد وأهل بخارى، ثم رجع أبو داودَ إلى بلخ [٧/ ٤٦١ - ٤٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك خروجُ زياد بن صالح وراء نهر بلْخ، فشخص أبو مسلم من مَرْو مستعدًّا للقائِه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصرَ بن راشد إلى الترْمذ، وأمره أن ينزل مدينتَها، مخافَة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها؛ ففعل ذلك نصر، وأقام بها أيامًا، فخرج عليه ناس من\n_________\n(١) هذا خبر منكر، ذكره الطبري بلا إسناد، وفيه من المبالغات والتلفيق ما فيه ولو كان صحيحًا أنه قتل عشرة آلاف لذاع ذلك في الآفاق، ولمشى بخبره الرواة الأخباريون ثم كيف نقل عشرة آلاف رأس إلى البصرة، ثم إلى أمير المؤمنين وكيف لم تشتهر حادثة الرؤوس هذه، وسامح الله الطبري كيف قبل هذه الأخبار المنكرة بلا إسناد؟","vol":"9","page":817},{"text":"الراونديّة من أهل الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق، فقتلوا نصرًا، فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبّع قتلة نصر، فتتبعهم فقتلهم، فمضى أبو مسلم مسرعًا؛ حتى انتهى إلى آمُل، ومعه سباع بن أبي النعمان الأزديّ، وهو الذي كان قدم بعهد زياد بن صالح من قِبَل أبي العباس، وأمره إن رأى فرصة أن يَثِبَ على أبي مسلم فيقتلَه، فأخبِر أبو سسلم بذلك، فدفع سباع بن النعمان إلى الحسن بن الجُنيد عامله على آمُل، وأمره بحبسه عنده، وعبَر أبو مسلم إلى بخَارى، فلما نزلها أتاه أبو شاكر وأبو سعد الشرويّ في قُوّاد قد خلعوا زيادًا، فسألهم أبو مسلم عن أمر زياد ومَنْ أفسده، قالوا: سباع بن النعمان، فكتب إلى عامله على آمُل أن يضرب سباعًا مئة سوط، ثم يضرب عنقه، ففعل.\nولما أسلم زيادًا قوّادُهُ ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دِهقان بارْكَث، فوثب عليه الدهقان، فضرب عنقه وجاء برأسه إلى أبي مسلم، فأبطأ أبو داود على أبي مسلم لحال الراوندية الذين كانوا خرجوا، فكتب إليه أبو مسلم: أما بعد فليفرخ رَوْعك، ويأسن سِربك، فقد قتك الله زيادًا، فاقْدَم، فقدم أبو داود، كسّ، وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام، وبعث ابن النجاح إلى الإصبهبذ إلى شاوَغَر، فحاصر الحصن فأما أهل شاوغر فسألوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك.\nوأما بسام فلم يصل عيسى بن ماهان إلى شيء منه؛ حتى ظهر أبو مسلم بستة عشر كتابًا وجدها من عيسى بن ماهان إلى كامل بن مظفّر صاحب أبي مسلم، يعيب فيها أبا داود، وينسبه فيها إلى العصبيّة وإيثاره العرب وقومَه على غيرهم من أهل هذه الدعوة، وأن في عسكره ستة وثلاثين سُرادقًا للمستأمنة، فبعث بها أبو مسلم إلى أبي داود، وكتب إليه: إنَ هذه كتب العِلْج الذي صَيَّرته عِدْل نفسك، فشأنَك به، فكتب أبو داود إلى عيسى بن ماهان يأمره بالانصراف إليه عن بسّام، فلما قدم عليه حبسه ودفعه إلى عمر النغم؛ وكان في يده محبوسًا، ثم دعا به بعد يومين أو ثلاثة فذكّره صنيعتَه به وإيثاره إياه على ولده، فأقرّ بذلك، فقال أبو داود: فكان جزاء ما صنعتُ بك أن سعيتَ بي وأردتَ قتلي، فأنكر ذلك، فأخرج كتبه فعرفها، فضربه أبو داود يومئذ حدّين: أحدهما للحسن بن حمدان، ثم قال أبو داود: أمّا إني قد تركت ذنبَك لك؛ ولكن الجند أعلم، فأخرج في القيود، فلما أخرج من السرّادق وثب عليه حرب بن زياد وحفص بن","vol":"9","page":818},{"text":"دينار مولى يحيى بن حُضين، فضرباه بعمود وطَبَرْزِين، فوقع إلى الأرض، وعدا عليه أهل الطالقان وغيرُهم، فأدخلوه في جوالق وضربوه بالأعمدة، حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مَرْو. [٧/ ٤٦٦ - ٤٦٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان من الأحداث [٧/ ٤٦٨]</span>\nوملك بعد مروان أربع سنين، وكان - فيما ذُكِر - ذا شعرة جَعْدة، وكان طويلًا أبيض أقنَى الأنف، حسنَ الوجه واللحية.\nوأمه رَيْطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثيّ وكان وزيره أبو الجهم بن عطيَّة.\nوصلى عليه عمه عيسى بن عليّ، ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره.\nوكان - فيما ذكر - خلَّف تسع جباب، وأربعة أقمصَة، وخمسة سراويلات، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خزّ. [٧/ ٤٧١].\nوذكر عليّ بن محمد، عن الهيثم، عن عبد الله بن عيّاش، قال: لما حضرتْ أبا العباس الوفاة، أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمد أبي جعفر، فبايع الناس له بالأنبار في اليوم الذي مات فيه أبو العباس، وقام بأمر الناس عيسى بن موسى، وأرسل عيسى بن موسى إلى أبي جعفر وهو بمكة محمد بن الحصين العبديّ بموت أبي العباس، وبالبَيْعة له، فلقيَه بمكان من الطريق يقال له زكيّة، فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه، وبايعه أبو مسلم، فقال أبو جعفر: أين موضعنا هذا؟ قالوا: زكيَّة، فقال: أمر يَزْكَى لنا إن شاء الله تعالى.\nوقال بعضهمْ ورد على أبي جعفر البيعة له بعدما صدر من الحجّ، في منزل من منازل طريق مكة؛ يقال له صُفيَّة، فتفاءل باسمه، وقال: صَفتْ لنا إن شاء الله تعالى (١) [٧/ ٤٧١].\n* * *\n_________\n(١) أما الهيثم بن عدي فهو لمتروك.\nوأما أن عيسى بن موسى قام بأمر البيعة، وإيصاله إلى أبي جعفر فصحيح كما ذكرنا في موضعه. =","vol":"9","page":819},{"text":"وقيل: إن أبا مسلم كان هو الذي تقدّم أبا جعفر، فعرف الخبر قبله، فكتب إلى أبي جعفر:\nبسم الله الرحمن الرحيم، عافاك الله وأمتَع بك؛ إنه أتاني أمر أفظعني وبلَغ مني مبلغًا لم يبلغه شيء قطّ، لقيَني محمد بن الحصين بكتاب من عيسى بن موسى إليك بوفاة أبي العباس أمير المؤمنين ﵀، فنسأل الله أن يعظم أجرَك، ويُحسن الخلافة عليك، ويبارك لك فيما أنت فيه؛ إنه ليس من أهلك أحدٌ أشدّ تعظيمًا لحقك وأصفى نصيحةً لك، وحرصًا على ما يسرّك مني.\nوأنفذ الكتاب إليه، ثم مكث أبو مسلم يومه ومن الغد، ثم بعث إلى أبي جعفر بالبَيْعة؛ وإنما أراد ترهيب أبي جعفر بتأخيرها. [٧/ ٤٧٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\nقال الهيثم: كان حصار عبد الله بن عليّ مقاتلًا العكيّ أربعين ليلة، فلما بلغه مسيرُ أبي مسلم إليه، وأنه لم يظفر بمقاتل، وخشي أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكيّ أمانًا، فخرج إليه فيمن كان معه، وأقام معه أيامًا يسيرة، ثم وجّهه إلى عثمان بن عبد الأعليّ بن سراقة الأزديّ إلى الرّقة ومعه ابناه، وكتب إليه كتابًا دفعه إلى العكيّ، فلما قدموا على عثمان قتَل العكيّ وحبس ابنيه، فلما بلغه هزيمة عبد الله بن عليّ وأهل الشأم بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما.\nوكان عبد الله بن عليّ خشى ألا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوًا من سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شُرَطه فقتلهم؛ وكتب لحميد بن قحطبة كتابًا ووجّهه إلى حلب، وعليها زُفَر بن عاصم وفي الكتاب: إذا قدم عليك حُميد بن قحطبة فاضرب عنقَه، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكّر في كتابه، وقال: إنّ\n_________\n= وأما قول أبي جعفر عن زكية أمر يزكى لنا أو قوله عن صفية صفت لنا فلا يصح وهو من كلام الملفقة الذين لا شغل لهم إلَّا إيجاد هذه الأمور.","vol":"9","page":820},{"text":"ذهابي بكتاب ولا أعلم ما فيه لغَرَر، ففكّ الطومار فقرأه، فلما رأى ما فيه دعا أناسًا من خاصته فأخبرهم الخبر، وأفشى إليهم أمره، وشاورهم، وقال: مَنْ أراد منكم أن ينجوَ ويهرب فلَيَسِرْ معي؛ فإني أريد أن آخذ طريق العراق، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن عليّ في أمره، وقال لهم: مَنْ لم يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى، وليذهب حيث أحبّ.\nقال: فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه، فأمر حميد بدوابّه فأنعلت (١)، وأنعل أصحابه دوابهم، وتأهبوا للمسير معه، ثم فوّز (٢) بهم وبهرَجَ الطريق (٣) فأخذ على ناحية من الرّصافة؛ رصافة هشام بالشأم، وبالرّصافة يومئذ مولى لعبد الله بن عليّ يقال له سعيد البربريّ، فبلغه أنّ حُميد بن قحطبة قد خالف عبد الله بن عليّ، وأخذ في المفازة، فسار في طلبه فيمن معه من فُرسانه؛ فلحقه ببعض الطريق، فلما بصر به حُميد ثنى فَرسَه نحوه حتى لقيَه، فقال له: ويحك! أما تعرفني! والله ما لك في قتالي من خيْر فارجع؛ فلا تقتل أصحابي وأصحابك، فهو خير لك، فلما سمع كلامه عرف ما قال له، فرجع إلى موضعه بالرُّصافة، ومضى حُميد ومَن كان معه، فقال له صاحب حَرسه موسى بن ميمون: إن لي بالرُّصافة جاريةً، فإن رأيتَ أن تأذنَ لي فآتيَها فأوصيها ببعض ما أريد، ثم ألحقك! فأذن له فأتاها، فأقام عندها، ثم خرج من الرُّصافة يريد حُميدًا، فلقيه سعيد البربريّ مولى عبد الله بن عليّ، فأخذه فقتله، وأقبل عبد الله بن عليّ حتى نزل نَصِيبين، وخندق عليه.\nوأقبل أبو مسلم، وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبة - وكان خليفته بأرمينيَة - أن يوافي أبا مسلم، فقدم الحسن بن قحطبة على أبي مسلم وهو بالموْصِل، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية لم يعرِض له، وأخذ طريق الشأم، وكتب إلى عبد الله: إني لم أؤْمَر بقتالك، ولم أوجَّه له، ولكن أمير المؤمنين ولَّاني الشأم؛ وإنما أريدها؛ فقال مَنْ كان مع عبد الله من أهل الشأم لعبد الله:\n_________\n(١) نعل الدابة: ما ولى به حافرها وخفها؛ وأنعل الدابة: وضع لها ذلك النعل. القاموس ص ١٣٧٤.\n(٢) فوز: سلك المفازة. القاسوس ص ٦٦٩.\n(٣) بهرج الطريق: أي سلك بهم غير المحجة. اللسان (٢/ ٥١٧).","vol":"9","page":821},{"text":"كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا وفيها حرمُنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبِي ذراريّنا!\nولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حَرَمنا وذراريَّنا ونقاتله إن قاتلنا، فقال لهم عبد الله بن عليّ: إنه والله ما يريد الشأم، وما وُجِّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينكم، قال: فلم تطب أنفسُهم، وأبوْا إلا المسير إلى الشأم.\nقال: وأقبل أبو مسلم فعسكر قريبًا منهم، وارتحل عبد الله بن عليّ من عسكره متوجّهًا نحو الشأم، وتحوّل أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله بن عليّ في موضعه، وغوّر (١) ما كان حوله من المياه، وألقى فيها الجيَف.\nوبلغ عبد الله بن عليّ نزول أبي مسلم معسكره، فقال لأصحابه من أهل الشأم: ألم أقل لكم! وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره، فنزل في موضع عسكر أبي مسلم الذي كان فيه، فاقتتلوا أشهرًا خمسة أو ستة، وأهل الشأم أكثر فرسانًا وأكمل عُدّة، وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيليّ، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسديّ، وعلى الخيل عبد الصمد بن عليّ، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى الميسرة أبو نصر خازم بن خزيمة، فقاتلوه أشهرًا. [٧/ ٤٧٥ - ٤٧٧].\nويقال: بل استأمن لعبد الصمد بن عليّ إسماعيل بن عليّ.\nوقد قيل: إن عبد الله بن عليّ لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رُصافة هشام، فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور، وعليها جهور بن مرّار العجليّ، فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبي الخصيب مولاه موثَقًا، فلما قدم عليه أمر بصرْفه إلى عيسى بن موسى، فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه، وحباه وكساه.\nوأما عبد الله بن عليّ فلم يلبث بالرّصافة إلا ليلة، ثم أدلَج في قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بن عليّ وهو عاملها يومئذ، فآواهم سليمان وأكرمهم وأقاموا عنده زمانًا متوارين. [٧/ ٤٧٩].\n* * *\n_________\n(١) غور المياه: أي ردم العيون. القاموس ص ٥٧٤.","vol":"9","page":822},{"text":"قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينيَة في تلك السنة الحسن بن قحطبة. وقال غيره: استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عُروة - وكان أسود مولىً لهم - فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العِقَاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، ويصلُ من سأله، وكسا الأعراب البُتوت والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق، فكان الصوت له، وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه؛ حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك: وضرب جنبه -: يا نيزكُ، أيّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة! [٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠].\nقال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينيَة فلما وجّه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيَه ويسير معه، فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل فأقام أيامًا، فلما أراد أن يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون إلى القتال وليس بك إليّ حاجة، فلو أذنتَ لي فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء الله! قال: نعم؛ لكن أعلِمْني إذا أردتَ الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت وتهيأت أعلمتُه، وقلتُ: أتيتُك أودّعك، قال: قف لي بالباب حتى أخرُج إليك، فخرجتُ فوقفتُ وخرج، فقال: إنَي أريد أن ألقي إليك شيئًا لتبلِغَه أبا أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرْك، ولولا مكانك من آلجي أيوب لم أخبرْك، فأبلغْ أبا أيوب أني قد ارتبتُ بأبي مسلم منذ قدمتُ عليه، إنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤوه، ثم يلوى شِدقه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، فيقرؤه ويضحكان استهزاء؛ قلتُ: نعم قد فهصت، فلقيتُ أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشيء، فضحك، قال: نحن لأبي مسلم أشدّ تُهمةً منّا لعبد الله بن عليّ إلّا أنا نرجو واحدةً، نعلم أنّ أهل خُراسان لا يحبون عبد الله بن عليّ، وقد قتَل منهم من قَتل، وكان عبد الله بن عليّ حين خَلَع خاف أهلَ خُراسان، فقتل منهم سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شرطته حيّاش بن حبيب فقتلهم.\nقال عليّ: فذكر أبو حفص الأزديّ أن أبا مسلم قاتل عبد الله بن عليّ فهزمه، وجَمَع ما كان في عسكره من الأموال فصيّره في حظيرة، وأصاب عينًا ومتاعًا وجوهرًا كثيرًا؛ فكان منثورًا في تلك الحظيرة، ووكّل بها وبحفظها قائدًا من","vol":"9","page":823},{"text":"قُوّاده، فكنت في أصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتّشه، فخرج أصحابي يومًا من الحظيرة وتخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل أبو حفص؟ فقِالوا: هو في الحظيرة، قال: فجاء فاطلع من الباب، وفطِنت له فنزعت خُفَّيّ وهو ينظر، فنفضتهما وهو ينظر، ونفضت سراويلي وكُمّي، ثم لبست خفي وهو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلّاني، فقال: قد رأيتُ ما صنعتَ فلِمَ صنعتَ هذا؟ قلت: إن في الحظيرة لؤلؤًا منثورًا ودراهم منثورة؛ ونحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خُفيّ منها شيء، فنزعت خُفيّ وجوربيّ؛ فأعجبه ذلك وقال: انطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها في خفيّ وأشدّ بعضها على بطني، ويخرج أصحابي فيفتَّشُون ولا أفتَّش، حتى جمعت مالًا، قال: وأما اللؤلؤ فإنّي لم أكن أمسّه. [٧/ ٤٨١ - ٤٨٢].\n* * *\nوقال غير من ذكرت خبره: لما ظفِر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن عليّ بعث المنصور يقطين بن موسى، وأمره أن يحصيَ ما في العسكر، وكان أبو مسلم يسميه \"يك دين\". فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك.\nوأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمِعًا على الخلاف؛ وخرج من وجهه معارضًا يريد خراسان؛ وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن؛ وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب أبو مسلم، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق حُلوان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدوّ إلا أمكنه الله منه؛ وقد كنّا نروِي عن ملوك آل ساسان: أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيتَ، حريُّون بالسمع والطاعة؛ غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك؛ فإن أبيتَ إلا أن تعطىَ نفسك إرادتَها نقضتُ ما أبرْمت من عهدك، ضنًّا بنفسي، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمتُ كتابك؛ وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغَشَشة ملوكهم، الذين يتمنوْن اضطراب","vol":"9","page":824},{"text":"حَبْل الدولة لكثرة جرائمهم؛ فإنما راحتُهم في انتشار نظام الجماعة؛ فلمَ سوَّيْت نفسك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وليس مع الشريطة التي أوجبتَ منك سمع ولا طاعة، وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكُنَ إليها إلى أن أصغَيْت إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد بابًا يفسد به نيتك أوكدَ عنده، وأقرب من طِبّه من الباب الذي فتحه عليك، ووجه إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ؛ وكان واحد أهل زمانه، فخدعه وردّه، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلَنّ بالروم، وكان المنجمون يقولون ذلك؛ فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب، وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أيامًا. [٧/ ٤٨٣ - ٤٨٢].\nقال عليّ عن أبي حفص الأزدي، قال: كنت مع أبي مسلم، فقدِم عليه أبو إسحاق من عند أبي جعفر بكتب من بني هاشم، وقال: رأيتُ القوم على غير ما ترى، كلّ القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك.\nفسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر في ثَقَله، وقال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك، قال: إن أتاك كتابي مختومًا بنصف خاتم فأنا كتبتُه، وإن أتاك بالخاتم كلِّه؛ فلم أكتبه ولم أختمه، فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قوّاده، فسلّم عليه، فقال له: أطعْني وارجع، فإنه إن عاينك قتلَك، قال: قد قربتُ من القوم فأكره أن أرجع، فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخلّف الناس بحُلْوان، فدخل على أبي جعفر، فأمره بالانصراف في يومه، وأصبح يريده، فتلقاه أبو الخصيب فقال: أمير المؤمنين مشغولٌ، فاصبر ساعة حتى تدخل خاليًا، فأتى منزلَ عيسى بن موسى - وكان يحبّ عيسى - فدعا له بالغداء، وقال أمير المؤمنين للربيع - وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلِق إلى أبي مسلم؛ ولا يعلم أحدٌ، فقل له: قال لك مرزوق: إن أردتَ أمير المؤمنين خاليًا فالعجل، فقام فركب، وقال له عيسى: لا تعجَل بالدّخول حتى أدخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجيءَ عيسى، وجاء عيسى وهو مدرج في عبَاءة، فقال: أين أبو مسلم؟ قال: مُدْرجٌ في","vol":"9","page":825},{"text":"الكساء، قال: إنا لله\" قال: اسكت، فما تمّ سلطانك وأمرُك إلّا اليوم، ثم رمى به في دجلة.\nقال عليّ: قال أبو حفص: دعا أمير المؤمنين عثمان بن نَهيك وأربعة من الحَرس، فقال لهم: إذا ضربت بيديّ إحداهما على الأخرى؛ فاضربوا عدّو الله، فدخل عليه أبو مسلم، فقال له: أخبرْني عن نَصْلَيْن أصبتَهما في متاع عبد الله بن عليّ، قال: هذا أحدهما الذي عليّ، قال: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردتَ أن تعلّمنا الدّين! قال: ظننتُ أخذه لا يحلّ، فكتب إليّ، فلما أتاني كتابُه علمتُ أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم، قال: فأخبرني عن تقدّمك إيايَ في الطريق؟ قال: كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضرّ ذلك بالناس؛ فتقدّمتُك التماس الرّفق، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس من أشار عليك أن تنصرف إليّ: نقدم فنرى من رأينا؛ ومضيتَ فلا أنت أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إليّ! قال: منعنِي من ذلك ما أخبرتُك من طلب الرّفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف، قال: فجارية عبد الله بن عليّ أردتَ أن تتخذها؟ قال: لا؛ ولكني خفتُ أن تضيع، فحملتها في قبّة، ووكلتُ بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفتُ أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري؛ وإلى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك عليّ، قال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، والله ما زدتَني إلا غضبًا؛ وضرب بيده، فخرجوا عليه؛ فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه.\nقال عليّ: قال يزيد بن أسيد: قال أمير المؤمنين: عاتبتُ عبدَ الرحمن، فقلت: المال الذي جمعته بحرّان؟ قال: أنفقتُه وأعطيتُه الجند تقويةً لهم واستصلاحًا، قلت: فرجوعُك إلى خراسان مراغمًا؟ قال: دع هذا فما أصبحتُ أخاف أحدًا إلا الله؛ فغضبتُ فشتمته، فخرجوا فقتلوه.\nوقال غير من ذكرت في أمر أبي مسلم: إنه لما أرسل إليه يوم قتِل، أتى عيسى بن موسى، فسأله أن يركب معه، فقال له: تقدّم وأنت في ذمتي؛ فدخل مضرب أبي جعفر؛ وقد أمر عثمان بن نَهيك صاحب الحرس، فأعدْ له شبيب بن","vol":"9","page":826},{"text":"واج المروروذيّ (رجلًا من الحَرَس) وأبا حنيفة حرب بن قيس، وقال لهم: إذا صفقتُ بيديَّ فشأنكم؛ وأذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجاريّ: ما الخبر؟ قال: خير؛ يُعطينني الأمير سيفه، فقال: ما كان يُصنَع بي هذا! قال: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبي جعفر، قال: ومَن فعل بك هذا قبحه الله! ثم أقبل يعاتبه: ألستَ الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليّ تخطب أمينة بنت عليّ وتزعم أنك ابنُ سَلِيط بن عبد الله بن عباس! ما دعاك إلى قتل سليمان بن كَثير مع أثرِه في دعوتنا؛ وهو أحد نقبائنا قبل أن نُدخلك في شيء من هذا الأمر؟ قال: أرادَ الخلافَ وعصاني فقتلتُه، فقال المنصور: وحاله عندنا حاله فقتلَته، وتعصيني وأنت مخالف عليّ! قتلني الله إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيبُ وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومئة، فقال المنصور:\nزعمتَ أنَّ الدَّين لا يُقْتَضَى ... فاسْتَوْفِ بالكَيْل أَبا مُجْرِم\nسُقِيتَ كأْسًا كنتَ تَسقِي بها ... أَمَرَّ في الحَلق مِنَ العَلْقَم\nقال: وكان أبو مسلم قد قَتَل في دولته وحروبه ستمئة ألف صَبْرًا.\nوقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلتَ وفعلتَ، قال له أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان مني؛ فقال: يا بن الخبيثة؛ والله لو كانتْ أمَةٌ مكانك لأجْزَتْ ناحيتها؛ إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا؛ ولو كان ذلك إليك ما قطعتَ فتيلًا، ألستَ الكاتبَ إليّ تبدأ بنفسك، والكاتبَ إليّ تخطب أمينة بنت عليّ، وتزعم أنك ابنُ سَليط بن عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أمّ لك مُرْتَقىً صعبًا! فأخذ أبو مسلم بيده يعرِكها ويقتلها ويعتذر إليه.\nوقيل: إن عثمان بن نَهيك ضرب أبا مسلم أوّل ما ضرب ضربة خفيفة بالسيف؛ فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه؛ فاعتقل بها أبو مسلم، وضرب شبيب بن واج رجلَه، واعتوَره بقية أصحابه حتى قتلوه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم!\nوقد كان أبو مسلم قال - فيما قيل - عند أول ضربة أصابته: يا أمير المؤمنين، استبقني لعدّوك قال: لا أبقاني الله إذًا! وأيّ عدوٍّ لي أعدى منك!","vol":"9","page":827},{"text":"وقيل: إن عيسى بن موسى دخل بعد ما قُتِل أبو مسلم، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا آنفًا، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد عرفتَ طاعته ونصيحَته ورأيَ الإمام إبراهيم كان فيه؛ فقال: يا أنوَك؛ والله ما أعلم في الأرض عدوًّا أعدى لك منه؛ ها هو ذاك في البِساط، فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون! وكان لعيسى رأي في أبي مسلم، فقال له المنصور: خلع الله قلبك؛ وهل كان لكم مُلْك أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم!\nقال: ثم دعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة، فدخل عليه، فقال: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال. يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذتَ شعرة من رأسه فاقتلْ تم اقتلْ ثم اقتلْ؛ فقال المنصور: وفّقك الله! ثم أمره بالقيام والنظر إلى أبي مسلم مقتولًا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، عُدّ من هذا اليوم لخلافتك.\nثم استؤذن لإسماعيل بن عليّ، فدخل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي رأيتُ في ليلتي هذه كأنك ذبحتَ كبشًا وأني توطّأته برجلي، فقال: نامت عينُك يا أبا الحسن، قم فصدّق رؤياك؛ قد قتل الله الفاسق، فقام إسماعيل إلى الموضع الذي فيه أبو مسلم، فتوطّأه.\nثم إنّ المنصور همّ بقتل أبي إسحاق صاحب حَرَس أبي مسلم وقتل أبي نصر مالك - وكان على شُرط أبي مسلم - فكلّمه أبو الجهم، فقال: يا أمير المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه، ودعا المنصور بأبي إسحاق، فلما دخل عليه ولم ير أبا مسلم، قال له أبو جعفر: أنت المتابع لعدوّ الله أبي مسلم على ما كان أجمع؛ فكفّ وجعل يلتفت يمينًا وشمالًا تخوّفًا من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل الله الفاسق؛ وأمر بإخراجه إليه مقطّعًا، فلما رآه أبو إسحاق خرّ ساجدًا، فأطال السجود، فقال له المنصور: ارفع رأسك وتكلم؛ فرفع رأسه وهو يقول: الحمدُ لله الذي آمنني بك اليوم؛ والله ما أمنتُه يومًا واحدًا منذ صحبتُه، وما جئتهُ يومًا قطّ إلا وقد أوصيتُ وتكفَّنتُ وتحنّطتُ؛ ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثِيابُ كَتَّان جُدَد، وقد تحنّط، فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه، ثم قال: استقبل طاعةَ خليفتك، واحمد الله الذي أراحك من الفاسق، ثم قال له أبو جعفر: فرِّق عني هذه الجماعة، ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدّثه بمثل ذلك، فاعتذر إليه بأنه أسره بطاعته؛ وإنما خدمه وخفّ له الناسُ","vol":"9","page":828},{"text":"بمرضاته، وأنه قد كان في طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم فقبِل منه وأمره بمثل ما أمر به أبا إسحاق من تفريق جند أبي مسلم.\nوبعث أبو جعفر إلى عِدّة من قوّاد أبي مسلم بجوائز سنيّة، وأعطى جميع جنده حتى رضُوا، ورجع أصحابه وهم يقولون: بعنا مولانا بالدراهم، ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: أقسِم بالله لئن قطعوا طنُبًا من أطنابي لأضربنّ عنقك ثم لأجاهدنّهم، فخرج إليهم أبو إسحاق فقال: يا كلاب انصرِفوا.\nقال عليّ: قال أبو حفص الأزديّ: لما قُتِل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابًا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر نقْش الخاتم تامًّا، علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب، فقال: أفعلتموها! وانحدر إلى هَمذان وهو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر لأبي نصر عهدَه على شهرزور، ووجَّه رسولًا إليه بالعهد، فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجَّه إلى خراسان، فكتب إلى زهير بن التركيّ - وهو على همذان: إن مرّ بك أبو نصر فاحبِسْه، فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهَمَذان، فأخذه فحبسه في القصْر، وكان زهير مولىً لخزاعة، فأشرف أبو نصر على إبراهيم بن عريف - وهو ابن أخي أبي نصر لأمه - فقال: يا إبراهيم، تقتل عمّك! قال: لا والله أبدًا، فأشرف زهير فقال لإبراهيم: إني مأمور والله، إنه من أعزّ الخلق عليّ؛ ولكني لا أستطيع ردّ أمر أمير المؤمنين، ووالله لئن رسى أحدكم بسهم لأرمينّ إليكم برأسه، ثم كتب أبو جعفر كتابًا آخر إلى زهير: إن كنت أخذتَ أبا نصر فاقتله.\nوقدم صاحبُ العهد على أبي نصر بعده فخلّى زهير سبيله لهواه فيه؛ فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتابُ إلى زهير بقتله، فقال: جاءني كتابٌ بعهده فخليتُ سبيله.\nوقدم أبو نصر على أبي جعفر، فقال: أشرتَ على أبي مسلم بالمضيّ إلى خراسان؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ كانت له عندي أيادٍ وصنائع فاستشارني فنصحتُ له، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتَني نصحتُ لك وشكرتُ فعفا عنه؛ فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا اليوم","vol":"9","page":829},{"text":"البوّاب، لا يدخل أحد القصر وأنا حيٌّ، فقال أبو جعفر: أين مالك بن هيثم؟ فأخبروه عنه، فرأى أنه قد نصح له.\nوقيل: إن أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر إلى زهير بن التركيّ: إنّ لله دمك إن فاتك مَالِكٌ؛ فأتى زهير مالكًا، فقال له: إني قد صنعتُ لك طعامًا، فلو أكرمتَني بدخول منزلي! فقال: نعم، وهيّأ زهير أربعين رجلًا تخيَّرهم، فجعلهم في بيتين يُفضيان إلى المجلس الذي هيأه، فلما دخل مالك قال: يا أدهم، عجّل طعامك؛ فخرج أولئك الأربعون إلى مالك، فشدّوه وثاقًا، ووضع في رجليه القيود، وبعث به إلى المنصور فمنّ عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل.\n* * *\nوفي هذه السنة ولّى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان وكتب إليه بعهده. [٧/ ٤٨٩ - ٤٩٤].\n* ذكر الخبر عن سنباذ:\nذُكر أن سنباذ هذا كان مجوسيًّا، من أهل قرية من قُرى نيسابور يقال لها أهن، وأنه كثر أتباعُه لما ظهر؛ وكان خروجه غضبًا لقتل أبي مسلم - فيما قيل - وطلبًا بثأره، وذلك أنه كان من صنائعه، وغلَب حين خرج على نيسابور وقُومِس والرّيّ، وتسمَّى فيروز أصبهبذ. [٧/ ٤٩٥].\n* * *\nوفي هذه السنة خرج لملبَّد بن حرملة الشيبانيّ، فحكم بناحية الجزيرة، فسارت إليه روابط الجزيرة؛ وهم يومئذ فيما قيل ألف، فقاتلهم ملبَّد فهزمهم، وقَتَل مَنْ قتل منهم، ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبيّ، فهزمه ملبَّد بعد قتال شديد كان بينهما؛ وأخذ ملبَّد جارية ليزيد كان يطؤها، وقتل قائدًا من قوّاده، ثم وجّه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نُخبة الجند، فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم.\nثم وجّه إليه نزارًا (قائدًا من قوّاد أهل خراسان) فقتله ملبَّد، وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جَمْع كثير، فلقيهم ملبَّد فهزمهم.","vol":"9","page":830},{"text":"ثم وجَّه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدّة، فهزمهم. ثم سار إليه حُمَيد بن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة، فلقيه الملبَّد فهزمه، وتحصَّن منه حميدٌ، وأعطاه مئة ألف درهم على أن يكفّ عنه.\nوأما الواقديّ فإنه زعم أن ظهور ملبَّد وتحكيمه كان في سنة ثمان وثلاثين ومئة، ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشَغْل السلطان بحرب سنباذ. [٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦].\n* ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه:\nوكان سببُ ذلك - فيما ذُكِر - أن جَهْور لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائنُ أبي مسلم التي كان خلفها بالرَّيّ، فلم يوجّهها إلى أبي جعفر، وخاف فخلَع، فوجّه إليه أبوجعفر محمد بن الأشعث الخُزاعيّ في جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ومع جَهْور نُخَب فرسان العجم؛ زياد والأشتاخنج، فهزِم جَهْور وأصحابه، وقُتل من أصحابه خلْق كثير، وأسر زياد والأشتاخنج، وهرب جَهْور فلحق بأذْرَبيجان فأخِذ بعد ذلك باسباذْرُو فقتل.\nوفي هذه السنة قتل الملبّد الخارجيّ:\n* ذكر الخبر عن مقتله:\nذكِر أن أبا جعفر لما هزم الملبّد حميد بن قحطبة، وتحصن منه حُميد، وجَّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بن عبد الرحمن، وضمَّ إليه زياد بن مشكان، فأكمن له الملبّد مئة فارس، فلما لقيَه عبد العزيز خرج عليه الكَمِين؛ فهزموه، وقتلوا عامّة أصحابه، فوجّه أبو جعفر إليه خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذيّة، فسار خازم حتى نزل الموصل، وبعث إلى الملبَّد بعض أصحابه وبعث معهم الفعلة، فسار إلى بلد فخندقوا، وأقاموا له الأسواق؛ وبلغ ذلك الملبَّد، فخرج حتى نزل ببلد، في خندق خازم؛ فلما بلغ ذلك خازمًا خرج إلى مكان من أطراف الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبَّد عَبَر دجْلة من بلد، وتوجه إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل، فلما بلغ خازمًا ذلك، وبلغ إسماعيل بن عليّ - وهو على الموصل - أمر إسماعيل خازمًا أن يرجع من معسكره حتى يعبُر من جسر الموصل؛ فلم يفعل، وعقد","vol":"9","page":831},{"text":"جسرًا من موضع معسكره، وعبَر إلى الملبّد، وعلى مقدّمته وطلائعه نَضلَة بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشليّ، وعلى ميمنته زُهير بن محمد العامريّ، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص مولى بني سليم، وسار خازم في القلْب، فلم يزل يساير الملبّد وأصحابه حتى غشيَهم الليل ثم تواقفوا ليلتَهم، وأصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبَّد وأصحابه متوجّهين إلى كورة حَزّة، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا يوم الخميس، وسار الملبّد وأصحابه، كأنه يريد الهرب من خازم، فخرج خازم وأصحابه في أثرهم، وتركوا خندقهم، وكان خازم تخندق عليه وعلى أصحابه بالحسَك، فلما خرجوا من خندهم كرّ عليهم الملبّد وأصحابه، فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسَك بين يديه وبين يدي أصحابه، فحملوا على ميمنة خازم وطووْها، ثم حملوا على الميسرة وطَوَوها، ثم انتهوا إلى القلْب، وفيه خازم، فلما رأى ذلك خازم نادى في أصحابه: الأرضَ، فنز لوا ونزل الملبَّد وأصحابه، وعقروا عامة دوابّهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، وأمر خازم نضَلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضًا فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها، ثم ارُموا بالنشاب، ففعل ذلك، وتراجع أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقُوا الملبَّد وأصحابه بالنشاب، فقُتل الملبَّد في ثمانمئة رجل ممن ترجّل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلاثمئة، وهرب الباقون، وتبعهم نَضلة فقتل منهم مئة وخمسين رجلًا. [٧/ ٤٩٧ - ٤٩٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من إقامة مصالح بن عليّ والعباس بن محمد بملَطْية؛ حتى استتما بناء مَلَطْية، ثم غزوا الصائفة من دَرْب الحديث، فوغَلا في أرض الروم - وغَزا مع صالح أختاه: أم عيسى ولبابة ابنتا عليّ؛ وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أميّة أن تجاهدا في سبيل الله.\nوفي هذه السنة كان الفداء الذي جرى بين المنصور وصاحب الرّوم؛ فاستنقذ المنصور منهم أسَراء المسلمين، ولم يكن بعد ذلك - فيما قيل - للمسلمين صائفة","vol":"9","page":832},{"text":"إلى سنة ست وأربعين ومئة، لاشتغال أبي جعفر بأمر ابنَيْ عبد الله بن الحسن؛ إلّا أن بعضهم ذكر أن الحسن بن قحطبة غزا الصَّائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام في سنة أربعين، وأقبل قسطنطين صاحب الرّوم في مئة ألف، فنزل جَيْحَان، فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم؛ ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين ومئة.\nوفي هذه السنة سار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مَرْوان إلى الأندلس، فملّكه أهلُها أمرَهم، فولده ولاتها إلى اليوم.\n* * *\nوفيها وسَّع أبو جعفر المسجد الحرام، وقيل إنها كانت سنة خَصِبة فسمِّيت سنة الخصب. [٧/ ٥٠٠].\nفلما عزل سليمان وولَّى سفيان توارى عبد الله بن عليّ وأصحابه خوفًا على أنفسهم؛ فبلغ ذلك أبا جعفر، فبعث إلى سليمان وعيسى ابني علي، وكتب إليهما في إشخاص عبد الله بن عليّ، وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخّراه، وأعطاهما من الأمان لعبد الله بن عليّ ما رضياه له ووثقا به، وكتب إلى سفيان بن معاوية يعلمه ذلك، ويأمره بإزعاجهما واستحثاثهما بالخروج بعبد الله ومَن معه من خاصَته، فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وبعامّة قوّاده وخواصّ أصحابه ومواليه، حتى قدموا على أبي جعفر؛ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>[ذكر خبر حبس عبد الله بن عليّ]</span>\nوفيها أمر أبو جعفر بحبس عبد الله بن عليّ، وبحبس مَن كان معه من أصحابه وبقتل بعضهم.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nولما قدم سليمان وعيسى ابنا عليّ على أبي جعفر أذِن لهما، فدخلا عليه، فأعلماه حضورَ عبد الله بن عليّ، وسألاه الإذن له، فأنعم لهما بذلك، وشغلهما بالحديث، وقد كان هيأ لعبد الله بن عليّ محبسًا في قصره، وأمر به أن ينصرف","vol":"9","page":833},{"text":"إليه بعد دخول عيسى وسليمان عليه، ففُعِل ذلك به؛ ونهض أبو جعفر من مجلسه، فقال لسليمان وعيسى: سارعا بعبد الله، فلما خرجا افتقدا عبد الله من المجلس الذي كان فيه، فعلما أنه قد حُبس، فانصرفا راجعين إلى أبي جعفر، فحِيل بينهما وبين الوصول إليه، وأخذت عند ذلك سيوف مَنْ حضر من أصحاب عبد الله بن عليّ من عواتقهم وحبسوا.\nوقد كان خُفاف بن منصور حذّرهم ذلك وندِم على مجيئه، وقال لهم: إن أنتم أطعتموني شددنا شدّة واحدة على أبي جعفر؛ فوالله لا يحول بيننا وبينه حائل حتى نأتي على نفسه، ونشدّ على هذه الأبواب مصلِتين سيوفنا، ولا يعرض لنا عارض إلا أفاتنا نفسه حتى نخرج وننجوَ بأنفسنا، فعصوْه، فلما أخذت السيوفُ وأمر بحبسهم جعل خفاف يضرِط في لحيته، ويتفل في وجوه أصحابه، ثم أمر أبو جعفر بقتل بعضهم بحضرته؛ وبعث بالبقيَّة إلى أبي داود خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها.\nوقد قيل إن حبس أبي جعفر عبد الله بن عليّ كان في سنة أربعين ومئة. [٧/ ٥٠١ - ٥٠٢]\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>ثم دخلت سنة أربعين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان.\n* ذكر الخبر عن ذلك وسبب هلاكه:\nذكر أن ناسًا من الجند ثاروا بأبي داود خالد بن إبراهيم بخُراسان وهو عامل أبي جعفر المنصور عليها في هذه السنة ليلًا، وهو نازل بباب كُشْماهَن من مدينة مَرْو، حتى وصلوا إلى المنزل الذي هو فيه، فأشرف أبو داود من الحائط على حرف آجُرّة خارجة، وجعل ينادي أصحابَه ليعرفوا صوتَه، فانكسرت الآجُرّة عند الصبح، فوقع على سُترة صُفة كانت قدّام السطح فانكسر ظهره، فمات عند صلاة العصر، فقام عصام صاحب شُرْطة أبي داود بخلافة أبي داود، حتى قدم عليه عبد الجبَّار بن عبد الرحمن الأزديّ.","vol":"9","page":834},{"text":"وفيها ولَّى أبو جعفر عبدَ الجبار بن عبد الرحمن خراسان فقدمها، فأخذ بها ناسًا من القوّاد ذُكِر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد عليّ بن أبي طالب؛ منهم مجاشع بن حريث الأنصاريّ صاحب بخارى وأبو المغيرة، مولى بني تميم واسمه خالد بن كثير وهو صاحب قوهستان، والحَريش بن محمد الذّهليّ، ابن عمّ داود، فقتلهم، وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلَبيّ ومعبد بن الخليل المزنيّ بعدما ضربهما ضربًا مبرّحًا، وحبس عدّة من وجوه قوّاد أهل خراسان، وألحّ على استخراج ما على عمال أبي داود من بقايا الأموال. [٧/ ٥٠٣].\nولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلّى في مسجدها، ثم سلك الشأم منصرفًا حتى انتهى إلى الرَّقة، فنزلها، فأتي بمنصور بن جَعْونة بن الحارث العامريّ، من بني عامر بن صعصعة، فقتله، ثم شخص منها، فسلك الفرات حتى أتى الهاشميّة، هاشميّة الكوفة [٧/ ٥٠٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>[ذكر الخبر عن خروج الرّاوندية]</span>\nفمن ذلك خروج الراونديّة، وقد قال بعضهم: كان أمر الراونديّة وأمر أبي جعفر الذي أنا ذاكره، في سنة سبع وثلاثين ومئة أو ستّ وثلاثين ومئة.\n* ذكر الخبر عن أمرهم وأمر أبي جعفر المنصور معهم:\nوالرّاوندية قوم - فيما ذُكِر عن عليّ بن محمد. - كانوا من أهل خُراسان على رأي أبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم، يقولون - فيما زعم - بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم في عثمان بن نَهِيك، وأن ربّهم الذي بطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، وأن الهيثم بن معاوية جبرئيل (١).\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا الخبر من قول المدائني، وهو بدوره لم يسنده إلى شاهد عيان وما إلى ذلك، ويبدو أن تحريفًا حصل إلى أن وصل الخبر إلى المدائني فالراوندية لعلهم من قوم أبي مسلم ولكن لم يكن أبو مسلم على رأيهم ولا هم على رأيه - وقد روى البلاذري الخبر بصورة هي =","vol":"9","page":835},{"text":"قال: وأتوا قصر المنصور، فجعلوا يطوفون به، ويقولون: هذا قصر ربّنا؛ فأرسل المنصور إلى رؤسائهم، فحبس منهم مئتين، فغضب أصحابهم وقالوا: علام حبُسوا! وأمر المنصور ألّا يجتمعوا، فأعدُّوا نعشًا وحملوا السرير - وليس في النَّعش أحد - ثم مرُّوا في المدينة، حتى صاروا على باب السجن، فرموا بالنَّعْش، وشدُّوا على الناس - ودخلوا السجن، فأخرجوا أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمئة رجل، فتنادى الناس، وغُلّقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور من القصر ماشيًا، ولم يكن في القصر دابة، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرسًا يكون في دار الخلافة معه في قصره.\nقال: ولما خرج المنصور أتِيَ بدابّة فركبَها وهو يريدهم؛ وجاء لمعن بن زائدة، فانتهى إلى أبي جعفر، فرمى بنفسه وترجَّل، وأدخل برْكة قبائه في منطقته، وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلّا رجعت، فإنك تُكْفَى، وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر، وقال: أنا اليوم بوّاب، ونودي في أهل السوق، فرموْهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم، وفُتِح باب المدينة، فدخل الناس.\nوجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف (١)؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟ قال: نعم، فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى ظهر حائط، ثم كرُّوا على خازم فكشفوه وأصحابه، ثم كرّ خازم عليهم فاضطرهم إلى حائط المدينة، وقال للهيثم بن شعبة: إذا كَروا علينا فاسبِقْهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فاقتلهم، فحملوا على خازم، فاطّرد لهم، وصار الهيثم بن شعبة كمن ورائهم، فقتِلوا جميعًا.\nوجاءهم يومئذ عثمان بن نَهِيك؛ فكلمهم فرجع فرموْه بنشابة فوقعت بين كتفيْه؛ فمرض أيامًا ومات منها، فصلى عليه أبو جعفر، وقام على قبره حتى دُفِن، وقال: رحمك الله أبا يزيد! وصيَّر مكانه صلى حرسه عيسى بن نَهِيك، فكان على الحرس حتى مات؛ فجعل على الحرس أبا العباس الطوسيّ.\n_________\n= أقرب إلى التصديق فقال: حدثني أبو مسعود والعمري عن الهيثم وغيره أن قومًا من أصحاب أبي مسلم من أهل خراسان كانوا يقولون بتناسخ الأرواح ... إلخ [أنساب الأشراف ٣/ ٢٣٥].\n(١) فرس محذوف: مقصوص شعر الذنب. القاموس ص ١٠٣٢.","vol":"9","page":836},{"text":"وجاء يومئذ إسماعيل بن عليّ، وقد أغلقت الأبواب، فقال للبواب: افتح ولك ألف درهم؛ فأبى. وكان القعقاع بن ضرار يومئذ بالمدينة؛ وهو على شُرَط عيسى بن موسى، فأبلَى يومئذ؛ وكان ذلك كله في المدينة الهاشميّة بالكوفة.\nقال: وجاء يومئذ الرّبيع ليأخذ بلجام المنصور، فقال له معن: ليس هذا من أيامك، فأبلى أبرويز بن المَصْمُغان ملكُ دنبَاوَند - وكان خالف أخاه، فقدم على أبي جعفر فأكرمه، وأجرى عليه رزقًا؛ فلما كان يومئذ أتى المنصور فكفَّر له، وقال: أقاتل هؤلاء؟ قال له: نعم، فقاتلهم؛ فكان إذا ضرب رجلًا فصرعه تأخّر عنه - فلما قُتِلوا وصلى المنصور الظهر دعا بالعشاء، وقال: أطلعوا معن بن زائدة، وأمسَك عن الطعام حتى جاءه معن؛ فقال لقُثم: تحوّل إلى هذا الموضع، وأجلس معنًا مكان قُثَم، فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن عليّ يا أبا العباس، أسمعت بأشدّ الرجال (١)؟ قال: نعم، قال: لو رأيتَ اليوم معنًا علمتَ أنه من تلك الآساد، قال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتُك وإني لوجِل القلب، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهمْ وشدّة الإقدام عليهم، رأيت أمرًا لم أره من خلْق في حرب؛ فشدّ ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني.\nوقال أبو خزيمة: يا أميرَ المؤمنين، إنّ لهم بقيّة، قال: فقد ولّيتُك أمرهم فاقتلهم، قال: فأقتل رزامًا فإنه منهم، فعاذَ رِزام بجعفر بن أبي جعفر، فطُلب فيه فآمنه.\nوقال عليّ عن أبي بكر الهُذليّ، فال: إني لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزّة! هذا الذي يطعمنا ويسقينا؛ فلما رجع أمير المؤمنين ودخل عليه الناس دخلتُ وخلا وجهه، فقلت له: سمعتُ اليوم عجبًا، وحدّثته؛ فنكتَ في الأرض، وقال: يا هذليّ يدخلهم الله النار في طاعتنا ويَعْتلهم أحبُّ إليّ لحِنْ أن يدخنهم الجنة بمعصيتنا.\n_________\n(١) أبو بكر الهذلي ضعيف الحديث فقد قال ابن معين وغندر: لم يكن بثقة، وقال أبو حاتم لم يكتب حديثه، وقال الذهبي أخباري علامة لين الحديث ضعفه أحمد وغيره، وقال ابن حجر أخباري متروك الحديث من السادسة [تحرير التقريب/ تر ٨٠٠٢].\n[ميزان/ تر ١٠٠٠٥].","vol":"9","page":837},{"text":"وذكر عن جعفر بن عبد الله، قال: حدّثني الفضل بن الربيع وقال: حدثني أبي، قال: سمعت المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطيّات وقاني الله شرّها: قتلتُ أبا مسلم وأنا في خرق ومَنْ حولي يقدّم طاعته ويُؤثرها ولو هُتِكت الخرق لذهبتُ ضياعًا، وخرجت يوم الراونديّة ولو أصابني سهم غَرْب لذهبتُ ضياعًا، وخرجت إلى الشأم، ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبَت الخلافةُ ضياعًا.\nوذُكر أنّ معن بن زائدة كان مختفيًا من أبي جعفر، لما كان منه من قتاله المسوّدة مع ابن هبيرة مرّة بعد مرّة؛ وكان اختفاؤه عند مرزوق أبي الخصيب، وكان على أن يطلب له الأمان، فلما خرج الراونديّة أتى الباب فقام عليه، فسأل المنصور أبا الخصيب - وكان يلي حجابة المنصور يومئذ: مَنْ بالباب؟ فقال: معن بن زائدة، فقال المنصور: رجل من العرب، شديد النفس، عالم بالحرب كريم الحسب؛ أدخِلْه، فلما دخل قال: إيه يا معن! ما الرأي؟ قال: الرأي أن تنادي في الناس، وتأمر لهم بالأموال، قال: وأين الناسُ والأموال؟\nومَنْ يقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج! لم تصنع شيئًا يا معن؛ الرأيُ أن أخرج فأقف؛ فإنّ الناس إذا رأوْني قاتلوا وأبلوْا وثابوا إليّ، وتراجعوا، وإن أقمتُ تخاذلوا وتهاونوا، فأخذ معن بيده وقال: يا أمير المؤمنين، إذًا والله تُقتَل الساعة، فأنشدك الله في نفسك! فأتاه أبو الخصيب فقال مثلها، فاجتذب ثوبه منهما، ثم دعا بدابته، فركب ووثب عليها من غير ركاب ثم سوّى ثيابه، وخرج ومعن آخذ بلجامد وأبو الخصيب مع ركابه فوقف.\nوتوجّه إليه رجل فقال: يا معن دونك العِلْج؛ فشدّ عليه مَعن فقتله، ثم والَى بين أربعة، وثاب إليه الناس وتراجعوا؛ ولم يكن إلّا ساعة حتى أفنوْهم، وتغيّب معن بعد ذلك، فقال أبو جعفر لأبي الخصيب: ويلك! أين معن؟\nقال: والله ما أدري أين هو من الأرض! فقال: أيظن أنّ أمير المؤمنين لا يغفر ذنبه بعدما كان من بلائه! أعطِه الأمان وأدخله عليّ؛ فأدخله، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وولّاه اليمن، فقال له أبو الخصيب: قد فرّق صلته وما يقدر على شيء، قال: له لو أراد مثل ثمنك ألف مرّة لقدر عليه.\n* * *","vol":"9","page":838},{"text":"وفي هذه السنة وجه أبو جعفر المنصور ولده محمدًا - وهو يومئذ ولي عهد - إلى خراسان في الجنود، وأمره بنزول الرّيّ، ففعل ذلك محمد.\nوفيها خلَع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خُراسان؛ ذكر عليّ بن محمد، عمن حدّثه، عن أبي أيوب الخوزيّ، أن المنصور لما بلغه أن عبد الجبار يقتل رؤساء أهل خُراسان، وأتاه من بعضهم كتاب فيه: قد نغِل الأديمُ، قال لأبي أيوب الخزاعيّ: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنَا، وما فعل هذا إلّا وهو يريد أن يخلع، فقال له: ما أيسر حيلته! اكتب إليه: إنك تريد غَزْو الروم؛ فيوجّه إليك الجنود من خُراسان، وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعثْ إليهم مَنْ شئت؛ فليس به امتناع.\nفكتب بذلك إليه، فأجابه: إنّ الترك قد جاشت؛ وإن فرّقتُ الجنود ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبي أيّوب، وقال له: ما ترى؟ قال: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهمّ إليّ من غيرها، وأنا موجّه إليك الجنود من قبَلي، ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان؛ فإنْ هَمّ بخلع أخذُوا بعنقه.\nفلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه: إنّ خُراسان لم تكن قطّ أسوأ حالًا منها في هذا العام؛ وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب، فقال له: قد أبدى صفحتَه، وقد خلَع فلا تناظره.\nفوجّه إليه محمد بن المنصور، وأمره بنزول الرّيّ؛ فسار إليها المهديّ، ووجّه لحربه خازم بن خزيمة مقدمةً له، ثم شخص المهدي فنزل نيسابور.\nولما توجّه خازم بن خزيمة إلى عبد الجبار، وبلغ ذلك أهل مَرْو الرّوذ؛ ساروا إلى عبد الجبار من ناحيتهم فناصبوه الحرب، وقاتلوه قتالًا شديدًا حتى هُزِم، فانطلق هاربًا حتى لجأ إلى مقطنة، فتوارى فيها، فعبَر إليه المجشر بن مزاحم من أهَل مَرْو الرّوذ؛ فأخذه أسيرًا؛ فلما قدم خازم أتاه به، فألبسه خازم مدرّعة صوف، وحمله على بعير، وجعل وجهه من قِبَل عجز البعير؛ حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه؛ فبسط عليهم العذاب، وضُربوا بالسياط","vol":"9","page":839},{"text":"حتى استخرج منهم ما قدَر عليه من الأموال، ثم أمرَ المسيّب بن زُهير بقطع يديْ عبد الجبار ورجلْيه وضرب عنقه؛ ففعل ذلك المسيّب، وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دَهْلك - وهي جزيرة على ضفّة البحر بناحية اليمن - فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند، فسبَوْهم فيمن سَبوْا حتى فُودُوا بعد، ونجا منهم من نجا، فكان ممن نجا منهم واكتتب في الديوان وصحب الخُلَفاء عبدُ الرحمن بن عبد الجبار، وبقي إلى أن توفِّيَ بمصر في خلافة هارون، في سنة سبعين ومئة. [٧/ ٥٠٥ - ٥٠٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>[ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند]</span>\nفمما كان فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند\n* ذكر الخبر عن سبب خلعه:\nذُكر أن سبب خلعه، كان أن المسيّب بن زهير كان خليفة موسى بن كعب على الشُّرَط، فلما مات موسى أقام المسيّب على ما كان يلي من الشُّرَط، وخاف المسيّب أن يكتب المنصور إلى عُيَينة في القدوم عليه فيوليه مكانه؛ وكتب إليه ببيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه:\nفأَرضَكَ أرَضَك إن تأْتنا ... فَنَمْ نومَةً ليس فيها حُلُمْ\nوخرج أبو جعفر لما أتاه الخبر عن عيينة بخلْعه حتى نزل بعسكره من البصرة عند جسرها الأكبر، ووجّه عمر بن حفص بن أبي صفرة العتكيّ عاملًا على السند والهند، محاربًا لعيينة بن موسى، فسار حتى ورد السند والهند، وغلب عليها. [٧/ ٥١٢].","vol":"9","page":840},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1633>ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [٧/ ٥١٥]</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك غزوُ محمد بن أبي العباس بن عبد الله بن محمد بن عليّ الدّيلمَ في أهل الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة.\nوفيها انصرف محمد بن أبي جعفر المهديّ عن خُراسان إلى العراق، وشخص أبو جعفر إلى قرماسين، فلقيه بها ابنُه محمد منصرفًا من خُراسان، فانصرفا جميعًا إلى الجزيرة.\nوفيها بنَى محمد بن أبي جعفر عند مقدَمه من خُراسان بابنة عمه رَيْطة بنت أبي العباس.\nوفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور، وخلف على عسكره والميرة خازم بن خُزَيمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>[ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن]</span>\nوفي هذه السنة ولّى أبو جعفر رياحَ بمن عثمان المُرّيّ المدينة، وعزَل محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ عنها.\n* ذكر الخبر عن سبب عزله محمد بن خالد واستعماله رياح بن عثمان وعزله زياد بن عبيد الله الحارثيّ من قبَل محمد بن خالد:\nوكان سبب عزل زياد عن المدينة، أنّ أبا جعفر همّه أمرُ محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب وتخلّفهما عن حضوره مع من شهده من سائر بني هاشم عام حج في حياة أخيه أبي العباس، ومعه أبو مسلم،","vol":"9","page":841},{"text":"وقد ذكر أن محمدًا كان يذكر أنّ أبا جعفر ممّن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمَنْ يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني مَرْوان مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك، فسأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله: ما يهمك من أمرهما! أنا آتيك بهما، وكان زياد يومئذ مع أبي جعفر عند مقدمه مكة سنة ست وثلاثين ومئة، فردّ أبو جعفر زيادًا إلى عمله، وضمنه محمّدًا وإبراهيم.\nفذكر أبو زيد عمر بن شبة أن محمد بن إسماعيل حدّثه، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران (١)، قال: حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة (٢) بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: لما استُخلِف أبو جعفر لم تكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وما يريد (٢)؛ فدعا بني هاشم رجلًا رجلًا؛ كلهم يُخْلِيه فيسألهم عنه، فيقولون: يا أميرَ المؤمنين؛ قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم، فهو يخافك على نفسه، وهو لا يريد لك خلافًا، ولا يحبّ لك معصية، وما أشبه هذه المقالة إلا حسن بن زيد، فإنه أخبره خبره، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك؛ فإنه للّذي لا ينام عنك، فرَ رأيك. قال ابن أبي عبيدة: فأيقظ مَنْ لا ينام.\nوقال محمد: سمعت جدي موسى بن عبد الله، يقول: اللهمّ اطلب حسن بن زيد بدمائنا، قال موسى: وسمعت والله أبي يقول: أشهد لعرَّفني أبو جعفر حديثًا ما سمعه مني إلا حسن بن زيد.\nوحدّثني لمحمد بن إسماعيل، قال: سمعت القاسم بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، قال: أخبرني محمد بن وهب السّلميّ، عن أبي، قال: عرّفني أبو جعفر حديثًا سمعه مني إلا أخي عبد الله بن حسن وحسن بن زيد؛ فأشهد ما أخبره به عبد الله؛ ولا كان يعلم الغيب.\n_________\n(١) عبد العزيز بن عمران متروك (تحرير ٤١١٤).\n(٢) محمد بن إسماعيل بن جعفر لم نعلم فيه جرحًا ولا تعديلًا ومحمد بن وهب السلمي صدوق [تهذيب ٦٢٧٠] ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو أخو عبد الله بن حسن لأمه وثقه العجلي والنسائي وقال ابن حبان في حديثه عن أبي الزناد بعض المناكير وقال البخاري لا يكاد يتابع على حديثه (تهذيب/ ٥٩٥٥) (التاريخ الصغير ٢/ ٨١) والإشكال في هذه الروايات (١ - ٢ - ٣) أنها كلها من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر.","vol":"9","page":842},{"text":"قال محمد: وسأل عنه عبد الله بن حسن عام حجّ، فقال له مقالة الهاشمييّن، فأخبره أنه غير راضٍ أو يأتيه به.\nقال محمد: وحدثتني أمي عن أبيها، قال: قال أبي: قلت لسليمان بن عليّ: يا أخي صهري بك صهري، ورحِمي بك رحمي، فما ترى؟ قال: والله لكأنّي أنظر إلى عبد الله بن عليّ حين حال الستر (١) بيننا وبينه؛ وهو يشير إلينا أنّ هذا الذي فعلتم به، فلو كان عافيًا عفا عن عمّه، قال: فقبل رأيه، قال: فكان آل عبد الله يروْنها صِلةً من سُلَيْمان لهم.\nقال أبو زيد: وحدّثني سعيد بن هُرَيم، قال: أخبرني كلثوم المَرائيّ، قال: سمعت يحيى بن خالد بن بَرْمك يقول: اشترى أبو جعفر، رقيقًا من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل منهم البَعير، والرجل البعيريْن، والرجل الذود، وفرّقهم في طلب محمد في ظهر المدينة؛ فكان الرَّجل منهم يرد الماء كالمارّ وكالضالّ، فيفرّون عنه ويتجسسون.\nقال: وحدّثني محمد بن عباد بن حبجب المهلبيّ، قال: قال لي السنديّ مولى أمير المؤمنين: أتدري ما رفع عُقْبة بن سَلْم عند أمير المؤمنين؛ قلت: لا، قال: أوفد عمّي عمر بن حفص وفْدًا من السند فيهم عقبة، فدخلوا على أبي جعفر، فلما قضوْا حوائجهم نهضوا، فاستردّ عقبة؛ فأجلسه، ثم قال له: مَنْ أنت؟ قال: رجل من جُنْد أمير المؤمنين وخَدمه، صحبت عمر بن حفص، قال: ولما اسمك؟ قال: عُقْبة بن سلم بن نافع، قال: ممن أنت؟ قال: من الأزْد ثم من بني هُناءة، قال: إني لأرى لك هيئة وموضعًا، وإني لأريدك لأمر أنا به معنىً، لم أزل أرتاد له رجلًا، عسى أن تكونه إن كفيتَنِيه رفعتُك، فتال: أرجو أن أصدّق ظنَّ أمير المؤمنين فيّ، قال: فأخفِ شخصَك، واستر أمرك، وائْتني في يوم كذا وكذا في وقت كذا وكذا؛ فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إن بني عمّنا هؤلاء قد أبوْا إلّا كيدًا لملكنا واغتيالًا له، ولهم شِيعة بخُراسان بقرية كذا، يكاتبونهم\n_________\n(١) أما شيخ ابن شبة محمد بن عباد المهلبي فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٠٤) وقال أبو حاتم رأيته عند مسلم بن إبراهيم ولم أكتب عنه (الجرح ٨/ ١٤/ تر ٥٩) وأما السندي مولى أمير المؤمنين فمجهول الحال والله أعلم.","vol":"9","page":843},{"text":"ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكسًا وألطاف وعَيْن حتى تأتيهم متنكرًا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تسير ناحيتهم؛ فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحْبِبْ والله بهم وأقرِبْ، وإن كانوا على رأيهم علمتُ ذلك، وكنتُ على حذرٍ واحتراس منهم، فاشخص حتى تلقَى عبد الله بن حسن متقشفًا متخشعًا؛ فإن جبَهك - وهو فاعل - فاصبْر وعاوده؛ فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل عليّ، قال: فشخص حتى قدم على عبد الله، فلقيه بالكتاب، فأنكره ونهره، وقال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبِل كتابه وألطافه، وأنس به، فسأله عُتْبة الجواب، فقال: أمَا الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرِئهم السلام وأخبرهم أن ابنيَّ خارجان لوقت كذا وكذا، قال: فشخص عُقْبة حتى قدم على أبي جعفر، فأخبره الخبر (١).\nقال أبو زيد: حدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ولَّى أبو جعفر الفضلَ بن صالح بن عليّ الموسم في سنة ثمان وثلاثين ومئة، فقال له: إن وقعت عيناك على محمد وإبراهيم، ابنيْ عبد الله بن حسن، فلا يفارقانك؛ وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما، فقدِم المدينة، فتلقاء أهلُها جميعًا؛ فيهم عبد الله بن حسن وسائر بني حسن إلَّا محمدًا وإبراهيم ابنيْ عبد الله بن حسن، فسكت حتى صدر عن الحجّ، وصار إلى السيّالة، فقال لعبد الله بن حسن: سا سنع ابنيْك أن يلقياني مع أهلهما! قال: والله ما منعهما من ذلك ريبة ولا سوء؛ ولكنهما منهومالت بالصّيد واتّباعه، لا يشهدان مع أهليهما خيرًا ولا شرًا، فسكت الفضلُ عنه، وجلس على دكان قد بنى له بالسَّيَالة، فأمر عبد الله رعاته فسرّحوا عليه ظهره، فأمر أحدهم فحلَب لبَنًا على عسل في عُسّ عظيم، ثم رقى به الدكان، فأوْمأ إليه عبد الله أن اسق الفضلَ بن صالح، فقصد قصده؛ فلما دنا منه صاح به الفضل صيحةً مغضبًا: إليك يا ماص بَظْر أمّه! فأدبر الرّاعي، فوثب عبد الله - وكان من أرفق الناس - فتناول القعبَ، ثم أقبل يمشي به إلى الفضل، فلما رآه يمشي استحيا منه، فتناوله فشرب.\n_________\n(١) الخبر في الأغاني ١٨: ٢٠٧.","vol":"9","page":844},{"text":"قال أبو زيد: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، قال: كان لزياد بن عبيد الله كاتب يقال له حَفْص بن عمر من أهل الكوفة يتشيّع، وكان يثبّط زيادًا عن طلب محمد، فكتب فيه عبد العزيز بن سعد إلى أبي جعفر فحدره إليه، فكتب فيه زياد إلى عيسى بن عليّ وعبد الله بن الربيع الحارنيّ فخلّصاه حتى رجع إلى زياد.\nقال عليّ بن محمد: قدم محمد البصرة مختفيًا في أربعين، فأتَوْا عبدَ الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له عبد الرحمن: أهلكتَني وشهرتَني؛ فانزل عندي وفرِّقْ أصحابَك، فأبى، فقال: ليس لك عندي منزل؛ فانزل في بني راسب، فنزل في بني راسب.\nوقال عمر: حدّثني سليمان بن محمد الساريّ، قال: سمعت أبا هبّار المُزَنيّ يقول\": أقمنا مع محمد بن عبد الله بالبَصْرة يدعو الناس إلى نفسه.\nقال: وحدثني عيسى بن عبد الله، قال: قال أبو جعفر: ما طمعت في بغية لي قطّ إذا ذكرت مكان بني راسب بالبصرة.\nقال: وحدّثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدثني ابن جَشِيب اللِّهْبِيّ، قال: نزلتُ في بني راسب في أيام ابن معاوية، فسألني فتىً منهم يومًا عن اسمي، فلطمه شيخ منهم، فقال: وما أنت وذاك! ثم نظر إلى شيخ جالس بين يديه، فقال: أترى هذا الشيخ نزل فينا أبوه أيام الحجاج، فأقام حتى ولد له هذا الولد، وبلغ هذا المبلغ، وهذا السنّ! لا والله ما ندري ما اسمه ولا اسم أبيه، ولا ممن هو!\nقال: وحدّثني محمد بن الهذيل، قال: سمعتُ الزّعفرانيّ يقول: قدم محمد، فنزل على عبد الله بن شيبان أحد بني مُرّة بن عبيد، فأقام ستة أيام ثم خرج فبلغ أبا جعفر مقدمُه البصرة، فأقبل مُغِذًّا حتى نزل الجسر الأكبر، فأردنا عمرًا (١) على لِقائه، فأبى حتى غلبناه، فلقيَه فقال: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟ قال: لا (١) قال: فأقتصرُ على قولك وأنصرف؟ قال: نعم؛\n_________\n(١) في ابن الأثير: \"فلقيه عمرو بن عبيد، فقال له: يا أبا عثمان؛ هل بالبصرة أحد تخافه على أمرنا؟ قال: لا\"؛ وهذه العبارة أوضح.","vol":"9","page":845},{"text":"فانصرف، وكان محمد قد خرج قبل مقدَم أبي جعفر.\nقال عليّ بن محمد: حدّثني عامر بن أبي محمد، قال: قال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أبايعتَ محمدًا؟ قال: أنا والله لو قلّدتْنِي الأمّة أمورها ما عرفتُ لهما موضعًا.\nقال عليّ: وحدثني أيوب القَزّاز، قال: قلت لعمرو: ما تقول في رجل رضي بالصبر على ذهاب دينه؟ قال: أنا ذاك، قلت: وكيف؛ ولو دعوتَ أجابك ثلاثون ألفًا! قال: والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفَّوْا، ولو عرفتُهُم لكنت لهم رابعًا. [٧/ ٥١٧ - ٥٢٢].\nقال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: تكفّل زياد لأمير المؤمنين بابنيْ عبد الله أن يخرجهما له، فأقرّه على المدينة، فكان حسن بن زيد إذا علم من أمرهما علمًا كفَّ حتى يفارقا مكانهما ذلك؛ ثم يخبر أبا جعفر، فيجد الرَّسم الذي ذكر، فيصدقه بما رفع إليه؛ حتى كانت سنة أربعين ومئة، فحجّ فقسَم قسومًا خصّ فيها آل أبي طالب فلم يظهر له ابنا عبد الله؛ فبعث إلى عبد الله فسأله عنهما، فقال: لا علم لي بهما؛ حتى تغالظا، فأمصّه (١) أبو جعفر، فقال: يا أبا جعفر، بأيّ أمهاتي تُمصّني! أبفاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، أم بفاطمة بنت أسد، أم بفاطمة بنت حسين، أم أمّ إسحاق بنت طلحة، أم خديجة بنت خويلد؟ قال: لا بواحدة منهنّ؛ ولكن بالجرباء بنت قسامة بن زهير - وهي امرأةٌ من طيّئ - قال: فوثب المسيّب بن زهير، فقال: دعْني يا أميرَ المؤمنين أضرب عنق ابن الفاعلة، قال: فقام زياد بن عبيد الله، فألقى عليه رداءَه، وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين؛ فأنا أستخرج لك ابنيْه فتخلّصه منه (٢).\nقال عمر: وحدثني الوليد بن هشام بن قَحْذم، قال: فال الحزين الدّيليّ لعبد الله بن الحسن ينعىَ عليه ولادة الجرباء:\n_________\n(١) في اللسان: \"مصان ومصانة: شتم للرجل يعير برضع الغنم من أخلافها بفيه .... يعنون أنه يرضع الغنم من اللؤم؛ لا يحتلبها فيسمع صوت الحلب؛ ولهذا قيل: لئيم راضع، ويقال أمص فلانًا فلانًا؛ إذا شتمه بالمصان\"، اللسان (٧/ ٩١).\n(٢) الخبر في الأغاني ١٨: ٢٠٧.","vol":"9","page":846},{"text":"لعلَّك بالجَرْباءِ أو بحكاكةٍ ... تُفاخِرُ أُمّ الفَضل وابنَة مِشْرح\nوما منهما إلا حَصانٌ نجيبةٌ ... لها حَسَبٌ في قومها مُترجّحُ\nقال عمر: وحدثني محمد بن عبّاد، قال: قال لي السنديّ مولى أمير المؤمنين: لما أخبر عقبة بن سلم أبا جعفر، أنشأ الحجّ وقال لعقبة: إذا صرت بمكان كذا وكذا لقيَني بنو حسن، فيهم عبد الله، فأنا مبجّله، ورافعٌ مجلسه وداع بالغداء؛ فإذا فرغنا من طحامنا فلحظتُك فامثل بين يديه قائمًا، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهرَه بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك ثم حسبُك؛ وإياك أن يراك ما دام يأكل، فخرج حتى إذا تدفّع في البلاد لقيه بنو حسن، فأجلس عبدَ الله إلى جانبه، ثم دعا بالطعام فأصابوا منه؛ ثم أمر به فرفع، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، قد علمتَ ما أعطيَتني من العهود والمواثيق ألّا تبغيَني سوءًا، ولا تكيد لي سلطانًا، قال: فأنا على ذلك يا أمَير المؤمنين؛ قال: فلحظ أبو جعفر عُقْبة، فاستدار حتى قام بين يديه، فأعرض عنه، فرفع رأسه حتى قام من وراء ظهره؛ فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، فقال: أقِلْني يا أميرَ المؤمنين أقالك الله! قال: لا أقالني الله إن أقلتُك، ثم أمر بحبسه (١).\nقال عمرت وحدثني بكر بن عبد الله بن عاصم سولى قُرَيبةَ بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: حدّثني عليّ بن ربَاح بن شبيب، أخو إبراهيم، عن صالح صاحب المصلّى، قال: إني لواقفٌ على رأس أبي جعفر، وهو يتغدّى بأوْطاس؛ وهو متوجّه إلى مكة، ومعه على مائدته عبدُ الله بن حسن وأبو الكرام الجعفريّ وجماعة من بني العباس، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي؛ وإني لأحب أن يأنسا بي، وأن يأتياني فأصِلَهما وأخلطهما بنفسي - قال وعبد الله مطرِق طويلًا ثم رفع رأسه - فقال: وحقِّك يا أميرَ المؤمنين، فما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علْم؛ ولقد خرجا من يدي؛ فيقول أبو جعفر: لا تفعل يا أبا محمد، اكتب إليهما وإلى من يوصّل كتابك إليهما، قل: فامتنع أبو جعفر ذلك اليوم من عامة غَدائه إقبالًا\n_________\n(١) الأغاني: ١٨: ٢٠٦، ٢٠٧.","vol":"9","page":847},{"text":"على عبد الله، وعبد الله يحلف ما يعرف موضعهما وأبو جعفر يكرّر عليه: لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد، قال: فكان شدّة هرب محمد من أبي جعفر أن أبا جعفر كان عقد له بمكة في أناس من المعتزلة (١).\nقال عمر: حدثني أيوب بن عمر - يعني ابن أبي عمرو - قال: حدثني محمد بن خالد بن إسماعيل بن أيوب بن سلَمة المخزوميّ، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرني العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: لما حجّ أبو جعفر في سنة أربعين ومئة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن؛ فإنهما وإياي لعنده؛ وهو مشغول بكتاب ينظر فيه؛ إذْ تكلم المهديّ فلحن، فقال عبد الله: يا أميرَ المؤمنين، ألا تأمر بهذا مَنْ يعدّل لسانه؛ فإنه يغفل غفل الأمَة! فلم يفهم؛ وغمزتُ عبد الله فلم ينتبه لها، وعاد لأبي جعفر فاحتفظ من ذلك، وقال: أين ابنك؟ فقال: لا أدري، قال: لتأتينّي به؛ قال: لو كان تحت قدميّ ما رفعتهما عنه، قال: يا ربيع قمْ به إلى الحبس (٢).\nقال عمر: حدّثني موسى بن سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيّ، قال: لما تمثل عبد الله بن حسن لأبي العباس:\nأَلم تر حوشبًا أَمسى يبني ... بيوتًا نفعها لبني بُقَيْلهْ (٣)\nلم تزل في نفس أبي جعفر عليه؛ فلما أمر بحبسه، قال: ألست القائل لأبي العباس:\nألم تَرَ حَوْشَبًا أَمْسَى يُبَنِّي ... بُيُوتًا نَفعُها لبني بُقَيْلهْ\nوهو آمن الناس عليك، وأحسنهم إليك صنيعًا!\nقال عمر: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق عن أبي حُنَيْن، قال: دخلتُ على عبد الله بن حسن وهو محبوس؛ فقال: هل حدث\n_________\n(١) الأغاني ١٨: ٢٠٧.\n(٢) الخبر في الأغاني ١٨: ٢٠٨ (ساسى).\n(٣) الأغاني ١٨: ٢٠٦، وبعده يقول:\nيؤمِّل أن يعمِّر عُمْرَ نوح ... وأَمرُ الله يحدث كلَّ لَيْلَه","vol":"9","page":848},{"text":"اليوم مِنْ خبر؟ قلت: نعم، قد أمر ببيع متاعك ورقيقِك، ولا أرى أحدًا يقدم على شرائه، فقال: ويحك يا أبا حُنين! والله لو خُرِج بي وببناتي مسترقّين لاشتُرِينا!\nقال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق قال: شخص أبو جعفر، وعبد الله بن حسن محبوس، فأقام في الحبس ثلاث سنين.\nقال عمر: وحدثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدثني أبو حَرْملة محمد بن عثمان، مولى آل عمرو بن عثمان، قال: حدّثني أبو هبّار المُزنيّ، قال: لما حجّ أبو جعفر سنة أربعين ومئة، حجّ تلك السنة محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، وهما متغيبان، فاجتمعوا بمكة، فأرادوا اغتيال أبي جعفر، فقال لهم الأشتر: عبد الله بن محمد بن عبد الله، أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا والله لا أقتله أبدَّا غَيلَةً حتى أدعوه؛ قال: فنقض أمرُهم ذلك وما كانوا أجمعوا عليه؛ وقد كان دخل معهم في أمرهم قائد من قوّاد أبي جعفر من أهل خُراسان، قال: فاعترض لأبي جعفر إسماعيل بن جعفر بن محمد الأعرج، فنمَّى إليه أمرَهم، فأرسل في طلب القائد فلم يظفرْ به، وظفِر بجماعة من أصحابه، وأفلت الرَّجُل وغلام له بمال زُهاء ألفي دينار كانت مع الغلام، فأتاه بها وهو مع محمد، فقسَمها بين أصحابه، قال أبو هبّار: فأمرني محمد، فاشتريت للرّجُل أبا عر وجهَّزته وحملته في قبّة وقطرته، وخرجت أريد به المدينة حتى أوردتُه إياها.\nوقدم محمد فضمّه إلى أبيه عبد الله، ووجّههما إلى ناحية من خُراسان، قال: وجعل أبو جعفر يقتل أصحاب ذلك القائد الذي كان من أمره ما ذكرتُ.\nقال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى بن محمد (١) قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: غدوتُ على زياد بن عبيد الله وأبو جعفر بالمدينة، قال: فقال: أخبركم عجبًا مما نقيته اللَّيلة، طرقني رسلُ أميرِ المؤلمنين نصفَ الليل - وكان زياد قد تحوّل لقدوم أمير المؤمنين إلى داره بالبلاط - قال: فدقّتْ عليّ رسله، فخرجت ملتحِفًا بإزاري؛ ليس عليّ ثوب غيره، فنبهت غلمانًا لي وخصيانًا في سقيفة الدار، فقلت لهم: إن هدموا الدار فلا يكلمهم منكم أحد؛ قال: فدقوا طويلًا ثم\n_________\n(١) هذا تصحيف والصواب محمد بن يحيى بن علي.","vol":"9","page":849},{"text":"انصرفوا، فأقاموا ساعة، ثم طلعوا بجُرْز شبيه أن يكون معهم مثله؛ مرّة أو مرّتين، فدقوا الباب بجِرَزَة الحديد، وصيَّحوا فلم يكلمهم أحد، فرجعوا فأقاموا ساعة، ثم جاؤوا بأمر ليس عليه صَبْر؛ فظننت والله أن قد هدموا الدار علي؛ فأمرت بفتحها، وخرجت إليهم فاستحثوني وهمُّوا أن يحملوني، وجعلت أسمع العزاء من بعضهم حتى أسلموني إلى دار مَرْوان، فأخذ رجلان بعضدي، فخرّجاني على حال الدفيف على الأرض أو نحوه، حتى أتيا بي حجرة القبّة العظمى، فإذا الربيع واقفٌ، فقال: ويحك يا زياد! ماذا فعلت بنا وبنفسك منذ الليلة! ومضى بي حتى كشف ستر باب القبّة، فأدخلني ووقف خَلْفي بين البابين؛ فإذا الشمع في نواحي القبّة، فهي تزهر، ووصيف قائم في ناحيتها، وأبو جعفر محتَبٍ بحمائل سيفه على بساط ليس تحته وسادة ولا مصلّى، وإذا هو منكسٌ رأسَه ينقر بجرْز في يده.\nقال: فأخبرني الربيع أنها حاله من حين صلى العَتمة إلى تلك الساعة، قال: فما زلتُ واقفًا حتى إني لأنتظر نداء الصبح، وأجد لذلك فَرجًا؛ فما يكلمني بكلمة، ثم رفع رأسه إليّ، فقال: يا بن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قال: ثم نكس رأسه، ونكث أطْوَل مما مضى له، ثم رفع رأسه الثانية، فقال: يابن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قتلني الله إن لم أقتلك! قال: قلت له: اسمع مني ودعْني أكلّمك، قال: قل، قلت له: أنت نفرتهما عنك؛ بعثت رسولًا بالمال الذي أمرت بقَسْمِه عليّ بني هاشم، فنزل القادسيّة، ثم أخرج سِكينًا يحدّه، وقال: بعثني أمير المؤمنين لأذبح محمدًا وإبراهيم، فجاءتهما بذلك الأخبار، فهربا، قال: فصرَفني فانصرفتُ.\nقال عمر: وحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد - وكان يلقب: الأكَار، من أهل فَيْد - قال: سمعت نصر بن قادم مولى بني محول الحنّاطين: قال: كان عبدويه وأصحاب له بمكة في سنة حجّها أبو جعفر، قال: فقال لأصحابه: إني أريد أن أوجر أبا جعفر هذه الحربة بين الصَّفا والمروة، قال: فبلغ ذلك عبد الله بن حسن فنهاه، وقال: أنت في موضع عظيم؛ فما أرى أن تفعل.\nوكان قائد لأبي جعفر يدعى خالد بن حسان، كان يدعى أبا العساكر على ألف رجل، وكان قد مَالأ عبدويه وأصحابه، فقال له أبو جعفر: أخبرني عنك","vol":"9","page":850},{"text":"وعن عبدويه والعُطارديّ، ما أردتم أن تصنعوا بمكة؟ قال: أردنا كذا وكذا، قال: فما منعكم؟ قال: عبد الله بن حسن، قال: فطمره فلم ير حتى الساعة.\nقال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جدّ أبو جعفر حين حبِس عبد الله في طلب ابنيه، فبعث عينًا له، وكتب معه كتابًا على ألسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم ومسارعتهم؛ وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرّجل المدينة، فدخل على عبد الله بن حسن، فسأله عن محمد، فذكر له أنه في جبل جُهينة، وقال: امرر بعليّ بن حسن، الرّجل الصالح الذي يدعى الأغرّ، وهو بذي الأبر، فهو يرشدك، فأتاه فأرشده، وكان لأبي جعفر كاتب على سرّه، كان متشَيعًا، فكتب إلى عبد الله بن حسن بأمر ذلك العيْن، وما بُعث له، فقدم الكتاب على عبد الله فارتاعوا، وبعتوا أبا هبّار إلى عليّ بن الحسن وإلى محمد، فيحذرهم الرجل؛ فخرج أبو هبّار حتى نزل بعليّ بن حسن، فسأله فأخبره أن قد أرشده إليه، قال أبو هبّار: فجئت محمدًا في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كَهْف، معه عبد الله بن عامر الأسلميَ وابنا شجاع وغيرهم، والرجل معهم أعلاهم صوتًا، وأشدّهم انبساطًا؛ فلما رأني ظهر عليه بعض النَّكَرة، وجلست مع القوم؛ فتحدّثت مليًّا، ثم أصغيت إلى محمد، فقلت: إنّ لي حاجةً، فنهض ونهضت معه، فأخبرته بخبر الرجل، فاسترجع، وقال: فما الرأي؟ فقلت: إحدى ثلاث أيها شئت فافعل؛ قال: وما هي؟ قلت: تَدَعني فأقتل الرجل، قال: ما أنا بمقارف دمًا إلّا مكرهًا، أو ماذا؟ قلت: توقرُه حديدًا وتنقله معك حيث انتقلت، قال: وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال! أو ماذا؟ قلت: تشُدّه وتوثقه وتودعه بعض أهلِ ثقتك من جهينة؛ قال: هذه إذًا؛ فرجعنا وقد نَذِر الرجل فهرب، فقلت: أين الرجل؟ قالوا: قام بركْوة فاصطبّ ماء؛ ثم توارى بهذا الظَّرب يتوضَّأ، قال: فجُلنا في الجبل وما حوله؛ فكأنّ الأرض التأمت عليه، قال: وسعى على قدميه حتى شرع على الطريق، فمرّ به أعراب معهم حُمولة إلى المدينة، فقال لبعضهم: فرّغ هذه الغِرارة وأدخلنيها أكن عِدْلًا لصاحبتها ولك كذا وكذا، قال: نعم، ففرّغها وحمله حتى أقدمه بالمدينة، ثم قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر كلَّه، وعميَ عن اسم أبي هبار وكنيته، وعلّق وبرًا، فكتب أبو جعفر في طلب وَبر المُزنيّ، فحُمل","vol":"9","page":851},{"text":"إليه رجل منهم يدعَى وبرًا، فسأله عن قصّة محمد وما حكى له العين؛ فحلف أنه ما يعرف من ذلك شيئًا؛ فأمر به فضرِب سبعمئة سوط، وحُبس حتى مات أبو جعفر.\nقال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ألحّ أبو جعفر في طلب محمد، وكتب إلى زياد بن عبيد الله الحارثيّ يتنجّزه ما كان ضمِن له، فقدم محمد المدينة قدمةً، فبلغ ذلك زيادًا، فتلطّف له وأعطاه الأمان على أن يظهر وجهه للناس معه، فوعده ذلك محمد، فركب زياد مغلّسًا، ووعد محمدًا سوق الظهر، فالتقيا بها، ومحمد معلنٌ غير مختفٍ، ووقف زياد إلى جنبه، وقال: يا أيها الناس؛ هذا محمد بن عبد الله بن حسن، ثم أقبل عليه، فقال: الحقْ بأيّ بلاد الله شئت، وتوارى محمد، وتواترت الأخبار بذلك على أبي جعفر.\nقال عمر: حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني من أصدق، قال: دخل إبراهيم بن عبد الله على زياد، وعليه دِرع حديد تحت ثوبه، فلمسها زياد، ثم قال: يا أبا إسحاق؛ كأنك اتّهمتَني! ذلك والله ما ينالك مني أبدًا (١).\nقال عُمر: حدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: ركب زياد بمحمد؛ فأتى به السوق فتصايح أهل المدينة: المهديّ المهديّ! فتوارى فلم يظْهر؛ حتى خرج (٢).\nقال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قاد: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لمَّا أن تتابعت الأخبار على أبي جعفر بما فعل زياد بن عبيد الله، وجّه أبا الأزهر (رجلًا من أهل خُراسان) إلى المدينة، وكتب معه كتابًا، ودفع إليه كتبًا، وأمره ألّا يقرأ كتابه إليه حتى ينزل الأعوص، على بريد من المدينة، فلما أن نزله قرأه؛ فإذا فيه توليةُ عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المدينة - وكان قاضيًا لزياد بن عبيد الله - وشدُّ زياد في الحديد، واصطفاء ماله، وقبضُ جميع ما وجد له،\n_________\n(١) عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي - ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٩٢) وقال يروي عن أبيه عن جده في حديثه بعض المناكير وانظر التاريخ الكبير (٣/ ٢/ ٣٩٠).\n(٢) عبد الله بن محمد بن عمر وثقه الدارقطني وابن خلفون [البرقاني/ ٨٥] وقال ابن المديني ثقة (تهذيب الكمال/ ٣٥٣٤)، (إكمال/ ٢/ ٣٢٢) وأما ابنه عيسى فانظر الرواية السابقة.","vol":"9","page":852},{"text":"وأخذُ عمّاله وإشخاصُه وإياهم إلى أبي جعفر، فقدم أبو الأزهر المدينة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين ومئة، فوجد زيادًا في موكب له، فقال: أين الأمير؟ فقيل: ركب، وخرجت الرّسل إلى زياد بقدومه، فأقبل مسرعًا حتى دخل دار مَرْوان، فدخل عليه أبو الأزهر، فدفع إليه كتابًا من أبي جعفر في ثُلُث يأمره أن يسمع ويطيع، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعة، فمرْ يا أبا الأزهر بما أحببت؛ قال: ابعث إلى عبد العزيز بن المطلب، فبعث إليه، فدفع إليه كتابًا أن يسمع لأبي الأزهر، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعة؛ ثم دفع إلى زياد كتابًا يأمره بتسليم العمل إلى ابن المطلب، ودفع إلى ابن المطلب كتابًا بتوليته، ثم قال لابن المطلب: ابعث إليّ أربعة كبول وحدَّادًا، فأتِيَ بهما فقال: اشدد أبا يحيى، فشُدّ فيها وقبض ماله - ووجد في بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار - وأخذ عماله، فلم يغادر منهم أحدًا؛ فشخص بهم وبزياد فلما كانوا في طرف المدينة وقف له عماله يسلّمون عليه، فقال: بأبي أنتم! والله ما أبالي إذا رَاكم أبو جعفر ما صنع بي! أي من هيئتَهم ومروّتهم.\nقال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، عن خاله عليّ بن عبد الحميد، قال: شيّعنا زيادًا، فسرت تحت محمله ليلة، فأقبل عليّ فقال: والله ما أعرف لي عند أمير المؤمنين ذنبًا؛ غير أني أحسبه وجَد عليّ في ابنيْ عبد الله، ووجَد دماء بني فاطمة عليّ عزيزة. ثم مضوا حتى كانوا بالشقراء؛ فأفلت منهم محمد بن عبد العزيز، فرجع إلى المدينة، وحبس أبو جعفر الآخرين، ثم خلّى عنهم (١) [٧/ ٥٢٢ - ٥٣٠].\nقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني مَنْ أصدِّق، قال: لما أنْ وجّه أبو جعفر مبهوتًا وابن أبي عاصية في طلب محمد، كان مبهوت الذي أخذ زيادًا، فقال زياد:\nأكلَّفُ ذنبَ قومٍ لستُ منهمْ ... وما جَنَتِ الشِّمال على اليمين\nقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: كنت أنا والشعبانيّ - قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن\n_________\n(١) الحارث بن إسحاق لم نجد له ترجمة وكذلك خاله علي بن عبد الحميد والله أعلم.","vol":"9","page":853},{"text":"أبي فروة، قال: كنت أنا والشعبانيّ - قائد كان لأبي جعفر - مع زياد بن عبيد الله نختلف إلى أبي الأزهر أيام بعثه أبو جعفر في طلب بني حسن، فإني لأسير مع أبي الأزهر يومًا إذْ أتاه آتٍ فلصق به، فقال: إنّ عندي نصيحة في محمد وإبراهيم، قال: اذهب عنا، قال: إنها نصيحة لأمير المؤمنين، قال: اذهبْ عنّا، ويلك قد قتل الخلق! قال: فأبى أن ينصرف، فتركه أبو الأزهر حتى خلا الطريق، ثم بعج بسيفه بطنه بَعْجةً ألقاه ناحية.\nثمّ استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد؛ فذكر عمر أن محمد بن يحسى حدّثه، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: استحمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد، وأمره بالجِدّ في طلب محمد، وبسط يده في النفقة في طلبه، فأغذّ السير حتى قدم المدينة هلال رجب سنة إحدى وأربعين ومئة، ولم يعلم به أهل المدينة حتى جاء رسوله من الشُّقرة - وهي بين الأعوص والطَّرَف على ليلتين من المدينة - فوجد في بيت المال سبعين ألف دينار وألف ألف درهم؛ فاستغرق ذلك المال؛ ورفع في محاسبته أموالًا كثيرة أنفقها في طلب محمد، فاستبطأه أبو جعفر واتّهمه؛ فكتب إليه أبو جعفر يأمره بكشف المدينة وأعراضها؛ فأما محمد بن خالد أهلَ الديوان أن يتجاعلوا من يخرج؛ فتجاعلوا رباع الغاضريّ المضحك - وكان يداين الناس بألف دينار - فهلكت وتوِيت (١)، وخرجوا إلى الأعراض لكشفها عن محمد، وأمر القسريّ أهل المدينة؛ فلزموا بيوتهم سبعة أيام، وطافت رسله والجند ببيوت الناس يكشفونها، لا يحسون شيئًا، وكتب القسريّ لأعوانه صِكاكًا يتعزّزون بها؛ لئلا يعرض لهم أحد؛ فلمّا استبطأه أبو جعفر ورأى ما استغرق من الأموال عزله.\nقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: أخبرني حسين بن يزيد، عن ابن ضبّة، قال: اشتدّ أمر محمد وإبراهيم على أبي جعفر؛ فبعث فدعا أبا السعلاء من قيس بن عيلان، فقال: ويلك! أشر عليّ في أمر هذين الرجلين؛ فقد غمّني أمرهما، قال: أرى لك أن تستعمل رجلًا من ولد الزُّبير أو طلحة؛ فإنهم يطلبونهما بذَحْل؛ فأشهد لا يُلبثونهما أو يخرجوهما إليك.\n_________\n(١) تويت بمعنى هلكت. القاموس ص ١٦٣٤.","vol":"9","page":854},{"text":"قال: قاتلك الله؛ ما أجود رأيًا جئت به! والله ما غَبِيَ هذا عليّ؛ ولكني أعاهد الله ألّا أثَّئِر من أهل بيتي بعدوّي وعدوّهم؛ ولكني أبعث عليهم صُعيليكًا من العرب، فيفعل ما قلت، فبعث رياح بن عثمان بن حيّان.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد الله بن يحيى، عن موسى بن عبد العزيز؛ قال: لما أراد أبو جعفر عزل محمد بن خالد عن المدينة ركب ذات يوم؛ فلما خرج من بيته استقبله يزيد بن أسَيْد السُّلَميّ، فدعاه فسايره، ثم قال: أما تدلّني على فتىً من قيس مُقلّ، أغنيه وأشرّفه وأمكّنه من سيد اليمن يلعب به؟ يعني ابن القسريّ؛ قال: بلى، قد وجدته يا أمير المؤمنين، قال: مَنْ هو؟ قال: رياح بن عثمان بن حَيّان المريّ، قال: فلا تذكرنَّ هذا لأحد، ثم انصرف فأمر بنجائب وكسوة ورحال؛ فهيئت للمسير، فلما انصرف من صلاة العَتمة دعا برياح، فذكر له ما بلا من غشّ زياد وابن القسريّ في ابنيْ عبد الله، وولاه المدينة، وأمر بالمسير من ساعته قبل أن يصل إلى منزله، وأمره بالجدّ في طلبهما؛ فخرج مسرعًا، حتى قدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومئة.\nقال: وحدَّثني محمد بن معروف، قال: أخبرني الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: لما بلغ أمر محمد وإبراهيم من أبي جعفر ما بلَغ خرجت يومًا من عنده - أو من بيتي - أريده، فإذا أنا برجل قد دنا مني، فقال: أنا رسول رياح بن عثمان إليك، يقول لك: قد بلغني أمر سحمد وإبراهيم وإدْهان الولاة في أمرهما؛ وإنْ ولّاني أمير المؤمنين المدينة ضمنت له أحدهما، وإلّا أظه رهما. قال: فأبلغتُ ذلك أميرَ المؤمنين، فكتب إليه بولايته، وليس بشاهد.\nذكر عمر بن شبّة، عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن يحيى، عن موسى بن عبد العزيز، قال: لما دخل رياح دار مَرْوان، فصار في سقيفتها، أقبل على بعض من معه، فقال: هذه دار مروان؟ قالوا: نعم، قال: هذه المحلال المظعان، ونحن أوّل من يظعن منها.\nقال عمر: حدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني الزبير بن المنذر مولى عبد الرحمن بن العوّام، قال: قدم رياح بن عثمان، فقدم معه حاجب له يكنى أبا البختريّ، وكان لأبي صديقًا زمان الوليد بن يزيد، قال: فكنت آتيه لصداقته","vol":"9","page":855},{"text":"لأبي - فقال لي يومًا: يا زُبير، إن رياحًا لما دخل دار مروان قال لي: هذه دار مرْوان؟ أما والله لِمحْلال مظْعان؛ فلما تكشف الناس عنه - وعبد الله محبوس في قبة الدار التي على الطريق إلى المقصورة، حبَسه فيها زياد بن عبيد الله - قال لي: يا أبا البَختريّ، خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ، فأقبل متّكئًا عليّ حتى وقف على عبد الله بن حسن، فقال: أيّها الشيخ، إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة، ولا يدٍ سلفت إليه؛ والله لا لعبتَ بي كما لعبت بزياد وابن القسريّ، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيْك محمد وإبراهيم! قال: فرفع رأسه إليه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيْرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة، قال أبو البَختريّ: فانصرف رياح والله آخذًا بيدي، أجد برد يده، وإن رجليه لتخطّان مما كلّمه، قال: قلت: والله إنّ هذا ما اطَّلع على الغيب قال: إيهًا ويلك! فوالله ما قال إلا ما سمع؛ قال: فذُبح والله فيها ذبح الشاة.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: قدم رياح المدينة، فدعا بالقسريّ، فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي هو أعلم بذلك مني، قال: أسألك وتحيلني على كاتبك! فأمر به فُوجِئَت عنقه، وقنِّع أسواطًا، ثم أخذ رزامًا كاتب محمد بن خالد القسريّ ومولاه فبسط عليه العذاب، وكان يضربه في كلّ غبّ خمسة عشر سوطًا، مغلولة يده إلى عنقه من بُكرة إلى الليل؛ يتجع به أفناء المسجد والرّحبة، ودسّ إليه في الرفع على ابن خالد، فلم يجد عنده في ذلك مساغًا، فأخرجه عمر بن عبد الله الجذاميّ - وكان خليفة صاحب الشُّرَط يومًا من إلأيام - وهو يريد ضربه، وما بين قدميه إلى قرنه قرحة، فقال له: هذا يوم غبّك، فأين تحبّ أن نجلدك؟ قال: والله ما في بدني موضع لضرب؛ فإن شئتَ فبطون كفى، فأخرج كفيّه فضرب في بطونهما خمسة عشر سوطًا، قال: فجعلت رسل رياح تختلف إليه، تأمره أن يرفع على ابن خالد، ويخفَى سبيله، فأرسل إليه: مرْ بالكفّ عني، حتى أكتب كتابًا، فأمر بالكفّ عنه، ثم ألحّ عليه وبعث إليه: أن رُحْ بالكتاب العشيّة على رؤوس الناس، فادفعه إليّ، فلما كان العشيّ أرسل إليه فأتاه وعنده جماعة فقال: أيها الناس؛ إن الأمير أمرني أن أكتب كتابًا، وأرفع على ابن خالد؛ وقد","vol":"9","page":856},{"text":"كتبت كتابًا أتنجّى به، وأنا أشهدكم أن كلّ ما فيه باطل، فأمر به رياح فضرب مئة سوط، ورُدّ إلى السجن.\nقال عمر: حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمي عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: لما أهبط الله آدم من الجنّة رفعه على أبي قُبيس، فرفع له الأرض جميعًا حتى رآها وقال: هذه كلها لك، قال: أيْ ربّ، كيف أعلم ما فيها؟ فجعل له النجوم، فقال: إذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا، وإذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا؛ فكان يعلم ذلك بالنجوم، ثم إن ذلك اشتدّ عليه، فأنزل الله ﷿ مرآة من السماء يرى بها ما في الأرض حتى إذا ما مات آدم عمَد إليها شيطان يقال له فقطس فكسرها، وبنى عليها مدينة بالمشرق يقال لها جابرت؛ فلما كان سليمان بن داود سأل عنها، فقيل له: أخذها فقطس، فدعاه فسأله عنها، فقال: هي تحت أواسي جابرت، قال: فائْتِني بها، قال ومَنْ يهدمها؟ فقالوا لسليمان: قل له: أنت، فقال سليمان: أنت، فأتى بها سليمان، فكان يجبر بعضها إلى بعض ثم يشدّها في أقطارها بسير، ثم ينظر فيها؛ حتى هلك سليمان؛ فوثبتْ عليها الشياطين، فذهبت بها وبقيت منها بقية، فتوارثتْها بنو إسرائيل حتى صارت إلى رأس الجالوت؛ فأتِيَ بها مَرْوان بن محمد؛ فكان يحكُّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها ما يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، ودفعها إلى جارية له، فجعلتها في كرسفة، ثم جعلتها في حجر؛ فلما استخلف أبو جعفر سأل عنها فقيل له: هي عند فلانة؛ فطلبها حتى وجدها، فكانت عنده؛ فكان يحكُّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها؛ وكان يرى محمد بن عبد الله؛ فكتب إلى رياح بن عثمان: إنَّ محمدًا ببلاد فيها الأترجّ والأعناب فاطلبه بها، وقد كتب إلى محمد بعض أصحاب أبي جعفر: لا تقيمنّ في موضع إلّا بقدْر مسير البريد من العراق إلى المدينة؛ فكان يتنقل فيراه بالبَيْضاء، وهي من وراء الغابة على نحو من عشرْين ميلًا؛ وهي لأشجع، فكتب إليه: إنه ببلاد بها الجبال والقِلّات؛ فيطلبه فلا يجده، قال: فكتب إليه إنه بجبل به الحبّ الأخضر والقَطِران، قال: هذه رضوى؛ فطلبه فلم يجده (١).\n_________\n(١) هذا خبر منكر ومثل هذه الأخبار لا تؤخذ إلا من طريق مسند موصول مرفوع صحيح - فكيف وهذا حال الإسناد؟","vol":"9","page":857},{"text":"قال أبو زيد: حدّثني أبو صفوان نصر بن قُديد بن نصر بن سيار، أنه بلغه أنه كان عند أبي جعفر مرآة يَرى فيها عدوَّه من صديقه (١).\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: جدّ رياح في طلب محمد، فأخبِر أنه في شِعْب من شعاب رَضْوى - جبل جهينة، وهي من عمل ينبُع - فاستعمل عليها عمرو بن عثمان بن مالك الجُهنيّ أحد بني جشم، وأمره بطلب محمد، فطلبه فذُكِر له أنه بشِعْب من رَضْوَى، فخرج إليه بالخيل والرّجال، ففزع منه محمد، فأحضِر شدًّا، فأفلت وله ابن صغير، ولد في خوفه ذلك؛ وكان مع جارية له؛ فهوى من الجبلَ فتقطَّع، وانصرف عمرو بن عثمان.\nقال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن حكيم الطائيّ، قال: لما سقط ابن محمد فمات ولقي محمد ما لقي، قال:\nمنخرق السّربال يشكو الوَجَى ... تَنكُبُهُ أَطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ\nشرَّده الخوفُ فأَزْرَى به ... كذاك مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الجلادْ\nقد كان في الموت له راحةٌ ... والموتُ حتمٌ في رقاب العبادْ\nقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمّي عبيد الله بن محمد، قال: قال محمد بن عبد الله: بينا أنا في رَضْوَى مع أمَة لي أمّ ولد، معها بُنيّ لي ترضعه؛ إذا ابن سَنُوطَى (مولى لأهل المدينة)، قد هجم عليّ في الجبل يطلبني؛ فخرجت هاربًا، وهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطّع، فقال عبيد الله: فأتِيَ بابن سنوطى إلى محمد بعد حين ظهر، فقال: يا بن سنوطى، أتعرف حديث الصبيّ؟ قال: إي والله، إني لأعرفه، فأمر به فحُبس؛ فلم يزل محبوسًا حتى قتِل محمد.\nقال: وحدّثني عبد العزيز بن زياد، قال: حدّثني أبي قال: قال محمد: إني بالحرّة لمصعِد ومنحدر، إذ أنا برياح والخيل، فعدلتُ إلى بئر فوقفت بين\n_________\n(١) هذا لا يصح وأبو صفوان (نصر بن قديد) كذبه ابن معين وذكره البخاري وابن الجارود في الضعفاء وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة [الجرح والتعديل ٨/ تر ٢١٦٤].\nوانظر لسان الميزان [تر ٨٨٥٥].","vol":"9","page":858},{"text":"قرنَيْها، فجعلت أستقي، فلقيَني رياح صَفْحًا، فقال: قاتله الله أعرابيًّا ما أحسن ذراعه!\nقال: وحدّثني ابن زبالة، قال: حدّثني عثمان بن عبد الرحمن الجُهنيّ عن عثمان بنِ مالك، قال: أذلق (١) رياح محمدًا بالطلب؛ فقال لي: اغدُ بنا إلى مسجد الفتْح ندع الله فيه، قال: فصلَّيتُ الصُّبح، ثم انصرفت إليه، فغدوْنا وعلى محمد قميص غليظ ورداء قرقبيّ مفتول؛ فخرجنا من موضع كان فيه؛ حتى إذا كان قريبًا التفت، فإذا رياح في جماعة من أصحابه رُكْبان، فقلت له: هذا رياح؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال غير مكترث به: امض؛ فمضيت وما تنقلني رجلاي، وتنحَّى هو عن الطريق؛ فجلس وجعل ظهره مما يلِي الطريق، وسدَل هُذب ردائه على وجهه - وكان جسيمًا - فلما حاذاه رياح التفت إلى أصحابه، فقال: امرأة رأتنا فاستحيتْ، قال: ومضيتُ حتى طلعت الشمس، وجاء رياح فصعد وصلى ركعتين، ثم انصرف من ناحية بُطْحان، فأقبل محمد حتى دخل المسجد، فصلى ودعا، ولم يزل محمد بن عبد الله ينتقل من لموضع إلى موضع إلى حين ظهوره.\nولما طال على المنصور أمرُه، ولم يقدر عليه وعبد الله بن حسن محبوس، قال عبد العزيز بن سعيد - فيما ذُكر عن عيسى بن عبد الله، عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة - قال لأبي جعفر: يا أميرَ المؤمنين، أتطمع أن يخرج لك لمحمد وإبراهيم وبنو حسن مخلّون! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد، قال: فكان ذلك الذي هاجه على حَبْسهم، قال: ثم دعاه فقال: من أشار عليك بهذا الرأي؟ قال: فليح بن سليمان، فلما مات عبد العزيز بن سعيد - وكان عينًا لأبي جعفر وواليًا على الصدقات - وضع فُليح بن سليمان في موضعه وأمر أبو جعفر بأخذ بني حسن.\nقال عيسى: حدثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر رياحًا بأخذ بني حسن، ووجّه في ذلك أبا الأزهر المهريّ - قال: وقد كان حبَس\n_________\n(١) ابن زبالة (محمد بن الحسن) ليس بثقة كان يسرق الحديث قاله ابن معين [الجرح والتعديل/ ٧/ ٢٢٧].","vol":"9","page":859},{"text":"عبد الله بن حسن فلم يزل محبوسًا ثلاث سنين؛ فكان حسن بن حسن قد نصَل خضابُه تسلّيًا على عبد الله؛ فكان أبو جعفر يقول: ما فعلت الحادّة؟ قال: فأخذ رياح حسنًا وإبراهيم ابنيْ حسن بن حسن، وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن، وسليمان وعبد الله ابنيْ داود بن حسن بن حسن، ومحمدًا وإسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس بن حسن بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، أخذوه على بابه؛ فقالت أمه عائشة ابنة طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر: دعوني أشمّه، قالوا: لا والله؛ ما كنت حيةً في الدنيا؛ وعليّ بن حسن بن حسن بن حسن العابد.\nقال: وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حبس معهم أبو جعفر عبد الله بن حسن بن حسن أخا عليّ.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جهر رياح بشتم محمد وإبراهيم ابنيْ عبد الله، وشتم أهل المدينة، قال: ثم قال يومًا وهو على المنبر يذكرهما: الفاسقين الخالعين الحاربيْن. قال: ثم ذكر ابنة أبي عبيدة أمهما، فأفحش لها، فسبّح التاس وأعظموا ما قال، فأقبل عليهم، فقال: إنكم لا كلنا عن شتمهما، ألصق الله بوجوهكم الذلّ والهوان! أما والله لأكتبنّ إلى خليفتكم فلأعلمنّه غِشكم وقلة نُصحكم، فقال الناس: لا نسمع منك يا بن المحدود؛ وبادروه بالحصى، فبادر واقتحم دار مراون وأغلق عليه الباب، وخرج الناس حتى صفّوا وجاهه، فرموه وشتموه ثم تناهوا وكفّوا.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى؛ قال: حدّثني الثقة عندي، قال: حبس معهم موسى بن عبد الله بن حسن بأن حسن بن عليّ وعليّ بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن عند مقدمه من مصر.\nقال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: وجّه محمد بن عبد الله ابنه عليًّا إلى مصر، فدلّ عليه عاملها، وقد همّ بالوثوب، فشدّه وأرسل به إلى أبي جعفر؛ فاعترف له، وسمى أصحاب أبيه، فكان فيمن سمَّى عبد الرحمن بن أبي الموالى وأبو حنين؛ فأمر بهما أبو جعفر فحبِسا، وضرِب أبو حنين مئة سوط.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: مرّ حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن","vol":"9","page":860},{"text":"حسن وهو يعلف إبلًا له فقال: أتعلف إبلك وعبد الله لمحبوس! أطلق عُقْلَها يا غلام، فأطلقها، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها واحدة.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عليّ بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: مَنْ كان هاهنا من بني حسين فليدخل؛ فقال لي عمّي عمر بن محمد: انظر ما يصنع القوم، قال: فدخلوا من باب المقصورة وخرجوا من باب مروان، قال: ثمّ قال: من هاهنا من بني حسن فليدخل؛ فدخلوا من باب المقصورة ودخل الحدّادون من باب مروان، فدعِيَ بالقيود.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: كان رياح إذا صلى الصُّبح أرسل إلي وإلى قدامة بن موسى فيحدّثنا ساعة؛ فإنا لعنده يومًا؛ فلما أسفرنا إذا برجل متلفف في ساجٍ له؛ فقال له رياح: مرحبًا بك وأهلًا، ما حاجتك؟ قال: جئت لتحبسني مع قومي؛ فإذا هو عليّ بن حسن بن حسن بن حسن، فقال: أما والله ليعرفنّها لك أمير المؤمنين، ثم حبسه معهم.\nقال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني سعيد بن ناشرة مولى جعفر بن سليمان، قال: بعث محمد ابنه عليًّا، فأخِذ بمصر، فمات في سجن أبي جعفر.\nقال: وحدثني موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن، قال: حدثني أبي، عن أبيه موسى بن عبد الله، قال: لما حبِسنا ضاق الحبس بنا، فسأل أبي رياحًا أن يأذن له فيشترى دارًا، فيجعل حبسنا فيها، ففعل، فاشترى أبي دارًا فنقلنا إليها، فلما امتدَ بنا الحبس أتى محمد أمه هندًا فقال: إني قد حمّلت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به؛ ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم، فعسى أن يخلَّى عنهم، قال: فتنكرتْ ولبستْ أطمارًا، ثم جاءت السجن كهيئة الرسول، فأذن لها، فلما رآها أبي أثبتها، فنهض إليها فأخبرته عن محمد، فقال: كلَّا بل نصبر؛ فوالله إني لأرجو أن يفتح الله به خيرًا، قولي له: فليدْعُ إلى أمره، وليجدّ فيه، فإن فرجَنا بيد الله، قال: فانصرفت وتمّ محمد على بغيته. [٧/ ٥٣٠ - ٥٣٩]\n* * *","vol":"9","page":861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1636>[ذكر حمل ولد حسن بن حسن إلى العراق]</span>\nوفي هذه السنة حمل ولد حسن بن حسن بن عليّ من المدينة إلى العراق.\n* ذكر الخبر عن سبب حملهم إلى العراق وما كان من أمرهم إذ حُملوا:\nذكر عمر، قال: حدّثني سوسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما حجّ أبو جعفر أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة ومالك بن أنس إلى أصحابنا، فسألهم أن يدفعوا محمدًا وإبراهيم ابني عبد الله، قال: فدخل علينا الرجلان، وأبي قائم يصلّي، فأبلغاهم رسالته، فقال حسن بن حسنَ: هذا عمل ابنَي المشؤوسة، أما والله ما هذا برأينا، ولا عن ملأ منا؛ ولا لنا فيه حيلة، قال: فأقبل عليه إبراهيم، فقال: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ قال: وانصرف أبي من ضلاته؛ فأبلغاه، فقال: لا والله لا أردّ عليكما حرفًا؛ إن أحبّ أن يأذن لي فألقاه فليفعل، فانصوف الرجلان فأبلغاه، فقال: أراد أن يسخّرني، لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيَني بابنيه.\nقال: وحدّثني ابنُ زبالة، قال: سمعتُ بعض علمائنا يقول: ما سارَّ عبدُ الله بن حسن أحدًا قطّ إلا قتله عن رأيه.\nقال: وحدثني موسى بن عبد الله، عن أبيه عن جده، قال: ثم سار أمير المؤمنين أبو جعفر لوجهه حاتجًا، ثم رجع فلم يدخل المدينة؛ ومضى إلى الزَبذة حتى أتى ثَنْى رهوتها.\nقال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حجّ أبو جعفر سنة أربع وأربعين ومئة، فتلقّاه رياح بالزَبذَة، فردّه إلى المدينة، وأمره بإشخاص بني حسن إليه، وبإشخاص محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو أخو بني حسن لأمهم، أمهم جميعًا فاطمة بنت حسين بن عليّ بن أبي طالب - فأرسل إليه رياح - وكان بماله ببدْر - فحدرهم إلى المدينة، ثم خرج رياح ببني حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو إلى الرّبذة، فلما صار بقصر نفيس على ثلاثة أميال من - المدينة، دعا بالحدّادين والقيود والأغلال، فألقى كلّ رجل منهم في كَبْل وغُلّ،","vol":"9","page":862},{"text":"فضاقت حَلْقتا قيد عبد الله بن حسن بن حسن، فغضَّتَاه فتأوّه، فأقسم عليه أخوه عليّ بن حسن ليحوّلنّ حلقتْيه عليه إن كانتا أوسع، فحوّلتا عليه، فمضى بهم رياح إلى الرَّبذة.\nقال: وحدّثني إبراهيم بن خالد، ابن أخت سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء - وهو خال أمه - قال: لما حُمِل بنو حسن إلى أبي جعفر أتِيَ بأقياد يقيَّدون بها، وعليّ بن حسن بن حسن قائم يصلي، قال: وكان في الأقْياد قيد ثقيل، فكلَّما قرب إلى رجل منهم تفادى منه واستعفى، قال: فانفتل عليّ من صلاته، فقال: لشدّ ما جزعتم، شَرْعُه هذا، ثم مدّ رجليه فقُيِّد به.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران، قال: الذي حدَرهم إلى الربَذة أبو الأزهر.\nقال عمر: حدثني ابن زبالة، قال: حدثني حسين بن زيد بن عليّ بن حسين، قال: غدوتُ إلى المسجد، فرأيت بني حسن يُخرَج بهم من دار مرْوان مع أبي الأزْهر يُراد بهم الرّبَذة، فانصرفت، فأرسل إليّ جعفر بن محمد فجئته، فقال: ما وراءك؟ فقلت: رأيت بني حسن يُخرج بهم في محامل، قال: اجلس، فجلست، فدعا غلامًا له، ثم دعا ربه دعاء كثيرًا، ثم قال لغلامه: اذهب؛ فإذا حُملوا فائْتِ فأخبِرْني، فأتاه الرّسول، فقال: قد أقبل بهم، قال: فقام جعفر بن محمد، فوقف من وراء ستر شَعَر يبصر مَنْ وراءه ولا يبصره أحد؛ فطلع بعبد الله بن حسن في محمَل معادلُه مسوّد، وجميع أهل بيته كذلك، قال: فلما نظر إليهم جعفر هملتْ عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا عبد الله، والله لا يحفظ لله حرْسة بعد هؤلاء.\nقال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدثني مصعب بن عثمان، قال: لما ذُهب ببني حسن لقيهم الحارث بن عامر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بالرَّبَذة، فقال: الحمد لله الذي أخرجكم من بلادنا، قال: فاشرأبّ له حسن بن حسن، فقال له عبد الله: عزمتُ عليك إلا سكتّ!\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني ابن أبرود حاجب محمد بن عبد الله قال: لما حُمل بنو حسن، كان محمد وإبراهيم يأتيان معتمّين كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويسائلانه ويستأذنانه في الخروج، فيقول: لا تعجلا حتى","vol":"9","page":863},{"text":"يمكنكما ذلك؛ ويقول: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشَا كريمين؛ فلا يمنعْكما أن تموتا كريمين.\nقال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار بنو حسن إلى الرَّبذة دخل محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على أبي جعفر، وعليه قميصٌ وساجٌ (١) وإزار رقيق تحت قميصه؛ فلما وقف بين يديه، قال: إيهًا يا ديّوث (٢)! قال محمد: سبحان الله! والله لقد عرفتَني بغير ذلك صغيرًا وكبيرًا، قال: فممّ حملت ابنتُك؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن - وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعتاق ألا تغشى ولا تمالئ عليَّ عدوًّا، ثم أنت تدخل على ابنتك متخضّبة متعطّرة، ثم تراها حاملًا فلا يروعك حملها! فأنت بين أن تكون حانثًا أو ديُّوثًا؛ وايم الله إني لأهمّ برجْمها، فقال محمد: أما أيماني فهي عليّ إن كنت دخلت لك في أمر غشّ علمته، وأما ما رميتَ به هذه الجارية، فإن الله قد أكرمها عن ذلك بولادة رسول الله - ﷺ - إياها؛ ولكني قد ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين غفلة منا، فاحتفظ أبو جعفر من كلامه، وأمر بشق ثيابه، فشق قميصه عن إزاره، فأشفّ عن عورته، ثم أمر به فضرب خمسين ومئة سوط؛ فبلغت منه كلّ مبلغ، وأبو جعفر يفتري عليه ولا يكني؛ فأصاب سوط منها وجهَه، فقال له: ويحك! اكفف عن وجهي فإن له حرمة من رسول الله - ﷺ -؛ قال: فأغرى أبو جعفر، فقال للجلاد: الرأس الرأس، قال: فضُرب على رأسه نحوًا من ثلاثين سوطًا، ثم دعا بساجور من خشب شبيه به في طُوله - وكان طويلًا - فشدّ في عنقه، وشُدَّت به يده؛ ثم أخرج به ملبَّبًا، فلما طلع به من حجرة أبي جعفر؛ وثب إليه مولى له، فقال: بأبي أنت وأمي ألا ألوثُك بردائي! قال: بلَى جُزيت خيرًا؛ فوالله لشُفوف إزاري أشدّ عليَّ من الضرب الذي نالني؛ فألقى عليه المولى الثوب، ومضى به إلى أصحابه المحبَّسين.\nقال: وحدّثني الوليد بن هشام، قال: حدّثني عبد الله بن عثمان، عن محمد بن هاشم بن البريد، مولى معاوية، قال: كنتُ بالرَّبذة، فأتيَ ببني حسن\n_________\n(١) الساج: الطيلسان الأخضر. القاموس ص ٢٤٨.\n(٢) الديوث، من التديث؛ وهو القيادة. اللسان (٢/ ١٥٠).","vol":"9","page":864},{"text":"مغلولين، معهم العثمانيّ كأنه خُلق من فضّة، فأقعِدوا، فلم يلبثوا حتى خرج رجل من عند أبي جعفر، فقال: أين محمد بن عبد الله العثماني؟ فقام فدخل، فلم يلبث أن سمعنا وقْع السياط، فقال أيوب بن سلمة المخزوميّ لبنيه: يا بَنيّ؛ إني لأرى رجلًا ليس لأحد عنده هوادةٌ، فانظروا لأنفسكم؛ لا تسقطوا بشيء، قال: فأخرِج كأنه زنجيّ قد غيَّرت السياطُ لونَه، وأسالت دَمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيْه فسالتْ، فأقعِد إلى جنب أخيه عبد الله بن حسن بن حسن، فعطش فاستسقى ماء، فقال عبد الله بن حسن: يا معشر الناس، مَنْ يسقي ابن رسول الله شربة ماء؟ فتحاماه الناس فما سقْوه حتى جاء خُراسانيّ بماء، فسلّه إليه فشرب، ثم لبثنا هُنيهةً، فخرج أبو جعفر في شقّ محمل، معادله الربيع في شقّه الأيمن، على بَغْلة شقراء، فناداه عبد الله: يا أبا جعفر، والله ما هكذا فعلناه بأسرائكم يوم بدر! قال: فأخسأه أبو جعفر؛ وتفل عليه، ومضى ولم يعرّج (١).\nوذكر أن أبا جعفر لما دخل عليه محمد بن عبد الله العثماني سأله عن إبراهيم، فقال: ما لي به علْم، فدقّ أبو جعفر وجهه بالجرْز.\nوذكر عمر عن محمد بن أبي حرب، قال: لم يزل أبو جعؤ جميلَ الرأي في محمد حتى قال له رياح: يا أمير المؤمنين، أمّا أهلُ خراسان فشيعتُك وأنصارك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، وأما أهل الشام فوالله ما عليّ عندهم إلا كافر، وما يعتدّون بأحد من ولده؛ ولكنّ أخاهم محمدُ بن عبد الله بن عمرو، ولو دعا أهل الشأم ما تخلف عنه منهم رجل، قال: فوقعت في نفس أبي جعفر، فلما حجّ دخل عليه محمد، فقال: يا محمد، أليس ابنتك تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ قال: بلى؛ ولا عهد لي به إلا بمِنىً في سمنة كذا وكذا، قال:\nفهل رأيتَ ابنتَك تختضِب وتمتشط؟ قال: نعم، قال: فهي إذًا زانية، قال: مَهْ يا أمير المؤمنين! أتقول هذا لابنة عمّك! قال: يابن اللخناء، قال: أيّ أمهاتي تلخّن! قال: يابن الفاعلة، ثم ضرب وجهه بالجرْز وحدده؛ وكانت رقية ابنة محمد تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، ولها يقول:\nخليليَّ من قَيْسٍ دَعا اللومَ واقعدا ... يَسُرُّكما ألَّا أَنامَ وتَرْقُدَا\n_________\n(١) عبد الله بن عثمان لم يبيّن الطبري نسبه ولا لقبه ولا كنيته ولم ندر من هو وشيخه محمد بن هاشم بن البريد لم نجد له ترجمة.","vol":"9","page":865},{"text":"أَبيتُ كأَنِّي مُسْعَرٌ من تذكُّري ... رُقَيَّةَ جَمْرًا من غَضًا مُتَوقدا (١)\nقال: وحدثني عيسى بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني سليمان بن داود بن حسن، قال: ما رأيتُ عبد الله بن حسن جَزعِ من شيء مما ناله إلّا يومًا واحدًا؛ فإنَّ بعير محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان انبعث وهو غافلٌ، لم يتأهّب له، وفي رجليه سلسلة، وفي عنقه زمّارة، فهوى، وعلقت الزّمارة بالمحمَل، فرأيته منوطًا بعنقه يضطرب، فرأيت عبد الله بن حسن قد بكى بكاء شديدًا.\nقال: وحدّثني موسى بن عبد الله بن موسى، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما صرنا بالرَّبذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسِلْ إليّ أحدكم؛ واعلم أنه غير عائد إليك أبدًا، فابتدره بنو إخوته يعرِضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيرًا، وقال: أنا أكره أن أفجعهم بكُمْ، ولكن اذهب أنت يا موسى، قال: فذهبتُ وأنا يومئذ حديث السنّ، فلما نظر إليّ قال: لا أنعم الله بك عينًا، السياطَ يا غلام، قال: فضُرِبتُ والله حتى غُشِيَ عليّ، فما أدري بالضرْب، فرُفعت السياط عني، ودعاني فقُرِّبت منه واستقربني.\nفقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني، فأفرغتُ منه سَجْلًا لم أستطع ردّه؛ ومن ورائه الموت أو تفتدى منه. قال: فقلمت: يا أميرَ المؤمنين؛ والله إن ما لي ذنب، وإني لبمعزِل عن هذا الأسر، قال: فانطلقْ فائْتني بأخويك، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع عليّ العيون والرّصد، فلا أسلك طريقًا إلا تبعني له رسول، ويعلم ذلك أخواي فيهربان مني! قال: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى، قال: وأرسل معي حرسًا أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري، قال: فقدمت المدينة، فنزلت دار ابن هشام بالبلاط، فأقمتُ بها أشهرًا، فكتب إليه رياح: إنّ موسى مقيم بمنزله يتربّص بأليم المؤمنين الدوائر، فكتب إليه: إذا قرأتَ كتابي هذا فاحْدِرْه إليّ، فحدرني.\nقال: وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني موسى، قال: أرسل أبي\n_________\n(١) هذا خبر منكر وابن أبي حرب مجهول ولا أدري كيف سوّد الطبري هذه الصفحات بهذه الكلمات البذيئة والاتهامات الرذيلة وبهذا الإسناد؟\nسامحه الله وإيانا.","vol":"9","page":866},{"text":"إلى أبي جعفر: إني كاتب إلى محمد وإبراهيم؛ فأرسل موسى عسى أن يلقاهما؛ وكتب إليهما أن يأتياه، وقال لي: أبلغهما عنّي فلا يأتياه أبدًا. قال: وإنما أراد أن يفلتني من يده - وكان أرقَّ الناس عليّ، وكنت أصغر ولد هند - وأرسل إليهما:\nيا بْنَيْ أميَّةَ إِني عنكما غانِ ... وما الغِنَى غيرَ أَني مُرْعَشٌ فانِ\nيا بنيْ أُمية إلّا تَرْحَمَا كِبَري ... فإِنما أنتما والثُّكْلُ مِثْلانِ\nقال: فأقمت بالمدينة مع رسل أبي جعفر إلى أن استبطأني رياح، فكتب إلى أبي جعفر بذلك، فحدَرني إليه.\nقال: وحدّثني يعقوب بن القاسم بن محمد، قال: أخبرني عمران بن محرز من بني البَكّاء، قال: خرج ببني حسن إلى الرَّبَذة، فيهم عليّ وعبد الله ابنا حسن بن حسن بن حسن، وأمُّهما حُبابة ابنة عامر بن عبد الله بن عامر بن بشر بن عامر ملاعب الأسنة؛ فمات في السجن حسن بن حسن وعباس بن حسن، وأمّه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله وعبد الله بن حسن وإبراهيم بن حسن.\nقال عمر: حدّثني المدائنيّ؛ قال: لما خُرج ببني حسن، قال إبراهيم بن عبد الله بن حسن، قال عمر: وقد أنشدني غير أبي الحسن هذا الشعر لغالب الهمْدانيّ:\nما ذِكْركَ الدِّمْنَةَ القِفَارَ وأَهـ ... ـلَ الدارِ إِمَّا نأَوْكَ أو قربوا\nإلَّا سَفَاهًا وقد تفرَّعك الشيْـ ... ـبُ بلوْنٍ كأَنَّه العطبُ\nومَرَّ خمسون مِنْ سِنيك كما ... عَدَّ لك الحاسِبون إِذْ حَسبُوا\nفَعدِّ ذِكر الشبابِ لَسْتَ له ... ولا إليك الشبابُ مُنقَلِب\nإني عَرَتْني الهُموم فاحْتَضَرَ الـ ... ـهمّ وسادي فالقلبُ مُنشَعِبُ\nواستُخْرِجَ النَّاس للشَّقاء وخُلِّـ ... ـفْتُ لِدَهْرٍ بِظهْرِهِ حَدَبُ\nأَعْوَجَ يَسْتَعْذِبْ اللئامُ به ... ويحْتَويِه الكِرامُ إن سَرَبوا\nنفْسي فدَتْ شَيْبَةً هُناكَ وظُنْـ ... ـبُوبًا به من قيوده نَدَبُ\nوالسَّادَةَ الغُرَّ من بَنيهِ فَما ... رُوقِبَ فيه الإِلهُ والنَّسَبُ\nيا حَلَقَ القَيْد ما تضمَّنَ من ... حِلْم وَبرٍّ يَشُوبُهُ حَسَبُ\nوأُمَّهاتٌ من العَواتِكِ أَخـ ... ـلصْنكَ بِيضٌ عَقائل عُرُبُ\nكيْفَ اعْتِذاري إلى الإِلهِ ولم ... يُشْهَرن فيك المَأثُورَةُ القُضُبُ!","vol":"9","page":867},{"text":"ولم أَقُد غارَةً مُلَمَلَمةً ... فيها بَناتُ الصّرِيحِ تَنْتحب\nوَالسَّابِقَاتُ الجِيَادُ والأَسَلُ الذّ ... بَلُ فيها أَسِنَّةٌ ذُرُبُ\nحَتَّى نُوفِّي بني نُتَيْلةَ بالـ ... ـقِسط بكيل الصاع الذي احتَلبُوا\nبالقتْلِ قَتْلًا وبالأَسيرِ الذي ... في القِدِّ أَسْرى مَصْفُودَة سُلُبُ\nأَصْبحَ آلُ الرَّسولِ أَحْمَدَ في النَّـ ... ـاسِ كذي عُرَّةٍ به جَرَبُ\nبُؤْسًا لهم ما جَنَتْ أَكفّهمُ ... وأيَّ حَبْل من أُمَّة قَضبُوا!\nوأيُّ حَبْل خَانُوا المَلِيكَ به ... ـشُدَّ بِميثَاقٍ عَقْدُهُ الكَذِبُ\nوذكر عبدُ الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعتُ الجرّاح بن عمر وخاقان بن زيد وغيرهما من أصحابنا يقولون: لما قدم بعبد الله بن حسن وأهله مُقَيّدين فأشِرف بهم على النَّجَف، قال لأهله: أما ترون في هذه القرية مَن يمنعنا من هذا الطاغية؟ قال: فلقيه ابنا أخي الحسن وعليّ مشتمليْن على سيفين، فقالا له: قد جئناك بابن رسول الله، فمرْنا بالذي تريد، قال: قد قضيتُما، ولن تُغنيا في هؤلاء شيئًا فانصرفا.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر أبا الأزهر فحبَس بني حسن بالهاشميّة.\nقال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم، قال: أتىَ بهم أبو جعفر، فنظر إلى محمد بن إبراهيم بن حسن، فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم، قال: أما والله لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدًا من أهل بيتك، ثم أمر بأسطوانة مبنيّة ففرقت، ثم أدخل فيها فبنى عليه وهو حيّ.\nقال محمد بن الحسن: وحدّثني الزّبير بن بلال، قال: كان الناس يختلفون إلى محمد ينظرون إلى حسنه.\nقال عمر: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران، قال: أخبرني أبو الأزهر، قال: قال لي عبد الله بن حسن: ابغني حجّامًا، فقد احتجتُ إليه، فاستأذنت أميرَ المؤمنين، فقال: آتيه بحجام مجيد (١). [٧/ ٥٣٩ - ٥٤٧].\n_________\n(١) هذه هي المرة الأولى التي نذكر فيها رواية الوليد بن هشام عن أبيه في الضعيف اتباعًا للشرط الذي اعتمدناه في بداية تحقيقنا وهو أننا ومن باب التساهل في رواية التأريخ نقبل رواية من =","vol":"9","page":868},{"text":"وحدّثني محمد بن أبي حرب، قال: كان محمد بن عبد الله بن عمرو محبوسًا عند أبي جعفر، وهو يعلم براءته؛ حتى كتب إليه أبو عَوْن من خُراسان: أخبر أمير المؤمنين أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنِّي، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله؛ فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمّد بن عبد الله بن عمرو، فضُربَتْ عنقُه، وأرسل برأسه إلى خراسان؛ وأقسم لهم أنه رأس محمد بن عبد الله، وأنّ أمه فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -.\nقال عمر: فحدّثني الوليد بن هشام، قال: حدّثني أبي، قال: لما صار أبو جعفر بالكوفة، قال: ما أشتفي من هذا الفاسق من أهل بيت فسق، فدعا به، فقال: أزوَّجت ابنتك ابنَ عبد الله؟ قال: لا، قال: أفليستْ بامرأته؟ قال: بلى زوّجها إيّاه عمّها وأبوه عبد الله بن حسن فأجزتُ نكاحه، قال: فأين عهودك التي أعطيتني؟ قال: هي عليّ، قال: أفلم تعلم بخضاب! ألم تجد ريح طيب! قال: لا علم لي؛ قد علم القوم ما لك عليّ من المواثيق فكتموني ذلك كله، قال: هل لك أن تستقيلني فأقيلك، وتحدث لي أيْمانًا مستقبلة؛ قال: ما حنثت بأيماني فتجدّدها عليّ، ولا أحدثت ما أستقيلك منه فتُقيلني؛ فأمر به فضرب حتى مات، ثم احتزّ رأسه؛ فبعث به إلى خُراسان؛ فلما بلغ ذلك عبد الله بن حسن، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله إن كنّا لنأمن به في سلطانهم، ثم قد قُتل بنا في سلطاننا.\nقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني مسكين بن عمرو، قال: لما ظهر محمد بن عبد الله بن حسن، أمر أبو جعفر بضرب عنق محمد بن عبد الله بن عمرو، ثم بعث به إلى خُراسان، وبعث معه الرّجال يحلفون بالله إنه لمحمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، قال عمر: فسألت محمد بن جعفر بن إبراهيم، في أيّ سبب قتل محمد بن عمرو؟ قال: أحتيج إلى رأسه.\nقال عمر: وحدّثني محمد بن أبي حرب، قال: كان عوْن بن أبي عون خليفةَ\n_________\n= ذكره ابن حبان في الثقات ولم يوثقه غيره ولم يكن في متن روايته نكارة وأية نكارة أشد من التي هاهنا وهذا يضاف إلى كون الطبري لم يصرح بالتحديث عن ابن شبة بل اطلع على كتابه على ما يبدو ومع ذلك قبلناه من باب التساهل في رواية التاريخ والخبر لا يصح ولم يؤيده غير الطبري والله أعلم.","vol":"9","page":869},{"text":"أبيه بباب أمير المؤمنين؛ فلما قُتل محمد بن عبد الله بن حسن وجّه أبو جعفر برأسه إلى خُراسان، إلى أبي عَوْن مع محمد بن عبد الله بن أبي الكرام وعَوْن بن أبي عَوْن؛ فلما قدم به ارتاب أهلُ خُراسان، وقالوا: أليس قد قُتل مرّة وأتيْنا برأسه! قال: ثم تكشّف لهم الخبر حتى علموا حقيقته؛ فكانوا يقولون: لم يُطَّلَع من أبي جعفر على كذبةٍ غيرها.\nقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: كنا نأتى أبا الأزهر ونحن بالهاشميَّة أنا والشعبانيّ، فكان أبو جعفر يكتب إليه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي الأزهر مولاه، ويكتب أبو الأزهر إلى أبي جعفر: من أبي الأزهر مولاه وعبده، فلما كان ذات يوم ونحن عنده - وكان أبو جعفر قد ترك له ثلاثة أيام لا ينويها؛ فكنّا نخلو معه في تلك الأيام - فأتاه كتاب من أبي جعفر، فقرأه ثم رمى به، ودخل إلى بني حسن وهم محبوسون ... قال: فتناولتُ الكتاب وقرأته؛ فإذا فيه: انظر يا أبا الأزهر ما أمرتك به في مدلَّه فعجّله وأنفذه، قال: وقرأ الشعبانيّ الكتاب فقال: تدري مَن مدلّه؟ قلت: لا، قال: هو والله عبد الله بن حسن، فانظر ما هو صانع، قال: فلم نلبث أن جاء أبو الأزهر، فجلس فقال: قد والله هلك عبد الله بن حسن، ثم لبث قليلًا ثم دخل وخرج مكتئبًا، فقال: أخبرني عن عليّ بن حسن، أيُّ رجل هو؟ قلت: أمصدَّقٌ أنا عندك؟ قال: نعم، وفوق ذلك؛ قال: قلت: هو والله خير من تقلّه هذه وتظلّه هذه! قال: فقد والله ذهب.\nقال: وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعتُ جدّي موسى بن عبد الله يقول: ما كنّا نعرف أوقاتَ الصلاة في الحبس إلا بأحزاب كان يقرؤها عليّ بن حسن.\nقال عمر: وحدّثني ابنُ عائشة، قال: سمعتُ مولىً لبني دارم، قال: قلت لبشير الرّحال ما يسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قال: إنه أرسل إليّ بعد أخذه عبد الله بن حسن فأتيتُه، فأمرني يومًا بدخول بيت فدخلته، فإذا بعبد الله بن حسن مقتولًا، فسقطت مغشيًّا عليَّ، فلما أفقت أعطيت الله عهدًا ألّا يختلف في أمره سَيْفان إلا كنتُ مع الذي عليه منهما.\nوقلت للرسول الذي معي من قبَله: لا تخبره بما لقيتَ؛ فإنه إن علم قتلني.","vol":"9","page":870},{"text":"قال عمر: فحدّثت به هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد من أهل هَمذان، وهو العباسيّ أن أبا جعفر أمر بقتله، فحلف بالله ما فعل ذلك؛ ولكنّه دسّ إليه مَن أخبره أن محمدًا قد ظهرَ فقتِل، فانصدع قلبه، فمات.\nوقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: قال مَنْ بقي منهم: إنهم كانوا يسقَوْن؛ فماتوا جميعًا إلا سليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن وإسحاق وإسماعيل ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وجعفر بن حسن، فكان من قتل منهم إنما قتل بعد خروج محمد.\nقال عيسى: فنظرتْ مولاةٌ لآل حسن إلى جعفر بن حسن، فقالت: بنفسي أبو جعفر! ما أبصره بالرجال حيث يطلِقك وقتل عبد الله بن حسن! [٧/ ٥٤٧ - ٥٤٩].\n* * *\n* ذكر الخبر عن سبب حمله إياهم إلى العراق:\nحدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لما ولَّى أبو جعفر رياحَ بن عثمان بن حيّان المريّ المدينَة، أمره بالجِدّ في طلب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن وقلة الغفلة عنهما.\nقال محمد بن عمر: فأخبرني عبد الرحمن بن أبي الموالى؛ قال: فجدَّ رياح في طلبهما ولم يداهنْ، واشتدّ في ذلك كلّ الشدّة حتى خافا؛ وجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع، واغتَمّ أبو جعفر من تبغّيهما، وكتب إلى رياح بن عثمان: أن يأخذ أباهما عبد الله بن حسن وإخوته: حسن بن حسن وداود بن حسن وإبراهيم بن حسن، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان - وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت حسين - في عدّة منهم، ويشدُّهم وثاقًا ويبعث بهم إليه حتى يوافوه بالرَّبَذة، وكان أبو جعفر قد حجّ تلك السنة وكتب إليه أن يأخذني معهم فيبعث بي إليه أيضًا، قال: فأدركت وقد أهللت بالحجّ، فأخِذْت فطرِحت في الحديد، وعورض بي الطريق حتى وافيتهم بالرَّبذة.","vol":"9","page":871},{"text":"قال محمد بن عمر: أنا رأيتُ عبدَ الله بن حسن وأهلَ بيته يُخْرَجون من دار مَرْوان بعد العصر وهم في الحديد؛ فيحملون في المحامل؛ ليس تحتهم وطاء؛ وأنا يومئذ قد راهقتُ الاحتلام، أحفظ ما أرى.\nقال محمد بن عمر: قال عبد الرحمن بن أبي الموالي: وأخذ معهم نحو من اْربعمئة من جُهَينة ومُزينة وغيرهم من القبائل؛ فأراهم بالرَّبَذة مكتّفين في الشمس، قال: وسُجنت مع عبد الله بن حسن وأهل بيته، ووافى أبو جعفر الزبذة منصرفًا من الحجّ، فسأل عبد الله بن حسن أبا جعفر أن يأذن له في الدّخول عليه، فأبى أبو جعفر؛ فلم يره حتى فارق الدنيا، قال: ثم دعاني أبو جعفر من بينهم، فأقعِدت حتى أدخلت - وعنده عيسى بن عليّ - فلما رآني عيسى، قال: نعم؛ هو هو يا أمير المؤمنين؛ وإنْ أنت شددتَ عليه أخبرك بمكانهم، فسلّمت فقال أبو جعفر: لا سَلّم الله عليك! أين الفاسقان ابنا الفاسق، الكذابان ابنا الكذاب؟ قال: قلت: هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين عندك؟ قال: وما ذاك؛ قال: امرأته طالق، وعليّ وعليّ، إن كنت أعرف مكانهما! قال: فلم يقبل ذلك مني، وقال: السياط! وأقمت بين العُقابيْن، فضربني أربعمئة سوط؛ فما عقلت بها حتى رفع عني، ثم حُملت إلى أصحابي على تلك الحال، ثم بعث إلى الدّيبَاج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فلما أدخِل عليه قال: أخبرْني عن الكذّابيْن ما فعلا؟ وأين هما؟ قال: والله يا أميرَ المؤمنين ما لي بهما علم، قال: لَتخبرنّي، قال: قد قلت لك وإني والله لصادق؛ ولقد كنت أعلم علمَهما قبل اليوم؛ وأما اليوم فما لي والله بهما علْم. قال: جرّدوه، فجُرّد فضربه مئة سوط، وعليه جامعة حديد في يده إلى عنقه؛ فلمّا فرغ من ضربه أخرِج فألبس قممصًا له قُوهيًّا (١) على الضرب، وأتيَ به إلينا؛ فوالله ما قدروا على نزع القميص من لُصوقه بالدم، حتى حلبوا عليه شاة، ثم انتزع القميص ثم داووه، فقال أبو جعفر: احدروا بهم إلى العراق، فقدِم بنا إلى الهاشميَة، فحبِسنا بها؛ فكان أوّل من مات في الحبس عبد الله بن حسن؛ فجاء السجان فقال: ليخرج أقربُكم به فليصلّ عليه؛ فخرج\n_________\n(١) القوهي: ثياب بيض تنسب إلى قُوهُسْتان؛ كورة بين نيسابور وهَراة. القاموس ص ١٦١٥.","vol":"9","page":872},{"text":"أخوه حسن بن حسن بن حسن بن عليّ ﵈، فصلّى عليه، ثم مات محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فأخِذ رأسه، فبعث به مع جماعة من الشّيعة إلى خراسان؛ فطافوا في كُورخراسان، وجعلوا يحلفون بالله أنّ هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -؛ يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبد الله بن حسن، الذي كانوا يجدون خروجه على أبي جعفر في الرواية. [٧/ ٥٥٠ - ٥٥١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* ذكر الخبر عن مخرج محمد بن عبد الله ومقتله:\nذكر عمر أنّ محمد بن يحيى حدّثه، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال. لما انحدر أبو جعفر ببني حسن، رجع رياح إلى المدينة، فألحّ في الطلب، وأَخْرج محمدًا حتى عزم على الظهور.\nقال عمر: فحدّثت إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفريّ أن محمدًا أُحرِج، فخرج قبل وقته الذي فارق عليه أخاه إبراهيم، فأنكر ذلك، وقال: ما زال محمّد يُطلَب أشدّ الطلب حتى سقط ابنه فمات وحتى رهقه الطلب، فتدلَّى في بعض آبار المدينة يناول أصحابه الماء، وقد انغمس فيه إلى رأسه، وكان بدنه لا يخفى عِظَمًا؛ ولكن إبراهيم تأخَّر عن وقته لجُدَريٍّ أصابه.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: تحدّث أهل المدينة بظهور محمد؛ فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حليّ نسائه؛ وبلغ رياحًا أنّ محمدًا أتى المذاد، فركب في جنده يريده وقد خرج قبلَه محمد يريده، ومعه جُبَير بن عبد الله السلَميّ، وجُبَير بن عبد الله بن يعقوب بن عطاء وعبد الله بن عامر الأسلميّ؛ فسمعوا سقَّاءَةً تحدّث صاحبتها أنّ رباحًا قد ركب يطلب محمدًا بالمَذَاد، وأنه قد سار إلى السوق، فدخلوا دارًا لجُهينة وأجافوا بابها عليهم، ومرّ رياح على الباب لا يعلم بهم، ثم رجع إلى دار مَرْوان؛ فلما حضرت العشاء الأخيرة صلى في الدار ولم يخرج.","vol":"9","page":873},{"text":"وقيل: إنّ الذي أعلم رياحًا بمحمد سليمان بن عبد الله بن أبي سَبرة من بني عامر بن لؤيّ.\nوذكر عن الفضل بن دُكين، قال: بلغني أن عبيد الله بن عمرو بن أبي ذُؤيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمد قبل خروجه، فقالوا له: ما ننتظر بالخروج! والله ما نجد في هذه الأمة أحدًا أشأم عليها منك. ما يمنعك أن تخرج وحدك!\nقال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، وحسين بن عليّ بن حسين بن على، وعليّ بن عمر بن عليّ بن حسين بن عليّ، وحسن بن عليّ بن حسين بن عليّ بن حسين بن علي ورجال من قريش؛ منهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة، ومعه ابنه خالد، فإنّا لعنده في دار مَرْوان إذ سمعْنا التكبير قد حال دون كلّ شيء، فظنناه من عند الحرَس، وظنّ الحرَس أنه من الدار، قال: فوثب ابن مسلم بن عقبة - وكان مع رياح - فاتَّكأ على سيفه، فقال: أطعني في هؤلاء فاضرب أعنَاقهم؛ فقال عليّ بن عمر: فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بن عليّ، فقال: والله ما ذاك لك؛ إنّا على السمع والطاعة، قال: وقام رياح ومحمد بن عبد العزيز، فدخلا جنبذًا في دار يزيد؛ فاختفيا فيه، وقمنا قخرجنا من دار عبد العزيز بن مروان حتى تسوّرنا على كِبًا كانت في زقاق عاصم بن عمرو، فقال إسماعيل بن أيوب لابنه خالد: يا بنيّ، والله ما تجيبني نفسي إلى الوثوب، فارفعني، فرفعه.\nوحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران (١) قال: حدّثني أبي قال: جاء الخبر إلى رياح وهو في دار مَرْوان أنّ محمدًا خارج الليلة، فأرسل إلى أخي محمد بن عمران وإلى العباس بن عبد الله بن الحارث بن العباس وإلى غير واحد، قال: فخرج أخي وخرجت معه، حتى دخلنا عليه بعد العشاء الآخرة، فسلمنا عليه فلم يردّ علينا، فجلسنا فقال أخي: كيف أمسى الأمير\n_________\n(١) عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز قال النسائي متروك الحديث وقال البخاري منكر الحديث لا يكتب حديثه [تهذيب الكمال/ تر ٤٠٥٣].","vol":"9","page":874},{"text":"أصلحه الله! قال: بخير - بصوت ضعيف - قال: ثم صمت طويلًا ثم تنبّه، فقال: إيهًا يا أهلَ المدينة! أميرُ المؤمنين يطلب بغيتَه في شرق الأرض وغربها؛ وهو ينتفق بين أظهركم! أقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحدًا إلا ضربت عنقه، فقال أخي: أصلحك الله! أنا عذيرك منه، هذا والله الباطل، قال: فأنت أكثر مَنْ هاهنا عشيرة، وأنت قاضي أمير المؤمنين، فادعُ عشيرتك، قال: فوثب أخي ليخرج، فقال: اجلس، اذهب أنت يا ثابت، فوثبتُ، فأرسلت إلى بني زُهرة ممن يسكن حشّ طلحة ودار سعد ودار بني أزهر: أن أحضِروا سلاحكم.\nقال: فجاء منهم بِشر، وجاء إبراهيم بن يعقوب بن سعد بن أبي وقاص متنكبًا قوسًا - وكان من أرمى الناس - فلما رأيتُ كثرتهم، دخلت على رياح، فقلت: هذه بنو زهرة في السلاح يكونون معك. ائذن لهم، قال: هيهات! تريد أن تُدخل عليّ الرجال طروقًا (١) في السلاح، قل لهم: فليجلسوا في الرحبة؛ فإن حدث شيء فليقاتلوا، قال: قلت لهم: قد أبى أن يأذن لكم، لا والله ما هاهنا شيء، فاجلسوا بنا نتحدّث.\nقال: فمكثنا قليلًا، فخرج العباس بن عبد الله بن الحارث في خيل يعسُّ حتى جاء رأس الثنيَّة، ثم انصرف إلى منزله وأغلقه عليه؛ فوالله إنا لعلى تلك الحال إذْ طَلع فارسان من قبَل الزّوْرَاء يركضان؛ حتى وقفا بين دار عبد الله بن مُطيع ورحبة القضاء في موضع السقاية، قال: قلنا: شرّ الأمر والله جدّ، قال: ثم سمعنا صوتًا بعيدًا، فأقمنا ليلًا طويلًا، فأقبل محمد بن عبد الله من المذاد ومعه مئتان وخمسون رجلًا، حتى إذا شرع على بني سَلِمة وبُطْحَان، قال: اسلكوا بني سَلِمة، سلمنا إن شاء الله، قال: فسمعنا تكبيرًا؛ ثم هدأ الصوت فأقبل حتى إذا خرج من زُقاق ابن حبين استبطن السوق حتى جاء على التمّارين، حتى دخل من أصحاب الأقفاص، فأتى السجن وهو يومئذ في دار ابن هشام، فدقّه، وأخرج مَن كان فيه، ثم أقبل حتى إذا كان بين دار يزيد ودار أويس نظرنا إلى هَوْل من الهوْل (٢).\nقال: فنزل إبراهيم بن يعقوب، ونكب كنانته وقال: أرمي؟ فقلنا: لا تفعل،\n_________\n(١) طروقًا، أي ليلًا. القاموس ص ١١٦٦.\n(٢) جهم بن عثمان: \"قال أبو حاتم مجهول [الجرح والتعديل ٢/ ٥٢٢، تر ٢١٩٩].","vol":"9","page":875},{"text":"ودار محمد بالرحبة، حتى جاء بيت عاتكة بنت يزيد، فجلس على بابها، وتناوش الناس حتى قتِل رجل سنديّ كان يستصبح في المسجد، قتله رجل من أصحاب محمد.\nقال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني جهم بن عثمان؛ قال: خرج محمد من المذاد على حمار ونحن معه، فولّى خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير الرّجالة، وولّى عبد الحميد بن جعفر الحربة، وقال: اكفنيها، فحملها ثم استعفاه منها فأعفاه؛ ووجّهه مع ابنه حسن بن محمد.\nقال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني جعفر بن عبد الله بن يزيد بن ركانة قال: بعث إبراهيم بن عبد الله إلى أخيه بِحِمْلَى سيوف، فوضعها بالمذاد، فأرسل إلينا ليلة خرج وما نكون؟ مئة رجل! وهو على حمار أعرابيّ أسود، فافترق طريقان: طريق بُطْحان وطريق بني سلمة، فقلنا له: كيف نأخذ؟ قال: عليّ بني سلمة يسلمكم الله؛ قال: فجئنا حتى صرنا بباب لمروان.\nقال: وحدّثني محمد بن عمرو بن رُتبيل بن نهشل أحد بني يربوع، عن أبي عمرو المديني (١) شيخ من قريش - قال: أصابتْنا السماء بالمدينة أيامًا، فلما أقلعت خرجتُ في غبّها متمطرًا، فانتسأت عن المدينة؛ فإنّي لفي رَحْلي إذ هبط عليّ رجل لا أدري من أين أتى، حتى جلس إليّ، وعليه أطمار له درِنة وعمامة رَثَّة، فقلت له: مِنْ أين أقبلت؟ قال: من غُنَيمة لي أوصيتُ راعيَها بحاجة لي، ثم أقبلت أريد أهلي، قال: فجعلت لا أسلك من العلم طريقًا إلا سبقني إليه، وكثرني فيه، فجعلت أعجب له ولما يأتي به، قلت: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قلت: أجل، فمن أيهم أنت؟ قال: لا عليك؛ ألا تريد؟ قلت: بلى عليّ ذلك، فمن أنت؟ قال: فوثب وقال:\nمنخرق الخُفّيْن يشكو الوجى\nالأبيات الثلاثة.\nقال: ثم أدبر فذهب؛ فوالله ما فات مدى بصري حتى ندمت على تركه قبل معرفته؛ فاتبعته لأسأله؛ فكأنّ الأرض التأمت عليه، ثم رجعتُ إلى رَحْلي، ثم\n_________\n(١) أبو عمرو المديني لم نجد له ترجمة والله أعلم.","vol":"9","page":876},{"text":"أتيت المدينة فما غبرت إلّا يومي وليلتي؛ حتى شهدت صلاة الصبح بالمدينة، فإذا رجل يصلّي بنا، لا أعرِف صوته، فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فلما انصرف صعد المنبر، فإذا صاحبي، وإذا هو محمد بن عبد الله بن حسن.\nقال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود مولى قريش، قال: سمعت إسماعيل بن الحكم بن عوانة يخبر عن رجل قد سمّاه بشبيهة بهذه القصة.\nقال إسماعيل: فحدّثت بها رجلًا من الأنبار يكنى أبا عبيد؛ فذكر أن محمدًا - أو إبراهيم - وجّه رجلًا من بني ضَبة - فيما يحسب إسماعيل بن إبراهيم بن هود - ليعلم له بعض علم أبي جعفر، فأتى الرّجلُ المسيّبَ وهو يومئذ على الشُّرَط، فمتّ إليه برحِمه، فقال المسيّب: إنه لابدّ من رفعك إلى أمير المؤمنين، فأدخله على أبي جعفر فاعترف، فقال: ما سمعتَه يقول؟ قال:\nشَرَّدَهُ الخَوْفُ فأزرى به ... كذاك من يكرهُ حَرّ الجلاد\nقال أبو جعفر: فأبلغه أنا نقول:\nوخُطَّةِ ذُلٍّ نجعلُ الموتَ دونها ... نقول لها للموت أهلًا ومرحبَا\nوقال: انطلق فأبلغه (١).\nقال عمر: وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع - وقد شهد ذلك - قال: خرج محمد في أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين مئة، فبات بالمذاد هو وأصحابه، ثم أقبل في الليل، فدق السجن وبيت المال، وأمر برياح وابن مسلم فحبِسا معًا في دار ابن هشام (٢).\nقال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: خرج محمد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومئة (٣).\n_________\n(١) الملاحظ في الروايات التي أوردها الطبري في خبر خروج محمد ذي النفس الزكية وأخيه أنه يورد في أسانيده مجاهيل ومبهمين بصورة متزايدة كما هاهنا (من رجل) و(رجلًا من الأنبار يكنى أبا عبيد) .... إلخ.\n(٢) أزهر بن سعيد بن نافع لم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.\n(٣) ذكرت كتب التراجم ثلاثة من الرواة بهذا الاسم الأول سمع هيثم بن شداخ كوفي قال ابن معين ليس بشيء كان بعد المئتين، والثاني هو النجار البصري ذكره ابن حبان في الثقات يروى عن الوقاص عن مكحول عن حذيفة روى عنه أبو حاتم والثالث شيخ أسند عنه ابن =","vol":"9","page":877},{"text":"وحدّثني عمر بن راشد، قال: خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، فرأيت عليه ليلة خرج قَلَنْسُوة صفراء مضريّة وجبّة صفراء، وعمامة قد شدّ بها حَقْوَيْه وأخرى قد اعتمّ بها، متوشحًا سيفًا، فجعل يقول لأصحابه: لا تقتلوا، لا تقتلوا، فلما امتنعت منهم الدار، قال: ادخلوا من باب المقصورة، قال: فاقتحموا وحرّقوا باب الخَوْخة التي فيها، فلم يستطع أحد أن يمرّ، فوضع رزام مولى القسريّ تُرسه على النار، ثم تخطّى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا من بابها، وقد كان بعض أصحاب رياح مارسوا على الباب، وخرج من كان مع رياح في الدار من دار عبد العزيز من الحمام، وتعلّق رياح في مشربَة في دار مَرْوان، فأمر بدرجها فهُدمت، فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه في دار مَرْوان، وحبسوا معه أخاه عباس بن عثمان، وكان محمد بن خالد وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبْس، فأخرجهم محمد، وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: حبس محمد رياحًا وابن أخيه وابن مسلم بن عُقْبة في دار مروان.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن خاله راشد بن حفص، قال: قال رزام للنذير: دَعْني وإياه فقد رأيتَ عذابَه إيايَ، قال: شأنك وإياه، ثم قام ليخرج، فقال له رياح: يا أبا قيس؛ قد كنتُ أفعل بكم ما كنت أفعل؛ وأنا بسؤددكم عالم، فقال له النذير: فعلتَ ما كنت أهله، ونفعل ما نحن أهله، وتناوله رزام فلم يزل به رياح أيصلب إليه حتى كفّ، وقال: والله إن كنتَ لبَطِرًا عند القدرة، لئيمًا عند البلية.\nقال: وحدّثني موسى بن سعيد الجُمحيّ، قال: حبس، ياح محمد بن لمَرْوان بن أبي سليط من الأنصار، ثم أحد بني عمرو بن عوف، فمدحه وهو محبوس، فقال:\n_________\n= عساكر وسمى جده طبيح بن الحسن، انظر كتاب الثقات [٨/ ٤٦١] ولسان الميزان [تر ٥٨٩٥].\nولم يبيّن الطبري من يقصد بعلي الراوي هنا سوى أنه ذكر في (٧/ ٥٧٨) أن الراوي عنه يعقوب بن القاسم لقبه بصنعاء: فالله أعلم.","vol":"9","page":878},{"text":"وما نَسِيَ الذِّمامَ كريمُ قيس ... ولا مُلقَى الرجالِ إلى الرجالِ\nإذا ما الباب قَعْقَعَهُ سعيدٌ ... هَدَجنا نحوه هَدْجَ الرّئال\nدبيبَ الذَّر تُصبحُ حين (١) يمشي ... قِصارَ الخطو غيرَ ذوي اختيال\nقال: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني إسماعيل بن يعقوب التيميّ قال: صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:\nأما بعد أيها الناس؛ فإنه كان من أعر هذا الطاغية عدوّ الله أبي جعفر ما لم يخفَ عليكم، من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معاندًا لله في ملكه، وتصغيرًا للكعبة الحرام؛ وإنما أخذ الله فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وإنّ أحقَّ الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.\nاللهمَّ إنَهم قد أحلّوا حرامَك، وحرّموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، اللهمّ فأحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، أيّها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قُوّة ولا شدّة، ولكني اخترتكم لنفسي؛ والله ما جئت هذه وفي الأرض مصْرٌ يعبَد الله فيه إلا وقد أخِذَ لي في البيعة.\nقال: وحدّثني موسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما وجهني رياح بلغ محمدًا فخرج من ليلته؛ وقد كان رياع تقدّم إلى الأجناد الّذين معي، إن اطّلع عليهم من ناحية المدينة رجل أن يضربوا عنقي؛ فلما أُتِيَ محمد برياح، قال. أين موسى؟ قال: لا سبيل إليه، والله لقد حدرته إلى العراق، قال: فأرسل في أثره فردّه، قال: قد عهدت إلى الجند الذين معه إن رأوا أحدًا مقبلًا من المدينة أن يقتلوه، قال: فقال محمد لأصحابه: مَنْ لي بموسى؟ فقال: ابنُ خضير: أنا لك به، قال: فانظر رجالًا، فانتخب رجالًا ثم أقبل. قال: فوالله ما راعنا إلّا وهو بين أيدينا؛ كأنما أقبل من العراق، فلما نظر إليه الجند قالوا: رسل أمير المؤمنين، فلما خالطونا شَهروا السلاح، فأخذني القائد وأصحابه،\n_________\n(١) إسماعيل بن يعقوب ضعيف الحديث وله حكاية منكرة عن مالك (لسان الميزان/ تر ١٣٩٥).\nوانظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٤/ تر ٦٩٠).","vol":"9","page":879},{"text":"وأناخ بي وأطلقني من وَثاقي، وشخص بي حتى أقدمني على محمد.\nقال عمر: حدثني عليّ بن الجعد، قال: كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قوّاده يدعونه إلى الظهور، ويخبرونه أنهم معه؛ فكان محمد يقول: لو التقينا مال إليّ القوّاد كلهم.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما أخذ محمد المدينة استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزوميّ، وعلى الشّرَط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة، وبعث إلى محمد بن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا، وتقيم معنا، فاعتذر إليه وقال: أفعل؛ ثم انسلّ منه فأتى مكة.\nقال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود، قال: حدّثني سعيد بن يحيى أبو سفيان الحميريّ، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر، قال: كنت على شُرَط محمد بن عبد الله حتى وجّهني وجهًا، وولى شرَطه الزبيريّ.\nقال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: لم يتخلّف عن محمد أحد من وجوه الناس إلّا نفر، منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام، وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.\nقال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثتني جدتي كلثم بنت وهب قالت: لما خرج محمد تنحَّى أهلُ المدينة، فكان فيمن خرج زوجي عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير إلى البَقيع، فاختبأت عند أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبد الله بن عباس، قالت: فكتب إليّ عبد الوهاب بأبيات قالها، فكتبت إليه:\nرَحمَ اللهُ شبابًا ... قاتلوا يومَ الثنيّهْ\nقاتلوا عنه: بُنيَّا ... تٌ وأحسابٌ نقيَّهْ\nفرّ عنهُ الناسُ طُرًّا ... غيرَ خَيلٍ أَسديَّهْ","vol":"9","page":880},{"text":"قالت: فزاد الناس:\nقَتَل الرحمنُ عيسى ... قاتل النفسِ الزَّكيّهْ\nقال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن سنان الحكميّ أخُو الأنصار، قال: أخبرني غير واحد أنّ مالك بن أنس استُفتى في الخروج مع محمد، وقيل له: إنّ في أعناقنا بيعةً لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على كل مكرَه يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته.\nوحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني ابنُ أبي مليكة مولَى عبد الله بن جعفر، قال: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر - وقد كان بلغ عُمْرًا - فدعاه محمد حين خرج إلى البيعة، فقال: يا بن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك! فارتدع الناس عنه قليلًا، وكان بنو معاوية قد أسرعوا إلى محمد، فأتته حمادة بنت معاوية، فقالت: يا عمّ، إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبّطت عنه الناس، فيقتل ابن خالي وإخوتي، قال: فأبى الشيخ إلّا النهي عنه، فيقال: إنّ حمّادة عدتْ عليه فقتلته؛ فأراد محمد الصلاة عليه، فوثب عليه عبد الله بن إسماعيل، فقال: تأمر بقتل أبي ثم تصلي عليه! فنحّاه الحرس، وصلى عليه محمد.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني أبي، قال: أتِيَ محمد بعبيد الله بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ مغمضًا عينيه، فقال: إن عليّ يمينًا إن رأيته لأقتلنّه، فقال عيسى بن زيد: دعني أضرب عنقه، فكفّه عنه محمد.\nقال: وحدّثني أيوب بت عمر، قال: حدّثني محمد بن معن، قال: حدّثني محمد بن خالد القَسْريّ، قال: لما ظهر محمد وأنا في حَبْس ابن حيّان أطلقني؛ فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حقّ؛ والله لأبلِينّ الله فيها بلاء حسنًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت في هذا البلد؛ والله لو وُقف على نقْب من أنقابه مات أهلُه جوعًا وعطشًا، فانهض معي؛ فإنما هي عشر حتى أضربه بمئة ألف سيف، فأبى عليّ، فإني لعنده يومًا إذ قال لي: ما وجدنا من حُرّ المتاع شيئًا أجودَ من شيء وجدناه عند ابن أبي فَرْوة، ختَن أبي الخصيب - وكان انتهبَه - قال: فقلت: ألا أراك قد أبصرتَ حُرّ المتاع! فكتبتُ","vol":"9","page":881},{"text":"إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلة مَنْ معه، فعطف عليّ، فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله إياه.\nقال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثتني أختي بُريكةُ بنت عبد الحميد، عن أبيها، قال: إني لعند محمد يومًا ورجله في حِجْري؛ إذ دخل عليه خَوّات بن بكير بن خوّات بن جُبير، فسلم عليه.\nفردّ عليه سلامًا ليس بالقوي، ثم دخل عليه شابٌّ من قريش، فسلَّم عليه فأحسن الردّ عليه، فقلت: ما تدع عصبِيّتَك بعد! قال: وما ذلك؟\nقلت: دخل عليك سيد الأنصار فسلم فرددت عليه ردًّا ضعيفًا، ودخل عليك صُعلوك من صعاليك قريش فسلَّم فاحتفلت في الردّ عليه! فقال: ما فعلتُ ذاك؛ ولكنك تفقدتَ مني ما لا يتفقد أحد من أحد.\nقال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: استعمل محمد الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة، ووجّه معه القاسم بن إسحاق واستعمله على اليمن.\nقال: وحدثني محمد بن إسماعيل عن أهله، أن محمدًا استعمل القاسم بن إسحاق على اليمن وموسى بن عبد الله على الشأم، يدعوان إليه؛ فقُتل قبل أن يصلا.\nقال: وحدّثني أزهر بن سعيد، قال: استعمل محمد حين ظهر عبد العزيز بن الدراورديّ على السلاح.\nقال: وأخبرني محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زَبَالة وغيرهما، قالوا: لما ظهر محمد، قال ابن هَرْمة - وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيرُه لأبي جعفر:\nغلبتَ على الخلافة مَن تمنَّى ... ومنَاه المُضِلُّ بها الضَّلُولُ\nفأَهلك نفسَه سَفَهًا وجُبْنًا ... ولم يُقسَمْ له منها فتيلُ\nووآزرَهُ ذَوو طَمَعٍ فكانوا ... غُثاءَ السَّيْل يجمعه السُّيولُ\nدَعوا إبليسَ إذ كذبوا وجارُوا ... فلم يُصرِخْهمُ المُغوِي الخَذول\nوكانوا أهلَ طاعتِهِ فولَّى ... وسار وراءَه منهم قبيل\nوهُمْ لم يُقصِرُوا فيها بحقّ ... على أثَرِ المُضِلِّ ولم يُطِيلوا","vol":"9","page":882},{"text":"وما النّاسُ احْتَبَوْك بها، ولكن ... حَبَاك بذلك الملك الجليلُ\nتراثُ محمد لكمُ وكنتمْ ... أصولَ الحقِّ إذ نُفِيَ الأُصولُ (١)\nقال: وحدّثني محمود بن مَعْمر بن أبي الشدائد الفزاريّ وموهوب بن رشيد بن حيّان الكلابي، قال: قال أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجّه إليه عيسى:\nأتتك النجائبُ والمُقْرَباتُ ... بعيسى بن موسى فلا تَعْجَل\nقال: وحدّثني عيسى، قال: كان محمد آدم شديد الأدْمة، أدلم (٢) جسيمًا عظيمًا؛ وكان يلقب القارئ من أدْمته، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمّمًا.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني إبراهيم بن زياد بن عنبسة، قال: ما رأيتُ محمدًا رَقِيَ المنبر قطّ إلا سمعت بقعقعة من تحته؛ وإني لبمكاني ذلك.\nقال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: حدثني من حضر محمدًا على المنبر يخطب؛ فاعترض بَلْغَم في حلقه فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعًا؛ فرمى بنُخامته سَقْف المسجد فألصقها به.\nقال: وحدّثني عبد الله بن نافع، قال: حدّثني إبراهيم بن عليّ من آل أبي رافع، قال: كان محمد تمتامًا، فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره، فيضرب بيده على صَدْره، ويستخرج الكلام.\nقال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: دخل عيسى بن موسى يومًا على أبي جعفر، فقال: سرّك الله يا أمير المؤمنين! قال: فيم؟ قال: ابتعتُ وجه دار عبد الله بن جعفر من بني معاوية؛ حسن ويزيد وصالح، قال أتفرح! أما والله ما باعوها إلّا ليثبِوا عليك بثمنها.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان بن عبيد الله، قال: خرج محمّد بالمدينة، وقد خطّ المنصور مدينته بغداد\n_________\n(١) ج: \"إذ بقى\".\n(٢) الأدلم: الشديد السواد من الرجال. القاموس ص ١٤٣١.","vol":"9","page":883},{"text":"بالقصب، فسار إلى الكوفة وسرتُ معه، فصيَّح بي فلحقتُه، فصَمتَ طويلًا ثم قال: يا بن الربيع، خرج محمد، قلت: أين؟ قال: بالمدينة، قلت: هلك والله وأهلك؛ خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أميرَ المؤمنين؛ ألا أحدّثك حديثًا حدّثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزوميّ؟ قال: كنت مع مَرْوان الزّاب واقفًا، فقال: يا سعيد، مَنْ هذا الذي يقاتلني في هذه الخيل؟ قلتُ: عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: أيّهم هو؟ عَرِّفْه، قلت: نعم، رجل أصفر حَسَن الوجه رقيق الذراعين، رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم؛ قال: قد عرفته، والله لوددت أن عليّ بن أبي طالب يقاتلني مكانه؛ إن عليّا وولده لاحظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني هاشم وابن عمّ رسول الله - ﷺ - وابن عباس، معه ريح الشأم ونصر الشأم، يا بن جعدة، تدري ما حملني على أن عقدتُ لعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وتركتُ عبدَ الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قلتُ: لا، قال: وجدتُ الذي يلي هذا الأمر عبد الله؛ وكان عبيد الله أقربَ إلى عبد الله من عبد الملك، فعقدتُ له، فقال: أنشدك الله! أحدّثك هذا ابن جعدة! قلت: ابنةُ سفيان بن معاوية طالق البتّة إن لم يكن حدثني ما حدتتك.\nقال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج إلى أبي جعفر في الليلة التي ظهر فيها محمد رجل من آل أويس بن أبي سَرْح من بني عامر بن لؤيّ، فسار تسعًا من المدينة، فتهدم ليلًا، فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى نُذِر به، فأدخِل، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم! قال: لابدّ لي منه، قال: أعلمْنا نُعلمْه، فأبى فدخل الرّبيع عليه فأعلَمه، فقال: سلْه عن حاجته ثم أعلمني؛ قال: قد أبى الرّجلُ إلا مشافهتك، فأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، قال: قتلتَه وانته إن كنت صادقًا! أخبرني مَنْ معه؟ فسمَّى له مَن خرج معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قال: أنتَ رأيتَه وعاينتَه؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمتُه على منبر رسول الله - ﷺ - جالسًا، فأدخله أبو جعفر بيتًا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار، غلام عيسى بن موسى كان يلي أموال عيسى بالمدينة، فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسيّ فقال: لأوطئنّ الرجال عَقِيبك ولأغنينّك؛ وأمر له بتسعة آلاف، لكلّ ليلة سارَها ألفًا.","vol":"9","page":884},{"text":"قال: وحدّثني ابن أبي حرب، قال: لما بلغ أبا جعفر ظهورُه أشفق منه؛ فجعل الحارث المنجّم يقول له: يا أميرَ المؤمنين، ما يجزعك منه! فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يومًا (١) [٧/ ٥٥٢ - ٥٦٤].\nقال: وحدّثني سهل بن عقيل بن إسماعيل، عن أبيه، قال: لما بلغ أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة، وقال: أنا أبو جعفر؛ استخرجت الثعلب من جُحْره.\nقال: وحدّثني عبد الملك بن سليمان، عن حبيب بن مرزوق، قال: حدّثني تسنيم بن الحواريّ، قال: لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن عليّ وهو محبوس عنده: إنّ هذا الرجل قد خرج؛ فإن كان عندك رأي فأشِرْ به علينا - وكان ذا رأي عندهم - فقال: إنَّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجني حتى يخرج رأيي؛ فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك؛ وأنا خير لك منه، وهو مُلْك أهل بيتك، فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتيَ الكوفة، فاجثم على أكبادهم؛ فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففْها بالمسالح؛ فمن خرج منها إلى وَجْه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه؛ وابعث إلى سَلْم بن قتيبة ينحدر عليك - وكان بالرّيّ - واكتب إلى أهل الشأم فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسِنْ جوائزهم، ووجّههم مع سَلْم ففعل.\nقال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد، قال: سمعتُ أشياخنا يقولون: لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بن عليّ محبوس، فقال أبو جعفر لإخوته: إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيّد في الحرب؛ فادخلوا عليه فشاوروه ولا تُعلموه أني أمرتكم، فدخلوا عليه، فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم؛ ما جاء بكم جميعًا وقد هجرتموني منذ دَهْر! قالوا: استأذنَّا أميرَ المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشيء؛ فما الخبر؟ قالوا: خرج ابن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعًا؟ يعني أبا جعفر - قالوا: لا ندري والله، قال: إنّ البُخل قد\n_________\n(١) وهنا خبر منكر آخر من مناكير المجهول ابن أبي حرب والروايات الصحيحة التي سنذكرها في سيرة أبي جعفر بعد ذكر وفاته تبين أنه كان يستثير العلماء ويتقرب إليهم بعكس ما صوره ابن أبي حرب في أكثر من موضع من أنه كان يستشير المنجمين ويسمع لهم.","vol":"9","page":885},{"text":"قتله، فمروه فليُخرج الأموال، فليُعْط الأجناد، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه مالُه، وإن غُلب لم يقدم صاحبُه على درهم واحد.\nقال: وحدّثنا عبد الملك بن شيبان، قال: أخبرني زيد مولى مسمع بن عبد الملك، قال: لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بن موسى، فقال له: قد ظهر محمد فسرْ إليه، قال: يا أمير المؤمنين؛ هؤلاء عمومتك حولك، فادْعهُم فشاورهم، قال: فأين قول ابن هَرْمة:\nتروْن امْرَأً لا يُمْحِض القومَ سِرّهُ ... ولا يَنْتَجِي الأُذْنَيْنِ فيما يحاولُ\nإذا ما أَتى شيئًا مضى كالذي أَبَى ... وإن قال إني فاعِلٌ فهو فاعِلُ\nقال: وحدّثني لمحمد بن يحيى، قال: نسختُ هذه الرسائل من محمد بن بشير؛ وكان بشير يصححها؛ وحدّثنيها أبو عبد الرحمن من كُتّاب أهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار، وسمعت ابن أبي حرب يصحّحُها؛ ويزعم أن رسالة محمد لما وردتْ على أبي جعفر، قال أبو أيوب: دعني أجبْه عليها، فقال أبو جعفر: لا بل أنا أجيبه عنها؛ إذ تقارعنا على الأحساب فدعني وإيّاه.\nقالوا: لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهورُ محمد بن عبد الله المدينة كتب إليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ولك على عهد الله وميثاقه وذمَّتُه وذِمَّةُ رسوله - ﷺ - إنْ تبت ورجَدْت منَ قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميعَ ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومَن اتّبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزِلَك من البلاد حيث شئتَ، وأن أطلق مَنْ في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمّن كلّ مَنْ جاءك وبايعك واتبعك، أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحدًا منهم بشيء كان منه أبدًا، فإن أردت أن\n_________\n(١) المائدة: ٣٣، ٣٤.","vol":"9","page":886},{"text":"تتوثّق لنفسك، فوجِّه إليّ مَنْ أحببتَ يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به.\nوكتب على العنوان: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله. فكتب إليه محمد بن عبد الله:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله المهديّ محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١) وأنا أعرضُ عليك من الأمان مثلَ الذي عرضْتَ عليّ، فإنْ الحقّ حَقُّنا؛ وإنما ادّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا؛ وإنّ أبانا عليًّا كان الوصيّ وكان الإمام؛ فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء! ثم قد علمتَ أنه لم يطلب هذا الأمر أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا؛ لسنا من أبناء اللعنَاء ولا الطرداء ولا الطلَقاء، وليس يمتّ (٢) أحدٌ من بني هاشم بمثل الذي نمتُّ به من القَرابة والسابقة والفَضْل؛ وإنا بنو أمّ رسول الله - ﷺ - فاطمة بنت عمرو في الجاهليّة وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم.\nإن الله اختارنا واختار لنا؛ فوالدنا من النبيين محمد - ﷺ -، ومن السلف أوّلهم إسلامًا عليّ، ومن الأزواج أفضلهنّ خديجة الطاهرة، وأوّل مَنْ صلى القبلة، ومن البنات خيرهُنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة؛ وإنّ هاشمًا ولد عليًّا مرتين (٣)؛ وإن عبد المطلب ولد حسنًا مرتين (٤) وإن رسول الله - ﷺ - ولدني مرّتين من قِبل حسن\n_________\n(١) القصص: ١ - ٥.\n(٢) يمت، أي يتوسل، القاموس ص ٢٠٥. وبعدها في الكامل: \"دونكم\".\n(٣) يعني علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعليا زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.\n(٤) يعني جده وأبا جده، فهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.","vol":"9","page":887},{"text":"وحسين؛ وإني أوسط بني هاشم نسبًا، وأصرحُهم أبًا، لم تعرّق فيّ العجم (١)، ولم تنازع فيّ أمهاتُ الأولاد؛ فما زال الله يختارُ لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار؛ فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابًا في النار (٢)، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار، ولك الله عليّ إن دخلتَ في طاعتي، وأجبت دعوتي أن أؤمّنك على نفسك ومالك؛ وعلى كل أمر أحدثته؛ إلا حدًّا من حدود الله أو حقًّا لمسلم أو معاهد؛ فقد علمتَ ما يلزمك من ذلك، وأنا أوْلى بالأمر منك وأوفى بالعهد؛ لأنك أعطيتَني من العهد والأمان ما أعطيته رجالًا قبلي؛ فأيّ الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبد الله بن عليّ، أم أمان أبي مسلم (٣)!\nفكتب إليه أبو جعفر:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأما بعدُ، فقد بلغني كلامُك، وقرأتُ كتابَك، فإذا جلُّ فخرك بقرابة النساء؛ لتضلَّ به الجُفاة والغوغاء؛ ولم يجعل الله النساء كالعمُومة والآباء، ولا كالعَصبة والأولياء؛ لأن الله جعل العمّ أبًا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا (٤)، ولو كان اختيارُ الله لهنّ على قدر قرابتهنّ كانت آمنةُ أقرَبهن رحِمًا، وأعظمهن حقًّا؛ وأوّل من يدخل الجنة غدًا؛ ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم، واصطفائه لهم.\nوأما ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب وولادتها؛ فإن الله لم يرزق أحدًا من ولدها (٥) الإسلام لا بنتًا ولا ابنًا؛ ولو أن أحدًا رُزق الإسلام بالقرابة رُزقه عبد الله\n_________\n(١) يعرض بالمنصور؛ وكانت أمه أم ولد يقال لها سلامة بربرية؛ انظر مروج الذهب (٢: ٢٩٤).\n(٢) يعني جده أبا طالب.\n(٣) كامل المبرد: (١١٣ - ١١٦).\n(٤) الكامل: \"الوالد الأدنى\"، وبعدها هناك: \"فقال جل ثناؤه عن نبيه يوسف ﵇ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.\n(٥) ذكر الطبري أن أولادها هم: \"عبد الله أبو رسول الله، والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، وأمهم جميعًا فاطمة بنت عمرو\".","vol":"9","page":888},{"text":"أوْلاهم بكلّ خير في الدنيا والآخرة؛ ولِكنّ الأمر لله يختارُ لدينه من يشاء؛ قال الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١)؛ ولقد بعث الله محمدًا ﵇ وله عُمومة أربعة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك؛ فقطع الله ولايتهما منه؛ ولم يجعل بينه وبينهما إلَّا ولا ذمة ولا ميراثًا. وزعمتَ أنك ابن أخفّ أهل النار عذابًا وابن خير الأشرار؛ وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير؛ وليس في الشرّ خيار؛ ولا ينبغمي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وستردُ فتعلم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣).\nوأما ما فخرت به من فاطمة أمّ عليّ وأنّ هاشمًا ولده مرتين، ومن فاطمة أمّ حسن، وأن عبد المطلب ولده مرتين؛ وأن النبيّ - ﷺ - ولدك مرتين؛ فخير الأوّلِين والآخرين رسولُ الله - ﷺ - ولم يلده هاشم إلّا مرةً ولا عبد المطلب إلا مرّة.\nوزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبًا، وأصرحهم أمًّا وأبًا؛ وأنه لم تلدك العجَمُ ولم تعرّق فيك أمّهاتُ الأولاد؛ فقد رأيتُك فخرت عليّ بني هاشم طرًّا؛ فانظر ويحك أين أنْتَ من الله غدًا! فإنك قد تعدَّيتَ طَوْرك، وفخرت على مَنْ هو خير منك نفسًا وأبًا وأولًا وآخرًا، إبراهيم (٤) بن رسول الله - ﷺ - وعلى والد ولده؛ وما خيار بني أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلّا بنو أمهات أولاد، وما وُلد فيكم بعد وفاة رسول الله - ﷺ - أفضلُ من عليّ بن حسين، وهو لأمّ (٥) ولد؛ ولهو خير من جدّك حسن بن حسن؛ وما كان فيكم بعده مثلُ ابنه محمد بن عليّ، وجدّتُه أمّ ولد؛ ولهو خيرٌ من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدّته أمّ ولد؛ ولهو خيرٌ منك.\nوأما قولك: إنكم بنو رسول الله - ﷺ -؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿مَا كَانَ\n_________\n(١) القصص: ٥٦.\n(٢) الشعراء: ٢١٤.\n(٣) الشعراء: ٢٢٧.\n(٤) أم إبراهيم مارية التي أهداها المقوقس عظيم القبط إلى رسول الله - ﷺ -.\n(٥) أم علي زين العابدين؛ سبية من بنات يزدجرد. وانظر ابن خلكان (١: ٣٢٠).","vol":"9","page":889},{"text":"مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١)، ولكنكم بنو ابنته؛ وإنها لقرابة قريبة؛ ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة؛ فكيف تورَث بها! ولقد طلبها أبوك بكلّ وجه فأخرجها نهارًا، ومَرضها سرًّا، ودفنها ليلًا؛ فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما، ولقد جاءت السنّة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجدّ أبا الأم والخال والخالة لا يرثون.\nوأما ما فخرت به من عليّ وسابقته، فقد حضرتْ رسولَ الله - ﷺ - الوفاةُ، فأمر غيرَه بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلًا بعد رجل فلم يأخذوه؛ وكان في الستّة فتركوه كلهم دفعًا له عنها، ولم يروْا له حقًّا فيها؛ أما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقُتِل عثمان وهو له متَّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعَته، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاويةَ بعده، ثم طلبها بكلّ وجه وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعتُه قبل الحكومة، ثم حكَّم حكَمين رضي بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرَق ودراهم ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله؛ وأخذ مالًا من غير ولائه ولا حِلّه، فإنْ كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمّك حسين بن عليّ على ابن مَرْجانة (٢)، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتْوا برأسه إليه، ثم خرجتم عليّ بني أميّة، فقتلوكم وصلَّبوكم على جُذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوْكم من البلدان؛ حتى قُتِل يحيى بن زيد بخُراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصِّبيْة والنساء، وحملوهم بلا وطاء في المحامل (٣) كالسّبْي المجلوب إلى الشأم؛ حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنّينا سلفكم وفضّلناه، فاتخذتَ ذلك علينا حجة.\nوظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منّا له على حمزة والعباس\n_________\n(١) الأحزاب: ٤٠.\n(٢) هو عبيد الله بن زياد، ومرجانة أمه.\n(٣) الوطاء: المهاد الوطئ. القاموس ص ٧٠. والمحمل: شقان على البعير؛ يحمل فيهما العديلان؛ وجمعه محامل. القاموس ص ١٢٧٦. في الكامل: \"ثم أتوابكم على الأقتاب من غير أوطئة كالسبي المجلوب\".","vol":"9","page":890},{"text":"وجعفر؛ وليس ذلك كما ظننت؛ ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلَّمًا منهم، مجتمَعًا عليهِم بالفضل، وابتُلي أبوك بالقتال والحرب؛ وكانت بنو أميّة تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكّرناهم فضله وعنّفناهم وظلّمناهم بما نالوا منه، ولقد علمتَ أن مكرُمتنا في الجاهلية سقايةُ الحجيج الأعظم، وولاية زمزم؛ فصارت للعباس من بين إخوته؛ فنازعَنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهلُ المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلا بأبينا، حتى نعَشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضرٌ لم يتوسّل به؛ ولقد علمت أنه لم يبق أحدٌ من بني عبد المطلب بعد النبي - ﷺ - غيرُه؛ فكان وراثَه من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غيرُ واحد من بني هاشم فلم يَنَلْه إلا ولدُه؛ فالسقايةُ سقايتُه وميراثُ النبيّ له، والخلافة في ولده، فلم يبق شَرَفٌ ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلّا والعباس وارثه ومورّثه.\nوأما ما ذكرت من بَدْر؛ فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته؛ ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر كارهًا لمات طالب وعَقِيل جوعًا، وَلَلَحسا جفان عُتْبة وشيبة؛ ولكنه كان من المطعِمين، فأذهب عنكم العار والسبَّة، وكفَاكم النَّفقة والمؤونة، ثم فدى عَقِيلًا يوم بَدْر؛ فكيف تفخر علينا وقد عُلْناكم في الكفر، وفديناكم من الأسر، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه؛ ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام عليك ورحمة الله (١).\nقال عمر بن شبّة: حدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أجمع ابن القسريّ على الغدر بمحمد، فقال له: يا أمير المؤمنين، ابعث موسى بن عبد الله ومعه رزامًا مولايَ إلى الشأم يدعوان إليك.\nفبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشأم، وظهر محمد على أن القسريّ كتب إلى أبي جعفر في أمره، فحبسه في نفر ممن كان معه في دار ابن هشام التي في قبلة مصلى الجنائز - وهي اليوم لفرج الخصيّ - وورد رزام بموسى الشأم، ثم\n_________\n(١) كامل المبرد ٤: ١١٦ - ١٢٠.","vol":"9","page":891},{"text":"انسلَّ منه، فذهب إلى أبي جعفر، فكتب موسى إلى محمد: إني أخبرك أني لقيت الشأم وأهله، فكان أحسنهم قولًا الذي قال: والله لقد مللنا البلاء، وضقنا به ذرعًا؛ حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجَة؛ ومنهم طائفة تحلف: لئن أصبحنا من ليلتنا أو مسّينا من غد ليرفعنّ أمرنا وليدلنّ علينا؛ فكتبت إليك وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي، قال الحارث: ويقال إنّ موسى ورزامًا وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور توجهوا إلى الشأم في جماعة؛ فلما ساروا بتيْماء، تخلّف رزام ليشتري لهم زادًا، فركب إلى العراق، ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني موسى بن عبد الله، ببغداد ورزام معنا، قال: بعثني محمد ورزامًا في رجال معنا إلى الشأم، لندعُوَ له؛ فإنا لبدَوْمَة الجِندل؛ إذا أصابنا حرٌّ شديد؛ فنزلنا عن رواحلنا نغتسل في غدير، فاستلَّ رزام سيفه، ثم وقف على رأسي، وقال: يا موسى، أرأيتَ لو ضربتُ عنقك ثم مضيت برأسك إلى أبي جعفر؛ أيكون أحد عنده في منزلتي! قال: قلت: لا تدع هزلَك يا أبا قيس! شمْ سيفك غفر الله لك. قال: فشام سيفه، فركبنا، قال عيسى: فرجع موسى قبل أن يصل إلى الشأم، فأتى البصرة هو وعثمان بن محمد، فدُلّ عليهما، فأخِذا.\nقال: وحدّثني عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، قال: حدّثني أخي عبد الله بن نافع الأكبر، قال: لما ظهر محمد لم يأته أبي نافع بن ثابت، فأرسل إليه، فأتاه وهو في دار مَرْوان، فقال: يا أبا عبد الله، لم أرك جئتنا! قال: ليس فيّ ما تريد، فألحّ عليه محمد؛ حتى قال: البس السلاحَ يتأسّ بك غيرك، فقال: أيها الرجل؛ إني والله ما أراك في شيء، خرجتَ في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كُراع ولا سلاح؛ وما أنا بمهلك نفسي معك، ولا معين على دمي، قال: انصرفْ؛ فلا شيء فيك بعد هذا قال: فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قُتِل محمد، فلم يصلّ في مسجد رسول الله - ﷺ - يومُ قُتل إلا نافع وحدَه.\nووجّه محمد بن عبد الله لما ظهر - فيما ذكر عمر بن أزهر بن سعيد بن نافع - الحسن بن معاوية إلى مكة عاملًا عليها، ومعه العباس بن القاسم - رجل من آل أبي لهب - فلم يشعر بهم السريّ بن عبد الله حتى دنَوْا من مكة، فخرج إليهم،","vol":"9","page":892},{"text":"فقال له مولاه: ما رأيك؟ قد دنونا منهم، قال: انهزِموا على بركة الله، وموْعدكم بئر ميمون، فانهزموا؛ ودخلها الحسن بن معاوية، وخرج الحسين بن صَخْر - رجل من آل أوَيس - من ليلته، فسار إلى أبي جعفر تسعًا فأخبره فقال: \"قد أنصف الْقَارة من رَاماها\" (١)، وأجازه بثلاثمئة درهم.\nقال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن صالح بن معاوية، قال: حدّثني أبي، قال: كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على مكة، فقال له الحسن: أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى في السريّ؟ قال: يا حسن، إن السريّ لم يزل مجتنبًا لما كرهنا، كارهًا للذي صنع أبو جعفر، فإن ظفرتَ به فلا تقتله؛ ولا تحركنّ له أهلًا، ولا تأخذنّ له متاعًا، وإن تنحّى فلا تطلبنّ له أثرًا، قال: فقال له الحسن: يا أميرَ المؤمنين، ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس، قال: بلى، إن السريّ لم يزل ساخطًا لما صنع أبو جعفر.\nقال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عَنْج، قال: كنت بمكة، فبعث إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحاق ومحمد بن عبد الله بن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسنُ بن معاوية، فبعث إليهم السريّ بن عبد الله كاتبه مسكين بن هلال في ألف، ومولى له يدعى مسكين بن نافع في ألف، ورجلًا من أهل مكة يقال له ابن فرس - وكان شجاعًا - في سبعمئة، وأعطاه خمسمئة دينار، فالتقوْا ببطن أذاخر بين الثنيّتيْن وهي الثنيّة التي تهبط على ذي طُوىً، منها هبط النبي - ﷺ - وأصحابه إلى مكة، وهي داخلة في الحَرم، فتراسلوا؛ فأرسل حسن إلى السريّ أن خلّ بيننا وبين مكة، ولا تُهريقوا الدماء في حرم الله، وحلف الرسولان للسريّ: ما جئناك حتى مات أبو جعفر، فقال لهما السريّ: وعليّ مثل ما حلفتما به؛ إن كانت مضت لي أربعة؛ منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين، فأنظروني أربع ليال؛ فإني أنتظر رسولًا لي آخر، وعليّ ما يصلحكم، ويصلح دوابكم، فإن يكن ما تقولونه حقًّا سلّمتها إليكم؛ وإن يكن باطلًا أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم؛ فأبى الحسن، وقال: لا نبرح حتى\n_________\n(١) مثل، والقارة: قبيلة من عضل؛ وكانوا من رماة العرب.","vol":"9","page":893},{"text":"نناجزَك، ومع الحسن سبعون رجلًا وسبعة من الخيل، فلما دنوْا منه، قال لهم الحسن: لا يقدَمنّ أحد منكم حتى ينفخ في البوق؛ فإذا نفخ فلتكن حملتُكم حملة رجل واحد، فلما رهِقْناهم وخشى الحسن أن يغشاه وأصحابَه، ناداه: انفخ ويحك في البوق! فنفخ ووثبوا وحملوا علينا حَمْلة رجل واحد، فانهزم أصحاب السريّ، وقتل منهم سبعة نفر، قال: واطلع عليهم بفرسانٍ من أصحابه وهم من وراء الثنيّة في نفر من قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصُرُنَّه، فلما رآهم القرشيّون قالوا: هؤلاء أصحابَك قد انهزموا، قال: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال؛ فقيل له: ما بقي؟ فقال: انهزِموا على بركة الله، فانهزموا حتى دخلوا دار الإمارة، وطرحوا أداة الحرْب، وتسوّروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام، فدخلوا بيته فكانوا فيه، ودخل الحسن بن معاوية المسجد، فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد.\nقال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني الغمر بن حمزة بن أبي رملة، مولى العباس بن عبد المطلب، قال: لما أخذ الحسن بن معاوية مكة، وفرّ السريّ بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفِي على ابن أبي العَضَل.\nقال: وحدّثني ابن أبي مُساور بن عبد الله بن مساور مولى بني نائلة من بني عبد الله بن مُعيْص، قال: كنت بمكة مع السريّ بن عبد الله، فقدم عليه الحسنُ بن معاوية قبل مخرج محمد - والسريّ يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سُراقة من بني عديّ بن كعب - قال: فاستعدى عتبة بن أبي خداش اللِّهْبيّ على الحسن بن معاوية في دَيْنٍ عليه فحبسه، فكتب له السريّ إلى ابن أبي خداش: أما بعد فقد أخطأتَ حظّك، وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابنَ معاوية؛ وإنما أصبت المال من أخيه، وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدَم فيقضي عنه، قال: فلم يلبث أن ظهر محمد، فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملًا على مكة، ققيل للسريّ: هذا ابن معاوية قد أقبل إليك، قال: كلا ما يفعل وبلائي عنده [بلائي] وكيف يخرج إليّ أهل المدينة! فوالله ما بها دار إلا وقد دخلها لي معروف، فقيل له: قد نزل فجاء. قال: فشخص إليه ابن جريج، فقال له: أيها الرجل، إنك والله ما أنتَ بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلُها مع السريّ، أتُراك قاهرًا قريشًا وغاصبها على دارها! قال: يا بن","vol":"9","page":894},{"text":"الحائك، أبأهل مكة تخوّفني! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها، ثم وثب في أصحابه، وأقبل إليه السريّ، فلقيه بفخَّ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسْكين بن هلال كاتب السريّ على رأسه فشجّه، فانهزم السريّ وأصحابه، فدخلوا مكة، والتفّ أبو الرزام - رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة - على السريّ، فواراه في بيته، دخل الحسن مكة، ثم إن الحسن أقام بمكة يسيرًا، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به.\nوذكر عمر عن عبد الله بن إسحاق بن القاسمم، قال: سمعتُ من لا أحصى من أصحابنا يذكر أنّ الحسن والقاسم لما أخذا مكة، تجهّزا وجمعا جمعًا كثيرًا، ثم أقبلا يريدان محمدًا ونُصرته على عيسى بن موسى؛ واستخلفا على مكة رجلًا من الأنصار؛ فلما كانا بقُدَيْد لقيهما قتْلُ محمد، فتفرّق الناس عنهما، وأخذ الحسن على بَسْقة - وهي حرّة في الرمل تدعى بسَقة قُدَيد - فلحق بإبراهيم؛ فلم يزل مقيمًا بالبصرة حتى قُتل إبراهيم، وخرج القاسمم بن إسحاق يريد إبراهيم؛ فلما كان ببديع من أرض فدَك، لقيه قتلُ إبراهيم، فرجع إلى المدينة، فلم يزل مختفيًا حتى أخذت ابنة عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر؛ زوجة عيسى بن موسى، له ولإخوته الأمان فظهر بنو معاوية، وظهر القاسمم.\nقال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عنج، قال: لما ظهر الحسن بن معاوية على السريّ أقام قليلًا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه؛ ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة، ويستعجله بالقدوم، قال: فخرج من مكة يوم الإثنين في مطر شديد - زعموا أنه اليوم الذي قُتِل فيه محمد - فتلقاه بريدٌ لعيسى بن موسى بأمَج - وهو ماء لخزاعة بين عُسفان وقُديد - بقتل محمد، فهرب وهرب أصحابه.\nقال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبي سيار، قال: كنت حاجبَ محمد بن عبد الله فجاءني راكبٌ من الليل، قال: قدمتُ من البصرة، وقد خرج بها إبراهيم، فأخذها قال: فجئتُ دار مَرْوان، ثم جئت المنزل الذي فيه محمد، فدققتُ الباب، فصاح بأعلى صوته: من هذا؟ قلت: أبو سيّار، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ اللهم إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل؛ إلا طارق يطرق منك بخير، قال: خير! قلت: خير، قال: ما وراءك؟ قلت: أخذ إبراهيم البَصرة -[قال]: وكان محمد إذا صلى المغرب","vol":"9","page":895},{"text":"والصبح صاح صائح: ادعوا الله لإخوانكم من أهل البصرة، وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوّكم.\n* * *\nقال: وحدّثني عيسى، قال: قدِم علينا رجل من أهل الشأم، فنزل دارنا - وكان يكنى أبا عمرو - فكان أبي يقول له: كيف ترى هذا الرجل؟\nفيقول: حتى ألقاه فأسبُره ثم أخبرك، قال عيسى: فلقيه أبي بعد، فسأله فقال: هو والله الرجل كلّ الرجل؛ ولكن رأيتُ شحم ظهره ذراعًا، وليس هكذا يكون صاحبَ الحرب، قال: ثم بايعه بعد، وقاتل معه.\nقال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن سلْم - يدعَى ابنَ البواب مولَى المنصور - قال: كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتابًا على لسان محمد، يدعوه إلى نصرته، فلما قرأه قال: قد خَبرناكم يا بني هاشم؛ فإذا أنتم تحبّون الثريد، فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره، قال: أشهد أنّ هذا كلام الأعمش.\nوحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: غلب محمد بن عبد الله على المدينة، فبلغنا ذلك، فخرجنا ونحن شباب، أنا يومئذ ابنُ خمس عشرة سنة، فانتهينا إليه؛ وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه؛ ليس يُصَدّ عنه أحد؛ فدنوتُ حتى رأيته وتأملته؛ وهو على فَرَس، وعليه قميص أبيض محشوّ وعمامة بيضاء؛ وكان رجلًا أحزم؛ قد أثَر الجُدريّ في وجهه، ثم وجّه إلى مكة فأخِذت له، وبيّضوا؛ ووجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فأخذها وغلبها وبيّضوا معه [٧/ ٥٦٤ - ٥٧٧].\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث عمر، قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ندَب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد، وقال: لا أبالي أيّهما قتل صاحبه؛ وضمّ إليه أربعة آلاف من الجُنْد، وبعث معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين.\nقال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، عن زيد مولى مسمع، قال: لما أمر","vol":"9","page":896},{"text":"أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص، قال: شاوِرْ عمومَتك، فقال له: امضِ أيها الرجل؛ فوالله ما يراد غيري وغيرك؛ وما هو إلّا أن تشخص أو أشخص؛ قال: فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة.\nقال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: دعا أبو جعفر ابنَ حنظلة البَهرانيّ - وكان أبرص طُوالًا، وأعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مَرْوان حروبه - فقال: يا جعفر، قد ظهر محمد، فما عندك؟ قال: وأين ظهر؟ قال: بالمدينة، قال: فاحمد الله، ظهر حيث لا مالَ ولا رجال ولا سلاح ولا كُراع؛ ابعث مولىً لك تثق به فليسِرْ حتى ينزل بوادي القرى؛ فيمنعه مِيرة الشأم، فيموت مكانه جوعًا، ففعل.\nقال: وحدّثني عبد الملك بن راشد بن يزيد، قال: سمعتُ أصحابنا إسماعيل بن موسى وعيسى بن النّضْر وغيرهما يذكرون أنّ أبا جعفر قدّم كَثير بن حُصَيْن العبدّي، فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقًا؛ حتى قدم عليه عيسى بن موسى، فخرج به إلى المدينة، قاله عبد الله: فأنا رأيتُ الخندق قائمًا في هرًا طويلًا، ثم عفا ودَرس.\nقال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، - ولقيته بصنعاء - قال: قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك بأبي العسكر مسمع بن محمد بن شيبان بن مالك بن مسمع، فسرْ به مَعك؛ فإني قد رأيته منعَ سعيد بن عمرو بن جعَدة بن هبيرة من أهل البصرة؛ وهم محلبون عليه (١)؛ وهو يدعو إلى مَرْوان؛ وهو عند أبي العسكر يأكل المخَّ بالطَّبرْزَد، فخرج به عيسى؛ فلما كان ببطن نخل، تخلّف هو والمسعوديّ بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قُتِل محمد، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بن موسى: ألّا ضربت عنقه!\nوحدّثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى حين ودّعه: يا عيسى؛ إني أبعثك إلى ما بَيْن هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشِمْ سيفك، وابذل الأمان؛\n_________\n(١) أحلب القوم، أي جاؤوا من كل وجه للحرب. أو غير ذلك، اللسان (١/ ٣٣٢).","vol":"9","page":897},{"text":"وإن تغيب فضمّنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه، قال: فلما دخلها عيسى فعل ذلك.\nفحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وجّه أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، ووجّه معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وعدّةً من قُوّاد أهل خراسان وجندهم، وعلى مقدّمة عيسى بن سوسى حُميد بن قحطبة الطائي، وجهزهم بالخيل والبغال والسلاح والمِيرة، فلم ينزل، ووجّه مع عيسى بن موسى ابن أبي الكرام الجعفريّ؛ وكان في صحابة أبي جعفر، وكان مائلًا إلى بني العباس، فوثق به أبو جعفر فوجّهه ...\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث عمر بن شبّة، قال عمر: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى: مَنْ لقيَك من آل أبي طالب فاكتب إليّ باسمه، ومَنْ لم يلقك فاقبض ماله، قال: فقبض عين أبي زياد - وكان جعفر بن محمد تغيَّب عنه - فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر، وقال: مالي، قال: قد قبضه مهديُّكم. [٧/ ٥٧٧ - ٥٧٩].\n* * *\nقال: وحدّثِني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار عيسى بفيْد كتب إلى رجال من أهل المدينة في خِرَقِ الحرير؛ منهم عبد العزيز بن المطّلب المخزوميّ وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحيّ، فلما وردتْ كتبه المدينة، تفرقّ ناسٌ كثير عن محمد، منهم عبد العزيز بن المطلب؛ فأخِذ فُردَّ، فأقام يسيرًا؛ ثم خرج، فرُدّ مرّة أخرى؛ وكان أخوه علي بن المطلب من أشدّ الناس مع محمد؛ فكلم محمّدًا في أخيه حتى كفّه عنه.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: كتب عيسى بن موسى إلى أبي في حريرة صفراء جاء بها أعرابيٌ بين خصافيْ نعله، قال عيسى: فرأيتُ الأعرابي قاعدًا في دارنا، وإني لصبيٌّ صغير؛ فدفعها إلى أبي فإذا فيها:\nإن محمدًا تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يُؤته الله، قال ﷿ في","vol":"9","page":898},{"text":"كتابه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).\nفعجل التخلص وأقلّ التربُّص، وادعُ مَنْ أطاعك من قومك إلى الخروج معك.\nقال: فخرج وخرج معه عمربن محمد بن عمر، وأبو عَقِيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، قال: ودعوا الأفطس حسن بن عليّ بن أبي طالب إلى الخروج معهم فأبَى، وثبت مع محمد؛ وذُكر خروجهم لمحمد فأرسل إلى ظَهْرهم فأخذه؛ فأتاه عمر بن محمد، فقال: أنت تدعو إلى العَدْل ونفْي الجور؛ فما بال إبلي تؤخذ! فإنما أعددتها لحجّ أو عُمْرة، قال: فدفعها إليه - فخرجوا من تحت ليلتهم؛ فلقوا عيسى على أربع - أو خمس - من المدينة.\nقال: وحدّثني - أيوب بن عمر بن أبي عمرو بن نعيم بن ماهان، قال: كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتبًا، وأمر عيسى: إذا دنا من المدينة أن يبعث بها إليهم، فلما دنا بعث بها إليهم؛ فأخذ حرسُ محمد الرسولَ والكتب، فوجد فيها كتابًا إلى إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر وإلى جماعة من وؤساء قريش، فبعث محمد إلينا جميعًا ما خلا ابن عمر وأبا بكر بن سبْرة، فحُبسنا في دار ابن هشام التي في المصلّى.\nقال أبي: وبعث إليّ وإلى أخي، فأتِيَ بنا فضُرِبنا ثلاثمئة، قال: فقلت له وهو يضربني ويقول: أردتَ أن تقتلني! تركتُك وأنت تستتر بحجر وبيت شعر؛ حتى إذا صارت المدينة في يدك، وغلُظ أمرك، قمتُ عليك فبِمَنْ أقوم! أبطاقتي أم بمالي، أم بعشيرتي! قال: ثم أمر بنا إلى الحبس، وقُيّدنا بكُبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلًا، قال: فدخل عليه محمد بن عجلان، فقال: إني ضربتُ هذين الرجلين ضربًا فاحشًا، وقيّدتهما بما منعهما من الصلاة، قال: فلم يزالا محبوسين حتى قدم عيسى.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: إنا لعند محمد ليلة -\n_________\n(١) آل عمران: ٢٦.","vol":"9","page":899},{"text":"وذلك عند دُنوّ عيسى من المدينة - إذ قال محمد: أشيروا عليّ في الخروج والمقام، قال: فاختلفوا، فأقبل عليّ فقال: أشرْ عليّ يا أبا جعفر، قلت: ألستَ تعلم أنك أقلُّ بلاد الله فرسًا وطعامًا وسلاحًا، وأضعفها رجالًا؟ قال: بلى، قلت: ألست تعلم أنك تقاتل أشدّ بلاد الله رجلًا وأكثرها مالًا وسلاحًا؟ قال. بلى، قلت: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصرَ، فوالله لا يردّك رادّ، فتقاتل الرّجل بمثل سلاحه وكُراعه ورجاله وماله. فصاح حُنين بن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة! وحدّثه أن النبيّ - ﷺ - قال: \"رأيتُني في درع حصينة فأوّلتُها المدينة\".\nقال: وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن الثقة عنده، قال: أجاب محمدًا لما ظهر أهلُ المدينة وأعراضها وقبائل من العرب؛ منهم جُهينة ومُزَينة وسُليم وبنو بكر وأسْلَم وغِفار؛ فكان يقدّم جُهينة؛ فغصْبت من ذلك قبائل قيس.\nقال محمد: فحدثني عبد الله بن معروف أحد بني رياح بن مالك بن عصيَّة بن خُفاف - وقد شهد ذاك - قال: جاءت محمدًا بنو سُلَيم على رؤسائها، فقال متكلّمهم جابر بن أنس الرياحيّ: يا أميرَ المؤمنين؛ نحن أخوالُك وجيرانُك، وفينا السلاح والكُراع، والله لقد جاء الإسلام والخيْل في بني سليم أكثر منها بالحجاز؛ لقد بقي فينا منها ما إن بقي مثلُه عند عربيّ تسكن إليه البادية، فلا تخندق الخندق؛ فإن رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به؛ فإنك إن خندقتَه لم يحسن القتال رجّالة، ولم تُوَجّه لنا الخيل بين الأزقّة؛ وإن الذين يخندقَ دونهم هم الذين يقاتلون فيها؛ وإن الذين يخندَق عليهم يحول الخندق دونهم، فقال أحد بني شجاع: خندقَ رسول الله فاقتدِ برأيه؛ أوَ تريد أن تَدَع رأي رسول الله - ﷺ - لرأيك! قال: إنه يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم؛ ولا شيء أحبّ إليّ وإلى أصحابي من مناجزتهم، فقال محمد: إنما اتّبعنا في الخندق أثر رسول الله - ﷺ -، فلا يردّني عنه أحدٌ، فلست بتاركه.\nقال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الحارث بن إسحاق، قال: لما تيقّن محمد أن عيسى قد أقبل حَفَر الخندق، خندق النبيّ - ﷺ - الذي كان حفره للأحزاب.\nقال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد بن عَطيّة","vol":"9","page":900},{"text":"مولى المطلبيّين، قال: لما حفر محمد الخندقَ ركب إليه وعليه قَباء أبيض ومِنطقة، وركب الناس معه؛ فلما أتى الموضع نزل فيه؛ بدأ هو فحفر بيده؛ فأخرج لبِنةً من خَنْدق النبيّ - ﷺ -، فكبّر وكبّر الناس معه، وقالوا: أبشر بالنَّصْر؛ هذا خندق جدّك رسول الله - ﷺ -.\nقال: وحدثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدثني مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: لما نزل عيسى الأعوْصَ رقِيَ محمد المنبَر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوّ الله وعدوّكم عيسى بن موسى قد نزل الأعوص؛ وإن أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين، أبناء المهاجرين الأوّلين والأنصار المواسين.\nقال: وحدّثني إبراهيم بن أبي إسحاق العبسيّ - شيخ من غطفان - قال: أخبرني أبو عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان، قال: سمعت الزبيريّ الذي قتله أبو جعفر - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: أجتمع مع محمّد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه؛ إني لأحسب أنا قد كنا مئة ألف؛ فلما قرب عيسى خَطَبنا، فقال: يا أيها الناس، إنّ هذا الرجل قد قرُب منكم في عدد وعُدّة؛ وقد حللتُكم من بيعتي؛ فمن أحبّ المقام فليقم، ومن أحبّ الانصراف فلينصرف، فتسللوا حتى بقي في شِرْذمة ليست بالكثيرة.\nقال: وحدّثني موهوب بن رشيد بن حيّان بن أبي سليمان بن سمعان؛ أحد بني قَرِيظ بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمّد جمع الناس وحشرهم، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد؛ فلما سمع بعيسى وحُميد بن قحطبة قد أقبلا، صعِد المنبر، فقال: يا أيها الناس؛ إنَّا قد جمعناكم للقتال؛ وأخذنا عليكم المناقب؛ وإن هذا العدوّ منكم قريب؛ وهو في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده؛ وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب؛ فمن أحبَّ أن يقيم أقام، ومَنْ أحبّ أن يظعن ظعن، قال أبي: فخرج عَالمٌ من الناس؛ كنت فيهم؛ فلما كنا بالعُرَيض - وهو على ثلاثة أميال من المدينة - لقيتْنا مقدّمةُ عيسى بن موسى دون الرُّحبْة؛ فما شبَهت رجالهم إلّا رِجْلًا من جراد. قال: فمضينا وخالفونا إلى المدينة.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال:","vol":"9","page":901},{"text":"خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريّهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، فأمر محمد أبا القلَمّس، فرَدّ مَنْ قدر عليه منهم، فأعجزه كثير منهم، فتركهم.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني الغاضريّ، قال: قال لي محمد: أعطيك سلاحًا وتقاتل معي؟ قلت: نعم؛ إن أعطيتَني رمحًا أطعنهم به؛ وهم بالأعوص وسيفًا أضربهم به وهم بهيفَا، قال: ثمّ مكث غير كثير، ثم بعث إليّ فقال: ما تنتظر؟ قلت: ما أهون عليك - أبقاك الله - أن أقتَل وتمرّوا؛ فيقال: والله إن كان لباديًا! قال: ويحك! قد بيّض أهل الشأم وأهل العراق وخُراسان، قال: قلت: اجعل الدنيا زبدةً بيضاء وأنا في مثل صوفة الدواة، ما ينفعني هذا وعيسى بالأعوص!\nقال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، عن جدّه، قال: وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمّ يُنزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله - ﷺ -، فقال ابن الأصمّ: ألّا إنّ الخيل لا عمل لها مع الرّجالة؛ وإني أخاف إن كشفوكم كشفةً أو يدخلوا عسكرهم.\nفرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجُرْف - وهي على أربعة أميال من المدينة - وقال: لا يهرول الرّاجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذَه الخيل.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: قال: حدثني محمد بن أبي الكرام، قال: لمّا نزل عيسى طَرَف القَدُوم أرسل إليّ نصفَ الليل، فوجدتُه جالسًا والشمع والأموال بين يديه، فقال: جاءتني العيون تخبرني أنّ هذا الرجل في ضعف؛ وأنا أخاف أن ينكشف؛ وقد ظننتُ ألَّا مسلك له إلّا إلى مكة، فاضمُم إليك خمسمئة رجل؛ فامضِ بهم معاندًا عن الطريق حتى تأتيَ الشجَرة فتقيم بها، قال: فأعطاهم على الشّمع، فخرجتُ بهم حتى مررتُ بالبصرة بالبطحاء - وهي بطحاء ابن أزْهر على ستة أميال من المدينة - فخاف أهلها؛ فقلتُ: لا بأس عليكم؛ أنا محمد بن عبد الله، هل من سويق؟ قال: فأخرجوا إلينا سويقًا، فشربنا وأقمنا بها حتى قتِل محمد.\nقال: وحدّثني محمد بن إسماعيل؛ عن الثقة عنده، قال: لما قرُب عيسى أرسل إلى محمد القاسمَ بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرُّجوع عمّا هو عليه، ويخبره أن أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته، فقال محمد للقاسم: والله لولا أنّ","vol":"9","page":902},{"text":"الرّسل لا تقتل لضربتُ عنقك؛ لأني لم أرك منذ كنت غلامًا في فرقتين؛ خير وشرّ، إلّا كنتَ مع الشرّ على الخير، وأرسل محمد إلى عيسى: يا هذا؛ إنّ لك برسول الله قرابةً قريبةً، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه؛ وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه؛ فإياك أن يقتلك مَنْ يدعوك إلى الله، فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظمَ لوزرك، وأكثر لمأثمك، فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر، فبلّغه، فقال: ارجعْ إلى صاحبك، فقل له: ليس بيينا إلّا القتال.\nقال: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرني أبي، قال: لما قرب عيسى من المدينة، أرسلني إلى محمد بأمانه، فقال لي محمد: علام تقاتلونني وتستحلّون دمي، وإنما أنا رجل فرَّ من أن يَقْتل! قال: قلت: إنّ القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبَيت إلّا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك عليٌّ وطلحةَ والزبير؛ على نكث بيعتهم وكيد ملكهم، والسعي عليهم، قال: فأخبرتُ بذلك أبا جعفر، فقال: والله ما سرّني أنك قلت له غير ذلك، وأن لي كذا وكذا.\nقال: وحدّثني هشام بن محمد بن عُروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: لما صرْنا بالمدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة، فطاف بعسكرنا حتى حسّه كله، ثم ولّى ذاهبًا.\nقال: فرعبنا منه والله رعْبًا شديدًا؛ حتى جعل عيسى وحميد بن قَحْطبة يعجبان فيقولان: فارس واحد طليعةً لأصحابه! فلما ولّى مَدَى أبصارنا نظرنا إليه مقيمًا بموضع واحد، فقال حميد: ويحكم! انظروا ما حالُ الرجل؛ فإني أرى دابته واقفًا (١) لا تَزول؛ فوجّه إليه حميد رجلين من أصحابه، فوجدا دابته قد عثر به؛ فصرعه فقوّس التنور عنقه، فأخذا سلبه، فأتِينا بتنور - قيل إنه كان لمصعب بن الزبير - مُذْهب لم يُرَ مثله قطّ.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نزل عيسى بقصر سليمان بالجُرْف، صَبِيحة ثنتي عشرة من رمضان من سنة خمس\n_________\n(١) تقع الدابة على المذكر والمؤنث. القاموس ص ١٠٥.","vol":"9","page":903},{"text":"وأربعين ومئة، يوم السبت، فأقام يوم السبت ويوم الأحد وغدا يوم الإثنين، حتى استوى على سَلْع، فنظر إلى المدينة وإلى مَنْ دخلها وخرج منها، وشحن (١) وجوهها كلها بالخيل والرّجال إلا ناحية مسجد أبي الجرّاح؛ وهو على بُطحان؛ فإنه تركه لخروج مَنْ هرب، وبرز محمد في أهل المدينة.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا محمد بن زيد، قال: قدمنا مع عيسى، فدعا محمدًا ثلاثًا: الجمعة والسبت والأحد.\nقال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدثني زيد مولى مِسمَع، قال: لمّا عسكر عيسى أقبل على دابة يمشي حواليه نحو من خمسمئة وبين يديه راية يُسار بها معه؛ فوقف على الثنيّة ونادى: يا أهل المدينة؛ إن الله قد حرّم دماء بعضنا على بعض؛ فهلمّوا إلى الأمان؛ فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومَن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن؛ ومَن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلّوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا أو له، قال: فشتموه وأقذعوا له، وقالوا: يا بن الشاة، يا بن كذا، يا بن كذا، فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك، فشتموه؛ فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قطّ من الخيل والرجال والسلاح؛ فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان، فانصرف إلى معسكره.\nقال: وحدثني إبراهيم الغَطفانيّ، قال: سمعت أبا عمرو مؤدّب محمد بن عبد الرحمن يحدّث عن الزبيريِّ - يعنى عثمان بن محمد بن خالد - قال: لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرني ألّا أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان، فلك عليَّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتُعطَى من المال كذا وكذا، ويُقضى عنك دينك، ويُفعل بك ويفعل! قال: فصاح: محمد الهُ عن هذا، فوالله لو علمتَ أنه لا يثنيني عنكم فَزَع، ولا يقرّبني منكم طمع ما كان هذا، قال: ولجّ القتال، وترجّل محمد؛ فإني لأحسبه قتَل بيده يومئذ سبعين رجلًا.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لما كان يوم\n_________\n(١) في اللسان (١٣/ ٢٣٤): \"شحن البلد بالخيل ملأه، والبلد شحنة من الخيل، أي رابطة\".","vol":"9","page":904},{"text":"الإثنين، وقف عيسى على ذُباب، ثم دعا مولى لعبد الله بن معاوية كان معه؛ وكان على مجفّفته، قال: خذ عشرة من أصحابك؛ أصحاب التجافيف؛ فجاء بهم، فقال لنا: ليقم معه عشرة منكم يا آل أبي طالب، قال: فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بن عمر بن عليّ: عبد الله وعمر، ومحمد بن عبد الله بن عَقيل، والقاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وعبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر؛ في عشرة منّا، فقال: انطلقوا إلى القوم، فادعوهم وأعطوهم أمانًا؛ وبقيَ أمان الله، قال: فخرجنا حتى جئنا سوق الحطّابين؛ فدعوْناهم فسبُّونا ورشقونا بالنَّبل، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه؛ فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد، فقال: وأنا ابنُ رسول الله؛ وأكثر من ترون بنو رسول الله؛ ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقْن دمائكم والأمان لكم؛ فجعلوا يسبُّوننا ويرشقوننا بالنبل، فقال القاسم لغلامه: القَطْ هذه النّبل، فلقطها فأخذها قاسم بيده، ثم دخل بها إلى عيسى، فقال: ما تنتظر! انظر ما صنعوا بنا، فأرسل عيسى بن حميد قَحْطبة في مئة.\nقال: حدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: حدّثني أخواي عثمان ومحمد ابنا سعيد - وكانا مع محمد - قالا: وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنيّة الوداع، فدعَوْا محمدًا إلى الأمان، فسبّهما فرجعا، وأقبل عيسى وقد فرّق القواد فجعل هزارمرد عند حمّام بن أبي الصعْبة، وكثير بن حُصَين عند دار ابن أفلَح التي ببقيع الغرْقد، ومحمد بن أبي العباس على باب بني سلمة، وفرّق سائر القوّاد على أنقاب المدينة، وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنيّة، فرَموا بالنشاب والمقاليع ساعة.\nوحدثني أزهر، قال: جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه.\nقال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: حدّثني عمر؛ شيخ من الأنصار، قال: جعل محمد ظلال المسجد خَفاتين لأصحابه، فأتاه رجلان من جُهينة، فأعطى أحدهما خَفْتانًا ولم يعط الآخر، فقاتل صاحب الخَفْتان، ولم يقاتل الآخر معه، فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخَفْتان نُشابَة، فقتلته، فقال صاحبه:\nيا ربِّ لا تجعَلني كمَنْ خانْ ... وباع باقي عَيْشِهِ بِخَفْتانْ","vol":"9","page":905},{"text":"قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني إسماعيل بن أبي عمرو، قال: إنا لَوقوف على خندق بني غِفار؛ إذ أقبل رجل على فَرس؛ ما يُرَى منه إلّا عيناه، فنادى: الأمان، فأعطي الأمان، فدنا حتى لصق بنا، فقال: أفيكم مَنْ يبلِّغ عني محمدًا؟ قلت: نعم، أنا، قال: فأبلِغْه عني - وحسر عن وجهه؛ فإذا شيخ مخضوب - فقال: قل له: يقول لك فلان التميميّ، بآية أنّى وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جُهينة في سنة كذا، اصبر إلى الليل؛ فإن عامة الجند معك، قال: فأتيته، قبل أن يَغْدُوَ - وذلك يوم الإثنين في اليوم الذي قُتل فيه - فوجدت بيين يديه قِرْبة عسل أبيض قد شُقَّت من وسطها، ورجل يتناول من العسل ملء كفه، ثم يغمسه في الماء، ثم يلقمه إياه، ورجل يحزم بطنه بعمامة؛ فأبلغتُه الرسالة فقال: قد أبلغتَ، فقلت: أخواي في يدك، قال: مكانُهما خير لهما.\nقال: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، قال: كانت راية محمد إلى أبي، فكنت أحملها عنه.\nقال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كان مع الأفطس حسن بن عليّ بن حسين عَلم أصفر، فيه صورةُ حيّة، ومع كلّ رجل من أصحابه، من آل على بن أبي طالب علَم، وشعارهم: أحَد أحَد، قال: وكذلك كان شعار النبيّ - ﷺ - يوم حُنَين.\nقال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: أخبرنا جَهْم بن عثمان مولى بني سُلَيم ثم أحد بني بَهْز، قال: قال لي عبد الحميد بن جَعْفر يوم لقيَنا أصحابُ عيسى: نحن اليوم على عِدّة أهل بدر يوم لَقُوا المشركين - قال: وكنا ثلاثمئة ونيّفًا (١).\nقال: وحدّثني إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت أبي يقول: وُلِد عيسى بن موسى في سنة ثلاث ومئة، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وعلى مقدّمته حميد بن قَحْطبة، وعلى مَيمنته محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وعلى\n_________\n(١) هذا خبر منكر سندًا ومتنًا وجهم بن عثمان منكر الحديث.","vol":"9","page":906},{"text":"ميسرته داود بن كِرّاز من أهل خُراسان، وعلى ساقته الهيثم بن شعبة.\nقال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: لقى أبو القلمّس محمد بن عثمان، أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعا ثم تراجعا إلى مواقفهما، فأخذ أخو أسد سيفًا، وأخذ أبو القلمّس بأثفيّة، فوضعها على قَرَبُوس سَرْجه، وستَرها بدِرْعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمّس في ركائبه؛ ثم ضرب بها صَدْره فصرعه، ونزل فاحتزّ رأسه.\nقال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدثني عبدُ الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله العمريّ، قال: كنا مع محمد، فبرز رجل من أهل المدينة؛ مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز، فبرز إليه رجل لم أرَ مثل كماله وعُدّته؛ فلما رآه ابن وائل انصرف، قال: فوجَدنا من ذلك وجدًا شديدًا، فإنا لعلى ذلك إذ سمعتُ خَشْف (١) رجل ورائي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعتُه يقول: لعن الله أميرَ السفهاء، إن ترك مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألّا يكون من شأنه قال: ثم برز له فقتله.\nقال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق، ثم دعا للبراز، فبرز له هزارمرد، فلما رآه القاسم هابه، فرجع فبرز له أبو القلمّس، فقال: ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قطّ، ثم ضربه على حبْل عاتقه فقتله، فقال: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلتَ خيرًا من ألف فاروق.\nقال: وحدّثني عليّ أبو الحسن الحذّاء من أهل الكوفة، قال: حدّثني مسعود الرّحال، قال: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإنّى لأنظر إليهم عند أحجار الزّيت، وأنا مشرف عليهم من الجَبل - يعني سَلْعًا - إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئمًا في الحديد؛ لا يُرى منه إلّا عيناه، على فرس؛ حتى فَصَل من صفّ أصحابه، فوقف بين الصّفين، فدعا للبراز؛ فخرج إليه رجل من أصحاب محمد، عليه قَباء أبيض، وكُمّة بيضاء، وهو راجل، فكلمه مليًّا، ظننت أنه استرجله لتستوى حالاهما، فنظرتُ إلى الفارس ثَنَى رجله، فنزل،\n_________\n(١) الخشف: الصوت الخفي، أو الحركة. القاموس ص ١٠٣٩.","vol":"9","page":907},{"text":"ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خُوذة حديد على رأسه، فأقعده على استِه وقِيذًا لا حراك به، ثم انتزع الخُوذة، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل في أصحابه، فلم ينشب أنْ خرج من صفّ عيسى آخر؛ كأنه صاحبه، فبرز له الرّجُل الأوّل، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه، ثم عاد إلى صفّه، وبرز ثالث فدعاه، فبرز له فقتله، فلما قتل الثالث ولّى يريد أصحابه، فاعتوره أصحاب عيسى فرموْه فأثبتوه، وأسرع يريد أصحابَه، فلم يبلغهم حتى خرَّ صريعًا فقتلوه دونهم.\nوحدّثني عيسى، قال: أخبرني محمد بن زيد، قال: لما أخبرْنا عيسى برميهم إيانا، قال لُحميد بن قَحْطبة: تقدّم، فتقدم في مئة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق، عليه أناس من أصحاب محمد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، فأرسل حُميد إلى عيسى بهدْم الجدار، قال: فأرسل إلى فَعَلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى: إنا قد انتهينا إلى الخندق، فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عليها؛ حتى كانوا من ورائه، ثم اقتتلوا أشدّ القتال من بُكْرة حتى صار العصر.\nوحدّثني الحارث، قال: أخبرنا ابنُ سعد، قال: قال محمد بن عمر: أقبل عيسى بن موسى بمَنْ معه، حتى أناخ على المدينة، وخرج إليه محمد بن عبد الله ومَنْ معه، فاقتتلوا أيامًا قتالًا شديدًا، وصبَر نفر من جُهينة، يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد الله، حتى قُتِلوا وكان لهم غَناء.\n* * *\nرجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قال: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنيّة فطُرحا على الخندق؛ فجازت الخيل، فالتقوْا عند مفاتح خشْرم، فاقتتلوا حتى كان العصر.\nحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مَرْوان، فاغتسل وتحنّط، ثم خرج، قال عبد العزيز بن أبي ثابت: فحدّثني عبد الله بن جعفر، قال: دنوتُ منه، فقلت له: بأبي أنت! إنه والله ما لك بما رأيتَ طاقة، وما معك أحد يصدُق","vol":"9","page":908},{"text":"القتال؛ فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة؛ فإنّ معه جِلّة أصحابك، فقال: يا أبا جعفر؛ والله لو خرجتُ لقتل أهل المدينة؛ والله لا أرجع حتى أقتُل أو أقتَل؛ وأنت مني في سعة؛ فاذهب حيث شئت، فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضتُ فأخذت على الزيّاتين، ومضى إلى الثنيّة، وقُتل من كان معه بالنّشاب وجاءت العصر فصلَّى.\nحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، قال: رأيت محمدًا بين داري بني سعد، عليه جُبّة ممشّقة، وهو على بِرْذون، وابنُ خُضَير إلى جانبه يناشده الله إلّا مضى إلى البصرة أو غيرها؛ ومحمد يقول: والله لا تُبْتلون بي مرتين؛ ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حلّ.\nقال ابن خُضير: وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان، وقتل رِياحًا ثم لحقه بالثنيّة، فقاتل حتى قتِل.\nوحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: خرج مع محمد بن عبد الله بن خُضير؛ رجل من ولد مُصعب بن الزبير؛ فلما كان اليوم الذي قتل فيه محمد، ورأى الخلل في أصحابه، وأنّ السيف قد أفناهم؛ استأذن محمدًا في دخول المدينة فأذن له، ولا يعلم ما يريد؛ فدخل على رياح بن عثمان بن حيّان المُرّيّ وأخيه، فذبحهما ثم رجع، فأخبر محمدًا، ثم تقدّم فقاتل حتى قُتِل من ساعته.\nرجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قال: حدثني أخي، قال: لما رجع ابن خُضير قتل رياحًا وابن مسلم بن عُقْبة.\nوحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ذبح ابن خُضير رياحًا ولم يُجْهِز عليه، فجعل يضرب برأسه الجِدار حتى مات؛ وقتل معه عباسًا أخاه؛ وكان مستقيمَ الطريقة، فعاب الناسُ ذلك عليه؛ ثم مضى إلى ابن القَسْريّ وهو محبوس في دار ابن هشام، فنذِر به فردم بابي الدار دونَه، فعالج البابين، فاجتمع مَنْ في الحبس فسدّوهما، فلم يقدر عليهم؛ فرجع إلى محمد، فقاتل بين يديه حتى قُتِل.\nحدثني مسكين بن حبيب بن محمد، قال: لما جاءت العصر صلاها محمد","vol":"9","page":909},{"text":"في مسجد بني الديل، في الثنيّة، فلما سلّم استسقى، فسقته رَبيحة بنت أبي شاكر القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك انجُ بنفسك، قال: إذًا لا يبقى بها ديكٌ يصرخ؛ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلْع، نزل فعرقبَ دابته، وعرقب بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غِمْد سيفه، قال مسكين: فلقد رأيتُني وأنا غلام، جمعت من حَليها نحوًا من ثلاثمئة درهم؛ ثم قال لهم: قد بايعتموني ولستُ بارحًا حتى أقتَل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنتُ له، ثم أقبل على ابن خُضَير، فقال له: قد أحرقتَ الديوان؟ قال: نعم، خفت أن يؤخذ الناس عليه؟ قال: أصبت.\nحدثني أزهر، قال: حدّثني أخوَاي، قالا: لقد هزمْنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثًا، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة؛ ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يقول، وقد هزمناهم: ويل أمه فَتْحًا لو كان له رجال!\nحدثني عيسى، قال: كان ممّن انهزم يومئذ وفرّ عن محمد عبدُ العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأرسل محمد وراءه، فأتِيَ به، فجعل الصبيان يصيحون وراءه: \"ألا باقة بقبقبة\"، فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك: إن أشدّ ما أتى عليَّ لصياح الصبيان.\nوحدّثني عيسى، قال: حدّثنا مولى لهشام بن عُمارة بن الوليد بن عديّ بن الخيار، قال: كنا مع محمد، فتقدّم هشام بن عُمارة إليه وأنا معه، فقال: إني لا آمن أن يخذُلك مَنْ ترى، فأشهد أنّ غلامي هذا حرٌّ لوجه الله إن رمتُ أبدأ أو تُقتَل أو أقتَل أو نُغلَب؛ فقلت: فوالله إنّي لمعه إذ وقعت بترسه نشابة، ففلقته باثنتين، ثم خسفت في درْعه، فالتفت إليَّ فقال: فلان! قلت: لبيك؟ ! قال: ويلك! رأيتَ مثل هذا قطّ يا فلان! أيما أحبّ إليك؛ نفسي أم أنت؟ قلت: لا بل نفسك، قال: فأنت حرّ لوجه الله، فانطلق هاربًا.\nوحدّثني متوكل بن أبي الفحوة، قال: حدّثني محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن أبي فرْوة، قال: إنَّا لعلى ظهر سلْع ننظر، وعليه أعاريب جُهينة، إذ صعد إلينا رجل بيده رُمْح، قد نصب عليه رأس رجل متّصلٌ بحلقومه وكبده وأعْفَاج بطنه، قال: فرأيتُ منه منظرًا هائلًا، وتطيّرت منه الأعاريب، وأجفلت هاربة حتى أسهلت، وعلا الرّجُل الجبل، ونادى على الجبل رطانة لأصحابه","vol":"9","page":910},{"text":"بالفارسية \"كوهبان\"؛ فصعد إليه أصحابه حتى علوْا سلْعًا فنصَبُوا عليه راية سوداء، ثم انصبُّوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرتُ أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبد الله بن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس - بخمار أسود، فنصب على منارة مسجد رسول الله - ﷺ -؛ فلمّا رأى ذلك أصحابُ محمد تنادوا: دُخِلت المدينة، وهربوا، قال: وبلغ محمّدًا دخول الناس من سلْع، فقال: لكلّ قوم جبل يعصمهم؛ ولنا جبل لا نؤتَى إلّا منه.\nوحدثني محمد بن إسماعيل، عن الثقة عنده، قال: فتح بنو أبي عمرو الغفاريون للمسوّدة طريقًا في بني غفار، فدخلوا منه حتى جاؤوا من وراء أصحاب محمد.\nوحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال: نادى محمد يومئذ حُميد بن قحطبة: إن كنتَ فارسًا وأنت تعْتَدّ ذاك على أهل خُراسان فابرز لي، فأنا محمد بن عبد الله، قال: قد عرفتُك وأنت الكريم ابن الكريم، الشريف ابن الشريف؛ لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يديّ من هؤلاء الأغمار إنسان واحد؛ فإذا فرغتُ منهم فسأبرزُ لك لَعَمْري.\nوحدثني عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: حدّثني رجل من بني ثعلبة بن سعد، قال: كنت بالثنيّة يوم قُتِل محمد بن عبد الله بن حسن ومعه ابن خضير، قال: فجعل ابن قحطبة يدعو ابنَ خضير إلى الأمان، ويشحّ به عن الموت، وهو يشدّ على الناس بسيفه مترجّلًا، يتمثل:\nلا تَسْقِهِ حَزرًا ولا حليبًا ... إن لم تجدْه سابحًا يَعْبُوبَا\nذا مَيْعَةٍ يَلتَهِمُ الجبوبَا ... كالذئب يتلو طَمَعًا قريبا\nيبادر الآثارَ أن تَثُوبا ... وحاجبَ الجَونةِ أَن يغيبا\nقال: فخالط الناس، فضربه ضارب على ألْيَته فخلّها، فرجع إلى أصحابه، فشقّ ثوبًا فعصَّبها إلى ظهره، ثم عاد إلى القتال، فضربه ضارب على حَجَاج عينه (١)، فأغمض السيف في عينه، وخرّ فابتدره القوم، فحزُّوا رأسه؛ فلما قتِل\n_________\n(١) الحجاج: العظم الذي يثبت عليه الحاجب. اللسان (٢/ ٢٢٩) القاموس ص ٢٣٤.","vol":"9","page":911},{"text":"ترجّل محمد، فقاتل على جيِفته حتى قتل.\nوحدثني مخلّد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهليّ، قال: سمعتُ الفضل بن سليمان مولى بني نُمير يخبِر عن أخيه - وكان قد قتل له أخ مع محمد - قال: كان الخُراسانية إذا نظروا إلى ابن خُضير تنادوا: \"خضير آمد، خضير آمد! \"، وتصعصعوا (١) لذلك.\nوحدثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قَحْطبة، قال: أتِينا برأس ابن خضير؛ فوالله ما جعلنا نستطيع حَمْله لما كان به من الجِراح؛ والله لكأنه باذنجانة مفلّقة، وكنا نضمُّ أعظَمهُ ضمًّا.\nوحدثني أزهر بن سعيد، قال: لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود على مَنارة المسجد فتّ ذلك في أعضادهم، ودخل حُميد بن قحطبة من زُقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر، وأخذ رأسه فأتَى به عيسى، وقتَل معه بشرًا كثيرًا.\nقال: وحدثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخبرني مسعود الرّحال، قال: رأيت محمدًا يومئذ باشرَ القتال بنفسه، فأنظر إليه حين ضربه رجلٌ بسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لرُكبتيه وتعاوروا عليه، وصاحَ حُميد بن قحطبة: لا تقتلوه، فكفّوا، وجاء حميد فاحتزّ رأسه.\nوحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: برك محمد يومئذ لركبتيْه وجعل يذبّ عن نفسه ويقول: ويحكم! أنا ابن نبيكم، محرَج مظلوم!\nوحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني ابن أبي ثابت؛ عن عبد الله بن جعفر، قال: طعنه ابن قَحطبة في صدره فصَرعه، ثم نزل فاحتزّ رأسه، فأتى به عيسى.\nوحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني أبو الحجاج المنقريّ، قال:\n_________\n(١) الصعصعة: التفرق. القاموس ص ٩٥٣.","vol":"9","page":912},{"text":"رأيتُ محمدًا يومئذ وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِر عن حمزة بن عبد المطلب، يهذّ الناس بسيفه هذًّا؛ ما يقاربه به أحد إلا قتله، ومعه سيف، لا والله ما يُليق شيئًا؛ حتى رماه إنسان بسهم كأني أنظر إليه، أحمر أزرق، ثم دهمتْنا الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، فتحاماه الناسُ، فوجد الموت، فتحامل عِلى سيفه فكسره، قال: فسمعتُ جدّي يقول: كان معه سيف رسول الله - ﷺ - ذو الفَقار.\nوحدّثني هرمز أبو عليّ مولى باهلة، قال: حدّثني عمرو بن المتوكل - وكانت أمّه تخدم فاطمة بنت حسين - قال: كان مع محمد يوم قتل سيف النبيّ - ﷺ - ذُو الفقار، فلما أحسّ الموت أعطى سيفه رجلًا من التجار كان معه - وكان له عليه أربعمئة دينار - فقال له: خذ هذا السيف؛ فإنك لا تلقى به أحدًا من آل أبي طالب إلّا أخذه وأعطاك حقك، قال: فكان السيف عنده، حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه، وأعطاه أربعمئة دينار؛ فلم يزل عنده حتى قام المهديّ، وولِي جعفر المدينة، وبلغه مكانُ السيف؟؛ فأخذه، ثم صار إلى موسى، فجرّب به على كلب، فانقطع السيف. [٧/ ٥٧٩ - ٥٩٦].\nوحدثني أبو عاصم النبيل، قال: حدّثني أخو الفضل بن سليمان النُّميريّ قال: كنا مع محمد، فأطاف بنا أربعون ألفًا، فكانوا حولنا كالحرّة السَّوداء، فقلت له: لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إنّ أمير المؤمنين لا يحمل، إنه إن حمل لم تكن له بقيّة، قال: فجعلنا نعيد ذلك عليه؛ فحمل، فالتفوا عليه فقتلوه.\nوحدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم - ويدعى ابن البوّاب؛ وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون - من أدباء الناس وعلمائهم - قال: حدّثني أبي عن الأسلميّ - يعني عبد الله بن عامر - قال: قال لي محمد ونحن نقاتل معه عيسى: تغشانا سحابة؛ فإن أمَطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتْنا إليهم فانظر إلى دمِي على أحجار الزيت؛ قال: فوالله ما لبثنا أنْ أطلّتْنا سحابة فأحالت حتى قلتُ: تفعل، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه، فما كان إلا كلا ولا؛ حتى رأيته قتيلًا بين أحجار الزيت.\nوحدثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال: قال عيسى لحُميد بن قحطبة عند العصر: أراك قد أبطأتَ في أمر هذا الرجل، فولّ حمزة بن","vol":"9","page":913},{"text":"مالك حرْبَه، فقال: والله لو رُمتَ أنت ذاك ما تركتُك؛ أحين قتلتُ الرجال ووجدتُ ريح الفتح! ثم جدّ في القتال حتى قُتِل محمد.\nوحدثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عِجل، قال: أخبرني حميد مولى محمد بن أبي العباس، قال: اتّهم عيسى حميدَ بن قحطبة يومئذ - وكان على الخيل - فقال: يا حُميد، ما أراك تبالغ، قال: أتتهمني! فوالله لأضربنّ محمدًا حين أراه بالسيف، أو أقتل دونه، قال: فمرّ به وهو مقتول؛ فضربه بالسيف ليبرّ يمينه.\nوحدَّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: قُتِل محمد عند العصر، يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان.\nوحدثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني أبي، قال: بعث عيسى فدقّ السجن، فحملنا إليه والقتال دائب بينهم؛ فلم نزل مطّرحين بين يديه، حين أتِيَ برأس محمد، فقلتُ لأخي يوسف: إنه سيدعونا إلى معرفته، ولا نعرفه له؛ فإنا نخاف أن نخطئ؛ فلما أتِيَ به قال: أتعرفانه؟ قلنا: نعم، قال: انظرا، أهو هذا؟ قال أبي: فبدرتُ يوسف، فقلت: أرى دمًا كثيرًا وأرى ضربًا؛ فوالله ما أثبِته، قال: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنَا كلها حتى أصبحنا، قال: ثم ولّاني ما بين مكة والمدينة، فلم أزل واليًا عليه حتى قدم جعفر بن سليمان، فحمدوني إليه، وألزمني نفسه.\nوحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: حدثني أبو كعب، قال: حضرت عيسى حين قتل محمدًا فوضع رأسه بين يديه، فأقبل على أصحابه، فقال: ما تقولون في هذا؟ فوقعوا فيه، قال: فأقبل عليهم قائد له، فقال: كذبتم والله وقلتم باطلًا، لمَا على هذا قاتلناه؛ ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشقّ عصا المسلمين، وإن كان لصوّامًا قوّامًا، فسكت القوم.\nوحدثني ابن البوّاب عبد الله بن محمد، قال: حدّثني أبي، عن الأسلميّ، قال: قدم على أبي جعفر قادم، فقال: هرب محمد، فقال: كذبت! نحن أهلَ البيت لا نفرّ.\nوحدثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: حدّثني أبو الحجاج الجمّال،","vol":"9","page":914},{"text":"قال: إني لقائم على رأس أبي جعفر، وهو مسائلي عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى قد هُزِم - وكان متّكئًا فجلس - فضرب بقضيب معه مصلّاه، وقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما أنى لذلك بعدُ! .\nقال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: أصاب أبا القلمّس نُشابة في ركبته، فبقيَ نصلها، فعالجها فأعياه، فقيل له: دعه حتى يقيح فيخرج، فتركه، فلما طُلب بعد الهزيمة لحق بالحَرّة، وأبطأ به ما أصاب ركبتَه، فلم يزل بالنّصل حتى استخرجه ثم جثا لركبتيه، ونكب كنانته (١)، فرماهم فتصدّعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا.\nوحدثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم، قال: لما انهزمنا يومئذ كنتُ في جماعة، فيهم أبو القلمّس، فالتفتّ إليه، فإذا هو مستغرب ضحكًا، قال: فقلت: والله ما هذا بموضع ضحك، وخفضتُ بصري؛ فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصُه، فلم يبق منه إلا جُرُبّانه (٢) وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر؛ قال: فجعلت أضحك لضحك أبي القلمّس.\nفحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: لم يزل أبو القلمّس مختفيًا بالْفُرْع، وبقي زمانًا ثم عدا عليه عبدٌ له، فشدخ رأسه بصخْرة فقتله، ثم أتى أمّ ولد كانت له، فقال: إني قد قتلت سيِّدك فهلمِّي أتزوّجك؟ قالت: رويدًا أتصنّع لك، فأمهلها، فأتت السلطان فأخبرته، فأخذ العبدَ فشدخ رأسَه.\nحدّثني محمود بن معمر بن أبي الشدائد، قال: أخبَرني أبي، قال: لما دخلتْ خيلُ عيسى من شِعْب بني فَزارة فقتِل محمد، اقتحم نَفِّر على أبي الشدائد فقتلوه، وأخذوا رأسه، فنادت ابنتُه الناعمة بنت أبي الشدائد: وارجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومَنْ رجالك؟ قالت: بنو فَزارة قال: والله لو علمتُ ما دخلتُ بيتَك، فلا بأس عليك، أنا امرؤ من عشيرتك من باهلة؛ وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها، قال: وأُتِيَ عيسى برأسه، وعنده ابن أبي الكرام\n_________\n(١) نكب كنانته: نثر ما فيها. القاموس ص ١٧٩.\n(٢) جربان القميص: جيبه. اللسان ١/ ٢٦١.","vol":"9","page":915},{"text":"ومحمد بن لُوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فاسترجعا وقالا: والله ما بقي من أهل المدينة أحدٌ، هذا رأس أبي الشدائد، فالح بن معمر - رجل من بني فزارة مكفوف - قال: فأمر مناديًا فنادى: مَنْ جاء برأس ضربْنا رأسه.\nوحدثني عليّ بن زادان، قال: حدّثني عبد الله بن برقي، قال: رأيت قائدًا من قوّاد عيسى، جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز؛ فأرشدناه إليه. قال: فخرج وعليه قميص رياط، قال: فأنزلوا قائدَهم، وحملوه على بِرْذَوْنه وخرجوا به يزفّونه، حتى أدخلوه على عيسى، فما هاجه.\nحدثني قدامة بن محمد، قال: خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد بن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال، تقلد كلّ واحد منهما قوسًا، فظننّا أنهما أرادا أن يُريا الناس أنهما قد صَلَحا ذلك.\nوحدثني عيسى، قال: حدثني حسين بن يزيد، قال: أتِيَ بابن هرمز إلى عيسى بعدما قتل محمد، فقال: أيها الشيخ، أما وزعك فقهُك عن الخروج مع من خرج! قال: كانت فتنةً شملت الناس، فشملتنا فيهم، قال: اذهب راشدًا.\nوحدثني محمد بن الحسن بن زبَالة، قال: سمعتُ مالك بن أنس، يقول: كنتُ آتي ابنَ هرمز فيأمر الجارية فتغلق البابَ، وترخِي الستر، ثم يذكر أوّل هذه الأمّة، ثم يبكي حتى تخضلّ لحيته، قال: ثم خرج مع محمد فقيل له: والله ما فيك شيء، قال: قد علمتُ؛ ولكن يراني جاهل فيقتدي بي.\nحدثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لمّا قُتِل محمدٌ انخرقت السماءُ بالمطر بما لم أر مثله انخرق قطّ منها، فنادى منادي عيسى: لا يبيتنّ بالمدينة أحدٌ من الجند إلا كثير بن حُصَين وجنده، ولحق عيسى بعسكره بالجُرْف؛ فكان به حتى أصبح، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام (١).\nوحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما\n_________\n(١) إن كان ابن قدامة بن خشرم فقد قال ابن عدي له أحاديث غير محفوظة (ميزان الاعتدال/ تر ٦٨٧١) وإلا لم ندر من هو؟","vol":"9","page":916},{"text":"أصبح محمد في مصرَعه، أرسلتْ أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل، وقضيتم منه حاجَتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه! فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بنتيْ عمّي مما نيل منه فوالله ما أمرتُ ولا علمتُ؛ فوارِياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتُمل، فقيل: إنه حُشي في مقطع عنقه عديله قُطْنًا، ودفن بالبَقيع، وكان قبره وِجاه زقاق دار عليّ بن أبي طالب، شارعًا على الطريق أو قريبًا من ذلك؛ وبعث عيسى بألوية فُوضعَ على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحدٌ، وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر، وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهريّ آخر، وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر، وعلى باب دار أبي عمرو الغِفاريّ آخر، وصاح مناديه: مَنْ دخل تحت لواء منها، أو دخل دارًا من هذه الدور فهو آمن، ومطرت السماءُ مطرًا جَوْدًا، فأصبح الناس هادئين في أسواقهم؛ وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجُرْف، فأقام بالمدينة أيامًا، ثم شخص صُبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة.\nحدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفْنه، وأمر بأصحابه فصُلبوا ما بين ثنيّة الوَداع إلى دار عمر بن عبد العزيز.\nقال أزهر: فرأيتُهم صفين؛ ووكل بخشبة ابن خُضير مَن يحرسها، فاحتمله قومٌ في الليل فواروْه، ولم يقدَرْ عليهم، وأقام الآخرون مصلّبين ثلاثًا، ثم تأذّى بهم الناس، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سَلْع، وهي مقبرة اليهود، فلم يزالوا هنالك، ثم ألقُوا في خندق بأصل ذباب.\nحدثني عيسى بن عبدالله قال: حدّثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين، قالت: قلت لعمّي جعفر بن محمد: إني - فديتُك - ما أمرُ محمد بن عبد الله [هذا] قال: فتنته يقتل فيها محمد عند بيت روميّ، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق وحوافر فرسه في ماء.\nحدثني عيسى، عن أبيه، قال: خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ - وكان عمه جعفر ينهاه؛ وكان من أشدّ الناس مع محمّد - قال: فكان جعفر يقول له: هو والله مقتول، قال: فتنحى جعفر.\nحدّثني عيسى، قال: حدّثنا ابنُ أبي الكرام، قال: بعثني عيسى برأس","vol":"9","page":917},{"text":"محمد، وبعث معي مئة من الجند، قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النّجَف كبّرنا - قال: وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصِر هارون بن سعد العِجلّي - فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قال: هذا ابن أبي الكرام، جاء برأس محمد بن عبد الله، قال: ائذن له ولعشرة ممّن معه، قال: فأذِن لي، فوضعتُ الرأس بين يديه في ترس، فقال: من قُتل معه من أهل بيته؟ قلتُ: لا والله ولا إنسان، قال: سبحان الله! هو ذاك، قال: فرفع رأسَه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذي كان قبله؟ قال الربيع: زعم أنه قتِل منهم عدد كثير، قلت: لا والله ولا واحد.\nحدثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: لما قدِم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة، أمر به فطيِف في طَبق أبيض، فرأيته آدم أرْقَط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق.\nوحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل يَنْبعُ، قال: لما أُتِيَ أبو جعفر برؤوس بني شجاع، قال: هكذا فليكن الناس، طلبتُ محمدًا فاشتمل هؤلاء عليه، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا.\nقال عمر: أنشدني عيسى بن إبراهيم وإبراهيم بن مصعب بن عُمارة بن حمزة بن مصعب، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زَبالة وغيرهم لعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي محمدًا:\nتبكي مُدلّه أن تقنَّص حَبْلَهُمْ ... عِيسى وأَقصَدَ صائبًا عثمانا\nهَلا على المَهْديّ وابنَيْ مُصْعَبٍ ... أَذرَيْتَ دَمْعَك ساكبًا تَهتانا!\nولفَقْدِ إبراهيمَ حينَ تصدَّعَت ... عنه الجمُوعُ فَواجَهَ الأَقرانا\nسالَتْ دمُوعك ضَلَّةً قَدْ هِجْتَ لي ... بُرَحاءَ وَجْدٍ تَبْعَثُ الأَحزَانا\nوالله ما وَلَدَ الحواضنُ مثلَهم ... أَمْضَى وأَرفَعَ مَحْتِدًا ومكانا\nوأَشَدَّ ناهِضَةً وأقوَلَ لِلَّتي ... تَنْفِي مصادرُ عَدْلها البهتانا\nفهناك لو فَقَّأْتَ غير مُشَوَّهٍ ... عَيْنَيْك من جزع عذرتَ علانا\nرُزْءٌ لَعَمْرُكَ لو يُصابُ بمثله ... مِبْطانُ صدَّع رُزْؤه مبْطانا\nوقال ابن مصعب:\nيا صاحبَيَّ دَعَا المَلامة واعْلما ... أن لسْتُ في هذا بأَلْوَم منكما","vol":"9","page":918},{"text":"وَقِفَا بقبر ابن النبيّ فسلِّما ... لا بأْسَ أن تَقِفا به فتُسَلِّما\nقبرٌ تَضَمَّنَ خَيْرَ أَهْل زَمانه ... حَسَبًا وطيْبَ سجيَّةٍ وتكرُّما\nرجلٌ نفى بالعَدْلِ جَوْرَ بِلادِنا ... وعفا عظيماتِ الأُمور وأنعَما\nلم يَجْتَنبْ قَصْدَ السبيل ولم يَجُرْ ... عنه ولم يفتح بفاحشةٍ فما\nلو أعظَمَ الحَدَثَان شيئًا قبله ... بعد النبيّ به لكنتَ المعظَما\nأو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحدًا لكان قصارُه أَن يسلَما\nضحَّوا بإبراهيمَ خيرَ ضَحِيَّةٍ ... فتصرَّمت أيامُه وتصرّما\nبطلًا يخوضُ بنفسه غمراتِها ... لا طائشًا رَعَشًا ولا مُسْتَسْلما\nحتى مضَت فيه السُّيوفُ ورُبَّما ... كانت حُتُوفُهُمُ السيوف ورُبّما\nأضحى بنو حَسَن أُبيحَ حَرِيمُهُمْ ... فينا وأصْبحَ نهبُهمْ متقسَّما\nونساؤُهم في دورِهنَّ نوائح ... سَجْعَ الحمامِ إذا الحَمامُ ترنّما\nيتوسَّلون بقتلهم ويَرَوْنَه ... شَرَفًا لهم عند الإمام ومَغْنَمَا\nوالله لو شهد النبيُّ محمّدٌ ... صلّى الإله على النبيّ وسلّما\nإِشْراعَ أُمَّتِهِ الأَسَنَّةَ لابْنِه ... حتى تقطَّر من ظُبَاتِهُمُ دما\nحَقًّا لأيْقَنَ أنَّهم قد ضَيَّعوا ... تلك القرابةَ واستحلّوا المحرَما\nوحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدثني موسى بن عبد الله بن حسن، قال: خرجتُ من منازلنا بسويقة في الليل، وذلك قبل مُخْرَج محمد بن عبد الله؛ فإذا بنسوة كأنما خرجْن من ديارنا؛ فأخذتْني عليهنّ غَيْرة، فإني لأتبعهنّ أنظر أين يَردْنَ؛ حتى إذا كنّ بطرف الحُميرَاء من جانب الغَرْس؛ التفتت إليّ إحداهنّ، فقالت:\nسُوَيْقَةُ بَعْدَ ساكنها يَبَابُ ... لقد أَمستْ أجَدَّ بها الخرابُ\nفعرفت أنهنّ من ساكني الأرض، فرجعت.\nوحدّثني عيسى، قال: لما قَتَل عيسى بن موسى محمدًا قبض أموالَ بني يحسن كلَّها، فأجاز ذلك أبو جعفر.\nوحدّثني أيوب بن عمر، قال: لقيَ جعفر بن محمد أبا جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، رُدّ عليَّ قطيعتي عين أبي زياد آكل من سَعفها، قال: إياي تكلم بهذا الكلام! والله لأزهِقنَّ نفسَك، قال: فلا تعجلْ عليّ قد بلغت ثلاثًا وستين، وفيها","vol":"9","page":919},{"text":"مات أبي وجدّي عليّ بن أبي طالب؛ وعليّ كذا وكذا إن ربتُك شيء أبدًا، وإن بقيتُ بعدك إن رِبْت الذي يقوم بعدك، قال: فرقّ له وأعفاه.\nوحدّثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد، قال: لم يَرُدّ أبو جعفر عينَ أبي زياد حتى مات فردّها المهديّ على ولده.\nوحدّثني هشام بن إبراهيم، قال: لما قُتِل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة، فلم يحمَل إليهم من ناحية البحار شيء؛ حتى كان المهديّ فأمر بالبحر ففتح لهم، وأذن في الحمل.\nوحدّثني محمد بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثتنْي أمّي أمّ سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر زوْجة موسى بن عبد الله، قالت: خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن في ميراث عبد الله، وقالوا: قُتِل أبوكم محمّد فورثه عبد الله؛ فتنازعوا إلى الحسن بن زيد؛ فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، فكتب إليه: أما بعد؛ فإذا بلغك كتابي هذا فورِّثهم من جدّهم، فإني قد رددت عليهم أموالَهم صلةً لأرحامهم، وحفظًا لقَرابتهم.\nوحدّثني عيسى، قال: خرج مع محمد من بني هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحسين وعيسى ابنا زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ قال: فحدّثني عيسى، قال: بلغني أن أبا جعفر كان يقول: واعجبَا لخروج ابني زيد بن عليّ وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما أحرقه، وحمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين بن أبي طالب، وعليّ وزيد ابنا حسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب!\nقال عيسى: قال أبو جعفر للحسن بن زيد: كأني أنظر إلى ابنيك واقفيْن على رأس محمد بسيفيْن، عليهما قَباءان، قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم، قال: أجل فهذا من ذاك، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمرجّى عليّ بن جعفر بن إسحاق بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال عيسى: قال أبو جعفر لجعفر بن إسحاق: مَن المرجَّى هذا؟ فعل الله به وفعل! قال: يا أمير المؤمنين؛ ذاك ابني، والله لئن","vol":"9","page":920},{"text":"شئت أن أنتفي منه لأفعلنّ، ومن بني عبد شمس محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس.\nقال: وحدثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدثني عبّاد بن كثير، قال: خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقَله فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة قيّده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأي أهل البصرة في رجل قيّد الحسن؟\nقال: سيّئًا والله، قال: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثمَّ، فتركه ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (١). [٧/ ٥٩٦ - ٦٠٥].\nوحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله، أنّ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم خرج معه؛ فأتَى به أبو جعفر بعد قتل محمد، فقال له: أنت الخارج عليّ مع محمد؟ قال: لم أجد إلّا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد - ﷺ -، قال عمر: هذا (١) وهْمٌ.\nقال: وحدثني عبد العزيز بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: كان عبيد الله قد أجاب محمدًا إلى الخروج معه؛ فمات قبل أن يخرج، وخرج معه أبو بكو بن عبد الله بن محمد بن أبي سَبْرة بن أبي رُهم بن عبد العُزّى ابن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ، وخرج معه عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسوَر بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْديّ وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بني سباع، وابن سباع من خُزاعة حليف بني زُهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز؛ بنو عبد الله بن عطاء.\nوحدّثني إبراهيم بن مُصعب بن عُمارة بن حمزة بن مُصعب بن الزبير، قال: وحدثني الزُّبير بن خُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير، قال: إنا لبالمُر من بطن\n_________\n(١) عباد بن كثير متروك عند أئمة الحديث.\nوقد ذكر الذهبي هذا الخبر في ترجمة ابن عجلان بصيغة لا تفيد التوكيد أو الجزم فقال: قد جاء أن .... الخبر والله أعلم.","vol":"9","page":921},{"text":"إضَم، وعندي زوجتي أمينة بنت خضير؛ إذ مرّ بنا رجل مصعِد من المدينة، فقالت له: ما فعل محمد؟ قال: قُتِل، قالت: فما فعل ابن خُضير؟ قال: قتل، فخرّت ساجدة، فقلت: أتسجدين أن قُتِل أخوك! قالت: نعم، أليس لم يفِرّ ولم يُؤسَر!\nقال عيسى: حدّثني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: مَنْ استنصر مع محمد؟ قال: آل الزبير، قال: ومَنْ؟ قال: وآل عمر، قال: أما والله غير مودّة بهما له ولا محبّة له ولا لأهل بيته، قال: وكان أبو جعفر يقول: لو وجدتُ ألفًا من آل الزّبير كلهم محسِن وفيهم مسئ واحدٌ لقتلتهم جميعًا، ولو وجدت ألفًا من آل عمر كلهم مسئ وفيهم مُحِسنٌ واحد لأعفيتُهم جميعًا.\nقال عمر: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزّبير، قال: لما قُتِل محمد، هرب أبي وموسى بن عبد الله بن حسن وأنا معهما وأبو هبّار المزنيّ، فأتينا مكة، ثم انحدرنا إلى البصرة، فاكترينا من رجل يدعى حكيمًا، فلما وردنا البصرة - وذلك بعد ثلث الليل - وجدنا الدُّروب مغلَقة، فجلسنا عندها حتى طلع الفجر؛ ثم دخلنا فنزلنا المِرْبَد، فلما أصبحنا أرسلنا حكيمًا يبتاع لنا طعامًا؛ فجاء به على رجل أسود، في رجله حديدة، فدخل به علينا فأعطاه جُعْله، فتسخّط علينا، فقلنا: زده، فتسخّط، فقلنا له: ويلك! أضعف له، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتصفح وجوهنا، ثم خرج فلم ننشَب أن أحاطت بمنزلنا الخيل، فقلنا لربّة المنزل: ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها، تطلب رجلًا من بني سَعْد يدعى نُميلة بن مُرّة، كان خرج مع إبراهيم، قال: فوالله ما راعنا إلّا بالأسود قد دُخل به علينا، قد غُطّى رأسه ووجهه.\nفلما دُخِل به كُشف عنه، ثم قيل: أهؤلاء؟ قال: نعم هؤلاء؛ هذا موسى بن عبد الله، وهذا عثمان بن محمد، وهذا ابنه؛ ولا أعرف الرابعَ غير أنه من أصحابهم، قال: فأخِذْنا جميعًا، فدُخل بنا على محمد بن سليمان فلما نظر إلينا أقبل على موسى، فقال: لا وصل الله رحِمك! أتركتَ البلاد جميعًا وجئتني! فإمّا أطلقتُك فتعرّضتُ لأمير المؤمنين، وإمّا أخذتُك فقطعت رَحِمك، ثم كتب إلى أمير المؤمنين بخبرنا. قال: فجاء الجواب أن احملهم إليّ، فوجّهنا إليه ومعنا جند، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جُنْدًا آخر ينتظروننا؛ ثم لم نزلْ فأتى على","vol":"9","page":922},{"text":"المسالح من الجُند في طريقنا كله، حتى وردنا بغداد، فدُخل بنا على أبي جعفر، فلما نظر إلى أبي قال: هِيه! أخَرجتَ عليّ مع محمد! قال: قد كان ذاك؛ فأغلظ له أبو جعفر؛ فراجعه مليًّا، ثم أمر به فضُربت عنقه، ثم أمر بموسى فضُرِب بالسياط، ثم أمر بي فقُرّبت إليه، فقال: اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه؛ فإذا نظر إليه فاضربوا عنقَه على جيفته، قال: فكلمه عيسى بن عليّ، وقال: والله ما أحسبه بلغ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كنتُ غلامًا حدثًا غِرًّا أمرني أبي فأطعتُه، قال: فأمر بي فضُربتُ خمسين سوطًا، ثم حبسني في المطبَق وفيه يومئذ يعقوب بن داود، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه، يُطعمني من طعامه، ويسقيني من شرابه، فلم نزل كذلك حتى توُفِّيَ أبو جعفر، وقام المهديّ وأخرج يعقوب، فكلمه فيّ فأخرجني.\nقال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن خالد، قال: أخبرني محمد بن عروة بن هشام بن عُروة، قال: إني لعند أبي جعفر، إذْ أتي فقيل له: هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دُخِل به، فلما رآه أبو جعفر، قال: أين المال الذي عندك، قال: دفعته إلى أمير المؤمنين ﵀، قال: ومَن أمير المؤمنين؟ قال: محمد بن عبد الله، قال: أبايعتَه؟ قال: نعم كما بايعتَه، قال: يا بن اللخناء! قال: ذاك مَنْ قامت عنه الإماء، قال: اضرب عنقه، قال: فأخِذ فضربت عنقه.\nقال: وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن خالد الزُّبيريّ، قال: لما خرج محمد خرج معه رجلٌ من آل كثير بن الصلت، فلما قتل وهُزِم أصحابه تغيّبوا؛ فكان أبي والكثيريّ فيمن تغيّب، فلبثوا بذلك؛ حتى قدم جعفر بن سليمان واليًا على المدينة، فاشتدّ في طلب أصحاب محمد، فاكترى أبي من الكثيريّ إبلًا كانت له، فخرجنا متوجّهين نحو البصرة، وبلغ الخبر جعفرًا، فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجّهنا إلى البصرة، ويأمره بالترصّد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا، فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا، فأرسل إلينا فأخذنا، فأتِيَ بنا، فأقبل عليه أبي، فقال: يا هذا، اتّق الله في","vol":"9","page":923},{"text":"كَرِيّنا (١) هذا؛ فإنه أعرابيّ لا علم له بنا، إنما أكْرانا ابتغاء الرزق، ولو علم بجريرتنا ما فعل؛ وأنت معرّضه لأبي جعفر؛ وهو مَنْ قد علمت؛ فأنت قاتله ومتحمّل مأثمه. قال: فوَجَم محمد طويلًا، ثم قال: هو والله أبو جعفر، والله ما أتعرّض له، ثم حُمِلنا جميعًا فدخلنا على أبي جعفر؛ وليس عنده أحد يعرف الكثيريّ غير الحسن بن زيد، فأقبل على الكثيريّ، فقال: يا عدوّ الله، أتكري عدوّ أمير المؤمنين، ثم تنقله من بلد إلى بلد، تواريه مرة وتظهره أخرى! قال: يا أميرَ المؤمنين، وما علمِي بخبَره وجريرته وعداوته إياك! إنما أكريتُه جاهلًا به، ولا أحسبه إلّا رجلًا من المسلمين، بريء الساحة؛ سليم الناحية، ولو علمت حاله لم أفعل، قال: وأكبّ الحسن بن زيد ينظر إلى الأرض، لا يرفع رأسه، قال: فأوعد أبو جعفر الكثيريّ وتهدده، ثم أمر بإطلاقه، فخرج فتغيّب، ثم أقبل على أبي، فقال: هيه يا عثمان! أنتَ الخارج على أمير المؤمنين، والمعينُ عليه! قال: بايعتُ أنا وأنت رجلًا بمكة، فوَفَيتُ بيعتي وغدرتَ ببيعتك، قال: فأمر به فضربت عنقه.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: أتِيَ أبو جعفر بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فنظر إليه فقال: إذا قتلتُ مثل هذا من قريش فمن أستبقي! ثم أطلقه، وأتِيَ بعثمان بن محمد بن خالد فقتله، وأطلق ناسًا من القرشيّين، فقال له عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين، ما أشقَى هذا بك من بينهم! فقال: إن هذا يدي.\nقال: وحدّثني عيسى، قال: سمعتُ حسن بن زيد يقول: غدوتُ يومًا على أبي جعفر؛ فإذا هو قد أمر بعمل دكان، ثم أقام عليه خالدًا.\nوأتي بعليّ بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، فأمر به فضُرب خمسمئة سوط، ثم أتِيَ بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجُلِد خمسمئة سوط؛ فما تحرّك واحد منهما، فقال لي: هل رأيتَ أصبر من هذين قطّ! والله إنا لنؤتَى بالذين قد قاسوْا غلظ المعيشة وكدّها، فما يصبرون هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكِنّ والنعمة، قلت: يا أميرَ المؤمنين، هؤلاء قومك أهلُ الشرف\n_________\n(١) الكرى: الذي يكريك دابته. القاموس ص ١٧١٢.","vol":"9","page":924},{"text":"والقَدْر، قال: فأعرض عني، وقال: أبيتَ إلا العصبيَة! ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اللهَ الله فينا! فوالله إني لمكِبّ على وجهي منذ أربعين ليلة، ما صلّيتُ لله صلاة! قال: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم، قال: فأين العفو يا أمير المؤمنين؟ قال: فالعفو والله إذًا، ثم خلَّى سبيله.\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: كثروا محمدًا وألحّوا في القتال حتى قتِل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومئة، وحمِل رأسه إلى عيسى بن موسى، فدعا ابنَ أبي الكرام، فأراه إياه، فعرفه فسجد عيسى بن موسى، ودخل المدينة، وآمن الناسَ كلهم، وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يومًا. [٧/ ٦٠٥ - ٦٠٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيّج ذلك</span>\nذكر عمر بن شبة أنّ محمد بن يحيى حدثه، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: كان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة على صَدَقة أسد وطيّئ فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمّر معه، فلما استخلف عيسى كثير بن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطًا وحدّده وحبسه، ثم قدِم عبد الله بن الرّبيع واليًا من قِبَل أبي جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوّال سنة خمس وأربعين ومئة، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فخرجت طائفة من التجار حتى جاؤوا دار مَرْوان، وفيها ابنُ الربيع، فشكوْا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، وطمع فيهم الجند، فتزايدوا في سوء الرأي.\nقال: وحدثني عمر بن راشد، قال: انتهب الجند شيئًا من متاع السوق، وغدوْا على رجل من الصّرّافين يدعى عثمان بن زيد، فغالبوه على كيسه؛ فاستغاث، فخلّص مالَه منهم، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوْا ذلك إلى","vol":"9","page":925},{"text":"ابن الربيع فلم ينكرْه ولم يغَيره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزّار لحمًا يومَ الجمعة، فأبى أن يعطيَه ثمنه، وشهر عليه السيف؛ فخرج عليه الجزّار من تحت الوَضَم بشَفْرة، فطعن بها خاصرتَه، فخرّ عن دابته، واعتوره الجزّارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعُمُد في كلّ ناحية، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوْا؛ فلما كان الغد هربَ بن الربيع.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نفخ السودان في بُوق لهم؛ فذكر لي بعضُ مَنْ كان في العالية وبعض مَنْ كان في السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكّانهما في بعض عمله يسمع نفْخَ البوق، فيصغِي له حتى يتيقنه ثم يوحّش بما في يده، ويأتمّ الصوتَ حتى يأتيه، قال: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومئة، ورؤساء السودان ثلاثة نفر: وثيق ويعقل ورمقة، قال: فغدوْا على ابن الربيع، والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصّلاة، وخرج إليهم فاستطردُوا له؛ حتى أتى السوق فمرَّ بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد، فحمل عليهم بمَنْ معه حتى قتلوهم، ثم مر بأصَيْبِيَة على طَنَف دار، فظنّ أن القوم منهم؛ فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم، فلما نزلوا ضرب أعناقهم، ثم مضى ووقف عند الحنّاطين، وحمل عليه السودانُ، فأجلى هاربًا فاتّبعوه حتى صار إلى البَقِيع، ورهقوه فنثر لهم دراهم؛ فشغلهم بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نَخْل، عن ليلتين من المدينة.\nقال: وحدّثني عيسى قال: خرج السّودان على ابن الربيع، ورؤساؤهم: وثيق وحَدْيا وعُنقود وأبو قيس؛ فقاتلهم فهزموه، فخرج حتى أتى بطْن نَخْل فأقام بها.\nوحدّثني عمر بن راشد، قال: لما هربَ ابن الربيع وقع السودان في طعام لأبي جعفر من سَوِيق ودقيق وزيْت وقَسْب، فانتهبوه، فكان حِمْل الدّقيق بدرهمين، وراوية زيت بأربعة دراهم.\nوحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أغاروا على دار مَرْوان ودار يزيد؛ وفيهما طعام كان حُمل للجنْد في البحر، فلم يدَعوا فيهما شيئًا، قال: وشخص سليمان بن فُلَيح بن سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر.","vol":"9","page":926},{"text":"قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: وقتل السودان نفرًا من الجُنْد، فهابهم الجند حتى أن كان الفارس ليلقى الأسود وما عليه إلا خِرْقتان على عَوْرته ودُرّاعة، فيولِّيه دُبُره احتقارًا له، ثم لم ينشب أن يشدّ عليه بعمود من عُمُد السوق فيقتله: فكانوا يقولون: ما هؤلاء السودان إلا سَحرة أو شياطين! [٧/ ٦٠٩ - ٦١١].\nوحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدّثني الحسين بن مُصعب، قال: لما خرج السودان وهرب ابن الرّبيع، جئتُهم أنا وجماعة معي، وقد عسكروا في السوق، فسألناهم أن يتفرّقوا، وأخبرناهم أنّا وإياهم لا نقوى على ما نصبو له، قال: فقال لنا وثيق: إنّ الأمر قد وقع بما تروْن؛ وهو غير مبقٍ لنا ولا لكم، فدعونا نشفِكم ونشتفِ أنفسنا، فأبينا، ولم نزل بهم حتى تفرّقوا.\nوحدّثني عمر بن راشد، قال: كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزّار.\nقال: فدخل عليه ابنُ عمران، قال: إلى مَنْ تعهد يا وثيق؟ قال: إلى أربعة من بني هاشم، وأربعة من قُريش، وأربعة من الأنصار، وأربعة من الموالي؛ ثم الأمر شورى بينهم، قال: أسأل الله إن ولاك شيئًا من أمرنا أن يرزقَنا عدلك، قال: قَدْ والله ولّانيه الله.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: حضر السوُّدان المسجد مع ابن أبي سَبْرة، فرَقِيَ المنبر في كَبْل حديد حتى استوَى في مجلس رسول الله - ﷺ -، وتبعه محمد بن عمران، فكان تحته، وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما، وتبعهم سليمان بن عبد الله بن أبي سَبْرة، فكان تحتهم جميعًا؛ وجعل الناس يلغطون لغطًا شديدًا، وابن أبي سبرة جالسٌ صامتٌ، فقال ابن عمران: أنا ذاهبٌ إلى السوق، فانحدر وانحدر مَنْ دونه، وثبت ابن أبي سَبْرة فتكلَّم فحثّ على طاعة أمير المؤمنين؛ وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ.\nومضى ابن عمران إلى السوق، فقام على بَلَاسٍ من بُلُس الحنطة، فتكلم هناك، فتراجع الناسُ، ولم يصلّ بالناس يومئذ إلا المؤذّن، فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس، فاجتمع القرشيَون في المقصورة، أقام الصلاة","vol":"9","page":927},{"text":"محمد بن عمار المؤذّن، الذي يلقب كساكس، فقال للقرشيين: مَنْ يصلِّي بكم؟ فلم يجبه أحدٌ، فقال: ألا تسمعون! فلم يجيبوه، فقال: يا بن عمران، ويا بن فلان، فلم يجبه أحدٌ، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فقال: أنا أصلي، فقام في المقام، فقال للناس: استووا، فلما استوت الصُّفوف أقبل عليهم بوجهِهِ، ونادى بأعلى صوته: ألا تسمعون! أنا الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلِّي بالناس على طاعة أبي جعفر، فردّد ذلك مرتين أو ثلاثًا، ثم كبّر فصلى، فلما أصبح الناس قال ابن أبي سبرة: إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم؛ نهبتم ما في دار عاملكم وطعامَ جند أمير المؤمنين، فلا يبقينّ عند أحد منكم شيء إلا ردّه، فقد أقعدتُ لكم الحكم، عبد الله بن المغيرة بن موهب؛ فرفع الناسُ إليه ما انتهبُوا، فقيل: إنه أصاب قيمة ألف دينار.\nوحدّثني عُثامة بن عمرو، قال: حدثني المسور بن عبد الملك، قال: ائتمر القرشيّون أن يدعوا ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبي سَبْرة على المدينة، ليتحلّل ما في نفس أمير المؤمنين عليه؛ فلما أخرجه السودان، قال له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير والٍ استُخلف! ولّها رجلًا، قال: مَنْ؟ قال: قدامة بن موسى، قال: فصيح بقدامة، فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز، فقال: ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة وأعمالها، قال: والله ما قال لك هذا مَنْ نصحك، ولا نَظَر لمن وراءه، ولا أراد إلّا الفساد، ولأحقّ بهذا مني ومنه مَنْ قام بأمر الناس وهو جالسٌ في بيته - يعني ابن أبي سبرة - ارجع أيها الرجل؛ فوالله ما لك عذر في الخروج، فرجع اين الربيع.\nقال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع، فناشدوه وهو ببطْن نخل إلّا رجع إلى عمله، فتأبَّى، قال: فخلا به ابن عبد العزيز، فلم يزل به حتى رجع وسكن الناس وهدؤوا.\nقال: وحدّثني عمر بن راشد، قال: ركب إليه ابن عمران وغيرُه وقد نزل الأعْوَص، فكلّموه فرجع، فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومِسْعر. [٧/ ٦١٢ - ٦١٤].","vol":"9","page":928},{"text":"وكان سبب ذلك أنّ أبا جعفر المنصور بني - فيما ذكر - حين أفضى الأمر إليه الهاشميّة، قبالَة مدينة ابن هُبيرة، بينها عَرْض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشميّة، إلى جانب الكوفة. وبني المنصور أيضًا مدينة بظهر الكوفة سماها الرُّصافة، فلما ثارت الرّاوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمى الهاشمية، وهي التي بحيال مدينة ابن هبيرة، كره سُكناها لاضطراب من اضطرب أمرُه عليه من الرّاوندية، مع قرب جواره من الكوفة، ولم يأمن أهلها على نفسه، فأراد أن يبعُد من جوارهم؛ فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعًا يتخذه مسكنًا لنفسه وجنده، ويبتني به مدينة، فبدأ فانحدر إلى جَرْجَرَايا ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هذا موضع معسكر صالِحٌ، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كلّ ما في البحر، وتأتينا المِيرة من الجزيرة وأرمينيَة وما حول ذلك، وهذا الفُرات يجيء فيه كلّ شيء من الشأم والرّقّة وما حول ذلك، فنزل وضرب عسكره على الصّراة، وخطّ المدينة، ووكل بكل رُبْع قائدًا.\nوذكر عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: لمّا أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روّادًا يرتادون له موضعًا ينزله واسطًا، رافقًا بالعامة والجُنْد، فنُعت له موضع قريب من بارِمّا، وذُكِر له عنه غذاء طيّب، فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه، وبات فيه، وكرّر نظره فيه، فرآه موضعًا طيبًا، فقال لجماعة من أصحابه؛ منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزيّ وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم: ما رأيُكم في هذا الموضع؟ قالوا: ما رأينا مثله، هو طيّب صالحٌ موافقٌ، قال: صدقتم؛ هو هكذا، ولكنه لا يحمل الجندَ والناس والجماعات، وإنما أريد موضعًا يرتفِق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم فيه الأسعارُ، ولا تشتدّ فيه المؤونة، فإني إن أقمت في موضع (١) لا يجلَب إليه من البرّ والبحر شيء غلَت الأسعار، وقلّت المادّة، واشتدَّت المؤونة، وشقَّ ذلك على الناس؛ وقد مررتُ في طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال؛ فأنا نازل فيه، وبائت به؛ فإذا اجتمع لي فيه ما أريد من طيب الليل\n_________\n(١) هذا خبر غير صحيح ومحمد بن معروف مجهول وأبوه معروف بن سويد إن كان الحزامي فهو مقبول من السابعة [تقريب/ تر ٧٦٥٢].","vol":"9","page":929},{"text":"والموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه.\nقال الهيثم بن عديّ: فخُبّرت أنه أتى ناحية الجِسْر، فعبر في موضِع قصر السلام، ثمّ صلى العصر - وكان في صَيْف، وكان في موضع القصر بيِعة قسّ - ثم بات ليلةً حتى أصبح، فبات أطيب مبيت في الأرض وأرفقَه، وأقام يومه فلم ير إلّا ما يحبّ، فقال: هذا موضع أبني فيه؛ فإنه تأتيه المادّة من الفرات ودِجْلة وجماعة من الأنهار، ولا يحمل الجندَ والعامّة إلّا مثلُه، فخطّها وقدّر بناءها، ووضع أوّل لَبِنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنُوا على بركة الله.\nوذُكِر عن بِشْر بن ميمون الشرويّ وسليمان بن مجالد، أنّ المنصور لما رجع من ناحية الجبل، سأل عن خبر القائد الذي حدّثه عن الطبيب الذي أخبره عمّا يجدون في كتبهم من خبر مِقلاص، ونزلَ الدّيْر الذي هو حذاء قصره المعروف بالخُلْد، فدعا بصاحب الدَّيْر، وأحضر البِطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرّم وصاحب الدير المعروف ببستان القسّ وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ؟ فأخبره كلّ واحد بما عنده من العلم، فوجّه رجالًا من قِبَله، وأمر كلَّ واحد منهم أن يبيتَ في قرية منها، فبات كلّ رجل منهم في قرية منها، وأتاه بخبرها، وشاور المنصور الذين أحضرهم، وتنحّر (١) أخبارهم؛ فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره، وساءله - فهو الدّهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم، وداره ثابتة على حالها - فقال: يا أمير المؤمنين، سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها وما يُختار منها؛ فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طَسَاسيجِ (٢) في الجانب الغربيّ طسّوجَيْن وهما قطربُّل وبادورَيَا، وفي الجانب الشرقيّ طسّوجَيْن وهما نهر بوق وكَلْواذَى، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء، فإن أجدب طسُّوج وتأخّرت عِمارته كان في الطسّوج الآخر العِمارات، وأنت يا أمير المؤمنين على الصَّراة، تجيئك الميرة في السفن\n_________\n(١) ينتحر أخبارهم، أي يتفطن لها. اللسان (٥/ ١٩٧).\n(٢) الطسوج: الناحية. اللسان (٢/ ٣١٧).","vol":"9","page":930},{"text":"من المغرب في الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشأم، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينيَة وما اتصل بها في تأمَرّا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الرّوم، وآمِد والجزيرة والموصل في دِجلة، وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جِسْر أو قنطرة؛ فإذا قطعت الجِسر وأخرجت القناطر لم يصلْ إليك عدوّك، وأنت بين دِجْلة والفرات لا يجيئك أحدٌ من المشرق والمغرب إلّا احتاج إلى العُبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسّوَاد كله، وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل، فازداد المنصور عزمًا على النزول في الموضع الذي اختاره، وقال له: يا أميرَ المؤمنين؛ ومع هذا فإنّ الله قد منَّ على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقوّاده وجنده؛ فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنوّ منه، والتدبيرُ في المدن أن تتخذ لها الأسوار والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خناق لمدينة أمير المؤمنين (١).\nوذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حمادًا التركيّ، قال: بعث المنصور رجالًا في سنة خمس وأربعين ومئة، يطلبون له موضعًا يبني فيه مدينته، فطلبوا وارتادوا، فلم يرض موضعًا، حتى جاء فنزل الدَّيْر على الصَّرَاة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه المِيرة من الفرات ودِجْلة، ومن هذه الصراة.\nوذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر، عن أبيه، قال: لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهبًا، فناداه فأجابه، فقال: تجدُون في كتبكم أنه تبنى هاهنا مدينة؟ قال الرّاهب: نعم، يبنيها مِقْلاص، قال أبو جعفر: أنا كنت أدعى مِقلاصًا في حداثتي، قال: فأنت إذًا صاحبُها، قال:\n_________\n(١) رحم الله الطبري كان يقول حدثني ابن شبة قال حدثني المدائني قال حدثني فلان - فقلنا موصول - ثم قلل من ذكر الإسناد شيئًا فشيئًا حتى قال ذكر ابن شبة أن فلانًا حدثه فقلنا لا بأس فقد اطلع على كتب ابن شبة ولإنكساره في المثنى الفلاني ثم قال ذكر المدائني عن فلان ولكنه استمر على هذا الحال حتى أنه قال هاهنا: وذكر عن بشر بن ميمون الشروي وسليمان فكيف يعتمد على إسناد مثل هذا في إثبات هذا الحوار وهذه التفاصيل؟ وبشر بن ميمون الشروي لم نجد له ترجمة سوى ما ذكره ابن أبي حاتم دون ذكر الشروي وقال أحاديثه منكرة [لسان الميزان/ ١٦٥٥] [الجرح والتعديل ٢/ تر ١٤٠٩] والله أعلم.","vol":"9","page":931},{"text":"وكذلك لما أراد أن يبني الرّافقة بأرض الروم امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربتَه، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا، وتذهب بمعاشنا، وتضيق منازلنا، فهمَّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصَّوْمعة، فقال: هل عندك علم أن يبني هاهنا مدينة؟ فقال له: بلغني أنّ رجلًا يقال له مِقلاص يبنيها، قال: أنا مقلاص؛ فبناها على بناء مدينة بَغْداد سوَى السّور وأبواب الحديد وخندقٍ منفرد. [٧/ ٦١٤ - ٦١٨].\nوذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عَيانًا، فأمر أن يخطّ بالرّماد، ثم أقبل يدخل من كلّ باب، ويمرّ في فُصلانها وطاقاتها ورحابها؛ وهي مخطوطة بالرّماد، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من خنادقها؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن، وينصب عليه النِّفْط، فنظر إليها والنار تشتعل، ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم، ثم ابتدئ في عملها.\nوذُكِر عن حمّاد التركيّ أنّ المنصور بعثَ رجالًا يطلبون له موضعًا يبني فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومئة، قبل خروج محمد بن عبد الله بسنَة أو نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد؛ قرية على شاطئ الصراة؛ مما يلِي الخُلْد، وكان في موضع بناء الخُلْد دَيْر، وكان في قَرْن الصَّرَاة مما يلي الخُلْد من الجانب الشرقيّ أيضًا قرية وَديْر كبير كانت تسمّى سوق البقر؛ وكانت القرية تسمى العتِيقة؛ وهي التي افتتحها المثنّى بن حارثة الشيبانيّ، قال: وجاء المنصور، فنزل الدّيْر الذي في موضع الخُلْد على الصّراة، فوجده قليل البقّ، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه المِيرة من الفُرات ودِجْلة، ويصلح أن تبتني فيه مدينة؛ فقال للراهب الذي في الدير: يا راهب، أريد أن أبني هاهنا مدينة، فقال: لا يكون، إنما يَبني هاهنا مِلك يقال له أبو الدوانيق؛ فضحك المنصور في نفسه، وقال: أنا أبو الدوانيق وأمر فخُطّت المدينة، ووكَّل بها أربعة قوّاد، كلّ قائد بربع.\nوذُكر عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضَاء، فامتنع من ذلك، فحلف المنصور أن يتولّى له، وحلف أبو حنيفة ألّا يفعل، فولّاه القيام ببناء المدينة، وضرْب اللَّبِن وعدّه، وأخْذ الرجال","vol":"9","page":932},{"text":"بالعمل، قال: وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه؛ قال: وكان أبو حنيفة المتولّى لذلك، حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلي الخندق، وكان استتمامه في سنة تسع وأربعين ومئة.\nوذُكِر عن الهيثم بن عديّ، وأن المنصور عرضَ على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحَلف ألّا يُقلع عنه حتى يعمل، فأخبِر بذلك أبو حنيفة، فدعا بقصَبة، فعدّ اللبِن على رجل قد لبَّنه، وكان أبو حنيفة أوّل مَنْ عدّ اللّبِن بالقصب، فأخرَج أبا جعفر عن يمينه، واعتل فمات ببغداد.\nوقيل: إنّ أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء وإحكام الأساس؛ أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعًا، وقدّر أعلاه عشرين ذراعًا، وجعل في البناء جوائز قَصَب مكان الخشب في كل طرقة؛ فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة - وذلك في سنة خمس وأربعين ومئة - أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء.\nوذكر عن أحمد بن حميد بن جبلة، قال: حدّثني أبي، عن جدّي، جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديّين، يقال لها المباركة، وكانت لستين نفسًا منهم، فعوّضهم منها وأرضاهم، فأخذ جدّي قسمة منها.\nوذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أنّ حمادًا التركيّ قال: كان حول مدينة أبي جعفر قرىً قبل بنائها؛ فكان إلى جانب باب الشأم قرية يقال لها الخَطابية، على بابَ درب النُّورة، إلى درب الأقفاص، وكان بعض نخلها في شارع باب الشأم، إلى أيام المخلوع في الطريق، حتى قطع في أيام الفتْنة وكانت الخطّابية هذه لقوم من الدّهاقين، يقال لهم بنو فَرْوة وبنو قنورا؛ منهم إسماعيل بن دينار ويعقوب بن سليمان وأصحابهم.\nوذكِر عن محمد بن موسى بن الفرات أنّ القرية التي في مربّعة أبي العباس كانت قرية جدّه من قِبَل أمّه، وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زُرارى؛ وكانت القرية تسمى الوردانيّة، وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربعة أبي فروة.\nوذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب، كانت قرية يقال لها شرَفافيّة، ولها نخيل قائم إلى اليوم مما يلي قنطرة أبي الجوْن، وأبو الجون من دَهاقين بغداد من أهل هذه القرية.","vol":"9","page":933},{"text":"وذُكِر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى من رُستاق الفروسَيجَ من بادُوريا.\nوذكر عن محمد بن موسى بن الفرات، أنه سمع أباه أو جدّه - شك راوي ذلك عنه - يقول: دخل عليّ رجل من دهاقين بادُوريا وهو مخرّق الطْيلسان؛ فقلت له: مَنْ خرّق طيلسانك؟ قال: خُرِق والله في زحمة الناس اليوم، في موضِع طالما طردت فيه الأرانب والظباء - يريد باب الكرخ.\nويقال: إن قطيعة الربيع الخارجة إنما هي أقطاع المهديّ للربيع، وأنّ المنصور إنما كان أقطعه الداخلة.\nوقيل: إن نهر طابق كسرويّ، وأنه نهر بابك بن بهرام بن بابك، وأن بابك هذا هو الذي اتّخذ العَقْر الذي عليه قصر عيسى بن عليّ، واحتفر هذا النهر.\nوذكر أنّ فُرْضة جعفر إقطاع من أبي جعفر لابنه جعفر، وأن القنطرة العتيقة من بناء الفرس.\nوذكر عن حماد التركيّ، قال: كان المنصور نازلًا بالدّير الذي على شاطئ دجلة بالموضع المعروف بالخُلْد، ونحن في يوم صائف شديد الحرّ في سنة خمس وأربعين ومئة؛ وقد خرجت فجلستُ مع الربيع وأصحابه، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس إلى المقصورة، فاستأذن فآذنّا المنصور به، وكان معه سلم بن أبي سَلْم، فأذن له فخبّره بخروج محمد، فقال المنصور: نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحَرَميْن المادة، ثم قال: إنما هم في مثل حَرَجَة، إذا انقطعت عنهم المادّة والميرة من مِصْر، قال: وأمر بالكتاب إلى العباس بن محمد - وكان على الجزيرة يخبره بخبر محمد - وقال: إني راحل ساعة كتبتُ إلى الكوفة، فأمدّني في كلّ يوم بما قدرتَ عليه من الرّجال من أهل الجزيرة، وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشأم، ولو أن يَرِد عليّ في كل يوم رجل واحد أكثر به مَنْ معي من أهل خراسان، فإنه إن بلغ الخبر الكذّاب انكسر، قال: ثم نادى بالرّحيل من ساعته، فخرجنا من حرّ شديد حتى قدم الكوفة، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وإبراهيم، فلما فرغ منهما رجع إلى بغداد.\nوذُكِر عن أحمد بن ثابت، قال: سمعتُ شيخًا من قريش يحدّث أنّ أبا جعفر","vol":"9","page":934},{"text":"لما فصَل من بغداد، متوجّهًا نحو الكوفة، وقد جاءه البريد بمخرَج محمد بن عبد الله بالمدينة، نظر إليه عثمان بن عُمارة بن حريم وإسحاق بن مسلم العقيليّ وعبد الله بن الربيع المدانيّ - وكانوا من صحابته - وهو يسير على دابّته وبنو أبيه حوله، فقال عثمان: أظنّ محمدًا خائبًا ومن معه من أهل بيته؛ إن حَشو ثياب هذا العباسيّ لمكرٌ ونُكر ودهاء؛ وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جِذْل الطِّعان:\nفَكَمْ من غارة ورَعيل خَيْلٍ ... تداركها وقد حَمِيَ اللِّقاءُ\nفردّ مخيلَها حَتّى ثناها ... بأَسْمَر ما يُرَى فِيهِ التواءُ\nقال: فقال إسحاق بن مسلم: قد والله سبرتُه ولمست عودَه فوجدته خشِنًا، وغمزته فوجدته صليبًا، وذقته فوجدته مُرًّا؛ وأنه ومَنْ حوله من بني أبيه لكما قال ربيعة بن مُكدّم:\nسَمَا لِيَ فُرْسانٌ كأنَّ وجوهَهُمْ ... مصابيح تَبْدُو في الظلام زوَاهِرُ\nتقُوُدُهُمُ كَبْشٌ أَخُو مُصْمَئِلّةٍ ... عَبُوسُ السُّرَى قَدْ لوَّحتْه الهَوَاجِرُ\nقال: وقال عبد الله بن الربيع: هو ليث خِيسِ، ضَيْغم شموس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس؛ وأنه يهيج من الحرب كما قال أبو سفيان بن الحارث:\nوَإِنَّ لَنَا شيخًا إذا الحربُ شَمَّرتْ ... بَدِيهَتُهُ الإِقْدَامُ قَبل النوافِرِ\nقال: فمضى حتى سار إلى قصر ابن هُبيرة، فنزل الكوفة ووجّهَ الجيوش، فلما انقضت الحرب، رجع إلى بغداد فاستتمّ بناءها. [٧/ ٦١٨ - ٦٢٢].\nقال عمر: حدثني أبو نعيم الفضل بن دُكين، قال: حدّثني مطهر بن الحارث، قال: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة؛ ونحن عشرة، فصحبَنا أعرابيّ في بعض الطريق، فقلنا له: ما اسمك؟ قال: فلان بن أبي مصاد الكلبيّ، فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة؛ فأقبل عليّ يومًا، فقال: أليس هذا إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ فقلت: لا، هذا رجل من أهل الشأم؛ فلما كنّا على ليلة من البصرة، تقدّم إبراهيم وتخلّفنا عنه، ثم دخلنا من غدٍ.\nقال عمر: وحدّثني أبو صفوان نصر بن قُديد بن نصر بن سيار؛ قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومئة، منصرَف الناس من","vol":"9","page":935},{"text":"الحجّ؛ فكان الذي أقدمه وتولّى كِراءه وعادله في محمَله يحيى بن زياد بن حسان النَّبطيّ، فأنزله في داره في بني لَيْث، واشترى له جارية أعجمية سِنديّة، فأولدها ولدًا في دار يحيى بن زياد؛ فحدّثني ابن قُديد بن نصر؛ أنه شهِد جنازة ذلك المولود، وصلى عليه يحيى بن زياد.\nقال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي، قال: نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشأم على آل القعقاع بن خُليد العبسيّ، فكتب الفضل بن صالح بن عليّ - وكان على قنَّسرين - إلى أبي جعفر في رقْعة أدرجها في أسفل كتابه، يخبره خبرَ إبراهيم، وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدرًا إلى البَصْرة؛ فورد الكتاب على أبي جعفر، فقرأ أوّلَه فلم يجد إلّا السلامة، فألقى الكتاب إلى أبي أيوّب الموريانيّ، فألقاه في ديوانه؛ فلما أردوا أن يجيبوا الوُلاة عن كتبهم فتح أبان بن صدقة - وهو يومئذ كاتب أبي أيوب - كتاب الفضْل؛ لينظر في تاريخه، فأفضى إلى الرّقْعة؛ فلما رأى أوّلها: \"أخْبِرُ أمير المؤمنين\"، أعادها في الكتاب وقام إلى أبي جعفر فقرأ الكتاب، فأمر بإذكَاء العيون ووضع المراصِد والمسالح.\nقال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحمن بن الفضل، قال: أخبرني أبي قال: سمعت إبراهيم يقول: اضطرّني الطّلَب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، وذلك أنه قدمها يطلبني، فتحيّرت؛ فلفظتْني الأرض، فجعلت لا أجد مساغًا، ووضع الطلب والمراصد؛ ودعا الناس إلى غَدائه، فدخلت فيِمن دخل، وأكلت فيمن أكل؛ ثم خرجت وقد كفّ الطلب.\nقال: وحدّثني أبو نعيم الفضل بن دُكين، قال: قال رجل لمطهر بن الحارث: مرّ إبراهيم بالكوفة ولقيتُه، قال: لا والله ما دخلها قطّ؛ ولقد كان بالموصل، ثم مرّ بالأنبار، ثم ببغداد، ثم بالمدائن والنّيل وواسط.\nقال: وحدّثني نصر بن قُديد بن نصر، قال: كاتب إبراهيم قومًا من أهل العسكر كانوا يتشيّعون؛ فكتبوا يسألونه الخروج إليهم، ووعدوه الوثوب بأبي جعفر؛ فخرج حتى قدم عسكر أبي جعفر، وهو يومئذ نازل ببغداد في الدّيْر، وقد خَطَّ بغداد، وأجمع على البناء؛ وكانت لأبي جعفر مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه، قال: فزعم زاعمٌ أنه نظر فيها، فقال: يا مسيّب؛ قد والله","vol":"9","page":936},{"text":"رأيتُ إبراهيم في عسكري وما في الأرض عدوّ أعدى لي منه، فانظر ما أنت صانع!\nقال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن البوّاب، قال: أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصَّراة العَتيقة، ثم خرج ينظر إليها، فوقعت عينُه على إبراهيم، وخنَس إبراهيم، فذهب في الناس، فأتى فاميًّا فلجأ إليه فأصعده غُرفة له، وجدّ أبو جعفر في طلبه، ووضع الرّصَد بكلّ مكان، فنشب إبراهيم بمكانه الذي هو به، وطلبه أبو جعفر أشدّ الطلب، وخفيَ عليه أمره.\nقال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي - وحدّثني نصر بن قُديد، قال: حدّثني أبي قال؛ وحدّثني عبد الله بن محمد بن البواب وكَثير بن النّضر بن كثير وعمر بن إدريس وابن أبي سفيان العَمِيّ؛ واتفقوا على جُلّ الحديث، واختلفوا في بعضه - أنّ إبراهيم لما نشب وخاف الرَّصَد كان معه رجل من بني العمّ - قال عمر: فقال لي أبو صفوان، يدعى رَوْح بن ثقف، وقال في ابن البوّاب: يكنى أبا عبد الله، وقال لي الآخرون: يقال له سفيان بن حَيّان بن موسى: قال عمر: وهو جد العميّ الذي حدثني - قال: قلت لإبراهيم: قد نزل ما ترى، ولابدّ من التغرِير والمخاطرة، قال: فأنت وذاك! فأقبل إلى الربيع، فسأله الإذن، قال: ومَن أنت؟ قال: أنا السفيان العمّيّ، فأدخله على أبي جعفر؛ فلما رآه شتمه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ أنا أهلٌ لما تقول؛ غير أني أتيتك نازعًا تائبًا، ولك عندي كلّ ما تحبّ إن أعطيتني ما أسألك، قال: وما لي عندك؟ قال: آتيك بإبراهيم بن عبد الله بن حسن؛ إني قد بلوته وأهلَ بيته؛ فلم أجد فيهم خيرًا، فما لي عندك إن فعلت؟ قال: كلّ ما تسأل؛ فأين إبراهيم؟ قال؟ قد دخل بغداد - أو هو داخلها عن قريب - قال عمر: وقال لي أبو صفوان، قال: هو بعَبْدَسي، تركتُه في منزل خالد بن نهيك، فاكتب لي جوازًا ولغلام لي ولفُرانق (١) واحملني على البريد، قال عمر: وقال بعضهم: وجِّهْ معي جُندًا واكتب لي جوازًا ولغلام لي آتِيكَ به، قال: فكتب له جوازًا، ودفع إليه جندًا، وقال: هذا ألف دينار فاستِعنْ بها، قال لا حاجة لي فيها كلّها؛ فأخذ ثلاثمئة دينار، وأقبل بها\n_________\n(١) الفرانق: الذي يدل صاحب البريد. القاموس ص ١١٨٥.","vol":"9","page":937},{"text":"حتى أتى إبراهيم وهو في بيت، عليه مدرّعة صوف وعمامة - وقيل بل عليه قَباء كأقبية العبيد - فصاح به: قم؛ فوثب كالفزع؛ فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع إليه جوازه، فقال: أين غلامك؟ قال: هذا؛ فلما نظر في وجهه، قال: والله ما هذا غلامك؛ وإنه لإبراهيم بن عبد الله بن حسن، ولكن اذهبْ راشدًا، فأطلقهما وهرب، قال عمر: فقال بعضهم: ركبا البريد حتى صارا بعَبْدَسِي، ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها، قال: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة فاختفيا بها، قال: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة، فجعل يأتي بهم الدارَ، لها بابان، فيقعد العشرة منهم على أحد البابيْن، ويقول: لا تبرحوا حتى آتيَكم، فيخرج من الباب الآخر ويِتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه، وبقي وحده فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان بن معاوية، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب العمّيّ فأعجزه.\nقال عمر: وحدثني ابن عائشة، قال: حدّثني أبي، قال: الذي احتال لإبراهيم حتى أنجَاهما منه عمرو بن شداد.\nقال عمر: وحدثني رجل من أهل المدائن، عن الحسن بن عمرو بن شدّاد، قال: حدّثني أبي، قال: مرّ بي إبراهيم بالمدائن مستخفيًا، فأنزلته دارًا لي على شاطئ دِجْلة، وسُعي بي إلى عامل المدائن؛ فضربني مئة سَوْط، فلم أقررِ له؛ فلما تركني أتيت إبراهيمَ فأخبرتُه، فانحدر.\nقال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد مولى الحجاج بن يوسف - وكان يحيى بن زياد ممَن سُبِي من عسكر قطريّ بن الفجاءة - قال: لما ظهر إبراهيم كنت غلامًا ابنَ خمس سنين، فسمعتُ أشياخنا يقولون: إنه مرّ منحدرًا يريد البصرة من الشأم؛ فخرج إليه عبد الرحيم بن صفوان من موالي الحجاج، ممن سُبِي من عَسْكر قَطَرِيّ؛ قال: فمشى معه حتى عبّره المآصر؛ قال: فأقبل بعض مَنْ رآه، فقال: رأيتُ عبدَ الرحيم مع رجل شاطر، متحجز بإزار (١)\n_________\n(١) يقال: احتجز بالإزار، إذا شده على وسطه، وأصل الحجزة: موضع شد الإزار.","vol":"9","page":938},{"text":"مُوَرّد، في يده قَوس جُلَاهِق (١) يرمي به؛ فلما رجع عبد الرحيم سُئِل عن ذلك فأنكره، فكان إبراهيم يتنكّر بذلك.\nقال: وحدّثني نصر بن قُديد، قال: لما قدم إبراهمِم منصرَفه من بغداد، نزل على أبي فَرْوة في كِنْدة فاختفى، وأرسل إلى الناس يندبهم للخروج.\nقال عمر: وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم الأهوازيّ، قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن حبيب، عن أبيه، قال: كان إبراهيم مختفيًا عندي على شاطى دُجَيْل، في ناحية مدينة الأهواز؛ وكان محمد بن حُصين يطلبه، فقال يومًا: إنّ أمير المؤمينن كتب إليّ يخبرني أنّ المنجّمين يخبرونه أن إبراهيم بالأهواز نازل في جزيرة بين نهرين، فقد طلبتُه في الجزيرة حتى وثِقت أنه ليس هناك - يعني بالجزيرة التي بين نهر الشاه جُرْد ودُجَيْل - فقد اعتزمتُ أن أطلبه غدًا في المدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعني بين دجيل والمسرقان، قال: فأتيتُ إبراهيم، فقلت له: أنت مطلوب غدًا في هذه الناحية، قال: فأقمت معه بقيّة يومي، فلما غشيَني الليل، خرجت به حتى أنزلته في أدانى دشت أربُك دون الكثّ؛ فرجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمدًا أن يغدُوَ لطلبه؛ فلم يفعل حتى تصرّم النهار، وقربت الشمس تغرُب، فخرجتُ حتى جئت إبراهيم، فأقبلت به حتى وافينا المدينة مع العشاء الآخرة ونحن على حماريْن؛ فلما دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع؛ لقيَنا أوائل خيل بن حصين، فرمى إبراهيم بنفسه عن حِماره وتباعد؛ وجلس يبول، وطَوَتني الخيل، فلم يعرّج عليّ منهم أحد؛ حتى صرت إلى ابن حُصين؛ فقال لي: أبا محمد؛ من أين في مثل هذا الوقت؟ فقلت: تمسَّيت عند أهلي، قال: ألا أرسل معك مَنْ يبلِّغُك؟ قلت: لا، قد قرُبت من أهلى، فمضى يطلب، وتوجّهت على سَنني حتى انقطع آخر أصحابه، ثم كررتُ راجعًا إلى إبراهيم؛ فالتمست حماره حتى وجدتُه، فركب، وانطلقنا حتى بِتْنَا في أهلنا، فقال إبراهيم: تعلم والله لقد بُلت البارحة دمًا؛ فأرسِلْ من ينظر، فأتيت الموضع الذي بال فيه، فوجدته قد بال دمًا.\nقال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحيم بن سليمان بن عليّ، قال: قال\n_________\n(١) في اللسان: \"الجلاهق\": البندق؛ ومن الجلاهق؛ وأصله بالفارسية: \"جله\".","vol":"9","page":939},{"text":"أبو جعفر: غَمُضَ عليّ أمر إبراهيم لمّا اشتملت عليه طفوفُ البصرة.\nقال: وحدثني محمد بن مسْعر بن العلاء، قال: لما قدم إبراهيم البَصْرة، دعا الناس، فأجابه مربي بن عمر بن موسى بن عبد الله بن خازم، ثم ذهب بإبراهيم إلى النّضر بن إسحاق بن عبد الله بن خازم مختفيًا، فقال للنضر بن إسحاق: هذا رسول إبراهيم، فكلّمه إبراهيم ودعاه إلى الخروج، فقال له النّضر: يا هذا، كيف أبايع صاحبك وقد عَنَد جدّي عبد الله بن خازم عن جده عليّ بن أبي طالب، وكان عليه فيمن خالفه، فقال له إبراهيم: دع سيرة الآباء عنك ومذاهبَهم؛ فإنما هو الدّين؛ وأنا أدعوك إلى حقّ. قال: إني والله ما ذكرتُ لك ما ذكرتُ إلا مازحًا، وما ذاك الذي يمنعني من نُصرة صاحبك، ولكني لا أرى القتال ولا أدينُ به، قال: وانصرف إبراهيم، وتخلّف موسى، فقال: هذا والله إبراهيم نفسه، قال: فبئس لعمر الله ما صنعتَ! لو كنتَ أعلمتني كلَّمتُه غير هذا الكلام!\nقال: وحدّثني نصر بن قديد، قال: دعا إبراهيم الناس وهو في دار أبي فَرْوة فكان أوّل مَنْ بايعه نُمَيلة بن مرّة وعفو الله بن سفيان وعبد الواحد بن زياد وعمر بن سلمة الهجيميّ وعبيد الله بن يحيى بن حُضَين الرّقاشيّ، وندبوا الناس له، فأجاب بعدهم فتيانٌ من العرب؛ منهم المغيرة بن الفزع وأشباهٌ له؛ حتى ظنوا أنه قد أحصى ديوانه أربعة آلاف؛ وشهر أمرُه، فقالوا: لو تحوّلت إلى وسط البصرة أتاك مَن أتاك وهو مُريح؛ فتحوّل ونزل دار أبي مروان مولى بني سليم - رجل من أهل نيسابور.\nقال: وحدثني يونس بن نجدة؛ قال: كان إبراهيم نازلًا في بني راسب على عبد الرحمن بن حرب؛ فخرج من داره في جماعة من أصحابه؛ منهم عفو الله بن سفيان وبُرْد بن لبيد؛ أحد بني يَشْكر، والمضَاء التغلَبيّ والطُّهَويّ والمغيرة بن الفزع ونُميَلة بن مرّة ويحيى بن عمرو الهُمانيّ، فمرّوا على جُفرة (١) بني عَقِيل حتى خرجوا على الطُّفاوة، ثم مرّوا على دار كرزم ونافع إبليس، حتى دخلوا دار أبي مروان في مقبرة بني يَشْكر.\n_________\n(١) الجفر: الحفرة الواسعة المستديرة. القاموس ص ٤٦٨.","vol":"9","page":940},{"text":"قال: وحدّثني ابن عفو الله بن سفيان، قال: سمعتُ أبي يقول: أتيتُ إبراهيمَ يومًا وَهو مرعوب؛ فأخبرني أن كتاب أخيه أتاه يخبره أنه قد ظهر، ويأمره بالخروج، قال: فوجمَ من ذلك واغتمّ له، فجعلت أسهِّل عليه الأمر وأقول: قد اجتمع لك أمرُك، معك المضاء والطُّهويّ والمغيرة، وأنا وجماعة، فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه؛ فتُصبح حين تصبح ومعك عالم من الناس؛ فطابت نفسه.\nقال: وحدّثني سهل بن عَقِيل بن إسماعيل، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمد أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة البَهرانيّ - وكان ذا رأي - فقال: هاتِ رأيك؛ قد ظهر محمد بالمدينة، قال: وجّه الأجنَاد إلى البصرة.\nقال: انصرفْ حتى أرسل إليك، فلما صار إبراهيم إلى البصرة، أرسل إليه، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، فقالا: إيَّاها خفتُ! بادرْه بالجنود، قال: وكيف خفتَ البصرة؟ قال: لأن محمدًا ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حَرْب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشأم أعداء آل أبي طالب؛ فلم يبق إلا البَصْرة، فوجّه أبو جعفر ابني عقيل - قائدين من أهل خُراسان من طيّئ - فقدما، وعلى البصرة سفيان بن معاوية فأنزلهما.\nقال: وحدّثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عجل، عن يحيى بن بُديل بن يحيى بنُ بديل، قال: لما ظهر محمد، قال أبو جعفر لأبي أيوب وعبد الملك بن حميد: هل من رجل ذي رأي تعرفانه، نجمع رأيه على رأينا؟ قالا: بالكوفة بدُيل بن يحيى - وقد كان أبو العباس يشاوره - فأرسلْ إليه، فأرسل إليه، فقال: إنّ محمدًا قد ظهر بالمدينة، قال: فاشحن الأهواز جندًا، قال: قد فهمتُ؛ ولكن الأهواز بابُهم الذي يُؤتَوْن منه، قال: فقبل أبو جعفر رأيه، قال: فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إلى بُديل، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، قال: فعاجله بالجُنْد وأشغِل الأهواز عنه.\nوحدّثني محمد بن حفص الدِّمشقيّ، مولى قريش، قال: لما ظهر محمد شاور أبو جعفر شيخًا من أهل الشأم ذا رأي، فقال: وجّه إلى البصرة أربعة آلاف من جُند أهل الشأم، فلها عنه وقال: خَرِف الشيخ؛ ثم أرسل إليه، فقال: قد ظهر إبراهيم بالبصرة، قال: فوجّه إليه جندًا من أهل الشأم، قال! ويلك! ومن","vol":"9","page":941},{"text":"لي بهم! قال: اكتب إلى عاملك عليها يحمل إليك في كلّ يوم عشرة على البريد؛ قال: فكتب بذلك أبو جعفر إلى الشأم.\nقال عمر بن حفص: فإنّي لأذكر أبي يعطى الجندَ حينئذ، وأنا أمسك له المصباح، وهو يعطيهم ليلًا، وأنا يومئذ غلام شاب.\nقال: وحدّثني سَهلُ بن عَقِيل، قال: أخبرني سَلْم بن فرقد، قال: لما أشار جعفر بن حنظلة على أبي جعفر بحدر جند الشأم إليه، كانوا يقدمون أرسالًا؛ بعضهم على أثر بعض؛ وكان يريد أن يروّع بهم أهل الكوفة؛ فإذا جنَّهم الليل في عسكره أمرهم فرجعوا منكبين عن الطريق، فإذا أصبحوا دخلوا، فلا يشكُّ أهل الكوفة أنهم جند آخرون سوى الأوّلين.\nحدّثني عبد الحميد - وكان من خَدَم أبي العباس - قال: كان محمد بن يزيد من قوّاد أبي جعفر؛ وكان له دابّةٌ شِهْريّ كُميَت، فربما مرّ بنا ونحن بالكوفة وهو راكبُه، قد ساوى رأسُه رأسَه، فوجّهه أبو جعفر إلى البصرة، فلم يزل بها حتى خرج إبراهيم فأخذه فحبسه.\nحدثني سعيد بن نوح بن مجالد الضُّبَعيّ (١)، قال: وجّه أبو جعفر مجالدًا ومحمدًا ابني يزيد بن عمران من أهل أبيوَرْد قائديْن، فقدم مجالد قبل محمد، ثم قدم محمد في الليلة التي خرج فيها إبراهيم، فثبّطهما سُفيان وحبسهما عنده في دار الإمارة حتى ظهر إبراهيم فأخذهما، فقيَّدهما؛ ووجّه أبو جعفر معهما قائدًا من عَبْد القيس يدعى معَمرًا.\nحدّثني يونس بن نجدة، قال: قدم على سفيان مجالدُ بن يزيد الضُّبعيّ من قِبَل أبي جعفر في ألْف وخمسمئة فارس وخمسمئة راجل.\nحدّثني سعيد بن الحسن بن تَسنيم بن الحوارَى بن زياد بن عمرو بن الأشرف، قال: سمعتُ من لا أحصي من أصحابنا يذكرون أن أبا جعفر شاور في أمر إبراهيم، فقيل له: إن أهل الكوفة له شيعة، والكوفة قِدْر تفُور؛ أنت طَبقُها، فاخرج حتى تنزلها، ففعل.\n_________\n(١) سعيد بن نوح بن مجالد الضبعي من شيوخ أبي حاتم وقد قال فيه: كان صدوقًا من خيار عباد الله [الجرح والتعديل/ ٤/ تر ٢٩٠].","vol":"9","page":942},{"text":"حدّثني مسلم الخصيّ مولى محمد بن سليمان، قال: كان أمْرُ إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة؛ وأنا يومئذ لأبي جعفر، فأنزلنا الهاشميّة بالكوفة ونزل هو بالرّصافة في ظهر الكوفة؛ وكان جميع جنده الذين في عسكره نحوًا من ألف وخمسمئة؛ وكان المسيّب بن زهير على حَرَسه، فجزّأ الجند ثلاثة أجزاء: خمسمئة، خمسمئة، فكان يطوف الكوفة كلَّها في كلّ ليلة وأمر مناديًا فنادى: مَنْ أخذناه بعد عَتَمَة فقد أحلّ بنفسه؛ فكان إذا أخذ رجلًا بعد عَتَمة لفّه في عباءة وحمله، فبيَّته عنده، فإذا أصبح سأل عنه، فإن علم براءته أطلقه، وإلا حبسه. [٧/ ٦٢٢ - ٦٣١].\nوحدّثني جوّاد بن غالب، قال: حدثني العباس بن سَلْم مولَى قحْطبة، قال: كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتّهم أحدًا من أهل الكوفة بالميْل إلى إبراهيم أمر أبي سلمًا بطلبه؛ فكان يمهل حتى إذا غَسق الليل، وهدأ الناس، نصب سلّمًا على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله؛ ويأخذ خاتمه، قال أبو سهل جوّاد: فسمعت جميلًا مولى محمد بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم: والله لو لم يورّثك أبوك إلا خواتيم مَن قُتِل من أهل الكوفة كنت أيسرَ الأبناء.\nحدّثني سهل بن عَقيل، قال: حدثني سلم بن فَرقدْ حاجب سليمان بن مجالد، قال: كان لي بالكوفة صديق، فأتاني - فقال: أيا هذا، اعلم أن أهل الكوفة معدّون للوثوب بصاحبكم، فإن قدرت على أن تبوّئ أهلك مكانًا حريزًا فافعل، قال: فأتيتُ سليمان بن مجالد، فأخبرته الخبر؛ فأخبر أبا جعفر - ولأبي جعفر عين من أهل الكوفة من الصّيارفة يدعى ابن مقرّن - قال: فأرسل إليه، فقال: ويحك! قد تحرّك أهل الكوفة، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أنا عذيرك منهم، قال: فركن إلى قوله، وأضرب عنهم.\nوحدثني يحيى بن ميمون من أهل القادسيّة، قال: سمعت عدّة من أهل القادسية يذكرون أن رجلًا من أهل خراسان، يكنى أبا الفضل ويسمّى فلان ابن معقل، وُلِّيَ القادسية ليمنع أهل الكوفة إتيان إبراهيم؛ وكان الناس قد رصدوا في طريق البصرة، فكانوا يأتون القادسيَة ثم العُذَيْب، ثم واديَ السباع، ثم يعدلون ذات اليَسار في البر، حتى يقدموا البصرة، قال: فخرج نفرٌ من الكوفة اثنا عشر رجلًا؛ حتى إذا كانوا بوادي السباع لقيَهم رجل من موالي بني أسد، يسمَّى بكرًا،","vol":"9","page":943},{"text":"من أهل شرَاف، دون واقصةَ بميلين من أهل المسجد الذي يدعى مسجد الموالي - فأتى ابن معقل فأخبره، فاتَّبعهم فأدركهم بخَفان - وهي على أربعة فراسخ من القادسيّة - فقتلهم أجمعين.\nحدّثني إبراهيم بن سَلْم، قال: كان الفُراقصَة العجليّ قد همّ بالوثوب بالكوفة، فامتنع لمكان أبي جعفر ونزوله بها؛ وكان ابن ماعز الأسديّ يبايعُ لإبراهيم فيها سرًّا.\nحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعت إسماعيل بن موسى البَجَليّ وعيسى بن النَّضْر السُّمَّانيْنِ وغيرهما يخبرون أن غَزوان كان لآل القعقاع بن ضِرار، فاشتراه أبو جعفر، فقال له يومًا: يا أميرَ المؤمنين؛ هذه سفُن منحدرة من الموصل فيها مبيّضةٌ تريد إبراهيم بالبصرة، قال: فضمّ إليه جندًا، فلقيهم بباحَمشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين؛ وكانوا تجارًا فيهم جماعة من العُبّاد من أهل الخير وغيرهم، وفيهم رجل يُدعى أبا العرفان من آل شعيب السّمّان، فجعل يقول: ويلك يا غزوان! ألست تعرفني! أنا أبو العرفان جارك؛ إنما شخصتُ برقيق فبعتُهم؛ فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبعث برؤوسهم إلى الكوفة، فنصِبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة، قال أبو أحمد عبد الله بن راشد: فأنا رأيتها منصوبةً على كوم التراب.\nقال: وحدّثنا أبو عليّ القَدّاح، قال: حدّثني داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القدّاحين، قالوا: كنّا بالموصل وبها حرْب الراونديّ رابطة في ألفين، لمكان الخوارج بالجزيرة، فأتاه كتاب أبي جعفر يأمره بالقفل إليه؛ فشخص؛ فلما كان بباحَمْشا اعترض له أهلها، وقالوا: لا نَدَعُك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم، فقال لهم: ويحكم! إني لا أريد بكم سوءًا؛ إنما أنا مارٌّ دعوني، قالوا: لا والله لا تجوزنا أبدًا، فقاتلهم فأبارهم، وحَمل منهم خمسمئة رأس، فقدم بها على أبي جعفر، وقصّ عليه قصتهم. قال أبو جعفر: هذا أوّل الفتح. [٧/ ٦٣١ - ٦٣٣].\nقال أبو عمر الحوضيّ: جعل أصحاب إبراهيم ينادون سفيان وهو محصور: اذكر بيعتَك في دار المخزوميّين.","vol":"9","page":944},{"text":"قال أبو عمر: وحدّثني محارب بن نصر، قال: مرّ سفيان بعد قتل إبراهيم في سفينة وأبو جعفر مُشرِفٌ من قصره، فقال: إنّ هذا لسفيان؟ قالوا: نعم، قال: والله للعَجب! كيف يفلتني ابن الفاعلة! قال الحوْضيّ: قال سفيان لقائد من قوّاد إبراهيم: أقمْ عندي، فليس كل أصحابك يعلم ما كان بيني وبين إبراهيم.\nقال: وحدّثني نضر بن فرقد قال: كان كَرْزَم السَّدوسيّ يغدو على سفيان بخبر إبراهيم ويروح، ويُعْلمه مَنْ يأتيه فلا يعرض له، ولا يتبع له أثرًا.\nوذكر أن سفيان بن معاوية كان عامل المنصور أيّامئذ على البصرة، وكان قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. [٧/ ٦٣٣ - ٦٣٤].\n* * *\n* ذكر من قال ذلك:\nحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وغلَب على المدينة ومكة، وسُلِّم عليه بالخلافة، وجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فدخلها في أوّل يوم من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومئة، فغلب عليها، وبيّض بها وبيّض بها أهل البصرة معه، وخرج معه عيسى بن يونس ومُعاذ بن معاذ بن العوّام وإسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشام، وجماعة كثيرة من الفُقهاء وأهل العلم؛ فلم يزلْ بالبصرة شهر رمضان وشوّالًا، فلما بلغه قتلُ أخيه محمد بن عبد الله تأهَّب واستعدّ، وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة.\nوقد ذكرنا قول من قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومئة، غير أنه كان مقيمًا بها، مختفيًا يدعو أهلها في السرّ إلى البيعة لأخيه محمد، فذكر سهل بن عَقيل، عن أبيه، أنّ سفيان كان يرسل إلى قائدين كانا قدِما عليه من عند أبي جعفر مددًا له قبل ظهور إبراهيم، فيكونان عنده؛ فلما وعده إبراهيم بالخروج أرسلَ إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرَج، فأحاط به وبهما فأخذهم.\nوحُدّثت عن محمد بن معروف بن سويد، قال: حدّثني أبي، قال: وجَّه أبو جعفر مجالدًا ومحمدًا ويزيد؛ قوّادًا ثلاثة كانوا إخوة قبل ظهور إبراهيم،","vol":"9","page":945},{"text":"فقدَّموا جندهم، فجعلوا يدخلون البصرة تَترَى بعضهم على أثر بعض، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها فظهر.\nوذكر نصر بن قديد، أنّ إبراهيم خرج ليلة الإثنين لغرّة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ومئة، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر رجلًا فارسًا، فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرّقاشيّ، قال: وقدم تلك الليلة أبو حمّاد الأبرصُ مددًا لسفيان في ألفي رجل، فنزل الرّحبة إلى أن ينزلوا، فسار إبراهيم فكان أوّل شيء أصاب دوابَّ أولئك الجند وأسلحتهم، وصلّى بالناس الغداة في المسجد الجامع، وتحصّن سفيان في الدّار، ومعه فيها جماعة من بني أبيه وأقبل الناسِ إلى إبراهيم مِنْ بين ناظر وناصر حتى كثروا، فلما رأى ذلك سفيان طلب الأمان، فأجيب إليه، فدسّ إلى إبراهيم مطهّر بن جويرية السَّدوسيّ، فأخذ لسفيان الأمان، وفتح الباب، ودخل إبراهيم الدّار؛ فلما دخلها ألقي له حصير في مُقَدَّم الإيوان، فهبّت ريح فقلبته ظهرًا لبطن؛ فتطيَّر الناسُ لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيَّر، ثم جلس عليه مقلوبًا والكراهة تُرَى في وجهه؛ فلما دخل إبراهيم الدّار خلّى عن كلّ مَنْ كان فيها - فيما ذكر - غير سفيان بن معاوية؛ فإنه حبسه في القصر وقيَّده قيدًا خفيفًا، فأراد إبراهيم - فيما ذكر - بذلك من فعله أن يُرِى أبا جعفر أنه عنده محبوس، وبلغ جعفرًا ومحمدًا بني سليمان بن عليّ - وكانا بالبصرة يومئذ - مصيرُ إبراهيم إلى دار الإمارة وحبْسه سفيان، فأقبلا - فيما قيل - في ستمئة من الرّجالة والفرسان والنَّاشبة يريدانه، فوجَّه إبراهيم إليهما المضاء بن القاسم الجزريّ في ثمانية عشر فارسًا وثلاثين راجلًا؛ فهزمهم المضاءُ، ولحق محمدًا رجل من أصحاب المضاء فطَعنه في فخِذه، ونادى مناد لإبراهيم: لا يتُبَع مدبر؛ ومضى هو بنفسه حتى وقف على باب زينب بنت سليمان، فنادى بالأمان لآل سليمان، وألّا يعرِض لهم أحد.\nوذكر بكر بن كثير؛ أنّ إبراهيم لما ظهر على جعفر ومحمد أخذ البصرة، وجَدَ في بيت المال ستمئة ألف، فأمر بالاحتفاظ بها - وقيل إنه وجد في بيت المال ألفي درهم، فقويَ بذلك، وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين؛ فلما غلب إبراهيم على البصرة وجّه - فيما ذكر - إلى الأهواز رجلًا يُدعى الحسين بن ثوْلاء، يدعوهم إلى البيْعة، فخرج فأخذ بيعتهم؛ ثم رجع إلى إبراهيم، فوجه إبراهيم","vol":"9","page":946},{"text":"المغيرة في خمسين رجلًا، ثم اجتمع إلى المُغيرة لمّا صار إلى الأهواز تمام مئتي رجل، وكان عامل الأهواز يومئذ من قِبَل أبي جعفر محمد بن الحصين، فلما بلغ ابنَ الحصين دنوُّ المغيرة منه خرج إليه بمَنْ معه، وهم - فيما قيل - أربعة آلاف، فالتَقوْا على مِيل من قَصبة الأهواز بموضع يقال له دشت أربُك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز.\nوقد قيل: إنّ المغيرة صار إلى الأهواز بعد شخوص إبراهيم عن البصرة إلى باخَمْرى.\nذكر محمد بن خالد المربّعيّ، أنّ إبراهيم لما ظهر على البصرة ثم أراد الخروج إلى ناحية الكوفة، استخلف على البصرة نُميْلة بن مرّة العبشَميّ، وأمر بتوجيه المغيرة بن الفزع أحد بني بَهْدلة بن عوْف إلى الأهواز، وعليها يومئذ محمد بن الحصين العبديّ، ووجَّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملًا عليها، فمرّ برامَ هرمز بيعقوب بن الفضل وهو بها، فاستتبعه؛ فشخص معه حتى قدم فارس، وبها إسماعيل بن عليّ بن عبد الله عاملًا عليها من قِبَل أبي جعفر، ومعه أخوه عبد الصّمد بن عليّ، فلما بلغ إسماعيل بن عليّ وعبد الصمد إقبالُ عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل - وكانا بإصطخْر - بادرا إلى دَارَا بْجِرد، فتحصّنا بِها، فصارت فارس في يد عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل، فصارت البَصْرة والأهواز وفارس في سلطان إبراهيم.\nوحدِّثت عن سليمان بن أبي شيخ، قال: لما ظهر إبراهيم بالبصرة، أقبل الحكم بن أبي غَيْلان اليشكريّ في سبعة عشر ألفًا حتى دخل واسطًا؛ وبها هارون بن حميد الإياديّ من قِبَل أبي جعفر، فدخل هارون تنورًا في القصر حتى أخرِج منه، وأتى أهلُ واسط حفصَ بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فقالوا له: أنت أولى مِنْ هذا الهجيميّ؛ فأخذها حَفْص، وخرج منها اليشكُريّ، وولَّى حفص شُرَطه أبا مقرن الهُجيميّ.\nوذكر عمر بن عبد الغفار بن عمرو الفُقَيْميّ، ابن أخي الفضل بن عمرو الفُقيميّ، قال: كان إبراهيم واجدًا على هارون بن سعد، لا يكلِّمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد، فأتى سلم بن أبي واصل، فقال له: أخبرني عن صاحبك، أما به إلينا حاجة في أمره هذا! قال: بلى لعمر الله، ثم قام فدخل على","vol":"9","page":947},{"text":"إبراهيم، فقال: هذا هارون بن سعد قد جاءك، قال: لا حاجة لي به، قال: لا تفعل؛ في هارون تزهّد؛ فلم يزل به حتى قِبله، وأذن له فدخل عليه؛ فقال له هارون: استكفِني أهمَّ أمورك إليك، فاستكفاه واسطًا، واستعمله عليها. [٧/ ٦٣٤ - ٦٣٧].\nوذكر عن ابن أبي الكرام، وأنه قال: قدمت على أبي جعفر برأس محمد، وعامر بن إسماعيل بواسط محاصرٌ هارون بن سعد، وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبي جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة، فذكر سليمان بن أبي شيخ، قال: عسكر عامر بن إسماعيل مِنْ وراء النيل، فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون، فضربه عبدٌ سقّاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه، فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صَمْغ عربيّ؛ وقال: داوِ بها جراحتك، فالتقوْا غير مرّة، فقتِل من أهل البصرة وأهل واسط خلْق كثير؛ وكان هارون ينهاهم عن القتال، ويقول: لو لقى صاحبنا صاحبَهم تبيّن لنا الأمر، فاستبقوا أنفسكم؛ فكانوا لا يفعلون، فلما شخص إبراهيم إلى باخَمْرَى كفّ الفريقان من أهل واسط وعامر بن إسماعيل بعضُهم عن بعض، وتوادعوا على تراك الحرب إلى أن يلتقي الفريقان، ثم يكونوا تبعًا للغالب؛ فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخولَ واسط، فمانعه أهلُها الدخول، قال سليمان: لما جاء قتلُ إبراهيم هرب هارون بن سعد، وصالح أهلُ واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم، فلم يثق كثير منهم بأمانه، فخرجوا منها، ودخلها عامر بن إسماعيل، وأقام بواسط فلم يُهجْ أحدًا.\nوكان عامر - فيما ذكر - صالح أهلَ واسط على ألّا يقتل أحدًا بواسط، فكانوا يقتلون كلّ مَنْ يجدونه من أهل واسط خارجًا منها؛ ولما وقع الصُّلْح بين أهل واسط وعامر بعد قتلِ إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة، فتوفِّيَ قبل أن يبلغها فيما ذكر.\nوقيل: إن هارون بن سعد اختفَى فلم يزل مختفيًا حتى ولي محمد بن سليمان الكوفة، فأعطاه الأمان، واستدرجه حتى ظهر، وأمره أن يفرض لمئتين من أهل بيته، فهمّ أن يفعل، وركب إلى محمّد، فلقيه ابن عمّ له، فقال له: أنت مخدوع، فرجع فتوارى حتى مات، وهدم محمد بن سليمان داره.","vol":"9","page":948},{"text":"قال: ولم يزل إبراهيم مقيمًا بالبصرة بعد ظهوره بها، يفرّق العمال في النواحي ويوجّه الجيوش إلى البلدان؛ حتى أتاه نعيُّ أخيه محمد؛ فذكر نصر بن قُديد؛ قال: فرض إبراهيم فروضًا بالبصرة، فلما كان قبل الفِطْر بثلاثة أيام، أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فخرج بالناس إلى العيد، وهم يعرفون فيه الانكسار، وأخبر الناسَ بقتل محمد؛ فازدادوا في قتالَ أبي جَعفر بصيرةً، وأصبح من الغدِ فعسكر، واستخلف نُمَيلةَ على البَصْرة، وخلّف ابنه حسنًا معه.\nقال سعيد بن هريم: حدثني أبي، قال: قال عليّ بن داود: لقد نظرت إلى الموت في وجْه إبراهيم حين خطَبنَا يوم الفطر، فانصرفتُ إلى أهلي فقلت: قتِل والله الرجل!\nوذكر محمد بن معروف، عن أبيه أن جَعفرًا ومحمدًا ابني سليمان لما شخصا من البصرة، أرسلاه إلى أبي جعفر ليخبره خبر إبراهيم، قال: فأخبرتُه خبرهما، فقال: والله ما أدري كيف أصنع! والله ما في عسكري إلا ألفا رجل؛ فرّقت جندي، فمع المهديّ بالرّيّ ثلاثون ألفًا، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفًا والباقون مع عيسى بن موسى؛ والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفًا.\nوقد قال عبد الله بن راشد: ما كان في عسكر أبي جعفر كثيرُ أحد؛ ما هم إلا سودان وناسٌ يسير؛ وكان يأمر بالحطَب فيحزَم ثم يوقَد بالليل، فيراه الرائي فيحسِب أن هناك ناسًا؛ وما هي إلّا نار تضرَم، وليس عندها أحد.\nقال محمد بن معروف بن سويد: حدّثني أبي، قال: لما ورد الخبر على أبي جعفر، كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: إذا قرأتَ كتابي هذا فأقبل وَدعْ كلّ ما أنت فيه؛ قال: فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس، وكتب إلى سلْم بن قتيبة فقدِم عليه من الرّيّ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان.\nفذكر عن يوسف بن قتيبة بن مسلم، قال: أخبرني أخي سلْم بن قتيبة بن مسلم، قال: لما دخلتُ على أبي جعفر قال لي: اخرج؛ فإنه قد خرج ابنا عبد الله، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعُه؛ فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان جميعًا؛ فابسط يدك، وثِقْ بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك، قال:","vol":"9","page":949},{"text":"فوالله ما هو إلا أن قُتِل إبراهيم، فجعلت أتذكر مقالته فأعجب.\nقال سعيد بن سلم: فاستعمله على ميسرة الناس، وضمّ إليه بشار بن سلم العُقيليّ وأبا يحيى بن خُرَيم وأبا هُراسة سنان بن مخيَّس القشيريّ، وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة؛ عُرْبُها ومواليها، وكتب المنصور إلى المهديّ وهو يومئذ بالرّيّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهديّ - فيما ذُكر - في أربعة آلاف من الجند، فصار إليها، وحارب بها المغيرة، فانصرف إلى البصرة، ودخل خازم الأهواز، فأباحها ثلاثًا.\nوذكر عن الفضل بن العبّاس بن موسى وعمر بن ماهان، أنهما سمعا السنديّ يقول: كنت وصيفًا أيام حرب محمد، أقوم على رأس المنصور بالمذَبّة، فرأيته لما كثف أمر إبراهيم وغلُظ أقام على مصلى نيّفًا وخمسين ليلة، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جُبَة ملوّنة قد اتّسخ جَيْبها وما تحت لحيته منها؛ فما غيَّر الجُبّة، ولا هجرَ المصلَّى حتى فتح الله عليه؛ إلّا أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبّة بالسواد، وقعد على فراشه؛ فإذا بطن عاد إلى هيئته، قال: فأتته ريسانة في تلك الأيام، وقد أهديت له امرأتان من المدينة؛ إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمَة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص؛ فلم ينظر إليهما، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما، وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك لهما؛ فنهرها، وقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء؛ لا سبيل لي إليهما حتى أعلم: أرأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيَم!\nوذُكِر أن محمدًا وجعفرًا ابني سليمان كتبا إلى أبي جعفر يُعْلمانه بعد خروجهما من البَصْرة الخبر في قطعة جِراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه غير ذلك؛ فلما وصل الكتاب إليه؛ فرأى قطعة جِراب بيد الرسول، قال: خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم، ثم قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الخُتّليّ وبأبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما في خيل كثيفة إليهما، وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما؛ وكتب إليهما يعجّزهما ويضعّفهما ويوبخهما على طمع إبراهيم في الخروج إلى مصر هما فيه، واستتار خبره عنهما، حتى ظهر وكتب في آخر كتابه:","vol":"9","page":950},{"text":"أَبْلغْ بني هاشمٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... فاستَيْقِظُوا إنَّ هذا فِعْل نُوّام\nتعدو الذِّئاب على من لا كلاب له ... وتتَّقي مَرْبِضَ المسْتَنْفِر الحامي\nوذكر عن جعفر بن ربيعة العامريّ عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم، قال: دخلت على المنصور أيام حرْب محمد وإبراهيم، وقد جاءه فتق البَصْرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وهو ينكت الأرض بمخْصَرِته ويتمثّل:\nونصبتُ نفسي للرِّماح دَريّةً ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول\nقال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أدام إعزازك ونصرك على عدوّك! أنت كما قال الأعشى:\nوإنْ حَرْبهُمْ أُوقِدَتْ بينهمْ ... فحرَّت لهم بعد إبرادِها\nوجدتَ صَبُورًا على حَرِّها ... وكرِّ الحروب وترْدادها\nفقال: يا حجاج، إنّ إبراهيم قد عرف وُعورة جانبي وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني؛ وإنما جرّأه على المسير إليّ من البصرة اجتماعُ هذه الكُور المُطلَّة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجَرها وكلّ ناحية بسهمها، ووجّهت إليهم الشهْم النجْد الميمون المظفّر عيسى بن موسى، في كثرة من العدد والعُدّة، واستعنت بالله عليه، واستكفيته إياه؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به.\nقال جعفر بن ربيعة: قال الحجاج بن قتيبة: لقد دخلتُ على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلِّمًا، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفُتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به، ولمئة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره، ينتظرون به صَيْحة واحدة فيثبون؛ فوجدته صقْرًا أحوزيًّا مشمّرًا، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعرُكها ويمرُسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه؛ وإنه لكما قال الأوّل:\nنفسُ عِصامٍ سوَّدَتْ عصاما ... وعلَّمتْه الكرَّ والإِقْدَاما (١)\nوصيّرتْهُ مَلِكًا هُمَامَا\nوذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجَرْميّ، وقد وجَّه محمد بن عبد الله أخاه\n_________\n(١) مما نسب إلى النابغة الذبياني؛ العقد الثمين ١٧٥.","vol":"9","page":951},{"text":"لحرب أبي جعفر، فقال يونس: قدِم هذا يريد أن يزيل ملكًا فألهتْهُ ابنة عمر بنُ سلمة عمّا حاوله، ولقد أهدِيت التيميّة إلى أبي جعفر في تلك الأيام، فتركها بمزجَر الكلب، فما نظر إليها حتى انقضى أمرُ إبراهيم.\nوكان إبراهيم تزّوج بعد مقدمه البصرَة بهكْنة بنت عمر بن سلمة، فكانت تأتيه في مصبّغاتها وألوان ثيابها.\nفلما أراد إبراهيم الشخوص نحو أبي جعفر، دخل - فيما ذكر بشرُ بن سلم - عليه نُمَيلة الطُّهَوِيّ وجماعة من قوّاده من أهل البَصْرة، فقالوا له: أصلحك الله! إنك قد ظهرت على البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقِمْ بمكانك، ووجّه الأجناد، فإن هُزِم لك جند أمددتَهم بجند، وإن هُزِم لك قائد أمددته بقائد، فخيِف مكانك، واتّقاكَ عدوُّك، وجُبِيت الأموال، وثبتتْ وطأتك؛ ثم رأيْك بعد. فقال الكوفيّون: أصلحك الله! إن بالكوفة رجالًا لو قد رأوْك ماتُوا دونك، وإلّا يرْوك تقعد بهم أسبابٌ شتى فلا يأتونك، فلم يزالوا به حتى شخَص.\nوذُكر عن عبد الله بن جعفر المدينيّ، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخَمْرَى، فلمّا عسكرنا أتانا ليلة من الليالي، فقال: انطلق بنا نطفْ في عسكرنا، قال: فسمع أصوات طَنابير وغناء فرجع، ثم أتاني ليلة أخرى فقال: انطلق بنا، فانطلقتُ معه، فسمع مثل ذلك فرجع وقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا.\nوذُكر عن عفان بن مسلم الصفار، قال: لمّا عسكر إبراهيمُ افترض معه رجال من جيراننا، فأتيت معسكَره، فحزَرتُ أنّ معه أقلّ من عشرة آلاف.\nفأما داود بن جعفر بن سليمان، فإنه قال: أحصِيَ في ديوان إبراهيم من أهل البصرة مئة ألف، ووجّه أبو جعفر عيسى بن موسى - فيما ذكر إبراهيمُ بن موسى بن عيسى - في خمسة عشر ألفًا، وجعل على مقدّمته حُميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف، فلما شخص عيسى بن موسى نحو إبراهيم سار معه - فيما ذكر - أبو جعفر حتى بلغ نهر البصريّين، ثم رجع أبو جعفر، وسار إبراهيم من معسكره بالماخور من خُرَيبة البصرة نحو الكوفة.\nفذكر بعض بني تيم الله عن أوس بن مهلهل القطعيّ، قال: مرّ بنا إبراهيم في","vol":"9","page":952},{"text":"طريقه ذلك، ومنزلنا بالقباب التي تدعى قباب أوْس، فخرجتُ أتلقّاه مع أبي وعمّى، فانتهينا إليه وهو على بِرْذون له يرتاد منزلًا من الأرض، قال: فسمعته يتمثّل أبياتًا للقُطاميّ:\nأمورٌ لو تَدَبّرها حَلِيمٌ ... إذًا لنَهى وهَيَّبَ ما استَطَاعا\nومعْصِيَة الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرةً منه استماعا\nوخبْرُ الأَمر ما استقبلتَ منه ... وليس بأَن تَتَبّعه اتّباعَا\nولكنَّ الأَدِيمَ إذا تفرَّى ... بِلىً وتعيُّبًا غلب الصَّنَاعا\nفقلت للذي معي: إني لأسمع كلامَ رجل نادم على مسيره، ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له - فيما ذكر عن سليمان بن أبي شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيد - إن هذه بلادُ قومي، وأنا أعلم بها، فلا تقصد قصْد عيسى بن موسى، وهذه العساكر التي وُجّهتْ إليك، ولكني أسلك بك - إن تركتَني - طريقًا لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة، فأبى عليه. قال: فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى بياتًا، قال: إني أكره البَيَات.\nوذُكر عن سعيد بن هريم أنّ أباه أخبره، قال: قلت لإبراهيم: إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة، فإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولي بعدُ بها أهيْلٌ، فدعني أسِرْ إليها مختفيًا فأدعو إليك في السرّ ثم أجهر؛ فإنهم إن سمعوا داعيًا إليك أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهْيعة بأرجاء الكوفة لم يردّ وجهه شيء دون حُلوان، قال: فأقبل على بشير الرحّال، فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ قال: إنا لوثقنا بالذي تصِف لكان رأيًا؛ ولكنّا لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة، فيرسل إليهم أبو جعفر خيلًا فيَطأ البَريء والنَّطِف (١) والصّغير والكبير؛ فتكون قد تعرّضت لمأثمِ ذلك، ولم تبلغ منه ما أمّلتَ، فقلتُ لبشير: أخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه؛ وأنت تتوقَّى قتل الضّعيف، والصغير والمرأة والرجل؛ أوَليس قد كان رسول الله - ﷺ - يوجّه السرّية فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت! فقال: إنّ أولئك كانوا مشركين كلهم، وهؤلاء أهلُ ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكْمهم غير حكم أولئك، فاتبع إبراهيم رأيه\n_________\n(١) النطف: الرجل المريب المتهم. القاموس ص ١١٠٨.","vol":"9","page":953},{"text":"ولم يأذن له، وسار إبراهيم حتى نزل باخَمْرَى.\nوذكر خالد بن أسيد الباهليّ أنه لما نزلها أرسل إليه سلْم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم: إنك قد أصْحَرْت، ومثلك أنفسُ به عن الموت، فخندِق على نفسك حتى لا تؤتَى إلا من مأتىً واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكرَه، فتخْفِفْ في طائفة حتى تأتيَه فتأخذ بقفاه.\nقال: فدعا إبراهيم أصحابَه، فعرض ذلك عليهم، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم! لا والله لا نفعل، قال: فنأتيه؟ قالوا: ولمَ وهو في أيدينا متى أردناه! فقال إبراهيم لحكيم: قد تسمع، فارجع راشدًا.\nفذكر إبراهيم بن سلم أنّ أخاه حدّثه عن أبيه، قال: لما التقينا صفّ لهم أصحابُنا، فخرجت من صفهم، فقلت لإبراهيم: إن الصّفّ إذا انهزم بعضه تداعَى، فلم يكن لهم نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كُرْدوس ثبت كردوس، فتنادوا: لا، إلا قتال أهل الإسلام يريدون قوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ (١).\nوذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان، قال: قال المضاء: لما نزلنا باخَمْرَى أتيتُ إبراهيم فقلت له: إن هؤلاء القوم مصبِّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكُراع، وإنما معك رجال عُراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته، فوالله لأشتِّتَنّ جموعه، فقال: إني أكره القَتْل فقلت: تريد المُلْك وتكره القتل!\nوحدّثني الحارث قال: حدّثني ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: لما بلغَ إبراهيمَ قتلُ أخيه محمد بن عبد الله، خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكُوفة، فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلِمه ذلك، ويأمره أن يُقبِل إليه؛ فوافاه رسول أبي جعفر وكتابُه - وقد أحرم بعمرة - فرفضها، وأقبل إلى أبي جعفر، فوجّهه في القوّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله.\nوأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس؛ أكثر من جماعة عيسى بن موسى، فالتقوْا بباخَمْرَى - وهي على ستة عشر فرسخًا من الكوفة - فاقتتلوا بها\n_________\n(١) الصف: ٤.","vol":"9","page":954},{"text":"قتالًا شديدًا، وانهزم حُميد بن قحطبة - وكان على مقدّمة عيسى بن موسى - وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوُون عليه، ومرّوا منهزمين، وأقبل حُميد بن قحطبة منهزمًا، فقال له عيسى بن موسى: يا حُميد، الله الله والطاعة! فقال: لا طاعةَ في الهزيمة، ومرَّ الناس كلهم حتى لم يبقَ منهم أحد بين يديْ عيسى بن موسى، وعسكر إبراهيم بن عبد الله، فثبت عيسى بن موسى في مكانه الذي كان فيه لا يزول، وهو في مئة رجل من خاصّته وحَشمه، فقيل له: أصلح الله الأمير! لو تنحّيت عن هذا المكان حتى يثوب إليك الناس فتكرّ بهم! فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبدًا حتى أقتَل أو يفتح الله على يدي؛ ولا يقال: انهزم.\nوذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ حدّثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدّث أباه أنه قال: لما أراد أمير المؤمنين توجيهي إلى إبراهيم، قال: إنّ هؤلاء الخبثاء - يعني المنجّمين - يزعمون أنك لاقٍ الرجلَ، وأن لك جولةً حين تلقاه، ثم يفئ إليك أصحابك، وتكون العاقبة لك، قال: فوالله لكان كما قال؛ ما هو إلّا أن التقيْنا فهزمونا، فلقد رأيتُني وما معي إلا ثلاثة أو أربعة؛ فأقبل عليّ مولىً لي - كان ممسكًا بلجام دابتي - فقال: جُعلت فداك! علامَ تقيم وقد ذهب أصحابك! فقلت: لا والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبدًا وقد انهزمتُ عن عدوّهم.\nقال: فوالله لكان أكثر ما عندي أن جعلت أقول لمن مرّ بي ممن أعرف من المنهزمين: أقرِئوا أهل بيتي مني السلام، وقولوا لهم: إني لم أجد فداءً أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي، وقد بذلتُها دونكم، قال: فوالله إنا لعلَى ذلك والناس منهزمون ما يلوي أحدٌ على أحد، وصمد ابنا سليمان: جعفر ومحمد لإبراهيم، فخرجا عليه من ورائه، ولا يشعر مَنْ بأعقابنا من أصحاب إبراهيم؛ حتى نظر بعضهم إلى بعض؛ وإذا القتال من ورائهم، فكرُّوا نحوه، وعقّبنا في آثارهم راجعين؛ فكانت إياه، قال: فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبي: فوالله يا أبا العباس؛ لولا ابنَا سليمان يومئذ لافتضحنا؛ وكان مِنْ صنع الله أنّ أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترضَ لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب؛ ولم يجدوا مخاضة؛ فكرّوا راجعين بأجمعهم.","vol":"9","page":955},{"text":"فذُكر عن محمد بن إسحاق بن مهران، أنه قال: كان بباخَمْرى ناسٌ من آل طلحة فمخرُوها على إبراهيم وأصحابه، وبثقُوا الماء، فأصبح أهل عسكره مرتطمين في الماء، وقد زعم بعضهم أن إبراهيم هو الذي مخرَ ليكون قتاله من وجه واحد؛ فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، فلما انهزم أصحاب إبراهيم وثبتَ معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه، اختلف في مبلغ عدَدهم، فقال بعضهم: كانوا خمسمئة، وقال بعضهم: كانوا أربعمئة، وقال بعضهم: بل كانوا سَبعين.\nفحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه، أقبل إبراهيم بن عبد الله في عسكره يدنُو ويدنو غبارُ عسكره؛ حتى يراه عيسى ومَنْ معه؛ فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكرّ راجعًا يجري نحو إبراهيم، لا يعرّج على شيء؛ فإذا هو حُميد بن قحطبة قد غيّر لأمته، وعصَب رأسه بعصابة صفراء، فكرّ الناس يتبعونه حتى لم يبق أحدٌ ممن كان انهزم إلا كرّ راجعًا، حتى خالطوا القوم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى قَتل الفريقان بعضهم بعضًا، وجعل حُمَيد بن قحطبة يرسل بالرؤوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتي برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح، فقالوا: رأس إبراهيم بن عبد الله، فدعى عيسى بن موسى بن أبي الكرام الجعفريّ، فأراه إياه، فقال: ليس هذا؛ وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك؛ إلى أن جاء سهم عائر لا يُدْرَى من رمى به، فوقع في حَلْق إبراهيم بن عبد الله فنحرَه، فتنحَّى عن موقفه، فقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١)، أردنا أمرًا وأراد الله غيره؛ فأنزِل إلى الأرض وهو مثخَنٌ، واجتمع عليه أصحابه وخاصّته يحمونه ويقاتلون دونه، ورأى حُمَيد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكرهم فقال لأصحابه: شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلَموا ما اجتمعوا عليه، فشدُّوا عليهم، فقاتلوهم أشدّ القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم، وخلصوا إليه فحزُّوا رأسه؛ فأتوا به عيسى بن موسى، فأراه ابنَ أبي الكرام الجعفريّ، فقال: نعم؛\n_________\n(١) الأحزاب: ٣٨.","vol":"9","page":956},{"text":"هذا رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى أبي جعفر المنصور، وكان قتْلُه يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئة، وكان يوم قُتل ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام.\nوذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة: كيف قُتِلَ إبراهيم؟ قال: إني لأنظر إليه واقفًا على دابّةٍ ينظر إلى أصحاب عيسى قد وَلَّوْا ومنحوه أكتافهم، ونكَص عيسى بدابته القَهْقَرَى وأصحابه يقتلونهم، وعليه قباء زَرَد، فآذاه الحرّ، فحل أزرار قَبائه، فشال الزّرد حتى سال عن ثدييه، وحسر عن لّبته، فأتته نُشّابة عائرة (١)، فأصابته في لبّتِه، فرأيته اعتنق فرسه، وكرّ راجعًا، وأطافت به الزيديّة.\nوذكر إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام؛ قال: حدّثني أبي، قال: لما انهزم أصحاب عيسى تبعتْهم رايات إبراهيم في آثارهم، فنادى منادى إبراهيم: ألا لا تَتّبعوا مدبرًا؛ فكرّت الرايات راجعةً، ورآها أصحاب عيسى فخالُوهم انهزموا، فكرُّوا في آثارهم؛ فكانت الهزيمة.\nوذكر أن أبا جعفر لما بلغته جولةُ أصحاب عيسى عزَم على الرحيل إلى الرّيّ، فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد، أنه قال: لما التقوْا هُزم أصحاب عيسى هزيمة قبيحةً حتى دخل أوائلهم الكُوفة، فأتاني صديق لي كوفيّ، فقال: أيّها الرجل، تعلمْ والله لقد دخل أصحابك الكوفة؛ فهذا أخو أبي هريرة في دار فلان؛ وهذا فلان في دار فلان؛ فانظر لنفسك وأهلك ومالك؛ قال: فأخبرت بذلك سليمانَ بن مجالد، فأخبر به أبا جعفر، فقال: لا تكشفنّ من هذا شيئًا ولا تلتفتنّ إليه؛ فإنّي لا آمن أن يهجم عليّ ما أكره، وأعْدِدْ على كلّ باب من أبواب المدينة إبلا ودوابّ؛ فإن أتِينا من ناحية صرنا إلى الناحية الأخرى، فقيل لسلم: إلى أين أراد أبو جعفر يذهب إن دهمه أمر؟\nقال: كان عزم على إتيان الرّي، فبلغني أن نيبخت المنجّم دخل على أبي جعفر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، الظَّفَرُ لك، وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبل\n_________\n(١) النشابة: واحدة النشاب وهو النبل، اللسان (١/ ٧٥٧). والعائر: ما لا يدرى راميه. القاموس ص ٥٧٣.","vol":"9","page":957},{"text":"ذلك منه، فقال له: احبسني عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت لك فاقتلني، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثَّل ببيت معقَّر بن أوْس بن حمار البارقيّ:\nفأَلقتْ عَصَاها واستقرّتْ بها النَّوى ... كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ (١)\nفأقطع أبو جعفر نيبخت ألفي جريب بنهر جَوْبر؛ فذكر أبو نعيم الفضل ابن دكين أن أبا جعفر لما أصبح من الليلة التي أتِيَ فيها برأس إبراهيم - وذلك ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة - أمر برأسه فنُصب رأسه في السوق (٢).\nوذكر أن أبا جعفر لما أتِيَ برأسه فوُضع بين يديه بكَى حتى قطرت دموعه على خدّ إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنتُ لهذا لكارهًا، ولكنّك ابتليتَ بي وابتليتُ بك (٢).\nوذكر عن صالح مولى المنصور أنّ المنصور لما أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله وضَعه بين يديه، وجلس مجلسًا عامًّا، وأذن للناس، فكان الدّاخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسيء القول فيه، ويذكر منه القبيح، التماسًا لرضا أبي جعفر، وأبو جعفر ممسكٌ متغيّر لونه؛ حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فوقف فسلّم، ثم قال: عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمَّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقك! فاصفرّ لونُ أبي جعفر وأقبل عليه، فقال: أبا خالد، مرحبًا وأهلًا ها هنا! فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة.\n* * *\nوفي هذه السنة خرجت الترك والخَزَر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينيَة جماعة كثيرة. [٧/ ٦٣٧ - ٦٤٩].\n_________\n(١) البيت بهذه النسبة في اللسان (١٥/ ٦٥) (عصا)؛ ونقل عن ابن برى أنه لعبدون السلمي، ويقال لسليم بن ثمامة الحنفي قال؛ وأول الشعر:\nتذكَّرتُ من أُمّ الحويرث بعدمَا ... مضت حججٌ، وذو الشوق ذاكرُ\n(٢) هذان خبران متناقضان.","vol":"9","page":958},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1639>ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>[خبر استتمام بناء بغداد وتحول أبي جعفر إليها] [٧/ ٦٥٠]</span>\nذُكِر عن رشيد أبي داود بن رَشِيد أنّ أبا جعفر شخص إلى الكوفة حين بلغه خروجُ محمد بن عبد الله، وقد هيّأ لبناء مدينة بغداد ما يحتاج إليه من خَشب وساج وغير ذلك؛ واستخلف حين شخص على إصلاح ما أعدّ لذلك مولىً له يقال له أسلم؛ فبلغ أسلم أنّ إبراهيم بن عبد الله قد هزم عسكر أبي جعفر، فأحرق ما كان خَلَفه عليه أبو جعفر من ساجٍ وخشب؛ خوفًا أن يؤخذ منه ذلك؛ إذا غُلب مولاه؛ فلما بلغ أبا جعفر ما فعل من ذلك مولاه أسلم كتب إليه يلومه على ذلك؛ فكتب إليه أسلم يخبر أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه، فلم يقل له شيئًا.\nوذُكِر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، عن أبيه، قال: لما أراد المنصور بناء مدينة بغداد، شاور أصحابه فيها؛ وكان ممّن شاوره فيها خالد بن برمك، فأشار بها؛ فذكِرَ عن عليّ بن عصمة أن خالد بن برمك خطّ مدينة أبي جعفر له، وأشار بها عليه؛ فلما احتاج إلى الأنقاض، قال له: ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه؟ قال: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولمَ؟ قال: لأنه علَمٌ من أعلام الإسلام، يستدلّ به الناظر إليه على أنه لم يكن ليُزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا؛ وإنما هو على أمر دين؛ ومع هذا يا أمير المؤمنين؛ فإن فيه مصلّى عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، قال: هيهات يا خالد! أبيتَ إلا الميل إلى أصحابك العجم! وأمر أن يُنَقض القصر الأبيض، فنُقِضت ناحية منه، وحمِل نقضه، فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عُمل، فرُفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد بن برمك، فأعلمه ما يلزمهم في نقضه وحمله، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين، قدْ كنت أرى قبل ألّا تفعل، فأما إذ فعلتَ فإني أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده؛ لئلا يقال: إنك قد عجزت عن هدمِه، فأعرض المنصور عن ذلك، وأمر ألّا يهدم، فقال موسى بن داود المهندس: قال لي","vol":"9","page":959},{"text":"المأمون - وحدّثني بهذا الحديث: يا موسى إذا بنيتَ لي بناء فاجعله ما يعجز عن هدمه ليبقى طللُه ورسْمه (١).\nوذكر أنّ أبا جعفر احتاج إلى الأبواب للمدينة؛ فزعم أبو عبد الرحمن الهمانيّ أن سليمان بن داود كان بنى مدينةً بالقرب من موضع بناء الحجاج واسطًا يقال لها الزَّنْدورد، واتّخذت له الشياطينُ لها خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس اليوم عملُ مثلها، فنصبها عليها، فلم تزلْ عليها إلى أن بنى الحجاج واسطًا، وخرْبت تلك المدينة، فنقل الحجاجُ أبوابها فصيّرها على مدينته بواسط فلمّا بنى أبو جعفر المدينة أخذ تلك الأبواب فنصبها على المدينة؛ فهي عليها إلى اليوم، وللمدينة ثمانية أبواب: أربعة داخلة وأربعة خارجة؛ فصار على الداخلة أربعة أبواب من هذه الخمسة، وعلى باب القصر الخارج الخامس منها، وصيّر على باب خراسان الخارج بابًا جيء به من الشأم من عمل الفراعنة، وصيّر على باب الكوفة الخارج بابًا جِيء به من الكوفة، كان عمله خالد بن عبد الله القسريّ، وأمر باتّخاذ باب لباب الشأم، فعُمل ببغداد، فهو أضعف الأبواب كلها، وبنِيت المدينة مدوّرة لئلا يكون الملك إذا نزل وسطَها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع، وجعل أبوابها أربعة؛ على تدبير العساكر في الحروب، وعمِل لها سوريْن، فالسور الداخل أطول من السور الخارج، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع حول القصر.\nوذُكر أنّ الحجاج بن أرطاة هو الذي خطّ مسجد جامعها بأمر أبي جعفر، ووضع أساسه، وقيل أن قبلتَها على غير صواب وإنَّ المصلِّى فيه يحتاج أن ينحرف إلى باب البصرة قليلًا، وإن قبلة مسجد الرُّصافة أصوب من قبلة مسجد المدينة؛ لأنّ مسجد المدينة بني على القصر، ومسجد الرّصافة بُني قبل القصر وبُني القصر عليه، فلذلك صار كذلك.\nوذكر يحيى بن عبد الخالق أنّ أباه حدّثه أن أبا جعفر ولّى كلَّ ربع من المدينة قائدًا يتولى الاستحثاث على الفراغ من بناء ذلك الرُّبع.\n_________\n(١) إبراهيم الموصلي (وابنه إسحاق) قال الذهبي في ترجمته كان مطربًا لعابًا مترفًا سامحه الله وله أخبار في الأغاني فهو وال إسحاق بن إبراهيم الطلاق الأديب [سير أعلام النبلاء ٩/ تر ٢٢] تاريخ بغداد [٦/ ١٧٠].","vol":"9","page":960},{"text":"وذكر هارون بن زياد بن خالد بن الصلت، قال: أخبرني أبي، قال: ولّى المنصور خالد بن الصلت النفقة على رُبع من أرباع المدينة وهي تبنى.\nقال خالد: فلما فرغتُ من بناء ذلك الرُّبع رفعت إليه جماعة النفقة عليه، فحسبها بيده، فبقي عليّ خمسة عشر درهمًا، فحبسني بها في حبس الشرقية أيامًا حتى أدّيتُها، وكان اللبِن الذي صُنع لبناء المدينة اللبِنة منها ذراعٌ في ذراع.\nوذكِر عن بعضهم أنه هدم من السور الذي يلِي باب المحوّل قطعة فوجد فيها لبنة مكتوبًا عليها بمُغْرة وزنها مئة وسبعة عشر رطلًا، قال: فوزنَّاها فوجدناها على ما كان مكتوبًا عليها من الوزن وكانت مقاصير جماعة من قوّاد أبي جعفر وكتابه تشرع أبوابها إلى رَحَبة المسجد.\nوذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق؛ خال الفضل بن الربيع، أنَّ عيسى بن عليّ شكا إلى أبي جعفر، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ إن المشي يشقّ عليّ من باب الرّحبة إلى القصر، وقد ضعفت، قال: فتحمَل في محفَّة، قال: إني أستحي من الناس، قال: وهل بقي أحدٌ يستحيَا منه! قال: يا أمير المؤمنين، فأنزلني منزلة راوية من الروايا، قال: وهل يدخل المدينة راوية أو راكب؟ قال: فأمر الناس بتحويل أبوابهم إلى فُصْلان الطاقات؛ فكان لا يدخل الرّحبة أحد إلّا ماشيًا، قال: ولمّا أمر المنصور بسدِّ الأبواب ممّا يلي الرحبة وفتحها إلى الفُصلان صيرت الأسواق في طاقات المدينة الأربع، في كلّ واحد سوق، فلم تزل على ذلك مدّة حتى قدم عليه بِطْريق من بطارقة الرُّوم وافدًا، فأمر الرّبيعَ أن يطوف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء، فطاف به الرّبيع، فلمّا انصرف قال: كيف رأيتَ مدينتي - وقد كان أصعد إلى سور المدينة وقباب الأبواب؟ قال: رأيت بناء حسنًا؛ إلّا أني قد رأيتُ أعداءك معك في مدينتك، قال: ومَنْ هم؟ قال: السوقة، قال: فأضبّ عليها أبو جعفر، فلما انصرف البِطريق أمر بإخراج السوق من المدينة، وتقدّم إلى إبراهيم بن حُبيش الكوفيّ، وضمّ إليه جوّاس بن المسيَّب اليمانيّ مولاه، وأمرهما أن يبنيا الأسواق ناحية الكرخ، ويجعلاها صفوفًا وبيوتًا لكل صنف؛ وأن يدفعاها إلى الناس، فلما فعلا ذلك حوّل السوق من المدينة إليها، ووضع عليهم الغلة على قدر الذَّرْع؛ فلما كثر الناس بنوا في مواضع من الأسواق لم يكن رغب في البناء فيها إبراهيم بن","vol":"9","page":961},{"text":"حبيش وجوّاس، لأنها لم تكن على تقديم الصُّفوف من أموالهم؛ فألزِموا من الغلة أقلّ مما ألزِم الذين نزلوا في بناء السلطان.\nوذكر بعضهم أن السبب في نقل أبي جعفر التجار من المدينة إلى الكَرْخ وما قرب منها مما هو خارج المدينة، أنه قيل لأبي جعفر: إنّ الغرباء وغيرهم يبيتون فيها، ولا يؤمن أن يكون فيهم جَواسيس، ومَنْ يتعرّف الأخبار، أو أن يفتح أبواب المدينة ليلًا لموضع السوق، فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشُّرط والحرَس، وبنى للتجار بباب طاق الحرَّانيّ وباب الشأم والكرخ.\nوذُكِر عن الفضل بن سليمان الهاشميّ، عن أبيه، أنّ سبب نقله الأسواق في مدينة السلام ومدينة الشرقيّة إلى باب الكَرْخ وباب الشعير وباب المحوّل؛ أنّ رجلًا كان يقال له أبو زكرياء يحيى بن عبد الله، ولّاه المنصور حِسْبة بغداد والأسواق سنة سبع وخمسين ومئة، والسوق في المدينة؛ وكان المنصور يتبع مَنْ خرج مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن، وقد كان لهذا المحتسب معهم سبب، فجمع على المنصور جماعة استغواهم من السفلة، فشغَبوا واجتمعوا، فأرسل المنصور إليهم أبا العباس الطوسيّ فسكّنهم، وأخذ أبا زكرياء فحبسه عنده، فأمره أبو جعفر بقتله، فقتله بيده حاجبٌ كان لأبي العباس الطوسيّ، يقال له موسى، على باب الذهب في الرّحبة بأمر المنصور، وأمر أبو جعفر بهدم ما شَخَص من الدُّور في طريق المدينة، ووضع الطريق على مقدار أربعين ذراعًا، وهدم ما زاد على ذلك المقدار، وأمر بنقل الأسواق إلى الكرْخ.\nوذكر عن أبي جعفر أنه لما أمر بإخراج التجار من المدينة إلى الكَرْخ كلمه أبان بن صَدَقة في بقّال، فأجابه إليه على ألّا يبيع إلا الخلّ والبقْل وحده، ثم أمر أن يجعل في كلّ رُبع بقَّال واحد على ذلك المثال.\nوذكِر عن عليّ بن محمد أن الفضل بن الربيع، حدّثه أن المنصور لما فرغ من بناء قصره بالمدينة، دخله فطاف فيه، واستحسنه واستنظفه، وأعجبه ما رأى فيه؛ غير أنه استكثر ما أنفق عليه، قال: ونظر إلى موضع فيه استحسنه جدًّا، فقال لي: اخرج إلى الرَّبيع فقل له: اخرج إلى المسيّب، فقل له: يحضرني الساعة بنَّاء فارهًا، قال: فخرجتُ إلى المسيّب فأخبرته، فبعث إلى رئيس البنائين فدَعاه، فأدخله على أبي جعفر؛ فلمّا وقف بين يديه قال له: كيف عملت","vol":"9","page":962},{"text":"لأصحابنا في هذا القصر؟ وكم أخذت من الأجرة لكل ألف آجُرَّة ولبِنة؟ فبقي البنّاء لا يقدر على أن يُردّ عليه شيئًا، فخافه المسيّب، فقال له المنصور: مالك لا تكلّمُ! فقال: لا علم لي يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! قل وأنت آمن مِنْ كلّ ما تخافه، قال: يا أميرَ المؤمنين، لا والله ما أقف عليه ولا أعلمه، قال: فأخذ بيده، وقال له: تعال، لا علَّمك الله خيرًا! وأدخله الحجرة التي استحسنها، فأراد مجلسًا كان فيها، فقال له: انظر إلى هذا المجلس وابْنِ لي بإزائه طاقًا يكون شبيهًا بالبيت، لا تدخل فيه خشبًا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأقبل البنَّاءُ وكل مَنْ معه يتعجَّبون من فهمه بالبناء والهندسة، فقال له البنّاء: ما أحْسِنُ أن أجيء به على هذا، ولا أقوم به على الذي تريد! فقال له: فأنا أعينك عليه، قال: فأمر بالآجر والجِصّ فجيء به، ثم أقبل يحصي جميع ما دخل في بناء الطاق من الآجُرّ والجصّ؛ ولم يزل كذلك حتى فرغ منه في يومه وبعض اليوم الثاني، فدعا بالمسيّب، فقال له: ادفع إليه أجْره على حسب ما عمل معك، قال: فحاسبه المسيّب، فأصابه خمسة دراهم؛ فاستكثر ذلك المنصور، وقال: لا أرضى بذلك؛ فلم يزل به حتى نقصه دِرْهمًا، ثم أخذ المقادير، ونظر مقدار الطاق من الحجرة حتى عرفه، ثم أخذ الوكلاء والمسيّب بُحملان النفقات، وأخذ معه الأمناء من البنائين والمهندسين حتى عرّفوه قيمة ذلك؛ فلم يزل يحسبه شيئًا شيئًا، وحملهم على ما رفع في أجرة بناء الطاق؛ فخرج على المسيّب مما في يده ستة آلاف درهم ونيّف، فأخذه بها واعتقله، فما برح من القصر حتى أدّاها إليه.\nوذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: وجدتُ في خزائن أبي المنصور في الكتب، أنه أنفق على مدينة السلام وجامعها وقصر الذهب بها والأسواق والفُصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة آلاف وثمانمئة وثلاثة وثلاثين درهمًا، ومبلغها من الفلوس مئة ألف ألف فَلْس وثلاثة وعشرون ألف فَلْس؛ وذلك أن الأستاذ من البنّائين كان يعمل يومه بقيراط فِضّة والروزكاري بحبّتين إلى ثلاث حبّات. [٧/ ٦٥٠ - ٦٥٥].\n* * *\nذكر الخبر عن سبب عزله إياه:\nذكر عبد الملك بن شيبان أنّ يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشميّ،","vol":"9","page":963},{"text":"قال: كتب أبو جعفر إلى سلْم بن قتيبة لما ولاه البصرة: أما بعد، فاهدم دور مَنْ خرج مع إبراهيم، واعقِر نخلَهم، فكتب إليه سلم: بأيّ ذلك أبدأ؟ أبالدّور أم بالنخل؟ فكتب إليه أبو جعفر: أما بعد، فقد كتبتُ إليك آمرك بإفساد تَمْرهم، فكتبتَ تستأذنني في أيّةٍ تبدأ به بالبَرْنيّ أما بالشهريز (١)! وعزله وولّى محمد بن سليمان، فقدم فعاث.\nوذكر عن يونس بن نجدة، قال: قدم علينا سَلْم بن قتيبة أميرًا بعد الهزيمة وعلى شُرطه أبو برقة يزيد بن سلْم، فأقام بها سلْم أشهرًا خمسة، ثم عزِل، وولِّيَ علينا محمد بن سليمان.\nقال عبد الملك بن شيبان: هدم محمد بن سليمان لما قدم دار يعقوب بن الفضل، ودار أبي مَرْوان في بني يشكُر، ودار عوْن بن مالك، ودار عبد الواحد بن زياد، ودار الخليل بن الحصين في بني عديّ، ودار عفو الله بن سفيان؛ وعَقَر نخلهم. [٧/ ٦٥٥ - ٦٥٦].\n* * *\n_________\n(١) البرني: ضرب من التمر أصفر، مدور؛ وهو أجود التمر، واحدة برنية، اللسان (١٣/ ٥٠) والشهريز: ضرب من التمر أيضًا، فارسي معرب، ذكره صاحب المعرب، ولم يذكر وصفه. اللسان (٥/ ٣٦٢).","vol":"9","page":964},{"text":"الضَّعِيفُ وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ\nتَارِيخ الطَّبَرِيّ\nالخِلَافَة في عَهْدِ الأُمَويّينَ\n٦٥ هـ - ٧٧ هـ\nلِلإِمَامِ أبِي جَعْفَر بْنِ جَرِير الطَّبَرِيّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقّقه وَخرَّج روَايَاتهِ وعَلَّق عَلَيه\nمحمّد بن طاهر البرزنجيّ\nبإشرافِ ومُراجعَة المحقّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجلّد العَاشر\nدَار ابْن كَثير","vol":"10","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"10","page":2},{"text":"الضَّعِيفُ وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ\nتَارِيخ الطَّبَرِيّ\nالخِلَافَة في عَهْدِ الأُمَويّينَ","vol":"10","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1641>ذكر الخبر عن مقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة</span>\nقال أبو جعفر: وفي النصف من شهر رمضان من هذه السنة كان مَقدَم المختار بن أبي عُبَيد الكوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها:</span>\nقال هشام بن محمد الكلبيّ: قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح: كانت الشيعة تَشتُم المختار وتُعتِبه لِما كان منه في أمر الحسن بن عليّ يوم طُعن في مُظلِم ساباط، فحُمل إلى أبيَض المدائن، حتى إذا كان زمنَ الحسين، وبعث الحسينُ مسلمَ بن عقيل إلى الكوفة، نزل دارَ المختار، وهي اليوم دارُ سَلْم بن المسيّب، فبايعه المختار بن أبي عُبيد فيمن بايعه من أهل الكوفة، وناصَحه ودعا إليه من أطاعه، حتى خرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له بخُطَرْنِيَة تُدعَى لقفا، فجاءَه خبرُ ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر بالكوفة، فلم يكن خروجُه يومَ خرج على ميعاد من أصحابه، إنما خرج حين قيل له: إنّ هانئ بن عروة المراديّ قد ضُرِبَ وحُبِس، فأقبل المختار في موالٍ له حتى انتهى إلى باب الفيل بعد الغروب، وقد عَقَد عبيد الله بن زياد لعمرو بن حُريث راية على جميع الناس، وأمره أن يقعد لهم في المسجد، فلما كان المختار واقفًا على باب الفيل مرّ به هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ، فقال للمختار: ما وقوفُك ها هنا! لا أنت مع الناس، ولا أنت في رَحْلك؛ قال: أصبح رأيي مرتجًّا لعُظْم خطيئتكم؛ فقال له: أظنك والله قاتلًا نفسَك، ثمّ دخل على عمرو بن حُريث فأخبرَه بما قال للمختار وما ردّ عليه المختار (١). (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠).\nقال أبو مخنف: فأخبَرَني النضر بن صالح، عن عبد الرحمن بن أبي عمير الثّقفيّ؛ قال: كنت جالسًا عند عمرو بن حريث حين بلّغه هانئ بن أبي حيّة عن المختار هذه المقالة، فقال لي: قم إلى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدري أين هو! فلا يجعلنَّ على نفسه سبيلًا، فقمت لآتيه، وثب إليه زائدة بن قدامة بن مسعود، قال له: يأتيك على أنه آمِن؟ فقال له عمرو بن حُرَيث: أمّا منِّي فهو\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":5},{"text":"آمن، وإن رُقّى إلى الأمير عبيد الله بن زياد شيء من أمره أقمتُ له بمحضره الشهادة، وشَفَعت له أحسنَ الشفاعة، فقال له زائدة بن قدامة: لا يكوننّ مع هذا إن شاء الله إلا خيرٌ.\nقال عبد الرحمن: فخرجتُ، وخرج معي زائدة إلى المختار، فأخبرناه بمقالة ابن أبي حيّة، وبمقالة عمرو بن حُرَيث، وناشدناه بالله ألا يجعل على نفسه سبيلا، فنزل إلى ابن حريث، فسلّم عليه، وجلس تحت رايته حتى أصبح، وتذاكرَ الناس أمرَ المختار وفعلَه، فمشى عُمارة بن عقبة بن أبي مُعيط بذلك إلى عبيد الله بن زياد، فذكر له، فلما ارتفع النهار فُتِح بابُ عبيد الله بن زياد وأذِن للناس، فدخل المختار فيمن دخل، فدعاه عبيد الله، فقال له: أنت المقبلُ في الجموع لتنصُر ابن عَقِيل! فقال له: لم أفعل، ولكني أقبلت ونزلت تحتَ راية عمرو بن حُرَيث، وبتّ معه وأصبحت، فقال له عمرو: صدق أصلَحَك الله! قال: فرفع القضيبَ، فاعترض به وجهَ المختار فخبط به عينَه فشَتَرها، وقال: أوْلَى لك! أمَا والله لولا شهادةُ عمرو لك لضربتُ عنقك؛ انطلقوا به إلى السجن فانطلقوا به إلى السجن فحُبس فيه فلم يزل في السجن حتى قُتل الحسين، ثمّ إنّ المختار بعث إلى زائدة بن قدامة، فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمرَ بالمدينة فيسألَه أن يكتبَ له إلى يزيد بن معاوية، فيكتب إلى عبيد الله بن زياد بتخلية سبيله، فركب زائدةُ إلى عبد الله بن عمر فقَدِم عليه، فبلَّغه رسالةَ المختار، وعلمتْ صفيَّة أختُ المختار بمَحبِس أخيها وهي تحت عبد الله بن عمر، فبكت وجزعت، فلما رأى ذلك عبد الله بن عمَر كتب مع زائدة إلى يزيدَ بن معاوية: أمَّا بعد، فإنّ عبيد الله بن زياد حبس المختار، وهو صهري، وأنا أحبّ أن يعافَى ويُصلَح من حاله، فإن رأيتَ - رحمنا الله وإيَّاك - أن تكتب إلى ابن زياد فتأمرَه بتخليته فعلتَ. والسلام عليك.\nفمضى زائدة على رواحله بالكتاب حتى قدم به على يزيدَ بالشام، فلما قرأه ضحك ثم قال: يشفّع أبو عبد الرحمن، وأهلُ ذلك هو! فكتب له إلى ابن زياد: أما بعد، فخلّ سبيلَ المختار بن أبي عُبيد حين تنظرُ في كتابي، والسلام عليك.\nفأقبَل به زائدة حتى دفعه، فدعا ابن زياد بالمختار، فأخرجه، ثم قال له قد أجَّلتُك ثلاثًا، فإن أدركتُك بالكوفة بعدَها قد برئتْ منك الذّمَّةُ.","vol":"10","page":6},{"text":"فخرج إلى رحله، وقال ابن زياد: والله لقد اجترأ عليّ زائدة حين يرحل إلى أمير المؤمنين حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن أطيل حبسَه، عليّ به، فمرّ به عمرو بن نافع أبو عثمان - كاتبٌ لابن زياد - وهو يُطلَب، وقال له: النَّجاءَ بنفسك، واذكرها يدًا لي عِندَك.\nقال: فخرج زائدة، فتوارى يومَه ذلك، ثمّ إنه خرج في أناس من قومه حتى أتى القعقاعَ بن شَوْر الذّهليّ، ومسلم بن عمرو الباهليّ، فأخذا له من ابن زياد الأمان (١). (٥/ ٥٧٠ - ٥٧١).\nقال هشام: قال أبو مخنف: ولما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى الحجاز، قال: فحدّثني الصقعب بن زهير، عن ابن العِرْق، مولىً لثقيف.\nقال: أقبلتُ من الحجاز حتى إذا كنت بالبَسِيطةِ مِنْ وراء واقِصَة استقبلتُ المختارَ بن أبي عُبيد خارجًا يريد الحجاز حين خَلَّى سبيلَه ابنُ زياد، فلما استقبلتُه رحَّبت به، وعطفتُ إليه، فلما رأيت شتَرَ عينه استرجعتُ له، وقلتُ له بعدما توجّعت له: ما بالُ عينِك، صرف الله عنك السوءَ!\nفقال: خَبَط عيني ابن الزانية بالقَضيب خبطةً صارت إلى ما ترى، فقلتُ له: ما لَه شلّت أنامِلُهُ! فقال المختار: قتلني الله إن لم أقطع أنامِلَه وأباجلَه وأعضاءَه إرْبًا إرْبًا؛ قال: فعجبتُ لمقالته، فقلت له: ما علمُك بذلك رحمك الله؛ فقال لي: ما أقول لك فاحفظْه عنّي حتى ترى مصداقَه.\nقال؛ ثمّ طَفِق يسألني عن عبد الله بن الزبير، فقلت له: لجأ إلى البيت، فقال: إنما أنا عائذٌ بربّ هذه البنيّة، والناس يتحدّثون أنه يبايع سرًّا، ولا أراه إلا لو قد اشتدّت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيُظهر الخلافَ؛ قال: أجَل، لا شكّ في ذلك، أمَا إنه رجلُ العرب اليومَ، أما إنه إنْ يخطُطْ في أثرى، ويسمعْ قولي أكفِه أمرَ الناس، وإلا يفعلَ فوالله ما أنا بدون أحد من العرب، يا بنَ العِرْق، إنّ الفتنة قد أرعدتْ وأبرقتْ، وكأنْ قد انبعثتْ فوطئت في خطامها، فإذا رأيتَ ذلك وسمعتَ به بمكان قد ظهرتُ فيه فقل: إن المختار في عصائبه من المسلمين، يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطّفّ، سيِّد المسلمين، وابن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":7},{"text":"سيِّدها، الحسين بن عليّ، فوربِّك لأقتلنّ بقتله عِدّةَ القتلى التي قتلت على دم يَحيَى بن زكريا ﵇؛ قال: فقلت له: سبحان الله! وهذه أعجوبة مع الأحدوثة الأولى؛ فقال: هو ما أقول لك فاحفظه عنّي حتى ترى مصداقَه. ثمّ حرّك راحلته، فمضَى ومضيت معه ساعةً أدعو الله له بالسلامة، وحُسنِ الصحابة. قال: ثمّ إنّه وقف فأقسم عليّ لما انصرفتُ، فأخذتُ بيده! فودّعته، وسلمت عليه، وانصرفت عنه، فقلت في نفسي: هذا الذي يذكر لي هذا الإنسان - يعني المختار - مما يزعم أنه كائن، أشيءٌ حدّث به نفسه! فوالله ما أطلَع الله على الغيب أحدًا، وإنما هو شيءٌ يتمنَّاه فيرى أنه كائن، فهو يوجب رأيَه، فهذا والله الرأيُ الشعاع، فوالله ما كلّ ما يرى الإنسان أنه كائن يكون، قال: فوالله ما مُتّ حتى رأيتُ كلّ ما قاله، قال: فوالله لئن كان ذلك من علمٍ ألقيَ إليه لقد أثبِتَ له، ولئن كان ذلك رأيًا رآه، وشيئًا تمنّاه، لقد كان (١). (٥/ ٥٧١ - ٥٧٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الصقعب بن زهير، عن ابن العِرْق، قال: فحدّثت بهذا الحديث الحجَّاج بن يوسف، فضحك ثم قال لي: إنه كان يقول أيضًا:\nورافِعةٍ ذيلَهَا ... وداعِيَة وَيْلَها\nبِدِجْلَةَ أَوْ حَوْلَها\nفقلت له: أترى هذا شيئًا كان يخترعه، وتخرُّصًا يتخرّصُه، أم هو من علم كان أوتيَه؟ فقال: والله ما أدري ما هذا الذي تسألني عنه، ولكن لله دَرُّهُ! أيّ رجل دينًا، ومِسْعَرَ حرب، ومقارعَ أعداء كان! (٢) (٥/ ٥٧٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو سيف الأنصاريّ من بني الخزرج، عن عباس بن سهل بن سعد، قال: قدم المختار علينا مكة، فجاء إلى عبد الله بن الزبير وأنا جالسٌ عنده، فسلّم عليه، فردّ عليه ابن الزبير، ورحّب به، وأوسع له، ثم قال: حدِّثني عن حال الناس بالكوفة يا أبا إسحاق؛ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السرّ أعداء؛ فقال له ابن الزبير: هذه صفة عَبيد السوء، إذا رأوا أربابَهم خدموهم وأطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شَتَموهم ولعنوهم. قال: فجلس\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":8},{"text":"معنا ساعةً، ثم إنه مال إلى ابن الزبير كأنه يُسارّه، فقال له: ما تنتظر! ابسُطْ يدك أبايعْك، وأعطِنا ما يُرضينا، وثب على الحجاز فإنّ أهل الحجاز كلهم معك. وقام المختار فخرج، فلم يُرَ حولًا؛ ثم إنِّي بينا أنا جالسٌ مع ابن الزبير إذ قال لي ابن الزبير: متى عهدُك بالمختار بن أبي عُبيد؟ فقلت له: ما لي به عهد منذ رأيتُه عندَك عامًا أوّل؛ فقال: أين تراه ذهب! لو كان بمكة، لقد رئيَ بها بعدُ، فقلت له: إني انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيتُه عندَك بشهر أو شهرين، فلبثتُ بالمدينة أشهرًا، ثمّ إني قدمتُ عليك، فسمعت نفرًا من أهل الطائف جاؤوا معتمرين يزعمون أنه قدم عليهم الطائف، وهو يزعم أنه صاحب الغضب، ومُبِير الجبّارين، قال: قاتله الله! لقد انبعث كذّابًا متكهِّنًا، إنّ الله إنْ يُهلِك الجبَّارين يكن المختار أحدهم، فوالله ما كان إلا ريث فراغنا من منطقنا حتى عنّ لنا في جانب المسجد، فقال ابن الزبير: اذكرْ غائبًا ترَهُ، أين تظُنُّه يهوِي؟ فقلت: أظنه يريد البيت فأتى البيت فاستقبل بالحجر، ثم طاف بالبيت أسبوعًا (١)، ثمّ صلى ركعتين عند الحِجرْ، ثمّ جلس، فما لبث أن مرّ به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز، فجلسوا إليه، واستبطأ ابن الزبير قيامَه إليه، فقال: ما ترى شأنه لا يأتينا! قلت: لا أدري، وسأعلم لك علمه، فقال: ما شئتَ، وكأن ذلك أعجبه.\nقال: فقمتُ فمررتُ به كأنيّ أريد الخروجَ من المسجد، ثمّ التفتُّ إليه، فأقبلت نحوَه ثمّ سلّمت عليه، ثمّ جلست إليه، وأخذت بيده، فقلتُ له: أين كنت؟ وأين بلغت بعدي؟ أبالطائف كنت؟ فقال لي: كنتُ بالطائف وغير الطائف، وعمّس عليّ أمرَه، فملتُ إليه، فناجَيْته، فقلت له: مِثْلُك يغيب عن مِثلِ ما قد اجتمع عليه أهلُ الشرف وبيوتاتِ العرب من قريش والأنصار وثقيف! لم يبق أهلُ بيت ولا قبيلة إلا وقد جاء زعيمُهم وعميدُهم فبايع هذا الرجل، فعجبًا لك ولرأيك ألا تكون أتيتَه فبايعته، وأخذتَ بحظِّك من هذا الأمر! فقال لي: وما رأيتَني؟ أتيتُه العامَ الماضي، فأشرت عليه بالرأي، فطوى أمرَه دوني، وإني لما رأيته استغنى عنِّي أحببت أن أرِيَه أنِّي مستغن عنه، إنه والله لهو أحوجُ إليّ مني إليه؛ فقلت له: إنك كلمتَه بالذي كلمته وهو ظاهر في المسجد، وهذا الكلام\n_________\n(١) أي: سبع أشواط.","vol":"10","page":9},{"text":"لا ينبغي أن يكون إلا والستور دونه مُرخاة والأبواب دونه مُغلَّقة، اِلقَه الليلةَ إن شئتَ وأنا معك؛ فقال لي: فإنّي فاعل إذا صلَّينا العَتَمة أتيناه، واتَّعدْنا الحِجْر.\nقال: فنهضتُ من عنده، فخرجت ثم رجعتُ إلى ابن الزبير، فأخبرتُه بما كان من قولي وقوله، فسّر بذلك، فلما صلينا العتَمة، التقَيْنا بالحِجْر، ثمّ خرجنا حتى أتينا منزلَ ابن الزبير، فاستأذَنَّا عليه، فأذن لنا، فقلت: أخلِّيكما؟ فقالا جميعًا: لا سِرَّ دونك، فجلستُ، فإذا ابن الزبير قد أخذ بيَدِه، فصافَحه ورحّب به، فسأله عن حاله وأهل بيته، وسكَتَا جميعًا غيَر طويل.\nفقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدَأ في أوّل منطقه، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: إنه لا خيرَ في الإكثار من المنطق، ولا في التقصير عن الحاجة، إني قد جئتك لأبايعَك على ألّا تقضيَ الأمورَ دوني، وعلى أن أكونَ في أوّل مَنْ تأذَن له، وإذا ظهرت استعنتَ بي على أفضل عملك، فقال له ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيَّه - ﷺ -؛ فقال: وشرّ غلماني أنت مبايعه على كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، مالي في هذا الأمر من الحظّ ما ليس لأقصى الخلق منك؛ لا والله لا أبايعك أبدًا إلا على هذه الخصال.\nقال عبَّاس بن سهل: فالتقمتُ أذنَ ابن الزبير، فقلت له: اشترِ منه دينَه حتى ترى من رأيك؛ فقال له ابن الزبير: فإنّ لك ما سألتَه، فبسط يدَه فبايعه، ومَكث معه حتى شاهد الحِصارَ الأوّل حين قدم الحصين بن نمير السَّكونيّ مكة؛ فقاتل في ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاءً، وأعظمهم غَناءً، فلما قُتل المنذر بن الزبير والمسور بن مَخْرَمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، نادى المختار: يا أهل الإسلام، إليّ إليّ! أنا ابن أبي عُبيد بن مسعود، وأنا ابن الكُرّار لا الفُرّار، أنا ابن المُقدِمين غير المُحجمين إليّ يا أهلَ الحِفاظ وحُماةَ الأوتار، فحمِيَ الناس يومئذ، وأبلى وقاتل قتالًا حسَنًا.\nثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحِصار حتى كان يوم أحرِق البيت، فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضَين من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين، فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلاثمئة أحسنَ قتال قاتَله أحدٌ من الناس، إنْ كان ليقاتل حتى يتبلَّد، ثم يجلس ويحيط به أصحابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فما","vol":"10","page":10},{"text":"كان يتوجَّه نحو طائفة من أهل الشام إلّا ضاربَهم حتى يكشفَهم (١). (٥/ ٥٧٣ - ٥٧٦).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف محمد بن ثابط، عن عبّاس بن سهل بن سعد، قال: تولَّى قتالَ أهل الشام يوم تحريق الكعبة عبدُ الله بن مطيع وأنا والمختار، قال: فما كان فينا يومئذ رجلٌ أحسن بلاءً من المختار.\nقال: وقاتل قبل أن يطَّلع أهلُ الشام على موت يزيدَ بن معاوية بيوم قتالًا شديدًا، وذلك يوم الأحد لخمس عشرةَ ليلة مضتْ من ربيع الآخر سنة أربع وستين، وكان أهلُ الشام قد رَجوْا أن يَظفروا بنا، وأخذوا علينا سِكك مكَّة.\nقال: وخرج ابن الزبير، فبايَعه رجالٌ كثير على الموت؛ قال: فخرجتُ في عصابة معي أقاتل في جانب، والمختار في عصابة أخرى يقاتل في جُمِّيعةٍ من أهل اليمامة في جانب، وهم خوارج، وإنما قاتلوا ليدفعوا عن البيت، فهم في جانب، وعبد الله بن المطيع في جانب.\nقال: فشدَّ أهل الشام عليَّ، فحازوني في أصحابي حتى اجتمعتُ أنا والمختار وأصحابه في مكان واحد، فلم أكن أصنع شيئًا إلا صنع مثله، ولا يصنع شيئًا إلا تكلفتُ أن أصنع مِثلَه، فما رأيتُ أشدَّ منه قطّ؛ قال: فإنا لنقاتل إذ شدّت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشام، فاضطّروني وإياه في نحو من سبعين رجلًا من أهل الصبر إلى جانب دار من دُور أهل مكة، فقاتلهم المختارُ يومئذ، وأخذ يقول رجل لرجل:\nلا وألتْ نفسُ امرئً يفرُّ\nقال: فخرج المختار، وخرجتُ معه، فقلت: ليخرجْ منكم إليّ رجل فخرج إليّ رجلٌ وإليه رجل آخر، فمشيت إلى صاحبي فأقتُله، ومشى المختار إلى صاحبه فقتله، ثم صِحْنا بأصحابنا، وشدَدْنا عليهم، فوالله لضَربناهم حتى أخرجناهم من السِّكك كلها؛ ثمّ رجعنا إلى صاحِبيْنا اللَّذَين قتلْنا. قال: فإذا الذي قتلتُ رجلٌ أحمرُ شديدُ الحمرة كأنه روميّ، وإذا الذي قتِل المختار رجل أسودُ شديدُ السواد، فقال لي المختار: تعلّمْ والله إنّي لأظنّ قتيلينا هذَيْن عبدَين؛ ولو\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":11},{"text":"أنّ هذين قَتلَانا لفُجع بنا عشائرنا ومن يرجونا، وما هذان وكلبان من الكلاب عندي إلا سواء، ولا أخرج بعد يومي هذا لرجل أبدًا إلا لرجل أعرفه، فقلت له: وأنا والله لا أخرج إلا لرجل أعرِفه.\nوأقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيدُ بن معاوية، وانقضى الحصار.\nورجع أهلُ الشام إلى الشام، واصطَلَح أهل الكوفة على عامر بن مسعود، بعد ما هلك يزيد يصلى بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضَوْنه، فلم يلبث عامر إلا شهرًا حتى بعث بيعته وبَيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير، وأقام المختار مع ابن الزبير خمسةَ أشهر بعد مَهلِك يزيدَ وأيّامًا (١). (٥/ ٥٧٦ - ٥٧٧).\nقال أبو مخنف: فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: والله إني لمع عبد الله بن الزبير ومعه عبد الله بن صَفْوان بن أميّة بن خلف، ونحن نطوف بالبيت، إذ نظر ابن الزبير فإذا هو بالمختار، فقال لابن صفوان: انظر إليه؛ فوالله لَهو أحذَرُ من ذئب قد أطاقت به السباع؛ قال: فمضى ومضنيا معه، فلما قضينا طوافَنا وصلّينا الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار، فقال لابن صفوان: ما الذي ذكرني به ابن الزبير؟ قال: فكَتمَه، وقال: لم يَذكُرك إلا بخير؛ قال: بلى وربّ هذه البنيّة إن كنتُ لمن شأنكما، أما والله ليخطّنّ في أثَرى أو لأقدَنّها عليه سَعْرًا، فأقام معه خمسةَ أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحدٌ من الكوفة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم (٢). (٥/ ٥٧٧).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عطية بن الحارث أبو رَوْق الهمدانيّ، أنّ هانئ بن أبي حيَّة الوادعي قدم مكة يريد عُمرَة رمضان، فسأله المختار عن حاله وحال الناس بالكوفة وهيئتهم؛ فأخبره عنهم بصلاح واتّساق على طاعة ابن الزبير، إلا أن طائفة من الناس إليهم عدد أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يومٍ ما؛ فقال له المختار: أنا أبو إسحاق أنا والله لهم! أنا أجمعهم على مَرّ الحقّ، وأنفي بهم ركبان الباطل، وأقتُل بهم كلّ جبَّار عنيد؛\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":12},{"text":"فقال له هانئ بن أبي حيّة: وَيْحك يا بن أبي عبيد! إن استطعتَ ألّا تُوضع في الضلال ليكن صاحبهم غيرك، فإنّ صاحب الفتنة أقربُ شيء أجلا، وأسوأ الناس عملًا؛ فقال له المختار: إني لا أدعو إلى الفتنة إنما أدعو إلى الهدى والجماعة، ثم وثب فخرج وركب رَواحلَه، فأقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقَرْعاء لقيه سلمة بن مرثَد أخو بنت مرثد القابضيّ من هَمْدان - وكان من أشجع العرب، وكان ناسكًا - فلما التقيا تصافحا وتساءلا، فخبره المختار؛ ثم قال لسلمة بن مرثد: حدّثني عن الناس بالكوفة، قال: هم كغنمٍ ضلّ راعِيها؛ فقال المختار بن أبي عبيد: أنا الذي أحسِن رِعايتهَا، وأبلُغ نهايتَها؛ فقال له سلمة: اتق اللهَ واعلم أنك ميت ومبعوث، ومحاسب ومجزيٌّ بعَملك إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرّ، ثمّ افترقا، وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحِيرة يوم الجمعة، فنزل فاغتسل فيه، وادّهن دُهنًا يسيرًا، ولبس ثيابه واعتمّ، وتقلَّد سيفه، ثمّ ركب راحلتَه فمرّ بمسجد السَّكون وجبَّانة كِنْدة، لا يمرّ بمجلس إلا سلَّم على أهله، وقال: أبشروا بالنّصر والفلج، أتاكم ما تحبّون، وأقبل حتى مرّ بمسجد بني ذُهل وبني حُجْر، فلم يجد ثمَّ أحدًا، ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة، فأقبل حتى مرّ ببني بدّاء، فوجد عبيدة بن عمرو البَدّي من كِنْدة، فسلم عليه، ثم قال: أبشر بالنصر واليُسر والفلج، إنك أبا عمرو على رأي حَسَن، لن يَدَع الله لك معه مأثمًا إلا غفره، ولا ذنبًا إلا ستَره - قال: وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم، وأشدِّهم حبًّا لعليٍّ - ﵁ -، وكان لا يصبر عن الشراب - فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة: بشّرك الله بخير إنك قد بشّرتنا، فهل أنت مفسرٌ لنا؟ قال: فالقنِي في الرّحل الليلةَ ثمّ مضى (١). (٥/ ٥٧٧ - ٥٧٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فُضَيل بن خَديج، عن عبيدة بن عمرو قال: قال لي المختار هذه المقالة، ثم قال لي: القني في الرَّحل، وبلِّغ أهلَ مسجِدكم هذا عنِّي أنهم قومٌ أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، يقتلون المُحلِّين، ويطلبون بدماء أولاد النبيّين، ويهديهم للنور المبين، ثم مضى فقال لي: كيف الطريق إلى بني هند؟ فقلت له: أنظرني أدلّك، فدعوتُ بفَرَسي وقد أسرِج لي فركبتُه؛ قال: ومضيت معه إلى بني هند، فقال: دُلّني على منزل إسماعيل بن كثير، قال: فمضيتُ به\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":13},{"text":"إلى منزله، فاستخرجته، فحيّاه ورحّب به، وصافحه وبشَّره، وقال له: القَنِى أنتَ وأخوك الليلة وأبو عمرو فإني قد أتيتكم بكل ما تحبّون؛ قال: ثمّ مضى ومضينا معه حتى مرّ بمسجد جُهَينة الباطنة، ثم مضى إلى باب الفيل، فأناخ راحلتَه، ثم دخل المسجد واستَشرف له الناس، وقالوا: هذا المختار قد قَدِم، فقام المختار إلى جنب سارية من سواري المسجد، فصلَّى عندها حتى أقيمت الصلاة، فصلَّى مع الناس ثمّ ركد إلى سارية أخرى فصلّى ما بين الجمعة والعصر، فلما صلى العصر مع الناس انصرف (١). (٥/ ٥٧٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبيّ، أن المختار مرّ على حلقة همدان وعليه ثياب السَّفَر، فقال: أبشروا، فإني قد قدمتُ عليكم بما يسرّكم، ومضى حتى نزل داره، وهي الدار التي تُدعى دار سلم بن المسيب. وكانت الشيعة تختلف إليها وإليه فيها (٢). (٥/ ٥٧٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فُضَيل بن خَدِيج، عن عبيد بن عمرو، وإسماعيل بن كثير من بني هند، قالا: أتيناه من الليل، كما وعَدنا، فلما دخلنا عليه وجلسنا ساءَلنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة، فقلنا له: إنّ الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صُرَد الخُزاعيّ، وإنه لن يلبثَ إلا يسيرًا حتى يخرج؛ قال: فحمِد الله وأثنَى عليه وصلّى على النبيّ - ﷺ - ثم قال:\nأما بعد، فإنّ المهديّ ابن الوصيّ، محمّد بن عليّ، بعثني إليكم أمينًا ووزيرًا ومنتخبًا وأميرًا، وأمرني بقتال الملحِدين، والطلب بدماء أهلِ بيته والدفع عن الضّعفاء (٣). (٥/ ٥٧٩ - ٥٨٠).\nقال أبو مخنف: قال فضيل بن خَدِيج: فحدّثني عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير، أنهما كانا أوّل خلق الله إجابةً وضربًا على يده، وبايعاه.\nقال: وأقبل المختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمانَ بن صُرد، فيقول لهم: إني قد جئتكم من قبل وليّ الأمر، ومَعِدن الفْضل، ووصيِّ الوصيّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":14},{"text":"والإمام المهديّ، بأمر فيه الشفاء، وكشفُ الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النَّعماء: إنّ سليمان بن صُرد يرحمنا الله وإيّاه إنما هو عَشَمة من العَشم وحِفشٌ بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علمٌ بالحروب؛ إنما يريد أن يُخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم، إني إنما أعمل على مثال قد مُثِّل لي، وأمرٍ قد بُيِّن لي، فيه عزّ وليّكم، وقتل عدوّكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثمّ أبشِروا وتباشَروا؛ فإنّي لكم بكل ما تأملون خيرُ زعيم.\nقال: فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى استمالَ طائفةً من الشيعة، وكانوا يختلفون إليه ويعظِّمونه، وينظرون أمرَه، وعُظمُ الشيعة يومئذ ورؤساؤهم مع سليمان بن صرد، وهو شيخ الشيعة وأسنُّهم، فليس يَعدِلون به أحدًا؛ إلّا أنّ المختار قد استمال منهم طائفةً ليسوا بالكثير، فسليمان بن صُرَد أثقل خلق الله على المختار، وقد اجتمع لابن صُرَد يومئذ أمرُه، وهو يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرّك، ولا أن يهيّج أمرًا حتَّى ينظر إلى ما يصير إليه أمرُ سليمان، رجاءَ أن يستجمع له أمرُ الشيعة، فيكون أقوَى له على دركِ ما يطلب، فلما خرج سليمان بن صُرَد ومضى نحو الجَزيرة قال عمر بن سعد بن أبي وقَّاص وشَبَث بن رِبْعيّ ويزيد بن الحارث بن رُويْم لعبد الله بن يزيد الخطميّ وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله: إنّ المختار أشدّ عليكم من سليمان بن صُرَد، إن سليمان إنما خرج يقاتل عدوّكم، ويذللهم لكم، وقد خرج عن بلادكم؛ وإنّ المختار إنما يريد أن يثبَ عليكم في مصركم، فسيروا إليه فأوثِقوه في الحديد، وخلِّدوه في السجن حتى يستقيمَ أمرُ الناس، فخرجوا إليه في الناس، فما شعر بشيء حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه، فلما رأى جماعتهم قال: ما بالُكم! فوالله بُعدَ ما ظفِرتْ أكفّكم! قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله لعبد الله بن يزيد: شُدّه كتافًا، ومشّه حافيًا، فقال له عبد الله بن يزيد: سبحان الله! ما كنت لأمشّيه ولا لأحفيه ولا كنت لأفعلَ هذا برجل لم يُظهر لنا عداوةً ولا حربًا. وإنما أخذناه على الظنّ. فقال له إبراهيم بن محمد: ليس بعُشِّكِ فادْرُجي. ما أنت وما يبلغنا عنك يا بن أبي عبيد! فقال له: ما الذي بلغك عني إلا باطلٌ، وأعوذ بالله من غشٍّ كغِشّ أبيك وجدّك! .\nقال: قال فُضَيل: فوالله إني لأنظرُ إليه حين أخرج وأسمع هذا القول حين قال","vol":"10","page":15},{"text":"له، غير أنّي لا أدري أسمعه منه إبراهيم أم لم يسمعه؛ فسكت حين تكلم به؛ قال: وأتى المختار ببغلة دهماءَ يركبها، فقال إبراهيم لعبد الله بن يزيد: ألا تشدّ عليه القيود؟ فقال: كفى له بالسجن قيدًا (١). (٥/ ٥٨٠ - ٥٨١).\nقال أبو مخنف: وأما يحيى بن أبي عيسى فحدّثني أنه قال: دخلت إليه مع حميد بن مسلم الأزديّ نزوره ونتعاهده، فرأيته مقيّدًا؛ قال: فسمعتُه يقول: أما وربّ البحار، والنخيل والأشجار، والمَهامِه والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفَين الأخيار، لأقتلنّ كلَّ جبّار، بكلّ لَدْن خَطّار، ومهنَّدٍ بَتّار، في جُموع من الأنصار، ليسوا بِميل أغمار، ولا بُعْزل أشرار، حتى إذا أقمتُ عَمودَ الدين، ورأبْتُ شَعْب صَدْع المسلمين، وشفيتُ غليلَ صدور المؤمنين، وأدركتُ بثأر النبيِّين، ولم يكبُر عليّ زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى.\nقال: فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردّد علينا هذا القول حتى خرج منه؛ قال: وكان يتشجَّع لأصحابه بعدما خرج ابن صُرَد (٢). (٥/ ٥٨١ - ٥٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>ثم دخلت سنة خمس وستين</span>\nذكر الخبر عمّا كان فيها من الأَحداث الجليلة.\nفمن ذلك ما كان من التوَّابين وشخوصِهم للطلب بدم الحسين بن عليّ إلى عبيد الله بن زياد.\nقال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني أبو يوسف، عن عبد الله بن عوف الأحمريّ، قال: بعث سليمان بن صُرَد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهلّ الهلال هلالُ شهر ربيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه، وقد كان واعَدَ أصحابه عامّة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنُّخَيلَة فخرج حتى أتى عسكرَه، فدار في الناس ووجوه أصحابِه، فلم يعجبه عدّة الناسَ، فبعث حكيم بن مُنقِذ الكنديّ في خيل، وبعث الوليد بن غُصَيْن الكنانيّ في خيل، وقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":16},{"text":"يا لَثأراتِ الحسين! وابلُغا المسجد الأعظم فنادِيَا بذلك، فخرجا، وكانا أوّل خلق الله دَعَوا: يا لَثأراتِ الحسين! قال: فأقبل حكيم بن منقذ الكنديّ في خيل والوليد بن غُصين في خيل، حتى مرّا ببني كثير، وإنّ رجلًا من بني كثير من الأزْد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سَهْلة بنت سبرة بن عمرو من بني كثير، وكانتْ من أجمل الناس وأحبِّهم إليه، سمع الصوت: يا لَثأرات الحسين! وما هو ممن كان يأتِيهِم، ولا استجابَ لهم. فوثب إلى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فَرَسه، فقالت له امرأته: ويحك! أَجُنِنت! قال: لا والله، ولكنّي سمعتُ داعيَ الله، فأنا مُجيبه، أنا طالبٌ بدم هذا الرجل حتّى أموت، أو يقضيَ الله من أمري ما هو أحبّ إليه، فقالت له: إلى مَن تدعُ بُنَيَّك هذا؟ قال: إلى الله وحدَه لا شريك له؛ اللهمّ إني أستودِعُك أهلي وَوَلَدي، اللهمَّ احفظني فيهم، وكان ابنه ذلك يُدعى عَزْرة، فبقي حتى قتل بعدُ مع مصعب بن الزبير؛ وخرج حتى لحق بهم، فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها، ومضى مع القوم، وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة، حتى جاؤوا المسجدَ بعد العتمَة، وفيه ناسٌ كثير يصلُّون، فنادوا: يا لثأرات الحسين! وفيهم أبو عزَّة القابضيّ وكرب بن نِمْران يصلّي، فقال: يا لثأرات الحسين! أين جماعة القوم؟ قيل: بالنُّخَيلة، فخرج حتى أتى أهله، فأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنتُه الرُّواع - وكانت تحت ثُبَيت بن مرثد القابضيّ. فقالت: يا أبتِ، ما لي أراك قد تقلدت سيفَك، ولبستَ سلاحك! فقال لها: يا بنيّة، إن أباك يفرّ من ذنبه إلى ربّه، فأخذتْ تَنتحِب وتبكي، وجاءه أصهارُه وبنو عمه، فودَّعهم، ثم خرج فلحق بالقوم؛ قال: فلم يصبح سليمان بن صُرَد حتى أتاه نحوٌ ممّن كان في عسكره حين دخله؛ قال: ثمّ دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدّة من بايعه حين أصبح، فوجدهم ستة عشر ألفًا، فقال: سبحان الله! ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفًا (١). (٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤).\nقال أبو مخنف: عن عطية بن الحارث، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لسليمان بن صُرَد: إنّ المختار والله يثبّط الناسَ عنك، إنّي كنت عنده أوَّل ثلاث، فسمعتُ نفرًا من أصحابه يقولون: قد كمُلنا ألفَي رجل؛ فقال: وهَبْ أنّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":17},{"text":"ذلك كان؛ فأقام عنّا عشرة آلاف، أمَا هؤلاء بمؤمنين! أمَا يخافون الله! أمَا يذكرون الله، وما أعطَوْنا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليُجاهدُنّ وليُنصرُنّ! فأقام بالنُّخَيْلة ثلاثًا يبعث ثِقاتِه من أصحابه إلى مَنْ تخلّف عنه يذكِّرهم اللهَ وما أعطَوْه من أنفسهم، فخرج إليه نحوٌ من ألف رجل، فقام المسَيّب بن نجَبَة إلى سليمان بن صُرَد، فقال: رحمك الله، إنه لا ينفعك الكارهُ، ولا يقاتل معك إلا مَن أخرجَتْهُ النيّة، فلا ننتظرنّ أحدًا، واكمُشْ في أمرك. قال: فإنك والله لنِعمَّا رأيت! فقام سليمان بن صُرَد في الناس متوكِّئًا على قوس له عربيَّة. فقال: أيها الناس، مَنْ كان إنما أخرجتْه إرادةُ وجهِ الله وثوابِ الآخرة فذلك منّا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيًّا وميتًا، ومَنْ كان إنما يريد الدنيا وحَرْثَهَا فوالله ما نأتي فيئًا نستفيئه، ولا غنيمةً نغنَمُها، ما خلا رضوان اللهَ رَبّ العالمين، وما معنا من ذهب ولا فضّة، ولا خَزّ ولا حرير، وما هي إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفّنا، وزادٌ قدر البُلْغة إلى لقاء عدوّنا، فمن كان غيرَ هذا ينوي فلا يصحبْنا.\nفقام صُخَير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنيّ، فقال: آتاك الله رشدَك، ولقّاك حُجَّتك؛ والله الذي لا إله غيره ما لنا خيرٌ في صحبةِ مَنِ الدنيا همَّتُهُ ونيَّته. أيّها الناس، إنما أخرجتْنا التوبةُ من ذنبنا، والطلبَ بدمٍ من نبيِّنا، - ﷺ - ليس معنا دينارٌ ولا درهم، إنما نقدَمُ على حدّ السيوف وأطراف الرّماح؛ فتنادَى الناسُ من كلّ جانب: إنَّا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجْنا (١). (٥/ ٥٨٤ - ٥٨٥).\nقال أبو مخنف: عن إسماعيل بن يزيد الأزديّ، عن السّريّ بن كعب الأزديّ، قال: أتينا صاحبَنا عبد الله بن سعد بن نفيل نودّعه، قال: فقام فقمنا معه، فدخل على سليمان ودخلنا معه، وقد أجمع سليمان بالمسير، فأشار عليه عبد الله بن سعد بن نُفَيل أن يسيرَ إلى عبيد الله بن زياد، فقال هو رؤوس أصحابه: الرّأي ما أشار به عبد الله بن سعد بن نُفَيل أن نسير إلى عبيد الله بن زياد قاتِل صاحبِنا، ومِن قِبَلِه أُتِينا، فقال له عبد الله بن سعد وعنده رؤوس أصحابه جلوس حوله: إنّي قد رأيت رأيًا إن يكُن صوابًا فالله وفَّق، وإن يكن ليس بصواب فمِن قِبَلي، فإني ما آلوكم ونفسي نصحًا؛ خطأ كان أم صوابًا، إنما خرجنا نطلب\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":18},{"text":"بدم الحسين، وقَتَلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص، ورؤوس الأرباع وأشراف القبائل، فأنّى نذهب ها هنا وندع الأقتال والأوتار! فقال سليمان بن صُرَد: فماذا ترون؟ فقالوا: والله لقد جاء برأيٍ، وإنّ ما ذكر لكما ذكر، والله ما نلقى من قتَلةِ الحسين إن نحن مضينا نحو الشام غيرَ ابن زياد، وما طِلبَتُنا إلا ها هنا بالمِصْر؛ فقال سليمان بن صُرَد: لكن أنا ما أرى ذلك لكم، إنّ الذي قتل صاحبكم، وعَبّأ الجنودَ إليه، وقال: لا أمانَ له عندي دون أن يستسلم فأمضِي فيه حُكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مَرْجانة، عبيد الله بن زياد؛ فسيروا إلى عدوّكم على اسم الله؛ فإن يُظهركم الله عليه رجَوْنا أن يكون مَن بعده أهونَ شوكةً منه، ورجونا أن يدين لكم مَن وراءكم من أهل مَصْركم في عافية، فتنظرون إلى كل مَن شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا، وإن تُستشهُدوا فإنما قاتلتم المحلِّين، وما عندَ اللهِ خيرٌ لِلأَبْرارِ والصدّيقين؛ إني لأحبّ أن تجعلوا حدَّكم وشوكتَكم بأوّل المحلِّين القاسطين. والله لو قاتلتم غدًا أهلَ مصركم ما عدم رجلٌ أن يرى رجلًا قد قتل أخاه وأباه وحميمَه، أو رجلًا لم يكن يريد قتله؛ فاستخيروا الله وسيروا. فتهيَّأ الناس للشخوص. قال: وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروجُ ابن صُرَد وأصحابه، فنظروا في أمرهما، فرأيا أن يأتياهم فيَعرِضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدةً، فإن أبوْا إلا الشخوص سألوهم النّظِرَةَ حتى يعبّوا معهم جيشًا فيقاتلوا عدوّهم بكثفٍ وحدٍّ؛ فبعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة سويدَ بن عبد الرحمن إلى سليمان بن صُرَد، فقال له: إنّ عبد الله وإبراهيم يقولان: إنَّا نريد أن نجيئك الآن لأمر عسى الله أن يَجعل لنا ولك فيه صلاحًا؛ فقال: قل لهما فليأتيانا، وقال سليمان لرِفاعة بن شدّاد البَجَليّ: قمْ أنت فأحسِن تَعبئةَ الناس؛ فإنّ هذين الرجلين قد بعثا بكَيتَ وكَيتَ، فدعا رؤوس أصحابه فجلسوا حولَه فلم يمكثوا إلا ساعةً حتى جاء عبد الله بن يزيدَ في أشراف أهل الكوفة والشُّرَط وكثير من المقاتِلة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة في جماعة من أصحابه، فقال عبد الله بن يزيد لكلّ رجل معروف قد علم أنه قد شَرّك في دم الحسين: لا تصحبنِّي إليهم مخافة أن ينظروا إليه فيَعدُوا عليه؛ وكان عمر بن سعد تلك الأيام التي كان سليمان معسكِرًا فيها بالنُّخيلة لا يبيت إلا في قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يَأيتَه القوم في داره، ويذمُروا عليه في بيته وهو فاعل","vol":"10","page":19},{"text":"لا يعلم فيقتَل. وقال عبد الله بن يزيد: يا عمرو بن حريث، إن أنا أبطأتُ عنك فصلِّ بالناس الظهر.\nفلما انتهى عبد الله بن يزيدَ وإبراهيم بن محمد إلى سليمان بن صُرَد دخلا عليه، فحَمِد الله عبد الله بن يزيد وأثنَى عليه ثمّ قال: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يغشّهُ، وأنتم إخوانُنا، وأهلُ بلدنا، وأحبّ أهلِ مصْر خلَقَهُ الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستَبِدّوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عدَدنا بخروجكم من جماعتنا؛ أقيموا معنا حتى نتيسّر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجْنا إليهم بجماعتنا فقاتلْنَاهم. وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام. قال: فحمِد الله سليمانُ بن صُرَد وأثنى عليه ثم قال لهما: إنّي قد علمت أنكما قد مَحَضْتما في النصيحة، واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، وقد خرجنا لأمر، ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لأصوَبه، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله ذلك. فقال عبد الله بن يزيد: فأقيموا حتى نُعبِّئَ معكم جيشًا كثيفًا، فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحدٍّ. فقال سليمان: تنصرفون، ونرى فيما بيننا، وسيأتيكم إن شاء الله رأيٌ (١). (٥/ ٥٨٥ - ٥٨٧).\nقال أبو مخنف: عن عبد الجبّار - يعني ابن عباس الهمدانيّ - عن عَوْن ابن أبي جُحَيفة السُّوَائيّ، قال: ثمّ إنّ عبد الله بن يزيدَ وإبراهيم بن محمد بن طلحة عَرَضا على سليمان أن يقيم معهما حتى يلقوا جموعَ أهل الشأم على أن يخصّاه وأصحابه بخراج جُوخَى خاصّة لهم دون الناس، فقال لهما سليمان: إنَّا ليس للدّنيا خرجنا؛ وإنما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من إقبال عُبيد الله بن زياد نحوَ العراق. وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيدَ إلى الكوفة. وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد، ونظروا فإذا شيعتُهم من أهل البَصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن، فأقبل ناس من أصحابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فإني لا أراهم إلا سيُسرعون إليكم، لو قد انتهى إليهم خبركم وحينُ مسيركم، ولا أراهم خلّفهم ولا أقعدَهم إلا قلّةُ النفقة وسوءُ العُدّة، فأقيموا ليتيسّروا ويتجهّزوا ويلحقوا بكم وبهم قوّة، وما أسرعَ القوم في\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":20},{"text":"آثاركم. قال: ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد قام في الناس خطيبًا، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال:\nأما بعد أيّها الناس، فإنّ الله قد علم ما تنوُون، وما خرجتم تَطلُبون، وإن للدّنيا تجّارًا، وللآخرة تجّارًا، فأما تاجر الآخرة فساع إليها، متنصّب بتَطْلابها، لا يشتري بها ثمنًا، لا يُرى إلا قائمًا وقاعدًا، وراكعًا وساجدًا، لا يطلب ذهبًا ولا فضّة، ولا دنيا ولا لذّة، وأمّا تاجر الدّنيا فمُكبٌّ عليها، راتع فيها، لا يبتغي بها بدلًا؛ فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيرًا على كلّ حال، وتقرّبوا إلى الله جلّ ذكره بكل خير قدرتم عليه، حتى تلقَوا هذا العدوّ والمُحلّ القاسط فتجاهدوه. فإنّ تتوسّلوا إلى ربّكم بشيء هو أعظم عنده ثوابًا من الجهاد والصلاة؛ فإنْ الجهاد سَنامُ العمل. جعلنَا الله وإيّاكم من العباد الصالحين، والمجاهدين الصابرين على الَّلأواء! وإنا مُدْلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فادّلجوا.\nفادّلج عشيّة الجمعة لخمس مضَيْن من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين للهجرة.\nقال: فلما خرج سليمان وأصحابُه من النُّخْيلة دعا سليمان بن صُرَد حكيم بن منقذ فنادى في الناس: ألا لا يبيتَنّ رجل منكم دون ديَرْ الأعور.\nفبات الناس بدير الأعور، وتخلّف عنه ناسٌ كثير، ثمّ سار حتى نزل الأقساس؛ أقساس مالك على شاطئ الفرات، فعرض الناس، فسقط منهم نحوٌ من ألف رجل، فقال ابن صُرد: ما أحبّ أن مَن تخلّف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالا؛ إنّ الله ﷿ كره انبعاثهم فثبطهم، وخصّكم بفضلِ ذلك، فاحمدوا ربّكم، ثم خرج من منزله ذلك دُلْجةً، فصبّحوا قبرَ الحسين، فأقاموا به ليلةً ويومًا يصلون عليه، ويستغفرون له؛ قال: فلما انتهى الناسُ إلى قبر الحسين صاحوا صيحةً واحدة، وبكَوا؛ فما رُئي يومٌ كان أكثرَ باكيًا منه (١). (٥/ ٥٨٨ - ٥٨٩).\nقال أبو مخنف: وقد حدّث عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":21},{"text":"غزيّة، قال: لما انتهينا إلى قبر الحسين ﵇ بكَى الناس بأجمعهم، وسمعتُ جُلّ الناس يتمنَّون أنهم كانوا أصيبوا معه؛ فقال سليمان: اللهمّ ارحم حسينًا الشهيدَ ابنَ الشهيد، المهديّ ابنَ المهديّ، الصدّيقَ ابن الصدّيق، اللهمّ إنا نُشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبِّيهم، ثمّ انصرف ونزل، ونزل أصحابُه (١). (٥/ ٥٨٩).\nقال أبو مخنف: حدّثنا الأعمش، قال: حدّثنا سلمة بن كُهَيْل، عن أبي صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صُرَد وأصحابه إلى قبر الحسين نادَوْا صيحةً واحدةً: يا ربّ إنا قد خَذَلْنا ابْنَ بنت نبيّنا، فاغفر لنا ما مضى منّا، وتب علينا إنك أنت التّواب الرّحيم، وارْحم حسينًا وأصحابه الشهداء الصدِّيقين، وإنا نُشهدك ياربّ أنا على مثل ما قُتلوا عليه، فإن لم تَغفر لنا وترحمْنا لنكوننّ من الخاسرين: قال: فأقاموا عنده يومًا وليلة يصلّون عليه ويبكون ويتضرّعون؛ فما انفكّ الناس من يومهم ذلك يترحّمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلّوا الغداة من الغَدِ عند قبره، وزادهم ذلك حَنَقا، ثمّ ركبوا، فأمر سليمانُ الناسَ بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتيَ قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحّم عليه، ويستغفر له، قال: فوالله لرَأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحَجر الأسودَ.\nقال: ووقف سليمان عند قبره، فكلما دعا له قوم وترحّموا عليه قال لهم المسيّب بن نَجَبة وسليمان بن صُرَد: الحقوا بإخوانِكم رحمكم الله! فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمانُ بالقبر هو وأصحابه، فقال سليمان: الحمد لله الذي لو شاء أكرمَنَا بالشَّهادة مع الحسين، اللهمّ إذا حرمتَناها معه فلا تحرِمْناها فيه بعَده.\nوقال عبد الله بن وال: أما والله إني لأظنّ حسينًا وأباه وأخاه أفضل أمة محمد - ﷺ - وسيلةً عند الله يوم القيامة، أفما عجبتم لما ابتليتْ به هذه الأمة منهم! إنهم قتلوا اثنين وأشفَوْا بالثالث على القتل؛ قال: يقول المسيب بن نَجَبة: فأنا مِن قتَلتِهم ومن كان على رأيهم بريءٌ إيّاهم أعادي وأقاتل. قال: فأحسن الرؤوس\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":22},{"text":"كلُّهم المنطق، وكان المثنَّى بن مخرّبة صاحب أحد الرؤوس والأشراف، فساءني حيث لم أسمعه تكلَّم مع القوم بنحو ما تكلموا به؛ قال: فوالله ما لبث أن تكلّم بكلمات ما كنّ بدون كلام أحد من القوم، فقال: إنّ الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيِّهم - ﷺ - أفضل ممن هو دون نبيِّهم، وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء، ومنهم براء، وقد خرجْنا من الديار والأهلين والأموال إرادةَ استئصال من قتلهم؛ فوالله لو أنّ القتال فيهم بمَغرِب الشمس أو بمنقَطع التراب يحقّ علينا طلبُه حتى نناله، فإنّ ذلك هو الغُنْم، وهي الشهادة التي ثوابها الجنّة، فقلنا له: صدقتَ وأصبتَ ووُفِّقت.\nقال: ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد سار من موضع قبر الحسين وسرْنا معه، فأخذنا على الحَصّاصة، ثمّ على الأنبار، ثمّ على الصدود، ثمّ على القيَّادة.\nقال أبو مخنف: عن الحارث بن حَصِيرة وغيره: إنّ سليمان بعث على مقدّمته كُريْبَ بن يزيد الحميريّ (١). (٥/ ٥٨٩ - ٥٩١).\nقال أبو مخنف: حدّثني الحصين بن يزيد، عن السريّ بن كعب، قال: خرجْنا مع رجال الحيّ نشيِّعهم، فلما انهينا إلى قبر الحسين وانصرف سليمان بن صُرَد وأصحابه عن القبر، ولزموا الطريقَ، استقدَمَهم عبدُ الله بن عوف بن الأحمر على فرس له مهلوب كُمَيْت مربوع يتأكّل تأكَلًا، وهو يرتجز ويقول:\nخَرجْنَ يَلْمَعْنَ بنا أَرْسَالا ... عوابِسًا يَحْملنَنَا أَبْطَالَا\nنُرِيدُ أَنْ نَلقى به الأَقْتَالا ... القَاسِطِينَ الغُدُرَ الضُّلَّالَا\nوقد رَفَضْنا الأَهْلَ والأَمْوَالا ... والخَفِراتِ البِيضَ والحِجالَا\nنُرْضي به ذا النِّعَم المِفْضَالا (٢)\n(٥/ ٥٩١).\nقال أبو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطائيّ، عن المُحلّ بن خليفة الطائيّ، أنّ عبد الله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صُرَد، أحسبه قال: بعثني به، فلحقته بالقيّارة، واستقدم أصحابه حتى ظنّ أنْ قد سبقهم، قال: فوقف وأشار إلى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":23},{"text":"الناس، فوقفوا عليه، ثم أقرأهم كتابه، فإذا فيه:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، من عبد الله بن يزيدَ إلى سليمان بن صُرَد ومَنْ معه من المسلمين، سلامٌ عليكم، أما بعد فإنّ كتابي هذا إليكم كتابُ ناصح ذي إرعاء، وكم من ناصح مستغَشّ، وكم من غاش مستَنصَح مُحَبّ، إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعَدَد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه مَن يُرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكلّ معاوِلُه، وينزع وهو مذمومُ العقل والفعل. يا قومنا لا تُطمِعوا عدوّكم في أهل بلادكم، فإنكم خيارٌ كلكم، ومتى ما يُصِبْكم عدوّكم يعلموا أنكم أعلامُ مصركم، فيُطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا، ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ يا قوم، إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدوّنا وعدوَّكم واحد، ومتى تجتمع كلمتُنا نَظهرَ على عدوّنا، ومتى تختلف تهُنْ شوكتُنا عمَّن خالفنا؛ يا قومَنا لاتستغشوا نصحى، ولا تخالِفوا أمري، وأقبِلوا حين يُقرأ عليكم كتابي، أقبلَ الله بكم إلى طاعته، وأدبرَ بكم عن معصيته، والسَلام.\nقال: فلما قرئ الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس: ما ترون؟ قالوا: ماذا ترى؟ قد أبيْنا هذا عليكم وعليهم، ونحن في مصرنا وأهلنا، فالآن خرجنا ووطَّنَا أنفسَنا على الجهاد، ودنوْنا من أرض عدوّنا! ما هذا برأي، ثمّ نادوه أن أخبرْنا برأيك، قال: رأيي واللهِ أنكم لم تكونوا قطّ أقربَ من إحدى الحسنَيَيْن منكم يومَكم هذا؛ الشهادة والفتح، ولا أرى أن تنصرفوا عما جمَعكم الله عليه من الحقّ، وأردتم به من الفضل؛ إنا وهؤلاء مختلفون؛ إنّ هؤلاء لو ظهروا دعَونا إلى الجهاد مع ابن الزبير، ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالا، وإنا إن نحن ظهَرنا ردَدْنا هذا الأمرَ إلى أهله، وإن أصِبْنا فعلى نيّاتنا، تائبين من ذنوبنا، إنّ لنا شكلًا وإن لابن الزبير شكلا؛ إنا وإيّاهم كما قال أخو بني كنانة:\nأرى لكِ شَكْلًا غيرَ شَكلِي فأقْصِري ... عَنِ اللَّوْمِ إِذ بُدّلتِ واختلف الشكلُ\nقال: فانصرف الناس معه حتى نزل هيتَ، فكتب سليمان:\nبسم الله الرحمن الرحيم، للأمير عبد الله بن يزيد، من سليمان بن صُرَد ومن معه من المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويتَ، فنعم والله الوالي، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت والله من نأمنه","vol":"10","page":24},{"text":"بالغيب، ونستنصحه في المشورة، ونحمده على كلّ حال؛ إنا سمعنا الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ - إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جُرْمهم، وقد توجَّهوا إلى الله، وتوكَّلوا عليه ورَضُوا بما قضى الله، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، والسلام عليك.\nفلما أتاه هذا الكتاب قال: استمات القومُ، أوّل خبر يأتيكم عنهم قتْلُهم، وايم الله ليُقتلُنّ كرامًا مسلمين، ولا والذي هو ربّهم لا يقتلهم عدوّهم حتى تشتدّ شوكتُهم، وتكثرَ القتلى فيما بينهم (١). (٥/ ٥٩١ - ٥٩٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، وعبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن بن غزيّة، قالا: خرجْنا من هيتَ حتى انتهينا إلى قَرقِيسيَا، فلما دنونا منها وقف سليمان بِن صرد فعبَّأنا تعبيةً حسنة حتى مررنا بجانب قرقيسيا، فنزلنا قريبًا منها، وبها زُفر بن الحارث الكلابيّ قد تحصّن بها من القوم، ولم يخرج إليهم، فبعث سليمان المسيّب بن نجَبة، فقال: ائت ابنَ عمك هذا فقل له: فليخرج إلينا سَوْقًا، فإنا لسنا إياه نريد، إنما صَمْدُنا لهؤلاء المُحِلّين، فخرج المسيّب بن نَجبَة حتى انتهى إلى باب قرقيسيا، فقال: افتَحوا، ممن تحصَّنون؟ فقالوا: من أنت؟ قال: أنا المسيّب بن نَجبة، فأتى الهذيلُ بن زفر أباه فقال: هذا رجلٌ حسنُ الهيئة، يستأذن عليك، وسألناه من هو؟ فقال: المسيّب بن نجبة - قال: وأنا إذ ذاك لا علمَ لي بالناس، ولا أعلم أيّ الناس هو - فقال لي أبي: أمَا تدري أي بُنيّ من هذا؟ هذا فارسُ مُضَر الحمراء كلها، وإذا عُدّ من أشرافها عشرة كان أحدَهم، وهو بعدُ رجلٌ ناسكٌ له دين، ائذنَ له. فأذنتُ له، فأجلَسَه أبي إلى جانبه، وساءلَه وألطفه في المسألة، فقال المسيّب بن نَجَبة: ممن تتحصّن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تُعينَنَا على هؤلاء القوم الظَّلمَة المُحِلين، فاخرج لنا سوقًا، فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يومًا أو بعض يوم، فقال له زُفر بن الحارث: إنا لم نُغلق أبوابَ هذه\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":25},{"text":"المدينة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرَنَا! إنَّا واللهِ ما بنا عجزٌ عن الناس ما لم تدهَمْنا حِيلة، وما نحبّ أنا بُلينا بقتالكم؛ وقد بلَغَنا عنكم صلاح، وسِيرةٌ حسنة جميلة.\nثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقًا، وأمر للمسيّب بألف درهم وفرس، فقال له المسيّب: أما المال فلا حاجةَ لي فيه، والله ما له خرجْنا، ولا إياه طلبْنا، وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إليه إنْ ظَلَع فرسي، أو غَمَزَ تحتي، فخرج به حتى أتى أصحابَه وأخرِجتْ لهم السوقُ، فتسوقوا، وبعث زُفَر بن الحارث إلى المسيّب بن نَجَبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جَزورًا، وبعث إلى سليمان بن صُرَد مثلَ ذلك، وقد كان زُفَر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسُمّىَ له عبد الله بن سعد بن نُفَيل وعبد الله بن والٍ ورفاعة بن شدّاد، وسُمّى له أمراء الأرباع.\nفبعث إلى هؤلاء الرؤوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عِيرًا عظيمةً وشعيرًا كثيرًا، فقال غلمان زُفَر: هذه عِير فاجتَزِروا منها ما أحببتم، وهذا شعير فاحتمِلوا منه ما أردتم، وهذا دقيق فتزّودوا منه ما أطقْتم، فظلّ القومُ يومَهم ذلك مُخصِبين لم يَحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأسواق التي وضعت، وقد كُفُوا اللحم والدقيق والشعيرَ إلا أن يشتريَ الرجلُ ثوبًا أو سوطًا، ثمّ ارتحلوا من الغد، وبعث إليهم زُفَر: إني خارج إليكم فمشيِّعكم؛ فأتاهم وقد خرجوا على تعبيَةٍ حسنة، فسايرَهم، فقال زفر لسليمان: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرّقّة فيهم الحصين بن نمير السَّكُونيّ، وشُرَحْبِيل بن ذي كَلاع، وأدهم بن محرِز الباهليّ وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغَنَويّ، وجَبَلَة بن عبد الله الخثعميّ؛ وقد جاؤوكم في مثل الشوك والشجر، أتاكم عدد كثير، وحدٌّ حديد، وايم الله لقلّ ما رأيتُ رجالًا هم أحسن هيئةً ولا عُدّةً، ولا أخلق لكلّ خير من رجال أراهم معك؛ ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلتْ إليكم عدّة لا تحصى؛ فقال ابن صُرَد: على الله توكّلْنا، وعليه فليتوكّل المتوكلون، ثم قال زفر: فهل لكم في أمر أعرِضه عليكم؛ لعلّ الله أن يجعَل لنا ولكم فيه خيرًا؟ إن شئتم فتحْنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرُنا واحدًا وأيدينا واحدةً، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا، وخرجنا فعسَكرْنا إلى جانبكم، فإذا جاءنا هذا العدوّ قاتلْناهم جميعًا. فقال","vol":"10","page":26},{"text":"سليمان لزفَر: قد أرادنا أهلُ مصرنا على مثل ما أردتنا عليه وذكروا مثلَ الذي ذكرت، وكتبوا إلينا به بعدما فصَلْنا، فلم يوافقنا ذلك، فلسنا فاعلين؛ فقال زفر: فانظروا ما أشير به عليكم فاقبَلوه، وخذوا به، فإنِّي للقوم عدوّ، وأحبُّ أن يجعل الله عليهم الدائرةَ، وأنا لكم وادٌّ، أحِبّ أن يحوطكم الله بالعافية؛ إنّ القوم قد فصلوا من الرّقّة، فبادِروهم إلى عين الوَرْدَة، فاجعلوا المدينةَ في ظهوركم، ويكون الرّستاق والماء والمادّ في أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون، والله لو أن خيولي كرجالي لأمددتُكم، اطوُوا المنازلَ الساعة إلى عين الوردة؛ فإنّ القوم يسيرون سيرَ العساكر، وأنتم على خيول، والله لقلّ ما رأيتُ جماعةَ خيل قطّ أكرمَ منها؛ تأهّبوا لها من يومكم هذا فإني أرجو أن تسبقوهم إليها، وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتُطاعنونهم، فإنهم أكثر منكم فلا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم ترامونهم وتُطاعنُونهم، فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يُلبثوكم أن يَصرَعوكم، ولا تصفّوا لهم حين تلقونهم، فإني لا أرى معكم رجَّالةً، ولا أراكم كلكم إلا فرسانًا، والقومُ لا قُومكم بالرجال والفُرسان؛ فالفُرسان تحمي رجالها، والرجال تَحمي فرسانها، وأنتم ليس لكم رجال تَحمى فرسانكم، فالقوهم في الكتائب والمقانب، ثمّ بثّوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كلّ كتيبة كتيبةً إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتَين ترجَّلَت الأخرى فنفّستْ عنها الخيلُ والرجال، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى ما شاءت كتيبة انحطَّت، ولو كنتم في صفّ واحد فزحفتْ إليكم الرجال فدفعتم عن الصفّ انتقض وكانت الهزيمة؛ تم وقف فودَّعهم، وسأل الله أن يصحبهم وينصرَهم، فأثنَى الناسُ عليه، ودَعَوا له، فقال له سليمان بن صرد: نعم المَنْزول به أنت! أكرمت النزول، وأحسنتَ الضيافةَ، ونصحتَ في المَشورة، ثمّ إنّ القوم جدّوا في المسير، فجعلوا يجعلون كلّ مرحلتين مرحلة؛ قال: فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا، ثمّ إنّ سليمان بن صُرّد عبّى الكتائبَ كما أمره زُفَر، ثمّ أقبل حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيِّها، وسبق القومَ إليها، فعسكروا، وأقام بها خمسًا لا يبرح، واستراحوا واطمأنّوا، وأراحوا خيلَهم (١). (٥/ ٥٩٣ - ٥٩٦).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":27},{"text":"قال هشام: قال أبو مخنف، عن عطيَّة بن الحارث، عن عبد الله بن غَزِيّة، قال: أقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عَيْن الوَرْدة على مسيرة يوم وليلة، قال عبد الله بن غزيّة: فقام فينا سليمان فحَمِد الله فأطال، وأثنى عليه فأطنَب، ثم ذكر السماء والأرضَ، والجبالَ والبحارَ وما فيهنَّ من الآيات، وذكر آلاءَ الله ونعمَه، وذكر الدنيا فزهَّد فيها، وذكر الآخرة فرغَّب فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه، ولم أقدر على حفظه، ثم قال: أما بعد، فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار، تريدون فيما تظهرون التوبة النَّصُوح، ولقاءَ الله مُعذِرين فقد جاؤوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيِّزِهم، فإذا لقيتموهم فاصدُقوهم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يولِّينّهم امرؤٌ دُبره إلّا متحرّفًا لقتال أو متحيّزًا إلى فئة، لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرًا من أهل دعوتكم، إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتَلةِ إخواننا بالطفّ رحمة الله عليهم؛ فإنّ هذه كانت سيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة، ثم قال سليمان: إن أنا قُتلتُ فأميرُ الناس المسيَّب بن نَجَبة فإن أصيبَ المسيَّب فأميرُ الناس عبدُ الله بن سعد بن نفيل، فإن قُتل عبد الله بن سعد، فأميرُ الناس عبدُ الله بن والٍ، فإن قُتل عبد الله بن وال فأميرُ الناس رفاعة بن شدّاد، رحم الله امرأً صَدقَ ما عَاهَد الله عليه! ثمّ بعث المسيّب بن نَجَبة في أربعمئة فارس، ثم قال: سرْ حتى تلقى أوّل عسكر من عساكرهم فشُنّ فيهم الغارة، فإذا رأيت ما تحبُّه وإلا انصرفتَ إليّ في أصحابك؛ وإيّاك أن تنزل أو تَدَع أحدًا من أصحابك أن ينزِل، أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجدَ منه بدًّا (١). (٥/ ٥٩٦).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبي عن حُمَيْد بن مسلم أنه قال: أشهد أني في خيل المسيِّب بن نَجبَة تلك، إذا أقبلنا نسير آخرَ يومنا كلّه وليلتنا، حتى إذا كان في آخر السَّحر نزلْنا فعلَّقنا على دوابنا مَخالِيَها، ثمّ هومْنا تهويمةً بمقدار تكون مقدار قضْمِها ثم ركبناها، حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلْنا فصلّينا، ثمّ رَكب فركبنا، فبعث أبا الجُوَيْرية العبديّ بن الأحمر في مئة من أصحابه، وعبد الله بن عوف بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":28},{"text":"الأحمر في مئة وعشرين، وحنش بن ربيعة أبا المعتمر الكنانيّ في مثلها، وبقيَ هو في مئة؛ ثم قال: انظُروا أوّل من تلقَون فأتُوني به، فكان أوَّلَ من لقينا أعرابيّ يطرُد أحمِرةً وهو يقول:\nيا مالِ لا تَعجلْ إلى صحْبِي ... وأسرحْ فإِنّك آمِنُ السِّرْبِ\nقال: يقول عبد الله بن عوف بن الأحمر: يا حَميْد بن مُسلم، أبشر بُشرَى وربِّ الكعبة، فقال له ابن عوف بن الأحمر: ممّن أنت يا أعرابيّ؟ قال: أنا من بني تغْلبٍ؛ قال: غلبتم وربّ الكعبة إن شاء الله، فانتهى إلينا المسيّب بن نجبة، فأخبرناه بالذي سمعْنا من الأعرابيّ وأتيناه به، فقال المسيّب بن نَجَبة، أما لقد سُررتُ بقولك: أبشِر، وبقولك: يا حميد بن مسلم، وإني لأرجو أن تبشروا بما يسرّكم، وإنّما سرّكم أن تحمدوا أمرَكم، وأن تَسلَموا من عدوّكم، وإنّ هذا الفأل لهو الفأل الحسن، وقد كان رسولُ - ﷺ - يعجبُه الفأل، ثم قال المسيّب بن نجبَة للأعرابيّ: كم بيننا وبين أدنى هؤلاء القوم منّا؟ قال: أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكرُ ابن ذي الكلاع، وكان بينه وبين الحصين اختلاف، ادّعى الحصين أنه على جماعة الناس، وقال ابن ذي الكلاع: ما كنتَ لتولَّى عليّ، وقد تكاتبا إلى عبيد الله بن زياد، فهما ينتظران أمره، فهذا عسكر ابن ذي الكلاع منكم على رأس ميل؛ قال: فتركْنا الرجل، فخرجنا نحوَهم مُسرِعين، فوالله ما شعروا حتى أشرفْنا عليهم وهم غارّون، فحملْنا في جانب عسكرهم، فوالله ما قاتلوا كثيرَ قتال حتى انهزموا، فأصبنا منهم رجالًا، وجَرحنْا فيهم فأكثَرْنا الجراح، وأصبنا لهم دوابّ، وخرجوا عن عسكرهم وخلّوه لنا، فأخذنا منه ما خفّ علينا، فصاح المسيّب فينا: الرجعة، إنكم قد نُصِرتم، وغَنِمتم وسَلمِتم، فانصرِفوا، فانصرَفْنا حتى أتينا سليمان.\nقال: فأتى الخبرُ عبيد الله بن زياد، فسرّح إلينا الحُصَين بن نمير مسرعًا حتى نزل في اثني عشر ألفًا، فخرجْنا إليهم يومَ الأربعاء لثمانٍ بقين من جُمادى الأولى؛ فجعل سليمانُ بن صُرَد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته، وعلى ميسرته المسيّب بن نَجَبة، ووقف هو في القلب، وجاء حصين بن نمير وقد عبّأ لنا جُندَه، فجعل على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغَنَويّ، ثم زحفوا إلينا، فلما دَنوْا دعونا إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان","vol":"10","page":29},{"text":"وإلى الدخول في طاعته، ودَعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عُبيد الله بن زَياد فنقتلهَ ببعض من قتل من إخواننا، وأن يَخلعوا عبد الملك بن مروان، وإلى أن يُخْرَجَ مَن ببلادنا من آل ابن الزبير، ثم نردّ هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنا الذين آتانا الله من قلبهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا.\nقال حميد بن مسلم: فحملتْ ميمنتُنا على ميسرتهم وهزمتهم، . وحملتْ ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فهزَمنْاهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم. فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليلُ بيننا وبينهم، ثمّ انصرفْنا عنهم وقد حجزناهم في عسكرهم، فلما كان الغد صبَّحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف، أمدّهم بهم عبيد الله بن زياد، وبعث إليه يشتمه، ويقع فيه، ويقول: إنما عملتَ عَملَ الأغمار، تُضيع عسكرك ومسالحكَ! سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيَه وهو على الناس. فجاءَه، فغدوا علينا وغادَيناهم، فقاتلناهم قتالًا لم يَرَ الشِّيبُ والمُرْدُ مِثلَه قطّ يومنا كلَّه، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة حتى أمسَيْنا فتحاجزنا، وقد والله أكثروا فينا الجراحَ، وأفشيناها فيهم؛ قال: وكان فينا قُصّاصُ ثلاثة: رفاعة بن شدّاد البَجَليّ، وصُحَير بن حذيفة بن هلال بن مالك المرّيّ، وأبو الجُوَيْرِية العبديّ، فكان رفاعة يقصّ ويُحضّض الناس في الميمنة، لا يبرَحُها، وجُرح أبو الجويرية اليوم الثاني في أوَّل النهار، فلزم الرّحال، وكان صُحَير ليلتَه كلها يدور فينا ويقول: أبشروا عباد الله بكرامة الله ورضوانه، فحقّ والله لمَنْ ليس بينه وبين لقاء الأحبّة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدنيا وأذاها إلا فراقُ هذه النفس الأمّارة بالسوء أن يكون بفراقها سَخِيًّا، وبلقاءِ ربه مسرورًا، فمكثْنا كذلك حتى أصبحنا، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهليّ في نحو من عشرة آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا اليومَ الثالثَ يومَ الجمعة قتالًا شديدًا إلى ارتفاع الضّحى، ثمّ إنّ أهل الشام كَثرونا وتعطّفوا علينا من كلّ جانب، ورأى سليمانُ بن صُرد ما لقى أصحابُه، فنزل فنادى: عبادَ الله، من أراد البُكور إلى ربّه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإليَّ؛ ثم كسر جفنَ سيفِه، ونزل معه ناسٌ كثير، فكسروا جفونَ سيوفهم، ومشَوْا معه، وانزوت خيلُهم حتى اختلطت مع الرّجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتدّ مُصلتةً بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسانُ","vol":"10","page":30},{"text":"على الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلةً عظيمةً، وجرحوا فيهم فأكثروا الجِراح، فلما رأى الحصين بن نمير صَبْرَ القوم وبأسَهم، بعث الرجالَ ترميهم بالنّبل، واكتنفتْهم الخيل والرجال، فقُتِل سليمان بن صُرَد ﵀، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثمّ وثب ثم وقع؛ قال: فلما قتل سليمان بن صُرَد أخذ الراية المسيّب بن نَجَبة، وقال لسليمان بن صُرَد: رحمك الله يا أخي! فقد صدقت ووفَيت بما عليك، وبقي ما علينا، ثمّ أخذ الراية فشدَّ بها، فقاتل ساعةً ثمّ رجع، ثم شدَّ بها فقاتل ثمّ رجع، ففعل ذلك مرارًا يشدّ ثم يرجع، ثم قُتل ﵀ (١). (٥/ ٥٩٧ - ٥٩٩).\nقال أبو مخنف: وحدَّثنا فروة بن لقيط، عن مولىً للمسيّب بن نجَبَة الفزاريّ، قال: لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجيّ، فجرى الحديثُ حتى ذكرْنا أهلَ عين الوردة (٢). (٥/ ٥٩٩).\nقال هشام عن أبي مخنف: قال: حدّثنا هذا الشيخ، عن المسيّب بن نَجَبة، قال: والله ما رأيت أشجعَ منه إنسانًا قطّ ولا من العصابة التي كان فيهم، ولقد رأيتُه يومَ عين الوردة يقاتل قتالًا شديدًا، ما ظننتُ أنّ رجلًا واحدًا يقدر أن يُبلي مِثلَ ما أبلَى، ولا ينكأ في عدوِّه مثلَ ما نكَأ، لقد قتل رجالًا، قال: وسمعتُه يقول قبل أن يُقتَل وهو يقاتلهم:\nقد علمتْ مَيالةُ الذَّوائبِ ... واضِحة اللَّبابِ والتَّرائبِ\nأنِّى غَداةَ الرَّوعِ والتَّغَالُبِ ... أشْجَعُ مِنْ ذي لِبَدٍ مُوَاثِبِ\nقطَّاعُ أقرانٍ مَخُوفُ الجانِبِ (٣)\n(٥/ ٥٩٩ - ٦٠٠)\nقال أبو مخنف: حدّثني أبي وخالي، عن حُميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة، قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيدَ، عن عبد الله بن عوف، قال: لما قتل المسيّب بن نَجَبة أخذ الراية عبدُ الله بن سعد بن نُفيْل، ثم قال ﵀: أخَويَّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":31},{"text":"منهمْ مَن قَضى نحبه، ومنهم من يَنتظر وما بَدَّلوا تبديلًا، وأقبل بمن كان معه من الأزْد، فحَفّوا برايته، فوالله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة: عبد الله بن الخضِل الطائيّ، وكثير بن عمرو المُزَنّي، وسعر بن أبي سعر الحنفيّ، كانوا خرجوا مع سعد بن حذيفة بن اليَمانِ في سبعين ومئة من أهل المدائن، فسرّحهم يومَ خرج في آثارنا على خيول مقلّمة مقدّحة، فقال لهم: اطوُوا المنازلَ حتى تلحقوا بإخواننا فتبشِّروهم بخروجنا إليهم لتشتدّ بذلك ظهورُهم، وتخبروهم بمجيء أهلِ البصرة أيضًا، كان المثنى بن مخرّبة العبديّ أقبل في ثلاثمئة من أهل البصرة، فجاء حتى نزل مدينة بَهرُسير بعد خروج سعد بن حُذَيفة من المدائن لخمس ليال، وكان خروجُه من البصرة قبل ذلك قد بلغ سعدَ بن حذيفة قبل أن يخرج من المدائن، فلما انتَهوا إلينا قالوا: أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل البصرة؛ فقال عبد الله بن سعد بن نُفَيل: ذلك لو جاؤونا ونحن أحياء؛ قال: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارعَ إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القومُ وقالوا: وقد بلغ منكم ما نَرَى! إنّا لله وإنا إليه راجعون! قال: فنظروا والله إلى ما ساء أعينَهمِ؛ فقال لهم عبد الله بن نُفَيل: إنا لهذا خرجْنا، ثمّ اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعةً حتى قتل المزنىّ، وطعِن الحنفيّ فوقع بين القتلى، ثم ارتُثّ بعد ذلك فنجا، وطعن الطائيّ فجزِم أنفُه، فقاتل قتالًا شديدًا، وكان فارسًا شاعرًا، فأخذ يقول:\nقد علِمتْ ذاتُ القَوام الرُّودِ ... أنْ لَسْتُ بالوانِي ولا الرِّعدِيدِ\nيومًا ولا بالفَرِقِ الحَيُودِ\nقال: فحمل علينا ربيعة بن المخارق حملةً منكرة، فاقتتلنا قتالًا شديدًا.\nثمّ إنه اختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شيئًا، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض، ثمّ قاما فاضطربا، ويحمل ابن أخي ربيعة بن المخارق على عبد الله بن سعد، فطعنه في ثُغْرة نحره، فقتله، ويحمل عبد الله بن عوف بن الأحمر على ربيعة بن المخارق، فطعنه فصرَعه، في يُصِب مَقتلًا؛ فقام فكرّ عليه الثانية، فطعنه أصحابُ ربيعة فصرَعوه؛ ثمّ إنّ أصحابَه استنقذوه، وقال خالد بن سعد بن نفيل: أرُوني قاتلَ أخي، فأرَيناه ابن أخي ربيعةَ بن المخارق؛ فحمل عليه فقنَّعه بالسيف واعتنقه","vol":"10","page":32},{"text":"الآخرُ فخرّ إلى الأرض، فحمل أصحابه وحملْنا، وكانوا أكثر منّا فاستنقذوا صاحبَهم، وقتلوا صاحبَنا، وبقيت الرّاية ليس عندها أحدٌ.\nقال: فنادينا عبد الله بن والٍ بعد قتلهم فرسانَنا، فإذا هو قد استلحم في عصابة معه إلى جانبنا، فحمل عليه رفاعة بن شدّاد، فكشَفَهم عنه، ثمّ أقبل إلى رايته وقد أمسكها عبد الله بن خازم الكثيريّ، فقال لابن وال: أمسك عني رايتك؛ قال: امسكْها عنِّي رحمك الله، فإنِّي بي مثلُ حالك فقال له: أمسك عني رايتك، فإنّي أريد أن أجاهد؛ قال: فإنّ هذا الذي أنت فيه جهاد وأجر؛ قال: فصِحنْا: يا أبا عزَّة، أطع أميرَك يرحَمُك الله! قال: فأمسكها قليلًا، ثمّ إنّ ابن وال أخذها منه (١). (٥/ ٦٠٠ - ٦٠١).\nقال أبو مخنف: قال أبو الصلت التيميّ الأعور: حدّثني شيخ للحيّ كان معه يومئذ، قال: قال لنا ابن وال: مَنْ أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نَصَبٌ، والسرورَ الذي ليس بعده حَزْنٌ، فليتقرّب إلى ربّه بجهاد هؤلاء المحلِّين، والرواحِ إلى الجنة رحِمكم الله! وذلك عند العصر؛ فشدّ عليهم، وشددْنا معه، فأصبنا والله منهم رجالًا، وكشفناهم طويلًا، ثمّ إنهم بعد ذلك تعطّفوا علينا من كلّ جانب، فحازونا حتى بلغوا بنا المكان الذي كنا فيه، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلّا من وجه واحد، ووليَ قتالَنا عند المساء أدهم بن مُحرِز الباهليّ، فشدّ علينا في خيله ورجاله، فقتل عبد الله بن وال التيميّ (٢). (٥/ ٦٠١ - ٦٠٢).\nقال أبو مخنف: عن فروة بن لقيط، قال: سمعت أدهمَ بن محرز الباهليّ في إمارة الحجّاج بن يوسفَ وهو يحدّث ناسًا من أهل الشام، قال: دفعت إلى أحد أمراءِ العراق؛ رجل منهم يقولون له عبد الله بن وال وهو يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ ...﴾ الآيات الثلاث، قال: فغاظني، فقلت في نفسي: هؤلاء يَعدّوننا بمنزلة أهل الشرك، يَرَون أنّ من قتلْنا منهم كان شهيدًا.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":33},{"text":"فحملتُ عليه أضرب يده اليسرى فأطنَنْتها، وتنخّيت قريبًا، فقلت له: أما إني أراك وَدِدْتَ أنك في أهلك، فقال: بئسما رأيت! أما والله ما أحبّ أنها يدك الآن إلّا أن يكون لي فيها من الأجر مثل ما في يدي؛ قال: فقلت له: لم؟ قال: لكيما يجعل الله عليك وِزْرَها، ويُعظم لي أجرها؛ قال: فغاظني فجمعتُ خيلي ورجالي؛ ثمّ حملنا عليه وعلى أصحابه، فدفعتُ إليه فطعنتُه فقتلتُه، وإنه لمقبل إليّ ما يزول؛ فزعموا بعدُ أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يُكثرون الصوم والصلاة ويُفتُون الناس (١). (٥/ ٦٠٢).\nقال أبو مخنف: وحدّثني الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة قال: لما هلك عبد الله بن والٍ نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شدّاد البَجَليّ، فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غضين: أمسك رايتَك؛ قال: لا أريدها؛ فقلت له: إنا لله! ما لَكَ! فقال: ارجعوا بنا لعلّ الله يجمعَنا ليوم شرّ لهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر إليه، فقال: أهلكْتَنا، والله لئن انصرفت ليركبُنّ أكتافنا فلا نبلغ فرسخًا حتى نَهلِك من عند آخرِنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهلُ القرى، فتقرّبوا إليهم به فيُقتل صبرًا، أنشدك الله أن تفعل، هذه الشمس قد طفلتْ للمغيب، وهذا الليلُ قد غشيَنا، فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون، فإذا غَسَق الليل ركبنا خيولَنا أوّل الليل فرمينا بها، فكان ذلك الشأن حتى نُصبح ونسير ونحن على مَهَل، فيحمل الرجل منا جريحَه وينتظر صاحبَه، وتسير العَشَرة والعشرون معًا، ويعرف الناس الوجهَ الذي يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضًا؛ ولو كان الذي ذكرت لم تقف أم على ولدها، ولم يعرف رجل وجهَه، ولا أين يسَقُط، ولا أين يَذهَب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور، فقال له رفاعة بن شدّاد: فإنك نعمَ ما رأيت؟ قال: ثمّ أقبل رفاعة على الكنانيّ فقال له: أتمسكها أم آخذُها منك؟ فقال له الكنانيّ: إني لا أريد ما تريد، إني أريد لقاء ربِّي، واللَّحاق بإخواني، والخروجَ من الدنيا إلى الآخرة، وأنت تريد ورقَ الدنيا، وتَهوَى البقاء، وتكره فراق الدنيا، أما والله إني لأحبُّ لك أن ترشد، ثمّ دفع إليه الراية، وذهب\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":34},{"text":"ليستقدم، فقال له ابن أحمر: قاتل معنا ساعةً رحمك الله ولا تُلقِ بيدك إلى التَّهلُكة. فما زال به يناشده حتى احتبس عليه، وأخذ أهلُ الشام يتنادَوْن: إنّ الله قد أهلكهم؛ فأقدموا عليهم فافرُغوا منهم قبل الليل، فأخذوا يقدمون عليهم، فيقدمون على شوكة شديدة؛ ويقاتلون فُرسانًا شجعانًا ليس فيهم سَقَط رجل، وليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم: فقاتلوهم حتى العشاء قتالًا شديدًا، وقتِل الكنانيّ قبل المساء، وخرج عبد الله بن عزيز الكنديّ ومعه ابنه محمد غلام صغير، فقال: يا أهل الشام، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال، فقالوا: نَعَم، نحن هؤلاء.\nفقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكُوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكنديّ، فقالوا له: أنت ابن عمّنا، فإنك آمن؛ فقال لهم: والله لا أرغب عن مَصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورًا، وللأرض أوتادًا، وبمثلهم كان الله يُذكرَ؛ قال: فأخذ ابنُه يبكي في أثر أبيه، فقال: يا بنيّ، لو أن شيئًا كان آثَرَ عندي من طاعة ربِّي إذًا لكنتَ أنتَ، وناشَدَه قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأرى الشاميون له ولابنه رِقَّة شديدة حتى جزعوا وبكَوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشدّ على صفّهم عند المساء، فقاتلَ حتى قُتل (١). (٥/ ٦٠٢ - ٦٠٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني فضيل بن خَدِيج، قال: حدّثني مسلم بن زَحْر الخَوْلانيّ، أنّ كريب بن زيد الحميريّ مشى إليهم عند المساء ومعه راية بَلْقاء في جماعة، قلّما تَنقُص من مئة رجل إنْ نقصَت، وقد كانوا تحدّثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميريّ وجمع إليه رجالًا من حميَر وهَمْدان، فقال: يا عباد الله! رُوحوا إلى ربّكم، والله ما في شيء من الدنيا خَلَف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه قد بلغني أنّ طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم، فأمّا أنا فوالله لا أولّي هذا العدوّ ظهري حتى أرِدَ مَوارِد إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك، ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكَلاع: والله إني لأرى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":35},{"text":"هذه الراية حِمْيَريّة أو هَمْدانيّة، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: إنكم آمنون، فقال له صاحبهم: إنه قد كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمانَ الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قُتلوا، ومشى صُخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنّي في ثلاثين من مُزَينة، فقال لهم: لا تهابوا الموت في الله، فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدّنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تَبقَى لكم، ولا تَزهَدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإنّ ما عند الله خير لكم؛ ثمّ مضَوا فقاتَلوا حتى قُتلوا، فلما أمسى الناسُ ورجع أهل الشام إلى معسكرهم، نظر رفاعة إلى كلّ رجل قد عُقر به، وإلى كل جريح لا يُعينُ على نفسه؛ فدفعه إلى قومه، ثمّ سار بالناس ليلتَه كلَّها حتى أصبح بالتُّنَيْنير فعَبَر الخابُور، وقطع المعابر، ثمّ مضى لا يمرّ بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذَهبَوا، فلم يبعث في آثارهم أحدًا، وسار بالناس فأسرَعَ، وخلَّف رفاعة وراءهم أبا الجُوَيْرية العبديّ في سبعين فارسًا يَستُرون الناس؛ فإذا مرّوا برجل قد سقط حمله، أو بمتاع قد سقط قَبَضَه حتى يعرفه، فإن طُلب أو ابتُغىَ بعث إليه فأعلمه، فلم يزالوا كذلك حتى مرّوا بقَرْقيسيا من جانب البرّ، فبعث إليهم زُفَر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الأولى، وأرسل إليهم الأطباء وقال: أقيموا عندنا ما أحببتم، فإنّ لكم الكرامة والمواساة؛ فأقاموا ثلاثًا، ثمّ زوّد كلَّ امرئ منهم ما أحبّ من الطعام والعَلَف؛ قال: وجاء سعد بن حُذَيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هِيتَ، فاستقبله الأعراب فأخبَروه بما لقى الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخرّبة العبديّ بصندوْداء، فأخبره، فأقاموا حتى جاءهم الخبر: إنّ رفاعة قد أظلّكم فخرجوا حين دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض، وبكى بعضُهم إلى بعض، وتناعوْا إخوانَهم فأقاموا بها يومًا وليلة؛ فانصرف أهل المدائن إلى المدائن، وأهل البصرة إلى البصرة، وأقبل أهلُ الكوفة إلى الكوفة، فإذا المختار محبوس (١). (٥/ ٦٠٤ - ٦٠٥).\nقال هشام: قال أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أدهم بن مُحرز الباهليّ، أنه أتي عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح، قال: فصعد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإنّ الله قد أهلك من رؤوس\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":36},{"text":"أهل العراق مُلقح فتنة، ورأسَ ضلالة سليمان بن صُرَد، ألا وإنّ السيوف تركتْ رأس المسيّب بن نجبَة خَذَاريف، ألا وقد قتل اللهُ من رؤوسهم رأسَين عظيمين ضالَّين مضلَّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يَبقَ بعد هؤلاء أحدٌ عندَه دفاع ولا امتناع (١). (٥/ ٦٠٥).\nقال هشام، عن أبي مخنف: وحُدِّثت أن المختار مكث نحوًا من خمس عشرة ليلةً، ثمّ قال لأصحابه: عدّوا لغازيكم هذا أكثرَ من عشر، ودون الشهر، ثمّ يجيئكم نبأ هِتْر، من طعن نَتر، وضرب هبر، وقتل جمّ، وأمر رَجم.\nفمَنْ لها؟ أنا لها، لا تُكْذَبُنَّ، أَنا لَها (٢). (٥/ ٦٠٥ - ٦٠٦).\nقال أبو مخنف: حدّثنا الحصين بن يزيد عن أبان بن الوليد، قال: كتب المختار وهو في السجن إلى رفاعةَ بن شدّاد حين قَدِم من عين الوردة: أما بعد، فمرحبًا بالعَصَب الذي أعظَم الله لهم الأجر حينَ انصرفوا، ورضيَ انصرافَهم حين قَفَلُوا، أمّا وربّ البنيّة التي بَنَى ما خطا خاطٍ منكم خُطوةً، ولا رَتا رتْوة، إلا كان ثوابُ الله له أعظم من مُلْك الدنيا، إنّ سليمان قد قضى ما عليه، وتوفّاه الله فجعل روحَه مع أرواح الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تُنْصَرون إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبّارين، والمنتقم من أعداء الدّين، والمقيد من الأوتار، فأعدّوا وأستعدّوا وأبشِروا واستبشروا؛ أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيِّه - ﷺ -، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضُّعفَاء، وجهاد المُحلِّين؛ والسلام (٣). (٥/ ٦٠٦).\nقال أبو مخنف: وحدّثني أبو زهير العبسيّ، أنّ الناس تحدّثوا بهذا مِنْ أمْر المختار، فبلغ ذلك عبدَ الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، فخرجا في الناس حتى أتيَا المختار، فأخذاه (٤). (٥/ ٦٠٦).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٤) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":37},{"text":"قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: لما تهيَّأنا للانصراف قام عبد الله بنِ غزيّة ووقف على القتلى فقال: يرحمكم الله، فقد صدقْتم وصَبرْتم، وكذبنا وَفرَرْنا؛ قال: فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزيّة في نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدوّ والاستقتال، فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الأحمر وجماعة الناس فقالوا لهم: نَنْشدكم الله ألّا تزيدونا فُلولًا ونقصانًا، فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوي النيّات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردّوهم غيرَ رجل من مزينة يقال له عُبيدة بن سُفيان، رحل مع الناس، حتى إذا غُفِل عنه انصرف حتى لقي أهل الشام، فشدّ بسيفه يضاربهم حتى قُتل (١). (٥/ ٦٠٦ - ٦٠٧).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحصين بن يزيد الأزديّ، عن حُميد بن مسلم الأزديّ، قال: كان ذلك المزنيّ صَدِيقًا لي، فلما ذهب لينصرفَ ناشدتُه الله، فقال: أما إنك لم تكن لتسألَني شيئًا من الدّنيا إلا رأيتُ لك من الحقّ عليّ إيتاءَكَهُ، وهذا الذي تسألني أريد اللهَ به، قال: ففارقني حتى لقي القومَ فقُتل؛ قال: فوالله ما كان شيء بأحبَّ إليَّ من أن ألقَى إنسانًا يحدّثني عنه كيف صَنَع حين لقيَ القوم! قال: فلقيتُ عبدَ الملك بن جزء بن الحِدْرِجان الأزديّ بمكة، فجرى حديث بيننا، جرى ذكرُ ذلك اليوم، فقال: أعَجب ما رأيتُ يومَ عَين الوردة بعد هلاك القوم أنّ رجلًا أقبل حتى شدّ عليّ بسيفه، فخرجنا نحوه، قال: فانتهى إليه وقد عُقِرَ بِهِ وهو يقول:\nإنِّي منَ اللهِ إلى اللهِ أَفِرْ ... رِضْوانَكَ اللَّهمّ أُبْدِي وأُسِرْ\nقال: فقلنا له: ممن أنت؟ قال: من بني آدم، قال: فقلنا: ممن؟ قال: لا أحبّ أن أعرِفَكم ولا أن تعرفوني يا مُخربي البيتَ الحرام؛ قال: فنزل إليه سليمانُ بن عمرو بن محصن الأزديّ من بني النجار؛ قال: وهو يومئذ من أشدّ الناس، قال: فكلاهما أثخَنَ صاحِبَه، قال: وشدّ الناسُ عليه من كلّ جانب، فقتلوه، قال: فوالله ما رأيتُ أحدًا قطّ هو أشدّ منه؛ قال: فلمّا ذُكر لي، وكنتُ أحبّ أن أعلم علمه، دمعتْ عيناي، فقال: أبيْنك وبينه قرابة؟ فقلت له: لا،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":38},{"text":"ذلك رجل من مضَر كان لي وُدًّا وأخًا، فقال لي: أرقَأ الله دمعَك، أتبكي على رجل من مضَر قُتل على ضلالة! قال: قلتُ: لا، والله ما قُتل على ضلالة، ولكنه قتل على بيّنة من ربّه وهُدىً؛ فقال لي: أدخَلَك اللهُ مدخَله، قلتُ: آمين، وأدخَلَك الله مدخَل حصين بن نمير، ثم لا أرقأ الله لك عليه دمعًا؛ ثمّ قمت وقام.\nوكان مما قيل من الشعر في ذلك قولُ أعشى هَمْدانَ، وهي إحدى المكتَّمات، كنّ يُكتَّمن في ذلك الزمان:\nأَلمَّ خيالٌ منكِ يا أُمَّ غالبٍ ... فَحُيِّيتِ عنّا من حَبيبٍ مُجانبِ\nوما زِلت لي شَجْوًا وما زلتُ مُقصدًا ... لِهَمٍّ عَرانِي من فِراقِك ناصِبِ\nفما أنسَ لَا أَنْسَ انْفِتَالَكِ في الضُّحَى ... إلينا مع البيضِ الوِسام الخَراعِب\nتَرَاءَتْ لنا هَيْفَاءَ مَهْضُومَةَ الحَشا ... لطيفةَ طيِّ الكَشْح رَيَّا الحَقائِبِ\nمُبْتَلَّةً غَرَّاءَ، رُؤْدٌ شَبَابُها ... كشمسِ الضُّحَى تَنكلُّ بين السحائِب\nفلمّا تغَشَّاها السَّحابُ وحولَهُ ... بَدَا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ\nفتلك الهوى وَهْي الجَوَى ليَ والمُنَى ... فأحْبِبْ بها من خُلَّةٍ لم تُصاقِبِ\nولا يُبْعِدِ اللهُ الشَّبَابَ وذِكرَهُ ... وحُبَّ تَصافي المعْصِرَات الكَواعبِ\nويزدادُ ما أحببتُه من عِتَابِنَا ... لُعَابًا وسُقيًا للخَدين المُقَارِبِ\nفإِنّي وإنْ لم أنسَهُنَّ لذَاكرٌ ... رَزيئةَ مِخْباتٍ كريم المَناصبِ\nتوَسَّلَ بالتَّقْوَى إلى اللهِ صادقًا ... وتَقْوى الإِلَهِ خيرُ تَكْسَابِ كاسِبِ\nوخَلَّى عن الدنيا فلم يلتبِسْ بها ... وتابَ إلى اللهِ الرَّفيعِ المَرَاتِب\nتخلَّى عن الدنيا وقال اطَّرَحتُها ... فلَستُ إليها ما حَيِيتُ بآيِبِ\nوما أنا فيما يُكبرُ الناسُ فَقدَهُ ... ويسعى له الساعُونَ فيها بِرَاغِبِ\nفوجَّهَهُ نحوَ الثَّوِيَّةِ سائرًا ... إلى ابنِ زيادٍ في الجموع الكباكبِ\nبقوم همُ أهلُ التَّقِيَّةِ والنُّهَى ... مَصَالِيتُ أنجادٌ سُرَاةُ مَنَاجِبِ\nمَضَوا تارِكي رأْي ابنِ طلحة حَسْبُهُ ... ولم يستجيبوا للأَمير المُخاطِبِ\nفساروا وهمْ من بين مُلتَمِسِ التُّقَى ... وآخرَ مما جرّ بالأَمسِ تائِبِ\nفلاقوا بعين الوردَةِ الجَيْشَ فاصِلا ... إليهمْ فحسُّوهم ببيضٍ قواضِبِ\nيَمانِيَةٍ تذْرِي الأَكفَّ وتارةً ... بخيلٍ عِتاقٍ مُقْرَباتٍ سَلاهِب","vol":"10","page":39},{"text":"فجاءَهُم جمعٌ من الشامِ بعده ... جُمُوعٌ كموج البحر من كلّب\nفما بَرِحوا حتى أُبِيدَتْ سُراتُهُمْ ... فلم ينجُ منهم ثَمَّ غيرُ عصائِب\nوغودِرَ أهلُ الصبر صرْعى فأَصبحوا ... تعاوِرُهم ريحُ الصّبَا والجنائبِ\nفأَضحَى الخُزاعيُّ الرئيسُ مُجَدَّلًا ... كأَن لم يقاتل مَرَّةً ويُحارِبِ\nورأسُ بني شَمْخٍ وفارِسُ قومِهِ ... شنُوءَةَ والتَيميُّ هادِي الكتائِب\nوعمرو بنُ بشِرٍ والوليدُ وخالدٌ ... وزيدُ بنُ بكر والحُلَيسُ بن غالبٍ\nوضارِبُ من هَمَدانَ كلّ مُشَيعٍ ... إذا شدّ لم يَنْكلْ كريمُ المكاسبِ\nومن كل قومٍ قد أُصِيبَ زعيمُهمْ ... وذو حَسَبٍ في ذِروَةِ المجد ثاقِبِ\nأَبَوْا غيرَ ضربٍ يَفلِقُ الهامَ وقعُهُ ... وطَعْنٍ بأَطرافِ الأَسِنَّةِ صائب\nوإنَّ سعيدًا يومَ يدْمُرُ عامِرًا ... لأشجَعُ من لَيثٍ بدُرنَى مُواثبِ\nفيا خيرَ جيش للعراقِ وأَهلِهِ ... سُقيتم رَوايا كلِّ أَسَحَم ساكِبِ\nفلا يبْعَدنْ فُرساننا وحُماتنا ... إذا البِيض أبدتْ عن خِدَامِ الكواعِبِ\nفإن يُقتَلوا فالقتلُ أكرَمُ مِيتة ... وكل فتىً يومًا لإحدى الشَّواعِبِ\nوما قُتِلُوا حتى أثَاروا عِصابةً ... مُحِلِّين ثَورًا كاللُّيُوثِ الضَّوارِبِ\nوقُتل سليمانُ بنُ صرَد ومن قُتل معه بعَين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر (١). (٥/ ٦٠٧ - ٦٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>ذكر الخبر عن بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان</span>\nوفي هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيْه عبد الملك وعبد العزيز، وجعَلَهما وليَّي العهد.\n* ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لهما:\nقال هشام عن عوانة قال: لما هَزم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مصعبَ بن الزبير حين وجَّهه أخوه عبدُ الله إلى فلسطين وانصرف راجعًا إلى مروان، ومروانُ يومئذ بدِمشقَ، قد غلب على الشام كلِّها ومصر، وبلغ مروان أنّ عمرًا يقول: إنّ هذا الأمر لي من بعد مروان، ويدّعي أنه قد كان وعَده وعدًا، فدعا مروانُ حسّان بن مالك بن بحدل فأخبَرَه أنه يريد أن يبايع لعبد الملك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":40},{"text":"* ذكر الخبر عمّا كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة:\nذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف: أن فُضَيل بن خَدِيج حدّثه عن عُبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بنى هند: أنّ أصحاب سليمان بن صُرَد لمَّا قدموا كتب إليهم المختار:\nأمَّا بعد؛ فإنّ الله أعظم لكم الأجر، وحطّ عنكم الوِزْر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المُحلّين؛ إنّكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خَطْوة إلّا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف؛ فأبشروا فإنّي لو قد خرجت إليكم قد جرّدت فيما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف بإذن الله، فجعلتُهم بإذن الله رُكامًا؛ وقتلتُهم فذًّا وتؤَامًا؛ فرحَّب الله بمن قارب منكم واهتدى؛ ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى؛ والسلام يا أهل الهدى.\nفجاءهم بهذا الكتاب سَيحان بن عمرو، من بني ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته فيما بين الظّهارة والبِطانة؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شدّاد والمثُنَّى بن مُخرّبة العبديّ وسعد بن حُذيفة بن اليَمَان ويزيد بن أنس وأحمرَ بن شُمَيْط الأحمسيّ، وعبد الله بن شدّاد البَجلِيّ، وعبد الله بن كامل؛ فقرأ عليهم الكتاب؛ فبعثوا إليه ابن كامل؛ فقالوا: قل له: قد قرأنا الكتاب؛ ونحن حيث يسرّك؛ فإن شئت أن نأتيَك حتى نخرجك فعلنا. فأتاه، فدخل عليه السجن؛ فأخبره بما أرسِل إليه به؛ فسرّ باجتماع الشيعة له؛ وقال لهم: لا تريدوا هذا؛ فإني أخرج في أيَّامي هذه.\nقال: وكان المختار قد بعث غلامًا يُدْعى زِربِيًّا إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكتب إليه:\nأمّا بعد: فإني قد حبست مظلومًا، وظنّ بي الولاةُ ظنونًا كاذبة؛ فاكتب فيّ يرحمك الله إلى هذين الظَّالميْن كتابًا لطيفًا؛ عسى الله أن يخلّصني من أيديهما بلطْفك وبركتك ويُمنك؛ والسلام عليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجة</span>\nوفي هذه السنة قتل حُبيش بن دُلْجة، وأما حبيش بن دُلْجة، فإنه سار حتى انتهى - فيما ذُكِر عن هشام، عن عوانة بن الحَكَم - إلى المدينة، وعليهم جابر بن","vol":"10","page":41},{"text":"الأسود بن عوف، ابن أخي عبد الرّحمن بن عوف؛ مِن قِبَل عبد الله بن الزبير، فهرب جابر من حُبيش، ثمّ إنّ الحارث بن أبي ربيعة - وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة - وجَّه جيشًا من البصرة، وكان عبد الله بن الزبير قد ولّاه البصرة، عليهم الحُنيف بن السجْف التميميّ لحرب حبيش بن دُلْجة، فلما سمع حبيش بن دُلْجة سار إليهم من المدينة، وسرَّح عبد الله بن الزبير عبّاس بن سهل بن سعد الأنصاريّ على المدينة، وأمره أن يسيرَ في طلب حبيش بن دُلْجة حتى يوافيَ الجند من أهل البصرة الذين جاؤوا يَنصرُون بن الزبير عليهم الحنيف، وأقبل عبّاس في آثارهم مُسرعًا حتى لحقهم بالرَّبَذةَ، وقد قال أصحاب ابن دلجة له: دَعْهم، لا تعجلْ إلى قتالهم؛ فقال: لا أنزل حتى آكلَ من مُقَنَّدهم - يعني السَّوِيق الذي فيه القَنْد - فجاءه سهمُ غَرْب فقتله، وقتل معه المنذر بن قيس الجذاميّ، وأبو عتّاب مولَى أبي سُفْيان، وكان معه يومئذ يوسفُ بن الحكم، والحجاج بن يوسف، وما نَجَوا يومئذ إلا على جَمل واحد، وتحرّز منهم نحوٌ من خمسمئة في عمود المدينة، فقال لهم عباس: انزِلوا على حُكْمي، فنزلوا على حُكْمِه فضرب أعناقَهم، ورجع فلُّ حُبَيش إلى الشام. (٥: ٦١١ - ٦١٢).\nحدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد أنه قال: الذي قتل حبيش بن دُلْجة يوم الرَّبَذة يزيد بن سِيَاه الأسواريّ، رماه بنُشّابة فقتله، فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على بِرْذون أشهبَ وعليه ثيابٌ بياض، فما لبث أن اسودّت ثيابُه، ورأيتُه ممّا مسح الناسُ به ومما صبّوا عليه من الطِّيب. (٥/ ٦١٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>مقتل نافع بن الأزرق</span>\nقال أبو جعفر: وأمّا هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف، عن أبي المخارق الراسبيّ من قصّة ابن الأزرق، وبنِي الماحوزُ قصّةً هي غيرُ ما ذكره عمر عن زهير بن حرب، عن وهب بن جرير؛ والذي ذكر من خبرهم: أنّ نافع بن الأزرق اشتدّت شوكته باشتغال أهلِ البصرة بالاختلاف الذي كان بين الأزْد وربيعة وتميم بسبب مسعود بن عمرو، وكثرت جموعُه، فأقبل نحوَ البصرة حتى دنا من الجسْر، فبعث إليه عبدُ الله بن الحارث مُسْلمَ بن عبيس بن كريز بن","vol":"10","page":42},{"text":"ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة، فخرج إليه، فأخذ يَحُوزه عن البصرة، ويدفعه عن أرضها، حتى بلغ مكانًا من أرض الأهواز يقال له: دُولاب، فتهيّأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا، فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجّاج بن باب الحِميرَيّ، وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميميّ، ثم الغُدَانيّ، وجعل ابنُ الأزرق على ميمنته عَبيدة بن هلال اليَشْكريّ، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميميّ؛ ثمّ التقَوا فاضطربوا، فاقتتل الناس قتالًا لم يَر قتال قطّ أشدّ منه، فقتل مسلم بن عُبيس أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق رأس الخوارج، وأمَّر أهل البصرة عليهم الحجّاج بن باب الحميريّ، وأمَّرت الأزارقةُ عليهم عبدَ الله بن الماحوز، ثمّ عادوا فاقتتلوا أشدّ قتال، فقتل الحجّاج بن باب الحميريّ أمير أهل البصرة، وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الأزارقة، ثمّ إنّ أهل البصرة أمَّروا عليهم ربيعة الأجذم التميميّ، وأمَّرت الخوارجُ عليهم عُبيدَ الله بن الماحوز، ثمّ عادوا فاقتتلوا حتى أمسَوا، وقد كَرِه بعضُهم بعضًا، وملُّوا القتال، فإنهم لمُتواقفون متحاجزون حتى جاءت الخوراج سريّة لهم جامّة لم تكن شهدت القتال، فحملتْ على الناس من قبَل عبد القيس، فانهزم الناس، وقاتل أمير البصرة ربيعةُ الأجذم، فقتل، وأخذ راية أهل البصرة حارثةُ بن بدر، فقاتل ساعةً وقد ذهب الناس عنه، فقاتل من وراء الناس في حماتهم، وأهل الصبر منهم، ثمّ أقبل بالناس حتى نزل بهم منزلًا بالأهواز ففي ذلك يقول الشاعر من الخوارج:\nيا كَبِدَا من غير جُوعٍ ولا ظَمَإٍ ... ويا كَبِدي من حُبِّ أُمِّ حَكيمِ\nولو شَهدَتني يوم دُولابَ أَبْصرتْ ... طعَانَ امرئٍ في الحرب غير لئيمِ\nغَداةَ طَفَتْ في الماءِ بكْر بنُ وائل ... وعُجْنَا صُدُورَ الخيل نحوَ تميمِ\nوكان لعبدِ القيْس أَوَّلُ حَدّنا ... وذَلَّتْ شُيُوخُ الأَزْدِ وَهْيَ تَعُومُ\nوبلغ ذلك أهل البصرة، فهالَهم وأفزَعَهم، وبعث ابنُ الزبير الحارثَ بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشيّ على تلك الحَرّة، فقَدم وعزل عبد الله بن الحارث، فأقبلتْ الخوارجُ نحوَ البصرة، وقَدِم المهلّب بن أبي صُفرة على تلك من حال الناس من قبَل عبد الله بن الزّبير، معه عهدُه على خراسان، فقال الأحنف للحارث بن أبي ربيعة وللناس عامّة: لا والله، ما لهذا الأمر إلّا المهلّبُ","vol":"10","page":43},{"text":"[بن أبي صُفرة]، فخرج أشرافُ الناس، فكلَّموه أن يتولّى قتالَ الخوارج، فقال: لا أفعل، هذا عهدُ أميرِ المؤمنين معي على خُراسان، فلم أكن لأدَعَ عهدَه وأمره، فدعاه ابن أبي ربيعة فكلّمه في ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأي ابن أبي ربيعة ورأيُ أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير:\nبسم الله الرّحمن الرحيم، من عبد الله بن الزُّبير إلى المهلب بن أبي صُفرة، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ الحارث بن عبد الله كتب إليّ أنّ الأزارقة المارِقَة أصابوا جُنْدًا للمسلمين كان عددُهم كثيرًا، وأشرافهم كثيرًا، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البَصرة، وقد كنتُ وجّهتُك إلى خُراسانَ، وكتبت لك عليها عهدًا، وقد رأيتُ حيث ذكر هذه الخوارج أن تكون أنتَ تلي قتالَهم، فقد رجوتُ أن يكون ميمونًا طائرُك، مباركًا على أهل مِصرِك، والأجر في ذلك أفضل من المسير إلى خُراسان، فسرْ إليهم راشدًا، فقاتلْ عدوّ الله وعدوّك، ودافع عن حقك وحقوقِ أهل مصرك، فإنه لن يفوتَك من سلطاننا خُراسانُ ولا غيرُ خراسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله.\nفأتيَ بذلك الكتاب، فلما قرأه قال: فإني والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبتُ عليه، وتُعطوني من بيت المال ما أقوِّي به مَن معي، وأنتخب من فُرسان الناس ووجوههم وذَوِي الشرف مَن أحببت؛ فقال جميعُ أهل البصرة: ذلك لك؛ قال: فاكتبوا لي على الأخماس بذلك كتابًا ففعلوا، إلا ما كان من مالك بن مسْمَع وطائفة من بكر بن وائل، فاضطغَنَها عليهم المهلَّب، وقال الأحنف وعبيد الله بن زياد بن ظَبيان وأشراف أهل البصرة للمهلّب: وما عليك ألّا يَكتُب لك مالك بن مسمع ولا من تابعه من أصحابه إذا أعطاكَ الذي أردتَ من ذلك جميع أهل البصرة! ويستطيع مالك خلاف جماعة الناس أوله ذلك! انكمشْ أيها الرجل، واعزمْ على أمرِك، وسرْ إلى عدوّك؛ ففعل ذلك المهلب، وأمَّر على الأخماس، فأمَّر عبيد الله بن زياد بن ظَبيانَ على خمس بكر بن وائل، وأمَّر الحَريش بن هلال السعديّ على خمس بني تميم، وجاءت الخوارج حتى انتهت إلى الجسْر الأصغر، عليهم عبيد الله بن الماحوز، فخرج إليهم في أشراف الناس وفُرسانهم ووجوههم، فحازهم عن الجسر، ودفعهم عنه، فكان أوّل شيء دفعهم عنه أهل البصرة، ولم يكن بقي لهم إلا أن يدخلوا؛ فارتفعوا إلى الجسر","vol":"10","page":44},{"text":"الأكبر، ثمّ إنه عبّأ لهم، فسار إليهم في الخيل والرّجال، فلما أن رأوا أن قد أظلّ عليهم، وانتهى إليهم، ارتفعوا فوق ذلك مَرحلة أخرى، فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مَرحلةً بعد مرحلة، ومنزلة بعد منزلة، حتى انتهَوْا إلى منزل من منازل الأهواز يقال له سَلَّى وسَلّبْرَى، فأقاموا به؛ ولما بلغ حارثة بن بدر الغُدَاني أن المهلب قد أمِّر على قتال الأزارقة، قال لمن معه من الناس:\nكَرْنِبوا دَوْلبوا ... وحيث شئتمْ فاذهبُوا\nقد أُمِّرَ المهلَّبُ\nفأقبل من كان معه نحو البصرة، فصرفهم الحارثُ بن عبد الله بن أبي ربيعة إلى المهلب؛ ولما نزل المهلب بالقوم خندَق عليه ووضع المسالحَ، وأذكى العيون، وأقامَ الأحراس، ولم يزل الجندُ على مصافِّهم، والناس على راياتهم وأخماسهم وأبواب الخنادق عليها رجال موكَّلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بَياتَ المهلَّب وجدوا أمرًا مُحْكمًا، فرجعوا، فلم يقاتلْهم إنسانٌ قطّ كان أشدّ عليهم ولا أغيظَ لقلوبهم منه (١). (٥/ ٦١٣ - ٦١٧).\nقال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر: أن رجلًا كان في تلك الخوارج حدّثه أنّ الخوارج بعثتْ عبَيدَة بن هلال والزبير بن الماحوز في خيلين عظيمين ليلًا إلى عسكر المهلب، فجاء الزبير من جانبه الأيمن، وجاء عبَيدة من جانبه الأيسر، ثمّ كبّروا وصاحوا بالناس، فوَجَدوهم على تعبيتهم ومصافِّهم حَذِرين مُغِذِّين، فلم يصيبوا للقوم غِرّةً، ولم يَظفَروا منهم بشيء، فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عبيدُ الله بن زياد بن ظَبْيانَ فقال:\nوجَدتمُونا وُقُرًا أَنْجَادَا ... لا كُشُفًا خُورًا ولا أَوْغَادَا\nهيهات! إنَّا إذا صيحَ بنا أتَيْنا، يا أهل النار، ألّا ابكروا إليها غدًا، فإنها مأواكم ومثواكم؛ قالوا: يا فاسق، وهل تُدَّخر النار إلا لك ولأشباهك!\nإنّها أعدّت للكافرينَ وأنت منهم. قال: أتسمعون! كلُّ مملوك لي حرّ إنْ دخلتم أنتم الجنة إن بقيَ فيما بين سَفَوان إلى أقصى حجر من أرض خُراسانَ مجوسيٌّ ينكح أمّه وابنته وأختَه إلا دخلها. قال له عُبيدة: اسكت يا فاسق فإنما\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":45},{"text":"أنت عبد للجبّار العنيد، ووزيرٌ للظالم الكفور. قال: يا فاسق، وأنت عدوّ المؤمن التقيّ، ووزير الشيطان الرَّجيم. فقال الناس لابن ظَبيان: وفّقك الله يا بن ظبيان؛ فقد والله أجبتَ الفاسقَ بجوابه، وصَدَقته. فلما أصبح الناس أخرجَهُم المهلَّب على تعبيتهم وأخماسهم، ومواقفهم الأزدُ، وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس، وأهل العالية في القَلْب وسط الناس.\nوخرجت الخوارجُ على ميمنتهم عبَيدة بن هلال اليشكريّ، وعلى ميسرتهم الزّبير بن الماحوز، وجاؤوا وهم أحسن عُدَّة، وأكرم خيولًا، وأكثر سلاحًا من أهل البصرة؛ وذلك لأنهم مخَروا الأرض وجرّدوها، وأكلوا ما بين كَرْمان إلى الأهواز، فجاؤوا عليهم مَغافرُ تضرب إلى صدورهم، وعليهم دُروعٌ يسحَبونها، وسوق من زرَد يشدّونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم، فالتقَى الناسُ فاقتتلوا كأشدّ القتال، فصبر بعضُهم عامّة النهار، ثمّ إنّ الخوارج شدّت على الناس بأجمعها شدّةً منكرة، فأجفل الناسُ وانصاعوا منهزِمين لا تلوى أمٌّ على ولد حتى بلغ البصرة هزيمةُ الناس، وخافوا السِّباءَ، وأسرع المهلَّب حتى سبقهم إلى مكان يَفاع في جانب عن سنن المنهزمين.\nثمّ إنه نادى الناسَ: إليّ إليّ عبادَ الله، فثاب إليه جماعةٌ من قومه، وثابت إليه سَرِيّة عُمانَ فاجتمع إليه منهم نحوٌ من ثلاثة آلاف، فلما نظر إلى مَنْ قد اجتمع رضي جماعتهم، فحَمد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإنّ الله ربّما يَكلُ الجمعَ الكثيرَ إلى أنفسهم فيُهْزَمون، ويُنزل النصرَ على الجمع اليسير فيَظهرون، ولَعَمري ما بكم الآن من قلّة، إني لجماعتكم لَراضٍ؛ وإنكم لأنتم أهل الصبر، وفُرسان أهل المِصْر، وما أحبُّ أنّ أحدًا ممَّن انهزم معكم، فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، عزمت على كلّ امرئٍ منكم لَما أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم، فإنهم الآن آمنون، وقد خرجتْ خيلُهم في طلب إخوانكم، فوالله إنّي لأرجو ألّا ترجع إليهم خيلُهم حتى تستبيحوا عسكرَهم، وتقتلوا أميرهم، ففعلوا، ثمّ أقبل بهم راجعًا، فلا واللهِ ما شعرت الخوارج إلا بالمهلَّب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم، ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه، وعليهم الدّروع والسلاح كاملًا، فأخذ الرجل من أصحاب المهلَّب يستقبل الرجلَ منهم، فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يُثخنَه، ثم","vol":"10","page":46},{"text":"يطعنه بعد ذلك برمحه، أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلْهم إلا ساعة حتى قُتل عبيد الله بن الماحوز، وضرب الله وجوهَ أصحابه؛ وأخذ المهلَّب عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلًا ذريعًا، وأقبل مَنْ كان في طلب أهل البصرة منهم راجعًا؛ وقد وضع لهم المهلَّب خيلًا ورجالًا في الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفؤوا راجعين مفلولين، مقتولين محروبين، مغلوبين؛ فارتفعوا إلى كَرْمان وجانب أصفهان، وأقام المهلّب بالأهواز، ففي ذلك اليوم يقول الصَّلتَانُ العَبْديّ:\nبِسِلَّى وسِلَّبْرَى مَصارعُ فتْيَةٍ ... كرامٍ وقَتْلَى لم تُوَسَّدْ خدودُها\nوانصرفت الخوارج حين انصرفت؛ وإنّ أصحاب النيران الخمس والست لَيجتمعون على النار الواحدة من الفلول وقلّة العدد، حتى جاءتهم مادَّةٌ لهم من قبَل البحرين، فخرجوا نحو كرْمان وأصبهان؛ فأقام المهلب بالأهواز فلم يزل ذلك مكانه حتى جاء مُصعب البصرةَ، وعزل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عنها.\nولما ظهر المهلّب على الأزارقة كتب:\nبسم الله الرحمن الرحيم، للأمير الحارث بن عبد الله، من المهلّب بن أبي صفرة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فالحمد لله الذي نَصر أميرَ المؤمنين، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كلّ قتلة، وشرّدهم كلَّ مشرَّد، أخبر الأمير أصلحَه الله أنَّا لقينا الأزارقة بأرض من أرض الأهواز يقال لها سِلّى وسِلَّبْرى؛ فزحفنا إليهم، ثم ناهضناهم، فاقتتلنا كأشد القتال مليًّا من النهار، ثم إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إلى بعض، ثم حملوا على طائفة من المسلمين فهزموهم؛ وكانت في المسلمين جوْلة قد كنت أشفقت أن تكون هي الأصرّى منهم، فلما رأيت ذلك عمَدت إلى مكان يَفاع فعلوته، ثم دعوت إليّ عشيرتي خاصّة والمسلمين عامة، فثاب إليّ أقوام شرَوْا أنفسَهم ابتغاءَ مرضاة الله من أهل الدّين والصبر والصدق والوفاء، فقصدت بهم إلى عسكر القوم؛ وفيه جماعتهم وحدّهم وأميرهم قد أطاف به أولو فضلهم فيهم، وذوو النيّات منهم، فاقتتلْنا رمْيًا بالنَّبْل وطعنًا بالرماح.\nثم خلص الفريقان إلى السيوف؛ فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطةً","vol":"10","page":47},{"text":"ومبالدةً، ثمّ إن الله ﷿ أنزل نصره على المؤمنين، وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتُهم في رجال كثير من حُماتهم وذوي نيّاتهم، فقتلهم الله في المعركة، ثمّ اتّبعت الخيل شرادَهم، فقتلوا في الطريق والآخاذ، والقريّ، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله.\nفلما أتى هذا الكتابُ الحارثَ بن عبد الله بن أبي ربيعة بعثَ به إلى الزُّبير فقرئ على الناس بمكّة.\nوكتب الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلَّب:\nأما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر فيه نصر الله إيّاك، وظَفَر المسلمين، فهنيئًا لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزّها، وثوابِ الآخرة وفضلها، والسلام عليك ورحمة الله.\nفلما قرأ المهلَّب كتابه ضحك ثم قال: أما تظنّونه يعرفني إلا بأخي الأزد! ما أهل مكة إلا أعرابٌ (١). (٥/ ٦١٧ - ٦٢٠).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو المُخَارق الراسبيّ أن أبا علقمة اليَحْمَديّ قاتَلَ يوم سِلَّى وسِلَّبرَى قتالًا لم يقاتله أحدٌ من الناس، وأنه أخذ ينادي في شَباب الأزْد وفتيان اليَحْمَد: أعيرونا جَماجِمَكم ساعةً من نهار؛ فأخذ فتيانٌ منهم يكرّون، فيقاتلون ثم يرجعون إليه، يضحكون ويقولون: يا أبا علقمة القدورُ تُستعار! فلما ظهر المهلَّب ورأى من بلائه ما رأى وفّاه مئة ألف.\nوقد قيل: إنّ أهلَ البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قَبْل المهلب أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلّب، وقال: هو أقوى على حربهم مني، وإن المهلب إذ أجابهم إلى قتالهم شَرَط على أهل البصرة أنّ ما غلب عليه من الأرض فهو له ولمن خفّ معه من قومه وغيرهم ثلاثَ سنين، وأنه ليس لمن تخلّف عنه منه شيء، فأجابوه إلى ذلك، وكتب بذلك عليهم كتابًا، وأوفدوا بذلك وفدًا إلى ابن الزبير.\nوإنّ ابن الزبير أمضى تلك الشروط كلَّها للمهلَّب وأجازها له، وإنّ المهلب\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":48},{"text":"لما أجيب إلى ما سأل وجه ابنه حبيبًا في ستمئة فارس إلى عمرو والقَنَا، وهو معسكر خلْف الجسر الأصغر في ستمئة فارس، فأمر المهلب بعقد الجسر الأصغر، فقطع حبيب الجسر إلى عمرو ومَن معه؛ فقاتلهم حتى نفاهم عما بين الجسر، وانهزموا حتى صاروا من ناحية الفُرات، وتجهّز المهلب فيمن خفّ من قومه معه، وهم اثنا عشر ألف رجل، ومن سائر الناس سبعون رجلًا، وسار المهلب حتى نزل الجسر الأكبر، وعمرو القنا بإزائه في ستمئة.\nفبعث المغيرة بن المهلب في الخيل والرّجالة، فهزمتهم الرّجالة بالنّبل، واتبعتهم الخيل، وأمر المهلب بالجسر فعُقد، فعَبر هو وأصحابه، فلحق عمرو القنا حينئذ بابن الماحوز وأصحابه، وهو بالمفْتَح، فأخبروهم الخبر، فساروا فعسكروا دون الأهواز بثمانية فراسخ، وأقام المهلَّب بقية سنته، فجبَى كُوَر دِجْلة، ورَزَقَ أصحابَه، وأتاه المدَد من أهل البصرة لما بلغهم ذلك؛ فأثبتهم في الديوان وأعطاهم حتى صاروا ثلاثين ألفًا (١). (٥/ ٦٢٠ - ٦٢١).\nقال أبو جعفر: فعلَى قول هؤلاء كانت الوقعة التي كانت فيها هزيمة الأزارقة وارتحالهم عن نواحي البصرة والأهواز إلى ناحية أصبِهَان وكرمان في سنة ست وستين، وقيل: إنهم ارتحلوا عن الأهواز وهم ثلاثة آلاف، وإنه قتل منهم في الوقعة التي كانت بينهم وبين المهلَّب بسلّى وسلّبرى سبعة آلاف. (٥/ ٦٢١ - ٦٢٢).\n* * *\nقال: أبو جعفر: وفي هذه السنة وجه مرْوان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمّدًا إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. (٥/ ٦٢٢).\n* * *\nوفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزّبير عبدَ الله بن يزيد عن الكوفة، وولّاها عبد الله بن مطيع، ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير، وولّاها أخاه مُصعب بن الزبير، وكان سبب عزله أخاه عبيدة عنها أنه - فيما ذكر الواقديّ - خَطَب الناس فقال لهم: قد رأيتم ما صُنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمئة درهم،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":49},{"text":"فسُميَ مقوِّمَ الناقة؛ وبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إنّ هذا لهو التكلُّف. (٥/ ٦٢٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>ذكر خبر بناء عبد الله بن الزبير البيت الحرام</span>\nوفي هذه السنة بَنَى عبد الله بن الزبير البيتَ الحرام، فأدخل الحِجْر فيه.\nأخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعانيّ أبو محمد، قال: حدّثني زياد بن جيل أنه كان بمكّة يومَ غلب ابن الزبير، فسمعه يقول: إنّ أمي أسماء بنت أبي بكر حدّثتْني أنّ رسولَ الله - ﷺ - قال لعائشة: لولا حداثةُ عهد قومك بالكفر رددت الكعبة على أساس إبراهيم؛ فأزيد في الكعبة من الحِجْر، فأمر به ابن الزبير فحفر، فوجدوا قِلاعًا أمثال الإبل، فحرّكوا منها صخرة، فبرقتْ بارقة فقال: أقرّوها على أساسها، فبناها ابن الزبير، وجعل لها بابين: يُدخل من أحدهما ويُخرَج من الآخرَ.\n* * *\nقال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ وهو الذي يقال له القُباع، وعلى قضائها هشام بن هُبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم. (٥/ ٦٢٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>خروج بني تميم بخراسان على عبد الله بن خازم</span>\nوفي هذه السنة خالف مَنْ كان بخُراسان من بني تميم عبدَ الله بن خازم حتى وقعتْ بينهم حروب.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nوكان السبب في ذلك - فيما ذكر -: أن مَنْ كان بخُراسان من بني تميم أعانوا عبدَ الله بن خازم على مَنْ كان بها من ربيعة، وعلى حَرْب أوْس بن ثعلبة حتى قتَل","vol":"10","page":50},{"text":"من قَتَل منهم، وظَفِر به؛ وصفا له خراسان، فلما صفا له ولم ينازعه به أحد جَفاهم، وكان قد ضمّ هَراةَ إلى ابنه محمد واستعمله عليها؛ وجعل بكير بن وِشَاح على شُرْطته، وضمّ إليه شمّاس بن دثَار العُطَارديّ؛ وكانت أم ابنه محمد امرأةً من تميم تدعى صَفيَّة، فلما جفا ابن خازم بني تميم أتوْا ابنه محمَّدًا بهرَاة؛ فكتب ابن خازم إلى بكير وشمّاس يأمرهما بمنع بني تميم من دخول هَراة؛ فاما شماس بن دثار فأبَى ذلك، وخرج من هَراة، فصار من بني تميم، وأما بُكير فمنعهم من الدخول.\nفذكر عليّ بن محمد: أن زهير بن الهُنَيْد حدّثه: أنّ بُكير بن وِشَاح لمّا منع بني تميم من دخول هَرَاة أقاموا ببلاد هَرَاة، وخرج إليهم شمّاس بن دثار فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيك ثلاثين ألفًا، وأعطي كلّ رجل من بني تميم ألفًا على أن ينصرفوا، فأبوْا، فدخلوا المدينة، وقتلوا محمد بن عبد الله بن خازم، قال عليّ: فأخبرنا الحسن بن رُشيد، عن محمد بن عزيز الكنديّ قال: خرج محمد بن عبد الله بن خازم يتصيَّد بهَراة، وقد منع بني تميم من دخولها، فرصدوه، فأخذوه فشدّوه وثاقًا، وشربوا ليلتَهم، وجعل كلَّما أراد رجل منهم البوْل بال عليه، فقال لهم شمّاس بن دثار: أما إذْ بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبَيْكما اللَّذَيْن قتلهما بالسياط، قال: وقد كان أخذ قُبَيل ذلك رجلين من بني تميم، فضربهما بالسياط حتى ماتا. قال: فقتلوه، قال: فزعم لنا عمّن شهد قتله من شيوخهم أن جَيْهان بن مَشْجَعة الضبِّيّ نهاهم عن قتله، وألقى نفسه عليه، فشكر له ابن خازم ذلك، فلم يقتلْه فيمن قتل يوم فرْتَنَا، قال: فزعم عامر بن أبي عمر: أنه سمع أشياخهم من بني تميم يزعمون أن الذي وَلي قتلَ محمد بن عبد الله بن خازم رجلان من بني مالك بن سعد، يقال لأحدهما: عَجَلة، وللآخر كُسيب، وقال ابن خازم: بئس ما اكتسب كُسيبٌ لقومه، ولقد عجّل عَجَلة لقومه شرًّا. (٥/ ٦٢٣ - ٦٢٤).\nقال عليّ: وحدّثنا أبو الذّيال زهير بن هُنيد العدويّ، قال: لما قتَل بنو تميم محمد بنَ عبد الله بن خازم انصرفوا إلى مَرْو، فطلبهم بُكَير بن وِشَاح فأدرك رجلًا من بني عُطارد يقال له شُمَيْخ؛ فقتله، وأقبل وشمّاس وأصحابه إلى مرو، فقالوا لبني سعد: قد أدركنا لكم بثأركم؛ قتلنا محمد بن عبد الله بن خازم بالجُشميّ","vol":"10","page":51},{"text":"الذي أصيب بمَرْو، فأجمعوا على قتال ابن خازم، وولَّوا عليهم الحَريشَ بنَ هلال القُرَيْعيّ. (٥/ ٦٢٤).\nقال: فأخبرني أبو الفوَارس عن طُفيل بن مرداس، قال: أجمع أكثر بني تميم على قتال عبد الله بن خازم، قال: وكان مع الحريش فرسان لم يدرك مثلهم، إنما الرجل منهم كتيبة؛ منهم شمّاس بن دِثار، وبحير بن ورقاء الصُّريميّ، وشعبة بن ظَهير النَّهشَليّ، ووَرْد بن الفلق العنْبريّ، والحجّاج بن ناشب العدويّ - وكان من أرْمى الناس - وعاصم بن حبيب العدويّ، فقاتل الحريشُ بن هلال عبدَ الله بن خازم سنتين.\nقال: فلمّا طالت الحرب والشرّ بينهم، ضَجِروا، قال: فخرج الحريش فنادى ابنَ خازم، فخرج إليه فقال: قد طالت الحرب بيننا؛ فعلامَ تقتل قومي وقومك! ابرز لي، فأيُّنا قتل صاحبَه صارت الأرض له؛ فقال ابن خازم: وأبيك لقد أنصفتني، فبرز له، فتصاولا تصاوُلَ الفَحلَين، لا يقدر أحدٌ منهما على ما يريد، وتغفَّل ابن خازم غفلة، وضربه الحُرَيش على رأسه، فرمى بفَرْوة رأسه على وجهه، وانقطع رِكابا الحريش، وانتزع السيف، قال: فلزم ابن خازم عُنُق فرسه راجعًا إلى أصحابه وبه ضربة قد أخذتْ من رأسه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أيّامًا؛ ثم ملّ الفريقان فتفرّقوا ثلاثَ فِرَق، فمضى بحير بن ورقاء إلى أبَرْشَهْر في جماعة، وتوجَّه شمّاس بن دثار العُطارديّ ناحيةً أخرى، وقيل: أتى سِجسْتان، وأخذ عثمان بن بشر بن المحتفز إلى فَرْتَنا، فنزل قصرًا بها، ومضى الحريش إلى ناحية مَرْوَ الرُّوذ، فاتبعه ابن خازم، فلحقه بقرية من قُراها يقال لها قرية الملحمة - أو قصر الملحمة - والحريش بن هلال في اثنَيْ عشر رجلًا؛ وقد تفرّق عنه أصحابه؛ فهم في خَرِبة؛ وقد نصب رماحًا كانت معه وتِرَسةً.\nقال: وانتهى إليه ابنُ خازم، فخرج إليه في أصحابه، ومع ابن خازم مولىً له شديد البأس، فحمل على الحريش فضربه فلم يصنع شيئًا، فقال رجل من بني ضبّة للحرِيش: أما ترى ما يصنع العبد! فقال له الحريش: عليه سلاح كثير، وسيفي لا يعمل في سلاحه، ولكن انظر لي خشبةً ثقيلة؛ فقطع له عودًا ثقيلًا من عُنَّاب - ويقال له: أصابه في القصر - فأعطاه إيّاه؛ فحمل به على مولى ابن خازم؛","vol":"10","page":52},{"text":"فضربه فسقط وَقيذًا، ثم أقبل على ابن خازم، فقال: ما تريد إليّ وقد خلّيتك والبلاد! قال: إنك تعود إليها، قال: فإني لا أعود، فصالحه على أن يخرج له من خُراسان ولا يعود إلى قتاله، فوصله ابن خازم بأربعين ألفًا، قال: وفتح له الحريش باب القصر، فدخل ابن خازم، فوصَله وضمن له قضاء دَينه، وتحدّثا طويلًا، قال: وطارت قُطْنة كانت على رأس ابن خازم مُلصَقة على الضربة التي كان الحريش ضربه، فقام الحريش فتناولها، فوضعها على رأسه، فقال له ابن خازم: مَسُّك اليوم يا أبا قُدامة أليَن من مَسِّك أمس، قال: معذرة إلى الله وإليك؛ أما والله لولا أن رِكابيّ انقطعا لخالط السيف أضراسَك، فضحك ابن خازم، وانصرف عنه وتفرّق جمع بني تميم، فقال بعض شعراء بني تميم:\nفلو كُنتمُ مِثلَ الحَرِيش صبَرْتُم ... وكنتمْ بقصرِ المِلح خَيرَ فوارِسِ\nإذًا لَسقَيْتم بالعَوالي ابنَ خازمٍ ... سجالَ دَمٍ يُورِثنَ طُولَ وَسَاوِسِ\nقال: وكان الأشعث بن ذؤيب أخو زهير بن ذؤيب العَدويّ قتل في تلك الحرب، فقال له أخوه زهير وبه رَمَق: مَنْ قتَلك؟ قال: لا أدري، طعنني رجل على بِرْذَون أصفر، قال: فكان زهير لا يرى أحدًا على برذون أصفر إلا حمل عليه؛ فمنهم مَن يقتله، ومنهم من يهرب؛ فتحامى أهل العسكر البرَاذين الصُّفْر؛ فكانت مخلّاةً في العسكر لا يركبها أحد، وقال الحريش في قتاله ابنَ خازم:\nأَزَالَ عظمَ يَميِني عَنْ مُرَكَّبِهِ ... حمْلُ الرُّدَيْنيّ في الإِدْلاجِ والسَّحَرِ\nحَوْلَيْنِ ما اغْتَمَضَتْ عيني بمنزلةٍ ... إلَّا وكفِّي وسادٌ لي على حَجَرِ\nبَزَّى الحدِيدُ وسرْبالي إذا هَجَعَتْ ... عنّي العيونُ مِحالُ القارحِ الذَّكَرِ\n(٥/ ٦٢٤ - ٦٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>ثم دخلت سنة ستّ وستين</span>\nذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأُمور الجليلة.\nفممَّا كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبي عُبَيد بالكوفة طالبًا بدم الحُسين بن عليّ بن أبي طالب وإخراجه منها عاملَ ابن الزُّبير عبدَ الله بن مُطيع العَدويّ.","vol":"10","page":53},{"text":"* ذكر الخبر عمّا كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة:\nذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف: أن فُضَيل بن خَدِيج حدّثه عن عُبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بني هند: أنّ أصحاب سليمان بن صُرَد لمَّا قدموا كتب إليهم المختار:\nأمَّا بعد؛ فإنّ الله أعظم لكم الأجر، وحطّ عنكم الوِزْر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المُحلّين؛ إنّكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خَطْوة إلّا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف؛ فأبشروا فإنّي لو قد خرجت إليكم قد جرّدت فيما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف باذن الله، فجعلتُهم بإذن الله رُكامًا؛ وقتلتُهم فذًّا وتؤَامًا؛ فرحَّب الله بمن قارب منكم واهتدى؛ ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى؛ والسلام يا أهل الهدى.\nفجاءهم بهذا الكتاب سَيحان بن عمرو، من بني ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته فيما بين الظّهارة والبِطانة؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شدّاد والمثُنَّى بن مُخرّبة العبديّ وسعد بن حُذيفة بن اليَمَان ويزيد بن أنس وأحمرَ بن شُمَيْط الأحمسيّ، وعبد الله بن شدّاد البَجلِيّ، وعبد الله بن كامل؛ فقرأ عليهم الكتاب؛ فبعثوا إليه ابن كامل؛ فقالوا: قل له: قد قرأنا الكتاب؛ ونحن حيث يسرّك؛ فإن شئت أن نأتيَك حتى نخرجك فعلنا. فأتاه، فدخل عليه السجن؛ فأخبره بما أرسِل إليه به؛ فسُرّ باجتماع الشيعة له؛ وقال لهم: لا تريدوا هذا؛ فإني أخرج في أيَّامي هذه.\nقال: وكان المختار قد بعث غلامًا يُدْعى زِربِيًّا إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكتب إليه:\nأمّا بعد: فإني قد حُبست مظلومًا، وظنّ بي الولاةُ ظنونًا كاذبة؛ فاكتب فيّ يرحمك الله إلى هذين الظَّالميْن كتابًا لطيفًا؛ عسى الله أن يخلّصني من أيديهما بلطْفك وبركتك ويُمنك؛ والسلام عليك.","vol":"10","page":54},{"text":"فكتب إليهما عبد الله بن عمر:\nأمَّا بعد؛ فقد علمتُما الَّذي بيني وبين المختار بن أبي عبيد من الصِّهر، والَّذي بيني وبينكما من الودّ؛ فأقسمت عليكما بحقّ ما بيني وبينكما لَمّا خلّيتما سبيله حتى تنظران في كتابي هذا، والسلام عليكما ورحمة الله.\nفلمَّا أتى عبدَ الله بن يزيد وإبراهيمَ بن محمد بن طلحة كتابُ عبد الله بن عمر دعوَا للمختار بكُفَلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه أناس من أصحابه كثير، فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُؤيْم لعبد الله بن يزيد: ما تصنع بضمان هؤلاء كلّهم! ضمّنه عشرة منهم أشرافًا معروفين، ودعْ سائرهم.\nففعل ذلك، فلما ضمِنوه، دعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة فحلَّفاه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان؛ فإن هو فعل فعليه ألف بَدَنة ينحرها لدى رِتاج الكعبة؛ ومماليكُه كلّهم ذَكَرُهم وأنثاهم أحرارٌ، فحلف لهما بذلك، ثم خرج فجاء داره فنزلها (١). (٦/ ٧ - ٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن أبي عيسى، عن حُميد بن مسلم، قال: سمعت المختار بعد ذلك يقول: قاتلهم الله! ما أحمقهم حين يَرَوْن أنّى أفي لهم بأيمانهم هذه! أمَّا حلِفي لهم بالله؛ فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدَع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير؛ وأكفّر يميني، وخروجي عليهم خير من كفِّي عنهم؛ وأكفّر يميني؛ وأمَّا هَدْي ألف بَدَنة فهو أهْوَن عليّ من بصقة؛ وما ثمنُ ألف بدنة فيهولَني! وأمَّا عتق مماليكي فوالله لوددت أنه قد استتبّ لي أمري، ثمّ لم أملك مملوكًا أبدًا.\nقال: ولمَّا نزل المختار دارَه عند خروجه في السِّجن، اختلف إليه الشيعة واجتمعت عليه؛ واتَّفق رأيها على الرضا به، وكان الذي يبايع له الناس وهو في السّجن خمسة نفر: السَّائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شُميط، ورفاعة بن شدّاد الفِتْياني، وعبد الله بن شداد الجُشَميّ.\nقال: فلم تزل أصحابه يكثُرون، وأمره يقوَى ويشتدُّ حتَّى عزل ابنُ الزبير\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":55},{"text":"عبدَ الله بن يزيد وإبراهيمَ بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مُطيع على عملهما إلى الكوفة (١). (٦/ ٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الصّقْعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: دَعا ابن الزبير عبدَ الله بن مطيع أخا بني عدي بن كعب، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ؛ فبعث عبد الله بن مطيع على الكوفة، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، قال: فبلغ ذلك بَحِيرَ بن رَيْسان الحميريّ؛ فلقيهما فقال لهما: يا هذان؛ إن القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا فأمَّا ابنُ أبي ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرًا ثم شخص إلى عمله فسلم؛ وأمَّا عبد الله بن مطيع فقال له: وهل نطلب إلا النّطح! قال: فلقي والله نطحًا وبَطْحًا، قال: يقول عمر: والبلاء موكَّل بالقول.\nقال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان: أن ابن الزبير بعث عمالًا على البلاد؛ فقال: مَنْ بعث على البصرة؟ فقيل: بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ قال: لا حُرَّ بوادي عوف، بعث عوفًا وجلس! ثم قال: مَنْ بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيرًا ما يسقط وشجاع وما يكره أن يفرّ، قال: مَنْ بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مُصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النَّهْد، وهو رجل أهل بيته (٢). (٦/ ٩ - ١٠).\nقال هشام: قال أبو مخنف: وقدِم عبد الله بن مُطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله بن يزيد: إنْ أحببت أن تقيم معي أحسنتُ صحبتَك، وأكرمت مثواك؛ وإن لحقتَ بأمير المؤمنين عبدِ الله بن الزبير فابك عليه كرامة، وعلى مَنْ قبله من المسلمين، وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: الحقْ بأمير المؤمنين. فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الخراج؛ وقال: إنَّما كانت فتنة؛ فكفّ عنه ابن الزبير.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":56},{"text":"قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصّلاة والخراج؛ وبعث على شرُطته إياس بن مضارب العجليّ، وأمره أن يُحسن السيرة والشدّة على المريب (١). (٦/ ١٠).\nقال أبو مخنف: فحدّثني حَصِيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزديّ - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مُصْعب بن الزبير - قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعِد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم؛ وألّا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضًا منكم، ووصيَّة عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين؛ فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم، وإلّا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني؛ فوالله لأوقعنّ بالسقيم العاصي؛ ولأقيمنّ دَرْء الأصعر المرتاب، فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أمَّا أمر ابن الزبير إيّاك إلّا تُحمل فضل فيئنا عنَّا إلا برضانا فإنا نشهدك أنَّا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنّا؛ وألّا يقسم إلا فينا؛ وألّا يُسار فينا إلا بسيرة عليّ بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجةَ لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثَرَة وهوىً، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرًّا؛ وقد كان لا يألو النَّاس خيرًا، فقال يزيد بن أنس: صدق السائب بن مالك وبَرَّ، رأيُنا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله.\nفقال ابن مطيع: نسير فيكم بكلّ سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل. فقال: يزيد بن أنس الأسديّ: ذهبتَ بفضلها يا سائب؛ لا يعدمْك المسلمون! أما والله لقد قمتُ وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحوًا من مقالتك، وما أحبّ أن الله ولَّى الردّ عليه رجلًا من أهل المِصْر ليس من شيعتنا.\nوجاء إياس بن مضارب إلى ابن مُطيع، فقال له: إنّ السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمنُ المختار؛ فابعث إليه فليأتك؛ فإذا جاءك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":57},{"text":"فاحبسْه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيوني قد أتتني فخبَّرتْني أنّ أمره قد استجمع له؛ وكأنه قد وثب بالمِصْر، قال: فبعث إليه ابن مُطيع زائدةَ بن قُدامة وحُسين بن عبد الله البُرْسُميّ من هَمْدان، فدخلا عليه، فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابَّته، وتحشحش للذهاب معهما؛ فلما رأى زائدةُ بن قدامة ذلك قرأ قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثمّ قال: ألقوا عليّ القطيفة؛ ما أراني إلّا قد وُعِكت، إني لأجد قفقفةً شديدة، ثم تمثَّل قول عبد العُزَّى بن صُهَل الأزديّ:\nإذا ما مَعْشَرٌ تَركُوا نَدَاهُمْ ... ولمْ يأْتوا الكريهَة لم يُهَابُوا\nارجعا إلى ابن مطيع، فأعلماه حالي التي أنا عليها، فقال له زائدة بن قدامة: أمَّا أنا ففاعل، [فقال:] وأنت يا أخا همْدان فاعذرني عنده فإنه خير لك (١).\n(٦/ ١٠ - ١٢).\nقال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نُعيم الهمْداني عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: والله إن أنا لم أُبَلِّغ عن هذا ما يُرضيه ما أنا بآمن مِن أن يظهر غدًا فيهلكني، قال: فقلت له: نعم، أنا أضع عند ابن مطيع عذرك، وأبلغه كلّ ما تحبّ؛ فخرجنا من عنده، فإذا أصحابه على بابه، وفي داره منهم جماعة كثيرة. قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائدة بن قدامة: أما إني قد فهمت قولك حين قرأتَ تلك الآية؛ وعلمت ما أردتَ بها، وقد علمت أنها هي ثَبّطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، وأسرج دابّته، وعلمتُ حين تمثَّل البيت الذي تمثَّل أنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تُفهمه، وأنه لن يأتيه. قال: فجاحدني أن يكون أراد شيئًا من ذلك، فقلت له: لا تحلف؛ فوالله ما كنت لأبلغَ عنك ولا عنه شيئًا تكرهانه؛ ولقد علمت أنَّك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء لابن عمه، فأقبلنا إلى ابن مطيع، فأخبرناه بعلَّته وشكواه؛ فصدَّقَنا ولها عنه.\nقال: وبعث المختار إلى أصحابه؛ فأخذ يجمعهم في الدُّور حوله وأراد أن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":58},{"text":"يثِب بالكوفة في المحرّم؛ فجاء رجل من أصحابه من شِبَام - وكان عظيمَ الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح - فلقي سعيد بن منقذ الثَّوريّ وسعر ابن أبي سِعر الحنفيّ والأسود بن جَراد الكنديّ وقدامة بن مالك الجشميّ؛ فاجتمعوا في منزل سعْر الحنفيّ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:\nأمّا بعد؛ فإنَّ المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا؛ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفيَّة فلنخبره بما قدم علينا به وبما دَعانا إليه؛ فإنْ رخّص لنا في اتّباعه اتّبعناه؛ وإن نهانا عنه اجتنبناه؛ فوالله ما ينبغي أن يكون شيءٌ من أمر الدنيا آثرَ عندنا من سلامة ديننا، فقالوا له: أرشدك الله! فقد أصبت ووفِّقت؛ اخرج بنا إذا شئت.\nفأجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيَّامهم فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفيَّة؛ وكان إمامَهم عبدُ الرحمن بن شريح، فلمَّا قدموا عليه سألهم عن حال النَّاس فخبَّروه عن حالهم وما هم عليه (١). (٦/ ١٢ - ١٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني خليفة بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكنديّ قال: قلنا لابن الحنفيَّة، إنّ لنا إليك حاجةً، قال: فسرّ هي أم علانية؟ قال: قلنا: لا؛ بل سرّ، قال: فرويدًا إذًا؛ قال: فمكث قليلًا، ثم تنحَّى جانبًا فدعانا فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شُريح، فتكلَّم فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنكم أهل بيت خصَّكم الله بالفضيلة، وشرّفكم بالنبوّة، وعظَّم حقكم على هذه الأمة؛ فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب؛ قد أصِبتم بحسين رحمة الله عليه، عظُمت مصيبة اختُصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون، وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تِلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيِّه - ﷺ -؛ والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء؛ فبايعناه على ذلك، ثم إنَّا رأينا أن نأتِيَك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له؛ فإن أمرتَنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه.\nثم تكلمنا واحدًا واحدًا بنحو مما تكلم به صاحبنا؛ وهو يسمع، حتى إذا فرغنا حمِد الله وأثنى عليه، وصلَّى على النبي - ﷺ -، ثم قال:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":59},{"text":"أمَّا بعد؛ فأما ما ذكرتم مما خصَّصنا الله به من فضل؛ فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ فلله الحمد! وأمَّا ما ذكرتم من مصيبتنا بحُسين؛ فإنّ ذلك كان في الذكر الحكيم وهي ملحمة كُتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.\nوأمَّا ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطَّلب بدمائنا؛ فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه؛ أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.\nقال: فخرجنا من عنده، ونحن نقول: قد أذن لنا؛ قد قال: لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلْقه ولو كره لقال: لا تفعلوا.\nقال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممَّن كنَّا قد أعلمناه بمخرَجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا ممن كان على رأينا من إخواننا؛ وقد كان بلغ المختارَ مخرجنا، فشقّ ذلك عليه، وخشي أن نأتيَه بأمر يُخذّل الشيعة عنه؛ فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا؛ فلم يتهيَّأ ذلك له؛ فكان المختار يقول: إن نُفيرًا منكم ارتابوا وتحَيَّروا وخابوا؛ فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا؛ وإن هم كبوا وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثَبروا وخابوا؛ فلم يكن إلا شهرًا وزيادة شي؛ حتى أقبل القوم على رواحلهم؛ حتى دخلوا على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فُتِنْتُم وارتبتم.\nفقالوا له: قد أمِرنا بنصرتك. فقال: الله أكبر! أنا أبو إسحاق، اجمعوا إليّ الشيعة، فجمع له منهم مَنْ كان منه قريبًا فقال: يا معشرَ الشيعة؛ إنَّ نفرًا منكم أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى؛ حاشا النبي المجتبى؛ فسألوه عمَّا قدمت به عليكم، فنبَّأهم أني وزيره وظهيره، ورسوله وخليله؛ وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلِّين، والطلب بدماء أهل بيت نبيّكم المصطفيْن.\nفقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد يا معشر الشيعة؛ فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة، ولجميع إخواننا عامة؛ فقدمنا على المهديّ بن عليّ، فسألناه عن حربنا هذه، وعمَّا دعانا إليه","vol":"10","page":60},{"text":"المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه، فأقبلنا طيّبة أنفُسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشكّ والغِلّ والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدوّنا، فليبلِّغ ذلك شاهدُكم غائبكم، واستعدّوا وتأهَّبوا، ثمّ جلس وقمنا رجلًا فرجلا، فتكلَّمنا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحدَبت عليه (١). (٦/ ١٣ - ١٥).\nقال أبو مخنف: فحدّثني نُمَير بن وَعْلة والمَشرِفيّ، عن عامر الشَّعْبيّ، قال: كنت أنا وأبي أوّلَ من أجاب المختار، قال: فلما تهيّأ أمره ودنا خروجه، قال له أحمر بن شُميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شدّاد: إنّ أشرافَ أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع؛ فإن جامعَنا على أمرنا إبراهيمُ بن الأشتر رجوْنا بإذن الله القُوَّة على عدوّنا وألّا يضرّنا خلافُ مَنْ خالفنا، فإنه فتى بئيس، وابن رجل شريف بعيد الصّيت؛ وله عشيرة ذات عزّ وعدد. قال لهم المختار: فالقَوْه فادعوه، وأعلموه الذي أمِرنا به من الطَّلَب بدم الحسين وأهل بيته.\nقال الشعبيّ: فخرجوا إليه وأنا فيهم، فتكلَّم يزيد بن أنس، فقال له: إنَّا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك، وندعوك إليه؛ فإن قبلته كان خيرًا لك، وإن تركته فقد أدّينا إليك فيه النصيحة، ونحن نحبّ أن يكون عندك مستورًا.\nفقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإنّ مثلي لا تُخاف غائلته ولا سعايتُه؛ ولا التقرّب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغارُ الأخطار الدّقاق هممًا، فقال له: إنَّما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأي الملأ من الشيعة؛ إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه - ﷺ -، والطَّلب بدماء أهل البيت، وقتال المحِلِّين، والدفع عن الضعفاء، قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إني لك ناصح، ولحظّك محبّ، وإنّ أباك قد هلك وهو سيّد [الناس] وفيك منه إن رعيتَ حقّ الله خَلَفٌ؛ قد دعوناك إلى أمر إن أجبْتَنا إليه عادت لك منزلة أبيك في النَّاس، وأحييت من ذلك أمرًا قد مات؛ إنما يكفي مثلكَ اليسيرُ حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أوّلك مفتَخرًا، وأقبل القوم كلّهم عليه يدعونه\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":61},{"text":"إلى أمرهم ويرغّبونه فيه، فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، على أن تولّوني الأمر، فقالوا: أنت لذلك أهل؛ ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قِبَل المهديّ، وهو الرسول والمأمور بالقتال، وقد أمِرنا بطاعته، فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبْهم، فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما ردّ علينا؛ قال: فغبَر ثلاثًا؛ ثم إنّ المختار دعا بضعةَ عشر رجلًا من وجوه أصحابه - قال الشعبيّ: أنا وأبي فيهم - قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقُدّ بنا بيوت الكوفة قدًّا لا ندري أين يريد؛ حتى وقف على باب إبراهيم بن الأشتر؛ فاستأذنَّا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا وسائدُ؛ فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه؛ فقال المختار:\nالحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلَّى الله على محمّد، والسَّلام عليه، أمَّا بعد، فإنّ هذا كتاب إليك من المهديّ محمد بن أمير المؤمنين الوصيّ؛ وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله؛ وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجَّة عليك، وسيغني الله المهديّ محمدًا وأولياءه عنك.\nقال الشعبيّ: وكان المختار قد دفع الكتاب إليّ حين خرج من منزله؛ فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه، فدعا بالمصباح وفضّ خاتمه، وقرأه فإذا هو:\nبسم الله الرحمن الرحيم، من محمد المهديّ إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري وأميني ونجِيِّي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوّي والطلب بدماء أهل بيتي؛ فانهضْ معه بنفسك وعشيرتك ومَنْ أطاعك؛ فإنك إن نصرتَني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة؛ ولك بذلك أعنَّة الخيل وكلّ جيش غازٍ، وكلّ مصر ومنبر وثغر ظهرْتَ عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل الشام، عليّ الوفاء بذلك على عهد الله؛ فإن فعلت ذلك نلتَ به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكًا لا تستقيله أبدًا، والسلام عليك.","vol":"10","page":62},{"text":"فلما قضى إبراهيمُ قراءة الكتاب، قال: لقد كتب إليّ ابنُ الحنفيَّة؛ وقد كتبتُ إليه قبل اليوم؛ فما كان يكتب إليّ إلا باسمه واسم أبيه، قال له المختار: إنّ ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمَنْ يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفيَّة إليّ؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم - قال الشعبيّ: إلّا أنا وأبي - فقالوا: نشهد أنّ هذا كتاب محمد ابن عليّ إليك، فتأخر إبراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال: ابسط يدك أبايعْك، فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنا بفاكهة، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا؛ وخرج معنا ابنُ الأشتر؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله؛ فلما رجع إبراهيم منصرفًا أخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبيّ، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبيّ، إني قد حفظت أنَّك لم تشهد أنت ولا أبوك؛ أفترى هؤلاء شهدوا على حقّ؟ قال: قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القرّاء ومشيخة المصْر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقًّا، قال: فقلت له هذه المقالة؛ وأنا والله لهم على شهادتهم متّهَمٌ؛ غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم؛ وأحبّ تمام ذلك الأمر؛ فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك؛ فقال لي ابن الأشتر: اكتبْ لي أسماءهم فإني ليس كلَّهم أعرف. ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها:\nبسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعريّ، ويزيد بن أنس الأسديّ وأحمر بن شميط الأحمسيّ ومالك بن عمرو النهديّ؛ حتى أتى على أسماء القوم؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن عليّ كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بمؤازرة المختار ومظاهرته على قتال المحِلّين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النَّفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شَراحيل بن عبد - وهو أبو عامر الشعبيّ الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النَّخعيّ، وعامر بن شَراحيل الشعبيّ، فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال: دعْه يكون، قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومَنْ أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار (١). (٦/ ١٥ - ١٨).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":63},{"text":"قال هشام بن محمد: قال أبو مخنف: حدثني يحيى بن أبي عيسى الأزديّ، قال: كان حُميد بن مسلم الأزدي صديقًا لإبراهيم بن الأشتر؛ وكان يختلف إليه؛ ويذهب به معه؛ وكان إبراهيم يروح في كلّ عشية عند المساء، فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوّب النجوم، ثم ينصرف؛ فمكثوا بذلك يدبّرون أمورهم؛ حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين، ووطَّن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم، فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر؛ فأذّن؛ ثمّ إنه استقدم، فصلَّى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قُلت: أخوك أو الذئبُ - وهو يريد المختار - فأقبلنا علينا السلاحُ، وقد أتى إياسُ بن مضارب عبدَ الله بن مطيع فقال: إنّ المختار خارج عليك إحدى الليلتين؛ قال: فخرج إياس في الشُّرَط، فبعث ابنه راشدًا إلى الكُنَاسة، وأقبل يسير حولَ السوق في الشُّرَط.\nثم إنّ إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: إني قد بعثت ابني إلى الكناسة، فلو بعثتَ في كل جبَّانة بالكوفة عظيمة رجلًا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة؛ هاب المريبُ الخروج عليك. قال: فبعث ابن مطيع عبدَ الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جَبَّانة السَّبيع، وقال: اكفني قومك، لا أوتَينّ من قِبلك، وأحكِم أمر الجبَّانة التي وجّهتك إليها، لا يحدُثنّ بها حَدَث؛ فأوليَك العجز والوهن، وبعث كعب بن أبي كعب الخثعميّ إلى جَبَّانة بشر، وبعث زحْر بن قيس إلى جبَّانة كِنْدة، وبعث شِمر بن ذي الجوشن إلى جبّانة سالم، وبعثَ عبد الرحمن بن مخنف بن سُليم إلى جبَّانة الصائديّين، وبعث يزيد بن الحارث بن رُؤيم أبا حَوْشب إلى جبّانة مراد، وأوصى كلَّ رجل أن يكفيه قومه، وألّا يؤتَى من قبَله، وأن يحكم الوجه الذي وجّهه فيه؛ وبعث شَبَث بن رِبْعيّ إلى السَّبَخة، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجّه نحوهم، فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الإثنين، فنزلوا هذه الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رَحله بعد المغرب يريد إتيان المختار؛ وقد بلغه أن الجبابين قد حُشيتْ رجالًا، وأن الشّرَط قد أحاطت بالسوق والقصر (١). (٦/ ١٨ - ١٩).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":64},{"text":"قال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن أبي عيسى، عن حُميد بن مسلم، قال: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدار عمرو بن حُريث، ونحن مع ابن الأشتر كتيبةٌ نحوٌ من مئة، علينا الدروع، قد كفرنا عليها بالأقبية، ونحو متقلّدو السيوف؛ ليس معنا سلاحٌ إلا السيوف في عواتقنا، والدّروع قد سترناها بأقبِيتنا؛ فلمَّا مررنا بدار سعيد بن قيس فجُزْناها إلى دار أسامة، قلنا: مُرَّ بنا على دار خالد بن عُرْفُطة، ثم امض بنا إلى بَجِيلة، فلنمرّ في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار - وكان إبراهيم فتىً حدَثًا شجاعًا؛ فكان لا يكره أن يلقاهم - فقال: والله لأمرّنّ على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق، ولأرعبنّ به عدوّنا ولأرينَّهم هوانهم علينا، قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبّار؛ ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث؛ حتى إذا جاوزها ألفينا إياس بن مضارب في الشُّرَط مظهرين السلاح، فقال لنا: مَنْ أنتم؟ ما أنتم؟ فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟ وما تريد؟ والله إنّ أمرك لمريب! وقد بلغني أنك تمرّ كلّ عشية هاهنا، وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه، فقال إبراهيم: لا أبًا لغيرك! خلّ سبيلَنا، فقال: كلا والله لا أفعل - ومع إياس بن مضارب رجل من هَمْدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشّرْطة فهم يكرِمونه ويؤثرونه، وكان لابن الأشتر صديقًا - فقال له ابن الأشتر: يا أبا قَطن، ادنُ مني - ومع أبي قَطَن رمح له طويل -: فدنا منه أبو قَطَن ومعه الرمح؛ وهو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلِّيَ سبيله؛ فقال إبراهيم - وتناول الرّمح من يده: إنّ رمحَك هذا لطويل؛ فحمل به إبراهيم على ابن مضارب فطعنه في ثُغْرة نحره فصرعه، وقال لرجل من قومه: انزل [عليه]، فاحتز رأسه، فنزل إليه فاحتزّ رأسه، وتفرّق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع، فبعث ابن مطيع ابنَه راشدَ بن إياس مكان أبيه على الشرْطة، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكُنَاسة تلك الليلة سُوَيد بن عبد الرحمن المِنْقَرِي أبا القعقاع بن سُويد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار ليلةَ الأربعاء، فدخل عليه فقال له إبراهيم: إنَّا اتّعدنا للخروج للقابلة ليلة الخميس، وقد حدث أمرٌ لابدّ من الخروج الليلة، قال المختار: ما هو؟ قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني","vol":"10","page":65},{"text":"بزعمه، فقتلته؛ وهذا رأسه مع أصحابي على الباب. فقال المختار: فبشّرك الله بخير! فهذا طير صالح، وهذا أوّل الفتح إن شاء الله، ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهراديّ النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن شدّاد، فناد: \"يا منصور أمتْ\"؟ وقم أنت يا سفيان بن ليل، وأنت يا قدامة بن مالك، فناد: يا لثأرات الحسين! ثم قال المختار: عليّ بدرعي وسلاحي، فأتِيَ به؛ فأخذ يلبس سلاحه وَيقول:\nقَدْ عَلِمَتْ بَيْضاءُ حَسناءُ الطَّلَلْ ... واضِحَة الخَدَّين عَجْزاءُ الكَفَلْ\nأنى غداةَ الرَّوْع مِقْدامٌ بَطَلْ\nثم إنّ إبراهيم قال للمختار: إنّ هؤلاء الرؤوس الَّذين وضعهم ابن مطيع في الجَبَابِين يمنعون إخوانَنا أن يأتونا، ويضيِّقون عليهم؛ فلو أني خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتيَ قومي؛ فيأتيني كلّ مَنْ قد بايعني من قومي، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا؛ فخرج إليّ مَن أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس؛ فمن أتاك حبستَه عندك إلى مَنْ معك ولم تفرّقهم، فإن عوجلت فأتيت كان معكَ من تمتنع به، وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل والرجال. قال له إمّا لا فاعجل وإيّاك أن تسير إلى أميرهم تقاتله، ولا تقاتل أحدًا وأنت تستطيع ألّا تقاتل، واحفظ ما أوصيتك به إلّا أن يبدأك أحد بقتال، فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة الَّتي أقبل فيها؛ حتى أتى قومَه، واجتمع إليه جلّ مَنْ كان بايعه وأجابه، ثم إنَّه سار بهم في سكك الكوفة طويلًا من الليل؛ وهو في ذلك يتجنَّب السكك الَّتي فيها الأمراء، فجاء إلى الَّذين معهم الجماعات الَّذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطّرق العظام، حتَّى انتهى إلى مسجد السَّكون، وعجلت إليه خيلٌ من خيل زَحْر بن قيس الجُعفيّ ليس لهم قائد ولا عليهم أمير، فشدّ عليهم إبراهيمُ بن الأشتر وأصحابه، فكشفوهم حتَّى دخلوا جبَّانة كِندة، فقال إبراهيم: من صاحب الخيل في جبَّانة كندة؟ فشدّ إبراهيم وأصحابُه عليهم، وهو يقول: اللهمّ إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيّك وثُرْنا لهم، فانصرنا عليهم، وتمّم لنا دعوتَنا؛ حتَّى انتهى إليهم هو وأصحابُه، خالطوهم وكَشفُوهم فقيل له: زَحْرُ بن قيس؛ فقال:","vol":"10","page":66},{"text":"انصرفوا بنا عنهم، فركب بعضُهم بعضًا كلَّما لقيَهم زقاق دخلَ منهم طائفةٌ، فانصَرَفُوا يسيرون.\nثم خرج إبراهيم يسير حتَّى انتهى إلى جبَّانة أثَيْر، فوقف فيها طويلًا، ونادى أصحابه بشعارهم، فبلغ سُوَيد بن عبد الرحمن المنقريّ مكانهم في جبَّانة أثَير، فرجا أن يصيبَهم فيحظَى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلا وهم معه في الجبَّانة، فلمَّا رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه: يا شُرطةَ الله، انزِلوا فإنكم أولَى بالنَّصر من الله من هؤلاء الفسَّاق الَّذين خاضوا دماءَ أهلِ بيت رسول الله - ﷺ -، فنزلوا، ثم شدّ عليهم إبراهيم، فضربهم حتى أخرجهم من الصَّحراء، وولَّوا منهزمين يركَب بعضهم بعضًا، وهم يتلاوَمون، فقال قائل منهم: إنّ هذا الأمر يراد: ما يلقوْن لنا جماعة إلّا هزموهم! فلم يزل يَهزِمهم حتَّى أدخلَهم الكُناسةَ، وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: اتّبعهم واغتنِم ما قد دَخَلهم من الرّعب، فقد علم الله إلى من ندعو وما نطلب، وإلى من يدعون وما يطلبون! قال: لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتّى يؤمّن الله بنا وحشتَه، ونكون من أمره على عِلم، ويعلم هو أيضًا ما كان من عَنائنا، فيزداد هو وأصحابه قوّة وبصيرة إلى قواهم وبصيرتهم، مع أني لا آمن أن يكون قد أتِيَ.\nفأقبل إبراهيمُ في أصحابه حتَّى مرّ بمسجد الأشعث، فوقفَ به ساعة، ثم مضى حتَّى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية، والقومَ يقتتلون، وقد جاء شَبَث بن ربعي من قبَل السبخَة، فعبّى له المختار يزيد بن أنس، وجاء حجّار بن أبجر العجليّ، فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط، فالناس يقتتلون وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجَّارًا وأصحابه أنّ إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرّقوا قبل أن يأتيَهم إبراهيم، وذهبوا في الأزقَّة والسكك، وجاء قيس بن طَهْفة في قريب من مئة رجل من بني نَهْد من أصحاب المختار، فحمل على شَبث بن رِبعيّ وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلَّى لهم الطريق حتَّى اجتمعوا جميعًا، ثمّ إن شَبَث بن رِبعيّ ترك لهم السكَّة، وأقبل حتَّى لقي ابن مطيع، فقال: ابعث إلى أمراء الجَبَابِين فمرهم فليأتوك، فاجمعْ إليك جميعَ الناس، ثمّ انهد إلى هؤلاء القوم فقاتِلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإنّ أمرَ القوم قد قَوي، وقد خرج المختار وظهر، واجتمع له أمرُه، فلمَّا بلغ ذلك المختار من مشورة","vol":"10","page":67},{"text":"شَبَث بن رِبْعِيّ على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتَّى نزل في ظهر دَيْر هند ممَّا يلي بُستان زائدة في السَّبخة.\nقال: وخرج أبو عثمان النّهديّ فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم، يخافون أن يظهروا في الميدان لقُرْب كعب بن أبي كعب الخثعميّ منهم، وكان كعب في جبَّانة بشر، فلمَّا بلغه أن شاكرًا تخرج جاء يسير حتى نزل بالميْدان، وأخذ عليهم بأفواه سِكَكهم وطُرُقِهم، قال: فلمَّا أتاهم أبو عثمان النَّهديّ في عصابة من أصحابه، نادى: يا لَثأرات الحسين! يا منصورَ أمِت! يا أيّها الحَيّ المهتدون، ألا إنّ أمير آل محمَّد ووزيرَهم قد خرج فنزل ديرَ هند، وبعثني إليكم داعيًا ومبشرًا، فاخرجوا إليه يرحمكم الله! قال: فخرجوا من الدّور، يتداعَوْن: يا لثَارات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب، حتَّى خلَّى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتَّى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثعميّ في جماعة من خثعم نحو المئتين حتّى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافَّه، فلمَّا عرفهم ورأى أنَّهم قومُه خلَّى عنهم، ولم يقاتلْهم.\nوخرجتْ شِبَام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبَّانة مراد، فلمَّا بلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيسِ بعث إليهم: إن كنتم تريدون اللّحاق بالمختار فلا تمرُّوا على جبَّانة السَّبيع، فلحِقوا بالمختار، فتوافَى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمئة من اثني عشر ألفًا كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فأصبح قد فرغ من تعبيته (١). (٦/ ١٩ - ٢٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الوالبيّ قال: خرجتُ أنا وحميد بن مسلم، والنعمان بن أبي الجَعْد إلى المختار ليلةَ خرج، فأتيناه في داره، وخرجْنا معه إلى معسكره؛ قال: فوالله ما انفَجَر الفجر حتى فرغ من تعبيته؛ فلمَّا أصبح استقدم فصلَّى بنا الغداةَ بغلَس، ثم قرأ \"النازعات\" و\"عبس وتولَّى\".\nقال: فما سمعنا إمامًا أمّ قومًا أفصحَ لهجةً منه (٢). (٦/ ٢٣).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":68},{"text":"قال أبو مخنف: حدّثني حَصيرة بن عبد الله، أنّ ابنَ مطيع بعث إلى أهل الجبابين، فأمرهم أن ينضمُّوا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: نادِ في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئتْ الذّمّة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافَى النَّاس في المسجد، فلمَّا اجتمعوا بعث ابن مطيع شَبَث بن رِبْعيّ في نحو من ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشُّرَط (١). (٦/ ٢٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبُو الصَّلْت التيميّ عن أبي سعيد الصّيْقل.\nقال: لما صلَّى المختار الغداةَ ثم انصرف سَمعْنَا أصواتًا مرتفعة فيما بين بني سُلَيم وسكَّة البريد، فقال المختار: مَنْ يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟ فقلت له: أنا أصلحك الله! فقال المختار: إمَّا لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظّار، ثم تأتيني بخبرهم، قال: ففعلتُ، فلمَّا دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتَّى دنوتُ منهم فإذا شَبَث بن رِبعيّ معه خيل عظيمة، وعلى خيله شَيْبان بن حُرَيث الضبيّ، وهو في الرجّالة معه منهم كثرة، فلما أقام مؤذنهم تقدّم فصلَّى بأصحابه، فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، فقلت في نفسي: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ فقال أناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هَاتين شيئًا! فقال شَبَث: ترون الدّيْلم قد نزلت بساحتكم، وأنتم تقولون: لو قرأت سورة \"البقرة\" و\"آل عمران\"! قال: وكانوا ثلاثة آلاف، قال: فأقبلت سريعًا حتى أتيت المختارَ فأخبرته بخبر شَبَث وأصحابه، وأتاه معي ساعة أتيته سِعْر بن أبي سعر الحنفيّ يركض من قِبَل مراد، وكان ممَّن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس، فلمَّا أصبح أقبل على فرسه، فمرّ بجبَّانة مراد؛ وفيها راشد بن إياس، فقالوا: كما أنت! ومن أنْت؟ فراكضهم حتى جاء المختار فأخبره خبر راشد، وأخبرته أنا خبر شَبث، قال: فسَرّح إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن إياس في تسعمئة - ويقال ستمئة فارس وستمئة راجل - وبعث نعيم بن هبيرة أخا مَصْقلة بن هبيرة في ثلاثمئة فارس وستمئة راجل، وقال لهما: امضيا حتى تلقيَا عدوّكما، فإذا لقيتماهم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":69},{"text":"فانزلا في الرجال وعجلا الفَرَاغ وابدآهم بالإقدام، ولا تستهدفا لهم؛ فإنهم أكثر منكم، ولا ترجعا إليّ حتى تظهرا أو تُقتلا، فتوجَّه إبراهيم إلى راشد، وقدّم المختارُ يزيد بن أنس في موضع مسجد شَبَث في تسعمئة أمامه. وتوجّه نعيم بن هبيرة قبَل شَبَث (١). (٦/ ٢٣ - ٢٤).\nقال أبو مخنف: قال أبو سعيد الصيقل: كنت أنا فيمن توجَّه مع نُعيم بن هبيرة إلى شَبَث ومعي سِعْر بن أبي سعر الحنفيّ، فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالًا شديدًا، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبي سِعْر الحنفيّ على الخيل ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت؛ ثم إنّ شَبَث بن رِبعيّ ناداهم: يا حماة السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! أمِنْ عبيدكم تهربون! قال: فثابت إليه منهم جماعة فشدّ علينا وقد تفرّقنا فهزمَنا، وصبر نعيم بن هبيرة فقتِل، ونزل سعر فأسِر وأسِرت أنا وخليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد - وكان وسيمًا جسيمًا: مَن أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شَبَث: يا بن المَتْكاء، تركت بيع الصِّحناة بالكُناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدوَ عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقُتِل، ورأى سعرًا الحنفيّ فعَرَفه، فقال: أخو بني حنيفة؟ فقال له: نعم، فقال: وَيْحَك! ما أردتَ إلى اتّباع هذه السَّبئيَّة! قبح الله رأيك، دعوا ذَا، فقلتُ في نفسي: قَتَل المولَى وتَرَك العربيّ، إن علم والله أني مولى قتلني، فلمَّا عُرِضت عليه قال: من أنت؟ فقلت: من بني تيم الله؛ قال: أعربيّ أنت أو مولىً؟ فقلت: لا بل عربيّ، أنا من آل زياد بن خَصفَة، فقال: بخ بخ! ذكرتَ الشريفَ المعروف، الحقْ بأهلك، قال: فأقبلتُ حتَّى انتهيت إلى الحمراء، وكانت لي في قتال القومِ بصيرة، فجئت حتى انتهيت إلى المختار، وقلت في نفسي: والله لآتينّ أصحابي فلأواسينَّهم بنفسي، فقبح الله العيشَ بعدَهم! قال: فأتيتُهم وقد سبقني إليهم سِعْر الحنفيّ، وأقبلتْ إليه خيلُ شَبَث، وجاءه قتْل نُعَيم بن هُبيرة، فدخل من ذلك أصحابَ المختار أمرٌ كبير؛ قال: فدنوتُ من المختار، فأخبرتُه بالذي كان من أمري، فقال لي: اسكتْ، فليس هذا بمكان الحديث، وجاء شَبَث حتَّى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس وبعث ابن مطيع يزيدَ بن الحارث بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":70},{"text":"رؤيم في ألفين من قبَل سكَّة لحّام جرير، فوقَفَوا في أفواه تلك السكك، ووَلَّى المختارُ يزيد بن أنس خيلَه، وخرج هو في الرَّجالة (١). (٦/ ٢٤ - ٢٦).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، والبة الأزد، قال: حملتْ علينا خيلُ شَبَث بن رِبْعيّ حملتين، فما يزول منَّا رجل من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا: يا معشر الشّيعة، قد كنتم تُقتَلون وتُقطَّع أيديكم وأرجلكم، وتسمَل أعينكم، وتُرفَعون على جُذوع النخل في حُبّ أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوّكم، فما ظنُّكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذًا والله لا يَدعون منكم عينًا تَطرف، وليقتُلنَّكم صبْرًا، ولتروُنّ منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموتُ خيرٌ منه، والله لا يُنجيكم منهم إلا الصدق والصبر. والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدَّراك على هامِهم، فتيسَّروا للشَّدّةِ، وتهيؤوا للحَمْلة، فإذا حرّكت رايتي مرّتين فاحملوا، قال الحارث: فتهيَّأنا وتيسَّرنا وجثَوْنا على الرُّكَب، وانتظرنا أمره (٢). (٦/ ٢٦).\nقال أبو مخنف: وحدّثني فضيل بن خديج الكنديّ أنّ إبراهيم بن الأشتر كان حين توجَّه إلى راشد بن إياس، مضى حتَّى لقيه في مراد، فإذا معه أربعةُ آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنَّكم كثرةُ هؤلاء، فوالله لرُبّ رجل خيرُ من عشرة، ولرُبّ فئة قَليلة قَدْ غَلَبْت فِئةً كثيرةً بإذْن الله واللهُ مع الصَّابرين، ثم قال: يا خُزيمة بن نصر، سرْ إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في الرّجال، ورايتُه مع مُزاحم بن طُفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدَلِف برايتك، امضِ بها قُدُمًا قُدُمًا، واقتتل الناسُ، فاشتدّ قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسيّ براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه، فقَتَله، ثمّ نادى: قتلتُ راشدًا وربِّ الكعبة، وانهزم أصحابُ راشد، وأقبل إبراهيمُ بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمانُ بن أبي الجعْد يبشّر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلمَّا أن جاءهم البشير بذلك كبَّروا، واشتدّت أنفسُهم ودخل أصحاب ابن مطيع الفَشَل، وسرّح ابن مطيع حسَّان بن فائد بن بكير العبسيّ في جيش كثيف نحو من ألفين، فاعترض إبراهيمَ بن الأشتر فُوَيقَ الحمراء ليردّه عَمّن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":71},{"text":"في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدّم إبراهيمُ خُزيمة بن نصر إلى حسَّان بن فائد في الخيل، ومشى إبراهيم نحوه في الرجال. فقال:\nوالله ما اطَّعنَّا برمح، ولا اضطَربْنَا بسيف، حتَّى انهزموا، وتَخلَّف حسان بن فائد في أخرَيات الناس يَحميِهم، وحمل عليه خزيمة بن نصر، فلمَّا رآه عرفه، فقال له: يا حسَّان بن فائد، أما والله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلَك بجهدي، ولكن النّجاءَ، فعثَر بحسَّانَ فرسُه فوقَع، فقال: تعسًا لك، أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به، فضارَبَهم ساعة بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر، قال: إنَّك آمن يا أبا عبد الله، لا تقتل نفسَك، وجاء حتّى وقف عليه ونَهنَه الناسَ عنه، ومرّ به إبراهيم، فقال له خزيمة: هذا ابن عمِّي وقد آمنته؛ فقال له إبراهيم: أحسنتَ فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتِيَ به فحمَلَه عليه، وقال: الحق بأهلِك.\nقال: وأقبل إبراهيم نحوَ المختار، وشبَث محيط بالمختار ويزيد بن أنس، فلمَّا رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سِكَك الكوفة الَّتي تلي السَّبَخة، وإبراهيم مقبل نحو شبَث، أقبل نحوَه ليصدّه عن شَبَث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفةً من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: أغْنِ عنا يزيدَ بن الحارث، وصَمَد هو في بقيَّة أصحابه نحو شَبَث بن رِبْعيّ (١). (٦/ ٢٦ - ٢٧).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب أنَّ إبراهيم لمَّا أقبل نحونا رأيْنا شَبَثًا وأصحابَه ينكُصون وراءهم رُوَيدًا رويدًا، فلمَّا دنا إبراهيمُ من شبث وأصحابه، حمل عليهم، وأمرنا يزيد بن أنس بالْحملة عليهم، فحملنا عليهم، فانكشفوا حتَّى انتهوا إلى أبياتِ الكوفة، وحمل خزيمةُ بن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، وازدحموا على أفواه السِّكَك، وقد كان يزيد بن الحارث وضع راميةً على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختارُ في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلمَّا انتهى أصحابُ المختار إلى أفواه السكك رَمتْه تلك الرامية بالنبل، فصدّوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه، ورجع الناسُ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":72},{"text":"من السَّبَخة منهزمين إلى ابن مطيع وجاءه قتلُ راشد بن إياس، فأسقِط في يده (١) (٦/ ٢٧ - ٢٨).\nقال أبو مخنف: فحدّثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزُّبيديّ لابن مطيع: أيُّها الرجل لا يُسْقَط في خَلَدك، ولا تُلْقِ بيَدِك، اخرُج إلى الناس فاندبهم إلى عدوّك فاغزهم، فإنّ الناس كثير عددُهم، وكلهم معك إلا هذه الطَّاغية الَّتي خرجتْ على الناس، والله مخزيها ومُهلِكُها، وأنا أوّل مُنتدَب، فاندب معي طائفة، ومع غيري طائفة، قال: فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أيُّها الناس، إنّ من أعجب العجَب عجزكم عن عُصْبة منكم قليل عَدَدُها خبيث دينها، ضالّة مُضِلَّة، اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمَكم وقاتِلوهم عن مِصرِكم، وامنعوا منهم فَيئَكم، وإلا والله ليشاركَنَّكم في فَيْئكم من لا حقّ له فيه، والله لقد بلَغني أنّ فيهم خمسمئة رجل من محرَّريكم عليهم أميرٌ منهم، وإنَّما ذهاب عزّكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون، ثم نزل.\nقال: ومنعهم يزيدُ بن الحارث أن يدخلوا الكوفة، قال: ومضى المختار من السَّبَخة حتَّى ظهر على الجبَّانة، ثمَّ ارتفع إلى البيوت؛ بيوت مُزينة وأحمس وبارق، فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتُهم شاذّةٌ منفردة من بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء، فسقى أصحابَه، وأبى المختار أن يشرَب، قال: فظنّ أصحابُه أنَّه صائم، وقال أحمر بن هديج من هَمْدان لابن كامل: أترى الأميرَ صائمًا؟ فقال له: نعم، وهو صائم، فقال له: فلو أنَّه كان في هذا اليوم مفطرًا كان أقوى له؛ فقال له: إنَّه معصوم، وهو أعلم بما يصنع؛ فقال له: صدقت، أستغفر الله، وقال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفَلَّهم، وأدخل الرعب قلوبَهم، وتنزل هاهنا! سِرْبنا؛ فوالله ما دون القصر أحد يمنع، ولا يمتنع كبيرَ امتناع؛ فقال المختار: لِيقُم هاهنا كلّ شيخ ضعيف وذي علة، وضعوا ما كان لكم من ثَقَل ومَتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدوّنا، ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهديّ، وقدّم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":73},{"text":"إبراهيم بن الأشتر أمامه، وعبّى أصحابه على الحال الَّتي كانوا عليها في السَّبَخة.\nقال: وبعث عبد الله بن مطيع عمرَو بن الحجَّاج في ألفيْ رجُل، فخرج عليهم من سكَّة الثوريِّين، فبعث المختار إلى إبراهيم أن أطوه ولا تقم عليه، فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيدَ بن أنس، فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجَّاج، فمضى نحوه، وذهب المختار في أثر إبراهيم، فمضَوا جميعًا حتَّى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلَّى خالد بن عبد الله وقَف، وأمرَ إبراهيم أن يمضيَ على وجهه حتَّى يدخل الكوفة من قِبَل الكناسة، فمضى، فخرج إليه من سكَّة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذي الجَوْشن في ألفين، فسرّح المختارُ إليه سعيدَ بن منقذ الْهَمدَانيّ فواقعه، وبعث إلى إبراهيم أن اطوه، وامض على وجهك، فمضَى حتى انتهى إلى سكَّة شبث، وإذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرَمة، في نحو من ألفين - أو قال: خمسة آلاف، وهو الصحيح - وقد أمر ابن مطيع سويدَ بن عبد الرحمن فنادى في الناس: أن الحقوا بابن مساحق، قال: واستخلف شَبَث بن رِبْعيّ على القَصْر، وخرج ابن مطيع حتَّى وقف بالكُناسة (١). (٢/ ٢٨ - ٢٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني حَصِيرة بن عبد الله، قال: إني لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل في أصحابه، حتَّى إذا دنا منهم قال لهم: انزلوا فنزلوا، فقال: قرّبوا خيولَكم بعضَها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلِتين بالسيوف، ولا يهولنَّكم أن يقال: جاءكم شَبَث بن رِبعيّ وآل عتيبة بن النَّهاس وآل الأشعث وآل فلان وآل يزيد بن الحارث ... قال: فسَمَّى بيُوتاتٍ من بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إنّ هؤلاء لو قد وجدوا لهم حرّ السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المِعزى عن الذئب. قال حصيرة: فإني لأنظر إليه وإلى أصحابه حين قرّبوا خيولهم وحين أخذ ابن الأشتر أسفل قبائهِ فرفعه فأدَخَلَه في منطَقَة له حمراء من حواشي البُرود، وقد شدّ بها على القباء، وقد كفَّر بالقباء على الدرع، ثم قال لأصحابه: شدّوا عليهم فدىً لكم عمي وخالي! قال: فوالله ما لبَّثهم أنْ هزَمهم؛ فركب بعضهم بعضًا على فم السّكة وازدحموا، وانتهى ابنُ الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":74},{"text":"بلِجام دابَّته، ورفع السيفَ عليه، فقال له ابن مساحق: يا بن الأشتر، أنشدك الله، أتطلُبُني بثأر! هل بيني وبينك من إحنة! فخلّى ابن الأشتر سبيله، وقال له: اذكُرْها؛ فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الأشتر، وأقبلوا يسيرون حتَّى دخلوا الكُناسة في آثار القوم حتَّى دخلوا السوق والمسجد، وحصروا ابن مطيع ثلاثًا (١). (٦/ ٢٩ - ٣٠).\nقال أبو مخنف: وحدّثني النّضر بن صالح أنّ ابن مطيع مكث ثلاثًا يرْزُق أصحابه في القَصْر حيث حُصر الدقيق، ومعه أشراف الناس، إلّا ما كان من عمرو بن حريث، فإنه أتى دارَه ولم يُلزم نفسه الحصارَ، ثمّ خرج حتى نزل البرّ، وجاء المختار حتَّى نزل جانب السوق، وولّى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شُميط، فكان ابن الأشتر ممَّا يلي المسجد وباب القصر، ويزيدُ بن أنس ممَّا يلي بني حذيفة وسكّة دار الرّوميّين، وأحمر بن شُميط ممَّا يلي دار عمارة ودار أبي موسى.\nفلمَّا اشتدّ الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلَّمه الأشراف، فقام إليه شَبَث فقال: أصلح الله الأمير! انْظُر لنفسك ولمن معك، فوالله ما عندَهم غَناء عنك ولا عن أنفسهم، قال ابن مطيع: هاتوا، أشيروا عليّ برأيكم، قال شَبَث: الرّأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانًا ولنا، وتخرج ولا تُهلِك نفسَك ومن معك، قال ابن مطيع: والله إني لأكره أن آخذ منه أمانًا والأمور مستقيمة لأمير المؤمنين بالحِجاز كله وبأرض البصرة؛ قال: فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلًا بالكوفة عند من تَستنصِحه وتَثِق به، ولا يعلم بمكانك حتَّى تخرج فتلحق بصاحبك، فقال لأسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشراف أهل الكوفة: ما تروْن في هذا الرأي الذي أشار به عليّ شَبَث؟ فقالوا: ما نرى الرأيَ إلا ما أشار به عليك، قال: فرويدًا حتى أمسِي (٢). (٦/ ٣٠ - ٣١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو المغلَّس الليثيّ، أنّ عبد الله بن عبد الله الليثيّ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":75},{"text":"أشرف على أصحاب المختار من القصر من العشيّ يشتمهم، وينتحي له مالك بن عمرو أبو نمْران النهديّ بسهم فيمرّ بحلقه، فقطع جلدةً من حلقه فمال فوقع، قال: ثمّ إنَّه قام وبرأ بعدُ؛ وقال النَّهديّ حين أصابه: خذها مِن مالك، من فاعل كذا (١). (٦/ ٣١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني النّضر بن صالح، عن حسَّان بن فائد بن بكير، قال: لمَّا أمْسَينا في القصر في اليوم الثالث، دعانا ابن مطيع فذكر الله بما هو أهله، وصلَّى على نبيَّه - ﷺ -، وقال: أما بعد، فقد علمت الَّذين صنعوا هذا منكم مَن هم، وقد علمت أنَّما هم أراذِلكم وسفهاؤكم، وطغامُكم وأخسَّاؤكُم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأنّ أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي، ومُعْلمه طاعتكم وجهادكم عدوَّه، حتَّى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به عليّ ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعةَ، فقال له شبَث: جزاك الله من أمير خيرًا! فقد والله عففت عن أموالنا، وأكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنّا لنفارقَك أبدًا إلّا ونحن منك في إذن، فقال: جزاكم الله خيرًا، أخذ امرؤٌ حيث أحبّ، ثم خرج من نحو دروب الرومييّن حتى أتى دار أبي موسى، وخلّى القصر، وفتح أصحابهُ البابَ، فقالوا: يا بن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون؛ فخرجوا فبايعوا المختار (٢). (٦/ ٣١ - ٣٢).\nقال أبو مخنف: فحدّثني موسى بن عامر العدويّ؛ من عديّ جهينة - وهو أبو الأشعر - أنّ المختار جاء حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشرافُ الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبرَ، فحَمِد الله وأثنى عليه، فقال: الحمد لله الَّذي وعد وليَّهُ النصرَ، وعدوَّه الخُسْرَ، وجعله فيه إلى آخر الدهر وعْدًا مفعولًا، وقضاءً مقضيًّا، وقد خاب من افترى، أيها الناس، إنَّه رُفعت لنا راية، ومُدّت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها ولا تَضَعوها، وفي الغاية: أن اجْروا إليها ولا تَعدوها، فسمعْنا دعوةَ الداعي، ومقالةَ الوَاعي؛ فكم من ناع وناعية لقتلى في الواعية! وبُعدًا لمن طغى وأدبر،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":76},{"text":"وعَصَى وكذّب وتولَّى. ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى، فلا والَّذي جعل السماءَ سَقْفًا مكفوفًا، والأرضَ فجَاجًا سُبُلا، ما بايعتم بعد بيعة عليّ بن أبي طالب وآل عليّ أهدَى منها.\nثمّ نزل فَدَخل ودخلنا عليه وأشراف الناس، فبَسَط يدَه وابتدره الناس فبايعوه، وجعل يقول: تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيّه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المُحِلّين، والدفع عن الضّعفاء، وقتال مَنْ قاتلنا، وسلم مَنْ سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم؛ فإذا قال الرجل: نعم، بايَعَه، قال: فكأني والله أنظر إلى المنذر بن حسَّان بن ضِرار الضبيّ إذ أتاه حتَّى سلَّم عليه بالإمْرة، ثمّ بايعه وانصرف عنه، فلمَّا خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوريّ في عصابة من الشِّيعة واقفًا عند المصطبة، فلمَّا رأوه ومعه ابن حيَّان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رؤوس الجبَّارين، فشَدُّوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح بهم سعيدُ بن منقذ: لا تَعجَلوا، لا تعجَلوا حتى ننظر ما رأيُ أميركم فيه، قال: وبلغ المختارَ ذلك، فكرهه حتى رُئي ذلك في وجهه، وأقبل المختار يمنّي الناسَ، ويستجرّ مودّتهم ومودّة الأشراف، ويُحسن السيرة جُهدَه.\nقال: وجاءه ابن كامل فقال للمختار: أعلمتَ أنّ ابن مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يُجبه بشيء، فأعادها عليه ثلاث مرات، فلم يُجبه، ثمّ أعادها فلم يُجِبه، فظنّ ابن كامل أنّ ذلك لا يوافقه، وكان ابن مطيع قبلُ للمختار صَدِيقًا، فلمَّا أمسى بعث إلى ابن مطيع بمئة ألف درهم. فقال له: تجهَّزْ بهذه واخرج؛ فإني قد شعرت بمكانك، وقد ظننتُ أنَّه لم يمنعْك من الخروج إلّا أنَّه ليس في يديك ما يقوّيك على الخروج، وأصاب المختار تسعةَ آلاف ألف في بيت مال الكوفة، فأعطى أصحابه الَّذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر - وهم ثلاثة آلاف وثمانمئة رجل - كلّ رجل خمسمئة درهم، خمسمئة درهم، وأعطى ستَّة آلاف من أصحابه أتَوْه بعدما أحاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيَّام حتَّى دخل القصر مئتين مئتين، واستقبل الناس بخير، ومَنَّاهم العدل وحسنَ السيرة، وأدنى الأشرافَ، فكانوا جلساءَه وحُدّاثَه، واستعمل على شُرْطتِه عبد الله بن كامل الشَّاكريّ، وعلى حَرَسه كيسان أبا عَمْرَة","vol":"10","page":77},{"text":"مولى عُرَينة؛ فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدّثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثِه عليهم، فقال لأبي عَمْرة بعضُ أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الّذين رأيتهم يكلِّمونك؟ فقال له - وأسرّ إليه: شقّ عليهم أصلحك الله صَرْفَك وجهَك عنهم إلى العرب، فقال له: قُل لهم: لا يشقنّ ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم، ثمّ سكت طويلًا، ثم قرأ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. قال فحدّثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو إلّا أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا كأنكم والله به قد قَتَلَهم (١). (٦/ ٣٢ - ٣٣).\nقال أبو مخنف: حدّثني حَصِيرة بن عبد الله الأزديّ وفُضَيل بن خَديج الكنديّ والنضر بن صالح العبسي، قالوا: أوّل رجل عقد له المختار رايةَ عبدَ الله بن الحارث أخو الأشتر، عقَد له على أرمينيّة، وبعث محمَّد بن عمير بن عُطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على المَوْصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جُوخَى، وبعث قُدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصريّ، وهو حليف لثقيف على بِهْقُباذ الأعلى، وبعث محمَّد بن كعب بن قَرَظةَ على بهقُباذ الأوسط، وبعث حبيب بن منقذ الثوريّ على بهقُباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليَمَان على حُلوان، وكان مع سعد بن حذيفة ألفَا فارس بحُلوان، قال: ورزقه ألف درهم في كلّ شهر، وأمره بقتال الأكراد، وبإقامة الطرق، وكتب إلى عمّاله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كُوَرهم إلى سعد بن حذيفة بحُلوان، وكان عبد الله بن الزبير قد بعث محمَّد بن الأشعث بن قيس على الموصل، وأمره بمكاتبة ابن مطيع وبالسمع له والطاعة، غير أنّ ابن مطيع لا يقدر على عزله إلا بأمر ابن الزبير، وكان قبل ذلك في إمارة عبد الله بن يزيدَ، وإبراهيم بن محمد منقطعًا بإمارة الموصل، لا يكاتِب أحدًا دون ابنِ الزُّبير.\nفلما قدم عليه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس من قِبَل المختار أميرًا تنحَّى له عن الموصل، وأقبل حتى نزل تَكْريت، وأقام بها مع أناس من أشراف قومه\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":78},{"text":"وغيرهم، وهو معتزل ينظر ما يصنع الناس، وإلى ما يصير أمرُهم، ثم شخص إلى المختار فبايع له، ودخل فيما دَخل فيه أهلُ بلده (١). (٦/ ٣٣ - ٣٤).\nقال أبو مخنف: وحدّثني صلة بن زهير النَّهديُّ، عن مسلم بن عبد الله الضّبابيّ، قال: لمَّا ظهر المختار واستمكن، ونفى ابن مطيع وبعثَ عمَّاله، أقبل يجلس للناس غُدوةً وعشيَّة، فيقضي بين الخصمين، ثمّ قال: والله إنّ لي فيما أزاول وأحاول لشُغْلا عن القضاء بين الناس، قال: فأجلس للناس شُريحًا، وقَضَى بين الناس، ثمّ إنَّه خافهم فتمارَض، وكانوا يقولون: إنَّه عُثمانيّ، وإنَّه ممَّن شهد على حُجْر بن عديّ، وإنه لم يُبلغ عن هانئ بن عروة ما أرسلَه به - وقد كان عليّ بن أبي طالب عَزلَه عن القضاء - فلمّا أن سمع بذلك ورآهم يذمّونه ويُسنِدون إليه مِثلَ هذا القول تَمارَض وجعل المختارُ مكانه عبدَ الله بن عتبة بن مسعود، ثمّ إنَّ عبد الله مرض، فجعل مكانَه عبد الله بن مالك الطائيّ قاضيًا.\nقال مسلم بن عبد الله: وكان عبد الله بن همّام سمع أبا عمرةَ يذكر الشّيعة وينال من عثمان بن عفَّان، فقنّعه بالسوط، فلما ظهر المختار كان معتزلًا حتى استأمن له عبدُ الله بن شدّاد، فجاء إلى المختار ذاتَ يوم فقال:\nألا انْتَسأَتْ بالوُدِّ عنك وأدْبَرَتْ ... مُعالِنَةً بالهَجْر أُمُّ سَرِيعِ\nوحَمَّلَها وَاشٍ سَعَى غير مُؤتَلٍ ... فأُبْتَ بِهمٍّ في الفؤاد جميع\nفَخفِّضْ عليك الشأنَ لا يُرْدِك الهوى ... فليس انتقالُ خَلَّة ببِديع\nوفي ليلة المختار ما يُذْهِلُ الفتى ... ويُلهِيهِ عن رؤد الشَّباب شَمُوع\nدعا يالثاراتِ الحسين فأقبلتْ ... كتائبُ مِنْ هَمْدانَ بعد هَزِيع\nومن مذْحِج جاء الرئيسُ ابنُ مالك ... يقُودُ جُموعًا عُبِّيتْ بِجُمُوع\nومنْ أَسَدٍ وافَى يزيدُ لِنَصْرِهِ ... بكلِّ فتًى حامِي الذِّمار منيع\nوجاءَ نُعَيْمٌ خيرُ شَيْبانَ كلّها ... بأمرٍ لدى الهَيجا أَحَدَّ جميع\nوما ابن شميط إذ يُحَرِّضُ قومهُ ... هناك بِمَخذْولٍ ولا بمُضِيع\nولا قَيس نَهدٍ لا ولا ابنُ هَوازنٍ ... وكلٌّ أَخو إخْباتةٍ وخُشُوع\nوسار أبو النُّعمانِ للهِ سَعيهُ ... إلى ابن إياسٍ مُصْحِرًا لوقوعِ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":79},{"text":"بِخَيْل عليها يومَ هَيْجَا دُرُوعُها ... وأُخرى حُسُورًا غيرَ ذاتِ دُرُوع\nفكَرَّ الخُيولُ كرةً ثَقِفَتْهُمُ ... وشَدَّ بأُولَاها على ابن مُطيع\nفَولَّى بضربٍ يَشْدَخُ الهام وَقْعُهُ ... وطعنٍ غداةَ السِّكَّتينِ وجيع\nفحُوصِرَ في دار الإمَارة بائيًا ... بذُلٍّ وإرغامٍ له وخُضوع\nفمَنَّ وزيرُ ابن الوصيّ عليهمُ ... وكان لهمْ في الناس خيرَ شفيع\nوآبَ الهدى حقًّا إلى مُسْتَقَرِّهِ ... بخيرِ إيابٍ آبَهُ وَرُجُوع\nإلى الهاشميّ المهتدِي المهتدَى به ... فنحنُ له من سامعٍ ومطيع\nقال: فلمَّا أنشدها المختارَ قال المختار لأصحابه: قد أثنَى عليكم كما تسمعون، وقد أحسن الثَّناءَ عليكم، فأحسِنوا له الجزاء، ثمّ قام المختار، فدخل وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتَّى أخرج إليكم؛ قال: وقال عبد الله بن شدّاد الجُشَميّ: يا بن همّام: إنّ لك عندي فرسًا ومُطْرَفًا، وقال قيس بن طَهْفة النَّهديّ - وكانت عنده الرّباب بنت الأشعث: فإنّ لك عندي فرسًا ومُطْرفًا، واستحيا أن يعطيَه صَاحبُه شيئًا لا يعطي مثله، فقال ليزيد بن أنس: فما تعطيه؟ فقال يزيد: إن كان ثوابَ الله أراد بقوله فما عند الله خيرٌ له، وإنْ كان إنَّما اعتَرَى بهذا القول أموالَنا، فوالله ما في أموالنا ما يسعُه؛ قد كانت بقيتْ من عطائي بقيَّة فقوّيت بها إخواني؛ فقال أحمر بن شُمَيط مبادرًا لهم قبل أن يكلّموه: يا بن همّام، إن كنتَ أردت بهذا القول وجهَ الله فاطلب ثوابَك من الله، وإن كنتَ إنَّما اعتريت به رِضَا الناسِ وطلبَ أموالهم، فاكْدِم الجَنْدل، فوالله ما مَنْ قال قولًا لغير الله وفي غير ذات الله بأهلٍ أن ينحَل، ولا يوصَل؛ فقال له: عضضتَ بأير أبيك! فرفع يزيد بن أنس السوط وقال لابن همام: تقول هذا القولَ يا فاسق! وقال لابن شُمَيط: اضربه بالسيف، فرفع ابن شميط عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلَّتون على ابن همام، وأخذ بيده إبراهيم بن الأشتر فألقاه وراءه، وقال: أنا له جارٍ، لِمَ تأتون إليه ما أرى! فوالله إنَّه لواصل الولاية، راضٍ بما نحن عليه، حسَن الثناء، فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضَه، ولا تَسفِكوا دَمَه، ووثبتْ مَذْحِج فحالت دونه، وقالوا: أجارَهُ ابن الأشتر، لا واللهِ لا يُوصَل إليه، قال: وسمع لغَطهم المختار، فخرج إليهم، وأومأ بيده إليهم، أن اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم: إذا قيل لكم خير فاقْبَلوه، وإن قدرتم على مكافأة فافعلوا،","vol":"10","page":80},{"text":"وإن لم تقدروا على مكافأة فتنصَّلوا، واتقوا لسانَ الشاعر، فإنّ شرَّه حاضر، وقولَه فاجر، وسعيَه بائر، وهو بكم غدًا غادر، فقالوا: أفلا نقتله؟ قال: إنَّا قد آمَنَّاه وأَجَرْناه، وقد أجاره أخوكم إبراهيم بن الأشتر، فجلس مع الناس.\nقال: ثمّ إنّ إبراهيم قام فانصرف إلى منزله فأعطاه ألفًا وفرسًا ومُطرَفًا فرجع بها وقال: لا والله، لا جاورت هؤلاء أبدًا، وأقبلتْ هوازنُ وغضبتْ واجتمعتْ في المسجد غضبًا لابن همّام، فبعث إليهم المختار فسألهم أن يصفحوا عمّا اجتمعوا له، ففعلوا، وقال ابن همّام لابن الأشتر يمدحه:\nأطْفأَ عَنّى نَارَ كَلْبَين أَلَّبا ... عليَّ الكلابَ ذو الفِعال ابنُ مالكِ\nفتىً حين يَلقى الخيلَ يَفْرقُ بينها ... بطعن دِرَاكٍ أو بضرب مُواشِكِ\nوقد غضِبَتْ لي مِنْ هوازنَ عُصبةٌ ... طوالُ الذَّرا فيها عراض المَبَارِك\nإذا ابنُ شُمَيط أو يزيد تعرَّضا ... لها وقَعَا في مُسْتَحار المهالك\nوثبْتُمْ علينا يا مواليَ طَيئٍ ... مع ابن شميط شَرِّ ماشٍ ورَاتِكِ\nوأعظم ديَّارٍ على اللهِ فِرْيةً ... وما مُفْتَرٍ طاغٍ كآخَرَ نَاسِكِ\nفيا عجبًا مِنْ أَحْمس ابنةِ أَحمَسٍ ... تَوَثّبُ حوْلي بالقنا والنَّيازِكِ\nكأَنكُمُ في العِزِّ قيسٌ وخثعمٌ ... وهل أنتمُ إلَّا لثَامُ عَوَارِكِ\nوأقبل عبد الله بن شدّاد من الغد فجلس في المسجد يقول: علينا توثَّبُ بنو أسد وأحمس! والله لا نرضى بهذا أبدًا، فبلغ ذلك المختار، فبعث إليه فدعاه، ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط، فحَمِد الله وأثنَى عليه وقال: يا بن شدّاد، إنّ الَّذي فعلتَ نَزْغة من نزَغات الشيطان، فُتب إلى الله، قال: قد تُبْت، وقال: إنّ هذين أخواك، فأقبِل إليهما، واقبل منهما، وهب لي هذا الأمر، قال: فهو لك، وكان ابن همّام قد قال قصيدةً أخرى في أمر المختار، فقال:\nأضحت سُلَيْمى بعدَ طولِ عِتابِ ... وتَجَرُّمٍ ونَفاد غَرْبِ شَبابِ\nقد أَزْمَعت بصَريمتي وتَجنّبي ... وتهوُّكٍ مُذْ ذاك في إعتابِ\nلمّا رأيتُ القصر أُغلقَ بابُهُ ... وتوكَّلت هَمْدانُ بالأَسباب\nورأَيتُ أصحابَ الدَّقيق كأَنَّهمْ ... حولَ البُيُوت ثعالبُ الأَسراب\nورأيتُ أبوابَ الأَزِقَّة حولَنا ... درَبَت بكلِّ هِرَاوة وذُباب","vol":"10","page":81},{"text":"أيْقَنتُ أنَّ خيولَ شيعةِ راشِدٍ ... لم يبْق منها فَيْشُ أَيْرِ ذُباب (١)\n(٦/ ٣٤ - ٣٨)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>ذكر الخبر عن أمر المختار مع قتَلة الحسين بالكوفة</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة وثب المختارُ بمن كان بالكوفة من قَتَلة الحسين والمشايعين على قتله، فقَتل من قَدَر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم، فلم يقدر عليه.\n* ذكر الخبر عن سبب وثوبه بهم وتسمية من قتل منهم ومَنْ هرب فلم يقدر عليه منهم:\nوكان سبب ذلك - فيما ذكره هشام بن محمَّد، عن عوانة بن الحكم - أن مَرْوان بن الحكم لمَّا استوسقت له الشامُ بالطَّاعة، بعث جيشَين أحدهما إلى الحجاز عليه حُبَيش بن دُلجة القينيّ - وقد ذكرنا أمرَه وخبرَ مهلَكه قبلُ - والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيد الله بن زياد - وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوّابين من الشيعة بعَين الوَردة - وكان مرْوان جعل لعبيد الله بن زياد إذ وجَّهه إلى العراق ما غلب عليه، وأمَرَه أن يَنهَب الكوفة إذا هو ظفر بأهلِها ثلاثًا.\nقال عوانة: فمرّ بأرض الجزيرة فاحتبس بها وبها قيسُ عَيْلان على طاعة ابن الزبير، وقد كان مروانُ أصاب قيسًا يوم مَرْج راهط وهم في الضحَّاك بن قيس مخالفين على مرْوان، وعلى ابنه عبد الملك من بعده، فلم يزل عبيد الله مشتغلًا بهم عن العراق نحوًا من سنة، ثمّ إنَّه أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عاملُ المختار على الموصل إلى المختار: أما بعد، فإني أخبرك أيها الأمير أنّ عبيد الله بن زياد قد دخل أرض الموصل، وقد وجَّه قِبَلي خيلَه ورجالَه، وأنى انحزْت إلى تكْريتَ حتَّى يأتيَني رأيُك وأمرُك، والسلام عليك.\nفكتب إليه المختار: أمَّا بعد، فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ كلَّ ما ذكرتَ فيه، فقد أصبتَ بانحيازك إلى تكريت، فلا تبرحنّ مكانك الّذي أنت به حتَّى يأتيَك\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":82},{"text":"أمري إن شاء الله، والسلام عليك (١). (٦/ ٣٨ - ٣٩).\nقال هشام: عن أبي مخنف: حدّثني موسى بن عامر، أنّ كتاب عبد الرحمن بن سعيد لمَّا ورد على المختار بعث إلى يزيد بن أنس فدعاه، فقال له: يا يزيدَ بن أنس، إنّ العالِم ليس كالجاهل، وإنّ الحق ليس كالباطل، وإني أخبرك خبر من لم يكذِب ولم يكذَّب، ولم يُخالِف ولم يرتب، وإنَّا المؤمنون الميامين، الغالبون المساليم، وإنَّك صاحب الخيل الَّتي تجرّ جِعابها، وتضفر أذنابها، حتَّى تُوردها منابتَ الزيتون، غائرةً عيونُها، لاحقةً بطونُها، اخرُج إلى المَوصل حتَّى تنزلَ أدانيها، فإني ممدّك بالرّجال بعد الرّجال، فقال له يزيد بن أنس: سرّحْ معي ثلاثةَ آلاف فارس أنتخبُهم وخَلّني والفرْج الَّذي توجَّهنا إليه، فإن احتجتُ إلى الرّجال فسأكتب إليك؛ قال له المختار: فاخرج فانتخب على اسم الله مَنْ أحببت فخرج فانتخب ثلاثة آلافِ فارس، فجعل على رُبْع المدينة النعمانَ بن عوف بن أبي جابر الأزديّ، وعلى رُبْع تميم وهمْدان عاصم بن قيس بن حبيب الهمْدانيّ، وعلى مَذْحج وأسَد ورقاء بن عازب الأسديّ، وعلى رُبْع ربيعة وكندة سعْر بن أبي سِعْر الحنفيّ.\nثم إنَّه فصل من الكوفة، فخرج وخرج معه المختار والناس يشَيعونه، فلما بلغ دير أبي موسى ودّعه المختار وانصرف، ثم قال له: إذا لقيتَ عدوّك فلا تُناظرهم، وإذا أمكنتْك الفرصةُ فلا تؤخّرها، وليكن خبرُك في كلّ يوم عندي، وإن احتجت إلى مَدد فاكتب إليّ؛ مع أني مُمِدّك ولو لم تَستمدِد، فإنَّه أشدّ لعَضُدك، وأعزّ لجُنْدك، وأرْعَب لعدوّك، فقال له يزيد بن أنس: لا تمدّني إلا بدعائك، فكفى به مَددًا، وقال له الناس: صَحِبكَ اللهُ وأدّاك وأيَّدك، وودّعوه فقال لهم يزيد: سلوا الله ليَ الشهادة، وايمُ الله لئن لقيتُهم ففاتني النصرُ لا تَفُتْني الشهادة إن شاء الله، فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس: أما بعد، فخلّ بين يزيدَ وبين البلاد إن شاء الله، والسلام عليك، فخرج يزيد بن أنس بالناس حتَّى بات بسُورَا ثم غدا بهم سائرًا حتى بات بهم بالمدائن؛ فشكا الناسُ إليه ما دخلهم من شدّة السير عليهم، فأقام بها يومًا وليلة، ثمّ إنَّه اعترض\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتروك.","vol":"10","page":83},{"text":"بهم أرض جُوخَى حتَّى خرج بهم في الراذانات، حتَّى قطع بهم إلى أرض الموصل، فنزلت ببنات تلي، وبلغ مكانُه ومنزلُه الَّذي نزل به عبيدَ الله بن زياد، فسأل عن عدّتهم، فأخبرتْه عيونُه أنَّه خرج معه من الكوفة ثلاثةُ آلاف فارس، فقال عبيد الله: فأنا أبعث إلى كلّ ألف ألفين، ودعا ربيعة بن المخارق الغنويّ، وعبد الله بن حمْلة الخثعميّ، فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، وبعث ربيعة بن المخارق أوّلًا، ثمّ مكث يومًا، ثمّ بعث خلفه عبد الله بن حمْلة، ثم كتب إليهما: أيّكما سَبَق فهو أمير على صاحبه، وإن انتهيتما جميعًا فأكبركما سِنّا أميرٌ على صاحبه والجماعة، قال: فسبق ربيعة بن المخارق فنزل بيزيد بن أنس وهو ببنات تلي، فخرج إليه يزيد بن أنس وهو مريض مضنىً (١). (٦/ ٣٩ - ٤٠).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصَّيْقل، قال: خرج علينا يزيد بن أنس وهو مريض على حمار يمشي معه الرجال يُمسِكونه عن يمينه وعن شماله، بفخذيه وعضديه وجنبيه، فجعل يقف على الأرباع:\nرُبْع ربع ويقول: يا شرطة الله، اصبروا تُؤجَرُوا، وصابروا عدوّكم تَظفَروا، وقاتِلوا أولياءَ الشيطان، إنّ كَيْدَ الشيطانِ كان ضعيفًا، إن هلكتُ فأميركم ورقاء بن عازب الأسديّ، فإن هَلَك فأميرُكم عبد الله بن ضَمْرة العذريّ، فإن هلك فأميرُكم سِعْر بن أبي سعر الحنفيّ، قال: وأنا والله فيمن يمشي معه ويُمْسِك بعضده ويده، وإني لأعرف في وجهه أنّ الموت قد نزل به، قال: فجعل يزيدُ بن أنس عبد الله بن ضَمْرة العذريّ على ميمنته، وسِعْر بن أبي سعر على ميسرته، وجعل ورقاءَ بن عازب الأسديّ على الخيل، ونزل هو فوُضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم: ابرزوا لهم بالعرَاء، وقدّموني في الرجال، ثمّ إن شئتم فقاتلوا عن أميركم، وإن شئتم ففرّوا عنه، قال: فأخرجناه في ذي الحجَّة يومَ عرفة سنة ست وستين فأخذْنا نُمسك أحيانًا بظَهْره فيقول: اصنعوا كذا، اصنعوا كذا، وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثمّ لا يكون بأسرعَ من أن يغلبه الوجعُ فيوُضع هُنَيهة ويقتتل الناسُ، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس، قال:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":84},{"text":"فحملتْ ميسرتهم على مَيمنتِنا، فاشتدّ قتالُهم، وتَحمِل ميسرتُنا على ميمنتهم فتهزمها، ويَحمِل ورقاء بن عازب الأسديّ في الخيل فهزَمهم، فلم يرتفع الضحى حتَّى هزمناهم، وحَويْنا عسكرهم (١). (٦/ ٤٠ - ٤١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني موسى بن عامر العدَويّ: انتهينا إلى ربيعة بن المخارق صاحبهم، وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادي: يا أولياء الحقّ، ويا أهلَ السمع والطاعة، إليّ أنا ابن المخارق، قال موسى: فأمَّا أنا فكنتُ غلامًا حَدَثا، فَهِبْته ووقفتُ، ويَحمِل عليه عبدُ الله بن ورقاءَ الأسديّ، وعبد الله بن ضَمْرة العذريّ، فقَتَلاه (٢). (٦/ ٤١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عمرو بن مالك أبو كبشة القينيّ؛ قال: كنت غلامًا حين راهقتُ مع أحد عمومتي في ذلك العسكر، فلمَّا نزلنا بعسكر الكوفيّين عبَّأنا ربيعة بن المخارق فأحسنَ التعبئة، وجعل على ميمنته ابنَ أخيه، وعلى ميسرته عبدَ ربّه السلميّ، وخرج هو في الخيل والرجال وقال: يا أهل الشام، إنَّكم إنَّما تقاتلون العبيد الأبَّاقَ، وقومًا قد تركوا الإسلام وخرجوا منه، ليست لهم تقيَّة، ولا ينطقون بالعربيَّة؛ قال: فوالله إن كنت لأحْسِب أنّ ذلك كذلك حتَّى قاتلناهم، قال: فوالله ما هو إلّا أن اقتتل الناس إذا رجلٌ من أهل العراق يعترض الناس بسيفه وهو يقول:\nبَرِئتُ مِنْ دِينِ المحكِّمينا ... وذَاكَ فينا شَرُّ دينٍ دِينَا\nثمّ إنّ قتالنا وقتالَهم اشتدّ ساعةً من النهار، ثمّ إنَّهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبَنا، وحَووْا عسكَرَنا، فخرجنا منهزمين حتَّى تلقَّانا عبدُ الله بن حمْلة على مسيرة ساعة من تلك القرية التي يقال لها بنات تلي، فردَّنا، فأقبلْنا معه حتَّى نزل بيزيد بن أنس، فبتْنا متحارِسين حتَّى أصبحنا فصلَّينا الغداة، ثمّ خرجنا على تعبئة حَسَنة، فجعل على ميمنته الزبيرَ بن خُزَيمة، من خثعم، وعلى ميسرته ابن أقيصر القحافيُّ من خثعم، وتقدّم في الخيل والرجال، وذلك يوم الأضحى، فاقتتلنا قتالًا شديدًا، ثمّ إنَّهم هزمونا هزيمةً\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":85},{"text":"قبيحة، وقتلونا قتالًا ذريعًا، وحووْا عسكرنا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى عبيد الله بن زياد فحدثناه بما لَقِينا (١). (٦/ ٤١ - ٤٢).\nقال أبو مخنف: وحدّثني موسى بن عامر قال: أقبل إلينا عبدُ الله بن حَمْلة الخثعمي، فاستقبل فلَّ ربيعة بن المخارق الغنوىّ فردَّهم، ثمّ جاءَ حتَّى نزل ببنات تلي، فلمَّا أصبح غادوا وغادينا، فتطاردت الخيلان من أوّل النهار، ثم انصرفوا وانصرفْنا، حتَّى إذا صلَّينا الظهر خرجنا فاقتتلنا، ثمّ هزمناهم، قال: ونزل عبد الله بن حَمْلة فأخذ ينادي أصحابه: الكَرَّة بعد الفرّة، يا أهل السمع والطاعة! فحمل عليه عبدُ الله بن قراد الخثعميّ فقتَله، وحوَيْنا عسكرهم وما فيه، وأتِيَ يزيد بن أنس بثلاثمئة أسير وهو في السوق، فأخذ يومئُ بيده أن اضربوا أعناقَهم، فقُتِلوا من عند آخرهم.\nوقال يزيد بن أنس: إنْ هلكتُ فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فما أمسَى حتَّى مات، فصلَّى عليه ورقاءُ بن عازب ودفنَه، فلمَّا رأى ذلك أصحابُه أسقِط في أيديهم، وكَسَر موتُه قلوبَ أصحابه، وأخذوا في دفنه، فقال لهم ورقاء: يا قوم، ماذا ترون؟ إنَّه قد بلغني أنّ عبيد الله بن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفًا من أهل الشام، فأخذوا يتسلَّلون ويرجعون، ثم إنّ ورقاء دعا رؤوسَ الأرباع وفُرسانَ أصحابه فقال لهم: يا هؤلاء، ماذا ترون فيما أخبرتُكم؟ إنَّما أنا رجل منكم، ولست بأفضلكم رأيًا، فأشيروا عليّ، فإنّ ابن زياد قد جاءكم في جُنْد أهل الشام الأعظم، وبجلَّتهم وفُرسانهم وأشرافهم، ولا أرى لنا ولكم بهم طاقةً على هذه الحال، وقد هلك يزيدُ بن أنس أميرنا، وتفرّقت عنَّا طائفة مِنَّا، فلو انصرفنا اليومَ من تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم، وقبلَ أن نَبلُغهم، فيعلَموا أنَّا إنَّما ردَّنا عنهم هلاكُ صاحبنا، فلا يزالوا لنا هائبين لقَتْلنا منهم أميرهم! ولأنَّا إنَّما نعتلّ لانصرافنا بموت صاحبنا، وإنَّا إن لقيناهم اليومَ كنَّا مخاطرين، فإن هُزمنا اليوم لم تنفعْنا هزيمتُنا إيَّاهم من قبل اليوم. قالوا: فإنَّك نعمَّا رأيت، انصرِفْ رحمك الله، فانصرف فبلغ مُنصَرَفُهم ذلك المختارَ وأهلَ الكوفة، فأرْجف الناسُ، ولم يعلموا كيف كان الأمر أنّ يزيد بن أنس هَلَك، وأنّ الناس هُزِموا، فبعث إلى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":86},{"text":"المختار عاملُه على المدائن عينًا له من أنباط السواد فأخبره الخبر، فدعا المختارُ إبراهيمَ بن الأشتر فعَقَد له على سبعة آلاف رجل، ثم قال له: سرْ حتَّى إذا أنت لقيتَ جيشَ ابن أنس فارددْهم معك، ثمّ مرّ حتَّى تلقى عدوّك فتُناجِزَهُم، فخرج إبراهيم فوَضع عسكَره بحمَّام أعْيَن (١). (٦/ ٤٢ - ٤٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو زهير النضر بن صالح، قال: لمَّا مات يزيد بن أنس التقَى أشرافُ الناس بالكوفة فأرْجفوا بالمختار وقالوا: قتِل يزيد بن أنس، ولم يصدّقوا أنَّه مات وأخذوا يقولون: واللهِ لقد تأمَّر علينا هذا الرجل بغير رضًا منَّا ولقد أدنى مواليَنا، فحمَلَهم على الدواب، وأعطاهم وأطعَمَهم فيئنا، ولقد عصتْنا عبيدُنا، فحرِب بذلك أيتامنا وأراملنا، فاتَّعدوا منزلَ شَبَث بن ربعيّ وقالوا: نجتمع في منزل شيخنا - وكان شبث جاهليًّا إسلاميًّا - فاجتمعوا فأتَوا منزلَه، فصلَّى بأصحابه، ثمّ تذاكروا هذا النحو من الحديث قال: ولم يكن فيما أحدث المختارُ عليهم شيء هو أعظمُ من أن جعل للموالي الفَيء نصيبًا - فقال لهم شَبَث: دعوني حتى ألقاه؛ فذهب فلقيه، فلم يدعْ شيئًا ممَّا أنكره أصحابه إلّا وقد ذاكَرَه إيَّاه، فأخذ لا يذكر خصلةً إلّا قال له المختار: أُرضِيهم في هذ الخَصلة، وآتي كلَّ شيء أحبّوا؛ قال: فذكر المماليك؛ قال: فأنا أردّ عليهم عبيدَهم، فذكر له الموالي، فقال: عمدتَ إلى موالينا، وهم فيءٌ أفاءَه الله علينا وهذه البلاد جميعًا فأعتقْنا رقابَهم، نأمُلُ الأجرَ في ذلك والثواب والشكر، فلم تَرْض لهم بذلك حتَّى جعلتَهم شركاءَنا في فيئنا، فقال لهم المختار: إنْ أنا تركتُ لكم مواليكم، وجعلتُ فَيْئَتكم فيكم، أتقاتلون معي بني أميَّة وابنَ الزبير، وتعطُون على الوفاء بذلك عهدَ الله وميثاقَه، وما أطمئنّ إليه من الأيمان؟ فقال شبَث: ما أدري حتَّى أخرج إلى أصحابي فأذاكرَهم ذلك، فخرج فلم يرجع إلى المختار. قال: وأجمعَ رأي أشرافِ أهل الكوفة على قتال المختار (٢). (٦/ ٤٣ - ٤٤).\nقال أبو مخنف: فحدّثني قُدامةُ بن حوْشب، قال: جاءَ شَبَث بن رِبْعيّ وشَمِر بن ذي الجَوْشن ومحمَّد بن الأشعث وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس حتَّى دخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعميّ، فتكلَّم شَبَث، فَحَمِد الله وأثَنى عليه،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":87},{"text":"ثمّ أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار، وسأله أن يجيبهم إلى ذلك، وقال فيما يَعُيب به المختار: إنَّه تأمَّر علينا بغير رِضًا منَّا، وزعم أنّ ابنَ الحنفيَّة بعثه إلينا، وقد علمْنا أنّ ابن الحنفيَّة لم يفعل، وأطعم موالِيَنا فيئنا، وأخذ عبيدَنا، فحرِب بهم يتامانا، وأراملنا، وأظهر هو وسَبئيَّته البراءةَ من أسلافنا الصالحين، قال: فرحّب بهم كعب بن أبي كعب، وأجابهم إلى ما دَعَوْه إليه (١). (٦/ ٤٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبي يحيى بن سعيد أنّ أشراف أهل الكوفة قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف، فدعَوه إلى أن يجيبهم إلى قتال المختار، فقال لهم: يا هؤلاء، إنَّكم إن أبيتم إلّا أن تخرجوا لم أخذُلكم، وإن أنتم أطعتموني لم تخرجوا، فقالوا لِمَ؟ قال: لأني أخاف أن تتفرّقوا وتختلفوا وتتخاذَلوا، ومع الرجل والله شجعاؤكم، وفرسانكم من أنفسكم؛ أليس معه فلان وفلان! ثمّ معه عبيدُكم ومواليكم، وكلمةُ هؤلاء واحدةٌ، وعبيدكم ومواليكم أشدّ حَنَقًا عليكم من عدوّكم، فهو مقاتلكم بشجاعة العرب، وعداوةِ العَجَم، وإن انتظرتموه قليلًا كُفيتموه بقدوم أهلِ الشام، أو بمجيء أهل البصرة، فتكونوا قد كُفيتموه بغيركم، ولم تَجعَلوا بأسَكم بينكم، قالوا: نَنْشَدُك الله أنْ تخالفنا، وأن تُفسد علينا رأينَا وما قد اجتمعتْ عليه جماعتُنا، قال: فأنا رجلٌ منكم، إذا شئتم فاخرجوا، فسار بعضُهم إلى بعض وقالوا: انتظروا حتى يذهب عنه إبراهيم بن الأشتر؛ قال: فأمهلوا حتى إذا بلغ ابن الأشتر سابَاطَ، وثَبُوا بالمختار، قال: فخرج عبدُ الرحمن بنُ سعيد بن قيس الهمدانيّ في همدانَ في جبَّانة السَّبيع، وخرج زَحْر بن قيس الجُعْفي، وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث في جبَّانة كِنْدة (٢). (٦/ ٤٤ - ٤٥).\nقال هشام: فحدّثني سليمان بن محمَّد الحضرميّ، قال: خرج إليهما جبير الحضرميّ فقال لهما: اخرُجا عن جَبّانتنا، فإنَّا نكره أن نُعْرَى بشرّ؛ فقال له إسحاق بن محمَّد: وجبَّانتُكم هيَ؟ قال: نعم، فانصرفوا عنه؛ وخرج كعب بن أبي كعب الخثعميّ في جبَّانة بشر، وسار بشير بن جرير بن عبد الله إليهم في بَجِيلة، وخرج عبد الرحمن بن مخنف في جبَّانة مخنف، وسار إسحاق بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":88},{"text":"محمد وزَحْر بن قيس إلى عبد الرّحمن بن سعيد بن قيس بجبَّانة السَّبيع، وسارت بجيلةُ وخَثْعم إلى عبد الرحمن بن مخنف، وهو بالأزْد، وبلغ الَّذين في جبَّانة السَّبيع أنّ المختار قد عبَّأ لهم خيلًا ليسير إليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضُها بعضًا إلى الأزْد وبَجِيلة وخثعم، يسألونَهم بالله والرّحم لمّا عَجِلوا إليهم، فساروا إليهم واجتمعوا جميعًا في جبَّانة البيع، ولمَّا أن بلغ ذلك المختار سرَّه اجتماعهم في مكان واحد، وخرج شمر بن ذي الجوشن حتَّى نزل بجبَّانة بني سَلول في قيس، ونزل شَبَث بن ربعيّ وحسّان بن فائد العبسيّ وربيعة بن ثروانَ الضبيّ في مُضَر بالكُناسة، ونزل حجَّار بن أبْحر ويزيد بن الحارث بن رؤيم في ربيعة فيما بين التَّمَّارين والسَّبَخة، ونزل عمرو بن الحجَّاج الزّبيديّ في جبَّانة مُراد بمَنْ تبعه من مَذْحج، فبعث إليه أهلُ اليمن: أن ائتنا، فأبى أن يأتيَهم وقال لهم: جدّوا، فكأني قد أتيتُكم، قال: وبعث المختار رسولًا من يومه يقال له عمرو بن تَوْبة بالرَّكض إلى إبراهيم بن الأشتر وهو بسَابَاط ألّا تضع كتابي من يدك حتَّى تُقبل بجميع مَنْ مَعَك إليّ، قال: وبعث إليهم المختار في ذلك اليوم: أخبروني ما تريدون؟ فإني صانع كلَّ ما أحببتم، فقالوا: فإنَّا نريد أن تعتزِلَنا، فإنَّك زعمتَ أن ابنَ الحنفيَّة بعثك ولم يبْعَثك.\nفأرسل إليهم المختارُ أن ابعثوا إليه من قبَلكم وفدًا، وأبعثُ إليه من قِبَلي وفدًا، ثمّ انظروا في ذلك حتَّى تَتَبَيَّنُوه؛ وهو يريد أن يريثهم بهذه المقالة ليَقدَم عليه إبراهيمُ بن الأشتر، وقد أمر أصحابه فكفّوا أيديهم، وقد أخذ أهلُ الكوفة عليهم بأفواه السكك، فليس شيء يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء إلّا القليل الوتْح، يجيئهم إذا غفلوا عنه، قال: وخرج عبدُ الله بن سَبيع في الميدان، فقاتلته شاكر قتالًا شديدًا، فجاءه عُقْبة بن طارق الجُشَميّ فقاتل معه ساعة حتى ردَّ عاديَتَهم عنه، ثمّ أقبلا على حاميتهما يسيران حتَّى نزل عُقبة بن طارق مع قيس في جبَّانة بني سَلول، وجاء عبد الله بن سَبيع حتَّى نزل مع أهل اليمن في جبَّانة السَّبيع (١). (٦/ ٤٥ - ٤٦).\nقال أبو مخنف: حدّثني يونس بن أبي إسحاق، أنّ شمر بن ذي الجوشن أتَى\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتروك.","vol":"10","page":89},{"text":"أهلَ اليمن فقال لهم: إن اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنّبتين ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم، وإلّا فلا، والله لا أقاتل في مِثْل هذا المكان في سِكك ضيّقة، ونقاتَل من غير وجه، فانصرف إلى جماعة قومه في جبانة بني سَلول، قال: ولمَّا خرج رسولُ المختار إلى ابن الأشتر بلغه من يومه عشيَّةً، فنادى في الناس: أن ارجعوا إلى الكُوفة، فسار بقيَّة عشيَّته تلك، ثمّ نزل حين أمسى، فتعشّى أصحابه، وأراحوا الدوابَّ شيئًا كلا شيء، ثمّ نادى في الناس، فسار ليلتَه كلَّها، ثمّ صلَّى الغداة بسُورا، ثمّ سار من يومه فصلَّى العصر على باب الجسر من الغد، ثمّ إنَّه جاء حتى بات ليلَته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوّة والجلد، حتَّى إذا كان صبيحة اليوم الثالث من مُخرجهم على المختار، خرج المختارُ إلى المنبر فصعده (١). (٦/ ٤٦).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو جناب الكلبيّ أنّ شَبَث بن رِبْعيّ بعث إليه ابنه عبد المؤمن فقال: إنَّما نحن عشيرتُك وكفّ يمينك، لا والله لا نقاتلك، فثقْ بذلك مِنَّا، وكان رأيه قتاله، ولكنَّه كاده، ولمَّا أن اجتمع أهلُ اليمَن بجبانة السَّبيع حضرتِ الصلاة، فكَرِه كلّ رأس من رؤوس أهلِ اليمن أن يتقدّمه صاحبُه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أوّل الاختلاف، قدّموا الرضا فيكم، فإنّ في عشيرتكم سيِّد قرّاء أهل المصر، فليصل بكم رفاعةُ بن شدّاد الفتيانيّ من بجِيلة، ففعلوا، فلم يزل يصلّي بهم حتَّى كانت الوقعة (٢). (٦/ ٤٧).\nقال أبو مخنف: وحدّثني وازع بن السريّ أنّ أنس بن عمرو الأزديّ انطلق فدخل في أهل اليمن، وسمعهم وهم يقولون: إنْ سار المختار إلى إخواننا من مضرَ سرْنا إليهم، وإن سار إلينا ساروا إلينا، فسمِعَها منهم رجل، وأقبل جوادًا حتَّى صعد إلى المختار على المنبر، فأخبَره بمقالتهم، فقال: أمَّا هم فخُلَقَاء لو سرتُ إلى مضرَ أن يسيروا إليهم، وأمَّا أهل اليَمَن فأشهد لئن سرتُ إليهم لا تسير إليهم مضر، فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجلَ ويكرمه، ثم إنّ المختار نزل فعبّأ أصحابه في السوق - والسوق إذ ذاك ليس فيها هذا البناء - فقال لإبراهيم بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":90},{"text":"الأشتر: إلى أيّ الفريقين أحبّ إليك أن تسير؟ فقال: إلى أيّ الفريقين أحببت، فنظر المختار، وكان ذا رأي، فكره أن يسير إلى قومه فلا يبالغ في قتالهم - فقال: سرْ إلى مضرَ بالكُناسة وعليهم شَبَث بن ربعيّ ومحمَّد بن عمير بن عطارد، وأنا أسير إلى أهل اليمن.\nقال: ولم يزل المختار يُعرف بشدّة النفس، وقلَّة البُقْيَا على أهل اليمن، وغيرهم إذا ظفر، فسار إبراهيمُ بن الأشتر إلى الكُناسة، وسار المختار إلى جبَّانة السَّبيع، فوقف المختار عند دار عُمَر بن سعد بن أبي وقَّاص، وسرّح بين أيديه أحْمَر بن شُميط البجَليّ، ثمّ الأحمسيّ، وسرّح عبد الله بن كامل الشاكريّ، وقال لابن شميط: اِلزَم هذه السّكّة حتى تخرج إلى أهل جبَّانة السَّبيع من بين دُور قومك، وقال لعبد الله بن كامل: اِلزَم هذه السكَّة حتَى تخرج على جبَّانة السَّبيع من دار آل الأخنس بن شَرِيق، ودعاهما فأسرّ إليهما أنّ شِبامًا قد بعثتْ تُخبرني أنَّهم قد أتَوا القوم من ورائهم، فمَضَيا فسَلَكا الطريقين اللَّذين أمرهما بهما، وبلغ أهل اليمن مسيرُ هذين الرجلين إليهم، فاقتسموا تَيْنِك السكَّتَين، فأما السكة الّتي في دبر مسجد أحْمَس فإنَّه وقف فيها عبدُ الرحمن بنُ سعيد بن قيس الهمْدانيّ وإسحاق بن الأشعث وزَحْر بن قيس، وأمَّا السكَّة الَّتي تلي الفُراتَ فإنَّه وقف فيها عبدُ الرحمن بن مخنف، وبشير بن جرير بن عبد الله، وكعب بن أبي كعب، ثم إن القوم اقتتلوا كأشدّ قتال اقْتَتَله قوم، ثمّ إنّ أصحابَ أحْمر بن شُمَيط انكشفوا وأصحاب عبد الله بن كامل أيضًا، فلم يُرَع المختارُ إلّا وقد جاءه الفَلُّ قد أقبل؛ فقال: ما وراءكم؟ قالوا: هُزِمنا؛ قال: فما فعل أحمر بن شُمَيط؟ قالوا: تركناه قد نزل عند مسجد القصّاص - يَعنُون مسجدَ أبي داود في وادعة، وكان يعتاده رجالُ أهل ذلك الزمان يقصّون فيه، وقد نزل معه أناس من أصحابه - وقال أصحاب عبد الله: ما ندري ما فعل ابن كامل! فصاح بهم: أن انصرِفوا، ثمّ أقبل بهم حتَّى انتهى إلى دار أبي عبد الله الجُدَليّ، وبعث عبد الله بن قُراد الخثعميّ - وكان على أربعمئة رجل من أصحابه - فقال: سرْ في أصحابك إلى ابن كامل، فإنْ يك هلك فأنت مكانه، فقاتِل القومَ بأصحابك وأصحابه، وإن تجده حيًّا صالحًا فسرْ في مئة من أصحابك كلُّهم فارس، وادفع إليه بقيَّة أصحابك، ومرْ بالجدّ معه والمناصحة له، فإنّهم إنَّما يناصحونني، ومَن","vol":"10","page":91},{"text":"ناصحني فليبشر، ثمّ امضِ في المئة حتَّى تأتي أهل جبَّانة السَّبيع ممَّا يلي حمَّام قَطَن بن عبد الله، فمضى فوجد ابن كامل واقفًا عند حمَّام عمرو بن حُريث معه أناس من أصحابه قد صبروا وهو يقاتل القومَ، فدفع إليه ثلاثَمئة مِنْ أصحابه ثمّ مضى حتَّى نزل إلى جبَّانة السَّبيع.\nثم أخذ في تلك السّكك حتَّى انتهى إلى مسجد عبد القيس، فوقف عنده، وقال لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: أمْرنا لأمرِكَ تَبع وكلّ من كان معه من حاشد من قومه وهم مئة؛ فقال لهم: والله إني لأحبّ أن يظهرَ المختار، ووالله إني لكارهٌ أن يَهلِك أشرافُ عشيرتي اليوم، ووالله لأن أموتَ أحبّ إليّ من أن يَحلّ بهم الهلاك على يديّ، ولكن قِفوا قليلًا فإني قد سمعتُ شبامًا يزعمون أنَّهم سيأتونهم من ورائهم، فلعلّ شبامًا تكون هي تفعل ذلك، ونُعافَى نحن منه، قال له أصحابه: فرأيَك، فثبت كما هو عند مسجد عبد القيس، وبعث المختارُ مالكَ بن عمرو النهدىّ في مئتي رجل - وكان من أشدّ الناس بأسًا - وبعث عبد الله بن شريك النهديّ في مئتي فارس إلى أحمرَ بن شميط، وثبت مكانَه، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكَثَروه، فاقتتلوا عند ذلك كأشدّ القتال، ومضى ابن الأشتر حتَّى لقي شَبَث بن رِبْعي، وأناسًا معه من مضر كثيرًا، وفيهم حسَّان بن فائد العبسيّ، فقال لهم إبراهيم: وَيْحَكُم! انصرفوا، فوالله ما أحبّ أن يصاب أحد من مُضَر على يديّ، فلا تُهْلكوا أنفسكم، فأبوْا، فقاتلوه فهزمهم، واحتُمل حسَّان بن فائد إلى أهله، فمات حين أدخل إليهم، وقد كان وهو على فراشه قبل موته أفاقَ إفاقةً فقال: أما والله ما كنت أحبّ أن أعيشَ من جراحتي هذه، وما كنت أحبّ أن تكون منيَّتي إلّا بطعنةِ رمح، أو بضربةٍ بالسيف؛ فلم يتكلَّمِ بعدها كلمةً حتَّى مات، وجاءت البشرى إلى المختار من قبَل إبراهيم بهزيمة مضَر، فبعث المختار البشرَى من قِبَله إلى أحمر بن شُميط وإلى ابن كامل، فالنَّاس على أحوالهم كلّ أهل سكَّة منهم قد أغْنتْ ما يليها.\nقال: فاجتمعت شِبَام وقد رأسو عليهم أبا القلوص، وقد أجمعوا واجتمعوا بأن يأتوا أهلَ اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض: أما والله لو جعلتم جِدَّكُم هذا على من خالفكم من غيركم لكان أصْوَب، فسيروا إلى مضرَ أو إلى ربيعة فقاتلوهم - وشيخُهم أبو القلوص ساكت لا يتكلَّم - فقالوا: يا أبا القلوص،","vol":"10","page":92},{"text":"ما رأيك؟ فقال: قال الله جلّ ثناؤه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ قوموا؛ فقاموا، فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم: اجلسوا فجلسوا، ثمّ مشى بهم أنفس من ذلك شيئًا، ثم قعد بهم، ثم قال لهم: قوموا، ثمّ مشى بهم الثالثة أنفس من ذلك شيئًا، ثمّ قعد بهم، فقالوا له: يا أبا القَلوص، والله إنك عندنا لأشجع العرب، فما يَحمِلك على الَّذي تصنع! قال: إنّ المجرّب ليس كمن لم يجرّب، إني أردت أن ترجع إليكم أفئدتكم، وأن توطّنوا على القتال أنفسكم، وكرهتُ أن أقْحِمكم على القتال، وأنتم على حالِ دَهَش؛ قالوا: أنت أبصَر بما صنعت.\nفلمّا خرجوا إلى جبَّانة السَّبيعِ استقبلهم على فم السكَّة الأعسر الشاكريّ، فحمل عليه الجُندعيّ وأبو الزبير بن كريب فصرعاه، ودخلا الجبَّانة، ودخل الناسُ الجبَّانة في آثارهم، وهم ينادُون: يا لثَأرات الحسين! فأجابهم أصحابُ ابن شميط يا لثَأرات الحسين! فسمعها يزيدُ بن عمير بن ذي مُرَّان من هَمْدانَ فقال: يا لثَأرات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شدّاد: ما لنا ولِعثمان! لا أقاتِل مع قوم يبغون دمَ عثمان، فقال له أناس من قومه: جئتَ بنا وأطعناك، حتَّى إذا رأينا قومَنا تأخذهم السيوف قلت: انصرِفوا ودَعُوهم! فعَطَف عليهم وهو يقول:\nأنا ابنُ شدَّادٍ عَلَى دينِ علِي ... لستُ لعثمانَ بنِ أَرْوَى بِوَلي\nلأصلِينَّ اليوم فِيمَن يصْطَلِي ... بِحرِّ نارِ الحَرب غير مُؤتلِ\nفقاتَل حتى قُتل، وقتل يزيد بن عُمير بن ذي مُرَّان، وقُتل النعمان بن صُهبْان الجرميّ ثمّ الراسبيّ - وكان ناسكًا - ورفاعة بن شدّاد بن عَوْسجة الفِتيانيّ عند حمَّام المسَهْبذان الّذي بالسَّبخة - وكان ناسكًا - وقتِل الفرات ابن زَحْر بن قيس الجُعْفيّ، وارتثّ زَحْر بن قيس، وقتِل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وقتل عمر بن مخنف، وقاتل عبدُ الرحمن بن مخنف حتَّى ارتُثّ، وحملتْه الرّجال على أيديها وما يَشعر، وقاتل حولَه رجالٌ من الأزْد، فقال حُمَيد بن مسلم:\nلأضرِبَنَّ عن أبي حكيمِ ... مَفَارِق الأَعْبُد والصَّمِيمِ\nوقال سُراقة بن مِرْداس البارقيّ:\nيا نَفْسُ إلَّا تَصْبِري تُلِيمي ... لا تَتَولَّي عن أبي حكيمِ","vol":"10","page":93},{"text":"واستُخرج من دور الوادعيِّين خمسمئة أسير، فأُتي بهم المختار مكتَّفين، فأخذ رجل من بني نَهْد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقال له: عبد الله بن شريك، لا يخلو بعربيّ إلا خلَّى سبيله، فرفعَ ذلك إلى المختار دِرْهم مولىً لبني نَهد، فقال له المختار: اعرضوهم عليّ، وانظروا كلّ من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به، فأخذوا لا يُمَرّ عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له: هذا ممَّن شهد قتله، فيقدّمه فيضرب عنقه، حتَّى قتل منهم قبل أن يخرج مئتين وثمانيةً وأربعين قتيلًا، وأخذ أصحابه كلَّما رأوا رجلًا قد كان يؤذيهم أو يماريهم أو يضرّبهم خَلوْا به فَقتَلُوه حتَّى قُتل ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار، فأُخبر بذلك المختار بعدُ، فدعَا بمَنْ بقي من الأسارى فأعتَقهم، وأخذ عليهم المواثيقَ ألّا يجامعوا عليه عدوًّا، ولا يبغوه ولا أصحابه غائلة، إلّا سُرَاقَةَ بن مرداس البارقيّ، فإنَّه أمر به أن يُساقَ معه إلى المسجد، قال: ونادى منادِي المختار: إنَّه من أغلق بابه فهو آمن، إلا رجلًا شَرَك في دم آل محمَّد - ﷺ - (١). (٦/ ٤٧ - ٥١).\nقال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبيّ، أن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رؤيم وحجَّار بن أبجر بعثا رسلًا لهما، فقالا لهم: كونوا من أهل اليمن قريبًا، فإنْ رأيتموهم قد ظهروا فأيّكم سبق إلينا فليقل صَرَفان، وإن كانوا هُزِموا فليقل جُمْزان، فلما هُزِم أهل اليمن أتتْهم رسلهم، فقال لهم أوّلُ من انتهى إليهم: جُمْزان، فقام الرجلان فقالا لقومهما: انصرِفوا إلى بيوتكم، فانصرَفوا، وخرج عمرو بن الحجّاج الزُّبيديّ - وكان ممّن شهد قتل الحسين - فركب راحلتَه، ثمّ ذهب عليها، فأخذ طريقَ شَراف وواقصة، فلم يُرَ حتَّى الساعة، ولا يُدرَى أرضٌ بخسَتْه أم سماءٌ حصبَتْهُ! وأمَّا فُرات بن زَحْر بن قيس فإنه لمَّا قتل بعثتْ عائشةُ بنت خليفة بن عبد الله الجُعفيَّة - وكانت امرأة الحسين بن عليّ - إلى المختار تسأله أن يأذن لها أن تواريَ جسده؛ ففعل؛ فدفنتْه.\nوبعث المختار غلامًا له يدعى زِرْبيًا في طلب شَمِر بن ذي الجَوْشَن.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":94},{"text":"قال أبو مخنف: فحدّثني يونس بن أبي إسحاق، عن مسلم بن عبد الله الضّبابيّ، قال: تَبعنا زرْبيٌّ غلامُ المختار، فَلحِقَنا وقد خرجْنا من الكوفة على خيول لنا ضُمَّر، فأقبل يتمطَّر به فرسُه، فلمَّا دنا منَّا قال لنا شمر: اركضوا وتباعدوا عنّي لعلّ العبد يطمع فيّ؛ قال: فركَضْنا، فأمعنَّا، وطمع العبد في شمِر، وأخذ شمر ما يستطرد له، حتَّى إذا انقطع من أصحابه حمل عليه شمِر فدقَّ ظهره، وأتى المختار فأخبر بذلك، فقال: بؤسًا لزربيّ، أما لو يستشيرُني ما أمرْته أن يخرُج لأبي السابغة (١). (٦/ ٥٢).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو محمَّد الهَمْداني، عن مسلم بن عبد الله الضّبابيّ، قال: لمَّا خرج شمر بن ذي الجَوْشن وأنا معه حين هزمنا المختار، وقتل أهل اليمن بجبَّانة السَّبيع، ووجَّه غلامَه زربيًّا في طلب شمر، وكان مَن قتل شمر إيَّاه ما كان، مضى شمر حتَّى ينزلَ ساتِيدَمَا، ثمّ مضى حتَّى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانيَّة على شاطئ نهر، إلى جانب تلّ، ثمّ أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها عِلْجًا فضربه، ثمّ قال: النّجاء بكتابي هذا إلى المصعَب بن الزبير وكتب عنوانه: للأمير المصعب بن الزبير من شمِر بن ذي الجوشن، قال: فمضَى العِلْج حتَّى يدخل قريةً فيها بيوت، وفيها أبو عَمْرة، وقد كان المختار بعثَه في تلك الأيَّام إلى تلك القرية لتكون مَسْلحة فيما بينه وبين أهل البصرة، فلقي ذلك العِلْج عِلْجا من تلك القرية، فأقبل يشكو إليه ما لقي من شمر، فإنَّه لقائم معه يكلّمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة، فرأى الكتابَ مع العِلج، وعنوانه: لمصعب من شمر، فسألوا العلجَ عن مكانه الَّذي هو به، فأخبَرَهم فإذا ليس بينهم وبينه إلّا ثلائة فراسخ، قال: فأقبلوا يسيرون إليه (٢). (٦/ ٥٢ - ٥٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني مسلم بن عبد الله، قال: وأنا والله مع شَمِر تِلك اللَّيلة، فقلنا: لو أنَّك ارتحلتَ بنا من هذا المكان فإنَّا نتخوّف به! فقال: أوَ كلّ هذا فَرَقا من الكذَّاب! والله لا أتحوّل منه ثلاثة أيّام، ملأ الله قلوبَكم رُعْبًا! قال: وكان بذلك المكان الذي كنَّا فيه دبىً كثير، فوالله إني لَبيْن اليَقْظانِ والنائم، إذْ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":95},{"text":"سمعتُ وَقْعَ حوافر الخيل، فقلت في نفسي: هذا صوتُ الدَّبى، ثمّ إني سمعته أشدّ من ذلك، فانتبهتُ ومسحتُ عينيّ، وقلت: لا والله، ما هذا بالدَّبَى. قال: وذهبتُ لأقومَ، فإذا أنا بهم قد أشرفوا علينا من التَّلّ فكبّروا، ثم أحاطوا بأبياتنا، وخرجْنا نشتدّ على أرجُلنا وتركنا خيلنا، قال: فأمُرُّ على شمِر، وإنَّه لمتَّزر ببُرد محقق، - وكان أبرَصَ - فكأني أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البُرْد، فإنَّه لَيطاعنهم بالرمح، قد أعجَلوه أن يلبس سلاحَه وثيابَه، فمضينا وتركناه، قال: فما هو إلّا أن أمعنتُ ساعةً، إذ سمعتُ: الله أكبر، قتلَ الله الخبيث! (١) (٦/ ٥٣).\nقال أبو مخنف: حدّثني المشرقيّ، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: أنا والله صاحب الكتاب الَّذي رأيته مع العِلْج، وأتيتُ به أبا عَمرة وأنا قتلت شَمِرًا، قال: قلت: هل سمعتَه يقول شيئًا ليلتئذ؟ قال: نعم، خرج علينا فطاعَنَنا برمحه ساعةً، ثمّ ألقى رمْحَه، ثمّ دخل بيته فأخذ سيفَه، ثمّ خرج علينا وهو يقول:\nنبَّهْتُمُ لَيثَ عَرِينٍ بَاسِلَا ... جَهْمًا مُحيَّاهُ يَدُقُّ الكاهِلَا\nلم يُرَ يَوْمًا عَنْ عَدُوٍّ ناكِلَا ... إلَّا كذَا مُقَاتِلًا أو قاتِلَا\nيُبْرِحُهُمْ ضَرْبًا ويُرْوِي العامِلَا (٢)\n(٦/ ٥٣ - ٥٤)\nقال أبو مخنف: عن يونس بن أبى إسحاق: ولمَّا خرج المختار من جَبّانة السَّبيع، وأقبل إلى القصر، أخذ سُراقةُ بن مِرْداس يناديه بأعلى صوته:\nامننْ عليَّ اليَوْمَ يا خَيْرَ مَعَدّ ... وخَيْرَ مَنْ حَلَّ بِشِحْرٍ والجَنَدْ\nوخَيْرَ من حَيَّا ولبَّى وسَجَدْ\nفبعث به المختار إلى السجن، فحبسه ليلةً، ثمّ أرسل إليه من الغد فأخرَجه، فدعا سراقة، فأقبَل إلى المختار وهو يقول:\nألا أبلغْ أبَا إسْحاقَ أَنّا ... نَزَوْنا نَزوةً كانت علينا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":96},{"text":"خَرَجْنَا لا نَرَى الضعَفاءَ شيئًا ... وكان خُرُوجنا بَطرًا وحَيْنَا\nنراهُمْ في مصافِّهم قليلًا ... وهم مثلُ الدَّبى حين التَقَينا\nبَرزْنا إذ رأينَاهُمْ فلما ... رأَينا القومَ قد برزُوا إِلينا\nلقِينَا منْهُمُ ضَرْبًا طِلَحْفًا ... وطَعنًا صائبًا حتَّى انثنَيْنَا\nنصِرْتَ على عَدُوّك كُلَّ يومٍ ... بكلِّ كتِيبَةٍ تَنْعَى حُسَيْنَا\nكنصْرِ مُحَمَّدٍ في يوم بَدْرٍ ... ويومِ الشِّعْبِ إذ لاقَى حُنَيْنَا\nفأسْجحْ إذْ ملكْتَ فلو مَلكنا ... لجُرْنا في الحكومة واعتَدَينا\nتقَبّلْ توبةً منّي فإنّي ... سأشكرُ إنْ جعلتَ النَّقْدَ دينا\nقال: فلمَّا انتهى إلى المختار، قال له: أصلَحك الله أيها الأمير! سُراقةُ بن مِرداس يَحلف بالله الَّذي لا إله إلّا هو لقد رأى الملائكةَ تُقاتِل على الخيول البُلْق بين السماء والأرض؛ فقال له المختار: فاصعد المنبرَ فأعلِم ذلك المسلمين، فصَعِد فأخبرَهم بذلك ثمّ نزل، فخلا به المختار، فقال: إني قد علمت أنَّك لم تر الملائكة، وإنَّما أردتَ ما قد عرفتُ ألا أقتلك، فاذهب عني حيث أحببت، لا تُفْسدِ عليّ أصحابي (١). (٦/ ٥٤ - ٥٥).\nقال أبو مخنف: فحدّثني الحجَّاج بن عليّ البارقي عن سراقة بن مرداس، قال: ما كنت في أيمان حلفت بها قطّ أشدّ اجتهادًا ولا مبالغةً في الكذب منِّي في أيماني هذه الَّتي حلفتُ لهم بها أني قد رأيت الملائكة معهم تُقاتل، فخلَّوا سبيله، فهرب، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج أشرافُ أهل الكوفة والوجوه، فلَحِقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج سُراقة بن مرداس بن الكوفة وهو يقول:\nألَا أبلِغْ أبَا إسحاق أنّي ... رأيتُ البُلْقَ دُهْمًا مُصْمَتاتِ\nكفَرْتُ بوحْيِكمْ وجعلت نَذْرًا ... عليَّ قِتالَكمْ حتَّى الممَاتِ\nأرى عَيْنَيَّ ما لم تُبْصراهُ ... كلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ\nإذا قالوا أقول لهم كَذَبْتُمْ ... وإن خرجوا لبِسْتُ لهم أَداتي\nحدّثني أبو السائب سَلم بن جُنادة، قال: حدّثنا محمَّد بن برّاد، من ولد\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":97},{"text":"أبي موسى الأشعريّ، عن شيخ: قال: لمَّا أسر سراقة البارقيّ، قال: وأنتم أسرتموني! ما أسَرَني إلّا قوم على دوابّ بُلق، عليهم ثيابٌ بيض، قال: فقال المختار: أولئك الملائكة، فأطْلَقه فقال:\nألا أبلغ أبا إسحاقَ أَنى ... رأَيتُ البُلْقَ دَهْمًا مصمتاتِ\nأُرِي عينيَّ ما لمْ تَرْأياه ... كلانَا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ (١)\n(٦/ ٥٥).\nقال أبو مخنف: حدّثني عمير بن زياد أنّ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمْدانيّ قال يومَ جبَّانة السبيع: ويحكم! من هؤلاء الَّذينَ أتَوْنا من ورائنا؟ قيل له: شِبَام؛ فقال: يا عجبا! يقاتلني بقَوْمي من لا قومَ له (٢). (٦/ ٥٥).\nقال أبو مخنف: وحدّثني أبو روق أنّ شُرحبيل بن ذي بُقلان من الناعطيِّين قُتِل يومئذ، وكان من بيوتات هَمْدان، فقال يومئذ قبل أن يُقتَل: يا لها قتلةً، ما أضلّ مقتولها! قِتال مع غير إمام، وقتالٌ على غير نيَّة، وتعجيلُ فراقِ الأحبَّة، ولو قتلناهم إذًا لم نسلم منهم، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! أما والله ما خرجْتُ إلا مواسيًا لقومي بنفسي مخافَة أن يُضطهَدوا؛ وايم الله ما نجوْتُ من ذلك ولا أنجُوا، ولا أغنيت عنهم ولا أُغنُوا، قال: ويرميه رجل من الفائشيِّين من هَمْدانَ يقال له أحمر بن هديج بسهم فيقتله.\nقال: واختصَم في عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمدانيّ نفرٌ ثلاثة: سِعْر ابن أبي سعر الحنفيّ، وأبو الزبير الشِّباميّ: ورجل آخر؛ فقال سِعْر: طعنته طعنة، وقال أبو الزبير: لكن ضربتُه أنا عشرَ ضَرَبَات أو أكثر، وقال لي ابنه: يا أبا الزبير، أتقتل عبد الرحمن بن سعيد سيّد قومكِ! فقلت: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، فقال المختار: كلّكم محسن، وانجلَت الوَقعة عن سبعمئة وثمانين قتيلًا من قومه (٣). (٦/ ٥٦).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":98},{"text":"قال أبو مخنف: حدّثني النَّضر بن صالح أنَّ القتل إذ ذاك كان استَحرّ في أهل اليمن، وأن مُضَر أصيب منهم بالكُناسة بضعة عشر رجلًا، ثمّ مضوا حتَّى مرّوا بربيعة، فرجع حجَّار بن أبجَر، ويزيد بن الحارث بن رؤيم وشدّاد بن المنذر - أخو حضين - وعكرمة بن ربعيّ، فانصرف جميع هؤلاء إلى رحالهم، وعطف عليهم في عكرمة فقاتلهم قتالًا شديدًا، ثمّ انصرف عنهم وقد خرج، فجاء حتَّى دخل منزلَه، فقيل له: قد مرّت خيلٌ في ناحية الحيّ؛ فخرج فأراد أن يثب من حائط داره إلى دار أخرى إلى جانبه فلم يستطع حتَّى حمَلَه غلام له، وكانت وقعة جبَّانة السَّبيع يوم الأربعاء لستّ ليال بقِين من ذي الحجَّة سنة ستّ وستّين.\nقال: وخرج أشرافُ الناس فلَحِقوا بالبَصرة، وتجرّد المختارُ لقتَلة الحسين فقال: ما من ديننا تركُ قوم قتلوا الحسينَ يمشون أحياء في الدّنيا آمنين؛ بئس ناصرُ آل محمَّد أنا إذًا في الدنيا! أنا إذًا الكذّاب كما سمَّوْني، فإني بالله أستعين عليهم، الحمد لله الَّذي جعلني سيفًا ضربهم به، ورمحًا طعَنَهم به، وطالب وترهم، والقائم بحقّهم، إنَّه كان حَقًّا على الله أن يقتُل من قَتَلهم، وأن يذلّ من جهل حقَّهم، فسمّوهم لي ثمّ اتَبِعوهم حتَّى تُفنوهُم (١). (٦/ ٥٦ - ٥٧).\nقال أبو مخنف: فحدّثني موسى بن عامر أنّ المختار قال لهم: اطلُبوا لي قَتَلَة الحسين، فإنَّه لا يَسُوغ ليَ الطعام والشرابُ حتَّى أطهّر الأرضَ منهم، وأنفي المُصِرّ منهم (٢). (٦/ ٥٧).\nقال أبو مخنف: وحدّثني مالك بن أعيَن الجُهنيّ أنّ عبد الله بن دباس، وهو الَّذِي قَتَل محمَّد بن عمَّار بن ياسر الَّذِي قال الشاعر:\nقَتِيل ابنِ دَبَّاسٍ أَصابَ قَذَالَهُ\nهو الَّذي دلّ المختار على نفر ممَّن قَتَل الحسينَ، منهم عبد الله بن أسيد بن النَّزّال الجُهَنيّ من حُرَقة، ومالك بن النُّسير البدّيّ، وحَمَل بن مالك المحاربيّ؛ فبعث إليهم المختار أبا نِمْران مالك بن عمرو النَّهديّ - وكان من رُؤساء أصحاب المختار - فأتاهم وهمْ بالقادسيَّة، فأخذهم فأقبل بهم حتَّى أدخلهم عليه عِشاء،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":99},{"text":"فقال لهم المختار: يا أعداء الله وأعداءَ كتابه وأعداءَ رسولهِ وآلِ رسولِه، أين الحسينُ بنُ عليّ؟ أدّوا إليّ الحسينَ، قتلتم من أُمِرتُم بالصّلاة عليه في الصلاة، فقالوا: رحمك الله! بُعثنا ونحن كارهون، فامننْ علينا واستبقنا، قال المختار: فهلّا مننتم على الحسين ابن بنت نبيِّكم واستبقيتموه وسَقَيْتموه! ثم قال المختار للبدِّيّ: أنت صاحبُ بُرنُسه؟\nفقال له عبد الله بن كامل: نعم، هو هو؛ فقال المختار: اقطعوا يدَيْ هذا ورِجْلَيه، ودَعُوه فليضطرب حتَّى يموت، ففُعل ذلك به وتُرك، فلم يزل يَنزِف الدمَ حتَّى مات، وأمر بالآخرين فقُدّما، فقتل عبدُ الله بن كامل عبد الله الجهنيّ، وقتل سعرُ بن أبي سعر حَمَل بن مالك المحاربيّ (١). (٦/ ٥٧ - ٥٨).\nقال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت التَّيميّ، قال: حدّثني أبو سعيد الصّيْقل أنّ المختار دُلّ على رجال من قَتَلة الحسين، دَلَّه عليهم سِعْر الحنفيّ؛ قال: فبعث المختارُ عبدَ الله بن كامل، فخرجنا معه حتَّى مرّ ببني ضُبيعة، فأخذ منهم رجلًا يقال له زياد بن مالك؛ قال: ثمّ مضى إلى عَنَزة فأخذ منهم رجلًا يقال له عِمْران بن خالد، قال: ثمّ بعثني في رجال معه يقال لهم الدّبابة إلى دار في الحمراء، فيها عبد الرحمن بن أبي خُشْكارة البَجَليّ وعبد الله بن قيس الخَوْلانيّ، فجئنا بهم حتى أدخلناهم عليه، فقال لهم: يا قتلة الصالحين، وقَتلة سيّد شباب أهل الجنَّة، ألا ترون الله قد أقاد منكم اليومَ! لقد جاءكم الوَرْس، بيوم نَحْس - وكانوا قد أصابوا من الوَرْس الَّذي كان مع الحسين - أخرجوهم إلى السوق فضرّبوا رقابَهم ففُعل ذلك بهم، فهؤلاء أربعة نفر (٢). (٦/ ٥٨).\nقال أبو مخنف: وحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: جاءنا السَّائب بن مالك الأشعريّ في خيل المختار، فخرجتْ نحوَ عبد القيس، وخرج عبد الله، وعبدُ الرحمن ابنا صَلْخب في أثَرى، وشُغلوا بالاحتباس عليهما عنّي، فنجوت وأخذوهما، ثمّ مضوا بهما حتى مرّوا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وُهب بن عمرو بن عمّ أعشى هَمْدانَ من بني عبد، فأخذوه، فانتهوْا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":100},{"text":"بهم إلى المختار، فأمر بهم فقُتِلوا في السوق، فهؤلاء ثلاثة. فقال حُميَد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم:\nألَمْ تَرَنِي على دهشٍ ... نَجوتُ ولم أَكدْ أَنجُو\nرجاءُ اللهِ أَنْقذَنِي ... ولم أَكُ غيْرَهُ أَرْجو (١)\n(٦/ ٥٨ - ٥٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني موسى بن عامر العدويّ من جُهينة - وقد عرف ذلك الحديث شهمُ بن عبد الرّحمن الجُهَنيّ - قال: بعث المختارُ عبدُ الله بن كامل إلى عثمانَ بن خالد بن أسيرَ الدُّهمانيّ من جُهَينة، وإلى أبي أسماءَ بشْر بن سَوْط القابضيّ - وكانا ممَّن شَهِدا قتلَ الحسين، وكانا اشتركا في دم عبد الرّحمن بن عَقِيل بن أبي طالب وفي سَلبه - فأحاط عبدُ الله بنُ كامل عند العصر بمسجد بني دُهمان، ثم قال: عليّ مثل خطايا بني دُهمان منذ يوم خُلقوا إلى يوم يُبعَثون إن لم أوتَ بعثمانَ بن خالد بن أسير، إن لم أضرب أعناقكم من عند آخركم، فقلنا له: أمهلْنا نطلبه، فخرجوا مع الخيل في طلبه، فوجدوهما جالسَين في الجبَّانة - وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة - فأتِيَ بهما عبدُ الله بن كامل، فقال: الحمد لله الَّذي كفى المؤمنين القتالَ، لو لم يجدوا هذا مع هذا عنَّانا إلى منزله في طلبه، فالحمد لله الَّذي حيّنك حتَّى أمكَن منك، فخرج بهما حتَّى إذا كان في موضع بئر الجعد ضربَ أعناقَهما، ثمّ رجع فأخبر المختارَ خبرَهما، فأمره أن يرجع إليهما فيحرقَهما بالنار، وقال: لا يُدفنان حتَّى يُحرَقا، فهذان رجلان، فقال أعشى همْدان يرثي عثمانَ الجُهَنيّ:\nيا عَيْن بكّي فَتَى الفِتيان عُثمانَا ... لا يَبْعدَنَّ الفَتَى من آلِ دُهْمانَا\nواذْكرْ فتىً ماجِدًا حُلوًا شَمائلُهُ ... ما مِثْلُهُ فارسٌ في آلِ هَمْدَانَا\nقال موسى بن عامر: وبعث معاذ بن هانئ بن عديّ الكنديّ، ابن أخي حُجر، وبعث أبا عمرة صاحب حَرَسه، فساروا حتَّى أحاطوا بدار خَوْليّ بن يزيد الأصبحيّ وهو صاحبُ رأس الحسين الَّذِي جاء به، فاختبأ في مخرجه، فأمر معاذ أبا عَمْرَةَ أن يطلبَه في الدار، فخرجتْ امرأتهُ إليهم، فقالوا لها: أين\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":101},{"text":"زوجُكِ؟ فقالت: لا أدري أين هو - وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قَوْصَرَّةً - فأخرجوه، وكان المختار يسير بالكوفة، ثمّ إنَّه أقبل في أثر أصحابه وقد بعث أبو عَمرَة إليه رسولًا، فاستقبل المختار الرسولَ عند دار بلال، ومعه ابنُ كامل، فأخبَرَه الخبر، فأقبل المختار نحوَهم، فاستقبل به، فردّده حتَّى قتله إلى جانب أهله، ثمّ دعا بنار فحرّقه [بها]، ثم لم يبرح حتَّى عاد رمادًا، ثمّ انصرف عنه، وكانت امرأته من حَضْرَمَوْت يقال لها العَيُوف بنت مالك بن نَهار بن عَقْرَب، وكانت نصبتْ له العداوة حين جاء برأس الحسين (١). (٦/ ٥٩ - ٦٠).\nقال أبو مخنف: وحدّثني موسى بن عامر أبو الأشعر أنّ المختار قال ذات يوم وهو يحدّث جلساءَه: لأقتلنّ غدًا رجلًا عظيمَ القَدَمين، غائرَ العينين، مشرفَ الحاجبين، يسرّ مقتلُه المؤمنين والملائكةَ المقرّبين، قال: وكان الهيثم بن الأسوَد النَّخعيّ عند المختار حين سمع هذه المقالة، فوقع في نفسه أنّ الَّذي يريد عمر بن سعد بن أبي وقَّاص، فلمَّا رجع إلى منزله دعا ابنه العُريان فقال: القَ ابنَ سعد الليلةَ فخَبّره بكذا وكذا، وقل له: خذ حِذْرك، فإنَّه لا يريد غيرَك، قال: فأتاه فاستخلاه، ثمّ حدّثه الحديث، فقال له عمر بن سعد: جزى الله أباك والإخاء خيرًا! كيف يريد هذا بي بعد الَّذِي أعطاني من العهود والمواثيق! وكان المختار أوّل ما ظهر أحسنَ شيء سيرةً وتألّفًا للناس، وكان عبد الله بن جَعْدة بن هبيرة أكرمَ خَلْق الله على المختار لقرابته بعليّ، فكلَّم عمرُ بنُ سعد عبد الله بن جعدة وقال له: إني لا آمَن هذا الرجل - يعني المختار - فخُذْ لي منه أمانًا، ففعل، قال: فأنا رأيتُ أمانَه وقرَأتُه [وهو]:\nبسمِ الله الرحمن الرحيم، هذا أمانٌ من المختار بن أبي عبيد لعمرَ بن سعد بن أبي وقَّاص، إنَّك آمن بأمان الله على نفسك، ومالِك وأهلِك وأهل بيتك وولدِك، لا تؤاخذُ بحَدَث كانَ منك قديمًا ما سمعتَ وأطعتَ ولزمتَ رَحْلك وأهلَك ومِصرَك، فمن لقي عمرَ بن سعد من شُرْطة الله وشيعةِ آل محمَّد ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلّا بخير، شهد السائبُ بن مالك وأحمرُ بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":102},{"text":"شميط وعبدُ الله بن شدّاد وعبُد الله بن كامل، وجعلَ المختارُ على نفسه عهدَ الله وميثاقَه ليَفِيَنَّ لعمرَ بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلّا أن يُحدِث حَدَثًا، وأشَهَد اللهَ على نفسه، وكَفَى باللهِ شهيدًا.\nقال: فكان أبو جعفر محمَّد بن عليّ يقول: أمَّا أمانُ المختار لعمر بن سعد: إلّا أن يُحدِث حَدَثًا، فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحْدث.\nقال: فلمَّا جاءه العُريان بهذا خرج من تحت ليلته حتَّى أتى حمَّامه، ثم قال في نفسه: أنزِل دارِي، فرجع فعبر الرَّوْحاءَ، ثمّ أتى دارَه غُدوَةً، وقد أتى حمَّامَه، فأخبر مولىً له بما كان من أمانه وبما أريد به، فقال له مولاه: وأيّ حَدَث أعظمُ ممَّا صنعتَ! إنَّك تركت رَحلك وأهْلَك وأقبلتَ إلى هاهنا، ارجع إلى رحلك، لا تجعلنّ للرجل عليك سبيلًا، فرجع إلى منزله، وأتى المختارَ بانطلاقه، فقال: كلّا إنّ في عنقه سلسلةً ستردّه لو جهَد أن ينطلق ما استطاع، قال: وأصبح المختارُ فبعث إليه أبا عمرةَ، وأمَرَه أن يأتيه به، فجاءه حتَّى دخل عليه فقال: أجِب الأميرَ، فقام عمر: فعثر في جُبَّة له، ويضربه أبو عَمْرة بسيفه، فقتله، وجاء برأسه في أسفل قَبائه حتَّى وضعَه بين يدَي المختار، فقال المختار لابنه حفص بن عمرَ بن سعد وهو جالس عنده: أتعرف هذا الرّأس؟ فاسترجع وقال: نعم، ولا خير في العيش بعدَه، قال له المختار: صدقت، فإنَّك لا تعيش بعده، فأمر به فقُتِل، وإذا رأسَه مع رأس أبيه، ثمّ إنّ المختار قال: هذا بحُسَين وهذا بعليّ بن حسين، ولا سَواء، واللهِ لو قتلتُ به ثلاثة أرباع قريش ما وَفَوا أنمُلةً من أنامله؛ فقالت حُميَدة بنت عمَر بن سعد تبكِي أباها:\nلو كان غيرُ أخي قَسِيٍّ غرَّهُ ... أو غيرُ ذي يَمَنٍ وغيرُ الأَعْجمِ\nسَخَّى بنفسي ذاكَ شيْئًا فاعلمُوا ... عنه وما البَطْرِيق مثلُ الألأمِ\nأعطَى ابن سعدٍ في الصَّحيفة وابنَه ... عهدًا يلينُ له جَناحُ الأَرقمِ\nفلمَّا قتل المختارُ عمرَ بن سعد وابنه بعث برأسَيْهما مع مسافر بن سعيد بن نمْران الناعطي وظَبْيان بن عمارة التميميّ، حتَّى قَدِمَا بهما على محمَّد بن الحنفيَّة، وكتب إلى ابن الحنفيّة في ذلك بكتاب (١). (٦/ ٦٠ - ٦٢).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":103},{"text":"قال أبو مخنف: وحدّثني موسى بن عامر، قال: إنَّما كان هيَّج المختار على قتل عمرَ بن سعد أنّ يزيدَ بن شراحيلَ الأنصاريّ أتى محمَّد بن الحنفيَّة، فسلَّم عليه، فجرى الحديثُ إلى أن تذاكروا المختارَ وخروجَه وما يدعو إليه من الطلب بدماء أهل البيت، فقال محمَّد بن الحنفيَّة: على أهون رسله يزعم أنَّه لنا شيعة، وقتَلة الحسين جلساؤه على الكراسي يحدّثونه! قال: فوعاها الآخر منه، فلما قدم الكوفة أتاه فسلَّم عليه، فسأله المختار: هل لقيتَ المهديّ؟ فقال له: نعم، فقال: ما قال لك وما ذاكَرَك؟ قال: فخبّره الخبر، قال: فما لبَّث المختارُ عمرَ بن سعد وابنه أن قتلهما، ثمّ بعث برأسيهِما إلى ابن الحنفيّة مع الرسولين اللَّذَين سمَّينا، وكتب معهما إلى ابن الحنفيَّة:\nبسم الله الرَّحمن الرّحيم، للمهدّي محمَّد بن عليّ من المختار بن أبي عُبَيد، سلام عليك يا أيُّها المهديّ، فإني أحمَد إليك الله الَّذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد: فإن الله بَعثَني نِقمَةً على أعدائكم، فهم بين قتيل وأسير، وطريد وشريد، فالحمد لله الَّذي قتل قاتليكم ونصر مؤازِرِيكم.\nوقد بعثتُ إليك برأس عمرَ بن سعد وابنه، وقد قتلنا من شَرَك في دم الحسين وأهل بيته - رحمةُ الله عليهم - كلّ من قَدَرْنا عليه، ولن يُعجز الله من بقي، ولست بمُنجم عنهم حتَّى لا يبلغني أنّ على أديم الأرضِ منهم أرمِيًّا.\nفاكتب إليّ أيها المهديّ برأيك أتَّبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهديّ ورحمة الله وبركاته.\nثمّ إنّ المختار بعث عبدَ الله بن كامل إلى حكيم بن طُفَيل الطائيّ السنْبِسيّ - وقد كان أصاب صلب العبَّاس بن عليّ، ورَمَى حسينًا بسَهْم، فكان يقول: تعلَّق سهمي بسِرْباله وما ضرّه - فأتاه عبدُ الله بنُ كامل، فأخَذُه ثمّ أقبل به، وذهب أهلُه فاستغاثُوا بعديّ بن حاتم، فَلحِقهم في الطَّريق، فكلَّم عبد الله بن كامل فيه، فقال: ما إليّ من أمره شيء، إنَّما ذلك إلى الأمير المختار. قال: فإني آتيه؛ قال: فائْتِه راشدًا، فمضى عدىّ نحوَ المختار، وكان المختار قد شفَّعه في نفر من قومه أصابهم يومَ جَبَّانة السَّبيع، لم يكونوا نَطَقوا بشيء من أمر الحسين ولا أهل بيته، فقالت الشيعة لابن كامل: إنَّا نخاف أن يشفِّع الأمير عديّ بن حاتم في هذا الخبيث، وله من الذنب ما قد علمت، فدعْنا نقتُله، قال: شأنكم به، فلما","vol":"10","page":104},{"text":"انتهَوْا به إلى دار العَنزيِّين وهو مكتوف نَصَبوه غَرَضًا، ثم قالوا له: سلبتَ ابن عليّ ثيابَه، والله لنَسلبنّ ثيابَك وأنت حيّ تنظرُ! فنزعوا ثيَابَه، ثمّ قالوا له: رَمَيْتَ حسينًا، واتّخذته غَرَضًا لنَبْلك، وقلت: تعلّق سهمي بسِرْباله ولم يضرّه، وايمُ الله لنرمينَّك كما رميته بنبال ما تعلَّق بك منها أجزاك، قال: فرَمَوه رشْقًا واحدًا، فوقعتْ به منهم نبالٌ كثيرة فخرّ ميّتًا (١). (٦/ ٦٢ - ٦٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو الجارود عمّن رآه قتيلًا كأنَّه قُنفُذ لِمَا فيه من كثرة النَّبل: ودخل عديّ بن حاتم على المختار فأجلسَه معه على مجلسه، فأخبره عديّ عمَّا جاء له، فقال له المختار: أتستحلّ يا أبا طَريف أن تَطلُب فيّ قَتَلة الحسين! قال: إنه مكذوب عليه أصلحك الله! قال: إذًا ندَعه لك قال: فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار: ما فَعَل الرجل؟ قال: قتلتْه الشيعة: قال: وما أعَجَلَك إلى قتله قبل أن تأتيني به وهو لا يسرّه أنَّه لم يقتله - وهذا عديّ قد جاء فيه، وهو أهلٌ أن يشُفَّع ويؤتى ما سرّه! قال: غلبتْني واللهِ الشيعة، قال له عديّ: كذبتَ يا عدوَّ الله، ولكنْ ظننْتَ أنّ من هو خيرٌ منك سيشفّعني فيه، فبادرتَني فقتلتَه، ولم يكن خطر يدفعك عمَّا صنعت. قال: فاسحَنْفر إليه ابن كامل بالشَّتيمة، فوضع المختار إصبَعَه على فيه، يأمر ابن كامل بالسكوت والكفّ عن عديّ، فقام عديّ راضيًا عن المختار ساخطًا على ابن كامل، يشكوه عند من لقي من قومه، وبعث المختار إلى قاتل عليّ بن الحسين عبدَ الله بن كامل، وهو رجلٌ من عبد القيس يقال له مُرّة بن مُنْقذ بن النعمان العبديّ وكان شجاعًا، فأتاه ابنُ كامل فأحاط بداره، فخرج إليهم وبِيَدِه الرّمح، وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشِّباميّ، فصرَعه ولم يضرّه، قال: ويضربه ابن كامل بالسيف فيتّقيه بيده اليسرى، فأسرع فيها السيف، وتمطَرت به الفرس، فأفلت ولحق بمصعب، وشُلَّت يده بعد ذلك، قال: وبعث المختارُ أيضًا عبدَ الله الشاكريّ إلى رجل من جَنْب يقال له زيدُ بن رُقاد. كان يقول: لقد رميتُ فتىً منهم بسهم وإنَّه لواضِع كفَّه على جبهته يتَّقي النبلَ فأثبتُّ كفَّه في جبهته، فما استطاع أن يزيل كفَّه عن جبَهته (٢). (٦/ ٦٣ - ٦٤).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":105},{"text":"قال أبو مخنف: فحدّثني أبو عبد الأعلى الزُّبيديّ أنّ ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عَقيل، وأنَّه قال حيث أثبت كفَّه في جبهته: اللَّهمّ إنَّهم استقلّونا واستذلّونا، اللَّهمَّ فاقتلهم كما قتلونا، وأذلَّهم كما استذلّونا، ثمّ إنَّه رمى الغلامَ بسهم آخَرَ فقَتلَه، فكان يقول: جئتُه ميِّتًا فنزعتُ سهمي الَّذِي قتلتُه به من جَوْفه، فلم أزَل أُنضْنِض السَّهم من جبهته حتَّى نَزْعته، وبقيَ النَّصل في جبهته مُثبَتًا ما قدرتُ على نزعه.\nقال: فلمَّا أتى ابن كامل دارَه أحاط بها، واقتحم الرجالُ عليه فخرج مصلتًا بسيفه - وكان شجاعًا - فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف، ولا تَطعنَوه برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فقال ابن كامل: إن كان به رَمَق فأخرِجوه؛ فأخرَجوه وبه رَمَق، فدعا بنار فحرّقه بها وهو حيّ لم تخرج رُوحهُ، وطلب المختار سنان بن أنس الَّذي كان يدّعى قَتْلَ الحسين، فوَجده قد هَرَب إلى البَصرة. فهدّم داره، وطلب المختارُ عبد الله بن عُقْبة الغَنَويّ فوجده قد هَرَب، ولحق بالجزيرة، فهدم داره، وكان ذلك الغَنَويّ قد قتل منهم غلامًا، وقتل رجل آخر من بني أسد يقال له: حَرْملة بن كاهل رجلًا من آل الحسين، ففيهما يقول ابن أبي عَقِب اللَّيثيّ:\nوعِندَ غَنِيٍّ قطرَةٌ من دِمائنا ... وفي أَسَدٍ أُخرَى تُعَدُّ وتُذكَرُ\nوطلب رجلًا من خَثْعَم يقال له عبد الله بن عروة الخثعميّ - كان يقول: رميت فيهم باثني عشر سهمًا ضَيْعَةً - ففاته ولَحِق بمصعب، فهَدّم دارَه، وطلب رجلًا من صُداء يقال له عَمْرو بن صُبَيح، وكان يقول: لقد طعنتُ بعضَهُم وجرحتُ فيهم وما قتلت منهمْ أحدًا، فأتِيَ ليلًا وهو على سَطْحه وهو لايشعر بعد ما هدأت العيون، وسيفُه تحت رأسه، فأخذوه أخْذًا، وأخذوا سيفَه، فقال: قبحك الله سيفًا، ما أقرَبك وأبعَدَك! فجيء به إلى المختار، فحَبَسه معه في القصر، فلمَّا أن أصبح أذِنَ لأصحابه، وقيل: لِيدخلْ من شاء أن يَدخُل، ودخل الناس وجيء به مقيَّدًا، فقال: أما واللهِ يا معشر الكَفَرة الفَجَرة أن لو بِيَدِي سيفي لَعلمتم أني بنصل السيف غير رَعِش ولا رِعْديد، ما يسرُّني إذ كانت منيّتي قَتْلًا أنَّه قتلني من الخلق أحد غيركم. لقد علمتُ أنَّكم شرار خلق الله، غيرَ أني وددتُ أنّ بيدي سيفًا أضرب به فيكم ساعة، ثمّ رفع يدَه فلطم عينَ ابن كامل وهو إلى","vol":"10","page":106},{"text":"جنبه، فضحك ابن كامل، ثمّ أخذ بيده وأمسكها، ثم قال: إنَّه يزعم أنَّه قد جرح في آل محمد وطعن، فمُرْنا بأمرك فيه، فقال المختار: عليّ بالرماح، فأتِيَ بها، فقال: اطعَنوه حتَّى يموت، فطُعِن بالرماح حتَّى مات (١). (٦/ ٦٤ - ٦٥).\nقال أبو مخنف: حدّثني هشام بن عبد الرّحمن وابنه الحكَم بن هشام أنّ أصحاب المختار مرّوا بدار بني أبي زُرعة بن مسعود، فرَموهم من فوقها، فأقبلوا حتَّى دخلوا الدارَ، فقتلوا الهبياط بن عثمان بن أبي زُرعة الثقفيّ وعبد الرحمن بن عثمان بن أبي زرعة الثَّقَفيّ، وأفلتَهم عبدُ المالك بن أبي زرعة بضربة في رأسه، فجاء يشتدّ حتَّى دخل على المختار، فأمر امرأتَه أمَّ ثابت ابنَةِ سَمُرة بن جُندَب، فداوتْ شجَّته، ثمّ دعاه، فقال: لا ذنب لي، إنَّكم رميتم القوم فأغضَبْتموهم، وكان محمَّد بنُ الأشعث بن قيس في قرية الأشعث إلى جنب القادسيَّة، فبعث المختار إليه حَوْشبًا سادِنَ الكرسيّ في مئة، فقال: انطلِق إليه فإنَّك تجده لاهيًا، متصيّدًا، أو قائمًا متلبّدًا، أو خائفًا متلدّدًا، أو كامنًا متغمّدًا، فإن قدرت عليه فأتِني برأسه، فخرج حتَّى أتى قصرَه فأحاط به، وخرج منه محمَّد بن الأشعث فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يَروْن أنَّه فيه، ثم دخلوا فعَلِموا أنَّه قد فاتَهم، فانصرفوا إلى المختار، فبعث إلى داره فهدمها، وبنى بلَبِنها وطِينِها دارَ حُجْر بن عديّ الكِنْديّ، وكان زيادُ بن سُمَيَّة قد هَدَمها (٢). (٦/ ٦٥ - ٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة</span>\nوقال هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدّثني منيع بن العلاء السعديّ أنّ مسكين بن عامر بن أنَيْف بن شُرَيح بن عمرو بن عدس كان فيمن قَاتَل المختار، فلمَّا هزم الناس لحق بأذرْبيجان بمحمَّد بن عمير بن عطارد، وقال:\nعجِبتْ دَخْتنُوس لمّا رأَتْني ... قد عَلَاني مِنَ المَشِيبِ خِمارُ\nفأهلَّتْ بصوتِها وأرَنَّتْ ... لا تهالي قد شاب منّي العِذَارُ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":107},{"text":"إن تَرَيْني قد بانَ غَربُ شبابي ... وأَتَى دونَ مولدي أَعْصَارُ\nفابنُ عامَيْن وابن خمسين عامًا ... أيّ دهر إلَّا له أَدهارُ!\nليت سيْفي لها وَجَوْبتَها لي ... يومَ قالت ألا كريم يَغارُ!\nليْتنَا قبلَ ذلك اليوم مِتْنَا ... أو فعلْنا ما تفعلُ الأحرارُ\nفعلَ قوم تَقَاذف الخيرُ عنهمْ ... لم نُقاتلْ وقاتَلَ العَيْزَار\nوتولَّيتُ عنهُمُ وأصيبوا ... ونَفَاني عنهمْ شَنَارٌ وعارُ\nلَهْفَ نَفسِي علي شِهَاب قُرَيْشٍ ... يومَ يُؤْتَى برأسه المختارُ!\nوقال المتوكِّلُ الليثي:\nقتلوا حُسَينًا ثم همْ ينعوْنَه ... إنَّ الزمانَ بأَهله أَطْوارُ\nلا تَبْعَدنْ بالطَّفِّ قَتْلَى ضُيِّعَتْ ... وسقَى مسَاكِن هامِهَا الأَمطار\nما شُرْطَة الدّجّالِ تحتَ لوائِه ... بأَضَلَّ مِمَّنْ غرَّهُ المختارُ\nأَبَني قَسي أَوثِقُوا دجَّالَكم ... يجْلَ الغُبارُ وأنتمُ أحرارُ\nلو كان علمُ الغيب عند أخيكمُ ... لتَوطَّأَتْ لكُمُ به الأحبارُ\nولكان أمرًا بيِّنًا فيما مضَى ... تأْتى به الأَنباءُ والأخبارُ\nإنِّي لأرجو أن يُكَذِّبَ وحْيَكمْ ... طعنٌ يَشُقُّ عصاكُمُ وحِصَارُ\nويجيئكم قومٌ كأنَّ سُيُوفَهُمْ ... بأكفِّهِمْ تحتَ العَجاجة نارُ\nلا يَنثَنون إذا هُمُ لاقَوْكُمُ ... إلَّا وهَامُ كُمَاتِكم أَعشارُ (١)\n(٦/ ٧٠ - ٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزّبير</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة بعث المختارُ جيشًا إلى المدينة للمكْر بابن الزبير، وهو مُظهِر له أنَّه وجَّههم مَعُونَةً له لحرب الجيش الَّذي كان عبد الملك بن مروان وجَّهه إليه لحروبه، فنزلوا واديَ القُرى.\n* ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه ذلك الجيش وإلى ما صار أمرهم:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":108},{"text":"قال هشام بن محمَّد: قال أبو مخنف: حدّثني موسى بن عامر، قال: لمَّا أخرج المختارُ بن مطيع من الكوفة لَحق بالبَصرة، وكره أن يقدم ابن الزبير بمكَّة وهو مهزوم مفلول، فكان بالبَصرة مقيمًا حتَّى قدم عليه عمرُ بنُ عبد الرحمن بن هشام، فصارا جميعًا بالبصرة، وكان سبب قدوم عمرَ البصرة أنّ المختار ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشِّيعة إنَّما يدعو إلى ابن الحنفيَّة والطلب بدماء أهل البيت، أخذ يخادع ابنَ الزبير ويكتب إليه، فكتب إليه: أمَّا بعد، فقد عرفتَ مُناصَحتي إيَّاك وجَهدي على أهل عَداوَتِك، وما كنتَ أعطيتني إذا أنا فعلتُ ذلك من نفسك فلمَّا وفَيتُ لك، وقضيتُ الَّذي كان لكَ عليّ، خِسْتَ بي، ولم تَف بما عاهَدتني عليه، ورأيت منّي ما قد رأيت، فإن تُرد مراجعتي أراجِعك، وإن تُرد مُناصحتي أنصح لك. وهو يريد بذلك كفَّه عنه، حتَّى يَستجمِع له الأمر، وهو لا يُطْلع الشِّيعة على شيء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شيء منه أراهم أنَّه أبعد الناس عن ذلك. قال: فأراد ابن الزبير أن يَعلم أسِلْم هو أم حرب! فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، فقال له: تجهَّزْ إلى الكوفة فقد ولَّيناكَها، فقال: كيف وبها المختار! قال: إنَّه يزعم أنَّه سامع مطيع، قال: فتجَّهزَ بما بين الثلاثين الألف درْهم إلى الأربعين ألفًا، ثمّ خرج مقبلًا إلى الكوفة، قال: ويجيء عينُ المختار من مكَّة حتَّى أخبره الخبر، فقال له: بكم تجهّز؟ قال: بما بين الثلاثين ألفًا إلى الأربعين ألفًا. قال: فدعا المختارُ زائدةَ بن قدامة، وقال له: احمِل معك سبعين ألفَ درهم ضِعفَ ما أنفَق هذا في مسيره إلينا وتلقّه في المفَاوز، واخرج معك مسافر بن سعيد بن نمْران الناعطيّ في خمسمئة فارس دارعٍ رامح، عليهم البَيْض، ثمَّ قل له: خذ هذه النَّفقة فإنَّها ضعف نفقتك، فإنَّه قد بلغنا أنَّك تجهَّزتَ وتكلَّفت قدرَ ذلك، فكَرِهنا أن تغرم، فخذها وانصرف، فإن فعل وإلّا فأره الخيل وقل له: إنّ وراء هؤلاء مثلهم مئة كتيبة. قال: فأخذ زائدة المال، وأخرج معه الخيل، وتلقَّاه بالمَفاوز، وعرض عليه المال، وأمَرَه بالانصراف، فقال له: إنّ أمير المؤمنين قد ولّاني الكوفة ولابدّ من إنفاذ أمره، فدعا زائدةُ بالخيل وقد أكمنها في جانب، فلمَّا رآها قد أقبلتْ قال: هذا الآن أعذَرُ لي وأجملُ بي، هاتِ المالَ، فقال له زائدة: أمَّا إنَّه لم يبعث به إليك إلّا لما بينك وبينه، فدفعه إليه فأخذه ثمّ مضى","vol":"10","page":109},{"text":"راجعًا نحوَ البصرة، فاجتمع بها هو وابنُ مطيع في إمارة الحارث بنِ عبد الله بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنَّى بن مخرِّبة العبديّ بالبَصرة (١). (٦/ ٧١ - ٧٢).\nقال أبو مخنف: فحدّثني إسماعيل بن نُعيم أنّ المختار أخبِر أنّ أهل الشام قد أقبَلوا نحو العراق، فعَرَف أنه به يُبْدَأ، فخشى أنه يأتيَه أهلُ الشام من قبل المغرب، ويأتيَه مصعب بن الزبير من قِبَل البَصرةَ، فوادَعَ ابنَ الزبير وداراه وكايده؛ وكان عبدُ الملك بن مروانَ قد بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكَم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختار لابن الزبير مكايِدٌ موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير:\nأما بعد، فقد بلغني أنّ عبد الملك بن مروانَ قد بعث إليك جيشًا، فإن أحببتَ أن أمدّك بمدَدَ أمددتُك. فكتب إليه عبدُ الله بنُ الزبير:\nأما بعد، فإن كنتَ على طاعتي فلستُ أكره أن تبعث الجيشَ إلى بلادي وتبايعَ لي الناس قِبلك، فإذا أتتْني بيعتُك صدّقتُ مقالتَكَ، وكففتُ جنودي عن بلادك، وعَجِّل عليّ بِتسريح الجيش الّذي أنت باعثه، ومُرهم فليسيروا إلى مَنْ بوادي القرى من جُنْد ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام.\nفدعا المختارُ شُرحبيلَ بن وَرْس من هَمدان، فسرّحه في ثلاثةِ آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب إلّا سبعمئة رجل، فقال له: سرْ حتَّى تدخلَ المدينة، فإذا دخلتَها فاكتب إليّ بذلك حتَّى يأتيَك أمري؛ وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرًا من قبَله، ويأمرَ ابنَ ورس أن يمضيَ إلى مكَّة حتَّى يحاصرَ ابنَ الزبير ويقاتلَه بمكَّة، فخرج الآخر يسير قِبَل المدينة، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكّة إلى المدينة عباس بن سَهْل بن سعد في ألفين، وأمَرَه أن يستنفرَ الأعراب، وقال له ابنُ الزبير: إنْ رأيتَ القومَ في طاعتي فاقبل منهم، وإلّا فكايِدْهم حتَّى تُهلِكهم ففعلوا، وأقبَل عبَّاس بن سهل حتَّى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد عبَّى ابن ورس أصحابَه، فجعل على ميمنته سَلمانَ بن حِميرَ الثَّوريّ من هَمْدان، وعلى مَيْسرته عيَّاش بن جَعْدة\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":110},{"text":"الجُدَليّ، وكانت خيلُه كلها في الميمنة والميسرة، فدنا فسلَّم عليه، ونزل هو يمشي في الرّجّالة، وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية، فيجد ابن ورس على الماء قد عبّى أصحابه تعبية القتال، فدنا منهم فسلَّم عليهم، ثم قال: اخلُ معي هاهنا، فَخلَا به، فقال له: رحمك الله! ألستَ في طاعة ابن الزبير! فقال له ابن ورس: بلى، قال: فسرْ بنا إلى عدوّه هذا الَّذي بوادي القرى، فإنّ ابن الزبير حدّثني أنَّه إنَّما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن ورس: ما أمِرت بطاعتك، إنما أمِرت أن أسير حتى آتي المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيي، قال له عبَّاس بن سهل: فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسيرَ بك وبأصحابك إلى عدوّنا الَّذِين بوادي القرى، فقال له ابن ورْس: ما أمِرتُ بطاعتك، وما أنا بمتَّبعك دون أن أدخل المدينة، ثمَّ أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره، فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل لَجاجَتَه عرف خلافَه، فكَرِه أن يُعلمه أنَّه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعمْل بما بدا لك؛ فأمَّا أنا فإني سائر إلى وادي القرى، ثم جاء عبَّاس بن سهل فنزل بالماء.\nوبعث إلى ابنَ ورْس بجزائرَ كانت معه، فأهداها له، وبعث إليه بدقيق وغنم مسلَّخة - وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعًا - فبعث عبَّاس بن سهل إلى كلّ عشرة منهم شاة، فذبحوها، واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء. وترك القومُ تعبيتهم، وأمِن بعضُهم بعضًا؛ فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل ما هم فيه من الشغل جَمَع من أصحابه نحوًا من ألفِ رجل من ذوي البأس والنَّجدة ثمّ أقبل نحو فسطاط شُرَحبيل بن وَرْس، فلمَّا رآهم ابنُ وَرْس مُقْبلين إليه نادى في أصحابه، فلم يَتوافَ إليه مئةُ رجل حتَّى انتهى إليه عبَّاس بن سهل وهو يقول: يا شُرْطةَ الله، إليّ إليّ! قاتلوا المُحِلِّين، أولياءَ الشيطان الرجيم، فإنَّكم على الحقّ والهدى؛ قد غَدَروا وفجروا (١). (٦/ ٧٢ - ٧٤).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف أنّ عبَّاسًا انتهى إليهم، وهو يقول:\nأنَا ابن سهل فارسٌ غيرُ وَكَلْ ... أَرْوَعُ مِقْدَام إذا الكبشُ نَكَلْ\nوأعْتَلي رأْسَ الطِّرِمَّاح البطَلْ ... بالسّيف يومَ الرَّوْع حتَّى يَنْخزَلْ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":111},{"text":"قال: فوالله ما اقتتلنا إلّا شيئًا ليس بشيء حتى قُتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورَفَع عبَّاسُ بن سهل رايةَ أمان لأصحاب ابن ورس، فأتَوْها إلّا نحوًا من ثلاثمئة رجل انصرفوا مع سَلَمانَ بن حمير الهمدانيّ وعياش بن جَعْدة الجدليّ، فلمَّا وقعوا في يد عبَّاس بن سهل أمر بهم فقُتِلوا إلا نحوًا من مئتي رجل، كره ناس من النَّاس ممَّن دُفِعُوا إليهم قتلهم، فخلَّوا سبيلهم، فرجعوا، فمات أكثرُهم في الطريق، فلمَّا بلغ المختار أمرُهُم، ورجع مَنْ رجع منهم، قام خطيبًا فقال: ألا إنّ الفُجَّار الأشرار، قتَلوا الأبرار الأخيار، ألا إنَّه كان أمرًا مأتِيًّا، وقضاءً مقضيًّا، وكتب المختار إلى ابن الحنفيَّة مع صالح بن مسعود الخَثعَمِيّ:\nبسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد، فإني كنت بعثتُ إليك جندًا ليُذلّوا لك الأعداء، وليحوزُوا لك البلاد، فساروا إليك حتَّى إذا أظلُّوا على طَيبَة، لقيهم جندُ المُلحِد، فخدعوهم بالله، وغرّوهم بعهد الله، فلمَّا اطمأنّوا إليهم، ووَثِقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيتَ أن أبعثَ إلى أهل المدينة من قبَلي جيشًا كثيفًا، وتَبعثَ إليهم من قِبَلك رُسُلًا حتَّى يعلم أهلُ المدينة أني في طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنَّك ستجد عظمهم بحقّكم أعرَف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظّلمة الملحدين والسلام عليك.\nفكتب إليه ابنُ الحنفيَّة: أمَّا بعد، فإنّ كتابك لمَّا بلغني قرأتُه، وفهمتُ تعظِيمَك لحقّي، وما تنوي من سروري، وإنّ أحبّ الأمور كلِّها إليّ ما أطيع اللهَ فيه، فأطع الله ما استطعتَ فيما أعلنتَ وأسررت، واعلم أني لو أردت لوجدتُ الناس إليّ سراعًا، والأعوانَ لي كثيرًا، ولكني أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.\nفأقبل صالح بنُ مسعود إلى ابن الحنفيَّة فودَّعه وسلَّم عليه، وأعطاه الكتاب وقال له: قل للمختار فليتَّقِ الله، وليكفُف عن الدّماء، قال: فقلت له: أصلَحَك الله! أوَ لم تكتبْ بهذا إليه! قال له ابن الحنفيَّة: قد أمرتهُ بطاعة الله، وطاعةُ الله تَجمَع الخيرَ كلَّه، وتنهَى عن الشرّ كلّه، فلمَّا قَدِم كتابُه على المختار أظهر للناس","vol":"10","page":112},{"text":"أني قد أُمِرتُ بأمر يجمع البرّ واليسر، ويَضَرْح الكُفْر والغَدْر (١). (٦/ ٧٤ - ٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>ذكر الخبر عن قُدوم الخشبيّة مكة وموافاتهم الحجّ</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة قدمت الخشبيّة مكة، ووافوا الحج وأميرهم أبو عبد الله الجدليّ.\n* ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة:\nوكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام عن أبي مخنف وعلّي بن محمَّد، عن مَسْلمة بن محارب - أنّ عبد الله بن الزبير حبس محمَّد بن الحنفيَّة ومَن معه من أهل بيته وسبعة عشرَ رجلًا من وجوه أهل الكوفة بزَمزمَ، وكرِهوا البَيْعة لمن لم تجتمع عليه الأمَّة، وهربوا إلى الحَرم، وتوعَّدهم بالقَتْل والإحراق، وأعطى اللهَ عهدًا إن لم يبايعوا أن يُنفذ فيهم ما توعَّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجَلًا، فأشار بعضُ من كان مع ابن الحنفيَّة عليه أن يبعث إلى المختار وإلى مَنْ بالكوفة رسولًا يعْلمهم حالَهم وحال من معهم، وما توعَّدهم به ابن الزبيرُ، فوجَّه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يُعلِمهم حالَه وحالَ من معه، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار، ويسألهم ألّا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بَيته، فقَدِموا على المختار، فدَفَعوا إليه الكتَاب، فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهدّيكم وصريحُ أهل بيت نبيِّكم وقد تركوا محظورًا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء اللَّيل وتارات النهار، ولستُ أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرًا مؤزَّرًا، وإن لم أسرِّب إليهم الخيل في أثر الخيل، كالسَّيل يتلُوه السيل، حتَّى يَحُلّ بابن الكاهليَّة الوَيْل.\nووجَّه أبا عبد الله الجدليّ في سبعين راكبًا من أهل القوّة، ووجَّه ظَبْيان ابن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمئة، وأبا المعتمر في مئة، وهانى بن قيس في مئة، وعُمَير بن طارق في أربعين، ويونسَ بن عمرن في أربعين، وكتب إلى محمد بن عليّ مع الطّفَيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجنود إليه، فخرج\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":113},{"text":"الناسُ بعضُهم في أثر بعض، وجاء أبو عبد الله حتَّى نزل ذاتَ عِرْق في سبعين راكبًا، ثمّ لحقه عمير بن طارق في أربعين راكبًا، ويونس بن عمران في أربعين راكبًا، فتمّوا خمسين ومئة، فسار بهم حتَّى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم الكافر كوبات، وهم ينادُون: يا لَثأرات الحسين! حتَّى انتهَوا إلى زمزم، وقد أعدّ ابنُ الزبير الحَطَب ليحْرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فطردوا الحَرَس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفيَّة، فقالوا له: خَلّ بيننا وبين عدوّ الله ابن الزبير، فقال لهم: إني لا أستحلّ القتال في حرم الله فقال ابن الزبير: أتحسبون أني مُخَلٍّ سبيلَهم دون أن يبايع ويبايعوا! فقال أبو عبد الله الجدَليّ: إي وَرَبّ الرُّكْن والمقام، وربّ الحِلّ والحرام، لتخلّينّ سبيلَه أو لنجالدنَّك بأسيافنا جِلادًا يرتاب منه المُبطِلون فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلّا أكَلة رأس، والله لو أذنت لأصحابي ما مضتْ ساعة حتَّى تُقطَف رؤوسهم؛ فقال له قيس بن مالك: أما والله إني لأرجو إن رمت ذلك أن يُوصَل إليك قبل أن ترى فينا ما تحبّ، فكفّ ابن الحنفيَّة أصحابَه، وحذّرهم الفتنة، ثمّ قدم أبو المعتمر في مئة، وهانئ بن قيس في مئة، وظَبيان بن عُمارة في مئتين، ومعه المال حتَّى دخلوا المسجد، فكبَّروا: يا لَثأرات الحسين! فلمَّا رآهم ابن الزبير خافَهم، فخرج محمّد بن الحنفيّة ومَن معه إلى شِعب عليّ وهم يسبّون ابنَ الزبير، ويستأذِنون ابنَ الحنفيَّة فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمَّد بن عليّ في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال (١). (٦/ ٧٥ - ٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>ذكر الخبر عن حصار بني تميم بخراسان</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم مَنْ كان بخراسان من رجال بني تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه محمَّدًا.\nقال عليّ بن محمَّد: حدّثنا الحسن بن رُشيد الجُوزَجانيّ عن الطّفيْل بن مرداس العمّيّ، قال: لمَّا تفرّقتْ بنو تميم بخرَاسان أيامَ ابن خازم، أتى قصر فرتنَا عدّةٌ من فُرْسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين؛ فولَّوا أمرهم عثمان بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":114},{"text":"بشر بن المحتفز المُزنيّ، ومع شُعْبة بن ظَهِير النهشليّ، وورد بن الفلق العَنبريّ، وزُهَير بن ذؤيب العدويّ، وجَيْهان بن مَشْجَعة الضّبيّ، والحجَّاج بن ناشب العدَويّ، ورقبة بن الحرّ في فرسان بني تميم، قال: فأتاهم ابن خازم، فحصرهم وخَنْدَق خَندَقًا حصينًا، قال: وكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثمّ يرجعون إلى القصر، قال: فخرج ابن خازم يومًا على تعبية من خندقه في ستَّة آلاف، وخرج أهلُ القصر إليه، فقال لهم عثمان بن بشر بن المحتفز: انصرفوا اليومَ عن ابن خازم، فلا أظنّ لكم به طاقة، فقال زهير بنُ ذؤيب العدويّ: امرأته طالق إنْ رجع حتَّى ينقض صفوفهم - وإلى جنبهم نَهْرٌ يدخله الماء في الشتاء، ولم يكن يومئذ فيه ماء، فاستبطنه زهير، فسار فيه، فلم يشعر به أصحابُ ابن خازم حتَّى حمل عليهم، فحطَّم أوَّلهم على آخرهم، واستداروا وكرّ راجعًا، واتَّبعوه على جنبَتيّ النَّهر يصيحون به: لا ينزل إليه أحد، حتَّى انتهى إلى الموضع الَّذِي انحدر فيه، فخرَج فحمل عليهم، فأفرَجوا له حتَّى رجع؛ قال: فقال ابنُ خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيرًا فاجعلوا في رماحكم كلاليب فأعلِقوها في أداته إنْ قدرتم عليه، فخرج إليهم يومًا وفي رماحهم كلاليب قد هيَّئوها له، فطاعَنوه فأعلقوا في درعه أربعة أرماح، فالتفَت إليهم ليَحِمل عليهم، فاضطربت أيديهم، فخلّوا رماحَهم، فجاء يجرّ أربعة أرماح حتَّى دخل القصر؛ قال: فأرسل ابن خازم غَزْوان بن جَزْء العدويّ إلى زهير فقال: قل له: أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مئةَ ألف، وجعلتُ لك باسار طعمة تناصحني؛ فقال زهير لغَزْوان: ويحك! كيف أناصح قومًا قتلوا الأشعثَ ابنَ ذؤيب! فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم.\nقال: فلمَّا طال عليهم الحصار أرسلوا إلى ابن خازم أن خَلِّنا نخرج فنتفرّق، فقال: لا إلّا أن تنزلوا على حُكْمي؛ قالوا: فإنا ننزل على حُكْمك، فقال لهم زهير: ثكلَتْكم أمَّهاتُكم! والله ليقتلنَّكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت أنفسًا فموتوا كِرامًا، اخرجوا بنا جميعًا فإمَّا أن تموتوا جميعًا وإمَّا أن ينجوَ بعضكم ويهلكَ بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم شدّةً صادقة ليُفرِجُنّ لكم عن مثل طريق المِربَد، فإن شئتم كنت أمامَكم، وإن شئتم كنت خلفَكم، قال: فأبَوا، فقال: أما إني سأريكم، ثمّ خرج هو ورقبَة بن الحرّ ومع رقبَة غلام له تركيّ","vol":"10","page":115},{"text":"وشعبة بن ظَهير، قال: فحَمَلوا على القوم حملَةً منكَرة، فأفرجُوا لهم، فمَضوا؛ فأمَّا زهير فرجع إلى أصحابه حتَّى دخل القصر فقال لأصحابه: قد رأيتم فأطيعوني، ومضى رَقبة وغلامه وشعبة، قالوا: إنّ فينا من يَضعُف عن هذا ويطمع في الحياة، قال: أبعدكم الله! أتَخلَّوْن عن أصحابكم! والله لا أكون أجزَعكم عند الموت، قال: ففتحوا القصر ونزلوا، فأرسل فقيَّدهم، ثمّ حملوا إليه رجلا رجلًا، فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى ابنُه موسى، وقال: والله لئن عفوت عنهم لأتَّكئنّ على سيفي حتَّى يخرج من ظهري؛ فقال له عبد الله: أما والله إني لأعلم أنّ الغيّ فيما تأمرني به، ثمّ قتلهم جميعًا إلّا ثلاثة؛ قال: أحدهم الحجَّاج بن ناشب العدويّ - وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم فكسر ضرسَه، فحلف لئن ظفر به ليقتلنَّه أو ليقطعنّ يده، وكان حَدَثًا، فكلَّمه فيه رجال من بني تميم كانوا معتزلين؛ من عَمرو بن حنظلة، فقال رجل منهم: ابن عمّي وهو غلام حدث جاهل؛ هَبْه لي، قال: فوهبه له، وقال: النَّجاء! لا أرينَّك.\nقال: وجيهان بن مشجعة الضَّبّي الَّذي ألقى نفسَه على ابنه محمَّد يوم قُتِل، فقال ابن خازم: خلّوا عن هذا البَغْل الدارج، ورجل من بني سعد، وهو الَّذِي قال يومَ لَحِقوا ابنَ خازم: انصرفوا عن فارسِ مضر. قال: وجاؤوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيّد، فأبَى وأقبلَ يَحجُل حتَّى جلس بين يديه، فقام له ابن خازم: كيف شُكرك إنْ أطلقتُك وجعلتُ لكَ باسار طعمة؟ قال: لو لم تصنْع بي إلّا حقنَ دمي لشكرتُك، فقام ابنه موسى فقال: تقتل الضبع وتترك الذّيخ! تقتل اللبؤَة وتترك اللَّيث! قال: وَيْحك! نقتل مِثلَ زهير! مَن لقتال عدوّ المسلمين! مَن لنساء العرب! قال: والله لو شركتَ في دم أخي أنت لقتلتك، فقام رجل من بني سُلَيم إلى ابن خازم، فقال: أذكِّرك اللهَ في زهير! فقال له موسى: اتَّخذه فَحْلًا لبناتك، فغضب ابن خازم، فأمر بقتله، فقال له زهير: إنّ لي حاجة. قال: وما هي؟ قال: تقتلني على حِدَة، ولا تخلط دمي بدماء هؤلاء اللئام، فقد نهيتُهم عمَّا صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كرامًا، وأن يخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله أن لو فعلوا لذَعَروا بُنيَّك هذا، وشغلوه بنفسه عن طلب الثأر بأخيه فأبوْا، ولو فعلوا ما قتِل منهم رجل حتَّى يقتل رجالًا.\nفأمر به فنُحِّي ناحية فقُتل.","vol":"10","page":116},{"text":"قال مَسلمة بن محارب: فكان الأحنفُ بن قيس إذا ذكرهم قال: قبّح الله ابن خازم! قتل رجالًا من بني تميم بابنه، صبيّ وغْد أحمقَ لا يُساوِي عَلقًا، ولو قتل منهم رجلًا به لكان وفّى.\nقال: وزعمت بنو عديّ أنهم لما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبَى واعتمد على رُمْحه وجمع رجليه فوَثَب الخندق، فلمَّا بلغ الحَريشَ بن هلال قتلهم قال:\nأَعَاذِلَ إِنّي لم أُلِمْ في قِتَالِهمْ ... وقد عضَّ سيفي كَبْشَهُمْ ثم صمّمَا\nأعاذل ما ولَّيْتُ حتى تَبَدَّدَتْ ... رجالٌ وحتَّى لم أَجد مُتَقَدّمَا\nأعاذل أفْنَاني السلاحُ ومن يُطِلْ ... مُقَارَعَةَ الأَبطالِ يرجعْ مكلّمَا\nأعَيْنىَّ إن أَنْزَفْتُما الدمعَ فاسكُبَا ... دمًا لازمًا لي دون أن تسكُبا الدّمَا\nأَبَعْدَ زهيرٍ وابنِ بشرٍ تَتَابعا ... ووردٍ أُرَجّي في خُراسانَ مَغْنَما\nأعاذلَ كم من يومِ حربٍ شهِدتُه ... أَكُرُّ إذا ما فارسُ السَّوءِ أَحْجَمَا\nيعني بقوله: \"أبعْدَ زهير\"، زهيرَ بن ذؤيب، وابن بشر، عثمان بن بشر المحتفز المازنيّ، وورد بن الفلق العنبريّ، قُتلوا يومئذ، وقتل سليمان بن المحتفز أخو بشر (١). (٦/ ٧٧ - ٨٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>شخوص إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد</span>\nوفي هذه السنة شَخَص إبرهيمُ بن الأشتر متوجِّهًا إلى عبيد الله بن زياد لحربه، وذلك لثمانٍ بقين من ذي الحِجَّة.\nقال هشام بن محمَّد: حدّثني أبو مخنف: قال: حدّثني النَّضر بن صالح - وكان قد أدرك ذلك - قال: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج - وكان قد شهد ذلك - وغيرهما. قالوا: ما هو إلّا أن فرغ المختار من أهل السَّبيع وأهل الكُناسة، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلّا يومين حتَّى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجَّهه له لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجَّة سنة ستٍّ وستين، وأخرج المختارُ معه من وجوه أصحابه وفُرسانهم وذوي البصائر منهم: مِمَّن قد\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":117},{"text":"شهد الحرب وجرّبها، وخرج معه قيس بن طَهْفة النَّهديّ على ربع أهل المدينة، وأمَّر عبد الله بن حيَّة الأسديّ على ربع مَذْحِج وأسَد، وبعث الأسوَد بن جراد الكِنْديّ على رُبْع كندة وربيعة.\nوبعث حبيب بن منقذ الثوريّ من هَمْدانَ على ربع تميم وهَمْدان، وخرج معه المختار يشيعه حتى إذا بلغ ديرَ عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم، إذا أصحاب المختار قد استقبلوه، قد حملوا الكرسيّ على بغل أشهب كانوا يَحمِلونه عليه، فوقفوا به على القنطرة، وصاحب أمر الكرسيّ حَوْشب البرسميّ، وهو يقول: يا ربّ عمِّرنا في طاعتك، وانصرنا على الأعداء، واذكرنا ولا تَنْسَنا واسترنا، قال: وأصحابه يقولون: آمين آمين؛ قال فُضَيل: فأنا سمعتُ ابن نَوف الهَمْدانيّ يقول: قال المختار:\nأمَا وَرَبِّ المُرْسَلَاتِ عُرْفَا ... لنقتُلَنَّ بعدَ صفٍّ صَفَّا\nوبعد أَلفٍ قاسِطِين أَلفَا\nقال: فلمَّا انتهى إليهم المختار وابنُ الأشتر ازدَحموا ازدحامًا شديدًا على القنطرة، ومضى المختار مع إبراهيمَ إلى قناطر رأس الجالوت - وهي إلى جنب دَيْر عبد الرحمن - فإذا أصحاب الكرسيّ قد وقفوا على قناطر رأسِ الجالوت يَستنصِرون، فلمَّا صار المختار بين قنطرة دَيْرِ عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف، وذلك حين أراد أن ينصرف، فقال لابن الأشتر: خذ عنّي ثلاثًا: خَفِ الله في سرّ أمرِك وعلانيته، وعجّل السير، وإذا لقيتَ عدوّك فناجزهم ساعة تلقاهُم، وإن لقيتَهم ليلًا فاستطعت ألّا تُصبح حتّى تناجِزَهم، وإن لقيتَهم نهارًا فلا تنتظر بهم الليل حتَّى تحاكمهم إلى الله، ثم قال: هل حفِظتَ ما أوصيتك بهِ؟ قال: نعم، قال: صحبك الله؛ ثم انصرف، وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمَّام أعيَنَ، ومنه شخص بعسكره (١). (٦/ ٨١ - ٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>ذكر أمر الكرسيّ الذي كان المختار يستنصر به</span>!\nقال أبو مخنف: فحدّثني فُضيل بن خَدِيج قال: لمَّا انصرف المختار مضى\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":118},{"text":"إبراهيم ومعه أصحابه حتَّى انتهى إلى أصحاب الكُرْسيّ وقد عَكَفوا حوله وهم رافعو أيديهم إلى السّماء يستنصِرون، فقال إبراهيم: اللَّهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السُّفهاء - سنّةَ بني إسرائيل والَّذِي نفسي بيَده إذ عكفوا على عِجْلهم - فلمَّا جاز القنطرة إبراهيمُ وأصحابهُ انصرف أصحاب الكرسيّ (١). (٦/ ٨٢).\n* ذكر الخبر عن سبب كرسي المختار الذي يستنصر به هو وأصحابه:\nقال أبو جعفر: وكان بدءُ سببه ما حدّثني به عبد الله بن أحمد بن شبّوَيْهِ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن إسحاقَ بن يحيى بن طلحة، قال: حدّثني معبد بن خالد، قال: حدّثني طُفَيل بن جَعْدة بن هُبيرة، قال: أعدمتُ مرّةً من الورق، فإني لكذلك إذْ خرجتُ يومًا فإذا زَيَّات جارٌ لي، له كرسيّ قد ركبه وسخٌ شديد، فخطر على بالي أن لو قلتُ للمختار في هذا! فرجعتُ فأرسلتُ إلى الزّيات: أرسلْ إليّ بالكرسيّ، فأرسل إليّ به، فأتيت المختار، فقلت: إني كنت أكتُمُك شيئًا لم أستحلّ ذلك، فقد بدا لي أن أذكره لك، قال: وما هو؟ قلت: كرسيّ كان جعدة بن هُبيرة يجلس عليه كأنَّه يرى أن فيه أثَرة مِن عِلم، قال: سبحان الله! فأخَّرتَ هذا إلى اليوم! ابعث به إليَّ، قال: وقد غُسل وخرج عُود نُضَارٍ، وقد تشرّب الزيت، فخرج يَبِصّ، فجيء به وقد غُشي، فأمر له باثني عشر ألفًا، ثم دعا: الصّلاة جامعة.\nفحدّثني معبد بن خالد الجُدَليّ قال: انطُلِق بي وإسماعيلَ بن طلحة بن عُبيد الله وشَبَث بن ربعيّ والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنَّه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمَّة مثله، وإنَّه كان في بني إسرائيل التابوت فيه بقيَّة ممَّا ترك آلُ موسى وآلُ هارون، وإنّ هذا فينا مثل التابوت، اكشِفوا عنه؛ فكشفوا عنه أثوابَه، وقامت السبئيَّة فرفعوا أيديهم، وكبروا ثلاثًا، فقام شَبَث بن ربعيّ وقال: يا معشر مُضَر. لا تكفُرُنّ! فنحّوه فذبّوه وصدّوه وأخْرجوه، قال إسحاق: فوالله إني لأرجو أنَّها لشبث، ثمّ لم يلبث أن قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد نزَل بأهل الشام باجُمَيْرا، فخرج بالكرسيّ على بغل وقد غُشّي، يُمسِكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتِل أهل الشام مقتلة لم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":119},{"text":"يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتَّى تعاطَوا الكفر، فقلت: إنَّا لله! وندمتُ على ما صنعت. فتكلَّم الناس في ذلك، فغُيِّب، فلم أرَهُ بعدُ (١). (٦/ ٨٢ - ٨٣).\nحدّثني عبد الله، قال: حدّثني أبي قال: قال أبو صالح: فقال في ذلك أعْشى هَمْدان كما حدّثني غيرُ عبد الله:\nشَهدتُ عليكمْ أنَّكُمْ سبَئيَّةٌ ... وإنِّي بكم يا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عارف\nوأقْسِمُ ما كُرْسِيُّكم بسَكينةٍ ... وإن كان قد لُفَّتْ عليه اللّفائف\nوأَن ليس كالتابوتِ فينَا وإن سَعَتْ ... شِبَامٌ حوالَيْهِ ونَهْدٌ وخارفُ\nوإني امرؤٌ أحَبَبْتُ آلَ محمدٍ ... وتابَعْتُ وحْيًا ضُمِّنَتْهُ المَصاحِفُ\nوتابَعْتُ عبدَ الله لمّا تتابَعَت ... عليه قريشٌ: شُمْطها والغطارف\nوقال المتوكِّل اللَّيثيّ:\nأبْلِغْ أَبا إِسحاقَ إِنْ جِئتَه ... أَنِّي بِكُرْسيِّكمْ كافِرُ\nتَنزوُ شِبَامٌ حولَ أعوادِه ... وتحمِلُ الوحْي له شاكرُ\nمحمرَّةً أَعيُنُهمْ حولَهُ ... كأَنَّهنّ الحمّص الحادرُ\n(٦/ ٨٣ - ٨٤).\nفأمَّا أبو مخنف: فإنَّه ذكر عن بعض شيوخه قصّةَ هذا الكرسيّ غير الَّذي ذكره عبد الله بن أحمد بالإسناد الَّذي حدِّثنا به عن طفيل بن جعدة، والَّذي ذكر من ذلك ما حُدّثنا به، عن هشام بن محمَّد عنه، قال: حدّثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحَكَم بن هشام، أنّ المختار قال لآل جعدة بن هُبَيرة بن أبي وهب المخزوميّ - وكانت أمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب أخت عليّ بن أبي طالب ﵇ لأبيه وأمَّه: ائتوني بكرسيّ عليّ بن أبي طالب؛ فقالوا: لا والله ما هو عندنا، وما ندري مِنْ أين نجيء به! قال: لا تكونُنّ حَمقى، اذهبوا فأتوني به، قال: فظنّ القوم عند ذلك أنَّهم لا يأتون بكرسيّ، فيقولون: هو هذا إلّا قَبله منهم، فجاؤوا بكرسيّ فقالوا: هو هذا فقبِله، قال: فخرجتْ شبامٌ وشاكر\n_________\n(١) في إسناده إسحاق بن يحيى بن طلحة متروك الحديث منكر الحديث.","vol":"10","page":120},{"text":"ورؤوس أصحاب المختار وقد عَصّبُوه بالحرير والدّيِباج (١). (٦/ ٨٤).\nقال أبو مخنف، عن موسى بن عامر أبي الأشعر الجُهَنيّ: إنّ الكرسيّ لمَّا بلغ ابن الزبير أمْرُه قال: أين بعضُ جَنادِبة الأزْد عنه!\nقال أبو الأشعر: لمَّا جيء بالكرسيّ كان أوّل مَن سدَنَه موسى بن أبي موسى الأشعريّ، وكان يأتي المختار أوّل ما جاء ويحفّ به، لأنّ أمَّه أمّ كلثوم بنت الفضل بن العبَّاس بن عبد المطَّلب، ثمّ إنَّه بعد ذلك عُتب عليه فاستحيا منه، فدَفَعه إلى حَوْشب البُرْسُميّ، فكان صاحبه حتَّى هلك المختار، قال: وكان أحد عمومة الأعشى رجلًا يُكنى أبا أمامة يأتي مجلس أصحابه فيقول: قد وُضع لنا اليوم وحيٌ ما سَمِعَ الناسُ بمثله، فيه نبأ ما يكونُ من شيء (٢). (٦/ ٨٤ - ٨٥).\nقال أبو مخنف: حدّثنا موسى بن عامر أنَّه إنَّما كان يصنع ذلك لهم عبد الله بن نوف، ويقول: المختار أمرَني به، ويتبرّأ المختار منه (٣). (٦/ ٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>ثم دخلت سنة سبع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممَّا كان فيها من ذلك مقتل عُبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشام.\n* ذكر الخبر عن صفة مقتله.\nذكر هشام بن محمَّد عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو الصّلت، عن أبي سعيد الصَّيْقَل، قال: مضينا مع إبراهيم بن الأشتر، ونحن نريد عُبيدَ الله بن زياد ومَن معه من أهل الشام، فخرجنا مُسْرعين لا ننْثني، نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرضَ العراق، قال: فسبقناه إلى تُخومِ أرض العراق سَبْقًا بعيدًا، ووغلنا في أرض المَوْصل، فتعجَّلنا إليه، وأسرَعْنا السير، فنلقاه بخَازَر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا، بينها وبين مدينة المَوْصِل خمسة فراسخ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدّمته الطفيل بن لقيط من وهبيل من النّخع (رجلًا من قومه)، وكان\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":121},{"text":"شجاعًا بئيسًا فلمَّا أن دنا من ابن زياد ضمّ حميد بن حُريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لا يسير إلّا على تعبية، وضمّ أصحابه كلّهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعًا لا يفرّقهم، إلا أنَّه يبعث الطُفيل بن لقيط في الطَّلائع حتَّى نزل تلك القرية.\nقال: وجاء عبيد الله بن زياد حتَّى نزل قريبًا منهم على شاطئ خازَر، وأرسل عميرُ بن الحُباب السلميّ إلى ابن الأشتر: إني معك، وأنا أريد الليلة لقاءك، فأرسل إليه ابن الأشتر: أن القنى إذا شئت، وكانت قيس كلُّها بالجزيرة، فهم أهلُ خلاف لمروان وآلِ مروان، وجند مروان يومئذ كلبٌ وصاحبهم ابن بَحْدل، فأتاه عُمَير ليلًا فبايَعه، وأخبره أنَّه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالنَّاس، وقال ابن الأشتر: ما رأيُك؟ أخندق عليّ وأتلوّم يومين أو ثلاثة؟ قال عمير بن الحُباب: لا تفعل، إنَّا لله! هل يريد القومُ إلّا هذه! إنْ طاولوك وماطالوك فهو خير لهم، هم كثيرٌ أضعافكم، وليس يطيق القليلُ الكثير في المطاولة؛ ولكن ناجز القوم فإنَّهم قد مُلِئوا منكم رُعْبًا، فائتِهم فإنَّهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يومًا بعد يوم، ومرّة بعد مرّة أنِسوا بهم، واجترؤوا عليهم، قال إبراهيم: الآن علمتُ أنَّك لي مناصح، صدقتَ، الرأي ما رأيت، أما إنّ صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرَني، قال عمير: فلا تعدونّ رأيه، فإن الشيخ قد ضرّستْه الحروب، وقاسى منها ما لم نُقاس، أصبح فناهِض الرجل.\nثمّ إن عميرًا انصرف، وأذكَى ابن الأشتر حَرَسه تلك اللَّيلة اللّيل كلَّه، ولم يدخل عينه غمْض، حتَّى إذا كان في السحر الأوّل عَبَّي أصحابه، وكتَّب كتائبه، وأمَّر أمراءَه، فبعث سُفْيان بن يزيد بن المُغَفَّل الأزديّ على ميمنته، وعليّ بن مالك الجُشميّ على ميسرته، وهو أخو أبي الأحوص.\nوبعث عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمّه - على الخيل.\nوكانت خيلُه قليلةً فضمَّها إليه، وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجّالته الطُّفَيل بن لقيط، وكانت رايتُهُ مع مزاحم بن مالك، قال: فلمَّا انفجر الفجر صلَّى بهم الغداة بغَلَس، ثمّ خرج بهم فصفَّهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أميرَ الميمنة بالميمنة، وأميرَ الميسرة بالميسرة، وأمير","vol":"10","page":122},{"text":"الرّجالة بالرّجّالة، وضمّ الخيل إليه، وعليها أخوه لأمِّه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وَسَطًا من الناس، ونزل إبراهيمُ يمشي وقال للناس: ازحَفوا فزَحَف الناسُ معه على رِسْلِهم رُوَيدًا رُوَيدًا حتَّى أشرف على تلّ عظيم مُشرِف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرّك منهم أحد بعدُ - فسرّح عبدُ الله بن زهير السَّلوليّ وهو على فرس له يتأكَّل تأكُّلًا، فقال: قرّبْ عليّ فرسك حتَّى تأتيني بخبر هؤلاء، فانطلق، فلم يلبث إلّا يسيرًا حتَّى جاء، فقال: قد خرج القومُ على دَهَش وفَشَل، لقيَني رجل منهم فما كان له هِجِّيرَي إلا يا شيعَة أبي تُرَاب، يا شيعةَ المختار الكذّاب! فقلت: ما بيننا وبينكم أجلُّ من الشَّتم، فقال لي: يا عدوَّ الله، إلامَ تدعوننا! أنتم تقاتلون مع غير إمام، فقلت له: بل يا لثَأرات الحسين، ابن رسول الله! ادفعوا إلينا عُبيدَ الله بن زياد؛ فإنَّه قَتَل ابنَ رسولِ الله وسيِّد شباب أهل الجنَّة حتَّى نقتله ببعض موالينا الَّذين قتَلَهم مع الحسين، فإنَّا لا نراه لحسين نِدًّا فَنَرْضى أن يكون منه قَوَدًا، وإذا دفعتُموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الَّذين قتلهم جعلْنا بيننا وبينكم كتاب الله، أو أيَّ صالح من المسلمين شئتم حَكَمًا، فقال لي: قد جرّبناكم مرّة أخرى في مِثل هذا - يعني الحكَمَيْن - فَغدَرتم، فقلت له: وما هو؟ فقال: قد جعلنا بيننا وبينكم حَكَمين فلم ترضَوْا بحُكْمهما؛ فقلت له: ما جئت بِحجَّة، إنَّما كان صلحنا على أنَّهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما، ورضينا به وبايعناه، فلم يجتمعا على واحد، وتفرّقا، فكِلاهما لم يوفِّقْه الله لخير ولم يسدّده، فقال: مَنْ أنت؟ فأخبرته؛ فقلت له: من أنت؟ فقال: عَدَسْ - لبَغْلته يزجرها - فقلت له: ما أنصفتَني، هذا أوّل غَدْرِك!\nقال: ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه، ثمّ مرّ بأصحاب الرّايات كلّها، فكلَّما مرّ على راية وقف عليها، ثم قال: يا أنصار الدِّين، وشيعةَ الحق، وشرْطة الله، هذا عُبيد الله بن مَرْجانَة قاتل الحسين بن عليّ، ابن فاطمة بنت رسول الله، حالَ بينه وبين بناتِه ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشَرَبوا منه، وهم ينظرون إليه، ومَنَعه أن يأتي ابن عمِّه فيصالحَه، ومَنَعه أن ينصرف إلى رَحْله وأهلِه، ومنعه الذّهابَ في الأرض العريضة حتَّى قتله وقتَل أهْلَ بيته؛ فوالله ما عَمِل فرعون بُنَجباء بني إسرائيل ما عَمِل ابن مَرْجانة بأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ - ﷺ - الَّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا، قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فوالله إني لأرجو","vol":"10","page":123},{"text":"ألّا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلّا ليشفيَ صدوركم بسفك دمه على أيديكم، فقد علم الله أنَّكم خرجتم غَضَبًا لأهل بيت نبيِّكم. فسار فيما بين الميمنة والميسرة، وسار في الناس كلّهم فرغَّبهم في الجهاد، وحرّضهم على القتال، ثمّ رجع حتَّى نزل رايته، وزحف القوم إليه، وقد جعل ابنُ زياد على ميمنته الحُصين بن نمير السَّكُونيّ، وعلى ميسرته عُمَير بن الحُباب السُّلَمي، وشُرَحبيل بن ذي الكَلاع على الخيل وهو يمشي في الرجال، فلمَّا تدانَى الصفّان حمل الحُصَين بن نُمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة أهل الكوفة، وعليها عليّ بن مالك الجُشَميّ؛ فثبت له هو بنفسه فقتِل، ثمّ أخذ رايته قُرّةُ بن عليّ، فقتل أيضًا في رجال من أهل الحفاظ قتلوا وانهزمت الميسرة، فأخذ رايته عليّ بن مالك الجُشَميّ عبدُ الله بن ورقاء بن جُنادة السَّلوليّ بن أخي حُبشي بن جُنادة صاحب رسول الله - ﷺ -، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال: إليّ يا شُرطة الله؛ فأقبلَ إليه جُلُّهم، فقال: هذا أميركم يقاتل، سِيرُوا بنا إليه، فأقبل حتَّى أتاه وإذا هو كاشفٌ عن رأسه يُنادِي: يا شُرطة الله، إليّ أنا ابن الأشتر! إنّ خيرَ فُرّارِكم كُرّارُكم. ليس مُسيئًا من أعتَبَ، فثابَ إليه أصحابه، وأرسل إلى صاحب الميمنة: احمل على ميسرتهم - وهو يرجُو حينئذ أن ينهزم لهم عُمَير بن الحُباب كما زعم، فحمل عليهم صاحبُ الميمنة، وهو سُفْيان بن يزيد بن المغفَّل، فثبت له عُمَير بن الحباب وقاتَلَه قتالًا شديدًا، فلمَّا رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: أمُّوا هذا السواد الأعظم، فوالله لو قد فَضَضناه لا نجفل من ترون منهم يمنةً ويَسْرة انجفالَ طير ذعرتها فطارت (١). (٦/ ٨٦ - ٨٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني إبراهيمُ بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن ورقاءَ بن عازب، قال: مشيْنا إليهم حتَّى إذا دَنَوْنا منهم اطّعَنَّا بالرماح قليلًا، ثم صرنا إلى السيوف والعَمَد، فاضطربنا بها مليًّا من النهار، فوالله ما شَبَّهْتُ ما سمعتُ بيننا وبينهم من وقْع الحديد على الحديد إلا ميَاجِنَ قَصَّارِي دار الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيط، قال: فكان ذلك كذلك، ثمّ إنّ الله هزَمَهم، ومَنَحَنا أكتافَهم (٢). (٦/ ٨٩).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":124},{"text":"قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن حَصِيرة، عن أبي صادق أنّ إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته: انغمس بِرايتك فيهم، فيقول له: إنَّه - جُعلت فِداك - ليس لي مُتقَدَّم، فيقول: بلى، فإنّ أصحابك يقاتلون؛ وإنّ هؤلاء لا يَهْربون إن شاء الله؛ فإذا تقدّم صاحبُ رايته برايته شدَّ إبراهيمُ بسيفه فلا يضرب به رجلًا إلا صرعه، وكرّد إبراهيم الرجال من بين يديه كأنَّهم الحُمْلان، وإذا حمل برايته شدّ أصحابُه شدّةَ رجل واحد (١). (٦/ ٨٩ - ٩٠).\nقال أبو مخنف: حدّثني المشرقيّ أنّه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدةٌ لا تُليق شيئًا مرّت به، وأنه لمَّا هُزِم أصحابه حمل عُيَيْنَةُ بن أسماء أختَه هند بنت أسماءَ - وكانت امرأة عُبيدِ الله بن زياد - فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول:\nإنْ تَصْرِمي حِبَالَنا فَرُبَّما ... أَرْدَيْتُ في الهَيْجَا الكَمِيَّ المُعلِما (٢)\n(٦/ ٩٠)\nقال أبو مخنف: وحدّثني فُضَيل بن خَديج أنّ إبراهيم لمَّا شدّ على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين، وأنّ عُمير بن الحُباب لمَّا رأى أصحابَ إبراهيم قد هَزموا أصحابَ عبيد الله بعث إليه: أجيئك الآن؟ فقال: لا تأتينّي حتَّى تسكن فورةُ شرطة الله، فإني أخاف عليك عادِيتَهَم.\nوقال ابن الأشتر: قتلت رجلًا وجدتُ منه رائحة المسك، شَرّقتْ يداه وغرّبت رجلاه، تحتَ راية منفردة، على شاطئ نهر خازَرَ، فالتمسوه فإذا هو عُبيد الله بن زياد قتيلًا، ضربه فقدَّهُ بنصفين، فذهبت رجلاه في المشرق، ويداه في المغرب، وحمل شريك بن جدير التَّغلبيّ على الحصين بن نُمَير السَّكونيّ وهو يَحسبه عُبيد الله بن زياد، فاعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، ونادى التغلَبيّ: اقتلوني وابن الزانية؛ فقتِل ابن نُمَير (٣). (٦/ ٩٠).\nقال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خديج، قال: قتِل شرحبيل بن ذي الكَلاع، فادّعى قتلَه ثلاثة: سُفْيان بن يزيد بن المغفَّل الأزْديّ، وورقاء بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":125},{"text":"عازب الأسَديّ، وعُبيد الله بن زُهَير السُّلَميّ، قال: ولمَّا هُزم أصحاب عبيد الله تبعهم أصحابُ إبراهيمَ بن الأشتر، فكان مَنْ غرق أكثر مِمَّن قتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كلّ شيء، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه: يأتيكم الفتح أحدَ اليومين إنْ شاء الله من قِبَل إبراهيم ابن الأشتر، وأصحابه، قد هزموا أصحاب عُبيد الله بن مَرْجانة، قال: فخرج المختار من الكوفة، واستخلف عليها السائبَ بنَ مالك الأشعريّ، وخرج بالناس، ونزل ساباطَ (١). (٦/ ٩١).\nقال أبو مخنف: حدّثني المشرقيّ، عن الشعبيّ، قال: كنت أنا وأبي ممَّن خرج معه، قال: فلمَّا جُزْنا ساباطَ قال للنَّاس: أبشروا فإنّ شُرْطة الله قد حسُّوهم بالسيوف يومًا إلى اللَّيل بنَصيبينَ أو قريبًا من نصيبين ودُوَينَ منازلهم، إلّا أنّ جلَّهم محصور بنصيبين، قال: ودخلْنا المدائن، واجتمْعنا إليه، فصعِد المنبَر، فوالله إنَّه ليخطبنا ويأمرنا بالجدّ وحسْن الرأي والاجتهاد والثبات على الطاعة، والطلب بدماء أهل البيت ﵈، إذ جاءتْه البشرى تَتْرَى يَتْبع بعضُها بعضًا بِقَتْل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره، وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار: يا شُرطة الله، ألم أبشِّركم بهذا قبل أن يكون! قالوا: بلى والله لقد قلت ذلك؛ قال: فيقول لي رجل من بعض جيراننا من الهَمْدانيِّين: أتؤمن الآن يا شعبيّ؟ قال: قلت بأيّ شيء أومن؟ أومن بأنّ المختار يعلَم الغيب! لا أومن بذلك أبدًا، قال: أوَ لم يقل لنا: إنَّهم قد هُزِموا! فقلتُ له: إنَّما زعم لنا أنَّهم هُزِموا بنصيبينَ من أرض الجزيرة، وإنَّما هو بخازَرَ من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبيّ حتّى تَرى العذاب الأليم، فقلت له: مَن هذا الهَمْداني الَّذي يقول لك هذا؟ فقال: رجل لعمري كان شجاعًا - قتل مع المختار بعد ذلك يوم حَرُورَاء - يقال له: سَلْمان بن حمير من الثوريِّين من هَمْدان؛ قال: وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عمَّالَه عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سِنْجارودَارَا، وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهلُ الكوفة الَّذِين كان المختار قاتَلَهم فهزمهم، فَلحقوا بِمُصعَب بن الزبير بالبصرة، وكان فيمن قدم على مصعب شَبَث بن رِبْعيّ، فقال سُراقةُ بن مِرْداس البارقيّ يمدح إبراهيمَ بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":126},{"text":"الأشتر وأصحابه في قتل عُبيد الله بن زياد:\nأتَاكمْ غلامٌ من عَرَانِينِ مذْحِجٍ ... جريٌّ على الأَعداءَ غَيرُ نكُولِ\nفيَا بْنَ زِيَادٍ بؤْ بأَعْظم مَالكٍ ... وذُقْ حَدّ ماضي الشَّفْرَتَيْن صَقِيلِ\nضَرَبْناك بالعَضْب الحُسَام بحِدَّةٍ ... إِذَا ما أَبأْنَا قاتِلًا بِقَتِيل\nجزى الله خيْرًا شُرْطَة الله إِنَّهُمْ ... شَفَوْا مِنْ عُبَيْد الله أَمْسِ غَلِيلي (١) (٦/ ٩١ - ٩٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصرة</span>\nوفي هذه السنة عزل عبدُ الله بن الزبير القُباعَ عن البصرة، وبعث عليها أخاه مصعبَ بن الزبير؛ فحدّثني عمرُ بن شَبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، قال: حدّثنا الشَّعبيّ، قال: حدّثني وافد بن أبي ياسر، قال: كان عمرو بن سرح مولَى الزبير يأتينا فيحدّثنا، قال: كنتُ والله في الرّهط الَّذين قَدِموا مع المصعب بن الزّبير من مكَّة إلى البَصْرة، قال: فقدم متلثِّمًا حتَّى أناخ على باب المسجد، ثمّ دخل فصَعِد المنبر، فقال الناسُ: أمير أمير، قال: وجاء الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو أميرها قبله - فسفَر المصعب فعرفوه، وقالوا: مصعب بن الزبير! فقال: للحارث: اظهر اظهَرْ، فصعِد حتّى جلس تحته من المنبر درجة؛ قال: ثمّ قام المصعب فحَمِد الله وأثنَى عليه، قال: فوالله ما أكثر الكلام، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيمِ: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ - وأشار بيده نحو الشام - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ - وأشار بيده نحو الحجاز - ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ - وأشار بيده نحو الشام (٢). (٦/ ٩٣).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) بين المدائني والشعبي انقطاع فالمدائني ولد بعد وفاة الشعبي بثلاثة عقود أو أقل بقليل، ولم نجد لوافد بن أبي ياسر ترجمة.\nوفي متنه نكارة فلم يكن مصعب بهذه الدرجة من الجهل (حاشاه) حتى يجعل أمراء بني أمية (مروان وابنه عبد الملك بمنزلة فرعون وهامان).","vol":"10","page":127},{"text":"حدثني عمر بن شَبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن عوانة، قال: لما قدم مصعب البَصرة خَطَبَهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنَّكم تلقّبون أمراءكم، وقد سمَّيْتُ نفسي الجَزّار. (٦/ ٩٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>ذكر خبر قتل مصعب المختارَ بن أبي عبيد</span>\nوفي هذه السنة سارَ مصعبُ بن الزبير إلى المختارَ فقتَله.\n* ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار:\nقال هشام بن محمَّد، عن أبي مخنف: حدّثني حبيب بن بديل، قال: لمَّا قدم شَبَث على مُصعب بن الزّبير البصرة وتحته بَغْلة له قد قطع ذَنَبها، وقطَع طرف أذُنها وشقّ قَباءه، وهو ينادي: يا غوثاه يا غوثاه! فأتِيَ مصعب، فقيل له: إنّ بالباب رجلًا ينادي: يا غَوْثاه يا غَوْثاه! مشقوق القَباء، مِنْ صفته كذا وكذا، فقال لهم: نعم، هذا شَبَث بن رِبْعيّ لم يكن ليفعَل هذا غيره، فأدخِلوه، فأدخل عليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه، فأخبروه بما اجتمعوا له، وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشكَوْا إليه، وسألوه النَّصْر لهم، والمسيرَ إلى المختار معهم، وقدِم عليهم محمَّد بن الأشعث بن قيس - ولم يكن شَهِد وقعةَ الكوفة، كان في قَصْرٍ له مِمَّا يلي القادسيَّة بطيِز نَابَاذ - فلمَّا بلغه هزيمةُ الناس تهيَّأ للشخوص، وسأل عنه المختار، فأخبر بمكانه، فسّرح إليه عبد الله بن قراد الخثعميّ في مئة، فلمَّا ساروا إليه، وبلغه أن قد دنَوا منه، خرج في البرّيّه نحو المصعب حتَّى لحق به، فلمَّا قدم على المصعب استحثَّه بالخروج، وأدناه مصعب وأكرَمه لشَرَفه، قال: وبعث المختار إلى دار محمّد بن الأشعث فهَدمها (١). (٦/ ٩٣ - ٩٤).\nقال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف بن يزيد أنّ المصعب لما أراد المسيرَ إلى الكوفة حين أكثرَ الناسُ عليه، قال لمحمد بن الأشعث: إني لا أسير حتَّى يأتيني المهلب بن أبي صُفْرة، فكتب المصعب إلى المهلب - وهو عاملُه على فارس:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":128},{"text":"أن أقبِلْ إلينا لتشهدَ أمْرنا، فإنا نريد المسيرَ إلى الكوفة، فأبطأ عليه المهلّب وأصحابه، واعتلّ بشيء من الخراج، لكراهة الخروج، فأمر مصعب محمد بن الأشعث في بعض ما يستحثه أن يأتيَ المهلب فيقبِلَ به، وأعلَمَه أنه لا يشخص دون أن يأتي المهلب؛ فذهب محمد بن الأشعث بكتاب المصعب إلى المهلب، فلما قرأه قال له: مثلك يا محمد يأتي بَريدًا! أما وَجَدَ المصعبُ بريدًا غيرَك! قال محمد: إني والله ما أنا ببريد أحد، غير أنَّ نساءنا وأبناءنا وحَرَمنا غَلَبَنا عليهم عبدانُنا وموالينا، فخرج المهلب، وأقبل بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه في جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة، ولمّا دخل المهلّب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس، فحجَبه الحاجب وهو لا يعرفه، فرفع المهلّب يده فكسر أنفَه، فدخل إلى المُصعب وأنفُه يسيل دمًا، فقال له: ما لك؟ فقال: ضَرَبني رجل ما أعرفه، ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال: هَو ذا، قال له المصعب: عُدْ إلى مكانك، وأمر المصعب الناسَ بالمعسكر عند الجسر الأكبر. ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: ائتِ الكوفةَ فأخرج إليّ جميعَ من قدرتَ عليه أن تُخرِجه، وادعهم إلى بيعتي سرًّا، وخَذل أصحَاب المختار، فانسلّ من عنده حتى جلس في بيته مستترًا لا يظهر، وخرج المصعب فقدّم أمامَه عبَّاد بن الحصين الحبَطيّ من بني تميم على مقدّمته، وبعث عمر بن عُبيد الله بن مَعمر على ميمنته، وبعث المهلب بن أبي صفرة على ميسَرته، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس، والأحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الأزديّ على خمس الأزْد، وقيس بن الهيثم على خمس أهل العالية؛ وبلغ ذلك المختار، فقام في أصحابه فحَمِد الله وأثْنَى عليه ثم قال:\nيا أهل الكوفة، يا أهلَ الدّين، وأعوانَ الحقّ، وأنصارَ الضّعيف، وشيعة الرّسول وآل الرسول، إنّ فُرَّاركم الذين بَغَوا عليكم أتوا أشباهَهم من الفاسقين فاستغوُوهم عليكم ليصح الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عُبدِ الله في الأرض إلّا بالفرْي على الله واللعن لأهل بيت نبيّه، انتدبوا مع أحمر بن شُمَيط فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قَتْلَ عاد وإرَمٍ.\nفخرج أحمرُ بن شُمَيط، فعسكر بحَمّام أعين، ودعا المختار رؤوس الأرباع","vol":"10","page":129},{"text":"الذين كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمر بن شُميط، كما كانوا مع ابن الأشتر، فإنهم إنما فارقوا ابنَ الأشتر؛ لأنهم رأوه كالمتهاون بأمرِ المختار، فانصرفوا عنه، وبَعَثهم المختار مع ابن شُميط، وبعث معه جيشًا كثيفًا.\nفخرج ابن شميط، فبعث على مقدّمته ابن كامل الشاكريّ، وسار أحمر بن شميط حتى ورد المَذار، وجاء المصعب حتى عسكر منه قريبًا.\nثمّ إنّ كلّ واحد منهما عبّى جنده، ثمّ تزاحَفا، فجعل أحمد بن شُمَيط على ميمنته عَبدَ الله بن كامل الشاكرِيّ، وعلى ميسرته عبَد الله بن وهب بن نَضْلة الجشميّ، وعلى الخيل رزين عبد السلوليّ، وعلى الرجّالة كثير بن إسماعيل الكِنْديّ - وكان يوم خازَرَ مع ابن الأشتر - وجعل كيسان أبا عَمْرةَ - وكان مولى لعُرَينة - على الموالي فجاء عبدُ الله بنُ وهب بن أنس الجُشَميّ إلى ابن شُمَيط وقد جعله على ميسرته فقال له: إنّ المواليَ والعَبيد آلُ خَوَر عند المصدوقة، وإنّ معهم رجالًا كثيرًا على الخيل، وأنت تمشي، فمُرْهم فلينزلوا معك، فإنَّ لهم بك أسوةً، فإني أتخوّف إن طُورِدوا ساعةً، وطُوعِنوا وضُوربوا أن يطيروا على متونها ويُسلِموك وإنك إن أرجلتهم لم يجدُوا من الصبر بُدًّا، وإنما كان هذا منه غِشًّا للموالي والعبيد، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحبَّ إن كانت عليهم الدَّبْرَة أن يكونوا رجالًا لا ينجو منهم أحد، ولم يتهمه ابنُ شميط، وظنّ أنه إنما أراد بذلك نُصحَه ليصبروا ويقُاتِلوا، فقال: يا معشر الموالي، انزِلوا معي فقاتِلوا، فنَزَلوا معه، ثم مَشَوْا بين يديه وبين يدَيْ رايته، وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عَبّاد بن الحصين على الخيل، فجاء عبّاد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بَيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير؛ وقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن نجعل هذا الأمرَ شُورَى في آل الرسول، فمن زعم من الناس أنّ أحدًا ينبغي له أن يتولّى عليهم برئنا منه وجاهدناه، فانصرف عبَّاد إلى المُصعب فأخبره، فقال له: ارجع فاحمل عليهم، فرجع فحمَلَ على ابن شميط وأصحابه فلم يزُل منهم أحدٌ، ثمّ انصرف إلى موقفه وحمل المهلّب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضُهم في بعض، فنزل ابن كامل، ثمّ انصرف عنه المهلّب، فقام مكانَه، فوقفوا ساعةً ثم قال المهلب لأصحابه: كرُّوا كَرّةً","vol":"10","page":130},{"text":"صادقة، فإنّ القومَ قد أطمَعوكم، وذلك بجَوْلتِهم التي جالوا، فحمِل عليهم حَمْلةً منكَرةً فولَّوا، وصبر ابنُ كامل في رجال من هَمدانَ، فأخذ المهلَّب يَسْمَع شِعارَ القوم: أنا الغلامُ الشاكرِيّ، أنا الغلام الشِّبامي، أنا الغلام الثَّورِيّ، فما كان إلا ساعةً حتَّى هُزِموا، وحمل عمرُ بن عبيد الله بن معمر على عبد الله بن أنس، فقاتل ساعة ثمّ انصرف، وحملَ الناسُ جميعًا على ابن شُمَيط، فقاتل حتَّى قُتِل، وتنادوا: يا معشَر بَجِيلة وخَثْعَم، الصَّبرَ الصبرَ! فناداهم المهلَّب: الفِرارَ الفِرارَ! اليوم أنجى لكم، علامَ تَقتُلون أنفسَكم مع هذه العِبْدان، أضَلّ الله سَعْيَكم، ثمَّ نظر إلى أصحابه فقال: والله ما أرى استِحرار القَتْل اليومَ إلّا في قومي، ومالت الخيلُ على رَجَّالة بنِ شُمَيطِ، فافترقتْ فانهزمتْ وأخذت الصَّحراء، فبَعث المصعبُ عبَّاد بن الحُصَين على الخيل، فقال: أيّما أسيرٍ أخذتَه فاضرِب عُنُقَه.\nوسرّح محمَّد بن الأشعث في خيل عظيمة من خيلص أهلِ الكوفة مِمَّن كان المختار طرَدهُم، فقال: دُونَكم ثَأْركم! فكانوا حيث انهزموا أشدَّ عليهمْ مِن أهل البَصْرة، لا يُدركون منهزمًا إلّا قتَلوه، ولا يأخذون أسيرًا فيَعفُون عنه، قال: فلم يَنْج من ذلك الجيش إلّا طائفة من أصحاب الخيل؛ وأما رجَّالتُهم فأبيدوا إلا قليلًا (١). (٦/ ٩٤ - ٩٧).\nقال أبو مخنف: حدّثني ابنُ عيَّاش المَنْتُوف، عن معاوية بن قُرّة المُزَنيّ، قال: انتهيتُ إلى رجل منهم، فأدخلتُ سنان الرمح في عينه، فأخذتُ أخضخض عينَه بسنان رُمْحي، فقلتُ له: وفعلتَ به هذا؟ ! قال: نعم: إنَّهم كانوا أحَلَّ عندَنا دِماءً من الترْك والدَّيلم؛ وكان معاويةُ بنُ قرّة قاضيًا لأهلِ البصْرة، ففي ذلك يقول الأعشَى:\nأَلا هل أتَاكَ والأَنباءُ تُنْمَى ... بما لاقتْ بَجِيلةُ بالمَذَارِ\nأُتِيحَ لهم بها ضَرْبٌ طِلَحْفٌ ... وطعْنٌ صائبٌ وجهَ النهارِ\nكأنَّ سَحَابَةً صَعَقَتْ عليهمْ ... فَعَمَّتُهمْ هُنالِكَ بالدَّمَار\nفبشِّرْ شِيعَةَ المختارِ إِما ... مَرَرْتَ على الكُويْفةِ بالصَّغَارِ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":131},{"text":"أقَرَّ العينَ صَرْعاهمْ وفَلٌّ ... لهمْ جَمٌّ يُقتَّل بالصَّحَارِ\nوما إِنْ سَرَّني إِهلاكُ قومي ... وِإن كانوا وجدِّكَ في خيارِ\nولكنِّي سُررْتُ بما يُلَاقِي ... أَبو إسحاقَ مِنْ خزي وعارِ\nوأقبل المصعبُ حتَّى قطع من تلقاءِ واسطَ القَصَب، ولم تكُ واسط هذه بُنيتْ حينئذ بعد، فأخذ في كَسْكر، ثمّ حَمَل الرجالَ وأثقالَهم وضُعفاءَ الناسِ في السفن، فأخذوا في نَهر يقال له: نهر خُرشاذ، ثمّ خرجوا من ذلك النهر إلى نهر يقال له قُوسان؛ ثمّ أخرَجهم من ذلك النَّهرِ إلى الفُرات (١). (٦/ ٩٧ - ٩٨).\nقال أبو مخنَف: وحدّثني فُضَيل بن خَدِيج الكنديّ، أنّ أهلَ البصرة كانوا يخرُجون فيجُرّون سفنهم ويقولون:\nعَوَّدَنا المصعبُ جَرَّ القَلْسِ ... والزُّنْبَرِيَّاتِ الطِّوَالِ القُعسِ\nقال: فلمَّا بلغ مَن مع المختار من تلك الأعاجم ما لقيَ إخوانُهم مع ابن شُمَيط قالوا بالفارسيَّة: \"ابنْ بَارْدُرُوغ كُفْت\"؛ يقولون: هذه المرّة كذب (٢). (٦/ ٩٨).\nقال أبو مخنف: وحدّثني هشامُ بنُ عبدِ الرّحمن الثقفيّ، عن عبدِ الرّحمن بن أبي عُمَير الثَّقفيّ، قال: والله إني لجالسٌ عند المختار حين أتاه هزيمةُ القومِ وما لَقوا، قال: فأصغَى إليّ، فقال: قتِلتْ والله العبيدُ قتلةً ما سمعتُ بمثلها قطّ، ثم قال: وقُتِلَ ابْنُ شُمَيط وابنُ كامل وفلانٌ وفلانٌ، فسمَّى رجالًا من العرب أصيبوا، كان الرّجل منهم في الحرب خيرًا من فِئام من الناس، قال: فقلتُ له: فهذه والله مصيبةٌ، فقال لي: ما من الموت بُدّ، وما من ميتة أموتها أحبّ إليّ من مثل ميتة ابن شُمَيط، حبَّذَا مَصارعُ الكرام! قال: فعلمتُ أنّ الرجل قد حدّت نفسَه إن لم يُصِبْ حاجتَه أن يُقاتِل حتَّى يموتَ.\nولما بلغ المختارَ أنَّهم قد أقبَلوا إليه في البَحْر، وعلى الظهْر، سار حتَّى نَزَل بهم السَّيْلحِين، ونظر إلى مُجْتَمَع الأنهار نهرِ الحِيرةَ ونهرِ السَّيلحِين ونهرِ القادسيَّة، ونهر يوسُف، فسكَر الفرات على مُجتمع الأنهار، فذهب ماءُ الفرات كلّه في هذه الأنهار، وبقيت سفنُ أهلِ البصرة في الطيّن، فلمَّا رأوْا ذلك خرجوا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":132},{"text":"من السفن يَمْشون، وأقبلتْ خيلُهم تَركض حتَّى أتَوْا ذلك السِّكْر، فكَسَروهُ وصَمَدوا صمد الكُوفة، فلمَّا رأى ذلك المختارُ أقبل إليهِم حتَّى نزل حَرُوراءَ، وحالَ بينهمْ وبين الكوفة، وقد كان حصّن قصرَه والمسجد، وأدخلَ في قصرِه عُدّة الحِصار، وجاء المصعبُ يسير إليه وهو بَحرُورَاءَ وقد استعمل على الكُوفة عبدَ الله بن شَدّاد، وخرج إليه المختارُ وقد جعل على مَيْمنته سُليم بن يزيد الكِنْديّ، وجعل على مَيْسرتِه سعيدَ بن مُنْقذ الهَمْدانيّ ثمّ الثَّورِيّ، وكان على شُرطتِه يومئذ عبد الله بن قُراد الخَثْعميّ، وبَعَث على الخيل عمرَ بن عبد الله النَّهْدِيّ، وعلى الرّجال مالكَ بن عمرو النَّهْديّ. وجعل مُصعبٌ على ميمنتِه المهلَّب بن أبي صُفرة، وعلى ميسرته عمرَ بنَ عُبَيد الله بن مَعْمَر التَّيْميّ، وعلى الخيل عَبَّاد بن الحُصَين الحَبَطيّ، وعلى الرّجال مقاتِل بن مِسمَع البَكْرِيّ، ونزل هو يَمْشي مُتنكِّبًا قَوْسًا له.\nقال: وجعل على أهلِ الكُوفة محمَّد بن الأشعث، فجاء محمَّد حتَّى نزَل بين المصعب والمختار مغرّبًا مُيامِنا، قال: فلمَّا رأى ذلك المختارُ بعث إلى كلّ خُمس من أخماس أهلِ البَصْرة رجلًا من أصحابه، فبعث إلى بكرِ بن وائل سعيدَ بن مُنقذ صاحبَ مَيسرته، وعليهمْ مالِك بنُ مِسمَع البَكْريّ، وبعث إلى عبد القَيْس وعليهمْ مالكُ بنُ المنذر عبدَ الرحمن بنَ شُرَيح الشِّباميّ، وكان على بيتِ ماله، وبعث إلى أهل العالِيَة وعليهم قيسُ بنُ الهَيْثم السُّلَميّ عبدَ الله بنَ جَعْدة القرشيّ، ثم المخزوميّ، وبعث إلى الأزْد وعليهم زيادُ بنُ عمرو العَتَكيّ مسافرَ بن سَعيد بن نِمْران الناعطيّ، وبعث إلى بني تميم وعليهم الأحنَف بنُ قيس سُليمَ بن يزيد الكِنْديّ، وكان صاحب ميْمنته، وبعث إلى محمَّد بن الأشعث السائبَ بن مالك الأشعريّ، ووقف في بقيَّة أصحابه، وتَزاحف الناسُ ودنَا بعضُهم من بعض، ويَحمِل سعيدُ بن منقذ وعبدُ الرّحمن بنُ شُرَيح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم في الميسرَة وعليهم عمرُ بنُ عُبيد الله بنِ مَعمَر؛ فقاتلهم ربيعةُ قتالًا شديدًا، وصبروا لهم، وأخذ سعيدُ بنُ مُنقذٍ وعبدُ الرحمن بنُ شُرَيح لا يُقلعان، إذا حمل واحدٌ فانصرف حمل الآخَر، وربَّما حَمَلا جميعًا؛ قال: فبَعَث المُصعب إلى المهلَّب: ما تنتظر أن تَحمِل على مَنْ بإزائك! ألا ترى ما يَلقَى هذا الخُمْسان منذ اليوم! احمِلْ بأصحابِك، فقال: إي","vol":"10","page":133},{"text":"لعَمْري ما كنتُ لأجْزُر الأزْد وتميمًا خَشية أهل الكوفة حتَّى أرى فُرْصتي، قال: وبعث المختارُ إلى عبدِ الله بن جَعْدَة أن احمِلْ على مَنْ بإزائك، فَحَمل على أهل العالية فكَشفهم حتَّى انتَهوْا إلى المُصْعب، فجثَا المُصْعب على رُكبَتيه - ولم يكن فرارًا - فرَمَى بأسهمه.\nونزل الناسُ عنده فقاتَلُوا ساعَةً، ثم تحاجَزوا. قال: وبَعثَ المصعب إلى المهلَّب وهو في خُمْسَين جامِّين كثيرَي العَدد والفُرْسان: لا أبالَك! مَا تنتظر أن تحمِل على القوم! فمَكَث غيرَ بعيد، ثمّ إنَّه قال لأصحابه: قد قاتل الناسُ منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وقد بقِيَ ما عليكم، احملوا واستَعيِنوا بالله واصبروا، فحمل على مَنْ يَليهِ حملةً منكَرة، فحطموا أصحابَ المُختار حَطْمةً منكَرة، فكشَفوهم، وقال عبدُ الله بن عمر والنَّهديّ - وكان من أصحاب صفِّينَ اللَّهمَّ إني على ما كنتُ عليه ليلةَ الخَمِيس بصِفِّين، اللَّهمّ إني أبرأ إليك من فِعل هؤلاء لأصحابه حين انهزموا، وأبرأ إليك من أنفُس هؤلاء - يَعني أصحابَ الْمُصْعَب - ثم جالَد بسَيْفه حتى قُتِل، وأتى مالك بن عمرو أبو نِمْران النَّهديّ وهو على الرّجالة بفَرَسه فرَكِبه، وانقصَف أصحابُ المختار انقصافةً شديدة كأنَّهم أجمَةٌ فيها حريقٌ، فقال مالك حين ركب: ما أصنعُ بالرُّكوب! والله لأنْ أقتَل هاهنا أحبّ إليّ مِنْ أن أقتل في بيتي، أين أهلُ البصائر؟ أين أهلُ الصّبر؟ فثابَ إليه نحوٌ من خمسين رجلًا، وذلك عند المساء، فكَرّ على أصحاب محمَّد بن الأشْعَث، فقُتل محمَّد بنُ الأشعث إلى جانبه هو وعامَّة أصحابه، فبعض الناس يقول: هوَ قتل محمَّد بن الأشعث، ووُجد أبو نِمْرَان قتيلًا إلى جانبه - وكندة تزعم أن عبد الملك بن أشاءة الكندي هو الذي قتله - فلمَّا مرّ المختار في أصحابه على محمَّد بن الأشعث قتيلًا قال: يا معشرَ الأنصار، كُرّوا على الثَّعالب الرّوّاغة، فحملوا عليهم، فَقُتِل؛ فَخَثْعمُ تَزعم أن عبدَ الله بن قُراد هو الَّذِي قتَله (١). (٦/ ٩٨ - ١٠١).\nقال أبو مخنف: وسمعتْ عوف بن عمرو الجشميّ يَزعُم أن مولىً لهم قتله فادّعى قتله أربعة نَفَر، كلّهم يَزعم أنه قتله، وانكَشَف أصحابُ سعيد بن مُنقِذ،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":134},{"text":"فقاتل في عصابة من قومه نحو من سبعين رجلًا فَقتِلوا، وقاتل سليم بن يزيد الكنديِّ في تسعين رجلًا مَن قومه، وغيرهم ضاربَ حتَّى قُتِل، وقَاتَلَ المختارُ على فمِ سِكة شَبَث، ونزَل وهو يريد ألّا يَبَرح، فقاتَلَ عامَّةَ ليلته حتَّى انصرف عنه القوم، وقُتِل معه ليلتئذ رجالٌ من أصحابه من أهل الحفاظ، منهم عاصمُ بن عبد الله الأزديّ، وعيّاش بن خازم الهَمْداني، ثمّ الثَّوريّ، وأحمرُ بن هديج الهَمْدانيّ ثمّ الفايشيّ (١). (٦/ ١٥١).\nقال أبو مخنف: حدّثنا أبو الزّبير أنّ هَمْدان تنادَوا ليلتئذ:\nيا معشرَ همْدان، سِيفُوهم فقاتِلوُهم أشدَّ القِتال؛ فلمَّا أن تفرّقوا عن المختار قال له أصحابهُ: أيها الأمير، قد ذهب القومُ فانصرف إلى مَنزلِك إلى القَصْرِ، فقال المختار: أما والله ما نزلتُ وأنا أريدُ أن آتي القَصْر، فأما إذ انصرَفَوا فاركبوا بنا على اسم الله، فجاء حتَّى دخل القَصْر فقال الأعشى في قَتْل محمَّد بن الأشعث:\nتأوَّبَ عَيْنَكَ عُوَّارُهَا ... وَعادَ لِنفسكَ تَذَكارُهَا\nوإحدى لَيالِيكَ راجَعْتَها ... أَرِقْتَ ولوَّمَ سُمَّارُها\nوما ذَاقَتِ العينُ طَعْمَ الرُّقَا ... دِ حتَّى تَبلَّجَ إسفارُها\nوقامَ نُعَاةُ أبي قَاسمٍ ... فأَسبل بالدمع تَحْدارُها\nفحقُّ العيون على ابن الأَشَجِّ ... ألّا يُفَتَّرَ تَقطَارُها\nوألَّا تَزالَ تُبكِّي له ... وتَبتلُّ بالدّمع أشفارُها\nعليك محمّدُ لمّا ثَوَيْـ ... ـتَ تَبكِي البلادُ وأشجارُها\nوما يَذْكُرونك إلَّا بَكوْا ... إذا ذِمَّة خانَها جارُها\nوعاريةٍ من لَيالي الشِّتا ... ء لا يتمنَّحُ أيْسَارُها\nولا ينبحُ الكلبُ فيها العقو ... رَ إلا الهرِيرُ وتخْتَارُها\nولا ينفعُ الثوبُ فيها الفتى ... ولا رَبَّةَ الخِدْر تَخدَارُها\nفأنتَ مُحَمَّد في مِثْلِها ... مُهينُ الجزائرِ نَحَّارها\nتَظَلّ جِفانُكَ مَوْضوعة ... تَسِيلُ من الشَّحم أَصْبَارُها\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":135},{"text":"وما في سقائك مُسْتنطَفٌ ... إذا الشَّوْلُ رَوح أغبارُها\nفيا وَاهِبَ الوُصَفَاءِ الصِّبَا ... ح إن شُبرَتْ تَمّ إِشبارُها\nويا وَاهِبَ الجُرْد مِثْلَ القِدا ... ح قَدْ يُعجِبُ الصّفَّ شُوَّارها\nويا واهبَ البَكَرات الهِجا ... نِ عُوذًا تَجاوَبُ أَبكارُها\nوكنتَ كدِجْلةَ إذْ تَرْتَمي ... فيُقذَفُ في البحر تَيَّارُها\nوكنتَ جليدًا وذا مِرَّةٍ ... إذا يُبتَغى منكَ إِمرارُها\nوكنتَ إذا بَلدةٌ أَصْفَقَتْ ... وآذَنَ بالحَرْب جَبَّارُها\nبَعثْتَ عليها ذَواكي العُيو ... نِ حتَّى تَواصل أخبارُها\nبإِذنٍ مِن اللهِ والخيلُ قد .... أعِدَّ لذلك مِضْمَارُها\nوقد تُطعَمُ الخَيْلُ منك الوَجِيـ ... ـفَ حتَّى تُنَبَّذ أَمهارُها\nوقد تَعلَمُ البازلُ العَيْسَجُو ... رُ أَنَّك بالخَبْتِ حَسَّارُها\nفيا أسَفَى يومَ لاقيتَهُم ... وخانتْ رجالَك فُرَّارُها\nوأقبلتِ الخيلُ مَهزُومَة ... عِشَارًا تُضَرَّبُ أَدبارُها\nبشطِّ حَرُوراءَ واسْتَجْمَعَتْ ... عليكَ المَوالي وسَحَّارُها\nفأخْطرتَ نفسَك من دُونهم ... فحاز الرَّزيئَةَ أَخطارُها\nفلا تَبْعَدنَّ أبا قاسمٍ ... فقد يَبلغُ النفسَ مِقدارُها\nوأَفنى الحوادثُ سَادَاتِنا ... ومَرّ الليالي وتَكْرَارُها (١)\n(٦/ ١٠١ - ١٠٣).\nقال هشام: قال أبي: كان السائب أتى مع مُصعبِ بنِ الزّبير، فقتله وَرْقاء النَّخَعيّ مِنْ وَهْببل، فقال وَرْقاء:\nمَنْ مُبلغ عنِّي عُبَيْدًا بأنَّني ... عَلوتُ أَخاه بالحُسام المهَنَّد\nفإنْ كنتَ تبغِي العلمَ عنه فإنَّه ... صريِعٌ لدَى الدَّيرين غيرُ مُوَسَّدِ\nوعَمْدًا علوتُ الرأسَ منه بصارمٍ ... فأثكلتُهُ سُفْيانَ بعدَ محمّدِ\n(٦/ ١٠٣).\nقال هشام عن أبي مِخنَف، قال: حدّثني حَصِيرة بن عبد الله، أنّ هِندًا بنت\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":136},{"text":"المتكلّفة الناعِطِيّة كان يَجْتَمع إليها كلّ غالٍ من الشيعة فيتحدّث في بَيْتها وفي بيت لَيْلى بنت قُمامَة المُزَليَّة، وكان أخوها رِفاعة بن قمامةَ من شيعة عليّ، وكان مقتصدًا، فكانت لا تُحبُّه، فكان أبو عبد الله الجُدَليّ ويزَيد بن شَراحِيل قد أخبرَا ابنَ الحنفيَّة خبرَ هاتَين المرأتين وغلوَّهما وخبر أبي الأحراس المراديّ والبُطَيْن الليثي وأبي الحارِث الكِنْدِيّ (١). (٦/ ١٠٣).\nقال هشام عن أبي مِخنَف: قال: حدّثني يحيى بنُ أبي عيسى، قال: فكان ابنَ الحنفيَّة قد كتب مع يزيدَ بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة يُحذِّرهم هؤلاء، فكتب إليهم:\nمن محمَّد بن علي إلى مَن بالكوفة من شيعتنا، أمَّا بعد، فاخرُجوا إلى المجالس والمَساجد فاذكروا الله علانيةً وسِرًا ولا تتّخذوا مِنْ دُون المؤمنين بِطَانَةً، فإنْ خَشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذّابين، وأكثِروا الصلاة والصّيام والدّعاء، فإنَّه ليس أحدٌ من الخَلْق يَمْلك لأحد ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاء الله، وكلٌّ نفس بما كَسَبتْ رَهينةَ، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى، والله قائمٌ على كلّ نفس بما كسبَتْ؛ فاعمَلوا صالحًا، وقدّموا لأنفسكم حَسنًا، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم (٢). (٦/ ١٠٣ - ١٠٤).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني حَصيرة بنُ عبدِ الله، أنّ عبد الله بن نَوْف خرج من بيت هند بنتِ المتكلّفة حين خرج الناسُ إلى حَرُوراءَ وهو يقول: يومُ الأربعاء، ترفَّعت السماء، ونزَلَ القضاء، بهزيمة الأعداء، فاخرجوا على اسم الله إلى حَروراء، فخرج، فلمَّا التقى الناس للقتال ضُرِب على وجهه ضربةً، ورجع الناسُ منهزِمين، ولقيَه عبدُ الله بنُ شريك النَّهْديّ، وقد سمع مقالتَه، فقال له: ألم تزعمْ لنا يابن نَوْف أنَّا سنهزِمهم! قال: أوَ ما قرأت في كتاب الله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾! قال: فلمَّا أصبَح المصعَب أقبلَ يَسير بِمَن مَعَه من أهل البصرة وَمَنْ خرج إليه من أهل الكوفة، فأخذ بهم نحو السَبَخة، فمرّ بالمهلَّب، فقال له المهلَّب: يا لَه فتحًا ما أهنأهُ لو لم يكن محمَّد بنُ الأشعث\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":137},{"text":"قُتِل! قال: صدقتَ، فَرَحِم اللهُ محمّدًا، ثمّ سار غير بعيد، ثم قال: يا مهلّب، قال: لبَّيك أيها الأمير؛ قال: هل علمتَ أنّ عُبيدَ الله بنَ عليّ بن أبي طالب قد قُتِل! قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، قال: المُصْعَب: أمَّا إنَّه كان ممَّن أحبّ أن يرى هذا الفَتْح، ثم لا نَجْعَل أنفسَنا أحقّ بشيء ممَّا نحن فيه منه، أتدري مَن قَتَله؟ قال: لا؛ قال: إنَّما قَتَله مَن يزعم أنَّه لأبيه شيعة، أما إنَّهم قد قَتَلوه وهم يَعرِفونه.\nقال: ثم مضى حتَّى نزل السَّبخة فقَطع عنهم الماء والمادّة، وبعث عبدَ الرّحمن بن محمد بن الأشعث فنَزَل الكناسة، وبعث عبد الرحمن بنَ مِخنَف بن سليم إلى جَبَّانة السَّبيع، وقد كان قال لعبد الرحمن بن مِخنَف: ما كنت صنعتَ فيما كنتُ وكَّلتُك به؟ قال: أصلَحك الله! وجَدْت الناسَ صِنفَيْن؛ أمَّا مَن كان له فيك هَوىً فخرج إليك، وأمَّا مَن كان يرى رأيَ المُختار، فلم يكن لِيدَعه، ولا ليُؤثِر أحدًا عليه، فلم أبرح بَيْتي حتى قدمتَ؛ قال: صدقت، وبعث عبَّاد بن الحُصَين إلى جَبَّانة كِنْدة، فكلّ هؤلاء كان يَقطَع عن المختارِ وأصحابِه الماءَ والمادّة.\nوهم في قصر المُخْتار، وبعث زَحْر بنُ قَيْس إلى جَبَّانة مُراد، وبعث عُبيدَ الله بن الحرّ إلى جَبَّانة الصائديين (١). (٦/ ١٠٤ - ١٠٥).\nقال أبو مخنَف: وحدّثني فُضيل بن خَديج، قال: لقد رأيتُ عبيدَ الله بن الحُرّ، وإنَّه ليطارِد أصحابَ خَيْل المختار، يُقاتِلهم في جَبَّانة الصائديَين ولرّبما رأيتُ خيلَهُم تَطْرُدُ خيلَه، وإنَّهُ لوراءَ خَيله يَحْمِيها حتَّى يَنتهي إلى دار عِكرِمة، ثمّ يَكُرّ راجعًا هو وخيلُه، فيَطرُدهم حتَّى يُلحقَهم بجبَّانة الصائديّين، ولربَّما رأيت خيلَ عُبيد الله قد أخذتْ السقّاء والسقّاءين فيُضرَبون، وإنَّما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابَهم من الجَهْد، وكان المختار ربَّما خرج هو وأصحابُه فقاتلوا قِتالًا ضعيفًا، ولا نكاية لهم، وكانت لا تَخرج له خيل إلّا رُميتْ بالحِجارة من فوقِ البُيوت، ويُصَبّ عليهم الماءُ القَذِر.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":138},{"text":"واجترأ عليهم الناس، فكانت معايشُهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأةُ تخرج من منزِلها معها الطَّعام واللَّطَف والماء، قد التحفتْ عليه، فتخرُج كأنَّما تريد المسجدَ الأعظمَ للصّلاة، وكأنَّها تأتي أهلها وتزورُ ذاتَ قَرابة لها، فإن دَنت من القَصر فُتِح لها، فدخلت على زوجِها وحَميمِها بطعامِه وشرابِه ولَطَفه، وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابَه، فقال له المهلَّب - وكان مجرّبًا: اجعلْ عليهمُ دُرُوبًا حتَّى تَمنع من يأتيهم مِن أهليِهم وأبنائهم، وتَدَعهم في حِصْنهم حتى يموتوا فيه، وكان القومُ إذا اشتدّ عليهم العَطَش في قصرهم استقَوْا من ماء البئر، ثمّ أمر لهم المختارُ بعَسَل فصُبّ فيه ليُغيّر طعمَه فَيشربوا منه، فكان ذلك أيضًا ممَّا يُروِي أكثرهم، ثمّ إنّ مصعبًا أمر أصحابَه فاقتربوا من القَصْر، فجاء عبّاد بن الحصين الحبطيّ حتى نزل عند مسجد جُهَيْنَة وكان ربَّما تقدّم حتَّى ينتهي إلى مسجدِ بني مخزوم، وحتَّى يَرمي أصحابُه مَن أشرَف عليهم من أصحاب المختار من القَصْر، وكان لا يَلقَى امرأة قريبًا من القصر إلّا قال لها: مَن أنِت؟ ومن أين جئتِ؟ وما تريدين؟ فأخذَ في يوم ثلاثَ نسوة للشبَّاميِّين وشاكر أتَيْن أزواجهنّ في القَصْر، فبعث بهنّ إلى مصعب، وإنّ الطَّعام لمعهنّ.\nفردّهنّ مصعب ولم يَعرِض لهنّ، وبعث زَحْر بن قيس، فنَزَل عند الحدّادين حيث تُكْرَى الدّوابّ، وبعث عُبيد الله بن الحُرّ فكان موقِفُه عند دارِ بلال، وبعث محمَّد بن عبدِ الرَّحمن بن سعيد بن قيس فكان موقِفه عند دار أبيه، وبعث حَوْشَب بن يزيد فوقَف عند زُقاقِ البَصْريين، عند فم سكة بني جذَيمة بن مالك من بني أسَد بنِ خُزَيمة، وجاء المهلَّب يسير حتَّى نزل جِهار سوج خُنيس، وجاء عبدُ الرحمن بنُ مخنَف من قبَل دار السِّقاية، وابتدر السوق أناسٌ من شَباب أهل الكُوفة وأهل البصرة، أغمار ليس لهم عِلمٌ بالحرب، فأخذوا يَصيحون - وَليس لهم أميرٌ: يا بن دَومة، يا بن دَوْمَة! فأشرَف عليهم المختارُ فقال: أما والله لو أن الذي يعيّرني بدَوْمة كان من القَريتين عظيمًا ما عَيَّرني بها، وبَصُرَ بهم وبتفرُّقهم وهيئتهم وانتشارهم، فطمع فيهم، فقال لطائفة من أصحابه: اخرُجوا معي، فخرج معه منهم نحو من مئَتي رجل، فكرّ عليهم، فشدخ نحوًا من مئة، وهزمهم، فركب بعضُهم بعضًا، وأخذوا على دارِ فراتِ بن حيَّانَ العِجْليّ، ثمّ إنّ رجلًا من بني ضَبَّة من أهل البَصْرة يقال له يحيى بن ضَمضَم، كانت رِجلاه","vol":"10","page":139},{"text":"تكادان تَخُطَّان الأرضَ إذا رَكِب من طُوله، وكان أقتَل شيء للرجال وأهيَبَهُ عندهم إذا رأوه، فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبتُ له رجل صَمَد صَمدَه، وبَصُرَ به المختار، فحمَل عليه فَضرَبه ضربةً على جَبهته فأطار جَبهته وقحفَ رأسِه، وخرَّ ميّتًا، ثمّ إنّ تلك الأمراء وتلك الرؤوس أقبَلوا من كلّ جانب، فلم تكن لأصحابه بهمْ طاقة، فدخلوا القصر، فكانوا فيه، فاشتدّ عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويْحكم! إنّ الحصارَ لا يَزِيدكم إلّا ضَعْفًا، انزلوا بنا فُلْنقاتل حتَى نُقتلَ كرامًا إن نحن قُتِلنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن يَنصركم اللهُ، فضَعُفوا وعجِزوا، فقال لهم المختار؛ أمَّا أنا فوالله لا أعطِي بيَدي ولا أحكمَهم في نفسي، ولمَّا رأى عبدُ الله بنُ جعدةَ بنُ هُبَيرة بن أبي وَهْب ما يريد المختار تَدلَّى من القصر بحبْل، فَلِحق بأناس من إخوانه، فاختبأ عندهم، ثم إنّ المختار أزمَع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف، ورأى ما بأصحابه من الفشل، فأرسل إلى امرأته أمّ ثابت بنت سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ، فأرسلتْ إليه بطيب كثير، فاغتسل وتحنّط، ثمّ وضع ذلك الطيب على رأسهِ ولِحيته، ثمّ خرج في تسعة عشرَ رجلًا؛ فيهم السائب بن مالك الأشعريّ - وكان خليفتَه على الكوفة إذا خرج إلى المَدائن - وكانتْ تحتَه عَمْرةُ بنتُ أبي موسى الأشعريّ، فولدت له غلامًا، فسّماه محمَّدًا، فكان مع أبيه في القصر، فلمَّا قُتل أبوه وأخِذ مَن في القصر وُجِد صبيًّا فتُرك، ولمَّا خرج المُختار من القصر قال للسَّائب: ماذا ترى؟ قال: الرّأيُ لك، فماذا ترى؟ قال: أنا أرَى أمِ الله يَرَى! قال: الله يرَى! قال: اللهُ يرَى، قال: وَيْحَك! أحمق أنت! إنَّما أنا رجل من العَرَب رأيتُ ابن الزّبير انتزَى على الحِجاز، ورأيتُ نَجْدَةَ انتزَى على اليمامة، ومروانَ على الشام، فلم أكن دونَ أحد من رِجال العرب، فأخذتُ هذه البلادَ، فكنتُ كأحدهم؛ إلّا أني قد طلبتُ بثأر أهلِ بيتِ النبيّ - ﷺ - إذ نامتْ عنه العرب، فقتلتُ من شرَك في دِمائِهم، وبالغتُ في ذلك إلى يومي هذا، فقاتِلْ على حَسبك إن لم تكن لك نيَّة؛ فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وما كنت أصنع أن أقاتل على حَسَبي! فقال المختار عند ذلك يتمثل بقولِ غَيْلان بن سَلَمة بن مُعتِّب الثَّقَفِيّ:\nولو يَرَاني أَبو غَيْلَانَ إِذ حَسَرَتْ ... عنِّي الهموم بأمرٍ ما له طبَقُ\nلقالَ رُهْبًا ورُعْبًا يُجْمَعان معًا ... غنْمُ الحياةِ وهَولُ النفس والشَّفَقُ\nإِما تُسِف على مَجْدٍ ومَكرُمَةٍ ... أو إِسوة لك فِيمَن تُهلِكُ الوَرَق","vol":"10","page":140},{"text":"فخرج في تسعةَ عشرَ رجلًا فقال لهم: أتؤمنوني وأخرُج إليكم؟ فقالوا: لا، إلا على الحكم، فقال: لا أحكّمكم في نفسي أبدًا، فضارب بسيفه حتى قُتِل، وقد كان قال لأصحابه حين أبَوْا أن يُتابعوه على الخُروج معه:\nإذا أنا خرجتُ إليهم فقُتِلتُ لم تَزْدادوا إلا ضَعْفًا وذُلًا، فإنْ نزلتم على حكمهم وثَب أعداؤكم الذين قد وَتَرْتموهم، فقال كل رجل منهم لبعضكم: هذا عندَه ثأرِي فيُقتل، وبعضُكم يَنظُر إلى مَصَارع بعض فيقولون: يا لَيْتنا أطَعْنا المختار وعَمِلنا برأيه! ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتُم الظفَر متّم كِرامًا، وإن هرب منكم هاربٌ فدخل في عشيرته اشتملتْ عليه عشيرتُه؛ أنتم غدًا هذه الساعةَ أذلّ من على ظَهْر الأرض، فكان كما قال.\nقال: وزَعَم الناسُ أنّ المختار قُتِل عند موضع الزّيّاتِين اليومَ، قتله رجلان من بني حَنِيفة أخَوان يُدعَى أحدُهما طَرَفةَ والآخر طرَّافًا؛ ابنا عبد الله بن دَجاجة من بني حَنِيفة، ولَمّا كان من الغد من قتل المختار قال بُجَير بنُ عبد الله المُسْليِّ: يا قوم، قد كان صاحبكم أمسِ أشار عليكم بالرأي لو أطعتموه، يا قوم، إنكم إن نزلتمْ على حُكم القوم ذُبِحتم كما تُذبَح الغنمُ، اخرُجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كِرامًا، فعصَوْه وقالوا: لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا وأنصح لنا منك، فعصيناه، أفنحن نُطِيعك! فأمكن القوم من أنفسهم، ونزلوا على الحُكْم، فبعث إليهم مصعبٌ عبّاد بنَ الحُصَين الحَبَطيّ فكان هو يُخرِجهم مكتَّفين، وأوصَى عبد الله بن شدّاد الجُشَميّ إلى عبّاد بن الحُصَين، وطلب عبد الله بن قُراد عصًا أو حديدة أو شيئًا يقاتل به فلم يَجِده، وذلك أنّ الندامة أدركتْه بعدما دخلوا عليه، فأخذُوا سيفَه وأخرَجوه مكتوفًا، فمرّ به عبدُ الرحمن وهو يقول:\nما كنتُ أخشَى أن أُرَى أَسِيرا ... إنَّ الذين خالَفُوا الأَمِيرَا\nقد رُغِّموا ... وتُبِّرُوا تَتْبِيرَا\nفقال عبدُ الرّحمن بن محمد بن الأشعث: عليّ بذا، قدّموه إليّ أضرِب عنقَه، فقال له: أما إني على دين جَدّك الذي آمن ثمّ كفر؛ إنْ لم أكن ضربت أباك بسَيْفي حتى فاظَ، فنزل ثم قال: أدنُوه مني، فأدَنوْه منه، فقتله، فغضِب عبّاد، فقال: قتلتَه ولم تُؤمَر بقَتله!","vol":"10","page":141},{"text":"ومرّ بعبد الله بنِ شدّاد الجُشميّ وكان شريفًا، فطلب عبدُ الرحمن إلى عبّاد أن يَحبِسه حتى يكلّم فيه الأمير، فأتى مُصعبًا، فقال: إني أحِبّ أن تَدفَع إليّ عبدَ الله بن شدّاد فأقتلَه، فإنه من الثأر، فأمر له به، فلما جاءه أخذه فضرب عنقَه، فكان عبّاد يقول: أما والله لو علمتُ أنك إنما تريد قتلَه لدفعتُه إلى غَيرِك فقتله، ولكني حسبتُ أنك تكلمه فيه فتخلّي سبيلَه. وأتيَ بابن عبد الله بنِ شدّاد، وإذا اسمهُ شدّاد، وهو رجلٌ محتلِم، وقد اطّلَي بنُورة، فقال: اكشفوا عنه هل أدرَك! فقالوا: لا، إنما هو غلام، فخلوا سبيلَه، وكان الأسوَد بنُ سعيد قد طلب إلى مُصعَب أن يعرِض على أخيه الأمان، فإنْ نزَل تركَه له، فأتاه فعرض عليه الأمان، فأبى أن ينزل، وقال: أموتُ مع أصحابي أحبّ إليّ من حياة معكم، وكان يقال له قيس، فأخرِج فقتِل فيمن قُتِل؛ وقال بُجير بن عبدِ الله المُسْلِيّ - ويقال: كان مولىً لهم حين أتِيَ به مصعب ومعه منهم ناسٌ كثير - فقال له المسلِيّ: الحمد لله الذِي ابتلانا بالإسار، وابتلاك بأن تعفو عنا، وهما مَنزِلتان إحداهما رِضَا الله، والأخرَى سخطه، من عَفَا عَفَا اللهُ عنه. وزادَه عزًّا، ومن عاقَبَ لم يأمَن القصاص، يابنَ الزّبير، نحن أهلُ قِبْلَتكم، وعلى مِلّتكم، ولسنا تُرْكًا ولا دَيْلمًا، فإن خالفْنا إخوانَنَا من أهل مِصرِنا فإما أن نكون أصبْنا وأخطؤوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم، فقد اختلفوا واقتتلوا ثمّ اجتمعوا، وكما اقتتل أهلُ البَصْرة بينهم فقد اختلفوا واقْتَتلوا ثمّ اصطلَحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجِحوا، وقد قَدرْتم فاعْفُوا، فما زال بهذا القَوْل ونحوه حتى رَقَّ لهم الناسُ، ورَقَّ لهم مصعب، وأراد أن يخلّيَ سبيلَهم، فقام عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث فقال: تُخلّى سبيلهم! اختَرنا يا بن الزبير أو اخترهم، ووثب محمد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيْس الهَمْدانيّ فقال: قُتِل أبي وخَمسمئة من هَمْدان وأشراف العشيرة وأهل المصر ثم تُخلّى سبيلَهم، ودماؤنا تَرقرَق في أجوافهم! اختَرْنا أو اخترْهم، ووَثَب كلّ قوم وأهل بيت كان أصيبَ منهم رجل فقالوا نحوًا من هذا القول.\nفلما رأى مُصعبُ بنُ الزبير ذلك أمَرَ بقَتْلهم، فنادَوه بأجمَعِهم: يا بن الزّبير، لا تقتُلنا، اجعَلْنا مقدّمتَك إلى أهل الشام غدًا، فوالله ما بك ولا بأصحابك عنّا غدًا غِنًى إذا لقيتم عدوَّكم فإن قتِلنا لم نُقتل حتّى نرقهم لكم، وإن ظَفِرْنا بهم كان","vol":"10","page":142},{"text":"ذلك لك ولمن معك، فأبَى عليهم وتبع رضا العامة، فقال بجير المسلِيّ: إن حاجتي إليك ألّا أقتَل مع هؤلاء [القوم] إني أمرتُهم أن يخرجوا بأسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كِرامًا فعصوْني، فقُدّم فقُتِل (١). (٦/ ١٠٥ - ١١٠).\nقال أبو مخنف: وحدّثني أبي، قال: حدّثني أبو رَوْق أنّ مسافرَ بنَ سعيد بن نِمْران قال لمُصعب بنِ الزبير: يا بن الزّبير، ما تقولُ لله إذا قَدمت عليه وقد قتلتَ أمة من المُسلِمين صَبْرًا! حكّموك في دمائهم، فكان الحقّ في دمائهم ألّا تقتل نفسَّا مَسلِمة بغير نفس مُسلِمة، فإن كنا قتلْنا عِدّة رجال منكم فاقتلوا عِدَّةَ من قتلنا منكم، وخلّوا سبيل بقيّتنا وفينا الآن رجالٌ كثير لم يشهدوا موطنًا من حربنا وحَربكم يومًا واحدًا، كانوا في الجبال والسواد يَجْبون الخَراج، ويؤمنون السبيل، فلم يستمع له، فقال: قبّح الله قومًا أمرتُهم أن يَخرُجوا ليلًا على حَرَس سكة من هذه السكك فنطردهم، ثمّ نَلحق بعشائرنا، فعَصوْني حتى حَمَلوني على أن أعطيت التي هي أنقص وأدنى وأوضع، وأبوْا أن يموتوا إلّا ميتة العبيد، فأنا أسألُك ألّا تَخلِط دمي بدِمائهم فقُدّم فقُتل ناحية.\nثمّ إنّ المُصعَب أمر بكَفّ المختار فقُطعت ثمّ سُمرت بمسِمار حديدْ إلى جنب المسجد، فلم يزل على ذلك حتى قدم الحجّاج بن يوسفَ، فنظر إليها فقال: ما هذه؟ قالوا: كَفّ المختار، فأمرَ بَنزْعها، وبعث مُصعَب عُماله على الجِبال والسواد، ثمّ إنه كتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ويقول له: إن أنتَ أجَبتَني ودخلتَ في طاعتي فلك الشام وأعِنّة الخيل، وما غلبت عليه من أرضِ المغرب ما دام لآل الزّبير سُلطان، وكتب عبد الملك بن مروان من الشام إليه يدعوه إلى طاعته، ويقول: إن أنت أجَبْتَني ودخلتَ في طاعتي فلك العراق، فدعا إبراهيمُ أصحابه فقال: ما تَرَون؟ فقال بعضُهم: تدخل في طاعة عبدِ الملك، وقال بعضهم: تدخل مع ابن الزّبير في طاعته، فقال ابن الأشتر: ذاك لو لم أكن أصبتُ عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهل الشام تبعتُ عبد الملك؛ مع أني لا أحبّ أن أختار على أهلِ مِصري مِصْرًا، ولا على عشيرتي عشيرة، فكتب إلى مصعب، فكتب إليه مصعبٌ أن أقبِل، فأقبل إليه بالطاعة (٢). (٦/ ١١٠ - ١١١).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":143},{"text":"قال أبو مخنَف: حدّثني أبو جَنَاب الكلبيّ أنّ كتاب مُصْعب قدم على ابن الأشتر وفيه:\nأما بعد، فإنّ الله قد قتل المختار الكذّاب وشيعتَه الذين دانُوا بالكفر، وكادُوا بالسّحر، وإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيِّه، وإلى بَيْعة أمير المؤمنين، فإنْ أجبتَ إلى ذلك فأقبل إليّ، فإنّ لك أرض الجزيرة وأرض المغرب كلّها ما بقيت وبقيَ سلطانُ آل الزبير، لك بذلك عهدُ الله وميثاقُه وأشدّ ما أخذ الله على النبيِّين من عهد أو عقد؛ والسلام.\nوكتب إليه عبدُ الملك بن مَرْوان:\nأما بعد، فإنّ آل الزبير انتَزوْا على أئمة الهدى، ونازعُوا الأمرَ أهلَه، وألحَدُوا في بيت الله الحَرام واللهُ مُمكِن منهم، وجاعل دائرةَ السوْء عليهم، وإني أدعوك إلى الله وإلى سُنة نبيّه، فإن قَبلتَ وأجبتَ فلك سلطانُ العراقِ ما بقيتَ وبقيتُ، عليّ بالوفاء بذلك عهدُ الله وميثاقُه.\nقال: فدعا أصحابَه فأقرأهم الكتاب، واستشارهم في الرأي، فقائلٌ يقول عبد الملك؛ وقائل يقول: ابن الزبير؛ فقال لهم: ورأيي اتّباع أهلِ الشام، ولكن كيف لي بذلك، وليس قبيلة تسكُن الشام إلّا وقد وَتَرْتُها، ولستُ بتارك عشيرتي وأهل مصري! فأقبل إلى مُصعَب، فلما بلغ مصعبًا إقباله بعث المهلب إلى عمله، وهي السنة التي نزل فيها المهلب على الفُرات (١). (٦/ ١١١ - ١١٢).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبو عَلْقمة الخَثعميّ أنّ المُصَعب بَعثَ إلى أمّ ثابت بنتِ سَمُرة بنِ جُندَب امرأةِ المُختار وإلى عَمْرة بنت النعمان بن بَشير الأنصاريّ - وهي امرأةُ المختار - فقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أمّ ثابت: ما عسينا أن نقول! ما نقول فيه إلّا ما تقولون فيه أنتم، فقالوا لها: اذهبي، وأما عَمرة فقالت: رحمة الله عليه، إنه كان عبدًا من عِبادِ الله الصالحين، فرَفعها مصعب إلى السجن، وكتب فيها إلى عبد الله بن الزّبير إنها تزعم أنه نبيّ، فكتَب إليه أن أخْرِجْها فاقتُلها.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":144},{"text":"فأخْرَجها بين الحِيرة والكُوفة بعد العَتَمة، فَضرَبها مَطَرٌ ثلاثَ ضرَبات بالسيف - ومطَرٌ تابعٌ لآل قَفَل من بني تَيْم الله بنِ ثَعْلبة، كان يكون مع الشُّرَط - فقالت: يا أبتاه، يا أهلاه، يا عَشِيرتاه! فسمِع بها بعضُ الأنصار، وهو أبان بنُ النعمان بن بشير، فأتاه فلطمه وقال له: يا بن الزّانية، قطعتَ نفسها قطع اللهُ يَمينَك! فَلزِمه حتى رفعه إلى مصعب، فقال: إنّ أمي مسلمة، وادّعى شهادة بني قَفَل، فلم يشهَد له أحد؛ فقال مصعب: خلّوا سبيلَ الفتى فإنه رأى أمرًا فظيعًا، فقال عمرُ بن أبي ربيعة القُرَشيّ في قتل مصعب عَمْرَةَ بنتَ النعمان بن بشير:\nإنَّ من أعْجَبِ العجائبِ عِندِي ... قَتْلَ بَيْضَاءَ حُرَّةٍ عُطْبولِ\nقُتِلَتْ هكذا على غيرِ جُرْمِ ... إنَّ لله دَرَّها من قَتيلِ\nكُتِبَ القَتلُ والقِتَالُ علينا ... وعلى المحْصنَاتِ جَرُّ الذُّيولِ (١)\n(٦/ ١١٢).\nقال أبو مخنف: حدثني محمد بنُ يوسفَ، أنّ مصعبًا لقِي عبدَ الله بن عمر فسلّم عليه، وقال له: أنا ابنُ أخيك مصعب، فقال له ابنُ عمر: نعم، أنتَ القاتلُ سبعةَ آلاف من أهل القبلة في غَداة واحدة! عِشْ ما استطعتَ! فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة سَحَرة؛ فقال ابنُ عمر: والله لو قتلت عدَّتهم غَنَمًا من تُراثِ أبيك، لكان ذلك سَرَفًا، فقال سعيد بن عبدِ الرّحمن بن حسّان بن ثابت في ذلك:\nأتى راكبٌ بالأَمر ذي النبَأ العجِبْ ... بقتل ابنَة النعمان ذِي الدِّين والحَسَبْ\nبقتل فَتَاةٍ ذاتِ دلٍّ سَتِيرَةٍ ... مُهَذَّبة الأخلاق والخِيم والنسَبْ\nمطهَّرةٍ من نَسْل قوم أَكارِمٍ ... من المُؤْثِرِين الخير في سالفِ الحِقَب\nخليلُ النبيِّ المصطفَى ونَصِيرُهُ ... وصاحبُه في الحَرْب والنكْبِ والكُرَب\nأتانِي بأنَّ المُلْحِدِين تَوَافَقُوا ... على قَتلِها لا جُنِّبُوا القتلَ والسَّلَبْ\nفلا هَنَأَتْ آلَ الزبير معيشةٌ ... وذاقُوا لباسَ الذُّلِّ والخوفِ والحَرَبْ\nكأنَّهمُ إذ أَبرَزُوها وقُطِّعتْ ... بأسيافِهمْ فازُوا بِمَملكة العَرَبْ\nألم تَعَجبِ الأَقوامُ من قَتلِ حرَّةٍ ... من المُحْصَنات الدّين محمودةِ الأَدبْ!\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":145},{"text":"من الغافلاتِ المؤمناتِ، بَرِيئَةٍ ... من الذَّمِ والبُهْتان والشَّكّ والكذِبْ\nعلينا كتابُ القَتل والبأْسِ واجبٌ ... وهُنَّ العفافُ في الحِجَال وفي الحُجُب\nعلى دِينِ أجدادٍ لها وأُبوَّةٍ ... كِرام مَضَت لم تُخْزِ أَهلًا ولم تُرِبْ\nمن الخفِرات لا خَرُوجٌ بَذِيَّةٌ ... مُلائِمَة تَبغِي على جَارِهَا الجُنبْ\nولا الجارِ ذي القُرْبَى ولم تَدْرِ ما الخنا ... ولم تزدَلِف يومًا بسُوءً ولم تحِبْ\nعَجِبْتُ لها إذ كُفِّنَتْ وَهْيَ حَيَّهٌ ... ألا إنَّ هذا الخَطْبَ من أعجَبِ العجَب (١)\n(٦/ ١١٢ - ١١٣).\nقال أبو جعفر: واقتصّ الواقديّ من خبر المختار بن أبي عُبَيد بعض ما ذكرْنا، فخالف فيه مَنْ ذكرنا خبره، فزعم أنّ المختار إنما أظهَر الخلاف لابن الزّبير عند قُدوم مُصعَب البَصْرة، وأنّ مُصعَبًا لما سار إليه فبلغه مسيرُه إليه بعث إليه أحمرُ بن شُميط البَجَليّ، وأمَرَه أن يواقِعَه بالمَذار، وقال: إنّ الفتح بالمَذار؛ قال: وإنما قال ذلك المختار لأنه قيل: إن رجلًا من ثَقيفَ يُفتَح عليه بالمَذار فتحٌ عظيمٌ، فظنّ أنه هو، وإنما كان ذلك للحجّاج بن يوسفَ في قتاله عبَد الرّحمن بن الأشعث، وأمر مصعبٌ صاحبَ مقدّمته عَبّاد الحَبَطيّ أن يسير إلى جَمْع المُختار فتقدّم وتقدّم معه عُبيدُ الله بنُ عليّ بن أبي طالب، ونزل مصعب، نهر البصريِّين على شطّ الفرات، وحَفَرَ هُنالك نهرًا فسُمِّيَ نهر البصريِّين من أجل ذلك، قال: وخرج المختارُ في عشرين ألفًا حتى وقف بإزائهم وزحف مصعبٌ ومَن معه، فوافَوْه مع الليل على تعبية، فأرسل إلى أصحابه حين أمسَى: لا يَبرحنّ أحدٌ منكم موقفَه حتى يسمع مناديًا ينادي: يا محمّد، فإذا سمعتموه فاحمِلوا، فقال رجل من القوم من أصحاب المختار: هذا والله كذّاب على الله، وانحاز ومَنْ معه إلى المصعب، فأمهل المُختار حتى إذا طلع القمرُ أمَر منادِيًا، فنادى: يا محمد؛ ثمّ حَمَلوا على مُصعَب وأصحابه فهزَموهم. فأدخلوه عسكرَه، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا وأصبحَ المختارَ وليس عنده أحد، وإذا أصحابُه قد وَغَلوا في أصحاب مصعب، فانصرف المختارُ منهزمًا حتى دخل قصر الكوفة، فجاء أصحابُ المختار حين أصبحوا، فوقَفوا مَلِيًّا، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قُتِل، فَهَرب منهم مَن أطاقَ الهَرَب، واختَفَوْا في دُور\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":146},{"text":"الكوفة، وتوجّه منهم نحوَ القصر ثمانية آلاف لم يَجِدوا مَنْ يقاتل بهم، ووجدوا المختارَ في القَصْر، فدخَلوا معه، وكان أصحاب المختار، قتلوا في تلك الليلة من أصحابِ مصعب بشرًا كثيرًا، فيهم محمد بنُ الأشعث، وأقبل مُصعبٌ حينَ أصبح حتى أحاط بالقصر، فأقام مصعبٌ يُحاصِره أربعةَ أشهُر يَخرُج إليهم في كلّ يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة من وجه واحد، ولا يُقدَر عليه حتى قتِل المختار، فلما قُتِل المختار بعث من في القصر يَطلب الأمان، فأبى مصعب حتى نزلوا على حُكْمه، فلما نزلوا على حُكْمه قتل من العرب سبعمئة أو نحو ذلك، وسائرُهم من العَجم؛ قال: فلما خرجوا أراد مُصعَب أن يَقتُل العجم ويتركَ العَرَب، فكلمه من معه، فقالوا: أيّ دِينٍ هذا؟ وكيف ترجو النصرَ وأنت تَقتلُ العَجَم وتَترُك العَرَب ودِينُهم واحد! فقدَّمهم فضرَبَ أعناقَهم (١). (٦/ ١١٤ - ١١٦).\nقال أبو جعفر: وحدّثني عمرُ بن شَبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: لما قُتِل المختار شاور مصعبٌ أصحابَه في المحصورين الذين نزلوا على حكمه، فقال عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشباهُهم ممّن وَترهم المُختار: اقتُلهم، وضَجّت ضَبّة، وقالوا: دَمُ مُنذِر بن حسان؛ فقال عبيد الله بن الحُرّ: أيّها الأمير، ادفعْ كلَّ رجل في يديك إلى عشيرته تمنّ عليهم بهم، فإنهم إن كانوا قتَلونا فقد قتَلناهم، ولا غِنى بنا عنهم في ثغورنا، وادفع عبيدَنا الذين في يديك إلى مواليهم فإنهم لأيتامنا وأرامِلنا وضُعفائنا، يردّونهم إلى أعمالهم، واقتل هؤلاء الموالي، فإنهم قد بدا كفرُهم، وعظُم كِبرُهم، وقلّ شُكرُهم. فَضَحِك مُصعَب وقال للأحنف: ما ترَى يا أبا بَحْر؟ قال: قد أرادني زيادٌ فعَصيْته - يعرَّض بهم - فأمرَ مصعب القوم جميعًا فقُتِلوا، وكانوا ستة آلاف، فقال عُقْبة الأسَديّ:\nقَتلتمْ ستَّةَ الآلافِ صَبْرًا ... مع العَهْد الموثَّقِ مكتَفِينَا\nجعلتمْ ذِمّة الحَبطِيّ جسْرًا ... ذَلولًا ظَهرُهُ لِلواطِئينَا\nوما كانوا غَداةَ دُعُوا فغُرُّوا ... بَعْهدهِمُ بأَوَّلِ حائِنِينَا\nوكنتُ أَمرتُهمْ لو طاوَعُوني ... بضَرْب في الأَزِقّة مُصلتِيَنا\n_________\n(١) في إسنادها محمد بن عمر الواقدي الكذاب.","vol":"10","page":147},{"text":"وقُتِل المختارُ - فيما قيل - وهو ابنُ سبع وستين سنة لأربع عشرةَ خَلَتْ من شهر رمضان في سنة سبع وستين.\nفلما فَرَغ مصعب من أمر المختار وأصحابه، وصار إليه إبراهيم بنُ الأشتر وجّه المهلب بن أبي صُفْرة على المَوْصِل والجزيرة وأذَرْبيجان وأرْمِينيَةَ وأقام بالكوفة. (٦/ ١١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>خبر عزل عبد الله بن الزبير أخاه المصعب</span>\nوفي هذه السنة عزل عبدُ الله بن الزبير أخاه مصعبُ بن الزّبير عن البصرة، وبَعَث بابنه حمزةَ بن عبد الله إليها، فاختُلِف في سبب عزله إيّاه عنها، وكيف كان الأمر في ذلك.\nفقال بعضُهم في ذلك ما حدّثني به عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد قال: لم يزل المُصْعب على البَصرة حتى سار منها إلى المختار، واستَخلف على البصرة عُبيد الله بن مَعمر. فقُتِل المختار، ثمّ وفد إلى عبد الله بنِ الزبير فعزله وحبسه عنده، واعتَذَر إليه من عَزْله، وقال: واللهِ إني لأعلم أنّك أحرَى وأكفى من حَمزةَ، ولكني رأيتُ فيه رأي عثمانَ في عبد الله بنِ عامر حين عَزَل أبا موسى الأشعريّ وولّاه. (٦/ ١١٧).\nحدّثني عمرُ، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: قَدِم حمزةُ البَصرة واليًا، وكان جوادًا سَخِيًّا مخلًّا، يجود أحيانًا حتى لا يَدَع شيئًا يملِكه، ويمنع أحيانًا ما لا يمنع مِثلُه، فظهرتْ منه بالبَصرة خِفّة، وضعف، فيقال: إنه ركب يومًا إلى فَيْض البَصْرة، فلما رآه قال: إنّ هذا الغدير إن رَفقُوا به ليكفينّهم صَيْفَهم، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقهُ جازرًا، فقال: قد رأيت هذا ذاتَ يوم، وظننت أن لن يكفيَهم، فقال له الأحنف: إنّ هذا ماءٌ يأتينا ثمّ يَغيض عنّا، وشخص إلى الأهواز، فلما رأى جبَلَها قال: هذا قُعَيْقِعان - لموضع بمكة - فسُمِّي الجبلُ قُعَيْقعانِ، وبعث إلى مَرْدَانْشَاه فاستحثّه بالخراج، فأبطأ به، فقام إليه بسَيْفه فضربه فقتله، فقال الأحنف: ما أحدّ سيفَ الأمير! (٦/ ١١٧).","vol":"10","page":148},{"text":"حدّثني عمرُ، قال: حدّثني عليّ بنُ محمد، قال: لما خَلّط حمزةُ بالبصرة وظهر منه ما ظهر، وهَمَّ بعبد العزيز بن بِشْر أن يضربَه؛ كتب الأحنف إلى ابن الزبير بذلك، وسأله أن يعيد مُصعبًا، قال: وحمزة الذي عقد لعبد الله بن عُمير الليثيّ على قتال النّجدية بالبَحْرين. (٦/ ١١٧).\nحدّثني عمرُ، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: لما عزل ابن الزّبير حمزةَ احتَمَل مالًا كثيرًا من مال البصرة، فعَرَض له مالكُ بن مِسْمَع، فقال: لا ندعك تَخرج بأعْطياتِنا، فضمِن له عُبيدُ الله بنُ عُبيدِ بنِ مَعمرَ العطاءَ، فكَفّ، وشخص حمزةُ بالمال، فترك أباه وأتى المدينة، فأودَع ذلك المال رجالًا، فذَهبوا به إلّا يهوديًّا كان أودَعه فوَفَى له، وعَلِم ابنُ الزّبير بما صنع، فقال: أبعَده الله! أردتُ أن أباهيَ به بني مَرْوان فنَكَص. (٦/ ١١٨).\nوأمّا هشام بنُ محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف في أمر مُصعَب وعزلِ أخيه إيّاه عن البَصْرة ورَدِّه إياه إليها غَيرَ هذه القصَّة، والذِي ذكر من ذلك عنه في سياق خبر حُدّثتُ به عنه، عن أبي المُخارِقِ الرّاسبيّ، أنّ مُصعَبًا لما ظَهَر على الكُوفة أقامَ بها سنة معزولًا عن البصرة، عزله عنها عبدُ الله، وبعث ابنَه حمزَة، فمَكَث بذلك سنة؛ ثمّ إنه وَفد على أخيه عبد الله بمكة، فردّه على البَصْرة.\nوقيل: إنّ مصعبًا لما فرغ من أمرِ المُختار انصَرَف إلى البصرة وولّى الكوفةَ الحارث بنَ عبد الله بن أبي ربيعة، قال: وقال محمد بنُ عمر: لما قتل مُصعبٌ المختارَ ملكَ الكوفة والبصرة (١). (٦/ ١١٨).\nوحَجّ بالناس في هذه السنة عبد لله بنُ الزّبير، وكان عامِلَه على الكُوفة مصعبٌ، وقد ذكرتُ اختلاف أهلِ السيَر في العامل على البصرة.\nوكان على قضاء الكُوفة عبدُ الله بن عُتبةَ بن مسعود، وعلى قَضاء البَصْرة هِشامُ بنُ هُبيرة، وبالشام عبدُ الملك بن مَرْوان.\nوكان على خُراسان عبد الله بنُ خازم السُّلميّ. (٦/ ١١٨).\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكذاب المتروك.","vol":"10","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1661>ثم دخلت سنة ثمان وستين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأمور الجليلة</span>\nفمن ذلك ما كان من ردّ عبد الله أخاه مُصعَبًا إلى العراق أميرًا، وقد ذكرْنا السبب في ردّ عبد الله أخاه مُصعبًا إلى العراق أمِيرًا بعد عزله إياه، ولما ردّه عليها أميرًا بعث مصعبٌ الحارثَ بنَ أبي ربيعة على الكُوفة أميرًا، وذلك أنه بدأ بالبصرة مَرجِعَه إلى العراق أميرًا بَعد العزل، فصار إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>ذكر الخبر عن رجوع الأَزارقة من فارس إلى العراق</span>\nوفي هذه السنة كان مَرجِعُ الأزارقة من فارسَ إلى العِراقِ حتى صاروا إلى قرب الكوفة، ودخلوا المَدائن.\n* ذكر الخبر عن أمرِهم ومسيرهم ومَرجِعهم إلى العِراق:\nذكر هشامٌ، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ، أنّ مُصْعبًا وجّه عمرَ بنَ عُبيد الله بن مَعمرَ على فارسَ أميرًا، وكانت الأزارِقةَ لحقت بفارسَ وكرمانَ ونواحي أصبْهَان بعدما أوقَع بهم المهلب بالأهْواز، فلما شخص المهلَّبُ عن ذلك الوجه ووُجِّه إلى المَوْصل ونواحيها عاملًا عليها، وعمر بن عبيد الله بن معمر على فارسَ. انحطّت الأزارقةُ مع الزّبير بن الماحوز على عُمَر بن عبيد الله بفارسَ، فلقيَهم بسَابورَ.\nفقاتلَهَم قتالًا شديدًا، ثم إنه ظَفر بهم ظَفرًا بيّنًا، غيرَ أنه لم يكن بينهم كثير قَتْلَى، وذهبوا كأنهم على حاميَة، وقد تركوا على ذلك المَعرَكة (١). (٦/ ١١٩).\nقال أبو مخَنف: فحدّثني شيخٌ للحيِّ بالبَصْرِة، قال: إني لأسمعُ قراءةَ كتاب عمرَ بن عبيد الله:\nبسم الله الرّحمن الرّحيم، أما بعد: فإني أخبرُ الأميرَ أصلَحه الله أني لقيتُ الأزارقة التي مَرَقَتْ من الدّين واتبعتْ أهواءها بغيرِ هُدىً من الله، فقاتلتُهم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":150},{"text":"بالمسلمين ساعةً من النهار أشدَّ القتال، ثمِّ إنّ الله ضرب وُجوهَهم وأدبارَهم، ومنحنا أكتافَهم، فقتل اللهُ منهم مَن خابَ وخسِر، وكلٌّ إلى خُسْران، فكتبتُ إلى الأمير كتابي هذا وأنا على ظَهْر فرَسي في طلب القوم، أرجُو أن يَجُذَّهم الله إن شاء الله، والسلام.\nثم إنّه تَبِعهم ومضَوا من فورهم ذلك حتَّى نزلوا إِصْطَخْرَ، فسار إليهم حتَّى لقيَهم على قنطرة طَمَستانَ، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وقُتل ابنُه.\nثمّ إنه ظَفِر بهم، فَقَطعوا قنطرةً طَمَستْانَ، وارتفعوا إلى نحو من أصبهان وكرْمان، فأقاموا بها حتَّى اجْتَبروا وقَووْا، واستعدّوا وكَثُروا، ثمّ أقبَلوا حتّى مرّوا بفارسَ وبها عمرُ بنُ عُبيد الله بن مَعمر، فَقطعُوا أرضَه من غير الوَجْه الَّذي كان فيه أخذوا على سابور، ثمّ خرجوا على أرَّجانَ، فلمَّا رأى عمرُ بن عُبيد الله أنْ قد قطعت الخوراج أرضَه متوجِّهة إلى البَصْرة خشيَ ألّا يحتمِلها له مُصعَب بنُ الزبير، فشمَّر في آثارهم مُسرِعًا حتى أتى أرَّجان، فوجدهم حين خرجوا منها متوجهين قِبَل الأهواز، وبلَغ مُصعبًا إقبالُهم، فخَرج فعسكر بالناس بالجِسر الأكبر، وقال: والله ما أدري ما الَّذِي أغنَى عنّي أنْ وضعتُ عمرَ بن عُبيد الله بفارسَ، وجعلتُ معهُ جُندًا أجرِي عليهم أرزاقَهم في كلّ شهر، وأوَفِّيهم أعطياتِهم في كل سنة، وآمُرُ لهم من المَعاوِن في كلّ سنة بمثلِ الأعْطيات، تَقطَع أرضَه الخوارج إليّ! وقد قطعتُ علَّته فأمددتُه بالرّجال وقوّيتُهم والله لو قاتَلهم ثم فرّ كان أعذَرَ له عندي، وإن كان الفارّ غيرَ مقبولِ العذر، ولا كريم الفعل.\nوأقبلت الخوارجُ وعليهم الزبيرُ بن الماحُوز حتَّى نزلوا الأهواز، فأتتْهم عيونهم أن عمر بن عُبيد الله في أثرهم، وأنّ مصَعب بن الزّبير قد خرج من البصْرة إليهم، فقام فيهم الزُّبيرُ فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ من سوء الرأي والحيرة وقُوعُكم فيما بين هاتَيْن الشَّوْكَتين، انْهضوا بنا إلى عدُوّنا نَلقَهم من وجه واحد، فسار بهم حتَّى قطع بهم أرضَ جُوخَى، ثمّ أخذ على النَّهْرَوانات، ثمِّ لزم شاطى دِجْلة حتى خرج على المدائن، وبها كرْدَم بنُ مَرثَد بن نجبَة الفزَارِيّ، فشنّوا الغارَة على أهل المَدائن، يُقتّلون الوِلدان والنساءَ والرّجال، ويبقُرون الحَبَالى، وهرب كردم، فأقبلوا إلى ساباطَ فوضعوا أسيافَهم في النَّاس، فقتَلوا أمّ ولد لربيعة بن ماجد، وقتلوا بُنانة ابنة أبي يزيد بن عاصم","vol":"10","page":151},{"text":"الأزديّ، وكانت قد قرأت القرآن، وكانت من أجملِ النَّاس، فلمَّا غشوها بالسيوف قالت: ويْحَكُم! هل سمعتم بأنّ الرجال كانوا يُقتَلون النساء! ويْحَكم! تَقتلون من لا يبسط إليكم يدًا، ولا يريدُ بكم ضَرًّا، ولا يَملِك لنفسِه نَفعًا! أتقتلون من يُنشَّأ في الحِلْية وهو في الخِصام غيرُ مُبين! فقال بعضُهم: اقتلُوها.\nوقال رجل منهم: لو أنكم تركتموها! فقال بعضهُم: أعَجَبك جمالها يا عدوّ الله! قد كفرت وافتَتَنْت، فانصرف الآخرُ عنهم وتركَهم، فظننَّا أنَّه فارَقَهم، وحملوا عليها فقتلوها، فقالت رَيْطةُ بنتُ يزيدُ: سبحان الله! أتروْن اللهَ يَرضى بما تَصْنَعون! تَقتُلون النساء والصّبيان ومَن لم يُذنب إليكم ذَنْبًا! ثمّ انصرفتْ وحملوا عليها وبين يديهِا الرُّواع بنتُ إياس بن شُرَيح الهَمْدانيّ، وهي ابنة أخيها لأمّها، فحَمَلوا عليها فضَرَبُوَها على رأسِها بالسيف، ويصيب ذُبابُ السيفِ رأسِ الرّوَاعِ فسقطتا جميعًا إلى الأرض، وقاتلهم إياسُ بن شُرَيح ساعةً، ثمّ صُرع فوَقع بين القتَلى، فنزَعوا عنه وهم يرَون أنَّهم قد قَتَلوه، وصُرع منهم رجل من بَكر بن وائل يقال له: رَزِين بن المتوكِّل.\nفلمَّا انصرَفوا عنهم لم يَمت غيرُ بُنانة بنت أبي يزيد، وأمّ ولد ربيعة بن ناجد، وأفاقَ سائرُهم، فسقَى بعضُهم بعضًا من الماء، وعصبوا جراحاتِهم ثم استأجرُوا دوابّ، ثمّ أقبلوا نحوَ الكوفة (١). (٦/ ١١٩ - ١٢١).\nقال أبو مخْنَف: فحدّثتْني الرّواع ابنةُ إياس، قالت: ما رأيتُ رجلًا قطّ كان أجبن من رجل كان معنا وكانت معه ابنتُه، فلمَّا غُشِينا ألقَاها إلينا وهرب عنها وعنّا ولا رأينا رجلًا قطُ كانَ أكرم من رجل كان معنا، ما نعرِفه ولا يَعرِفنا، لمَّا غُشِينا قاتَل دونَنا حتَّى صُرع بيننا، وهو رُزين بنُ المتوكّل البَكْريّ، وكان بعد ذلك يزورُنا ويُواصِلنا، ثمّ إنَّه هلك في إمارة الحَجَّاج، فكانت وَرَثَتَه الأعرابُ، وكان من العِباد الصالحين (٢). (٦/ ١٢١ - ١٢٢).\nقال هشام بنُ محمَّد - وذكره عن أبي مخنَف - قال: حدّثني أبي، عن عمِّه أنّ مُصعَب بن الزّبير كان بعث أبا بكر بن مِخنَف على إِسْتان العال، فلمَّا قَدِم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":152},{"text":"الحارثُ بن أبي ربيعة أقصاه، ثم أقرَّه بعد ذلك على عَملِه السَّنة الثانية، فلمَّا قَدِمت الخوارجُ المدائِنَ سرَّحوا إليه عصابةً منهم، عليها صالحُ بنُ مِخراق، فلقِيَه بالكرخ فقاتَله ساعةً، ثم تَنازَلوا فنَزل أبو بكر ونزَلت الخَوارج، فقُتل أبو بكر ويَسار مولاه وعبدُ الرّحمن بنُ أبي جِعال، ورجل من قومه، وانْهَزَم سائرُ أصحابه، فقال سُرَاقَةُ بنُ مِرْداس البارقيّ في بطنٍ مِنَ الأزْد:\nألا يا لقَومي للهُمومِ الطَّوارِق ... وللحَدَث الجائي بإِحدَى الصَّفائِق\nومَقْتَل غِطْريفٍ كريمٍ نِجارُهُ ... من المُقْدِمين الذّائدِين الأَصادِقِ\nأَتاني دُوَيْن الخَيْف قتلُ ابن مِخنَفٍ ... وقد غَوَّرَتْ أولى النُّجوم الخَوافِقِ\nفقُلتُ: تَلَقَّاكَ الإِلهُ برحمةٍ ... وصلَّى عليكَ اللهُ ربُّ المَشارِقِ\nلحا الله قومًا عَرَّدُوا عنكَ بُكرةً ... ولم يَصبرُوا للّامِعاتِ البَوارقِ\nتولَّوْا فأَجْلَوا بالضُّحَى عن زَعِيمِنا ... وسَيِّدِنا في المأْزِقِ المُتَضايق\nفأَنت مَتى ما جِئتَنا في بُيوتنَا ... سمِعْتَ عَويلًا مِنْ عَوانٍ وعَاتِقِ\nيُبَكِّينَ محمودَ الضَّرِيبة ماجدًا ... صبورًا لدى الهَيجاءِ عندَ الحقائق\nلقد أصبَحتْ نفسِي لذاكَ حَزِينةً ... وشابتْ لِمَا حمّلتُ منه مفارقي (١)\n(٦/ ١٢٢ - ١٢٣)\nقال أبو مِخنفَ: فحدّثني حَدْرة بن عبدِ الله الأزْديّ، والنَّضر بنُ صالح العَبْسيّ، وفضيل بن خَديج، كلهم أخبرنيه أن الحارث بن أبي ربيعة [الملقب بالقُباع] أتاه أهلُ الكوفة، فصاحوا إليه وقالوا له: اخرُج فإنّ هذا عدوّ لنا قد أظَلّ علينا ليست له تقيَّة، فخرج وهو يكدّ كدًّا حتَّى نزل النُّخيلة فأقَامَ بها أيَّامًا، فَوَثب إليه إبراهيمُ بنُ الأشتر، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنَّه سار إلينا عدوّ ليست له تقيَّة يَقتل الرجل والمرأة والمولود، ويُخِيف السَّبيل، ويُخرّب البلادَ، فانْهض بنا إليه، فَاؤْمُر بالرّحيل، فخرَج فنزل دَير عبدِ الرحمن، فأقام فيه حتَّى دخل إليه شَبَث بن رِبْعيّ، فكلَّمه بنحو ممَّا كلَّمه به ابنُ الأشتر، فارتحل ولم يكدّ، فلمَّا رأى الناسُ بُطْء سَيْره رَجزوا به فقالوا:\nسَار بنا القُبَاعُ سَيْرًا نُكْرَا ... يَسِيرُ يومًا ويُقِيمُ شَهْرَا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":153},{"text":"فأشخصوه من ذلك المكان، فكلَّما نزل بهم منزلًا أقامَ بهم حتَّى يضجَّ الناسُ به من ذلك، ويَصيحوا به حول فُسْطاطه، فلم يَبلُغ الصَّراةَ إلا في بِضعةَ عشرَ يومًا، فأتى الصّراةَ وقد انتهى إليها طَلائعُ العَدُوّ وأوائلُ الخُيول، فلما أتتْهم العيونُ بأنَّه قد أتاهم جماعةُ أهلِ المِصر قَطعوا الجِسْر بينهم وبينَ النَّاس، وأخذ الناسُ يَرتَجزون:\nإنّ القُباعَ سارَ سَيْرًا مَلْسَا ... بينَ دَبِيرَى ودَبَاهَا خَمْسَا (١)\n(٦/ ١٢٣)\nقال أبو مخنف: وحدّثني يونسُ بن أبي إسحاق، عن أبيه أنّ رجلًا من السَّبيع كان به لَمَم، وكان بقرية يقال لها جَوْبَر عند الخرّارة، وكان يُدعَى سِمَاكَ بنَ يزيد، فأتت الخوارجُ قريتَهُ فأخَذوه وأخذُوا ابنتَه، فقدّموا ابنتَه فقتلُوها، وزعم لي أبو الرّبيع السَّلوليّ أنّ اسم ابنته أمّ يزيد، وأنَّها كانت تقول لهم: يا أهلَ الإسلام، إن أبي مُصاب فلا تَقتُلوه، وأمَّا أنا فإنَّما أنا جارية، والله ما أتيتُ فاحشةً قطّ، ولا آذَيتُ جارة لي قطّ، ولا تطلَّعتُ ولا تشرّفْتُ قط، فقدَّموها ليقتلوها، فأخذتْ تُنادي: ما ذَنْبي ما ذَنْبي! ثم سقطتْ مَغشيًّا عليها أو مَيتَة ثم قطَّعوها بأسيافهم، قال أبو الرّبيع: حدّثتْني بهذا الحديث ظِئرٌ لها نصْرَانيَّةٌ من أهل الخَوَرْنَق كانت معها حين قُتلتْ (٢). (٦/ ١٢٣ - ١٢٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني يونسُ بنُ أبي إسحاق، عن أبيه، أنّ الأزارقة جاءت بِسِماك بن يزيد معهم حتَّى أشرَفوا على الصَّراة، قال: فاستقبل عسكرَنا، فرأى جماعة الناس وكثرتهم، فأخَذ ينادِينا ويَرفَع صوتَه: اعبرُوا إليهم فإنَّهم فَلٌّ خبيث، فضربوا عند ذلك عُنقَه وصَلبوه ونحن نَنظُر إليه، قال: فلمَّا كان الليلُ عبرتُ إليه وأنا رجل من الحيّ. فأنزَلْناه فدَفَنَّاه (٣). (٦/ ١٢٤).\nقال أبو مخنف: حدّثني أبي أنّ إبراهيمَ بنَ الأشتر قال للحارث بن أبي ربيعة: اندب معي الناسَ حتَّى أعبر إلى هؤلاء الأكلُب، فأجيئَك برؤوسِهم الساعَة؛ فقال\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":154},{"text":"شَبَث بن رِبْعيّ وأسماءُ بنُ خارجة ويزيدُ بن الحارث ومحمَّد بن الحارث ومحمَّد بن عُمَير: أصلحَ الله الأمير! دَعْهم فليذْهبوا، لا تَبدأهم؛ قال: وكأنَّهم حَسَدوا إبراهيمَ بنَ الأشتر (١). (٦/ ١٢٤).\nقال أبو مِخنَف: وحدّثني حَصِيرةُ بن عبدِ الله وأبو زهير العَبْسيّ أنّ الأزارقةَ لما انتهوا إلى جِسْر الصّراة فرأوْا أنّ جماعة أهلِ المِصر قد خرجوا إليهم، قطعوا الجِسرَ واغَتَنم ذلك الحارث، فتحبَّس، ثم إنَّه جلس للناس فَحَمِد الله وأثنَى عليه، ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ أوّل القِتال الرّمِيَّا بالنّبل، ثمّ إشراع الرّماح، ثمّ الطعن بها شَزْرًا؛ ثمّ السَّلّة آخر ذلك كلّه.\nقال: فقام إليه رجل فقال: قد أحسَن الأمير أصلَحه الله الصّفة، ولكنْ حتَّام نَصْنع هذا وهذا البحر بيننا وبين عدوّنا! مُرْ بهذا الجِسْر فليُعَدْ كما كان، ثم اعبُرْ بنا إليهم، فإنّ الله سيريك فيهم ما تُحبّه، فأمر بالجسر فأعيدَ، ثم عبر الناسُ إليهم فطاروا حتَّى انتَهوْا إلى المَدائن، وجاء المسلمون حتَّى انتَهوا إلى المدائن، وجاءت خيل لهم فطاردت خيلًا للمسلمين طَرْدًا ضَعِيفًا عند الجِسْر، ثمّ إنَّهم خرجوا منها فأتبعهم الحارثُ بنُ أبي رَبيعةَ عبدَ الرحمن بنَ مِخنَف في ستَّة آلاف ليُخرجهم من أرض الكوفة، فإذا وَقَعوا في أرضِ البصرة خَلّاهم فأتبعهم حتَّى إذا خَرَجوا من أرضِ الكوفة ووقعوا إلى أصبهان انصرف عنهم ولم يقاتلهم، ولم يكن بينه وبينهم قِتال، ومضوا حتَّى نزلوا بعَتَّاب بن وَرْقَاء بحَيّ، فأقاموا عليه وحاصروه، فخرج إليهم فقاتلهم فلم يُطِقهم، وشَدّوا على أَصحابه حتَّى دخلوا المدينة، وكانت أصبهان يومئذ طُعْمةً لإسماعيل بن طَلحة من مُصعَب بن الزبير، فبعث عليها عتَّابًا، فصَبَر لهم عتَّاب، وأخَذ يخرج إليهم في كلّ يوم فيُقاتِلهم على باب المدينة، ويَرْمُون من السور بالنَّبْل والنشّاب والحِجَارة، وكان مع عتّاب رجل من حَضرموت يقال له أبو هُرَيرة بنُ شريح، فكان يَخرُج مع عتَّاب، وكان شجاعًا، فكان يَحمِل عليهم ويقول:\nكيف تروْن يا كِلَابَ النَّارِ ... شَدَّ أبي هُرَيْرَةَ الهَرَّارِ\nيهِرُّكم باللَّيلِ والنهارِ ... يا بن أبي الماحوزِ والأَشرارِ\nكيف تُرَى جَيَّ على المِضْمارِ!\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":155},{"text":"فلمَّا طال ذلك على الخوارج من قوله كَمن له رجل من الخَوارج يظنون أنَّه عبَيدة بن هلال، فخرج ذات يوم فصنع كما كان يصنع، ويقول كما كان يقول: إذ حَمَل عليه عبَيدة بنُ هلال فضرَبه بالسيف ضربة على حبل عاتقِه فصرعه، وحَمَل أصحابُه عليه فاحتملوه فأدخَلوه وداوَوْه، وأخذَت الأزارقةُ بعد ذلك تُناديهم يقولون: يا أعداءَ الله، ما فَعَل أبو هُرَيرة الهرّار؟ فينادونهم: يا أعداء الله، والله ما عليه من بأس، ولم يلَبَث أبو هُريرة أن بَرِئَ، ثمّ خرج عليهم بعدُ، فأخذوا يقولون: يا عدوَّ الله، أما والله لقد رجونا أن نكون قد أزَرْناكَ أمَّك؛ فقال لهم: يا فسَّاق، ما ذكركم أميّ! فأخذوا يقولون: إنه ليغضب لأمّه وهو آتيها عاجلًا، فقال له أصحابُه: وَيْحك! إنَّما يَعنُون النَّارَ، فَفطِن فقال: يا أعداء الله، ما أعقَّكم بأمّكم حين تنتفون منها! إنَّما تلك أمكم، وإليها مَصيرُكم.\nثمّ إنّ الخوارجَ أقامت عليهم أشهرًا حتى هلك كُراعُهم، ونفِدَت أطعمتُهم، واشتدّ عليهم الحِصار، وأصابهم الجَهْد الشديد، فدعاهم عتَّاب بنُ ورقاء فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد أيَّها الناس، فإنه قد أصابكم من الجُهَد ما قد تَرَون، فوالله إن بقي إلا أن يموتَ أحدُكم على فِراشه فيجئَ أخوه فيَدِفنه إن استطاع؛ وبالحَري أن يَضعُف عن ذلك، ثمّ يموت هو فلا يجد من يَدفنه، ولا يصلّي عليه، فاتَّقوا الله، فو الله ما أنتم بالقليلِ الَّذين تهُون شوكتُهم على عدوّهم، وإنّ فيكم لَفُرسانُ أهلى المِصْر، وإنَّكم لصُلحاءُ، من أنتم منه! اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم وبكم حيَاة وقوَّة قبلَ ألّا يستطيع رجل منكم أن يمشي إلى عدوّه من الجَهْد، وقبلَ أَلّا يستطيعَ رجلٌ أن يمتنع من امرأة لو جاءته، فقَاتلَ رجل عن نفسه وصبر وصدق، فوالله إني لأرجو إنْ صَدقتموه أن يُظفركم الله بهم، وأن يُظهِركم عليهم، فناداه الناسُ من كل جانب: وُفِّقتَ وأصبتَ، اخرُج بنا إليهم، فجمع إليه الناس من الليل، فأمرَ لهم بعَشاء كثير، فعَشِيَ الناسُ عنده؛ ثم إنَّه خرج بهم حين أصبح على راياتهم، فصبَّحهم في عسكرهم وهم آمِنون من أن يُؤتوا في عسكرهم، فشَدّوا عليهم في جانبه، فضارَبوهم فأخلوا عن وجه العسكر حتَّى انتَهوا إلى الزّبير بن الماحوز، فنزل في عِصابة من أصحابه فقاتَل حتى قُتِلَ، وانحازت الأزارقةُ إلى قَطَريّ، فبايعوه، وجاء عَتَّاب حتَّى دخل مدينتَه، وقد أصاب من عسكرهم ما شاء، وجاء قَطريّ في أثره كأنه يريد أن","vol":"10","page":156},{"text":"يقاتله، فجاء حتى نزل في عسكر الزّبير بن الماحُوز، فتزعم الخوارجُ أنّ عيْنًا لقَطَريّ جاءه فقال: سمعتُ عتَّابًا يقول: إنّ هؤلاء القومَ إنْ رَكِبوا بَناتِ شحَّاجِ، وقادُوا بَناتِ صهَّال، ونزلوا اليوم أرضًا وغدًا أخرى، فبالحَرِيّ أن يبقوا؛ فلمَّا بلغ ذلك قَطَريًّا خرج فذهب وخلّاهم (١). (٦/ ١٢٤ - ١٢٧).\nقال أبو مخنَف: قال أبو زهير العبْسيّ وكان معهم: خرجْنا إلى قَطريّ من الغد مُشاةً مُصلتين بالسيوف؛ قال: فارتحلوا والله فكان آخر العهد بهم، قال: ثمّ ذهب قطَريّ حتَّى أتى ناحية كِرْمان فأقام بها حتَّى اجتمعت إليه جموع كثيرة، وأكل الأرض واجتبى المال وقوي، ثم أقبَل حتَّى أخذ في أرض أصبهان، ثم إنَّه خرج من شِعْب ناشِط إلى أيذَج، فأقام بأرضِ الأهواز والحارث بن أبي ربيعة عامل المُصَعب بن الزبير على البصرة، فكتب إلى مصعب يُخبره أنّ الخوارجَ قد تحدّرتْ إلى الأهْواز، وأنَّه ليس لهم إلا المهلّب، فبعث إلى المهلّب وهو على المَوْصِل والجزيرة، فأمرَه بقتال الخوارجِ والمَسير إليهم، وبعث إلى عمَله إبراهيمَ بنَ الأشتر، وجاء المهلَّب حتى قدِم البصرة، وانتَخَب الناس، وسار بمن أحَبّ، ثمّ توجَّه نحو الخَوارج، وأقبَلوا إليه حتَّى التقَوا بسُولَافَ، فاقتتلوا بها ثمانيةَ أشهُر أشدّ قِتال رآه الناس، لا يُنقع بعضهم لبعض من الطَّعن والضَّرب ما يَصُدّ بعضهم عن بعض (٢). (٦/ ١٢٧).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة كان القَحْطُ الشديدُ بالشام حتَّى لم يَقدِروا من شِدّته على الغَزْو.\nوفيها عَسكر عبدُ الملك بنُ مروانَ ببُطنانِ حَبِيب من أرضِ قنَّسْرِين، فمُطِروا بها، فَكَثُر الوحل فسمَّوْها بُطْنان الطّين، وشَتَا بها عبدُ الملك، ثمّ انصرفَ منها إلى دِمشقَ.\nوفيها قتل عبيد الله بن الحرّ. (٦/ ١٢٧).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1663>ذكر الخبر عن مقتل عبد الله بن الحرّ</span>\n* ذكر الخبر عن مقتله والسبب الذي جرّ ذلك عليه:\nرَوَى أحمدُ بنُ زهير، عن عليّ بن محمَّد، عن عليّ بن مجاهد، أنّ عُبيدَ الله بن الحُرّ كان رجلًا من خِيار قومِه صَلاحًا وفضلًا، وصلاةً واجتهادًا، فلمَّا قُتل عثمانُ وهاجَ الهيْجُ بين عليّ ومعاوية، قال: أما إن الله ليعلم أني أحبّ عثمانَ، ولأنصُرنَّه ميِّتًا، فخرج إلى الشام، فكان مع معاوية، وخرج مالكُ بنُ مِسمَع إلى معاوية على مثل ذلك الرأي في العثمانيَّة، فأقام عُبيدُ الله عندَ معاوية، وشَهِد معه صِفّين، ولم يزل معه حتَّى قُتل عليّ ﵇، فلمّا قُتِل عليّ قَدِم الكوفةَ فأتى إخوانَه ومن قد خَفّ في الفتْنة، فقال لهم: يا هؤلاء، ما أرَى أحدًا ينفَعه اعتزالُه، كنَّا بالشام، فكان من أمر معاوية كَيْتَ وكَيْت، فقال له القوم: وكان من أمر عليّ كَيْت وكَيْت، فقال: يا هؤلاء، إنْ تُمكِننا الأشياء فاخلعوا عُذرَكم، واملِكوا أمرَكم، قالوا: سنلتقِي، فكانوا يلتقون على ذلك.\nفلما مات معاوية هاج ذلك الهيْج في فتنة ابن الزبير، قال: ما أرى قريشًا تنصِف، أين أبناءُ الحَرائر! فأتاه خَلِيعُ كلّ قبيلة، فكان معه سبعمئة فارس، فقالوا: مُرنا بأمرِك، فلمَّا هَرَب عبيدُ الله بنُ زياد ومات يَزيدُ بنُ معاوية، قال عُبيدُ الله بن الحرّ لِفتْيانه: قد بيَّن الصّبْحُ لِذي عَيْنَيْن، فإذا شئتم! فخرج إلى المَدائن فلم يَدع مالًا قُدّم من الجَبَل للسّلطان إلّا أخذه، فأخَذ منه عطاءَه وأعطية أصحابِه، ثم قال: إنّ لكم شركاءَ بالكوفة في هذا المال قد استوجَبُوه، ولكن تعجّلوا عطاءَ قابل سَلفًا، ثم كتب لصاحِب المال براءةً بما قبض من المال، ثمّ جعل يتقصَّى الكُوَر على مِثل ذلك، قال. قلت: فهل كان يتناول أموال الناس والتّجار؟ قال لي: إنَّك لغيرُ عالِم بأبي الأشْرس، والله ما كان في الأرض عَرَبيٌّ أغْيَر عَنْ حُرَّة ولا أكفَّ عن قبيح وعن شَراب منه، ولكن إنَّما وضعه عند الناس شِعْرُه، وهو من أشعر الفِتيان، فلم يَزَل على ذلك من الأمر حتَّى ظهر المُختار، وبَلَغه ما يَصنَع بالسَّواد، فأمر بامرأته أمّ سَلمة الجُعفِيّة فحُبست، وقال: والله لأقتُلنَّه أو لأقتلنّ أصحابه، فلمَّا بلغ ذلك عُبيدَ الله بنَ الحُرّ أقبلَ في فِتْيانه حتَّى دخل الكوفة لَيْلًا، فكَسَرَ بابَ السجن، وأخرَج امرأته وكلَّ امرأة ورجل كان","vol":"10","page":158},{"text":"فيه، فبعث إليه المختار من يقاتله، فقاتلهم حتَّى خرج من المِصْر، فقال حينَ أخرج امرأته من السجن:\nأَلم تَعْلَمي يا أمَّ تَوبَةَ أَنَّنِي ... أنَا الْفَارِسُ الحَامِي حَقَائِقَ مَذْحِج\nوأَنّي صبَحتُ السِّجْنَ في سوْرة الضُّحَى ... بكلِّ فَتىً حامي الذِّمار مُدَجَّجِ\nفما إنْ بَرِحْنَ السجن حتى بدا لنا ... جَبِين كقَرْنِ الشمس غَيْرُ مُشَنَّجِ\nوخدٌّ أَسِيل عن فتَاةٍ حَييَّةٍ ... إِلَينا سقاها كل دانٍ مُثَجّجِ\nفما العيش إلا أن أَزُورَكِ آمِنًا ... كعادتِنا من قبْل حَرْبي ومُخْرَجي\nوما أَنْتِ إلا همَّةُ النفس والهوى ... علَيْكِ السلامُ من خليط مُسَحّجِ\nوما زلتُ محْبوسًا لحبسكِ وَاجِمًا ... وإنِّي بما تَلْقَيْن من بَعْدِه شَجِ\nفبالله هَلْ أَبصَرْتِ مِثليَ فارِسًا ... وقد وَلجُوا في السجن من كُلّ موْلجِ!\nومثلي يُحامي دون مِثلِكِ إِنَّني ... أَشُدُّ إذا ما غَمْرَة لم تفرَّجِ\nأضارِبهم بالسيف عَنْكِ لتَرجعِي ... إلى الأَمن والعيش الرفيعِ المُخَرفجِ\nإذا ما أَحاطوا بي كررتُ عليْهمُ ... كَكرِّ أبي شِبْلين في الخِيس مُحْرَج\nدعوتُ إليّ الشَّاكريَّ ابنَ كامل ... فوَلَّى حَثِيثًا رَكْضُهُ لم يُعَرِّجِ\nوإن هتَفُوا باسمي عَطَفْتُ عَلَيْهِمُ ... خُيُولَ كِرَامِ الضرب أكثرُهَا الوَجي\nفلا غَرْوَ إلّا قولَ سَلْمَى ظَعينَتي: ... أما أَنْتَ يا بن الحُرِّ بالمُتَحرِّجُ\nدَعِ القَوْمَ لا تَقْتُلهُمُ وانجُ سالمًا ... وشَمّرْ هَداكَ اللهُ بالخَيل فاخْرُج\nوإني لأرجُو يا بنة الخَير أَن أُرَى ... على خير أَحْوَال المُؤَمّلِ فارتجي\nألا حبَّذَا قولي لأَحْمَر طَيِّئ ... ولابن خُبَيْب قد دنا الصبْح فادلج\nوقولي لهذا سِرْ وقَولي لذا ارتحِلْ ... وقولي لذا من بعد ذلك أَسرج\nوجعل يعبث بعُمّالِ المختار وأصحابِه، ووَثبتْ هَمْدان مع المختار فأحرقوا دارَه، وانتهبوا ضيْعته بالجُبّة والبُداة، فلما بلغه ذلك سار إلى مَاه إلى ضِياع عبدِ الرحمن بن سعيد بن قيس، فأنهبها وأنهب ما كان لهمْدانَ بها، ثمّ أقبل إلى السَّواد فلم يدع مالًا لهَمْدانيّ إلا أَخَذَه، ففي ذلك يقول:\nوما تَركَ الكذَّابُ مِنْ جُلِّ مالِنَا ... ولا الزرقُ من همَدَانَ غيرَ شريدِ\nأفي الحَق أن يَنْهبْ ضياعِيَ شاكرٌ ... وتأْمنَ عندي ضَيْعَة ابنِ سَعيد!\nأَلم تَعْلَمي يا أُمَّ توبَةَ أَنَّنِي ... على حدثان الدهر غَيْرُ بَليدِ","vol":"10","page":159},{"text":"أَشُدُّ حيازِيمي لكلّ كرِيهَةٍ ... وإني على ما ناب جدُّ جَليدِ\nفإن لم أُصَبِّحْ شاكرًا بكتيبَةٍ ... فعالجتُ بالكفَّين غُلَّ حَديدِ\nهُمُ هدموا داري وقادوا حليلتي ... إلى سِجْنِهِمْ والمسلمون شهُودي\nوهم أَعجلوها أن تَشُدَّ خمارَها ... فيا عَجبًا هلِ الزمان مقيدي!\nفما أنا بابن الحُرّ إن لم أرُعْهُمُ ... بِخَيل تعادى بالكماةِ أُسُودِ\nوما جَبُنَتْ خيلي ولكن حَملتُها ... على جَحْفلٍ ذي عُدةٍ وعَدِيدِ\nوهي طويلة.\nقال: وكان يأتي المَدائنَ فيمرّ بعمَّال جُوخَى فيأخذ ما معهم من الأمْوال، ثمّ يميل إلى الجَبَل، فلم يَزَل على ذلك حتَّى قُتِلَ المختار، فلما قُتِل المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية: إن ابن الحُرّ شاقّ ابن زياد والمختار، ولا نأمَنهُ أن يثب بالسواد كما كان يفعل، فحبسه مُصعَب فقال ابن الحُرّ:\nمن مُبلغُ الفِتْيَانِ أنَّ أخاهُمُ ... أَتَى دونَهُ بابٌ شَديدٌ وحاجبُهْ\nبمنْزلة ما كان يرْضى بمثلِهَا ... إذا قام عنّته كبولٌ تجَاوبُهْ\nعلى الساق فوق الكعب أَسْوَدُ صامتٌ ... شديدٌ يُداني خَطْوَهُ ويُقَارِبُهْ\nوما كان ذا من عُظم جُرْمٍ جَنيْتُهُ ... ولكن سَعى الساعي بما هُوَ كاذِبُهْ\nوقد كان في الأرض العرِيضَةِ مسلكٌ ... وأيُّ امرئٍ ضاقَتْ عليه مذاهِبْهُ!\nوفي الدهر والأيّام للمْرءِ عِبْرَةٌ ... وفيما مضى إن ناب يَوْمًا نوائبُهْ\nفكلَّم عُبيدُ الله قومًا من مَذحجَ أن يأتوا مُصعبًا في أمرِه، وأرسل إلى وجوههم، فقال: ائتوا مصعبًا فكلموه في أمري ذاته، فإنَّه حبَسَني على غير جُرْم، سعى بي قومٌ كذبةٌ وخَوّفُوه ما لم أكن لأفعله، وما لم يكن من شأني، وأرسل إلى فتيان من مَذْحج وقال: البَسوا السلاح، وخُذُوا عدّة القتال، فقد أرسلتُ قومًا إلى مُصعب يكلمونه في أمري، فأقيِموا بالباب، فإن خرج القومُ وقد شفّعهم فلا تَعرِضوا لأحد، ولْيَكُنْ سلاحُكم مكفَّرًا بالثياب، فجاء قوم من مَذحِج فدخلوا على مُصعب فكلموه، فشفّعهم، فأطلقَه، وكان ابنُ الحُرّ قال لأصحابه: إن خرجوا ولم يشفّعهم فكابروا السجن فإني أعينكم من دَاخل، فلما خرج ابنُ الحُرّ قال لهم: أظهِروا السلَاح، فأظهَروه، ومضى لم يَعرِض له أحد، فأتَى منزلَه، وندم مصعب على إخراجهِ، فأظهر ابنُ الحُرّ الخلاف، وأتاه الناسُ","vol":"10","page":160},{"text":"يهنِّئونه، فقال: هذا الأمر لا يصلح إلا لمثل خُلفائكم الماضين، وما نَرَى لهم فينا نِدًّا ولا شبيهًا فنُلقِي إليه أزمَّتنا، ونمحّضه نصيحتنا، فإن كان إنَّما هو مَنْ عزَّ بزّ فعَلامَ نَعقد لهم في أعناقنا بَيعةً، وليسوا بأشجَعَ منَّا لقاءً، ولا أعظم منَّا غناء! وقد عَهد إلينا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: ألّا طاعةَ لمخلوق في معصيةِ الخالق، وما رأيْنَا بعدَ الأربعة الماضين إمامًا صالحًا، ولا وزيرًا تقيًّا، كلهم عاصٍ مخالِف، قويّ الدنيا، ضعيفُ الآخرة، فعلام تُستحَلّ حرمتنا، ونحن أصحاب النَّخيلة والقادسيَّة وجَلولاء ونِهاوَند! نَلقَى الأسنَّة بنُحورنا والسيوفَ بِجباهِنا، ثم لا يعرف لنا حقّنا وفضلنا؛ فقاتلوا عن حرِيمكم، فأيّ الأمرِ ما كان فلَكُم فيه الفضل، وإني قد قلبت ظهر المِجَنّ، وأظهرتُ لهم العداوة، ولا قوّة إلّا بالله، وحاربهم فأغار فأرسل إليه مصعبٌ سيفَ بن هانئ المُراديّ، فقال له: إنّ مصعبًا يُعطِيك خراج بادوريا على أن تُبايع وتدخل في طاعته؛ قال: أوَليسَ لي خَراجُ بادوريا وغيرها! لست قابلًا شيئًا، ولا آمَنُهم على شيء، ولكني أراك يا فتى - وسيفٌ يومئذ حدَثٌ - حَدثًا، فهل لك أن تَتْبَعني وأموّلك! فأبى عليه، فقال ابن الحُرّ حين خرج من الحَبْس:\nلا كُوفَةٌ أمِّي ولا بَصْرَةٌ أبي ... ولا أنا يثنِيِني عن الرحْلَة الكَسَلْ\n- قال أبو الحسن: يُروَى هذا البيتَ لسُحَيْم بن وثيل الرَّياحيّ -\nفلا تحْسَبَنّي ابنَ الزُّبَيْرِ كَناعِسٍ ... إذا حَلَّ أغْفَى أو يقال لَهُ ارتحِلْ\nفإِنْ لم أُزِرْك الخَيلَ تَردِي عوابِسًا ... بفُرْسانِها لا أُدْعَ بالحازِمِ البَطَلْ\nوإن لم تَرَ الغارَاتِ مِنْ كُل جانبٍ ... عليك فَتَنْدَمْ عاجلًا أَيُّها الرّجلْ\nفلا وضعَتْ عندي حصَانٌ قنَاعهَا ... ولا عِشْتُ إلّا بالأَمانِيِّ والعِلَلْ\nوهي طويلة.\nفبعث إليه مُصعَب الأبردَ بن قرة الرياحيّ في نفر، فَقاتله فهزَمَه ابنُ الحُرّ، وضَرَبه ضربةً على وجهه، فبعث إليه مصعبٌ حُرَيثَ بنَ زَيْد - أو يزيدَ - فبارَزَه، فقَتَله عُبيدُ الله بنُ الحرّ، فبعث إليه مصعب الحجَّاج بن جارية الخثعميّ ومُسلِم بن عمرو، فَلَقياه بنهر صرْصر، فقاتَلهم فهَزمَهم، فأرسل إليه مصعب قومًا يدعونه إلى أن يؤمّنه ويصِله، ويولّيه أيّ بلد شاء، فَلَم تقبَل، وأتى نَرْسَى ففرّ دِهْقَانُها ظيزجشْنَس بمالِ الفَلُّوجة، فتَبعه ابنُ الحُرّ حتَّى مرّ بعَين التّمر وعليها","vol":"10","page":161},{"text":"بِسْطام بنُ مَصْقَلة بن هُبيرة الشَّيباني، فتعوّذ بهم الدّهقان، فخرجوا إليه فقاتَلُوه - وكانت خيلُ بِسطام خَمْسين ومئةَ فارس - فقال يونس بن هاعان الهَمْداني من خَيْوان، ودعاه ابنُ الحرّ إلى المبارزة: شَرُّ دهر آخره، ما كنتُ أحسَبُني أعيش حتى يدعوَني إنسانٌ إلى المُبارَزة! فبارَزَه فضَرَبَه ابنُ الحُرّضربةً أثْخَنتْه، ثمّ اعتْنَقا فَخَرَّا جميعًا عن فرسيْهما، وأخذ ابنُ الحُرّ عِمامةَ يونسَ وكتَّفه بها ثمّ ركب، ووافاهم الحجَّاج بن حارثة الخَثْعَميّ، فحَمَل عليه الحجَّاج فأسره أيضًا عُبيد الله، وبارز بِسطام بن مصقلة المجشِّرَ؛ فاضطربا حتَّى كرِه كلُّ واحد منهما صاحبَه، وعلاه بِسطام، فلمَّا رأى ذلك ابن الحُرّ حَمَل على بِسْطام واعتنقه بسطامٌ، فَسَقَطا إلى الأرض، وسقَط ابنُ الحرّ على صدِر بِسطام فأسره، وأسر يومئذ ناسًا كثيرًا، فكان الرجل يقول: أنا صاحبُك يومَ كذا، ويقول الآخر: أنا نازلٌ فيكم ويَمُتّ كلّ واحد منهم بما يرى أنَّه يَنفعه، فيخلّى سبيله، وبعثَ فوارسَ من أصحابه عليهم دَلْهَمٌ المُرادِيّ يَطلُبون الدّهقان، فأصابوه، فأخذوا المالَ قبلَ القتال، فقال ابنُ الحُرّ:\nلوْ أنَّ لي مِثلَ جَريرٍ أَرْبَعَهْ ... صبحْتُ بَيت المالِ حتى أجْمَعَهْ\nولم يهُلني مُصْعبٌ ومن معهْ ... نعْمَ الفَتَى ذلكُمُ ابن مَشْجَعَهُ\nثم إن عُبيدَ الله أتى تَكْرِيتَ، فهربَ عاملُ المهلَّب عن تكريتَ، فأقام عُبيد الله يجبي الخراج، فوجّه إليه مصعبٌ الأبردَ بن قرّة الرّياحيّ والجَوْن بن كَعْب الهَمْدانيّ في ألف، وأمدّهُما المهلَّب بيزيد بن المغفَّل في خمسمئة، فقال رجلٌ من جُعْفيّ لعبيد الله: قد أتَاكَ عددٌ كثير، فلا تُقاتِلْهم، فقال:\nيَخوِّفُنِي بالقتْل قومِي وإنَّما ... أمُوتُ إذا جاءَ الكتابُ المؤَجَّلُ\nلعلَّ القنا تُدْنى بأَطرافِها الغِنَى ... فنحْيَا كِرَامًا أو نَكُرُّ فنقْتَلُ\nفقال للمجشِّر ودَفَع إليه رايتَه، وقدّم معه دَلهَمًا المراديّ، فقاتَلهم يومين وهو في ثلاثمئة، فخرج جَرير بنُ كريب، وقُتِل عَمرو بن جُندَب الأزديّ وفُرسان كثير من فُرْسانه، وتحاجَزوا عندَ المساء، وخرج عُبيدُ الله من تَكريتَ فقال لأصحابه: إني سائرٌ بكم إلى عبد الملك بن مَرْوان، فتهيَّؤوا، وقال: إني أخاف أن أفارقَ الحياةَ ولم أذعرْ مُصْعبًا وأصحابه، فارجِعوا بنا إلى الكوفة، قال: فسار إلى كسْكَر فَنفَى عامِلها، وأخذ بيت مالِها، ثمّ أتى الكوفة فنزل لحّام جرير،","vol":"10","page":162},{"text":"فبعث إليه مُصعبٌ عمرَ بن عُبيد الله بن معمر، فقَاتلَه، فخرَج إلى ديْر الأعور، فبعث إليه مُصْعَبٌ حجَّار بن أبجر، فانهزم حجَّار، فَشَتمه مصعبٌ وردّه، وضمَ إليه الجوْن بن كعب الهَمْدانيّ وعمر بن عُبيد الله بن مَعمر، فقاتلوه بأجمعهم، وكثرت الجراحات في أصحاب ابن الحُرّ وعُقِرتْ خُيولهم، وجُرح المجشِّر، وكان معه لواءُ ابن الحُرّ، فدَفَعه إلى أحْمَر طيّئ، فانهَزَم حجَّار بن أبجر ثم كرّ، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا حتَّى أمسَوْا، فقال ابنُ الحُرّ:\nلو أنَّ لي مِثلَ الفتى المُجَشِّرِ ... ثلاثةً بَيّتُّهُمْ لا أَمتَرِي\nساعَدني لَيْلَة دَيْر الأعوَرِ ... بالطَّعن والضَّربِ وعندَ المعبَرِ\nلطاحَ فيها عُمر بنُ مَعمر\nوخرج ابنُ الحُرّ من الكوفة، فكتب مصعبٌ إلى يزيدَ بن الحارث بن رُؤيم الشَّيْبانيّ - وهو بالمَدائن - يأمره بقتال ابن الحُرّ، فقدّم ابنه حَوْشبًا فلقِيَه بباجِسْرى، فهزمَه عُبيدُ الله وقُتِل فيهم، وأقبل ابنُ الحُرّ فدخل المدائن، فتَحصّنوا، فخرج عبيدُ الله فوجَّه إليه الجون بن كَعْب الهَمْدانيّ وبِشْر بن عبد الله الأسديّ، فنزل الجون حَوْلايَا، وقَدم بِشر إلى تامَرَّا فلقِيَ ابنَ الحُرّ، فقَتله ابنُ الحُرّ، وهزم أصحابه، ثمّ لقي الجون بن كعب بَحْولايا، فخرج إليه عبدُ الرحمن بنُ عبد الله، فحَمل عليه ابنُ الحُرّ فطعنَه فقتَله وهزم أصحابَه، وتَبِعهم، فخرج إليه بشير بنُ عبد الرّحمن بن بشير العِجْليّ، فالتَقوا بُسورَا فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فانحاز بشير عنه، فرجع إلى عمله، وقال: قد هزمتُ ابنَ الحُرّ، فبلغ قولُه مُصعبًا، فقال: هذا من الذين يُحبّون أن يُحمَدُوا بما لم يَفْعلوا، وأقام عُبيد الله في السَّواد يُغيرُ ويجبي الخراج، فقال ابنُ الحُرّ في ذلك:\nسلُوا ابن رُؤَيم عن جِلَادِي وموْقِفِي ... بِإيوانِ كسرى لا أُولِّيهمُ ظَهْرِي\nأكُرُّ عليهمْ مُعْلِمًا وتَرَاهم ... كمِعْزىً تحَنَّى خَشيةَ الذئب بالصَّخْرِ\nوبَيتُّهُم في حِصنِ كِسرَى بنِ هُرْمُزٍ ... بِمشْحوذةٍ بِيضٍ وخَطِّيّةٍ سُمْرِ\nفأجزيتُهُم طعنًا وضربًا تراهُمُ ... يَلوذُون منا مَوْهِنًا بذرَا القَصْرِ\nيَلُوذون مِنّي رَهبةً ومخافةَ ... لواذًا كما لاذ الحمائمُ من صَقْرِ\nثم إنّ عُبيدَ الله بن الحُرّ - فيما ذكر - لحق بعبد المَلِك بن مَرْوان، فلمَّا صار إليه وجهه في عشرة نفر نحوَ الكُوفة، وأمره بالمسير نحوَها حتَّى تلحقه الجنودُ،","vol":"10","page":163},{"text":"فسار بهم، فلمَّا بلغ الأنْبار وجَّه إلى الكوفة من يُخبِر أصحابَه بقدومه، ويسَألهم أن يخرجوا إليه، فبلغ ذلك القيسيَّة، فأتَوا الحارث بن عَبد الله بن أبي ربيعة عامل ابن الزّبير على الكوفة، فسألوه أن يبعث معهم جيشًا، فوجَّه معهم، فلمَّا لقُوا عُبيد الله قاتَلَهم ساعة، ثم غَرقَت فرسُه، ورَكب معبرًا فَوَثب عليه رجلٌ من الأنْباط فأخذ بعَضُدَيه وضرَبَه الباقون بالمرَادِيّ، وصاحوا: إنّ هذا طلبةُ أمير المؤمنين، فاعْتَنقا فغَرقا، ثمّ استخرَجوه فجَزّوا رأسَه، فبَعَثوا به إلى الكُوفة ثمّ إلى البَصْرة. (٦/ ١٢٨ - ١٣٥).\nقال أبو جعفر: وقد قيل في مقتله غيرُ ذلك من القول؛ قيل: كان سببُ مَقتلَ عُبيد الله بن الحُرّ أنَّه كان يغشَى بالكوفة مُصعَبًا، فرآه يُقدّم عليه أهلَ البصرة، فكتب إلى عبد الله بن الزّبير - فيما ذُكر - قصيدة يعاتب بها مُصعَبًا ويخوّفُه مَسيرَه إلى عبدِ الملك بن مَروان، يقول فيها:\nأبْلِغْ أميرَ المؤمنينَ رِسالةً ... فلَسْتُ على رأَيٍ قبيحٍ أوارِبُهْ\nأَفي الحقّ أن أُجْفَى ويَجعَل مُصْعَب ... وَزِيرَيْه من قد كنتُ فيه أَحارِبُهْ!\nفكيفَ وقد أَبليتُكْم حقَّ بيْعتي ... وحقِّيَ يُلوَى عندكُم وأطالِبُهْ\nوأبليتُكُمْ مَالًا يُضَيَّعُ مِثلُهُ ... وآسيْتُكم والأَمرُ صَعْبٌ مَراتبُهْ\nفلمّا استنار الملكُ وانقادتِ العِدَا ... وأُدْرِكَ من مال العراقِ رغائبُهْ\nجَفا مُصعَبٌ عنّي ولو كان غيرَهُ ... لأصبَحَ فيما بيننا لا أُعاتِبُهْ\nلقد رابَني من مُصعب أنَّ مُصْعَبًا ... أرَى كُلَّ ذِي غِشٍّ لنا هو صاحبُهْ\nوما أنا إنْ حَلأّتمُوني بوارِدٍ ... على كَدْرٍ قد غُصّ بالصَّفْو شارِبُهْ\nوما لامرئٍ إلَّا الَّذي الله سائقٌ ... إليه وما قد خَطَّ في الزَّبْر كاتِبُهْ\nإذا قمتُ عند الباب أدْخِلَ مُسْلم ... ويمنعُني أن أَدخُلَ البابَ حاجبُهْ\nوهي طويلة.\nوقال لمُصعَب وهو في حَبْسه، وكان قد حُبس معه عطيَّة بن عمَرو البَكْريّ، فخرج عطيَّة، فقال عُبيد الله:\nأقولُ له صبرًا عَطِيٌّ فإِنَّما ... هو السجن حتى يَجعلَ اللهُ مَخْرجا\nأرَى الدّهرَ لي يوْمين يومًا مطرّدًا ... شرِيدًا ويومًا في المُلوك مُتَوجَا\nأتَطْعَنُ في دِيني غَداةَ أَتَيتُكمْ ... وللدّين تُدْني الباهليَّ وحَشْرَجا!","vol":"10","page":164},{"text":"ألَمْ تر أنَّ الملكَ قد شِينَ وَجهُهُ ... ونَبْعُ بلادِ الله قد صارَ عَوْسَجا!\nوهي طويلة.\nوقال أيضًا يُعاتب مُصعَبًا في ذلك، ويذكُر له تقريبَه سُويد بن مَنْجوف، وكان سُوَيد خفيفَ اللحية:\nبأيّ بلاءً أم بأَيةِ نعمة .... تقدَّمَ قَبْلي مُسلمٌ والمهلَّبُ\nويُدَعى ابن منْجوف إِمامي كأنَّه ... خصيٌّ أتى للماء والعَيْر يَسْرُبُ\nوشيخُ تَميمٍ كالثَّغَامةِ رأْسُهُ ... وعَيْلان عنَّا خائفٌ مُترَقّبُ\nجَعلتُ قُصور الأَزْدِ ما بينَ منبِجٍ ... إلى الغافِ من وادِي عُمانَ تصوّبُ\nبلادٌ نَفَى عنها العدوَّ سُيوفنا ... وصُفرةٌ عنها نازحُ الدّار أَجْنبُ\nوقال قصيدةً يهجو فيها قيس عَيْلان، يقول فيها:\nأنا ابنُ بني قَيْس فإنْ كنتَ سائلًا ... بقيسٍ تَجِدْهُمْ ذروَةً في القبائل\nألم تَر قيسًا قيس عَيلان بَرَقَعَتْ ... لِحاها وباعتْ نَبْلَها بالمَغازِلِ!\nوما زِلتُ أرجو الأَزدَ حتَّى رأيتُها ... تُقَصِّرُ عن بُنْيانِها المتطاوِل\nفكتب زُفَر بنُ الحارث إلى مُصعَب: قد كَفَيتك قتَال ابن الزّرقاء وابن الحُرّ يهجو قيسًا. ثمّ إنّ نفرًا من بني سُلَيم أخذوا ابنَ الحُرّ فأسَروه، فقال: إني إنَّما قلت:\nألم تر قيْسًا قيس عَيلان أقبَلتْ ... إلينا وسارتْ بالقَنا والقنابلِ\nفقتله رجلٌ منهم يقال له عَيَّاش فقال زُفَر بن الحارث:\nلما رأَيتُ الناسَ أَولاد عَلَّةٍ ... وأغرق فينا نَزْعةً كُلُّ قائلِ\nتكلَّمَ عنَّا مَشْيُنا بسيُوفِنا ... إلى الموتِ واستِنْشاط حَبْل المَرَاكِل فلو يَسأَلُ ابنُ الحرّ أُخْبِرَ أَنَّها ... يمانيَة لا تُشتَرَى بالمغَازِل وأُخْبِرَ أَنَّا ذَاتُ عِلمٍ سُيوفُنا ... بأَعَناقِ ما بينَ الطُلَى والكواهِلِ\nوقال عبدُ الله بنُ هَمَّام:\nتَرنَّمْتَ يابنَ الحُرِّ وحدَكَ خالِيًا ... بقولِ امرئٍ نَشوانَ أَو قولِ ساقِطِ\nأتذكُرُ قومًا أوجَعَتْك رِماحُهُمْ ... وذَبّوا عَنِ الأحسابِ عندَ المَاقِطِ\nوتَبكي لِما لَاقَت ربيعةُ منهمُ ... وما أنتَ في أحسابِ بكبر بواسطِ!","vol":"10","page":165},{"text":"فهلَّا بِجُعْفى طَلبْتَ دُخُولَها ... ورهْطك دُنْيا في السّنين الفَوارِط!\nتَركناهُمُ يومَ الثَّريِّ أذلَّةً ... يلوذُون من أَسيافِنا بالعَرَافِطِ\nوخالَطكم يوم النُّخَيْل بجَمْعِه ... عُمَير فما استَبَشرتُم بالمُخالِطِ\nويوم شراحيل جَدعْنا أنوفَكُمْ ... وليس علينا يومَ ذاكَ بقاسط\nضَرَبنا بحدِّ السَّيْف مفرِق رأْسِه ... وكان حديثًا عهْدهُ بالمَواشِط\nفإن رغمتْ من ذاك آنُفُ مَذحجٍ ... فرغمًا وسخْطًا للأُنوف السَّواخِطِ\n(٦/ ١٣٥ - ١٣٨)\nقال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة وافَت عَرَفات أربعةُ ألويَة، قال محمَّد بن عُمر: حدّثني شُرَحبيل بن أبي عَوْن، عن أبيه، قال: وقفتْ في سنة ثمان وستين بعَرَفات أربعةُ ألوية: ابنُ الحنفيَّة في أصحابه في لواء قام عند جبل المُشاة، وابنُ الزّبير في لواء، فقام مَقامَ الإمام اليومَ، ثمّ تقدّم ابنُ الحنفيَّة بأصحابه، حتَّى وقفوا حذاء ابن الزبير، ونجدةُ الحَروريّ خَلفَهما، ولواءُ بني أميَّة عن يسارهما، فكان أوّل لواء انفضّ لواءُ محمَّد بن الحنفيَّة، ثم تَبعه نَجدة، ثمّ لواء بني أميَّة، ثمّ لواءُ ابن الزّبير، واتَبعه الناس.\nقال محمد: حدّثني ابن نافع، عن أبيه، قال: كان ابنُ عمرَ لم يدفع تلك العشيَّة إلا بَدْفعة ابنِ الزّبير، فلمَّا أبطأ ابنُ الزّبير وقد مضى ابنُ الحنفيَّة ونجدةُ وبنو أميَّة - قال ابن عمر: ينتظر ابنُ الزبير أمر الجاهلية - ثمّ دفع، فدَفع ابنُ الزّبير على أثره (١). (٦/ ١٣٨).\nقال محمَّد: حدّثني هشامُ بنُ عُمارة، عن سعيد بن محمَّد بن جُبَير، عن أبيه، قال: خفتُ الفتنَة، فمشيت إليهم جميعًا، فجئت محمَّدَ بن عليّ في الشِّعْب، فقلتُ: يا أبا القاسم، اتَّق الله فإنا في مَشعَر حَرام، وبلد حرام، والناس وفدُ الله إلى هذا البيت، فلا تُفسد عليهم حَجَّهم؛ فقال: واللهِ ما أريد ذلك، وما أحول بين أحد وبين هذا البيت، ولا يُؤتَى أحدٌ من الحاجّ من قبَلي، ولكني رجلٌ أدفَع عن نفسي من ابن الزبير؛ وما يروم منّي، وما أطلب هذا الأمر إلا ألّا يختلف عليّ فيه اثنان! ولكن ائتِ ابنَ الزبير فكلّمه، وعليك بنَجْدة، قال\n_________\n(١) في إسنادها محمد بن عمر الواقدي الكذاب.","vol":"10","page":166},{"text":"محمَّد: فجئتُ ابن الزبير فكلَّمته بنحو ما كلَّمتُ به ابن الحنفيَّة، فقال: أنا رجل قد اجتمع عليّ الناسُ وبايَعوني، وهؤلاء أهلُ خلاف، فقلت: أرَى خيرًا لك الكَفَّ؛ قال: أفعَل، ثمّ جئتُ نَجدةَ الحَروريّ فأجدُه في أصحابه، وأجدُ عكرمةَ غلامَ ابنَ عبَّاس عندَه، فقلت له: استأذِن لي على صاحبك؛ قال: فدخل، فلم يَنشَب أن أذِن لي، فدخلتُ فعظّمتُ عليه، وكلّمته كما كلَّمت الرّجلين، فقال: أمَّا أن ابتدئ أحدًا بقتال، فلا، ولكنْ من بدأ بقتال قاتلتُه؛ قلتُ: فإني رأيتُ الرّجلين لا يُريدان قتالَك، ثمّ جئتُ شيعةَ بني أميَّة فكلَّمتهم بنحو ما كلَّمت به القوم، فقالوا: نحن على ألا نُقاتلَ أحدًا إلا أن يقاتلَنا، فلم أرَ في تلك الألوية قومًا أسكَنَ ولا أسلَمَ دفعة من ابن الحنفيَّة (١). (٦/ ١٣٨ - ١٣٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>ثم دخلت سنة تسع وستين ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو</span>\nرجع الحديث إلى حديثِ هشام عن عوانة، قال: ولمَّا غلب عمرو على دِمَشق طلب عبدَ الرحمن بن أمّ الحَكم فلم يُصِبه، فأمر بداره فهُدِمت واجتمع الناسُ، وصعِدَ المنبرَ فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال:\nأيها الناس، إنَّه لم يقُم أحد من قريش قبلي على هذا المِنبرَ إلا زعم أنّ له جنةً ونارًا، يُدخِل الجنَّة من أطاعه، والنارَ من عصاه، وإني أخبِركم أنّ الجنة والنارَ بيَدِ الله، وأنَّه ليس إليّ من ذلك شيءٌ. غيرَ أن لكم عليّ حُسنَ المؤاساة والعطيَّة. ونزل.\nوأصبحَ عبد الملك، ففقد عمرو بن سعيد، فسأل عنه، فأخبِر خبَره، فرجع عبدُ الملك إلى دِمشَق، فإذا عمرو قد جلل دِمشَق المُسوحَ فقاتَلَه بها أيَّامًا، وكان عمرو بنُ سعيد إذا أخرجَ حميد بن حُرَيث الكلبيّ على الخَيْل أخرَج إليه عبدَّ الملك سُفْيانَ بن الأبردِ الكَلْبيّ، وإذا أخرج عمرو بن سعيد زهيرَ بن الأبرد الكلبيّ أخرجَ إليه عبد الملك حسَّانَ بن مالك بن بَحْدل الكلبيّ (٢). (٦/ ١٤١).\n_________\n(١) في إسنادها محمد بن عمر الواقدي الكذاب.\n(٢) في إسنادها هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكذاب.","vol":"10","page":167},{"text":"قال هشام حدّثني عوانة، أنّ الخيلين تواقَفتا ذاتَ يوم، وكان مع عمرو بن سعيد رجل من كَلْب يقال له رَجاء بن سرَاج، فقال رجاء: يا عبدَ الرّحمن بنَ سليم، أبرُز - وكان عبدُ الرحمن مع عبدِ الملك - فقال عبدُ الرحمن: قد أنْصف القَارَة من رامَاها، وبَرز له، فاطّعَنا وانقَطَع ركابُ عبدِ الرحمن، فنَجا منه ابنُ سراج، فقال عبدُ الرحمن: واللهِ لولا انقطاع الرّكاب لرميت بما في بطنِك من تبْن، وما اصطلح عمرو، وعبدُ الملك أبدًا، فلمَّا طال قِتالُهم جاءَ نساءُ كَلْب وصِبْيانُهم فبَكَيْن وقُلْن لسُفيانَ بن الأبرد ولابن بَحْدل الكلبيّ: عَلام تَقتُلون أنفسَكم لسلطانِ قُرَيش! فَحلَف كلّ واحد منهما ألّا يرجع حتَّى يرجع صاحبُه، فلمَّا أجمعوا على الرّجوع نظروا فوَجَدوا سُفيان أكبرَ من حُريث، فطلبوا إلى حُرَيث، فرجع، ثمّ إنّ عبدَ الملك وعمرًا اصطَلحا، وكَتبا بينهما كتابًا، وآمنَه عبدُ الملك وذلك عشيَّة الخميس (١). (٦/ ١٤١).\nقال هِشام: فحدّثني عَوانة أنّ عمرو بنَ سعيد خرج في الخَيْل متقلّدًا قوسًا سوداء، فأقْبَل حتَّى أوطأ فرسه أطناب سُرادِق عبدِ الملك، فانقطعتْ الأطنابُ وسقط السرادق، ونزل عمروٌ فجلس وعبدُ الملك مُغضب، فقال لعمرو: يا أبا أميَّة، كأنَّك تشَبَّهُ بتقلُّدك هذه القوسَ بهذا الحيّ من قيس! قال: لا، ولكني أتشبَّه بمن هو خيرٌ منهم؛ العاص بن أميَّة.\nثمّ قام مغضبًا والخيلُ معه حتى دخل دمَشق، ودخل عبدُ الملك دمِشَق يومَ الخميسِ، فبعث إلى عمرو أن أعطِ الناس أرزاقَهم فأرسل إليه عمرو: إنّ هذا لك ليسَ ببلد، فاشخص عنه، فلمَّا كان يوم الإثنين وذلك بعد دخولِ عبدِ الملك دِمَشق بأربع بعَث إلى عمرو أن ائتِني - وهو عند امرأتِه الكلبية، وقد كان عبدُ الملك دعا كُريب بن أبرهة بنَ الصَّبَاح الحميريّ فاستشاره في أمر عمرو بن سعيد، فقال له: في هذا هلكت حِمْير، لا أرَى لك ذلك، لا ناقَتي في ذَا ولا جملي - فلمَّا أتى رسولُ عبدِ الملك عمرًا يدعوه صادف الرسولُ عبدَ الله بن يزيد بن معاوية عند عمرو، فقال عبد الله لعمرو بن سعيد: يا أبا أميَّة، والله لأنت أحبُّ إليّ من سَمْعي وبصري، وقد أرى هذا الرّجل قد بعث إليك أن تأتيَه،\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد الكلبي الكذاب.","vol":"10","page":168},{"text":"وأنا أرى لك ألّا تفعل، فقال له عمرو: ولم؟ قال: لأنّ تُبيع ابن امرأةِ كَعْب الأحبار قال: إنّ عظيمًا من عظماءَ ولدِ إسماعيل يَرجع فيُغلق أبواب دِمشَق، ثمّ يَخرج منها، فلا يلبث أن يُقتل؛ فقال له عمرو: واللهِ لو كنت نائمًا ما تخوَّفت أن ينبّهني ابنُ الزّرقاء، ولا كان ليجترئ على ذلك مني، مع أنّ عثمانَ بنَ عفَّان أتاني البارحة في المنام فألبسني قميصه - وكان عبدُ الله بنُ يزيدَ زوج أم موسى بنت عمرو بن سعيد - فقال عمرو للرسول: أبلغه السلام، وقل له: أنا رائح إليك العشيَّةَ إن شاء الله. فلمَّا كان العشيّ لبس عمروٌ دِرْعًا حَصينَة بين قباء قُوهيّ وقميص قوهيّ وتقلَّد سيفَه وعندَه امرأتهُ الكلْبيّه، وحُميد بن حُرَيث بن بَحْدل الكلبيّ، فلمَّا نهض متوجّهًا، عثر بالبساط، فقال له حميد: أما والله لئن أطعْتني لم تأتِه، وقالت له امرأتهُ تلك المَقالةَ، فلم يلتفتْ إلى قولهم، ومضى في مئة رجل من مَواليه، وقد بعث عبدُ الملك إلى بني مَرْوان فاجتَمَعوا عندَه، فلمَّا بلغ عبد الملك أنَّه بالباب أمر أن يُحبَس من كان معه، وأذن له فدخل، ولم تزل أصحابُه يُحْبَسون عند كلّ باب حتى دخل عمرٌو قاعة الدّار، وما معه إلّا وصيف له، فرَمى عمروٌ ببصره نحوَ عبد الملك، فإذا حوله بنو مروان، وفيهم حسَّان بنُ مالك بن بَحْدل الكلبيّ وقبيصة بن ذُؤيب الخُزاعي، فلما رأى جماعتَهم، أحسَّ بالشرّ؛ فالتفت إلى وصيفهِ فقال: انطلِق ويْحَك إلى يَحيى بنِ سعيد، فقل له يأتيني. فقال له الوصيف ولم يَفهَم ما قال له: لبّيك! فقال له: اغْرُب عنّي في حرقِ الله ونارِه. وقال عبدُ الملك لحسَّان وقبيصة إذا شئتما فقُومَا فالتَقِيا وعمرًا في الدار، فقال عبدُ الملك لهما كالمازح ليطمئنّ عمرو بن سعيد: أيّكما أطولُ؟ فقال حسَّان: قَبيصةُ يا أمير المؤمنين أطولُ مني بالإمرة، وكان قبيصةُ على الخاتم، ثمّ التفت عمرو إلى وصِيفه فقال: انطلِقْ إلى يحيى فمُرْه أن يأتيَني، فقال له: لبَّيك، ولم يفهم عنه، فقال له عمرو: اغْرُب عني، فلمَّا خرج حسَّان وقبيصة أمَر بالأبواب فغلقتْ، ودخل عمرو فرحّب به عبدُ الملك، وقال: هاهنا يا أبا أميَّة، يَرحمك الله! فأجلسَه معه على السَّرير، وجعل يحدّثه طويلًا، ثم قال: يا غلام، خذ السّيف عنه، فقال عمرو: إنَّا لله يا أميرَ المؤمنين! فقال عبدُ الملك: أَو تطْمع أن تَجلِس معي متقلّدًا سيفَك! فأخذ السيف عنه، ثمّ تحدَّثَا ما شاء الله، ثمّ قال له عبدُ الملك: يا أبا أميَّه؛ قال: لبَّيْك يا أمير المؤمنين؛ فقال: إنَّك حيث خلعتَني آليتُ بيمين إنْ أنا ملأتُ عيني منك وأنا مالِكٌ","vol":"10","page":169},{"text":"لك أن أجمعَك في جامعة، فقال له بنو مَرْوان: ثمّ تُطلِقه يا أمير المؤمنين؟ قال: ثمّ أطلِقه، وما عسيتُ أن أصنَع بأبي أميَّة! فقال بنو مَرْوان: أبِرّ قَسم أميرِ المؤمنين، فقال عمرو: قد أبرّ الله قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج من تحت فراشِه جامعةً فطرحها إليه، ثمّ قال: يا غلام، قم فاجمعْه فيها؛ فقام الغلام فجَمعَه فيها، فقال عمرو: أذكّرك الله يا أميرَ المؤمنين أن تُخرِجني فيها على رؤوس الناس! فقال عبدُ الملك: أمَكرًا أبا أميَّة عند الموت! لا ها الله إذًا! ما كنَّا لنُخرجَك في جامعة على رؤوس الناس، ولمَا نخرجها منك إلا صُعدًا.\nثمّ اجتبذه اجتباذةً أصاب فمَه السريرُ فكَسَر ثَنِيَّته، فقال عمرو: أذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن يدعوك إلى كسر عَظم منّي أن تركب ما هو أعظم من ذلك، فقال له عبدُ الملك: والله لو أعلم أنك تُبْقي عليّ إن أبقِي عليك وتصلح قريش لأطلقتُك، ولكن ما اجتمع رجلان قطّ في بَلدة على مثل ما نحن عليه إلّا أخرج أحدُهما صاحبه، فلمَّا رأى عمرو أنّ ثنيَّته قد اندقَّت وعرف الَّذي يريد عبد الملك، قال: أغدْرًا يا بن الزّرقاء!\nوقيل: إنّ عبد الملك لمَّا جَذب عمرًا فسقطتْ ثَنيَّته جعل عَمروٌ يمسّها، فقال عبدُ الملك له: أرى ثنيَّتَك قد وقعتْ منك موقِعًا لا تطيب نفسُك بعدَها، فأمر به فضُربَ عنقه (١). (٦/ ١٤١ - ١٤٤).\nرجع الحديث إلى حديثِ عَوانة، وأذّن المؤذّنُ العصرَ، فخرج عبدُ الملك يصلِّي بالناس، وأمر عبدَ العزيز بن مروان أن يقتله، فقام إليه عبدُ العزيز بالسَّيف، فقال له عمرو: أذكِّركُ اللهَ والرّحِمَ أن تليَ أنتَ قَتْلي، وليتولّ ذلك مَنْ هو أبْعَد رحِمًا منك! فألقى عبد العزيز السيفَ وجلس، وصلى عبدُ الملك صلاةً خفيفة، ودخل، وغُلّقت الأبواب ورأى الناسُ عبدَ الملك حيث خرج وليس عمروٌ معه، فذَكروا ذلك ليحيى بن سعيد فأقبَل في النَّاس حتَّى حَلَّ بباب عبد الملك ومعه ألفُ عبد لعمرو، وأناس بعدُ من أصحابه كتير، فجعل من كان معه يصيحون: أسمِعْنا صوْتَك يا أبا أميَّة! وأقبل مع يحيى بن سعيد حُمَيد بن حُرَيث وزُهَير بن الأبْرد فكسروا بابَ المقصورة، وضربوا الناسَ بالسيوف،\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكذاب.","vol":"10","page":170},{"text":"وضرب عبدٌ لعَمْرو بن سعيد يقال له مصْقَلة الوليدَ بن عبد الملك ضربةً على رأسه، واحتمَله إبراهيمُ بنُ عربيّ صاحبُ الديوان فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبدُ الملك حين صلَّى فوجد عمرًا حيًّا، فقال لعبد العزيز: ما منعك من أن تَقتُله! قال: مَنَعني أنَّه ناشدني الله والرّحِمَ فرقَقْتُ له، فقال له عبدُ الملك: أخزَى الله أمَّكَ البَوّالة على عَقِبيْها، فإنَّك لم تُشبه غيرَها - وأمّ عبد الملك عائشةُ بنتُ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميَّة، وكانت أمّ عبد العزيز ليلى، وذلك قول ابن الرُّقَيّات:\nذاك ابنُ لَيلَى عبدُ العزيزِ ببا ... بِلْيون تَغدُو جِفَانُهُ رُذُمَا\nثم إنّ عبد الملك قال: يا غلام، ائتِني بالحَرْبة فأتاه بالحَرْبة فهَزّها، ثمّ طعنه بها فلم تَجُز، ثمّ ثَنَّى فلم تَجُز، فضرب بيَده إلى عَضُد عمرو، فوَجَد مسّ الدِّرْع، فضحك، ثمّ قال: ودارعٌ أيضًا يا أبا أميَّة! إن كنت لمعدًّا! يا غلام، ائتني بالصَّمصامة، فأتاه بسَيفة، ثمّ أمر بَعمْرو فصرع، وجَلَس على صدرِه فذَبَحه وهو يقول:\nيا عمرو إن لا تَدعْ شَتْمِي ومَنْقَصتي ... أَضرِبْك حيثُ تقولُ الهَامةُ اسقُونِي\nوانَتفَض عبدُ الملك رِعْدةً - وكذلك الرجلُ زعموا يُصيبُه إذا قَتَلَ ذا قَرابة له - فحُمل عبُد الملك عن صدرِه فُوضع على سريره، فقال: ما رأيتُ مِثلَ هذا قطّ، قتله صاحبُ دُنْيا ولا طالبُ آخرة، ودخل يحيى بنُ سعيد ومن معه على بني مرْوان الدارَ فجرّحوهم ومن كان معهم من موالِيهم، فقاتَلَوا يحيى وأصحابَه، وجاء عبدُ الرحمن بنُ أمّ الحَكَم الثَّقَفي فدَفَع إليه الرأس، فألقاه إلى النَّاس، وقام عبدُ العزيز بنُ مَروان فأخَذَ المال في البدور، فجعل يُلقِيها إلى الناس، فلمَّا نظر الناسُ إلى الأموال، ورأوا الرأسَ انتَهبُوا الأموالَ وتفرّقوا، وقد قيل: إنّ عبدَ الملك بن مروانَ لمَّا خرج إلى الصّلاة أمر غلامَه أبا الزُّعَيْزعَةِ بقتلِ عمرو، فقَتَله وألقَى رأسَه إلى النَّاس وإلى أصحابه. (١/ ١٤٤ - ١٤٥).\nقال هشام: قال عَوانةُ: فحدّثتُ أنّ عبد الملك أمرَ بتلك الأموال التي طُرحتْ إلى الناس فجُبيَتْ حتَّى عادت كلّها إلى بيت المال، ورُمِي يحيى بنُ سعيد يومئذ في رأسه بصخرة، وأمر عبدُ الملك بسريرِه فأبرز إلى المسجد، وخرج فجلس عليه، وفُقِد الوليد بن عبد الملك فجعل يقول: ويْحَكم! أين الوليد! وأبيهمْ لئن","vol":"10","page":171},{"text":"كانوا قتلوه لقد أدْرَكوا ثأرَهم، فأتاه إبراهيمُ بن عربيّ الكِنانيّ فقال: هذا الوليد عندي، قد أصابتْه جِراحة، وليس عليه بأس، فأتِيَ عبدُ الملك بيحيى بن سعيد، فأمر به أن يُقتل فقام إليه عبدُ العزيز، فقال: جَعلَني الله فِداك يا أميرَ المؤمنين! أتُراك قاتلًا بني أميَّة في يوم واحد! فأمر بيحيى فحُبِس، ثم أتى بعَنبسَة بن سعيد، فأمر به أن يقتَل، فقام إليه عبد العزيز فقال: أذكّرك الله يا أميرَ المؤمنين في استئصال بني أمَّية وهلاكِها! فأمر بعنبسة فحبس، ثمّ أتِيَ بعامر بن الأسود الكلبيّ فضرب رأسَه عبدُ الملك بقَضِيب خَيْزُران كان معه، ثم قال: أتقاتلني مع عمرو وتكون معه عليّ! قال: نعم، لأنّ عَمرًا أكرَمني وأهنتَني، وأدناني وأقصيتني، وقرّبني وأبعدْتني، وأحسن إليَّ وأسأتَ إليّ، فكنتُ معه عليك، فأمر به عبدُ الملك أن يُقتَل، فقام عبدُ العزيز فقال: أذكركَ الله يا أمير المؤمنين في خالي! فوهَبه له، وأمر ببني سعيد فحُبسوا ومكث يحيى في الحَبْس شهرًا أو أكثر، ثمّ إنّ عبد الملك صَعِد المنبر، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم استشار الناس في قتله، فقام بعضُ خطباء الناس فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل تلد الحيَّةُ إلّا حيَّة! نرى والله أن تَقتُله فإنَّه منافق عدوّ، ثمّ قام عبدُ الله بن مَسعَدةَ الفزاريّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ يحيى ابنُ عمِّك، وقرابتُه ما قد علِمت، وقد صنعوا ما صنعوا، وصنعتَ بهم ما قد صنعتَ، ولست لهم بآمِن، ولا أرَى لك قتلهم، ولكن سيِّرهم إلى عدوّك، فإن هم قُتِلوا كنتَ قد كُفيت أمرهم بيَدِ غيرك، وإن هم سَلِموا ورجعوا رأيتَ فيهم رأيك.\nفأخذ برأيه، وأخرَج آل سعيد فألحقَهم بمُصعَب بن الزبير، فلمَّا قدِموا عليه دخل يحيى بنُ سعيد، فقال له ابن الزبير: انفلتَّ وانحصّ الذنَب، فقال: والله إن الذنَب لَبِهُلْبِه، ثمّ إنّ عبد الملك بعث إلى امرأةِ عمرو الكلبيَّة: ابعثي إليّ بالصّلح الَّذي كنتُ كتبته لعمرو، فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلِمْه أني قد لففتُ ذلك الصلحَ معه في أكفانِه ليُخاصِمك به عند ربِّه، وكان عمرو بن سعيد وعبدُ الملك يلتقيان في النَّسب إلى أميَّة، وكانت أمّ عمرو أمّ البنين ابنةُ الحَكَم بنِ أبي العاص عمَّةَ عبد الملك (١). (٦/ ١٤٥ - ١٤٧).\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد الكلبي الكذاب.","vol":"10","page":172},{"text":"قال هشام: فحدّثنا عَوانة أنّ الَّذي كان بين عبد الملك وعمرو كانَ شرًّا قديمًا، وكان ابنَا سعيد أمُّهما أمّ البنين، وكان عبدُ الملك ومعاويةُ ابني مَرْوان، فكانوا وهم غِلْمان لا يزالون يأتون أمَّ مَرْوان بن الحَكم الكنانيَّة يتحدّثون عندها، فكان ينطلق مع عبدِ الملك ومعاوية غلام لهم أسوَد، وكانت أمّ مروانَ إذا أتَوْها هيَّأتْ لهم طعامًا، ثمّ تأتيهم به فتضِع بين يديْ كلّ رجل صَحفةً على حدَة، وكانت لا تزال تؤرّش بين معاوية بن مروان، ومحمَّد بن سعيد، وبين عبد الملك وعمرو بن سعيد، فيَقتتِلون ويتصارمون الحين، لا يكلِّم بعضُهم بعضًا، وكانت تقول: إن لم يكن عند هذين عقل فعند هذين، فكان ذلك دأبها كلَّما أتَوْها حتَّى أثبتت الشَّحْناء في صدورهم.\nوذكر أنّ عبدَ الله بن يزيد القَسْريّ أبا خالد كان مع يحيى بن سعيد حيث دخل المسجد فكسر بابَ المقصورة، فقاتل بني مَرْوان، فلمَّا قتِل عمرو وأخرج رأسه إلى النَّاس رَكب عبدُ الله وأخوه خالد فَلحِقوا بالعراق، فأقام مع وُلد سعيد وهم مع مُصعَب حتَّى اجتمعت الجماعة على عبد الملك، وقد كانت عين عبد الله بن يزيد فُقِئت يوم المَرْج، وكان مع ابن الزبير يُقاتِل بني أميَّة، وإنه دخل على عبد الملك بعد الجماعة، فقال: كيف أنتم آلَ يزيدَ؟ فقال عبد الله: حُرباء حُرباء، فقال عبد الملك: ذلك بما قدّمتْ أيديكم، وما اللهُ بظلَّام للعَبِيد (١). (٦/ ١٤٧).\nقال هِشام بن عوانة: إنّ وُلد عمرو بن سعيد دَخَلوا على عبد الملك بعد الجماعة وهم أربعة: أميَّة، - وسعيد، وإسماعيل، ومحمَّد، فلمَّا نظر إليهم عبدُ الملك قال لهم: إنَكم أهل بَيْت لم تزالوا تَرَوْن لكم على جميع قومِكم فَضْلًا لم يَجعَلْه الله لكم، وإنّ الَّذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثًا، بل كان قديمًا في أنفسُ أوّليكم على أوّلينا في الجاهلتة.\nفأقطع بأميَّة بن عمرو - وكان أكبرهم - فلم يقدر أن يتكلَّم، وكان أنبلَهم وأعقلَهم، فقام سعيدُ بن عمرو وكان الأوسطَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما تَنعى علينا أمرًا كان في الجاهليَّة، وقد جاء الله بالإسلام فَهَدم ذلك، فوعَدنا جنَّة،\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد الكلبي الكذاب.","vol":"10","page":173},{"text":"وحذَّرنا نارًا! وأمَّا الذي كان بينك وبين عمرو فإنّ عَمرًا ابن عمك، وأنت أعلَم وما صنعت، وقد وَصَل عمرو إلى الله وكفَى بالله حسيبًا، ولَعَمري لئن أخذتَنا بما كان بينك وبينَه لبطن الأرض خيرٌ لنا من ظَهرها، فرِقّ لهم عبدُ الملك رقَّة شديدة، وقال: إنّ أباكم خيَّرني بين أن يقتُلني أو أقتله، فاخترتُ قتلَه على قتلي، وأمَّا أنتم فما أرغبني فيكم، وأوصلني لقرابتكم، وأرعاني لحقَكم! فأحسن جائزتَهم، ووصَلهم وقرّبهم.\nوذكر أنّ خالد بن يزيدَ بنَ معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجبٌ منك مِن عمرو بن سعيد، كيف أصبت غِرّته فقتلَته! فقال عبد الملك:\nدَانَيتُه مِنِّي لِيَسكنَ رُوعُه ... فأَصُولَ صَولةَ حازِمٍ مسْتَمكنِ\nغَضَبًا ومحمِيةً لدِيني إِنَّه ... ليسَ المُسِيءُ سبيلُه كالمُحسِن\nقال عَوانة: لقيَ رجلٌ سعيدَ بن عمرو بن سعيد بمكَّة، فقال له: وربّ هذه البَنِيَّةَ، ما كان في القومَ مثل أبيك، ولكنهَّ نازع القوم ما في أيديهم فعَطِب (١). (٦/ ١٤٧ - ١٤٨).\nوكان الواقديّ يقول: إنَّما كان في سنة تسع وستِّين بين عبد الملك بن مروانَ وعمرو بن سعيد الحصار، وذلك أنّ عمرو بن سعيد تَحصّن بدمَشق فرجع عبدُ الملك إليه من بُطنان حَبيب، فحاصَرَه فيها؛ وأمَّا قتلُه إيَّاه فإنَّه كان في سنة سبعين (٢). (٦/ ١٤٨).\nوفي هذه السَّنة حكَّم محكِّم من الخوارج بالخَيْف من مِنىً فقُتِل عند الجمرة، ذَكر محمَّد بنُ عمرَ أن يحيى بن سعيد بن دينار حدّثه عن أبيه، قال: رأيته عند الجمرة سَلّ سيفه، وكانوا جماعةً فأمسَك اللهُ بأيديهم، وبَدر هو من بينهم، فحكم، فمال الناسُ عليه فقَتلوه (٣). (٦/ ١٤٨ - ١٤٩).\n_________\n(١) في إسنادها هشام بن محمد الكلبي الكذاب.\n(٢) في إسنادها الواقدي الكذاب.\n(٣) في إسنادها محمد بن عمر الواقدي الكذاب.","vol":"10","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1665>ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها شخص - فيما ذَكر محمّدُ بن عمرَ - مصعبُ بن الزبير إلى مكَّة فقدمها بأموال عظيمة، فقسمها في قومه وغيرهم، وقدم بدوالت كثيرة وظَهْر وأثقال، فأرسل إلى عبد الله بن صَفْوان وجُبَير بن شَيْبة، وعبد الله بن مطيع مالًا كثيرًا، ونحر بُدْنًا كثيرة (١). (٦/ ١٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nوكان عبد الملك - فيما قيل - لا يزال يقرب من مصعب، حتّى يبلغ بطنان حَبيب، ويخرج مصعب إلى بَاجُمَيرَا، ثم تهجُم الشتاء فيرجع كلّ واحد منهما إلى موضعه، ثم يعودان؛ فقال عديّ بن زيد بن عديّ بن الرّقاع العامليّ:\nلعمْري لقدْ أصحرَتْ خَيلُنا ... بأَكْناف دِجْلة للمُصعَبِ\nإذا ما مُنافق أهل العِرَا ... قِ عُوتب ثُمّتَ لم يُعْتَب\nدَلَفْنا إليهِ بذي تُدْرأَ ... قليل التَّفَقُّدِ للغُيَّبَ\nيهِزُّون كلَّ طويل القَنا ... ة مُلْتَئِم النَّصْلِ والثَّعْلَبِ\nكأنَّ وعَاهُمْ إذا ما غَدوْا ... ضجيجُ قَطا بلدٍ مُخصبِ\nفقدَّمنا واضح وجْهُهُ ... كريم الضّرائب والمنْصِبِ\nأُعِينَ بِنَا ونُصِرْنَا بِهِ ... ومن يَنْصر اللهُ لم يُغلَب\n(٦/ ١٥١)\nقال أبو زيد: قال أبو الحسن: فحدّثني شيخٌ من بني عرين، عن السكن بن قتَادة، قال: اقتتلوا أربعةً وعشرين يومًا، وأصيبتْ عين مالك، فضجر من الحرب، ومشت السفراء، بينهم يوسف بنُ عبد الله بن عثمان بن أبي العاص، فصالحه، على أن يُخرج خالدًا وهو آمن، فأخرج خالدًا من البصرة، وخاف ألا\n_________\n(١) في إسنادها الواقدي الكذاب.","vol":"10","page":175},{"text":"يجيز المُصعبُ أمانَ عُبيد الله، فَلحق مالك بثأج، فقال الفرَزْدق يَذكر مالكًا ولُحوقَ التميميَّة به وبخالد:\nعجِبْتُ لأقوامٍ تميمٌ أَبُوهُمُ ... وهُمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَبارِكِ\nوكانوا أعزَّ الناسِ قبل مَسيرِهِمْ ... إلى الأزْد مُصْفَرًّا لِحاها ومالكِ\nفما ظَنُّكم بابن الحَوارِيِّ مُصْعَبٍ ... إذا افترَّ عن أَنيابِه غيْرَ ضاحِكِ\nونحنُ نفَيْنا مالكًا عن بِلادِه ... ونحن فَقَأنا عَيْنَهُ بالنَّيَازِك\n(٦/ ١٥٣ - ١٥٤).\nقال أبو زيد: فزعم المدائنيّ وغيرهُ من رُواة أهل البَصْرة أنّه أرسَل إليهم فأتِيَ بهم، فأقبل على عُبيد الله بن أبي بَكرة، فقال: يا بنَ مَسْروح، إنَّما أنت ابنُ كَلْبة تعاوَرُها الكلاب، فجاءت بأحمر وأسوَد وأصفرَ من كلّ كلب بما يُشبهه، وإنَّما كان أبوك عبدًا نَزل إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - من حصن الطائف، ثم أقمْتم البيِّنة تدّعون أن أبا سُفْيانَ زنى بأمِّكم، أما والله لئن بقيتُ لألحقنكم بنَسبكم، ثمّ دعا بحُمْران فقال: يابن اليَهوديّة، إنَّما أنت علْج نَبطيّ سُبيت من عَيْن التَّمر.\nثمّ قال للحَكَم بن المنذر بن الجارود: يا بنَ الخَبيث، أتَدري مَن أنت ومن الجارودُ! إنَّما كان الجارودُ علْجًا بجزيرة ابن كاوَان فارسيًّا، فقطع إلى ساحل البحر، فانتمى إلى عبد القيس، ولا والله ما أعرف حَيًّا أكثرَ اشتمالًا على سَوْءة منهم، ثمّ أنكَح أختَه المُكَعْبر الفارسيّ فلم يُصب شرَفًا قطّ أعظم منه، فهؤلاء ولدُها يا بن قُباذ، ثمّ أتِيَ بعبد الله بن فضالة الزّهرانيّ فقال: ألستَ من أهل هَجَر، ثمّ من أهل سَماهيج! أما والله لأرُدّنَّك إلى نَسَبك، ثمّ أتي بعليّ بن أصمع، فقال: أعَبْد لبني تميم مرّةً وعَزْيٌ من باهلة! ثمّ أتِيَ بعبد العزيز بن بشْر بن حَنَّاط فقال: يا بن المشتور، ألم يسرق عمُّك عنزًا في عهد عمرَ؛ فأمر به فسيِّر ليقطعه! أما والله ما أعنتَ إلا من يَنكح أختَك - وكانت أختُه تحت مقاتل بن مِسمَع - ثم أتِيَ بأبي حاضر الأسدّي فقال: يا بن الإصْطَخريّة، ما أنتَ والأشراف! وإنما أنت من أهل قطَر دَعِيٌّ في بني أسَد، ليس لك فيهم قريب ولا نسب، ثم أتيَ بزياد بن عمرو فقال: يا بن الكَرْمانيّ، إنَّما أنت عِلْج من أهل كَرْمان قطعت إلى فارسَ فصرتَ مَلّاحًا، ما لكَ وللحَرْب! لأنْتَ بَجرّ القَلْس أحذْقُ، لمّ أتِيَ بعبد الله بن عثمانَ بن أبي العاص فقال: أعَلَيّ تَكَشِّر وأنت علْج","vol":"10","page":176},{"text":"من أهل هَجَر، لحق أبوك بالطَّائف وهم يضمّون من تأشَّب إليهم يتعزَّزون به! أما والله لأردنَّك إلى أصلك، ثم أتِيَ بشَيْخ بن النُّعْمان فقال: يا بن الخبيث، إنَّما أنت علْج من أهل زَنْدَوَرْد، هَرَبت أمك وقُتل أبوك، فتزوّج أختَه رجلٌ من بني يشكر، فجاءت بغلامين، فألحقنَاك بنسبَهما، ثم ضربهم مئةً مئة، وحلَّق رؤوسهم ولحاهم، وهدمَ دُورهم، وصهِرَهم في الشَّمس ثلاثًا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمَّر أولادَهم في البُعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم ألّا يَنكحوا الحَرائر، وبعث مُصعبٌ خداشَ بن يزيدَ الأسَديّ في طلب من هَرَب من أصحاب خالد، فأدرَك سُرّة بن مَحْكانَ فأخذه، فقال مُرّةُ:\nبني أَسَدٍ إن تَقْتلوني تُحاربُوا ... تميمًا إذا الحرب العَوَانُ اشمَعَلَّتِ\nبني أَسد هَلْ فيكُم من هَوَادَةٍ ... فَتعْفُونَ إنْ كانتْ بيَ النَّعلُ زَلَّتِ\nفلا تَحْسبِ الأَعْداءُ إذ غبتُ عَنْهُمُ ... وأُوريِتُ مَعْنًا أنَّ حربيَ كلَّت\nتَمشَّى خِدَاشٌ في الأَسِكَّة آمِنًا ... وقد نَهَلَتْ مِنَي الرِّماحُ وعَلَّتِ\nفقرّبه خداش فقتله - وكان خِداش على شُرْطة مُصعب يومئذ - وأمر مصعب سنانَ بن ذهل أحد بني عمرو بن مَرْثَد بدار مالك بن مسمَع فهدَمها. وأخذ مُصعب ما كان في دار مالك، فكان فيما أخذ جارية ولدتْ له عمرَ بن مُصعَب، قال: وأقام مُصعَب بالبصرة حتى شخص إلى الكوفة، ثم لم يزل بالكوفة حتى خرج لحرب عبد الملك، ونزل عبدُ الملك مسكَن، وكتب عبدُ الملك إلى المَرْوانيَّة من أهل العراق، فأجابَه كلُّهم وشرطُوا عليه ولاية أصبهان، فأنعَم بها لهم كلهم، منهم حَجَّار بنُ أبجرَ، والغَضْبان بن القَبعْثرَى، وعتاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وزَحْر بن قيس، ومحمَّد بنُ عُمير، وعلى مقدّمته محمَّد بن مروان، وعلى ميمنته عبدُ الله بنُ يزيدَ بن معاوية، وعلى ميسرته خالدُ بن يزيدَ، وسار إليه مصعب وقد خذَله أهلُ الكوفة.\nقال عروة بن المغيرة بن شُعبة: فخرج يسيرُ متَّكئًا على مَعرَفة دابَّته، ثمَّ تَصفَّح الناس يمينًا وشمالًا فوقعت عينُه عليّ، فقال: يا عُرْوة، إليّ، فدنوتُ منه، فقال: أخبرني عن الحسين بن عليّ، كيف صَنَع بابائه النزول على حُكم ابن زياد وعَزمه على الحرب؟ فقال:","vol":"10","page":177},{"text":"إنَّ الأُلَى بالطَّف من آل هاشِمٍ ... تأسَّوْا فسَنُّوا للكرَام التأسِّيَا\nقال: فعلمتُ أنه لا يَرِيمُ حتَّى يُقتَل، وكان عبدُ الملك - فيما ذكر محمَّد بنُ عمر عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن أبي قرّة، عن إسحاقَ بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن رَجاء بن حَيْوَة - قال: لمَّا قتَل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه، فلمَّا أجمع بالمسير إلى مُصعب وقد صفت له الشام وأهلها خَطَب الناسَ وأمرهم بالتهُّيؤ إلى مصعب، فاختلف عليه رؤساء أهل الشام من غير خلاف لما يريده، ولكنهم أحَبُّوا أن يقيمَ ويقدّم الجيوش، فإن ظفروا فذاك، وإن لم يظفروا أمدَّهم بالجيوش خشيةً على الناس إن أصِيب في لقائه مصعبًا لم يكن وراءه ملك، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، لو أقمتَ مكانَك وبعثتَ على هؤلاء الجيوش رجلًا من أهل بيتك، ثمّ سرّحتَه إلى مصعب! فقال عبدُ الملك: إنَّه لا يقوم بهذا الأمر إلّا قرشيّ له رأي، ولعلِّي أبعث من له شجاعة ولا رأي له، وإني أجد في نفسي أني بصيرٌ بالحرب، شجاعٌ بالسَّيف إنْ ألجِئتُ إلى ذلك، ومصعب في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش، وهو شجاع ولا علم له بالحرب، يُحبّ الخفض، ومعه من يُخالفه، ومعي من ينصح لي، فسار عبد الملك حتَّى نزل مَسْكِن، وسار مصعب إلى باجُمَيْرَا، وكتب عبدُ الملك إلى شيعته من أهل العراق، فأقبل إبراهيم بنُ الأشتر بكتاب عبد الملك مختومًا لم يقرأه، فدفعه إلى مصعب، فقال: ما فيه؟ فقال: ما قرأته، فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق، فقال لمصعب: إنَّه والله ما كان من أحد آيس منه مني، ولقد كتب إلى أصحابك كلّهم بمثل الّذي كتب إليّ، فأطعْني فيهم فاضربْ أعناقهم، قال: إذًا لا تُناصحُنا عشائرُهم.\nقال: فأوقرْهم حديدًا وابعث بهم إلى أبيض كسرَى فأحبسْهم هنالك.\nووكِّل بهم من إن غُلِبْتَ ضرب أعناقهم، وإن غَلبت مَننتَ بهم على عشائرهم، فقال: يا أبا النعمان، إني لَفي شغل عن ذلك، يرحَم اللهُ أبا بَحْر، إنْ كان ليَحذّرني غدرَ أهل العراق، كأنَّه كان يَنظُر إلى ما نحن فيه! (٦/ ١٥٤ - ١٥٧).\nوقال الهيثم بنُ عَدِيّ: حدّثنا عبدُ الله بنُ عَيَّاش، عن أبيه، قال: إنَّا لوُقُوفٌ مع عبد الملك بن مروان وهو يُحارب مصعبًا إذْ دنا زِياد بن عمرو، فقال: يا أمير","vol":"10","page":178},{"text":"المؤمنين، إنّ إسماعيلَ بن طَلْحة كان لي جارَ صدق، قَلَّما أرادَني مُصَعب بسوء إلا دَفَعهُ عني، فإن رأيتَ أن تؤمّنَه على جرمه قال: هو آمن. فمضى زياد - وكان ضخمًا على ضَخم - حتَى صار بين الصفَّين، فصاح: أين أبو البخْتَري إسماعيلُ بن طَلْحة؟ فخرج إليه، فقال: إني أريد أن أذكر لك شيئًا، فَدنا حتَّى اختلفت أعناقُ دوابِّهما - وكان الناس ينتَطقون بالحَواشي المحشوّة - فوَضَع زياد يده في منطقَة إسماعيلَ، ثمّ اقتلَعه عن سَرْجه - وكان نَحيفًا - فقال: أنشدك الله يا أبا المغيرة، إنّ هذا ليس بالوفاء لمصعب، فقال: هذا أحبّ إليّ من أن أراك غَدًا مقتولًا.\nولمَّا أبى مصعب قبول الأمان نادى محمَّد بنُ مروان عيسى بن مصعب وقال له: يا بن أخي، لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مُصعب: قد آمَنَك عَمُّك فامض إليه، قال: لا تتحدّث نساءُ قريش أني أسْلَمتك للقتل؛ قال: فتقدّم بين يديَّ أحتَسِبْك، فقاتل بين يديه حتَّى قتل، وأثخِن مصعب بالرّمْي، ونظر إليه زائدة بن قدامةَ فشَدّ عليه فطعنه، وقال: يا لثأرات المختار! فصرعه، ونزل إليه عُبيد الله بنُ زياد بنِ ظَبْيانَ، فاحتزّ رأسَه، وقال: إنَّه قتَل أخي النابيء بن زياد، فأتِيَ به عبد الملك بن مروان فأثابَه ألف دينار، فأبَى أن يأخذها. وقال: إني لم أقتله على طاعتك، إنما قتلتُه على وِتْرٍ صنَعه بي، ولا آخذُ في حَمْل رأس مالًا، فتركه عند عبد الملك. (٦/ ١٥٩).\nوكان الوِتْر الذي ذكَرَه عُبيدُ الله بن زياد بن ظبيان أنه قتل عليه مصعبًا أنّ مصعبًا كان وَلي في بعضِ ولايته شرطه مطرّف بن سيدان الباهليّ ثم أحد بني جَأوة.\nفحدّثني عمرُ بنُ شَبَّة، قال: حدّثني أبو الحسن المَدائني ومَخلدَ بنُ يحيى بن حاضر، أنّ مطرّفًا أتِيَ بالنابيء بن زياد بن ظَبْيان ورجل من بني نُمَير قد قطعا الطريق، فقتل النابيء، وضرب النميريّ بالسياط فترَكه، فجمع له عبيدُ الله بنُ زياد بن ظَبيان جَمْعًا بعد أن عزله مُصعب عن البصرة وولّاه الأهواز، فخرج يريده، فالتقَيَا فَتوافَقا وبينهما نهر، فعبر مطرف إليه النَّهرَ، وعاجَله ابنُ ظَبْيان فطعَنه فقتَله، فبعث مصعبٌ مكرم بن مطرّف في طَلَب ابن ظبْيانَ، فسار حتَّى بلغ عسكرَ مُكرَم، فنُسِب إليه، ولم يلق ابنَ ظَبْيان، ولحق ابن ظَبْيان بعبد الملك","vol":"10","page":179},{"text":"لمَّا قُتِل أخوه، فقال البَعيثُ اليَشْكُريّ بعد قتْل مُصعَب يَذكرُ ذلك:\nولما رأينا الأَمر نكْسًا صُدُورُهُ ... وهمّ الهَوادِي أن تكُنَ توالِيا\nصَبَرْنا لأمر الله حتَّى يُقيَمهُ ... ولم نَرْضَ إلَّا مِنْ أُمَيَّةَ واليا\nونحْنُ قَتَلنا مُصْعَبًا وابنَ مُصْعبٍ ... أخَا أَسَدٍ والنَّخَعِيَّ اليمانِيَا\nومرّتْ عُقَابُ الموتِ مِنَّا بمسِلمٍ ... فأهْوَتْ له نابًا فأصبَحَ ثَاويَا\nسقَيْنا ابن سيدانٍ بكأْسٍ روِيَّةٍ ... كَفَتَنْا، وخيرُ الأَمر ما كان كافيا\n(٦/ ١٥٩ - ١٦٠)\nحدّثني أبو زيد، قال: حدّثني عليّ بنُ محمد، قال: مَرّ ابنُ ظَبْيَان بابنة مطرِّف بالبصرة، فقيل لها: هذا قاتلُ أبيك، فقالت: في سبيل الله أبي، فقال ابنُ ظَبْيان:\nفلا في سبيلِ الله لاقَى حِمَامَهُ ... أَبُوكِ ولكنْ في سبيلِ الدَّرَاهِم\nفلمَّا قُتل مُصعب دعا عبدُ الملك بنُ مروان أهلَ العراق إلى البيعة، فبايَعوه، وكان مُصعَب قُتل على نهر يقال له الدّجَيْل عند دَيْر الجاثَلِيق فلمَّا قُتل أمَرَ به عبدُ الملك وبابنه عيسى فدُفِنا. (٦/ ١٦٠).\nذكر الواقديّ عن عثمان بن محمَّد، عن أبي بكر بن عُمَر، عن عروة قال: قال عبدُ الملك حين قُتِل مُصَعب: وارُوهُ فقد والله كانت الحُرْمة بيننا وبينَه قديمةً، ولكن هذا المُلْك عقيم. (٦/ ١٦٠ - ١٦١).\nقال أبو زيد: وحدّثني أبو نعيم، قال: حدّثني عبدُ الله بنُ الزّبير أبو أبي أحمَد، عن عبد الله بن شريك العامريّ، قال: إني لَواقفٌ إلى جنب مصعب بن الزّبير فأخرجتُ له كتابًا من قَبائي، فقلتُ له: هذا كتابُ عبد الملك، فقال: ما شئتَ، قال: ثم جاء رجلٌ من أهل الشام فدخل عسكره، فأخرجَ جارية فصاحت: واذُلّاه! فنظر إليها مُصعَب، دمّ أعرَض عنها.\nقال: وأتِيَ عبدُ الملك برأس مُصعب، فنظر إليه فقال: متى تَغذو قريشٌ مِثلَك! وكانا يتحدّثان إلى حُبَّى، وهما بالمدينة، فقيل لها: قُتِل مصعب، فقالتْ: تَعِس قاتِلُه! قيل: قتله عبدُ الملك بنُ مروان، قالت: بأبي القاتلُ والمقتول!","vol":"10","page":180},{"text":"قال: وحَجّ عبدُ الملك بعدَ ذلك، فدخلتْ عليه حُبَّى، فقالت: أقتلتَ أخاك مُصعَبًا؟ فقال:\nمن يذُقِ الحرْبَ يَجِد طَعْمَها ... مُرًّا وتَتْرُكهُ بجعجاعِ\nوقال ابن قيس الرُّقيَّات:\nلقد أَوْرَثَ المِصريْنِ خِزْيًا وذِلةً ... قتيلٌ بدَيْر الجاثَلِيقِ مُقيمُ\nفما نصحتْ لله بكرُ بنُ وائلٍ ... ولا صَبرتْ عندَ اللِّقاء تميمُ\nولو كان بكْرِيًّا تَعَطَّفَ حَوْلَهُ ... كتائبُ يَغلِي حَمْيُها ويَدُومُ\nولكنَّه ضاعَ الذمامُ ولم يكن .... بها مُضَرِيٌّ يَوْمَ ذاكَ كرِيم\nجَزى الله كُوفيًّا هناك ملامَة ... وبَصْرِيَّهم إنَّ المُليمَ مُلِيم\nوإنَّ بني العَلَّاتِ أخلَوْا ظُهورَنا ... ونحن صرِيح بيْنَهُمْ وصميمُ\nفإن نَفْنَ لا يبْقَوْا ولا يكُ بعْدَنا ... لِذِى حُرْمَةٍ في المسلمين حَريمُ\n(٦/ ١٦١ - ١٦٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفة</span>\nولمَّا أتى عبدُ الملك الكوفةَ - فيما ذكر - نزل النُّخَيلة، ثمّ دعا النَّاس إلى البيعة، فجاءت قُضاعةُ، فرأى قِلَّة، فقال: يا معشر قُضاعة، كيف سَلِمتم من من مُضَرَ مع قِلَّتكم! فقال: عبدُ الله بنُ يَعلى النَّهديّ: نحن أعزّ منهم وأمنَع، قال: بِمَن؟ قال: بمن معك منَّا يا أميرَ المؤمنين.\nثمّ جاءت مَذْحج وهَمْدان فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئًا، ثمّ جاءت جُعفِيٌّ، فلمَّا نظر إليهم عبدُ الملك قال: يا معشر جعفيّ، اشتَملْتم على ابن أختكم، وواريتموه؛ يعني يحيَى بنَ سعيد بن العاص - قالوا: نعم، قال: فهاتوه؛ قالوا: وهو آمنٌ؟ قال: وتشترطون أيضًا! فقال رجل منهم: إنا والله ما نشترط جَهْلًا بحقِّك، ولكنَّا تتسحَّب عليه تَسَحُّب الولد على والِده، فقال: أما والله لَنعِمَ الحيّ أنتم؛ إن كنتم لَفُرسانًا في الجاهليَّة والإسلام، هو آمِن، فجاؤوا به وكان يُكنى أبا أيوب، فلمَّا نظر إليه عبدُ الملك قال أبا قبيح، بأيّ وجهٍ تَنظرُ إلى ربِّك وقد خلعْتني! قال: بالوجه الَّذي خلقه، فبايع ثمّ ولى فنظر عبدُ الملك في قَفاه فقال: لله دَرّه! أيَّ ابن زَوْمَلَة هو! يعني غَريبة. (٦/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"10","page":181},{"text":"ثم جاءتْ كِنْدة فنظر إلى عبد الله بن إسحاقَ بن الأشعث، فأوصَى به بِشرًا أخاه، وقال: اجعَلْه في صَحابتِك، وأقبَل داودُ بنُ قَحْذَم في مئتين من بَكر بن وائل، عليهم الأقْبية الداوودّية، وبه سُمّيَتْ، فجلس مع عبد الملك على سريره، فأقبل عليه عبدُ الملك، ثمّ نهض ونهضوا معه، فأتبعهم عبدُ الملك بصره، فقال: هؤلاء الفُسَّاق، والله لولا أنّ صاحبهم جاءني ما أعطاني أحدٌ منهم طاعة.\nثمّ إنَّه ولَّى - فيما قيل - قَطَنَ بنَ عبد الله الحارثيّ الكوفةَ أربعين يومًا ثمّ عزله، وولَّى بِشْرَ بن مَرْوان وصَعِد مِنبرَ الكُوفة فخَطَب فقال:\nإنَّ عبدَ الله بنَ الزبير لو كان خليفةً كما يزعم لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرزْ ذَنبَه في الحرَم، ثم قال: إني قد استعملتُ عليكم بِشرَ بنَ مروان، وأمَرْته بالإحسان إلى أهل الطاعة، والشدّة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا.\nواستعمل محمَّد بن عُمَير على هَمذان، ويزيدَ بنَ رُؤَيم على الرَّيّ، وفَرّق العُمَّالَ، ولم يف لأحد شرَط عليه ولايةَ أصبهَان؛ ثم قال: عليّ هؤلاء الفُسَّاق الَّذين أنْغَلُوا الشام، وأفسدوا العراق، فقيل: قد أجارهم رؤساءُ عشائِرهم، فقال: وهل يجير عليّ أحد! وكان عبدُ الله بن يزيد بن أسد لجأ إلى عليّ بن عبد الله بن عبَّاس، ولجأ إليه أيضًا يحيى بن مَعْيُوف الهمدانيّ، ولجأ الهذَيل بنُ زُفرَ بن الحارث وعمرو بن زيد الحَكَميّ إلى خالد بن يزيدَ بن معاوية، فآمَنهم عبدُ الملك، فَظهروا. (٦/ ١٦٤).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة تنازَع الرّياسة بالبصرة عُبيدُ الله بن أبي بكرة وحُمران بن أبان، فحدّثني عمرُ بنُ شبَّة قال: حدّثني عليّ بنُ محمَّد قال: لمّا قُتِل المُصعَب وثب حُمرانُ بن أبان وعُبيد الله بنُ أبي بَكْرة فتنازَعا في ولاية البَصرة، فقال ابن أبي بكرة: أنا أعظم غناءً منك، أنا كنت أنْفِق على أصحاب خالد يوم الجُفْرة، فقيل لحُمران: إنَّك لا تقوَى على ابن أبي بَكْرة، فاستَعِنْ بعبد الله بن الأهتم، فإنَّه إن أعانك لم يقْو عليك ابنُ أبي بَكْرة، ففعل، وغلب حُمْران على البَصْرة وابن الأهتمِ على شُرطها.\nوكان لحُمْرَان منزلةٌ عند بني أميَّة؛ حدثني أبو زيد قال: حدّثني أبو عاصم","vol":"10","page":182},{"text":"النَّبيل قال: أخبرني رجلٌ قال: قَدِم شيخٌ أعرابيّ فرأي حُمرانَ فقال: من هذا؟ فقالوا: حُمْران؛ فقال: لقد رأيتُ هذا وقد مال رِداؤه عن عاتقِهِ فابتدره مروان وسعيدُ بن العاص أيّهما يسوّيه، قال أبو زيد: قال أبو عاصم: فحَدَّثتُ بذلك رجلًا من وَلَد عبد الله بن عامر، فقال: حدّثني أبي أنّ حُمْران مَدَّ رجلَه فابتدر معاوية وعبد الله بنَ عامر أيّهما يَغِمزها. (٦/ ١٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>خطبة عبد الله بن الزبير بعد مقتل مصعب</span>\nوذكر أبو زيد عن أبي غَسَّان محمَّد بن يحيى، قال: حدثني مصعب بنُ عثمانَ، قال: لمَّا انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتلُ مُصعب قام في الناس فقال: الحمد لله الَّذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، ألا وإنَّه لم يُذْلل اللهُ من كان الحقّ معه وإن كان فردًا، ولم يُعزِزْ من كان وليَّه الشَّيطان وحِزْبُه وإن كان معه الأنام طُرًّا، ألا وإنَّه قد أتانا من العراق خبرٌ أحزننا وأفْرَحَنا، أتانا قتل مصعب رحمةُ الله عليه، فأما الَّذي أفرَحَنا فعلمُنا أنّ قتلَه له شهادة، وأمَّا الذي أحَزَننا فإنّ لفراق الحميم لوعة يَجِدها حميمُه عند المصيبة، ثم يَرْعَوِي مِنْ بَعدِها ذو الرِأي إلى جميل الصبر وكريمِ العَزَاء، ولئن أصِبت بمصعب لقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمانَ بخِلْوِ مصيبة، وما مصعب إلّا عبدٌ من عَبيد الله وعَونٌ من أعواني، ألا إنّ أهل العراق أهل الغَدْر والنفاق، أسلَموه وباعُوه بأقلّ الثمن، فإنْ يُقتلْ فإنَّا والله ما نموت على مَضاجِعنا كما تموت بنو أبي العاص، والله ما قُتِل منهم رجلٌ في زَحْف في الجاهليَّة ولا الإسلام، وما نموت إلّا قَعْصًا بالرّماح، وموتًا تحت ظِلال السيوف، ألا إنَّما الدنيا عاريَّة من المَلِك الأعلى الَّذي لا يزول سلطانُه، ولا يَبِيدُ مُلكُه، فإن تُقبل لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تُدْبر لا أبْك عليها بكاءَ الحَرِق المَهين؛ أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهُ لي ولكم (١) (٦/ ١٦٦).\nوذكر أنّ عبدَ الملك لمَّا قتل مصعبًا ودخل الكوفة أمرَ بطعام كثير فصُنِع وأمر به إلى الخَوَرْنَق، وأذِن إذنًا عامًّا، فدخل الناسُ فأخذوا مجالسهم، فدخل\n_________\n(١) في إسناده مصعب بن عثمان مجهول وفي متنه نكارة.","vol":"10","page":183},{"text":"عمرو بن حُرَيْث المخزوميّ فقال: إليّ وعلى سريري، فأجلسَه معه، ثم قال: أيّ الطعام أكلتَ أحبّ إليك وأشهى عندك؟ قال: عَناق حَمراء قد أجيد تمليحُها؛ وأحكِم نضجها، قال: ما صنعت شيئًا، فأين أنتَ من عُمْروس راضع قد أجيدَ سَمطُه، وأحكِم نُضجُه، اختلجت إليك رجْلهُ، فأتْبعتَها يدَه، غُذِي بشَرِيجَيْن من لبن وسمن، ثمّ جاءت الموائد فأكلوا، فقال عبدُ الملك بنُ مروان: ما ألذَّ عيشنا لو أنّ شيئًا يدوم! ولكنَّا كما قال الأول:\nوكلّ جديدٍ يا أُمَيمَ إِلى بِلىً ... وكلُّ امرئٍ يَوْمًا يصيرُ إلى كان\nفلما فرغ من الطعام طاف عبدُ الملك في القصر يقول لعَمرو بن حُرَيث: لِمَنْ هذا البيت؟ ومَنْ بَنَى هذا البيت؟ وعمرو يُخبِره، فقال عبدُ الملك:\nوكلُّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى بِلىً ... وكلُّ امرئٍ يومًا يصيرُ إلى كان\nثمّ أتى مجلسَه فاستَلقى؛ وقال:\nاعْمل على مَهَلٍ فإِنَّك مَيّتٌ ... واكدَحْ لنَفْسِك أَيّهَا الإِنسَانْ\nفكأنَّ ما قد كان لم يكُ إذ مضى ... وكأنَّ ما هو كائنٌ قد كانْ\nوفي هذه السنة افْتَتح عبدُ الملك - في قول الواقديّ - قَيْسارِيّة (٦/ ١٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nقال أبو جعفر: فمن ذلك ما كان من أمر الخوارج وأمر المهلّب بن أبي صفرة وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسِيد.\nذكَر هشامُ بنُ محمَّد، عن أبي مِخنَف أنّ حَصِيرة بن عبد الله وأبا زُهير العبسيّ حدّثاه أنّ الأزارقة والمهلَّب بعدما اقتتلوا بسُولافَ ثمانيةَ أشهر أشدَّ القتال، أتاهم أنّ مصعب بن الزّبير قد قُتِل، فبلغ ذلك الخوارجَ قبل أن يبلغ المهلَّب وأصحابه، فناداهم الخوارجُ: ألا تُخبِروننا ما قولكم في مُصعَب؟ قالوا: إمام هُدىً؛ قالوا: فهو وليّكم في الدنيا والآخرة؟ قالوا: نعم، قالوا: وأنتم أولياءه أحياءً وأمواتًا؟ قالوا: ونحن أولياؤه أحياءً وأمواتًا؛ قالوا: فما قولُكم في عبد الملك بن مروان؟ قالوا: ذلك ابنُ اللَّعين، نحن إلى الله منه بُراء، هو عندنا أحلُّ دمًا منكم، قالوا:","vol":"10","page":184},{"text":"فأنتم منه بُراء في الدّنيا والآخرة؟ قالوا: نعم كبراءتِنا منكم؛ قالوا: وأنتم له أعداءٌ أحياءً وأمواتًا؟ قالوا: نعم نحن له أعداء كعداوتِنا لكم، قالوا: فإن إمامَكم مُصعبًا قد قتله عبدُ الملك بنُ مروان، ونراكم ستَجعلون غدًا عبد الملك إمامكم، وأنتم الآن تتبرّؤون منه، وتلعَنون أباه! قالوا: كذبتم يا أعداء الله، فلما كان من الغد تبيّن لهم قتلُ مصعَب، فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان فأتتهم الخوارجُ فقالوا: ما تقولون في مصعَب؟ قالوا: يا أعداء الله، لا نخبركم ما قولنا فيه، وكرهوا أن يكذِّبوا أنفسَهم عندهم، قالوا: فقد أخبرتمونا أمسِ أنه وليّكم في الدنيا والآخرة وأنكم أولياءه أحياءً وأمواتًا، فأخبرونا ما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: ذاك إمامنا وخليفتُنا - ولم يجدوا إذ بايعوه بُدًّا من أن يقولوا هذا القول - قالت لهم الأزارقة: يا أعداء الله. أنتم أمسِ تتبرّؤون منه في الدّنيا والآخرة، وتزعمون أنكم له أعداء أحياءً وأمواتًا، وهو اليوم إمامكم وخليفتُكم، وقد قتل إمامَكم الذي كنتم تولّونه! فأيهما المحِقّ، وأيهما المهتدي، وأيهما الضالّ! قالوا لهم: يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان وليّ أمورنا، ونرضى بهذا كما رضينا بذاك، قالوا: لا والله ولكنكم إخوان الشياطين، وأولياء الظالمين، وعَبيدُ الدنيا! وبَعث عبدُ الملك بنُ مروان بشرَ بن مروان على الكوفة، وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البَصرة، فلما قدم خالد أثبت المهلب على خَراج الأهواز ومَعُونتها، وبعث عامر بن مِسْمع على سَابُور، ومُقاتِل بن مسمع على أرْدشِيرْ خُرَّه، ومِسمَع بن مالك بن مِسمَع على فَسَا ودرابْجِرْد، والمغيرة بن المهلب على إصطخر.\nثمّ إنه بعث إلى مُقاتِل فَبَعثَه على جيش، وألحَقَه بناحية عبد العزيز فخرج يطلب الأزارقة، فانحطّوا عليه من قِبلَ كَرْمان حتى أتَوْا دَرَابْجِرد، فسار نحوَهم، وبعث قَطَريّ مع صالح بن مخْراق تسعمئة فارس، فأقبَل يسيرُ بهم حتى استقبَل عبدَ العزيز وهو يسير بالناس ليلًا، يجرون على غير تعبية، فهزم الناس، ونزَل مُقاتِل بن مِسمَع فقاتل حتى قُتِل، وانهزم عبدُ العزيز بنُ عبد الله، وأخِذت امرأتُه ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت مئةَ ألف - وكانت جميلةً - فغار رجل من قومها كان من رؤوس الخوارج يقال له: أبو الحديد الشَّنِّيّ، فقال: تنحّوا هكذا، ما أرَى هذه المُشركة إلا قد فتنتْكم، فضرب","vol":"10","page":185},{"text":"عنقَها، ثمّ زعموا أنه لَحِق بالبَصرة، فرآه آلُ منذر فقالوا: واللهِ ما ندري أنحْمَدُك أم نذُمّك! فكان يقول: ما فعلتُه إلّا غيْرة وحمِيّة، وجاء عبدُ العزيز حتى انتهى إلى رامَهُرُمُز، وأتى المهلّب فأخبر به، فبعث إليه شيخًا من أشْياخ قومه كان أحدَ فُرْسانه، فقال: ائته فإن كان منهزمًا فعَزّهِ وأخبره أنه لم يَفعَل شيئًا لم يَفعَله الناسُ قبَلَه، وأخبره أنّ الجنود تأتيه عادلًا، ثم يُعزّه الله ويَنصُره، فأتاه ذلك الرجل، فوجدوه نازلًا في نحو من ثلاثين رجلًا كئيبًا حزينًا، فسلم عليه الأزْديّ، وأخبره أنه رسول المهلّب، وبلّغه ما أمَره به، وعرض عليه أن يذكر له ما كانت له من حاجة، ثمّ انصرف إلى المهلب فأخبره الخبر، فقال له المهلب: الحق الآنَ بخالد بالبصرة فأخبرْه الخبر، فقال: أنا آتيه أخبرُه أنّ أخاه هُزِم! والله لا آتيه، فقال المهلّب: لا والله لا يأتيه غيرُك، أنت الذي عاينتَه ورأيته، وأنت كنتَ رسولي إليه، قال: هو إذًا بِهديك يا مهلّب أن ذهبَ إليه العامَ، ثمّ خرج، قال المهلّب: أما أنت والله فإنك لي آمن. أمَّا والله لو أنك مع غيري، ثمّ أرسلك على رجليك خرجت تشتد! قال له وأقبَل عليه: كأنك إنما تمنّ علينا بحِلْمك! فنحن والله نكافئكَ بل نزيد؛ أما تعلَم أنا نُعرّضِ أنفسنا للقتل دُونَك، ونحميك من عدوّك! ولو كنا والله مع من يَجهَل علينا، ويَبعثنا في حاجاته على أرْجُلِنا، ثمّ احتاج إلى قتالنا ونُصْرتنا جعلناه بينَنا وبين عدوّنا، ووقينا به أنفسنا، قال له المهلب: صدقتَ صدقتَ. ثمّ دعا فتىً من الأزْد كان معه فسرَّحه إلى خالد يخبِره خبر أخيه، فأتاه الفتى الأزديّ وحوله الناسُ وعليه جُبّةٌ خضراء ومُطرَفٌ أخضَر، فسلم عليه، فردّ عليه، فقال: ما جاءَ بك؟ قال: أصلحك الله! أرسلني إليك المهلب لأخبرَك خبرَ ما عاينتُه، قال: وما عاينتَ؟ قال: رأيت عبدَ العزيز برامَهُرمُز مهزومًا، قال: كذبت، قال: لا، والله ما كذبتُ، وما قلتُ لك إلا الحقّ، فإن كنتُ كاذبًا فاضربْ عُنقي، وإن كنتُ صادقًا فأعطِني أصلحك الله جُبتَك ومُطرفَك، قال: وَيْحَك! ما أيسَر ما سألت، ولقد رضيت مع الخطر العظيم إن كنت كاذبًا بالخطر الصَّغير إن كنت صادقًا، فحَبَسه وأمر بالإحسان إليه حتى تبيّنتْ له هزيمةُ القوم، فكَتَب إلى عبد الملك:\nأما بعد، فإني أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله أني بعثتُ عبدَ العزيز بنَ عبد الله في طلب الخوارج، وأنّهم لقُوه بفارِسَ، فاقتَتَلوا قتالًا شديدًا، فانهزم","vol":"10","page":186},{"text":"عبدُ العزيز لما انْهَزَم عنه الناس، وقتِل مقاتل بنُ مِسمَح، وقدم الفَلّ إلى الأهْواز، أحببتُ أن أعلِم أميرَ المؤمنين ذلك ليأتيَني رأيُه وأمرهُ أنزل عندَه إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله.\nفكَتَب إليه:\nأما بعد، فقد قَدِم رسولُك في كتابِك، تُعلِمني فيه بَعْثَتك أخاك على قتال الخوارج، وبهزيمة مَنْ هُزم، وقَتْل من قُتِل، وسألتُ رسولك عن مكان المهلّب، فحدّثني أنه عامل لك على الأهواز، فقَبح الله رأيك حين تَبُعث أخاك أعرابيًّا من أهل مكّة على القتال، وتدَع المهلب إلى جنبك يَجبي الخَراج، وهو المَيْمونُ النقيبةِ، الحَسَن السياسة، البصير بالحَرْب، المُقاسي لها، ابنها وابنُ أبنائها! انظر أن تنهض بالناس حتى تستقبلهم بالأهواز ومن وراء الأهواز، وقد بَعثتُ إلى بِشْر أن يُمدّك بجَيْش من أهل الكوفة، فإذا أنت لقيتَ عدوَّك فلا تَعمَل فيهم برأي حتى تُحضره المهلب، وتستشيره فيه إن شاء الله، والسلامُ عليكَ ورحمة الله.\nفشَقَّ عليه أنّه فَيَّل رأيَه في بِعْثةِ أخيه وتَرْكِ المهلب، وفي أنه لم يَرضَ رأيَه خالصًا حتى قال: أحضرْه المهلّبَ واستشرْه فيه.\nوكَتَب عبدُ الملك إلى بِشْر بن مَرْوان:\nأما بعد، فإني قد كتبتُ إلى خالد بن عبد الله آمُرُه بالنّهوض إلى الخوارِج، فسرِّحْ إليه خمسة آلاف رجل، وابعث عليهم رجلًا من قِبَلك ترضاه، فإذا قضَوْا غزاتَهم تلك صرفْتَهم إلى الرّيّ فقاتَلُوا عدوَّهم، وكانوا في مَسالِحهم، وجَبَوْا فيئهم حتى تأتي أيام عَقَبهم فتُعقبهم وتبعث آخرين مكانَهم.\nفقطع على أهل الكوفة خمسة آلاف، وبعث عليهم عبدَ الرحمن بَن محمد بن الأشعث، وقال: إذا قضيتَ غزاتَك هذه فانصرفْ إلى الرَّيّ. وكتب له عليها عهْدًا، وخرج خالدٌ بأهل البصرة حتى قَدِم الأهواز، وجاء عبد الرحمن بنُ محمَّد ببعث أهل الكوفة حتَّى وافاهم بالأهواز، وجاءت الأزارقة حتَّى دنَوْا من مدينة الأهواز ومن مُعسكَر القوم، وقال المهلَّب لخالد بن عبد الله: إني أرَى هاهنا سُفُنًا كثيرة، فضُمَّها إليك، فوالله ما أظُنّ القومَ إلّا مُحرِقيها، فما لبث إلّا","vol":"10","page":187},{"text":"ساعةً حتَى ارتفعتْ خيلٌ من خيلهم إليها فحرّقَتْها، وبعث خالد بن عبد الله على مَيمنَته المهلَّبَ، وعلى ميْسَرته داود بن قَحذَم من بني قيس بن ثعلبة، ومرّ المهلَّب على عبد الرحمن بن محمَّد ولم يُخندِق، فقال: يابن أخي، ما يَمنعك من الخَنْدق! فقال: واللهِ لهم أهوَنُ عليّ من ضَرْطة الجَمَل، قال: فلا يَهُونوا عليك يابن أخي، فإنَّهم سِباعُ العَرَب، لا أبرح أو تَضرِب عليك خندقًا؛ ففعل.\nوبلغ الخوارجَ قول عبد الرحمن بن محمَّد لهم: \"أهوَنُ عليَّ مِن ضَرْطة الجمل\"، فقال شاعرُهم:\nيا طالِبَ الحقِّ لا تُستَهْو بالأَمَلِ ... فإنَّ من دون ما تَهوى مَدى الأجلِ\nواعمَل لربِّك وأسأَله مثوبَتَهُ ... فإنَّ تَقْواه فاعلمْ أفضلُ العملِ\nواغزُ المخانِيثَ في الماذِيِّ مُعْلِمَة ... كيما تُصبّح غَدْوًا ضَرْطَةَ الجملِ\nفأقاموا نحوًا من عشرين ليلةً، ثمّ إن خالدًا زَحَف إليهم بالناس، فرأوا أمْرًا هالهم من عدَدَ الناس وعُدّتِهم، فأخذوا ينحازون، واجترأ عليهم الناس، فكَرّت عليهم الخيل، وزحف إليهم فانصرفوا كأنَّهم على حامِية وهم مولُّوِن لا يروْن لهم طاقة بقتال جماعة الناس، وأتبعهم خالدُ بنُ عبد الله داودَ بن قحذم في جيش من أهل البصرة، وانصرف خالد إلى البصرة، وانصرف عبدُ الرحمن بنُ محمَّد إلى الرَّيّ وأقام المهلَّب بالأهواز، فكتب خالدُ بنُ عبدِ الله إلى عبد الملك:\nأمَّا بعد: فإني أخْبر أميرَ المؤمنين أصلحه الله أني خرجتُ إلى الأزارقة الَّذين مرقوا من الدِّين، وخرجوا من وِلاية المسلمين، فالتقيْنا بمدينة الأهْواز فتناهضْنا فاقتتلنا كأشدّ قتال كان في الناس، ثمّ إنّ الله أنزَل نصرَه على المؤمنين والمسلمين، وضربَ الله وجوه أعدائه، فاتبعهم المسلمون يقتّلونهم، ولا يَمنعون ولا يمتنعون، وأفاءَ الله ما في عسكرهم على المسلمين، ثمّ أتبعتُهم داودَ بن قَحْذَم، واللهُ إن شاءَ مهلِكهم ومستأصِلهم؛ والسلام عليك.\nفلمَّا قَدم هذا الكتاب على عبد الملك كتب عبدُ الملك إلى بشْر بن مرْوان:\nأما بعد: فابعث من قِبَلك رجلًا شجاعًا بصيرًا بالحرب في أربعة آلاف فارس، فلْيَسيروا إلى فارس في طلب المارقة، فإنّ خالدًا كتب إليّ يخبِرني أنَّه قد بعث في طلبهم داود بن قَحْذَم، فمرْ صاحبك الَّذي تَبعث ألا يُخالف داودَ بن قَحْذَم إذا ما التَقَيا، فإنّ اختلافَ القوم بينهم عَوْن لعدوُهم عليهم، والسلامُ عليك.","vol":"10","page":188},{"text":"فبعث بشر بنُ مروان عَتَّاب بنَ ورقاء في أربعة آلاف فارِس من أهل الكوفة، فخرجوا حتَّى التقَوا هم وداودُ بنَ قَحْذم بأرض فارس، ثم اتَّبعوا القوم يطلبونهم حتى نفقت خيول عامتهم، وأصابهم الجَهْد والجوع، ورَجَع عامَّةُ ذَيْنك الجَيْشَين مُشاةً إلى الأهواز، فقال ابن قيسِ الرّقيَّات - من بني مخزوم - في هزيمة عبد العزيز وفرارِه عن امرأته:\nعبدَ العزيز فَضحْتَ جَيْشَك كلَّهمْ ... وتركتَهم صرعى بكلِّ سبيل\nمن بين ذي عَطَشٍ يجودُ بنفْسِه ... ومُلَحَّبٍ بين الرِّجال قَتِيل\nهلَّا صبْرتَ مع الشهيد مقاتلًا ... إذ رُحْت منتكث القُوَى بأَصيل\nوتركت جيْشَك لا أمير عليهمُ ... فارجع بِعارٍ في الحياةِ طَويل\nونَسيتَ عِرسك إذ تُقَادُ سَبِيَّةً ... تُبكي العيونَ برنَّةٍ وعَوِيلِ (١)\n(٦/ ١٦٨ - ١٧٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>خروج أبي فدَيك الخارجيّ وغلبته على البحرين</span>\nوفي هذه السنة كان خروج أبي فُدَيك الخارجيّ، وهو من بني قَيْسِ بن ثعلبة، فغلب على البحرين، وقتل نجدةَ بن عامر الحنَفيّ، فاجتمع على خالد بن عبدِ الله نُزول قَطري الأهواز وأمرُ أبي فُديك، فبعث أخاه أميَّة بن عبد الله على جُند كثيف إلى أبي فُدَيك، فهزمه أبو فُدَيك، وأخذ جارية له فاتّخذها لنفسه، وسار أميَّةُ على فرس له حتَّى دخل البَصْرة في ثلاثة أيَّام، فكتب خالدٌ إلى عبد الملك بحالِه وحال الأزارقة. (٦/ ١٧٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>خبر توجيه عبد الملك الحجَّاج لقتال ابن الزبير </span>(٢)\nوفي هذه السنة وجَّه عبدُ الملك الحجَّاجَ بن يوسفَ إلى مكة لقتال عبد الله بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) ابتداءًا من هذه الرواية في الصفحة (٥٣٤) أي (٦/ ١٧٤) في تاريخ الطبري وانتهاءًا ببداية الصفحة (٥٤٣) أي (٦/ ١٩٣) من تاريخ الطبري كلها روايات أخرجها الطبري من طريق الواقدي وهو متروك عند أئمة الحديث. سوى رواية واحدة (٦/ ١٩٦) وهو من طريق مجاهيل (أبو الحسن عن رجاله) والله أعلم.","vol":"10","page":189},{"text":"الزّبير، وكان السبب في توجيهه الحَجَّاجَ إليه دونَ غيره - فيما ذُكر - أن عبدَ الملك لمَّا أراد الرّجوع إلى الشام، قام إليه الحجَّاج بنُ يوسفَ فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيتُ في منامي أني أخذتُ عبدَ الله بن يوسفَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إني رأيتُ في منامي أني أخذتُ عبدَ الله بن الزبير فسلَخْته، فابْعثْني إليه، وولّني قتالَه، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فسار حتَّى قَدِم مكَّة، وقد كتب إليهم عبدُ الملك بالأمان إنْ دخلوا في طاعتِه.\nفحدّثني الحارثُ، قال: حدّثني محمَّد بن سَعْد، قال: أخبَرَنا محمَّد بن عمرَ، قال: حدّثنا مُصعَب بنُ ثابت، عن أبي الأسودَ، عن عبَّاد بن عبدِ الله بن الزبير، قال: بعث عبدُ الملك بنُ مروان حين قُتِل مُصعَب بن الزبير الحجَّاجَ بنَ يوسف إلى ابن الزّبير بمكَّة. فخرج في ألفين من جُندِ أهل الشام في جُمادى من سنة اثنتين وسبعين، فلم يَعرِض للمدينة، وسلَك طريقَ العراق، فنزل بالطَائف، فكان يبْعَث البُعوثَ إلى عَرَفة في الخيل، ويبعث ابن الزّبير بَعْثًا فيقتتِلون هنالك، فكلّ ذلك تُهزَم خيل ابنِ الزّبير وتَرجع خيلُ الحجَّاج بالظَّفر، ثمّ كتب الحجَّاج إلى عبدِ الملك يستأذنه في حصار ابن الزبير ودخولِ الحَرَم عليه، ويُخبِره أن شوكَتَه قد كَلَّت، وتفَرَّق عنه عامَّة أصحابه، ويَسأله أن يمِدّه برجال، فجاءَه كتابُ عبدِ الملك، وكتب عبدُ الملك إلى طارِق بن عَمْرو يأمره بأن يَلحق بمن معه من الجُنْد بالحَّجاج، فسار في خمسة آلاف من أصحابه حتَّى لحق بالحَجَّاج، وكان قُدومُ الحَجَّاجِ الطائفَ في شعبان سنة اثنتين وسبعين، فلمَّا دخل ذو القعدة رَحَل الحجَّاج من الطائف حتّى نزل بئرَ مَيْمون وحصرَ ابن الزّبير.\nحجّ الحجَّاجُ بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور، وكان قدومُ طارق مكَّة لهلالِ ذي الحِجَّة، ولم يَطُف بالبَيْت، ولم يصل إليه وهو مُحرِم، وكان يَلبَس السلاح، ولا تقرَب النساء ولا الطيب إلى أن قُتل عبدُ الله بن الزبير، ونَحَر ابنُ الزّبير بُدْنًا بمكَّة يوم النحر، ولم يحجَّ ذلك العامَ ولا أصحابه لأنَّهم لم يَقِفوا بعَرَفة. (٦/ ١٧٤ - ١٧٥).\nقال محمَّد بنُ عمر: حدثني سعيد بنُ مسلم بن بابك، عن أبيه، قال: حجَجتُ في سنة اثنتين وسبعين فَقدِمْنا مكَّة، فدخَلناها من أعلاها، فنجدُ أصحابَ الحَّجاج وطارق فيما بين الحَجون إلى بئرِ مَيْمون، فطفْنا بالبيت وبالصَّفا","vol":"10","page":190},{"text":"والمَرْوة، ثمّ حجّ بالناس الحجَّاجُ، فرأيتُه واقفًا بالهَضَبات من عَرَفة على فرس، وعليه الدِّرع والمِغفرَ، ثم صَدَر فرأيتهُ عَدَل إلى بئر ميمون، ولم يَطفْ بالبيت وأصحابه متسلّحون، ورأيتُ الطَّعام عندهم كثيرًا، ورأيت العير تأتي من الشام تحمل الطَّعام؛ الكعْك والسَّويق والدَّقيق؛ فرأيتُ أصحابَه مخاصيبَ، ولقد ابْتعْنا من بعضهم كعكًا بدرْهم، فكفانا إلى أن بَلغنا الجُحْفة وإنَّا لثلاثة نفر. (٦/ ١٧٥).\nقال محمَّد بن عمر: حدّثني مصعب بنُ ثابت، عن نافع مَولى بني أسَد، قال: - وكان عالمًا بفتنة ابنِ الزّبير - قال: حُصر ابنُ الزبير ليلةَ هلالِ ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين. (٦/ ١٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>أمر عبد الله بن خازم السلمي مع عبد الملك</span>\nوقال بعضهم: بَعث عبدُ الملك إلى ابن خازم سِنانَ بن مكمّل الغَنويّ، وكتب إليه: إنّ خُراسان طُعْمة لك، فقال له ابن خازم: إنما بَعثك أبو الذِّبّان لأنك من غَنِيّ، وقد عَلم أني لا أقتُل رجلًا من قيس، ولكن كُلْ كِتابَه.\nقال: وكتب عبدُ الملك إلى بكير بن وشاح أحد بني عَوْف بن سعد - وكان خليفة ابن خازم على مَرْو - بعهده على خراسان ووعده ومنَّاه، فخلع بكيرُ بن وشاح عبدَ الله بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك بن مروان، فأجابه أهل مَرْوَ، وبلغ ابنَ خازم فخاف أن يأتيَه بُكيَر بأهل مَرْوَ، فيجتمع عليه أهلُ مَرْو وأهل أبَرشَهْر، فترك بَحِيرًا، وأقبل إلى مرْو يريد أن يأتيَ ابنه بالتِّرمِذ، فأتبعه بحير، فلحقه بقرية يقال لها بالفارسية: \"شاهميغد\"، بينها وبين مَرو ثمانية فرَاسخ.\nقال: فقاتله ابن خازم، فقال مولىً لبني ليث: كنت قَريبًا من معترك القوم في منزل، فلما طَلعت الشمسُ تهايجَ العسكران، فجعلتُ أسمعُ وقْعَ السيوف، فلمَّا ارتَفَع النهارُ خفيَت الأصواتُ، فقلتُ: هذا لارتفاع النَّهار، فلمَّا صلَّيت الظهر - أو قبلَ الظهر - خرجتُ، فتلَقَّاني رجل من بني تميم، فقلتُ: ما الخبر؟ قال: قتلتُ عدوَّ الله ابن خازم وهاهو ذا، وإذا هو محمول على بغل، وقد شدّوا في مَذاكِيره حَبْلًا وحجرًا وعدلوه به على البَغْل.\nقال: وكان الَّذي قتله وكيعُ بن عُمَيْرة القُرَيعيّ وهو ابن الدَّوْرَقِيَّة، اعتَور عليه بحير بن وَرْقاء وعمَّار بنُ عبد العزيز الجُشميّ ووكيع، فطعَنوه فصَرَعوه، فقعد","vol":"10","page":191},{"text":"وكيع على صدره فقتَله، فقال بعضُ الوُلاة لوَكيع: كيف قتلتَ ابنِ خازم؟ قال: غلبتُه بفَضْل القَنا، فلمَّا صُرع قعدتُ على صدره، فحاول القيام فلم تقدِر عليه، وقلتُ: يا لَثارات دُوَيلة! ودُويْلَةُ أخ لوَكيع لأمّه، قُتِل قبل ذلك في غير تلك الأيَّام.\nقال وكيع: فتَنخَّم في وجهي وقال: لعنك الله! تقتل كبش مضَر. بأخيك، علْج لا يساوي كفًّا من نوىً - أو قال: مِن تراب - فما رأيت أحدًا أكثر ريقَّا مَنه على تلك الحال عند الموت.\nقال: فذَكَر ابنُ هُبيرة يومًا هذا الحديثَ فقال: هذه واللهِ البَسالة.\nقال: وبعث بَحِير ساعةَ قُتل ابن خازم رجلًا من بني غُدانة إلى عبد الملك بن مَرْوان يُخبره بقتل ابن خازم، ولم يَبعث بالرأس، وأقبل بُكَير بنُ وشاح في أهل مَرو فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ رأس ابن خازم، فمنعَه بحِيرٌ، فضربه بكير بعمود، وأخذ الرأس وقَتد بحيرًا وحبسه، وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يُخبره أنَّه هو الذي قتله، فلمَّا قُدِم بالرأس على عبد الملك دعا الغُدانيّ رسولَ بَحير وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقتُ القومَ حتَّى قُتِل، فقال رجل من بني سُليم:\nأَليْلتَنا بنيسابُورَ رُدِّي ... عليَّ الصبحَ وَيْحك أو أَنِيرِي\nكواكبُها زَواحِفُ لا غِبَاتٌ ... كأَنَّ سماءَها بيدي مُدِيرِ\nتَلومُ على الحوادثِ أُمُّ زيدٍ ... وهل لكِ في الحوادثِ من نكيرِ!\nجَهلن كَرامتي وصَدَدن عَنِّي ... إلى أجل من الدّنيا قصير\nفلو شهدَ الفوارسُ من سُلَيْمٍ ... غداةَ يُطاف بالأَسَدِ العَقيرِ\nلنازَلَ حولهُ قومٌ كرامٌ ... فعزَّ الوِترُ في طلب الوُتورِ\nفقد بَقِيتْ كلابٌ نابِحاتٌ ... وما في الأَرضِ بعدَك من زَئيرِ\nفولى الحجّ بالناس في هذه السنة الحجَّاج بن يوسف.\nوكان العامل على المدينة طارقٌ مولى عثمان من قِبَل عبد الملك، وعلى الكوفة بِشْر بنُ مروان، وعلى قضائها عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ بن مسعود. وعلى البصرة خالدُ بنُ عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضائها هشام بنُ هُبيرة، وعلى خُراسان في قول بعضهم عبدُ الله بنُ خازم السُّلَميّ، وفي قولِ","vol":"10","page":192},{"text":"بعض: بكير بن وشاح، وزعم مَن قال: كان على خُراسانَ في سنة اثنتين وسبعين عبدُ الله بنُ خازم أنّ عبد الله بن خازم إنَّما قتل بعدما قتل عبد الله بن الزبير، وأنّ عبد الملك إنَّما كتب إلى عبد الله بن خازم يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يُطْعِمه خراسان عشرَ سنين بعدما قتل عبدُ الله بنُ الزُّبير، وبعث برأسه إليه، وأنّ عبد الله بن خازم حَلف لمَّا ورد عليه رأسُ عبد الله بن الزبير ألَّا يُعطيه طاعةً أبدًا، وأنَّه دعا بطست فغَسل رأسَ ابن الزبير، وحَنَّطه وكفَّنه، وصلَّى عليه، وبعث به إلى أهل عبد الله بن الزبير بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنَّك رسولٌ لضربتُ عنقك، وقال بعضهم: قطع يَديه ورجلَيه وضرَبَ عنقَه. (٦/ ١٧٦ - ١٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>خبر مقتل عبد الله بن الزبير</span>\nفمن ذلك مقتَل عبد الله بن الزبير.\n* ذكر الخبر عن صفة ذلك:\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمد بنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بنُ عمر. قال: حدّثني إسحاق بنُ يحيى، عن عُبيد الله بن القبطيَّة، قال: كانت الحرب بين ابن الزّبير والحجَّاج ببطن مكَّة ستَّة أشهر وسبعَ عشرةَ ليْلة.\nقال محمَّد بن عمر: وحدّثني مصعب بنُ ثابت، عن نافع مولى بني أسد - وكان عالمًا بفتنة ابن الزبير - قال: حُصِر ابن الزّبير ليلَة هلالِ ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلةً خلتْ من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان حصرَ الحجَّاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبعَ عشرة ليلة. (٦/ ١٨٧).\nحدّثنا الحارث، قال: حدّثنا محمَّد بنُ سعد، قال: أخبرَنا محمَّد بن عمر: قال: حدّثني إسحاقُ بنُ يحيى، عن يوسفَ بن ماهَك، قال: رأيتُ المَنجنيقَ يُرمَى به، فرعدت السماء وبرقت، وعلا صوتُ الرّعد والبرق على الحجارة،","vol":"10","page":193},{"text":"فاشتمل عليها، فأعظم ذلك أهلُ الشام، فأمسَكوا بأيديهم، فرفع الحجَّاج بِرْكة قَبائه فغرَزَها في مِنطَقته، ورفع حجر المَنجنيق فوضعه فيه، ثم قال: ارمُوا، ورمى معهم، قال: ثمّ أصبحوا، فجاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلتْ من أصحابه اثنى عشرَ رجلًا، فانكسر أهلُ الشام، فقال الحجَّاج: يا أهل الشام، لا تُنكروا هذا فإني ابن تهامة، هذه صواعقُ تِهامة، هذا الفتح قد حضر فأبشِروا، إنّ القوم يُصيبُهم مثل ما أصابكم، فصعقت من الغد، فأصيب من أصحاب ابن الزبير عِدّة؛ فقال الحجَّاج: ألا تَرَوْن أنَّهم يصابون وأنتم على الطَّاعة، وهم على خلاف الطاعة! فلم تزل الحربُ بينَ ابن الزبير والحجَّاج حتَّى كان قُبيلَ مَقتله وقد تفرّق عنه أصحابه، وخرج عامَّة أهلِ مكة إلى الحجَّاج في الأمان. (٦/ ١٨٧ - ١٨٨).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمَّد بنُ عمر، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله، عن المنذر بن جَهْم الأسَديّ، قال: رأيتُ ابنَ الزبير يوم قُتِل وقد تفرّق عنه أصحابُه وخذله من معه خذلانًا شديدًا، وجعلوا يخرجون إلى الحجَّاج حتَّى خرج إليه نحوٌ من عشرةِ آلاف.\nوذكِر أنَّه كان ممَّن فارقه وخرج إلى الحجَّاج ابناه حَمزة وخُبَيب، فأخذا منه لأنفسهما أمانًا، فدخل على أمّه أسماء - كما ذكر محمَّد بنُ عمرَ عن أبي الزّناد، عن مَخرَمة بن سليمان الوالبيّ، قال: دخل ابنُ الزبير على أمّه حين رأى من الناس ما رأى من خِذْلانهم، فقال: يا أُمَّة! خذَلني الناسُ حتَّى ولدي وأهلي، فلم يَبق معي إلا اليسير ممَّن ليس عنده من الدّفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيُك؟ فقالت: أنت والله يا بُنيَّ أعلم بنفسك، إن كنتَ تعلم أنَّك على حقّ وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تُمكّن من رقبتك يتلعَّب بها غِلمانُ أميَّة، وإن كنتَ إنَّما أردتَ الدّنيا فبئس العبدُ أنتَ! أهلكتَ نفسَك. وأهلكت من قُتِل معك، وإن قلتَ: كنتُ على حق فلمَّا وَهَن أصحابي ضعُفتُ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدّين، وكم خلودُكَ في الدنيا! القتلُ أحسن. فدنا ابن الزبير فقبَّل رأسها وقال: هذا واللهِ رأي، والذي قمتُ به داعيًا إلى يومي هذا ما ركَنْت إلى الدنيا، ولا أحببتُ الحياةَ فيها، وما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب لله أن تُستحَلّ حُرَمه، ولكنّي","vol":"10","page":194},{"text":"أحببتُ أن أعلم رأيك، فزدْتِني، بصيرةً مع بصيرتي. فانظري يا أمَّة فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتدَّ حُزْنك، وسَلّمي الأمر لله، فإنّ ابنَكِ لم يتعمَّد إتيان منكر، ولا عَملًا بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمّد ظُلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم من عُمَّالي فرضيتُ به بل أنكرتُه، ولم يكن شيءٌ آثَرَ عندي من رِضَا رَبي، اللهمّ إني لا أقول هذا تزكية منّي لنفسي، أنت أعلمُ بي، ولكن أقولُه تعزية لأمّي لتسلوَ عنِّي، فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حَسنًا إن تقدّمتَني، وإن تقدّمْتُك ففي نفسي اخرج حتَّى أنظر إلى ما يصير أمرك. قال: جزاكِ الله يا أمَّة خيرًا، فلا تَدعي الدّعاء لي قبلُ وبعدُ، فقالت: لا أدَعه أبدًا، فمن قُتِل على باطل فقد قُتِلتَ على حقّ، ثم قالت: اللَّهم ارحمْ طول ذلك القيام في اللَّيل الطويل، وذلك النَّحيب والظَمَأ في هَواجِرِ المدينة ومكَّة، وبرَّه بأبيه وبي، اللَّهمّ قد سلَّمته لأمرك فيه، ورضيتُ بما قضيتَ، فأثبِنْي في عبد الله ثوابَ الصابرين الشاكرين.\nقال مصعب بنُ ثابت: فما مكثتْ بعدَه إلا عشرًا، ويقال: خمسة أيَّام. (٦/ ١٨٨ - ١٨٩).\nقال محمد بنُ عمر: حدّثني موسى بنُ يعقوب بن عبد الله، عن عمّه قال: دخل ابنُ الزبير على أمه وعليه الدّرع والمِغفَر، فوقف فسلَّم، ثمّ دنا فتناول يدها فقبَّلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعدَ، قال ابن الزبير: جئت مودِّعًا، إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمرّ بي، واعلمي يا أمَّة أني إن قُتِلت فإنَّما أنا لحم لا يضرّني ما صُنع بي، قالت: صدقتَ يا بُني، أتمِم على بصيرتك، ولا تُمكِّن ابن أبي عَقِيل منك، وادنُ مني أوَدّعْك، فدنا منها فقبَّلها وعانَقَها، وقالت حيث مَسَّت الدّرْع: ما هذا صنيعُ من يريد ما تريد! قال: ما لبستُ هذا الدّرع إلا لأشدّ منك، قالت العجوز: فإنَّه لا يشدّ منّي، فنزَعها ثمّ أدرج كمَّيْه، وشدّ أسفَل قميصه، وجُبَّة خزّ تحت القميص فأدخل أسفلَها في المنطقة، وأمّه تقول: البَس ثيابَك مشمَّرةً. ثمّ انصرف ابن الزبير وهو يقول:\nإنّي إذا أَعْرِف يومي أصبِرْ ... إذ بَعْضُهم يَعرِفُ ثم يُنكِرْ\nفسمعت العجوزُ قولَه، فقالت: تَصبَّر والله إنْ شاء الله، أبوك أبو بكر والزّبير، وأمّك صفيَّة بنتُ عبد المطّلب. (٦/ ١٨٩ - ١٩٠).","vol":"10","page":195},{"text":"حدّثني الحارث، قال: حدّثني ابنُ سعد، قال: أخبرني محمَّد بن عمر، قال: أخبرنا ثورُ بنُ يزيدَ عن شيخ من أهل حِمْصَ شهد وقعة ابن الزبير، مع أهل الشام، قال: رأيتهُ يوم الثُّلاثاء وإنَّا لنطلع عليه أهل حمص خمسمئة خمسمئة من باب لنا نَدخلُه؛ لا يدخله غيرُنا، فيخرج إلينا وحدَه في أثرنا، ونحن منهزِمون منه، فما أنسىَ أرجوزةً له:\nإنِّي إذا أَعْرِفُ يومِي أصبِر ... وإنَّما يَعْرِف يَوْمَيْهِ الحُرّ\nإذْ بعضُهمْ يَعرِف ثم يُنكِرْ\nفأقول: أنتَ والله الحرّ الشريف، فلقد رأيتُه يقف في الأبْطح ما يدنو منه أحدٌ حتَى ظننَّا أنَّه لا يقتَل. (٦/ ١٩٠).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمَّد بنُ عمر، قال: حدّثنا مصعب بن ثابت؛ عن نافع مولى بني أسد، قال: رأيتُ الأبوابَ قد شُحِنت من أهل الشام يوم الثلاثاء، وأسلم أصحابُ ابن الزّبير المحارس، وكثرهم القومُ فأقاموا على كلّ باب رجالًا وقائدًا وأهل بلد، فكان لأهل حمص الباب الَّذي يواجه بابَ الكعبة، ولأهل دمشقَ باب بني شَيْبة، ولأهل الأرْدن باب الصّفا، ولأهل فِلَسطين باب بني جُمَحْ، ولأهل قِنَّسْرين باب بني سَهْم، وكان الحجَّاج وطارق بن عمرو جميعًا في ناحية الأبطح إلى المروة، فمرّة يَحمِل ابنُ الزبير في هذه الناحية، ومرة في هذه الناحية، فلكأنَّه أسدٌ في أجَمة ما يُقدِم عليه الرّجال، فيعدو في أثَر القوم وهم على الباب حتَّى يُخرِجَهم وهو يرتجز:\nإنّي إذا أعْرِف يومِي أَصبرْ ... وإنَّما يَعرف يومَيْه الحُرُّ\nثم يصيح: يا أبا صفوان، ويلْ أمِّه فتحًا لو كان له رجال!\nلو كانَ قِرْني واحِدًا كفَيْتُهْ\nقال ابن صفوان: إي والله وألف. (٦/ ١٩٠ - ١٩١).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمرَ، قال: فحدَّثني ابنُ أبي الزّناد وأبو بكر بنُ عبد الله بنِ مصعب، عن أبي المنذر، وحدّثنا نافع مولى بني أسد، قالا: لمَّا كان يوم الثلاثاء صبيحةَ سبع عشرة من جُمادَى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وقد أخذ الحجَّاجُ على ابن الزبير بالأبواب،","vol":"10","page":196},{"text":"بات ابنُ الزبير يصلِّي عامَّة اللَّيل، ثمّ احتبَى بحمائل سيفه فأغفى، ثمّ انتبه بالفجر فقال: أذِّن يا سعد، فأذَّن عند المقام، وتوضَّأ ابنُ الزبير، وركع ركعتي الفجر، ثم تقدَّم، وأقام المؤذّن فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ حرْفًا حرفًا، ثمّ سلّم، فقام فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال:\nاكشفوا وجوهَكم حتَّى أنظر، وعليهم المغَافر والعمائم، فكشفوا وجوهَهم فقال: يا آل الزبير، لو طِبْتم لي نَفْسًا عن أنفسكم كنَّا أهلَ بيت من العرب اصطُلِمْنا في الله لم تصبْنا زبَّاءُ بتَّة، أمَّا بعد يا آل الزبير، فلا يرُعْكم وقعُ السيوف، فإني لم أحضر موطنًا قطّ إلا ارتثثْتُ فيه من القتل، وما أجدُ من أدواء جراحها أشد ممَّا أجد من ألمِ وقعها، صونوا سيوفَكم كما تصونون وجوهَكم، لا أعلم امرأً كسر سيفَه، واستَبقى نفسَه، فإنّ الرجلَ إذا ذهب سلاحُه فهو كالمرأة أعزل، غُضوا أبصاركم عن البارقة، وليَشْغَلْ كلّ امرئ قِرْنَه، ولا يُلهينكم السؤالُ عنّي، ولا تقولُنّ: أين عبدُ الله بنُ الزبير؟ ألا من كان سائلًا عنّي فإني في الرَّعيل الأولّ.\nأبي لابن سَلْمَى أَنَّهُ غيرُ خالِدٍ ... مُلاقي المنايا أيَّ صَرْفٍ تيمَّمَا\nفلَسْتُ بمُبتاعِ الحَياة بسُبَّةٍ ... ولا مُرْتَقٍ من خَشْيَةِ الموتِ سُلَّمَا\nاحملوا على بركة الله.\nثمّ حمل عليهم حتَّى بلغ بهم الحَجُون، فرُمِي بآجُرّة فأصابته في وجههِ فأرعِش لها، ودمي وجهُه، فلمَّا وجد سخونةَ الدَّم يسيل على وجهه ولحيته قال:\nفلسْنَا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومُنا ... ولكنْ على أقدامِنَا تَقْطُرُ الدّما\nوتغاوَوْا عليه.\nقالا: وصاحب مولاة لنا مجنونة: واأميرَ المؤمنيناه! قالا: وقد رأتْه حيث هوى، فأشارتْ لهم إليه، فقتل وإنّ عليه ثيابَ خَزّ، وجاء الخبر إلى الحجَّاج، فسجد وسار حتَّى وقف عليه وطارق بنُ عمرو، فقال طارق: ما وَلَدت النساءُ أذكرَ من هذا؛ فقال الحجَّاج: تمدح من يُخالف طاعةَ أمير المؤمنين! قال: نعم، هو أعذَر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عُذر، إنَّا مُحاصِروه، وهو في غير خندَق ولا حصن ولا مَنَعة منذ سبعة أشهر ينتصف منَّا، بل يفضل علينا في كلّ ما التقينا نحن وهو؛ فبلغ كلامُهما عبدُ الملك، فصوّب طارقًا. (٦/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"10","page":197},{"text":"حدّثنا عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن رجاله، قال: كأني أنظر إلى الزبير، وقد قتل غلامًا أسوَد، ضَرَبه فعرقَبه، وهو يمرّ في حملتِه عليه ويقول: صَبْرًا يا بن خام، ففي مثلِ هذه المواطن تَصْبر الكرام! (٦/ ١٩٢).\nحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبَرَنا محمَّد بن عمر، قال: حدثني عبد الجبار بنُ عُمَارة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزْم، قال: بعث الحجَّاجُ برأس ابنِ الزّبير ورأسِ عبدِ الله بن صفْوان ورأس عُمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبتْ بها، ثم ذُهِب بها إلى عبد الملك بن مروان، ثمّ دخل الحجَّاج مكَة، فبايع مَن بها من قريش لعبد الملك بن مروان. (٦/ ١٩٢ - ١٩٣) (١).\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة ولَّى عبدُ الملك طارقًا مولى عثمان المدينة فوليَها خمسةَ أشهر.\nوفي هذه السنة تُوفّيَ بشِرُ بن مروانَ في قول الواقديّ، وأمَّا غيرُه، فإنَّه قال: كانت وفاته في سنة أربع وسبعين.\nوفيها أيضًا وَجَّه - فيما ذُكر - عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمرَ لقتال أبي فُدَيك، وأمره أن يندب معه من أحبّ من أهل المِصْرين، فقدِم الكوفة فندب أهلها، فانتدب معه عشرةُ آلاف، ثم قَدِم البَصْرة فندب أهلها، فانتدب معه عشرةُ آلاف، فأخرج لهم أرزاقَهم وأعطياتِهم، فأعطُوها، ثمّ سار بهم عمرُ بن عُبيد الله، فجَعل أهلَ الكوفة على الميمنة وعليهم محمَّد بن موسى بن طلحة، وجَعل أهلَ البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عُبيد الله، وجعل خيلَه في القلب، حتَّى انتهَوا إلى البحرَيْن، فصفّ عمر بن عبيد الله أصحابه، وقَدِم الرّجَّالة في أيديهم الرّماح قد ألزَموها الأرض، واستتروا بالبراذع، فَحَمل أبو فُدَيك وأصحابُه حملة رجل واحد، فكَشفوا ميسرة عُمر بن عبيد الله حتى ذهبوا في الأرض إلا المغيرةَ بن المهلَّب، ومَعْن بن المغيرة ومُجاعة بن عبد الرحمن وفُرسان الناس فإنَّهم مالوا إلى صَفّ أهل الكوفة وهم ثابتون، وارتُثّ عمرُ بن موسى بن عبيد الله، فهو في القتلى قد أثخِن جراحةً.\n_________\n(١) انتهت هنا الأخبار التي أوردها الطبري في وصفه للأحداث من بداية توجيه الحجاج لقتال أمير المؤمنين عبد الله ابن الزبير وانتهاءًا باستشهاده ﵁ وجلها من طريق الواقدي وهو متروك.","vol":"10","page":198},{"text":"فلمَّا رأى أهل البصرة أهلَ الكوفة لم ينهزموا؛ تذمَّمُوا ورجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير حتى مَرّوا بعمر بن موسى بنُ عبيد الله جريحًا فحملوه حتَّى أدخلوه عسكرَ الخوارج وفيه تبْن كثير فأحرقوه، ومالت عليهم الرّيح، وحمل أهلُ الكوفة وأهلُ البصرة حتَّى استباحوا عسكرَهم وقتلوا أبا فُدَيك، وحصَروهم في المُشَقَّر، فنزلوا على الحكم، فقتَل عمر بن عُبيد الله منهم - فيما ذُكِر - نحوًا من ستَّةِ آلاف، وأسَر ثمانمئة، وأصابوا جارية أميّة بن عبد الله حُبْلَى من أبي فدَيك، وانصَرفَوا إلى البَصْرة. (٦/ ١٩٣) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>ثم دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nواستخفّ فيها بأصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فختَم في أعناقهم؛ فَذكَر محمَّد بن عمرانَ بن أبي ذئب، حدّثه عمَّن رأى جابر بنَ عبد الله مختومًا في يده.\nوعن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد: أنه رأى أنس بن مالك مختومًا في عنقه، يريد أن يُذلَّه بذلك.\nقال ابن عمر: وحدّثني شُرَحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: رأيتُ الحجَّاح أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه، فقال: ما منعك أن تنصُر أميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفَّان! قال: قد فعلتُ، قال: كذبتَ، ثمّ أمَر به فختم في عنقِه برَصاص.\n_________\n(١) ذكرنا قسم الصحيح عند مقتل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵁ سنة ٧٣ هـ[٤/ ١٣] أن الآثار التي وردت في اتهام الصحابة لابن الزبير بالبخل لا تصح وذكرنا في حينها روايتين في إسناد الأولى مجهول (وهو عبد الله بن مساور) إذ يقول: سمعت عبد الله ابن عباس يعاتب ابن الزبير ويقول: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: المؤمن لا يشبع وجاره وابن عمه جائع. والثانية عن طريق ليث بن أبي سليم قال: (كان ابن عباس يكثر أن يعنف ابن الزبير بالخجل) وليث هذا ضعفه جمهور أئمة الحديث لأنه اختلط اختلاطًا شديدًا حتى تركه علماء الحديث ... هذا مختصر ما ذكرناه في قسم الصحيح ونزيد هنا فنقول أما الجزء المرفوع من الرواية (لا يشبع المؤمن وجاره جائع) فقد صح من طريق آخر وأما الجزء الموقوف - أي قول الصحابي - (وهو اتهام ابن الزبير بالبخل) فلا يصح وسها من قال بأن العلامة الألباني صحح الرواية وإنما صحح الألباني الجزء المرفوع فقط عند تخرجه لروايات الأدب المفرد للإمام البخاري والله أعلم.","vol":"10","page":199},{"text":"وفيها استَقْضَى عبدُ الملك أبا إدريس الخَوْلانيَّ - فيما ذكَر الواقديّ.\nوفي هذه السنة شَخَص في قول بعضهم بِشر بنُ مروان من الكوفة إلى البَصْرة واليًا عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>ذكر الخبر عن حرب المهلب للأزارقة</span>\n* ذكر الخبر عن أمرِه وأمرِهم فيها:\nولمَّا صار بِشْر بالبصرة كتب عبدُ الملك إليه - فيما ذكر هشام عن أبي مِخنَف، عن يونسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه:\nأما بعد، فابعث المهلَّب في أهل مصر إلى الأزارقة، ولْينتخب من أهلِ مِصْره وجوههم وفُرسانهم وأولي الفَضْل والتجربة منهم، فانَّه أعرف بهم، وخَلّهِ ورأيه في الحرب، فإني أوثَقُ شيء بتجربته ونصيحتهِ للمسلمين. وابعثْ من أهل الكوفة بعْثًا كثِيفًا، وابعثْ عليهم رجلًا معروفًا شريفًا، حسيبًا صليبًا، يُعرَف بالبأس والنَّجْدة والتَّجربة للحَرْب، ثمّ أنهِضْ إليهم أهلَ المِصْرين فليتبعوهم أيَّ وجهٍ ما توجَّهوا حتَّى يُبيدَهم الله ويستأصلَهم، والسلام عليك.\nفدعا بِشْرٌ المهلَّبَ فأقرأه الكتاب، وأمره أن ينتخب مَنْ شاء، فبعث بجُديع بن سَعيد بن قَبِيصة بن شراق الأزْدي - وهو خالُ يزيدَ ابنِه - فأمره أن يأتي الدّيوان فينتخب الناسَ، وشقّ على بشر أنّ إمرَة المهلَّب جاءتْ مِن قِبَل عبد الملك، فلا يستطيع أن يبعث غيره، فأوغرتْ صدرَه عليه حتَّى كأنَّه كان له إليه ذنب، ودعا بِشر بنُ مروانَ عبدَ الرحمن بنَ مِخنْفَ فبَعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فُرسانَ الناس ووجوهَهم وأولي الفَضْل منهم والنَّجدة (١) (٦/ ١٩٦).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني أشياخ الحيّ، عن عبد الرحمن بن مِخنَف قال: دعاني بِشر بنُ مروان فقال لي: إنَّك قد عرفتَ منزلتَك منّي، وأثَرَتك عندي، وقد رأيتُ أن أولِّيَك هذا الجيش للَّذي عرفتُ من جزئك وغنائك وشَرفِك وبأسِك، فكن عند أحسن ظني بك، انظرْ هذا الكذا كذا - يقع في المهلب - فاستبدّ عليه بالأمر، ولا تقبلنّ له مشورة ولا رأيًا، وتنقَّصْه وقَصِّر به.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":200},{"text":"قال: فترَك أن يُوصِيني بالجُنْد، وقتالِ العدُوّ، والنَّظر لأهل الإسلام، وأقبل يُغرِيني يا بن عمتي كأني من السُّفهاء، أو ممَّن يُستَصْبي ويُستجهَل، ما رأيتُ شيخًا مِثْلي في مِثْل هيئتي ومنزلتي طُمِع منه في مِثلِ ما طَمع فيه هذا الغلامُ مِنّي، شَبَّ عمرو عن الطَّوْق.\nقال: ولمَّا رأى أني لستُ بالنَّشيط إلى جوابه قال لي: ما لَك؟ قلتُ: أصلحكَ الله! وهل يَسعني إلا إنفاذ أمرك في كلّ ما أحببت وكرهت! قال: امضِ راشدًا، قال: فودّعتُه وخرجتُ من عنده، وخرج المهلَّب با أهل البصرة حتَّى نزل رامَهُرْمُز فلقيَ بها الخوارج، فخندق عليه، وأقبل عبدُ الرحمن بنُ مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه بِشْر بنُ جريرِ، وعلى ربع تميم وهَمْدان محمَّد بن عبدِ الرحمن بن سعيد بن قيس، وعلى ربع كِنْدَة وربيعةَ إسحاقُ بن محمَّد بن الأشعث، وعلى ربع مَذحِج وأسَد زَحْر بن قيس، فأقْبَل عبدُ الرحمن حتَّى نزل من المهلَّب على مِيل أو ميل ونصف، حيث تراءى العسكران برَامَهُرْمُز، فلم يلبث الناسُ إلا عشرًا حتى أتاهم نعيّ بِشر بن مروان، وتُوفيَ بالبصرة، فارفضَّ ناس كثيرٌ من أهل البصرة وأهلِ الكوفة واستخلف بشر خالدَ بنَ عبد الله بن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث، وكان الَّذين انصرفوا من أهل الكوفة زَحْر بن قيس وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث ومحمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، فبعث عبدُ الرحمن بنُ مخنف ابنَه جعفرًا في آثارهم، فردّ إسحاق ومحمَّدًا، وفاتَه زحْر بن قيس، فحبسهما يومين، ثمّ أخذ عليهما ألّا يفارقاه، فلم يلبثا إلا يومًا حتى انصرفا، فأخذا غير الطريق وطُلبا فلم يُلحقَا، وأقبَلا حتى لحقا زَحْر بنَ قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممَّن يريد البصْرة، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إلى الناس كتابًا، وبعث رسولًا يضرب وجوهَ الناس ويردّهم، فقدم بكتابه فولىً له، فقرأ الكتاب على الناس؛ وقد جُمِعوا له:\nبسم الله الرّحمن الرحيم، من خالد بنِ عبد الله، إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين سلامٌ عليكم، فإني أحَمد إليكم الله الَّذي لا إله إلّا هو، أمَّا بعد، فإنّ الله كتب على عباده الجهاد، وفرض طاعةَ وُلاةِ الأمر، فمن جاهد فإنَّما يجاهد لنفسه، ومن ترك الجهادَ في الله كان الله عنه أغنى، ومن عَصى ولاةَ","vol":"10","page":201},{"text":"الأمر والقَوّام بالحق أسخَط الله عليه، وكان قد استحقّ العُقوبة في بشره، وعرّض نفسَه لاستفاءَة مالِه وإلقاء عطائه، والتسيير إلى أبعد الأرض وشَرّ البلْدان، أيّها المسلمون! اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم؟ ! إنَّه عبدُ الملك بن مروان أميرُ المؤمنين، الذي ليست فيه غَمِيزة، ولا لأهل المعصية عنده رُخْصة، سوْطه على من عَصى، وعلى من خالَف سيفُه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلًا، فإني لم آلُكُم نصيحةً، عبادَ الله، ارجِعوا إلى مَكْتبِكم وطاعةِ خليفتِكم، ولا ترجِعوا عاصِين مخالِفين فيأتيَكم ما تكرهون، أقسِم بالله لا أثقَف عاصيًا بعد كتابي هذا إلا قتلتُه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله.\nوأخَذَ كلما قرأ عليهم سطرًا أو سطرين قال له زحْر: أوْجز؛ فيقول له مولى خالد: واللهِ إني لأسمع كلامَ رجل ما يريد أن يفهم ما يَسمع، أشهدَ لا يعيج بشيء مما في هذا الكتاب، فقال له: اقرأ أيها العبد الأحمر ما أمِرتَ به، ثم أرجع إلى أهلك، فإنك لا تدري ما في أنفسنا.\nفلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناسُ إلى ما في كتابه، وأقبَل زَحْر وإسحاقُ بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قرية لآل الأشعث إلى جانب الكوفة، وكتبوا إلى عمرو بن حُرَيث:\nأما بعد، فإنّ الناس لمّا بلغَهم وفاةُ الأمير رحمةُ الله عليه تفرّقوا فلم يثق معنا أحد؛ فأقبلنا إلى الأمير والي مصرِنا، وأحببنا ألّا نَدخل الكوفة إلّا بإذن الأمير وعلمه.\nفكتب إليهم:\nأما بعد، فإنكم تركتم مكْتَبكم، وأقبَلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا إذْن ولا أمان.\nفلما أتاهِم ذلك انتَظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم، فلم يزالوا مقيمين حتى قدِم الحجاج بن يوسف (١). (٦/ ١٩٦ - ١٩٩).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1677>عزل بكير بن وشاح عن خراسان وولاية أمية بن عبد الله عليها</span>\nوفي هذه السنة عزل عبدُ الملك بُكيرَ بن وشاح عن خُراسان، وولّاها أميةَ بن عبد الله بن خالد بن أسِيد.\n* ذكر الخبر عن سبب عزل بُكَير وولايةِ أميّة:\nوكانت ولايةُ بُكَير بن وِشاح خُراسان إلى حين قدم أمية عليها واليًا سنتين في قول أبي الحَسَن، وذلك أن ابن خازم قتِل سنة ثلاث وسبعين وقدم أميّة سنة أربع وسبعين.\nوكان سبب عزل بُكير عن خُراسان أنّ بحِيرًا - فيما ذكَر عليٌّ عن المفضّل - حبَسهُ بُكير بن وشاح لما كان منه فيما ذكرت في رأس ابن خازم حين قتله، فلم يزل محبوسًا عنده حتى استعمل عبدُ الملك أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فلما بلغ ذلك بُكيرًا أرسل إلى بَحير ليصالحَه، فأبى عليه وقال: ظنّ بُكير أنّ خُراسان تبقى له في الجماعة! فمشت السفراء بينهم، فأبى بَحِير، فدخل عليه ضرار بن حصين الضَّبيّ، فقال: ألا أراك مائقًا! يُرسل إليك ابنُ عمِّك يَعتذِر إليك وأنت أسيرُه، والمَشَرفيّ في يده - ولو قتلك ما حَبَقتْ فيك عنز، ولا تَقبَل منه! ما أنت بموفَّق. اِقبَل الصّلح، واخرج وأنت على أمرك، فقبل مشورته، وصالح بُكَيرًا، فأرسل إليه بكير بأربعين ألفًا، وأخذ على بَحير ألّا يقاتله، وكانت تميم قد اختلفت بخُراسان، فصارت مُقاعس والبطونُ يتعصّبون له، فخاف أهلُ خُراسان أن تعود الحربُ وتَفسد البلاد، ويقهرهم عدوّهم من المشركين، فكتبوا إلى عبد الملك بن مَرْوان: إنّ خُراسان لا تصلح بعد الفتنة إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصّبون عليه، فقال عبد الملك: خُراسان ثَغْر المَشرق، وقد كان به من الشرّ ما كان، وعليه هذا التميميّ، وقد تعصّب الناس وخافوا أن يصيروا إلى ما كانوا عليه، فيَهلك الثّغر ومَنْ فيه، وقد سألوا أنْ أولّيَ أمرَهم رجلًا من قريش فيسمعوا له ويطيعوا، فقال أميّة بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، تداركهم برجل منك، قال: لولا انحيازُك عن أبي فُدَيك كنت ذلك الرجل، قال: يا أمير المؤمنين، والله ما انحزْتُ حتى لم أجدْ مُقاتلًا، وخذَلني الناس، فرأيت أنّ انْحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي عصبةً بقيتْ من المسلمين","vol":"10","page":203},{"text":"للهلكة، وقد علم ذلك مَرّار بن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، وكتبَ إليك خالدُ بن عبد الله بما بَلَغه من عُذْري - قال: وكان خالد كتب إليه بعذره، ويُخبره أنّ الناس قد خذلوه - فقال مرّار: صدق أميّة يا أمير المؤمنين، لقد صبر حتى لم يَجد مقاتَلًا، وخَذلَه الناس، فولّاه خُراسان، وكان عبدُ الملك يُحب أميّة، ويقول: نتيجتي، أي لِدَتي، فقال الناس: ما رأيْنا أحدًا عُوِّض من هزيمة ما عُوّض أمية فرّ من أبي فُدَيْك فاستُعْمل على خراسان، فقال رجل من بكر بن وائل في محبس بُكَير بن وشاح:\nأَتَتْكَ العِيسُ تَنْفخُ في بُراها ... تُكشَّفُ عَنْ مَنَاكِبِها القُطوعُ\nكأنَّ مواقعَ الأكوارِ منها ... حمامُ كَنائسٍ بُقْعٌ وُقوعُ\nبأبيْضَ من أُميَّةَ مضرحِيٍّ ... كأنَّ جبينَهُ سَيْفٌ صنِيعُ\nوبَحير يومئذ بالسِّنْج يَسأل عن مسير أميّة؛ فلما بلغه أنه قد قارب أبْرشَهْر قال لرجل من عجم أهل مرْوَ يقال له رُزَين - أو زرير: دُلّني على طريق قريب لألقَى الأميرَ قبل قدومه، ولك كذا وكذا، وأجزِل لك العطية؛ وكان عالمًا بالطريق، فخرج به فسار من السِّنج إلى أرض سَرَخْسَ في ليلة، ثمّ مضى به إلى نيسابورَ فوافَى أميّة حين قدم أبرَشَهْر، فلقيَه فأخبره عن خُراسان وما يُصلح أهلَها وتَحسُن به طاعتُهم ويخف على الوالي مؤونتهم، ورفع عن بُكَير أموالًا أصابها، وحَذّره غدرَه.\nقال: وسار معه حتى قدم مَرْو، وكان أمية سيِّدًا كريمًا، فلم يَعرِض لبُكَير ولا لعماله، وعرض عليه أن يوليَه شُرطتَه، فأبى بُكَير، فولّاها بَحير بن وَرْقاء، فلام بُكيرًا رجالٌ من قومه، فقالوا: أبيتَ أن تلِي، فولَّى بَحيرًا وقد عرفتُ ما بينكما! قال: كنتُ أمس واليَ خُراسانَ تُحمَل الحِرابُ بين يديّ فأصير اليوم على الشرطة أحمل الحربة!\nوقال أمية لبُكَير: اختَرْ ما شئت من عَمل خُراسانَ، قال: طُخارِسْتان، قال: هي لك، قال: فتجهزَ بُكَير وأنفَق مالًا كثيرًا، فقال بحِير لأمية: إنْ أتى بُكَير طَخارِسْتانَ خلعك، فلم يزل يحذّره حتى حذِر، فأمَره بالمُقام عندَه. (٦/ ١٩٩ - ٢٠١).","vol":"10","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1678>ثم دخلت سنة خمس وسبعين ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>ولاية الحجاج على الكوفة وخطبته في أهلها</span>\nوفيها قَدِم الحجّاج الكوفة، فحدّثني أبو زيد، قال: حدّثني محمد بنُ يحيى أبو غسان، عن عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر، قال: خرج الحجَّاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروانَ بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبًا على النّجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجاءةً، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحروريّة، فبدأ بالمسجد فَدَخله، ثمّ صعِد المنبر وهو متلثّم بعمامة خَزّ حمراء، فقال: عليَّ بالناس، فحسبوه وأصحابَه خارجة، فهَمّوا به، حتى إذا اجتمع إليه الناسُ قام فكشف عن وجهه وقال:\nأنا ابنُ جَلَا وطَلَّاع الثَّنَايا ... مَتَى أضَعِ العِمامَة تَعْرفوني\nأما والله إنّي لأحمل الشرَّ محملَه، وأحذُوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى رؤوسًا قد أيْنَعتْ وحانَ قِطافُها، وإني لأنظر إلى الدِّماء بين العمائم واللِّحَى.\nقد شمَّرَتْ عن ساقِهَا تَشْميرا\nهذا أوان الشَّد فاشتدِّي زِيَمْ ... قد لَفَّها الليلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ\nليس براعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ... ولا بجزَّارٍ على ظهرِ وضَمْ\nقد لَفَّها الليْلُ بعصْلَبيِّ ... أَرْوَعَ خَرّاجٍ من الدّوِّيِّ\nمُهَاجِرٍ لَيْسَ بأعْرَابيّ\nليس أوان يكْره الخِلاطُ ... جاءَت به والقُلُص الأعلاطُ\nتَهوِى هُويَّ سابقِ الَغطاطِ\nوإني والله يا أهل العراق ما أغمَز كتَغماز التّين، ولا يقَعْقَعُ لي بالشِّنان، ولقد فُرِرْت عن ذكاء، وجَرَيْت إلى الغاية القصوى، إن أمير المؤمنين، عبدَ الملك نَثَر كنانته ثمّ عَجَم عيدانَها فوجدني أَمَرَّها عُودًا، وأصلبَها مَكسرًا، فوجّهني إليكم؛ فإنكم طالما أوضَعْتم في الفتَن، وسنَنتُم سنن الغيّ، أما والله لألحُوَنكم","vol":"10","page":205},{"text":"لَحْوَ العود، ولأعصبنكم عَصْب السلَمة، ولأضربنكم ضربَ غرائب الإبلِ، إني والله لا أعِد إلا وَفَيْت ولا أخلُق إلا فَرَيْت، فإيّاي وهذه الجماعات وقيلًا وقال، وما يقول، أو، فيمَ أنتم وذاك؛ واللهِ لتسْتَقيمُنَّ على سُبُلِ الحق أو لأدَعَنّ لكلّ رجل منكم شُغْلًا في جَسَده، من وجدتُ بعد ثالثة مَن بَعْثِ المهلب سَفكْتُ دمَه، وأنهبْتُ مالَه.\nثم دخل منزله ولم يزدْ على ذلك.\nقال: ويقال: إنه لما طال سكوتُه تَناوَل محمد بنُ عُمَير حَصىً فأراد أن يَحصِبه بها، وقال: قاتله الله! ما أعيَاه وأدمّه! والله إنّي لأحسَب خبرَه كرُوَائه، فلما تكلم الحجاج جَعل الحَصَى يَنتثر من يدِه ولا يعقل به، وأنّ الحجاج قال في خُطْبته:\nشاهت الوجوه! إنّ الله ضَرَبَ ﴿مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وأنتم أولئك وأشباه أولئك، فاستوثقوا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتَّى تَدِرُّوا، ولأعصبنَّكم عَصب السَّلَمة حتَّى تنقادوا، أقسِم بالله لتقبِلنّ على الإنصاف، ولتَدَعُنّ الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبْر وما الهبْر! أو لأهْبُرنكم بالسَّيف هبْرًا يدَع النساءَ أيامَى، والولدان يتامى، وحتَّى تمشوا السُّمَّهَى، وتقلعوا عن هاوهَا، إيَّاي وهذه الزّرافاتِ، لا يركَبَنَّ الرجلُ منكم إلا وحده، ألا إنَّه لو ساغ لأهل المعصية معصيتُهم ما جُبِي فيءٌ ولا قُوتل عدوّ، ولعُطِّلت الثغور، ولولا أنَّهم يُغزَون كَرْهًا ما غزوا طَوْعًا، وقد بَلَغَني رَفْضكم المهلّب، وإقبالُكم على مصركم عُصاةً مخالفين، وإني أقسِم لكم بالله لا أجد أحدًا بعد ثالثة إلَّا ضربتُ عنقَه.\nثمّ دعا العُرَفاءَ فقال: ألحقُوا الناس بالمهَلَّب، وأتُوني بالبراءات بمُوافاتهم ولا تُغلقنّ أبوابَ الجسْر ليلًا ولا نهارًا حتَّى تنقضِيَ هذه المدّة.\nتفسير الخُطْبة: قولُه: \"أنا ابنُ جَلَا\" فابنُ جلا: الصُّبْح لأنَّه يجلو الظُّلمة، والثنايا: ما صَغُر من الجبال ونتَأ. وأينع الثَّمر: بلغ إدْراكه.\nوقوله: \"فاشتدّي زِيَم\" فهي اسمٌ للحَرْب، والحُطَم: الَّذي يَحطم كلَّ شيء يَمُرّ به، والوَضَمُ: ما وُقي به اللّحم من الأرض، والعَصْلَبيّ: الشديد،","vol":"10","page":206},{"text":"والدَّوّيَّة: الأرض الفضاء الَّتي يُسمع فيها دَويُّ أخفاف الإبل.\nوالأعلاط: الإبلُ الَّتي لا أرسانَ عليها، أنشَد أبو زيد الأصمعيُّ:\nواعرَوْرَت العُلُطُ العُرْضيُّ تركضهُ ... أمُّ الفوارس بالدِّيدَاء والرَّبَعَهْ\nوالشِّنان، جمعَ شَنَّة: القِرْبة البالية اليابسة، قال الشاعر:\nكأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجلَيْه بشِنِّ\nوقولُه: \"فعَجَم عيدانَها\" أي: عَضَّها، والعَجم بفتح الجيم: حَبّ الزبيب، قال الأعشى:\nوملفوظُها كلَقيط العَجَمْ\nوقوله: \"أمَرّها عُودًا\" أي: أصلَبها، يقال: حبْل مُرٌّ، إذا كان شديدَ الفتْل، وقولُه: \"لأعصبِنَّكم عَصْب السَلَمَة\" فالعَصْب القَطعْ، والسلَمَة؛ شجرةٌ من العِضاه، وقولُه: \"لا أخلُق إلّا فَرَيْت\"، فالخَلْق: التَّقدير: قال الله تعالى: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، أي مقدَّرة وغير مقدّرة، يعني ما يتمّ وما يكون سِقْطًا قال الكُمَيت يصف قرْبة:\nلم تَجْشَمِ الخالقاتُ فرْيتَها ... ولم يَفِضْ من نِطاقِها السَّرَبُ\nوإنَّما وصف حواصل الطَّير، يقول: ليست كهذه، وصَخرة خَلْقاء، أي مَلْساء، قال الشاعر:\nوبَهُوٌ هَواءٌ فوقَ مورٍ كأنَّه ... من الصَّخْرة الخَلْقاء زُحْلوقُ مَلعَبِ\nويقال: فَريتُ الأديم إذا أصلحتَه، وأفرَيت، بالألف إذا أنتَ أفسَدْته، والسُّمَّهَى: الباطل، قال أبو عمرو الشَّيبانيّ: وأصله ما تُسمِّيه العامَّةُ مُخاطَ الشَّيطان، وهو لُعاب الشَمس عند الظَّهيرة، قال أبو النَّجم العجْليّ:\nوذابَ للشَّمسِ لُعَابٌ فنزَلْ ... وقامَ مِيزانُ الزَّمان فاعتدَلْ\nوالزَّرافات: الجماعات، تمّ التفسير. (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٦).\nقال أبو جعفر: قال عمر: فحدّثني محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن أبي عُبيدَة، قال: فلمَّا كان اليومُ الثالث سمع تكبيرًا في السُّوق، فخرج حتَّى جلس على المنبر، فقال:\nيا أهلَ العراق، وأهل الشِّقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعتُ","vol":"10","page":207},{"text":"تكبيرًا ليس بالتّكبير الَّذي يراد اللهُ به في التَّرغيب، ولكنَّه التكبيرُ الَّذي يُراد به التَّرهيب، وقد عرفتُ أنَّها عَجاجة تحتَها قَصْف، يا بني اللَّكيعة وعَبيد العصا، وأبناء الأيَامَى، ألا يَربَع رجلٌ منكم على ظَلْعه، ويُحْسن حَقْن دمه، ويبصر موضعَ قدمه! فأقسم بالله لأوشكُ أن أوقعَ بكم وقعةً تكون نكالًا لما قَبْلها، وأدبًا لما بَعدَها.\nقولُه: \"تحتَها قصْف\" فهو شدّة الرّيح، واللَّكعاء: الوَرْهاء، وهي الحَمْقاء من الإماء، والظَّلع: الضعْف والوَهن من شدّة السير، وقوله: \"تهوى هَويّ سابق الغُطاط\" فالغُطاط بضم الغين: ضربٌ من الطير. قال الأصمعيّ: الغَطَاط بفتح الغَين: ضربٌ من الطَّير، وأنشد لحسَّان بن ثابت:\nيُغْشَوْن حتى ما تَهرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسأَلون عن الغَطَاطِ المُقْبِل\nبفتح الغين، قال: والغُطاط بضم الغين: اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل، قال الراجز:\nقامَ إلى أَدْمَاءَ في الغُطَاطِ ... يَمْشي بِمِثْلِ قَائِمِ الفُسْطاطِ\nتمّ التفسير.\nقال: فقام إليه عُمَير بن ضابيء التَّميميّ ثمّ الحنظليّ فقال: أصلَح اللهُ الأمير! أنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير عليل، وهذا ابني، وهو أشَبّ مني؛ قال: ومَنْ أنت؟ قال: عُمَير بنُ ضابيء التَّميميّ، قال: أسمعتَ كلامنا بالأمس؟ قال: نعم، قال: ألستَ الَّذي غزا أميرَ المؤمنين عثمانَ؟ قال: بلى؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حَبَس أبي، وكان شيخًا كبيرًا، قال: أو ليس يقول:\nهَمَمْتُ ولم أفعَلْ وكِدْتُ وليْتني ... تَرَكْتُ على عثمانَ تَبكي حَلَائلُهْ\nإني لأحسَب في قتلك صلاح المِصرَيْن، قم إليه يا حَرسيّ، فاضرب عنقَه؛ فقام إليه رجل فضربَ عنقَه، وأنهَب ماله.\nويقال: إنّ عَنبَسة بن سعيد قال للحجَّاج: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أحدُ قتَلة أمير المؤمنين عثمان؛ فقال الحجَّاج: يا عدوَّ الله، أفلا إلى أمير المؤمنين بعثتَ بديلًا! ثمّ أمر بضرْب عنقِه، وأمر مناديًا فنادَى: ألا إنّ عُمَير بن","vol":"10","page":208},{"text":"ضابئ أتَى بعد ثالثة؛ وقد كان سمِع النداء، فأمرنا بقتْله، ألا فإنَّ ذمة الله بريئةٌ ممَّن بات الليلة من جُنْد المهلَّب.\nفخرج الناسُ فازَدَحموا على الجسر، وخرجت العُرَفاء إلى المهلَّب وهو برَامَهُرْمُز فأخذوا كتبه بالمُوافاة، فقال المهلَّب: قدم العراقَ اليومَ رجل ذكَر: اليومَ قوتِل العدوُّ.\nقال ابن أبي عُبيدة في حديثه: فعَبر الجِسْر تلك الليلة أربعةُ آلاف من مَذْحج، فقال المهلَّب: قدم العراقَ رجل ذكرَ. (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\nقال عمر عن أبي الحسن، قال: لمَّا قرأ عليهم كتابَ عبد الملك قال القارئ: أمَّا بعد، سلامٌ عليكم فإني أحمَد إليكم الله، فقال له: اقطع، يا عبيد العصا، أيسلِّمَ عليكم أميرُ المؤمنين فلا يَردّ رادٌ منكم السَّلام! هذا أدبُ ابن نِهية، أما والله لأؤدبنَّكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلمّا بلغ إلى قوله: \"أما بعد، سلامٌ عليكم\"، لم يَبق منهم أحدٌ إلّا قال: وعلى أمير المؤمنين السَّلام ورحمة الله. (٦/ ٢٠٨).\nقال عمر: حدّثني عبدُ الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مِسمَع، قال: حدَّثني عمرو بن سعيد، قال: لمَّا قدم الحجَّاجُ الكوفة خطبهم فقال: إنَّكم قد أخللتم بعسكر المهلّب، فلا يُصبِحنّ بعد ثالثة من جُنْده أحدٌ، فلمَّا كان بعد ثالثة أتى رجلٌ يستدمي، فقال: من بك؟ قال: عمير بنُ ضابئ البُرجُميّ، أمرتُه بالخروج إلى مُعسكره فضربني - وكَذَب عليه.\nفأرسل الحجَّاج إلى عُمير بن ضابئ، فأتِيَ به شيخًا كبيرًا، فقال له: ما خلَّفك عن مُعسكرِك؟ قال: أنا شيخ كبيرٌ لا حراك بي، فأرسلتُ ابني بديلًا فهو أجلد منّي جَلدًا، وأحدَث مني سنًّا، فسلْ عما أقول لك، فإن كنتُ صادقًا وإلّا فعاقبني، قال: فقال عَنْبسة بنُ سعيد: هذا الَّذي أتى عثمان قتيلًا؛ فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه، فأمر به الحجّاجُ فضربتْ عنقه، قال عمرو بن سعيد: فوالله إني لأسير بينَ الكوفة والحيرة إذ سمعتُ رَجَزًا مُضَريًّا، فعدلْت إليهم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قَدم علينا رجل من شرّ أحياء العرب من هذا الحيّ من ثمود، أسْقف الساقين، مَمْسُوح الجاعِرَتين، أخفَش العينين، فقدّم سيّد الحيّ عميرَ بن ضابئ فضرَبَ عنقَه.","vol":"10","page":209},{"text":"ولما قَتَل الحجاج عمير بن ضابئ لقي إبراهيمُ بن عامر أحد بني غاضرةَ من بني أسد عبدَ الله بن الزُّبير في السوق فسأله عن الخبر، فقال ابن الزّبير:\nأَقُولُ لإبراهيمَ لمَّا لقِيتُهُ ... أرَى الأَمر أَمْسَى مُنْصِبًا متشَعِّبا\nتجَهَّزْ وأَسْرعْ والحق الجَيْشَ لا أَرَى ... سِوَى الجيش إلَّا في المَهالِك مَذْهَبَا\nتَخيَّرْ فإِما أَن تزور ابنَ ضَابئ ... عمَيرًا وإمَّا أن تزور المهَلَّبا\nهما خُطَّتا كرهٍ نَجَاؤُكَ مِنهُمَا ... ركُوبُك حَوْليًّا من الثَّلج أَشْهَبَا\nفحالَ ولو كانت خُراسَان دونَه ... رآها مكان السّوقِ أَوْ هِيَ أَقْربا\nفكائنْ ترَى من مُكْرهِ العَدْوِ مُسْمنٍ ... تحَمّمَ حِنْوَ السَّرْج حتَّى تحنَّبا\nوكان قُدومُ الحجاج الكوفة - فيما قيل - في شهر رمضانَ في هذه السنة، فوجّه الحكم بن أيوب الثّقَفيّ على البَصْرة أميرًا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالدًا الخبرُ خرج من البَصْرة قبل أن يدخُلَها الحَكَمُ، فنزل الجَلْحاءَ وشيَّعه أهلُ البصرة، فلم يَبَرح مُصَلَّاه حتى قسِّم فيهم ألف ألف. (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\nوحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الملك بنُ مَرْوان، حدّثني بذلك أحمَد بنُ ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر، ووَفَد يحيى بن الحَكَم. في هذه السنة على عبد الملك بن مروان، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بنَ عثمان، وأمر عبدُ الملك يحيىَ بنَ الحكم أنّ يمرّ على عمله على ما كان عليه بالمدينة، وعلى الكوفة والبصرة الحجّاج بن يوسف، وعلى خُراسانَ أميّة بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح، وعلى قضاء البَصْرة زُرارة بن أوْفى.\nوفي هذه السنة خرج الحجّاجُ من الكوفة إلى البَصْرة واستَخْلَفَ على الكوفة أبا يَعْفُور عُروَة بن المغيرة بن شُعْبة، فلم يزل عليها حتى رَجَع إليها بعد وَقْعة رُستقْباذ. (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"10","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1680>ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجّاج بالبصرة</span>\nوفي هذه السنة ثار الناسُ بالحجّاج بالبَصْرة.\n* ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به:\nذكر هشام، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العَبْسيّ، قال: خرج الحجّاج بن يوسفَ من الكوفة بعدما قدمها، وقتل ابن ضابئ من فوره ذلك حتّى قدم البصرة، فقام فيها بخُطْبة مِثل التي قام بها في أهْل الكوفة، وتوعدهم مِثْل وعيده إياهم، فأتِيَ برجل من بني يَشْكرَ فقيل: هذا عاصٍ، فقال: إنَّ بي فتْقًا، وقد رآه بِشر فعذَرَني، وهذا عطائي مَرْدود في بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البَصْرة، فخرجوا حتى تداكؤوا، على العارض بقَنْطرة رامَهُرْمز، فقال المهلب: جاء الناسَ رجلٌ ذكَر.\nوخرج الحجّاج حتى نزل رُسْتقْباذَ في أوّل شعبان سنة خمس وسبعين فثارَ الناسُ بالحجاج، عليهم عبد الله بن الجارود، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث بثمانية عشر رأسًا فنُصبتْ بِرامَهُرمُز للناس، فاشتدّت ظهورُ المسلمين، وساء ذلك الخوارج، وقد كانوا رَجوْا أن يكونَ من الناس فُرقة واختلاف، فانصرَف الحَجاج إلى البَصْرة.\nوكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أنّ الحجاج لما ندب الناسَ إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشخصوا سار الحجاج حتى نزل رستقْباذ قريبًا من دَسْتَوَى في آخر شعبانَ ومعه وجوهُ أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلّب ثمانيةَ عشرَ فَرْسَخًا، فقام في الناس، فقال: إنّ الزيادة التي زادكم ابنُ الزبير في أعطِياتكم زيادة فاسِق منافق، ولستُ أجيزُها، فقام إليه عبدُ الله بن الجارود العَبْديّ فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبَتها لنا. فكذَّبه وتوعّده، فخرج ابنُ الجارود على الحَجّاج وتابَعَه وجوهُ الناس، فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه ورؤوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، وانصرَفَ إلى البَصْرة، وكتَب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن بن مخنف: أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا فناهِضوا","vol":"10","page":211},{"text":"الخوارجَ؛ والسلام (١). (٦/ ٢١٠ - ٢١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>نفي المهلَّب وابن مخنف الأَزارقة عن رامهرمز</span>\nوفي هذه السنة نفى المهلّب وابنُ مخنَف الأزارقةَ عن رامَهُرْمُز.\n* ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة:\nذكر هشام عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسيّ، قال: ناهض المهلب وابنُ مخنف الأزارقة برَامَهُرْمز بكتاب الحجّاج إليهما لعشر بقين من شعبان يومَ الإثنين سنة خمس وسبعين، فأجلوهم عن رامَهُرمُز من غير قتال شديد، ولكنهم زَحفوا إليهم حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابُورَ بأرض منها يقال لها كازَرُون، وسار المهلب وعبدُ الرحمن بنُ مخنَف حتى نزلوا بهم في أول رمضانَ، فخندقَ المهلب عليه، فذكر أهلُ البصرة أنّ المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إنْ رأيتَ أن تُخندق عليك فافعَلْ؛ وإنْ أصحاب عبد الرحمن أبَوْا عليه وقالوا: إنما خندقُنا سُيوفنا، وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلَّا لَيُبيِّتوه، فوجدوه قد أخذ حذْره، فمالُوا نحوَ عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابُه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فقُتِل، وقتِلوا حوله، فقال شاعرهم:\nلمن العَسْكَرُ المكلَّلُ بالصَّرْ ... عى فَهُمْ بين ميّتٍ وقَتِيلِ\nفتَرَاهُم تَسْفِي الرياحُ عليهمْ ... حاصِبَ الرَّمْل بَعْدَ جَرِّ الدُّيولِ\nوأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنّ كتاب الحجاج بن يوسف أتى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف: أنْ ناهِضَا الخوارجَ حين يأتيكما كتابي، فناهضاهم يومَ الأربعاء لعشر بقِين من رمضانَ سنة خمس وسبعين واقتَتَلوا قتالًا شديدًا لم يكن بينهم فيما مضى قتالٌ كان أشدَّ منه، وذلك بعد الظهر، فمالت الخوارجُ بحدّها على المهلب بن أبي صُفرة فاضطروه إلى عَسْكره، فسرّح إلى عبد الرحمن رجالًا من صلحاء الناس، فأتَوْه، فقالوا: إنّ المهلب يقول لك: إنما عدوُّنا واحد، وقد ترَى ما قد لقي المسلمون، فأمِدَّ إخوانك يرحمك الله، فأخذ يُمِدّه بالخيل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":212},{"text":"بعد الخيل، والرّجال بعد الرّجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارجَ ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرّجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خَفّ أصحابه فجعلوا خمس كتائبَ أو سِتًّا تُجاهَ عسكر المهلب، وانصرَفوا بحدّهم وجمعِهم إلى عبد الرحمن بن مخنَف، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القُرَّاء، عليهم أبو الأحوص صاحبُ عبد الله بن مسعود، وخُزَيمة بن نصر أبو نصر بن خُزَيمة العبسيّ الذي قُتل مع زيد بن عليّ وصلب معه بالكُوفة، ونزل معه من خاصَّة قومه أحدٌ وسبعون رجلًا، وحملت عليهم الخوارجُ فقاتلتْهم قتالًا شديدًا، ثمّ إنّ الناس انكشفوا عنه، فبقي في عِصابة من أهل الصّبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، فنادَى في الناس ليتْبعوه إلى أبيه، فلم يتْبعه إلّا ناس قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارجُ بينه وبين أبيه، فقاتل حتى ارتثّته الخوارج، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تلّ مُشرف حتى ذهب نحوٌ من ثُلثيِ الليل، ثمّ قُتل في تلك العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه، فدَفنه وصلّى عليه، وكتب بمُصابه إلى الحجّاج، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مَرْوان، فنعى عبد الرحمن بمِنىً، وذمَّ أهلَ الكوفة، وبعثَ الحجّاجُ على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتّابَ بن وَرقاء، وأمره إذا ضمّتْهما الحَرْب أن يَسمَع للمهلّب ويطيع، فساءه ذلك، فلم يجد بُدّا من طاعة الحجاج ولم يَقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام في ذلك العسكر، وقاتل الخوارج وأمرُه إلى المهلب، وهو في ذلك تقضي أمورَه، ولا يكاد يستشير المهلب في شيء، فلما رأى ذلك المهلب اصطَنع رجالًا من أهل الكوفة فيهم بِسطامُ بن مَصْقَلة بن هُبيرة، فأغراهم بَعتّاب (١). (٦/ ٢١١ - ٢١٣).\nقال أبو مخنف عن يوسفَ بن يزيد: إن عتَّابًا أتى المهلَّب يسأله أن يرزق أصحابَه، فأجلسَه المهلَّب معه على مجلسه، قال: فسأله أن يرزق أصحابه سؤالًا فيه غِلظة وتجهُّم، قال: فقال له المهلب: وانَّك لها هنا بابن اللَّخناء! فبنو تميم يَزعمون أنَّه رَدَّ عليه، وأمَّا يوسفُ بنُ يزيدَ وغيرُه فيَزعمون أنَّه قال: والله إنَّهما لمعمّةٌ مُخْوِلَةٌ، ولوَددتُ أن الله فرّق بيني وبينك، قال: فجرى بينهما\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":213},{"text":"الكلام حتَى ذهب المهلَّب ليرفع القضيب عليه. فوثب عليه ابنُه المغيرة، فقَبض على القضيب وقال: أصَلح الله الأمير! شيخٌ من أشياخ العرب، وشريفٌ من أشرافهم، إنْ سمعتَ منه بعضَ ما تكرهه فاحتملْه له، فإنَّه لذلك منك أهل، ففعل، وقام عتَّاب فرجع من عنده، واستقبله بسطامُ بن مَصقلَة يشتُمه، وتقع فيه.\nفلما رأى ذلك كَتَب إلى الحجَّاج يشكو إليه المهلَّب ويُخبِره أنَّه قد أغرى به سُفهاءَ أهل المصر، ويسأله أن يضمَّه إليه، فوافق ذلك من الحجَّاج حاجةً إليه فيما لقي أشرافُ الكوفة من شبيب، فبعث إليه أن اقدَمْ واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلَّب، فبعث المهلَّب عليه حبيب بن المهلَّب.\nوقال حُمَيد بن مُسلم يرثي عبدَ الرحمن بن مخنف:\nإن يقتُلوك أبا حكيم غُدوةً ... فلقدْ تَشُدُّ وتَقتُل الأَبطَالَا\nأو يُثْكِلُونا سيدًا لمُسوَّدٍ ... سَمْحَ الخليقةِ ماجِدًا مِفضالَا\nفلَمِثل قتلك هَدَّ قومَكَ كلَّهُمْ ... مَن كان يَحمِلُ عنهمُ الأَثقَالَا\nمن كان يَكِشفُ غُرمهم وقتالَهُم ... يومًا إذا كان القتالُ نِزالَا!\nأقسمتُ ما نِيلَتْ مَقاتِلُ نفسه ... حتى تَدَرَّعَ من دَمٍ سِرْبالَا\nوتناجَزَ الأَبْطالُ تحتَ لوائِه ... بالمَشْرَفيَّة في الأَكُفّ نِصالَا\nيومًا طويلًا ثمّ آخرَ ليلِهِم ... حين استبانوا في السماء هِلالَا\nوتكشَّفَتْ عنه الصُّفوف وخَيلُهُ ... فهنُاكَ نالَتْهُ الرِّماحُ فمالَا\nوقال سُراقة بنُ مِرْداس البارقيّ:\nأَعَيْنيَّ جُودَا بالدُّموع السواكبِ ... وكُونَا كَواهِي شَنَّةٍ مع راكبِ\nعلى الأَزْدِ لمّا أن أصِيب سَراتُهُمْ ... فنُوحَا لعيشٍ بعدَ ذلك خائبِ\nنُرجِّي الخلودَ بعدهْم وتَعُوقنا ... عوائقُ موتٍ أو قِرَاعُ الكَتَائبِ\nوكنَّا بخيرٍ قبلَ قَتل ابنِ مِخْنفٍ ... وكلُّ امرئً يومًا لبعضِ المذاهب\nأمارَ دُموعَ الشِّيبِ من أَهل مِصرِهِ ... وعَجَّل في الشُّبَّان شَيْب الذوائبِ\nوقَاتَل حتى ماتَ أكرَمَ مِيتةٍ ... وخرَّ على خَدٍّ كَرِيم وحاجبِ\nوضَارَب عنه المارِقينَ عصابةٌ ... منَ الأَزْدِ تمشي بالسّيوف القَواضبِ\nفلا ولَدَتْ أُنثَى ولا آبَ غائبٌ ... إلى أهلِه إنْ كان ليسَ بآيبِ","vol":"10","page":214},{"text":"فيا عينُ بَكِّي مِخنفًا وآبنَ مخنفٍ ... وفُرسانَ قومي قُصْرَةً وأقاربي\nوقال سُراقة أيضًا يَرثي عبدَ الرحمن بن مخنَف:\nثَوَى سيّدُ الأَزْديْن أَزْد شَنُوءَةٍ ... وأَزد عُمانَ رهن رَمْسٍ بكازِرِ\nوضارب حتَّى ماتَ أَكرم مِيتةٍ ... بأبيضَ صافٍ كالعقيقة باترِ\nوصُرِّع حولَ التَّلّ تحتَ لوائه ... كرامُ المسَاعي من كِرَام المعاشِر\nقَضَى نحبَهُ يومَ اللِّقاء ابنُ مِخنفٍ ... وأدبَر عنه كلُّ ألوَثَ دَاثر\nأَمدَّ فلم يُمدَدْ فراحَ مُشَمّرًا ... إلى الله لم يَذهبْ بأَثواب غَادِرِ\nوأقامَ المهلَّب بسابُورَ يقاتِلُهم نحوًا من سنة (١). (٦/ ٢١٣ - ٢١٥).\nوفي هذه السنة تحرَّك صالح بن مُسَرّح أحدُ بني امرئ القيس، وكان يرى رأىَ الصُّفْريّة، وقيل: إنَّه أوّل من خرج من الصُّفْرّية. (٦/ ٢١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>ذكر الخبر عن تحرُّك صالح للخروج وما كان منه في هذه السنة</span>\nذكر أنّ صالح بن مسرّح أحد بني امرئ القيس حجّ سنة خمس وسبعين، ومعه شبيبُ بنُ يزيدَ وسُوَيد والبَطين وأشباهُهم.\nوحجَّ في هذه السنة عبدُ الملكُ بنُ مروان، فهمّ شبيب بالفتْك به، وبلغه ذَرْءٌ من خبَرهم، فكتب إلى الحجَّاج بعد انصرافه يأمره بطَلبهم، وكان صالح يأتي الكوفةَ فيقيم بها الشَّهْرَ ونحوه فيلقَى أصحابه ليَعِدَهم، فنبتْ بصالح الكوفة لَمَّا طلبه الحجَّاج، فتنكَّبَها. (٦/ ٢١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>ثم دخلت سنة ست وسبعين ذكر الكائن من الأحداث فيها</span>\nفمن ذلك خروج صالح بن مسرّح.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1684>ذكر الخبر عنَ خروج صالح بن مسرّح وعن سبب خروجه</span>\nوكان سببُ خروجه - فيما ذكرَ هشام، عن أبي مِخْنف، عن عبد الله بن علقمة، عن قَبيصة بن عبد الرّحمن الخَثْعميّ -: أنّ صالح بنَ مسرّح التميميَّ كان رجلًا ناسكًا مُخبِتًا مصفرّ الوجه، صاحب عبادة، وأنه كان بدَارا وأرض المَوْصل والجزيرة له أصحابٌ يُقرئهم القرآن ويفقِّههُم ويقصّ عليهم، فكان قبيصة بنُ عبد الرحمن حدّث أصحابنا أنّ قصص صالح بن مسرِّح عنده، وكان ممَّن يرى رأيَهم، فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم، ففعل.\nوكان قصصه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. اللهمَّ إنَّا لا نَعدل بك، ولا نحْفِد إلا إليك، ولا نعَبدُ إلا إيَّاك، لك الخَلْق والأمر، ومنك النَّفع والضرّ، وإليك المصير، ونَشهد أنّ محمَّدًا عبدُك الَّذي اصطفيتَه، ورسولُك الذي اخْتَرْتَه وارتضيْتَه لتبليغ رسالاتك، ونصيحةِ عبادك، ونَشهدُ أنَّه قد بلَّغ الرسالة، ونَصَح للأمَّة، ودعا إلى الحقِّ، وقام بالقِسْط، ونصر الدّين، وجاهد المشركين، حتَّى توفَّاه الله - ﷺ -، أوصيكم بتقوى الله والزّهدِ في الدنيا، والرّغبة في الآخرة، وكثرةِ ذكر الموت، وفراقِ الفاسقين، وحبِّ المؤمنين، فإنّ الزَّهادة في الدنيا تُرغِّب العبدَ فيما عند الله، وتُفرّغ بدنَه لطاعة الله، وإنّ كثرةَ ذِكر الموت يُخيف العبد من ربِّه حتى يَجأرَ إليه، ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nوإن حُبّ المؤمنين للسّبب الَّذي تُنال به كرامة الله ورحمته وجنّته، جعلنا الله وإيَّاكم من الصادقين الصابرين، ألا إنّ من نعمة الله على المؤمنين أنْ بعث فيهم رسولا من أنفسِهم فعلَّمهم الكتابَ والحكمة وزَكَّاهم وطَهّرهم ووفّقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، حتَّى قبضه الله، صلواتُ الله عليه، ثمّ وليَ الأمر من بعدِه التقيّ الصدّيق على الرّضا من المسلمين، فاقتدى بِهديه، واستن بسُنّته، حتى لحِق بالله - ﵀ - واستَخلف عمرَ، فولّاه الله أمر هذه الرعيّة، فعَمِل بكتاب الله، وأحيا سُنة رسولِ الله، ولم يُحنِقْ في الحقّ على","vol":"10","page":216},{"text":"جِرّته، ولم يخفْ في الله لومة لائم، حتى لَحِقَ به رحمةُ الله عليه، ووليَ المسلمين من بعده عثمان، فاستأثر بالفَيء، وعَطّل الحدُود، وجارَ في الحُكْم، واستَذلَّ المؤمن، وعزَّز المجرِم، فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسولُه، وصالحُ المؤمنين؛ ووَلي أمر الناس من بعده عليّ بن أبي طالب، فلم ينشب أن حكّمَ في أمر الله الرّجال، وشكّ في أهل الضلال، وركن، وأدْهن، فنحن من عليّ وأشياعِه بُراء، فتيسّروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحَزّبة، وأئمة الضلال الظَّلمة وللخروج من دارِ الفناء إلى دار البقاء، واللَّحاق بإخواننا المؤمنين الموقِنين الذِين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالَهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإنَّ القتل أيْسرُ من الموت، والموتُ نازِلٌ بكم غير ما ترجُم الظنون، فمفرّق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم، وحلائِلِكم ودنياكم، وإن اشتدّ لذلك كُرْهكم وجزعكم، ألَا فبيِعوا الله أنفسَكم طائعين وأموالَكم تدخلوا الجنة آمنين، وتعانِقوا الحُور العين، جعلنا الله وإيَّاكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يَهْدون بالحقّ وبه يَعدِلون (١). (٦/ ٢١٦ - ٢١٨).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الله بنُ عَلْقمة، قال: بينا أصحابُ صالح يختلفون إليه إذ قال لهم ذاتَ يوم: ما أدرِي ما تنتظرون! حتّى متى أنتم مقيمون! هذا الجوْر قد فشا، وهذا العَدْل قد عفا، ولا تَزداد هذه الولاةُ على الناس إلّا غُلوًّا وعُتُوًّا، وتباعدًا عن الحقّ، وجُرأةً على الرّبّ؛ فاستعِدّوا وابعثوا إلى إخوانِكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحقّ مِثلَ الذي تريدون، فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أيّ وقت إنْ خرجْنا نحن خارجون.\nقال: فترَاسل أصحابُ صالح، وتلاقَوا في ذلك، فبَيْناهم في ذلك إذْ قَدِم عليهم المحَلل بن وائل اليَشْكُريّ بكتاب من شَبيب إلى صالح بن مسرّح:\nأما بعد: فقد علمتُ أنَّك كنت أردتَ الشخوص، وقد كنتَ دعوتَني إلى ذلك فاستجبْتُ لك، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنتَ شيخُ المسلمين، ولن نَعدِل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":217},{"text":"بك منّا أحدًا، وإن أردت تأخيرَ ذلك اليوم أعلَمْتني؛ فإنّ الآجال غادية ورائحة، ولا آمَن أن تختَرمَني المنيّةُ ولما أجاهِد الظالمين.\nفيا لَه غَبْنًا، ويا لَه فَضْلًا متروكًا! جَعَلَنا الله وإيّاك ممن يريد بعَملِه اللهَ ورضوانَه، والنظر إلى وجهه، ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك.\nقال: فلما قَدِم على صالح المحلّل بن وائل بذلك الكتابِ من شبيب كتب إليه صالح:\nأما بعد: فقد كان كتابُك وخبرُك أبطأ اعني حتى أهمَّني ذلك، ثمّ إنّ امرأً من المسلمين نبّأني بنبأ مُخرجِك ومقدَمك، فنَحمدُ الله على قضاء ربّنا، وقد قَدِم عليَّ رسولُك بكتابك، فكلّ ما فيه قد فهمتُه، ونحن في جهاز واستعداد للخروج، ولم يمنعْني من الخروج إلا انتظارك، فأقبِل إلينا، ثمّ اخرج بنا متى ما أحبَبْت، فإنك ممن لا يُستغنَى عن رأيه، ولا تُقَضى دونَه الأمور، والسلام عليك.\nفلما قَدِم على شبيب كتابُه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه، منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نُعيم، والمحلل بن وائل اليَشْكُري، والصقر بن حاتم من بني تَيم بن شيبان، وإبراهيم بن حجر أبو الصُّقير من بني مُحْلَم، والفضل بنُ عامر من بني ذُهْل بن شَيْبان، ثمَّ خرج حتى قَدِم على صالح بن مسرّح بِدارَا، فلمّا لقَيه قال: اخرُج بنا رحمك الله! فواللهِ ما تزداد السنَّة إلا دُروسًا، ولا يَزداد المجرمون إلّا طُغْيانًا، فبثّ صالحٌ رسله في أصحابه، وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ستٍّ وسبعين، فاجتمع بعضُهم إلى بعض، وتهيَّؤوا وتيسروا للخروج في تلك اللَّيلة، واجتمعوا جميعًا عنده في تلك الليلة لِميعاده (١). (٦/ ٢١٨ - ٢١٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فَرْوة بن لقيط الأزْديّ، قال: والله إني لَمَع شبيب بالمَدائن إذْ حدّثنا عن مخرجهم، قال: لما هممنا بالخروج اجتمعْنا إلى صالح بن مسرّح ليلة خرج، فكان رأيي استعراضُ الناس لِمَا رأيتُ من المنكر والعدوان\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":218},{"text":"والفساد في الأرض، فقمتُ إليه فقلت: يا أميرَ المؤمنين، كيف تَرَى في السيرة في هؤلاء الظلَمة؟ أنقتلهم قبل الدّعاء، أم ندعوهم قبلَ القتال؟ وسأخبرك برأي فيهم قبل أن تُخبرَني فيهم برأيك؛ أمّا أنا فأرَى أن لقتُل كلّ من لا يرى رأيَنا قريبًا كان أو بعيدًا، فإنا نخرج على قوم غاوين طاغين باغِين قد تركوا أمر الله، واستحوذ عليهم الشيطان، فقال: لا بل ندعوهم، فلعمْري لا يُجيبك إلّا من يرى رأيك وليقاتِلنَّك مَنْ يزرِي عليك، والدعاءُ أقطع لحجَّتِهم، وأبلغ في الحجة عليهم، قال: فقلت له: فكيف ترى فيمن قاتَلَنا فظفرْنا به؟ ما تقول في دِمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا فموسَع علينا ولنا، قال: فأحسن القول وأصابَ، رحمة الله عليه وعلينا (١) (٦/ ٢١٩).\nقال أبو مخنف: فحدّثني رجلٌ من بني محلّم أنّ صالحَ بنَ مسرح قال لأصحابه ليلَة خرج: اتَّقوا الله عبادَ الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلّا أن يكونوا قومًا يريدونكم، وينصِبون لكم، فإنكم إنَّما خرجتم غَضبًا لله حيث انتُهكتْ محارمه، وعُصِي في الأرض، فسُفكت الدماء بغير حِلِّها، وأخِذتْ الأموال بغير حقّها، فلا تَعيبوا على قوم أعمالًا ثمّ تعملوا بها، فإن كلّ ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤولون، وإنّ عُظْمَكم رجّالة، وهذه دوابّ لمحمّد بن مروان في هذا الرُّسْتاق، فابدَؤوا بها، فشُدّوا عليها، فاحمِلوا أراجِلَكم، وتقوّوا بها على عدُوّكم.\nفخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدوابّ فحَمَلوا رَجّالتهم عليها، وصارت رجّالتُها فُرسانًا، وأقاموا بأرضِ دارا ثلاثَ عَشْرَة ليلة، وتَحصَّن منهم أهل دارا وأهلُ نَصِيبين وأهلُ سِنْجار، وخرج صالحٌ ليلةَ خرجَ في مئة وعشرين - وقيل في مئة وعشرة - قال: وبلغ مخرجهُم محمد بن مروان وهو يومئذ أميرُ الجزيرة، فاستخفّ بأمرهم، وبعث إليهم عديّ بن عديّ بن عُميرة من بني الحارث بن معاوية بن ثور في خَمسمئة، فقال له: أصَلح الله الأمير! أتَبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة! قد خرج من مئة فارس في خمسمئة رجل، قال له: فإني أزيدك خمسمئة أخرى، فسر إليهم في ألف، فسار من حرّان في ألف\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":219},{"text":"رجل، فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عديّ، وكأنَّما يساق إلى الموت، وكان عديّ رجلًا يتنسّك، فأقبَل حتى إذا نزل دوْغانَ نزل بالنَّاس وسرّح إلى صالح بنِ مسرّح رجلًا دَسَّهُ إليه من بني خالد من بني الوِرْثة، يقال له: زِياد بن عبد الله، فقال: إنّ عديًّا بَعثَني إليك يسألُك أن تخرج من هذا البلد وتأتيَ بلدًا آخر فتُقاتِلَ أهلَه؛ فإنّ عديًّا للِقائك كاره، فقال له صالح: ارجع إليه، فقل له: إن كنتَ ترى رأينا فأرِنا من ذلك ما نَعرِف، ثمَّ نحن مُدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره، وإن كنتَ على رأي الجبابرة وأئمة السَّوء رأيْنا رأينا، فإن شئنا بدأنا بك، وإن شئنا رحلنا إلى غيرِك. فانصرف إليه الرسولُ فأبلَغه ما أرسِل به، فقال له: ارجعْ إليه فقل له: إني واللهِ ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالَك، وقتال غيرك، فقاتِلْ غيري، فقال صالح لأصحابه: ارْكبوا فَرَكبوا وحَبَس الرجلَ عنده حتى خرجوا، ثمّ تركه ومضى بأصحابه حتى يأتيَ عديّ بن عديّ بن عميرة في سُوقِ دَوغان هو قائمٌ يصلّي الضّحى، فلم يَشعرُ إلّا والخيل طالعة عليهم، فلما بَصُروا بها تنادوا، وجعل صالحٌ شبيبًا في كَتِيبة في ميمنة أصحابه، وبعث سويد بن سليم الهنديّ، من بني شيبان في كتيبة في ميسرةِ أصحابه، ووقَف هو في كَتيبة في القَلْب، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبِية، وبعضهم يجول في بعض، فأمرَ شبيبًا فحمل عليهم، ثمّ حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يُقاتلوا، وأتِيَ عديّ بن عديّ بدابَّته وهو يصلِّي فركبها ومضى على وجهِه، وجاء صالحُ بنُ مسرّح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فلُّ عَدِيّ وأوائلُ أصحابِه حتى دخلوا على محمَّد بن مروان، فغَضِبَ ثم دعا خالدَ بن جَزْء السُّلَمِيّ فبعثه في ألف وخمسمِئة، ودعا الحارث بنَ جَعْونَة من بني ربيعة بن عامر بن صعَصْعة فَبعثه في ألف وخمسمئة، ودعاهما، فقال: اُخرُجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة، وعجِّلا الخروج، وأغِذّا السيْر، فأيّكما سبق فهو الأمير على صاحبه؛ فخرجا من عنده فأغَذّا السير، وجعلَا يسألان عن صالح بن مسرّح فيقال لهما: إنّه توجّه نحو آمِدَ، فأتبعاه حتى انتهيا إليه، وقد نزل على أهل آمد، فنزلا ليلًا، فخندَقا وانتهيَا إليه وهما متساندانِ كلّ واحد منهما في أصحابه، على حدته، فوجّه صالح شَبيبًا إلى الحارث بن جَعْونة العامريّ في شطر أصحابه، وتوجّه هو","vol":"10","page":220},{"text":"نحو خالد بن جَزْء السُّلَميّ (١). (٦/ ٢١٩ - ٢٢١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني المُحَلّميّ، قال: انتهوا إلينا في أوّل وقت العصر، فصلّى بنا صالح العصر، ثمّ عبّانا لهم فاقتتلْنا كأشدِّ قتال اقتتله قومٌ قطّ، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منّا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرين فكذلك، وجعلتْ خيلهم لا تَثبت لخَيلنا.\nفلما رأى أميراهُم ذلك ترجّلا وأمرا جُلّ من معهما فترجّل، فعند ذلك جعلنا لا نَقدر منهم على الذِي نريد، إذا حَمَلْنا عليهم استقبلتْنا رجّالَتهم بالرّماح، ونضحتنا رماتُهم بالنَّبل، وخيلُهم تُطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المَساء حتى حالَ الليلُ بيننا وبينهم، وقد أفشَوْا فينا الجراحة، وأفشيْناها فيهم، وقد قتلوا منا نحوًا من ثلاثين رجُلًا، وقتلْنا منهم أكثرَ من سبعين، ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، فوقفْنا مُقابِلَهم ما تقْدمون علينا وما نَقدُم عليهم، فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم، ورجعْنا إلى عسكرنا فصلّينا وتروّحْنا وأكلنا من الكِسَر.\nثمّ إنّ صالحًا دعا شبيبًا ورؤوسَ أصحابِه فقال: يا أخلّائي، ماذا ترون؟ فقال شبيب: أرَى أنَّا قد لقينا هؤلاء القومَ فقاتلناهم، وقد اعتَصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم، فقال صالح: وأنا أرى ذلك، فخرجوا من تحت ليلتِهم سائرين، فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة، ثمّ دخلوا أرضَ الموصِل فساروا فيها حتى قطعوها ومضَوا حتى قطعوا الدّسْكرةَ.\nفلما بلغ ذلك الحجّاج سرّح إليهم الحارث بنَ عميرة بن ذي المِشعار الهَمْدانيّ في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة، ألف من المقاتلة الأولى، وألفَين من الفَرْض الذي فرض لهم الحجّاج، فسار حتى إذا دنا من الدَّسْكرة خرج صالح بن مسرّح نحو جَلولاءَ وخانِقين، وأتبعه الحارثُ بن عميرةَ حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبّج من أرض الموصِل على تُخومِ ما بينها وبين أرض جُوخى، وصالح يومئذ في تسعين رجلًا، فعبّى الحارث بن عميرة، يومئذ أصحابه، وجعل على ميمنته أبا الرّوّاغ الشاكريّ، وعلى ميسرَته الزّبير بن الأروَح\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":221},{"text":"التميميّ، ثم شدّ عليهم - وذلك بعد العصر - وقد جعل أصحابه ثلاثةَ كراديس؛ فهو في كُرْدوس، وشبيب في كُرْدوس في ميمَنته، وسُوَيد بن سليم في كرْدوس في الميسرة، في كلّ كُرْدوس منهم ثلاثون رجلًا.\nفلما شدّ عليهم الحارثُ بن عميرة في جماعة أصحابِه انكشف سُوَيد بن سليم، وثبت صالح بنُ مسرّح فقُتِل، وضارب شبيبٌ حتى صُرع، فوقع في رجّالة، فشدّ عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتَهى إلى موقف صالح بن مسرّح فأصابه قتيلًا، فنادى: إليّ يا معشر المسلمين؛ فلاذُوا به، فقال لأصحابه: ليَجْعَل كلّ واحد منكم ظهرَه إلى ظهر صاحبه، وليطاعِن عدوَّه إذا أقدَم عليه حتى ندخل هذا الحصن، ونرى رأينا؛ ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلًا بشَبيب، وأحاط بهم الحارثُ بنُ عميرة مُمْسِيًا، وقال لأصحابه: احرقوا الباب، فإذا صار جَمْرا فدعوه فإنهم لا تقدرِون على أن يخرجوا منه حتَّى نصبّحهم فنقتلهم، ففعلوا ذلك بالباب، ثمّ انصرَفوا إلى عسكرهم، فأشرَف شبيب عليهم وطائفةٌ من أصحابه، فقال بعضُ أولئك الفَرْض: يا بني الزَّواني، ألم يُخزكم الله! فقالوا: يا فُسَّاق، نعم تقاتلوننا لقتالِنا إيَّاكم إذْ أعماكُم الله عن الحقّ الّذي نحن عليه، فما عُذْركم عند الله في الفَرْي على أمَّهاتِنا! فقال لهم حُلَماؤهم: إنَّما هذا من قول شباب فينا سُفهاء، والله ما يُعجِبنا قولهم ولا نستحلّه.\nوقال شبيب لأصحابه: يا هؤلاء، ما تَنتظِرون! فوالله لئن صبَّحكم هؤلاء غُدْوةً إنَّه لَهَلَاكُكم، فقالوا له: مرنا بأمرِك، فقال لهم: إنَّ اللَّيل أخَفى للوَيْل، بايعوني أو من شئتم منكم، ثم اخرجوا بنا حتَّى نشُدّ عليهم في عسكرهم، فإنَّهم لذلك منكم آمنون، وأنا أرجو أن ينصُرَكم الله عليهم، قالوا: فابسُطْ يدك فلنُبايعْك، فبايَعوه، ثمّ جاؤوا ليخرجوا، وقد صار بابُهم جمرًا، فأتوا باللُّبود فبلُوها بالماء، ثمَّ ألقَوْها على الجَمْر، ثمّ قطعوا عليها، فلمَ يشعرُ الحارث بن عميرة ولا أهلُ العسكر إلّا وشبيب وأصحابُه يضربونهم بالسيوف في جوفِ عسكرِهم، فضارب الحارث حتّى صُرع، واحتمَلَه أصحابُه وانهزموا، وخلَّوْا لهم العسكر وما فيه، ومضَوا حتى نزلوا المدائن، فكان ذلك الجيشُ أوّلَ جيش","vol":"10","page":222},{"text":"هزَمَه شبيب، وأصيب صالحُ بن مسرّح يوم الثلاثاء لثلاثَ عشرة بقيتْ من جُمادَى الأولى من سنته (١). (٦/ ٢٢١ - ٢٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجّاج</span>\nوفي هذه السنة دخل شبيب الكوفةَ ومعه زوجتُه غزَالة.\n* ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمرِه وأمرِ الحجَّاج بها والسبب الَّذي دعا شبيبًا إلى ذلك:\nوكان السبب في ذلك - فيما ذَكر هشام، عن أبي مِخنَف، عن عبد الله بن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخَثْعمي - أنّ شبيبًا لمَّا قُتِل صالحُ بنُ مسرّح بالمدبَّج وبايعه أصحابُ صالح، ارتفع إلى أرض الموْصل فلقَي سلامة بن سيَّار بن المضاء التَّيْميّ تَيْم شيبان، فدعاه إلى الخروج معه، وكان يَعرفه قبل ذلك إذ كانا في الدّيوان والمَغَازي، فاشتَرَط عليه سلامةُ أن يَنتخِب ثلاثين فارسًا، ثم لا يغيب عنه إلا ثلاثَ ليال عددًا. ففعل فانتَخب ثلاثين فارسًا، فانْطلق بهم نحو عَنَزة، وإنَّما أرادهم ليَشفي نفسَه منهم لقتلِهم أخاه فَضالة، وذلك أنّ فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نَفْسًا حتَّى نزل ماءً يقال له الشَّجرَة من أرضِ الجبال، عليه أثَلة عظيمة، وعليه عَنَزة، فلمَّا رأتْه عَنَزة قال بعضهم لبعض: نقتلهم ثمّ نغدو بهم إلى الأمير فنُعطى ونُحبَى، فأجمعوا على ذلك، فقال بنو نصر أخوالُه: لَعَمر الله لا نساعدكم على قتل وَلَدنا، فنهضت عنَزَةُ إليهم فقاتَلوهم فقَتَلوهم، وأتَوا برؤوسهم عبدَ الملك بنَ مروان، فلذلك أنْزَلهم بانِقيَا، وفرض لهم، ولم تكن فرائضُ قبلَ ذلك إلا قليلة، فقال سلامة بنُ سيَّار، أخو فضالة يَذكُر قتل أخيه وخِذلان أخوالِه إيَّاه:\nوما خِلْتُ أخْوَالَ الفَتَى يُسلمونَهُ ... لِوَقْع السلاح قبلَ ما فَعَلتْ نَصْرُ\nقال: وكان خروج أخيه فَضالَة قبل خروج صالح بنِ مسرّح وشبَيب.\nفلمَّا بايع سلامةُ شبيبًا اشترط عليه هذا الشرط، فخرج في ثلاثين فارسًا حتَّى انتهى إلى عَنزة، فجعل تقتل المحلَّة منهم بعد المحلة حتَّى انتهى إلى فريق منهم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":223},{"text":"فيهم خالته، وقد أكبَّت على ابني لها وهو غلام حين احتلم، فقالت وأخرجت ثديَها إليه: أنشدك برَحم هذا يا سلامة! فقال: لا والله، ما رأيتُ فضالة مذ أناخ بعُمْر الشَّجرة - يعني أخاه - لتقومِنّ عنه، أو لأجْمعَنّ حافتكِ بالرّمح، فقامت عن ابنها عند ذلك فقتَله (١). (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\nقال أبو مخنفَ: فحدّثني المفضّل بن بكر من بني تَيْم بن شيبان أنّ شبيبًا أقبل في أصحابه نحو رَاذانَ، فلمَّا سمعتْ به طائفة من بني تَيم بنِ شيبانَ خرجوا هُرّابًا منه، ومعهم ناس من غيرهم قليل، فأقبلوا حتى نزلوا دَير خرّزاد إلى جنب حَوْلايا، وهم نحو من ثلاثةِ آلاف، وشبيب في نحو من سبعين رجلًا أَو يزيدون قليلًا، فنزل بهم؛ فهابوه وتحصّنوا منه، . ثمّ إنّ شبيبًا سَرَى في اثني عشرَ فارسًا من أصحابه إلى أمه، وكانت في سَفْحِ ساتيدَما نازِلةً فَي مَظلّة من مَظالّ الأعراب: فقال: لآتينّ بأمّي فلأجعلنّها في عسكري فلا تفارقني أبدًا حتَّى أموتَ أو تموت، وخرج رجلان من بني تَيم بن شيبانَ تخوَّفَا على أنفسِهما فنزلا من الدّير، فلَحِقا بجماعة من قومهما وهم نُزول بالجبالِ منهم على مسيرةِ ساعة من النهار، وخرج شبيبٌ، في أولئك الرّهط في أوّلهم وهم اثنا عشر، يريد أمَّه بالسفح، فإذا هو بجماعة من بني تَيْم بن شيبان غارّين في أموالهم مقيمين، لا يرَوْن أنّ شبيبَّا يَمرّ بهم لمكانِهم الّذي هم به، ولا يشعر بهم، فحمل عليهم في فَرسانه تلك، فقتل منهم ثلاثين شيخًا؛ فيهم حَوْثرةُ بنُ أسَد ووَبرة بن عاصم اللّذان كانا نزَلا من الدَّير، فلحقا بالجبال، ومَضى شبيب إلى أمه فحمَلَها من السَّفح، فأقبل بها، وأشرف رجلٌ من أصحاب الدّير من بكرِ بن وائل على أصحاب شبيب، وقد استَخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد بن يزيد، ويقال لذلكَ الرّجل الَّذي أشرف عليهم سلّامُ بن حيان، فقال لهم: يا قوم، القرآن بيننا وبينكم، ألم تسمعوا قولُ الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.\nقالوا: بلى، قال لهم: فكفّوا عنَّا حتَّى نُصبح، ثمّ نخرج إليكم على أمان لنا منكم، لكيلا تَعرِضوا لنا بشيء نكرهه حتَّى تَعرضوا علينا أمركم هذا، فإن نحن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":224},{"text":"قَبلناه حرُمتْ عليكم أموالنا ودماؤنا، وكنَّا لكم إخوانًا، وإن نحن لم نقبَلْه رددْتمونا إلى مأمَننا، ثمّ رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم، قالوا لهم: فهذا لكم، فلما أصبحوا خرجوا إليهم، فعَرَض عليهم أصحابُ شبيب قولَهم، ووصفوا لهم أمرَهم، فقَبِلوا ذلك كلَّه، وخالطوهم، ونَزلوا إليهم، فدخل بعضهم إلى بعض، وجاء شبيب قد اصطلحوا، فأخبرَه أصحابُه خبرَهم، فقال: أصَبتم ووُفّقتم وأحَسنتُم.\nثمّ إن شبيبًا ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامتْ طائفةٌ جانحة، وخرج يومئذ معه إبراهيمُ بن حَجَر المحلَّمي أو الصُّقَير كان مع بني تَيْم بنِ شيبان نازلًا فيهم، ومضى شبيب في أداني أرض المَوْصل وتخُوم أرض جُوخى، ثم ارتفع نحو أذرَبِيجانَ، وأقبل سفيان بن أبي العالية الخَثْعميّ، في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طَبَرسْتان، فأمِر بالقُفولِ، فأقبلَ راجعًا في نحو من ألف فارس، فصالح صاحب طَبَرَستانَ (١). (٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عبدُ الله بن علقمة عن سفيان بن أبي العالية الخثعميّ أنّ كتاب الحجَّاج أتاه: أما بعد، فسرْ حتَّى تنزل الدسْكرة فيمن معك، ثمّ أقِم حتَّى يأتيَك جيشُ الحارث بن عميرة الهَمْدانيّ بن ذي المِشعار، وهو الَّذي قتَل صالحَ بن مسرّح وخيل المناظر، ثمّ سِرْ إلى شبيب حتَّى تُناجزَه، فلمَّا أتاه الكِتاب أقبَل حتَّى نزل الدّسْكرة، ونُوديَ في جيش الحارثِ بن عميرة بالكوفة والمَدائن: أنْ بَرِئت الذّمَّة من رجل من جيش الحارث بنِ عميرة لم يُواف سُفيان بن أبي العالية بالدّسْكرة.\nقال: فخرجوا حتَّى أتوه، وأتته خيلُ المناظر، وكانوا خمسمئة، عليهم سَوْرة بن أبْجَر التميميّ من بني أبَان بنِ دارم، فوافَوْه إلا نحوًا من خمسين رجلًا تخلَّفوا عنه، وبعث إلى سُفيان بن أبي العالية ألّا تبرح العسكَر حتَّى آتيَك، فعَجل سفيانُ فارتحل في طلب شبيب، فلَحِقه بخانِقِين في سَفْحِ جبل على ميمنته خازمُ بن سُفيان الخثعميّ من بني عمرو بن شَهْران، وعلى ميسرته عديّ بن عميرة الشَّيبانيّ، وأصحَرَ لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم حتَّى كأنَّه يكره لقاءَه، وقد أكمن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":225},{"text":"له أخاه مصادًا معه خمسون في هَزْم من الأرض.\nفلمَّا رأوْه جَمَع أصحابَه ثمَّ مضى في سفح الجبل مُشْرقًا فقالوا: هرب عدوّ الله فاتَّبعوه، فقال لهم عديّ بن عميرة الشَّيبانيّ: أيّها الناس، لا تعجلوا عليهم حتَّى نَضرب في الأرض ونسير بها، فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كميِنًا كنّا قد حَذرْناه وإلا فإنّ طلبهم لن يفوتنا، فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا في آثارهم، فلمَّا رأى شبيب أنَّهم قد جازوا الكَمِينَ عَطَف عليهم.\nولما رأى الكَمينُ أن قد جاوَزُوهم خرجَوا إليهم، فحمل عليهم شبيب من أمامِهم، وصاح بهم الكمين من ورائهم، فلم يقاتلهم أحد، وكانت الهزيمة، فثبت ابنُ أبي العالية، في نحو من مئتي رجل، فقاتلهم قتالًا شديدًا حسنًا؛ حتَّى ظنّ أنَّه انتصف من شبيب وأصحابه، فقال سُويد بن سُليم لأصحابه: أمِنْكم أحد يَعرف أميرَ القوم ابنَ أبي العالية؟ فوالله لئن عَرَفْتُه لأجهدَنّ نفسي في قتْلِه، فقال شبيبٌ: أنا مِن أعرَف الناس به، أما تَرَى صاحب الفرس الأغرّ الَّذي دونَه المُرامية! فإنَّه ذلك، فإن كنت تريدُه فأمهِلْه قليلًا ثمّ قال: يا قعنب، اخرج في عشرين فائتِهم من ورائهم، فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم.\nفلمَّا رأوه يريدُ أن يأتيَهم من ورائهم جعلوا ينتقضون ويتسلَّلون، وحمل سُوَيد بنُ سُليم على سُفيان بن أبي العالية فطاعنه، فلم تصنع رُمْحاهما شيئًا، ثم اضطربا بِسَيْفيهما ثمَّ اعتنق كل منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض يعتركان؛ ثم تحاجزوا وحَمَل عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سُفيان غلامٌ له يقال له غَزْوان، فنزل عن بِرْذَونه، وقال: اركبْ يا مولاي، فرَكب سفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتَل دونَه غَزْوان فقُتل، وكانت معه رايتُه، وأقبل سُفيانُ بن أبي العالية حتَّى انتهى إلى بابل مَهُرُوذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجَّاج:\nأمَّا بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلَحه الله أني اتَّبعت هذه المارقةَ حتَّى لِحقتُهم بخانِقين فقاتلتهم، فضَربَ الله وجوههم، ونصرنا عليهم، فبينا نحن كذلك إذْ أتاهم قوم كانوا غُيَّبًا عنهم، فَحَملوا على الناس فهزموهم، فنزلتُ في رجال من أهل الدّين والصبر فقاتلتهم، حتَى خررتُ بين القتلى، فحُمِلت مرتثًّا، فأتيَ بي بابل مهروذ، فهأنذا بها والجند الَّذين وجَّههم إليّ الأمير وافَوا إلا سَوْرةَ بن أبْجَر فإنه لم يأتني ولم يشهد معى حتّى إذا ما نزلت بابل مَهْروذ أتاني يقول","vol":"10","page":226},{"text":"ما لا أعرفُ، ويَعتذر بغير العُذر، والسلام.\nفلمَّا قرأ الحجَّاجُ الكتاب قال: مَنْ صنع كما صنع هذا، وأبلى كما أبلى فقد أحسن، ثم كتب إليه:\nأمَّا بعد، فقد أحسَنْتَ البلاء، وقضيتَ الَّذي عليك، فإذا خَفّ عنك الوجع فأقبِل مأجورًا إلى أهْلِك، والسلام.\nوكتب إلى سَوْرة بن أبجَر:\nأمَّا بعد فيا بن أمّ سَوْرة، ما كنتَ خليقًا أن تجتَرئ على ترك عهدي وخذلان جُندي، فإذا أتاك كتابي فابعث رَجُلًا ممَّن معك صَليبًا إلى الخيل الَّتي بالمدائن، فَلينتخِب منهم خمسمئة رجلٍ، ثمّ ليُقدم بهم عليك، ثمّ سِرْ بهم حتَّى تَلَقى هذه المارقة، واحزمْ في أمرك، وكدْ عدوّك فإنْ أفضل أمر الحرب حسن المكيدة. والسلام.\nفلمَّا أتى سَوْرةَ كتابُ الحجَاج بعث عديّ بن عميرة إلى المدائن، وكان بها ألفُ فارس، فانتَخب منهم خَمسمئة ثمّ دخل على عبد الله بن أبي عُصَيْفِير - وهو أميرُ المدائن في إمارته الأولى - فسلَّم عليه، فأجازه بألف درْهم، وحمله على فرس، وكساه أثوابًا، ثم إنَّه خرج من عنده، فأقبل بأصحابه حتَّى قدم بهم على سَورة بن أبجر ببابل مَهْروذ، فخرج في طلب شبيب، وشبيب يَجُول في جُوخَى وسَوْرة في طَلبه، فجاء شبيب حتَّى انتهى إلى المَدائن، فتحصَّن منه أهلُ المدائن وتحرّزوا، وهي أبْنية المدائن الأولى، فدخل المدائن، فأصاب بها دوابَّ جندٍ كثيرة، فقتل مَنْ ظهر له ولم يَدخلُوا البيوت، فأتِيَ فقيل له: هذا سَوْرة بنُ أبجر قد أقبلَ إليك، فخرج في أصحابه حتَّى انتهى إلى النَهرَوان فنزلوا به وتوضّؤوا وصلُّوا، ثمّ أتَوْا مصارعَ إخوانهم الذين قتَلهم عليّ بنُ أبي طالب ﵇، فاستغفروا لإخوانِهم، وتبرّؤوا من عليّ وأصحابِه، وبَكوْا فأطالوا البكاءَ، ثم خرجوا فقطعوا جِسْرَ النَّهرَوان، فنزلوا من جانِبه الشرقي، وجاء سَوْرة حتَّى نزل بقطراثا، وجاءته عُيونه فأخبرتْه بمنزل شبيب بالنَّهروان، فدعا رؤوس أصحابه فقال: إنَّهم قلَّما يُلْقَون مُصحِرين أو على ظَهر إلّا انتصفوا منكم، وظهروا عليكم، وقد حُدّثت أنَّهم لا يزيدون على مئة رجل إلا قليلًا، وقد رأيتُ أن أنتخبكم فأسيرَ في ثلاثمئة رجل منكم من أقويائكم، وشُجْعانِكم، فآتيِهم الآن إذْ","vol":"10","page":227},{"text":"هم آمنون لبَياتِكم؛ فوالله إني لأرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الَّذين صُرعوا منهم بالنَّهروان من قبلُ. فقالوا: اصْنع ما أحببتَ، فاستعمل على عسكره حازم بن قُدامة الخثعميّ، وانتخب من أصحابه ثلاثمئة رجل من أهل القوّة والجَلَد والشَّجاعة، ثمّ أقبَل بهم نحو النَّهروان، وبات شبيب وقد أذكى الحَرَس، فلمَّا دنا أصحابُ سَوْرة منهم نَذِروا بهم، فاستَووا على خُيولهم وتعبَّوا تعبيتهم.\nفلمَّا انتهى إليهمْ سَوْرة وأصحابُه أصابوهم قد حَذَروا واستعدّوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضارَبوهم حتَّى صدّ عنهم سَوْرة وأصحابه، ثمّ صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتَّى تركوا له العرصة، وحَمَلوا عليهم معه، وجَعَل شبيب يَضرب ويقول:\nمن يَنِكِ العَيْرَ يَنِكْ نَيَاكَا ... جَنْدلَتانِ اصطَكَّتا اصطِكَاكَا\nفرجع سَورة إلى عسكره وقد هُزم الفُرْسان وأهلُ القَوّة، فتحمَّل بهِم حتَّى أقبل بهم نحوَ المدائن، فدفع إليهم وقد تحمَّل وتعدَّى الطريق الذي فيه شبيب، واتبعه شبيب وهو يرجو أن يَلحقه فيُصيب عسكره، ويصيب بهزيمته أهل العسكر، فأغَذَّ السير في طلبهم، فانتَهوْا إلى المدائن فَدخلوها، وجاء شبيب حتَّى انتهى إلى بيُوت المدائن، فدفع إليهم وقد دخل الناس، وخرج ابنُ أبي عُصَيْفِير في أهل المَدائن فرماهم الناس بالنَّبْل، ورُمُوا من فوق البيوت بالحجارة، فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن. فمرّ على كِلوَاذَا فأصاب بها دوابّ كثيرةً للحجّاج فأخَذَها، ثمّ خرج يسيرُ في أرض جُوخَى، ثم مضى نحو تَكْريت، فبينا ذلك الْجُنْد في المدائن إذا أرجفَ الناسُ بينهم، فقالوا: هذا شبيب قد دَنَا، وهو يريد أن يبيِّت أهلَ المدائن اللَّيلة، فارتَحَل عامَّة الجُنْدِ، فَلحِقوا بالكوفة (١). (٦/ ٢٢٦ - ٢٣٠).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن عَلْقمة الخثْعميّ، قال: والله لقد هربوا من المدائن وقالوا: نُبيَّتُ اللَّيلة، وإنْ شبيبًا لَبِتَكريتَ، قال: ولمَّا قَدم الفَلّ على\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":228},{"text":"الحَجَّاج سرَّح الجَزْل بن سعيد بن شُرَحبيل بن عَمرو الكنديّ (١). (٦/ ٢٣٠).\nقال أبو مخنف: حدّثنا النّضر بنُ صالح العَبْسيّ وفُضيلُ بنُ خديج الكنديّ أنّ الحجَّاج لمَّا أتاه الفَلّ قال: قبح الله سَوْرة! ضَيَّع العسكر والجُنْد، وخرج يبيِّت الخَوارج، أمَّا والله لأسوْءنَّه، وكان بعدُ قد حَبَسَه ثمّ عَفَا عنه (٢). (٦/ ٢٣٠).\nقال أبو مخنف: وحدّثني فضيل بن خديج أنّ الحجَّاج دعا الجزْل - وهو عثمان بن سعيد - فقال له: تيسّر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتَهم فلا تعجلْ عجلةَ الخَرِق، ولا تُحجِم إحجامَ الواني الفَرِق، هل فهمتَ؟ لله أنتَ يا أخا بني عمرو بن معاوية! فقال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت، قال له: فاخرج فعسْكِر بديْر عبد الرحمن حتَّى يخرج إليك الناس، فقال: أصلَحَ الله الأمير! لا تبعثنَّ معي أحدًا من أهل هذا الجُنْد المفلول المهزوم، فإنَّ الرعب قد دخل قلوبَهم، وقد خشيتُ ألّا ينفعك والمسلمين منهم أحد؛ قال له: فإنْ ذلك لك، ولا أراك إلّا قد أحسنْتَ الرأي ووُفِّقتَ، ثمّ دعا أصحابَ الدّواوين فقال: اضربوا على الناس البعث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس، من كلّ ربع ألف رجل، وعجّلوا ذلك، فجُمعت العُرفاء، وجلس أصحابُ الدّواوين، وضَربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف، فأمرهم بالعسكر فعَسْكروا، ثمَّ نودي فيهم بالرّحيل، ثم ارتحلوا ونادى منادي الحجَّاج: أن برئت الذّمة من رجل أصبْناه من هذا البعث متخلّفًا؛ قال فمضى الجَزْل بنُ سعيد، وقد قدم بين يديه عياض بن أبي لينة الكِنْديّ على مُقدّمته، فخرج حتَّى أتى المدائنَ، فأقام بها ثلاثًا، وبعث إليه ابنُ أبي عُصَيْفير بفرس وبِرْذَوْن وبغلين وألفيْ درهم، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتّى ارتحلوا، فأصاب الناس ما شاؤوا من تلك الجزر والعَلَف الَّذي وَضَع لهم ابْنُ أبي عُصيْفير، ثمَّ إنّ الجزل بنَ سعيد خرج بالناس في أثر شبيب، فطَلَبه في أرض جُوخَى، فجعل شبيب يُريه الهيبة، فيَخرج من رُسْتاق إلى رُسْتاق، ومن طَسّوج إلى طَسّوج، ولا يقيم له إرادة أن يفرّق الجزل أصحابه، ويتعجَّل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير تعبية، فجعل الجَزل لا يسير إلّا على تعبية، ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقًا، فلمَّا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":229},{"text":"طال ذلك على شبيب أمرَ أصحابه ذات ليلة فسرَوْا (١). (٦/ ٢٣٠ - ٢٣١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فروة بنُ لَقيط أنّ شبيبًا دعانا ونحن بدير بيرما ستون ومئة رجل، فجعل على كلّ أربعين من أصحابه رجلًا، وهو في أربعين، وجعل أخاه مصادًا في أربعين، وبعث سُوَيد بن سُليم في أربعين، وبعث المحلَّل بن وائل في أربعين، وقد أتتْه عيونُه فأخبرتْه أنّ الجزل بن سعيد قد نزل ديرَ يزدَجِرْد، قال: فدعانا عند ذلك فعبَّانا هذه التعبية، وأمرنا فعلَّقْنا على دوابنا، وقال لنا: تيسَّروا فإذا قضمتْ دوابُّكم فاركبوا، ولْيسر كلّ امرئ منكم مع أميره الَّذي أمَّرناه عليه، ولْينظر كل امرئ منكم ما يأمرُه أميرُه فليتَبعه، ودعا أمراءنا فقال لهم: إني أريد أن أبيِّت هذا العسكرَ اللَّيلة، ثم قال لأخيه مصاد: إيتهم فارتفعْ من فوقهم حتَّى تأتيَهم من ورائهم من قِبَل حُلوان، وسآتيهم أنا من أمامي من قِبل الكوفة، وائْتِهم أنتَ يا سويد من قِبَل المشرق، وائْتِهم أنتَ يا محلّل من قِبَل المغرب، ولْيَلِج كلّ امرئ منكم على الجانب الَّذي يَحمِل عليه، ولا تُقلِعوا عنهم، تَحمِلون وتكرّون عليهم، وتصيحون بهم حتَّى يأتيَكم أمري، فلم نزل على تلك التعبية، وكنتُ أنا في الأربعين الَّذين كانوا معه، حتى إذا قَضمتْ دوابُّنا - وذلك أوّل اللَّيلِ أوّل ما هدأت العيون - خرجْنا حتى انتَهينا إلى دَيْر الخرّارة، فإذا للقوم مَسلحة، عليهم عِياض بن أبي لينة، فما هو إلا أن انتهَينا إليهم، فحَمَل عليهم مصاد أخو شبيب في أربعين رجلًا، وكان أمام شبيب، وقد كان أراد أن يَسبِق شبيبًا حتَّى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره، فلمَّا لقيَ هؤلاء قاتَلهم فصبروا ساعةً، وقاتلوهم، ثمّ إنّا دفعنا إليهم جميعًا، فحَمَلْنا عليهم فهزمناهم، وأخذوا الطريق الأعظم وليس بينهم وبين عسكرهم بدَيْر يَزْدَجرد إلا قَريب من ميل، فقال لنا شبيب: اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتَّى تدخُلوا معهم عسكرَهم إن استطعتم؛ فاتّبعناهم والله مُلِظِّين بهم، ملحِّين عليهم، ما نرفّه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همّة إلا عسكرهم، فانتهوا إلى عسكرهم، ومنعهم أصحابُهم أن يدخلُوا عليهم، ورَشَقونا بالنَّبْل، وكانت عيون لهم قد أتتْهم فأخبرتْهم بمكاننا، وكان الجَزْل قد خندق عليه، وتحرّز ووضع هذه المسلحة الَّذين لقِيناهم بدَيْر الخرّارة، ووَضَع مسلحةً أخرى ممَّا يلي حُلوان على\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":230},{"text":"الطريق، فلمَّا أن دفعنا إلى هذه المسلَحة التي كانت بدَير الخرّارة فألحقْناهم بعسكر جماعتهم ورجعت المسالح الأخر حتى اجتمعت، منعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم: قاتِلوا، وانضحوا عنكم بالنَّبل (١). (٦/ ٢٣١ - ٢٣٢).\nقال أبو مخنف: وحدّثني جَرير بن الحسين الكنديّ، قال: كان على المَسلحَتيْن الأخْريَيْن عاصمُ بنُ حجر على الَّتي تلي حُلْوان، وواصلُ بن الحارث السَّكونيّ على الأخرى، فلمَّا أن اجتمعتْ المَسالحُ جَعل شبيبُ يَحْمل عليها حتَّى اضطرّها إلى الخندَق، ورَشَقَهم أهلُ العسكر بالنبل حتَّى ردّوهم عنهم، فلمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصل إليهم قال لأصحابه: سِيروا ودَعُوهم، فمضى على الطريق نحو حُلْوان حتَّى إذا كان قريبًا من موضع قِباب حسين بن زُفر من بني بَدْر بن فزارة - وإنَّما كانت قبابُ حسين بن زُفَر بعد ذلك - قال: لأصحابه: انزلوا فاقضِموا وأصلِحوا نَبلَكم، وتروّحوا وصَلّوا ركعتين، ثمّ اركبوا؛ فنزلوا ففعلوا ذلك، ثمَّ إنَّه أقبل بهم راجعًا إلى عسكر أهل الكوفة أيضًا، وقال: سيروا على تعبيَتِكم الَّتي عبَّأتكم عليها بدير بِيرما أوّل الليل، ثمّ أطِيفوا بعسكرهم كما أمرتكم، فأقبلوا قال: فأقبلنا معه وقد أدخل أهل العسكر مَسالِحهم إليهم، وقد أمَّنونا فما شعروا حتى سمعوا وَقع حَوافِر خيولنا قريبًا منهم، فانتهينا إليهم قُبيلَ الصّبح فأحَطْنا بعسكرهم، ثم صيّحنا بهم من كلّ جانب، فإذا هم يُقاتلوننا من كلّ جانب، ويرموننا بالنَّبل، ثم إنّ شبيبًا بعث إلى أخيه مصاد وهو يقاتلهم من نحو الكوفة، أنْ أقبِل إلينا وخلِّ لهم سبيل الطريق إلى الكُوفة، فأقبل إليه، وترك ذلك الوجه، وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة؛ حتَّى أصبحْنا، فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئًا، فسرنا وتركناهم، فجعلوا يصيحون بنا: أين يا كلاب النار! أينَ أيَّتها العِصابة المارقة! أصبِحوا نخرجْ إليكم، فارتفعنا عنهم نحوًا من مِيل ونصف، ثم نزلْنا فصلّينا الغَداةَ، ثمّ أخذْنا الطريق على يراز الرُّوذ، ثمّ مَضينا إلى جَرجَرايا وما يليها، فأقبلوا في طلبنا (٢). (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني مولى لنا يُدعَى غاضرة أو قيصر، قال: كنت مع الناس تاجرًا وهم في طلب الحَرورّية، وعلينا الجَزْل بنُ سعيد، فجعل يتبعهم\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":231},{"text":"فلا يسير إلا على تعبية، ولا ينَزل إلا على خندق، وكان شبيبٌ يَدعه ويَضرب في أرض جُوخَى وغيرها يكسر الخَراج، وطال ذلك على الحجَّاج، فكتب إليه كتابًا، فقرئ على الناس:\nأما بعد، فإني بعثتُك في فرسان أهل المِصر ووجوه الناس، وأمرتُك باتباع هذه المارقة الضّالة المُضلَّة حتَّى تلقاها، فلا تُقلِع عنها حتَّى تقتلَها وتُفنيها؛ فوجدتَ التعريسَ في القُرَى والتَّخييمَ في الخَنادق أهوَن عليك من المُضيّ لما أمرتك به من مناهَضتهم ومناجَزتِهم، والسَّلام.\nفقرئ الكتابُ علينا ونحن بقطراثا ودَيْر أبي مَرْيم، فشَقّ ذلك على الجَزْل، وأمَر الناسَ بالسَّير، فخرجوا في طلب الخوارج جادّين، وأرجَفنا بأميرنا وقلنا: يُعزل (١). (٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\nقال أبو مخنف: فحدّثني إسماعيلُ بن نعيم الهَمْدانيّ ثمّ البُرسميّ أنّ الحجَّاج بعثَ سعيد بنَ المجالد على ذلك الجيش، وعَهِد إليه إن لقيتَ المارقةَ فازحفْ إليهم ولا تُناظرْهم ولا تُطاولْهم وواقِفْهم واستَعِن بالله عليهم.\nولا تصنع صنيع الجَزْل، واطلبهم طلبَ السَّبع، وحِدْ عنهم حَيَدان الضَّبع، وأقبلَ الجَزل في طلب شبيب حتَّى انتهوا إلى النَّهْرَوان فأدرَكوه فلزم عسكَره، وخندق عليه، وجاء إليه سعيدُ بن المجالد حتَّى دخل عسكرَ أهل الكوفة أميرًا، فقام فيهم خطيبًا فحمِد الله وأثْنَى عليه ثمّ قال:\nيا أهلَ الكوفة، إنَّكم قد عجزتم ووهَنتنم وأغضَبتم عليكم أمِيرَكم.\nأنتم في طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين، وهم قد خرّبوا بلادكم، وكسروا خراجكم، وأنتم حافرون في جَوْف هذه الخنَادق لا تزايلونها إلا أن يَبلُغَكم أنَّهم قد ارتَحَلوا عنكم، ونزلوا بلدًا سوى بلدكم، فاخرجوا على اسم الله إليهم.\nفخرج وأخرج الناس معه، وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل، فقال له الجَزْل:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":232},{"text":"أقمْ أنت في جماعة الجيش؛ فارسَهم وراجلهم، وأصحِرْ له؛ فوالله ليقدمنّ عليك، فلا تُفرّق أصحابك؛ فإنّ ذلك شرّ لهم وخيرٌ لك.\nفقال له: قف أنت في الصّفّ، فقال: يا سعيد بن مجالد، ليس لي فيما صنعتَ رأي، أنا بريءٌ من رأيك هذا، سَمِع اللهُ ومَن حضر من المسلمين.\nفقال: هو رأيي إن أصبتُ؛ فالله وفَّقني له، وإن يكن غيرَ صواب فأنتم منه بُراء، قال: فوقف الجَزل في صفّ أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق، وجعل على ميمنتهم، عياض بن أبي لينة الكِنْديّ، وعلى ميسرتِهم عبد الرحمن بن عوف أبا حُميد الرّواسيّ، ووَقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد، فخرج وأخرج الناسَ معه، وقد أخذ شبيبٌ إلى بَرَاز الرُّوز، فنزل قَطُفتا، وأمر دهْقَانَها أن يشترَي لهم ما يُصلحهم، ويتّخذ لهم غَداءً، ففعل، ودخل مدينة قَطُفتا وأمر بالباب فأغلق، فلم يَفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بنُ مجالد في أهل ذلك العسكر، فصعد الدّهقان السور فنظر إلى الجُنْد مقبلين قد دنَوا من حِصْنه، فنزل وقد تغيَّر لونُه، فقال له شبيب: ما لي أراك متغيِّر اللون! فقال له الدّهقان: قد جاءتك الجنود من كلّ ناحية، قال: لا بأس، هل أدرَك غداؤنا؟ قال: نعم، قال: فقرّبْه، وقد أغلَق الباب، وأتِيَ بالغداء، فتغدَّى وتوضّأ وصلَّى ركعتين، ثمّ دعا ببغل له فركبه.\nثمّ إنَّهم اجتمعوا على باب المدينة، فأمر بالباب فَفُتح، ثمّ خرج على بغله فحمَل عليهم، وقال: لا حكمَ إلا للحَكَم الحكيم، أنا أبو مدلّه، اثبتوا إن شئتم، وجعل سعيد يجمَع قومه وخيلَه، ويولفها في أثرَه ويقول: ما هؤلاء! إنَّما هم أكلَةُ رأس، فلمَّا رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لفَّ خيله كلَّها، ثمّ جمعها، ثم قال: استعرضوهم استعراضًا، وانظروا إلى أميرهم، فوالله لأقتلنّه أو يقتلني، وحَمَل عليهم مستعرضًا لهم، فهَزَمهم وثبت سعيد بن المجالد، ثمّ نادى أصحابه: إليّ إليّ، أنا ابن ذي مُرّان!\nوأخذ قلَنْسُوتَه فوضعها على قَربوس سَرْجه، وحَمَل عليه شبيب فعمَّمه بالسيف، فخالط دماغَه، فخرّ ميتًا، وانهزم ذلك الجيش، وقتِلوا كلّ قِتْلة، حتَّى انتهوا إلى الجزَل، ونزل الجزل ونادَى: أيها الناس، إليّ. وناداهم عِياضُ بن أبي لينة: أيها الناس، إن كان أميركم القادم قد هَلَك فأميركم الميمونُ","vol":"10","page":233},{"text":"النَّقيبة المبارك حيّ لم يَمت، فقاتل الجزل قِتالًا شديدًا حتَّى حُمِل من بين القتلَى، فحُمل إلى المدائن مرْتثًّا، وقَدم فلّ أهل ذلك العسكر الكوفة، وكان من أشدّ الناس بلاءً يومئذ خالدُ بن نَهيك من بني ذُهْل بن معاوية وعياض بن أبي لِينة، حتى استنقذاه وهو مرتَثّ هذا حديثُ طائفة من الناس، والحديث الآخرُ قتالهم فيما بين دَيْر أبي مريم إلى بَراز الرّوز، ثمّ إنّ الجَزْل كتب إلى الحجاج.\nقال: وأقبَل شبيب حتَّى قَطع دجْلة عند الكَرْخ، وبعث إلى سوق بغداد فآمنهم، وذلك اليوم سُوقهم، وكان بلغه أنَّهم يخافونه، فأحَبّ أن يؤمِّنهم، وكان أصحابُه يريدون أن يشتروا من السوق دوابّ وثِيابًا وأشياءَ ليس لهم منها بُدّ، ثمّ أخذ بهم نحو الكوفة، وساروا أول الليل حتَّى نزلوا عُقْر المَلِك الَّذي يلي قصر ابن هُبيرة، ثمّ أغَذَّ السَّيرَ من الغد، فبات بين حمّام عمر بن سعد وبين قُبِّينَ، فلمَّا بلغ الحجَّاج مكانه بعث إلى سُويد بن عبد الرحمن السعديّ، فبعثه في ألفي فارس نقاوَة وقال له: اخرْج إلى شبيب فالقه، واجعل ميمنةً وميسَرة، ثمَّ انزل إليه في الرّجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه، فخرج فعسكر بالسَّبْخة، فبلغه أنّ شبيبًا قد أقبل، فأقبل نحوه وكأنَّما يساقُون إلى الموت، وأمر الحجَّاج عثمان بن قَطن فعسكَر بالناس بالسَّبَخة، ونادى: ألا بَرئت الذمّة من رجل من هذا الجند باتَ اللَّيلة بالكوفة لم يخرُج إلى عثمانَ بن قَطَن بالسَّبَخة!\nوأمر سُوَيد بن عبد الرحمن أن يسيرَ في الألفين اللَّذين معه حتَّى يلقى شبيبًا فعبَر بأصحابه إلى زُرَارة وهو يعبِّئهم ويحرّضهم إذ قيل له: قد غشيَك شبيب، فنزل ونزل معه جُلُّ أصحابه، وقدَّم رايتَه ومضى إلى أقصى زُرارة، فأخبِر أن شبيبًا قد أخبر بمكانك فتركك، ووجد مخاضةً فعبر الفُرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الَّذي أنت به، ثم قيل له: أما تراهم! فنادى: في أصحابه، فركبوا في آثارهم.\nوإنْ شبيبًا أتى دارَ الرّزق، فنزَلها، فقيل: إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسَّبَخة، فلمَّا بلغهم مكانَ شبيب صاح بعضهم ببعض وجالوا، وهَمّوا أن يَدخلوا الكوفة حتَّى قيل لهم: إنّ سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد","vol":"10","page":234},{"text":"لحقهم وهو يقاتِلُهم في الخيل (١). (٦/ ٢٣٤ - ٢٣٧).\nقال هشام: وأخبرَني عمرُ بنُ بشير، قال: لمَّا نزل شبيب الدّير أمر بغَنم تُهيَّأ له، فصَعِد الدّهقان، ثمّ نزل وقد تغيَّر لونُه، فقال: مالك! قال: قد والله جاءك جمعٌ كثير؛ قال: أبلغ الشِّواءُ بعدُ؟ قال: لا، قال: دَعْه. قال: ثم أشرف إشرافةً أخرى، فقال: قد والله أحاطُوا بالجُوْسق قال: هات شِواءَك، فجعل يأكل غير مكترِث لهم، فلما فرغ توضّأ وصلَّى بأصحابه الأولى، ثمّ تقلَّد سَيفين بعدما لبس درْعه، وأخذ عمود حديد ثمّ قال: أسرجوا لي البغلة، فقال أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تُسرَج بغلة! قال: نعم أسرِجوها، فرَكبها، ثم قال: يا فلان، أنت على المَيْمنَة وأنت يا فلان على الميسرة، وقال لمصاد: أنت في القلب، وأمر الدّهقان ففتح الباب في وجوههم، قال: فخرج إليهم وهو يحكّم، فجعل سعيد وأصحابه يرجِعون القَهقَري حتَّى صار بينهم وبين الدَّير نحوٌ من ميل.\nقال: وجعل سعيد يقول: يا معشر هَمْدان، أنا ابن ذي مُرّان، إليّ إليّ.\nووجَّه سِرْبًا مع ابنه وقد أحسَّ أنَّها تكون عليه، فنظَر شبيب إلى مصاد فقال: أثكَلَنِيك الله إنْ لم أثكله ولَده، قال: ثمّ علاه بالعَمود، فَسَقَط ميتًا، وانهزم أصحابُه وما قُتِل بينهم يومئذ إلا قتيل واحد، قال: وانكشف أصحابُ سعيد بن مجالد حتَّى أتَوا الجَزْل، فناداهم الجزل: أيها الناس، إليّ إليّ، وناداهم عِياض بنُ ابي لينة: أيها الناس، إنْ يكن أميرُكم هذا القادمُ قد هلك فهذا أميرُكم الميمون النقيبة، أقبِلوا إليه، وقَاتِلوا معه؛ فمنهم من أقبل إليه، ومنهم من ركب رأسَه منهزمًا، وقاتل الجَزْلُ قتالًا شديدًا حتَّى صرع، وقاتل عنه خالدُ بن نهيك وعياض بن أبي لِينة حتَّى استنقَذاه وهو مُرْتَثّ، وأقبَل الناسُ منهزمين حتَّى دخلوا الكوفة، فأتِيَ بالجَزْل حتى أدخِل المدائن، وكُتب إلى الحجَّاج بن يوسف (٢). (٦/ ٢٣٧).\nقال أبو مِخنف: حدّثني بذلك ثابتٌ مولى زُهير:\nأمَّا بعد، فإني أخبر الأمير أصلَحه الله أني خرجت فيمن قبَلي من الجند الَّذي\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":235},{"text":"وجَّهني إلى عدوّه، وقد كنت حفظتُ عهدَ الأمير إليّ فيهم ورأيَه، فكنتُ أخرجُ إليهم إذا رأيت الفُرْصة، وأحبِس الناس عنهم إذا خشيت الوَرْطة، فلم أزل كذلك، ولقد أرادني العدوّ بكلّ رِيدة فلم يُصب منِّي غِرّةً، حتَّى قدم عليّ سعيدُ بن مجالد رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدَة، ونهيته عن العَجلة، وأمرتُه ألّا يقاتلهم إلّا في جماعة الناس عامَّةً فعصاني، وتعجَّل إليهم في الخيل، فأشهدتُ عليه أهل المِصْرَيْن أنِّي بريء من رأيه الَّذي رأى، وأني لا أهوى ما صَنع، فمضى فأصيب تجاوز الله عنه، ودُفِع الناسُ إليّ، فنزلتُ ودعوتهم إليّ، ورفعتُ لهم رايَتي، وقاتلتُ حتَّى صُرعتُ، فحملني أصحابي من بين القَتلى، فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأسِ ميل من المعركة، فأنا اليومَ بالمدائن في جراحة قد يموت الرجلُ من دونِها ويُعافَى من مثلها، فليسأل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي عدوّه، وعن موقفي يومَ البأس، فإنه يستبين له عند ذلك أنى قد صَدقتهُ ونصحتُ له، والسلام.\nفكتب إليه الحجَّاج:\nأمَّا بعد، فقد أتاني كتابُك وقرأته، وفهمتُ كلَّ ما ذكرتَ فيه، وقد صدّقتُك في كلّ ما وصفتَ به نفسَك من نصيحتك لأميرك، وحيْطتك على أهلِ مصْرك، وشدّتك على عدوّك، وقد فهمتُ ما ذكرتَ من أمر سعيد وعجلته إلى عدوّه، فقد رضيتُ عَجلتَه وتُؤَدَتك، فأمَّا عجلته فإنَّها أفضت به إلى الجنَّة، وأمَّا تُؤَدَتُك فإنَّها لم تَدَع الفرصة إذا أمكنتْ، وترْك الفرصة إذا لم تُمكِن حَزْمٌ وقد أصبتَ وأحسنتَ البلاء، وأجِرْتَ، وأنتَ عندي من أهل السمع والطاعة والنَّصيحة، وقد أشخصتُ إليك حيَّان بن أبجر ليداوِيك ويعالجَ جراحتَك، وبعثتُ إليك بألفَي درهم فأنفِقْها في حاجتك وما ينوبُكَ، والسلام.\nفقدِم عليه حَيَّان بنُ أبجر الكنانيّ من بني فراس - وهم يعالجون الكَيِّ وغيرِه - فكان يداويه، وبحث إليه عبد الله بن أبي عُصَيفير بألف درهم، وكان يعوده ويتعاهدُه باللَّطَف والهديّة. قال: وأقبل شبيب نحوَ المدائنِ. فعلم أنَّه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتَّى انتهَى إلى الكرْخ، فعبر دِجلة إليه، وبعث إلى أهل سُوق بَغْداد وهو بالكَرْخِ أن اثبتُوا في سُوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنَّهم يخافونه.","vol":"10","page":236},{"text":"قال: ويخرجُ سُويد حتَّى جعل بيوتَ مُزَينة وبني سُلَيم في ظهره وظهور أصحابه، وحمل عليهم شبيب حملةً منكرة، وذلك عند المساء، فلم يقدِر منهم على شيء، فأخذ على بيوتِ الكُوفة نحو الحِيرة، وأتبعه سُويد لا يفارقه حتى قطع بيوتَ الكوفة كلّها إلى الحيرة، وأتبعه سوَيد حتى انتهى إلى الحيرة، فيَجِده قد قَطَع قنطرةَ الحيرة ذاهبًا، فتَركه وأقام حتى أصبح.\nوبعث إليه الحجَّاج أن أتبعه فأتبعه، ومضَى شبيب حتَّى أغار في أسفل الفُرات على من وجد من قوْمه، وارتفع في البرّ من وراء خَفَّان في أرض يقال لها الغلظة، فيصيب رجالًا من بني الوِرْثة، فَحَمل عليهم، فاضطرّهم إلى جَدد من الأرض، فجعلوا يَرْمونه وأصحابَه بالحجارة من حجارة الأرحاء كانت حولَهم، فلَمَّا نَفِدَت وصل إليهم فقتل منهم ثلاثةَ عشر رجلًا، منهم حنظلة بن مالك ومالكَ بن حنظلة وحمران بن مالك، كلّهم من بني الورْثة (١). (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٩).\nقال أبو مخنف: حدّثني بذلك عطاءُ بنُ عَرْفَجة بن زياد بن عبد الله الورثيَّ، ومضى شبيب حتَّى يأتي بني أبيه على اللصف (ماءٌ لرَهْطه) وعلى ذلك الماء الفِزْر بنُ الأسود، وهو أحد بني الصَّلْت، وهو الَّذي كان يَنهَى شبيبًا عن رأيه، وأن يُفسِد بني عمه وقومه، فكان شبيب يقول: والله لئن ملكتُ سبعةَ أعنَّة لأغزُوَنّ الفِزْر، فلمَّا غشيَهم شبيب في الخيل سأل عن الفِزْر فاتَّقاه الفِزْر، فخرج على فرس لا تُجارَى من وراء البيوت، فذهب عليها في الأرض، وهرب منه الرجال، ورجع وقد أخاف أهلَ البادية حتَّى أخذ على القُطقُطانة؛ ثمّ على قصر مُقاتِل، ثمّ أخذ على شاطيء الفُرات حتَّى أخذ على الحَصّاصة، ثم على الأنبار، ثم مضى حتى دخلَ دقُوقاء، ثمّ ارتفع إلى أداني أذْربيجان، فترَكه الحجَّاج وخرج إلى البَصْرة، واستخلَف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، فما شعر الناس بشيء حتَّى جاء كتابٌ من ماذرواسب دِهْقان بابل مَهْرُوذ وعظيمها إلى عُروَة بن المغيرة بن شُعْبة أنّ تاجرًا من تجَّار الأنْبار من أهل بلادي أتاني فَذَكر أنّ شبيبًا يريد أن يدخُل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل، أحببتُ إعلامَك ذلك لتَرى رأيك، ثمّ لم ألبث إلا ساعةً حتَّى جاءني جابيان من جُباتي فحدّثاني أنّه قد نزل\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":237},{"text":"خانِيجار، فأخذ عروة كتابَه فأدْرَجَه وسرّح به إلى الحجَّاج بالبصرة، فلمَّا قرأه الحجَّاج أقبل جوادًا إلى الكُوفة، وأقبَل شبيب يسيرُ حتَّى انتهى إلى قرية يقال لها حَرْبى على شاطيء دِجْلة فعبر منها، فقال: ما اسمُ هذه القرية؟ فقالوا: حَرْبَى؛ فقال: حرْب يَصْلى بها عدوّكم، وحَرب تُدخِلونه بُيوتهم، إنَّما يتطيَّر من تقُوف ويَعِيف، ثم ضرب رايتَه وقال لأصحابه: سيروا؛ فأقبَل حتَّى نزل عَقْرقُوفَا، فقال له سُويد بن سُليم: يا أميرَ المؤمنين، لو تحوّلتَ بنا من هذه القرية المشؤومة الاسم! قال: وقد تطيَّرتَ أيضًا! والله لا أتحوّل عنها حتَّى أسيرَ إلى عدوّي منها، إنَّما شؤمُها إن شاء الله على عدوِّكم تَحمِلون عليهم فيها، فالعَقْر لهم.\nثمّ قال لأصحابه: يا هؤلاء، إنّ الحجّاج ليس بالكوفة، وليس دون الكوفة إن شاء الله شيءٌ، فسيروا بنا. فخرج يُبادِر الحجَّاج إلى الكوفة، وكتب عُروةُ إلى الحجَّاج أنّ شبيبًا قد أقبل مسرعًا يريد الكوفة، فالعجلَ العجلَ، فطوى الحجّاج المنازل، واستبَقا إلى الكوفة، ونزلها الحجّاج صلاةَ الظهر، ونزل شبيبٌ السَّبَخة صلاةَ المغرب، فصلَّى المغرب والعِشاء، ثمّ أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئًا يسيرًا، ثمّ ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة، فجاء شبيبٌ حتَّى انتهى إلى السوق، ثمّ شذ حتى ضربَ بابَ القصر بعموده.\nقال أبو المنذر: رأيت ضربَةَ شبيب بباب القصر قد أثَّرتْ أثَرًا عظيمًا، ثمّ أقبل حتَّى وقف عند المَصْطبة، ثم قال:\nوكأنَّ حافِرَهَا بكلِّ خَمِيلَةٍ ... كَيْلٌ يَكِيلُ به شَحِيحٌ مُعْدِمُ\nعَبْدٌ دَعِيٌّ من ثمودٍ أصلُه ... لابل يُقال أبُو أَبيهمْ تقْدُمُ\nثمّ اقتحموا المسجد الأعظم وكان كبيرًا لا يفارقه قومٌ يصلون فيه، فقَتل عقيلَ بن مصعب الوادعيّ وعديّ بن عمرو الثَّقفيّ وأبا لَيْث بن أبي سُلَيم مولى عَنْبسة بن أبي سُفيان، وقتلوا أزهرَ بن عبد الله العامريّ، ومَرّوا بدار حَوْشب هو على الشُّرَط فوقفوا على بابه وقالوا: إنّ الأمير يدعو حَوْشبًا، فأخرج ميمون غلامه بِرْذَونَ حَوْشب ليركبه حَوْشب، فكأنَّه أنكرهم فظنُّوا أنه قد اتَّهمهم، فأراد أن يدخل، فقالوا له: كما أنت، حتَّى يَخرجُ صاحبُك، فسمع حوْشب الكلامَ، فأنكرَ القوم، فخرج إليهم فلمَّا رأى جماعتَهم أنكرَهم، وذهب لينصرِف، فعجَّلوا نحوه، ودخل وأغلَق الباب، وقتلوا غلامَه ميمونًا، وأخذوا بِرْذَوْنه","vol":"10","page":238},{"text":"ومَضوا حتى مرّوا بالجحَّاف بن نبيط الشَّيْبانيّ من رَهْط حَوْشب، فقال له سويد: انزلْ إلينا، فقال له: ما تَصنع بنُزولي! قال له سويد: أقضِيك ثمنَ البكرةِ الَّتي كنتُ ابتعتُ منك بالبادية، فقال له الجحّاف: بئس ساعةُ القضاء هذه الساعة، وبئس قَضاءُ الدَّين هذا المكان! أما ذكرتَ أمانتَك إلا واللَّيل مظلم، وأنت على ظهر فرسِك! قبَّح الله يا سويد دينًا لا يَصلُح ولا يتمّ إلا بقتل ذوي القَرابة وسفك دماء هذه الأمَّة.\nقال: ثمّ مضوا فمرّوا بمسجد بني ذُهْل فلقوا ذُهَل بن الحارث، وكان يصلِّي في مسجد قومه فيُطيلُ الصلاة، فصادفوه منصرفًا إلى منزله، فشدّوا عليه ليقتلُوه، فقال: اللهمَّ إني أشكو إليك هؤلاء وظلمَهم وجهلَهم. اللَّهمَّ إني عنهم ضعيف، فانتصرْ لي منهم! فضربوه حتَّى قتلوه، ثمَّ مضَوا حتَّى خرجوا من الكوفة متوجّهين نحو المردَمة (١). (٦/ ٢٣٩ - ٢٤١).\nقال هِشام: قال أبو بكر بنُ عيَّاش: واستقبله النَّضرُ بنُ قَعقَاع بن شوْر الذّهْليّ، وأمّه ناجية بنت هانيء بن قَبيصة بن هانيء الشَّيبانيّ فأبطَره حين نظر إليه - قال: يعني بقوله: \"أبطَرَه\" أفزعه - فقال: السلام عليكَ أيّها الأمير ورحمة الله؛ قال له سويد مبادرًا: أميرَ المؤمنين، وَيْلكَ!\nفقال: أمير المؤمنين، حتَّى خرجوا من الكوفة متوجِّهين نحو المردمة، وأمر الحجّاج المناديَ فنادَى: يا خيلَ الله ارْكبي وأبْشِري، وهو فوق بابِ القَصْر، وثَمَّ مصباحٌ مع غلام له قائم، فكان أوّل من جاء إليه من الناس عثمان بن قَطَن بن عبد الله بن الحصين ذي الغُصّة، ومعه مواليه، وناس من أهله، فقال: أنا عثمان بن قَطَن، أعلموا الأمير مكاني، فليأمر بأمره، فقال له ذلك الغلام: قفْ مكانك حتَّى يأتيَك أمرُ الأمير، وجاء الناسُ من كلّ جانب، وبات عثمانُ فيمن اجتمع إليه من الناس حتَّى أصبح.\nثمّ إن الحجَّاج بعث بُسْرَ بن غالب الأسَديّ من بني والبة في ألفي رجل، وزائدة بن قدامةَ الثقفيَّ في ألفَيْ رجل، وأبا الضريس، مولى بني تميم في ألف من الموالي، وأعيَن - صاحب حمَّام أعيَن مَولى بِشْر بن مروان - في ألف رجل،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":239},{"text":"وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمَّد بن موسى بن طلحة على سِجِسْتان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجَّاج: أمَّا بعد، فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهِّز معه ألفَيْ رجل إلى سِجْستان، وعجِّلْ سرَاحه، وأمَر عبد الملك محمَّد بن موسى بمكاتبة الحجَّاج، فلمَّا قدم محمَّد بنُ موسى جعل يتحبَّس في الجَهاز، فقال له نصحاؤه، تعجَّل أيّها الأمير إلى عَمَلك؛ فإنَّك لا تدري ما يكون من أمر الحَجَّاج! وما يبدو له.\nفأقام على حالِه، وحدَث من أمر شبيب ما حدثَ، فقال الحجَّاج لمحمَّد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله: تلقى شبيبًا وهذه الخارجةَ فتجاهِدْهم ثمّ تَمضِي إلى عملك، وبعث الحجَّاج مع هؤلاء الأمَراء أيضًا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز القُرشيّ وزياد بن عمرو العتكيّ، وخرج شبيبٌ حيث خرج من الكوفة، فأتى المردمة وبها رجل من حضرَموت على العُشور يقال له ناجية بن مَرْثد الحضرمي، فدخل الحمَّام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه، واستقبل شبيب النضّر بن القَعْقَاع بن شَوْر - وكان مع الحجاج حين أقبلَ من البصرة، فلمَّا طوى الحجَّاجُ المنازل خلّفه وراءه - فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه، فقال له شبيب: يا نضر بن القَعْقَاع، لا حُكم إلا لله - وإنَّما أراد شبيب بمقالته له تَلقِينَه، فلم يفهم النَّضر - فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فقال أصحاب شبيب: يا أمير المؤمنين، كأنَّك إنَّما تريد بمقالتك أن تلقِّنَه، فشَدّوا على نضر فقتَلوه.\nقال: واجتمعتْ تلك الأمراء في أسفل الفرات، فترك شبيب الوجهَ الذي فيه جماعةُ أولئك القواد، وأخذ نحو القادسيَّة، ووجَّه الحجَّاج زَحْر بن قيس في جَريدة خيل نقاوة ألف وثمانمئة فارس، وقال له: أتْبع شبيبًا حتى تواقعَه حيثما أدركْتَه، إلا أن يكون منطلقًا ذاهبًا فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك، فلا تبرحْ إن هو أقام حتَّى تواقعه، فخرج زَحْر حتى انتهى إلى السَّيْلحِين، وبلغ شبيبًا مَسيرُه إليه، فأقبل نحوه فالتقَيَا، فجَعل زَحْر على ميمنته عبد الله بن كنَاز النَّهديّ، وكان شجاعًا وعلى ميسرته عديَّ بن عديّ بن عميرة الكنديّ الشيبانيّ، وجمع شبيب خيلَه كلّها كَبْكَبةً واحدة، ثمّ اعترض بها الصفّ، فوجف وجيفًا، واضطرب حتَّى انتهى إلى زَحْر بن قيس، فنزل زَحْر بن قيس، فقاتل زَحْر حتَّى","vol":"10","page":240},{"text":"صُرع، وانهزم أصحابُه، وَظنّ القومُ أنَّهم قد قتلوه، فلما كان في السَّحَر وأصابَه البرد قام يتمشّى حتَّى دخل قريةً فبات بها، وحُمل منها إلى الكوفة وبوَجْهه ورأسه بضع عشرة جراحة ما بين ضربة وطعنة، فمكث أيَّامًا، ثمّ أتى الحجَّاج وعلى وجْهه وجراحه القُطن، فأجْلسه الحجَّاج معه على السَّرير، وقال لمن حوله: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة يمشي بين الناس وهو شَهِيد فلينظرْ إلى هذا، وقال أصحابُ شبيب لشبيب وهم يظنّون أنَّهم قد قتلوا زَحْرًا: قد هزمنا لهم جُنْدًا، وقَتلَنا لهم أميرًا من أمرائهم عظيمًا، انصرِفْ بنا الآن وافرين، فقال لهم: إنْ قتلنا هذا الرجل، وهزيمتنا هذا الجند، قد أرْعبتْ هذه الأمراء والجنود التي بُعثَتْ في طلبكم، فاقصِدوا بنا قصْدَهم، فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجَّاج من شيء وأخْذ الكوفة إن شاء الله، فقالوا: نحن لرأيك سمع تَبع، ونحن طوع يديك.\nقال: فانقضّ بهم جوادًا، حتى يأتي نَجْران - وهي نَجْران الكوفة ناحية عَيْن التَّمر - ثمّ سأل عن جماعة القوم فخُبّر باجتماعهم برُوذبار في أسفل الفُرات في بِهْقُباذ الأسفل على رأس أربعة وعشرين فرسخًا من الكُوفة، فبلغ الحجَّاجَ مسيره إليهم، فبعث إليهم عبد الرحمن بن الغَرِق مولى ابن أبي عَقِيل - وكان على الحجَّاج كريمًا - فقال له: اِلحَق بجماعتهم - يَعنِي جماعةَ الأمراء - فأعلمْهم بمسير المارقة إليهم، وقل لهم: إنْ جمعكم قِتالٌ فأميرُ الناس زائدة بن قدامة، فأتاهم ابن الغرِق فأعْلمهم ذلك، وانصرَف عنه. (٦/ ٢٤٢ - ٢٤٤).\nقال أبو مِخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جُنْدب قال: انتهى إلينا شَبيب وفينا سَبعة أمراء على جماعتهم زائدةُ بن قدامة، وقد عبَّى كلّ أمير أصحابه على حِدَة، ففي ميمنتنا زيادُ بن عمرو العتكيّ، وفي ميسرتنا بشر بن غالب الأسديّ، وكلّ أمير واقف في أصحابه، فأقبل شبيبٌ حتَّى وقف على تَلّ، فأشرف على الناس وهو على فرس له كُمَيت أغرّ، فنظر إلى تعبيتهم، ثئم رجع إلى أصحابه، فأقبل في ثلاثِ كتائب يوجفون، حتى إذا دنا من الناس مضتْ كتيبةٌ فيها سُوَيد بن سُليم، فتقف في ميمنتنا، ومضت كتيبة فيها مَصاد أخو شبيب، فوقفتْ على ميسرتنا، وجاء شبيبٌ في كتيبة حتَّى وقف مُقابِل القلب، قال: وخرج زائدةُ بنُ قدامة يسيرُ في الناس فيما بين ميمنتهم إلى ميسرتهم، يحرّض الناس ويقول:","vol":"10","page":241},{"text":"يا عبادَ الله، أنتم الكثيرون الطيّبون، وقد نزل بكم القليلون الخبيثون، فاصبروا - جُعِلت لكم الفِداء - لكرّتَين أو ثلاث تكرّون عليهم، ثم هو النَّصر ليس بينه حاجز ولا دونه شيء، ألا تروْن إليهم والله ما يكونون مئتي رجل، إنَّما هم أكَلَة رأس إنَّما هم السّرّاق المُرّاق، إنَّما جاؤوكم ليُهَرِيقوا دماءكم، ويأخذوا فَيئَكم، فلا يكونوا على أخذه أقوَى منكم على مَنْعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهلُ فُرْقة وأنتم أهلُ جَماعة، غضوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسِنَّة، ولا تَحملوا عليهم حتى آمركم، ثمّ انصرف إلى مَوْقفه.\nقال: ويَحْمِل سُوَيد بنُ سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صَفُّهم، وثبَت زياد في نحو من نصف أصحابه، ثمّ ارتفع عنهم سُوَيد قليلًا، ثم كرّ عليهم ثانيةً، ثمّ اطَّعنوا ساعة (١). (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني فروة بن لقيط، قال: أنا والله فيهم يومئذ، قال: اطَّعَنَّا ساعةً وصبروا لنا حتَّى ظننتُ أنَّهم لن يزولوا، وقاتل زياد بنُ عمرو قتالًا شديدًا، وجعل ينادي: يا خيلي، ويشُدّ بالسيف فيقاتِل قتالًا شديدًا، فلقد رأيتُ سويدَ بن سليم يومئذ وإنَّه لأشجع العرب وأشدّه قتالًا، وما يُعرض له، قال: ثمّ إنا ارتفَعْنا عنهم آخِرًا فإذا هم يتقوّضون، فقال له أصحابه: ألا تراهم يتقوّضون! احْمِل عليهم، فقال لهم شبيب: خلّوهم حتَّى يَخِفّوا، فتركُوهم قليلًا، ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا، فنظرت إلى زياد بن عمرو وإنَّه ليُضَرب بالسيف، وما مِن سيف يُضْرَب به إلا نبا عنه وهو مجفَّف، ولقد رأيته اعتوره أكثرُ من عشرين سيفًا فما ضَرّه، من ذلك شيء، ثمّ إنه انهزم وقد جُرِح جراحةً يسيرة، وذلك عند المساء.\nقال: ثمّ شدَدْنا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه، وما قاتَلنَا كثيرَ قتال، وقد ضارب ساعةً، وقد بلغني أنه كان جُرح ثمّ لحق بزياد بن عمرو، فمضينا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة، عند المغرب، فقاتلنا قتالًا شديدًا وصبر لنا (٢). (٦/ ٢٤٥).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":242},{"text":"ذكر هشامٌ عن أبي مِخنَف، قال: حدّثني عبد الرحمن بن جندَب وفروة بن لقيط، أن أخا شبيب مصادًا حمل على بِشْر بن غالب وهو في الميسرة؛ فأبْلَى وكرم والله وصبر، فنزل ونزل معه رجالٌ من أهل الصَّبر نحوٌ من خمسين، فضاربُوا بأسيافهم حتَّى قُتِلوا عن آخرِهم وكان فيهم عروةُ بن زهير بن ناجذ الأزديّ، وأمه زارة امرأة ولدتْ في الأزْد، فيقال لهم بنو زارة، فلمَّا قَتلوه وانهزم أصحابُه مالُوا فشدّوا على أبي الضُّرَيْس مولى بني تميم، وهو يلي بشِر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعْيَن، ثمّ شدوا عليه وعلى أعْيَن جميعًا فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدةَ بن قدامة، فلمَّا انتهَوا إليه نزل ونادى: يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إليّ إليّ! لا يكوثوا على كُفْرهم أصبر منكم على إيمانكم، فقاتلهم عامَّة الليل حتَّى كان السَّحَر، ثم إنّ شبيبًا شدّ عليه في جماعة من أصحابه فقتَله وأصحابه وتركهم رِبضة حوله من أهل الحفاظ (١) (٦/ ٢٤٦).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندب قال: سمعتُ زائدةَ بن قدامة ليلتئذ رافعًا صوتَه يقول: يا أيها الناس، اصبروا وصابِروا، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ثمّ والله ما بَرح يقاتلُهم مقبلًا غيرَ مدبر حتَّى قُتِل (٢). (٦/ ٢٤٦).\nقال أبو مخنَف: وحدّثني فروة بنُ لَقيط أنّ أبا الصُّقَيْر الشَّيبانيّ ذكر أنه قَتَل زائدة بن قدامة، وقد حاجَّه في ذلك آخر يقال له الفَضل بن عامر، قال: ولمَّا قَتَل شبيبٌ زائدةَ بنَ قدامة دخل أبو الضُّرَيس وأعيَن جَوْسَقًا عظيمًا، وقال شبيب لأصحابه: ارفَعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البَيْعة، فدَعَوْهم إلى البيعة عند الفَجْر.\nقال عبدُ الرحمن بن جُنْدَب: فكنتُ فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقفٌ على فرس وخيلَه واقِفة دونه، فكلّ من جاء ليبايِعه نُزع سيفُه عن عاتقِه، وأخِذ سلاحُه منه، ثم يُدْنَى من شبيب فيسلّم عليه بإمرة المؤمنين، ثم يخلَّى سبيله. قال: وإنَّا\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":243},{"text":"لكذلك إذ انفجر الفَجْر ومحمَّد بن موسى بن طلحة بن عبيدالله في أقْصَى العسكر، معه عصابة من أصحابه قد صبروا، فلمَّا انفجر الفجر أمر مؤذِّنه فأذّن، فلمَّا سَمِع شبيب الأذان قال: ما هذا؟ فقال: هذا محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله لم يَبَرح؛ فقال: قد ظننت أنّ حُمقه وخُيَلاءه سيحمله على هذا؛ نَحُّوا هؤلاء عَنَّا وانزلوا بنا فلنُصَلّ، قال: فنزل فأذّن هو، ثمّ استقدم فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، و﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، ثم سلَّم، ثم رَكِبوا فَحَمَلَ عليهم فانكشف طائفة من أصحابه، وثبتتْ طائفة. قال فروة: فما أنسى قوَله وقد غَشينَاه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.\nقال: وضارب حتَّى قتل، قال: فسمعتُ أصحابي يقولون: إن شبيبًا هو الَّذي قتله، ثمّ إنّا نزلْنا فأخذنا ما كان في العسكر من شيء، وهرب الّذين كانوا بايعوا شبيبًا فلم يبق منهم أحد (١). (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧).\nوقد ذكر من أمر محمَّد بن موسى بن طلحة غيرُ أبي مِخنَف أمرًا غير الَّذي ذكرته عنه، والذي ذكر من ذلك أنّ عبدَ الملك بن مروان كان ولّى محمَّدَ بن موسى بن طلحة سِجِستان، فكتب إليه الحجَّاج: إنك عامل كلّ بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك، فعدل إليه محمَّد، فأرسل إليه شبيب: إنك امرؤ مخدوع، قد اتَّقى بك الحجَّاج، وأنا جارٌ لك حقّ، فانطَلِقْ لما أمِرتَ به ولك الله لا آذَيْتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلّا قتاله، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلا شبيبًا، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنكم هذه الأشراف! فبرز إليه شبيب. وقال: إني أنشدُكَ اللهَ في دَمِكَ، فإنّ لك جِوارًا، فأبى إلا قِتَاله فحَمَل عليه شبيبٌ فضربه بعصا حديدٍ فيها اثنا عشر رطلًا بالشافي، فهشم بها بيضة عليه ورأسه فسقط، ثم كفَّنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه وقال: هو جاري بالكوفة، ولي أن أهَبَ ما غنمتُ لأهل الرّدّة. (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":244},{"text":"قال عمرُ بنُ شَبَّة: قال أبو عبيدة: كان محمَّد بنُ موسى مع عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فُدَيك وكان على ميمنته، وشُهِر بالنَّجْدة، وشدة البأس وزوّجه عمر بن عُبيد الله بن معمر ابنتَه أمّ عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سِجِسْتان، فمرَّ بالكوفة وبها الحجَّاج بن يوسف، فقيل للحجَّاج: إن صار هذا إلى سِجِسْتان، مع نجدته وصهْره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممَّن تطلب، مَنَعَك منه؛ قال فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلّم عليه، وتذكر نجدته وبأسه وأنّ شبيبًا في طريقه، وأنه قد أعياك، وأنَّك ترجو أن يريحَ الله منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته، ففعل، فعدل إليه محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إني قد علمتُ خِدَاعَ الحجَّاج، وإنَّما اغترّك وَوَقى بك نفسَه، وكأني بأصحابك لو قد التقَتْ حَلْقَتَا البطان قد أسلَموك، فُصرعتَ مَصرع أصحابِك؛ فأطِعْني وانطلِق لشأنِك، فإني أنفسُ بك عن الموت؛ فأبَى محمَّد بن موسى، فبارَزَه شبيب فقتله. (٦/ ٢٤٨).\nرجع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف، قال عبدُ الرحمن: لقد كان فيمن بايَعه تلك الليلة أبو بُردَة بن أبي موسى الأشعريّ، فلمَّا بايعه قال له شبيب: ألَسْتَ أبا بردة! قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلّائي، أبو هذا أحد الحَكَمين، فقالوا: ألا نقتل هذا؟ فقال: إنّ هذا لا ذنبَ له فيما صنع أبوه؛ قالوا: أجل. قال: وأصبح شبيب، فأتى مُقِبلًا نحوَ القَصْر الَّذي فيه أبو الضَّريس وأعيَن فرَموه بالنَّبل، وتحصَّنا منه، فأقام ذلك اليوم عليهم، ثمّ شخص عنهم، فقال له أصحابُه: ما دون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابُه قد جُرِحوا؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر ممَّا قد فعلتم، فخرج بهم على نِفرَّ، ثمّ على الصَّراة، ثمّ على بغداد، ثم خرج إلى خانِيجَار فأقام بها.\nقال: ولمَّا بلغ الحجَّاجَ أن شبيبًا قد أخذ نحو نِفرَّ ظَنّ أنَّه يريد المدائن - وهي باب الكوفة، ومَن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجَّاج، وبعث إلى عثمان بن قَطَن، ودعاه وسرّحه إلى المدائن، وولّاه منبَرها والصّلاة ومَعونة جُوخى كلَّها وخَراجَ الأسْتان.\nفخرج مسرعًا حتَّى نزل المدائن، وعزل الحجَّاجُ عبدَ الله بن أبي عُصيفير؛","vol":"10","page":245},{"text":"وكان بها الجَزْل مقيمًا أشهرًا يُداوِي جراحَتَه، وكان ابن أبي عصيفير يعوده ويكرمه، فلمَّا قدم عثمانُ بن قطن المدائن لم يَعُدْه، ولم يَكن يتَعاهده ولا يُلطِفه بشيء، فقال الجزل: اللَّهمّ زِد ابنَ عصيفير جودًا وكرمًا وفضلًا، وزد عثمان بن قطن ضِيقًا وبُخلًا، قال: ثم إن الحجَّاج دعا عبدَ الرَّحمن بن محمد بن الأشعث فقال: انتخِب الناس، واخرجْ في طلب هذا العدو، فأمره بنُخبة ستَّةِ آلاف، فانتخب فُرْسان الناس ووجوههم، وأخرج من قومِه ستَّمئة من كِنْدة وحَضْرَموت، واستحثَّه الحجّاجُ بالعسكر، فعسكر بدير عبد الرحمن، فلمَّا أراد الحجَّاج إشخاصهُم كتب إليهم:\nأما بعد، فقد اعتدتُم عادةَ الأذلّاء، وولَّيْتم الدُّبر يومَ الزَّحْف، وذلك دأب الكافِرين، وإني قد صفحتُ عنكم مرّة بعد مرّة، ومرّة بعد مرّة، وإني أقسِم لكم بالله قَسَمًا صادقًا لئن عدتم لذلك لأوقِعنّ بكم إيقاعًا أكون أشدَّ عليكم من هذا العدوّ الذي تَهرُبون منه في بطون الأودية والشِّعاب، وتَستترون منه بأثناء الأنْهار وألْواذ الجِبال، فخافَ من له مَعقولٌ على نفسِه، ولم يَجعل عليها سبيلًا، وقد أعَذَر من أنذَر.\nوقد أسمعتَ لَوْ نادَيتَ حَيًّا ... ولكنْ لا حياةَ لمن تُنادِي\nوالسلامُ عليكم.\nقال: ثمّ سرّح ابن الأصمّ مؤذّنَه، فأتى عبدَ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث عند طلوع الشمس، فقال له: ارتحِلْ الساعةَ ونادِ في الناس: أن برِئتِ الذّمَّةُ من رجل من هذا البَعْث وَجَدناه متخلفًا. فخرج عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعَث في الناس حتَّى مَرّ بالمدائن فنزل يومًا وليلةً، وتشَرّى أصحابه حوائجَهم، ثمّ نادَى في الناس بالرَّحيل، فارتحَلوا، ثمّ أقبلوا حتى دَخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجَزْلَ فسأله عن جراحَته، وسأله ساعةً وحدثه، ثم إنّ الجَزْل قال له: يا بن عمّ: إنَّك تسير إلى فُرْسان العَرَب وأبناءِ الحرب، وأحْلاس الخيل، واللهِ لكأنَّما خُلِقوا من ضُلوعها، ثم بُنوا على ظهورِها، ثم هم ألسْد الأجَم، الفارسُ منهم أشدّ من مئة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هُجهج أقدَم، فإني قد قاتلتُهم وبلَوْتُهم، فإذا أصحرتُ لهم انتَصفوا منّي، وكان لهم الفضل عليّ، وإذا خَندقت عليّ وقاتلتُهم في مَضِيق نلتُ منهم بعضَ ما أحِبّ، وكان لي عليهم","vol":"10","page":246},{"text":"الظَّفَر، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا في تعبيةٍ أو في خندق، ثمّ إنه ودّعه، فقال له الجَزْل: هذه فرَسي الفُسَيْفِساء، خُذْها فإنَّها لا تجارَى، فأخَذَها ثمّ خرج بالناس نحو شبيب، فلمَّا دنا منه ارتفع عنه شبيبٌ إلى دَقُوقاء وشَهْرَزُور، فخرج عبد الرحمن في طلبه، حتَّى إذا كان على التخوم أقام، وقال: إنَّما هو في أرض المَوْصِل، فليقاتِلوا عن بلادهم أو ليَدَعوه، فكتب إليه الحجَّاج بنُ يوسف:\nأمّا بعد، فاطلب شبيبًا واسلُكْ في أثَرِه أين سَلَك حتَّى تُدرِكَه فتقتله أو تَنفِيَه، فإنَّما السلطان سلطانُ أميرِ المؤمنين والجندُ جندُه، والسلام.\nفخرج عبدُ الرحمن حين قرأ كتابَ الحجَّاج في طلب شبيب، فكان شبيبٌ يدَعه حتى إذا دنا منه بيَّنه، فيجده قد خندق على نفسه وحَذِر، فيمضي ويَدَعُه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنَّه قد تحمّل وأنَّه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجَده قد صَفَّ الخيل والرّجال وأدنى المرامية، فلا يصيبُ له غِرّة ولا له عِلَّة، فيمضي ويدعه.\nقال: ولمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصيب لعبد الرحمن غِرّةً ولا يصل إليه، جعل يَخرُج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله، فينزل على مسيرةِ عشرِين فرسخًا، ثمّ يقيم في أرض غليظة حَزْنة، فيجيء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب ارتحل شبيب فسار خمسةَ عشرَ أو عشرين فرسخًا، فنزل منزلًا غليظًا خَشِنًا، ثم يقيم حتَّى يدنوَ عبد الرحمن (١). (٦/ ٢٤٨ - ٢٥١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جُندب أنّ شبيبًا كان قد عَذّب ذلك العسكرَ وشقّ عليهم، وأحفى دوابَّهم، ولَقُوا منه كل بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتَّبعه حتَّى مرّ به على خانِقين ثمّ على جلولاء ثم على تامرا، ثمّ أقبَل حتَّى نزل البتّ - قرية من قُرَى المَوْصل على تُخوم المَوْصِل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلّا نهر يسمَّى حَولايا - قال: وجاء عبدُ الرحمن بنُ محمَّد بن الأشعث حتَّى نزل في نهر حولايا وفي راذان الأعلى من أرض جُوخَى، ونزل عَواقيل من النَّهر، ونزلها عبدُ الرحمن حيث نزلها وهي تُعجِبه، يرى أنَّها مثل الخندق والحصن، قال: وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إنّ هذه الأيام أيامُ عيدٍ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":247},{"text":"لنا ولكم، فإن رأيتم أن تُوادِعونا حتَّى تمضي هذه الأيَّام فافعلوا، فقال له عبدُ الرحمن: نعم، ولم يكن شيء أحبّ إلى عبدِ الرحمن من المطاولة والموادعة، قال: وكتب عثمان بنُ قَطَن إلى الحجَّاج:\nأمَّا بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلَحه الله أنّ عبد الرحمن بن محمَّد قد حفَر جُوخَى كلَّها خَندَقًا واحدًا، وخَلّى شبيبًا وكسر خراجها وهو يأكل أهلَها، والسلام.\nفكتب إليه الحجَّاج:\nأمَّا بعد، فقد فهمتُ ما ذكرتَ لي عن عبد الرحمن، وقد لَعَمري فعل ما ذكرت، فسِرْ إلى الناس فأنتَ أميرُهم، وعاجِل المارقةَ حتَّى تلقاهم، فإن الله - إن شاء الله - ناصِرُك عليهم والسلام.\nقال: وبعث الحجَّاج إلى المدائن مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدِم على عبد الرحمن بن محمَّد ومَنْ معه من أهل الكوفة وهم مُعسكرون على نهر حَوْلايا قريبًا من البت، عشيَّة الثلاثاء، وذلك يوم التَّروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيّها الناس، اخرجوا إلى عدوّكم، فوثب إليه الناس، فقالوا: نُنْشِدك اللهَ، هذا المساءَ قد غُشينا، والناس لم يُوطِّنوا أنفسهم على القتال، فبت اللَّيلة ثمّ اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأناجزَنَّهم، ولتكوننّ الفرصة لي أوْلهم، فأتاهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابَّته، وناشده الله لمّا نزل، وقال له عقيلُ بنُ شدّاد السَّلُوليّ: إن الَّذي تريد من مُناجَزتهم الساعةَ أنت فاعلُهُ غدًا، وهو غدًا خيرٌ لك وللناس، إن هذه ساعة ريح وغُبرة، وقد أمسيت فانزل، ثمّ أبكِرْ بنا إليهم غُدْوةً، فنزل، فَسفت عليه الريح، وشَقّ عليه الغُبارُ، ودعا صاحب الخراج العُلُوج فبَنوا له قُبَّةً فَبات فيها، ثمّ أصبح يومَ الأربعاء، فجاء أهلُ البتّ إلى شبيب - وكان قد نزل ببيعَتهم - فقالوا: أصلحَك الله! أنت ترحم الضعفاء وأهلَ الجِزْية، ويكلّمك مَنْ تلي عليه، ويَشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكفّ عنهم، وإنّ هؤلاء القوم جبابرة لا يُكلّمون ولا تقْبَلون العُذْر، والله لئن بَلغهم أنَّك مقيم في بِيعتنا لَيقتلنّنا إن قُضي لك أن تَرتَحِل عنَا، فإن رأيتَ فانزل جانبَ القَرْية ولا تجعل لهم علينًا مقالًا، قال: فإني أفعل ذلك بكم، ثمّ خرج فنزل جانبَ القَرْية، قال: فباتَ عثمان ليلتَه كلَّها","vol":"10","page":248},{"text":"يحرّضهم؛ فلمّا أصبح - وذلك يومَ الأربعاء - خرج بالنَّاس فاستقبلتهم ريحٌ شديدة وغبرة، فصاحَ الناس إليه، فقالوا: نُنْشدُك الله أن تخرج بنا في هذا اليوم، فإنّ الريح علينا! فأقام بهمْ ذلك اليوم، وأراد شبيبٌ قتالهم، وخرجَ أصحابُه، فلمَّا رآهم لم يَخرجُوا إليه أقام، فلمَّا كان ليلة الخميس خرج عثمانُ فعبَّى الناسَ على أرباعِهم، فجعل كلّ رُبْع في جانب العسكر، وقال لهم: اخرُجوا على هذه التعبية، وسألهم: من كان على ميمنتكم؟ قالوا: خالدُ بن نَهيك بن قيس الكِنْديّ، وكان على ميسرتنا عَقِيل بنُ شدَّاد السَّلوليّ، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما الَّتي كنتما بها، فقد ولَّيتكما المجنَّبتين، فاثبتا ولا تَفِرّا، فوالله لا أزول حتَّى يزول نَخْل راذان عن أصوله، فقالا: ونحن واللهِ الَّذي لا إله إلا هو لا نَفِرّ حتَّى نظفر أو نُقتل، فقال لهما: جزاكما اللهُ خيرًا، ثمّ أقام حتَّى صلَّى بالناس الغداة، ثمّ خرج فجعل ربْع أهلِ المدينة تميم وَهمْدان نحوَ نهر حَوْلايا في الميسَرة، وجعل ربع كِندة وربيعة ومَذَحج وأسَد في الميمنة، ونزل يمشي في الرّجال، وخرج شبيب وهو يومئذ في مئة وأحد وثمانين رجلًا فقطع إليهم النَّهر، فكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سُوَيد بن سُليم، وجعل في القلب مصاد بن يزيدَ أخاه، وزحفوا وسما بعضُهم لبعض (١). (٦/ ٢٥١ - ٢٥٣).\nقال أبو مخنف: فحدّثني النّضر بنُ صالح العبسيّ أن عثمان كان يقول فيُكثر: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عَقيل بن شَدّاد بن حُبْشي السَّلُوليّ: لعلّي أن أكون أحدَهم قتِل أولئك يومَ رُوذْبار، ثم قال شبيب لأصحابه: إني حاملٌ على ميسرتهم ممَّا يلي النهر، فماذا هزمتُها فليحمِل صاحبُ ميسرتي على ميمنتهم، ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيَه أمري، وحمل في ميمنة أصحابه ممَّا يلي النَّهر على ميسرة عثمانَ بن قَطن فانهزموا، ونزل عقيل بنُ شدّاد فقاتل حتَّى قُتِل، وقُتل يومئذ مالكُ بنُ عبد الله الهمْدانيّ ثمّ المُرْهبيّ، عمّ عيَّاش بن عبد الله بن عيَّاش المَنْتوف، وجعل يومئذ عَقيل بن شَدّاد يقول وهو يُجالِدهم:\nلأضْرِبَنّ بالحُسام الباتِر ... ضَرْبَ غُلَام مِنْ سَلُولٍ صابر\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":249},{"text":"ودخل شبيب عسكرَهم، وحمل سُويد بن سليم في ميسَرة شبيب على ميمنة عثمان بن قَطَن فهزَمها، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكنديّ، فنزل خالد فقاتل قتالًا شديدًا، وحمل عليه شبيبٌ من ورائه وهو على ربْع كندة وربيعةَ يومئذ وهو صاحب الميمنة، فلم ينثنِ شبيبٌ حتى علاه بالسيف فقتله، ومضى عثمان بن قَطَن وقد نزلت معه العُرَفاء وأشرافُ الناس والفُرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلًا، فلمَّا دنا منهم عثمانُ بن قطَن شدَّ عليهم في الأشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتَّى فرّقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلا والرّماح في أكتافهم تُكِبّهم لوجُوهِهم، وعطَف عليهم سُوَيد بنُ سليم أيضًا في خَيْله، ورجع مصاد وأصحابُه، وقد كان شبيب رَجَّلهم، فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قَطن فأحسَنَ القتال، ثم إنَّهم شَدّوا عليهم فأحاطوا به، وحَمَل عليه مصاد أخو شَبيب فضربه ضربةً بالسيف استدارَ لها، ثمّ قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ثمّ إن الناس قتلوه، وقُتل يومئذ الأبْرَد بنُ ربيعة الكِنْديّ، وكان على تَلّ، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاهُ فرسه، وقاتل حتى قُتِل، ووقع عبدُ الرحمن فرآه ابن أبي سَبْرة الجُعفيّ، وهو على بغلة فعَرَفه، فنزل إليه فناوَله الرّمح وقال له: اركب، فقال عبد الرحمن بن محمَّد: أيُّنا الرَّديف؟ قال ابنُ أبي سَبْرة: سبحانَ الله! أنت الأمير تكون المقدّم، فَركب وقال لابن أبي سَبْرة: ناد في الناس: الحَقوا بِدَيْر أبي مَرْيم: فنادَى، ثمّ انطلَقَا ذاهبَين، ورأى واصلُ بن الحارث السّكونيّ فرسَ عبدِ الرحمن الَّذي حمله عليه الجَزْلُ يَجُول في العسكر، فأخذها بعضُ أصحاب شبيب، فظَنَّ أنَّه قد هلك، فطلبه في القتلى فلم يجدْه، وسأل عنه فقيل له: قد رأيْنا رجلًا قد نزل عن دابَّته، فحمَله عليها، فما أخلقه أن يكون إيَّاه؛ وقد أخذ هاهنا آنفًا، فأتبعه واصلُ بنُ الحارث على بِرْذَوْنه ومع واصِل غلامُه على بَغْل، فلمَّا دَنوْا منهما قال محمَّد بن أبي سَبْرة لعبد الرحمن: قد واللهِ لَحِق بنا فارِسان، فقال عبدُ الرحمن: فهل غيرُ اثنين؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن: فلا يعجز اثنان عن اثنين.\nقال: وجعل يحدّث ابن أبي سَبْرة كأنَّه لا يكترث بهما، حتَّى لحقهما الرجلان، فقال له ابنُ أبي سَبْرة: رحمك الله! قد لِحقَنَا الرّجلان، فقال له: فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفَيهما، ثمّ مضَيا إليهما، فلما رآهما واصِل عرَفهما،","vol":"10","page":250},{"text":"فقال لهما: إنَّكما قد تركتما النزول في موضعه، فلا تَنزلا الآن، ثمّ حسَر العمامةَ عن وجهه، فعرفاه فرحَّبا به، وقال لابنِ الأشعث: إني لمَّا رأيتُ فرسك يجول في العسكر ظننتُك راجلًا، فأتيتك ببِرْذوني هذا لتركَبَه، فترك لابن أبي سَبْرة بغلته، ورَكب البرْذَون، وانطلق عبدُ الرحمنُ بنُ الأشعث حتَّى نزل دَيْر اليعار، وأمرَ شبيبٌ أصحابَه فرفعوا عن الناس السَّيف، ودعاهم إلى البَيْعة، فأتاه من بقي من الرَّجَّالة فبايعوه، وقال له أبو الصُّقَيْر المحلَّميّ قتلت من الكوفيِّين سبعةً في جوف النَّهر كان آخرهم رجلًا تعلَّق بثوبي وصاح، ورهَّبني حتَّى رهبْتُه، ثمَّ إني أقدَمْت عليه فقتَلتُهُ، وقُتِل من كندة مئة وعشرون يومئذ وألفٌ من سائرِ الناس أو ستّمئة، وقُتِل عُظْم العُرَفاء يومئذ (١). (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥).\nقال أبو مِخنَف: حدّثني قُدامة بن حازم بنِ سُفْيان الخَثْعميّ، أنَّه قَتَل منهم يومئذ جماعةً، وبات عبد الرحمن بنُ محمَّد تلك الليلة بدَير اليعار، فأتاه فارسان فصعِدا إليه فوق البيت، وقام آخرُ قريبًا منهما فخلا أحدُهما بعبد الرحمن طويلًا يناجيه، ثمّ نزل هو وأصحابُه، وقد كان الناسُ يتحدّثون أنّ ذلك كان شبيبًا، وأنَّه قد كان كاتبه، ثمّ خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دَيْرَ أبي مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة صبَرَ الشَّعير وألقَتّ بعضهُ على بعض كأنه القُصور، ونحر لهم من الجزر ما شاؤوا، فأكلوا يومئذ وعَلفوا دوابَّهم، واجتمع الناسُ إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث فقالوا له: إنْ سمعَ شبيبٌ بمكانك أتَاك وكنتَ له غنيمة، قد ذهب الناس وتفرّقوا وقُتِل خيارهم فالحقْ أيها الرجل بالكوفة، فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضًا، وجاء فاختبأ من الحجَّاج حتَّى أخَذ الأمانَ بعد ذلك (٢). (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>ثم دخلتْ سنة سبع وسبعين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حَوِية وقتلهما</span>\nففي هذه السنة قتل شبيبٌ عَتَّاب بن ورقاءَ الرّياحيّ وزُهرة بن حَوِية.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":251},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب مقتلهما:\nوكان سبب ذلك فيما ذَكر هشام عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن جندَب وفَرْوة بن لَقِيط، أنّ شبيبًا لمَّا هزم الجيشَ الَّذي كان الحجَّاج وجَّهَه مع عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث إليه، وقتَل عثمان بن قطن، وذلك في صَيْف وحرّ شديد، واشتدّ الحرّ على أصحابه، فأتَى ماه بَهْزاذان فتصيَّف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناسٌ كثير ممَّن يطلب الدُّنيا فَلِحقُوا به، وناس ممَّن كان الحجَّاج يَطلبهم بمال أو تِباعات؛ كان منهم رجلٌ من الحيّ يقال له الحرّ بنُ عبد الله بن عَوْف، وكان دِهْقانان من أهل نهر دَرْقيط قد أساءَا إليه وضَيّقَا عليه، فشَدَّ عليهما فقتَلهما، ثم لَحِق بشبيب فكان معه بماه. وشَهِد معه مواطنَه حتَّى قُتل، فلمَّا آمن الحجَّاجُ كل مَنْ كان خَرَج إلى شبيب من أصحاب المال والتِّباعات - وذلك بعد يوم السَّبَخة - خرج إليه الحرّ فيمن خرج، فجاء أهلُ الدّهقانَين يَستعدُون عليه الحجَّاج، فأتِيَ به فدخل. وقد أوصى ويئِس من نفسه، فقال له الحجَّاج: يا عدوَّ الله، قتلتَ رَجُلين من أهل الخراج! فقال له: قد كان أصلَحك الله ما هو أعظم من هذا، فقال: وما هو؟ قال: خروجي من الطاعة وفراق الجماعة، ثمّ آمنتَ كلَّ من خرج إليك، فهذا أماني وكتابُك لي، فقال له الحجَّاج: أوْلى لك! قد لَعَمري فعلتُ، وخَلَّى سبيلَه.\nقال: ولمَّا انفسخ الحَرّ عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمئة رجل، فأقبل نحو المَدائن وعليها مُطرّف بن المغيرة بن شُعْبة، فجاء حتَّى نزل قناطرَ حُذيفة بن اليمَان، فكتب ماذرواسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجَّاج:\nأمَّا بعد: فإني أخبر الأميرَ - أصلَحهُ الله - أنّ شبيبًا قد أقبل حتى نزل قناطر حُذَيفة، ولا أدري أين يُريد!\nفلمَّا قرأ الحجَّاج كتابَه قام في الناس فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال:\nأيها الناس، والله لتقاتِلُنّ عن بلادكم وعن فَيْئكم أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأسمَع وأصبرُ على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوَّكم، ويأكلون فيئكم.\nفقام إليه الناس من كلّ جانب، فقالوا: نحن نُقاتِلُهم ونُعتِب الأميرَ، فليندبنا الأميرُ إليهم، فإنَّا حيث سَرّه، وقام إليه زُهْرة بن حَويّة وهو شيخ كبيرٌ لا يستتمّ","vol":"10","page":252},{"text":"قائمًا حتَّى يؤخَذ بيَدِه، فقال له: أصلح اللهُ الأميرَ! إنَّك إنَّما تَبعَث إليهم الناسَ متقطِّعين، فاستنفِر الناسَ إليهم كافةً فلينفَروا إليهم كافَّة، وابعثْ عليهم رجلًا ثَبْتًا شُجاعًا مجرّبًا للحرب ممَّن يرى الفِرارَ هَضْمًا وعارًا والصبرَ مجدًا وكرمًا، فقال الحجَّاج: فأنت ذاك فاخرج، فقال: أصلح الله الأميرَ! إنما يصلح للناس في هذا رجل يَحْمِل الرمح والدّرع، ويهزّ السيفَ ويَثبت على مَتن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئًا، وقد ضعف بصري وضعفتُ، ولكن أخْرجني في الناس مع الأمير، فإني إنما أثبت على الراحلة، فأكون مع الأمير في عسكره وأشيرُ عليه برأيي، فقال له الحجَّاج: جزاك الله عن الإسلام وأهلِه في أوّل الإسلام خيرًا، وجزاك اللهُ عن الإسلام في آخرِ الإسلام خيرًا، فقد نصحت وصدقتَ، أنا مُخْرِجُ الناسَ كافَّة، ألا فسيروا أيّها الناس. فانصرف الناسُ فجعلوا يَسيرون وليس يَدرون مَنْ أميرُهم!\nوكتب الحجَّاج إلى عبد الملك بن مروان:\nأمَّا بعد، فإني أخبِر أميرَ المؤمنين أكرَمه الله أنّ شبيبًا قد شارف المدائن وإنَّما يريد الكوفَة، وقد عجز أهلُ الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة، في كلها يقتُلُ أمراءَهم، ويَفُلّ جنودهم؛ فانْ رأى أميرُ المؤمنين أن يبعثَ إلى أهل الشأم فيُقاتِلوا عدوَّهم ويأكلوا بلادَهم فلْيَفعل، والسلام.\nفلمَّا أتى عبدَ الملك كتابُه بعث إليه سُفْيان بن الأبرد في أربعة آلاف، وبعث إليه حبيبَ بنَ عبد الرحمن الحكَميّ، من مَذْحج في ألفين، فسَرَّحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجَّاج، وجعل أهل الكوفة يتجهّزون إلى شبيب ولا يدرون من أميرُهم! وهم يقولون: يبعث فلانًا أو فلانًا، وقد بعث الحجَّاج إلى عتَّاب بن ورْقاء ليأتيَه وهو على خَيْل الكوفة مع المهلَّب، وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الَّذين كان بِشْر بن مروانَ بعث عبد الرحمن بن مخنَف عليهم إلى قطريّ، فلم يلبث عبدُ الرحمن بن مِخنفَ إلّا نحوًا من شهرين حتَّى قدم الحجَّاج على العراق، فلم يلبثْ عليهم عبدُ الرحمن بنُ مخنف بعد قدوم الحجَّاج إلا رَجبَ وشعبان، وقتل قطريٌّ عبدَ الرحمن في آخرِ رمضان، فبعث الحجَّاج عتَّاب بنَ ورقاءَ على ذلك الجيش من أهل الكوفة الَّذين أصيب فيهم عبدُ الرحمن بنُ مخنف، وأمر الحجَّاجُ عَتَّابًا بطاعة المهلَّب، فكأنّ ذلك قد كَبُر","vol":"10","page":253},{"text":"على عتّاب، ووقع بينَه وبين المهلَّب شرّ، حتَّى كتب عَتَّاب إلى الحجَّاج يَستعفِيه من ذلك الجيش ويضمّه إليه، فلمَّا أن جاءه كتابُ الحجَّاج بإتيانه سُرَّ بذلك.\nقال: ودعا الحجَّاج أشرافَ أهل الكوفة؛ فيهم زُهرةُ بن حَوِيّه السَعْديّ من بني الأعرَج، وقَبيصة بن والق التَّغلَبيّ، فقال لهم: مَنْ تَروْن أن أبعثَ على هذا الجيش؟ فقالوا: رأيُك أيّها الأمير أفضل؛ قال: فإني قد بعثتُ إلى عتَّاب بنِ ورقاء؛ وهو قادمٌ عليكم الليلة أو القابلة، فيكون هو الَّذي يسير في النَّاس؛ قال زُهْرة بن حَوِيّة: أصلحَ الله الأميرَ! رَمَيْتَهُمْ بِحَجَرِهِم، لا والله لا يَرجع إليك حتَّى يَظفَر أو يُقتَل.\nوقال له قَبيصةُ بن وَالق: إني مُشيرٌ عليك برأيي، فإن يكن خطأ فبعدَ اجتهادي في النصيحة لأميرِ المؤمنين وللأمير ولعامَّة المسلمين، وإن يك صوابًا فاللهُ سدَّدني له؛ إنَّا قد تحدّثنا وتحدّث الناسُ أنّ جيشًا قد فصل إليكَ من قِبَل الشام، وأن أهلَ الكوفة قد هُزِموا وَفُلُّوا واستَخَفّوا بالصبر، وهان عليهم عارُ الفِرار، فقلوبهم كأنَّها ليست فيهم، كأنَّما هي في قوم آخرين، فإنْ رأيتَ أن تبعث إلى جيشك الذي أمْدِدتَ به من أهل الشام، فيأخذوا حِذْرَهم، ولا يبيتُوا إلا وهم يرون أنَّهم مُبيَّتون فعلت، فإنك تُحارب حَوَّلًا قُلّبًا، ظَعَّانًا رَحَّالا، وقد جهَّزتَ إليه أهل الكوفة ولستَ واثِقًا بهم كلّ الثقة، وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الَّذين بُعثوا إليك من الشام، إنّ شبيبًا بينا هو في أرض إذ هو في أخرى، ولا آمن أن يأتيَهم وهم غارّون فإن يهلِكوا نَهلك ويهلك العراق، فقال: لله أنت! ما أحسن ما رأيت! وما أحسن ما أشرت به عليّ!\nقال: فبعث عبد الرحمن بن الغرِق مولى عَقيل إلى مَنْ أقبل من أهل الشام، فأتاهم وقد نزلوا هِيتَ بكتاب من الحجَّاج:\nأمَّا بعد، فإذا حاذَيْتم هِيتَ فدَعُوا طريقَ الفُرات والأنبار، وخذوا على عين التّمر حتَّى تقدمُوا الكوفة إن شاء الله، وخذوا حذركم، وعجِّلوا السَّيرَ، والسلام.\nفأقبل القومُ سِراعًا، قال: وقدم عتّاب بن وَرْقاء في اللَّيلة الَّتي قال الحجَّاج إنَّه قادم عليكم فيها، فأمَرَه الحجَّاج فخرج بالناس فعسكر بهم بحَمَّام أعيَنَ، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كَلْواذا فقطع منها دِجلة، ثمّ أقبل حتَّى نزَل مدينة","vol":"10","page":254},{"text":"بَهُرَسير الدّنيا، فصار بينه وبين مطرّف بن المغيرة بن شُعْبة جِسر دِجْلة.\nفلمَّا نزل شبيب مدينة بَهُرَسير قَطَع مطرِّف الجِسْر، وبعث إلى شبيب: أن ابعثْ إليّ رجالًا من وجوه أصحابك أدارِسهم القرآن، وأنظر فيما تدعو إليه، فبعث إليه شبيب رجالًا من وجوهِ أصحابِه؛ فيهم قعْنَب وسُوَيد والمحلّل، فلمَّا أرادوا أن ينزِلوا في السفينة بعث إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتَّى يَرجع إليّ رسولي من عند مطرّف، فرجع الرسولُ. وبعث إلى مطرّف أن ابعث إليّ من أصحابِك بعَددِ أصحابي يكونوا رهنًا في يدي حتى تردّ عليَّ أصحابي، فقال مطرّف لرسوله: القه وقل له: كيف آمَنك أنا على أصحابي إذا أنا بعثتُهم الآن إليك، وأنتَ لا تأمنني على أصحابك! فرجع الرسولُ إلى شبيب فأبلغَه، فأرسَل إليه شبيب: إنَّك قد علمتَ أنَّا لا نستحلّ الغَدْر في دِيننا، وأنتم تفعلونه وتستحلّونه، فبعث إليه مطرِّف الرّبيعَ بن يزيد الأسَديّ وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنيّ، ويزيد بن أبي زياد مولاه وصاحب حَرَسه، فلمّا صاروا في يديْ شَبيب سرّح إليه أصحابه، فأتوا مطرّفًا فمكثوا أربعة أيَّام يتراسلون، ثمّ لم يتَّفقوا على شيء، فلمَّا تبيَّن لشبيب أنّ مطرّفًا غير تابعِه ولا داخل معه تهيَّأ للمسير إلى عتَّاب بن وَرْقاء، وإلى أهل الشام (١). (٦/ ٢٥٧ - ٢٦١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بنُ لَقِيط أنّ شبيبًا دعا رؤوس أصحابهِ فقال لهم: إنَّه لم يثبِّطني على رأي قد كنتُ رأيتُه إلا هذا الثَّقَفي منذ أربعة أيَّام، قد كنتُ حدّثتُ نفسي أن أخرُجَ في جريدةِ خيل حتَّى ألقَى هذا الجيش المُقْبِل من الشام رجاءَ أن أصادِفَ غِرّتهم أو يَحذَروا فلا أبالي كنت ألقاهم منقطعين من المِصْر، ليس عليهم أمير كالحجَّاج يستندون إليه ولا مِصْرٌ كالكوفة يَعتصِمون به؛ وقد جاءتني عيوني اليوم فخبَّروني أن أوائلَهم قد دخلوا عَينَ التَّمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وجاءَتني عُيوني من نحو عَتَّاب بن وَرْقاء فحدّثوني أنه قد نزل بجماعة أهلِ الكُوفة الصّراة، فما أقرب ما بيننا وبينهم! فتيسّروا بنا للمَسيرِ إلى عتَّاب بن وَرْقاء.\nقال: وخاف مطرّف أن يَبلغَ خبرُه وما كان من إرساله إلى شبيب الحجَّاج،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":255},{"text":"فخرج نحو الجبال، وقد كان أراد أن يقيمَ حتَّى ينظر ما يكون بين شبيب وعَتَّاب، فأرسل إليه شبيب: أمَّا إذا لم تُبايعني فقد نبذتُ إليك على سَواء، فقال مطرّف لأصحابه: اخرجوا بنا وافرِين فإنّ الحجَّاج سيقاتِلُنا فيقاتلنا وبنا قوّةٌ أمَثلُ فخرج ونزل المدائن، فعَقَد شبيب الجِسْر، وبعث إلى المدائن أخاه مصادًا، وأقبل إليه عَتَّاب حتَّى نزل بسُوق حَكَمة، وقد أخرج الحجَّاج جماعةَ أهلِ الكوفة مقاتلتهم، ومن نَشِط إلى الخروج من شبابهم، وكانت مقاتلتهم أربعين ألفًا سوى الشَّباب، ووافى مع عَتَّاب يومئذ أربعون ألفًا من المقاتِلة وعشرة آلاف من الشَّباب بِسُوقِ حَكمة، فكانوا خمسين ألفًا، ولم يَدع الحجَّاج قُرَشيًّا، ولا رجلًا من بُيوتاتِ العَرَب إلّا أخرَجه (١). (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الرحمن بنُ جُندَب، قال: سمعتُ الحجَّاج وهو على المِنبرَ حين وَجَّه عَتَّابًا إلى شبيب في الناس وهو يقول: يا أهل الكوفة، اخرُجوا مع عَتَّاب بن وَرْقاء بأجمَعكم، لا أرَخِّص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلًا قد ولَّيناه من أعمالنا، ألا إنّ للصابر المجاهِد الكرامة والأثرة، ألا وإنَ للناكل الهارِب الهَوانَ والجَفْوة، والَّذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطنِ كفعلكم في المَواطن الَّتي كانت لأولينَّكم كنفًا خَشنًا، ولأعْرُكنكم بِكَللٍ ثقيل.\nثم نزل، وتوافَى الناس مع عتَّاب بسُوقِ حَكَمة (٢). (٦/ ٢٦٢).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني فَروةُ بنُ لقيط، قال: عرضَنا شبيبٌ بالمدائن فكنَّا ألف رجل، فقام فينا فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا معشرَ المسلمين، إن الله قد كان ينصركم عليهم، وأنتم مئة ومئتان، وأكثر من ذلك قليلًا، وأنقَص منه قليلًا، فأنتم اليومَ مئون ومئون، ألا إني مصلٍّ الظهرَ ثمّ سائِر بكم، فصلَّى الظهر ثمّ نُودي في الناس، يا خيل اللهِ اركبي وأبشرِي، فخرج في أصحابه، فأخذوا يتخلَّفون ويتأخَّرون، فلمَّا جاوَزْنا ساباطَ ونزلنا معه قَصّ علينا وذَكَّرنا بأيَّام الله، وزهَّدنا في الدنيا، ورغّبنا في الآخرة ساعة طويلة، ثمّ أمر مؤذّنه فأذّن، ثمّ تقدّم فصلَّى بنا العصر، ثمّ أقبَل حتَّى أشرف بنا على عَتَاب بن وَرْقاء وأصحابِه، فلما\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":256},{"text":"أن رآهم من ساعتِه نزل وأمر مؤذّنه فأذّن، ثمّ تقدّم فصلَّى بنا المغرب، وكان مؤذّنه سلّام بنُ سيَّار الشَّيبانيّ، وكانت عيونُ عَتَّاب بن وَرْقاء قد جاؤوه فأخبَروه أنَّه قد أقبل إليه، فخَرج بالناس كلِّهم فعبَّأهم، وكان قد خندَق أوّل يوم نزل، وكان يُظهِر كلّ يوم أنَّه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن، فبلغ ذلك شبيبًا، فقال: أسيرُ إليه أحَبّ إليّ من أن يسير إليّ، فأتاه فلمَّا صَفّ عَتَّاب الناسَ بعث على ميمنته محمَّد بن عبدِ الرحمن بنِ سعيد بن قيس، وقال: يابن أخي: إنَّك شريف فاصبر وصابر، فقال: أمَّا أنا فوالله لأقاتلنّ ما ثَبت معي إنسان وقال لقَبيصةَ بن والق - وكان يومئذ على ثُلُث بني تَغلِب: اكفنِي المَيسَرة، فقال: أنا شيخٌ كبير، كثيرٌ مني أن أثبت تحتَ رايتي، قد انتبتّ مني القِيام، ما أستَطيع القيام إلّا أن أقام؛ ولكنّ هذا عبيد الله بن الحُليس ونُعَيم بن عُلَيم التَّغلَبيَّان - وكان كل واحد منهما على ثُلث من أثلاث تَغلِب - فقال: ابعثْ أيهما أحببت، فأيهما بعثت فلتبعثنّ ذا حزم وعزم وغناء. فبعت نُعيم بن عُلَيم على ميسرته، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعيّ - وهو ابن عم عَتَّاب شيخ أهل بيته - على الرجَّالة، وصفَّهم ثلاثة صُفوف: صفٌّ فيهم الرجال معهم السيوف، وصفّ وهم أصحاب الرّماح، وصفّ فيه المُرامية، ثمّ سار فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمرّ بأهلِ راية راية؛ فيحثّهم على تَقوى الله، ويأمُرهم بالصّبر ويَقصّ عليهم (١). (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني حَصيرة بنُ عبد الله أن تميم بن الحارث الأزديّ قال: وقف علينا فَقصّ علينا قصصًا كتيرًا، كان ممَّا حفِظتُ منه ثلاثَ كلمات، قال: يا أهلَ الإسلام، إنّ أعظم الناس نصيبًا في الجنَّة الشهداء، وليس الله لأحد من خلقِه بأحمَد منه للصّابرين، ألا تَرَون أنَّه يقول: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَمَنْ حمد اللهُ فِعْلَه فما أعظم درجته! وليس اللهُ لأحد أمقَتَ منه لأهلِ البَغْي؛ ألا ترون أنّ عدوّكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرون إلّا أنّ ذلك لهم قرْبةً عند الله! فهم شِرار أهل الأرض وكِلاب أهل النار، أين القصاص؟ قال: ذلك فلم يُجِبْه واللهِ أحدٌ مِنَّا؛ فلمَّا رأى ذلك، قال: أين مَنْ يَروي شعرَ عَنْتَرة؟ قال: فلا والله ما رَدَّ عليه إنسان كلمةً. فقال: إنَّا لله! كأني بكم قد فررْتُم عن عَتَّاب بن وَرْقاء، وتركتموه تَسفِي في استِه الرّيح.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":257},{"text":"ثم أقبل حتى جلس في القلب معه زُهْرة بن حَوِيَّة جالس وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأبو بكر بن محمد بن أبي جَهْم العَدويّ، وأقبَل شبيبٌ وهو في ستِّمئة وقد تخلَّف عنه من الناس أربعمئة، فقال: لقد تخلَّف عنّا من لا أحِبّ أن يُرَى فينا، فبعث سُوَيد بن سُلَيم في مئتين إلى المَيْسرة، وبعث المحلّل بن وائل في مئتين إلى القلب، ومضى هو في مئتين إلى المَيْمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمرُ، فناداهم: لِمَن هذه الرايات؟ قالوا: راياتُ ربيعة. فقال: شبيب: راياتٌ طالَما نصرت الحقَّ، وطالما نصرت الباطل، لها في كلٍّ نصيبٌ، والله لأجاهدنَّكم محتسبًا للخير في جهادِكم، أنتم ربيعة وأنا شبيب، أنا أبو المدلّه، لا حُكْم إلا للِحَكَم، اثبتُوا إن شئتمْ، ثمّ حَمَل عليهم وهو على مسنَّاة أمامَ الخَندق فَفضّهم، فثبت أصحابُ رايات قبيصةَ بن والق وعبيد بن الحُلَيْس ونُعَيم بن عليم، فقُتلوا وانهزمت الميسرة كلُّها وتنادَى أناس من بني تَغلِب: قُتِل قبيصة بن والق، فقال شبيب: قتلتم قبيصةَ بن والق التغلَبيّ يا معشرَ المسلمين! قال الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. هذا مثل ابن عمّكم قبيصة بن والق، أتَى رسولَ الله - ﷺ - فأسلَم، ثمّ جاء يُقاتلكم مع الكافرين! ثمّ وقف عليه فقال: وَيْحك! لو ثبتَّ على إسلامك الأوّل سعدتَ، ثمّ حمل منْ الميسرة على عَتَّاب بنِ وَرْقاءَ، وحمل سُوَيد بن سليم على الميمنة وعليها محمَّد بن عبد الرحمن، فقاتَل في الميمنة في رجال من بني تميم وهَمْدان، فأحسنوا القتال، فما زالوا كذلك حتَّى أتُوا فقيل لهم: قُتِل عَتَّاب بن ورقاء، فانفضّوا ولم يزل عَتَّاب جالسًا على طِنْفِسَة في القَلب وزُهرة بن حَوِيَّة معه، إذ غَشِيَهم شبيب، فقال له عَتَّاب: يا زُهرة بن حَوِيَّة، هذا يومٌ كَثُر فيه العدد، وقَلَّ فيه الغَناء، والهفي على خمسمئة فارس من نحو رجال تميم معي من جميع الناس! ألا صابِرٌ لعدوّه! ألا مُؤاسٍ بنَفْسه! فانفَضّوا عنه وتَركوه، فقال له زهرة: أحسنتَ يا عَتّاب، فعلتَ فعلَ مثلك، والله والله لو منحتَهم كَتِفَك ما كان بقاؤك إلّا قليلًا، أبشر فإني أرجو أن يكون اللهُ قد أهدى إلينا الشَّهادة عند فَناء أعمارِنا؛ فقال له: جَزاك الله خيرًا ما جَزَى آمرًا بمعروف وحاثًّا على تَقَوى.\nفلمَّا دنا منه شبيب وثب في عصابة صبرتْ معه قليلة، وقد ذهب الناسُ يمينًا","vol":"10","page":258},{"text":"وشمالًا، فقال له عمَّار بنُ يزيدَ الكلبيُّ مِن بني المدينة: أصلَحَك الله! إنّ عبدَ الرحمن بن محمَّد قد هَرَب عنك فانَصفق معه أناسٌ كثير، فقال له: قد فرّ قبل اليوم، وما رأيتُ ذلك الفتى يُبالي ما صنع، ثمّ قاتلهم ساعة، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطّ مَوْطنًا لم أبْتَلَ بمثله قط أقلّ مقاتلًا ولا أكثر هارِبًا خاذلًا؛ فرآه رجلٌ من بني تغلِب من أصحاب شبيب من بني زيد بنِ عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عمرو، وكان قد أَصابَ دمًا في قومه، فلحِق بشبيب، وكان من الفُرسان، فقال لشبيب: والله إني لأظنّ هذا المتكلِّم عَتَّابَ بنَ وَرْقاء! فحَمل عليه فطعَنه، فوَقَع فكان هو وليَ قتلهُ، ووطِئَتِ الخيل زُهرة بن حَوِيَّة، فأخذ يَذُبّ بسيفه وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يقومَ، فجاء الفضلُ بنُ عامر الشَّيبانيّ فقَتله، فانتهى إليه شبيب فوجَده صريعًا فعرَفه، فقالى: مَنْ قَتَل هذا؟ فقال الفضل: أنا قتلتُه، فقال شبيب: هذا زهْرة حَوِيّة، أما والله لئن كنتَ قتِلت على ضلالة لربَّ يوم من أيَّام المسلمين قد حَسُن فيه بلاؤك، وعظم فيه غَثاؤكَ! ولربّ خيلٍ للمشركين قد هزمْتَها، وسَرِيَّة لهم قد ذعرتها وقرية من قراهم جَمّ أهلُها قد افتتحتَها، ثم كان في علم الله أن تُقتَل ناصرًا للظَّالمين! (١) (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٦).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني فَرْوة بنُ لقَيط قال: رأيناه واللهِ توجَّعَ له، فقال رجل من شُبَّان بكر بن وائل: والله إن أمير المؤمنين منذ اللَّيلة ليتوجَّع لرجل من الكافرين! قال: إنَّك لستَ بأعرف بضلالتهم منّي، ولكني أعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف؛ ما لو ثبتوا عليه كانوا إخوانًا، وقُتِل في المعركة عمَّار بن يزيدَ الكلبيّ، وقُتل أبو خَيثمة بن عبد الله يومئذ، واستَمكن شبيبٌ من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا عنهم السيف، ودعا إلى البيعة، فبايعه الناس من ساعتهم، وهربوا من تحت ليلتهم، وأخذ شبيب يُبايعهم، ويقول: إلى ساعة يَهْرُبُون وحوى شبيب على ما في العسكر، وبعث إلى أخيه، فأتاه من المدائن، فلمَّا وافاه بالعسكر أقبلَ إلى الكوفة وقد أقام بعسكره ببيت قرّة يومين، ثم توجَّه نحو وجه أهلِ الكوفة، وقد دخل سُفْيان بنُ الأبرد الكلبيّ وحبيب بن عبد الرحمن الحكميّ من مَذْحِج فيمن معهما من أهل الشام الكوفة، فشَدّوا للحَجَّاج ظهرَه، فاستغنى بهما عن أهل الكوفة، فقام على منبر الكوفة فحَمِد الله\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":259},{"text":"وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد يا أهل الكوفة، فلا أعزَّ الله من أراد بكم العِزّ، ولا نَصَر من أراد بكم النَّصْر، اخرُجوا عنَّا، ولا تَشهَدوا معنا قتال عدوّنا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا تقاتلوا معنا، إلا من كان لنا عاملًا، ومن لم يكن شَهِدَ قتالَ عَتَّاب بنَ وَرقاء (١). (٦/ ٢٦٦).\nقال أبو مخِنَف: فحدّثني فروة بن لقيط، قال: والله لَخرَجْنا نَتْبَع آثارَ الناس، فانتهى إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث ومحمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمْدانيّ وهما يَمشِيان كأني أنظر إلى رأس عبد الرحمن قد امتلأ طِينًا، فصددتُ عنهما، وكرهت أن أذْعَرَهما، ولو أني أوذِن بهما أصحاب شبيب لقُتِلا مكانَهما، وقلت في نفسي: لئن سُقْت إلى مِثلِكما من قومي القتلَ ما أنا برشيدِ الرأي؛ وأقبل شبيبٌ حتَّى نزل الصَّراة (٢). (٦/ ٢٦٦).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني موسى بن سوار أنّ شبيبًا خرج يريدُ الكوفَة فانتهى إلى سُورا، فندبَ الناس، فقال: أئكم يأتيني برأسِ عامل سُورا؛ فانتدب له بَطينٌ وقَعْنَب وسُوَيد ورجُلان من أصحابه، فساروا مُغِذِّين حتَّى انتهوا إلى دار الخَراج والعُمَّال في سَمَرَّجة فدخلوا الدارَ وقد كادُوا الخاسَ بأن قالوا: أجيبوا الأميرَ، فقالوا: أيّ الأمراء؟ قالوا: أميرٌ خرج من قِبَل الحجَّاج يريد هذا الفاسق شبيبًا، فاغترّ بذلك العامل منهم، ثم إنهم شَهروا السيوف وحكَّموا حين وصلوا إليه فضربوا عنقَه، وقبضوا على ما كان من مال، ولحقوا بشبيب، فلمَّا انتهوا إليه قال: ما الَّذي أتيتُمونا به؟ قالوا: جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال، والمال على دابَّة في بُدوره، فقال شبيب: أتيتمونا بفِتنة للمسلمين، هلُمّ الحَرْبة يا غلام، فخرّق بها البُدور، وأمر فنُخِس بالدّابة والمالُ يتناثر من بدوره حتَّى وردت الصَّراة، فقال: إن كان بقي شَيء فاقذفه في الماء، ثمّ خرج إليه سُفْيان بن الأبرد مع الحجَّاج، وكان أتاه قبلَ خروجه معه، فقال: ابعَثْني أستقبِله قبل أن يأتيَك، فقال: ما أحِبّ أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم والكُوفةُ في ظهورنا والحصنُ في أيدينا (٣). (٦/ ٢٦٧).\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1688>ذكر الخبر عن دخول شبيب الكوفة مرة ثانية</span>\nوفي هذه السنة دَخَل شبيبٌ الكوفةَ دَخْلَتَهُ الثانية.\n* ذكر الخبر عن ذلك وما كان من حربه بها الحجّاج:\nقال هشام: حدّثني أبو مخنف، عن موسى بن سوار، قال: قَدِم سَبْرة بنُ عبد الرحمن بن مخنَف من الدَّسْكرة الكوفةَ بعدما قدم جيش الشام الكوفة، وكان مُطَرّف بن المغيرة كَتَب إلى الحجَّاج: إنّ شبيبًا قد أطل عليّ، فابعث إلى المَدائن بَعْثًا فبعث إليه سبْرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مئتي فارس، فلمَّا خرج مطرّف يريد الجبل خرج بأصحابه معه وقد أعلمهم ما يريد، وكتم ذلك سَبْرة، فلمَّا انتهَى إلى دَسْكرة الملك دعا سَبْرةَ فأعلمه ما يريد، ودعاه إلى أمره، فقال له: نعم أنا معك، فلمَّا خرج من عنده بعث إلى أصحابه فجمعَهم وأقبَل بهم فصادف عتَّاب بن وَرْقَاء قد قُتِل وشبيبًا قد مضى إلى الكوفة، فأقبل حتى انتهى إلى قرية يقال لها بيطرى، وقد نزل شبيب حَمَّام عُمر، فخرج سَبْرة حتَّى يعبر الفرات في معبر قرية شاهي، ثم أخذ الظَّهر حتَّى قَدِم على الحجَّاج، فوجد أهل الكوفة مَسْخوطًا عليهم، فدخل على سُفْيان بن الأبرَد، فقَصّ قصّته عليه وأخبره بطاعته وفراقِه مُطَرّفًا، وأنه لم يشهد عَتَّابًا ولم يشهد هزيمةً في موطن من مواطنٍ أهلِ الكوفة، ولم أزل للأمير عاملًا، ومعي مئتا رجل لم يشهدوا معي هزيمة قط، وهم على طاعتهم ولم يَدخلوا في فتنة.\nفدخل سُفيانُ إلى الحجَّاج فخَبَّره بخبر ما قصّ عليه سَبْرة بن عبد الرحمن، فقال: صَدقَ وبرّ! قُلْ له: فليَشْهد معنا لقاءَ عدوّنا، فخرج إليه فأعلَمه ذلك، وأقبلَ شبيب حتَّى نزل موضعَ حَمَّام أعيَن، ودعا الحجَّاج الحارث بن معاوية بن أبي زرعة بن مسعود الثَّقَفيّ فوجَّهه في ناس من الشرَط لم يكونوا شهدوا يوم عَتَّاب، ورجالًا كانوا عمَّالًا في نحو من مئتي رجل من أهل الشام، فخرج في نحو من ألف، فنزل زُرَارةَ، وبلغ ذلك شبيبًا، فتعجَّل إليه في أصحابه، فلمَّا انتهى إليه حمل عليه فقتَلَه، وهَزَم أصحابه، وجاءت المنهزمة فدخلوا الكوفة، وجاء شبيب حتَّى قطع الجِسر، وعسكر دونه إلى الكوفة، وأقام شبيب في عسكره ثلاثةَ أيَّام؛ فلم يكن في أول يوم إلّا قتل الحارث بنُ معاوية، فلمَّا كان في","vol":"10","page":261},{"text":"اليوم الثاني أخِرج الحجَّاج مواليَهُ وغِلمانَه عليهم السلاح، فأخذوا بأفواهِ السِّكَك ممَّا يلي الكُوفة، وخرج أهلُ الكوفة فأخذوا بأفواه سِكَكهم، وخشوا إن لم يخرجوا مَوْجدةَ الحجَّاج وعبد الملك بن مروان، وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدًا في أقصى السَّبَخة مما يلي موقفَ أصحاب القتّ عند الإيوان، وهو قائمٌ حتى الساعة، فلمَّا كان اليوم الثالث أخرجَ الحجَّاج أبا الورْد مولىً له عليه تجْفاف، وأخرج مجفَّفة كثيرة وغلمانًا له، وقالوا: هذا الحجاج، فحَمَل عليه شبيبٌ فقتله، وقال: إن كان هذا الحجَّاج فقد أرَحْتُكم منه.\nثم إن الحجَّاج أخرج له غلامه طُهمانَ في مثلِ تلك العُدّة على مثل تلك الهيئة، فَحَمَل عليه شبيبٌ فقتله، وقال: إن كان هذا الحجَّاج فقد أرَحْتُكم منه.\nثمّ إنّ الحجَّاج خرج ارتفاعَ النهار من القَصْر فقال: ائتوني ببَغْلٍ أركبُه ما بَيْني وبين السَّبَخة، فأتِيَ ببغل محجَّل، فقيل له: إنّ الأعاجمَ أصلحك الله تَطيَّرُ أن تركَب في مثل هذا اليوم مثلَ هذا البَغل، فقال: أدنُوه مِنّي، فإن اليوم يومٌ أغرّ محجَّل، فركِبه ثم خرج في أهل الشام حتى أخذ في سكة البريد، ثمّ خرج في أعلى السّبَخة، فلمَّا نظر الحجاج إلى شبيب وأصحابه نزل، وكان شبيب في ستِّمئة فارس، فلما رأى الحجَّاج قد خرج إليه أقبل بأصحابه، وجاء سبْرة بنُ عبد الرحمن إلى الحجَّاج فقال: أين يأمرني الأمير أن أقف؟ فقال: قِفْ على أفواه السكَك، فإن جاؤوكم فكان فيكم قتالٌ فقاتِلوا، فانْطلق حتَّى وَقف في جماعة الناس ودَعا الحجَّاج بكرسيّ له فقَعد عليه، ثمّ نادى: يا أهل الشام، أنتم أهلُ السَّمع والطاعة والصَّبر واليَقين، لا يغلبنّ باطلُ هؤلاء الأرجاس حقَّكم، غضّوا الأبصار، واجثُوا على الرّكَبِ، واستقبلوا القوم بأطراف الأسِنَّة، فجثوا على الركب، وأشرَعوا الرّماح، وكأنَّهم حَرّة سوداء، وأقبَل إليهم شبيب حتَّى إذا دنا منهم عبّى أصحابه ثلاثة كَرَاديسَ، كتيبة معه، وكُتيبة مع سُويد بن سُليم، وكتيبة مع المحلّل بن وائل، فقال لسويد. احمِل عليهم في خيلِك فحَمَل عليهم فَثبتوا له، حتَّى إذا غَشِيَ أطراف الأسنَّة وَثبوا في وجهه ووجوه أصحابه، فطَعنوهم، قُدُمًا حتَّى انصَرف، وصاحَ الحجَّاج: يا أهلَ السَّمع والطاعة، هكذا فافعلوا قدّم كُرسيّ يا غلام، وأمر شبيب المحلَّل فحَمَل عليهم، ففعلوا به مِثلَ ما فعلوا","vol":"10","page":262},{"text":"بسُويد، فناداهم الحجَّاج: يا أهلَ السمع والطاعة، هكذا فافعلوا، قدّمْ كُرْسيّ يا غلام.\nثمّ إنّ شبيبًا حَمَل عليهم في كتيبته فَثبتُوا له، حتَّى إذا غشي أطراف الرّماح وَثَبوا في وجهه، فقاتَلهم طويلًا، ثمّ إنّ أهل الشام طعَنوه قُدُمًا حتى ألْحَقُوه بأصحابه، فلمَّا رأى صبرَهم نادى: يا سويد، احمِل في خَيْلك على أهل هذه السكة - يعنِي سِكَّة لحَّام جرير - لعلك تزيل أهلَها عنها، فتأتي الحجَّاجَ من ورائه، ونَحمل نحن عليه من أمامه، فانفرد سُوَيد بن سُلَيم فَحَمل على أهل تلك السكة؛ فرمى من فوق البُيوت وأفواه السكك، فانصرفَ، وقد كان الحجَّاج جعل عروةَ بن المغيرة بن شعبة في نحو من ثلاثمئة رجل من أهل الشام ردْءًا له ولأصحابه لئلا يُؤْتَوا من وَرائهِ (١). (٦/ ٢٦٧ - ٢٧١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بن لَقيط: أنّ شبيبًا قال لنا يومئذ: يا أهل الإسلام إنَّما شريْنا الله، ومن شرى اللهَ لم يكبر عليه ما أصابه من الأذى والألم في جَنْب الله، الصَّبرَ الصَّبر، شدّة كشَدّاتكم في مواطنكم الكريمة.\nثمّ جمع أصحابَه، فلَما ظنّ الحجَّاج أنه حامل عليهم قال لأصحابه: يا أهل السمع والطاعة، اصبِروا لهذه الشَّدّة الواحدة، ثمّ وربِّ السماء ما شيءٌ دونَ الفتح. فجثَوا على الرُّكَب، وحَمَل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فلمَّا غشيهم نادى الحجَّاج بجماعة الناس، فوثبوا في وجهه، فما زالوا يَطعنُون ويَضربون قُدمًا ويَدفَعون شبيبًا وأصحابَه وهو يقاتِلُهم حتَّى بلغوا موضع بُسْتان زائدة، فلما بلغ ذلك المكان نادى شبيب أصحابَه: يا أولياء الله، الأرضَ الأرض، ثم نزل وأمر أصحابه فنزل نصفُهم وترك نصفهم مع سُوَيد بن سليم، وجاء الحجَّاج حتى انتهى إلى مسجد شبث، ثم قال: يا أهل الشام، يا أهل السَّمع والطاعة، هذا أوّل الفَتْح والَّذي نفسُ الحَجَّاج بيَده! وصَعد المسجد معه نحوٌ من عشرين رجلًا معهم النَّبْل، فقال: إن دَنوْا منا فارشقوهم، فاقتتلوا عامَّة النهار من أشدّ قتال في الأرض، حتَّى أقرّ كل واحد من الفريقين لصاحبه، ثمّ إنّ خالد بن عتَّاب قال\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":263},{"text":"للحجَّاج: ائذنْ لي في قتالهم فإني مَوْتور، وأنا ممَّن لا يُتَّهم في نصيحة، قال: فإني قد أذنْت لك، قال: فإني آتيهم من ورائهم حتَّى أغيرَ على عسكرهم؛ فقال له: افعل ما بدا لك، قال: فخرج مغه بعصابة من أهل الكوفة حتَّى دخل عسكرَهم من ورائهم، فقتل مصَادًا أخا شَبيب، وقتل غزالة امرأته، قتلها فروة بن الدَّقَّان الكلبيّ، وحرّق في عسكره، وأتَى ذلك الخبرُ الحَجَّاج وشبيبًا، فأمَّا الحجَّاج وأصحابه، فكبَّروا تكبيرة واحدة، وأمَّا شبيب فوثب هو وكلّ راجل معه على خيولهم، وقال الحجّاج لأهل الشام: شُدّوا عليهم فإنَّه قد أتاهم ما أرعب قلوبَهم، فشَدّوا عليهم فهزموهم، وتَخلَّف شبيب في حامِيَة الناس (١). (٦/ ٢٧٠ - ٢٧١).\nقال هشام: فحدّثني أصغر الخارجيّ، قال: حدّثني من كان مع شبيب قال: لما انهزم الناسُ فخرج من الجسْر تَبِعه خيل الحجَّاج، قال: فجعل يَخفِق برأسِه، فقلت: يا أمير المؤمنين، التَفِت فانظرْ من خَلفَك؛ قال: فالتفت غير مكترث، ثمّ أكبّ يخفِق برأسه؛ قال: ودنَوا منَّا؛ فقلنا: يا أمير المؤمنين، قد دنوا منك، قال: فالتفت والله غيرَ مكترِث، ثمّ جعل يخفق برأسه. قال: فبعث الحجَّاج إلى خيله أن دعوه في حرق الله ونارِه، فتركوه ورجعوا. (٦/ ٢٧١).\nقال هشام: قال أبو مخنَف: حدّثني أبو عمرو العذريّ، قال: قَطَع شبيب الجِسْر حين عَبَر، قال: وقال لي فَرْوة: كنتُ معه حين انهزمْنا فما حَرّك الجسر، ولا اتّبعونا حتَّى قَطَعنَا الجِسر، ودخل الحجَّاج الكُوفة، ثمَّ صَعِد المِنبرَ فَحَمِد الله، ثمّ قال: واللهِ ما قُوتِل شبيب قبلها مثلها، وَلَّى واللهِ هاربًا، وترك امرأته يكسر في استها القصب (٢). (٦/ ٢٧١ - ٢٧٢).\nرجع الحديث إلى حديثِ أبي مِخنَف، عن أبي عَمرو العُذْريّ: أن الحجَّاج دخل الكوفةَ حين انهزمَ شبيب، ثم صعِد المنبر، فقال: واللهِ ما قُوتِل شَبيب قطّ قبلَها مثِلَها، وَلَّى واللهِ هاربًا، وترك امرأته يُكسرَ في استها القصب. ثمّ دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكميّ فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام، فقال\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":264},{"text":"له الحجَّاج: احذَر بياتَه، وحيثما لقيتَه فنازِله، فإن الله قد فَلَّ حَدَّه، وقصم نابَه، فخرج حبيبٌ بنُ عبد الرحمن في أثر شبيب حتَّى نزل الأنبار، وبعث الحجَّاج إلى العمَّال أن دُسُّوا إلى أصحاب شبيب أنّ مَنْ جاءنا منهم فهو آمِن؛ فكان كلّ من ليست له تلك البصيرة ممَّن قد هدّه القتال يجيء فيؤمَّن، وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجَّاج يومَ هُزِموا: إنّ من جاءنا منكم فهو آمِن، فتفرّق عنه ناس كثير من أصحابه، وبلغ شبيبًا مَنْزلُ حبيب بنِ عبد الرحمن الأنبارُ، فأقبلَ بأصحابه حتَّى إذا دنا من عسكرِهم نزَل فصلَّى بهم المغرب (١). (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو يزيدَ السكسَكيّ، قال: أنا والله في أهل الشام ليلةَ جاءنا شبيب فبيَّتنَا، قال: فلمَّا أمسيْنَا جمعَنا حبيبُ بنُ عبد الرحمن فجعَلنا أرباعًا، وقال لكل رُبْعِ منا: ليُجْزِئ كلّ رُبْع منكم جانبَه، فإن قاتل هذا الرّبع فلا يُغثهم هذا الرّبْع الآخر، فإنه قد بلغني أنّ هذه الخوارج منَّا قريب، فوطِّنوا أنفسَكم على أنَّكم مبَيَّتون ومقاتَلون؛ فما زِلنا على تعِبيتنَا حتَّى جاءنا شبيب فبيَّتنا فشدَّ على رُبْع منَّا، عليهم عثمانُ بنُ سعيد العذريّ فضاربهم طويلًا، فما زالتْ قدمُ إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبلَ على الرّبْع الآخر، وقد جعل عليهم سعد بن بجل العامريّ فقاتلهم، فما زالت قدم إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبَل على الرّبع الآخر وعليهم النعمان بن سَعْد الحميريّ فما قدر منهم على شيء، ثمّ أقبل على الربع الآخرَ وعليهم ابنُ أقيصر الخَثْعْميّ فقاتلهم طويلًا، فلم يَظفر بشيء ثم أطاف بنا يحمل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع اللَّيل، وألزّ بنا حتى قلنا، لا يُفارِقنا، ثم نازلنا راجلًا طويلًا، فسقطتْ والله بيننا وبينهم الأيدي وفُقئت الأعيُن وكثرت القتلى قتلنا منهم نحوًا من ثلاثين، وقتلوا منَّا نحوًا من مئة، والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مئة رجل لأهلَكونا، وايمُ الله على ذلك ما فارَقونا حتَّى مَلِلناهم وملُّونا، وكرِهونا وكرهناهم.\nولقد رأيت الرجل منَّا يضرب بسيفه الرجل مِنهم فما يضرّه شيء من الإعياء والضّعف، ولقد رأيت الرجل منَا يقاتل جالسًا يَنْفح بسَيْفه ما يستطيع أن يقوم من\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":265},{"text":"الإعياء، فلمَّا يئسوا منَّا ركب شبيب ثمّ قال لمن كان نزل من أصحابه: اركبوا، فلمَّا استَووا على متُون خُيولهم وجّه منصرفًا عنَّا (١). (٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\nقال أبو مخنف: حدّثني فروة بنُ لقيط، عن شبيب، قال: لما انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة، وجراحة ظاهرة، قال لنا: ما أشدَّ هذا الَّذي بنا لو كنّا إنما نطلب الدنيا! وما أيسرَ هذا في ثواب الله! فقال أصحابُه: صدقت يا أمير المؤمنين، قال: فما أنسَى منه إقبالَه على سُويد بن سليم ولا مقالَته له: قتلتُ منهم أمس رجلين: أحدُهما أشجَع الناس، والآخر أجْبَن الناس، خرجتُ عشيَّة أمس طليعةً لكم فلقيتُ منهم ثلاثة نفر دخلوا قريةً يشترون منها حوائجَهم، فاشترى أحدُهم حاجتَه، ثمّ خرج قبل أصحابه وخرجتُ معه، فقال: كأنَّك لم تشترِ عَلَفًا، فقلت: إنّ لي رُفَقاءَ قد كَفوْني ذلك، فقلت له: أين تَرَى عدوَّنا هذا نزَل؟ قال: بلغني أنَّه قد نزل منَّا قريبًا، وايم الله لودِدْت أنَّي قد لقيتُ شبيبَهم هذا، قلت: فتحبّ ذلك؟ قال: نعم، قلت: فخذ حِذْرَك، فأنا والله شبيب، وانتضيْت سَيْفي، فخَرَّ والله مَيْتًا، فقلت له: ارتفِع وَيْحَك! وذهبتُ أنظُر فإذا هو قد مات، فانصرفتُ راجعًا، فأستقبِل الآخر خارجًا من القرية، فقال: أين تذهب هذه الساعة؟ وإنَّما يرجع الناس إلى عسكرهم! فلم أكلمه، ومضيتُ يقرِّب بي فرسي، وأتبعني حتَّى لَحِقني، فقطعت عليه فقلت له: ما لَك؟ فقال: أنتَ واللهِ من عَدوّنا؟ فقلتُ: أجل والله، فقال: والله لا تبرح حتَّى تَقْتلني أو أقتُلَك، فحمَلت عليه وحَمَل عليّ، فاضطربْنا بسيْفينا ساعة، فوالله ما فَضَلْتُه في شدّة نَفْس ولا إقدام إلا أن سيفي كان أقْطَع من سيفه، فقَتَلتُه، قال: فمضَينا حتَّى قطعنا دِجلة، ثم أخذْنا في أرض جُوخَى حتى قطعْنا دجلةَ مرّة أخرى من عند واسِط، ثم أخذنا إلى الأهواز ثمّ إلى فارس، ثم ارتفعْنا إلى كِرْمان (٢). (٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>ذكر الخبر عن مهلك شبيب</span>\nوفي هذه السنة هلك شبيبٌ في قولِ هشامِ بن محمَّد، وفي قول غيرِه كان هلاكُه سنة ثمان وسبعين.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":266},{"text":"* ذكر سبب هلاكه:\nقال هشام، عن أبي مِخنَف: قال: حدّثني أبو يزيدَ السَّكْسَكيّ، قال: أقفَلنا الحَجّاج إليه - يعني إلى شبيب - فقسَّم فينا مالًا عظيمًا، وأعطى كل جريح منا وكل ذي بلاء، ثمّ أمر سفيان بن الأبرد أن يسير إلى شبيب، فتجهّز سُفيان، فشقّ ذلك على حبيب بن عبد الرحمن الحكميّ، وقال: تبعث سُفْيان إلى رجل قد فللته وقتلت فُرسانَ أصحابِه! فأمضى سفيان بعدَ شهرين، وأقام شبيب بكِرْمان، حتَّى إذا انجبر واستراش هو وأصحابُه أقبل راجعًا، فيستقبله سُفْيان بجِسْر دُجيل الأهواز، وقد كان الحجَّاج كتب إلى الحَكَم بن أيّوب بن الحكَم بن أبي عَقيل، وهو زوج ابنة الحجَّاج وعامله على البَصْرة.\nأما بعد، فابعثْ رجلًا شَجاعًا شريفًا من أهل البصْرة في أربعة آلاف إلى شبيب، ومُرْه فلْيَلْحق بسُفْيان بن الأبرد، وليَسْمع له وليُطعْ.\nفبعث إليه زياد بن عمرو العَتكيّ في أربعة آلاف، فلم ينته إلى سُفيان حتى التقى سُفْيان وشبيب، ولمَّا أن التقيا بجِسْر دجيل عبر شبيب إلى سُفيان فوجد سُفْيان قد نزَل في الرجال، وبعث مُهاصِر بن صيفيّ العُذريّ على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفِهريّ، وبعث على ميسرته عمر بن هُبيرة الفزاريّ، فأقبل شبيب في ثلاثة كراديسَ من أصحابه، هو في كتيبة وسُوَيد في كتيبة، وقَعنَب المُحلّميّ في كتيبة، وخلَّف المحلَّل بن وائل في عسكره، قال: فلمَّا حمل سُويد وهو في ميمنته على ميسرة سُفْيانَ، وقعنسب وهو في ميسرته على ميمنته حَمَل هو على سُفْيان، فاضْطَرَبْنا طويلًا من النهار، حتَّى انحازوا فرجعوا إلى المكان الَّذي كانوا فيه، فكرّ علينا هو وأصحابه أكثرَ من ثلاثين كَرّة، كلّ ذلك لا نزول من صَفّنا، وقال لنا سُفْيان بنُ الأبرد: لا تتفرّقوا، ولكن لِتزحَف الرجالُ إليهم زحفًا، فوالله ما زلْنا نطاعِنُهم ونضاربهم حتَّى اضطررناهم إلى الجِسْر، فلما انتهى شبيب إلى الجِسْر نزل ونزل معه نحو من مئة رجل، فقاتَلْناهم حتى المساء أشدّ قتال قاتله قومٌ قطّ، فما هو إلا أن نزلوا فأوقعوا لنا من الطعن والضّرب شيئًا ما رأينا مِثلَه من قوم قطّ، فلمَّا رأى سفيانُ أنَّه لا تقدِر عليهم، ولا يأمن مع ذلك ظفرهم، دعا الرّماةَ فقال: ارشقُوهم بالنَّبل، وذلك عند المساء، وكان التقاؤهم نصفَ النهار، فرماهم أصحابُ النَّبل بالنَّبل عند","vol":"10","page":267},{"text":"المساء، وقد صفَّهم سُفْيان بن الأبرد على حِدَة، وبعث على المُرامِية رجلًا، فلمَّا رشقوهم بالنَّبل ساعةً شدّوا عليهم، فلمَّا شدّوا على رُماتنا شدَدْنا عليهم، فشغَلْناهم عنهم، فلما رموا بالنَّبل ساعةً ركب شبيب وأصحابُه ثمّ كَرُّوا على أصحاب النَّبل كرّةً صُرع منهم أكثرُ من ثلاثين رجلًا، ثمّ عطف بخَيْله علينا، فمشى عامدًا نحونا؛ فطاعَنَّاه حَتَّى اختَلط الظلام، ثمّ انصَرَف عنا، فقال سُفيان لأصحابه: أيُّها الناس، دَعُوهم لا تتَّبعوهم حتى نُصبِّحهم غُدْوة، قال: فكَفَفنَا عنهم وليس شيء أحبّ إلينا من أن ينصرفوا عنّا (١). (٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\nقال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بنُ لقيط، قال: فما هو إلّا أن انتهَينا إلى الجِسْر، فقال: اعبرُوا معاشرَ المسلمين، فإذا أصبَحْنَا باكَرْناهم إن شاء الله، فعَبرْنا أمامَه، وتخلَّف في أخرانا، فأقبل على فرسه، وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة، فنزا فرسُه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة، ونزل حافرُ رجل فرس شبيب على حرف السفينة، فَسَقط في الماء، فلمَّا سَقَط قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ فارتمس في الماء ثمّ ارتَفَع فقال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢). (٦/ ٢٨٥).\nقال أبو مخنَف: فحدثني أبو يزيد السَّكْسكيّ بهذا الحديث - وكان ممَّن يقاتله من أهل الشام، وحدّثني فروة بنُ لقيط، وكان ممَّن شهد مواطنَه - فأمَّا رجل من رهطه من بني مُرّة بن هَمَّام فإنَّه حدّثني أنه كان معه قومٌ يقاتلون من عشيرته، ولم يكن لهم تلك البصيرةُ النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالًا كثيرًا، فكأن ذلك قد أوجع قلوبَهم، وأوغَرَ صدورَهم؛ وكان رجلٌ يقال له مُقاتل من بني تيم بن شَيْبان من أصحاب شبيب، فلمَّا قتل شبيبٌ رجالًا من بني تَيم بن شيبانَ أغار هو على بني مُرّة بن هَمَّام فأصاب منهم رجلًا، فقال له شبيب: ما حَمَلك على قَتلِهم بغيرِ أمري! فقال له: أصلحك الله! قتلتُ كفَّار قومي، وقتلتَ كفَّار قومك، قال: وأنت الوالي عليّ حتَّى تقطع الأمور دُونِي! فقال: أصلَحك الله! أليس من دِيننا قتل مَنْ كان على غير رأينا، منَّا كان أو مِنْ غيرِنا! قال: بلى،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":268},{"text":"قال: فإنَّما فعلت ما كان ينبغي، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت من رهطك عُشر ما أصبت من رهطي، وما يحلّ لك يا أمير المؤمنين أن تَجِد من قَتْل الكافرين؛ قال: إني لا أجد من ذلك، وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم، فزعموا أنَّه لمَّا تخلَّف في أخْريات أصحابهِ قال بعَضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجِسْر فندْركَ ثأرَنا الساعة! فقطعوا الجِسْر، فمالت السفُن، فَفزع الفرس ونفر، ووقع في الماء فغرِق (١). (٦/ ٢٨١).\nقال أبو مخنف: فحدّثني ذلك المُرّيّ بهذا الحديث، وناسٌ من رَهْط شبيب يَذْكرون هذا أيضًا؛ وأمَّا حديث العامَّة فالحديثُ الأوّل (٢). (٦/ ٢٨١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني أبو يزيدَ السَّكْسَكيّ، قال: إنَّا واللهِ لنتهيَّأ للانصراف إذ جاء صاحبُ الجسر فقال: أين أميرُكم؟ قلنا: هو هذا، فجاءه فقال: أصلَحَك الله! إن رجلًا منهم وقع في الماء، فتنادَوا بينهم: غَرق أميرُ المؤمنين! ثمّ إنَّهم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرَهم ليس فيه أحد، فكبَّر سُفيانُ وكبَّرنا، ثمّ أقبل حتَّى انتهى إلى الجسر، وبعث مُهاصِر بن صَيفيّ فعبر إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه منهم صافِرٌ ولا آثرِ، فنزل فيه، فإذا أكثُر عسكر خلق اللهِ خيرًا، وأصبَحْنا فطلبنا شبيبًا حتَّى استخرَجْناه وعليه الدّرْع، فسمعتُ النَّاس يزْعمون أنه شَقّ بطنَه فأخرج قلبَه، فكان مجتمِعا صُلْبًا كأنَّه صَخْرة، وإنَّه كان يَضرِب به الأرض فيثب قامةَ إنسان؛ فقال سفيان: احْمَدوا الله الَّذي أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا (٣). (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢).\nقال أبو زيد عُمر بنُ شَبَّة: حدّثني خلّاد بنُ يزيد الأرقط، قال: كان شبيب يُنْعَى لأمِّه فيقال: قتِل، فلا تَقبل قال: فقيل لها: إنَّه غرِق فَقبِلتْ وقالت: إني رأيتُ حين ولدتُه أنَّه خرج مِنّي شهاب نار، فعَلِمتُ أنه لا يُطفئِه إلّا الماء. (٦/ ٢٨٢).\nقال هِشام عن أبي مِخنَف: حدّثني فَرْوة بن لقَيط الأزديّ ثمّ الغامريّ أن يزيدا بن نُعْيم أبا شبيب كان ممَّن دخل في جيش سَلْمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":269},{"text":"معه الوليد بن عُقْبة عن أمرِ عثمانَ إيَّاه بذلك مَددًا لأهل الشام أرض الروم، فلمَّا قَفَل المسلمون أقيمَ السَّبى للبيع، فرأى يزيد بن نُعَيم أبو شبيب جاريةً حمراءَ، لا شَهْلَاء ولا زَرْقاء طويلةً جميلةً تأخُذُها العين، فابتَاعَها ثم أقبل بها، وذلك سنة خمس وعشرين أوّل السنة، فلمَّا أدخَلَها الكوفة قال: أسلِمي، فأبتْ عليه، فضربها فلم تزدَد إلا عصيانًا، فلمَّا رأى ذلك أمر بها فأصلِحت، ثمّ دعا بها فأدخِلَتْ عليه، فلما تغَشاها تَلَقَّتْ منه بحَمْل فولدتْ شبيبًا، وذلك سنة خمس وعشرين في ذي الحجَّة في يوم النَّحر يومَ السبت، وأحبَّت مولاها حُبًّا شديدًا - وكانت حَدثة - وقالت: إن شئت أجبتُك إلى ما سألتَني من الإسلام، فقال لها: شئتُ، فأسلَمَت وولدتْ شبيبًا وهي مُسْلمة، وقالت: إني رأيت فيما يَرَى النائم أنَّه خرج من قُبُلي شِهَابٌ فثَقب يسطع حتَّى بلغ السماءَ وبَلغ الآفاقَ كلَّها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جارٍ فخبا، وقد ولدتُه في يومِكم هذا الَّذي تُهريقون فيه الدماء، وإني قد أوّلْتُ رؤيايَ هذه أني أرى ولدِي هذا غلامًا، أراه سيكون صاحب دماء يُهَرِيقها، وإني أرى أمره سيعلو ويعظم سريعًا، قال: فكان أبوه يختلف به وبأمّه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يُدعَى اللَّصَف (١). (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٢).\nقال أبو مِخنَف: وحدّثني موسى بنُ أبي سُويد بن رادي أنّ جُنْدَ أهل الشام الذين جاؤوا حملوا معهم الحَجَر فقالوا: لا نفرّ من شبيب حتَّى يفرّ هذا الحجر؛ فبلغ شبيبًا أمرُهم، فأراد أن يكيدهم، فدعا بأفراس أربعة، فربط في أذنابها ترَسة في ذَنَب كلّ فرس تُرْسَيْن، ثمّ ندب معه ثمانيةَ نفر من أصحابه، ومعه غلامٌ له يقال له حيَّان، وأمره أن يحمل معه إداوةً من ماء، ثم سار حتَّى يأتي ناحيةً من العسكر، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كلّ رجلين فرسًا، ثم يُمِسُّوها الحديدَ حتَّى تجد حرَّه ويخلّوها في العسكر، وواعدهم تلعةً قريبةً من العسكر، فقال: من نجا منكم فإنّ موعده هذه التَّلْعة؛ وكره أصحابُه الإقدامَ على ما أمرهم به، فنزل حيثُ رأى ذلك منهم حتى صنع بالخَيْل مِثلَ الَّذي أمرهم، ثمّ وغلتْ في العسكر: ودخل يَتْلوها مُحكّمًا فضرب الناسُ بعضهم بعضًا، فقام صاحبُهم الَّذي كان عليهم، وهو حبيب بن عبد الرحمن الحَكَميّ،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":270},{"text":"فنادى: أيها الناس، إنّ هذه مكيدة، فالزَموا الأرض حتَّى يتبيَّن لكم الأمرُ، ففعلوا وبقي شبيب في عسكرهم، فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا وقد أصابتُه ضربةُ عمود أوهنتْه، فلمَّا أن هدأ الناسُ ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غِمارهم حتَّى أتى التلعة، فإذا هو بحَيَّان، فقال: أفرغ يا حيَّان على رأسي من الماء، فلمَّا مدّ رأسه ليصبّ عليه من الماء همّ حيَّان أن يَضرِب عنقه، فقال لنفسه: لا أجد لي مكرُمةً ولا ذِكرًا أرفعَ مِن قتلي هذا، وهو أماني عند الحجَّاج، فاستقبلتْه الرّعدْة حيثُ هَمّ بما هَمَّ به، فلمَّا أبطأ بِحَل الإداوة قال: ما يُبطئك بحَلّها! فتناوَل السِّكين من مَوْزَجِه فخرَقها به، ثمّ ناولَها إياه، فأفرَغ عليه من الماء، فقال حيان: منعَني واللهِ الجُبْن وما أخَذَني من الرّعدة، أن أضرِب عُنقه بعد ما هممتُ به، ثمّ لَحِق شبيب بأصحابه في عسكره (١). (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>خروح مطرّف بن المغيرة على الحجَّاج وعبد الملك</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج مُطَرّف بن المغيرة بن شُعْبة على الحجَّاج، وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقُتل.\n* ذكر السبب الذي كان عند خروجه وخلعِه عبد الملك بن مروان:\nقال هشامٌ عن أبي مخنَف، قال: حدّثني يوسفُ بنُ يزيدَ بن بكر الأزْدي أنّ بني المغيرة بن شعبة كانوا صلَحاء نُبَلاء، أشرافًا بأبدانهِم سوى شَرف أبيهم ومنزلتِهم في قومهم، قال: فلمّا قدم الحجاج فلقوه وشافهَهم عَلِم أنَّهم رجال قومه وبنو أبيه، فاستعمل عُروةَ بنَ المغيرة على الكوفة، ومطرِّفَ بن المغيرة على المدائن وحمزة بن المغيرة على هَمَدان (٢). (٦/ ٢٨٤).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني الحُصَين بن يزيدبن عبدالله بن سعدبن نُفَيلٍ الأزْديّ، قال: قَدِم علينا مطرّف بنُ المغيرة بنِ شُعْبة المدائن فصعِد المنبرَ فَحمِد الله وأثَنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إن الأمير الحجَّاجَ أصلحه الله قد ولّاني عليكم، وأمَرَني بالحُكْم بالحق، والعدل في السيرة، فإن عملتُ بما أمَرني به\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":271},{"text":"فأنا أسعدُ الناس، وإن لم أفعلْ فنفسي أوبقْتُ، وحظّ نفسي ضيَّعت، ألا إني جالس لكم العَصْرين، فارفَعوا إليَّ حوائجَكم، وأشيروا عليّ بما يصلحكم ويُصلح بلادَكم، فإني لن آلُوكم خيرًا ما استَطعتُ، ثمّ نزل.\nوكان بالمدائن إذ ذاك رجالٌ من أشرف أهل المصْر وبيوتات الناس، وبها مقاتِلة لا تسعُها عدّة، إن كان كَوْنٌ بأرض جُوخَى أو بأرض الأنبار فأقبل مطرّف حين نزل حتى جلس للناس في الإيوان، وجاء حكيمُ بنُ الحارث الأزديّ يمشي نحوه، وكان من وجوه الأزد وأشرافِهم، وكان الحجَّاج قد استعمَله بعد ذلك على بيت المال - فقال له: أصلحك الله! إني كنتُ منك نائيًا حين تكلَّمتَ، وإني أقبلتُ نحوك لأجيبَك، فوافَق ذلك نزولك، إنَّا قد فهمنا ما ذكرتَ لنا: أنَّه عهد إليك، فأرشد اللهُ العاهدَ والمعهودَ إليه، وقد منّيتَ من نفسك العَدل، وسألتَ المعونة على الحقّ، فأعانك الله على ما نويتَ، إنَّك تُشبه أباك في سيرته برضا الله والناس، فقال له مطرّف: هاهنا إليّ، فأوسَع له فجلَس إلى جَنْبه (١). (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني الحُصَين بن يزِيدَ أنّه كان من خير عامل قدم عليهم قطّ، أقمعه لمُرِيب، وأشدّه إنكارًا للظلم، فقدِم عليه بشر بن الأجْدَع الهَمْدانيّ، ثم الثوريّ، وكان شاعرًا فقال:\nإني كلِفتُ بخَوْد غيرِ فاحشةٍ ... غرَّاءَ وهَنْانَةٍ حُسَّانَةِ الجِيدِ\nكأنها الشمس يومَ الدَّجْنِ إذ برَزتْ ... تمشي مَعَ الآنُسِ الهيفِ الأَماليدِ\nسلِّ الهوى بعَلْنَدَاةٍ مُذَكَّرَةٍ ... عنها إلى المُجْتَدى ذي العُرْف والجود\nإلى الفتى الماجد الفيَّاضِ نَعرفهُ ... في الناس ساعةَ يُحْلَى كلّ مردُود\nمن الأَكارم انْسابًا إذا نُسِبُوا ... والحامِل الثِّقْل يومَ المغرَم الصِّيد\nإني أعِيذُك بالرحمنِ من نَفَرٍ ... حمر السِّبال كأُسْدِ الغابةِ السُّودِ\nفُرسانُ شَيْبان لم نسمعْ بمثلِهمِ ... أبناءُ كلِّ كريم النَّجلِ صِنديدِ\nشَدُّوا على ابنِ حُصينٍ في كَتِيبَتهِ ... فغادَرُوهُ صريعًا ليلةَ العِيدِ\nوابنُ المجالِدِ أَرْدَتْهُ رمَاحُهُمُ ... كأنَّما زَلَّ عن خَوصاءَ صَيْخُودِ\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":272},{"text":"وكلُّ جَمعٍ بروذابارَ كان لهم ... قد فُضَّ بالطَّعن بينَ النَّخلِ والبيدِ\nفقال له: وَيْحَك! ما جئت إلا لترغّبنا، وقد كان شبيب أقبل من سَاتيدما، فكتب مطرّف إلى الحجَّاج:\nأما بعد، فإني أخبِر الأميرَ أكرمَه الله أن شبيبًا قد أقبل نحونا، فإن رأى الأميرُ أن يُمِدّني برجال أضبط بهم المَدائن فَعَل، فإن المدائن بابُ الكوفة وحصنُها.\nفبعث إليه الحجَّاجُ بن يوسفَ سَبْرَةَ بن عبد الرحمن بن مِخنَف في مئتين وعبد الله بن كنَّاز في مئتين، وجاء شبيب فأقبل حتَّى نزل قناطرَ حُذَيفة، ثمّ جاء حتى انتهى إلى كَلْواذا، فعَبر منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بَهُرسير ومطرّف بن المغيرة في المدينة العتيقة الَّتي فيها منزل كسْرى والقَصْر الأبيض، فلمَّا نزل شبيب بَهُرَسير قطعٍ مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعثْ إليّ رجالًا من صُلْحاء أصحابك أدارِسْهم القرآن، وأنظر ما تَدْعون إليه، فبعث إليه رجالًا؛ منهم سويد بن سُليم وقعْنب والمحلَّل بن وائل، فلما أدنى منهم المِعْبر وأرادوا أن يَنزِلوا فيه أرسَل إليهم شبيب ألّا تدخلوا السَّفينة حتَّى يرجع إليّ رسولي من عند مطرّف، وبعث إلى مطرّف: أن أبعثْ إليّ بعِدّة من أصحابك حتَّى تردّ عليّ أصحابي، فقال لرسوله: القَه فقل له: فكيف آمنُكَ على أصحابي، إذا بعثتُهم الآن إليك، وأنت لا تأمني على أصحابك! فأرسَلَ إليه شبيب: إنَّك قد علمتَ أنَّا لا نستحلّ في ديننا الغَدْر، وأنتم تفعلونه وتهوّنونه، فسَرّح إليه مطرّف الربيعَ بن يزيدَ الأسديّ، وسليماْن بن حُذَيفة بن هلال بن مالك المزَنيّ، ويزيدَ بن أبي زياد مولى المغيرة - وكان على حَرَس مطرّف - فلمَّا وقعوا في يديه بعث أصحابَه إليه (١). (٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\nقال أبو مخِنَف:\nحدثني النضرّ بنُ صالح، قال: كنت عند مطرّف بن المغيرةِ بن شُعْبة فما أدري أقال: إني كنت في الجند الَّذين كانوا معه، أو قال: كنت بإزائه حيث دخلتْ عليه رُسُلُ شبيب! وكان لي ولأخي ودًّا مكرمًا، ولم يكن ليستر منَّا شيئًا، فدخلوا عليه وما عنده أحدٌ من الناس غيري وغير أخي حلًام بن صالح، وهم ستَّة\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":273},{"text":"ونحن ثلاثة، وهم شاكّون في السلاح، ونحن ليس علينا إلا سيوفنا فلما دَنوا قال سُوَيد: السَّلام على من خاف مقام ربه وعرفَ الهُدى وأهلَه، فقال له مطرّف: أجَلْ، فسلَّم الله على أولئك، ثم جلس القومُ، فقال لهم مطرّف: قُصّوا عليّ أمركم، وخبّروني ما الذي تَطلبُون؟ وإلامَ تَدْعون؟ فحمدِ الله سُويدُ بن سُليم وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ الذي نَدْعو إليه كتاب الله وسنَّة محمد - ﷺ -، وإنَّ الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفَيء وتعطيل الحدود والتسلّط بالجبريّة، فقال لهم مطرّف: ما دعوتم إلا إلى حقّ، ولا نقَمْتم إلا جَوْرًا ظاهرًا، أنا لكم على هذا مُتابع، فتابِعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمرُكم، وتكون يدي وأيديكم واحدة، فقالوا: هاتِ، اذكر ما تريد أن تذكُر، فإن يكن ما تدعونا إليه حقًّا نُجبْك؛ قال: فإني أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظَّلمةَ العاصين على إحداثهم الَّذي أَحدثوا، وأن ندعوَهم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمِّرون عليهم من يرضوْن لأنفسهم على مثل الحال التي تركهم عليها عمرُ بنُ الخطَّاب؛ فإنّ العرب إذا علمتْ أنّ ما يراد بالشورَى الرِّضا من قريش رَضُوا، وكثر تبعُكم منهم وأعوانكم على عدوّكم، وتمّ لكم هذا الأمر الَّذي تريدون.\nقال: فوثَبوا مِن عنده، وقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه أبدًا، فلمَّا مَضوْا فكادوا أن يخرجوا من صُفَّة البيت التفت إليه سُويد بن سليم، فقال: يا بن المغيرة، لو كان القوم عُدَاةً غُدُرًا كنتَ قد أمكنتَهم من نفسك، ففَرع لها مطرّف، وقال: صدقتَ وإله موسى وعيسى.\nقال: ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بِمقَالته، فطَمع فيه، وقال لهم: إنْ أصبحتم فليأته أحدُكم؛ فلمَّا أصبحوا بعث إليه سُويدًا وأمَرَه بأمره، فجاء سُويد حتَّى انتهى إلى باب مطرّف، فكنتُ أنا المستأذِن له، فلمَّا دخل وجلس أردتُ أن أنصرفَ، فقال لي مطرّف: اجلسْ فليس دونَك سِتر؛ فجلستُ وأنا يومئذ شابّ أغيَد، فقال لِه سويد: من هذا الذي ليس لك دونَه سِتْر؟ فقال له: هذا الشَّريف الحسيب، هذا ابنُ مالك بنِ زُهير بن جَذيمة، فقال له: بَخ أكرمت فارتبِط، إن كان دِينُه على قدْر حسبه فهو الكامل، ثم أقبل عليه فقال: إنَّا لقينا أميرَ المؤمنين بالَّذي ذكرتَ لنا، فقال لنا: القَوْه فقولوا له: ألستَ تعلَم أنّ اختيار المسلمين","vol":"10","page":274},{"text":"منهم خيرَهم لهم فيما يرون رأيٌ رشيد! فقد مضتْ به السنة بعدَ الرسول - ﷺ -، فإذا قال لكم: نعم، فقولوا له: فإنا قد اخترنا لأنفسنا أرضانا فينا، وأشدَّنا اضطلاعًا لِمَا حُمِّل، فما لم يغيِّر ولم يُبدّل فهو وليُّ أمرِنا، وقال لنا: قُولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلتَ: إنّ العرب إذا علمتْ أنَّكم إنَّما تريدون بهذا الأمر قُرَيشًا كان أكثر لتبعكم منهم، فإنّ أهلَ الحقّ لا ينقُصُهم عند الله أن يقِلّوا، ولا يزيد الظالمين خيرًا أن يَكثروا، وإن تَرْكنا حقَّنا الَّذي خرجْنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئةٌ وعَجْز ورُخصة إلى نصر الظالمين ووَهْن، لأنَّا لا نرى أنّ قريشًا أحقّ بهذا الأمر من غيرها من العرب، وقال: فإن زعم أنَّهم أحقّ بهذا الأمر من غيرِها من العرب فقولوا له: ولم ذَاك؟ فإن قال: لقرابة محمَّد - ﷺ - بهم فقولوا له: فوالله ما كان يَنبغي إذًا لأسلافنا الصالحين من المهاجرين الأوَّلين أن يتولَّوا على أسْرة محمَّد، ولا على ولد أبي لَهَب لو لم يبقَ غيرُهم، ولولا أنَّهم علموا أنّ خيرَ الناس عندَ الله أتقاهم، وأنّ أوْلاهم بهذا الأمر أتْقاهم، وأفضلهم فيهم، وأشدّهم اضطلاعًا بحَمْل أمورهم ما تَولَّوْا أمور الناس، ونحن أوّل من أنكر الظلم وغيَّر الجَوْر وقاتَل الأحزاب، فإن اتَّبَعنا فله ما لنا وعليه ما علَينا، وهو رجلٌ من المسلمين، وإلا يفعلْ فهو كبعضِ من نُعادِي ونُقاتِل من المشركين.\nفقال له مطرّف: قد فهمتُ ما ذكرتَ، ارجع يومَك هذا حتَّى ننظرَ في أمرنا.\nفرجع ودعا مطرّف رجالًا من أهل ثقاتِهِ وأهلِ نَصائحه، منهم سليمانُ بن حذيفة المُزَنيّ، والرّبيع بنُ يزيدَ الأسَديّ، قال النَّضر بن صالح: وكنتُ أنا ويزيد بن أبي زياد مولَى المغيرة بن شُعْبة قائمينَ على رأسِه بالسَّيف، وكان على حَرَسه فقال لهم مطرّفٌ: يا هؤلاء إنَكم نُصَحائي وأهلُ مودّتي ومَن أثق بصلاحه وحسن رأيه، والله ما زلتُ لأعمال هؤلاء الظَّلَمة كارهًا، أنكِرها بقلبي، وأغيرها ما استَطعتُ بفعلي وأمري، فلمَّا عظمتْ خطيئتُهم، ومرّ بي هؤلاء القوم يجاهدونهم، لم أرَ أنَّه يسعني إلا مناهَضتَهم وخلَافَهم إنْ وجدتُ أعوانًا عليهم، وإني دعوتُ هؤلاء القومَ فقلت لهم كَيْتَ وكَيْت، وقالوا لي كيتَ وكَيت، فلستُ أرى القتالَ معهم، ولو تابَعوني على رأيي وعلى ما وصفتُ لهم لخلعتُ عبدَ الملك والحجَّاج ولسِرْت إليهم أجاهِدهم، فقال له المُزَنيّ: إنَّهم لن","vol":"10","page":275},{"text":"يُتابِعوك، وإنَّك لن تُتابِعَهم فأخْفِ هذا الكلامَ ولا تُظهِرْه لأحد، وقال له الأسَديّ مِثلَ ذلك، فجَثَا مولاه ابن أبي زياد على ركبَتَيْه ثمّ قال: والله لا يخفى ممَّا كان بينك وبينَهم على الحجَّاج كلمة واحدة، ولَيُزادَنّ على كلِّ كلمة عشرة أمثالها، والله أن لو كنتَ في السَّحاب هاربًا من الحجَّاج ليلتمسنّ أن يصل إليك حتَّى يهُلِكك أنتَ ومَنْ معك؛ فالنَّجاءَ النجاء من مكانك هذا، فإنّ أهلَ المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وأهل عسكر شبيب يتحدّثون بما كان بينك وبين شبيب، ولا تمس من يومِك هذا حتَّى يَبْلُغَ الخبرُ الحجَّاج، فاطلبْ دارًا غيرَ المَدائن، فقال له صاحباه: ما نَرَى الرأي إلا كما ذكر لك، قال لهما مطرّف: فما عندكما؟ قالا: الإجابَة إلى ما دعوْتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسِنا على الحجَّاج وغيرِه، قال: ثمّ نظر إليّ، فقال: ما عندَكَ؟ فقلت: قتال عدوِّك والصَّبر معك ما صبرتَ، فقال لي: ذاك الظَّنّ بك.\nقال: ومكث حتَّى إذا كان في اليوم الثالث أتاه قعنب فقال له: إنْ تابعتَنا فأنتَ منَّا، وإن أبيت فقد نابذْناك، فقال: لا تَعجَلوا اليومَ فإنا نَنظر.\nقال: وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا اللَّيلةَ من عند آخِركم حتَّى تُوفُوا الدَّسْكرة معي لحدَث حدث هنالك.\nثم أدلجَ وخرج أصحابُه معه حتَّى مرَّ بدَيْر يَزْدَجِرد فنزله، فلقيه قَبيصةُ بن عبد الرحمن القحافيّ من خثْعم، فدعاه إلى صُحبته، فصَحِبه فكَساه وحمَلَه، وأمَرَ له بنَفقة ثم سَار حتى نزل الدَّسكرة فلمَّا أراد أن يرتحل منها لم يجد بدًّا من أن يعلِمَ أصحابَه ما يريد، فجمع إليه رؤوسَ أصحابِه، فذكر الله بما هو أهلُه وصلّى على رسوله، ثم قال لهم: أمَّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خَلْقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وإني أشهِد الله أني قد خلعتُ عبدَ الملك بنَ مروانَ والحجَاجَ بن يوسف فمن أحبّ منكم صحبتي وكان على مثل رأي فليُتابعْني، فإن له الأسوة وحُسن الصحبة ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحبّ أن يتَّبعني من ليست له نيَّةٌ في جهادِ أهل الجَوْر. أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه وإلى قِتال الظَّلمة، فإذا جمع الله لنا أمرَنا كان هذا الأمرُ شُورَى بين المسلمين يرتَضون لأنفسهم من أحبُّوا.","vol":"10","page":276},{"text":"قال: فوَثَب إليه أصحابهُ فبايعوه، ثمّ إنّه دخل رحلَه وبعث إلى سَبْرة بن عبد الرحمن بن مِخنَف وإلى عبد الله بن كنَّاز النَّهدي فاستخلاهما، ودعاهما إلى مِثل ما دعا عامَّة أصحابه، فأعطَياه الرّضا، فلمَّا ارْتَحَل انصرفا بمن معهما من أصحابِه حتَّى أتَيَا الحجَّاج فوجداه قد نازَل شبيبًا، فشهدا معه وقعة شبيب، قال: وخرج مطرّف بأصحابه من الدَّسْكرة موجَّهًا نحو حُلْوان، وقد كان الحجَّاج بعث في تلك السنة سُويد بن عبد الرحمن السَّعديّ على حُلِوان وما سبذان؛ فلمَّا بَلَغه أنّ مطرّف بن المغيرة قد أقبل نحو أرضِه عَرَف أنَّه إن رَفق في أمره أو داهَن لا تقبل ذلك منه الحجَّاج، فجمع له سُويد أهلَ البلد والأكراد، فأما الأكراد فأخذوا عليه ثَنِيَّة حُلْوان، وخرج إليه سُويد وهو يحبّ أن يَسلم من قتاله، وأن يُعافى من الحجَّاج، فكان خروجُه كالتعذير (١). (٦/ ٢٨٦ - ٢٩٠).\nقال أبو مخنف: فحدّثني عبد الله بنُ علقمة الخَثعميّ أنّ الحجَّاج بن جارية الخَثعميّ حين سمع بخروج مطرّف من المدائن نحو الجبل اتَبعه في نحو من ثلاثين رجلًا من قومه وغيرهم، قال: وكنت فيهم فلِحقْناه بحُلْوانَ، فكنَّا ممَّن شهد معه قتال سُوَيد بنِ عبدِ الرحمن.\nقال أبو مخنف: وحدثني بذلك أيضًا النَّضْر (٢). (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبدُ الله بنُ علقمة، قال: ما هو إلا أن قَدمنا على مطرّف بن المُغيرة، فُسرَّ بمقدَمنا عليه، وأجلس الحجَّاج بنَ جارية معه على مَجلسِه (٣). (٦/ ٢٩١).\nقال أبو مخنف: وحدّثني النضرُ بن صالح، وعبد الله بن علقمة، أنّ سُويدًا لمَّا خرج إليهم بمن معه وقف في الرّجال ولم يخرج بهم من البُيوت، وقَدِم ابنُه القَعقاع في الخَيْل، وما خيله يومئذ بكثير (٤). (٦/ ٢٩١).\nقال أبو مخنف: قال النَّضر بنُ صالح: أراهم كانوا مئتين، وقال ابنُ علقمة:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٤) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":277},{"text":"أراهم كانوا ينقصُون عن الثلاثمئة، قال: فدعا مطرّف الحجَّاج بن جارية فسَرَّحه إليهم في نحو من عِدّتهم، فأقبَلوا نحوَ القعْقاع وهم جادّون في قتاله، وهم فرسان متعالِمون، فلمَّا رآهم سُويد قد تيسَّروا نحوَ ابنهِ أرسَل إليهم غلامًا له يقال له رُسْتم - قُتل معه بعد ذلك بَدْير الجَماجم - وفي يده رايةُ بني سعد، فانطلق غلامُه حتَّى انتهَى إلى الحجَّاج بن جارية، فأسرَّ إليه: إن كنتم تريدون الخروجَ من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنَّا، فإنَّا لا نريد قتالَكم، وإن كنتم إيَّانا تريدون فلابدّ من مَنْع ما في أيدينا، فلمَّا جاءه بذلك قال له الحجَّاج بنُ جارية: ائتِ أميرَنا فاذكرْ له ما ذكرتَ لي، فخرج حتى أتى مطرّفًا فذَكر له مِثلَ الَّذي ذكر للحجَّاج بن جارية، فقال له مطرّف: ما أريدكم ولا بلادَكم، فقال له: فالزمْ هذا الطريقَ حتَّى تَخرُج من بلادنا، فإنَّا لا نجد بدًّا من أن يَرَى الناسُ وتَسمع بذلك أنَّا قد خرجْنا إليك، قال: فبعث مطرّف إلى الحجَّاج فأتاه، ولَزِموا الطريقَ حتى مرّوا بالثّنيَّة فإذا الأكرادُ بها، فنزل مطرّف ونزل معه عامَّة أصحابِه وصَعِد إليهم في الجانب الأيمن الحجَّاجُ بنُ جارية، وفي الجانب الأيسر سليمانُ بن حُذَيفة، فهزَماهم وقَتلاهم، وسلِم مطرّف وأصحابُه فمضَوا حتَّى دنَوْا من هَمذان فتركَها وأخذ ذاتَ اليسار إلى ماه دينار، وكان أخوه حمزة بن المغيرة على هَمَذان، فكَره أن يدخلَها فيُتَّهمَ أخوه عند الحجَّاج، فلمَّا دخل مطرّف أرضَ ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة:\nأمَّا بعد، فإن النَّفقة قد كَثُرت والمؤنة قد اشتدّت، فأمدِد أخاك بما قَدَرت عليه من مال وسلاح.\nوبعث إليه يزيدَ بن أبي زياد مولى المغيرة بن شُعبة، فجاء حتَّى دخل على حمزَة بكتاب مطرّف ليلًا، فلمَّا رآه قال له: ثكلتك أمُّك! أنت قتلتَ مطرّفًا؟ فقال له: ما أنا قتلتُه جُعلتُ فِداك! ولكنّ مطرّفًا قتل نفسَه وقتلَني، وليتَه لا يقتلُك، فقال له: وَيْحَك! مَن سَوّل له هذا الأمر! فقال: نفسُه سوّلتْ هذا له، ثمّ جلس إليه فقصّ عليه القصص، وأخبَرَه بالخبر، ودفع كتابَ مطرّف إليه، فقرأه ثمّ قال: نعم، وأنا باعثٌ إليه بمال وسلاح، ولكن أخبرني تَرَى ذلك يَخفَى لي؟ قال: ما أظنّ أن يخفى، فقال له حمزة: فوالله لئن أنا خذلته في أنفع النَّصرَين له نصر العلانية، لا أخذُلُه في أيسر النَّصْرين نصر السَّريرة.\nقال: فسرّح إليه مع يزيد بن أبي زياد بمال وسلاح، فأقبل به حتَّى أتى مطرّفًا","vol":"10","page":278},{"text":"ونحن نزولٌ في رُسْتاق من رَساتِيق ماه دينار، يقال له: سامان مُتاخِم أرضَ أصبِهان، وهو رُسْتاق كانت الحمراءُ تَنزِله (١). (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢).\nقال أبو مخنف: فحدّثنيّ النّضرُ بنُ صالح، قال: والله ما هو إلّا أن مضى يزيدُ بن أبي زياد، فسمعتُ أهلَ العسكر يتحدّثون أنّ الأمير بَعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح، فأتيتُ مطْرفًا فحدّثته بذلك، فضرب بيده على جبهته ثم قال: سبحان الله! قال الأوّلُ: ما يخفى إلا ما لا يكون، قال: وما هو إلا أن قدم يزيدُ بن أبي زياد علينا، فسار مطرّف بأصحابه حتى نزل قُمّ وقاشان وأصبهَان (٢). (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٢).\nقال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا حين نزل قُمّ وقاشان واطمأنّ، دعا الحجّاج بن جارية فقال له: حدِّثني عن هزيمة شبيب يومَ السَّبَخة أكانت وأنتَ شاهدَها، أم كنتَ خرجتَ قبل الوَقْعة؟ قال: لا، بل شهدتُها؛ قال: فحدِّثني حديثَهم كيف كان؟ فحدَّثه، فقال: إني كنتُ أحبّ أن يَظفَر شبيب وإن كان ضالًا فيقتل ضالًا. قال: فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجو أن يتمّ له الذي يَطلُب لو هلك الحجّاج، قال: ثمّ إنّ مطرفًا بعث عمّاله (٣). (٦/ ٢٩٣).\nقال أبو مخنف: فحدثني النّضرُ بنُ صالح أنّ مطرفًا عمل عملًا حازمًا لولا أنّ الأقدار غالبة، قال: كتب مع الرَّبيع بن يزيد إلى سُويد بن سِرحان الثقفيّ، وإلى بكير بن هارونَ البَجَليّ:\nأما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، وإلى جهادِ مَنْ عنَدَ عن الحقّ، واستأثر بالفَيء، وتَرك حُكم الكتاب، فإذا ظهر الحق ودُمِغ الباطل، وكانت كلمةُ الله هي العليا، جعلْنا هذا الأمر شُورَى بين الأمة يرتضى المسلمون لأنفسهم الرضا، فمَن قَبِل هذا منّا كان أخانا في ديننا، ووليّنا في محيانا ومماتِنا، ومَن ردّ ذلك علينا جاهدْناه واستنصرْنا اللهَ عليه فَكَفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهادَ في سبيل الله غَبْنًا، وبُمداهنة الظالمين في أمر الله وَهْنًا! إن الله\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":279},{"text":"كتب القتال على المسلمين وسماه كُرْهًا، ولن يُنالَ رضوانُ الله إلا بالصّبر على أمر الله، وجهادِ أعداء الله، فأجيبوا رحمَكم الله إلى الحقّ، وادعوا إليه من ترجون إجابتَه، وعرِّفوه ما لا يَعرِفه، وليقْبِل إليّ كلُّ من رأى رأينا، وأجاب دعوتَنا، ورأى عدوّه عدوّنا، أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التّواب الرحيم، والسلام.\nفلما قَدِم الكتاب على ذَيْنك الرجلين دَبَّا في رجال من أهل الريّ ودَعَوا من تابعَهما، ثمّ خرجا في نحو من مئة من أهل الرَّي سرًّا لا يُفطَن بهم، فجاؤوا حتى وافوا مطرّفًا، وكتب البراءُ بنُ قبيصة، وهو عامل الحجَّاج على أصبَهانَ:\nأما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجةٌ في أصبهانَ فليبعث إلى مطرّف جيشًا كثيفًا يستأصله ومن معه، فإنه لا تزال عصابة قد انتفحتْ له من بلدة من البلدان حتى تُوافيَه بمكانه الذي هو به، فإنه قد استكثَف وكَثُر تَبَعه، والسلام.\nفكتب إليه الحجّاج:\nأما بعد، إذا أتاك رسولي فعَسْكِرْ بمن معك، فإذا مرّ بك عَدِيّ بن وتّاد فاخرج معه في أصحابك، واسمع له وأطِع، والسلام.\nفلما قرأ كتابَه خرج فعسكَر، وجعل الحجاج بن يوسف يسرِّح إلى البراء بن قَبيصة الرّجالَ على دوابِّ البريد عشرين عشرين، وخمسة عشر خمسةَ عشر، وعشرة عشرة، حتى سرّح إليه نحوًا من خمسمئة وكان في ألفين.\nوكان الأسود بن سعد الهمذانيّ أتى الرَّيّ في فتح الله على الحجّاج يومَ لقي شبيبًا بالسّبَخة، فمرّ بهَمَذان والجبال، ودخل على حمزةَ فاعتذر إليه.\nفقال الأسود: فأبلغت الحجّاج عن حمزة، فقال: قد بلغني ذاك، وأراد عزلَه، فخشى أن يَمكر به، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعد العِجْليّ - وهو يومئذ على شُرْطة حمزة بن المغيرة ولبني عِجْل ورَبيعةَ عددٌ بهمَذان - فبعث إلى قيس بن سعد بعَهْده على هَمذان، وكتب إليه أن أوثِقْ حمزَة بن المغيرة في الحديد، واحبسْه قِبَلك حتى يأتيَك أمري.\nفلما أتاه عهده وأمرُه أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير، فلما دخل المسجد وافق الإقامة لصلاة العصر، فصلّى حمزة، فلما انصرف حمزة انصرف معه","vol":"10","page":280},{"text":"قيس بن سعد العجليّ، صاحب شُرَطه، فأقرأه كتابَ الحجّاج إليه، وأراه عهدَه، فقال حمزة: سمعًا وطاعة، فأوثقه وحبَسه في السجن، وتولى أمر همَذان، وبعث عمّاله عليها، وجعل عماله كلهم من قومه؛ وكتب إلى الحجاج:\nأما بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلحه الله، أني قد شددتُ حمزةَ بن المغيرة في الحديد، وحبَسْته في السجن، وبعثتُ عمّالي على الخرَاج، ووضعتُ يدي في الجباية، فإن رأى الأميرُ - أبقاه الله - أن يأذَن لي في المَسير إلى مطرّف أذن لي حتى أجاهدَه في قومي، ومن أطاعَني من أهل بلادي؛ فإني أرجو أن يكون الجهادُ أعظمَ أجرًا من جباية الخرَاج، والسلام.\nفلما قرأ الحجاج كتابَه ضَحِكَ ثمّ قال: هذا جانبَ آثرًا ما قد أمّناه.\nوقد كان حمزة بهَمذَان أثقَل ما خلق الله على الحجّاج مخافة أن يمدّ أخاه بالسلاح والمال، ولا يدري لعله يبدو له فيعقّ، فلم يزل يكيدُه حتى عزله؛ فاطمأنّ وقصد قصْد مطرّف (١). (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني مطرّف بن عامر بن واثلة أنّ الحجاج لما قرأ كتابَ قيس بنِ سعد العِجْليّ وسمع قولَه: إنْ أَحَبَّ الأميرُ سرت إليه حتى أجاهدَه في قومي. قال: ما أبغض إليّ أن تَكثر العربُ في أرض الخَراجِ. قال: فقال لي ابن الغرق: ما هو إلا أن سمعتها من الحجّاج فعلمتُ أنه لو قد فرَغَ له قد عَزَله (٢). (٦/ ٢٩٥).\nقال: وحدّثني النّضر بن صالح أنّ الحجاج كتب إلى عديّ بن وتّاد الاياديّ وهو على الرّيّ يأمره بالمسير إلى مطرّف بن المغيرة وبالممرّ على البرَاء بن قبيصَة، فإذا اجتمعوا فهو أميرُ الناس (٣). (٦/ ٢٩٥).\nقال أبو مخنَف: وحدّثني أبي عن عبد الله بن زهير، عن عبد الله بن سُليم الأزْديّ، قال: إنّي لَجالسٌ مع عديّ بن وتّاد على مجلسه بالرّيّ إذ أتاه كتاب الحجّاج، فقرأه ثمّ دفعه إليّ، فقرأته فإذا فيه:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":281},{"text":"أما بعد، فإذا قرأتَ كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباعِ مَن معك من أهل الرّيّ، ثمّ أقبِل حتى تمرّ بالبراء بن قبيصَة بجَيّ، ثم سِيرَا جميعًا، فإذا لقيتهما فأنتَ أمير الناس حتى تقتل الله مطرّفًا، فإذا كَفَى الله المؤمنينَ مؤُنتَه فانصرِف إلى عملك في كَنَف من الله وكَلاءتِهِ وسِتره، فلما قرأتهُ قال لي: قمْ، وتجهزْ.\nقال: وخرج فعسكَرَ، ودعا الكتّاب فضَربَوا البَعْث على ثلاثة أرباع الناس، فما مضت جمُعة حتى سرنا فانتهيْنا إلى جَيّ، ويُوافينا بها قبيَصة القُحافيّ في تِسعمئة من أهل الشام، فيهم عُمر بنُ هُبيرة، قال: ولم نلبث بجَيّ إلا يومين حتى نهض عديّ بن وتّاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة آلافِ مُقاتِل من أهل الرّيّ وألف مُقاتِل مع البَراء بن قبيصة بعثهم إليه الحجّاج من الكوفة، وسبعمئة من أهل الشام، ونحو ألف رجل من أهلِ أصبَهان والأكراد، فكان في قريب من ستة آلاف مُقاتِل، ثمّ أقبلَ حتى دخل على مطرّف بن المغيرة (١). (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\nقال أبو مخِنَف: فحدّثني النّضر بنُ صالح، عن عبد الله بن علقمة، أن مطرّفًا لما بلغه مسيرُهم إليه خَندَق على أصحابه خَنْدقًا، فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه (٢). (٦/ ٢٩٦).\nقال أبو مِخنَف: وحدّثني يزيدُ مولى عبد الله بن زهير، قال: كنتُ مع مولاي إذ ذاك؛ قال: خرج عديّ بن وتّاد فعبّى الناسَ، فجعل على ميمنتهِ عبدَ الله بنَ زهير، ثمّ قال للبرَاء بن قبيصة: قُمْ في الميسرَة، فغَضب البراء، وقال: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مِثلك! تلك خَيْلي في الميسرة، وقد بعثتُ عليها فارسَ مُضَرَ الطُّفَيل بن عامر بن واثلة؛ قال: فأنْهِيَ ذلك إلى عديّ بن وتّاد، فقال لابن أقيصر الخثعميّ: انطلِق فأنت على الخيل، وانطلِق إلى البَراء بن قبيصة فقل له: إنك قد أمِرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرّجالة في شيء، إنما عليك أن تؤمَر فتُطيع، ولا تَعرض لي في شيء أكرهه فأتنكّر لك - وقد كان له مُكرِمًا.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":282},{"text":"ثمّ إن عديًّا بعث على الميسرة عمرَ بنَ هبيرة، وبعثه في مئة من أهل الشام، فجاء حتى وقف برايته، فقال رجل من أصحابه للطُّفيل بن عامر:\nخَلّ رايتَك وتَنحَّ عنّا، فإنّما نحن أصحابُ هذا الموقف؛ فقال الطُّفَيل: إنّي لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية البَراء بنُ قبيصة، وهو أميرُنا، وقد علمْنا أنّ صاحبَكم على جماعة الناس، فإن كان قد عَقَد لصاحبكم هذا فبارَك الله له، ما أسمعَنا وأطوَعنا! فقال لهم عمرُ بنُ هبيرة: مهلًا، كُفّوا عن أخيكم وابنِ عمِّكم، رايتنا رايتك، فإن شئتَ آثرْناك بها، قال: فما رأينا رجُلَين كانا أحلَم منهما في موقفهما ذلك، قال: ونزل عديّ بن وتّاد ثمّ زحف نحو مطرّف (١). (٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني النّضر بنُ صالح وعبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا بعث على ميمنته الحجّاج بنَ جارية، وعلى ميسرته الرّبيع بن يزيدَ الأسديّ، وعلى الحامية سليمان بن صخر المُزَنيّ، ونزل هو يمشي في الرّجال، ورأيتُه مع يزيد بن أبي زياد مولَى أبيه المغيرة بن شُعبة، قال: فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانَوْا قال لبكير بن هارونَ البجَليّ: اخرُج إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسُنة نبيه، وبَكّتْهم بأعمالهم الخبيثة، فخرج إليهم بكير بن هارونَ على فرس له أدهَم أقرح ذنوب عليه الدِّرع والمِغفَر والساعدان، في يده الرمح، وقد شدّ درعَه بعصابة حَمراءَ من حواشي البرُود، فنادى بصوتٍ له عال رفيع: يا أهلَ قِبلتنا، وأهلَ ملّتنا، وأهلَ دعوتِنا، إنا نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي علمه بما تُسرّون مثل عِلمه بما تُعلنون لمّا أنصفتمُونا وصدَقْتمونا، وكانت نَصِيحتُكم لله لا لخَلقه، وكنتم شهداءَ لله على عباده بما يعلَمُه الله من عباده، خبّروني عن عبد الملك بن مروان، وعن الحجّاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبّارَيْن مستأثرَيْن يتّبعان الهوَى، فيأخذَان بالظنّة، ويقتُلان على الغَضَب، قال: فتنادَوْا من كل جانب: يا عدوّ الله كذبتَ، ليسا كذلك، فقال لهم: ويْلَكم ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ويْلَكم، أو تعلمون من اللهِ ما لا يعلم، إني قد استشهَدتكم وقد قال الله في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":283},{"text":"فخرج إليه صارمٌ مولَى عديّ بن وتّاد وصاحب رايته، فحمل على بُكَير بن هارونَ البجَليّ، فاضطرَبا بسيفَيهما، فلم تعمل ضربةُ مولَى عديّ شيئًا، وضربه بكير بالسَّيف فقتَله، ثمّ استقدم، فقال: فارس لفارس، فلم يخرج إليه أحدٌ، فجعل يقول:\nصَارِمُ قَدْ لَاقَيْت سيْفًا صَارِما ... وأَسَدًا ذا لِبْدَة ضُبَارِمَا\nقال: ثمّ إنّ الحجّاج بن جارية حَمل وهو في الميمنة على عُمر بنِ هبيرة وهو في الميسرة، وفيها الطُّفَيل بن عامر بن واثلة، فالتقى هو والطُّفيل - وكانا صديقَين متآخيَيْن - فتعارَفا، وقد رَفع كُلّ واحد منهما السيفَ على صاحبه، فكفَّا أيديَهما، واقتتلوا طويلًا، ثمّ إنّ ميسرة عديّ بن وتّاد زالت غيرَ بعيد، وانصرف الحجاج بنُ جارية إلى موقفه، ثمّ إن الربيع بنَ يزيد حَمَل على عبد الله بن زُهير، فاقتتلوا طويلًا، ثمّ إن جماعة الناس حملتْ على الأسَديّ فقتلتْه، وانكشفتْ ميسرةُ مطرّف بن المغيرة حتى انتهت إليه، ثمّ إنّ عمرَ بن هُبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتَلَه قتالًا طويلًا، ثمّ إنه حذره حتى انتهى إلى مطرّف، وحمل ابن أقيصر الخثعميّ في الخَيْل على سليمان بن صخر المُزَنيّ فقتَله، وانكشفت خيلُهم، حتى انتهى إلى مطرّف، فثَمّ اقتتلتْ الفُرسان أشدّ قتال رآه الناس قطّ، ثمّ إنه وصل إلى مطرّف (١). (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني النَّضْرَ بن صالح أنه جعل يناديهم يومئذ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nقال: ولم يزل يقاتل حتى قُتل، واحتزّ رأسَه عُمر بنُ هبيرة، وذكر أنه قتله، وقد كان أسرع إليه غيرُ واحد، غير أنّ ابن هُبيرة احتزَّ رأسه وأوفده إلى عديّ بن وتّاد وحظيَ به، وقاتل عُمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاءً حسنًا (٢). (٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\nقال أبو مخنف: وقد حدّثني حكيم بن أبي سفيان الأزديّ أنه قتل يزيد بن زياد\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":284},{"text":"مولى المغيرة بن شعبة، وكان صاحب راية مطرّف، قال: ودخلوا عسكر مطرّف، وكان مطرّف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزديّ، فقتِل، وكان صالحًا ناسكًا عفيفًا (١). (٦/ ٢٩٩).\nقال أبو مخنف: حدثني زيد مولاهم أنه رأى رأسه مع ابن أقيصر الخثعميّ، فما ملكتُ نفسي أن قلت له: أما والله لقد قتلتَه من المصلين العابدين الذاكرين الله كثيرًا، قال: فأقبل نحوي وقال: منْ أنت؟ فقال له مولاي: هذا غلامي؛ ما له؟ قال: فأخبره بمقالتي؛ فقال: إنه ضعيف العقل؛ قال: ثم انصرفنا إلى الرّيّ مع عدي بن وتاد، قال: وبعث رجالًا من أهلِ البلاء إلى الحجّاج، فأكرمهم وأحسن إليهم، قال: ولما رجع إلى الري جاءت بجيلة إلى عديّ بن وتّاد فطلبوا لبكير بن هارون الأمان فآمنه، وطلبت ثقيف لسُويد بن سرحان الثقفيّ الأمان فآمنه، وطلبت في كلّ رجل كان مع مطرّف عشيرتُه، فآمنهم وأحسن في ذلك، وقد كان رجال من أصحاب مطرّف أحيط بِهم في عسكر مطرف، فنادوا: يا برَاء، خذَلَنا الأمان، يا براء، اشفَع لنا. فشَفَع لهم، فتُرِكوا، وأسَر عديّ ناسًا كثيرًا فخَلّى عنهم (٢). (٦/ ٢٩٩).\nقال أبو مخنف: وحدثني النّضر بن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن عبد الرحمن بحلوان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة (٣). (٦/ ٢٩٩).\nقال أبو مخنف: وحدّثني عبدُ الله بن علقمة أنّ الحجّاج بن جارية الخَثْعميّ أتى الريّ وكان مَكْتَبهُ بها، فطلب إلى عديّ فيه، فقال: هذا رجلٌ مشهور قد شُهِر مع صاحبه، وهذا كتابُ الحجاج إليّ فيه (٤). (٦/ ٢٩٩).\nقال أبو مِخنَف: فحدّثني أبي عن عبد الله بن زُهير، قال: كنت فيمن كلمه في الحجّاج بن جارية، فأخرج إلينا كتابَ الحجّاج بن يوسف:\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٢) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٣) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.\n(٤) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":285},{"text":"أما بعد: فإن كان الله قتلَ الحجّاجَ بن جارية فبُعْدًا له، فذاك ما أهوَى وأحِبّ؛ وإن كان حيًّا فاطلبه قبَلك حتى توُثِقَه، ثمّ سَرِّح به إليّ إن شاء الله، والسلام.\nقال: فقال لنا: قد كُتِب إليّ فيه، ولابدّ من السمع والطاعة، ولو لم يُكتَب إليّ فيه آمنته لكم، وكففتُ عنه فلم أطلبْه، وقمنا من عنده.\nقال: فلم يزل الحجّاج بن جارية خائفًا حتى عُزل عديّ بن وتَّاد، وقدم خالد بن عتّاب بن وَرْقاء، فمشيتُ إليه فيه، فكلَّمته فآمنه، وقال حبيب بن خِدُرْةَ مولى لبنى هلال بنِ عامر:\nهل أتى فائدَ عن أيسارِنا ... إذ خَشينَا مِنْ عَدُوٍّ خرُقَا\nإذ أَتانا الخَوْفُ من مأْمَنِنا ... فطَوينا في سَوادٍ أُفُقَا\nوسَلِي هَدْيَة يَوْمًا هل رأَتْ ... بشَرًا أكرَمَ منَّا خُلُقا!\nوسَليها أعَلَى العهدِ لنا ... أو يُصِرُّونَ علينا حَنَقَا\nولكَمْ من خُلَّة من قَبلِها ... قدْ صَرَمْنَا حَبلَها فانطلَقَا\nقَدْ أَصَبْنَا العَيْشَ عَيْشًا ناعمًا ... وأَصَبْنَا الْعَيْشَ عَيْشًا رَنَقَا\nوأصَبْتُ الدَّهْرَ دهرًا أَشْتَهِي ... طبَقًا منه وألوي طبَقَا\nوشَهِدتُ الخيل في مَلْمُومَةٍ ... ما ترى منهنَّ إلا الحدَقَا\nيتَسَاقَوْنَ بأَطرافِ القَنَا ... من نَجيعِ الموت كأْسًا دَهقا\nفطِرادُ الخيلِ قد يُؤْنِقُني ... ويردّ اللهْوُ عني الأَنَقا\nبمُشيح البَيْض حتَّى يَتركوا ... لسُيوفِ الهِنْد فيها طُرُقَا\nفكأَنِّي من غدٍ وافقتها ... مثل ما وافَقَ شَنٌّ طَبَقَا (١)\n(٦/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>ذكر الخبر عن وقوع الخلاف بين الأزارقة</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين الأزارقة أصحاب قَطَريّ بن\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":286},{"text":"الفُجَاءَة فخَالفه بعضهم واعتزلَه وبايع عبد رَبّه الكبير، وأقام بعضُهم على بيعة قطريّ.\n* ذكر الخبر عن ذلك، وعن السبب الذي من أجله حدث الاختلاف بينهم حتى صار أمرهم إلى الهلاك:\nذكر هشامٌ عن أبي مِخنَف، عن يوسف بن يزيد، أنّ المهلّب أقام بسابورَ فقاتَلَ قَطَريًّا وأصحابه من الأزارقة بعدما صرف الحجّاج عتابَ بن وَرْقاء عن عسكره نحوًا من سنة، ثمّ إنه زاحَفَهم يوم البُسْتان فقاتَلَهم قتالًا شديدًا، وكانت كِرْمان في أيدي الخوارج، وفارس في يد المهلّب، فكان قد ضاق عليهم مكانُهم الذي هم به، لا يأتيهم من فارس مادّة، وبَعُدَتْ ديارهم عنهم، فخرجوا حتى أتوا كرمانَ وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفْتَ - وجيرفْتُ مدينة كرمان - فقاتلَهم بها أكثر من سنة قتالًا شديدًا، وحازهم عن فارسَ كلها، فلما صارت فارسُ كلُّها في يدي المهلب بعث الحجّاج عليها عمّالَه وأخذها من المهلّب، فبلغ ذلك عبد الملك، فكتب إلى الحجّاج:\nأما بعد، فدَعْ بِيَد المهلَّب خراجَ جبالِ فارسَ، فإنه لابد للجيش من قوّة ولصاحب الجيش من معونة، ودعْ له كُورَة فَسَا وَدرَابجرْدَ. وكورة إصْطَخْر.\nفتركَها للمهلّب، فبعث المهلَّب عليها عمّالَه، فكانت له قوّةً على عدوّه وما يصلحه، ففي ذلك يقول شاعرُ الأزْد وهو يعاتِب المهلب:\nنقاتِلُ عن قُصورِ دَرَابَجِرد ... ونَجْبِي للمغُيرَةِ والرُّقَادِ\nوكان الرُّقاد بنُ زياد بن همّام - رجل من العتِيك - كريمًا على المهلَّب، وبعث الحجاج إلى المهلب البراءَ بنَ قبيصة، وكتب إلى المهلب:\nأما بعد، فإنك والله لو شئت فيما أرى لقد اصطلمتَ هذه الخارجة المارقةَ، ولكنّك تحبّ طول بقائهم لتأكل الأرَض حولك، وقد بعثتُ إليك البراء بن قبيصة لينُهِضك إليهم، فانهض إليهم إذا قَدِم عليك بجميع المسلمين، ثمّ جاهدهم أشدّ الجهاد، وإيّاك والعِللَ والأباطيلَ، والأمورَ التي ليست لك عندي بسائغة ولا جائزة؛ والسلام.","vol":"10","page":287},{"text":"فأخرَج المهلب بنيه؛ كلَّ ابن له في كَتيبة، وأخرج الناسَ على راياتهم ومَصافِّهم وأخماسهم، وجاء البَرَاء بن قبيصة فوقف على تل قريب منهم حيث يراهم، فأخذتْ الكتائبُ تحمل على الكتائب، والرّجالُ على الرجال، فيقتتلون أشدَّ قتال رآه الناس من صَلاة الغداة إلى انتصاف النهار، ثم انصرَفوا.\nفجاء البَراء بنُ قبيصةَ إلى المهلب فقال له: لا والله ما رأيت كبَنيِك فُرسانًا قطّ، ولا كفُرسانِك من العرب فُرسانًا قطّ، ولا رأيت مِثلَ قوم يقاتلونك قطّ أصبرَ ولا أبأسَ، أنتَ والله المعذور، فرجع بالناس المهلّب، حتى إذا كان عند العصر خرج إليهم بالناس وبنيه في كتائبهم، فقاتلوه كقتالهم في أول مرّة (١). (٦/ ٣٠٠ - ٣٠٢).\nقال أبو مخنَف: وحدّثني أبو المغلّس الكنانّي، عن عمه أبي طلحة، قال: خرجت كتيبةٌ من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا، فاشتدّ بينهما القتال، فأخذتْ كلُّ واحدة منهما لا تصُدّ عن الأخرى، فاقتتلنا حتى حَجَزَ الليلُ بينهما، فقالت إحداهما للأخرى: ممن أنتم؟ فقال هؤلاء: نحن من بني تميم؛ وقال هؤلاء: نحن من بني تميم؛ فانصرَفوا عند المَساء، قال المهلَّب للبرَاء: كيف رأيت؟ قال: رأيتُ قومًا والله ما يعينك عليهم إلّا الله، فأحسَنَ إلى البراء بن قبيصة وأجازه، وحملَه وكساه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ انصرف إلى الحجاج فأتاه بعذر المهلّب، وأخبره بما رأى، وكتب المهلب إلى الحجّاج:\nأما بعد: فقد أتاني كتابُ الأمير أصلحه الله، واتهامه إيّاي في هذه الخارجة المارقة، وأمرني الأميرّ بالنهوض إليهم، وإشهادِ رسوله ذلك، وقد فعلت، فليسألْه عما رأى، فأما أنا فوالله لو كنت أقدرِ على استئصالهم، وإزالتهم عن مكانهم ثمّ أمسكتُ عن ذلك لقد غششتُ المسلمين، وما وفَيتُ لأمير المؤمنين، ولا نصحتُ للأميرِ - أصلحه الله - فمعاذ الله أن يكون هذا من رأي، ولا مما أديِن اللهَ به، والسلام.\nثمّ إنّ المهلب قاتلهم بها ثمانية عشر شهرًا لا يستقلّ منهم شيئًا، ولا يرى في\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":288},{"text":"موطن يُنْقِعون له ولمن معه من أهل العراق من الطعن والضرب ما يَرْدَعُونهم به ويَكفّونهم عنهم.\nثمّ إنّ رجلًا منهم كان عاملًا لقَطريّ على ناحية من كِرمان خرج في سَريّة لهم يُدعىَ المُقَعْطَرَ من بني ضَبَّة، فقَتَل رجلًا قد كان ذا بأس من الخوارج، ودخل منهم في ولاية، فقتله المُقَعْطرُ، فوثَبت الخوارج إلى قَطَريّ، فذكروا له ذلك، وقالوا: أمْكِنّا من الضّبيّ نقتله بصاحبنا، فقال لهم: ما أرى أن أفعل؛ رجلٌ تأوّل فأخطأ في التأويلِ ما أرى أن تقتلوه، وهو من ذوِي الفضل منكم، والسابقة فيكم، قالوا: بلى؛ قال لهم: لا، فوقع الاختلاف بينهم، فولَّوا عبدَ ربّه الكبير، وخلعوا قَطَريًّا، وبايع قطريًّا منهم عصابةٌ نحوًا من ربعهم أو خمسهم، فقاتلهم نحوًا من شهر غُدوةً وعشية.\nفكتب بذلك المهلّبُ إلى الحجَّاج:\nأما بعد: فإن الله قد ألقى بأسَ الخوارج بينهم، فخلع عظمُهم قطريًّا وبايعوا عبد ربِّه، وبقيت عصابة منهم مع قطريّ، فهم يقاتل بعضهم بعضًا غُدُوًّا وعشيًّا، وقد رجوتُ أن يكون ذلك من أمرهم سبب هلاكهم إن شاء الله؛ والسلام.\nفكتب إليه:\nأما بعد: فقد بلغني كتابُك تَذكر فيه اختلافَ الخوارج بينها، فإذا أتاك كتابي هذا فناهِضْهم على حال اختلافهم وافتراقهم قبل أن يجتمعوا، فتكون مؤونتهم عليك أشدّ والسلام.\nفكتب إليه:\nأما بعد: فقد بلغني كتابُ الأمير، وكلّ ما فيه قد فهمتُ، ولستُ أرى أن أقاتلهم ما داموا تقتلُ بعضُهم بعضًا، وينقص بعضُهم عَدَد بعض، فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهُم، وإن اجتَمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقَّق بعضُهم بعضًا، فأناهِضُهم على تفِيئة ذلك، وهم أهوَن ما كانوا وأضعَفُه شوكةً، إن شاء الله والسلام.\nفكفّ عنه الحجّاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهرًا لا يحرِّكهم.\nثمّ إنّ قَطَريًّا خرج بمن اتبعه نحو طَبرستانَ، وبايع عامّتهم عبد رَبِّه الكبير،","vol":"10","page":289},{"text":"فنهض إليهم المهلّب، فقاتلوه قتالًا شديدًا، ثمّ إنّ الله قتلهم فلم ينجُ منهم إلّا قليل، وأخذ عسكرهم وما فيه وسُبُوا، لأنهم كانوا يَسبون المسلمين، وقال كعبٌ الأشقريّ - والأشقَر بطنٌ من الأزد - يذكر يومَ رامَهُرْمُز، وأيام سابورَ، وأيام جِيرَفْتَ:\nيا حفْصَ إني عَدَاني عنكم السفرُ ... وقَدْ أرِقتُ فَاذَى عَيْنيَ السهرُ\nعُلّقْتَ يا كعبُ بعد الشَّيبِ غانِيَةً ... والشَّيبُ فيه عن الأَهواء مزْدَجرُ\nأممْسكٌ أنتَ عنها بالَّذي عَهِدَتْ ... أم حَبْلها إذ تأَتْكَ اليومَ مُنْبَتِرُ\nعُلّقْتُ خَوْدًا بأَعْلى الطَّف مَنزِلُهَا ... في غُرفَة دونها الأَبوابُ والحُجَر\nدُرْمًا منَاكِبُهَا رَيًّا مآكِمُهَا ... تكاد إذ نَهضَتْ للمشي تنبَتِرُ\nوقد تركْتُ بِشطِّ الزَّابِييْنِ لها ... دارًا بها يَسْعَدُ البَادُونَ والحَضَر\nواخْتَرْت دارًا بها حيٌّ أسَرُّ بِهمْ ... ما زال فيهم لمن نختارُهُمْ خَيرُ\nلمَّا نَبَتْ بي بِلَادي سِرْتُ مُنتجِعًا ... وطَالِبُ الخير مُرْتادٌ ومُنتَظرُ\nأَبا سعيد فإني جئت مُنتجِعًا ... أرجُو نَوالَكَ لمّا مَسَّنِي الضَّرَرُ\nلولا المهلَّبُ ما زُرْنا بلادَهُمُ ... ما دامت الأَرض فيها الماءُ والشجرُ\nفما من الناس من حيٍّ عَلِمتُهُمُ ... إلا يُرَى فيهم من سَيْبِكم أَثرُ\nأحيَيْتَهُم بِسجَال من نَدَاكَ كما ... تحيَا البلادُ إذا ما مسَّها المطرُ\nإني لأرجو إذا ما فاقَةٌ نزَلَتْ ... فضلًا من الله في كفَّيكَ يَبْتَدِرُ\nفاجبرْ أخًا لك أَوْهَى الفقر قوته ... لعلَّهُ بعد وهْي العظْمِ ينجبرُ\nجَفَا ذَوُو نَسَبي عنِّي وأخلفَني ... ظني فللهِ دَرِّي كيف آتمِرُ\nيا واهِبَ القَينةِ الحَسناء سُنَّتُها ... كالشمس هِرْكولةٌ في طَرْفِها فَتْرُ\nوما تزال بُدُورٌ منك رائحة ... وآخرون لهم من سَيْبك الغُرَر\nنماك للمجد أملاكٌ وَرِثْتَهُمُ ... شمُّ العَرَانينِ في أخلاقهمْ يَسَرُ\nثارُوا بقَتْلَى وأوتارٍ تُعدّدُها ... في حِين لا حَدَثٌ في الحرب يتَّئرُ\nواستسلم الناسُ إذ حلَّ العدوُّ بهم ... فما لأمرِهمُ وردٌ ولا صدَرُ\nوما تجاوزَ بابَ الجسر من أَحد ... وعَضَّتِ الحربُ أهلَ المصرِ فانجحَروا\nوأُدخل الخوفُ أجوافَ البيوت على ... مثلِ النساءِ رجال ما بهم غِيَرُ\nواشتدَّتِ الحربُ والبَلوَى وحلَّ بنا ... أمرٌ تُشَمَّرُ في أَمثالِهِ الأُزُر","vol":"10","page":290},{"text":"نظلّ من دون خفض مُعصمِين بهم ... فَشمر الشيخُ لما أعظمَ الخَطَر\nكنا نهَوِّنُ قَبلَ اليومِ شأنَهُمُ ... حتى تفَاقَمَ أمرٌ كان يُحتقرُ\nلمّا وهَنّا وقد حَلُّوا بساحتِنَا ... واستُنفر الناسُ تاراتٍ فما نَفَرُوا\nنادَى امرؤٌ لا خلَاف في عَشِيرَتِه ... عنه وليس به في مِثلهِ قِصَر\nأفشى هنالك ممَّا كان مذ عصروا ... فيهم صنائع مما كان يُدَّخَرُ\nتلبَّسُوا لقِراعِ الحربِ بَزَّتَها ... فأَصبَحُوا من وراءِ الجسر قد عَبرُوا\nساروا بألويَة للمجدِ قد رُفِعْت ... وتحتَهُنَّ ليُوثٌ في الوغَى وُقرُ\nحتى إذا خَلَّفُوا الأهوازَ واجتمعوا ... بِرَامَهُرْمُزَ وافَاهُمْ بها الخبرُ\nنَعِيُّ بِشرٍ فجال القومُ وانصدعوا ... إلا بَقايا إذا ما ذُكِّرُوا ذَكَرُوا\nثم استمرَّ بنا راضٍ ببيعتِه ... يَنوِي الوفاءَ ولم نغْدِرْ كما غَدَرُوا\nحتى اجتمعنا بسَابورِ الجنود وقد ... شُبَّتْ لنا ولهم ناو لها شَررُ\nنَلقَى مساعِيرَ أبطالًا كأَنهمُ ... جِنٌّ نقارعُهُمْ ما مثلُهم بَشَرُ\nنُسْقَى ونَسْقِيهمُ سَمًّا عَلَى حنَقٍ ... مُستأنِفِي الليْلِ حتّى أَسْفَرَ السَّحَرُ\nقَتْلَى هنالك لا عقلٌ ولا قَوَدٌ ... مِنَّا ومنهم دماءٌ سَفكَها هدَرُ\nحتى تَنَحَّوْا لنا عنها تَسوقُهُمْ ... منَّا ليوث إذا ما أقَدموا جَسروا\nلم يُغنِ عنهم غدَاةَ التلِّ كيدُهُمُ ... عند الطِّعان ولا المكرُ الذي مَكَرُوا\nباتَتْ كتائبُنا تَرْدِي مَسَّومَةً ... حولَ المهلَّبِ حتى نَوّرَ القمرُ\nهناك ولَّوْا حِزَانًا بعد ما فَرِحوا ... وحالَ دونهُم الأنهَارُ والجدُرُ\nعَبَّوْا جنودَهمُ بالسَّفح إذ نَزلوا ... بكازَرْونَ فما عزُّوا ولا ظفروا\nوقد لقوا مُصْدَقًا منا بمنزلةٍ ... ظنُّوا بأَن يُنصَرُوا فيها فما نُصِرُوا\nبدَشْت بارينَ يومَ الشِّعْبِ إِذ لُحقتْ ... أسد بسفكِ دماءِ الناس قد زَئِرُوا\nلاقَوْا كتائبَ لا يُخلونَ ثَغْرَهُمُ ... فيهمْ على من يقاسي حربهم صَعَرُ\nالمقْدِمين إذ ما خيلهم وردَتْ ... والعاطفين إذا ما ضيّع الدَّبرُ\nوفي جُبيْرِينَ إذ صفُّوا بزَحفهم ... ولَّوا خزَايَا وقد فلُّوا وقد قُهِرُوا\nواللهِ ما نزلوا يومًا بساحَتِنا ... إلا أصابَهمُ من حربنا ظَفَرُ\nنَنْفِيهمُ بالقَنا عن كلِّ منزلةٍ ... ترُوحُ منا مساعِيرٌ وتَبْتَكرُ\nوَلُّو حذارًا وقد هَزُّوا أَسِنّتنَا ... نحو الحروب فما نجّاهمُ الحذرُ","vol":"10","page":291},{"text":"صلْتُ الجبين طويلُ الباع ذو فُرَحٍ ... ضخْمُ الدَّسيعَة لا وَانٍ ولا غمُرُ\nمُجَرّبُ الحربِ ميمونٌ نَقِيبتُهُ ... لا يُسْتَخفُّ ولا من رأيهِ البَطَرُ\nوفي ثلاثِ سنين يَستدِيمُ بنا ... يقارعُ الحربَ أَطوارًا ويأْتمرُ\nيقولُ إن غَدًا مُبْدٍ لناظرهِ ... وفي الليالي وفي الأيام مُعْتَبرُ\nدعوا التَّتابُعَ والإِسراع وارتَقبُوا ... إنَّ المُحارِبَ يَستأنِي وينتظرُ\nحتى أتته أمورٌ عندها فرجٌ ... وقد تبيَّن ما يأْتي وما يذَرُ\nلما زَوَاهمْ إلى كَرمانَ وانصدعوا ... وقد تقاربتِ الآجالُ والقدرُ\nسرنا إليهم بمثل الموج وازدَلَفوا ... وقبلَ ذلك كانت بينَنا مِئرُ\nوزادَنا حَنقًا قَتلَى نُذَكّرُها ... لا تَسْتَفِيقُ عيونٌ كلَّما ذُكِرُوا\nإذا ذكَرنا جَرُوزًا والذينَ بها ... قتلى مضى لهمُ حولانِ ما قُبِرُوا\nتأْتي علينا حَزازَاتُ النفوسِ فما ... نبقِي عليهم وما يبقون إن قَدَرُوا\nولا يُقِيلونَنَا في الحرب عثرَتَنا ... ولا نقيلُهمُ يومًا إذا عثَرُوا\nلا عُذْرَ يُقبَلُ منَّا دون أنفسِنا ... ولا لهم عندنا عذرٌ لوِ اعتذَروا\nصفَّانِ بالقاع كالطَّودينِ بينهما ... كالبرقِ يَلمعُ حتى يَشْخَصَ البصَرُ\nعلى بصائرَ كلٌّ غيرُ تارِكها ... كلَا الفريقين تُتلى فيهم السُّوَرُ\nيَمشون في البَيض والأبدان إذ وردُوا ... مشْي الزوامل تهدي صفَّهمُ زُمَرُ\nوشيخنا حوله منَا مُلمْلَمةٌ ... حيٌّ من الأَزْد فيما نابَهُمْ صبُرُ\nفي موطنٍ يقطعُ الأَبطال مَنظَرُهُ ... تُشاطُ فيه نُفوسٌ حين تَبتكر\nما زال منَّا رجالٌ ثمَّ نَضْرِبهُمْ ... بالمشرفيّ ونارُ الحرب تَسْتَعِرُ\nوباد كلُّ سلاحٍ يُستعان به ... في حومة الموت إلا الصارم الذَّكَرُ\nندُوسُهمْ بعَناجيجٍ مُجَفَّفَةٍ ... وبيننا ثَمَّ من صُمِّ القَنا كِسَرُ\nيغشَيْنَ قتلى وعقرَى ما بها رَمَقٌ ... كأَنما فوقها الجاديُّ يُعتَصرُ\nقتلى بقتلى قِصاصٌ يُستقادُ بها ... تَشفِي صُدُورَ رجال طالما وُتِرُوا\nمُجاورينَ بها خَيلًا مُعَقَّرَةً ... للطيرِ فيها وفي أَجسادهم جَزَرُ\nفي معرَكٍ تَحْسَبُ القتلى بساحَته ... أعجازَ نخلٍ زَفَتْهُ الريحُ يَنعقِرُ\nوفي مواطِنَ قبلَ اليومِ قد سَلَفتْ ... قد كان للأَزد فيها الحمدُ والظَّفَر","vol":"10","page":292},{"text":"في كلِّ يومٍ تُلاقِي الأَزدُ مُفظِعةً ... يَشيبُ في ساعةٍ من هولها الشعرُ\nوالأَزدُ قومي خيارُ القوم قد علموا ... إذا قُرومُهم يومَ الوغى خطروا\nفيهم مَعاقِلُ من عِزٍّ يلاذُ بها ... يومًا إذا شَمّرَتْ حربٌ لها دِرَرُ\nحيٌّ بأَسيافِهمْ يَبغونَ مَجدَهُمُ ... إِنَّ المكارمَ في المكروهِ تُبْتَدَرُ\nلولا المهلَّب للجيش الَّذي وردوا ... أنهارَ كَرْمَانَ بعد اللهِ ما صدرُوا\nإِنَّا اعتَصَمْنَا بحبل اللهِ إذ جحَدوا ... بالمُحْكَمَاتِ ولم نكْفُرْ كما كَفَرُوا\nجاروا عن القصد والإِسلام واتَّبعوا ... دِينًا يُخَالفُ ما جاءَت به النُّذُرُ\nوقال الطفيل بنُ عامر بن وائلة وهو يذكر قتلَ عبد ربّه الكبير وأصحابه، وذهاب قَطَريّ في الأرض واتّباعهم إيّاه ومراوغته إيّاهم:\nلقد مسَّ منَّا عبدَ ربّ وجندهُ ... عقابٌ فأَمسى سَبْيُهُمْ في المقاسمِ\nسما لهمُ بالجيشِ حتى أَزاحَهُم ... بكرمانَ عن مثوىً من الأرض ناعِم\nوما قَطَريُّ الكُفر إلَّا نَعَامَة ... طريدٌ يَدوّي ليله غير نائِمِ\nإذا فرّ منَّا هاربًا كان وَجْهُهُ ... طريقًا سوى قصدِ الهُدى والمعالِم\nفليس بمنجِيه الفرارُ وِإنْ جَرَتْ ... به الفُلكُ في لُجٍّ من البحر دائم (١)\n(٦/ ٣٠٢ - ٣٠٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>ذكر الخبر عن هلاك قطريّ وأصحابه</span>\nقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت هَلَكة قَطريّ وعبيدة بن هلال وعبد ربّ الكبير ومن كان معهم من الأزارقة.\n* ذكرُ سبب مهلَكِهم:\nوكان سبب ذلك أنّ أمرَ الذين ذكرْنا خبرَهم من الأزارقة لما تشتّت بالاختلاف الذي حدث بينهم بكرمان فصار بعضهم مع عبد ربه الكبير وبعضهم مع قطريّ ووهَى أمرُ قطريّ، توجّه يريد طَبَرستان، وبلغ أمرُه الحجّاج، فوجَّه فيما ذكر هشامٌ عن أبي مخنف، عن يونس بن يزيدَ - سفيانَ بن الأبرد، ووجّه معه جيشًا من أهل الشام عظيمًا في طلب قَطريّ، فأقبل سفيانُ حتى أتى الرَّيّ ثمّ أتبعهم،\n_________\n(١) في إسنادها لوط بن يحيى التالف الهالك.","vol":"10","page":293},{"text":"وكتب الحجّاج إلى إسحاقَ بن محمد بن الأشعث، وهو على جيش لأهل الكوفة بطَبرستان، أن اسمَع وأطِع لسُفيان، فأقبَلَ إلى سفيان فسار معه في طَلَب قطريّ حتى لحقوه في شِعْب من شِعاب طَبَرِستان، فقاتلوه، فتفرّق عنه أصحابُه، ووقع عن دابته في أسفل الشعب فَتَدَهْدَهَ حتى خرّ إلى أسفله، فقال معاوية بن مِحصن الكنديّ: رأيتُه حيث هَوَى ولم أعرفْه، ونظرت إلى خمس عشرَة امرأةً عربيّة هنّ في الجمال والبَزازة وحُسن الهيئة كما شاء ربُّك، ما عدا عجوزًا فيهنّ، فحملتُ عليهنّ فصرفتهنّ إلى سُفيانَ بن الأبرد.\nفلما دنوتُ بهنّ منه انتحتْ لي بسيفها العجوزُ فتَضرِب به عنقي، فقطعَت المِغْفر؛ وقطَعَت جلدةً من حَلْقي، وأختلِج السيف فأضرب به وجهَها، فأصاب قِحفَ رأسِها، فوقعت ميّتةً، وأقبلتُ بالفتياتِ حتى دفعتهنّ إلى سُفيان وإنه ليضحك من العجوز، وقال: ما أردت إلى قتل هذه أخزاهَا الله - فقلت: أوَما رأيتَ أصلحك الله ضربَتها إيّاي! واللهِ إن كادت لتقتلني؛ قال: قد رأيتُ، فوالله ما ألومك على فعلك، أبعَدها الله، ويأتي قطريًّا حيث تَدهدَه من الشعب عِلجٌ من أهل البلد، فقال له قطريّ: اسْقِني من الماء - وقد كان اشتدّ عطشه - فقال: أعطني شيئًا حتى أسقيَك، فقال: وَيْحَك؛ والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأنا مُؤتِيكَه إذا أتيتني بماء، قال: لا، بل أعطِنيه الآن، قال: لا، ولكن ائتني بماء قبلُ، فانطلق العِلْج حتى أشرف على قَطَريّ، ثمّ حدر عليه حَجَرًا عظيمًا من فوقه دَهْدَاه عليه، فأصاب إحدى ورِكيه فأوْهته، وصاح بالناس، فأقبلوا نحوَه والعلْجُ حينئذ لا يعرف قَطرِيًّا، غيرَ أنه يظنّ أنه من أشرافهم لحسن هيئته، وكمال سلاحِه، فدفع إليه نفرٌ من أهل الكوفة فابتَدروه فقتلوه، منهم سَوْرة بن أبجر التميميّ، وجعفر بن عيد الرحمن بن مِخنَف، والصباح بن محمّد بن الأشعث، وباذام مولَى بني الأشعث، وعمر بن أبي الصَّلْت بن كنارا، مولَى بني نصر بن معاوية، وهو من الدَّهاقين، فكل هؤلاء ادّعَوا قتلَه، فدفع إليهم أو الجَهْم بن كنانة الكلبيّ - وكلهم يزعم أنه قاتله - فقال لهم: ادفعوه إليّ حتى تصطلحوا، فدفعوه إليه.\nفأقبل به إلى إسحاق بن محمد - وهو على أهل الكوفة - ولم يأتِه جعفر لشيء كان بينه وبينه قبل ذلك - وكان لا يكلمه، وكان جعفر مع سُفيان بن الأبرد، ولم","vol":"10","page":294},{"text":"يكن معه إسحاق، وكان جعفر على ربع أهل المدينة بالريّ، فلما مرّ سفيان بأهل الرّيّ انتخب فرسانهم بأمر الحجاج، فسار بهم معه، فلما أتى القومُ بالرأس فاختصموا فيه إليه وهو في يديْ أبي الجَهْم بنِ كنانة الكلبيّ، قال له: امضِ به أنت، ودَعْ هؤلاء المختلفِين، فخرج برأس قَطَريّ حتى قدم به على الحجّاج، ثمّ أتى به عبد الملك بن مروان، فألحِق في ألفين، وأعطي فطما - يعني أنه يفرض للصِّغار في الدّيوان، وجاء جعفر إلى سُفْيان فقال له: أصلحك الله! إن قَطَريًّا كان أصاب والدي فلم يكن لي همّ غيره، فاجمع بيني وبين هؤلاء الذين ادّعَوا قتلَه، فسَلْهم، ألم أكن أمامهم حتى بدرتُهم فضربتُه ضربةً فصرعتُه، ثمّ جاؤوني بعد، فأقبلوا يضربونه بأسيافهم! فإن أقرّوا لي بهذا فقد صَدَقوا، وإن أبَوا فأنا أحلف بالله أني صاحبه، وإلا فليحلفوا بالله أنهم أصحابه الذين قتلوه، وأنهم لا يعرفون ما أقول، ولا حق لي فيه، قال: جئت الآن وقد سرّحنا بالرأس، فانصرَف عنه فقال له أصحابه: أما والله إنك لأخلق القوم أن تكون صاحبه.\nثمّ إنّ سُفيانَ بنَ الأبرد أقبل منصرفًا إلى عسكر عبيدة بن هلال، وقد تحصّن في قصر بقُومِسَ، فحاصره فقاتلَه أيامًا، ثمّ إنّ سُفيان بن الأبرد سار بنا إليهم حتى أحَطْنا بهم، ثمّ أمر منَاديَهُ فنادى فيهم: أيّما رجل قتل صاحبَه لمّ خرج إلينا فهو آمن؛ فقال عبيدة بن هلال:\nلَعَمري لقد قام الأَصَمُّ بخطبةٍ ... لذي الشَّكّ منها في الصُّدُورِ غَليلُ\nلَعَمري لئن أَعطيتُ سفيان بَيْعتي ... وفارقْتُ دِيني إِنَّني لجهولُ\nإلى الله أَشكو ما ترى بِجيادِنا ... تساوَك هزلى مُخّهنَّ قليلُ\nتعاوَرَها القُذَّافُ مِن كلّ جانبٍ ... بقُومِسَ حتى صَعْبهُنَّ ذَلولُ\nفإِنْ يكُ أَفناها الحِصارُ فرُبّما ... تشَحَّطَ فيما بينهنَّ قتيلُ\nوقد كنَّ ممّا إِن يُقَدْنَ على الوَجَى ... لهنَّ بأبوابِ القِبابِ صَهيلُ\nفحاصرَهم حتى جهدوا وأكلوا دوابَّهم، ثمّ إنهم خرجوا إليه فقاتَلوه، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجّاج، ثمّ دخل إلى دُنباوَنْد وطَبَرِسْتان، فكان هنالك حتى عزلَه الحجّاج قبل الجَماجم. (٦/ ٣٠٨ - ٣١١).\n* * *","vol":"10","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1693>ملحق صغير</span>\n* ورد اسم القعقاع بن عمرو في بداية الفتوحات في عهد الراشدين [قسمي الصحيح والضعيف تأريخ الخلافة الراشدة في مواضع عدة من (تأريخ الطبري)] وقصارى ما نستطيع قوله أن القعقاع كان قائدًا ميدانيًا من جيل التابعين ولقد ذكرت بعض الروايات (من طريق سيف بن عمرو التميمي) أنه صحابي - ورواية سيف وحدها (دون تأييد من غيره) لا تقوى لإثبات الصحبة والله أعلم.\n* * *","vol":"10","page":296},{"text":"الضعيف والمسكوت عنه\nتاريخ الطبري\nالخلافة في عهد العباسيين\n١٤٧ هـ - ١٩٣ هـ\nللإمام أبي جعفر بن جرير الطبري\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحقَّقه وخرَّج رواياته وعلق عليه\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشراف ومراجعة المحقق\nمحمد صبحي حسن حلاق\nالمجلد الحادي عشر\nدار بن كثير","vol":"11","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"11","page":2},{"text":"الضعيف والمسكوت عنه تاريخ الطبري\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>الخلافة في عهد العباسيين</span>","vol":"11","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"11","page":4},{"text":"تتمة تأريخ الخلافة في عهد العباسيين\n[١٤٧ هـ - ١٩٣ هـ]\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة</span>\nوفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن عليّ بن عباس. واختلفوا في سبب هلاكه، فقال بعضهم ما ذكره عليّ بن محمد النَّوفليّ عن أبيه أنّ أبا جعفر حجّ سنة سبع وأربعين ومائة بعد تقدمته المهديّ على عيسى بن موسى بأشهر، وقد كان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها، وولّى مكانه محمد بن سليمان بن عليّ، وأوفده إلى مدينة السلام، فدعا به، فدفع إليه عبد الله بن عليّ سرًّا في جوف الليل. ثم قال له: يا عيسى؛ إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك، وأنت وليّ عهدي بعد المهديّ، والخلافة صائرة إليك، فخذه إليك فاضرب عنقه، وإياك أن تخور أو تضعف، فتنقض عليّ أمري الذي دَبّرتُ (١).\nثم مضى لوجهه، وكتب إليه من طريقه ثلاثَ مرات يسأله: ما فعل في الأمر الذي أوعز إليه فيه؟ فكتب إليه: قد أنفذتُ ما أمرت به؛ فلم يشكّ أبو جعفر في أنه قد فعل ما أمره به، وأنه قد قتل عبد الله بن عليّ؛ وكان عيسى حين دفعه إليه ستره؛ ودعا كاتبه يونس بن فَزوَة، فقال له: إنّ هذا الرجل دفع إليّ عمَّه، وأمرني فيه بكذا وكذا. فقال له: أراد أن يقتلك ويقتله، أمرك بقتله سرًّا، ثم\n_________\n(١) أما أصل الخبر - وفاة عبد الله بن علي بن عباس - فقد ذكرناه في الصحيح وأما ما سيذكر الطبري وما ذكره من تفاصيل فلم نجد لها تأييدًا من مصدر متقدم ثقة، والله أعلم. انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٠].","vol":"11","page":5},{"text":"يدّعيه عليك علانية ثم يُقيدك به. قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تستره في منزلك، فلا تطلِعْ على أمره أحدًا، فإن طلبه منك علانيةً دفعتَه إليه علانية، ولا تدفعه إليه سرًّا أبدًا؛ فإنه وإن كان أسرّه إليك؛ فإن أمره سيظهر. ففعل ذلك عيسى.\nوقدم المنصور ودسّ إلى عُمومته مَنْ يحرّكهم على مسألته هبةَ عبد الله بن عليّ لهم، ويطمعهم في أنه سيفعل. فجاءوا إليه وكلموه ورقّقوه، وذكروا له الرّحِم، وأظهروا له رِقة، فقال: نعم، عليّ بعيسى بن موسى؛ فأتاه فقال له: يا عيسى؛ قد علمتَ أني دفعت إليك عمّي وعمك عبد الله بن عليّ قبل خروجي إلى الحجّ، وأمرتك أن يكون في منزلك، قال: قد فعلتُ ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فقد كلمني عمومتك فيه، فرأيتُ الصّفح عنه وتخليةَ سبيله؛ فأتنا به. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ألم تأمرني بقتله فقتلته! قال: ما أمرتُك بقتله، إنما أمرتك بحبسه في منزلك. قال: قد أمرتني بقتله، قال له المنصور: كذبت، ما أمرتك بقتله. ثم قال لعمومته: إنّ هذا قد أقرّ لكم بقتْل أخيكم، وادّعى أني أمرته بذلك، وقد كذَب، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: شأنكم به، فأخرجوه إلى الرَّحَبَة، واجتمع الناس، وشُهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه، وتقدّم إلى عيسى ليضربَه، فقال له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله، قال: لا تعجلوا، ردّوني إلى أمير المؤمنين، فردّوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلني؛ هذا عمُّك حيٌّ سوِيٌّ، إن أمرتَني بدفعه إليك دفعتُه. قال: ائتنا به، فأتاه به، فقال له عيسى: دبَّرتَ عليّ أمرًا فخشيتُه؛ فكان كما خشيت؛ شأنَك وعمَّك. قال: يدخل حتى أرى رأي. ثم انصرفوا، ثم أمر به فجُعل في بيت أساسه مِلْح، وأجري في أساسه الماء، فسقط عليه فمات؛ فكان من أمره ما كان. وتوفِّيَ عبد الله بن عليّ في هذه السنة ودفن في مقابر باب الشام، فكان أول من دفن فيها.\nوذُكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور بن بُرَيْه أنه قال: كانت وفاة عبد الله بن عليّ في الحبس سنة سبع وأربعين ومائة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة (١).\n_________\n(١) (٨/ ٧ - ٨ - ٩) هذا الخبر الطويل ذكره الطبري من طريق النوفلي عن أبيه (لم نجد له ترجمة) ولم يذكر الواسطة بينه وبين النوفلي، ولم نجد من يؤيد هذه التفاصيل، وقد ذكره ابن كثير =","vol":"11","page":6},{"text":"قال إبراهيم بن عيسى: لما توفّيَ عبد الله بن عليّ ركب المنصور يومًا ومعه عبد الله بن عيّاش، فقال له وهو يجاريه: أتعرف ثلاثة خلفاء، أسماؤهم على العين مبدؤها، قتلوا ثلاثة خوارجَ مبدأ أسمائهم العين؟ قال: لا أعرف إلا ما تقول العامّة؛ إنّ عليًّا قتل عثمان - وكذبوا - وعبد الملك بن مروان قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعبد الله بن الزبير وعمرو بن سعيد وعبد الله بن عليّ سقط عليه البيت، فقال له المنصور: فسقط على عبد الله بن عليّ البيت، فأنا ما ذنبي؟ قال: ما قلت إنّ لك ذنبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه وكيف كان الأمر في ذلك</span>\nاختُلف في الذي وصل به أبو جعفر إلى خلعه، فقال بعضهم: السبب الذي وصل به أبو جعفر إلى ذلك هو أن أبا جعفر أقرّ عيسى بن موسى بعد وفاة أبي العباس على ما كان أبو العباس ولّاه من ولاية الكوفة وسوادِها، وكان له مكرمًا مجلًّا، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه، وأجلس المهديّ عن يساره؛ فكان ذلك فعله به؛ حتى عزم المنصور على تقديم المهديّ في الخلافة عليه. وكان أبو العباس جعل الأمر من بعده لأبي جعفر، ثم من بعد أبي جعفر لعيسى بن موسى؛ فلما عزم المنصور على ذلك كلّم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين؛ فكيف بالأيمان والمواثيق التي عليّ وعلى المسلمين لي من العتق والطلاق وغير ذلك من مؤكد الأيمان! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين. فلما رأى أبو جعفر امتناعَه، تغيّر لونُه وباعده بعض المباعدة، وأمر بالإذن للمهديّ قبله؛ فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور أيضًا، في مجلس عيسى، ثم يؤذَن لعيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدي عن يمين المنصور ولا يجلس عن يساره في المجلس الذي كان يجلس فيه المهديّ، فيغتاظ من ذلك المنصور، ويبلغ منه، فيأمر بالإذن للمهديّ ثم يأمر بعده بالإذن لعيسى بن عليّ، فيلبث هنيهة، ثم عبد الصمد بن عليّ، ثم يلبث هنيهة، ثم عيسى بن موسى. فإذا كان بعد ذلك قدّم في الإذن للمهديّ على كل\n_________\n= [البداية والنهاية (٨/ ٦١)]، وانظر تأريخ بغداد [١٠/ ٨]، و[المنتظم ٨/ ١٠٧].","vol":"11","page":7},{"text":"حال، ثم يخلط في الآخرين، فيقدِّم بعض مَنْ أخّر ويؤخر بعض مَنْ قَدّم ويُوهم عيسى بن موسى أنه إنما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذاكرتهم بالشيء من أمره؛ ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم، وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئًا، ولا يستعتب. ثم صار إلى أغلظ من ذلك؛ فكان يكون في المجلس معه بعض ولده، فيسمع الحفْر في أصل الحائط فيخاف أن يخرّ عليه الحائط، وينتثر عليه التراب، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حُفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر مَنْ معه من ولده بالتحويل. ويقوم هو فيصلِّي، ثم يأتيه الإذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه؛ فإذا رآه المنصور قال له: يا عيسى، ما يدخل عليّ أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب! أفكلّ هذا من الشارع؟ فيقول: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين؛ وإنما يكلمه المنصور بذلك ليستطمعه أن يشكوَ إليه شيئًا فلا يشكو؛ وكان المنصور قد أرسل إليه في الأمر الذي أراد منه عيسى بن عليّ، فكان عيسى بن موسى لا يحمَد منه مدخلَه فيه، كأنه كان يغرِي به. فقيل: إنه دسّ لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه؛ فنهض من المجلس، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا موسى؟ قال: أجد غمزًا يا أمير المؤمنين، قال: ففي الدار إذًا! قال: الذي أجده أشدّ مما أقيم معه في الدار، قال: فإلى أين؟ قال: إلى المنزل، ونهض فصار إلى حَرَّاقته، ونهض المنصور في أثره إلى الحرّاقة متفزّعًا له، فاستأذنه عيسى في المسير إلى الكوفة، فقال: بل تقيم فتعالج ها هنا، فأبى وألحّ عليه، فأذن له. وكان الذي جرّأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرئيل، قال: إني والله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة، وما آمن على نفسي. فأذن له المنصور، وقال له: أنا على الحجّ في سنتي هذه، فأنا مقيم عليك بالكوفة حتى تفيق إن شاء الله.\nوتقارب وقتُ الحجّ، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة في موضع يدعَى الرّصافة، فأقام بها أيامًا، فأجرى هناك الخيل، وعاد عيسى غير مرّة، ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحجّ، واعتلَّ بقلة الماء في الطريق. وبلغت العلّة من عيسى بن موسى كلَّ مبلغ؛ حت تمعّط شعرُه، ثم أفاق من علّته تلك، فقال فيه يحيى بن زياد بن أبي حزابة البُرْجُميّ أبو زياد:\nأَفلَتَ من شَرْبَة الطبيب كما ... أَفلَت ظَبْيُ الصَّريم من قُتَرِهْ","vol":"11","page":8},{"text":"من قانصٍ يُنْفِذُ الفَرِيصَ إِذا ... ركَّبَ سَهْمَ الحُتُوف في وتَرِهْ\nدافَعَ عنك المَليك صَوْلَةَ لَيـ ... ـثٍ يُريدُ الأَسْدَ في ذرَى خَمَرهْ\nحتى أَتانا وفيه داخِلةٌ ... تُعرفُ في سمعِهِ وفي بَصَرِهْ\nأَزْعَر قد طار عن مفارِقِه ... وحْفُ أَثِيثِ النَّباتِ من شَعَرهْ\nوذُكر أنّ عيسى بن عليّ كان يقول للمنصور: إنّ عيسى بن موسى إنما يمتنع من البيعة للمهديّ لأنه يربّص هذا الأمر لابنه موسى، فموسى الذي يمنعه. فقال المنصور لعيسى بن عليّ: كلم موسى بن عيسى وخوّفه على أبيه وعلى ابنه؛ فكلّم عيسى بن عليّ موسى في ذلك، فأيأسه، فتهدده وحذّره غضب المنصور. فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه، أتى العباس بن محمد، فقال: أيْ عم، إني مكلمك بكلام، لا والله ما سمعه مني أحدٌ قطّ، ولا يسمعه أحد أبدًا؛ وإنما أخرجه مني إليك موضعُ الثقة بك والطمأنينة إليك؛ وهو أمانة عندك؛ فإنما هي نفسي أنثلها في يدك. قال: قل يا بنَ أخي، فلك عندي ما تحبّه، قال: أرى ما يُسام أبي من إخراج هذا الأمر منِ عنقه وتصييره للمهديّ؛ فهو يؤذَى بصنوف الأذى والمكروه، فيُتهدّد مرة ويؤخّر إذنه مرّة، وتُهدّم عليه الحيطان مرّة، وتدسّ إليه الحتوف مرّة، فأبي لا يعطي على هذا شيئًا؛ لا يكون ذلك أبدًا، ولكنّ ها هنا وجهًا، فلعله يعطي عليه إن أعطى وإلّا فلا، قال: فما هو يا بن أخي؟ فإنك قد أصبت ووفّقت، قال: يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: يا عيسى، إني أعلم أنك لستَ تضنّ بهذا الأمر على المهديّ لنفسك؛ لتعالي سنّك وقرب أجلِك؛ فإنك تعلم أنه لا مدّة لك تطول فيه؛ وإنما تضنّ به لمكان ابنك موسى؛ أفتراني أدَعُ ابنَك يبقى بعدك ويبقى ابني معه فيلي عليه! كلّا والله لا يكون ذلك أبدًا؛ ولأثبنّ على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه، وآمن أن يلِيَ على ابني، أترى ابنك آثر عندي من ابني! ثم يأمر بي؛ فإما خنِقت وإما شُهر علي سيف، فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل بهذا السبب؛ فأما بغيره فلا. فقال العباس: جزَاك الله يا بن أخي خيرًا، فقد فديت أباك بنفسك، وآثرت بقاءه على حظك، نعم الرأي رأيت، ونعم المسلك سلكت!\nثم أتى جعفر فأخبره الخبر، فجزَى المنصور موسى خيرًا، وقال: قد أحسن وأجمل، وسأفعل ما أشار به إن شاء الله، فلما اجتمعوا وعيسى بن عليّ حاضر،","vol":"11","page":9},{"text":"أقبل المنصور على عيسى بن موسى، فقال: يا عيسى؛ إني لا أجهل مذهبك الذي تضمره، ولا مداك الذي تجرِي إليه في الأمر الذي سألتك؛ إنما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشؤوم عليك وعلى نفسه؛ فقال عيسى بن عليّ: يا أميرَ المؤمنين، غمزني البوْل، قال: فندعو لك بإناء تبول فيه، قال: أفي مجلسك يا أمير المؤمنين! ذاك ما لا يكون، ولكن أقرب البلاليع مني أدَلّ عليها فآتيها. فأمر من يدلّه، فانطلق، فقال عيسى بن موسى لابنه موسى: قمْ مع عمك، فاجمع عليه ثيابه من ورائه، وأعطه منديلًا إن كان معك ينشّف به، فلما جلس عيسى يبولُ جمع موسى عليه ثيابَه من ورائه وهو لا يراه، فقال: مَنْ هذا؟ فقال: موسى بن عيسى، فقال: بأبي أنت وبأبي أبٌ ولدك! والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وإنكما لأحقّ به؛ ولكن المرء مغرً ى بما تعجّل، فقال موسى في نفسه: أمكنني والله هذا من مقاتله، وهو الذي يغري بأبي، والله لأقتلنّه بما قال لي، ثم لا أبالي أن يقتلني أمير المؤمنين بعده، بل يكون في قتله عزاء لأبي وسلوّ عني إن قتلت. فلما رجعا إلى موضعهما قال موسى: يا أميرَ المؤمنين، أذكر لأبي أمرًا؟ فسرّه ذلك، وظنّ أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم، فقال: قم، فقام إليه، فقال: يا أبتِ؛ إن عيسى بن عليّ قد قتلك وإيايّ قتلات بما يُبلغ عنا، وقد أمكنني من مقاتله، قال: وكيف؟ قال: قال لي كيت وكيت، فأخبرُ أمير المؤمنين فيقتله؛ فتكون قد شفيت نفسك وقتلته قبل أن يقتلك وإياي ثم لا نبالي ما كان بعدُ. فقال: أفٍّ لهذا رأيًا ومذهبًا! ائتمنك عمُّك على مقالة أراد أن يسرَّك بها، فجعلتها سببًا لمكروهه وتلفِه! لا يسمعنّ هذا منك أحد، وعُدْ إلى مجلسك. فقام فعاد، وانتظر أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثرًا فلم يره، فعاد إلى وعيد الأوّل وتهدده، فقال: أما والله لأعجلنّ لك فيه ما يسوءُك ويُوئسك من بقائه بعدك، أيا ربيع، قم إلى موسى فاخنقه بحمائله، فقام الرّبيع فضمّ حمائله عليه، فجعل يخنقه بها خنْقًا رُويدًا، وموسى يصيح: اللهَ اللهَ يا أمير المؤمنين فيّ وفي دمي! فإني لبعيد مما تظنّ بي، وما يبالي عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر نفرًا ذكرًا - كلهم عنده مثلي - أو يتقدمني؛ وهو يقول: اشدُد يا ربيع، ائت على نفسه، والرّبيع يوهم أنه يريد تلفَه، وهو يراخِي خناقه، وموسى يصيح، فلما رأى ذاك عيسى قال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننتُ أنّ الأمر يبلغ منك هذا كله فمر بالكفّ عنه؛ فإني لم أكن لأرجع إلى أهلي؛ وقد قتل بسبب هذا","vol":"11","page":10},{"text":"الأمر عبدٌ من عبيدي، فكيف بابني! فها أنا أشهدك أنّ نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك في سبيل الله، تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين؛ وهذه يدي بالبيعة للمهديّ. فأخذ بيعته له على ما أحبّ ثم قال: يا أبا موسى؛ إنك قد قضيتَ حاجتي هذه كارهًا، ولي حاجة أحبّ أن تقضيها طائعًا فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تجعل هذا الأمر من بعد المهديّ لك، قال: ما كنتُ لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها. فلم يدَعْه هو ومَنْ حضره من أهل بيته حتى قال: يا أميرَ المؤمنين؛ أنت أعلم. فقال بعض أهل الكوفة - ومرّ عليه عيسى في موكبه: هذا الذي كان غدًا، فصار بعد غدٍ.\nوهذه القصة - فيما قيل - منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها (١).\nوأما الذي يحكى عن غيرهم في ذلك؛ فهو أنّ المنصور أراد البَيْعة للمهديّ، فكلّم الجُنْد في ذلك؛ فكانوا إذا رأوْا عيسى راكبًا أسمعوه ما كرِه، فشكا ذلك إلى المنصور، فقال للجند: لا تؤذوا ابن أخي؛ فإنه جِلْدة بين عينيّ، ولو كنتُ تقدّمت إليكم لضربت أعناقكم؛ فكانوا يكفّون ثم يعودون؛ فمكث بذلك زمانًا، ثم كتب إلى عيسى:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى. سلالم عليك، فإنّي أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فالحمد لله ذي المنّ القديم، والفضل العظيم، والبلاء الحَسن الجميل، الذي ابتدأ الخلق بعلْمه، وأنفذ القضاء بأمره؛ فلا يبلغ مخلوقٌ كنهَ حقّه، ولا ينال في عظمته كُنْهَ ذكره، يدبِّر ما أراد من الأمور بقدْرته، ويصدرها عن مشيئته؛ لا قاضي فيها غيره، ولا نفاذ لها إلا به، يجريها على أذلالها؛ لا يستأمر فيها وزيرًا، ولا يشاور فيها معينًا، ولا يلتبس عليه شيء أراده، يمضي قضاؤه فيما أحبّ العباد وكرهوا؛ لا يستطيعون منه امتناعًا، ولا عن أنفسهم دفاعًا، ربّ الأرض ومَنْ عليها، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين.\n_________\n(١) هكذا ذكر الطبري هذا الخبر الطويل دون إسناد سوى أنه منسوب إلى آل عيسى؛ فالله أعلم.","vol":"11","page":11},{"text":"ثم إنك قد علمتَ الحال التي كنا عليها في ولاية الظلَمة، كيف كانت قوّتنا وحيلتُنا، لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه، واجتمع رأيُهم عليه، نُسام الخسف، ونوطأ بالعسْف، لا ندفعُ ظلمًا، ولا نمنع ضيمًا، ولا نعطي حقًّا، ولا ننكر منكرًا، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعًا، حتى إذا بلغ الكتابُ أجلَه، وانتهى الأمر إلى مدّته، وأذن الله في هلاك عدوه، وارتاح بالرّحمة لأهل بيت نبيه - ﷺ -؛ فابتعث الله لهم أنصارًا يطلبون بثأرهم، ويجاهدون عَدُوّهم، ويدعون إلى حبّهم، وينصرون دولَتهم، من أرضين متفرّقة، وأسباب مختلفة، وأهواء مؤتلفة، فجمعهم الله على طاعتنا، وألّف بين قلوبهم بمودّتنا على نصرتنا، وأعزّهم بنصرنا، لم نلق منهم رجلًا، ولم نشهر معهم إلا ما قذف الله في قلوبهم؛ حتى ابتعثهم لنا من بلادهم، ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، يلقوْن الظّفَر، ويعودون بالنصر، ويمصَرون بالرّعب، لا يلقون أحدًا إلا هَزَمُوه، ولا واترًا إلا قتلوه؛ حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا، وإهلاك عدوّنا؛ كرامةً من الله جلّ وعزّ لنا، وفضلًا منه علينا، بغير حوْل منا ولا قوّة، ثم لم نَزلْ من ذلك في نعمة الله وفضله علينا، حتى نشأ هذا الغلام، فقذف الله له في قلوب أنصار الدّين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أوّل أمرنا، وأشرب قلوبهم مودّتَه، وقسم في صدورهم محبّته، فصاروا لا يذكرون إلّا فضله، ولا ينوّهون إلا باسمه، ولا يعرفون إلّا حقه، فلمّا رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته، وأجرى على ألسنتهم من ذكره، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه، ودعاء العامة إلى طاعته، أيقنتْ نفس أمير المؤمنين أنّ ذلك أمر تولّاه الله وصنَعه؛ لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة، ولا مؤامرة ولا مذاكرة؛ للّذي رأى أمير المؤمنين مِن اجتماع الكلمة، وتتابع العامّة؛ حتى ظن أمير المؤجمنين أنه لولا معرفة المهديّ بحق الأبوّة، لأفضت الأمور إليه. وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامّة، ولا يجد مناصًا عن خلاص ما دعوا إليه، وكان أشدّ الناس على أمير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصّته وثقاته من حرسه وشرطه؛ فلم يجد أمير المؤمنين بدًّا من استصلاحهم ومتابعتهم؛ وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحقّ مَنْ سارع إلى ذلك","vol":"11","page":12},{"text":"وحرصَ عليه، ورغب فيه وعرَف فضله، ورجَا بركتَه، وصدق الرّواية فيه، وحمد الله إذ جعل في ذريّته مثل ما سألت الأنبياء قبله؛ إذ قال العبد الصالح: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (١) فوهب الله لأمير المؤمنين وليًّا، ثم جعله تقيًّا مباركًا مهديًّا، وللنبيّ - ﷺ - سميًّا، وسلب مَن انتحل هذا الاسم، ودعا إلى تلك الشبهة التي تحيّر فيها أهلُ تلك النية، وافتتن بها أهلُ تلك الشقوة، فانتزع ذلك منهم، وجعل دائرة السوْء عليهم، وأقرّ الحق قراره، وأعلن للمهديّ مناره، وللدين أنصارَه، فأحبّ أمير المؤمنين أن يعلمك الذي اجتمع عليه رأي رعيّتِه؛ وكنتَ في نفسه بمنزلة ولدِه، يحبّ مَنْ سترك ورشدك وزيّنَك ما يحبّ لنفسه وولده، ويرى لك إذا بلغك مِنْ حال ابن عمّك ما تَرى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداءُ ذلك من قِبَلك، ليعلم أنصارنا من أهل خُراسان وغيرهم أنك أسرع إلى ما أحبّوا ممّا عليه رأيُهم في صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم، وإنّ ما كان عليه من فضل عرفوه للمهديّ، أو أملوه فيه، كنتَ أحظَى الناس بذلك، وأسرَّهم به لمكانه وقرابَته؛ فاقبل نُصح أمير المؤمنين لك، تصلُح وترشد. والسلام عليك ورحمة الله.\nفكتب إليه عيسى بن موسى جوابها:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى. سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فإنِّي أحَمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فقد بلغني كتابُك تذكر فيه ما أجمعتَ عليه من خلاف الحقّ وركوب الإثم في قطيعة الرّحِم، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لي من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حَبْله، وتفرّق بين ما ألّف الله جمعَه، وتجمع بين ما فرّق الله أمره، مكابرةً لله في سمائه، وحوْلًا على الله في قضائه، ومتابعة للشيطان في هواه؛ ومَنْ كابر الله صَرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكَرَه عن شيء خدعه، ومَنْ توكل على الله منعه، ومَنْ تواضع لله رفعه. إنّ الذي أسِّس عليه البناء، وخُطّ عليه الحِذاء من الخليفة الماضي عهدٌ لي من الله، وأمرٌ نحن فيه سواء؛ ليس لأحد من المسلمين\n_________\n(١) سورة مريم: ٥، ٦.","vol":"11","page":13},{"text":"فيه رُخصة دون أحدٍ؛ فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحق به من الآخر، وإن حلَّ من الآخر شيء فما حرِّم ذلك من الأوّل؛ بل الأوّل الذي تلا خبره وعرف أثره، وكشف عما ظن به وأمَّل فيه أسرع؛ وكان الحقّ أولَى بالذي أراد أن يصنع أوّلًا، فلا يدعوك إلى الأمْن من البلاء اغترارٌ بالله، وترخيص للناس في ترك الوفاء؛ فإن مَنْ أجابك إلى ترك شيء وجب لي واستحلّ ذلك مني، لم يحْرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنتْه الرّخصة أن يكون إلى مثل ذاك منك أسرع، ويكون بالذي أسَّست من ذلك أبخع. فاقبل العاقبة وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيتَ بقوّة، وكن من الشاكرين. فإن الله جلّ وعزّ زائدٌ مَنْ شكره، وعْدًا منه حقًّا لا خُلفَ فيه؛ فمن راقب الله حفظَه، ومن أضمر خِلافه خَذله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولسنا مع ذلك نأمن مِنْ حوادث الأمور وبَغتَات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي؛ فإن تعجّل بي أمر كنت قد كُفيت مؤونة ما اغتممت له، وسترتَ قُبْح ما أردتَ إظهاره؛ وإن بقيتُ بعدك لم تكن أوغرت صدري، وقطعت رحمِي؛ ولا أظهرت أعدائي في اتّباع أثرِك، وقبول أدبك، وعملٍ بمثالك.\nوذكرتَ أن الأمور كلها بيد الله؛ هو مدبّرها ومقدّرها ومصدّرها عن مشيئته؛ فقد صدقْتَ؛ إن الأمور بيد الله، وقد حقّ على من عَرَف ذلك ووصفه العملُ به والانتهاءُ إليه. واعلم أنّا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعًا، ولا دفعنا عنها ضرًّا، ولا نلنا الذي عرفتَه بحولنا ولا قوّتنا؛ ولو وُكِلْنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعُفت قوّتنا، وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا؛ ولكن الله إذا أراد عزمًا لإنفاذ أمره، وإنجاز وعده، وإتمام عهده، وتأكيد عَقْده؛ أحكم إبرامَه، وأبرم إحكامه، ونوّر إعلانه، وثبَّت أركانه؛ حين أسس بُنيانه؛ فلا يستطيع العباد تأخيرَ ما عجَّل، ولا تعجيل ما أخَّر؛ غير أن الشيطان عدوٌّ مُضلٌّ مُبين؛ قد حذَّر الله طاعتَه، وبيّن عداوته، ينزع بين ولاة الحقّ وأهل طاعته، ليفرّق جمعهم، ويشتِّت شملهم، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم، ويتبرّأ منهم عند حقائق الأمور، ومضايق البلايا؛ وقد قال الله ﷿ في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ووصف الذين اتقوا فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ\n_________\n(١) سورة الحج: ٥٢.","vol":"11","page":14},{"text":"طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١) فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيّته وضمير سريرته خلاف ما زيّن الله به جلّ وعزّ مَنْ كان قبله؛ فإنه قد سألتْهم أبناؤهم، ونازعتهم أهواؤهم، إلى مثل الذي همَّ به أمير المؤمنين؛ فآثروا الحقَّ على ما سواه، وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النِّعم وتعجيلَ النّقم، فآثروا الآجلة، وقبلوا العاقبة، وكرهوا التغيير، وخافوا التبديل، فأظهروا الجميل؛ فتمَّم الله لهم أمورَهم، وكفاهم ما أهمَّهم، ومنع سلطانهم، وأعزّ أنصارهم، وكرّم أعوانهم، وشرَّف بنيانهم؛ فتمّت النعم، وتظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر، فتمّ أمر الله وهم كارهون. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله.\nفلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابُه أمك عنه، وغضب غضبًا شديدًا، وعاد الجند لأشدّ ما كانوا يصنعون؛ منهم أسد بن المرزبان وعُقْبة بن سلْم ونصر بن حرب بن عبد الله؛ في جماعة؛ فكانوا يأتون باب عيسى، فيمنعون مَنْ يدخل إليه؛ فإذا ركب مشوْا خلْفه وقالوا: أنت البقرة التي قال الله ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢)، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور: يا بن أخي، أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي؛ قد أشرِبوا حبَّ هذا الفتى؛ فلو قدّمتَه بين يديك فيكون بيني وبينك لكفُّوا. فأجاب عيسى إلى أن يفعل.\nوذُكر عن إسحاق الموصلّي، عن الربيع، أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه الذي ذكرنا، وقّع في كتابه: \"اسْلُ عنها تنلْ منها عِوَضًا في الدنيا، وتأمن تبعتَها في الآخرة\".\nوقد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قولٌ غير هذين القولين؛ وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالأسواريّ بن عيسى الكاتب، قال: أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى مِنْ ولاية العهد، ويقدّم المهديّ عليه، فأبى أن يِجيبَه إلى ذلك، وأعيا الأمرُ أبا جعفر فيه؛ فبعث إلى خالد بن بَرْمك، فقال له: كلِّمه يا خالد؛ فقد ترى امتناعه من البيعة للمهديّ؛ وما قد تقدّمنا به في أمره؛\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٢٠١.\n(٢) سورة البقرة: ٧١.","vol":"11","page":15},{"text":"فهل عندك حيلة فيه، فقد أعيتنا وجوه الحيَل، وضلّ عنا الرأيُ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ تضم إليّ ثلاثين رجلًا من كبار الشِّيعة، ممن تختاره. قال: فركب خالد بن برمك، وركبوا معه، فساروا إلى عيسى بن موسى، فأبلغوه رسالة أبي جعفر المنصور، فقال: ما كنتُ لأخلِع نفسي وقد جعل الله ﷿ الأمر لي؛ فأداره خالد بكلّ وجه من وجوه الحذر والطمع، فأبى عليه؛ فخرج خالد عنه وخرجت الشِّيعة بعده، فقال لهم خالد: ما عندكم في أمره؟ قالوا: نبلِّغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره بما كان منَّا ومنه؛ قال: لا، ولكنا نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب، ونشهد عليه إن أنكره، قالوا له: افعل، فإنا نفعل، فقال لهم: هذا هو الصّواب. وأبلِغُ أميرَ المؤمنين فيما حاول وأراد.\nقال: فساروا إلى أبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنه قد أجاب، فأخرج التوقيع بالبيعة للمهديّ، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ قال: وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبرُ أبا جعفر منكرًا لِما ادُّعِيَ عليه من الإجابة إلى تقديم المهديّ على نفسه، وذكَّره الله فيما قد همّ به. فدعاهم أبو جعفر، فسألهم فقالوا: نشهد عليه أنه قد أجاب؛ وليس له أن يرجع؛ فأمضى أبو جعفر الأمرَ، وشكر لخالد ما كان منه؛ وكان المهديّ يعرف ذلك له، ويصف جزالة الرأي منه فيه.\nوذُكر عن عليّ بن محمد بن سليمان، قال: حدّثني أبي، عن عبد الله بن أبي سليم مولَى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: إني لأسير مع سليمان بن عبدالله بن الحارث بن نوفل وقد عزم أبو جعفر على أن يقدّم المهديّ على عيسى بن موسى في البيعة، فإذا نحن بأبي نُخَيلة الشاعر، ومعه ابناه وعبداه؛ وكلّ واحد منهما يحمل شيئًا من متاع، فوقف عليهم سليمان بن عبد الله، فقال: أبا نُخَيلة، ما هذا الذي أرى؟ وما هذه الحال التي أنت فيها؟ قال: كنتُ نازلًا على القعقاع - وهو رجل من آل زرارة، وكان يتولى لعيسى بن موسى الشُّرْطة - فقال لي: اخرج عنِّي؛ فإن هذا الرجل قد اصطنعني؛ وقد بلغني أنك قلت شعرًا في هذه البَيْعة للمهديّ، فأخاف إن يبلغه ذلك أن يُلزمني لائمة لنزولك عليّ، فأزعجني حتى خرجتُ. قال: فقال لي: يا عبد الله؛ انطلق بأبي نُخيلة فبوّئه في منزلي موضعًا صالحًا، واستوصِ به وبمَنْ معه خيرًا. ثمّ خبّر سليمان بن عبد الله أبا جعفر بشعر أبي نُخيلة الذي يقول فيه:","vol":"11","page":16},{"text":"عيسى فَزَحْلَفَها إلى محمدِ ... حتى تُؤَدَّى من يد إلى يَدِ\nفيكم وتَغْنَى وهي في تزيُّدِ ... فقد رَضِينا بالغلام الأَمرَدِ\nقال: فلما كان في اليوم الذي بايع فيه أبو جعفر لابنه المهديّ وقدّمه على عيسى، ودعا بأبي نُخيلة، فأمره فأنشد الشِّعر؛ فكلمه سليمان بن عبد الله، وأشار عليه في كلامه أن يُجزل له العطية، وقال: إنه شيء يبقى لك في الكتب، ويتحدّث الناس به على الدّهر، ويخلُد على الأيام، ولم يزل به حتى أمر له بعشرة آلاف درهم.\nوذكر عن حيّان بن عبد الله بن حِبْران الحِمَانيّ، قال: حدثني أبو نُخيلة، قال: قدمتُ على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهرًا لا أصلُ إليه، حتى قال لي ذات يوم عبد الله بن الربيع الحارثيّ: يا أبا نُخيلة، إنّ أمير المؤمنين يرشِّح ابنه للخلافة والعَهد، وهو على تقدِمَته بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلتَ شيئًا تحثُّه على ذلك، وتذكُر فضلَ المهديّ، كنت بالحَري أن تصيب منه خيرًا ومن ابنه، فقلتُ:\nدُونكَ عبدَ الله أهلَ ذاكا ... خلافةَ الله الَّتي أَعطاكا\nأَصفَاك أَصفَاك بها أَصْفَاكا ... فقد نَظَرنا زَمنًا أَباكا\nثمّ نظرناكَ لها إيَّاكَا ... ونَحْنُ فيهمْ والهَوى هَوَاكَا\nنعم، فَنَسْتذْرِي إلى ذَرَاكا ... أَسندْ إِلى محمّدٍ عَصاكا\nفابنُك ما اسْتَرْعَيْتَه كَفَاكا ... فأَحفَظُ النَّاسِ لها أَدْنَاكَا\nفقد جَفَلتُ الرجْلَ والأَوْرَاكا ... وحِكْتُ حتى لم أَجِدْ مَحاكا\nودُرْتُ في هذا وذا وذاكا ... وكلُّ قولٍ قلتُ في سواكا\n* زُورٌ وقد كفَّر هذا ذاكا *\nوقلتُ أيضًا كلمتي التي أقول فيها:\nإلى أَمير المؤمنينَ فاعْمِدِي ... سِيري إلى بحرِ البحور المُزْبِدِ\nأَنت الذي يابن سَمِيِّ أحمدِ ... ويا بنَ بيتِ العربِ المُشَيَّدِ\nبل يا أَمِينَ الواحد المؤَبَّدِ ... إن الذي ولّاك ربُّ المسجد\nأَمسَى وليُّ عهدِها بالأَسعَدِ ... عيسنى فَزَحْلَفَهَا إِلى محمد\nمن قبلِ عيسى مَعْهَدًا عن معهدِ ... حتى تؤَدّى من يدٍ إلى يدِ","vol":"11","page":17},{"text":"فيكم وتغنَى وهي في تَزَيّدِ ... فقد رضينَا بالغلامِ الأَمردِ\nبل قد فرغنا غيرَ أَن لم نَشْهَدِ ... وغير أَنَّ العقدَ لم يُؤَكَّدِ\nفلو سمِعنا قَوْلَكَ امْدُدِ امددِ ... كانت لنا كَدَعْقَةِ الوردِ الصَّدِي\nفبادر الْبَيْعةَ ورْدَ الحُشَّدِ ... تَبينُ من يومك هذا أَو غَدِ\nفهو الذي تمَّ فما من عُنَّدِ ... وزاد ما شئتَ فَزِدْهُ يَزْددِ\nورَدِّهِ منك رِداءً يَرْتَدِ ... فهو رداءُ السابِقِ المُقلَّدِ\nقد كان يُرْوَى أَنها كَأَنْ قدِ ... عادت ولو قد فَعَلَتْ لم تَرْدُدِ\nفَهْيَ تَرَامَى فَدْفَدًا عن فَدْفدِ ... حينًا، فلو قد حان وردُ الوُرَّدِ\nوحان تحويلُ الغَوِيّ المُفْسِدِ ... قال لها اللهُ هَلُمِّي وارشُدي\nفأَصْبَحَتْ نازلةً بالمعهدِ ... والمحْتِدِ المحتدِ خيْرِ المحتد\nلم يرْمِ تَذْمارَ النفوس الحُسَّدِ ... بمثل قَرمٍ ثابتٍ مُؤَيّد\nلما انْتَحَوْا قَدْحًا بِزَنْدٍ مُصْلِدِ ... بُلُوا بِمَشْزُورِ القُوى المُسْتحصِد\nيَزْدَادُ إِيقَاظًا على التَّهَدُّدِ ... فَدَاوِلوا باللينِ والتَّعَبُّدِ\n* صَمْصَامَةً تأْكلُ كلَّ مِبْرَدِ *\nقال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغتْ أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبِرَ أنها لرجل من بني سَعْد بن زيد مناة، فأعجبه، فدعاني فأدخِلت عليه؛ وإن عيسى بن موسى لعَنْ يمينه، والناس عنده، ورؤوس القوّاد والجند، فلما كنتُ بحيث يراني، ناديت: يا أمير المؤمنين، أذنني منك حتى أفهِمك وتسمع مقالتي فأومأ بيده، فأدنِيتُ حتى كنتُ قريبًا منه، فلما صرتُ بين يديه قلتُ - ورفعتُ صوتي - أنشده مِنْ هذا الموضع، ثم رجعتُ إلى أوّل الأرجوزة؛ فأنشدتها من أوّلها إلى هذا الموضع أيضًا، فأعدتُ عليه حتى أتيتُ على آخرها، والناس منصتون، وهو يتسارّ بما أنشده، مستمعًا له؛ فلمّا خرجنا من عنده إذا رجلٌ واضعٌ يده على منكبي، فالتفتّ فإذا عقال بن شبّة يقول: أمّا أنت فقد سررْتَ أمير المؤمنين؛ فإن التأم الأمر على ما تحبّ وقلتَ، فلعمري لتصيبنّ منه خيرًا. وإن يك غير ذلك، فابتغ نفقًا في الأرض أو سلّمًا في السماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الرّيّ، فوجّه عيسى في طلبه، فلُحق في طريقه، فذُبح وسُلخ وجهه.","vol":"11","page":18},{"text":"وقيل: قتِل بعد ما انصرف من الريّ، وقد أخذ الجائزة.\nوذكر عن الوليد بن محمد العنبريّ أنّ سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهديّ عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له: أيّها الرجل بايع، وقدّمه على نفسك، فإنك بن تخرج من الأمر، قد جعل لك الأمر من بعدِه وتُرضِي أمير المؤمنين. قال: أوَ تَرَى ذلك؟ قال: نعم، قال: فإنّي أفعل، فأتى سلْم المنصورَ فأعلمه إجابة عيسى، فسُرّ بذلك وعظُم قدْر سَلْم عنده. وبايع الناس للمهديّ ولعيسى بن موسى مِن بعده. وخطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهديّ على عيسى، وخطب عيسى بعد ذلك فقدّم المهديَّ على نفسه، ووفى له المنصور بما كان ضمن له.\nوقد ذكر عن بعضِ صحابة أبي جعفر أنه قال: تذاكرْنا أمرَ أبي جعفر المنصور وأمْرَ عيسى بن موسى في البَيْعة وخلْعه إياها من عنقه وتقديمَه المهديّ، فقال لي رجل من القوّاد سماه: والله الذي لا إله غيره؛ ما كان خَلْعهُ إياها منه إلا برضًا من عيسى وركونٍ منه إلى الدّراهم، وقلة علمه بقَدْر الخلافة، وطلبًا للخروج منها؛ أتى يومَ خرج للخلع فخلع نفسه، وإني لفي مقصورة مدينة السَّلَام، إذ خرج علينا أبو عُبيد الله كاتب المهديّ، في جماعة من أهل خُراسان، فتكلم عيسى، فقال: إني قد سلّمت ولايةَ العهد لمحمد بن أمير المؤمنين، وقدّمتُه على نفسي، فقال أبو عبيد الله: ليس هكذا أعزّ الله الأمير؛ ولكن قُلْ ذلك بحقّه وصدقِه؛ وأخبرْ بما رغبتَ فيه؛ فأعطِيت، قال: نعم، قد بعتُ نصيبي من تقدمة ولاية العهد مِنْ عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهديّ بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان - سمّاهم - وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نِسائه - سمّاها - بطيب نفسٍ مني وحبّ، لتصييرها إليه، لأنه أولى بها وأحقّ، وأقوى عليها وعلى القيام بها؛ وليس لي فيها حقٌّ لتقدمته، قليل ولا كثير؛ فما ادّعيتُه بعد يومي هذا فأنا فيه مُبطِلٌ لا حقّ لي فيه ولا دعوى ولا طلبة. قال: والله وهو في ذلك، ربما نسي الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عُبيد الله؛ حتى فرغ، حبًّا للاستيثاق منه. وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر؛ حتى وضع عليه عيسى خطَّه وخاتَمه، والقوم جميعًا؛ ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القَصْر.","vol":"11","page":19},{"text":"قال: وكسا أميرُ المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولدِه كُسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيّف ومائتي ألف درهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفذُكِر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهديّ كان يوهن أمر خازم، والمهديّ يومئذ بنيسابور، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة وإلى غيره من القوّاد بالأمر والنهي، فاعتلّ خازم وهو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهديّ بنيسابور، فسلّم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهديّ: لا عَيْقَ عليك من أبي عبيد الله، فقلْ ما بدا لك؛ فأبى خازم أن يخبرَه أو يكلّمه، حتى قام أبو عبيد الله، فلمّا خلا به شكا إليه أمرَ معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيّته وتحامُلِه، وما كان يرد من كُتبه عليه وعلى مَنْ قبلَه من القواد، وما صاروا إليه بذَلك من الفساد والتأمّر في أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلّة السمع والطاعة. وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلّا برأس؛ وألّا يكون في عسكره لواء يخفِق على رأس أحد إلّا لواؤه أو لواء هو عقدَه، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذسيس ومَنْ معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله؛ وأن يأذن له في حَلّ ألوية القوّاد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع له والطاعة. فأجابه المهديّ إلى كلّ ما سأل.\nفانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه، وحلّ لواء مَنْ رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لواء لمن أراد، وضمّ إليه مَنْ كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشوًا يكثر بهم مَنْ معه في أخرَيات الناس، ولم يقدّمهم لما في قلوب المغلوبين من رَوْعة الهزيمة؛ وكان من ضُمّ إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفًا، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند، فضمهم إلى اثني عشر ألفًا كانوا معه متخيّرين؛ وكان بكّارُ بن مسلم العُقَيلي فيمن انتخب، ثم تعبّأ للقتال وخندق. واستعمل الهيثم بن شحعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعديّ على ميسرته؛ وكان بكّار بن مسلم العقيليّ على مقدّمته وتُرارخُدا على ساقته؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خُراسان؛ وكان لواؤه مع الزِّبْرقان وَعلمه مع مولاه بسَّام،","vol":"11","page":20},{"text":"فمكر بهم وراوغهم في تنقّله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجّالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله، وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل فيها جميع أصحابه، وجعل له أربعة آلاف، وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف، وجعل مع بكار صاحب مقدّمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفًا. وأقبل الآخرون ومعهم المرور والفؤوس والزّبُل، يريدون دفْن الخندق ودخولَه، فأتوا الخندق مِن الباب الذي كان عليه بكار بن مسلم، فشدّوا عليه شدّة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق.\nفلما رأى ذلك بكّار رمى بنفسه، فترجّل على باب الخندق ثم نادى أصحابه: يا بني الفواجر، مِن قبَلي يؤتى المسلمون! فترجّل مَنْ معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلًا، فمنعوا بابَهم حتى أجلوا القوم عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع أستاذسيس من أهل سجستان، يقال له الحريش؛ وهو الذي كان يدبّر أمرهم، فلما رآه خازم مقبلًا بعث إلى الهيثم بن شعبة - وكان في الميمنة - أن اخرج من بابك الّذي أنت عليه؛ فخذ غيرَ الطريق الذي يُوصلك إلى الباب الذي عليه بكار، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أبي عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طَخارستان. وبعث خازم إلى بكار بن مسلم: إذا رأيت رايات الهيْثم بن شعبة قد جاءتْك من خلفك، فكبِّروا وقولوا: قد جاء أهل طَخارستان. ففعل ذلك أهلُ الهيثم، وخرج خازم في القلْب على الحريش السجستاني، فاجتلدوا بالسيوف جلادًا شديدًا، وصبر بعضُهمْ لبعض، فبيناهم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيْثم وأصحابه، فتنادوا فيما بينهم، وجاء أهل طخارستان، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام، ونظر مَنْ كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شدّ عليهم أصحاب خازم فكشفوهم، ولقيَهم أصحابُ الهيثم، فطعنوهم بالرماح، ورموْهم بالنُّشاب، وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابُه من ناحية الميسرة، وبكارُ بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان مَنْ قتل منهم في تلك المعركة نحوًا من سبعين ألفًا، وأسروا أربعة عشر ألفًا،","vol":"11","page":21},{"text":"ولجأ أستاذسيس إلى جبل في عِدّة من أصحابه يسيرة، فقدّم خازم الأربعة عشر ألف أسير؛ فضرب أعناقَهم، وسار حتى نزل بأستاذسيس في الجَبَل الذي كان لجأ إليه، ووافى خازمًا بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما؛ فأنزلهم خازم ناحيةً، وقال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم. فحصر خازِم أستاذسيس وأصحابَه حتى نزلوا على حكم أبي عَوْن، ولم يرضوْا إلا بذلك، فرضي بذلك خازم، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه، ففعل؛ فلما نزلوا على حكم أبي عون حكم فيهم أن يُوثَق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يُعتق الباقون وهم ثلاثون ألفًا، فأنفذ ذلك خازم من حُكْم أبي عون، وكسا كلّ رجل منهم ثوبين (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السِّنْد وتوليته إياه إفريقيّة واستعماله على السِّنْد هشام بن عمرو </span>(٢)\nوكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمد بن سليمان بن عليّ العباسيّ عن أبيه - أنّ المنصور ولّى عمر بن حفص الصُّفْرِيّ الذي يقال له هزارمَرْد السِّند - فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، فوجّه محمد بن عبد الله [إليه] ابنَه عبد الله بن محمد الذي يقال له الأشتر. في نفر من الزيديّة إلى البصرة، وأمرهم أن يشتروا مهارة - خيل عِتاق بها - ويمضوا بها معهم إلى السِّند، ليكون سببًا له إلى الوصول إلى عمر بن حفص؛ وإنما فعل ذلك به لأنَّه كان فيمن بايعه من قوّاد أبي جعفر، وكان له ميْل إلى آل أبي طالب، فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد الله، فاشتروا منها مهارةً - وليس في بلاد السِّند\n_________\n(١) الكامل (٥/ ٥٩١) لابن الأثير.\n(٢) انظر: الكامل (٥/ ٥٩٥).","vol":"11","page":22},{"text":"والهند شيء أنفق من الخيل العتاق - ومضوا في البحر حتى صاروا إلى السند، ثم صاروا إلى عمر بن حفص، فقالوا: نحن قوم نخَّاسون، ومعنا خيل عتاق، فأمرهم أن يعرضوا خيلَهم، فعرضوها عليه؛ فلما صاروا إليه، قال له بعضهم: أدنني منك أذكر لك شيئًا، فأدناه منه، وقال له: إنَّا جئناك بما هو خير لك من الخيل، وما لك فيه خير الدنيا والآخرة، فأعطِنا الأمان على خَلَّتين: إما أنك قبلت ما أتيناك به، وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين. فأعطاهم الأمان، فقالوا: ما للخيل أتيناك؛ ولكن هذا ابنُ رسول الله - ﷺ - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، أرسله أبوه إليك، وقد خرج بالمدينة، ودعا لنفسه بالخِلافة، وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة وغلب عليها، فقال: بالرَّحب والسعة، ثم بايعهم له، وأمر به فتوارى عنده، ودعا أهل بيته وقوادَه وكبراء أهل البلد للبيْعة، فأجابوه، فقطع الأعلام البيض والأقبِيَة البِيض والقلانس البيض، وهيّأ لبسته من البياض يصعد فيها إلى المنبر، وتهيأ لذلك يوم خميس؛ فلما كان يوم الأربعاء إذا حَرّاقة قد وافت من البضرة، فيها رسول لخُلَيْدة بنت المُعارِك - امرأة عمر بن حفص - بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد الله، فدخل على عبد الله فأخبره الخبر، وعزّاه، ثم قال له: إنّي كنت بايعت لأبيك، وقد جاء من الأمر ما ترى. فقال له: إن أمري قد شُهِر، ومكاني قد عُرف، ودمي في عنقك، فانظر لنفسك أو دعْ. قال: قد رأيت رأيًا؛ ها هنا ملِك من ملوكِ السند، عظيم المملكة، كثير التَّبَع؛ وهو على شركه أشدّ الناس تعظيمًا لرسول الله - ﷺ -؛ وهو رجلٌ وفيٌّ، فأرسِل إليه، فاعقِدْ بينك وبينه عقدًا، وأوجّهك إليه تكون عنده، فلستَ ترام معه. قال: افعل ما شئت؛ ففعل ذلك؛ فصار إليه، فأظهر إكرامه وبَرّه برًّا كثيرًا، وتسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان من أهل البصائر؛ فكان يركب فيهم فيصيد ويتنزّه في هيئة الملوك وآلاتهم، فلما قتِل محمد وإبراهيم انتهى خبرُ عبد الله الأشتر إلى المنصور؛ فبلغ ذلك منه، فكتب إلى عمر بن حفص يخبره بما بلغَه، فجمع عمر بن حفص قرابته، فقرأ عليهم كتاب المنصور يخبرهم أنه إن أقرّ بالقصّة لم يُنظره المنصور أن يعزله، وإن صار إليه قتله، وإن امتنع حاربه. فقال له رجل من أهل بيته: ألقِ الذَّنْب عليَّ، واكتب إليه بخبري، وخذني الساعة فقيِّدني واحبسني؛ فإنه سيكتب: احمله إليّ؛ فاحملني إليه، فلم يكن ليقدمَ عليَّ","vol":"11","page":23},{"text":"لموضعك في السند، وحال أهل بيتك بالبصرة. قال: إني أخاف عليك خلاف ما تظنّ، قال: إن قُتلت أنا فنفسي فداؤك فإني سخيٌّ بها فداء لنفسك؛ فإن حييت فمن الله. فأمر به فقُيِّد وحبِس، وكتب إلى المنصور يخبره بذلك؛ فكتب إليه المنصور يأمره بحمله إليه، فلما صار إليه قدّمه فضرب عنقه، ثم مكث يروي مَنْ يولِّي السِّند! فأقبل يقول: فلان فلان؛ ثم يعرض عنه؛ فبينا هو يومًا يسير ومعه هشام بن عمرو التغلبيّ، والمنصور ينظر إليه في موكبه، إذ انصرف إلى منزله، فلما ألقى ثوبه دخل الرّبيع فَآذنه بهشام. فقال: أوَلم يكن معي آنفًا! قال: ذكر أن له حاجة عرضت مهمة. فدعا بكرسيّ فقعد عليه، ثم أذِن له، فلما مَثَل بين يديه قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إني انصرفت إلى منزلِي من الموكب، فلَقيتْني أختي فلانة بنت عمرو، فرأيت من جمالها وعَقْلها ودينها ما رضيتها لأمير المؤمنين، فجئت لأعرِضها عليه؛ فأطرق المنصور، وجعل ينكُت الأرضَ بخيزُرانة في يده، وقال: اخرج يأتك أمري؛ فلما ولَّى قال: لا ربيع؛ لولا بيت قاله جرير في بني تغلِب لتزوّجت أختَه وهو قوله:\nلا تَطْلُبَنَّ خؤولةً في تَغْلِبٍ ... فالزَّنجُ أكرمُ منهُمُ أَخوالا\nفأخاف أن تلد لي ولدًا، فيعيَّر بهذا البيت؛ ولكن اخرج إليه، فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لو كانت لك لله حاجة إليّ لم أعدل عنها غير التزويج؛ ولو كانت لي حاجة إلى التزويج لقبلْت ما أتيتني به، فجزاك الله عمّا عَمَدت له خيرًا، وقد عوّضتك من ذلك ولاية السِّند. وأمره أن يكاتب ذلك الملك؛ فإن أطاعه وسلَّم إليه عبد الله بن محمد، وإلّا حاربه. وكتب إلى عمر بن حفص بولايته إفريقيّة. فخرج هشام بن عمرو التغلبيّ إلى السّند فوليها، وأقبل عمر بن حفص يخوضُ البلاد حتى صار إلى إفريقيّة، فلما صار هشام بن عمرو إلى السِّند كره أخذ عبد الله، وأقبل يُري الناس أنه يكاتب الملك ويرفق به، فاتصلت الأخبار بأبي جعفر بذلك؛ فجعل يكتب إليه يستحثُّه، فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة ببعض بلاد السِّند، فوجّه إليهم أخاه سَفَنَّجا، فخرج يجرّ الجيش وطريقه بجنَبات ذلك الملك؛ فبينا هو يسير إذا هو برهج قد ارتفع من موكب، فظنّ أنه مقدّمة للعدوّ الذي يقصد، فوجَّه طلائعَه فرجعت، فقالت: ليس هذا عدوّك الذي تريد؛ ولكن هذا عبد الله بن محمد الأشتر العلويّ ركب متنزهًا، يسير على","vol":"11","page":24},{"text":"شاطئ مهران، فمضى يريده، فقال له نُصّاحه: هذا ابنُ رسول الله - ﷺ -، وقد علمتَ أن أخاك تركه متعمدًا، مخافة أن يبوء بدمه، ولم يقصدك، إنما خرج متنزِّهًا، وخرجتَ تريد غيره. فأعرض عنه، وقال: ما كنتُ لأدَعَ أحدًا يحوزُه، ولا أدع أحدًا يحظَى بالتقرّب إلى المنصور بأخذه وقتله. وكان في عشرة، فقصد قصدَه، وذمَرَ أصحابه، فحمل عليه، فقاتله عبدُ الله وقاتل أصحابُه بين يديه حتى قُتِل وقُتلوا جميعًا، فلم يُفلِتْ منهم مخبّر، وسقط بين القتلى، فلم يشعر به. وقيل: إن أصحابه قذفوه في مهران لمّا قتِل، لئلا يؤخذ رأسه؛ فكتب هشام بن عمرو بذلك كتاب فَتْح إلى المنصور، يخبره أنه قصده قصدًا. فكتب إليه المنصورْ يحمَد أمره، ويأمره بمحاربة الملك الذي آواه؛ وذلك أن عبد الله كان اتّخذ جواري، وهو بحضرة ذلك الملك، فأولد منهنَّ واحدة محمد بن عبد الله - وهو أبو الحسن محمد العلويّ الذي يقال له ابن الأشتر - فحاربه حتى ظفر به، وغلب على مملكته وقتله، ووجّه بأمّ ولد عبد الله وابنه إلى المنصور، فكتب المنصور إلى واليه بالمدينة، يخبره بصحَّة نسب الغلام، وبعث به إليه، وأمره أن يجمع آل أبي طالب، وأن يقرأ عليهم كتابَه بصحة نسب الغلام، ويسلمه إلى أقربائه.\nوفي هذه السنة قدم على المنصور ابنه المهدي من خراسان وذلك في شوال منها فوفد إليه للقائه وتهنئة المنصور بمقدَمه عامّة أهل بيته، مَنْ كان منهم بالشأم والكوفة والبصرة وغيرها، فأجازهم وكساهم وحملهم، وفعل مثل ذلك بهم المنصور، وجعل لابنه المهديّ صحابةً منهم، وأجرى لكل رجل منهم خمسمائة درهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>[ذكر خبر بناء المنصور الرّصافة]</span>\nوفي هذه السنة ابتدأ المنصور ببناء الرُّصافة في الجانب الشرقيّ من مدينة السلام لابنه محمد المهدي (٢).\n_________\n(١) لم نجد ما يؤيد هذه المبالغة عن توزيع الجوائز لا عند البسوي ولا خليفة ولا غيرهما من الثقات المتقدمين وهذا المتن مخالف لما عرف عن المنصور من حرص على المال العام.\n(٢) [البداية والنهاية ٨/ ٦٤].","vol":"11","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1701>ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك له</span>\nذكر عن أحمد بن محمد الشَرويّ، عن أبيه، أنّ المهديّ لما قدم من خُراسان أمره المنصور بالمُقام بالجانب الشرقيّ، وبنَى له الرُّصافة، وعمِل لها سورًا وخندقًا وميْدانًا وبستانًا، وأجرى له الماء؛ فكان يجري الماء من نهر المهديّ إلى الرُّصافة.\nوأما خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن خازم، فإنه ذكر أنّ محمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس حدّثه، أن أباه حدّثه، أنّ الرّاوندية لما شَغَبوا على أبي جعفر وحاربوه على باب الذّهب، دخل عليه قُثَم بن العباس بن عبيد الله بن العباس - وهو يومئذ شيخ كبير مُقدّم عند القوم - فقال له أبو جعفر: أما ترى ما نحن فيه من الْتِياث الجُند علينا! قد خفتُ أن تجتمع كلمتهُم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، عندي في هذا رأيٌ إن أنا أظهرته لك فسَد، وإن تركتَني أمضيته، صلَحت لك خلافتك، وهابك جندك. فقال له: أفتُمضي في خلافتي أمرًا لا تعلمني ما هو! فقال له: إن كنتُ عندك متَّهمًا على دولتك فلا تشاورْنِي، وإن كنتُ مأمونًا عليها فدعني أمضِي رأيي. فقال له: فأمضِه. قال: فانصرف قُثَم إلى منزله، فدعا غلاما له فقال له:\nإذا كان غدًا فتقدّمني، فاجلس في دار أمير المؤمنين؛ فإذا رأيتَني قد دخلتُ وتوسطتُ أصحابَ المراتب، فخذ بعنان بغلتي، فاستوقِفْني واستحلفْني بحقّ رسول الله، وحقّ العباس وحقّ أمير المؤمنين لما وقفتُ لك، وسمعتُ مسألتك وأجبتك عنها؛ فإني سأنتهرُك، وأغلِظ لك القول، فلا يهولنَّك ذلك مني، وعاودْني بالمسألة فإنيّ سأشتمك، فلا يروعنّك ذلك، وعاودْني بالقول والمسألة، فإني سأضربك بسوطي، فلا يشقُّ ذلك عليك، فقل لي: أيُّ الحيَّيْن أشرف؟ اليمن أم مضر؟ فإذا أجبتك فخلّ عنان بغلتي وأنت حُرّ.\nقال: فغدَا الغلامُ، فجلس حيث أمره من دار الخليفة، فلما جاء الشيخ فعل الغلام ما أمره به مولاه، وفعل المولى ما كان قاله له، ثم قال له: قل، فقال: أيُّ الحيَّين أشرف؟ اليمن أم مضر؟ قال: فقال قُثَم: مضر كان منها رسول الله","vol":"11","page":26},{"text":"- ﷺ -، وفيها كتاب الله ﷿، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله. قال: فامتعضت اليمن إذْ لم يُذكر لها شيء من شَرَفها؛ فقال له قائد من قوّاد اليمن: ليس الأمر كذلك مطلقًا بغير شرفة ولا فضيلة لليمن، ثم قال لغلامه: قمْ فخذ بعنِان بغلة الشيخ، فاكبحْها كبحًا عنيفًا تَطَأمَنُ به منه، قال: ففعل الغلام ما أمره به مولاه حتى كاد أن يُقعيَها على عراقِيبها، فامتعضتْ من ذلك مُضر، فقالت: أيفعل هذا بشيخنا! فأمر رجل منهم غلامه، فقال: اقطعْ يد العبد، فقام إلى غلام اليمانيّ فقطع يدَه، فنفر الحيَّان، وصرف قُثَم بغلته، فدخل على أبي جعفر، وافترق الجند، فصارت مُضر فرقة، واليمن فرقة، والخُراسانيّة فرقة، وربيعة فرقة، فقال قُثَم لأبي جعفر: قد فرّقتُ بين جندك، وجعلتهم أحزابًا كلّ حزب منهم يخاف أن يُحدث عليك حدثًا، فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عليك في التدبير بقيّة، قال: ما هي؟ قال: اعْبُرْ بابنك فأنزله في ذلك الجانب قصرًا، وحوله وحوّل [معك] من جيشك معه قومًا فيصير ذلك بلدًا؛ وهذا بلدًا، فإن فسد عليك أهلُ هذا الجانب ضربتَهم بأهل ذلك الجانب، وإن فسد عليك أهل ذلك الجانب ضربْتَهم بأهل هذا الجانب، وإن فسدت عليك مُضر ضربتَها باليمن وربيعة والخراسانيّة، وإن فسدت عليك اليمن ضربتَها بمن أطاعك من مُضر وغيرها.\nقال: فقبل أمرَه ورأيه، فاستوى له مُلْكه، وكان ذلك سببَ البناء في الجانب الشرقيّ وفي الرصافة وأقطاع القوّاد هناك.\nقال: وتولّى صالح صاحب المصلّى القطائع في الجانب الشرقيّ، ففعل كفعل أبي العباس الطوسيّ في فضُول القطائع في الجانب الغربيّ، فله بباب الجسر وسوق يحيى ومسجد خُضَير وفي الرّصافة وطريق الزواريق على دجلة مواضح بناء، بما استوهب من فضل الإقطاع عن أهله، وصالح رجل من أهل خراسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>[أمر عقبة بن سلم]</span>\nوفيها شخص عُقْبة بن سلْم من البصرة واستخلف عليها ابنَه نافع بن عقبة إلى البَحْرين، فقتل سليمان بن حكيم العبديّ وسبى أهلَ البحرين، وبعث ببعض مَنْ","vol":"11","page":27},{"text":"سبي منهم وأسارى منهم إلى أبي جعفر، فقتل منهم عِدّة ووهب بقيَّتهم للمهديّ، فمنّ عليهم وأعتقهم؛ وكسا كلّ إنسان منهم ثوبين من ثياب مرْو.\nثم عزل عُقْبة بن سلْم عن البصرة؛ فذُكِر عن إفريك - جارية أسد بن المرزبان - أنها قالت: بعث المنصور أسد بن المرزبان إلى عُقبة بن سلم إلى البَحْرين حين قتل منهم مَنْ قتل، ينظر في أمره، فمايله ولم يستقص عليه، وورّى عنه؛ فبلغ ذلك أبا جعفر، وبلغه أنه أخذ منه مالًا، فبعث إليه أبا سويد الخُراساني - وكان صديق أسد - وأخاه، فلما رآه مقبلًا على البريد فرِح، وكان ناحية من عسكر عُقبة، فتطاول له، وقال: صديقي. فوقف عليه فوثب ليقوم إليه، فقال له أبو سويد \"بنشين بنشين\"، فجلس فقال له: أنت سامع مطيع؟ قال: نعم، قال: مُدّ يدَك، فمدّ يده فضربها فأطنّها، ثم مدّ رجله، ثم مدّ يده ثم رجله حتى قطع الأربع، ثم قال: مُدّ عنقك فمدّ فضرب عنقه. قالت إفرِيك: فأخذتُ رأسه فوضعته في حِجْري، فأخذه مني فحمله إلى المنصور، فما أكلتْ إفريك لحمًا حتى ماتت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها غضب المنصور على أبي أيّوب الموريانيّ، فحبسه وأخاه وبني أخيه: سعيدًا ومسعودًا ومُخلَّدًا ومحمدًا، وطالبهم. وكانت منازلهم المناذر، وكان سبب غضبه عليه - فيما قيل - سَعْيُ أبان بن صدقة كاتب أبي أيوب إليه (١).\n_________\n(١) لم يذكر البسوي وخليفة هذا الخبر. وانظر: تأريخ دمشق مجلد (٣) ترجمة أبي جعفر المنصور.","vol":"11","page":28},{"text":"وفي هذه السنة قتل عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة بإفريقيّة، قتله أبو حاتم الإباضيّ وأبو عاد ومن كان معهما من البربر، وكانوا - فيما ذُكر - ثلاثمائة ألف وخمسين ألفًا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفًا، ومعهم أبو قُرّة الصُّفريّ في أربعين ألفًا، وكان يسلَّم عليه قبل ذلك بالخلافة أربعين يومًا (١).\nوفيها حُمِل عبّاد مولى المنصور وهرثمة بن أعين ويوسف بن علوان من خُراسان في سلاسل، لتعصّبهم لعيسى بن موسى.\nوفيها أخذ المنصور الناس بلبس القَلانس الطِّوال المفرطة الطول، وكانوا - فيما ذكر - يحتالون لها بالقصب من داخل، فقال أبو دلامة:\nوكنا نُرَجِّي من إِمامٍ زيادةً ... فزاد الإِمامُ المصطفى في القلانِسِ\nترَاها على هامِ الرِّجال كأَنها ... دِنان يهودٍ جُلِّلَتْ بالبرانسِ (٢)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1705>ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفي هذه السنة عزم المنصور - فيما ذكر - على بناء مدينة الرافقة، فذُكر عن محمد بن جابر، عن أبيه أنّ أبا جعفر لما أراد بناءها، امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا وتذهب بمعايشنا، وتضيق منازلنا؛ فهمّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصومعة هنالك، فقال له: هل لك علم بأنّ إنسانًا يبني ها هنا مدينة؟ فقال: بلغني أنّ رجلًا يقال له مقلاص يبنيها، فقال: أنا والله مقلاص (٣).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٤].\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٥].\n(٣) هذا خبر فيه نكارة. ومحمد بن جابر لم نتبين من هو؟ والمنصور كان يوصي ابنه المهدي بمصاحبة أهل الحديث، وهو الخليفة العالم، فكيف بستعين بالرهبان وتنبؤاتهم.","vol":"11","page":29},{"text":"وذكر محمد بن عمر أن صاعقة سقطت في هذه السنة في المسجد الحرام فقتلت خمسة نفر.\nوفيها هلك أبو أيوب الموريانيّ وأخوه خالد، وأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبي العباس الطوسيّ بقطع أيدي بني أخي أبي أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم؛ وكتب بذلك إلى المهديّ، ففعل ذلك موسى وأنفذ فيهم ما أمره به (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nوفيها - فيما ذكر محمد بن عمر - خندَق أبو جعفر على الكوفة والبصرة، وضرب عليهما سورًا، وجعل ما أنفق على سور ذلك وخندقه من أموال أهله.\nوعزل فيها المنصور عبدَ الملك بن أيّوب بن ظَبْيان عن البصرة، واستعمل عليها الهيْثم بن معاوية العتكيّ، وضم إليه سعيد بن دَعْلَج، وأمره ببناء سور لها يُطيف بها، وخندق عليها من دون السّور من أموال أهلها، ففعل ذلك.\nوذكِر أن المنصور لما أراد الأمر ببناء سُور الكوفة وبحفر خندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم، على أهل الكوفة، وأراد بذلك علم عددهم، فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهمًا من كل إنسان، فجبُوا، ثم أمر بإنفاق ذلك على سُور الكوفة وحفر الخنادق لها، فقال شاعرهم:\nيَا لَقَوْمِيَ مَا لَقِينَا ... مِنْ أَمِيرِ الْمؤْمِنِينَا\nقَسَمَ الخمسة فينَا ... وجَبَانا الأَرْبَعِينَا (٢)\nوفيها طلب صاحب الروم الصُّلح إلى المنصور؛ على أن يؤدّي إليه الجزية (٣).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٥].\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٧].\n(٣) البداية والنهاية [٨/ ٦٧].","vol":"11","page":30},{"text":"وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السُّلمِيّ (١).\nوفيها عزل المنصور أخاه العبَّاس بن محمد عن الجزيرة، وغرَّمه مالًا، وغضِب عليه وحبسه، فذكر عن بعض بني هاشم، أنه قال: كان المنصور ولّى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن أُسَيد، ثم غضب عليه فلم يزل ساخطًا عليه حتى غضب على بعض عمومته من ولد عليّ بن عبد الله بن عباس أما إسماعيل بن عليّ أو غيره فاعتورَه أهلُه وعمومته ونساؤهم يكلِّمونه فيه، وضيَّقوا عليه فرضِيَ عنه، فقال عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين؛ إن آل عليّ بن عبد الله - وإن كانت نعمُك عليهم سابغةً - فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا؛ فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن عليّ منذ أيام، فضيّقوا عليك. وأنت غضبان على العباس بن محمد، منذ كذا وكذا، فما رأيت أحدًا منهم كلّمك فيه. قال: فدعا العباس فرضِيَ عنه.\nقال: وقد كان يزيد بن أسَيْد عند عزل العباس إياه عن الجزيرة، شكا إلى أبي جعفر العبّاس، وقال: يا أميرَ المؤمنين؛ إن أخاك أساء عزلِي، وشتم عِرْضي، فقال له المنصور: اجمع بين إحساني إليك وإساءة أخي يعتدلا، فقال يزيد بن أسيَد: يا أميرَ المؤمنين؛ إذا كان إحسانكم جزاء بإساءتكم، كانت طاعتنا تفضُّلًا منا عليكم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن عليّ</span>\nذكر أن محمد بن سليمان أتِيَ في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوْجاء وكان خال معن بن زائدة. فأمر بحبسه قال أبو زيد: فحدثني قثم بن جعفر، والحسين بن أيوب، وغيرهما أن شفعاءه كثروا بمدينة السلام ثم ألحوا على أبي جعفر فلم يتكلم فيه إلَّا ظنين، فأمر بالكتاب إلى محمد بالكف عنه إلى\n_________\n(١) البداية والنهاية [٨/ ٦٧].","vol":"11","page":31},{"text":"أن يأتيه رأيه فكلم ابن أبي العوجاء. أبا الجبَّار - وكان منقطعًا إلى أبي جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعدهما - فقال له: إنْ أخرني الأمير ثلاثة أيَّام فله مائة ألف، ولك أنت كذا وكذا، فأعلم أبو الجبار محمدًا، فقال: أذكرتنيه والله وقد كنت نسيته؛ فإذا انصرفت من الجمعة فأذكِرْنيه. فلما انصرف أذكره، فدعا به وأمر بضرب عنُقه، فلما أيقن أنَّه مقتول، قال: أما والله لئن قتلتموني لقد وضعتُ أربعة آلاف حديث أحرِّم فيها الحلال، وأحِلّ فيها الحرام؛ والله لقد فطّرتكم في يوم صومكم، وصوّمتكم في يوم فطركم، فضُربت عنقه.\nوورد على محمَّد رسول أبي جعفر بكتابه: إياك أن تحدث في أمر ابن أبي العوجاء شيئًا، فإنَّك إن فعلتَ فعلتُ بك وفعلتُ ... يتهدّده، فقال محمَّد للرسول: هذا رأس ابن أبي العوجاء وهذا بدنُه مصلوبًا بالكُناسة، فأخبِرْ أمير المؤمنين بما أعلمتك؛ فلما بلَّغ الرسول أبا جعفر رسالتَه، تغيّظ عليه وأمر بالكتاب بعزله وقال: والله لهممتُ أن أقيده به، ثم أرسل إلى عيسى بن عليّ فأتاه، فقال: هذا عملك أنت! أشرف بتولية هذا الغلام، فوليتُه غلامًا جاهلًا لا علمَ له بما يأتي، يُقدم على رجل يقتله من غير أن يطَّلع رأيي فيه، ولا ينتظر أمري! وقد كتبت بعزله؛ وبالله لأفعلنّ به ولأفعلنّ ... يتهدّده، فسكت عنه عيسى حتَّى سكن غضبُه، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إن محمدًا إنَّما قتل هذا الرجل على الزّندقة، فإن كان قتلُه صوابًا فهو لك، وإن كان خطأ فهو على محمَّد، والله يا أمير المؤمنين لئن عزلتَه على تبعة ما صنع ليذهبنّ بالثناء والذكر، ولترجعنّ القالة من العامّة عليك. فأمر بالكتب فمُزِّقت وأقِرّ على عمله (١).\nوقال بعضهم: إنَّما عزل المنصور محمَّد بن سليمان عن الكوفة لأمور قبيحة بلغتْه عنه، اتهمه فيها، وكان الذي أنهى ذلك إليه المساور بن سوّار الجَرْميّ صاحب شُرطه، وفي مساور يقول حمَّاد:\nلحَسْبُك من عجيبِ الدّهْرِ أَنِّي ... أَخاف وأَتَّقي سلطانَ جَرْمِ (٢)\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٦].\n(٢) البيت لحماد بن عجرد. ولقد ذكر ابن كثير أسباب هذا العزل مختصرًا [البداية والنهاية (٨/ ٦٦)].","vol":"11","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1708>ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>[ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد]</span>\nفمن ذلك ما كان من ظَفَر الهيثم بن معاوية عامل أبي جعفر على البَصْرة بعمرو بن شدّاد عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس، فقتِل بالبصرة وصُلِب (١).\n* ذكر الخبر عن سبب الظّفَر به:\nذكر عمر أن محمَّد بن معروف حدّثه، قال: أخبرني أبي، قال: ضرب عمرو بن شدّاد خادمًا له، فأتى عاملَ البصرة - إمَّا ابن دعْلج، وإما الهيثم بن معاوية - فدله عليه، فأخذه فقتله وصلبه في المربد في موضع دار إسحاق بن سليمان وكان عمرو مولى لبني جمع فقال بعضهم: ظفر به الهيثم بن معاوية وخرج يريد مدينة السَّلام، فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل، فأقبل بريد من عند أبي جعفر، ومعه كتاب إلى الهيثم بن معاوية بدفع عمرو بن شداد إليه، فدفعه الهيثم إليه، فأقدمه البصرة، ثم أتى به ناحية الرّحبة، فخلا به يسائله، فلم يظفر منه بشيء يحبّ علمَه، فقطع يديْه ورجليه، وضرب عنقه وصلَبه في مِرْبد البصرة (٢).\nوفيها تُوُفِّيَ الهيثم بن معاوية بعد ما عزل عن البصرة فجأة بمدينة السَّلام، وهو على بطن جارية له، فصلَّى عليه المنصور، ودفن في مقابر بني هاشم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها عرض المنصور جندَه في السلاح والخيل على عينه في مجلس اتَّخذه\n_________\n(١) انظر: المنتظم لابن الجوزي (٨/ ١٨٧).\n(٢) أما عمر فهو ابن شيبة، وأمَّا شيخه فلم نجد له ترجمة والله أعلم.","vol":"11","page":33},{"text":"على شطّ دِجْلة دون قُطْرَبُّل، وأمر أهلَ بيته وقرابته وصحابته يومئذٍ بلبس السلاح، وخرج وهو لابس درعًا وقلنسُوة تحت البَيْضة سوداء لاطئة مضرّبة (١).\nوفيها توفي عامر بن إسماعيل المسليّ، بمدينة السَّلام، فصلّى عليه المنصور، ودُفِن في مقابر بني هاشم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>[ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل] </span>(٢)\nفممَّا كان فيها من ذلك توجيهُ المنصور ابنَه المهديّ إلى الرَّقة وأمرُه إياه بعزْل موسى بن كعب عن الموصِل وتولية يَحْيَى بن خالد بن بَرْمك عليها. وكان سببُ ذلك - فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية - قال: كان المنصور قد ألزم خالدَ بن برمك ثلاثة آلاف ألف، ونذر دمَه فيها، وأجّله ثلاثة أيَّام بها، فقال خالد لابنه يَحْيَى: يابنيّ، إنِّي قد أوذيت وطُولبت بما ليس عندي، وإنَّما يراد بذلك دمِي؛ فانصرف إلى حرمتك وأهلِك، فما كنت فاعلًا بهم بعد موتي فافعله. ثم قال له: يا بنيّ، لا يمنعنّك ذلك من أن تلقى إخواننا، وأن تمر بعُمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلَّى ومبارك التركيّ فتعلِمهم حالنا.\nقال: فذكر صالح بن عطية أنّ يَحْيَى حدّثه، قال: أتيتهم فمنهم من تجهَّمني وبعث بالمال سرًّا إليّ، ومنهم مَنْ لم يأذن لي، وبعث بالمال في أثري. قال: واستأذنتُ على عمارة بن حمزة، فدخلت عليه وهو في صَحْن داره، مقابل بوجهه الحائط؛ فما انصرف إليّ بوجهه، فسلَّمت عليه، فردّ عليّ رَدًّا ضعيفًا، وقال: يا بُنيّ؛ كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقرأ عليك السَّلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغُرْم، ويستسلفك مائة ألف درهم. قال: فما ردّ عليّ قليلًا ولا كثيرًا، قال: فضاق بي موضعي، ومادتْ بي الأرضُ. قال: ثم كلَّمتُه فيما أتيته له. قال:\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٦٧].\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٧٢].","vol":"11","page":34},{"text":"فقال: إن أمكنني شيء فسيأتيك، قال يَحْيَى: فانصرفتُ وأنا أقول في نفسي: لعن الله كلَّ شيء يأتي من تِيهك وعُجْبك وكبرك! وصرت إلى أبي، فأخبرته الخبر، ثم قلت له: وأراك تثق من عُمارة بن حمزة بما لا يوثق به! قال: فوالله إنِّي لكذلك؛ إذ طلع رسولُ عُمارة بن حمزة بالمائة ألف. قال: فجمعنا في يومين ألفيْ ألف وسبعمائة ألف، وبقيت ثلثمائة ألف بوجودها يتمّ ما سعينا له، وبتعذّرها يبطل. قال: فوالله إنِّي لعلى الجسر ببغداد مارًّا مهمومًا مغمومًا؛ إذ وثب إليّ زاجر، فقال: فرخ الطائر أخبرك! قال: فطويتُه مشغول القلب عنه، فلحقني وتعلَّق بلجامي، وقال لي: أنت والله مهموم، ووالله ليُفرِجَنّ الله همّك، ولتمرّنّ غدًا في هذا الموضع واللواء بين يديك. قال: فأقبلتُ أعجب من قوله. قال: فقال لي: إن كان ذلك فلِي عليك خمسة آلاف درهم؟ قلت: نعم - ولو قال خمسون ألفًا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي من أن يكون - قال: ومضيتُ. وورد على المنصور انتقاضُ الموصل وانتشارُ الأكراد بها، فقال مَنْ لها؟ فقال له المسيّب بن زهير - وكان صديقًا لخالد بن برمك: عندي يا أمير المؤمنين رأي، أرى أنك لا تنتصحه؛ وأنك ستلقاني بالردّ، ولكني لا أدَع نصحَك فيه والمشورة عليك به، قال: قل، فلا أستغشّك، قلت: يا أمير المؤمنين ما رميتَها بمثل خالد، قال: ويحك! فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنَّما قوَّمتَه بذلك وأنا الضامن عليه، قال: فهو لها والله، فليحضرني غدًا. فأحضِر، فصفح له عن الثلثمائة ألف الباقية، وعقد له.\nقال يَحْيَى: ثم مررتُ بالزاجر، فلما رآني قال: أنا ها هنا أنتظرك منذ غُدوة، قلت: امض معي، فمضي معي، فدفعتُ إليه الخمسة الآلاف.\nقال: وقال لي أي: أي بُنيّ؛ إنّ عُمارة تلزمه حقوق، وتنوبه نوائب فأتِه، فأقرئه السَّلام، وقل له: إن الله قد وهب لنا رأيَ أمير المؤمنين، وصفح لنا عما بقي علينا، وولّاني الموصل؛ وقد أمر بردّ ما استسلفت منك. قال: فأتيته فوجدته على مثل الحال التي لقيتُه عليه، فسلمت فما ردّ السَّلام عليّ، ولا زادني على أنَّ قال: كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقول كذا وكذا، قال: فاستوى جالسًا، ثم قال لي: ما كنتُ إلَّا قسطارًا لأبيك؛ يأخذ مني إذا شاء ويردّ إذا شاء! قمْ عني","vol":"11","page":35},{"text":"لا قمتَ! قال: فرجعتُ إلى أبي فأعلمته، فقال لي أي: يابنيّ، هو عُمارة ومَنْ لا يعترض عليه (١).\nقال: فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفِّي المنصور ويحيى على أذرَبيجان، فذكر عن أحمد بن محمَّد بن سوار الموصليّ أنَّه قال: ما هِبْنا قطّ أميرًا هيبتنَا خالد بن برمك من غير أن تشتدّ عقوبتُه، ولا نرى منه جَبَرِيّة؛ ولكن هيبة كانت له في صدورنا.\nوذكر أحمد بن معاوية بن بكْر الباهليّ، عن أبيه، قال: كان أبو جعفر غضب على موسى بن كعب - وكان عامله على الجزيرة والموْصِل - فوجّه المهديّ إلى الرَّقة لبناء الرّافقة، وأظهر أنَّه يريد بيتَ المقدس، وأمره بالمرور والمضيّ على الموصل، فإذا صار بالبلَد أخذ موسى بن كعب فقيَّده، وولّى خالد بن بَرْمك الموصل مكانَه، ففعل المهديّ ذلك، وخلَّف خالدًا على الموصِل، وشخص معه أخَوا خالد: الحسن وسليمان ابنا برمك، وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يَحْيَى بن خالد، فقال له: قد أردتك لأمر مهمّ من الأمور، واخترتُك لثغر من الثغور؛ فكن على أهبة؛ ولا يعلم بذلك أحد حتَّى أدعُوَ بك، فكتم أباه الخبر؛ وحضر الباب فيمن حضر؛ فخرج الرّبيع، فقال: يَحْيَى بن خالد! فقام فأخذ بيده، فأدخله على المنصور، فخرج على النَّاس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذرَبيجان، فأمر النَّاسَ بالمضيّ معه، فمضوا في موكبه، وهنؤوه وهنؤوا أباه خالدًا بولايته، فاتَّصل عملهما.\nوقال أحمد بن معاوية: كان المنصور معجبًا بيحيى، وكان يقول: ولد النَّاس ابنًا وولد خالد أبًا (٢).\n* * *\nوفيها سخِط المنصور على المسيَّب بن زهير وعزلَه عن الشُّرطة، وأمر بحبسه\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٧٢].\n(٢) أحمد بن معاوية: قال ابن عدي: حدث عن الثقات بالبواطيل وكان يسرق الحديث [الكامل (١/ ١٢)].","vol":"11","page":36},{"text":"وتقييده، وكان سبب ذلك أنَّه قتل أبان بن بشير الكاتي بالسِّياط، لأمرٍ كان وجَد عليه فيما كان من شركته لأخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة وخراجِها، وولّى مكان المسيَّب الحكم بن يوسف صاحب الحرب، ثم كلَّم المهديّ أباه في المسيِّب، فرضي عنه بعد حبسه إيَّاه أيامًا، وأعاد إليه ما كان يلي من شُرَطه.\nوفيها وجَّه المنصور نصرَ بن حرب التيميّ واليًا على ثغر فارس.\nوفيها سقط المنصور عن دابَّته بجَرْجَرَايا، فانشجَّ ما بين حاجبيه؛ وذلك أنَّه كان خرج لمّا وجّه ابنه المهدي إلى الرّقة مشيِّعًا له، حتَّى بلغ موضعًا يقال له جُبّ سُمّاقا، ثم عدل إلى حَوْلايا، ثم أخذ على النَّهروانات فانتهى - فيما ذكر - إلى بَثق من النّهروانات يصبّ إلى نهر دَيَاليَ، فأقام على سَكْره ثمانية عشر يومًا، فأعياه، فمضى إلى جَرْجَرايا، فخرج منها للنظر إلى ضَيْعة كانت لعيسى بن عليّ هناك، فصُرع من يومه ذلك عن برذون له دَيْزج، فشُجَّ في وجهه، وقدم عليه وهو بجَرْجَرايا أسارى من ناحية عُمان من الهند، بعث بهم إليه تسنيم بن الحواري مع ابنه محمَّد، فهمّ بضرب أعناقهم، فساءلهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه؛ فأمسك عن قتلهم وقسَّمهم بين قوّاده ونُوّابه.\nوفيها انصرف المهديّ إلى مدينة السَّلام من الرّقّة فدخلها في شهر رمضان.\nوفيها أمر المنصور بمرَمَّة القصر الأبيض، الذي كان كسرى بناه، وأمر أن يغرَّم كلّ مَنْ وُجد في داره شيء من الآجرّ الخُسروانيّ، مما نقضه من بناء الأكاسرة، وقال: هذا فيء المسلمين، فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرمَّة القصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>[ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري]</span>\nوفي هذه السنة حبس محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ، وهو أمير مكّة - فيما ذكر - بأمر المنصور إياه بحبسهم: ابنَ جريج وعبّاد بن كثير والثوريّ، ثمّ أطلقهم من الحبس بغير إذن أبي جعفر، فغضب عليه أبو جعفر.\nوذكر عمر بن شبَّة أن محمَّد بن عمران مولى محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس حدّثه عن أبيه، قال: كتب المنصور إلى محمَّد بن","vol":"11","page":37},{"text":"إبراهيم - وهو أمير على مكّة - يأمره بحبس رجل من آل عليّ بن أبي طالب كان بمكة، وبحبس ابن جُريج وعباد بن كثير والثوريّ، قال: فحبسهم؛ فكان له سُمَّارة يسامرونه بالليل؛ فلما كان وقت سَمره جلس وأكبَّ على الأرض ينظر إليها، ولم ينطق بحرف حتَّى تفرّقوا. قال: فدنوتُ منه فقلت له: قد رأيتُ ما بك، فما لك؟ قال: عمَدتُ إلى ذي رحِم فحبستُه، وإلى عيونٍ من عيون النَّاس فحبستُهم، فيقدم أميرُ المؤمنين ولا أدري ما يكون؛ فلعلَّه أن يأمر بهم فيقتلوا، فيشتدَّ سلطانه وأهْلِكَ ديني؛ قال: فقلت له: فتصنع ماذا؟ قال: أوثر الله، وأطلِق القوم؛ اذْهَبْ إلى إبلي فخُذْ راحلةً منها، وخذ خمسين دينارًا فأت بها الطالبيّ وأقرئه السَّلام، وقل له: إن ابن عمك يسألك أن تحلله من ترويعه إياك وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة قال فلما أحسَّ بي جعل يتعوذ بالله من شرعي فلما أبلغته قال: هو في حل ولا حاجة لي إلى الراحلة ولا إلى النفقة، قال: قلت: إنّ أطيب لنفسه أن تأخذ، ففعل. قال: ثم جئتُ إلى ابن جُريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال، قالوا: هو في حلّ، قال: فقلت لهم: يقول لكم: لا يَظهرَنّ أحد منكم ما دام المنصور مقيمًا. قال: فلما قرب المنصور وجَّهني محمَّد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخبِرَ المنصورُ أنّ رسول محمَّد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضرِبت وجوهها.\nقال: فلما صار إلى بشر ميمون لقيه محمَّد بن إبراهيم، فلما أخبِر بذلك أمر بدوابِّه فضرِبت وجوهها، فعدل محمَّد، فكان يسير في ناحية. قال: وعدل بأبي جعفر عن الطَّريق في الشقّ الأيسر فأنيخ به، ومحمد واقف قُبالته، ومعه طبيب له، فلما ركب أبو جعفر وسار، وعديلُه الرَّبيع أمر محمَّد الطَّبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر، فرأى نجْوه، فقال لمحمد: رأيتُ نجوَ رجل لا تطول به الحياة؛ فلما دخل مكّة لم يلبث أن مات وسلِم محمَّد.\nواختُلف في سبب الوجع الذي كانت منه وفاته، فذُكر عن عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، عن أبيه، أنَّه كان يقول: كان المنصور لا يستمرئ طعامه؛ ويشكو من ذلك إلى المتطبِّبين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات؛ فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يُقلّ من الطعام، ويخبرونه أن الجَوارشنات تُهضم في الحال، وتُحدِث من العلّة ما هو أشدّ منه عليه؛ حتَّى قدم عليه طبيب من أطبَّاء","vol":"11","page":38},{"text":"الهند، فقال له كما قال له غيره؛ فكان يتَّخذ له سَفوفًا جَوارشنًا يابسًا، فيه الأفاويه والأدوية الحارة، فكان يأخذه فيهضم طعامه فأحمده. قال: فقال لي أي: قال لي كثير من متطبّبي العراق: لا يموت والله أبو جعفر أبدًا إلَّا بالبَطْن، قال: قلت له: وما علمك؟ قال: هو يأخذ الجوارِشن فيهضم طعامه؛ ويخلق من زئير مَعِدَتِهِ في كلّ يوم شيئًا، وشحم مصارينه، فيموت ببطنه. وقال لي: اضْرب لذلك مثلًا، أرأيت لو أنك وضعت جَرًّا على مَرْفع، ووضعت تحتها آجرّة جديدة فقطرتْ، أما كان قَطْرها يثقب الآجرّة على طول الدهر! أو ما عملت أن لكلّ قطرة خدًّا! قال: فمات والله أبو جعفر - كما قال - بالبطن.\nوقال بعضهم: كان بدءُ وجعه الذي مات فيه من حرٍّ أصابه من ركوبه في الهواجر، وكان رجلًا محرورًا على سنّه، يغلب عليه المرار الأحمر، ثم هاض بطنه، فلم يزل كذلك حتى نزل بستَانَ ابن عامر، فاشتدّ به، فرحل عنه فقصَّر عن مكّة، ونزل بشر ابن المرتَفِع، فأقام بها يومًا وليلة، ثم صار منها إلى بئر ميمون؛ وهو يسأل عن دخوله الحرَم، ويوصي الرّبيع بما يريد أن يوصيَه، وتُوُفِّيَ بها في السَّحَر أو مع طلوع الفجر ليلة السبت لستٍّ خلوْن من ذي الحجَّة، ولم يحضره عند وفاته إلَّا خدَمه والربيع مولاه، فكتم الرَّبيع موتَه، ومنع النساء وغيرهنّ من البكاء عليه والصُّراخ، ثم أصبح فحضر أهلُ بيته كما كانوا يحضرون، وجلسوا مجالسهم، فكان أول من دُعي به عيسى بن عليّ، فمكث ساعة، ثم أذن لعيسى بن موسى - وقد كان فيما خلا يقدَّم في الإذن على عيسى بن عليّ، فكان ذلك مما ارتيب به - ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان من أهل البيت، ثم لعامَّتهم؛ فأخذ الرَّبيع بيعتَهم لأمير المؤمنين المهديّ ولعيسى بن موسى من بعده، على يد موسى بن المهديّ حتَّى فرغ من بيعة بني هاشم، ثم دعا بالقوّاد فبايَعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجل إلَّا عليّ بن عيسى بن ماهان؛ فإنَّه أبي عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمَّد بن سليمان، وقال: ومن هذا العلج! وأمصَّه، وهمّ بضرب عنقه، فبايع، وتتابع النَّاس بالبيعة. وكان المسيب بن زهير أوّلَ مَن استثنى في البيعة، وقال: عيسى بن موسى: إن كان كذلك. فأمْضَوْه.\nوخرج موسى بن المهديّ إلى مجلس العامة، فبايع مَنْ بقي من القواد","vol":"11","page":39},{"text":"والوجوه، وتوجَّه العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان إلى مكّة ليبايع أهلَها بها؛ وكان العباس يومئذٍ المتكلم، فبايع النَّاس للمهديّ بين الركن والمقام، وتفرّق عِدّة من أهل بيت المهديّ في نواحي مكّة والعسكر فبايعه النَّاس، وأخذ في جِهاز المنصور وغسله وكفنه، وتولّى ذلك من أهل بيته العباس بن محمَّد والربيع والرّيان وعدّة من خَدمه ومواليه، ففرغ من جهازه مع صلاة العصر، وغطّى من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قُصاص شعره، وأبدى رأسه مكشوفًا من أجل الإحرام، وخرج به أهل بيتِه والأخصُّ من مواليه، وصلّى عليه - فيما زعم الواقديّ - عيسى بن موسى في شِعب الخوز.\nوقيل: إن الذي صلّى عليه إبراهيم بن يَحْيَى بن محمَّد بن عليّ. وقيل: إنّ المنصور كان أوصى بذلك؛ وذلك أنَّه كان خليفتَه على الصَّلاة بمدينة السَّلام.\nوذَكر عليّ بن محمَّد النوفليّ، عن أبيه، أنّ إبراهيم بن يَحْيَى صَلَّى عليه في المضارب قبل أن يُحمل؛ لأنَّ الرَّبيع قال: لا يصلِّي عليه أحد يطمع في الخلافة، فقدّموا إبراهيم بن يَحْيَى - وهو يومئذٍ غلام حَدَث - ودفن في المقبرة التي عند ثَنِيَّة المدنيين التي تسمّى كذا، وتسمى ثَنيَّة المَعْلاة؛ لأنَّها بأعلَى مكّة، ونزل في قبره عيسى بن عليّ والعباس بن محمَّد وعيسى بن موسى، والربيع والرّيان موْلياه، ويقطين بن موسى.\nوفي هذه السنة هلك طاغية الروم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>ذكر الخبر عن صفة أبي جعفر المنصور</span>\nذُكر أنَّه كان أسمر طويلًا، نحيفًا، خفيفَ العارضين.\nوكان وُلِدَ بالحُمَيْمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>ذكر الخبر عن بعض سيره</span>\nذُكر عن صالح بن الوجيه، عن أبيه، قال: بلغ المنصورَ أن عيسى بن موسى","vol":"11","page":40},{"text":"قتل رجلًا من ولد نصر بن سيَّار، كان مستخفيًا بالكوفة، فدُلّ عليه، فضرب عنقه. فأنكر ذلك وأعظمه، وهمّ في عيسى بأمر كان فيه هلاكه، ثم قطعه عن ذلك جهلُ عيسى بما فعل. فكتب إليه:\nأما بعد، فإنَّه لولا نظرُ أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخِّرْك عقوبة قتل ابن نصر بن سيَّار واستبدادك به بما يقطع أطماعَ العمال في مثله، فأمسِكْ عمّن ولاك أمير المؤمنين أمره؛ من عربيّ وأعجميّ، وأحمر وأسود، ولا تستبدّنّ على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قِبَله تباعةٌ، فإنَّه لا يرى أن يأخذ أحدًا بظنّة قد وضعها الله عنه بالتوبة، ولا بحَدَثٍ كان منه في حرب أعقبه الله منها سِلْمًا ستر به عن ذي غِلَّة، وحجز به عن محنة ما في الصدور؛ وليس ييأس أمير المؤمنين لأحدٍ ولا لنفسه من الله من إقبال مدبر؛ كما أنَّه لا يأمن إدبار مقبل. إن شاء الله والسلام.\nوذكر عن عباس بن الفضل، قال: حدّثني يَحْيَى بن سُليم كاتب الفضل بن الرَّبيع، قال: لم يُرَ في دارِ المنصور لهوٌ قطّ، ولا شيء يشبه اللَّهو واللعب والعبث إلَّا يومًا واحدًا، فإنّا رأينا ابنًا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبي جعفر من الطلحيَّة، تُوُفِّي وهو حَدَث، قد خرج على النَّاس متنكِّبًا قوسًا، متعمّمًا بعمامة، متردّيًا ببُرْد، في هيئة غلام أعرابيّ، راكبًا على قعود بين جُوالقيْن، فيهما مُقْل ونعال ومساويك وما يهديه الإعراب؛ فعجب النَّاس من ذلك وأنكروه. قال: فمضى الغلام حتَّى عبَر الجسر، وأتى المهديّ بالرُّصافة فأهدى إليه ذلك، فقبِل المهدِيّ ما في الجواليق وملأهما دراهم؛ فانصرف بين الجُوالقين؛ فعُلم أنَّه ضَرْبٌ من عبث الملوك.\nوذكر عن حمّاد التركيّ، قال: كنت واقفًا على رأس المنصور، فسمع جلبةً في الدار، فقال: ما هذا يا حمّاد؟ انظر، فذهبتُ فإذا خادم له قد جلس بين الجواري، وهو يضرب لهنّ بالطنبور، وهنّ يضحكنَ، فجئت فأخبرته، فقال: وأيّ شيء الطنبور؟ فقلت: خشبة من حالها وأمرها ... ووصفتُها له؛ فقال لي: أصبتَ صفته، فما يدريك أنت ما الطنبور! قلت: رأيتُه بخُراسان، قال: نعم هناك، ثم قال: هات نعلي، فأتيته بها فقام يمشي رُويدًا حتَّى أشرف عليهم فرآهم، فلما بصروا به تفرّقوا، فقال: خذوه، فأخِذ، فقال: اضرب به رأسَه،","vol":"11","page":41},{"text":"فلم أزل أضرب به رأسَه حتَّى كسّرتُه، ثم قال: أخرِجْه من قصري، واذهب به إلى حمران بالكَرْخ، وقل له يبيعه.\nوذكر العباس بن الفضل عن سلّام الأبرش، قال: كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصورَ داخلًا في منزله، وكانت له حجرة فيها بيت وفُسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه، وكان من أحسن النَّاس خُلُقًا ما لم يخرج إلى النَّاس، وأشدّ احتمالًا لما يكون من عبث الصبيان؛ فإذا لبس ثيابه تغيَّر لونُه وتربّد وجهه، واحمرّت عيناه، فيخرج فيكون منه ما يكون، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك؛ فنستقبله في ممشاه، فربّما عاتبناه.\nوقال لي يومًا: يابنيّ إذا رأيتَني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي؛ فلا يدنُوَنّ مني أحد منكم مخافة أن أعرّه بشيء.\nوذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم، قال: حدّثني عبد الله بن محمَّد - يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد - قال: حدّثني معن بن زائدة، قال: كُنَّا في الصّحابة سبعمئة رجل؛ فكنا ندخل على المنصور في كل يوم، قال: فقلت للربيع: اجعلني في آخِر مَنْ يدخل، فقال لي: لستَ بأشرفهم فتكون في أوّلهم، ولا بأخسِّهم نسبًا فتكونَ في آخرهم؛ وإن مرتبتك لتشبه نسبَك. قال: فدخلتُ على المنصور ذات يوم وعليّ دُرَّاعةٌ فضفاضة وسيف حنفيّ، أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها من خلفي وقُدّامي. قال: فسلّمت عليه وخرجت، فلمَّا صرت عند السِّتْر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها! فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: إليّ، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودًا من بين فراشيْن، واستحال لونه وَدرَّت أوداجه، فقال: إنك لصاحبي يوم واسط؛ لا نجوتُ إن نجوتَ مني، قال: قلت يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم، فكيف نصرتي لحقك! قال: فقال لي: كيف قلتَ؟ فأعدتُ عليه القول، فما زال يستعيدني حتَّى ردّ العمود في مستقرّه، واستوى متربعًا، وأسفَر لونه، فقال: يا معن، إنّ لي باليمن هنات، قلت: يا أميرَ المؤمنين ليس لمكتوم رأي، قال: فقال: أنت صاحبي، فجلست، وأمر الرَّبيع بإخراج كلّ مَنْ كان في القصر فخرج، فقال لي: إن صاحب اليمن قد همّ بمعصيتي، وإني أريد أن آخذه أسيرًا ولا يفوتني","vol":"11","page":42},{"text":"شيء من ماله، فما ترى؟ قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، وَلِّنِي اليمن، وأظهِر أنك ضممتني إليه، ومرِ الرَّبيع يُزيح علتي في كلّ ما أحتاج إليه، ويخرجني من يومي هذا لئلا ينتشر الخبر. قال: فاستلّ عهدًا من بين فراشيْن، فوقَّع فيه اسمي وناولنيه، ثم دعا الرَّبيع، فقال: يا ربيع، إنا قد ضممنا مَعْنًا إلى صاحب اليمن، فأزح عِلّتَه فيما يحتاج إليه من الكُراع والسلاح، ولا يُمسي إلَّا وهو راحل. ثم قال: ودِّعني، فودّعته وخرجتُ إلى الدِّهليز، فلقيني أبو الوالي، فقال: يا معن، أعزِزْ عليّ أن تضمّ إلى ابن أخيك! قال: فقلت: إنَّه لا غضاضة على الرجل أن يَضُمَّه سلطانه إلى ابن أخيه، فخرجت إلى اليمن فأتيت الرّجل، فأخذته أسيرًا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.\nوذكر حمّاد بن أحمد اليمانيّ، قال: حدّثني محمَّد بن عمر اليماميّ أبو الرُّدينيّ، قال: أراد معن بن زائدة أن يوفِد إلى المنصور قومًا يسلُّون سخيمته، ويستعطفون قلبَه عليه، وقال: قد أفنيت عمري في طاعته، وأتعبتُ نفسي وأفنيت رجالي في حرب اليمن، ثم يسخط عليّ أن أنفقتُ المال في طاعته! فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة؛ فكان فيمن اختار مُجّاعة بن الأزهر، فجعل يدعو الرّجال واحدًا واحدًا، ويقول: ماذا أنت قائل لأمير المؤمنين إذا وجّهتُك إليه؟ فيقول: أقول وأقول، حتَّى جاءه مُجّاعة بن الأزهر، فقال: أعزّ الله الأمير! تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا باليمن! اقصد لحاجتك، حتَّى أتأتَّى لها كما يمكن وينبغي فقال: أنت صاحبي، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني، فقال له: شُدّ على عَضُد ابن عمّك وقدّمه أمامك؛ فإن سها عن شيء فتلافه. واختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتَّى تمُّوا عشرة، وودّعهم ومضوْا حتَّى صاروا إلى أبي جعفر، فلما صاروا بين يديه تقدّموا، فابتدأ مُجّاعة بن الأزهر بحمد الله والثناء عليه والشكر، حتَّى ظنّ القوم أنَّه إنَّما قصد لهذا، ثم كرّ على ذكر النَّبيّ - ﷺ -، وكيف اختاره الله من بطون العرب، ونشر من فضله؛ حتَّى تعجّب القوم، ثم كرّ على ذكر أمير المؤمنين المنصور، وما شرَّفه الله به، وما قلّده، ثم كرّ على حاجته في ذكر صاحبه. فلما انتهى كلامه، قال المنصور: أمَّا ما وصفتَ من حمد الله، فالله أجلُّ وأكبر من أن تبلغه الصفات، وأمَّا ما ذكرت من النَّبيّ - ﷺ - فقد فضله الله بأكثر مما قلتَ، وأمَّا ما وصفتَ به أمير","vol":"11","page":43},{"text":"المؤمنين؛ فإنَّه فضّله الله بذلك، وهو معينه على طاعته إن شاء الله، وأمَّا ما ذكرت من صاحبك فكذبتَ ولؤُمتَ، أخرج فلا يُقيل ما ذكرت. قال: صدق أميرُ المؤمنين، ووالله ما كذبتُ في صاحبي. فأخْرِجوا فلما صاروا إلى آخر الإيوان أمر بردّه مع أصحابه، فقال: ما ذكرتَ؟ فكرّ عليه الكلام: حتَّى كأنه كان في صحيفة يقرؤه، فقال له مثل القول الأوّل، فأخرِجوا حتَّى برزوا جميعًا، وأمر بهم فوقفوا، ثم التفت إلى مَنْ حضر من مُضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا؟ والله لقد تكلَّم حتَّى حسدتُه، وما منعني أن أتمّ على ردّه إلَّا أن يقال: تعصّب عليه لأنه ربَعيّ، وما رأيتُ كاليوم رجلًا أربطَ جأشًا، ولا أظهر بيانًا؛ ردّه يا غلام. فلما صار بين يديه أعاد السّلام، وأعاد أصحابه، فقال له المنصور: اقصد لحاجتك وحاجة صاحبك. قال: يا أميرَ المؤمنين، معن بن زائدة عَبْدك وسيفك وسهمك، رميت به عدوّكَ، فضرب وطعن ورمى، حتَّى سهل ما حَزُن، وذلّ ما صعُب، واستوى ما كان معوَجًّا من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه! فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنَة من ساعٍ أو واشٍ أو حاسد فأميرُ المؤمنين أولَى بالتفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته. فقبل وفادتهم، وقبل العذر من معن؛ وأمر بصرفهم إليه؛ فلما صاروا إلى معن وقرأ الكتاب بالرضا قبَّل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وخلع عليهم وأجازهم على إقدامهم، وأمرهم بالرّحِيل إلى منصور، فقال مُجّاعة:\nآليتُ في مَجْلسٍ من وائلٍ قَسَمًا ... أَلا أَبِيعَك يا مَعْنٌ بأَطماعِ\nيا مَعْنُ إِنك قد أَوْلَيْتَنِي نِعَمًا ... عمَّتْ لُجَيْمًا وخَصَّتْ آل مُجَّاعِ\nفلا أَزالُ إليك الدهرَ مُنقَطِعًا ... حتَّى يشُيد بِهُلكي هَتفَةُ الناعِي\nقال: وكانت نِعَمُ معن عليٍّ مُجّاعة، أنَّه سألة ثلاث حوائج؛ منها أنَّه كان يتعشّق امرأة من أهل بيته، سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجْها أحد بعد؛ وكانت إذا ذُكر لها قالت: بأيّ شيء يتزوجني؟ أبجُبّته الصوف، أم بكسائه؟ فلمَّا رجع إلى معن كان أوّل شيء سألة أن يزوّجه بها، وكان أبوها في جيش مَعْن، فقال: أريد زهراء، وأبوها في عسكرك أيّها الأمير، فزوّجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده. فقال له معن: حاجتَك الثَّانية: قال: الحائط الذي فيه منزلي بحجَر وصاحبه في عسكر الأمير، فاشتراه منه وصيَّره له؛ وقال: حاجتك الثَّالثة؟","vol":"11","page":44},{"text":"قال: تهب لي مالًا. قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم، تمام مائة ألف درهم، وصرفه إلى منزله.\nوذكر عن محمَّد بن سالم الخوارزميّ - وكان أبوه من قوّاد خراسان - قال: سمعتُ أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقانيّ يقول: سمعت أبا جعفر يقول: ما كان أحوجَني إلى أن يكون على بأبي أربعة نفر لا يكون على بأبي أعفّ منهم، قيل له: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ هم؟ قال: هم أركان المُلْك، ولا يصلح المُلك إلَّا بهم؛ كما أن السرير لا يصلح إلَّا بأربع قوائم، إن نقصت واحدة وهَى؛ أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله لومةُ لائم، والآخر صاحب شُرْطة ينصف الضعيف من القويّ، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعيّة فإني عن ظلمها غنيّ، والرابع - ثم عضّ على أصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرَّة: آه آه - قيل له: ومَنْ هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحّة.\nوقيل: إنّ المنصور دعا بعامل من عمّاله قد كسر خراجه، فقال له: أدّ ما عليك، قال: والله ما أملك شيئًا، ونادى المنادي: أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال: يا أميرَ المؤمنين، هبْ ما عليّ لله ولشهادة أن لا إله إلَّا الله فخلّى سبيله.\nقال: وولّى المنصور رجلًا من أهل الشَّام شيئًا من الخراج، فأوصاه وتقدَّم إليه، فقال: ما أعرفَني بما في نفسك الساعة يا أخا أهل الشَّام! تخرج من عندي الساعة، فتقول: الزم الصّحة؛ يلزمك العمل.\nقال: وولّى رجلًا من أهل العراق شيئًا من خراجِ السواد، فأوصاه، وتقدّم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج الساعة فتقول: من عالَ بعدها فلا اجتبرَ. أخرج عني وامضِ إلى عملك؛ فوالله لئن تعرّضْتَ لذلك لأبلغنّ من عقوبتك ما تستحقّه. قال: فولّيا جميعًا وصحّحا وناصحا.\nذكر الصبّاح بن عبد الملك الشيبانيّ، عن إسحاق بن موسى بن عيسى؛ أنّ المنصور ولّى رجلًا من العرب حضرموت، فكتب إليه وإلى البريد أنَّه يكثر الخروجَ في طلب الصّيد ببزاةٍ وكلاب قد أعدّها، فعزله وكتب إليه: ثكلتْك أمك وعدمتك عشيرتك! ما هذه العِدّة التي أعددتها للنكاية في الوحش! إنا إنَّما استكفيناك أمور المسلمين، ولم نستكفك أمورَ الوحش؛ سلم ما كنت تلي من","vol":"11","page":45},{"text":"عملنا إلى فلان بن فلان، والحقُّ بأهلك ملومًا مدحورًا (١).\nوذكر الرّبيع أنَّه قال: أدخِل على المنصور سهيل بن سالم البصريّ، وقد وُلِّي عملًا فعزِل، فأمر بحبسه واستئدائه، فقال سهيل: عبدك يا أمير المؤمنين، قال: بئس العبد أنت! قال: لكنك يا أمير المؤمنين نِعمَ المولى! قال: أمَّا لَكَ فلا.\nوقال: وذكر عن الفضل بن الرَّبيع عن أبيه، أنَّه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور أو على رأسه؛ إذ أتِيَ بخارجيّ قد هزم له جيوشًا، فأقامه ليضرب عنقه، ثم اقتحمته عينه، فقال: يابن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش! فقال له الخارجيّ: ويلك وسوءة لك! بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسبّ! وما كان يؤمنك أن أرُدّ عليك وقد يئستُ من الحياة فلا تستقيلها أبدًا! قال: فاستحيا منه المنصور وأطلقه، فما رأى له وجهًا حولًا.\nذكر عبد الله بن عمرو الملحيّ أن هارون بن محمَّد بن إسماعيل بن موسى الهادي: حدثني عبد الله بن محمَّد بن أبي أيوب المكّي، عن أبيه، قال: حدثني عُمارة بن حمزة، قال: كنت عند المنصور، فانصرفت من عنده في وقت النهار، وبعد أن بايع النَّاس للمهديّ، فجاءني المهديّ في وقت انصرافي، فقال لي: قد بلغني أنّ أبي قد عزم أن يبايع لجعفر أخي، وأعطِي الله عهدًا لئن فعل لأقتلنه، فمضيت من فوري إلى أمير المؤمنين، فقلت: هذا أمر لا يؤخّر، فقال الحاجب: الساعةَ خرجْتَ! قلتُ: أمر حدَث، فأذن لي، فدخلت إليه، فقال لي: هيه يا عمارة! ما جاء بك؟ قلتُ: أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره، قال: فأنا أخبرك به قبل أن تخبرني، جاءك المهديّ فقال: كيت وكيت، قلتُ: والله يا أمير المؤمنين لكأنّك حاضر ثالثنا، قال: قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك.\nوذكر عن أحمد بن يوسف بن القاسم، قال: سمعتُ إبراهيم بن صالح، يقول: كُنَّا في مجلس ننتظر الإذن فيه على المنصور، فتذاكرنا الحجّاج، فمنَّا مَنْ حمِده ومنا مَن ذمّه، فكان ممن حمِده معن بن زائدة، وممّن ذمّه الحسن بن زيد، ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور، فانبرى الحسن بن زيد، فقال: يا أمير\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ٧٤].","vol":"11","page":46},{"text":"المؤمنين، ما كنت أحسبني أبقى حتَّى يُذكر الحجّاجُ في دارك وعلى بساطك، فيُثنى عليه. فقال أبو جعفر: وما استنكرت من ذلك! رجل استكفاه قوم فكفاهم؛ والله لوددت أني وجدت مثل الحجاج حتَّى أستكفيه أمري، وأنزله أحد الحَرمين. قال: فقال له معن: يا أميرَ المؤمنين، إن لك مثل الحجاج عدّة لو استكفيتَهم كَفَوْك، قال: ومَن هم؟ كأنَّك تريد نفسك! قال: وإن أردتُها فلم أبعد من ذلك، قال: كلّا لست كذاك؛ إن الحجاج ائتمنه قوم فأدّى إليهم الأمانة، وإنَّا ائتمنَّاك فخُنتنَا.\nذكر الهيثم بن عديّ، عن أبي بكر الهذليّ، قال: سرت مع أمير المؤمنين المنصور إلى مكّة، وسايرتُه يومًا، فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب في الأرض، وعليه جُبَّة خزّ، وعمامة عدنيَّة، وفي يده سوط يكاد يمسّ الأرض، سريّ الهيئة، فلما رآه أمرني فدعوتُه، فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة. فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعرًا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم؛ وحدّثه حتَّى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبريّ، وهو قوله:\nإِنَّ قَنَاتي لَنَبْع لا يؤيّسُها ... غمزُ الثِّقاف ولا دُهْنٌ ولا نارُ\nمتى أجِرْ خائفًا تأْمَنْ مَسارحُهُ ... وإِنْ أخِفْ آمِنًا تَقْلَقْ به الدارُ\nإِنَّ الأُمورَ إِذا أَوردتُها صَدَرَتْ ... إِنَّ الأُمورَ لها وِردٌ وإصدارُ\nفقال: ويحك! وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقلَ العرب على عدوّه وطأةً وأدركهم بثأر، وأيمنهم نقيبة، وأعساهم قناة لمن رام هضمه، وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره؛ اجتمعت العرب بعُكاظ فكلّهم أقرّ له بهذه الخلال؛ غير أن امرأ أراد أن يقصّر به، فقال: والله ما أنت ببعيد النُّجْعة، ولا قاصد الرميّة، فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألّا يأكل إلَّا لحم قَنَص يقتنصه، ولا ينزعَ كلّ عام عن غزوة يُبعد فيها أثره، قال: يا أخا بني تميم، لقد أحسنتَ إذ وصفتَ صاحبك ولكني أحقّ ببيته منه؛ أنا الذي وَصف لا هو.\nوذكر أحمد بن خالد الفُقَيْميّ أن عدّة من بني هاشم حدّثوه أنّ المنصور كان شغلُه في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزْل وشحن الثّغور والأطراف","vol":"11","page":47},{"text":"وأمْن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعيّة لطَرْح عالتهم والتلطّف لسكونهم وهدوئهم، فإذا صلّى العصر جلس لأهل بيته إلَّا من أحب أن يسامره، فإذا صَلَّى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كُتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور سُمّاره من ذلك فيما أرب؛ فإذا مضى ثلثُ الليل قام إلى فراشه وانصرف سُمّاره، فإذا مضى الثُّلث الثَّاني قام من فراشه، فأسبغ وضوءه، وصفّ في محرابه حتَّى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلِّي بالنَّاس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه (١).\nقال إسحاق: حُدّثت عن عبد الله بن الرّبيع، قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صفْ لي النَّاس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهلُ العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشَّام حِصْن الأمة وأسنّة الأئمة، وأهل خُراسان فرسان الهيْجاء وأعنّة الرجال، والتّرك منابت الصخور وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء استغنوْا ببلادهم فاكتفوْا بها عمّا يليهم، والروم أهلُ كتاب وتديّن نحَّاهم الله من القرب إلى البعد، والأنباط كان مُلكهم قديمًا فهم لكلّ قوم عبيد. قال: فأيّ الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال: فأيّهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتعبهم لها بالخُرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، الطاعة عند الخوف تُسِرّ الغدر وتبالغ عند المعاينة، والطاعة على المحبّة تضمر الاجتهاد وتبالغ عند الغفلة. قال: فأيّ النَّاس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرّة والمنفعة. قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذْل النَّفس. قال: فمن ينبغي للملِك أن يتَّخذه وزيرًا؟ قال: أسلمُهم قلبًا، وأبعدهم من الهوى.\nوذكر عن أبي عبيد الله الكاتب، قال: سمعت المنصور يقول للمهديّ حين عهد له بولاية العهد: يا أبا عبد الله، استدِم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألّف والنصر بالتواضع؛ ولا تنس مع نصيبك من الدُّنيا نصيبَك من رحمة الله.\n_________\n(١) البداية [٨/ ٧٤].","vol":"11","page":48},{"text":"وذكر الزُّبير بن بَكّار، قال: حدثني مبارك الطبريّ، قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهديّ: لا تبرِم أمرًا حتَّى تفكّر فيه؛ فإنّ فكر العاقل مرآته، تريه حسنه وسيّئه.\nوذكر الزُّبير أيضًا، عن مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول للمهديّ: يا أبا عبد الله؛ لا يصلح السلطانُ إلّا بالتقوى، ولا تصلح رعيَّته إلَّا بالطاعة، ولا تعمّر البلاد بمثل العدل، ولا تدوم نعمة السلطان وطاعته إلَّا بالمال، ولا تَقْدُمُ في الحياطة بمثل نقل الأخبار.\nوأقدرُ النَّاس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز النَّاس مَنْ ظلم مَن هو دونه. واعتبر عملَ صاحبك وعلمَه باختباره.\nوعن المبارك الطبريّ أنَّه سمع أبا عبيد الله يقول: سمعتُ المنصور يقول للمهديّ: يا أبا عبد الله، لا تجلس مجلسًا إلَّا ومعك من أهل العلم مَن يحدّثك؛ فإن محمَّد بن شهاب الزُّهريّ قال: الحديث ذكَر ولا يحبّه إلَّا ذُكور الرجال، ولا يُبغضه إلّا مؤنثوهم؛ وصَدَقَ أخو زُهْرة! (١).\nوذُكِر عن عليّ بن مجاهد بن محمَّد بن عليّ، أن المنصور قال للمهديّ: يا أبا عبد الله، مَنْ أحبَّ الحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض أحدً الحمد إلَّا استذمّ، وما استذمّ إلّا كرِه.\nوقال المبارك الطبريّ: سمعت أبا عبيد الله يقول: قال المنصور للمهديّ: يا أبا عبد الله، ليس العاقلُ الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتَّى يخرج منه؛ ولكنه الّذي يحتال للأمر الذي غشيَه حتَّى لا يقع فيه.\nوذكر الفقيميّ، عن عتبة بن هارون، قال: قال أبو جعفر يومًا للمهديّ: كم راية عندك؟ قال: لا أدري، قال: هذا والله التَّضييع؛ أنت لأمر الخلافة أشدُّ تضييعًا؛ ولكن قد جمعتُ لك ما لا يضرّك معه ما ضيَّعتَ؛ فاتق الله فيما خوّلك (٢).\n_________\n(١) البداية والنهاية [٨/ ٧٥].\n(٢) المصدر السابق [٨/ ٧٥].","vol":"11","page":49},{"text":"وذكر عليّ بن محمَّد عن حفص بن عمر بن حماد، عن خالصة، قالت: دخلتُ على المنصور؛ فإذا هو يتشكَّى وجع ضِرْسه، فلما سمع حسِّي، قال: ادخلي؛ فلما دخلت إذا هو واضع يده على صُدغيه، فسكت ساعة ثم قال لي: يا خالصة، كم عندك من المال؟ قلت: ألف درهم، قال: ضعي يدلّ على رأسي واحلفي، قلت: عندي عشرة آلاف دينار، قال: احمليها إليّ، فرجعت فدخلت على المهديّ والخيزُران فأخبرتهما؛ فركلني المهديّ برجله، وقال لي: ما ذهب بك إليه! ما به من وجع؛ ولكني سألته أمس مالًا فتمارض، احملي إليه ما قلتِ؛ ففعلتْ، فلما أتاه المهديّ، قال: يا أبا عبد الله؛ تشكو الحاجة وهذا عند خالصة! (١)\nوقال عليّ بن محمَّد: قال واضح مولى أبي جعفر، قال: قال أبو جعفر يومًا: انظر ما عندك من الثِّياب الخلْقان فاجمعْها، فإذا علمت بمجيء أبي عبد الله فجئني بها قبل أن يدخل؛ وليكن معها رقاع. ففعلت، ودخل عليه المهديّ وهو يقدّر الرّقاع، فضحك وقال: يا أميرَ المؤمنين، من ها هنا يقول النَّاس: نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل: دانق - فقال المنصور: إنَّه لا جديدَ لمن لا يصلح خلقه، هذا الشتاء قد حضر، ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد. قال: فقال المهديّ: فعليّ كُسوة أمير المؤمنين وعياله وولده، فقال له: دونك فافعل (٢).\nوذكر عليّ بن مرثد أبو دعامة الشَّاعر، أن أشجع بن عمرو السلميّ حدّثه عن المؤمَّل بن أمْيَل - وذكره أيضًا عبد الله بن الحسن الخوارزمي أن أبا قدامة حديثه أنّ المؤمل بن أميل حدّثه - قال: قدمت على المهديّ - قال ابن مرثد في خبره: وهو ولي عهد، وقال الخوارزمي: قدمت عليه الريّ وهو ولي عهد - فأمر لي بعشرين ألف درهم لأبيات امتدحته بها؛ فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السَّلام يخبره أن المهديّ أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه المنصور يعذِله ويلومه، ويقول له: إنَّما كان ينبغي لك أن تعطِيَ الشَّاعر بعد أن\n_________\n(١) البداية والنهاية [٨/ ٧٥].\n(٢) المصدر السابق: [٨/ ٧٥].","vol":"11","page":50},{"text":"يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم. قال أبو قدامة: فكتب إليّ كاتب المهديّ أن يوجّه إليه بالشاعر، فطُلب فلم يُقْدَر عليه، فكتب إليه أنَّه قد توجّه إلى مدينة السَّلام، فوجّه المنصور قائدًا من قوّاده، فأجلسه على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح النَّاس رجلًا رجلًا ممّن يمرّ به؛ حتَّى يظفر بالمؤمَّل؛ فلما رآه قال له: من أنت؟ قال: أنا المؤمَّل بن أميَل، من زُوّار الأمير المهديّ، قال: إياك طلبت. قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفًا عن أبي جعفر، فقبض عليّ ثم أتى بي بابَ المقصورة، وأسلمنيَ إلى الرّبيع، فدخل إليه الرَّبيع، فقال: هذا الشَّاعر قد ظفرنا به، فقال: أدخلوه عليّ، فأدخِلت عليه، فسلمت فردّ عليّ السَّلام، فقلت: ليس ها هنا إلا خير، قال: أنت المؤمَّل بن أميَل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين! قال: هيه! أتيتَ غلامًا غِرًّا فخدعْتَه! قال: فقلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين؛ أتيت غلامًا غِرًّا كريمًا فخدعته فانخدع، قال: فكأنّ ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلتَ فيه، فأنشدته:\nهو المهديّ إِلَّا أَن فيه ... مَشابِهَ صورة القمَر المُنِيرِ\nتشابَهَ ذا وذا فَهُما إِذا ما ... أنارا مُشْكِلان على البَصِير\nفهذا في الظلامِ سِراجُ ليلٍ ... وهذا في النهار سراجُ نورِ\nولكنْ فضَّل الرحمنُ هذا ... على ذا بالمنابِرِ والسَّرير\nوبالمُلكِ العزيز هذا أَمير ... وماذا بالأَمير ولا الوزير\nونَقْصُ الشَّهْر يُخمِدُ ذا، وهذا ... منير عند نقصانِ الشهور\nفيا بن خليفةِ الله المُصفَّى ... به تعلو مُفاخَرةُ الفَخورِ\nلئن فُتَّ المُلوكَ وقد تَوافَوْا ... إِليك من السهُولَةِ والوُعُورِ\nلقد سَبَقَ المُلوكَ أَبوك حتَّى ... بَقُوا من بين كابٍ أَو حَسِيرِ\nوجئتَ وراءَه تجري حثيثًا ... وما بك حينَ تجري من فُتور\nفقال النَّاسُ: ما هذان إِلا ... بمنزلَةِ الخَليقِ من الجَدِير\nلئن سبق الكبيرُ فأَهلُ سَبْقٍ ... له فَضْلُ الكبيرِ على الصَّغِيرِ\nوإن بلغ الصغيرُ مَدَى كبيرٍ ... لقد خُلِق الصغيرُ من الكبيرِ\nفقال: والله لقد أحسنتَ، ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم. وقال لي: أين المال؟ قلت: ها هو ذا، قال يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم؛","vol":"11","page":51},{"text":"وخذ منه الباقي. قال: فخرج الرّبيع فحطّ ثقَلي، ووزن لي أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي. قال: فلمَّا صارت الخلافة إلى المهديّ، ولَّى ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للنَّاس بالرُّصافة فإذا ملأ كساءه رقاعًا رفعها إلى المهديّ، فرفعتُ إليه يومًا رقعة أذكره قصتي، فلما دخل بها ابن ثوبان، جعل المهديّ ينظر في الرقاع؛ حتَّى إذا نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين! ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرّقاع إلَّا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة أعرف سببَها، ردُّوا إليه العشرين الألف الدرهم، فردت إليّ وانصرفتُ (١).\nوذكر واضح مولى المنصور، قال: إنِّي لواقفٌ على رأس أبي جعفر يومًا إذْ دخل عليه المهديّ، وعليه قَبَاء أسود جديد، فسلّم وجلس، ثم قام منصرفًا وأتبعه أبو جعفر بصرَه لحبِّه له وإعجابه به؛ فلما توسّط الرّواق عثر بسيفه فتخرّق سواده، فقام ومضى لوجهه غير مكترِث لذلك ولا حافل به، فقال أبو جعفر: ردُّوا أبا عبد الله؛ فرددناه إليه، فقال: يا أبا عبد الله، استقلالًا للمواهب، أم بطرًا لنعمة، أم قلةَ علم بموضع المصيبة! كأنَّك جاهل بما لَك وعليك! وهذا الذي أنت فيه عطاء من الله، إن شكرتَه عليه زادك، فإن عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك. فقال المهديّ: لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير المؤمنين وإرشادك: والحمد لله على نعمه، وأسأل الله الشكر على مواهبه، والخلف الجميل برحمته. ثم انصرف.\nقال العباس بن الوليد بن مزيد: قال: سمعت ناعم بن مزيد، يذكر عن الوضين بن عطاء، قال: استزارني أبو جعفر - وكانت بيني وبينه خلالة قبل الخلافة - فصرت إلى مدينة السَّلام، فخلوْنا يومًا، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما مالُكَ؟ قلت: الخبر الذي يعرفه أمير المؤمنين، قال: وما عيالُك؟ قلت: ثلاث بنات والمرأة وخادم لهنّ، قال: فقال لي: أربع في بيتك؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردّد عليّ حتَّى ظننت أنَّه سيموّلني، قال: ثم رفع رأسه إليّ، فقال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازِل يدرْن في بيتك.\n_________\n(١) انظر: تأريخ بغداد [١٣/ ١٧٨]، وابن عساكر [٥٣/ ٤٤٣]، ففيهما الخبر بطوله مع اختلاف يسير والقصيدة بطولها.","vol":"11","page":52},{"text":"وذكر بشر المنجِّم، قال: دعاني أبو جعفر يومًا عند المغرب، فبعثني في بعض الأمر، فلما رجعت رفع ناحية مصلّاه فإذا دينار، فقال لي: خذ هذا واحتفظ به، قال: فهو عندي إلى الساعة.\nوذكر أبو الجهم بن عطيّة، قال: حدّثني أبو مقاتل الخراسانيّ، ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم؛ فأخذها منه، وقال: هذا مالي؛ قال: ومن أين يكون مالك؟ فوالله ما وليتُ لك عملًا قطّ، ولا بيني وبينك رحِم ولا قرابة، قال: بلَى، كنتَ تزوّجت مولاة لعُيينة بن موسى بن كعب فورّثتْك مالًا؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالي وهو والٍ على السند؛ فهذا المال من ذلك المال!\nوذكر مصعب بن سلّام، عن أبي حارثة النهديّ صاحب بيت المال، قال: ولَّى أبو جعفر رجلًا باروسما؛ فلما انصرف أراد أن يتعلّل عليه، لئلا يعطيَه شيئًا، فقال له: أشركتُك في أمانتي، ووليتك فيئًا من فيء المسلمين فخنتَه! فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلّا درهم، منه مثقال صررته في كمّي، إذا خرجت من صدك اكتريت به بغلا إلى عيالي، فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك. فقال: ما أظنك إلَّا صادقًا؛ هلمَّ درهمنا. فأخذه منه فوضعه تحت لِبده؟ فقال: ما مثَلي ومثلُك إلَّا مثل مجير أم عامر، قال: وما مجير أم عامر؛ فذكر قصَّة الضبع ومجيرها، قال: وإنَّما غالطه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئًا.\nوذُكر عن هشام بن محمَّد أن قُثَم بن العباس دخل على أبي جعفر، فكلّمه في حاجة، فقال له أبو جعفر: دعني من حاجتك هذه، أخبرني لِمَ سميت قُثَم؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدري، قال: القُثَم الذي يأكل ويُزِلّ، أما سمعت قول الشَّاعر:\nوللكُبراءِ أكلٌ كيف شاءُوا ... وللصُّغراءِ أَكلٌ واقتِثامُ\nوذكر عن إبراهيم بن عيسى أنّ المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم، فقال جعفر: يا أميرَ المؤمنين، تفضّله عليّ وأنا أسنّ منه! قال: وأنت مثله! إنا لا نلتفت إلى ناحية إلّا وجدنا من أثر محمّد فيها شيئًا، وفي منزلنا من هداياه بقيّة، وأنت لم تفعل من هذا شيئًا.","vol":"11","page":53},{"text":"وذكِر عن سوادة بن عمرو السُّلمِيّ، عن عبد الملك بن عطاء - وكان في صحابة المنصور - قال: سمعتُ ابن هُبَيرة وهو يقول في مجلسه: ما رأيتُ رجلًا قطّ في حرب، ولا سمعت به في سِلْم، أمكرَ ولا أبدعَ، ولا أشدّ تيقُّظًا من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا كلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئًا نكسره به، فما تهيّأ، ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء، فخرجت إليه وما في رأسي سوداء؛ وإنه لكما قال الأعشى:\nيَقومُ على الرّغْمِ مِنْ قومِه ... فيَعْفو إِذا شاءَ أَو يَنتَقِمْ\nأَخو الحرب لا ضَرَعٌ واهنٌ ... ولم يَنْتَعِلْ بنعال خَذِمْ\nوذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلًا على رجل يقال له أزهر السمّان - وليس بالمحدِّث - وذلك قبل خلافته، فلما وليَ الخلافة صار إليه إلى مدينة السَّلام، فأدخِل عليه، فقال: حاجتك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، عليّ دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدَمة، وابني محمَّد يريد البناء بأهلِه؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم، ثم قال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالبَ حاجة؛ قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: جئت مسلِّمًا يا أمير المؤمنين، قال: إنَّه ليقع في نفسي أشياء، منها أنك أتيتنا لِمَا أتيتَنا له في المرّة الأولى؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم أخرى، ثم قال: يا أزهر، لا تأتنا طالبَ حاجة ولا مسلّمًا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم لم يلبث أن عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: لا ترده، فإنَّه غير مستجاب، لأني قد دعوت الله به أن يريحني من خلقتك فلم يفعل، وصرفه ولم يعطه شيئًا.\nوذكر الهيثم بن عديّ أن ابن عيَّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط، والمنصور بإزائه: إنِّي خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينُك إياي؛ فكتب إليه: يابن هبيرة، إنك امرؤٌ متعدٍّ طورَك، جارٍ في عنان غيِّك، يعدك الله ما هو مصدّقه، ويمنِّيك الشَّيطان ما هو مكذّبه، ويقرّب ما الله مباعده، فرويدًا يتمّ الكتاب أجله، وقد ضربتُ مثلي ومثلَك، بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتِلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولستَ لي بكفء ولا نظير، ومتى فعلتَ الذي دعوتني إليه","vol":"11","page":54},{"text":"فقتلتك، قيل لي: قتلتَ خنزيرًا؛ فلم أعتقد بذلك فخرًا ولا ذِكْرًا، وإن نالني منك شيء كان سُبّة عليّ، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتُها أنك نكلتَ عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عمار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربي بدمك.\nوذُكِر عن محمَّد بن رياح الجوهريّ، قال: ذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حَرْب كانت له، فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرُّصافة - رُصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال: أنت صاحب هشام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا؟ قال: إنَّه فعل فيها ﵀ كذا وكذا، ثم أتبع بأن قال: فعل كذا ﵁؛ فأحفظ ذلك المنصور، فقال: قم عليك غضب الله! تطأ بساطِي وتترحم على عدوّي! فقام الشَّيخ، وهو يقول: إن لعدوّك زيادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عني إلَّا غاسلي، فأمر المنصور بردّه، وقال: اقعد، هيه! كيف قلت؟ فقلت: إنَّه كَفاني المطلب، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على بَاب عربيّ ولا أعجمي منذ رأيتُه، أفلا يجب عليّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي! فقال: بلى، لله أمٌّ نهضت عنك، وليلة أدّتك، أشهد أنك نهيض حُرّة وغراس كريم؛ ثم استمع منه وأمر له ببرّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلَّا أني أتشرّف بحِبائك، وأتبجّح بصِلتك. فأخذ الصّلة وخرج، فقال المنصور: عند مثل هذا تحسن الصنيعة، ويُوضع المعروف، ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله!\nوذكر عن حفص بن غياث، عن ابن عيّاش، قال: كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلّموا على أميرهم، وتكلّموا كلامًا فيه طعن على سلطانهم؛ فرُفع ذلك في الخبر، فقال للربيع: أخرج إلى مَنْ بالباب من أهل الكوفة، فقل لهم: إن أميرَ المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقنّ رءوسهما ولحاهما، ولأضربنّ ظهورهما، فالزموا منازلكم، وابقوا على أنَّفسكم. فخرج إليهم الرَّبيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش: يا شبه عيسى بن مريم، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه، فقل له: والله يا أميرَ المؤمنين ما لنا بالضَّرْب طاقة، فأمَّا حلْق اللِّحى فإذا شئت - وكان ابن عياش","vol":"11","page":55},{"text":"منتوفًا - فأبلغه، فضحك، وقال: قاتله الله ما أدهاه وأخبثه!\nوقال موسى بن صالح: حدّثني محمَّد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب - وكان في حرس أبي جعفر - قال: رُفع إليّ رجلٌ قد جيء به من بعض الآفاق، قد سعى في فساد الدولة، فأدخلته على أبي جعفر، فلما رآه قال: أصْبَغ! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتُك وأحسنتُ إليك! قال: بلى، قال: فسعيتَ في نقضِ دولتي وإفساد ملكي! قال: أخطأتُ وأمير المؤمنين أولى بالعفو. قال: فدعا أبو جعفر عُمارة - وكان حاضرًا - فقال: يا عُمارة؛ هذا أصبَغ، فجعل يتثبَّت في وجهي، وكأنّ في عينيه سوءًا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: عليّ بكيس عطائي، فأتِيَ بكيس فيه خمسمائة درهم، فقال: خذها فإنَّها وَضَحٌ، ويلك، وعليك بعملك - وأشار بيده يحرّكها - قال عُمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عَنَى أمير المؤمنين؟ قال: كنتُ وأنا غلام أعمل الحِبال، فكان يأكل من كسبي. قال نصر: ثم أتِيَ به ثانية، فأدخلته كما أدخلتُه قبلُ، فلما وقف بين يديه أحدَّ النظر إليه، ثم قال: أصبغ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فقصّ عليه ما فعل به، وذكره إياه، فأقرّ به، وقال: الحمق يا أمير المؤمنين؛ فقدمه فضرب عنقه.\nوذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: كان خِضاب المنصور زَعفرانيًّا، وذلك أن شعره كان ليِّنًا لا يقبل الخطاب، وكانت لحيته رقيقة؛ فكنت أراه على المنبر يخطُب ويبكي فيسرع الدمع على لحيته حتَّى تَكِفَ لقلة الشعر ولِينه.\nوذكر إبراهيم بن عبد السَّلام، ابن أخي السنديّ بن شاهك السنديّ، قال: ظفِر المنصور برجل من كبراء بني أميَّة، فقال: إنِّي أسألك من أشياء فاصدُقني ولك الأمان، قال: نعم، فقال له المنصور: منْ أينَ أُتِيَ بنو أميّة حتَّى انتشر أمرهم؟ قال: من تضييع الأخبار، قال: فأيّ الأموال وجدوها أنفع؟ قال: الجوهر، قال فعِند مَنْ وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم، قال: فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضعُ من أقدارهم، فاستعان بمواليه.\nوذكر عليّ بن محمَّد الهاشميّ أنّ أباه محمَّد بن سليمان حدّثه، قال: بلغني أن المنصور أخذ الدّواء في يوم شاتٍ شديد البرد، فأتيته أسأله عن موافقة الدواء","vol":"11","page":56},{"text":"له، فأدخِلت مدخلًا من القَصْر لم أدخله قطّ، ثم صرتُ إلى حُجيرة صغيرة، وفيها بيت واحد ورِواق بين يديه في عَرْض البيت وعَرْض الصحن، على أسطوانة ساجٍ، وقد سدل على وجه الرّواق بواريّ كما يصنع بالمساجد، فدخلت فإذا في البيت مِسْح ليس فيه شيء غيره إلَّا فراشه ومرافقه ودِثاره، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عمّ، هذا بيت مبيتي، قلت: ليس هنا غير هذا الذي أرى، قال: ما هو إلَّا ما ترَى.\nقال: وسمعته يقول عمَّن حدّثه، عن جعفر بن محمَّد، قال: قيل إنّ أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة؛ وأنَّه يرقع قميصه، فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف له حتَّى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقر في ملكه. قال: وحدثني أبي، قال: كان المنصور لا يولي أحدًا ثم يعزله إلَّا ألقاه في دار خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دِجلة، ملاصقًا لدار صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالًا، فما أخذ من شيء أمر به فعُزل، وكُتِبَ عليه اسم مَنْ أخِذ منه، وعزل في بيت مال، وسمّاه بيتَ مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال للمهدي: إنِّي قد هيّأت لك شيئًا تُرضي به الخلق ولا تغرم من مالك شيئًا، فإذا أنا متّ فادع هؤلاء الذين أخذتُ منهم هذه الأموال التي سميتُها المظالم، فاردد عليهم كلّ ما أخِذ منهم؛ فإنَّك تستحمد إليهم وإلى العامة؛ ففعل ذلك المهديّ لما وليَ.\nقال عليّ بن محمَّد: فكان المنصور ولّى محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد بن سليمان بن محمَّد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث البلقاء، ثم عزله، وأمر أن يُحمَل إليه مع مالٍ وُجِد عنده، فحُمل إليه على البريد، وألفِيَ معه ألفًا دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سُوسَنْجِرْد ومضربة ومرفقة ووسادتين وطستًا وإبريقًا وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعًا كهيئته؛ إلَّا أن المتاع قد تأكّل، فأخذ ألفي الدينار، واستحيا أن يخرج ذلك المتاع، وقال: لا أعرفه، فتركه، ثم ولّاه المهديّ بعد ذلك اليمن، وولّى الرشيد ابنه الملقب ربرا المدينة.\nوذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدثني صباح بن خاقان، قال: كنت عند المنصور حين أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن،","vol":"11","page":57},{"text":"فوُضع بين يديه في تُرس، فأكبّ عليه بعض السيَّافة، فبصق في وجهه، فنظر إليه أبو جعفر نظرًا شديدًا، وقال لي: دقّ أنفه، قال: فضربت أنفه بالعمود ضربة واحدة لو طُلب له أنف بألف دينار ما وجد، وأخذته أعمدة الحرس، فمازال يُهشَم بها حتَّى خمِد، ثم جُرّ برجله.\nقال الأصمعيّ: حدثني جعفر بن سليمان، قال: قدِم أشعب أيَّام أبي جعفر بغداد، فأطاف به فتيان بني هاشم فغنَّاهم، فإذا ألحانه طربةٌ وحلقه على حاله، فقال له جعفر: لمن هذا الشعر؟\nلِمَنْ طَلَلٌ بِذَاتِ الجَيـ ... ـش أَمسى دارِسًا خَلَقَا\nعَلوْن بظاهِرِ البَيْدا ... ءِ فالمَحْزُون قد قَلِقَا\nفقال: أخذت الغناءَ من معبد، ولقد كنت آخذ عنه اللحن، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب؛ فإنَّه أحسن تأدية له منّي.\nقال الأصمعيّ: وقال جعفر بن سليمان: قال أشعب لابنه عبيدة: إنِّي أراني سأخرجك من منزلي وأنتفي منك، قال: ولِمَ يا أبه؟ قال: لأني أكسب خلق الله لرغيفٍ، وأنت ابني قد بلغتَ هذا المبلغ من السنّ، وأنت في عيالي ما تكسب شيئًا، قال: بلى والله، إنِّي لأكسب؛ ولكن مثل الموزة لا تحمل حتَّى تموت أمها.\nوذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان الهاشميّ؛ أن أباه محمدًا حدّثه أن الأكاسرة كان يُطيَّن لها في الصيف سقفُ بيت في كلّ يوم، فتكون قائلة الملك فيه، وكان يؤتى بأطنان القصب والخِلاف طُوالًا غلاظًا، فترصَف حول البيت ويؤتى بقطع الثلج العِظام فتجعل ما بين أضعافها؛ وكانت بنو أميّة تفعل ذلك؛ وكان أوّل من اتخذ الخيْش المنصور.\nوذكر بعضهم: أن المنصور كان يطيَّن له في أول خلافته بيتٌ في الصيف تقيل فيه؛ فأتخذ له أبو أيوب الخوزيّ ثيابًا كثيفة تبلّ وتوضع على سِبايك. فيجد بردها، فاستظرفها، وقال: ما أحسبُ هذه الثياب إن اتخذت أكثف من هذه إلَّا حملت من الماء أكثر مما تحمل؛ وكانت أبرد، فاتُّخِذ له الخيش، فكان ينصب على قبَّة، ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائج، واتّخذها النَّاس.","vol":"11","page":58},{"text":"وقال عليّ بن محمَّد عن أبيه: إنّ رجلًا من الرّاونديّة كان يقال له الأبلق، وكان أبرصَ، فتكلم بالغلوّ، ودعا بالرّاونديّة إليه، فزعم أن الرّوح التي كانت في عيسى بن مريم صارت في عليّ بن أبي طالب، ثم في الأئمة، في واحد بعد واحد إلى إبراهيم بن محمَّد، وأنهم آلهة، واستحلّوا الحُرمات؛ فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيُطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته؛ فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فقتلَهم وصلَبهم، فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء، فألقوْا أنفسهم، كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على النَّاس بالسِّلاح، فأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت! قال: فخرج إليهم بنفسه، فقاتلهم فأقبلوا يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت. قال: فحُكِي لنا عن بعض مشيختنا أنَّه نظر إلى جماعة الراونديّة يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يَطيرون، فلا يبلغ أحدهم الأرض إلَّا وقد تفتّت، وخرجت روحه.\nقال أحمد بن ثابت مولى محمَّد بن سليمان بن عليّ عن أبيه: إن عبد الله بن عليّ، لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن عليّ أشرف يومًا ومعه بعض مواليه ومولى لسليمان بن عليّ، فنظر إلى رجل له جَمَال وكمال، يمشي التَّخاجى، ويجرّ أثوابه من الخُيلاء، فالتفت إلى مولىً لسليمان بن عليّ، فقال: من هذا؟ قال له: فلان ابن فلان الأمويّ، فاستشاط غضبًا وصفق بيديه عجبًا، وقال: إن طريقنا لنَبَك بعد، يا فلان - لمولى له - أنزل فأتني برأسه، وتمثّل قول سَدِيف:\nعلامَ، وفيمَ نَترُكُ عبدَ شمسٍ ... لها في كلِّ راعيةٍ ثُغاءُ!\nفما بالرَّمسِ في حَرّانَ منها ... ولو قُتِلَتْ بأَجْمَعِها وفاءُ\nوذكر عليّ بن محمَّد المدائنيّ أنَّه قدم على أبي جعفر المنصور - بعد انهزام عبد الله بن عليّ وظفر المنصور به، وحبسه إياه ببغداد - وفد من أهل الشأم فيهم الحارث بن عبد الرحمن، فقام عِدّة منهم فتكلّموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إنا لسنا وفدَ مباهاة، ولكنا وفد تَوبة؛ وإنا ابتلينا بفتنة استفزّت كريمَنا، واستخفَّتْ حليمَنا، فنحن بما قدّمنا معترفون، وممّا سلف منّا معتذرون، فإن تعاقبْنا فبما أجرمنا، وإن تعفُ عنا","vol":"11","page":59},{"text":"فبفضلك علينا؛ فاصفح عنا إذْ ملكت، وامنن إِذ قَدرت، وأحسِنْ إذ ظفرت، فطالما أحسنت! قال أبو جعفر: قد فعلت.\nوذكر عن الهيثم بن عديّ عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني المنصور بعد موتِ مولاي، فقال: يا زيد، قلت: لَبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كم خلّف أبو زيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها، قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتْها الحرّة في مأتمه. قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت الحرّة في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلّف من البنات؟ قلت: ستًّا، فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه، وقال: اغدُ إلى باب المهديّ، فغدوت فقيل لي: أمعك بغال؟ فقلت: لم أومر بذلك ولا بغيره؛ ولا أدري لِمَ دعيت! قال: فأعطِيتُ ثمانين ومائة ألف دينار، وأمِرتُ أن أدفع إلى كلّ واحدة من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ثم دعاني المنصور، فقال: أقبضت ما أمرنا به لبنات أبي زيد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اغد عليّ بأكفائهنّ حتَّى أزوّجهنّ منهم؛ قال: فغدوتُ عليه بثلاثة من ولد العكيّ وثلاثة من آل نهيك من بني عَمهنّ، فزوّج كلّ واحدة منهنّ على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن تحمَل إليهنّ صدقاتهنّ من ماله، وأمرني أن أشتريَ بما أمر به لهنّ ضياعًا، يكون معاشهنّ منها، ففعلت ذلك.\nوقال الهيثم: فرّق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف درهم، وأمر للرّجل من أعمامه بألف ألف، ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده وصلَ بها أحدًا من النَّاس (١).\nوقال العباس بن الفضل: أمر المنصور لعمومته: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، بني عليّ بن عبد الله بن عباس، لكلّ رجل منهم بألف ألف معونةً له من بيت المال. وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت المال؛ فكانت تجري في الدواوين.\nوذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، قال: حدّثني الفضل بن الرَّبيع، عن أبيه، قال: جلس أبو جعفر المنصور للمدنيّين مجلسًا عامًّا ببغداد - وكان وفد إليه منهم جماعة - فقال: لينتسب كلّ من دخل عليّ منكم، فدخل عليه فيمن\n_________\n(١) الهيثم بن عدي متروك، والخبر لا يصح.","vol":"11","page":60},{"text":"دخل شابّ من ولد عمرو بن حزم، فانتسب ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، قال الأحوص فينا شعرًا، منعنا أموالنا من أجله منذ ستِّين سنة، فقال أبو جعفر: فأنشدني، فأنشده:\nلا تَأْوِيَنَّ لحَزمِيٍّ رأَيتَ به ... فقرًا وِإن أُلقِيَ الحَزْمِيُّ في النَّار (١)\nالنَّاخِسِين بِمَرْوان بذي خُشُبٍ ... والداخلين على عثمانَ في الدار\nقال: والشّعر في المدح للوليد بن عبد الملك؛ فأنشده القصيدة، فلما بلغ هذا الموضع قال الوليد: أذكرتَني ذنب آل حَزْم، فأمر باستصفاء أموالهم. فقال أبو جعفر: أعِدْ عليّ الشعر، فأعاده ثلاثًا، فقال له أبو جعفر: لا جرم، إنك تحتظِي بهذا الشعر كما حرِمت به، ثم قال لأبي أيّوب: هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا، ثم أمر أن يكتب إلى عمالة أن تردّ ضياع آل حزم عليهم، ويُعْطَوْا غلّاتها في كل سنة من ضياع بني أميَّة، وتقسَّم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ، ومن مات منهم وفِّر على ورثته. قال: فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من النَّاس.\nوحدّثني جعفر بن أحمد بن يَحْيَى، قال: حدّثني أحمد بن أسد، قال: أبطأ المنصور عن الخروج إلى النَّاس والركوب، فقال النَّاس: هو عليل، وكثروا، فدخل عليه الرَّبيع، فقال: يا أميرَ المؤمنين، لأمير المؤمنين طولُ البقاء، والنّاس يقولون، قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: عليل؛ فأطرق قليلًا ثم قال: يا ربيع، ما لنا وللعامّة! إنَّما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال، فإذا فُعل ذلك بها فما حاجتهم! إذا أقيم لهم مَنْ ينظر في أحكامهم فينصف بعضَهم من بعض، ويُؤمِن سبلَهم حتَّى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتَّى لا يجيئهم عدوّهم؛ وقد فعلنا ذلك بهم. ثم مكث أيامًا، وقال: يا ربيع، اضرب الطبل؛ فركِب حتَّى رآه العامة.\nوذكر عليّ بن محمَّد، قال: حدّثني أبي، قال: وجّه أبو جعفر مع محمَّد بن أبي العباس بالزنادقة والمُجَّان، فكان فيهم حماد عَجْرد، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجُون؛ وإنما أراد بذلك أن يبغّضه إلى النَّاس، فأظهر محمَّد أنَّه\n_________\n(١) الأغاني: (١/ ٢٦).","vol":"11","page":61},{"text":"يعشق زينب بنت سليمان بن عليّ، فكان يركب إلى المِربَد، فيتصدّى لها؛ يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر إليه؛ فقال محمَّد لحمَّاد: قل لي فيها شعرًا، فقال فيها أبياتًا، يقول فيها:\nيا ساكنَ المِرْبَدِ قد هِجْتَ لي ... شَوْقًا فما أنفكُّ بالمِرْبَدِ\nقال: فحدّثني أبي قال: كان المنصور نازلًا على أبي سنتين، فعرفت الخصيب المتطبّب لكثرة إتيانه إياه؛ وكان الخصيب يُظهر النصرانية وهو زِنديق معطّل لا يبالي مَنْ قتل، فأرسل إليه المنصور رسولًا يأمره أن يتوخى قتل محمَّد بن أبي العباس، فاتّخذ سمًّا قاتلًا، ثم انتظر عِلَّة تحدث بمحمد، فوجد حرارة، فقال له الخصيب: خذ شربة دواء، فقال: هَيِّئها لي، فهيّأها، وجعل فيها ذلك السمّ ثم سقاه إياها، فمات منها. فكتبت بذلك أمّ محمَّد بن أبي العباس إلى المنصور تعلمه أنّ الخصيب قتل ابنَها. فكتب المنصور يأمر بحمله إليه؛ فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطًا ضربًا خفيفًا، وحبسه أيامًا، ثم وهب له ثلثمائة درهم، وخلّاه.\nقال: وسمعتُ أبي يقول: كان المنصور شَرط لأمّ موسى الحميرية ألّا يتزوّج عليها ولا يتسرّى، وكتبت عليه بذلك كتابًا أكّدته وأشهدت عليه شهودًا، فعزب بها عشر سنين في سلطانه؛ فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهلِ الحجاز يستفتيه، ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق فيعرِض عليه الكتاب ليفتيه فيه برُخصة؛ فكانت أمّ موسى إذا علمتْ مكانه بادرتْه، فأرسلت إليه بمال جزيل، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برُخصة، حتَّى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد، فأتته وفاتها بحُلوان، فأهديت له في تلك الليلة مائة بِكْر؛ وكانت أم موسى ولدت له جعفرًا والمهديّ.\nوذكِر عن عليّ بن الجَعْد أنَّه قال: لما قدم بختيشوع الأكبر على المنصور من السوس، ودخل عليه في قَصْره بباب الذَّهب ببغداد، أمر له بطعام يتغدّى به، فلما وضعت المائدة بين يديه، قال: شراب، فقيل له: إن الشّراب لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين، فقال: لا آكل طعامًا ليس معه شراب، فأخبِر المنصور بذلك، فقال: دعوه، فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب، فتعشّى وشرب ماء دِجلة،","vol":"11","page":62},{"text":"فلما كان من الغد نظر إلى مائه، فقال: ما كنت أحسب شيئًا يُجزي من الشراب، فهذا ماء دِجلة يجزي من الشراب.\nوذكر عن يَحْيَى بن الحسن أن أباه حدّثه، قال: كتب المنصور إلى عامله بالمدينة أن بعْ ثمار الضياع ولا تبعها إلَّا ممَّن نغلبه ولا يغلبنا؛ فإنَّما يغلبنا المفلس الذي لا مال له، ولا رأي لنا في عذابه، فيذهب بما لنا قِبَله ولو أعطاك جزيلًا، وبعْها من الممكن بدون ذلك ممّن ينصفك ويوفيك.\nوذكر أبو بكر الهُذليّ أنّ أبا جعفر كان يقول: ليس بإنسان من أسْدِيَ إليه معروف فنسيه دون الموت.\nوقال الفضل بن الرَّبيع: سمعت المنصور يقول: كانت العرب تقول: الغَوَى الفادح خير من الرّيّ الفاضح.\nوذكر عن أبان بن يزيد العنبريّ أن الهيثم القارى البصريّ قرأ عند المنصور ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١)، إلى آخر الآية، فقال له المنصور: وجعل يدعو: اللَّهم جنّبني وبنيّ التبذير فيما أنعمت به علينا من عطيّتك.\nقال: وقرأ الهيثم عنده: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٢) فقال للنَّاس: لولا أنّ الأموال حصن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزّهما وزينتهما ما بتّ ليلة وأنا أحرز منه دينارًا ولا درهمًا، لما أجد لبذل المال من اللذاذة؛ ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة.\nودخل على المنصور رجل من أهل العلم، فازدراه واقتحمته عينُه، فجعل لا يسأله عن شيء إلَّا وجد عنده، فقال له: أنَّى لك هذا العلم! قال: لم أبخل بعلمٍ علمتُه، ولم أستح من علم أتعلّمه. قال: فمن هناك!\nقال: وكان المنصور كثيرًا ما يقول: مَنْ فعل بغير تدبير، وقال عن غير تقدير، لم يعدم من النَّاس هازئًا أو لاحيًا.\nوذكر عن قحطبة، قال: سمعت المنصور يقول: الملوك تحتمل كلَّ شيء من\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٢٦.\n(٢) سورة النساء: ٣٧.","vol":"11","page":63},{"text":"أصحابها إلَّا ثلاثًا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحُرْمة، والقدح في الملك.\nوذكر عليّ بن محمَّد أنّ المنصور كان يقول: سرُّك من دمك، فانظر مَنْ تُمَلِّكه.\nوذكر الزُّبير بن بكَّار، عن عمر، قال: لما حُمِل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: يا أمير المؤمنين، قِتْلة كريمة! قال: تركتها وراءك يا بن اللّخناء!\nوذكر عن عمر بن شبّة، أنّ قَحطبة بن غُدانة الجشميّ - وكان من الصّحابة - قال: سمعت أبا جعفر المنصور يخطب بمدينة السَّلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال: يا عباد الله، لا تظالموا، فإنَّها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم؛ ولو علمت مكان مَنْ هو أحقّ بهذا الأمر مني لأتيتُه حتَّى أدفَعه إليه.\nوذكر إسحاق الموصليّ، عن النضر بن حديد، قال: حدّثني بعض الصّحابة أنّ المنصور كان يقول: عقوبة الحليم التعريض، وعقوبة السفيه التصريح.\nوذكر أحمد بن خالد، قال: حدثني يَحْيَى بن أبي نصر القرشيُّ، أن أبانًا القارئ قرأ عند المنصور: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ..﴾ (١)، الآية فقال المنصور: ما أحسن ما أدّبنا رَبّنا!\nقال: وقال المنصور: مَنْ صنع مثل ما صُنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف فقد شكر، ومن شكر كان كريمًا، ومن علم أنَّه إنَّما صنع إلى نفسه لم يستبطئ النَّاس في شكرهم، ولم يستزدهم من مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكرَ ما آتيته إلى نفسك، ووقَيْت به عرضَك. وأعلم أن طالب الحاجة إليك لم يكرِم وجهه عن وجهك، فأكرم وجهَك عن ردّه.\nوذكر عمر بن شبّه أن محمَّد بن عبد الوهاب المهلبيّ، حدّثه، قال: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: لم يكن أحدٌ من بني العباس يتكلّم فيبلغ حاجته على\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٢٩.","vol":"11","page":64},{"text":"البديهة غير أبي جعفر وداود بن عليّ والعباس بن محمَّد.\nوذكر عن أبي توبة الرّبيع بن نافع، عن ابن أبي الجوزاء، أنَّه قال: قمت إلى أبي جعفر وهو يخطب ببغداد في مسجد المدينة على المنبر فقرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، فأخِذت فأدخلت عليه، فقال: مَن أنت ويلك! إنما أردتَ أن أقتلك، فأخرج عني فلا أراك. قال: فخرجت من عنده سليمًا.\nوقال عيسى بن عبد الله بن حميد: حدّثني إبراهيم بن عيسى، قال: خطب أبو جعفر المنصور في هذا المسجد - يعني به مسجد المدينة ببغداد - فلما بلغ: اتقوا الله حق تقاته، قام إليه رجل، فقال: وأنت يا عبد الله، فاتَّق الله حق تقاته ... فقطع أبو جعفر الخطبة، وقال: سمعًا سمعًا، لمن ذكّر بالله، هات يا عبد الله، فما تُقى الله؟ فانقطع الرجل فلم يقل شيئًا، فقال أبو جعفر: الله الله أيها النَّاس في أنفسكم، لا تحملونا من أموركم ما لا طاقة لكم به، لا يقوم رجل هذا المقام إلَّا أوجعتُ ظهره، وأطلت حبسه. ثم قال: خذه إليك يا ربيع، قال: فوثِقنا له بالنجاة - وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروهًا قال: خذه إليك يا مسيّب - قال: ثم رجع في خطبته من الموضع الذي كان قطعه، فاستحسن النَّاس ذلك منه، فلما فرغ من الصَّلاة دخل القصر؛ وجعل عيسى بن موسى يمشي على هِينته خلْفَه، فأحسّ به أبو جعفر، فقال: أبو موسى؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: كأنَّك خفتَني على هذا الرجل! قال: والله لقد سبق إلى قلبي بعضُ ذلك؛ إلَّا أن أمير المؤمنين أكثر علمًا، وأعلى نظرًا من أن يأتي في أمره إلَّا الحقّ، فقال: لا تخفني عليه. فلما جلس قال: عليّ بالرجل، فأتِيَ به، فقال: يا هذا؛ إنك لما رأيتَني على المنبر، قلت: هذا الطاغية لا يسعني إلَّا أن أكلِّمه، ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثَل لك؛ فاشغلها بظماء الهواجر، وقيام الليل، وتغبير قدميك في سبيل الله؛ أنطه يا ربيع أربعمائة درهم، واذهب فلا تعد.\nوذكر عن عبد الله بن صاعد، مولى أمير المؤمنين أنَّه قال: حجّ المنصور بعد\n_________\n(١) سورة الصف: ٢.","vol":"11","page":65},{"text":"بناء بغداد، فقام خطيبًا بمكة، فكان مما حفظ من كلامه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١)، أمرٌ مُبْرَمٌ، وقول عدْل، وقضاء فَصْل؛ والحمد لله الذي أفلج حجته، وبعدًا للقوم الظالمين؛ الذين اتخذوا الكعبة عرَضًا، والفيء إرثًا، وجعلوا القرآن عضين؛ لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطَّلة وقَصْرٍ مشيد؛ أهملهم الله حتَّى بدّلوا السنة، واضطهدوا العِترة، وعندوا واعتدوْا، واستكبروا وخاب كلُّ جبار عنيد؛ ثم أخذهم؛ فهل تحسّ منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزًا!\nوذكر الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: إن الأحداث لما تتابعت على أبي جعفر، تمثّل:\nتفرَّقت الظّباءُ على خِدَاشٍ ... فما يَدْرِي خداشٌ ما يَصِيدُ\nقال: ثم أمر بإحضار القوَّاد والموالي والصحابة وأهل بيته، وأمر حمّادًا التركي بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدّم والمسيّب بن زهير بأخذ الأبواب، ثم خرج في يوم من أيامه حتَّى علا المنبر. قال: فأزِمَ عليه طويلًا لا ينطق. قال رجل لشبيب بن شيبة: ما لأمير المؤمنين لا يتكلم! فإنَّه والله ممّن يهون عليه صِعاب القول، فما باله! قال: فافترع الخطبة، ثم قال:\nما لي أُكفْكِفُ عن سَعْدٍ ويشْتمنِي ... ولو شتمتُ بني سَعْدٍ لقد سكنوا\nجهلًا عليَّ وجُبْنًا عن عَدُوِّهمُ ... لبئست الخَلَّتان الجَهْلُ والجُبُنُ\nثم جلس وقال:\nفأَلقيتُ عن رَأسِي القناعَ ولم أَكنْ ... لأَكشِفَهُ إِلا لإِحْدَى العظائم\nوالله لقد عجزوا عن أمرٍ قمنا به، فما شكروا الكافي؛ ولقد مهّدوا فاستوعروا وغمطوا الحقّ وغمصوا، فماذا حاولوا! أشرب رنْقًا على غَصصٍ، أم أقيم على ضيم ومضَض! والله لا أكرم أحدًا بإهانة نفسي؛ والله لئن لم يقبلوا الحق ليطلُبنّه ثم لا يجدونه عندي؛ والسعيد مَنْ وُعظ بغيره. قدّم يا غلام، ثم ركب.\nوذكر الفقيميّ أنّ عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن مولى محمَّد بن عليّ حدّثه، أن المنصور لما أخذ عبد الله بن حسن وإخوته والنَّفر الذين كانوا معه من\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٠٥.","vol":"11","page":66},{"text":"أهل بيته، صعد المنبر، فحمَّد الله وأثنى عليه، ثم صَلَّى على النَّبيّ - ﷺ -، ثم قال: يا أهلَ خُراسان، أنتم شيعتُنا وأنصارنا وأهلُ دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا مَنْ هو خير منا، وإنّ أهلَ بيتي هؤلاء من ولد عليّ بن أبي طالب تركناهم والله الذي لا إله إلَّا هو والخلافةَ، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير؛ فقام فيها عليّ بن أبي طالب فتلطّخ وحكَّم عليه الحكَمين؛ فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثمّ وثبت عليه شيعتُه وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثمّ قام من بعده الحسن بن عليّ؛ فوالله ما كان فيها برجُل؛ قد عرِضت عليه الأموال، فقبلها، فدسّ إليه معاوية: إنِّي أجعلك وليَّ عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، وسلّمه إليه، فأقبل على النساء يتزوّج في كل يوم واحدة فيطلقها غدًا؛ فلم يزل على ذلك حتَّى مات على فِراشه، ثمّ قام من بعده الحسين بن عليّ، فخدعه أهل العراق وأهلُ الكوفة؛ أهل الشِّقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المَدَرة السوداء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرّق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتَّى قتِل، ثم قام من بعده زيد بن عليّ، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه؛ فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه؛ وقد كان أتى محمَّد بن عليّ، فناشده في الخروج وسأله ألّا يقبل أقاويل أهل الكوفة، قال له: إنا نجد في بعض علمنا، أنّ بعض أهل بيتنا يُصلَب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوبَ؛ وناشده عمّي داود بن عليّ وحذّره غدر أهل الكوفة فلم يقبل؛ وأتمّ على خروجه، فقتِل وصلب بالكُناسة، ثم وثب علينا بنو أميّة، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزّنا؛ والله ما كانت لَهم عندنا تِرَة يطلبونها؛ وما كان لهم ذلك كله إلّا فيهم وبسبب خروجهم عليهم؛ فنفوْنا من البلاد، فصرْنا مرَّة بالطائف، ومرّة بالشام، ومرّة بالشّراة؛ حتَّى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارًا، فأحيا شرَفنا، وعزّنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقِّكم أهلَ الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا - ﷺ -، فقرّ الحق مقرَّه، وأظهر مناره، وأعزّ أنصاره، وقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. فلما استقرت الأمور فينا على قرارها؛ من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا، ظلمًا وحسدًا منهم لنا، وبغيًا لما فضّلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه - ﷺ -.","vol":"11","page":67},{"text":"جَهْلًا عليّ وجُبْنًا عن عدوّهمُ ... لبئست الخَلَّتان الجَهْل والجُبْنُ\nفإنّي والله يا أهل خراسان ما أتيت من هَذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرّم، وقد دسست لهم رجالًا فقلت: قم يا فلان قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالًا يعملون عليه؛ فخرجوا حتَّى أتوْهم بالمدينة، فدسُّوا إليهم تلك الأموال؛ فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شابّ، ولا صغير ولا كبير إلَّا بايعهم بيعةً، استحللت بها دماءهم وأموالهم وحَلَّت لي عند ذلك بنقضِهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج عليّ؛ فلا يرون أني أتيتُ ذلك على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على دَرَج المنبر هذه الآية: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (١).\nقال: وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم، فقال:\nأيُّها النَّاس؛ لا تخرجُوا من أنسِ الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تُسرُّوا غشَّ الأئمة، فإنَّه لم يُسرّ أحد قطّ منكرةً إلَّا ظهرت في آثار يده، أو فلتاتِ لسانه؛ وأبداها الله لإمامه؛ بإعزاز دينه، وإعلاء حقه. إنا لن نبخسَكم حقوقَكم، ولن نبخَس الدّين حقه عليكم. إنَّه مَنْ نازعنا عُرْوة هذا القميص أجزَرْناه خبِيّ هذا الغمْد. وإن أبا مسلم بايعَنا وبايع النَّاس لنا، على أنَّه مَنْ نكث بنا فقد أباحَ دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا؛ ولم تمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه.\nوذكر إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أن الفَضل بن الرّبيع أخبره عن أبيه، قال: قال المنصور: قال أبي: سمعتُ أبي؛ علي بن عبد الله يقول: سادة الدُّنيا الأسخياء، وسادة الآخرة الأنبياء.\nوذكِر عن إبراهيم بنِ عيسى، أن المنصور غضب على محمَّد بن جُمَيْل الكاتب - وأصله من الرّبذة - فأمر ببطحه، فقام بحجَّته، فأمر بإقامته، ونظر إلى سراويله، فإذا هو كَتّان، فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درّة، وقال: لا تلبس سراويل كَتَّان فإنَّه من السرف.\nوذكر محمَّد بن إسماعيل الهاشميّ، أن الحسن بن إبراهيم حدّثه، عن\n_________\n(١) سورة سبأ: ٥٤.","vol":"11","page":68},{"text":"أشياخه، أن أبا جعفر لما قَتل محمَّد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بيَاخَمْرَى وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحمِل إليه، كتب إلى بني عليّ بن أبي طالب بالمدينة كتابًا يذكر لهم فيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه بمصر، وأنّه لم يفعل ذلك إلَّا عن رأيهم، وأنهم يدأبون في طلب السلطان، ويلتمسون بذلك القطيعة والعُقوق، وقد عجزوا عن عَدَاوة بني أميَّة لمّا نازعوهم السلطان، وضعفوا عن طلب ثأرهم؛ حتَّى وثب بنو أبيه غضبًا لهم على بني أميَّة، فطلبوا بثأرهم، فأدركوا بدمائهم، وانتزعوا السلطان عن أيديهم، وتمثّل في الكتاب بشعر سُبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعيّ:\nفَلولا دِفاعي عنكُمُ إِذ عَجَزْتُمُ ... وبالله أَحْمي عنكُمُ وأُدافِعُ\nلَضاعَتْ أُمور منكُمُ لا أَرى لها ... كفاةً وما لا يَحْفَظُ اللهُ ضائعُ\nفَسَمُّوا لنا مَنْ طَحْطَحَ النَّاسَ عنكُمُ ... ومن ذا الذي تُحْنَى عليه الأَصابعُ!\nوما زال منَّا قد عَلمْتمْ عليكُمُ ... على الدهر إِفْضال يُرَى وَمنافِع\nوما زال منكُمْ أَهْلُ غَدْرٍ وجَفْوةٍ ... وبالله مُغْتَرّ وللرّحْم قاطعُ\nوإن نحن غِبْنا عنكُم وَشَهِدْتُمُ ... وَقائعَ منكمْ ثَمَّ فيها مقانِعُ\nوإنا لَنَرْعاكم وترعون شَأْنكم ... كذاك الأُمور؛ خافضات رَوافِعُ!\nوهل تَعْلُوَنْ أَقدامُ قوْمٍ صُدورَهمْ ... وهل تعْلُوَنْ فوق السَّنام الأكَارعُ!\nوَدَبَّ رِجالٌ للرِّياسَةِ منكمُ ... كما دَرَجَتْ تحْتَ الغديرِ الضَّفَادعُ؟\nوذكر عن يَحْيَى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: كان أرزاق الكتاب والعمّال أيَّام أبي جعفر ثلثمائة درهم؛ فلما كانت كذلك لم تزل على حالها إلى أيَّام المأمون، فكان أوّل مَنْ سنّ زيادة الأرزاق الفضل بن سهل، فأمَّا في أيَّام بني أميَّة وبني العباس فلم تنزل الأرزاق من الثلثمائة إلى ما دونها، كان الحجّاج يُجرِي على يزيد بن أبي مسلم ثلثمائة درهم في الشهر.\nوذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى، أنّ ولاة البريد في الآفاق كلِّها كانوا يكتبون إلى المنصور أيَّام خلافته في كلّ يوم بسعر القمح والحبوب والأُدْم، وبسعْرِ كلّ مأكول، وبكلّ ما يقضي به القاضي في نواحيهم، وبما يعمل به الوالي وبما يرد بيتَ المال من المال، وكلّ حدث، وكانوا إذا صلَّوا المغرب يكتبون إليه بما كان في كلّ ليلة إذا صلّوا الغداة؛ فإذا وردت كتبهم نظر فيها، فإذا رأى","vol":"11","page":69},{"text":"الأسعار على حالها أمسك، وإن تغيّر شيء منها عن حاله كتب إلى الوالي والعامل هناك، وسأل عن العلّة التي نقلت ذاك عن سعره؛ فإذا ورد الجواب بالعلّة تلطف لذلك برفقه حتَّى يعود سعره ذلك إلى حاله؛ وإن شك في شيء مما قضى به القاضي كتب إليه بذلك؛ وسأل من بحضرته عن عمله؛ فإن أنكر شيئًا عمل به كتب إليه يوبِّخه ويلومه.\nوذكر إسحاق الموصليّ أن الصّبّاح بن خاقان التميميّ، قال: حدّثني رجل من أهلي، عن أبيه، قال: ذُكِر الوليد عند المنصور أيَّام نزوله بغداد وفروغه من المدينة، وفراغه من محمَّد وإبراهيم ابني عبد الله، فقالوا: لعن الله الملحد الكافر - قال: وفي المجلس أبو بكر الهذلي وابن عياش المنتوف والشّرقيّ بن القطاميّ، وكل هؤلاء من الصّحابة - فقال أبو بكر الهذليّ: حدثني ابن عمٍّ للفرزدق، عن الفرزدق، قال: حضرت الوليد بن يزيد وعنده ندماؤه وقد اصطبح، فقال لابن عائشة: تغنَّ بشعر ابن الزِّبَعْرَى:\nلَيْتَ أَشْيَاخي ببَدْرٍ شَهِدُوا ... جزَع الخَزْرَجِ من وقعِ الأَسَلْ\nوقتلْنا الضِّعْفَ من ساداتِهِمْ ... وعَدَلنا مَيْلَ بَدْرٍ فاعْتَدلْ\nفقال ابن عائشة: لا أغنّي هذا يا أمير المؤمنين؛ فقال: غَنِّه وإلا جدعتُ لهَواتِك، قال: فغنَّاه، فقال: أحسنت والله! إنَّه لعلى دينِ ابن الزّبَعْرَى يوم قال هذا الشعر. قال: فلعنه المنصور ولعنه جلساؤه؛ وقال: الحمد لله على نعمته وتوحيده.\nوذكر عن أبي بكر الهذليّ، قال: كتب صاحب إرمينيَة إلى المنصور: إن الجند قد شَغَبوا عليه، وكسروا أقفال بيت المال، وأخذوا ما فيه، فوقع في كتابه: اعتزل عملنَا مذمومًا، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينتبهوا.\nوقال إسحاق الموصليّ، عن أبيه: خرج بعضُ أهل العبث على أبي جعفر بِفِلسطين، فكتب إلى العامل هناك: دمه في دمك إلَّا توجّهه إليّ؛ فجدّ في طلبه، فظفر به فأشخِص، فأمر بإدخاله عليه، فلمَّا مثل بين يديه، قال له أبو جعفر: أنت المتوثِّب على عُمَّالي! لأنثرنَّ من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك، فقال له - وقد كان شيخًا كبير السنّ - بصوت ضعيف ضئيل غير مستعلٍ:\nأَتَرُوضُ عِرْسَكَ بَعدَ ما هَرِمتْ ... ومنَ العَناءِ رياضَةُ الهَرِمَ","vol":"11","page":70},{"text":"قال: فلم تتبيَّن للمنصور مقالته، فقال: يا ربيع، ما يقول؟ فقال: يقول:\nالعَبْدُ عبدُكمُ والمالُ مالكُمُ ... فهلْ عذابُك عني اليومَ مُنْصَرِفُ!\nقال: يا ربيع، قد عفوتُ عنه؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن ولايته.\nقال: ورُفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنَّه أخذ حدًّا من ضيعته، فأضافه إلى ماله، فوقّع إلى عامله في رقعة المتظلم: إن آثرتَ العدل صحبتْك السلامة، فأنصف هذا المتظلّم من هذه الظلامة.\nقال: ورفع رجل من العامّة إليه رقعة في بناء مسجد في محلته، فوقّع في رقعته: من أشراط الساعة كثرة المساجد، فزد في خطاك تزدد من الثواب.\nقال: وتظلّم رجل من أهل السواد من بعض العمال، في رقعة رفعها إلى المنصور، فوقّع فيها: إن كنت صادقًا فجئ به ملبّبًا قد أذنَّا لك في ذلك.\nوذكر عمر بن شبّة أن أبا الهذيل العلّاف حدّثه، أن أبا جعفر قال: بلغني أن السيّد بن محمَّد ماتَ بالكرْخ - أو قال: بواسط - ولم يدفنوه، ولئن حقّ ذلك عندي لأحرقنّها. وقيل: إن الصَّحيح أنَّه مات في زمان المهديّ بكَرْخ بغداد، وأنهم تحامَوْا أن يدفنوه، وأنَّه بعث بالرّبيع حتَّى ولي أمره، وأمَره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازِلهم، فدُفع ربيع عنهم.\nوقال المدائنيّ، لما فرغ المنصور من محمَّد وإبراهيم وعبد الله بن عليّ وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار ببغداد، واستقامت له الأمور، كان يتمثّل هذا البيت:\nتبيت من البلوَى على حدّ مُرهَفٍ ... مرارًا ويكْفي الله ما أنت خائفُ\nقال: وأنشدني عبد الله بن الرَّبيع، قال: أنشدني المنصور بعد قتل هؤلاء:\nوربّ أمورٍ لا تَضِيرُكَ ضيْرَةً ... وللقلب من مَخشاتِهنّ وَجيبُ\nوقال الهيثم بن عدي: لما بلغ المنصور تفرّق ولد عبد الله بن حسن في البلاد هربًا من عقابه، تمثّل:\nإِنَّ قناتي لَنبْعٌ لا يُؤيّسهُا ... غَمزُ الثِّقاف ولا دُهْن ولا نارُ\nمتى أجِرْ خائفًا تأْمَنْ مَسَارحُه ... وإِن أُخِفْ آمِنًا تَقلَقْ به الدارُ\nسيرُوا إِليَّ وغُضُّوا بعض أَعْيُنِكم ... إِنِّي لكل امرئٍ من جاره جارُ","vol":"11","page":71},{"text":"وذكر عليّ بن محمَّد عن واضح مولى أبي جعفر، قال: أمرني أبو جعفر أن أشتريَ له ثوبيْن ليّنين، فاشتريتهما له بعشرين ومائة درهم، فأتيته بهما، فقال: بكم؟ فقلت: بثمانين درهمًا، قال: صالحان، استحِطّه؛ فإنّ المتاع إذا أُدخل علينا ثم رُدّ على صاحبه كسره ذلك. فأخذتُ الثوبين من صاحبهما فلما كان من الغد حملتُهما إليه معي، فقال: ما صنعت؟ قلت: رددتهما عليه فحطّني عشرين درهمًا، قال: أحسنتَ؛ اقطع أحدَهما قميصًا، واجعل الآخر رداء لي. ففعلتُ، فلبس القميص خمسة عشر يومًا لم يلبس غيرَه.\nوذكر مولىً لعبد الصَّمد بن عليّ، قال: سمعتُ عبدَ الصَّمد يقول: إنّ المنصور كان يأمر أهلَ بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة وبلزوم الوشْي والطّيب؛ فإن رأى أحدًا منهم قد أخلّ بذلك أو أقل منه، قال: يا فلان، ما أرى وبيص الغالية في لحيتك؛ وإني لأراها تلمع في لحية فلان؛ فيشحذهم بذلك على الإكثار من الطّيب ليتزين بهيئتهم وطيب أرواحهم عند الرعيّة، ويزيّنهم بذلك عندهم؛ وإن رأى على أحد منهم وشيًا طاهرًا عضه بلسانه.\nوذكِر عن أحمد بن خالد، قال: كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيرًا عن حديث عجلان بن سُهيل، أخي حوثرة بن سُهيل، قال: كنَّا جلوسًا مع عجلان، إذ مرَّ بنا هشام بن عبد الملك، فقال رجل من القوم: قد مرّ الأحول، قال: مَن تعني؟ قال: هشامًا، قال: تسمِّي أمير المؤمنين بالنّبَز! والله لولا رَحِمُك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات.\nوقال أحمد بن خالد: قال إبراهيم بن عيسى: كان للمنصور خادم أصفرُ إلى الأدْمة، ماهر لا بأس به، فقال له المنصور يومًا: ما جنسك؟ قال: عربيّ يا أمير المؤمنين، قال: ومنْ أي العرب أنت؟ قال: من خَوْلان، سُبيتُ من اليمن، فأخذني عدوّ لنا، فجبَّنِي فاسترققت، فصرت إلى بعض بني أميَّة، ثم صرت إليك. قال: أمّا إنك نعم الغلام؛ ولكن لا يدخل قصري عربيّ يخدُم حُرَمي، أخرج عافاك الله؛ فاذهب حيث شئت!\nوذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن معاوية بن بكر - وكان من الصّحابة - أنّ المنصورَ ضمّ رجلًا من أهل الكوفة، يقال له الفُضيل بن عمران، إلى ابنه جعفر، وجعله كاتبًا، وولّاه أمرَه، فكان منه بمنزلة أبي عبيد الله من","vol":"11","page":72},{"text":"المهديّ، وقد كان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهديّ، فنصبت أم عبيد الله حاضنةُ جعفر للفُضيل بن عمران، فسعتْ به إلى المنصور، وأومأت إلى أنَّه يعبث بجعفر. قال: فبعث المنصور الريّان مولاه وهارون بن غَزْوان مولى عثمان بن نهيك إلى الفُضيل - وهو مع جعفر بحديثة الموصل - وقال: إذا رأيتما فُضيلًا فاقتلاه حيث لقيتماه، وكتب لهما كتابًا منشورًا، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به، وقال: لا تدفعا الكتابَ إلى جعفر حتَّى تفرُغا من قتله. قال: فخرجا حتَّى قدِما على جعفر، وقعدا على بابه ينتظران الإذن؛ فخرج عليهما فُضيل، فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور، فلم يعرِض لهما أحدٌ؛ فضربا عنقه مكانه، ولم يعلم جعفر حتَّى فرغا منه - وكان الفُضيل رجلًا عفيفًا ديِّنًا - فقيل للمنصور: إنّ الفضيل كان أبرأ النَّاس مما رُمِيَ به، وقد عجِلتَ عليه. فوجَّه رسولًا، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتَل، فقدم الرسول قبل أن يجفّ دمه.\nفذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر، أنّ جعفرًا أرسل إليه، فقال: ويلك! ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف ديّن مسلم بلا جُرْم ولا جناية! قال سويد: فقلت: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء؛ وهو أعلم بما يصنع؛ فقال: يا ماصّ بظر أمّه، أكلّمك بكلام الخاصّة وتكلمني بكلام العامة! خذوا برجله فألقوه في دِجْلة. قال فأخذت، فقلت: أكلّمك، فقال: دعوه، فقلت: أبوك إنَّما يُسأَل عن فُضيل، ومتى يُسْألُ عنه، وقد قتل عمّه عبد الله بن عبد الله بن عليّ، وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله - ﷺ - ظلمًا، وقتل أهل الدّنيا ممن لا يُحصى ولا يعدّ! هو قبل أن يُسأل عن فضيل جُرذانة تجبّ خصي فرعون قال: فضحك، وقال: دعوه إلى لعنة الله.\nوقال قعنَب بن محرز: أخبرنا محمَّد بن عائد مولى عثمان بن عفَّان أن حفصًا الأمويّ الشَّاعر، كان يقال له حفص بن أبي جُمعة، مولى عبّاد بن زياد، وكان المنصور صيّره مؤدبًا للمهديّ في مجالسه، وكان مدّاحًا لبني أميَّة في أيَّام بني أميّة وأيّام المنصور، فلم ينكِر عليه ذلك المنصورُ، ولم يزل مع المهديّ أيَّام ولايته العهد؛ ومات قبل أن يلِي المهدي الخلافة. قال: وكان مما مدح به بني أميّة قوله:","vol":"11","page":73},{"text":"أَينَ رَوْقا عبد شمسٍ أَيْنَ هُمْ ... أَين أَهلُ الباع منهم والحَسبْ!\nلم تكْن أَيْدٍ لهم عندكُمُ ... ما فَعلتمْ آل عبدِ المطلبْ!\nأَيها السّائل عنهمُ أُولو ... جُثَث تلمعُ من فوْق الخشبْ\nإِنْ تجُذُّوا الأَصلَ منهمْ سَفهًا ... يا لَقَوْم للزمان المنقلِبْ!\nإِنْ فاحلبُوا ما شئتمُ في صَحْنكمْ ... فسَتُسقَون صَرَى ذاك الحَلبْ\nوقيل: إن حفصًا الأمويّ دخل على المنصور، فكلّمه فاستخبره، فقال له: من أنت؟ فقال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: مولىً لي مثلك لا أعرفه! قال: مولى خادمٍ لك عبد مناف يا أمير المؤمنين؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم أنَّه مولىً لبني أميّة، فضمّه إلى المهديّ، وقال له: احتفظ به.\n* * *\nومما رُثي به قول سَلْم الخاسر:\nعجبًا للذي نَعَى الناعيانِ ... كيف فاهت بموته الشفتان!\nمَلكٌ إِن غَدَا على الدَّهرِ يومًا ... أصبحَ الدَّهرُ ساقطًا للجِرَانِ\nلَيْت كفًّا حثَتْ عليه ترابًا ... لم تَعُدْ في يمينها ببَنَان\nحين دانَتْ له البلادُ على العَسْـ ... ـف وأغضَى من خوفه الثَّقَلَانِ\nأَينَ ربُّ الزَّوْراءِ قد قلّدَتْهُ الـ ... ـملكَ، عشرون حجَّةَ واثنتان\nإِنّما المرءُ كالزناد إِذا ما ... أخَذَتْهُ قوادحُ النِّيرانِ\nليس يثني هَواه زجرٌ ولا يقـ ... ـدح في حَبْله ذَوو الأَذهانِ\nقَلَّدَتهُ أَعِنَّةُ المُلك حتَّى ... قاد أعداءه بغير عنان\nيكْسَرُ الطَّرْفُ دونه وترى الأَيـ ... ـدِيَ من خوفِهِ على الأَذقانِ\nضمَّ أطرافَ مُلكه ثم أَضحَى ... خَلْفَ أقصاهُمُ ودونَ الدّاني\nهاشِمِيُّ التَّشميرِ لَا يَحْمِلُ الثِّقـ ... ـل على غاربِ الشَّرُودِ الهدَانِ\nذو أَناةٍ ينسَى لها الخائفً الخَو ... فَ وعزم يُلوِي بكلِّ جَنَانِ\nذَهَبتْ دونه النفوسُ حِذارًا ... غير أَنَّ الأَرواحَ في الأَبدانِ\n* * *","vol":"11","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1716>ذكر أسماء ولده ونسائه</span>\nفمن ولده المهديّ - واسمه محمَّد - وجعفر الأكبر، وأمّهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميريّ؛ وكانت تكنى أم موسى؛ وهلك جعفر هذا قبل المنصور.\nوسليمان وعيسى ويعقوب، وأمهم فاطمة بنت محمَّد، من ولد طلحة بن عبيد الله.\nوجعفر الأصغر، أمّه أمّ ولد كرديّة، كان المنصور اشتراها فتسرّاها، وكان يقال لابنها: ابن الكرديّة.\nوصالح المسكين، أمّه أم ولد روميّة، يقال لها قالى الفرّاشة.\nوالقاسم، مات قبل المنصور، وهو ابن عشر سنين، وأمه أم ولد تعرف بأم القاسم، ولها بباب الشأم بستان يعرف إلى اليوم ببستان أمّ القاسم.\nوالعالية، أمّها امرأة من بني أميّة، زوّجها المنصور من إسحاق بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وذكر عن إسحاق بن سليمان أنَّه قال: قال لي أبي: زوّجتك يا بنيّ أشرف النَّاس؛ العالية بنت أمير المؤمنين. قال: فقلت: يا أباه، مَنْ أكفاؤنا؟ قال: أعداؤنا من بني أميّة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>ذكر الخبر عن وصاياه</span>\nذكر عن الهيثم بن عديّ أن المنصور أوصى المهديّ في هذه السنة لما شخص متوجِّهًا إلى مكّة في شوّال، وقد نزل قصر عَبْدويه، وأقام بهذا القصر أيامًا والمهديّ معه يوصيه، وكان انقضّ في مقامه بقصر عبدويه كوكب، لثلاثٍ بقِينَ من شوّال بعد إضاءة الفجر، وبقي أثره بيِّنًا إلى طلوع الشَّمس، فأوصاه بالمال والسلطان؛ يفعل ذلك كلّ يوم من أيَّام مقامه بالغدَاة والعشيّ، لا يفتر عن ذلك، ولا يفترقان إلّا تحريكًا. فلما كان اليوم الذي أراد أن يرتحل فيه، دعا المهديّ، فقال له: إنِّي لم أدع شيئًا إلَّا قد تقدمتُ إليك فيه، وسأوصيك بخصال والله","vol":"11","page":75},{"text":"ما أظنك تفعل واحدة منها - وكان له سَفَط فيه دفاتر علمه، وعليه قُفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدًا، يصرّ مفتاحه في كمّ قميصه. قال: وكان حمّاد التركيّ يقدّم إليه ذلك السّفَط إذا دعا به، فإذا غاب حماد أو خرج كان الذي يليه سلمة الخادم - فقال للمهديّ: انظر هذا السَّفَط فاحتفظ به؛ فإنّ فيه علم آبائك. ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن أحزنك أمر فانظر في الدّفتر الأكبر؛ فإن أصبتَ فيه ما تريد، وإلا فالثاني والثالث؛ حتَّى بلغ سبعة؛ فإن ثقل عليك فالكرّاسة الصغيرة؛ فإنَّك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة؛ فإياك أن تستبدل بها؛ فإنها بيتك وعزّك، قد جمعتُ لك فيها من الأموال ما إن كُسِر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذريّة ومصلحة الثغور؛ فاحتفظ بها، فإنَّك لا تزال عزيزًا ما دام بيت مالك عامرًا، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك؛ أن تُظهر كرامتهم وتقدّمهم وتكثر الإحسان إليهم، وتعظِّم أمرَهم، وتوطئ النَّاس أعقابهم، وتولّيهم المنابر؛ فإنّ عزّك عزّهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليَك، فأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم فإنهم مادّتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خُراسان خيرًا، فإنهم أنصارك وشيعتُك الَّذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومَنْ لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسِن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلُف مَن مات منهم في أهله وولده، وما أظنّك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقيّة فإنَّك لا تتم بناءها، وما أظنّك تفعل. وإيَّاك أن تستعين برجل من بني سُليم، وأظنّك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في مشورتِك في أمرك، وأظنك ستفعل.\nوقال غير الهيثم: إنّ المنصور دعا المهديّ عند مسيره إلى مكّة، فقال: يا أبا عبد الله، إنِّي سائر وإني غير راجع؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! فاسأل الله بركة ما أقدم عليه، هذا كتاب وصيتي مختومًا، فإذا بلغك أني قد متّ، وصار الأمر إليك فانظر فيه، وعليّ دينٌ فأحبّ أن تقضِيَه وتضْمَنه، قال: هو عليّ يا أميرَ المؤمنين، قال: فإنَّه ثلثمائة ألف درهم ونيّف، ولست أستحلُّها من بيت مال المسلمين، فاضمنها عني، وما يفضي إليك من الأمر أعظم منها. قال: أفعل، هو عليّ. قال: وهذا القصر ليس هو لكَ، هو لي، وقصري بنيتُه","vol":"11","page":76},{"text":"بمالي، فأحبّ أن تصيّر نصيبَك منه لإخوتك الأصاغر. قال: نعم، قال: ورقيقي الخاصة هم لك، فاجعلهم لهم، فإنَّك تصير إلى ما يُغنيك عنهم، وبهم إلى ذلك أعظم الحاجة. قال: أفعل، قال: أما الضياع، فلست أكلِّفك فيها هذا، ولو فعلتَ كان أحبَّ إليّ، قال: أفعل، قال: سلمْ إليهم ما سألتك من هذا، وأنت معهم في الضياع. قال: والمتاع والثياب، سلِّمه لهم، قال: أفعل. قال: أحسنَ الله عليك الخلافة ولك الصُّنعْ! اتق الله فيما خَوّلك وفيما خلَّفتُك عليه.\nومضى إلى الكوفة، فنزل الرُّصافة، ثمّ خرج منها مهلًا بالعمرة والحجّ، قد ساق هَديَه من البُدْن، وأشعر وقلّد؛ وذلك لأيام خلتْ من ذي القعدة.\nوذكر أبو يعقوب بن سليمان، قال: حدثتني جَمرة العطَارة - عطّارة أبي جعفر - قالت: لما عزم المنصور على الحج دعا رَيْطة بنت أبي العباس امرأة المهديّ - وكان المهديّ بالريّ قبل شخوص أبي جعفر - فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم إليها وأحلفها، ووكّد الإيمان ألّا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تُطلع عليها أحدًا إلَّا المهديّ؛ ولا هي؛ إلّا أن يصحّ عندها موته، فإذا صحّ ذلك اجتمعتْ هي والمهديّ وليس معهما ثالث؛ حتَّى يفتحا الخزانة. فلما قدِم المهديّ من الرّيّ إلى مدينة السَّلام، دفعت إليه المفاتيح، وأخبرتْه من أنْلمنصور أنَّه تقدَّم إليها فيه ألّا يفتحه ولا يُطلع عليه أحدًا حتَّى يصحّ عندها موتُه. فلما انتهى إلى المهديّ موتُ المنصور ووليَ الخلافة، فتح الباب ومعه ريْطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدّة كثيرة، فلما رأى ذلك المهديّ ارتاع لما رأى، وأمر فحفِرت لهم حفيرة فدُفنوا فيها، وعمِل عليهم دكان.\nوذُكِر عن إسحاق بن عيسى بن عليّ، عن أبيه، قال: سمعتُ المنصور وهو متوجّه إلى مكّة سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو يقول للمهديّ عند وداعه إياه: يا أبا عبد الله؛ إنِّي وُلدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة؛ وإنَّما حداني على الحجّ ذلك، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي؛ يجعل لك فيما كَرَبك وحزَنك مخرجًا - أو قال: فَرجًا ومخرجًا - ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث","vol":"11","page":77},{"text":"لا تحتسب. احفظ يابنيّ محمدًا - ﷺ - في أمّته يحفظ الله عليك أمورَك. وإياك والدّم الحرام، فإنَّه حَوْب عند الله عظيم، وعارٌ في الدُّنيا لازم مقيم. والزم الحلال؛ فإن ثوابَك في الآجل، وصلاحك في العاجل. وأقم الحدود ولا تعتدِ فيها فتبور؛ فإن الله لو علم أنّ شيئًا أصلحُ لدينه وأزجرُ من معاصيه من الحدود لأمر به في كتابه. وأعلم أنّ من شدّة غضب الله لسلطانه، أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على مَنْ سعى في الأرض فسادًا، مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم، فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١) الآية. فالسلطان يابنيّ حبْل الله المتين، وعُروته الوثقَى، ودين الله القَيّم، فاحفظه وحُطْه وحصّنه، وذُبَّ عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقْمَع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمَثُلات بهم؛ ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. واحكم بالعدل ولا تُشْطِط؛ فإن ذلك أقطعُ للشَّغَب، وأحسم للعدوّ، وأنجع في الدواء. وعفّ في الفيء، فليْس بك إليه حاجة مع ما أخلَفه لك، وافتتح عملك بصلةِ الرَّحِم وبرّ القرابة. وإياك والأثَرة والتبذير لأموال الرّعية. واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمِّن السبل، وخصّ الواسطة، ووسِّع المعاش، وسكِّن العامة، وأدخل المرافق عليهم، واصرف المكاره عنهم، وأعدّ الأموال واخزنها. وإيّاك والتبذير؛ فإن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة، وهي من شيَم الزّمان. وأعدّ الرجال والكُراع والجند ما استطعت. وإيّاك وتأخيرَ عمل اليوم إلى غد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع. جِدَّ في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولًا فأولًا، واجتهد وشمّر فيها، وأعدد رجالًا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالأ بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل، واستعمل حسنَ الظن بربك، وأسئ الظن بعمَّالك وكتابك. وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقَّد مَنْ يبيت على بابك، وسهّل إذنَك للنَّاس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكِّل بهم عينًا غير نائمة، ونفسًا غير لاهية، ولا تنم فإنّ أباك لم ينمْ منذ وليَ الخلافة، ولا دخل عينه غمض إلّا وقلبه مستيقظ. هذه وصيّتي إليك، والله خليفتي عليك.\nقال: ثم ودّعه وبكى كلّ واحد منهما إلى صاحبه.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٣٣.","vol":"11","page":78},{"text":"وذكر عمر بن شبّة عن سعيد بن هريم، قال: لما حجّ المنصور في السنة التي تُوفّيَ فيها شيّعه المهديّ، فقال: يابنيّ، إنِّي قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها؛ ولست أخاف عليك إلَّا أحدَ رجلين: عيسى بن موسى، وعيسى بن زيد؛ فأمَّا عيسى بن موسى فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلتُه، ووالله لو لم يكن إلَّا أن يقول قولًا لما خفتُه عليك، فأخرجه من قلبك. وأمَّا عيسى بن زيد فأنفِق هذه الأموال واقتل هؤلاء الموالي، واهدم هذه المدينة حتَّى تظفر به، ثم لا ألومك (١).\nوذكر عيسى بن محمَّد أنّ موسى بن هارون حدّثه، قال: لما دخل المنصور آخرَ منزل نزَله من طريق مكّة، نظر في صدر البيت الذي نزل فيه، فإذا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم.\nأَبا جعفرٍ حانَتْ وَفاتُكَ وانقَضَتْ ... سِنُوك، وأَمرُ الله لا بدَّ واقعُ\nأَبا جعفر هل كاهن أَو مُنجّم ... لك اليومَ من حَرّ المَنِيَّة مانعُ!\nقال: فدعا بالمتولي لإصلاح المنازل، فقال له: ألم آمرك ألّا يدخل المنزل أحدٌ من الدّعّار! قال: يا أميرَ المؤمنين؛ والله ما دخلها أحد منذ فُرغ منها، فقال: اقرأ ما في صدر البيت مكتوبًا، قال: ما أرى شيئًا يا أميرَ المؤمنين، قال: فدعا برئيس الحجَبة، فقال: اقرأ ما على صدر البيت مكتوبًا، قال: ما أرى على صدر البيت شيئًا، فأملى البيتين فكُتِبا عنه، فالتفت إلى حاجبه فقال: اقرأ لي آية من كتاب الله جلّ وعز تشوّقني إلى الله ﷿، فتلا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، فأمر بفكَّيْه فوُجئا. وقال: ما وجدت شيئًا تقرؤه غير هذه الآية! فقال: يا أميرَ المؤمنين، مُحِي القرآن من قلبي غير هذه الآية، فأمر بالرّحيل عن ذلك المنزل تطيُّرًا مما كان، وركب فرسًا، فلما كان في الوادي الذي يقال له سَقَر - وكان آخر منزل بطريق مكّة - كبا به الفرس، فدقّ ظهره، ومات فدفن ببئر ميمون.\n_________\n(١) سعد بن هريم مجهول والخبر لا يصح. والمتتبع لروايات الطبري يرى أنَّها تشبه مثيلاتها من الرِّوايات المختلقة حول وصايا الخلفاء لأبنائهم والله أعلم.","vol":"11","page":79},{"text":"وذكر عن محمَّد بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: أخبرني رجل من العلماء وأهل الأدب، قال: هتف بأبي جعفر هاتف من قصره بالمدينة فسمعه يقول:\nأَما وربِّ السُّكونِ والحَرَكِ ... إِنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ\nعليكِ يا نفسُ إِن أَسأْتِ وِإنْ ... أَحْسَنْتِ بالقَصْدِ، كلُّ ذاكَ لَكِ\nما اخْتلَفَ اللَّيلُ والنهارُ ولَا ... دارَت نُجومُ السماء في الفَلَكِ\nإِلا بِنَقْلِ السُّلْطان عن مَلكٍ ... إِذا انقضَى مُلكهُ إِلى مَلِكِ\nحتَّى يصيرَا به إلى مَلِكٍ ... ما عِزُّ سُلطانه بِمُشتَرَكِ\nذاك بديعُ السماء والأَرض والمُرْ ... سِي الجبالِ المُسخِّرُ الفلَكِ\nفقال أبو جعفر: هذا والله أوان أجَلِي.\nوذكر عبد الله بن عبيد الله، أنّ عبد العزيز بن مُسلم حدّثه أنَّه قال: دخلت على المنصور يومًا أسلِّم عليه؛ فإذا هو باهت لا يُحير جوابًا، فوثبت لما أرى منه، أريد الانصراف عنه، فقال لي بعد ساعة: إنِّي رأيت فيما يرى النائم؛ كأن رجلًا ينشدني هذه الأبيات:\nأأُخَيَّ أَخفِض مِن مُنَاكا ... فكأَنَّ يَوْمَكَ قد أَتَاكَا\nولقد أَرَاك الدَّهْرُ مِنْ ... تَصرِيفِه ما قَدْ أَراكَا\nفإِذا أَرَدْتَ النَّاقِصَ الـ ... ـعبدَ الذَّلِيلَ فأَنت ذَاكَا\nمُلِّكْتَ ما مُلِّكْتَهُ ... والأَمرُ فيه إِلى سِوَاكَا\nفهذا الذي ترى من قلقي وغَمِّي لما سمعت ورأيت. فقلت: خيرًا رأيتَ يا أمير المؤمنين. فلم يلبث إلى أن خرج إلى الحجّ فمات لوجهه ذاك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>ذكر الخبر عن صفة العقد الذي عُقِد للمهديّ بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة</span>\nذكر عليّ بن محمَّد النوفليّ أن أباه حدّثه، قال: خرجت في السنة التي مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة، وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة، فلقيتُه بذات عِرْق، ثم سرت معه، فكان كلَّما ركب عرضتُ له فسلّمت عليه،","vol":"11","page":80},{"text":"وقد كان أدنف وأشفى على الموت، فلما صار ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكّة، فقضيتُ عُمرتي، ثم كنت اختلف إلى أبي جعفر إلى مَضْربه، فأقيم فيه إلى قريب من الزّوال، ثم أنصرف - وكذلك كان يفعل الهاشميّون - وأقبلت علّته تشتدّ وتزداد، فلما كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم؛ فصليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر، ثم ركبتُ في ثوبيّ متقلدًا السيف عليهما، وأنا أساير محمَّد بن عون بن عبد الله بن الحارث - وكان من سادة بني هاشم ومشايخهم؛ وكان في ذلك اليوم عليه ثوبان مورّدان قد أحرم فيهما، متقلّدًا السيف عليهما - قال: وكان مشايخ بني هاشم يحبّون أن يُحرِموا في المورّد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول عليّ بن أبي طالب فيه. فلما صرنا بالأبطح لقيَنا العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان في خيل ورجال يدخلان مكّة، فعدلنا إليهما، فسلّمنا عليهما ثم مضينا، فقال لي محمَّد بن عون: ما ترى حال هذين ودخولهما مكّة؟ قلت: أحسب الرّجُل قد مات؛ فأرادا أن يحصّنا مكّة؛ فكان ذلك كذلك، فبينا نحن نسير، إذا رجل خفيّ الشَّخْص في طِمْرين، ونحن بعد في غَلَس، قد جاء فدخل بين أعناق دابتيْنا، ثم أقبل علينا، فقال: مات والله الرجل! ثم خفي عنا، فمضينا نحن حتَّى أتينا العسكر، فدخلنا السرادق الذي كُنَّا نجلس فيه في كلّ يوم؛ فإذا بموسى بن المهديّ قد صدِّرَ عند عَمُود السرادق؛ وإذا القاسم بن منصور في ناحية السّرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عِرْق، إذا ركب المنصور بعيرَه جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة، ويؤمَر النَّاس أن يرفعوا القصص إليه - قال: فلما رأيته في ناحية السرادق ورأيت موسى مصدّرًا، علمت أنّ المنصور قد مات. قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد، فجلس إلى جنبي، فصارت فخِذه على فخذي، وجاء النَّاس حتَّى ملؤوا السرادق، وفيهم ابن عيّاش المنتوف؛ فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا همسًا من بكاء. فقال لي الحسن: أترى الرجل مات! قلت: لا أحسب ذلك؛ ولكن لعله ثقِيل، أو أصابته غَشْية، فما راعنا إلَّا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور، قد خرج علينا مشقوق الأقبِيَة من بين يديه ومن خَلْفه، وعلى رأسه التُّراب، فصاح: وا أمير المؤمنيناه! فما بقي في السرادق أحدٌ إلّا قام على رجليه، ثم أهووا نحو مضَارب أبي جعفر يريدون الدّخول، فمنعهم الخدم، ودفعوا في صدورهم. وقال ابن عياش المنتوف: سبحان الله! أما شهدتم","vol":"11","page":81},{"text":"موت خليفة قطّ! اجلسوا رحمكم الله. فجلس النَّاس، وقام القاسم فشقّ ثيابه، ووضع التُّراب على رأسه، وموسى جالس على حاله. وكان صبيًّا رَطْبًا ما يتحلحل.\nثم خرج الرّبيع، وفي يده قِرطاس، فألقى أسفله على الأرض، وتناول طرفه ثم قرأ:\nبسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى مَنْ خلّف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خُراسان وعامة المسلمين - ثم ألقى القرطاس من يده، وبكى وبكى النَّاس، فأخذ القرطاس، وقال: قد أمكنكم البكاء؛ ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين، لا بدّ من أن نقرأه عليكم، فأنصِتوا رحمكم الله؛ فسكت النَّاس، ثم رجع إلى القراءة - أما بعد: فإنّي كتبتُ كتابي هذا وأنا حيٌّ في آخر يوم من الدّنيا وأول يوم من الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السَّلام، وأسأل الله ألّا يفتنكم بعدي، ولا يُلبِسكم شيَعًا، ولا يُذيق بعضكم بأس بعض. يا بني هاشم، ويا أهلَ خراسان ....... ثم أخذ في وصيّتهم بالمهديّ، وإذكارهم البيعةَ له، وحضّهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب.\nقال النوفليّ: قال أي: وكان هذا شيئًا وضعه الرَّبيع، ثم نظر في وجوه النّاس، فدنا من الهاشميّين، فتناول يد الحسن بن زيد، فقال: قم يا أبا محمَّد، فبايعْ، فقام معه الحسن، فانتهى به الرّبيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يدَ موسى، ثم التفت إلى النَّاس، فقال: يا أيها النَّاس، إن أمير المؤمنين المنصور كان ضربني واصطفى مالي؛ فكلّمه المهدي فرضي عني، وكلمه في ردّ مالي عليّ فأبى ذلك، فأخلفه المهديّ من ماله وأَضعفه مكان كل عِلْق عِلْقين، فمَن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح منِّي! ثم بايع موسى للمهديّ، ثم مسح على يده. ثم جاء الرَّبيع إلى محمَّد بن عون، فقدّمه للسنّ فبايع، ثم جاء الرّبيع إليَّ فأنهضني؛ فكنت الثالث؛ وبايع النَّاس؛ فلما فرغ دخل المضارب، فمكث هنيهة ثم خرج إلينا معشر الهاشمييّن، فقال: انهضوا، فنهضنا معه جميعًا، وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكّة والمدينة ممن حضر الحج، فدخلنا فإذا نحن بالمنصور","vol":"11","page":82},{"text":"على سريره في أكفانه، مكشوف الوجه؛ فحملناه حتَّى أتينا به مكّة ثلاثة أميال؛ فكأني أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله؛ فتحرّك الرِّيح، فتطيّر شعر صدغيه؛ وذلك أنَّه كان قد وفّر شعره للحلق؛ وقد نصل خِضابه؛ حتَّى أتينا به حفرته، فدلّيناه فيها.\nقال: وسمعت أبي يقول: كان أوّل شيء ارتفع به عليّ بن عيسى بن ماهان؛ أنَّه لما كان الليلة التي مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بَيْعة مجدّدة للمهديّ - وكان القائم بذلك الرَّبيع - فأبى عيسى بن موسى، فأقبل القوّاد الذين حضروا يقرّبون ويتباعدون، فنهض عليّ بن عيسى بن ماهان، فاستلّ سيفه، ثمّ جاء إليه، فقال: والله لتبايعنّ أو لأضربنّ عنقك! فلمَّا رأى ذلك عيسى، بايع وبايع النَّاس بعده.\nوذكر عيسى بن محمَّد أنّ موسى بن هارون حدّثه أن موسى بن المهديّ والربيع مولى المنصور وجّها منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيْعة للمهديّ. وبعثا بعدُ بقضيب النَّبيّ - ﷺ - وبُرْدته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشرويّ، وبعث أبو العباس الطوسيّ بخاتم الخلافة مع منارة؛ ثم خرجوا من مكّة، وسار عبد الله بن المسيّب بن زهير بالحَرْبة بين يدي صالح بن المنصور، على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور، فكسرها القاسم بن نصر بن مالك؛ وهو يومئذٍ على شُرْطة موسى بن المهديّ، واندسّ عليّ بن عيسى بن ماهان لما كان في نفسه من أذى عيسى بن موسى، وما صُنع به للراونديّة، فأظهر الطعن والكلام في مسيرهم. وكان من رؤسائهم أبو خالد المرورّوذي، حتَّى كاد الأمر يعظُم ويتفاقم؛ حتَّى لبس السلاح. وتحرّك في ذلك محمَّد بن سليمان، وقام فيه وغيره من أهل بيته؛ إلّا أن محمدًا كان أحسنَهم قيامًا به حتَّى طفئ ذلك وسكن. وكتب به إلى المهديّ، فكتب بعزل عليّ بن عيسى عن حَرس موسى بن المهدي، وصيَّر مكانه أبا حنيفة حرب بن قيس، وهذا أمر العسكر، وتقدّم العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان إلى المهديّ، وسبق إليه العباس بن محمَّد. وقدم منارة على المهديّ يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فسلّم عليه بالخلافة، وعزّاه، وأوصل الكتب إليه، وبايعه أهل مدينة السَّلام.\nوذكر الهيثم بن عديّ عن الرَّبيع، أنّ المنصور رأى في حجّته التي مات فيها","vol":"11","page":83},{"text":"وهو بالعُذَيب - أو غيره من منازل طريق مكّة - رؤيا - وكان الرَّبيع عديله - وفزع منها، وقال: يا ربيع، ما أحسبني إلَّا ميّتًا في وجهي هذا؛ وأنك تؤكد البَيْعة لأبي عبد الله المهديّ، قال الرَّبيع: فقلت له: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين، ويَبْلُغ أبو عبد الله محبّتك في حياتك إن شاء الله. قال: وثقِل عند ذلك وهو يقول: بادر بي إلى حَرم ربي وأمنه، هاربًا من ذنوبي وإسرافي على نفسي؛ فلم يزل كذلك حتَّى بلغ بئر ميمون، فقلت له: هذه بئر ميمون، وقد دخلتَ الحرم، فقال: الحمد لله، وقضى من يومه.\nقال الرَّبيع: فأمرت بالخِيَم فضُربت، وبالفساطيط فهيِّئَتْ، وعمدْت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدّرّاعة، وسندته، وألقيت في وجهه كِلّة رقيقة يُرى منها شخصه، ولا يفهم أمره، وأدنيت أهلَه من الكِلَّة حيث لا يُعلم بخبره، ويُرى شخصُه. ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي أوهمهم أنَّه يخاطبني، ثم خرجت فقلت: إن أمير المؤمنين مُفيق بمنّ الله، وهو يقرأ عليكم السَّلام، ويقول: إنِّي أحبّ أن يؤكّد الله أمرَكم؛ ويكبت عدوّكم، ويسرّ وليّكم؛ وقد أحببت أن تجدّدوا بيعة أبي عبد الله المهديّ؛ لئلا يطمع فيكم عدوٌّ ولا باغٍ، فقال القوم كلهم: وفّق الله أمير المؤمنين؛ نحن إلى ذاك أسرع. قال: فدخل فوقف، ورجع إليهم، فقال: هلمُّوا للبَيْعة، فبايع القوم كلُّهم، فلم يبق أحدٌ من خاصّته والأولياء ورؤساء مَنْ حضره إلَّا بايع المهديّ، ثم دخل وخرج باكيًا مشقوق الجيْب لاطمًا رأسه، فقال بعض مَنْ حضر: ويلي عليك يابن شاة! يريد الرَّبيع - وكانت أمّه ماتت وهي ترضعه فأرضعته شاة - قال: وحفِر للمنصور مائة قَبْر، ودفن في كلها، لئلا يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للنَّاس، ودفِن في غيرها للخوف عليه.\nقال: وهكذا قبور خلفاء ولَد العباس، لا يعرَف لأحد منهم قبر.\nقال: فبلغ المهديّ، فلما قدم عليه الرَّبيع قال: يا عبدُ؛ ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين أن فعلتَ ما فعلتَ به! وقال قوم: إنَّه ضربه؛ ولم يصحّ ذلك.\nقال: وذكر مَنْ حضر حجّة المنصور، قال: رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والنّاس معه؛ وإنّ موسى بن المهديّ لقي تُبّاعه، ثم رجع النَّاس وهم خَلف موسى، وأن صالحًا معه.","vol":"11","page":84},{"text":"وذكر عن الأصمعيّ أنَّه قال: أوّل مَنْ نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خَلَف الأحمر، وذلك أنّا كنّا في حلقة يونس، فمرّ بنا فسلَّم علينا، فقال:\nقد طَرَّقَت بِبِكرِها أمّ طَبَقْ\nقال يونس: وماذا؟ قال:\nتُنَتِّجوها خيرَ أَضخَم العُنُقْ ... موتُ الإِمَامِ فِلقَةٌ مِنَ الفِلَقْ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها وجّه المهدي عبد الملك بن شهاب المِسمعيّ في البَحْر إلى بلاد الهند، وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد، وأشخصهم معه، وأشخص معه من المطوّعة الذين كانوا يلزمون المُرابطات ألفًا وَخمسمائة رجل، ووجّه معه قائدًا من أبناء أهل الشَّام يقال له ابن الحُباب المذحجيّ في سبعمائة من أهل الشَّام، وخرج معه من مطوّعة أهل البصرة بأموالهم ألف رجل، فيهم - فيما ذكر - الرَّبيع بن صبيح، ومن الأسواريين والسبابجة أربعة آلاف رجل، فولى عبد الملك بن شهاب المنذر بن محمَّد الجاروديّ الألف الرجل المطّوّعة من أهل البصرة، وولّى ابنه غسان بن عبد الملك الألفي الرّجل الذين من فرض البصرة، وولّى عبد الواحد بن عبد الملك الألف والخمسمائة الرجل من مُطّوّعة المرابطات، وأفرد يزيد بن الحباب في أصحابه فخرجوا، وكان المهديّ وجّه لتجهيزهم حتَّى شخصوا أبا القاسم محرِز بن إبراهيم، فمضوا لوجههم؛ حتى أتوا مدينة باربَد من بلاد الهند في سنة ستِّين ومائة.\nوفيها تُوفّيَ معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهديّ عليها، فاستعمل مكانه روح بن حاتم بمشورة أبي عبيد الله وزيره (١).\nوفيها أمر المهديّ بإطلاق مَنْ كان في سجن المنصور، إلَّا من كان قبلَه تِباعة من دم أو قتل، ومَنْ كان معروفًا بالسعي في الأرض بالفساد، أو مَنْ كان لأحد\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٧٦).","vol":"11","page":85},{"text":"قِبَله مظلمة أو حقّ، فأطلقوا، فكان ممَّن أطلِق من المَطْبَق يعقوب بن داود مولى بني سُليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوسًا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (١).\n* * *\nوفيها حوّل المهديّ الحسن بن إبراهيم من المطبق الذي كان فيه محبوسًا إلى نصير الوصيف فحبسه عنده (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>ذكر الخبر عن سبب تحويل المهديّ الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نُصير</span>\nذكر أن السبب في ذلك، كان أن المهديّ لما أمرَ بإطلاق أهل السجون على ما ذكرت، وكان يعقوب بن داود محبوسًا مع الحسن بن إبراهيم في موضع واحد، فأطلق يعقوب بن داود، ولم يُطلق الحسن بن إبراهيم، ساء ظنه، وخاف على نفسه، فالتمس مخرجًا لنفسه وخلاصًا، فدسّ إلى بعض ثقاته، فحفر له سَرَبًا من موضع مُسَامت للموضع الذي هو فيه محبوس، وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلِق يُطيف بابن علاثة - وهو قاضي المهديّ بمدينة السَّلام - ويلزمه، حتَّى أنس به، وبلغ يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن عُلاثة، فأخبره أن عنده نصيحة للمهديّ، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره بها، وحذّره فوتَها، فانطلق ابن عُلاثة إلى أبي عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاء به، فأمره بإدخاله عليه؛ فلما دخل عليه مسألة إيصاله إلى المهديّ، ليعلمه النّصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلما دخل على المهديّ شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إياه ومَنِّه عليه، ثم أخبره أنّ له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن عُلاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهديّ ثقته بهما، فأبى أن يبوحَ له\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٧٧).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٧٧).","vol":"11","page":86},{"text":"بشيء حتَّى يقوما، فأقامهما وأخلاه، فأخبره خبرَ الحسن بن إبراهيم وما أجمع عليه، وأنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة، فوجّه المهديّ مَن يثق به ليأتيَه بخبره، فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نُصَير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال واحتيل له، فخرج هاربًا، وافتُقِد، فشاع خبره، فطلب فلم يُظْفَر به، وتذكّر المهديّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجًا عنده من الدلالة عليه مثل الّذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله عنه فأخبره أنَّه حاضر - وقد كان لزم أبا عبيد الله - فدعا به المهديّ خاليًا، فذكر له ما كان من فعله في الحسن بن إبراهيم أوّلًا، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فأخبره يعقوب أنَّه لا علم له بمكانه، وأنَّه إن أعطاه أمانًا يثق به ضمِن له أن يأتيَه به، على أنَّ يتمّ له على أمانه، ويصله ويُحسن إليه. فأعطاه المهديّ ذلك في مجلسه وضمنه له. فقال له يعقوب: فالهُ يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودَعْ طلبه، فإن ذلك يُوحشه، ودعني وإياه حتَّى أحتال فآتيَك به؛ فأعطاه المهديّ ذلك. وقال يعقوب: يا أمير المؤمنين، قد بسطتَ عدلَك لرعيّتك، وأنصفتهم، وعممتَهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم؛ وقد بقيت أشياء لو ذكرتُها لك لم تَدَع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك خلف بابك يُعمل بها لا تعملها، فإن جعلت لي السبيلَ إلى الدخول عليك، وأذنتَ لي في رفعها إليك فعلتُ. فأعطاه المهديّ ذلك، وجعله إليه، وصَيّر سُليْمًا الخادم الأسود خادم المنصور سببه في إعلام المهديّ بمكانه كلّما أراد الدخول، فكان يعقوب يدخل على المهديّ ليلًا، ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغُزاة وتزويج العزَّاب، وفكَاك الأسارى والمحبَّسين والقضاء على الغارمين، والصّدَقة على المتعفِّفين، فحظي بذلك عنده، وبما رجا أن يناله به من الظَّفَر بالحسن بن إبراهيم، واتّخذه أخًا في الله، وأخرج بذلك توقيعًا، وأثبِت في الدواوين، فتسبّب مائة ألف درهم كانت أوّل صلة وصلَه بها، فلم تنزل منزلته تنمِي وتعلُو صُعُدًا، إلى أن صيّر الحسن بن إبراهيم في يد المهديّ بعد ذلك؛ وإلى أن سقطت منزلتُه، وأمر المهديّ بحبسه، فقال عليّ بن الخليل في ذلك:\nعجبًا لتصريف الأُمو ... ر مَسَرَّةً وكَراهيَة\nوالدّهرُ يلعبُ بالرِّجا ... لِ له دوائرُ جاريَة","vol":"11","page":87},{"text":"رَثّتْ بيعقوب بن دا ... ود حِبَالُ معاوية\nوعَدَتْ على ابن عُلاثة الـ ... ـقاضِي بَوائقُ عافيةْ\nقلْ للوزيرِ أَبي عُبيـ ... ـد الله: هلْ لك باقيةْ!\nيعقوب ينظرُ في الأُمو ... ر وأَنتَ تنظرُ ناحيةْ\nأدخلته فعَلا عليـ ... ـك، كذاك شؤمُ النَّاصيةْ\n* * *\nوفي هذه السّنة عزل المهديّ إسماعيل بن أبي إسماعيل عن الكوفة وأحداثها. واختُلف فيمن ولّى مكانه، فقال بعضهم: ولّى مكانه إسحاق بن الصبّاح الكنديّ ثم الأشعثي بمشورة شَريك بن عبد الله قاضي الكوفة. وقال عمر بن شبّة: ولّى على الكوفة المهديُّ عيسى بنَ لقمان بن محمَّد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح، فولَّى على شُرَطِه ابنَ أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان. ويقال: إن شريك بن عبد الله كان على الصَّلاة والقضاء، وعيسى على الأحداث، ثم أفرد شريك بالولاية، فجعل على شُرَطِه إسحاقَ بن الصباحِ الكنديّ، فقال بعض الشعراء:\nلَسْتَ تَعْدو بأنْ تَكونَ وَلوْ نِلـ ... تَ سُهيْلًا صَنيعَةً لِشَريكِ\nقال: ويزعمون أن إسحاق لم يشكر لشريك، وأن شريكًا قال له:\nصلَّى وصَامَ لدُنْيا كان يَأْمُلها ... فَقدْ أَصابَ ولا صلَّى ولا صَامَا\nوذكر عمر أن جعفر بن محمَّد قاضي الكوفة، قال: ضمّ المهديّ إلى شريك الصَّلاة مع القضاء، وولّى شرطه إسحاق بن الصباح، ثم ولّى إسحاق بن الصباح الصَّلاة والأحداث بعد، ثم ولّى إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمَّد بن الأشعث الكوفة، فولى شُرَطه النعمانَ بن جعفر الكنديّ، فمات النُّعمان، فولَّى على شُرَطِه أخاه يزيد بن جعفر.\nوفيها عَزل المهديُّ عن أحداث البصرة سعيد بن دَعلَج، وعزل عن الصَّلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن، وولّى مكانهما عبد الملك بن أيّوب بنَ ظَبيان النُّميريّ، وكتب إلى عبد الملك يأمره بإنصاف مَنْ تظلّم من أهل البصرة من سعيد بن دعلج، ثم صُرفت الأحداث في هذه السنة عن عبد الملك بن أيّوب","vol":"11","page":88},{"text":"إلى عُمارة بن حمزة، فولّاها عُمَارة رجلًا من أهل البصرة يقال له المِسْوَر بن عبد الله بن مسلم الباهليّ، وأقرّ عبد الملك على الصَّلاة.\nوفيها عُزِل قُثَمَ بن العباس عن اليمامة عن سخطة، فوصل كتابُ عزله إلى اليمامة، وقد تُوُفِّيَ فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البَجَليّ.\nوفيها عزل يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه رجاء بن رَوْح.\nوفيها عزل الهَيْثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح وفيها أعتق المهديّ أمّ ولده الخيزران وتزوّجها.\nوفيها تزوّج المهديّ أيضًا أم عبد الله بنت صالح بن عليّ، أخت الفضل وعبد الله ابني صالح لأمّهما.\nوفيها وقع الحريق في ذي الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن عليّ، فاحترق ناس كثير، واحترقت السفن بما فيها (١).\nوفيها عُزِل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل مكانه أبو ضمرة محمَّد بن سليمان.\nوفيها كانت حركة من تحرّك من بني هاشم وشيعتهم من أهل خُراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وتصيير ذلك لموسى بن المهديّ؛ فلمَّا تبيّن ذلك المهديّ كتب - فيما ذكر - إلى عيسى بن موسى في القُدوم عليه وهو بالكوفة، فأحسّ بالذي يُراد به، فامتنع من القدوم عليه.\nوقال عمر: لما أفضى الأمر إلى المهديّ سأل عيسى أن يخرج من الأمر فامتنع عليه، فأراد الإضرار به، فولّى على الكوفة رَوْح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فولّى على شُرَطه خالد بن يزيد بن حاتم؛ وكان المهديّ يحبّ أن يحمل رَوْح على عيسى بعض الحمل فيما لا يكون عليه به حجّة، وكان لا يجد إلى ذلك سبيلًا، وكان عيسى قد خرج إلى ضيْعة له بالرحبة؛ فكان لا يدخل الكوفة إلّا في شهرين من السنة في شهر رمضان، فيشهد الجُمَع والعيد، ثم يرجع إلى ضَيْعته. وفي أوّل ذي الحجة، فإذا شهد العيد رجع إلى ضيْعته، وكان\n_________\n(١) وقال ابن كثير: وغالب نوّاب البلاد قد تغيّروا في هذه السنة (البداية والنهاية/ ٨/ ٧٨).","vol":"11","page":89},{"text":"إذا شهد الجمعة أقبل من دارِه على دوابه حتَّى ينتهي إلى أبواب المسجد فينزل على عَتبة الأبواب، ثم يصلِّي في موضعه؛ فكتب رَوْح إلى المهديّ أن عيسى بن موسى لا يشهد الجُمَع، ولا يدخل الكوفة إلّا في شهرين من السنة؛ فإذا حضر أقبل على دوابّه حتَّى يدخل رَحبَة المسجد؛ وهو مصلَّى النَّاس، ثم يتجاوزها إلى أبواب المسجد، فتروث دوابُّه في مصلَّى النَّاس؛ وليس يفعل ذلك غيره؛ فكتب إليه المهديّ أن اتّخذ على أفواه السِّكك التي تلي المسجد خشبًا ينزل عنده النَّاس، فاتّخذ روح ذلك الخشب في أفواه السكك - فذلك الموضع يسمى الخشبة - وبلغ ذلك عيسى بن موسى قبل يوم الجُمعة، فأرسل إلى ورثة المختار بن أبي عبيدة - وكانت دار المختار لزيقة المسجد - فابتاعها وأثمن بها، ثم إنَّه عمّرها واتخذ فيها حمّامًا، فكان إذا كان يوم الخميس أتاها فأقام بها، فإذا أراد الجمعة ركب حمارًا فدبّ به إلى باب المسجد فصلّى في ناحية، ثم رجع إلى داره. ثم أوطن الكوفة وأقام بها، وألحَّ المهديّ على عيسى فقال: إنك لم تجبني إلى أن تنخلع منها حتَّى أبايع لموسى وهارون استحللتُ منك بمعصيتك ما يستحَلّ من العاصي، وإن أجبتَني عوّضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعًا. فأجابه، فبايعَ لهما وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم - ويقال عشرين ألف ألف - وقطائع كثيرة.\nوأمَّا غير عمر فإنَّه قال: كتب المهديّ إلى عيسى بن موسى لما همّ بخلعه يأمره بالقدوم عليه، فأحسّ بما يُراد به، فامتنع من القدوم عليه، حتَّى خيف انتقاضه، فأنفذ إليه المهديّ عمّه العباس بن محمَّد، وكتب إليه كتابًا، وأوصاه بما أحبّ أن يبلغه، فقدم العباس على عيسى بكتاب المهديّ ورسالته إليه، فانصرف إلى المهديّ بجوابه في ذلك، فوجّه إليه بعد قدوم العباس عليه محمَّد بن فرّوخ أبا هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه من ذوي البصيرة في التشيّع، وجعل مع كل رجل منهم طبلًا، وأمرهم أن يضربوا جميعًا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلًا في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى رَوْعًا شديدًا، ثم دخل عليه أبو هريرة، فأمر بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى فلم يقبل ذلك منه، وأشخصه من ساعته إلى مدينة السَّلام.\n* * *","vol":"11","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1721>ثم دخلت سنة ستِّين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>ذكر الخبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي</span>\nوفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة يوم الخميس لستٍّ خلوْن من المحرّم - فيما ذكر - الفضل بن سليمان فنزل دارًا كانت لمحمد بن سليمان علي شاطئ دجْلة في عسكر المهديّ، فأقام أيامًا يختلف إلى المهديّ، ويدخل مدخله الذي كان يدخله؛ لا يكلَّم بشيء، ولا يرى جفوة ولا مكروهًا ولا تقصيرًا به؛ حتَّى أنس به بعض الإنس، ثم حضر الدار يومًا قبل جلوس المهديّ، فدخل مجلسًا كان يكون للربيع في مَقْصورة صغيرة، وعليها باب، وقد اجتمع رؤساء الشِّيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب عليه؛ ففعلوا ذلك وهو في المقصورة التي فيها مجلس الرَّبيع، فأغلق دونهم المقصورة، فضربوا الباب بجرُزهم وعَمدهم؛ فهشَموا الباب، وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبحَ الشَّتْم، وحصروه هنالك؛ وأظهر المهديّ إنكارًا لما فعلوا، فلم يردعهم ذلك عن فعلهم؛ بل شدُّوا في أمره؛ وكانوا بذلك هو وهم أيامًا، إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من أهل بيته بحضرة المهديّ، فأبوا إلّا خلعَه، وشتموه في وجهه؛ وكان أشدّهم عليه محمَّد بن سليمان.\nفلما رأى المهديّ ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته؛ دعاهم إلى العهد لموسى، فصار إلى رأيهم وموافقتهم، وألحّ على عيسى في إجابته وإياهم إلى الخروج ممّا له من العهد في أعناق النَّاس وتحليلهم منه؛ فأبى؛ وذكر أن عليه أيمانًا محرّجة في ماله وأهله؛ فأحضر له من الفقهاء والقضاة عِدّة، منهم محمَّد بن عبد الله بن عُلاثة والزّنجيّ بن خالد المكيّ وغيرهما؛ فأتوهْ بما رأوا، وصار إلى المهديّ ابتياع ماله من البيعة في أعناق النَّاس بما يكون له فيه رضًا وعِوض؛ ممَّا يخرج له من ماله لما يلزمه من الحِنْث في يمينه؛ وهو عشرة آلاف ألف ألف درهم، وضياع بالزّاب الأعلى وكَسْكَر. فقبل ذلك عيسى، وبقي منذ فاوضه المهديّ على الخلع إلى أن أجاب محتسبًا عنده في دار الديوان من الرُّصافة إلى أن صار إلى الرضا بالخلع والتسليم، وإلى أن خُلع يوم الأربعاء لأربع بقِين من","vol":"11","page":91},{"text":"المحرّم بعد صلاة العصر، فبايع للمهديّ ولموسى من بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرّم لارتفاع النهار. ثم أذن المهديّ لأهل بيته، وهو في قبة كان محمَّد بن سليمان أهداها له مضروبة في صحن الأبواب، ثم أخذ بيعتَهم رجلًا رجلًا لنفسه ولموسى بن المهديّ من بعده؛ حتَّى أتى إلى آخرهم. ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرُّصافة فقعد على المنبر، وصعد موسى حتَّى كأنه دونه. وقام عيسى على أول عتبة من المنبر، محمَّد الله المهديُّ وأثنى عليه، وصلّى على النَّبيّ - ﷺ -، وأخبر بما أجمع عليه أهلُ بيته وشيعته وقوّاده وأنصاره وغيرهم من أهل خُراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الأمر الذي كان عقد له في أعناق النَّاس لموسى بن أمير المؤمنين؛ لاختيارهم له ورضاهم به؛ وما رأى من إجابتهم إلى ذلك؛ لما رجا من مصلحتهم وألفتِهم، وخاف مخالفتهم في نيّاتهم واختلاف كلمتهم، وأن عيسى قد خلع تقدُّمَه، وحللهم مما كان له من البيعة في أعناقهم، وأنّ ما كان له من ذلك فقد صار لموسى بن أمير المؤمنين، بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته في ذلك؛ وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيّه - ﷺ - بأحسن السّيرة وأعدلها، فبايِعوا معشر مَن حضر، وسارعوا إلى ما سارع إليه غيرُكم؛ فإن الخير كله في الجماعة، والشرّ كله في الفرقة. وأنا أسأل الله لنا ولكم التوفيق برحمته، والعمل بطاعته وما يرضيه، وأستغفر الله لي ولكم.\nوجلس موسى دونه معتزلًا للمنبر؛ لئلا يحول بينه وبين من صعد إليه، يبايعه ويمسح على يده، ولا يستر وجهه، وثبت عيسى قائمًا في مكانه، وقُرئ عليه كتاب ذكر الخلع له، وخروجهُ مما كان إليه من ولاية العهد وتحليله جماعة مَن كان له في عنقه بيعة، مما عقدوا له في أعناقهم؛ وأن ذلك من فعله وهو طائع غير مكرَه، راضٍ غير ساخط، محبّ غير مجبَرٍ. فأقرّ عيسى بذلك، ثم صعد فبايع المهديّ، ومسح على يده ثم انصرف، وبايع أهل بيت المهديّ على أسنانهم؛ يبايعون المهديّ ثم موسى، ويمسحون على أيديهما؛ حتَّى فرغ آخرهم، وفعل مَنْ حضر من أصحابه ووجوه القوّاد والشِّيعة مثل ذلك، ثم نزل المهديّ، فصار إلى منزله، ووكّل ببيعته مَن بقي من الخاصّة والعامّة خاله يزيد بن منصور، فتولّى ذلك حتَّى فرغ من جميع النَّاس، ووفّى المهديّ لعيسى بما أعطاه وأرضاه مما خلعه منه من ولاية العهد، وكتب عليه بخلعه إياه كتابًا أشهد عليه فيه جماعة","vol":"11","page":92},{"text":"أهل بيته وصحابته وجميع شيعته وكتَّابه وجنده في الدّواوين؛ ليكون حجّة على عيسى، وقطعًا لقوله ودعواه فيما خرج منه.\nوهذه نسخة الشرط الذي كتبه عيسى على نفسه:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله المهديّ محمَّد أمير المؤمنين ولوليّ عهد المسلمين موسى بن المهديّ، ولأهل بيته وجميع قواده وجنوده من أهل خُراسان وعامّة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ وحيث كان كائن منهم، كتبتُه للمهديّ محمَّد أمير المؤمنين، ووليّ عهد المسلمين موسى بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عليّ؛ فيما جُعل إليه من العهد إذ كان إليّ، حتَّى اجتمعت كلمة المسلمين، واتَّسق أمرهم، وائتلفت أهواؤهم، على الرضا بولاية موسى بن المهديّ محمَّد أمير المؤمنين، وعرفتُ الخطّ في ذلك عليّ والخط فيه لي، ودخلتُ فيما دخل فيه المسلمون من الرضا بموسى بن أمير المؤمنين، والبيعة له، والخروج ممّا كان لي في رقابهم من البيعة، وجعلتكم في حِلٍّ من ذلك وسَعة، من غير حرج يدخل عليكم، أو على أحد من جماعتكم وعامة المسلمين، وليس في شيء من ذلك، قديمٍ ولا حديث لي دعوى ولا طلِبة ولا حجّة ولا مقالة ولا طاعة على أحد منكم، ولا على عامة المسلمين ولا بيعة في حياة المهديّ محمَّد أمير المؤمنين ولا بعده ولا بعد وليّ عهد المسلمين موسى، ولا ما كنت حيًّا حتَّى أموت. وقد بايعت لمحمد المهديّ أمير المؤمنين ولموسى بن أمير المؤمنين من بعده، وجعلت لهما ولعامة المسلمين من أهل خُراسان وغيرهم الوفاء بما شرطْت على نفسي في هذا الأمر الذي خرجت منه، والتمام عليه. عليّ بذلك عبد الله وما اعتقد أحد من خلقه من عهد أو ميثاق أو تغليظ أو تأكيد على السّمع والطاعة والنصيحة للمهديّ محمَّد أمير المؤمنين ووليّ عهده موسى بن أمير المؤمنين، في السرّ والعلانية، والقول والفعل، والنيّة والشدّة والرّخاء والسرّاء والضرّاء والموالاة لهما ولمن والاهما، والمعاداة لمن عاداهما، كائنًا مَنْ كان في هذا الأمر الذي خرجت منه. فإن أنا نكلت أو غيّرت أو بدّلت أو دَغَلت أو نويْت غير ما أعطيت عليه هذه الإيمان، أو دعوت إلى خلاف شيء مما حملت على نفسي في هذا الكتاب للمهديّ محمَّد أمير المؤمنين ولوليّ عهده موسى بن أمير المؤمنين ولعامّة المسلمين، أو لم أفِ","vol":"11","page":93},{"text":"بذلك؛ فكلّ زوجة عندي يوم كتبت هذا الكتاب - أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة - طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرِج وكلُّ مملوك عندي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وكلّ مالٍ لي نَقْد أو عَرْض أو قرْض أو أرْض، أو قليل أو كثير، تالد أو طارف أو أستفيده فيما بعد اليوم إلى ثلاثين سنة صدقة على المساكين، يضع ذلك الوالي حيث يرى، وعليَّ من مدينة السَّلام المشيُ حافيًا إلى بيت الله العتيق الذي بمكة نذرًا واجبًا ثلاثين سنة، لا كفارة لي ولا مخرج منه؛ إلَّا الوفاء به. والله على الوفاء بذلك راعٍ كفيل شهيد، وكفى بالله شهيدًا. وشهيدٌ على عيسى بن موسى بإقراره بما في هذا الشرط أربعمائة وثلاثون من بني هاشم ومن الموالي والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة.\nوكتب في صفر سنة ستِّين ومائة. وختم عيسى بن موسى.\nفقال بعض الشعراء:\nكَرِهَ الموت أَبو موسى وقد ... كان في الموت نجاءٌ وكَرمْ\nخَلَعَ الملكَ وأَضحَى مُلبَسًا ... ثوبَ لومٍ ما تُرى منه القَدم\n* * *\nوفي سنة ستِّين ومائة وافَى عبد الملك بن شهاب المسمعيّ مدينة باربد بمن توجّه معه من المطّوّعة وغيرهم، فناهضوها بعد قدومهم بيوم، وأقاموا عليها يومين، فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة، وتحاشد النَّاس، وحضّ بعضُهم بعضًا بالقرآن والتذكير، ففتحها الله عليهم عَنْوة، ودخلت خيلُهم من كلّ ناحية؛ حتَّى ألجؤوهم إلى بدّهم، فأشعلوا فيها النِّيران والنِّفط، فاحترق منهم مَن احترق، وجاهد بعضهم المسلمين، فقتلهم الله أجمعين، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلًا، وأفاءها الله عليهم. وهاج البحر فلم يقدروا على ركوبه والانصراف، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم في أفواههم داء يقال له حُمام قُرّ، فمات نحو من ألف رجل، منهم الرَّبيع بن صُبيح. ثم انصرفوا لمّا أمكنهم الانصراف حتَّى بلغوا ساحلًا من فارس، يقال له بحر حمران، فعصفت عليهم فيه الرِّيح ليلًا، فكسرت عامَّة مراكبهم، فغرق منهم بعض ونجا بعض، وقدموا معهم بسبي من سبْيِهم - فيهم بنت ملك باربد - على محمَّد بن سليمان، وهو يومئذٍ والي البصرة.","vol":"11","page":94},{"text":"وفيها صُيّر أبان بن صدقة كاتبًا لهارون بن النهديّ ووزيرًا له.\nوفيها عُزل أبو عون عن خُراسان عن سَخْطةٍ، ووليَ مكانه معاذ بن مسلم.\nوفيها غزا ثُمامة بن الوليد العبسيّ الصائفة.\nوفيها غزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشَّام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>ذكر خبر ردّ نسب آل بكرة وآل زياد </span>(١)\nوفيها ردّ المهدي آل بكرة من نسبهم في ثَقيف إلى ولاء رسول الله - ﷺ -؛ وكان سبب ذلك أن رجلًا من آل أبي بَكْرة رفع ظُلامة إلى المهديّ، وتقرّب إليه فيها بولاء رسول الله - ﷺ -، فقال المهديّ: إن هذا نسب واعتزاء، ما تقرّون به إلّا عند حاجة تعرض لكم، وعند اضطراركم إلى التقرّب به إلينا. فقال الحكَم: يا أمير المؤمنين، مَنْ جحد ذلك فإنا سنقرّ؛ أنا أسألك أن تردّني ومعشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله - ﷺ -، وتأمر بآل زياد بن عبيد فيخرجوا من نَسبهم الذي ألحقهم به معاوية رغبةً عن قضاء رسول الله - ﷺ -: \"إن الولد للفراش وللعاهر الحجَر\"، فيُردُّوا إلى نسبهم من عبيد في موالي ثقيف. فأمر المهديّ في آل أبي بكرة وآل زياد أن يردّ كلّ فريق منهم إلى نسبه، وكتب إلى محمَّد بن سليمان كتابًا، وأمره أن يُقرأ في مسجد الجماعة على النَّاس، وأن يردّ آل أبي بكرة إلى ولائهم من رسول الله - ﷺ - ونسبهم إلى نُفَيع بن مسروح، وأن يردّ على من أقرّْ منهم ما أمر بردّه عليهم من أموالهم بالبصرة مع نظرائهم، ممن أمر بردّ ماله عليه، وألّا يرد على من أنكر منهم، وأن يجعل الممتحن منهم والمستبرئ لما عندهم الحَكم بن سمرقند. فأنفذ محمَّد ما أتاه في آل أبي بكْرة إلّا في أناس منهم غيَبٍ عنهم.\nوأمَّا آل زياد فإنَّه مما قوى رأي المهديّ فيهم - فيما ذكر عليّ بن سليمان - أن\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر المطول دون إسناد، وموضوع خطير كهذا يحتاج إلى إسناد موصول صحيح فكيف ولا إسناد له؟ ! ! .","vol":"11","page":95},{"text":"أباه حدّثه، قال: حضرت المهديّ وهو ينظر في المظالم إذ قدم عليه رجل من آل زياد يقال له الصغديّ بن سلم بن حرب، فقال له: مَنْ أنت؟ قال: ابن عمّك، قال: أي ابن عمي أنت؟ فانتسب إلى زياد، فقال له المهديّ: يابن سميَّة الزانية، متى كنتَ ابن عمي! وغضب وأمر به فوجِئ في عنقه، وأخرِج، ونهض النَّاس.\nقال: فلمَّا خرجت لحقني عيسى بن موسى - أو موسى بن عيسى - فقال: أردْتُ والله أن أبعثَ إليك، أن أمير المؤمنين التفت إلينا بعد خروجك، فقال: من عنده علم من آل زياد؟ فو الله ما كان عند أجد منا من ذاك شيء، فما عندك يا أبا عبد الله؟ فما زلت أحدثه في زياد وآل زياد حتَّى صرنا إلى منزله بباب المحوّل، فقال: أسألك بالله والرَّحم لما كتبتَ لي هذا كله حتَّى أروح به إلى أمير المؤمنين، وأخبره عنك. فانصرفتُ فكتبت، وبعثت به إليه. فراح إلى المهديّ، فأخبره، فأمر المهديّ بالكتاب إلى هارون الرشيد؛ وكان والي البصرة من قبلَه يأمره أن يكتب إلى واليها يأمره أن يخرج آل زياد من قريش وديوانهم والعرب، وأن يعرض ولد أبي بَكْرة على ولاء رسول الله - ﷺ -، فمن أقرّ منهم ترك ماله في يده، ومن انتمى إلى ثَقِيف اصطفى ماله. فعرضهم، فأقرُّوا جميعًا بالولاء، إلَّا ثلاثة نفر، فاصطُفيت أموالهم.\nثم إن آل زياد بعد ذاك رشَوْا صاحب الديوان حتَّى ردّهم إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار في ذلك:\nإن زيادًا ونافعًا وأَبا ... بَكْرةَ عندي من أَعجَبِ الْعَجَبِ\nذَا قُرَشيّ كما يقولُ، وذا ... مولىً، وهذا - بزعمِه - عَرَبي\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>نسخة كتاب المهديّ إلى والي البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإنّ أحقّ ما حَمَل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصّهم وعوامّهم في أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما في كتاب الله والاتباع لسنة رسول الله - ﷺ -، والصّبر على ذلك، والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم، للذي فيه من إقامة حدود الله ومعرفة حقوقه، واتّباع مرضاتِه، وإحراز جَزائه وحسن ثوابه، ولما في مخالفة ذلك والصدود عنه وغلبة","vol":"11","page":96},{"text":"الهَوى لغيره من الضلال والخسار في الدُّنيا والآخرة.\nوقد كان من رأي معاوية بن أبي سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد عبد آل علاج من ثقيف، وادّعائه ما أباه بعد معاوية عامّة المسلمين وكثير منهم في زمانه، لعلمهم بزياد وأبي زياد وأمه من أهل الرضا والفضل والوَرع والعلم، ولم يَدْعُ معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتّباع سنة هادية، ولا قدوة من أئمة الحقّ ماضية، إلَّا الرغبة في هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسنة. والعُجْب بزياد في جَلَده ونفاذه، وما رجا من معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه في سيرته وآثاره وأعماله الخبيثة. وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"الولد للفراش وللعاهر الحَجْر\"، وقال: \"مَن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله منه لا صرفًا ولا عدلًا\".\nولعمري ما وُلد زياد في حجْر أبي سفيان ولا على فراشه، ولا كان عُبيد عبدًا لأبي سفيان، ولا سميّة أمةً له، ولا كانا في مُلكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب. ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نَصْر بن الحجاج بن عُلاط السُّلمي ومَنْ كان معه من موالي بني المغيرة المخزوميّين وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعدّ لهم معاوية حجَرًا تحت بعض فرشه فألقاه إليهم، فقالوا له: نسوغّ لك ما فعلت في زياد، ولا تسوّغ لنا ما فعلنا في صاحبنا، فقال: قضاء رسول الله - ﷺ - خير لكم من قضاء معاوية. فخالف معاوية بقضائه في زياد واستلحاقه إياه وما صنَع فيه وأقدم عليه، أمرَ الله جل وعزّ وقضاء رسول الله - ﷺ - واتّبع في ذلك هواه رغبة عن الحقّ ومجانبة له، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وقال لداود ﵊ وقد أتاه الحكم والنّبوة والمال والخلافة: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) الآية إلى آخرها.\nفأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينَه، وأن يعيذه من غلبة\n_________\n(١) القصص: الآية ٥٠.\n(٢) ص: الآية ٢٦.","vol":"11","page":97},{"text":"الهوى، ويوفّقه في جميع الأمور لما يحب ويرضى؛ إنَّه سميع قريب.\nوقد رأى أمير المؤمنين أن يردّ زيادًا ومَنْ كان من ولده إلى أمّهم ونسبهم المعروف ويلحِقهم بأبيهم عبيد؛ وأمهم سميّة، ويتّبع في ذلك قول رسول الله - ﷺ -، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وكان أمير المؤمنين أحَقَّ مَنْ أخذ بذلك وعمل به؛ لقرابته من رسول الله - ﷺ - واتّباعه آثاره وإحيائه سنَّته، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جلّ وعزّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (١).\nفاعلم أن ذلك من رأي أمير المؤمنين في زياد، وما كان من ولد زياد فألحقْهم بأبيهم زياد بن عبيد، وأمهم سميّة، واحملهم عليه، وأظهره لمن قِبلَك من المسلمين حتَّى يعرفوه ويستقيم فيهم؛ فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضي البصرة وصاحب ديوانهم بذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nوكتب معاوية بن عبيد الله في سنة تسع وخمسين ومائة.\nفلما وصل الكتاب إلى محمَّد بن سليمان وقّع بإنقاذه، ثم كُلِّم فيهم، فكفّ عنهم؛ وقد كان كتب إلى عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان النميريّ بمثل ما كتب به إلى محمَّد، فلم ينفذه لموضعه من قيس، وكراهته أن يخرج أحد من قومه إلى غيرهم.\n* * *\nوشخص مع المهديّ في هذه السنة ابنه هارون وجماعة من أهل بيته؛ وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود، على منزلته التي كانت له عنده، فأتاه حين وافى مكة الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي استأمن له يعقوب من المهدي على أمانه، فأحسن المهديّ صلته وجائزته، وأقطعه مالًا من الصّوافِي بالحجاز (٢).\n_________\n(١) يونس: الآية ٣٢.\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٧٩).","vol":"11","page":98},{"text":"وفيها نزع المهديّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة؛ وذلك أن حَجَبة الكعبة - فيما ذكر - رفعوا إليه أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر أن يُكشف عنها ما عليها من الكسوة حتَّى بقيت مجرّدة، ثم طُلِي البيت كله بالخَلُوق، وذُكر أنهم لما بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجًا ثخينًا جيدًا، ووجدوا كسوة مَنْ قبله عامّتها من متاع اليمن (١).\nوقسم المهديّ في هذه السنة بمكة في أهلها - فيما ذكر - مالًا عظيمًا، وفي أهل المدينة كذلك؛ فذكر أنَّه نُظر فيما قسم في تلك السفرة فوُجد ثلاثين ألف ألف درهم، حُملت معه، ووصلت إليه من مصر ثلثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فقسّم ذلك كلّه. وفرّق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسّع في مسجد رسول الله - ﷺ -، وأمر بنزع المقصورة التي في مسجد رسول الله - ﷺ - فنزعت، وأراد أن ينقص منبر رسول الله - ﷺ - فيعيده إلى ما كان عليه، ويلقي منه ما كان معاوية زاد فيه؛ فذكر عن مالك بن أنس أنَّه شاور في ذلك، فقيل له: إن المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية، وفي الخشب الأوَّل وهو عتيق، فلا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن يتكسّر، فتركه المهديّ.\nوأمر أيَّام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرسًا له بالعراق وأنصارًا، وأجرى عليهم أرزاقًا سوى أعطياتِهم، وأقطعهم عند قدومهم معه ببغداد قطيعة تعرف بهم.\nوتزوج في مقامه بها برقيَّة بنت عمرو العثمانية (٢).\nوفي هذه السنة حمل محمَّد بن سليمان الثلج للمهديّ، حتَّى وافى به مكّة، فكان المهديّ أوّل من حُمل له الثلج إلى مكّة من الخلفاء (٣).\nوفيها ردّ المهديّ على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التي كانت مقبوضة عنهم.\n* * *\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٧٩).\n(٢) انظر: البداية والنهاية (٨/ ٧٩).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٧٩).","vol":"11","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1725>ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها ظفر نصر بن محمَّد بن الأشعث الخزاعيّ بعبد الله بن مروان بالشام؛ فقدم به على المهدي قبل أن يولِّيَه السِّند، فحبسه المهديّ في المطْبَق؛ فذكر أبو الخطَّاب أن المهديّ أُتِي بعبد الله بن مروان بن محمَّد - وكان يكنى أبا الحكم - فجلس المهديّ مجلسًا عامًّا في الرّصافة، فقال: مَنْ يعرف هذا؟ فقام عبد العزيز بن مسلم العُقَيليّ، فصار معه قائمًا، ثم قال له: أبو الحكم؟ قال: نعم ابنُ أمير المؤمنين، قال: كيف كنت بعدي؟ ثم التفت إلى المهديّ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. فعجب النَّاس من جُرأته، ولم يعرض له المهديّ بشيء.\nقال: ولما حبس المهديّ عبد الله بن مروان احتِيل عليه، فجاء عمرو بن سهلة الأشعريّ فادّعى أن عبد الله بن مروان قتل أباه، فقدّمه إلى عافية القاضي، فتوجّه عليه الحُكْم أن يقادَ به، وأقام عليه البيّنة؛ فلما كاد الحُكْم يبرَم جاء عبد العزيز بن مسلم العقيليّ إلى عافية القاضي يتخطّى رقاب النَّاس؛ حتَّى صار إليه، فقال: يزعم عمرو بن سهلة أن عبد الله بن مروان قتل أباه؛ كذب والله ما قتل أباه غيري؛ أنا قتلتُه بأمرِ مروان، وعبدُ الله بن مروان من دمه بريء. فزالت عن عبد الله بن مروان، ولم يعرض المهديّ لعبد العزيز بن مسلم لأنَّه قتله بأمر مروان.\nوفيها أمر المهديّ يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، فعمل به، فكان لا ينفذ للمهديّ كتاب إلى عامل فيجوز حتَّى يكتب يعقوب بن داود إلى أمينه وثقته بإنفاذ ذلك (١).\nوفيها اتّضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهديّ، وضمّ يعقوب إليه من متفقهة البصرة وأهل الكوفة وأهل الشَّام عددًا كثيرًا، وجعل رئيس البصريين والقائم بأمرهم إسماعيل بن عُلَيَّة الأسديّ ومحمد بن ميمون العنبريّ، وجعل رئيس أهل\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية (٨/ ٨٠).","vol":"11","page":100},{"text":"الكوفة وأهل الشَّام عبد الأعلى بن موسى الحلبيّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>ذكر السبب الذي من أجله تغيرت منزلة أبي عبيد الله عند المهدي </span>(٢)\nقد ذكرنا سببَ اتّصاله به الذي كان قبلُ في أيَّام المنصور وضمّ المنصور إياه إلى المهديّ حين وجّهه إلى الرّيّ عند خلْع عبد الجبار بن عبد الرحمن المنصور، فذكر أبو زيد عمر بن شبّة، أنّ سعيد بن إبراهيم حدّثه أن جعفر بن يَحْيَى حدّثه أن الفضل بن الرّبيع أخبره، أنّ الموالي كانوا يشنّعون على أبي عبيد الله عند المهديّ، ويسعَوْن عليه عنده؛ فكانت كتب أبي عبيد الله تنفذ عند المنصور بما يريد من الأمور، وتتخلَّى الموالي بالمهديّ، فيبلِّغونه عن أبي عبيد الله، ويحرّضونه عليه.\nقال الفضل: وكانت كتب أبي عبيد الله تصل إلى أبي تَتْرَى، يشكو الموالي وما يلقى منهم، ولا يزال يذكره عند المنصور ويخبره بقيامه، ويستخرج الكتب عنه إلى المهديّ بالوَصاة به، وترك القبول فيه. قال: فلمَّا رأى أبو عبيد الله غلَبة الموالي على المهديّ، وخَلْوَتهم به نظر إلى أربعة رجال من قبائل شتّى من أهل الأدب والعلم، فضمّهم إلى المهديّ، فكانوا في صحابته، فلم يكونوا يَدعون الموالي يتخلّوْن به.\nثم إنّ أبا عبيد الله كلّم المهديّ في بعض أمره إذ اعترض رجل من هؤلاء الأربعة في الأمر الذي تكلّم فيه، فسكت عنه أبو عبيد الله، فلم يراده، وخرج فأمر أن يحجب عن المهديّ فحجبه عنه؛ وبلغ ذلك من خبره أبي.\n* * *\nقال: وحجّ أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي من أمر المهديّ بما قام به من أمر البيعة وتجديدها على بيت المنصور والقوّاد والموالي؛ فلما قدم تلقَّيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتَّى تجاوز منزله، وترك دار المهديّ، ومضى إلى أبي عبيد الله، فقال: يابنيّ؛ هو صاحب الرجل؛ وليس ينبغي أن نعامله على ما كنّا نعامله عليه؛ ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره من\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٨٠).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٨٠).","vol":"11","page":101},{"text":"نصرتنا له. قال: فمضينا حتَّى أتينا باب أبي عبيد الله؛ فما زال واقفًا حتَّى صلّيتُ العَتَمة، فخرج الحاجب، فقال: ادخل، فثنى رجلَه وثنيتُ رجلي. قال: إنَّما استأذنتُ لك يا أبا الفضل وحدَك. قال: اذهب فأخبِره أنّ الفضل معي. قال: ثم أقبل عليّ، فقال: وهذا أيضًا من ذلك! قال: فخرج الحاجب، فأذن لنا جميعًا، فدخلنا أنا وأبي، وأبو عبيد الله في صدر المجلس، على مصلّىً متكيءٌ على وسادة، فقلت: يقوم إلى أبي إذا دخل إليه، فلم يقم إليه، فقلت: يستوي جالسًا إذا دنا، فلم يفعل، فقلت: يدعو له بمصلى، فلم يفعل، فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل سائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقع أن يسأله عمّا كان منه في أمرِ المهديّ وتجديد بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئه بذكره، فقال: قد بلَغنا نبؤكم، قال: فذهب أبي لينهض، فقال: لا أرى الدُّروب إلّا وقد غُلّقت، فلو أقمت! قال: فقال أبي: إن الدروب لا تغلَق دوني، قال: بلى قد أغلقت. قال: فظنّ أبي أنَّه يريد أن يحتَبسه ليسكن من مسيره، ويريد أن يسأله؛ قال: فأقيمُ. قال: يا فلان، اذهب فهيّئ لأبي الفضل في منزل محمَّد بن أبي عبيد الله مبيتًا. فلما رأى أنَّه يريد أن يخرج من الدّار، قال: فليس تُغْلَق الدروب دوني فأعتزم. ثم قام، فلما خرجنا من الدار أقبل عليّ فقال: يا بني، أنت أحمق، قلت: وما حمقي أنا! قال: تقول لي: كان ينبغي لك ألّا تجيء، وكان ينبغي إذا جئت فحجبَنا ألّا تقيم حتَّى صلّيتَ العَتَمة، وأن تنصرف ولا تدخل؛ وكان ينبغي إذا دخلتَ فلم يقم إليك أن ترجعَ ولا تقيم عليه؛ ولم يكن الصَّوابُ إلّا ما عملتُ كلّه؛ ولكن والله الذي لا إله إلَّا هو - واستغلق في اليمين - لأخلعنّ جاهي، ولأنفقنّ مالي حتَّى أبلغ من أبي عبيد الله.\nقال: ثم جعل يضطرب بجَهده، فلا يجد مساغًا إلى مكروهه، ويحتال الجدّ إذ ذكر القُشيريّ الذي كان أبو عبيد الله حجبَه، فأرسل إليه فجاءه، فقال: إنّك قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله، وقد بلغ مني كلّ غاية من المكروه؛ وقد أرغْتُ أمره بجهدي؛ فما وجدت عليه طريقًا، فعندك حيلة في أمره، فقال: إنَّما يؤتَى أبو عبيد الله من أحدِ وجوهٍ أذكرها لك ... يقال: هو رجل جاهل بصناعته وأبو عبيد الله أحذق النَّاس، أو يقال: هو ظَنِين في الدّين بتقليده، وأبو عبيد الله أعفّ النَّاسُ؛ لو كان بنات المهديّ في حِجره لكان لهنّ موضع، أو يقال: هو","vol":"11","page":102},{"text":"يميل إلى أن يخالف السلطان فليس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك؛ إلّا أنَّه يميل إلى القَدَر بعضَ الميْل؛ وليس يتسلّق عليه بذاك أن يقال: هو متّهم؛ ولكن هذا كله مجتمع لك في ابنه؛ قال: فتناوله الرّبيع، فقبَّل بين عينيه، ثم دبّ لابن أبي عبيد الله؛ فولله ما زال يحتال ويدسّ إلى المهديّ ويتهمه ببعض حُرمِ المهديّ، حتَّى استحكم عند المهديّ الظنَّة بمحمد بن أبي عبيد الله، فأمر فأحضر، وأخرج أبو عبيد الله. فقال: يا محمَّد اقرأ، فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه القرآن، فقال: يا معاوية ألم تعلمني أنّ ابنك جامع للقرآن؟ قال: أخبرتك يا أميرَ المؤمنين، ولكن فارقني منذ سنين؛ وفي هذه المدّة التي نأى فيها عني نسيَ القرآن، قال: قم فتقرب إلى الله في دمه، فذهب ليقوم فوقع، فقال العبّاس بن محمَّد: إن رأيت يا أميرَ المؤمنين أن تعفي الشَّيخ! قال: ففعل، وأمر به فأخرِج، فضربت عنقه.\nقال: فاتهمه المهديّ في نفسه، فقال له الرَّبيع: قتلت ابنَه، وليس ينبغي أن يكون معك، ولا أن تثق به. فأوحشَ المهديّ؛ وكان الذي كان من أمره وبلغ الرَّبيع ما أرادَ، واشتفى وزاد.\nوذكر محمَّد بن عبد الله يعقوبَ بن داود، قال: أخبرَني أبي، قال: ضرب المهديّ رجلًا من الأشعريّين، فأوجعه، فتعصّب أبو عبيد الله - وكان مولىً لهم - فقال: القتل أحسنُ من هذا يا أمير المؤمنين، فقال له المهديّ: يا يهوديّ، أخرج من عسكري لعنك الله. قال: ما أدري إلى أين أخرج إلّا إلى النَّار! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أحْرِ بهذا أن لمثلها يتوقع، قال: فقال لي: سبحان الله يا أبا عبيد الله! .\n* * *\nوفيها غزا الغمر بن العبّاس في البحر.\nوفيها ولّى نَصر بن محمَّد بن الأشعث السّند مكان رَوْح بن حاتم، وشخص إليها حتَّى قدمها ثم عُزل، ووُلّيَ مَكانه محمَّد بن سليمان، فوجّه إليها عبد الملك بن شهاب المِسمعيّ فقدمها على نصر، فبغَته، ثم أذن له في الشخوص، فشخص حتى نزل الساحل على ستّة فراسخ من المنصورة؛ فأتي","vol":"11","page":103},{"text":"نصر بن محمَّد عهده على السّند، فرجع إلى عمله؛ وقد كان عبد الملك أقام بها ثمانية عشر يومًا، فلم يعرِض له، فرجع إلى البصرة.\nوفيها استعملَ عيسى بن لقمان على مصر.\nوفيها ولّى يزيد بن منصور سَواد الكوفة وحسان الشَرويّ الموصل وبِسطام بن عمرو التغلبيّ أذرَبيجان.\nوفيها عزل أبا أيوب المسمى سليمان المكيّ عن ديوان الخراج، ووُلِّي مكانه أبو الوزير عمر بن مطرّف.\nوفيها تُوفِّيَ نصر بن مالك من فالج أصابه، ودفن في مقابر بني هاشم وصلّى عليه المهديّ.\nوفيها صرف أبان بن صدقة عن هارون بن المهدي إلى موسى بن المهديّ، وجعله له كاتبًا وَوزيرًا، وجعل مكانه مع هارون بن المهديّ يَحْيَى بن خالد بن بَرْمك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>خبر مقتل عبد السَّلام الخارجيّ</span>\nفمن ذلك ما كان من مقتل عبد السَّلام الخارجيّ بِقنَّسْرِين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1729>ذكر الخبر عن مقتله</span>\nذكر أن عبد السَّلام بن هاشم اليَشكريّ هذا خرج بالجزيرة، وكثر بها أتباعه، واشتدّت شوكته، فلقيه من قوّاد المهديّ عِدّة، منهم عيسى بن موسى القائد، فقتله في عدّة ممّن معه، وهزم جماعة من القوّاد، فوجّه إليه المهديّ الجنودَ، فنكب غير واحد من القوّاد، منهم شبيب بن واج المرْورُّوذيّ، ثم ندب إلى شبيب ألف فارس، أعطى كلّ رجل منهم ألف دِرهم معونة، وألحقهم بشبيب","vol":"11","page":104},{"text":"فوافوْه، فخرج شبيب في أثر عبد السَّلام، فهرب منهم حتَّى أتى قِنسرين، فلحقه بها فقتله (١).\n* * *\nوفيها وضع المهديُّ دواوين الأزمَّة، وولّى عليها عمر بن بَزِيع مولاه، فولّى عمر بن بَزِيع النّعمانَ بن عثمان أبا حازم زمام خراج العراق.\nوفيها أمر المهديُّ أن يجريَ على المجذَّمين وأهل السجون في جميع الآفاق (٢).\nوفيها خرجت الروم إلى الحدث إنما أتى هذه الحمّة الحسنُ ليستنقع فيها للوضَح الذي كان به؛ ثم قفل بالنَّاس سالمين.\nوكان على قضاء عسكره وما يجتمع من الفيء حَفْص بن عامر السُّلَمي (٣).\nقال: وفيها غزا يزيد بن أسَيْد السُّلَميّ من باب قالِيقَلا، فغنم وفتح ثلاثة حصون، وأصاب سَبْيًا كثيرًا وأسرى (٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nوفيها قطع المهديّ البعوثَ للصائفة على جَميع الأجناد من أهل خُراسان وغيرهم، وخرج فعسكر بالبَرَدان، فأقام به نحوًا من شهرين يتعبّأ فيه ويتهيّأ، ويعطي الجنود، وأخرج بها صِلات لأهل بيته الذين شخصوا معه، فتُوفِّيَ عيسى بن علي في آخر جمادى الآخرة ببغداد. وخرج المهديّ من الغد إلى البَرَدان متوجِّهًا إلى الصائفة، واستخلف ببغداد موسى بن المهديّ، وكاتبه يومئذٍ أبان بن صدقة؛ وعلى خاتمه عبد الله بن عُلاثة، وعلى حرسه عليّ بن عيسى،\n_________\n(١) انظر: المنتظم لابن الجوزي (٨/ ٢٥٧).\n(٢) وقال ابن كثير تعليقًا على هذه الخطوة: وهذه مثوبة عظيمة. ومكرمة جيدة (٨/ ٨١).\n(٣) انظر: البداية والنهاية (٨/ ٨١).\n(٤) انظر: البداية والنهاية (٨/ ٨١).","vol":"11","page":105},{"text":"وعلى شُرَطه عبد الله بن خازم؛ فذكر العباس بن محمَّد أنّ المهديّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين ومائة خرج يشيّعه وأنا معه؛ فلما حاذى قصر مسلمة، قلت: يا أمير المؤمنين، إن لمسلمَة في أعناقنا مِنَّةً؛ كان محمَّد بن عليّ مرّ به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: يابن عمّ هذان ألفان لدَينك، وألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا. فقال لما حدثته الحديث: أحضِروا مَنْ ها هنا من ولد مسلَمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تُجْرَى عليهم الأرزاق، ثم قال: يا أبا الفضل، كافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: نعم، وزدتَ يا أمير المؤمنين.\nوذكر إبراهيم بن زياد، عن الهيثم بن عدي، أن المهديّ أغزى هارون الرشيد بلادَ الرّوم، وضمّ إليه الرَّبيع الحاجب والحسن بن قحطبة.\nقال محمّد بن العباس: إنّي لقاعد في مجلس أبي في دار أمير المؤمنين وهو على الحرَس؛ إذ جاء الحسن بن قحطبة، فسلّم عليّ، وقعد على الفراش الذي يقعد أبي عليه، فسأل عنه فأعلمتُه أنه راكب، فقال لي، يا حبيبي أعلمه أني جئت، وأبلغه السَّلام عني، وقل له: إن أحبّ أن يقول لأمير المؤمنين: يقول الحسن بن قحطبة: يا أمير المؤمنين؛ جعلني الله فداك! أغزيتَ هارون، وضممتني والرّبيع إليه، وأنا قريع قوّادك، والربيع قريع مواليك، وليس تطيب نفسي بأن نُخَلِّيَ جميعًا بابك، فإمّا أغزيتني مع هارون وأقام الرَّبيع، وإما أغزيتَ الرَّبيع وأقمتُ ببابك. قال: فجاء أبي فأبلغته الرسالة، فدخل على المهديّ فأعلمه، فقال: أحسن والله الاستعفاء، لا كما فعل الحجام بن الحجام - يعني عامر بن إسماعيل - وكان استعفى من الخروج مع إبراهيم فغضب عليه، واستصفى ماله.\nوذكر عبد الله بن أحمد بن الوضّاح، قال: سمعت جدي أبا بُديل، قال: أغزى المهديّ الرشيد، وأغزى معه موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح بن عليّ ومولَيَيْ أبيه: الرَّبيع الحاجب والحسن الحاجب، فلمَّا فصل دخلت عليه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ما خلّفك عن وليّ العهد، وعن أخويْك خاصّة؟ يعني الرَّبيع والحسن الحاجب. قلت: أمر أمير المؤمنين ومقامي بمدينة السَّلام حتَّى يأذن لي. قال: فسرْ حتَّى تلحق به وبهما؛ واذكر ما تحتاج إليه. قال: قلت:","vol":"11","page":106},{"text":"ما أحتاج إلى شيء من العُدّة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ودَاعه! فقال لي: متى تراك خارجًا؟ قال: قلت: من غدٍ، قال: فودّعته وخرجت، فلحقت القوم. قال: فأقبلتُ أنظر إلى الرّشيد يخرج، فيضرب بالصَّوالجة، وأنظر إلى موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح؛ وهما يتضاحكان منه.\nقال: فصرت إلى الرَّبيع والحسن - وكنّا لا نفترق - قال: فقلت: لا جزاكما الله عمّن وجَّهكما ولا عمّن وُجِّهتُما معه خيرًا؛ فقالَا: إيهٍ، وما الخبر؟ قال: قلت: موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح يتضاحكان من ابن أمير المؤمنين، أوَمَا كنتما تقدران أن تجعلا لهما مجلسًا يدخلان عليه فيه ولمن كان معه من القوّاد في الجمعة يدخلون عليه ويخلّوه في سائر أيامه لما يريد! قال: فبينا نحن في ذلك المسير إذ بعثا إليّ في الليل. قال: فجئت وعندهما رجل، فقالا لي: هذا غلام الغمر بن يزيد، وقد أصبنا معه كتاب الدولة. قال: ففتحت الكتابَ، فنظرت فيه إلى سِنِي المهديّ فإذا هي عشر سنين. قال: فقلت: ما في الأرض أعجب منكما! أتريان أنّ خبر هذا الغلام يخفى، وأن هذا الكتاب يستتر! قالا: كلّا، قلت: فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنيه ما نقص، أفلستم أوّلَ مَنْ نعى إليه نفسَه! قال: فتبلّدوا والله، وسُقط في أيديهما، فقالا: فما الحيلةُ؟ قلت: يا غلام عليّ بعنبسة - يعني الورَّاق الأعرابي مولى آل أبي بديل - فأتِيَ به، فقلت له: خط مثل هذا الخطّ، وورقة مثل هذه الورقة، وصيّر مكان عشر سنين أربعين سنة، وصيرها في الورقة، قال: فوالله لولا أني رأيتُ العشر في تلك والأربعين في هذه ما شككت أن الخَطّ ذلك الخط، وأن الورقة تلك الورقة.\nقال: ووجّه المهديّ خالد بن برمك مع الرّشيد وهو وليّ العهد حين وجَّهه لغزو الروم، وتوجّه معه الحسن وسليمان ابنا برمك، ووجّه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يَحْيَى بن خالد - وكان أمر هارون كلّه إليه - وصُيِّر الرَّبيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهديّ، وكان الذي بين الرَّبيع ويحيى على حسب ذلك؛ وكان يشاورهما ويعمل برأيهما؛ ففتح الله عليهم فتوحًا كثيرة، وأبلاهم في ذلك الوجه بلاءً جميلًا، وكان لخالد في ذلك بسَمَالو أثر جميل لم يكن لأحد؛ وكان منجّمهم يسمى البرمكيّ تبرّكًا به، ونظرًا إليه. قال: ولما ندب المهديّ هارون الرشيد لما ندبَه له من الغَزْو، أمر أن يدخل عليه كتَّاب","vol":"11","page":107},{"text":"أبناء الدّعوة لينظر إليهم ويختار له منهم رجلًا.\nقال يَحْيَى: فأدخلوني عليه معهم، فوقفوا بين يديه، ووقفت آخرهم فقال لي: يا يَحْيَى، ادنُ، فدنوت، ثم قال لي: اجلس، فجلست فجثوتُ بين يديه، فقال لي: إنِّي قد تصفحت أبناء شيعتي وأهل دولتي، واخترت منهم رجلًا لهارون ابني أضمّه إليه ليقوم بأمر عسكره، ويتولى كتابته، فوقعتْ عليك خِيرتي له، ورأيتك أوْلَى به؛ إذ كنت مربّيَه وخاصّته، وقد ولّيتك كتابتَه وأمْرَ عسكره. قال: فشكرتُ ذلك له، وقبّلت يدَه، وأمر لي بمائة ألف درهم معونةً على سفري، فوُجّهت في ذلك العسكر لما وُجِّهت له.\nقال: وأوفد الربيعُ سليمانَ بن برمك إلى المهديّ، وأوفد معه وفدًا، فأكرم المهديّ وفادته وفضله، وأحسن إلى الوفد الذين كانوا معه، ثم انصرفوا من وجههم ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>عزل عبد الصمد بن عليّ عن الجزيرة وتولية زفر بن الحارث</span>\nوفي هذه السنة؛ سنة مسير المهديّ مع ابنه هارون، عزل المهديّ عبد الصَّمد بن عليّ عن الجزيرة، وولّى مكانه زفر بن عاصم الهلاليّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>ذكر السبب في عزله إياه:</span>\nذُكر أن المهديّ سلك في سَفْرته هذه طريق الموصل، وعلى الجزيرة عبد الصمد بن عليّ، فلما شخص المهديّ من الموصِل، وصار بأرض الجزيرة، لم يتلقّه عبد الصَّمد ولا هيَأ له نُزُلًا، ولا أصلح له قناطر. فاضطغن ذلك عليه المهديّ، فلما لقيه تجهّمه وأظهر له جفاءً، فبعث إليه عبد الصَّمد بألطافٍ لم يرضَها، فردَّها عليه، وازْدَاد عليه سخطًا، وأمر بأخذه بإقامة النّزل له، فتعبّث في ذلك، وتقنّع، ولم يزل يربي ما يكرهه إلى أن نزل حصن مسلمة، فدعا به، وجرى بينهما كلامٌ أغلظ له فيه القولَ المهديّ، فردّ عليه عبد الصَّمد ولم يحتمله، فأمر بحبسه وعَزْله عن الجزيرة، ولم يزل في حبسه في","vol":"11","page":108},{"text":"سفره ذلك وبعد أن رجع إلى أن رضي عنه. وأقام له العبّاس بن محمَّد النّزل، حتَّى انتهى إلى حلَب، فأتته البشرى بها بقتل المقنّع، وبعث وهو بها عبد الجبار المحتسب لجلب من بتلك الناحية من الزنادقة. ففعل، وأتاه بهم، وهو بدابِق، فقتل جماعة منهم وصلَبهم، وأُتِيَ بكتب من كتبهم فقطِّعت بالسكاكين ثم عرض بها جندَه، وأمر بالرحلة، وأشخص جماعة مَن وافاه من أهل بيته مع ابنه هارون إلى الروم، وشيّع المهديّ ابنَه هارون حتَّى قطع الدّرْب، وبلغ جيحان، وارتاد بها المدينة التي تسمى المهدية، وودّع هارون على نهر جيحان. فسار هارون حتى نزل رستاقًا من رساتيق أرض الرُّوم فيه قَلْعة، يقال لها سَمالو، فأقام عليها ثمانيًا وثلاثين ليلة، وقد نصب عليها المجانيق، حتَّى فتحها الله بعد تخريب لها، وعطش وجوع أصاب أهلها، وبعد قتل وجراحات كانت في المسلمين؛ وكان فتحها على شروط شرطوها لأنفسهم: لا يُقتَلوا ولا يُرحّلوا، ولا يُفرَق بينهم؛ فأُعطوا ذلك، فنزلوا، ووفّى لهم، وقفل هارون بالمسلمين سالمين إلَّا من كان أصيب منهم بها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها بَنَى المهديّ بعيساباذ الكبرى قصرًا من لَبِن، إلى أن أسس قصره الذي بالآجر: الذي سماه قصر السلامة؛ وكان تأسيسه إياه يوم الأربعاء في آخر ذي القعدة.\nوفيها شخص المهديّ حين أسس هذا القصر إلى الكوفة حاجًّا، فأقام برُصافة الكوفة أيّامًا، ثم خرج متوجّهًا إلى الحج، حتَّى انتهى إلى العَقَبة، فغلَا عليه وعلى مَنْ معه الماء، وخاف ألّا يحمله ومَنْ معه ما بين أيديهم، وعرضتْ له مع ذلك حُمّى، فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بسبب الماء؛ لأنَّه كان صاحبَ المصانع، واشتدّ على النَّاس العَطَش في منصرَفهم وعلى ظهرهم حتَّى أشفَوْا على الهَلكة.\nوفيها تُوفِّيَ نصر بن محمَّد بن الأشعث بالسند.","vol":"11","page":109},{"text":"وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليَمن عن سَخْطة، ووجَّه مَنْ يستقبله ويفتش متاعه، ويحصي ما معه، ثم أمر بحبسه عند الرّبيع حين قدم، حتَّى أقرّ من المال والجوهر والعنبر بما أقرّ به، فردّه إليه، واستعمل مكانه منصور بن يزيد بن منصور.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة</span>\nوسار إلى الدُّمُسْتُق بنقُمودية وهو صاحب المسالح، وسار هارون في خمسة وتسعين ألفًا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلًا، وحمل لهم من العَيْن مائة ألف دينار وأربعة وتسعين ألفًا وأربعمائة وخمسين دينارًا، ومن الوَرِق أحدًا وعشرين ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألفًا وثمانمائة درهم. وسار هارون حتَّى بلغ خليج البحر الذي على القسطنطينية، وصاحب الرُّوم يومئذٍ أغُسْطه امرأة أليون؛ وذلك أن ابنها كان صغيرًا قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرت بينهما وبين هارون بن المهديّ الرّسل والسفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفِدْية، فقبل ذلك منها هارون، وشرط عليها الوفاء بما أعطت له، وأن تقيم له الأدلّاء والأسواق في طريقه؛ وذلك أنَّه دخل مدخلا صعبًا مخوّفًا على المسلمين، فأجابته إلى ما سأل، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها تسعون أو سبعون ألف دينار، تؤديها في نيسان الأوَّل في كلّ سنة، وفي حزيران، فقبِل ذلك منها، فأقامت له الأسواق في منصرَفه، ووجّهت معه رسولًا إلى المهديّ بما بذلت على أن تؤدّي ما تيسّر من الذَّهب والفضة والعَرْض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وسُلِّمَت الأسارَى. وكان الذي أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسًا، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألفًا، وقتِل من الأسارى صبرًا ألفان وتسعون أسيرًا. ومما أفاء الله عليه من الدوابّ الذلل بأدراتها عشرون ألف دابّة، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وكانت المرتزقة سوى المطوّعة وأهل الأسواق مائة ألف، وبيع البرذَوْن بدرهم، والبغل بأقلّ من عشرة دراهم، والدّرْع بأقلّ من درهم، وعشرين سيفًا بدرهم، فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:","vol":"11","page":110},{"text":"أطفْتَ بِقُسْطَنْطِينَةِ الروم مُسْنِدًا ... إليها القَنَا حتَّى اكتسَى الذِّلَّ سورها\nوما رِمْتَها حتَّى أَتَتك مُلوكُهَا ... بِجِزْيتها، والحَرْبُ تغلِي قدورُها (١)\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها سخط المهديّ على يعقوب بن داود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>ذكر الخبر عن غضب المهديّ على يعقوب </span>(٢)\nذكر عليّ بن محمَّد النوفليّ، قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان داود بن طَهْمان - وهو أبو يعقوب بن داود - وإخوته كتّابًا لنصر بن سيّار، وقد كتب داود قبله لبعض ولاة خراسان؛ فلما كانت أيَّام يَحْيَى بن زيد كان يدسّ إليه وإلى أصحابه بما يسمع من نصر، ويحذّرهم؛ فلما خرج أبو مسلم يطلب بدم يَحْيَى بن زيد ويقتل قَتَلَتَه والمعيّنين عليه من أصحاب نصر، أتاه داود بن طَهْمان مطمئنًّا لما كان يعلم ممّا جرى بينه وبينه، فآمنه أبو مسلم، ولم يعرِض له في نفسه، وأخذ أمواله التي استفاد أيَّام نصر، وترك منازله وضِيعَه التي كانت له ميراثًا بمرْو، فلما مات داود خرج ولده أهلَ أدب وعلم بأيام النَّاس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليست لهم عند بني العباس منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر؛ فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة الزيديّة، ودنوْا من آل الحسين، وطمعوا أن يكون لهم دَوْلة فيعيشوا فيها. فكان يعقوب يجول البلاد منفردًا بنفسه، ومع إبراهيم بن عبد الله أحيانًا، في طلب البيعة لمحمد بن عبد الله، فلما ظهر محمَّد وإبراهيم بن عبد الله كتب عليّ بن داود - وكان أسنّ من يعقوب - لإبراهيم بن عبد الله، وخرج يعقوب مع عدّة من إخوته مع إبراهيم؛ فلما قتِل محمَّد وإبراهيم توارَوْا من المنصور، فطلبهم، فأخذ يعقوب وعليًّا فحبسهما في المطبَق أيّام حياته، فلما تُوفِّيَ المنصور، منّ عليهما المهديّ فيمن\n_________\n(١) انظر لهذه التفاصيل: المنتظم (٨/ ٢٧٨).\n(٢) انظر تعليقنا (٨/ ١٦٢/ ١).","vol":"11","page":111},{"text":"منّ عليه بتخلية سبيله، وأطلقهما. وكان معهما في المطبق إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن - وكانا لا يفارقانه - وإخوته الذين كانوا محتبسين معه، فجرت بينهم بذلك الصداقة. وكان إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن يرى أنّ الخلافة قد تجوز في صالحي بني هاشم جميعًا، فكان يقول: كانت الإمامة بعد رسول الله - ﷺ - لا تصلح إلَّا في بني هاشم؛ وهي في هذا الدهر لا تصلح إلَّا فيهم؛ وكان يكثر في قوله للأكبر من بني عبد المطلب؛ وكان هو ويعقوب بن داود يتجاريان ذلك؛ فلما خلَّى المهديّ سبيلَ يعقوب مكث المهديّ برهة من دهره يطلب عيسى بن زيد والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بعد هرب الحسن من حبسه، فقال المهديّ يومًا: لو وجدتُ رجلًا من الزيديّة له معرفة بآل حسن وبعيسى بن زيد، وله فقه فأجتلبُه إليّ على طريق الفقه، فيدخل بيني وبين آل حسن وعيسى بن زيد! فدُلّ على يعقوب بن داود، فأتِيَ به فأدخِل عليه، وعليه يومئذٍ فَرْوٌ وخُفَّا كبْل وعمامة كَرابيس وكِساء أبيض غليظ. فكلّمه وفاتحه، فوجده رجلًا كاملًا، فسأله عن عيسى بن زيد؛ فزعم النّاس أنَّه وعده الدخول بينه وبينه، وكان يعقوب ينتفِي من ذلك؛ إلّا أنّ النَّاس قد رَموْه بأن منزلته عند المهديّ إنَّما كانت للسعاية بآل عليّ. ولم يزل أمره يرتفع عند المهديّ ويعلو حتَّى استوزره، وفوض إليه أمر الخلافة؛ فأرسل إلى الزيديّة، فأتى بهم مِنْ كلّ أوب، وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل وعمل نفيس، والدنيا كلها في يديه، ولذلك يقول بشار بن برد:\nبَني أمَيَّةَ هُبُّوا طالَ نَومكُمُ ... إنَّ الخَليفَةَ يعقوبُ بن داودِ\nضاعَتْ خلافَتُكمْ يا قَوْمِ فاطَّلِبوا ... خَليفَةَ الله بَيْنَ الدُّفِّ والعود\nقال: فحسده موالي المهديّ، فسعوْا عليه (١).\nومما حظِيَ به يعقوب عند المهديّ، أنَّه استأمنه للحسن بن إبراهيم بن عبد الله، ودخل بينه وبينه حتَّى جمع بينهما بمكّة. قال: ولما علم آل الحسن بن عليّ بصنيعِه استوحشوا منه، وعلم يعقوب أنَّه إن كانت لهم دولة لم يعشْ فيها، وعلم أن المهديّ لا يناظره لكثرة السعاية به إليه، فمال يعقوب إلى إسحاق بن\n_________\n(١) في إسناد هذا الخبر الطَّويل علي بن محمَّد النوفلي لم نجد له ترجمة. وفي متون بعض أخباره نكارة، وانظر تعليقنا [٨/ ١٦٢/ ١].","vol":"11","page":112},{"text":"الفضل، وأقبل يربّصُ له الأمور وأقبلت السعايات ترِدُ على المهديّ بإسحاق حتَّى قيل له: إن المشرق والمغرب في يد يعقوب وأصحابه؛ وقد كاتبهم؛ وإنَّما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحدٍ على ميعاد، فيأخذوا الدُّنيا لإسحاق بن الفضل؛ فكان ذلك قد ملأ قلب المهديّ عليه (١).\nقال عليّ بن محمَّد النوفليّ: فذكر لي بعض خدم المهديّ أنَّه كان قائمًا على رأسه يومًا يذبّ عنه، إذ دخل يعقوب، فجثا بين يديه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد عرفت اضطراب أمر مصر، وأمرتني أن ألتمس لها رجلًا يجمع أمرها فلم أزل أرتاد حتَّى أصبت لها رجلًا يصلح لذلك. قال: ومَنْ هو؟ قال: ابن عمّك إسحاق بن الفضل، فرأى يعقوب في وجهه التغيّر، فنهض فخرج، وأتبعه المهديّ طرفه، ثم قال: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم رفع رأسه إليّ وقال: اكتم عليّ ويلك! قال: ولم يزل مواليه يحرِّضونه عليه ويُوحشونه منه، حتَّى عزم على إزالة النعمة عنه (٢).\nوقال موسى بن إبراهيم المسعوديّ: قال المهديّ: وُصف لي يعقوب بن داود في منامي، فقيل لي أن اتّخذْه وزيرًا. فلما رآه، قال: هذه والله الخلقة التي رأيتُها في منامي، فأتخذه وزيرًا، وحَظِيَ عنده غاية الحظوة، فمكث حينًا حتَّى بنى عيساباذ، فأتاه خادم من خَدَمه - وكان حظيًّا عنده - فقال له: إن أحمد بن إسماعيل بن عليّ، قال لي: قد بنى متنزَّهًا أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت مال المسلمين، فحفظها عن الخادم، ونسي أحمد بن إسماعيل، وتوهّمها على يعقوب بن داود، فبينا يعقوب بين يديه إذْ لببَه، فضرب به الأرض، فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين! قال: ألست القائل: إنِّي أنفقت على متنزَّه لي خمسين ألف ألف! فقال يعقوب: والله ما سمعتْه أذناي، ولا كتبه الكرام الكاتبون؛ فكان هذا أول سبب أمره.\nقال: وحدّثني أبي، قال: كان يعقوب بن داود قد عرف عن المهديّ خلعًا واستهتارًا بذكر النساء والجماع، وكان يعقوب بن داود يصف من نفسه في ذلك\n_________\n(١) انظر تعليقنا [٨/ ١٦٢/ ١].\n(٢) في إسناده النوفلي الآنف الذكر وهو يرويه عن مبهم (بعض خدم المهدي) وانظر تعليقنا [٨/ ١٦٢/ ١].","vol":"11","page":113},{"text":"شيئًا كثيرًا، وكذلك كان المهديّ، فكانوا يخلُون بالمهديّ ليلًا فيقولون: هو على أنَّ يصبح فيثور بيعقوب؛ فإذا أصبح غدًا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه تبسّم، فيقول: إنّ عندك لخيرًا! فيقول: نعم، فيقول: اقعد بجانبي فحدِّثني، فيقول: خلوت بجاريتي البارحة، فقالت وقلت، فيصنع لذلك حديثًا، فيحدّث المهديّ بمثل ذلك، ويفترقان على الرضا، فيبلغ ذلك مَنْ يسعى على يعقوب، فيتعجّب منه (١).\nقال: وقال لي الموصليّ: قال يعقوب بن داود للمهديّ في أمر أراده: هذا والله السرف، فقال: ويلك! وهل يحسن السرف إلَّا بأهل الشرف! ويْلك يا يعقوب، لولا السرف لم يعرَف المكثرون من المقترين (٢).\nوقال عليّ بن يعقوب بن داود عن أبيه، قال: بعث إليّ المهدي يومًا، فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفَرْش مُوَرّد متناهٍ في السرور على بستان فيه شجر، ورؤوس الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخَوْخ والتفاح، فكلّ ذلك مورّد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئًا أحسَن منه؛ وإذا عنده جارية ما رأيتُ أحسنَ منها، ولا أشطَّ قَوامًا، ولا أحسن اعتدالًا، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك. فقال لي: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: على غاية الحسن، فمتَع الله أمير المؤمنين به، وهنّأه إياه فقال: هو لك، احمله بما فيه وهذه الجارية ليتمّ سرورك به. قال: فدعوت له بما يجب. قال: ثم قال: يا يعقوب، ولي إليك حاجة، قال: فوثبتُ قائمًا ثم قلت: يا أميرَ المؤمنين، ما هذا إلَّا من موجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين! قال: لا،\n_________\n(١) موسى بن إبراهيم المسعودي وأبوه مجهولان ويعقوب متهم بوضع أشعار على لسان بشار بن برد فكيف يعتمد على إسناد هذا حاله وعلى تلك التهم التي لا تصح عن المهدي بل تخالف الأخبار الصحيحة في سيرته ﵀، والله أعلم.\n(٢) الموصلي مغنّ لعّاب مترف ماجن، وانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٩/ ٨٠/ تر ٨٨) والراوي عنه هو المسعودي وهو مجهول، بل المهدي رجل كان يروي الحديث ويحب الغزو وكان يناصب العداء لأهل البدع ويجلّ أهل العلم ويحترم القضاة، لين الجانب، كما أكدت الأخبار الصحاح، انظر تعليقنا عند الحديث عن سير المهدي وأخباره.","vol":"11","page":114},{"text":"ولكن أحبّ أن تضمن لي قضاء هذه الحاجة فإنّي لم أسألكها من حيث تتوهّم، وإنَّما قلت ذلك على الحقيقة، فأحبّ أن تضمنَ لي هذه الحاجة وأن تقضيَها لي، فقلت: الأمر لأمير المؤمنين وعليّ السمع والطاعة، قال: والله - قلت والله ثلاثًا - قال: وحياة رأسي! قلت: وحياة رأسك، قال: فضع يدك عليه واحلف به، قال: فوضعت يدي عليه، وحلفت له به لأعملنّ بما قال، ولأقضينّ حاجته. قال: فلما استوثق مني في نفسه، قال: هذا فلان بن فلان، من ولد عليّ، أحبّ أن تكفيَني مؤونته، وتريحني منه، وتعجِّل ذلك. قال: قلت: أفعل، قال: فخذه إليك، فحوّلته إليّ، وحوّلت الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك، وأمر لي معه بمائة ألف درهم (١).\nقال: فحملت ذلك جملة، ومضيتُ به، فلشدّة سروري بالجارية صيّرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثتُ إلى العلويّ، فأدخلته على نفسي، وسألته عن حاله، فأخبرني بها، وبجُمَل منها، وإذا هو ألبّ النَّاس وأحسنُهم إبانة.\nقال: وقال لي في بعض ما يقول: وَيْحك يا يعقوب! تلقى الله بدمي، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمَّد! قال: قلت: لا والله فهل فيك خير؟ قال: إن فعلتَ خيرًا شكرتُ ولك عندي دعاء واستغفار. قال: فقلت له أي الطرق أحبُّ إليك؟ قال: طريق كذا وكذا، قلتُ: فَمنْ هناك ممّن تأنس به وتثق بموضعه؟ قال: فلان وفلان، قلت: فابعث إليهما، وخُذْ هذا المال، وامض معهما مصاحبًا في ستر الله، وموعدك وموعدهما للخروج من دارِي إلى موضع كذا وكذا - الذي اتفقوا عليه - في وقت كذا وكذا من الليل؛ وإذا الجاريةُ قد حفظت عليّ قولي؛ فبعثتْ به مع خادم لها إلى المهديّ، وقالت: هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك؛ صنع وفعل كذا وكذا؛ حتَّى ساقت الحديث كلّه، قال: وبعث المهديّ من وقته ذلك، فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلوّي برجاله، فلم يلبث أن جاءوه بالعلويّ بعينه وصاحبيه والمال، على السجيّة التي حكتها الجارية. قال: وأصبحتُ من غدِ ذلك اليوم، فإذا رسولُ المهديّ يستحضرني - قال: وكنتُ خاليَ الذرع غير مُلقٍ إلى أمر العَلويّ بالًا حتَّى\n_________\n(١) هذا خبر منكر وفي إسناده مجهول. وانظر تعليقنا في آخر الخبر [٨/ ٦٠] وتعليقنا [٨/ ١٦٢/ ١].","vol":"11","page":115},{"text":"أدخُل على المهديّ، وأجده على كرسيّ بيده مخصرة - فقال: يا يعقوب ما حال الرجل؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: والله، ثم قال: قم فضع يدَك على رأسي؛ قال: فوضعت يدي على رأسه، وحلفتُ له به. قال: فقال: يا غلام، أخرج إلينا ما في هذا البيت، قال: ففتح بابه على العلويّ وصاحبيه والمال بعينه. قال: فبقيتُ متحيّرًا، وسُقِط في يدي، وامتنع مني الكلام، فما أدري ما أقول! قال: فقال المهديّ: لقد حلَّ لي دمك لو آثرتُ إراقته، ولكن احبسوه في المطبَق؛ ولا أذكَّر به، فحبِستُ في المطبَق، واتُّخذ لي فيه بئرٌ فدُلِّيت فيها، فكنت كذلك أطولَ مئة لا أعرف عدد الأيَّام وأصِبْتُ ببصري، وطال شعري، حتَّى استرسل كهيئة شعور البهائم. قال: فإنّي لكذلك، إذ دُعي بي فمُضِيَ بي إلى حيث لا أعلم أين هو، فلم أعْدُ أن قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين، فسلمت، فقال: أي أمير المؤمنين أنا؟ قلت: المهدي، قال: رحم الله المهديّ، قلت: فالهادي؟ قال: رحم الله الهادي، قلت: فالرّشيد؟ قال: نعم؛ قلت: ما أشكّ في وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلّتي وما تناهتْ إليه حالي، قال: أجل، كلُّ ذلك عندي قد عرف أمير المؤمنين، فسَلْ حاجتَك، قال: قلت: المقام بمكّة، قال: نفعل ذلك، فهل غير هذا؟ قال: قلت: ما بقي فيّ مستَمتع لشيء لا بلاغ، قال: فراشدًا. قال: فخرجتُ فكان وجهي إلى مكّة. قال ابنه: ولم يزل بمكة فلم تطُل أيامه بها حتَّى مات (١).\nقال محمَّد بن عبد الله: قال لي أبي: قال يعقوب بن داود: وكان المهديّ لا يشرب النّبيذَ إلَّا تحرّجًا؛ ولكنه كان لا يشتهيه؛ وكان أصحابه: عمر بن بَزيع والمعلّى مولاه والمفضّل ومواليه يشربون عنده بحيث يراهم، قال: وكنت أعِظه في سَقْيهم النبيذ وفي السماع، وأقول: إنَّه ليس على هذا استوزرتَني ولا على\n_________\n(١) علي بن يعقوب لم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من كتب التراجم، ولم يوثقه أحد من أهل الحديث حتَّى ابن حبان المعروف بتساهله في التوثيق لم يذكره في الثقات، وبعض كتب التأريخ الموثوقة تذكّر أن أباه يعقوب كان يضع الشعر على لسان بشار بن برد في هجاء المهدي ليوقع به عند المهدي الخليفة (انظر: تأريخ بغداد/ ١٤/ ٢٦٢/ تر ٧٥٥٩) فكيف يعتمد على من اتّهم بوضع الشعر على غيره في إثبات هذه الأخبار، ولم تتأكد من مصادر أخرى متقدمة موثوقة غير محايدة؟ ! ! .","vol":"11","page":116},{"text":"هذا صحبتك؛ أبعْد الصّلوات الخمس في المسجد الجامع، يشُرب عندك النبيذ وتسمع السماع! قال: فكان يقول: قد سمع عبدُ الله بن جعفر، قال: قلت: ليس هذا من حسناته؛ لو أنّ رجلًا سمع في كلّ يوم كان ذلك في يزيده قربة من الله أو بعدًا! (١).\nوقال محمَّد بن عبد الله: حدّثني أبي، قال: كان أبي يعقوب بن داود قد ألحّ على المهديّ في حَسْمِه عن السماع وإسقائه النبيذ حتَّى ضيّق عليه؛ وكان يعقوب قد ضجِر بموضعه، فتاب إلى الله مما هو فيه؛ واستقبل وقدّم النيِّة في تركه موضعه. قال: فكنت أقول للمهدي: يا أمير المؤمنين؛ والله لشربةُ خمر أشربها أتوب إلى الله منها أحبّ إليّ مما أنا فيه؛ وإني لأركب إليك فأتمنى يدًا خاطئة تصيبني في الطَّريق، فأعفني وولِّ غيري من شئت؛ فإنّي أحبّ أن أسلِّم عليك أنا وولدي؛ ووالله إنِّي لأتفزّع في النوم؛ ولّيتَني أمور المسلمين وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضًا من آخرتي. قال: فكان يقول لي: اللَّهم غفرًا! اللَّهم أصلح قلبه قال فقال شاعر له:\nفَدَعْ عنك يعقوبَ بنَ داودَ جانبًا ... وأَقبِلْ على صَهباءَ طَيّبةِ النَّشرِ (٢)\nقال عبد الله بن عمر: وحدّثني جعفر بن أحمد بن زيد العلويّ، قال: قال ابن سلّام: وهب المهديّ لبعض ولد يعقوب بن داود جاريًا، وكان بِضَعف قال: فلمَّا كان بعد أيَّام، سأله عنها، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ ما رأيتُ مثلها، ما وضعتُ بيني وبين الأرض مطيّةً أوطأ منها حاشا سامع. فالتفت المهديّ إلى يعقوب، فقال له: من تراه يَعْني؟ يعنيني أو يعنيك؟ فقال له يعقوب: من كلّ شيء تحفظ الأحمقّ إلَّا من نفسه.\nوقال عليّ بن محمَّد النوفليّ: حدّثني أبي، قال: كان يعقوب بن داود يدخلُ\n_________\n(١) هذا خبر منكر، ومن له أدنى فهم يدرك أن الخبر ملفق موضوع؛ فإذا كان المهدي لا يسمع كلام وزيره المقرب الذي تهابه النَّاس - أي يعقوب - فمِمّن يتحرج إذا وممن من البشر يستحي ويتحرج حتَّى يشرب النبيذ تحرجًا، وإذا كان لا يشتهيه فمن الذي يُجبره على ذلك والكل يتودد إليه ويهابه؟ ! ! ثم إن الشاهد الذي يقذف التهمة هكذا هو يعقوب نفسه أما المهدي فساكت لا يدافع عن نفسه ويعقوب هو الخصم والحكم - أضف إلى كل هذا فإننا لم نجد لمحمد بن عبد الله بن يعقوب هذا ترجمة في كتب الجرح والتعديل والخبر منكر -.\n(٢) هذا خبر منكر كسابقه، وفيه من الآفات في السند والمتن كسابقه. وانظر تعليقنا [٨/ ١٦٢/ ١].","vol":"11","page":117},{"text":"على المهديّ فيخلو به ليلًا يحادثه ويسامره؛ فبينما هو ليلةً عنده؛ وقد ذهب من الليل أكثره، خرج يعقوب من عنده، وعليه طيلسان مصبوغ هاشميّ؛ وهو الأزرق الخفيف؛ وكان الطَيْلسان قد دق دقًّا شديدًا فهو يتقعقع، وغلام آخذ بعنان دابّة له شهباء، وقد نام الغلام، فذهب يعقوب يسوّي طيلسانَه فتقعقع، فنفر البِرْذونُ، ودنا منه يعقوب، فاستدبره فضربه ضربة على ساقه فكسرها، وسمع المهديّ الوجبَةَ، فخرج حافيًا؛ فلما رأى ما به أظهر الجزع والفَزَع، ثم أمر به فحمِل في كرسيّ إلى منزله، ثم غدًا عليه المهديّ مع الفجر؛ وبلغ ذلك النَّاس، فغدَوْا عليه، فعاده أيامًا ثلاثة متتابعة، ثم قعد عن عيادته، وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله، فلما فَقد وجهه، تمكن السعاة من المهديّ، فلم تأتِ عليه عاشرة حتَّى أظهر السّخط عليه، فتركه في منزله يعالج، ونادى في أصحابه: لا يوجد أحدٌ عليه طيلسان يعقوبيّ، وقلنسوة يعقوبية إلّا أخِذت ثيابُه. ثم أمر بيعقوب فحبِس في سجن نصر (١).\nقال النوفليّ: وأمر المهديّ بعزْل أصحاب يعقوب عن الولايات في الشَّرق والغرب، وأمر أن يؤخذ أهلُ بيته، وأن يُحبَسوا ففعل ذلك بهم.\nوقال عليّ بن محمَّد: لما حبِس يعقوب بن داود وأهل بيته، وتفرّق عمالة واختفوْا وتشرّدوا، أذكِر المهديّ قصّته وقصة إسحاق بن الفضل، فأرسل إلى إسحاق ليلًا وإلى يعقوب، فأتِيَ به من محبسه، فقال: ألم تخبرني بأنّ هذا وأهل بيته يزعمون أنّهم أحق بالخلافة منا أهلَ البيت؛ وأن لهم الكبر علينا! فقال له يعقوب: ما قلتُ لك هذا قطّ، قال: وتكذّبني وتردّ عليّ قولي! ثم دعا له بالسِّياط فضربه اثنتي عشر سوطًا ضربًا مبرّحًا، وأمر به فرُدّ إلى الحبس.\nقال: وأقبل إسحاق يحلِف أنَّه لم يقُلْ هذا قطّ، وأنَّه ليس من شأنه. وقال فيما يقول: وكيف أقول هذا يا أمير المؤمنين، وقد مات جدِّي في الجاهليّة وأبوك الباقي بعد رسول الله - ﷺ - ووارثه! فقال: أخرجوه، فلما كان من الغد دعا بيعقوب، فعاوده الكلام الذي كلمه في ليلته، فقال: يا أمير المؤمنين،\n_________\n(١) علي بن محمَّد النوفلي لم نجد له ترجمة وفي متون بعض مروياته نكارات وطامات. وانظر تعليقنا [٨/ ١٦٢/ ١]. وهل هذا الخبر المنكر يستحق أن تسوّد به صفحات التأريخ؟ .","vol":"11","page":118},{"text":"لا تعجل عليّ حتَّى أذكِّرك، أتذكر وأنت في طارمة على النّهرِ؛ وأنت في البستان وأنا عندك؛ إذ دخل أبو الوزير - قال عليّ: وكان أبو الوزير ختنَ يعقوب بن داود على ابنة صالح بن داود - فخبّرك هذا الخبر عن إسحاق؟ قال: صدَقت يا يعقوب، قد ذكرتُ ذلك، فاستحى المهديّ، واعتذر إليه من ضربه، ثم ردّه إلى الحبس، فمكث محبوسًا أيَّام المهديّ وأيام موسى كلّها حتَّى أخرجه الرّشيد بميله كان إليه في حياة أبيه (١).\n* * *\n_________\n(١) سامح الله الطبري تحدث عن قضية هامة (تغير العلاقة بين المهدي ووزيره يعقوب) فجاء بأخبار واهية وأسانيد مسلسلة بمجاهيل العين والحال، ووقف بأعصاب باردة أمام متونها التي تتهم الخليفة الصالح المهدي بالمجون والشرب واللهو وكل ذلك مخالف تمامًا للروايات الصحيحة التي جاءت في ذكر خوفه من الله ﷿، وروايته للحديث، واحترامه للعلم والعلماء، وعطفه على الرعية وانشغاله بمحاربة الزنادقة والمبتدعة - وهكذا حال كل خليفة ناصب العداء لأهل البدعة - لفّقوا له مثالب ومثالب. ولو نظرنا إلى أسانيد هذه المتون لوجدناها من طريق عليّ بن محمَّد النوفلي وليس له ذكر في كتب التراجم وفي متونه نكارات وطامات كما سنذكر عند تخريجنا لأخبار سيرة المهدي ضمن أحداث سنة (١٦٩ هـ) أو من طريق علي بن يعقوب (لم نجد له ترجمة) عن أبيه الذي يتهم المهدي دون أن نعرف ردّ المهدي لهذه التهم، فالمهدي مُغيّب ويعقوب يكيل له التهم فهو الخصم والحكم، وقد دأبنا عند تخريجنا لمرويات الطبري أن نقارنها بما ذكره خليفة والبسوي، ولم نجد لذكر هذه التفاصيل أثرًا عند خليفة ولا عند البسوي، والشيء الوحيد الذي صحّ أنَّه عزله عن الوزارة أما هذه الأسباب فلم تصح، ولولا الإسناد لوجّه النَّاس كيل الاتهامات لكل من يكرهون ولقبله النَّاس لولا أن أئمة الجرح والتعديل كرّسوا حياتهم لتمييز الصادق من الكاذب والوضاع والمتروك. والحمد لله على نعمة الإسناد.\nونقد آخر يوجه لمتون هذه الأخبار المنكرة وهو أن يعقوب كان كاتبًا لخصم العباسيين فترة من الزمن (كان كاتبًا لإبراهيم بن عبد الله بن حسن) الذي خرج على بني العباس، وكان أبوه داود كاتبًا لنصر بن سيار الأموي، فكيف بمن هذه خلفيته وولاؤه يَعْدِل في وصف العباسيين ويؤخذ بشهادته في ذمّهم؟ علمًا بأنه متهم بوضع الأبيات الشعرية والقصائد على لسان بشار بن برد في هجاء المهدي وما زال يسعى عليه عند المهدي [تأريخ بغداد / ١٤/ ٢٦٢/ تر ٧٥٥٩] فكيف نقبل رواية رجلٍ اتهم بالوضع قبل أن يعزله المهدي؟ وعلى ما يبدو فإن يعقوب هذا تغيّر وسعى به الوشاة فعزله المهدي وكل ذلك ظن وتخمين. والله تعالى أعلم بالأسباب المؤدية إلى عزله.","vol":"11","page":119},{"text":"وفيها أمر المهديّ بإقامة البَريد بين مدينة الرسول - ﷺ - وبين مكّة واليمن؛ بغالًا وإبلًا؛ ولم يُقَم هنالك بريدٌ قبل ذلك.\nوفيها أخذ داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن سليمان بن مجالد ومحمد بن أبي أيوب المكيِّ ومحمد بن طيفور في الزّندقة، فأقرّوا، فاستتابهم المهديّ وخلّى سبيلَهم، وبعث بداود بن روْح إلى أبيه روح؛ وهو يومئذٍ بالبَصْرة عاملًا عليها، فمنّ عليه، وأمره بتأديبه.\nوفيها قدم الوضّاح الشَرويّ بعبد الله بن أبي عبيد الله الوزير - وهو معاوية بن عبيد الله الأشعريّ من أهل الشَّام - وكان الذي يسعى به ابن شَبَابة وقد رُمِيَ بالزندقة. وقد ذكرنا أمره ومقتله قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\nوقيل إنّ عيسى بن موسى توفيَ وروح على الكوفة، لثلاث بقِين من ذي الحِجَّة، فحضر رَوْح جنازته، فقيل له: تقدَّم فأنت الأمير، فقال: ما كان الله ليَرى روحًا يصلِّي على عيسى بن موسى، فليتقدّم أكبر ولده، فأبوا عليه وأبى عليهم، فتقدم العباس بن عيسى، فصلّى على أبيه. وبلغ ذلك المهديّ، فغضب على روح، وكتب إليه:\nقد بلغني ما كان من نُكوصك عن الصَّلاة على عيسى، أبنفسك، أم بأبيك، أم بجدِّك كنت تصلي عليه! أوليس إنَّما ذلك مقامي لو حضرتُ. فإذا غبتُ كنتَ أنت أولى به لموضعك من السلطان! .\nوأمر بمحاسبته، وكان يلي الخراج مع الصَّلاة والأحداث.\nوتوفِّيَ عيسى والمهديّ واجدٌ عليه وعلى ولده، وكان يكره التقدّم عليه لجلالته.\nوفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل، وولّاه","vol":"11","page":120},{"text":"الرَّبيع الحاجب، فاستخلف عليه سعيد بن واقد، وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته.\nوفيها فشا الموت، وسعال شديد ووباء شديد ببغداد والبصرة.\nوفيها تُوفِّيَ أبان بن صدقة بجُرجان، وهو كاتب موسى على رسائله، فوجّه المهديّ مكانه أبا خالد الأحول يزيد خليفة أبي عبيد الله.\nوفيها عزل يَحْيَى الحرشيّ عن طبرستان والرُّويان، وما كان إليه من تلك الناحية ووليها عمر بن العلاء وولي جرجان فرَاشة مولى المهديّ، وعزل عنها يَحْيَى الحرشي.\nوفيها أظلمت الدُّنيا لليالٍ بَقين من ذي الحجّة، حتَّى تعالى النهار.\nولم يكن فيها صائفة، للهدنة التي كانت بين المسلمين والرّوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها وجّه المهديّ سعيدًا الحرَشيّ إلى طبرستان في أربعين ألف رجل.\nوفيها مات عمر الكلواذيّ صاحب الزنادقة، وولِّيَ مكانه حمدَوَيْه، وهو محمَّد بن عيسى من أهل مَيْسان.\nوفيها قتل المهديّ الزنادقة ببغداد.\nوفيها ردّ المهديّ ديوانه وديوان أهل بيته إلى المدينة ونقله من دمشق إليها.\nوفيها خرج المهديّ إلى نهر الصّلة أسفل واسط - وإنَّما سُمِّي نهر الصِّلة فيما ذكر لأنَّه أراد أن يُقطِع أهل بيته وغيرهم غَلته، يصلهم بذلك.\nوفيها ولّى المهديّ عليّ بن يقطين ديوان زمام الأزمّة على عمر بن بزيع.\nوذكر أحمد بن موسى بن حمزة، عن أبيه: قال: أوَل مَنْ عمل ديوان الزّمام عمر بن بزيع في خلافة المهديّ، وذلك أَنَّه لمّا جُمعت له الدواوين تفكّر، فإذا هو لا يضبطها إلّا بزمام يكون له على كلّ ديوان، فأتخذ دواوين الأزمة، وولّى","vol":"11","page":121},{"text":"كل ديوان رجلًا، فكان وإليه على زمام ديوان الخراج إسماعيل بن صُبيح، ولم يكن لبني أميَّة دواوين أزمَّة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\n* * *\n* ذكر الخبر عن خروجه إلها:\nذكر أن المهديّ كان في آخر أمره قد عزم على تقديم هارون ابنه على ابنِه موسى الهادي، وبعث إليه وهو بجُرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة، ويقدّم الرّشيد فلم يفعل، فبعث إليه المهديّ بعضَ الموالي، فامتنع عليه موسى من القدوم، وضرب الرّسول، فخرج المهديّ بسبب موسى وهو يريده بجُرجان فأصابه ما أصابه.\nوذكر الباهليّ أن أبا شاكر أخبره - وكان من كتَّاب المهديّ على بعض دواوينه - قال: سأل عليّ بن يقطين المهديَّ أن يتغدّى عنده، فوعده أن يفعل، ثم اعتزم على إتيان ماسَبَذان، فوالله لقد أمرَ بالرحيل كأنه يُساق إليها سوقًا، فقال له عليّ: يا أميرَ المؤمنين، إنك قد وعدتني أن تتغدّى عندي غدًا، قال: فاحمل غَدَاءك إلى النَّهروَان. قال: فحمله فتغدّى بالنَّهروان، ثم انطلق.\nوفيها توفّي المهديّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>[ذكر الخبر عن وفاة المهدي]</span>\nذكر الخبر في سبب وفاته:\nاختلف في ذلك، فذكر عن واضح قَهرمان المهديّ، قال: خرج المهدي يتصيد بقرية يقال لها الرذّ بماسَبَذان، فلم أزل معه إلى بعد العصر، وانصرفت إلى مضربي - وكان بعيدًا من مضربه - فلما كان في السَّحَر الأكبر ركبت لإقامة","vol":"11","page":122},{"text":"الوظائف، فإنّي لأسير في بَرّيّة، وقد انفردت عمَّن كان معي من غلماني وأصحابي، إذ لقيني أسود عريان على قَتَد رَحْل، فدنا مني، ثم قال لي: أبا سهل، عظّم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فهممتُ أن أعلوَه بالسّوط، فغاب من بين يديّ، فلما انتهيتُ إلى الرِّواق لقيني مسرور، فقال لي: أبا سهل، عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فدخلت فإذا أنا به مسجَّىً في قبَّة، فقلت: فارقتكم بعد صلاة العصر، وهو أسرّ ما كان حالًا وأصحّه بدنًا، فما كان الخبر؟ قال: طردت الكلابُ ظبيًا، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة، فاقتحمت الكلاب خلفه، واقتحم الفرس خلف الكلاب، فدُقّ ظهرُه في باب الخرِبة، فمات من ساعته.\nوذكر أن عليّ بن أبي نعيم المروزيّ، قال: بعثتْ جارية من جواري المهديّ إلى ضَرة لها بلبَأ فيه سمّ، وهو قاعد في البستان، بعد خروجه من عيساباذ، فدعا به فأكل منه، ففرِقت الجارية أن تقول له: إنَّه مسموم.\nوحدّثني أحمد بن محمَّد الرّازيّ، أن المهديّ كان جالسًا في عُلِّيَة في قصر بماسبَذَان، يُشرف من منظرةٍ فيها على سفله، وكانت جاريته حسَنَة، قد عمدت إلى كُمَّثراتين كبيرتين، فجعلتهما في صِينيَّة، وسمّت واحدة منهما وهي أحسنهما وأنضجهما في أسفلها، وردّت القِمَع فيها، ووضعتها في أعلى الصينيَّة - وكان المهديّ يعجبه الكُمثرى - وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهديّ - وكان يتحظَّاها - تريد بذلك قتلها، فمرّت الوَصيفة بالصينيَّة التي فيها تلك الكُمثرى، تريد دفعها إلى الجارية التي أرسلتها حسَنَة إليها، بحيث يراها المهديّ من المنظرة، فلما رآها ورأى معها الكمثرى، دعا بها، فمدّ يده إلى الكُمثراة التي في أعلى الصينيّة وهي المسمومة، فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صرخ: جوفي! ! وسمعت حَسَنة الصوت، وأخبرت الخبر، فجاءت تلطُم وجهها وتبكي، وتقول: أردت أن أنفرد بك، فقتلتك يا سيّدي! فهلك من يومه.\nوذكر عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب، قال: لما صرنا إلى ماسَبَذان دنوتُ إلى عنانه، فأمسكت بهوما به علّة، فوالله ما أصبح إلَّا ميِّتًا، فرأيت حَسَنة وقد رجعت، وإن على قُبتّها المسوح، فقال أبو العتاهية في ذلك:\nرُحْنَ في الوَشْي وأَصْبَحْـ ... ـنَ عليهنَّ المُسُوحُ","vol":"11","page":123},{"text":"كل نَطَّاحٍ مِنَ الدَّهـ ... ـرِ له يومٌ نَطوحُ\nلَسْتَ بالباقي ولو ... عُمِّرْتَ ما عُمّرَ نوحُ\nفَعَلى نفسِك نُحْ إن ... كنتَ لابُدَّ تَنُوحُ\nوذكر صالح القارئ أنّ عليّ بن يقطين، قال: كنّا مع المهديّ بماسَبَذان فأصبح يومًا فقال: إنِّي أصبحت جائعًا، فأتِيَ بأرغفة ولحم بارد مطبوخ بالخل، فأكل منه ثم قال: إنِّي داخلٌ إلى البَهْو ونائم فيه، فلا تنبِّهوني حتَّى أكون أنا الذي أنتبه، ودخل البهو فنام، ونمنا نحن في الدار في الرِّواق، فانتبهنا ببكائه، فقمنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا: ما رأينا شيئًا، قال: وقف على الباب رجل، لو كان في ألف أو في مائة ألف رجل ما خفِيَ عليّ، فأنشد يقول:\nكأَنِّي بهذا القَصْرِ قد بادَ آهِلُهْ ... وأَوحَش منه رَبْعُهُ ومنازلُهْ\nوصار عميدُ القومِ مِنْ بعدِ بهجةٍ ... ومُلكٍ إلى قبر عليه جنادله\nفلم يَبْقَ إِلا ذكرُهُ وحَديثُهُ ... تنادي عليه معْوِلاتٍ حلائلهْ\nقال: فما أتت عليه عاشرة حتَّى مات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه ومَنْ صلّى عليه</span>\nذُكر أن المهديّ توفِّيَ بقرية من قرى ماسَبَذان، يقال لها الرُّذّ، وفي ذلك يقول بَكّار بن رَبَاح:\nأَلَا رحمةُ الرحمنِ في كلِّ ساعَةٍ ... على رمَّةٍ رَمَّتْ بِماسَبَذانِ\nلقد غَيَّبَ القبرُ الذي تمّ سُودَدا ... وَكَفَّينِ بالمعروفِ تَبْتَدِرانِ\nوصلَّى عليه ابنُه هارون، ولم توجد له جنازة يُحمَل عليها، فحُمل على باب، ودفن تحت شجرة جَوْز كان يجلس تحتها.\nوكان طويلًا مُضمّر الخلْق، جَعْدًا. واختُلف في لونه فقال بعضهم: كان أسمر، وقال بعضهم: كان أبيض.\nوكان في عينه اليمنى - في قول بعضهم - نُكتة بياض. وقال بعضهم: كان ذلك بعينه اليسرى.","vol":"11","page":124},{"text":"وكان وُلد بإيذَج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>ذكر بعض سِير المهديّ وأخباره</span>\nذُكر عن هارون بن أبي عبيد الله، قال: كان المهديّ إذا جلس للمظالم، قال: أدخِلوا عليّ القضاة، فلو لم يكن ردِّي للمظالم إلَّا للحياء منهم لَكفى.\nوذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: حدّثني عليّ بن صالح، قال: جلس المهديّ ذات يوم يعطي جوائز تقسم بحضرته في خاصّته من أهل بيته والقوّاد، وكان يُقرأ عليه الأسماء، فيأمر بالزيادة، العشرة الآلاف والعشرين الألف، وما أشبه ذلك، فعُرِض عليه بعض القوّاد، فقال: يُحَطّ هذا خمسمائة، قال: لم حططتَنِي يا أمير المؤمنين؟ قال: لأني وجّهتُك إلى عدوٍّ لنا فانهزمت. قال: كان يسرّك أن أقتل؟ قال: لا، قال: فوالذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة لو ثَبَت لقتِلت، فاستحيا المهديّ منه، وقال: زده خمسة آلاف.\nقال الحسن: وحدّثني عليّ بن صالح، قال: غضب المهديّ على بعض القوّاد - وكان عَتَب عليه غير مرَّة - فقال له: إلى متى تذنب إليّ وأعفو؟ قال: إلى أبدٍ نسيء، ويبقيك الله فتعفو عنا، فكررها عليه مرات، فاستحيا منه ورضي عنه.\nوذكر محمَّد بن عمر، عن حفص مولى مُزينة، عن أبيه، قال: كان هشام الكلبيّ صديقًا لي، فكنّا نتلاقى فنتحدث ونتناشد، فكنت أراه في حالٍ رثّة وفي أخلاق على بغلة هزيل، والضُّر فيه بيِّن وعلى بغلته، فما راعني إلّا وقد لقيني يومًا على بغلة شقراءَ من بغال الخلافة، وسَرْج ولجام من سروج الخلافة ولُجُمها، في ثياب جِياد ورائحة طيِّبة، فأظهرتُ السرور، ثم قلت له: أرى نعمة ظاهرةً، قال لي: نعم، أخبرك عنها، فاكتم، فبينما أنا في منزلي منذ أيَّام بين الظهر والعصر، إذ أتاني رسول المهديّ فسرت إليه، ودخلت عليه وهو جالس خالٍ ليس عنده أحد، وبين يديه كتاب، فقال: ادنُ يا هشام، فدنوتُ فجلست بين يديه، فقال: خذ هذا الكتاب فاقرأه. ولا يمنعك ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه. قال: فنظرت في الكتاب، فلما قرأت بعضَه استفظعتُه، فألقيته من يدي، ولعنت كاتبه، فقال لي: قد قلت لك: إن استفظعتَه فلا تُلقِه، اقرأه بحقي عليك","vol":"11","page":125},{"text":"حتَّى تأتي على آخره! قال: فقرأته فإِذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلْبًا عجيبًا، لم يبقِ له فيه شيئًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَنْ هذا الملعون الكذاب؟ قال: هذا صاحب الأندلس، قال: قلت: فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته. قال: ثم اندرأت أذكر مثالبهم، قال: فسُرَّ بذلك، وقال: أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب. قال: ودعا بكاتب من كتاب السرّ، فأمره فجلس ناحية، وأمرني فصرت إليه، فصدّر الكاتب من المهديّ جوابًا، وأمللتُ عليه مثالبهم فأكثرت، فلم أبْقِ شيئًا حتَّى فرغتُ من الكتاب، ثم عرضتُه عليه، فأظهر السرور، ثم لم أبرح حتَّى أمر بالكتاب فخُتِم، وجُعل في خريطة، ودُفع إلى صاحب البريد، وأمر بتعجيله إلى الأندلس. قال: ثم دعا بمنديل فيه عشرة أثواب من جِياد الثياب وعشرة آلاف درهم، وهذه البغلة بسرجها ولجامها، فأعطاني ذلك، وقال لي: اكتم ما سمعت.\nقال الحسن: وحدّثني مِسوَر بن مساور، قال: ظلمني وكيل للمهديّ وغصبَني ضَيْعةً لي فأتيت سلَّامًا صاحب المظالم، فتظلمت منه وأعطيته رقعة مكتوبة، فأوصل الرّقعة إلى المهديّ، وعنده عمه العباس بن محمدّ وابن عُلاثة وعافية القاضي. قال: فقال لي المهديّ: ادنُهْ، فدنوت، فقال: ما تقول؟ قلت: ظلَمتَني، قال: فترضى بأحد هذين؟ قال: قلت: نعم، قال: فادنُ مني، فدنوت منه حتَّى التزقت بالفراش، قال: تكلّم، قلت: أصلح الله القاضي! إنَّه ظلمني في ضيعتي هذه، فقال القاضي: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: ضيعتي وفي يدي، قال: قلت: أصلح الله القاضي! سَلْهُ، صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ قال: فسأله: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: صارت إليّ بعد الخلافة. قال: فأطلِقها له، قال: قد فعلت، فقال العبّاس بن محمَّد: والله يا أمير المؤمنين لَذا المجلس أحبّ إليّ من عشرين ألف ألف درهم.\nقال: وحدّثني عبد الله بن الرَّبيع، قال: سمعتُ مجاهدًا الشاعر يقول: خرج المهديّ متنزّهًا، ومعه عمر بن بزيع مولاه، قال: فانقطعنا عن العسكر، والنّاس في الصيد، فأصاب المهديّ جوع، فقال: ويحك! هل من شيء؟ قال: ما من شيء، قال: أرى كوخًا وأظنّها مبقلة، فقصدنا قصدَه، فإذا نَبَطِيّ في كوخ ومبقلة، فسلّمنا عليه، فردّ السَّلام، فقلنا له: هل عندك شيء نأكل؟ قال: نعم","vol":"11","page":126},{"text":"عندي رُبَيْثاء وخبز وشعير، فقال المهديّ: إن كان عندك زيت فقد أكملتَ، قال: نعم، قال: وكرّاث؟ قال: نعم، ما شئت وتمر. قال: فعدا نحو المبقلة، فأتاهم ببقْل وكُرّاث وبصل، فأكلا أكلًا كثيرًا، وشبِعا، فقال المهديّ لعمر بن بزيع: قل في هذا شعرًا، فقال:\nإنَّ مَنْ يُطْعِمُ الرُبَيثاءَ بالزَّيـ ... ـتِ وخُبزَ الشعير بالكُرّاثِ\nلحقيقٌ بِصفْعَةٍ أَو بِثنْتَيْـ ... ـنِ لِسوء الصنيعِ أَوْ بِثَلاثِ\nفقال المهديّ: بئس ما قلت، ليس هكذا ...\nلحقيقٌ بِبَدْرَةٍ أَوْ بِثِنَتْيـ ... ـن لحسْنِ الصَّنِيعِ أَوْ بِثَلاثِ\nقال: ووافى العسكر والخزائن والخدَم فأمر للنَّبَطيّ بثلاث بِدَر وانصرف.\nوذكر محمَّد بن عبد الله، قال: أخبرني أبو غانم، قال: كان زيد الهلاليّ رجلًا شريفًا سخيًّا مشهورًا من بني هلال، وكان نقشُ خاتَمه: \"أفلح يا زيد مَنْ زَكَا عمله\"، فبلغ ذلك المهديّ، فقال زيد الهلاليّ:\nزَيْدُ الهِلَالِيّ نقش خاتمه ... أفْلَح يا زيدُ من زكا عمَلُهْ\nقال: وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح في أيَّام المهديّ حتَّى ظننَا أنَّها تسوقنا إلى المحْشر، فخرجتُ أطلب أميرَ المؤمنين، فوجدته واضعًا خدَّه على الأرض، يقول: اللهمّ احفظ محمدًا في أمتّه، اللهمّ لا تُشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهمّ إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك، قال: فما لبثنا إلَّا يسيرًا حتَّى انكشفت الرِّيح وانجلى ما كُنَّا فيه (١).\nوقال الموصلي: قال عبد الصَّمد بن عليّ: قلت للمهديّ: يا أميرَ المؤمنين، إنا أهلَ بيت قد أشرب قلوبُنا حبَّ موالينا وتقديمهم، وإنك قد صنعت من ذلك ما أفرطتَ فيه، قد وليتَهم أمورك كلّها، وخصصتهم في ليلك ونهارك، ولا آمن تغيير قلوب جندك وقوّادك من أهل خُراسان، قال: يا أبا محمَّد، إنّ المواليَ يستحقّون ذلك، وليس أحدٌ يجتمع لي فيه أن أجلس للعامّة فأدعُوَ به فأرفعه حتَّى تحكّ ركبتُه ركبتي، ثم يقوم من ذلك المجلس، فأستكفيه سياسةَ دابتي، فيكفيها، لا يرفع نفسهُ عن ذلك إلّا مواليّ هؤلاء، فإنهم لا يتعاظمهم ذلك،\n_________\n(١) الخبر أخرجه الخطيب البغدادي، انظر [تأريخ بغداد / ٥/ ٤٠٠].","vol":"11","page":127},{"text":"ولو أردت هذا من غيرهم فقال: ابن دولتِك والمتقدّم في دعوتك، وأين مَنْ سبق إلى بيعتك، لا أدفِّعه عن ذلك.\nقال عليّ بن محمَّد: قال الفضل بن الرَّبيع: قال المهديّ لعبد الله بن مالك: صارعْ مولاي هذا، فصارَعه، فأخذ بعنقه، فقال المهديّ: شدّ، فلما رأى ذلك عبدُ الله أخذ برجله فسقط على رأسه فصرعه. فقال عبد الله للمهديّ: يا أميرَ المؤمنين، قمتُ من عندك وأنا أحب النَّاس إليك، فلم تزَلْ عليّ مع مولاك. قال: أما سمعت قول الشَّاعر:\nوَمَوْلَاكَ لا يُهْضَمْ لديْكَ فإِنما ... هضيمةُ مولى القوم جَدْعُ المناخِر\nقال أبو الخطَّاب: لما حضرت القاسمَ بن مجاشع التميميّ - من أهل مَرْو بقرية يقال لها باران - الوفاةُ أوصى إلى المهديّ، فكتب: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، إلى آخر الآية ثم كتب: والقاسم بن مجاشع يشهدُ بذلك، ويشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -، وأن عليّ بن أبي طالب وصيُّ رسول الله - ﷺ - ووارث الإمامة بعده. قال: فعُرِضت الوصيَّة على المهديّ، فلما بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها. قال أبو الخطَّاب: فلم يزل ذلك في قلب أبي عبيد الله الوزير، فلما حضرته الوفاة كتب في وصيّته هذه الآية.\nقال: وقال الهيثم بن عديّ: دخل على المهديّ رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن المنصور شتمني وقذف أمِّي، فإما أمرتني أن أحِلَّه، وإلّا عوّضتَني واستغفرت الله له. قال: ولم شتمك؟ قال: شتمتُ عدوّه بحضرته، فغضب، قال: ومَنْ عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن حسن، قال: إن إبراهيم أمسّ به رَحِمًا وأوجب عليه حقًّا، فإن كان شتمك كما زعمتَ، فعن رَحِمِهِ ذبّ، وعن عِرْضه دفع، وما أساء من انتصر لابن عمه. قال: إنَّه كان عدوًّا له، قال: فلم ينتصر للعداوة، وإنَّما انتصر للرَّحِم، فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولّى، قال: لعلك أردت أمرًا فلم تجد له ذريعة عندك أبلغَ من هذه\n_________\n(١) [آل عمران: ١٨ - ١٩].","vol":"11","page":128},{"text":"الدعوى! قال: نعم، قال: فتبسّم وأمر له بخمسة آلاف درهم (١).\nقال: وأتِيَ المهديّ برجل قد تنبَّأ، فلما رآه، قال: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: وإلى مَنْ بُعثت؟ قال: وتركتموني أذهب إلى من بعثت إليه! وُجّهت بالغداة فأخذتموني بالعشيّ، ووضعتموني في الحبس! قال: فضحك المهديّ منه، وخلى سبيله.\nوذكر أبو الأشعث الكنديّ، قال: حدّثني سليمان بن عبد الله، قال: قال الرّبيع: رأيتُ المهديّ يصلّي في بهوٍ له في ليلة مُقْمرة، فما أدري أهو أحسن، أم البهو، أم القمر، أم ثيابه! قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٢)، قال: فتمّ صلاته والتفت إليّ فقال: يا ربيع، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: عليّ بموسى، وقام إلى صلاته، قال: فقلت: مَنْ موسى؟ ابنه موسى، أو موسى بن جعفر، وكان محبوسًا عندي! قال: فجعلت أفكّر، قال: فقلت: ما هو إلَّا موسى بن جعفر، قال: فأحضرته، قال: فقطع صلاته، وقال: يا موسى، إنِّي قرأت هذه الآية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٣)، فخِفت أن أكون قد قطعتُ رَحِمَك، فوَثِّقْ لي أنك لا تخرج عليّ. قال: فقال: نعم، فوثَّق له وخلّاه (٤).\nوذكر إبراهيم بن أبي عليّ، قال: سمعت سليمان بن داود، يقول: سمعت المهديّ يحدثنا في محراب المسجد على اللحن اليتيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (٥)، في سورة النساء.\nوذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان، قال: حدّثني أبي، قال: حضرتُ المهديّ\n_________\n(١) الخبر أخرجه الخطيب من طريق الزُّبير بن بكار: حدثني المدائني قال: دخل على المهدي رجل (تأريخ بغداد/ ٥/ ٣٩٤).\n(٢) [محمد: ٢٤].\n(٣) [محمد: ٢٤].\n(٤) أخرج الخطيب من طريق محمَّد بن يَحْيَى الصولي ثنا عون بن محمَّد قال: سمعت إسحاق الموصلي غير مرَّة يقول ثني الفضل بن الرَّبيع عن أبيه أنَّه لما حبس المهدي موسى بن جعفر رأى في النوم علي بن أبي طالب ... الخبر [تأريخ بغداد ١٣/ ٣٠].\n(٥) [النساء: ٥١].","vol":"11","page":129},{"text":"وقد جلس للمظالم فتقدّم إليه رجل من آل الزُّبير، فذكر ضيعة اصطفاها عن أبيه بعضُ مُلوك بني أميَّة، ولا أدري: الوليد، أم سليمان! فأمر أبا عبيد الله أن يُخرِج ذِكْرَها من الديوان العتيق، ففعل، فقرأ ذكرها على المهديّ، وكان ذلك أنَّها عُرضت على عِدّة منهم لم يروا ردّها، منهم عمر بن عبد العزيز، فقال المهديّ: يا زبيريّ، هذا عمر بن عبد العزيز، وهو منكم معشر قريش كما علمتم لم يرَ ردّها، قال: وكلّ أفعال عمر تُرضَى؟ قال: وأيّ أفعاله لا تُرضى؟ قال: منها أنَّه كان يفرِض للسّقط من بني أميَّة في خِرَقِه في الشّرف من العطاء، ويفرض للشَّيخ من بني هاشم في ستِّين. قال: يا معاوية أكذلك كان يفعل عمر؟ قال: نعم، قال: اردُدْ على الزبيريّ ضيعتَه.\nوذكر عمر بن شبّة أن أبا سلمة الغِفاريّ حدّثه، قال: كتب المهديّ إلى جعفر بن سليمان وهو عامل المدينة أن يحمل إليه جماعة اتُّهِموا بالقَدَر، فحمل إليه رجالًا، منهم عبد الله بن أبي عبيدة بن محمَّد بن عمّار بن ياسر، وعبد الله بن يزيد بن قيس الهذليّ، وعيسى بن يزيد بن دأب الليثيّ، وإبراهيم بن محمَّد بن أبي بكر الأُساميّ، فأدخِلوا على المهديّ، فانبرى له عبد الله بن أبي عبيدة من بينهم، فقال: هذا دين أبيك ورأيه؟ قال: لا، ذاك عمي داود. قال: لا، إلَّا أبوك، على هذا فارَقَنَا وبه كان يدين. فأطلقهم.\nوذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، قال: حدّثني أبي، عن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: رأيتُ فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أميَّة، كأني دخلت مسجدَ رسول الله - ﷺ -، فرفعت رأسي، فنظرت في الكتاب الذي في المسجد بالفسيفساء فإذا فيه: ممّا أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وإذا قائل يقول: يمحُو هذا الكتاب ويَكتب مكانه اسمَ رجل من بني هاشم يقال له محمَّد. قال: قلت: أنا محمَّد، وأنا من بني هاشم، فابن مَنْ؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن مَنْ؟ قال: ابن محمَّد، قلت فأنا ابن محمَّد، فابن مَنْ؟ قال: ابن عليّ، قلت: فأنا ابن عليّ، فابن مَنْ؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله؟ فابن مَن؟ قال: عباس، فلو لم أكن بلغت العبّاس ما شككت أني صاحب الأمر. قال: فتحدّثتُ بهذه الرؤيا في ذلك الدّهر ونحن لا نعرف المهديّ، فتحدّث النّاس بها","vol":"11","page":130},{"text":"حتَّى وليَ المهديّ، فدخل مسجد رسول الله - ﷺ -، فرفع رأسه فنظر فرأى اسم الوليد، فقال: وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله - ﷺ - إلى اليوم، فدعا بكرسيّ فألقِيَ له في صحن المسجد وقال: ما أنا ببارح حتَّى يُمحى ويكتَب اسمي مكانَه. وأمر أن يحضر العُمَّال والسلاليم وما يحتاج إليه، فلم يبرح حتَّى غيِّر وكتب اسمه.\nوذكر أحمد بن الهيثم القُرَشيّ: قال: حدّثنا عبد الله بن محمَّد بن عطاء، قال: خرج المهديّ بعد هَدْأةٍ من الليل يطوف بالبيت، فسمع أعرابيّة من جانب المسجد وهي تقول: قومي مقْتِرون، نبتْ عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضّتهم السِّنون، بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية الرسول، فهل من آمرٍ لي بخير، كلأه الله في سفره، وخلَفه في أهله! قال: فأمر نُصيرًا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم.\nوذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان، قال: سمعتُ أبي يقول: كان أوّل مَن افترش الطبريّ المهديّ، وذلك أنّ أباه كان أمره بالمقام بالرّيّ، فأهْدِيَ إليه الطبريّ من طَبرِستان، فافترشه، وجعل الثلج والخلاف حوله، حتَّى فُتح لهم الخَيْش، فطاب لهم الطبريّ فيه.\nوذكر محمَّد بن زياد، قال: قال المفضل: قال لي المهديّ: اجمع لي الأمثال ممّا سمعتَها من البدو، وما صحَّ عندك. قال: فكتبت له الأمثال وحروبَ العرب مما كان فيها، فوصلني وأحسن إليّ.\nقال عليّ بن محمَّد: كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سَمُرَة أراد الوثوب بالشأم، فحمِل إلى المهديّ فخلى سبيله وأكرمه، وقرّب مجلسه. فقال له يومًا: أنشِدْني قصيدة زُهير التي هي على الراء، وهي:\n* لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ *\nفأنشده، فقال السَّمُرِيّ: ذهب والله من يقال فيه مثل هذا الشعر، فغضب المهديّ واستجهله، ونحّاه ولم يعاقبه، واستحمقه النَّاس.\nوذكر أنّ أبا عون عبد الملك بن يزيد مرِض، فعاده المهدّي، فإذا منزل رثّ وبناء سوء، وإذا طاق صُفّته التي هو فيها لَبِن. قال: وإذا مضربة ناعمة في","vol":"11","page":131},{"text":"مجلسه، فجلس المهديّ على وسادة، وجلس أبو عون بين يدْيه، فبرّه المهديّ، وتوجَّع لعلَّته. وقال أبو عون: أرجو عافيةَ الله يا أمير المؤمنين، وألا يميتني على فراشِي حتى أقتَل في طاعتك، وإني لواثِق بألّا أموت حتى أبْلِيَ الله في طاعتك ما هو أهله، فإنا قد رُوّينا. قال: فأظهر له المهديّ رأيًا جميلًا، وقال: أوصني بحاجتك، وسَلْني ما أردت، واحتكم في حياتك ومماتك، فوالله لئن عجز مالُك عن شيء توصي به لأحتملنّه كائنًا ما كان، فقل وأوصِ. قال: فشكر أبو عون ودعا، وقال: يا أميرَ المؤمنين، حاجتي أن ترضى عن عبد الله بن أبي عون، وتدعوَ به، فقد طالت موجِدتك عليه. قال: فقال: يا أبا عون، إنه على غير الطريق، وعلى خلاف رأينا ورأيك، إنه يقَع في الشيْخَيْن أبي بكر وعمر، ويسيء القول فيهما. قال: فقال أبو عون: هو والله يا أميرَ المؤمنين على الأمر الذي خرجنا عليه، ودعونا إليه، فإن كان قد بدا لكم فمُرونا بما أحببتم حتى نُطيعَكم. قال: وانصرف المهديّ، فلما كان في الطريق قال لبعض مَنْ كان معه من ولده وأهله: ما لكم لا تكونون مثل أبي عون! والله ما كنت أظنُّ منزله إلا مبنيًّا بالذهب والفضة، وأنتم إذا وجدتم درهمًا بنيتم بالسّاج والذهب.\nوذكر أبو عبد الله، قال: حدّثني أبي، قال: خطب المهديّ يومًا، فقال: عباد الله، اتقوا الله، فقام إليه رجل، فقال: وأنت فاتَّقِ الله، فإنك تعمل بغير الحق. قال: فأخِذ فحُمل فجعلوا يتلقَّونَه بنعال سيوفهم، فلما أدخِل عليه قال: يا بن الفاعلة، تقول لي وأنا على المنبر: اتق الله! قال: سوْءة لك! لو كان هذا من غيرك كنتُ المستعدِي بك عليه، قال: ما أراك إلا نَبطيًّا، قال: ذاك أوكد للحجّة عليك أن يكون نَبَطيّ يأمرك بتقوى الله. قال: فرئيَ الرّجل بعد ذلك، فكان يحدّث بما جرى بينه وبين المهديّ. قال: فقال أبي: وأنا حاضره، إلا أني لم أسمع الكلام.\nوقال هارون بن ميمون الخُزاعيّ: حدّثنا أبو خزيمة البادغيسيّ، قال: قال المهديّ: ما توسَّل إليَّ أحد بوسيلة، ولا تذرّع بذريعة هي أقرب من تذكيره إياي يدًا سلفتْ مني إليه أتبعها أختها، فأحسن ربَّها، لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.\nقال: وذكر خالد بن يزيد بن وهب بن جرير، أن أباه حدّثه، قال: كان","vol":"11","page":132},{"text":"بشار بن برد بن يَرْجُوخ هجا صالح بن داود بن طهمان - أخا يعقوب بن داود - حين وُلِّي البصرة، فقال:\nهُمُ حَمَلوا فوقَ المنابر صالحًا ... أَخاكَ فَضَجَّت مِن أَخيك المنابرُ\nفبلغ يعقوب بن داود هجاؤه، فدخل على المهديّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ هذا الأعمى المشرِك قد هجا أمير المؤمنين، قال: ويلك! وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده ذلك، قال: فأبى عليه إلا أن ينشده، فأنشده:\nخليفةٌ يَزْني بِعَمّاتِهِ ... يَلعَبُ بالدَّبُّوق والصَّولجَانْ\nأَبْدَلَنا اللهُ به غيرَه ... وَدَسَّ موسى في حِرِ الخيزُرانْ\nقال: فوجّه في حمله، فخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهديّ، فيمتدحه فيعفو عنه، فوجّه إليه من يلقيه في البَطيِحةِ في الخرّارة.\nوذكر عبد الله بن عمر. حدّثني جدّي أبو الحيّ العبسيّ، قال: لما دخل مَرْوان بن أبي حفصة على المهديّ، فأنشده شعره الذي يقول فيه:\nأَنَّى يكونُ وليس ذاك بكائنٍ ... لِبَني البناتِ وراثَةُ الأَعمامِ\nفأجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان:\nبسبعين أَلفًا راشَني من حِبَائِهِ ... وما نالها في الناس من شاعر قبلي\nوذكر أحمد بن سليمان، قال: أخبرني أبو عدنان السُّلميّ، قال: قال المهديّ، لعُمارة بن حمزة: من أرقّ الناس شعرًا؟ قال: والبة بن الحُباب الأسديّ: وهو الذي يقول:\nولها وَلا ذَنبٌ لها ... حُبٌّ كأطْرافِ الرِّماحِ\nفي القلب يَقدَحُ والحشا ... فالقلبُ مجروحُ النَّواحي\nقال: صدقت والله، قال: فما يمنعك من منادمته يا أمير المؤمنين، وهو عربيٌّ شريف شاعر ظريف؟ قال: يمنعني والله من منادمته قوله:\nقلتُ لساقينا على خَلْوةٍ ... أدْنِ كذا رأسَكَ مِنْ راسي\nوَنمْ على وجهك لي ساعةً ... إني امرؤٌ أَنكِحُ جُلَّاسي\nأفتريد أن يكون جُلّاسه على هذه الشريطة!","vol":"11","page":133},{"text":"وذكر محمدٌ بن سلّام أنه كان في زمان المهديّ إنسان ضعيف يقول الشعر إلى أن مدح المهديّ. قال: فأدخِل عليه فأنشده شعرًا يقول فيه: \"وَجَوَارٍ زَفَرَات\"، فقال له المهديّ: أي شيء زفرات؟ قال: وما تعرفها أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لا والله، قال: فأنت أميرُ المؤمنين وسيِّد المسلمين وابن عمّ رسول الله - ﷺ - لا تعرفها، أعرفها أنا! كلّا والله.\nقال ابن سلّام: أخبرني غير واحد أن طُريح بن إسماعيل الثقفيّ دخل على المهدي فانتسب له، وسأله أن يسمع منه، فقال: ألست الذي يقول للوليد بن يزيد:\nأَنت ابنُ مُسْلنطح البِطاحِ ولَمْ ... تُطرَقْ عليك الحِنيُّ والولَجُ\nوالله لا تقول لي في مثل هذا أبدًا، ولا أسمع منك شعرًا، وإن شئت وصلتك.\nوذُكر أنّ المهديّ أمر بالصوم سنة ست وستين ليستسقي للناس في اليوم الرابع، فلما كان في الليلة الثالثة أصابهم الثلج، فقال لَقيط بنُ بُكيَر المحاربيّ في ذلك:\nيا إِمامَ الهدى سُقِينا بك الغَيْـ ... ثَ وزالتْ عَنَّا بك اللأوْاءُ\nبِتَّ تُعْنَى بالحفظِ والناسُ نُوَّا ... مُ عليهم مِنَ الظَّلامِ غِطاءُ\nرَقَدُوا حيثُ طال ليلُكَ فيهمْ ... لك خوفٌ تَضَرعٌ وبكاءُ\nقد عَنتكَ الأُمورُ منهم على الغفـ ... ـلة مِنْ مَعْشَرٍ عَصَوا وأَساءوا\nوسُقِينا وقد قُحِطنا وقلنا ... سنةٌ قد تَنكَّرَتْ حمراءُ\nبِدُعاءٍ أَخلصتَهُ في سوادِ اللـ ... يلِ للهِ فاستُجيب الدعاءُ\nبثلوجٍ تُحيَا بها الأرض حتى ... أَصبَحَت وهْيَ زهرَةٌ خضراءُ\nوذكر أن الناس في أيام المهديّ صاموا شهر رمضان في صميم الصيف، وكان أبو دلامة إذ ذاك يطالب بجائزة وعدها إياه المهديّ، فكتب إلى المهديّ رقعة يشكو إليه فيها ما لقيَ من الحرّ والصوم، فقال في ذلك:\nأَدْعُوكَ بالرَّحِم التي جَمَعَتْ لنا ... في القربِ بين قريبِنا والأَبْعَدِ\nإِلَّا سمعتَ وأَنت أَكرمُ مَنْ مَشَى ... مِنْ مُنشدٍ يَرجو جزاءَ المُنشَدِ\nحَلّ الصيامُ فصمتُهُ مُتعَبّدا ... أَرجو ثوابَ الصائم المُتعبّدِ","vol":"11","page":134},{"text":"وسَجَدتُ حتى جَبْهَتِي مشجُوجةٌ ... ممّا أكلَّفُ مِنْ نطاح المسجد\nقال: فلمّا قرأ المهدي الرُّقعة دعا به، فقال: أيّ قرابة بيني وبينك يا بن اللخناء! قال: رَحِم آدم وحوّاء. فضحك منه وأمر له بجائزة.\nوذكر عليّ بن محمد، قال: حدّثني أبي، عن إبراهيم بن خالد المُعَيْطيّ قال: دخلت على المهديّ - وقد وُصف له غنائي - فسألني عن الغناء وعن علمي به، وقال لي: تُغنِّي النواقيس؟ قلت: نعم والصليب يا أمير المؤمنين! فصرفني، وبلغني أنه قال: مُعيطيّ، ولا حاجة لي إليه فيمن أدنيه من خلوتي ولا آنس به.\nولمعبد المغنى النواقيس في هذا الشعر:\nسَلَا دارَ لَيلى هل تُجيبُ فَتَنطقُ ... وآنَّى تَرُدُّ القولَ بَيْداءُ سَمْلَقُ\nوأَنَّى تَرُدُّ القول دارٌ كأَنها ... لِطُولِ بلاها والتَّقادُم مُهْرَقُ\nوذكر قَعنْب بن محرز أبو عمرو الباهليّ أنّ الأصمعيّ حدّثه، قال: رأيتُ حَكمًا الوادي حين مضى المهديّ إلى بيت المقدس، فعرض له في الطريق، وكان له شُعيرات، وأخرج دُفًّا له يضربه، وقال: أنا القائل:\nفَمَتى تَخرُجُ العرو ... سُ فقد طال حبْسُها\nقد دنا الصبحُ أَو بدا ... وَهْيَ لَم تَقض لُبسَها\nفتسرّع إليه الحرَس فصيَّح بهم: كُفُّوا، وسأل عنه فقيل: حكَم الوادي، فأدخله إليه ووصله.\nوذكر عليّ بن محمد أنه سمع أباه يقول: دخل المهديّ بعضَ دوره يومًا فإذا جارية له نصرانيَّة، وإذا جيبُها واسع وقد انكشف عما بين ثدييها، وإذا صليب من ذهب معلَّق في ذلك الموضع، فاستحسنه، فمدّ يده إليه فجذبه، فأخذه، فولولت على الصليب، فقال المهديّ في ذلك:\nيوم نازَعتُها الصّليبَ فقالتْ ... وَيْح نفسِي أَما تُحِلُّ الصليبا! (١)\n_________\n(١) هذا خبر منكر. وعلي النوفلي لم نجد له ترجمة، وفي مروياته نكارات وطامات، هذه واحدة منها.","vol":"11","page":135},{"text":"قال: وأرسل إلى بعض الشعراء فأجازه، وأمر به فغنى فيه، وكان معجبًا بهذا الصوت.\nقال: وسمعت أبي يقول: إنّ المهدي نظر إلى جارية له عليها تاج فيه نرجس من ذهب وفضة، فاستحسنه فقال:\n*يا حبّذا النرجس في التاج*\nفأُرْتِجَ عليه، فقال: مَنْ بالحضرة؟ قالوا: عبد الله بن مالك، فدعاه، فقال: إني رأيت جارية لي فاستحسنتُ تاجًا عليها فقلت:\n*يا حبذا النرجس في التاج*\nفتستطيع أن تزيد فيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولكن دَعْني أخرج فأفكِّر، قال: شأنَك، فخرج وأرسل إلى مؤدّب لولده فسأله إجازته، فقال:\n*على جَبينٍ لاحَ كالعاج*\nوأتمها أبياتًا أربعة، فأرسل بها عبد الله إلى المهديّ، فأرسل إليه المهدي بأربعين ألفًا، فأعطى المؤدِّب منها أربعة آلاف، وأخذ الباقي لنفسه، وفيها غناء معروف.\nوذكر أحمد بن موسى بن مضر أبو علي، قال: أنشدني التوّزيّ في حسَنَة جاريته:\nأَرى ماءً وبِي عَطَشٌ شديدٌ ... وَلكِنْ لا سبيلَ إِلَى الورُودِ\nأَما يَكْفِيك أَنَّكِ تَملِكيني ... وَأَنَّ الناسَ كلَّهُمُ عَبيدي\nوأَنَّكِ لو قطعْتِ يَدي ورِجْلِي ... لَقُلْتُ مِنَ الرّضا: أَحسَنْتِ زيدي\nوذكر عليّ بن محمد، عن أبيه، قال: رأيتُ المهديّ وقد دخل البَصْرة من قبَل سكّة قريش، فرأيته يسير والبانوقة بين يديه، بينه وبين صاحب الشُّرطة، عليها قَباء أسود، متقلدة سيفًا في هيئة الغلمان. قال: وإني لأرى في صدرها شيئًا من ثدييها.\nقال عليّ: وحدّثني أبي، قال: قدِم المهديّ إلى البصرة، فمرّ في سكّة قريش، وفيها منزلنا، وكانت الولاة لا تمرُّ فيها إذا قدم الوالي، كانوا يتشاءمون بها - قلّ والٍ مَرّ فيها فأقام في ولايته إلا يسيرًا حتى يُعزل - ولم يمرّ فيها خليفة قطّ","vol":"11","page":136},{"text":"إلّا المهديّ، كانوا يمرُّون في سكّة عبد الرحمن بن سَمُرة، وهي تساوي سِكَّة قريش، فرأيت المهديّ يسير، وعبد الله بن مالك على شُرَطه يسير أمامه، في يده الحربة، وابنته البانوقة تسير بينه وبين يديه وبين صاحب الشرطة في هيئة الفتيان، عليها قَباء أسود ومنطقة وشاشيّة، متقلدة السيف، وإني لأرى ثدييها قد رفعا القَباء لنهودهما.\nقال: وكانت البانوقة سمراء حَسَنة القدّ حلوة. فلما ماتت - وذلك ببغداد - أظهر عليها المهديّ جزعًا لم يُسمع بمثله، فجلس للنّاس يعزّونه، وأمر ألَّا يحجب عنه أحَدٌ، فأكثر النّاس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، وفي الناس مَنْ ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب، فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة، فإنّه قال: يا أميرَ المؤمنين، اللهُ خيرٌ لها منك، وثوابُ الله خيرٌ لك منها، وأنا أسأل الله ألّا يحزُنَكَ ولا يفتنك (١).\nوذكر صباح بن عبد الرحمن، قال: حدّثني أبي، قال: تُوفِّيت البانوقة بنت المهديّ، فدخل عليه شبيب بن شيبة، فقال: أعطاك الله يا أميرَ المؤمنين على ما رُزئت أجرًا، وأعقبك صبرًا، لا أجهد الله بلاءك بنقمة، ولا نزع متك نعمةً، ثوابُ الله خيرٌ لك منها، ورحمة الله خير لها منك، وأحقّ ما صُبِر عليه ما لا سبيلَ إلى رَدِّه.\n_________\n(١) هذا خبر منكر ودليل على أن علي النوفلي هذا ليس ثقة وإلّا كيف يصف مفاتن امرأة لا تحل له وينظر إليها ومن شروط الراوي أن يكون عدلًا متصفًا بالأخلاق الحسنة خاليًا من مخارم المروءة، وهل يكون ثقة عدلًا من يصف القد والنهد - وما إلى ذلك؟","vol":"11","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1743>خلافة الهادي</span>\nفذُكر أن الموالي والقُوّاد لما تُوفِّي المهديّ اجتمعوا إلى ابنه هارون، وقالوا له: إن عَلِمَ الجند بوفاة المهديّ لم تأمن الشّغب، والرّأي أن يُحمل، وتُنادِي في الجند بالقَفل حتى تواريَه ببغداد. فقال هارون: ادعوا إلي أبي يحيى بن خالد البرمكيّ - وكان المهديّ ولّى هارونَ المغرب كلَّه، من الأنبار إلى إفريقية، وأمر يحيى بن خالد أن يتولّى ذلك فكانت إليه أعماله ودواوينه يقوم بها ويخلُفه على ما يتولى منها إلى أن تُوُفِّيَ - قال: فصار يحيى بن خالد إلى هارون، فقال له: يا أبتِ، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونُصير والمفضّل؟ قال: وما قالوا؟ فأخبره، قال: ما أرى ذلك، قال: ولمَ؟ قال: لأن هذا ما لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله، ويقولوا: لا نُخلِّيه حتى نعطَى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكّموا ويشتطُّوا، ولكن أرى أن يُوارىَ ﵀ هاهنا، وتوجِّهُ نُصيرًا إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية، فإنّ البريد إلى نُصير، فلا يُنكِر خروجه أحدٌ إذْ كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز، مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالقُفول، فإنهم إذا قبضوا الدّراهم لم يكن لهم همّه سوى أهاليهم وأوطانهم، ولا عَرْجة على شيء دون بغداد. قال: نفعل ذلك. وقال الجند لما قبضوا الدراهم: بغداد بغداد! يتبادرون إليها، ويبعثون على الخروج من ماسَبَذان، فلما وافوْا بغداد، وعلموا خبر الخليفة، ساروا إلى باب الرّبيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق، وضجُّوا. وقدم هارون بغداد، فبعثت الخيزران إلى الرّبيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك، فأما الرّبيع فدخل عليها، وأما يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدّة غَيْرة موسى.\nقال: وجُمِعت الأموال حتى أُعْطِيَ الجند لسنتين، فسكتوا، وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الرّبيع كتابًا يتوعَّده فيه بالقتل، وكتب إلى يحيى بن خالد","vol":"11","page":138},{"text":"يجزيه الخير، ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به، وأن يتولَّى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولّاه. قال: فبعث الرّبيع إلى يحيى بن خالد - وكان يودّه، ويثق به، ويعتمد على رأيه: يا أبا عليّ، ما ترى؟ فإنه لا صبر لي على جرّ الحديد. قال: أرى ألَّا تبرح موضِعَكَ، وأن توجِّه ابنك الفضل يستقبله ومعه من الهدايا والطرَف ما أمكنك، فإني لأرجو ألّا يرجع إلَّا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. قال: وكانت أمّ الفضْل ابنه بحيث تسمع منهما مناجاتهما، فقالت له: نصحك والله. قال: فإني أحبّ أن أوصي إليك، فإني لا أدري ما يحدث. فقال:: لست أنفرد لك بشيء، ولا أدع ما يجب، وعندي في هذا وغيره ما تحبّ، ولكن أشرك معي في ذلك الفضل ابنَك وهذه المرأة، فإنها جَزْلة مستحقّة لذلك منك. ففعل الربيع ذلك، وأوصى إليهم.\nقال الفضل بن سليمان: ولما شغَب الجند على الرّبيع ببغداد وأخرجوا مَنْ كان في حبسه، وأحرقوا أبواب دوره في الميدان، حضر العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح ومحرز بن إبراهيم ذلك، فرأى العبّاس أن يُرْضَوْا، وتطيب أنفسهم، وتفرّق جماعتهم بإعطائهم أرزاقهم، فبذل ذلك لهم فلم يرضوْا، ولم يثقوا مما ضُمِن لهم من ذلك، حتى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه وتفرّقوا، فوَفَى لهم بذلك، وأعطوا رزق ثمانية عشر شهرًا، وذلك قبل قدوم هارون. فلما قدم - وكان هو خليفة موسى الهادي - ومعه الربيع وزيرًا له، وجَّه الوفود إلى الأمصار، ونعى إليهم المهديّ، وأخذ بيعتَهم لموسى الهادي، وله بولاية العهد من بعده، وضبط أمر بغداد. وقد كان نُصير الوصيف شخص من ماسَبَذان من يومه إلى جُرجان بوفاة المهديّ والبيعة له، فلما صار إليه نادى بالرّحيل، وخرج من فوْره على البريد جوادًا ومعه من أهل بيته إبراهيم وجعفر، ومن الوزراء عبيد الله بن زياد الكاتب صاحب رسائله، ومحمد بن جميل كاتب جنده. فلما شارف مدينةَ السلام استقبله النّاس من أهل بيته وغيرهم، وقد كان احتمل على الربيع ما كان منه وما صنع من توجيه الوفود وإعطائه الجنود قبل قدومه، وقد كان الرّبيع وجَّه ابنه الفضل، فتلقّاه بما أعدّ له من الهدايا، فاستقبله بهمَذَان، فأدناه وقرّبه، وقال: كيف خلَفْتَ مولاي؟ فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الرّبيع، فعاتبه الهادي، فاعتذر إليه، وأعلمه السبب الذي دعاه","vol":"11","page":139},{"text":"إلى ذلك، فقبله، وولّاه الوزارة مكان عبيد الله بن زياد بن أبي ليلَى، وضمّ إليه ما كان عمر بن بَزيع يتولّاه من الزِّمام، وولّى محمد بن جميل ديوان خراج العراقين، وولّى عبيد الله بن زياد خراج الشأم وما يليه، وأقرّ على حَرَسه عليّ بن عيسى بن هامان، وضمّ إليه ديوان الجند، وولى شُرَطه عبد الله بن مالك مكانَ عبد الله بن خازم، وأقرّ الخاتم في يد عليّ بن يقطين.\nوكانت موافاة موسى الهادي بغداد عند منصرَفه من جُرجان لعشرٍ بقين من صفر من هذه السنة، سار - فيما ذكر عنه - من جرجان إلى بغداد في عشرين يومًا، فلما قدمها نزل القصر الذي يسمى الخُلْد، فأقام به شهرًا، ثم تحوّل إلى بستان أبي جعفر، ثم تحول إلى عيسابَاذ.\nوقد ذكر عليّ بن محمد النوفليّ أن أباه حدثه أنه كانت لموسى الهادي جارية، وكانت حظيّةً عنده، وكانت تحبُّه وهو بجُرْجان حين وجَهه إليها المهديّ، فقالت أبياتًا، وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان، منها:\nيا بَعيدَ المَحَلّ أمـ ... ـسى بجرجانَ نازلا\nقال: فلما جاءته البَيعة وانصرف إلى بغداد، لم تكن له همّة غيرها، فدخل عليها وهي تغنّي بأبياتها، فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لأحد من الناس.\nوفي هذه السنة اشتدّ طلب موسى الزنادقة، فقتل منهم فيها جماعة، فكان ممَّن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين، وابنه عليّ بن يقطين من أهل النَّهروان، ذُكر عنه أنه حجّ فنظر إلى الناس في الطَّواف يُهَرْوِلون، فقال: ما أشبّههم إلا ببقر تدوس في البَيْدَر. وله يقول العلاء بن الحداد الأعمى:\nأَيا أَمينَ اللهِ في خَلقِهِ ... ووارثَ الكعبةِ والمِنْبَرْ\nماذا تَرَى في رجل كافرٍ ... يُشَبّهُ الكعبةَ بالبَيْدَرْ\nويَجعلُ الناسَ إِذا ما سَعَوْا ... حُمْرًا تَدوسُ البُرَّ والدَّوْسَرْ!\nفقتله موسى ثم صلبه، فسقطت خشبتُه على رجل من الحاجّ فقتلتْه وقتلتْ حماره. وقُتِل من بني هاشم يعقوب بن الفضل.\nوذكر عن عليّ بن محمد الهاشميّ، قال: كان المهديّ أتِيَ بابنٍ لداود بن عليّ زنديقًا، وأتِيَ بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقًا، في مجلسين متفرقين، فقال لكل واحد منهما","vol":"11","page":140},{"text":"كلامًا واحدًا، وذلك بعد أن أقرَّا له بالزندقة، أما يعقوب بن الفضل فقال له: أُقِرُّ بها بيني وبينك، فأمّا أن أظهِر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتني بالمقاريض، فقال له: ويلك! لو كُشفت لك السموات، وكان الأمر كما تقول، كنتَ حقيقًا أن تغضب لمحمد، ولولا محمد - ﷺ - مَنْ كنت! هل كنت إلا إنسانًا من الناس! أما والله لولا أني كنْت جعلت لله عليَّ عهدًا إذا ولأني هذا الأمر ألَّا أقتل هاشميًّا لما ناظرتك ولقتلتُك. ثم التفت إلى موسى الهادي، فقال: يا موسى، أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الأمر بعدي ألَّا تناظرهما ساعة واحدة. فمات ابن داود بن عليّ في الحبس قبل وفاة المهديّ، وأما يعقوب فبقي حتى مات المهديّ. وقدم موسى من جُرجان فساعة دخل، ذكر وصيّة المهديّ، فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشًا، وأقعِدت الرجال عليه حتى مات. ثم لها عنه ببيعته وتشديد خلافته، وكان ذلك في يوم شديد الحرّ، فبقي يعقوب حتى مضى من الليل هدء، فقيل لموسى: يا أميرَ المؤمنين، إن يعقوب قد انتفخ وأروَح. قال: ابعثوا به إلى أخيه إسحاق بن الفضل، فخبَّروه أنه مات في السجن، فجُعل في زورق وأُتِيَ به إسحاق، فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل، فدفنه في بستان له من ساعته، وأصبح فأرسل إلى الهاشميِّين يخبرهم بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة، وأمر بخشبة فعمِلت في قدّ الإنسان فغشيت قطنا، وألبسها أكفانًا، ثم حملها على السرير، فلم يشكّ مَن حضرها أنه شيء مصنوع.\nوكان ليعقوب ولد من صُلْبه: عبد الرحمن والفضل وأروى فاطمة، فأمّا فاطمة فوجدت حُبلى منه، وأقرّت بذلك.\nقال عليّ بن محمد: قال أبي: فأدخِلت فاطمة وامرأة يعقوب بن الفضل - وليست بهاشمية، يقال لها خديجة - على الهادي - أو على المهديّ من قبْل - فأقرّتا بالزندقة، وأقرّت فاطمة أنها حامل من أبيها، فأرسل بهما إلى رَيْطة بنت أبي العباس، فرأتهما مكتحلتين مختضبِتين، فعذلتْهما، وأكثرت على الابنة خاصّة، فقالت: أكرَهني، قالت: فما بال الخضاب والكحل والسرور، إن كنت مكرهة! ولعنتهما. قال: فخُبِّرت أنهما فَزِعتا فماتتا فزَعًا، ضُرب على رَأَسَيهما بشيء يقال له الرعبوب. ففزعتا منه، فماتتا. وأما أروى فبقِيَتْ فتزوّجها ابن عمها الفضل بن إسماعيل بن الفضل، وكان رجلًا لا بأس به في دينه.","vol":"11","page":141},{"text":"وفيها قدم وندا هرمز صاحب طَبَرستان إلى موسى بأمان، فأحسن صلَته، وردّه إلى طَبَرِسْتان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>ذكر بقيّة الخبر عن الأحداث التي كانت سنة تسع وستين ومائة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1745> ذكر الخبر عن خروجه ومقتله:</span>\nذكر عن محمد بن موسى الخوارزميّ أنه قال: كان بين موت المهديّ وخلافة الهادي ثمانية أيام. قال: ووصل إليه الخبر وهو بجُرجان، وإلى أن قدم مدينة السّلام إلى خروج الحسين بن عليّ بن الحسن، وإلى أن قتل الحسين، تسعة أشهر وثمانية عشر يومًا.\nوذكر محمد بن صالح، أنّ أبا حفص السُّلمِي حدّثه، قال: كان إسحاق بن عيسى بن على على المدينة، فلما مات المهديّ، واستخلف موسى، شخص إسحاق وافدًا إلى العراق إلى موسى، واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.\nوذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن إسحاق بن عيسى بن عليّ استعفى الهاديَ وهو على المدينة، واستأذنه في الشُّخوص إلى بغداد، فأعفاه، وولّى مكانَه عمر بن عبد العزيز وأن سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة - كما ذكر الحسين بن محمد عن أبي حفص السُّلمِيّ - أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندُب الشَاعر الهذليّ وعمر بن سلّام مولى آل عمر على شراب لهم، فأمر بهم فضربوا جميعًا، ثم أمر بهم فجُعل في أعناقهم حبال وطِيف بهم في المدينة، فكلِّم فيهم، وصار إليه الحسين بن عليّ فكلمه، وقال: ليس هذا عليهم وقد ضربتهم، ولم يكن لك أن تضربهم، لأنّ أهل العراق لا يروْن به بأسًا، فلمَ تطوف بهم! فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردّهم، وأمر بهم إلى الحَبْس، فحبِسوا يومًا وليلة، ثم كلِّم فيهم فأطلقهم جميعًا، وكانوا يُعرَضون، ففُقد الحسن بن محمد، وكان الحسين بن عليّ كفيله.","vol":"11","page":142},{"text":"قال محمد بن صالح: وحدّثني عبد الله بن محمد الأنصاريّ أن العُمَريّ كان كَفَّل بعضهم من بعض، فكان الحسين بن عليّ بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وكان قد تزوّج مولاةً لهم سوداء ابنة أبي لَيث مولى عبد الله بن الحسن، فكان يأتيها فيُقيم عندها، فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وعرضهم خليفةُ العمريّ عشيَّة الجمعة، فأخذ الحسين بن عليّ ويحيى بن عبد الله، فسألهما عن الحسن بن محمد، فغلَّظ عليهم بعضَ التغليظ، ثم انصرف إلى العمريّ فأخبره برهم، وقال له: أصلحك الله! الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث، فقال: ائتني بالحسين ويحيى، فذهب فدعاهما، فلما دخلا عليه، قال لهما: أين الحسن بن محمد؟ قالا: والله ما ندري، إنما غاب عنا يوم الأربعاء، ثم كان يوم الخميس، فبلغنا أنه اعتل، فكنّا نظن أنّ هذا اليوم لا يكون فيه عرْض، فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه، فحلف يحيى بن عبد الله ألَّا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره، حتى يعلم أنه قد جاءه به. فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسنًا! حلفتَ له بشيء لا تقدر عليه. قال: إنما حلفتُ على حسن، قال: سبحان الله! فعلى أيّ شيء حلفت! قال: والله لا نمتُ حتى أضرب عليه باب داره بالسيف. قال: فقال حسين: تَكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة، قال: قد كان الذي كان فلا بدّ منه.\nوكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بِمنًى أو بمكة في الموسم - فيما ذكروا - وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم - وممن كان بايع الحسين - مُتمكِّنين في دار، فانطلقوا فعملوا في ذلك من عشيَّتهم ومن ليلتهم، حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا. وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مَرْوان على العمريّ، فلم يجده فيها، فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضًا فيها، وتوارى منهم، فجاءوا حتى اقتحموا المسجد حين أذّنوا بالصبح، فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء، وجعل الناس يأتون المسجد، فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلُّون، فلما صلّى الغداة جعل الناس يأتونه، ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - للمرتضى من آل محمد. وأقبل خالد البربريّ، وهو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة، وأقبل فيمَن","vol":"11","page":143},{"text":"معه، وجاء العمريّ ووزير ابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشرويّ، ومعهم ناس كثير، فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حِمار، واقتحم خالد البربري الرّحبة، وقد ظاهر بين درعين، وبيده السيف وعمود في منطقته، مصلِتًا سيفه، وهو يصيح بحسين: أنا كسكاس، قتلني الله إن لم أقتلك! وحمل عليهم حتى دنا منهم، فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن: يحيى وإدريس، فضربه يحيى على أنف البيْضة فقطعها وقطع أنفه، وشرقت عيناه بالدّم فلم يبصر، فبرك يذبِّب عِن نفسه بسيفه وهو لا يبصر، واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرَعه، وعَلواه بأسيافهما حتى قتلَاه، وشدّ أصحابهما على درعيْه فخلعوهما عنه، وانتزعوا سيفه وعموده، فجاءوا به. ثم أمروا به فجُرّ إلى البلاط، وحملوا على أصحابه فانهزموا. قال عبد الله بن محمد: هذا كله بعيني.\nوذكر عبد الله بن محمد أن خالدًا ضَرب يحيى بن عبد الله، فقطع البُرْنس، ووصلت ضربته إلى يد يحيى فأثّرت فيها، وضربه يحيى على وجهه، واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خَلْفه، فضربه على رِجْليه، واعتورُوه بأسيافهم فقتلوه.\nقال عبد الله بن محمد: ودخل عليهم المسوّدة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره، وشدَّت المبيّضة فأخرجوهم، وصاح بهم الحسين: ارفقوا بالشيخ - يعني الحسين بن جعفر - وانتُهب بيت المال، فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار، فضلت من العطاء - وقيل: إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك، يفرض بها من خُزاعة - قال: وتفرّق الناس، وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابَهم، فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس، فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزّوراء، وجعل المسوّدة يحملون على المبيّضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل، وتحمل المبيّضة عليهم حتى يُبلَغ بهم الزَّوراء. وفشت الجراحات بين الفريقين جميعًا، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا، فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحَد، جاء الخبر بأن مباركًا التركيّ ينزل بئر المطَّلب، فنشط الناس، فخرجوا إليه فكلّموه أن يجيء، فجاء من الغد حتى أتى الثّنيَة، واجتمع إليه شيعة بني العبس ومن أراد القتال، فاقتتلوا بالبلاط أشدّ قتال إلى انتصاف النهار، ثم تفرّقوا. وجاء هؤلاء","vol":"11","page":144},{"text":"إلى المسجد، ومضى الآخرون إلى مبارك التركيّ، إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنيَّة يقيل فيها، وواعد الناس الرّواح، فلما غفلوا عنه، جلس على رَوَاحله فانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فناوشوهم شيئًا من القتال إلى المغرب، ثم تفرَّقوا، وأقام حسين وأصحابه أيامًا يتجهَّزون. وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يومًا، ثم خرج يوم أربعة وعشرين لستّ بقِين من ذي القعدة، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا، وعاد النّاس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فجعلوا يدعون الله عليهم، ففعل الله بهم وفعل.\nقال محمد بن صالح: فحدّثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجُمَحيّ، أنّ حسينًا لما انتهى إلى السوق متوجِّهًا إلى مكة التفت إلى أهل المدينة، وقال: لا خلف الله عليكم بخير! فقال الناس وأهل السوق: لا بل أنت، لا خلف الله عليك بخير، ولا ردّك! وكان أصحابه يُحدِثون في المسجد، فملؤوه قذرًا وبولًا، فلما خرجوا غسل الناس المسجد.\nقال: وحدّثني ابن عبد الله بن إبراهيم، قال: أخذ أصحاب الحسين ستورَ المسجد، فجعلوها خَفاتِين لهم، قال: ونادى أصحابُ الحسين بمكة: أيما عبدٍ أتانا فهو حرّ، فأتاه العبيد، وأتاه عبد كان لأبي، فكان معه، فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبِي فكلمه، وقال له: عمدتَ إلى مماليك لم تملكْهم فأعتقتَهم، بم تستحلّ ذلك! فقال حسين لأصحابه: اذهبوا به، فأيّ عبد عرَفه فادفعوا إليه، فذهبوا معه، فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا.\nوانتهى خبر الحسين إلى الهادي، وقد كان حجّ في تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم محمد بن سليمان بن عليّ والعباس بن محمد وموسى بن عيسى، سوى من حجّ من الأحداث. وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر، فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب، فقيل له: عمَّك العباس بن محمد! قال: دعوني، لا والله لا أخدَع عن ملكي، فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن عليّ على الحرب، فلقيَهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحجّ. وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدّة من السلاح والرجال، وذلك لأن الطريق كان مخوفًا معوِرًا من الأعراب، ولم يحتشد لهم حسين، فأتاه خبرهم، فهم بصوبه، فخرج بخدَمه وإخوانه. وكان موسى بن عليّ بن موسى قد صار","vol":"11","page":145},{"text":"ببطْن نخل، على الثلاثين من المدينة، فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواريه، وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم، وساروا إلى مكة فدخلوا، فأقبل محمد بن سليمان، وكانوا أحرموا بعُمْرة، ثم صاروا إلى ذي طُوًى، فعسكروا بها، ومعهم سليمان بن أبي جعفر، فانضمّ إليهم من وافَى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقُوّادهم. وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحجّ وكثروا جدًّا. ثم قدّم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافرًا ما بين فَرس إلى بغل، وهو على نجيب عظيم، وخلفه أربعون راكبًا على النجائب عليها الرِّحال وخلْفهم مائتا راكب على الحمير، سوى مَنْ كان معهم من الرّجالة وغيرهم، وكثروا في أعين الناس جدًّا وملؤوا صدورهم فظنّوا أنهم أضعافهم، فطافوا بالبيت، وسعَوْا بين الصَّفا والمرْوة، وأحلّوا من عمرتهم، ثم مضوا فأتوا ذا طُوىً ونزلوا، وذلك يوم الخميس. فوجَّه محمد بن سليمان أبا كامل - مولًى لإسماعيل بن عليّ - في نيِّف وعشرين فارسًا، وذلك يوم الجمعة فلقيهم. وكان في أصحابه رجل يقال له زيد، كان انقطع إلى العبّاس، فأخرجه معه حاجًّا لما رأى من عبادته، فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه، وانقلب إليهم، وذلك ببطن مرّ، ثم ظفروا به بعد ذلك مشدّخًا بالأعمدة، فلما كان ليلة السبت وجّهوا خمسين فارسًا، كان أوّل مَنْ ندبوا صباح أبو الذّيال، ثم آخر ثم آخر، فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامسًا، فأتوا المفضّل مولى المهديّ، فأرادوا أن يصيِّروه عليهم، فأبى وقال: لا، ولكن صيِّروا عليهم غيري وأكون أنا معهم، فصيّروا عليهم عبد الله بن حُميد بن رُزين السمرقنديّ - وهو يومئذ شابّ ابن ثلاثين سنة - فذهبوا وهم خمسون فارسًا، وذلك ليلة السبت. فدنا القوم، وزحفت الخيل، وتعبّأ الناس، فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة، ومحمد بن سليمان في الميمنة، وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشدّ ثلاثة من موالي سليمان بن عليّ - أحدهم زنجويه غلام حسان - فجاءوا برأس فطرحُوه قُدّام محمد بن سليمان - وقد كانوا قالوا: مَنْ جاء برأس فله خمسمائة درهم - وجاء أصحاب محمد فعَرْقَبوا الإبل، فسقطت محاملها. فقتلوهم وهزموهم، وكانوا خرجوا من تلك الثَّنايا، فكان الذين خرجوا مِمَا يلي محمد بن سليمان أقلّهم، وكان جلُّهم خرجوا مما يلي موسى بن عيسى","vol":"11","page":146},{"text":"وأصحابه، فكانت الصدمة بهم، فلما فرغ محمد بن سليمان ممّن يليه وأسْفروا، نظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى، فإذا هم مجتمعون كأنهم كبّة غَزْل، والتفّت الميمنة والقلب عليهم، وانصرفوا نحو مكّة لا يدرون ما حال الحسين، فما شعروا وهم بذي طُوىً أو قريبًا منها إلا برجل من أهل خراسان، يقول: البشرى البشرى! هذا رأس حُسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولًا، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكان الناس نادوا بالأمان حين فرغوا، فجاء الحسن بن محمد أبو الزّفت مغمِضًا إحدى عينيه، قد أصابها شيء في الحرب، فوقف خلف محمد والعباس، واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس. فأمر به فقتِل، فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضبًا شديدًا. ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق، واحتُزَّت الرؤوس، فكانت مائة رأس ونيِّفًا، فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية. وأخذت أخت الحسين، وكانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان، واختلطت المنهزمة بالحجاج، فذهبوا، وكان سليمان بن أبي جعفر شاكيًا فلم يحضر القتال، ووافى عيسى بن جعفر الحجّ تلك السنة، وكان مع أصحاب حسين رجلٌ أعمى يقصّ عليهم فقتِل، ولم يقتَل أحد منهم صبرًا.\nقال الحسين بن محمد بن عبد الله: وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة، ومولى لبني عجْل وآخر.\nقال محمد بن صالح: حدّثني محمد بن داود بن عليّ، قال: حدّثنا موسى بن عيسى، قال: قدمتُ معي بستّة أسارى فقال لي الهادي، هيه! تقتل أسيري! فقلت: يا أمير المؤمنين، إني فكرت فيه فقلت، تجيء عائشة وزينب إلى أمّ أمير المؤمنين، فتبكيان عندها وتكلّمانها، فتكلّم له أمير المؤمنين فيطلقه. ثم قال: هاتِ الأسرى، فقلت: إني جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعَتاق، فقال: ائتني بهم وأمر باثنين فقتلا، وكان الثالث منكرًا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، هذا أعلم الناس بآل أبي طالب، فإن استبقيتَه دَلّك على كل بغية لك، فقال: نعم والله يا أميرَ المؤمنين، إني أرجو أن يكون بقائي صنعًا لك، فأطرق ثم قال: والله لإفلاتُك من يدي بعد أن وقعتَ في يدي لشديد، فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخّر، وأمره أن يكتب له طلبته، وأمّا الآخر فصفح عنه، وأمر بقتل","vol":"11","page":147},{"text":"عذافر الصيرفي وعليّ بن السابق القلاس الكوفيّ، وأن يصلبَا، فصلبوهما بباب الجسر، وكانا أُسِرا بفَخّ. وغضب على مبارك التركيّ، وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدوابّ، وغضب على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد، وأمر بقبض أمواله.\nوقال عبد الله بن عمرو الثلجيّ: حدّثني محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشميّ، قال: حدثّني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، من وقعة فَخّ في خلافة الهادي، فوقع إلى مصر، وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور، وكان رافضيًا خبيثًا، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طَنْجة بمدينة يقال لها وَليلة، فاستجاب له مَنْ به وبأعراضها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلَبه.\nويقال: إنّ الرَّشيد الذي ضرب عنقه، وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليماميّ مولى المهديّ، وكتب له كتابًا إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقيَّة، فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبِّب، وأنه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنِس به واطمأنّ إليه، وأقبل الشمّاخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له فنزل عنده بكلّ منزلة. ثم إنه شكا إليه علّةً في أسنانه، فأعطاه سنونًا مسمومًا قاتلًا، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته، فلما طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون، وجعل يردّه في فيه، ويكثِّر منه، فقتله. وطُلِب الشمّاخ فلم يُظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمة الأخبار بموت إدريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرّشيد بذلك، فولَّى الشمّاخ بريد مصر وأجاره، فقال في ذلك بعض الشعراء - أظنه الهنازيّ:\nأَتَظنّ يا إِدْريسُ أَنَّكَ مُفْلِتٌ ... كيْدَ الخليفةِ أَوْ يُفيدُ فِرارُ\nفَليُدْرِكنَّكَ أَوْ تحِلَّ بِبَلْدَةٍ ... لا يَهْتَدِي فيها إِلَيك نهارُ\nإنَّ السُيوفَ إِذا انتضاها سُخْطُهُ ... طالتْ وقَصَّرَ دُونها الأَعمارُ\nمَلِكٌ كأَنَّ المَوْتَ يَتْبَعُ أَمْرَهُ ... حتى يقال: تُطيعُهُ الأَقدارُ\nوذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن الحسين بن عليّ لما خرج بالمدينة وعليها العُمَريّ لم يزل العمري متخفِّيًا مقامَ الحسين بالمدينة، حتى خرج إلى","vol":"11","page":148},{"text":"مكة. وكان الهادي وجَّه سليمان بن أبي جعفر لولاية الموسم، وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحجّ العباس بن محمد وموسى بن عيسى وإسماعيل بن عيسى بن موسى في طريق الكوفة، ومحمد بن سليمان وعدّة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة، ومن الموالي مبارك التركي والمفضل الوصيف وصاعد مولى الهادي - وكان صاحب الأمر سليمان - ومن الوجوه المعروف يقطين بن موسى وعبيد بن يقطين وأبو الوزير عمر بن مطرّف، فاجتمعوا عند الذي بلغهم من توجّه الحسين ومَنْ معه إلى مكة، ورأسوا عليهم سليمان بن أبي جعفر لولايته، وكان قد جُعل أبو كامل مولى إسماعيل على الطلائع، فلقوه بفخّ، وخلَّفوا عبيد الله بن قُثَم بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها، وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الأمان على ما أحدثوا، وضمن لهم الإحسان إليهم والصلة لأرحامهم، وكان رسولهم في ذلك المفضّل الخادم، فأبوْا قبول ذلك، فكانت الوقعة، فقتل مَنْ قتل، وانهزم الناس، ونودي فيهم بالأمان، ولم يُتبَع هارب، وكان فيمن هرب يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، فأما إدريس فلحق بتاهَرْت من بلاد المغرب، فلجأ إليهم فأعظموه، فلم يزل عندهم إلى أن تُلُطِّف له، واحتِيل عليه، فهلك، وخلفه ابنه إدريس بن إدريس، فهم إلى اليوم بتلك الناحية مالكين لها، وانقطعت عنهم البعوث.\nقال المفضل بن سليمان: لما بلغ العمريَّ وهو بالمدينة مقتلُ الحسين بفخّ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممنّ خرج مع الحسين، فهدمها وحرَّق النخل، وقبض ما لم يحرقه، وجعله في الصوافي المقبوضة. قال: وغضب الهادي على مبارك التركيّ لِما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة، وأمر بقبض أمواله وتصييره في سياسة دوابه، فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادي، وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبي الزفت، وتَرْكه أن يقدم به أسيرًا، فيكون المحكّم في أمره، وأمَرَ بقبض أمواله، فلم تزل مقبوضة إلى أن تُوفِّيَ موسى. وقدم على موسى ممن أسِر بفَخ الجماعة، وكان فيهم عذافر الصيرفيّ وعليّ بن سابق القلّاس الكوفيّ، فأمر بضرب أعناقهما وصلْبهما بباب الجسر ببغداد، ففُعلِ ذلك. قال: ووجّه مهرويه مولاه إلى الكوفة، وأمره بالتغليظ عليهم لخروج مَنْ خرج منهم مع الحسين.","vol":"11","page":149},{"text":"وذكر عليّ بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: حدّثني يوسف الْبَرْم مولى آل الحسن - وكانت أمّه مولاة فاطمة بنت حسن - قال: كنت مع حسين أيام قدم على المهديّ، فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، ووالله ما خرج من الكوفة وهو يملك شيئًا يلبسه إلا فروًا ما تحته قميص وإزار الفراش، ولقد كان في طريقه إلى المدينة، إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم في يومهم.\nقال عليّ: وحدثني السريّ أبو بشر، وهو حليف بني زهرة، قال: صلَّيتُ الغداة في اليوم الذي خرج فيه الحسين بن عليّ بن الحسن صاحب فخّ، فصلَّى بنا حسين، وصعد المنبر منبر رسول الله - ﷺ -، فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدَلها من بين يديه ومن خلْفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه، إذ أقبل خالد البربريّ في أصحابه، فلما أراد أن يدخل المسجد بَدَره يحيى بن عبد الله، فشدّ عليه البربريّ، وإني لأنظر إليه، فبدرَه يحيى بن عبد الله، فضربه على وجهه، فأصاب عينيه وأنفه، فقطع البيضة والقلنسوة، حتى نظرتُ إلى قحفْه طائرًا عن موضعه، وحمل على أصحابه فانهزموا. ثم رجع إلى حسين، فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دمًا، فتكلّم حسين، فحمد الله وأثنى عليه، وخطب الناس، فقال في آخر كلامه: يا أيها النَّاس، أنا ابن رسول الله في حرم رسول الله، وفي مسجد رسول الله، وعلى منبر نبيّ الله، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، فإن لم أفِ لكم بذلك فلا بيعةَ لي في أعناقكم. قال: وكان أهل الزيارة في عامهم ذلك كثيرًا، فكانوا قد ملؤوا المسجد، فإذا رجل قد نهض، حسن الوجه، طويل القامة، عليه رداءٌ ممشّق، أخذ بيد ابن له شابّ جميل جَلْد، فتخطَّى رقاب الناس، حتى انتهى إلى المنبر، فدنا من حسين، وقال: يا بنَ رسول الله، خرجتُ من بلد بعيد وابني هذا معي، وأنا أريد حجّ بيت الله وزيارة قبر نبيه - ﷺ -، وما يخطر ببالي هذا الأمر الّذي حدث منك، وقد سمعتُ ما قلتَ، فعندك وفاء بما جعلت على نفسك؟ . قال: نعم، قال: ابسط يدَك فأبايعك، قال: فبايعه، ثم قال لابنه: ادن فبايِعْ. قال: فرأيتُ والله رؤوسهما في الرؤوس بمنىً، وذلك أني حججت في ذلك العام.\nقال: وحدّثني جماعة من أهل المدينة أنّ مباركًا التركيّ أرسل إلى حسين بن","vol":"11","page":150},{"text":"عليّ: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أيسر عليّ من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة، ولكن لابدّ من الإعذار، فبَيّتْني فإني منهزم عنك. فأعطاه بذلك عهدَ الله وميثاقه. قال: فوجَّه إليه الحسين - أو خرج إليه - في نفر يسير، فلما دنوْا من عسكره صاحوا وكبَّرُوا، فانهزم أصحابه حتى لحق بموسى بن عيسى.\nوذكر أبو المِضْرَحيّ الكلابيّ، قال: أخبرني المفضّل بن محمد بن المفضّل بن حسين بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب، أنّ الحسين بن عليّ بن حسن بن حسن، قال يومئذ في قوم لم يخرجوا معه - وكان قد وعدوه أن يوافوه، فتخلّفوا عنه - متمثِّلًا:\nمن عاذَ بالسّيفِ لَاقَى فُرْصَةً عجَبًا ... مَوْتًا على عجل أو عاش منتصِفا\nلا تَقرَبوا السَّهلَ إنَّ السَّهلَ يُفسِدُكم ... لَن تُدْركوا المجدَ حتى تضربُوا عُنفا\nوذكر الفضل بن العباس الهاشميّ أن عبد الله بن محمد المنقريّ حدّثه عن أبيه، قال: دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرَفه من فَخّ، فوجده خائفًا يلتمس عذرًا مِن قتل مَن قتل، فقال له: أصلح الله الأمير! أنشدك شعرًا كتبَ به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن عليّ ﵁؟ قال: أنشدني، فأنشده، فقال:\nيا أَيّها الراكبُ الغادِي لِطيّتِهِ ... على عُذَافرَةٍ في سَيْرِها قُحَمُ\nأَبلغْ قرَيشًا على شَحْط المَزارِ بها ... بيْني وبيْنَ الحُسْين اللهُ والرَّحِمُ\nوَمَوْقِفٍ بِفناء البيْتِ أنْشُدُهُ ... عهْدَ الإِلهِ وَمَا تُرْعَى له الذِّمَمُ\nعنَّفتمُ قَوْمكم فَخْرًا بأُمِّكُمُ ... أمّ حَصَانٌ لعَمْري بَرَّةٌ كرَمُ\nهي التي لا يُداني فَضلَها أَحَدٌ ... بنتُ النبيِّ وَخَيْرِ الناسِ قَدْ علموا\nوفَضلها لكمُ فضلٌ وغيْرُكمُ ... مِنْ قَومكمْ لَهُمُ مِن فضلها قِسَمُ\nإني لأَعلَمُ أو ظنًّا كعالِمِهِ ... والظنّ يَصْدُقُ أَحيانًا فَيَنْتَظِمُ\nأَن سوفَ يَتْرُككمْ ما تطلبونَ بها ... قتْلَى تهاداكمُ العِقبان والرّخَمُ\nيا قَومَنا لا تُشِبّوا الحَربَ إِذ خَمَدَت ... ومَسِّكوا بحِبالِ السِّلْمِ واعْتَصِموا\nلا ترْكبوا البَغْي إنَّ البغْيَ مَصْرَعَةٌ ... وَإِنَّ شاربَ كأْسِ البغْيِ يتَّخِمُ\nقَدْ جَرَّبَ الحَرْبَ من قَدْ كان قبلكمُ ... مِنَ القرونِ وقَد بادتْ بهَا الأُمَمُ","vol":"11","page":151},{"text":"فأَنْصفوا قومكم لا تهلَكوا بذَخًا ... فَرُبَّ ذي بَذخٍ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ\nقال: فسرِّيَ عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه.\nوذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى أنّ العلاء حدّثه أن الهاديَ أمير المؤمنين لمّا ورد عليه خلعُ أهل فخّ خَلا ليله يكتب كتابًا بخطّه، فاغتمّ بخلوته مواليه وخاصّته، فدسُّوا غلامًا له، فقالوا: اذهب حتى تنظر إلى أي شيء انتهى الخبر، قال: فدنا من موسى، فلما رآه قال: ما لك؟ فاعتلّ عليه، قال: فأطرق ثم رفع رأسه إليه، فقال:\nرَقَدَ الأُلَى ليس السُّرَى مِنْ شَأْنِهمْ ... وكفَاهُمُ الإِدْلاجَ من لم يَرْقُدِ\nوذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهليّ، قال: حدثّنا الأصمعيّ، قال: قال محمد بن سليمان ليلة فخّ لعمرو بن أبي عمرو المدنيّ - وكان يرمي بين يديه بين الهدفين: ارمِ، قال: لا والله لا أرمي ولدَ رسول الله - ﷺ -، إني إنّما صحِبتك لأرمي بين يديك بين الهدَفيْن، ولم أصحبك لأرمي المسلمين.\nقال: فقال المخزوميّ: ارْمِ، فرمى فما مات إلا بالبَرَص (١).\nقال: ولما قتِل الحسين بن عليّ وجاء برأسه يقطين بن موسى، فوُضِع بين يدي الهادي، قال: كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقلّ ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم. قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئًا.\nوقال موسى الهادي: لما قُتل الحسين متمثِّلًا:\nقدْ أَنصف القارَةَ مَنْ راماها ... إنا إذا ما فِئةً نلقاها\n*نَرُدُّ أولاها على أخراها*\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>ثم دخلت سنة سبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك وفاة يزيد بن حاتم بإفريقيّة فيها، ووليَها بعده رَوْح بن حاتم. وفيها مات عبد الله بن مروان بن محمد في المطبَق.\n_________\n(١) في إسناده أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي قال ابن عدي في ترجمته: حدّث عن الثقات بالبواطيل وكان يسرق الحديث [الكامل في الضعفاء/ تر ١٢] و[ميزان الاعتدال/ تر ٦٢٣].","vol":"11","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1747>[ذكر الخبر عن وفاة موسى الهادي]</span>\nوفيها توفِّيَ موسى الهادي بعيساباذ، واختُلف في السبب الذي كان به وفاته، فقال بعضهم: كانت وفاته من قُرْحة كانت في جوفه. وقال آخرون: كانت وفاته من قِبَل جوارٍ لأمِّه الخيزُران، كانت أمرتهنّ بقتله لأسباب نذكر بعضها.\n* ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله كانت أمرتهنّ بقتله:\n* ذكر يحيى بن الحسن أن الهاديَ نابذَ أمه ونافرها، لمّا صارت إليه الخلافة، فصارت خالصةُ إليه يومًا، فقالت: إن أمّك تستكسيك، فأمر لها بخزانة مملوءة كسوة. قال: ووُجِد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قَرْقر. قال: وكانت الخيزران في أوّل خلافة موسى تفتات عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي، فأرسل إليها ألا تخرجِي من خفَر الكفاية إلى بذاذة التبذُّل، فإنه ليس من قَدْر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليكِ بصلاتك وتسبيحك وتبتُّلك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. قال: وكانت الخيزُران في خلافة موسى كثيرًا ما تكلّمه في الحوائج، فكان يجيبها إلى كلِّ ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال النَّاس عليها، وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها، قال: فكلَّمتْه يومًا في أمرٍ لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلًا، فاعتلّ بعلة، فقالت: لابدّ من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني قد تضمّنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. قال: فغضب موسى، وقال: ويل على ابن الفاعلة! ! قد علمتُ أنه صاحبها، والله لا قضيتها لك، قالت: إذًا والله لا أسألك حاجة أبدًا، قال: إذًا والله لا أبالي. وحمِيَ وغضب. فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعي كلامي والله، وإلّا فأنا نفيّ من قرابتي من رسول الله - ﷺ - لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قُوّادي أو أحد من خاصّتي أو خدمي لأَضربنّ عنقه، ولأقبضنّ ماله، فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم! أما لكِ مغزل يشغلك، أو مصحف يُذكرك، أو بيت يصونك! إياك ثم إياك، ما فتحتِ بابك لمليّ أو لذميّ، فانصرفت ما تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحُلْوة ولَا مُرّة بعدها.","vol":"11","page":153},{"text":"قال يحيى بن الحسن: وحدّثني أبي، قال: سمعت خالصة تقول للعباس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمّه الخيزُران بأرزَّةٍ، وقال: استطبتُها فأكلتُ منها، فَكلي منها. قالت خالصة: فقلت لها: أمسكي حتى تنظري، فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه، فجاءوا بكلب فأكل منها، فتساقط لحمه، فأرسل إليها بعد ذلك، كيف رأيت الأرزّة؟ فقالت: وجدتها طيّبة، فقال: لم تأكلي، ولو أكلتِ لكنتُ قد استرحتُ منك، متى أفلح خليفة له أمّ! .\nقال وحدّثني بعضُ الهاشميين، أنَّ سبب موت الهادي كان أنه لمَّا جدّ في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر، وخافت الخيزُران على هارون منه، دسّت إليه من جواريها لمَّا مرض مَنْ قتله بالغمّ والجلوس على وجهه، ووجّهت إلى يحيى بن خالد: إنّ الرجُلَ قد تُوُفِّي، فاجدْد في أمرك ولا تقصِّر.\nوذكر محمد بن عبد الرحمن بن بشار أنّ الفضل بن سعيد حدّثه، عن أبيه، قال: كان يتصل بموسى وصولُ القوّاد إلى أمِّه الخيزُران، يؤمّلون بكلامها في قضاء حوائجهم عنده، قال: وكانت تريد أن تغلب على أمره كما غلَبت على أمر المهديّ، فكان يمنعها من ذلك ويقول: ما للنساء والكلام في أمر الرجال! فلما كثر عليه مصيرُ من يصير إليها من قواده، قال يومًا وقد جمعهم: أيما خير؟ أنا أو أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين، قال: فأيما خيرٌ، أمِّي أو أمهاتكم؟ قالوا: بل أمّك يا أمير المؤمنين، قال: فأيكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمه، فيقولوا: فعلتْ أمّ فلان، وصنعت أم فلان، وقالت أم فلان؟ قالوا: ما أحد منا يحبّ ذلك، قال: فما بالُ الرجال يأتون أمي فيتحدّثون بحديثها! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها ألبتَّةَ، فشقّ ذلك عليها فاعتزلتْه، وحلفتْ ألّا تكلمه، فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>[ذكر الخبر عما كان من خلع الهادي للرشيد]</span>\nوكان السبب في إرادة موسى الهادي خلْع أخيه هارون حتى اشتدّ عليه في ذلك وجدّ - فيما ذكر صالح بن سليمان - أنّ الهاديَ لما أفضت إليه الخلافة أقرّ يحيى بن خالد على ما كان يلي هارون من عمل المغرب، فأراد الهادي خلعَ هارون","vol":"11","page":154},{"text":"الرشيد والبيْعة لابنه جعفر بن موسى الهادي، وتابعه على ذلك القوّاد، منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وعليّ بن عيسى ومَنْ أشبههم، فخلعوا هارون، وبايعوا لجعفر بن موسى، ودسُّوا إلى الشيعة، فتكلموا في أمره، وتنقَّصوه في مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به، وصعب أمرهم حتى ظهر، وأمر الهادي ألَّا يسارَ قدّامَ الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس وتركوه، فلم يكن أحدٌ يجترئ أن يسلِّم عليه ولا يقربه.\nوكان يحيى بن خالد يقوم بإنزال الرّشيد ولا يفارقه هو وولده - فيما ذكر -. قال صالح: وكان إسماعيل بن صُبيح كاتب يحيى بن خالد، فأحبّ أن يضعه موضعًا يستعلم له فيه الأخبار، وكان إبراهيم الحرّانيّ في موضع الوزارة لموسى، فاستكتب إسماعيل ورفع الخبر إلى الهادي، وبلغ ذلك يحيى بن خالد، فأمر إسماعيل أن يشخص إلى حرَّان، فسار إليها، فلما كان بعد أشهر سأل الهادي إبراهيم الحرانيّ: مَن كاتبك؟ قال: فلان كاتب، وسمّاه، فقال: أليس بلغني أن إسماعيل بن صُبيح كاتبك؟ قال: باطلٌ يا أمير المؤمنين، إسماعيل بحرّان.\nقال: وسُعِيَ إلى الهادي بيحيى بن خالد، وقيل له: إنه ليس عليك من هارون خلاف، وإنما يفسده يحيى بن خالد، فابعث إلى يحيى، وتهدَّدْه بالقتل، وارمِه بالكفر، فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد.\nوذكر أبو حفص الكرمانيّ أن محمد بن يحيى بن خالد حدّثه، قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلًا، فأيِس من نفسه، وودَّع أهله، وتحنَّط وجدّد ثيابه، ولم يشكّ أنه يقتله، فلمّا أدخِل عليه، قال: يا يحيى، مالي ولك! قال: أنا عبدُك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته. قال: فلمَ تدخل بيني وبين أخي وتفسده عليّ! قال: يا أمير المؤمنين، مَنْ أنا حتى أدخل بينكما! إنما صيرني المهديّ معه، وأمرني بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به، ثم أمرتَني بذلك فانتهيت إلى أمرك. قال: فما الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئًا، ولا ذلك فيه ولا عنده. قال: فسكن غضبُه. وقد كان هارون طاب نفسًا بالخلع، فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء، فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي! وكان هارون يجدُ بأمّ جعفر وجْدًا شديدًا، فقال له يحيى:","vol":"11","page":155},{"text":"وأين هذا من الخلافة! ولعلك ألا يُتْرَك هذا في يدك حتى يخرج أجمَع، ومنعه من الإجابة.\nقال الكرمانيّ: فحدّثني صالح بن سليمان، قال: بعث الهادي إلى يحيى بن خالد وهو بعيساباذ ليلًا، فراعه ذلك، فدخل عليه وهو في خَلْوة، فأمِر بطلب رجل كان أخافه، فتغيّب عنه، وكان الهادي يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون، فنادمه وكلّمه يحيى فيه، فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر في يده، وقال: هذا أمانة، وخرج يحيى فطلب الرّجل، وأتى الهادي به فسرّ بذلك.\nقال: وحدّثني غير واحد أنّ الرجل الذي طلبه كان إبراهيم الموصليّ.\nقال صالح بن سليمان: قال الهادي يومًا للربيع: لا يدخل عليّ يحيى بن خالد إلا آخر الناس. قال: فبعث إليه الرّبيع، وتفرّغ له. قال: فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد، ودخل عليه يحيى، وعنده عبد الصمد بن عليّ والعبّاس بن محمد وجِلّةُ أهله وقُوّاده، فما زال يُدنِيه حتى أجلسه بين يديه، وقال له: إني كنت أظلمك وأكفرك، فاجعلني في حلّ، فتعجب الناس من إكرامه إياه وقوله، فقبَّل يحيى يده وشكر له، فقال له الهادي: مَنْ الذي يقول فيك يا يحيى:\nلو يَمَسُّ البَخِيلُ راحةَ يحيى ... لَسَخَتْ نَفْسُه بِبَذْلِ النَّوالِ\nقال: تلك راحتُك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك!\nقال: وقال يحيى للهادي في خلع الرّشيد لما كلمه فيه: يا أميرَ المؤمنين، إنك إن حملت الناس على نكْث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتَهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر مِنْ بعده كان ذلك أوكدَ لبيعته، فقال: صدقت ونصحت، ولي في هذا تدبير.\nقال الكِرمانيّ: وحدثني خزيمة بن عبد الله، أمر الهادي بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلْع الرشيد، فرفع إليه يحيى رقعة: إنّ عندي نصيحة، فدعا به، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أخْلِني، فأخلاه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر - أسأل الله ألّا: نبلغه، وأن يقدّمنا قبله - أتظنّ أنّ الناس يسلِمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحُلُم، ويرْضَوْن به لصلاتهم وحَجِّهم وغزوهم! قال: والله ما أظنّ ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، أفتأمن أن يسمَو إليها","vol":"11","page":156},{"text":"أهلك وجِلَّتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ فقال له: نبَّهتَني يا يحيى - قال: وكان يقول: ما كلمَّتُ أحدًا من الخلفاء كان أعقلَ من موسى - قال: وقال له: لو أن هذا الأمر لم يعقَد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقِده له، فكيف بأن تحلّه عنه، وقد عقده المهديّ له! ولكن أرى أن تُقِرّ هذا الأمر يا أميرَ المؤمنين على حاله، فإِذا بلغ جعفر، وبلغ الله به، أتيتَ! بالرّشيد فخلع نفسه، وكان أول مَنْ يبايعه ويعطيه صفقة يده. قال: فقبل الهادي قوله ورأيَه، وأمر بإطلاقه.\nوذكر الموصليّ عن محمد بن يحيى، قال: عزم الهادي بعد كلام أبي له على خلْع الرشيد، وحمَله عليه جماعة من مواليه وقوّاده، أجابه إلى الخلع أو لم يُجِبْه، واشتد غضبه منه، وضيَّق عليه. وقال يحيى لهارون: استأذنه في الخروج إلى الصَّيْد، فإذا خرجتَ فاستبعد ودافع الأيام، فرفع هارون رقعة يستأذن فيها، فأذن له، فمضى إلى قصر مقاتل، فأقام به أربعين يومًا حتى أنكر الهادي أمرَه وَغمّه احتباسُه، وجعل يكتب إليه ويصرفُه، فتعلّل عليه حتى تفاقم الأمر، وأظهر شتمه، وبسط مواليه وقوّادُه ألسنتَهم فيه، والفضل بن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه، والرّشيد بالباب، فكان يكتب إليه بذلك، وانصرف وطال الأمر.\nقال الكرمانيّ: فحدّثني يزيد مولى يحيى بن خالد، قال: بعثت الخيزران عاتكة - ظئرًا كانت لهارون - إلى يحيى، فشقّت جيبها بين يديه، وتبكي إليه وتقول له: قالت لك السيدة: الله اللهَ في ابني لا تقتله، ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه، فبقاؤه أحبّ إليّ من الدنيا بجُمْع ما فيها. قال: فصاح بها، وقال لها: وما أنت وهذا! إن لم يكن ما تقولين فإني وولدي وأهلي سنقْتَلُ قبله، فإن اتُّهمت عليه فلست بمتَّهم على نفسي ولا عليهم. قال: ولمَّا لم ير الهادي يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذَل له من إكرام وإقطاع وصلة، بعث إليه يتهدّده بالقتل إن لم يكفّ عنه. قال: فلم تزل تلك الحال من الخوْف والخطر، وماتت أم يحيى وهو في الخُلْد ببغداد، لأن هارون كان ينزل الخُلْد، ويحيى معه، وهو وليّ العهد، نازل في داره يلقاه في ليله ونهاره.\nوذكر محمد بن القاسم بن الرّبيع، قال: أخبرني محمد بن عمرو الروميّ، قال: حدّثني أبي، قال: جلس موسى الهادي بعد ما ملك في أوّل خلافته جلوسًا","vol":"11","page":157},{"text":"خاصًّا، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلْم بن قُتيبة والحرّانيّ، فجلسوا عن يساره، ومعهم خادم له أسود يقال له أسلَم، ويكنى أبا سليمان، وكان يثِق به ويقدّمه، فبينا هو كذلك، إذ دخل صالح صاحب المصلّى، فقال: هارون بن المهديّ، فقال: ائذن له، فدخل فسلم عليه، وقبّل يديْه، وجلس عن يمينه بعيدًا من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك، ثم التفت إليه، فقال: يا هارون، كأني بك تحدِّث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمِّل ما أنت منه بعيد، ودون ذلك خَرْط القتاد، تؤمِّل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه، وقال: يا موسى، إنك إن تجبرتَ وُضعتَ، وإن تواضعتَ رُفعتَ، وإن ظَلَمْت خُتِلت، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إليّ، فأُنْصِف مَنْ ظلمتَ، وأصِل مَنْ قطعتَ، وأصيِّر أولادك أعلى من أولادي، وأزوّجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حقّ الإِمام المهديّ. قال: فقال له موسى: ذلك الظنّ بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا منه، فقبَّل يديه، ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل - أعني أباك المنصور - لا جلستَ إلّا معي، وأجلسه في صدر المجلس معه، ثم قال: يا حَرّانيّ، احمل إلى أخي ألف ألف دينار، وإذا افتتح الخراج فاحْمِل إليه النصف منه، واعرضْ عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخِذ من أهل ابيت اللعنة، فيأخذ جميع ما أراد. قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: أدنِ دابته إلى البساط. قال عمرو الروميّ: وكان هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: ياسيّدي، ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال المهديّ: أرِيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبًا وإلى هارون قضيبًا، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلًا، فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخرِه. فدعا المهديّ الحكَم بن موسى الضمريّ - وكان يكنى أبا سفيان - فقال له: عبِّر هذه الرؤيا، فقال: يملّكان جميعًا، فأما موسى فتقلّ أيامه، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة، وتكون أيامُه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر. قال: ولم يلبث إلَّا أيامًا يسيرة، ثم اعتل موسى ومات، وكانت علّته ثلاثة أيام.\nقال عمرو الروميّ: أفضت الخلافة إلى هارون، فزوّج حمدونة من جعفر بن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووَفَّى بكلّ ما قال، وكان دهرُه أحسن الدهور.","vol":"11","page":158},{"text":"وذُكر أنّ الهاديَ كان قد خرج إلى الحديثة، حديثة الموصل، فمرض بها، واشتدّ مرضُه، فانصرف. فذكر عمرو اليشكريّ - وكان في الخدم - قال: انصرف الهادي من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقًا وغربًا بالقدوم عليه، فلما ثقُلِ اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه، فقالوا: إن صار الأمر إلى يحيى قتَلنا ولم يستبقنا، فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي، فيضرب عنقه. ثم قالوا: لعلّ أمير المؤمنين يُفيق من مرضه، فما عُذْرنا عنده! فأمسكوا. ثم بعثت الخيزُران إلى يحيى تعلِمه أنّ الرجل لمآبِه، وتأمره بالاستعداد لما ينبغي، وكانت المستوليةَ على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك، فأحضِر الكتَّاب وجُمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا لليلتهم كتبًا من الرشيد إلى العمَّال بوفاة الهادي، وأنهم قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلُون، فلما مات الهادي أنْفذوها على البُرُد.\nوذكر الفضل بن سعيد، أنّ أباه حدّثه أنَّ الخيزُران كانت قد حلفتْ ألّا تكلم موسى الهادي، وانتقلت عنه، فلما حضرتْه الوفاة، وأتاها الرّسول فأخبرها بذلك، فقالت: وما أصنع به؟ فقالت لها خالصةُ: قومي إلى ابنك أيتها الحرّة، فليس هذا وقت تعتُّب ولا تغضّب. فقالت: أعطوني ماءً أتوضّأ للصلاة، ثم قالت: أما إنَّا كنا نتحدّث أنه يموت في هذه الليلة خليفةٌ، ويملك خليفة، ويولَد خليفة، قال: فمات موسى، وملَك هارون، وولد المأمون.\nقال الفضل: فحَدّثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله، فساقه لي مثل ما حدثنيه أبي، فقلت: فمن أين كان للخيزُران هذا العلم؟ قال: إنها كانت قد سمعت من الأوزاعيّ.\nذكر يحيى بن الحسن أنّ محمد بن سليمان بن عليّ حدثه، قال: حدثتْني عمّتي زينب ابنة سليمان، قالت: لما مات موسى بعيساباذ، أخبرتْنا الخيزُران الخبر، ونحن أربع نسوة، أنا وأختي وأمّ الحسن وعائشة، بُنيّات سليمان، ومعنا رَيْطة أمّ عليّ، فجاءت خالصة، فقالت لها: ما فعل الناس؟ قالت: يا سيدتي، مات موسى ودفنوه، قالت: إن كان مات موسى، فقد بقي هارون، هات لي سَويقًا، فجاءت بسَويق، فشربت وسقتنا، ثم قالت: هات لساداتي أربعمائة ألف دينار، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟ قالت: حلف ألّا يُصلِّيَ","vol":"11","page":159},{"text":"الظهرَ إلا ببغداد. قالت: هاتوا الرّحائل، فما جلوسي ها هنا، وقد مضى! فلحقته ببغداد.\n* * *\nوذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلًا جسيمًا جميلًا أبيض، مشرَبًا حُمرة، وكان بشفته العليا تقلُّص، وكان يلقب موسى أطبْق، وكان ولد بالسِّيروان من الريّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>ذكر أولاده</span>\nوكان له من الأولاد تسعة، سبعة ذكور وابنتان. فأما الذكور فأحدهم جعفر - وهو الذي كان يرشحه للخلافة - والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الأعمى، كلهم من أمهات أولاد. وكان الأعمى - وهو موسى - ولد بعد موت أبيه. والابنتان، إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون، والأخرى أمّ العباس بنت موسى، تلقَّب نُوتة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>ذكر بعض أخباره وسِيَره</span>\nذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخي السنديّ أبو طوطة، قال: حدّثني السِّندي بن شاهك، قال: كنت مع موسى بجُرجان، فأتاه نعيّ المهديّ والخلافة، فركب البريد إلى بغداد، ومعه سعيد بن سَلْم، ووجَّهني إلى خُراسان، فحدثني سعيد بن سَلْم، قال: سرْنَا بين أبيات جُرجان وبساتينها، قال: فسمع صوتًا من بعض تلك البساتين من رَجُل يتغنَّى، فقال لصاحب شرطته، عليَّ بالرّجل الساعة، قال: فقلت يا أمير المؤمنين، ما أشبه قصّة هذا الخائن بقصّة سليمان بن عبد الملك! قال: وكيف؟ قال: قلت له: كان سليمان بن عبد الملك في متنزَّهٍ له ومعه حُرَمه، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنَّى، فدعا صاحبَ شرطته، فقال: عليّ بصاحب الصوت، فأَتِيَ به،","vol":"11","page":160},{"text":"فلما مثل بين يديه، قال له: ما حَمَلك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حُرَمي! أما علمت أن الرّماك إذا سمعت صوت الفحل حنَّت إليه! يا غُلام جُبَّه، فجُبَّ الرجل. فلما كان في العام المقبل رجعَ سليمان إلى ذلك المتنزه، فجلس مجلسه الذي فيه، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شُرطته: عليّ بالرجل الذي كُنا جبَبناه، فأحضره، فلما مَثَل بين يديه قال له: إمّا بِعْتَ فوفَّيناك، وإما وهبتَ فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة، ولكنَّه قال له: يا سليمان، الله اللهَ! إنك قطعت نسلي، فذهبت بماء وجهي، وحرمتَني لذّتي، ثم تقول: إمَّا وهبتَ فكافأناك، هاما بعت فوفَّيْناك! لا والله حتى أقف بين يدي الله. قال: فقال موسى: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فردّه، فقال: لا تعرض للرجل.\nوذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي، أنّ عليّ بن صالح حدّثه، أنه كان يومًا على رأس الهادي وهو غلام - وقد كان جفا المظالم عامَّةً ثلاثة أيام - فدخل عليه الحَرّانيّ، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، إن العامة لا تنقاد على ما أنتَ عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إليّ، وقال: يا عليّ، ائذن للناس، عليّ بالجفَلى لا بالنّقَرَى، فخرجت من عنده أطير على وجهي. ثم وقفت فلم أدر ما قال لي، فقلت: أراجع أميرَ المؤمنين، فيقول: أتحجبني ولا تعلم كلامي! ثم أدركني ذهني، فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد، وسألته عن الجَفَلى والنَقَرى، فقال: الجَفَلى جُفالة، والنقري ينقِّر خواصّهم. فأمرت بالستور فرفِعت وبالأبواب ففتِحت، فدخل الناس على بَكْرَة أبيهم، فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوَّض المجلس مثلت بين يديه، فقال: كأنك تريد أن تذكر شيئًا يا عليّ، قلت: نعم يا أميرَ المؤمنين، كلّمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا، وخفت مراجعتَك، فتقول: أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي! فبعثت إلى أعرابيّ كان عندنا، ففسّر لي الكلام، فكافئه عني يا أميرَ المؤمنين، قال: نعم مائة ألف درهم تحمَل إليه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنه أعرابيّ جِلْف، وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا عليّ! أجود وتَبْخَل! .\nقال: وحدّثني عليّ بن صالح، قال: ركب الهادي يومًا يَريد عيادة أمِّه الخيزُران من علَّة كانت وجدتْها، فاعترضه عمر بن بزيع، فقال له: يا أميرَ","vol":"11","page":161},{"text":"المؤمنين، ألا أدلك على وجه هو أعوَد عليك من هذا؟ فقال: وما هو يا عمر؟ قال: المظالم لم تَنظر فيها منذ ثلاث، قال: فأومأ إلى المطرِّقة أن يميلوا إلى دار المظالم، ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلُّفه، وقال: قل لها إن عمر بن بزيع أخبرنا منْ حقّ الله بما هو أوجب علينا من حقِّك، فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غدٍ إن شاء الله.\nوذكر عن عبد الله بن مالك، أنه قال: كنتُ أتولَّى الشُّرْطة للمهديّ، وكان المهديّ يبعث إلى ندماء الهادي ومغنّيه، ويأمرني بضربهم، وكان الهادي يسألني الرّفْق بهم والترفيةَ لهم، ولا ألتفت إلى ذلك، وأمضي لما أمرني به المهديّ. قال: فلمَّا ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلَف، فبعث إليّ يومًا، فدخلت عليه متكفنًا متحنِّطًا، وإذا هو على كرسيّ، والسيف والنِّطَع بين يديه، فسلّمت، فقال: لا سلم الله على الآخر! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحَرَّانيّ، وما أمر أمير المؤمنين به من ضَرْبه وحبسه فلم تجبني، وفي فلان وفلان - وجعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي، ولا أمري! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن [لي] في استيفاء الحجَّة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين، أيسرّك أنك ولّيتَني ما ولّاني أبوك، فأمرتَني بأمر، فبعث إليّ بعضُ بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتّبعت أمرَه وعصيتُ أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني، فقبَّلت يديه، فأمر بخِلَع فصبَّت عليّ، وقال: قد ولَّيتُك ما كنتَ تتولاه، فامض راشدًا. فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرًا في أمري وأمره، وقلت: حَدَثٌ يشرب، والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتَّابه، فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيَه فيّ، وحملوه من أمري على ما كنت أكره وأتخوّفه. قال: فإنّي لجالس وبين يديّ بينّةٌ لي في وقتي ذلك، والكانون بين يديّ، ورقاق أشطُره بكامخ وأسخّنه وأضعه للصِّبْية، وإذا ضجة عظيمة، حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء، فقلت: هاه! كان والله ما ظننتُ، ووافاني من أمره ما تخوّفت، فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلمَّا رأيته وثبتُ عن مجلسي مبادرًا، فقبّلت يده ورجله وحافرَ حماره، فقال لي: يا عبد الله، إني","vol":"11","page":162},{"text":"فكرت في أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك أنِّي إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسُن من رأي فيك، فأقلقَك وأوحشَك، فصرتُ إلى منزلك لأونسَك وأعلِمك أنّ السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمني مما كنتَ تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل، لتعلم أنِّي قد تحرّمت بطعامك، وأنست بمنزلك، فيزول خوفُك ووحشتُك. فأدنيت إليه ذلك الرّقاق والسكُرَّجة التي فيها الكامخ، فأكل منها ثم قال: هاتوا الزُّلَّة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي. فأدخلت إليّ أربعمائة بغْل مُوقرة دراهم، وقال: هذه زُلَّتُكَ، فاستعِنْ بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال عندك، لعلي أحتاج إليها يومًا لبعض أسفاري، ثم قال: أظلك الله بخير، وانصرف راجعًا.\nفذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال، وكان هو يتولَّى النظر إليها والقيام عليها أيام حياة الهادي كلها.\nوذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السُّلميّ. قال: أخبرني أبي، قال: كان عليّ بن عيسى بن هامان يغضب غضب الخليفة، ويرضى رضا الخليفة، وكان أبي يقول: ما لعربيّ ولا لعجميّ عندي ما لعليّ بن عيسى، فإنه دخل إلى الحبس وفي يده سوط، فقال: أمرني أمير المؤمنين موسى الهادي أن أضربَك مائة سوط، قال: فأقبل يضعه على يدي ومنكبي، يمسني به مسًّا إلى أن عدّ مائة، وخرج. فقال له: ما صنعت بالرّجل؟ قال: صنعتُ به ما أمرتَ. قال: فما حاله؟ قال: مات، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ويلك! فضحتَني والله عند الناس، هذا رجل صالح، يقول الناس: قتَل يعقوب بن داود! قال: فلما رأى شدّة جزعه، قال: هو حيّ يا أمير المؤمنين لم يمُتْ، قال: الحمد لله على ذلك.\nقال: وكان الهادي قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنَه الفضل، فقال له: لا تحجب عني الناس، فإن ذلك يزيل عنِّي البركة، ولا تُلق إليّ أمرًا إذا كشفتُه أصبتُه باطلًا، فإن ذلك يوقع الملك، ويضرّ بالرّعيَّة.\nوقال موسى بن عبد الله: أتِيَ موسى برجل، فجعل يقرّعه بذُنوبه ويتهدده، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تُقرّعُني به ردٌّ عليك، وإقراري يوجب عليّ ذنبًا، ولكني أقول:","vol":"11","page":163},{"text":"فإِن كنتَ ترجو في العُقوبةِ رحمةً ... فلا تَزْهَدَنْ عندَ المُعافاة في الأَجر\nقال: فأمر بإطلاقه.\nوذكر عمر بن شبّة أن سعيد بن سلم كان عند موسى الهادي، فدخل عليه وفد الرّوم وعلى سعيد بن سلم قَلَنْسُوة - وكان قد صَلَع وهو حدَث - فقال له موسى: ضع قلنسُوتك حتى تتشايخ بصلعتك.\nوذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أنّ أباه حدّثه، قال: خرجت إلى عيساباذ أريد الفَضْل بن الربيع، فلقيتُ موسى أمير المؤمنين وهو خليفة، وأنا لا أعرفه، فإذا هو في غُلالة على فرس، وبيده قناة لا يدرك أحدًا إلا طعنه، فقال لي: يا بن الفاعلة! قال: فرأيت إنسانًا كأنّه صم، وكنت رأيته بالشام، وكان فخِذاه كفخذيْ بعير، فضربت يدي إلى قائم السيف، فقال لي رجل: ويلك! أمير المؤمنين، فحرّكت دابتي - وكان شِهْريًّا حملني عليه الفضل بن الربيع، وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم - فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب\nالحرس، فوقف على الباب، وبيده القناة، وقال: اخرج يا بن الفاعلة! فلم أخرج، ومرّ فمضى. قلت للفضل: فإني رأيتُ أمير المؤمنين، وكان من القصّة كذا وكذا، فقال: لا أرى لك وجهًا إلا ببغداد، إذا جئتُ أصلِّي الجمعة فالقَنِي، قال: فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادي.\nوذكر الهيثم بن عروة الأنصاريّ أن الحسين بن معاذ بن مسلم - وكان رضيع موسى الهادي - قال: لقد رأيتُني أخلو مع موسى، فلا أجد له هيبةً في قلبي عند الخلوة، لما كان يبسطني. وربّما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض، فإذا تلبّس لبسة الخلافة ثم جلس مجلس الأمر والنهي قمتُ على رأسه، فوالله ما أملِكُ نفسي من الرِّعدة والهَيبْة له.\nوذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أنّ محمد بن سعيد بن عمر بن مِهْرَان، حدّثه عن أبيه، عن جدّه، قال: كانت المرتبة لإبراهيم بن سلْم بن قتيبة عند الهادي، فمات ابنٌ لإبراهيم يقال له سلم، فأتاه موسى الهادي يعزِّيه عنه على حمار أشهب، لا يُمنع مُقبلٌ ولا يُردّ عنه مُسَلِّم، حتى نزل في رِواقه، فقال له: يا إبراهيم، سَرّك وهو عدوّ وفتنة، وحَزَنك وهو صلاة ورحمة. فقال: يا أميرَ","vol":"11","page":164},{"text":"المؤمنين، ما بقي منِّي جزء كان فيه حزن إلَّا وقد امتلأ عزاء. قال: فلما مات إبراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلْم بعده.\nوذكر عمر بن شبّة أن عليّ بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب كان يلقب بالجزريّ، تزوج رُقيّة بنت عمرو العثمانية - وكانت تحت المهديّ - فبلغ ذلك موسى الهادي في أوّل خلافته، فأرسل إليه فجهَّله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرّم الله على خلقه إلّا نساء جدّي - ﷺ -، فأما غيرُهنّ فلا ولا كرامة. فشجّه بمخْصَرة كانت في يده، وأمر بضربه خمسمائة سوط، فضُرب، وأراده أن يطلّقَها فلم يفعل، فحمِل من بين يديه في نِطَع فألقِيَ ناحية، وكان في يده خاتم سريّ فرآه بعضُ الخدم وقد غشي عليه من الضرب فأهوى إلى الخاتم فقبض على يد الخادم فدفها، فصاح. وأتى موسى فأراه يدَه، فاستشاط وقال: يُفعل هذا بخادمي، مع استخفافه بأبي، وقوله لي! وبعث إليه: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قلْ له وسَلْه، ومُرْه أن يضع يده على رأسك وليصدُقك. ففعل ذلك موسى، فصدقه الخادمُ، فقال: أحسن والله، أنا أشهدُ أنه ابنُ عمّي، لو لم يفعل لانتفيتُ منه، وأمر بإطلاقه.\nوذكر أبو إبراهيم المؤذّن، أنّ الهاديَ كان يثب على الدابَّة وعليه درعان، وكان المهديّ يسمّيه رَيْحانتي.\nوذكر محمد بن عطاء بن مقدَّمٍ الواسطيّ، أن أباه حدّثه أنّ المهديّ قال لموسى يومًا - وقد قُدِّم إليه زنديق، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فضرب عُنُقه وأمر بصلْبه: يا بنيَّ، إن صار لك هذا الأمر فتجرّد لهذه العصابة - يعني أصحاب ماني - فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهرٍ حسن، كاجتناب الفواحش والزّهد في الدنيا والعمل للآخرة. ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومسّ الماء الطَّهور وترك قتل الهوامّ تحرّجًا وتحوُّبًا، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تُبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبوْل وسرقة الأطفال من الطرُق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النُّور، فارْفع فيها الخشب، وجَرِّد فيها السيف، وتقرّب بأمرها إلى الله لا شريك له، فإني رأيتُ جدَّك العباس في المنام قلَّدنِي بسيفين، وأمرني بقتل أصحاب الاثنين. قال: فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر: أما والله لئن عشتُ لأقتلنّ","vol":"11","page":165},{"text":"هذه الفرقة كلَّها حتى لا أترك منها عينًا تطرُف.\nويقال: إنه أمر أن يهيّأ له ألف جِذْع، فقال: هذا في شهر كذا، ومات بعد شهرين.\nوذكر أيوب بن عنابة أن موسى بن صالح بن شيخ، حدّثه أن عيسى بن دأب كان أكثرَ أهل الحجاز أدبًا وأعذَبهم ألفاظًا، وكان قد حَظِيَ عند الهادي حُظوةً لم تكن عنده لأحد، وكان يدعو له بمتّكأ، وما كان يفعل ذلك بأحدٍ غيره في مجلسه. وكان يقول: ما استطلتُ بك يومًا ولا ليلة، ولا غبت عن عيني إلّا تمنّيتُ ألا أرى غيرَك. وكان لذيد المفاكهة طيّب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر حسن الانتزاع له. قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابنُ دأب وجّه قَهْرمانه إلى باب موسى، وقال له: الْقَ الحاجب، وقُلْ له: يوجّه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب، فأبلغه رسالته، فتبسم وقال: هذا ليس إليّ، فانطلقْ إلى صاحب التوقيع ليُخرج له كتابًا إلى الديوان، فتدّبرُه هناك ثم تفعلُ فيه كذا وكذا. فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعْها ولا تعرض لها، ولا تسأل عنها. قال: فبينا موسى في مستشرَف له ببغداد، إذْ نظر إلى ابن دأب قد أقبل، وليس معه إلّا غلام واحد! فقال لإبراهيم الحرّاني: أما ترى ابن دأب، ما غيَّر من حاله، ولا تزين لنا، وقد بَرَرْناه بالأمس ليُرَى أثرُنا عليه! فقال له إبراهيم: فإن أمرني أميرُ المؤمنين عرضت له بشيء من هذا، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب، فأخذ في حديثه إلى أن عرّض له موسى بشيء من أمره، فقال: أرى ثوبك غسيلًا، وهذا شتاء يُحتاج فيه إلى الجديد الليّن، فقال: يا أميرَ المؤمنين، باعي قصير عمّا أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برّنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك! قال: ما وصل إليّ ولا قبضتُه، فدعا صاحب بيت مال الخاصة، فقال: عجِّل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأحضِرتْ وحُمِلت بين يديْه.\nوذكر عليّ بن محمد، أنّ أباه حدّثه عن عليّ بن يقطين، قال: إني لعند موسى ليلة مع جماعة من أصحابه، إذ أتاه خادم فسارَّه بشيء، فنهض سريعًا، وقال: لا تبرحُوا، ومضى فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفَّس، فألقى بنفسه على فِراشه يتنقس ساعة حتى استراح، ومعه خادم يحمل طبقًا مغطًّى بمتديل، فقام بين","vol":"11","page":166},{"text":"يديه، فأقبل يُرعَد، فعجبنا من ذلك. ثم جلس وقال للخادم: ضَعْ ما معك، فوضع الطَّبَق، وقال: ارفع المِنْديل، فرفعه فإذا في الطَّبق رأسَا جاريتين، لم أر والله أحسن من وجوههما قطّ ولا من شعورهما، وإذا على رءوسهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيِّبة تفوح، فأعظمنا ذلك، فقال: أتدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنهما تتحابّان قد اجتمعتَا على الفاحشة، فوكلتُ هذا الخادم بهما يُنهي إليّ أخبارهما، فجاءني فأخبرني أنهما قد اجتمعتَا، فجئت فوجدتهما في لحافٍ واحد على الفاحشة فقتلتهما، ثم قال: يا غلامُ، ارفع الرأسين قال: ثم رجع في حديثه كأن لم يصنع شيئًا.\nوذكر أبو العباس بن أبي مالك اليماميّ أنّ عبد الله بن محمد البواب، قال: كنت أحجب الهادي خليفةً للفضل بن الربيع، قال: فِإنه ذات يوم جالسٌ وأنا في داره، وقد تغدّى ودعا بالنبيذ، وقد كان قبل ذلك دخل على أمه الخيزُران، فسألته أن يولِّيَ خاله الغِطريف اليمن، فقال: اذكرِيني به قبل أن أشرب، قال: فلما عزم على الشرب وجّهَتْ إليه منيرةَ - أو زهرةَ - تذْكِره، فقال: ارجعي فقولي: اختاري له طلَاق ابنته عُبيدة أو ولاية اليمن، فلم تفهم إلا قوله: \"اختاري له\" فمرّت، فقالت: قد اخترتُ له ولاية اليمن، فطلّق ابنته عُبيدة، فسمِع الصياح، فقال: ما لكم؟ فأعلمْته الخبر، فقال: أنت اخترت له، فقال: ما هكذا أدِّيَتْ إليّ الرسالة عنك. قال: فأمر صالحًا صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رؤوس الندماء ليطلقوا نساءهم، فخرج إليّ بذلك الخدَم ليعلموني ألّا آذن لأحد. قال: وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه، يراوح بين قدميه، فعنّ لي بيتان، فأنشدتهما وهما:\nخليلَيَّ مِنْ سَعْدٍ أَلِمَّا فَسَلِّما ... على مريمٍ، لا يُبْعِدِ اللهُ مَرْيما\nوقُولا لها: هَذا الفِراقُ عَزَمْتِهِ ... فهلْ مِنْ نوالٍ بَعد ذاك فيُعلَما!\nقال: فقال لي الرجل المتلفع بطليسانه: فنَعلما، فقلت: ما الفرق بين \"يعلما\" و\"نعلما\"؟ فقال: إن الشعر يصلحه معناه ويفسده معناه، ما حاجتنا إلى أن يحلم الناس أسرارنا! فقلت له: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن الشعر؟ قلت: للأسود بن عُمارة النوفليّ، فقال لي: فأنا هو، فدنوتُ منه فأخبرته خبرَ","vol":"11","page":167},{"text":"موسى، واعتذرت إليه من مراجعتي إياه. قال: فصرف دابَّته، وقال: هذا أحقّ منزل بأن يترك.\nقال مصعب الزبيريّ: قال أبو المعافى: أنشدت العباس بن محمد مديحًا في موسى وهارون:\nيا خَيْزُرانُ هَناكِ ثمَّ هَناكِ ... إِنَّ العبادَ يَسوسُهُمْ إبناك\nقال: فقال لي: إني أنصحك، قال اليمانيّ: لا تذكر أمي بخير ولا بشرّ.\nوذكر أحمد بن صالح بن أبي فنن، قال: حذثني يوسف الصيقل الشاعر الواسطيّ، قال: كنا عند الهادي بجُرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد، فصعد مستشرفًا له حسنًا، فغُنِّيَ بهذا الشعر:\nواسْتَقَلَّتْ رجالُهُمْ ... بالرُّدَيْنيِّ شُرَّعا\nفقال: كيف هذا الشعر؟ فأنشدوه، فقال: كنت أشتهي أن يكون هذا الغناء في شعر أرقَّ من هذا، اذهبوا إلى يوسف الصيقل حتى يقول فيه، قال: فأتوني فأخبروني الخبر، فقلت:\nلا تَلُمْني أَنَ أجزَعا ... سيِّدِي قَدْ تَمَنَّعا\nوابَلائي إِن كان ما ... بَيْنَنَا قَدْ تَقَطَّعا\nإِنَّ مُوسى بفضلِه ... جَمَعَ الفَضْلَ أَجمَعا\nقال: فنظر فإذا بعير أمامه، فقال: أوقِروا هذا دراهم ودنانير، واذهبوا بها إليه. قال: فأتوني بالبعير مُوقَرًا.\nوذكر محمد بن سعد، قال: حدّثني أبو زهير، قال: كان ابن دأب أحظَى الناس عند الهادي، فخرج الفضلُ بن الربيع يومًا، فقال: إنّ أمير المؤمنين يأمر مَن ببابه بالانصراف، فأما أنتَ يابنَ دأب فادخل، قال ابن دأب: فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه، وإن عَيْنَيْه لحمراوان من السَّهر وشرب الليل، فقال لي: حدثني بحديث في الشراب، فقلت: نعم يا أميرَ المؤمنين، خرجتْ رَجْلة من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم، فمات أخ لأحدهم، فجلسوا عند قبره يشربون، فقال أحدهم:\nلا تُصَرّدْ هامَةً مِن شَرْبها ... أَسِقِهِ الخمرَ وِإنْ كان قُبِرْ","vol":"11","page":168},{"text":"أَسقِ أوصالًا وهامًا وصَدىً ... قاشعًا يَقْشَعُ قَشْعَ المُبْتَكَرْ\nكان حُرًّا فهوى فيمن هَوَى ... كُلّ عُودٍ وفنونٍ منكَسرْ\nقال: فدعا بدواة فكتبها، ثم كتب إلى الحرّاني بأربعين ألفَ درهم، وقال: عشرة آلاف لك، وثلاثون ألفًا للثلاثة الأبيات. قال: فأتيت الحرّانيّ، فقال: صالحْنا على عشرة آلاف، على أنّك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين، فحلفت ألّا أذكرَها لأمير المؤمنين حتى يبدأني، فمات ولم يذكرها حتى أفضت الخلافة إلى الرشيد.\nوذكر أبو دِعامة أن سَلْم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادي، فقال:\nبعيساباذَ حُرٌّ مِن قريشٍ ... على جَنباتِهِ الشَّرْبُ الرِّواءُ\nيَعوذُ المُسلمونَ بِحَقْوتَيْهِ ... إِذا ما كان خَوفٌ أَو رجاءُ\nوبالمَيْدانِ دُورٌ مُشْرِفات ... يشُيّدهُنَّ قَوم أَدعياءُ\nوكم من قائلٍ إني صحيحٌ ... وتأْباهُ الخلائقُ والرُّواءُ\nله حسبٌ يَضَنّ به ليبقَى ... وليس لِمَا يضَنُّ به بَقَاءُ\nعلى الضبِيِّ لُؤْمٌ ليس يَخْفَى ... يُغَطِّيهِ فَيَنْكَشِفُ الغطاءُ\nلَعَمْرِي لَوْ أَقامَ أَبو خَدِيجٍ ... بِناءَ الدَّارِ ما انهَدَمَ البِناءُ\nقال: وقال سَلْم الخاسر لما تولّى الهادي الخلافة بعد المهديّ:\nلَقَدْ فَازَ مُوسَى بالْخِلافَةِ والْهُدَى ... وَماتَ أَميرُ المؤمنينَ مُحَمَّدُ\nفماتَ الَّذِي عمَّ البريَّةَ فقْدُهُ ... وَقَامَ الَّذِي يكفيكَ مَنْ يُتَفَقَّدُ\nوقال أيضًا:\nتَخْفَى المُلوك لموسى عندَ طلعتِهِ ... مثلَ النُّجومِ لقَرنِ الشمسِ إِذْ طَلَعَا\nوليس خَلقٌ يَرَى بدرًا وطلعتَهُ ... منَ البَريَّةِ إِلَّا ذَلَّ أَو خَضَعا\nوقال أيضًا:\nلولا الخليفةُ مُوسَى بَعْدَ والِدِهِ ... مَا كَانَ للنَّاسِ مِنْ مَهْدِيّهمْ خلَفُ\nأَلا ترَى أمّةَ الأُمِّيِّ وَاردَةً ... كأَنَّهَا من نَوَاحِي البَحْرِ تَغترفُ\nمِنْ راحَتَيْ مَلِكٍ قد عَمَّ نائلهُ ... كأَنَّ نائله مِنْ جودِهِ سَرَفُ","vol":"11","page":169},{"text":"وذكر إدريس بن أبي حفصة أن مَرْوان بن أبى حفصة حدّثه، قال: لما ملك موسى الهادي دخلتُ عليه فأنشدته:\nإِنْ خُلِّدَتْ بعد الإِمامِ مُحَمّدٍ ... نَفْسِي لمَا فَرِحَتْ بِطُولِ بَقَائِهَا\nقال: ومدحت فقلت فيه:\nبِسَبْعِينَ أَلفًا شدَّ ظَهْرِي وَرَاشَنِي ... أبُوكَ وَقَدْ عايَنتُ مِنْ ذاك مَشْهَدا\nوَإنِّي أَميرَ المؤمنينَ لَوَاثِقٌ ... بأَلَّا يُرَى شرْبي لَدَيْكَ مُصَرَّدا\nفلما أنشدته قال: ومَنْ يبلغ مدى المهديّ! ولكنا سنبلغ رضاك. قال: وعاجلتْهُ المنيّة فلم يعطني شيئًا، ولا أخذتُ من أحد دِرْهمًا حتى قام الرشيد.\nوذكر هارون بن موسى الفَرَويّ، قال: حدّثنى أبو غُزِّية، عن الضحاك بن معن السُّلَميّ، قال: دخلت على موسى فأنشدته:\nيا مَنزِلَيْ شَجْوِ الْفؤادِ تَكلَّمَا ... فلَقَدْ أَرَى بِكما الرَّبابَ وكُلْثُما\nما منزلانِ على التَّقادُم والبِلى ... أبكَى لِما تَحْتَ الجوانِح مِنْكُمَا\nرُدَّا السَّلامَ على كَبير شاقَهُ ... طلَلانِ قَدْ دَرسا فهاجَ فسَلِّمَا\nقال: ومدحته فيها، فلما بلغت:\nسَبْط الأَناملِ بالفَعالِ أَخالُه ... أنْ ليْسَ يَترُكُ في الخزائنِ دِرْهَمَا\nالتفت إلى أحمد الخازن، فقال: ويحك يا أحمد! كأنّه نظر إلينا البارحة، قال: وكان قد أخرج تلك الليلة مالًا كثيرًا ففرّقه.\nوذُكِر عن إِسحاق الموصليّ - أو غيره - عن إبراهيم، قال: كنّا يومًا عند موسى، وعنده ابن جامع ومُعاذ بن الطيب - وكان أوّل يوم دخل علينا مُعاْذ، وكان مُعاذ حاذقًا بالأغاني، عارفًا بقدِيمها - فقال: مَنْ أطربني منكم فله حُكمه، فغنّاه ابنُ جامع غِنَاءً فلم يحرّكه، وفهمتُ غرضه في الأغاني، فقال هات يا إبراهيم، فغنيتُه:\nسُليمَى أَجْمَعَتْ بينَا ... فأَينَ نقُولُها أَيْنَا!\nفطرب حتى قام من مجلسه، ورفع صوته، وقال: أعِد، فأعدتُ، فقال: هذا غرضي فاحْتَكِمْ، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، حائط عبد الملك وعينه الخرّارة، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جَمْرتان، ثم قال: يا بن","vol":"11","page":170},{"text":"اللّخناء، أردت أن تُسمع العامة أنك أطربتَني وأنّي حكّمتك فأقطعتك! أما والله لولا بادرةُ جهلك التي غلبتْ على صحيح عقلك لضربتُ الذي فيه عيناك. ثم أطرق هُنيهة، فرأيت ملَك الموت بيني وبينه ينتظر أمرَه. ثم دعا إبراهيم الحرّانيّ فقال: خذ بيَد هذا الجاهل فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ما شاء، فأدخلني الحَرّانِيّ بيتَ المال، فقال: كم تأخذ؟ قلت: مائة بَدْرة، قال: دعني أؤامره، قال: قلت: فثمانين، قال: حتى أؤامره، فعملت ما أراد، فقلت: سبعين بدرةً لي، وثلاثين لك، قال: الآن جئت بالحق، فشأنَك. فانصرفتُ بسبعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهي.\nوذكر عليّ بن محمد، قال: حدّثني صالح بن عليّ بن عطيَّة الأضخم عن حَكَم الواديّ، قال كان الهادي يشتهي من الغناء الوسَط الذي يقلّ ترجيعُه، ولا يبلغ أن يستخفّ به جدًّا. قال: فبينا نحن ليلة عنده، وعنده ابنُ جامع والموصليّ والزبير بن دَحْمان والغَنويّ إذ دعا بثلاثِ بُدور وأمرَ بهنّ فوُضِعن في وسط المجلس، ثم ضمَّ بعْضَهُنّ إلى بعض، وقال: مَنْ غناني صوتًا في طريقي الذي أشتهيه، فهنّ له كلهنّ. قال: وكان فيه خُلُق حسن، كان إذا كره شيئًا لم يوقِّفْ عليه، وأعرض عنه. فغناه ابنُ جامع، فأعرض عنه، وغنّى القوم كلهم، فأقبل يعرض حتى تغنّيت، فوافقت ما يشتهي، فصاح: أحسنت أحسنت! اسقوني، فشرب وطرب، فقمت فجلست على البُدور، وعلمت أني قد حَويتها، فحضر ابنُ جامع، فأحسن المحضر، وقال: يا أميرَ المؤمنين، هو والله كما قلتَ، وما منّا أحد إلا وقد ذهب عن طريقك غيرُه، قال: هي لك، وشرب حتى بلغ حاجَته على الصوت، ونهض، فقال: مُروا ثلاثة من الفرّاشين يحملونها معه، فدخل وخرجنا نمشي في الصحن منصرفين، فلحقني ابنُ جامع، فقلت: جُعلت فداك يا أبا القاسم! فعلتَ ما يفعل مثلُك في نسبك، فانظر فيها بما شئت. فقال: هنأك الله، وَدِدْنا أنا زِدناك. ولحقَنا الموصليّ، فقال: أجزنا، فقلت: ولمَ لمْ تحسن محضرك! لا والله ولا درهمًا واحدًا.\nوذكر محمد بن عبد الله، قال: قال لي سعيد القارئ العلّاف - وكان صاحبَ أبان القارئ: إنه كان عند موسى جلساؤه، فيهم الحرّاني وسعيد بن سلم وغيرُهما، وكانت جارية لموسى تسقيهم، وكانت ماجنةً، فكانت تقول لهذا:","vol":"11","page":171},{"text":"يا جلفِيّ، وتعبث بهذا وهذا، ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول لهم، فقال لها: والله الكبير، لئن قلتِ لي مثل ما تقولين لهم لأضربنّك ضربة بالسيف، فقال لها موسى: ويلك! إنه والله يفعل ما يقول، فإياك. قال: فأمسكت عنه ولم تعابثْه قطّ. قال: وكان سعيد العلّاف وأبان القارئ إباضيين.\nوذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب، قال: حدّثني ابن القداح، قال: كانت للربيع جارية يقال لها أمَة العزيز، فائقة الجمال، ناهدة الثَّدييْن، حسنة القوام، فأهداها إلى المهديّ، فلما رأى جمالها وهيئتها، قال: هذه لموسى أصلح، فوهبها له، فكانت أحبَّ الخلق إليه، وولدت له بنيه الأكابر. ثم إنّ بعض أعداء الربيع قال لموسى: إنه سمع الرَّبِيع يقول: ما وضعتُ بيني وبين الأرض مثل أمَة العزيز، فغار موسى من ذلك غيْرَةً شديدة، وحلف لَيَقْتُلن الربيع، فلما استخلف دعا الرَّبيع في بعض الأيام، فتغدَّى معه وأكرمه، وناوله كأسًا فيها شراب عسل، قال: فقال الربيع: فعلمت أنّ نفسي فيها، وأنِّي إن رددتُ الكأس ضَرب عنقي، مع ما قد علمت أن في قلبه عليّ من دخولي على أمهِ، وما بلغه عني، ولم يسمع مني عذرًا. فشربتها. وانصرف الرَّبيع إلى منزله، فجمع ولده، وقال لهم: إني ميِّت في يومي هذا أو من غد، فقال له ابنه الفضل: ولم تقول هذا جعلت فداك! فقال: إنّ موسى سقاني شربة سمّ بيده، فأنا أجد عملَها في بدني، ثم أوصى بما أراد، ومات في يومه أو من غده. ثمّ تزوج الرشيد أمة العزيز بعد موت موسى الهادي، فأولدها عليّ بن الرشيد.\nوزعم الفضل بن سليمان بن إسحاق الهاسميّ أنّ الهادي لما تحوّل إلى عيساباذ في أوّل السنة - التي ولي الخلافة فيها، عزل الرَّبيع عما كان يتولّاه من الوزارة وديوان الرسائل، وولى مكانه عمر بن بزيع، وأقرّ الربيع على الزمام، فلم يزل عليه إلى أن تُوُفِّيَ الربيع، وكانت وفاته بعد ولاية الهادي بأشهر، وأوذن بموته فلم يحضر جِنازته، وصلى عليه هارون الرشيد، وهو يومئذ وليّ عهد، وولّي موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذاكوان الحرانيّ، واستخلف على ما تولاه إسماعيل بن صُبيح، ثم عزله واستخلف يحيى بن سليم، وولّى إسماعيل زمام ديوان الشأم وما يليها.\nوذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، خال الفضل بن الربيع، أنّ أباه","vol":"11","page":172},{"text":"حدّثه، أن موسى الهادي قال: أريد قتل الربيع، فما أدري كيف أفعل به! فقال له سعيد بن سلم: تأمر رجلًا باتّخاذ سكين مسموم، وتأمره بقتله، ثم تأمر بقتل ذلك الرجل. قال: هذا الرّأي، فأمر رجلًا فجلس له في الطريق، وأمره بذلك، فخرج بعض خلفاء الربيع، فقال له: إنه قد أمر فيك بكذا وكذا، فأخذ في غير ذلك الطريق، فدخل منزله، فتمارض، فمرِض بعد ذلك ثمانية أيام، فمات مِيتة نفسه. وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة، وهو الربيع بن يونس.\n* * *","vol":"11","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1751>خلافة هارون الرشيد</span>\nوأما البرامكة فإنها - فيما ذُكِر - تزعم أنّ الرشيد وُلد أول يوم من المحرم سنة تسع وأربعين ومائة، وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام، وكان مولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة، فجعِلت أمّ الفضل ظئرًا للرشيد، وهي زينب بنت منير، فأرضعت الرّشيد بلِبان الفضل، وأرضعت الخيزُران الفضل بلِبان الرّشيد.\nوذكر سليمان بن أبي شيخ أنه لمّا كان الليلة التي تُوفِّيَ فيها موسى الهادي أخرج هَرْثمةُ بن أعين هارون الرشيد ليلًا فاقعده للخلافة، فدعا هارونُ يحيى بن خالد بن برمك - وكان محبوسًا، وقد كان عزم موسى على قتله وقَتْل هارون الرشيد في تلك الليلة - قال: فحضر يحيى، وتقلّد الوزارة، ووجّه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره، وأمره بإنشاء الكتُب، فلما كان غداةَ تلك الليلة، وحضر القوّاد قام يوسف بن القاسم، فحمِد الله وأثنى عليه وصلى على محمد - ﷺ -، ثم تكلم بكلام أبلغ فيه، وذكر موت موسى وقيام هارون بالأمر من بعده، وما أمر به للنّاس من الأعطيات.\nوذكر أحمد بن القاسم، أنه حدّثه عمّه عليّ بن يوسف بن القاسم هذا الحديث، فقال: حدّثنِي يزيد الطبريّ مولانا أنه كان حاضرًا يحمل دواة أبي يوسف ابن القاسم، فحفِظ الكلام. قال: قال بعد الحمد لله ﷿ والصلاة على النبيّ - ﷺ -:\nإن الله بمنِّه ولطفه منَّ عليكم معاشر أهل بيت نبيّه بيت الخلافة ومعدن الرسالة، وآتاكم أهل الطاعة من أنصار الدّوْلة وأعوان الدّعوة، من نِعَمِهِ التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي مدى الأبد، وأياديه التافة، أنْ جمع أُلفتكم وأعلى أمركم، وشدّ عَضُدكم، وأوهن عدوّكم، وأظهر كلمة الحقّ، وكنتم","vol":"11","page":174},{"text":"أوْلى بها وأهلها، فأعزّكم الله وكان قويًّا عزيزًا، فكنتم أنصارَ دين الله المرتضى والذابِّين بسيفه المنتضَى، عن أهل بيت نبيِّه - ﷺ -. وبكم استنقذهم من أيدي الظَّلمة، أئمة الجوْر، والناقضين عهد الله، والسافكين الدّمَ الحرام، والآكلين الفيء، والمستأثرين به، فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النِّعمة، واحذروا أن تغيّروا فيغيِّر بكم. وإن الله جل وعزّ استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام، فقبضه إليه، وولّى بعده رَشيدًا مَرضيًّا أمير المؤمنين رؤوفًا بكم رحيمًا، من محسنكم قبولًا، وعلى مسيئكم بالعفو عطوفًا، وهو - أمتَعه الله بالنعمة وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة، وتولّاه بما تولى به أولياءه وأهلَ طاعته - يعِدُكم من نفسه الرّأفة بكم، والرحمة لكم، وقسْم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت الأموال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرًا، غير مقاصّ لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم، وحاملٌ باقي ذلك، للدّفْع عن حريمكم، وما لعلّه أن يحدث في النواحي والأقطار من العُصاة المارقين إلى بيوت الأموال، حتى تعودَ الأموال إلى جِمامها وكثرتها، والحال التي كانت عليها، فاحمدوا الله وجدِّدوا شكرًا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم، بما جدّد لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضّل به عليكم، أيّده الله بطاعته. وارغبوا إلى الله له في البقاء، ولكم به في إدامة النعماء، لعلكم ترحمون. وأعطُوا صَفْقة أيمانكم، وقوموا إلى بَيْعتكم، حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم وعلى أيديكم، وتولّاكم ولاية عباده الصالحين.\nوذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: حدثني محمد بن هشام المخزوميّ، قال: جاء يحيى بن خالد إلى الرّشيد وهو نائم في لِحاف بلا إزار، لمّا تُوفِّيَ موسى، فقال: قمْ يا أمير المؤمنين، فقال له الرّشيد: كم تروِّعني إعجابًا منك بخلافتي! وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل، فإنْ بلغه هذا، فما تكون حالي! فقال له: هذا الحرّانيّ وزير موسى وهذا خاتمه. قال: فقعد في فراشه، فقال: أشرْ عليّ، قال: فبينما هو يكلَمه إذ طلع رسول آخر، فقال: قد وُلد لك غلام، فقال: قد سمَّيْتُه عبد الله، ثم قال ليحيى: أشر عليّ، فقال: أشير عليك أن تقعد لحالك على إرمينيَة، قال: قد فعلت، ولا والله لا صليت بعيساباذ إلّا عليها، ولا صليت الظهر إلا ببغداد، وإلا ورأس أبي عصمة بين","vol":"11","page":175},{"text":"يديّ. قال: ثم لبس ثيابه، وخرج فصلّى عليه، وقدَّم أبا عصمة، فضرب عنقه، وشَدّ جُمَّته في رأس قناة، ودخل بها بغداد، وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين. فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ، فالتفت أبو عصمة إلى هارون، فقال له: مكانك حتى يجوز وليّ العهد، فقال هارون: السمع والطاعة للأمير، فوقف حتى جاز جعفر، فكان هذا سبب قتل أبي عصمة.\nقال: ولما صار الرشيد إلى كرسيّ الجسر دعا بالغوّاصين، فقال: كان المهديّ وهَب لي خاتمًا شراؤه مائة ألف دينار يسمّى الجبَل، فدخلتُ على أخي وهو في يدي، فلما انصرفتُ لحقني سليم الأسود على الكرسيّ. فقال: يأمرُك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم، فرميت به في هذا الموضع، فغاصوا، فأخرجوه، فسُرّ به غاية السرور.\nقال محمد بن إسحاق الهاشميّ: حذثني غير واحد من أصحابنا، منهم صبّاح بن خاقان التميميّ، أن موسى الهادي كان خلع الرشيد وبايع لابنه جعفر، وكان عبدُ الله بن مالك على الشُّرَط، فلما تُوُفِّيَ الهادي هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة، فأخذ جعفرًا من فراشه، وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليهم معهم السلاح، فقال: والله لأضربنَّ عنقك أو تخلَعها، فلما كان من الغدِ، ركب الناس إلى باب جعفر، فأتى به خزيمة، فأقامه على باب الدار في العُلوّ، والأبواب مغلقة، فأقبل جعفر ينادي: يا معشرَ المسلمين، منْ كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللتُه منها، والخلافة لعمِّي هارون، ولا حقّ لي فيها.\nوكان سببُ مشي عبد الله بن ملك الخُزاعيّ إلى مكّة على اللّبود، لأنه كان شاور الفقهاء في أيْمانه التي حلَف بها لبيعة جعفر، فقالوا له: كل يمين لك تخرج منها إلا المشي إلى بيت الله، ليس فيه حيلة. فحجّ ماشيًا. وحظيَ خزيمة بذلك عند الرّشيد.\nوذُكر أن الرشيد كان ساخطًا على إبراهيم الحرانيّ وسلّام الأبرش يوم مات موسى، فأمر بحبسهما وقبْض أموالهما، فحبِس إبراهيم عند يحمص بن خالد في دارِه، فكلّم فيه محمدُ بن سليمان هارونَ، وسأله الرضا عنه وتخليةَ سبيله، والإذن له في الانحدار معه إلى البصرة، فأجابه إلى ذلك.\n* * *","vol":"11","page":176},{"text":"وفيها قلَّد الرشيد يحيى بن خالد الوزارةَ، وقال له: قد قلّدتُك أمر الرّعيّة، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعملْ مَنْ رأيتَ، واعزل مَنْ رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. ودفع إليه خاتمه (١) ففي ذلك يقول إبراهيم الموصليّ:\nأَلمْ تَرَ أَن الشَّمْس كانتْ سَقيمةً ... فلمَا ولي هارونُ أَشْرَقَ نُورُها\nبيُمنِ أَمين اللهِ هارونَ ذي النَّدَى ... فهارونُ وَاليها وَيَحْيى وزيرُها (٢)\nوكانت الخيزُران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى يعرض عليها ويصدُر عن رأيها.\nوفيها أمر هارون بسهْم ذوي القربى، فقسّم بين بني هاشم بالسّوِيّة.\nوفيها آمن مَنْ كان هاربًا أو مستخفيًا، غير نفر من الزنادقة، منهم يونس بن فروة ويزيد بن الفيض.\nوكان ممّن ظهر من الطالبيين طبَاطبَا، وهو إبراهيم بن إسماعيل، وعليّ بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن.\nوفيها عزل الزشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنَّسرين، وجعلها حيّزًا واحدًا وسميت العواصم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك قدوم أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ مدينةَ السلام منصرِفًا عن خُراسان، وكان خاتمُ الخلافة حين قدم مع جعفر بن\n_________\n(١) هذه مسألة جدُّ خطيرة ولا بد من إسناد للخبر أو اتفاق مؤرخين أو ثلاثة من الثقات المتقدمين (على الأقل) لإثبات هذا القول والتفويض والله أعلم.\n(٢) الموصلي مغن لعّاب مترف (سير أعلام/ ٩/ ٨٠/ تر ٨٨) فلا يعتمد على شعره في توثيق الخبر.","vol":"11","page":177},{"text":"محمد بن الأشعث، فلما قدم أبو العباس الطوسي أخذه الرّشيد منه، فدفعه إلى أبي العباس، ثمّ لم يلبث أبو العباس إلّا يسيرًا حتى تُوُفِّيَ. فدفع الخاتم إلى يحيى بن خالد، فاجتمعت ليحيى الوزارتان.\nوفيها قتل هارون أبا هُرَيرة محمد بن فرّوخ - وكان على الجزيرة - فوجّه إليه هارون أبا حنيفة حَرْب بن قيس، فقدم به عليه مدينة السَّلام، فضرب عنقه في قصر الخُلْد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك شخوص الرّشيد فيها إلى مَرْج القلعة مرتادًا بها منزلًا ينزله.\n* ذكر السبب في ذلك:\nذكر أن الذي دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام، فكان يسميها البُخار، فخرج إلى مَرْج القلعة، فاعتلّ بها، فانصرف، وسُمّيت تلك السفرة سَفْرة المرتاد (١).\nوفيها وضع هارون عن أهل السواد العُشْر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>[ذكر خبر وفاة محمد بن سليمان]</span>\nفمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة، لليال بقين من جمادى الآخرة منها (٣).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٩٧].\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٩٧].\n(٣) انظر البداية والنهاية [٨/ ٩٧].","vol":"11","page":178},{"text":"وذُكِر أنّه لما مات محمد بن سليمان وجَّه الرشيد إلى كلّ ما خلَّفه رجلًا أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلّف من الصّامت من قبَل صاحب بيت ماله رجلًا، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرُش والرّقيق والدوابّ من الخيل والإبل، وإلى الطيِّب والجوهر وكلّ آلة برجلٍ من قِبَل الذي يتولّى كلّ صنف من الأصناف، فقدِموا البَصْرة، فأخذوا جميعَ ما كان لمحمد ممّا يصلح للخلافة، ولم يتركوا شيئًا إلا الخُرْثِيّ الذي لا يصلح للخلفاء، وأصابوا له ستّين ألف ألف، فحملوها مع ما حُمِل، فلما صارت في السُّفنُ أخبِر الرشيد بمكان السُّفن التي حملت ذلك، فأمر أن يُدْخَل جميعُ ذلك خزائنه إلا المال، فإنه أمر بصكاك فكُتبت للنُّدماء، وكتبت للمغنّين صِكاك صغار لم تُدَرْ في الديوان، ثم دفع إلى كلّ رجل صَكًّا بما رأى أن يَهَب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن، فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصِّكاك أجمع، لم يدخل منه بيتَ ما له دينار ولا درهم، واصطفى ضياعه، وفيها ضيعة يقال لها بَرَشيد بالأهواز لها غلَّة كثيرة.\nوذكر عليّ بن محمد، عن أبيه، قال: لما مات محمد بن سليمان أصيب في خِزانة لباسه مذ كان صبيًّا في الكُتَّاب إلى أن مات مقادير السنين، فكان من ذلك ما عليه آثار النِّقْس. قال: وأخرج من خِزانته ما كان يُهدَى له من بلاد السِّند ومُكران وكِرْمان وفارسَ والأهواز واليمامة والرّيّ وعُمان، من الألطاف والأدْهان والسّمك والحبوب والجبن، وما أشبه ذلك، ووجِد أكثره فاسدًا. وكان من ذلك خمسمائة كَنْعَدَة ألقيَتْ من دار جعفر ومحمد في الطريق، فكانت بلاءً. قال: فمكثنا حينًا لا نستطيع أن نمرّ بالمِرْبَد من نتنها (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>ذكر الخبر عن وقت وفاتها (الخيزُران)</span>\nذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدّثه، قال: رأيتُ الرّشيد يوم ماتت الخيزُران، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة، وعليه جُبة سعيديّة وطيلسان خَرِقٌ أزرق، قد شُدّ به وسطُه، وهو آخذ بقائمة السرير حافيًا يعدُو في الطين، حتى أتى مقابر قُريش فغسل رجليه، ثم دعا بخُفّ وصلّى عليها، ودخل قبرها، فلما خرج من\n_________\n(١) علي بن محمد هو النوفلي لم نجد له ترجمة وفي متون بعض مروياته نكارة.","vol":"11","page":179},{"text":"المقبرةُ وُضع له كرسيّ فجلس عليه، ودعا الفضل بن الربيع، فقال له: وحق المهديّ - وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد - إني لأهمّ لك من الليل بالشيء من التولية وغيره، فتمنعني أمي فأطيع أمرها، فخذ الخاتم من جعفر. فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صُبَيح: أنا أجلّ أبا الفضل عن ذلك، بأن أكتب إليه وآخذه، ولكن إن رأى أن يبعث به (١).\nقالَ: وولي الفضل نفقات العامة والخاصة وبادُوريا والكُوفة، وهي خمسة طساسيج، فأقْبَلَتْ حاله تنمى إلى سنة سبع وثمانين ومائة.\nوقيل إن وفاة محمد بن سليمان والخيزُران كانت في يوم واحد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان بالشأم من العصبيَّة فيها (٢).\nوفيها هلك رَوْح بن حاتم.\nوفيها خرج الرشيد إلى باقِرْدَى وبازَبْدَى، وبنى بباقِرْدَى قصرًا، فقال الشاعر في ذلك:\nبِقردَى وبَازَبْدَى مَصيفٌ ومَرْبَعٌ ... وعَذْبٌ يُحاكِي السلسبيلَ بَرودُ\nوبَغدادُ، ما بَغدادُ، أَمّا تُرابُها ... فَخُرْءٌ، وأَما حَرّها فَشَديدُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>[ذكر الخبر عن البيعة للأمين] </span>(٣)\nفمن ذلك عقْد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولايةَ عهد\n_________\n(١) هذا خبر منكر، ولم يكن الرشيد جاهلًا بالحلال والحرام إلى هذه الدرجة بحيث يقسم بحياة أبيه المهدي، ومن حوله وفي رعيته ذلك العدد الهائل من العلماء العاملين.\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٩٩].\n(٣) انظر الخبر والأبيات في المنتظم (٩/ ١٠)، والبداية والنهاية (٨/ ٩٩).","vol":"11","page":180},{"text":"المسلمين وأخذه له بذلك بيعة القوّاد والجند، وتسميته إياه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقال سلْم الخاسر:\nقد وفَّقَ اللهُ الخليفةَ إِذ بنى ... بيْتَ الخليفِةِ لِلْهجَانِ الأَزهَرِ\nفهو الخليفةُ عن أَبيه وجدِّهِ ... شَهدًا عَليه بِمَنظرٍ وبمخبرِ\nقد بايَعَ الثقلان في مهْدِ الهُدى ... لمحمَّدِ بن زُبَيْدَةَ ابنَةِ جعفر (١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1760> ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له:</span>\nوكان السبب في ذلك - فيما ذكر رَوْح مولى الفضل بن يحيى بن خالد - أنه رأى عيسى بن جعفر قد صار إلى الفضْل بن يحيى، فقال له: أنشِدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي - يعني محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور - فإنه ولدٌ لك وخلافته لك، فوعده أن يفعل، وتوجّه الفضل على ذلك، وكانت جماعة من بني العباس قد مدّوا أعناقَهم إلى الخلافة بعد الرشيد، لأنه لم يكن له وليّ عهد، فلما بايع له، أنكروا بيعتَه لصغر سنّه.\nقال: وقد كان الفضل لما تولّى خُراسان أجمع على البيعة لمحمد، فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضْل بن يحيى لمّا صار إلى خُراسان، فرّق فيهم أموالًا، وأعطى الجند أعطياتٍ متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له وسماه الأمين، فقال في ذلك النَّمري:\nأَمسَتْ بمروَ على التوفيقِ قد صَفَقَتْ ... على يدِ الفضل أَيدِي العُجْم والعربِ\nببيعةٍ لِوليّ العهد أحكَمَها ... بالنّصح منه وبالإشفاقِ والحدَبِ\nقَدْ وكَّد الفضلُ عقدًا لا انتقاض له ... لمصطفى من بني العباس مُنتَخَب\nقال: فلما تناهى الخبرُ إلى الرّشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق، بايع لمحمدٍ، وكتب إلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقيّ في ذلك:\nعَزَمْتَ أَمير المؤمنين على الْرُّشْدِ ... برَأيِ هُدىً، فالحمدُ للهِ ذِي الحمدِ\n* * *\n_________\n(١) المصدر السابق نفسه.","vol":"11","page":181},{"text":"وقال الواقديّ: الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح، قال: وأصابهم في هذه الغزاة برد قَطَع أيديَهم وأرجُلهم (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره (٢).\nذكر أبو حفص الكِرمانيّ، قال: كان أوّل خبر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب أنه ظهر بالدّيْلم، واشتدّت شوكته، وقويَ أَمرُه، ونزع إليه الناس من الأمصار والكُور، فاغتمّ لذلك الرّشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النّبيذ، فندب إليه الفضلَ بن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القوّاد، وولّاه كور الجبال والرَّيّ وجُرجان وطَبَرِستان وقومِس ودُنْبَاوند والرُّويان، وحُملت معه الأموال، ففرّق الكور على قوّاده، فولَّى المثنّى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طَبَرِستان، وولّى عليّ بن الحجاج الخُزأعيّ جُرجان، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعسكر بالنَّهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم فأكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرَّق فيهم أموالًا كثيرة. وشخص الفضلُ بن يحيى، واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين، تجرِي كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم، لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم. ثُّم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبِرّ واللطف والجوائز والخِلَع، فكاتب يحيى ورفَق به واستماله، وناشده وحذَّره، وأشار عليه، وبسط أمله، ونزل الفضل بطالَقان الريّ وَدسْتَبى بموضع يقال له أشبّ، وكان شديدَ البرد كثير الثلوج، ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقيّ:\nلَدُورُ أَمْسَ بالدُولا ... بِ حيثُ السِّيبُ يَنعرجُ\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ٩٩].\n(٢) انظر: المنتظم (٩/ ١٧)، والبداية والنهاية [٨/ ١٠٠].","vol":"11","page":182},{"text":"أحبُّ إليَّ مِنْ دور ... أَشَبَّ إِذا همُ ثَلَجُوا\nقال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواترَ كتبه على يحيى، وكاتب صاحب الدّيْلم، وجعل له ألف ألف درهم، على أن يسهّل له خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطِّه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسَرّه وعظُم موقعه عنده، وكتب أمانًا ليحيى بن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجِلّة بني هاشم ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن عليّ والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومَنْ أشبههم، ووجَّه به مع جوائز وكَرامات وهدايا، فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرّشيد بكلّ ما أحبّ، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقًا سنتة، وأنزله منزلًا سريًّا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيامًا، وكان يتولَّى أمرَه بنفسه، ولا يَكِلُ ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغايَة في إكرام الفضل، ففي ذلك يقول مَرْوان بن أبي حفصة:\nظَفِرتَ فلا شَلَّتْ يدٌ بَرْمَكيَّةٌ ... رَتَقْتَ بها الفَتْقَ الذي بين هاشِم\nعلى حين أَعْيَا الراتقينَ التِئامُهُ ... فكَفُّوا وقَالُوا لَيَس بالمتلائم\nفأَصْبَحْتَ قَد فازَتْ يداك بخُطَّةٍ ... من المجدِ باقٍ ذكرها في الْمَوَاسِم\nوما زالَ قِدْحُ المُلك يَخْرُجُ فائزًا ... لكمْ كلَّما ضُمَّتْ قِداحُ المُساهِمِ\nقال: وأنشدني أبو ثُمامة الخطيب لنفسه فيه:\nللفضل يومُ الطَّالَقَانِ وقبلهُ ... يومٌ أَناخَ بهِ على خاقانِ\nما مثلُ يَوْمَيْهِ اللَّذيْن تَواليَا ... في غَزْوَتَيْن تَوَالتَا يَوْمَان\nسَدَّ الثغُور وَردَّ أُلفَةَ هاشِمٍ ... بعدَ الشَّتاتِ، فَشَعْبُها مُتَدَان\nعصمَتْ حكومَتُهُ جَمَاعَةَ هاشِمٍ ... مِنْ أَنْ يُجَرَّد بينها سَيْفَان\nتِلْكَ الْحكومةُ لَا التي عن لَبْسها ... عَظُمَ النَّبَا وتفرّقَ الحكَمانِ\nفأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنّى إبراهيم به.\nوذكر أحمد بن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لما قدِم يحيى بن عبد الله من الدّيْلم أتيتُه، وهو في دار","vol":"11","page":183},{"text":"عليّ بن أبي طالب، فقلت: يا عمّ، ما بعدك مُخْبِر ولا بعدي مخْبَر، فأخبِرْني خبرَك، فقال: يا بن أخي، والله إن كنت إلَا كما قال حُيَيّ بن أخطب:\nلعمْركَ ما لام ابنُ أَخطَب نفسَهُ ... ولكنّهُ من يَخذُلِ اللهُ يُخذَل\nلجَاهَدَ حتى أَبلغَ النفس حَمْدَها ... وقلقلَ يَبغي العِزَّ كلَّ مقلقَل\nوذكر الضّبيّ أن شيخًا من النوفليّين، قال: دخلنا على عيسى بن جعفر، وقد وُضِعت له وسائد بعضها فوق بعض، وهو قائم متّكئ عليها، وإذا هو يضحك من شيء في نفسه، متعجِّبًا منه، فقلنا: ما الذي يُضحك الأمير أدام الله سروره! قال: لقد دخلني اليوم سرورٌ ما دخلني مثله قطّ، فقلنا: تمم الله للأمير سروره، وزاده سرورًا. فقال: والله لا أحدّثكم به إلا قائمًا - واتكأ على الفرش وهو قائم - فقال: كنت اليومَ عند أمير المؤمنين الرّشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله، فأخْرِج من السجن مكبَّلًا في الحديد، وعنده بكَّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكّار شديدَ البغض لآل أبي طالب، وكان يبلغ هارون عنهم، ويسيء بأخبارهم، وكان الرّشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم - قال: فلما دُعِيَ بيحيى قال له الرّشيد: هيهْ هيهْ! متضاحكًا، وهذا يزعم أيضًا أنا سممناه! فقال يحيى: ما معنى يزعم؟ ها هُو ذا لساني - قال: وأخرج لسانه أخضرَ مثل السِّلق - قال: فتربّد هارون! واشتدّ غضبُه، فقال يحيى: يا أميرَ المؤمنين، إن لنا قرابة ورحِمًا، ولسنا بتُرْكٍ ولا ديْلم، يا أمير المؤمنين، إنا وأنتم أهلُ بيت واحد، فأذكِّرك اللهَ وقرابتَنا من رسول الله - ﷺ -! علام تَحْبِسني وتعذّبني؟ قال: فرقّ له هارون، وأقبل الزُّبيري على الرّشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرّك كلام هذا، فإنه شاقٌّ عاصٍ، وإنما هذا منه مكر وخُبث، إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر فيها العصيان. قال: فأقبل يحيى عليه، فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال: أفسِد عليكم مدينتَكم! ومَنْ أَنتم عافاكم الله! قال الزّبيريّ: هذا كلامه قدّامك، فكيف إذا غاب عنك! يقول: ومَنْ أنتم! استخفافًا بنا. قال: فأقبل عليه يحيى، فقال: نعم، ومَنْ أنتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجرَ عبد الله بن الزّبير أمْ مهاجَر رسول الله - ﷺ -؟ ومَنْ أنت حتى تقول: أفسد علينا مدينتنا! وإنما بآبائي وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة. ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، إنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا،","vol":"11","page":184},{"text":"ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا، فوجدنا بذلك مقالًا فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالًا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفَضْل. يا أمير المؤمنين، فلمَ يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك، يسعى بهم عندك! إنه والله ما يَسعى بنا إليك نصيحةً منه لك، وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا، إنما يريد أن يباعِد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض. والله يا أميرَ المؤمنين، لقد جاء إليّ هذا حيث قُتِل أخي محمد بن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله! وأنشدني فيه مرثيةً قالها نحوًا من عشرين بيتًا، وقال: إن تحرَّكتَ في هذا الأمر فأنا أوّل مَنْ يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة، فأيدينا مع يدك!\nقال: فتغيّر وجه الزّبيريّ واسودّ، فأقبل عليه هارون، فقال: أيّ شيء يقول هذا؟ قال: كاذب يا أميرَ المؤمنين، ما كان ممّا قال حرف. قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال: تروِي القصيدةَ التي رثاه بها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله! قال: فأنشدها إياه، فقال الزّبيريّ: والله يا أميرَ المؤمنين الذي لا إله إلا هو - حتى أتى على آخر اليمين الغَمْوس - ما كان مما قال شيء، ولقد تقوّل عليّ ما لم أقل. قال: فأقبل الرّشيد على يحيى بن عبد الله، فقال: قد حلَف، فهل من بيّنة سمعوا هذه المرثية منه؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أستحلفه بما أريد، قال: فاستحلفْه، قال: فأقبل على الزبيريّ، فقال: قل: أنا بريء من حوْل الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتي، إن كنت قلتُه. فقال الزبيريّ: يا أميرَ المؤمنين، أيّ شيء هذا من الحلف! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو، ويستحلفني بشيء لا أدري ما هو! قال يحيى بن عبد الله: يا أميرَ المؤمنين، إن كان صادقًا فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به! فقال له هارون: احلِفْ له ويلك! قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتي، قال: فاضطرب منها وأرعِد، فقال يا أميرَ المؤمنين، ما أدري أيّ شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت له بالعظيم أعظم الأشياء! قال: فقال هارون له: لتحلفنّ له أو لأصدّقنّ عليك ولأعاقبنَّك، قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته، موكّل إلى حولي وقوّتي إن كنت قلته. قال: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج، فمات من ساعته.","vol":"11","page":185},{"text":"قال: فقال عيسى بن جعفر: والله ما يسرّني أن يحيى نقصه حرفًا ممّا كان جرى بينهما، ولا قصّر في شيء من مخاطبته إياه.\nقال: وأما الزبيريّون فيزعمون أن امرأته قتلته، وهي من ولد عبد الرحمن بن عوف (١).\nوذكر إسحاق بن محمد النَّخعيّ أنّ الزبير بن هشام حدّثه عن أبيه، أن بكّار بن عبد الله تزوّج امرأةً من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان له من قلبها موضع، فاتّخذ عليها جارية، وأغارها، فقالت لغلامين له زِنجييّن: إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق - ولاطَفتْهما - فتعاوناني على قتله؟ قالا: نعم، فدخلتْ عليه وهو نائم، وهما جميعًا معها، فقعدا على وجهه حتى مات. قال: ثم إنها سقتهما نبيذًا حتى تهوّعا حول الفراش، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنِّينة، فلما أصبح اجتمع أهلُه، فقالت: سكر فقاء فشرِق فمات. فأخِذ الغلامان، فضُرِبا ضربًا مبرّحًا، فأقرّا بقتله، وأنّها أمرتهما بذلك، فَأخرِجت من الدار ولم تُوَرّثْ.\nوذكر أبو الخطاب أنّ جعفر بن يحيى بن خالد حدّثه ليلة وهو في سَمَرِه، قال: دعا الرّشيد اليومَ بيحيى بن عبد الله بن حسن، وقد حضره أبو البختريّ القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان؟ أصحيح هو؟ قال: هو صحيح، فحاجّه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع بالأمان؟ لو كان محاربًا ثم وُلِّيَ كان آمنًا. فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم سأل أبا البختريّ أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختريّ: هذا منتقَض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة، وأنت أعلم بذلك، فمزّق الأمان، وتفل فيه أبو البختريّ - وكان بكّار بن عبد الله بن مصعب حاضرًا المجلس - فأقبل على يحيى بن عبد الله بوجْهِه، فقال: شققتَ العصا، وفارقت الجماعة، وخالفت كلمتنا، وأردت خليفتنا، وفعلت بنا وفعلت. فقال يحيى: ومَنْ أنتم رحمكم الله! قال جعفر: فوالله ما تمالَك الرشيد أن ضحك ضحكًا شديدًا. قال: وقام يحيى ليمضي إلى الحبس، فقال له الرّشيد: انصرف،\n_________\n(١) لا تثبت هذه الأمور بمثل هذه الأسانيد.","vol":"11","page":186},{"text":"أما تروْن به أثر علة! هذا الآن إن مات قال الناس: سَمّوه. قال يحيى: كلّا ما زلتُ عليلًا منذ كنت في الحبس، وقبل ذلك أيضًا كنت عليلًا. قال أبو الخطاب: فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهرًا حتى مات (١).\nوذكر أبو يونس إسحاق بن إسماعيل، قال: سمعتُ عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ، الذي يعرف بالخطيب، قال كنتُ يومًا على باب الرّشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم من الجُنْد والقُوّاد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده، قال: فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي، فقال له: ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إليّ، فقال: ادخل، فدخلتُ فإذا أنا بالرّشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إليّ أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد، فاستأذنتُ لك لكثرةِ مَنْ رأيتُ حضر الباب، فإذا دخلتَ هذا المدخل زادك ذلك نُبْلًا عند الناس. فما مكثنا إلا قليلًا حتى جاء الفضل بن الربيع، فقال: إن عبد الله بن مصعب الزبيريّ يستأذن في الدخول، فقال: إنِّي لا أريد أن أدخِل اليوم أحدًا، فقال: قال: إنّ عندي شيئًا أذكره. فقال: قل له يَقُلْهُ لك، قال: قد قلت له ذلك، فزعم أنه لا يقوله إلّا لك، وقال: أدخِله. وخرج ليُدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها، وأقبل عليّ أبي، فقال: إنّه ليس عنده شيء يذكره، وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم مَنْ على الباب أنّ أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصّة خُصِصنا بها، وإنما أدخلنا لأمرٍ نُسأل عنه كما دخل هذا الزبيريّ.\nوطلع الزّبيريّ، فقال: يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره، فقال له: قل، فقال له: إنه سرٌّ، فقال: ما من العباس سِرّ، فنهضت، فقال: ولا منك يا حبيبي، فجلست، فقال: قُلْ، فقال: إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التي تنام معه، وخادمه الذي يناوله ثيَابه وأخصّ خلق الله به من قوّاده، وأبعدهم منه. قال: فرأيتُه قد تغيّر لونه، وقال: مماذا؟ قال: جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يبقِ على بابك أحدًا إلا وقد أدخله في الخلاف عليك. قال: فتقول له هذا في وجهه! قال: نعم، قال الرشيد: أدخِلْه، فدخل، فأعاد القول\n_________\n(١) لا تثبت هذه المحاورة بإسناد فتكون في شخص واحد لم يلق الطبري ولم يحضر هو هذه الجلسة. والحمد لله على نعمة الإسناد.","vol":"11","page":187},{"text":"الذي قاله له، فقال يحيى بن عبد الله: والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقلّ منك فيمن هو أكبر مني، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدًا، ولي رحِم وقرابة، فلم لا تؤخّر هذا الأمر ولا تعجّل، فلعلك أن تكفى مؤنتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحِمك من حيث لا تعلمه! أباهِلُهُ بين يديك وتصبر قليلًا. فقال: يا عبد الله، قم فصلِّ إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلَّى ركعتين خفيفتين، وصلى عبد الله ركعتين، ثم برَك يحيى، ثم قال: ابْرُك، ثم شبّك يمينَه في يمينه، وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني دعوتُ عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا - ووضع يده عليه، وأشار إليه - فاسحتْني بعذاب من عندك وكِلْني إلى حوْلي وقوّتي، وإلا فكِله إلى حَوْله وقوّته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين ربّ العالمين. فقال عبد الله: آمين ربّ العالمين، فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: قل كما قلت، فقال عبدُ الله: اللهمّ إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعُني إلى الخلاف على هذا فكِلْني إلى حولي وقوّتي واسحتني بعذاب من عندك، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من عندك. آمين رب العالمين! .\nوتفرّقا، فأمر بيحيى فحبِس في ناحية من الدار، فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي، فقال: فعلتُ به كذا وكذا، وفعلتُ به كذا وكذا، فعدد أياديه عليه، فكلّمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور، خوفًا على نفسه، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا. فدخلت مع أبي أنزعُ عنه لباسَه من السواد - وكان ذلك من عادتي - فبينما أنا أحلّ عنه منطقته، إذ دخل عليه الغلام، فقال: رسولُ عبد الله بن مصعب، فقال أدخِلْه، فلما دخل قال له: ما وراءك؟ قال: يقول لك مولاي، أنشدك الله إلّا بلغتَ إليّ! فقال أبي للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت، وقد وجّهتُ إليك بعبد الله، فما أردتَ أن تلقيَه إليّ فألقه إليه، وقال للغلام: اخرج فإنه يخرج في أثرك، وقال لي: إنّما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك، فإن أعَنْتُه قطعت رحِمي من رسول الله - ﷺ -، وإن خالَفته سعى بي، وإنما يتدرّق الناس بأولادهم، ويتّقون بهم المكاره، فاذهب إليه، فكلّ ما قال لك فليكنْ جوابك له أخْبِرُ أبي، فقد وجّهتك وما آمن عليك، وقد كان قال لي أبي حين انصرفنا - وذاك أنا احتبسنا","vol":"11","page":188},{"text":"عند الرّشيد: أمَا رأيتَ الغلام المعترض في الدّار! لا والله ما صُرِفْنا حتى فرغ منه - يعني يحيى - إنا لله وإنا إليه راجعون! وعند الله نحتسب أنفسنا. فخرجت مع الرسول، فلما صرْتُ في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدُم عليه، قلت للرسول: ويحك! ما أمْرُه! وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت! فقال: إنّه لما جاء من الدار، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطني بطني! ! .\nقال عبد الله بن عباس: فما حفلتُ بهذا الكلام من قوِل الغلام، ولا التفت إليه، فلما صرنا على باب الدرب - وكان في درب لا منفذ له - فتح البابين، فإذا النّساء قد خرجْنَ منشوراتِ الشعور محْتزمات بالحبال، يلطمن وجوههنّ وينادين بالوَيْل، وقد مات الرجل، فقلت: والله ما رأيتُ أمرًا أعجبَ من هذا! وعطفت دابَتي راجعًا أركض ركضًا لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية، والغلمان والحشَم ينتظرونني لتعلُّق قلب الشيخ بي، فلما رأوْني دخلوا يتعادَوْن، فاستقبلني مرعوبًا في قميصٍ ومنديل، ينادي: ما وراءك يا بني؟ قلت: إنه قد مات، قال: الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيّانا منه، فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرّشيد يأمر أبي بالركوب وإيّاي معه. فقال أبي ونحن في الطريق نسير: لو جاز أن يُدَّعى ليحيى نبوّة لادّعاها أهلُه، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا والله ما نشكّ في أنه قد قتل. فمضينا حتى دخلنا على الرِّشيد، فلما نظر إلينا قال: يا عباس بن الحسن، أما علمت بالخبر؟ فقال أبي: بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووَقاك الله يا أمير المؤمنين قَطْع أرحامِك. فقال الرّشيد: الرجل والله سليم على ما يحبّ، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبينُ الارتياع في الشيّخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدّوك الجبار! قال: الحمدُ لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوّه عليّ، وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أميرَ المؤمنين، لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلحُ له وأريده فكيف ولَسْتُ بطالب له ولا مُريده، ولو لم يكن الظفر به إلّا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقوّيت به عليك أبدًا! وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبتَ له عشرة آلاف درهم، ثم طمع منّي في زيادة تمرة لباعَك بها. فقال: أمّا العباسيّ فلا تقل له إلا خيرًا، وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم.","vol":"11","page":189},{"text":"قال أبو يونس: كان هارون حبَسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>[ذكر الفتنة بين اليمانية والنزارية] </span>(١)\nوفي هذه السنة، هاجت العصبيّة بالشأم بين النزارّية واليمانية، ورأس النزاريّه يومئذ أبو الهيذام.\n* ذكر الخبر عن هذه الفتنة:\nذُكر أن هذه الفتنة هاجت بالشأم وعامل السلطان بها موسى بن عيسى، فقتِل بين النزاريّة واليمانية على العصبيّة من بعضهم لبعض بشر كثير، فولّى الرشيدُ موسى بن يحيى بن خالد الشأم، وضمّ إليه من القوّاد والأجناد ومشايخ الكتّاب جماعة. فلما ورد الشأم أحِلَّتْ لدخوله إلى صالح بن عليّ الهاشمي، فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرُها، فانتهى الخبر إلى الرّشيد بمدينة السلام، وردّ الرّشيد الحكم فيها إلى يحيى، فعفا عنهم، وعمّا كان بينهم، وأقدمهم بغداد، وفي ذلك يقول إسحاق بن حسان الخُزيميّ:\nمَنْ مُبْلِغٌ يحيى ودون لقائهِ ... زأراتُ كلِّ خنابِسٍ هَمْهامِ\nيا راعيَ الإِسْلامِ غيرَ مُفَرِّطٍ ... في لِين مُغْتَبَطٍ وَطِيبِ مَشامِ\nتَعذَى مَشارِبهُ وتُسْقَى شربةً ... وَيَبيتُ بالرَّبَوات والأَعلام\nحتى تَنخَنَخَ ضاربًا بجِرَانهِ ... ورَسَتْ مَراسيهِ بدار سلام\nفلكلّ ثَغر حارِسٌ من قلبهِ ... وَشُعاعُ طَرفٍ ما يُفَتَّرُ سام\nوقال في موسى غيرُ أبي يعقوب:\nقد هاجَت الشأمُ هَيْجًا ... يُشيب راسَ وَليدهْ\nفَصُبَّ موسى عليها ... بخيله وجُنُودِهْ\nفَدانَتِ الشأمُ لمّا ... أَتى نسيجَ وَحيدهْ\nهو الجوادُ الذي ... بُذَّ كلُّ جُودٍ بجودِهْ\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ١٨)، والبداية والنهاية [٨/ ١٠٠].","vol":"11","page":190},{"text":"أَعداهُ جودُ أَبيه ... يحيى وجودُ جُدوده\nفجادَ مُوسَى بن يحيى ... بطارفٍ وتَليدِه\nوَنالَ موسى ذرا المجـ ... دِ وَهوَ حَشوُ مُهُودِه\nخصصْتُهُ بمَديحي ... مَنثورِهِ وقَصيدِهْ\nمِنَ البرامك عودٌ ... له فأَكرِمْ بِعُودِهْ\nحووْا على الشعر طُرًّا ... خفيفِهِ ومَديدِهْ\nوفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خُراسان، وولّاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخُزاعيّ، وكان حمزة يلقب بالعروس.\n* * *\nوفيها ولّى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولّاها عمر بن مِهران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفرًا مصر وتولية جعفر عمر بن مهران إياها </span>(١)\nذكر محمد بن عمر أنّ أحمد بن مهران حدّثه أنّ الرّشيد بلغه أن موسى بن عيسى عازم على الخلْع - وكان على مصر - فقال: والله لا أعزله إلا بأخسّ مَنْ على بابي. انظروا لي رجلًا، فذكر عمر بن مِهْران - وكان إذ ذاك يكتب للخيزران، ولم يكتب لغيرها، وكان رجلًا أحوَل مشوَّه الوجه، وكان لباسه لباسًا خسيسًا، أرفعُ ثيابه طيلسانُه، وكانت قيمته ثلاثين درهمًا، وكان يشمِّر ثيابه ويقصّر أكمامه، ويركب بغلًا وعليه رَسَنٌ ولجام حديد، ويُردف غلامه خلفه - فدعا به، فولّاه مصر، خراجَها وضياعَها وحَرْبَها. فقال: يا أمير المؤمنين أتولّاها على شريطة، قال: وما هي؟ قال: يكون إذني إليّ، إذا أصلحتُ البلاد انصرفتُ. فجعل ذلك له، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى، فكان يتوقع قدومه، فدخل عمر بن مهران\n_________\n(١) انظر تعليقنا (٨/ ٢٥٤/ ١).","vol":"11","page":191},{"text":"مصرَ على بغل، وغلامه أبو دُرّة على بغل ثقل، فقصد دار موسى بن عيسى والنّاسُ عنده، فدخل فجلس في أخْرَيات الناس، فلما تفرّق أهلُ المجلس، قال موسى بن عيسى لعمر: ألك حاجة يا شيخ؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير! ثم قام بالكتب فدفعها إليه، فقال: يقدم أبو حفص، أبقاه الله! قال: فأنا أبو حفص، قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم، قال: لعن الله فرعون حين يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (١)، ثم سلّم له العمل ورحَل، فتقدّم عمر بن مهران إلى أبي دُرّة غلامه، فقال له: لا تقبل من الهدايا إلّا ما يدخل في الجِراب، لا تقبل دابّة ولا جارية ولا غلامًا، فجعل الناس يبعثون بهداياهم، فجعل يردّ ما كان من الألطاف، ويقبل المال والثياب، ويأتي بها عمر، فيوقّع عليها أسماء مَنْ بعث بها، ثم وضع الجباية، وكان بمصر قومٌ قد اعتادوا المطْل وكَسْر الخراج، فبدأ برجل منهم، فلوَاه، فقال: والله لا تؤدي ما عليك من الخراج إلّا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قال: فأنا أؤدي، فتحمّل عليه، فقال: قد حلفتُ ولا أحنث، فأشخصه مع رجلين من الجند - وكان العمّال إذ ذاك يكاتبون الخليفة - فكتب معهم إلى الرشيد: إنّي دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج، فلواني واستنظرني، فأنظرته ثم دعوته، فدافع ومال إلى الإلطاط، فآليت ألا يؤدِّيَه إلا في بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بن فلان وفلان بن فلان، من جند أمير المؤمنين، من قيادة فلان بن فلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليّ بوصوله فعل إن شاء الله تعالى.\nقال: فلم يلوه أحدٌ بشيء من الخراج، فاستأدى الخراج، النّجم الأول والنجم الثاني، فلما كان في النّجم الثالث، وقعت المطالبة والمطْل، فأحضر أهل الخراج والتّجار فطالبهم، فدافعوه وشكوْا الضِّيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا التي بُعث بها إليه، ونظر في الأكياس وأحضر الجِهبْذ، فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها، ثم دعا بالأسفاط، فنادى على ما فيها، فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها. ثم قال: يا قوم، حفظت عليكم هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها، فأدُّوا إلينا ما لنا، فأدّوْا إليه حتى أغلق مال مصر، فانصرف ولا يُعلم أنه\n_________\n(١) [الزخرف: ١].","vol":"11","page":192},{"text":"أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل، وأبو درّة على بغل - وكان إذنه إليه (١).\n* * *\nوغزا الصائفةَ في هذه السنة عبدُ الرحمن بن عبد الملك، فافتتح حصنًا (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوكان فيها - فيما ذكر الواقديّ - ريح وظلمة وحُمرة ليلة الأحد لأربع ليالٍ بقين من المحرّم، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتَا من المحرَّم من هذه السنة، ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك وثوب الحوْفيَّة بمصر؛ من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاقَ بن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرّشيد إليه هرثمَة ابن أعيَن في عدّة من القواد المضمومين إليه مددًا لإسحاق بن سليمان؛ حتى أذعن أهل الحَوْف، ودخلوا في الطاعة، وأدّوْا ما كان عليهم من وظائف السّلطان - وكان هرثمة إذ ذاك عامِلَ الرشيد على فِلسطين - فلما انقضى أمر الحَوْفيَّة صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر، وولّاها هرثمة نحوًا من شهر، ثم صرفه وولّاها عبد الملك بن صالح (٤).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل ذكره الطبري من طريق الواقدي (محمد بن عمر وهو متروك على سعة علمه، ولم نجد لهذه التفاصيل ما يؤيدها من مصدر متقدم ثقة، والله أعلم.\n(٢) بينما قال خليفة: ولم تك صائفة (تأريخ خليفة).\n(٣) وقد ذكر ابن كثير هذا الخبر مختصرًا ونسبه إلى الواقدي [البداية والنهاية ٨/ ١٠٣].\n(٤) انظر المنتظم (٩/ ٣٥).","vol":"11","page":193},{"text":"وفيها كان وثوب أهل إفريقيّة بعبدويه الأنباريّ ومَنْ معه من الجند هنالك، فقتِل الفضل بن رَوْح بن حاتم، وأُخرِج مَن كان بها من آل المهلّب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين، فرجعوا إلى الطاعة.\nوقد ذكر أن عبدويه هذا لمَّا غلب على إفريقيّة، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعُه، ونزع إليه الناس من النواحي، وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك، فوجَّه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زيَّاد كاتبه؛ فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعِدَة حتى قبل الأمان، وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد، فوفى له يحيى بما ضمِن له وأحسن إليه، وأخذ له أمانًا من الرشيد، ووصله ورأّسه.\nوفي هذه السنة فوّض الرشيد أمورَه كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>[ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بها]</span>\nوفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خُراسان واليًا عليها، فأحسنَ السيرة بها، وبنى بها المساجد والرِّباطات. وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشر وسَنة؛ وكان ممتنعًا (٢).\nوذكر أن الفضل بن يحيى اتّخذ بخراسان جندًا من العجم سماهم العباسيّة، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدّتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسمُّوا ببغداد الكرَنبيَّة، وخلّف الباقي منهم بخُراسان على أسمائهم ودفاترهم؛ وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:\nما الفضلُ إِلا شهابٌ لا أفولَ له ... عندَ الحروب إِذا ما تَأفُلُ الشُّهُبُ\nحَامٍ على مُلكِ قومِ عزّ سَهْمُهُمُ ... منَ الوراثةِ في أَيديهمُ سببُ\nأَمستْ يَدٌ لبني ساقِي الحجيج بِها ... كتائبٌ ما لها في غيرهم أَرَبُ\n_________\n(١) هذا أمر جدّ خطير ومبالغ فيه ولا بُدَّ من ذكره بإسناد على الأقل يتفق عليه مؤرخان ثقتان من المتقدمين ولم يحصل ذلك فيما نعلم، والله تعالى أعلم.\n(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٣].","vol":"11","page":194},{"text":"كتائبٌ لبني العباسِ قد عَرَفَت ... ما أَلَّفَ الفضلُ منها العجْمُ والعرَب\nأَثبَتَّ خمسَ مئين في عِدادهم ... من الأُلوفِ التي أَحْصت لك الكتب\nيُقارعون عن القومِ الذين هُمُ ... أَولى بأَحمَدَ في الفرقان إِن نُسِبوا\nإِن الجوادَ ابن يحيى الفضلَ لا ورِقٌ ... يبقى على جُود كفَّيْهِ ولا ذهبُ\nما مرّ يوم له مُذ شد مِئزَرَهُ ... إِلّا تَمَوّلَ أَقوام بما يَهبُ\nكم غايةٍ في الندى والبأْسِ أحرَزَها ... للطّالبينَ مدَاها دونها تَعَبُ\nيعطِي اللُّهَى حِينَ لا يُعطِي الجَوادُ وَلا ... يَنْبو إِذا سُلَّتِ الْهِنْدِيَّةُ القُضُب\nوَلا الرِّضا والرِّضَا لله غايَتُه ... إِلى سِوى الحَقِّ يَدْعوهُ وَلا الغَضَبُ\nقَدْ فاضَ عُرْفُك حتى ما يُعادِلهُ ... غَيْثٌ مُغيث وَلا بَحرٌ له حَدَبُ\nقال: وكان مرْوان بن أبي حفصة قد أنشد الفضلَ في معسكره قبل خروجه إلى خراسان:\nأَلم تَرَ أَنَّ الجودَ مِنْ لدْن آدَمٍ ... تَحَدَّرَ حَتى صارَ في راحَةِ الفَضلِ\nإِذا ما أَبو العَبّاسِ راحت سَماؤُه ... فيا لكَ مِنْ هَطْل ويَا لكَ مِنْ وَبْل\nإِذا أمُّ طِفلٍ راعَها جوعُ طِفلِها ... دَعَتُهُ بإِسْمِ الفَضلِ فاستَعصمَ الطفل\nليحْيَا بِكَ الإِسلامُ إِنَّكَ عِزُّهُ ... وَإِنَّكَ مِن قَومٍ صغيرُهُمُ كهْلُ\nوذكر محمد بن العباس أن الفضل بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم، وكساه وحمله على بغلة. قال: وسمعته يقول: أصَبتُ في قَدْمَتي هذه سبعمائة ألف درهم. وفيه يقول:\nتخَيَّرْتُ للمدْح ابنَ يحيى بْن خالدِ ... فحَسْبي وَلم أَظلِمْ بِأَنْ أَتَخيَّرا\nله عادَةٌ أَنْ يَبْسُطَ العَدْلَ والنَّدَى ... لِمَن ساسَ من قحطانَ أَوْ مَنْ تَنَزّرا\nإِلى المِنبَرِ الشرقيِّ سارَ وَلم يزَلْ ... له وَالدٌ يَعلو سَريرًا وَمِنبَرَا\nيُعَدُّ ويَحيى البَرْمكيّ وَلا يُرَى ... لَدَى الدَّهْرِ إِلا قائدًا أَو مُومَّرا\nومدحه سلْم الخاسر، فقال:\nوَكَيفَ تخافُ مِن بؤسٍ بدارٍ ... تَكَنَّفَها البَرامكَةُ البُحُورُ\nوقَوْمٌ مِنهُمُ الفَضلُ بْنُ يحيى ... نَفيرٌ مَا يُوازنُهُ نَفيرُ\nلهُ يومانِ: يَوْم ندىً وبأْسٍ ... كأَنَّ الدَّهْرَ بَينَهُما أَسيرُ\nإِذا ما البَرْمَكِيُّ غدَا ابنَ عَشرٍ ... فَهِمَّتُهُ وَزيرٌ أَوْ أَميرُ","vol":"11","page":195},{"text":"وذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى إلى خُراسان وهو كاره للخروج، فأحفظ ذلك الفضلَ عليه. قال إبراهيم: فدعاني يومًا بعد ما أغفلني حينًا، فدخلت عليه؛ فلما صرت بين يديْه سلّمت، فما ردّ عليّ، فقلت في نفسي: شَرّ والله - وكان مضطجعًا، فاستوى جالسًا - ثم قال: ليفرخْ روْعك يا إبراهيم، فإنّ قدرتي عليك تمنعني منك؛ قال: ثم عقد لي على سجِسْتان، فلمّا حملت خراجها، وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم. قال: وكان إبراهيم على شُرَطه وحَرَسه، فوجّهه إلى كابُل، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة.\nقال: وحدّثني الفضل بن العباس بن جبريل - وكان مع عمه إبراهيم - قال: وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيّين استزار الفضلَ ليريَه نعمته عليه، وأعدّ له الهدايا والطرَف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار.\nقال: فلما قعد الفضل بن يحيى قدّم إليه الهدايا والطُّرَف، فأبى أن يقبل منها شيئًا، وقال له: لم آتك لأسلُبَك، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير، قال: ولك عندنا مزيد، قال: فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطًا سِجزيًّا، وقال: هذا من آلة الفرسان، فقال له: هذا المال من مال الخراج، فقال: هو لك، فأعاد عليه، فقال: أما لك بيت يسعه! فسوّغه ذلك، وانصرف.\nقال: ولما قدم الفضل بن يحيى من خُراسان خَرج الرّشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقّاه بنو هاشم والناس من القوّاد والكتَّاب والأشراف، فجعل يصلُ الرجل بالألف ألف وبالخمسمائة ألف، ومدحه مرْوان بن أبي حفصة، فقال:\nحَمِدنا الذي أَدَّى ابْنُ يَحيىَ فأَصْبَحَتْ ... بِمَقَدمِهِ تجري لنا الطَّيْرُ أَسْعُدا\nوما هَجَعَتْ حتى رَأَتْهُ عُيونُنا ... ومَا زِلنَ حتى آبَ بالدَّمْع حُشَّدا\nلقَدْ صبَحَتْنا خَيلُهُ وَرجالُهُ ... بأَرْوَعَ بَذَّ الناسَ بأْسًا وَسُودَدا\nنفَى عَن خُراسانَ العَدُوَّ كما نَفى ... ضُحَى الصبْح جِلْبابَ الدجَى فَتَعَرَّدَا\nلقَدْ راعَ مَن أَمسَى بمَرْوَ مسيرُهُ ... إِلَينا، وقالوا شَعْبُنا قد تبَدّدا","vol":"11","page":196},{"text":"عَلَى حين أَلقَى قُفْلَ كلِّ ظلامَةٍ ... وَأَطْلَقَ بالعَفْوِ الأَسيرَ المقَيَّدَا\nوأَفْشى بِلَا مَنٍّ مع العَدْلِ فيهمُ ... أَيادِيَ عُرْفٍ باقِياتٍ وَعوَّدا\nفأَذهَبَ رَوْعاتِ المخاوفِ عنْهُمُ ... وَأَصْدَرَ باغي الأَمْنِ فيهِمْ وَأَورَدا\nوَأَجْدَى على الأَيتام فيهمْ بِعُرفِهِ ... فكانَ مِنَ الآباء أَحْنَى وَأَعْوَدا\nإذا الناسُ رَامُوا غايَةَ الفَضل في النَّدَى ... وَفِي البأْس أَلفَوْها مِنَ النَّجْمِ أَبْعَدا\nسما صاعِدًا بِالفَضل يحيى وخالدٌ ... إِلى كلِّ أَمر كانَ أَسْنَى وَأَمْجَدا\nيَلين لِمَنْ أَعطى الخَليفَةَ طاعَةً ... ويُسْقِي دمَ العاصِي الحسامَ المهنّدَا\nأَذلَّتْ معَ الشّرْكِ النّفاقَ سُيوفُهُ ... وَكانَتْ لأَهلِ الدّينِ عزًّا مُؤبَّدا\nوَشدَّ القُوَى مِن بَيْعةِ المُصْطَفى الذي ... على فضلِهِ عَهْدَ الخليفَة قُلِّدَا\nسميُّ النَّبيِّ الفاتحِ الخاتِم الذي ... بِهِ اللهُ أَعطى كلَّ خَيْر وَسَدَّدا\nأَبَحْتَ جِبالَ الكابُلِيّ ولم تَدَعْ ... بِهنَّ لِنيرانِ الضَّلالَةِ مُوقَدا\nفأَطْلَعتَها خَيْلًا وطِئنَ جُموعَهُ ... قتِيلًا ومَأْسورًا وَفَلًّا مُشرَّدا\nوعادَت على ابنْ البَرْم نَعمَاكَ بعدَما ... تحَوَّبَ مخذولًا يَرَى المَوتَ مُفردا\nوذكر العباس بن جرير، أن حفص بن مسلم - وهو أخو رزام بن مسلم، مولى خالد بن عبد الله القسريّ - حدّثه أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى مقدَمه خُراسان، وبين يديه بِدَرٌ تُفرّق بخواتيهما، فما فُضَّت بَدْرة منها، فقلت:\nكفى اللهُ بِالفضل بن يحيى بن خالدٍ ... وَجُودِ يدَيهِ بَخْلَ كلِّ بخيل\nقال: فقال لي مرْوان بن أبي حفصة: وددتُ أنِّي سبقتك إلى هذا البيت، وأن عليّ غرم عشرة آلاف درهم.\n* * *\nوغزا فيها الصّائفة معاوية بن زُفَر بن عاصم، وغَزا الشَّاتية فيها سليمان بن راشد، ومعه البيد بِطْريق صِقِلّيّة (١).\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية (٨/ ١٠٣).","vol":"11","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1767>ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها شَرِيَ بخُراسان حمزة بن أترك السجستانيّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>[ذكر الخبر عن العصبية التي هاجت بالشام]</span>\nفمما كان فيها من ذلك، العصبيّة التي هاجت بالشأم بين أهلها (٢).\n* ذكر الخبر عما صار إليه أمرها:\nذُكر أن هذه العصبيَّة لما حدثت بالشأم بين أهلها، وتفاقم أمرُها، اغتمّ بذلك من أمرهم الرّشيد، فعقد لجعفر بن يحيى على الشأم، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقِيك بنفسي؛ فشخص في جِلَّة القوّاد والكُراع والسِّلاح، وجعل على شُرَطه العباس بن محمد بن المسيّب بن زهير، وعلى حَرَسه شبيب بن حُميد بن قحطبة، فأتاهم فأصلح بينهم؛ وقتل زواقيلهم، والمتلصّصة منهم، ولم يَدَعْ بها رُمحًا ولا فرسًا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة؛ وأطفأ تلك النائرة، فقال منصور النمَريّ لما شخص جعفر:\nلقَدْ أُوقِدَت بِالشأم نيران فِتْنَةٍ ... فهذَا أَوانُ الشأْمِ تُخْمدُ نارُها\nإذا جاشَ مَوْجُ البحر مِنْ آل بَرْمكٍ ... عليها، خَبَتْ شُهْبانها وشَرَارُها\nرماها أَميرُ المؤمنينَ بجعفرٍ ... وَفيهِ تَلاقَى صَدْعها وانجبارُها\nرَماها بميمونِ النَّقيبةِ ماجد ... تَراضَى به قَحْطانُها وَنِزارُها\n_________\n(١) لم يذكر الخبر خليفة ولا البسوي وانظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٤] وشري: أي صار من الشُّراة (الخوارج).\n(٢) انظر المنتظم [٩/ ٤٦].","vol":"11","page":198},{"text":"تَدَلَّتْ عَليهمْ صَخْرة بَرْمكيَّةٌ ... دَموغٌ لهامِ الناكِثينَ انحدارُها\nغَدوْتَ تُزجّي غابَةً في رُؤوسها ... نجومُ الثرَيَّا والمنايا ثِمارُها\nإِذا خَفَقَتْ رَاياتها وتجَرَّسَتْ ... بها الرِّيحُ هال السَّامعينَ انْبهارُها\nفقولوا لأَهلِ الشأمِ: لا يَسْلُبَنَّكُم ... حجاكُمْ طَويلاتُ المُنَى وَقِصارها\nفإنَّ أَميرَ المُؤمنينَ بنفسِه ... أَتاكُمْ وإلا نَفْسَهُ فَخِيارُها\nهو المَلِكُ المأْمولُ لِلْبرِّ والتُّقَى ... وَصَوْلاتُه لا يُسْتَطاعُ خِطارُها\nوزيرُ أَمير المؤمنينَ وسَيْفُهُ ... وَصَعْدَتُه والحَرْبُ تَدْمى شِفارُها\nوَمَنْ تُطوَ أَسْرَارُ الخَليفَةِ دونَهُ ... فَعِنْدَكَ مَأواها وَأَنْتَ قَرارُها\nوَفَيْتَ فلَمْ تَغدِرْ لقَوْمٍ بِذِمّةٍ ... وَلمْ تَدْنُ مِنْ حالٍ يَنالكَ عارُها\nطَبيبٌ بإِحياءِ الأُمورِ إِذا التوت ... مِنَ الدَّهْر أعناقٌ، فأَنتَ جُبارُها\nإِذا ما ابنُ يحْيى جعفرٌ قَصَدَت لَهُ ... مُلِمّاتُ خَطْبٍ لم تَرُعْهُ كِبارُها\nلقدْ نَشَأَت بالشَّأْمِ مِنك غمامةٌ ... يُؤمَّلُ جَدواها وَيُخشَى دَمارُها\nفطوبَى لأَهل الشأْمِ يا وَيلَ أُمّها ... أَتاها حَياها، أَو أَتاها بَوارُها\nفإِن سالموا كانَتْ غمامَةَ نائلٍ ... وغَيثٍ، وإلا فالدِّماءُ قِطارُها\nأَبوكَ أَبو الأَملاك يَحيْى بنُ خالد ... أَخو الجُود والنُّعْمى الكِبارِ صغارُها\nكأَيّنْ تَرَى في البَرمكيِّينَ مِنْ نَدىً ... وَمِنْ سابقاتٍ ما يشُقُّ غِبارُها\nغَدا بنجومِ السَّعْدِ مَنْ حلَّ رَحلهُ ... إِلَيْك، وَعزَّتْ عصبَةٌ أَنْتَ جارُها\nعَذيري مِنَ الأَقدارِ هلْ عَزَماتُها ... مُخَلّفَتِي عن جعفرٍ وَاقتسارُها\nفعيْنُ الأَسَى مَطروفَةٌ لفراقِهِ ... ونَفسي إِلَيه ما يَنامُ ادِّكارُها (١)\nوولّى جحفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشأم عيسى بن العكيّ وانصرف، فازداد الرشيد له إكرامًا. فلما قدم على الرّشيد دخل عليه - فيما ذُكر - فقبَّل يديه ورجليه، ثم مَثَل بين يديه، فقال: الحمدُ لله يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرّعي، وأَنْسأ في أجلِي، حتى أراني وجه سيِّدي، وأكرمني بقربه، وامتنّ علي بتقبيل يده، وردّني إلى خدمته؛ فولله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني؛ فأَعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتْني وخطايا أحاطت بي؛ ولو طال مُقامي\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١١٧].","vol":"11","page":199},{"text":"عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك - لخفت أن يذهب عقلي إشفاقًا على قربك، وأسفًا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياقُ إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حالِ الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرّفني الإجابة ومسَّكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلّا عن رأيك، ولم أقدم إلّا عن إذنك وأمرك، ولم يخترمْني أجل دونك. والله يا أميرَ المؤمنين - ولا أعظم من اليمين بالله - لقد عاينتُ ما لو تُعرَض لي الدنيا كلُّها لاخترت عليها قربَك، ولما رأيتها عوضًا من المقام معك. ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إنّ الله يا أمير المؤمنين - لم يزل يبليك في خلافتك بقدْر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيّتك غاية أمنيّتك، فيصلع لك جماعتَهم، ويجمع ألفتهم، ويلمّ شَعثَهم، حفظًا لك فيهم، ورحمةً لهم، وإنما هذا للتمسُّك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك؛ والله المحمود على ذلك وهو مستحقُّه. وفارقتُ يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسّكون بحبلك، نازلون على حُكمك، طالبون لعفوِك، واثقون بحلْمك، مؤمّلون فضْلك، آمنون بادرتَك، حالُهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالُهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمُّده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفه عليهم متقدّم عنده لمسألتهم.\nوايم الله يا أميرَ المؤمنين لئن كنتُ قد شخصتُ عنهم، وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم، ونفى مُرَّاقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميلَ فيهم، ورزقني الانتصار منهم؛ فما ذلك كله إلا ببركتك ويُمْنك، وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوّفِهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدّمتُ إليهم إلّا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمركَ، ولا سرت فيهم إلا على حدِّ ما مثّلتَه لي ورسمتَه، ووقفتَنِي عليه، ووالله ما انقادوا إلّا لدعوتك، وتوحّدِ الله بالصنّع لك، وتخوّفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني - وإن كنت بذلت جهدي، وبلغت مجهودي - قاضيًا ببعض حقك علي؛ بل ما ازدادت نعمتُك عليّ عظمًا؛ إِلا ازددتُ عن شكرك عجزًا وضعفًا، وما خلق الله أحدًا من رعيّتك أبعدَ من أن يُطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلّا أن أكون باذلًا","vol":"11","page":200},{"text":"مهجتي في طاعتك، وكلّ ما يقرّب إلى موافقتك؛ ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري؛ فكيف بشكري وقد أصبحتُ واحدَ أهل دهري فيما صنعتَه فيَّ وبي! أم كيف بشكري، وإنما أقوى على شكري بإكرامك إياي! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلكَ عدّي، وكيف بشكري وأنت كهفي دون كلّ كهف لي! وكيف بشكري وأنت لا ترضَى لي ما أرضاه لي! وكيف بشكري وأنت تجدّد من نعمتك عندي ما يستغرق كلّ ما سلف عندك لي! أم كيف بشكرِي وأنت تُنسيني ما تقدّم من إحسانك إليّ بما تجدده لي! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطوْلك على جميع أكفائي! أم كيف بشكري وأنت ولِيِّي! أم كيف بشكري وأنت المكرِم لي! وأنا أسأل الله الذي رزَقني ذلك منك من غير استحقاق له، إذا كان الشكْر مقصرًا على بلوغٍ تأدية بعضه، بل دون شقص من عُشر عشيره، أن يتولى مكافأتك عنِّي بما هو أوسعُ له، وأقدرُ عليه، وأن يَقضيَ عني حقَّك، وجليل مِنَّتِك؛ فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه!\n* * *\nوفي هذه السنة أخذ الرّشيد الخاتم من جعفر بن يحيى، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد.\nوفيها ولّى جعفر بن يحيى خراسان وسِجستان، واستعمل جعفرٌ عليهما محمد بن الحسن بن قحطبة (١).\nوفيها شخص الرّشيد من مدينة السلام مريدًا الرَّقة على طريق الموصل، فلما نزل البَرَدان، ولّى عيسى بن جعفر خُراسان، وعزل عنها جعفر بن يحيى؛ فكانت ولاية جعفر بن يحيى إياها عشرين ليلة.\nوفيها وُلِّيَ جعفر بن يحيى الحرَس (٢).\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].","vol":"11","page":201},{"text":"وفيها هدَم الرّشيد سُور الموْصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها، ثم مضى إلى الرّقة فنزَلها واتّخذها وطنًا (١).\nوفيها عُزل هَرْثمة بن أعيَن عن إفريقيّه، وأقفله إلى مدينة السلام (٢) فاستخلفه جعفر بن يحيى على الحرَس (٣).\nوفيها كانت بأرض مصر زلزلة شديدة، فسقط رأسُ منارة الإسكندرية (٤).\nوفيها حكم خُراشة الشيبانيّ وشَرِيَ بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العُقيليّ (٥).\nوفيها خرجت المحمّرة بجُرجان، فكتب عليّ بن عيسى بن ماهان أنّ الذي هيّج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركيّ، وأنه زنديق، فأمر الرشيد بقتله، فقتِل بمَرْو (٦).\nوفيها عَزَل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرُّويان، وولَّى ذلك عبد الله بن خازم. وعزلَ الفضل أيضًا عن الرّيّ، ووليَها محمد بن يحيى بن الحارث بن شخّير، وولّى سعيد بن سلْم الجزيرة.\nوغزا الصائفة فيها معاوية بن زفر بن عاصم (٧).\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٤) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٥) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٦) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].\n(٧) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٥].","vol":"11","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1770>ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفكان فيها غزو الرشيد أرضَ الروم، فافتتح بها عنوةً حصن الصّفْصاف (١) فقال مَرْوان بن أبي حفصة:\nإِنَّ أَميرَ المؤمنينَ المصطَفى ... قد ترك الصَّفصافَ قاعًا صَفصفا\nوفيها غزا عبد الملك بن صالح الرّوم، فبلغ أنقرة وافتتح مَطْمورة (٢).\nوفيها غلبت المحمّرة على جُرجان (٣).\nوفيها أحدث الرشيد عند نزوله الرَّقة في صدور كتبه الصّلاةَ على محمد - ﷺ - (٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها حُملت ابنة خاقان ملك الخَزر إلى الفَضْل بن يحيى، فماتت بِبَرْذعة، وعلى إرمينيَة يومئذ سعيد بن سلْم بن قُتيبة الباهليّ، فرجع مَنْ كان فيها من الطراخنة إلى أبيها، فأخبروه أن ابنته قُتلت غِيلة، فحنق لذلك، وأخذ في الأهبْة لحرب المسلمين.\nوانصرف فيها يحيى بن خالد إلى مدينة السّلام (٥).\n_________\n(١) انظر: المنتظم (٩/ ٥٧).\n(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٦].\n(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٦]\n(٤) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٦].\n(٥) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٨].","vol":"11","page":203},{"text":"وغزا فيها الصائفةَ عبدُ الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف (١).\nوفيها سَملت الرّوم عينيْ ملكِهم قسطنطين بن أليون، وأقرّوا أمه ريني، وتلقّب أُغَسْطة (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>ثم دخلت سنة وثمانين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك خروج الخَزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذّمة، وسبيُهم - فيما ذكر - أكثر من مائة ألف. فانتهكوا أمرًا عظيمًا لم يُسمع في الإسلام بمثلِه، فولَّى الرشيد إرمينيَة يزيد بن مزيد مع أذْرَبيجان، وقوّاه بالجند؛ ووجَّهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءًا لأهل إرمينيةَ (٣).\nوقد قيل في سبب دخول الخزر إرمينيَة غيرُ هذا القول؛ وذلك ما ذكره محمد بن عبد الله أن أباه حدثه، أنّ سبب دخول الخَزر إرمينيَة في زمان هارون كان أن سعيد بن سلْم ضرب عُنق المنجم السُّلمي بفأس، فدخل ابنه بلاد الخَزَر، واستجاشهم على سعيد، فدخلوا إرمينيةَ من الثلْمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات، وأقاموا فيها - أظنُّ - سبعين يومًا، فوجّه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى إرمينيَة حتى أصلحا ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر، وسُدّت الثُّلْمة.\nوفيها كتب الرّشيد إلى عليّ بن عيسى بن ماهان وهو بخُراسان بالمصير إليه، وكان سبب كتابه إليه بذلك؛ أنه كان حُمل عليه، وقيل له: إنه قد أجمع على الخلاف، فاستخلف عليّ بن عيسى ابنَه يحيى على خُراسان، فأقرّه الرّشيد،\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٨].\n(٢) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٠٨].\n(٣) انظر: المنتظم [٩/ ٨٣].","vol":"11","page":204},{"text":"فوافاه عليّ، وحمل إليه مالًا عظيمًا، فردّه الرّشيد إلى خُراسان من قِبَل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب، فرجع.\nوفيها خرج بنَسَا من خُراسان أبو الخصيب وُهيب بن عبد الله النسائيّ مولَى الحرِيش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوولي استخراج ذلك - فيما ذكر - عبد الله بن الهيثم بن سام بالحبس ولضرب وولي حماد البربري مكة واليمن، وولي داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند ويحيى الحرشي الجبل، ومهدويه الرازي طبرستان، وقام بأمر إفريقية إبرهيم الأغلب، فولاها إياه الرشيد.\nوفيها خرج أبو عمرو والشاري فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهرزور (١) وفيها طلب أبو الخصيب الأمان، فأعطاه ذلك عليّ بن عيسى، فوافاه بمدد فأكرمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهروية الرازي وهو واليها، فولّى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي (٢).\nوفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة.\nوفيها عاش حمزه الشاري بباذ غيس من خراسان، فوثب عيسى بن علي بن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم، وبلغ كابُل وزابلستان والقندهار، فقال أبو العذافر في ذلك (٣):\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١١١].\n(٢) انظر: المنتظم (٩/ ١٠٣).\n(٣) انظر: المنتظم (٩/ ١٠٣).","vol":"11","page":205},{"text":"كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المشرقين والمغربين\nلم يدع كابُلًا ولا زابلستا ... ن فما حولها إلى الرخجين\nوفيها خرج أبو الخصيب ثانية بنسا، وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس ونيسابور، وزحف إلى مرو، فأحاط بها، فهزم، ومضى نحو سرخس، وقوي أمره (١).\nوفيها مات يزيد بن مزيد ببرذعة، فوُلِّيَ مكانه أسد بن يزيد (٢) وفيها مات يقطين بن موسى ببغداد.\nوشخص فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل.\nواستأذنه فيها يحيى بن خالد في العمرة والجوار، فأذن له، فخرج في شعبان، واعتمر عمرة شهر رمضان، ثم رابط بجدة إلى وقت الحج، ثم حج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها حبس الرّشيد ثُمامة بن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بن عيسى بن زيد.\nوفيها مات جعفر بن أبي جعفر المنصور عند هَرْثمة. وتُوُفي العباس بن محمد ببغداد (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>[ذكر حجّ الرشيد ثمّ كتابته العهد لأبنائه] </span>(٤)\nوحجّ بالناس فيها هارون الرشيد؛ وكان شخوصه من الرّقة للحجّ في شهر رمضان من هذه السنة، فمرّ بالأنبار، ولم يدخل مدينة السلام؛ ولكنه نزل منزلًا\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١١).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١١).\n(٣) انظر: تاريخ بغداد [١٢/ ١٢٤].\n(٤) أصل الخبر في صحيح تاريخ الطبري أما هذه التفاصيل فلم يؤيدها خليفة ولا البسوي.","vol":"11","page":206},{"text":"على شاطئ الفرات يدعى الدّارَات، بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ، وخلّف بالرّقة إبراهيم بن عثمان بن نَهيك، وأخرج معه ابنيه: محمدًا الأمين وعبد الله المأمون؛ وليّيْ عهده؛ فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية؛ كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانيًا، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثًا، ثم صار إلى مكة فأعطى أهلَها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.\nوكان الرّشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد - فيما ذكر محمد بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الحجَبِيّ - يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسماه الأمين بالرّقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولّاه من حدّ همَذان إلى آخر المشرق، فقال في ذلك سَلم بن عمرو الخاسر:\nبايَعَ هارونُ الهُدَى ... لِذِي الحِجى والخُلُقِ الفاضِلِ\nالمخلِف المُتلفِ أَموالَهُ ... والضامِن الأَثقالَ للحاملِ\nوالعالِم النافِذ في علمِهِ ... والحاكِم الفاضل والعادل\nوالرَّاتِق الفاتِقِ حلفَ الهدى ... والقائِل الصادِقِ والفاعِلِ\nلِخَير عباس إِذا حُصِّلوا ... والمفْضل المجدي على العائلِ\nأَبَرُّهمْ برًّا وأَولاهُمُ ... بالعُرفِ عند الحدثِ النازل\nلِمُشبهِ المنصورِ في ملكه ... إِذا تدَجَّتْ ظُلمَةُ الباطل\nفتمَّ بالمأمونِ نورُ الهدى ... وانكشَفَ الجَهلُ عن الجاهِل\nوذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد، كان في حِجْر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيدُ لمحمد والمأمون، كتب إليه عبد الملك بن صالح:\nيا أيها الملِكُ الّذي ... لو كان نجمًا كانَ سَعْدا\nاعْقِدْ لقاسِمَ بيَعةً ... واقدَحْ له في المُلكِ زَنْدا\nاللهُ فرْدٌ واحدٌ ... فاجعل ولاةَ العهدِ فرْدَا (١)\nفكان ذلك أول ما حضّ الرشيد على البيعة للقاسم. ثم بايع للقاسم ابنه،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١٢).","vol":"11","page":207},{"text":"وسماه المؤتمن، وولّاه الجزيرة والثغور والعواصم، فقال في ذلك:\nحُبّ الخليفةِ حُبٌّ لا يَدينُ بِهِ ... مَنْ كان لله عاصٍ يَعْمَلُ الفِتَنا\nاللهُ قَلَّدَ هارونًا سِياسَتَنا ... لَمَّا اصطفاهُ فأَحْيَا الدِّينَ والسنَنَا\nوَقلَّدَ الأَرضَ هارونٌ لرأفَتِهِ ... بنَا أَمينًا ومأمُونًا ومؤتمَنا\nقال: ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة، قال بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسَهُم بينهم، وعاقبةُ ما صنع في ذلك مخوفةٌ على الرّعية، وقالت الشعراء في ذلك، فقال بعضهم:\nأَقولُ لغمَّةٍ في النفسِ مني ... وَدَمْعُ العَينِ يَطَّردُ اطِّرادَا\nخُذِي لِلْهوْلِ عُدّتَهُ بحزْمٍ ... سنَلْقَى ما سَيَمْنَعُكِ الرُّقَادا\nفإِنَّكِ إِنْ بَقيتِ رأَيتِ أَمرًا ... يُطِيلُ لكِ الكآبةَ والسهادا\nرَأى الملكُ المَهذَّبُ شَرَّ رأيٍ ... بقِسْمَتِهِ الخلافة والبِلادا\nرأَى ما لوْ تعَقَّبَهُ بعِلمٍ ... لبَيَّضِ من مَفارقِهِ السَّوادا\nأَرادَ به ليَقطَعَ عن بَنيه ... خلافهُمُ ويَبتذِلوا الودادا\nفقد غَرَسَ العداوةَ غيرَ آلٍ ... وأَورثَ شَمل أُلفَتِهمْ بَدادا\nوَأَلقَحَ بَيْنَهُمْ حرْبًا عَوانًا ... وَسلَّس لاجتنابِهمُ القيادا\nفوَيلٌ لِلرَّعيّةِ عن قليل ... لقد أَهدى لها الكُرَبَ الشّدادا\nوأَلبَسَهَا بلاءً غير فانٍ ... وأَلزمها التَّضَعْضُعَ والفسادا\nسَتجْري من دِمائُهم بحُورٌ ... زواخِرُ لا يَروْنَ لها نفادَا\nفوِزْرُ بلائِهمْ أَبدًا عليه ... أَغيّا كانَ ذلك أَمْ رشادا\nوكانت الشهادة بالبَيْعة والكتاب في البيت الحرام، وتقدّم إلى الحَجبَة في حفظهما، ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما، فذكر عبدُ الله بن محمد ومحمد بن يزيد التميميّ وإبراهيم الحجبيّ، أنّ الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقُوّاد والفقهاء، وأدخلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة مَنْ حضر، ثم رأى أن يعلِّق الكتاب في الكعبة، فلما رُفع ليُعلّق وقع، فقيل إنّ هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه. وكانت نسخة الكتاب:\nبسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه","vol":"11","page":208},{"text":"محمد بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله، وجواز من أمره، طائعًا غير مكرَه. إن أمير المؤمنين ولَاني العهدَ من بعده، وصيّر البيعة لي في رقاب المسلمين جميعًا، وولّى عبدَ الله بن هارون العهدَ والخلافةَ وجميع أمور المسلمين بعدي، برضًا مني وتسليم، طائعًا غير مكرَه، وولّاه خُراسان وثغورَها وكُورَها وحربَها وجندَها وخراجَها وطرزها وبَريدها، وبيُوت أموالها، وصدقاتها وعُشْرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعده. وشرطتُ لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضًا مني وطيب نفسي، أنْ لأخي عبد الله بن هارون عليّ الوفاء بما عَقَد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعًا بعدي، وتسليمَ ذلك له؛ وما جعل له من ولاية خُراسان وأعمالها كلّها، ومَا أقطعه أمير المؤمنين من قَطعية، أو جعل له من عُقدة أو ضيْعة من ضياعه، أو ابتاع من الضيّاع والعُقَد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلْي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دوابّ، أو قليل أو كثير؛ فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، موفَّرًا مسلّمًا إليه. وقد عرفت ذلك كله شيئًا شيئًا.\nفإن حدث بأمير المؤمنين حدَثُ الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلَى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خُراسان وثغورها ومَنْ ضمّ إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرَمَاسين؛ وأن يمضِي عبد الله ابن أمير المؤمنين إلى خُراسان والرّيّ والكُور التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من مُعسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع مَنْ ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحبّ، من لدُن الريّ إلى أقصى عمل خُراسان. فليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحوّل عنه قائدًا ولا مقودًا ولا رجلًا واحدًا ممن ضُمَّ إليه من أصحابه الذين ضمّهم إلى أمير المؤمنين، ولا يحوّل عبدَ الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التي ولّاها إياها هارون أمير المؤمنين من ثُغور خُراسان وأعمالها كلّها، ما بين عمل الرّيّ مما يلي هَمذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها؛ وما هو منسوب إليها، ولا يشخِصه إليه، ولا يفرق أحدًا من أصحابه وقوّاده عنه، ولا يولي عليه أحدًا، ولا يبعث عليه ولا على أحد من عُمّاله وولاة أموره بُندارًا، ولا محاسبًا ولا عاملًا، ولا يدخل عليه في صغيرٍ من أمره ولا كبير ضررًا،","vol":"11","page":209},{"text":"ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يَعرض لأحد ممن ضمّ إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقُضاته وعمّاله وكتابه وقُوّاده وخدَمه ومواليه وجنده؛ بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم، ولا أحد بسبيل منهم، ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابّهم شيئًا من ذلك صغيرًا ولا كبيرًا، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيصٍ له في ذلك وإدهانٍ منه فيه لأحد من ولد آدم، ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممّن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته.\nوإن نزع إليه أحد ممن ضمّ أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصَحابته وقوّاده وعماله وكتّابه وخدمه ومواليه وجنده، ورفض اسمه ومكْتبَه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين عاصيًا له أو مخالفًا عليه؛ فعلى محمد بن أمير المؤمنين ردّه إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين بصغَرٍ له وقَماء حتى ينفذ فيه رأيَه وأمرَه.\nفإن أراد محمد بن أمير المؤمنين خلعَ عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده، أو عزلَ عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية خُراسان وثُغورها وأعمالها، والذي من حدّ عملها مما يلي هَمَذان والكور التي سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا أو صرْف أحد من قواده الذين ضمَّهم أمير المؤمنين إليه ممن قدِم قَرْماسين، أو أن ينتقصه قليلًا أو كثيرًا مما جعله أمير المؤمنين له بوجهٍ من الوجوه، أو بحيلة من الحيل؛ صغرت أو كبرت؛ فلعبد الله بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدّم على محمد ابن أمير المؤمنين، وهو وليّ الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خُراسان وأهل العطاء وجميع المسلمين في جميع الأجناد والأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيامُ معه، والمجاهدةُ لمَنْ خالفه، والنصر له والذبّ عنه؛ ما كانت الحياة في أبدانهم. وليس لأحدٍ منهم جميعًا من كانوا، أو حيث كانوا، أن يخالفَه ولا يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين","vol":"11","page":210},{"text":"وصرْف العهد عنه من بعده إلى غيره، أو ينتقصه شيئًا مما جعله له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته، واشترط في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام في هذا الكتاب. وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدّق في قوله، وأنتم في حلٍّ من البيعة التي في أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون إن نقض شيئًا مما جعله له أمير المؤمنين هارون، وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقادَ لعبد الله ابن أمير المؤمنين هارون ويسلِّم له الخلافة.\nوليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون ولا لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن يخلعَا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون، ولا يقدّما عليه أحدًا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البريّة؛ فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى مَنْ رأى من ولده وإخوته، وتقديم مَنْ أراد أن يقدم قبله، وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد مَن يقدم قبله، يحكم في ذلك بما أحبّ ورأى.\nفعليكم معشرَ المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين في كتابه هذا، وشرط عليهم وأمر به، وعليكم السّمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمّته وذمّة رسوله - ﷺ - وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله على الملائكة المقرّبين والنبيين والمرسلين، ووكّدَها في أعناق المؤمنين والمسلمين، لَتَفُنَّ لعبد الله أمير المؤمنين بما سمّى، ولمحمد وعبد الله والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمّى وكتب في كتابه هذا، واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم؛ فإن أنتم بدّلتم من ذلك شيئًا، أو غيّرتم، أو نكثتم، أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين، واشترط عليكم في كتابه هذا، فبرئت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله محمد - ﷺ - وذمم المؤمنين والمسلمين، وكلُّ مالٍ هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة خمسين حجَّة، نذرًا واجبًا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك؛ وكلّ مملوك لأحد منكم - أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة - حرّ، وكلّ امرأة له","vol":"11","page":211},{"text":"فهي طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرَج، لا مثنويّة فيها. والله عليكم بذلك كفيل وراعٍ، وكفى بالله حسيبًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>نسخة الشرط الذي كتبه عبد الله أبن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة</span>\nهذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، في صحّةٍ من عقله، وجوازٍ من أمر، وصدقِ نيّة فيما كتب في كتابه هذا، ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين. إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون، وولّاني في حياته ثغورَ خُراسان وكورها وجميع أعمالها، وشرط على محمد بن هارون الوفاءَ بما عقد لي من الخلافة وولاية أمور العباد والبلاد بعده، وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين، أو ابتاع لي من الضياع والعُقَد والرّباع أو ابتعت منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدوابّ والرّقيق وغير ذلك، ولا يعرض لي ولا لأحد من عمّالي وكتّابي بسبب محاسبة، ولا يتَّبع لي في ذلك ولا لأحد منهم أبدًا، ولا يُدخل عليّ ولا عليهم ولا على مَنْ كان معي ومن استعنتُ به من جميع الناس مكروهًا؛ في نفس ولا دمٍ ولا شعر ولا بشر ولا مال، ولا صغير من الأمور ولا كبير. فأجابه إلى ذلك، وأقرّ به وكتب له كتابًا، أكّد فيه على نفسه ورضيَ به أميرُ المؤمنين هارون وقبله، وعرف صدق نيّته فيه. فشرطتُ لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسي أن أَسمع لمحمد وأطيع ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشّه، وأوفي بيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكُث، وأنفِذُ كتبَه وأموره، وأحسن موازرته وجهاد عدوّه في ناحيتي، ما وفَى لي بما شرط لأمير المؤمنين في أمري، وسمَّى في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، ورضي به أميرُ المؤمنين، ولم يتّبعني بشيء من ذلك، ولم ينقض أمرًا من الأمور التي شرطها أمير المؤمنين لي عليه.\nفإن احتاج محمد بن أمير المؤمنين إلى جندٍ، وكتب إليّ يأمرني بإشخاصه","vol":"11","page":212},{"text":"إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو إلى عدوٍّ من أعدائه؛ خالفه أو أراد نقصَ شيء من سلطانه أو سلطاني الذي أسنَده أمير المؤمنين إلينا وولّانا إياه؛ فعليّ أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصّر في شيء كتب به إليّ. وإن أراد محمد أن يوَلِّيَ رجلًا من ولده العهد والخلافة من بعدي؛ فذلك له ما وفّى لي بما جعله أمير المؤمنين إليّ واشترطه لي عليه، وشرط على نفسه في أمري، وعليّ إنفاذ ذلك والوفاء له به؛ ولا أنقص من ذلك ولا أغيّره ولا أبدِّله، ولا أقدّم قبله أحدًا من ولَدي، ولا قريبًا ولا بعيدًا من الناس أجمعين؛ إلّا أن يولِّيَ أمير المؤمنين هارون أحدًا من ولده العهد من بعدي؛ فيلزمني ومحمدًا الوفاء له. وجعلتُ لأمير المؤمنين ومحمد علي الوفاء بما شرطت وسمّيت في كتابي هذا، ما وفّى لي محمد بجميع ما اشترط لي أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسمّاة في هذا الكتاب الذي كتبه لي، وعليّ عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمّتي وذمم آبائي وذمم المؤمنين وأشدّ ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكّدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها؛ فإن أنا نقضتُ شيئًا مما شرطت وسمّيت في كتابي هذا أو غيّرت أو بدّلت، أو نكثت أو غدرت، فبرئتُ من الله ﷿ ومن ولايته ودينه، ومحمد رسول الله - ﷺ -، ولقيتُ الله يوم القيامة كافرًا مشركًا؛ وكلّ امرأة هي لي اليوم أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرَج؛ وكلّ مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكّة ثلاثين حِجّة، نذرًا واجبًا عليّ في عنقي حافيًا راجلًا؛ لا يقبل الله منّي إلا الوفاء بذلك، وكلّ مال لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة هَدْي بالغ الكعبة؛ وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لا أضمر غيره، ولا أنوي غيره.\nوشهد سليمان بن أمير المؤمنين وفلان وفلان. وكتب في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائة.\n* * *","vol":"11","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1778>نسخة كتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمال</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد فإنّ الله وليّ أمير المؤمنين ووليّ ما ولّاه، والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدّم وأَخَّر من أموره، والمنعم عليه بالنّصر والتأييد في مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ والحافظ والكافي من جميع خلْقه؛ وهو المحمود على جميع آلائه، المسؤول تمامَ حُسْنِ ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين وعادته الجميلة عنده وإلهام ما يرضى به ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله وقد كان من نعمة الله ﷿ عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسنَ ما أمّلت الأمة، ومدّت إليه أعناقها، وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبّة والمودّة والسكون إليهما والثّقة بهما، لعماد دينهم، وقوام أمورهم؛ وجمع ألفَتهم، وصلاح دَهْمائهم، ودفع المحذور والمكروه من الشّتَات والفرقة عنهم؛ حتى ألقَوْا إليهما أزمَّتهم، وأعطوْهما بيعتَهم وصفَقات أيمانهم، بالعهود والمواثيق ووكيد الأَيمان المغلّظة عليهم. أراد الله فلم يكن له مردّ، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته، ولا صَرْفٍ له عن محبّته ومشيئته، وما سبق في علمه منه. وأميرُ المؤمنين يرجو تمامَ النّعمة عليه وعليهما في ذلك وعلى الأمّة كافة؛ لا عاقبَ لأمر الله ولا رادَّ لقضائه، ولا معقِّبَ لحكمه.\nولم يزل أميرُ المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عَقْد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من بعد أمير المؤمنين ولعبد الله ابنِ أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، يُعمِل فكرَه ورأيه ونظرَه ورؤيَتَه فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعيّة والجمع للكَلمة، واللمّ للشعث، والدّفْع للشتات والفرقة، والحسْم لكيْد أعداء النِّعَم؛ من أهل الكفر والنفاق والغل والشِّقاق، والقطع لآمالهم من كلّ فرصة يرجون إدراكَها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما. ويستخير الله أمير المؤمنين في ذلك، ويسأله العزيمةَ له على ما فيه الخِيرَة لهما ولجميع الأمة، والقوّة في أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما، وصلاح ذات بينهما، وتحصينهما من كَيْد أعداء النِّعم، وردّ حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما.","vol":"11","page":214},{"text":"فعزم الله لأمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله، وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره، واكتتاب الشّرْط على كلّ واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشدّ المواثيق والعهود، وأغلظ الأيمان والتّوكيد، والأخذ لكلّ واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماعَ ألفتهما ومودّتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسنِ النظر لأنفسهما ولرعيّة أمير المؤمنين التي استرعاهما، والجماعة لدين الله ﷿ وكتابه وسنن نبيِّه - ﷺ -، والجهاد لعدوّ المسلمين؛ من كانوا وحيث كانوا، وقطْع طمع كل عدوٍّ مظهر للعداوة، ومسرّ لها، وكلّ منافق ومارق، وأهل الأهواء الضالّة المضلّة من تكيد بكيْد تُوقعه بينهما، وبدَحْس يُدحس به لهما، وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه من الضرب بين الأمة، والسّعي بالفساد في الأرض، والدعاء إلى البدَع والضّلالة؛ نظرًا من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمّة نبيه محمد - ﷺ - ومناصحةً لله ولجميع المسلمين، وذبًّا عن سلطان الله الذي قدّره، وتوحّد فيه للذي حمّله إياه، والاجتهاد في كلِّ ما فيه قُرْبة إلى الله، وما ينال به رضوانَه، والوسيلة عنده.\nفلما قدِم مكّة أظهر لمحمد وعبد الله رأيَه في ذلك، وما نظر فيه لهما، فقبلا كلَّ ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله، وكتَبا لأمير المؤمنين في بَطْن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما، بمحْضَر ممَّن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحَجَبَة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحَجَبة، وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة.\nفلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كلّه في داخل بيت الله الحرام وبطْن الكعبة، أمر قضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابهما، أن يعلموا جميع مَنْ حضر الموسم من الحاجّ والعُمّار ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرْطهما وكتابهما، وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويعُوه، ويعرفوه ويحفظوه، ويؤدُّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك، وقرِئ عليهم الشّرْطان جميعًا في المسجد الحرام، فانصرفوا. وقد اشتهر ذلك عندهم، وأثبتوا الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم وحقن دمائهم، ولمِّ شعثِهم وإطفاء جَمْرة أعداء الله؛ أعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، وأظهروا الدعاء","vol":"11","page":215},{"text":"لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه في ذلك.\nوقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما لأمير المؤمنينِ ابناه محمد وعبد الله في بطْن الكعبة في أسفل كتابه؛ هذا فاحمَدِ الله ﷿ على ما صنع لمحمد وعبد الله وليَّيْ عهد المسلمين حمدًا كثيرًا، واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليّ عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمة محمد - ﷺ - كثيرًا.\nواقرأ كتاب أميرِ المؤمنين على مَن قِبلك من المسلمين، وأفهمهم إيّاه وقُمْ به بينهم، وأثبته في الديوان قِبلك وقبَلَ قوّاد أمير المؤمنين ورعيته قِبلَك واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك، إن شاء الله وحسبنا الله ونعم الوكيل وبه الحول والقوّة والطول.\nوكتب إسماعيل بن صَبِيح يوم السبت لسبع ليال بَقِين من المحرّم سنة ست وثمانين ومائة (١).\nقال: وأمر هارون الرشيد لعبد الله المأمون بمائة ألف دينار، وحملت له إلى بغداد من الرّقة.\n* * *\nقال وكان الرّشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى بالعُمْر، صار إلى الرّقة، ثم قدم بغداد، وقد كانت توالتْ عليه الشكاية من عليّ بن عيسى بن ماهان من خُراسان وكثر عليه القوْل عنده، فأجمع على عَزْله من خُراسان، وأحبّ أن يكون قريبًا منه. فلما صار إلى بغداد شخص بعد مدّة منها إلى قَرْمَاسِين، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائة، وأشخص إليها عدّة رجال من القضاة وغيرهم، وأشهدهم أنّ جميع ما له في عسكره من الأموال والخزائن والسّلاح والكُراع وما سواه أجمع لعبد الله المأمون، وأنه ليس فيه قليل ولا كثير بوجْه ولا سبب، وجدّد البيعة له علَى مَنْ كان معه، ووجّه هَرثمة بن أَعْيَن صاحب حَرَسه إلى بغداد، فأعاد أخذ\n_________\n(١) علّق ابن كثير على هذه التفاصيل بقوله وقد أطال القول في هذا المقام الإمام أبو جعفر بن جرير وتبعه ابن الجوزي في كتاب المنتظم أيضًا [البداية والنهاية ٨/ ١١٢].","vol":"11","page":216},{"text":"البيعة على محمد بن هارون أمير المؤمنين وعلى مَنْ كان بحضرته لعبد الله والقاسم على النّسخة التي كان أخذها عليه الرّشيد بمكة؛ وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت إليه الخلافة؛ فقال إبراهيم الموصليّ في بيعة هارون لابنيه في الكعبة:\nخيْرُ الأُمورِ مَغَبةً ... وأَحَقُّ أَمرٍ بالتّمامِ\nأمرٌ قضى إِحكامه الرّ ... حمانُ في البيْت الحَرَامِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>[ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة] </span>(١)\n* ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته:\nأما سبب غضبه عليه الذي قتله عنده، فإنه مختلَف فيه، فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع بن جبريل، عن أبيه أنه قال: إني لقاعد في مجلس الرشيد، إذ طلع يحيى بن خالد - وكان فيما مضى يدخل بلا إذن - فلما دخل وصار بالقُرْب من الرّشيد وسلَّم ردّ عليه ردًّا ضعيفًا، فعلم يحيى أن أمرهم قد تغيّر.\nقال: ثم أقبل عليَّ الرشيد، فقال: يا جبريل، يدخل عليك وأنت في منزلك أحدٌ بلا إذنك! فقلت: لا، ولا يطمع في ذلك. قال: فما بالُنا يُدْخَل علينا بلا إذن! فقام يحيى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قدّمني الله قبلَك؛ واِلله ما ابتدأتُ ذلك الساعة، وما هو إلّا شيء كان خصّنِيِ به أمير المؤمنين، ورفع به ذكري؛ حتى أنْ كنتُ لأدخل وهو في فراشه مجَرّدًا حينًا، وحينًا في بعض إزاره؛ وما علمتُ أنّ أمير المؤمنين كرِه ما كان يحبّ؛ وإذْ قد علمتُ فإنّي أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الإذن، أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك. قال: فاستحيا\n_________\n(١) أصل الخبر في صحيح التأريخ دون التفاصيل. وانظر: المنتظم [٩/ ١٢٦ - ١٣٥]، والبداية والنهاية [٨/ ١١٣] إلى [٨/ ١١٦].","vol":"11","page":217},{"text":"- قال: وكان من أرقّ الخلفاء وجهًا - وعيناه في الأرض، ما يرفع إليه طرفه، ثم قال: ما أردتُ ما تكره، ولكنّ الناس يقولون. قال: فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ثم أمسك عنه، وخرج يحيى.\nوذُكر عن أحمد بن يوسف أنَّ ثُمامة بن أشرس، قال: أوّل ما أنكر يحيى بن خالد من أمره، أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغنِي عنك من الله شيئًا، وقد جعلتَه فيما بينك وبين الله؛ فكيف أنت إذا وقفت بين يديه، فسألك عمّا عملت في عباده وبلاده، فقلت: يا ربّ إني استكفيتُ يحيى أمورَ عبادك! أتراك تحتجّ بحجّة يرضى بها! مع كلام فيه توبيخ وتقريع. فدعا الرّشيد يحيى - وقد تقدم إليه خبر الرسالة - فقال: تعرف محمد بن الليث؟ قال: نعم، قال: فأيّ الرجال هو؟ قال: متّهم على الإسلام، فأمر به فوضع في المطبَق دهرًا؛ فلمّا تنكّر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه، فأحضِر، فقال له بعد مخاطبة طويلة: يا محمد، أتحبّني؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين، قال: تقول هذا! قال: نعم، وضعتَ في رجلي الأكبال، وحُلتَ بيني وبين العِيال بلا ذنب أتيت، ولا حدث أحدثت، سوى قولِ حاسد يكيد الإسلام وأهله، ويحب الإلحادَ وأهله، فكيف أحبُّك! قال: صدقت، وأمر بإطلاقه، ثم قال: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ولكن قد ذهب ما في قلبي، فأمر أن يعطى مائة ألف درهم، فأحضِرَت، فقال: يا محمد، أتحبني؟ قال: أما الآن فنعم، قد أنعمت عليّ، وأحسنت إليّ. قال: انتقم الله ممّن ظلمك، وأخذ لك بحقِّك ممّن بعثني عليك. قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أوّل ما ظهر من تغيّر حالهم (١).\nقال: وحدّثني محمد بن الفضْل بن سفيان، مولى سليمان بن أبي جعفر، قال: دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرّشيد، فقام الغلمان إليه، فقال الرّشيد لمسرور الخادم: مُر الغلمان ألّا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار. قال: فدخل فلم يقم إليه أحدٌ، فاربدّ لونه. قال: وكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوْه أعرضوا عنه. قال: فكان ربّما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلا يسقونه،\n_________\n(١) ثمامة بن أشرس من رؤوس الضلالة وهو كذاب [لسان الميزان] (تر/ ٨٧٥).","vol":"11","page":218},{"text":"وبالحَرى إن سقوْه أن يكون ذلك بعد أن يدعوَ بها مرارًا.\nوذكر أبو محمد اليزيديّ - وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم - قال: مَنْ قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله - بن حسن فلا تصدّقه؛ وذلك أنّ الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم دعا به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره، فأجابه، إلى أن قال: اتَّق الله في أمري، ولا تتعرَّض أن يكون خصمك غدًا محمد - ﷺ -؛ فولله ما أحدثتُ حدثًا، ولا أويت محدثًا. فرقّ عليه، وقال له: اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذَ بعد قليل فأردّ إليك أو إلى غيرك! فَوجّه معه مَنْ أدَّاه إلى مأمنه. وبلغ الخبرُ الفضلَ بن الربيع، من عين كانت له عليه من خاصِّ خدمه، فعلا الأمرَ، فوجده حقًّا، وانكشف عنده؛ فدخل على الرّشيد فأخبره، فأراه أنه لا يعبأ بخبره. وقال: وما أنت وهذا لا أمّ لك! فلعلّ ذلك عن أمري؛ فانكسر الفضل؛ وجاءه جعفر فدعا بالغدَاء فأكلا، وجعل يلقِّمه ويحادثه، إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال: ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله يا أميرَ المؤمنين في الحبْس الضيِّق والأكبال. قال: بحياتي! فأحجَم جعفر - وكان من أدقّ الخلْق ذهنًا، وأصحِّهم فكرًا - وهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره، فقال: لا وحياتِك يا سيِّدي ولكن أطلقته وعلمْتُ أنه لا حياة به ولا مكروه عنده. قال: نَعِمَ ما فعلتَ؛ ما عدوتَ ما كانَ في نفسي. فلما خرج أتبعه بصرَه حتى كاد أن يتوارَى عن وجهه، ثم قال: قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك! فكان من أمره ما كان.\nوحدّث إدريس بن بدر، قال: عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى، فقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة؛ فادعُ بي إليك، فقال لهرثمة: خذ الرجل إليك، وسلْه عن نصيحته هذه، فسأله، فأبَى أن يخبرَه وقال: هي سرّ من أسرار الخليفة، فأخبر هرثمَة الرشيد بقوله، قال: فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له، قال: فلما كان في الهاجرة انصرف مَنْ كان عنده، ودعا به، فقال: أخْلِني، فالتفت هارون إلى بنيه، فقال: انصرفوا يا فتيان؛ فوثبوا وبقي خاقان وحُسين على رأسه؛ فنظر إليهما الرّجُل، فقال الرّشيد: تَنَحّيا عنّي، ففعلا، ثم أقبل على الرّجل، فقال: هات ما عندك، فقال: على أن تؤمّني! قال: على أن أؤمنك","vol":"11","page":219},{"text":"وأحسن إليك. قال: كنت بحلوان في خانٍ من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دُرّاعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل، ويرحلون إذا رحل، ويكونون منه بصدد يوهمون مَنْ رآهم أنهم لا يعرفونه وهم من أعوانه، ومع كلّ واحد منهم منشور يأمن به إن عُرِض له، قال: أوَ تعرف يحيى بن عبد الله؟ قال: أعرفه قديمًا، وذلك الذي حقّق معرفتي به بالأمس، قال: فصِفه لي، قال: مربوع أسمر رقيق السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن. قال: صدقتَ؛ هو ذاك. قال: فما سمعتَه يقول؟ قال: ما سمعتُه يقول شيئًا؛ غير أني رأيته يصلّي، ورأيت غلامًا من غلمانه أعرفه قديمًا جالسًا على باب الخان، فلمّا فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل، فألقاه في عنقه ونزع جبّة الصوف، فلما كان بعد الزّوال صلى صلاة ظننتُها العصر، وأنا أرمقه؛ أطال في الأولييْن، وخفف في الأخريَيْن، فقال: لله أبوك! لجاد ما حفظت عليه، نعم تلك صلاة العصر؛ وذاك وقتُها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيَك! فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدّوْلة، وأصْلي من مَرْو، ومولدي مدينة السلام، قال: فمنزلك بها؟ قال: نعم؛ فأطرق مليًّا، ثم قال: كَيف احتمالُك لمكروه تُمتحن به في طاعتي! قال: أبلغُ من ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين، قال: كن بمكانك حتى أرجعَ. فطفرَ في حجرة كانت خلف ظهره، فأخرج كيسًا فيه ألفا دينار، فقال: خذ هذه، ودعني وما أدبّر فيك، فأخذها، وضمّ عليها ثيابه، ثم قال: يا غلام، فأجابه خاقان وحسين، فقال: اصفعا ابنَ اللخناء، فصفَعاه نحوًا من مائة صَفعة، ثم قال: أخرِجاه إلي مَنْ بقيَ في الدار، وعمامتُه في عنقه، وقولا: هذا جزاء من يسعى بباطنة أمير المؤمنين وأوليائه! ففعلا ذلك؛ وتحدّثوا بخبره، ولم يعلم بحال الرجل أحد، ولا بما كان ألقى إلى الرشيد؛ حتى كان من أمر البرامكة ما كان.\nوذكر يعقوب بن إسحاق أنّ إبراهيم بن المهديّ حدثه. قال: أتيتُ جعفر بن يحيى في داره التي ابتناها، فقال لي: أمَا تعجب من منصور بن زياد؟ قال: قلت فبماذا؟ قال: سألتُه: هل ترى في داري عيبًا؟ قال: نعم؛ ليس فيها لَبِنَة ولا صُنوبرة، قال إبراهيم: فقلت: الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها نحوًا من عشرين ألف ألف درهم، وهو شيء لا آمنه عليك غدًا بين يدي أمير المؤمنين، قال: هو يعلم أنه قد وصلني بأكثر من ذلك وضعف ذلك، سوى ما عرّضني له.","vol":"11","page":220},{"text":"قال: قلت: إن العدوّ إنما يأتيه في هذا من جهة أن يقول: يا أميرَ المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم، فأين نفقاته! وأين صِلاته! وأين النوائب التي تنوبه! وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك! وهذه جملة سريعة إلى القلب، والموقف على الحاصل منها صعب. قال: إن سمع منِّي قلتُ: إن لأمير المؤمنين نعمًا على قوم قد كفروها بالسَّتر لها أو بإظهار القليل من كثيرها؛ وأنا رجلٌ نظرت إلى نعمته عندي، فوضعتها في رأس جبل، ثم قلت للناس: تعالوْا فانظروا.\nوذكر زيد بن عليّ بن حسين بن زيد أنّ إبراهيم بن المهديّ حدثه أن جعفر بن يحيى، قال له يومًا - وكان جعفر بن يحيى صاحبَه عند الرشيد، وهو الذي قرّبه منه: إني قد استربت بأمر هذا الرجل - يعني الرشيد - وقد ظننتُ أن ذلك لسابق سبق في نفسي منه، فأردتُ أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت، فارمق ذلك في يومك هذا، وأعلمني ما ترى منه. قال: ففعلتُ ذلك في يومي، فلما نهض الرّشيد من مجلسه كنتُ أوّل أصحابه نهض عنه، حتى صرت إلى شجرٍ في طريقي، فدخلتها ومَنْ معي، وأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرُّون بي واحدًا واحدًا، فأراهم ولا يروْني؛ حتى إذا لم يبق منهم أحد، إذا أنا بجعفر قد طلع، فلما جاوز الشجر قال: اخرج يا حبيبي، قال: فخرجت، فقال: ما عندك؟ فقلت: حتى تعلمني كيف علمتَ أني ها هنا؛ قال: عرفت عنايتَك بما أعنى به، وأنك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه، وعلمتُ أنَّك تكره أن تُرى واقفًا في مثل هذا الوقت، وليس في طريقك موضع أستر من هذا الموضع، فقضيتُ بأنك فيه، قلت: نعم، قال: فهاتِ ما عندك، قلت: رأيت الرّجل يهزل إذا جددتَ، ويجدّ إذا هزلتَ. قال: كذا هو عندي، فانصرف يا حبيبي. قال: فانصرفت.\nقال: وحدّثني عليّ بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يومًا يقول: ليس لدارنا هذه عيب؛ إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء - يعني نفسه.\nوذكر عن موسى بن يحيى، قال: خرج أبي إلى الطواف في السنة التي أصيب فيها، وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلّق بأستار الكعبة، ويردّد الدعاء، ويقول: اللهمّ ذنوبي جمّة عظيمة لا يحصيها غيرُك، ولا يعرفها سواك. اللهمّ إن","vol":"11","page":221},{"text":"كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا؛ وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة.\nقال: وحدّثني أحمد بن الحسن بن حرب، قال: رأيتُ يحيى وقد قابل البيت، وتعلق بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبَني نعمتك عندي فاسلبني، اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبَني أهلي وولدي فاسلبني؛ اللهمّ إلا الفضل. قال: ثم ولّى ليمضي؛ فلما قرب من باب المسجد كرّ مسرعًا، ففعل مثَل ذلك، وجعل يقولُ: اللهمّ إنه سمِجٌ بمثلي أن يرغب إليك ثم يستثني عليك ... اللهم والفضل. قال: فلما انصرفوا من الحجّ نزلوا الأنبار، ونزل الرشيد بالعُمْر ومعه وليّا العهد؛ الأمين والمأمون، ونزل الفضل مع الأمين، وجعفر مع المأمون، ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه، ومحمد بن يحيى في منزل ابن نوح صاحب الطِّراز، ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعُمر مع الرشيد، قال: وخلا الرشيد بالفضل ليلًا، ثم خلع عليه وقلّده، وأمره أن ينصرف مع محمد الأمين، ودعا بموسى بن يحيى فرضِيَ عنه وكان غضب عليه بالحيرة في بدأته، لأن علي بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في أمر خُراسان وأعلمه طاعة أهلها له، ومحبتهم إياه، وأنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال إليهم والوثوب به معهم؛ فوقر ذلك في نفس الرّشيد عليه وأوحشه منه؛ وكان موسى أحد الفرسان الشجعان، فلما قدح عليّ بن عيسى فيه أسرع ذلك في الرشيد، وعمل فيها القليل منه، تم ركب موسى دَيْنٌ، واختفى من غرمائه، فتوهّم الرشيد أنه صار إلى خراسان؛ كما قيل له، فلما صار إلى الحيرة في هذه الحجّة وافاه موسى من بغداد، فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفة؛ فكان ذلك أول ثلمة ثُلموا بها؛ فركبت أمّ الفضل بن يحيى في أمره، ولم يكن يردّها في شيء، فقال: يضمنه أبوه فقد رُفع إليّ فيه، فضمنه يحيى ودفعه إليه، ثم رضي عنه، وخلع عليه، وكان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى، وتقل مكانه عليه لتركه الشّرب معه؛ فكان الفضل يقول: لو علمتُ أن الماء ينقص من مروءتي ما شربته؛ وكان مشغوفًا بالسماع. قال: وكان جعفر يدخل في منادمة الرشيد؛ حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته، ويأمره بترك الأنس به، فيترك أمرَ أبيه، ويدخل معه فيما يدعوه إليه.","vol":"11","page":222},{"text":"وذكر عن سعيد بن هريم أنّ يحيى كتب إلى جعفر حين أعيتْه حيلته فيه: إني إنما أهملتك ليعثر الزّمان بك عثرة تعرف بها أمرك؛ وإن كنت لأخشى أن تكون التي لا شوَى لها. قال: وقد كان يحيى قال للرشيد: يا أمير المؤمنينَ، أنا والله أكره مداخلة جعفر معك؛ ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك عليّ منك، فلو أعقبته واقتصرت به على ما يتولّاه من جسيم أعمالك، كان ذلك واقعًا بموافقتي، وآمن لك عليّ. قال الرّشيد: يا أبت ليس بك هذا؛ ولكنك إنما تريد أن تقدّم عليه الفضل.\nوقد حدثني أحمد بن زبير - أحسِبه عن عمّه زاهر بن حرب - أنّ سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرّشيد كان لايصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهديّ، وكان يُحضرهما إذا جلس للشرب؛ وذلك بعد أن أعلم جعفرًا قلّةَ صبره عنه وعنها، وقال لجعفر: أزوّجكُها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي، وتقدّم إليه ألا يمسَّها، ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته؛ فزوّجها منه على ذلك، فكان يُحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويُخليها، فيثْمُلان من الشراب، وهما شابّان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، فحملت منه وولدت غلامًا، فخافت على نفسها من الرّشيد إن علم بذلك، فوَجّهت بالمولود مع حَواضِنَ له من مماليكها إلى مكّة، فلم يزل الأمر مستورًا عن هارون، حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شرّ، فأنهت أمرَها وأمر الصبيّ إلى الرشيد، وأخبرته بمكانه؛ ومع مَن هو من جواريها، وما معه من الحلْي الذي كانت زيَّنته به أمه؛ فلما حجّ هارون هذه الحَجْة، أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبيّ به مَنْ يأتيه بالصبيّ وبمَنْ معه من حواضنه، فلمَّا أحضِروا سأل اللواتي معهنّ الصبيّ، فأخبرنَه بمثل القصة التي أخبرتْه بها الرافعة على عبَّاسة، فأراد - فيما زُعم - قتلَ الصبيّ، ثم تحوّب من ذلك (١).\n_________\n(١) هذا خبر منكر قال ابن خلدون: وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده. والعباسة بنت محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد بن علي أبي الخلفاء بن عبد الله ترجمان القرآن بن العباس عم النبي - ﷺ -، ابنة خليفة وأخت =","vol":"11","page":223},{"text":"وكان جعفر يتَّخذ للرشيد طعامًا كلما حجّ بعُسفان فيقربه إذا انصرف شاخصًا من مكة إلى العراق، فلما كان في هذا العام، اتّخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك، ثم استزاره فاعتلّ عليه الرشيد، ولم يحضر طعامه، ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار؛ فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكر إن شاء الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>ذكر الخبر عن مقتل جعفر</span>\nذكر الفضل بن سليمان بن عليّ أن الرشيد حجّ في سنة ست وثمانين ومائة.\nوأنه انصرف من مكة، فوافى الحِيرة في المحرّم من سنة سبع وثمانين ومائة عند انصرافه من الحجّ، فأقام في قصر عون العِباديّ أيامًا، ثم شخص في السّفن حتى نزل العُمْر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرّم، أرسل مسرورًا الخادم ومعه حمّاد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند،\n_________\n= خليفة، محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول وعمومته وإمامة الملة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها، قريبة عهد ببداوة العروبة وسذاجة الدين، البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها؟ أو أين توجد الطهارة والزّكاء، إذا فقد من بيتها؟\nيقول ابن خلدون أيضًا: وغايته إن جذبت دولتهم في ضَبْعه وَضَبْعِ أبيه، واستخلصتهم ورقَتهم إلى منازل الأشراف وكيف يسوغ من الرّشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همته وعظم (إبائه)؟ ولو نظر المتأمّل في ذلك نظر المنصف، وقاس العباسة بابنة ملك من (أعاظم) ملوك زمانه، لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها، وفي سلطان قومها، واستنكره ولجّ في تكذيبه. وأين قدر العبّاسة والرّشيد من النّاس؟ [مقدمة ابن خلدون/ ٤٤].\nقلت: وإضافة إلى ما قاله ابن خلدون فإن الطرف الآخر كذلك كان لا يسمح لنفسه ارتكاب هذا القبح فالوزير البرمكي (جعفر بن يحيى) تعلّم عند قاضي القضاة أبي يوسف وكان رجلا شهمًا ذا خلق رفيع ينفق سرًّا على علماء أهل السنة والجماعة كسفيان بن عيينة فكيف لمثل هذا الرجل أن يرتكب ما ذكرته هذه الرواية المنكرة؟ ! وسامح الله الطبري كيف ينقل هذه التهمة والقذف بسندٍ يظنه ظنًّا ويشك فيه بقوله (أحسبه عن عمه زاهر بن حرب) وزاهر هذا مجهول - والله أعلم -.","vol":"11","page":224},{"text":"فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلًا، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبّب وأبو زكّار الأعمى المغنِّي الكلوذانيّ، وهو في لهوه، فأخرجه إخراجًا عنيفًا يقوده، حتى أتى به المنزل الذي فيه الرّشيد، فحبسه وقيَّده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به، فأمر بضرب عنقه، ففعل ذلك.\nوذكر عن عليّ بن أبي سعيد أن مسرورًا الخادم، حدثه قال: أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لَمَّا أراد قتله، فأتيته وعنده أبو زكّار الأعمى المغنّي وهو يغنيّه:\nفلا تَبْعَد فكلُّ فتىً سيأْتي ... عليه الموتُ يَطرق أَو يغادِي\nقال: فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك، أجبْ أمير المؤمنين. قال: فرفع يديْه، ووقع على رجليّ يقبلهما، وقال: حتى أدخل فأوصي، قلت: أما الدّخول فلا سبيل إليه، ولكن أوْصِ بما شئت، فتقدّم في وصيَّته بما أراد، وأعتق مماليكه، ثم أتتني رسلُ أمير المؤمنين تستحثُّني به، قال: فمضيتُ به إليه فأعلمته، فقال لي وهو في فراشه: ائتني برأسه، فأتيت جعفرًا فأخبرته، فقال: يا أبا هاشم، الله الله! والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران؛ فدافعْ بأمري حتى أصبح أؤامِره فيّ ثانية، فعدت لأؤامره، فلما سمع حسّي، قال: يا ماصّ بَظْر أمّه، ائتني برأس جعفر! فعدتُ إلى جعفر، فأخبرته، فقال: عاوده فيّ ثالثة، فأتيته، فحذفني بعمود ثم قال: نُفيت من المهديّ إن أنت جئتَني ولم تأتني برأسه، لأرسلنّ إليك مَنْ يأتيني برأسك أولًا، ثم برأسه آخرًا. قال: فخرجت فأتيته برأسه.\nقال: وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، ومن كان منهم بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضرًا، وحوّل الفضل بن يحيى ليلًا فحُبس في ناحية من منازل الرّشيد، وحُبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجّه من ليلته رَجَاء الخادم إلى الرَّقة في قبض أموالهم وما كان لهم؛ وأخذ كل ما كان من رقيقهم وحشمهم، وولاه أمورهم، وفرّق الكتب من ليلته إلى جميع العمَّال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأخذ وكلائهم. فلمّا أصبح بعث بجُثَّة","vol":"11","page":225},{"text":"جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتانيّ وهَرْثمَة بن أعْيَن وإبراهيم بن حميد المَرْورُّوذيّ، وأتبعهم عدّةً من خدمه وثقاته؛ منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى، وجعل معه هرثمة بن أعين، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السنديّ الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصْب رأسه على الجسر الأوسط وقطْع جثّته، وصلْب كلّ قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل. ففعل السنديّ ذلك، وأمضى الخدم ما كانُوا وجّهوا فيه، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرّشيد، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداء في جميع البرامكة: ألّا أمان لمن آواهم إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه؛ فإنه استثناهم؛ لما ظهر من نصيحة محمد له، وعَرَفَ براءته ممَّا دخل فيه غيره من البرامكة. وخلّى سبيل يحيى قبل شخوصه من العُمْر، ووكَّل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى، وبأبي المهديّ صهرهم حَفظةً من قِبل هَرْثمَة بن أعين، إلى أن وافَى بهم الرّقة، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيْخ يوم قدِم الرّقة، وتولَّى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب. وحُبِس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دَير القائم، وجعل عليهم حفظة من قِبل مسرور الخادم وهَرْثمة بن أعين، ولم يفرّق بينهم وبين عدّة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه، وصيّر معهم زُبيدة بنت مُنير أمّ الفضل ودَنانير جارية يحيى وعدّة من خَدَمهم وجواريهم. ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمّهم بالتثقيف بسخطه، وجُدّد له ولهم التّهمة عند الرّشيد، فضيّق عليهم.\nوذكر الزبير بن بكار أنّ جعفر بن الحسين اللِّهبِيّ حدثه أن الرشيد أُتِيَ بأنس بن أبي شيخ صبح الليلة التي قتل فيها جعفر بن يحيى، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج الرشيد سيفًا من تحت فراشه، وأمر أن تضرَب عنقه، وجعل يتمثَّل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك:\nتَلَمَّظَ السَّيْفُ من شوْق إِلى أَنسٍ ... فَالسيف يَلحَظُ وَالأَقدارُ تَنْتَظِرُ\nقال: فضرب عنقه، فسبق السيف الدم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. وقال الناس: إن السيف كان سيف الزبير بن العوام.","vol":"11","page":226},{"text":"وذكر بعضهم أن عبد الله بن مُصعب كان على خَبر الناس للرشيد، فكان خبره عن أنس أنه على الزندقة، فقتله لذلك، وكان أحد أصحاب البرامكة.\nوذكر محمد بن إسحاق أنّ جعفر بن محمد بن حكيم الكوفيّ، حدّثه قال: حدّثني السنديّ بن شاهك، قال: إني لجالسٌ يومًا، فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد، ودفع إليَّ كتابًا صغيرًا، ففضضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم: يا سنديّ، إذا نظرت في كتابي هذا، فإن كنت قاعدًا فقم، وإن كنت قائمًا فلا تقعد حتى تصير إليّ. قال السنديّ: فدعوت بدوابي، ومضيت، وكان الرشيد بالعُمر؛ فحدّثني العباس بن الفضل بن الربيع، قال: جلس الرّشيد في الزوّ في الفرات ينتظرك، وارتفعت غبرةٌ، فقال لي: يا عباس، ينبغي أن يكون هذا السنديّ وأصحابه! قلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبهه أن يكون هو! قال: فطلعت. قال: السنديّ: فنزلت عن دابتي، ووقفت، فأرسل إليّ الرشيد فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم: قوموا، فقاموا فلم يبقَ إلّا العباس بن الفضل وأنا، ومكث ساعة، ثم قال للعباس: اخرج ومُرْ برفع التخاتج المطروحة على الزّوّ، ففعل ذلك، فقال لي: ادنُ مني: فدنوت منه، فقال لي: تدري فيمَ أرسلت إليك؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: قد بعثت إليك في أمر لو علم به زرّ قميصي رميتُ به في الفرات، يا سندي مَنْ أوثق قوَّادي عندي؟ قلت: هرثمة، قال: صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟ قلت: مسرور الكبير، قال: صدقت، امض من ساعتك هذه وجدّ في سيرك حتى توافي مدينةَ السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومُرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الزُّجَل، فصر إلى دور البرامكة، فوكل بكلّ باب من أبوابهم صاحب ربع، ومرْه أن يمنع مَنْ يدخل ويخرج - خلا باب محمد بن خالد - حتى يأتيَك أمري. قال: ولم يكن حرّك البرامكة في ذلك الوقت. قال السنديّ: فجئت أركض، حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي، وفعلت ما أمرني به. قال: فلم ألبث أن أقدم عليّ هرثمة بن أعين، ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف، مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أشطره باثنين؛ وأن أصلبه على ثلاثة جسور. قال: ففعلت ما أمرني به.","vol":"11","page":227},{"text":"قال محمد بن إسحاق: فلم يزل جعفر مصلوبًا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خُراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلما صار بالجانب الشرقيّ على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جُشم الشاري من الحبْس، وأمر أحمد بن الجنيد الخُتّليّ - وكان سيّافه - فضرب عنقه، ثم التفت إلى السنديّ، فقال: ينبغي أن يحرق هذا - يعني جعفرًا - فلما مضى، جمع السنديّ له شوكًا وحطبًا وأحرقه.\nوقال محمد بن إسحاق: لما قتل الرّشيد جعفر بن يحيى، قيل ليحيى بن خالد: قتل أمير المؤمنين ابنَك جعفرًا، قال: كذلك يُقتَل ابنُه، قال: فقيل له: خربت ديارك، قال: كذلك تُخرَب دورهم.\nوذكر الكرمانيّ أن بشارًا التركيّ حدّثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعُمْر في اليوم الذي قتل جعفرًا في آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر بن يحيى معه، قد خلَا به دون ولاة العهد، وهو يسير معه، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلَّفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب، فلما أراد الدخول ضمَّه إليه، وقال له: لولا أني على الجلوس الليلة مع النّساء لم أفارقك، فأقم أنت في منزلك، واشرب أيضًا واطرب؛ لتكون أنت في مثل حالي، فقال: لا والله ما أشتهي ذلك إلّا معك، فقال له: بحياتي لما شربت؛ فانصرف عنه إلى منزله؛ فلم تزل رسُل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسرورًا فحبس عنده، وأمر بقتله وحَبْس الفضل ومحمد وموسى، ووكَّل سلامًا الأبرش بباب يحيى بن خالد، ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لأحدٍ من ولده وحَشمه.\nقال: فحدثني العباس بن بزيع عن سلّام، قال: لمّا دخلت على يحيى في ذلك الوقت - وقد هُتكت الستور وجُمع المتاع - قال لي: يا أبا سلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلّام: فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه، فأطرق مفكّرًا (١).\nقال: وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن عليّ، قال: كان سكني إلى يحيى، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشيَّة التي كان آخر أمره،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١١٤).","vol":"11","page":228},{"text":"وقد صار إلى أمير المؤمنين في حَرّاقته، فدخل إليه من باب صاحب الخاصّة، فكلَّمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاخ الثغور وغزو البحر، ثم خرج، فقال للناس: قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم، وبعث إلى أبي صالح يحيى بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدّثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب، ووافانا في وقت السّحَر خبرُ مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه، فكتب إليّ: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد. وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد.\nوفي ذلك يقول الرّقاشيّ:\nأَيا سَبْتُ يا شرّ السُّبوتِ صَبيحةً ... ويا صفَرُ الَمشْؤُوم ما جئتَ أَشأَما\nأَتَى السَّبْتُ بالأَمْرِ الَّذي هَدَّ ركنَنا ... وفي صَفَرٍ جاءَ البلاءُ مُصَمّما\nقال: وذُكر عن مسرور أنه أعلم الرّشيد أن جعفرًا سأله أن تقع عينه عليه، فقال: لا، لأنه يعلم إن وقعت عيني عليه لم أقتله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>[ما قيل في البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم]</span>\nقال: وفيهم يقول الرّقاشيّ، وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس:\nالآنَ استرحنا واستراحت ركابُنَا ... وأَمسَكَ من يُجْدِي ومن كانَ يَجْتَدِي\nفَقُلْ لِلمَطَايا قد أَمِنتِ من السُّرَى ... وطَيّ الفيافي فَدْفَدًا بعدَ فَدفَدِ\nوقُلْ للمَنايا: قد ظَفِرتِ بجَعْفرٍ ... ولن تَظفَرِي من بعدهِ بمُسَوَّدِ\nوقُلْ للعطايا بَعدَ فضلٍ تَعَطَّلِي ... وقُلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجَدَّدي\nودُونَكِ سيفًا برمكيًّا مُهَنَّدًا ... أُصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مُهَنَّدِ\nوفيهم يقول في شعر له طويل:\nإِن يغدُر الزَّمَنُ الخَؤون بنا فَقدْ ... غَدَرَ الزَّمَان بجعفرٍ ومُحَمَّدِ\nحَتَّى إِذا وضح النهارُ تكشَّفَتْ ... عن قتلِ أَكْرَمِ هَالك لم يُلحَدِ\nوالبيضُ لوْلا أَنَّهَا مأْمُورةٌ ... ما فُلَّ حدُّ مُهَنَّدٍ بمهنَّد\nيا آلَ برمَكَ كَمْ لكُمْ من نائِلٍ ... ونَدىً، كَعَدِّ الرَّملِ غيْرَ مُصَرَّدِ","vol":"11","page":229},{"text":"إِنَّ الخليفةَ - لا يُشكُّ - أَخوكُمُ ... لكنَّه في برمَكٍ لم يُولَدِ\nنازعتموه رضاعَ أَكرم حُرَّةٍ ... مخلوقَةٍ من جَوْهرٍ وزبرجدِ\nمَلكٌ له كانت يدٌ فَيَّاضَةٌ ... أَبدًا تَجودُ بطارفٍ وبمُتلَدِ\nكانت يدًا للجودِ حتى غلَّها ... قَدَرٌ فأَضحى الجود مغلولَ اليدِ\nوفيهم يقول سيف بن إبراهيم:\nهوَت أَنجُمُ الجَدوَى وشَلَّت يدُ النَّدَى ... وغاضَت بُحورُ الجودِ بعدَ البرامِكِ\nهوت أَنجمٌ كانت لأَبناء برمكٍ ... بها يعرِفُ الحادي طريقَ المسالكِ\nوقال ابن أبي كريمة:\nكلُّ مُعيرٍ أعِيرَ مَرتَبَةً ... بعدَ فتى برمكٍ على غَرَرِ\nصالَت عليه من الزمان يدٌ ... كان بها صائلًا على البَشرِ\nوقال العطويّ أبو عبد الرحمن:\nأَمَا والله لولَا قولُ واشٍ ... وعَينٌ للخليفة لا تنامُ\nلطُفْنَا حَوْلَ جِذعكَ واستلَمْنا ... كما للنَّاس بالحَجِر اسْتلامُ\nعلَى الدنيا وَساكنِها جميعًا ... وَدَوْلَةِ آل برمكٍ السّلامُ\nوفي قتل جعفر قال أبو العتاهة:\nقُولا لمنْ يَرْتَجِي الحياةَ أمَا ... في جَعْفرٍ عِبرَةٌ وَيَحياهُ!\nكانَا وَزيرَيْ خليفة الله ها ... رونَ همَا ما هما خليلَاهُ\nفذاكُم جعفرٌ برُمَّتِهِ ... في حالق رَأسُهُ ونِصفاهُ\nوالشيخُ يحيى الوزيرُ أَصبحَ قد ... نحَّاهُ عن نفْسِه وَأَقصاهُ\nشُتِّتَ بعدَ التجميع شملُهُمُ ... فأَصْبَحُوا في البلاد قد تاهُوا\nكذاكَ مَن يُسْخِطِ الإِلَه بما ... يُرضِي به العبدَ يَجزهِ اللهُ\nسبْحانَ من دانَتِ الملوك له ... أَشهدُ أَن لا إله إِلا هُو\nطُوبَى لمن تابَ بعدَ غِرَّتِهِ ... فتابَ قبلَ المماتِ، طُوبَاهُ!\n* * *\nقال: وفي هذه السنة هاجت العصبيّة بدمشق بين المضريَّة واليمانية، فوجَّه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم.\nوفيها زُلزلت المَصِّيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة الليل.","vol":"11","page":230},{"text":"وفيها خرج عبد السلام بآمِد، فحكّم، فقتله يحيى بن سعيد العُقَيْليّ.\nوفيها مات يعقوب بن داود بالرّقَّة.\nوفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه.\n* ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه:\nذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن، كان من رجال الناس، وكان عبد الملك يكنى به؛ وكان لابنه عبد الرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبد الملك وقُمامة، فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع؛ فذُكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه، فقال له الرّشيد: أكفرًا بالنعمة، وجحودًا لجليل المنّة والتكرمة! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لقد بؤتُ إذًا بالندم، وتعرّضت لاستحلال النِّقم؛ وما ذاك إلا بغيُ حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله - ﷺ - في أمَّته، وأمينُه على عِترته، لك فيها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدْل في حكمها والتثبّت في حادثها، والغفران لذنوبها. فقال له الرشيد: أتَضع لي من لسائك، وترفع لي من جنانك! هذا كاتبك قُمامة يخبر بغلّك، وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده؛ ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني. وأحضِر قُمامة، فقال له الرشيد: تكلَّم غير هائب ولا خائف، قال: أقول: إنه عازم على الغدْر بك والخلاف عليك، فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة! قال قمامة: نعم، لقد أردتَ ختْل أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: كيف لا يكذِب عليّ من خلفي وهو يبهتني في وجهي! فقال له الرّشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك وفساد نيَّتك، ولو أردتُ أن أحتجّ عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك، فبم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بن صالح: هو مأمور، أو عاقّ مجبور؛ فإن كان مأمورًا فمعذور، وإن كان عاقًّا ففاجر كفور؛ أخبر الله ﷿ بعداوته، وحذّر","vol":"11","page":231},{"text":"منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١).\nقال: فنهضَ الرشيد، وهو يقول: أمّا أمرك فقد وَضح؛ ولكني لا أعجَل حتى أعلم الذي يُرضي الله فيك؛ فإنه الحكم بيني وبينك. فقال عبد الملك: رضيتُ بالله حكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكمًا؛ فإني أعلم أنه يُؤثر كتابَ الله على هواه، وأمرَ الله على رضاه.\nقال: فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلَّم لما دخل، فلم يردّ عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يومًا أحتجّ فيه، ولا أجاذب منازعًا وخصمًا. قال: ولمَ؟ قال: لأنّ أوله جرى على غير السنَّة؛ فأنا أخاف آخره. قال: وما ذاك؟ قال: لم تردّ عليّ السلام، أنصفْ نَصفة العوام. قال: السلام عليكم؛ اقتداء بالسنة، وإيثارًا للعدل، واستعمالًا للتحية. ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:\nأريدُ حيَاتَهُ ويُريدُ قتلى .... البيت.\nثم قال: أما والله لكأني أنظرُ إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع؛ وكأني بالوعيد قد أورى نارًا تَسْطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم؛ فمهلًا؛ فَبِي والله سُهِّل لكم الوعْر، وصفاْ لكمِ الكدر، وألقت إليكم الأمورُ أثناء أزمَّتها، فنذار لكم نذار، قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرِّجْل. فقال عبد الملك: اتقّ الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلتُ لك النصيحة، ومحضتُ لك الطاعة، وشددت أواخِيَ ملكك بأثقل من رُكْنيْ يَلمْلَم، وتركتُ عدوّك مشتغلًا فالله اللهَ في ذي رحمِك أن تقطَعه، بعد أن بللتَه بظنّ أفصح الكتابُ لي بعضَه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويالَغُ الدم، فقد والله سهّلتُ لك الوعور، وذَلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من ليلِ تمام فيك كابدْتُه، ومقام ضيّق قمته؛ كنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:\nوَمَقامٍ ضَيّق فَرَجتُه ... بِبَناني وَلساني وَجَدَلْ\n_________\n(١) سورة التغابن: ١٤.","vol":"11","page":232},{"text":"لو يقومُ الفيلُ أَو فَيَّالهُ ... زَلَّ عن مِثلِ مقامي وزَحَلْ\nقال: فقال له الرّشيد: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقَك.\nوذكر زيد بن عليّ بن الحسين العلويّ، قال: لمّا حبس الرشيد عبد الملك بن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك - وهو يومئذ على شُرطه - فقال: أفي إذن أنا فأتكلم؟ قال: تكلم، قال: لا، والله العظيم يا أمير المؤمنين، ما علمتُ عبدَ الملك إلا ناصحًا، فعلام حبستَه! قال: ويحك! بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابنيَّ هذين - يعني الأمين والمأمون - فإن كنتَ ترى أن نطلِقه من الحبس أطلقناه. قال: أمّا إذْ حبستَه يا أمير المؤمنين، فلست أرى في قرِب المدة أن تطلقه؛ ولكن أرى أن تحبسه محبسًا كريمًا يشبه محبس مثلِك مثله. قال: فإني أفعل. قال: فدعا الرّشيد الفضلَ بن الربيع، فقال: امضِ إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسِه، فقل له: انظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمُرْ به حتى يقام لك؛ فذكر قصته وما سأل.\nقال: وقال الرّشيد يومًا لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلَّمه: ما أنت لصالح! قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان الجعديّ، قال: ما أبالي أيّ الفحْلين غلب عليّ؛ فحبسه الرّشيد عند الفضل بن الربيع، فلم يزل محبوسًا حتى تُوُفّي الرشيد، فأطلقه محمد، وعقد له على الشأم؛ فكان مقيمًا بالرّقة، وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه: لئن قتِل وهو حيّ لا يعطي المأمون طاعةً أبدًا. فمات قبل محمد، فدُفن في دار من دور الإمارة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له: حوّل أباك من داري، فنُبشَتْ عظامه وحُوّلت، وكان قال لمحمد: إن خفتَ فالجأ إليّ، فولله لأصوننَّك.\nوذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بن خالد: إن عبد الملك بن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك، وقد علمتَ ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتُك إلى حالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما اطّلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطّلعت عليه لكنت صاحبه دونك؛ لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشرّ كان فيه عليّ ولي؛ فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمَع في ذلك مني! وهل كنتُ إذا فعلْتُ ذلك به يَفعل بي أكثر من فعلك! أعيذك بالله أن تظنّ بي هذا الظنّ؛ ولكنَّه كان","vol":"11","page":233},{"text":"رجلًا محتملًا، يسرّني أن يكون في أهلك مثله، فوليتَه، لما أحمدت من مذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله. قال: فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه، فقال: إن أنت لم تقرّ عليه قتلتَ الفضل ابنك، فقال له: أنت مسلّط علينا فافعل ما أردت، على أنه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي، فبمَ يدخل الفضل في ذلك! فقال الرسول للفضل: قم؛ فإنه لا بدّ لي من إنفاذ أمير المؤمنين فيكَ؛ فلم يشكّ أنه قاتله، فودّع أباه، وقال له: ألستَ راضيًا عني؟ قال: بلى، فرضي الله عنك. ففرّق بينهما ثلاثة أيام؛ فلما لم يجد عنده من ذلك شيئًا جمعهما كما كانا.\nوكان يأتيهم منه أغلظ رسائل، لمَا كان أعداؤهم يقرِفونهم به عنده، فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما أعلمه، بلغ من يحيى، فأخرج ما في نفسه، فقال له: قل له: يُقتَل ابنُك مثله. قال مسرور: فلما سكن عن الرشيد الغضب، قال: كيف قال؟ فأعدت عليه القول، قال: قد خفت والله قولَه، لأنه قلَّما قال لي شيئًا إلا رأيتُ تأويله.\nوقيل: بينما الرّشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح، إذ هتف به هاتف وهو يُساير عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، طأطئ من إشرافه وقصِّر من عنانه، واشدُدْ من شكائمه؛ وإلّا أفسد عليك ناحيته. فالتفت إلى عبد الملك، فقال: ما يقول هذا يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: مقال باغٍ ودسيس حاسد؛ فقال له هارون: صدقت، نَقَصَ القوم ففضلتَهم، وتَخَلَّفُوا وتقدّمتَهم؛ حتى برز شأوك، فقصّر عنه غيرُك؛ ففي صدورهم جَمرات التخلّف، وحزازات النقص. فقال عبد الملك: لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدًا دائمًا أبدًا.\nوقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مرّ بمنبج وبها مستقر عبد الملك:\nهذا منزلك؟ قال: هو لك يا أمير المؤمنين! ولي بك. قال: كيف هو؟، قال: دون بناء أهلي وفوق منازل منبج، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحرو كله.\nوفي ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:\nإِمامَ الهُدَى أَصبَحْتَ بالدِّينِ مَعْنِيًّا ... وأَصبَحتَ تسْقِي كلَّ مُسْتمطِرٍ رِيَّا\nلك اسْمانِ شُقَّا مِنْ رَشادٍ وَمِنْ هُدىً ... فأَنْتَ الذِي تدعى رَشيدًا ومَهْدِيًّا\nإِذا ما سَخِطْتَ الشَّيءَ كانَ مُسَخَّطًا ... وإنْ تَرْضَ شيئًا كانَ في الناس مَرْضِيًّا","vol":"11","page":234},{"text":"بَسَطتَ لنا شَرْقًا وَغَرْبًا يَدَ العُلا ... فأَوْسَعْتَ شَرقِيًّا وَأَوْسعْتَ غَرْبِيًا\nووشَّيتَ وجْه الأَرضِ بالجُودِ والنَّدَى ... فأصبح وجْهُ الأَرضِ بالجودِ مَوْشيَّا\nقَضَى اللهُ أَنْ يَصفُو لهارونَ مُلكُهُ ... وكَانَ قَضاءُ اللهِ في الخَلق مَقضِيّا\nتحَلَّبَتِ الدنيا لهارونَ بالرِّضا ... فأَصبَحَ نِقْفُورٌ لهارونَ ذِمَيّا (١)\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله (٢).\nذُكر عن صالح الأعمى - وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نَهيك - قال: كان إبراهيم بن عثمان كثيرًا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعًا عليهم، وحبًّا لهم، إلى أن خَرج من حدّ البكاء، ودخل في باب طالبي الثأر والإحَن، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ، قال: يا غلام، سيفي ذا المنيّة - وكان قد سمى سيفه ذا المنيَّة - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه، ثم يقول: واجعفراه! واسيّداه! والله لأقتلنّ قاتلك، ولأثأرنّ بدمك عن قليل! فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عُثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله، فدخل الفضلَ فأخبر الرشيد، فقال: أدخله، فدخل، فقال: ما الذي قال الفضل عنك؟ فأخبره بقول أبيه وفعله، فقال الرشيد: فهل سمع هذا أحدٌ معك؟ قال: نعم خادمه نوال، فدعا خادمه سرًّا فسأله، فقال: لقد قال ذاك غير مرّة ولا مرتيْن، فقال الرّشيد: ما يحلّ لي أن أقتل وليًّا من أوليائي بقول غلام وخَصِيّ، لعلهما تواصَيا على هذه المنافسة؛ الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم لطول الصحبة، فترك ذلك أيامًا، ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تُزيل الشكَّ عن قلبه، والخاطر عن وهمِه، فدعا الفضلَ بن الربيع، فقال: إني أريد محنَة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه؛ فإذا رُفع الطعام فادع بالشراب، وقل له: أجب أميرَ المؤمنين فينادمك؛ إذْ كنت منه بالمحلّ الذي أنت به، فإذا\n_________\n(١) هذه الأبيات مقحمة هنا وهي منسوبة لأبي العتاهية زورًا فالمعروف عن أبي العتاهية أنه شاعر زاهد ناسك والوعظ ظاهر في شعره وما كان يخشى أن يعظ الخليفة في مجلس نعيمه وعلى مائدة طعامه فكيف يقول في الرشيد هذه الأبيات التي تصفه بصفات تكاد تخرجه من البشرية والعياذ بالله راجع ما ذكر قي سيرة المنصور وما كاد الرشيد ليقبل بهذا التملق والمدح الخارج عن الحد ومن قرأ لأبي العتاهية يعلم أن هذه الأبيات ليست له. والله تعالى أعلم.\n(٢) أي مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وأصل الخبر مذكور في القسم الصحيح.","vol":"11","page":235},{"text":"شرب فاخرج وخلِّنِي وإياه، ففعل ذلك الفضل بن الربيع؛ وقعد إبراهيم للشراب، ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام، فقال له الرشيد: مكانك يا إبراهيم، فقعد، فلما طابت نفسه، أومأ الرّشيد إلى الغلمان فتنحّوْا عنه، ثم قال: يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السرّ منك؟ قال: يا سيّدي إنما أنا كأخصّ عبيدك، وأطوع خدمك؛ قال: إنّ في نفسي أمرًا أريد أن أودعَكه، وقد ضاق صدري به، وأسهرتُ به ليلي، قال: يا سيدي إذًا لا يرجع عني إليك أبدًا، وأخفيه عن جنبي أن يَعلمه، ونفسي أن تذيعه. قال: ويحك! إني ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامةً ما أحسن أن أصفَها، فوددت أني خرجت من مُلْكِي وأنه كان بقي لي؛ فما وجدت طعم النوم منذ فارقتُه، ولا لذّة العيش منذ قتلته! قال: فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه، وأذرى عبرته، وقال: رحم الله أبا الفضل، وتجاوز عنه! والله يا سيدي لقد أخطأتَ في قتله، وأوطِئت العَشْوة في أمره! وأين يوجد في الدنيا مثله! وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين دينًا. فقال الرشيد: قم عليك لعنة الله يا بن اللخناء! فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمه، فقال: يا أمّ، ذهبت والله نفسي، قالت: كلّا إن شاء الله، وما ذاك يا بنيّ؟ قال: ذاك أنّ الرشيد امتحننِي بمحنة والله، ولو كان لي ألف نفسي لم أنجُ بواحدة منها. فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه - فضربه بسيفه حتى مات - إلا ليالٍ قلائل.\nوحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة، ودخوله أرض الروم من درب الصفصاف فخرج للقائه نقفور، فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه","vol":"11","page":236},{"text":"فانصرف، ومر بقوم من المسلمين فجرح ثلاث جراحات، وانهزم، وقتل من الروم - فيما ذكر أربعون ألفًا وسبعمائة وأخذ أربعة آلاف دابة.\nوفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق.\nوحج بالناس فيها الرشيد، فجعل طريقه إلى المدينة، فأعطى أهلها نصف العطاء؛ وهذه الحجَّة هي آخر حجة حجها الرشيد؛ فيما زعم الواقدي وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\nفمن ذلك ما كان من شخوص هارون الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الرّيّ (١).\nذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث في خرجته تلك في سفره.\nذُكر أنّ الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خُراسان عليّ بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه ألّا يفعل، فخالفه الرّشيد في أمره، وولّاه إياها، فلما شَخَص عليّ بن عيسى إليها ظلم الناس، وعسَر عليهم، وجمع مالًا جليلًا، ووجّه إلى هارون منها هدايا لم يُرَ مثلها قطّ من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال، فقعد هارون بالشمَّاسيَّة على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به عليّ إليه، وأحضرِت تلك الهدايا فعرِضْت عليه، فعظمت في عينه، وجلّ عنده قدرُها، وإلى جانبه يحيى بن خالد، فقال له: يا أبا عليّ؛ هذا الذي أشَرْتَ علينا ألا نولِّيه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان في خلافك البركة - وهو كالمازح معه إذ ذاك - فقد ترى ما أنتج رأينا فيه، وما كان من رأيك! فقال: يا أميرَ المؤمنين، جعلني الله فداك! أنا وإن كنت أحبّ أن أصيب في رأي وأوفّق في مشورتي، فأنا أحبّ من ذلك أن يكون رأي أمير المؤمنين أعْلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي، ومعرفته فوق معرفتي، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين، وما أسأل الله أن يعيذه ويُعفيه من سوء\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ١٦١) وتاريخ بغداد (١١/ ٤١٤).","vol":"11","page":237},{"text":"عاقبته ونتائج مكروهه، قال: وما ذاك؟ فأعلمه، قال: ذاك أني أحسب أنّ هذه الهدايا ما اجتمعتْ له حتى ظلم فيها الأشراف، وأخذ أكثرها ظلمًا وتعدّيًا؛ ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرْخ، قال: وكيف ذاك؟ قال: قد ساومْنا عونًا على السّفَط الذي جاءنا به من الجوهر، وأعطيناه به سبعة آلاف ألف، فأبى أن يبيعه، فأبعثُ إليه الساعة بحاجتي فآمره أن يردّه إلينا؛ لنعيد فيه نظرنا؛ فإذا جاء به جَحدْناه، وربحنا سبعة آلاف ألف، ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك. وعلى أنّ هذا أسلمُ عاقبة، وأستر أمرًا من فعل عليّ بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها، فأجمعُ لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثرَ من قيمة هذه الهدايا بأهْون سعي، وأيسر أمر، وأجمل جباية؛ ممَّا جمع عليّ في ثلاث سنين.\nفوقرت في نفس الرشيد وحفظها، وأمسك عن ذكر عليّ بن عيسى عنده، فلما عاث عليّ بن عيسى بخُراسان ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخفّ برجالهم، كتب رجال من كبرائهم ووجوهها إلى الرشيد، وكتبتْ جماعة من كورها إلى قرَاباتها وأصحابها، تشكو سوءَ سيرته، وخبْث طعمته، ورداءة مذهبه، وتسأل أميرَ المؤمنين أن يبدّلها به من أحبّ من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقوّاده. فدعا يحيى بن خالد، فشاوره في أمر عليّ بن عيسى وفي صرفه، وقال له: أشر عليّ برجل ترضاه لذلك الثغر يُصلح ما أفسد الفاسق، ويرتَق ما فتق. فأشار عليه بيزيد بن مَزْيد، فلم يقبل مشورته.\nوكان قيل للرشيد: إن عليّ بن عيسى قد أجمع على خلافِك، فشخص إلى الريّ من أجل ذلك، منصرفَه من مكة، فعسكر بالنّهروان لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم، ثم سار إلى الرّيّ، فلما صار بقَرْمَاسِين أشخص إليه جماعة من القُضاة وغيرهم، وأشهدهم أنّ جميع ما له في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكُراع وما سوى ذلك لعبد الله المأمون، وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير. وجدّد البيعة له على مَنْ كان معه، ووجّه هَرْثمة بن أعَين صاحب حرسه إلى بغداد، فأعاد أخذَ البَيْعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى مَنْ بحضرته لعبد الله والقاسم، وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله؛ إذا أفضت الخلافة إليه. ثم مضى الرشيد عند","vol":"11","page":238},{"text":"انصراف هرثمة إليه إلى الريّ، فأقام بها نحوًا من أربعة أشهر؛ حتى قدم عليه عليّ بن عيسى من خراسان بالأموال والهدايا والطُّرف، من المتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدوابّ، وأهدى بعد ذلك إلى جميع مَنْ كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدَمه وقوّاده على قَدْر طبقاتهم ومراتبهم، ورأى منه خلاف ما كان ظنّ به وغير ما كان يقال فيه. فرضي عنه، وردّه إلى خراسان، وخرج وهو مشيّع له؛ فذُكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويْه محمد وعبد الله، وسُمِّيَ المؤتمن حينَ وجّه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب من هذه السنة، فقال الحسن بن هانئ في ذلك:\nتبارَكَ مَنْ سَاسَ الأُمورَ بِعِلْمهِ ... وفَضّلَ هارونًا على الخُلفاء\nنزالُ بخَيْرٍ ما انطَويْنا على التُّقَّى ... وَما سَاسَ دنيانا أَبو الأُمناء\nوفي هذه السنة - حين صار الرّشيد إلى الريّ - بعث حسينًا الخادم إلى طَبْرِستان، فكتب له ثلاثة كتب؛ من ذلك كتاب فيه أمان لشَرْوين أبي قارن، والآخر فيه أمان لونْداهرمز، جدّ مازيار، والثالث فيه أمان لمرزبان ابن جستان، صاحب الدَّيْلم، فقدِم عليه صاحبُ الدَّيلْم، فوهب له وكساه وردّه. وقدم عليه سعيد الحَرَشيّ بأربعمائة بطل من طبرستان، فأسلموا على يد الرشيد، وقدم ونداهرمز، وقبل الأمان، وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج، وضمن على شَرْوين مثل ذلك، فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه، ووجَّه معه هرثمة فأخذ ابنه وابن شَرْوين رهينة. وقدم عليه الرَّيّ أيضًا خزيمة بن خازم، وكان والي إرمينيَة، فأهدى هدايا كثيرة.\n* * *\nوفي هذه السنة ولّى هارون عبد الله بن مالِك طبرِستان والريّ والرُّويان ودُنْباوند وقُومِس وهَمَذَان. وقال أبو العتاهية في خَرْجة هارون هذه - وكان هارون وُلِد بالريّ:\nإِنَّ أَمينَ اللهِ في خلْقِهِ ... حَنَّ به البِرُّ إِلى مَوْلده\nليُصلحَ الرَّيَّ وأَقطَارَها ... وَيُمطِرَ الخيْرَ بِها مِنْ يَدِهْ\n* * *","vol":"11","page":239},{"text":"وذُكر عن بعض قوّاد الرشيد أنّ الرشيد قال لما ورد بغداد: والله إنّي لأطوي مدينةً مَا وُضِعَتْ بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها؛ وإنها لوطني ووطن آبائي، ودار مملكة بني العباس ما بقُوا وحافظوا عليها؛ وما رأى أحدٌ من آبائي سوءًا ولا نكبة منها، ولا سيء بها أحد منهم قطّ، ولنعم الدّار هي! ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى والحبّ لشجرة اللعنة - بني أمية - مع ما فيها من المارقة والمتلصّصة ومخيفي السبيل؛ ولولا ذلك ما فارقتُ بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبدًا.\nوقال العباس بن الأحنف في طيّ الرشيد بغداد:\nما أَنخنا حتى ارْتَحَلنا فما نَفْـ ... ـرِقُ بيْنَ المناخ والارْتحالِ\nساءَلونَا عن حالِنا إِذْ قَدِمْنَا ... فَقَرَنَّا ودَاعَهُمْ بالسؤال\n* * *\nوفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والرّوم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به - فيما ذكر - فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:\nوفُكَّتْ بِكَ الأَسرَى التي شُيّدَتْ لها ... محابِسُ ما فيها حَمِيمٌ يَزورُها\nعلى حِين أَعيَا المسلمينَ فِكاكُها ... وقالوا: سُجُونُ المُشرِكينَ قبورُها (١)\n* * *\nورابطَ فيها القاسم بدَابِق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك (٢).\nوكان سبب ذلك - فيما ذُكر لنا - أنْ يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائيّ تزوّج\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٢٨].\n(٢) أي ظهور دافع بن ليث ونزعه بيده من الطاعة وانظر المنتظم (٩/ ١٧٨ - ١٨٤).","vol":"11","page":240},{"text":"ابنة لعمّه أبي النعمان، وكانت ذاتَ يسار، فأقام بمدينة السلام، وتركها بسَمَرْقَنْد، فلما طال مقامه بها، وبلغها أنه قد اتخذ أمهاتِ أولاد، التمست سببًا للتخلص منه، فعيّ عليها، وبلغ رافعًا خبرُها، فطَمع فيها وفي مالها، فدسّ إليها مَنْ قال لها: إنه لا سبيل لَها إلى التخلص من صاحبها؛ إلا أن تشرك بالله، وتحضر لذلك قومًا عدولًا، وتكشف شعرَها بين أيديهم، ثم تتوب فتحلّ للأزواج؛ ففعلت ذلك وتزّوجها رافع. وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فرُفع ذلك إلى الرّشيد، فكتب إلى عليّ بن عيسى يأمره أن يفرّق بينهما، وأن يعاقب رافعًا ويجلده الحدّ، ويقيّده ويطوف به في مدينة سَمَرْقند مقيَّدًا على حمار؛ حتى يكون عظةً لغيره. فدرأ سليمان بن حميد الأزدي عنه الحدّ، وحمَله على حمار مقيّدًا حتى طلقها، ثم حبسه في سجن سَمرْقنْد، فهرب من الحبْس ليلًا من عند حُميد بن المسيح - وهو يومئذ على شُرَط سَمَرْقند - فلحق بعليّ بن عيسى ببلْخ، فطلب الأمان فلم يجبه عليّ إليه، وهمّ بضرب عُنقه، فكلَّمه فيه ابنه عيسى بن عليّ، وجدّد طلاق المرأة، وأذن له في الانصراف إلى سَمَرْقند، فانصرف إليها، فوثب بسليمان بن حميد؛ عامل علي بن عيسى فقتله، فوجّه عليّ بن عيسى إليه ابنه، فمال الناس إلى سباع بن مسعدة، فرأسوه عليهم، فوثب على رافع فقيّده، فوثبوا على سباع، فقيّدُوه ورأسوا رافعًا وبايعوه، وطابَقه مَنْ وراء النهر، ووافاه عيسى بن عليّ، فلقيه رافع فهزمه، فأخذ عليّ بن عيسى في فرْض الرجال والتأهب للحرب.\n* * *\nوفيها أسلم الفضل بن سهل على يدِ المأمون.\nوفيها خرجت الروم إلى عين زَرْبة وكنيسة السّوْداء، فأغارت وأسرت، فاستنقذ أهل المصيصة ما كان في أيديهم.\n* * *\nوخرج في هذه السنة خارجيّ من عبد القيس يقال له سيف بن بكر، فوجّه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مَزْيد، فقتله بعين النُّورَة.","vol":"11","page":241},{"text":"ونقض أهل قُبرس العَهد، فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلَها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nوفيها خرج أبو النداء بالشام فوجّه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقدَ له على الشأم.\nوفيها وقع الثلج بمدينة السلام (١).\nوفيها ظفر حماد البربريّ بهيصم اليمانيّ.\nوفيها ولّى الرشيد حمّوَيه الخادم بريد خُراسان.\nوفيها ولّى الرشيد غزو الصائفة هرثمةَ بن أعْين، وضمّ إليه ثلاثين ألفًا من جند خُراسان، ومعه مسرور الخادم، إليه النفقات وجميع الأمور، خلا الرياسة ومضى الرّشيد إلى دَرْب الحَدَث، فرتّب هنالك عبد الله بن مالك، ورتّب سعيد بن سلم بن قتيبة بمَرْعَش، فأغارت الروم عليها، وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم بها، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طَرَسوس فأقام الرشيد بدرْب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان، ثم انصرف إلى الرّقة.\nوفيها أمر الرّشيد بهدم الكنائس بالثغور، وكتب إلى السنديّ بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذّمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد عليّ بن عيسى وسخطه عليه</span>\nقال أبو جعفر: قد ذكر قبلُ سبب هلاك ابن عليّ بن عيسى وكيف قُتل.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٢٣).","vol":"11","page":242},{"text":"ولمَّا قتل ابنه عيسى خرج عليّ عن بلّخ حتى أتى مَرْو مخافةَ أن يسير إليها رافع بن الليث، فيستولي عليها. وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالًا عظيمة - قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف - ولم يعلم بها عليّ بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له، فلما شخص عليّ عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعضَ الخدم، وتحدّث به الناس، فاجتمع قُرّاء أهل بلْخ ووجوهها، فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة، فبلغ الرّشيد الخبر، فقال: خرج عليّ من بلْخ عن غير أمرِي، وخلَّف مثل هذا المال؛ وهو يزعم أنه قد أفْضَى إلى حَلْي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله عند ذلك، وولّى هرثمة بن أعيَن، واسَتصفى أموال عليّ بن عيسى، فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف.\nوذكر عن بعض الموالي أنه قال: كنا بجُرْجان مع الرشيد وهو يريد خُراسان، فوردت خزائن عليّ بن عيسى التي أخذت له على ألف وخمسمائة بعير، وكان عليّ مع ذلك قد أذلّ الأعالي من أهل خُراسان وأشرافهم.\nوذكر أنه دخل عليه يومًا هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب، فسلَّما عليه، فقال للحسين: لا سلَّم الله عليك يا ملحد يا بن الملحد! والله إنيّ لأعرف ما أنتَ عليهْ من عداوتك للإسلام وطعنك في الدين، وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه، فقد أباح الله دمَك، وأرجو أن يسفكه الله على يدي عن قريب، ويعجلك إلى عذابه. ألستَ المرجف بي في منزلي هذا بعد ما ثملتَ من الخمر، وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي! اخرج إلى سخط الله، لعنك الله، فعن قريب ما تكون من أهلها! فقال له الحسين: أعيذ بالله الأميرَ أن يقبل قول واشٍ، أو سعاية باغٍ، فإني بريء مما قُرفت به. قال: كذبت لا أمّ لك! قد صحّ عندي أنك ثملت من الخمر، وقلت ما وجب عليكَ به أغلظ الأدب؛ ولعلّ الله أن يعاجلَك ببأسه ونقمته؛ اخرج عني غير مستور ولا مصاحَب. فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه، وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة؛ يجتمع فيه إليك السفهاء، وتطعن على الولاة! سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! فقال هشام: جُعلت فداء الأمير! أنا والله مظلوم مرحوم؛ والله ما أدَعُ في تقريظ الأمير جهدًا، وفي وصفه قولًا إلّا خصصتُه به وقلته فيه؛ فإن كنت إذا قلت خيرًا نقل إليك شرًّا فما حيلتي! قال: كذبت لا أمّ لك؛ لأَنا أعلم بما تنطوي","vol":"11","page":243},{"text":"عليه جوانحك من ولدك وأهلك، فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي. فخرج. فلمَّا كان في آخر الليل دعا ابنتَه عالية - وكانت من أكبر ولده - فقال لها: أيْ بنيَّة، إني أريد أن أفضيَ إليك بأمر إن أنت أظهرته قُتلتُ؛ وإنْ حفظته سلمتُ، فاختاري بقاء أبيك على موته، قالت: وما ذاك جُعلت فداك! قال: إني - أخاف هذا الفاجر عليّ بن عيسى على دمي، وقد عزمت على أن أظهر أنّ الفالج أصابني، فإذا كان في السّحَر فاجمعي جواريك، وتعالي إلى فراشي وحرّكيني؛ فإذا رأيت حركتي قد ثقلت، فصيحي أنت وجواريك، وابعثي إلى إخوتك فأعلميهم علّتي. وإياك ثم إياك أن تطلعي (١) على صحة بدني أحدًا من خلْق الله من قريب أو بعيد. ففعلتْ - وكانت عاقلة حازمة - فأقام مطروحًا على فراشه حينًا لا يتحرّك إلا إن حُرّك، فيقال إنه لم يعلم من أهل خُراسان أحدٌ من عزل عليّ بن عيسى بخبر ولا أثر غيرُ هشام؛ فإنه توهم عزله، فصحّ توهمه.\nويقال: إنه خرج في اليوم الذي قدم فيه هَرْثمة لتلقِّيه. فرآه في الطريق رجل من قوّاد عليّ بن عيسى، فقال: صحّ الجسم؟ فقال: ما زال صحيحًا بحمد الله! وقال بعضهم: بل رآه عليّ بن عيسى، فقال: أين بك؟ فقال: أتلقَّى أميرنا أبا حاتم، قال: ألم تكن عليلًا؟ قال: بلى؛ فوهب الله العافية، وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة.\nوأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكّة مستجيرًا بالرّشيد من عليّ بن عيسى، فأجاره.\nولما عزم الرشيد على عزل عليّ بن عيسى دعا - فيما بلغني - هرثمة بن أعين مستخليًا به فقال: إني لم أشاور فيك أحدًا، ولم أطلعه على سرّي فيك، وقد اضطرب عليّ ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمْرَ عليّ بن عيسى؛ إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره؛ وقد كتب يستمدّ ويستجيش، وأنا كاتب إليه، فأخبره أني أمدّه بك، وأوجّه إليه معك من الأموال والسلاح والقوّة والعدّة ما يطمئن إليه\n_________\n(١) لم يكن من أدب الرشيد أن يقذف المسلمات بكل بساطة ويكتب في رسائله هذه الكلمات النابية - وكيف نعتمد على وجود حوار سرّي بن الخليفة وهرثمة ثم رسالة أرسلها لم يعلم به إلا الله سبحانه والحفظة من ملائكته - وكل ذلك وصل إلى الطبري من طريق (فيما بلغني)؟ ! ! .","vol":"11","page":244},{"text":"قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابًا بخطي فلا تفضَّنّه، ولا تطلعنّ فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور؛ فاذا نزلتَها فاعمل بما فيه، وامتثله ولا تجاوزه، إن شاء الله، وأنا موجّه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى عليّ بن عيسى بخطي؛ ليتعرّف ما يكون منك ومنه، وهوّنْ عليه أمْرَ عليّ فلا تظهرنَّه عليه، ولا تعلمنَّه ما عزمتُ عليه، وتأهَّب للمسير، وأظهر لخاصَّتك وعامّتك أني أوجّهك مددًا لعليّ بن عيسى وعونًا له. قال: ثم كتب إلى عليّ بن عيسى بن ماهان كتابًا بخطه نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم. يا بن الزانية، رفعتُ من قدرك، ونوّهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عَقِبَك، وجعلتُ أبناء ملوك العجم خوَلَكَ وأتباعك، فكان جزائي أن خالفتَ عهدي، ونبذتَ وراء ظهرك أمري؛ حتى عِثت في الأرض، وظلمت الرّعية، وأسخطت الله وخليفته؛ بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد ولَّيت هَرثمة بن أعيْن مولَاي ثغر خُراسان، وأمرتُه أن يشدّ وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهمًا، ولا حقًّا لمسلم ولا مُعاهد إلا أخذكم به، حتى تردّه إلى أهله؛ فإن أبَيْتَ ذلك وأباه ولدُك وعُمَّالك فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصبّ عليكم السياط، ويُحلّ بكم ما يحلّ بمن نكثَ وغيَّر، وبدَّل وخالف، وظلم وتعدَّى وغشم، انتقامًا لله ﷿ بادئًا، ولخليفته ثانيًا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثًا، فلا تعرض نفسك للتي لا شَوَى لها، واخرج مما يلزمك طائعًا أو مكرهًا (١).\nوكتب عهد هرثمة بخطه:\nهذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعيَن حين ولّاه ثَغْر خُراسان وأعماله وخراجه؛ أمَرَه بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إمامًا في جميع ما هو بسبيله، فيحلّ حلالَه ويحرّم حرّامه، ويقف عند متشابهه؛ ويسأل عنه أولِي الفقه في دين الله وأولِي العلم بكتاب الله، أو يردّه\n_________\n(١) لم يكن من أدب الرشيد أن يقذف المسلمات بكل بساطة ويكتب في رسائله هذه الكلمات النابية وكيف نعتمد على وجود حوار سري بين الخليفة وهرثمة تحت رسالة أرسلها لم يعلم به إلا الله سبحانه والحفظة من ملائكته وكل ذلك وصل إلى الطبري من طريق (فيما بلغني).","vol":"11","page":245},{"text":"إلى إمامه ليريَه الله ﷿ فيه رأيه، ويعزم له على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق عليّ بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشدّ عليهم وطأتَه، ويُحلّ بهم سطوتَه، ويستخرج منهم كلّ مال يصحّ عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين؛ فإذا استنظف ما عندهم وقِبَلهم من ذلك، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين، وأخذهم بحقّ كلّ ذي حقّ حتى يردُّوه إليهم؛ فإن ثبتت قبَلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين؛ فدافَعوا بها وجحدوها، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته؛ حتى يبلغ بهم الحال التي إنْ تخطَّاها بأدنى أدب، تلفتْ أنفسُهم، وبطلت أرواحهم؛ فإذ! خرجوا من حقّ كلّ ذي حق، أشخصهم كما تشخص العصاة من خُشونة الوطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس، مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين، إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدتُ إليك، فإني آثرتُ الله وديني على هوايَ وإرادتي، فكذلك فليكن عملُك، وعليه فليكن أمرك، ودبِّر في عمال الكُور الذين تمرّ بهم في صُعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمرٍ يريبهم وظنّ يرعبُهم. وابسطُ من آمال أهل ذلك الثغْر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضي الله منك وخليفته، ومَنْ ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدي وكتابي بخطِّي، وأنا أشهد الله وملائكته وحملةَ عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدًا.\nوكتب أمير المؤمنين بخطِّ يده لم يحضره إلا الله وملائكته.\nثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى عليّ بن عيسى في معاونته وتقوية أمره والشدّ على يديه؛ فكتب وظهر الأمر بها؛ وكانت كتب حَمَوَيَهْ وردت على هارون: إنّ رافعًا لم يخلع ولا نزع السَّواد ولا من شايعه، وإنما غايتهم عزل عليّ بن عيسى الذي قد سامهم المكروه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>[خبر شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليًا عليها] </span>(١)\nومن ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليًا عليها.\n_________\n(١) المنتظم (٩/ ١٩٧).","vol":"11","page":246},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1789> ذكر الخبر عما كان من أمره فِي شخوصه إليها وأمر عليّ بن عيسى وولده:</span>\nذُكر أن هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذي كتب له عهده الرشيد وشيَّعه الرشيد، وأوصاه بما يحتاج إليه، فلم يعرّج هرثمة على شيء، ووجّه إلى عليّ بن عيسى في الظاهر أموالًا وسلاحًا، وخِلَعًا وطيبًا، حتى إذا نزل نيسابور جَمَعَ جماعة من ثقات أصحابه وأولي السنّ والتجربة منهم؛ فدعا كلَّ رجل منهم سرًّا، وخلا به، ثم أخذ عليهم العهود والمواثيقَ أن يكتموا أمره، ويطوُوا سرّه، وولّى كلَّ رجل منهم كُورة، على نحو ما كانت حاله عنده، فولّى جُرجان ونيسابور والطبَسين ونَسا وسَرَخْس، وأمّر كلَّ واحد منهم، بعد أن دفع إليه عهدَه بالمسير إلى عمله الذي ولّاه على أخفى الحالات وأسترها، والتشبُّه بالمجتازين في وُرودهم الكُور ومقامهم فيها إلى الوقت الذي سمّاه لهم، وولّى إسماعيل بن حفص بن مصعب جُرجان بأمر الرشيد، ثم مضى حتى إذا صار من مَرْو على مرحلة، دعا جماعة من ثقات أصحابه، وكتب لهم أسماء ولد عليّ بن عيسى وأهل بيته وكُتَّابه وغيرهم في رقَاع، ودفع إلى كلِّ رجل منهم رقعة باسم مَنْ وَكّله بحفظه إذا هو دخل مَرْو، خوفًا من أن يهربوا إذا ظهر أمره. ثم وجّه إلى عليّ بن عيسى: إن أحبّ الأميرُ أكرمه الله أن يوجِّه ثقاته لقبض ما معي من أموال فَعَل؛ فإنه إذا تقدّم المال أمامي كان أقوَى للأمير، وأفتّ في عضد أعدائه. وأيضًا فإني لا آمنُ عليه إن خلَّفته وراء ظهري؛ أن يطمع فيه بعض من تَسمُو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه، ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة. فوجَّه عليّ بن عيسى جهابذَته وقَهارمته لقبض المال، وقال هرثمة لخُزّانِه: اشغلوهم هذه الليلة، واعتلّوا عليهم في حَمْل المال بعلّة تقرب من أطماعهم، وتزيل الشكَّ عن قلوبهم، ففعلوا. وقال لهم الخُزّان: حتى تؤامروا أبا حاتم في دوابّ المال والبغال. ثمّ ارتحل نحو مدينة مَرْو، فلما صار منها على ميلين تلقَّاه عليّ بن عيسى في ولده وأهل بيته وقوّاده بأحسن لقاء وآنَسهِ؛ فلمَّا وقعت عَين هرثمة عليه، ثنَى رجله لينزل عن دابته فصاح به عليّ: والله لئن نزلتَ لأنزلنّ، فثبت على سَرْجه، دنا كلٌّ منهما من صاحبه فاعتنقا، وسارا، وعليّ يسأل هرثمة عن أمْر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصّته وقوّاده وأنصار دولته؛ وهرثمة يُجيبه؛ حتى صار إلى قنطرة لا يجوزها إلّا فارس، فحبس هرثمة لجام دابته، وقال","vol":"11","page":247},{"text":"لعليّ: سر على بركة الله، فقال عليّ: لا والله لا أفعل حتى تمضي أنت، فقال: إذًا والله لا أمضي، فأنت الأمير وأنا الوزير؛ فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلَا مَرْو، وصارا إلى منزل عليّ، ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا نهار، ولا ركوب ولا جلوس؛ فدعا عليّ بالغداء فطعما، وأكلَ معهما رجاء الخادم، وكان عازمًا على ألّا يأكل معهما، فغمزه هرثمة وقال: كُل فإنك جائع، ولا رأْيَ لجائع ولا حاقن؛ فلما رُفع الطعام قال له عليّ: قد أمرت أن يفرغ لك قصر على المَاشَان؛ فإِن رأيتَ أن تصير إليه فعلت. فقال له هرثمة: إن معي من الأمور ما لا يتحمَّل تأخير المناظرة فيها؛ ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى عليّ، وأبلغه رسالته. فلما فضّ الكتاب فنظر إلى أوّل حرف منه سُقط في يده، وعلم أنه قد حلّ به ما يخافُه ويتوقعه، ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييد ولده وكتابه وعماله - وكان رحل ومعه وقْر من قيود وأغلال - فلما استوسق منه صار إلى المسجد الجامع، فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر أن أمير المؤمنين ولّاه ثغورَهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق عليّ بن عيسى، وما أمره به فيه وفي عمّاله وأعوانه، وأنه بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصّة، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحقّ. وأمر بقراءة عهده عليهم. فأظهروا السرور بذلك، وانفسحت آمالهم، وعظم رجاؤهم، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وكثر الدعاء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.\nثم انصرف، فدعا بعليّ بن عيسى وولدِه وعماله وكُتَّابه، فقال: اكفوني مؤنتَكم، واعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم. ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءة الذّمة من رجل كانت لعليّ عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو عماله وأخفاها ولم يظهر عليها؛ فأحضر الناس ما كانوا أودِعوا إلّا رجلًا من أهل مَرْو - وكان من أبناء المجوس - فإنه لم يزل يتلطف للوصول إلى عليّ بن عيسى حتى صار إليه، فقال له سرًّا: لك عندي مال، فإن احتجتَ إليه حملتُه إليك أوّلًا فأوّلًا، وصبرت للقتل فيك؛ إيثارًا للوفاء وطلبًا لجميل الثناء، وإن استغنيْت عنه حبستُه عليك حتى ترى فيه رأيك. فعجب عليّ منه، وقال: لو اصطنعتُ مثلك ألف رجل ما طمِع فيَّ السلطان ولا الشيطان أبدًا. ثم سأله عن قيمة ما عنده، فذكر له أنه أودعه مالًا وثيابًا ومسْكًا، وأنه لا يدري ما قدر ذلك، غير أنه أودعه","vol":"11","page":248},{"text":"بخطِّه، وأنه محفوظ لم يشذّ منه شيء، فقال له: دعه؛ فإن ظُهر عليه سلّمته ونجوت بنفسك، وإن سلِمت به رأيت فيه رأي. وجزاه الخير، وشكر له فعله ذلك أحسن شكر، وكافأه عليه وبرّه. وكان يُضرب به المثل بوفائه؛ فذكر أنه لم يتستر عن هَرْثمة من مالِ عليّ إلا ما كان أودعه هذا الرجل - وكان يقال له: العلاء بن ماهان - فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حَلي نسائهم؛ فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه؛ حتى إذا لم يبق فيه إلّا صوف أو خشب أو ما لا قيمة له قال للمرأة: هاتي ما عليك من الحَلْي، فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها: يا هذا، إن كنتَ محسنًا فاصرف بصرَك عنِّي، فولله لا تركتُ شيئًا من بغيتك عليّ إلّا دفعتُه إليك؛ فإن كان الرجل يتحوّب من الدّنوّ إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشرة دراهم، ومَنْ كان بخلاف هذه الصفة، قال: لا أرضى حتى أفتشِّك؛ لا تكونين قد خبأت ذهبًا أو دُرًّا أو ياقوتًا؛ فيضرب يده إلى مغابِنها وأرفاغها؛ فيطلب فيها ما يظنّ أنها قد سترته عنه؛ حتى إذا ظنّ أنه قد أحكم هذا كلّه وجّهه على بعير بلا وطاء تحته، وفي عنقه سلسلة، وفي رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد.\nفذُكِر عمّن شهد أمر هرثمة وأمره؛ أن هرثمة لما فرغ من مطالبة عليّ بن عيسى وولده وكتّابه وعمَّاله بأموال أمير المؤمنين، أقامهم لمظالم الناس، فكان إذا بَرز للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق، قال: اخرج للرجل من حَقِّه، وإلا بسطت عليك، فيقول عليّ: أصلح الله الأمير! أجِّلني يومًا أو يومين، فيقول: ذلك إلى صاحب الحقّ، فإن شاء فعل. ثم يُقبل على الرجل، فيقول: أتَرَى أن تَدَعه؟ فإن قال: نعم، قال: فانصرف وعُدْ إليه، فيبعث عليّ إلى العلاء بن ماهان، فيقول له: صالحْ فلانا عنّي من كذا وكذا على كذا وكذا، أو على ما رأيت، فيصالحه ويُصلح أمره.\nوذُكر أنه قام إلى هرثمة رجل، فقال له: أصلح الله الأمير! إن هذا الفاجر أخذ مني درَقة ثمينة لم يملك أحد مثلها، فاشتراها على كُرْه مني ولم أرِدْ بيعها بثلاثة آلاف درهم؛ فأتيت قهرمانه أطلب ثمنَها، فلم يعْطِني شيئًا، فأقمت حَوْلًا انتظر ركوب هذا الفاجر؛ فلما ركب عرضتُ له وصحْت به: أيها الأمير، أنا صاحب","vol":"11","page":249},{"text":"الدّرَقة، ولم آخذ لها ثمنًا إلى هذه الغاية، فقذَف أمّي ولم يعطني حقي، فخذ لي بحقي من مالِي وقَذْفِه أمي، فقال: لك بيّنة؟ قال: نعم، جماعة حضروا كلامه؛ فأحضرهم فأشهدهم على دعواه، فقال هرئمة: وجب عليك الحدّ، قال: ولمَ؟ قال: لقذفِك أمّ هذا، قال: مَنْ فَقّهك وعلّمك هذا؟ قال: هذا دِين المسلمين، قال: فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذَفك غير مرّة ولا مرتين؛ وأشهد أنك قد قذفت بنِيك ما لا أحصِي، مرةً حاتمًا ومرة أعين؛ فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك؟ ومن يأخذ لك من مولاك! فالتفت هرثمة إلى صاحب الدّرَقة، فقال: أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بَدرَقتك أو ثمنها، وتترك مطالبته بقذفه أمّك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>[كتاب هرثمة إلى الرشيد في أمر عليّ بن عيسى]</span>\nولما حمل هرثمة عليًّا إلى الرّشيد، كتب إليه كتابًا يخبره ما صنع؛ نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإن الله ﷿ لم يزل يبلي أمير المؤمنين في كلّ ما قلده من خلافته، واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجملَ البلاء وأكملَه، ويعرّفه في كلّ ما حضره ونأى عنه من خاصّ أموره وعامّها، ولطيفها وجليلها أتمّ الكفاية وأحسن الولاية، ويعطيه في ذلك كلِّه أفضل الأمنيَّة، ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة، امتنانًا منه عليه، وحفظًا لَما جعل إليه، مما تكفّل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته؛ فيستتم الله أحسن ما عوّده وعوّدنا من الكفاية في كلّ ما يؤدّينا إليه، ونسأله توفيقنا لما نقضي به المفترَض من حقِّه في الوقوف عند أمره، والاقتصار على رأيه.\nولم أزل أعزّ الله أمير المؤمنين، مذ فصَلت عن معسكر أمير المؤمنين ممتثلًا ما أمرني به فيما أنهضني له؟ لا أجاوز ذلك ولا أتعدّاه إلى غيره، ولا أتعرّف اليُمْن والبركة إلا في امتثاله؛ إلى أن حللتُ أوائل خُراسان؛ صائنًا للأمر الذي أمرني أمير المؤمنين بصيانته وستِره؛ لا أفضي ذلك إلى خاصتي ولا إلى عامتي، ودبّرتُ في مكاتبة أهل الشاش وفرْغَانة وخزْلهما عن الخائن، وقطع طمعه وطمع مَنْ قِبَله عنهما، ومكاتبة مَنْ ببلْخ بما كنتِ كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسّرت له، فلما نزلت نيسابور عملتُ في أمر الكُور التي اجتزت عليها بتولية مَنْ ولّيت","vol":"11","page":250},{"text":"إليها، قبل مجاوزتي إياها؛ كجرجان ونَيْسَابور ونَسَا وَسَرَخْس، ولم آلُ الاحتياط في ذلك، واختيار الكفاءة وأهل الأمانة والصّحة من ثقات أصحابي، وتقدّمت إليهم في ستر الأمر وكتمانه، وأخذت عليهم بذلك أيمانَ البَيْعة، ودفعت إلى كلّ رجل منهم عهدَه بولايته، وأمرتهم بالمسير إلى كوَر أعمالهم على أخفى الحالات وأسترها، والتَشبّه بالمجتازين في وُرودهم الكُوَر ومقامهم بها إلى الوقت الذي سَمَّيتُ لهم؛ وهو اليوم الذي قدّرت فيه دخولي إلى مَرْو، والتقائي وعليّ بن عيسى، وعملت في استكفائي إسماعيل بن حفص بن مصعب أمرَ جُرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين، فنفذ أولئك العمال لأمري، وقام كلُّ رجل منهم في الوقت الذي وُقِّتَ له بضبط عمله وإحكام ناحيته، وكفى الله أميرَ المؤمنين المؤنةَ في ذلك، بلطيف صنعه.\nولما صرت من مدينة مَرْو على منزل، اخترت عِدّةً من ثقات أصحابي، وكتبت بتسمية ولد عليّ بن عيسى وكتّابه وأهل بيته وغيرهم رقاعًا، ودفعت إلى كلِّ رجل منهم رُقعة باسم مَنْ وكّلتُه بحفظه في دخولي، ولم آمن لو قصّرت في ذلك وأخّرته أن يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار، فعملوا بذلك، ورحلت عن موضعي إلى مدينة مَرْو، فلما صرت منها على ميلين تلقّاني عليّ بن عيسى في وَلدِه وأهل بيته وقوّاده، فلقيته بأحسن لقاء، وآنسته، وبلغتُ من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أوّل ما بصرت به ما ازداد به أنسًا وثقة، إلى ما كان رَكن إليه قبل ذلك؛ مما كان يأتيه من كتبي؛ فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال منّي له والالتماس، لإلقاء سوء الظنّ عنه؛ لئلا يسبق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في أمره، وأمرني به في ذلك. وكان الله ﵎ هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمرَ فيه إلى أن ضمني وإياه مجلسه، وصرت إلى الأكل معه، فلمّا فرغنا من ذلك بدأنِي يسألني المصيرَ إلى منزل كان ارتاده لي؛ فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها. ثم دفع إليه رجاء الخادم كتابَ أمير المؤمنين وأبلغه رسالتَه، فعلبم عند ذلك أن قد حلّ به الأمر الذي جناه على نفسه، وكسبته يداه؛ من سخط أمير المؤمنين، وتغيّر رأيه بخلافِه أمره وتعدّيه سيرته.\nثم صرت إلى التوكيل به، ومضيت إلى المسجد الجامع، فبسطت آمال","vol":"11","page":251},{"text":"الناس ممن حضر، وافتتحت القول بما حمّلني أمير المؤمنين إليهم، وأعلمتهم إعظامَ أمير المؤمنين ما أتاه، ووضح عنده من سوء سيرة عليّ، وما أمرني به فيه وفي عمّاله وأعوانه؛ وإني بالغٌ من ذلك ومن إنصاف العامّة والخاصّة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم. وأمرت بقراءة عهدي عليهم، وأعلمتهم أنّ ذلك مثالي وإمامي؛ وأنِّي به أقتدي، وعليه أحتذي؛ فمتى زلتُ عن باب واحد فقد ظلمتُ نفسي، وأحللت بها ما يحلّ بمن خالف رأي أمير المؤمنين وأمرَه؛ فأظهروا السرور بذلك والاستبشار، وعلتْ بالتكبير والتهليل أصواتُهم، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.\nثم انكفأت إلى المجلس الذي كان عليّ بن عيسى فيه، فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتّابه وعماله والاستيثاق منهم جميعًا، وأمرتهم بالخروج إليّ من الأموال التي احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفيء المسلمين، وإعفائي بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب، وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم. فحملوا إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدرًا صالحًا من الوَرق والعيْن، وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قِبلهم، واستنظاف ما وراء ظهورهم، ويسهّل الله من ذلك أفضلَ ما لم يزل يعوّده أمير المؤمنين من الصّنع في مثله من الأمور التي يعنى بها إن شاء الله تعالى.\nولم أدعّ عند قدومي مَرْو التقدّم في توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة في الإعذار والإنذار، والتبصير والإرشاد، إلى رافع ومَنْ قِبَلْه من أهل سَمَرْقَند، وإلى مَنْ ببلْخ، على حسن ظنّي بهم في الإجابة، ولزوم الطاعة والاستقامة؛ ومهما تنصرفْ به رسلي إليّ يا أمير المؤمنين من أخبار القوم في إجابتهم وامتناعهم، أعملْ على حسبه من أمرهم، وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقِّه وصدقه. وأرجو أن يعرّف الله أميرَ المؤمنين في ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته؛ ما لم تزل عادته جارية به عنده، بمنِّه وطوله وقوّته والسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>الجواب من الرشيد</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابُك بقدومك مَرْو في اليوم الذي سمّيت، وعلى الحال التي وصفت وما فسّرت، وما كنت","vol":"11","page":252},{"text":"قدّمت من الحِيَل قبل ورودك إياها، وعملت به في أمر الكُور التي سمِّيت وتولية مَنْ وليت عليها قبل نفوذك عنها، ولطّفت له من الأمر الذي استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن علي بن عيسى وولده وأهل بيته، ومن صار في يدك من عمّاله وأصحاب أعماله واحتذائك في ذلك كلِّه ما كان أمير المؤمنين مثّل لك ووقفَك عليه، وفهم أمير المؤمنين كلّ ما كتبتَ به، وحمد الله على ذلك كثيرًا وعلى تسديده إياك وما أعانك به من توفيقه، حتى بلغتَ إرادة المؤمنين، وأدركت طلبتَه، وأحسنت ما كان يُحبّ بك وعلى يديك إحكامَه، مما كان اشتدّ به اعتناؤه، ولجّ به اهتمامه، وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك، فلا أعدم الله أمير المؤمنين أحسنَ ما عرّفه منك في كلّ ما أهاب بك إليه، واعتمد بك عليه.\nوأمير المؤمنين يأمُرك أن تزداد جدًّا واجتهادًا فيما أمرك به من تتبّع أموال الخائن عليّ بن عيسى وولده وكتَّابه وعماله ووكلائه وجهابذته والنظر فيما اختانوا به أميرَ المؤمنين في أمواله، وظلموا به الرّعية في أموالهم، وتتبُّع ذلك واستخراجه من مظانّه ومواضعه، التي صارت إليه، ومن أيدي أصحاب الودائع التي استودعوها إياهم؛ واستعمال اللين والشدة في ذلك كله، حتى تصير إلى استنظاف ما وراء ظهورهم؛ ولا تبقى من نفسك في ذلك بقية، وفي إنصاف الناس منهم في حقوقهم ومظالمهم؛ حتى لا تبقى لمتظلم منهم قِبَلهم ظُلامة إلا استقضيت ذلك له، وحملته وإياهم على الحقّ والعدل فيها، فإذا بلغتَ أقصى غاية الإحكام والمبالغة في ذلك، فأشخِص الخائن وولدَه وأهلَ بيته وكتَّابَه وعمّاله إلى أمير المؤمنين في وثاق، وعلى الحال التي استحقُّوها من التعيير والتنكيل بما كسبت أيديهم؛ وما الله بظلام للعبيد.\nثم اعمل بما أمرك به أمير المؤمنين من الشخوص إلى سَمْرقند، ومحاولة ما قبل خامل، ومَنْ كان على رأيه ممن أظهر خلافًا وامتناعًا من أهل كُور ما وراء النهر وطُخارستان بالدّعاء إلى الفيئة والمراجعة، وبسط أمانات أمير المؤمنين التي حمّلكها إليهم؛ فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أمَلُكَ بهم، وفرّقوا جموعَهم، فهو ما يحبّ أمير المؤمنين أن يعاملَهم به من العفو عنهم والإقالة لهم؛ إذ كانوا رعيَّته؛ وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذ أجابهم إلى","vol":"11","page":253},{"text":"طَلِبتهم، وآمن رَوْعهم، وكفاهم ولاية من كرهوا ولايتَه، وأمر بإنصافهم في حقوقهم وظلاماتهم - وإن خالفوا ما ظنّ أمير المؤمنين، فحاكمهم إلى الله إذ طَغَوْا وبغَوْا، وكرهوا العافية وردّوها، فإنّ أمير المؤمنين قد قضى ما عليه، فغيّر ونكّل، وعزَل واستبدَل، وعفا عمّن أحدث، وصفح عمن اجترم؛ وهو يشهد الله عليهم بعد ذلك في خلاف إن آثروه، وعنودٍ إن أظهروه. وكفى بالله شهيدًا ولا حَوْل ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، عليه يتوكل وإليه ينيب. والسلام.\nوكتب إسماعيل بن صبيح بين يدي أمير المؤمنين.\n* * *\nولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كان الفداء بين المسلمين والرّوم على يديْ ثابت بن نصر بن مالك (١).\nوذُكر عن ذي الرياستيْن أنه قال: قلتُ للمأمون لما أراد الرشيد الشخوص إلى خُراسان لحرب رافع: لستَ تدرِي ما يحدث بالرّشيد وهو خارج إلى خُراسان، وهي ولايتك، ومحمّد المقدم عليك! وإنّ أحسَن ما يصنع بك أن يخلعك؛ وهو ابن زُبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها، فاطلبْ إليه أن يشُخصك معه. فسأله الإذن فأبى عليه، فقلت له: قل له: أنت عليل؛ وإنما أردتُ أن أخدمك، ولست أكلفك شيئًا. فأذن له وسار.\nفذكر محمد بن الصبّاح الطبريّ أن أباه شيّع الرشيد حين خرج إلى خُراسان، فمضى معه إلى النَّهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال له: يا صبّاح، لا أحسبك تراني أبدًا. قال: فقلت: بل يردّك الله سالمًا؛ قد فتح الله عليك وأراك في عدوِّك أملك. قال: يا صبّاح، ولا أحسبك تدري ما أجد! قلت: لا والله، قال: فتعال حتّى أريك، قال: فانحرف عن الطريق قَدْر مائة ذراع، فاستظلّ\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٢٤].","vol":"11","page":254},{"text":"بشجرة، وأومأ إلى خدمه الخاصّة فتنحّوْا، ثم قال: أمانة الله يا صبّاح أن تكتم عليّ، فقلت: يا سيّدي، عبدك الذليل تخاطبه مخاطبة الولد! قال: فكشف عن بطنِه؛ فإذا عصابة حرير حواليْ بطنه، فقال: هذه علّة أكتمها الناس كلَّهم؛ ولكلّ واحد من ولدي عليّ رقيب؛ فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين - وسمّي الثالث فذهب عني اسمه - وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي، ويعدّ أيامي، ويستطيل عمري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو بدابّة، فيجيئونني ببرذَوْن أعجف قَطوف، ليزيد في علتي، فقلمت: يا سيدي ما عندي في الكلام جوابٌ، ولا في ولاة العهود؛ غير أني أقول: جعل الله من يَشْنؤك من الجنّ والإنس والقريب والبعيد فداك؛ وقدّمهم إلى تلك قبلك، ولا أرانا فيك مكروهًا أبدًا، وعمّر بك الله الإسلام، ودعم ببقائك أركانَه، وشدّ بك أرجاءه، وردّك الله مظفرًا مفلحًا، على أفضل أمَلِك في عدوّك، وما رجوت من ربك. قال: أمّا أنت فقد تخلّصت من الفريقين.\nقال: ثم دعا ببرذون، فجاءوا به كما وصف، فنظر إليّ فركبه، وقال: انصرف غير مودَّع؛ فإن لك أشغالًا، فودّعته وكان آخر العهد به.\nوفيها قدم يحيى بن معاذ بأبي النداء على الرشيد وهو بالرقة فقتله.\nوفيها فارق عُجيف بن عنبسة والأحوص بن مهاجر في عدّة من أبناء الشّيعة رافع بن ليث، وصاروا إلى هرثمة.\nوفيها قُدِم بابن عائشة وبعدّة من أهل أحواف مصر.\nوفيها ولّى ثابت بن نصر بن مالك الثّغور وغزا، فافتتح مطمورة.\nوفيها كان الفداء بالبُدَنْدون (١).\nوفيها قُدِم بعليّ بن عيسى بغداد، فحبس في داره.\nوفيها قتَل الرشيد الهيصم اليمانيّ.\n* * *\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٢٤).","vol":"11","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1793>ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>[ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحيى]</span>\nوكان بدء علّته - فيما ذكر - من ثقل أصابه في لسانه وشقّه؛ وكان يقول: ما أحبّ أن يموت الرشيد، فيقال له: أما تحب أن يفرّج الله عنك! فيقول: إن أمري قريب من أمره. ومكث يعالَج أشهرًا، ثم صلح، فجعل يتحدّث، ثم اشتدّ عليه فعُقد لسانه وطرفه، ووقع لمآبه، فمكث في تلك الحال يوم الخميس ويوم الجمعة، وتُوفِّي مع أذان الغداة، قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو في خمس وأربعين سنة، وجزع الناس عليه، وصلّى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أخرِج فصلّى الناس على جنازته (١).\n* * *\nوفيها مات سعيد الطبريّ المعروف بالجوهريّ (٢).\n* * *\nوفيها وافى هارون جرجان في صَفر، فوافاه بها خزائن عليّ بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير، ثم رحل من جُرجان - فيما ذكر - في صفر، وهو عليل، إلى طُوس؛ فلم يزل بها إلى أن تُوفِّيَ - واتّهم هرثمة، فوجّه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مَرْو، ومعه عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسنديّ بن الحرَشيّ ونعيم بن حازم؛ وعلى كتابته ووزارته أيّوب بن أبي سُمَيْر، ثم اشتدّ بهارون الوجع حتى ضعف عن السير (٣).\n_________\n(١) أما أصل الخبر فقد ذكرناه في قسم الصحيح ولم نجد لهذه التفاصيل أيّ تأييد في مصدر موثوق متقدم انظر تاريخ بغداد (١٢/ ٢٣٤) والمنتظم (٩/ ٢٠٨).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٢٧).\n(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٢٧].","vol":"11","page":256},{"text":"وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة، فَتح فيها بخارى، وأسر أخا رافع بشير بن الليث، فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس؛ فذُكِر عن ابن جامع المروزيِّ، عن أبيه، قال: كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع. قال: فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذّراع، وعليه فرْش بقدر ذلك - أو قال أكثر - وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه. قال: فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ونظر إلى أخي رافع، فقال: أما الله يا بن اللَّخناء؛ إني لأرجو ألَّا يفوتني خامل - يريد رافعًا - كما لم تَفُتْنِي. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كنت لك حربًا، وقد أظفرك الله بي فافْعَلْ ما يحبُّ الله، أكن لك سلمًا؛ ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ! فغضب وقال: والله لو لم يبق من أَجَلي إلَّا أن أحرِّك شفتيَّ بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصَّاب، فقال: لا تشحذ مُداك، اتركها على حالها، وفصِّل هذا الفاسق ابن الفاسق، وعجِّل؛ لا يحضرنَّ أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه. ففصَّله حتى جعله أشلاء. فقال: عُدَّ أعضاءه، فعددت له أعضاءه، فإذا هي أربعة عشر عضوًا، فرفع يديه إلى السماء، فقال: اللهمَّ كما مكَّنْتَني من ثأرك وعدُّوك، فبلغت فيه رضاك، فمكِّني من أخيه. ثم أغْمِيَ عليه، وتفرَّق مَن حضره (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>[ذكر الخبر عن موت الرشيد]</span>\nوفيها مات هارون الرشيد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1796> ذكر الخبر عن سبب وفاته والموضع الذي توفِّيَ فيه </span>(٢).\nذُكر عن جبريل بن بختيشوع أنه قال: كنت مع الرَّشيد بالرَّقة، وكنت أوَّل من يدخل عليه في كلِّ غداة، فأتعرَّف حاله في ليلته؛ فإن كان أنكر شيئًا وصفه، ثم ينبسط فيحدّثني بحديث جواريه وما عمل في مجلسه، ومقدار شربه، وساعات\n_________\n(١) انظر: المنتظم [٩/ ٢١٦].\n(٢) انظر تعليقنا [٨/ ٣٤٤/ ١].","vol":"11","page":257},{"text":"جلوسه، ثم يسألني عن أخبار العامَّة وأحوالها؛ فدخلتُ عليه في غداة يوم، فسلَّمت فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابسًا مفكِّرًا مهمومًا، فوقفت بين يديه مليًّا من النهار، وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمتُ عليه، فقلت: يا سيدي، جعلني الله فداك! ما حالك هكذا، أعلَّة فأخبرني بها؛ فلعله يكون عندي دواؤها، أو حادثة في بعض من تحبُّ فذاك ما لا يُدفع ولا حيلة فيه إلا التسليم والغمّ، لا درك فيه، أو فَتْق ورد عليك في مُلْكك، فلم تخلُ الملوك من ذلك؛ وأنا أولى من أفضْيتَ إليه بالخبر، وتروَّحت إليه بالمشورة. فقال: ويحك يا جبريل! ليس غمي وكربي لشيء مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتُها في ليلتي هذه، وقد أفزَعَتْني وملأت صدري، وأقرْحت قلبي، قلت: فرَّجتَ عني يا أمير المؤمنين، فدنوتُ منه، فقبَّلت رجله، وقلت أهذا الغمُّ كله لرؤيا! الرؤيا إنما تكون من خاطر أو بخارات رديئة أو من تهاويل السوداء؛ وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله. قال: فأقصُّها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذا؛ إذ بدتْ من تحتي ذراع أعرفها وكفٌّ أعرفها، لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكفِّ تربة حمراء، فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تُدفن فيها، فقلت: وأين هذه التربة؟ قال: بطوس. وغابت اليد وانقطع الكلام، وانتبهت. فقلت: يا سيِّدي، هذه والله رؤيا بعيدة ملتبسة، أحسبك أخذت مضجعكَ، ففكَّرت في خُراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها. قال: قد كان ذاك، قال: قلت: فلذلك الفكر خالطَك في منامك ما خالطك، فولَّد هذه الرؤيا، فلا تحْفِل بها جعلني الله فداك! وأتبع هذا الغئمَ سرورًا، يخرجه من قلبك لا يولد علة. قال: فما برحت أطيِّب نفسه بضروب من الحيل، حتى سلا وانبسط، وأمر بإعداد ما يشتهيه، ويزيد في ذلك اليوم في لهوه. ومرَّت الأيام فنَسي، ونسينا تلك الرؤيا، فما خطرت لأحد منا ببال، ثم قدَّر مسيره إلى خُراسان حين خرج رافع، فلما صار في بعض الطريق، ابتدأت به العلَّة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طُوس، فنزلنا في منزل الجنيد بن عبد الرحمن في ضَيْعة له تعرف بسنَاباذ، فبينا هو يمرض في بستان له في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملًا يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه، كلّ يقول: يا سيِّدي ما حالك؟ وما دهاك؟ فقال: يا جبريل، تذكر رؤياي بالرَّقة في طُوس؟ ثم رفع رأسه إلى مسرور، فقال: جئني من تربة هذا البستان، فمضى مسرور، فأتى بالتربة في","vol":"11","page":258},{"text":"كفه حاسرًا عن ذراعه، فلما نظر إليه قال: هذه والله الذِّراع التي رأيتُها في منامي، وهذه والله الكفُّ بعينها، وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئًا؛ وأقبل على البكاء والنحيب. ثم مات بها والله بعد ثلاثة، ودفن في ذلك البستان (١).\nوذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به، كان سبب منيَّته؛ فكان الرَّشيد همَّ ليلة مات بقتله، وأن يفصّله كما فصَّل أخا رافع، ودعا بجبريل ليفعل ذلك به، فقال له جبريل: أنظرني إلى غدٍ يا أمير المؤمنين، فإنك ستصبح في عافية. فمات في ذلك اليوم (٢).\nوذكر الحسن بن عليٍّ الرَّبَعي أنَّ أباه حدَّثه عن أبيه - وكان جمالًا معه مائة جمل، قال: هو حمل الرشيد إلى طُوس - قال: قال الرشيد: احفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفروا له، قال: فحملتُه في قبَّة أقود به؛ حتى نظر إليه. قال، فقال: يابن آدم تصير إلى هذا!\nوذكر بعضهم لما اشتدَّت به العلَّة أمر بقبره فحفر في موضع من الدار التي كان فيها نازلًا، بموضع يسمى المثقَّب، في دار حميد بن أبي غانم الطائيِّ، فلما فرغ من حفر القبر، أنزل فيه قومًا فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفَّة على شفير القبر (٣).\nوذكر محمد بن زياد بن محمد بن حاتم بن عبيد الله بن أبي بكرة، أنَّ سهل بن صاعد حدَّثه، قال: كنت عند الرَّشيد في بيتِه الذي قبض فيه، وهو يجود بنفسه، فدعا بِملْحفة غليظة فاحتبى بها، وجعل يقاسي ما يقاسي؛ فنهضت فقال لي: اقعد يا سهل، فقَعدت وطال جلوسي لا يكلِّمني ولا أكلمه، والمِلْحفة تنحلُّ فيعيد الاحتباء بها، فلما طال ذلك نهضت، فقال لي: إلى أين يا سهل؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما يسع قلبي أن أرى أميرَ المؤمنين يعاني من العلَّة ما يعاني، فلو اضطجعتَ يا أمير المؤمنين كان أروَح لكَ! قال: فضحك\n_________\n(١) كيف نعتمد على خبر انفرد بروايته نصراني زعم أن هذا الحوار دار بينه وبين الخليفة الرشيد.\n(٢) هذا غير مستبعد وللأسف الشديد فإن الخليفة الرشيد اعتمد على طبيب غير مسلم وفتح على نفسه والخلافة بابًا مغلقًا سامحه الله وإيانا.\n(٣) انظر: البداية والنهاية [٨/ ١٢٨].","vol":"11","page":259},{"text":"ضحْك صحيح، ثم قال: يا سهل إني أذكر في هذه الحال قول الشاعر:\nوَإنِّيَ مِنْ قوْمٍ كِرامٍ يَزيدُهُمْ ... شِماسًا وَصَبْرًا شدةُ الحَدَثانِ\nوذُكر عن مسرور الكبير، قال: لما حضرت الرشيد الوفاة، وأحسَّ بالموت، أمرني أن أنشر (١) الوشْيَ فآتيَه بأجود ثوب أقدر عليه وأغلاه قيمة، فلم أجد ذلك في ثوب واحد، ووجدت ثوبيْن أغلَى شيء قيمة، وجدتهما متقاربين في أثمانهما، إلَّا أنَّ أحدهما أغلَى من الآخر شيئًا، وأحدهما أحمر والآخر أخضر، فجئته بهما، فنظر إليهما وخبَّرته قيمتهما، فقال: اجعل أحسنَهما كفني، وردَّ الآخر إلى موضعه.\nوقيل: كان سنُّه يوم توفِّيَ سبعًا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، أولها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، وآخرها يومان مضيا من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nوكان جميلًا وسيمًا أبيض جَعْدًا، وقد وَخطَه الشيب (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>ذكر بعض سيَر الرشيد</span>\nذكر العباس بن محمد عن أبيه، عن العباس، قال: كان الرَّشيد يصلِّي في كلِّ يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا؛ إلا أن تعرض له علَّة، وكان يتصدَّق من صُلْب ماله في كلِّ يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حجَّ حجَّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحجَّ أحجَّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة، وكان يقتفي آثار المنصور، ويطلب العمل بها إلَّا في بذل المال؛ فإنه لم يُرَ خليفة قبله كان أعطى منه للمال، ثم المأمون من بعده. وكان لا يضيع عنده إحسان محسنٍ، ولا يؤخَّر ذلك في أوَّل ما يجب ثوابه. وكان يحبُّ الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويقول: هو شيء لا نتيجة له، وبالحري ألا يكون فيه ثواب، وكان يحب المديح؛ ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن الغالي.\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٤/ ٥) سير أعلام (٨/ ٢٨٦).\n(٢) تأريخ بغداد [١٤/ ٥]، وسير أعلام [٨/ ٢٨٦].","vol":"11","page":260},{"text":"وذكر ابن أبي حفصة أنَّ مروان بن أبي حفصة دخل عليه في سنة إحدى وثمانين ومائة يوم الأحد لثلاث خلوْن من شهر رمضان، فأنشده شعره الذي يقول فيه:\nوَسُدَّتْ بِهارونَ الثُّغورُ فأُحكِمَتْ ... به مِنْ أُمورِ المُسْلِمينَ المَرائِرُ\nوما انفَكَّ مَعْقودًا بنَصْرٍ لواؤُه ... له عسكرٌ عنْهُ تُشَظَّى العَساكِرُ\nوكلُّ مُلوك الرومِ أَعطاهُ جِزْيَةً ... على الرغم قسْرًا عَنْ يَدٍ وهْوَ صاغرُ\nلقد تَرَكَ الصَّفْصافَ هارونُ صَفْصَفًا ... كأَنْ لم يُدَمِّنْهُ مِنَ الناسِ حاضرُ\nأَناخَ على الصَّفْصافِ حتى اسْتباحَهُ ... فكابَرَهُ فيها أَلجُّ مُكابرُ\nإِلى وجْهه تسمو العُيُون ومَا سمَتْ ... إِلى مثلِ هارونَ العيونُ النَّواظرِ\nترى حَوْلهُ الأَملاكَ مِنْ آل هاشِمٍ ... كما حَفَّتِ البَدْرَ النجومُ الزَّواهرُ\nيَسُوقُ يَدَيْهِ مِنَ قُرَيْش كِرَامُها ... وكِلتاهُما بَحْرٌ على الناس زاخرُ\nإِذا فقدَ الناسُ الغمامَ تتابَعَتْ ... عليْهمْ بكَفَّيْكَ الغُيُومُ المواطِرُ\nعلى ثِقَةٍ أَلقَتْ إِليْكَ أُمورَها ... قُرَيْش، كما ألقى عَصاهُ المُسافِرُ\nأُمورٌ بِميراثِ النبيِّ وَليتَها ... فَأَنتَ لها بالْحَزمِ طاوٍ وَناشِرُ\nإِليكُم تناهَتْ فاستَقَرَّتْ وَإِنَّما ... إِلى أَهلهِ صارَتْ بِهِنَّ المَصايرُ\nخلَفْتَ لنا المَهْدِيَّ في العَدْلِ وَالنَّدى ... فلا العُرْفُ منزُورٌ ولا الحُكْمُ جائِرُ\nوَأَبناءُ عَبَّاسٍ نُجومٌ مضيئَة ... إذا غابَ نجْمٌ لاحَ آخَرُ زاهرُ\nعليَّ بَنِي ساقي الحَجِيج تتابعَتْ ... أَوَائلُ منْ مَعْروفكمْ وأَواخِرُ\nفأَصْبحْتُ قد أَيْقَنْتُ أَنْ لسْتُ بالغًا ... مَدَى شُكْر نُعْماكُمْ وَإني لَشاكِرُ\nوما الناسُ إلا وَارِدٌ لحِياضكم ... وَذُو نَهَل بالرِّيِّ عنهنَّ صادرُ\nحُصُونُ بَنِي العَباسِ في كلِّ مَأْزِق ... صُدور العوالي والسُّيوفُ البَواتِرُ\nفَطَوْراُ يَهُزُّونَ القَواطِعَ والقَنا ... وَطَوْرًا بأَيدِيهِمْ تُهَزُّ المَخَاصِرُ\nبَأَيْدِي عظام النَّفْعِ والضَّر لاتَنِي ... بِهْم للعَطايا والمَنايا بَوادِرُ\nلِيَهنِكُمُ المُلكُ الذي أَصبحَتْ بِكمْ ... أَسِرَّتُهُ مُخْتالَةً والمَنابرُ\nأَبوكَ وَليُّ المُصْطَفى دونَ هاشِمٍ ... وِإنْ رَغَمتْ مِنْ حاسِدِيك المَناخِرُ\nفأعطاه خمسة آلاف دينار، فقبضها بين يديه وكساه خلعته، وأمر له بعشرة من رقيق الروم، وحمله على برْذون من خاصِّ مراكبه.","vol":"11","page":261},{"text":"وذُكر أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدنيُّ، وكان مضحاكًا له محداثًا فكيهًا، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يملُّ محادثته، وكان ممَّن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجَّان، فبلغ من خاصَّته بالرَّشيد أن بوَّأه منزلًا في قصره، وخلطه بحُرَمه بطانته ومواليه وغلمانه؛ فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائمًا، فكشف اللحاف عن ظهره، ثم قال له: كيف أصبحت؟ قال: يا هذا ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ويلك! قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي. فمضى وتركه نائمًا، وتأهَّب الرشيد للصلاة، فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام فألقى عليه ثيابه، ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، فانتهى إليه وهو يقرأ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله! فما تمالك الرَّشيد أن ضحك في صلاته، ثم التفت إليه وهو كالمغضب، فقال: يابن أبي مريم، في الصلاة أيضًا! قال: يا هذا وما صنعتُ؟ قال: قطعتَ عليَّ صلاتي، قال: والله ما فعلتُ؛ إنما سمعت منك كلامًا غمَّني حين قلت: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقلت: لا أدري والله! فعاد فضحك، وقال: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما (١).\nوذكر بعضُ خدم الرَّشيد أن العباس بن محمد أهدى غاليةً إلى الرشيد، فدخل عليه وقد حملها معه، فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! قد جئتك بغالية ليس لأحد مثلها، أما مِسْكها فمن سُرَر الكلاب التَبَّتية العتيقة، وأما عَنْبرها فمن عنبر بحر عَدَن، وأما بانُها فمن فلان المدنيَّ المعروف بجودة عَملِه، وأما مركِّبها فإنسان بالبصرة عالم بتأليفها، حاذق بتركيبها، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يمنَّ عليَّ بقبولها فعل، فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه: يا خاقانُ، أدخلْ هذه الغالية؛ فأدخلها خاقان، فإذا هي في بَرْنيَّة عظيمة من فضة، وفيها مِلعقة، فكشف عنها وابن أبي مريم حاضر، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْها لي، قال: خذها إليك. فاغتاظ العباس، وطار أسفًا، وقال:\n_________\n(١) هذا خبر منكر وكيف نعتمد على خبر هذا إسناده (وذُكِرَ)؟ ! ! وما كان أصحاب الرشيد وسمّاره يجرؤون على هذا وقد عرف بتقواه وخشيته وبكائه مع هيبته في صدور الناس.","vol":"11","page":262},{"text":"ويلك! عمَدت إلى شيء منعتُه نفسي، وآثرتُ به سيدي فأخذتَه! فقال: أمَّه فاعلة إن دهن بها إلا استه! قال: فضحك الرشيد، ثم وثب ابن أبي مريم، فألقى طرف قميصه على رأسه، وأدخل يده في البَرْنيَّة، فجعل يخرج منها ما حملت يده، فيضعه في استه مرَّة وفي أرفاغه ومغابنه أخرى، ثم سوَّد بها وجهَه ورأسه وأطرافه، حتى أتى على جميع جوارحه، وقال لخاقان: أدخل إليَّ غلامي، فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك، ادعُ غلامه، فدعاه، فقال له: اذهب بهذه الباقية، إلى فلانة، امرأته، فقل لها: ادهني بهذا حِرَك إلى أن أنصرف فأنيكك. فأخذها الغلام ومضى، والرَّشيد يضحك، فذهب به الضحك. ثم أقبل على العبَّاس فقال: والله أنت شيخ أحمق، تجيء إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية! أما تعلم أنَّ كلَّ شيء تمطر السماء وكلَّ شيء تخرج الأرض له، وكلَّ شيء هو في الدُّنيْا فملك يده، وتحت خاتمه وفي قبضته! وأعجبُ من هذا أنه قيل لملك الموت: انظر كلَّ شيء يقول لك هذا فأنفذه، فمثل هذا تُمْدح عنده الغالية، ويخطب فيِ ذكرها، كأنه بقَّال أو عطار أو تمَّار! قال: فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نَفسهُ، ووصل ابن أبي مريم في ذلك اليوم بمائة ألف درهم (١).\nوذكر عن زيد بن عليّ بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: أراد الرشيد أن يشرب الدَّواء يومًا، فقال له ابن أبي مريم: هل لك أن تجْعلَني حاجبك غدًا عند أخذك الدواء؛ وكل شيء أكسبه فهو بيني وبينك؟ قال: أفعلُ، فبعث إلى الحاجب: الزمْ غدًا منزلك؛ فإني قد ولَّيت ابن أبي مريم الحجابة. وبكَرَ بن أبي مريم، فوضع له الكرسيَّ، وأخذ الرَّشيد دواءه، وبلغ الخبر بِطانتَه، فجاء رسول أم جعفر يسأل عن أمير المؤمنين وعن دوائه، فأوصله إليه، وتعرَّف حالَه وانصرف بالجواب، وقال للرسول: أعلْمِ السيدة ما فعلتُ في الإذن لك قبل الناس؛ فاعلمَها، فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد، ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل، ففعل كذلك، فبعث إليه كلَّ واحد من البرامكة بصلَة جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فردَّه ولم يأذن له، وجاءت رسلُ القواد والعظماء؛ فما أحد سهَّل إذنه إلا بعث إليه بصلة\n_________\n(١) كيف نعتمد على هذا الإسناد (ذكر بعض الخدم) في إثبات هذا الحوار الخاص ...؟ .","vol":"11","page":263},{"text":"جزيلة؛ فما صار العصر حتى صار إليه ستون ألف دينار، فلما خرج الرشيد من العلَّة، ونقيَ بدنه من الدواء دعاه، فقال له: ما صنعت في يومك هذا؟ قال: يا سيدي، كسبت ستين ألف دينار، فاستكثرها وقال: وأين حاصلي؟ قال: معزول، قال: قد سوَّغناك حاصلنا؛ فأهد إلينا عشرة آلاف تفاحة، ففعل، فكان أربح مَن تاجره الرشيد (١).\nوذكر عن إسماعيل بن صَبيح، قال: دخلتُ على الرشيد، فإذا جارية على رأسه، وفي يدها صحيفة ومِلْعقة في يدها الأخرى، وهي تلعقه أولًا فأولًا، قال: فنظرت إلى شيء أبيض رقيق فلم أدر ما هو! قال: وعلم أنِّي أحبُّ أن أعرفَه، فقال: يا إسماعيل بن صَبيح، قلت: لبيك يا سيدي، قال: تدري ما هذا؟ قلت: لا، قال: هذا جشيش الأرز والحنطة وماء نُخالة السميد؛ وهو نافع للأطراف المعوجَّة وتشنيج الأعصاب ويصفِّي البشرة، ويذهب بالكلَف، ويسمِّن البدن، ويجلُو الأوساخ. قال: فلم تكن لي همَّة حين انصرفت إلا أن دعوت الطباخ؛ فقلت: بكِّرْ عليَّ كلَّ غداة بالجشيش، قال: وما هو؟ فوصفت له الصِّفة التي سمعتها. قال: تضجر من هذا في اليوم الثالث، فعمِله في اليوم الأول فاستطبتُه، وعمله في اليوم الثاني فصار دونه، وجاء به في اليوم الثالث، فقلت: لا تُقدِّمه.\nوذُكر أنَّ الرشيد اعتلَّ علة، فعالجه الأطباء، فلم يجد من عِلَّته إفاقة، فقال له أبو عمر الأعجميُّ: بالهند طبيب يقال له مَنكه، رأيتهم يقدِّمونه على كلِّ من بالهند؛ وهو أحد عُبَّادهم وفلاسفتهم، فلو بعث إليه أمير المؤمنين لعلَّ الله أن يبعث له الشفاء على يده! قال: فوجَّه الرَّشيد من حمله، ووجَّه إليه بصلة تعينه على سفره. قال: فقدم فعالج الرشيد فبرئ من علته بعلاجه، فأجرى له رزقًا واسعًا وأموالًا كافية، فبينا مَنْكَه مارًا بالخُلْد؛ إذا هو برجل من المانيِّين قد بسط كساءه، وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء عنده معجونًا، فقال في صفته: هذا دواء للحمَّى الدائمة وحمَّى الغِبِّ وحمَّى الربع، والمثلثة؛ ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح، ولوجع المفاصل ووجع العينين، ولوجع\n_________\n(١) خبر لا يصح كسابقاته.","vol":"11","page":264},{"text":"البَطْن والصُّداع والشقيقة ولتقطير البول والفالج والارتعاش؛ فلم يدَعْ عِلة في البَدَن إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاء منها، فقال مَنْكهَ لترجمانه: ما يقول هذا؟ فترجم له ما سمع، فتبسَّم مَنْكَه، وقال: على كلِّ حال ملك العرب جاهل؛ وذاك أنه إنْ كان الأمر على ما قال هذا، فلمَ حملني من بلادي، وقطعني عن أهلي، وتكلَّف الغليظَ من مؤنتي، وهو يجد هذا نصب عينيه وبإزائه! وإن كان الأمر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله! فإن الشريعة قد أباحت دمه ودم مَنْ أشبهه؛ لأنه إن قُتل، فإنما هي نفس يحيا بقتلها خلْق كثير؛ وإن ترك هذا الجاهل قَتلَ في كلِّ يوم نفسًا، وبالحَري أن يقتل اثنتين وثلاثًا وأربعًا في كلِّ يوم؛ وهذا فساد في التدبير، ووهن في المملكة.\nوذُكر أنَّ يحيى بن خالد بن برمك ولَّى رجلًا بعض أعمال الخراج بالسَّوَاد، فدخل إلى الرشيد يودِّعه؛ وعنده يحيى وجعفر بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى وجعفر: أوصياه، فقال له يحيى: وَفِّرْ واعمرْ، وقال له جعفر: أنصِفْ وانتصف، فقال له الرشيد: اعدْل وأحسنْ.\nوذكر عن الرشيد أنه غضب على يزيد بن مزيد الشيبانيِّ، ثم رضي عنه، وأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ الحمد لله الذي سهَّل لنا سبيل الكرامة، وحلَّ لنا النِّعمة بوجه لقائك، وكشف عنا صُبابة الكرب بإفضالك، فجزاك الله في حالِ سخطك رضا المنيبين، وفي حال رضاك جزاء المنعمين الممتنِّين المتطوِّلين؛ فقد جعلك الله وله الحمد، تتثبَّتُ تحرُّجًا عند الغضب، وتتطوَّل ممتنًا بالنعم، وتعفو عن المسيء تفضُّلًا بالعفو.\nوذكر مصعب بن عبد الله الزبيري أن أباه عبد الله بن مصعب أخبره أنَّ الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، طعن عليه ناس؛ وكان معه ناس؛ فأما الذين طعنوا عليه فتفرَّقوا عنه؛ فهم أنواع الشِّيَع، وأهل البِدعَ، وأنواع الخوارج؛ وأما الذين كانوا معه فهم أهلُ الجماعة إلى اليوم. فقال لي: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا.\nقال مصعب: وقال أبي - وسألني عن منزلة أبي بكر وعمر كانت من رسول الله - ﷺ -؛ فقلت له: كانت منزلتهما في حياته منه منزلتَهما في ممَاته، فقال: كفيتني ما أحتاج إليه.","vol":"11","page":265},{"text":"قال: وُوُلِّيَ سلَام، أو رشيد الخادم - بعض خدَّام الخاصة - ضياعَ الرَّشيد بالثغور والشأمات، فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوفيره وحمد الناس له، فأمر الرَّشيد بتقديمه والإحسان إليه، وضمِّ ما أحب أن يضمَّ إليه من ضياع الجزيرة ومصر. قال: فقدم فدخل عليه وهو يأكل سَفَرْجلًا قد أتى به من بلْخ؛ وهو يقشِّرهُ ويأكل منه، فقال له: يا فلان، ما أحسن ما انتهى إلى مولاك عنك، ولك عنده ما تحبُّ، وقد أمرت لك بكذا وكذا، ووليتك كذا وكذا، فسل حاجَتك، قال: فتكلَّم وذكر حسنَ سيرته، وقال: أنسَيْتُهم والله يا أمير المؤمنين سيرةَ العُمرين، قال: فغضبط واستشاط، وأخذ سفرجلة فرماه بها، وقال: يابن اللخناء، العمريْن، العمريْن، العمرين! هبنا احتملناها لعمر بن عبد العزيز، نحتملها لعمر بن الخطاب!\nوذكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حدَّثه، عن الضَّحاك بن عبد الله، وأثنى عليه خيرًا؛ قال: أخبرني بعضُ ولد عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال الرَّشيد: والله ما أدري ما آمُر في هذا العُمَريُّ! أكره أن أقدم عليه وله خلَف أكرههم؛ وإني لأحبُّ أن أعرف طريقَه ومذهبه، وما أثق بأحد أبعثه إليه، فقال عمر بن بزيع والفضل بن الربيع: فنحن يا أمير المؤمنين، قال: فأنتما، فخرجا من العَرْج إلى موضع من البادية يقال له خلْص، وأخذا معهما أدلاء من أهل العرْج؛ حتى إذا ورد عليه في منزله أتَيَاه مع الضحى؛ فإذا هو في المسجد، فأناخا راحلتيهما ومَنْ كان معهما من أصحابهما، ثم أتياه على زيِّ الملوك من الريح والثياب والطِّيب؛ فجلسا إليه وهو في مسجد له، فقالا له؛ يا أبا عبد الرحمن، نحن رسل مَنْ خلْفنا من أهل المشرق، يقولون لك: اتقِّ الله ربك؛ فإذا شئت فقم. فأقبل عليهما، وقال: ويحكما! فيمن ولمن! قالا: أنت، فقال: والله ما أحبُّ أني لقيت الله بمحجمة دم امرئ مسلم، وأنَّ لي ما طلعت عليه الشمس؛ فلما أيسا هـ قالا: فإن معنا شيئًا تستعين به على دهرك، قال: لا حاجة لي فيه، أنا عنه في غنىً، فقالا له: إنها عشرون ألف دينار، قال: لا حاجة لي فيها، قالا: فأعطها مَنْ شئت، قال: أنتما، فأعطياها مَنْ رأيتما، ما أنا لكما بخادم ولا عَوْن. قال: فلما يئسا منه ركبا","vol":"11","page":266},{"text":"راحلتيهما حتى أصبحا مع الخليفة بالسُّقيا في المنزل الثاني، فوجدا الخليفة ينتظرهما؛ فلما دخلا عليه حدثاه بما كان بينهما وبينه، فقال: ما أبالي ما أصنع بعد هذا فحجَّ عبدُ الله في تلك السنة، فبينا هو واقف على بعض أولئك البَاعة يشتري لصبيانه؛ إذا هارون يسعَى بين الصَّفا والمروة على دابَّة، إذ عرض له عبد الله وترك ما يريد، فأتاه حتى أخذ بلجام دابته، فأهوتْ إليه الأجناد والأحراس، فكفَّهم عنه هارون فكلمه. قال: فرأيتُ دموعَ هارون؛ وإنها لتسيل على مَعْرَفة دابته، ثم انصرف.\nوذكر محمد بن أحمد مولَى بني سليم قال: حدثني الليث بن عبد العزيز الجوزجانيَّ - وكان مجاورًا بمكة أربعين سنة - أن بعض الحَجبَة حدَّثه أنَّ الرشيد لما حجَّ دخل الكعبة، وقام على أصابعه، وقال: يا مَنْ يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين، فإنَّ لكل مسألة منك ردًّا حاضرًا، وجوابًا عتيدًا، ولكلِّ صامت منك علمٌ محيط ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة. صلِّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا. يا مَنْ لا تضرُّه الذنوب، ولا تخفَى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا. يا من كبس الأرض على الماء، وسدَّ الهواء بالسَّماء، واختار لنفسه الأسماء، صلِّ على محمد، وخِرْ لي في جميع أمري. يا من خشعت له الأصوات بألوان اللغات يسألونك الحاجات؛ إنَّ من حاجتي إليك أن تغفر لي إذا توفَّيتني، وصرتُ في لحدي، وتفرَّق عني أهلي وولدي. اللهمَّ لك الحمد حمدًا يفضلُ على كلِّ حمد كفضلك على جميع الخلق. اللهم صلِّ على محمد صلاة تكون له رضًا، وصلِّ على محمد صلاةً تكون له حرزًا، واجْزه عنَّا خيرَ الجزاء في الآخرة والأولى. اللهمَّ أحينا سُعداء وتوفَّنا شُهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين!\nوذكر عليُّ بن محمد عن عبد الله، قال: أخبرني القاسم بن يحيى، قال: بعث الرشيد إلى ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن عليٍّ في الحَيْر، قال: فأُتىَ بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد، وقال: ما لك؟ قال: بعث إليَّ هذا الرجل - يعني الرشيد - فأحضرني، ولست آمنه على نفسي، قال له: فإذا دخلتَ عليه فسألك، فقل له: الحسن بن راشد وضعَني في ذلك الموضع. فلمَّا دخل","vol":"11","page":267},{"text":"عليه قال هذا القول، قال: ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن! أحضروه، قال: فلما حَضَر قال: ما حمَلك على أن صيَّرت هذا الرجل في الحَيْر؟ قال: رحم الله مَنْ صيَّره في الحَيْر، أمرتني أم موسى أن أصيِّره فيه، وأن أجري عليه في كل شهر ثلاثين ردهمًا. فقال: ردُّوه إلى الحَيْر، وأجروا عليه ما أجْرَتْه أم موسى، وأم موسى هي أمُّ المهدي ابنة يزيد بن منصور.\nوذكر علي بن محمد أن أباه حدَّثه قال: دخلت على الرشيد في عوْن العِبادي فإذا هو في هيئة الصيف، في بيت مكشوف؛ وليس فيه فرش على مقعد عند باب في الشق الأيمن من البيت، وعليه غُلالة رقيقة، هازار رشيديٌّ عريض الأعلام، شديد التَّضْريج؛ وكان لا يخيِّش البيت الذي هو فيه، لأنه كان يؤذيه؛ ولكنه كان يدخل عليه برد الخَيش؛ ولا يجلس فيه. وكان أوَّل من اتخذ في بيت مقيله في الصيف سقفًا دون سقف، وذلك أنه لمَّا بلغه أن الأكاسرة كانوا يطيِّنون ظهورَ بيوتهم في كلِّ يوم من خارج ليكفَّ عنهم حرَّ الشمس؛ فاتخذ هو سقفًا يلي سقف البيت الذي يقيل فيه.\nوقال عليٌّ عن أبيه: خُبرت أنه كان في كل يوم القيظ تغار من فِضَّة يعمل فيها العطار الطَّيب والزعفران والأفاويه وماء الورد، ثم يدخل إلى بيت مقيله، ويدخل معه سبع غَلائل قصب رشيدية تقطيع النساء، ثم تغمس الغلال في ذلك الطِّيب، ويؤتَى في كل يوم بسبع جوار، فتخلع عن كل جارية ثيابها ثم تخلع عليها غُلالة، وتجلس على كرسيٍّ مثقب، وترسل الغُلالة على الكرسي فتجلله، ثم تبخَّر من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر أمدًا حتى يجف القميص عليها، يفعل ذلك بهنَّ، ويكون ذلك في بيت مقيله، فيعبق ذلك البيت بالبخور والطيب.\nوذكر عليٌّ بن حمزة أن عبد الله بن عباس بن الحسن بن عبيد الله بن عليِّ بن أبي طالب قال: قال لي العباس بن الحسن: قال لي الرَّشيد: أراك تكثر من ذكر يَنْبُع وصفتها، فصفها لي وأوجز، قال: قلت: بكلام أو بشعر؟ قال: بكلام وشعر، قال: قلت: جِدَتُها في أصل عِذْقها، وعِذْقها مسرَّح شأنها، قال: فتبسَّم، فقلت له:\nيا واديَ القصرِ نِعم القصرُ والوادي ... مِن مَنزِلٍ حاضرٍ إِن شئت أَو بادِي","vol":"11","page":268},{"text":"ترى قراقيره والعِيسَ وَاقفةً ... وَالضبَّ وَالنونَ والملّاح والحادِي\nوذكر محمد بن هارون، عن أبيه، قال: حضرت الرشيد، وقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، قد أحضرتُ ابنَ السَّماك كما أمرتني، قال: أدخله، فدخل، فقال له: عظني، قال: يا أميرَ المؤمنين، اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدًا بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما؛ جنة أو نار. قال: فبكى هارون حتى اخضلت لحيته، فأقبل الفضلُ على ابن السَّماك، فقال: سبحان الله! وهل يتخالَج أحدًا شكٌّ في أنَّ أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله! لقيامه بحق الله وعدله في عباده، وفضله! قال: فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله، ولم يلتفت إليه، وأقبل على أمير المؤمنين، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتَّق الله وانظر لنفسك. قال: فبكى هارون حتى أشفقنا عليه. وأفحِم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرْف حتى خرجنا (١).\nقال: ودخل ابن السَّماك على الرَّشيد يومًا؛ فبينا هو عنده إذ استسقى ماء، فأُتيَ بقلَّة من ماء؛ فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها، قال له ابن السماك: على رِسْلك يا أميرَ المؤمنين؛ بقرابتك من رسول الله - ﷺ -، لو مُنعتَ هذه الشَّرْبة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شربها، قال له أسألك بقرابتك من رسول الله - ﷺ -، لو مُنِعتَ خروجها من بدنك فبماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي؛ قال ابن السَّماك إن ملكًا قيمته شربة ماء، لجدير ألا ينافس فيه. فبكى هارون؛ فأشار الفضلُ بن الربيع إلى ابن السَّماك بالانصراف فانصرف.\nقال: ووعظ الرشيد عبدُ الله بن عبد العزيز العمريُّ، فتلقَّى قوله بنعم يا عم، فلما ولَّى لينصرف؛ بعث إليه بألفي دينار في كيس مع الأمين والمأمون فاعترضاه بها، وقالا: يا عمّ؛ يقول لك أمير المؤمنين: خذها وانتفع بها أو فرِّقها، فقال: هو أعلم بمَنْ يفرقها عليه، ثم أخذ من الكيس دينارًا، وقال: كرهت أن أجمع\n_________\n(١) مختصر تأريخ دمشق/ ابن منظور [٢٧/ ٢٠].","vol":"11","page":269},{"text":"سوء القول وسوء الفعل وشخص إليه إلى بغداد بعد ذلك، فكره الرشيد مصيرَه إلى بغداد، وجمع العُمَرِيين، فقال: ما لي ولابن عمِّكم! احتملتُه بالحجاز، فشخص إلى دار مملكتي؛ يريد أن يفسد عليَّ أوليائي! ردُّوه عني، فقالوا: لا يقبل منا؛ فكتب إلى موسى بن عيسى أن يرفُق به حتى يردَّه، فدعا له عيسى ببُنيِّ عشر سنين، قد حفظ الخطب والمواعظ، فكلَّمه كثيرًا، ووعظه بما لم يسمع العمريُّ بمثله، ونهاه عن التعرُّض لأمير المؤمنين، فأخذ نعله، وقام وهو يقول: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\nوذكر بعضهم أنه كان مع الرشيد بالرَّقة بعد أن شخص من بغداد، فخرج يومًا مع الرشيد إلى الصَّيْد، فعرض له رجل من النساك، فقال: يا هارون، اتق الله، فقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف، فلما رجع دعا بغذائه، ثم أمر أن يطعم الرجل من خاصِّ طعامه، فلما أكل وشرب دعا به، فقال: يا هذا، أَنْصفني في المخاطبة والمسألة، قال: ذاك أقلَّ ما يجب لك، قال: فأخبِرْني: أنا شرٌّ وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، قال: صدقت، فأخبِرني فمن؟ خير أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيَّه، اصطنعه لنفسه، وأتمنه على وحيه، وكلَّمه من بين خلقه، قال: صدقت؛ أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يَكْنِيَاه؛ وهذا وهو في عُتوِّه وجبَريّته؛ على ما قد علمتَ، وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم، أؤدي أكثر فرائض الله عليَّ، ولا أعبد أحدًا سواه، أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه؛ فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأشنعها وأخشن الكلام، وأفظعه؛ فلا بأدب الله تأدَّبْتَ، ولا بأخلاق الصالحين أخذْت، فما كان يؤمنك أن أسطوَ بك! فإذًا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيًّا. قال الزاهد: أخطأتُ يا أمير المؤمنين؛ وأنا أستغفرك؛ قال: قد غفر لك الله؛ وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها، وقال: لا حاجة لي في المال؛ أنا رجل سائح. فقال هرثمة - وخزَره -: تردُّ على أمير المؤمنين يا جاهل صِلتَه! فقال الرَّشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك هذا المال لحاجَتِك إليه؛ ولكن مِنْ عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحدٌ ليس من أوليائه","vol":"11","page":270},{"text":"ولا أعدائه إلا وصله ومنحه؛ فاقبل من صِلتنا ما شئت؛ وضعها حيث أحببت. فأخذ من المال ألفَيْ درهم، وفرَّقها على الحجَّاب ومَنْ حضر الباب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>ذكر مَنْ كان عند الرَّشيد من النساء المهائر</span>\nقيل: إنه تزوَّج زبيدة؛ وهي أمُّ جعفر بنت جعفر بن المنصور، وأعرس بها في سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهديِّ ببغداد، في دار محمد سليمان - التي صارت بعد للعباسة، ثم صارت للمعتصم بالله - فولدت له محمدًا الأمين، وماتت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين.\nوتزوَّج أمَة العزيز أمُّ ولد موسى، فولدت له عليَّ بن الرشيد.\nوتزوج أمَّ محمد ابنة صالح المسكين، وأعرس بها بالرَّقة في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة، وأمُّها أم عبد الله ابنة عيسى بن عليّ صاحبة دار أمِّ عبد الله بالكرْخ التي فيها أصحاب الدبس، كانت أملكت من إبراهيم بن المهديِّ، ثم خلعت منه فتزوَّجها الرشيد.\nوتزوَّج العباسة ابنة سليمان بن أبي جعفر، وأعرس بها في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة، حُملت هي وأمُّ محمد ابنة صالح إليه.\nوتزوج عزيزة ابنة الغطريف؛ وكانت قبله عند سليمان بن أبي جعفر فطلقها، فخلَف عليها الرشيد، وهي ابنة أخي الخيزران.\nوتزوج الجُرَشيَّة العثمانية، وهي ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وسُميت الجُرَشيَّة لأنها ولدت بجُرَش باليمن، وجدَّة أبيها فاطمة بنت الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، وعمُّ أبيها عبد الله بن حسن بن حسن بن عليِّ بن أبي طالب ﵃.\nومات الرشيد عن أربع مهائِر: أم جعفر، وأم محمد ابنة صالح، وعباسة ابنة سليمان، والعثمانية.\n* * *","vol":"11","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1799>[ذكر ولد الرشيد]</span>\nوولد للرشيد من الرِّجال:\nمحمد الأكبر وأمُّه زبيدة، وعبد الله المأمون وأمه أم ولد يقال لها مراجل، والقاسم المؤتمن وأمُّه أمُّ ولد يقال لها قصف، ومحمد أبو إسحاق المعتصم وأمه أم ولد يقال لها ماردة، وعليٌّ وأمه أمَة العزيز، وصالح وأمه أمُّ ولد يقال لها رثم، ومحمد أبو عيسى وأمه أم ولد يقال لها عرابة، ومحمد أبو يعقوب وأمه أم ولد يقال لها شذرة، ومحمد أبو العباس وأمه أم ولد يقال لها خُبْث، ومحمد أبو سليمان وأمه أم ولد يقال لها رَواح، ومحمد أبو عليٍّ وأمُّه أمُّ ولد يقال لها دواج، ومحمد أبو أحمد وأمُّه أم ولد يقال لها كِتْمان.\nومن النساء: سكينة وأمها قِصف وهي أخت القاسم، وأم حبيب وأمها ماردة وهي أخت أبي إسحاق المعتصم، وأروى أمها حَلوب، وأم الحسن وأمُّها عِرَابة، وأم محمد وهي حَمْدونة، وفاطمة وأمها غُصص واسمها مصفَّى، وأم أبيها وأمها سكَّر، وأم سلمة وأمها رحيق، وخديجة وأمها شَجَر، وهي أخت كريب، وأم القاسم وأمها خزق، ورملة أم جعفر وأمها حَلْي، وأمُّ علي أمها أنيق، وأم الغالية أمُّها سمندل، وريْطة وأمها زينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>[بقية ذكر بعض سير الرشيد]</span>\nذكر يعقوب بن إسحاق الأصفهانيِّ، قال: قال المفضل بن محمد الضبيَّ: وجَّه إليَّ الرشيد؛ فما علمت إلَّا وقد جاءتني الرُّسل ليلًا، فقالوا: أجب أمير المؤمنين؛ فخرجت حتى صرت إليه؛ وذلك في يوم خميس؛ وإذا هو متَّكئ ومحمد بن زبيدة عن يساره، والمأمون عن يمينه؛ فسلَّمت، فأومأ إليَّ فجلست، فقال لي: يا مفضَّل، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال كم اسمًا في: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾؟ قلت: ثلاثة أسماء يا أميرَ المؤمنين، قال: وما هي؟ قلت: الكاف لرسول الله - ﷺ -، والهاء والميم، وهي للكفار، والياء وهي لله ﷿. قال: صدقت؛ هكذا أفادنا هذا الشيخ - يعني الكسائيَّ - ثم التفت إلى","vol":"11","page":272},{"text":"محمد، فقال له: أفهمت يا محمد؟ قال: نعم، قال: أعِدْ عليَّ المسألة كما قال المفضَّل، فأعادها، ثم التفت إليَّ فقال: يا مفضَّل، عندك مسألة تسألنا عنها بحضرة هذا الشيخ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: وما هي؟ قلت: قول الفرزدق:\nأَخَذْنا بآفاقِ السماء عليكُم ... لنا قَمَراها والنُّجومُ الطَّوالِعُ\nقال: هيهات أفادناها متقدِّمًا قبلك هذا الشيخ؛ لنا قمراها، يعني الشمس والقمر كما قالوا سنَّة العمريْن: سنة أبي بكر وعمر، قال: قلت: فأزيد في السؤال؟ قال: زِدْ، قلت: فِلمَ استحسنوا هذا؟ قال: لأنه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد، وكان أحدهما أخفَّ على أفواه القائلين غلَّبوه وسَمَّوا به الآخر؛ فلما كانت أيام عمر أكثر من أيام أبي بكر وفتوحُه أكثر، واسمه أخف غلبُّوه، وسموا أبا بكر باسمه، قال الله ﷿: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وهو المشرق والمغرب. قلت: قد بقيت زيادة في المسألة! [فالتفت إلى الكسائي] فقال: يقال في هذا غير ما قلنا؟ قال: هذا أوفى ما قالوا، وتمام المعنى عند العرب. قال: ثم التفت إليَّ فقال: ما الذي بقي؟ قلت: بقيت الغاية التي إليها أجرى الشاعر المفتخر في شعره، قال: وما هي؟ قلت: أراد بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمدًا - ﷺ -، وبالنجوم الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين. قال: فاشرأبَّ أمير المؤمنين، وقال: يا فضل بن الربيع، احمل إليه مائة ألف درهم لقضاء دَيْنه، وانظر مَن بالباب من الشعراء فيؤذنَ لهم، فإذا العُمَانيُّ ومنصور النَّمَريُّ، فأذن لهما، فقال: أدنِ مني الشيخ، فدنا منه وهو يقول:\nقل للإمامِ المقتدي بأمِّهِ ... ما قاسِمٌ دون مَدَى ابن أمِّهِ\n* فقد رَضيناه فقم فَسَمِّهِ *\nفقال الرشيد: ما ترضى أن تدعوَ إلى عقد البيعة له وأنا جالس حتى تنهضني قائمًا! قال: قيام عَزْم يا أمير المؤمنين، لا قيام حَتْم، فقال: يؤتى بالقاسم، فأتي به، وطبطب في أرجوزته، فقال الرشيد للقاسم: إنَّ هذا الشيخ قد دعا إلى عَقْد البيعة لك، فأجزِل! له العطية، فقال: حكم أمير المؤمنين، قال: وما أنا وذاك! هات النَمَريَّ، فدنا منه، وأنشده:\n* ما تَنقضِي حسرةٌ مِنِّي ولا جَزَعُ *","vol":"11","page":273},{"text":"- حتى بلغ -\nما كان أَحسن أيامَ الشبابِ وما ... أَبقى حلاوةَ ذِكرَاهُ التي تَدَعُ\nما كنتُ أُوفِي شَبابي كُنهَ غُرَّتِه ... حتى مضى فإذا الدنيا له تَبَعُ\nقال الرشيد: لا خير في دنيا لا يُخطَر فيها ببُرْد الشباب.\nوذكر أن سعيد بن سلم الباهليَّ دخل على الرشيد، فسلَّم عليه، فأومأ إليه الرشيد فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، أعرابيٌّ من باهلة واقفٌ على باب أمير المؤمنين؛ ما رأيت قطَّ أشعرَ منه، قال: أما أنك استبحت هذين - يعني العمَاني ومنصور النَّمري، وكانا حاضريه - نُهبى لهما أحجارك، وقال: هما يا أمير المؤمنين يهباني لك؛ فيؤذن للأعرابيِّ؟ فأذن له، فإذا أعرابيٍّ في جُبَّة خَزٍّ، ورداء يمان، قد شدَّ وسطه ثم ثناه على عاتقه، وعمامة قد عَصَبها على خدَّيه، وأرخى لها عَذبَة، فمثل بين يدي أمير المؤمنين، وألقيت الكراسي، فجلس الكسائي والمفضَّل وابن سلْم والفضل بن الربيع، فقال ابنُ سلْم للأعرابيُّ: خذ في شرف أمير المؤمنين، فاندفع الأعرابيَّ في شعره، فقال أمير المؤمنين: أسمعُك مستحسنًا، وأنكرك متهمًا عَليك؛ فإنْ يكن هذا الشعر لك وأنت قلته من نفسك، فقل لنا في هذين بيتين - يعني محمدًا والمأمون - وهما حفافاه فقال: يا أميرَ المؤمنين حمَّلتني على القدر في غير الحذر روعةَ الخلافة، وبهَر البديهة ونفور القوافي عن الرَّويَّة، فيمهلني أمير المؤمنين؛ يتألف إليَّ نافراتها، ويسكن رَوْعي. قال: قد أمهلتك يا أعرابيُّ، وجعلت اعتذارك بدلًا من امتحانك، فقال: يا أميرَ المؤمنين نفَّست الخناق، وسهَّلت ميدان النفاق، ثم أنشأ يقول:\nهُما طُنُبَاها بارَكَ الله فيهما ... وأَنتَ أميرَ المؤمنينَ عمودُها\nبَنَيْت بِعَبْدِ الله بَعدَ مُحمَّدٍ ... ذرا قبَّةِ الإِسلامِ فاهتزَّ عُودُها\nفقال: وأنت يا أعرابيُّ بارك الله فيك؛ فسَلْنا، ولا تكن مسألتك دون إحسانِك، قال: الهُنيدة يا أمير المؤمنين، قال: فتبسَّم أمير المؤمنين، وأمر له بمائة ألف درهم وسبع خلَع.\nوذُكر أنَّ الرشيد قال لابنه القاسم - وقد دخل عليه قبل أن يبايع له: أنت للمأمون ببعض لحمك هذا، قال: ببعض حظِّه.\nوقال للقاسم يومًا قبل البيعة له: قد أوصيتُ الأمين والمأمون بكَ، قال أمَّا","vol":"11","page":274},{"text":"أنت يا أمير المؤمنين فقد توليتَ النَّظر لهما، ووكلتَ النظر لي إلى غيرك.\nوقال مصعب بن عبد الله الزَّبيريُّ: قدم الرَّشيد مدينة الرسول الله - ﷺ - ومعه ابناه محمد الأمين وعبد الله المأمون، فأعطى فيها العطايا وقسَّم في تلك السنة في رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية؛ فكانت الثلاثة الأعطية التي قسَمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وفرض في تلك السنة لخمسمائة من وجوه موالي المدينة، ففرَض لبعضهم في الشَّرف منهم يحيى بن مسكين وابن عثمان، ومخراق مولى بني تميم، وكان يقرئ القرآن بالمدينة.\nوقال إسحاق المولى: لما بايع الرشيد لولده، كان فيمَن بايع عبدُ الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فلمَّا قدم ليبايع، قال:\nلا قصَّرَا عنها ولا بَلَغَتْهُما ... حتى يطولَ على يديكَ طِوَالُها\nفاستحسن الرشيد ما تمثَّل، وأجزل له صلته. قال: والشعر لطُريح بن إسماعيل، قاله في الوليد بن يزيد وفي ابنيه.\nوقال أبو الشيص يرثي هارون الرشيد:\nغَرَبَتْ في الشَّرقِ شمسٌ ... فلها عَيْنَانِ تَدْمَعْ\nما رأَينا قطُّ شَمسًا ... غربت مِن حيثُ تَطْلُعْ (١)\nوقال أبو نواس الحسن بن هانئ:\nجَرَت جَوارٍ بالسَّعدِ والنحس ... فنحنُ في مأْتمٍ وفي عُرْسِ\nالقلبُ يَبكي والسِّنُّ ضاحكَةٌ ... فنحن في وحْشَةٍ وفي أُنْسِ\nيُضحكُنا القائمُ الأَمينُ ويبـ ... ـكينا وَفاةُ الإمامِ بالأَمْس\nبَدْرانِ: بدر أَضحَى ببَغدادَ بالـ ... ـخُلدِ، وبَدرٌ بطوسَ في رَمْسِ\nوقيل: مات هارون الرشيد، وفي بيت الرشيد، وفي بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيِّف (٢).\n_________\n(١) المنتظم [٩/ ٢٣٢].\n(٢) البداية والنهاية [٨/ ١٣٣].","vol":"11","page":275},{"text":"الصَّحِيْحُ وَالضَّعِيفُ وَالمَسكُوتُ عَنْهُ\nتَارِيخ الطَّبرِيّ\nتتَمَّة تَارِيخ الخِلافَة فِي عَهْدِ العَبَّاسِيِّين\n١٩٣ هـ - ٢٤٧ هـ\nللإمَامِ أبِي جَعْفَر بْنِ جَرِير الطَّبَرِيِّ\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحَقَقَّهُ وَخَرَّجَ روَايَاتِهِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وَمَيَّزَ صَحِيْحَهُ\nمحمد بن طاهر البَرزنجيّ\nبإشرافِ ومُراجعة المحقِّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجَلَّد الثَّاني عَشَر\nدَار ابْن كَثير","vol":"12","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"12","page":2},{"text":"الصَّحِيْحُ وَالضَّعِيفُ وَالمَسكُوتُ عَنْهُ\nتَارِيخ الطَّبرِيّ\nتتَمَّة تَارِيخ الخِلافَة فِي عَهْدِ العَبَّاسِيِّين","vol":"12","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1801>المقدمة</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:\nفهذه مرحلة أخرى من مراحل تحقيقنا وتخريجنا لأخبار الطبري وتعليقنا عليه. يبدأ من حوادث سنة ١٩٣ هـ، ونرجوا أن ينتهي بأحداث سنة ٣٠٢ هـ بإذنه تعالى.\nللمرة الأولى لم نفصل بين (الصحيح) من جهة و(الضعيف والمسكوت عنه) من جهة وإنما أبقينا جميع الأقسام مع بعضها وللأسباب التالية:\nأولًا: بالإضافة إلى اختفاء الإسناد بصورة تكاد تكون تامة عند خليفة بن خياط والبسوي (وهما مؤرخان متقدمان ثقتان محايدان) فإن تسجيلهما للأحداث كذلك قلّ إلى درجة كبيرة حتى أن القارئ يستغرب حينما يجد البسوي يقتصر في ذكره لأحداث سنة معينة على ذكر الحجّ فقط مع بعض - الوفيات، وكذلك الحال بالنسبة لخليفة عندما لا يتجاوز خبره عن وقاخ سنة بِكاملها مثلًا سطرًا أو سطرين ولعلّه اختصر حوادث سنين عدة في صفحة واحدة.\nوبما أن كتاب تأريخ خليفة والمعرفة والتأريخ للبسوي هما المصدران الرئيسان لمقارنتنا مع مرويات الطبري فإننا والحال هذه اضطررنا لعدم الفصل بين الصحيح والمسكوت عنه والضعيف حتى لا نترك فجوة أو فراغًا واسعًا في كتابة التأريخ وأحداثه - هذا مع الأسباب الأخرى -.\nثانيًا: وفيما يتعلق بتأريخ الطبري نفسه فإنه قد اختزل الحديث عن وقائع بعض السنين حتى بلغت في بعضها صفحة واحدة أو أقل ناهيك عن ندرة استعماله للإسناد إلا في مواضع كذكره لسير الخلفاء وحتى في هذه المواضع تراه يُسْنِدُ الخبر عن مجاهيل أو شعراء عرفوا بالمجون وغير ذلك.","vol":"12","page":5},{"text":"ثالثًا: يلاحظ القارئ الكريم أن حدثًا هامًّا وقع في هذه المرحلة الجديدة وأعني دخول مسألة فرض عقيدة فرقة مبتدعة (وأعني المعتزلة) على جمهور العلماء والناس لفترة عقدٍ من الزمان أو أكثر مما أحدث بلبلة وشرخًا في صف المجتمع الإسلامي آنذاك وبدأت معها حملات المغرضين والمرجفين من أهل البدع وأصبح المجال فسيحًا أمام أهل الأهواء والوضاعين لنشر الأخبار الكاذبة والاتهامات الباطلة لعلماء ورموز الأمة يومها، مما دفعنا إلى اليقين بأننا بحاجة إلى قواعد أخرى بالإضافة إلى قواعدنا التي استخدمناها في تمييز الصحيح من الضعيف وإضافة مصادر أخرى إلى مصادرنا السابقة فنحن بحاجة إلى كتب العقيدة والفرق والملل والنحل والمذاهب لنتعرف من خلالها على آراء علماء تلك الحقبة بالإضافة إلى كتب الأدب المستوثقة من نسبتها إلى مؤلفيها وأخيرًا كتب الفقه المختلفة حتى لا ندخل في باب اتهام بعض العلماء زورًا وبهتانًا - وسَنَضْرِب هنا مثلًا لكي نبين الخلط الذي وقع فيه الطبري ولم يتداركه من بعده عدد لا بأس به من الحفاظ وسجّلوا في كتبهم رواية الطبري دون الانتباه إلى ذلك:\nفقد ذكر الطبري خبرًا طويلًا عن بداية المحنة بمقولة خلق القرآن وذلك في نهاية عهد المأمون وجاء في موضع من الخبر (٨/ ٦٣٧) - المقطع الثاني من الصفحة - السطر (١٣ و١٦) أن نائب المأمون في بغداد (إسحاق بن إبراهيم) استدعى عددًا من العلماء وقرأ عليهم كتاب المأمون وسألهم واحدًا واحدًا ليقروا بما جاء في طلب المأمون بضرورة القول بخلق القرآن ومن بين هؤلاء (ابن علية الأكبر والنضر بن شميل) ويؤرخ الطبري لهذا الخبر بسنة (٢١٨ هـ) بينما ذكرت كتب التراجم والرجال أن النضر بن شميل توفي سنة (٢٠٤) للهجرة أي (١٤) عامًا قبل هذا الحدث [وانظر لوفاته تقريب التهذيب/ تر ٨٠٣٥]. وأما فيما يتعلق بابن علية الكبير فإن كان يعني به الإمام الجليل إسماعيل ابن علية (وهو المقصود على الأغلب) فإنه قد توفي أيام الأمين سنة ١٩٣ هـ أي تبل هذه المحنة بربع قرنٍ من الزمان ولم ينتبه الحافظ ابن كثير ﵀ في سرده لهذا الخبر إلى هذا التناقض سبحان من لا ينسى ولا يسهو ولا يخطئ وهو علام الغيوب.\nوهذا مثال ثانٍ يتعلق بمسألة استخدام الشعر في توثيق الخبر التأريخي فكثيرًا","vol":"12","page":6},{"text":"ما يذكر الطبري واقع تأريخية ثم يذكر قصيدة لشاعر قالها في تلك المناسبة - وحينما يرجع الباحثون إلى التدقيق في المسألة (أو كما يصطلح أهل الحديث - عندما يبحثون عن العلل الخفية] يرون أن هذا الشاعر قد توفي بسنين أو حتى بعقود من السنين قبل تلك الحادثة أي أنه لم يشهدها فكيف نظم تلك الأبيات؟ ! وإليك المثل:\nأخرج الطبري ضمن ذكره لأحداث ووقائع سنة (٢٠١) للهجرة خبرًا مَفَادُه أن والي خراسان (في عهد المأمون) افتتح جبال طبرستان وأماكن أخرى فنظم الشاعر سلّام الخامس بيتين من الشعر بتلك المناسبة [تأريخ الطبري ٨/ ٥٥٦] ولمّا رجع الأئمة المؤرخون الحفاظ إلى ترجمة هذا الشاعر علموا أنه توفي سنة (١٨٦ هـ) بينما كان فتح تلك الأماكن سنة (٢٠١ هـ) أي أنه توفي بعقد ونصف عقد من الزمان قبل هذه الواقعة وهذا يعني أن تلك الأبيات لم تنظّم في تلك المناسبة ولا تصح كدليل لتوثيق ذلك الخبر وهذا المثال وغيره من الأمثلة يستدعي منهجًا علميًا دقيقًا وشاملًا لكتب الأدب وبمعايير نزيهة للتأكد من قائلي ذلك الكم الهائل من القصائد الشعرية التي حوتها كتب التاريخ والتأكد من قائليها.\nوخلاصة القول فإننا ارتأينا أن نغيّر ملامح منهجنا عند تحقيقنا لأخبار الأعوام (١٩٣ هـ وحتى ٣٠٢ هـ) فلا نفصل بين الأقسام الثلاثة - ونحن على يقين بأن ذلك ممكن ولكن اعتمادًا على منهج أوسع وأشمل ولعل في القواعد التي ذكرها الدكتور الفاضل إبراهيم الشهرزوي في منهج إعادة كتابه التأريخ الإسلامي حَلّ لجزء كبير من هذه المعضلة فكتابه وإن كان بعنوان [مناهج المحدثين في نقد الرواية التأريخية] فإن فحوى الكتاب أوسع من ذلك فقد جمع الدكتور إبراهيم جميع ما كتبه الناقدون المتأخرون والمعاصرون في مناهج إعادة كتابة التأريخ وأضاف إليها قواعد جديدة قيمة ولعلَّ ما كتبه أوسع ما كتب في الباب ولو طبقنا ما كتبه الرجل وبالاستعانة بقواعد أخرى ولأعوام عدة لحصلنا على موسوعة قيّمة للتأريخ الإسلامي الصحيح والله أعلم بالصواب.\nللأسباب الآنفة الذكر فقد أضفنا مصادر أخرى لم نكن نستخدمها للمقارنة منْ قبلُ إلا نادرًا وهي:\n١ - كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري وهو أحمد بن داود - العلامة","vol":"12","page":7},{"text":"النحوي المتوفي سثة ٢٨٢ هـ وهو أخباري ثقة [سير أعلام/١٣/ ٤٢٢/ تر ٢٠٨].\n٢ - كتاب المعارف للعلامة الكبير والكاتب ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة ٢٧٦ هـ وقد قال الخطيب في ترجمته: كان ثقة فاضلًا [تأريخ بغداد ١٠/ ١٧٠] وابن قتيبة كان رأسًا في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس [سير أعلام / ١٣/ ٢٦٩/ تر ١٣٨].\n٣ - كتاب الوزراء والكتاب: لمحمد بن عبدوس الجهشياري الذي قال فيه ابن النديم كان أخباريًا مترسلًا وَقال ابن تغري بردى، كان فاضلًا ورئيسًا وله مشاركة في فنون [النجوم الزاهرة ٣/ ٢٧٩] والجهشياري من الكتاب المشهورين والمعتمدين في بلاط الخليفة العباسي توفي حوالي ٣٣٠ هـ.\nبالإضافة إلى المصادر السابقة التي اعتمدناها للمقارنة والتحقيق كتأريخ بغداد للخطيب وتأريخ دمشق لابن عساكر والمنتظم لابن الجوزي وأخبار القضاة للقاضي وكيع وفي مواضع قليلة كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان وغيره من المصادر التي ذكرناها في حينها:\nوإذا اتفق مؤرخان ثقتان أو أكثر من المؤرخين المتقدمين على أصل خبر أو حادثة أو وفاة أو حج وما إلى ذلك فهو تابع لقسم الصحيح.\nوالله تعالى أعلم","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1802>خلافة الأمين</span>\nوفي هذه السنة بويع لمحمد الأمين بن هارون بالخلافة في عسكر الرّشيد، وعبد الله بن هارون المأمون يومئذٍ بمَرْو، وكان - فيما ذكر - قد كتب حَمّويْه مولى المهديّ صاحب البريد بطوُسَ إلى أبي مسلم سلام، مولاه وخليفته ببغداد على البريد والأخبار، يعلمه وفاة الرشيد. فدخل على محمد فعزّاه وهنأه بالخلافة، وكان أوّل الناس فعل ذلك، ثم قدم عليه رجاء الخادم يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، كان صالح بن الرشيد أرسله إليه بالخبر بذلك - وقيل: [أتاه الخبر بذلك]- ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخرة، فأظهرَه يوم الجمعة، وستر خبره بقيّة يومه وليلته، وخاض الناس في أمره.\nولما قدم كتاب صالح على محمد الأمين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد - وكان نازلًا في قصره بالخلد - تحوَّل إلى قصر أبي جعفر بالمدينة، وأمر الناس بالحضور ليوم الجمعة، فحضروا وصلى بهم، فلما قضى صلاته صعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ونعَى الرشيدَ إلى الناس، وعزّى نفسه والناس، ووعدهم خيرًا، وبسط الآمال، وآمن الأسود والأبيض، وبايعه جِلّة أهل بيته وخاصّته ومواليه وقوّاده، ثم دخل. ووكّل ببيعته على مَنْ بقي منهم عمّ أبيه سليمان بن أبي جعفر، فبايعهم، وأمر السنديّ بمبايعة جميع الناس من القوّاد وسائر الجند، وأمر للجند ممّن بمدينة السلام برزق أربعة وعشرين شهرًا، وبخواصّ مَنْ كانت له خاصة بهذه الشهور (١).\n_________\n(١) أما خليفة فقد ذكر أصل الخبر (بيعة المأمون) في تاريخه (٣٠٥) وأما الدينوري (أبو حنيفة) فقد أيّد خبر الطبري من أن الخبر وصل إلى الأمين يوم الخميس وبويع علنًا يوم الجمعة فقال: فأتت الخلافة محمدًا الأمين ببغداد يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة ونعاه للناس يوم =","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1803>[ذكر الخبر عن بدء الخلاف بين الأمين والمأمون]</span>\nوفي هذه السنة كان بدء اختلاف الحال بين الأمين محمد وأخيه المأمون، وعزم كلّ واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان والدهما هارون أخذ عليهما العمل به، في الكتاب الذي ذكرنا أنه كان كتبه عليهما وبينهما (١).\n* ذكر الخبر عن السبب الذي كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت:\nقال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ أنّ الرشيد جدّد حين شخص إلى خُراسان البيعةَ للمأمون على القوّاد الذين معه، وأشهد مَنْ معه من القوّاد وسائر الناس وغيرهم أنّ جميع مَنْ معه من الجند مضمومون إلى المأمون، وأنّ جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون. فلما بلغ محمدَ بن هارون أنّ أباه قد اشتدّت علّتُه، وأنه لمآبِه، بعث مَنْ يأتيه بخبره في كلّ يوم، وأرسل بكْر بن المعتمِر، وكتب معه كتبًا، وجعلها في قوائم صناديق منقورة وألبسَها جلود البقر، وقال: لا يظهرنّ أميرُ المؤمنين ولا أحدٌ ممن في عسكره على شيء من أمرك وما توجهتَ فيه، ولا ما معك، ولو قُتِلتَ حتى يموت أميرُ المؤمنين، فإذا مات فادفعْ إلى كلّ رجل منهم كتابه (٢).\nفلمّا قدِم بكر بن المعتمر طوسَ، بلغ هارونَ قدومُه، فدعا به، فسأله: ما أقدمك؟ قال: بعثني محمد لأعلم له علم خبرك وآتيه به، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بما معه ففتِّش فلم يصيبوا معه شيئًا، فهدّده بالضّرب فلم يقرّ بشيء، فأمر به فحُبس وقيِّد. فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر\n_________\n= الجمعة ودعاهم إلى تجديد البيعة فبايعوا [الأخبار الطوال/ ٣٩٢].\nوقال ابن قتيبة الدينوري مؤيدًا لبعض ما ذكره الطبري وبويع الأمين محمد بن هارون بـ (طوس) وولي أمر البيعة (صالح بن هارون) وقدم عليه بها (رجاء) الخادم للنصف من جمادى الآخرة فخطب الناس [المعارف/ ١٩٥].\n(١) لم يبيّن خليفة بن خياط ولا البسوي - تأريخ بدء الخلاف بين الأمين والمأمون إلّا أن سياق الأحداث يؤكد ذلك وهو ظاهر من كلام الدينوري عندما ساق الأحداث متسلسلة مباشرة بعد بيعة الأمين [الأخبار الطوال/ ٣٩٣] ونظر البداية والنهاية (٨/ ١٣٣).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٣٣).","vol":"12","page":10},{"text":"الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرّره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه، فصار إليه، فمرّره فلم يمرّ بشيء، ثم غُشِيَ على هارون، فصاح النساء، فأمسك الفضل عن قتله، وصار إلى هارون ليحضره، ثم أفاق هارون وهو ضعيف، قد شغل عن بَكر وعن غيره لحسّ الموت، ثم غُشِيَ عليه غشيةً ظنّوا أنها هي، وارتفعت الضجة، فبعث بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضْل بن الربيع مع عبد الله بن أبي نُعيم، يسأله ألا يعجلوا بأمر، ويعلمه أنّ معه أشياء يحتاجون إلى علمها - وكان بكرٌ محبوسًا عند حسين الخادم - فلما تُوفِّيَ هارون في الوقت الذي تُوفِّيَ فيه، دعا الفضلُ بن الربيع ببكْر من ساعته، فسأله عما عنده، فأنكر أنْ يكون عنده شيء، وخشِيَ على نفسه من أن يكون هارون حيًّا، حتى صحّ عنده موتُ هارون، وأدخله عليه، فأخبره أنّ عنده كتبًا من أمير المؤمنين محمد، وأنه لا يجوز له إخراجها، وهو على حالة في قيوده وحبسه، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلَقه الفضل، فأتاهم بالكتب التي عنده، وكانت في قوائم المطابخ المجلّدة بجلود البقر، فدفع إلى كلّ إِنسانٍ منهم كتابه. وكان في تلك الكتب كتاب من محمد بن هارون إلى حسين الخادم بخطِّه، يأمره بتخلية بَكْر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إليه، وكتاب إلى عبد الله المأمون، فاحتبس كتاب المأمون عنده ليبعثه إلى المأمون بمَرْو، وأرسلوا إلى صالح بن الرّشيد - وكان مع أبيه بطوس، وذلك أنه كان أكبرَ من يحضر هارون من ولده - فأتاهم في تلك الساعة، فسألهم عن أبيه هارون، فأعلموه، فجزع جزعًا شديدًا، ثم دفعوا إليه كتاب أخيه محمد الذي جاء به بكرْ. وكان الذين حضروا وفاة هارون هُم الذين ولُوا أمرَه وغَسْله وتجهيزه، وصلى عليه ابنه صالح (١).\nوكانت نسخة كتاب محمد إلى أخيه عبد الله المامون:\n_________\n(١) لم نجد ذكرًا لتفاصيل الرسائل المتبادلة بين الأمين والمأمون عند مؤرخ من المؤرخين المتقدمين الثقات كالبسوي وخليفة والبلاذري أو الدينوري كما ذكرها الطبري في هذه الصفحات.\nوإنما ذكر أبو حنيفة الدينوري شيئًا يسيرًا عن فحوى هذه الرسائل وأحيانًا أوجز الرسائل المتبادلة بعبارات قليلة [انظر الأخبار الطوال/ ٣٩٤] وأشار الجهشياري في كتابه الوزراء إلى الكتب التي كانت بين الأمين والمأمون [الوزراء والكتاب/ ٢٩١].","vol":"12","page":11},{"text":"إذا ورد عليك كتابُ أخيك - أعاذه الله من فقدك - عند حلول ما لا مردَّ له ولا مدفَع مما قد أخلف وتناسخ [في] الأمم الخالية والقرون الماضية [فعزِّ نفسك] بما عزَاك الله به. واعلم أنّ الله جل ثناؤه قد اختار لأمير المؤمنين أفضلَ الدارين، وأجزل الحظَيْن فقبضه الله طاهرًا زاكيًا، قد شكر سعيَه، وغفر ذنبه إن شاء الله. فقمْ في أمْرك قيام ذي الحزم والعزْم، والناظر لأخيه ونفسه وسلطانه وعامة المسلمين. وإيّاك أنْ يغلب عليك الجزَع، فإنه يُحبِط الأجرْ، ويُعقب الوزر. وصلوات الله على أمير المؤمنين حيًّا وميتًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون! وخُذ البَيْعة عمّن قِبَلك من قوّادك وجندك وخاصّتك وعامّتك لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها لك أمير المؤمنين من نَسْخها له وإثباتها، فإنّك مقلّد من ذاك ما قلدك الله وخليفته. وأعلِمْ مَنْ قِبَلك رأيي في صلاحِهم وسدّ خَلّتِهم والتوسِعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته أو اتَّهمته على طاعته، فابعث إليّ برأسه مع خبره. وإياك وإقالته، فإن النار أولى به. واكتب إلى عمّال ثغورك وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤْمنين، وأعلمهم أنّ الله لم يرضَ الدّنيا له ثوابًا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته، مغبوطًا محمودًا قائدًا لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله. ومُرهم أن يأخذوا البيعَة على أجنادهم وخواصّهم وعوامّهم على مثل ما أمرتُك به من أخذها على مَن قِبَلك وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوّة على عدّوهم. [وأعلمهم] أنِّي متفقد حالاتهم ولامٌّ شعثهم، وموسِّع عليهم، ولا تني في تقوية أجنادي وأنصاري، ولتكنْ كتبك إليهم كتبًا عامة، لتُقرأ عليهم، فإنّ في ذلك ما يسكنهم ويبسط أملَهم. واعمل بما تأمر به لمن حَضَرك، أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى وتشاهد، فإنّ أخاك يعرف حسنَ اختيارك، وصحّة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشدّ بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء.\nوكتب بكر بن المعْتَمر بين يديّ وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة (١).\n_________\n(١) نفس التعليقة السابقة.","vol":"12","page":12},{"text":"وإلى أخيه صالح:\nبسم الله الرحمن الرحيم. إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع ما قد سبَق في علم الله ونفذ من قضائه في خُلفائه وأوليائه، وجرتْ به سنته في الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فقل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فاحمَدوا الله ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه ومرافقة أنبيائِه، صلواتُ الله عليهم، وإنا إليه راجعون. وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبينا محمد - ﷺ -، وقد كان لهم عصمةً وكهفًا، وبهم رؤوفًا رحيمًا، فشمّر في أمرك، وإياك أن تلقى بيديْك، فإنّ أخاك قد اختارك لما استنهضك له، وهو متفقّد مواقع فقدانكْ، فحقق ظنه ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قِبَلَك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته ومواليه وخاصّته وعامّته لمحمد أمير المؤمنين، ثم لعبد الله بن أمير المؤْمنين، ثم للقاسم بن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه من فسخها على القاسم أو إثباتها، فإن السعادة واليُمْن في الأخذ بعهده، والمضيّ على مناهجه. وأعْلِم مَنْ قِبَلك من الخاصّة والعامة رأي في استصلاحهم، وردّ مظالمهم وتفقد حالاتهم، وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم، فإن شغَب شاغب، أو نَعَر ناعر، فاسطُ به سطوة تجعله نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموَعظة للمتقين. واضمُم إلى الميمون ابن الميمون الفضْل بن الربيع ولَد أمير المؤمنين وخدمه وأهله، ومُرْه بالمسير معهم فيمن معه من جنده ورابطته، وصيِّر إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه، فإنه ثقة على ما يلي، مقبول عند العامة، واضمُم إليه جميعَ جند الشُّرَط من الرّوابط وغيرهم إلى مَنْ معه من جنده، ومُرْه بالجِدِّ والتيقظ وتقديم الحزم في أمره كله، ليله ونهاره، فإنّ أهل العداوة والنّفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة. وأقِرّ حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومُره بحراسة ما يحفظ به قصورَ أمير المؤمنين، فإنه ممّن لا يُعرف إلا بالطاعة، ولا يدين إلا بها بمعاقد من الله مما قدّم له من حال أبيه المحمود عند الخلفاء. ومر الخدم بإحضار روابطهم ممّن يسُدّ بهم وبأجنادهم مواضح الخَلَل من عسكرك، فإنهم حدّ من حدودك، وصيّر مقدّمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد، وساقتك إلى يحيى بن معاذ، فيمن معه من الجنود، ومُرْهما بمناوبتك في كلّ ليلة،","vol":"12","page":13},{"text":"والزم الطريق الأعظم، ولا تَعدُوَنّ المراحل، فإن ذلك أرفق بك. ومر أسدَ بن يزيد أن يتخيَّرَ رجلًا من أهل بيته أو قوّاده، فيصير إلى مقدمته ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق، فإن لم يحضرك في عسكرك بعضُ من سَمّيتُ، فاختر لمواضعهم مَنْ تثق بطاعته ونصيحته وهيبته عند العوامّ، فإنّ ذلك لن يُعوِزَك من قوّادك، وأنصارك إن شاء الله. وإيّاك أن تنفذ رأيًا أو تُبرم أمرًا إلا برأي شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع، وأقرر جميعَ الخدم على ما في أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك، ولا تخرجنّ أحدًا منهم من ضِمْن ما يلي إلى أن تُقدم عليّ.\nوقد أوصيتُ بكر بن المعتمر بما سيبلِّغكه، واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وترى، وإن أمرتَ لأهل العسكر بعطاء أو رزق، فليكن الفضل بن الربيع المتولِّيَ لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه، بمحضر من أصحاب الدواوين، فإنّ الفضل بن الربيع لم يزل يتقلّد مثل ذلك لمهمّات الأمور. وأنفذ إليّ عند وصول كتابي هذا إليك إسماعيل بن صَبِيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد، ولا يكون لك عَرْجة ولا مُهلة بموضعك الذي أنت فيه حتى توجّه إليّ بعسكرك بما فيه من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته.\nوكتب بكر بن المعتمر بين يديّ وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة (١).\nوخرج رجاء الخادم بالخاتم والقضيب والبُردة، وبنعْي هارون حين دفن حتى قدم بغداد ليلة الخميس - وقيل يوم الأربعاء - فكان من الخبر ما قد ذكرت قبل (٢).\nوقيل: إنّ نعي الرشيد لما ورد بغداد صعد إسحاق بن عيسى بن عليّ المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أعظم الناس رزيئةً، وأحسن الناس بقيّة\n_________\n(١) نفس التعليقة السابقة.\n(٢) انظر تعليقنا (٨/ ٣٦٥/ ١).","vol":"12","page":14},{"text":"رزؤنا، فإنه لم يُرزأ أحدٌ كرزئنا، فمن له مثل عوضنا! ثم نعاه إلى الناس، وحضّ الناس على الطاعة.\n* * *\nوذكر الحسن الحاجب أنّ الفضل بن سهل أخبره، قال: استقبل الرشيدَ وجوه أهل خُراسان، وفيهم الحسين بن مصعب. قال: ولقيني فقال لي: الرشيد ميّت أحد هذين اليومين، وأمرُ محمد بن الرشيد ضعيف، والأمر أمر صاحبك، مُدّ يدك. فمدَّ يده فبايع للمأمون بالخلافة. قال: ثم أتاني بعد أيام ومعه الخليل بن هشام، فقال: هذا ابن أخي، وهو لك ثقة خذ بيعته.\nوكان المأمون قد رحل من مَرْو إلى قصر خالد بن حماد على فرسخ من مَرْو يريد سمَرقند، وأمر العبّاس بن المسيّب بإخراج الناس واللحوق بالعسكر، فمرّ به إسحاق الخادم ومعه نعيّ الرشيد، فغمّ العباس قدومه، فوصل إلى المأمون فأخبره، فرجع المأمون إلى مَرْو، ودخل دار الإِمارة، دار أبي مسلم، ونعى الرّشيدَ على المنبر، وشقّ ثوبه ونزل، وأمر للناس بمال، وبايع لمحمد ولنفسه وأعطى الجند رزق اثني عشر شهرًا (١).\nقال: ولما قرأ الذين وردت عليهم كتبُ محمد بطوُس من القوّاد والجند وأولاد هارون، تشاوروا في اللحاق بمحمد، فقال الفضل بن الربيع: لا أدَعُ مُلْكًا حاضرًا لآخر لا يدرى ما يكون من أمرِه، وأمرَ الناس بالرّحيل، ففعلوا ذلك محبّةً منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون، فانتهى الخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمَرْو، فجمع مَنْ معه من قواد أبيه، فكان معه منهم عبد الله بن مالك، ويَحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، والعباس بن المسيَب بن زهير وهو على شرطته، وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته، وكان معه من أهل بيته عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرياستين، وهو عنده من أعظم الناس قدرًا وأخصِّهم به، فشاورهم وأخبرهم الخبر، فأشاروا عليه أن\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٣٧٢).","vol":"12","page":15},{"text":"يلحقهم في ألفيْ فارس جَريدة، فيردّهم، وسُمِّيَ لذلك قوم، فدخل عليه ذو الرياستين، فقال له: إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلتَ هؤلاء هديّة إلى محمّد، ولكنّ الرأي أن تكتب إليهم كتابًا، وتوجّه إليهم رسولًا، فتذكّرهم البيعة، وتسألهم الوفاء، وتحذّرهم الحنث، وما يلزمهم في ذلك في الدنيا والدين. قال: قلت له: إن كتابك ورسلك تقوم مقامك، فتستبرئ ما عند القوم، وتوجّهُ سهل بن صاعد - وكان على قهرمته - فإنه يأمُلك، ويرجو أن ينال أمله، فلن يألوَك نصحًا، وتوجّه نَوفلًا الخادم مولى موسى أمير المؤمنين - وكان عاقلًا -. فكتب كتابًا، ووجههما فلحقاهم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل (١).\nفذكر الحسن بن أبي سعيد عن سهل بن صاعد، أنه قال [له]: فأوصلت إلى الفضل بن الربيع كتابَه، فقال لي: إنما أنا واحد منهم، قال لي سهل: وشدّ عليّ عبدُ الرحمن بن جبلة بالرّمح، فأمرّه على جنبي، ثم قال [لي]: قل لصاحبك: والله لو كنتَ حاضرًا لوضعت الرّمح في فيك، هذا جوابي.\nقال: ونال من المأمون، فرجعت بالخبر (٢).\nقال الفضل بن سهل: فقلت للمأمون: أعداء قد استرحتَ منهم، ولكن افهم عني ما أقول لك، إنّ هذه الدولة لم تكن قطّ أعزّ منها أيام أبي جعفر، فخرج عليه المقنّع وهو يدَّعي الربوبيّة، وقال بعضهم: طلب بدم أبي مسلم، فتضعضع العسكر بخروجه بخُراسان، فكفاه الله المؤنة. ثم خرج بعده يوسف البَرْم وهو عند بعض المسلمين كافر، فكفى الله المؤنة، ثم خرج أستاذسيس يدعو إلى الكفر، فسار المهديّ من الرّيّ إلى نيسابور فكُفِيَ المؤنة، ولكن ما اصنع! أكثرُ عليك! أخبرني كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتُهم اضطربوا اضطرابًا شديدًا، قلت: وكيف بك وأنت نازل في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم! كيف يكون اضطراب أهل بغداد! اصبر وأنا أضمن لك الخلافة - ووضعت يدي على صدري - قال: قد فعلتُ، وجعلتُ الأمر إليك فقمْ به. قال: قلت: والله لأصدُقَنّك، إن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومَنْ سمّينا من\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٣٧٢).\n(٢) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٣٧٢).","vol":"12","page":16},{"text":"أمراء الرؤساء، إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفَع مني لك برياستهم المشهورة، ولمَا عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنتُ خادمًا له حتى تصير إلى محبتك، وترى رأيك فيّ. فلقيتُهم في منازلهم، وذكّرتهم البَيْعَة التي في أعناقهم وما يجب عليهم من الوفاء. قال: فكأني جئتُهم بجيفة على طَبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل، اخرج، وقال بعضهم: مَن الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه! فجئت فأخبرته، قال: قم بالأمر، قال: قلت: قد قرأتَ القرآن، وسمعتَ الأحاديث، وتفقهت في الدين، فالرّأي أن تبعث إلى مَنْ بالحضرة من الفقهاء، فتدعوَهم إلى الحقّ والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على اللّبود، وتردّ المظالم. ففعلنا وبعثنا إلى الفقهاء، وأكرمنا الموّاد والملوك وأبناء الملوك، فكنا نقول للتميمي: نُقيمك مقام موسى بن كعب، وللرَّبعيّ: نقيمك مقام أبي داود خالد بن إبراهيم، ولليمانيّ: نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم، فكنا ندعو كلّ قبيلة إلى نقباء رؤوسهم، واستملنا الرؤوس، وقلنا لهم مثل ذلك، وحططْنا عن خُراسان ربع الخرَاج، فحسن موقع ذلك منهم، وَسُرّوا به، وقالوا: ابن أختنا. وابن عمّ النبي - ﷺ - (١).\nقال علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى محمد، وهدأ الناس ببغداد، أصبح صبيحة السّبت بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، فقال في ذلك شاعر من أهل بغداد:\nبَنَى أَمينُ اللهِ مَيدانا ... وصيّرَ السّاحَةَ بُستانَا\nوكانت الغزلانُ فيهِ بَانَا ... يُهدَى إِلَيْهِ فيهِ غِزلانا (٢)\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل (٨/ ٧٣٠ - ٣٧٢) أخرجه الطبري من طريق الحسن الحاجب (لا نعرف حاله) عن الفضل بن سهل والفضل هذا انفرد برواية هذه الأخبار وهذه المحاورات بينه وبين المأمون ولم نجد من أخرج هذه العبارات والردود الطويلة سوى الطبري فالله أعلم.\nأما اختلاف سيرة المأمون عن الأمين في رعاية أمور الناس وردّ المظالم الوارد في آخر الخبر (٨/ ٣٧٢/ ١١) فقد تحدّث عنه الجهشياري كذلك ولكن بصورة أوجز بعيدًا عن المبالغة والتنميق والتزيين الوارد في آخر خبر الطبري فقد قال الجهشياري: وسارت الركبان في الآفاق بغدر محمد وبحسن سيرة المأمون، فاستوحش الناس فيه وانحرفوا عنه وسكنوا إلى المأمون ومالوا [الوزراء والكتاب/ ٢٩٢].\n(٢) علي بن إسحاق راوي الخبر لم نتبيّن من هو؟ ولم يبيّن الطبري كنيته ولا نسبه ولا لقبه ولم =","vol":"12","page":17},{"text":"وفي هذه السنة شخصت أمّ جعفر من الرّقة بجميع ما كان معها هنالك من الخزائن وغير ذلك في شعبان، فتلقاها ابنُها محمد الأمين بالأنبار في جميع مَنْ كان ببغداد من الوُجوه، وأقام المأمون على ما كان يتولّى من عمل خُراسان ونواحيها إلى الرّيّ، وكاتب الأمين، وأهدي إليه هدايا كثيرة، وتواترت كتبُ المأمون إلى محمد بالتعظيم والهدايا إليه من طُرَف خُراسان من المتاع والآنية والمِسك والدوابِ والسلاحِ (١).\nوفي هذه السنة دخل هَرْثمة حائط سَمَرْقند، ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل رافع التُّرك فوافوْه، فصار هرثمة بين رافع والترك، ثم انصرف الترك، فضعف رافع (٢).\nوقتِل في هذه السنة نِقْفور ملك الروم في حرْب بُرْجان، وكان ملكه - فيما قيل - سبع سنين، وملك بعده إستبراق بن نِقْفور وهو مجروح، فبقيّ شهرين ومات. وملك ميخائيل بن جورجس خَتَنه على أخته (٣).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكان والي مكة (٤).\nوأقرّ محمد بن هارون أخاه القاسم بن هارون في هذه السنة على ما كان أبوه هارون ولّاه من عمل الجزيرة، واستعمل عليها خُزيمة بن خازم، وأقرّ القاسم على قِنَّسرين والعواصم (٥).\n_________\n= نجد تأييدًا للخبر عند خليفة ولا البسوي ولا الدينوريان ولا أي مصدر متقدم موثوق آخر والله أعلم.\n(١) لم أجد لهذا الخبر ذكرًا عند المؤرخين المتقدمين الثقات وانظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).\n(٢) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).\n(٣) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).\n(٤) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣٠٨).\n(٥) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).","vol":"12","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1804>ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من مخالفة أهل حِمْص عاملهم إسحاق بن سليمان، وكان محمّد ولاه إياها، فلمّا خالفوه انتقل إلى سلمْيَة، فصرفه محمد عنهم، وولّي مكانه عبد الله بن سعيد الحرَشيّ ومعه عافية بن سليمان، فحبس عدّةً من وجوههم، وضرب مدينتهم من نواحيها بالنار، وسألوه الأمان فأجابهم، وسكنوا ثم هاجوا، فضرب أيضًا أعناق عدّة منهم (١).\nوفيها عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولّاه من عمل الشأم وقِنسرين والعواصم والثغور، وولّى مكانه خزيمة بن خازم، وأمره بالمقام بمدينة السلام (٢).\nوفي هذه السنة أمر محمد بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>[ذكر تفاقم الخلاف بين الأمين والمأمون]</span>\nوفيها مكَر كلّ واحد منهما بصاحبه: محمد الأمين وعبد الله المأمون، وظهر بينهما الفساد (٤).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ٣).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٣٤).\n(٣) انظر تعليقنا الآتي.\n(٤) وقال ابن قتيبة الدينوري وهو مؤرخ متقدم ثقة: وأغرى الفضل بينه (أي الأمين) والمأمون فنصب محمد ابنه (موسى بن محمد) لولاية العهد بعده، وأخذ له البيعة ولقّبه الناطق بالحق سنة أربع وتسعين ومائة [المعارف/ ١٩٥] أي أن الدينوري يتفق مع الطبري على هذا التأريخ وانظر الآتي (٨/ ٣٧٥/ ٢٢) قال الجهشياري الأخباري المتقدم المعاصر للطبري ولما استوسق الأمر لمحمد زيّن له الفضل بن الربيع خلع المأمون، وكان يخافه إن أفضى الأمر إليه، وعاون الفضل على ذلك عليّ بن عيسى بن ماهان فكتب إلى جميع العمّال بالدعاء لموسى بن محمد بعد الخليفة، وخلع المأمون، وبلغ المأمون ذلك وما أحدثه لموسى ابنه بعده من أمر الخطبة [الوزراء والكتاب/ ٢٩٠].\nوانظر [المعارف/ ١٩٥] وانظر البداية والنهاية [٨/ ١٣٤].","vol":"12","page":19},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nذُكر أن الفضل بن الربيع فكّر بعد مقدَمه العراق على محمد منصرفًا عن طُوس، وناكثًا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، وعلم أنّ الخلافة إن أفضت إلى المأمون يومًا وهو حيّ لم يُبْق عليه، وكان في ظَفَره به عطبُه، فسعى في إغراء محمد به، وحثّه على خلعه، وصرْف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك من رأى محمّد ولا عزمه، بل كان عزمه - فيما ذكر عنه - الوفاء لأخويه: عبد الله والقاسم، بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل الفضل به يصغّر في عينه شأن المأمون، ويزّين له خلعه، حتى قال له: ما تنتظر يا أمير المؤْمنين بعبد الله والقاسم أخويك! فإنّ البيعة كانت لك متقدّمة قبلهما، وإنما أدخلا فيها بعدك واحدًا بعد واحد، وأدخَل في ذلك من رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسنديّ وغيرَهما ممن بحضرته، فأزال محمدًا عن رأيه.\nفأول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبّر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمّال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدّعاء له وللمأمون والقاسم بن الرشيد، فذكر الفضل بن إسحاق بن سليمان أنّ المأمون لما بلغه ما أمر به محمد من الدّعاء لابنه موسى وعزله القاسم عمّا كان الرشيد ضمّ إليه من الأعمال وإقدامِه إيّاه مدينة السلام، علم أنه يدبِّر عليه في خلعه، فقطع البريدَ عن محمد، وأسقط اسمه من الطَرز [والضّرب].\nوكان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون وحسن سيرته في أهل عمله وإحسانه إليهم، بعث في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك هَرثمة وخرج رافع فلحق بالمأمون، وهرثمة بعدُ مقيم بسمَرْقند فأكرم المأمون رافعًا. وكان مع هَرْثَمة في حصار رافع طاهر بن الحسين، فلمّا دخل رافع في الأمان، استأذن هرثمة المأمون في القدوم عليه، فعبر نهر بلْخ بعسكره والنهر جامد، فتلقّاه الناس، وولّاه المأمون الحرس. فأنكر ذلك كله محمد، فبدأ بالتدّبير على المأمون، فكان من التدبير أنه كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك - وهو عامِل المأمون على الرّيّ - وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الريّ - مريدًا بذلك امتحانه - فبعث إليه ما أمره به، وكتم المأمون وذا","vol":"12","page":20},{"text":"الرياستين. فبلغ ذلك من أمره المأمون، فوجّه الحسن بن عليّ المأمونيّ وأردفه بالرستميّ على البريد، وعزل العباس بن عبد الله بن مالك، فذُكِر عن الرستميّ أنه لم ينزل عن دابته حتى اجتمع إليه ألف رجل من أهل الريّ.\nووجّه محمد إلى المأمون ثلاثة أنفس رسلًا: أحدهم العباس بن موسى بن عيسى، والآخر صالح صاحب المصلّى، والثالث محمد بن عيسى بن نهيك، وكتب معهم كتابًا إلى صاحب الرّيّ، أن استقبِلْهم بالعُدّة والسلاح الظاهر. وكتب إلى وال بقُومِس ونَيْسابور وسَرَخْس بمثل ذلك، ففعلوا. ثم وردت الرّسل مَرْو، وقد أعدَّ لهم من السلاح وضروب العُدد والعتاد، ثم صاروا إلى المأمون، فأبلغوه رسالة محمد بمسألته تقديمَ موسى على نفسه، ويذكر له أنه سمّاه الناطق بالحق، وكان الذي أشار عليه بذلك عليّ بن عيسى بن ماهان، وكان يخبره أن أهل خُراسان يطيعونه، فردّ المأمون ذلك وأباه (١).\nقال: فقال لي ذو الرئاستين: قال العباس بن موسى بن عيسى بن موسى: وما عليك أيها الأمير من ذلك، فهذا جدّي عيسى بن موسى قد خُلِع فما ضرّه ذلك، قال: فصحْت به: اسكت، فإن جدّك كان في أيديهم أسيرًا، وهذا بين أخواله وشيعته. قال: فانصرفوا، وأنزل كل واحد منهم منزلًا. قال ذو الرياستين: فأعجبني ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى، فخلوت به فقلت: أيذهب عليك في فهمك وسنِّك أن تأخذ بحظك من الإِمام - وسُمِّي المأمون في ذلك اليوم بالإمام ولم يسمَّ بالخلافة وكان سبب ما سمي به الإمام ما جاء من خلَعْ محمد له، وقد كان محمد قال للذين أرسلهم: قد تسمّى المأمون بالإمام، فقال لي العباس: قد سميتموه الإمام! قال: قلت له: قد يكون إمام المسجد والقبيلة،\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا أن الأمين أرسل وفدًا إلى أخيه المأمون مكون من ثلاثة أنفس كما قال الطبري وأيده أبو حنيفة الدينوري (الأخباري المتقدم الثقة) فقال: ثم كتب (أي الأمين) إليه (أي إلى المأمون) يُعلمه أن الذي قلّده الله من أمر الخلافة والسياسة قد أثقله .. الخبر وفيه: ثم وجّه الكتاب مع العباس بن موسى ومحمد بن عيسى وصالح صاحب المصلى .. إلخ. وفيه أن المأمون أكرم الوفد وأحسن صِلاتهم إلّا أنه لم يُجِبْهم إلى ما أوصاهم به الأمين - وردّ طلبه - وَلا نستطيع أن نجزم بصحة التفاصيل الواردة في هذه الرسائل المتبادلة كما ذكرها الطبري أو أبو حنيفة الدينوري إلّا أن الأمر المؤكد أن ما كان يخشاه الرشيد قد وقع وبدأ الأخوان يكيد أحدهما للآخر، وكان حول كل منهما بطانة سوء تزيّن الغدر والخيانة فحصل ما سنذكره لاحقًا.","vol":"12","page":21},{"text":"فإن وفيتم لم يضرّكم، وإن غدرتم فهو ذاك. قال: ثمّ قلتُ للعباس: لك عندي ولاية الموسم، ولا ولاية أشرف منها، ولك من مواضع الأعمال بمصْر ما شئت.\nقال: فما برح حتى أخذت عليه البيعة للمأمون بالخلافة، فكان بعد ذلك يكتب إلينا بالأخبار، ويشير علينا بالرأي.\nقال: فأخبرني عليّ بن يحيى السَّرَخسيّ، قال: مرّ بي العباس بن موسى ذاهبًا إلى مَرْو - وقد كنت وصفت له سيرة المأمون وحسن تدبير ذي الرياستين واحتماله الموضع، فلم يقبل ذلك مني - فلما رجع مرّ بي، فقلت له: كيف رأيت؟ قال: ذو الرياستين أكثر مما وصفت، فقلت: صافحتَ الإمام؟ قال: نعم، قلت: امسح يدك على رأسي. قال: ومضى القوم إلى محمّد فأخبروه بامتناعه، قال: فألحَّ الفضل بن الربيع وعليّ بن عيسى على محمد في البيعة لابنه وخلْع المأمون، وأعطى الفضل الأموالَ حتى بايع لابنه موسى، وسمّاه الناطق بالحق، وأحضنه عليّ بن عيسى وولّاه العراق. قال: وكان أوّل من أخذ له البيعة بشر بن السّمَيدع الأزدّيّ، وكان واليًا على بلد، ثم أخذها صاحب مكة وصاحب المدينة على خواصّ من الناس قليل، دون العامة (١).\nقال: ونهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد الله والقاسم والدّعاء لهما على شيء من المنابر، ودسّ لذكر عبد الله والوقيعة فيه، ووجّه إلى مكّة كتابًا مع رسولٍ من حَجَبة البيت يقال له محمد بن عبد الله بن عثمان بن طلحة في أخذ الكتابين اللذين كان هارون كتبهما، وجعلهما في الكعبة لعبد الله على محمد، فقدم بهما عليه، وتكلم في ذلك بقية الحَجَبة، فلم يحفل بهم، وخافوا على أنفسهم، فلما صار بالكتابين إلى محمد قبضهما منه، وأجازه بجائزة عظيمة، ومزّقهما وأبطلهما (٢).\n_________\n(١) هذه التفاصيل استغرقت صفحتين تقريبًا (٣٧٦ - ٣٧٧) ولعلها حصلت إلا أننا لم نجد ما يؤيدها عند خليفة أو البسوي أو البلاذري أو الجهشياري أو الدينوريان سوى عبارات يسيرة ذكرناه آنفًا.\n(٢) أيدّ الجهشياري بعض ما ذكره الطبري هنا إذ قال:\nثم ألحّ الفضل بن الربيع على محمد في خلع المأمون وقوّى عزمه فيه، وأعانه عليه عليّ بن عيسى فبايع لابنه موسى بالعدة بعده، وسماه - الناطق بالحق - وخلع المأمون والقاسم =","vol":"12","page":22},{"text":"وكان محمد - فيما ذكر - كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف عليه، يسأله أن يتجافَى له عن كُور من كُور خراسان - سمّاها - وأن يوجّه العمال إليها من قِبَل محمد، وأن يحتمل توجيه رجل من قِبله يوليّه البريد عليه ليكتب إليه بخبره، فلمّا ورد إلى المأمون الكتاب بذلك، كبُر ذلك عليه واشتدّ، فبعث إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن، فشاورهما في ذلك، فقال الفضل: الأمر مُخْطِر، ولك من شيعتك وأهل بيتك بطانة، ولهم تأنيس بالمشاورة، وفي قطع الأمر دونهم وَحْشة، وظهوره قلّة ثقة، فرأيُ الأمير في ذلك. وقال الحسن: كان يقال: شاور في طلب الرأي مَنْ تثق بنصيحته، وتألّف العدّو فيما لا اكتتام له بمشاورته، فأحضر المأمون الخاصّة من الرؤساء والأعلام، وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا جميعًا له، أيّها الأمير، تشاور في مخطر، فاجعل لبديهتنا حظًّا من الرويّة، فقال المأمون: ذلك هو الحزم، وأجّلهم ثلاثًا، فلما اجتمعوا بعد ذلك، قال أحدهم: أيُّها الأمير، قد حُملِتَ على كَرْهيْن، ولستُ أرى خطأ مدافعةً بمكروه أوّلهما مخافة مكروهِ آخرهما. وقال آخر: كان يقال أيّها الأمير، أسعدك الله، إذا كان الأمر مُخْطِرًا، فإعطاؤك مَنْ نازعك طرفًا من بُغيته أمثل من أن تصير بالمنع إلى مكاشفته.\nوقال آخر: إنه كان يقال: إذا كان علمُ الأمور مغيَّبًا عنك، فخذ ما أمكنك من هُدْنة يومك، فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعًا بفساد غدِك. وقال آخر: لئن خيفت للبذل عاقبَة، إن أشدّ منها لَمَا يَبعْث الإباء من الفرقة. وقال آخر: لا أرى مفارقة منزلة سلامةٍ، فلعلّي أعطي معها العافية. فقال الحسن: فقد وجب حقُّكم باجتهادكم، وإن كنتُ من الرأي على مخالفتكم، فقال له المأمون: فناظرْهم، قال: لذلك ما كان الاجتماع. وأقبل الحسن عليهم، فقال: هل تعلمون أن محمدًا تجاوز إلى طلب شيء ليس له بحق؟ قالوا: نعم، ويُحتمل ذلك لما نخاف من ضرر منْعه. قال: فهل تثقون بكفه بعد إعطائه إيّاها، فلا يتجاوز بالطلب إلى\n_________\n= وكتب الفضل بن الربيع عنه بذلك، وبالنهي عن الدعاء لهما على المنابر، وأحضر عبد الله بن محمد أحد الحجبة وسأله التلطف في أخذ الكتابين اللذين كان الرشيد علقهما في بيت الله الحرام بالبيعة ففعل ذلك وسرقهما وصار بهما إليه، فدفعهما الفضل إلى محمد فمزقهما [الوزراء والكتاب/ ٢٩٢].","vol":"12","page":23},{"text":"غيرها؟ قالوا: لا، ولعل سلامة تقع من دون ما يُخاف ويُتَوقع. قال: فإن تجاوز بعدها بالمسألة، أفما تروْنه قد توهّن بما بذل منها في نفسه! قالوا: ندفع ما يعرِض له في عاقبة بمدافعة محذور في عاجلة! قال: فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء قبلنا، قالوا: استصلحْ عاقبةَ أمرِك باحتمال ما عرض من كره يومك، ولا تلتمس هدنَة يومك بإخطار أدخلتَه على نفسك في غدك. قال المأمون للفضل: ما تقول فيما اختلفوا فيه؟ قال: أيّها الأمير، أسعدك الله، هل يؤمن محمد أن يكون طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك غدًا على مخالفتك وهل يصير الحازم إلى فضلة مَنْ عاجل الدّعة بخطَر يتعرّض له في عاقبةٍ، بل إنما أشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صلاح عواقب أمورهم. فقال المأمون: بل بإيثار العاجلة صارَ من صار إلى فساد العاقبة في أمر دنيا أو أمر آخرة.\nقال القوم: قد قلنا بمبلغ الرأي، والله يؤيد الأمير بالتوفيق. فقال: اكتب يا فضلُ إليه، فكتب:\nقد بلغني كتاب أمير المؤْمنين يسألني التجافيَ عن مواضعَ سمّاها مما أثبته الرّشيد في العَقْد، وجعل أمره إليّ، وما أمرٌ رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثَره، غير أنّ الذي جعل إلىّ الطرْف الذي أنابه، لا ظنين في النّظر لعامته، ولا جاهل بما أسند إليّ من أمره، ولو لم يكن ذلك مثبتًا بالعهود والمواثيق المأخوذة، ثم كنتُ على الحال التي أنا عليها من إشراف عدوٍّ مخوف الشوكة، وعامّة لا تتألف عن هضمها، وأجناد لا يستتبع طاعتُها إلّا بالأموال وطَرَف من الإفضال - لكان في نظر أمير المؤمنين لعامّته وما يحبّ من لمِّ أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرًا من عنايته، وأن يستصلحه ببَذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحقّ، ووكّد به مأخوذ العهد! وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو عَلم من الحال ما علمتُ لم يُطلع بمسألة ما كتب بمسألته إليّ. ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله.\nوكان المأمون قد وجّه حارسَة إلى الحدّ، فلا يجوز رسول من العِراق حتى يوجّهوه مع ثقات من الأمناء، ولا يدعه يستعلم خبرًا ولا يؤثر أثرًا، ولا يستتبع بالرّغبة ولا بالرهبة أحدًا، ولا يبلغ أحدًا قولًا ولا كتابًا. فحصر أهل خراسان من أن يُستمالوا برغبة، أو أن تُودع صدورهم رهبة، أو يحمَلوا على منزل خلاف أو","vol":"12","page":24},{"text":"مفارقة. ثم وضع على مراصد الطرق ثقاتٍ من الحرّاس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظِّنة في أمره ممن أتى بجواز في مخرجه إلى دار مآبه، أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه، ومُنع الأشتاتات من جواز السُّبل والقَطْع بالمتاجر والوُغول في البلدان في هيئة الطارئة والسابلة، وفُتِّشَت الكُتُب (١).\nوكان - فيما ذكر - أوّل مَنْ أقبل من قِبَل محمد مناظرًا في منعه ما كان سأل جماعة، وإنما وُجِّهوا ليعْلَمَ أنهم قد عاينوا وسمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبذلوا أو يحرموا فيكون مما قالوا حجة يحتجّ بها، أو ذريعة إلى ما التمس [منها]. فلما صاروا إلى حدّ الريّ، وجدوا تدبيرًا مؤبَّدًا، وعَقْدًا مستحصَدًا متأكدًا، وأخذتهم الأحراس من جوانبهم، فحفظوا في حال ظعنهم وإقامتهم من أن يخبِروا أو يستخبَروا، وكُتب بخبرهم من مكانهم. فجاء الإِذن في حملهم فحملوا محروسين، لا خبرَ يصل إليهم، ولا خبر يتطلع منهم إلى غيرهم، وقد كانوا مُعَدِّين لبثّ الخبر في العامة وإظهار الججةِ بالمفارقة والدعاء لأهل القوّة إلى المخالفة، يبذلون الأموال، ويضمنون لهم معظم الولايات والقطائع والمنازل، فوجدوا جميع ذلك ممنوعًا محسومًا، حتى صاروا إلى باب المأمون.\nوكان الكتاب النافذ معهم إلى المأمون:\nأما بعد، فإن أمير المؤمنين الرّشيد وإن كان أفردك بالطَرْف، وضمّ ما ضمّ إليك من كُور الجبل، تأييدًا لأمرك، وتحصينًا لطرْفك، فإنّ ذلك لا يُوجب لك فضلة المال عن كفايتك. وقد كان هذا الطَّرْف وخراجه كافيًا لحدثه، ثم تتجاوز\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل الذي استغرق الصفحات (٣٧٧ - ٣٧٨ - ٣٧٩) جمع فيه الطبري أمورًا عدة خلاصتها أن الأمين طلب من المأمون التخلي عن بعض الولايات التي يديرها وأن المأمون استشار الفضل بن سهل وغيره وكان ردّه رفض طلب أخيه الأمين.\nوقد لخّص الجهشياري الكاتب في البلاط العباسي هذا الخبر بقوله: ولما استقرّ أمر محمد الأمين وحصل ما ورد به عليه الفضل بن الربيع من العسكر بما فيه كتب إلى المأمون يسأله التجافي له عن بعض الأعمال بخراسان وأن يطلق له إنفاذ رجل يتقلد البريد من قبله، ليكاتبه بأخباره فشق ذلك على المأمون ودعا الفضل بن سهل فشاوره فقال له إن لك من شيعتك وأهل ولايتك بطانة وفي مشاورتهم تأنيس لهم وفي قطع الأمر دونهم وحشة وظهور قلة ثقة بهم فشاورهم فأحضرهم فأشاروا عليه جميعًا بإجابته إلى ما سأل فقال الحسن بن سهل هل تعلمون أن محمدًا تجاوز إلى طلب ما ليس بحق .. الخبر [الوزراء والكتاب/ ٢٨٩].","vol":"12","page":25},{"text":"بعد الكفاية إلى ما يفضل من ردّه، وقد ضمّ لك إلى الطرْف كورًا من أمّهات كوَر الأموال لا حاجة لك فيها، فالحقّ فيها أن تكون مردودةً في أهلها، ومواضع حقها. فكتبت إليك أسألك ردّ تلك الكوَر إلى ما كانت عليه من حالها، لتَكون فضول ردّها مصروفة إلى مواضعها، وأن تأذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدّي إلينا علْم ما نُعنَى به من خبر طرْفك، فكتبتَ تلطّ دون ذلك بما إن تمّ أمرُك عليه صيَّرنا الحقُّ إلى مطالبتك، فاثن عن همك اثن عن مطالبتك، إن شاء الله.\nفلمّا قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبًا له:\nأما بعد، فقد بلغني كتابُ أمير المؤمنين، ولمْ يكتب فيما جهل فاكشفَ له عن وجهه، ولمْ يسأل ما يوجبه حقّ فيلزمني الحجة بترك إجابته، وإنما يتجاوز المتناظران منزلة النصفة ما ضاقت النّصفة عن أهلها، فمتى تجاوز متجاوز - وهي موجودة الوسع - ولم يكن تجاوزُها إلّا عن نقضها واحتمال ما في تركها، فلا تبعثني يا بن أبي على مخالفتك وأنا مذعِنٌ بطاعتك، ولا علي قطيعتك. وأنا على إيثار ما تحب من صلتك، وارْضَ بما حكم به الحقّ في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلني به الحق فيما بيني وبينك والسلام.\nثم أحضر الرّسل، فقال: إنّ أمير المؤمنين كتب في أمرٍ كتبتُ له في جوابِه، فأبلغوه الكتاب، وأعلموه أني لا أزال على طاعته، حتى يضطرني بترك الحقّ الواجب إلى مخالفته فذهبوا يقولون، فقال: قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم، وأحسنوا تأدية ما سمعتم، فقد أبلغتمونا من كتابنا ما عسى أن تقولوه لنا. فانصرف الرسل ولم يُثبتوا لأنفسهم حجة، ولم يحملوا خبرًا يؤدونه إلى صاحبهم، ورأوا جدًّا غير مشوب بهزل، في منع ما لَهُمْ من حقهم الواقع - بزعمهم.\nفلما وصل كتاب المأمون إلى محمد وصل منه ما فظع به، وتخمط غيظًا بما تردد منه [في سمعه]، وأمر عند ذلك بما ذكرناه من الإمساك عن الدّعاء له على المنابر، وكتب إليه:\nأما بعد، فقد بلغني كتابك غامطًا لنعمة الله عليك فيما مكَّن لك من ظلها، متعرّضًا لحِراق نار لا قِبلَ لك بها، ولَحظّك عن الطاعة كان أودع لك، وإن كان قد تقدّم مني متقدّم، فليس بخارج من مواضع نفعك إذ كان راجعًا على العامة من رعيّتك، وأكثر من ذلك ما يمكن لك من منزلة السلامة، ويثبت لك من حال","vol":"12","page":26},{"text":"الهُدْنة، فأعلمني رأيَك أعمل عليه. إن شاء الله (١).\nوذكر سهل بن هارون عن الحسن بن سهل، أنّ المأمون قال لذي الرياستين: إن ولدي وأهلي ومالي الذي أفرده الرّشيد لي بحضرة محمد - وهو مائة ألف ألف - وأنا إليها محتاج، وهي قِبَله فما ترى في ذلك؟ وراجعه في ذلك مرارًا. فقال له ذو الرياستين: أيّها الأمير، بك حاجة إلى فضلة مالك، وأن يكون أهلك في دارك وجنابك، وإن أنت كتبتَ فيه كتاب عزمة فمنعك صار إلى خلع عهده، فإن فعل حَملَك ولو بالكُرْه على محاربته، وأنا أكره أن تكون المستفتِح باب الفُرْقة ما ارتجه الله دونك، ولكن تكتب كتاب طالب لحقِّك، وتوجيه أهلك على ما لا يوجب عليه المنع نكثًا لعهدك، فإن أطاع فنعمة وعافية، وإن أبَى لم تكن بعثت على نفسك حربًا [أو مشاقة]. فاكتب إليه، فكتب عنه:\nأما بعد، فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظرُ من لا يقتصر عنه على إعطاء النّصفة من نفسه حتى يتجاوزَها إليهم ببرّه وصلته، وإذا كان ذلك رأيه في عامته، فأحْرِ بأن يكون على مجاوزة ذلك بصنوه وقسيم نسبه، فقد تعلم يا أمير المؤمنين حالًا أنا عليها من ثغور حللتُ بين لهواتها، وأجناد لا تزال موقنة بنشر غيِّها وبنكث آرائها، وقلة الخَرْج قِبَلي، والأهل والولد قِبَل أمير المؤمنين، وما للأهل - وإن كانوا في كفاية من برّ أمير المؤمنين، فكان لهم والدًا - بُدّ من الإشراف والنزوع إلى كنفي، ومالي بالمال من القوّة والظهير على لمّ الشعث بحضرتي، وقد وجهْتُ لحمل العيال وحمل ذلك المال، فرأى أمير المؤمنين في إجازة فلان إلى الرّقة في حمْل ذلك المال، والأمر بمعونته عليه، غير محرِج له فيه إلى ضيقة تقع بمخالفته، أو حامل له على رأي يكون على غير موافقة. والسلام.\n_________\n(١) هذا خبر طويل آخر خلاصته أن الأمين أرسل جماعة يتحسسون الأمر ويبثون في العامة ما رآه الأمين من الحكم في المسألة فلما وصلوا إلى حدود منطقة الري الإدراية وجدوا الأمر غير هيّن وأن المأمون متأهب لكل طارئ بنشر العيون والحرس وأن المأمون حصل على رسالة الأمين إليه وردّه بما لا يرضيه فأغضب الأمين فأمر بالإمساك عن ذكر اسم المأمون على المنابر وما إلى ذلك وهذه رواية أخرى يوردها الطبري للمقارنة بين مختلف الروايات والمصادر ومن عادته أن يسهب في ذكر أوجه عدة للخبر كي تتكون صورة واضحة للحدث لدى القارئ بينما الأخباريون أو المؤرخون الآخرون يذكرون مختصرًا للواقع دون ذكر هذه التشعبات والتفاصيل والاختلافات والله أعلم.","vol":"12","page":27},{"text":"فكتب إليه محمد:\nأما بعد، فقد بلغني كتابُك بما ذكرتَ ممّا عليه رأيُ أمير المؤمنين في عامّته فضلًا عما يجب من حقّ لذي حُرمته وخلِيط نفسه، ومحلِّك بين لهوات ثغور، وحاجتِك لمحلك بينها إلى فَضْلة من المال لتأييد أمرك، والمال الذي سُمِّيَ لك من مال الله، وتوجيهك مَنْ وجّهت في حمله وحمل أهلك من قِبَل أمير المؤمنين. ولعمْرِي ما ينكر أمير المؤمنين رأيًّا هو عليه مما ذكرت لعامته، يوجبْ عليه من حقوق أقربيه وعامته. وبه إلى ذلك المال الذي ذكرتَ حاجة في تحصين أمور المسلمين، فكان أوْلى به إجراؤه منه على فرائضه، وردُّه على مواضع حقه، وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامة من رعيّتك. وأما ما ذكرت من حمْل أهلك، فإنّ رأيَ أمير المؤمنين تولى أمرهم، وإن كنتَ بالمكان الذي أنت به من حقّ القرابة. ولم أر من حملهم على سفرهم مثل الذي رأيت من تعريضهم بالسفر للتشتت، وإنّ أرَ ذلك من قِبَلي أوجّهْهم إليك مع الثقة من رسلي إن شاء الله. والسلام.\nقال: ولما ورد الكتاب على المأمون، قال: لاطٌّ دون حقنا يريد أن نتوهَن مما يمنع من قوّتنا، ثم يتمكن للوهنة من الفُرْصة في مخالفتنا. فقال له ذو الرياستين: أَوَ ليس من المعلوم دفعُ الرشيد ذلك المال إلى الأمين لجمعه، وقبضُ الأمين إياه على أعين الملأِ من عامته، على أنه يحرسه قِنْيةً، فهو لا ينزع إليها، فلا تأخذ عليه مضايقَها، وأمْلِ له ما لم تضطرك جريرتُه إلى مكاشفته بها، والرأي لزوم عُروة الثقة، وحسمُ الفرقة، [فإن أمسك فبنعمة] وإن تطلّع إليها فقد تعرّض لله بالمخالفة، وتعرّضتَ منه بالإمساك للتأييد والمعونة (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل لم يذكره البسوي ولا خليفة وإنما ذكر الجهشياري مقدمته دون ذكر الرسائل المتبادلة فقال:\n- ثم تقدّم المأمون إلى الفضل بن سهل أن يكتب إلى محمد بالبعثة إليه بحُرَمه وولده، وكان له ببغداد ابنان من أمّ عيسى بنت موسى الهادي نزولًا معها في قصر المأمون، وبمائة ألف دينار، كان الرشيد أوصى له بها من بيت المال، فأجابه بأنه قد صَرف المال في أمور المسلمين، فيما هو أولى مما أوصى به الرشيد، وأن حُرَمه وولده يجرُون عنده مجرى حُرَمه وولده، وأنه لا يرى تعريضهم لما عرضهم له من مشقة السفر، وغَرَر الطريق، وأنه إذا رأى لذلك وجهًا أذِن له فيه، فاستحكمت وحشة المأمون، وعلم مذهب محمد فيه، وأخذ في أهبة التحرّز منه. [الوزراء والكتاب/ ٢٩٠].","vol":"12","page":28},{"text":"قال: وعلم المأمون والفضل أنه سيحدث بعد كتابه من الحدث ما يحتاج إلى لَمِّه، ومن الخبر ما يحتاج أن يباشره بالثقة من أصحابه، وأنه لا يُحدث في ذلك حدثًا دون مواطأة رجال النّباهة والأقدار من الشِّيعة وأهل السابقة، فرأى أن يختار رجلًا يكتب معه إلى أعيان أهل العسْكر من بغداد، فإن أحدث محمد خلعًا للمأمون صار إلى دفعها، وتلطف لعلْم حالات أهلها، وإن لم يفعل من ذلك شيئًا خنَس في حُقته، وأمسك عن إيصالها، وتقدم إليه في التعجيل.\nولما قدم أوصل الكتب، وكان كتابه مع الرسول الذي وجهه لعلم الخبر:\nأما بعد، فإنّ أمير المؤمنين كأعضاء البدن، يحدث العلّة في بعضها، فيكون كرْه ذلك مؤلمًا لجميعها، وكذلك الحدَث في المسلمين، يكون في بعضهم فيصلُ كرْه ذلك إلى سائرهم، للذي يجمعهم من شريعة دينهم، ويلزمهم من حرمة أخوّتهم، ثم ذلك من الأئمة أعظم للمكان الذي به الأئمة من سائر أممهم، وقد كان من الخبر ما لا أحسِبه إلَّا سيعرب عن محنته، ويُسفِر عمّا استتر من وجهه، وما اختلف مختلفان فكان أحدهما مع أمر الله إلا كان أوّل معونة المسلمين وموالاتهم في ذات الله، وأنت يرحمك الله من الأمر بمرأى ومسمع، وبحيث إن قلت أذن لقولك، وإن لم تجد للقول مساغًا فأمسكت عن مخوف أقتدي فيه بك، ولن يضيع على الله ثواب الإحسان مع ما يجب علينا بالإحسان من حقك، ولحظٌّ حاز لك النصيبين أو أحدهما أمثلُ من الإشراف لأحد الحظّينْ، مع التعرّض لعدمهما، فاكتب إليّ برأيك، وأعلم ذلك لرسول ليؤديه إليّ عنك. إن شاء الله.\nوكتب إلى رجال النباهة من أهل العسكر بمثل ذلك.\nقال: فوافق قدوم الرسول بغداد ما أمر به من الكفّ عن الدعاء للمأمون في\nالخطبة يوم الجمعة، وكان بمكان الثقة من كلّ من كتب إليه معه، فمنهم من\nأمسك عن الجواب وأعرب للرسول عمّا في نفسه، ومنهم من أجاب عن كتابه،\nفكتب أحدهم:\nأما بعد فقد بلغني كتابُك وللحقّ برهان يدلّ على نفسه تَثبت به الحجّة على كلّ من صار إلى مفارقته، وكفَى غبنًا بإضاعة حظّ من حظ العاقبة، لمأمولٍ من حظّ عاجلة، وأبْيَن من الغَبْن إضاعة حظّ عاقبة مع التعرّض للنكبة والوقائع، ولي من","vol":"12","page":29},{"text":"العلم بمواضع حظّي ما أرجو أن يحسن معه النظر مني لنفسي، ويضع عني مؤنة استزادتي. إن شاء الله.\nقال: وكتب الرّسول المتوجّه إلى بغداد إلى المأمون وذي الرياستين:\nأما بعد، فإني وافيتُ البلدة، وقد أعلن خليطك بتنكّره، وقدّم علمًا من اعتراضه ومفارقته [وأمسك عمّا كان يجب ذكره وتوفيته] بحضرته، ودفعت كتبك فوجدت أكثر الناس ولاة السريرة ونفاة العلانية، ووجدت المشرفين بالرعية لا يحوطون إلّا عنها ولا يبالون ما احتملوا فيها، والمنازع مختلج الرّأي، لا يجد دافعًا منه عن همّه، ولا راغبًا في عامه، والمحلون بأنفسهم يحلون تمام الحدث، ليسلموا مِنْ منهزم حدثهم، والقوم على جدّ، ولا تجعلوا للتواني [في أمركم نصيبًا] إن شاء الله والسلام.\nقال: ولما قدم على محمد من معسكر المأمون سعيد بن مالك بن قادم وعبد الله بن حميد بن قحطبة والعباس بن الليث مولى أمير المؤمنين ومنصور بن أبي مطر وكثير بن قادرة، ألطفهم وقرّبهم، وأمر لمن كان قبض منهم السّتَة الأشهر برزق اثني عشر شهرًا، وزادهم في الخاصة والعامة، ولمن لم يقبضها بثمانية عشر شهرًا.\nقال: ولما عزم محمد على خلع المأمون دعا يحيى بن سُليم فشاوره في ذلك، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، كيف بذلك لك مع ما قَدْ وكّد الرشيد من بَيْعَته، وتوثّق بها من عهده، والأخذ للإيمان والشرائط في الكتاب الذي كتبه! فقال له محمد: إنّ رأيَ الرشيد كان فلتةً شبّهها عليه جعفر بن يحيى بسحره، واستماله برُقاه وعُقَده، فغرس لنا غرْسا مكروهًا لا ينفعنا ما نحن فيه معه إلا بقطعه، ولا تستقيم لنا الأمور إلا باجتثاثِه والراحة منه. فقال: أما إذا كان رأي أمير المؤمنين خلعه، فلا يُجاهره مجاهرةً فيستنكرها الناس، ويستشنعها العامة، ولكن تستدعي الجندَ بعد الجند والقائد بعد القائد، وتؤنسه بالألطاف والهدايا، وتفرّق ثقاته ومَنْ معه، وترغّبهم بالأموال، وتستميلهم بالأطماع، فإذا أوهنتَ قوّته، واستفرغتَ رجاله، أمرتَه بالقدوم عليك، فإن قدم صار إلى الذي تريد منه، وإن أبى كنت قد تناوَلته وقد كلّ حده وهيض جناحُه، وضعف ركنُه وانقطع عزّه. فقال محمد: ما قَطع أمرًا كصريمة، أنت مِهذار خطيب، ولستَ بذي رأي، فزُلْ","vol":"12","page":30},{"text":"عن هذا الرأي إلى الشيّخ الموفّق والوزير الناصح، قمْ فالحق بمدادك وأقلامك، [قال يحيى: فقلت: غضب] يشوبه صدق ونصيحة، أشرت إلى رأي يخلطه غش وجهل. قال: فوالله ما ذهبت الأيامُ حتى ذكر كلامه، وقرّعه بخطئه وخرقه (١).\nقال سهل بن هارون: وقد كان الفضل بن سهيل دسّ قومًا اختارهم ممّن يثق به من القوّاد والوجوه ببغداد ليكاتبوه بالأخبار يومًا يومًا، فلما همّ محمد بخلع المأمون، بعث الفضل بن الربيع إلى أحد هؤلاء الرّجال يشاوره فيما يرى من ذلك، فعظّم الرجلُ عليه أمر نقض العهد للمأمون، وقبَّح الغدر به، فقال له الفضل: صدقت، ولكن عبد الله قد أحدث الحدث الذي وجب به نقض ما أخذ الرّشيد له. قال: أفتثبتُ الحجة عند العوامّ بمعلوم حَدثِه كما تثبت الحجّة بما جدد من عهده! قال: لا، قال: أفحدثٌ هذا منكم يوجب عند العامة نقضَ عهدكم ما لم يكن حدثه معلومًا يجب به فَسْخ عهده! قال: نعم، قال الرجل - ورفع صوته: بالله ما رأيتُ كاليوم رأي رجل يرتاد به النظر، يشاور في رفع ملك في يده بالحجة ثم يصير إلى مطالبته بالعناد والمغالبة! قال: فأطرق الفضل مليًّا، ثم قال: صدقتَني الرأي، واحتملت ثِقل الإمانة، ولكن أخبرني إن نحن أغمضنا من قالة العامّة ووجدنا مساعدين من شيعتنا وأجنادنا، فما القول؟ قال: أصلحك الله، وهل أجنادك إلّا من عامّتك في أخذ بيعتهم وتمكن برهان الحق في قلوبهم! أفليسوا وإن أعطوْك ظاهر طاعة هم مع ما تأكد من وثائق العهد في معارفهم، قال: فإن أعطونا بذلك الطاعة قال: لا طاعة دون أن تكون على تثبت من البصائر. قال: نرغّبهم بتشريف حظوظهم، قال: إذًا يصيروا إلى التقبّل، ثم إلى خذلانك عند حاجتك إلى مناصحتهم. قال: فما ظنك بأجناد عبد الله؟ قال: قوم\n_________\n(١) لهذا الخبر (٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥) ما يؤيده عند الجهشياري ولكنه قال يحيى بن سليمان بدلًا من سليم: إذ قال الجهشياري:\nوكان محمد لما أجمع على خلع المأمون شاور يحيى بن سليمان في ذلك، فقال له: وكيف بذلك يا أمير المؤمنين مع ما وكّده الرشيد من بيعته، وتوثق في عهده عند خاصته وعامته؟ فقال له محمد: إن ذلك كان فلتة وخطأ من رأي الرشيد، شَبه عليه فيه جعفر بن يحيى بسحره، فغرس لنا غرس مكروه، لا ينفعنا ما نحن فيه إلا بقطعه، وأنت رجل مِهْذار، ولست بذي رأي مصيب، والرأي إلى الشيخ الموفق، والوزير الناصح، قُم فالحق بمدادك وأقلامك، يعني محمد بهذا القول الفضلَ بن الربيع. [الوزراء والكتاب/ ٢٩٢].","vol":"12","page":31},{"text":"على بصيرة من أمرِهم لتقدّم بيعتهم وما يتعاهدون من حظّهم، قال: فما ظنُّك بعامتهم؟ قال: قوم كانوا في بلوى عظيمة من تحيف ولاتهم في أموالهم، ثم في أنفسهم صاروا به إلى الأمنية من المال والرفاهة في المعيشة، فهم يدافعون عن نعمة حادثة لهم، ويتذكرون بليةً لا يأمنون العودة إليها. قال: فهل من سبيل إلى استفساد عظماء البلاد عليه، لتكون محاربتنا إياه بالمكيدة من ناحيته، لا بالزخرف نحوه لمناجزته! قال: أما الضعفاء فقد صاروا له إلبًا لما نالوا به من الأمان والنَّصفة، وأما ذوو القوة فلم يجدوا مطعنًا ولا موضع حجة. والضعفاء السواد الأكثر. قال: ما أَراك أبقيت لنا موضع رأي في اعتزالك إلى أجنادنا، ولا تمكّن النظر في ناحيته باحتيالنا، ثم أشدّ من ذلك ما قلتَ به وَهنة أجنادنا وقوة أجناده في مخالفته. وما تسخو نفس أمير المؤمنين بترك ما لا يعرف من حقه، ولا نفسي بالهدنة مع تقدمٍ جرى في أمره، وربما أقبلت الأمور مشرفةً بالمخافة، ثم تكشف عن الفُلْج والدرك في العاقبة. ثم تفرقا.\nقال: وكان الفضل بن الربيع أخذ بالمراصد لئلا تجاوز الكتب الحد، فكتب الرسول مع امرأة، وجعل الكتاب وديعةً في عُودٍ منقور من أعواد الأكاف، وكتب إلى صاحب البريد بتعجيل الخبر، وكانت المرأة تمضي على المسالح كالمجتازة من القرية إلى القرية، لا تُهاج ولا تفتّش. وجاء الخبر إلى المأمون موافقًا لسائر ما ورد عليه من الكتب، قد شهد بعضها ببعض، فقال لذي الرياستين: هذه أمور قد كان الرأي أخبر عن عيبها، ثم هذه طوالع تخبر عن أواخرها، وكفانا أن نكون مع الحقّ، ولعل كرهًا يسوق خيرًا.\nقال: وكان أوّل ما دبره الفضل بن سهل بعد ترك الدعاء للمأمون وصحة الخبر به، أن جَمع الأجناد التي كان أعدّها بجنبات الريّ مع أجناد قد كان مكنها فيها، وأجناد للقيام بأمرهم، وكانت البلاد أجدبت بحضرتهم، فأعدَّ لهم من الحمولة ما يحمل إليهم من كل فجّ وسبيل، حتى ما فقدوا شيئًا احتاجوا إليه، وأقاموا بالحدّ لا يتجاوزونه ولا يطلقون يدًا بسوء في عامدٍ ولا مجتاز. ثم أشخص طاهر بن الحسين فيمَنْ ضمّ إليه من قواده وأجناده، فسار طاهر مغذًّا لا يلوي على شيء، حتى ورد الرّي، فنزلها ووكَّل بأطرافها، ووضع مسالحة، وبثّ عيونه وطلائعه، فقال بعض شعراء خراسان:","vol":"12","page":32},{"text":"رمَى أَهلَ العراقِ ومَنْ عليها ... إِمامُ العَدْل والفلكُ الرشيدُ\nبأَحْزَمِ مَنْ مَشَى رَأْيًا وحَزْمًا ... وَكيْدًا نافذًا فيما يَكِيدُ\nبِدَاهِيَةٍ نَآدٍ خنفقيقٍ ... يَشيبُ لهوْلِ صَوْلَتِها الوَليدُ\nوذُكر أن محمدًا وجّه عِصمة بن حماد بن سالم إلى هَمَذَان في ألف رجل، وولَاه حرب كُورَ الجبل، وأمره بالمقام بهمَذان، وأن يوّجه مقدمته إلى ساوةَ، واستخلف أخاه عبد الرحمن بن حماد على الحرَس، وجعل الفضلُ بن الربيع وعليّ بن عيسى يلهّبان محمدًا، ويبعثانه على خلع المأمون والبَيْعَة لابنه موسى.\n* * *\nوفي هذه السنة عَقَدَ محمد بن هارون في شهر ربيع الأول لابنه موسى على جميع ما استخلفه عليه، وجعل صاحب أمره كلّه عليّ بن عيسى بن ماهان، وعلى شرَطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى خراجه عبد الله بن عبيدة وعلى ديوان رسائله عليّ بن صالح صاحب المصلى.\nوفي هذه السنة وثب الروم على ميخائيل صاحب الروّم فهرب وترهب، وكان ملكه سنتين فيما قيل (١).\nوفيها ملك على الروم ليون القائد (٢).\nوفيها صرف محمد بن هارون إسحاق بن سليمان عن حِمْص، وولَاها عبد الله بن سعيد الحرَشيّ، ومعه عافية بن سليمان، فقتل عدّة من وجوههم، وحبس عدة، وحرق مدينتهم من نواحيها بالنار، فسألوه الأمان، فأجابهم فسكنوا ثم هاجوا، فضرب أعناق عِدّة منهم (٣).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٣٥]،\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٣٥].\n(٣) انظر المنتظم (١٠/ ٣).","vol":"12","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1806>ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من أمر محمد بن هارون بإسقاط ما كان ضرب لأخيه عبد الله المأمون من الدنانير والدراهم بخراسان في سنة أربع وتسعين ومائة، لأن المأمون كان أمر ألا يُثبت فيها اسم محمّد، وكان يقال لتلك الدنانير والدراهم الرّباعية، وكان لا تجوز حينًا (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>[النهي عن الدعاء للمأمون على المنابر]</span>\nوفيها نهى الأمين عن الدعاء على المنابر في عمله كلّه للمأمون والقاسم، وأمر بالدعاء له عليها ثم من بعده لابنه موسى، وذلك في صفر من هذه السنة، وابنه موسى يومئذ طفل صغير، فسمّاه الناطق بالحق، وكان ما فعل من ذلك عن رأي الفضل بن الربيِع، فقال في ذلك بعض الشعراء:\nأَضاعَ الخلافة غِشُّ الوزيرِ ... وَفِسْقُ الأَمِيرِ، وجَهْل المشيرْ\nفَفَضْلٌ وزيرٌ، وبَكْر مشِيرٌ ... يُريدانِ ما فيه حتفُ الأَميرْ\nفبلغ ذلك المأمون، فتسمى بإمام الهدى، وكوتب بذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>عقد الإمرة لعليّ بن عيسى</span>\nوفيها عقد محمد لعليّ بن عيسى بن ماهان يوم الأربعاء لليلة خَلَتْ من شهر ربيع الآخر على كُور الجبل كلها: نهاوند وهَمذان وقمّ وأصْفهان، حربها\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ١١).\n(٢) في هذا المتن بعض إعادة لما سبق وأما تسمية ابنه موسى بالناطق بالحق فقد سبق ضمن أحداث سنة ١٩٤ هـ وأما عن المأمون، فقد قال خليفة وفيها (أي ١٩٥ هـ) دعي للمأمون بالخلافة بخراسان (تأريخ خليفة ٣٠٩).\nوقال الجهشياري: فكتب (أي الأمين) إلى جميع العمال بالدعاء لموسى بن محمد بعد الخليفة وخلع المأمون وبلغ المأمون بذلك [الوزراء والكتاب/ ٢٩٠]. وانظر المعارف (٣٨٤) والمنتظم (١٠/ ١١).","vol":"12","page":34},{"text":"وخراجها، وضمّ إليه جماعة من القوّاد وأمر له - فيما ذكر - بمائتي ألف دينار، ولولده بخمسين ألف دينار، وأعطى الجند مالًا عظيمًا، وأمر له من السيوف المحلّاة بألفي سيف وستة آلاف ثوب للخِلَع، وأحضر محمد أهل بيته ومواليه وقوّاده المقصورة بالشّماسية يوم الجمعة لثمانٍ خلوْن من جمادى الآخرة، فصلى محمد الجمعة، ودخل وجلس لهم ابنه موسى في المحراب، ومعه الفضل بن الربيع وجميع مَنْ أحضر، فقرأ عليهم كتابًا من الأمين يعلمهم رأيه فيهم وحقه عليهم، وما سبق لهم من البيعة متقدّمًا مفردًا بها، ولزوم ذلك لهم، وما أحدث عبد الله من التسمّي بالإمامة، والدّعاء إلى نفسه، وقطْع ذكره في دور الضرب والطُّرز، وأنّ ما أحدث من ذلك ليس له، ولا ما يدَّعِي من الشروط التي شُرطت له بجائزة له. وحثهم على طاعته، والتمسك ببيعته. وقام سعيد بن الفضل الخطيب بعد قراءة الكتاب، فعارض ما في الكتاب بتصديقه والقول بمثله، ثم تكلم الفضل بن الربيع وهو جالس، فبالغ في القول وأكثر، وذكر أنه لاحقّ لأحدٍ في الإمامة والخلافة إلا لأمير المؤمنين محمد الأمين، وأنّ الله لم يجعل لعبد الله ولا لغيره في ذلك حظًّا له ولا نصيبًا. فلم يتكلّم أحد من أهل بيت محمد ولا غيرهم بشيء إلّا محمد بن عيسى بن نهيك ونفر من وجوه الحرَس. وقال الفضل بن الربيع في كلامه: إنّ الأمير موسى ابن أمير المؤمنين قد أمر لكم يا معاشِرَ أهل خُراسان من صلْب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم تقسم بينكم. ثم انصرف الناس، وأقبل عليّ بن عيسى على محمد يخبره أنّ أهل خُراسان كتبوا إليه يذكرون أنه إن خرج هو أطاعوه وانقادوا معه (١).\n_________\n(١) هذا الخبر (٣٨٩ - ٣٩٠) ذكر الجهشياري أصله فقط فقال وجهّز محمد علي بن عيسى في سنة خمس وتسعين ومائة [الوزراء والكتاب/ ٢٩٣].\nوكذلك ذكره أبو حنيفة الدينوري مع زيادة تفصيل عمّا ذكره الجهشياري فقال وهو يتحدث عن الأمين:\nثم قال لعليّ بن عيسى: إني قد رأيتُ أن تسير بالجيوش إلى خراسان، فتَلِيَ أمرها من تحت يَدَيْ موسى بن أمير المؤمنين، فانتخبْ من الجنود والجيوش على عينك.\nثم أمر بديوان الجُنْد، فدُفِعَ إليه، فانتخب ستين ألف رجل من أبطال الجنود وفُرْسانهم، ووَضَعَ لهم العَطاء، وفرّق فيهم السِّلاح، وأمره بالمسير. [الأخبار الطوال/ ٢٩٦].\nوانظر الخبر الآتي.","vol":"12","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1809>[شخوص عليّ بن عيسى إلن حرب المأمون] </span>(١)\nوفيها شخص عليّ بن عيسى إلى الرّيَ إلى حرب المأمون.\n* ذكر الخبر عن شخوصه إليها وما كان من أمره في شخوصه ذلك: ذكر الفضل بن إسحاق، أن عليّ بن عيسى شخص من مدينة السلام عشيّة الجمعة لخمس عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة، شخص عشيّة تلك فيما بين صلاة الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره بنهر بين، فأقام فيه في زُهاء أربعين ألفًا، وحمل معه قيد فضة ليقيّد به المأمون بزعمه، وشخص معه محمد الأمين إلى النهروان يوم الأحد لستٍّ بقين من جمادى الآخرة، فعرض بها الذين ضُمّوا إلى عليّ بن عيسى، ثم أقام بقية يومه ذلك بالنَّهروان، ثم انصرف إلى مدينة السلام. وأقام عليّ بن عيسى بالنهروان ثلاثة أيام، ثم شخص إلى ما وُجِّه له مسرعًا حتى نزل همَذَان، فولّى عليها عبد الله بن حميد بن قَحطبة. وقد كان محمد كتب إلى عصمة بن حَمّاد بالانصراف في خاصة أصحابه وضمّ بقية العسكر وما فيه من الأموال وغير ذلك إلى عليّ بن عيسى، وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بالانضمام إليه فيمن معه من أصحابه، [ووجّه] معه هلال بن عبد الله الحضرمّي، وأمر له بالفَرْض، ثم عقد لعبد الرحمن بن جبلة الأبناويّ على الدّينَور، وأمره بالسير في بقية أصحابه، ووجّه معه ألفي درهم حملت إليه قبل ذلك، ثم شخص عليّ بن عيسى من هَمَذان يريد الرّيّ قبل ورود عبد الرحمن عليه، فسار حتى بلغ الرّيّ على تعبئة، فلقيه طاهر بن الحسين وهو في أقل من أربعة آلاف - وقيل كان في ثلاثة آلاف وثمانمائة - وخرج من عسكر طاهر ثلاثة أنفس إلى عليّ بن عيسى يتقرّبون إليه بذلك، فسألهم: مَنْ هم؟ ومِن أيّ البلدان هم؟ فأخبره أحدهم أنه كان من جند عيسى أبيه الذي قتله رافع. قال: فأنت من جندي! فأمر به فضُرب مائتي سوط، واستخفّ بالرجلين. وانتهى الخبر إلى\n_________\n(١) وكذلك أرّخ خليفة لهذا الشخوص فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٩٥ هـ) وفيها وجّه المخلوع علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان (تأريخ خليفة/ ٣٠٩).\nوانظر تعليقنا في آخر الخبر (٨/ ٣٩٤/ ٣٧).\n(٨/ ٣٩٤) هذا الخبر الطويل فيه بعض نكارة ولبعضه الآخر ما يشهد له.","vol":"12","page":36},{"text":"أصحاب طاهر، فازدادوا جِدًّا في محاربته ونفورًا منه.\nفذكر أحمد بن هشام أنه لم يكن وَرَد عليهم الكتاب من المأمون، بأن تسمى\nبالخلافة، إذ التقيا - وكان أحمد على شُرْطة طاهر - فقلت لطاهر: قد ورد عليّ بن عيسى فيمن ترى، فإن ظهرنا له، فقال: أنا عامل أمير المؤمنين وأقرْرنا له بذلك، لم يكن لنا أن نحاربه. فقال لي طاهر: لم يجئني في هذا شيء، فقلت: دَعْني وما أريد، قال: شأنَك، قال: فصعدت المنبر، فخلعت محمدًا، ودعوت للمأمون بالخلافة، وسرنا من يومنا أو من غدٍ يوم السبت، وكان ذلك في شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، فنزلنا قسْطَانَة، وهي أوّل مرحلة من الرّيّ إلى العراق. وانتهى عليّ بن عيسى إلى برّية يقال لها مشكوية، وبيننا وبينه سبعة فراسخ، وجعلنا مقدمتنا على فرسخين من جنده. وكان عليّ بن عيسى ظنّ أن طاهرًا إذا رآه يسلم إليه العمل، فلما رأى الجِدّ منه، قال: هذا موضع مفازة، وليس [موضع مقام]. فأخذ يساره إلى رُستاق يقال له رستاق بني الرازيّ، وكان معنا الأتراك، فنزلنا على نهر، ونزل قريبًا منا، وكان بيننا وبينه دكادك وجبال، فلمّا كان في آخر الليل جاءني رجل فأخبرني أن عليّ بن عيسى دخل الرّيّ - وقد كان كاتَبهم فأجابوه - فخرجتُ معه إلى الطريق، فقلت له: هذا طريقهم، وما هنا أثر حافر، وما يدلّ على أنه سار. وجئت إلى طاهر فأنبهته، فقلت له: تصلي؟ قال: نعم، فدعا بماء فتهيأ، فقلت له: الخبر كيت وكيت. وأصبحنا، فقال لي: تركب. فوقفنا على الطريق، فقال لي: هل لك أن تجوز هذه الدكادك؟ فأشرفنا على عسكر عليّ بن عيسى وهم يلبسون السلاح، فقال: ارجع، أخطأنا، فرجعنا فقال لي: أخرج أصحابنا.\nقال: فدعوت المأمونيّ والحسن بن يونس المحاربيّ والرستميّ، فخرجوا جميعًا، فكان علي الميمنة المأمونيّ، وعلى الميسرة الرستمّي ومحمد بن مصعب. قال: وأقبل عليّ في جيشه، فامتلأت الصحراء بياضًا وصُفرة من السلاح والمذهب، وجعل على ميمنته الحسين بن عليّ ومعه أبو دُلف القاسم بن عيسى بن إدريس، وعلى ميسرته آخر، وكرُّوا، فهزمونا حتى دخلوا العسكر، فخرج إليهم الساعة السَّوْعاء فهزموهم.\nقال: وقال طاهر لما رأى عليّ بن عيسى: هذا ما لا قِبَل لنا به، ولكن نجعلها","vol":"12","page":37},{"text":"خارجيَّة، فقصد قصد القلب، فجمع سبعمائة رجل من الخوارزميّة، فيهم ميكائيل وسبسل وداود سياه.\nقال أحمد بن هشام: قلنا لطاهر: نذكّر عليّ بن عيسى البيعة التي كانت، والبيعة التي أخذها هو للمأمون خاصّة على معاشر أهل خُراسان، فقال: نعم، قال: فعلّقناهما على رُمْحين، وقمت بين الصفين، فقلت: الأمان! لا ترمونا ولا نرميكم، فقال عليّ بن عيسى: ذلك لك، فقلت: يا عليّ بن عيسى، ألا تتقي الله! ! أليس هذه نسخة البيعة التي أخذَتَها أنت خاصّة! ! اتقّ الله فقد بلغتَ باب قبرِك، فقال: مَنْ أنت؟ قلت: أحمد بن هشام - وقد كان عليّ بن عيسى ضربه أربعمائة سوط - فصاح عليّ بن عيسى: يا أهلَ خُراسان، مَنْ جاء به فله ألف درهم. قال: وكان معنا قوم بخاريّة، فرموْه، وقالوا: نقتلك ونأخذ مالَك: وخرج من عسكره العباس بن اللّيْث مولى المهديّ، وخرج رجل يقال له حاتم الطائيّ، فشدّ عليه طاهر، وشدّ يدْيه على مقبض السيف، فضربه فصرعه [فقتله]، وشدّ داود سياه على عليّ بن عيسى فصرَعه، وهو لا يعرفه. وكان عليّ بن عيسى على بِرذَون أرْحَل، حمله عليه محمد - وذلك يُكرَه في الحرب ويدلّ على الهزيمة - قال: فقال داود: \"ناري أسنان كتبتم\". قال: فقال طاهر الصغير - وهو طاهر بن التاجيّ: عليّ بن عيسى أنت؟ قال: نعم، أنا عليّ بن عيسى، وظن أنه يُهاب فلا يقدَم عليه أحد، فشدّ عليه فذبحه بالسيف. ونازعهم محمد بن مقاتل بن صالح الرّاس، فنتف محمد خُصلة من لحيته، فذهب بها إلى طاهر وبشّره، وكانت ضربةُ طاهر هي الفتح، فسمّى يومئذ ذا اليمينين بذلك السبب لأنه أخذ السيف بيديه [جميعًا]. وتناول أصحابُه النشاب ليرمونا، فلم أعلم بقتل عليّ حتى قيل: قتِل والله الأمير. فتبعناهم فرسخيْن، وواقفونا اثني عشرة مرّة، كلّ ذلك نهزمهم، فلحقني طاهر بن التاجيّ، ومعه رأس عليّ بن عيسى، وكان آلى أن ينصب رأس أحمد عند المنبر الذي خَلَع عليه محمد، وقد كان عليّ أمر أن يهيأ له الغداء، بالرّيّ. قال: فانصرفتُ فوجدت عيْبَةَ عليّ فيها درّاعة وجبّة وغُلالة، فلبستها، وصلّيت ركعتين شكرًا لله ﵎. ووجدنا في عسكره سبعمائة كيس، في كل كيس ألف درهم، ووجدنا عدّة بغال عليها صناديق في أيدي أولئك البخارية الذين شتموه، وظنّوا أنه مال، فكسروا","vol":"12","page":38},{"text":"الصناديق، فإذا فيها خمر سواديّ، وأقبلوا يفرّقون القنانيّ، وقالوا: عملنا الجدّ حتى نشرَب.\nقال أحمد بن هشام: وجئت إلى مضرب طاهر، وقد اغتمّ لتأخري عنه، فقال: لي البُشرى! ! هذه خصلة من لحية عليّ، فقلت له: البشرى! ! هذا رأس عليّ. قال: فأعتق طاهر مَنْ كان بحضرَته من غلمانه شكرًا لله، ثم جاءوا بعليّ وقد شدّ الأعوان يديه إلى رجليه، فحمِل على خشبة كما يحمل الحمار الميّت وأمر به فلفَّ في لِبْد وألقي في بئر. قال: وكتب إلى ذي الرياستين بالخبر (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل الذي استغرق الصفحات (٣٩٠ - ٣٩٤) الذي ذكره الطبري فنسب بعضه إلى الفضل بن إسحاق وبعضه الآخر إلى أحمد بن هشام (شاهد عيان) لم يذكره غير الطبري بهذا التفصيل وإنما ذكر بعض المؤرخين طرفًا منه أو أكثر: فذكر ابن قتيبة الدينوري أن المأمون أمر علي بن عيسى بالتوجه إلى خراسان لمحاربة المأمون في سنة خمس وتسعين ومائة، فوجه \"المأمونُ\" \"هرثمةَ\" من \"مرو\"، وعلى مقدمته \"طاهر بن الحسين\"، فالتقى \"علي بن عيسى\" و\"طاهر\" بـ \"الري\"، فاقتتلوا، فقتل \"علي بن عيسى\"، وجماعة من ولده، في شهر رمضان سنة خمس وتسعين ومائة، وظفر \"طاهر\" بجميع ما كان من الأموال، والعدة، والكراع [المعارف/ ٣٨٥]. وكذلك ذكر أبو حنيفة الدينوري أن علي بن عيسى بن ماهان سار حتى صار إلى حلوان ثم إلى همدان في طريقه إلى الري وأن الجيشين التقيا وتقاتلا قتالًا شديدًا وانتهت المعركة بمقتل علي بن عيسى ثم إن أصحاب طاهر غنموا ما كان في معكسر علي بن عيسى من السلام والأموال (الأخبار الطوال/ ٣٩٨).\nأما الجهشياري فقد اختصر الخبر قائلًا: وجهز محمد (أي الأمين) علي بن عيسى في سنة خمس وتسعين ومائة فكان من أمره ما كان فلما ورد خبر مقتله [الوزراء/ ٢٩٢].\nوكذلك ذكر ابن عساكر الخبر مختصرًا بإسناده عن إسماعيل بن علي الخطبي: أن المأمون وجه طاهر بن حسين في الجيش لتلقي علي بن عيسى ومحاربته فوصل علي بن عيسى بمن معه من الجيش إلى الري ووافاه طاهر بن الحسين بمن معه فالتقوا بأكناف الري فقتل علي بن عيسى وانفض عسكره ذلك يوم الجمعة لأربع بقين من شوال سنة خمس وتسعين ومائة فقوي أمر المأمون عند ذلك بخراسان وسلم عليه بالخلافة وضعف أمر محمد [تأريخ دمشق/ ٢٢٩/ تر ٧١٠٠] وكذلك ذكر خليفة بن خياط الخبر مختصرًا فقال: وفيها (أي ١٩٥ هـ) وجه المخلوع علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان ووجه أمير المؤمنين المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب فالتقوا بالرّي في شعبان فقتل علي بن عيسى [تأريخ خليفة/ ٣٠٩] أما ما ذكره الطبري في خبره [٨/ ٣٩٤] من أنهم وجدوا عدة صناديق فيها خمر سوادي فلم تذكره المصادر المتقدمة الآنفة الذكر ولا يصح ورحم الله الطبري كم كان متساهلًا في رواية التاريخ.","vol":"12","page":39},{"text":"قال: فسارت الخريطة وبين مَرْو وذلك الموضع نحو من خمسين ومائتي فرسخ، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ووردت عليهم يوم الأحد (١).\nقال ذو الرياستين: كنا قد وجّهنا هَرْثمة، واحتشدنا في السلاح مددًا، وسار في ذلك اليوم، وشيّعه المأمون فقلت للمأمون: لا تبرح، حتى يسلَّم عليك بالخلافة فقد وجبت لك، ولا نأمن أن يقال: يصلح بين الأخوين، فإذا سلَّم عليك بالخلافة لم يمكن أن ترجع. فتقدمت أنا وهرثمة والحسن بن سهل، فسلمنا عليه بالخلافة، وتبادر شيعة المأمون، فرجعت وأنا كالّ تَعِب لم أنمْ ثلاثة أيام في جهاز هرثمة، فقال لي الخادم: هذا عبد الرحمن بن مدرك - وكان يلي البريد، ونحن نتوقع الخريطة لنا أو علينا - فدخل وسكت، قلت: ويلك! ما وراءك؟ قال: الفتح، فإذا كتاب طاهر إليّ: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل مَنْ يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس عليّ بن عيسى بين يديّ، وخاتمه في أصبعي، والحمد لله رب العالمين. فوثبت إلى دار أمير المؤمنين، فلحقني الغلام بالسوّاد، فدخلت على المأمون فبشرّته، وقرأت عليه الكتاب، فأمر بإحضار أهل بيته والقوّاد ووجوه الناس، فدخلوا فسلّموا عليه بالخلافة، ثم ورد\n_________\n(١) ذكر الجهشياري بعض ما ذكره الطبري في هذين الخبرين (٣٨ و٣٩) فقال: ولما قتل طاهر بن الحسين عليّ بن عيسى، دعا بكاتبه ليكتب إلى الفضل بن سهل يخبره، فلم يكن في الكاتب فضل، لإفراط الجزع، وشدَّة الزمَع بما شاهد، فكتب طاهر إلى الفضل بيده، وكانت عادته أن يخاطبه بالإمرة، فأسقط ذلك وكتب: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس عليّ بن عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، وعسكره تحت يدي، والحمد لله رب العالمين. فلما وصل الكتاب إلى الفضل أنكره، حتى وقف عدت ما تضمن، فقال: حُقّ له، ونهض فدخل على المأمون، فسلم عليه بأمير المؤمنين.\nوقيل: إن الخريطة سارت، وبين الموضع وبين مرو نحو من مئتين وخمسين فرسخًا، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، فوردت يوم الأحد. [الوزراء والكتاب/ ٢٩٤].\nوالأخباريون والمؤرخون المتقدمون كالطبري والجهشياري وخليفة على أنه نودي بالخليفة (أي المأمون) منذ سنة ١٩٥ هـ وخاصة بعد هزيمة عليّ بن عيسى وقال خليفة: وفيها (أي ١٩٥ هـ) دعي للمأمون بالخلافة بخراسان (تأريخ خليفة/ ٣٠٩).","vol":"12","page":40},{"text":"رأس عليّ يوم الثلائاء، فطِيف به في خراسان (١).\nوذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: عقدنا لطاهر سنة أربع وتسعين ومائة فاتصل عقده إلى الساعة.\nوذكر محمد بن يحيى بن عبد الملك النيّسابوريّ، قال: لما جاء نعيّ عليّ بن عيسى وقتله إلى محمد بن زُبيدة - وكان في وقته ذلك على الشطّ يصيد السمك - فقال للذي أخبره: ويلك! دعني، فإن كوثرًا قد اصطاد سمكتيْن وأنا ما اصطدت شيئًا بعدء قال: وكان بعض أهل الحسد يقول: ظنّ طاهر أنّ عليًّا يعلو عليه، وقال: متى يقوم طاهر لحرب عليّ مع كثرة جيشه وطاعة أهل خراسان له! فلما قتِل عليّ تضاءل، وقال: والله لو لقيه طاهر وحدَه لقاتله في جيشه حتى يغلب أو يقتَل دونه.\nوقال رجل من أصحاب عليّ له بأس ونجدة في قتل عليّ ولقاء طاهر:\nلقِينا الليثَ مُفتَرِسًا لدَيِه ... وكُنّا ما يُنَهْنهُنا اللقاءُ\nنَخوضُ الموتَ والغمَراتِ قِدْمًا ... إذا ما كَرَّ ليس به خفاءُ\nفضعضعَ ركبَنا لمَّا التقَينا ... وراحَ الموتُ وانكَشفَ الغِطاءُ\nوأَردَى كَبْشَنا والرأْسَ مِنّا ... كأَنَّ بِكَفِّهِ كانَ القضاءُ\nولما انتهى الخبر بقتل عليّ بن عيسى إلى محمد والفضل، بعث إلى نوفل خادم المأمون - وكان وكيل المأمون ببغداد وخازنه، وقيّمه في أهله وولده وضياعه وأمواله - عن لسان محمد، فأخذ منه الألف ألف درهم التي كان الرّشيد وصل بها المأمون، وقبض ضياعه وغلّاته بالسواد، وولّى عُمّالًا من قبَله، ووجّه عبد الرحمن الأبناوي بالقوّة والعُدّة فنزل هَمَذَان (٢).\nوذكر بعض من سمع عبد الله بن خازم عند ذلك يقول: يريد محمد إزالة\n_________\n(١) نفس التعليقة السابقة.\n(٢) ذكر الجهشياري ما يؤيد أصل متن الطبري هنا من أن الأمين صادر أموال المأمون بعد علمه بمقتل قائده عليّ بن عيسى دون ذكرٍ لتفاصيل أخرى تتعلق بالمبالغ المصادرة إذ قال الجهشياري وجَهّز محمد عليّ بن عيسى في سنة خمس وتسعين ومائة، فكان من أمره ما كان، فلما ورد خبر قتله، أشار الفضل بن الربيع علي محمد بقبض ضياع المأمون وماله ببغداد والسواد، فأذن له في ذلك، ففعل. [الوزراء/ ٢٩٣].","vol":"12","page":41},{"text":"الجبال وفلّ العساكر بتدبيره والمنكوس من تظهيره، هيهات! هو والله كما قال الأوّل:\n* قد ضَيَّعَ اللهُ ذودًا أنت راعيها *\nولمّا بايع محمد لابنه موسى ووجّه عليّ بن عيسى، قال الشاعر من أهل بغداد في ذلك لمّا رأى تشاغُلَ محمد بلهوه وبطالته وتخليته عن تدبير عليّ والفضل بن الربيع:\nأَضاعَ الخِلَافةَ غِشُّ الوَزِيِرِ ... وَفِسْقُ الإِمَامِ وَجَهْلُ المُشيرْ؟\nففضلٌ وَزيرٌ، وَبَكرٌ مشيرٌ ... يُريدانِ ما فيه حتْفُ الأَمِيرُ\nوما ذاك إلَّا طَريقُ غُرُورٍ ... وشَرُّ المَسالِكِ طُرْقُ الغُرور\nلَواطُ الخليفةِ أعجوبةٌ ... وأَعجَبُ منه خَلاقُ الوزيرْ\nفهذا يَدُوسُ وهذا يُدَاسُ ... كذاكَ لَعَمْري اختلافُ الأُمورْ\nفلو يَسْتَعينان هذا بذاك ... لكانا بعُرْضَةِ أَمر سَتِيرْ\nوِلكنَّ ذا لَجَّ في كَوْثرٍ ... ولمْ يَشْفِ هذا دُعاسُ الحميرْ\nفشُنِّعَ فِعْلاهما منهمَا ... وصارَا خِلافًا كَبَوْلِ البعيرْ\nوأَعجَبُ مِنْ ذا وَذا أَنَّنا ... نبايعُ للطَّفلِ فينا الصغيرْ\nومَن لَيْس يُحسِنُ غُسْلَ استِهِ ... ولم يَخلُ من بَوْلهِ حِجْر ظيرْ\nوما ذاك إلا بفضلٍ وَبَكرٍ ... يُريدَانِ نَقضَ الكِتابِ المنيرْ\nوهذانِ لولا انقلابُ الزَّمانِ ... أَفي العيرِ هذانِ أَم في النفيرْ\nولكنَّها فِتنٌ كالجبالِ ... تَرفَّعَ فيها الوضيعُ الحقِيرْ\nفَصَبرًا ففي الصبر خير كثيرٌ ... وإن كان قد ضاق صدْر الصَّبُورْ\nفيا ربِّ فاقبِضهُمَا عاجلًا ... إليك وَاوردْهم عذابَ السعيرْ\nوَنَكِّل بفَضلٍ وأَشياعِهِ ... وصَلِّبْهُمُ حولَ هذِي الجُسُورْ (١)\n_________\n(١) هذه قصيدة لشاعر مجهول (كما عند الطبري) فيها من القذف الباطل والفحش والبذاءة ما فيها ولا يصحّ ما ورد فيها من القذف الباطل.\nولا نقول إلا كما قال الأستاذ المحقق أبو الفضل (إبراهيم) ولقد عجبت لأبي جعفر حيث ذكرها مع ورعه! ! ! !","vol":"12","page":42},{"text":"وذكر أن محمدًا لما بعث إلى المأمون في البيعة لابنه موسى، ووجه الرّسل إليه في ذلك، كتب المأمون جواب كتابه:\nأما بعد، فقد انتهى إليَّ كتاب أمير المؤمنين منكرًا لإبائي منزلة تَهَضَّمني بها، وأرادني على خلاف ما يعلم من الحقّ فيها، ولعمري أن لو ردَّ أمير المؤمنين الأمر إلى النّصَفة فلم يطالب إلَّا بها، ولم يوجب نكرة على تركها، لانبسطت بالحجة مطالعُ مقالته، ولكنتُ محجوجًا بمفارقة ما يجب من طاعته، فأما وأنا مذعِنٌ بها وهو على ترك إعمالها، فأولى به أن يُديرَ الحقّ في أمره، ثم يأخذ به، ويعطي من نفسه، فإن صرتُ إلى الحقّ فرّغتُ عن قلبه، وإن أبَيتُ الحقّ قام الحقّ بمعذرته. وأمّا ما وعد من برّ بطاعته، وأوعَدَ من الوطأة بمخالفته، فهل أحدٌ فارق الحق في فعله فأبقى للمستبين موضع ثِقة بقوله! والسلام.\nقال: وكتب إلى عليّ بن عيسى لما بلغه ما عزم عليه:\nأما بعد، فإنك في ظلّ دعوة لم تزل أنت وسلَفُك بمكان ذب عن حريمها وعلى العناية بحفظها ورعاية لحقها، توجبون ذلك لأئمتكم، وتَعتصمون بحبل جماعتكم، وتعطونَ بالطّاعة من أنفسكم، وتكونون يدًا على أهل مخالفتكم، وحزبًا وأعوانًا لأهل موافقتكم، تؤثرونهم على الآباء والأبناء، وتتصرّفونَ فيما تصرّفوا فيه من منزلة شديدة ورجاء، لا ترون شيئًا أبلغ في صلاحكم من الأمر الجامع لأُلفتكم، ولا أحرى لبواركم مما دعا إلى شتات كلمتكم، ترون مَنْ رغب عن ذلك جائرًا عن القَصْد وعن أمّه على منهاج الحق، ثم كنتم على أولئك سيوفًا من سيوف نِقَم الله، فكم من أولئك قد صاروا وديعة مَسْبَعة، وجَزَرًا جامدة، قد سَفَت الرياحُ في وجهه، وتداعتِ السباعُ إلى مَصْرعه، غير ممهد ولا موسّد قد صار إلى أمّة، وغير عاجل حظه، ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك، بحيث أنزلتم أنفسكم، من الثقة بكم في أمورها، والتقدمة في آثارها، وأنت مستشعر دون كثير من ثقاتها وخاصّتها، حتى بلغ الله بك في نفسك أنْ كنت قريع أهل دعوتِك، والعلم القائم بمعظم أمر أئمتك، إن قلت: ادنوا دنوْا وإن أشرتَ: أقبِلوا أقبَلوا وإن أمسكت وقفُوا وأقرّوا، وئامًا لك واستنصاحًا، وتزدادُ نعمة مع الزّيادة في نفسك، ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك، حتى حللتَ","vol":"12","page":43},{"text":"المحلّ الذي قرُبتَ به من يومك، وانقرض فيما دونه أكثرُ مدّتك، لا يُنتظر بعدها إلّا ما يكون ختام عَملك من خير فيُرضَى ما تقدّم من صالح فعلك، أو خلاف فيضلّ له متقدّمُ سعيِك، وقد ترى يا أبا يحيى حالًا عليها جلوتَ أهل نعمتك، والولاة القائمة بحقّ إمامتك، من طعن في عُقدة كنتَ القائم بشدّها، وخثر بعهود توليتَ معاقد أخذها، يُبدا فيها بالأخصّين، حتى أفضى الأمر إلى العامّة من المسلمين، بالأيمان المحرّجة والمواثيق المؤكدة. وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة، وتفريق أمر أمة وشتّ أمر جماعة، وتتعرض به لتبديل نعمة وزوال ما وطئت الأسلافُ من الأئمة، ومتى زالتْ نعمة من ولاة أمركم وَصَل زوالها إليكم في خواصّ أنفسكم، ولن يغيِّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. وليس الساعي في نشرها بِسَاعٍ فيها على نفسه دون السعْي على حَمَلتها، القائمين بحُرْمتها، قد عرضوهم أنَّ يكونوا جَزَرًا لأعدائهم، وطُعْمة قوم تتظفر مخالبهم في دمائهم. ومكانك المكان الذي إن قلتَ رُجع إلى قولك، وإن أشرتَ لم تُتّهم في نصيحتك، ولك مع إيثار الحقّ الحظوة عند أهل الحقّ. ولا سواءٌ من حَظِيَ بعاجل مع فراق الحقّ فأوبقَ نفسه في عاقبته، ومَنْ أعان الحقّ فأدرك به صلاح العاقبة، مع وفور الحظّ في عاجِلته، وليس لك ما تُسْتَدْعى ولا عليه ما تُستعْطَف، ولكنه حقّ من حقّ أحسابك يجب ثوابه على ربّك، ثم على مَنْ قمت بالحقّ فيه من أهل إمامتك، فإن أعجزَك قول أو فعل فصر إلى الدّار التي تأمن فيها على نفسك. وتحكم فيها برأيك، وتنحاز إلى مَنْ يحسن تقبلًا لصالح فعلك، ويكون مرجعَك إلى عقدك وأموالك، ولك بذلك الله، وكفى بالله وكيلًا. وإن تعذّر ذلك بقيّةً على نفسك، فإمساكًا بيدك، وقولًا بحقّ، ما لم تخف وقوعه بكُرْهك س، فلعلَ مقتديًا بك، ومغتبطًا بنهيك، ثم أعْلمْني رأيك أعرفه إن شاء الله.\nقال: فأتى عليّ بالكتاب إلى محمد، فشبّ أهل النكث من الكُفاة من تلهيبة، وأوقدوا نيرانه، وأعان على ذلك حُميّا قُدرته، وتساقط طبيعتِه، وردّ الرأي إلى الفضل بن الربيع لقيامِه كان بمكانفته.\nوكانت كتُبُ ذي الرياستين ترد إلى الدّسيس الذي كان يشاوره في أمره: إن أبى القوم إلا عزمة الخلاف، فألطف لأن يجعلوا أمرَه لعليّ بن عيسى. وإنّما","vol":"12","page":44},{"text":"خصّ ذو الرياستين عليًّا بذلك لسوء أثرِه في أهل خُراسان، واجتماع رأيهم على ما كرهه، وإنّ العامة قائلة بحربه. فشاور الفضل الدّسيس الذي كان يشاوره، فقال: عليّ بن عيسى إن فعل فلم ترمهم بمثله، في بعد صوبه وسخاوة نفسه، ومكانه في بلاد خُراسان في طول ولايته عليهم وكثرة صنائعه فيهم، ثم هو شيخُ الدعوة وبقية أهل المشايعة، فأجمعوا على توجيه عليّ، فكان من توجيهه ما كان. وكان يجتمع للمأمون بتوجيه عليّ؛ جندان: أجنادُه الذين يحاربه بهم، والعامة من أهل خُراسان حرْب عليه لسوء أثره فيهم، وذلك رأي يكثر الأخطار به إلّا في صدور رجال ضعاف الرّأي لحال عليّ في نفسه، وما تقدّم له ولسَلَفِه، فكان ما كان من أمره ومقتله.\nوذكر سهل أن عمرو بن حفص مولى محمد قال: دخلت على محمد في جوف الليل - وكنت من خاصّته أصِلُ إليه حيث لا يصل إليه أحدٌ من مواليه وحشمه - فوجدت الشمع بين يديه، وهو يفكّر، فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ، فعلمت أنه في تدبير بعض أموره، فلم أزَلْ واقفًا على رأسه حتى مضى أكثرُ الليل، ثم رفع رأسه إليّ، فقال: أحضرني عبد الله بن خازم، فمضيت إلى عبد الله، فأحضرته، فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل، فسمعت عبدَ الله وهو يقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أوّل الخلفاء نكثَ عهدَه، ونقض ميثاقَه، واستخفّ بيمينه، وردّ رأي الخليفة قبله! فقال: اسكت، لله أبوك! فعبد الملك كان أفضلَ منك رأيًا، وأكمل نظرًا، حيث يقول: لا يجتمع فحلان في هَجمة. قال عمرو بن حفص: وسمعت محمدًا يقول للفضل بن الربيع: ويلك يا فضل! لا حياة مع بقاء عبد الله وتعرّضه، ولا بدَّ من خَلْعه، والفضل يعينه على ذلك، ويعده أن يفعل، وهو يقول: فمتى ذلك! إذا غلب على خراسان وما يليها (١).\nوذكر بعضُ خدم محمد أن محمدًا لما همّ بخلع المأمون والبَيْعة لابنه، جمع وجوه القوّاد، فكان يعرِض عليهم واحدًا واحدًا، فيأبَوْنه، وربما ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم، فشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، لم\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.","vol":"12","page":45},{"text":"ينصحْك مَن كذبك ولم يغشّك مَنْ صدّقك، لا تجرّئ القوادَ على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإنّ الغادر مخذول، والناكث مفلول. وأقبل عليّ بن عيسى بن ماهان، فتبسم محمد، ثم قال: لكن شيخ هذه الدعوة، وناب هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهِن طاعتَه، ثم رفعه إلى موضع لم أره رفعه إليه فيما مضى، فيقال: إنه أوّل القوّاد أجاب إلى خلْع عبد الله، وتابع محمدًا على رأيه (١).\nقال أبو جعفر: ولما عزم محمد على خَلْع عبد الله، قال له الفضل بن الربيع: ألا تُعذِر إليه يا أميرَ المؤمنين فإنه أخوك، ولعله يسلم هذا الأمر في عافية، فتكون قد كُفيِت مؤونته، وسلِمْت من محاربته ومعاندته! قال: فأفعل ماذا؟ قال: تكتب إليه كتابًا، تستطيب به نفسَه، وتسكِّن وحشته، وتسأله الصَّفْح لك عمّا في يده، فإنّ ذلك أبلغُ في التدبير، وأحسن في القالَة من مكاثرته بالجنود، ومعالجته بالكيد. فقال له: أعمل في ذلك برأيك. فلما حضر إسماعيل بن صُبَيح للكتاب إلى عبد الله قال: يا أميرَ المؤمنين، إن مسألتك الصَّفْح عما في يديه توليد للظنّ، وتقوية للتهمة، ومدعاة للحَذر، ولكن اكتب إليه فأعِلْمه حاجتَك إليه، وما تحبّ من قربه والاستعانة برأيه، وسلْه القدوم إليك، فإن ذلك أبلغُ وأحرىَ أن يبلغ فيما يوجب طاعتَه وإجابته. فقال الفضل: القول ما قال يا أمير المؤمنين، قال: فليكتب بما رأى (٢). قال: فكتب إليه:\n_________\n(١) فحوى هذا الخبر ذكره الطبري كما ترى من طريقين ولهما ما يؤيدهما من خبر أبي حنيفة الدينوري إذ قال متحدثًا عن موقف الأمين من جواب أخيه المأمون:\nفلما قرأه جَمَع القُوَّاد إليه، فقال لهم:\nإني قد رأيتُ صَرْفَ أخي عبد الله عن خراسان، وتصييره معي ليُعاونني فلا غِنَى بي عنه، فما ترون؟\nفأُسكت القوم.\nفتكلّم خازم بن خُزيمة، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تحمل قُوَّادك وجنودك على الغَدْر فيغدروا بك، ولا يرون منك نقْض العهد فينقضوا عهدك.\nقال محمد: ولكن شيخ هذه الدولة عليّ بن عيسى بن مَاهَامان لا يَرَى ما رأيتَ، بل يَرَى أن يكون عبد الله معي ليؤازرني ويحمل عنّي ثقل ما أنا فيه بصدده. [الأخبار الطوال/ ٣٩٦].\n(٢) هذا الخبر الذي يبدأ من قوله: قال أبو جعفر إلى قوله: فليكتب بما رأى له ما يؤيده عند الجهشياري إذ قال: =","vol":"12","page":46},{"text":"من عند الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هارون أمير المؤمنين. أما بعد، فإن أميرَ المؤمنين روّى في أمرك، والموضع الذي أنت فيه من ثغره، وما يؤمّل في قربك من المعاونة والمكانفة على ما حمَّله الله، وقلّده من أمور عباده وبلاده، وفكّر فيما كان أمير المؤمنين الرّشيد أوجب لك من الولاية، وأمر به من إفرادك على ما يصير إليك منها، فرجا أمير المؤمنين ألّا يدخل عليه وكْفٌ في دينه، ولا نَكْث في يمينه، إذ كان إشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه، ويصل إلى عامتهم صلاحه وفضله. وعلم أمير المؤمنين أنّ مكانك بالقرب منه أسدّ للثغور، وأصلح للجنود، وآكد للفيء، وأردّ على العامة من مقامك ببلاد خُراسان منقطعًا عن أهل بيتك، متغيبًا عن أمير المؤمنين وما يجب الاستمتاع به من رأيك وتدبيرِك. وقد رأى أمير المؤمنين أن يولِّيَ موسى بن أمير المؤمنين فيما يقلده من خلافتِك ما يحدث إليه من أمرك ونهيك. فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونِه، بأبسط أملٍ وأفسح رجاء وأحمد عاقبة، وأنفذ بصيرة، فإنك أوْلى مَن استعان به أمير المؤمنين على أموره، واحتمل عنه النَّصَب فيما فيه من صلاح أهل ملّته وذمته. والسلام.\nودفع الكتاب إلى العبّاس بن موسى بن عيسى بن محمد بن عليّ، وإلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك، وإلى صالح صاحب المصلّى، وأمرهم أن يتوجّهوا به إلى عبد الله المأمون، وألا يدَعوا وجهًا من اللين والرّفق إلا بلغوه، وسهلوا الأمر عليه فيه، وحمّل بعضهم الأموالَ والألطاف والهدايا، وذلك في سنة أربع وتسعين ومائة. فتوجهوا بكتابه، فلما\n_________\n= ولما عزم محمدٌ على مكاتبة المأمون بأن ينزل له عن بعض أعماله، تقدم إلى إسماعيل بن صبيح أن يكتب إليه في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إن مسألتك له الصفح عن بعض ما في يديه توكيد للظن، وتقوية للتهمة، ومدعاة للحذر، ولكن تكتب إليه وتعرفه حاجتك إليه، وشوقك إلى قربه، وإيثارك الاستعانة برأيه ومشورته، وتسأله القدوم عليك، فإن ذلك أحرى أن لا يوحشه، فقال: اكتب بذلك، فكتَب به، فلم يلتفت إليه المأمون، ولا أجابه عنه. [الوزرء والكتاب/ ٢٩٣].\nويؤيده كذلك ما ورد في الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري كما سنذكر في تعليقنا على الخبر التالي.","vol":"12","page":47},{"text":"وصلوا إلى عبد الله، أذن لهم، فدفعوا إليه كتاب محمد، وما كان بعث به معهم من الأموال والألطاف والهدايا (١).\nثم تكلم العباس بن موسى بن عيسى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الأمير، إن أخاك قد تحمّل من الخلافةِ ثقلًا عظيمًا، ومن النظر في أمور الناس عبئًا جليلًا، وقد صدقت نيّته في الخير، فأعوزه الوزراء والأعوان والكُفاة في\n_________\n(١) وقال أبو حنيفة الدينوري:\nثم إن محمدًا الأمين دعا إسماعيل بن صَبِيح كاتب السِّرّ، فقال:\n- ما الذي ترى يا ابن صَبيح؟\nقال: أرى دَوْلَة مباركة، وخلافة مستقيمة، وأمْرًا مُقْبِلًا، فتمّم الله ذلك لأمير المؤمنين بأفضله وأجزله.\nقال له محمد: إني لم أبغِكَ قاصًّا، إنما أردت منك الرَّأي.\nقال إسماعيل: إنْ رَأى أمير المؤمنين أن يوضّح لي الأمر لأشير عليه بمبلغ رأي ونُصْحِي فَعَل.\nقال: إني قد رأيتُ أن أعزل أخي عبد الله من خراسان، وأستعمل عليها موسى بن أمير المؤمنين.\nقال إِسماعيل: أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تنقض ما أسّسه الرشيد، ومهّده، وشيّد أركانه.\nقال محمد: إن الرشيد مُوِّهَ عليه في أمر عبد الله بالزَّخْرَفَة، وَيْحك يا ابن صَبِيح، إن عبد الملك بن مروان كان أحزم رأيًا منك، حيث قال: \"لا يجتمع فَحْلان في هَجْمَة إلا قَتَلَ\nأحدهما صاحبه\".\nقال إسماعيل: أما إذ كان هذا رأيك، فلا تُجاهره، بل اكتب إليه، وأعلمه حاجتك إليه بالحضرة، ليُعينك على ما قلّدَك الله من أمر عباده وبلاده، فإذا قدم عليك، وفرّقت بينه وبين جنوده كسرتَ حَدّه، وظفرت به، وصار رَهْنًا في يديك، فَأئْتِ في أمره ما أردتَ.\nقال محمد: أَجَدْتَ يا ابن صَبِيح، وأصبت، هذا لَعَمْرِي الرَّأْي.\nثم كتب إليه يُعلمه أن الذي قلّدَه الله من أمر الخلافة والسياسة قد أثقله، ويسأله أن يقدم عليه ليُعِينه على أموره، ويُشير عليه بما فيه مصلحته، فإن ذلك أَعْوَدُ على أمير المؤمنين من مقامه بخراسان، وأَعمرُ للبلاد، وأدَرّ للفَئْ، وأكبَتُ للعدوّ، وآمَنُ للبَيْضَة.\nثم وجّه الكتاب مع العباس بن موسى، ومحمد بن عيسى، وصالح صاحب المصلّى.\nفساروا نحو خراسان، فاستقبلهم طاهر بن الحسين مُقْبِلًا من عند المأمون على وِلاية الزيّ، حتى انتهوا إلى المأمون وهو بمدينة مَرْو، فدخلوا عليه، وأوْصَلوا الكتاب إليه، وتكلّموا. [الأخبار الطوال/ ٣٩٤].","vol":"12","page":48},{"text":"العدل، وقليلٌ ما يأنس بأهل بيته، وأنت أخوه وشقيقه، وقد فزع إليك في أموره، وأمّلك للموازنة والمكانفة، ولسنا نستبطئك في برّه اتّهامًا لنصرك له، ولا نحضّك على طاعة تخوّفًا لخلافك عليه، وفي قدومك عليه أنسٌ عظيم، وصلاح لدولته وسلطانه، فأجب أيّها الأمير دعوةَ أخيك وآثرْ طاعَته، وأعنه على ما استعانك عليه في أمره، فإن في ذلك قضاءَ الحقّ، وصلة الرَّحِم، وصلاحَ الدولة، وعزّ الخلافة، عزم الله للأمير على الرشد في أموره، وجعل له الخِيرَةَ والصلاح في عواقب رأيه.\nوتكلَّم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، فقال: إنّ الإكثار على الأمير - أيده الله - في القول خرقٌ، والاقتصاد في تعريفه ما يجب من حقّ أمير المؤمنين تقصير، وقد غاب الأمير أكرمه الله عن أمير المؤمنين، ولم يستغنِ عن قربه، ومَنْ شهد غيره من أهل بيته فلا يجد عنده غناءً، ولا يجد منه خلفًا ولا عوضًا، والأمير أولى مَن بَرّ أخاه، وأطاع إمامه، فليعمل الأمير فيما كتب به إليه أميرُ المؤمنين، بما هو أرضَى وأقربُ من موافقة أمير المؤمنين ومحبّته، فإنّ القدوم عليه فضل وحظ عظيم، والإبطاء عنه وكْفٌ في الدّين، وضرر ومكروه على المسلمين.\nوتكلم محمد بن عيسى بن نَهيك، فقال: أيها الأمير، إنا لا نزيدك بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحقّ أمير المؤمنين، ولا تَشحذ نيتّك بالأساطير والخطب فيما يلزمُك من النَّظر والعناية بأمور المسلمين. وقد أعوز أميرَ المؤمنين الكفاة والنَّصحاء بحضرته، وتناولك فزعًا إليك في المعونة والتقوية له على أمره، فإن تُجب أميرَ المؤمنين فيما دعاك فنعمة عظيمة تَتلافى بها رعيَّتَك وأهل بيتك، وإن تقعد يغن الله أميرَ المؤمنين عنك، ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البرّ بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك.\nوتكلم صاحب المصلى، فقال: أيّها الأمير، إن الخلافة ثقيلة والأعوان قليل، ومَنْ يكيد هذه الدولة وينطوي على غشها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف والمعصية كثير، وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقُه، وصلاح الأمور وفسادها راجعٌ عليك وعليه، إذ أنت وليّ عهده، والمشارك في سلطانه وولايته، وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه، ووثق بمعاونتك على ما استعانك","vol":"12","page":49},{"text":"عليه من أموره، وفي إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاحٌ عظيم في الخلافة، وأنس وسكون لأهل الملّة والذمة، وفَّق الله الأميرَ في أموره، وقضى له بالذي هو أحبّ إليه وأنفع له!\nفحمِد الله المأمون وأثنى عليه، ثم قال: قد عرَّفتموني من حق أمير المؤمنين أكرَمه الله مالًا أنكره، ودعوتموني من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه، وأنا لِطاعة أمير المؤمنين مقدِم، وعلى المسارعة إلى ما سرّه ووافقه حريص، وفي الرويّة تبيانُ الرّأي، وفي إعمال الرأي نُصح الاعتزام، والأمر الذي دعاني إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبّطًا ومدافعةً، ولا أتقدم عليه اعتسافًا وعَجَلة، وأنا في ثَغْر من ثغور المسلمين كلبٌ عدوّه، شديدٌ شوكته، وإن أهملت أمره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعيّة، وإن أقمت لم آمن فوت ما أحبّ من معونة أمير المؤمنين وموازرته، وإيثار طاعته، فانصرفوا حتى أنظر في أمرِي، ونصح الرأي فيما أعتزم عليه من مسيرِي إن شاء الله. ثم أمر بإنزالهم وإكرامهم والإحسان إليهم (١).\nفذكر سفيان بن محمد أنّ المأمون لمّا قرأ الكتاب أسقِط في يده، وتعاظَمه ما ورد عليه منه، ولم يَدْرِ ما يردُّ عليه، فدعا الفضلَ بن سهل، فأقرأه الكتاب، وقال: ما عندك في هذا الأمر؟ قال: أرى أن تتمسَّك بموضعك، ولا تجعل عليك سبيلًا، وأنت تجد من ذلك بدًّا. قال: وكيف يمكنني التمسك بموضعي ومخالفة محمد، وعُظْم القواد والجنود معه، وأكثر الأموال والخزائن قد صارت إليه، مع ما قد فرّق في أهل بغداد من صِلاته وفوائده! وإنما الناس مائلون مع الدّراهم، منقادون لها، لا ينظرون إذا وجدوها حفظَ بيعة، ولا يرغبون في وفاء عهد ولا أمانة. فقال له الفضل: إذا وقعت التهمة حقًّ الاحتراس، وأنا لغدر محمد متخوّف، ومن شَرَهِهِ إلى ما في يديك مشفِق، ولأن تكون في جندك وعزِّك مقيمًا بين ظهرانيْ أهل ولايتك أحْرَى، فإن دهمك منه أمر جرّدت له وناجزته وكايدته، فإمّا أعطاك الله الظفَر عليه بوفائِك ونيَّتك، أو كانت الأخرى فمتّ محافظًا مكرّمًا، غير ملقٍ بيديك، ولا ممكن عدوّك من الاحتكام في نفسك ودمك. قال: إن هذا الأمر لو كان أتاني وأنا في قوّة من\n_________\n(١) انظر الخبر الآتي وتعليقنا عليه والخبر (٨/ ٤٠٥/ ٤٩).","vol":"12","page":50},{"text":"أمري، وصلاح من الأمور، كان خطبه يسيرًا، والاحتيال في دفعه ممكنًا، ولكنّه أتاني بعد إفساد خُراسان واضطراب عامرها وغامرها، ومفارقة جَبْغويه الطاعة، والتواء خاقان صاحب التّبت، وتهيؤ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خُراسان، وامتناع ملك إبرازبنده بالضريبة التي كان يؤديها، وما لي بواحدة من هذه الأمور يدٌ، وأنا أعلم أن محمدًا لم يطلب قدومي إلا لشرّ يريده، وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه، واللحاق بخاقان ملك الترك، والاستجارة به وببلاده، فبالحرَي أن آمن على نفسي، وأمتنع ممن أراد قَهْرِي والغدر بي.\nفقال له الفضل: أيها الأمير، إنّ عاقبة الغدر شديدة، وتَبِعة الظلم والبغي غير مأمون شرّها، وربّ مستذَل قد عاد عزيزًا، ومقهور قد عاد قاهرًا مستطيلًا، وليس النصر بالقلة والكثرة، وحَرَجُ الموت أيسر من حرج الذلّ والضيم، وما أرى أن تفارق ما أنت فيه وتصير إلى طاعة محمد متجرّدًا من قوّادك وجندك كالرأس المختزَل عن بدنه، يُجري عليك حكمه، فتدخل في جملة أهل مملكته من غير أن تبلي عذرًا في جهاد ولا قتال، ولكن اكتب إلى جبغويه وخاقان، فولِّهما بِلادهما، وعدْهما التقويةَ لهما في محاربة الملوك، وابعْث إلى ملك كابل بعضَ هدايا خُراسان وطُرَفها، وسلْه الموادعة تجده على ذلك حريصًا، وسلِّم الملك إبرازبنده ضريبتَه في هذه السنة، وصيّرها صِلةً منك وصلتَه بها، ثم أجمع إليك أطرافك، واضمُم إليك من شذّ من جندك، ثم اضرب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، فإن ظفرتَ وإلا كنت على ما تريد من اللحاق بخاقان قادرًا. فعرف عبدُ الله صدق ما قال، فقال: أعمل في هذا الأمر وغيره من أموري بما ترى، وأنفَذ الكتب إلى أولئك العصاة، فرضوا وأذعنوا، وكتب إلى مَنْ كان شاذًا عن مَرْو من القواد والجنود، فأقدمهم عليه، وكتب إلى طاهر بن الحسين وهو يومئذ عامل عبد الله على الرّيّ، فأمره أن يضبط ناحيتَه، وأن يجمع إليه أطرافه، ويكون على حذَرٍ وعدّة من جيش إن طرقه، أو عدوٍّ إن هجم عليه. واستعدّ للعرب، وتهيّأ لدفع محمد عن بلاد خراسان (١).\nويقال: إن عبد الله بعث إلى الفضل بن سهل فاستشاره في أمر محمد،\n_________\n(١) انظر تعليقنا بعد الآتي (٨/ ٤٠٥/ ٤٩).","vol":"12","page":51},{"text":"فقال: أيها الأمير، أنظرني في يومي هذا أغدُ عليك برأي، فبات يدبّر الرأي ليلتَه، فلما أصبح غدًا عليه، فأعلمه أنه نظر في النّجوم فرأى أنه سيغلبه، وأنّ العاقبة له. فأقام عبد الله بموضعه، ووطّن نفسه على محاربة محمد ومناجزته (١) فلمّا فرغ عبد الله مما أراد إحكامَه من أمر خراسان، كتب إلى محمد:\nلعبد الله محمد أمير المؤمنين من عبد الله بن هارون، أما بعد، فقد وصل إليّ كتاب أمير المؤمنين، وإنما أنا عامل من عمَالِه وعون من أعوانه، أمرني الرّشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثَّغْر، ومكايدة من كايد أهله من عدوّ أمير المؤمنين، ولعمري إن مقامي به، أردّ على أمير المؤمنين وأعظم غناءً عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين، وإن كنتُ مغتبطًا بقربه، مسرورًا بمشاهدة نعمة الله عنده، فإن رأى أن يقرّني على عملي، ويعفيَني من الشخوص إليه، فعل إن شاء الله. والسلام.\nثم دعا العباس بن موسى وعيسى بن جعفر ومحمدًا وصالحًا، فدفع الكتاب إليهم، وأحسن إليهم في جوائزهم، وحمل إلى محمد ما تهيّأ له من ألطاف خراسان، وسألهم أن يحسِّنوا أمره عنده، وأن يقوموا بعذره (٢).\n_________\n(١) لعل الفضل بن سهل كان صاحب نظر في النجوم لا ندري ولا نستطيع أن نثبت ذلك إلا أن الذي تأكد لدى من له أدنى خبرة بالأخبار وكتب التراجم أن المأمون كان من رواة الحديث ملمًا بالعلوم الإسلامية محبًا للعلماء ولم يكن يخفى عليه حرمة التصديق بالمنجمين ويبدو أن الطبري لم يكن واثقًا من صحة الخبر فقال في بدايته: ويقال: بصيغة التمريض وبلا إسناد.\n(٢) هذا الخبر والأخبار (٤٦) و(٤٧) لها ما يؤيدها عند أبي حنيفة الدينوري إذ ذكر الخبر مختصرًا دون ذكر خطبة كل واحد منهم وإنما قال: فذكروا حاجة أمير المؤمنين إليه وما يرجو في قربه من بسط المملكة والقوة على العدو فأبلغوا في مقالتهم وأمر المأمون بإنزالهم وإكرامهم.\nولما جَنَّ عليه الليل بعث إلى الفضل بن سهل، وكان أخصّ وزرائه عنده.، وأوثقهم في نفسه، وقد كان جَرّبَ منه وَثاقَةَ رَأْي وَفَضل حَزْمٍ، فلما أتاه خَلَا به، وأقرأه كتاب محمد، وأخبره بما تكلْم به الوفد من أمر التَّحْضيِض على المسير إلى أخيه ومعاونته على أمره.\nقال الفضل: ما يريد بك خيرًا، وما أرَضى لك إلا الامتناع عليه.\nقال المأمون: فكيف يمكنني الامتناع عليه، والرجال والأموال معه، والناس مع المال؟\nقال الفضل: أَجِّلْني ليلتي هذه لآتيَك غدًا بما أرى إلى آخر الخبر.\nوأن المأمون أحسن صلاتهم وجوائزهم وكتب معهم رسالة إلى أخيه الأمين ونصها:\n\"أمّا بعد، فإن الإِمام الرشيد وَلّانِي هذه الأرض على حين كَلَبٍ من عدوّها، ووَهْيٍ من =","vol":"12","page":52},{"text":"قال سفيان بن محمد: لما قرأ محمد كتاب عبد الله، عرف أنّ المأمون لا يتابعه على القدوم عليه، فوجّه عصمة بن حماد بن سالم صاحب حَرَسه، وأمره أن يقيم مسلحةً فيما بين هَمَذان والرّيّ، وأن يمنع التجار من حَمْل شيء إلى خراسان من المِيرة، وأن يفتِّش المارّة، فلا يكون معهم كتب بأخباره وما يريد، وذلك سنة أربع وتسعين ومائة. ثم عزم على محاربته، فدعا عليّ بن عيسى بن ماهان، فعقد له على خمسين ألف فارس ورجل من أهل بغداد، ودفع إليه دفاتر الجند، وأمره أن ينتقيَ ويتخيَر من أراد على عينه، ويخصّ من أحبَّ ويرفع من أراد إلى الثمانين، وأمكنه من السلاح وبيوت الأموال، ثم وُجِّهوا إلى المأمون.\nفذكر يزيد بن الحارث، قال: لما أراد عليّ الشخوص إلى خُراسان ركب إلى باب أم جعفر، فودّعها، فقالت: يا عليّ، إنّ أمير المؤمنين وإن كان ولدِي، إليه تناهت شفقتي، وعليه تكامل حَذري، فإني على عبد الله منعطفة مشفقة، لما يحدُث عليه من مكروه وأذىً، وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغاره على ما في يده، والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره، فأعرف لعبد الله حقَّ والده وإخوته، ولا تجبِّهه بالكلام، فإنك لست نظيره، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا ترهقه بقيْد ولا غُلّ، ولا تمنع منه جارية ولا خادمًا، ولا تعنِّف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قَبْله، ولا تستقلّ على دابتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سَفه عليك فلا ترادّه. ثم دفعتْ إليه قيْدًا من فضة، وقالت: إن صار في يدك فقيِّده بهذا القيد. فقال لها: سأقبل أمرَكِ، وأعمل في ذلك بطاعتك (١).\n_________\n= سَدّها، وضَعْفٍ من جنودها، ومتى أخللتُ بها، أو زُلْتُ عنها لم آمن انتقاض الأمور فيها، وغَلَبَة أعدائها عليها، بما يصل ضرره إلى أمير المؤمنين حيثُ هو، فرأي أمير المؤمنين في أن لا ينقض ما أبْرَمَه الإمام الرشيد\".\nوسار القوم بالكتاب حتى وافُوا به الأمين، وأوْصَلُوا الكتاب إليه. [الأخبار الطوال/ ٣٩٥].\n(١) لهذا الخبر ما يؤيده عند أبي حنيفة الدينوري إذ قال:\nوقد كانت زُبَيدة تقدّمت إلى علي بن عيسى، وكان إياها مودّعا، فقالت له:\n- إن محمدًا، وإن كان ابني وثمرة فؤادي، فإن لعبد الله من قلبي نصيبًا وافرًا من المحبّة، =","vol":"12","page":53},{"text":"وأظهر محمد خلع المأمون، وبايع لابنيه - في جميع الآفاق إلّا خُراسان - موسى وعبد الله، وأعطى عند بيعتهما بني هاشم والقوّاد والجند الأموال والجوائز، وسمّى موسى النّاطق بالحق، وسمّى عبد الله القائم بالحقّ. ثم خرج عليّ بن عيسى لسبع ليال خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة من بغداد حتى عسكر بالنَّهروان، وخرج معه يشيّعه محمد، وركب القوّاد والجنود، وحُشرت الأسواق، وأشخص معه الصنّاع والفعَلة، فيقال: إنّ عسكره كان فرسخًا بفسطاطيه وأهبْتَه وأثقاله، فذكر بعضُ أهل بغداد أنهم لم يروا عسكرًا كان أكثرَ رجالًا، وأفرَه كُراعًا، وأظهر سلاحًا، وأتمَّ عُدّة، وأكمل هيئة، من عسكره.\nوذكر عمرو بن سعيد أن محمدًا لما جاز باب خُراسان نزل عليّ فترجَّل، وأقبل يوُصيه، فقال: امنع جندَك من العبث بالرعيّة والغارة على أهل القُرى وقَطْع الشجر وانتهاك النساء، وولّ الري يحيى بن عليّ، واضمم إليه جندًا كثيفًا، ومرْه ليدفع إلى جنده أرزاقهَم مما يجبى من خراجها، وولّ كل كورة ترَحلُ عنها رجلًا من أصحابك، ومَنْ خرج إليك من جند أهل خُراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته، ولا تعاقب أخًا بأخيه، وضَعْ عن أهل خراسان رُبْع الخراج، ولا تؤمِّن أحدًا رماك بسهم، أو طعن في أصحابك برُمح، ولا تأذن لعبد الله في المُقام أكثر من ثلاثة من اليوم الذي تظهر فيه عليه، فإذا أَشخصتَه فليكن مع أوثقِ أصحابك عندك، فإن غرّة الشيطان فناصَبك فاحرص على أن تأسره أسرًا، وإن هرب منك إلى بعض كوُر خراسان، فتولّ إليه المسير بنفسك. أفهِمْت كّل ما أوصيك به؟ قال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين! قال: سِرْ على بركة الله وعونه! .\n_________\n= وأنا التي ربيّته، وأنا أحنو عليه، فإياك أن يبدأه منك مكروه، أو تسير أمامه، بل سر إذا سرت معه من ورائه، وإن دعاك فلبّه، ولا تركب حتى يركب قبلك، وخذ برِكابه إذا ركب، وأظهر له الإجلال والإكرام\".\nثم دفعت إِليه قيدًا من فضّه وقالت:\nإن استعصى عليك في الشخوص فقيّده بهذا القيد\".\nوإن محمدًا انصرف عنه بعد أن أوعز إليه، وأوصاه بكل ما أراد [الأخبار الطوال/ ٣٩٦].","vol":"12","page":54},{"text":"وذُكر أنّ منجِّمَه أتاه فقال: أصلح الله الأمير! لو انتظرت بمسيرك صلاح القمَر، فإنَّ النحوس عليه عالية، والسعود عنه ساقطة منصرفة! فقال لغلام له: يا سعيد، قل لصاحب المقدّمة يضرب بطبله ويقدّم علَمه، فإنا لا ندري ما فساد القمر من صلاحه، غير أنه مَنْ نازلنا نازلناه، ومن وادَعنا وادَعناه وكَفَفنْا عنه، ومَنْ حاربنا وقاتلنا لم يكن لنا إلّا إرْواء السيف من دمه. إنا لا نعتدّ بفساد القمر، فإنا وطَّنّا أنفسنا على صِدْق اللقاء ومناجزة الأعداء (١).\nقال أبو جعفر: وذكر بعضهم أنه قال: كنتُ فيمن خرج في عسكر عليّ بن عيسى بن هامان، فلما جاز حُلوان لقَيتْه القوافل من خُراسان، فكان يسألها عن الأخبار، يستطلع عِلْم أهل خُراسان، فيقال له: إنَّ طاهرًا مقيم بالرّيّ يعرض أصحابه، ويرمّ آلته، فيضحك ثم يقول: وما طاهر! فوالله ما هو إلا شوْكة من أغصاني، أو شرارة من ناري، وما مِثْل طاهر يتولّى على الجيوش، ويلقَى الحروب، ثم التفت إلى أصحابه فقال: والله ما بينكم وبين أن ينقصِف انقصاف الشّجر من الريح العاصف، إلّا أن يبلغه عبورنا عَقَبة هَمَذان، فإنّ السّخال لا تقوى على النطاح، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسْد، فإن يُقمْ طاهر بموضعه يكنْ أول معرَّض لظباة السيوف وأسنّة الرماح (٢).\nوذكر يزيد بن الحارث أن عليّ بن عيسى لما صار إلى عَقَبة همَذان استقبل قافلة قدمتْ من خُراسان، فسألهم عن الخبر، فقالوا: إن طاهرًا مقيم بالريّ، وقد استعدّ للقتال، واتَّخذ آلة الحرب، وإن المدد يترى عليه من خُراسان وما يليها من الكُور، وإنه في كلّ يوم يعظم أمرُه، ويكثر أصحابه، وإنهم يروْن أنه صاحب جيش خراسان. قال عليّ: فهل شخص من أهل خراسان أحدُ يعتدّ به؟ قالوا: لا، غير أن الأمور بها مضطربة، والناس رَعِبون، فأمر بطيّ المنازل\n_________\n(١) هذا خبر غير صحيح ولم يكن للخلفاء يومها منجمون قريبو عهد بالقرن الأول والمجتمع يعجّ بالعلماء وبعض الخلفاء هم من العلماء.\nأو رواة الحديث كالمنصور والمهدي والمأمون، والطبري ذكر الخبر مسبوقًا بعبارة (وذُكر أن) أي بالبناء للمجهول وفي الخبر ما يكذبه فكيف يتّخذُ منجمًا ولا يصدقه؟ والخبر لا يصح والله أعلم.\n(٢) انظر تعليقنا (٨/ ٤١١/ ٥٤).","vol":"12","page":55},{"text":"والمسير، وقال لأصحابه: إنّ نهاية القوم الرّيّ، فلو قد صيّرْناها خلف ظهورنا فَتّ ذلك في أعضادهم، وانتشر نظامهم، وتفرّقت جماعتهم. ثم أنفذ الكتبَ إلى ملوك الديْلم وجبال طَبرِستان وما والاها من الملوك، يَعِدُهم الصِّلات والجوائز. وأهدى إليهم التِّيجان والأسورة والسيوفَ المحلّاة بالذهب، وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان، ويمنعوا مَن أراد الوصول إلى طاهر من المدد، فأجابوه إلى ذلك، وسار حتى صار في أول بلاد الرّيّ، وأتاه صاحب مقدّمته، فقال: لو كنتَ - أبقى الله الأمير - أذكيت العيون، وبعثت الطلائع. وارتدْتَ موضعًا تعسكر فيه، وتتخذ خندقًا لأصحابك يأمنون به، كان ذلك أبلَغ في الرأي، وآنس للجند، قال: لا، ليس مثل طاهر يُستعدّ له بالمكايد والتحفظ، إن حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين: إما أن يتحصّن بالرّيّ فيبيّته أهلها فيكفوننا مؤنته، أو يخليها ويدبر راجعًا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه. وأتاه يحيى بن عليّ، فقال: اجمع متفرّقَ العسكر، واحذر على جندك البيات، ولا تسرِّح الخيل إلَّا ومعها كنْف من القوم، فإنْ العساكر لا تساس بالتّواني، والحروب لا تُدبّر بالاغترار، والثقة أن تحترز، ولا تقلْ: إن المحارب لي طاهر، فالشرارة الخفيّة ربما صارت ضُرامًا، والثلمة من السيل ربما اغتر بها وتُهُوّن فصارت بحرًا عظيمًا، وقد قربت عساكرنا من طاهر، فلو كان رأيهُ الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا. قال: اسكت، فإن طاهرًا ليس في هذا الموضع الذي تَرى، وإنما تَتَحفّظ الرجال إذا لقيتْ أقرانها، وتستعدّ إذا كان المناوئ لها أكفاءها [ونظراءها] (١).\nوذكر عبد الله بن مجالد، قال: أقبَل عليّ بن عيسى حتى نزل من الرّيّ على عشرة فراسخ، وبها طاهر قد سدّ أبوابها، ووضع المسالح على طُرُقها، واستعدّ لمحاربته، فشاور طاهرٌ أصحابه، فأشاروا عليه أن يقيمَ بمدينة الريّ، ويدافع القتال ما قَدَر عليه إلى أن يأتيَه من خُراسان المدد من الخيل، وقائد يتولى الأمر دونه، وقالوا: إن مقامك بمدينة الري أرفقُ بأصحابك، وأقدر لهم على الميِرة، وأكنّ من البَرْد، وأحْرَى إن دَهَمك قتال أن يعتصموا بالبيوت، وتقوى على المماطلة والمطاولة، إلى أن يأتيَك مدد، أو ترِدَ عليك قُوّة من خلفك. فقال طاهر: إنّ الرأي ليس ما رأيتم، إنّ أهل الريّ لعليّ هائبون، ومن معرّته وسطوته\n_________\n(١) انظر تعليقنا (٨/ ٤١١/ ٥٤).","vol":"12","page":56},{"text":"متّقون، ومعه مَنْ قد بلغكم من أعراب البوادي وصعاليك الجبال ولفيف القرى، ولست آمن إن هجم علينا مدينة الرّيّ أن يدعوَ أهلَها خوفُهم إلى الوثوبِ بنا، ويعينوه على قتالنا، مع أنه لم يكن قوم قط روعبوا في ديارهم، وتورّد عليهم عسكرهم إلا وَهنوا وذلوا، وذهب عزمهم، واجترأ عليهم عدوّهم. وما الرأي إلّا أن نصيّر مدينة الرّيّ قَفا ظهورنا، فإن أعطانا الله الظَّفَر، وإلا عوّلنا عليها فقاتلنا في سككها، وتحصنّا في مَنعتها إلى أن يأتينا مدد أو قوة من خراسان. قالوا: الرأي ما رأيتَ. فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا. فعسكروا على خمسة فراسخ من الرّيّ بقرية يقال لها كلواص، وأتاه محمد بن العلاء فقال: أيها الأمير، إن جندك قد هابوا هذا الجيش، وامتلأتْ قلوبهم خوفًا ورُعبًا منه، فلو أقمتَ بمكانك، ودافعت القتال إلى أن يشامّهم أصحابك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجهَ المأخذ في قتالهم! فقال: لا، إني لا أوتَى من قلّة تجربة وحَزْم، إنَّ أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادُهم كثير عددهم، فإن دافعت القتالَ، وأخَّرْتُ المناجزة لم آمن أن يطلعوا على قلّتنا وعورتنا، وأن يستميلوا مَنْ معي برغبة أو رَهبْة، فينفر عني أكثر أصحابي، ويخذلني أهلُ الحفاظ والصبر، ولكن ألفّ الرجال بالرجال، والحِم الخيل بالخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بفضل الشهادة، فإن يرزق الله الظّفَر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو، وإن تكن الأخرى، فلست بأول مَنْ قاتل فقتِل، وما عند الله أجزل وأفضل.\nوقال عليّ لأصحابه: بادروا القوم، فإنْ عددهم قليل، ولو زحفتم إليهم لم يكن لهم صبر علي حرارة السيوف وطعن الرماح. وعبَأ جنده ميمنة وميسرة وقلبًا، وصيَّر عشر رايات، في كل راية ألف رجل، وقدم الرّاياتِ رايةً رايةً، فصيّر بين كلّ راية وراية غَلْوة، وأمرَ أمراءها: إذا قاتلت الأولى فصبرت وحمت وطال بها القتال أن تُقدِّم التي تليها وتؤخِّر التي قاتلت حتى ترجع إليها أنفسُها، وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة، وصيَّر أصحابَ الدروع والجواشن والخوذ أمام الرايات، ووقف في القلب في أصحابه من أهل البأس والحفاظ والنجدة منهم.\nوكتَّبَ طاهر بن الحسين كتائبَه وكردَس كراديسه، وسوّى صفوفه، وجعل","vol":"12","page":57},{"text":"يمرّ بقائد قائد، وجماعة جماعة، فيقول: يا أولياء الله وأهل الوفاء والشّكر، إنكم لستم كهؤلاء الذين تروْن من أهل النكْث والغدر، إن هؤلاء ضيّعوا ما حفظتم وصغّروا ما عظّمتم، ونكثوا الأيمان التي رعيتم، وإنما يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل، أصحاب سلْب ونهب، فلو قد غضضتم الأبصار، وأثبتم الأقدام! قد أنجز الله وعدَه، وفتح عليكم أبواب عزِّه ونصره، فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النَّار عن دينكم، ودافعوا بحقكم باطلهم، فإنما هي ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين. وقلق قلقًا شديدًا، وأقبل يقول: يا أهلَ الوفاء والصدق، الصبرَ الصبرَ الحفاظَ الحفاظَ! وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض، ووثب أهل الريّ، فغلّقوا أبواب المدينة، ونادى طاهر: يا أولياء الله، اشتغلوا بمن أمامكم عمَّن خلفكم، فإنه لا ينجيكم إلَّا الجدّ والصدق. وتلاحموا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان جميعًا، وعلتْ ميمنة عليّ على ميسرة طاهر ففضّتها فضًّا منكرًا، وميسرتُه على ميمنته فأزالتها عن موضعها. وقال طاهر: اجعلوا بأسكم وجدّكم على كراديس القلب، فإنكم لو فضضتم منها رايةً واحدة رجعت أوائلُها على أواخرها. فصبر أصحابه صبرًا صادقًا، ثم حملوا على أوائل رايات القلب فهزموهم، وأكثروا فيهم القتل، ورجعت الرّايات بعضها على بعض، وانتقضت ميمنة عليّ. ورأى أصحابُ ميمنة طاهر وميسرته ما عمل أصحابه، فرجعوا على من كان في وجوههم، فهزموهم، وانتهت الهزيمة إلى عليّ فجعل ينادي أصحابه: أينَ أصحاب الأسورة والأكاليل! يا معشرَ الأبناء، إليّ الكرّة بعد الفرّة، معاودة الحرب من الصبر فيها، ورماه رجلٌ من أصحاب طاهر بسهم فقتَله، ووضعوا فيهم السيوف يقتلونهم ويأسرونهم، حتى حال الليل بينهم وبين الطلب، وغنموا غنيمة كثيرة، ونادى طاهر في أصحاب عليّ: مَن وضع سلاحه فهو آمن، فطرحوا أسلحتهم، ونزلوا عن دوابّهم، ورجع طاهر إلى مدينة الرّيّ، وبعث بالأسرى والرؤوس إلى المأمون (١).\n_________\n(١) هذه الأخبار (٥٢، ٥٣، ٥٤) الواردة في وصف مسير عليّ بن عيسى إلى الريّ والتقاءه بجيش طاهر بالقرب منها واقتتالهم الشديد ثم هزيمة جيش عليّ بن عيسى بعد مقتله ذكرها الطبري في حينها مجملًا. =","vol":"12","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثم فصّل هنا تفصيلًا ولبعض متونها ما يؤيدها عند أبي حنيفة الدينوري إذ قال:\nوسار عليّ بن عيسى بن ماهان حتى صار إلى حلوان، فاستقبله عِيرٌ مقبلة من الريّ، فسألهم عن خبر طاهر، فأخبروه أنه يستعدّ للحرب، فقال: وما طاهر؟ ومن طاهر؟ ليس بينه وبين إِخلاء الريّ إلا أن يبلغه أنى جاوزت عتبة هَمَذان.\nثم سار حتى خلّف عتبة همذان وراءه، فاستقبله عِيرُ أخرى، فسألهم عن الخبر.\nفقالوا: إن طاهرًا قد وضع العطاء لأصحابه، وفرّق فيهم السلاح، واستعد للحرب.\nفقال: في كم هو؟\nفقالوا: في زهاء عشرة آلاف رجل.\nفأقبل الحسن بن علي بن عيسى على أبيه فقال:\n- يا أبت، إن طاهرًا لو أراد الهرب لم يقم بالريّ يومًا واحدًا.\nفقال: يا بُنيّ، إنما تستعدّ الرجال لأقرانها، وإن طاهرًا ليس عندي من الرجال الذي يستعدّون لمثلي، ويستعد له مثلي.\nوذكروا أن مشايخ بغداد قالوا: لم نر جيشًا كان أظهر سلاحًا، ولا أكمل عُدّة، ولا أفره خيلا، ولا أنبلَ رجالًا من جيش عليّ بن عيسى يوم خرج، إنما كانوا نُخبا.\nوإن طاهر بن الحسين جمع إليه رؤساء أصحابه فاستشارهم في أمره، فأشاروا عليه، أن يتحصّن بمدينة الريّ، ويحارب القوم من فوق السور إلى أن يأتيَه مَدَد من المأمون.\nفقال لهم: وَيْحكم، إني أبصرَ بالحرب منكم، إني متى تحصنّت استضعفت نفسي، ومال أهل المدينة إليه لقوته، وصاروا أشد عليّ من عدوي، لخوفهم من علي بن عيسى، ولعله أن يستميل بعض من معي بالأطماع، والرأيُ أن أَلفّ الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.\nثم نادى في جنوده بالخروج عن المدينة، وأن يعسكروا بموضع يقال له \"القَلُوصَة\".\nفلما خرجوا عمد أهل الريّ إلى أبواب مدينتهم، فأغلقوها.\nفقال طاهر لأصحابه: يا قوم، اشتغلوا بمن أمامكم، ولا تلتفتوا إلى من وراءكم واعلموا أنه لا وزر لكم ولا ملجأ إلا سيوفكم ورماحكم، فاجعلوها حصونكم.\nوأقبل عليّ بن عيسى نحو القلوصة، فتواقف العسكران للحرب، والتقوا، فصدقهم أصحاب طاهر الحملة.\nفانتقضت تعبيّة عليّ بن عيسى، وكانت منهم جولة شديدة، فناداهم عليّ بن عيسى، وقال:\n- أيها الناس، ثُوبوا واحملو معي.\nفرماه رجل من أصحاب طاهر، فأثبته، وبعد أن دنا منه، وتمكّن رماه بنشّابة وقعت في صدره، فنفذت الدَّرع والسلاح حتى أفضت إلى جوفه، وخرّ مغشيا عليه ميتًا.","vol":"12","page":59},{"text":"وذكر أن عبد الله بن على بن عيسى طرَح نفسه في ذلك اليوم بين القتلى، وقد كانت به جراحات كثيرة، فلم يزل بين القتلى متشبِّهًا بهم يومه وليلته، حتى أمن الطلب، ثم قام فانضمّ إلى جماعة من فَلّ العسكر، ومضى إلى بغداد، وكان من أكابر ولده.\nوذكر سفيان بن محمد أنّ عليًّا لمّا توجّه إلى خراسان بعث المأمون إلى من كان معه من القوّاد يعرض عليهم قتاله رجلًا رجلًا، فكلَهم يصرح بالهيبة، ويعتلّ بالعلل، ليجدوا إلى الإعفاء من لقائه ومحاربته سبيلًا.\nوذكر بعض أهل خراسان أنّ المأمون لما أتاه كتاب طاهر، بخبر عليّ وما أوقع الله به، قعد للناس، فكانوا يدخلون فيهنّئونه ويدعون له بالعزّ والنصر. وإنه في ذلك اليوم أعلن خلع محمد، ودعِي له بالخلافة في جميع كُور خراسان وما يليها، وسُرّ أهل خراسان، وخطب بها الخطباء، وأنشدت الشعراء، وفي ذلك يقول شاعر من أهل خراسان:\nأَصبحتِ الأمّة في غِبْطَةٍ ... من أَمرِ دنياها ومن دِينها\nإذ حفظتْ عهدَ إمامِ الهدى ... خيرِ بني حوَّاء مأمونِها\nعلى شَفًا كانت فلمّا وَفَتْ ... تخلصَتْ من سُوءِ تحيِيِنها\nقامتْ بحق الله إذ زُبِرَتْ ... في وُلْدِهِ كتْبُ دَواوِينها\nألا تراها كيف بعَد الرَّدى ... وفقها اللهُ لِتَزيينها!\n_________\n= واستوت الهزيمة بأصحابه.\nفما زال أصحاب طاهر يقتلونهم، وهم مولّون حتى حال الليل بينهم، وغنموا ما كان في معسكرهم من السلاح والأموال.\n[الأخبار الطوال/ ٣٩٧، ٣٩٨].\nوقال أبو حنيفة الدينوري في موضع آخر وهو يصف توديع الأمين لجيشه الذاهب إلى خراسان!\nفخرج بالجيوش، وركب معه محمد، فجعل يُوصيه، ويقول: أكرمْ مَن هناك من قواد خراسان، وضَع عن أهل خراسان نصف الخراج، ولا تُبق على أحد يشهِر عليك سيفًا، أو يرمي عسكرك بسهم، ولا تدع عبد الله يقيم إلا ثلاثًا من يوم تصل إليه، حتى تُشخصه إلى ما قبَلي) [الأخبار الطوال/ ٣٩٨].","vol":"12","page":60},{"text":"وهي أبيات كثيرة (١):\nوذكر عليّ بن صالح الحربيّ أن عليّ بن عيسى لما قُتل، أرجف الناس ببغداد إرجافًا شديدًا، وندم محمد على ما كان من نَكثه وغدره. ومشى القوّاد بعضهم إلى بعض. وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة خمس وتسعين ومائة، فقالوا: إن عليًّا قد قتِل، ولسنا نشكّ أن محمدًا يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب الصنائع، وإنما يحرّك الرجال أنفسها، ويرفعها باسُها وإقدامُها، فليأمر كلُّ رجل منكم جندَه بالشَغْب وطلب الأرزاق والجوائز، فلعلّنا أن نصيب منه في هذه الحالة ما يصلحنا، ويصلح جندنا. فاتفق علي ذلك رأيهُم وأصبحوا، فتوافَوْا إلى باب الجسْر وكبّروا، فطلبوا الأرزاق والجوائز. وبلغ الخبر عبدَ الله بن خازم، فركب إليهم في أصحابه وفي جماعة غيره من قُوّاد الأعراب، فترامَوْا بالنُّشاب والحجارة، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وسمع محمد التكبير والضجيج، فأرسل بعض مواليه أن يأتيَه بالخبر، فرجع إليه فأعلمه أنّ الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم. قال: فهل يطلبون شيئًا غير الأرزاق؟ قال: لا، قال: ما أهونَ ما طلبوا! ارجع إلى عبد الله بن خازم فمرْه فلينصرف عنهم، ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر، ورفع مَنْ كان دون الثمانين إلى الثمانين. وأمر للقوّاد والخواصَ بالصّلاة والجوائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهر</span>\nوفي هذه السنة وجّه محمد المخلوع عبدَ الرحمن بن جبلة الأبناويّ إلى همَذان لحرب طاهر.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذكر عبد الله بن صالح أنّ محمدًا لما انتهى إليه قتلُ عليّ بن عيسى بن ماهان، واستباحه طاهر عسكره، وجّه عبد الرحمن الأبناويّ في عشرين ألف رجل من الأبناء، وحمل معه الأموال، وقوّاه بالسلاح والخيل، وأجازه بجوائز، وولَاه\n_________\n(١) عن الوقت الذي دعي للمأمون بالخلافة انظر تعليقنا على الخبر (٨/ ٣٩٤/ ٣٩) وقد قال خليفة ومنها أي (١٩٥ هـ) دعي للمأمون بالخلافة بخراسان (تاريخ خليفة/ ٣٠٩).","vol":"12","page":61},{"text":"حُلوان إلى ما غلب عليه من أرض خُراسان، وندب معه فرسان الأبناء وأهل البأس والنَّجدة والغنَاء وأمره بالإكماش في السيّر، وتقليل اللُّبث والتضجّع، حتى ينزل مدينة هَمَذان، فيسبق طاهرًا إليها، ويخندق عليه وعلى أصحابه، ويجمع إليه آلة الحرب، ويغادي طاهرًا وأصحابه إلى القتال. وبسط يده وأنفذ أمره في كلّ ما يريد العمل به، وتقدّم إليه في التحفّظ والاحتراس، وترك ما عمل به عليّ من الاغترار والتضجّع، فتوجّه عبد الرحمن حتى نزل مدينة هَمَذان، فضبط طرقها، وحصّن سورها وأبوابها، وسدّ ثَلْمها، وحشر إليها الأسواق والصنّاع، وجمع فيها الآلات والميَر، واستعدّ للقاء طاهر ومحاربته. وكان يحيى بن عليّ لما قُتِل أبوه هرب في جماعة من أصحابه، فأقام بين الريّ وهمَذان، فكان لا يمرّ به أحدٌ من فَلِّ أبيه إلا احتبسه، وكان يرى أن محمدًا سيولّيه مكان أبيه، ويوجّه إليه الخيل والرجال، فأراد أن يجمع الفَلّ إلى أن يوافيَه القوة والمدد، وكتب إلى محمد يستمدّه ويستنجده، فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن الأبناويّ، ويأمره بالمقام موضعه، وتلقّى طاهر فيمن معه، وإن احتاج إلى قوة ورجال كتب إلى عبد الرحمن فقوّاه وأعانه.\nفلما بلغ طاهرًا الخبرُ توجّه نحو عبد الرحمن وأصحابه، فلما قُرب من يحيى، قال يحيى لأصحابه: إن طاهرًا قد قرُب منّا ومعه مَنْ تعرفون من رجال خُراسان وفرسانها، وهو صاحبكم بالأمس، ولا آمن إن لقيتُه بمن معي من هذا الفَلّ أن يصدَعنا صدعًا يدخل وهَنُه على من خَلْفنا، وأنْ يعتلّ عبد الرحمن بذلك، ويقلّدني به العار والوَهَن والعجز عند أمير المؤمنين، وأن أستنجد به وأقمت على انتظار مدده، لم آمن أن يمسك عنا ضنًّا برجاله وإبقاءً عليهم، وشُحًّا بهم على القتل، ولكن نتزاحف إلى مدينة هَمَذان فنعسكر قريبًا من عبد الرحمن، فإن استعنّا به قرب منَّا عونُه، وإن احتاج إلينا أعنَّاه وكنّا بفنائه، وقاتلنا معه. قالوا: الرأي ما رأيتَ، فانصرف يحيى، فلمَّا قرب من مدينة هَمَذَان خذله أصحابُه، وتفرّق أكثر من كان اجتمع إليه، وقصد طاهرٌ لمدينة همَذان، فأشرف عليها، ونادى عبد الرحمن في أصحابه، فخرج على تعبية، فصادف طاهرًا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان جميعًا، وكثر القتلى والجرحى فيهم، ثم إنّ عبد الرحمن انهزم، فدخل مدينة هَمَذان، فأقام بها أيامًا","vol":"12","page":62},{"text":"حتى قويَ أصحابُه، واندمل جراحهم، ثم أمر بالاستعداد، وزحف إلى طاهر، فلمّا رأى طاهر أعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا، قال لأصحابه: إنّ عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإن قربتم منه قاتلكم، فإن هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها، وقاتلكم على خندقها، وامتنع بأبوابها وسورها، وإن هزمكم اتّسع لهم المجال عليكم، وأمكنتهُ سعة المعترك من قتالكم، وقتل من انهزم وولّى منكم، ولكن قفُوا من خندقنا وعسكرنا قريبًا، فإن تقارب ما قاتلناه، وإن بعُد من خندقهم قَرُبنا منه. فوقف طاهر مكانَه، وظنّ عبد الرحمن أنّ الهيبة بطّأت به من لقائه والنهود إليه، فبادر قتاله فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر طاهر، وأكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل عبد الرحمن يقول لأصحابه: يا معشرَ الأبناء، يا أبناء الملوك وألفاف السيوف، إنهم العجم، وليسوا بأصحاب مطاوَلة ولا صبر، فاصبروا لهم فداكم أبي وأمي! وجعل يمرّ على راية راية، فيقول: اصبروا، إنما صبرنا ساعة، هذا أول الصّبر والظَّفَر. وقاتل بيديه قتالًا شديدًا، وحمل حمَلات منكرة ما منها حملة إلا وهو يكثْر في أصحاب طاهر القتل، فلا يزول أحدٌ ولا يتزحزح. ثم إنّ رجلًا من أصحاب طاهر حمل على أصحاب علم عبد الرحمن فقتله، وذحمهم أصحاب طاهر ذحمةً شديدة، فولَّوْهم أكتافهم، فوضعوا فيهم السيوف، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهواْ بهم إلى باب مدينة هَمَذان، فأقام طاهر على باب المدينة محاصرًا لهم وله، فكان عبد الرحمن يخرج في كلّ يوم فيقاتل على أبواب المدينة، ويرمي أصحابه بالحجارة من فوق السور، واشتدّ بهم الحصار، وتأذّى بهم أهلُ المدينة، وتبرّموا بالقتال والحرب، وقطع طاهر عنهم المادّة من كلّ وجه. فلما رأى عبد الرحمن، ورأى أصحابه قد هلكوا وجَهدوا، وتخوف أن يثب به أهلُ هَمَذان أرسل إلى طاهر فسأله الأمان له ولمن معه، فآمنه طاهر ووفى له، واعتزل عبد الرحمن فيمن كان استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن عليّ (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل الذي أورده الطبري استغرق الصفحات [٤١٢ - من قوله توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهر - إلى قوله في بداية الصفحة ٤١٥ - استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن علي - السطر الثاني] وله ما يؤيده عند الدينوري ولكن باختصار =","vol":"12","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1811>[تسمية طاهر بن الحسين ذا اليمينين]</span>\nوفي هذه السنة سُمّيَ طاهر بن الحسين ذا اليمينين.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nقد مضى الخبرُ عن السبب الذي من أجله سُمِّيَ بذلك، ونذْكرُ الذي سمَاه بذلك.\nذُكر أن طاهرًا لما هزم جيش عليّ بن عيسى بن ماهان، وقتلَ عليّ بن عيسى، كتب إلى الفضل بن سهل: أطال الله بقاءك، وكبَتَ أعداءك، وجعل مَن يشنؤك فداك! كتبتُ إليك ورأس عليّ بن عيسى في حجْري، وخاتمه في يدي، والحمد لله ربّ العالمين. فنهض الفضل فسلّم على المأمون بأمير المؤمنين، فأمدّ المأمون طاهر بن الحسين بالرجال والقوّاد، وسمّاه ذا اليمينين، وصاجب حبل الدين، ورفع من كان معه في دون الثمانين إلى الثمانين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>[ظهور السفيانيّ بالشام]</span>\nوفي هذه السنة ظهر بالشام السفيانيّ عليّ بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن\n_________\n= شديد عمّا ههنا فقد تحدث أبو حنيفة الدينوري عن مقتل عليّ بن عيسى ثم وصول الخبر إلى محمد الأمين ببغداد ثم تابع فقال:\nوبلغ ذلك محمدًا، فعقد لعبد الرحمن الأبناوِيّ في ثلاثين ألف رجل من الأبناء، وتقدّم إليهم، ألا يغتّروا كاغترار عليّ بن عيسى، ولا يتهاونوا كتهاونه.\nفسار عبد الرحمن حتى وافى همذان.\nوبلغ ذلك طاهرًا، فتقدّم، وسار نحوه، فالتقوا جميعًا، فاقتتلوا شيئًا من قتال، فلم يكن لأصحاب عبد الرحمن ثَباتٌ، فانهزم، واتّبعه أصحابه، فدخلوا مدينة همذان، فتحصّنوا فيها شهرًا حتى نفَذ ما كان معهم من الزاد.\nقال: فطلب عبد الرحمن الأبناوي الأمان له ولجميع أصحابه، فأعطاه طاهر ذلك. ففتح أبواب المدينة، ودخل الفريقان بعضهم في بعض. [الأخبار الطوال ٣٩٨].\nوانظر الخبر عن مقتل الأبناوي في (٨/ ٤١٦) و(٨/ ٤١٧).\n(١) لقد ذكر الطبري أصل الخبر ضمن رواية مطولة ذكرها من طريق أحمد بن هشام كما سبق (٨/ ٣٩٣) وأعاده هنا بلا إسناد (ذكر) وفي الموضع الأول ذكر أن طاهر بن ناجي وهو الصغير هو المسمّى بذي اليمينين بينما يذكر هنا (الموضع الثاني) أنه طاهر بن الحسين.","vol":"12","page":64},{"text":"معاوية، فدعا إلى نفسه، وذلك في ذي الحجة منها - فطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بدمشق - وكان عامل محمد عليها - فلم يفلت منه إلا بعد اليأس، فوجّه إليه محمد المخلوع الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، فلم ينفذ إليه، ولكنه لما صار إلى الرّقة أقام بها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>[طرد طاهر عمال الأمين عن قزوين وكور الجبال]</span>\nوفي هذه السنة طرد طاهر عمّال محمد عن قزوين وسائر كور الجبال.\n* وذكر الخبر عن سبب ذلك:\nذكر عليّ بن عبد الله بن صالح أنّ طاهرًا لما توجّه إلى عبد الرحمن الأبناويّ بهمذَان، تخوّف أن يثب به كثير بن قادرة - وهو بقَزوين عامل من عمال محمد - في جيش كثيف إن هو خلفه وراءَ ظهره، فلمّا قرب طاهر من هَمَذان أمر أصحابه بالنزول فنزلوا. ثم ركب من ألف فارس وألف راجل، ثم قصد قصْد كثير بن قادره، فلمّا قرب منه هرب كثير وأصحابه. وأخْلَى قزوين، وجعل طاهر فيها جندًا كثيفًا، وولّاها رجلًا من أصحابه، وأمر أن يحارب مَنْ أراد دخولها من أصحاب عبد الرحمن الأبناويّ وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>[ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناويّ]</span>\nوفي هذه السنة قتِل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي بأسداباذ (٢).\n* ذكر الخبر عن مقتله:\nذكر عبد الرحمن بن صالح أن محمدًا المخلوع لمّا وجّه عبد الرحمن الأبناويّ إلى هَمَذان، أتبعه بابني الحَرَشيّ: عبد الله وأحمد، في خيل عظيمة في أهل بغداد، وأمرَهما أن ينزلا قصر اللصوص، وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن،\n_________\n(١) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٣٦) وللخبر تتمة.\n(٢) وقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٩٥ هـ): وفيها قتل طاهر: عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي [تأريخ خليفة/ ٣٠٩] وانظر تعليقنا في آخر الخبر [٨/ ٤١٥/ ٥٩].","vol":"12","page":65},{"text":"ويكونا مددًا له إن احتاج إلى عونهما. فلما خرج عبد الرحمن إلى طاهر في الأمان أقام عبد الرحمن يُرِي طاهرًا وأصحابه أنه له مسالم، راضٍ بعهودهم وأيمانهم، ثم اغترّهم وهم آمنون. فركب في أصحابه، فلم يشعر طاهر وأصحابه حتى هَجَمَوا عليهم، فوضعوا فيهم السيوف، فثبت لهم رجّالة أصحاب طاهر بالسيوف والتراس والنشاب، وجَثَوْا على الرّكب، فقاتلوه كأشدّ ما يكون من القتال، ودافعهم الرّجال إلى أن أخذت الفرسان عُدّتها وأهبتها، وصدقوهم القتال، فاقتتلوا قتالًا منكرًا، حتى تقطعت السيوف، وتقصَفت الرماح. ثم إن أصحاب عبد الرحمن هَربوا، وترجّل هو في ناس من أصحابه، فقاتل حتى قتل، فجعل أصحابه يقولون له: قد أمكنك الهَرب فاهرُب، فإنّ القوم قد كلوا من القتال، وأتعبتهم الحرب، وليس بهم حَراك ولا قوّة على الطلب، فيقول: لا أرجعُ أبدًا، ولا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزمًا. وقُتل من أصحابه مقتلة عظيمة، واستبيح عسكره، وانتهى من أفلت من أصحابه إلى عسكر عبد الله وأحمد ابني الحَرَشيّ، فدخلهم الوهن والفشَل، وامتلأت قلوبهم خوفًا ورعبًا فولّوْا منهزمين لا يلوون على شيء من غير أن يلقاهم أحد، حتى صاروا إلى بغداد، وأقبل طاهر وقد خلت له البلاد، يحوز بلدةً بلدةً، وكورةً كورةً، حتى نزل بقرية من قرى حلوان يقال لها شلاشان، فخندق بها، وحصّن عسكره، وجمع إليه أصحابَه. وقال رجل من الأبناء يرثي عبد الرحمن الأبناويّ:\nأَلا إِنما تبكي العُيونُ لفارسٍ ... نَفَى العار عنه بالمناصِل والقَنَا\nتجَلَّى غُبارُ الموتِ عن صحْنِ وجهه ... وقد أَحرزَ العَلْيَا من المجد واقتنَى\nفتىً لا يُبالي إِن دَنَا من مرُوءةٍ ... أَصابَ مصُونَ النفس أو ضَيّعَ الغِنَى\nيُقيمُ لأَطرافِ الذَّوابِل سُوقَها ... ولا يَرهَبُ الموتَ المُتاح إذ أدَنا (١)\n_________\n(١) هذا الخبر من قوله ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي في ٨/ ٤١٦ وإلى نهاية الأبيات الشعرية في ٨/ ٤١٧) أورده الطبري عن عبد الرحمن بن صالح وله ما يؤيده عند الدينوري إذ قال بعد أن تحدث عن نزول الأبناوي على أمان طاهر:\nوسار طاهر حتى هبط العقبة، فعسكر بناحية (أسَدَاباذ) ففكر عبد الرحمن، وقال:\nكيف أعتذر إلى أمير المؤمنين؟\nفَعَبَّأَ أصحابَه.\nفلما طلع الفجر زحف بأصحابه إلى طاهر، وهو غارّ، فوضع فيهم السيوف، فوقفت طائفة =","vol":"12","page":66},{"text":"وكان العاملُ في هذه السنة على مكة والمدينة من قبَل محمد بن هارون داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وهو الذي حجّ بالناس في هذه السنة وسنتين قبلها وذلك سنة ثلاث وتسعين ومائة، وأربع وتسعين ومائة (١).\nوعلى الكوفة العباس بن موسى الهادي من قبَل محمد.\nوعلى البَصرة منصور بن المهديّ من قبَل محمد.\nوبخُراسان المأمون، وببغداد أخوه محمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>[ذكر توجيه الأمين الجيوش لحرب طاهر بن الحسين]</span>\nفمما كان من ذلك حبس محمد بن هارون أسد بن يزيد بن مزيد، وتوجيهه أحمد بن مزيد وعبد الله بن حُميد بن قَحْطبة إلى حُلوان لحرب طاهر (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب حبسه وتوجيهه من ذكرت:\nذُكر عن عبد الرحمن بن وثاب أنّ أسد بن يزيد بن مَزيد حدّثه، أنّ الفضل بن الربيع بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن الأبناويّ. قال: فأتيتُه، فلمّا دخلت عليه وجدته قاعدًا في صحن داره، وفي يده رقعة قد قرأها، واحمرّت عيناه، واشتدّ\n_________\n= من أصحاب طاهر رجّالة، يذبّون عن أصحابهم حتى ركبوا، واستعدوا، ثم حملوا على عبد الرحمن وأصحابه، فأكثروا فيهم القتل.\nفلما رأى ذلك عبد الرحمن ترجّل في حُماة أصحابه، فقاتلوا حتى قُتل عبد الرحمن، وقُتلوا معه [الأخبار الطوال/ ٣٩٩] ولقد ذكر ابن قتيبة الدينوري هذا الخبر مختصرًا جدًّا أصل الخبر:\nفوجّه (محمدٌ) (عبدَ الرحمن بن جَبلة الأنباري). فالتقى هو و(طاهر) بـ (همذان) فقتله (طاهر) ودخل (همذان) [المعارف/ ١٩٥].\n(١) أما الحج فكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٥٥) وقال خليفة: وأقام الحج داود بن عيسى بن موسى (تأريخ خليفة/ ٣٠٩).\n(٢) انظر الخبر في المنتظم (١٠/ ٢٣) وانظر تعليقنا الآتي.","vol":"12","page":67},{"text":"غضبُه، وهو يقول: ينام نومَ الظَّرِبان، [وينتبه انتباه الذئب، همُّه بطنه، يخاتل الرّعاء والكلاب ترصده]. لا يفكر في زوال نعمة، ولا يروّى في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ألهاه كأسه، وشغله قَدَحُه، فهو يجري في لهوه، والأيام توضع في هلاكه، قد شمّر عبد الله له عن ساقه، وفوّق له اصوبَ أسهمه، يرميه على بعد الدّار بالحتْف النافذ، والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنّة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع، وتمثل بشعر البَعيث:\nومَجْدولَةٍ جدْل العِنانِ خَريدَةٍ ... لها شَعَرٌ جَعْدٌ ووَجهٌ مُقْسَمُ\nوثغر نَقِيُّ اللوْنِ عَذبٌ مَذاقهُ ... تُضِيءُ لها الظلمَاء ساعَةَ تَبْسِمُ\nوثديانِ كالحُقِّيْن، والبَطْنُ ضامِرٌ ... خَميصٌ، وجَهَمٌ نارُهُ تتضَرَّمُ\nلَهَوْتُ بها لَيْلَ التِّمامِ ابنَ خالِدٍ ... وأَنت بِمَرْوَ الرُّوذ غَيْظًا تَجرَّمُ\nأَظَلُّ أُناغِيَها وتحتَ ابنِ خالدٍ ... أمَيَّةَ نَهْدُ المَرْكَلَينِ عَثْمثمُ\nطوَاهُ طِرادُ الخَيْل في كلِّ غارَة ... لها عارض فيه الأَسِنَّةُ تُرْزِمُ\nيُقارعُ أتراكَ ابن خاقانَ ليلةً ... إِلى أَن يُرَى الإِصباحُ لا يتلعْثَمُ\nفيُصْبح منْ طُولِ الطّرادِ، وَجِسْمُهُ ... نحِيل وَأُضحِى في النَّعيم أُصَمْصمُ\nأُبَاكِرُهَا صَهْباءَ كالمسكِ ريحُها ... لها أَرجٌ في دَنِّها حين تَرشُمُ\nفَشَتَّانَ ما بَيِني وبَينَ ابن خالد ... أَميَّةَ في الرِّزقِ الذِي اللهُ قاسِمُ\nثم التفت إليّ فقال: يا أبا الحارث، أنا وإياك نجري إلى غاية، إن قصّرنا عنها ذُمِمْنَا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل، إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمَة الوكْعاء، يشاور النساء، ويعتزم على الرؤيا، وقد أمكن مسامعه من أهل اللهو والجسارة، فهم يعدُونه الظَّفَر، ويمنّونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، وقد خشيت والله أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، قد فزع إليك في لقاء هذا الرجل وأطمَعَه فيما قبَلك أمران، أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك، والثاني يُمْن نقيبتك وشدّة بأسك، وقد أمرني إزاحة علّتك وبسط يدك فيما أحببت، غير أن الاقتصاد رأسُ النصيحة ومفتاح اليُمنْ والبركة، فأنجز حوائجك، وعجِّل المبادرة إلى عدّوك، فإني","vol":"12","page":68},{"text":"أرجو أن يُوليك الله شرفَ هذا الفتح، ويلمّ بك شعث هذه الخلافة والدولة. فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين - أعزه الله - وطاعتك مقدِم، ولكلّ ما أدخل الوَهن والذّل على عدوّه وعدوّك حريص، غير أن المحارب لا يَعمل بالغرور، ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل، وإنما مِلاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، وقد ملأ أمير المؤمنين أعزه الله أيدي مَنْ شهد العسكر من جنوده، وتابع لهم الأرزاق الدارَة والصِّلات والفوائد الجزيلة، فإن سرتُ بأصحابي وقلوبهم متطلعة إلى مَنْ خلفهم من إخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء مَنْ أمامي، وقد فضل أهل السِّلم على أهل الحرب، وجاز بأهل الدّعَة منازل أهل النَّصب والمشقة، والذي أسأل أن يؤمرَ لأصحابي برزق سنة، ويحمل معهم أرزاق سنة، ويخصّ مَن لا خاصّة له منهم من أهل الغناء والبلاء، وأبدِل مَن فيهم من الزَّمْنى والضّعفاء، وأحمل ألف رجل ممّن معي على الخيل، ولا أُسأل عن محاسبَة ما افتتحت من المدن والكور. فقال: قد اشتططتَ، ولا بدّ من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ركب وركبت معه، فدخل قبلي على محمد، وأذن لي فدخلتُ، فما كان بيني وبينه إلا كلمتان حتى غضِب وأمر بحبسي (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل (٤١٨ - ٤١٩ - ٤٢٠) الذي يتحدث عن حوار دار بين الفضل بن الربيع وأسد بن يزيد ذكره الطبري بلا إسناد (ذكر) بالبناء للمجهول وقد ذكره الجهشياري كذلك دون إسناد ولكن مختصرًا كثيرًا عمّا ها هنا:\nقال الجهشياري في كتابه الوزراء والكتاب:\nثم أمر محمد الفضل بعد قتل عليّ بن عيسى بتجهيز عبد الرحمن الأَبْناوي، فجهزه وشخَص، وكان من أمره وقتله ما كان.\nثم دعا الفضل بن الربيع بأسد بن يزيد بن مزيد، قال: فدخلت عليه وهو في صحن داره، وهو يقول: ينام نوم الظَّرِبان، وينتبه انتباه الذئب، هُمُّه بطنه، لا ينكر زوال نعمه، ولا يُرَوّى في إمضاء رأي، قد شغله كأسه ولهوه عن مصلحته، والأيام تُوضِع في هلاكه. ثم أقبل عليّ، فقال لي: إنما نحن وأنت يا أبا الحارث شِعب منْ أصل، إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا، وإن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمَة الوكْعاء، يشاور النساء، ويخلد إلى الرؤيا، وهو يتوقع الظفر، ويتمنى عُقَب الأيام، والحتف أسرع إليه من السيل إلى قِيعان الرمل، وقد خشيت والله أن نهلك لهلاكه، ونعطب بعطبه، وقد فزعت إليك في لقاء هذا الرجل لأمرين، أحدهما: صدق طاعتك، وفضل نصيحتك، والثاني: يمن نقيبتك، وشدة بأسك، والاقتصاد رأس النصيحة. فاشتط عليه أسدٌ فيما التمسه من الأموال، =","vol":"12","page":69},{"text":"وذُكر عن بعض خاصة محمد أنّ أسدًا قال لمحمد: ادفع إليّ ولديْ عبد الله المأمون حتى يكونا أسيرين في يدِي، فإن أعطاني الطاعة، وألقى إليّ بيده، وإلّا عملت فيهما بحكمي، وأنفذت فيهما أمري. فقال: أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاء أعنّة العرب والعجم، وأطعمك خراج كُور الجبال إلى خُراسان، وارفع منزلتَك عن نظرائك من أبناء القوّاد والملوك، وتدعونني إلى قتل ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إنّ: هذا للْخُرق والتخليط. وكان ببغداد ابنان لعبد الله المأمون، وهما مع أمِّهما أم عيسى ابنة موسى الهادي، نزولًا في قصر المأمون ببغداد، فلمّا ظفر المأمون ببغداد خرجَا إليه مع أمّهما إلى خُراسان، فلم يزالا بها حتى قدموا بغداد، وهما أكبر ولده.\nوذكر زياد بن عليّ، قال: لما غضِب محمد على أسد بن يزيد، وأمر بحبسه، قال: هل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه، فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتم وما تقدّم من طاعتهم ونصيحتهم؟ قالوا: نعم، فيهم أحمد بن مزيد، وهو أحسنُهم طريقة، وأصّحهم نيّة في الطاعة، وله مع هذا بأس ونجدة وبَصَر بسياسة الجنود ولقاء الحروب، فأنفذ إليه محمد بَريدًا يأمره بالقدوم عليه، فذكر بكر بن أحمد، قال: كان أحمد متوجّهًا إلى قرية تدعى إسحاقيّة، ومعه نفر من أهل بيته ومواليه وحشمه، فلما جاوز نهر أبان سمع صوت بريد في جوف الليل، فقال: إن هذا لعجيب، بريد في مثل هذه الساعة وفي مثل هذا الموضع! إن هذا الأمرَ لعجيب. ثم لم يلبث البريد أن وقف، ونادى الملّاحَ: هل معك أحمد بن مزيد؟ قال: نعم، فنزل فدفع إليه كتاب محمد، فقرأه ثم قال: إني قد بلغت ضيعتي، وإنما بيني وبينها ميل، فدعني أقعْها وقعة فآمر فيها بما أريد ثم أغدو معك، فقال: لا، إنّ أمير المؤمنين أمرني ألّا أنظرك ولا أرفّهك، وأنْ أشخصك أيّ ساعة صادفتك فيها، من ليل أو نهار. فانصرف معه حتى أتى الكوفة، فأقام بها يومًا حتى تجمَّل وأخذ أهبة السفر، ثم مضى إلى محمد.\nفذكر عن أحمد، قال: لما دخلت بغداد، بدأت بالفضل بن الربيع، فقلت:\n_________\n= والعتاد، والرجال، والسلاح، فصار به إلى محمد، وعرّفه ذلك، فغضب، وأمر بحبسه. [الوزراء والكتاب/ ٢٩٤].","vol":"12","page":70},{"text":"أسلّم عليه، وأستعين بمنزلته ومحضره عند محمد، فلما أذن لي دخلت عليه، وإذا عنده عبد الله بن حُميد بن قحطبة، وهو يريده على الشخوص إلى طاهر، وعبد الله يشتطّ عليه في طلب المال والإكثار من الرجال، فلمّا رآني رحّب بي وأخذ بيدي، ورفعني حتى صيّرني معه على صدر المجلس، وأقبل على عبد الله يداعبه ويمازحه، فتبسّم في وجهه، ثم قال:\nإِنَّا وجَدْنا لكم إِذ رَثَّ حبْلكم ... مِنْ آلِ شيْبانَ أُمَّا دُونكمْ وَأَبا\nالأكثرون إِذَا عُدَّ الحَصى عَدَدًا ... والأَقرَبونَ إِلينا منكم نَسبا\nفقال عبد الله: إنّهم لكذلك، وإن منهم لسَدّ الخَلل ونكاء العدوّ، ودفع معرّة أهل المعصية عن أهل الطاعة. ثم أقبل على الفضل، فقال: إنّ أمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتُك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدّة على أهل المعصية، والتقدّم بالرأي، فأحبَّ اصطناعك والتنويهَ باسمك، وأن يرفعك إلى منزلةٍ لم يبلغها أحد من أهل بيتك. والتفت إلى خادمه، فقال: يا سرّاج، مُرْ دوابّي، فلم ألبث أن أسرجَ له، فمضى ومضيت معه، حتى دخلنا على محمد وهو في صحن داره، له ساج، فلم يزل يأمرني بالدنوّ حتى كدت ألاصقه، فقال: إنه قد كثر عليّ تخليط ابن أخيك وتنكّره، وطال خلافه عليّ حتى أوحشني ذلك منه، وولَّد في قلبي التهمة له، وصيّرني لسوء المذهب وخبث الطاعة إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أحبّ أن أكون أتناوله به، وقد وُصفتَ لي بخير، ونُسبت إلى جميل، فأحببت أن أرفع قدرَك، وأعلي منزلتك، وأقدّمك على أهل بيتك، وأن أولِّيَك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة، وأعرّضك للأجر والثواب في قتالهم ولقائهم، فانظر كيف تكون، وصحِّح نيّتَك، وأعن أميرَ المؤمنين على اصطناعك، وسُره في عدوّه ينعم سرورك وتشريفك. فقلت: سأبذل في طاعة أمير المؤمنين أعزّه الله مهجتِي، وأبلغ في جهاد عدوّه أفضل ما أمّله عندي، ورجاه من غنائي وكفايتي، إن شاء الله. فقال: يا فضل، قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ادفع إليه دفاترَ أصحاب أسد، واضممّ إليه مَنْ شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب، وقال: أكمش على أمرك، وعجّل المسير إليه. فخرجت فانتخبت الرجال واعترضت الدفَاتر، فبلغت عدّة من صحّحتُ اسمه عشرين ألف رجل. ثم توجّهت بهم إلى حُلوان.","vol":"12","page":71},{"text":"وذكر أن أحمد بن مزيد لمّا أراد الشخوص دخل على محمد، فقال: أوصِني أكرم الله أمير المؤمنين! فقال: أوصيك بخصال عِدّة: إياك والبغْيَ، فإنه عِقال النصر، ولا تقدّم رِجْلا إلا باستخارة، ولا تُشهِر سيفًا إلا بعد إعذار، ومهما قَدَرت باللين فلا تتعدّه إلى الخُرْق والشِّرَّة، وأحسِنْ صحابة مَنْ معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كلّ يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي، ولا تستقْها فيما تتخوّف رجوعه عليَّ، وكن لعبد الله أخًا مصافيًا، وقرينًا بَرًّا وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عنه إذا استصرخَك، ولتكن أيديكما واحدةً، وكلمتكما متفقة. ثم قال: سلْ حوائجك، وعجّل السراح إلى عدوّك. فدعا له أحمد، وقال: يا أميرَ المؤمنين، كَثِّرْ لي الدعاء ولاتقبل فيّ قول باغٍ، ولا ترفضني قبل المعرفة بموضع قدمي لك، [ولا تنقض عليّ ما استجمع من رأي، ومنّ عليّ بالصفح عن ابن أخي، قال: ذلك لك] ثم بعث إلى أسد فحلّ قيودَه وخلّى سبيله، فقال أبو الأسد الشيبانيّ في ذلك [يمدح أحمد ويذكر حاله ومنزلته]:\nلِيَهْنِ أَبا العباسِ رَأيُ إِمامِهِ ... وما عِندَهُ منهُ القَضا بمَزِيدِ\nدَعاهُ أميرُ المؤمنينَ إلى التي ... يُقَصِّرُ عنها ظِلُّ كلِّ عَميدِ\nفَبادَرَها بالرَّأَي والحَزمِ والحجى ... وَرأيُ أَبي العباس رأيُ سَديدِ\nنَهَضتَ بما أَعيا الرِّجالُ بحملِهِ ... وَأَنتَ بِسَعدٍ حاضِرٍ وسَعيِدِ\nرَدَدتَ بها للرَّائدينَ أَعَزهُمْ ... ومثلكَ وَالى طَارِفًا بتليد\nكَفَى أَسَدًا ضيقَ الكبول وكرْبَها ... وكانَ عليهِ عاطفًا كيَزيدِ\nوحَصَّلَهُ فيها كلَيثٍ غضَنْفرٍ ... أبي أَشْبلٍ عبْلِ الذِّراع مَدِيدِ\nوذكر يزيد بن الحارث أنّ محمّدًا وجّه أحمد بن مزيد في عشرين ألف رجل من الأعراب، وعبد الله بن حميد بن قَحْطبة في عشرين ألف رجل من الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حُلْوان، ويدفعا طاهرًا وأصحابه عنها، وإن أقام طاهر بشلاشان أن يتوجّها إليه في أصحابهما حتى يدفعاه، وينصبا له الحرْب، وتقدّم إليهما في اجتماع الكلمة والتوادِّ والتحابّ على الطاعة، فتوجّها حتى نزلا قريبًا من حُلوان بموضعٍ يقال له خانقين، وأقام طاهر بموضعه، وخندق عليه وعلى أصحابه، ودس الجواسيس والعيون إلى عسكريهما، فكانوا يأتونهم بالأراجيف،","vol":"12","page":72},{"text":"ويخبرونهم أنّ محمدًا قد وضع العطاء لأصحابه، وقد أمر لهم من الأرزاق بكذا وكذا، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشَّغْب بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضًا، فأخلوْا خانقين، ورجعوا عنها من غير أن يلقوْا طاهرًا، ويكون بينهم وبينه قتال. وتقدّم طاهر حتى نزل حُلوان، فلما دخل طاهر حُلوان لم يلبث إلّا يسيرًا حتى أتاه هَرْثمة بن أعيْنَ بكتاب المأمون والفضل بن سهل، يأمرانِه بتسليم ما حوى من المدن والكُور إليه، والتوجّه إلى الأهواز، فسلم ذلك إليه، وأقام هرثمة بحُلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها، وتوجّه طاهر إلى الأهواز (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>[ذكر رفع منزلة الفضل بن سهل عند المأمون]</span>\nوفي هذه السنة رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدّره.\nذكر الخبر عمّا كان من المأمون إليه في ذلك:\nذُكر أن المأمون لمّا انتهى إليه الخبر عن قتل طاهر عليَّ بن عيسى واستيلائه على عسكره وتسميته إيّاه أمير المؤمنين، وسلم الفضل بن سهل عليه بذلك، وصحّ عنده الخبر عن قتل طاهر عبد الرحمن بن جَبلة الأبناويّ وغلبته على عسكره، دعا الفضل بن سهل، فعقد له في رجَبَ من هذه السنة على المشرق من جبل هَمَذان إلى جبل سقينان والتبّت طولًا، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الدّيْلم وجُرجان عرضًا، وجعل عُمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على سنان ذي شُعبتين، وأعطاه علَمًا، وسمّاه ذا الرياستين، فذكر بعضهم أنه رأى سيفه عند الحسن بن سهل مكتوبًا عليه بالفِضّة من جانب: رياسة الحرب، ومن الجانب الآخر: رياسة التدبير. فحمل اللواء عليّ بن هشام، وحمل العَلَم\n_________\n(١) لهذا الخبر (من قوله وذكر يزيد بن الحارث إلى نهاية السطر الأخير من صفحة (٤٢٣). ما يؤيد بعضه - فقد قال أبو حنيفة الدينوري:\nفزحف طاهر نحو حلوان، فانهزما حتى لحقا ببغداد، وأقام طاهر بحلوان حتى وافاه هَرْثَمَة بن أَعْين من عند المأمون، في ثلاثين ألف رجل من جنود خراسان، فأخذ طاهر من حلوان نحو البصرة والأهواز [الأخبار الطوال/ ٣٩٩].","vol":"12","page":73},{"text":"نُعيم بن حازم، وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>[ذكر خبر ولاية عبد الملك بن صالح على الشام]</span>\nوفي هذه السنة ولّي محمد بن هارون عبد الملك بن صالح بن عليّ على الشام وأمره بالخروج إليها، وفرض له من رجالها جنودًا يقاتل بها طاهرًا وهرثمة (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك:\nذكر داود بن سليمان أنّ طاهرًا لما قويَ واستعلى أمرُه، وهَزَمَ مَن هزم من قوّاد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد - وكان عبد الملك محبوسًا في حبس الرشيد، فلما تُوُفِّيَ الرشيد، وأفضى الأمر إلى محمد أمر بتخلية سبيله، وذلك في ذي القعدة سنة ست وتسعين ومائة، فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته - فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلتَ سماحتك، فإن أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتَهم وأغضبتَهم، وليس تُملك الجنود بالإمساك، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف، ومع هذا فإن جندك قد رعِبتْهم الهزائم، ونهكتْهم وأضعفتهم الحرب والوقائع، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوّهم، ونكولًا عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليل مَنْ معه كثيرَهم، وهزم بقوّة نيّتِه ضَعْف نصائحهم ونيّاتهم، وأهلُ الشام\n_________\n(١) لبعض هذا الخبر ما يؤيده فقد قال الجهشياري: ولَقَّب المأمون الفضل بن سهل (ذا الرّياستين). ومعنى ذلك رياسة الحرب، ورياسة التدبير، وعقد له على سنانٍ ذي شُعْبتين، وأعطاه مع العقد عَلَما قد كُتِب عليه لقبه، فحمل العَقْد عليّ بن هشام، وحمل العَلَم نُعَيْم بن حازم.\nوكان الفضل يُؤَمّر مع الوزارة، وهو أوّل وزير لُقّب، وأوّل وزير اجتمع له اللَّقَب والتأمير [الوزراء والكتاب/ ٣٠٦].\n(٢) انظر تعليقنا على الخبر (٨/ ٤٢٧/ ٦٦) الآتي.","vol":"12","page":74},{"text":"قوم قد ضرّستهم الحروب، وأدّبتهم الشدائد، وجلُّهم منقاد إليّ، مسارع إلى طاعتي، فإن وجّهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندًا تَعظم نكايتهم في عدوّه، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته. فقال محمد: فإني موليك أمرَهم، ومقوّيك بما سألت من مال وعُدّة، فعجّل الشخوص إلى ما هُنالك، فاعمل عملًا يَظهر أثرُه، وُيُحمَد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله، فولّاه الشام والجزيرة، واستحثّه بالخروج استحثاثًا شديدًا، ووجّه معه كنَفًا من الجند والأبناء.\nوفي هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشام، فلما بلغ الرقة أقام بها. وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشام بجمع الرّجال بها، وإمداد محمد بهم لحرب طاهر.\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nقد تقدّم ذكرى سببَ توجيه محمد إياه لذلك، فذكر داود بن سليمان أنه لما قدم عبد الملك الرّقة، أنفذ رسلَه، وكتب إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فلم يبقَ أحد ممّن يرجَى ويذكر بأسه وغناءه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته، فقدموا عليه رئيسًا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فكان لا يدخل عليه أحدٌ إلا أجازه وخلع عليه وحمله، فأتاه أهلُ الشام: الزواقيل والأعراب من كلّ فَجّ، واجتمعوا عنده حتى كثروا. ثم إن بعضَ جند أهل خُراسان نظر إلى دابَّةٍ كانت أخذِت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل، فتعلّق بها، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا، واجتمعت جماعة من الزّواقيل والجند، فتلاحموا، وأعان كلّ فريق منهم صاحبَه، وتلاطموا وتضاربوا بالأيدي، ومشى بعض الأبناء إلى بعض، فاجتمعوا إلى محمد بن أبي خالد، فقالوا: أنت شيخنا وفارسنا، وقد ركب الزواقيلَ منّا ما قد بلغك، فاجمع أمرنا وإلا استذلُّونا، وطمعوا فينا، وركبوا بمثل هذا في كلّ يوم. فقال: ما كنت لأدخل في شَغْب، ولا أشاهدكم على مثل الحالة. فاستعدّ الأبناء وتهيؤوا، وأتوا الزواقيل وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذبحوهم في رحالهم، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولَهم، ولبسوا أسلحتهم، ونشبت الحرب بينهم. وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح، فوجّه إليهم رسولًا يأمرهم بالكفّ ووضع السلاح، فرموْه بالحجارة، واقتتلوا يومهم ذلك قتالًا شديدًا،","vol":"12","page":75},{"text":"وأكثرت الأبناء القتل في الزوافيل: فأخبِر عبد الملك بكثرةِ مَنْ قتل - وكان مريضًا مدنَفًا - فضرب بيده على يد، ثم قال واذلّاه! تستضام العرب في دارها ومحلّها وبلادها! فغضب من كان أمسك عن الشرّ من الأبناء، وتفاقم الأمر فيما بينهم، وقام بأمر الأبناء الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، واصبح الزّواقيل، فاجتمعوا بالرَّقة، واجتمع الأبناء وأهل خُراسان بالرافقة، وقام رجل من أهل حمْص، فقال: يا أهلَ حمْص، الهرب أهْوَنُ من العطب، والموتُ أهونُ من الذّل، إنكم بعُدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة والعزّة بعد الذلة! ألا وفي الشرّ وقعتم، وإلى حَوْمة الموت أنختم. إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم. النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل! .\nوقام رجل من كلب في غَرْز ناقته، ثم قال:\nشُؤبُوبُ حَرْبٍ خابَ من يَصْلاها ... قَدْ شَرَّعَتْ فُرْسانُها قَناها\nفأَوْرَدَ اللهُ لظىً لظاها ... إن غُمِرَت كلبٌ بها لحَاها\nثم قال: يا معشَر كلْب، إنها الرّاية السوداء، والله ما ولّت ولا عدَلْت ولا ذلّ ناصرها، ولا ضعف وليُّها، وإنكم لتعرفون مواقعَ سيوف أهل خُراسان في رقابكم، وآثار أسنَّتهم في صدوركم. اعتزلوا الشرّ قبل أن يعظم، وتخَطَوْه قبل أن يضطرم. شأمَكم شأمكم، داركم داركم! الموت الفلسطينيّ خير من العيش الجزَريّ. ألا وإني راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي.\nثم سار وسار معه عامة أهل الشام، وأقبلت الزّواقيل حتى أضرموا ما كان التّجار جمعوا من الأعلاف بالنار، وأقام الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان مع جَماعة أهل خراسان والأبناء على باب الرافقة تخوّفًا لطوق بن مالك. فأتى طوقًا رجل من بني تَغْلِب، فقال: ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء! انهض فإنّ مثلك لا يقعد عن هذا الأمر، قد مدّ أهلُ الجزيرة أعينَهم إليك، وأمّلوا عونَك ونصرَك. فقال: والله ما أنا من قيسها ولا يمنِها، ولا كنت في أوّل هذا الأمر لأشهدَ آخره، وإني لأشدّ إبقاء على قومي، وأنظرُ لعشيرتي منْ أن أعرِّضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال قيس، وما أرى السّلامة إلا في الاعتزال.","vol":"12","page":76},{"text":"وأقبل نصر بن شبث في الزّواقيل على فرس كُمَيت أغرّ، عليه درّاعة سوداء قد ربطها خَلْف ظهره، وفي يده رُمح وترْس، وهو يقول:\nفُرْسانَ قَيْسٍ أصْمُدُنّ للموت ... لا تُرْهِبُني عَن لِقاء الفَوتْ\n* دَعى التَّمَنِّي بِعَسَى وَلَيْتْ *\nثم حمل هو وأصحابُه، فقاتل قتالًا شديدًا، فصبر لهم الجند، وكثر القتل في الزّواقيل، وحملت الأبناء حملاتٍ، في كلِّها يقتلون ويجرحون، وكان أكثر القتل والبلاء في تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبي الفيل وداود بن موسى بن عيسى الخُراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو السلميّ والعباس بن زفر (١).\nوتوفِّيَ في هذه السنة عبد الملك بن صالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>[ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون] </span>(٢)\nوفي هذه السنة خُلع محمد بن هارون، وأخِذت عليه البيعة لأخيه عبد الله المأمون ببغداد.\nوفيها حُبس محمد بن هارون في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جحفر بن أبي جعفر.\n* ذكر الخبر عن سبب خلعه:\nذُكر عن داود بن سليمان أنّ عبد الملك بن صالح لما تُوُفِّيَ بالرّقة، نادى الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان في الجند، فصيّر الرّجَالة في السفن\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل الذي استغرق الصفحات (٤٢٤ - ٤٢٥ - ٤٢٦ - ٤٢٧ لم يذكر البسوي ولا خليفة ولا الجهشياري ولا الدينوريان وانظر الخبر مختصرًا في البداية والنهاية [٨/ ١٤٢].\n(٢) وقال خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٩٦ هـ) وفيها وثب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد فخلع محمدًا المخلوع ودعا الناس إلى بيعة المأمون وأخذ محمدًا المخلوع يوم الثلاثاء في رجب فحبسه ووثب الجند على حسين بن علي فقتلوه وأخرجوا المخلوع من الحبس [تأريخ خليفة/ ٣٠٩] وانظر تعليقنا في نهاية الخبر (٨/ ٤٣٢).","vol":"12","page":77},{"text":"والفرسان على الظهر ووصلهم، وقوّى ضعفاءهم، ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة.\nوذكر أحمد بن عبد الله، أنه كان فيمن شهد مع عبد الملك الجزيرة لمّا انصرف بهم الحسين بن عليّ، وذلك في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. وذكر أنه تلقاه الأبناء وأهل بغداد بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القِباب، واستقبله القوّاد والرؤساء والأشراف، ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة، فلما كان في جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: والله ما أنا بمغَن ولا بمسامر ولا مضحك، ولا وليتُ له عملًا، ولا جرى له على يدي مال، فلأيّ شيء يريدني في هذه الساعة! انصرف، فإذا أصبحتُ غدوتُ إليه إن شاء الله.\nفانصرف الرسول، وأصبح الحسين فوافى بابَ الجسر، واجتمع إليه النّاس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبد الله بن عليّ وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونِعَمه لا تستصحَب بالتجبر والتكبر، وإن محمدًا يريد أن يوتغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرّق جمعكم، وينقل عزّكم إلى غيركم، وهو صاحب الزّواقيل بالأمس، وبالله إن طالت به مدّة وراجعه من أمره قوة، ليرجعن وبال ذلك عليكم، وليعرَفنّ ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم، فاقطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزّه قبل أن يضع عزَّكم، فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خُذِل، ولا يمنعه مانع إلا قُتِل، وما عند الله لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنْث بأيمانه. ثم أمر الناس بعبُور الجسر فعبروا، حتى صاروا إلى سكة باب خُراسان، واجتمعت الحربية وأهل الأرْباض ممّا يلي باب الشام، [وباب الأنبار وشطّ الصراة مما يلي باب الكوفة]. وتسرّعت خيول من خيول محمد من الأعراب وغيرهم إلى الحسين بن عليّ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا مليًّا من النهار، وأمر الحسين مَنْ كان معه من قوّاده وخاصة أصحابه بالنزول فنزلوا إليهم بالسّيوف والرماح، وصدَقوهم القتال، وكشفوهم حتى تفرّقوا عن باب الخلد.\nقال: فخلع الحسين بن عليّ محمدًا يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلَت من","vol":"12","page":78},{"text":"رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيْعة لعبد الله المأمون من غد يوم الإثنين إلى الليل، وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء، فوثب بعد الوقعة التي كانت بين الحسين وبين أصحاب محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشميّ على محمّد، ودخل عليه فأخرجه من قصر الخُلْد إلى قصر أبي جعفر، فحبسه هناك إلى صلاة الظهر، ثم وثب العباس بن موسى بن عيسى على أمّ جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبي جعفر، فأبت، فدعا لها بكرسيّ، وأمرها بالجلوس فيه، فقنعها بالسوْط وساءها، وأغلظ لها القول، فجلست فيه، ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها. فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن عليّ الأرزاق وماجَ الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد بباب الشام، فقال: أيها الناس، والله ما أدري بأي سبب يتأمّر الحسين بن عليّ علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا! ما هو بأكبرنا سنًّا، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا مَنْ لا يرضى بالدنيّة، ولا يقاد بالمخادعة، وإني أوّلكم نقض عهده، وأظهر التغيير عليه، والإنكار لفعله، فمن كان رأيه رأي فليعتزل معي.\nوقام أسد الحربيّ، فقال: يا معشر الحربيّة، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم وطال نومكم، وتأخرّتم فقدِّم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خَلْع محمد وأسره، فاذهبوا بذكر فكّه وإطلاقه.\nفأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فَرَس، فصاح بالناس: اسكتوا، فسكتوا، فقال: أيّها الناس، هل تعتدون على محمد بقطعٍ منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدًا من قوّادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك! قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتُم عدوّه على اضطهاده وأسره! أما والله ما قَتَلَ قومٌ خليفتَهم قطّ إلا سلّط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف، انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه، وقاتلوا مَنْ أراد خلعه والفتك به. ونهضت الحربيَة، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض في المشهّرات والعُدّة الحسنة. فقاتلوا الحسين بن عليّ وأصحابَه قتالًا شديدًا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، وأكثروا في أصحابه الجِراح، وأسِر الحسين بن عليّ، ودخل أسد الحربيّ على محمد، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب","vol":"12","page":79},{"text":"والجند، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من السلاح الذي في الخزائن حاجتَهم ووعدهم ومنّاهم، وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحًا كثيرًا ومتاعًا من خَزّ وغير ذلك، وأتِيَ بالحسين بن عليّ، فلامه محمد على خلافه وقال له: ألم أقدّم أباك على الناس، وأُوَلِّهِ أعنّة الخيل وأملأ يده من الأموال، وأشرّف أقداركم في أهل خراسان، وأرفع منازلَكم على غيركم من القوّاد! قال: بلى، قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلع طاعتي، وتؤلّب الناس عليّ، وتندبهم إلى قتالي! قال: الثقة بعفو أميرِ المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله. قال: فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، وولَاك الطلب بثأرِك، ومن قتِل من أهل بيتك. ثم دعا له بخِلعة فخلعها عليه، وحمله على مراكب، وأمره بالمسير إلى حُلوان، وولّاه ما وراء بابه.\nوذُكر عن عثمان بن سعيد الطائي، قال: كانت لي من الحسين بن عليّ ناحية خاصّة، فلما رضي عنه محمد، وردّ إليه قيادتَه ومنزلتَه، عبرت إليه مع المهنئين، فوجدته واقفًا بباب الجسر، فهنّاته ودعوت له، ثم قلت له: إنكَ قد أصبحتَ سيّد العسكرين، وثقة أميرّ المؤمنين، فأشكر العفو والإقالة، ثم داعبتُه ومازحته، ثم أنشأت أقول:\nهمُ قتَلوه حين تَمَّ تمامُه ... وصار مُعَزًّا بالنَّدَى والتَّمَجُّدِ\nأَغَرُّ كأَنَّ البدرَ سُنَّةُ وَجْهِه ... إِذا جاءَ يمشي في الحديد المُسرّد\nإذا جَشَأَت نفسُ الجَبانِ وَهَلَّلتْ ... مَضَى قُدُمًا بالمَشرَفيّ المُهَنَّدِ\nحليمٌ لدَى النادِي جَهُولٌ لَدى الوغَى ... عَكورٌ على الأَعدَاء قليلُ التَّزَيدِ\nفثَأرَكَ أَدرِكْهُ مِنَ القَوم إنَّهمْ ... رَموكَ على عَمْدٍ بِشَنعضا مُزَنّدِ\nفضحك، ثم قال: ما أحرصتني على ذاك إن ساعدني عُمْر، وأيِّدت بفتْح ونَصْر. ثم وقف على باب الجسر، وهرب في نفر من خدمه ومواليه، فنادى محمد في الناس، فركبوا في طلبه، فأدركوه بمسجد كوثر، فلما بصر بالخيل نزل وقيّد فرَسه، وصلى ركعتين وتحرّم، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في محلِّها يهزمهم ويقتل فيهم. ثم إنّ فرسه عثر به وسقط، وابتدره الناس طعنًا وضربا وأخذوا رأسه، وفي ذلك يقول عليّ بن جبلة - وقيل الخرَيميّ:\nأَلا قاتَلَ اللهُ الأُلَى كفروا به ... وفازوا برأس الْهَرْثمِيِّ حُسَيْنِ","vol":"12","page":80},{"text":"لقد أَورَدُوا منهُ قناةً صليبةً ... بشَطبٍ يَمانيَّ ورمحِ رُدَيْني\nرَجا في خِلافِ الحقِّ عِزًّا وِإمْرَةً ... فأَلبسهُ التأْمِيلُ خُفَّ حُنَين\nوقيل: إن محمدًا لما صفح عن الحسين استوزره ودفع إليه خاتمه.\nوقتل الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه السنة في مسجد كوثر، وهو على فرسخ من بغداد في طريق النّهرين.\nوجدّد البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة، وكان حبس الحسين محمدًا في قصر أبي جعفر يومين.\nوفي الليّلة التي قتِل فيها حسين بن عليّ هرب الفضل بن الربيع (١).\nوفي هذه السنة توجّه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هَرْثمة من حُلوان إلى الأهواز، فقتَل عامل محمد عليها، وكان عامله عليها محمد بن يزيد المهلبيّ بعد تقديم طاهر جيوشًا أمامه إليها قبل انفصاله إليه لحربه.\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (٤٢٨ - ٤٢٩ - ٤٣٠ - ٤٣١ - ٤٣٢) ولبعضه ما يؤيده فقد ذكره غير واحدٍ مختصرًا فقد قال ابن قتيبة الدينوري:\n(ووثب الحسين بن علي بن عيسى) في جماعة بـ (بغداد)، فدخل على (محمد) وهو في (الخُلد) وأخذه وحبسه في بُرج من أبراج مدينة (أبي جعفر)، فتقوّضت عساكر (محمد) من جميع الوجوه، وتغيّب (الفضلُ بن الربيع) يومئذ فلم يُرَ له أثر. حتى دخل (المأمون) (بغداد) فأرسل (الحُسين بن عليّ) إلى (هَرثمة) و(طاهِر) يحثُهما على الدخول إلى (بغداد) ووثب: (أسدٌ الحربيّ) وجماعة، فاستخرجوا (محمدًا) وولده، واعتذروا إليه. وأخذوا (الحُسين بن علي) فأَتوه به، فعفا عنه بعد أن اعترف بذنبه وتاب منه. وأقرّ أنه مَخدوع مَغرور، فأطلقه. فلما خرج من عنده وعبَر الجسر، نادى: يا مأمون! يا منصور! وتوجه نحو (هرثمة) وتوجهوا في طلبه فأدركوه بقرب نهر (تِير)، فقتلوه وأتوا (محمدًا) برأسه. [المعارف/ ١٩٦ - ١٩٧].\nوكذلك أخرجه ابن عساكر مختصرًا جدًّا في [ترجمة الأمين/ تأريخ دمشق/ تر ٧١٠٠].\nوأما هرب الفضل بن الربيع واختفاؤه بعد مقتل الحسين بن علي فكذلك ذكره الجهشياري إذ قال في كتابه [الوزراء والكتاب:].\nولما رأى الفضل بن الربيع قوة أمر المأمون، واتصال ضعف محمد وتخليطه، وانفلال الناس عنه، وتَمَزق الأموال التي كانت في يده استتر في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. [الوزراء والكتاب/ ٣٠٢].","vol":"12","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1820>ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبيّ ودخول طاهر إلى الأهواز </span>(١)\nذُكر عن يزيد بن الحارث، قال: لما نزل طاهر شلاشان، وجّه الحسين بن عمر الرستميّ إلى الأهواز، وأمره أن يسير سيرًا مقتصدًا، ولا يسير إلَّا بطلائع، ولا ينزل إلا في موضع حَصِين يأمن فيه على أصحابه. فلما توجّه أتت طاهرًا عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيد المهلبيّ - وكان عاملًا لمحمد على الأهواز - قد توجّه في جمع عظيم يريد نزول جندي سابور - وهو حدّ ما بين الأهواز والجبل - ليحمي الأهواز، ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر، وإنه في عدّة وقوّة، فدعا طاهر عدّةً من أصحابه، منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه والحارث بن هشام وداود بن موسى وهادي بن حفص، وأمرهم أن يكمّشوا السَّير حتى يتّصل أوّلهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرّستميّ، فإن احتاج إلى إمداد أمدّوه، أو لقيه جيش كانوا ظهرًا له. فوجّه تلك الجيوش، فلم يلقهم أحدٌ حتى شارفوا الأهواز.\nوبلغ محمد بن يزيد خبرُهم، فعرض أصحابَه، وقوّى ضعفاءهم، وحمل الرجّالة على البغال، وأقبل حتى نزل سوق عسكر مُكرَم، وصيّر العمران والماء وراء ظهره، وتخوّف طاهر أن يعجل إلى أصحابه، فأمدّهم بقريش بن شبل، وتوجّه هو بنفسه حتى كان قريبًا منهم، ووجّه الحسن بن عليّ المأموني، وأمره بمضامّة قريش بن شبل والحسين بن عمر الرستميّ، وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد بعسكر مُكرم، فجمع أصحابه فقال: ما ترون؟ أطاول القوم القتال وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لي أم عليّ؟ فوالله ما أرى أن أرجع إلى أمير المؤمنين أبدًا، ولا أنصرف عن الأهواز، فقالوا له: الرأي أن ترجع إلى الأهواز، فتتحصن بها وتغادي طاهرًا القتال وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفروض، وتستجيش من قدرت عليه وتابعك من قومك. فقبل ما أشاروا عليه، وتابعه قومه، فرجع حتى صار بسوق الأهواز. وأمر طاهر قريش بن شبل أن\n_________\n(١) وذكر خليفة هذا الخبر فقال ضمن حديثه عن وقائع سنة (١٩٦ هـ) وفيها قتل محمد بن يزيد بن حاتم بالأهواز [تأريخ خليفة/ ٣٠٩] وانظر تعليقنا الآتي (٨/ ٤٣٤/ ٧٠).","vol":"12","page":82},{"text":"يتبعه، وأن يعاجله قبل أن يتحصّن بسوق الأهواز، وأمر الحسن بن عليّ المأمونيّ والحسين بن عمر الرستميّ أن يسيرا بعقبه، فإن احتاج إلى معونتهما أعاناه. ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد، كلّما ارتحل محمد بن يزيد من قرية نزلها قريش، حتى صاروا إلى سوق الأهواز.\nوسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها، واستند إلى العمران، فصيّره وراء ظهره، وعبّى أصحابه، وعزم على مواقعتهم، ودعا بالأموال فصبّت بين يديه، وقال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم الجائزة والمنزلة فليعرفني أثره. وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريبًا منه، وقال لأصحابه: الزموا مواضعكم ومصافّكم، وليكن أكثر ما قاتلتموهم وأنتم مريحون فقاتلوهم بنشاط وقوّة، فلم يبق أحدٌ من أصحابه إلّا جمع بين يديه ما قدر عليه من الحجارة، فلم يعبر إليهم محمد بن يزيد، حتى أوهنوهم بالحجارة، وجرحوهم جراحاتٍ كثيرة بالنُّشاب، وعبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد، فأمر قريش أصحابَه أن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى رجعوا، وترادَّ الناس بعضهم إلى بعض. والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه، فقال: ما رأيكم؟ قالوا: في ماذا؟ قال: إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمنُ من خذلانهم، ولا آملُ رجعتهم، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي، حتى يقضي الله ما أحبّ، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف، فوالله لأن تبقوا أحبّ إليّ من أن تعطبوا وتهلكوا. فقالوا: والله ما أنصفناكَ، إذًا تكون أعتقتَنا من الرّق ورفعتنا من الضّعة، ثم أغنيتنا بعد القِلّة، ثم نخذلك على هذه الحال، بل نتقدّم أمامك ونموت تحت ركابك، فلعن الله الدنيا والعيش بعدك. ثم نزلوا فعرقبوا دوابَّهم، وحملوا على أصحاب قريش حملةً منكرَة، فأكثروا فيهم القتل، وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك، وانتهى بعض أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد، فطعنه بالرمح فصرعه، وتبادروا إليه بالضّرب والطعن حتى قتلوه، فقال بعض أهل البصرة يرثيه، ويذكر مقتله:\nمَن ذاقَ طعم الرُّقادِ مِن فَرَحٍ ... فإِنني قد أَضَرَّ بي سَهَرِي\nولَّى فتَى الرُّشدِ فافتَقَدتُ به ... قلبي وسمعي وغرّني بصري\nكانَ غِياثًا لدَى المُحولِ فقد ... ولَّى غمامُ الرَّبيعِ والمطَر","vol":"12","page":83},{"text":"وَفي العُيَيْنِيُّ للإِمامِ ولمْ ... يُرهِبْهُ وقْعُ المُشَطَّبِ الذَّكَرِ\nسَاورَ رَيبُ المَنونِ دَاهِيَةً ... لولا خُضَوعُ العِبادِ للقَدَرِ\nفامضِ حميدًا فكلُّ ذي أَجل ... يسْعَى إلى ما سَعَيتَ بالأَثرِ\nوقال بعض المهالبة، وجرح في تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده:\nفما لمتُ نفسي غيرَ أَنِّي لم أُطِقْ ... حرَاكَا وأَني كنتُ بالضَّرْب مُثخنَا\nولو سَلِمَتْ كفَّاي قاتلتُ دونه ... وضارَبتُ عنه الطاهِرِيَّ المُلَعَّنا\nفتًى لا يَرَى أَنْ يَخذِل السيفَ في الوغى ... إِذَا ادَّرَعَ الهيجاءَ في النقع واكتَنَى\nوذكر عن الهيثم بن عديّ، قال: لما دخل ابن أبي عيينة على طاهر فأنشده قوله:\nمَنْ آنسَتْه البلادُ لم يَرِمِ ... منها ومَن أَوحشَتْهُ لم يُقِم\nحتى انتهى إلى قوله:\nما ساءَ ظَنِّي إلا لواحدةٍ ... في الصَّدرِ محصَورةٍ عنِ الكلِمِ\nفتبسمّ طاهر، ثم قال: أما والله لقد ساءني من ذلك ما ساءك، وآلمني ما آلمك، ولقد كنت كارهًا لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بدّ من قَطْع الأواصر والتنكّر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحقّ الطاعة، فظننا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم (١).\nوذكر عمر بن أسد، قال: أقام طاهر بالأهواز بعد قتله محمد بن يزيد بن حاتم، وأنفذ عمّاله في كُورها، وولّي على اليمامة والبحرين وعُمان مما يلي الأهواز، ومما يلي عمل البصرة، ثم أخذ على طريق البرّ متوجّهًا إلى واسط، وبها يومئذ السنديّ بن يحيى بن الحَرشيّ والهيثم خليفة خزيمة بن خازم، فجعلت المسالح والعمال تتقوّض، مسلحة مسلحة، وعاملًا عاملًا، كلّما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا عنها، حتى قرب من واسط، فنادى\n_________\n(١) أما ابن قتيبة الدينوري فقد ذكر أصل الخبر قائلًا: ولما أتى طاهر الأهواز وجد عليها واليًا من المهالبة لمحمد فقتله واستولى على الأهواز ثم سار إلى واسط وهرثمة إلى حلوان [المعارف / ١٩٦] وانظر الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري (٣٩٩). فقد ذكر مسير طاهر إلى الأهواز وانظر خليفة (٣٠٩).","vol":"12","page":84},{"text":"السنديّ بن يحيى والهيثم بن شعبة في أصحابهما، فجمعاهم إليهما، وهمّا بالقتال، وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه، فمرّب إليه فرسًا، فأقبل يقسم طرفه بينها، واستقبلته عدّة، فرأى المراكبيّ التغيّر والفزع في وجهه فقال: إنْ أردت الهرب فعليك بها، فإنها أبسط في الركض، وأقوى على السفر. فضحك ثم قال: قرّب فرس الهرب، فإنّه طاهر، ولا عار علينا في الهرب منه، فتركا واسطًا، وهربا عنها. ودخل طاهر واسطًا، وتخوّف إن سبق الهيثم والسنديّ إلى فم الصِّلح فيتحصنا بها. فوجه محمد بن طالوت، وأمره أن يبادرهما إلى فم الصلح ويمنعهما من دخولها إن أرادا ذلك، ووجّه قائدًا من قوّاده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة. وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادي، فلمّا بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع محمدًا، وكتب بطاعته إلى طاهر وببيعته للمأمون، ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهديّ - وكان عاملًا لمحمد على البصرة - إلى طاهر بطاعته، ورحل طاهر حتى نزل طرنايا، فأقام بها يوميْن فلم يرها موضعًا للعسكر، فأمر بجسر فعقد وخندق له، وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال.\nوكانت بيعة المنصور بن المهديّ بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادي بالكوفة؛ وبيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلعهم محمدًا في رجب من سنة ست وتسعين ومائة (١).\nوقيل: إنّ الذي كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبَل محمد الفضل بن العباس بن موسى بن عيسى.\nولما كتب من ذكرت إلى طاهر ببيعتهم للمأمون وخلعهم محمدًا، أقرّهم طاهر على أعمالهم، وولّى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة، ويزيد بن جرير البَجَليّ اليَمن، ووجّه الحارث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة.\n* * *\n_________\n(١) لم يذكر خليفة عن هذه المسائل إلا شيئًا واحدًا وهو قوله: وخلع منصور بن المهدي محمدًا المخلوع ودعا إلى المأمون [تاريخ خليفة/ ٣٠٩] أما البسوي فعلى الدنيا السلام.","vol":"12","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1821>[ذكر خبر استيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر]</span>\nوفي هذه السنة أخذ طاهر بن الحسين من أصحاب محمد المدائن؛ ثم صار منها إلى صَرْصر، فعقد جسرًا، ومضى إلى صَرْصر.\nذكر الخبر عن سبب دخوله المدائن ومصيره إلى صرصر:\nذُكر أنّ طاهرًا لما وجّه إلى قصر ابن هبيرة الحارث بن هشام وداود بن موسى، بلغ محمدًا خبرُ عامله بالكوفة وخلعه إياه وبيعته للمأمون، وجّه محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربريّ، وأمرهما أن يبيتا الحارث وداود بالقَصْر، فقيل لهما: إن سلكتما الطريق الأعظم لم يخفَ ذلك عليهما؛ ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع، فإنه موضع سوق ومعكسر، فانزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك، وقد قربتما منهما، فوجّها الرّجال من الياسرّية إلى فم الجامع.\nوبلغ الحارث وداود الخبر، فركبا في خيل مجرّد، وتهيآ للرّجالة، فعبرا من مخاضة في سُوراء إليهم؛ وقد نزلوا إلى جَنْبها، فأوقعا بهم وقعة شديدة. ووجه طاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مددًا للحارث وداود، فاجتمعت العساكر بالجامع، وساروا حتّى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن حمّاد فيما بين نهر دُرْقيط والجامع، فاقتتلوا قتالا شديدًا، وانهزم أهلُ بغداد، وهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهى، وعبر الفرات، وأخذ على طريق البرّية إلى الأنبار، ورجع محمد بن حماد إلى بغداد، وقال أبو يعقوب الخرَيميّ في ذلك:\nهُمَا عَدَوا بالنكث كي يَصدعَا به ... صفَا الحقِّ فانفَضّا بجمعِ مُبَدَّدِ\nوأَفلتَنَا ابن البَربريِّ مُضَمَّرٌ ... مِنَ الخيل يَسمُو للجيادِ ويَهتَدِى (١)\nوذكر يزيد بن الحارث، أنّ محمد بن حماد البربريّ لما دخل بغداد، وجّه محمدٌ المخلوع الفضلَ بن موسى بن عيسى الهاشميّ إلى الكوفة، وولَاه عليها، وضمّ إليه أبا السلاسل وإياس الحرابيّ وجمهورًا النجاريّ؛ وأمره بسرعة السير؛ فتوجّه الفضل؛ فلمّا عبر نهر عيسى عثر به فرسُه، فتحوّل منه إلى غيره وتطيّر،\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.","vol":"12","page":86},{"text":"وقال: اللهمّ إني أسألك بركة هذا الوجه. وبلغ طاهرًا الخبرُ، فوجّه محمد بن العلاء، وكتب إلى الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له، فلقي محمد بن العلاء الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه الفضل: إني سامع مطيع لطاهر؛ وإنما كان مخرجي بالكيد مني لمحمد؛ فخلّ لي الطريق حتى أصير إليه، فقال له محمد: لستُ أعرف ما تقول ولا أقبله ولا أنكره، فإن أردت الأمير طاهرًا فارجع وراءك؛ فخذ أسهلَ الطريق وأقصدها، فرجع وقال محمد لأصحابه: كونوا على حذر؛ فإنى لست آمن مكرَ هذا؛ فلم يلبث أن كبّر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمِنَه، فوجده على عدّة وأهبة؛ واقتتلوا كأشدّ ما يكون من القتال، وكبا بالفضل فرسُه؛ فقاتل عنه أبو السلاسل حتى ركب، وقال: أذكر هذا الموقف لأمير المؤمنين. وحمل أصحابُ محمد بن العلاء على أصحاب الفضل فهزموه، ولم يزالوا يقتلونهم إلى كوثى، وأسِر في تلك الوقعة إسماعيل بن محمد القرشي وجمهور النجاريّ، وتوجّه طاهر إلى المدائن، وفيها جند كثير من خيول محمد؛ عليهم البرمكيّ قد تحصن بها، والمدد يأتيه في كلّ يوم، والصِّلات والخلع من قبَل محمد. فلما قرب طاهر من المدائن - وكان منها على رأس فرسخين - نزل فصلى ركعتين، وسبّح فأكثر التسبيح، فقال: اللهمّ إنا نسألك نصرًا كنصرك المسلمين يوم المدائن. ووجّه الحسن بن علي المأمونيّ وقريش بن شبل، ووجّه الهادي بن حفص على مقدّمته وسار. فلما سمع أصحابُ البرمكيّ صوتَ طبوله، أسرجوا الدوابّ، وأخذوا في تعبيتهم، وجعل مَنْ في أوائل الناس ينضمّ إلى أواخرهم، وأخذ البرمكيّ في تسوية الصفوف؛ فكلَّما سوّى صفًّا انتقض واضطرب عليه أمرهم، فقال: اللهمّ إنا نعوذ بك من الخذلان، ثم التفت إلى صاحب ساقته، فقال: خلّ سبيل الناس؛ فإنّي أرى جندًا لا خير عندهم؛ فركب بعضهم بعضًا نحو بغداد، فنزل طاهر المدائن، وقدّم منها قريش بن شبل والعباس بن بخار اخذاه إلى الدّرْزيجان، وأحمد بن سعيد الحَرشيّ ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديائي، فمنعا أصحاب البرمكيّ من الجواز إلى بغداد، وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان حيال أحمد ونصر بن منصور، فسيّر إليهما الرجال، فلم يجر بينهما كثيرُ قتال","vol":"12","page":87},{"text":"حتى انهزموا، وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر، فعقد بها جسرًا ونزلها (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>[ذكر خبر خلع داود بن عيسى الأمين]</span>\nوفي هذه السنة خلع داود بن عيسى عاملُ مكة والمدينة محمدًا - وهو عامله يومئذ عليهما - وبايع للمأمون، وأخذ البيعة بهما على الناس له؛ وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون؛ ثم خرج بنفسه إلى المأمون.\nذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الأمر فيه:\nذُكر أنّ الأمين لما أفضت الخلافة إليه، بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وعزل عامل الرّشيد على مكة؛ وكان عاملُه عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزوميّ، وكان إليه الصلاة بها وأحداثها والقضاء بين أهلها؛ فعُزل محمد عن ذلك كلِّه بداود بن عيسى؛ سوى القضاء فإنه أقرّه على القضاء. فأقام داود واليًا على مكة والمدينة لمحمد، وأقام للناس أيضًا الحجّ سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة، فلمّا دخلت سنة ست وتسعين ومائة، بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه، وما كان فحل طاهر بقوّاد محمد، وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث محمد إلى الكتابين اللذيْن كان الرّشيد كتبهما وعلّقهما في الكعبة فأخذهما، فلما فعل ذلك جمع داود حَجَبة الكعبة والقرشيِين والفقهاء ومَنْ كان شهد على ما في الكتابيْن من الشهود - وكان داود أحدَهم - فقال داود: قد علمتم ما أخَذَ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق\n_________\n(١) لم يذكر البسوي ولا خليفة عن كيفية تقدم طاهر بن الحسين نحو المدائن ثم بغداد سوى قول خليفة وفيها قدم طاهر بن الحسين بغداد وبايعه الحربية [تاريخ خليفة/ ٣٠٩] وكما سنذكر بعد قليل أما البسوي فلا وأما أبو حنيفة الدنيوري فقد اختصر كل ذلك قائلًا:\nوتقدم هرثمة إلى بغداد، فلم تقم لمحمد قائمة حتى قُتل، وكان من أمره ما كان.\nوأن طاهر بن الحسين صعد من البصرة، وتقدّم هرثمة حتى أحدقا ببغداد وأحاطا بمحمد الأمين، ونصبا المنْجنِيق على داره حتى ضاق محمد بذلك ذرعا. [الأخبار الطوال/ ٣٩٩] أي أنه لم يأت على ذكر المدائن وصرصر.","vol":"12","page":88},{"text":"عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيْه؛ لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغيّ عليه على الباغي، ومع المغدور به على الغادر؛ فقد رأينا ورأيتم أنّ محمدًا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن، وخلَعهما وبايع لابنه الطفل، رضيع صغير لم يفطم، واستخرج الشرْطين من الكعبة عاصيًا ظالمًا، فحرّقهما بالنار. وقد رأيت خلعه، وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة، إذ كان مظلومًا مبغيًّا عليه. فقال له أهل مكة: رأينا تبعٌ لرأيك، ونحن خالعوه معك، فوعدهم صلاة الظهيرة، وأرسل في فجاج مكة صائحًا يصيح: الصلاة جامعة! فلمّا جاء وقت صلاة الظهر - وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة - خرج داود بن عيسى، فصلّى بالناس صلاة الظهر، وقد وضع له المنبر بين الرّكن والمقام، فصعد فجلس عليه، وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر؛ وكان داود خطيبًا فصيحًا جهير الصوت؛ فلما اجتمع الناس قام خطيبًا، فقال:\nالحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، بيده الخير وهو على كل شئ قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالدين، وختم به النبيين، وجعله رحمةً للعالمين، صلى الله عليه في الأولين والآخرين. أما بعد يا أهلَ مكة، فأنتم الأصل والفرع، والعشيرة والأسرة، والشركاء في النعمة، إلى بلدكم نفذ وفدُ الله، وإلى قبلتكم يأتمّ المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرّشيد هارون رحمة الله عليه وصلاتُه حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصُرنَّ المظلوم منهما على الظالم، والمبغيَّ عليه على الباغي، والمغدورَ به على الغادر؛ ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر، وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام، وقد حلّ لنا ولكم خلعُه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغيّ عليه المغدور به. ألا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قَلنسوتي هذه من رأسي - وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء، وأتى بقلنسوة سوداء","vol":"12","page":89},{"text":"هاشمية فلبسها - ثم قال: قد بايعتُ لعبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم.\nفصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر، رجل فرجل، فبايع لعبد الله المأمون بالخلافة، وخلَع محمدًا، ثم نزل عن المنبر، وحانت صلاة العصر، فصلىّ بالناس، ثم جلس في ناحية المسجد، وجعل الناس يبايعونه جماعةً بعد جماعةً؛ يقرأ عليهم كتاب البَيْعة، ويصافحونه على كفه، ففعل ذلك أيامًا.\nوكتب إلى ابنه سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة، يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة؛ من خلْع محمد والبيعة لعبد الله المأمون. فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة، رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمَرْو على طريق البصرة، ثم على فارس، ثم على كرْمان؛ حتى صار إلى المأمون بمرو، فأعلمه ببيعته وخلعه محمدًا ومسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك، فسر بذلك المأمون، وتيمن ببركة مكة والمدينة؛ إذ كانوا أوّل من بايعه، وكتب إليهم كتابًا لينًا لطيفًا يعدهم فيه الخير، ويبسط أملهم. وأمر أن يُكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية، وزيد له ولاية عك، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية، وكتب له إلى الريّ بمعونة خمسمائة ألف درهم، وخرج داود بن عيسى مسرعًا مُغذًّا مبادرًا لإدراك الحجّ، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وقد عقد المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم، فسار هو وعمّه داود حتّى نزلا بغداد على طاهر بن الحسين، فأكرمهما وقرّبهما، وأحسن معونتهما، ووجّه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْريّ، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن، وبعث معه خيلًا كثيفة، وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْريّ أن يستميل قومَه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم؛ ليخلعوا محمدًا ويبايعوا عبد الله المأمون.\nفساروا جميعًا حتى دخلوا مكة. وحضر الحجّ، فحجّ بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى؛ فلما صدروا عن الحجّ انصرف العباس حتى أتى طاهر بن الحسين - وهو على حصار محمد - وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة","vol":"12","page":90},{"text":"والمدينة، ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن، فدعا أهلها إلى خَلْع محمد وبيعة عبد الله المأمون، وقرأ عليهم كتابًا من طاهر بن الحسين يعدُهم العدل والإنصاف، ويرغّبهم في طاعة المأمون، ويعلّمهم ما بسط المأمون من العَدل في رعيّته، فأجاب أهل اليمن إلى بيعة المأمون، واستبشروا بذلك، وبايعوا للمأمون، وخلعوا محمدًا، فسار فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة، وأظهر عدلا وإنصافًا، وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر بن الحسين.\n* * *\nوفي هذه السنة عقد محمد في رجب وشعبان منها نحوًا من أربعمائة لواء لقوّاد شتى، وأمّر على جميعهم عليّ بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا فالتقوا بجَلُلْتَا في رمضان على أميال من النّهروان، فهزمهم هرثمة، وأسر عليّ بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعث به هرثمة إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>[ذكر خبر شغب الجند على طاهر بن الحسين]</span>\nوفي هذه السنة استأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة، وشغب الجند على طاهر، ففرّق محمد فيمن صار إليه من أصحاب طاهر مالًا عظيمًا، وقوّد رجالًا، وغلف لحاهم بالغالية، فسمُّوا بذلك قواد الغالية.\nذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه:\nذكر عن يزيد بن الحارث، قال: أقام طاهر على نهر صَرصْر لما صار إليها، وشمّر في محاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتدّ على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال والكُسا، فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خُراسان ومن التف إليهم، فسُرّ بهم محمد، ووعدهم ومناهم، وأثبت أسماءهم في الثمانين. قال: فمكثوا بذلك أشهرًا، وقوّد جماعة\n_________\n(١) انظر الخبر في البداية والنهاية [٨/ ١٤٢] وقد أشار ابن قتيبة الدينوري إشارة بسيطة إلى النهروان فقال: وصار هرثمة إلى النهروان ثم زحف إلى نهر تيري [المعارف/ ٣٨٦].","vol":"12","page":91},{"text":"من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه، وعقد لهم، ووجّههم إلى دسكرة الملك والنهروان، ووجّه إليهم حبيب بن جهم النمري الأعرابيّ في أصحابه؛ فلم يكن بينهم كثير قتال، وندب محمد قوادًا من قواد بغداد، فوجّههم إلى الياسريّة والكوثريّة والسفينتين، وحمل إليهم الأطعمة، وقواهم بالأرزاق، وصيّرهم ردءًا لمن خلفهم، وفرّق الجواسيس في أصحاب طاهر، ودسَّ إلى رؤساء الجند الكتب بالإطماع والترغيب فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى محمد، ومع كل عشرة أنفس منهم طبل، فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا، ودنَوْا حتى أشرفوا على نهر صرصر، فعبَّى طاهر أصحابه كراديس، ثم جعل يمرّ على كل كرِدوس منهم، فيقول: لا يغرنكم كثرة مَنْ ترون، ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم، فإنّ النصر مع الصدق والثبات، والفتح مع الصبر، وربّ فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم أمرهم بالتقدم، فتقدمّوا واضطربوا بالسيوف مليًّا. ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولَّوْا منهزمين، وأخلوا موضع عسكرهم، فانتهب أصحاب طاهر كلّ ما كان فيه من سلاح ومال. وبلغ الخبرُ محمدًا، فأمر بالعطاء فوُضع، وأخرج خزائنه وذخائره، وفرّق الصلات وجمع أهل الأرباض، واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحدًا وسيما حسن الرّواء إلا خلع عليه وقوّده، وكان لا يقوّد أحدًا إلا غلِّفت لحيته بالغالية؛ وهم الذين يسمون قواد الغالية. قال: وفرّق في قواده المحدثين لكل رجلٍ منهم خمسمائة درهم وقارورة غالية، ولم يعط جند القواد وأصحابهم شيئًا. وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهرًا بذلك؛ فراسلهم وكاتبهم، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة، فقال رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك:\nقُلْ لِلأَمينِ اللهِ في نَفسِهِ ... ما شتت الجندَ سِوَى الغاليهْ\nوطاهرٌ نفسي تقِى طاهرًا ... برسلِه والعُدَّةِ الكافيَهْ\nأَضحى زمامُ المُلكِ في كفّهِ ... مُقاتلا للفِئةِ الباغيةْ\nيا ناكثًا أَسلَمَهُ نكثُه ... عُيوبُهُ مِنْ خُبثِهِ فاشِيَهْ\nقد جَاءك الليثُ بشَدّاته ... مُستَكلبًا في أُسْدٍ ضارِيَه","vol":"12","page":92},{"text":"فاهرُبْ ولا مَهْرَبَ من مِثْلِهِ ... إلَّا إلى النارِ أَو الهاوية\nقال: ولمّا شغب الجند، وصعب الأمر على محمد شاور قواده، فقيل له: تدارك القوم، فتَلاف أمرك؛ فإنّ بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين، وهم ردّوه عليك، وهم من قد عرفْتَ نجدتَهم وبأسهم. فلجّ في أمرهم وأمر بقتالهم، فوجّه إليهم التنوخيّ وغيره من المستأمنة والأجناد الذين كانوا معه، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه؛ فأخذ رهائنهم على بذْل الطاعة له، وكتب إليهم، فأعطاهم الأمان، وبذلَ لهم الأموال، ثم قدم فصار إلى البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجة، فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه، ونزل مَنْ لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفي الأرباض، وألحقهم جميعًا بالثمانين في الأرزاق، وأضعف للقواد وأبناء القوّاد الخواص، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها، وفُتِن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدُّعار والشطار، فعزّ الفاجر، وذلّ المؤمن، واختلّ الصالح، وساءت حالُ الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرَهم، وأخذه على أيدي سفهائهم وفساقهم، واشتد في ذلك عليهم، وغادى القتال وراوَحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أوّل موسم دُعيَ له فيه بالخلافة بمكة والمدينة (٢).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل [٤٤١ - ٤٤٢ - ٤٤٣ - ٤٤٤] عن شغب الجند على طاهر بن الحسين لم يذكره البسوي ولا خليفة ولا الدينوريان ولا الجهشياري ولم نجد ما يؤيد هذه التفاصيل عن مسير طاهير هذا سوى عبارة واحدة ذكرها الجهشياري وهو يصف مسير طاهر الطويل فقال: (ونزل طاهر باب الأنبار) [المعارف/ ٣٨٦] وقال خليفة وفيها قدم طاهر بن الحسين بغداد (٣٠٩).\n(٢) وانظر تاريخ خليفة (٣٠٩) والمعرفة والتاريخ للبسوي (١/ ٥٥).","vol":"12","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1824>ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففي هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهديّ بالمأمون من العراق، فوجّه المأمون القاسم إلى جرجان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>[ذكر خبر حصار الأمين ببغداد]</span>\nوفيها حاصر طاهر وهَرْثمة وزهير بن المسيّب محمد بن هارون ببغداد (١).\nذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة، وكيف كان الحصار فيها:\nذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبي نزل قصر رقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرّادات واحتفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمى بالعرّادات مَنْ أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار ويجبي السفن، وبلغ من الناس كل مبلغ؛ وبلغ أمرُه طاهرًا وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمده بالجند، وقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقي - لم يعرف اسمه - في زهير وقتله الناس بالمجانيق:\nلا تَقْرَبِ المَنجنيقَ والحجَرا ... فقد رأيْتَ القتيلَ إذ قُبرَا\nباكَرَ كيْ لا يفوتَه خبرٌ ... راحَ قتيلًا وخَلَّفَ الخبرَا\nماذا به كان من نشاطٍ ومنْ ... صحّةِ جسمٍ به إذا ابتكرَا\nأرادَ ألَّا يقال كان له ... أمر فلم يَدْرِ مَن به أَمرَا\nيا صاحبَ المِنجنيق ما فَعَلتْ ... كفَاكَ، لمْ تُبقيَا ولم تَذَرَا\nكانَ هَوَاهُ سوَى الَّذي قُدِرَا ... هَيْهَاتَ لَنْ يَغلِبَ الهَوى القدَرَا\nونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل عبيد الله بن الوضّاح الشمّاسيّة، ونزل طاهر البُستان بباب\n_________\n(١) وأيد خليفة ذلك (تاريخ خليفة/ ٣١٠) وأبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال/ ٣٩٩.","vol":"12","page":94},{"text":"الأنبار، فذُكر عن الحسين الخليع أنه قال: لما تولَّى طاهر البُستان بباب الأنبار، دخل محمدًا أمر عظيم من دخوله بغداد، وتفرّق ما كان في يده من الأموال، وضاق ذَرْعًا، وتحرّق صدرًا، فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذّهب والفضّة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفي نفقاته، وأمر حينئذ برمي الحرّبية بالنفط والنيران والمجانيق والعرّادات، يقتل بها المقبل والمدبر، ففي ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العِتْري الوراق:\nيا رماةَ المنجنيق ... كُلُّكمْ غيرُ شَفيقِ\nما تبالونَ صَدِيقًا ... كانَ أَو غيرَ صدِيقِ\nويلَكم تَدْرونَ ما ترْ ... مونَ مُرَّارَ الطَّريقِ\nرُبّ خَوْدٍ ذَاتِ دَل ... وهْيَ كالغصنِ الوريقِ\nأخرِجَت مِنْ جَوْف دُنيَا ... هَا وَمِنْ عَيْشٍ أَنيقِ\nلم تَجدْ مِن ذَاكَ بُدا ... أُبْرِزت يومَ الحريقِ (١)\nوذكر عن محمد بن منصور الباوَرْديّ، قال: لما اشتدّت شوكة طاهر علي محمد، وهزمت عساكره، وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولاه ناحية البغيِّين والأسواق هنالك وشاطئ دَجْلة؛ وما اتّصل به أمامه إلى جسور دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كلِّ ما غلب عليه من الدّور والدّروب، وأمدّه بالنفقات والفَعلة والسلاح، وأمر الحربيّة بلزومه على النوائب، ووكّل بطريق دار الرقيق وباب الشام واحدًا بعد واحد؛ وأمر بمثل الذي أمر به سعيد بن مالك؛ وكثُر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد؛ ففي ذلك يقول العِتْري:\nمَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعَينِ ... أَلَمْ تكُوني زمانًا قُرَّةَ العينِ!\n_________\n(١) لم يذكر هذه التفاصيل والتي ستأتي لغاية الصفحة (٤٧٢) سوى الطبري من المؤرخين المتقدمين الثقات المعروفين بحيادهم وعدم انحيازهم الى فرقة معينة أو طائفة أو مذهب من مذاهب المبتدعة. وإنما ذكر خليفة والدينوري أصل الخبر ولبعض هذه التفاصيل وما بعدها انظر المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ٣٦) وما بعدها وقد ذكرها ابن كثير مختصرًا [البداية والنهاية ٨/ ١٤٣ - ١٤٤] والمقطع الأخير رواه الحسين الخليع الشاعر كما ذكره الطبري [٨/ ٤٤٦] فكيف يعتمد على خبره؟ ! ! وهو ماجن خليع؟ !","vol":"12","page":95},{"text":"أَلم يَكُنْ فيكِ قومٌ كان مسكنهمْ ... وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْن!\nصَاحَ الغرابُ بهمْ بالْبيْن فَافتَرقُوا ... مَاذا لقيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْن!\nأَستودعُ الله قومًا مَا ذكرتهمُ ... إلّا تحدَّرَ ماءُ العينِ منْ عَيْنِي\nكانوا فَفَرَّقهم دَهْر وصَدَّعَهم ... والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بينَ الفريقين\nقال: ووكّل محمد عليًّا فراهرمد؛ فيمن ضم إليه من المقاتلة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قُصور دجلة وما والاها، فألحّ في إحْرَاق الدُّور والدُّرُوب وهدْمها بالمجانيق والعرّادات على يَدَيْ رجلٍ كان يعرف بالسَّمَرْقنديّ؛ فكان يرمي بالمَنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرْباض من طريق الأنْبَار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهلُ ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحِه وأعلامه، ومَنْ أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقوّداه وفرسانه ورجّالته؛ حتى أوحشت بغداد، وخاف الناس أن تبقى خرابًا؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع:\nأَتُسْرعُ الرِّجْلَة إغْذَاذا ... عَنْ جَانِبيْ بغداذ أَمْ ماذَا!\nألمْ تَرَ الفتنةَ قد ألّفَتْ ... إلى أُولي الفتنةِ شُذاذا\nوانتقضتْ بغدادُ عُمْرَانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا\nهَدْمًا وَحَرْقًا قد أُبِيدَ أهلُها ... عقوبة لاذَت بمَنْ لاذا\nما أَحسنَ الحالات إن لم تَعُدْ ... بغداذ في القلَّة بَغْداذا\nقال: وسمّى طاهر الأرباضَ التي خالفه أهلها ومدينةَ أبي جعفر الشرقية، وأسواقَ الكرخ والخلد وما والاها دارَ النكث، وقبض ضياع ممَنْ لم ينحز إليه من بني هاشم والقوّاد والموالى وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلُّوا وانكسروا وانقادوا، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرّعاع والطرّارين وأهل السوق. وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النَّهب، وخرج الْهِرْش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفترُ عن ذلك ولا يمَلُّه، ولا يني فيه فقال الخزيمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها:\nقالوا: ولم يلعبِ الزمانُ ببغـ ... ـدادَ وتَعثرْ بها عواثرها\nإذ هي مثلُ العروس باطنها ... مشوّقٌ للفتى وظاهِرُها\nجنَّة خُلْدٍ ودارُ مَغبَطَةٍ ... قلَّ من النائبات وَاترُها","vol":"12","page":96},{"text":"دَرَّتْ خُلوفُ الدّنيا لساكنها ... وقلَّ مَعسورُها وعاسِرُها\nوانفرَجَتْ بالنعيمِ وانتجعَتْ ... فيها بلذاتها حواضِرُها\nفالقومُ منها في روضةٍ أُنُفٍ ... أَشرَقَ غِبَّ القِطارِ زاهرُها\nمَن غرَّهُ العيشُ في بُلهْنِيةٍ ... لو أنَّ دُنيا يدُومُ عامرُها\nدارُ ملوك رَسَت قواعدها ... فيها وقرَّت بها منابرُها\nأهلُ العلا والندى وأندِيةُ الـ ... ـفخرِ إذا عُدّدَت مَفاخرُها\nأَفراخُ نُعْمَى في إرْثِ مَمْلَكَةٍ ... شَدَّ عُراها لها أَكابِرُها\nفلمْ يَزل والزَّمان ذُو غِيَرٍ ... تقدَحُ في مُلكِهَا أَصاغِرُها\nحتى تَساقتْ كأسًا مُثَمِّلةً ... من فتنة لا يقال عاثِرُها\nوافترقتْ بعدَ ألفَةٍ شِيَعًا ... مقطوعةً بينَها أَواصرُها\nيا هل رأَيتَ الأَملاكَ ما صنعت ... إذ لم يَرُعْها بالنصح زاجِرُها\nأَوْرَدَ أَملاكُنا نفوسَهُم ... هُوَّةَ غَي أَعْيَتْ مَصادِرُها\nما ضرها لو وَفَتْ بمَوْثِقِهَا ... واستحكمت في التُّقَى بصائرها\nولم تسافِك دماءَ شيعتها ... وتبتعِث فتيةً تكابرها\nوأَقنعتها الدنيا التي جُمعَت ... لها وَرُعْبُ النفوسِ ضائرُها\nما زال حوض الأَملاك يحفره ... مسجُورها بالهوى وساجِرُها\nتبغي فضول الدنيا مكاثَرَةً ... حتى أُبِيحَت كُرْهًا ذَخائِرُها\nتَبيعُ ما جمَّع الأُبُوَّةُ لِلـ ... ـأبناءَ لا أَربحَت متاجِرُها\nيا هل رأيت الجنَان زاهرةً ... يرُوقُ عينَ البصيرِ زَاهرُها\nوهل رأيتَ القُصورَ شارعةً ... تُكِنُّ مثلَ الدُّمى مقاصرُها\nوهل رأيت القُرى التي غَرسَ الـ ... ـأملاكُ مخضرَّةً دَساكِرُها\nمحفوفةً بالكرومِ والنخل والرَّ ... يحانِ ما يستغلُّ طائرُها\nفإنها أصبحت خلايا من الـ ... ـإنسانِ قد أُدْمِيَتْ محاجرها\nقَفرًا خَلاءً تعوِى الكلابُ بها ... ينكرُ منها الرسومَ زائرُها\nوأَصبحَ البؤْسُ ما يفارُقها ... إلفًا لها والسُّرورُ هاجرُها\nبِزَندوَرْدٍ واليَاسِرِيَّةِ والشَّطـ ... ـين حيث انتهت معابرها\nويا ترلحى والخيزُرَانية الـ ... ـعليا التي أَشرفت قناطرُها\nوقَصرِ عَبدوَيْه عبرةٌ وهُدًى ... لكلِّ نفسٍ زَكَتَ سَرائِرُها","vol":"12","page":97},{"text":"فأَين حُرّاسُها وحارسُها ... وأَين مجبورُها وجابرها!\nوأَين خِصيانها وحِشْوَتُهَا ... وأَين سكَّانُها وعامرُها\nأَين الجَرادِيَّةُ الصقالبُ والـ ... ـأحبُشُ تعدوُ هُدْلًا مَشافرُها\nينصدعُ الجندُ عن مواكبها ... تعْدُو بها سُرَّبًا ضوامِرُها\nبالسِّندِ والهند والصقالِبِ وَالـ ... ـتوبَةِ شِيبَتْ بها بَرابرُها\nطيرًا أَبابيلَ أَرسلَت عَبَثًا ... يقدُمُ سُودانَها أَحامِرُها\nأَين الظِّباءُ الأَبكارُ في روضة الـ ... ملكِ تَهادَى بها غَرائِرُها!\nأَين غَضاراتُها وَلَذَّتها ... وأَين مَحبُورُها وحابِرُها!\nبالمسك والعنبرِ اليمانِ والـ ... ـيلنجُوجِ مَشبُوبَة مَجامِرُها\nيَرفُلْن في الخَزِّ والمجَاسِدِ وَالـ ... ـموْشيِّ محطومَةً مَزامِرُها\nفأَين رقاصها وَزامِرُها ... يُجِبْنَ حيثُ انتهت حناجرُها\nتكادُ أَسماعُهم تُسَكُّ إذا ... عَارضَ عِيدانَها مَزاهرُها\nأَمسَت كَجَوف الحِمار خَاليَةً ... يَسعَرُها بالجحيم ساعرُها\nكأنَّما أَصبحتْ بساحتهمْ ... عاد ومسَّتْهُمُ صراصرُها\nلا تعلمُ النفسُ ما يُبايِتُها ... من حَادِث الدّهر أَو يُباكرُها\nتُضحى وتُمسى دَريَّةً غَرَضًا ... حيث استقرّت بها شراشرها\nلأَسْهُمِ الدّهرِ وهو يَرشُقَها ... مُحِنطُها مَرَّةً وَباقِرُها\nيَا بُؤسَ بَغَدادَ دَار مَملَكَةٍ ... دارتْ على أَهلها دوائرُها\nأَمهلها الله ثم عاقَبها ... لمّا أَحاطت بها كبائرُها\nبالخسف والقَذف والحريق وبالـ ... ـحربِ التي أَصبحت تساورُها\nكم قد رأينا من المعاصي ببغدا ... د فهل ذو الجلال غافرها!\nحلَّت ببَغدادَ وهيَ آمنةٌ ... داهية لم تكن تحاذِرُها\nطالَعَها السوءُ من مَطَالِعِهِ ... وأَدركت أَهلَها جرائرُها\nرَقَّ بها الدينُ واستُخفَّ بذى الـ ... ـفضل وَعَزَّ النُّسَّاكَ فاجرُها\nوخَطَّمَ العبدُ أنفَ سَيّدِهِ ... بالرّغْم وَاستُعبِدَت حرائرها\nوصار رَبّ الجيران فَاسقَهُم ... وابتزَّ أَمرَ الدُّروب ذَاعُرها\nمن يَرَ بغدادَ والجنودُ بها ... قد ربَّقَتْ حَوْلَها عَساكُرها\nكلُّ طَحونٍ شهباءَ بَاسِلَةٍ ... تسْقِطُ أَحْبالها زَماجِرُها","vol":"12","page":98},{"text":"تُلقى بغيِّ الرّدَى أَوانِسَها ... يُرْهِقها للّقاءِ طَاهِرُها\nوالشيخ يَعدُو حَزمًا كتائبه ... يُقدِمُ أَعجازَها يعاوِرُها\nوَلزُهيرٍ بالفِرْك مأسَدَةٌ ... مرقومةُ صلبَةٌ مَكاسِرُها\nكتائبُ الموتِ تحتَ أَلوِيَةٍ ... أَبْرَحَ منصورُها وَناصِرُها\nيعلم أن الأَقدار واقعة ... أَبْرَحَ منصورُها وَناصِرُها\nفتلكَ بغدادُ ما يُبنَّى من الذ ... لَّةِ في دُورِها عَصافِرُها\nمحفوفةً بالرَّدَى مُنَطقَةً ... بِالصُّغر مَحْصُورَةً جَبابرُها\nما بين شطِّ الفراتِ منه إلى ... دِجْلةَ حيث انتهت معابِرُها\nبارك هادِى الشَّقْراءَ نافِرُه ... تُرْكضُ من حولها أَشَاقِرُها\nيُحْرِقها ذا وذاكَ يهدمها ... ويَشتِفي بالنهابِ شاطرُها\nوالكَرْخُ أَسواقِها مُعَطَّلة ... يَستنّ عَيَّارُها وعائرُها\nأَخرجت الحربُ من سواقِطها ... آسادَ غِيلٍ غُلْبًا تُسَاورُها\nمن البواري تِرَاسُها ومن الـ ... ـخُوصِ إذا استلأَمَت مَغافرها\nتَغدوُ إلى الحرب في جَواشنِها الـ ... ـصّوف إذا ما عُدَّت أَساورُها\nكَتَائبُ الهِرْشِ تحت رايتهِ ... ساعَدَ طَرّارَها مُقامِرُها\nلا الرزقَ تبغى ولا العطاء ولا ... يَحشُرُها للَقاء حاشِرُها\nفي كلّ دَرْبٍ وكلِّ ناحيةٍ ... خطَّارَةٌ يَستَهلُّ خَاطِرُها\nبمثل هَامِ الرجَال من فلَق الصَّـ ... ـخر يَزُودُ المِقلاع بَائرُها\nكأنما فوقَ هَامِها فِرَقٌ ... من القطا الكُدْرِ هاج نافِرُها\nوالقومُ من تحتها لهم زَجَلٌ ... وهي ترامى بها خَواطِرُها\nبلْ هل رأَيتَ السيوفَ مُصلَتَةٌ ... أشهَرَها في الأَسواقِ شاهِرُها\nوالخيلَ تستَنُّ في أَزِقَّتها ... بالتُّركِ مسنونةً خَناجِرُها\nوَالنّفطَ والنَّارَ في طَرائِقِها ... وهابِيا للدخَانِ عامِرُها\nوالنَّهبُ تَعدُو به الرِّجالُ وقَدْ ... أَبدَتْ خَلاخيلها حَرائِرُها\nمُعصوصباتٍ وسطَ الأَزِقَّةِ قَدْ ... أَبرَزها للعيون ساترها\nكلُّ رَقودِ الضُّحَى مخَبَّأةٍ ... لم تَبدُ في أَهلها محاجرُها\nبَيْضةُ خِدرٍ مكنونةٌ بَرَزَت ... للناس منشورةً غَدائرُها\nتَعثرُ في ثوبها وَتُعْجلها ... كَبَّةُ خَيلِ رِيعَتْ حَوافرُها","vol":"12","page":99},{"text":"تسأَلُ أين الطريقُ وَالهةً ... والنَّارُ من خَلْفها تُبَادرُها\nلم تَجتَلِ الشَّمْسُ حُسنَ بَهجَتِها ... حتى اجتلتها حربٌ تباشرُها\nيا هَلْ رأيتَ الثَّكلى مُوَلولَةً ... في الطُّرْق تسعى والجَهدُ بَاهرُها!\nفي إثر نَعش عليهِ واحدُها ... في صَدْرهِ طعنةٌ يُساورُها\nفَرغاءُ ينقى الشنار مربَدُها ... يَهزّها بَالسنان شاجرُها\nتنظرُ في وجههِ وتهتف بالثـ ... ـكلِ وجَارِى الدموع حادِرُها\nغَرغَر بالنَّفس ثم أَسلمها ... مَطلولَةً لا يُخاف ثائرها\nوقد رأَيت الفتيان في عَرصَةِ الـ ... ـمعرَك مَعفورَة مناخرها\nكلُّ فتًى مَانعٌ حَقيقَتَهُ ... تَشقَى بهِ في الوَغَى مسَاعرها\nباتَتْ عليهِ الكِلابُ تَنْهَشُهُ ... مخضُوبةٌ مِنْ دمٍ أَظَافِرُها\nأمَا رَأَيتَ الخُيولَ جائلَةً ... بالقَوْم مَنكُوبَةً دَوَائرُها\nتعثرُ بالأَوجُهِ الحِسَانِ منَ الـ ... ـقتلى وغُلَّتْ دمًا أَشاعِرُهُا\nيطأنَ أكبادَ فتيةٍ نُجُدٍ ... يَفْلِقُ هاماتِهمْ حوافرُها\nأمَا رأَيت النساءَ تحتَ المجا ... نيق تعادَى شُعْثًا ضفائرُها\nعقائل القومِ والعجائزَ والـ ... ـعُنَّسَ لم تحتبَرْ معاصِرُها\nيحْمِلن قوتًا من الطْحِينِ على الْـ ... ـأكتَافِ مَعْصُوبَةً مهاجِرُها\nوذاتُ عيش ضنكٍ ومُقعِسَةٌ ... تشدخُها صَخرةٌ تعاوِرُها\nتسأَلُ عنْ أهلها وقد سُلِبتْ ... وابْتُزَّ عنْ رأسها غفائرُها\nياليتَ شِعْرى والدَّهْرُ ذُو دُولٍ ... يُرجَى وأُخرَى تُخْشَى بَوادرُها\nهل تَرْجعنْ أرضنا كما غنِيَتْ ... وقد تناهتْ بنا مصايِرُها\nمنْ مُبلغ ذا الرياستيْنِ رسا ... لاتٍ تَأتَى للنُّصْحِ شاعِرُها\nبأَنَّ خيْرَ الوُلاةِ قدْ علمَ النَّ ... ـاسُ إذا عُدِّدت مآثِرُها\nخليفةُ اللهِ في بريّتِهِ الـ ... ـمأمُونُ مُنْتَاشُها وجابرُها\nسَمَتْ إليه آمالُ أُمّته ... منقادَةٌ بَرُّها وفاجرُها\nشامُوا حيا العدْلِ من مخايلِهِ ... وأَصْحَرَتْ بالتُّقَى بَصَائرها\nوأحمدُوا منك سيرة جلتِ الـ ... ـشَّكَّ وأخرى صَحَّتْ معاذِرُها\nواستجمعتْ طاعة برفقكَ للمَأْ ... مونِ نجديُّها وغائرها\nوأنتَ سمعٌ في العالمينَ له ... ومُقلةٌ ما يكلّ ناظرُها","vol":"12","page":100},{"text":"فاشكر لذي الْعَرْشِ فضلَ نعمتِهِ ... أَوجبَ فضلَ المزيدِ شاكرها\nواحذَرْ فداءً لك الرّعيةُ والـ ... ـأجنادُ مأمورها وآمرها\nلا تردن غمْرةً بنفسكَ لا ... يَصْدُرُ عنها بالرأي صادرُها\nعليك ضحْضاحها فلا تلجِ الغَمـ ... ـرة ملتجّةً زواخِرُها\nوالقصْدَ إنَّ الطريقَ ذو شعبٍ ... أَشأَمها وَعْثُها وَجَائرُها\nأَصْبَحْتَ في أمةٍ أوائلها ... قد فارقت هَدْيَها أواخُرها\nوأنتَ سُرْسُورُها وشائِسُها ... فَهَلْ على الحق أَنت قاسرها!\nأَدِّبْ رجالًا رأَيتَ سِيرتهُم ... خالفَ حُكْمَ الكِتَابِ سائرها\nوامدُدْ إلى الناس كفَّ مَرحَمَةٍ ... تُسَدُّ منهم بها مفَاقرها\nأَمكنكَ الْعَدْلُ إذ هَمَمْتَ به ... ووافقَتْ مَدَّه مقادرُها\nوأَبصر الناسُ قصدَ وجههمُ ... ومُلِّكَتْ أُمَّةً أخايرُها\nتُشْرَعُ أعناقها إليكَ إذ الـ ... سَّاداتُ يومًا جَمَّتْ عَشائِرُها\nكم عندنا من نصيحَة لك في اللـ ... ـهِ وقُرْبى عَزَّتْ زوافرها\nوحرمةٍ قرَّبتْ أَواصِرُها ... منك، وأخْرى هل أنت ذاكرُها!\nسعي رجالٍ في العلم مطلبُهُمْ ... رائحُها باكرٌ وباكرها\nدونك غراءَ كالوَذيلَةِ لا ... تُفقَدُ في بلدةٍ سوِائرها\nلا طمعًا قُلتُها ولا بَطرًّا ... لكلِّ نفس هوًى يُؤامرها\nسيرَها الله بالنصيحَةِ والـ ... ـخَشيَةِ فاستدمجَت مرائرها\nجاءتك تحكي لك الأمور كما ... ينشر بزَّ التِّجارِ ناشرها\nحمَّلتُها صاحبًا أخا ثقةٍ ... يظلُّ عُجبًا بها يحاضرها (١).\n_________\n(١) هذه الأبيات الشعرية التي تزيد على (١٣٠) بيتًا تصور الحالة المأساوية التي آلت إليها بغداد وقد استخدم الطبري الشعر كتوثيق للوقائع والحوادث ولم يكن حينها صحف أو جرائد أو مجلات وغيرها من وسائل الإعلام فكانت القصائد وسيلة سهلة إلى حدّ ما لتصوير الوقائع بصورة مشوقة ونشرها بين الناس وإن كان عدد من الأخباريين قد جمعوا كثيرًا من الأبيات الشعرية منسوبة إلى منظميها دون تثبت من ذلك وجمعها المؤرخون وأودعوها في كتبهم والتأكد من نسبتها إلى قائليها بحاجة إلى موازين علمية دقيقة.\nولقد ذكر ابن كثير طرفا من هذه الأبيات ثم علق عليها قائلًا: ولقد أكثر الشعراء من ذلك (أي من وصف أحوال بغداد في تلك المحنة) وقد أورد أبو جعفر بن جرير (أي الطبري) من ذلك =","vol":"12","page":101},{"text":"وفي هذه السنة استأمن الموكّلون بقصر صالح من قبلَ محمد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>[ذكر خبر وقعة قصر صالح]</span>\nوفيها كانت الوقعة التي كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح.\nذكر الخبر عن هذه الوقعة:\nذكر محمد بن الحسين بن مصعب، أنّ طاهرًا لم يزل مصابرًا محمدًا وجندَه على ما وصفت من أمرِه؛ حتى ملَّ أهلُ بغداد من قتاله، وأن عليَّ فراهمرد الموكّل بقصريْ صالح وسليمان بن أبي جعفر من قبل محمد، كتب إلى طاهر يسأله الأمان، ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرّادات إليه؛ وأنه قَبل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجّه إليه أبا العباس يوسف بن يعقوب البَاذغيسيّ صاحب شرَطه فيمن ضُمّ إليه من قوّاده وذوي البأس من فُرسانه ليلًا، فسلم إليه كلّ ما كان محمد وكّله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة. واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شُرْطة محمد؛ وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش؛ وكان محمد بن عيسى غير مداهِنٍ في أمر محمد؛ وكان مهيبًا في الحرْب، فلمّا استأمن هذان إلى طاهر، أَشفى محمد على الهلاك، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم؛ وصار على باب أم جعفر يتوقّع ما يكون؛ وأقبلت الغُواة من العيّارين وباعة الطرق والأجناد؛ فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار.\nقال: فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجًا من القصر حتى فلَّ وانحاز إلى طاهر؛ ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشدَّ على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلًا وجريحًا معقورًا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة؛\n_________\n= طرفًا صالحًا وأورد من ذلك قصيدة طويلة جدًّا لبعض أهل ذلك الزمان فيها بسط ما وقع وهي هول من الأهوال [البداية والنهاية ٨/ ١٤٣].","vol":"12","page":102},{"text":"فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب. وقال فيها الغوغاء والرعاء، وكان مما قيل في ذلك قول الخليع:\nأمين الله ثق بالله ... تعط الصَّبر والنُّصرة\nكل الأمر إلى الله ... كلاك الله ذو القدرة\nلنا النَّصر بعون الله ... والكرَّة لا الفرَّة\nوللمرَّاق أعداء ... ك يوم السوء والدَّبره\nوكأس تلفظ الموت ... كريهٍ طعمها مرَّه\nسقينا وسقيناهم ... ولكن بهم الحِرّه\nكذاك الحرب أحيانًا ... علينا ولنا مرَّه\nفذكر عن بعض الأبناء أن طاهرًا بثَّ رسله، وكتب إلى القوّاد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون؛ فلحق به جماعة، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائي وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العاص، وكاتبه قوم من القوّاد والهاشميين في السرّ، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه.\nقال: ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش؛ فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكرخ. وفرض دجلة وباب المحول والكناسة؛ فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرِّجال والنساء والضعفاء من أهل الملة والذمة؛ فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب.\nقال: ولما طال ذلك بالناس، وضاقت بغداد بأهلها، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم؛ فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك، واشتد فيه، وغلظ على أهل الريب. وأمر محمد بن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم؛ فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بزّ؛ حتى قيل: إن مثل","vol":"12","page":103},{"text":"أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا، مثل السور الذي قال الله تعالى ذكره: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].\nفلما طال علي الناس ما بلوا به ساءت حالهم وضاقوا به ذرعًا؛ وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد:\nبكيت دمًا على بغدادَ لمَّا ... فَقَدتُ غَضَارة العيشِ الأنيقِ\nتبدلنا همومًا من سرور ... ومن سَعَةٍ تبدَّلنا بضيقِ\nأصابتها من الحُسَّادِ عينٌ ... فأفنَت أهلها بالمنجنيقِ\nفقوم أُحْرِقُوا بالنار قسرًا ... ونائحةٌ تنوحُ على غريقِ\nوصائحةٌ تنادي واصباحًا ... وباكية لفقدان الشفيق\nوحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق\nتفرُّ من الحريق إلى انتهابٍ ... ووالِدها يفرُّ إلى الحريقِ\nوسالبةُ الغزالةِ مقلتَيْهَا ... مضاحكُها كلأَلأَةِ البرُوقِ\nحيارى كالهدايا مُفْكِراتٌ ... عليهنَّ القلائدُ في الحُلوقِ\nينادين الشفيق ولا شفيقٌ ... وقد فُقِدَ الشقيق من الشقيقِ\nوقومٌ أخرجُوا من ظلِّ دُنيا ... متاعُهُمُ يُباعُ بكلِّ سوقِ\nومغتربٌ قريب الدارِ مُلقىً ... بلا رأس بقارعة الطريقِ\nتوسَّط مِنْ قتالهمُ جميعًا ... فما يدرون مِنْ أيِّ الفريقِ\nفلا ولد يقيم على أبيه ... وقد هرب الصديق بلا صديقِ\nومهما أنس من شيءٍ تولَّى ... فإنِّي ذاكرٌ دار الرَّقيقِ\nوذكر أن قائدًا من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس، خرج يومًا إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من أرى؛ استهانة بأمرهم واحتقارًا لهم؛ فقيل له: نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة؛ فقال: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر، والعدة والقوة؛ ولكم ما لكم من الشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهمَّ فأوتر قوسه وتقدم، وأبصره بعضهم فقصد نحوه وفي يده بارية مقيَّرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر","vol":"12","page":104},{"text":"منه العيَّار، فوقع في باريّته أو قريبًا منه؛ فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك، وجعله شبيهًا بالجعبة. وجعل كلما وقع سهم أخذه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه؛ ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيَّار حتى أنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيَّار ليضربه بسيفه؛ فأخرج من مخلاته حجرًا؛ فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثناه بآخر؛ فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه؛ وكرّ راجعًا وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس؛ قال: فحدثت أن طاهرًا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب؛ فقال بعض شعراء بغداد في ذلك:\nخرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزار\nمعشرًا في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأسود الضَّواري\nوعليهم مغافر الخوص تجزيـ ... هم عن البيض. والتِّراس البواري\nليس يدرون ما الفرار إذا الأبـ ... طال عاذوا من القنا بالفرار\nواحد منهم يشد على ألـ ... فين عريان ماله من إزار\nويقول الفتى إذا طعن الطعـ ... نة: خذها من الفتى العيَّار\nكم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مُقامرٍ طرَّار\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>[ذكر خبر منع طاهر الملاحين من إدخال شيء إلى بغداد]</span>\n[قال محمد بن جرير: وفي هذه السنة منع طاهر الملاحين وغيرهم من إدخال شيء إلى بغداد إلا إلى من كان من عسكره منهم، ووضع الرصيد عليهم بسبب ذلك].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك</span>\nوعن السبب الذي من أجله فعل ذلك طاهر:\nأما السبب في ذلك فإنه - فيما ذكر - كان أنّ طاهرًا لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم، مضه ذلك وشق عليه؛ لأنه","vol":"12","page":105},{"text":"لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه؛ فلما شق عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشام وباب الكوفة، إلى الصراة وأرجاء ابي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة؛ وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم، ويحوى في كل يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة؛ وجعل أصحاب محمد ينقصون، ويزيدون؛ حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون؛ فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد، ويكونون أضرَّ على أصحابهم من أصحاب طاهر تعديًا؛ فقال شاعر منهم - وذكر أنه عمرو بن عبد الملك الورّاق العتري - في ذلك:\nلنا كلَّ يوم ثُلمةٌ لا نَسُدُّها ... يزيدونَ فيما يَطلبونَ ونَنقُصُ\nإذَا هَدموا دارًا أَخذنا سُقوفَها ... ونحن لأُخرى غيرِها نتربَّصُ\nوإن حَرصوا يومًا على الشَّرِّ جُهْدَهمْ ... فغوغاؤنا منهمْ على الشرّ أَحرَصُ\nفقد ضيَّقوا من أَرضنا كلَّ واسعٍ ... وصار لهم أَهل بها، وتعرَّصوا\nيثيرونَ بالطبلِ القنيصَ فإِن بدًا ... لهم وجهُ صيدٍ من قريب تقنّصوا\nلقد أَفسدوا شَرْقَ البلادِ وغَربَها ... علينا فما ندري إِلى أَين نشخُص!\nإذا حضروا قالوا بما يَعرفونه ... وإن يَرَوْا شيئًا قبيحًا تَخَرَّصوا\nوما قتلَ الأَبطالَ مثلُ مجرّبٍ ... رسولِ المنايا ليلَهُ يتلصّصُ\nترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدة ... إذا ما رأَى العريانَ يومًا يُبصبِصُ\nإذا ما رآه الشَّمَّري مُقَزِّلا ... على عقبَيهِ للمخافةِ يَنكصُ\nيبيعُك رأسًا للصبيّ بِدِرهمٍ ... فإِن قال إني مُرْخِصٌ فهو مرخِصُ\nفكم قاتل منا لآخر منهمُ ... بمقتله عنه الذُّنوبُ تُمحَّصُ\nتراه إذا نادى الأَمانَ مبارزًا ... ويَغمِزنا طَورًا وطورًا يخصِّص\nوقد رخَّصَت قراؤنا في قتالِهِمْ ... وما قتل المقتولَ إلَّا المرخّصُ\nوقال أيضًا في ذلك:\nالنَّاسُ في الهدمِ وفي الانتقالْ ... قد عَرَّض النَّاسُ بقيلٍ وقالْ\nيا أَيُّها السائل عن شأْنهمْ ... عينك تكفيكَ مكان السُّؤَالْ\nقد كان للرحمن تكبيرُهُم ... فاليوم تكبيرهمْ للقتالْ\nاطرحْ بعينيك إلى جمعهم ... وانتظر الرَّوْحَ وعُدَّ الليالْ","vol":"12","page":106},{"text":"لم يبق في بغدادَ إلَّا امرؤٌ ... حالَفَهُ الفقر كثيرُ العيالْ\nلا أمّ تحمِي عن حماها ولا ... خالٌ له يحمي ولَا غيرُ خالْ\nليس له مالٌ سوى مِطْرَدٍ ... مِطردُهُ في كفَّه رأسُ مالْ\nهانَ على الله فأَجْرَى على ... كفَّيه للشِّقوةِ قتلَ الرجالْ\nإن صارَ ذا الأَمر إلى واحدٍ ... صارَ إلى القتلِ على كلّ حالْ\nما بالنا نُقتَلُ من أَجْلهِمْ ... سُبْحَانَكَ اللهمّ يا ذَا الجلالْ!\nوقال أيضًا:\nولستُ بتاركٍ بغدادَ يومًا ... تَرَحَّلَ مَن ترحَّل أَوْ أَقَامَا\nإذا ما العيش ساعدنا فلسنا ... نبالي بعد من كان الإماما\nقال عمرو بن عبد الملك العتري: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر عند ذلك بمنع التجار أن يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من المنافع من ناحيته إلى مدينة أبي جعفر والشرقية والكرخ، وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات؛ ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة، ومنها إلى خندق باب الأنبار؛ بما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد، وأخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل، وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد، فغلت الأسعار، وصار الناس في أشد الحصار، فيئسوا أو كثير منهم من الفرج والروح، واغتبط من كان خرج منها، وأسف على مقامه من أقام.\nوفي هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حينًا بالياسرية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>[ذكر خبر وقعة الكناسة]</span>\nوفيها جعل طاهر قوادًا من قواده بنواحي بغداد، فجعل العلاء بن الوضاح الأزدي في أصحابه ومن ضم إليه بالوضاحية على المحول الكبير، وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلي ربض أبي أيوب على شاطئ الصراة، ثم غادى القتال وراوح أشهرًا، وصبر الفريقان جميعًا؛ فكانت","vol":"12","page":107},{"text":"لهما فيها وقعة بالكناسة؛ باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بن عبد الملك:\nوَقْعَةُ يومِ الأَحَد ... صارت حَدِيثَ الأبد\nكَمْ جسدٍ أَبصرتَهُ ... مُلقًى وكَمْ مِن جَسَدِ\nوناظرٍ كانت له ... مَنِيَّةٌ بالرَّصَد\nأَتاهُ سَهْمٌ عائرٌ ... فشكَّ جَوفَ الكَبِد\nوصائحٍ يا والدي ... وصائحٍ يا ولدي!\nوكم غريقٍ سابح ... كان متينَ الجَلَدِ!\nلم يَفتقدْه أَحدٌ ... غَيرُ بناتِ البلد\nوكم فقيدٍ بَئِسٍ ... عزَّ على المفتقِد\nكَانَ مِن النَّظارةِ الـ ... ـأولى شديد الحَرَدِ\nلو أَنه عايَن ما ... عاينَه لم يَعُد\nلم يبقَ من كهلِ لهُمْ ... فَاتَ وَلا مِنْ أَمْرَدِ\nوطاهرٌ ملتهِمٌ ... مثلَ التهامِ الأَسد\nخيَّمَ لا يبرَح في الـ ... ـعرصَةِ مثلَ اللُّبَد\nتقذِفُ عيناه لَدَى الـ ... ـحربِ بنارِ الوَقَد\nفقائلٌ قد قتلوا ... أَلفًا ولمَّا يزدِ\nوقائلٌ أكثر بل ... ما لهُمُ من عدد\nوهاربٌ نحوهُمُ ... يرهَبُ من خوفِ غدِ\nهيهات لا تبصرُ مِمّـ ... ـن قَدْ مَضَى من أَحَدِ\nلا يرجع الماضي إلى الْـ ... ـبَاقِي طَوَالَ الأَبد\nقلتُ لمطعونٍ وفيـ ... ـه رُوحُهُ لَمْ تبد\nمَنْ أَنَت يا وَيْلكَ يا ... مِسكينُ من مُحَمَّدِ\nفقالَ لا من نَسب ... دانٍ ولا منْ بَلد\nلم أَره قطّ ولم ... أَجدْ لهُ من صَفدِ\nوقال لا لِلغيِّ قَا ... تَلتُ ولا للرَّشَد\nإلَّا لشيءٍ عاجلٍ ... يصيرُ مِنهُ فِي يدِي","vol":"12","page":108},{"text":"وذكر عن عمرو بن عبد الملك أن محمدًا أمر زريحًا غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلًا، ويأخذ بالظنة، فجبى بذلك السبب أموالًا كثيرة، وأهلك خلقًا، فهرب الناس بعلة الحج، وفر الأغنياء، فقال القراطيسي في ذلك:\nأَظهروا الحجّ وما ينوونَهُ ... بل من الهِرش يُريدون الهربْ\nكم أُناسٍ أصبحوا في غبطة ... وكلَ الهرشُ عليهم بالعطب\nكلُّ من راد زُريحٌ بيتَهُ ... لقِىَ الذُّلَّ وَوَافاهُ الحرَبْ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>[ذكر خبر وقعة درب الحجارة]</span>\nوفيها كانت وقعة درب الحجارة.\nذكر الخبر عنها.\nذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة؛ وكانت لأصحاب محمد على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير، فقال في ذلك عمرو بن عبد الملك العتريّ:\nوَقعَةُ السبتِ يومَ درب الحِجَارَهْ ... قطعَت قِطعةً من النَّظَّارة\nذاك من بعد ما تَفَانَوا ولكن ... أهلكَتهمْ غوغاؤنا بالحجَارهْ\nقَدِم الشُّورَجِينَ للقتل عمدًا ... قال إني لَكُمْ أُرِيد الإِمَارَة\nفتلقَاه كلُّ لِصٍّ مُريِبٍ ... عَمَر السجنَ دهرَه بالشَّطَارَهْ\nما عليه شيءٌ يواريه مِنْهُ ... أيرُه قائمٌ كمثلِ المنارَهْ\nفتَوَلوْا عنهم وَكَانُوا قديمًا ... يُحسِنونَ الضِّرابَ في كلِّ غارَهْ\nهؤلاء مثلُ هؤلاكَ لدينا ... ليس يَرعوْن حق جارٍ وجَارَهْ\nكلّ منْ كانَ خاملًا صار رأسًا ... من نعيم في عيشه وغضارهْ\nحاملٌ في يمينِهِ كلَّ يومٍ ... مِطرَدًا فوقَ رأسه طَيَّارهْ\nأَخرجتْهُ من بيتها أمٌّ سوءٍ ... طَلَبَ النَّهبَ أُمّه العَيَّارَهْ\nيشتم الناس ما يبالي بإفصا ... ح لذي الشتم لا يشير إشارهْ\nليس هذا زمان حرٍّ كريم ... ذا زمان الأنذال أهل الزعارهْ","vol":"12","page":109},{"text":"كان فيما مضى القتال قِتالا ... فهُوَ اليومَ يا عليُّ تِجارَهْ\nوقال أيضًا:\nبارِيَّة قَيَّرْتَ ظَاهِرَها ... محمَّد فيها وَمَنصُورُ\nالعِزُّ والأَمنُ أَحادِيثهم ... وَقَوْلُهمُ قد أخِذَ السُّورُ\nوأَيُّ نفعٍ لكَ في سورهمْ ... وأَنتَ مَقتولٌ وَمَأْسُور؟\nقد قُتِلَتْ فُرْسَانكُمْ عَنوَةً ... وَهُدِمَتْ من دُورِكُمْ دُورُ\nهاتوا لكمْ من قائدٍ وَاحدٍ ... مهذَّبٍ في وَجهه نُورُ\nيا أَيُّها السَّائل عَنْ شأْننا ... محمَّد في القَصْرِ مَحْصورُ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>[ذكر خبر وقعة باب الشماسية]</span>\nوفيها أيضًا كانت وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة.\nذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان وإلى ما آل الأمر فيه:\nذكر عن علي بن يزيد أنه قال: كان ينزل هرثمة نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحيانًا، فيقف بباب خراسان مشفقًا من أهل العسكر، كارهًا للحرب، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه، ويستخف به، فيقف ساعة ثم ينصرف. وكان حاتم بن الصقر من قواد محمد؛ وكان قد واعد أصحابه الغزاة والعيارين أن يوافوا عبيد الله بن الوضاح ليلًا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم؛ فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولى منهزمًا، فأصابوا له خيلًا وسلاحًا ومتاعًا كثيرًا، وغلب على الشماسية حاتم بن الصقر. وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته، وليرد العسكر عنه إلى موضعه؛ فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم، وأسر رجل من الغزاة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل، فقطع يده وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبره أهل عسكره، فتقوض بما فيه، وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب، وما كانوا فيه من النهب والأسر. فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين، وقويت الغزاة بما سار في أيديهم.","vol":"12","page":110},{"text":"وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة، فمن ذلك قول عمرو الورّاق:\nعُرْيانُ ليس بذِي قَميصِ ... يَغدُو على طَلبِ القَميصِ\nيَعْدُو عَلى ذِي جوشَنٍ ... يعمي العيونَ من البَصيصِ\nفي كفِّه طَرَّادَةٌ ... حمراءُ تلمعُ كالفُصوصِ\nحَرِصًا عَلى طَلَب القِتَا ... ل أَشَدّ من حِرْص الحريصِ\nسلِسَ القِيادِ كأَنَّما ... يَغدُو عَلى أَكلِ الخبيص\nلَيْثًا مُغِيرًا لَم يَزَل ... رَأسًا يعدّ من اللصُوصِ\nأَجْرى وأَثبَتَ مَقْدَمًا ... في الحرْبِ من أَسد رَهيصِ\nيدْنو على سَنَنِ الهَوَا ... نِ وَعِيصُهُ من شَرِّ عيصِ\nيَنجُو إِذا كانَ النَّجا ... ءُ على أَخَفَّ من القَلُوصِ\nما للكَمِيِّ إذا لِمَقْـ ... ـتَلهِ تعَرّضَ من محيصِ\nكَم من شُجاعٍ فارسٍ ... قد بَاعَ بالثَّمَن الرَّخيصِ\nيدعُو: أَلا مَنْ يَشترِي رأسَ ... الكمي بكَفِّ شيصِ!\nوقال بعض أصحاب هرثمة:\nيَفنَى الزَّمانُ وما يَفنَى قتالهُمُ ... والدُّور تُهدَمُ والأموال تَنتَقِصُ\nوالناس لا يستطيعون الذي طلبوا ... لا يدفعون الردى عنهم وإن حَرصُوا\nيأتوننا بحديثٍ لا ضياءَ لَهُ ... في كلّ يوم لأَولادِ الزِّنا قصصُ\nقال: ولما بلغا طاهرًا ما صنع الغزاة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة اشتد ذلك عليه، وبلغ منه، وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، ووجه أصحابه وعبَّأهم، وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال، وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية، ورد المهاجر عبيد الله بن الوضاح وهرثمة.\nقال: وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانية بعد ظفر الغزاة ألفي ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر كلها، وكانت السقوف مذهّبة، وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشرًا كثيرًا، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:\nثَقَلان وطاهر بن الحسين ... صبَّحونا صبيحةَ الإثنينِ\nجمعوا جمعَهم بليل ونادَوا ... اطلبوا اليومَ ثأركم بالحسين","vol":"12","page":111},{"text":"ضربوا طبلَهُمْ فثارَ إليهم ... كلّ صُلبِ القَناة والسَّاعِدَيْنِ\nيا قَتِيلا بالقاعِ مُلقًى على الشطِّ ... هواه بِطَيِّئٍ الجَبَلَيْنِ\nما الَّذِي في يَدْيك أَنت إذا ما أصْـ ... طلحَ النَّاسُ أَنتَ بالخَلَّتيْنِ\nأَوَزيرٌ أَم قائدٌ، بَلْ بعيدٌ ... أَنْتَ من ذَينِ مَوضع الفَرقَدَينِ\nكم بصيرٍ غَدَا بعينَيْنِ كي يُبـ ... صِرَ ما حالهم فعادَ بعينِ\nليس يُخْطونَ ما يريدون ما يَعمد ... راميهمُ سِوَى الناظرَينِ\nسائلِي عنهمُ همُ شرُّ مَنْ أَبصرتُ ... في النَّاس ليس غير كذينِ\nشرّ باقٍ وشرّ ماض منَ الناس ... مَضَى أَو رأَيتُ في الثَّقَلَيْنِ\nقال: وبلغ ذلك من فعل طاهر محمدًا، فاشتد عليه غمه وأحزنه؛ فذكر كاتب لكوثر أن محمدًا قال - أو قيل على لسانه هذه الأبيات:\nمُنيتُ بِأَشْجع الثَّقَلَيْنِ قَلبًا ... إذا ما طالَ لَيْسَ كما يطولُ\nله مَعْ كلِّ ذِي بَدَنٍ رقيبٌ ... يشاهدُه ويعلمُ ما يَقُولُ\nفليس بمُغْفلٍ أَمرًا عنادًا ... إِذا ما الأَمر ضَيَّعه الغَفُولُ\nوفي هذه السنة ضعف أمر محمد، وأيقن بالهلاك، وهرب عبد الله بن خازم بن خزيمة من بغداد إلى المدائن، فذكر عن الحسين بن الضحاك أن عبد الله بن خازم بن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء، فهمَّ على نفسه وماله، فلحق بالمدائن ليلًا في السفن بعياله وولده، فأقام بها ولم يحضر شيئًا من القتال.\nوذكر غيره أن طاهرًا كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله، فحذره ونجا من تلك الفتنة وسلم؛ فقال بعض قرائبه في ذلك:\nوما جَبنَ ابن خازمَ منِ رَعاعٍ ... وَأوباشِ الطَّغامِ من الأَنام\nولكنْ خاف صَولةَ ضيغَمي ... هَصُورِ الشَّدِّ مشهور العُرامِ\nفذاع أمره في الناس، ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض، فقالوا: ينبغي لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه، فاجتمعوا وكتبوا كتابًا أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له؛ لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق، والأخذ على يد المريب، وأنهم غير مستحلي النظر إلى الحرب؛ فضلًا عن القتال، وأن الذي يكون حزبه من جانبهم ليس منهم، قد ضاقت بهم","vol":"12","page":112},{"text":"طرق المسلمين حتى إن الرجال [الذين بلوا من حربه من جانبهم ليس منهم]، ولا لهم بالكرخ دور ولا عقار؛ وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف، وأهل السجون. وإنما مأواهم الحمامات والمساجد، والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون في محقرات [البيوع، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى إن الرجل ليستقبل، المرأة في زحمة الناس فيلتثان قبل التخلص؛ وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفًا؛ وحتى إن الحامل الكيس في حجزته وكفه ليطر منه، وما لنا بهم يدان ولا طاقة؛ ولا تملك لأنفسنا معهم شيئًا؛ وأن بعضهم يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي - ﷺ -؛ فكيف لو اقتدرنا على من في إقامته عن الطريق، وتخليده السجن، وتنفيته عن البلاد وحسم الشر والشغب ونفي الزعارة والطر والسرق، وصلاح الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد!\nفذكر أنهم كتبوا بهذا قصة، واتعد قوم على الانسلال إليه بها، فقال لهم أهل الرأي منهم والحزم: لا تظنوا أن طاهرًا غبي عن هذا أو قصَّر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم؛ حتى كأنه شاهدكم؛ والرأي ألا تشهروا أنفسكم بهذا؛ فإنا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم؛ والخوف من تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفًا، بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وعفوه أقرب، فتوكلوا على الله ﵎ وأمسكوا. فأجابوهم وأمسكوا. وقال ابن أبي طالب المكفوف:\nدَعُوا أَهل الطَّريق فَعَنْ قليل ... تَنالهمُ مخاليبُ الهَصُورِ\nفتهتِكُ حُجْبَ أَفئدةٍ شِدادٍ ... وشيكًا ما تصير إلى القُبُورِ\nفإِنَّ الله مُهلكُهُمُ جميعًا ... بأَسباب التمني والفُجُورٍ\nوذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعًا للقتال؛ حتى كان الفتح منه؛ وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبي يزيد الشروي. وخاف أهل الأرباض في تلك النواحي مما يلي طريق باب الأنبار؛ فذكر أن طاهرًا لما رأى ذلك وجه إليهم قائدًا من أصحابه،","vol":"12","page":113},{"text":"وكان مشتغلًا بوجوه كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد، فأوقع بهم فيها وقعة صعبة، وغرق في الصراة بشر كثير، وقتل آخرون، فقال في هزيمة طاهر في أول [يوم] عمر والوراق:\nنَادَى مُنَادِي طَاهِرٍ عِنْدَنَا ... يا قومُ كُفُّوا واجْلِسُوا في الْبُيُوتْ\nفَسَوْفَ يَأْتِيكمْ غَدٌ فاحْذَرُوا ... [ليتًا هريتَ الشدق فيه عُيُوتْ]\nفثارتِ الغوغاءُ في وَجْهِهِ ... بَعْدَ انتِصَافِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْقُنُوتْ\nفي يومِ سبتٍ تَرَكُوا جَمْعَهُ ... فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ سُمودًا خُفُوتْ\nوقال في الوقعة التي كانت على أصحاب محمد:\nكم قتيل قد رأَينا ... ما سأَلْنَاهُ لأَيشِ\nدَارِعًا يَلْقَاهُ عُرْيَانٌ ... بجهلِ وِبطيش\nإن تلقَّاهُ بِرُمْحٍ ... يتلقَّاهُ بِفيْش\nحَبشيًّا يَقتُلُ النَّاسَ ... على قِطْعَةِ خَيْشِ\nمُرتَدٍ بالشَّمْس راضٍ ... بالمُنَى مِن كلِّ عيشِ\nيَحْمِلُ الْحَمْلَةَ لا يَقْتل ... إلَّا رَأسَ جَيْش\nكعلي أَفَراهَمَرْدٍ ... أَو عَلاءٍ أَو قُرَيشُ\nاحْذَرِ الرّميةَ ياطا ... هرُ من كف الحُبيشِي\nوقال أيضًا عمرو الوراق في ذلك:\nذَهَبَتْ بَهْجَةُ بَغْدَا ... دَ وَكَانَتْ ذَاتَ بَهْجَهْ\nفَلَها فِي كلِّ يَوْمٍ ... رجَّةٌ منْ بَعْدِ رجّهْ\nضجَّتِ الأَرضُ إِلى الله ... مِنَ المُنْكَرِ ضَجَّهْ\nأَيّها المقتولُ مَا أَنت ... عَلى دِينِ المحَجَّهْ\nلَيْتَ شِعْرِى ما الَّذِي نِلتَ ... ووَقدْ أَدْلجتَ دَلجهْ\nأَإِلى الفردوس وُجِّهتَ ... أَمِ النَّارِ تُوجَّه\nحجر أرداك أم أر ... ديت قسرًا بالأَزِجّه\nإِن تكُنْ قَاتَلْتَ بِرًّا ... فعليْنَا أَلفُ حَجَّهْ\nوذكر عن علي بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمدًا أمر ببيع ما بقى في الخزائن التي كانت أنهبت، فكتم ولاتها ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد","vol":"12","page":114},{"text":"أمره، وفقد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فقال يومًا وقد ضجر مما يرد عليه: وددت أن الله ﷿ قتل الفريقين جميعًا، وأراح الناس منهم؛ فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا؛ أما هؤلاء فيريدون مالي؛ وأما أولئك فيريدون نفسي. وذكرت أبياتًا قيل إنه قالها:\nتَفَرَّقُوا وَدَعونِي ... يَا مَعْشَرَ الأَعْوَانِ\nفكُلُّكُمْ ذُو وُجوهٍ ... كَخلقة الإِنسان\nوما أَرى غيرَ إفكٍ ... وتُرَّهاتِ الأَمانِي\nولستُ أَملك شيئًا ... فسائِلوا خُزّانى\nفالويلُ لي ما دهاني ... من ساكنِ البُستانِ\nقال: وضعف أمر محمد، وانتشر جنده وارتاع في عسكره، وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به (١).\n* * *\nوحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك (٢).\nوكان على مكة في هذه السنة داود بن عيسى.\n_________\n(١) هذه الوقائع والأخبار والمعارك المتعددة والأبيات الشعرية ذكرها الطبري بتفاصيلها ولم نجد لها ذكرًا عند البسوي أو خليفة أو البلاذري أو الدينوريان أو غيرهم من المؤرخين المتقدمين الثقات والمعروفين بحيادهم العلمي والعقائدي، وانظر المنتظم (١٠/ ٦٣) وما بعدها والبداية والنهاية (٨/ ١٤٣ - ١٤٤) ولقد لخص الحافظ ابن كثير هذه الحوادث التي وقعت (كما ذكر الطبري) سنة (١٩٧ هـ) قائلًا: وانقضت هذه السنة بكمالها والناس ببغداد في قلاقل وزلازل وهيشات وقتال وحصار وحرق وغرق وسرق فإنا لله وإنا إليه راجعون [البداية والنهاية ٨/ ١٤٤].\n(٢) وكذلك قال خليفة (٣٠٩) والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٥٥).","vol":"12","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1832>ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>[ذكر خبر استيلاء طاهر على بغداد] </span>(١)\nفمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي.\nذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر في مصيره والدخول في طاعة طاهر:\nذكر أن السبب في ذلك كان أن طاهرًا كتب إلى خزيمة يذكر له أن الأمر إن يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر في نصرته، لم يقصر في أمره. فلما وصل كتابه إليه شاور ثقات أصحابه وأهل بيته، فقالوا له: نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتل لنفسك ولنا؛ فكتب إلى طاهر بطاعته، وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول، وأعلمه قلة ثقته بهرثمة، ويناشده ألا يحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه، وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور، ويتبعَ هو أمرًا يؤثر رأيه ورضاه؛ وأنه إن لم يضمن له ذلك؛ فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف. فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وأقطعتها دون أمير المؤمنين ودوني، وفي مثل حاجتي إلى الكلف والنفقات؛ وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم، يسير أمرهم، وقوف المحجم الهائب؛ إن في ذلك جرمًا؛ فاستعد للدخول؛ فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور؛ وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله.\nقال: وكتب إليه هرثمة: أنا عارف ببركة رأيك، ويمن مشورتك، فمر بما\n_________\n(١) جميع الأخباريين والمؤرخين المتقدمين والمتأخرين على أن طاهرًا استولى على بغداد سنة (١٩٨ هـ) وبعد حصار شديد وقتال متقطع وانظر تعليقنا على الأخبار الآتية.","vol":"12","page":116},{"text":"أحببت؛ فلن أخالفك؛ قال: فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة.\nوقد ذكر أن طاهرًا لما كاتب خزيمة كتب أيضًا إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك. قيل: فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه، وخلعا محمدًا، ودعوا لعبد الله المأمون؛ وسكن أهل عسكر المهدي ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك؛ ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد، فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروهًا، فقبل ذلك منهم، فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر:\nعَلَيْنَا جَمِيعًا من خُزَيمةَ مِنَّةٌ ... بها أَخمدَ الرحمنُ ثائرةَ الحرْبِ\nتولَّى أُمورَ المسلمين بنفسهِ ... فذَبَّ وحامى عنهمُ أَشرفَ الذَّبِّ\nولولا أَبو العباس ما انفكَّ دَهرُنا ... يبيتُ على عتبٍ ويَغدُو على عَتْبِ\nخزيمةُ لم ينكَرْ له مثلُ هَذِه ... إذا اضطَرَبَتْ شرْقُ البلاد مع الغرْب\nأَناخَ بجِسْرَىْ دجلة القَطعَ والقنا ... شوارعُ والأَرواحُ في راحةِ الغضبِ\nوَأمَّ المَنَايَا بالْمَنَايا مُخيلةً ... تَفجَّعُ عن خَطْبٍ وتضحكُ عن خطْبِ\nفكانت كنارٍ مَا كَرَتهَا سَحَابَةٌ ... فأَطفأَت اللَّهْبَ المُلفَّف بَاللهْبِ\nوما قتلُ نفسٍ فِي نفوسٍ كثيرةٍ ... إذا صارَت الدُّنيا إِلى الأَمن والخصب\nبلاءُ أَبي العباسِ غيرُ مكفَّر ... إِذا فَزعَ الْكَرْبُ المقيمُ إلى الكربِ (١)\nفذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهرًا غدا يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة واشتد عندهما القتال، واشتد طاهر على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتل طاهر بباب الكرخ وقصر الوضَّاح، فهزمهم أصحاب محمد ورُدُّوا على وجوههم، ومر طاهر لا يلوي على أحد حتى دخل قسرًا بالسيف. وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضَّاح وسوق الكرخ والأطراف قوادًا وجندًا في كل موضع\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ٤٥).","vol":"12","page":117},{"text":"على قدر حاجته منهم؛ وقصد إلى مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشأم وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامّة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق، لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وفي ذلك يقول عمرو الوراق (١):\nيا طاهر الظَّهر الذي ... مثالهُ لم يُوجَدِ\nيا سيّدَ بن السيدِ بـ ... ـن السَّيّد بنِ السيدِ\nرجَعَتْ إِلى أَعمالها الأُ ... ولى غُزاةُ محمّد\nمنْ بينِ نَطَّافٍ وسوّ ... اطٍ وبَيْنَ مُقرِّدِ\nوَمُجَرِّدٍ يأْوِى إِلى ... عَيَّارةٍ ومُجَرَّدِ\nومُقَيَّدٍ نَقَبَ السّجو ... ن فعادَ غيرَ مقيَّدِ\nومسوَّدِ بالنَّهب سا ... دَ وكان غيرَ مسوَّدِ\nذَلُّوا لعزِّك واستكا ... نوا بعدَ طُول تمرّدِ\nوذكر عن علي بن يزيد. أنه قال: كنت يومًا عند عمرو الوراق أنا وجماعة، فجاء رجل، فحدثنا بوقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه، فقال عمرو: ناولني قدحًا، وقال في ذلك:\nخُذهَا فلِلخَمْرةِ أَسماءُ ... لها دواءٌ ولَهَا داءُ\nيُصلِحها الماءُ إِذا صُفِّقتْ ... يومًا وَقَدْ يُفسِدُها الماءُ\nوقائل كانت لهم وَقعَةٌ ... في يومِنا هذا وأَشياءُ\nقلتُ له: أَنت امرؤ جاهلٌ ... فيكَ عن الخَيْرَاتِ إبطاءُ\nاشْرَبْ ودَعْنَا مِن أَحاديثِهِمْ ... يَصْطَلِحُ النَّاس إِذا شاءوا\nقال: ودخل علينا آخر، فقال: قاتل فلان الغزاة، وأقدم فلان، وانتهب فلان، قال: فقال أيضًا:\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٤) وانظر تعليقنا (٨/ ٤٩٩).","vol":"12","page":118},{"text":"أَيُّ دهْرٍ نحنُ فيهِ ... مَاتَ فِيهِ الكُبَراءُ\nهذهِ السّفْلَةُ والغَوْ ... غاءُ فينا أُمناءُ\nما لنا شيءٌ من الأَشـ ... ـياء إلَّا ما يشاءُ\nضجَّت الأَرض وقد ضجَّت ... إلى الله السَّماءُ\nرُفع الدِّينُ وقد ها ... نت على الله الدِّماءُ\nيا أبا مُوسى لك الخيـ ... راتُ قَدْ حَانَ اللِّقَاءُ\nهاكَها صرْفًا عُقارًا ... قد أتاك النُّدماء\nوقال أيضًا عمرو الوراق في ذلك:\nإذا ما شِئتَ أن تُغْضِـ ... ـبَ جنديًّا وتستامرْ\nفقل: يا معشر الأَجنا ... دِ قد جاءَكُمُ طاهِرْ\n* * *\nقال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.\nفذكر عن الحسين بن أبي سعيد أن طارقًا الخادم - وكان من خاصة محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمدًا سأله يومًا من الأيام وهو محصور، أو قال في آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئًا - قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئًا، فجئت إلى جمرة العطارة - وكانت جارية الجوهر - فقلت لها: إن أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء، فإني لم أجد في المطبخ شيئًا؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان: أي شيء عندك؟ فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانة الشراب، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة؛ فما شرب ماء حتى أتى عليه.\nوذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم بن المهديّ أخبره أنه كان نازلًا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب، لما حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار - في قرن الصراة، أسفل من قصر الخلد - في جوف الليل، ثم أرسل إليَّ فصرت إليه، فقال: يا إبراهيم، أما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في","vol":"12","page":119},{"text":"السماء، وضوءه في الماء! ونحن حينئذ في شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب! فقلت: شأنك، جعلني الله فداك! فدعا برطل نبيذ فشربه، ثم أمر فسقيت مثله. قال: فابتدأت أغنية من غير أن يسألني؛ لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك؛ فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها؛ ونحن في تلك الحال التي هو عليها، فلما صارت بين يديه، قال: تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي:\nكُليبٌ لَعمري كان أكثرَ ناصرا ... وأَيسر ذَنبًا منك ضرّجَ بالدَّم\nقال: فاشتد ما غنت به عليه، وتطيَّر منه، وقال لها: غني غير هذا، فتغنت:\nأَبكى فِراقهُمُ عَيْني وأَرَّقها ... إنَّ التفرُّقَ للأَحباب بَكَّاءُ\nما زالَ يَعْدُو عليهمْ ريبُ دهرهمُ ... حتى تَفَانَوْا وريْبُ الدَّهرِ عَدَّاءُ\nفقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء شيئًا غير هذا! قالت: يا سيدي، ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه؛ وما أردت ما تكرهه؛ وما هو إلا شيء جاءني. ثم أخذت في غناء آخر:\nأَما وَرَبِّ السُّكُون والحَرَكِ ... إنَّ المنايا كثيرةُ الشّرَكِ\nما اختلفَ الليلُ والنَّهَار ولا ... دارت نُجوم السّماء في الفَلكِ\nإلا لنقل النَّعيم من مَلِك ... عانٍ بحُبِّ الدُّنيا إلى مَلِكِ\nومُلْكُ ذي العرشِ دائم أَبدًا ... ليس بفانٍ ولا بمشتَركِ\nفقال لها: قومي غضب الله عليك! قال: فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسمية زبّ رُباح، وكان موضوعًا بين يديه فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم: والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك - فقال لي: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية؛ ثم ما كان من أمر القدح! والله ما أظن أمري إلا وقد قرب، فقلت: يطيل الله عمرك، ويعز ملكك ويديم لك، ويكبت عدوك. فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتًا من دجلة (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان) فقال: يا إبراهيم، أما سمعت ما سمعت! قلت: لا والله ما سمعت شيئًا - وقد كنت سمعت - قال: تسمع حسًا! قال: فدنوت من الشط فلم أر شيئًا، ثم عاودنا","vol":"12","page":120},{"text":"الحديث، فعاد الصوت: (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان)، فوثب من مجلسه ذلك مغتمًا، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك يوم الأحد لست - أو لأربع - خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة (١).\nوذكر عن أبي الحسن المدائني؛ قال: لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، دخل محمد بن هارون مدينة السلام هاربًا من القصر الذي كان يقال له الخلد، مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة؛ وذلك لأربع عشرة شهرًا، منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثني عشر يومًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>[ذكر الخبر عن قتل الأمين]</span>\nوفي هذه السنة قتل محمد بن هارون (٢).\nذكر الخبر عن مقتله:\nذكر عن محمد بن عيسى الجلودي أنه قال: لما صار محمد إلى المدينة، وقرَّ فيها، وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم؛ دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى؛ وقد رأينا رأيًا نعرضه عليك؛ فانظر فيه\n_________\n(١) لقد اتهم عدد من المؤرخين الأمين باللهو واللعب والعيث كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الأمين إلا أن الناس قد وجدوا في هذه الأحداث مجالًا خصبًا لنسج روايات حول عبث الأمين ولهوه ولو فكر العاقل أدنى تفكير لتبين له زيف هذه الروايات فكيف يستطيع الأمين أن يجلس هذه المجالس وبغداد تضرب بالمنجنيق والعرادات والمعارك والنهب والسلب والحرق والقتل على قدم وساق أما قتله يوم الأحد من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة فسيذكره الطبري لاحقًا. وهذا الخبر الطوبل (٤٧٦ - ٤٧٧) أخرجه ابن عساكر مع بعض الاختلاف من طريق محمد بن راشد الخناق عن إبراهيم (تأريخ دمشق تر ٧١٠٠).\n(٢) قال خليفة وفيها (أي ١٩٨ هـ) قتل المخلوع ليلة الأحد لليلتين بقيتا من المحرم (تأريخ خليفة / ٣١٠) وانظر تعليقنا في نهاية الحدث (٨/ ٤٩٩).","vol":"12","page":121},{"text":"واعتزم عليه؛ فإنا نرجو أن يكون صوابًا، ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها؛ فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعمائة رجل، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلًا على باب من هذه الأبواب فإن الليل لأهله، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله؛ فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم فتفرض الفروض، وتجبى الخراج، وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجنود، وإلى ذلك ما قد أحدث الله ﷿ في مَكَر الليل والنهار أمورًا. فقال لهم: نعم ما رأيتم، واعتزم على ذلك.\nوخرج الخبر إلى طاهر؛ فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السنديّ بن شاهك: والله لئن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد، فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه، فنحن نذكرك الله في نفسك! إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار، وضاق عليهم المذهب، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها؛ ولسنا نأمن إذا برزوا بك، وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرًا، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك، ويجعلوك سبب أمانهم؛ وضربوا له فيه الأمثال.\nقال محمد بن عيسى الجلودي: وكان أبي وأصحابه قعودًا في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه. قال: فلما سمعوا كلامهم، ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له، هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه؛ ثم بدا لهم وقالوا: حرب من داخل، وحرب من خارج. فكفوا وأمسكوا.\nقال محمد بن عيسى: فلما نكت ذلك في قلب محمد، ووقع في نفسه ما وقع منه، أضرب عما كان عزم عليه، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج؛ فأجاب سليمان والسندي ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك، فقالوا؛ إنما غايتك اليوم السلامة واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويفردك","vol":"12","page":122},{"text":"في موضع، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى؛ وليس عليك منه بأس ولا مكروه. فركن إلى ذلك، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة.\nقال محمد بن عيسى: وكان أبي وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة: لأنهم كانوا من أصحابه، وقد عرفوا مذاهبه، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم، ولا يجعل لهم مراتب، فدخلوا على محمد فقالوا له: إذ أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة. قال محمد بن عيسى: فقال لهم: ويحكم! أنا أكره طاهرًا؛ وذلك أني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس وثيق، لم أر حائطًا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعليَّ سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفي؛ وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت، وندرت قلنسوتي من رأسي، وأنا أتطير من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك؛ وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشد أنسًا وأشد ثقة.\nوذكر عن محمد بن إسماعيل، عن حفص بن أرميائيل، أن محمدًا لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى - وكان له جسر في ذلك الموضع - أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيَّب. قال: فمكثت ليلتي أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج، ونضعه في البيوت؛ فسهرت ليلتي أنا وأعواني؛ ولما صليت الصبح دفعت إلي عجوز قطعة بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة، وقلت لها: إني سهرت ونعست نعاسًا شديدًا؛ ولا بد لي من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر، فضعي هذا العنبر على الكانون. وأعطيتها كانونًا من فضة صغيرًا عليه جمر، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها، ودخلت حراقة فنمت، فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني، فقالت لي: قم يا حفص؛ فقد وقعت في بلاء، قلت: وما هو؟ قالت: نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين، وبين يديه جماعة وخلفه جماعة؛ فلم أشك أنه هو؛ فأحرقت العنبرة، فلما جاء، فإذا هو عبد الله بن موسى، وهذا أمير المؤمنين قد","vol":"12","page":123},{"text":"أقبل. قال: فشتمتها وعنفتها. قال: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت؛ وكان هذا من أوائل الإدبار.\nوذكر علي بن يزيد، قال: لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي ومحمد بن عيسى بن نهيك، ولحقوا جميعًا بعسكر المهدي، ومكث محمد محصورًا في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت. وناظر محمد أصحابه ومن بقى معه في طلب الأمان؛ وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر؛ فقال له السندي: والله يا سيدي؛ لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا؛ وما أرى فرجًا إلا هرثمة. قال له: وكيف بهرثمة؛ وقد أحاط الموت بي من كل جانب! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا: لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوِّض إليه ملكك؛ فلعله كان سيركن إليك. فقال لهم: أخطأتم وجه الرأي، وأخطأت في مشاورتكم؛ هل كان عبد الله أخي لو جهد نفسه وولى الأمور برأيه بالغًا عشر ما بلغه له طاهر! وقد محصته وبحثت عن رأيه، فما رأيته يميل إلى غدر به؛ ولا طمع فيما سواه؛ ولو أجاب إلى طاعتي، وانصرف إليَّ ثم ناصبني أهل الأرض ما اهتممت بأمر؛ ولوددت أنه أجاب إلى ذلك، فمنحته خزائني وفوضت إليه أمري، ورضيت أن أعيش في كنفه؛ ولكني لا أطمع في ذلك منه. فقال له السندي: صدقت يا أمير المؤمنين؛ فبادر بنا إلى هرثمة؛ فإنه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك؛ وقد ضمن إليَّ أنه مقاتل دونك إن همَّ عبد الله بقتلك؛ فاخرج ليلًا في ساعة قد نوِّم الناس فيها؛ فإني أرجو أن يغبى على الناس أمرنا.\nوقال أبو الحسن المدائني: لما همّ محمد بالخروج إلى هرثمة، وأجابه إلى ما أراد، اشتد ذلك على طاهر، وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج، وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أخرجته بالحصار والحرب؛ حتى صار إلى طلب الأمان؛ ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني؛ فيكون الفتح له.\nولما رأى هرثمة والقوّاد ذلك، اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم؛ فصار إليهم طاهر وخاصة قواده، وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك، وأداروا الرأي بيثهم، ودبروا الأمر، وأخبروا طاهرًا أنه لا يخرج إليه أبدًا، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الأمر في","vol":"12","page":124},{"text":"أمره مثله في أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان؛ فقالوا له: يخرج ببدنه إلى هرثمة - إذ كان يأمن به ويثق بناحيته، وكان مستوحشًا منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة - وذلك الخلافة - ولا تفسد هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله. فأجاب إلى ذلك ورضي به. ثم قيل: إن الهرش لما علم بالخبر، أراد التقرب إلى طاهر، فخبره أن الذي جرى بينهم وبينه مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة. فقبل طاهر ذلك منه، وظن أنه كما كتب به إليه، فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وفي الشهر السرياني خمسة وعشرون من أيلول.\nفذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: أخبرني طارق الخادم، قال: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه، فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده. قال: وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذي كان بينه وبينه؛ ولبس ثياب الخلافة؛ دراعة وطيلسانًا والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة، قال: اسقني من جباب الحرس، فناولته كوزًا من ماء، فعافه لزهوكته فلم يشرب منه؛ وصار إلى هرثمة. فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه في الخلد؛ فلما صار إلى الحراقة؛ خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء، وانكفأت الحراقة؛ فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظن أن غرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخي ومحمد بن حميد هو ابن أخي شكلة أم إبراهيم بن المهدي - وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلًا من أصحابه خراسانيًا ضم إليه قومًا - فعرفه محمد بن حميد وهو المعروف بالطاهري؛ وكان طاهر يقدمه في الولايات، فصاح بأصحابه فنزلوا، فأخذوا، فبادر محمدًا لمًّا، فأخذ بساقيه فجذبه، وحمل على برذون، وألقى عليه إزار من أزر الجند غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان ينزل بباب الكوفة، وأردف رجلًا خلفه يمسكه لئلا يسقط، كما يفعل بالأسير.\nفذكر عن الحسن بن أبي سعيد، أن خطَّاب بن زياد حدثه أن محمدًا وهرثمة","vol":"12","page":125},{"text":"لما غرقا، بادر طاهر إلى بستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة. قال: فلما انتهى طاهر - ونحن معه في الموكب والحسن بن علي المأموني والحسن الكبير الخادم للرشيد - إلى باب الشأم، لحقنا محمد بن حميد، فترجل ودنا من طاهر، فأخبره أنه قد أسر محمدًا، ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخي. قال: فالتفت إلينا طاهر، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأموني: (مكن)، أي لا تفعل فعل حسين بن علي. قال: فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد. قال: واتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع.\nوأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجُلودي، قال: لما تهيأ للخروج - وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد - خرج إلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدخلنا عليه، فقمنا بين يديه بالأعمدة قال: فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيدي، أبو حاتم يقرئك السلام، ويقول: يا سيدي وافيت للميعاد لحملك، ولكني أرى ألا تخرج الليلة، فإني رأيت في دجلة على الشط أمرًا قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخد من يدي أو تذهب نفسك، ولكن أقِم بمكانك حتى أرجع تم استعد ثم آتيك القابلة فأخرجك؛ فإن حوربت حاربت دونك ومعي عدتي. قال: فقال له محمد: ارجع إليه، فقل له: لا تبرح؛ فإني خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد. قال: وقلق وقال: قد تفرق عني الناس ومن على بابي من الموالي والحرس، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علي فيأخدني ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهري ثم دعا بابنيه فضمهما إليه، وشمهما وقبلهما، وقال: أستودعكما الله؛ ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمِّه، ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر؛ حتى ركبنا دوابنا؛ وبين يديه شمعة واحدة. فلما صرنا إلى الطاقات ممايلي باب خراسان، قال لي أبي: يا محمد، أبسط يدك عليه؛ فإني أخاف أن يضربه إنسان بالسيف؛ فإن ضرب كان الضرب بك دونه. قال: فألقيت عنان فرسي بين معرفته، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان، فأمرنا به ففتح، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة، فرقى إليها، فجعل الفرس يتلكأ وينفر، وضربه بالسوط وحمله","vol":"12","page":126},{"text":"عليها، حتى ركبها في دجلة، فنزل في الحراقة، وأخذنا الفرس، ورجعنا إلى المدينة، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق، وسمعنا الواعية، فصعدنا على القبة التي على الباب؛ فوقفنا فيها نسمع الصوت.\nفذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال: كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة، فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظامًا وجثى هرثمة على ركبتيه، وقال له: يا سيدي، ما أقدر على القيام لمكان النِّقرس الذي بي، ثم احتضنه وصيره في حجره، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، ويقول: يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي. قال: وجعل يتصفح وجوهنا، قال: ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح، فقال له: أيهم أنت؟ قال أنا عبيد الله بن الوضاح، قال: نعم فجزاك الله خيرًا، فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده، وسألته مكافأتك عني. قال: فبينا نحن كذلك - وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع - إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان، فبعض يقطع السكان، وبعض ينقب الحراقة، وبعض يرمي بالآجر والنشاب. قال: فنقبت الحراقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، فأخرجه ملاح؛ وخرج كل واحد منا على حيله؛ ورأيت محمدًا حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه، ورمى بنفسه إلى الماء. قال: فخرجت إلى الشط: فعلقني رجل من أصحاب طاهر؛ فمضى بي إلى رجل قاعد على كرسي من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر، بين يديه نار توقد، فقال بالفارسية: هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة، فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب هرثمة؛ أنا أحمد بن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت فاصدقني، قال: قلت. قد صدقتك، قال: فما فعل المخلوع قلت: قد رأيته حين شق عليه ثيابه، وقذف بنفسه في الماء قال: قدموا دابتي؛ فقدموا دابته، فركب وأمر بي أن أجنب. قال: فجعل في عنقي حبل وجنبت؛ وأخذ في درب الرشدية، فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان، انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو، فقال الذي يجنبني: قد قام هذا الرجل؛ وليس يعدو، قال: انزل فحزَّ رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لم تقتلني وأنا رجل علي من الله نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف","vol":"12","page":127},{"text":"درهم. قال: فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم، قلت: تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلي رسولًا حتى أرسله إلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي. قال: قد أنصفت، فأمر بحملي، فحملت ردفا لبعض أصحابه، فمضى بي إلى دار صاحبه، دار أبي صالح الكاتب؛ فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتقدم إليهم، وأوعز وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره؛ فإذا هو إبراهيم البلخي. قال: فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان أو ثلاث - وفي رواية حصر مدرَّجة - قال: فقعدت في البيت وصيروا فيه سراجًا، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون. قال: فلما ذهب من الليل ساعة؛ إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب؟، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون: (يسر زبيدة) قال: فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، وتقدموا إلى من في الدار في حفظه، وخلفوا معهم قومًا آخرين أيضًا منهم.\nقال: فلما استقر في البيت حسر العمامة على وجهه؛ فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، قال: وجعل ينظر إلي، ثم قال: أيهم أنت؟ قال: قلت: أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي؟ قلت: أحمد بن سلام صاحب المظالم، فقال: وأعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة؟ قال: قلت: نعم، قال: كنت تأتيني وتلطفني كثيرًا، لست مولاي بل أنت أخي ومني. ثم قال: يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: ادن مني وضمني إليك، فإني أجد وحشة شديدة. قال: فضممته إليَّ، فإذا قلبه يخفق خفقا شديدًا كاد أن يفرج عن صدره فيخرج. قال: فلم أزل أضمه إلي وأسكنه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قال: قلت: هو حي، قال: قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته، قال: قلت: بل قبح الله وزراءك! قال: لا تقل لوزرائي إلا خيرًا، فما لهم ذنب؛ ولست بأول من طلب أمرًا فلم يقدر عليه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أتراهم يقتلون أو يفون لي بأيمانهم؟ قال: قلت: بل يفون لك يا سيدي. قال: وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة. قال: فنزعت مبطنة كانت علي ثم قلت: يا سيدي، ألق هذه عليك. قال: ويحكَ دعني، هذا من الله ﷿ لي في هذا الموضع خير.","vol":"12","page":128},{"text":"قال فبينا نحن كذلك، إذ دق باب الدار، ففتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه مستثبتًا له، فلما أثبته معرفة، انصرف وغلق الباب؛ وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول قال: وكان بقي علي من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل معه ولم أوتر، قال فقمت أوتر، فقال لي: يا أحمد لا تتباعد مني، وصل إلى جانبي، أجد وحشة شديدة. قال: فاقتربت منه؛ فلما انتصف الليل أو قارب، سمعت حركة الخيل. ودق الباب، ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائمًا، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي في سبيل الله! أما من حيلة! أما من مغيث! أما من أحد من الأبناء قال: وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضًا. قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة وجعل يقول: ويحكم! إني ابن عم رسول الله - ﷺ -، أنا ابن هارون؛ وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي! قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه - غلام لقريش الدنداني مولى طاهر - فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه؛ وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلني قتلني بالفارسية قال: فدخل منهم جماعة؛ فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحًا من قفاه، وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته. قال: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل، وحملوها قال: فأصبحت فقيل لي: هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك. قال: فبعثت إلى وكيلي فأتاني، فأمرته فأتاني بها، فدفعتها إليه. قال: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس وخرج إلى دجلة يوم الأحد.\nوذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال: قلت لمحمد لما دخل على البيت وسكن: لا جزى الله وزراءك خيرًا، فإنهم أوردوك هذا المورد! فقال لي: يا أخي؛ ليس بموضع عتاب. ثم قال: أخبرني عن المأمون أخي، أحيٌ هو؟ قلت: نعم؛ هذا القتال عمن إذًا هو إلا عنه! قال: فقال لي: أخبرني يحيى أخو عامر بن إسماعيل بن عامر - وكان يلي الخبر في عسكر هرتمة - أن المأمون مات،","vol":"12","page":129},{"text":"فقلت له كذب. قال: ثم قلت له: هذا الإزار الذي عليك إزار غليظ فالبس إزاري وقميصي هذا فإنه لين، فقال لي: من كانت حاله مثل حالي فهذا له كثير. قال: فلقنته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر. قال: وبينا نحن كذلك، إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها، وإذا أصحاب طاهر قد دخلو الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت؛ فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، ثم هجموا عليه، فحزوا رأسه. واستقبلوا به طاهرًا، وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له - وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية - فقال له: أخوك يقرئك السلام، فما خبرك؟ قال: يا غلام؛ هات الطس، فجاءوا به وفيه رأس محمد، فقال: هذا خبري فاعلمه. فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم، وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد.\nوذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: شيء يكون في ثياب الناس، فقال: أعوذ بالله من زوال النعمة! فقتل من يومه (١).\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري روايات عدة عن كيفية مقتل الأمين وذكر جوانب من حوار الأمين هنا أو هناك متنقلًا بين قصور بغداد وبيوتها أو في أزقة المدينة. وبدء تضييق الحصار على الأمين شيئًا فشيئًا وكثير من الحوار الذي دار في كل مرة لم يحضره إلا الأمين وشخص آخر كما يذكر الطبري والله عليم بنجواهم ولا بد من طريق موصول على الأقل للتأكيد من كل ذلك الحوار ولم يأت الطبري بجل هذه التفاصيل والأخبار إلا من طرق معضلة أو بغير إسناد (ذكر) سوى مقطعين صغيرين كما سنذكر في نهاية تعليقنا هذا إن شاء الله إذ ذكرهما عن المدائني ولحديث المدائني عن الأحداث أهمية كبرى إذ أنه إخباري صدوق عاصر تلك الأحداث. وبالنسبة لبقية أجزاء الخبر فلم نجد أحدًا من المؤرخين المتقدمين الثقات من يؤيد تفاصيلها وإنما ذكروا أجزاءً من الخبر أو خلاصته مختصرة جدًّا وبعيدًا عن هذه المبالغات والتفاصيل الدقيقة التي تذهب بذهن القاريء بعيدًا عن أصل الخبر وماهية الواقعة التأريخية وإليك نصوص هؤلاء الأخباريين والمؤرخين المتقدمين.\nقال ابن قتيبة الدينوري: ولم يزل الأمر على محمد مختلًا حتى لجأ إلى مدينة (أبي جعفر) وبعث إلى هرثمة: إني أخرج إليك الليلة، فلما خرج محمد صار في أيدي أصحاب طاهر فأتوا به طاهرا فقتله من ليلته فلما أصبح نصب رأسه على الباب الجديد ثم أنزله وبعث به إلى =","vol":"12","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خراسان مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب. ودفنت جثته في بستان مؤنسة سنة ثمان وتسعين ومائة (المعارف/ ٣٨٦).\nوأما أبو حنيفة الدينوري فقد ذكر فيما سبق بداية حصار طاهر وهرثمة لبغداد وأنهما نصبا المنجنيق على داره حتى ضاق الأمين بذلك ذرعًا، ثم قال أبو حنيفة الدينوري: وكان هرثمة بن أعين يحب صلاح حال محمد، والإبقاء على حشاشة نفسه، فأرسل إليه محمد يسأله القيام بأمره، وإصلاح ما بينه وبين المأمون على أن يخلع نفسه عن الخلافة ويسلم الأمر لأخيه.\nفكتب إليه هرثمة: (قد كان ينبغي لك أن تدعو إلى ذلك قبل تفاقم الأمر فأما الآن فقد بلغ السيل الزبى، وشغل الحليُ أهله أن يعار، ومع ذلك فإني مجتهد في إصلاح أمرك، فصر إليَّ ليلا، لأكتب بصورة أمرك إلى أمير المؤمنين، وآخذ لك عهدًا وثيقًا ولست آلوا جهدًا ولا اجتهادًا في كل ما عاد بصلاح حالك، وقربك إلى أمير المؤمنين).\nفلما سمع ذلك محمد استشار نصحاءه ووزراءه، فأشاروا بذلك عليه، وطمعوا في بقاء مهجته.\nفلما جنَّه الليل ركب في جماعة من خاصته وثقاته وجواريه، يريد العبور إلى هرثمة فأحس طاهر بن الحسين بالمراسلة التي جرت بينهما والموافقة التي اتفقا عليها.\nفلما أقبل محمد، وركب بمن معه الماء شد عليه طاهر، فأخذه ومن معه، ثم دعا به في منزله، فاحتز رأسه، وأنفذه من ساعته إلى المأمون.\nوأقبل المأمون حتى دخل مدينة السلام، وصفت له المملكة واستوسقت له الأمور.\nوكان قتل محمد الأمين ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم، سنة ثمان وتسعين ومائة، وقتل وله ثمان وعشرون سنة، وكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر (الأخبار الطوال/ ٤٠٠).\nوأما خليفة بن خياط فقد قال: وفيها (أي ١٩٨ هـ) قتل المخلوع ليلة الأحد لليلتين بقيتا من المحرم وولي قتله قريش الدنداني ونصب رأسه طاهر بن الحسين ساعة من نهار وبعث برأسه إلى المأمون (تأريخ خليفة/ ٣١٠).\nوأما المقطعين الذين أشرنا إليهما في بداية تعليقنا فقد رواه الطبري من مرويات المدائني وهو أخباري صدوق عاصر هذه الأحداث المقطع الأول من قوله وقال أبو الحسن المدائني لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة .. إلى قوله خمسة وعشرون من أيلول (٤٨١/ ٤٨٢) والمقطع الثاني من قوله في (٨/ ٤٨٣) وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي إلى قوله في (٨/ ٤٨٤).","vol":"12","page":131},{"text":"وذكر عن الحسن بن أبي سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد، ندموا على قتل محمد لما كانوا يأخذون من الأموال.\nوذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التي كان فيها رأس محمد ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبي السرايا كانت إليه. قال: فنظرت في رأس محمد؛ فإذا فيه ضربة في وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات منه شيء، ولونه على حاله. قال: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى - وهو من سعف مبطن - مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه، فأمر له بألف ألف درهم، فرأيت ذا الرياستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد (١).\nقال الحسن: فأخبرني ابن أبي حمزة، قال: حدثني علي بن حمزة العلوي، قال: قدم جماعة من آل أبي طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة، فوصلهم ووصلنا، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مرو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنؤونا بالنعمة، ولقينا من بها من أهلها وسائر أهلها وسائر أهل المدينة، فوصفنا لهم قتل محمد، وأن طاهر بن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدنداني، وأمره بقتله. قال: فقال لنا شيخ منهم: كيف قلت! فأخبرته، فقال الشيخ: سبحان الله! كنا نروي هذا أن قريشًا يقتله؛ فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم الاسم (٢).\nوذكر عن محمد بن أبي الوزير أن علي بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن إبراهيم بن المهدي لما بلغه قتل محمد، استرجع وبكى طويلًا ثم قال:\nعُوجا بِمغْنَى طلل داثِرِ ... بالخُلْدِ ذاتِ الصَّخْرِ والآجُرِ\nوالمرمَر المسنونِ يُطلَى به ... والبابِ باب الذَّهبِ النَّاضرِ\nعوجا بها فاستَيقِنا عندها ... على يقينٍ قُدْرَةَ القادرِ\nوأَبلِغَا عنِّي مقالًا إلى الـ ... ـموْلى على المأْمورِ والآمرِ\n_________\n= فوقفنا فيها. نسمع الصوت) والمدائني الأخباري الصدوق عاصر تلك الأحداث والله أعلم.\n(١) قال الجهشياري: وذكر علي بن أبي سعيد أنه رأى رأس محمد وقد أدخله ذو الرياستين على ترس بيده إلى المأمون فلما رآه سجد (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).\n(٢) سبق أن ذكرنا قول خليفة في تأريخه (٣١٠) وولي قتله قريش الدنداني والله أعلم.","vol":"12","page":132},{"text":"قولا له: يا بنَ وليِّ الهدَى ... طَهِّر بلادَ اللهِ من طاهِرِ\nلم يكفه أَنْ حَزَّ أوداجه ... ذَبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازِرِ\nحتَّى أَتى يَسْحَبُ أَوصاله ... في شَطَنٍ يُفنِى مَدَى السائرِ\nقد بَرَّدَ الموتُ على جَنْبِه ... وطرفُه منكسِرُ الناظر\nقال: وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه.\nوذكر عن المدائني أن طاهرًا كتب إلى المأمون بالفتح:\nأما بعد، فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال، والملك والسلطان، الذي إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.\nكان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم، انتكاث المخلوع ببيعته، وانتقاضه بعهده، وارتكاسه في فتنته، وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بظلام للعبيد. وقد كتبت إلى أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد، وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها في دجلة نواحي أزقة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها وحد ري السفن والزواريق بالعرادات والمقاتلة، إلى ما واجه الخلد وباب خراسان، تحفظًا بالمخلوع، وتخوفًا من أن يروغ مراغًا، ويسلك مسلكًا يَجِدْ بِهِ السبيل إلى إثارة فتنة، وإحياء ثائرة أو يهايج قتالًا بعد أن حصره الله ﷿ وخذله، ومتابعة الرسل بما يعرض عليه هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين، ويسألني من تخلية الطريق له في الخروج إليه واجتماعي وهرثمة بن أعين؛ لنتناظر في ذلك، وكراهتي ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق الله إياه، وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلق، وانقطاع المنافع عنه، وحيل بينه وبين الماء؛ فضلا عن غيره؛ حتى همّ به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجا معه إليها، وتحزَّبوا على الوثوب به للدفع عن أنفسهم والنجاة بها، وغير ذلك مما فسرت لأمير المؤمنين أطال الله بقاءه مما أرجو أن يكون قد أتاه.\nوإني أخبر أمير المؤمنين أني روّيت فيما دبر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين في المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنة في تخلُّصه من موضعه الذي قد أنزله الله فيه بالذلة والصغار وصيره فيه إلى الضيق والحصار تزداد، ولا يزيد أهل التربص في الأطراف إلا طمعًا وانتشارًا، وأعلمت ذلك هرثمة بن أعين، وكراهتي ما أطمعه فيه وأجابه إليه؛ فذكر أنه لا يرى الرجوع عما","vol":"12","page":133},{"text":"أعطاه، فصادرته - بعد يأس من انصرافه - عن رأيه، على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله - ﷺ - وسيفه وقضيبه قبل خروجه؛ ثم أخلي له طريق الخروج إليه؛ كراهة أن يكون بيني وبينه اختلاف نصير منه إلى أمر يطمع الأعداء فينا، أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشية السبت.\nفتوجهت في خاصة ثقاتي الذين اعتمدت عليهم، وأثق بهم، بربط الجأش، وصدق البأس، وصحة المناصحة، حتى طالعت جميع أمر كل من كنت وكَّلت بالمدينة والخلد برًا وبحرًا، والتقدمة إليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حراقات وسفنًا؛ سوى العدة التي كانت لأركبها بنفسي لوقت ميعادي بيني وبين هرثمة، فنزلتها في عدة ممن كان ركب معي من خاصة ثقاتي وشاكريتي، وصيرت عدة منهم فرسانًا ورجالة بين باب خراسان والمشرعة وعلى الشط.\nوأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدًّا مستعدًّا؛ وقد خاتلني بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة، ليحمله قبل أن أعلم، أو يبعث إليّ بالرداء والسيف والقضيب؛ على ما كان فارقني عليه من ذلك. فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لأمري كان أتاهم، وتقدمي إليهم ألا يدعو أحدًا يجوزهم إلا بأمري. فبادرهم نحو المشرعة، وقرب هرثمة إليه الحراقة، فسبق الناكث أصحابي إليها، وتأخر كوثر، فظفر به قريش مولاي، ومعه الرداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من إرادة أصحابي منع مخلوعهم من الخروج، فبادر بعضهم حراقة هرثمة، فتكفأت بهم حتى أغرقت في الماء ورسبت، فانصرف بعضهم إلى المدينة، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة متخلِّصًا إلى الشط، نادمًا على ما كان من خروجه، ناقضًا للعهد، داعيًا بشعاره، فابتدره عدة من أوليائي الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصراة، فأخذوه عنوة قهرًا بلا عهد ولا عقد؛ فدعا بشعاره، وعاد في نكثه، فعرض عليهم مائة حبة، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم، وإيثارًا للحق","vol":"12","page":134},{"text":"الواجب عليهم، فتعلقوا به، قد أسلمه الله وأفرده؛ كلٌّ يرغبه، ويريد أن يفوز بالحظوة عندي دون صاحبه؛ حتى اضطربوا فيما بينهم، وتناولوه بأسيافهم منازعة فيه، وتشاحّا عليه، إلى أن أتيح له مغيظ لله ودينه ورسوله وخليفته، فأتى عليه وأتاني الخبر بذلك فأمرت بحمل رأس إلي، فلما أتيت به تقدمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح، في لزوم مواضعهم، والاحتفاظ بما يليهم، إلى أن يأتيهم أمري. ثم انصرفت فأعظم الله لأمير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الإسلام به وفيه.\nفلما أصبحت هاج الناس واختلفوا في المخلوع، فمصدق بقتله، ومكذب وشاك وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشبهة في أمره، فمضيت برأسه، لينظروا إليه فيصح بعينهم، وينقطع بذلك بعل قلوبهم، ودخل التياث المستشرفين للفساد والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها، وأعطى أهلها الطاعة، واستقام لأمير المؤمنين شرقي ما يلي مدينة السلام وغربيه وأرباعه وأرباضه ونواحيه، وقد وضعت الحرب أوزارها وتلافى بالسلام والإسلام أهله؛ وبعد الله الدغل عنهم، وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والسكون والدعة والاستقامة والاغتباط؛ والصنع من الله جل وعز والخيرة، والحمد لله على ذلك.\nفكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله، وليس قبلي داع إلى فتنة؛ ولا متحرك ولا ساع في فساد، ولا أحد إلا سامع مطيع باخع حاضر؛ قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين ودعة ولايته؛ فهو يتقلب في ظلها، يغدو في متجره ويروح في معايشه؛ والله ولي ما صنع من ذلك، والمتمم له، والمانّ بالزيادة فيه برحمته.\nوأنا أسأل الله أن تهنئ أمير المؤمنين نعمته، ويتابع له فيها مزيده ويوزعه عليها شكره؛ وأن يجعل منته لديه متوالية دائمًا متواصلة؛ حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة، ولأوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته، إنه وليّ ذلك منهم وفيّه، إنه سميع لطيف لما يشاء.\nوكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة.\nوذكر عن محمد المخلوع أنه قبل مقتله، وبعد ما صار في المدينة، ورأى الأمر قد تولى عنه، وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر، قعد في الجناح الذي كان عمله على باب الذهب - وكان تقدم في بنائه قبل ذلك - وأمر بإحضار كل من كان","vol":"12","page":135},{"text":"معه في المدينة من القواد والجند، فجمعوا في الرحبة، فأشرف عليهم، وقال:\nالحمد لله الذي يرفع ويضع، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط؛ وإليه المصير. أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال، وحلول النوائب، وتوفد المصائب؛ حمدًا يدخر لي به أجزل الجزاء، ويرفدني أحسن العزاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأن محمدًا عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين، - ﷺ -، آمين رب العالمين.\nأما بعد يا معشر الأبناء، وأهل السبق إلى الهدى، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير عليَّ ومشير، فمادت به الأيام بما لزمني به من الندامة في الخاصة والعامة، إلى أن نبهتموني فانتبهت، واستعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم، فبذلت لكم ما حواه ملكي، ونالته مقدرتي، مما جمعته وورثته عن آبائي، فقوَّدت من لم يجز، واستكفيت من لم يكف، واجتهدت - علم الله - في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه، واجتهدتم - علم الله - في مساءتي في كل ما قدرتم عليه؛ من ذلك توجيهي إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم فكان منكم ما يطول ذكره؛ فغفرت الذنب، وأحسنت واحتلمت، وعزيت نفسي عند معرفتي بشرود الظفر، وحرصي على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم، ومن على يدي أبيه كان فخركم، وبه تمت طاعتكم: عبد الله بن حميد بن قحطبة، فصرتم من التألب عليه إلى ما لا طاقة له به، ولا صبر عليه. يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفًا، إليَّ عامدين وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد، سامعين له مطيعين. ثم وثبتم مع الحسين عليّ، فخلعتموني وشتمتموني، وانتهبتموني وحبستموني، وقيدتموني؛ وأشياء منعتموني من ذكرها؛ حقد قلوبكم وتلكؤ طاعتكم أكبر وأكثر. فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورضى بقدره؛ والسلام.\nوقيل: لما قتل محمد، وارتفعت الثائرة، وأعطى الأمان الأبيض والأسود، وهدأ الناس، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس، وخطبهم خطبة بليغة، نزع فيها من قوارع القرآن؛ فكان مما حفظ من ذلك أن قال:","vol":"12","page":136},{"text":"الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.\nفي آي من القرآن أتبع بعضها بعضًا، وحض على الطاعة ولزوم الجماعة ورغبهم في التمسك بحبل الطاعة. وانصرف إلى معسكره.\nوذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة، وحضره من بني هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة، قال:\nالحمد لله مالك الملك، يؤتيه من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين؛ إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا، بل اختار الله للخلافة إذ جعلها عمادًا لدينه وقوامًا لعباده، وضبط الأطراف وسد الثغور، وإعداد العدة، وجمع الفيء، وإنفاذ الحكم، ونشر العدل، وإحياء السنة، بعد إذبال البطالات، والتلذذ بموبق الشهوات. والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعي غرورها، محتلب درة نعمتها، ألف لزهرة روضتها كلف برونق بهجتها. وقد رأيتم من وفاء موعود الله ﷿ لمن بغي عليه، وما أحل به من بأسه ونقمته، لمّا نكب عن عهده، وارتكب معصيته، وخالف أمره، وغيره ناهيه، وعظته مردية، فتمسكوا بوثائق عصم الطاعة، واسلكوا مناحي سبيل الجماعة، واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية، الذين قدحوا زناد الفتنة، وصدعوا شعب الألفة، فأعقبهم الله خسار الدنيا والآخرة (١).\n* * *\nولما فتح طاهر بغداد كتب إلى أبي إسحاق المعتصم - وقد ذكر بعضهم أنه إنما كتب بذلك إلى إبراهيم بن المهدي، وقال الناس: كتبه إلى أبي إسحاق المعتصم: أما بعد، فإنه عزيز علي أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير، ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي وتصغي بالهوى؛ إلى الناكث المخلوع،\n_________\n(١) هذه الرسائل المتبادلة انفرد الطبري بذكر تفاصيلها كعادته ولم يذكر غيره إلا نتفًا أو أشار إلى بعض فحواه والله أعلم.","vol":"12","page":137},{"text":"وإن كان كذلك فكثير ما كتبت به إليك، وإن كان غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات:\nركوبكَ الأَمرَ ما لم تُبْلَ فرْصتُهُ ... جهل وَرَأيُكَ بالتَّغرِيرِ تَغريرُ\nأَقبحْ بِدُنيَا ينالُ المُخطئونَ بها ... حَظَّ المُصِيبينَ والمَغْرورُ مغْرورُ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>[وثوب الجند بطاهر بن الحسين بعد مقتل الأمين]</span>\nوفي هذه السنة وثب الجند بعد مَقتل محمد بطاهر، فهرب منهم وتغيب أيامًا حتى أصلح أمرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به وإلى ما آل أمره وأمرهم:</span>\nذكر عن سعيد بن حميد؛ أنه ذكر أن أباه حدثه؛ أن أصحاب طاهر بعد مقتل محمد بخمسة أيام، وثبوا به، ولم يكن في يديه مال، فضاق به أمره، وظن أن ذلك عن مواطأة من أهل الأرباض إياهم، وأنهم معهم عليه، ولم يكن تحرك في ذلك من أهل الأرباض أحد، فاشتدت شوكة أصحابه وخشي على نفسه، فهرب من البستان، وانتهبوا بعض متاعه، ومضى إلى عقرقوف. وكان قد أمر بحفظ أبواب المدينة وباب القصر على أم جعفر، وموسى وعبد الله ابني محمد، ثم أمر بتحويل زبيدة وموسى وعبد الله ابني محمد معها من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فحوَّلوا ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، ثم مضى بهم من ليلتهم حراقة إلى همينيا على الغربي من الزاب الأعلى، ثم أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمهما بخراسان على طريق الأهواز وفارس. قال: ولما وثب الجند بطاهر، وطلبوا الأرزاق، أحرقوا باب الأنبار الذي على الخندق وباب البستان، وشهروا السلاح، وكانوا كذلك يومهم ومن الغد، ونادوا موسى: يا منصور. وصوب الناس إخراج طاهر وموسى وعبد الله، وقد كان طاهر انحاز ومن معه من القوّاد، وتعبأ لقتالهم ومحاربتهم، فلما بلغ ذلك القوّاد والوجوه صاروا إليه واعتذروا، وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم والرضا عنهم، وضمنوا له ألا يعودوا لمكروه له ما أقام معهم. فقال لهم طاهر: والله ما خرجت عنكم إلا لوضع سيفي فيكم، وأقسم بالله","vol":"12","page":138},{"text":"لئن عدتم لمثلها لأعودن إلى رأي فيكم، ولأخرجن إلى مكروهكم؛ فكسرهم بذلك، وأمر لهم برزق أربعة أشهر؛ فقال في ذلك بعض الأبناء:\nآلَى الأميُر - وقوُلُه وَفِعَالهُ ... حَقٌّ بجَمْع معَاشِرِ الزُّعَّارِ\nإن هاج هَائجُهُمْ وشَغَّبَ شَاغِبٌ من كلِّ ناحيةٍ من الأَقطارِ\nأَلَّا يناظرَ مَعْشَرًا من جمْعِهمْ ... إمهالَ ذي عَدْلٍ وذِي إنظارِ\nحتى يُنيخَ عليهمُ بعَظيمَةٍ ... تدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ الآثار\nفذكر عن المدائن أن الجند لما شغبوا، وانحاز طاهر، ركب إليه سعيد بن مالك بن قادم ومحمد بن خالد وهبيرة بن خازم؛ في مشيخة من أهل الأرباض، فحلفوا بالمغلظة من الأيمان، أنه لم يتحرك في هذه الأيام أحدٌ من أبناء الأرباض ولا كان ذلك عن رأيهم ولا أرادوه، وضمن له صلاح نواحيهم من الأرباض، وقيام كل إنسان منهم في ناحيته بكل ما يجب عليه؛ حتى لا يأتيه من ناحيته أمر يكرهه. وأتاه عميرة - أبو شيخ بن عميرة الأسدي - وعليّ بن يزيد؛ في مشيخة من الأبناء، فلقوه بمثل ما لقيه به ابن أبي خالد وسعيد بن مالك وهبيرة، وأعلموه حسن رأي من خلفهم من الأبناء ولين طاعتهم له، وأنهم لم يدخلوا في شيء مما صنع أصحابه في البستان. فطابت نفسه إلا أنه قال لهم: إن القوم يطلبون أرزاقهم، وليس عندي مال. فضمن لهم سعيد بن مالك عشرين ألف في ينار، وحملها إليه، فطابت بها نفسه، وانصرف إلى معسكره بالبستان. وقال طاهر لسعيد: إني أقبلها منك على أن تكون عليَّ دينًا، فقال له: بل هي إنما صلة وقليل لغلامك وفيما أوجب الله من حقك فقبلها منه، وأمر للجند برزق أربعة أشهر، فرضوا وسكنوا.\nقال المدائني: وكان مع محمد رجل يقال له السمرقندي، وكان يرمي عن مجانيق كانت في سفن من باطن دجلة؛ وربما كان يشتد أمر أهل الأرباض على من بإزائهم من أصحاب محمد في الخنادق، فكان يبعث إليه، فيجيء به فيرميهم - وكان راميًا لم يكن حجره يخطى - ولم يقتل الناس يومئذ بالحجارة كما قيل، فلما قتل محمد قطع الجسر، وأحرقت المجانيق التي كانت في دجلة يرمى عنها، فأشفق على نفسه، وتخوف من بعض من وتره أن يطلبه، فاستخفى، وطلبه الناس، فتكارى بغلًا، وخرج إلى ناحية خراسان هاربًا، فمضى حتى إذا كان في","vol":"12","page":139},{"text":"بعض الطريق استقبله رجل فعرفه؛ فلما جازه قال الرجل للمكاري: ويحك! أين تذهب مع هذا الرجل! والله لئن ظفر بك معه لتقتلن، وأهون ما هو مصيبك أن تحبس، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قد والله عرفت اسمه، وسمعت به قتله الله! فانطلق المكاري إلى أصحابه - أو مسلحة انتهى إليها - فأخبرهم خبره، وكانوا من أصحاب كندغوش من أصحاب هرثمة فأخذوه وبعثوا به إلى هرثمة، وبعث به هرثمة إلى خزيمة بن خازم بمدينة السلام، فدفعه خزيمة إلى بعض من وتره فأخرجه إلى شاطئ دجلة من الجانب الشرقي فصلب حيًا، فذكروا أنه لما أرادوا شده على خشبته، اجتمع خلق كثير، فجعل يقول قبل أن يشدوه: أنتم بالأمس تقولون: لا قطع الله يا سمرقندي يدك، واليوم قد هيأتم حجارتكم ونشابكم لترموني! فلما رفعت الخشبة أقبل الناس عليه رميًا بالحجارة والنشاب وطعنًا بالرماح حتى قتلوه، وجعلوه يرمونه بعد موته، ثم أحرقوه من غد، وجاءوا بنار ليحرقوه بها، وأشعلوها فلم تشتعل، وألقوا عليه قصبًا وحطبًا، فأشعلوها فيه، فاحترق بعضه، وتمزقت الكلاب بعضه؛ وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من صفر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>ذكر الخبر عن صفة محمد بن هارون وكنيته وقدر ما ولي ومبلغ عمره</span>\nقال هشام بن محمد وغيره: ولي محمد بن هارون وهو أبو موسى يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقتل ليلة الأحد لست بقين من صفر سنة سبع وتسعين ومائة. وأمه زبيدة ابنة جعفر الأكبر بن أبي جعفر؛ فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وقد قيل: كانت كنيته أبا عبد الله (١).\nوأما محمد بن موسى الخوارزمي فإنه ذكر عنه أنه قال: أتت الخلافة محمد بن\n_________\n(١) هذه رواية في مدة خلافته ووقت وفاته ذكرها الطبري ثم ذكر بعدها رواية عن محمد بن موسى الخوارزمي أكثر تفصيلًا من هذا وانظر تعليقنا التالي.","vol":"12","page":140},{"text":"هارون للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وحج بالناس في هذه السنة التي ولى فيها داود بن عيسى بن موسى، وهو على مكة وأبو البختري على ولايته، وبعد ولايته بعشرة أشهر وخمسة أيام وجَّه عصمة ابن أبي عصمة إلى ساوة، وعقد ولايته لابنه موسى بولاية العهد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول؛ وكان على شُرَطِه علي بن عيسى بن ماهان.\nوحج بالناس سنة أربع وتسعين ومائة علي بن الرشيد، وعلى المدينة إسماعيل بن العباس بن محمد، وعلى مكة داود بن عيسى، وكان بين أن عقد لابنه إلى التقاء علي بن عيسى بن ماهان وطاهر بن الحسين وقتل علي بن عيسى بن ماهان سنة خمس وتسعين ومائة سنة وثلاثة أشهر وتسعة وعشرون يومًا. قال: وقتل المخلوع ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم، قال: فكانت ولايته مع الفتنة أربع سنين وسبعة أشهر وثلاثة أيام.\nولما قتل محمد ووصل خبره إلى المأمون في خريطة من طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة أظهر المأمون الخبر، وأذن للقواد فدخلوا عليه. وقام الفضل بن سهل فقرأ الكتاب بالخبر، فَهُنِّئ بالظفر، ودعوا الله له. وورد الكتاب من المأمون بعد قتل محمد على طاهر وهرثمة بخلع القاسم بن هارون، فأظهرا ذلك، ووجها كتبهما به، وقرى الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين ومائة، وكان عمر محمد كله - فيما بلغني - ثمانيًا وعشرين سنة (١).\n_________\n(١) كعادتنا في تحقيقنا لروايات الطبري فإننا نقارنها في هذه المسائل بما كتب خليفة بن خياط وهو مؤرخ متقدم ثقة محايد كتب التأريخ على النظام الحولي وسبق الطبري في ذلك وإذا كان الطبري قد فاق على خليفة بذكر التفاصيل والدقائق فإن خليفة قد فاق عليه بتجنب المبالغات والزيادات والروايات الموضوعة والأخبار الكاذبة.\nقال خليفة: ولد المخلوع ببغداد سنة سبعين ومائة وقتل ببغداد في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وهو ابن ثمان وعشرين وكانت ولايته إلى أن خلع ودعي بالخلافة للمأمون بخراسان وخلع بالعراق والحجاز بعد ذلك سنتين فكانت ولايته إلى أن قتل أربع سنين وثمانية أشهر واستقامت لأمير المؤمنين عبد الله المامون (تأريخ خليفة/ ٣١٠).\nوأخرج الحافظ ابن عساكر بسنده المتصل عن إسماعيل بن علي الحظي .. فكانت خلافة محمد الأمين منذ ورد الخبر عليه وهو ببغداد بوفاة هارون الرشيد، وسلم عليه بالخلافة إلى =","vol":"12","page":141},{"text":"وكان سبطًا أنزع أبيض صغير العينين أقنى، جميلًا، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. وكان مولده بالرصافة.\n* * *\nوذكر أن طاهرًا قال حين قتله:\nقَتَلتُ الخليفةَ في دارهِ ... وأَنهبْتُ بالسَّيْف أَموالَه\nوقال أيضًا:\n_________\n= يوم قتل ببغداد على يدي طاهر بن الحسين أربع سنين وسبعة أشهر وأحد عشر يومًا، ومنذ يوم توفي الرشيد إلى يوم وصل الخبر إلى الأمين اثنا عشر يومًا، فصفا الأمر لمحمد الأمين سنتين وأشهرًا، وكانت الفتنة والحرب بينه وبين المأمون سنتين وخمسة أشهر أول ذلك عند تسيير محمد الجيوش مع علي بن عيسى بن ماهان من بغداد إلى خراسان لحرب المأمون عند فساد الأمر بينه وبينه، وخلعه إياه من العهد الذي كان له بعد وتوجيه المأمون بطاهر بن الحسين في الجيش لتلقي علي بن عيسى ومحاربته فوصل علي بن عيسى بمن معه من الجيش إلى الري، ووافاه طاهر بن الحسين بمن معه فالتقوا بأكناف الري، فقتل علي بن عيسى وانفض عسكره ذلك يوم الجمعة لأربع بقين من شوال سنة خمس وتسعين ومائة، فقوي أمر المأمون عند ذلك بخراسان وسلم عليه بالخلافة، وضعف أمر محمد ولم يزل في سفال وإدبار، وجيوش المأمون تدق أصحابه في الملاد وتنفيهم عنها، وتغلّب المأمون عليها، ويدعى له بها إلى أنصار طاهر بن الحسين صاحب جيش المأمون وهرثمة بن أعين إلى مدينة السلام، فحصرا محمدًا فكان طاهر من الجانب الغربي، وهرثمة من الجانب الشرقي إلى أن قتل محمد ببغداد على يدي هرثمة ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان بين ورود طاهر إلى أكناف بغداد وشغب أهل الحربية على محمد وإدخالهم طاهر إلى بغداد وإحاطته بمحمد وحصره إياه في مدينة أبي جعفر إلى يوم قتله أربعة عشر شهرًا وسبعة عشر يومًا تأريخ [دمشق/ تر ٧١٠٠].\nوانظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٤) فقد قال قتل (أي الأمين) ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم يعني سنة ثمان وتسعين ومائة وقال أيضًا وكانت ولايته أربع سبعين وسبعة أشهر وثمانية أيام.\nوأخرج ابن عساكر بسنده المتصل إلى أبي حفص الفلاس قال: (.. فملك محمد أربع سنين وسبعة أشهر وعشرين ليلة ثم قتله طاهر ببغداد ليلة الأحد لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة (تأريخ دمشق/ تر ٧١٠٠).","vol":"12","page":142},{"text":"مَلَكتُ النَّاسَ قَسْرًا واقتدارَا ... وَقتَّلتُ الجبابرةَ الكِبَارا\nووجَّهتُ الخلافة نحو مَرْوٍ ... إلى المأْمون تَبْتَدِرُ ابتدارَا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>ذكر ما قيل في محمد بن هارون ومرثيته</span>\nفما قيل في هجائه:\nلِمْ نُبَكِّيك لِماذا؟ للطَّربْ! ... يا أبا موسى وَتَرْوِيج اللَّعِبْ\nوَلتَرْكِ الخمْسِ في أوقاتِهَا ... حَرَصًا مِنكَ على ماء العِنَبْ\nوَشَنيفٍ أَنا لا أَبكي لَهُ ... وعَلى كوثرَ لا أَخشى الْعَطَبْ\nلَمْ تكُنْ تَعرفُ ما حدّ الرِّضا ... لا ولا تَعْرفُ ما حَدُّ الغَضَبْ\nلم تكن تَصلُحُ للمُلكِ ولَمْ ... تُعطكَ الطاعةَ بالمُلك الْعَرَبْ\nأَيُّها الباكِي عَلَيْهِ لا بكتْ ... عينُ مَنْ أَبكاكَ إلَّا لِلعَجَبْ\nلِمْ نُبَكِّيكَ لمِا عَرَّضتَنا ... للمجانيق وَطَوْرًا للسَّلَبْ\nولقومٍ صَيَّرونَا أَعبُدًا ... لهمُ يَنزو على الرأس الذَّنَب\nفِي عذابٍ وحصارٍ مُجهدٍ ... سَدَّد الطُرقَ فَلَا وَجْهَ طَلَبْ\nزَعمُوا أَنَّكَ حيٌّ حاشِرٌ ... كُلُّ مَنْ قَالَ بهذَا قَدْ كَذَبْ\nلَيْتَ مَنْ قَدْ قَالهُ في وَحْدَةٍ ... مِنْ جميع ذاهب حيثُ ذَهَبْ\nأَوجَب اللهُ عَلَيْنَا قَتلَه ... فإذا ما أَوْجَبَ الأَمرَ وَجَبْ\nكانَ والله عَلينا فتنة ... غَضِبَ الله عَلَيْهِ وَكَتَبْ\nوقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكي بغداد، ويهجو طاهرًا ويعرض به:\nمَنْ ذا أصابكِ يا بَغدادُ بالعينِ ... أَلمْ تكُونِي زَمانًا قرّة العينِ!\nألم يكن فِيكِ أقوامٌ لهم شرف ... بالصالحات وبالمعروف يلقوني\nألم يكن فيك قومٌ كان مسكنُهمْ ... وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْنِ\nصاحَ الزمانُ بهمْ بالبيْن فانقرضُوا ... ماذَا الَّذِي فَجعَتْني لوعةُ الْبَينِ\nأَستوْدِعُ اللهَ قومًا ما ذكرتهُمُ ... إلا تحَدَّرَ ماءُ العيْن مِنْ عَيْنِي\nكانُوا ففرَّقَّهم دهرٌ وصدَّعهمْ ... والدَّهرُ يصدعُ ما بينَ الفريقينِ\nكم كانَ لِي مسعدٌ منهم على زمني ... كمْ كان منهم على المعروف من عونِ","vol":"12","page":143},{"text":"لله درُّ زمانٍ كان يجمعنُا ... أينَ الزمانُ الَّذي ولَّى ومِنْ أينِ!\nيا مَنْ يُخَرّبُ بغدادًا ليعْمرَها ... أهلكتَ نفسكَ ما بين الطريقيْن\nكانت قلوبُ جميعِ الناس واحِدَةً ... عيْنًا، وليس لكون العيْن كالدَّينِ\nلمَّا أَشَتَّهُمُ فرَّقتهُمُ فرقًا ... والنَّاُس طُرًا جميعًا بينَ قلبيْن\nوذكر عمر بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمي حدثه، أن لبانة ابنة علي بن المهدي قالت:\nأَبكيكَ لا للنَّعيم والأنْس ... بلِ للمعَالي والرُّمح والتُّرس\nأبكِي على هالكٍ فجعْتُ بهِ ... أَرْملني قبلَ ليْلة العُرس\nوقد قيل إن هذا الشعر لابنة عيسى بن جعفر، وكانت مملكة بمحمد.\nوقال الحسين بن الضحاك الأشقر، مولى باهلة، يرثي محمدًا، وكان من ندمائه، وكان لا يصدق بقتله، ويطمع في رجوعه:\nيا خيرَ أسرتِهِ وإنْ زعمُوا ... إِنِّي عليْكَ لمُثْبَتٌ أسِفُ\nاللهُ يعلمُ أنَّ لي كبدًا ... حَرَّى عليك ومُقلَةً تكِفُ\nولئنْ شَجِيتُ بما رُزئتُ به ... إنِّي لأضمِرُ فوق ما أصِفُ\nهلَّا بَقيتَ لسَدِّ فاقتنا ... أبدًا، وكان لغيركَ التلَفُ!\nفلقد خلَفْتَ خلائفًا سلَفُوا ... ولَسوفَ يُعْوزُ بعَدكَ الخَلَفُ\nلا باتَ رهطُكَ بَعدَ هفوتِهمْ ... إنِّي لِرهطكَ بعدها شَنِفُ\nهَتكوا بحُرمتكَ التي هُتكتْ ... حرمَ الرَّسولِ ودونَها السُّجفُ\nوثبتْ أقَاربكَ التي خذلَت ... وجميعها بالذُّلِّ معترفُ\nلم يفعلوا بالشَّطِّ إذ حضرُوا ... ما تفعلُ الغيرانةُ الأنفُ\nترَكوا حَريمَ أبيهمُ نفلًا ... والمحصناتُ صوارخٌ هتفُ\nأبدتْ مُخلخلها على دَهش ... أبكارهنَّ وَرَنَّتِ النَّصفُ\nسلبتْ معاجرهنَّ واجتليتْ ... ذاتُ النقابِ ونوزعَ الشَّنفُ\nفكأنهنَّ خلالَ منتهبٍ ... درٌّ تكشَّفَ دونهُ الصدفُ\nملكٌ تخوَّنَ ملكهُ قدرٌ ... فوهَى وصرفُ الدَّهر مختلفُ\nهيهاتَ بعدَك أن يدُومَ لنا ... عزٌّ وأن يَبقى لنا شرفُ\nلا هيَّبُوا صُحُفًا مُشرَّفةً ... للغادرينَ وتحتْها الجدَف","vol":"12","page":144},{"text":"أفبعدَ عهدِ اللهِ تقتله ... والقتلُ بعد أمانِهِ سرفُ\nفَسَتَعْرِفون غدًا بعاقبةٍ ... عزَّ الإله فأَورِدوا وَقِفُوا\nيا من يخون نومه أرق ... هدت الشجون وقلبه لهف\nقد كنتَ لي أملًا غنِيتُ به ... فمضَى وحلّ محلّهُ الأَسَفُ\nمرِجَ النظامُ وعادَ منكَرُنا ... عُرْفًا وأنكِر بَعدَكَ العُرُفُ\nفالشملُ مُنتشرٌ لفَقدكَ والدّ ... نْيا سُدًى والبالُ مُنكسِفُ\nوقال أيضًا يرثيه:\nإذا ذُكِرَ الأمينُ نعَى الأَمينا ... وإن رقَدَ الخلِيُّ حمَى الجُفونَا\nوما برحت منازلُ بين بُصرَى ... وكلواذى تهيّجُ لي شُجُونَا\nعراصُ المُلك خاويةٌ تهادَى ... بها الأَرواحُ تَنسُجُها فُنُونا\nتخوَّن عزَّ ساكِنها زمانٌ ... تلَعَّبَ بالقُرونِ الأوَّلينَا\nفشتَّتَ شَمْلَهُمْ بعدَ اجتماعٍ ... وكُنتُ بِحُسْنِ ألفتِهِمْ ضَنِينا\nفلم أَرَ بعدَهمْ حُسْنًا سواهُمْ ... ولمْ تَرَهُمْ عُيُونُ النَّاظِرينَا\nفَوَ أسفا وإن شَمَتَ الأعادِي ... وآهِ عَلى أمير المُؤمِنينا\nأضلَّ العُرْفَ بعدَكَ مُتبِعُوهُ ... وَرُفِّهَ عَنْ مَطَايَا الرَّاغِبينَا\nوكنَّ إلى جَنابِكَ كلَّ يومٍ ... يَرُحْنَ على السُّعودِ ويغتَدِينا\nهُوَ الجبَلُ الَّذي هَوَتِ المعالي ... لِهَدَّتِه وَرِيعَ الصَّالحُونَا\nستندُبُ بعدَكَ الدنيا جوارًا ... وتندُبُ بعْدكَ الدينَ المصُونَا\nفَقَدْ ذهَبَتْ بشَاشَةُ كلّ شيءٍ ... وعادَ الدِّينُ مطرُوحًا مَهينَا\nتعقَّد عِزُّ متصل بكِسْرى ... ومِلَّتِهِ وَذَلَّ المسلُمونَا\nوقال أيضًا يرثيه:\nأسفًا عليكَ سلاكَ أقربُ قربَةً ... مِنِّي وأحزَاني عليكَ تزيدُ\nوقال عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثي محمدًا:\nيا غرْبُ جودي قد بُتَّ من وذَمِهْ ... فَقَدْ فَقَدْنَا العزِيزَ من دِيَمِهْ\nأَلوَت بِدُنْياك كفُّ نائبةٍ ... وصِرْتَ مُغضًى لنا على نِقمهْ\nأصْبَحَ للموتِ عندنا علَمٌ ... يَضْحَكُ سِنُّ المَنُونِ من عَلَمِهْ","vol":"12","page":145},{"text":"ما استنزَلَت دَرَّةُ المنونِ على ... أكرمِ من حلَّ في ثرَى رَحِمِةْ\nخليفةُ الله في بريَّتِه ... تَقصُر أيدي المُلوكِ عن شِيمه\nيفترّ عَنْ وجهِهِ سَنَا قمرٍ ... ينشقّ عن نُورِهِ دُجَى ظُلمِهْ\nزُلزِلَتِ الأرضُ مِنْ جَوَانِبها ... إذْا أولِغَ السَّيْف من نجِيع دَمِهْ\nمَن سكَتَتْ نفسهُ لمصرعهِ ... من عُمُم النَّاس أو ذوِي رحمهْ\nرأيتُهُ مثلَ ما رآهُ به ... حَتى تذوقَ الأمَرَّ مِنْ سقَمِهْ\nكَمْ قَدْ رأينا عزيزَ مملكَةٍ ... يُنقَلُ عن أهلِهِ وعَنْ خَدَمِه\nيا مَلِكًا لَيْسَ بَعْدَهُ ملِكٌ ... لخاتَمِ الأَنبياءِ في أمَمِهْ\nجادَ وحيَّا الذي أقمتَ به ... سَحٌّ غزيرُ الوكيفِ من دِيَمِهْ\nلو أحجَمَ الموتُ عن أخي ثقَة ... أسْوِىَ في العِزِّ مستَوَى قَدَمِهْ\nأو ملِكٍ لا تُرَامُ سطوَتُهُ ... إلَّا مُرامَ الشَّتيمِ في أجمِهْ\nخلَّدَكَ العزُّ ما سَرَى سَدَفٌ ... أو قامَ طِفلُ العشيِّ في قدَمهْ\nأصبحَ مُلكٌ إذا اتَّزرْتَ به ... يقرَعُ سِنّ الشُّقاةِ من ندمه\nأثر ذو العرش في عِدَاكَ كما ... أثّر في عادِهِ وفي إرَمِه\nلا يبعدِ الله سُورَةً تليتْ ... لخير داعٍ دعاه في حرمِه\nما كنت إلا كحُلم ذي حُلمٍ ... أولَج بابَ السُّرورِ في حُلمِه\nحتَّى إذا أطلَقتْهُ رَقدَته ... عادَ إلى ما اعتراهُ من عَدَمِه\nوقال أيضًا يرثيه:\nأقولُ وَقَدْ دنوتُ منَ الفرارِ ... سُقيتَ الغيثَ يا قصرَ القرارٍ\nرمتكَ يدُ الزمانِ بسهم عين ... فصرتَ ملوَّحًا بدخانِ نارِ\nأبنْ لي عَنْ جميعكَ أينَ حلُّوا ... وأينَ مزارُهم بعدَ المزارِ\nوأينَ محمدٌ وابناهُ ما لي ... أرَى أطلالهُمْ سودَ الديارِ!\nكأن لم يؤنَسُوا بأَنيس مُلكٍ ... يصونُ على المُلُوك بخيْر جارِ\nإمامٌ كان في الحِدثانِ عونًا ... لَنَا والغيثَ يَمْنَحُ بالقِطَارِ\nلَقَدْ تَرَكَ الزَمَانُ بني أبِيهِ ... وقد غمرتهمُ سُودُ البِحَارِ\nأضاعُوا شمسهمْ فجرت بنَحْسٍ ... فصارُوا في الظَّلَام بلا نهارِ\nوأجْلَوْا عنهمُ قمرًا مُنيرًا ... وداستهمْ خيُولُ بني الشِّرار","vol":"12","page":146},{"text":"ولو كانُوا لهم كفوًا وَمثلًا ... إذَّا مَا تُوِّجُوا تِيجانَ عارِ\nألا بانَ الإِمامُ ووارثاه ... لَقَدْ ضرَما الحشَا منَّا بنار\nوقالوا الخُلدُ بيعَ فقلتُ ذلًا ... يَصيرُ ببائعيهِ إلى صَغَارِ\nكذاكَ المُلكُ يتبع أوّليهِ ... إذا قُطعَ القرَارُ منَ القرَارِ\nوقال مقدِّس بن صيفي يرثيه:\nخليلي ما أتتكَ به الخطوبُ ... فقد أعطتكَ طاعتهُ النحيبُ\nتدلَّتْ مِنْ شماريخِ المنايَا ... مَنَايا ما تقومُ لها القلوبُ\nخلال مقابرِ البستانِ قبرٌ ... يجاورُ قبرهُ أسدٌ غريبُ\nلقد عَظمَتْ مُصيبتُه عَلى مَنْ ... له في كلِّ مَكْرُمَةٍ نصيبُ\nعلى أمثالهِ العبراتُ تذرَى ... وتهتكُ في مآتمِهِ الجيوبُ\nوما اذَّخرَتْ زبيدةُ عنهُ دمعًا ... تخصُّ به النَّسيبةُ والنَّسيبُ\nدعُوا مُوسى ابنَه لِبكَاءِ دَهرٍ ... على مُوسى ابنِهِ دَخَلَ الخريب\nرأيتُ مشاهدَ الخلفاء منهُ ... خلاءً ما بساحتِها مجيبُ\nليهنِكَ أنَّني كهلٌ عليه ... أذوبُ وفي الحشا كبدٌ تذوبُ\nأصيبَ به البعيدُ فخرَّ حُزْنًا ... وعاين يومَهُ فيهِ المريبُ\nأنادى مِنْ بطونِ الأرضِ شخصًا ... يحرِّكُهُ النِّدَاءُ فما يُجيبُ\nلئن نعتِ الحُرُوبُ إليه نفسًا ... لقَدْ فُجِعَتْ بمصرعِهِ الحروبُ\nوقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر:\nلخيْرِ إمامٍ قامَ من خيْر عُنصرِ ... وأفضَل سامٍ فوقَ أعوادِ منْبر\nلوارِثِ علمِ الأولينَ وفهمِهِم ... وللملِكِ المأمونِ من أمِّ جعفرِ\nكتبْتُ وعينِي مُستَهِلٌّ دموعُها ... إليك ابنَ عمِّي من جُفوني ومَحجري\nوقد مسَّني ضرٌ وذلٌّ كآبةٍ ... وأرَّقَ عيني يا بنَ عمِّي تفكري\nوهِمتُ لما لاقيْتُ بعدَ مُصابِه ... فأَمري عظيم منكر جدَّ منكر\nسأشكو الذي لا قيتُهُ بعدَ فقدِهِ ... إليْكَ شكاةَ المستهامِ المقَهَّر\nوأرجُو لما مرَّ بي مُذْ فَقَدْته ... فأنت لبثي خيرُ ربٍّ مغير\nأتى طاهرٌ لا طهَّرَ اللهُ طاهرًا ... فما طاهر فيما أتَى بمطَهَّرِ\nفأخرجني مكشوفَةَ الوجهِ حاسرًا ... وأنهَبَ أموالي وأحرقَ آدرِي","vol":"12","page":147},{"text":"يعزُّ على هارونَ ما قَدْ لقيتُهُ ... وما مَرَّ بي من ناقِص الخلقِ أعور\nفإن كَانَ ما أسدَى بأمرٍ أمرتَه ... صَبرتُ لأمرٍ مِنْ قَدِير مقدِّر\nتَذَكَّر أميرَ المؤمنينَ قرابتي ... فديتك من ذي حرمةٍ متذكِّر\nوقال أيضًا يرثيه:\nسُبحانَ ربِك رب العزَّة الصمدِ ... ماذا أصبنَا بِهِ في صُبْحَةِ الأحَدِ\nوَمَا أُصيبَ به الإسلامُ قاطبةً ... من التَّضعضع في ركنَيْهِ والأَوَدِ\nمَنْ لم يُصَبْ بأمير المؤمنين وَلَمْ ... يُصبِحْ بمهلُكةٍ والهَمُّ في صُعُد\nفَقَدْ أصِبتُ به حتى تبين في ... عَقلِي وديني وفي دنيايَ والْجَسَدِ\nيا ليلةً يشتكي الإسلامُ مُدَّتها ... والعالَمون جميعًا آخر الأبدِ\nغدرت بالملك الميمون طائرهُ ... وبالإمام وبالضرغامةِ الأَسدِ\nسارتِ إلَيْهِ المنايا وهْي تَرْهبُه ... فواجهتْهُ بأوغادٍ ذوي عددِ\nبشُورجينَ وأغتامٍ يقودُهُم ... قريش بالبيضِ في قُمْصٍ من الزَّرَدِ\nفصادَفُوه وحيدًا لا مُعينَ لَهُ ... عليهمُ غائبَ الأنصار بالمددِ\nفجرَّعوه المنَايَا غيرَ ممتنِعٍ ... فردًا فيا لكَ من مستسلم فردِ\nيلقَى الوجوهَ بوجهٍ غير مبتذلٍ ... أبهَى وأنقَى من القوهيةِ الجدُدِ\nواحسرتَا وقريشٌ قد أحاطَ به ... والسيفُ مُرتعِدٌ في كفِّ مرتعِد\nفما تَحَرَّكَ بَلْ مازالَ منتصبًا ... منكَّسَ الرّأَس لم يبدِي ولمْ يُعِدِ\nحتى إذا السيف وافى وسطَ مفرقِه ... أذرتْهُ عنهُ يداه فعلَ متَّئد\nوقام فاعتلقتْ كَفَّاُه لبَّته ... كضيغمٍ شرسٍ مستبسلٍ لبدِ\nفاحتزَّهُ ثم أهوىِ فاستقلَّ به ... للأرضِ من كفِّ ليثٍ محرجٍ حردِ\nفكادَ يقتلُهُ لَوْ لمْ يكاثِرهُ ... وقام منفلتًا منْه ولمْ يكدِ\nهذا حديثُ أمير المؤمنينَ وما ... نقصتُ من أمرهِ حرفًا ولَمْ أزدِ\nلا زلتُ أندُبه حتَّى المماتِ وإن ... أخنَى عليه الَّذي أخنَى على لبدِ (١).\n_________\n(١) هذه القصائد في مراثي الأمين استغرقت الصفحات (٥٠١ - ٥٠٢ - ٥٠٣ - ٥٠٤ - ٥٠٥ - ٥٠٦ - ٥٠٧) ذكر المسعودي بعضها في تأريخه وكذلك ابن الأثير في الكامل، وقال الحافظ ابن كثير وقد ذكر ابن جرير مراثي كثيرة للناس في الأمين وذكر من أشعار الذين هجوه طرفًا (البداية والنهاية ٨/ ١٤٦).","vol":"12","page":148},{"text":"وذكر عن الموصلي أنه قال: لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرياستين، وقال: سلَّ علينا سيوف الناس وألسنتهم؛ أمرناه أن يبعث به أسيرًا فبعث به عقيرًا! وقال له المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه؛ فكتب الناس فأطالوا، وجاء أحمد بن يوسف بشبر من قرطاس فيه:\nأما بعد؛ فإن المخلوع كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصم الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين؛ يقول الله ﷿ حين اقتص علينا نبأ ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فلا طاعة لأحد في معصية إذا كانت القطيعة في جنب الله. وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وردّاه رداء نكثه، وأحْصد لأمير المؤمنين أمرَه، وأنجز له وعده، وما ينتظر من صادق وعده حين ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها (١).\n* * *\n_________\n(١) هذا الخبر الذي ذكره الطبري عن الموصلي ويعني به إسحاق أو أبوه إبراهيم ذكره الجهشياري بروايتين إذ قال في الأولى دون إسناد: ولما قتل طاهر محمدًا المخلوع، أنفذ رأسه إلى المأمون؛ فقال الفضل بن سهل: ما فعل بنا طاهر؟ سَلَّ علينا سيوف النّاس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به أسيرًا، فبعث به عَقِيرًا! (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).\nوأخرج الجهشياري قال: وذكر عليّ بن أبي سعيد أنه رأى رأس محمد وقد أدخله ذو الرياستين على تُرْس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد، ثم أمره المأمون أن ينشى كتابًا عن طاهر بخبره، ليقرأه على الناس؛ فكتب عدة كتب لم يرضها واستطالها، فكتب أحمد بن يوسف في ذلك كتابًا نُسْخَتُه: \"أما بعد، فإِن المخلوع وان كان قَسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرّق حكم الكتاب والسُّنة بينه وبينه في الولاية والحُرْمة، لمفارقته عِصْمة الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين، تقُولُ الله ﷿ فيما اقتصّ علينا من نَبَأ نوح: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، ولا صِلَة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، ورَدَّأَهُ رِدْءَ نكْثه، وأحصَدَ لأمير المؤمنين أمره، وأَنجز له ما كان ينتظره من وعده؛ فالحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلومَ حقه، الكائد له مَنْ خَتَرَ عَهْدَه، ونقض عَقْدَه، حتى ردّ اللهُ به الألفة بعد فرقتها، وأحيا به الأعلام بعد دُرُوسها، وجمع به الأمة بعد فرقتها، والسلام\" (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).","vol":"12","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1839>ذكر الخبر عن بعض سيَر المخلوع محمد بن هارون</span>\nذُكر عن حُميد بن سعيد، قال: لما ملك محمد، وكاتَبه المأمون، وأعطاه بيعتَه، طلب الخِصيان واتباعهم، وغالَى بهم، وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره، وقِوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه؛ وفرض لهم فرضًا سماهم الجراديّة، وفرضًا من الحبشان سمّاهم الغُرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رُمِي بهنّ؛ ففي ذلك يقول بعضهم:\nألا يَأ مُزمِنَ المثوى بطوسِ ... عَزيبًا ما يُفادَى بالنُّفُوسِ\nلقد أبقيتَ للخصيان بعلا ... تحَمَّلَ منهمُ شؤمَ البَسُوسِ\nفأَمّا نوفلٌ فالشأْنُ فِيهِ ... وفي بدرٍ، فيالك من جَليس!\nوما العُصمِيُّ بَشَّارٌ لديْهِ ... إذا ذُكِروا بذي سهمٍ خَسيسِ\nوما حَسَنُ الصغيرُ أَخسُّ حالًا ... لديه عند مخْترق الكؤوسِ\nلهمْ من عُمْره شَطرٌ وَشَطْرٌ ... يُعاقِرُ فيه شَربَ الخَنْدريسِ\nوَمَا للغانيات لَدَيْهِ حظُ ... سِوَى التَّقْطِيبِ بالوَجهِ العَبوسِ\nإذَا كانَ الرئيسُ كَذَا سَقِيمًا ... فكيفَ صَلاحُنا بعدَ الرئيس!\nفلو علمَ المقيمُ بدارِ طُوسٍ ... لَعزَّ على المقيم بدارِ طُوسِ (١)\nقال حميد: ولما ملك محمد وجّه جميع البلدان في طلب الملهِين وضمِّهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فُرْه الدوابّ، وأخذ الوحوش والسباع والطيْر وغير ذلك؛ واحتجب عن إخوته وأهل بيته وقوّاده، واستخفّ بهم، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه\n_________\n(١) هذا الخبر وخاصة العبارة الأولى منه: طلب الخصيان واتباعهم وغالى بهم .. الخ تناقلته بعض كتب التأريخ المتتالية وأصل الخبر هاهنا في تأريخ الطبري ذكره دون بيان الواسطة بينه وبين حميد بن سعيد والذي بدوره ذكره من كلامه ولم نجد لحميد هذا ترجمة في كتب التراجم ومصادرها - والخبر لا يصح بل هو من نبع الخيال - وحتى الروايات الضعيفة الأخرى التي سيذكرها الطبري بعد قليل تكذب عبارات هذا الخبر ومنها (رفض النساء الحرائر والإماء) وإلا كيف كان له من الأولاد مما سيذكر الطبري وكيف كان محاطًا بكل تلك الجواري كما تزعم الروايات الموضوعة الأخرى؟","vol":"12","page":150},{"text":"ومحدّثيه، وحُمِل إليه ما كان في الرّقّة من الجوهر والخزائن والسلاح، وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخُلْد والخَيْزرانية وبستان موسى وقصر عبدويه وقصر المعلّى ورقة كَلْواذى وباب الأنبار وبناورى والهوب؛ وأمر بعمل خمس حَرّاقات في دِجلة على خِلْقة الأسد والفيل والعُقاب والحيّة والفرس، وأنفق في عملها مالًا عظيمًا، فقال أبو نواس يمدحه:\nسَخَّرَ اللهُ لِلأَمين مَطَايَا ... لم تُسَخَّرَ لِصَاحِبِ المِحْرابِ\nفإِذا ما ركابُه سِرْن برًّا ... سارَ في الماء راكبًا ليث غَابِ\nأَسدًا باسطًا ذِرَاعيْهِ يَهوى ... أَهْرَتَ الشِّدْقِ كالحَ الأَنيَابِ\nلا يعانيهِ باللِّجامِ ولا السَّوطِ ... ولا غمزِ رجِله في الرّكابِ\nعجِب الناسُ إِذا رأَوكَ على صُو ... رةِ ليثٍ تمرّ مرَّ السَّحَابِ\nسبَّحوا إِذا رَأَوك سِرْت عليه ... كيف لو أَبصرُوك فَوْقَ العُقابِ\nذاتِ زَور ومِنْسر وجَناحين ... تَشُقّ العُبابَ بَعدَ العُبَابِ\nتسبق الطيرَ في السَّماء إِذا ما اسـ ... ـتَعجَلوها بجَيئةٍ وذهابِ\nبَارَك الله للأَميرِ وأَبْقَاه ... وأَبْقَى لَهُ ردَاءَ الشباب\nملِكٌ تَقصُرُ المدَائحُ عنهُ ... هاشميٌّ موفَّقٌ للصوابِ (١)\nوذُكر عن الحسين بن الضحّاك، قال: ابتنى الأمير سفينةً عظيمة، أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتّخذ أخرى على خلقة شيء يكون في البحر يقال له الدُّلْفِين، فقال في ذلك أبو نواس الحسن بن هانئ:\nقد ركبَ الدُّلفينَ بَدرُ الدجى ... مقتحمًا في الماءِ قَدْ لَحَّجا\nفأَشْرَقَتْ دِجلةُ في حُسْنِهِ ... وأَشرَقَ الشَّطَّان واستَبْهجا\n_________\n(١) لو كان هذا صحيحًا لأفرج طاهر بن الحسين عن كل تلك الوحوش والسباع والطير وغير ذلك بعد مقتل الأمين أو أنها انطلقت خارج أقفاصها أثناء الهرج والمرج حين الحصار وقذف بغداد بالمنجنيق وفلتان الأمور ولتناقلته الألسن والأقلام ولكن لم يحصل ولو كان حقًّا أَحاط نفسه بالخصيان وغيرهم وترك أهل بيته وقواده، لما دَافع عنه الناس ذلك الدفاع الشديد ولفتحت بغداد بسهولة ولسلّمه حراسه وحاشيته كما فعلوا قبل ما يقرب من قرن من الزمان بالوليد الأموي الفاسق الذي تولى بعد هشام بن عبد الملك، والحمد لله الذي أظهر لنا هشاشة المتن ناهيك عن إسناده المهلهل الذي انعدم السلسلة إلا من واحد هو حميد بن سعيد ولم نجد له ذكرًا في كتب التراجم.","vol":"12","page":151},{"text":"لم تَرَ عيني مثلَهُ مَرْكَبًا ... أَحسنَ إِن سَارَ وإن أَجنحا\nإِذا استَحثثتْهُ مجادِيفُهُ ... أَعنَقَ فَوْقَ الماء أَو هَمْلَجا\nخصَّ به اللهُ الأَمين الَّذِي ... أَضحى بتاج الملك قد تُوِّجا (١)\nوذكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما المغنّى الكُوفيّ أنه قال: كان العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر من رجالات بني هاشم جَلَدًا وعقلًا وصنيعًا؛ وكان يتّخذ الخَدَم، وكان له خادم من آثر خَدَمِه عنده يقال له منصور، فوجَد الخادم عليه، فهرب إلى محمد، وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظِي عنده حُظوةً عجيبة. قال: فركب الخادم يومًا في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال لهم السيّافة، فمرّ بباب العباس بن عبد الله؛ يريد بذلك أن يُرِيَ خدم العباس هيئته وحاله التي هو عليها. وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج محضرًا في قميص حاسرًا، في يده عمود عليه كِيُمخت، فلحقه في سويقة أبي الورد، فعلِق بلجامه، ونازعه أولئك الخدم، فجعل لا يضرب أحدًا منهم إلا أوهنه، حتى تفرّقوا عنه، وجاء به يقوده حتى أدخله داره. وبلغ الخبر محمدًا، فبعث إلى داره جماعةً، فوقفوا حيالها، وصفّ العباس غلمانه ومواليه على سور داره، ومعهم التِّرسة والسهام، فقام أحمد بن إسحاق: فخفنا والله النار أن تحرق منازلنا؛ وذلك أنهم أرادوا أن يحرِقوا دار العباس. قال: وجاء رشيد الهارونيّ، فاستأذن عليه فدخل إليه، فقال: ما تصنع! أتدري ما أنت فيه وما قد جاءك! لو أذِن لهم لاقتلعوا دارك بالأسنّة، ألستَ في الطاعة! قال: بلى، قال: فقم فاركب. قال: فخرج في سَواده، فلما صار على باب داره، قال: يا غلام؛ هلمّ دابتي فقال رشيد: لا ولا كرامة! ولكن تمضي راجلًا. قال: فمضى، فلما صار إلى الشارع نظر؛ فإذا العالمون قد\n_________\n(١) وهذا مثال ثالث للأخبار الموضوعة فالحسين بن ضحاك شاعر ماجن خليع سمّي الخليع لكثرة مجونه وخلاعته (وفيات الأعيان/ ٢/ ١٦٢) ولو كان صادقًا في قوله أن الأمين ابتنى سفنًا على شكل الدلفين أو كما قال سلفه من قبل (حميد بن سعيد) على شكل الأسد أو الفيل والعقاب والحية والفرس فأين كانت كل تلك السفن والحراقات يوم لم يجد إلا حراقة واحدة جهزه له خصومه لما أراد العبور إلى هرثمة وسقط في الماء فأين كان أسطوله النهري ذلك؟ إلا أنه خيال الوضاعين والماجنين من أمثال الحسين بن الضحاك الخليع.","vol":"12","page":152},{"text":"جاءوا، وجاءه الجُلوديّ والإفريقيّ وأبو البطّ وأصحاب الهِرْش. قال: فجعل ينظر إليهم، وأنا أراه راجلًا ورشيد راكب. قال: وبلغ أمّ جعفر الخبرُ، فدخلت على محمد، وجعلت تطلب إلى محمد، فقال لها: نُفيتُ من قرابتي من رسول الله - ﷺ - إن لم أقتله! وجعلتْ تلحّ عليه، فقال لها: والله إني لأظنني سأسطو بك. قال: فكشفت شعرَها، وقالت: ومن يدخل عليّ وأنا حاسر! قال: فبينا محمد كذلك - ولم يأت العباس بعدُ - إذ قدم صاعد الخادم عليه بقتل عليّ بن عيسى بن ماهان، فاشتغل بذلك، وأقام العباس في الدّهليز عشرة أيام، ونسيه ثم ذكره، فقال: يُحبَس في حُجْرة من حُجَر داره، ويدخل عليه ثلاثة رجال من مواليه من مشايخهم يَخْدُمونه، ويُجعل له وظيفة في كلّ يوم ثلاثة ألوان. قال: فلم يزل على هذه الحال حتى خرج حسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، ودعا إلى المأمون، وحبس محمد. قال فمرَّ إسحاق بن عيسى بن علي ومحمد بن محمد المعبديّ بالعباس بن عبد الله وهو في منظرة، فقالا له: ما قعودك؟ اخرج إلى هذا الرجل - يعنيان حسين بن عليّ - قال: فخرج فأتى حسينًا، ثم وقف عند باب الجسر؛ فما ترك لأم جعفر شيئًا من الشتم إلا قاله، وإسحاق بن موسى يأخذ البيعة للمأمون. قال: ثم لم يكن إلا يسيرًا حتى قتِل الحسين، وهرب العباس إلى نهر بين إلى هَرْثمة، ومضى ابنه الفضل بن العباس إلى محمد، فسعى إليه بما كان لأبيه، ووجّه محمد إلى منزله، فأخذ منه أربعة آلاف ألف درهم وثلثمائة ألف دينار، وكانت في قماقم في بئر، وأُنْسوا قمقميْن من تلك القماقم، فقال: ما بقي من ميراث أبي سوى هذين القمقمين، وفيهما سبعون ألف دينار. فلما انقضت الفتنة وقُتِل محمد رجع إلى منزله فأخذ القمقمين وجعلهما ..... وحجّ في تلك السنة، وهي سنة ثمان وتسعين ومائة (١).\nقال أحمد بن إسحاق: وكان العباس بن عبد الله يحدّث بعد ذلك؛ فيقول: قال لي سليمان بن جعفر ونحن في دار المأمون: أمَا قتلت ابنك بعدُ؟ فقلت:\n_________\n(١) أحمد بن إسحاق بن برصوما لم نجد له ترجمة في كتب التراجم وإن كان لقب المغني مقصودًا به هو (أحمد) فكيف يكون عدلًا ثقة لنعتمد على خبره، ولم نجد للخبر تأييدًا من مصدر آخر ثقة والله أعلم.","vol":"12","page":153},{"text":"يا عمّ، جعلت فداك! ومن يقتل ابنه! فقال لي: اقتله؛ فهو الذي سعى بك وبمالك فأفقرك.\nوذُكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما، قال: لمّا حُصِر محمد وضغطه الأمر، قال: ويحكم! ما أحد يستراح إليه! فقيل له: بلى، رجل من العرب من أهل الكوفة، يقال له وضّاح بن حبيب بن بديل التميميّ؛ وهو بقيّة من بقايا العرب، وذو رأي أصيل، قال: فأرسلوا إليه، قال: فقدم علينا، فلمّا صار إليه قال له: إني قد خُبّرت بمذهبك ورأيك، فأَشِر علينا في أمرنا، قال له: يا أميرَ المؤمنين، قد بطل الرأي اليوم وذهب؛ ولكن استعمل الأراجيف؛ فإنها من آلة الحرب؛ فنصب رجلًا كان ينزل دُجيلًا يقال له بكير بن المعتمر؛ فكان إذا نزلت بمحمد نازلة وحادثة هزيمة قال له: هات؛ فقد جاءنا نازلة، فيضع له الأخبار، فإذا مشى الناس تبيّنوا بُطلانها. قال أحمد بن إسحاق: كأني أنظر إلى بكير بن المعتمر شيخ عظيم الخلْق (١).\nوذكر عن العباس بن أحمد بن أبان الكاتب، قال: حدّثنا إبراهيم بن الجرّاح، قال: حدّثني كوثر، قال: أمر محمد بن زُبيدة يومًا أن يفرَش له على دُكان في الخُلْد، فبسط له عليه بساط زَرَعيّ، وطُرِحت عليه نمارق وفُرش مثله، وهُيّئ له من آنية الفضة والذهب والجوهر أمر عظيم، وأمر قيّمةَ جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتُصعَد إليه عشرًا عشرًا، بأيديهنّ العيدان يغنّين بصوت واحد؛ فأصعدت إليه عشرًا، فلما استوين على الدكان اندفعن فغنّين:\nهُم قَتَلُوهُ كَي يَكُونوا مَكَانَهُ ... كَمَا غدَرَتْ يومًا بِكِسْرَى مرازِبُهْ\nقال: فتأفّف من هذا، ولعنها ولعن الجواري، فأمر بهنّ فأنزلن، ثم لبث هنيهة وأمرها أن تُصعد عشرًا، فلما استوين على الدكان اندفعن فغنّين:\nمَنْ كانَ مَسْرورًا بمقتلِ مالكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوتَنا بِوَجْهِ نَهار\nيجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... يَلطُمْن قَبْلَ تبلّج الأَسْحَارِ\nقال: فضجر وفعل مثل فَعْلته الأولى، وأطرق طويلًا، ثم قال: أصعِدِي عشرًا، فأصعدتهنّ، فلمّا وقفن على الدّكان، اندفعن يغنين بصوت واحد:\n_________\n(١) انظر الخبر السابق وتعليقنا عليه.","vol":"12","page":154},{"text":"كُلَيبٌ لَعَمْري كَانَ أَكثر نَاصِرًا ... وأَيْسرَ ذَنبًا منك ضرِّجَ بالدَّمِ\nقال: فقام من مجلسه، وأمر بهدم ذلك المكان تَطَيُّرًا مما كان (١).\nوذُكر عن محمد بن عبد الرحمن الكنْديّ، قال: حدّثني محمد بن دينار، قال: كان محمد المخلوع قاعدًا يومًا، وقد اشتدّ عليه الحصار، فاشتدّ اغتمامه، وضاق صدره؛ فدعا بندمائه والشراب ليتسلَّى به، فَأُتِيَ به، وكانت له جارية يتحظّاها من جواريه، فأمرها أن تُغَنِّي، وتناول كأسًا ليشربه؛ فحبس الله لسانها عن كل شيء، فغنّت:\nكُلَيبٌ لَعَمْري كَانَ أَكثر نَاصِرًا ... وأَيْسرَ ذَنبًا منك ضرِّجَ بالدَّمِ\nأرماها بالكأس الذي في يده، وأمر بها فطُرحت للأسد، ثم تناول كأسًا أخرى، ودعا بأخرى فغنَّت:\nهُمُ قَتَلُوهُ كَيْ يَكُونُوا مَكَانَهُ ... كَمَا غَدَرَتْ يَوْمًا بكِسْرَى مَرازبُهْ\nفرمى وجهها بالكأس، ثم تناول كأسًا أخرى ليشربها، وقال لأخرى: غَنّي، فغنت:\nقَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيم أَخِي\nقال: فرمى وجهها بالكأس، ورمى الصينيّة برجله، وعاد إلى ما كان فيه من همّه، وقُتِل بعد ذلك بأيام يسيرة.\nوذُكر عن أبي سعيد أنه قال: ماتت فَطِيم - وهي أمّ موسى بن محمد بن هارون المخلوع - فجزع عليها جزعًا شديدًا، وبلغ أمّ جعفر، فقالت: احملوني إلى أمير المؤمنين، قال: فحمِلت إليه، فاستقبلها، فقال: يا سيّدتي، ماتت فَطِيم، فقالت:\nنَفْسي فداؤك لا يذهبْ بك اللَّهَفُ ... ففي بقائِكَ مِمَّن قَدْ مضى خَلَفَ\nعُوّضتَ مُوسى فهانتْ كلُّ مَرْزِئةٍ ... ما بَعْدَ مُوسى على مفقودةٍ أَسَفُ\nوقالت: أعظم الله أجرك، ووفّر صبرك، وجعل العزاء عنها ذخرك!\n_________\n(١) راوي الخبر (كوثر) خادم الأمين مجهول الحال وأما انشغال المأمون باللهو والعبث فقد اتهمه بعض المؤرخين المتقدمين بذلك وإن كان فيه كثير مبالغة ولكن هذه الرواية بالذات غير صحيحة والله أعلم.","vol":"12","page":155},{"text":"وذكر عن إبراهيم بن إسماعيل بن هانئ، ابن أخي أبي نواس، قال: حدثني أبي قال: هجا عمُّك أبو نواس مُضَر في قصيدته التي يقول فيها:\nأَمّا قريشٌ فَلَا افتخارَ لَهَا ... إلَّا التِّجاراتُ مِنْ مَكَاسِبِها\nوأَنَّها إِن ذكرتَ مكْرُمةً ... جاءَت قريشٌ تسعى بغالبِها\nإِنَّ قريشًا إِذا هي انتَسبت ... كان لها الشَّطرُ من مناسبها\nقال: يريد أن أكرمها يُغالب. قال: فبلغ ذلك الرّشيدَ في حياته، فأمر بحبسه؛ فلم يزل محبوسًا حتى ولي محمد، فقال يمدحه، وكان انقطاعه إليه أيام إمارته، فقال:\nتَذكَّرْ أَمينَ اللهِ والعهدُ يُذكَرُ ... مُقامِي وإنشادِيكَ والنَّاسُ حُضَّرُ\nونثرى عليك الدُّرَّ يا درّ هاشمٍ ... فيا مَنْ رَأَى دُرًّا على الدرّ يُنثر!\nأَبُوك الَّذي لم يملكِ الأَرضَ مثلُه ... وعمُّك مُوسى عَدْلُهُ المتخَيَّرُ\nوجدّك مهدي الهدَى وشقيقهُ ... أَبو أُمّك الأَدنى أَبو الفضل جعفر\nوما مثلُ منصوريْك: منصورِ هاشمٍ ... ومنصور قحطانٍ إذا عُدَّ مفخَر\nفَمنْ ذَا الَّذِي يرمي بسهمَيْك في العلا ... وعَبْد منافٍ والدَاكَ وحِمْيرُ\nقال: فتغنّت بهذه الأبيات جارية بين يدي محمد، فقال لها: لمن الأبيات؟ فقيل له: لأبي نواس، فقال: وما فعل؟ فقيل له: محبوس، فقال: ليس عليه بأس. قال: فبعث إليه إسحاق بن فِراشة وسعيد بن جابر أخا محمد من الرضاعة، فقالا: إن أمير المؤمنين ذكرك البارحة فقال: ليس عليه بأس، فقال أبياتًا، وبعث بها إليه، وهي هذه الأبيات:\nأَرقتُ وطَارَ عَنْ عَيْنِي النُّعَاسُ ... وَنَامَ السَّامِرُون وَلمْ يُؤَاسُوا\nأَمينَ الله قد مُلِّكتَ مُلكًا ... عَلَيكَ مِن التُّقَى فِيهِ لِبَاسُ\nووجهك يَستهلُّ نَدىً فَيحيا ... به في كلّ ناحيةٍ أُناسُ\nكأَنَّ الخلقَ في تمثالِ رُوحٍ ... لَهُ جَسدٌ وأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ\nأَمينَ الله إِنَّ السِّجْنَ بأْسٌ ... وقَدْ أَرْسَلتَ: ليس عليك باسُ\nفلما أنشده قال: صدَق، عليّ به، فجيء به في الليل، فكسرتْ قيوده، وأخرِج حتى أدخل عليه، فأنشأ يقول:\nمَرحبًا مَرحبًا بخير إِمامٍ ... صيغَ من جَوْهَرِ الخلافةِ نَحْتَا","vol":"12","page":156},{"text":"يا أَمينَ الإِله يكلؤك اللـ ... ـه مُقِيمًا وظاعنًا حيث سِرْتا\nإِنَّما الأَرض كلُّها لَكَ دارٌ ... فَلَكَ الله صاحبٌ حَيْثُ كُنْتَا\nقال: فخلع عليه، وخلَّى سبيله، وجعله في ندمائه (١).\nوذُكر عن عبد الله بن عمرو التميميّ، قال: حدّثني أحمد بن إبراهيمُ الفارسيّ، قال: شرب أبو نواس الخمر، فرُفع ذلك إلى محمد في أيامه، فأمر بحبسه، فحبسه الفضل بن الربيع ثلاثة أشهر، ثم ذكره محمد، فدعا به وعنده بنو هشام وغيرهم، ودعا له بالسيف والنَّطَع يهدّده بالقتل، فأنشده أبو نواس هذه الأبيات:\nتَذَكَّرْ أَمينَ اللهِ والْعَهْدُ يُذْكَرُ\nالشعر الذي ذكرناه قبل، وزاد فيه:\nتَحسنتِ الدُّنيْا بِحُسْنِ خليفةٍ ... هُو الْبَدْرُ إِلَّا أَنَهُ الدَّهرَ مُقمِرُ\nإِمامٌ يسُوسُ الناسَ سَبْعِين حِجَّةً ... عليه لَهُ منها لباسٌ ومئزر\nيُشير إِليه الجودُ من وَجَناتِهِ ... وَيَنْظُرُ من أَعطافِه حِينَ يَنْظُرُ\nأَيا خيرَ مأْمولٍ يرجَّى، أَنا امرؤٌ ... رهِينٌ أَسِيرٌ في سُجُونك مُقفِرُ\nمَضَى أَشهرٌ لي مُذْ حبسْتُ ثلاثة ... كأَنيَ قد أَذنبتُ ما ليس يُغْفَرُ\nفإِن كنتُ لم أذْنِبْ ففيمَ تَعَقُّبي! ... وِإن كُنتُ ذا ذنبٍ فعفوُك أَكثرُ\nقال: فقال له محمد: فإن شربتَها! قال: دمي لك حلال يا أمير المؤمنين، فأطلقه. قال: فكان أبو نواس يشمّها ولا يشربها وهو قوله:\nلا أَذُوقُ المُدامَ إِلَّا شميما (٢)\nوذكر عن مسعود بن عيسى العبديّ، قال: أخبرني يحيى بن المسافر القَرْقِسائيّ، قال: أخبرني دُحَيْم غلام أبي نواس؛ أن أبا نواس عتب عليه محمد في شرب الخمر، فطبق به - وكان للفضل بن الربيع خالٌ يستعرض أهل\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل (٥١٤ - ٥١٥ - ٥١٦) ذكره ابن عساكر مع بعض الاختلاف والتقديم والتأخير والاختصار [انظر تأريخ دمشق/ مجلد ٥٦/ ٢٢٥/ تر ٧١٠٠].\n(٢) انظر تأريخ دمشق [مجلد ٥٦/ ٢٢٦/ تر ٧١٠٠].","vol":"12","page":157},{"text":"السجون ويتعاهدُهم ويتفقدّهم - ودخل في حبس الزنادقة، فرأى فيه أبا نواس - ولم يكن يعرفه - فقال له: يا شابّ، أنت مع الزنادقة! قال: معاذ الله، قال: فلعلك ممّن يعبد الكبش، قال: أنا آكل الكَبْشَ بصوفه، قال: فلعلك ممّن يعبد الشمس؟ قال: إني لأتجنب القعود فيها بغضًا لها، قال: فبأيّ جرم حبِست؟ قال: حبست بتهمة أنا منها برئ، قال: ليس إلا هذا؟ قال: والله لقد صدقتُك. قال: فجاء إلى الفضل، فقال له: يا هذا، لا تحسنون جوار نعم الله ﷿! أيُحْبَسُ الناس بالتّهمة! قال: وما ذاك؟ فأخبره بما ادّعى من جُرمه، فتبسّم الفضل، ودخل على محمد، فأخبره بذلك، فدعا به، وتقدّم إليه أن يجتنب الخمر والسكر، قال: نعم، قيل له: فبعهد الله! قال: نعم، قال: فأخرِج، فبعث إليه فتيان من قريش فقال لهم: إني لا أشرب، قالوا: وإن لم تشرب فآنِسْنا بحديثك، فأجاب، فلما دارت الكأس بينهم، قالوا: ألم ترتح لها؟ قال: لا سبيل والله إلى شربها، وأنشأ يقول:\nأَيُّها الرَّائِحَانِ باللومِ لُومَا ... لا أَذُوق المُدامَ إِلا شمِيما\nنَالَنِي بالمَلامِ فيها إِمامٌ ... لا أُرَى في خلافِهِ مستقيما\nفَاْصِرفَاهَا إِلى سِوَايَ فإِني ... لَسْتُ إِلَّا على الحديث نَدِيمَا\nإِنَّ حظّي منها إِذا هيَ دارَت ... أَن أَرَاهَا وأَن أَشَمَّ النَّسيما\nفكأَنِّي وَمَا أحَسِّنُ مِنْها ... قَعَدِيٌّ يُزَيّنُ التَّحكيما\nكَلَّ عن حَمْلةِ السِّلاح إلى الحَرْ ... بِ فأَوصى المطيقَ أَلا يُقِيما (١)\nوذُكِرَ عن أبي الورد السُّبْعيّ أنه قال: كنت عند الفَضل بن سهل بخُراسان، فذكر الأمين، فقال: كيف لا يُسْتَحلّ قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه:\nأَلا سَقِّنِي خَمْرًا وقلْ لي هِيَ الْخَمْرُ ... وَلا تَسْقِني سرًّا إِذا أَمكَنَ الجهْرُ\nقال: فبلغت القصّةُ محمدًا، فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه (٢).\nوذكر كامل بن جامع عن بعض أصحاب أبي نواس ورواته، قال: كان أبو نواس قال أبياتًا بلغت الأمين في آخرها:\nوقد زَادَني تِيهًا على النَّاسِ أَنَّني ... أَرانيَ أَغنَاهُمْ إِذا كنتُ ذَا عُسرِ\n_________\n(١) انظر الوزراء والكتاب للجهشياري (٢٩٦).\n(٢) انظر الوزراء والكتاب (٢٩٥).","vol":"12","page":158},{"text":"وَلَوْ لم أَنلْ فَخرًا لكانت صيانَتي ... فمِي عن جميع الناس حَسْبي من الفخر\nولا يَطمَعَنْ في ذَاكَ منِّيَ طامِع ... ولا صَاحِبُ التَّاج المحجَّبُ في القصرِ\nقال: فبعث إليه الأمين - وعنده سليمان بن أبي جعفر - فلما دخل عليه، قال: يا عاضّ بَظْر أمّه العاهرة! يا بن اللخناء - وشتمه أقبح الشتم - أنت تكسب بشعرك أوساخ أيدي اللئام، ثم تقول:\nولا صاحبُ التاج المحجب في القصر\nأما والله لا نلتَ مني شيئًا أبدًا. فقال له سليمان بن أبي جعفر، والله يا أمير المؤمنين، وهو من كبار الثنويَّة، فقال محمد: هل يشهد عليه بذلك شاهد؟ فاستشهد سليمان جماعة، فشهد بعضهم أنه شرب في يوم مطير، ووضع قَدَحه تحت السماء، فوقع فيه القطر، وقال: يزعمون أنه ينزل مع كلّ قطرة مَلك، فكم ترى أني أشرب الساعة من الملائكة! ثم شرب ما في القَدَح، فأمر محمد بحبسه، فقال أبو نواس في ذلك:\nيَا رَبّ إِنَّ القَوْمَ قد ظَلَمُونِي ... وَبلَا اقتِرافِ تَعَطُّلٍ حَبَسُونِي\nوِإلى الجُحودِ بما عَرفتَ خلَافَهَ ... مِنِّي إِليه بكيدهمْ نَسَبُوني\nما كان إلا الجرْيُ في مَيْدانِهِمْ ... في كلِّ جَرْيٍ والمخافةُ ديني\nلا العذرُ يُقبل لي فيَفرقَ شَاهِدِي ... منهم ولا يرضوْن حَلفَ يَمينِي\nولكان كوثرُ كان أَوْلى مَحْبسًا ... في دار مَنقَصةٍ ومنزل هُونِ\nأَمّا الأَمينُ فلست أَرجو دفعَهُ ... عنِّي، فمن لِي اليومَ بالمأْمون!\nقال: وبلغت المأمونَ أبياته، فقال: والله لئن لحقته لأَغنِيَنَّه غنى لا يؤمّله، قال: فمات قبل دخول المأمون مدينة السلام (١).\nقال: ولما طال حبسُ أبي نواس، قال في حبسه - فيما ذكر - عن دِعامة:\nاِحمدوا اللهَ جميعًا ... يا جَمِيعَ المُسْلِمينا\nثم قولوا لا تَمَلُّوا ... رَبَّنَا أَبقِ الأَمينَا\nصيَّر الخِصيَانَ حتَّى ... صيَّر التَّعْنِينَ دِينَا\nفاقتدَى النَّاس جميعًا ... بأَميرِ المؤمنينا\n_________\n(١) انظر الوزراء والكتاب للجهشياري (٢٩٦).","vol":"12","page":159},{"text":"قال: وبلغت هذه الأبيات أيضًا المأمون وهو بخراسان، فقال: إنِّي لأتوكَّفُه أن يهرب إليّ.\nوذكر يعقوب بن إسحاق، عمن حدّثه، عن كوثر خادم المخلوع، أنّ محمدًا أرِقَ ذات ليلة، وهو في حَرْبه مع طاهر، فطلب مَنْ يسامره فلم يقرب إليه أحد من حاشيته، فدعا حاجبيه، فقال: ويلك! قد خطرت بقلبي خطرات فأحضِرْني شاعرًا ظريفًا أقطع به بقيّة ليلتي، فخرج الحاجب، فاعتمد أقرب مَنْ بحضرته، فوجد أبا نواس، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال له: لعلك أردتَ غيري! قال: لم أرد أحدًا سواك. فأتاه به، فقال: مَنْ أنت؟ قال: خادمك الحسن بن هانئ، وطليقك بالأمس، قال: لَا تُرَعْ؛ إنه عرضتْ بقلبي أمثال أحببت أن تجعلها في شعر، فإن فعلتَ ذلك أجزتُ حكمك فيما تطلب، فقال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قولهم: عفا الله عمّا سلف، وبئس والله ما جَرَى فرسِي، واكسري عودًا على أنفِك، وتمنّعي أشهى لك. قال: فقال أبو نواس. حكمي أربع وصائف مقدودات، فأمر بإحضارهنّ، فقال:\nفقَدتِ طُولَ اعتلالِكْ ... وما أرى في مِطالكْ\nلقدْ أردتِ جفائي ... وقد أردتُ وصالكْ\nماذا أردت بهذا! ... تمنّعي أَشْهَى لك\nوأخذ بيد وصيفة فعزلها، ثم قال:\nقد صحّت الأَيمانُ من حَلفِكِ ... وصِحْتُ حتى متُّ مِنْ خلفِكِ\nبالله يا ستِّي احنثي مَرَّةً ... ثم اكسِري عُودًا على أنفِكِ\nثم عزل الثانية، ثم قال:\nفديْتُكِ مَاذا الصَّلف ... وشتْمُكِ أَهلَ الشرَفْ!\nصِلِي عاشقًا مدنفًا ... قَد اعتِب ممّا اقترفْ\nولا تَذكُرِي ما مضَى ... عَفَا اللهُ عما سَلَف\nثم عزل الثالثة، وقال:\nوَبَاعِثَاتٍ إِليَّ في الغلَسِ ... أَنِ ائتِنَا واحترسْ من العَسَسِ\nحتى إِذا نُوِّم العُدَاةُ ولمْ ... أَخمتىَ رقيبًا ولا سَنَا قبَسِ\nركبتُ مُهرِي وقد طرِبتُ إِلى ... حُورٍ حِسانٍ نوَاعِمٍ لعُسِ","vol":"12","page":160},{"text":"فجئتُ والصبْح قد نهضت له ... فَبئسَ واللهِ ما جَرَى فَرَسِي\nفقال: خذهنّ لا بارك الله لك فيهنّ!\nوذكر عن الموصليّ، عن حسين خادم الرّشيد، قال: لما صارت الخلافة إلى محمد هيئ له منزلٌ من منازله على الشطّ، بفرش أجود ما يكون من فرش الخلافة وأسواه، فقال: يا سيّدي؛ لم يكن لأبيك فرش يباهي به الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا؛ فأحببت أن أفرشه لك، قال: فأحببت أن يفرش لي في أوّل خلافتي المردراج، وقال: مزّقوه، قال: فرأيت والله الخدم والفراشين قد صيّرُوه ممزقًا وفرّقوه.\nوذكر عن محمد بن الحسن، قال: حدثني أحمد بن محمد البرمكيّ أن إبراهيم بن المهديّ غنّى محمد بن زبيدة:\nهَجَرْتُك حَتى قِيلَ لا يَعْرِفُ القِلى ... وزُرْتكِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ له صَبرُ\nفطرب محمد، وقال: أوقروا زورقه ذهبًا.\nوذُكر عن عليّ بن محمد بن إسماعيل، عن مخارق، قال: إني لعند محمد بن زُبيدة يومًا ماطرًا، وهو مصطبح، وأنا جالس بالقرب منه، وأنا أغنِّي وليس معه أحد، وعليه جبّة وَشْى، لا والله ما رأيت أحسن منها. فأقبلت أنظر إليها، فقال: كأنك استحسنتَها يا مخارق! قلت: نعم سيدي؛ عليك لأنّ وجهك حسن فيها، فأنا أنظر إليه وأعوّذك. قال: يا غلام، فأجابه الخادم، قال: فدعا بجُبّة غير تلك، فلبسها وخلع التي عليه عليّ، ومكثت هنيهة ثم نظرت إليه، فعاودني بمثل ذلك الكلام، وعاودته، فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جِباب ظاهرتُ بينها. قال: فلما رآها عليَّ ندم وتغيّر وجهه، وقال: يا غلام، اذهب إلى الطباخين فقل لهم: يطبخوا لنا مصليّة، ويجيدوا صنعتها، وأتني بها الساعة، فما هو إلا أن ذهب الغلام حتى جاء الخِوان، وهو لطيف صغير، في وسطه غضّارة ضَخْمة ورغيفان، فوضعت بين يديه، فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفةَ، ثم قال: كُلْ يا مخارق، قلت: يا سيّدي، أعفِني من الأكل، قال: لست أعفيك فكلْ، فكسرت لقمة، ثم تناولت شيئًا، فلما وضعته في فمي، قال: لعنك الله! ما أشرهك! نغّصتها عليّ وأفسدتَها، وأدخلت يدك فيها، ثم رفع الغضّارة بيده، فإذا هي في حجْري، وقال: قم لعنك الله! فقمت، وذاك","vol":"12","page":161},{"text":"الودك والمرَق يسيل من الجباب، فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلي، ودعوت القصّارين والوشائين فجهدت جهدي أن تعود كما كانت فما عادت.\nوذُكر عن البحتريّ أبي عبادة، عن عبيد الله بن أبي غَسّان، قال: كنت عند محمد في يوم شاتٍ شديد البرْد، وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش؛ قلّما رأيت أرفع قيمة مثله ولا أحسن، وأنا في ذلك اليوم طاوٍ ثلاثة أيام ولياليهنّ إلّا من النبيذ؛ والله لا أستطيع أن أتكلّم ولا أعقل، فنهض نهضة البول، فقلت لخادم من خدم الخاصّة: ويلك! قد والله متّ، فهل من حيلة إلى شيء تلقيه في جوفي يبرد عنِّي ما أنا فيه! فقال: دعني حتى أحتال لك وأنظر ما أقول، وصدّق مقالتي، فلما رجع محمد وجلس نظر الخادم إليّ نظرة، فتبسّم، فرآه محمد، فقال: ممَّ تبسَّمت؟ قال: لا شيء يا سيدي، فغضب. قال البحتريّ: فقال: شيء في عبيد الله بن أبي غسان، لا يستطيع أن يشمّ رائحة البطيخ ولا يأكله، ويجزع منه جزعًا شديدًا. فقال: يا عبيد الله هذا فيك؟ قال: قلت: إي والله يا سيّدي، ابتليت به، قال: ويحك! مع طيب البطّيخ وطيب ريحه! قال: فقلت: أنا كذا، قال: فتعجّب ثم قال: عليّ ببِطيخ، فأتِيَ منه بعدّة، فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه، وتنحّيت. قال: خذوه، وضعوا البِطِّيخ بين يديه، قال: فأقبلت أريه الجزع والاضطراب من ذلك، وهو يضحك، ثم قال: كُلْ واحدة، قال: فقلتُ: يا سيّدي، تقتلني وترمي بكلّ شيء في جوفي وتهيّج عليّ العلل، الله الله فيّ! قال: كلْ بِطيخة ولك فرش هذا البيت؛ عليّ عهد الله بذلك وميثاقه، قلت: ما أصنع بفرش بيت، وأنا أموت إن أكلت! قال: فتأبّيت، وألحّ عليّ، وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة، فجعلوا يحشونها في فمي، وأنا أصرخُ وأضطرب؛ وأنا مع ذلك أبلع، وأنا أريه أني بِكرْه أفعل ذلك وألطم رأسي، وأصيح وهو يضحك، فلما فرغت تحوّل إلى بيت آخر، ودعا الفرّاشين، فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلي، ثم عاودني في فرش ذلك البيت في بطيخة أخرى، ثم فعل كفعله الأول، وأعطاني فرش البيت؛ حتى أعطاني فرش ثلاثة أبيات، وأطعمني ثلاث بطّيخات، قال: وحسنت والله حالي، واشتدّ ظهري.\nقال: وكان منصور بن المهديّ يريه أنه ينصح له، فجاء وقد قام محمد يتوضأ، وعلمت أن محمدًا سيعقبني بشرّ ندامة على ما خرج من يديه؛ فأقبل عليّ","vol":"12","page":162},{"text":"منصور ومحمد غائب عن المجلس، وقد بلغه الخبر، فقال: يا بن الفاعلة، تخدع أمير المؤمنين، فتأخذ متاعه! والله لقد هممتُ أفعل وأفعل، فقلت: يا سيّدي، قد كان ذاك؛ وكان السبب فيه كذا وكذ، فإن أحببتَ أن تقتلني فتأثَم فشأنك، وإن تفضّلت فأهل لذلك أنت، ولستُ أعود. قال: فإني أتفضّل عليك. قال: وجاء محمد، فقال: افرشوا لنا على تلك البرْكة، ففرشوا له عليها، فجلس وجلسنا وهي مملوءة ماء، فقال: يا عمّ، اشتهيتُ أن أصنع شيئًا؛ أرمي بعبيد الله إلى البرْكة وتضحك منه. قال: يا سيّدي إن فعلتَ هذا قتلتَه لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا، ولكني أدلك على شيء خيرتُ به، طيّب، قال: ما هو؟ قال: تأمر به يشُدّ في تخت، ويُطرح على باب المتوضأ، ولا يأتي بابَ المتوضّأ أحد إلا بال على رأسه. فقال: طيّب والله؛ ثم أتَى بتخت فأمر فشُددت فيه، ثم أمر فحمِلت وألقِيتُ على باب المتوضأ، وجاء الخدم فأرخوا الرِّباط عني، وأقبلوا يرونه أنهم يبولون عليّ وأنا أصرخ، فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك. ثم أمر بي فحُلِلتُ ورأيته أني تنظّفت وأبدلت ثيابي وجاوزت عليه (١).\nوذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربجع عن أبيه - وكان حاجبَ المخلوع - قال: كنتُ قائمًا على رأسه، فأتَى بغدَاء فتغدّى وحده، وأكل أكلًا عجيبًا، وكان يومًا يعدّ للخلفاء قبله على هيئة ما كان يُهيَّأ لكلّ واحد منهم يأكل من كلّ طعام، ثم يؤتَى بطعامه. قال: فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبي العنبر - خادم كان لأمه - فقال: ادْهب إلى المطبخ، فقل لهم يهيئون لي بزْماورْد، ويتركونه طوالًا لا يقطّعونه، ويكون حشوه شحوم الدّجاج والسمن والبَقْل والبيض والجبن والزيتون والجوز، ويكثرون منه ويعجلونه؛ فما مكت إلا يسيرًا حتى جاءوا به في خوان مربّع، وقد جعل عليه البزْماورد الطوال، على هيئة القبة العبدصمديّة، حتى صيّر أعلاها بزماوردة واحدة، فوُضع بين يديه، فتناول واحدةً فأكلها، ثم لم يزل كذلك حتى لم يُبقِ على الخوان شيئًا.\nوذكر عن عليّ بن محمد أنّ جابر بن مصعب حدّثه، قال: حدثني مخارق، قال: مرّت بي ليلة ما مرّت بي مثلها قطّ، إني لفي منزلي بعد ليلٍ؛ إذ أتاني رسول\n_________\n(١) لهذا الخبر الطويل مع الأبيات الشعرية (٥١٨ - ٥١٩) انظر الوزراء والكتاب (٢٩٦).","vol":"12","page":163},{"text":"محمد - وهو خليفة - فركض بي ركضًا، فانتهى بي إلى داره، فأدخِلت فإذا إبراهيم بن المهديّ قد أرسل إليه كما أرسل إليّ، فوافينا جميعًا، فانتهى إلى باب مُفضٍ إلى صحن، فإذا الصحن مملوء شمعًا من شمع محمد العظام، وكأنّ ذلك الصحن في نهار، وإذا محمد في كُرّج، وإذا الدار مملوءة وصائف وخدمًا، وإذا اللعّابون يلعبون، ومحمد وسطهم في الكرّج يرقص فيه، فجاءنا رسول يقول: قال لكما: قُوما في هذا الموضع على هذا الباب مما يلي الصحن، ثم ارفعا أصواتكما معبّرًا ومقصّرًا عن السورناي، واتبعاه في لحنه قال: وإذا السورناي والجواري واللعابون في شيء واحد:\nهذي دنانير تنساني وأذكرها\nتتبع الزَّمار. قال: فوالله ما زلتُ وإبراهيم قائمين نقولها، نشقّ بها حلوقنا حتى انفلق الصبح، ومحمد في الكرّج ما يسأمه ولا يملّه حتى أصبح يدنو منا، أحيانًا نراه، وأحيانًا يحول بيننا وبينه الجواري والخدم (١).\nوذكر الحسين بن فراس مولى بني هاشم، قال: غزا الناس في زمان محمد على أن يردّ عليهم الخُمس، فرُدّ عليهم، فأصاب الرجل ستة دنانير، وكان ذلك مالًا عظيمًا.\n* * *\nوذى عن ابن الأعرابيّ، قال: كنت حاضر الفضل بن الربيع، وأتِيَ بالحسن بن هانئ، فقال: رُفع إلى أمير المؤمنين أنك زنديق، فجعل يبرأ من ذلك ويحلف، وجعل الفضل يكرّر عليه، وسأله أن يكلّم الخليفة فيه، ففعل وأطلقه، فخرج وهو يقول:\nأَهلي أَتيتكُمُ منَ القبْرِ ... والناسُ محْتَبسون للحَشرِ\nلولا أبو العباسِ ما نظرَتْ ... عيني إِلى ولدٍ ولا وفرِ\nفالله أَلبسني بِه نعمًا ... شَغَلَتْ حسابَتها يدَيْ شكرِي\n_________\n(١) هذا الخبر المنكر (٥٢٣/ ٥٢٤، ١٠٧) رواه الطبري منقطعًا عن علي بن محمد بن إسماعيل عن جابر بن مصعب عن مخارق (راوي الخبر) ولم نجد لمخارق ولا لتلميذه جابر ترجمة والخبر لا يصح.","vol":"12","page":164},{"text":"لقِيتها من مُفهّمٍ فهمِ ... فمددتها بأَناملٍ عشْرِ\nوذكر عن الرياسيّ أن أبا حبيب الموشيّ حدّثه، قال: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال لي مؤنس: لو دخلنا على أبي نواس! فدخلنا عليه السجن، فقال لمؤنس: يا أبا عمران، أين تريد؟ قال: أردت أبا العباس الفضل بن الربيع، قال: فتبلّغه رقعة أعطيكها؟ قال: نعم، قال: فأعطاه رقعة فيها:\nما من يدٍ في الناسِ واحدَةٍ ... إِلا أَبو العباسِ مولاها\nنامَ الثقاتُ على مضاجعهِمْ ... وسرى إلى نفسي فأحيَاها\nقد كنتُ خفتُكَ ثم أَمّنِني ... من أَن أخافكَ خوفُكَ الله\nفَعفوتَ عنِّي عفوَ مُقتدِرٍ ... وجبَت له نقَمٌ فأَلغَاها\nقال: فكانت هذه الأبيات سببَ خروجه من الحبس (١).\nوذُكر عن محمد بن خلاد الشروِيّ، قال: حدثني أبي قال: سمع محمد شعر أبي نواس وقوله:\nألا سَقِّنِي خَمْرًا وقل لي هل الخَمْرُ\nوقوله:\nاسقنيها يا ذُفافهْ ... مُزَّة الطَّعْم سُلافهْ\nذَلَّ عندِي مَنْ قلاها ... لِرَجاءِ أَو مخافَهْ\nمثلَ ما ذَلَّتْ وضاعَتْ ... بعد هارونَ الخِلافهْ\nقال: ثم أنشد له:\nفجاءَ بها زَيتِيَّةً ذَهَبيَّةً ... فلم تستطِع دُونَ السُّجُودِ لها صبرا\nقال: فحبسه محمد على هذا، وقال: إيه! أنت كافر، وأنت زنديق. فكتب فِي ذلك إلى الفضل بن الربيع:\nأَنت يا بنَ الرَّبيع علَّمتَني الخير ... وعوَّدتَنيهِ والخيَرُ عادَهْ\n_________\n(١) مخارق راوي الخبر ترجم له ابن عساكر (٥٧/ ١٣٢) وهو من المغنّين ومتى كان المغنى عدلًا عند أئمة الجرح والتعديل حتى يؤخذ بخبره؟ ! ! وأخباره عند الشعوبي أبي الفرج صاحب كتاب (الأغاني/ ١٨/ ٣٣٦).","vol":"12","page":165},{"text":"فارعَوَى باطِلي وأَقصَرَ جَهْـ ... لي وأَظهرتُ رهبَةً وَزَهادَهْ\nلو ترَاني شبَّهْتَ بي الحسَنَ البَصـ ... ريَّ في حالِ نُسْكِهِ وقتَادَهْ\nبرُكُوعٍ أَزينُهُ بسُجُودٍ ... واصفِرارٍ مثلِ اصفرار الجرادهْ\nفادعُ بي لا عَدِمتَ تقوِيمَ مثلي ... فتأَمّل بعينكَ السَّجّاده\nلو رآها بعْضُ المُرَائينَ يومًا ... لاشتَرَاها يُعِدُّها للشَّهادِهْ (١)\n* * *\n_________\n(١) ذكر الجهشياري هذه الأشعار عنوانًا لتوبته (انظر الوزراء والكتاب/ ٢٩٧).","vol":"12","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1840>خلافة المأمون عبد الله بن هارون</span>\nوفي هذه السنة وضعت الحرب - بين محمد وعبد الله ابني هارون الرّشيد - أوزارها، واستوسَق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة (١).\nوفيها خرج الحسن الهِرْش في ذي الحجة منها يدعو إلى الرضيّ من آل محمد - بزعمه - في سفْلة الناس، وجماعة كثيرة من الأعراب، حتى أتى النّيل، فجبى الأموالَ، وأغار على التجّار، وانتهب القرى، واستاق المواشي.\nوفيها ولّى المأمون كلّ ماكان طاهر بن الحسين افتتحه من كُور الجبال وفارس والأهواز والبَصْرة والكوفة والحجاز واليمن الحسنَ بن سهل أخا الفضل بن سهل؛ وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس في طاعة المأمون.\nوفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين، وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما بيده من الأعمال في البلدان كلّها إلى خلفاء الحسن بن سهل، وأن يشخص عن ذلك كلّه إلى الرقّة، وجعل إليه حرب نصر بن شبت، وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب (٢).\nوفيها قدم عليّ بن أبي سعيد العراق خليفةً للحسن بن سهل على خراجها، فدافع طاهر عليًّا بتسليم الخراج إليه؛ حتى وفَّى الجند أرزاقهم، فلما وفّاهم سلّم إليه العمل.\n_________\n(١) هذا خبر صحيح وقد أيده خليفة بن خياط بقوله واستقامت لأمير المؤمنين عبد الله المأمون بن أمير المؤمنين (تأريخ خليفة/ ٣١٠).\n(٢) قال الجهشياري: وكتب - أي المأمون - إلى طاهر وهرثمة بتسليم ما في أيديهما من العمل إلى علي بن أبي سعيد ابن خالة الفضل بن سهل (الوزراء والكتاب/ ٣٠٥) وانظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٦).","vol":"12","page":167},{"text":"وفيها كتب المأمون إلى هَرْثمة يأمره بالشُّخوص إلى خُراسان.\nوحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة</span>\nفمن ذلك قدومُ الحسن بن سهل فيها بغدادَ من عند المأمون، وإليه الحرب والخراج، فلمّا قدمها فرّق عماله في الكُور والبلدان (٢).\nوفيها شخص طاهر إلى الرّقة في جُمادى الأولى، ومعه عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها شخص أيضًا هَرْثمة إلى خُراسان.\nوفيها خرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهِرْش، فقتله في المحرم.\nوفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلوْن من جُمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القيّمَ بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبو السرايا، واسمه السريّ بن منصور، وكان يذكر أنه من ولد هانى بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذُهل بن شيبان (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن إبراهيم بن طباطبا</span>\nاختُلف في ذلك، فقال بعضهم: كان سببُ خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عمّا كان إليه من أعمال البلدان التي فتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة (٣١٠) والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٥٦).\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٠).\n(٣) انظر تعليقنا (٨/ ٥٣٣/ ١١٦).","vol":"12","page":168},{"text":"سهل؛ فلمّا فعل ذلك تحدّث الناس بالعراق بينهم أن الفَضْل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصرًا حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قوّاده من الخاصّة والعامة، وأنه يُبرم الأمور على هُواه، ويستبد بالرأي دونه، فغضب لذلك بالعراق مَنْ كان بها من بني هاشم وجوه الناس، وأنفوا من غلبَة الفضل بن سهل على المأمون، واجترؤوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار؛ فكان أوّل مَنْ خرج بالكوفة ابن طباطبا الذي ذكرت.\nوقيل كان سبب خروجه أن أبا السّرايا كان من رجال هَرْثمة، فمطله بأرزاقه وأخّره بها، فغضب أبو السرايا من ذلك، ومضى إلى الكوفة فبايع محمد بن إبراهيم وأخذ بالكوفة، واستوسق له أهلها بالطاعة، وأقام محمد بن إبراهيم بالكوفة، وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب وغيرهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>ذكر الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيّب</span>\nوفيها وجّه الحسن بن سهل زُهير بن المسيّب في أصحابه إلى الكوفة - وكان عامل الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبي جعفر المنصور من قبَل الحسن بن سهل، وكان خليفة سليمان بن أبي جعفر بها خالد بن محجّل الضبّيّ - فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنّف سليمان وضعّفه، ووجّه زهير بن المسيّب في عشرة آلاف فارس وراجل؛ فلما توجّه إليهم وبلغهم خبرُ شخوصه إليهم تهيَّئوا للخروج إليه؛ فلم تكن لهم قوّة على الخروج، فأقاموا حتى إذا بلغ زهير قرية شاهى خرجوا فأقاموا حتى إذا بلغوا القنطرة أتاهم زُهير، فنزل عشية الثلاثاء صعْنبا، ثم واقعهم من الغد فهزموه واستباحوا عسكره، وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودوابّ وغير ذلك يوم الأربعاء.\nفلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيّب - وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة تسع وتسعين ومائة -\n_________\n(١) هذان سببان ذكرهما الطبري لتمرد أبي السرايا وخروجه على الخلافة وقد ذكر ابن قتيبة الدينوري فحوى السبب الثاني فقال: وكان أبو السرايا مع هرثمة من أصحابه فمنعوه أرزاقه فغضب وخرج حتى أتى الأنبار .. الخ (المعارف ١٩٦).","vol":"12","page":169},{"text":"مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأة، فذُكر أن أبا السرايا سمّه، وكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أنّ ابن طباطبا لما أحرزَ ما في عسكر زهير من المال والسلاح والدوابّ وغير ذلك منعه أبا السرايا، وحظره عليه؛ وكان النّاس له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمّه؛ فلما مات ابن طباطبا أقام أبو السّرايا مكانه غلاما أمردَ حدَثًا يقال له محمد بن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؛ فكان أبو السرايا هو الذي ينفِّذ الأمور، ويولّى مَنْ رأى، ويعزل من أحبّ؛ وإليه الأمور كلها، ورجع زهير من يومه الذي هُزم فيه إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به. وكان الحسن بن سهل قد وجّه عبدوس بن محمد بن أبي خالد المروَرُّوذي إلى النِّيل حين وُجِّه زهير إلى الكوفة، فخرج بعدما هُزِم زهير عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل، حتى بلغ الجامع هو وأصحابه، وزهير مقيم بالقصر، فتوجّه أبو السرايا إلى عبدوس، فواقعه بالجامع، يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله، وأسرَ هارون بن محمد بن أبي خالد، واستباح عسكره. وكان عبدوس - فيما ذكر - في أربعة آلاف فارس، فلم يفلت منهم أحد، كانوا بين قتيل وأسير، وانتشر الطالبيُون في البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، ونقش عليها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، ولما بلغ زهيرًا قتلُ أبي السرايا عبدوسًا وهو بالقصر، انحاز بمن معه إلى نهر الملك.\nثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه، وكانت طلائعه تأتي كُوثَى ونهر الملك، فوجّه أبو السرايا جيوشًا إلى البصرة وواسط فدخلوهما، وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الحَرَشيّ واليًا عليها من قبَل الحسن بن سهل، فواقعه جيش أبي السرايا قريبًا من واسط فهزموه، فانصرف راجعًا إلى بغداد، وقد قتل من أصحابه جماعة وأسر جماعة. فلما رأى الحسن بن سهل أنّ أبا السرايا ومَنْ معه لا يلْقوْن له عسكرًا إلا هزموه، ولا يتوجّهون إلى بلدة إلا دخلوها؛ ولم يجد فيمن معه من القوّاد مَنْ يكفيه حربه، اضطر إلى هرثمة - وكان هرثمة حين قدم عليه الحسن بن سهل العراقَ واليًا عليها من قبَل المأمون. سلّم ما كان بيده من الأعمال، وتوجه نحو خُراسان مغاضبًا للحسن، فسار حتى بلغ حُلوان - فبعث إليه السنديّ وصالحًا صاحب المصلّى يسأله الانصراف إلى بغداد","vol":"12","page":170},{"text":"لحرب أبي السرايا، فامتنع وأبى. وانصرف الرسول إلى الحسن بإبائه؛ فأعاد إليه السنديّ بكتب لطيفة، فأجاب، وانصرف إلى بغداد، فقدمها في شعبان؛ فتهيّأ للخروج إلى الكوفة. وأمر الحسن بن سهل عليّ بن أبي سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة، فتهيّئوا لذلك. وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة، فوجّه إلى المدائن، فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدّم هو بنفسه وبمن معه حتى نزل نهر صَرْصَر مما يلي طريق الكوفة في شهر رمضان. وكان هرثمة لمّا احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر المنصور بن المهديّ أن يخرج فيعسكر بالياسريّة إلى قدوم هرثمة، فخرج فعسكر، فلما قدم هَرْثمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدي منصور، ثم مضى حتى عسكر بنهر صَرْصر بإزاء أبي السرايا، والنهر بينهما؛ وكان عليّ بن أبي سعيد معسكرًا بكلْوَاذى، فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطْر بيوم، ووجّه مقدمته إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أبي السرايا غداة الخميس إلى اللّيل قتالًا شديدًا. فلمّا كان الغد غدا وأصحابه على القتال فانكشف أصحاب أبي السرايا وأخذ ابن أبي سعيد المدائن. وبلغ الخبر أبي السرايا وأخذ ابن أبي سعيد المدائن؛ فلمّا كان ليلة السبت لخمس خَلَوْن من شوّال رجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة؛ فنزل به، وأصبح هرثمة فجدَّ في طلبه، فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل، ثم صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة، فكانت بينه وبين أبي السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبي السرايا خلْق كثير، فانحاز أبو السّرايا إلى الكوفة، فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة، فانتهبوها وخرّبوها وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا في ذلك عملًا قبيحًا، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها. وكان هَرْثمة - فيما ذكر - يخبر الناس أنه يريد الحجّ، فكان قد حبس من يريد الحجّ من خُراسان والجبال والجزيرة وحاجّ بغداد وغيرهم؛ فلم يدَع أحدًا يخرج، رجاء أن يأخذ الكوفة، ووجّه أبو السرايا إلى مكة والمدينة مَنْ يأخذهما، ويقيم الحجّ للناس.\nوكان الوالي على مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وكان الذي وجّهه أبو السرايا إلى مكة حسين بن","vol":"12","page":171},{"text":"حسن الأفطس بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب والذي وجّهه إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فدخلها ولم يقاتله بها أحد، ومضى حسين بن حسن يريد مكة فلمّا قرب منها وقف هُنيهة من فيها. وكان داود بن عيسى لمّا بلغه توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الحجّ للناس جمع موالي بني العبّاس وعبيد حوائطهم، وكان مسرور الكبير الخادم قد حجّ في تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه، فتعبّأ لحرب مَنْ يريد دخول مكة وأخذها من الطالبيّين، فقال لداود بن عيسى: أقم لي شخصَك أو شخص لعض ولدك، وأنا أكفيك قتالَهم، فقال له داود: لا أستحلُّ القتال في الحرم؛ والله لئن دخلوا من هذا الفجّ لأخرجنّ من هذا الفجّ الآخر، فقال له مسرور: تُسَلِّم ملكك وسلطانك إلى عدوّك ومن لا يأخذه فيك لومة لائم في دينك ولا حرمك ولا مالك! قال له داود: أيّ مُلْك لي! والله لقد أقمتُ معهم حتى شيّخْت فما ولّوْني ولاية حتى كبرتْ سني، وفنيَ عمري، فولّوني من الحجاز ما فيه القوت؛ إنما هذا الملك لك وأشباهك، فقاتل إن شئت أو دَعْ فانحاز داود من مكة إلى ناحية المُشاش، وقد شدّ أثقالَه على الإبل، فوجّه بها في طريق العراق، وافتعل كتابًا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، فقال له: اخرج فصلّ بالناس الظهر والعصر بمنىً، والمغرب والعشاء، وبتْ بمنىً، وصلّ بالناس الصبح، ثم اركب دوابّك فانزل طريق عرَفَة، وخُذْ على يسارك في شعب عمرو؛ حتى تأخذ طريق المشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر. ففعل ذلك، وافترق الجمع الذي كان داود بن عيسى معهم بمكَّة من موالي بني العباس وعبيد الحوائط، وفتّ ذلك في عضد مسرور الخادم، وخشي إن قاتلهم أن يميل أكثر الناس معهم، فخرج في أثر داود راجعًا إلى العراق، وبقي الناس بعرفة؛ فلمّا زالت الشمس وحضرت الصّلاة، تدافعها قوم من أهل مكة، فقال أحمد بن محمد بن الوليد الردميّ - وهو المؤذن وقاضي الجماعة والإمام بأهل المسجد الحرام: إذ لم تحضر الولاة - لقاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ: تقدم فاخطب بالناس، وصلّ بهم الصلاتين؛ فإنك قاضي البلد. قال: فلمن أخطبُ وقد هرب الإمام؛ وأطلّ هؤلاء القوم على الدخول! قال: لا تدْعُ لأحد، قال له محمد: بل أنت فتقدّمْ واخطب، وصلّ بالناس، فأبى؛ حتى قدّموا رجلا من عُرْض أهل مكة، فصلى بالناس الظهر","vol":"12","page":172},{"text":"والعصر بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا جميعًا بالموقف من عرَفَة حتى غربت الشمس، فدفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام، حتى أتوْا مزدلفة، فصلّى بهم المغرب والعشاء رجلٌ أيضًا من عُرْض الناس وحسين بن حسن يتوقف بسرف يرهب أن يدخل مكة، فيُدفع عنها ويقاتَل دونها، حتى خرج إليه قوم من أهل مكة ممّن يميل إلى الطالبيّين، ويتخوّف من العباسيين، فأخبروه أن مكة ومنىً وعرَفة قد خلتْ ممن فيها من السلطان، وأنهم قد خرجوا متوجّهين إلى العراق. فدخل حسين بن حسن مكة قبل المغرب من يوم عرفة، وجميع من معه لا يبلغون عشرة، فطافوا بالبيت وسعوْا بين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة في الليل، فوقفوا بها ساعة من الليل، ثم رجع إلى مُزدلفة فصلى بالناس الفجْر، ووقف على قُزَح، ودفع بالناس منه.\nوأقام بمنى أيامَ الحجّ، فلم يزل مقيمًا حتى انقضت سنة تسع وتسعين ومائة، وأقام محمد بن سليمان بن داود الطالبيّ بالمدينة السنة أيضًا، فانصرف الحاج ومَنْ كان شهد مكة والموسم، على أن أهل الموسم قد أفاضوا من عرَفَة بغير إمام.\nوقد كان هرثمة لما تخوّف أن يفوته الحجّ - وقد نزل قرية شاهى - واقع أبا السرايا وأصحابه في المكان الذي واقعه فيه زهير، فكانت الهزيمة على هرثمة في أول النهار، فلما كان آخر النهار كانت الهزيمةُ على أصحاب أبي السرايا، فلما رأى هرثمة أنه لم يصر إلى ما أراد، أقام بقرية شاهى، وردّ الحاج وغيرهم، وبعث إلى المنصور بن المهديّ فأتاه بقرية شاهى، وصار يكاتب رؤساء أهل الكوفة، وقد كان عليّ بن أبي سعيد لما أخذ المدائن توجّه إلى واسط فأخذها، ثم إنه توجّه إلى البصرة فلم يقدر على أخذها حتى انقضت سنة تسع وتسعين ومائة (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل في وصف خروج ابن طباطبا وأبي ابسرايا والمعارك الطويلة التي دارت في حينها وقد ذكر الطبري كل هذه التفاصيل بلا إسناد أما بالنسبة لأصل الخبر فابن قتيبة الدينوري وهو مؤرخ متقدم قد ذكر خلاصة الخبر في كتابه المعارف فقال:\nوظهر \"ابنُ طباطبا العَلوي\" بالكوفة، وانضم إليه \"أبو السَّرايا\" فغلب على \"الكوفة\"، ووثب العلويون بـ \"مكة\"، و\"المدينة\"، و\"اليمن\"، فغلبوا عليها. فوجّه \"طاهر\" \"زُهيرَ بن المُسيِّب\" إلى أهل \"الكوفة\"، فقاتلهم، فهزمه أهل \"الكوفة\" واستباحوا عسكره، ورجع =","vol":"12","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلى \"بغداد\". وسار \"طاهر\" إلى \"الرَّقة\" فالتقى هو و\"نَصر بن شبث\"، فقاتله \"نصر\" وأَثخن في أصحابه، ولم تزل الحرب بينه وبينه إلى أن ورد \"المأمونُ\" \"بغداد\" فقدم عليه. ووجّه \"الحسنُ بن سهل\" \"عَبدوسَ بن محمد بن أبي خالد\" إلى \"أبي السَّرايا\" فالتقوا، فقُتل \"عَبدوس\" وأصحابه، وأَقبل أهل \"الكوفة\" حتى ساروا إلى نهر \"صَرصر\" وأخذوا \"واسط\" و\"البصرة\". فبعث \"الحسنُ بن سِهل\" \"السنديَّ بن شاهك\" إلى \"هَرثمة\" وهوب \"حُلوان\"، فردّه، وبعث به فسار إلى نهر \"صرصر\" فكشفهم، وأَتبعهم، فأدركهم بالقُرب من قصر \"ابن هُبيرة\" فواِقعهم، فقَتل منهم خلقًا كثيرًا، وانهزموا حتى دخلوا \"الكوفة\". ومات \"ابن طباطبا\" فنصب \"أبو السرايا\" مكانه فتًى من العلويين، يقال له: محمد بن محمد (المعارف/ ١٩٧).\nوأما خليفة فقد قال: وفيها خرج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وهو الذي يقال له ابن طباطبا بالكوفة يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، فوافاه أبو السرايا واسمه السري بن منصور الشيباني - في ذلك اليوم فهرب والي الكوفة وصارت في أيديهم بغير قتال، ثم مات محمد بن إبراهيم في أول شعبان في تلك السنة فبويع محمد بن زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب (تأريخ خليفة ٣١٠).\nوفيما يتعلق بالمدينة وأحداثها في تلك السنة فقد قال خليفة: - وفيها وثب محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي (بالبصرة) فصارت إليه بغير قتال ووثب محمد بن سليمان بن داود بن حسن بن حسن بن علي بالمدينة فصارت إليه بغير قتال (تأريخ خليفة/ ٣١١) والبصرة تصحيف هنا والصواب مكة كما ذكر الطبري والله أعلم وأما البسوي فقد تحدث فقط عن أحداث مكة في موسم تلك السنة دون أحداث العراق.\nوكان داود بن عيسى عامل مكة، واستعمل ابنه مُحمَد بن داود على الحج سنة تسع وتسعين ومائة، فلما كان يوم سابع من ذي الحجة خطب الناس بمكة، وأخبرهم مناسكهم، ثم خرج يوم التروية إلى منى، وأمسى بالحج حتى صلى بالناس بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يصل بهم الصبح، وخرج من آخر الليل حتى لقيه بطرف الحرم، ثم توجهوا في طريق العراق هاربين، ودخل الحُسين بن الحسن مكة يوم عرفة عند صلاة العصر وخطب الناس بمكة يوم عرفة، وانتظر الناس بعرفة حتى كادت العصر أنْ تفوت، ثم صلى الناس بعرفة بغير إمام، ثم خرجوا إلى الموقف ودفعوا بغير إمام حتى أتى حُسين بن حسن عرفة إلى آخِر الليل فوقف بها، ثم جاء المزدلفة من ليلته، وصلى بالناس بالمُزدلفة فوقف بهم بقُزح، ثم جمع ثم دفع بهم حتى رمى الجمرة وأفاض يوم النحر (المعرفة والبسوي/ ١/ ٥٩) ونعود مرة أخرى إلى خليفة إذ تحدث عن أحداث مكة في الموسم من سنة (١٩٩ هـ) فقال وبعث المأمون سليمان بن داود بن عيسى بن موسى لإقامة الحج فوثب ابن الأفطس =","vol":"12","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1844>ثم دخلت سنة مائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>ذكر الخبر عن هرب أبي السرايا وما آل إليه أمره</span>\nفمما كان فيها من ذلك هرب أبي السرايا من الكوفة ودخول هرثمة إليها.\nذُكِر أن أبا السرايا هرب هو ومن معه من الطالبيّين من الكوفة ليلةَ الأحد لأربع عشرة ليلة بقيتْ من المحرم من سنة مائتين، حتى أتى القادسيّة. ودخل منصور بن المهديّ وهرثمة الكوفة صبيحةَ تلك الليلة، وأمنوا أهلَها، ولم يعرضوا لأحد منهم، فأقاموا بها يومهم إلى العصر، ثم رجعوا إلى معسكرهم، وخلّفوا بها رجلًا منهم يقال له غسان بن أبي الفرج أبو إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان، فنزل في الدار التي كان فيها محمد بن محمد وأبو السرايا.\n_________\n= واسمه: محمد بن علي بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب بمكة فبيَّض فتنحى سليمان ولم يمض إلى عرفة ووقف الناس بغير إمام وأتى الحسين بن حسن عرفات ليلة النحر وقد صدر الناس عنها فوقف بالناس غداة جمع (تأريخ خليفة/ ٣١١).\nوأما عن المعارك التي قادها أبو السرايا ضد جيوش الخلافة فقد قال خليفة:\nوفيها بعث الحسن بن سهل زهير بن المسيب إلى الكوفة، فلقيه أبو السرايا فهزم زهيرًا وحوى سفنه وأثقاله، فوجه الحسن بن سهل أيضًا عبدوس بن محمد بن أبي خالد، فلقيه أبو السرايا بالجامع فقتل عبدوسًا وعامة أصحابه وحوى عسكره، ووجَّهَ الحسن بن سهل أبا البط أحمد بن عمرو الذهلي، فوجَّه محمد بن محمد بن زيد محمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن حسين، فالتقوا بساباط من أرض السواد فهزم أبو البط، وأتى إبراهيم بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي اليمن، ونفى عنها إسحاق بن موسى بن عيسى (تأريخ خليفة/ ٣١١).\nثم تحدث خليفة عن تعيين هرثمة بن أعين القائد العباسي المعروف لقتال أبي السرايا في هذه السنة بعد هزيمة القواد القواد السابقين فقال: وفيها خرج هرثمة بن أعين في شهر رمضان لمحاربة أبي السرايا وأصحابه (تأريخ خليفة/ ٣١١).","vol":"12","page":175},{"text":"ثم إنّ أبا السرايا خرج من القادسيّة هو ومَنْ معه حتى أتوْا ناحية واسط، وكان بواسط عليّ بن أبي سعيد، وكانت البصرة بيد العلويّين بعد، فجاء أبو السرايا حتى عبر دجْلة أسفل من واسط، فأتى عبْدَسِي؛ فوجد فيها مالًا كان حُمِل من الأَهواز، فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس، فنزلها ومَن معه، وأقام بها أربعة أيام، وجعل يعطى الفارس ألفًا والراجل خمسمائة، فلما كان اليوم الرابع أتاهم الحسن بن علي الباذغيسيّ المعروف بالمأمونيّ. فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فإنه لا حاجةَ لي في قتالكم، وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم. فأبى أبو السرايا إلا القتال، فقاتلهم، فهزمهم الحسن، واستباح عسكرهم، وجُرح أبو السرايا جراحة شديدة، فهرب، واجتمع هو ومحمد بن محمد وأبو الشوْك، وقد تفرّق أصحابهم، فأخذوا ناحية طريق الجزيرة يريدون منزل أبي السرايا برأس العين؛ فلما انتهوا إلى جلولاء عُثِر بهم، فأتاهم حماد الكُنْدُغُوش فأخذهم، فجاء بهم إلى الحسن بن سهل، وكان مقيمًا بالنهْروان حين طردته الحربية، فقدم بأبي السرايا، فضرب عنقه يوم الخميس لعشر خلوْن من ربيع الأول. وذكروا أنّ الذي تولّى ضرب عنقه هارون بن محمد بن أبي خالد، وكان أسيرًا في أيدي أبي السرايا. وذكروا أنه لم يروا أحدًا عند القتل أشدّ جزعًا من أبي السرايا، كان يضطرب بيديهِ ورجليه، ويصيح أشدّ ما يكون من الصياح؛ حتى جُعل في رأسه حبل، وهو في ذلك يضطرب ويلتوي ويصيح؛ حتى ضربت عنقه. ثم بعث برأسه فطِيف به في عسكر الحسن بن سهل، وبعث بجسده إلى بغداد، فصُلِب نصفين على الجسر، في كلّ جانب نصف، وكان بين خروجه بالكوفة وقتله عشرة أشهر (١).\n_________\n(١) هذا الخبر عن هزيمة أبي السرايا ودخول هرثمة الكوفة ثم تتبع أبي السرايا من قبل قواد المأمون استغرق الصفحتين [٥٣٤ - ٥٣٥]، وقد لخّصه خليفة في تأريخه قائلًا: سنة مائتين: فيها هزم هرثمة أبا السرايا ومعه محمد بن محمد، ودخلا الكوفة يوم الأحد للنصف من محرم، فهرب أبو السرايا ومحمد بن محمد، فأخذهما حماد الأندغوش بناحية السوس، فبعث بهما إلى الحسن بن سهل، فقتل أبا السرايا وصلبه على خشبتين (تأريخ خليفة/٣١١).\nوكذلك لخّصه ابن قتيبة الدينوري قائلًا:\nولم يزل \"هَرثمة\" يحاربهم، وقد أثخنوا في أصحابه حتى ضعفوا وكاتبوه، وهرب =","vol":"12","page":176},{"text":"وكان عليّ بن أبي سعيد حين عبر أبو السرايا توجّه إليه، فلمّا فاته توجه إلى البصرة فافتتحها. والذي كان بالبصرة من الطالبيّين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب ومعه جماعة من أهل بيته، وهو الذي يقال له زيد النار - وإنما سمي زيد النار لكثرة ما حرّق من الدور بالبصرة من دور بني العباس وأتباعهم؛ وكان إذا أُتِيَ برجل من المسوّدة كانت عقوبته عنده أن يحرقه بالنار - وانتهبوا بالبصرة أموالًا، فأخذه عليّ بن أبي سعيد أسيرًا. وقيل إنه طلب الأمان فأمنه. وبعث عليّ بن أبي سعيد ممن كان معه من القواد عيسى بن يزيد الجُلوديّ وورقاء بن جَميل وحمدويه بن عليّ بن عيسى بن ماهان وهارون بن المسيّب إلى مكة والمدينة واليمن، وأمرهم بمحاربة مَنْ بها من الطالبيين. وقال التميميّ في قتل الحسن بن سهل أبا السرايا:\nأَلم ترَ ضَرْبةَ الحَسَنِ بن سهْلٍ ... بسيفِكَ يا أَميرَ المُؤْمنينَا\nأَدَارت مَرْوَ رأْسَ أَبي السرايا ... وأَبقت عِبْرَةً للعابرينا\nوبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد حين قتل أبو السرايا إلى المأمون بخراسان (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1846>ذكر الخبر عن خروج إبراهيم بن موسى باليمن</span>\nوفي هذه السنة خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب باليمن.\n_________\n= \"أبو السرايا\" ومعه العلويُّ. ودخلها \"هرثمة\" فأقام بها أيامًا، ثم استخلف عليها، ثم رجع إلى \"بغداد\"، ومضى إلى \"خُراسان\" وظفرب \"أبي السَّرايا\" و\"العلويّ\"، فقَتل \"أبا السرايا\"، ثم حمل \"العلوي\" إلى \"خُراسان\" (المعارف/ ١٩٧).\n(١) وذكر خليفة أصل الخبر فقال: وفيها دخل علي بن أبي سعيد وأحمد بن سعيد بن سلم الجلودي البصرة والأمير علي بن أبي سعيد فخرج زيد ومن كان بها من الطالبيين بالبصرة (تأريخ خليفة/ ٣١١) ولم يذكر التفاصيل التي ذكرها الطبري والله أعلم.","vol":"12","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1847>ذكر الخبر عنه وعن أمره:</span>\nوكان إبراهيم بن موسى - فيما ذُكر - وجماعة من أهل بيته بمكّة حين خرج أبو السرايا وأمْرُه وأمر الطالبيين بالعراق ما ذُكر. وبلغ إبراهيم بن موسى خبرهم، فخرج من مكة مع مَنْ كان معه من أهل بيته يريد اليمن، ووالي اليمن يومئذ المقيم بها من قبَل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس. فلما سمع بإقبال إبراهيم بن موسى العلوي وقربه من صنعاء، خرج منصرفًا عن اليمن، في الطريق النجدية بجميع منْ في عسكره من الخيل والرّجْل، وخلّى لإبراهيم بن موسى بن جعفر اليمن وكره قتاله، وبلغه ما كان من فعل عمّه داود بن عيسى بمكة والمدينة، ففعل مثل فعله، وأقبل يريد مكة؛ حتى نزل المُشاش، فعسكر هناك، وأراد دخول مكة، فمنعه مَن كان بها من العلويّين، وكانت أم إسحاق بن موسى بن عيسى متواريةً بمكة من العلويّين، وكانوا يطلبونها فتوارت منهم، ولم يزل إسحاق بن موسى معسكرًا بالمشاش، وجعل مَن كان بمكة مستخفيًا يتسللون من رؤوس الجبال، فأتوا بها ابنها في عسكره. وكان يقال لإبراهيم بن موسى: الجزّار، لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبَى وأخذ من الأموال (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة</span>\nوفي هذه السنة في أول يوم من المحرّم منها بعدما لفرّق الحاجّ من مكة جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نُمرقة مثنيّة، فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجُرّدت منها حتى لم يُبق عليها من كسوتها شيئًا، وبقيَت حجارة مجرّدة، ثم كساها ثوبين من قَزّ رقيق، كان أبو السرايا وجّه بهما معه مكتوب عليهما: أمرَ به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد، لكسوة بيت الله الحرام، وأن\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.","vol":"12","page":178},{"text":"يطرح عنه كُسوة الظلَمة من ولد العباس، لتطهّر من كُسوتهم. وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة.\nثم أمر حسين بن حسن بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه من العلويّين وأتباعهم على قدر منازلهم عنده، وعمَد إلى ما في خزانة الكعبة من مالٍ فأخذه، ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلّا هجم عليه في داره؛ فإن وجد من ذلك شيئًا أخذه وعاقب الرجل؛ وإن لم يجد عنده شيئًا حبَسه وعذّبه حتى يفتدي نفسه بقدر طَوْله، ويقرّ عند الشهود أن ذلك للمسوّدة من بني العباس وأتباعهم، حتى عمّ هذا خلقًا كثيرًا.\nوكان الذي يتولى العذابَ لهم رجلًا من أهل الكوفة يقال له محمد بن مسلمة، كان ينزل في دار خالصة عند الحنّاطين؛ فكان يقال لها دار العذاب، وأخافوا الناس؛ حتى هرب منهم خلْق كثير من أهل النّعم، فتعقبوهم بهدم دورهم حتى صاروا من أمر الحرم، وأخذ أبناء الناس في أمر عظيم، وجعلوا يحكّون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدْر مثقال ذهب أو نحوه، حتى عمّ ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام، وقلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم، ومن خشب الساج، فبيع بالثّمن الخسيس. فلما رأى حسين بن حسن ومَنْ معه من أهل بيته تغيّر الناس لهم بسيرتهم، وبلغهم أن أبا السرايا قد قُتل، وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة وكور العراق من كان بها من الطالبيين، ورجعت الولاية بها لولد العباس، اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب - وكان شيخًا ودِّاعًا محبّبًا في الناس، مفارقًا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد، وكان الناس يكتبون عنه وكان يظهر سَمْتًا وزهدًا - فقالوا له: قد تعلم حالك في الناس، فأبْرِزْ شخصك نبايع لك بالخلافة؛ فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزل به ابنه عليّ بن محمد بن جعفر وحسين بن حسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه؛ فأجابهم. فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لستّ من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناسَ من أهل مكة والمجاورين، فبايعوه طوعًا وكرهًا، وسموْه بإمرة المؤمنين، فأقام بذلك أشهرًا، وليس له من الأمر إلا","vol":"12","page":179},{"text":"اسمه، وابنه عليّ وحسين بن حسن وجماعة منهم أسوأ ما كانوا سيرة، وأقبح ما كانوا فعلًا، فوثب حسين بن حسن على امرأة من قريش من بني فهر - وزوْجها رجل من بني مخزوم، وكان لها جمال بارع - فأرسل إليها لتأتيَه فامتنعت عليه فأخاف زوجها وأمر بطلبها فتوارت منه، فأرسل ليلًا جماعة من أصحابه فكسروا بابَ الدار، واغتصبوها نفسها، وذهبوا بها إلى حسين، فلبثت عنده إلى قرب خروجه من مكة، فهربت منه ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة. ووثب عليّ بن محمد بن جعفر على غلام من قريش، ابن قاض بمكة يقال له إسحاق بن محمد، - وكان جميلًا بارعًا في الجمال - فاقتحم عليه بنفسه نهارًا جهارًا في داره على الصفا مشرفًا على المسعى؛ حتى حمله على فرسه في السرْج. وركب عليّ بن محمد على عجُز الفرس، وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون - وكان ينزل في دار داود بن عيسى في طريق منىً - فلما رأى ذلك أهلُ مكة ومَنْ بها من المجاورين، خرجوا فاجتمعوا في المسجد الحرام، وغلقت الدكاكين، ومال معهم أهلُ الطواف بالكعبة، حتى أتوا محمد بن جعفر بن محمد، وهو نازل دار داود، فقالوا: والله لنخلعنك ولنقتلنّك، أو تردنّ إلينا هذا الغلام الذي ابنك أخذه جهرة. فأغلق باب الدار، وكلمهم من الشباك الشارع في المسجد، فقال: والله ما علمت، وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب إلى ابنه عليّ فيستنقذ الغلام منه. فأبى ذلك حسين، وقال: والله إنك لتعلم أني لا أقوى على ابنك، ولو جئتُه لقاتلني وحاربني في أصحابه. فلما رأى ذلك محمد قال لأهل مكة: آمنوني حتى أركب إليه وآخذ الغلام منه. فآمنوه وأذنوا له في الركوب، فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه، فأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله. وقال: فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي مقبلًا من اليمن حتى نزل المُشاش، فاجتمع العلويّون إلى محمد بن جعفر بن محمد، فقالوا له: يا أميرَ المؤمنين، هذا إسحاق بن موسى مقبلًا إلينا في الخيل والرجال، وقد رأينا أن نخندق خندقًا بأعلَى مكة، وتبرز شخصك ليراك الناس ويحاربوا معك. وبعثوا إلى مَنْ حولهم من الأعراب، ففرضوا لهم، وخندقوا على مكة ليقاتلوا إسحاق بن موسى من ورائه، فقاتلهم إسحاق أيامًا. ثم إن إسحاق كره القتال والحرب، وخرج يريد العراق، فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه ومنْ كان معه من أصحاب الجُلوديّ، فقالوا: ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال. فرجع","vol":"12","page":180},{"text":"معهم حتى أتوْا مكة فنزلوا المُشاش. واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من غوغائها، ومن سودان أهل المياه، ومَن فرض له من الأعراب، فعبّأهم ببئر ميمون، وأقبل إليهم إسحاق بن موسى وورقاء لن جميل بمَنْ معه من القوّاد والجند، فقاتلهم ببئر ميمون، فوقعت بينهم قتلى وجراحات. ثم رجع إسحاق وورقاء إلى معسكرهم، ثم عادوهم بعد ذلك بيوم فقاتلهم، فكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه؛ فلما رأى ذلك محمد، بعث رجالًا من قريش فيهم قاضي مكة يسألون لهم الأمان؛ حتى يخرجوا من مكة، ويذهبوا حيث شاؤوا، فأجابهم إسحاق وورقاء بن جميل إلى ذلك، وأجّلُوهم ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الثالث، دخل إسحاق وورقاء إلى مكة في جمادى الآخرة وورقاء الوالي على مكة للجلوديّ، وتفرّق الطالبيون من مكة، فذهب كلّ قوم ناحية؛ فأمّا محمد بن جعفر فأخذ ناحية جُدّة، ثم خرج يريد الجُحفة، فعرض له رجل من موالي بني العباس يقال له محمد بن حكيم بن مروان، قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وعذّبوه عذابًا شديدًا؛ وكان يتوكّل لبعض العباسيين بمكة لآل جعفر بن سليمان، فجمع عبيد الحوائط من عبيد العبّاسيين حتى لحق محمد بن جعفر بين جُدّة وعُسْفان، فانتهب جميع ما معه مما خرج به من مكة، وجرّده حتى تركه في سراويل، وهمّ بقتله، ثم طرح عليه بعد ذلك قميصًا وعمامة ورداء ودريهمات يتسبّب بها، فخرج محمد بن جعفر حتى أتى بلاد جهينة على الساحل، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى انقضى الموسم، وهو في ذلك يجمع الجموع. وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيّب والي المدينة وقعات عند الشجرة وغيرها، وذلك أن هارون بعث ليأخذه، فلما رأى ذلك أتاه بمن اجتمع حتى بلغ الشجرة، فخرج إليه هارون فقاتله، فهزم محمد بن جعفر، وفقئِت عينه بنشابة، وقتِل منْ أصحابه بشر كثير، فرجع حتى أقام بموضعه الذي كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم، فلم يأته مَنْ كان وعده. فلما رأى ذلك وانقضى الموسم، طلب الأمان من الجُلوديّ ومن رجاء ابن عمّ الفضل بن سهل، وضمن له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألّا يُهاج، وأن يُوَفّى له بالأمان، فقبل ذلك ورضيَه، ودخل به إلى مكة، يوم الأحد بعد النفر الأخير بثمانية أيام لعشر بقين من ذي الحجة، فأمر عيسى بن يزيد الجُلودي ورجاء بن أبي الضحاك ابن عمّ الفضْل بن سهل بالمنبر؛ فوضع بين الركن والمقام حيث كان محمد بن","vol":"12","page":181},{"text":"جعفر بويع له فيه، وقد جمع الناس من القريشيين وغيرِهم، فصعد الجُلودي رأسَ المنبر، وقام محمد بن جعفر تحته بدرجة، وعليه قبَاء أسود وقَلنسوة سوداء؛ وليس عليه سيف ليخلع نفسه. ثم قام محمد، فقال:\nأيها الناس مَنْ عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ فإنه كان لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين في رَقبتي بيعة بالسمع والطاعة، طائعًا غير مُكْرَه، وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين لهارون الرشيد على ابنيه: محمد المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين. ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الأرض منّا ومن غيرنا. وكان نُميَ إليّ خبر؛ أن عبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين كان توفيَ؛ فدعاني ذلك إلى أن بايعوا لي بإمرة المؤمنين، واستحللت قبول ذلك لما كان عليّ من العهود والمواثيق في بيعتي لعبد الله عبد الله الإمام المأمون، فبايعتموني - أو من فعل منكم - ألا وقد بلغني وصحّ عندي أنه حيّ سويّ. ألا وإني أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة، وقد خلعت نفسي من بَيْعتي التي بايعتموني عليها؛ كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، وقد صرت كرجل من المسلمين فلا بيعة لي في رقابهم، وقد أخرجت نفسي من ذلك، وقد ردّ الله الحق إلى الخليفة المأمون عبد الله المأمون أمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون.\nثم نزل. فخرج به عيسى بن يزيد الجلوديّ إلى العراق، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى في سنة إحدى ومائتين، وخرج عيسى ومحمد بن جعفر حتى سلّمه إلى الحسن بن سهل، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون بمَرْو مع رجاء بن أبي الضحاك (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (٥٣٦ - ٥٣٧ - ٥٣٨ - ٥٣٩ - ٥٤٠) ولأصله ما يؤيده عند البسوي مع بعض التفاصيل اليسيرة إذ قال:\nوبايعوا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بالخلافة يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة مائتين فلم يزل يسلم عليه بالخلافة حتى كان يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة مائتين (المعرفة/ ١/ ٥٩) ثم أخرج البسوي رواية عن شاهد عيان فقال البسوي سمعت أبا بشر بكر بن خلف قال: قد أخذ أبو شعيب المكفوف =","vol":"12","page":182},{"text":"وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبيّ بعض ولد عَقيل بن أبي طالب من اليمن في جند كثيف إلى مكة ليحجّ بالناس، فحورب العَقيليّ فهزم، ولم يقدر على دخول مكة.\n_________\n= بيدي فأدخلني إلى محمد بن جعفر بن محمد فبايعته وأمر لي بشقة ديباج مما كان نزعه عن الكعبة (المعرفة/ ١/ ٥٩) ثم فصل البسوي في وصف تلك الأحداث وما آلت إليه من انتصار جيش الخلافة والعفو عن محمد بن جعفر العلوي وإعلان بيعته للخليفة العباسي على الملأ فقال:\nوخرج مُحمَّد بن جعفر بن مُحمَّد يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة مائتين، فخرج في ذلك اليوم ومن كان معه حين ارتفع النهار ودخل ورقاء مكة بعد الظهر. ودخل إسحاق بن موسى بن عيسى مع العصر، - وكان عاملًا على صنعاء - فلما سمع بإبراهيم بن موسى بن جعفر بن مُحمَّد الطالبيّ مقبلًا يُريد صنعاء خرج منها حتى قدم مكة ودخل الجُلُودي معه في آخر جُمادى الأولى، فلم يزل عاملًا عليها وقدم نخلة جيش من صنعاء، فخرج إليهم الجُلُوديّ يوم سابع من ذي الحجة وهزمهما، وفرق جمعهم، ودخل أبو إسحاق بن هارون أمير المؤمنين عاملًا على الحجّ سنة مائتين واستأمن مُحمَّد بن جعفر بن مُحمَّد بعد العصر ... فخرج إليه الجُلوديّ والقاضي مُحمَّد بن عبد الرحمن، فقدموا به مكة لعشر من ذي الحجة، وألبسوه سوادًا، ورقى المنبر فخلع نفسه وبايع لعبد الله. وقدم المدينة الحُسين بن الحَسن بن عليّ، ومُحمَّد بن سليمان، الذي كان عاملًا على المدينة ومكة، فخرج بهما رجاء إلى بغداد. وخرج بعد ذلك الجُلوديّ بمحمد بن جعفر إلى عبد الله المأمون ليومين مضيا من المحرم، وخلف الجُلوديُّ ابنه عاملًا على مكة، وكان بينه وبين أهل مكة منازعة، فرموه بالحجارة حتى أدخلوه دار العَجَلة، وأخذ منهم أناسًا فجلدهم، وقطع يد اثنين، وجلد عُثمان بن مُحمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر المخزوميّ.\nوكان مُحَمَّد بن عليّ بن عيسى بن ماهان قد استعمل على صنعاء، وخرج ابنه الأحول عليها، وكان مقيمًا بمكة حتى جاءه العمل عليها.\nوخرج ابن الجُلوديّ إلى العراق. واستمر عمل حمدويه بن عليّ على مكة (المعرفة/ ١/ ٥٩).\nأما خليفة فقد اختصر الخبر جدًّا فقال:\nوأقام الحج أبو إسحاق بن أمير المؤمنين فوثب محمد بن جعفر بن محمد بن علي وابن الأفطس بمكة فظهر عليهم أبو إسحاق بن أمير المؤمنين وبعث بهما إلى المأمون (تأريخ خليفة/٣١٢).","vol":"12","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1849>ذكر الخبر عن أمر إبراهيم العقيليّ الذي ذكرنا أمره</span>\nذكر أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد حجّ بالناس في سنة مائتين، فسار حتى دخل مكة، ومعه قوّاد كثير، فيهم حمدويه بن عليّ بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، ودخلوا مكة، وبها الجلوديّ في جنده وقواده، ووجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلويّ من اليمن راجلًا من ولد عَقيل بن أبي طالب، وأمره أن يحجّ بالناس، فلما صار العميليّ إلى بستان ابن عامر، بلغه أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد قد ولي الموسم، وأن معه من القواد والجنود ما لا قبل لأحد به، فقام ببستان ابن عامر، فمرّت به قافلة من الحاجّ والتجار، فيها كسوة الكعبة وطيبها، فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها، وقدم الحاج والتجار مكة عراة مسلّبين، فبلغ ذلك أبا إسحاق بن الرشيد وهو نازل بمكة في دار القوارير، فجمع إليه القوّاد فشاورهم، فقال له الجلوديّ - وذلك قبل التروية بيومين أو ثلاثة: أصلح الله الأمير! أنا أكفيكهم، أخرج إليهم في خمسين من نخبة أصحابي، وخمسين أنتخبهم من سائر القوّاد. فأجابوه إلى ذلك، فخرج الجُلوديّ في مائة حتى صبّح العقيليّ وأصحابه ببستان ابن عامر، فأحدق بهم، فأسر أكثرهم وهرب من هرب منهم يسعى على قدميه، فأخذ كسوة الكعبة إلّا شيئًا كان هرب به من هرب قبل ذلك بيوم واحد، وأخذ الطيب وأموال التجار والحافي، فوجّه به إلى مكة، ودعا بمَنْ أسر من أصحاب العقيليّ، فأمر بهم فقُنِّع كلّ رجل منهم عشرة أسواط، ثم قال: اعزبوا يا كلاب النار؛ فولله ما قتلكم وعِر، ولا في أسركم جمال. وخلّى سبيلَهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون في الطريق حتى هلك أكثرهم جوعًا وعريًا.\nوخالف ابن أبي سعيد على الحسن بن سهل، فبعث المأمون بسراج الخادم، وقال له: إن وضع عليّ يد الحسن أو شخص إليّ بمرْو وإلا فاضرب عنقه. فشخص إلى المأمون مع هرثمة بن أعين.\nوفي هذه السنة شخص هرثمة في شهر ربيع الأول منها من معسكره إلى المأمون بمرو.","vol":"12","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1850>ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل إليه أمره في مسيره ذلك</span>\nذُكر أنّ هرثمة لما فَرغ من أمر أبي السرايا ومحمد بن محمد العلويّ، ودخل الكوفة، أقام في معسكره إلى شهر ربيع الأول؛ فلما أهلّ الشهر خرج حتى أتى نهر صَرْصر، والناس يروْن أنه يأتي الحسن بن سهل بالمدائن؛ فلما بلغ نهر صرصر خرج على عقْرَقُوف، ثم خرج حتى أتى البرَدَان، ثمّ أتى النَّهروَان، ثم خرج حتى أتى إلى خُراسان؛ وقد أتته كتب المأمون في غير منزل، أن يرجع فيَلِيَ الشام أو الحجاز، فأبى وقال: لا أرجع حتى ألْقَى أمير المؤمنين؛ إدلالًا منه عليه؛ لما كان يعرف من نصيحته له ولابائه، وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وألّا يدَعه حتى يردّه إلى بغداد، دار خلافة آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه، ويُشرف على أطرافه. فعلم الفضل ما يريد، فقال للمأمون: إنّ هرثمة قد أنغْلَ عليك البلاد والعباد، وظاهرَ عليك عدوّك، وعادى وليّك، ودسّ أبا السرايا، وهو جنديّ من جنده حتى عمل ما عمل، ولو شاء هرثمة ألّا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله. وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدّة كتب؛ أن يرجع فيَليَ الشام أو الحجاز فأبى، وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيًا مشاقّأ، يُظهر القوْل الغليظ، ويتواعد بالأمر الجليل، وإن أطلِق هذا كان مفسدة لغيره. فأشرب قلب أمير المؤمنين عليه.\nوأبطأ هرثمة في المسير فلم يصل إلى خُراسان حتى كان ذو القعدة؛ فلما بلغ مَرْو خشي أن يكتم المأمون قدومه، فضرب بالطبول لكي يسمعها المأمون، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يُرعد ويبرِق، وظنّ هرثمةُ أنّ قوله المقبول. فأمر بإدخاله، فلما أدخل - وقد أشرِب قلبه ما أشرب - قال له المأمون: مالأتَ أهل الكوفة والعلوييّن وداهنت ودَسست إلى أبي السرايا حتى خرج وعمل ما عمل؛ وكان رجلًا من أصحابك؛ ولو أردت أن تأخذهم جميعًا لفعلت؛ ولكنَّك أرخيت خناقهم، وأجررت لهم رَسَنهم. فذهب هرثمةُ ليتكلم ويعتذر، ويدفع عن نفسه ما قُرِف به فلم يُقْبَل ذلك منه، وأمر به فوجئ على","vol":"12","page":185},{"text":"أنفه، وديس بطنه، وسُحب من بين يديه. وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظِ عليه والتّشديد حتى حبس، فمكث في الحبس أيامًا، ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا له: إنه مات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>ذكر الخبر عن وثوب الحربية ببغداد</span>\nوفي هذه السنة هاج الشَّغْب ببغداد بين الحربيّة والحسن بن سهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان:</span>\nذُكر أنّ الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرْثمة إلى خُراسان، ولم يزل مقيمًا بها إلى أن اتّصل بأهل بغداد والحربية ما صُنع به، فبعث الحسن بن سهل إلى عليّ بن هشام - وهو والي بغداد، من قبَله: أن أمطل الجندَ من الحربيَّة والبغداديين أرزاقَهم، ومنِّهم ولا تُعطهم. وقد كان الحسن قبل ذلك اتَّعدَهم أن يعطيَهم أرزاقهم، وكانت الحربيّة حين خرج هرثمة إلى خُراسان وثبوا وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل عن بغداد؛ وكان من عمّاله بها محمد بن أبي خالد وأسد بن أبي الأسد، فوثبت الحربية عليهم فطردوهم، وصيّروا إسحاق بن موسى بن المهديّ خليفة للمأمون ببغداد؛ فاجتمع أهل الجانبين على\n_________\n(١) أما أصل الخبر وأعني شخوص هرثمة إلى المأمون ثم موته هناك في السجن فصحيح وقد تحدث عن هذه الواقعة ابن قتيبة الدينوري والجهشياري. أما ابن قتيبة فقد ذكر زبدة الخبر فقال: ولما صار \"هَرثمة\" إلى \"خُراسان\". جرى بينه وبين \"الفضل بن سهل\" كلام بين يدي \"المأمون\"، فأمر بحَبسه، فُحبس بقبة في دار \"المأمون\"، فمكث فيها أيامًا تم أُخرج ميتا، فلُف في خَيشة، ودُفن في خَندق كان لأهل السجن بـ \"مَرْو\" (المعارف/ ١٩٧).\nوكذلك تحدث المجهشياري عن هذه القصة بخبر طويل وفيه اختلاف عمّا ذكر الطبري ولكن الجهشياري يتفق مع الطبري أن ذا الرياستين قد ناصبه العداء وأن هرثمة أراد من سفره أن يحذّر المأمون من شر وزيره ذي الرياستين ولكن بعد فوات الأوان وكانت النتيجة أن أهين وضرب وسجن وقتل في السجن أو على الأقل أخرج ميتًا من السجن بعد أيام قلائل وانظر الجهشياري (الوزراء والكتاب/ ٣١٧).\nأما خليفة فهو يرى أن هرثمة مات ليلة الأحد لثلاث خلون من المحرم سنة (٢٠١ هـ) (تأريخ خليفة/٣١٢).","vol":"12","page":186},{"text":"ذلك، ورضُوا به، فدسّ الحسنُ إليهم، وكاتب قوّادهم حتى وثبوا من جانب عسكر المهديّ، وجعل يعطي الجندَ أرزاقهم لستة أشهر عطاء نزْرًا؛ فحوّل الحربية إسحاق إليهم، وأنزلوه على دُجيل.\nوجاء زهير بن المسيّب فنزل في عسكر المهديّ، وبعث الحسن بن سهل عليّ بن هشام، فجاء من الجانب الآخر؛ حتى نزل نهر صَرْصر، ثم جاء هو ومحمد بن أبي خالد وقوّادهم ليلًا؛ حتى دخلوا بغداد، فنزل عليّ بن هشام دارَ العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخُزاعي على باب المحوّل لثمانٍ خلوْن من شعبان، وقبل ذلك ما كان الحربية حين بلغهم أنّ أهل الكرخ يريدون أن يُدخلوا زهيرًا وعليّ بن هشام، شدّوا على باب الكرخ فأحرقوه، وأنهبوا من حدّ قصر الوضّاح إلى داخل باب الكرْخ إلى أصحاب القراطيس ليلةَ الثلاثاء، وفى خل عليّ بن هشام صبيحةَ تلك الليلة، فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصّراة العتيقة والجديدة والأرحاء.\nثم إنه وعد الحربيّة أن يعطيَهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلّة، فسألوه أن يعجّل لهم خمسين درهمًا لكل رجل لينفقوها في شهر رمضان، فأجابهم إلى ذلك، وجعل يعطى، فلم يُتمّ لهم إعطاءهم، حتى خرج زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب، الخارج بالبَصْرة المعروف بزيد النار؛ كان أفلت من الحبْس عند عليّ بن أبي سعيد، فخرج في ناحية الأنبار ومعه أخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إليه، فأخذ، فأتي به عليّ بن هشام، فلم يلبث إلّا جمعة حتى هرب من الحربيّة، فنزل نهر صرصر، وذلك أنه كان يكذبهم، ولم يفِ لهم بإعطاء الخمسين، إلى أن جاء الأضحى؛ وبلغهم خبرُ هرثمة وما صُنع به، فشدّوا على عليّ فطردوه.\nوكان المتولي ذلك والقائم بأمر الحرْب محمد بن أبي خالد؛ وذلك أن عليّ بن هشام لما دخل بغداد كان يُستخفّ به، فوقع بين محمد بن أبي خالد وبين زُهير بن المسيّب إلى أن قنّعه زهير بالسوط. فغضب محمد من ذلك، وتحوّل إلى الحربية في ذي القعدة، ونصب لهم الحرْب، واجتمع إليه الناس فلم يقْوَ","vol":"12","page":187},{"text":"بهم عليّ بن هشام حتى أخرجوه من بغداد، ثم اتبعه حتى هزمهم من نهر صرصر (١).\n* * *\nوفي هذه السنة وجّه المأمون رجاء بن أبي الضحّاك وفرناس الخادم لإشخاص عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر.\nوأُحصِيَ في هذه السنة ولد العباس؛ فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكرٍ وأنثى.\n* * *\nوفي هذه السنة قتلت الروم ملكها ليون، فكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر، وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجس ثانية (٢).\nوفيها قَتَل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل؛ وذلك أن يحيى أغلظ له، فقال له: يا أميرَ الكافرين؛ فقتِل بين يديه.\nوأقام للناس الحجّ في هذه السنة أبو إسحاق بن الرّشيد (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>ثم دخلت سنة إحدى ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>ولاية منصور بن المهديّ ببغداد</span>\nفمما كان فيها من ذلك مراودَة أهل بغداد منصورَ بن المهديّ على الخلافة\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٨).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٨).\n(٣) وكذلك قال خليفة (تأريخ الخليفة/ ٣١٢).","vol":"12","page":188},{"text":"وامتناعه عليهم؛ فلما امتنع من ذلك راودوه على الإمْرة عليهم، على أن يدعوْ للمأمون بالخلافة؛ فأجابهم إلى ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه:</span>\nقد ذكرنا قبل ذلك سببَ إخراج أهل بغداد عليّ بن هشام من بغداد، ويذكر عن الحسن بن سهل أن الخبر عن إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد لما اتصل به وهو بالمدائن انهزم حتى صار إلى واسط وذلك في أول سنة إحدى ومائتين.\nوقد قيل إن سبب إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد كان أنّ الحسن بن سهل وجّه محمد بن خالد المرورّوذيّ بعدما قُتل أبو السرايا، أفسده وولّى عليّ بن هشام الجانب الغربيّ من بغداد وزهير بن المسيّب يلي الجانب الشرقيّ، وأقام هو بالخيزرانيّة، وضرب الحسنُ عبد الله بن عليّ بن عيسى بن ماهان حدًّا بالسياط، فغضب الأبناء، فشغب الناس، فهرب إلى برْبَخا ثم إلى باسَلَامَا، وأمر بالأرزاق لأهل عسكر المهديّ، ومنع أهل الغربيّ، واقتتل أهل الجانبين، ففرّق محمد بن أبي خالد على الحربيّة مالًا، فهُزم عليّ بن هشام، فانهزم الحسن بن سهل بانهزام عليّ بن هشام، فلحق بواسط، فتبعه محمد بن أبي خالد بن الهندوان مخالفًا له؛ وقد تولّى القيام بأمر الناس، وولّى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربيّ ونصر بن حمزة بن مالك الشرقيّ، وكنفه ببغداد منصور بن المهديّ وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع.\nوقد قيل إنّ عيسى بن محمد بن أبي خالد قدم في هذه السنة من الرّقّة، وكان عند طاهر بن الحسين، فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن، فمضَيا حتى انتهيا ومَنْ معهما من الحربيّة وأهل بغداد إلى قرية أبي قريش قرب واسط، وكان كلما أتيا موضعًا فيه عسكر من عساكر الحسن فيكون بينهما فيه وقعة، تكون الهزيمة فيه على أصحاب الحسن.\nولما انتهى محمد بن خالد إلى دير العاقول، أقام به ثلاثًا، وزهير بن\n_________\n(١) انظر المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ٩٢).","vol":"12","page":189},{"text":"المسيّب حينئذ مقيم بإسكاف بني الجُنيد، وهو عامل الحسن على جوخَى مقيم في عمله؛ فكان يكاتب قوّاد أهل بغداد. فبعث ابنه الأزهر، مضى حتى انتهى إلى نهر النهروان، فلقي محمد بن أبي خالد، فركب إليه، فأتاه بإسكاف، فأحاط به فأعطاه الأمان، وأخذه أسيرًا، فجاء به إلى عسكره بدير العاقول، وأخذ أمواله ومتاعه وكلّ قليل وكثير وجد له. ثم تقدّم محمد بن أبي خالد، فلما صار إلى واسط بعث به إلى بغداد، فحبسه عند ابن له مكفوف، يقال له جعفر؛ فكان الحسن مقيمًا بجرْجرايا، فلما بلغه خبر زهير، وأنه قد صار في يد محمد بن أبي خالد ارتحل حتى دخل واسط، فنزل بفم الصِّلح، ووجه محمّد من دير العاقول ابنَه هارون إلى النيل وبها سعيد بن الساجور الكوفيّ، فهزمه هارون، ثم تبعه حتى دخل الكوفة، فأخذها هارون، وولّى عليها. وقدم عيسى بن يزيد الجُلوديّ من مكّة، ومعه محمد بن جعفر، فخرجوا جميعًا حتى أتوْا واسط في طريق البرّ، ثم رجع هارون إلى أبيه، فاجتمعوا جميعًا في قرية أبي قريش ليدخلوا واسط، وبها الحسن بن سهل، فتقدّم الحسن بن سهل، فنزل خلف واسط في أطرافها.\nوكان الفضل بن الربيع مختفيًا من حين قتل المخلوع، فلما رأى أن محمد بن أبي خالد. قد بلغ واسطَ بعث إليه يطلب الأمان منه، فأعطاه إياه وظهر. ثم تعبّأ محمد بن أبي خالد للقتال، فتقدّم هو وابنه عيسى وأصحابهما، حتى صاروا على ميلين من واسط، فوجّه إليهم الحسن أصحابَه وقوّاده، فاقتتلوا قتالًا شديدًا عند أبيات واسط. فلما كان بعد العصر هبّت ريح شديدة وغُبْرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض، وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبي خالد، فثبت للقوم فأصابتْه جراحات شديدة في جَسَده، فانهزم هو وأصحابه هزيمةً شديدة قبيحة، فهزم أصحابه الحسن، وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين.\nفلما بلغ محمد فم الصِّلْح خرج عليهم أصحابُ الحسن فصافّهم للقتال، فلما جنّهم الليل، ارتحلَ هو وأصحابه حتى نزلوا المبارك، فأقاموا به؛ فلمّا أصبحوا غدَا عليهم أصحابُ الحسن فصافّوهم، واقتتلوا.\nفلما جنّهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جَبُّل، فأقاموا بها، ووجّه ابنه هارون إلى","vol":"12","page":190},{"text":"النيل، فأقام بها، وأقام محمد بجَرْجَرايا، فلما اشتدّت به الجراحات خلّف قوّاده في عسكره، وحمَله ابنه أبو زنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الإثنين لستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر، فدخل أبو زنبيل ليلة الإثنين، ومات محمد بن أبي خالد من ليلته من تلك الجراحات، ودفن من ليلته في داره سرًّا.\nوكان زهير بن المسيّب محبوسًا عند جعفر بن محمد بن أبي خالد، فلما قدم أبو زنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر، فأعلمه أمر أبيه، فبعث خزيمة إلى بني هاشم والقوّاد وأعلمهم ذلك، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبي خالد، وأنه يكفيهم الحرب. فرضوا بذلك، فصار عيسى مكان أبيه على الحرْب، وانصرف أبو زنبيل من عند خُزيمة حتى أتى زهير بن المسيّب، فأخرجه من حَبْسه، فضرب عنقه ويقال: إنه ذبحه ذبحًا وأخذ رأسه، فبعث به إلى عيسى في عسكره، فنصبه على رمح وأخذوا جسدَه، فشدّوا في رجليه حبلًا، ثم طافوا به في بغداد، ومرّوا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة، ثم طافوا به في الكرْخ، ثم ردُّوه إلى باب الشام بالعشيّ؛ فلما جنّهم الليل طرحوه في دِجلة، وذلك يوم الإثنين لثمان خلوْن من شهر ربيع الآخر.\nثم رجع أبو زنبيل حتى انتهى إلى عيسى فوجّهه عيسى إلى فم الصّراة.\nوبلغ الحسن بن سهل موت محمد بن أبي خالد، فخرج من واسط حتى انتهى إلى المُبارك، فأقام بها. فلما كان جمادى الآخرة وجّه حميد بن عبد الحميد الطوسيّ ومعه عركو الأعرابيّ وسعيد بن الساجور وأبو البط ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ، وعدّة سواهم من القوّاد، فلقوا أبا زنبيل بفم الصَّراة فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنّيل، فالتقوْا عند بيوت النيل، فاقتتلوا ساعة، فوقدت الهزيمة على أصحاب هارون، وأبي زنبيل، فخرجوا هاربين حتى أتوا المدائن؛ وذلك يوم الإثنين لخمس بَقين من جمادى الآخرة.\nودخل حميد وأصحابه النِّيل فانتهبوها ثلاثة أيام؛ فانتهبوا أموالَهم وأمتعتهم، وانتهبوا ما كان حوْلهم من القرى؛ وقد كان بنو هاشم والقوّاد حين مات محمد بن أبي خالد تكلّموا في ذلك؛ وقالوا: نصيّر بعضنا خليفة ونخلع المأمون، فكانوا يتراضَوْن في ذلك، إذ بلغهم خبر هارون وأبي زنبيل وهزيمتهم، فجدُّوا فيما","vol":"12","page":191},{"text":"كانوا فيه، وأرادوا منصور بن المهديّ على الخلافة؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزالوا به حتى صيّروه أميرًا خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسيّ ابن المجوسيّ الحسن بن سهل، ونطرده حتى يرجع إلى خراسان.\nوقد قيل: إنّ عيسى بن محمد بن أبي خالد لمّا اجتمع إليه أهل بغداد، وساعدوه على حرب الحسن بن سهل، رأى الحسن أنه لا طاقة له بعيسى، فبعث إليه وهب بن سعيد الكاتب، وبذَل له المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية أيّ النواحي أحبّ، فطلب كتاب المأمون بذلك بخطِّه، فردّ الحسن بن سهل وهبًا بإجابته، فغرق وهب بين المُبارك وجبل؛ فكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولّوا رجلًا من بني هاشم، فولوْا منصور بن المهديّ، وعسكر منصور بن المهديّ بكَلْواذَى، وأرادوه على الخلافة فأبى، وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يولي مَنْ أحبّ، فرضى بذلك بنو هاشم والقوّاد والجند؛ وكان القيّم بهذا الأمر خزيمة بن خازم، فوجّه القوّاد في كلّ ناحية، وجاء حميد الطوسي من فوره في طلب بني محمد حتى انتهى إلى المدائن، فأقام بهما يومه، ثم انصرف إلى النيل.\nفلما بلغ منصورًا خبرُه خرج حتى عسكر بكَلْواذى، وتقدّم يحيى بن عليّ بن عيسى بن ماهان إلى المدائن.\nثم إن منصورًا وجّه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشميّ من الجانب الآخر، فعسكر بنهر صَرْصر، ووجّه غسان بن عباد بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خُراسان ناحية الكوفة، فتقدّم حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به. فلما بلغ حُميدًا الخبر لم يعلم غسان إلا وحُميد قد أحاط بالقصر، فأخذ غسانَ أسيرًا، وسلب أصحابه، وقتل منهم، وذلك يوم الإثنين لأربع خلوْن من رجب.\nثم لم يزل كلُّ قوم مقيمين في عساكرهم، إلّا أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل، فهرب منه إلى عيسى، فوجّهه عيسى إلى منصور، فوجّهه منصور إلى ناحية حُميد، وكان حُميد مقيمًا بالنيل إلّا أنّ له خيلا بالقَصْر.\nوخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خَلَتا من شعبان حتى أتى","vol":"12","page":192},{"text":"كُوثى. وبلغ حُميدًا الخبر، فلم يعلم ابن يقطين حتى أتاه حُميد وأصحابه إلى كُوثى، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من أصحابه، وأسروا، وغرق منهم بشر كثير، وانتهب حميد وأصحابه ما كان حول كوثى من القُرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قَدَروا عليه من حَلْي ومتاع وغير ذلك؛ ثم انصرف حتى النّيل، وراجع ابنُ يقطين، فأقام بنهر صَرصَر.\nوفي محمد بن أبي خالد قال أبو الشدّاخ:\nهَوَى خيلُ الأَبناء بعدَ محمَّدٍ ... وأَصْبحَ منها كاهِلُ العِزِّ أَخضَعَا\nفلا تَشمَتُوا يا آلَ سهلٍ بموْتِه ... فإِنَّ لكم يومًا من الدهرِ مَصْرَعَا\nوأحْصَى عيسى بن محمد بن أبي خالد ما كان في عسكره، فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفًا بين فارس وراجل؛ فأعطى الفارس أربعين درهمًا، والرّاجل عشرين درهمًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1856>ذكر خبر خروج المطوّعة للنكير على الفساق</span>\nوفي هذه السنة تجرّدت المطوّعة للنكير على الفساق ببغداد، ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاريّ أبو حاتم من أهل خُراسان (٢).\nذكر الخبر عن السبب الذي من أجله فعلت المطوّعة ما ذكرت:\nكان السبب في ذلك أن فساق الحربيّة والشطار الذين كانوا ببغداد والكَرْخ آذوا الناس أذى شديدًا، وأظهروا الفسْق وقطع الطريق وأخذِ الغلمان والنساء علانيةً\n_________\n(١) لم نجد تأييدًا لجميع هذه التفاصيل عند غير الطبري سوى ما سنذكر بعد الخبر الآتي.\n(٢) لقد اختصر ابن قتيبة الدينوري هذا الخبر والخبر الطويل الذي قبله والذي استغرق صفحات بأسطر قليلة مفيدة فقال: وحارب أهل بغداد الحسن بن سهل، ورئيسُهم محمد بن أبي خالد المروزي وبنوه عيسى وهارون وأبو زنبيل والحسن بالمدائن وصار الناس فوضى لا أمير عليهم فخرج سهل بن سلامة والمطوعة (المعارف/ ١٩٧).\nوأما خليفة فلم يذكر من تفاصيل خبر الطبري سوى أمرين: الأول مقتل محمد فقال: وقتل محمد بن أبي خالد أصابته ضربة فمات منها (تأريخ خليفة/ ٣١٢).\nوالثاني مقتل زهير فقال: وفيها (٢٠١) قتل زهير بن المسيب ببغداد (تأريخ خليفة/ ٣١٢).","vol":"12","page":193},{"text":"من الطرق؛ فكانوا يجتمعون فيأتُون الرّجل، فيأخذونَ ابنَه، فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع، وكانوا يسألون الرَّجُل أن يُقرِضهم أو يصِلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم؛ وكانوا يجتمعون فيأتُون القرى، فيكاثرون أهلَها، ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك؛ لا سلطانَ يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان يعتزّ بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنَعهم من فسق يركبونه، وكانوا يَجْبُون المارّة في الطرق وفي السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يعدو عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم؛ ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قُطْرَبّل، فانتهبوها علانيةً، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك، وأدخلوها بغداد، وجعلوا يبيعونها علانية، وجاء أهلها فاستعَدوْا السلطان عليهم، فلم يمكنه إعداؤهم عليهم، ولم يردّ عليهم شيئًا مما كان أخِذ منهم، وذلك آخر شعبان.\nفلما رأى الناس ذلك وما قد أخِذ منهم؛ وما بيع من متاعِ الناس في أسواقهم، وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقَطْع الطريق، وأن السلطان لا يغيّر عليهم، قام صُلحاء كل رَبَض وكلّ دَرْب، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما في الدّرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكتر منهم؛ فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحدًا، لقمعتم هؤلاء الفُساق، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم.\nفقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش، فدعا جيرَانه وأهل بيته وأهل محلّته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشدّ على مَنْ يليه من الفساق والشطار، فمنعهم مما كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم، فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان، إلا أنه كان لا يرى أن يُغَيّر على السلطان شيئًا، ثم قام من بعده رجلٌ من أهل الحربيّة، يقال له سهل بن سلامة الأنصاريّ من أهل خُراسان، يكنى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل بكتاب الله جلّ وعزّ وسنّة نبيه - ﷺ -، وعلّق مصحفًا في عنقه، ثم بدأ بجيرانه وأهلِ محِلّته، فأمرهم ونهاهم فقبِلوا منه، ثم دعا الناس جميعًا إلى ذلك؛ الشريفَ منهم والوضيعَ، بني هاشم ومَنْ دونهم، وجعل له ديوانًا","vol":"12","page":194},{"text":"يثبت فيه اسم من أتاه منهم، فبايعه على ذلك، وقتال مَنْ خالفه وخالف ما دعا إليه كائنًا من كان؛ فأتاه خلق كثير، فبايعوا.\nثمّ إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها، ومنع كلّ من يخفر ويجبي المارّة والمختلفة، وقال: لا خفارة في الإسلام - والخفارة أنه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول: بستانك في خَفري، أدفع عنه من أراده بسوء، ولي في عُنقك كلّ شهر كذا وكذا درهمًا، فيعطيه ذلك شائيًا وآبِيًا - فقوي على ذلك إلا أن الدريوش خالفه، وقال: أنا لا أعيبُ على السلطان شيئًا ولا أغيِّره، ولا أقاتله، ولا آمره بشيء ولا أنهاه. وقال سهل بن سلامة: لكني أقاتل كلّ من خالف الكتاب والسنة كائنًا من كان؛ سلطانًا أو غيره؛ والحق قائم في الناس أجمعين، فمن يبايعني على هذا قبلتُه، ومن خالفني قاتلته، فقام في ذلك سهل يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومئتين في مسجد طاهر بن الحسين؛ الذي كان بناه في الحربيّة. وكان خالد الدريوش قام قبله بيومين أو ثلاثة، وكان منصور بن المهديّ مقيمًا بعسكره بجَبُّل، فلما كان من ظهور سهل بن سلامة وأصحابه ما كان، وبلغ ذلك منصورًا وعيسى - وإنما كان عُظم أصحابهما الشّطار، ومن لا خير فيه - كسرهما ذلك، ودخل منصور بغداد.\nوقد كان عيسى يكاتب الحسن بن سهل، فلما بلغه خبر بغداد، سأل الحسن بن سهل أن يعطيَه الأمان له ولأهل بيته ولأصحابه؛ على أن يعطي الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركتْ له الغَلّة، فأجابه الحسن، وارتحل عيسى من مُعسكره، فدخل بغداد يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من شوّال، وتقوّضت جميع عساكرهم، فدخلوا بغداد فأعلمهم عيسى مما دخل لهم فيه من الصّلح، فرضُوا بذلك.\nثم رجع عيسى إلى المدائن، وجاء بحيى بن عبد الله، ابن عمّ الحسن بن سهل، حتى نزل دَير العاقول، فوَلّوْه السواد، وأشركوا بينه وبين عيسى في الولاية، وجعلوا لكلّ عدّة من الطّسَاسيج وأعمال بغداد. فلمّا دخل عيسى فيما في خل فيه - وكان أهل عسكر المهديّ مخالفين له - وثب المطلب بن عبد الله بن مالك الخُزاعيّ يدعو إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابني سهل؛ فامتنع عليه سهل بن سلامة، وقال: ليس على هذا بايعتَني.","vol":"12","page":195},{"text":"وتحوّل منصور بن المهديّ وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع - وكانوا يوم تحؤلوا بايعوا سهلَ بن سلامة على ما يدعُو إليه من العمل بالكتاب والسنة - فنزلوا بالحربية فرارًا من الطلب، وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن، وبعث إلى المطلب أن يأتيَه، وقال: ليس على هذا بايعتَنِي، فأبى المطلب أن يجيئَه، فقاتله سهل يومين أو ثلاثة قتالًا شديدًا؛ حتى اصطلح عيسى والمطلب، فدسّ عيسى إلى سهلٍ مَن اغتاله فضربه ضربة بالسيف؛ إلا أنها لم تعمل فيه؛ فلما اغتيل سهل رجع إلى منزله، وقام عيسى بأمر الناس، فكفُّوا عن القتال.\nوقد كان حميد بن عبد الحميد مقيمًا بالنيل، فلما بلغه هذا الخبر دخل الكوفة، فأقام بها أيامًا. ثم إنه خرج منها حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به، واتخذ منزلًا وعمل عليه سورًا وخندقًا؛ وذلك في آخر ذي القعدة، وأقام عيسى ببغداد يعرض الجند ويصحّحهم، إلى أن تدرك الغلّة، وبعث إلى سهل بن سلامة فاعتذر إليه مما كان صنع به، وبايعه وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأنه عونه على ذلك، فقام سهل بما كان قام به أولا من الدعاء إلى العمل بالكتاب والسنّة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>ذكر خبر البيعة لعليّ بن موسى بولاية العهد</span>\nوفي هذه السنة جعل المأمون عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وليّ عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرّضِيّ من آل محمد - ﷺ -، وأمر جنده بطرح السَّواد ولبس ثياب الخُضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق (١).\n_________\n(١) أيّد خليفة هذا الخبر فقال: سنة إحدى ومائتين فيها بايع المأمون لعلي بن موسى بن جعفر بالخلافة من بعده وخلع القاسم بن هارون أمير المؤمنين وأمر بالسواد فألقي ولُبِسَت الخضرة (تأريخ خليفة/ ٣١٢).\nوقال ابن قتيبة الدينوري: وبعث المأمون إلى علي بن موسى الذي يُدعى بالرضى فحمله إلى خراسان فبايع له بولاية العهد وأمر الناس بلباس الخضرة (المعارف/ ١٩٧).\nوكذلك أشار البسوي إلى هذه البيعة ضمن أحداث سنة (٢٠١ هـ) (المعرفة والتأريخ/ ١/ ٦٠). =","vol":"12","page":196},{"text":"ذكر الخبر عن ذلك وعما كان سبب ذلك وما آل الأمر فيه إليه:\nذُكر أن عيسى بن محمد بن أبي خالد، بينما هو فيما هو من عَرْض أصحابه بعد منصرَفه من عسكره إلى بغداد، إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل يُعلمه أنّ أمير المؤمنين المأمون قد جعل عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد وليّ عهده من بعده، وذلك أنه نظر في بني العباس وبني عليّ، فلم يجد أحدًا هو أفضل ولا أورعَ ولا أعلم منه، وأنه سمَّاه الرضِيّ من آل محمد، وأمره بطرح لُبْس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة؛ وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، ويأمره أن يأمر مَنْ قبله من أصحابه والجند والقوّاد وبني هاشم بالبيعة له، وأن يأخذهم بلبس الخُضْرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم، ويأخذ أهل بغداد جميعًا بذلك.\nفلما أتى عيسى الخبر دعا أهلَ بغداد إلى ذلك على أن يعجِّل لهم رزق شهر، والباقي إذا أدركت الغلّة، فقال بعضهم: نبايع ونلبس الخضرة، وقال بعضهم: لا نبايع ولا نلبس الخضرة، ولا نُخرِج هذا الأمر من ولد العباس؛ وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل، فمكثوا بذلك أيامًا. وغضب ولد العباس من ذلك، واجتمع بعضهم إلى بعض، وتكلموا فيه، وقالوا: نولِّي بعضَنا، ونخلع المأمون، وكان المتكلم في هذا والمختلف والمتقلّد له إبراهيم ومنصور ابنا المهديّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>ذكر الدعوة لمبايعة إبراهيم بن المهديّ وخلع المأمون</span>\nوفي هذه السنة بايع أهلُ بغداد إبراهيم بن المهديّ بالخلافة وخلعوا المأمون ذكر السبب في ذلك:\nقد ذكرنا سببَ إنكار العباسيين ببغداد على المأمون ما أنكروا عليه، واجتماع\n_________\n= ولقد ذكر الحافظ ابن كثير وهو إمام مؤرخ متأخر أن المأمون رأى أن عليًّا الرّضى خير أهل البيت وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه فجعله ولي عهده من بعده (انظر البداية والنهاية/ ٨/ ١٤٩).\nوانظر تعليقنا (٨/ ٥٥٥/ ١٢٨).","vol":"12","page":197},{"text":"من اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم؛ حتى خرج عن بغداد. ولمّا كان من بيعة المأمون لعليّ بن موسى بن جعفر - وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان، وورود كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبي خالد يأمره بذلك، وأخْذ الناس به ببغداد، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقِين من ذي الحجة - أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهديّ بالخلافة، ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهديّ؛ وأنهم قد خلعوأ المأمون (١) وأنهم يعطون عشرة دنانير كل إنسان، أوّل يوم من المحرّم أول يوم من السنة المستقبلة. فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطَى؛ فلما كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان منصور، فأمروا رجلًا يقول حين أذّن المؤذن: إنا نريد أن ندعوَ للمأمون ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة؛ وكانوا قد دسُّوا قومًا، فقالوا لهم: إذا قام يقول: ندعُو للمأمون، فقوموا أنتم فقولوا: لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومنْ بعده لإسحاق، وتخلعوا المأمون أصلًا، ليس نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور، ثم تجلسوا في بيوتكم. فلما قام\n_________\n(١) وأيده خليفة في هذا فقال: وفيها أخرج الحسن بن سهل من بغداد وبويع إبراهيم بن المهدي وأمّه شكلة ببغداد وأخذت له الكوفة وعامة السواد (تأريخ خليفة/ ٣١٢).\nوقال ابن قتيبة الدينوري: وصار أهل بغداد إلى إبراهيم بن المهدي فبايعوه بيعة الخلافة (المعارف/ ١٩٧).\nوقد قال الجهشياري نحوًا مما قال الطبري فأجمل الأسباب والوقائع التي أدت بالنتيجة إلى بيعة الناس إبراهيم بن المهدي فقال: وكان إبراهيم بن المهدي يتقلد البصرة من قبل المأمون، وكاتبه إبراهيم بن نوح بن أبي نوح. وكان المأمون جدّ في تجدبد العهد لعليّ بن موسى بن جعفر، وتقدّم إلى الفضل بأخذ البَيْعَة على الناس، والكِتاب إلى الأقاليم في إبطال السواد، وكتبَ الفضل بن سهل إلى الحسن يعلمه ذلك، ويأمره بطرح لبس السواد، وأن يلبس الخُضْرة، ويجعل الأعلام والقلانس خُضْرًا، ويطالب الناس بذلك، ويكاتب فيه جميع عُمّاله. فكتب الحسن إلى عيسى بن أبي خالد بذلك، فدعا عيسى أهل بغداد، وعرفهم ما كتب به الحسن، فبعض أجاب، وبعض امتنع، ودب الهاشميون بعضهم إلى بعض، وخلعوا المأمون، وعقدوا الأمر لإبراهيم بن المهديّ في يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحِجَّة سنة إحدى ومئتين؛ وكان القيّم بأمره عيسى بن محمد بن أبي خالد، فكان من أمره ما كان (الوزراء والكتاب/ ٣١٢).","vol":"12","page":198},{"text":"مَن يتكلم أجابه هؤلاء، فلم يُصَلّ بهم تلك الجمعة صلاة الجمعة، ولا خطب أحد، إنما صلى الناس أربم ركعات ثم انصرفوا؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين.\nوفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خُرْداذْبه وهو والي طَبرستان اللارز والشيرز، من بلاد الديلم، وزادهما في بلاد الإسلام، وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شَروين عنها، فقال سلّام الخاسر:\nإِنا لنَأْمُلُ فتْحَ الرومِ والصِّين ... بمن أَدال لنا من مُلك شَرْوِينِ\nفاشدُدْ يديك بِعبدِ اللهِ إِنَّ لهُ ... مع الأَمانةِ رأْيٌ غيرُ مَوهُونِ (١)\nوأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، وأسر أبا ليلى ملك الديلم بغير عهد في هذه السنة.\nوفيها مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا.\nوفيها تحرّك بابك الخرَّميّ في الجاويذَانيّة أصحاب جاويذان بن سهل، صاحب البذّ، وادّعى أن رُوح جاويذان دخلت فيه، وأخذ في العيْث والفساد.\nوفيها أصابَ أهلَ خراسان والريّ وإصبهان مجاعة، وعزَّ الطعام، ووقع الموت.\n* * *\nوحجّ بالناس فيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٢).\n_________\n(١) هكذا ذكر الطبري وفي نسبة هذا الشعر إلى سلامة الخاسر - يوم أن وقع هذا الفتح - نظرًا لأن الطبري ذكر هذا الفتح ضمن أحداث سنة (٢٠١ هـ) بينما ذكر ابن الجوزي في المنتظم أن سلامًا هذا توفي سنة (١٨٦ هـ).\nوانظر تعليق ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٤٩).\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٢).","vol":"12","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1859>ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>ذكر خبر بيعة إبراهيم بن المهديّ</span>\nفممّا كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهديّ بالخلافة، وتسميتهم إيّاه المُبارك. وقيل إنهم بايعوه في أوّل يوم من المحرّم بالخلافة، وخلعوا المأمون؛ فلمّا كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر؛ فكان أوّل من بايعه عُبيد الله بن العباس بن محمد الهاشميّ، ثم منصور بن المهديّ، ثم سائر بني هاشم، ثم القوّاد. وكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، وكان الذي سعى في ذلك وقام به السنديّ وصالح صاحب المصلّى ومنْجاب ونُصير الوصيف وسائر الموالي؛ إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة غضبًا منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد عليّ، ولتركه لباس آبائه من السّواد ولبسِه الخُضرة (١).\nولما فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيَهم أرزاق الأشهر، فدافعهم بها، فلما رأوا ذلك شغَبُوا عليه، فأعطاهم مائتي درهم لكل رجل، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة بقيّة مالهم حنطة وشعيرًا. فخرجوا في قَبْضها فلم يمرّوا بشيء إلا انتهبوه، فأخذوا النصيبيْن جميعًا، نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان. وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسَّواد كله، وعسكر بالمدائن. وولّى الجانب الشرقيّ من بغداد العباس بن موسى الهادي والجانب الغربيّ إسحاق بن\n_________\n(١) لقد بيّن الطبري فيما سبق أن الناس بايعوا إبراهيم بن المهدي لأسباب منها أن المأمون أخرج الخلافة من بني العباس وبايع لعلي الرضى من آل علي وانظر تعليقنا على الخبر (٨/ ٥٥٥/ ١٢٩).\nولقد تحدث الطبري مرتين عن هذه البيعة مرة في سنة (٢٠١) ومرة في سنة (٢٠٢ هـ) ولعلها كانت مرة واحدة كما ذكر غيره من المتقدمين أو أن الأولى كانت بين القادة من بني العباس والثانية كانت عامة ظاهرة بين الناس والله أعلم.","vol":"12","page":200},{"text":"موسى الهادي. وقال إبراهيم بن المهديّ:\nأَلم تعلَمُوا يا آل فهرٍ بأَنَّني ... شَرَيْتُ بنفسي دُوَنكُمْ في المهالكِ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>خبر تحكيم مهديّ بن علوان الحَرُوريّ </span>(١)\nوفي هذه السنة حَكَّم مهديّ بن عُلوان الحروريّ، وكان خروجه بِبُزرجسابور، وغلب على طساسيج هنالك. وعلى نهر بوق والراذانيْن. وقد قيل: إن خروج مهديّ كان في سنة ثلاث ومئتين في شوّال منها، فوجّه إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد في جماعة من القوّاد، منهم أبو البطّ وسعيد بن الساجور، ومع أبي إسحاق غلمان له أتراك؛ فذُكر عن شُبيل صاحب السلبة، أنه كان معه وهو غلام، فلقوا الشُّراة، فطَعن رجل من الأعراب أبا إسحاق، فحامى عنه غلام له تركيّ، وقال له: أشناس مَرَا، أي اعرفْني، فسماه يومئذٍ أشناس، وهو أبو جعفر أشِناس، وهُزم مهديّ إلى حّوْلَايا.\nوقال بعضهم: إنما وجّه إبراهيم إلى مهديّ بن علوان الدهقاني الحروريّ المُطَّلبَ، فسار إليه، فلمّا قرب منه أخذ رجلًا من قَعدِ الحروريّة يقال له أقْذَى، فقتله، واجتمعت الأعراب فقاتلوه فهزموه حتى أدخلوه بغداد.\nوفي هذه السنة وثب أخو أبي السرايا بالكوفة، فبيّض، واجتمعت إليه جماعة، فلقيه غَسان بن أبي الفرج في رَجب فقتله، وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهديّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>ذكر الخبر عن تبييض أخي أبي السرايا وظهوره بالكوفة </span>(٢)\nذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبَارك في معسكره كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة، وأن يبايع لعليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٩).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٤٩).","vol":"12","page":201},{"text":"من بعده، ويأمره أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها، فارتحل حتى نزل سمّر، وكتب إلى حميد بن عبد الحميد أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها من ناحية أخرى، ويأمر بلباس الخُضرة، ففعل ذلك حميد. وكان سعيد بن الساجور وأبو البطّ وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ وعِدّة من قوّاد حُميد كاتبوا إبراهيم بن المهديّ، على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة. وكان قد تباعد ما بينهم وبين حميد، فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حُميدًا يكاتب إبراهيم، وكان يكتب فيهم بمثل ذلك، وكان الحسن يكتب إلى حُميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل، وخاف إن هو خرج إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره، فكانوا يكتبون إلى الحسن أنّه ليس يمنعه من إتيانك إلّا أنه مخالف لك، وأنه قد اشترى الضياع بين الصّراة وسُورا والسواد. فلما ألحّ عليه الحسن بالكُتب، خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر، فكتب سعيد وأصحابه إلى إبراهيم يعلمونه، ويسألون أن يبعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، حتى يدفعوا إليه القصر وعسكر حميد، وكان إبراهيم قد خرج من بغداد يوم الثلاثاء حتى عسكر بكَلْواذى يريد المدائن، فلما أتاه الكتاب وجّه عيسى إليهم.\nفلما بلغ أهلَ عسكر حميد خروجُ عيسى ونزوله قرية الأعراب على فرسخ من القصر تهيّئوا للهرب؛ وذلك ليلة الثلاثاء، وشدّ أصحاب سعيد وأبي البطّ والفضل بن محمد بن الصباح الكنديّ الكوفيّ على عسكر حميد؛ فانتهبوا ما فيه، وأخذوا لحُميد - فيما ذكر - مائة بَدْرة أموالًا ومتاعًا، وهرب ابن لحُميد ومعاذ بن عبد الله، فأخذ بعضهم نحو الكوفة وبعض نحو النيل؛ فأمّا ابنُ حميد، فإنه انحدر بجواري أبيه إلى الكوفة، فلما أتى الكوفة اكترى بغالًا ثم أخذ الطريق، ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر وسلّمه له سعيد وأصحابه، وصار عيسى وأخذه منهم، وذلك يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر. وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنه، فقال له حميد: ألم أعلمك بذلك! ولكن خُدعت، وخرج من عنده حتى أتى الكوفة، فأخذ أموالًا له كانت هنالك ومتاعًا. وولّى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر العلويّ، وأمره بلباس الخضرة، وأن يدعُو للمأمون ومن بعده لأخيه عليّ بن موسى، وأعانه بمائة ألف","vol":"12","page":202},{"text":"درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، فإن أهل الكوفة يُجيبونك إلى ذلك؛ وأنا معك.\nفلمّا كان الليل خرج حميد من الكوفة وترَكه، وقد كان الحسن وجّه حكيمًا الحارثيّ حين بلغه الخبر إلى النيل، فلما بلغ ذلك عيسى وهو بالقصر تهيّأ هو وأصحابه، حتى خرجوا إلى النّيل؛ فلما كان ليلة السبت لأربع عشرة ليلة خلتْ من ربيع الآخر طلعت حُمرة في السماء، ثم ذهبت الحمرة، وبقي عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل؛ وخرج غداة السبت عيسى وأصحابه من القصر إلى النيل، فواقعهم حكيم، وأتاهم عيسى وسعيد وهم في الوقعة، فانهزم حكيم، ودخلوا النِّيل.\nفلما صاروا بالنِّيل، بلغهم خبر العباس بن موسى بن جعفر العلويّ، وما يدعو إليه أهل الكوفة، وأنه قد أجابه قوم كثير منهم، وقال له آخرون: إن كنتَ تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك فلا حاجةَ لنا في دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك. فقال: أنا أدعو إلى المأمون ثم من بعده لأخي؛ فقعد عنه الغالية من الرّافضة وأكثر الشيعة. وكان يُظهر أن حميدًا يأتيه فيعينه ويقوّيه، وأن الحسن يوجّه إليه قومًا من قبَله مددًا، فلم يأته منهم أحد، وتوجّه إليه سعيد وأبو البط من النيل إلى الكوفة، فلما صاروا بدير الأعور، أخذوا طريقًا يخرج بهم إلى عسكر هرثمة عند قرية شاهي.\nفلمّا التأم إليه أصحابه، خرجوا يوم الإثنين لليلتين خَلتَا من جمادى الأولى. فلما صاروا قرب القنطرة خرج عليهم عليّ بن محمد بن جعفر العلويّ، ابن المبايع له بمكة. وأبو عبد الله أخو أبي السرايا ومعهم جماعة كثيرة، وجّههم مع علي بن محمد ابنُ عمه صاحب الكوفة العباسُ بن موسى بن جعفر، فقاتلوهم ساعة، فانهزم عليّ وأصحابه حتى دخلوا الكوفة، وجاء سعيد وأصحابه حتى نزلوا الحيرة؛ فلمّا كان يوم الثلاثاء غدوْا فقاتلوهم مما يلي دار عيسى بن موسى، وأجابهم العباسيون ومواليهم، فخرجوا إليهي من الكوفة، فاقتتلوا يومهم إلى الليل، وشعارهم: \"يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون\"، وعليهم السّواد، وعلى العباس وأصحابه من أهل الكوفة الخُضْرة.\nفلما كان يوم الأربعاء اقتتلوا في ذلك الموضع، فكان كلّ فريق منهم إذا","vol":"12","page":203},{"text":"ظهروا على شيء أحرقوه. فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة، أتوْا سعيدًا وأصحابَه، فسألوه الأمان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه؛ على أن يخرج من الكوفة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم أتَوا العباس فأعلموه، وقالوا: إن عامّة مَن معك غوغاء، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرْق والنهب والقتل؛ فاخرج من بين أظهرنا، فلا حاجة لنا فيك. فقبل منهم، وخاف أن يُسلموه، وتحوّل من منزله الذي كان فيه بالكُناسة، ولم يعلم أصحابه بذلك، وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحيرة، وشدّ أصحاب العباس بن موسى على مَنْ بقي من أصحاب سعيد وموالي عيسى بن موسى العباسيّ، فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق، ونهبُوا ربَض عيسى بن موسى، فأحرقوا الدّور، وقتلوا من ظهروا به. فبعث العباسيّون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك، وأنّ العباس قد رجع عما كان طلب من الأمان. فركب سعيد وأبو البط وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عَتمَةً، فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب إلّا قتلوه، ولم يظهروا على شيء مما كان في أيدي أصحاب العباس إلا أحرقوه؛ حتى بلغوا الكُناسة، فمكثوا بذلك عامة الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة، فأعلموهم أنّ هذا من عمل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن شيء. فانصرفوا عنهم.\nفلمّا كان غداة الخميس لخمس خلون من جمادى الأولى، جاء سعيد وأبو البطّ حتى دخلوا الكوفة، ونادى مناديهم: أمن الأبيض والأسود؛ ولم يعرضوا لأحد من الخلق إلا بسبيل خير، وولّوْا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكنديّ، من أهلها. فكتب إليهم إبراهيم بن المهديّ يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط، وكتب إلى سعيد أن يستعمل على الكوفة غير الكنديّ، لميله إلى أهل بلده؛ فولّاها غسان بن أبي الفرج، ثم عزله بعدما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايا، فولاها سعيدٌ ابنَ أخيه الهوْل؛ فلم يزل واليًا عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد، وهرب الهوْل منها، وأمر إبراهيم بن المهديّ عيسى بن محمد بن أبي خالد أن يسيرَ إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن عائشة الهاشميّ ونعيم بن خازم أن يسيرا جميعًا، فخرجا مما يلي جُوخى، وبذلك أمرهما، وذلك في جمادى الأولى. ولحق بهما سعيد وأبو البطّ والإفريقي حتى عسكروا بالصيّادة قرب واسط، فاجتمعوا جميعًا في مكان واحد، وعليهم","vol":"12","page":204},{"text":"عيسى بن محمد بن أبي خالد، فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن وأصحابه بواسط في كلّ يوم، فلا يخرج إليهم من أصحاب الحسن أحد، وهم متحصّنون بمدينة واسط.\nثم إن الحسن أمر أصحابه بالتهيُّؤ للخروج للقتال، فخرجوا إليهم يوم السبت لأربع بقينَ من رجب، فاقتتلوا قتالًا شديدًا إلى قريب الظهر. ثم وقعت الهزيمة على عيسى وأصحابه، فانهزموا حتى بلغوا طرنايا والنيل، وأخذ أصحاب الحسن جميع ما كان في عسكرهم من سلاح ودوابّ وغير ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>ظفر إبراهيم بن المهديِّ بسهل بن سلامة المطوّعيّ</span>\nوفى هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوّعيّ فحبسه وعاقبه (١).\nذكر الخبر عن سبب ظفره به وحبسه إياه:\nذُكر أنّ سهل بن سلامة كان مقيمًا ببغداد، يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -؛ فلم يزل كذلك حتى أجتمع إليه عامةُ أهل بغداد ونزلوا عنده؛ سوى مَنْ هو مقيم في منزله، وهواه ورأيه معه؛ وكان إبراهيم قد همّ بقتاله قبل الوَقعة، ثم أمسك عن ذلك، فلمَّا كانت هذه الوقعة وصارت الهزيمة على أصحاب عيسى ومَنْ معه أقبل على سهل بن سلامة، فدسّ إليه وإلى أصحابه الذين بايعوه على العمل بالكتاب والسنة، وألَّا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق؛ فكان كلُّ مَنْ أجابه إلى ذلك قد عمل على باب داره بُرجًا بجصّ وآجرّ، ونصب عليه السلاح والمصاحف؛ حتى بلغوا قرب باب الشأم؛ سوى مَنْ أجابه من أهل الكرْخ وسائر الناس؛ فلما رجع عيسى من الهزيمة إلى بغداد، أقبل هو وإخوته وجماعة أصحابه نحو سهل بن سلامة؛ لأنه كان يذكّرهم بأسوأ أعمالهم وفعَالهم، ويقول: الفسّاق؛ لم يكن لهم عنده اسم غيره، فقاتلوه أيامًا؛ وكان الذي تولى قتاله عيسى بن محمد بن أبي خالد، فلمّا صار إلى الدّروب التي قرب سهل أعطى\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥٠).","vol":"12","page":205},{"text":"أهلَ الدروب الألف الدرهم والألفين درهمًا؛ على أن يتنحوْا له عن الدروب، فأجابوه إلى ذلك؛ فكان نصيبُ الرجل الدرهم والدرهمين ونحو ذلك؛ فلما كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيئوا له من كلّ وجه، وخذَله أهل الدروب حتى وصلوا إلى مسجد طاهر بن الحسين وإلى منزله؛ وهو بالقرب من المسجد؛ فلما وصلوا إليه اختفى منهم، وألقى سلاحه، واختلط بالنظارة، ودخل بين النساء فدخلوا منزله.\nفلمّا لم يظفروا به جعلوا عليه العيون؛ فلمّا كان الليل أخذوه في بعض الدّروب التي قرب منزله، فأتوا به إسحاق بن موسى الهادي - وهو وليّ العهد بعد عمّه إبراهيم بن المهديّ وهو بمدينة السلام - فكلّمه وحاجّه، وجمع بينه وبين أصحابه، وقال له: حرّضت علينا الناس، وعبتَ أمرنا! فقال له: إنما كانت دعوتي عباسيّة؛ وإنما كنتُ أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة؛ وأنا على ما كنْتُ عليه أدعوكم إليه الساعة. فلم يقبلوا ذلك منه. ثم قالوا له: اخرج إلى الناس، فقل لهم: إن ما كنت أدعوكم إليه باطلٌ. فأخرِج إلى الناس وقال: قد علمتم ما كنتُ أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه الساعة. فلما قال لهم هذا وجؤوا عنقه، وضربوا وجهه؛ فلما صنعوا ذلك به قال: المغرور مَنْ غررتموه يا أصحاب الحربيّة؛ فأخِذ فأدخل إلى إسحاق، فقيّده، وذلك يوم الأحد. فلما كان ليلة الإثنين خرجوا به إلى إبراهيم بالمدائن، فلما دخل عليه كلمه بما كلم به إسحاق، فردّ عليه مثل ما ردّ على إسحاق. وقد كانوا أخذوا رجلًا من أصحابه يقال له محمد الرواعيّ، فضربه إبراهيم، ونتَف لحيته، وقيّده وحبسه؛ فلما أخذ سهل بن سلامة حبسوه أيضًا، وادّعوا أنه كان دُفع إلى عيسى، وأنّ عيسى قتله؛ وإنما أشاعوا ذلك تخوّفًا من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه؛ فكان بين خروجه وبين أخذه وحبسه اثنا عشر شهرًا.\n* * *","vol":"12","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1864>ذكر خبر شخوص المأمون إلى العراق</span>\nوفي هذه السنة شخص المأمون من مَرْو يريد العراق (١)\nذكر الخبر عن شخوصه منها:\nذُكر أن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد العلويّ أخْبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار، وأنّ أهل بيته والناس قد نقَموا عليه أشياء؛ وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمّه إبراهيم بن المهديّ بالخلافة. فقال المأمون: إنهم لم يبايعوا له بالخلافة؛ وإنما صيّروه أميرًا يقوم بأمرهم، على ما أخبره به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذَبه وغشّه، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل، وأنّ الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك، فقال: ومَنْ يعلم هذا من أهل عسكري؟ قال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدّة من وجوه أهل العسكر، فقال له: أدخلهم على حتى أسألهم عمّا ذكرتْ، فأدخلهم عليه؛ وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعليّ بن أبي سعيد - وهو ابن أخت الفضل - وخلف المصريّ، فسألهم عما أخبره، فأبوْا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل؛ ألا يعرض لهم، فضمن ذلك لهم، وكتب لكلّ رجل منهم كتابًا بخطه، ودفعه إليهم، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن، وبيّنوا ذلك له، وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقوّاده عليه في أشياء كثيرة، وبما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأنّ هرثمة إنما جاءه لينصحه وليبين له ما يعمل عليه، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته، وأنّ الفضل دسّ إلى هرثمة مَنْ قتله، وأنه أراد نصحه؛ وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة، حتى إذا وطّأ الأمر أخرِج من ذلك كله، وصُيّر في زاوية من الأرض بالرّقة، قد حُظرت عليه الأموال حتى ضعف أمرُه فشغب عليه جنده، وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك،\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية الخبر (٥٦٥).","vol":"12","page":207},{"text":"ولم يجتَرأ عليه بمثل ما اجترِى به على الحسن بن سهل، وأنّ الدنيا قد تفتّقت من أقطارها، وأن طاهر بن الحسين قد تُنوسيَ في هذه السنين منذ قتل محمد في الرّقة، لا يُستعان به في شيء من هذه الحروب؛ وقد أستعين بمن هو دونه أضعافًا، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في بني هاشم والموالي والقواد، والجندُ لو رأوا عزّتك سكنوا إلى ذلك، وبخَعُوا بالطاعة.\nفلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد؛ فلمّا أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنّتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضًا، ونتف لحى بعض؛ فعاوده عليّ بن موسى في أمرهم، وأعلمه ما كان من ضمانه لهم؛ فأعلمه أنه يداري ما هو فيه. ثم ارتحل من مرْو فلما أتى سرخَسْ شدّ قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام، فضربوه بالسيوف حتى مات؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين ومائتين. فأخِذوا، وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون وهو أربعة نفر: أحدهم غالب المسعوديّ الأسود، وقسطنطين الروميّ، وفرج الديلميّ، وموفّق الصّقلبيّ، وقتلوه وله ستون سنة؛ وهربوا. فبعث المأمون في طلبهم، وجعل من جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم بن بُزُرْجمهر الدينوريّ، فقالوا للمأمون: أنت أمرتَنا بقتله، فأمر بهم فضرِبت أعناقهم (١). وقد قيل: إن الذين قتلوا الفضل لمّا أخِذوا ساءلهم المأمون؛ فمنهم من قال: إن عليّ بن أبي سعيد، ابن أخت الفضل دسّهم، ومنهم من أنكر ذلك، وأمر بهم فقتلوا. ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعليّ وموسى وخلف فساءلهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك؛ فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة لقتل الفضل،\n_________\n(١) أما خليفة بن خياط فقد ذكر في تأريخه أصل الخبر (٣١٢) فقال: وفيها - أي سنة (٢٠٢ هـ) - خرج أمير المؤمنين من خراسان يريد بغداد ثم ذكر خليفة آخر الخبر (كما ذكره الطبري) فقال: وفيها - أي سنة (٢٠٢ هـ) - قتل الفضل بن سهل بسرخس في شعبان فقتل أمير المؤمنين علي بن أبي سعيد وموسى بن عمران وعبد العزيز بن عمران اتهمهم بقتل الفضل بن سهل (تأريخ خليفة/ ٣١٢).\nوقد ذكر ابن قتيبة الدينوري وهو مؤرخ متقدم ثقة هذا الخبر فقال: وقد قتل الفضل بن سهل بسرخس سنة ثلاث ومائتين (المعارف ١٩٨).","vol":"12","page":208},{"text":"وأنه قد صيّره مكانه. ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن في شهر رمضان، فلم يزل الحسن وأصحابه حتى أدركت الغلّة وجُبيَ بعض الخراج، ورحَل المأمون من سَرخَسْ نحو العراق يوم الفطْر، وكان إبراهيم بن المهديّ بالمدائن وعيسى وأبو البطّ وسعيد بالنيل وطرنايا يراوحون القتال ويغادونه؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك بن عبد الله قدِم من المدائن، فاعتلّ بأنه مريض، وجعل يدعو في السرّ إلى المأمون؛ على أن المنصور بن المهديّ خليفة المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه إلى ذلك منصور وخزيمة بن خازم وقوّاد كثير من أهل الجانب الشرقيّ، وكتب المطلب إلى حُميد وعليّ بن هشام أن يتقدّما فينزل حُميد نهر صرصر وعليّ النهروان؛ فلما تحقق عند إبراهيم الخبر خرج من المدائن إلى بغداد، فنزل زَنْدَوردْ يوم السبت لأربع عشرة خلت من صفر، وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة، فلما أتاهم رسولُه اعتلّوا عليه؛ فلما رأى ذلك بعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد وإخوته؛ فأما منصور وخزيمة فأعطوْا بأيديهما، وأما المطلب فإن مواليه وأصحابه قاتلوا عن منزله حتى كثر الناس عليهم، وأمر إبراهيم مناديًا فنادى: من أراد النهب فليأت دار المطّلب، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره، فانتهبوا ما وجدوا فيها، وانتهبوا دورَ أهل بيته، وطلبوه فلم يظفروا به، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر.\nفلما بلغ حميدًا وعلي بن هشام الخبر بعث حميد قائدًا فأخذ المدائن، وقَطَع الجسر، ونزل بها، وبعث عليّ بن هشام قائدًا فنزل المدائن، وأتى نهر دَيَالى فقطَعه، وأقاموا بالمدائن، وندم إبراهيم حيث صنع بالمطّلب ما صنع، ثم لم يظفر به.\n* * *\nوفي هذه السنة تزوّج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل.\nوفيها زوّج المأمون عليّ بن موسى الرضِيّ ابنته أم حبيب، وزوّج محمد بن عليّ بن موسى ابنته أم الفضل (١).\n_________\n(١) انظر الخبر في البداية والنهاية (٨/ ١٥٠).","vol":"12","page":209},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، فدعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد (١).\nوكان الحسن بن سهل كتب إلى عيسى بن يزيد الجُلُوديّ، وكان بالبصرة فوافى مكة في أصحابه، فشهد الموسم، ثم انصرف ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن؛ وكان قد غلب عليها حمدويه بن عليّ بن عيسى بن ماهان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>موت عليّ بن موسى الرضيّ ذكر أن مما كان فيها موت عليّ بن موسى بن جعفر </span>(٢)\nذكر الخبر عن سبب وفاته:\nذُكر أنّ المأمون شخص من سَرَخْس حتى صار إلى طُوس، فلما صار بها أقام بها عند قبر أبيه أيامًا. ثم إنّ عليّ بن موسى أكل عنبًا فأكثر منه، فمات فجأة؛ وذلك في آخر صفر، فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرّشيد، وكتب في شهر ربيع الأول إلى الحسن بن سهل يعلمه أن عليّ بن موسى بن جعفر مات، ويعلمه ما دخل عليه من الغمّ والمصيبة بموته، وكتب إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موتَ عليّ بن موسى، وأنهم إنما نقَموا بيعته له من بعده؛ ويسألهم الدخول في طاعته. فكتبوا إليه وإلى الحسن جواب الكتاب بأغلظ ما يُكتَب به إلى أحد. وكان الذي صلّى على علي بن موسى المأمون.\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٢) دون ذكرٍ لولاية العهد.\n(٢) وكذلك أرّخ خليفة واتفق خبره مع خبر الطبري في أنه ﵁ توفي في آخر صفر سنة ٢٠٣ هـ (تأريخ خليفة/ ٣١٢).\nوانظر سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٨٧).","vol":"12","page":210},{"text":"ورحل المأمون في هذه السنة من طوس يريد بغداد، فلما صار إلى الرّيّ أسقط من وظيفتها ألفي ألف درهم (١).\nوفي هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل، فذُكر سبب ذلك أنه كان مرض مرضًا شديدًا، فهاج به من مرضه تغيّر عقله، حتى شُدّ في الحديد وحبِس في بيت. وكتب بذلك قوّاد الحسن إلى المأمون، فأتاهم جواب الكتاب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله، ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>خبر حبس إبراهيم بن المهديّ عيسى بن محمد بن أبي خالد</span>\nوفي هذه السنة ضرب إبراهيم بن المهديّ عيسى بن محمد بن أبي خالد وحبسه.\nذكر الخبر عن سبب ذلك:\nذُكر أن عيسى بن محمد بن أبي خالد كان يكاتب حُميدًا والحسن؛ وكان الرّسول بينهم محمد بن محمد المعبديّ الهاشميّ، وكان يُظهر لإبراهيم الطاعة والنصيحة، ولم يكن يقاتل حُميدًا ولا يعرض له في شيء من عمله؛ وكان كلّما قال إبراهيم: تهيّأ للخروج لقتال حُميد، يعتلّ عليه بأنّ الجند يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تُدرِك الغلّة؛ فما زال بذلك حتى إذا توثق مما يريد مما بينه وبين الحسن وحُميد فارقهم، على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهديّ يوم الجمعة لانسلاخ شوّال. وبلغ الخبر إبراهيم؛ فلما كان يوم الخميس، جاء عيسى إلى باب الجسر، فقال للناس: إني قد سالمت حُميدًا، وضمنت له ألّا أدخل عمله، وضمن لي ألّا يدخل عملي. ثم أمر أن يُحفَر خندق بباب الجسر وباب الشأم، وبلغ إبراهيمَ ما قال وما صنع، وقد كان عيسى سأل إبراهيم أن يصلِّي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلمّا تكلم عيسى بما تكلم به، وبلغ إبراهَيمَ الخبر وأنه يريد أخذه حذر.\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا مسير المأمون يريد بغداد مرورًا بالري بينما ذكر خليفة أنه قدم بغداد فلعله وصل إلى مشارفها وانظر تأريخ خليفة (٣١٢) وانظر تعليقنا على الخبر (٨/ ٥٧٤).","vol":"12","page":211},{"text":"وذُكر أنّ هارون أخا عيسى أخبر إبراهيم بما يريد أن يصنع به عيسى؛ فلمّا أخبره، بعث إليه أن يأتيَه حتى يناظره في بعض ما يريد، فاعتلّ عليه عيسى، فلم يزل إبراهيم يعيد إليه الرّسل حتى أتاه إلى قصره بالرّصافة، فلما دخل عليه حُجب الناس، وخلا إبراهيم وعيسى، وجعل يعاتبه، وأخذ عيسى يعتذر إليه مما يعتبه به، وينكر بعض ما يقول؛ فلما قرّره بأشياء أمر به فضرب. ثم إنه حبسه وأخذ عدّة من قوّاده فحبسهم، وبعث إلى منزله، فأخذ أم ولده وصبيانًا له صغارًا؛ فحبسهم؛ وذلك ليلة الخميس لليلة بقيت من شوال. وطلب خليفة له يقال له العباس فاختفى. فلما بلغ حبسُ عيسى أهلَ بيته وأصحابه، مشى بعضُهم إلى بعض، وحرّض أهلَ بيته وإخوته الناس على إبراهيم واجتمعوا؛ وكان رأسَهُم عباس خليفة عيسى، فشدُّوا على عامل إبراهيم على الجسر فطردوه، وعبرَ إلى إبراهيم فأخبره الخبر، وأمر بقطع الجسر فطردوا كلَّ عامل كان لإبراهيم في الكرخ وغيره، وظهر الفسّاق والشطار، فقعدوا في المسالح. وكتب عباس إلى حُميد يسأله أن يقدم إليهم حتى يسلموا إليه بغداد، فلمّا كان يوم الجمعة صلّوا في مسجد المدينة أربع ركعات، صلّى بهم المؤذن بغير خطبة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>ذكر خبر خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهديّ</span>\nوفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهديّ، ودعوا للمأمون بالخلافة (١).\nذكر الخبر عن سبب ذلك:\nقد ذكرنا قبل ماكان من إبراهيم وعيسى بن محمد بن أبي خالد وحبْس إبراهيم إياه، واجتماع عباس خليفة عيسى وإخوة عيسى على إبراهيم، وكتابهم إلى حُميد يسألونه المصيرَ إليهم ليُسلّموا بغداد إليه؛ فذكِر أنّ حُميدًا لما أتاه\n_________\n(١) لقد استغرقت أخبار إبراهيم بن المهدي وخلعه واختفائه والمعارك التي خاضها معظم أحداث سنة (٢٠٣) عند الطبري (٥٦٩ - ٥٧٣) فقد ذكره الحافظ بن كثير مختصرًا في البداية والنهاية (٨/ ١٥٠) وانظر تأريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات/ ٢٠١ - ٢١٠ هـ).","vol":"12","page":212},{"text":"كتابُهم، وفيه شرط منهم عليه أن يعطيَ جند أهل بغداد؛ كلّ رجل منهم خمسينَ درهمًا، فأجابهم إلى ذلك، وجاء حتى نزل صَرْصر بطريق الكوفة يوم الأحد، وخرج إليه عباس وقوّاد أهل بغداد، فلقُوه غَداة الإثنين، فوعدهم ومنَّاهم، وقبلوا ذلك منه، فوعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسريّة، على أن يصلّوا الجمعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إبراهيم؛ فأجابوه إلى ذلك. فلما بلغ إبراهيمَ الخبرُ أخرج عيسى وإخوته من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى ذلك عليه.\nفلما كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبي رجاء الفقيه، فصلّى بالناس الجمعة، ودعا للمأمون، فلما كان يوم السبت جاء حُميد إلى الياسريّة فعرض حُميد جند أهل بغداد، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم، فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، فيعطيَهم أربعين أربعين درهمًا لكل رجل منهم؛ لما كانوا تشاءموا به من عليّ بن هشام حين أعطاهم الخمسين، فغَدر بهم، وقطع العطاء عنهم، فقال لهم حميد: لا بل أزيدكم وأعطيكم ستين درهمًا لكل رجل. فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى فسأله أن يقاتل حُميدًا، فأجابه إلى ذلك، فخلَّى سبيله، وأخذ منه كُفلاء، فكلم عيسى الجند أن يعطيَهم مثل ما أعطى حميد؛ فأبوا ذلك عليه، فلما كان يوم الإثنين عبر إليهم عيسى وإخوته وقوّاد أهل الجانب الشرقيّ، فعرضوا على أهل الجانب الغربيّ أن يزيدُوهم على ما أعطى حُميد، فشتموا عيسى وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم. فخرج عيسى وأصحابه حتى دخلوا المدينة، وأغلقوا الأبواب، وصعدوا السور، وقاتلوا الناس ساعة. فلما كثر عليهم الناس انصرفوا راجعين؛ حتى أتوا باب خُراسان، فركبوا في السفن، ورجع عيسى كأنه يريد أن يقاتلهم، ثم احتال حتى صار في أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض قواده فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه الخبر، فاغتمّ لذلك غمًّا شديدًا؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك اختفى من إبراهيم، فلما قدم حُميد أراد العبور إليه فأخذه المعبِّر، فذهب إلى إبراهيم فحبسه عنده ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إنه خلّى عنه ليلة الإثنين لليلة خلت من ذي الحجة.\n* * *","vol":"12","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1869>ذكر خبر اختفاء إبراهيم بن المهديّ</span>\nوفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهديّ، وتغيّب بعد حربٍ بينه وبين حميد بن عبد الحميد، وبعد أن أطلق سعد بن سلامة من حبسه.\nذكر الخبر عن اختفائه والسبب في ذلك:\nذُكر أنّ سهل بن سلامة كان الناس يذكرون أنه مقتول، وهو عند إبراهيم محبوس؛ فلمّا صار حُميد إلى بغداد ودخلها أخرجه إبراهيم. وكان يدعو في مسجد الرُّصافة كما كان يدعو، فإذا كان الليل ردّه إلى حبسه؛ فمكث بذلك أيامًا، فأتاه أصحابه ليكونوا معه، فقال لهم: الزموا بيوتكم، فإني أرْزَأ هذا - يعني إبراهيم - فلما كان ليلة الإثنين لليلة خلت من ذي الحجّة خلى سبيله، فذهب فاختفى، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقوّاده أن حُميدًا قد نزل في أرجاء عبد الله بن مالك، تحوّل عامّتُهم إليه، وأخذوا له المدائن؛ فلمّا رأى ذلك إبراهيم، أخرج جميع مَنْ عنده حتى يقاتلوا، فالتقوْا على جسر نهر ديَالى، فاقتتلوا، فهزمهم حُميد، فقطعوا الجسر، فتبعهم أصحابُه حتى أدخلوهم بيوت بغداد، وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذي القعدة.\nفلما كان يوم الأضحى أمر إبراهيم القاضيَ أن يصلِّيَ بالناس في عيساباذ، فصلّى بهم فانصرف الناس، واختفى الفضل بن الربيع، ثم تحوّل إلى حُميد، ثم تحوّل عليّ بن ريطة إلى عسكر حُميد، وجعل الهاشميون والقوّاد يلحقون بحُميد واحدًا بعد واحد؛ فلما رأى ذلك إبراهيم أسقِط في يديه، فشقّ عليه. وكان المطّلب يكاتب حميدًا على أن يأخذ له الجانب الشرقيّ، وكان سعيد بن الساجور وأبو البطّ وعبدويه وعدّة معهم من القواد يكاتبون عليّ بن هشام، على أن يأخذوا له إبراهيم؛ فلمّا علم إبراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كلّ قوم من أصحابه، وأنهم قد أحدقوا به، جعل يُداريهم؛ فلما جنّه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة من ثلاث ومائتين، وبعث المطلب إلى حُميد يعلمه أنه قد أحدق بدار إبراهيم هو وأصحابه؛ فإن كان يريده فليأته.\nوكتب ابن الساجور وأصحابه إلى عليّ بن هشام، فركب حُميد من ساعته؛ وكان نازلًا في أرجاء عبد الله، فأتى باب الجسر، وجاء عليّ بن هشام حتى نزل","vol":"12","page":214},{"text":"نهر بَيْن، وتقدّم إلى مسجد كَوْثر، وخرج إليه ابن الساجور وأصحابه، وجاء المطلب إلى حُميد، فلقوه بباب الجسر، فقرّبهم ووعَدهم ونبّأهم أن يُعلم المأمون ما صنعوا، فأقبلوا إلى دار إبراهيم، وطلبوه فيها فلم يجدوه، فلم يزل إبراهيم متواريًا حتى قدم المأمون وبعد ما قدم؛ حتى كان من أمره ما كان.\nوقد كان سهل بن سلامة حيث اختفى وتحوّل إلى منزله وظهر، وبعث إليه حُميد، فقرّبه وأدناه، وحمله على بغل، ورده إلى أهله؛ فلم يزل مقيمًا حتى قدم المأمون، فأتاه فأجازه ووصله، وأمره أن يجلس في منزله.\n* * *\nوفي هذه السنة انكسفت الشمس يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحجة حتى ذهب ضوءها، وكان غاب أكثر من ثلثيها، وكان انكسافها ارتفاع النهار، فلم يزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت.\nفكانت أيام إبراهيم بن المهدي كلها سنة وأحَدَ عشر شهرًا واثني عشر يومًا.\nوغلب عليّ بن هشام على شرقيّ بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيها، وصار المأمون إلى همَذان في آخر ذي الحجة.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن عليّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>ثم دخلت سنة أربع ومائتين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>خبر قدوم المأمون إلى بغداد</span>\nفممّا كان فيها من ذلك قدوم المأمون العراق، وانقطاع مادّة الفتن ببغداد\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٢).","vol":"12","page":215},{"text":"ذكر الخبر عن مقْدمه العراق وما كان فيه بها عند مقدمه:\nذُكر عن المأمون أنه لمّا قدِم جُرجان أقام بها شهرًا، ثم خرج منها، فصار إلى الريّ في ذي الحجة، فأقام بها أيّامًا، ثم خرج منها، فجعل يسير المنازل، ويقيمُ اليوم واليومين حتى صار إلى النهروان؛ وذلك يوأ السبت، فأقام فيه ثمانية أيام، وخرج إليه أهلُ بيته والقوّاد ووجوه الناس، فسلموا عليه؛ وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين من الطريق وهو بالرّقة، أن يوافيَه إلى النّهروان، فوافاه بها، فلمّا كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاعَ النهار، لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربع ومائتين، ولباسه ولباس أصحابه؛ أقبيتُهم وقلانسهم وطرّاداتهم وأعلامهم كلُّها الخضرة. فلما قدم نزل الرّصافة (١)، وقدم معه طاهر، فأمره بنزول الخيزرانيّة مع أصحابه، ثم تحوّل فنزل قصره على شطّ دِجْلة، وأمر حميد بن عبد الحميد وعليّ بن هشام وكلّ قائد كان في عسكره أن يقيم في عسكره؛ فكانوا يختلفون إلى دار المأمون في كلّ يوم؛ ولم يكن يدخل عليه أحد إلّا في الثياب الخُضْر، ولبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون، فكانوا يخرقون كلّ شيء يروْنه من السواد على إنسان إلا القلنسوة؛ فإنه كان يلبسها الواحد بعد الواحد على خوف ووجَل؛ فأما قبَاء أو علم فلم يكن أحد يجترئ أن يلبس شيئًا من ذلك ولا يحمله. فمكثوا بذلك ثمانية أيام؛ فتكلم في ذلك بنو هاشم وولد العباس خاصةً، وقالوا له: يا أمير المؤمنين، تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتهم، ولبست الخضرة. وكتب إليه في ذلك قوّاد أهل خراسان.\nوقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أوّل حاجة سأله أن يطرح لباس الخضرة، ويرجع إلى لبس السواد وزيّ دولة الآباء؛ فلمّا رأى طاعةَ الناس له في لبس الخُضرة وكراهتَهم لها، وجاء السّبت قعد لهم وعليه ثياب خضْر، فلما اجتمعوا عنده دعا بسَواد فلبسه، ودعا بخلْعة سواد فألبسها طاهرًا،\n_________\n(١) وقال ابن قتيبة الدينوري: ودخل المأمون بغداد يوم السبت لأربع ليالي خلون من صفر سنة ٢٠٤ هـ وقد ذكر خليفة أصل الخبر فقط فقال: وفيها - أي سنة ٢٠٤ هـ - نزل المأمون الرصافة وأمر بإلقاء الخضرة (تأريخ خليفة/ ٣١٣).\nوقد ذكر ابن قتيبة كذلك أنه دخلها وعليه الخضرة فأحسن السيرة وتفقد أمور الناس وقعد لهم (المعارف/ ١٩٨).","vol":"12","page":216},{"text":"ثم دعا بعدّة من قوّاده، فألبسهم أقبية وقلانس سودًا؛ فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد، طرح سائر القواد والجند لبْس الخضرة، ولبسوا السّواد، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر (١).\nوقد قيل: إن المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعة وعشرين، ثم مزّقت.\nوقيل: إنه لم يزل مقيمًا ببغداد في الرّصافة حتى بنى منازل على شطّ دجلة عند قصره الأول؛ وفي بستان موسى.\nوذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب، عن عمرو بن مسعدة، أن أحمد بن أبي خالد الأحول قال: لمّا قدمنا من خُراسان مع المأمون وصرْنا في عقبة حُلوان - وكنت زميله - قال لي: يا أحمد، إني أجد رائحة العراق، فأجبتُ بغير جوابه، وقلت: ما أخلقه! قال: ليس هذا جوابي، ولكني أحسبك سهوت أو كنت مفكرًا، قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فيم فكرت؟ قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم، مع فتنة غلبت على قلوب الناس، فاستعذبوها، فكيف يكون حالنا إن هاج هائج، أو تحرّك متحرّك! قال: فأطرق مليًّا، ثم قال: صدقت يا أحمد، ما أحسن ما فكرت؛ ولكني أخبرك؛ الناسُ على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم، فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفوَنا وإمساكَنا، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلّا بنا، ومَنْ كان لا ظالمًا ولا مظلومًا فبيتُه يسعه. فوالله ما كان إلا كما قال.\nوأمر المأمون في هذه السنة بمقاسمة أهل السواد على الخُمسين؛ وكانوا يقاسمون على النصف، واتخذ القفيز الملجم - وهو عشرة مكاكيك بالمكُّوك الهارونيّ - كيلا مرسَلا (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ١٢٦) والبداية (٨/ ١٥١).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥١).","vol":"12","page":217},{"text":"وفي هذه السنة واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه.\nوولّى المأمون صالح بن الرشيد البصرة، وولّى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب الحرَمين (١).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>ثم دخلت سنة خمس ومائتين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>ولاية طاهر بن الحسين خراسان</span>\nفمن ذلك تولية المأمون فيها طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصَى عمل المشرق؛ وقد كان قبل ذلك ولَاه الجزيرة والشُّرَط وجانبي بغداد ومعاون السواد، وقعد للناس (٣).\nذكر الخبر عن سبب توليته:\nوكان سبب توليته إياه خُراسان والمشرق، ما ذُكر عن حماد بن الحسن، عن بشر بن غياث المريسيّ، قال: حضرتُ عبد الله المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبي العباس وعليّ بن الهيثم، فتناظروا في التشيّع، فنصر محمد بن أبي العباس الإمامة، ونصر عليّ بن الهيثم الزيدئة، وجرى الكلام بينهما؛ إلى أن قال محمد لعليّ: يا نَبطيْ، ما أنت والكلام! قال: فقال المأمون - وكان متّكئًا فجلس:\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥١) وانظر الآتي.\n(٢) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٦٢).\nوقال خليفة: وحجّ في هذه السنة عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب وهو والي مكة والمدينة أيضًا (تأريخ خليفة/ ٣١٢).\n(٣) انظر المنتظم (١٠/ ١٤١).","vol":"12","page":218},{"text":"الشتم عيّ، والبذاء لؤم؛ إنا قد أبحنا الكلام، وأظهرنا المقالات، فمن قال بالحق حمدناه، ومن جهل ذلك وقَفناه، ومن جهل الأمرين حكَمنا فيه بما يجب؛ فاجعلا بينكما أصلا، فإنّ الكلام فروع؛ فإذا افترعتم شيئًا رجعتم إلى الأصول. قال: فإنا نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وذكرا الفرائض والشرائع في الإسلام، وتناظرا بعد ذلك. فأعاد محمد لعليّ بمثل المقالة الأولى، فقال له عليّ: والله لولا جلالةُ مجلسه وما وهب الله من رأفته، ولولا ما نهى عنه لأعرقتُ جبينك؛ وبحسبك من جهلك غُسْلك المنبر بالمدينة.\nقال: فجلس المأمون - وكان متّكئًا - فقال: وما غُسْلك المنبر؟ ألتقصير مني في أمرك أو لتقصير المنصور كان في أمر أبيك؟ لولا أن الخليفة إذا وهب شيئًا استحيا أن يرجع فيه لكان أقرَب شيء بيني وبينك إلى الأرض رأسك، قمْ وإياك ما عدت.\nقال: فخرج محمد بن أبي العباس، ومضى إلى طاهر بن الحسين - وهو زوج أخته - فقال له: كان من قصّتي كيت وكيت؛ وكان يحجب المأمون على النبيذ فتْح الخادم، وياسر يتولى الخِلَع، وحسين يسقى، وأبو مريم غلام سعيد الجوهريّ يختلف في الحوائج. فركب طاهر إلى الدار؛ فدخل فتح، فقال: طاهر بالباب؛ فقال: إنه ليس من أوقائه، ائذن له: فدخل طاهر فسلّم عليه، فردّ ﵇، وقال: اسقوه رِطلا، فأخذه في يده اليمنى، وقال له: اجلس، فخرج فشربه ثم عاد، وقد شرب المأمون رطلًا آخر، فقال: اسقوه ثانيًا، ففعل كفعله الأول، ثم دخل، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدي سيّده، فقال له المأمون: ذلك في مجلس العامة، فأما مجلس الخاصة فطلق، قال: وبكى المأمون، وتغرغرت عيناه، فقال له طاهر: يا أميرَ المؤمنين؛ لِمَ تبكي لا أبكى الله عينيك! فوالله لقد دانتْ لك البلاد، وأذعن لك العباد، وصرتَ إلى المحبّة في كلّ أمرك. فقال: أبكي لأمر ذِكرُه ذلّ، وستره حزن، ولن يَخْلُوَ أحد من شَجَن؛ فتكلّم بحاجة إن كانت لك، قال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العباس أخطأ فأقِلْه عثرتَه، وارض عنه.","vol":"12","page":219},{"text":"قال: قد رضيت عنه، وأمرتُ بصلته، ورَددتُ عليه مرتبته؛ ولولا أنّه ليس من أهل الأنس لأحضرتُه.\nقال: وانصرف طاهر، فأعلم ابن أبي العباس ذلك، ودعا بهارون بن جبغويه؛ فقال له: إن للكتاب عشيرة، وإن أهل خُراسان يتعصّب بعضهم لبعض؛ فخذ معك ثلثمائة ألف درهم، فأعطِ الحسين الخادم مائتي ألف، وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسلْه أن يسأل المأمون: لم بكى؟ قال: ففعل ذلك، قال: فلما تغدّى قال: يا حسين اسقني، قال: لا والله لأسقينّك أو تقول لي: لِمَ بكيت حين دخل عليك طاهر؟ قال: يا حسين، وكيف عُنِيْت بهذا حتى سألتَني عنه! قال: لغمّي بذاك، قال: يا حسين هو أمرٌ إن خرج من رأسك قتلتُك، قال: ياسيّدي، ومتى أخرجتُ لك سرًّا! قال: إني ذكرت محمدًا أخي، وما ناله من الذلة، فخنقتني العَبْرة فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرًا منّي ما يكره. قال: فأخبر حسين طاهرًا بذلك؛ فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن الثناء منّي ليس برخيص، وإنّ المعروف عندي ليس بضائع، فغيِّبْنِي عن عينه، فقال له: سأفعل، فبكِّرْ إليّ غدًا. قال: فركب ابنُ أبي خالد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال: ما نمتُ البارحة، فقال: لِمَ ويحك! ققال: لأنك ولّيتَ غَسَّان خراسان، وهو ومَنْ معه أكلَةُ رأس، فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه، فقال له: لقد فكرتُ فيما فكرتَ فيه، قال: فمن ترى؛ قال: طاهر بن الحسين، قال: ويلك يا أحمد! هو الله خالع، قال: أنا الضامن له، قال: فأنفذْه، قال: فدعا بطاهر من ساعته، فقعد له؛ فشخص من ساعته، فنزل في بستان خليل بن هاشم، فحمل إليه في كلّ يوم ما أقام فيه مائة ألف. فأقام شهرًا، فحمل إليه عشرة آلاف ألف، التي تحمَل إلى صاحب خراسان.\nقال أبو حسان الزياديّ: وكان قد عَقد له على خُراسان والجبال من حلوان إلى خُراسان، وكان شخوصُه من بغداد يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة سنة خمس ومائتين، وقد كان عسكر قبل ذلك بشهرين، فلم يزل مقيمًا في عسكره. قال أبو حسان: وكان سبب ولايته - فيما اجتمع الناس عليه - أن عبدَ الرحمن المطَّوّعيّ جمع جموعًا بنيسابور ليقاتل بهم الحروريّة بغير أمر والي خراسان،","vol":"12","page":220},{"text":"فتخوّفوا أن يكون ذلك لأصل عمله عليه. وكان غسان بن عبّاد يتولى خراسان من قبَل الحسن بن سهل، وهو ابن عم الفضل بن سهل (١).\nوذكر عن عليّ بن هارون أن طاهر بن الحسين قبل خروجه إلى خُراسان وولايته لها، ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث، فقال حاربتُ خليفة، وسقتُ الخلافة إلى خليفة، وأومر بمثل هذا! وإنما كان ينبغي أن توجّه لهذا قائدًا من قوّادي؛ فكان سبب المصارمة بين الحسن وطاهر.\nقال: وخرج طاهر إلى خراسان لما تولّاها، وهو لا يكلم الحسن بن سهل، فقيل له في ذلك، فقال: ما كنت لأحل عقدة عقدها لي في مصارمته.\nوفي هذه السنة ورد عبد الله بن طاهر بغداد منصرفًا من الرقّة، وكان أبوه طاهر استخلفه عليها، وأمره بقتال نصر بن شبّث، وقدم يحيى بن معاذ فولّاه المأمون الجزيرة.\nوفيها ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أبي خالد أرمينيَةَ وأذربيجان ومحاربة بابك.\nوفيها مات السريّ بن الحَكَم بمصر، وكان واليها.\nوفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولّاها المأمون بشر بن داود علَى أن يحمَل إليه في كلّ سنة ألف ألف درهم.\nوفيها ولّى المأمون عيسى بن يزيد الجُلوديّ محاربة الزّطّ (٢).\nوفيها شخص طاهر بن الحسين إلى خُراسان في ذي القعدة، وأقام شهرين حتى بلغه خروج عبد الرحمن النيسابوريّ المطوّعِيّ بنيسابور، فشخص ووافى التّغُرْغُزيّة أشْرُوسنَةَ.\nوفيها أخذ فرج الرخَّجيّ عبد الرحمن بن عمار النيسابوريّ.\n* * *\n_________\n(١) أبو حسان الزيادي أخباري ثقة وخبره يؤيد ما ذكره الطبري في الخبر السابق.\n(٢) لهذه الأخبار الموجزة انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥٤).","vol":"12","page":221},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن، وهو والي الحَرمين (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>ثم دخلت سنة ست ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك تولية المأمون داود بن ماسجور محاربة الزّطّ وأعمال البصرة وكُور دجلة واليمامة والبحرين.\nوفيها كان المدّ الذي غرق منه السواد وكَسْكر وقطيعة أم جعفر وقطيعة العباس وذهب بأكثرها.\nوفيها نَكَبَ بابك بعيسى بن محمد بن أبي خالد (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>ولاية عبد الله بن طاهر على الرّقة:</span>\nوفيها ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الرّقة لحرب نصر بن شَبَث ومُضر (٣).\nذكر الخبر عن سبب توليته إياه:\nوكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن يحيى بن معاذ كان المأمون ولَّاه الجزيرَة؛ فمات في هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد على عمله، فذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، أنّ المأمون دعا عبد الله بن طاهر في شهر رمضان، فقال بعض: كان ذلك في سنة خمس ومائتين، وقال بعض: في سنة\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٣).\nوالبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٦٢).\n(٢) لهذه الأخبار الموجزة انظر المنتظم (١٠/ ١٤٩).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥٦).\nوالمنتظم (١٠/ ١٤٩) وقد أكد الخبر ابن قتيبة الدينوري فقال: وجه المأمون عبد الله بن طاهر لمحاربة نصر بن شبث والزواقيل سنة ٢٠٧ هـ (المعارف/ ١٩٨).","vol":"12","page":222},{"text":"ست. وقال بعض: في سنة سبع، فلما دخل عليه: قال: يا عبد الله أستخير الله منذ شهر، وأرجو أن يخير الله لي، ورأيت الرّجل يصف ابنه ليطريَه لرأيه فيه، وليرفعه، ورأيتُك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى بن معاذ، واستخلف ابنه أحمد بن يحيى، وليس بشيء، وقد رأيت توليتَك مُضر ومحاربة نصر بن شبَث، فقال: السمع والطاعة يا أميرَ المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله الخيرة لأمير المؤمنين وللمسلمين.\nقال: فعقد له، ثم أمر أن تقطع حبال القصّارين عن طريقه، وتُنحَّى عن الطرقات المظالّ، كيلا يكون في طريقه ما يردّ لواءه، ثم عقد له لواء مكتوبًا عليه بصُفرة ما يكتب على الألوية؛ وزاد فيه المأمون: \"يا منصور\"، وخرج ومعه الناس فصار إلى منزله؛ ولما كان من غدٍ ركب إليه الناس، وركب إليه الفضل بن الربيع؛ فأقام عنده إلى الليل؛ فقام الفضل، فقال عبد الله: يا أبا العباس، قد تفضّلت وأحسنت، وقد تقدّم أبي وأخوك إليّ ألّا أقطَع أمرًا دونَك، وأحتاج أن أستطلع رأيك، وأستضيء بمشورتك؛ فإن رأيتَ أن تقيم عندي إلى أن نُفطر فافعل.\nفقال له: إن لي حالات ليس يمكنني معها الإفطار هاهنا. قال: إنْ كنت تكره طعام أهل خُراسان فابعث إلى مطبخك يأتون بطعامك، فقال له: إن لي ركعات بين العشاء والعَتمَة، قال: ففي حفظ الله؛ وخرج معه إلى صحن داره يشاوره في خاصّ أموره.\nوقيل: كان خروج عبد الله الصحيح إلى مُضر، لقتال نصر بن شبث بعد خروج أبيه إلى خراسان، بستّة أشهر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>وصية طاهر إلى ابنه عبد الله</span>\nوكان طاهر حينَ ولى ابْنُه عبد الله ديار ربيعة، كتب إليه كتابًا نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nعليك بتقوى الله وحدَه لا شريك له، وخشيته ومراقبته ومزايلةَ سخطه وحفظ","vol":"12","page":223},{"text":"رعيّتك، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه؛ وموقوف عليه، ومسؤول عنه؛ والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، وينجّيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه؛ فإنّ الله قد أحسن إليك وأوجبَ عليك الرّأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبّ عنهم، والدّفع عن حريمهم وبَيْضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الرّاحة عليهم في معايشهم، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموقِفك عليه، ومُسائلك عنه، ومُثيبك عليه بما قدّمتَ وأخّرتَ؛ ففرِّغ لذلك فكرَك وعقلَك وبصرَك ورؤيتَك، ولا يذْهلك عنه ذاهل، ولا يَشْغَلك عنه شاغل؛ فإنه رأس أمرِك، ومِلاك شأنك، وأوَّل ما يوفّقك الله به لرشدك.\nوليكن أوّل ما تلزِم به نفسَك، وتَنسب إليه فعالك؛ المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها؛ في إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها. وترتّل في قراءتك، وتمكّن في ركوعك وسجودك وتشهّدك، ولتصْدُق فيها لربك نيَّتُك. واحضض عليها جماعةَ مَنْ معك وتحت يدك، وادأب عليها فإنها تأمُرُ بالمَعْروفِ وَتَنْهَى عَن المُنكَرِ. ثم أتَّبعْ ذلك الأخذ بسُنن رسول الله - ﷺ - والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده؛ وإذا ورد عليك أمر فاستعنْ عليه باستخارة الله وتقواه ولزوم ما أنزل الله في كتابه؛ من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمام ما جاءت به الآثار على النبي - ﷺ -؛ ثم قم فيه بما يحقّ لله عليك، ولا تَمِلْ عن العدل فيما أحببتَ أو كرهتَ لقريب من الناس أو بعيد. وآثر الفقه وأهله، والدِّين وحَمَلته، وكتاب الله والعاملين به؛ فإن أفضل ما تَزيَّنَ به المرء الفقهُ في دين الله، والطلب له، والحثّ عليه، والمعرفة بما يتقرب فيه منه إلى الله؛ فإنه الدّليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها. وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفةً بالله ﷿، وإجلالا له، ودركًا للدرجات العلا في المعاد؛ مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك والثقة بعدلك.\nوعليك بالاقتصاد في الأمور كلها؛ فليس شيء أبينَ نفعًا، ولا أحضر أمنًا،","vol":"12","page":224},{"text":"ولا أجمعَ فضلًا من القصد، والقصدُ داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التَّوفيق، والتوفيق منقاد إلى السَّعادة. وقوامُ الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها، ولا تقصّر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة، ومعالم الرّشد فلا غاية للاستكثار من البرّ والسعي له؛ إذا كان يُطلَب به وجه الله ومرضاته، ومرافقة أوليائه في دار كرامته.\nواعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العزّ، ويحصِّن من الذنوب، وإنك لن تحوط نفسك ومَنْ يليك، ولا تستصلح أمورَك بأفضلَ منه، فأته واهتدِ به، تتمّ أمورك، وتزْدَدْ مقدرتُك، وتصلح خاصّتك وعامتك.\nوأحسن الظن بالله ﷿ تستقمْ لك رعيّتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلّها تستدم به النعمة عليك؛ ولا تنهض أحدًا من الناس فيما تولِّيه من عملك قبل تكشف أمره بالتهمة؛ فإنّ إيقاع التّهم بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم. واجعل من شأنك حسن الظنّ بأصحابك واطرد عنهم سوء الظنّ بهم، وارفضه عنهم يُعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم. ولا يجدنّ عدوّ الله الشيطان في أمرك مغمَزًا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وَهنك فيدخل عليك من الغمّ في سوء الظنّ ما ينغصك لذاذة عيشِك.\nواعلم أنك تجد بحسن الظن قوةً وراحة، وكفي به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبّتك والاستقامة في الأمور كلها لك. ولا يمنعْك حسنُ الظنّ بأصحابك والرأفة برعيّتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، والمباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرّعيّة والنظر فيما يقيمها ويصلحها؛ بل لتكن المباشرة لأمورِ الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثرَ عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للبدن، وأحيا للسنة.\nوأخلص نيّتك في جميع هذا، وتفرّد بتقويم نفسك تفرّدَ من يعلم أنه مسؤولٌ عما صنع، ومجزيٌّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله جعل الدين حرْزًا وعزًّا، ووفع من اتّبعه وعزّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهجَ الدين وطريقة الهدى. وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما استحقُّوه. ولا تُعَطِّلْ ذلك ولا تهاون به. ولا تؤخّر عقوبة أهل العقوبة؛ فإنّ في تفريطك في ذلك لمَا يفسد عليك حسنَ ظنك.","vol":"12","page":225},{"text":"واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشُّبَه والبدعات، يسلَمْ لك دينك، وتقم لك مروءتك. وإذا عاهدتَ عهدًا فَفِ به، وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عن عيْب كلِّ ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزُّور، وابغض أهله، وأقص أهلَ النميمة؛ فإنّ أوّل فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر.\nوأحبّ أهلَ الصدق والصلاح، وأعن الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرّحم، وابتغ بذلك وجه الله وعزّة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة.\nواجتنب سوءَ الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيّك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيّتك؛ وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحقّ فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملُك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلْم، وإيّاك والحدّة والطِّيَرة والغرور فيما أنت بسبيله.\nوإياك أن تقول إنّي مسلّط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له. وأخلص لله النيّة فيه واليقين به؛ واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغيّر النعمة وحلول النقمة إلى أحدٍ أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله. ودعْ عنك شرَه نفسك. ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدّخر وتكنز البرَّ والتقوى والمعدلة واستصلاح الرّعية، وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظَ لدهمائهم، والإغاثة لملهوفهم.\nواعلم أن الأموال إذا كثُرت وذُخّرتْ في الخزائن لا تثمر؛ وإذا كانت في إصلاح الرّعية وإعطاء حقوقهم وكفّ المؤنة عنهم نمتْ وربتْ، وصلَحت به العامة، وتزيّنت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزّ والمَنعة؛ فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفِّرْ منه على أولياء أمير المؤمنين قَبلك حقوقَهم، وأوْفِ رعيّتك من ذلك حصصَهم، وتعهّد ما يصلح","vol":"12","page":226},{"text":"أمورهم ومعايشهم؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك قرّت النعمة عليك، واستوجبتَ المزيد من الله، وكنتَ بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيّتك وعملك أقدَر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب أنفسًا لكلّ ما أردت.\nفاجهد نفسك فيما حددتُ لك في هذا الباب، ولتعظم حسبتك فيه، فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرَهم وأثبهم عليه. وإياك أن تنسيَك الدنيا وغرورُها هولَ الآخرة فتتهاون بما يحقّ عليك؛ فإنّ التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك لله وفيه ﵎، وارجُ الثوابَ؛ فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر لديك فضله؛ فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد يزدك الله خيرًا وإحسانًا، فإنّ الله يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين؛ وقضّ الحقّ فيما حمل من النّعم، والبس من العافية والكرامة. ولا تحقرنّ ذنبًا، ولا تمايلن حاسدًا، ولا ترحمنّ فاجرًا، ولا تصلنّ كَفُورًا، ولا تداهننّ عدوًّا، ولا تصدقنّ نمامًا، ولا تأمننّ غدّارًا، ولا توالينّ فاسقًا، ولا تتبعنّ غاويًا، ولا تحمَدنّ مرائيًا، ولا تحقرنّ إنسانًا، ولا تردنّ سائلًا فقيرًا، ولا تجيبنَّ باطلًا، ولا تلاحظنّ مضحكًا، ولا تخلفنّ وعدًا، ولا ترهبنّ فُجَّرًا، ولا تعملنّ غضبًا، ولا تأتينّ بذخًا، ولا تمشينّ مَرحًا، ولا تركبنّ سفهًا، ولا تفرّطنّ في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عيانًا، ولا تغمضنّ عن الظالم رهبةً أو مخافة، ولا تطلبنّ ثواب الآخرة بالدنيا. وأكثرْ من مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلْم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرّأي والحكمة، ولا تُدخلنّ في مشورتك أهل الدِّقة والبخل، ولا تسمعنّ لهم قولًا؛ فإنّ ضرَرهم أكثر من منفعتهم. وليس شيء أسرع فسادًا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشحّ، واعلم أنك إذا كنت حريصًا كنت كثير الأخذ، قليل العطية؛ وإذا كنت كذلك لم يستقمْ لك أمرك إلّا قليلًا؛ فإن رعيّتك إنما تعتقد على محبّتك بالكفّ عن أموالهم وترك الجوْر عنهم، ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطيّة لهم، فاجتنب الشحّ، واعلم أنه أول ما عَصَى به الإنسان ربّه، وأن العاصي بمنزلة خزي؛ وهو قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ فسهّل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من","vol":"12","page":227},{"text":"نيّتك حظًّا ونصيبًا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خُلقًا، وارض به عملًا ومذهبًا.\nوتفقّد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووشع عليهم في معايشهم؛ ليُذهبَ بذلك الله فاقتهم، ويقومَ لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصًا وانشراحًا، وحسب ذي سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيّته رحمةً في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبرّه وتوسعته؛ فزايل مكروه إحدى البليّتين باستشعار تكملة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلقَ إن شاء الله نجاحًا وصلاحًا وفلاحًا.\nواعلم أنّ القضاء من الله بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور، لأنه ميزان الله الذي تعتدل عليه الأحوال في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح الرعيّة، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة، ويؤدَّى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجرى السنن والشرائع، وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء.\nواشتدّ في أمر الله، وتورّع عن النَّطَف، وامض لإقامة الحدود، واقلل العجلة، وأبعد من الضّجر والقلق، واقنع بالقَسْم، ولتسكن ريحك، ويقرّ جدُّك، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسددْ في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشُّبهة، وابلغ في الحجة، ولا يأخذْك في أحدٍ من رعيتك محاباة ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبّت وتأنّ، وراقب وانظر، وتدبّرْ وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، وسلّط الحقّ على نفسك، ولا تُسرعنّ إلى سفك دم - فإن الدماء من الله بمكان عظيم - انتهاكًا لها بغير حقها.\nوانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعيّة، وجعله الله للإسلام عزًّا ورفعة، ولأهله سعة ومنعَة، ولعدوّه وعدوهم كَبْتًا وغيظًا، ولأهل الكفر من معاهدتهم ذلًّا وصَغارًا، فوزِّعه بين أصحابه بالحقّ والعدْل، والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعنَّ منه شيئًا عن شريف لشرفه، وعن غنيٍّ لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا أحدٍ من خاصّتك. ولا تأخذنّ منه فوق الاحتمال له، ولا تكلفنّ أمرًا","vol":"12","page":228},{"text":"فيه شطط. وأحمل الناس كلَّهم على مرّ الحق؛ فإنّ ذلك أجمعُ لألْفتِهم وألزمُ لرضا العامة. واعلم أنك جُعلت بولايتك خازنًا وحافظًا وراعيًا؛ وإنما سُمِّي أهل عملك رعيّتك؛ لأنك راعيهم وقيّمهم؛ تأخذ منهم ما أعطوْك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم؛ فاستعمل عليهم في كُور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعَفاف، ووسِّع عليهم في الرزق؛ فإنّ ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلّدت وأسند إليك، ولا يشغلنّك عنه شاغل، ولا يصرفنّك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقُمْت فيه بالواجب استدعيتَ به زيادة النعمة من ربّك، وحسن الأحدوثة في أعمالك، واحترزتَ النصيحة من رعيّتك، وأعنت على الصلاح، فدرّت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخِصْب في كُورك، فكثر خراجُك، وتوفَّرَت أموالك، وقويَت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة باقامة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمودَ السياسة، مرضيّ العدل في ذلك عند عدوِّك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوّة، وآلة وعدّة، فنافس في هذا ولا تقدّم عليه شيئًا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله.\nواجعل في كلّ كورة من عملك أمينًا يخبرك أخبارَ عمّالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم؛ حتى كأنك مع كلّ عامل في عمله، معاينٌ لأمره كلِّه. وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك؛ فإن رأيت السَّلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه؛ وإلا فتوقّف عنه. وراجع أهل البصر والعلم، ثم خذ فيه عدّته؛ فإنه ربما نظر الرجل في أمرٍ من أمره قد واتاه على ما يهوى، فقوّاه ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقضَ عليه أمرَه.\nفاستعمل الحزْم في كلّ ما أردت، وباشره بعْد عون الله بالقوّة، وأكثر استخارة ربِّك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخّره لغدِك؛ وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورًا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخّرتْ. واعلم أنّ اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخّرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه؛ فإذا أمضيتَ لكلّ يوم عمَله أرحْتَ نفسَك وبدَنك، وأحكمت أمور سلطَانك.","vol":"12","page":229},{"text":"وانظر أحرارَ الناس وذوِي الشرف منهم، ثم استيقنْ صفاء طويّتهم وتهذيبَ مودّتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم، وتعاهَدْ أهلَ البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤْنتهم، واصلح حالهم؛ حتى لا يجدوا لخلّتهم مسًّا. وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك. والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه؛ فاسأل عنه أحفَى مسألة، ووكّل بأمثاله أهلَ الصلاح من رعيّتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله أمرهم. وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملَهم، واجعل لهم أرزاقًا من بيت المال اقتداءً بأمير المؤمنين أعزّه الله، في العَطْف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشُهم ويرزقك به بركة وزيادة. وأجْرِ للأضرّاء من بيت المال، وقدّم حَملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤويهم، وقُوَّامًا يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف في بيت المال. واعلم أنّ الناس إذا أعطُوا حقوقَهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطِب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى وُلاتهم طمعًا في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما برِم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة؛ وليس مَنْ يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل؛ كالذي يستقبل ما يقرّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به. وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهَك، وسكِّنْ لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشْرَك، ولنْ لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفَضْلك؛ وإذا أَعطيتَ فأعْطِ بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غيرَ مكدّر ولا منّان؛ فإن العطيّة على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله.\nواعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومَن مضى من قَبْلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة؛ ثم اعتصم في أحوالك كلِّها بأمر الله، والوقوف عند محبَّته، والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه؛ واجتنب ما فارق ذلك وخالفَه، ودعا إلى سخط الله. واعرف ما يَجمع عُمّالُك من الأموال وينفقون منها، ولا تجمعْ حرامًا، ولا تنفق إسرافًا، وأكثر مجالسة العلماء","vol":"12","page":230},{"text":"ومشاورتَهم ومخالطتهم. وليكن هواك اتّباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها؛ وليكن أكرمُ دُخلائك وخاصّتك عليك مَنْ إذا رأى عيبًا فيك لم تمنعه هيبتُك من إنهاء ذلك إليك في سرّ، وإعلامك ما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصحُ أوليائك ومظاهريك.\nوانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتَّابَك؛ فوقّتْ لكل رجل منهم في كلِّ يوم وقتًا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عملك، وأمر كُورك ورعيتك، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرّر النظر إليه والتدبير له؛ فما كان موافقًا للحزم والحق فامضه واستخر الله فيه، وما كان مخالفًا لذلك فاصرفه إلى التثبّت فيه، والمسألة عنه.\nولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلّا الوفاء والاستقامة والعوْن في أمور أمير المؤمنين، ولا تَضَعنّ المعروف إلّا على ذلك.\nوتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله؛ وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضًا ولدينه نظامًا، ولأهله عزًّا وتمكينًا؛ وللذمة والملة عدلًا وصلاحًا.\nوأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك، وأن يُنزل عليك فضله ورحمتَه بتمام فضله عليك وكرامته لك؛ حتى يجعلك أفضَل مثالك نصيبًا، وأوفرهم حظًّا، وأسناهم ذكرًا، وأمرًا، وأن يهلك عدوّك ومَنْ ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيّتك العافية، ويحجز الشّيطان عنك وساوسه، حتى يستعلى أمرُك بالعزّ والقوّة والتوفيق، إنه قريب مجيب.\n* * *\nوذكر أن طاهرًا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه، وتدارسوه وشاع أمره؛ حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه، فقال: ما بقَّى أبو الطّيب شيئًا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعيّة وحفظ البَيْضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلّا وقد أحكَمه، وأوصى","vol":"12","page":231},{"text":"به وتقدم؛ وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.\nوتوجّه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته، واتبع أمره وعمل بما عهد إليه (١).\nوفي هذه السنة ولّى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم الجسرين، وجعله خليفتَه على ما كان طاهر أبوه استخلفه فيه من الشرَط وأعمال بغداد؛ وذلك حين شخص إلى الرَّقة لحرب نصر بن شبث.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن؛ وهو والي الحرميْن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>ثم دخلت سنة سبع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد العلَويّ باليمن</span>\nفمن ذلك خروجُ عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ببلاد عكّ من اليمن يدعو إلى الرضيّ من آل محمد - ﷺ -.\nذكر الخبر عن سبب خروجه:\nوكان السبب في خروجه أنّ العمال باليمن أساءوا السيرة، فبايعوا عبد الرحمن هذا، فلما بلغ ذلك المأمون وَجّه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيفٍ، وكتب معه بأمانِه، فحضر دينار بن عبد الله الموسم وحجّ، فلما فرغ من حجّه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن، فبعث إليه بأمانه من المأمون؛ فقبل ذلك، ودخل ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون\n_________\n(١) هذه الوصية الطويلة التي استغرقت الصفحات [٥٨٢ إلى ٥٩١] لم نجدها عند غير الطبري وبهذه التفاصيل ممن تقدّموه أو عاصروه من المؤرخين الثقات ورحم الله الطبرىِ لِمَ لَمْ يبيّن الطربقة التي حصل بها أو منها على هذه الوثيقة حتى نتبيّن صحة نسبتها إلى طاهر.\n(٢) وكذلك قال البسوي (المعرفة/ ١/ ٦٣). وخليفة في تأريخه (٣١٣).","vol":"12","page":232},{"text":"عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمر بأخذهم بلبس السواد؛ وذلك يوم الخميس لليلة بقيتْ من ذي القعدة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>ذكر الخبر عن وفاة طاهر بن الحسين</span>\nوفي هذه السنة كانت وفاة طاهر بن الحسين (٢).\nذكر الخبر عن وفاته:\nذكر عن مطهّر بن طاهر، أنّ وفاة ذي اليمينين كانت من حمّى وحرارة أصابته، وأنه وُجد في فراشه ميّتًا.\nوذكر أن عمّيه عليّ بن مصعب وأخاه أحمد بن مصعب، صارا إليه يعودانه، فسألا الخادم عن خبره - وكان يغلِّس بصلاة الصّبح - فقال الخادم: هو نائم لم ينتبه، فانتظراه ساعة، قلما انبسط الفجر، وتأخّر عن الحركة في الوقت الذي كان يقوم فيه للصلاة، أنكرا ذلك، وقالا للخادم: أيقظْه، فقال الخادم: لست أجسرُ على ذلك، فقالا له: اطرق لنا لندخل إليه، فدخلا فوجداه ملتفًّا في دُواج، قد أدخله تحته، وشدّه عليه من عند رأسه ورجليه، فحركاه فلم يتحرّك، فكشفا عن وجهه فوجداه قد مات. ولم يعلما الوقت الذي توفِّيَ فيه، ولا وقف أحد من خدمه على وقت وفاته؛ وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف عليه منه؛ فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة، ثم التفّ في دُواجه. قال الخادم: فسمعتُه يقول بالفارسية كلامًا وهو \"دِرْمَك ينزمَرْدِي وَيَذْ\"؛ تفسيره أنه يحتاج في الموت أيضًا إلى الرّجلة.\nوذُكر عن كلثوم بن ثابت بن أبي سعد - وكان يكنى أبا سعدة - قال: كنت على بَريد خُراسان، ومجلسي يوم الجمعة في أصل المنبر، فلما كان في سنة سبع ومائتين؛ بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين، حضرت الجمعة، فصعد طاهر\n_________\n(١) انظر الخبر في المنتظم (١٠/ ١٦٠).\n(٢) وقال خليفة وفيها (١٠٧ هـ) مات طاهر بن الحسين بخراسان فولّى أمير المؤمنين ابنه عبد الله بن طاهر خراسان مع الجزيرة فولّى أخاه طلحة بن طاهر خراسان (تأريخ خليفة/٣١٣).","vol":"12","page":233},{"text":"المنبر، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدّعاء له، فقال: اللهمَّ أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفِها مؤونة مَنْ بغى فيها، وحشد عليها، بلمّ الشعث، وحقْن الدّماء، وإصلاح ذات البين. قال: فقلت في نفسي: أنا أوّل مقتول؛ لأني لا أكتم الخبر، فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى، وائتزرت بإزار الموتى، ولبست قميصًا، وارتديت رداء، وطرحت السواد، وكتبت إلى المأمون. قال: فلمّا صلى العصر دعاني، وحدَث به حادث في جفن عينه وفي مأقه، فخرّ ميتًا. قال: فخرج طلحة بن طاهر، فقال: ردّوه ردّوه - وقد خرجت - فردّوني، فقال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم، قال: فاكتب بوفاته، وأعطاني خمسمائة ألف ومائتي ثوب، فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بالجيش.\nقال: فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدْوة، فدعا ابنَ أبي خالد فقال له: اشخص: فأتِ به - كما زعمت، وضمنت - قال: أبيتُ ليلتي، قال: لا لعمري لا تبيت إلا على ظَهْر. فلم يزل يناشده حتى أذن له في المبيت. قال: ووافت الخريطة بموته ليلًا، فدعاه فقال: قد مات، فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، قال: الصواب ما قلت، فاكتب بتوليته. فكتب بذلك، وأقام طلحة واليًا على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر، ثم توفِّيَ، وولى عبد الله خُراسان - وكان يتولى حرب بابك - فأقام بالدينور، ووجّه الجيوش، ووردت وفاة طلحة على المأمون، فبعث إلى عبد الله يحيى بن أكثم يعزّيه عن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولّى عليّ بن هشام حرب بابك.\nوذكر عن العباس أنه قال: شهدت مجلسًا للمأمون، وقد أتاه نعي الطاهر، فقال: لليدين وللفم! الحمد لله الذي قدّمه وأخَّرنا.\nوقد ذُكر في أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير هذا القول؛ والذي قيل من ذلك، أنّ طاهرًا لما مات - وكان موته في جمادى الأولى - وثب الجند، فانتهبوا بعض خزائنه، فقام بأمرهم سلّام الأبرش الخصيّ، فأمر فأعطوا رزق ستة أشهر. فصيّر المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بن طاهر؛ وذلك أنّ المأمون ولّى عبد الله في قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر كله - وكان مقيمًا بالرَّقة على حرب نصر بن شبَث - وجمع له مع ذلك الشأم، وبعث إليه بعده على خُراسان وعمل أبيه؛ فوجّه عبد الله أخاه طلحة بخراسان، واستخلف بمدينة","vol":"12","page":234},{"text":"السلام إسحاق بن إبراهيم، وكاتب المأمونَ طلحةُ باسمه، فوجّه المأمون أحمد بن أبي خالد إلى خُراسان للقيام بأمر طلحة، فشخص أحمد إلى ما وراء النهر، فافتتح أشْروسَنة، وأسر كاوس بن خاراخره وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لابن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعَروضًا بألفي ألف، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد بن أبي خالد خمسمائة ألف درهم.\nوفي هذه السنة غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفِيز من الحنطة بالهارونيّ أربعين درهمًا إلى الخمسين بالقفيز الملجَم.\nوفي هذه السنة وُلِّيَ موسى بن حفص طبرستان والرُّويان ودُنْباونْد.\nوحجّ بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>ثم دخلت سنة ثمان ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بن الحسين بن مصعب من خُراسان إلى كرمان ممتنعًا بها، ومصير أحمد بن خالد إليه حتى أخذه، فقدِم به على المأمون، فعفا عنه (٢).\nوفيها ولّى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ قضاءَ عسكر المهديّ في المحرّم (٣).\nوفيها استعفى محمد بن سماعة القاضي من القضاء فأعفِيَ، وولّى مكانه إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة (٤).\nوفيها عُزل محمد بن عبد الرحمن عن القضاء بعد أن وُلِّيَه فيها في شهر ربيع\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة (٣١٣) والبسوي (١/ ٦٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٠/ ١٨١).\n(٣) انظر الخبر (١٦٣).\n(٤) وكذلك قال القاضي وكيع (أخبار القضاة/ ٦٦٩).","vol":"12","page":235},{"text":"الأول، ووليَه بشر بن الوليد الكنديّ، فقال بعضهم (١):\nيأَيُّها الملِكُ الموحِّدُ ربَّهُ ... قاضيكَ بشرُ بنُ الوليدِ حِمارْ\nيَنفِي شَهادَةَ مَن يَدِينُ بما بِهِ ... نطَقَ الكتابُ وجاءَتِ الأَخبارْ\nويَعُدُّ عدلًا مَن يقولُ بأَنَّهُ ... شيخٌ يُحيط بجسمه الأَقطارْ (٢)\nومات موسى بن محمد المخلوع في شعبان، ومات الفضل بن الربيع في ذي القعدة (٣).\n* * *\nوحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>ثم دخلت سنة تسع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>خبر الظفر بنصر بن شبث </span>(٥)\nفمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبَث وتضييقه عليه؛ حتى طلب الأمان، فذُكر عن جعفر بن محمد العامويّ أنه قال: قال المأمون لثُمامة: ألا تدلّني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة، يؤدّي عنّي ما أوجّهه به إلى نصر بن شبَث؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، رجل من بني عامر يقال له جعفر بن محمد، قال له: أحضرنيه، قال جعفر: فأحضرني ثمامة، فأدخلني عليه، فكلّمني بكلام كثير، ثم أمرني أن أبلغه نصر بن شبَث. قال:\n_________\n(١) قال القاضي وكيع: لما توفي الواقدي في المحرم سنة (٢٠٨ هـ) استقضى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومي (المصدر السابق/ ٦٦١) وذكر أنه صَرَفه في آخر هذه السنة.\n(٢) إن كان الطبري قد أبهم اسم الشاعر فما الداعي لذكر هذه الأبيات التي لا يخفى حالها على القارئ الكريم وغفر الله لنا وله.\n(٣) وقال خليفة وفيها مات الفضل بن الربيع (تأريخ خليفة/ ٣١٣).\n(٤) وكذلك قال خليفة في تاريخه (٣١٣) والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٦٣).\n(٥) انظر المنتظم (١٠/ ١٩٨).","vol":"12","page":236},{"text":"فأتيت نصْرًا وهو بكفر عَزُون بسَروج، فأبلغته رسالتَه، فأذعن وشرط شروطًا، منها ألا يطأ له بساطًا. قال: فأتيتُ المأمون فأخبرته، فقال: لا أجيبه والله إلى هذا أبدًا، ولو أفضيت إلى بيع قميصي حتى يطأ بساطي؛ وما باله ينفر منّي! قال: قلتُ لجرْمه وما تقدّم منه. فقال: أتراه أعظم جُرْمًا عندي من الفضل بن الربيع ومن عيسى بن أبي خالد! أتدري ما صنع بي الفضل! أخذ قوّادي وجنودي وسلاحي وجميع ما أوْصى به لي أبي. فذهب به إلى محمد وتركني بمروْ وحيدًا فريدًا وأسلمني، وأفسد عليّ أخي؛ حتى كان من أمره ما كان؛ وكان أشدّ عليّ من كل شيء. أتدري ما صنع بي عيسى بن أبي خالد! طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب عليّ دياري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني، ودعاه باسمي. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قال: تكلم، قلتُ: الفضل بن الربيع رضيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالكم، وحال سلفكم حاله، ترجع عليه بضروب كلّها تردّك إليه، وأما عيسى بن أبي خالد فرجُلٌ من أهل دولتك، وسابقتُه وسابقة مَنْ مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك؛ وهذا رجل لم تكن له يد قطّ فيُحْملُ عليها، ولا من مضى من سلفه؛ إنما كانوا من جند بني أمية. قال: إن كان ذلك كما تقول، فكيف بالحَنَق والغيظ؛ ولكني لستُ أقلع عنه حتى يطأ بساطي، قال: فأتيت نصرًا فأخبرته بذلك كلّه، قال: فصاح بالخيل صيحة فجالت، ثم قال: ويلي عليه! هو لم يقْوَ على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعني الزّط - يقوى على حَلْبة العرب!\nفذُكر أن عبد الله بن طاهر لما جادّه القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه، وتحوّل من معسكره إلى الرّقّة سنة تسع ومائتين، وصار إلى عبد الله بن طاهر، وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك بعد أن هزم عبد الله بن طاهر جيوشَه كتابًا يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته، فلم يقبل، فكتب عبد الله إليه - وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بن مسعدة:\nأما بعد؛ فإنك يا نصر بن شبَث قد عرفتَ الطاعة وعزّها وبَرْد ظلِّها وطيب مَرْتعها وما في خلافها من النّدم والخَسار، وإن طالت مدّة الله بك، فإنه إنما يُملى من يلتمس مظاهرة الحجّة عليه لتقع عبَرُه بأهلها على قَدْر إصرارهم","vol":"12","page":237},{"text":"واستحقاقهم. وقد رأيتُ إذكارَك وتبصيرك لما رجوتُ أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك؛ فإنّ الصدق صدق والباطل باطل؛ وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يُعنَوْن به، ولم يعاملك من عمّال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا أحرصَ على استنقاذك والانتياش لك من خطائك مني، فبأيّ أوّل أو آخر أو سِطَةٍ أو إمْرة إقدامُك يا نصر على أمير المؤمنين! تأخذ أموالَه، وتتولى دونه ما ولّاه الله، وتريد أن تبيت آمنًا أو مطمئنًا، أو وادعًا أو ساكنًا أو هادئًا! فوَعالِمِ السرّ والجهرِ، لئن لم تكن للطاعة مراجعًا وبها خانعًا، لتستوبلنّ وخَمَ العاقبة؛ ثم لأبدأنَّ بك قبل كلّ عمل، فإنّ قرون الشيطان إذا لم تُقطَع كانت في الأرض فتنة وفسادًا كبيرًا، ولأطأنَّ بمن معي من أنصار الدولة كواهلَ رعاع أصحابك، ومَنْ تأشَّب إليك من أداني البلدان وأقاصيها وطَغامها وأوباشها، ومَن انضوى إلى حوْزتك من خُرّاب الناس، ومن لفظه بلدهُ، ونفته عشيرته؛ لسوء موضعه فيهم. وقد أعذَرَ من أنذَر. والسلام.\nوكان مقام عبد الله بن طاهر على نصر بن شبَث محاربًا له - فيما ذكر - خمس سنين حتى طلب الأمان؛ فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيّقَ عليه، وقتل رؤساء مَنْ معه، وأنه قد عاذ بالأمان وطلبه، فأمره أن يكتب له كتاب أمان، فكتب إليه، أمانًا نسختُه:\nبسم الله الرحمن الرحيم:\nأما بعد؛ فإنّ الإعذار بالحقّ حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العزّ؛ ولا يزال المعذِر بالحق، المحتجّ بالعدل في استفتاح أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين؛ حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ويمكّن وهو خير الممكّنين؛ ولستَ تعدو أن تكون فيما لهجتَ به أحد ثلاثة: طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهوّرًا يطلبُ الغَلَبة ظلمًا؛ فإن كنت للدين تسعى بما تصنع، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقًّا، فلعمري ما همّته الكبرى، ولا غايته القصوى إلّا الميل مع الحقّ حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال؛ وإن كنت للدنيا تقصد، فأعلم أمير المؤمنين غايتَك فيها؛ والأمر الذي تستحقها به؛ فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعلَه بك.","vol":"12","page":238},{"text":"فلعمري ما يستجيز مَنْع خلق ما يستحقه وإن عظُم، وإن كنت متهوّرًا فسيكفي الله أميرَ المؤمنين مؤنتَك. ويعجّل ذلك كما عجّل كفايته مؤن قوم سلكوا مثلَ طريقك كانوا أقوى يدًا، وأكثف جندًا. وأكثر جمعًا وعددًا ونصرًا منك فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين. وأنزل بهم من حوائج الظالمين. وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -؛ وضمانه لك في دينه وذِمّتِه الصفح عن سوالف جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك ما تستأهل من منازل العزّ والرفعة إن أتيتَ وراجعتَ، إن شاء الله. والسلام.\nولما خرج نصر بن شبث إلى عبد الله بن طاهر بالأمان هدم كيسوم وخرّبها (١).\n* * *\nوفي هذه السنة ولّى المأمون صدقة بن عليّ المعروف بزريق أرمينيّة وأذْرَبيجان ومحاربة بابك، وانتدب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد بن فرزندي الإسكافي، ثم رجع أحمد بن الجنيد بن فرزندي إلى بغداد، ثم رجع إلى الخُرّميّة، فأسره بابك، فولّى إبراهيم بن الليث بن الفضل التجيبيّ أَذْرَبيجان (٢).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن عليّ، وهو والي مكة (٣).\nوفيها مات ميخائيل بن جورجس صاحب الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل (٤).\n_________\n(١) لهذه التفاصيل انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥٩).\n(٢) وقال خليفة موجزًا هذا الخبر وفيها (٢٠٩ هـ) أسر الخرّمي أحمد بن الجنيد ومعاذ بن هانئ (تأريخ خليفة/ ٣١٤).\n(٣) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٤).\n(٤) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٥٩).","vol":"12","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1883>ثم دخلت سنة عشر ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك وصول نصر بن شبَث فيها إلى بغداد، وجّه به عبد الله بن طاهر إلى المأمون، فكان دخوله إليها يوم الإثنين لسبع خلون من صفر، فأنزله مدينة أبي جعفر ووكّلَ به من يحفظه (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>ذكر الخبر عن ظفر المأمون بابن عائشة ورفقائه</span>\nوفيها ظهر المأمون على إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، الذي يقال له ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ ومالك بن شاهي وفرج البَغواريّ ومَنْ كان معهم ممّن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهديّ، وكان الذي أطلعه عليهم وعلى ما كانوا يسعوْن فيه من ذلك عمران القَطْرَبُّليُّ؛ فأرسل إليهم المأمون يوم السبت - فيما ذُكر - لخمس خلوْن من صفر سنة عشر ومائتين؛ فأمر المأمون بإبراهيم بن عائشة أن يقامَ ثلاثة أيام في الشمس على باب دار المأمون، ثم ضربه يوم الثلاثاء بالسِّياط، ثم حبسه في المطبَق، ثم ضرب مالك بن شاهي وأصحابه، وكتبوا للمأمون أسماء مَنْ دخل معهم في هذا الأمر من القوّاد والجند وسائر الناس، فلم يعرض المأمون لأحد ممن كتبوا له؛ ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا أقوامًا بُرَاء، وكانوا اتّعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقوْن نصر بن شبث، فغُمِر بهم فأخِذوا، ودخل نصر بن شبَث بعد ذلك وحده؛ ولم يوجَّه إليه أحدٌ من الجند، فأنزل عند إسحاق بن إبراهيم، ثم حُوّل إلى مدينة أبي جعفر.\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ٢١٠).","vol":"12","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1885>ذكر خبر الظفر بإبراهيم بن المهديّ</span>\nوفيها أخذ إبراهيم بن المهديّ ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر، وهو متنقّب مع امرأتين في زيّ امرأة؛ أخذه سحارس أسود ليلًا، فقال: من أنتنّ؟ وأين تردْن في هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم - فيما ذكر - خاتم ياقوت كان في يده، له قدر عظيم؛ ليخلِّيهنّ، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استراب بهنّ، وقال: هذا خاتم رجل له شأن، فرفعهنّ إلى صاحب المسلحة، فأمرهنّ أن يسُفرن، فتمنّع إبراهيم، فجبذه صاحب المسلحة، فبدت لحيته، فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه؛ فذهب به إلى باب المأمون، فأعلِم به، فأمر بالاحتفاظ به في الدار؛ فلما كان غداة الأحد أقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقوّاد والجند، وصيّروا المقنعة التي كان منتقبًا بها في عُنقه، والملحفة التي كان ملتحفًا بها في صدره، ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ. فلما كان يوم الخميس حوّله المأمون إلى منزل أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده، ثم أخرجه المأمون معه حيث خرج إلى الحسن بن سهل بواسط، فقال الناس: إن الحسن كلّمه دنيه، فرضيَ عنه وخلّى سبيله، وصيره عند أحمد بن أبي سخالد، وصيّر معه أحمد بن يحيى بن معاذ وخالد بن يزيد بن مَزْيد يحفظانه؛ إلا أنه موسّع عليه، عنده أمّه وعياله، ويركب إلى دار المأمون، وهؤلاء معه يحفظونه (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>ذكر خبر قتل ابن عائشة</span>\nوفي هذه السنة قتل المأمون إبراهيم بن عائشة وصلبه.\nذكر الخبر عن سبب قتله إياه:\nكان السبب في ذلك أن المأمون حبس ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ\n_________\n(١) وقال خليفة: وفيها (٢١٠) ظفر المأمون أمير المؤمنين بإبراهيم بن المهدي فعفا عنه (تأريخ خليفة/٣١٤).\nوقال ابن قتيبة: وظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي سنة عشر ومائتين فأمنه ونادمه (المعارف/ ١٩٨).","vol":"12","page":241},{"text":"ورجلين من الشُّطّار، يقال لأحدهما أبو مسمار وللآخر عمّار، وفرج البغواريّ ومالك بن شاهي وجماعة معهم ممّن كان سعى في البيعة لإبراهيم؛ بعد أن ضُربوا بالسياط ما خلا عمّارًا، فإنه أومن لما كان من إقراره على القوم في المطبَق، فرفع بعض أهل المطبَق أنهم يريدون أن يشغَبوا وينقبُوا السجن - وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدّوا باب السجن من داخل فلم يدَعُوا أحدًا يدخل عليهم - فلما كان الليل وسمعوا شغْبهم، بلغ المأمونَ خبرُهم، فركب إليهم من ساعته بنفسه، فدعا بهؤلاء الأربعة فضرب أعناقهم صبرًا، وأسمعه ابن عائشة شتمًا قبيحًا؛ فلما كانت الغداة صُلبوا على الجسر الأسفل؛ فلما كان من الغداة يوم الأربعاء أنزل إبراهيم بن عائشة، فكُفِّن وصلي عليه، ودفن في مقابر قريش، وأنزل ابن الإفريقيّ فدفن في مقابر الخيزران وتُرك الباقون.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>العفو عن إبراهيم بن المهديّ </span>(١)\nوذكر أن إبراهيم بن المهديّ لما أخذ صِير به إلى دار أبي إسحاق بن الرشيد - وأبو إسحاق عند المأمون - فحُمل رديفًا لفرج التركيّ؛ فلما أدخل على المأمون قال له: هيه يا إبراهيم! فقال: يا أميرَ المؤمنين، وليّ الثأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مُدّ له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب؛ كما جعل كلَّ ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلك، قال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبّر ثمّ خرّ ساجدًا.\nوقيل إن إبراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختفٍ، فوقّع المأمون في حاشية رقعته: \"القُدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفو الله، وهو أكبر ما نسأله\"، فقال إبراهيم يمدح المأمون:\nيا خيرَ من ذَمَلَت يمانيةٌ به ... بعد الرسول لآيسٍ ولطامعِ\nوأَبرَّ من عَبَدَ الإِله على التقى ... عينًا وأَقْوَله بحقٍّ صادع\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة كما ذكرنا آنفًا وانظر تأريخ خليفة (٣١٤) والبداية والنهاية (٨/ ١٦٠).","vol":"12","page":242},{"text":"عَسلُ الفوَارع ما أُطِعتَ فإِن تُهَجْ ... فالصَّابُ يُمزَجُ بالسِّمامِ الناقع\nمتَيقظًا حَذِرًا وما يخشى العِدَى ... نَبْهانُ من وسَنَاتِ ليل الهاجعِ\nمُلئت قلوبُ الناسِ منك مخافةً ... وتَبيتُ تَكلؤهم بقلبٍ خاشعِ\nبأَبي وأُمِّي فديةً وبنيهمَا ... من كُلِّ مُعضِلةٍ وريْبٍ واقعِ\nما أَليَنَ الكَنَفَ الذي بوَّأتَنِي ... وَطنًا وأَمرَعَ رتعَهُ للراتعِ\nللصالحات أَخًا جُعِلت وللتقى ... وأَبًا رَءوفا للفقيرِ القانعِ\nنفسي فِداؤك إِذ تضلُّ معاذري ... وأَلوذُ منك بفضلِ حلمٍ واسعِ\nأَمَلًا لَفضلك والفواضلُ شِيمةٌ ... رفَعَت بناءَك بالمحلِّ اليافعِ\nفَبَذَلتَ أَفضلَ ما يضيقُ ببذْلِه ... وُسعُ النفوسِ من الفَعَالِ البارع\nوعفوتَ عمّن لم يكن عن مثلِه ... عفوٌ، ولم يشفع إليك بشافع\nإِلّا العلوَّ عن العقوبة بعدما ... ظَفرَت يداك بمستكين خاضع\nفرَحمتَ أَطفالا كأَفراخ القَطَا ... وعَويلَ عَانِسَةٍ كقَوْسِ النازع\nوَعَطَفت آصِرَةً عليَّ كما وَعَى ... بعد انهِيَاضِ الوشْيِ عَظمُ الظالع\nالله يعلَم ما أَقولُ فإِنَّها ... جَهدُ الأَليَّةِ من حَنيفٍ راكع\nما إن عصيتك والغُوَاة تَقُودني ... أَسبابها إِلا بِنِيَّةِ طَائع\nحتى إِذا علِقَت حَبَائلُ شقوتي ... بِرَدىً إِلى حُفَرِ المهالك هَائعِ\nلم أَدْرِ أَنَّ لمثل جُرمِي غَافرًا ... فوقفتُ أَنظر أَيّ حَتفٍ صارعي\nردَّ الحياةَ عليَّ بعد ذَهَابِها ... وَرَعُ الإِمام القَادِرِ المتواضعِ\nأَحياك مَنْ وَلَّاك أَطولَ مُدَّةٍ ... ورمى عَدُوَّكَ في الوَتِينِ بقَاطِعِ\nكَمْ من يَدٍ لك لم تُحَدِّثْني بها ... نفسي إِذَا آلَتْ إِليَّ مطامِعي\nأَسديتَها عفوًا إِليَّ هنيئةً ... فشكرتُ مُصطَنعًا لأَكرم صانِعِ\nإِلَّا يسيرًا عند ما أَولَيتَني ... وهو الكثيرُ لديَّ غيرُ الضائع\nإِن أَنت جدتَ بها عليَّ تكن لها ... أَهلًا، وإِن تمنع فأَعدَلُ مانعِ\nإِنَ الذي قَسَم الخلافةَ حَازَها ... في صُلبِ آدَمَ للإِمام السابِعِ\nجَمَعَ القلوبَ عليك جَامعُ أَمرِها ... وحَوَى ردَاؤك كلَّ خيرٍ جامع\nفذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة، قال: أقول ما قال يوسف","vol":"12","page":243},{"text":"لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>ذكر الخبر عن بناء المأمون ببورَان</span>\nوفي هذه السنة بنى المأمون ببُورَان بنت الحسن بن سهل في رمضان منها (١).\nذكر الخبر عن أمر المأمون في ذلك وما كان في أيام بنائه:\nذُكر أنّ المأمون لمّا مضى إلى فم الصِّلح إلى معسكر الحسن بن سهل، حمل معه إبراهيمَ بن المهديّ، وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء ببوران، راكبًا زورقًا، حتى أَرْسى على باب الحسن؛ وكان العباس بن المأمون قد تقدّم أباه على الظَّهْر؛ فتلقّاه الحسن خارجًا عسكره في موضع قد اتُّخذ له على شاطئ دِجلة، بُنيَ له فيه جوسق؛ فلما عاينه العبّاس ثنى رجله لينزل، فحَلف عليه الحسن ألَّا يفعل، فلمّا ساواه ثنى رجلَه الحسن لينزل، فقال له العباس: بحقّ أميرِ المؤمنين لا تنزل؛ فاعتنقه الحسن وهو راكب. ثم أمر أن يقدّم إليه دابّته، ودخلا جميعًا منزل الحسن، ووافى المأمون في ودت العشاء، وذلك في شهر رمضان من سنة عشر ومائتين، فأفطر هو والحسن والعباس - ودينار بن عبد الله قائم على رجله - حتى فرغوا من الإفطار، وغسلوا أيديهُم، فدعا المأمون بشراب، فأتيَ بجام ذهب فصُبَّ فيه وشرب، ومدّ يده بجام فيه شراب إلى الحسن؛ فتباطأ عنه الحسن؛ لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك، فغمز دينار بن عبد الله الحسنَ. فقال له الحسن: يا أميرَ المؤمنين، أشربه بإذنك وأمرك؟ فقال له المأمون: لولا أمري لم أمدد يدي إليك، فأخذ الجام فشربه. فلما كان في الليلة الثانية، جمع بين محمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذي الرئاستين، فلمّا كان في الليلة الثالثة دخل على بوران، وعندها حمدونة وأمّ جعفر وجدّتها؛ فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدّتها ألف درّة كانت\n_________\n(١) وقد أكد القاضي وكيع في كتابه أخبار القضاة هذا الخبر في ترجمة القاضي يحيى بن أكثم: ثم خرج المأمون إلى فم الصلح إلى الحسن بن سهل يشبب بتومان ابنته انظر تأريخ الطبري (٨/ ٦٠٩) والمنتظم (١٠/ ٢١٦).","vol":"12","page":244},{"text":"في صينيّةِ ذهب، فأمر المأمون أن تُجمع، وسألها عن عدد ذلك الدرّ كم هو؟ فقالت: ألف حبّة، فأمر بعدّها فنقضت عشرًا، فقال: مَنْ أخذها منكم فليردّها، فقالوا: حُسين زجلة، فأمره بردّها، فقال: يا أميرَ المؤمنيْن؛ إنما نُثر لنأخذه، قال: ردّها فإني أخلفها عليك، فردّها. وجمع المأمون ذلك الدرّ في الآنية كما كان، فوُضع في حجْرها، وقال: هذه نحلتك، وسَلِي حوائجك؛ فأمسكت. فقالت لها جدّتها: كلّمي سيدك، وسليه حوائجك فقد أمرك، فسألته الرّضا عن إبراهيم بن المهديّ، فقال: قد فعلت، وسألته الإذن لأمّ جعفر في الحجّ، فأذن لها. وألبستها أم جعفر البَدَنة الأمويّة، وابتنى بها في ليلته، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر؛ فيها أربعونَ منًّا في تور ذهب. فأنكر المأمون ذلك عليهم، وقال: هذا شرَف؛ فلمّا كان من الغد دعا بإبراهيم بن المهديّ فجاء يمشي من شاطئ دِجلة، عليه مُبطّنةُ ملحَم، وهو معتمّ بعمامة، حتى دخل؛ فلما رُفع الستر عن المأمون رمى بنفسه، فصاح المأمون: يا عمّ، لا بأس عليك، فدخل فسلم عليه تسليمَ الخلافة، وقبّل يده، وأنشد شعره، ودعا بالخلَع فخلع عليه خلعة ثانية، ودعا له بمركَب وقلّده سيفًا، وخرج فسلّم الناس، ورُدّ إلى موضعه.\nوذُكر أنّ المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يومًا يعدّ له في كلّ يوم لجميع مَنْ معه جميع ما يُحتاج إليه. وأنّ الحسن خلع على القوّاد على مراتبهم، وحملهم ووصلهم؛ وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم. قال: وأمر المأمون غسان بن عبّاد عند منصرَفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مالِ فارس، وأقطعه الصِّلح فحمِلت إليه على المكان؛ وكانت معدّة عند غسان بن عباد، فجلس الحسن ففرّقها في قُوّاده وأصحابه وحشمه وخدمه؛ فلمّا انصرف المأمون شيّعه الحسن، ثم رجع إلى فم الصِّلح.\nفذُكر عن أحمد بن الحسن بن سهل، قال: كان أهلنا يتحدّثون أنّ الحسن بن سهل كتب رقاعًا فيها أسماء ضياعه، ونثرها على القوّاد وعليّ بني هاشم؛ فمَنْ وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضَيْعة بحث فتسلمها.\nوذكِر عن أبي الحسن عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى الكاتب، قال: حدّثني الحسن بن سهل يومًا بأشياء كانت في أم جعفر، ووصف رجاحة عقلها وفهمها، ثمّ قال: سألها يومًا المأمون بفم الصِّلح حيث خرج إلينا عن النفقة على بُوران،","vol":"12","page":245},{"text":"وسأل حمدونة بنت غَضيض عن مقدار ما أنفقت في ذلك الأمر. قال: فقالت حمدونة: أنفقتُ خمسة وعشرين ألف ألف، قال: فقالت أم جعفر: ما صنعتِ شيئًا، قد أنفقت ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سمبعة وثلاثين ألف ألف درهم. قال: وأعددنا له شمعتين من عَنبر، قال: فدخل بها ليلًا، فأوقدتا بين يديه، فكثر دخانهما، فقال: ارفعوهما قد أذانا الدّخان، وهاتوا الشمع. قال: ونحلتْها أمّ جعفر في ذلك اليوم الصلح قال: فكان سبب عود الصِّلح إلى مُلكي، وكانت قبل ذلك لي، فدخل عليّ يومًا حُميد الطوسيّ فأقرأني أربعة أبيات امتدح بها ذا الرياستين، فقلت له: ننفذها لك ذي الرّياستين، وأقطعك الصِّلح في العاجل إلى أن تأتيَ مكافأتك من قبَله. فأقطعته إياها، ثم ردَّها المأمون على أمّ جعفر فنحلتْها بُوران.\nوروى عليُّ بن الحسين أنّ الحسن بن سهل كان لا ترفع السُّتور عنه، ولا يرفع الشَّمع من بين يديه حتى تطلع الشمس ويتبيّنها إذَا نظر إليها. وكان متطيّرًا يحبّ أن يقال له إذا دخل عليه: انصرفنا من فرح وسرور، ويكره أن يذكر له جنازة أو موت أحد. قال: ودخلتُ عليه يومًا فقال له قائل: إن عليّ بن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتّاب، قال: فدعا لي وانصرفت، فوجدت في منزلي عشرين ألف درهم هبة للحسن وكتابًا بعشرين ألف درهم. قال: وكان قد وهب لي من أرضه بالبصرة ما قوّم بخمسين ألف دينار، فقبضه عنّي بُغا الكبير، وأضافه إلى أرضه.\nوذكر عن أبي حسان الزياديّ أنه قال: لما صار المأمون إلى الحسن بن سهل، أقام عنده أيامًا بَعد البناء ببُوران، وكان مقامه في مسيرِه وذهابه ورجوعه أربعين يومًا. ودخل إلى بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ (١) من شوال.\nوذكر عن محمد بن مُوسى الخُوارزميّ أنه قال: خرج المأمون نحو الحسن بن\n_________\n(١) أبو حسان الزيادي عالم فاضل وأخباري (تأريخ بغداد/ ٧/ ٣٥٧) ثقة توفي سنة ٢٤٢ هـ وعاصر هذه الأحداث وانظر الخبر الآتي.","vol":"12","page":246},{"text":"سهل إلى فم الصِّلح لثمان خلوْن من شهر رمضان، ورحلَ من فم الصِّلْح لتسع بقين من شوال سنة عشر ومائتين (١).\nوهلك حُميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة؛ وقالت جاريته عَذَل:\nمَنْ كَانَ أَصْبَح يومَ الفطرِ مُغتَبطًا ... فمَا غَبْطُنا به والله محمودُ\nأَو كان منتظرًا في الفطر سَيّدَهُ ... فإِن سَيّدَنا في الترْبِ ملحوُد\n* * *\nوفي هذه السنة افتتح عبد الله بن طاهر مصر؛ واستأمن إليه عبيد الله بن السريّ بن الحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بن طاهر من الرَّقة إلى مصر وسبب خروج ابن السريّ إليه في الأمان </span>(٢)\nذُكر أن عبد الله بن طاهر لمّا فرغ من نصر بن شبَث العُقَيليّ، ووجّهه إلى المأمون فوصل إليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر؛ فحدّثني أحمد بن محمد بن مَخْلَد، أنه كان يومئذ بمصر، وأن عبد الله بن طاهر لما قَرُب منها، وصار منها على مرحلة، قدّم قائدًا من قوّاده إليه ليرتاد لمعسكره موضعًا يعسكر فيه، وقد خندق ابن السريّ عليها خندقًا، فاتّصل الخبر بابن السريّ عن مصير القائد إلى ما قرب منها، فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذي كان عبد الله بن طاهر وجّهه لطلب موضع معسكره؛ فالتقى جيش ابن السريّ وقائد عبد الله وأصحابه وهم في قلّة، فجالَ القائد وأصحابه جولةً، وأبرد القائد إلى عبد الله بريدًا يخبره بخبره وخبر ابن السريّ، فحمل رجاله على البغال؛ على كلّ رجلين بآلتهما وأدواتهما، وجَنبوا الخيل، وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السريّ؛ فلم تكن من عبد الله وأصحابه إلّا حمْلة واحدة حتى انهزم ابن السريّ وأصحابه، وتساقطتْ عامّة أصحابه - يعني ابن السريّ - في الخندق،\n_________\n(١) هذا الخبر يؤكد ما قبله مع فارق يسير في تحديد الأيام.\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٦٠).","vol":"12","page":247},{"text":"فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق كان أكثرَ ممّن قتله الجند بالسيف، وانهزم ابن السريّ، فدخل الفسطاط، وأغلق على نفسه وأصحابه ومَنْ فيها الباب، وحاصره عبد الله بن طاهر؛ فلم يعاوده ابن السريّ الحربَ بعد ذلك حتى خرج إليه في الأمان.\nوذكر عن ابن ذي القلمين، قال: بعث ابن السريّ إلى عبد الله بن طاهر لمّا ورد مصْر ومانعه من دخولها بألف وَصِيف ووصيفة؛ مع كلّ وصيف ألف دينار في كيس حرير، وبعث بهم ليلًا. قال: فردّ ذلك عليه عبد الله وكتب إليه: لو قبلت هديّتك نهارًا لقبلتُها ليلًا ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال: فحينئذ طلب الأمان منه وخرج إليه.\nوذكَر أحمد بن حفص بن عمر، عن أبي السمراء، قال: خرجنا مع الأمير عبد الله بن طار متوجّهين إلى مصر؛ حتى إذا كنّا بين الرَّمْلة ودمشق؛ إذا نحن بأعرابيّ قد اعترض؛ فإذا شيخ فيه بقيّة على بعير له أوْرَق، فسلّم علينا فرددنا ﵇. قال أبو السمراء: وأنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقيّ وإسحاق بن أبي رِبعيّ، ونحن نساير الأميرَ، وكنّا يومئذ أفرَه من الأمير دوابّ، وأجود منه كُسًا. قال: فجعل الأعرابيّ ينظر في وجوهنها، قال: فقلتُ: يا شيخ؛ قد ألحَحْتَ في النظر، أعرفت شيئًا أم أنكرته؟ قال، لا والله ما عرفتُكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتُكم لسوء أراه فيكم؛ ولكني رجلٌ حسن الفراسة في الناس، جيّد المعرفة بهم، قال: فأشرت له إلى إسحاق بن أبى رِبْعيّ، فقلت: ما تقول في هذا؟ فقال:\nأَرَى كاتِبًا دَاهِي الكتابَةِ بيّنٌ ... عليه وتأْدِيبُ العرَاقِ مُنيرُ\nله حرَكاتٌ قد يشاهِدْنَ أنَّه ... عليم بتقسِيطِ الخَراج بصِيرُ\nونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقيّ، فقال:\nومُظهِر نُسْكٍ ما عليه ضميرُهُ ... يُحِبُّ اللهدايا، بالرِّجال مَكورُ\nإخال بهِ جُنْبًا وبُخلًا وشيمَةً ... تُخبّرُ عنهُ أمة لَوزيرُ\nثم نظر إليّ وأنشأ يقول:\nوهذا نديمٌ للأَمير ومؤنِسٌ ... يكونُ لهُ بالقرْبِ منهُ سرورُ\nإخاله للأشعارِ والعِلم رَاويًا ... فبعْضُ ندِيم مرَّةً وسميرُ","vol":"12","page":248},{"text":"ثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول:\nوهذا الأَميرُ المُرتجَى سيْب كَفِّهِ ... فمَا إِن له فيمن رأَيْتُ نظيرُ\nعليه رِدَاءٌ من جمالٍ وهيْبَةٍ ... ووجهٌ بإِدراكِ النجاحِ بشِيرُ\nلقَد عُصِم الإِسلامُ مِنه بدَابدٍ ... به عاشَ معرُوفٌ وماتَ نكيرُ\nأَلا إِنما عبدُ الإِلهِ بنُ طاهر ... لنا وَالدٌ بَرٌّ بنا، وأَميرُ\nقال: فوقع ذلك من عبد الله أحسنَ موقع، وأعجبه ما قال الشيخ، فأمر له بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه.\nوذكر عن الحسن بن يحيى الفهريّ، قال: لقينا البُطيْن الشاعر الحمصيّ، ونحن مع عبد الله بن طاهر فيما بين سَلَميْة وحِمْص، فوقف على الطريق، فقال لعبد الله بن طاهر:\nمَرْحَبًا مَرحَبًا وأَهلًا وسَهْلًا ... بابنِ ذِي الجودِ طاهِرِ بن الحُسينِ\nمَرْحبًا مَرحبا وأَهلًا وسَهْلًا ... بابن ذِي الغُرَّتينِ في الدَّعوَتينِ\nمَرْحبًا مرحبًا بمن كفّهُ البَحْـ ... رُ إِذا فاضَ مُزبدَ الرَّجَوَين\nما يُبالِي المأمونُ أَيَّدهُ اللـ ... ـه إِذا كنْتُما له باقيَيْنِ\nأَنتَ غَرْبٌ وذَاكَ شرقٌ مقيمًا ... أَيُّ فَتقٍ أَتى منَ الجانبَيْنِ\nوحقيقٌ إِذ كُنتُما في قديمٍ ... لزُريْق ومُصعبْ وحُسينِ\nأَن تنالا ما نلتُماه مِن المجـ ... ـد وأَن تعْلُوَا على الثَّقَليْنِ\nقال: من أنت ثكلتك أمك! قال: أنا البُطَين الشاعر الحمصيّ، قال: اركب يا غلام وانظر كم بيتًا؟ قال: سبعة، فأمر له بسبعة ألاف درهم أو بسبعمائة دينار، ثم لم يزل معه حتى دَخلوا مصر والإسكندرية، حتى انخسف به وبدابته مخرَج، فمات فيه بالإسكندرية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>ذكر الخبر عن فتح عبد الله بن طاهر الإسكندرية</span>\nوفي هذه السنة فتح عبد الله بن طاهر الإسكندرية - وقيل كان فتحه إياها في سنة إحدى عشرة ومائتين - وأجلَى مَنْ كان تغلّب عليها من أهل الأندلس عنها.","vol":"12","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1891>ذكر الخبر عن أمره وأمرهم:</span>\nحدّثني غير واحد من أهل مصر، أنّ مراكب! أقبلت من بحر الروم من قِبَل الأندلس، فيها جماعة كبيرة أيام شغل الناس قِبَلهم بفتنة الجَرَوِيّ وابن السريّ، حتى أرسوا مراكبَهم بالإسكندرية، ورئيسهم يومئذ رجل يدعَى أبا حفص؛ فلم يزالوا بها مقيمين حتى قدم عبد الله بن طاهر مصر. قال لي يونس بن عبد الأعلى: قدم علينا منْ قبَل المشرق فتىً حدَث - يعني عبد الله بن طاهر - والدُّنيا عندنا مفتونة، قد غلب على كلّ ناحية من بلادنا غالب، والناس منهم في بلاء؛ فأصلح الدنيا، وأمَّن البريء، وأخاف السقيم؛ واستوسقتْ له الرّعية بالطاعة. ثم قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن لهيعة، قال: لا أدري رَفعُه إليّ قَبْلُ أم لا! فلم نجد فيما قرأنا من الكتب أن لله بالمشرق جندًا لم يَطغَ عليه أحدٌ من خلقه إِلّا بعثهم إليه، وانتقم بهم منه - أو كلامًا هذا معناه - فلما دخل عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر، أرسل إلى مَنْ كان بها من الأندلسيّين، وإلى من كان انضوى إليهم، يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة، فأخبروني أنهم أجابوه إلى الطاعة، وسألوه الأمان، على أن يرتحلوا من الإسكندرية إلى بعض أطراف الرّوم التي ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، وأنهم رحلوا عنها، فنزلوا جزيرة من جزائر البحر، يقال لها إقْرِيطش، فاستوطنوها وأقاموا بها، وفيها بقايا أولادهم إلى اليوم (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>ذكر الخبر عن خروج أهل قمّ على السلطان</span>\nوفي هذه السنة خلع أهل قمّ السلطان ومنعوا الخراج.\n_________\n(١) هذا هو الموضع الأول الذي بدأ به الطبري بتخريح رواية تاريخية عن شاهد عيان مباشرة فالطبري يروي هذه الحادثة عن الراوي يونس بن عبد الأعلى الصدفي وهو ثقة من رجال الصحيحين من صغار العاشرة وهو بدوره عاصر هذه الأحداث وشاهدها أي أن هذا إسناد صحيح أما النص الذي رواه عن ابن لهيعة فهو يشك في رفعها كما ورد أثناء الرواية.","vol":"12","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1893>ذكر الخبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم في ذلك:</span>\nذكر أن سبب خلعهم إياه كان أنهم كانوا استكثروا ما عليهم من الخراج، وكان خراجهم ألفيْ ألف درهم، وكان المأمون قد حطّ عن أهل الرّيّ حين دخلها منصرفًا من خراسان إلى العراق، ما قد ذكرتُ قبلُ، فطمع أهل قُمّ من المأمون في الفعل بهم في الحطّ عنهم والتخفيف مثل الذي فعل من ذلك بأهل الرّيّ، فرفعوا إليه يسألونه الحطّ، ويشكون إليه ثقله عليهم؛ فلم يجِبْهم المأمون إلى ما سألوه، فامتنعوا من أدائه، فوجّه المأمون إليهم عليّ بن هشام، ثم أمده بعُجَيف بن عَنْبسة، وقدم قائد لحمَيد يقال له محمد بن يوسف الكح بعرض من خُراسان، فكتب إليه بالمصير إلى قمّ لحرب أهلها مع عليّ بن هشام، فحاربهم عليّ فظفر بهم، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور قمّ، وجباها سبعة آلاف ألف درهم بعد ما كانوا يتظلَّمون من ألفي ألف درهم.\n* * *\nومات في هذه السنة شهريار، وهو ابن شروين، وصار في موضعه ابنه سابور، فنازعه مازيار بن قارن فأسره وقتله، وصارت الجبال في يدي مازيار بن قارن.\nوحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو يومئذ والي مكة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>أمر عبيد الله بن السريّ</span>\nفمن ذلك خروج عبيد الله بن السريّ إلى عبد الله بن طاهر بالأمان، ودخول\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٤).\nوالبسوي في المعرفة (١/ ٦٤).","vol":"12","page":251},{"text":"عبد الله بن طاهر مصر - وقيل إن ذلك في سنة عشر ومائتين - وذكر بعضهم أن ابن السريّ خرج إلى عبد الله بن طاهر يوم السبت لخمسٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وأدخل بغداد لسبع بقين من رجب سنة إحدى عشرة ومائتين، وأنزل مدينة أبي جعفر، وأقام عبد الله بن طاهر بمصر واليًا عليها وعلى سائر الشأم والجزيرة؛ فذُكر عن طاهر بن خالد بن نزار الغسائي، قال: كتب المأمون إلى عبد الله بن طاهر وهو بمصر حين فتحها في أسفل كتاب له:\nأَخي أَنت ومولايَ ... ومَنْ أَشكُرُ نُعمَاهُ\nفما أَحبَبْتَ من أَمرٍ ... فإِنِّي الدَّهْرَ أَهْواهُ\nوما تكرَهُ مِنْ شَيْءٍ ... فإِنّي لسْتُ أرضَاهُ\nلك الله على ذاكَ ... لَك اللهُ لَك اللهُ\nوذُكر عن عطاء صاحب مظالم عبد الله بن طاهر، قال: قال رجل من إخوة المأمون للمأمون: يا أميرَ المؤمنين، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله. قال: فدفع المأمون ذلك وأنكره، ثم عاد بمثل هذا القول، فدسّ إليه رجلًا ثم قال له: امض في هيئة القرّاء والنسّاك إلى مصر، فادع جماعةً من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، واذكر مناقبه وعلمه وفضائله، ثم صِرْ بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر، ثم ائته فادْعُه ورغّبه في استجابته له، والمجا عن دفين نيّته بحثًا شافيًا، وائتني بما تسمع منه. قال: ففعل الرجل ما قال له، وأمره به؛ حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء والأعلام، قعد يومًا بباب عبد الله بن طاهر، وقد ركب إلى عبيد الله بن السريّ بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل، فأخرج من كمِّه رقعةً فدفعها إليه، فأخذها بيده؛ فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه؛ ما بينه وبين الأرض غيره، وقد مدّ رجليه، وخُفَّاه فيهما، فقال له: قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك، فهاتِ ما عندك، قال: ولي أمانُك وذمّة الله معك؟ قال: لك ذلك، قال: فأظهَر له ما أراد، ودعاه إلى القاسم، أخبره بفضائله وعلمه وزهده، فقال له عبد الله: أتُنصِفني؟ قال: نعم، قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ قال: نعم. قال: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنّة والتفضّل؟ قال: نعم، قال: فتجيء إليّ وأنا في هذه","vol":"12","page":252},{"text":"الحالة التي ترى، لي خاتمٌ في المشرق جائز وفي المغرب كذلك؛ وفيما بينهما أمري مطاع، وقولي مقبول، ثم ما التفت يميني ولا شمالي وورائي وقدّامي إلّا رأيت نعمة لرجل أنعمها عليّ، ومنّة ختم بها رقبتي، ويدًا لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضّلًا وكرمًا، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرًا، واسْع في إزالة خيْط عنقه وسفك دمه! تراكَ لو دعوتني إلى الجنة عيانًا من حيث أعلم؛ أكان الله يحبّ أن أغدر به، وأكفر إحسانه ومنّته، وأنكث بيعتَه! فسكت الرجل، فقال له عبد الله: أما إنه قد بلغني أمرُك، وتالله ما أخاف عليك إلّا نفْسَك؛ فارحل عن هذا البلد؛ فإنّ السلطان الأعظم إن بلغه أمرُك - وما آمنُ ذلك عليك - كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك. فلمّا أيسَ الرجل مما عنده جاء إلى المأمون، فأخبره الخبر، فاستبشر وقال: ذلك غرس يدي، وإلْف أدبي، وترْب تلقيحي، ولم يُظهر من ذلك لأحدٍ شيئًا، ولا علم به عبد الله إلا بعد موت المأمون (١).\nوذُكر عن عبد الله بن طاهر أنه قال وهو محاصِر بمصر عبيد الله بن السريّ:\nبكَرَتْ تُسْبلُ دَمْعًا ... أَنْ رأَت وشْكَ بَراحِي\nوتَبَدَّلتُ صقِيلًا ... يمنيًّا بِوِشَاحِي\nوتمادَيْتُ بسَيرٍ ... لِغُدُوٍّ وَرَواحِ\nزعمَتْ جَهلا بأَنِّي ... تَعِبٌ غيْرُ مُراحِ\nأَقصِرِي عنِّي فإِنِّي ... سالكٌ قَصْدَ فلاحِي\nأَنا للمأْمونِ عبدٌ ... مِنْهُ في ظلٍّ جَنَاحِ\nإِن يُعافِ اللهُ يومًا ... فَقَريب مُسْتَراحي\nأَوْ يكنْ هُلكٌ فقُولي ... بِعَويلٍ وصِياحِ:\nحلَّ في مصرَ قَتيلٌ ... وَدعِي عنكِ التَّلاحِي\nوذُكر عن عبد الله بن أحمد بن يوسف أنّ أباه كتب إلى عبد الله بن طاهر عند خروج عبيد الله بن السريّ إليه يهنئه بذلك الفتح:\n_________\n(١) استغرق هذا الخبر الصفحتين (٦١٤ - ٦١٥) وقد ذكره ابن الجوزي مع بعض الاختصار (المنتظم / ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"12","page":253},{"text":"بلغني أعزّ الله الأمير ما فتح الله عليك، وخروجُ ابن السريّ إليك؛ فالحمد لله الناصر لدينه، المعزّ لدولة خليفته على عباده، المذلّ من عَنَد عنه وعن حقه، ورغب عن طاعته. ونسأل الله أن يظاهرَ له النِّعم، ويفتح له بلدان الشِّرْك، والحمد لله على ما وليك به مذ ظعنتَ لوجهك؛ فإِنّا ومَنْ قبلنَا نتذاكر سيرتَك في حرْبك وسلمك، ونكثر التعجّب لما وُفَقت له من الشدّة والليان في مواضعهما، ولا نعلمَ سائس جندٍ ورعيّة عدل بينهم عدلَكَ، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوك؛ ولَقَلّ ما رأينا ابن شَرف لم يُلقِ بيده متّكلا على ما قدّمَتْ له أبوّته، ومَنْ أوتيَ حظًّا وكفاية وسلطانًا وولاية لم يخلد إلى ما عفا حتى يخلّ بمساماة ما أمامه. ثم لا نعلمَ سائسًا استحقّ النُّجح لحسن السيرة وكفّ معرّة الأتباع استحقاقَك. وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدّم عليك أحدًا يهوى عند الحاقة والنازلة المعضلة فليهنك منّة الله ومزيده، ويسوّغك الله هذه النعمة التي حواها لك بالمحافظة على ما به تمّت لك؛ من التَّمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملّاك وإيانا العيش ببقائه.\nوأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قِبَلنا مكرمًا مقدّمًا معظمًا؛ وقد زادك الله في أعين الخاصّة والعامة جلالةً وَبَجَالةً؛ فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويُعدوّنك لأحداثهم ونوائبهم؛ وأرجو أنْ يوفّقك الله لمحابِّه كما وفق لك صنعه وتوفيقه؛ فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك، ولم تزدد إلا تذلُّلًا وتواضعًا؛ فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك، وأودع فيك. والسلام.\n* * *\nوفي هذه السنة قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين مدينة السلام من المغرب، فتلقّاه العباس بن المأمون وأبو إسحاق المعتصم وسائر الناس، وقدم معه بالمتغلّبين على الشام كابن السرْج وابن أبي الجَمَل وابن أبي الصفر (١).\nومات موسى بن حفص، فولى محمد بن موسى طبَرِستان مكان أبيه.\nوولى حاجب بن صالح الهند فهزمه بشْر بن داود، فانحاز إلى كرمَان.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ٢٣٥).","vol":"12","page":254},{"text":"وفيها أمر المأمون مناديًا فنادى: برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير، أو فضّله على أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - (١).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس وهو والي مكة (٢).\nوفيها مات أبو العتاهية الشاعر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه المأمون محمد بن حميد الطوسيّ إلى بابك لمحاربته على طريق الموصل وتقويته إياه، فأخذ محمد بن حُميد يعلَى بنَ مرّة ونظراءه من المتغلبة بأذْرَبيجان، فبعث بهم إلى المأمون.\nوفيها خلع أحمد بن محمد العمريّ المعروف بالأحمر العين باليمن.\nوفيها ولّى المأمون محمد بن عبد الحميد المعروف بأبي الرازي اليمن (٤).\nوفيها أظهر المأمون القولَ بخلق القرآن وتفضيل عليّ بن أبي طالب عليه\n_________\n(١) وهذا خبر منكر كان الأولى بالطبري أن يذكر هذا الاتهام الخطير ولو بإسناد منقطع كعادته في ذكر سيرة الخلفاء والمأثور من أقوالهم وهو خبر منكر ولم يؤيده في هذا مؤرخ متقدم ثقة، والمأمون كان من رواة الحديث والمحبين للعلم والعلماء وما كان يخفى عليه أن سيدنا معاوية ﵁ من كتاب الوحي ولم يؤثر عن آبائه الطعن في صحابة رسول الله - ﷺ -.\n(٢) وكذلك قال خليفة (٣١٤) وقال البسوي: وحجّ بنا في هذه السنة صالح بن العباس (المعرفة والتأريخ/ ١/ ٦٤).\n(٣) انظر المنتظم (١٠/ ٢٤٢) إذ قال ابن الجوزي توفي أبو العتاهية في جمادى الآخرة من هذه السنة ببغداد ا. هـ.\nوانظر تأريخ بغداد (٦/ ٢٥٠).\n(٤) لهذه الأخبار الموجزة انظر المنتظم (١٠/ ٢٤٨).","vol":"12","page":255},{"text":"السلام، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -، وذلك في شهر ربيع الأول منها (١).\n* * *\nوحجّ بالنّاس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من خلْع عبد السلام وابن جَليس بمصر في القيسية واليمانيّة ووثوبهما بهما.\nوفيها مات طلحة بن طاهر بخُراسان.\nوفيها ولى المأمون أخاه أبا إسحاق الشام ومصر، وولّى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم، وأمر لكل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف دينار (٣).\nوقيل: إنه لم يفرّق في يوم من المال مثل ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>ذكر الخبر عن ولاية غسان بن عباد السند</span>\nوفيها ولي غسان بن عباد السند (٤).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٠/ ٢٤٨).\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٤).\nوالبسوي في المعرفة (١/ ٦٤).\n(٣) انظر المنتظم (١٠/ ٢٥١).\n(٤) والخبر عند خليفة في تأريخه (٣١٤) إذ قال وفيها عزل محمد بن عباد عن البحر وعبر إلى غسان بن عباد فولى محمد بن عباد ا. هـ.","vol":"12","page":256},{"text":"ذكر الخبر عن سبب توليته إيّاه المسند:\nوكان السبب في ذلك - فيما بلغني - أن بشر بن داود بن يزيد خالف المأمون، وجَبَى الخراج فلم يحمل إلى المأمون شيئًا منه؛ فذُكر أن المأمون قال يومًا لأصحابه: أخبروني عن غسّان بن عباد؛ فإني أريده لأمر جسيم - وكان قد عزم على أن يولِّيَه المسند لما كان من أمر بشر بن داود - فتكلم مَنْ حضر، وأطنبوا في مدحه، فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف وهو ساكت، فقال له: ما تقول يا أحمد؟ قال: يا أميرَ المؤمنين ذاك رجل محاسنه أكثر من مساويه؛ لا تصرف به إلى طَبَقة إلا انتصف منهم: فمهما تخوّفت عليه؛ فإنه لن يأتي أمرًا يُعتذر منه؛ لأنه قسّم أيامَه بين أيام الفضل، فجعل لكل خلُق نوْية، إذا نظرت في أمرِه لم تدر أيّ حالاته أعجب! إما هداه إليه عقله؛ أم إما اكتسبه بالأدب، قال: لقد مدحتَه على سوء رأيك فيه! قال: لأنّه فيما قلت كما قال الشاعر:\nكفى شكرًا بما أَسْديتَ أَنِّي ... مدَحتُك في الصَّديق وفي عِداتِي\nقال: فأعجب المأمونَ كلامُه، واسترجح أدبه.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفممّا كان فيها من ذلك مقتل محمد بن حُميد الطوسيّ، قتله بابك بهَشْتَادْسَر، يوم السبت لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول، ورفض عسكره، وقتل جمعًا كثيرًا ممن كان معه (٢).\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة عن الحجّ في هذه السنة (تأريخ/ ٣١٤) والبسوي في المعرفة (١/ ٦٥).\n(٢) وقال خليفة: وفيها (٢١٤ هـ) قتل ابن حميد الطوسي قتله الخرمي وهو الأمير (تأريخ خليفة/ ٣١٤) وكذلك قال ابن قتيبة: ووجه محمد بن حميد لقتال بابك فقتل محمد سنة أربع وعشرين ومائتين (المعارف/ ١٩٨).","vol":"12","page":257},{"text":"وفيها قتل أبو الرازي باليمن.\nوفيها قُتل عُمَير بن الوليد الباذَغيسيّ عامل أبي إسحاق بن الرشيد بمصر بالحوْف في شهر ربيع الأول، فخرج أبو إسحاق إليها فافتتحها، وظفر بعبد السلام وابن جَليس، فقتلهما فضرب المأمونُ بن الحَروريّ وردّه إلى مصر.\nوفيها خرج بلال الضَّبابيّ الشاري، فشخص المأمون إلى العَلْث، ثم رجع إلى بغداد، فوجّه عباسًا ابنه في جماعة من القوّاد، فيهم عليّ بن هشام وعُجيف وهارون بن محمد بن أبي خالد، فقتلَ هارون بلالا (١).\nوفيها خرج عبد الله بن طاهر إلى الدّينَور، فبعث المأمون إليه إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم يخيّرانه بين خُراسان والجبال وأرمينيَة وأذْرَبيجان، ومحاربة بابك، فاختار خُراسان، وشخص إليها.\nوفيها تحرّك جعفر بن داود القُمّي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، وكان هرب من مصر فرُدّ إليها.\nوفيها ولّى عليّ بن هشام وقُمّ وإصبهان وأذرَبيجان (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>ذكر خبر شخوص المأمون لحرب الروم </span>(٤)\nوفي هذه السنة شخص المأمون من مدينة السّلام لغزو الروم، وذلك يوم\n_________\n(١) عن خروج بلال الضبابي انظر المنتظم (١٠/ ٢٦٢).\n(٢) لخروج عبد الله بن طاهر إلى الدينور وبقية الأخبار المختصرة انظر المنتظم (١٠/ ٢٦٢).\n(٣) وكذلك قال خليفة عن الحج في هذه السنة (تأريخ خليفة/ ٣١٤) والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٦٥).\n(٤) قال البسوي وغزا المأمون في هذه السنة (المعرفة/ ١/ ٦٦) وانظر الخبر الآتي.","vol":"12","page":258},{"text":"السبت - فيما قيل - لثلاث بقين من المحرّم - وقيل كان ارتحاله من الشماسيّة إلى البَرَدان يوم الخميس بعد صلاة الظهر، لستّ بقين من المحرّم سنة خمس عشرة ومائتين - واستخلف حين رَحل عن مدينة السلام عليها إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، وَوَلِّيَ مع ذلك السواد وحُلْوان وكُور دِجْلة. فلما صار المأمون بتَكْريت قدم عليه محمد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵀، من المدينة في صَفر ليلة الجمعة من هذه السنة، ولقيَه بها فأجازه، وأمره أن يدخل بابنته أم الفَضْل وكان زوّجها منه؛ فأدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف التي على شاطئ دِجْلة، فأقام بها؛ فلما كان أيام الحجّ خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة، ثم أتى منزله بالمدينة؛ فأقام بها، ثم سلك المأمون طريق الموصل: حتى صار إلى مَنْبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكيَة، ثم إلى المَصّيصة، ثم خرج منها إلى طَرَسُوس، ثمّ دخل من طَرَسوس إلى بلاد الرّوم للنصف من جمادى الأولى. ورحل العباس بن المأمون من مَلَطْيَة؛ فأقام المأمون على حصن يقال له قُرّة؛ حتى فتحه عَنْوة؛ وأمر بهدمه؛ وذلك يوم الأحد لأربع بقين من جُمادى الأولى؛ وكان قد افتتح قبل ذلك حصنًا يقال له ماجدة، فمنّ على أهلها.\nوقيل إن المأمون لما أناخ على قُرّة، فحارب أهلها طلبوا الأمان، فآمنهم المأمون، فوجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجّه عُجيفًا وجعفرًا الخياط إلى صاحب حصن سنان، فسمع وأطاع (١).\n_________\n(١) قال ابن قتيبة الدينوري: ثم توجه المأمون إلى طرسوس في المحرم سنة خمس عشرة ومائتين فغزا الروم وافتتح حصن قرة وخرشنة وصمالوا ثم انصرف إلى دمشق (المعارف/ ١٩٩).\nوأما البسوي فقد فرّق بين أمرين الأول قوله أن المأمون غزا في هذه السنة أي - ٢١٥ هـ - والثاني أن المأمون غزا الروم وفتح قرة (حصن قريب من طرسوس) ودخل العباس ابنه من درب الحدث (المعرفة/ ١/ ٦٥) وذلك ضمن أحداث سنة ٢١٤ هـ.\nوهذا اختلاف والراجح أنه غزا الروم سنة ٢١٥ هـ لاتفاق الطبري وابن قتيبة على ذلك واتفاق الثلاثة على أنه فتح حصن \"قرّة\" في غزاته لأرض الروم، أما بقية الحصون فلم يتفقوا عليه كما ترى والله أعلم.","vol":"12","page":259},{"text":"وفي هذه السنة انصرف أبو إسحاق بن الرشيد من مصر. فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه مَتْوِيل وعباس ابنه برأس العين.\nوفيها شخص المأمون بعد خروجه من أرض الروم إلى دمشق (١).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>عود إلى ذكر غزو المأمون أرض الروم</span>\nفمن ذلك كرّ المأمون إلى أرض الروم (٣).\nذكر السبب في كرّه إليها:\nاختُلف في ذلك، فقيل: كان السبب فيه ورودُ الخبر على المأمون بقتل ملك الرّوم قومًا من أهل طَرَسوس والمَصِّيصَة؛ وذلك - فيما ذُكر - ألف وستمائة. فلما\n_________\n(١) سبق أنه ذكرنا قول ابن قتيبة الدينوري بعد ذكره لغزو المأمون أرض الروم (ثم انصرف إلى دمشق) - (المعارف/ ١٩٩).\n(٢) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٥).\nوالبسوي في المعرفة (١/ ٦٦).\n(٣) لقد ذكر الطبرّي عودة المأمون ثانية إلى أرض الروم لغزوها ضمن أحداث سنة (٢١٦ هـ) بينما ذكره البسوي وابن قتيبة ضمن أحداث سنة (٢١٧ هـ) وإذا اتفق اثنان من المؤرخين المتقدمين على مسألة كهذه رجحنا رأي الاثنين على الواحد ولذلك سنتحدث عن هذه الغزوة إن شاء الله ضمن تعليقنا على أحداث السنة (٢١٧ هـ).\nوكذلك ذكر ابن عساكر مسندًا أنه غزا سنة (٢١٥) و(٢١٧) و(٢١٨) (انظر تأريخ ابن عساكر/ ٣٤/ ٣٠٢/ تر ٣٦١١).","vol":"12","page":260},{"text":"بلغه ذلك شخص حتى دخل أرض الرّوم يوم الإثنين لإحدى عشرة بقيتْ من جُمادى الأولى من هذه السنة، فلم يزل مقيمًا فيها إلى النّصف من شعبان.\nوقيل: إن سبب ذلك أن تَوْفيل بن ميخائيل كتب إليه، فبدأ بنفسه فلمّا ورد الكتاب عليه لم يقرأه، وخرج إلى أرض الرُّوم، فوافاه رسل تَوْفيل بن ميخائيل بأذَنَة، ووجّه بخمسمائة رجل من أسارى المسلمين إليه، فلما دخل المأمون أرضَ الروم، ونزل على أنطيغوا، فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرقَلْةَ، فخرج أهلها إليه على صلح، ووجّه أخاه أبا إسحاق، فافتتح ثلاثين حصنًا ومطمورة. ووجّه يحيى بن أكثم من طُوانة، فأغار وقتل وحرّق، وأصاب سبْيًا ورجع إلى العسكر. ثم خرج المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم ارتحل إلى دمشق.\nوفي هذه السنة ظهر عَبْدوس الفِهريّ، فوثب بمن معه على عمّال أبي إسحاق، فقتل بعضهم؛ وذلك في شعبان، فشخص المأمون من دِمشق يوم الأربعاء لأربعَ عشرة بقيتْ من ذي الحجّة إلى مصر (١).\nوفيها قدم الأفشين من بَرْقة منصرفًا عنها، فأقام بمصر.\nوفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتَّكْبير إذا صلَّوْا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة والرُّصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيتْ من شهر رمضان من هذه السنة، حين قضوا الصلاة، فقاموا قيامًا، فكبّروا ثلاث تكبيرات، ثم فعلوا ذلك في كلِّ صلاة مكتوبة (٢).\nوفيها غضب المأمون على عليّ بن هشام، فوجّه إليه عُجيف بن عنبسة\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٦٣).\n(٢) في نسبة بدعة كهذه إلى المأمون نظر وهذا الخبر لا يصح للأسباب التالية:\n١ - لو كان صحيحًا لتناقلته كتب الفقه من المذاهب المختلفة كنقلهم مسألة وقوع الطلاق مرة واحدة (بثلاث) ومسألة توزيع أرض السواد وما إلى ذلك.\n٢ - المعروف عن المأمون أنه كان حريصًا على اتباع السنة فيما يتعلق بالشعائر التعبدية كما سيأتي عند الحديث عن سيرته. وهذا مخالف لذلك.\n٣ - مسألة هامة كهذه لابد من ذكرها بإسناد ولو منقطع ولكن الطبري ذكرها بلا إسناد كما ترى والله أعلم.","vol":"12","page":261},{"text":"وأحمد بن هشام، وأمر بقبض أمواله وسلاحه.\nوفيها ماتت أمّ جعفر ببغداد في جمادى الأولى.\nوفيها قدم غسان بن عباد من السِّنْد، وقد استأمن إليه بشر بن داود المهلبيّ، وأصلح المسند، واستعمل عليها عمران بن موسى البرمكيّ، فقال الشاعر:\nسيفُ غسانَ رَونَقُ الحرب فيه ... وسمامُ الحُتوفِ في ظُبَتَيْهِ\nفإِذا جرَّه إلى بلدِ السنـ ... ـدِ فألقَى المَقادَ بِشرٌ إِليهِ\nمُقسِمًا لا يعودُ ما حجَّ للـ ... ـه مُصَلِّ وما رمى جَمرتَيْهِ\nغادِرًا يَخلَعُ الملوكَ ويغتا ... لُ جُنودًا تأْوى إلى ذِروَتَيْهِ\nفرجع غسان إلى المأمون، وهرب جعفر بن داود القميّ إلى قمّ، وخلع بها.\nوفي هذه السنة كان البَرْد الشديد.\nوحجّ بالناس - في قول بعضهم - في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وفي قول بعضهم: حجّ بهم في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس؛ وكان المأمون ولّاه اليمن، وجعل إليه ولاية كلّ بلدة يدخلها حتى يدخل إلى اليمَن، فخرج من دمشق حتى قدم بغداد، فصلّى بالناس بها يوم الفطْر، فشخص من بغداد يوم الإثنين لليلةٍ خلَتْ من ذي القَعْدة، وأقام الحجّ للناس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ظَفرُ الأفشيْن فيها بالبِيمَا؛ وهي من أرض مصر، ونزَل أهلها بأمان\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا قولين في الحج ونادرًا ما حدث ذلك ولم ينفرد الطبري بذكر هذا الاختلاف في تعيين أمير الحج لهذه السنة (٢١٦) فقد ذكر خليفة أن الذي أقام الحج عبد الله بن عبد الله بن العباس (تأريخ خليفة/ ٣١٥) تأييدًا لقول الطبري الأول.\nبينما ذكر البسوي أن الذي حجّ بالناس هذه السنة هو عبد الله بن عبيد الله تأييدًا للإحتمال الثاني الذي ذكره الطبري (انظر المعرفة والتأريخ/ ١/ ٦٦).","vol":"12","page":262},{"text":"على حُكم المأمون، قُرِئ كتاب فتحها لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر.\nوورد المأمون فيها بمصر في المحرّم، فأُتيَ بعبدوس الفهريّ فضرب عنقه، وانصرف إلى الشام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>ذكر الخبر عن قتل عليّ وحسين ابني هشام</span>\nوفيها قتل المأمون ابني هشام عليًّا وحُسينًا بأذَنَة في جمادى الأولى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>ذكر الخبر عن سبب قتله عليًّا:</span>\nوكان سبب ذلك، أنّ المأمون لِلّذي بلغه من سوء سيرته في أهل عمله الذي كان المأمون ولّاه - وكان ولّاه كُور الجبال - وقتلِه الرجال، وأخذِه الأموال؛ فوُجّه إليه عُجيف، فأراد أن يفتك به ويلحق ببابك، فظفر به عُجيف، فقدم به على المأمون، فأمر بضرب عنقه، فتولى قتله ابن الجليل. وتولّى ضربَ عُنُق الحسين محمد بن يوسف ابن أخيه بأذَنَة، يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيتْ من جمادى الأولى، ثم بعث رأس عليّ بن هشام إلى بغداد وخُراسان، فطِيف به، ثم رُدّ إلى الشام والجزيرة فطِيف به كورةً كورةً، فقدم به إلى دمشق في ذي الحجة، ثم ذهب به إلى مصر، ثم ألقيَ بعد ذلك في البحر.\nوذُكر أن المأمون لما قتل عليّ بن هشام، أمر أن يكتب رقعة وتُعلَّق على رأسه ليقرأها الناس؛ فكتب:\nأما بعد، فإن أمير المؤمنين كان قد دعا عليّ بن هشام فيمن دعا من أهل\n_________\n(١) أما قدوم المأمون إلى مصر في هذه السنة فثابت إذ أيد الطبري فيه البسوي فقال: وكان المأمون قدم مصر في المحرم فأقام بها شهرًا أو بعض شهر. (المعرفة والتأريخ/ ١/ ٦٧/ سنة ٢١٧ هـ) ولم يتحدث عن عبدوس الفهري ومقتله.\n(٢) وقال خليفة فيها قتل علي بن هشام (تأريخ خليفة أحداث سنة ٢١٧/ ص ٣١٥).\nوأما عن سبب مقتله فقد ذكر الطبري عن سوء سيرته في الناس وما إلى ذلك مما لم نجده عند غيره والله أعلم.\nوقال ابن قتيبة: وفي هذه السنة قدم عليه عجيف بـ (علي بن هشام) فقتله وأخاه (المعارف/ ١٩٩).","vol":"12","page":263},{"text":"خُراسان أيام المخلوع، إلى معاونته والقيام بحقه، وكان فيمن أجاب وأسرع الإجابة، وعاون فأحسن المعاونة. فرعى أمير المؤمنين ذلك واصطنعه، وهو يظنّ به تقوى الله وطاعتَه والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين في عمل إن أسند إليه في حسن السيرة وعفاف الطُّعمة، وبدأه أمير المؤمنين بالإفضال عليه، فولّاه الأعمال السنيّة، ووصله بالصلات الجزيلة التي أمر أمير المؤمنين بالنظر في قدرها، فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم، فمدّ يده إلى الخيانة والتضييع لما استرعاه من الأمانة، فباعده عنه وأقصاه، ثم استقالَ أميرَ المؤمنين عثرَته فأقاله إيّاها، وولّاه الجبل وأذرَبيجان وكُور أرمينيَة، ومحاربة أعداء الله الخرّميّة، على ألا يعود لما كان منه؛ فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدّرهم على العمل لله ودينه، وأساء السيرة وعسْف الرعيّة وسفك الدماء المحرّمة، فوجّه أمير المؤمنين عُجيف بن عَنْبسة مباشرًا لأمره، وداعيًا إلى تلافي ما كان منه، فوثب بعُجَيف يري قتله فقوّى الله عُجيفًا بنيّته الصادقة في طاعة أمير المؤمنين، حتى دفعه عن نفسه، ولو تم ما أراد بعُجَيف لكان في ذلك ما لا يستدرك ولا يستقال؛ ولكنّ الله إذا أراد أمرًا كان مفعولا. فلما أمضى أميرُ المؤمنين حكم الله في عليّ بن هشام، رأى ألا يؤاخذ مَنْ خلفه بذنبه، فأمر أن يجري لولده وعياله ولمن اتصل بهم ومَنْ كان يجري عليهم مثل الذي كان جاريًا لهم في حياته؛ ولولا أن عليّ بن هشام أراد العُظمى بعُجيف، لكان في عداد مَنْ كان في عسكره ممن خالف وخان، كعيسى بن منصور ونظرائه. والسلام.\nوفي هذه السنة دخل المأمونُ أرضَ الرّوم، فأناخ على لؤلؤه مائة يوم، ثم رحل عنها وخلّف عليها عُجَيفًا، فاختدعه أهلُها وأسروه؛ فمكث أسيرًا في أيديهم ثمانية أيام، تم أخرجوه، وصار تَوْفيل إلى لؤلؤة، فأحاط بعُجَيف، فصرف المأمون الجنود إليه، فارتحل تَوْفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عُجيف بأمان (١).\n_________\n(١) هذا الخبر من قوله (وفي هذه السنة دخل المأمون أرض الروم. . . إلى قوله وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان) له ما يؤيده عند البسوي إذ قال: وخرج منها - أي من مصر - متوجهًا إلى طرسوس وغزا أرض الروم وأقام على لؤلؤة ولم يفتحها ثم فتحها عجيف بعده (المعرفة/ ١/ ٦٧). =","vol":"12","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1907>كتاب توفيل إلى المأمون وردّ المأمون عليه</span>\nوفيها كتَب تَوْفيل صاحب الرُّوم إلى المأمون يسأله الصلح، وبدأ بنفسه في كتابه، وقدم بالكتاب الفضل وزير توْفيل يطلب الصلح، وعرض الفدية.\nوكانت نسخة كتاب توفيل إلى المأمون:\nأما بعد؛ فإن اجتماع المختلفين على حظِّهما أوْلى بهما في الرأي مما عاد بالضّرر عليهما؛ ولستَ حريًّا أن تَدع لحظٍّ يصل إلى غيرك حظًّا تحوزُه إلى نفسك، وفي علمك كافٍ عن إِخبارك؛ وقد كنت كتبت إليك داعيًا إلى المسالمة، راغبًا في فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كلّ واحد لكل واحد وليًّا وحزبًا؛ مع اتصال المرافق والفُسَح في المتاجر، وفكّ المستأسر، وأمن الطريق والبَيْضة؛ فإن أبيتَ فلا أدِبّ لك في الخمَر، ولا أزخرف لك في القول؛ فإني لخائض إليك غمارها، آخذ عليك أسدادها، شانٌّ خيلَها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدّمت المعذرة، وأقمت بيني وبينك عَلَم الحجّة. والسلام.\nفكتب إليه المأمون:\nأما بعد؛ فقد بلغني كتابُك فيما سألتَ من الهدنة، ودعوتَ إليه من الموادَعة، وخلطت فيه من اللِّين والشدّة؛ مما استعطفتَ به؛ من شرح المتاجر واتصال المرافق، وفكّ الأسارى، ورفع القَتْل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من أعمال التؤَدة والأخذ بالحظّ في تقليب الفكرة، وألّا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في استصلاح ما أوثره في معتقبه، لجعلت جوابَ كتابك خيلًا تحمل رجالا من أهل البأس والنّجدة والبصيرة ينازعونكم عن ثُكلكم، ويتقرّبون إلى الله بدمائكم، ويستقلّون في ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم، ثم أوصل إليهم من الأمداد، وأبلغ لهم كافيًا من العُدّةِ والعتاد، هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة من مخوف معرّتهم عليكم؛ موعدُهم إحدى الحسنيين: عاجل غلبة، أو كريم منقلَب؛ غير أني رأيت أن أتقدّم إليك بالموعظة التي يثبت الله بها عليك\n_________\n= وقال ابن قتيبة الدينوري وفيها - أي سنة ٢١٧ هـ - فتحت لؤلؤة (المعارف/ ١٩٩).","vol":"12","page":265},{"text":"الحجة؛ من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفيّة؛ فإن أبيتَ ففدية توجب ذمّة، وتُثبت نَظرة، وإن تركتَ ذلك، ففي يقين المعاينة لنعوتنا ما يُغني عن الإبلاغ في القول والإغراق في الصفة. والسلام على من اتبع الهدى.\nوفيها صار المأمون إلى سَلَغُوس.\nوفيها بعث عليّ بن عيسى القميّ جعفر بن داود القميّ فضرب أبو إسحاق بن الرّشيد عنقَه.\nوحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن عليّ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>ثم دخلت سنة ثمان ومائتين عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من شخوص المأمون من سَلَغُوس، وقتله بها ابنَ أخت الداري.\nوفيها أمر بتفريغ الرّافقة لينزلها حشمه، فضجّ من ذلك أهلها فأعفاهم.\nوفيها وجّه المأمون ابنَه العباس إلى أرض الرّوم، وأمره بنزول الطُّوانة وبنائها، وكان قد وجّه الفَعَلة والفروض، فابتدأ البناء، وبناها ميلًا في ميل، وجعل سورَها على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب، وبنى على كلّ باب حصْنًا؛ وكان توجيهُه ابنَه العباس في ذلك في أوّل يوم من جمادى (٢).\nوكتب إلى أخيه أبي إسحاق بن الرّشيد؛ أنه قد فرض على جُند دمشق وحمْص والأردُنّ وفلسطين أربعة آلاف رجل، وأنه يجرى على الفارس مائة درهم، وعلى الرّاجل أربعين درهم، وفرضَ على مصر فَرْضًا، وكتب إلى العباس بمَنْ فرضَ\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة (تأريخ خليفة/ ٣١٥).\n(٢) لهذا الخبر (خبر توجيه المأمون ابنه العباس إلى الطوانة وبناءها. . أو بتعبير أدق بإعادة بناءها) كما ذكر (الحافظ بن كثير) أيده ابن قتيبة الدينوري في المعارف (١٩٩) دون ذكرٍ للتفاصيل التي ذكرها الطبري، وانظر المنتظم (١١/ ١٥).","vol":"12","page":266},{"text":"على قِنَّسرين والجزيرة، وإلى إسحاق بن إبراهيم بمن فرض على أهل بغداد وهم ألفا رجل، وخرج بعضهم حتى وافَى طُوانة ونزلها مع العباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>ذكر خبر المحنة بالقرآن </span>(١)\nوفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين، وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه إلى الرّقّة؛ وكان ذلك أوّل كتاب كتب في ذلك، ونسخة كتابه إليه:\nأما بعد؛ فإن حقّ الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهادُ في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوّة التي أورثهم، وأثْرِ العلم الذي استودعهم، والعملُ بالحقّ في رعيّتهم والتشمير لطاعة الله فيهم، واللهَ يسألَ أميرَ المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرّشد وصريمته والإقساط فيما ولّاه الله من رعيّته برحمته ومنّته. وقد عرف أمير المؤمنين أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حَشْو الرعية وسفْلة العامة ممن لا نظَر له ولا رويّة ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق أهلُ جهالة بالله، وعمّي عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به. ونكوبٍ عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصورٍ أن يقدروا الله حقّ قدره، ويعرفوه كنهَ معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم عن التفكّر والتذكر؛ وذلك أنهم ساووا بين الله ﵎ وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين، واتّفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أوّل لم يخلقه الله ويُحْدِثه ويخترعه، وقد قال الله ﷿ في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاءً، وللمؤمنين رحمةً وهدىً: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، فكلُّ ما جعله الله فقد خلقه، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، وقال ﷿: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾، فأخبر أنه\n_________\n(١) خبر محنة الأئمة بالقرآن زمن المأمون معروف - ولكن هذه الرسائل المتبادلة بين المأمون ونائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم - انفرد بذكرها الطبري من بين المؤرخين المتقدمين الثقات وذكرها بلا إسناد فكيف لنا أن نتأكد من صحتها وفي نسبتها إلى المأمون شك والله أعلم.","vol":"12","page":267},{"text":"قصص لأمور أحدثه بعدها وتلا به متقدّمها، وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وكل محكَمٍ مفصَّل فله محكِم مفصِّل، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبدعه.\nثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كلّ فصل من كتاب الله قصَص من تلاوته مبطل قولهم، ومكذّب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونِحْلتهم. ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحقّ والدين والجماعة، وأن مَنْ سواهم أهل الباطل والكفر والفُرْقة، فاستطالوا بذلك على النّاس، وغرّوا به الجهّال حتى مال قوم من أهل السَّمْت الكاذب، والتخشع لغير الله، والتقشّف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيء آرائهم، تزيّنًا بذلك عندهم وتصنّعًا للرياسة والعَدالة فيهم فتركوا الحق إلى باطلهم، واتّخذُوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، فقبِلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم على دَغَل دينهم، ونَغَل أديمهم، وفساد نيّاتهم ويقينهم. وكان ذلك غايتهم التي إليها أجروْا، وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم، وقد أخِذ عليهم ميثاق الكتاب ألّا يقولوا على الله إلا الحقّ، ودَرَسوا ما فيه، أولئك الذين أصمّهُمُ الله وأعمى أبصارهم، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.\nفرأى أمير المؤمنين أنَّ أولئك شرُّ الأمة ورؤوس الضّلالة، المنقوصون من التوحيد حظًّا، والمخسوسون من الإيمان نصيبًا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه؛ من أهل دين الله، وأحقّ من يُتّهم في صدقه، وتطرح شهادته، لا يوثَق بقوله ولا عمله؛ فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقينَ إلّا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد، ومن عَميَ عن رُشْده وحظّه من الإيمان بالله وبتوحيده؛ كان عمّا سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمَى وأضلّ سبيلا. ولعمرُ أمير المؤمنين إنَّ أحجى الناس بالكذب في قوله، وتخرّص الباطل في شهادته، من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وإنّ أولاهم بردّ شهادته في حكم الله ودينه من ردّ شهادة الله على كتابه، وبَهت حق الله بباطله.\nفاجمعْ من بحضرتك من القُضاة، واقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين هذا","vol":"12","page":268},{"text":"إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون، في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلده الله، واستحفظه من أمور رعيّته بمن لا يوثَق بدينه وخلوص توحيده ويقينه؛ فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة. فمرهم بنصّ من يحضُرهم من الشهود على الناس ومسألتهم من علمهم في القرآن، وترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنه مخلوق محدَث ولم يره، والامتناع من توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك من قضاة أهل عملك في مسألتهم؛ والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتَفَقَّد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدّين والإخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك. إن شاء الله.\nوكتب في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة ومائتين.\nوكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر، منهم محمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب أبو خيثمة، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدّوْرقيّ؛ فأشخِصوا إليه، فامتحنهم وسألهم عن خلْق القرآن، فأجابوا جميعًا إن القرآن مخلوق، فأشخصهم إلى مدينة السلام وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم دارَه، فشهر أمرهم وقولهم بحضْرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث، فأقرُّوا بمثل ما أجابوا به المأمون، فخلَّى سبيلهم. وكان ما فعل من ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون (١).\nوكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم (٢):\nأما بعدُ؛ فإنّ من حق الله على خلفائه في أرضه، وأمنائه على عباده، الذين ارتضاهم لإقامة دينه، وحمّلهم رعايةَ خلْقه وإمضاء حكمه وسُنَنه والائتمام بعدله\n_________\n(١) هؤلاء من أئمة أهل السنة والجماعة ولم يكونوا من المعتزلة وإن كان صحيحًا أنهم أجابوا بحضرة الخليفة أن القرآن مخلوق فقد قالوها كرهًا وخوفًا على أنفسهم لا إيمانًا بها وتراجمهم تشهد لهم بذلك وانظر تعليقنا فيما بعد.\n(٢) هذا الخبر الطويل (٢٧٧ - ٢٨٦) خبر خير صحيح في أغلب تفاصيله وانظر تعليقنا في نهاية الرواية ومتعلقاتها (ص ٢٨٦).","vol":"12","page":269},{"text":"في بريته، أن يُجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عليه - تبارك اسمه وتعالى - بفضل العلم الذي أودعهم، والمعرفة التي جعلها فيهم، ويهدوا إليه من زاغ عنه، ويرذوا مَنْ أدبر عن أمره، وينهجوا لرعاياهم سَمْت نجاتهم، ويقِفوهم على حدود إيمانهم وسبيل فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم مغطّيات أمورهم ومشتبهاتها عليهم، بما يدفعون الرِّيب عنهم، ويعود بالضياء والبيِّنة على كافّتهم، وأن يؤثِرُوا ذلك من إرشادهم وتبصيرهم، إذْ كان جامعًا لفنون مصانعهم، ومنتظمًا لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم، ويتذكَّروا ما الله مُرصدٌ من مساءلتهم عمّا حُمِّلوه، ومجازاتهم بما أسلفوه وقدموا عنده، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحدَه، وحسبه الله وكفى به. ومما بيّنه أمير المؤمنين برويّته، وطالعه بفكره، فتبيّن عظيم خطره، وجليل ما يرجع في الدين من وكْفه وضرره، ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذي جعله الله إمامًا لهم، وأثرًا من رسول الله - ﷺ - وصفيّه محمد - ﷺ - باقيًا لهم، واشتباهه على كثير منهم؛ حتى حسن عندهم، وتزيّن في عقولهم ألا يكون مخلوقًا، فتعرّضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بأن به عن خلقه، وتفرّد بجلالته؛ من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته، والتقدّم عليها بأوليّته التي لا يُبلغ أولاها، ولا يدرك مداها؛ وكان كل شيء دونه خَلْقًا من خلقه، وحدَثًا هو المحدِث له؛ وإن كان القرآن ناطقًا به ودالًّا عليه، وقاطعًا للاختلاف فيه، وضاهَوْا به قول النصارى في دعائهم في عيسى بن مريم: إنه ليس بمخلوق؛ إذ كان كلمة الله، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال ﷻ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فسوّى ﷿ بين القرآن وبين هذه الخلائق التي ذكرها في شية الصنعة، وأخبر أنه جاعله وحده، فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، فدل ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن، ولا يحاط إلا بمخلوق، وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، وقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، وأَخبر عن قوم ذمَّهم بكذبهم أَنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، ثم أَكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، فسمّى الله تعالى القرآن قرآنًا وذكرًا وإيمانًا ونورًا وهدىً ومباركًا وعربيًّا","vol":"12","page":270},{"text":"وقصصًا، فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾، وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فجعل له أَولًا وآخرًا، ودلّ عليه أَنه محدود مخلوق.\nوقد عظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثّلْمَ في دينهم، والحرجَ في أمانتهم، وسهلوا السبيل لعدوّ الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم حتى عرّفوا ووصفوا خَلْق الله وفعله بالصّفة التي هي لله وحده، وشبّهوه به، والاشتباهُ أولى بخلقه. وليس يرى أميرُ المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظًّا في الدّين، ولا نصيبًا من الإيمان واليقين، ولا يرى أن يحلّ أحدًا منهم محلّ الثقة في أمانة، ولا عدالة ولا شهادة، ولا صدق في قول ولا حكاية، ولا تولية لشيء من أمر الرّعيّة، وإن ظهر قصْد بعضهم، وعُرف بالسداد مسدّدٌ فيهم؛ فإن الفروع مردودة إلى أصولها، ومحمولة في الحمْد والذّم عليها؛ ومن كان جاهلًا بأمر دينه الذي أمره الله به من وحدانيته فهو بما سوّاه أعظم جهلا، وعن الرّشد في غيره أعمى وأضلّ سبيلا.\nفاقرأ على جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك، وانصصها عن علمهما في القرآن، وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أمور المسلمين إلّا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لم يقرّ بأن القرآن مخلوق فإن قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك، فتقدّمْ إليهما في امتحان مَنْ يحضر مجالسهما بالشّهادات على الحقوق، ونصّهم عن قولهم في القرآن، فمن لم يقلْ منهم إنه مخلوق أبطلا شهادته، ولم يقطعا حكمًا بقوله؛ وإن ثبت عفافُه بالقصد والسّداد في أمره. وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة، وأشرِف عليهم إشرافًا يزيد الله به ذا البصيرة في بصيرته، ويمنع المرتاب من إغفال دينه، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك. إن شاء الله.\nقال: فأحضر إسحاقُ بن إبراهيم لذلك جماعة من الفقهاء والحكام والمحدّثين، وأحضر أبا حسان الزياديّ وبشر بن الوليد الكنديّ وعليّ بن أبي مقاتل والفضل بن غانم والذيّال بن الهيثم وسجّادة والقواريريّ وأحمد بن","vol":"12","page":271},{"text":"حنبل وقُتيبة وسعدويه الواسطيّ وعليّ بن الجعد وإسحاق بن أبي إسرائيل وابن الهرْش وابن عُلّيّة الأكبر ويحيى بن عبد الرحمن العمريّ وشيخًا آخر من ولد عمر بن الخطاب - كان قاضي الرقة - وأبا نصر التّمارِ وأبا مَعْمَر القطيعيّ ومحمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن نوح المضروب وابن الفَرُّخان، وجماعة منهم النضْر بن شُميَل وابن عليّ بن عاصم وأبو العوام البزّاز وابن شجاع وعبد الرحمن بن إسحاق؛ فأدخلوا جميعًا على إسحاق، ققرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتيْن حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: قد عرّفتُ مقالتي لأمير المؤمنين غير مرّة؛ قال: فقد تجدّد من كتاب أمير المؤمنين ما قد ترى، فقال: أقول: القرآن كلام الله، قال: لَمْ أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كلّ شيء، قال: ما القرآن شيء؟ قال: هو شيء، قال: فمخلوق؟ قال: ليس بخالق، قال: ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسِنُ غيرَ ما قلت لك، وقد استعهدتُ أمير المؤمنين ألّا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك. فأخذ إسحاق بن إبراهيم رقعةً كانت بين يديه، فقرأها عليه، ووقّفَه عليها، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحدًا فرْدًا، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنىً من المعاني، ولا وجه من الوجوه، قال: نعم؛ وقد كنت أضرب الناس على دون هذا، فقال للكاتب: اكتب ما قال.\nثم قال لعليّ بن أبي مقاتل: ما تقول يا عليّ؟ قال: قد سمَّعتُ كلامي لأمير المؤمنين في هذا غير مرّة وما عندي غير ما سمع، فامتحنه بالرقعة فأقرّ بما فيها، ثم قال: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، قال: هو كلام الله؛ وإن أمَرَنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب: اكتب مقالته.\nثم قال للذيّال نحوًا من مقالته لعليّ بن أبي مقاتل، فقال له مثل ذلك.\nثم قال لأبي حسان الزياديّ: ما عندك؟ قال: سلْ عما شئت، فقرأ عليه الرّقعة ووقّفه عليها، فأقرّ بما فيها، ثم قال: من لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال: القرآن مخلوق هو؟ قال: القرآن كلام الله والله خالق كلّ شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا وبسببه سمعنا عامّة العلم، وقد سمع ما لم","vol":"12","page":272},{"text":"نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلّده الله أمرنا، فصار يقيم حجنا وصلاتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته إمامةً، إن أمرَنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا. قال: القرآن مخلوق هو؟ فأعاد عليه أبو حسان مقالته، قال: إن هذه مقالة أمير المؤمنين، قال: قد تكونُ مقالة أمير المؤمنين ولا يأمرُ بها الناس ولا يدعوهم إليها؛ وإن أخبرتَني أن أمير المؤمنين أمرَك أن أقول، قلتُ ما أمرتَني به؛ فإنك الثقة المأمون فيما أبلغتَني عنه من شيء؛ فإن أبلغتَني عنه بشيء صرت إليه، قال: ما أمرني أن أبلغك شيئًا. قال عليّ بن أبي مقاتل: قد يكون قولُه كاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في الفرائض والمواريث، ولم يحملوا الناس عليها، قال له أبو حسان: ما عندي إلا السمع والطاعة، فمرني آتمر، قال: ما أمرني أن آمرك؛ وإنما أمرني أن أمتحنَك.\nثم عاد إلى أحمد بن حنبل، فقال له: ما تقول في القرآن؟ قال: هو كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها، فامتحنَه بما في الرّقعة، فلما أتى على ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وأمسك عن لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكَّاء الأصغر، فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع من أذن، بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد بن حنبل: ما معنى قوله: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾؟ قال: هو كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدري، هو كما وصف نفسه.\nثم دعا بهم رجلا رجلا، كلهم يقول: القرآن كلام الله، إلا هؤلاء النفر: قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن وابنُ علَيّة الأكبر وابن البكّاء وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبّه والمظفّرين مُرَجّأ، ورجلا ضريرًا ليس من أهل الفقه، ولا يعرَف بشيء منه، إلا أنه دُسّ في ذلك الموضع، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرّقة، وابن الأحمر، فأما ابنُ البكاء الأكبر فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ والقرآن محدَث لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ قال له إسحاق: فالمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول؛ فكتب مقالته.","vol":"12","page":273},{"text":"فلمّا فرغ من امتحان القوم، وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكَّاء الأصغر، فقال: أصلحك الله! إنَّ هذين القاضيين أئمة، فلو أمرتَهما فأعادا الكلام! قال له إسحاق: هما ممّن يقوم بحجة أمير المؤمنين، قال: فلو أمرتَهما أن يُسمعانا مقالتهما، لنحكي ذلك عنهما! قال له إسحاق: إنْ شهدت عندهما بشهادة، فستعلم مقالتهما إن شاء الله.\nفكتب مقالة القوم رجلًا رجلًا، ووُجّهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام؛ ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمرهم، ونسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فقد بلغ أميرَ المؤمنين كتابُك جواب كتابه كان إليك، فيما ذهب إليه متصنّعةُ أهل القبْلة وملتمسو الرّئاسة، فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول في القرآن، وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم، وتكشيف أحوالهم وإحلالهم محالَّهم. تذكر إحضارك جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت ممّن كان ينسب إلى الفقه، ويعرف بالجلوس للحديث، وينصب نفسه للفُتْيا بمدينة السلام، وقراءتك عليهم جميعًا كتابَ أمير المؤمنين، ومسألتك إياهم عن اعتقادهم في القرآن، والدلالة لهم على حظِّهم، وإطباقهم على نفي التشبيه واختلافهم في القرآن، وأمرك مَنْ لم يقل منهم إنه مخلوق الإمساك عن الحديث والفتوى في السرّ والعلانية، وتقدّمك إلى السنديّ وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدّمت به فيهم إلى القاضييْن بمثل ما مثّل لك أمير المؤمنين من امتحان مَنْ يحضر مجالسهما من الشهود، وبثّ الكتب إلى القضاة في النواحي من عملك بالقدوم عليك، لتحملهم وتمتحنهم على ما حدّه أميرُ المؤمنين، وتثبيتك في آخر الكتاب أسماءَ مَنْ حضر ومقالاتهم، وفهم أمير المؤمنين ما اقتصصتَ.\nوأمير المؤمنين يحمَد الله كثيرًا كما هو أهله، ويسأله أن يصلِّيَ على عبده ورسوله محمد - ﷺ -، ويرغبُ إلى الله في التوفيق لطاعته، وحسن المعونة على صالح نيّته برحمته. وقد تدبّر أميرُ المؤمنين ما كتبتَ به من أسماء مَنْ سألت عن القرآن، وما رجع إليه فيه كلّ امرئ منهم، وما شرحت من مقالتهم.\nفأمّا ما قال المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه، وما أمسك عنه من أنّ","vol":"12","page":274},{"text":"القرآن مخلوق، وادّعى من تركه الكلام في ذلك واستعهاده أميرَ المؤمنين؛ فقد كذب بشر في ذلك وكفر، وقال الزور والمنكر، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهدٌ ولا نظرٌ أكثر من إخباره أميرَ المؤمنين من اعتقاده كلمةَ الإخلاص، والقول بأنّ القرآن مخلوق، فادعُ به إليك، وأعلمه ما أعلمك به أميرُ المؤمنين من ذلك، وأنصِصه عن قوله في القرآن، واستتبْه منه؛ فإنّ أمير المؤمنين يرى أن تستتيب مَن قال بمقالته؛ إذ كانت تلك المقالة الكفر الصّراح، والشّرْك المحض عند أمير المؤمنين؛ فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك عنه؛ وإن أصرّ على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه؛ إن شاء الله.\nوكذلك إبراهيم بن المهديّ فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشرًا؛ فإنه كان يقول بقوله. وقد بلغت أميرَ المؤمنين عنه بوالغ؛ فإن قال: إنّ القرآن مخلوق فأشهرْ أمره واكشفه؛ وإلّا فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه؛ إن شاء الله.\nوأما عليّ بن أبي مقاتل، فقلْ له: ألستَ القائل لأمير المؤمنين؛ إنّك تُحلّل وتحرّم، والمكلّم له بمثل ما كلّمته به؛ مما لم يذهب عنه ذكره!\nوأما الذيّال بن الهيثم؛ فأعلمه أنه كان في الطعام الذي كان يسرقه في الأنبار وفيما يستولي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العباس ما يشغله؛ وأنّه لو كان مقتفيًا آثار سلفه، وسالكًا مناهجهم، ومحتذيًا سبيلهم لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه.\nوأما أحمد بن يزيد المعروف بأبي العوّام، وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبيّ في عقله لا في سنّه، جاهل، وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن فسيُحسنه إذا أخذه التأديب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك؛ إن شاء الله.\nوأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه؛ فأعلمه أنّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها، واستدلّ على جهله وآفته بها.\nوأما الفضلُ بن غانم، فأعلمه أنه لم يخفَ على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقلّ من سنة، وما شجرَ بينه وبين المطّلب","vol":"12","page":275},{"text":"ابن عبد الله في ذلك، فإنه مَنْ كان شأنَه شأنه، وكانت رغبته في الدّينار والدرهم رغبته، فليس بمستنكَر أن يبيع إيمانَه طمعًا فيهما، وإيثارًا لعاجل نفعهما، وأنه مع ذلك القائل لعليّ بن هشام ما قال، والمخالف له فيما خالفه فيه؛ فما الذي حال به عن ذلك ونقله إلى غيره!\nوأما الزّياديّ، فأعلمه أنه كان منتحلًا، ولا كأوّل دَعيٍّ كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله - ﷺ -، وكان جديرًا أن يسلك مسلَكه، فأنكر أبو حسّان أن يكون مولىً لزياد أو يكون مولىً لأحد من الناس؛ وذُكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور.\nوأما المعروف بأبي نصر التمّار؛ فإن أمير المؤمنين شبّه خسَاسة عقله بخساسة متجره.\nوأما الفضل بن الفرُّخَان، فأعلمه أنه حاول بالقول الذي قاله في القرآن أخذ الودائع التي أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره تربُّصًا بمن استودعه، وطمعًا في الاستكثار لما صار في يده، ولا سبيلَ عليه عن تقادم عهده، وتطاول الأيام به، فقلْ لعبد الرحمن بن إسحاق: لا جزاك الله خيرًا عن تقويتك مثل هذا واتِّمانك إياه، وهو معتقد للشرك منسلخ من التوحيد.\nوأما محمد بن حاتم وابن نوح والمعروف بأبي معمَر، فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الرّبا عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحلّ محاربتهم في الله ومجاهدتهم إلا لإربائهم، وما نزل به كتاب الله في أمثالهم، لاستحلّ ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شرْكًا، وصار للنصارى مثلًا!\nوأما أحمد بن شجاع؛ فأعلمه أنك صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجتَه من المال الذي كان استحلّه من مال عليّ بن هشام؛ وأنه ممّن الدينار والدرهم دينُه.\nوأما سَعدويه الواسطيّ، فقل له: قبح الله رجلا بلغ به التَصنّع للحديث، والتزين به، والحِرْص على طلب الرئاسة فيه: أن يتمنّى وقت المحنة، فيقول بالتقرّب بها متى يمتحن، فيجلس للحديث!\nوأما المعروف بسجّادة، وإنكاره أن يكون سمع ممّن كان يجالس من أهل","vol":"12","page":276},{"text":"الحديث وأهل الفقه القول بأنّ القرآن مخلوق، فأعلمه أنه في شغله بإعداد النّوى وحكّه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه عليّ بن يحيى وغيره ما أذهلَه عن التوحيد وألهاه، ثم سله عما كان يوسف بن أبي يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه؛ إن كان شاهدَهما وجالسهما.\nوأما القواريريّ؛ ففيما تكشّف من أحواله وقبوله الرّشا والمصانعات، ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه؛ وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أنه يتولّى لجعفر بن عيسى الحسنيّ مسائله، فتقدّم إلى جعفر بن عيسى في رفضِه، وترك الثقة به والاستنامَة إليه.\nوأما يحيى بن عبد الرحمن العمريّ، فإن كان من ولد عمر بن الخطاب، فجوابه معروف.\nوأما محمد بن الحسن بن عليّ بن عاصم، فإنه لو كان مقتديًا بمن مضى من سلَفه، لم ينتحل النّحلة التي حُكيت عنه، وإنه بعدُ صبي يحتاج إلى تعلم.\nوقد كان أمير المؤمنين وجّه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصّه أميرُ المؤمنين عن محنته في القرآن، فجمجم عنها ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقرّ ذميمًا، فأنْصِصْه عن إقرإره؛ فإن كان مقيمًا عليه فأشهرْ ذلك وأظهره، إن شاء الله.\nومن لم يرجع عن شركه ممن سميتَ لأمير المؤمنين في كتابك، وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا؛ ولم يقل إن القرآن مخلوق، بعد بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهديّ فاحملهم أجمعين موثَقين إلى عسكر أمير المؤمنين، مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم: حتى يؤدّيهم إلى عسكر أمير المؤمنين، ويُسلِّمهم إلى مَنْ يؤمَن بتسليمهم إليه، لينصّهم أمير المؤمنين؛ فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعًا على السيف، إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله.\nوقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا في خريطة بُنداريّة، ولم ينظر به اجتماع الكتب الخرائطيّة، معجّلا به، تقرّبًا إلى الله ﷿ بما أصدر من الحكم ورجاء ما اعتمد، وإدراك ما أمّل من جزيل ثواب الله عليه، فأنفذ لما أتاك من أمر","vol":"12","page":277},{"text":"المؤمنين، وعجّل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك في خريطة بُنْداريّة مفردة عن سائر الخرائط، لتعرّف أمير المؤمنين ما يعملونه إن شاء الله.\nوكتب سنة ثمان عشرة ومائتين.\nفأجاب القوم كلُّهم حين أعاد القول عليهم إلى أنّ القرآن مخلوق، إلّا أربعة نفر؛ منهم أحمد بن حنبل وسجّادة والقواريريّ ومحمد بن نوح المضروب. فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشُدّوا في الحديد؛ فلما كان من الغد دعا بهم جميعًا يساقون في الحديد، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجّادة إلى أن القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قَيْده وخلّى سبيلَه، وأصرَّ الآخرون على قولهم؛ فلمّا كان من بعد الغد عاودهم أيضًا، فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريريّ إلى أن القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده، وخلّى سبيله، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، ولم يرجعا، فشُدّا جميعًا في الحديد، ووُجّها إلى طَرَسُوس، وكتب معهما كتابًا بإشخاصهما، وكتب كتابًا مفردًا بتأويل القوم فيما أجابوا إليه. فمكثوا أيامًا، ثمّ دعا بهم فإذا كتابٌ قد ورد من المأمون على إسحاق بن إبراهيم، أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه، وذكر سليمان بن يعقوب صاحب الخبر أنّ بشر بن الوليد تأوّل الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ وقد أخطأ التأويل؛ إنما عنى الله ﷿ بهذه الآية مَنْ كان معتقد الإيمان، مظهرَ الشرك، فأما مَنْ كان معتقدَ الشّرك مظهر الإيمان، فليس هذه له، فأشخصْهم جميعًا إلى طَرَسُوس؛ ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم.\nفأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكُفلاء ليوافُوا العسكر بطَرسوس، فأشخص أبا حسان وبشر بن الوليد والفضل بن غانم وعليّ بن أبي مقاتل والذّيال بن الهيثم ويحيى بن عبد الرحمن العمريّ وعليّ بن الجَعْد وأبا العوَّام وسجّادة والقواريريّ وابن الحسن بن عليّ بن عاصم وإسحاق بن أبي إسرائيل والنّضْر بن شُميل وأبا نصر التمار وسعدويه الواسطيّ ومحمد بن حاتم بن ميمون وأبا معمَر وابن الهرْش وابن الفرُّخان وأحمد بن شجاع وأبا هارون بن البكّاء. فلما صاروا إلى الرَّقة بلغتهم وفاة المأمون: فأمر بهم عنبسة بن إسحاق - وهو والي الرَّقة - أن يصيروا إلى الرقة، ثم أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة","vol":"12","page":278},{"text":"السلام مع الرسول المتوجّه بهم إلى أمير المؤمنين، فسلّمهم إليه، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم، ثم رخّص لهم بعد ذلك في الخروج، فأما بشر بن الوليد والذّيال وأبو العوّام وعليّ بن أبي مقاتل؛ فإنهم شخصوا من غير أن يؤذن لهم حتى قدموا بغداد، فلقوا من إسحاق بن إبراهيم في ذلك أذىً، وقدم الآخرون مع رسول إسحاق بن إبراهيم؛ فخلى سبيلهم (١).\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل للطبري استغرق الصفحات (٦٣٤ - ٦٤٤) أي ما يقرب من عشر صفحات فيها أجوبة متبادلة بين المأمون ونائبه ببغداد وفيه أقوال وأجوبة للعلماء الأفاضل وفي مقدمتهم عالم أهل السنة والجماعة وإمامهم أيام المحنة أحمد بن حنبل ﵁، وقد انفرد الطبري بذكر هذا الخبر الطويل دون غيره من المؤرخين المتقدمين الثقات: وفي نسبة ما ورد فيها من مقال وتهجّم إلى المأمون نظر وألف نظر للأسباب التالية:\nأولًا: كانت المحنة في بدايتها ولم يبلغ الأمر من الشدة إلى هذا الحدّ حتى يُغلظ المأمون في ردّه على العلماء المخالفين لرأيه وإنما اشتد الصراع في عهد المعتصم كما سنرى إن شاء الله.\nثانيًا: لم يكن المعروف عن المأمون التسرُّع والتهوّر والشدة والغلظة مع رعيته فكيف مع العلماء، وكان صاحب أدب رفيع في الكلام والخطاب فلم يعرف غنه استخدام الكلمات النابية بل كان أديبًا شاعرًا راويًا للحديث ويروى عنه الحديث، وينتقي لكلامه العبارات الجميلة والمؤثرة أما أن يبحث عن عيوب العلماء الشخصية أو يتهمهم بالبخل أو الربا أو الانتساب كذبًا وزورًا وغير ذلك من الأمور التي تخدش في عدالة الراوي ناهيك عن كونه إمامًا فاضلًا صالحًا والحق يقال فإن أحد المبتدعة ممن لا شغل له إلا الغمز واللمز قد جلس وتمعّن وفكّر فانتج فكره الخبيث هذه العبارات ثم روّج لها بين الناس فالتقطها الأخباريون الجماعون ثم سجّلها الطبري كعادته في تسجيل كل ما تسمع به أذناه من الأخبار سقيمها أو صحيحها وإن كانت مستشنعة لا أصل لها من الصحة حسب تعبيره هو.\nثالثًا: لم يبلغ الصراع يومًا بين أئمة أهل السنة والجماعة وخصومهم أو قل لم يبلغ الصراع يومها بين أصحاب الآراء المختلفة والمذاهب أن ينعتوا من لم يقل بخلق القرآن بأنه معتقد الشرك وأنه لا إيمان له وما إلى ذلك، كل ما في الأمر أن المأمون ارتكب خطيئة كبيرة وذلك من سوء مصيبته أن عمد إلى أمور العقيدة فخاض فيها واقتنع برأي بعض رؤوس المعتزلة وخاصة في مسألة خلق القرآن فأراد من حرصه على الإسلام وأهله - حسب تصوره - أن يفرض ما اقتنع به من البدعة على رعيته فبدأ بالعلماء فبدأت محنتهم عندها فكان أن صبر منهم من صبر وصمد كالطود الشامخ وفي مقدمتهم إمام السنة يوم المحنة أحمد بن حنبل الذي قال فيه الشافعي (شيخه): خرجت من العراق فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل (تأريخ بغداد/ ٤/ ٤١٩). =","vol":"12","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1910>كتب المأمون إلى عماله ووصيته في كتبه</span>\nوفي هذه السنة نُفّذت كتبُ المأمون إلى عمّاله في البلدان: من عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي أسحاق بن أمير المؤمنين الرّشيد. وقيل إنّ ذلك لم يكتبه المأمون كذلك؛ وإنما كتب في حال إفاقة من غَشْيَةٍ أصابته في مرضه بالبَدَندُون، عن أمر المأمون إلى العباس بن المأمون، وإلى إسحاق وعبد الله بن طاهر؛ أنه إن حدَث به حدَث الموت في مرضه هذا، فالخليفة من بعده أبو إسحاق بن أمير المؤمنين الرّشيد. فكتب بذلك محمد بن داود، وختم الكتب وأنفذها.\nفكتب أبو إسحاق إلى عمّاله: من أبي إسحاق أخِي أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين.\nفورد كتاب من أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد إلى إسحاق بن يحيى بن مُعاذ عامله على جند دمشَق يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلتْ من رجب، عنوانه: من عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد: أما بعد؛ فإن أميرَ المؤمنين أمرَ بالكتاب إليك في التقدّم إلى عمّالك في حسن السيرة وتخفيف المؤونة وكف الأذى عن أهل عملك، فتقدم إلى عمّالك في ذلك أشدّ التقدمة، واكتب إلى عمال الخراج بمثل ذلك.\nوكتب إلى جميع عماله في أجناد الشام؛ جند حمصْ والأردنْ وفلسطين بمثل ذلك؛ فلما كان يوم الجمعة إحدى عشرة بقيتْ من رَجب صلى الجمعة إسحاق بن\n_________\n= رابعًا: ورد في المقطع الأخير من الخبر (٨/ ٦٤٥) اسم من كان متوفيًا قبل هذه السنة بعقد من الزمان أو يزيد فهل أُحضِر ميتًا؟؟ ! فقد مات النضر بن شميل سنة ٢٠٤ هـ (تقريب التهذيب/ تر ٨٠٣٥) بينما تقول الرواية أن إسحاق بن إبراهيم نائب العراق أشخصه فيمن أشخصهم إلى المأمون سنة ٢١٨ هـ، ورحم الله أئمة الجرح والتعديل إذ بيّنوا التأريخ لتأريخ الولادة والوفاة والرحلات، فتبيّن عوار الروايات الموضوعة.\nوكذلك ذكر ابن علية الكبير من بيت العلماء الذين طلبهم المأمون فإن كان يعني به الإمام إسماعيل بن علية فقد توفي أيام الأمين سنة ١٩٣ هـ أي قبل هذه المحنة بـ (٢٥) عامًا والله أعلم.","vol":"12","page":280},{"text":"يحيى بن مُعاذ في مسجد دمشق، فقال في خطبته بعد دعائه لأمير المؤمنين: اللهمّ وأصلح الأميرَ أخا المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبا إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>ذكر الخبر عن وفاة المأمون</span>\nوفي هذه السنة توفّيَ المأمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>ذكر الخبر عن سبب المرض الذي كانت فيه وفاته</span>\nذُكر عن سعيد العلّاف القارئ، قال: أرسل المأمون وهو ببلاد الرّوم - وكان دخلها من طَرسُوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة - فحُملتُ إليه وهو في البَدندون؛ فكان يستقرئني، فدعاني يومًا، فجئتُ فوجدته جالسًا على شاطئ البدندون؛ وأبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه، فأمرني فجلست نحوه منه؛ فإذا هو وأبو إسحاق مدلِّيان أرجلهما في ماء البدندون، فقال: يا سعيد، دَلّ رجليْك في هذا الماء وذقه؛ فهل رأيت ماء قطّ أشد بردًا، ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه! ففعلت وقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما رأيت مثل هذا قطّ، قال: أيّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: رُطَب الآزاذ؛ فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لُجم البريد فالتفتَ، فنظر فإذا بغالٌ من بغال البريد، على أعجازها حقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: اذهب فانظر: هل في هذه الألطاف رُطَب؟ فانظره، فإن كان آزاذ فأت به؛ فجاء يسعى بسلّتين فيهما رطب آزاذ، كأنما جُنِي من النخل تلك الساعة؛ فأظهر شكرًا لله تعالى؛ وكثر تعجُّبُنا منه، فقال: ادن فكل، فأكل هو وأبو إسحاق، وأكلت معهما، وشربْنا جميعًا من ذلك الماء؛ فما قام منا أحد إلا وهو محمومٌ؛ فكانت منيّة المأمون من تلك العلّة؛ ولم يزل المعتصم عليلًا حتى دخل العراق، ولم أزل عليلا حتى كان قريبًا.\nولما اشتدّت بالمأمون علّته بعت إلى ابنه العباس، وهو يظنّ أن لن يأتيّه، فأتاه وهو شديد المرض متغيّر العقل، قد نُفّذت الكتب بما نُفذت له في أمر","vol":"12","page":281},{"text":"أبي إسحاق بن الرشيد، فأقام العباس عند أبيه أيامًا، وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق.\nوقيل: لم يوصِ إلّا والعباس حاضر، والقضاة والفقهاء والقوّاد والكتاب، وكانت وصيته: هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضْرة مَنْ حضره؛ أشهدهم جميعًا على نفسه أنه يَشهد ومَنْ حضره أن الله ﷿ وحده لا شريك له في ملكه، ولا مدبّر لأمره غيره، وأنه خالقٌ وما سواه مخلوق، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئًا له مثل، ولا شيء مثله ﵎، وأن الموت حقّ، والبعث حقّ، والحساب حقّ، وثواب المُحسن الجنة وعقاب المُسيء النار، وأن محمدًا - ﷺ - قد بلَّغ عن ربّه شرائعَ دينه، وأدّى نصيحته إلى أمته؛ حتى قبضه الله إليه - ﷺ - أفضل صلاة صلّاها على أحد من ملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين، وأني مقرّ مذنب، أرجو وأخاف، إلا أني إذا ذكرت عفْوَ الله رجوتُ؛ فإذا أنا متّ فوجِّهوني وغمّضوني، وأسبغوا وَضوئي وطهوري، وأجيدوا كَفني؛ ثم أكثروا حَمْد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد؛ إذ جعلنا من أمّته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم عجّلوا بي، فإذا أنتم وضعتموني للصلاة؛ فليتقدّم بها من هو أقربكم بي نسبًا، وأكبركم سنًّا، فليكبر خمسًا، يبدأ في الأولى في أولها بالحمد لله والثناء عليه والصّلاة على سيّدي وسيد المرسلين جميعًا، ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات، ثم الدّعاء للذين سبقونا بالإيمان، ثم ليكبّر الرابعة، فيحمد الله ويهلِّله ويكبّره ويسلم في الخامسة، ثم أقلّوني فأبلغوا بي حُفرتي، ثم لينزِل أقربكم إليّ قرابةً، وأودّكم محبة، وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضَعُوني على شقي الأيمن واستقبلوا بيَ القبلةَ، وحُلُّوا كفني عن رأسي ورجليّ، ثم سدّوا اللحد بالّلبِن، واحْثوا ترابًا عليّ، واخرجوا عني وخلُّوني وعملِي؛ فكلكم لا يغني عني شيئًا، ولا يدفع عني مكروهًا، ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرًا إن علمتم، وأمسِكوا عن ذكر شرٍّ إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذٌ من بينكم بما تقولون وما تلفظون به، ولا تدَعُوا باكيةً عندي؛ فإن المعْوَل عليه يعذّب. رحمَ الله امرأ اتّعظ وفكر فيما ختّم الله على جميع خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحّد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء. ثم ليَنظر ما كنتُ فيه من عزّ الخلافة؛","vol":"12","page":282},{"text":"هل أغنى ذلك عني شيئًا إذ جاء أمر الله! لا والله، ولكن أضعِف عليّ به بالحسابُ، فيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرًا، بل ليته لم يكن خلقًا! يا أبا إسحاق، ادنُ منّي، واتّعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذا طوّقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه وعذابه؛ ولا تغترّ بالله ومهلته؛ فكأنْ قد نزلَ بك الموت. ولا تغفل أمرَ الرّعيّة. الرعيةَ الرعية! العوامّ العوام! فإن المُلْك بهم وبتعهُّدك المسلمين والمنفعة لهم. اللهَ اللهَ فيهم وفي غيرهم من المسلمين! ولا يُنهَينَّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدّمتَه وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضَهم من بعض بالحقّ بينهم، وقرّبهم وتأنّهم، وعجل الرّحلة عنِّي، والقدوم إلى دار مُلْكِك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت. والخُرَّمية فأغزِهم ذا حزامة وصرامة وجلَد، وأكْنِفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرّجالة؛ فإن طالت مدتهم فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدّم النِّيَّة فيه، راجيًا ثواب الله عليه. واعلم أنّ العِظة إذا طالت أوجبتْ على السامع لها والموصى بها الحجّة، فاتق الله في أمرك كله، ولا تُفْتَن.\nثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتدّ به الوجَع، وأحسّ بمجيء أمر الله فقال له: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله - ﷺ - لتقومنّ بحق الله في عباده، ولتؤثرنّ طاعته على معصيته؛ إذ أنا نقلتُها من غيرك إليك؟ قال: قال: اللهم نعم، قال: فانظر مَنْ كنت تسمعني أقدّمه على لساني فأضعِف له التّقدمة؛ عبد الله بن طاهر أقرّه على عمله ولا تهجْه، فقد عرفتَ الذي سلفَ منكما أيام حياتي وبحضرتي، استعطفه بقلبك، وخُصّه ببرّك، فقد عرفتَ بلاءه وغنَاءه عن أخيك. وإسحاق بن إبراهيم فأشرِكْه في ذلك؛ فإنه أهل له. وأهل بيتك، فقد علمتَ أنه لا بقيّة فيهم وإن كان بعضهم يظهر الصّيانة لنفسه. عبد الوهاب عليك به من بين أهلك، فقدّمه عليهم، وصيّر أمرهم إليه. وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كلّ أمرك فإنه موضح لذلك منك، ولا تتخذّن بعدي وزيرًا تلقى إليه شيئًا؛ فقد علمتَ ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبثْ سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحّة مني، فصرتُ إلى","vol":"12","page":283},{"text":"مفارقته! قاليًا له غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيرًا! وهؤلاء بنو عمّك من ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فأحسن صحبَتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبَلْ من محسنهم، وصلاتِهم فلا تغفلْها في كلّ سنة عند محلّها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتّى. اتقوا الله ربكم حقّ تقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون. اتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله في أموركم كلها. أستودعكم الله ونفسي وأستغفر الله مما كان مني، إنه كان غفارًا، فإنه ليَعْلَمُ كيف ندمِي على ذنوبي، فعليه توكلت من عظيمها، وإليه أنيب ولا قوّة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد نبيّ الهدى والرحمة! (١).\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٥) وانظر (٨/ ٦٥٠) هذا: المقطع من الخبر (٦٤٩ - ٦٥٠) مقطع مشكوك فيه وآثار التأليف والتلفيق عليه واضحة فقد جاء فيها أن المأمون اتهم القاضي يحيى بن أكثم فقال: [فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملته الناس وخبث سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحة مني فصرت إلى مفارقته قاليًا له غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاته] (٨/ ٦٤٩).\nقلت: المعروف من سيرة القاضي يحيى بن أكثم أنه تولى القضاء ثم كان كالوزير للمأمون وكان مقدمًا على غيره عند المأمون - لثقة المأمون بدينه وعدله ورجحان عقله ولو أقاله أو طرده لعرف ذلك ولذكره المؤرخون ومنهم الطبري قبل ذكره لهذه الوصية - وكثير من الوزراء طردوا أو أبعدوا فذكر الأخباريون ذلك والقاضي يحيى بن أكثم وإن اتهمه بعضهم - اعتمادًا على من لا يحتج بروايته - بتهم شخصية لا علاقة لها بالقضاء والحكم بين الناس وهي تهم ردّها الإمام أحمد وغير واحد، وبالعكس مما جاء في خبر الطبري فإنه كان شديدًا في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم وإليك أقوال الأئمة فيه:\nقال الخطيب البغدادي في ترجمته: كان من أئمة الاجتهاد وله تصانيف، وقال حدث عنه الترمذي وأبو حاتم والبخاري خارج صحيحه وغيرهم، وقال أيضًا كان واسع العلم باللغة كثير الأدب، قال الفضل الشعراني سمعت يحيى بن أكثم يقول القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلّا ضربت عنقه (تأريخ بغداد/ ١٤/ ١٩٨) وسئل عنه أحمد فقال ما عرفناه ببدعة (تهذيب/ تر ١٤٨٦)، قال الصولي: سمعت إسماعيل القاضي يعظم شأن يحيى بن أكثم وذكر له يوم قيامه في وجه المأمون لمّا أباح متعة النساء فما زال به حتى رده إلى الحق ونص له الحديث في تحريمه ويعني به حديث مسلم (ح ١٤٠٦) باب نكاح المتعة.\nثم قال القاضي إسماعيل في ردّ التهم الموجّهة إليه (فيما يتعلق بخلقه وسلوكه الشخصي) معاذ الله أن تزول عدالة مثله بكذب باغٍ أو حاسد (انظر تأريخ بغداد/ ١٤/ ٢١٠). =","vol":"12","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1913>ذكر الخبر عن وقت وفاته والموضع الذي دفن فيه ومَنْ صلّى عليه ومبلغ سنّه وقَدْر مدة خلافته</span>\nقال أبو جعفر: وأما وقت وفاته، فإنه اختُلف فيه، فقال بعضهم: توفِّيَ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيتْ من رجب بعد العصر سنة ثمان عشرة ومائتين (١).\n_________\n= وتفصيل حواره مع المأمون: يا أمير المؤمنين وهذا الزهري: روى عن عبد الله والحسن بن محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: أمرني رسول الله - ﷺ - بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان يأمر بها فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا نعم يا أمير المؤمنين رواه جماعة منهم مالك فقال: أستغفر الله نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها. . الخ، فسمعت - أي الصولي - إسماعيل بن إسحاق يقول وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظّم أمره وقال كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله وذكر هذا اليوم وانظر تأريخ بغداد (١٤/ ٢٠٠ - ١٩١) (طبقات الحنابلة/ ١/ ٤١٣) اتباع الأثر (١٠/ ٣١٦).\nقلت خلاصة قول المؤرخين الثقات وأئمة الحديث أنه اتصف بالصفات الآتية:\nأولًا: كان صاحب سنة محاربًا للبدعة.\nثانيًا: كان عادلًا في أقضيته بين الناس.\nومعلوم أن المأمون كان ممن يناصر القضاء العادل حتى أنه قضى بنفسه لامرأة من رعيته على ابنه المعتصم فقد أخرج هذا الخبر الحافظ بن عساكر في ترجمة المأمون بأسانيد ثلاث: (تاريخ دمشق/ المجلد ٣٤/ تر ٣٦١١/ ص ٣٩٨ - ٣٠٩ - ٣١٠)، وهذا يعني أنه بينه وبين المأمون عامل مشترك باعث على المحبة ألا وهو العدل بين الناس في أقضيتهم.\nثالثًا: ثبت أن القاضي يحيى بن أكثم قد ردّ المأمون إلى السنة الصحيحة ولم تأخذه في ذلك لومة لائم كما في مسألة زواج المتعة وهذا يعني أن يحيى بن أكثم قد أعان المأمون على العدل والخير واتباع السنة ورواية العيثي التي وردت في تأريخ الطبري (٨/ ٦) تؤكد أنه كان في معيّة المأمون حين أعطى الناس الملايين فكيف إذًا يصفه المأمون بأنه كان خبيث السيرة وأنه أضرّ بالمأمون؟؟\nوهنا نؤكد ما قد قلناه مرارًا ضمن تعليقاتنا على مرويات الطبري من أن أهل البدع والأهواء قد قعدوا لأهل السنة بالمرصاد يؤلفون ويضعون في مثالبهم. والحمد لله الذي جعلنا من أمة الإسناد ووفقنا لدراسة الأسانيد والمتون.\n(١) وقال البسوي: وغزا المأمون الروم حتى إذا كان بالبذندون توفي عبد الله بن هارون في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين (المعرفة والتأريخ/ ١/ ٦٧).\nوقال ابن قتيبة الدينوري: ثم عاد إلى بلاد الروم فمات على نهر البذندون لثلاث عشرة ليلة =","vol":"12","page":285},{"text":"وقال آخرون: بل توفِّيَ في هذا اليوم مع الظهر، ولما توفِّيَ حمله ابنُه العباس وأخوه أبو إسحاق محمد بن الرشيد إلى طرسوس، فدفناه في دار كانت لخاقان خادم الرشيد، وصلّى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم، ثم وكّلوا به حَرسًا من أبناء أهل طَرَسوس وغيرهم مائة رجل، وأُجْرِيَ على كلّ رجلٍ منهم تسعون درهمًا.\nوكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا؛ وذلك سوى سنتين كان دُعِيَ له فيهما بمكة وأخوه الأمين محمد بن الرّشيد محصور ببغداد.\nوكان ولد للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة (١).\nوكان يكنى - فيما ذكر ابن الكلبي - أبا العباس.\nوكان رَبْعة أبيض جميلًا، طويل اللحية، قد وخطه الشيب. وقيل كان أسمر تعلوه صفرة، أحْنى أعْين طويل اللحية رقيقها، أشيب، ضيِّق الجبهة، بخدّه خالٌ أسود.\nواستُخلفَ يوم الخميس لخمس ليال بقين من المحرم.\n_________\n= بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين فحمل إلى طرسوس ودفن بها (المعارف/ ١٩٩).\nوأخرج الخطيب في ترجمته أنه توفي في رجب بالبذندون وهو متوجه يريد الغزو فحمل إلى طرسوس (تأريخ بغداد/ تر ٥٣٣٠).\n(١) وأخرج ابن عساكر بسنده عن خليفة بن خياط أن المأمون مات وهو ابن ثمان وأربعين سنة وخمسة أشهر ويومين وكانت ولايته التي استقامت له عشرين سنة وخمسة أشهر وأيام ومن قبل أن يقتل المخلوع بسنتين (تأريخ دمشق/ ٣٤/ ٣٣٧).\nوأخرج ابن عساكر عن محمد بن يزيد قال: كانت خلافة المأمون من قتل محمد بن هارون عشرين سنة ونحو أربعة أشهر وتوفي ناحية طرسوس في رجب سنة ثمان عشرة (تأريخ دمشق/ ٣٤/ ٣٣٩).\nوقال البسوي: فكانت خلافته إحدى وعشرين سنة إلا أيامًا (المعرفة/ ١/ ٦٧).\nوأخرج الخطيب في تأريخه أن المأمون ولد ليلة ملك هارون في شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة (تأريخ بغداد/ تر ٥٣٣٠) والله أعلم.","vol":"12","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1914>ذكر بعض أخبار المأمون وسيَره</span>\nذُكر عن محمد بن الهيثم بن عديّ، أن إبراهيم بن عيسى بن بُريهَة بن المنصور، قال: لما أراد المأمون الشخوصَ إلى دمشق هيّأتُ له كلامًا، مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلتُ بين يديه قلتُ: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، في أدوم العزّ وأسبغ الكرامة، وجعلني من كلِّ سوء فداه! إنّ من أمسى وأصبح يتعرّف من نعمة الله، له الحمد كثيرًا عليه برأي أمير المؤمنين أيّده الله فيه، وحُسْن تأنيسه له، حقيق بأن يستديم هذه النعمة، ويلتمس الزيادة فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين، مدّ الله في عمره عليها. وقد أحبّ أن يعلم أميرُ المؤمنين أيّده الله أني لا أرغب بنفسي عن خدمته أيده الله بشيء من الخَفْض والدّعة؛ إذ كان هو أيّده الله يَتجشَّم خُشونة السفر ونصب الظَّعْن، وأوْلى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا، لما عرّفني اللهُ من رأيه، وجعل عندي من طاعته ومعرفة ما أوجب الله من حقه؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أكرمه الله أن يكرمني بلزوم خدمته، والكينونة معه فعل. فقال لي مبتدئًا من غير تروية: لم يعزمُ أميرُ المؤمنين في ذلك على شيء، وإن استصحب أحدًا من أهل بيتك بدأ بك؛ وكنت المقدَّم عنده في ذلك، ولا سيما إذْ أنزلتَ نفسك بحيث أنزلكَ أمير المؤمنين من نفسه؛ وإن ترك ذلك فمن غير قِلىً لمكانك؛ ولكن بالحاجة إليك. قال: فكان واللهِ ابتداؤه أكثرَ من تَرْوِيتي.\nوذكر عن محمد بن عليّ بن صالح السرخسيّ، قال تعرّض رجلٌ للمأمون بالشام مرارًا، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، انظر لعرب الشّأم كما نظرت لعجم أهل خراسان! فقال: أكثرت عليّ يا أخا أهل الشام؛ والله ما أنزلت قيسًا عن ظهور الخيل إلّا وأنا أرى أنه لم يبقَ في بيتِ مالي درهم واحد؛ وأما اليمن فولله ما أحببتُها ولا أحبّتني قطّ؛ وأما قُضاعة فسادتُها تنتظر السفيانيّ وخروجَه فتكونُ من أشياعه، وأمّا رَبيعة فساخطةٌ على الله منذ بعث نبيَّه من مُضَر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا، اعزُبْ فعل الله بك!\nوذُكر عن سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له: أرِني الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لكم، قال: فأريته، قال: فقال: إني لأشتهي أن","vol":"12","page":287},{"text":"أدري أيّ شيء هذا الغِشاء على هذا الخاتم؟ قال: فقال له أبو إسحاق: حُلّ العقد حتى تدري ما هو، قال: فقال: ما أشكّ إنّ النبي - ﷺ - عقد هذا العقد، وما كنت لأحلّ عقدًا عقده رسول الله - ﷺ -. ثم قال للواثق: خذه فضعْه على عينك؛ لعلّ الله أن يشفيَك. قال: وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكي.\nوذُكر عن العَيْشيّ صاحب إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قلّ المال عندَه حتى ضاق، وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاكَ بعد جمعة. قال: وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف مِنْ خراج ما يتولاه له، قال: فلما وردَ عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، قال: فخرجا حتى أصحَرا، ووقفا ينظرانه؛ وكان قد هُيِّيء بأحسن هيئة، وحُلِّيَتْ أباعِرُه، وألبِست الأحلاس الموشّاة والجِلال المصبّغة وقُلِّدت العِهنَ، وجعِلت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رؤوسها. قال: فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك، فعظم في عينه، واستشرَفه الناس ينظرون إليه، ويعجبون منه، فقال المأمون ليحيى: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم، وننصرف بهذه الأموال قد ملكناها دونهم! إنا إذًا للئام. ثم دعا محمد بن يزداد، فقال له: وقّع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان بمثلها. قال: فولله إنْ زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلَّى يعطي جندنا. قال العيشيّ: فجئت حتى قمت نصب عينه، فلم أردّ طرفي عنها، لا يلحظني إلا رآني بتلك الحال. فقال: يا أبا محمد، وقّع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلف ألف؛ لا يختلس ناظري. قال: فلم يأت عليَّ ليلتان حتى أخذت المال (١).\n_________\n(١) ذكر الطبري هذا الخبر عن العيشي توفي ٢٢٨ هـ أخباري صدوق كان عالمًا بالعربية وأيام الناس [تأريخ بغداد/ ١٠/ ٣١٤ [و[سير أعلام/ تر ٥٤٦٢] وهذا الخبر إذ صح فهو منقبة من جانب ومخلبة من جانب آخر، فمن جانب يبين الخبر أن المأمون كان عطوفًا على رعيته لا يستأثر بالمال العام عنهم بالرغم من حاجة خزينة الدولة إلى ذلك المال ومن جانب آخر عمل غير جيد لأنه فرّط في المال العام وإن كان إنفاقًا على الناس ولكن للإنفاق ضوابط في =","vol":"12","page":288},{"text":"وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان؛ أنه كان بالبصرة رجلٌ من بني تميم، وكان شاعرًا ظريفًا خبيثًا منكرًا؛ وكنت أنا والي البصرة، آنسُ به وأستحليه؛ فأردتُ أن أخدَعه وأستنزله، فقلت له: أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجودُ من السحاب الحافل والريح العاصف؛ فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما يُقلُّنِي، قلت: فأنا أعطيك نجيبًا فارهًا، ونفقة سابغة، وتخرج إليه وقد امتدحتَه؛ فإنك إن حظيتَ بلقائه، صرْت إلى أمنيّتك. قال: والله أيها الأمير ما إخالك أبعدت؛ فأعدّ لي ما ذكرت. قال: فدعوتُ له بنجيب فاره، فقلت: شأنك به فامتطه؛ قال: هذه إحدى الحُسنيَيْن، فما بال الأخرى! فدعوت له بثلثمائة درهم، وقلت: هذه نفقتك؛ قال: أحسبك أيها الأمير قصَّرت في النفقة، قلت: لا، هي كافية، وإن قصّرت عن السّرف. قال: ومتى رأيت في أكابر سعد سرفًا حتى تراه في أصاغرها! فأخذ النجِيب والنفقة، ثم عمل أرجوزة ليست بالطويلة، فأنشد فيها وحذف منها ذكري والثناء عليّ - وكان ماردًا - فقلت له: ما صنعتَ شيئًا. قال: وكيف؟ قلت: تأتي الخليفةَ ولا تُثْنِي على أميرك! قال: أيّها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خدّاعًا، ولمثلها ضرب هذا المثل: \"من يَنِك العَيْر يَنك نيَّاكًا\"؛ أما والله ما لكرامتي حملْتَني على نجيبك، ولا جُدْت لي بمالك الذي ما رامه أحد قطّ إلا جعل الله خدّه الأسفل؛ ولكن لأذكرك في شعري وأمدحك عند الخليفة، أفهم هذا. قلت: قد صدقت، فقال: أمّا إذْ أبديتَ ما في ضميرك، فقد ذكرتك، وأثنيت عليك، فقلت: فأنشدني ما قلتَ، فأنشدنيه، فقلت: أحسنت؛ ثم ودّعني وخرج فأتى الشام؛ وإذا المأمون بسلغَوس. قال: فأخبرَنَي، قال: بينا أنا في غزَاةٍ قرَّة، قد ركبتُ نجيبِي ذاك، ولبستُ مقطّعاتي، وأنا أروم العسكر؛ فإذا أنا بكهل على بَغْل فاره ما يُقَرّ قراره، ولا يدرك خطاه. قال: فلتقَّاني مكافحة ومواجهة، وأنا أردّد نشيد\n_________\n= السياسة الشرعية التزم بها الخلفاء الراشدون (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ﵃) ومن بعدهم الصحابي الجليل سيدنا معاوية ﵁ ثم عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك وأبو جعفر المنصور ثم غيرهم بدرجة أقل وعلى تفاوت ولكن بعض خلفاء بني أمية المتأخرين.\nثم المهدي وابنه هارون وابنه مأمون والأمين لم يراعوا تلك الضوابط إلى حدٍّ ما والله أعلم والحق أحق أن يقال.","vol":"12","page":289},{"text":"أرجوزتي، فقال: سلام عليكم - بكلام جَهْوريّ ولسان بسيط - فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: قف إن شئت، فوقفت فتضوّعت منه رائحة العَنْبر والمسك الأذفر، فقال: ما أوّلك؟ قلت: رجل من مُضَر، قال: ونحن من مُضَر، ثم قال: ثمّ ماذا؟ قلت: رجلٌ من بني تميم، قال: وما بعد تميم؟ قلت: من بني سعد، قال: هيهِ، فما أقدمك هذا البلد؟ قال: قلت: قصدتُ هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحةً، ولا أوسعَ راحة، ولا أطولَ باعًا، ولا أمدّ يفاعًا منه. قال: فما الذي قصدتَهُ به؟ قلت: شعر طيب يلذّ على الأفواه، وتقتفيه الرّواة، ويحلو في آذان المستمعين، قال: فأنشدْنيه، فغضبتُ وقلت: يا ركيك، أخبرتُك أني قصدتُ الخليفة بشعر قلتُه، ومديح حَبّرتُه، تقول: أنشدْنيه! قال: فتغافل والله عنها، وتطامن لها، وألغى عن جوابها، قال: وما الذي تأمل منه؟ قلت: إن كان على ما ذُكر لي عنه فألف دينار، قال: فأنا أعطيك ألفَ دينار إن رأيتُ الشعرَ جيّدًا والكلام عذبًا وأضع عنك العناء، وطول التَّرداد؛ ومنى تصلُ إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامحٍ ونابل! قلت: فلي الله عليك أن تفعَل! قال: نعم لك الله عليّ أن أفعل، قلت: ومعك الساعة مال؟ قال: هذا بغلي وهو خيرٌ من ألف دينار، أنزل لك عن ظهره، قال: فغضبتُ أيضًا وعارضني نَزَق سعْد وخفّة أحلامها، فقلت: ما يساوي هذا البغل هذا النجيب! قال: فدعْ عنك البغل، ولك الله عليّ أن أعطيَك الساعة ألف في ينار، قال: فأنشدته:\nمأْمونُ يا ذا المِننِ الشرِيفَةْ ... وصاحبَ المرتبةِ المُنيفَةْ\nوقائدَ الكتيبةِ الكثِيْفَةْ ... هل لك في أَرجوزةٍ ظريفةْ\nأَظرَفَ مِن فقهِ أَبي حنيفةْ ... لا والذي أَنت له خليفةْ\nما ظُلِمَتْ في أَرضنا ضعيفةْ ... أَميرُنا مُؤْنَتُهُ خَفيفةْ\nوما اجتبى شيئًا سوى الوظيفةْ ... فالذئبُ والنَّعجةُ في سَقيفةْ\n*واللصّ والتاجرُ في قَطيفَةْ*\nقال: فولله ما عدا أن أنشدته، فإذا زُهاء عشرة ألاف فارس قد سدوا الأفق، يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! قال: فأخذني أفكلٌ، ونظر إليّ بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أي أخي، قلت: يا أميرَ المؤمنين،","vol":"12","page":290},{"text":"جعلني الله فداك! أتعرف لغات العرب؟ قال: إي لعمر الله، قلت: فمن جعل الكاف منهم مكان القاف؟ قال: هذه حميَر، قلت: لعنها الله، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم! فضحك المأمون، وعلم ما أردتُ، والتفت إلى خادم إلى جانبه، فقال: أعطه ما معك، فأخرج إليّ كيسًا فيه ثلاثة آلاف دينار، فقال: هاك، ثم قال: السلام عليك؛ ومضى فكان آخر العهد به (١).\nوقال أبو سعيد المخزومي:\nهل رأَيتَ النُّجومَ أَغنَت عنِ المأْ ... مونِ شيئًا أَو ملكِهِ المأْسوسِ\nخَلَّفُوهُ بِعَرْصتي طرسوس ... مثلَ ما خَلَّفُوا أَباه بطوس\nوقال عليّ بن عبيدة الرّيحانيّ:\nما أقلَّ الدموعَ للمأمونِ ... لستُ أَرضى إلا دمًا مِن جفوني\nوذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي أنّ عليّ بن صالح حدّثه، قال: قال لي المأمون يومًا: أبغني رجلًا من أهل الشام، له أدب، يجالسني ويحدّثني، فالتمستُ ذلك فوجدته، فدعوته فقلت له: إني مدخلك على أمير المؤمنين، فلا تسأله عن شيء حتى يبتدئك، فإني أعرفُ الناس بمسألتكم يا أهل الشام، فقال: ما كنت متجاوزًا ما أمرتني به. فدخلت على المأمون، فقلت له: قد أصبت الرّجل يا أمير المؤمنين، فقال: أدخله، فدخل فسلم، ثم استدناه - وكان المأمون على شغله من الشراب - فقال له: إني أردتك لمجالستي ومحادثتي، فقال الشامي: يا أمير المؤمنين؛ إن الجليس إن كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة، قال: فأمر المأمون أن يخلَع عليه؛ قال: فدخلني من ذلك ما الله به أعلم، قال: فلما خلع عليه، ورجع إلى مجلسه، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنّ قلبي كان إذا كان متعلِّقًا بعيالي لم تنتفع بمحادثتي، قال: خمسون ألفًا تحمل إلى منزله، ثم قال: يا أمير المؤمنين، وثالثة: قال: وما هي؟ قال: قد دعوت بشيء يحول بين المرء وعقله؛ فإن كانت\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (٦٥٣ - ٦٥٤ - ٦٥٥) لم يتابعه فيه أحد من المؤرخين المتقدمين الثقات ولم نتبيّن حال محمد بن أيوب بن جعفر ناهيك عن الشاعر الذي سمّاه خبيثًا منكرًا. وسامح الله الطبري لو ترك هذه الروايات ولم يُشغل الأمة بها فمكانها كتاب الأغاني لا تاريخ الأمم والملوك وهي في أغلبها روايات ملفقة غير صحيحة.","vol":"12","page":291},{"text":"مني هنةٌ فاغتفرها، قال: وذاك! قال عليّ: فكأنّ الثالثة جلتْ عني ما كان بي.\nوذكر أبو حشيشة محمد بن عليّ بن أمية بن عمرو، قال: كنا قدّام أمير المؤمنين المأمون بدمشق، فغنى علّويَه:\nبَرئت مِنَ الإِسلام إِن كَانَ ذا الذِي ... أَتاكِ به الواشونَ عنِّي كما قالوا\nولكنَّهمْ لمّا رأَوْكِ سَرِيعَةً ... إِليَّ، تَواصوْا بالنَّميمَةِ واحتالوا\nفقال: يا علّويه، لمن هذا الشعر؟ فقال: للقاضي، قال: أيّ قاض ويحك! قال: قاضي دمشق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله، قال: قد عزلته، قال: فيُحضر الساعة. قال: فأحضر شيخ مخضوب قصير؛ فقال له المأمون: من تكون؟ قال: فلان بن فلان الفلانيّ، قال: تقول الشعر؟ قال: قد كنت أقوله، فقال: يا علّويه، أنشده الشعر، فأنشده؛ فقال: هذا الشعرُ لك: قال: نعم يا أمير المؤمنين، ونساؤه طوالِق وكلّ ما يملك في سبيل الله إن كان قال الشعر منذ ثلاثون سنة إلا في زُهد أو معاتبة صديق، فقال: يا أبا إسحاق اعزله؛ فما كنت أولِّي رقابَ المسلمين مَن يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام. ثم قال: اسقوه؛ فأتيَ بقدح فيه شراب، فأخذه وهو يرتعد، فقال: يا أمير المؤمنين ما ذقته قطّ، قال: فلعلك تريد غيره! قال: لم أذق منه شيئًا قطّ، قال: فحرام هو؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أوْلى لك! بها نجوت، اخرج. ثم قال: يا علّويه، لا تقل: \"برئت من الإسلام\"، ولكن قل:\nحُرمْتُ منايَ منكِ إِن كان ذَا الَّذي ... أَتاك به الواشون عَنِّي كما قالوا\nقال: وكنّا مع المأمون بدمشق، فركب يريد جبل الثلج، فمرّ ببركة عظيمة من برَك بني أميّة، وعلى جوانبها أربع سَرَوات، وكان الماء يدخلها سيْحَا، ويخرج منها؛ فاستحسن المأمون الموضِع، فدعا ببزْما وَرد ورطْل، وذكَر بني أميّة، فوضع منهم وتنقّصهم؛ فأقبل علّويه على العُود، واندفع يغنّي:\nأولئِك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ ... تَفَانَوْا فإِلَّا أَذرِفُ العينَ أَكمدَا\nفضرب المأمونُ الطعام برجله، ووثب وقال لعلّويه: يا بن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلّا في هذا الوقت! فقال: مولاكم زِرياب عند مواليّ","vol":"12","page":292},{"text":"يركب في مائة غلام؛ وأنا عندكم أموت من الجوع! فغضب عليه عشرين يومًا، ثم رضى عنه (١).\nقال: وزرياب مولى المهديّ، صار إلى الشام ثم صار إلى المغرِب، إلى بني أمية هناك.\nوذكر السّلِيطيّ أبو عليّ، عن عُمارة بن عَقِيل، قال: أنشدتُ المأمون قصيدةً فيها مديح له، هي مائة بيت؛ فأبتدئ بصدر البيت فيبادرني إلى قافيته كما قفَّيتُهُ، فقلت: والله يا أمير المؤمنين؛ ما سمعها مني أحد قطّ، قال: هكذا ينبغي أن يكون؛ ثم أقبل عليّ، فقال لي: أما بلغك أنّ عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن العباس قصيدته التي يقول فيها:\n*تشُطُّ غدًا دارُ جيراننا*\nفقال ابنُ العباس:\n*وللدارُ بعد غد أبعد*\nحتى أنشده القصيدة، يقفّيها ابن عباس! ثم قال: أنا ابنُ ذاك (٢).\nوذُكر عن أبي مروان كازر بن هارون، أنه قال: قال المأمون:\nبعثتُكَ مُرتادًا ففزتَ بِنظْرةٍ ... وأَغفَلْتَنِي حتى أَسأْتُ بكَ الظَّنَّا\nفناجيتَ مَن أَهْوَى وكنتُ مباعَدًا ... فيا ليت شعرِي عَن دُنوّك ما أغنى!\nأَرَى أَثرًا منهُ بعينَيك بَيِّنًا ... لقد أَخذَت عيناكَ مِن عينه حُسنا\nقال أبو مروان: وإنما عوّل المأمون في قوله في هذا المعنى على قول العباس بن الأحنف، فإنه اخترع:\nإن تَشْقَ عيني بها فقد سَعِدَتْ ... عينُ رسولي، وفُزتُ بالخَبَرِ\nوكلَّما جاءَني الرسول ... لهَا ردَّدتُ عمدًا في طرفه نَظري\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل (٢٥٦ - ٢٥٧) ذكره الطبري عن أبي حشيشة ولم نتبيّن من هو وأمّا علَّويه فهو المغني المذكور في كتاب الأغاني وكفى بلقبه دالًا على منزلته.\n(٢) راوي الخبر عمارة بن عقيل الخطفي الشاعر كان واسع العلم غزير الأدب وقدم بغداد فأخذ أهلها عنه وانظر تأريخ بغداد [١٢/ ٢٨٢/ تر ٦٧٢٢] وأما ثقافة المأمون الأدبية وملكتهُ الشعرية فمعروفتان.","vol":"12","page":293},{"text":"تَظْهَرُ في وجهِه محاسنُها ... قد أَثَّرَتْ فيه أَحسنَ الأَثرِ\nخُذ مقلتِي يا رسولُ غاريةً ... فانظر بها واحتَكمْ على بصرِي\nقال أبو العتاهية: وجّه إليّ المأمون، فصرتُ إليه، فألفيتُه مطرقًا مفكِّرًا، فأحجمتُ عن الدنوّ منه في تلك الحال؛ فرفع رأسه، فنظر إليّ وأشار بيده، أن ادنُ، فدنوتُ ثم أطرق مليًّا، ورفع رأسه، فقال: يا أبا إسحاق، شأنُ النفس الملل وحُبّ الاستطراف، تأنس الوحدة كما تأنس بالألْفة، قلت: أجَل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت، قال: وما هو؟ قلت:\nلا يُصلِح النفسَ إذ كانت مُقَسَّمَةً ... إلَّا التَّنقُّلُ من حالٍ إلى حالِ (١)\nوذُكر عن أبي نزار الضّرير الشاعر أنه قال: قال لي عليّ بن جَبَلة: قلتُ لحميد بن عبد الحميد: يا أبا غانم، قد امتدحتُ أميرَ المؤمنين بمدْح لا يحسِن مثله أحدٌ من أهل الأرض، فاذكرني له، فقال: أنشدْنيه، فأنشدته، فقال: أشهد أنك صادق؛ فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال: يا أبا غانم، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفوْنا عنه وجعلنا ذلك ثوابًا بمديحه؛ وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دُلف القاسم بن عيسى؛ فإن كان الذي قال فيك وفيه أجودُ من الذي مدحَنا به ضربنا ظهره، وأطلْنا حبسَه، وإن كان الذي قال فينا أجود أعطيتُه بكلّ بيت من مديحه ألف درهم، وإن شاء أقلناه. فقلت: يا سيّدي، ومن أبو دُلف! ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك! فقال: ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة في شيء، فاعرضْ ذلك على الرجل. قال عليّ بن جبلة: فقال لي حُميد: ما ترى؟ قلت: الإقالة أحبُّ إليّ، فأخبر المأمون، فقال: هو أعلم، قال حميد: فقلت لعلي بن جبلة إلى أي شيء ذهب في مدحك أبا دُلف وفي مدحك لي؟ قال: إلى قولي في أبي دلف:\nإِنَّما الدّنيا أَبو دُلَفٍ ... بينَ مغزاهُ ومُحتَضَرِهْ\n_________\n(١) راوي الخبر أبو العتاهية (توفي ٢١٠ هـ) قال الذهبي في ترجمته: الأديب الصالح الأوحد وكان أبو نواس يعظمه ويتأدب معه لدينه ويقول ما رأيته إلا توهمت أنه سماوي وأنا أرضي [سير أعلام ١٠/ ٩٥] وكان أبو العتاهية يقول في الغزل والهجاء والمديح قديمًا ثم تنَسّك وعدل عن ذلك إلى الشعر في الزهد وطريقة الوعظ فأحسن القول فيه وجوّد وأربى على كل من ذهب ذلك المذهب [تأريخ بغداد ٦/ ٢٥١].","vol":"12","page":294},{"text":"فإِذا ولَّى أَبو دُلَفٍ ... وَلَّتِ الدّنيا على أَثَرِهْ\nوإلى قولي فيك:\nلولا حميدٌ لم يكُنْ ... حسبٌ يُعَدُّ ولا نَسَبْ\nيا واحِدَ العَربِ الَّذي ... عَزَّتْ بعِزَّته العربْ\nقال: فأطرق حُميد ساعة، ثم قال: يا أبا الحسن، لقد انتقد عليك أمير المؤمنين. وأمر لي بعشرة آلاف درهم وحُملان وخلعة وخادم، وبلغ ذلك أبا دُلَف فأضعف لي العطية، وكان ذلك منهما في سترٍ لم يعلم به أحد إلى أن حدّثتك يا أبا نزار بهذا (١).\nقال أبو نزار: وظننتُ أنّ المأمون تعقّد عليه هذا البيت في أبي دُلَف:\nتحَدَّرَ ماءُ الجُودِ من صُلبِ آدمٍ ... فأَثبتَهُ الرَّحمَنُ في صلب قاسِمِ\nوذُكر عن سليمان بن رَزين الخزاعيّ، ابن أخي دعْبل، قال: هجا دعْبل المأمونَ، فقال:\nويَسُومُني المأْمُونُ خَطَّةَ عارِفٍ ... أَوَ مَا رأى بالأَمسِ رأْسَ محمدِ\nيُوفِي على هامِ الخلائفِ مثلَ مَا ... يُودي الجبالُ على رؤوسِ القَرددِ\nوَيَحِلُّ في أكنافِ كلِّ ممنَّعٍ ... حتى يُذَلّلَ شاهِقًا لم يُصْعَدِ\nإنَّ التِّراتِ مُسَهَّدٌ طُلَّابُها ... فاكففْ لُعَابكَ عن لعابِ الأَسودِ\nفقيل للمأمون: إن دعْبلا هجاك، فقال: هو يهجو أبا عبّاد لا يهجوني. يريد حدّة أبي عبّاد، وكان أبو عبّاد إذا دخل على المأمون كثيرًا ما يضحك المأمون، ويقول له: ما أراد دِعبل منك حين يقول:\nوكأَنَّه من دَيرِ هِزْقِلَ مفلِتٌ ... حَرِدٌ يجُرُّ سلاسلَ الأَقياد\n_________\n(١) الغريب في هذه الأخبار التي أوردها ابن جرير الطبري عن سيرة المأمون هي أنها في جلّها من طريق شعراء وبعضهم عرف بمجونه ولم يفعل ذلك آنفًا عند ذكره لسير بقية الخلفاء ولعله أراد بذلك أن يثبت قوة ملكته الشعرية ولكن تركيزه هذا على الجانب الثقافي من حياة المأمون أثر في بقية الجوانب من سيرته فأهملها وأما أبو نزار الضرير فهو شاعر كما ترى وكذلك شيخه علي بن جبلة الأنباري من أبناء الشيعة الخراسانية ببغداد وهو شاعر مداح ضرير كذلك استنفذ شعره في مدح أبي دلف.","vol":"12","page":295},{"text":"وكان المأمون يقول لإبراهيم بن شَكْلة إذا دخل عليه: لقد أوجعك دِعْبل حين يقول:\nإن كانَ إِبراهيمُ مضطلعًا بِهَا ... فلَتَصلُحَنْ من بَعده لِمُخارِقِ\nوَلتَصْلُحَنْ من بعد ذاكَ لزُلزُلٍ ... ولتَصْلحَنْ مِنْ بعدهِ للمَارِقِ\nأَنَّى يكُونُ ولا يكونُ وَلمْ يكُنْ ... لينَالَ ذَلِكَ فاسقٌ عن فاسق! (١)\nوذكر محمد بن الهيثم الطائيّ أنّ القاسم بن محمد الطيْفوريّ حدّثه، قال: شكا اليزيديّ إلى المأمون خلّةً أصابته، ودَيْنًا لحقه، فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغتَ به ما تريد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الأمرَ قد ضاق عليّ، وإنّ غُرَمائي قد أرهقوني. قال: فرُمْ لنفسك أمرًا تنال به نفعًا فقال: لك منادمون فيهم مَن إنْ حرّكتُه نلتُ منه ما أحبّ، فأطلق ليَ الحيلة فيهم، قال: قل ما بدا لك، قال: فإذا حضرُوا وحضرتُ فمرْ فلانًا الخادم أنْ يوصلَ إليك رقعتي؛ فإذا قرأتَها، فأرسل إليّ: دخولُك في هذا الوقت متعذّر، ولكن اختر لنفسك مَنْ أحببت. قال: فلما علم أبو محمد بجلُوس المأمون واجتماع ندمائه إليه، وتيقّن أنهم قد ثملوا من شُرْبهم، أتى الباب، فدفع إلى ذلك الخادم رُقعة قد كتبها، فأوصلها له إلى المأمون، فقرأها فإذا فيها:\nيا خيرَ إِخواني وأَصْحَابي ... هَذَا الطّفَيليُّ لَدَى البابِ\nخُبّرَ أَنَّ القَومَ في لَذَّةٍ ... يَصْبُو إليها كلُّ أَوَّابِ\nفصيِّروني واحدًا منكمُ ... أَو أَخرِجوا لِي بعضَ أَترابِي\nقال: فقرأها المأمون عَلى مَنْ حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخُل هذا\n_________\n(١) وهذا مثال آخر لما ذكرنا آنفًا فدعبل بن علي الخزاعي الشاعر المعروف كان خبيث اللسان (كما قال الخطيب في ترجمته) قبيح الهجاء وقد روي عنه أحاديث مسندة عن مالك وعن غيره كلها باطلة نراها (والكلام للخطيب) من وضع ابن أخيه [تأريخ بغداد ٨/ ٣٨٣].\nومن علامات زيف متنه أن فيه ما يخالف المعروف من طباع أبي عباد الكاتب - وزير المأمون - فهو وإن كان أحد الكفاة البارعين في مجال الحساب والتصرف والمعرفة والنهوض بأمور الأموال المخدومة أتمّ ما يكون وبالرغم من كونه جوادًا سمحًا، فقد كان منقبضًا عبوسًا [انظر سير أعلام النبلاء / ١٠/ ١٩٩/ تر ٤٤]. فكيف يُضحك المأمون كثيرًا من كان عبوسًا منقبضًا؟ !","vol":"12","page":296},{"text":"الطفيليّ على مثل هذه الحال. فأرسل إليه المأمون: دخولُك في هذا الوقت متعذّر، فاخترْ لنفسك مَنْ أحببت تنادمه، فقال: ما أرى لنفسي اختيارًا غير عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع اختياره عليك، فصِرْ إليه، قال: يا أميرَ المؤمنين، فأكونُ شريك الطفيليّ! قال: ما يمكن رَدّ أبي محمد عن أمرين؛ فإن أحببت أن تخرج، وإلّا فافتد نفسك، قال: فقال: يا أميرَ المؤمنين، له عليّ عشرة آلاف درهم، قال: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، قال: فلم يزل يزيدُه عشرة عشرة، والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ المائة ألف. قال؛ فقال له المأمون: فعجّلْها له، قال: فكتب له بها إلى وكيلِه، ووجّه معه رسولًا، فأرسل إليه المأمون: قبض هذه في الحال أصلحُ لك من منادمته على مثل حاله، وأنفع عاقبة.\nوذُكر عن محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال: أخبرَني أبي عن صالح بن الرشيد، قال: دخلتُ على المأمون، ومعي بيتَان للحسين بن الضحّاك، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أحبّ أن تسمع منِّي بيتين، قال: أنشدهما، قال: فأنشده صالح:\nحَمِدْنا الله شكرًا إذ حَبَانا ... بِنَصْرِكَ يا أَميرَ المؤمِنينَا\nفأَنتَ خليفةُ الرَّحْمَنِ حَقًّا ... جَمَعْتَ سَماحةً وجَمعتَ دينا\nفاستحسنهما المأمون، وقال: لمن هذان البيتان يا صالح؟ قلت: لعبدك يا أمير المؤمنين الحسين بن الضحاك، قال: قد أحسن، قلت: وله يا أمير المؤمنين ما هو أجود من هذا، قال: وما هو؟ فأنشدته:\nأَيَبْخَلُ فردُ الحُسنِ فرْدُ صفاتِه ... عليَّ، وقد أَفردْتُه بهوىً فَرْدِ!\nرَأَى اللهُ عبدَ اللهِ خيرَ عِبَادِهِ ... فَمَلَّكَهُ واللهُ أَعلمُ بالعبدِ (١)\nوذُكر عن عُمارة بن عَقيل، أنه قال: قال لي عبد الله بن أبي السّمط: علمت أنّ المأمون لا يبصر الشعر، قال: قلت: ومَنْ ذا يكون أعلم منه! فولله إنك لترانا ننشده أوّلَ البيت فيسبِقنا إلى آخره، قال: أنشدته بيتا أجدتُ فيه، فلم أره تحرّك\n_________\n(١) لم نتبيّن من هو محمد بن عبد الله الذي روى عن أبيه ولم يبين الطبري كنيته ولا نسبه ولا لقبه، وأما صاحب البيتين الحسين بن الضحاك فهو شاعر ماجن كما سنذكر بعد قليل فقد جاء ذكره في أخبار الأمين.","vol":"12","page":297},{"text":"له، قال: قلتُ: وما الذي أنشدته؟ قال: أنشدته:\nأَضحى إِمامُ الهدى المأْمونُ مشتغلًا ... بالدينِ والناسُ بالدنيا مشاغيلُ\nقال: فقلت له: إنك والله ما صنعت شيئًا، وهل زِدتَ على أن جعلته عجوزًا في محْرابها، في يدها سُبحتها! فمن القائمُ بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها، وهو المطوّق بها! هلّا قلتَ فيه كما قال عمّك جرير في عبد العزيز بن الوليد:\nفَلَا هُوَ في الدُّنْيا مُضيعٌ نَصيبَهُ ... وَلا عَرَضُ الدُّنيا عَن الدِّين شاغِلُهْ\nفقال: الآن علمتُ أني قد أخطأت.\nوذُكر عن محمد بن إبراهيم السَّيّاريّ قال: لما قدِم العتابيّ على المأمون مدينة السلام أذن له، فدخل عليه، وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلّي - وكان شيخًا جليلًا - فسلّم عليه، فردّ ﵇، وأدناه وقرّبه حتى قرُب منه، فقبّل يده، ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حاله، فجعل يجيبه بلسانٍ طلْق؛ فاستَطرف المأمون ذلك. فأقبل عليه بالمداعبة والمُزاح، فظنّ الشيخ أنه استخفّ به، فقال: يا أميرَ المؤمنين، الإبساس قبل الإيناس قال: فاشتبه على المأمون الإبساس، فنظر إلى إسحاق بن إبراهيم، ثم قال: نعم، يا غلام ألف دينار؛ فأتِيَ بها، ثم صبّت بين يدي العتابيّ، ثم أخذوا في المفاوضة والحديث، وغمز عليه إسحاق بن إبراهيم، فأقبل لا يأخذ العتابيّ في شيء إلّا عارضه إسحاق بأكثر منه، فبقيَ متعجبًا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إيذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه، قال: نعم، سله، قال: يا شيخ، مَنْ أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من الناس، واسمي كلْ بصل، قال: أما بالنسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكر، وما كلْ بَصَل من الأسماء؟ فقال: له إسحاق: ما أقلَّ إنصافك! وما كلْ ثوم من الأسماء! البصل أطيب من الثوم، فقال العتابيّ: لله درّك! ما أحجّك! يا أمير المؤمنين ما رأيت كالشيخ قط أتأذن لي في صلته بما وصلني به أمير المؤمنين فقد والله غلبني! فقال المأمون: بل هذا موفَّرٌ عليك؛ ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذه فتوهَّمْني تجدْني، فقال: والله ما أظنّك إلا الشيخ الذي يتناهَى إلينا خبره من العراق؛ ويعرف بابن الموصلّي! قال: أنا حيث ظننتَ، فأقبل عليه بالتحيّة والسلام، فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: أما إذ اتفقتما على الصلح والمودة، فقوما فانصرفا","vol":"12","page":298},{"text":"متنادميْن؛ فانصرف العتابيّ إلى منزل إسحاق فأقام عنده (١).\nوذُكرِ عن محمد بن عبد الله بن جشم الرَّبعيّ أن عُمارة بن عقيل قال: قال لي المأمون يومًا وأنا أشرب عنده: ما أخبثَك يا أعرابيّ! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وهَّمتني نفسي، قال: كيف قلت:\nقالت مُفَدَّاةُ لَمَّا أَن رأَتْ أَرَقِي ... والهمُّ يَعتَادُني من طيفِه لَمَمُ\nنَهَّبْتَ مالك في الأَدْنينَ آصرَةً ... وفي الأَباعِدِ حتى حفّكَ العَدمُ\nفاطلبْ إِليهم ترى ما كنتَ من حَسَنٍ ... تُسدِي إليهم فقد باتَتْ لهمْ صِرَمُ\nفقلتُ عَذلكِ قد أَكثَرْتِ لائِمتِي ... ولمْ يَمُتْ حاتم هُزْلًا ولا هرِمُ\nفقال لي المأمون: أين رميتَ بنفسك إلى هَرِم بن سنان سيد العرب وحاتم الطائيّ! فعلا كذا وفعلا كذا، وأقبل ينثال عليّ بفضلهما، قال: فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أنا خيرٌ منهما، أنا مسلم وكانا كافرين، وأنا رجل من العرب (٢).\nوذُكر عن محمد بن زكرياء بن ميمون الفرْغانيّ، قال: قال المأمون لمحمد بن الجَهْم: أنشدني ثلاثة أبيات في المديح والهجاء والمراثي؛ ولك بكل بيت كُورة، فأنشده في المديح:\nيجودُ بالنفس إذ ضنَّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنفس أَقصى غاية الجودِ\nوأنشده في الهجاء:\nقَبُحَتْ مناظرُهُمْ فحينَ خَبَرْتُهمْ ... حسُنَتْ مناظرهم لِقُبحِ المخبَرِ\nوأنشده في المراثي:\nأَرادُوا ليُخفُوا قبْرَه عَنْ عدُوّهِ ... فطِيبُ تُراب القبرِ دَلَّ على القبر\nوذكر عن العباس بن أحمد بن أبان بن القاسم الكاتب، قال: أخبرني\n_________\n(١) لم نجد لمحمد بن إبراهيم السيَّاري ترجمة فيما بين أيدينا من كتب الجرح والتعديل والتراجم وأما العتابيّ فهو كلثوم بن عمرو كان شاعرًا يظهر الزهد ويلبس الصوف ويتجنب غثيان السلطان قناعة وتنزهًا [تأريخ بغداد/ ١٢/ ٤٨٨/ تر ٦٩٦١].\n(٢) لم نجد لمحمد بن عبد الله بن جثم الربعي ترجمة فيما بين أيدينا من كتب الجرح والتعديل وقد ذكره الطبري هنا وأبو الفرج صاحب كتاب الأغاني كما في هذه الرواية ولا ندري هل كان يشرب النبيذ (أي الشاعر عمارة) أم أنه يعني الخمر والخبر لا يصح والله أعلم.","vol":"12","page":299},{"text":"الحسين بن الضحاك، قال: قال لي علّوية: أخبرُك أنه مرّ بي مرة ما أيستُ من نفسي معه لولا كرم المأمون؛ فإنه دعا بنا؛ فلمّا أخذ فيه النبيذ؛ قال: غنّوني، فسبقني مخارق، فاندفع فغنّى صوتًا لابن سُرَيج في شعر جرير:\nلمَّا تَذَكَّرت بالدَّيريْنِ أَرَّقنَي ... صوتُ الدَّجاج وضرْبٌ بالنَّواقِيسِ\nفقلتُ لِلَّركبِ إذ جَدَّ المَسيرُ بنا ... يا بُعْدَ يَبْرينَ من باب الفراديس!\nقال: فحُيِّنَ لي أن تغنّيتُ، وكان قد همّ بالخروج إلى دمشق يريد الثغر:\nالحَينُ ساقَ إلى دمشق ومَا ... كانتْ دمشق لأَهلها بلدا\nفضرب بالقدح الأرض، وقال: ما لك! عليك لعنة الله. ثم قال: يا غلام، أعطِ مخارقًا ثلاثة آلاف درهم؛ وأخذ بيدي فأقمتُ وعيناه تدمعان، وهو يقول للمعتصم: هو والله آخر خُروج، ولا أحسبني أن أرى العراق أبدًا، فكان والله آخرَ عهدِه بالعراق عند خروجه كما قال (١).\n_________\n(١) هذا خبر باطل - وفي إسناده الشاعر حسين بن الضحاك وهو معروف بالخلع شاعر ماجن وسمّي الخليع لكثرة مجونه وخلاعته [وفيات الأعيان/ ٢/ ١٦٢] وشيخه الذي يروى عنه هو علوية المغني ويكفيه لقبًا جرحًا - وما كان المأمون ليدعيّ العلم بأحداث المستقبل حتى يقسم أن خروجه ذلك آخر خروج وهو العالم الأديب راوي الحديث وقد روى عنه العلماء أحاديث ولو قال أخشى أن يكون خروجًا هذا آخر خروج لانطلت كذبة الحسين بن ضحاك على الناس ولكن عوار المتن يتفق مع خلاعة ومجون صاحب المسند (الحسين بن ضحاك ومن روى عنه).\n- وأخيرًا المأمون ما له وما عليه -\nقبل أن نذكر خلاصة في تقييم المأمون نودّ أن نردّ عنه شبهة أو تهمة الشرب ومعلوم لدى علماء الفقه واللغة أن العرب كانوا يشربون الخمر ونوعًا آخر من الشراب هو النبيذ وهو التمر أو الزبيب يترك في الماء مستنقعًا ثم تؤخذ عصارته أو تغلى وقد ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الانتباذ في أنواعٍ معينة من الأواني أما الخمر فقد حرمه الله ورسوله - والروايات التي تتهم المأمون بشرب الخمر جاءت من طريق رواة لا يحتج بحديثهم ولعل المأمون كان يشرب النبيذ على رأي علماء بغداد (أي الذي لا يسكر) أما الخمر فلم يصح عنه ولذلك ذكر الذهبي الحافظ الناقد خبر شربه للخمر بصيغة التمريض فقال في ترجمته: كان يشرب نبيذ الكوفة وقيل بل يشرب الخمر فالله أعلم. [سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٧٣/ تر ٧٢]. ولقد ارتكب المأمون خطيئتين كبيرتين وأمره إلى الله في كل ذلك.\nالأولى خوضه في أمور العقيدة وفرضه لعقيدة المعتزلة في قولهم بخلق القرآن ثم أخذه لعلماء السنة في ذلك وامتحانهم - قال الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى: لم يكن في الخلفاء قبله (أي =","vol":"12","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1915>خلافة أبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد</span>\nوفي هذه السنة بُويع لأبي إسحاق محمد بن هارون الرّشيد بن محمد المهديّ بن عبد الله المنصور بالخلافة؛ وذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين. وذُكر أنّ الناس كانوا قد أشفقوا من منازعة العباس بن المأمون له في الخلافة، فسلِموا من ذلك (١).\nذُكر أنّ الجند شغبوا لمّا بويع لأبي إسحاق بالخلافة، فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل أبو إسحاق إلى العباس فأحضره، فبايعه ثمّ خرج إلى الجند، فقال: ما هذا الحبّ البارد! قد بايعتُ عمّي؛ وسلّمت الخلافة إليه؛ فسكن الجند.\n_________\n= قبل المأمون) لا من بني أمية ولا من بني العباس - خليفة إلّا على منهج السلف حتى ولي هو الخلافة (أي المأمون) فاجتمع به هؤلاء (أي المبتدعة) فحملوه على ذلك [البداية والنهاية [٨/ ٢٠٢].\nوالثانية: كيده لأخيه ومحاربته فكلاهما كاد لأخيه وبدلًا مَن أن يتطاوعا ويتراحما ويلين أحدهما للآخر حرصًا على مصلحة الأمة ووحدة الجماعة ولكن اقتتلا فسفكت دماء وهدّمت بيوت وقتل خلق كثير فكانت بداية لكسر شوكة الخلافة وطمع الأعداء والمتربصين وما عدا ذلك فقد قال أبو معشر: كان أمارًا بالعدل محمود السيرة ميمون النقيبة فقيه النفس يعدّ من كبار العلماء وقال يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا [تأريخ بغداد/ ١٠/ ١٨٩] [فوات الوفيات/ ٢/ ٢٣٧] قلت وقد اهتم بترجمة الكتب إلى العربية وبنى مرصدًا فلكيًّا في دمشق وكان يحب العلم والعلماء والشعراء ويكرمهم حتى أسرف في ذلك وكان على صلة طيبة بأبناء عمومته من آل علي ﵃ ولا ينسى له في التأريخ توصيته لعلي بن موسى الرضا بالخلافة من بعده دون أبناءه وإخوانه من بني العباس والله يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون وقال أبو حنيفة الدينوري في ترجمة المأمون [وكان شهمًا بعيد الهمة أبيّ النفس وكان نجم ولد العباس في العلم والحكمة].\nوقال أيضًا: ودخل (المأمون) بلاد الجزيرة والشام فأقام بها مدة طويلة ثم غزا الروم وفتح فتوحًا كثيرة وأبلى بلاء حسنًا ثم توفي على نهر البذندون ودفن بطرسوس يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين [الأخبار الطوال/ ٤٠١].\n(١) وأخرج الخطيب البغدادي في ترجمة المعتصم بالله عن محمد بن يزيد قال: استخلف أبو إسحاق محمد بن هارون في رجب سنة ثمان وعشرة ومائتين [تأريخ بغداد/ تر ا ١٤٥] وانظر الأخبار الطوال [٤٠١].","vol":"12","page":301},{"text":"وفيها أمر المعتصم بهدْم ما كان المأمون أمر ببنائه بُطَوانة، وحمَل ما كان بها من السلاح والآلة وغير ذلك مما قدَر على حمله، وأحرق ما لم يقدر على حمله؛ وأمرَ بصرف منْ كان المأمون أسكن ذلك من الناس إلى بلادهم (١).\nوفيها انصرف المعتصم إلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون فقدمها - فيما ذكر - يوم السبت مستهلّ شهر رمضان (٢).\nوفيها دخل - فيما ذكر - جماعة كثيرة من أهل الجبال من هَمَذان وأصبهان وماسبذان ومِهْرجانْقذُق في دين الخرّميّة؛ وتجمّعوا، فعسكروا في عمل هَمَذان؛ فوجّه المعتصم إليهم عساكر؛ فكان آخرَ عسكر وجّه إليهم عسكرٌ وجهه مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وعقد له على الجبال في شوّال في هذه السنة، فشخص إليهم في ذي القعدة، وقرئ كتابه بالفتح يوم التّروية، وقتل في عمل هَمَذان ستين ألفًا، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد، وضحّى أهلُ مكة يوم الجمعة، وأهل بغداد يوم السبت (٤).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٢٩) والبداية والنهاية [٨/ ١٧٠].\n(٢) وقال أبو حنيفة الدينوري وكان قدومه بغداد مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين [الأخبار الطوال/ ٤٠١] وأخرج الخطيب بسنده عن الصولي حدثني عون بن محمد قال: رأيت المعتصم أول ركبة ركبها ببغداد وهو خليفة حين قدم من الشام وكان أول يوم من رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين [تاريخ بغداد/ تر ١٤٥١].\n(٣) انظر المنتظم لابن الجوزي [١١/ ٣٠].\n(٤) وافق البسوي الطبري في خبر الحج فقال: حج بالناس صالح بن العباس بن محمد [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٧] وانظر المنتظم [١١/ ٣٠].","vol":"12","page":302},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>[ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي] </span>(١)\nفمن ذلكَ ما كانَ مِنْ ظُهورِ محمد بن القاسم بن عُمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطالقان من خُراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد - ﷺ -؛ فاجتمعَ إليهِ بها ناسٌ كثير؛ وكانت بينه وبين قوَّاد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها، فهُزِمَ هو وأصحابه، فخرجَ هاربًا يريدُ بعض كُور خُراسان، كانَ أهلهُ كاتبوه؛ فلما صارَ بنَسا، وبها والد لبعض مَنْ معه، مضى الرجلُ الذي معه من أهل نَسا إلى والدهِ ليسلِّمَ عليهِ، فلما لقيَ أباهُ سألهُ عن الخبر، فأخبرهُ بأمرهم وأنهم يقصدون كورة كذا، فمضى أبو ذلكَ الرجل إلى عامل نَسا، فأخبره بأمر محمد بن القاسم؛ فذكر أن العامل بذل له عشرة آلاف درهم على دلالته عليه فدلَّهُ عليهِ، فجاء العاملُ إلى محمد بن القاسم، فأخذه واستوثق منه؛ وبعث به إلى عبد الله بن طاهر، فبعث بهِ عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فَقُدِمَ بهِ عليه يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر؛ فحبس - فيما ذكر - بسامراء عندَ مسرور الخادم الكبير في محبس ضيق، يكون على قدر ثلاث أذرع في ذراعين، فمكث فيهِ ثلاثة أيام، ثم حَوَّلَ إلى موضع أوسعَ من ذلكَ، وأجرى عليهِ طعام، ووُكِلَ به قوم يحفظونهُ، فلمَّا كان ليلة الفِطر، واشتغلَ الناسُ بالعيد\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٤١).","vol":"12","page":303},{"text":"والتهنئة احتال للخروج، ذُكر أنه هرب من الحبس بالليل، وأنهُ دُلّيَ إِليهِ حَبل من كُوَّةٍ كانت فِي أعلى البيت، يدخل عليه منها الضوء، فلما أصبحوا أتوا بالطعام للغداء افتقد. فذكر أنهُ جُعِلَ لمن دلَّ عليهِ مائة ألف درهم، وصاحَ بذلكَ الصائح، فلم يُعرف له خبر.\nوفي هذه السنة قدم إسحاق بن إبراهيم بغداد من الجبل، يوم الأحد لإحدى عشرةَ ليلةٍ خَلَّتْ مِن جمادى الأولى، ومعهُ الأسرى من الخرمية والمستأمنة.\nوقيلَ: إن إسحاق بن إبراهيم قتل مِنْهُمْ في محاربته إياهم نحوًا من مائة ألف سوى النساء والصبيان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>[ذكر الخبر في محاربة الزط] </span>(٢)\nوفي هذه السنة وجَّهَ المعتصم عُجَيف بن عنبسة في جمادى الآخرة منها لحرب الزُّط الذين كانوا قد عاثوا في طريق البصرة، فقطعوا فيهِ الطريق، واحتملوا الغلَّات من البيادر بكسْكَر وما يليها من البَصْرة، وأخافوا السبيل، ورتَّبَ الخيل في كل سكة من سكك البرد تركض بالأخبار، فكان الخبرُ يخرج من عند عجيف فيصل إلى المعتصم من يومه؛ وكان الذي يتولى النفقة على عجيف من قِبَل المُعْتَصم محمد بن منصور كاتب إبراهيم بن البَختري، فلما صارَ عُجَيف إلى واسط، ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها الصافية في خمسة آلاف رجل، وصار عُجَيف إلى نَهر يحمل من دجلة يقال له بَرْدُودَا؛ فلم يزل مقيمًا عليه حتى سدَّهُ. وقيل إنَّ عُجَيفًا إنما ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها نجيدا، ووجَّهَ هارون بن نعيم ابن الوضاح القائد الخراسانيّ إلى موضعٍ يُقالُ لهُ الصافية في خمسة آلاف رجل، ومضى عُجيفُ في خمسة آلاف إلى بَرْدُودا، فأقامَ عليهِ حتى سدَّهُ وسَدَّ أَنهارًا أُخَر كانوا يدخلون منها ويخرجون، فحصرهم من كل وجه؛ وكان من الأنهار التي سدَّها عجيف، نهر يقال لهُ العروس؛ فلما أخذ\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٧١) والخبر منكر ولم نر ما يؤيده لا من قريب ولا من بعيد سواء كان عند خليفة بن خياط أو البسوي حتى الطبري نفسه ذكره هنا بصيغة التضعيف والله أعلم.\n(٢) انظر تعليقنا (٢٣٥) وأصل الخبر عن هزيمة الزط على يد القائد العباسي عجيف صحيح أيده خليفة (٢٤٦) وأما أغلب التفاصيل فلا والله أعلم.","vol":"12","page":304},{"text":"عليهم طرقهم حاربهم، وأسر منهم خمسمائة رجل، وقتل منهم في المعركة ثلاثمائة رجل، فضرب أعناق الأسرى وبعثَ برؤوس جميعهم إلى باب المعتصم؛ ثم أقام عُجَيف لإِزاء الزُّط خمسةَ عشرَ يومًا، فظفرَ منهم بخلْقٍ كثير، وكانَ رئيسُ الزُّط رجلًا يُقالُ لَهُ محمد بن عثمان؛ وكان صاحب أمره والقائم بالحرب سملق، ومكث عُجيف يقاتلهم - فيما قيل تِسعة أشهر.\nوحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>ثم دخلت سنة عشرين ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>[ذكر ظفر عجيف بالزط]</span>\nفمن ذلكَ ما كان من دخول عُجيف بالزُّط بغداد، وقهره إياهم حتى طلبوا منهُ الأمان فآمنهم، فخرجوا إليهِ في ذي الحجة سنة تسع عشرة ومائتين على أنهم آمنون على دمائهم وأموالهم؛ وكانت عِدَّتهم - فيما ذكر - سبعةُ وعشرينَ ألفًا؛ المقاتلةُ منهم اثنا عشر ألفًا؛ وأحصاهم عُجَيفَ سبعةَ وعشرين ألف إنسان؛ بين رجل وامرأة وصبي، ثم جعلهم في السُّفنِ، وأقبل بهم حتى نزل الزعفرانية فأعطى أصحابهُ دينارين دينارين جائزة، وأقامَ بها يومًا، ثمَّ عَبأهم في زواريقهم على هيئتهم في الحرب؛ معهم البوقات، حتى دخلَ بهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومائتين والمعتصم بالشماسيَّة في سفينةٍ يُقَالُ لَها الزَّو، حتى مرَّ به الزطُّ على تَعبئتهم ينفخون بالبوقات؛ فكان أولهم بالقُفْص وآخرهم بحذاء الشماسيَّة، وأقاموا في سفُنهم ثلاثة أيام، ثم عبر بهم إلى الجانب الشرقي؛ فدفعُوا إلى بشر بن السميدع، فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثَّغْرِ إلى عين زربة، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد (٢).، فقال شاعرهم:\n_________\n(١) وكذلكَ قال خليفة فيما يتعلق بالحج في هذه السنة (٣١٦) والبسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٦٨).\n(٢) هذه التفاصيل وغيرها لم نجدها عند خليفة ولا البسوي وإنما ذكر خليفة أصل الخبر ضمن أحداث سنة (٢١٩ هـ) فقال وفيها أخرج الزط من البطيحة إلى بغداد على يد عجيف (تأريخ خليفة/ ٣١٦) وانظر المنتظم (١١/ ٥٠).","vol":"12","page":305},{"text":"يا أهلَ بغدادَ موتوا دامَ غَيظكمُ ... شوقًا إلى تمرِ بَرْنِيٍّ وَشُهْرِيزِ\nنَحن الذينَ ضربناكم مجاهَرَةً ... قَسرًا وسُقناكم سَوقَ المعاجيزِ\nفلم تشكروا الله نَعْماهُ التي سَلفَتْ ... ولم تحوطوا أَياديه بتَعزِيز\nفاسْتَنْصِرُوا العبدَ من أَبناء دَوْلَتِكُمْ ... مِنْ يا زمانَ ومن بلجٍ ومن تُوزِ\nومن شِناسَ وأَفشِينٍ، ومن فرجٍ ... المُعَلِمينَ بديباجٍ وإِبريز\nواللابِسي كيمخار الصين قد خرَطَت ... أردانَهُ دَرْزُ بَرْوَازِ الدَّخاريزِ\nوالحاملين الشُّكَى نِيْطت علائقها ... إلى مناطقِ خاصٍ غيرِ مَخروز\nيَفرى بِبَيض من الهندي هامَهُمُ ... بنو بَهِلَّةَ في أبْنَاءَ فيروزِ\nفوارسٌ خيلُها دُهْم مودَّعةٌ ... على الخراطِيم منها والفراريز\nمسخَّرَات لها في الماء أَجْنِحَةٌ ... كالآبَنُوسِ إذا اسْتَحضِرْن والشِّيز\nمتى ترموا لنا في غَمرِ لجَّتِنا ... حِذْرًا نَصيدُكُمْ صيدَ المعافِيزِ\nأَوْ اختِطَافًا وإِزهاقًا كما اختُطِفت ... طيرُ الدِّحال حثاثًا بالمناقيزِ\nليسَ الجلادُ جِلادَ الزَّطِّ فاعترفوا ... أَكلَ الثَّريدِ ولا شُربَ القَواقيز\nنحنُ الذين سقينا الحرب دِرَّتَها ... ونقنقنا مقاساة الكواليز\nلنَسْفَعَنَّكُم سَفعًا يَذِلُّ لَهُ ... رب السَّرِير ويُشجِي صاحبَ التِّيز\nفأَبكوا على التَّمر أَبكى اللهُ أَعيُنكم ... في كلِّ أَضحَى، وفي فطرٍ ونيروزِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>[ذكر خبر مسير الأفشين لحرب بابك]</span>\nوفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجَّه به لحرب بابك؛ وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، فعسكر بمصلَّى بغداد، ثم صارَ إلى بَرزَنَدْ (١).\n_________\n(١) لهذا الخبر ما يؤيده عند أبي حنيفة الدينوري إذ قال: فلما أفضى الأمر إلى أبي إسحاق المعتصم بالله لم تكن همته غيره فأعدّ لهُ الأموال والرجال وأخرج مولاه الأفشين حيدر بن كاوس [الأخبار الطوال/ ٤٠٣] وسنتحدث في نهاية الحديث إن شاء الله عن أصل بابك هذا وتكملة خبر الدينوري كذلك.","vol":"12","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1922>[ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه]</span>\nذُكر أن ظهور بابك كان في سنة إحدى ومائتين، وكانت قريتهُ ومدينتهُ البَذ؛ وهزم من جيوش السلطان، وقتلَ من قواده جماعة فلما أفضى الأمر إلى المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصونَ التي خربها بابك فيما بين زَنْجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرَة إلى أَردَبيل، فتوجَّهَ أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون التي خرَّبها بابك، ووجهَ بابك سريّة لهُ في بعض غاراته، وصيَّرَ أميرهم رجلًا يقال لهُ معاوية؛ فخرج فأغار على بعض النواحي، ورجعَ منصرفًا؛ فبلغَ ذلكَ أبا سعيد محمد بن يوسف، فجمعَ الناسَ وخرج إليهِ يعترضه في بعض الطريق، فواقعهُ، فقتل من أصحابهِ جماعة وأسر منهم جماعة، واستنقذ ما كان حواه؛ فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك. ووجَّهَ أبو سعيد الرؤوس والأسرى إلى المعتصم.\nثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث؛ وذلكَ أن محمد بن البعيث كان في قلعة له حصينة تسمى شاهى؛ كان ابن البعيث أخذها من الوجناء بن الرَّوَّاد، عرضها نحو من فرسخين، وهي من كورة أذْرَبِيجان، وله حصن آخر في بلاد أذربيجان يسمى تبْريز، وشاهى أمنعهما؛ وكان ابن البعيث مصالحًا لبابك، إذا توجهت سراياه نزلت به. فأضافهم، وأحسنَ إليهم حتى أنسوا به، وصارت لهم عادة. ثم إنَّ بابك وجَّهَ رجلًا من أصحابهِ يقالُ لَهُ عِصْمَة من أصبهبذته في سرية، فنزل بابن البعيث، فأنزل إليه ابن البعيث على العادة الجارية الغنم والأنزال وغير ذلك، وبعث إلى عصمة أن يصعد إليهِ في خاصَّتهِ ووجوهِ أصحابه، فصعد فغدَّاهم وسقاهم حتى أسكرهم ثم وثبَ على عصمة فاستوثقَ منهُ، وقتل مَن كانَ معهُ من أصحابهِ، وأمرهُ أن يسمِّي رجلًا رجلًا من أصحابهِ باسمهِ؛ فكانَ يُدعى بالرجل فيصعد، ثم يأمر بهِ فيضرب عنقه؛ حتى علموا بذلك؛ فهربوا، ووجَّهَ ابن البعيث بعصمة إلى المعتصم - وكان البعيث أبو محمد صعلوكًا من صعاليك ابن الرَّواد - فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طُرقها ووجوه القتال فيها؛ ثم لم يزل عصمة محبوسًا إلى أيامِ الواثق. ولما صار الأفشين إلى بَرَزنَد عسكر","vol":"12","page":307},{"text":"بها، ورمَّ الحصون فيما بين برزَندْ وأردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال لهُ خُش، فاحتفر فيه خندقًا، وأنزلَ الهيثم الغنوي القائد من أهل الجزيرة في رستاق يقال لهُ أرشق، فرمَّ حصنه وحفر حوله خندقًا، وأنزلَ عَلّويه الأعور من قُوَادِ الأبناء في حصن ممَّا يلي أردبيل يسمى حصن النهر؛ فكانت السابلة والقوافل تخرجُ من أردبيل معها من يُبذرِقها حتى تصل إلى حصن النَّهر، ثم يُبَذْرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، ويخرجُ هيثم فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه إلى أصحابِ حصن النَّهر، ويُبَذْرق مَن جاء من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر في منتصف الطريق، فيسلِّمَ صاحب حصن النهر مَنْ معهُ إلى هيثم، ويسلم هيثم من معهُ إلى صاحب حصن النهر؛ فيسير هذا مع هؤلاء؛ وهذا مع هؤلاء. وِإنْ سبقَ أحدهما صاحبه إلى الموضع لم يَجُزْه حتى يجيء الآخر؛ فيدفع كلَّ واحدٍ منهما مَنْ معهُ إلى صاحبهِ ليُبذْرقهم، هذا إلى أردبيل، وهذا إلى عسكر الأفشين، ثم يُبَذْرق الهيثم الغنوي مَنْ كانَ معهُ إلى أصحاب أبي سعيد؛ وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق، معهم قوم، فيدفع أبو سعيد وأصحابه مَنْ معهم إلى الهيثم، ويدفعُ الهثيم مَنْ معهُ إلى أصحاب أبي سعيد، فيصيرُ أبو سعيد وأصحابه بمَنْ في القافلة إلى خُش، وينصرف الهيثم وأصحابهُ بمن صار في أيديهم إلى أرشق حتى يصيروا به من غد، فيدفعوهم إلى عَلَّويه الأعور وأصحابه ليوصلوهم إلى حيث يريدون، ويصير أبو سعيد ومن معه إلى خُش، ثم إلى عسكر الأفشين، فتلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيقبص منه من في القافلة، فيؤديهم إلى عسكر الأفشين؛ فلم يزل الأمرُ جاريًا على هذا؛ وكلما صارَ إلى أبي سعيد أو إلى أحدِ من المسالح أحدٌ من الجَواسيس وجهّوا به إلى الأفشين؛ فكانَ لا يقتلُ الجواسيس ولا يضربُهم، ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم، فيُضعفه لهم، ويقول للجاسوس: كن جاسوسًا لنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>[ذكر خبر وقعة الأفشين مع بابك بأرشق]</span>\nوفيها كانت وقعة بين بابك وأفشين بأرشق، قتلَ فيها الأفشين من أصحاب","vol":"12","page":308},{"text":"بابك خلقًا كثيرًا، قيل أكثر من ألف، وهرب بابك إلى مُوقَان، ثم شخص منها إلى مدينته التي تدعى البذ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>[ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الأفشين وبابك]</span>\nذُكر أنَ سبب ذلكَ أن المعتصم وجَّهَ مَع بُغا الكبير بمال إلى الأفشين عَطاءً لجندهِ وللنفقات، فقدم بُغَا بذلكَ المالَ إلى أَردَبيل، فلمَّا نزل أردبيل بلغَ بابك وأصحابه خبرهُ، فتهيَّأ بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الأفشين، فقدم صالح الجاسوس على الأفشين، فأخبره أنّ بُغا الكبير قد قدمَ بمال، وأن بابك وأصحابه تهيَّئوا ليقتطعوه قبل وصوله إليك.\nوقيل: كان مجيء صالح إلى أبي سعيد، فوجَّهَ بهِ أبو سعيد إلى الأفشين وهيأ بابك كمينًا في مواضع، فكتب الأفشين إلى أبي سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك، فمضى أبو سعيد متنكرًا هو وجماعة من أصحابه، حتى نظروا إلى النيران والوقود في المواضع التي وصفها لهم صالح، فكتب الأفشين إلى بُغا؛ أن يقيم بأَردَبيل حتى يأتيه رأيَهُ، وكتب أبو سعيد إلى الأفشين بصحَّة خبر صالح، فوعد الأفشين صالحًا وأحسن إليه، ثم كتب الأفشين إلى بُغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويشدَّ المالَ على الإبل ويُقْطرها ويسير متوجِّهًا من أَردبيل؛ كأنهُ يريد برْزَنْد؛ فإذا صارَ إلى مَسلحة النهر، أو سارَ شبيهًا بفرسخين، احتبسَ القطار حتى يجوزَ مَن صحب المال إلى بَرْزند فإذا جَازَت القافلةُ رجع بالمالِ إلى أردبيل. ففعل ذلكَ بُغا، وسارت القافلةُ حتى نزلت النهر، وانصرف جواسيس بابك إليهِ يعلمونه أنَّ المال قد حُمل، وعاينوه محمولًا حتى صارَ إلى النهر، ورجعَ بُغا بالمال إلى أردبيل، وركب الأفشينُ في اليوم الذي وعد فيه بُغا عند العصر من برزند، فوافى خشَّ مع غروب الشمس، فنزل معسكرًا خارج خندق أبي سعيد؛ فلما أصبح ركب في سرِّ، لم يضرب طبلًا ولا نَشرَ علمًا، وأمر أن يلفّ الأعلامُ، وأمر الناسَ بالسكوت، وجدَّ في السير، ورحلت القافلةُ التي كانت توجَّهت في ذلكَ اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوي، ورحل الأفشين من خشّ يريد ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق، ولم يعلم الهيثم [بمن كانَ معه]\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٧٢).","vol":"12","page":309},{"text":"فرحل بمَن كان معهُ من القافلة يريد بها النهر.\nوتعبَّأَ بابك في خَيلهِ ورجالهِ وعساكره، وصار على طريق النهر، وهو يظنُّ أن المالَ موافيه، وخرجَ صاحب النهر ببذَرق مَنْ قِبَله إلى الهيثم، فخرجت عليه خيل بابك؛ وهم لا يشكّون أنَّ المال معه، فقاتلهم صاحبُ النهر، فقتلوه وقتلوا مَنْ كانَ معهم من الجند والسابلة، وأخذوا جمِيعَ ما كان معهم من المتاع، وغيره، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمَه، وأخذوا لباسَ أهل النهر ودراريعهم وطراداتهم وخفاتينَهم فلبسوها، وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معهُ أيضًا، ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاءوا كأنهم أصحاب النهر، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذي كانَ يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غير موضِع صاحب النهر، وجاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكرَ ما رأى، فوجَّهَ ابن عَمٍّ لهُ، فقال لهُ: اذهب إلى هذا البغيض، فقل له: لأيِّ شيءٍ وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم، فلما رأى القومَ أنكرهم لما دنا منهم فرجعَ إلى الهيثم فقال له: إنَّ هؤلاء القومُ لستُ أعرفهم، فقال له الهيثم: أَخزاك الله! ما أجبنَكَ! ووجهَ خمسة فرسان من قبله، فلما جاءوا وقربوا من بابك، خرج من الخُرّمية رجلان فتلقَّوهما وأنكروهما، وأعلموهما أنهم قد عرفوهما، ورجعوا إلى الهيثم ركضًا، فقالوا: إِنَّ الكافرَ قد قتل علويه وأصحابه، وأخذوا أعلامهم ولباسهم، فرحل هيثم منصرفًا، فأتى القافلةَ التي جاء بها معه، وأمرهم أن يركضوا ويرجعوا، لئلا يُؤخذوا، ووقفَ هو في أصحابه، يسير بهم قليلًا قليلًا، ويقف بهم قليلًا، ليشغل الخرميّة عن القافلة، وصار شبيهًا بالحامية لهم؛ حتى وصلت القافلة إلى الحصن الذي يكونُ فيهِ الهيثم - وهو أرشق - وقال لأصحابه: مَنْ يذهب منكم إلى الأمير وإلى أبي سعيد فيعلمهما وله عشرة آلاف درهم وفرس بدل فرسهِ إن نَفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه؟ فتوجَّهَ رجلانِ من أصحابهِ على فرسينِ فارهين يركضانِ، ودخل الهيثم الحصنَ، وخرجَ بابكَ فيمن معه، فنزل بالحصن، وضع له كرسي وجلس على شرف بحيال الحصن، وأرسل إلى الهيثم: خلِّ عَن الحصن وانصرف حتى اهدمه. فأبى الهيثم وحاربه. وكان مع الهيثم في الحصن ستمائة راجل وأربعمائة فارس، وله خندق حصين، فقاتله، وقعد بابك فيمن معه، ووضع الخمر بين يديه ليشربها، والحرب مشتبكة كعادته، ولقى","vol":"12","page":310},{"text":"الفارسان الأفشين على أقلِّ من فرسخ من أرشق، فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدَّمته: أرى فارسين يركُضان ركضًا شديدًا، ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الإعلام واركضوا نحو الفارسين، ففعل أصحابه ذلك، وأسرعوا السير، وقال لهم: صيحوا بهما لبيكَ لبيك! فلم يزل الناس في طَلقٍ واحدٍ متراكضينَ، يكسرُ بعضهم بعضًا حتى لحقوا بابك؛ وهو جالسٌ، فلم يتدارك أن يتحوَّل ويركب حتى وافتهُ الخيل والناس، واشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير، ودخل مُوقان، وقد تقطَّع عنه أصحابه، وأقامَ الأفشين في ذلك الموضع، وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند، فأقام بابك بمُوقان أيامًا. ثم إنه بعث إلى البذ، فجاءه في الليل عسكر فيهِ رجَّالة، فرحل بهم من موقان حتى دخل البذ، فلم يزل الأفشين معسكرًا ببرزَند، فلما كان في بعض الأيام مرَّت به قافلة من خُش إلى بَرزند، ومعها رجلٌ من قِبَل أبي سعيد يسمى صالح آب كش - تفسيره السقاء - فخرج عليه أصبهبذ بابك، فأخذ القافلةَ وقتل مَنْ فيها، وقتل مَنْ كانَ مع صالح، وأفلتَ صالح، بلا خف مع من أفلت، وقُتِلَ جميعُ أهل القافلة، وانتُهِبَ متاعهم، فقحط عسكر الأفشين من أجل تلك القافلةِ التي أخذت من الآب كش؛ وذلكَ أنها كاتت تحمل الميرة، فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمرهُ بحمل الميرة تعجيلها عليه؛ فإنَّ الثاسَ قد قحطوا وجاعوا، فوجه إليه صاحب المراغة بقافلة ضخمة، فيها قريب من ألف ثَوْر سوى الحمرُ والدوابّ وغير ذلك، تحمل الميرة، ومعها جند يُبذرقونها، فخرجت عليهم أيضًا سريَّةُ لبابك، كان عليها طَرْخَان - أو آذين - فاستباحوها عن آخرها بجميعِ ما فيها، وأصابَ الناس ضيق شديد؛ فكتب الأفشين إلى صاحب السيروَان أن يحمل إليه طعامًا فحمل إليها طعامًا كثيرًا، وأغاثَ الناسَ في تلكَ السنة وقدم بُغا على الأفشين بمالٍ ورجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>[ذكر الخبر عن خروج المعتصم إلى القاطول]</span>\nوفي هذه السنة خرج المعتصم إلى القاطُول، وذلكَ في ذي القعدة منها (١).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٧٢).","vol":"12","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1926>[ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها]</span>\nذكر عن أبي الوزير أحمد بن خالد، أنه قال: بعثني المعتصم في سنة تسع عشرة ومائتين، وقال لي: يا أحمد، اشترِ لِي بناحية سامراء موضعًا أَبني فيه مدينة؛ فإني أتخوفُ أَن يصيحَ هؤلاء الخرمية صيحة، فيقتلوا غلماني؛ حتى أكونَ فوقهم، فإِن رابني منهم ريبٌ أتيتُهم في البر والبحر؛ حتى آتي عليهم، وقال لي: خذ مائة ألف دينارٍ، قال: قلتُ: آخذ خمسة آلاف دينار، فكلَّما احتجتُ إلى زيادةٍ بعثتُ إليكَ فاستزدتُ؟ قال: نعم؛ فأتيت الموضع، فاشتريتُ سامراء بخمسمائةِ درهم من النصارى أصحاب الدير، واشتريتُ موضع البستان الخاقاني بخمسة آلاف درهم، واشتريتُ عدَّة مواضعٍ حتى أحكمت ما أردت، ثم انحدرتُ فأتيته بالصكاك، فعزم على الخروج إليها في سنة عشرين ومائتين، فخرج حتى إذا قارب القاطول ضُربت له فيه القباب والمضارب، وضرب الناس الأخبية، ثم لم يزل يتقدَّم وتضرب له القباب حتى وضع البناء بسامراء سنة إحدى وعشرينَ ومائتين.\nفذكر عن أبي الحسن بن أبي عباد الكاتب، أن مسرورًا الخادم الكبير، قال: سألني المعتصم: أين كانَ الرشيد يتنزَّهُ إذا ضجرَ من المقامِ ببغداد؟ قال: قلتُ لهُ: بالقاطول، وقد كان بنى هُناكَ مدينةً آثارها وسورها قائم؟ وقد كان خافَ من الجند ما خاف المعتصم، فلما وثبَ أهلُ الشأم بالشأم وعصوا، خرج الرشيد إلى الرَّقة فأقامَ بها، وبقيت مدينة القاطول لم تستتمَّ، ولما خرجَ المعتصم إلى القاطول استخلفَ ببغداد ابنهُ هارون الواثق.\nوقد حَدَّثني جعفر بن بوَّازة الفرَّاء، أن سبب خروج المعتصم إلى القاطول، كانَ أنَّ غلمانهُ الأتراك لا يزالون يجدُون الواحد بعد الواحد منهم قتيلًا في أرباضها؛ وذلكَ أنهم كانوا عُجْمًا جفاة يركبون الدواب، فيتراكضون في طُرق بغداد وشوارعها، فيصدمون الرجل والمرأة ويطئون الصبي، فيأخذهم الأبناء فينكسونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم، فربما هلكَ من الجراحِ بعضهم، فشكت الأتراك ذلكَ إلى المُعْتصم، وتأذَّت بهم العامة، فذُكِرَ أَنهُ رأى المعتصم راكبًا منصرفًا من المصلى في يوم عيد الأضحى أو فطر؛ فلما صار في مربعة","vol":"12","page":312},{"text":"الحَرشي، نظر إلى شيخ قد قام إليه، فقال لهُ: يا أبا إسحاق، قال: فابتدره الجند ليضربوه، فأشارَ إليهم المعتصم فكفهم عنه، فقال للشيخ: ما لك! قال: لا جَزاكَ اللهُ عن الجوارِ خيرًا! جاورتَنا وجئت بهؤلاء العُلوج فأسكنتَهم بين أَظهرنا، فأيتمت بهم صبياننا، وأرملتَ بهم نسواننَا، وقتلتَ بهم رجالنا! والمعتصم يسمع ذلكَ كله. قال: ثم دخلَ داره فلم يُرَ راكبًا إلى السنة القابلة في مثل ذلكَ اليوم؛ فلما كان العام المقبل في مثل ذلكَ اليوم خرج فصلَّى بالناس العيد؛ ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد؛ ولكنهُ صرف وجه دابتهِ إلى ناحية القاطول، وخرج من بغداد ولم يرجع إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>[ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان]</span>\nوفي هذه السنة غضب المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم:</span>\nذُكر أن الفضل بن مروان - وهو رجل من أهل البَرَدَان - كانَ مُتَصِلًا برجل من العمَّال يكتب له، وكان حسن الخط، ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى الجُرْمَقاني، وكانَ الفضلُ بن مروان يخطُّ بينَ يديهِ؛ فلما مات الجُرْمقاني صار الفضلُ في موضعهِ؛ وكان يكتبُ للفضل عليَّ بن حسان الأنباري، فلم يزل كذلكَ حتى بلغَ المعتصم الحالُ التي بلغها، والفضلُ كاتبه، ثم خرجَ معهُ إلى معسكر المأمون، ثم خرجَ معه إلى مصر، فاحتوى على أموال مصر، ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد، ينفذ أمور المعتصم، ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفةً، فصارَ الفضل صاحب الخلافة، وصارت الدَّواوين كلها تحت يديه وكنز الأموال، وأقبل أبو إسحاق حين دخلَ بغداد يأمرهُ بإعطاء المغنِّي والمُلهِي؛ فلا ينفذ الفضل ذلك؛ فثقلَ على أبي إسحاق.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٧٢).","vol":"12","page":313},{"text":"فحدثني إبراهيم بن جهروَيْه أن إبراهيم المعروف بالهفْتِي - وكان مضحكًا - أمر له المعتصم بمال، وتقدَّمَ إلى الفضل بن مروان في إعطائه ذلك، فلم يعطهِ الفضل ما أمر بهِ المعتصم؛ فبينا الهَفْتَي يومًا عند المعتصم، بعد ما بُنيت له داره التي ببغداد، واتُّخذ له فيها بستان، قام المعتصم يتمشَّى في البستان ينظر إليه وإلى ما فيهِ من أنواعِ الرَّياحينِ والغُروس، ومعهُ الهفتي، وكان الهفتي يصحب المعتصم قبل أن تُفضي الخِلافةُ إليهِ، فيقول فيما يداعبه: واللهِ لا تفلح أبدًا! قال: وكان الهفتي رجلًا مربوعًا ذا كُدنة، والمعتصم رجلًا معرَّقًا خفيف اللحم، فجعل المعتصم يسبقُ الهفتيَّ في المشي، فإذا تقدمهُ ولم ير الهفتي معه التفتَ إليهِ، فقال: ما لكَ لا تمشي! يستعجله المعتصم في المشي ليلحق بهِ؛ فلما كثر ذلكَ من أمر المعتصم على الهَفْتي، قال لهُ الهفتي، مداعبًا لهُ: كنتُ أصلحكَ الله، أراني أماشي خليفة؛ ولم أكن أراني أماشي فَيْجًا، واللهُ لا أفلحت! فضحكَ منها المعتصم، وقال: ويلكَ! هل بقيَ من الفلاحِ شيءٌ لم أدركهُ! أبعدَ الخلافةِ تقول هذا لي! فقال له الهفتي: أتحسب أنكَ قد أفلحتَ الآنَ إنما لكَ من الخِلافةِ الاسم؛ واللهِ ما يجاوز أمركَ أذُنيكَ؛ وإنما الخليفة الفَضْل بن مروان، الذي يأمر فينفذُ أمرهُ من ساعته، فقال له المعتصم: وأيُّ أمرٍ لي لا ينفذَ!؟ فقال له الهفتي: أمرتَ لي بكذا وكذا منذ شهرين؛ فما أُعطِيتُ مما أمرتَ به منذ ذاكَ حبة! .\nقال: فاحتجنَها على الفضل المعتصم حتى أوقع به.\nفقيل: إن أوَّلَ ما أحدثه في أمرهِ حين تغير لهُ أن صيَّرَ أحمدَ بن عمار الخُراساني زمامًا عليه في نفقات الخاصة، ونصر بن منصور بن بسام زمامًا عليهِ في الخراج وجميع الأعمال؛ فلم يزل كذلك؛ وكان محمد بن عبد الملك الزيَّات يتولَّى ما كان أبوه يتولَّاه للمأمون من عمل المشمّس والفساطيط وآلة الجمَّازات ويكتب على ذلكَ مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك، وكانَ يلبس إذا حضر الدار دُراعة سوداء وسيفًا بحمائل، فقال له الفضل بن مروان: إنما أنت تاجر، فما لكَ وللسواد والسيف! فتركَ ذلكَ محمد، فلما تركهُ أخذه الفضل برفع حسابه إلى دُليل بن يعقوب النصراني، فرفعه، فأحسن دُلَيل في أمره؛ ولم يرزأهُ شيئًا، وعرض عليه محمد هدايا، فأبى دُليل أن يقبل منها شيئًا، فلما","vol":"12","page":314},{"text":"كانت سنة تسع عشرة ومائتين - وقيل سنة عشرين وذلكَ عندي خطأ - خرجَ المعتصم يريد القاطول، ويريدُ البناء بسامراء، فصرفه كثرة زيادة دجلة؛ فلم يقدر على الحركة، فانصرفَ إلى بغداد إلى الشماسيَّة، تم خرجَ بعد ذلك؛ فلما صار بالقاطول غضب على الفَضْل بن مروان وأهل بيتهِ في صفر، وأمرهم برفع ما جرى على أيديهم؛ وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه في عمل حسابه، فلما فرغَ من الحساب لم يناظر فيه، وأمر بحبسه، وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان، وحبس أصحابه، وصيَّرَ مكانهُ محمد بن عبد الملك الزيات، فحبس دُليلًا، ونفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل يقال لها السن، فلم يرْل بها مقيمًا؛ فصار محمد بن عبد الملك وزيرًا كاتبًا، وجرى على يديهِ عامةُ ما بنى المعتصم سامراء من الجانبين الشرقيِّ والغربيِّ، ولم يزل في مرتبته حتى استُخلِفَ المُتوكل، فقتل محمد بن عبد الملك.\nوذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حلَّ من قبله المحل الذي لم يكن أحد يطمعُ في ملاحظته، فضلًا عن منازعته ولا في الاعتراض في أمرهِ ونهيه، وإرادتهِ وحكمه؛ فكانت هذه صفتهُ ومقدارهُ؛ حتى حملته الدَّالة، وحرَّكتهُ الحُرمةُ على خلافه في بعض ما كان يأمره به، ومنعَهُ ما كان يحتاجُ إليه من الأموال في مهم أموره؛ فذكر عن ابن أبي داود أنه قال: كنت أحضر مجلس المعتصم؛ فكثيرًا ما كنت اسمعه يقول للفضل بن مروان: احمل إليَّ كذا وكذا من المال، فيقول: ما عندي، فيقول: فاحتلها من وجه من الوجوه، فيقول: ومن أين أحتالها! ومَن يعطيني هذا القدر من المال؟ وعندَ من أجده؟ فكانَ ذلكَ يسوءهُ وأعرفهُ في وجهه؛ فلمَّا كثر هذا من فعله ركبتُ إليهِ يومًا فقلت له مستخليًا به: يا أبا العباس؛ إنَّ الناسَ يدخلون بيني وبينكَ بما أكرهُ وتكره، وأنتَ امرؤ قد عرفتُ أخلاقَكَ، وقد عرفها الداخلونَ بيننا؛ فإِن حُرِّكت فيك بحق فاجعله باطلًا، وعلى ذلكَ فما أدع نصيحتك وأداء ما يجب عليَّ في الحق لك؛ وقد أراكَ كثيرًا ما ترد على أميرِ المؤمنين أجوبةً غليظةً تُرمضه، وتقدح في قلبه، والسلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيما إذا كثرَ ذلكَ وغلظ. قال: وما ذاك يا أبا عبد الله؟ قلتُ: أسمعهُ كثيرًا ما يقول لك: نحتاجُ إلى كذا منِ المال لنصرفَهُ في وجهِ كذا، فتقول: ومن يعطيني هذا! وهذا ما لا يحتملهُ الخُلفاء. قال: فما أصنعُ إذا طلب","vol":"12","page":315},{"text":"مني ما ليسَ عندي؟ قلت: تصنع أن تقول: يا أميرَ المؤمنين، نحتالُ في ذاك بحيلة، فتدفعُ عَنكَ أيامًا إلى أن يتهيّأ، وتحمل إليه بعض ما يطلب وتسوفه بالباقي، قال نعم أفعل وأصبر إلى ما أَشرتَ به. قال: فواللهِ لكأني كنتُ أغريهِ بالمنع، فكان إذا عاودهُ بمثلِ ذلكَ من القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب. فلما كَثُرَ ذلكَ عليه، دخلَ يومًا إليهِ وبينَ يديهِ حزمةُ نرجس غض، فأخذها المعتصم فهزَّها، ثم قال: حيَّاكَ اللهُ يا أبا العباس! فأخذها الفضلُ بيمينهِ وسلَّ المعتصم خاتمه من أصبعه بيساره، وقال لهُ بكلام خفي: أعطني خاتمي، فانتزعهُ من يدهِ، وضعه في يد ابن عبد الملك.\nوحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>ثم دخلت سنة إحدى وعشرينَ ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلكَ الوقعة التي كانت بين بابك وبغا الكبير من ناحية هَشْتَادسر، فهزم بُغا واستبيح عسكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>[ذكر الخبر عن وقعة الأفشين مع بابك في هذه السنة]</span>\nوفيها واقع الأفشين بابك وهزمه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>ذكر الخبر عن هذه الوقعة وكيف كان السبب فيها:</span>\nذكر أن بُغا الكبير قدم بالمال الذي قد مضى ذكره؛ وأنَّ المعتصم وجَّهه معه إلى الأفشين عطاءً للجند الذي كانَ معه ولنفقات الأفشين. على الأفشين، وبالرجال الذين توجَّهوا معهُ إليه، فأعطى الأفشين أصحابهُ، وتجهَّزَ بعد النيروز، ووجَّهَ بُغَا في عسكر ليدور حول هَشْتَادسر، وينزل في خندق محمد بن حميد ويحفره ويُحكمه وينزله، فتوجَّه بُغا إلى خندق محمد بن حُميد، وصار\n_________\n(١) وكذلكَ قال خليفة في تأريخه (٣١٦) والبسوي في المعرفة والتأريخ (١/ ٦٩).\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ٦٤).","vol":"12","page":316},{"text":"إليهِ، ورحل الأفشين من برْزَند، ورحل أبو سعيد من خُش يريد بابك، فتوافوا بموضع يقال لهُ دروذ، فاحتفر الأفشين بها خندقًا، وبنى حولهُ سورًا، ونزلَ هو وأبو سعيد في الخندق مع مَنْ كانَ صاد إليهِ من المطوعة؛ فكان بينهُ وبين البَذ سِتَّة أميال. ثم إن بُغا تجهزَّ، وحمل معه الزَّادَ من غير أن يكون الأفشين كتبَ إليه ولا أمرهُ بذلك، فدار حولَ هَشتادسر حتى دخلَ إلى قريةِ البذ، فنزل في وسطها، وأقامَ بها يومًا واحدًا، ثم وجه ألف رجل في علافة له، فخرج عسكر من عساكر بابك، فاستباح علافة، وقتل جميع مَنْ قاتلهُ منهم، وأسر من قدر عليه، وأخذ بعض الأسرى؛ فأرسلَ لهم رجلين مما يلي الأفشين، وقال لهما: اذهبا إلى الأفشين، وأعلماهُ ما نزل بأصحابكم. فأشرف الرَّجُلان، فنظر إليهما صاحب الكُوهْبانيَّة، فحرَّكَ العلمَ، فصاحَ أهلُ العسكر: السلاح السلاح! وركبوا يريدون البذّ، فتلقَّاهُم الرجلان عُريانين؛ فأخذهما صاحبُ المقدِّمة، فمضى بهما إلى الأفشين، فأخبراه بقضيتهما، فقال: فعل شيئًا من غير أن نأمره. ورجع بُغَا إلى خندق محمد بن حميد شبيهًا بالمنهزمِ؛ وكتبَ إلى الأفشين يعلمهُ ذلكَ، ويسألهُ المدد، ويعلمهُ أنَّ العسكر مفلول، فوجَّهَ إليهِ الأفشينُ أخاه الفضل بن كاوس وأحمد بن الخليل بن هشام وابن جَوْشن وجَنَاحا الأعور السكري، وصاحب شرطة الحسن بن سهل - وأحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل - فداروا حولَ هَشْتادسر، فسُرَّ أهل عسكره بهم، ثم كتبَ الأفشين إلى بُغا يعلمهُ أنه يغزو بابك في يوم سمَّاه له، ويأمرهُ أن يغزوَه في ذلكَ اليوم بعينه، ليحاربهُ من كلا الوجهين؛ فخرجَ الأفشينُ في ذلكَ اليوم مِنْ دَروذ يريد بابك، وخرجَ بُغا من خندق محمد بن حميد، فصعد إلى هَشتادسر، فعسكر على دعوة بجنب قبر محمد بن حميد، فهاجت ريحٌ باردة ومطر شديد، فلم يكن للناس عليها صبر لشدة البرد وشدَّةِ الريح، فانصرفَ بُغا إلى عسكرهِ، وواقعهم الأفشين من الغد، وقد رجعَ بُغا إلى عسكره، فهزمهُ الأفشين، وأخذ عسكرهُ وخيمتهُ وامرأة كانت معه في العسكر. ونزل الأفشين في معسكر بابك، ثم تجهَّزَ بُغا من الغد، وصعد هَشْتادسر، فأصابَ العسكر الذي كانَ مقيمًا بإزائهِ بهشتادسر وقد انصرف إلى بابك، ورحل بُغا إلى موضعه، فأصابَ خُرَثيَّا وقُماشًا، وانحدر من هَشتادسر يريد البذ، فأصابَ رجلًا وغلامًا نائمين فأخذهما داودسياه - وكان على مقدمته - فسألهما، فذكرا أن رسولَ بابك أتاهم في الليلةِ التي انهزم فيها بابك، فأمرهم أن","vol":"12","page":317},{"text":"يوافوه بالبذ، فكان الرجل والغلام سكرانين، فذهب بهما النوم، فلا يعرفان من الخبر غير هذا؛ وكان ذلكَ قبل صلاة العصر، فبعث بُغا إلى داودسياه: قد توسطنا الموضع الذي نعرفه - يعني الذي كنا في المرة الأولى - وهذا وقت المساء، وقد تعب الرَّجالة، فانظر جبلًا حصينًا يسعُ عسكرنا، حتى نعسكرَ فيهِ ليلتنا هذه. فالتمسَ داودسياه ذلك، فصعد إلى بعض الجبال، فالتمسَ أعلاهُ فأشرف، فرأى أعلامَ الأفشين ومعسكره شبه الخيال فقال: هذا موضعنا إلى غدوة، وننحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله. فجاءهم في تلكَ الليلة سحابٌ وبرد ومطر وثلج كثير؛ فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل يأخذ ماء، ولا يسقي دابَّته من شدَّة البرد وكثرة الثلج؛ وكأنهم كانوا في ليل من شدَّة الظلمةِ والضباب. فلمَّا كانَ اليوم الثالث قال الناسُ لبُغَا: قد فني ما معنا من الزَّادِ، وقد أضرَّ بنا البردُ؛ فانزل على أيِّ حالة كانت؛ إما راجعين وإما إلى الكافر. وكان في أيامِ الضبَّاب. فبيتَ بابك الأفشين ونقض عسكره، وانصرف الأفشين عنه إلى معسكره، فضرب بُغا بالطَّبْلِ وانحدر يريدُ البذَّ حتى صار إلى البطنِ، فنظر إلى السماءَ منجليةً، والدُّنيا طيبة، غير رأس الجبل الذي كانَ عليهِ بُغا، فعبى بُغا أصحابه ميمنةً وميسرةً ومقدِّمة، وتقدَّمَ يريد البذ، وهو لا يشكُّ أن الأفشين في موضع معسكره، فمضى حتى صار بلزقِ جَبل البذ، ولم يبق بينهُ وبين أن يشرف على أبياتِ البذ إلا صعود قَدْر نصف ميل؛ وكان على مقدِّمته جماعة فيهم غلامٌ لابن البَعيث، له قرابة بالبذ، فلقيتهم طلائعُ لبابك، فعرف بعضهم الغلام، فقال له: فلان؛ فقال: من هذا ها هنا؛ فسمى له مَنْ كانَ معهُ من أهل بيته، فقال: ادنُ حتى أكلمك، فدنا الغلامُ منهُ، فقال لهُ: ارجع وقلْ لمن تعني به يتنحَّى؛ فإنا قد بيَّتنا الأفشين، وانهزمَ إلى خندقهِ وقد هيَّانا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلكَ أن تفلت. فرجعَ الغلامُ فأخبر ابن البعيث بذلكَ، وسمَّى لهُ الرجل، فعرفهُ ابن البعيث، فأخبر ابن البعيث بُغا بذلك، فوقفَ بُغا شاورَ أصحابهُ، فقال بعضهم: هذا باطل؛ هذه خُدعة ليس من هذا شيء، فقال بعض الكُوهبانين: إنَّ هذا رأسُ جبل أعرفه، مَنْ صعدَ إلى رأسه نظر إلى عسكر الأفشين. فصعد بُغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط، فأشرفوا على الموضع، فلم يروا فيه عسكر الأفشين فتيقنوا أنه قد مضى، وتشاوروا فرأوا أن ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل أن يجنهم الليل، فأمر بُغا داودسياه","vol":"12","page":318},{"text":"بالانصراف، فتقدَّمَ داود وجدَّ في السير، ولم يقصد الطريق الذي كانَ دخلَ منهُ إلى هَشتادسر مخافةَ المضايق والعقاب، وأخذ الطريقَ الذي كانَ دخلَ منهُ في المرَّةِ الأولى، يدورُ حول هَشْتَادسر، وليس فيهِ مضيق إلَّا في موضع واحد:\nفسارَ بالناس، وبعث بالرجَّالة، فطرحوا رماحهم في الطريق، ودخلتهم وحشة شديدة ورُعب، وصار بُغا والفضل بن كاوس وجماعة القوَّاد في الساقة، وظهرت طلائع بابك، فكلما نزل هؤلاء جبلًا صعدتهُ طلائع بابك؛ يتراءون لهم مرَّة ويغيبون عنهم مرَّة، وهم في ذلكَ تقفُونَ آثارهم، وهم قدر عشرة فرسان؛ حتى كان بين الصَّلاتين: الظهر والعصر، فنزل بغا ليتوضَّا ويصلِّي، فتدانت منهم طلائع بابك، فبرزوا لهم، وصلى بُغا ووقف في وُجوههم، فوقفوا حين رأوهُ، فتخوفَ بُغا على عسكرهِ أن يواقعهُ الطلائع من ناحية، ويدور عليهم في بعض الجبال والمضايق قومٌ آخرون، فشاور من حضره، وقال: لستُ آمن أن يكونوا جعلوا هؤلاء مشغلة، يحبسوننا عن المسير، ويقدِّمونَ أصحابهم ليأخذوا على أصحابنا المضايق. فقال له الفضل بن كاوس: ليس هؤلاء أصحاب نهار، وإنما هم أصحاب ليل؛ وإنما يتخوف على أصحابنا من الليل، فوجَّهَ إلى داودسياه ليُسرعَ السير ولا ينزل، ولو صار إلى نصف الليل حتى يجاوز المضيق، ونقف نحن هاهنا؛ فإن هؤلاء ما داموا يروننا في وجوههم لا يسيرون. فنماطلهم وندافعهم قليلًا قليلًا حتى تجيء الظلمة؛ فإذا جاءت الظلمة لم يعرفوا لنا موضعًا، وأصحابنا يسيرون فينفذون أولًا فأولًا، فإن أخذ علينا نحنُ المضيقُ تخلصنا من طريق هَشتادسر أو من طريق آخر.\nوأشار غيره على بُغا. فقال: إنَّ العسكر قد تقطع، وليس يدرك أوَّله آخره. والناس قد رموا بسلاحهم، وقد بقي المالُ والسلاح على البغال، وليسَ معه أحد، ولا نأمن أن يخرج عليه من يأخذ المال والأسير - وكان ابن جويدان معهم أسيرًا أرادوا أن يفادوا بهِ كاتبًا لعبد الرحمن بن حبيب، أسره بابك - فعزم بُغا على أن يعسكر بالناسِ حين ذُكر له المال والسلاح والأسير، فوجَّهَ إلى داودسياه: حيثما رأيتَ جبلًا حصينًا، فعسكر عليه.\nفعدل داود إلى جبل مؤرب، لم يكن للناس موضع يقعدون فيهِ من شدَّةِ هبوطهِ، فعسكر عليه، فضرب مضربًا لبُغا على طرف الجبل في موضع شبيه","vol":"12","page":319},{"text":"بالحائط، ليس فيهِ مسلك، وجاء بغا فنزل، وأنزل الناسَ وقد تعبُوا وكلُّوا، وفنيت أزوادُهم، فباتوا على تعبئة وتحارُس من ناحية المصعد، فجاءهم العدوُ من الناحية الأُخرى، فتعلقوا بالجبل حتى صاروا إلى مضرب بُغا، فكسبوا المضرب، وبيتوا العسكر، وخرج بُغا راجلًا حتى نجا، وجُرح الفضل بن كاوس، وقتل جناح السكري، وقتل ابن جَوشن، وقتل أحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل، وخرج بُغا مع العسكر راجلًا، فوجد دابة فركبها، مرَّ بابنِ البَعيث فأصعده على هَشتادسر، حتى انحدر بهِ على عسكر محمد بن حُميد، فوافاهُ في جوف الليل، وأخذ الخُرَّمية المال والسلاح والأسير ابن جويدان، ولم يتبعوا الناس، ومرَّ الناسُ منهزمين منقطعين حتى وافوا بُغا، وهو في خندق محمد بن حميد، فأقامَ بُغا في خندق محمد بن حُميد خمسةَ عشر يومًا، فأتاهُ كتاب الأفشين يأمرهُ بالرجوع إلى المَرَاغة، وأن يردَّ إليهِ المدد الذي كانَ أمدَّهُ بهِ، فمضَى بُغا إلى المراغة، وانصرفَ الفضل بن كاوس وجميعُ مَنْ كان جاء معهُ من معسكر الأفشين إلى الأفشين، وفرَّق الأفشين الناس في مشاتيهم تلك السنة، حتى جاء الربيع من السنة المقبلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>[خبر مقتل طرخان قائد بابك]</span>\nوفي هذه السنة قُتِلَ قائد لبابك كان يقال لهُ طَرْخان.\nذكر سبب قتله:\nذُكِرَ أَنَّ طرخان هذا كان عظيم المنزلة عند بابك، وكان أحد قوِّادهِ، فلمَّا دخلَ الشتاء من هذه السنة، استأذنَ بابك في الإذن لهُ أن يشتو في قرية له بناحية المَرَاغة - وكان الأفشين يرصده، ويحبُّ الظفر به؛ لمكانه من بابك - فأذن لهُ بابك، فصار إلى قريته ليشتو بها بناحية هشتادسر، فكتب الأفشين إلى تُرك مولى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وهو بالمَراغة، أن يسري إلى تلك القرية - ووصفها له - حتى يقتل طرخان، أو يبعث به إليه أسيرًا. فأسرى تُرك إلى طِرخَان، فصار إليهِ في جَوفِ الليل، فقتل طرخان وبعث برأسهِ إلى الأفشين.\n* * *","vol":"12","page":320},{"text":"وفي هذه السنة قدم صول أرتكين وأهل بلادهِ في قيود فنُزعت قيودُهم، وحمل على الدواب منهم نحو من مائتي رجل.\nوفيها غضب الأفشين على رجاء الحضاري وبعث به مقيَّدًا.\n* * *\nوحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو والي مكة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كانَ فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلكَ ما كان من لوجيه المعتصم جعفر بن دينار الخياط إلى الأفشين مددًا لهُ، ثم إتباعهُ بعد ذلكَ بإيتاخ وتوجيهه معه ثلاثين ألف ألف درهم عطاء للجند وللنفقات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>[ذكر خبر الوقعة بين أصحاب الأفشين وآذين قائد بابك]</span>\nوفيها كانت وقعة بين أصحاب الأفشين وقائد لبايك يقال له آذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها</span>\nذكر أن الشتاء لما انقضى من سنة إحدى وعشرين ومائتين وجاء الربيعُ، ودخلت سنةُ اثنتين وعشرين ومائتين، وجَّه المعتصم إلى الأفشين ما وجهه إليه من المدد والمال، فوافاهُ ذلكَ كله وهو ببرزند، سلّمَ إيتاخ إلى الأفشين المال والرِّجال الذين كانوا معهُ وانصرف، وأقامَ جعفر الخياط مع الأفشين مدة، ثم\n_________\n(١) وكذلكَ قال البسوي في المعرفة (١/ ٦٩).\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ٧٣) وانظر تعليقنا في نهاية هذه الأحداث (٩/ ٥٤).","vol":"12","page":321},{"text":"رحل الأفشين عند إمكان الزَّمان، فصار إلى موضع يقال له كلان روذ، فاحتفر فيهِ خندقًا، وكتب إلى أبي سعيد، فرحل من بَرْزَند إلى إزائه على طرف رِستاق كلان روذ، وتفسيره: نهر كبير؛ بينهما قدر ثلاثة أميال، فأقامَ معسكرًا في خندق، فأقامَ بكلان روذ خمسة أيام، فأتاهُ من أخبره أن قائدًا من قواد بابك يدعى آذين، قد عسكرَ بإزاء الأفشين، وأنهُ قد صير عيالهُ في جبل يشرف على رُوذ الروذ، وقال لا أتحصنُ من اليهود - يعني المسلمين - ولا أدخل عيالي حصنًا؛ وذلكَ أنَّ بابك قال له: أدخِل عيالكَ الحصن، قال: أنا أتحصَّن من اليهود! والله لا أدخلتهم حصنًا أبدًا، فنقلهم إلى هذا الجبل، فوجَّهَ الأفشين ظفر بن العلاء السعدي والحسين بن خالد المدائني من قواد أبي سعيد في جماعة من الفرسان والكوهبانية، فساروا ليلتهم من كلان روذ؛ حتى انحدروا في مضيق لا يمرُّ فيهِ راكب واحد إلَّا بجَهد، فأكثرُ الناس قادوا دوابَّهم، وانسلوا رجلًا خلفَ رجلٍ، فأمرهم أن يصيروا قبل طلوع الفجر على روذ الروذ، فيعبر الكوهبانية رجَّالة؛ لأنه لا يمكن الفارس أن يتحرَّكَ هُناك، ويتسلقوا الجبل، فصاروا على روذ الروذ قبل السَّحر، ثمَّ أمر من أطاق من الفرسان أن يرتجل وينزع ثيابه، فترجل عامة الفرسان، وعبروا وعبر معهم الكوهبانية جميعًا، وصعدوا الجبل؛ فأخذوا عيال آذين، وبعض ولده، وعبروابهم، وبلغ آذين الخبر بأخذ عياله؛ وكان الأفشين عند توجه هؤلاء الرجالة ودخولهم المضيق يخاف أن يؤخذ عليهم المضيق، فأمر الكُوهبانية أن يكون معهم أعلام، وأن يكونوا على رؤوس الجبال الشواهق في المواضع التي يشُرفون منها على ظَفَر بن العلاء وأصحابه، فإن رأوا أحدًا يخافونهُ حرَّكوا الإعلام، فبات الكوهبانية على رؤوس الجبال، فلما رجعَ ابنُ العلاء والحسين بن خالد بمن أخذوا من عيال آذين، وصاروا في بعض الطريق قبل أن يصيروا إلى المضيق، انحدر عليهم رجالة آذين فحاربوهم قبل أن يدخلوا المضيق، فوقع بينهم قتلى، واستنقذوا بعض النساء. ونظر إليهم الكوهبانية الذين رتَّبهم الأفشين، وكان آذين قد وجَّه عسكرين؛ عسكرًا يقاتلهم، وعسكرًا يأخذ عليهم المضيق؛ فلما حرَّكوا الأعلامَ وجه الأفشين مظفر بن كيدر في كردوس من أصحابه، فأسرع الركض. ووجَّهَ أبا سعيد خلف المظفر، وأتبعهما ببخارا خُذاه، فوافوا؛ فلما نظر إليهمْ رجَّالةُ آذين الذين كانوا على المضيق انحدروا عن المضيق، وانضموا إلى أصحابهم،","vol":"12","page":322},{"text":"ونجا ظفر بن العلاء والحسين بن خالد ومَن معهما من أصحابهما، ولم يقتل منهم إلا من قتل في الوقعةِ الأولى وجاؤوا جميعًا إلى عسكر الأفشين؛ ومعهم النساء اللواتي أخذوهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>[ذكر خبر فتح البذ مدينة بابك]</span>\nوفي هذه السنة فتحت البذ مدينة بابك، ودخلها المسلمون واستباحوها، وذلكَ في يوم الجمعة لعشر بَقِيْنَ من شهر رمضان في هذه السنة (١).\nذكر الخبر عن أمرها وكيف فُتِحَت والسبب في ذلك:\nذُكر أنَّ الأفشين لما عزم على الدنو من البذ والارتحال من كلان روذ جعل يُزحلف قليلًا قليلًا - على خلافِ زحفهِ قبل ذلك - إلى المنازل التي كان ينزلها؛ فكان يتقدم الأميال الأربعة، فيعسكر في موضع على طريق المضيق الذي ينحدر إلى روذ الرَّوذ، ولا يحفر خندفًا؛ ولكنهُ يقيم معسكرًا في الحسك، وكتب إليه المعتصم يأمرهُ أن يجعل الناسَ نوائبَ كراديس تقف على ظهور الخيل، كما يدور العسكر بالليل؛ فبعض القوم معسكرون وبعضٌ وقوف على ظهور دوابِّهم على ميل كما يدور العسكر بالليل والنهار مخافة البيات؛ كي إن دهمهم أمر يكون الناسُ على تعبية والرَّجالةُ في العسكر؛ فضجَّ الناسُ من التعب، وقالوا: كم نقعد ها هنا في المضيق ونحن قعود في الصحراء، وبيننا وبين العدو أربعة فراسخ، ونحن نفعل فعلًا؛ كأنَّ العدو بإزائنا! قد استحينا من الناس والجواسيس الذين يمرُّونَ بيننا وبينَ العدو أربعة فراسخ؛ ونحن قَدْ متنا من الفزع؛ أقدم بنا؛ فإمَّا لنا وإما علينا، فقال: أنا واللهِ أعلمُ أنَّ ما تقولون حقٌّ؛ ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا. ولا أجدُ منهُ بُدًّا.\n_________\n(١) أكدَّ خليفة أصل الخبر فقال: وفيها (أي ٢٢٢ هـ) وقعة الأفشين بالكافر بابك فهزمه.\nوحوى عسكره واستخرج من كان في بلادهِ من أسرى المسلمين وهرب بابك ثم ظفر به أسيرًا فكتب بالفتح إلى أمير المؤمنين [تأريخ خليفة/ ٣١٦) وانظر المنتظم [١١/ ٧٣] وانظر تعليقنا [٩/ ٥٤] [٩/ ٥١].","vol":"12","page":323},{"text":"فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يتحرى بدراجة الليل على حسب ما كان؛ فلم يزل كذلكَ أيامًا، ثم انحدر في خاصته حتى نزل إلى روذ الرَّوذ، وتقدَّمَ حتى شارف الموضع الذي به الرَّكوة التي واقعه عليها بابك في العام الماضي؛ فنظر إليها، ووجد عليها كُردوسًا من الخرمية؛ فلم يحاربوه ولم يحاربهم؛ فقال بعض العلوج: ما لكم تجيئون وتفرُّون! أما تستحيون! فأمر الأفشين ألا يجيئوهم ولا يبرز إليهم أحد؛ فلم يزل مُواقفهم إلى قريب من الظهر، ثم رجع إلى عسكره، فمكثَ فيه يومين، ثم انحدرَ أيضًا في أكثر مما كان انحدر في المرةِ الأولى، فأمرَ أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم على حسب ما كان واقفهم في المرة الأولى، ولا يحرِّكهم ولا يهجم عليهم.\nوقام الأفشين بروذ الروذ، وأمر الكوهبانية أن يصعدوا إلى رؤوس الجبال التي يظنون أنها حصينة، فيتراءوا له فيها، ويختاروا له في رؤوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجالة، فاختاروا له ثلاثة أجبل، قد كانت عليها حصون فيما مضى؛ فخربت فعرفها، ثم بعث إلى أبي سعيد، فصرفه يومه ذلك؛ فلما كانَ بعد يومين انحدر من معسكره إلى روذ الروذ، وأخذ معهُ الكِلغَريَّة - وهم الفعلة - وحملوا معهم شِكاء الماء والكعك؛ فلما صاروا إلى روذ الروذ وجَّه أبا سعيد، وأمرهُ أن يواقفهم أيضًا على حسب ما كان أمرهُ به في اليوم الأوَّل، وأمر الفعلة بنقل الحجارة وتحصين الطرق التي تسلك إلى تلك الثلاثة الأجبل؛ حتى صارت شبه الحصون، وأمر فاحتفر على كل طريق وراء تلك الحجارة إلى المِصعد خندقًا؛ فلم يترك مسلكًا إلى جبل منها إلا مسلكًا واحدًا. ثم أمر أبا سعيد بالانصراف، فانصرف، ورجع الأفشين إلى معسكره. قال: فلما كانَ اليوم الثامن من الشهر، واستحكم الحصر، دفع إلى الرَّجالة كعكًا وسويقًا، ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير، ووكَّلَ بمعسكرهِ ذلك مَن يحفظه، وانحدروا، وأمر الرَّجالة أن يصعدوا إلى رؤوس تلك الجبال، وأن يصعدوا معهم بالماء، وبجميع ما يحتاجونه إليهِ، ففعلوا ذلك، وعسكر ناحية ووجَّهَ أبا سعيد ليواقف القوم على حسب ما كان يواقفهم، وأمر الناس بالنزول في سلاحهم، وألا يأخذ الفرسان سروج دوابهم. ثم خطَّ الخندق، وأمر الفعلةَ بالعمل فيهِ، ووكَّلَ من يستحثهم، ونزل هو والفرسان، فوقفوا تحتَ الشجر في ظل يرعون دوابهم،","vol":"12","page":324},{"text":"فلما صلى العصر أمر الفعلة بالصعود إلى رؤوس الجبال التي حصنها مع الرَّجالة، وأمر الرجالة أن يتحارسوا ولا يناموا، ويدعو الفعلة فوق الجبال ينامون، وأمر الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس، فيصيّرهم كراديس وقفها حيالهم، بين كلِّ كردوس وكُردوس قَدْر رمية سهم، وتقدم إلى جميع الكراديس ألَّا يلتفتنَّ كل واحد منكم إلى الآخر؛ ليحفظ كلُّ واحد منكم ما يليه؛ فإن سمعتم هدَّةً فلا يلتفتن أحد منكم إلى أحد، وكلُّ كردوس منكم قائم بما يليه، فإنهُ لا بهدة يأخذ. فلم يزل الكراديس وقوفًا على ظهور دوابهم إلى الصباح، والرَّجالة فوق رؤوس الجبال يتحارسون، وتقدَّمَ إلى الرجالة: متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا، وليلزم كلُّ قوم منهم المواضع التي لهم؛ وليحفظوا جبلهم وخندقهم فلا يلتفتنّ أحدٌ إلى أحد. فلم يزالوا كذلكَ إلى الصباح، ثم أمرَ مَنْ يتعاهد الفرسان والرَّجالة بالليل، فينظر إلى حالتهم؛ فلبثوا في حفر الخندق عشرة أيام، ودخله اليوم العاشر فقسمهُ بينَ الناسِ، وأمر القوَّادَ أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق، وأتاهُ رسولُ بابك ومعهُ قِثَّاء وبِطيخ وخيار؛ يعلمهُ أنه في أيامه هذه في جفاء؛ إنما يأكل الكعك والسويق هو وأصحابهِ، وأنه أحبُّ أن يُلطفه بذلك، فقال الأفشين للرسول: قد عرفتُ أيَّ شيءٍ أرادَ أخي بهذا، إنما أرادَ أن ينظر إلى العسكر، وأنا أحقُّ مَن قبل برَّه، وأعطاه شهوته؛ فقد صدق، أنا في جفاء. وقال للرَّسول: أما أنتَ فلا بدّ لكَ أن تصعد حتى ترى معسكرنا، فقد رأيت ما ها هنا، وترى ما وراءنا أيضًا؛ فأمرَ بحمله على دابةٍ، وأن يُصعد به حتى يرى الخندق، ويرى خندق كلان روذ خندق برزند، ولينظر إلى الخنادق الثلاثة، ويتأملها، ولا يخفى عليه منها شيء، ليخبر به صاحبه. ففُعل به ذلك؛ حتى صار إلى برزند، ثم رده إليه، فأطلقه وقال له: اذهب فأقرئه مني السلام - وكان من الخرمية الذين يتعرضون لمن يجلب الميرة إلى العسكر - ففعل ذلكَ مرَّة أو مرتين، ثم جاءت الخرَّمية بعد ذلكَ في ثلاثة كراديس، حتى صاروا قريبًا من سور خندق الأفشين يصيحون، فأمرَ الأفشين الناس ألا ينطق أحدٌ منهم، ففعلوا ذلكَ ليلتين أو ثلاث ليالٍ، وجعلوا يركضون دوابهم خلف السور، ففعلوا ذلكَ غير مرَّةٍ، فلما أنسوا هيَّأَ لهم الأفشين أربعة كراديس من الفرسان والرجَّالة، فكانت الرجالة ناشبة، فكمنوا لهم في الأودية، ووضع عليهم العيون؛ فلما انحدروا في وقتهم الذي كانوا ينحدرون فيهِ في كل مرة،","vol":"12","page":325},{"text":"وصاحوا وجلَّبوا كعادتهم شدَّت عليهم الخيلُ والرجالة الذين رُتِّبوا، فأخذوا عليهم طريقهم.\nوأخرج الأفشين إليهم كُردوسين من الرَّجالة في جوف الليل، فأحسوا أن قد أخذت عليهم العقبة، فتفرَّقوا في عدَّة طرق، حتى أقبلوا يتسلَّقون الجبال، فمرُّوا فلم يعودوا إلى ما كانوا يفعلون، ورجع الناسُ من الطلب مع صلاة الغداة إلى الخندق بروذ الروذ. ولم يلحقوا من الخرميَّةِ أحدًا.\nثم إنَّ الأفشين كان في كل أسبوع يضرب الطبول نصفَ الليل، ويخرج بالشمع والنفاطات إلى باب الخندق، وقد عرف كل إنسان منهم كُردوسه؛ مَنْ كان في الميمنة ومن كان في الميسرة، فيخرج الناسُ فيقفون في مواقفهم ومواضعهم، وكان الأفشينُ يحمل أعلامًا سودًا كبارًا، اثني عشرَ علمًا يحملها على البغال؛ ولم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع، يحملها على اثني عشر بغلًا وكانت طبولهُ الكبار واحدًا وعشرينَ طبلًا؛ وكانت الإعلام الصغار نحو من خمسمائة علم؛ فيقف أصحابه كل فرق على مترتبهم من رُبع الليل؛ حتى إذا طلع الفجر ركب الأفشين من مضربه، فيؤذِّن المؤذن بين يديه ويصلي، ثم يصلي الناس بغلَس. ثم يأمر بضرب الطبول، ويسير زحفًا، وكانت علامته في المسير الوقوف تحريك الطبول وسكونها، لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والأزقة على مصافهم؛ كلما استقبلوا جبلًا صعدوهُ، وإذا هبطوا إلى وادٍ مضوا فيه؛ إلا أن يكونَ جبلًا منيعًا لا يمكنهم صعودُه وهبوطهُ؛ فإنهم كانوا ينضمون إلى العساكر، ويرجعون إذا جاؤوا إلى الجبل إلى مصافهم ومواضعهمم وكانت علامة المسير ضرب الطبول؛ فإن أرادَ أن يقف أمسكَ عن ضرب الطبول؛ فيقف الناس جميعا من كلِّ ناحية على جبل، أو في وادٍ أو في مكانهم وكان يسيرُ قليلًا قليلًا؛ كلما جاءهُ كوهباني بخبر وقف قليلا؛ وكان يسير هذه الستة الأميال بين رُوذ الروذ، وبين البذ، ما بينَ طلوع الفجر إلى الضحى الأكبر، فإذا أرادَ أن يصعد إلى الرَّكوة التي كانت الحرب تكون عليها في العام الماضي، خلف بُخاراخُذاه على رأس العقبة مع ألف فارس وستمائة راجل؛ يحفظون عليهِ الطريق لا يخرج أحد من الخرمية؛ فيأخذ عليه الطريق، وكان بابك إذا أحسَ بالعسكر أنه وارد عليه وجه عسكرًا لهُ فيهِ رجالة إلى وادٍ تحت تلكَ العقبة التي كان عليها بُخاراخذاه،","vol":"12","page":326},{"text":"ويكمنون لمن يريد أن يأخذ عليه الطريق.\nوكان الأفشين يقف بخاراخذاه يحفظ هذه العقبة التي وجه بابك عسكرهُ إليها ليأخذها على الأفشين، وكان بُخاراخذاه يقف بها أبدًا، ما دام الأفشين داخل البذ على الرَّكوة، وكان الأفشين يتقدم إلى بخاراخذاه أن يقف على وادٍ فيما بينه وبين البذّ شبه الخندق.\nكان يأمرُ أبا سعيد محمد بن يوسف أن يعبُرَ ذلكَ الوادي في كُردوس من أصحابهِ، ويأمر جعفرًا الخياط أن يقفَ في كُردوس من أصحابهِ، ويأمر أحمد بن الخليل فيقف في كردوس آخر؛ فيصير في جانب ذلكَ الوادي ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم؛ وكان بابك يُخرج عسكرًا مع آذين، فيقف على تل بإزاء هؤلاء الثلاثة الكراديس خارجًا من البذ لئلا يتقدم أحد من عساكر الأفشين إلى باب البذ. وكان الأفشين يقصد إلى باب البذ، ويأمرهم إذا عبروا بالوقوف فقط، وترك المحاربة، وكان بابك إذا أحسَّ بعساكر الأفشين أنها قد تحركت من الخندق تريده فرَّق أصحابه كمناء؛ ولم يبقَ معه إلا نُفير يسيرًا؛ وبلغ ذلكَ الأفشين، ولم يكن يعرف المواضع التي يكمنُونَ فيها. ثم أتاه الخبر بأن الخرّمية قد خرجوا جميعًا، ولم يبقَ مع بابك إلا شرذمة من أصحابه. وكان الأفشين إذا صعد إلى ذلك الموضع بُسط له نِطَع، ووُضع له كرسي، وجلس على تل مشرف يُشرف على باب قصر بابك، والناس كراديس وقوف، مَنْ كان معه من جانب الوادي هذا أمره بالنزول عن دابته، ومَنْ كانَ من ذاكَ الجانب مع أبي سعيد وجعفر الخياط وأصحابهُ وأحمد بن الخليل لم يُنزل لقربه من العدوِّ؛ فهم وقوف على ظهور دوابهم؛ ويفرق رجَّالته الكوهبانية ليفتشوا الأودية؛ طمع أن يقع على مواضع الكمناء فيعرفها. فكانت هذه حالته في التفتيش إلى بعد الظهر، والخُرّمية بين يدي بابك يشربون النبيذ، ويزمُرون بالسُّرنيايات، ويضربون بالطبول؛ حتى إذا صلى الأفشين الظهر؛ تقدم فانحدر إلى خندق بروذ الروذ؛ فكان أول من ينحدر أبو سعيد ثم أحمد بن الخليل ثم جعفر بن دينار، ثم ينصرف الأفشين، وكان مجيئهُ ذلكَ مما يغبط بابك، وانصرافه، فإذا دنا الانصراف، ضربوا بصنوجهم، ونفخوا بُوقاتهم استهزاء، ولا يبرح بخاراخذاه من العقبة التي هو عليها؛ حتى تجوزه الناسُ جميعًا، ثم ينصرفُ في آثارهم؛ فلما كان في بعض","vol":"12","page":327},{"text":"أيامهم ضجرت الخُرّمية من المعادلة والتفتيش الذي كان يفتش عليهم، فانصرف الأفشين كعادتهِ، وانصرفت الكراديسُ أولًا فأولًا، وعبر أبو سعيد الوادي، وعبر أحمد بن خليل، وعبر بعض أصحاب جعفر الخياط، وفتح الخُرمية باب خندقهم، وخرج منهم عشرة فوارس، وحملوا على مَنْ بقي من أصحاب جعفر الخياط في ذلكَ الموضع، وارتفعت الضجةُ في العسكر، فرجعَ جعفر مع كُردوسٍ من أصحابه بنفسهِ، فحملَ على أولئكَ الفرسان حتى ردَّهم إلى باب البذ، ثم وقعت الضجَّةُ في العسكر، فرجع الأفشين وجعفر وأصحابه من ذلكَ الجانب يقاتلون؛ وقد خرج من أصحاب جعفر عدة، وخرج بابك بعدَّة فرسان، ولم يكن معهم رجَّالة؛ لا من أصحاب الأفشين ولا من أصحاب بابك؛ كان هؤلاء يحملون، وهؤلاء يحملون، فوقعت بينهم جراحات، ورجع الأفشين حتى طُرحَ له النطع والكرسي، فجلس في موضعهِ الذي كانَ يجلس فيه، وهو يتلظَّى على جعفر، ويقول: قد أفسد علي تعبيتي وما أريد.\nوارتفعت الضجة، وكان مع أبي دُلف في كردوس قوم من المطَّوّعة من أهل البصرة وغيرهم؛ فلما نظروا إلى جعفر يحارب، انحدر أولئكَ المطوّعة بغير أمر الأفشين، وعبروا إلى ذلكَ جانب الوادي، حتى صاروا إلى جانب البذ؛ فتعلقوا به وأثَّروا فيهِ آثارًا؛ وكادوا يصعدونهُ فيدخلون البذّ، ووجه جعفر إلى الأفشين: أن أمدَّني بخمسمائة راجل من الناشبة، فماني أرجو أن أدخل البذَّ إن شاء الله؛ ولست أرى في وجهي كثير أحد إلَّا هذا الكُردوس الذي تَراهُ أنتَ فقط - يعني كردوس آذين - فبعثَ إليه الأفشين أن قد أفسدتَ عليَّ أمري، فتخلَّص قليلًا قليلًا، وخلِّص أصحابك وانصرف، وارتفعت الضجة من المطوعة حين تعلَّقوا بالبذ، وظنَّ الكُمناء الذين أخرجهم بابك أنها حرب قد اشتبكت، فنعروا ووثبوا من تحت عسكر بُخاراخذاه، ووثب كمين آخر من وراء الرَّكوة التي كان الأفشين يقعد عليها، فتحرَّكت الخُرّمية، والناس وقوف على رؤوسهم لم يزُل منهم أحد؛ فقال الأفشين: الحمدُ لله الذي بيَّنَ لنا مواضع هؤلاء.\nثم انصرف جعفر وأصحابه والمطوّعة، فجاء جعفر إلى الأفشين؛ فقال له: إنما وجّهني سيدي أمير المؤمنين إلى الحرب التي ترى، ولم يوجهني للقعود ها هنا، وقد قطعتَ بي في موضع حاجتي ما كان يكفيني إلا خمسمائة راجل حتى","vol":"12","page":328},{"text":"أدخل البذ أو جوف داره؛ لأني قد رأيتُ من بين يدي، فقال له الأفشين: لا تنظر إلى ما بينَ يديكَ؛ ولكن انظر إلى ما خلفكَ وما قد وثبوا ببخاراخذاه وأصحابه، فقال الفضل بن كاوس لجعفر الخياط: لو كان الأمرُ إليكَ ما كنتَ تقدرُ أن تصعدَ إلى هذا الموضع الذي أنتَ عليهِ واقف؛ حتى تقول: كنت وكنت. . فقال له جعفر: هذه الحرب؛ وها أنا واقف لمن جاء. فقال له الفضل: لولا مجلس الأمير لعرَّفتُكَ نفسكَ الساعة؛ فصاحَ بهما الأفشينُ، فأمسكا، وأمر أبا دُلف أن يردّ المطوّعة عن السور، فقال أبو دُلف للمطوّعة: انصرفوا. فجاء رجل منهم ومعهُ صخرة، فقال: أتردّنا وهذا الحجر أخذته من السور! فقال له: الساعة، إذا انصرفتَ تَدْرِي مَنْ على طريقكَ جالس - يعني العسكر الذي وثبَ على بخاراخذاه من وراء الناس -.\nثم قال الأفشين لأبي سعيد في وجه جعفر: أحسن اللهُ جزاءَكَ عن نفسكَ وعن أميرِ المؤمنين، فإنِّي ما علمتكَ عالمًا بأمر هذه العساكر وسياستها؛ ليس كلُّ من حفَّ رأسَهُ يقول: إنَّ الوقوف في الموضعِ الذي يحتاجُ إليهِ خير من المحاربة في الموضع الذي لا يحتاجُ إليه، لو وثبَ هؤلاء الذين تحتك - وأشارَ إلى الكمين الذي تحت الجبل - كيفَ كنتَ ترى هؤلاء المطوّعة الذين هم في القُمُص؟ أي شيء كان يكون حالهم، ومن كان يجمعهم؟ الحمدُ لله الذي سلّمهم؛ فقف ها هنا فلا تبرح حتى لا يبقى ها هنا أحد، وانصرف الأفشين؛ وكان من سنته إذا بدأ بالانصراف ينحدر علم الكراديس وفرسانه، ورجَّالته، والكُردوس الآخر واقفٌ بينهُ وبينهُ قدر رميَّة سهم؛ لا يدنو من العقبة، ولا من المضيق؛ حتى يرى أنه قد عبر كلَّ مَنْ في الكردوس الذي بين يديه وخلابه الطريق، ثم يدنوا بعد ذلكَ فينحدر في الكُردوس الآخر بفرسانه ورجَّالتهِ؛ ولا يزالُ كذلكَ؛ وقد عرَّف كلُّ كُردوس من خلف مَنْ ينصرف؛ فلم يكن يتقدم أحد منهم بين يدي صاحبه، ولا يتأخَّر هكذا؛ حتى إذا نفذت الكراديمس كلها ولم يبق أحد غير بخاراخذاه؛ انحدر بخاراخذاه وخلَّى العقبة. فانصرف ذلكَ اليوم على هذه الهيئة؛ وكان أبو سعيد آخر من انصرف؛ وكلَّما مرَّ العسكر بموضعٍ بُخاراخذاه، ونظروا إلى الموضع الذي كانَ فيهِ الكَمين؛ علموا ما كان وُطّئ لهم، وتفرَّقَ أولئكَ الأعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذي كان بُخاراخذاه يحفظه، ورجعوا إلى مواضعهم، فأقامَ الأفشين في خندقهِ بروذ الروذ أيامًا؛ فشكا إليهِ المطوّعة الضيق","vol":"12","page":329},{"text":"في العلوفة والأزواد والنفقات، فقال لهم: مَنْ صبرَ منكم فليصبر، ومَنْ لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام، معي جند أمير المؤمنين، ومن هو في أرزاقهِ يقيمون معي في الحرِّ والبرد، ولست أبرح من ها هنا حتى يسقطَ الثلج، فانصرف المطوّعةُ وهم يقولون: لو ترك الأفشين جعفرًا وتركنا لأخذنا البذ؛ هذا لا يَشتهي إلا المُماطلة؛ فبلغه ذلكَ وما كثر المطوّعة فيهِ، ويتناولونه بألسنتهم وأنه لا يحبُّ المناجزة، وإنَّما يُريد التطويل؛ حتى قال بعضهم إنه رأى في المنامِ، أن رسول الله - ﷺ - قال له: قل للأفشين: إِن أنتَ حاربتَ هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرتُ الجبال أن ترجمكَ بالحجارة: فتحدَّثَ الناسُ بذلكَ في العسكر علانية؛ كأنه مستور، فبعث الأفشين إلى رؤساء المطّوعة، فأحضرهم وقال لهم: أحب أن تُروني هذا الرجل، فإن الناس يرون في المنامِ أبوابًا؛ فأتوه بالرجل في جماعة من الناس، فسلَّمَ عليهِ، فقرَّبهُ وأدناه، وقال له: قُصّ علينا رؤياك، ولا تحتشم ولا تستحي؛ فإنما تؤدي. قال: رأيتُ كذا ورأيتُ كذا؛ فقال: اللهُ يعلمُ كلَّ شيء قبل كل أحد، وما أُريدَ بهذا الخَلْق. إن اللهَ ﵎ لو أرادَ أن يأمرَ الجبال أن ترجمَ أحدًا لرجم الكافر، وكفانا مؤنته؛ كيف يرجمني حتى أكفيه مؤنة الكافر، كان يرجمه ولا يحتاجُ أن أقاتله أنا، وأنا أعلمُ أن الله ﷿ لا يخفى عليهِ خافية، فهو مطَّلعٌ على قلبي؛ وما أُريدُ بكم يا مساكين! فقال رجل من المطوعة من أهل الدين: يا أيها الأمير، لا تحرمنا شهادةً إن كانت قد حضرت؛ وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه؛ فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك؛ فلعلَ الله أن يفتح علينا؛ فقال الأفشين: إني أرى نياتِكم حاضرة؛ وأحسب هذا الأمر يريدهُ الله، وهو خيرٌ إن شاء الله؛ وقد نشطتم ونشط الناس، واللهُ أعلم ما كانَ هذا رأيي؛ وقد حدث الساعة لمَّا سمعت من كلامكم، وأرجو أن يكونَ أراد هذا الأمر وهو خير؛ اعزموا على بركةِ اللهِ أيِّ يومٍ أحببتم حتى نناهضهم؛ ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلا بالله! فخرج القوم مستبشرين فبشَّروا أصحابهم، فمن كان أراد أن ينصرف أقام، ومن كان في القرب وقد خرج مسيرة أيام فسمع بذلكَ رجع؛ ووعد الناس ليوم، وأمر الجند والفرسان والرَّجالة وجميع الناس بالأهبة، وأظهر أنه يريدُ الحرب لا محالة. وخرج الأفشين وحمل المال والزاد، ولم يبقَ في العسكر بغل إلَّا وُضعَ عليه محمل للجرحى، وأخرجَ معهُ المتطبّبين، وحمل الكعك والسَّويق وغير ذلك؛ وجميع ما يحتاجُ إليه، وزحف","vol":"12","page":330},{"text":"الناسُ حتى صعدَ إلى البذِّ وخلَّفَ بخاراخذاه في موضعه الذي كان يخلِّفه عليه على العقبة، ثم طُرح النَّطع، ووُضعَ لهُ الكرسي، وجلس عليه كما كان يفعل، وقال لأبي دلف: قل للمطَّوعةِ: أي ناحية هي أسهل عليكم، فاقتصروا عليها. وقال لجعفر: العسكر كلُّه بين يديك، والناشبةُ والنفَّاطون؛ فإن أردتَ رجالًا دفعتُهم إليك؛ فخذ حاجتكَ وما تريدُ، واعزِم على بركةِ الله؛ فادنُ مِنْ أيِّ موضعٍ تريد. قال: أريدُ أن أقصد الموضع الذي كنتُ عليهِ، قال: امضِ إليهِ. ودعا أبا سعيد، فقال له: قف بين يديّ؛ أنت وجميعُ أصحابكَ، ولا يبرحنَّ منكم أحدٌ، ودعا أحمد بن الخليل فقال لهُ: قف أنتَ وأصحابكَ ها هنا، ودع جعفرًا يعبرُ وجميع مَنْ معهُ من الرجال؛ فإن أراد رجالًا أو فرسانًا أمددناهُ؛ ووجَّهنا بهم إليهِ؛ ووجهَ أبا دلف وأصحابه من المطّوعة؛ فانحدروا إلى الوادي، وصعدوا إلى حائط البذّ من الموضع الذي كانوا صعدوا عليه تلك المرَّة، وعلقوا بالحائط على حسب ما كان فعلوا ذلكَ اليوم؛ وحَمَل جعفر حملةً حتى ضرب باب البذّ؛ على حسب ما كان فعل تلك المرة الأولى؛ ووقف على الباب، وواقفه الكفرة ساعة صالحة؛ فوجَّه الأفشين برجل معه بدرة دنانير، وقال: اذهب إلى أصحاب جعفر، فقل: مَنْ تقدَّم، فاحثُ له ملء كفِّكَ، ودفع بَدْرة أخرى رجل من أصحابهِ، قال لهُ: اذهب إلى المطّوعة ومعكَ هذا المال وأطواق وأسورة؛ وقل لأبي دلف: كل من رأيتهُ محسنًا من المطّوعة وغيرهم فأعطه. ونادى صاحب الشراب، فقال: اذهب فتوسَّط الحرب معهم حتى أراكَ بعيني معكَ السويق والماء؛ لئلا يعطش القوم فيحتاجوا إلى الرجوع، وكذلكَ فعل بأصحاب جعفر في الماء والسويق، ودعا صاحب الكِلْغَريَّة، فقال له: مَنْ رأيته في وسط الحرب من المطّوعة في يدهِ فأس فله عندي خمسون درهمًا؛ ودفع إليهِ بَدْرة دراهم؛ وفعل مثل ذلكَ بأصحابِ جعفر، ووجه إليهم الكِلْغَريَّة بأيديهم الفؤوس، ووجه إلى جعفر بصندوق فيه أطواق وأسورة، فقال لهُ: ادفع إلى مَنْ أردتَ من أصحابكَ هذا سوى ما لهم عندي، وما تضمن لهم عليَّ من الزيادةِ في أرزاقهم والكتاب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم، فاشتبكت الحرب على البابِ طويلًا، ثم فتح الخرميَّة الباب، وخرجوا على أصحاب جعفر، فنحّوهم عن الباب، وشدُّوا على المطّوعة من الناحية الأخرى؛ فأخذوا منهم علمينِ وطرحوهم عن السور، وجرحوهم بالصَّخرِ حتَّى أثَّروا فيهم، فرقّوا عن الحرب؛ ووقفوا، وصاح جعفر بأصحابهِ، فبدر","vol":"12","page":331},{"text":"منهم نحو من مائة رجل، فبركوا خلف تِراسهم التي كانت معهم، وواقفوهم متحاجزين؛ لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء، ولا هؤلاء يقدمون على هؤلاء؛ فلم يزالوا كذلكَ حتى صلَّى الناس الظهر؛ وكان الأفشينُ قد حمل عرَّادات، فنصب عرَّادة منها مما يلي جعفرًا على الباب، وعرَّادةً أخرى من طرف الوادي من ناحية المطّوعة؛ فأما العرادةُ التي من ناحية جعفر؛ فدافعَ عَنها جعفر حتى صارت العرادة فيما بينهم وبين الخُرّمية ساعة طويلة؛ ثم تخلّصها أصحاب جعفر بعد جهد، فقلعوها وردُّوها إلى العسكر؛ فلم يزل الناس متواقفين متحاجزين؛ يختلف بينهم النَّشاب والحجارة أولئكَ على سورهم والباب، وهؤلاء قعود تحت أتراسهم، ثم تناجزوا بعدَ ذلك، فلَّما نظر الأفشين إلى ذلكَ كره أن يطمع العدوُّ في الناس، فوجَّهَ الرَّجالةُ الذين كان أعدَّهم قبله، حتى وقفوا في موضعِ المطّوعة، وبعث إلى جعفر بكردوس فيه رَجَّالة، فقال جعفر: لستُ أوتى من قلة الرِّجالة معي رجال فُرهٌ ولكني لستُ أرى للحرب موضعًا يتقدمون؛ إنما ها هنا موضع مجال رجل أو رجلين قد وقفوا عليه، وانقطعت الحرب، فبعث إليه: انصرف على بركة الله؛ فانصرف جعفر وبعث الأفشين بالبِغال التي كان جاء بها معه، عليها المحامل؛ فجُعلت فيها الجرحى ومن كان به وهن من الحجارة ولا يقدر على المشي؛ وأمر الناس بالانصراف، فانصرفوا إلى خَندقهم بروذ الروذ، وأيس الناسُ من الفتح في تلك السنة وانصرف أكثر المطوّعة.\nثم إنَّ الأفشين تجهزَّ بعد جمعتين؛ فلمَّا كان في جَوفِ الليلِ؛ بعث الرجَّالةَ الناشبة؛ وهم مقدار ألف رجلٍ، فدفع إلى كل واحدٍ منهم شكوة وكعكًا، ودفع إلى بعضهم أعلامًا سودًا وغير ذلك، وأرسلهم عند مغيب الشمسِ، وبعث معهم أدلاء، فساروا ليلتهم في جبال منكرة صعبة على غير الطريق؛ حتى داروا، فصارَ خلْفَ التل الذى يقفُ آذين عليه - وهو جبل شاهق - وأمرهم ألا يعلم بهم أحد؛ حتى إذا رأوا أعلام الأفشين وصلوا الغداة ورأوا الوقعة، ركَّبوا تلكَ الأعلام في الرِّماح، وضربوا الطبول، وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على الخُرَّمية؛ وإن هم لم يروا الإعلام لم يتحرَّكوا حتى يأتيهم خبره؛ ففعلوا ذلكَ؛ فوافَوا رأس الجبل عند السَّحر، وجعلوا في تلكَ الشكاء الماء من الوادي؛ وصاروا فوق الجبل، فلمَّا كان في بعض اللَّيلِ وجهَ الأفشين إلى القواد","vol":"12","page":332},{"text":"أن يتهيئوا في السلاح، فإنه يركب في السحر؛ فلما كان في بعض الليل، وجه بشيرًا التركي وقوَّادًا من الفراغنة كانوا معه؛ فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التل مع أسفل الوادي الذى حملوا منه الماء؛ وهو تحت الجبل الذي كان عليهِ آذين؛ وقد كان الأفشين علم أنَّ الكافر يكمنُ تحت ذلكَ الجبل كلَّما جاءه العسكر؛ فقصد بشير والفراغنة إلى ذلكَ الموضع الذي علم أن للخرَّمية فيه عسكرًا كامنين، فساروا في بعض الليل؛ ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر. ثم بعث للقؤَاد: تأهَّبوا للركوب في السلاح؛ فإن الأمير يغدو في السحر؛ فلما كان السَّحَر خرج وأخرج الناس، وأخرج النَّفاطين والنَّفاطات والشمع على حسب ما كان يخرج، فصلّى الغداةَ، وضرب الطبل، وركب حتى وافى الموضع الذي كان يقف فيهِ في كل مرة، وبُسط لهُ النطع، ووضع له الكرسي كعادته.\nوكانَ بخاراخذاه يقف على العقبة التي كان يقف عليها في كلِّ يومٍ؛ لمَّا كانَ ذلكَ اليوم صيَّرَ بخاراخذاه في المقدمة مع أبي سعيد وجعفر الخياط وأحمد بن الخليل؛ فأنكر الناس هذه التعبية في ذلكَ الوقت، وأمرهم أن يدنوا من التل الذي عليه آذين؛ فيحدقوا به؛ وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلكَ اليوم؛ فمضى الناس مع هؤلاء القواد الأربعة الذين سمَّينا؛ حتى صاروا حولَ التلِّ. وكان جعفر الخياط مما يلي باب البذّ، وكانَ أبو سعيد مما يليه، وبخاراخذاه مما يلي أبا سعيد، وأحمد بن الخليل بن هشام ممَّا. يلي بخاراخذاه؛ فصاروا جميعًا حلقة حول التل، وارتفعت الضجة من أسفل الوادي؛ وإذا الكمين الذي تحتَ التل الذي كانَ يقفُ عليه آذين قد وثب ببشير التركي والفراغنة، فحاربوهم واشتبكت الحرب بينهم ساعة.\nوسمع أهل العسكر ضجَّتهم، فتحرَّكَ الناسُ، فأمر الأفشين أن ينادوا أيها الناس، هذا بشير التركي والفراغنة قد وجهتُهم، فأثاروا كمينًا فلا تتحركوا. فلما سمع الرجالة الناشبة الذين كانوا تقدموا، وصاروا فوق الجبل ركبوا الإعلام كما أمرهم الأفشين؛ فنظر الناس إلى الإعلام تجيء من جبل شاهق؛ أعلام سود وبين العسكر وبين الجبل نحو فرسخ؛ وهم ينحدرون على جبل آذين من فوقهم؛ قد ركَّبوا الإعلام، وجعلوا ينحدرون يريدون آذين؛ فلمَّا نظر إليهم أهل عسكر آذِين وجَّهَ آذين إليهم بعض رجالته الذين معه من الخرمية. ولما نظر الناس إليهم","vol":"12","page":333},{"text":"راعوهم؛ فبعث إليهم الأفشين: أولئكَ رجالنا أنجدتنا على آذين؛ فحمل جعفر الخياط وأصحابه على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليهم، فحملوا عليهم حملة شديدة، قلبوه وأصحابه في الوادي، وحمل عليهم رجل ممَّن في ناحية أبي سعيد من أصحاب أبي سعيد يقال له معاذ بن محمد - أو محمد بن معاذ - في عدَّة معه؛ فإذا تحت حوافر دوابهم آبارٌ محفورة تدخلُ أيدي الدواب فيها، فتساقطت فرسان أبي سعيد فيها؛ فوجهَ الأفشين الكلغرية يُقلعون حيطان منازلهم، ويطمُّونَ بها تلك الآبار؛ ففعلوا ذلكَ، فحملَ الناسُ عليهم حملة واحدة، وكان آذين قد هيَّأ فوق، الجبل عجلا عليها صخر؛ فلما حمل الناسُ عليه، دفع العجل على الناس فأفرجوا عنه، فقد حرجت؛ ثم حَمل الناسُ من كلِّ وجه.\nفلما نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم، خرج من طرف البذِّ من بابٍ مما يلي الأفشين، يكون بين هذا الباب وبين التل الذي عليهِ الأفشين قدر ميل. فأقبل بابك في جماعة معه يسألون عن الأفشين، فقال لهم أصحاب أبي دُلف: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا بابك يريد الأفشين؛ فأرسل أبو دلف إلى الأفشين يعلمه ذلك؛ فأرسل الأفشين رجلًا يعرف بابك؛ فنظر إليهِ، ثم عاد إلى الأفشين؛ فقال: نعم هو بابك؛ فركب إليهِ الأفشين، فدنا منهُ حتى صار في موضع يسمعُ كلامه وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال لهُ: أريد الأمان من أميرِ المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضتُ عليكَ هذا؛ وهو لك مبذولٌ متى شئتَ، فقال: قد شئتُ الآن؛ على أن تؤجلني أجلًا أحملُ فيه عيالي، وأتجهزُ. فقال له الأفشين: قد واللهِ نصحتُكَ غير مرَّةٍ فلم تقبل نصيحتي، وأنا أنصحكَ الساعة، خروجكَ اليوم في الأمان خيرٌ من غدٍ. قال: دد قبلت أيها الأميرُ؛ وأنا على ذلك؛ فقال لهُ الأفشين: فابعث بالرَّهائن الذين كنت سألتكَ. قال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلكَ التل، فمر أصحابكَ بالتوقف.\nقال: فجاء رسولُ الأفشين ليرد الناس، فقيل له: إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ، وصعدوا بها القصور. فركب وصاح بالناس، فدخل ودخلوا، وصعِد الناس بالأعلام فوق قصورِ بابكِ؛ وكانَ قد كمَّنَ في قصوره - وهي أربعة - ستمائة رجل؛ فوافاهم الناسُ؛ فصعدوا بالأعلامِ فوق القصور، وامتلأت شوارع البذ","vol":"12","page":334},{"text":"وميدانها من الناس، وفتح أولئكَ الكُمناء أبواب القصور، وخرجوا رجالة يقاتلون الناس، ومرَّ بابك حتى دخل الوادي الذي يلي هشتاذسَر، واشتغل الأفشين وجميع قُوَّادهِ بالحرب على أبواب القصور، فقاتل الخرَّمية قتالًا شديدًا، وأحضرَ النَّفاطين، فجعلوا يصبون عليهم النِّفطَ والنَّار، والناس يهدمون القصور؛ حتى قتلوا عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد بابك ومَنْ كانَ معهم في البذِّ من عيالهم، حتى أدركهم المساءُ، فأمر الأفشين بالانصراف فانصرفوا، وكان عامة الخرَّمية في البيوت، فرجع الأفشينُ إلى الخندق بروذ الرَّوذ.\nفذُكر أن بابك وأصحابهُ الذين نزلوا معه الوادي حينَ علموا أنَّ الأفشينَ قد رجع إلى خندقه، رجعوا إلى البذ، فحملوا من الزادِ ما أمكنهم حملُه، وحملوا أموالهم، ثم دخلوا الوادي الذي يلي هشتادسَر فلمَّا كان في الغد خرج الأفشين حتى دخل البذ، فوقف في القرية، وأمر بهدم القصور، ووجَّهَ الرجَّالة يطوفون في أطراف القرية، فلم يجدوا فيها أحدًا من العلوج؛ فأعد الكلغريَّة، فهدموا القصور وأحرقوها؛ فعل ذلكَ ثلاثة أيامٍ حتى أحرق خزائنه وقصوره؛ ولم يَدع فيها بيتًا ولا قصرًا إلا أحرقه، وهدمه؛ ثم رجعَ وعلم أنَّ بابك قد أفلت في بعض أصحابهِ؛ فكتب الأفشين إلى ملوك أرمينية وبطارقتها يعلمهم أنَّ بابك قد هربَ وعدَّة معه، وصار إلى وادٍ، وخرجَ منه إلى ناحية إرمينية؛ وهو مارٌّ بكم، وأمرهم أن يحفظ كلُّ واحدٌ منهم ناحيته، ولا يسلكها أحدٌ إلا أخذوه حتى يعرفوه. فجاء الجواسيس إلى الأفشين، فأخبروه بموضعه في الوادي؛ وكان واديًا كثيرُ العشب والشجر، طرفُه بإرمينيَة وطرفهُ الآخر بأذرَبيجان؛ ولم يمكن الخيل أن تنزل به، ولا يُرى من يستخفي فيه لكثرة شجره ومياهه؛ إنما كانت غيضةً واحدة؛ ويسمَّى هذا الوادي غَيضة. فوجه الأفشين إلى كلِّ موضعٍ يعلم أن منهُ طريقًا ينحدر منهُ إلى تلكَ الغَيضة، أو يمكن بابك أن يخرج من ذلكَ الطريق؛ فيصير على كلِّ طريق وموضع من هذه المواضع عسكرًا فيه ما بينَ أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل، ووجَّهَ معهم الكُوهبانية ليقفوهم على الطريق، وأمرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه أحد.\nوكان يوجِّه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره؛ وكانت هذه العساكر خمسة عشر عسكرًا، فكانوا كذلك حتى ورد كتاب أمير المؤمنين","vol":"12","page":335},{"text":"المعتصم بالذهب مختومًا، فيهِ \"أمان\" لبابك. فدعا الأفشين مَنْ كان استأمن إليه من أصحاب بابك؛ وفيهم ابن له كبير، أكبر ولدهُ، فقال له وللأسرى: هذا ما لم أكن أرجوهُ من أمير المؤمنين، ولا أطمع له فيه أن يكتب إليه وهو في هذه الحال بأمان؛ فمن يأخذه منكم ويذهبُ به إليه؟ فلم يجسر على ذلكَ أحد منهم، فقال بعضهم: أيها الأمير؛ ما فينا أحدٌ يجترئ أن يلقاه بهذا فقال له الأفشين: ويحك! إنه يفرح بهذا، قالوا: أصلح الله الأمير! نحنُ أعرف بهذا منك؛ قال: فلا بدَّ لكم من أن تهبوا لي أنفسكم، وتُوصلوا هذا الكتاب إليه. فقام رجلان منهم فقالا له: اضمن لنا أنك تُجري على عيالاتنا؛ فضمن لهما الأفشين ذلك، وأخذا الكتاب وتوجَّها فلم يزالا يدوران في الغَيْضَةِ حتى أصاباه، وكتب معهما ابن بابك بكتاب يُعلمهُ الخبر، ويسأله أن يصير إلى الأمان؛ فهو أسلم له وخير. فدفعا إليه كتاب ابنه، فقرأهُ، وقال: أيُّ شيء كنتم تصنعون؟ قال: أسِرَ عيالاتنا في تلك الليلة وصبياننا؛ ولم نعرف موضعكَ فنأتيكَ، وكنَّا في موضع تخوَّفنا أن يأخذونا؛ فطلبنا الأمان؛ فقال للذي كان الكتاب معهم: هذأ لا أعرفه؛ ولكن أنت يا بن الفاعلة، كيفَ اجترأتَ على هذا أن تجيئني من عند ذاكَ ابن الفاعلة فأخذه وضرب عنقه، وشدَّ الكتاب على صدره مختومًا لم يفضَّه؛ ثم قال للآخر: اذهب وقل لذاكَ ابنَ الفاعلة - يعني ابنه - حيث يكتب إليَّ؛ وكتب إليهِ: لو أنكَ لحقت بي واتبعت دعوتكَ حتى يجيئكَ الأمرُ يومًا كنتَ ابني؛ وقد صحَّ عندي الساعة فساد أمَّكَ الفاعلة، يا بن الفاعلة، عسى أن أعيشَ بعد اليوم! قد كنت باسم هذه الرياسة وحيثما كنت أو ذكرت كنت ملكًا؛ ولكنك من جنس لا خيرَ فيه، وأنا أشهد أنكَ لستَ بابني؛ تعيش يومًا واحدًا وأنت رئيس خير، أو تعيشُ أربعين سنة وأنت عبد ذليل!\nورحل من موضعهِ، ووجَّهَ مع الرجل ثلاثة نفر حتى أصعدوهُ من موضع من المواضع، ثم لحقوا ببابك؛ فلم يزل في تلكَ الغَيضة حتى فني زادهُ، وخرجَ مما يلي طريقًا كان عليهِ بعض العساكر، وكان موضع الطريق جبلًا ليس فيه ماء؛ فلم يقدر العسكر أن يقيم على الطريق لبعده عن الماء، فتنحَّى العسكر عن الطريق إلى قرب الماء؛ وصيَّروا كوهبانيين وفارسين على طرف الطريق يحرسونهُ، والعسكر بينهُ وبين الطريق نحو من ميل ونصف، كان ينوب على الطريق كلَّ يوم","vol":"12","page":336},{"text":"فارسان وكوهبانيان، فبينا هم ذات يوم نصف النهار؛ إذ خرج بابك وأصحابه؛ فلم يروا أحدًا، ولم يروا الفارسين والكوهبانيين، وظنوا أن ليسَ هناك عسكر؛ فخرج هو وأخواه: عبد الله ومعاوية، وأمه وامرأة لهُ يقال لها ابنة الكَلْنَدانية. فخرجوا من الطريق، وساروا يريدون إرمينيةَ، ونظرَ إليهم الفارسان والكوهبانيان، فوجَّهوا إلى العسكر، وعليه أبو الساج: أنا قد رأينا فرسانًا يمرُّون ولا ندري مَنْ هُم. فركبَ الناسُ، وساروا، فنظروا إليهم من بُعد وقد نزلوا على عين ماء يتغدوَّن عليها؛ فلمَّا نظروا إلى الناسِ بادرَ الكافر فركبَ وركبَ مَنْ كانَ معهُ، فأفلت وأخذ معاوية أمَّ بابك والمرأةَ التي كانت معه، ومع بابك غلام له، فوجَّهَ أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر ومرَّ بابك متوجِّهًا حتى دخل جبال إرمينية يسير في الجبال متكمِّنًا؛ فاحتاج إلى طعام؛ وكان جميع بطارقة إرمينية قد تحفَّظوا بنواحيهم وأطرافهم، وأوصوا إلى مسالحهم ألا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه؛ فكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين؛ وأصاب بابك الجوع، فأشرف فإذا هو بحرَّاثٍ يحرثُ على فدان له في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل إلى هذا الحرَّاث، وخذ معك دنانير ودراهم؛ فان كان معه خبز فخذه وأعطه؛ وكان للحرَّاثِ شريك ذهب لحاجته؛ فنزل الغلامُ إلى الحرَّاث، فنظرَ إليه شريكهُ من بعيد، فوقف بالبعد يفرَق من أن يجيء إلى شريكه وهو ينظر ما يصنع شريكه، فدفعَ الغلام إلى الحرَّاثِ شيئًا، فجاءَ الحراث فأخذ الخبزَ، فدفعهُ إلى الغلام وشريكه قائم ينظر إليه؛ ويظنُّ أنما اغتصبه خبزَه؛ ولم يظن أنَّهُ أعطاهُ شيئًا، فعدا إلى المسلحة؛ فأعلمهم أن رجلًا جاءهم عليه سيف وسلاح؛ وأنهُ أخذ خبز شريكه من الوادي؛ فركب صاحب المسلحة - وكان في جبال ابن سُنباط - ووجَّهَ إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط وجماعة معهُ حتى جاءه مسرعًا، فوافى الحرَّاث والغلام عنده، فقال له: ما هذا؟ قال لهُ الحراث: هذا رجل مرَّ بي، فطلبَ مني خبزًا فأعطيته، فقال للغلام: وأينَ مولاك؟ قال: ها هنا - وأومئ إليه - فاتبعه فأدركه وهو نازل؛ فلمَّا رأى وجهه عرفه، فترجل له ابن سنباط عن دابته، ودنا منهُ فقبَّلَ يدهُ، ثم قال له: يا سيَّداه؛ إلى أين؟ قال: أريدُ بلاد الروم - أو موضعًا سمَّاه - فقال له: لا تجدُ موضعًا ولا أحدًا أعرف بحقكَ، ولا أحقَّ أَن تكون عنده مني، تعرف موضعي، ليس بيني وبين السلطان عمل؛ ولا تدخل على أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقضيتي وبلدي؛","vol":"12","page":337},{"text":"وكلُّ مَنْ ها هنا من البطارقة إنما هم أهل بيتكَ، قد صار لكَ منهم أولاد؛ وذلكَ أن بابك كان إذا علم أن عند بعض البطارقةِ ابنة أو أختًا جميلة وجه إليها يطلبها، فإن بعث بها إليه وإلا بيَّته وأخذها، وأخذ جميعَ ماله من متاعٍ وغير ذلك، وصار به إلى بلده غصبًا.\nثم قال ابن سنباط له: صرْ عندي في حصني؛ فإنَّما هو منزلك؛ وأنا عبدك، كُنْ فيهِ شتوتَك هذه ثم ترى رأيكَ. وكانَ بابك قد أصابهُ الضرُّ والجهدُ، فركن إلى كلامِ سهل بن سنباط؛ وقال لهُ: ليس يستقيمُ أن أكون أنا وأخي في موضع واحد؛ فلعلهُ أن يُعثَر بأحدنا فيبقى الآخر؛ ولكن أقيم عندكَ أنا، ويتوجَّهُ عبد الله أخي إلى ابن اصطفانوس؛ لا ندري ما يكون؛ وليس لنا خلَفٌ يقوم بدعوتِنا. فقال لهُ ابن سنباط: ولدكَ كثير، قال: ليس فيهم خير. وعزم على أن يصيِّرَ أخاه في حصن ابن اصطفانوس - وكان يثق به - فصار هو مع ابن سنباط في حِصنه، فلما أصبح عبد الله مضى إلى حصن اصطفانوس، وأقامَ بابك عند ابن سنباط، وكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمهُ أن بابك عندهُ في حصنهِ. فكتبَ إليهِ: إِنْ كانَ هذا صحيحًا فلك عندي وعندَ أمير المؤمنين - أيدهُ الله - الذي تحبُّ؛ وكتب يجزيهِ خيرًا، ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته، ممَّن يثق به، ووجَّهَ به إلى ابن سنباط وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه إليهِ برجل من خاصته، يحبُّ أن يرى بابك ليحكي للأفشين ذلك. فكره ابن سنباط أن يُوحشَ بابك، فقال للرجل: ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذي يكون منكبًا على طعامه يتغدَّى؛ فإذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطبَّاخين الذين معنا على هيئة علوِجنا وتعال كأنكَ تقدم الطعام، أو تناول شيئًا؛ فإنهُ يكونُ منكبًا على الطعام، فتفقَّدْ منهُ ما تريد؛ فاذهب فاحكه لصاحبك.\nففعل ذلكَ في وقت الطعام، فرفع بابك رأسه فنظر إليهِ فأنكره، فقال: مَنْ هذا الرجل؟ فقال له ابن سنباط: هذا رجل من أهل خراسان، منقطع إلينا منذ زمن، نصراني. فلقن ابنُ سنباط الأشروسنيَّ ذلك. فقال لهُ بابك: منذ كم أنت ها هنا؟ قال: منذ كذا وكذا سنة، قال: وكيفَ أقمتَ ها هنا؟ قال: تزوَّجتُ ها هنا، قال: صدقت إذا قيل للرجل من أين أنت؟ قال: مِنْ حيث امرأَتي.\nثم رجعَ إلى الأفشين فأخبرهُ، ووصف له جميع ما رأى ثَمَّ من بابك، ووجَّهَ","vol":"12","page":338},{"text":"الأفشين أبا سعيد وبُوزبارة إلى ابن سنباط، وكتب إليه معهما، وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدَّما كتابه إلى ابن سنباط مع علج من الأعلاج، وأمرهما ألَّا يخالفا ابن سنباط فيما يشيرُ به عليهما. ففعلا ذلك، فكتبَ إليهما ابن سنباط في المقام بموضع - قد سماه ووصفه لهما - إلى أن يأتيَهُما رسوله. فلم يزالا مقيمين بالموضع الذي وصفه لهما، ووجَّهَ إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد؛ حتى تحركَ بابك للخروج إلى الصيد، فقال لهُ: ها هنا وادٍ طيب، وأنتَ مغموم في جوف هذا الحصن! فلو خرجنا ومعنا بازي وباشق وما يحتاجُ إليهِ فتتفرج إلى وقت الغداء بالصيد! فقال لهُ بابك: إذا شئت. فأنفذ ليركبا بالغداة، وكتب ابن سنباط إلى أبي سعيد وبوزبارة يعلمهما ما قد عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه، واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر في عسكرهما وأن يسيرا متكمنين مع صلاة الصبح؛ فإذا جاءهما رسوله أشرفا على الوادي، فانحدروا عليهِ إذا رأوهم وأخذوهم.\nفلما ركب ابن سنباط وبابك بالغداة وجَّهَ سنباط رسولًا إلى أبي سعيد ورسولًا إلى بوزبارة، وقال لكل رسول: جئ بهذا إلى موضع كذا، وجئ بهذا إلى موضع كذا؛ فأشرفا علينا، فإذا رأيتمونا فقولوا: هم هؤلاء خذوهم؛ وأرادَ أن يشبّه على بابك؛ فيقول: هذا خيل جاءتنا فأخذتنا، ولم يحبّ أن يدفعهُ إليهما من منزله؛ فصار الرسولان إلى أبي سعيد وبوزبارة، فمضيا بهما حتى أشرفا على الوادي؛ فإذا هما ببابك وابن سنباط، فنظرا إليهِ وانحدرا وأصحابهما عليه؛ هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا، وأخذاهما ومعهما البواشيق، وعلى بابك دُرَّاعة بيضاء وعمامة بيضاء، وخُف قصير. ويقال كان بيدهِ باشق؛ فلما نظر إلى العساكر قد أحدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له: انزل، فقال: ومن أنتما؟ فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، والآخر: أنا بوزبارة، فقال: نعم، وثنى رجله، فنزل، وكان ابنُ سنباط ينظرُ إليهِ؛ فرفعَ رأسهُ إلى ابن سنباط فشتمه، وقال: إنما بعتني لليهود بالشيء اليسير، لو أردت المالَ وطلبته لأعطيتكَ أكثر مما يعطيكَ هؤلاء، فقال له أبو سعيد: قم فاركب، قال: نعم فحملوه وجاءوا بهِ إلى الأفشين؛ فلما قرب من العسكر صعد الأفشين برزند، فضربت له خيمة على برزند، وأمر الناسَ فاصطفوا صفين، وجلس الأفشين في فازة، وجاءوا بهِ،","vol":"12","page":339},{"text":"وأمر الأفشين ألا يتركوا عربيًّا يدخل بين الصفين فرَقًا أن يقتلهُ إنسان أو يجرحه ممن قتل أولياءه؛ أو صنع به داهية. وكانَ قد صار إلى الأفشين نساءٌ كثيرٌ وصبيان؛ ذكروا أن بابك كان أسرهم، وأنهم أحرار من العرب والدهاقين، فأمر الأفشينُ فجُعلت لهم حظيرة كبيرة، وأسكنهم فيها، وأجرى لهم الخبز، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائهم حيث كانوا، فكانَ كلُّ من جاء فعرف امرأة أو صبيًا أو جارية، وأقام شاهدين أنه يعرفها وأنَّها حرمة له أو قرابة دفعها إليه؛ فجاء الناسُ، فأخذوا منهم خلقًا كثيرًا، وبقي منهم ناسٌ كثير ينتظرون أن يجيء أولياؤهم.\nولما كان ذلك اليوم الذي أمر الأفشين الناس أن يصطفوا، فصار بين بابك وبينهُ قَدر نصف ميل، أنزِل بابك يمشي بين الصَّفين في دُراعته وعمامته وخفيه، حتى جاء فوقف بين يدي الأفشين فنظر إليه الأفشين، ثم قال: انزلوا به إلى العسكر؛ فنزلوا به راكبًا، فلما نظر النساء والصبيان الذين في الحظيرة إليهِ لَطموا على وجوههم، وصحاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال لهم الأفشين: أنتم بالأمس؛ تقولون أسرنا، وأنتم اليوم تبكون عليه! عليكم لعنة الله. قالوا: كان يحسن إلينا. فأمر به الأفشين فأدخل بيتًا، ووكل بهِ رجالًا من أصحابه.\nوكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط، صار إلى عيسى بن يوسف بن اصطفانوس؛ فلما أخذ الأفشين بابك، وصيره معهم في عسكره ووكلَ بهِ، أعلِمَ بمكان عبد الله أنه عند ابن اصطفانوس؛ فكتب الأفشين إلى ابن اصطفانوس أن يوجّه إليهِ بعبد الله، فوجهَ به ابن اصطفانوس إلى الأفشين، فلما صارَ في يد الأفشين حبسه مع أخيهِ في بيت واحد؛ ووكَّلَ بهما قومًا يحفظونهما.\nوكتبَ الأفشين إلى المعتصم بأخذهِ بابك وأخاه، فكتب المعتصم إليه يأمرهُ بالقدومِ بهما عليه، فلما أرادَ أن يسير إلى العراق وجَّهَ إلى بابك فقال: إني أريد أن أسافرَ بكَ، فانظر ما تشتهي من بلاد أذْرَبيجان، فقال: أشتهي أن أنظر إلى مدينتي، فوجهَ معهُ الأفشين قومًا في ليلةٍ مُقمرةٍ إلى البذ حتى دار فيهِ، ونظر إلى القتلى والبيوت إلى وقت الصباح، ثم رده إلى الأفشين، وكان الأفشين قد وكَّلَ بهِ رجلًا من أصحابه فاستعفاهُ منه بابك، فقال لهُ الأفشين: لم استعفيتَ منه؟ قال: يجيء ويده ملأى غمَرا، حتى ينام عند رأسي فيؤذيني ريحُها، فأعفاهُ منه.","vol":"12","page":340},{"text":"وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزبارة وديوداذ (١).\nوحجَّ بالناسِ في هذه السنة محمد بن داود (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1938>[ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم] </span>(٣)\nفمن ذلكَ قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه، ذُكرَ أنَّ قدومهُ عليه به كان ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سامراء، وأنَّ المعتصم كان يوجه إلى الأفشين كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافَى سامراء فرسًا وخِلْعة، وأنَّ المعتصم لعنايتهِ بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره، جعل من سامراء إلى عقبة حلوان خيلًا مضمَّرة على رأس كلِّ فرسخ فرسًا معه مُجْرٍ مرتب؛ فكانَ يركضُ بالخبر ركضًا حتى يؤديهِ من واحدٍ إلى واحد، يدًا بيد؛ وكان ما خَلْف حُلوان إلى أذربيجان قد رتبوا فيهِ المرج؛ فكان يركض بها يومًا أو يومين ثم تبدل ويصير غيرها، ويُحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ، وجعل لهم ديادبة على رؤوس الجبال بالليل والنهار، وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر فإذا سمع الذي يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذي نعر حتى يقفَ لهُ على الطريق؛ فيأخذ الخريطة منه؛ فكانت الخريطة تصلُ من عسكر الأفشين إلى سامراء في أربعة أيام وأقل؛ فلما صار الأفشين بقناطر حُذَيفة تلقاهُ هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم؛ فلما صار الأفشين ببابك إلى سامراء أنزله الأفشين في قصره بالمَطيرة؛ فلمَّا كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبي دواد متنكرًا، فرآهُ وكلمه، ثم رجع إلى المعتصم، فوصفه له، فلم يصبر\n_________\n(١) انظر تعليقنا في (٩/ ٥٤).\n(٢) بينما قال البسوي حج بنا محمد بن عيسى (المعرفة ١/ ٧٠) ولعل هذه هي المرة الأولى التي لم يصيب فيها الطبري في تعيين أمير الحج والله أعلم.\n(٣) انظر المنتظم (١١/ ٧٦) والبداية والنهاية [٨/ ١٧٢] وانظر تعليقنا [٩/ ٥٤/ ٢٤٦].","vol":"12","page":341},{"text":"المعتصم حتى ركب إليهِ بين الحائطين في الحِير؛ فدخلَ إليهِ متنكرًا، ونظرَ إليهِ وتأملهُ، وبابك لا يعرفه؛ فلما كان من غدٍ قعد له المعتصم يوم إثنين أو خميس، واصطف الناس من باب العامَّة إلى المطيرة، وأراد المعتصم أن يشُهره ويريه الناس، فقال: على أيِّ شيء يُحمل هذا؟ وكيفَ يُشهر! فقال حزام: يا أمير المؤمنين، لا شيء أشهر من الفيل، فقال: صدقت؛ فأمر بتهيئةِ الفيل، وأمرَ به فجُعِلَ في قبَاء ديباج وقلنسوة سمّور مدوَّرة؛ وهو وحدهُ؛ فقال محمد بن عبد الملك الزيات:\nقد خُضِبَ الفيلُ كعاداته ... يَحملُ شيطانَ خراسانِ\nوالفيلُ لا تُخضَبُ أعضاؤه ... إلا لذي شأنٍ من الشانِ\nفاستشرفه الناسُ من المَطيرة إلى باب العامَةِ؛ فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين، وأحضر جزَّارًا ليقطع يديه ورجليه؛ ثم أمر أن يحضر سيَّافُه، فخرج الحاجب من باب العامة؛ وهو ينادي: نودنود - وهو اسم سياف بابك - فارتفعت الصيحةُ بنودنود حتى حضر، فدخل دار العامةِ، فأمرهُ أمير المؤمنين أن يقطعَ يديه ورجليه، فقطعهما فسقط، وأمر أميرُ المؤمنين بذبحهِ وشقّ بطن أحدهما، ووجَّهَ برأسه إلى خُراسان، وصلبَ بدنهُ بسامراء عند العقبة، فموضعُ خشبته مشهور، وأمر بحمل أخيه عبد الله مع ابن شَرْوين الطَّبَرِيّ إلى إسحاق بن إبراهيم خليفته بمدينة السَّلام، وأمره بضرب عنقه، وأن يفعل بهِ مثل ما فعل بأخيه، وصلبه؛ فلما صارَ به الطبري إلى البَردَان، نزلَ به ابن شروين في قصر البردان، فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين: مَنْ أَنْت؟ فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمدُ لله الذي وفَّق لي رجلًا من الدَّهاقين يتولى قتلي، قال: إنما يتولَّى قتلك هذا - وكانَ عندهُ نودنود، وهو الذي قتل بابك - فقال له: أنتَ صاحبي، وإنما هذا علج، فأخبرني، أأمرتَ أن تطعمني شيئًا أم لا؟ قال: قل ما شئت، قال: اضرب لي فالوذجة، قال: فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل، فأكل منها حتى تملأ، ثم قال يا أبا فلان، ستعلم غدًا أني دِهقان إن شاء الله. ثم قال: تقدر أن تسقيني نبيذًا؟ قال: نعم، ولا تُكثِر، قال: فإني لا أكثر، قال: فأحضر أربعة أرطالِ خمر، فقعد فشربها على مَهل إلى قريب من الصبح، ثم رحل في السَّحر، فوافى به مدينة السلام، ووافى به رأس الجسر، وأمر","vol":"12","page":342},{"text":"إسحاق بن إِبراهيم بقطع يديهِ ورجليهِ، فلم ينطق ولم يتكلم، وأمر بصلبهِ فصُلِبَ في الجانب الشرقيِّ بينَ الجسرين بمدينة السلام (١).\n_________\n(١) هذه الأخبار الطويلة عن وقائع محاربة بابك الخرمي ودفع شره من قبل المعتصم وجيوشه بقيادة إفشين ذكرها الطبري واستقصاها دون سواه من المؤرخين المتقدمين الثقات كما قال الحافظ ابن كثير مشيرًا إلى طرف منها (بعد حروب طوية قد استقصاها أبو جعفر في تأريخه) (البداية والنهاية ٨/ ١٧٢) ولم يذكر خليفة إلَّا أصل الخبر وخاصة فيما يتعلق بهزيمة بابك وانتصار إفشين عليه سنة (٢٢٢ هـ).\nإلَّا أن أبا حنيفةَ الدينوري قد ذكر هذه الأحداث ولكن بصيغة مختصرة جدًّا عما عند الطبري ولم يجزِّئها بين السنوات وحين يقرؤها القارئ تتكون لديه صورة عن تلكَ الوقائع دون الشرود وراء التفاصيل والملل من ذكرها وقد استغرقت الصفحات (٤٠٢ - ٤٠٣ - ٤٠٤ - ٤٠٥) من الأخبار الطوال وسنذكرها كما هي دون تلخيص أو تصرف: قال أبو حنيفة الدينوري: [وكانَ ابتداء أمر بابك أنه تحركَ في آخر أيام المأمون وقد اختلف في نسبهِ ومذهبه والذي صحَّ عندنا وثبت أنه كان من ولد مطهّر بنت فاطمة بنت أبي مسلم، هذه التي ينتسب إليها الفاطمية من الخرمية لا إلى فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - فنشأ بابك والحبل مضطرب والفتن متصلة فاستفتح أمره بقتل من حوله بالبذّ وإخراب تلك الأمصار والقرى التي حواليه، لتصفو له البلاد، ويصعب مطلبه، وتشتد المؤونة في التوصل إليه؛ واشتدت شوكته واستفحل أمره. وقد كان المأمون وجَّهَ إليهِ حين اتصل به خبره عبد الله بن طاهر بن الحسين في جيش عظيم، فسارَ إليهِ ونزلَ في طريقه الدينور في ظاهرها في مكانٍ يعرف إلى يومنا هذا بقصر عبد الله بن طاهر وهو كَرْمٌ مشهورٌ، ومكان مذكور.\nثم سار منها حتى وافى البذ، وقد عظم أمر بابك، وتهيَّبه الناس فحاربوهُ فلم يقدروا عليهِ، ففضَّ جمعهم وقتل صناديدهم، وكان ممن قتل في تلك الواقعة محمد بن حميد الطوسي، وهو الذي رثاه أبو تمام بقصيدته التي يقول فيها:\nكأنَّ بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرَّ من بينها البدرُ\nوفيها يقول:\nفأثبت في مستنقع الموت رجله ... فقال لها من تحت أخمصكِ الحشرُ\nفلما أفضى الأمر إلى أبي إسحاق المعتصم لم تكن همتهُ غيره فأعدَّ لهُ الأموال والرجال وأخرج مولاه الأفشين حيدر بن كاوس، فسار الأفشين بالعساكر والجيوش حتى وافى برزند، فأقامَ بها حتى طاب الزمانُ، وانحسرت الثلوج عن الطرقات ثم قدم خليفته يوبارة وجعفر بن دينار وهو المعروف بجعفر الخياط في جمع كثير من الفرسان إلى الموضع الذي كانَ فيهِ معسكرًا وأمرهما أن يحفرا خندقًا حصينًا فسارا حتى نزلا هناك، واحتفرا الخندق. فلما فرغا من حفر الخندق استخلف الأفشين ببرزند المرزبان مولى المعتصم في جماعة من =","vol":"12","page":343},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= القواد، وسار هو حتى نزل الخندق ووجه يوبارة وجعفر الخياط في جمع كثيف إلى رأس نهر كبير وأمرهما بحفر خندق آخر هناك فسار حتى احتفراه، فلما فرغا وافاهما الأفشين ثم خلَّف في موضعه محمد بن خالد بخارا خذاه، وشخص إلى دَرْوَدْ في خمسة آلاف فارس وألفي راجل ومعهُ ألف رجل من الفعلة حتى نزلَ درود واحتفرَ بها خندقًا عظيمًا وبنى عليها سورا شاهقا فكانَ بابك وأصحابه يقفون على جبال شاهقة فيشرفون منها على العسكر ويولولون. ثم ركبَ الأفشين يوم الثلاثاء لثلاث بقينَ من شعبان في تعبية وحمل المجانيق وأمر بابك آذين أن يحصِّنَ تَلًا مشرفًا على المدينة ومعهُ ثلاثة آلاف رجل وقد احتفر حوله الآبار ليمنعَ الخيل منهم.\nفانصرف الأفشين يومًا إلى خندقه ثم غدا عليهِ يوم الجمعة في غرة شهر رمضان فنصب المجانيق والعرادات على المدينة وأحدقت القواد والرؤساء.\nوأقبل بابك في أنجاد أصحابه وعباهم فقاتله القواد قتالًا شديدًا إلى العصر ثم انصرفوا وقد نكّوا في أصحابه وأقام الأفشين ستة أيام ثم ناهضه يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر رمضان واستعد له بابك فوضع على البذّ عجلًا عظيمًا ليرسله إلى أصحاب الأفشين ثم أرسل بابك رجلًا يقال لهُ \"موسى الأقطع\" إلى الأفشين يسألهُ أن يخرجَ إليهِ ليشافهه بما في نفسه، فإن صارَ إلى مرادهِ وإلَّا حاربه فأجابه الأفشين إلى ذلك فخرج بابك حتى صار بالقرب من الأفشين في موضع بينهما واد. فلما رأى الأفشين كفى له فبسطه الأفشين وأعلمه ما في الطاعة من السلامة في الدنيا والآخرة فلم يقبل ذلك، فانصرفَ إلى موضعه وأمر أصحابه بالحرب فتسرعوا إلى ذلكَ ودهدهوا العجل الذي كانوا أعدوهُ فانكسر العجل، وثاب أصحاب الأفشين فدفعوهم إلى رأس الجبل.\nوقد كان يوبارة وجعفر الخياط وقفا بحذاء عبد الله أخي بابك، فحملا وحمل عليهم القواد من جميع النواحي، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، وانهزموا حتى دخلوا المدينة، فدخلوا خلفهم في طلبهم، وصارت الحرب في ميدان وسط المدينة. وكانت حربًا لم ير مثلها شدة وقتلوا في الدور والبساتين وهرب عبد الله أخو بابك.\nفلما رأى بابك أن العساكر قد أحدقت بهِ والمذاهب قد ضاقت عليهِ، وأن أصحابهُ قد قتلوا وفلّوا توجَّهَ إلى أرمينية، وسار حتى عبر نهر الرِسّ متوجهًا إلى الروم فلما عبر نهر الرسّ قصد نحوه سهل بن سنباط صاحب الناحية وقد كان الأفشينُ كتب إلى أصحاب تلك النواحي وإلى الأكراد بأرمينية والبطارقة بأخذ الطرق عليه.\nفوافاه سهل بن سنباط وقد كان بابك غيَّر لباسه وبدّل زيّه وشدّ الخرق على رجليهِ وركب بغلة بإكاف فأوقع به سهل بن سنباط فأخذهُ أسيرًا.\nووجّه به إلى الأفشين فاستوثق منه الأفشين وكتبَ إلى المعتصم بالفتح. واستأذنهُ في القدوم عليه فأذن له، فسارَ حتى قدم عليه وجه بابك وأخوه، فكان من قتل المعتصم لبابك وقطع","vol":"12","page":344},{"text":"وذكر عن طَوق بن أحمد، أن بابك لما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجَّهَ الأفشين أبا سعيد وبوزبارة، فأخذاه منه، فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه إلى الأفشين، فأمر لمعاوية بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها لهُ من أمير المؤمنين ومنطقة مغرقة بالجوهر وتاج البطرقة، فبطرق سهل بهذا السبب، والذي كانَ عنده عبد الله أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البَيلقان.\nوذكر عن محمد بن عمران كاتب على بن مر، قال: حدَّثني علي بن مرِّ، عن رجل من الصعاليك يقال له مَطر، قال: كان واللهِ يا أبا الحسن بابك ابني، قلت: وكيف؟ قال: كنا مع ابن الرَّوَّاد، وكانت أمه ترتوميذ العوراء من علوج ابن الرَّواد، فكنت أنزل عليها، وكانت مصكة فكانت تخدمني، وتغسل ثيابي، فنظرتُ إليها يومًا، فواثبتها بشبق السفر وطول الغربة، فأقررتُه في رحمها، ثم قال: غبنا غيبة بعد ذلكَ، ثم قدمنا فإذا هي تطلبني، فنزلتُ في منزل آخر، فصارت إليَّ يومًا، فقالت: حين ملأتَ بطني تنزلُ ها هنا وتتركني! فأذاعت أنه منِّي فقلت: واللهِ لئن ذكرتِني لأقتلنَّكِ؛ فأمسكت عني، فهو واللهِ ابني.\nوكان يُجزَى الأفشين في مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق، والأنزال والمعاون في كلِّ يوم يركب فيهِ عشرة آلاف درهم، وفي كلِّ يومٍ لا يركب فيهِ خمسة آلاف درهم.\nوكان جميعُ من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمائة إنسان، وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد بن الجُنيد، وأسره وزُريق بن علي بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسي وإبراهيم بن الليث، وأسِر مع بابك ثلاث آلاف وثلثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهم سبعة آلاف وستمائة إنسان، وعدَّة من صار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلًا، ومن البنات والكنَّات ثلاث\n_________\n= يديهِ ورجليه وصلبهِ ما هو مشهور.\nقالوا: ولما قدمَ الأفشين ومعهُ بابك أجلسه المعتصم على سرير أمامه وعقد التاج على رأسه. [الأخبار الطوال/ ٤٠٢ - ٤٠٥].","vol":"12","page":345},{"text":"وعشرون امرأة، فتوّج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف درهم، منها عشرة آلاف ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرِّقها في أهل عسكره، وعقد له على السَّند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه، وأمر للشعراء بصلات، وذلكَ يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وكان مما قيلَ فيه قول أبي تمام الطائيّ:\nبذَّ الجلادُ البذَّ فهو دفينُ ... ما إِن به إلَّا الوحوش قطينُ\nلم يقر هذا السيفُ هَذَا الصَّبر في ... هَيْجاءَ إلَّا عَزَّ هذا الدين\nقد كان عُذرةَ سُودَد فافتضَّها ... بالسيفِ فَحْلُ المشرقِ الأَفشين\nفأَعادها تَعوِي الثعالبُ وسطها ... ولقد تُرى بالأَمس وهي عرينُ\nهطلتْ عليها من جَماجِمِ أَهلها ... دِيَمٌ أَمارَتُها طُلىً وشؤون\nكانت من المُهَجات قبلُ مفازةً ... عِسرًا فأَضحتْ وهي منه مَعين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>[ذكر خبر إيقاع الروم بأهل زبطرة]</span>\nوفي هذه السنة أوقع تَوفِيل بن ميخائيل صاحب الروم بأهل زَبَطرة، فأسرهم وخرب بلدهم، ومضى من فوره إلى مَلَطية فأغار على أهلها وعلى أهل حصون من حصون المسلمين؛ إلى غير ذلك؛ وسبا من المسلمات - فيما قيل - أكثر من ألف امرأة، ومثَّل بمن صار في يده من المسلمين، وسمَل أعينهم، وقطع آذانهم، وآنافهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1940>ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك:</span>\nذُكر أنّ السبب في ذلكَ كان ما لحق بابك من تضييق الأفشين عليه وإشرافه على الهلاك، وقهْر الأفشين إياه؛ فلما أشرف على الهلاك، وأيقن بالضَّعْفِ من نفسه عن حربه، كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جُورجس؛ يعلمه أن ملك العرب قد وجَّهَ عساكرهُ ومقاتلتهُ إليه حتى وجَّهَ خيَّاطه - يعني جعفر بن\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٧٨) والبداية والنهاية (٨/ ١٧٤) وجعل ابن قتيبة هذه الحادثة سببًا مباشرًا فقال ونزلت الروم زبطرة فتوجه أبو إسحاق غازيًا في جمادى الآخرة سنة ٢٢٣ هـ[المعارف ٢٠٠].","vol":"12","page":346},{"text":"دينار - وطباخه - يعني إيتاخ - ولم يبقَ على بابهِ أحد؛ فإن أردتَ الخروجَ إليهِ فاعلم أنهُ ليس في وجهكَ أحدٌ يمنعُكَ؛ طمعًا منهُ بكتابهِ ذلكَ إليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض مَنْ بإزائهِ من جيوشه إلى ملك الروم، واشتغاله به عنه.\nفذكر أن توفيل خرج في مائة ألف - وقيل أكثر - فيهم من الجند نيِّف وسبعون ألفًا، وبقيَّتهم أتباع حتى صار إلى زِبَطرة، ومعه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب جماعة رئيسهم بارسيس، وكان ملك الروم قد فرَض لهم، وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعينُ بهم في أهم أمورهِ إليه؛ فلما دخلَ ملكُ الرومِ زِبَطرة وقتل الرجال الذين فيها، وسبى الذراري والنساء التي فيها وأحرقها، بلغ النفير - فيما ذكر - إلى سامراء، وخرج أهل ثغور الشأم والجزيرة وأهل الجزيرة إلا من لم يكن عندهُ دابةٌ ولا سلاح واستعظم المعتصم ذلك.\nفذكر أنه لما انتهى إليهِ الخبرُ بذلكَ صاحَ في قصره النفير، ثم ركب دابتهُ وسمَّطَ خلفهُ شكالا وسكة حديد وحقيبة، فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبية، فجلس - فيما ذكر - في دار العامة، وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل، ومعهما ثلثمائة وثمانية وعشرون رجلًا من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثًا لولدهِ، وثلثًا لله وثلثًا لمواليه. ثم عسكر بغربي دجلة؛ وذلكَ يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى.\nووجه عُجيف بن عنبسة وعمرًا الفرغاني ومحمد كُوتة وجماعة من القُواد إلى زِبطرة إعانة لأهلها، فوجد ملك الروم قد انصرف إلى بلادهِ بعدما فعل ما قد ذكرناه، فوقفوا قليلًا؛ حتى تراجعَ الناسُ إلى قراهم، واطمأنُّوا، فلما ظفر المعتصم ببابك، قال: أيِّ بلاد الروم أمنعُ وأحصن؟ فقيل: عمُّورية، لم يعرض لها أحدٌ من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية وبُنكها، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية.","vol":"12","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1941>ذكر الخبر عن فتح عمورية </span>(١)\nوفي هذه السنة شخص المعتصم غازيًا إلى بلاد الروم، وقيل كان شخوصهُ إليها من سامراء في سنة أربع وعشرين ومائتين - وقيل في سنة اثنتين وعشرين ومائتين - بعد قتلهِ بابك.\nفذكر أنه تجهّز جهازًا لم يتجهز مثله قبله خليفة قطُّ من السلاح والعُدد والآلة وحياض الأدم والبِغال والرَّوايا والقِرَب وآلة الحديد والنفط، وجعل على مقدِّمتهِ أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنتهِ إيتاخ، وعلى ميسرتهِ جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط، وعلى القلب عُجَيف بن عنبسة.\nولما دخل بلاد الروم أقام على نهر اللمِس وهو على سَلُوقية قريبًا من البحر، بينهُ وبين طرَسُوس مسيرة يوم، وعليه يكون الفداء إذا فُودِي بين المسلمين والروم، وأمضى المعتصم الأفشين خيذر بن كاوس إلى سَرُوج، وأمرهُ بالبروز منها والدخول من دربِ الحدَث، وسمَّى لهُ يومًا أمرهُ أن يكونَ دخولهُ فيه، وقدَّر لعسكرهِ وعسكر أشناس يومًا جعلهُ بينهُ وبين اليوم الذي يدخلُ فيه الأفشين، بقدر ما بين المسافتين إلى الموضع الذي رأى أن يجتمعَ العساكر فيه - وهو أنقِرة - ودبَّر النزول على أنقرة، فإذا فتحها اللهُ عليهِ صار إلى عمُّورية، إذ لم يكن شيء مما يقصد لهُ من بلاد الروم أعظم من هاتين المدينتين، ولا أحرى أن تجعل غايته التي يؤمّها.\nوأمر المعتصم أشناس أن يدخل من درب طَرسُوس، وأمره بانتظاره\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٨٢) والبداية والنهاية (٨/ ١٧٤).\nوهذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (٥٧ - ٧٠) وقد انفرد الطبري من بين المؤرخين المتقدمين الثقات بهذه التفاصيل وقد أخرج ابن الجوزي رواية مسندة في ذكر غزوة عمورية أيام المعتصم (عن شاهد عيان) فقال: روى أبو بكر الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثني يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: غزوت مع المعتصم عمورية فاحتاج الناس إلى ماء فمد لهم المعتصم حياضًا من أدم عشرة أميال وساق الماء. . الخ. وفي آخر الخبر وارتحل المعتصم منصرفًا إلى أرخى طرسوس وكانت إناخة المعتصم على عمورية لست خلون من رمضان (المنتظم ١١/ ٨٢).\nوأما قتيبة الدينوري فقال: ونزلت الروم زبطرة فتوجه أبو إسحاق غازيًا في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائتين ففتح عمورية في شهر رمضان من هذه السنة (المعارف/ ٢٠٠).","vol":"12","page":348},{"text":"بالصفصاف فكان شخوص أشناس يوم الأربعاء لثمانٍ بقينَ من رجب، وقدَّمَ المعتصم وصيفًا في إثر أشناس على مقدِّمات المعتصم، ورحل المعتصم يوم الجمعة لستٍّ بقينَ من رجب.\nفلما صارَ أشناس بمرج الأُسقُف، ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمهُ أن الملك بين يديه، وأنه يريد أن يجوز العساكرُ اللِمس، فيقف على المخاضة، فيكبسهم، ويأمره بالمقام بمرج الأسقُف - وكان جعفر بن دينار على ساقة المعتصم - وأعلم المعتصم أشناس في كتابهِ أن ينتظر موافاة الساقة، لأن فيها الأثقال والمجانيق والزَّاد وغير ذلك؛ وكانَ ذلكَ بعد في مضيق الدرب لم يخلُص، ويأمرهُ بالمقامِ إلى أن يتخلص صاحب الساقة من مضيق الدَّرب بمن معه، ويُصحر حتى يصير في بلاد الروم.\nفأقام اشناس بمرج الأسقف ثلاثة أيام؛ حتى ورد كتاب المعتصم، يأمرهُ أن يوجِّهَ قائدًا من قُواده في سرية يلتمسون رجلًا من الروم، يسألونهُ عن خبر الملك ومَنْ معهُ، فوجَّهَ أشناس عمرًا الفرغانيِّ في مائتي فارس، فسارَوا ليلتهم حتى أتوا حصن قرَّة فخرجوا يلتمسون رجلًا من حَوْلِ الحصن؛ فلم يمكن ذلكَ، ونذر بهم صاحب قُرة، فخرج في جميع فرسانه الذين كانوا معهُ بالقُرَّة، وكمن في الجبل الذي فيما بين درَّة ودُرَّة؛ وهو جبل كبير يحيط برستاق يسمى رستاق قُرَّة، وعلم عمرو الفرغاني أن أصحاب قُرَّة قد نذر بهم، فتقدَّمَ إلى دُرَّة، فكمن بها ليلته؛ فلما انفجرَ عمود الصبح صيَّرَ عسكرهُ ثلاثة كراديس، وأمرهم أن يركُضوا ركضًا سريعًا، بقدر ما يأتونهُ بأسير عنده خبر الملك، ووعدهم أن يوافوه به في بعض المواضع التي عرفها الأدلَّاء، ووجَّهَ مع كل كُردوسٍ دليلين.\nوخرجوا مع الصبح، فتفرقوا في ثلاثة وجوه؛ فأخذوا عدَّة من الروم؛ بعضهم من أهل عسكر الملك، وبعضهم من الضواحي، وأخذ عمرو رجلًا من الروم من فرسان أهل القرَّة، فسألهُ عن الخبر؛ فأخبره أن الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللمس بأربعة فراسخ، وأنَّ صاحب قُرَّة نذر بهم في ليلتهم هذه، وأنه ركب فكمن في هذا الجبل فوق رؤوسهم؛ فلم يزل عمرو في الموضع الذي كانَ وعد فيهِ أصحابه، وأمر الأدلاء معهُ أن يتفرَّقوا في رؤوس الجبال، وأن يشرفوا على الكراديس الذين وجَّههم إشفاقًا أَنْ يخالفهم صاحب قُرة إلى أحد","vol":"12","page":349},{"text":"الكراديس، فرآهم الأدلاءُ، ولوحوا لهم، فأقبلوا فتوافوا هم وعمرو في موضع غير الموضع الذي كانوا اتَّعدوا له، ثم نزلوا قليلًا، ثم ارتحلوا يريدون العسكر، وقد أخذوا عدَّة ممن كان في عسكر الملك، فصاروا إلى أشناس في اللَّمس، فسألهم عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يومًا ينتظرُ عُبور المعتصم ومقدَّمته باللَّمس؛ فيواقعهم من وراء اللَّمس، وأنه جاءه الخبر قريبًا؛ أنه قد رحل من ناحية الأرمنياق عسكرٌ ضخم، وتوسط البلاد - يعني عسكر الأفشين - وأنه قد صار خلفه.\nفأمرَ الملك رجلًا من أهل بيته ابن خاله، فاستخلفه على عسكره، وخرجَ ملكُ الروم في طائفةٍ من عسكرهِ يريدُ ناحية الأفشين، فوجَّهَ أشناس بذلك الرجل الذي أخبره بهذا الخبر إلى المعتصم فأخبره الخبر، فوجه المعتصم من عسكره قومًا من الأدلَّاء، وضمن لهم لكل رجلٍ منهم عشرة آلاف درهم، على أن يوافُوا بكتابه الأفشين، وأعلمهُ فيه أنَّ أمير المؤمنين مقيمٌ، فليقم إشفاقًا من أن يواقعه ملكُ الروم. وكتبَ إلى أشناس كتابًا يأمرهُ أن يوجه من قِبَله رسولًا من الأدلاء الذين يعرفون الجبال والطرق والمشبهة بالرُّوم، وضمِنَ لكلِّ رجلٍ منهم عشرة آلاف درهم إن هو أوصل الكتاب، ويكتب إليهِ أن ملك الروم قد أقبل نحوهُ فليُقم مكانهُ حتى يوافيَهُ كتاب أمير المؤمنين.\nفتوجَّهت الرسل إلى ناحية الأفشين، فلم يلحقه أحد منهم؛ وذلكَ أنه كان وغل في بلاد الروم، وتوافت آلات المعتصم وأثقالهُ مع صاحب الساقة إلى العسكر، فكتب إلى أشناس يأمرهُ بالتقدُّم؛ فتقدَّمَ أشناس والمعتصم من ورائه، بينهم مرحلة ينزلُ هذا ويرحل هذا. ولم يرد عليهم من الأفشين خبر؛ حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاثة مراحل؛ وضاق عسكر المعتصم ضيقًا شديدًا من الماء والعَلَف.\nوكانَ أشناس قد أسرَ عدَّةَ أسرى في طريقهِ، فأمر بهم فضُربت أعناقهم حتى بقي منهم شيخٌ كبير؛ فقال الشيخ: ما تنتفع بقتلي، وأنت في هذا الضيق، وعسكركَ أيضًا في ضيقٍ من الماءِ والزاد، وها هنا قوم قد هربوا من أَنقرة خوفًا من أن ينزل بهم ملك العرب؛ وهم بالقرب منا ها هنا، معهم من الميرة والطعام، والشعير شيءٌ كثير، فوجِّهْ معي قومًا لأدفعهم إليهم، وخلِّ سبيلي! .","vol":"12","page":350},{"text":"فنادى منادي أشناس: مَنْ كان بهِ نشاط فليركب، فركب معهُ قريب من خمسمائة فارس؛ فخرجَ أشناس حتى صار من العسكر على ميل، وبرز معه مَنْ نشطَ من الناس، ثم برز فضرب دابته بالسوط، فركض قريبًا من ميلين ركضًا شديدًا، ثم وقف ينظر إلى أصحابهِ خَلفه، فمَنْ لم يلحق بالكُردوس لضعف دابتهِ ردَّهُ إلى العسكر، ودفعَ الرجل الأسير إلى مالك بن كَيدر، وقال له: متى ما أراكَ هذا سَبْيًا وغنيمةً كثيرة فخلِّ سبيله على ما ضِمِنَّا له. فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة، فأوردهم على وادٍ وحشيش كثير، فأمرج الناس دوابَّهم في الحشيش حتى شبعت، وتعشى الناسُ وشربوا حتى رَووا، ثم سارَ بهم حتى أخرجهم من الغَيضةِ، وسار أشناسُ مِنْ موضعهِ الذي كانَ بهِ متوجِّهًا إلى أنقرة.\nوأمر مالك بن كيدر والأدلَّاء الذين معه أن يوافُوه بأنقرة، فسار بهم الشيخ العِلج بقية ليلتهم يدُورُ بهم في جبل ليسَ يخرجهم منه، فقال الأدلاءُ لمالك بن كيدر: هذا الرجلُ يدورُ بنا، فسألهُ مالك عما ذكر الأدلَّاء، فقال: صدقوا؛ القوم الذين تريدهم خارج الجبل، وأخافُ أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوتَ حوافر الخيل على الصخر؛ فيهربوا، فإذا خرجنا من الجبل ولم نرَ أحدًا قتلني، ولكن أدور بكَ في هذا الجبل إلى الصبح؛ فإذا أصبحنا خرجنا إليهم، فأريتُكَ إياهم حتى آمن ألَّا تقتلني. فقال لهُ مالك: ويحك! فأنزلنا في هذا الجبل حتى نستريح، فقال: رأيك؛ فنزلَ مالك ونزل الناس على الصخرة، وأمسكوا لُجم دوابهم حتى انفجر الصبح؛ فلما طلعَ الفجر قال: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل؛ فينظران ما فوقه، فيأخذان من أدركا فيهِ، فصعد أربعةٌ من الرجال فأصابوا رجلًا وامرأةً؛ فأنزلوهما فسألَهُما العِلج: أين باتَ أهلُ أنقرة؟ فسمُّوا لهم الموضع الذي باتوا فيهِ، فقال لمالك: خلِّ عن هذين؛ فإنا قد أعطيناهما الأمان حتى دلونا، فخلَّى مالك عنهما، ثم سار بهم العلج إلى الموضع الذي سمَّاهُ لهم، فأشرف بهم على العسكر عسكر أهل أنقرة، وهم في طرف ملَّاحة، فلما رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان، فدخلوا الملَّاحة، ووقفوا لهم على طرف الملَّاحة يقاتلون بالقَنا، ولم يكن موضع حجارة ولا موضع خيل، وأخذوا منهم عدة أسرى، وأصابوا في الأسرى عدَّة بهم جراحات عُتق من جراحات متقدمة، فسألوهم عن تلك الجِراحات، فقالوا: كنا في وقعة الملك مع","vol":"12","page":351},{"text":"الأفشين، فقالوا لهم: حدِّثونا بالقضية فأخبروهم أنَّ الملكَ كان معسكرًا على أربعة فراسخ من اللَّمس؛ حتى جاءه رسول، أن عسكرًا ضخمًا قد دخل من ناحية الأرمنياق، فاستخلف على عسكره رجلًا من أهل بيتهِ، وأمرهُ بالمقام في موضعهِ؛ فإن ورد عليه مقدِّمةُ ملك العرب، واقعه إلى أن يذهب هو فيواقع العسكر الذي دخل الأرمنياق يعني عسكر الأفشين - فقال أميرهم: نعم؛ وكنت ممن سار مع الملك، فواقعناهم صلاة الغداة فهزمناهم؛ وقملنا رجَّالتهم كلَّهم، وتقطعت عساكرنا في طلبهم، فلما كان الظهر رجع فرسانهم، فقاتلونا قتالًا شديدًا حتى حرَّقوا عسكرنا، واختلطوا بنا واختلطنا بهم؛ فلم ندرِ في أيِّ كُردوسٍ الملك! فلم نزل كذلكَ إلى وقتِ العصر، ثم رجعنا إلى موضع عسكر الملك الذي كنا فيه فلم نصادفه، فرجعنا إلى موضع معسكر الملك الذي خلَّفهُ على اللَّمس، فوجدنا العسكرَ قد انتقض، وانصرفَ الناس عن الرجل قرابة الملك الذي كانَ الملك استخلفهُ على العسكر؛ فأقمنا على ذلكَ! ليلتنا؛ فلمَّا كانَ الغدُ، وافانا الملكُ في جماعة يسيرة، فوجد عسكرهُ قد اختلَّ، وأخذ الذي استخلفهُ على العسكر، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون ألَّا يأخذوا رجلًا ممن انصرف من عسكر الملك إلا ضربوه بالسياط، أو يرجع إلى موضع سماهُ لهم الملك انحاز إليهِ ليجتمعَ إليهِ الناسُ، ويعسكر بهِ، ليناهضَ ملك العرب؛ ووجَّهَ خادمًا له خصيًا إلى أنقرة على أن يقيمَ بها، ويحفظ أهلها إن نزل بها ملك العرب.\nقال الأسير: فجاء الخصي إلى أنقرة وجئنا معهُ، فإذا أنقرةَ قد عطَّلها أهلها، وهربوا منها، فكتب الخصي إلى ملكِ الروم يعلمهُ ذلك، فكتبَ إليه الملك يأمره بالمسير إلى عَمورية.\nقال: وسألتُ عن الموضع الذي قصد إليه أهلها يعني أهل أنقرة - فقالوا لي: إنهم بالملَّاحة فلحقنا بهم.\nقال مالك بن كيدر: فدعوا الناس كلهم، خذوا ما أخذتم، ودعوا الباقي، فتركَ الناس السبي والمقاتلة وانصرفوا راجعين، يريدون عسكر أشناس، وساقوا في طريقهم غنمًا كثيرًا وبقرًا، أطلق ذلكَ الشيخ الأسيرَ مالك، وسار إلى عسكر أشناس بالأسرى؛ حتى لحق بأنقرة، فمكث أشناس يومًا واحدًا، ثم لحقه المعتصم من غد، فأخبرهُ بالذي أخبره به الأسير، فسُرَّ المعتصم بذلك. فلمَّا كانَ","vol":"12","page":352},{"text":"اليوم الثالث جاءت البُشرى من ناحية الأفشين يخبرون بالسلامة، وأنه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة.\nقال: ثم ورد على المعتصم الأفشين بعد ذلكَ اليوم بيوم بأنقرة، فأقاموا بها أيامًا، ثم صيَّرَ العسكرَ ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، والأفشين في الميمنة؛ وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر منهم أن يكونوا له ميمنة وميسرة، وأن يحرقوا القرى ويخربوها، ويأخذوا من لحقوا فيها من السَّبي، وإذا كان وقت النزول توافَى كلُّ أهل عسكر إلى صاحبهم ورئيسهم، يفعلون ذلكَ فيما بينَ أنقرةَ إلى عَموريَّة؛ وبينهما سبع مراحل؛ حتى توافت العساكر بعمُّورية.\nقال: فلما توافت العساكر بعمُّورية، كان أوَّل مَنْ وردها أشناس وردَها يوم الخميس ضَحوة، فدار حولها دَورة، ثم نزل على ميلين منها بموضع فيهِ ماء وحشيش؛ فلما طلعت الشمسُ من الغد، ركبَ المعتصم، فدار حولها دورة، ثم جاء الأفشين في اليوم الثالث، فقسمها أميرُ المؤمنين بين القوَّاد كما تدور؛ صيَّرَ إلى كل واحدٍ منهم أبراجًا منها على قدر كثرة أصحابه وقلَّتهم، وصار لكلِّ قائد منهم ما بين البرجين إلى عشرين برجًا وتحصَّنَ أهلُ عمُّورية وتحرَّزوا.\nوكان رجلٌ من المسلمين قد أسرهُ أهل عمُّورية، فتنصر وتزوجَ فيهم فحبس نفسه عند دخولهم الحصن، فلمَّا رأى أميرَ المؤمنين ظهر وصار إلى المسلمين، وجاء إلى المعتصم، وأعلمه أن موضعًا من المدينة حمل الوادي عليه من مطر جاءهم شديد، فحمل الماء عليه، فوقع السور من ذلكَ الموضع، فكتب ملك الروم إلى عامل عَمورية أن يبني ذلكَ الموضع، فتوانى في بنائهِ حتى كان خروج الملك من القسطنطينية إلى بعض المواضعِ، فتخوفَ الوالي أن يمرَّ الملك على تلك الناحية فيمرَّ بالسور فلا يراه يُبنى، فوَجَّه خلف الصنَّاع فبنى وجه السور بالحجارةِ حجرًا حجرًا، وسيرَ وراءه من جانب المدينةِ حشوًا، ثم عقد فوقه الشُّرَف كما كانَ، فوقَّفَ ذلكَ الرجلُ المعتصِمَ على هذه الناحية التي وصف، فأمر المعتصم فضرب مضربه في ذلكَ الموضع، ونصب المجانيق على ذلكَ البناء، فانفرج السور من ذلك الموضع، فلما رأى أهل عموريَّة انفراج السور، علَّقوا عليه الخشب الكبار، كل واحد بلزق الأخرى؛ فكانَ حجر المجنيق إذا","vol":"12","page":353},{"text":"وقع على الخشب تكسر، فعلَّقوا خشبًا غيره، وصيَّروا فوقَ الخشب البراذع ليترِّسوا السور.\nفلما ألحَّت المجانيق على ذلك الموضع، انصدع السور، فكتب ياطس والخصيُّ إلى ملك الروم، كتابًا يعلمانه أمر السور، وجَّها الكتاب مع رجل فصيح بالعربية وغلام رومي، وأخرجاهما من الفصيل، فعبرا الخندق، ووقعا إلى ناحية أبناء الملوك المضمومين إلى عمرو الفرغاني، فلمَّا خرجا من الخندق أنكروهما، فسألوهما: من أين أنتما: قالا لهم: نحن من أصحابكم، قالوا: من أصحاب مَنْ أنتم؟ فلم يعرفا أحدًا من قوَّادِ العسكر يسميانه لهم، فأنكروهما، وجاءوا بهما إلى عمرو الفرغاني بن أربخا، فوجَّهَ بهما عمرو إلى أشناس، فوجَّهَ بهما أشناس إلى المعتصم، فسألهما المعتصم وفتَّشهما، فوجد معهما كتابًا من ياطس إلى ملك الروم، يعلمه فيهِ أن العسكر قد أحاطَ بالمدينةِ في جَمعٍ كثير، وقد ضاق بهم الموضع. وقد كان دخولهُ ذلكَ الموضع خطأ - وأنه قد اعتزم على أن يركب، ويحمل خاصة أصحابهِ على الدواب التي في الحصن، ويفتح الأبواب ليلًا غفلة، ويخرج فيحمل على العسكر كائنًا فيهِ ما كان؛ أفلت فيه من أفلت، وأصيبَ فيهِ مَن أصيب، حتى يتخلَّص من الحصار، ويصير إلى الملك.\nفلما قرأ المعتصم الكتاب أمر للرجل الذي يتكلم منهما بالعربية والغلام الرومي الذي معهُ ببدرة، فأسلما وخلع عليهما، وأمر بهما حين طلعت الشمس فأداروهما حول عَمورية، فقالا: ياطس يكون في هذا البرج، فأمر بهما فوقفا بحذاء البرج الذي فيهِ ياطس طويلًا، وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدراهم وعليهما الخلع، ومعهما الكتاب حتى فهمهما ياطس وجميع الروم، وشتَّموهما من فوق السور، ثم أمر بهما المعتصم فنحَّوهما، وأمر المعتصم أن يكون الحراسة بينهم نوائب؛ في كلِّ ليلة يحضرها الفرسان، يبيتون على دوابهم بالسلاح وهم وقوف عليها؛ لئلا يُفتح الباب ليلًا، فيخرج من عَمُّورَية إنسان، فلم يزل الناس يبيتون كذلكَ نوائب على ظهور الدوَّابِ في السلاح ودوابهم بسروجها، حتى انهدمَ السُّور ما بين بُرجين من الموضع الذي وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله.\nوسمع أهل العسكر الوجبة فتشوَّفوا، وظنُّوا أن العدوَّ قد خرج على بعض","vol":"12","page":354},{"text":"الكراديس حتى أرسل المعتصم مَنْ طافَ على الناس في العسكر يعلمهم أن ذلكَ صوت السور وقد سقط، فطِيبُوا نفسًا.\nوكان المعتصم حين نزل عَمُّورية ونظر إلى سعة خندقها وطول سورها؛ وكان قد استاق في طريقه غنمًا كثيرة، فدبَّرَ في ذلكَ أن يتَّخذ مجانيق كبارًا على قدر ارتفاع السور، يسع كلُّ مِنجنيق منها أربعة رجال، وعملها أوثق ما يكون وأحكمه، وجعلها على كراسي تحتها عجل، ودبَّرَ في ذلكَ أن يدفع الغنم إلى أهل العسكر إلى كلِّ رجل شاة، فيأكل لحمها، ويحشو جلدها ترابًا ثم يؤتى بالجلودِ مملوءة ترابًا، حتى تطرح في الخندق.\nففعل ذلكَ بالخندق، وعمِل دبَّابات كبارًا تسع كل دبابة عشرة رجال، وأحكمها على أن يُدَحرجها على الجلود المملوءة ترابًا حتى يمتلئ الخندق؛ ففعل ذلكَ، وطُرحت الجلود فلم تقع الجلود؛ مستوية منضدَّة خوفًا منهم من ججارة الروم، فوقعت مختلفة؛ ولم يمكن تسويتها، فأمر أن يطرح فوقها التراب حتى استوت، ثم قدّمت دبَّابة فدحرجها، فلما صارت من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود، وبقي القومُ فيها؛ فما تخلَّصوا منها إلا بعد جهد. ثم مكثت تلك العجلة مقيمة هناك، لم يمكن فيها حيلة حتى فتحت عَمُّورية، وبطلت الدبابات والمنجنيقات والسلاليم وغير ذلك؛ حتى أحرقت.\nفلما كان من الغد قاتلهم على الثُّلمة؛ وكان أوَّلُ من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضَيِّقًا، فلم يمكنهم الحرب فيه؛ فأمر المعتصم بالمنجنيقات الكبار التي كانت متفرِّقة حول السور، فجمع بعضها إلى بعض، وصيرها حول الثلمة، وأمر أن يُرمَى ذلكَ الموضع؛ وكانت الحربُ في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه، فأجادوا الحرب وتقدَّموا. وكانَ المعتصم واقفًا على دابتهِ بإزاء الثلمةِ وأشناس وأفشين وخواصِّ القواد معهم وكان باقي القواد الذين دون الخاصَّةِ وقوفًا رجَّالة، فقال المعتصم: ما كان أحسن الحرب اليوم! فقال عمرو الفرغاني: الحرب اليوم أجودُ منها أمس، وسمعها أشناس فأمسك؛ فلما انتصفَ النهار، وانصرف المعتصم إلى مضربه، فتغدَّى وانصرف القوادُ إلى مضاربهم يتغدون، وقرب أشناس من باب مضربه، ترجَّل له القواد كما كانوا يفعلون؛ وفيهم عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام، فمشوا بين يديه","vol":"12","page":355},{"text":"كعادتهم، عند مَضربه، فقال لهم أشناس: يا أولاد الزنا، أيْشٍ تمشون بين يدي! كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقولون: إن الحرب اليوم أحسن منها أمس؛ كان أمس يقاتل غيركم. انصرفوا إلى مضاربكم.\nفلما انصرف عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام، قال أحدهما للآخر: أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة - يعني أشناس - ما صنع بنا اليوم! أليسَ الدخولُ إلى بلاد الرومِ أهونَ من الذي سمعناهُ اليوم! فقال عمرو الفرغاني لأحمد بن الخليل - وكان عند عمرو خبر -: يا أبا العباس سيكفيكَ اللهُ أمره، عن قريبٍ أبشر، فأوهم أحمدَ أن عندهُ خبرًا، فألَّح عليه أحمد يسألهُ؛ فأخبره بما هم فيه؛ وقال: إن العباس بن المأمون قد تمَّ أمرُه، وسنبايعُ له ظاهرًا، نقتل المعتصم وأشناس وغيرهما من قريب. ثم قال له: أشير عليك أن تأتيَ العباس، فتقدم فتكونُ في عداد من مال إليه. فقال له أحمد: هذا أمر لا أحسبهُ يتم، فقال له عمرو: قد تمَّ وفرغ، وأرشده إلى الحارث السمرقندي - قرابة سلمة بن عبيد الله بن الوضاح، وكان المتولِّي لإيصال الرجال إلى العباس وأخذ البيعة عليهم - فقال له عمرو: أنا أجمع بينك وبين الحارث حتى تصير في عداد أصحابنا، فقال لهُ أحمد: أنا معكم إن كان هذا الأمرُ يتم فيما بيننا وبين عشرة أيام، وإن جاوزَ ذلكَ فليس بيني وبينكم عمل؛ فذهبَ الحارث، فلقي العباس فأخبره أن عمرًا قد ذكره لأحمد بن الخليل فقال له: ما كنت أحب أن يطَّلع الخليل على شيءٍ من أمرنا؛ أمسكوا عنه؛ ولا تشركوه في شيء من أمركم، دعوه بينهما، فأمسكوا عنه.\nفلما كان في اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين خاصَّة، ومعهم المغاربة والأتراك، والقيّم بذلكَ إيتاخ، فقاتلوا وأحسنوا واتسع لهم الموضع المنثلم؛ فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت في الروم الجراحات.\nوكان قوَّادُ ملك الروم عند ما نزلَ بهم عسكر المعتصم اقتسموا البروج؛ لكل قائد وأصحابه عدَّة أبرجة؛ وكان الموكَّل بالموضع الذي انثلمَ من السور رجلًا من قوَّادِ الروم يقالُ لهُ وندوا، وتفسيره بالعربية \"ثَور\" فقاتل الرَّجُلُ وأصحابه قتالًا شديدًا بالليل والنهار والحرب عليه وعلى أصحابهِ، لم يمدَّهُ ياطس ولا غيره","vol":"12","page":356},{"text":"بأحد من الرُّوم؛ فلما كان بالليل مضى القائد الموكل بالثلمة إلى الرُّومِ، فقال: إنَّ الحربَ عليَّ وعلى أصحابي، ولم يبقَ معي أحدٌ إلَّا قد جُرح؛ فصيِّرُوا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلا؛ وإلا افتضحتم وذهبت المدينة. فأبوا أن يمدُّوه بأحد، فقالوا: سلِم السور من ناحيتنا، وليسَ نسألكَ أن تمدَّنا؛ فشأنَك وناحيتَك؛ فليس لك عندنا مدد. فاعتزمَ هُوَ وأصحابهُ أن يخرجوا إلى أميرِ المؤمنين المعتصم ويسألوه الأمان، على الذُّرَّية، ويسلِّموا إليه الحصن بما فيه من الخُرثي والمتاع والسلاح وغير ذلك.\nفلما أصبح وكَّلَ أصحابه بجنبي الثلمة؛ وخرج فقال: إني أُريد أمير المؤمنين؛ وأمر أصحابه ألا يحاربوا حتى يعود إليهم؛ فخرج حتى وصل إلى المعتصم؛ فصار بين يديه، والناسُ يتقدمون إلى الثلمة؛ وقد أمسكَ الرُّوم عن الحرب، حتى وصلوا إلى السور والروم يقولون بأيديهم: لا تَحيَوا، وهم يتقدمون، ووندوا بين يدي المعتصم جالس؛ فدعا المعتصم بفرس فحملهُ عليه، وقابل حتى صار الناس معهم على حرف الثلمة، وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم، فأومأ إلى الناس بيده: أن ادخلوا، فدخلَ الناس المدينة، فالتفتَ وندوا، وضرب بيدهِ إلى لحيته، فقال له المعتصم: ما لك؟ قال: جئتُ أريدُ أن أسمعَ كلامكَ وتسمعَ كلامي، فغدرتَ بي؛ فقال المعتصم: كلُّ شيء تريدُ أن تقولهُ فهو لك عليَّ، قُل ما شئتَ؛ فإني لست أخالفك. قال: أيشٍ لا تخالفني وقد دخلوا المدينة! فقال المعتصم: اضرب بيدكَ إلى ما شئتَ فهو لك، وقل ما شئتَ فإني أعطيكه. فوقف في مضرب المعتصم. وكان ياطس في برجه الذي هو فيهِ وحولهُ جماعة من الروم مجتمعين، وصارت طائفة منهم إلى كنيسة كبيرة في زاوية عمُّورية؛ فقاتلوا قتالًا شديدًا، فأحرق الناسُ الكنيسة عليهم فاحترقوا عن آخرهم، وبقي ياطس في بُرجهِ حوله أصحابه، وباقي الروم وقد أخذتهم السيوف؛ فبين مقتولٍ ومجروح؛ فركب المعتصم عند ذلكَ حتى جاء فوقف حذاء ياطس، وكان مما يلي عسكر أشناس، فصاحوا: يا ياطس، هذا أمير المؤمنين؛ فصاحَ الرُّوم من فوق البرج: ليس ياطس ها هنا، قالوا: بلى، قولوا لهُ: إنَّ أمير المؤمنين واقف، فقالوا: ليس ياطس ها هنا فمرَّ أميرُ المؤمنين مغضبًا، فلما جاوز صاح الرُّومُ: هذا ياطس، هذا ياطس! فرجع المعتصم إلى","vol":"12","page":357},{"text":"حيال البُرج حتى وقفَ؛ ثم أمر بتلكَ السلاليم التي هُيئت، فحمل سُلَّم منها، فوضعَ علىَ البُرج الذي هو فيه، وصعِدَ عليه الحسن الرُّومي - غلامُ لأبي سعيد محمد بن يوسف - وكلَّمَه ياطس، فقال: هذا أمير المؤمنين، فانزل على حكمه؛ فنزلَ الحسن، فأخبر المعتصم أنه قد رآه وكلَّمه، فقال المعتصم: قل له فلينزل؛ فصعد الحسن ثانية، فخرج ياطس من البُرجِ مُتقلِّدًا سيفًا حتى وقف على البُرج والمعتصم ينظرُ إليه، فخلع سيفهُ من عُنقه، فدفعهُ إلى الحسن، ثم نزل ياطس، فوقف بين يدي المعتصم، فقنَّعه سوطًا، وانصرف المعتصم إلى مَضْربه، وقال: هاتوه، فمشى قليلًا، ثم جاءه رسول المعتصم، أن احملوه، فحملوه، فذُهب به إلى مضرب أمير المؤمنين.\nثم أقبل الناسُ بالأسرى والسَّبي من كلِّ وجه حتى امتلأَ العسكر؛ فأمر المعتصم بسَيل الترجمان أن يميز الأسرى، فيعزل منهم أهل الشرف والقدر من الروم في ناحية، ويعزل الباقين في ناحية؛ ففعل ذلكَ بسيل، ثم أمر المعتصم فوكّل بالمقاسم قوَّادهُ، ووكل أشناس بما يخرج من ناحيته، وأمره أن ينادي عليه، ووكَّلَ الأفشينُ بما يخرج من ناحيته، وأمره أن ينادي عليه، ووكل الأفشين بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادي ويبيع، وأمر إيتاخ بناحيته مثل ذلك، وجعفرًا الخياط بمثل ذلك في ناحيته ووكَّل مع كَّل قائد من هؤلاء رجلًا من قِبَل أحمد بن أبي دواد يحصِي عليهِ، فبيعت المقاسم في خمسة أيامٍ، بيعَ منها ما استباع، وأمر بالباقي فضُرِبَ بالنار، وارتحل المعتصم منصرفًا إلى أرض طَرسُوس.\nولما كان يوم إيتاخ قبل أن يرتحل المعتصم منصرفًا، وثب الناس على المغنم الذي كانَ إيتاخ على بيعهِ، وهو اليومُ الذي كان عُجيفُ وعدَ الناسَ فيه أن يثب بالمعتصم، فركب المعتصم بنفسه ركضًا، وسلَّ سيفه، فتنحَّى الناس عنه من بين يديه، وكَفُّوا عن انتهاب المغنم، فرجع إلى مضربهِ؛ فلما كان من الغد أمر ألا ينادى على السَّبي إلا ثلاثة أصوات، ليتروَّجَ البيع؛ فمن زاد بعد ثلاثة أصوات، وإلَّا بيع العلق؛ فكانَ يفعل ذلكَ في اليوم الخامس؛ فكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، وعشرة عشرة، والمتاعُ الكثير جملة واحدة.\nقال: وكان ملك الرومِ قد وجَّهَ رسولًا في أول ما نزل المعتصم على عَمُّورية","vol":"12","page":358},{"text":"فأمر به المعتصم فأنزل على موضع الماء الذي كانَ الناسُ يستقونَ مِنه؛ وكانَ بينهُ وبين عَمُّورية ثلاثة أميال، ولم يأذن لهُ في المصير إليهِ حتى فتحَ عَمورية، فلما فتحها أذن له في الانصراف إلى ملك الروم، فانصرف وانصرف المعتصم يريد الثغور؛ وذلكَ أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره، أو يريد التعبث بالعسكر؛ فمضى في طريق الجادَّة مرحلة، ثم رجع إلى عمُّورية، وأمر الناسَ بالرجوعِ، ثم عدل عن طريق الجادةِ إلى طريق وادي الجَوْر.\nففرق الأسرى على القواد، ودفع إلى كل قائد من القواد طائفة منهم يحفظهم، ففرقهم القواد على أصحابهم؛ فساروا في طريق نحوًا من أربعين ميلا؛ ليس فيه ماء؛ فكان كل من امتنع من الأسرى أن يمشي معهم لشدة العطش الذي أصابهم ضربوا عنقه؛ فدخل الناس في البرية في طريق وادي الجور فأصابهم العطش، فتساقط الناس والدواب وقتل بعض الأسرى بعض الجند وخرب.\nوكان المعتصم قد تقدم العسكر، فاستقبل الناس، ومعه الماء قد حمله من الموضع الذي نزله، وهلك الناس في الوادي من العطش، وقال الناس للمعتصم: إن هؤلاء الأسرى قد قتلوا بعض جندنا، فأمر عند ذلك بسيل الرومي بتمييز من له القدر منهم، فعزلوا ناحية، ثم أمر بالباقين فأصعدوا إلى الجبال، وأنزلوا إلى الأودية فضربت أعناقهم جميعًا، وهم مقدار ستة آلاف رجل؛ قتلوا في موضعين بوادي الجور وموضع آخر.\nورحل المعتصم من ذلك الموضع يريد الثغر حتى دخل طرسوس، وكان قد نصب له الحياض من الأدم حول العسكر من الماء إلى العسكر بعمورية والحياض مملوءة، والناس يشربون منها لا يتعبون في طلب الماء وقد كانت الوقعة التي وقعت بين الأفشين وملك الروم فيما ذكر يوم الخميس لخمس بقين من شعبان وكانت إناخة المعتصم على عمورية يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان وقفل بعد خمسة وخمسين يومًا.\nوقال الحسن بن الضحاك الباهلي يمدح الأفشين، ويذكر وقعته التي كانت بينه وبين ملك الروم:\nأَثبتَ المَعْصومُ عزًّا لأَبي ... حَسَنٍ أَثبَتَ من رُكن إضم\nكلُّ مجد دُونَ ما أَثَّلهُ ... لبَنِي كاوُسَ أَملاكِ العَجَمْ","vol":"12","page":359},{"text":"إنما الأفشينُ سيْفُ سلَّهُ ... قَدَرُ اللهِ بكَفِّ المُعتصمْ\nلم يَدَعْ بالبَذِّ من ساكِنه ... غير أمثال كأَمثال إرَمْ\nثم أَهْدى سَلَمًا بابِكَهُ ... رَهْن حجليْنِ نجيًّا للندَمْ\nوقَرَا تَوْفيلَ طَعنًا صادقًا ... فضَّ جمْعَيْهِ جميعًا وهَزَمْ\nقُتِلَ الأَكثرُ منهم ونجا ... من نجا لحْمًا على ظَهْرِ وضَمْ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>[ذكر خبر المعتصم مع العباس بن المأمون]</span>\nوفي هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه (١).\nذكر الخبر عن سبب فعله ذلك:\nذُكِر أنّ السبب كان في ذلك أن عُجيف بن عنبسة حين وجّهه المعتصم إلى بلاد الروم، لمّا كان من أمر ملك الروم بِزبَطْرَة مع عمرو بن أربخا الفرغانيِّ ومحمد كوته، لم يطلق يد عُجيف في النفقات كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عُجيف وأفعاله، واستبان ذلك لعُجيف، فوبّخ عُجيف العباس على ما تقدّم من فعله عند وفاة المأمون حين بايع أبا إسحاق وعلى تفريطه فيما فعل، وشجّعه على أن يتلافَى ما كان منه.\nفقبل العباس ذلك، ودسّ رجلًا يقال له الحارث السمرقنديّ قرابة عبيد الله بن الوضّاح - وكان العباس يأنس به، وكان الحارث رجلًا أديبًا له عقل ومداراة - فصيّره العباس رسوله وسفيره إلى القوّاد، فكان يدور في العسكر حتى تألّف له جماعة من القواد، وبايعوه وبايعه منهم خواصّ، وسمّى لكل رجل من قُوّاد المعتصم رجلًا من ثقات أصحابه ممن بايعه، ووكله بذلك، وقال: إذا أمرنا بذلك؛ فليثب كلّ رجل منكم على من ضمنَّاه أن يقتله، فضمنوا له ذلك، فكان يقول للرجل ممن بايعه: عليك يا فلان أن تقتُل فلانًا، فيقول: نعم، فوكل مَنْ بايعه من خاصّة المعتصم بالمعتصم ومن خاصة الأفشين بالأفشين، ومن خاصّة أشناس بأشناس؛ ممن بايعه من الأتراك، فضمنوا ذلك جميعًا. فلما أرادوا أن\n_________\n(١) قال ابن قتيبة: ففتح عمورية في شهر رمضان من هذه السنة (أي ٢٢٣ هـ)، ثم أقبل منصرفًا وأوقع بالعباس بن المأمون وبعجيف في طريقه [المعارف/ ٢٠٠]، وليس فيه ذكر للعن وغير ذلك، وانظر المنتظم [١١/ ٨٣].","vol":"12","page":360},{"text":"يدخلوا الدّرب وهم يريدون أنقرة وعَمّوريَة، ودخل الأفشين من ناحية مَلَطْية، أشار عُجيف على العباس أن يثب على المعتصم في الدّرب وهو في قلة من الناس، وقد تقطعت عنه العساكر، فيقتله ويرجع إلى بغداد، فكان الناس يفرحون بانصرافهم من الغزو، فأبى العباس عليه، وقال: لا أفسد هذه الغزاة، حتى دخلوا بلاد الروم، وافتتحوا عَمّورية، فقال عُجيف للعباس: يا نائم، كم تنام! قد فتحت عَمُّوريّة، والرجل ممكن، دُسَّ قومًا ينتبهون هذا الخرثي، فإنه إذا بلغه ذلك ركب بسرعة، فتأمر بقتله هناك، فأبى عليه العباس، وقال: أنتظر حتى يصير إلى الدرب، فيخلو كما خلا في البدْأة؛ فهو أمكن منه هاهنا، وكان عُجيف قد أمر مَنْ ينتهب المتاع، فانتُهب بعص الخرْثيّ في عسكر إيتاخ.\nفركب المعتصم وجاء ركضًا، فسكن الناس، ولم يطلق العباس أحدًا من أولئك الرجال الذين كان واعدهم، فلم يُحدثوا شيئًا، وكرهوا أن يفعلوا شيئًا بغير أمره.\nوكان عمرو الفرغانيّ قد بلغه الخبر ذلك اليوم، ولعمرو الفرغانيّ قرابة، غلام أمرد في خاصة المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمرو يشرب عندهم في تلك الليلة، فأخبرهم أن أمير المؤمنين ركب مستعجلًا، وأنه كان يعدو بين يديه، وقال: إنّ أمير المؤمنين قد غضب اليوم، فأمرني أن أسلّ سيفي، وقال: لا يستقبلك أحد إلا ضربتَه، فسمع عمرو ذلك من الغلام، فأشفق عليه أن يصاب فقال له: يا بني، أنت أحمق، أقلّ من الكينونة عند أمير المؤمنين بالليل، والزم خيمتك، فإن سمعت صحيةً مثل هذه الصيحة، أو شَغبًا أو شيئًا فلا تبرح من خيمتك؛ فإنك غلامِ غرّ؛ لست تعرف بعدُ العساكر، فعرف الغلام مقالَة عمرو.\nوارتحل المعتصم من عَمّوريّة يريد الثغر ووجّه الأفشين ابن الأقطع في طريق خلاف طريق المعتصم، وأمره أن يغير على موضع سمّاه له، وأن يوافيه في بعض الطريق، فمضى ابن الأقطع، وتوجّه المعتصم يريد الثغر، فسار حتى صار إلى موضع أقام فيه ليُريح ويستريح، وليسلك الناس من المضيق الذي بين أيديهم، ووافى ابن الأقطع عسكر الأفشين بما أصاب من الغنائم، وكان عسكر المعتصم على حدة وعسكر الأفشين على حدة، بين كل عسكر قدر ميلين أو أكثر، واعتل","vol":"12","page":361},{"text":"أشناس فركب المعتصم صلاة الغداة يعوده؛ فجاء إلى مضربه فعاده؛ ولم يكن الأفشيْن لحقه بعد.\nثم خرج المعتصم منصرفًا، فتلقاه الأفشين في الطريق، فقال له المعتصم: تريد أبا جعفر. وكان عمرو الفرغانيّ وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة أشناس توجها إلى ناحية عسكر الأفشين لينظرا ما جاء به ابن الأقطع من السبي فيشتريا منه ما أعجبهما، فتوجها ناحية عسكر الأفشين ولقيهما الأفشين يريد أشناس - فترجلا، وسلما عليه، ونظر إليهما حاجب أشناس من بعد، فدخل الأفشين إلى أشناس، ثم انصرف، وتوجها إلى عسكر الأفشين، فلم يكن السَّبي أخرج بعد، فوقفا ناحية ينتظران أن ينادى على السَّبْي، فيشتريا منه، ودخل حاجب أشناس على أشناس، فقال: إن عمرًا الفرغانيّ وأحمد بن الخليل تلقّيا الأفشين، وهما يريدان عسكره، فترجّلا وسلما عليه، وتوجها إلى عسكره.\nفدعا أشناس محمد بن سعيد السعديّ؛ فقال له: اذهب إلى عسكر الأفشين، فانظر هل ترى هناك عمرًا الفرغانيّ وأحمد بن الخليل! وانظر عند مَن نزلا، وأيّ شيء قصّتهما؟ فجاء محمد بن سعيد، فأصابهما واقفين على ظهور دوابّهما فقال: ما أوقفكما هاهنا؟ قالا: وقفنا ننتظر سَبْيَ ابن الأقطع يخرج، فنشتري بعضَه، فقال لهما محمد بن سعيد: وكّلَا وكيلًا يشتري لكما، فقالا: لا نحب أن نشتري إلا ما نراه، فرجع محمد، فأخبر أشناس بذلك، فقال لحاجبه: قل لهؤلاء الزموا عسكركم: فهو خير لكم - يعني عمرًا وابن الخليل - ولا تذهبوا هاهنا وهاهنا، فذهب الحاجب إليهما، فأعلمهما، فاغتمّا لذلك واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس، فصارا إلى صاحب الخبر، فقالا: نحن عبيد أمير المؤمنين، يضمّنا إلى من شاء، فإنّ هذا الرجل يستخفّ بنا، قد شتمنا وتوعدنا، ونحن نخاف أن يقدم علينا، فليضمّنا أمير المؤمنين إلى من أحبّ.\nفأنهى صاحب الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه؛ واتفق الرّحيل صلاة الغداة؛ وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها، وسار أشناس والأفشين وجميع القوَّاد في عسكر أمير المؤمنين، ووكّلوا خلفاءهم بالعساكر؛ فيسيرون بها. وكان الأفشين على الميسرة وأشناش على الميمنة، فلما ذهب","vol":"12","page":362},{"text":"أشناس إلى المعتصم، قال له: أحسِنْ أدب عمرو الفرغانيّ وأحمد بن الخليل، فإنهما قد حمَّقا أنفسهما؛ فجاء أشناس ركضًا إلى معسكره، فسأل عن عمرو وابن الخليل، فأصاب عمرًا؛ وكان ابن الخليل قد مضى في الميسرة يبادر الروم، فجاءوه بعمرو الفرغانيّ؛ وقال: هاتوا سياطًا؛ فمكث طويلًا مجرّدًا ليس يؤتى بالسياط، فتقدّم عمّه إلى أشناس، فكلمه في عمرو - وكان عمه أعجميًّا - وعمرو واقف، فقال: احملوه، فألبسوه قباء طاق، فحملوه على بغل في قبّه، وساروا به إلى العسكر، وجاء أحمد بنِ الخليل وهو يركُض، فقال: احبسوا هذا معه، فأنزل عن دابته، وصُيِّر عديله، ودُفعا إلى محمد بن سعيد السعديّ يحفظهما؛ فكان يضرب لهما مضربًا في فازة وحجرة ومائدة، ويفرش لهما فرشًا وطيّة، وحوضًا من ماء وأثقالهما وغلمانهما في العسكر؛ لم يحرَّك منها شيء، فلم يزالا كذلك حتى صارا إلى جبل الصَّفْصاف.\nوكان أشناس على الساقة، وكان بغا على ساقة عسكر المعتصم، فلمّا صار بالصّفصاف، وسمع الغلام الفرغانيّ قرابة عمرو بحبس عمرو، ذكر الغلام للمعتصم ما دار بينه وبين عمرو من الكلام في تلك الليلة، مما قال له عمرو؛ إذا رأيت شغْبًا فالزم خيمتك؛ فقال المعتصم لبغا: لاترحل غدًا حتى تجئ أشناس، فتأخذ منه عمرًا، وتلحقني به؛ وكان هذا بالصفصاف.\nفوقف بُغا بأعلامه ينتظر أشناس، وجاء محمد بن سعيد ومعه عمرو وأحمد بن الخليل، فقال بغا لأشناس: أمرني أمير المؤمنين أن أوافيَه بعمرو الساعة، فأنزل عمرو، وجعل مع أحمد بن الخليل في القبة رجل يعادله، ومضى بغا بعمرو إلى المعتصم، فأرسل أحمد بن الخليل غلامًا من غلمانه إلى عمرو، لينظر ما يصنع به، فرجع الغلام فأخبره أنه أدخل على أمير المؤمنين، فمكث ساعة ثم دُفع إلى إيتاخ؛ وكان أمير المؤمنين لما دخل ساءله عن الكلام الذي قاله للغلام قرابته؛ فأنكر وقال: هذا الغلام كان سكران؛ ولم يفهم ولم أقل شيئًا ممّا ذكره؛ فأمر به فدفع إلى إيتاخ، وسار المعتصم حتى صار إلى باب مضايق البذندون، وأقام أشناس ثلاثة أيام على مضيق البذندون ينتظر أن تتخلّص عساكر أمير المؤمنين؛ لأنه كان على الساقة، فكتب أحمد بن الخليل إلى أشناس رقعة يعلمه أنّ لأمير المؤمنين عنده نصيحة، وأشناس مقيم على مضيق","vol":"12","page":363},{"text":"البذندون، فبعث إليه أشناس بأحمد بن الخصيب وأبي سعيد محمد بن يوسف يسألانه عن النصيحة؛ فذكر أنه لا يخبر بها إلا أمير المؤمنين، فرجعا فأخبرا أشناس بذلك، فقال: ارجعا فاحلفا له: إني حلفت بحياة أمير المؤمنين؛ إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة أن أضربه بالسياط حتى يموت، فرجعا فأخبرا أحمد بن الخليل بذلك.\nفأخرج جميع من عنده، وبقي أحمد بن الخصيب وأبو سعيد فأخبرهما بما ألقى إليه عمرو الفرغاني من أمر العباس، وشرح لهما جميع ما كان عنده، وأخبرهما بخبر الحارث السمرقندي، فانصرفا إلى أشناس، فأخبراه بذلك فبعث أشناس في طلب الحدّادين، فجاءوا بحدّادين من الجند، فدفع إليهما حديدًا، فقال: اعملا لي قيدًا مثل قيد أحمد بن الخليل، وعجّلا به الساعة، ففعلا ذلك، فلمّا كان عنده حبسه، وكان حاجب أشناس يبيت عند أحمد بن الخليل مع محمد بن سعيد السعديّ.\nفلما كان تلك الليلة عند العتمة ذهب الحاجب إلى خيمة الحارث السمرقندي فأخرجه منها، وجاء به إلى أشناس فقيّده، وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين، فحمله الحاجب إليه، واتفق رحيل أشناس صلاة الغداة، فجاء أشناس إلى موضع معسكره، فتلقاه الحارث معه رجل من قِبلَ المعتصم، وعليه خلع، فقال له أشناس: مه، فقال: القيد الذي كان في رجلي صار في رجل العباس. وسأل المعتصم الحارث حين صار إليه عن أمره، فأقرّ أنه كان صاحب خبر العباس، وأخبره بجميع أمره وجميع مَنْ بايع العباس من القوّاد فأطلق المعتصم الحارث وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم وكثرة من سمى منهم.\nوتحير المعتصم في أمر العباس، فدعا به حين خرج إلى الدّرب فأطلقه ومنَّاه، وأوهمه أنه قد صفح عنه، وتغدّى معه، وصرفه إلى مضربه، ثم دعاه بالليل، فنادمه على النبيذ، وسقاه حتى أسكره، واستحلفه ألا يكتمه من أمره شيئًا، فشرح له قصته، وسمّى له جميع مَنْ كان دبّ في أمره، وكيف كان السبب في ذلك في كلّ واحد منهم، فكتبه المعتصم وحفظه، ثم دعا الحارث السمرقندي بعد ذلك، فسأله عن الأسباب، فقص عليه مثل ما قصّ عليه","vol":"12","page":364},{"text":"العباس، ثم أمر بعد ذلك بتقييد العباس، ثم قال للحارث: قد رضتك على أن تكذب؛ فأجد السبيل إلى سَفْك دمك فلم تفعل، فقد أفْلَتَّ، فقال له: يا أمير المؤمنين، لست بصاحب كذب.\nثم دفع العباس إلى الأفشين، ثم تتبَّع المعتصم أولئك القوّاد، فأخذوا جميعًا، فأمر أن يحمَل أحمد بن الخليل على بغل بإكاف بلا وطاء، ويطرح في الشمس إذا نزل، ويطعم في كلّ يوم رغيفًا واحدًا، وأخذ عُجيف بن عَنْبسة فيمن أخذ من القوّاد، فدفع من سائر القواد إلى إيتاخ، ودفع ابن الخليل إلى أشناس، فكان عجيف وأصحابه يحملون في الطريق على بغال بأكُفٍ بلا وطاء، وأخذ الشاه بن سهل - وهو الرأس ابن الرأس من أهل قرية من خراسان يقال لها سجستان - فدعا به المعتصم والعباس بين يديه، فقال له: يابن الزانية، أحسنتُ إليك فلم تشكر! فقال له الشاه بن سهل: ابن الزّانية، هذا الذي بين يديك - يعني العباس - لو تركني هذا كنت أنتَ الساعة لا تقدر أن تقعد في هذا المجلس وتقول لي: يابن الفاعلة؛ فأمر به المعتصم، فضُربت عنقه، وهو أوّل من قتل من القواد ومعه صحبه، ودفع عُجيف إلى إيتاخ فعلَّق عليه حديدًا كثيرًا وحمله على بغل في محمل بلا وطاء.\nوأما العبّاس فكان في يدي الأفشين؛ فلما نزل المعتصم مَنْبج - وكان العباس جائعًا - سأل الطعام، فقدُم إليه طعام كثير؛ فأكل فلمّا طلب الماء مُنِع وأدرج في مِسْحٍ، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته.\nوأما عمرو الفَرغانيّ، فإنه لما نزل المعتصم بنصيبين في بستان، دعا صاحب البستان، فقال له: احفر بئرًا في موضع أومأ إليه بقدر قامة، فبدأ صاحب البستان فحفرها، ثم دعا بعمرو والمعتصم جالسٌ في البستان، قد شرب أقداحًا من نبيذ؛ فلم يكلمه المعتصم، ولم يتكلم عمرو حتى مثل بين يديه، فقال: جرّدُوه، فجُرّد، وضرب بالسياط ضربة الأتراك، والبئر تُحفر، حتى إذا فُرغ من حفرها قال صاحب البستان: قد حفرتها، فأمر المعتصم عند ذلك فضُرب وجه عمرو وجسده بالخشب؛ فلم يزل يُضرب حتى سقط، ثم قال جُرّوه إلى البئر فاطرحوه فيها، فلم يتكلم عمرو ولم ينطق يومه ذلك، حتى مات فطرح في البئر، وطُمّت عليه.","vol":"12","page":365},{"text":"وأما عُجيف بن عنبسة؛ فلما صار بباعَينَاثا، فوق بلدَ قليلًا، مات في المحمل، فطُرح عند صاحب المسلحة، وأمر أن يُدفن فيها، فجاء به إلى جانب حائط خرب فطرحه عليه فقبِر هناك.\nوذُكر عن علي بن حسن الرّيدانيّ أنه قال: كان عُجيف في يد محمد بن إبراهيم بن مُصعب، فسأله المعتصم عنه؛ فقال له: يا محمد، لم يمت عُجيف؟ قال: يا سيّدي اليوم يموت، ثم أتى محمد مضرَبه، فقال لعجيف يا أبا صالح، أيَّ شيء تشتهي؟ قال أسفيدباج وحَلْوى فالوذج، فأمر أن يعمَل له من كلِّ طعام، فأكل وطلب الماء فمنع؛ فلم يزل يطلب وهو يسوق حتى مات، فدفن بباعَيْنَاثا.\nقال: وأما التركيّ الذي كان ضمن للعباس قتل أشناس متى ما أمره العباس - وكان كريمًا على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه في ليل ولا نهار - فإنه أمر بحبسه، فحبسه أشناس قبَله في بيت، وطيَّن عليه الباب، وكان يلقي إليه في كلّ يوم رغيفًا وكوز ماء، فأتاه ابنه في بعض أيامه، فكلمه من وراء الحائط، فقال له: يا بنيّ، لو كنت تقدر لي على سِكِّين كنت أقدر أن أتخلص من موضعي هذا: فلم يزل ابنه يتلطّف في ذلك حتى أوصل إليه سكِّينًا، فقتل به نفسه.\nوأما السنديّ بن بختاشه، فأمر المعتصم أن يوهب لأبيه بختاشه - لأن بختاشه لم يكن يتلطّخ بشيء من أمر العباس - فقال المعتصم: لا يفجع هذا الشيخ بابنه، فأمر بتخلية سبيله.\nوأما أحمد بن الخليل؛ فإنه دفعه أشناس إلى محمد بن سعيد السعديّ، فحفر له بئرًا في الجزيرة بسامراء، فسأل عنه المعتصم يومًا من الأيام، فقال لأشناس: ما فعل أحمد بن الخليل؟ فقال له أشناس: هو عند محمد بن سعيد السعديّ، قد حفر له بئرًا وأطبق عليه، وفتح له فيها كوّة ليرمي إليه بالخبز والماء، فقال المعتصم: هذا أحسبه قد سمن على هذه الحال، فأخبر أشناس محمد بن سعيد بذلك، فأمر محمد بن سعيد أن يسقى الماء، ويصبّ عليه في البئر حتى يموت، ويمتلئ البئر؛ فلم يزل يصُبّ عليه الماء؛ والرمل ينشف الماء؛ فلم يغرق ولم يمتلئ البئر؛ فأمر أشناس بدفعه إلى غِطريف الخجنديّ، فدُفع إليه، فمكث عنده أيامًا، ثم مات فدفُن.","vol":"12","page":366},{"text":"وأما هرثمة بن النضر الخُتَّليّ، فكان واليًا على المراغة، وكان في عداد مَنْ سَمّاه العباس أنه من أصحابه؛ فكتب في حمله في الحديد، فتكلّم فيه الأفشين، واستوهبه من المعتصم، فوهبه له، فكتب الأفشين كتابًا إلى هرثمة بن النضر يعلمه أنّ أمير المؤمنين قد وهبه له، وأنه قد ولّاه البلد الذي يصل إليه الكتاب فيه، فورد به الدينور عند العشاء مقيّدًا، فطرح في الخان، وهو موثَقٌ في الحديد، فوافاه الكتاب في جُنح الليل، فأصبح وهو والي الدّينور.\nوقُتل باقي القواد ومَنْ لم يُحفظ اسمه من الأتراك والفراغنة وغيرهم، قُتلوا جميعًا (١).\nوورد المعتصم سامراء سالمًا بأحسن حال، فسُمّي العباس: اللعين يومئذ، ودفع ولد سندُس من ولد المأمون إلى إيتاخ، فحبِسوا في سرداب من داره ثم ماتوا بعدُ.\nوجرح في هذه السنة في شوال إسحاقُ بن إبراهيم، جرحه خادم له.\nوحجّ بالناس فيها محمد بن داود (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>ثم دخلت سثة أربع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>[ذكر الخبر عن مخالفة مازيار بطبرستان]</span>\nفمما كان فيها من ذلك إظهار مازيار بن قارن بن ونداهُرْمز بطبرستان الخلافَ\n_________\n(١) ٨/ ٧٩/ (٢٥٠) انظر لمقتل عجيف وغيره المنتظم [١١/ ٨٥].\n(٢) وقال البسوي (وكان حاضرًا الحج تلك السنة) حجّ بنا محمد بن داود وخرج في الثمان من مكة ودخلها بعمرة وقصر الصلاة في إقباله وبمكة يخرج من داره - دار الإمارة - ويصلي بالناس ركعتين ووقع الناس في ذلك في جهاد مكروه كل رجل من أهل العلم ينكرون ذلك من فعله وأنشأ الحج وحجّ بنا على هذا السبيل [المعرفة ١/ ٧٠].","vol":"12","page":367},{"text":"على المعتصم، ومحاربته أهل السفح والأمصار منها (١):\nذكر الخبر عن سبب إظهاره الخلاف على المعتصم وفعله ما فعل من الوثوب بأهل السفح:\nذكر أن السبب في ذلك، كان أن مازيار بن قارن كان منافرًا لآل طاهر، لا يحمل إليهم الخراج؛ وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إلى عبد الله بن طاهر، فيقول: لا أحمله إليه؛ ولكني أحمله إلى أمير المؤمنين، فكان المعتصم إذا حمل المازيار إليه الخراج، يأمر: إذا بلغ المالُ همَذان رجلا من قِبَله أن يستوفيه ويسلّمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليردّه إلى خراسان، فكانت هذه حاله في السنين كلها. ونافر آل طاهر حتى تفاقم الأمر بينهم.\nوكان الأفشين يسمع من المعتصم أحيانًا كلامًا يدلّ على أنه يريد عزل آل طاهر عن خُراسان، فلما ظفر الأفشين ببابك، ونزل من المعتصم المنزلة التي لم يتقدّمه فيها أحدٌ، طمع في ولاية خراسان، وبلغته منافرة مازيار آل طاهر، فرجا أن يكون ذلك سببًا لعزل عبد الله بن طاهر، فدس الأفشين الكتب إلى المازيار يستميله بالدّهقنة، يعلمه ما هو عليه من الموّدة له، وأنه قد وُعد ولاية خراسان؛ فدعا ذلك المازيار إلى ترك حمل خراجه إلى عبد الله بن طاهر، وواتر عبد الله بن طاهر الكتب فيه إلى المعتصم، حتى أوحش المعتصم منه وأغضبه عليه، وحمل ذلك المازيار إلى أن وثب وخالف، ومثه الخراج، وضبط جبال طبّرستان وأطرافه.\nوكان ذلك مما يسُرّ الأفشين ويُطمعه في الولاية، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربة مازيار، وكتب الأفشين إلى المازيار يأمره بمحاربة عبد الله بن طاهر، ويُعلمه أنه يقوم له عند المعتصم بما يحب، وكاتبه المازيار أيضًا؛ فلا يشك الأفشين أن المازيار سيواقف عبد الله بن طاهر ويقاومه، حتى يحتاج المعتصم إلى أن يوجّهه وغيره إليه.\nفذُكر عن محمد بن حفص الثقَفيّ الطبريّ أنّ المازيار لما عزم على الخلاف،\n_________\n(١) انظر: خبر المازيار وحروبه باختصار في المنتظم (١١/ ٨٨)، والبداية والنهاية [٨/ ١٧٦]، وانظر: تعليقنا [٩/ ٨٤/ ٢٥٣] الآتي.","vol":"12","page":368},{"text":"دعا الناس إلى البيْعة، فبايعوه كَرْهًا، وأخذ منهم الرهائن، فحبسهم في بُرْج الأصبَهْبذ، وأمر أَكَرَةَ الضياع بالوثوب بأرباب الضياع وانتهاب أموالهم؛ وكان المازيار يكاتب بابك؛ ويحرّضه ويعرض عليه النُّصرة. فلمّا فرغ المعتصم من أمر بابك، أشاع الناس أنّ أمير المؤمنين يريد المسير إلى قَرْماسين، ويوجّه الأفشين إلى الريّ لمحاربة مازيار؛ فلما سمع المازيار بإرجاف الناس بذلك، أمر أن يمسح البلد، خلا مَنْ قاطعَ على ضياعه بزيادة العشرة ئلاثة، ومَن لم يقاطع رجع عليه، فحسب ما عليه من الفَضْل ولم يحسب له النقصان.\nثم أنشأ كتابًا إلى عامله على الخراج، وكان عامله عليه رجلًا يقال له شاذان بن الفضل، نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم: إن الأخبار تواترتْ علينا، وصحّت عندنا بما يرجُف به جُهّال أهل خراسان وطبرستان فينا، ويولّدون علينا من الأخبار ويحملون عليه رؤوسهم، من التعصّب لدولتنا، والطعن في تدبيرنا، والمرّاسلة لأعدائنا وتوقّع الفتن، وانتظار الدوائر فينا، جاحدين للنعم مستقلّين للأمن والدّعة والرفاهية والسعة التي آثرهم الله بها، فما يردُ الرّيَّ قائد ولا مشرّق ولا مغرّب، ولا يأتينا رسول صغير ولا كبير إلا قالوا كيت وكيت، ومدُّوا أعناقهم نحوه، وخاضوا فيما قد كذّب الله أحدوثتهم، وخيّب [أمانيهم] فيه مرّة بعد مرة، فلا تنهاهم الأولى عن الآخرة، ولا يزجرهم عن ذلك تقيّة ولا خشية، كلّ ذلك نُغضي عليه، ونتجرّع مكروهه، استبقاءً على كافتهم، وطلبًا للصلاح والسلامة لهم إلحاحًا، فلا يزيدهم استبقاؤنا إلا لجاجًا، ولا كفُنا عن تأديبهم إلا إغراءً إن أخَّرنا عنهم افتتاح الخراج نظرًا لهم ورفقًا بهم، قالوا: معزول، وإن بادرنا به قالوا: لحادث أمر؛ لا يزدجرون عن ذلك بالشدّة إن أغلظنا، ولا برفق إن أنعمنا؛ والله حسبُنا وهو ولينا؛ وعليه نتوكل وإليه ننيب، وقد أمرنا بالكتاب إلى بندار آمُل والرويان في استغلاق الخراج في عملهما، وأجّلناهما في ذلك إلى سَلْخ تيرماه، فاعلم ذلك، وجرّدْ جبايتك، واستخرج ما على أهل ناحيتك كمَلا، ولا يمضين عنك تيرماه، ولك درهم باقٍ؛ فإنك إن خالفت ذلك إلى غيره لم يكن جزاؤك عندنا إلا الصلب، فانظر لنفسك، وحامٍ عن مهجتك، وشمر في أمرك، وتابع كتابك إلى العباس. وإياك والتغرير؛ واكتب بما يحدث منك من","vol":"12","page":369},{"text":"الانكماش والتشمير، فإنا قد رجونا أن يكون في ذلك مشغلة لهم عن الأراجيف، ومانع عن التسويف، فقد أشاعوا في هذه الأيام أن أمير المؤمنين أكرمه الله صائر إلى قَرْماسين، وموجه الأفشين إلى الرّيّ، ولعمري لئن فعل أيده الله ذلك، إنه لمّا يسرّنا الله به، ويؤنسنا بجواره، ويبسط الأمل فيما قد عُوّدنا من فوائده وإفضاله، ويكبت أعداءه وأعداءنا، ولن يهمل أكرمه الله أموره، ويرفض ثغوره، والتصرف في نواحي ملكه، لأراجيف مُرجف بعماله، وقول قائل في خاصّته، فإنه لا يسرب أكرمه الله جنده إذا سرّب، ولا يندب قواده إذا ندب، إلا إلى المخالف، فاقرأ كتابنا هذا على من بحضرتك من أهل الخراج؛ ليبلِّغ شاهدُهم غائبهم؛ وعنف عليهم في استخراجه، ومَنْ همّ بكسره. فليُبْد بذلك صفحته، لينزل الله به ما أنزل بأمثاله؛ فإن لهم أسوةً في الوظائف وغيرها بأهل جرجان والرّيّ وما والاهما، فإنما خفف الخلفاء عنهم خراجهم، ورُفعت الرفائع عنهم للحاجة التي كانت إليهم في محاربة أهل الجبال ومغازي الديلم الضّلّال، وقد كفى الله أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك كله، وجعل أهل الجبال والديلم جندًا وأعوانًا، والله المحمود.\nقال: فلما ورد كتاب المازيار على شاذان بن الفضل عامله على الخراج، أخذ الناس بالخراج، فجبى جميع الخراج في شهرين، وكان يُجبَى في اثني عشر شهرًا، في كل أربعة أشهر الثلث، وإنّ رجلًا يقال له عليّ بن يَزْداد العطار؛ وهو ممن أخذ منه رهينة، هرب وخرج من عمل المازيار، فأخبر أبو صالح سرخاستان بذلك؛ وكان خليفة المازيار على ساريَة، فجمع وجوه أهل مدينة سارية، وأقبل يوبّخهم، ويقول: كيف يطمئنّ الملك إليكم! أم كيف يثق بكم! وهذا عليّ بن يزداد ممن قد حلف وبايع، وأعطى الرهينة ثم نكث وخرج، وترك رهينته؛ فأنتم لا تفون بيمين، ولا تكرهون الخُلْف والحِنْث، فكيف يثق بكم الملك؟ أم كيف يرجع لكم إلى ما تحبون! فقال بعضهم: نقتُل الرهينة حتى لا يعود غيره إلى الهرب، فقال لهم: أتفعلون ذلك؟ قالوا: نعم؛ فكتب إلى صاحب الرهائن، فأمره أن يوجه بالحسن بن علي بن يزداد وهو رهينة أبيه، فلمّا صاروا به إلى سارية ندم الناس على ما قالوا لأبي صالح، وجعلوا يرجعون على الذي أشار بقتله بالتعنيف. ثم جمعهم سرخاستان، وقد أحضر الرَّهينة، فقال لهم: إنكم قد","vol":"12","page":370},{"text":"ضمنتم شيئًا؛ وهذا الرهينة فاقتلوه، فقال له عبد الكريم بن عبد الرحمن الكاتب: أصلحك الله! إنك أجلت من خرج من هذا البلد شهرين، وهذا الرهينة قبلك، نسألك أن تؤجله شهرين، فإن رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك.\nقال: فغضب على القوم، ودعا بصاحب حرسه - وكان يقال له رستم بن بارويه - فأمره بصلب الغلام، وإن الغلام سأله أن يأذن له أن يصلِّي ركعتين، فأذن له، فطوّل في صلاته وهو يُرعَد، وقد مُدّ له جذع، فجذبوا الغلام من صلاته، ومدُّوه فوق الجِذْع، وشدوا حلقه معه حتى اختنق، وتوفِّي فوقه، وأمر سرخاستان أهل مدينة سارية أن يخرجوا إلى آمُل، وتقدّم إلى أصحاب المسالح في إحضار أهل الخنادق من الأبناء والعرب، فأحضروا ومضى مع أهل سارية إلى آمُل، وقال لهم؛ إنِّي أريد أن أشهدكم على أهل آمُل، وأشهد أهل آمُل عليكم، وأردّ ضياعكم وأموالكم؛ فإن لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من عندنا ضعف ما كنا أخذنا منكم. فلما وافوْا آمُل جمعهم بقصر الخليل بن ونداسنجان، وصيّر أهل سارية ناحية عن غيرهم ووكّل بهم اللوزجان، وكتب أسماء جميع أهل آمُل حتى لم يخف منهم أحدٌ عليه، ثم عرضهم بعد ذلك على الأسماء حتى اجتمعوا؛ ولم يتخلّف منهم أحد، وأحدق الرجال في السلاح بهم، وصُفُّوا جميعًا، ووكّل بكل واحد منهم رجلين بالسلاح، وأمر الموكل بهم أن يحمل رأس كل من كاع عن المشي، وساقهم مكتفين حتى وافى بهم جبلا يقال له هُرْمُزْ داباذ، على ثمانية فراسخ من آمُل وثمانية فراسخ من مدينة سارية، وكبَّلهم بالحديد، وحبسهم.\nوبلغت عدتهم عشرين ألفًا، وذلك في سنة خمس وعشرين ومائتين فيما ذُكر عن محمد بن حفص.\nفأما غيره من أهل الأخبار وجماعة ممن أدرك ذلك فإنهم قالوا: كان ذلك في ستة أربع وعشرين ومائتين، وهذا القول عندي أولى بالصواب، وذلك أن مقتل مازيار كان في سنة خمس وعشرين ومائتين وكان فعله ما فعل بأهل طبرستان قبل ذلك بسنة (١).\n_________\n(١) لعل هذه من نوادر الطبري ﵀ في تأريخه إذ لطالما عوّدنا أن يقف بأعصاب باردة أمام =","vol":"12","page":371},{"text":"رجع الحديث إلى الخبر عن قصة مازيار وفعله بأهل آمُل على ما ذكر عن محمد بن حفص، قال: وكتب إلى الدُّري ليفعل ذلك بوجوه العرب والأبناء ممن كان معه بمرو، وكبّلهم بالحديد، وحبسهم، ووكل بهم الرجال في حبْسهم، فلما تمكن المازيار، واستوى له أمره وأمْر القوم، جمع أصحابه، وأمر سرخاستان بتخريب سُور مدينة آمُل، فخرَّبه بالطبول والمزامير، ثم سار إلى مدينة سارية؛ ففعل بها مثل ذلك.\nثم وجّه مازيار أخاه فوهِيَار إلى مدينة طَمِيس - وهي على حدّ جرجان من عمل طبرستان - فخرّب سورها ومدينتها، وأباح أهلها، فهرب منهم مَنْ هرب، وبُلي مَنْ بُلِيَ، ثم توجّه بعد ذلك إلى طميس سرخاستان؛ وانصرف عنها قُوهِيار، فلحق بأخيه المازيار، فعمل سرخاستان سورًا من طميس إلى البحر، ومده في البحر مقدار ثلاثة أميال. وكانت الأكاسرة بنته بينها وبين الترك؛ لأن الترك كانت تُغير على أهل طبرستان في أيامها، ونزل معسكرًا بطميس سرخاستان وصير حولها خندقًا وثيقًا وأبراجًا للحرس، وصير عليها بابًا وثيقًا، ووكّل به الرجال الثقات؛ ففزع أهل جرجان، وخافوا على أموالهم ومدينتهم؛ فهرب منها نفر إلى نيسابور، وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر وإلى المعتصم، فوجّه إليه عبد الله بن طاهر عمَّه الحسن بن الحسين بن مُصعب، وضمّ إليه جيشًا كثيفًا يحفظ جُرجان، وأمره أن يعسكر على الخندق، فنزل الحسن بن الحسين\n_________\n= الأسانيد والمتون إلّا مرة واحدة عند حديثه عن تأريخ فتح المسلمين لميناء الأبلة جنوب أرض السواد فرجّح رواية على أخرى وهو هاهنا يرجح رواية جماعة من أهل الأخبار وجماعة من شهود العيان على رواية محمد بن حفص الطبري فيقول عن رواية الأولين وهذا القول عندي أولى بالصواب وهذا الخبر الطويل الذي استغرق الصفحات (٨٠ - ١٠٠) عن المعارك التي خاضها مازيار الخارج على جيوش الخلافة انفرد الطبري من بين المؤرخين المتقدمين الثقات بذكر تفاصيله - وقد جمعه من مصادر عدة فهو تارة يروي أجزاء منه عن محمد بن حفص الطبري وتارة عن زرارة بن يوسف السجزي (شاهد عيان) وتارة عن إسحاق (شاهد عيان كذلك) وأخرى عن علي بن ربّن النصراني الكاتب، أو عمر بن سعيد الطبري، ولكنه صاغ هذه المقاطع مع بعضها متداخلة في خبر طويل وفيه من النكارات - أحيانًا ما فيه - فهو يذكر رجلًا لم يشرب الماء منذ عشرين سنة (٩/ ٨٦) وهذا مخالف لطباع البشر كما جبلوا عليه - والله أعلم بالصواب وقد ذكر ابن كثير هذا الخبر مختصرًا جدًّا [البداية والنهاية ٨/ ١٧٦].","vol":"12","page":372},{"text":"معسكرًا على الخندق الذي عمله سرخاستان، وصار بين العسكرين عرض الخندق، ووجَّه أيضًا عبد الله بن طاهر حيَّان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قُومِس معسكرًا على حدّ جبال شروين، ووجّه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف، وضمَّ إليه الحسن بن قارن الطبري القائد ومَنْ كان بالباب من الطبرية، ووجه منصور بن الحسن هار صاحب دُنْباوند إلى مدينة الرّيّ ليدخل طبرستان من ناحية الرّيّ، ووجّه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلي بن ربن الكاتب النصراني، ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده؛ أن الخيل قد زحفت إليَّ من كل جانب، وإنما حبستكم ليبعث إلي هذا الرجل فيكم - يعني المعتصم - فلم يفعل، وقد بلغني أن الحجّاج بن يوسف غضب على صاحب السند، في امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردّها إلى مدينتها، وهذا الرجل لا يكترث بعشرين ألفًا، ولا يبعث إلي يسأل فيكم؛ وإني لا أقدم على حربه، وأنتم ورائي، فأدّوا إليّ خراج سنتين، وأخلّي سبيلكم، ومن كان منكم شابًا قويًّا قدمته للقتال؛ فمن وفى لي منكم رددت عليه ماله، ومن لم يوف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخًا أو ضعيفًا صيّرتُه من الحفظة والبوابين.\nفقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد - كان يقال إنه لم يشرب الماء منذ عشرين سنة - أنا أؤدي إليك خراج سنتين، وأقوم به، فقال خليفة صاحب الحرس لأحمد بن الصُّقَيْر: لِمَ لا تتكلم، وقد كنتَ أحظى القوم عند الأصبهبذ؛ وقد كنت أراك تتغذى معه، وتتكى على وسادته! وهذا شيء لم يفعله الملك بأحد غيرك؛ فأنت أولى بالقيام بهذا الأمر من موسى، قال أحمد: إنّ موسى لا يقدر على القيام بجباية درهم واحد، وإنما أجابكم بجهل وبما هو عليه وعلى الناس أجمع؛ ولو علم صاحبكم أن عندنا درهمًا واحدًا لم يحبسنا، وإنما حبسنا بعد ما استنظف كلّ ما عندنا من الأموال والذخائر، فإن أراد الضياع بهذا المال أعطيناه. فقال له عليّ بن ربن الكاتب: الضياع للملك لا لكم، فقال إبراهيم بن مهران: أسألك بالله يا أبا محمد، لما سكتَّ عن هذا الكلام! فقال له أحمد: لم","vol":"12","page":373},{"text":"أزل ساكتًا حتى كلمني هذا بما قد سمعت.\nثم انصرفت الرسل على ضمان موسى الزاهد، وأعلموا المازيار ضمانه، وانضم إلى موسى الزاهد قومٌ من السعاة، فقالوا: فلان يحتمل عشرة آلاف، وفلان يحتمل عشرين ألفًا وأقل وأكثر، وجعلوا يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم؛ فلما مضى لذلك أيام، ردّ مازيار الزُسل مقتضيًا المال، ومتنجزًا ما كان من ضمان موسى الزاهد، فلم يرَ لذلك أثرًا ولا تحقيقًا، وتحقق قول أحمد، وألزمه الذنْب. وعلم المازيار أن ليس عند القوم ما يؤدون، وإنما أراد أن يلقى الشر بين أصحاب الخراج، ومن لا خراج عليه من التجار والصناع.\nقال: ثم إن سرخاستان كان معه ممَّن اختار من أبناء القوّاد وغيرهم من أهل آمُل فِتيانٌ لهم جلّد وشجاعة، فجمع منهم في داره مائتين وستين فتىً ممَّن يخاف ناحيته، وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة، وبعث إلى الأكرة المختارين من الدَّهاقين، فقال لهم: إنّ الأبناء هواهم مع العرب والمسؤدة؛ ولست آمَنُ غدرَهم ومكرهم؛ وقد جمعت أهل الظِّنَّة ممن أخاف ناحيتَه، فاقتلوهم لتأمنوا، ولا يكون في عسكركم ممن يخالف هواه هواكم. ثم أمر بكتفهم ودفْعهم إلى الأكرة ليلا، فدفعوهم إليهم، وصاروا بهم إلى قناة هناك، فقتلوهم ورَمَوا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا. فلما ثاب إلى الأكرة عقولُهم ندموا على فعلهم، وفزعوا من ذلك؛ فلما علم المازيار أن القوم وليس عندهم ما يؤدونه إليه، بعث الأكرة المختارين الذين قتلوا المائتين والستين فتًى، فقال لهم: إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم - إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم؛ فإنها تصير للملك - وقال لهم: صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ثم حُوزوا بعد ذلك، ما وهبتُ لكم من المنازل والحرم، فجبُن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به.\nقال: وكان الموكلون بالسّور من أصحاب سرخاستان يتحدثون ليلا مع حرس الحسن بن الحسين بن مصعب، وبينهم عُرْض الخندق، حتى استأنس بعضُهم ببعض، وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم، فسلموه، ودخل أصحابُ الحسن بن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين ومن سرخاستان، فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من","vol":"12","page":374},{"text":"الحائط، فدخلوا معهم فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروا، وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب، فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم، ويقول: يا قوم؛ إني أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داونْدَان، ومضى أصحاب قيس بن زنجويه - وهو من أصحاب الحسن بن الحسين - حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان، وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن العرب قد كسروا السور، ودخلوا بغتةً، فلم تكن له همة إلا الهرب، وكان سرخاستان في الحمَّام، فسمع الصياح، فخرج هاربًا في غلالة، وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر على رد أصحابه: اللهمّ إنهم قد عصوْني وأطاعوك، اللهم فاحفظهم وانصرهم، ولم يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدّرْب الذي على السور فكسروه، ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر، ومضى قوم في الطلب.\nوذُكر عن زرارة بن يوسف السجزي أنه قال: مررتُ في الطلب؛ فبينا أنا كذلك؛ إذ صرت إلى موضع عن يَسرة الطريق، فوجلت من الممر فيه، ثم تقحمتُه بالرمح من غير أن أرى أحدًا، وصحتُ: من أنت؟ ويلك! فإذا شيخ جسيم قد صاح \"زينهار\" - يعني الأمان - قال: فحملت عليه، فأخذته، وشددت كتافه، فإذا هو شهريار أخو أبي صالح سرخاستان، صاحب العسكر، قال: فدفعته إلى قائدي يعقوب بن منصور، وحال الليل بيننا وبين الطلب، فرجع الناس إلى المعسكر، وأتى بشهريار إلى الحسن بن الحسين فضرب عنقه، وأما أبو صالح فمضى حتى صار على خمسة فراسخ من معسكره، وكان عليلا؛ فجهده العطش والفزع، فنزل في غَيْضة يمنة الطريق إلى سفح جبل، وشدّ دابته واستلقى، فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر بن وَنْدَاميد؛ فنظر إليه نائمًا، فقال سرخاستان: يا جعفر: شربة ماء، فقد أجهدني العطش، قال: فقلت: ليس معي إناء أغرف به من هذا الموضع فقال سرخاستان: خذ رأس جعبتي فاسقني به، قال جعفر: وملتُ إلى عداد من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنا فلم لا نتقرب به إلى السلطان، ونأخذ لأنفسنا الأمان! فقالوا لجعفر: كيف لنا به؟ قال: فوقفهم عليه، وقال لهم: أعينوني ساعة، وأنا أثاوره، فأخذ جعفر خشبة عظيمة وسرخاستان مستلقٍ، فألقى نفسه عليه،","vol":"12","page":375},{"text":"وملكوه وشدُّوه كتافًا مع الخشبة، فقال لهم أبو صالح: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني؛ فإن العرب لا تعطيكم شيئًا، قالوا له: أحضرها، قال: هاتوا ميزانًا، قالوا: ومن أين هاهنا ميزان؟ قال: فمن أين هاهنا ما أعطيكم! ولكن صيروا معي إلى المنزل، وأنا أعطيكم العهود والمواثيق أنِّي أفي لكم بذلك، وأوفر عليكم، فصاروا به إلى الحسن بن الحسين، فاستقبلتهم خيل للحسن بن الحسين، فضربوا رؤوسهم، وأخذوا سرخاستان منهم، فهمتهم أنفسهم، ومضى أصحاب الحسن بأبي صالح إلى الحسن، فلما وقفوه بين يديه، دعا الحسن قواد طبرستان؛ مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الأزدي، وعبد الله بن محمد القُطقُطي الضبي والفتح بن قراط وغيرهم، فسألهم: هذا سرخاستان؟ قالوا: نعم، فقال لمحمد بن المغيرة، قم فاقتله بابنك وأخيك، فقام إليه فضربه بالسيف، وأخذته السيوف فقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>ذكر خبر أبي شاس الشاعر</span>\nوكان أبو شاس الشاعر، وهو الغطريف بن حُصين بن حنش فتًى من أهل العراق، ربِّيَ بخراسان، أديبًا فهمًا، وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق العرب ومذاهبها، فلما نزل بسرخاستان ما نزل به، وأبو شاس في معسكره، ومعه دواب وأثقال، هجم عليه قوم البُخارية، من أصحاب الحسن؛ فانتهبوا جميع ما كان معه، وأصابته جراحات، فبادر أبو شاس فأخذ جرة كانت معه، فوضعها على عاتقه، وأخذ بيده قدحًا، وصاح: الماء للسبيل؛ حتى أصاب غفلة من القوم، فهرب من مضربه، وقد أصابته جراحة، فبصر به غلام - وقد كان مرَّ بمضرب عبد الله بن محمد بن حميد القُطْقُطي الطبري، وكان كاتب الحسن بن الحسين - فعرفوه، عَرَفَهُ خدمه، وعلى عاتقه الجرة وهو يسقى الماء، فأدخلوه خيمتهم، وأخبروا صاحبهم بمكانه، فأدخل عليه، فحمله وكساه، وأكرمه غاية الإكرام، ووصفه للحسن بن الحسين، وقال له: قل في الأمير قصيدة، فقال أبو شاس: والله لقد امّحَى ما في صدري من كتاب الله من الهول، فكيف أحسن الشعر! ووجه الحسن برأس أبي صالح سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر، ولم يزل من معسكره.","vol":"12","page":376},{"text":"وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جَبَلة مولى عبد الله بن طاهر، كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس، فكاتب قارن بن شهريار، ورغبه في الطاعة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار وهو ابن أخيه. وكان مازيار صيَّره مع أخيه عبد الله بن قارن، وضمّ إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته؛ فلما استملاه حيان؛ وكان قارن قد ضمن له أن يسلم له الجبال، ومدينة سارية إلى حد جُرجان، على أن يملكه على جبال أبيه وجده إذا وفى له بالضمان، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، سجل له عبد الله بن طاهر بكل ما سأل، وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يُوغل حتى يكون من قارن ما يُستدل به على الوفاء، لئلا يكون منه مكر؛ فكتب حيان إلى قارن بذلك، فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح الشاك، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن.\nوبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك، وقال له القوهيار أخوه: في حبسك عشرون ألفًا من المسلمين، من بين إسكاف وخياط، وقد شغلت نفسك بهم، وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأمر مازيار بتخلية جميع من في حبسه، ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب شرطته، وعليَّ بن ربَّن النصرانيَّ كاتبه، وشاذان بن الفضل صاحب خراجه، ويحيى بن الروذبهار جهبذه، وكان من أهل السهل عنده، فقال لهم: إن حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل، وقد دخلت العرب إليكم، وأكره أن أشُومكم، فاذهبوا إلى منازلكم، وخذوا لأنفسكم الأمان ثم وصلهم، وأذن لهم في الانصراف، فصاروا إلى منازلهم وأخذوا الأمان لأنفسهم.\nولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين، وثبوا على عامل مازيار بسارية - وكان يقال له مهريستاني بن شهريز - فهرب منهم، ونجا بنفسه، وفتح الناس باب السجن، وأخرجوا من فيه، ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار موافاة حيان سارية، فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذي كان عامل طبرسان من حبسه،","vol":"12","page":377},{"text":"وحمله على بغل بسرج، ووجه به إلى حيَّان ليأخذ له الأمان، ويجعل له جبال أبيه وجده على أن يسلم إليه مازيار، ويوثق له بذلك بضمان محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصُّقير؛ فلما صار محمد بن موسى إلى حيان، وأخبره برسالة قوهيار إليه، قال له حيان: من هذا؟ يعني أحمد. قال: شيخ البلاد، وبقية الخلفاء والأمير عبد الله بن طاهر به عارف، فبعث حيان إلى أحمد، فأتاه فأمره بالخروج إلى مسلحة خُرَّماباذ مع محمد بن موسى، وكان لأحمد ابن يقال له إسحاق. وكان قد هرب من مازيار؛ يأوي نهاره الغياض، ويصير بالليل إلى ضيعة يقال لها ساواشريان، هي على طريق الجادة من قدح الأصبهبذ الذي فيه قصر مازيار.\nفذكر عن إسحاق، أنه قال: كنت في هذه الضيعة، فمر بي عدة من أصحاب مازيار، معهم دواب تقاد وغير ذلك، قال: فوثبت على فرس منها هجين، ضخم فركبته عُريًا، وصرت إلى مدينة سارية، فدفعته إلى أبي، فلما أراد أحمد الخروج إلى خرماباذ ركب ذلك الفرس، فنظر إليه حيان، فأعجبه، فالتفت حيان إلى اللَّوزجان - وكان من أصحاب قارن - فقال له: رأيت هذا الشيخ على فرس نبيل قل ما رأيت مثله، فقال له اللَّوزجان: هذا الفرس كان لمازيار، فبعث حيان إلى أحمد يسأله البعثة بالفرس إليه، لينظر إليه، فبعث به إليه، فلما تأمل النظر وفتشه وجده مشطب باليدين، فزهد فيه، ودفعه إلى اللَّوزجان، وقال لرسول أحمد: هذا لمازيار، ومال مازيار لأمير المؤمنين، فرجع الرسول فأخبر أحمد، فغضب على اللَّوزجان من ذلك، فبعث إليه أحمد بالشتيمة، فقال اللَّوزجان: ما لي في هذا ذنب! ورد الفرس إلى أحمد، ومعه برذون وشهري [فاره]، فأمر رسوله فدفعهما إليه، وغضب أحمد من فعل حيان به، وقال: هذا الحائك يبعث إلى شيخ مثلي فيفعل به ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لِمَ تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بن الحسين بتركك إياه وميلك إلى عبد من عبيده! فكتب إليه قوهيار. قد غلطتُ في أول الأمر؛ وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويحاربني، ويستبيح منازلي وأموالي؛ وإن قاتلتُه فقتلتُ من","vol":"12","page":378},{"text":"أصحابه، وجرت الدماء بيننا وقعت الشحناء، ويبطل هذا الأمر الذي التمسته، فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهل بيتك، واكتب إليه أنه قد عرضتْ لك علة منعتك من الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام؛ فإنك عُوفيت وإلَّا صرت إليه في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك منك، والمصير في الوقت.\nوإن أحمد بن الصُّقير ومحمد بن موسى بن حفص كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسكره بطميس ينتظر أمر عبد الله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستان وفتح طميس، فكتبا إليه أن اركب إلينا لندفع إليك مازيار والجبل، وإلا فاتك، فلا تقم. ووجها الكتاب مع شاذان بن الفضل الكاتب، وأمراه أن يعجل السير.\nفلما وصل الكتاب إلى الحسن ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، حتى انتهى إلى سارية، فلما أصبح سار إلى خُرّماباذ - وهو يوم موعد قُوهيار - وسمع حيان وقع طبول الحسن، فركب فتلقاه على رأس فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع هاهنا! ولم توجه إلى هذا الموضع، وقد فتحت جبال شروين وتركتها، وصرت إلى هاهنا، فما يؤمنك أن يبدو للقوم، فيغدروا بك، فينتقض عليك جميع ما عملت، ارجع إلى الجبل، فصير مسالحك في النواحي والأطراف، وأشرف على القوم إشرافًا لا يمكنهم الغدر، إن هموا به. فقال له حيان: أنا على الرجوع، وأريد أن أحمل أثقالي، وأتقدم إلى رجالي بالرحلة، فقال له الحسن: امض أنت، فأنا باعث بأثقالك ورجالك خلفك، وبت الليلة بمدينة سارية حتى يوافوك، ثم تبكِّر من غدٍ؛ فخرج حيان من فوره كما أمره الحسن إلى سارية، ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بلبورة - وهي من جبال وَنْدَاهُرْمز، وهي أحصن موضع من جباله، وكان أكثر مال مازيار بها - وأمره عبد الله ألا يمنع قارن مما يريد من تلك الجبال والأموال. فاحتمل قارن ما كان لمازيار هنالك من المال، والذي كان بأسباندرة من ذخائر مازيار، وما كان لسرخاستان بقدح السلتان، واحتوى على ذلك كله.\nفانتقض على حيان جميع ما كان سنح له بسبب ذلك الفرس، وتوفى بعد ذلك حيان بن جبلة. فوجه عبد الله مكانه على أصحابه محمد الحسين بن","vol":"12","page":379},{"text":"مصعب، وتقدم إليه عبد الله ألا يضرب على يدي قارن في شيء يريده، وصار الحسن بن الحسين إلى خُرّماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصُّقير، فتناطروا سرًّا، فجزاهما خيرًا، وكتب هو إلى قوهيار، فوافى خُرّماباذ، وصار إلى الحسن، فبره وأكرمه وأجابه إلى كل ما سأل، واتعدا على يوم، ثم صرفه وصار قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له، وكان الحسين بن قارن قد كاتب قوهيار من ناحية محمد بن إبراهيم بن مصعب، وضمن له الرغائب عن أمير المؤمنين، فأجابه قوهيار، وضمن له ما ضمن لغيره، كل ذلك ليردهم عن الحرب ومال إليه، فركب محمد بن إبراهيم من مدينة آمُل، وبلغ الحسن بن الحسين الخبر.\nفذكر عن إبراهيم بن مهران أنه كان يتحدث عند أبي السعدي، فلما قرب وكان طريقه على باب مضرب الحسن، قال: فلما حاذيتُ مضربه؛ إذا بالحسن الزوال انصرف يريد منزله راكب وحده، لم يتبعه إلّا ثلاثة غلمان له أتراك، قال: فرميت بنفسي، وسلمت عليه، فقال: اركب؛ فلما ركبت قال: أين طريق آرُم؟ قلت: هي على هذا الوادي، فقال لي: امض أمامي، قال: فمضيتُ حتى بلغت دربًا على ميلين من آرُم، قال: ففزعت، وقلت: أصلح الله الأمير! هذا موضع مَهُول، ولا يسلكه إلا ألف فارس؛ فأرى لك أن تنصرف ولا تدخله. قال: فصاح بي: امض. فمضيت وأنا طائش العقل، ولم نر في طريقنا أحدًا حتى وافينا آرم، فقال لي: أين طريق هُرْمزداباذ؟ قلت: على هذا الجبل في هذا الشَّراك. قال: فقال لي: سر إليها، فقلت: أعز الله الأمير! الله الله في نفسك وفينا وفي هذا الخلق الذي معك! قال: فصاح بي: امض يا ابن اللخناء، قال: فقلت له: أعزك الله! اضرب أنت عنقي؛ فإنه أحب إلي من أن يقتلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله بن طاهر الذنب.\nقال: فانتهرني حتى ظننت أنه سيبطش بي، ومضيت وأنا خليع الفؤاد، وقلت في نفسي: الساعة نؤخذ جميعًا، أو نوقَف بين يدي مازيار فيوبِّخني، ويقول: جئت دليلا عليّ! فبينا نحن كذلك إذْ وافينا هرمزداباذ مع اصفرار الشمس، فقال لي: أين كان سجن المسلمين هاهنا؟ فقلت له: في هذا الموضع.\nقال: فنزل فجلس ونحن صيام، والخيل تلحقنا متقطعة، وذلك أنه ركب من","vol":"12","page":380},{"text":"غير علم الناس، فعلموا بعد ما مضى، فدعا الحسن بيعقوب بن منصور، فقال له: يا أبا طلحة، أحبّ أن تصير إلى الطالقانيّة، فتلطّف بحيَلك لجيش أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مصعب هنالك ساعتين أو ثلاث ساعات أو أكثر؛ ما أمكنك، وكان بينه وبين الطالقانية فَرْسخان أو ثلاثة فراسخ، قال إبراهيم: فبينا نحن وقوف بين يدي الحسن، إذ دعا بقيس بن زَنجويه، فقال له: امض إلى درب لبورة، وهو على أقلَّ من فرسخ، فابرز بأصحابك على الدَّرب.\nقال: فلما صلّينا المغرب وأقبل الليل، إذا أنا بفرسان بين أيديهم الشّمع مشتعلًا مقبلين من طريق لبُورة، فقال لي: يا إبراهيم، أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى نيرانًا وفرسانًا قد أقبلوا من ذلك الطريق، قال: وأنا داهش لا أقف على ما نحن فيه، حتى قربت النيران منا؛ فأنظر فإذا المازيار مع القوهيار، فلم أشعر حتى نزلا وتقدم المازيار، فسلم على الحسن بالإمرة، فلم يردّ عليه، وقال لطاهر بن إبراهيم وأوس البلخي: خذاه إليكما.\nوذكر عن أخي وميدوار بن خواست جيلان، أنه في تلك الليلة صار مع نفر إلى قوهيار، وقال له: اتق الله، قد خلفت سرواتنا، فأذن لي أكنفُ هؤلاء العرب كلَّهم، فإن الجند حيارى جياع، وليس لهم طريق يهربون، فتذهب بشرفها ما بقى الدهر، ولا تثق بما يعطيك العرب، فليس لهم وفاء! فقال قوهيار: لا تفعلوا، وإذا قوهيار قد عبَّى علينا العرب، ودفع مازيار وأهل بيته إلى الحسن لينفرد بالملك؛ ولا يكون أحد ينازعه ويضادّه.\nفلما كان في السحر، وجّه الحسن بالمازيار مع طاهر بن إبراهيم وأوْس البلخيّ إلى خرماباذ، وأمرهما أن يمرّا به إلى مدينة سارية، وركب الحسن، وأخذ على وادي بابك إلى الكانية مستقبلا محمد بن إبراهيم بن مُصعب، فالتقيا ومحمد يريد المصير إلى هرمزداباذ لأخذ المازيار، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله، أين تريد؟ قال: أريدُ المازيار، فقال: هو بسارية، وقد صار إليَّ، ووجّهت به إلى هنالك، فبقى محمد بن إبراهيم متحيرًا. وكان القوهيار قد همّ بالغدر بالحسن، ودفع المازيار إلى محمد بن إبراهيم، فسبق الحسن إلى ذلك، وتخوف القوهيار منه أن يحاربه حين رآه متوسِّطًا الجبل، إن أحمد بن الصُّقير كتب إلى القوهيار: لا أرى لك التخليط والمناصبة لعبد الله بن طاهر، وقد كُتب","vol":"12","page":381},{"text":"إليه بخبرك وضمانك فلا تكن ذا قلبيْن، فعند ذلك حذّره ودفعه إلى الحسن، وصار محمد بن إبراهيم والحسن بن الحسين إلى هرمزداباذ، فأحرقا قصر المازيار بها، وأنهبا ماله، ثم صارا إلى معسكر الحسن بخرماباذ، ووجها إلى إخوة المازيار، فحبسوا هناك في داره، ووكل بهم، ثم رحل الحسن إلى مدينة سارية؛ فأقام بها، وحبس المازيار بقرب خيمة الحسن، وبعث الحسن إلى محمد بن موسى بن حفص يسأله عن القيد الذي كان قيده به المازيار، فبعث به محمد إليه، فقيد المازيار بذلك القيد، ووافى محمد بن إبراهيم الحسن بمدينة سارية ليناظره في مال المازيار وأهل بيته، فكتبا بذلك إلى عبد الله بن طاهر، وانتظرا أمره، فورد كتاب عبد الله إلى الحسن بتسليم المازيار وإخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم، ليحملهم إلى أمير المؤمنين المعتصم؛ ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمره أن يستصفي جميع ما للمازيار ويحرزه، فبعث الحسن إلى المازيار فأحضره، وسأله عن أمواله فذكر أن ماله عند قوم سماهم، من وجوه أهل سارية وصلحائهم عشرة نفر، وأحضر القوهيار، وكتب عليه كتابًا، وضمنه توفير هذه الأموال التي ذكرها المازيار، أنها عند خزانه وأصحاب كنوزه، فضمن القوهِيار ذلك وأشهد على نفسه.\nثم إن الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار، فيشهدوا عليه؛ فذكر عن بعضهم، أنه قال: لما دخلنا على المازيار، تخوفت من أحمد بن الصُّقير أن يفزعه بالكلام، فقلت له: أحب أن تمسك عنه، ولا تذكر ما كنت أشرت به، فسكت أحمد عند ذلك، فقال المازيار: اشهدوا أن جميع ما حملتُ من أموالي وصجبي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت أحمر، وثمانية أوقار سلال مجلدة، فيها ألوان الثياب، وتاج وسيف من ذهب وجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحُق كبير مملوء جوهرًا، وقد وضعه بين أيدينا، وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح، وهو خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى القوهيار. قال: فخرجنا إلى الحسن بن الحسين، فقال: أشهدتم على الرجل؟ قال: قلنا: نعم، قال: هذا شيء كنت اخترته لي، فأحببت أن يعلم قِلّته وهَوَانه عندي.","vol":"12","page":382},{"text":"وذكر عن عليّ بن ربَّن النصراني الكاتب أن ذلك الحق كان شرى جوهره على المازيار وجدّه وشَهْريار ثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان المازيار حمل ذلك كله إلى الحسن بن الحسين، على أن يظهر أنه خرج إليه في الأمان، وأنه قد آمنه على نفسه وماله وولده؛ وجعل له جبال أبيه، فامتنع الحسن بن الحسين من هذا وعفّ عنه - وكان أعفَّ الناس عن أخذ درهم أو دينار - فلما أصبح أنفذ المازيار مع طاهر بن إبراهيم وعليّ بن إبراهيم الحربيّ، وورد كتاب عبد الله بن طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور، وقد ساروا بالمازيار ثلات مراحل، فبعث الحسن فردَّه، وأنفذه مع يعقوب بن منصور، ثم أمر الحسن بن الحسين القُوهِيار أخا المازيار أن يحمل الأموال التي ضمنها، ودفع إليه بغالا من العسكر، وأمر بإنفاذ جيش معه، فامتنع القوهيار، وقال لا حاجة لي بهم، وخرج بالبغال هو وغلمانه، فلما ورد الجبل وفتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبّاها ليحملها، وثب عليه مماليك المازيار من الديالمة - وكانوا ألفًا ومائتين - فقالوا له: غدرت بصاحبنا، وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله! فأخذوه وكبلوه بالحديد، فلما جنّه الليل قتلوه، وانتهبوا تلك الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن، فوجّه جيشًا إلى الذين قتلوا القوهيار، ووجّه قارن جيشًا من قِبَله في أخذهم، فأخذ منهم صاحب قارن عدة، منهم ابن عمّ للمازيار، يقال له شهريار بن المَصْمُغان - وكان رأس العبيد ومحرّضهم - فوجّه به قارن إلى عبد الله بن طاهر، فلما صار بقومِس مات، وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السَّفح والغَيْضَة يريدون الديلم، فنذر بهم محمد بن إبراهيم بن مصعب، فوجّه من قِبَله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم، وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا، فبعث بهم إلى مدينة سارية مع عليّ بن إبراهيم، وكان مدخل محمد بن إبراهيم حين دخل من شَلَنْبَة على طريق الروذبار إلى الورُّيان.\nوقيل: إن فساد أمر مازيار وهلاكه كان من قبل ابن عمّ له يقال له .... كان في يديه جبال طبرستان كلها، وكان في يد المازيارر السهل؛ وكان ذلك كالقسمة بينهم يتوارثونه، فذُكر عن محمد بن حفص الطبريّ أن الجبالى بطبرستان ثلاثة: جبل وَنْداهُرْمز في وسط جبال طَبَرستان، والثاني جبل أخيه ونداسبْجان بن الأنداد بن قارن، والثالث جبَل شَرْوين بن سُرْخاب بن باب، فلما قوي أمرُ","vol":"12","page":383},{"text":"المازيار بعث إلى ابن عمه ذلك، وقيل هو أخوه القوهِيار، فألزمه بابه، وولَّى الجبل واليًا من قِبَله، يقال له درّي؛ فلما احتاج المازيار إلى الرجال لمحاربة عبد الله بن طاهر؛ دعا بابن عمه أو أخيه القوهِيار، فقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين ومكاتبته له، وقال له: صرْ في ناحية الجبل، فاحفظ عليّ الجبل.\nوكتب المازيار إلى الدرّيّ يأمره بالقدوم عليه، فقدم عليه، فضم إليه العساكر، ووجّهه في وجه عبد الله بن طاهر، وظنّ أنه قد توثق من الجبل بابن عمه أو أخيه القُوهيار، وذلك أن الجبل لم يُظنّ أنه يُؤتى منه. لأنه ليس فيه للعساكر والمحاربة طريق لكثرة المضايق والشَّجر الذي فيه، وتوثّق من المواضع التي يتخوّف منها بالدري وأصحابه، وضمّ إليه المقاتلة وأهل عسكره، فوجّه عبدالله بن طاهر عمَّه الحسن بن الحسين بن مصعب، في جيش كثيف من خراسان إلى المازيار، ووجه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب، ووجّه معه صاحب خبر يقال له يعقوب إبراهيم البوشنجي مولى الهادي، ويعرف بقوْصرة؛ يكتب بخبر العسكر؛ فوافى محمد بن إبراهيم الحسن بن الحسبن، وزحفت العساكر نحو المازيار حتى قَرُبوا منه، والمازيار لا يشكّ أنه قد توثّق من الموضع الذي تلقّاه الجبل فيه.\nوكان المازيار في مدينته في نفر يسير، فدعا ابنّ عمّ المازيار الحقد الذي كان في قلبه على المازيار وصنيعه به وتنحيته إياه عن جبله، أنْ كاتَبَ الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في عساكره، وأنّ الأفشين كاتب المازيار.\nفأنفذ الحسن كتاب ابن عمّ المازيار إلى عبد الله بن طاهر، فوجّه به عبد الله برجل إلى المعتصم، وكاتب عبد الله الحسن بن الحسين ابن عم المازيار - وقيل القوهيار - وضمنا له جميع ما يريد؛ وكان ابن عم المازيار أعلم عبد الله بن طاهر أن الجبل الذي هو عليه كان له ولأبيه ولآبائه من قِبَل المازيار، وأن المازيار عند تولية الفضل بن سهل إياه طبرستان انتزع الجبل من يديه، وألزمه بابه، واستخفّ به، فشرط له عبد الله بن طاهر إن هُوَ وثب بالمازيار، واحتال له أن يصير الجبل على حسب ما لم يزل. ولا يُعرَض له فيه، ولا يحارب.\nفرضِيَ بذلك ابن عم المازيار، فكتب له عبد الله بن طاهر بذلك كتابًا،","vol":"12","page":384},{"text":"وتوثق له فيه، فوعد ابن عمّ المازيار الحسن بن الحسين ورجالهم أن يدخلهم الجبل، فلما كان وقت الميعاد، أمر عبد الله بن طاهر الحسن بن الحسين أن يزحف للقاء الدريّ، ووجّه عسكرًا ضخمًا عليه قائد من قواده في جوف الليل، فوافوا ابن عمّ المازيار في الجبل، فسلّم الجبال إليهم، وأدخلهم إليها، وصافَّ الدريّ العسكر الذي بإزائه، فلم يشعر المازيار وهو في قصره حتى وقفت الرّجّالة والخيل على باب قصره، والدري يحارب العسكر الآخر؛ فحصروا المازيار، وأنزلوه على حكم أمير المؤمنين المعتصم.\nوذكر عمرو بن سعيد الطبريّ أن المازيار كان يتصيّد، فوافته الخيل في الصيد؛ فأخذ أسيرًا ودُخل قصره عَنْوة، وأخذ جميع ما فيه، وتوجّه الحسن بن الحسين بالمازيار، والدريّ يقاتل العسكر الذي بإزائه، لم يعلم بأخذ المازيار، فلم يشعر إلا وعسكر عبد الله بن طاهر مِنْ ورائه، فتقطعت عساكره، فانهزم ومضى يريد الدخول إلى بلاد الديلم، فقتل أصحابه، واتيعوه فلحقوه في نفر من أصحابه، فرجع يقاتلهم، فقتِل وأخِذ رأسه، فبعث به إلى عبد الله بن طاهر، وقد صار المازيار في يده، فوعده عبدُ الله بن طاهر إن هو أظهره على كتب الأفشين أن يسأل أمير المؤمنين الصَّفْح عنه، وأعلمه عبد ألله أنه قد علم أن الكتب عنده، فأقرّ المازيار بذلك، فطُلبت الكتب فوُجدت، وهي عدّة كتب، فأخذها عبد الله بن طاهر، فوجّه بها مع المازيار إلى إسحاق بن إبراهيم، وأمره ألّا يخرج الكتب من يده ولا المازيار إلّا إلى يد أمير المؤمنين، لئلا يُحتال للكتب والمازيار، ففعل إسحاق ذلك، فأوصلها من يده إلى يد المعتصم؛ فسأل المعتصم المازيار عن الكتب، فلم يقرّ بها، فأمر بضرب المازيار حتى مات، وصلب إلى جانب بابك (١).\nوكان المأمون يكتب إلى المازيار: من عبد الله المأمون إلى جيل جيلان أصبهبذ أصبهبذان بشْوار جِرْشاه محمد بن قارن مولى أمير المؤمنين.\nوقد ذكر أن بدء وهْي أمر الدريّ، كان أنه لما بلغه بعدما ضمّ إليه المازيار\n_________\n(١) هذه نهاية الخبر الطويل عن معارك مازيار من مخرجه إلى مقتله (٨٠ - ١٠٠) وانظر تعليقنا السابق.","vol":"12","page":385},{"text":"الجيش نزول جيش محمد بن إبراهيم دُنْباوند، وجّه أخاه بزرجشْنسٍ، وضمّ إليه محمدًا وجعفرًا ابني رستم الكلاريّ ورجالًا من أهل الثغر وأهل الرُّويان، وأمرهم أن يصيروا إلى حدّ الرّويان والرّيّ لمنع الجيش، وكان الحسن بن قارن قد كاتب محمدًا وجعفرًا ابني رستم، ورغّبهما؛ وكانا من رؤساء أصحاب الدّريّ، فلما التقى جيش الدري وجيش محمد بن إبراهيم، انقلب ابنا رستم وأهل الثغرين وأهل الرُّويان على بزرجشنس أخي الدرّيّ، فأخذوه أسيرًا، وصاروا مع محمد بن إبراهيم على مقدّمته، وكان الدريّ بموضع يقال له مُزْن في قَصْره مع أهله وجميع عسكره، فلما بلغه غدر محمد وجعفر ابني رستم ومتابعة أهل الثغرين والرويان لهما وأسر أخيه بزرجشنس، اغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، وأذعن أصحابه، وهمَّتهُم أنفسُهم، وتفرّق عامّتهُم يطلبون الأمان، ويحتالون لأنفسهم، فبعث الدري إلى الديالمة فصار ببابه مقدار أربعة آلاف رجل منهم، فرغبهم ومناهم، ووصلهم، ثم ركب وحمل الأموال معه، ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن إبراهيم، وإنما أراد الدخول إلى الديلم، والاستظهار بهم على محمد بن إبراهيم.\nفاستقبله محمد بن إبراهيم في جيشه؛ فكانت بينهم وقعة صعبة؛ فلما مضى الدرب هرب الموكلون بالسجن، وكسر أهل السجن أقيادهم، وخرجوا هاربين، ولحق كل إنسان ببلده، واتفق خروج أهل سارية الذين كانوا في حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا في حبس الدريّ في يوم واحد، وذلك في شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة خمس وعشرين ومائتين في قول محمد بن حفص، وقال غيره: كان ذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين.\nوذكر عن داود بن قحذم أن محمد بن رستُم، قال: لما التقى الدري ومحمد بن إبراهيم بساحل البحر، بين الجبل والغَيْضة والبحر، والغَيْضة متصلة بالديلم، وكان الدري شجاعًا بطلًا، فكان يحمل بنفسه على أصحاب محمد حتى يكشفهم، ثم يحمل معارضةً من غير هزيمة، يريد دخول الغَيْضة، شدّ عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة، فأخذه أسيرًا واسترجع، واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الأثاث والمال والدوابّ والسلاح، فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخي الدّرّيّ، ودُعي","vol":"12","page":386},{"text":"بالدري فمدّ يده فقُطعت من مرفقه، ومدت رجله فقطعت من الركبة، وكذا باليد الأخرى والرجل الأخرى، فقعد الدري على استه؛ ولم يتكلم ولم يتزعزع، فأمر بضرب عنقه، وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدري فحملهم مكبلين (١).\nوفي هذه السنة ولي جعفر بن دينار اليمن.\nوفيها تزوج الحسن بن الأفشين أترنجة بنت أشناس، ودخل بها في العمري، قصر المعتصم في جُمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامراء فحُدِّثت أنهم كانو يغلّفُون العامة فيها بالغالية في تغار من فضة، وأن المعتصم كان يباشر بنفسه تفقد من حضرها (٢).\nوفيه امتنع عبد الله الوَرْثانيّ بوَرْثان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>[ذكر الخبر عن خلاف منكجور الأشروسنيّ]</span>\nوفيها خالف مَنكجور الأَشْروسني قرابة الأفشين بأذْربيجان (٣).\n* ذكر الخبر عن سبب خلاف:\nذُكر أن: الأفشين عند فراغه من أمر بابك ومنصَرفه من الجبال ولىَ أذْرَبيجان - وكانت من عمله - واليه منكجور هذا، فأصاب في قرية بابك في بعض منازله مالًا عظيمًا، فاحتجنه لنفسه؛ ولم يعلم به الأفشين ولا المعتصم؛ وكان على البريد بَأذْرَبيجان رجل من الشيعة يقال له عبد الله بن عبد الرحمن؛ فكتب إلى المعتصم بخبر ذلك المال، وكتب مَنْكجور يكذب ذلك؛ فوقعت المناظرة بين مَنكَجور وعبد الله بن عبد الرحمن؛ حتى همّ منكجور بقتل عبد الله بن\n_________\n(١) هذا خبر مختصر عن مصير الدرّي وهو من قواد مازيار البارزين أورده الطبري مع ذكره للخلاف بين محمد بن حفص الطبري وغيره من الأخباريين في تحديد تأريخ هذه الوقعة (٢٢٤ هـ) أم (٢٢٥ هـ) ثم ذكر الرواية الأخيرة عن داود بن قحذم عن محمد بن رستم - وانفرد الطبري بين المؤرخين المتقدمين الثقات بهذه التفاصيل والله أعلم.\n(٢) انظر: المنتظم (١١/ ٨٨).\n(٣) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٧٦].","vol":"12","page":387},{"text":"عبد الرحمن، فاستغاث عبد الله بأهل أردبيل، فمنعوه مما أراد به مَنكجور؛ وبلغ ذلك المعتصم، فأمر الأفشين أن يوجّه رجلًا من قبَله بعزل منكجور، فوجّه رجلًا من قُوّداه في عسكر ضخم؛ فلما بلغ مَنكجور ذلك، خلع وجمع إليه الصعاليك، وخرج من أردبيل، فرآه القائد فواقعه، فانهزم مَنكجُور، وصار إلى حصن من حصون أذْرَبيجان - التي كان بابك أخربها - حَصِيني في جبل منيع، فبناه وأصلحه، وتحصن فيه؛ فلم يلبث إلَّا أقلّ من شهر حتى وثب به أصحابه الذين كانوا معه في الحصن، فأسلموه ودفعوه إلى القائد الذي كان يحاربه؛ فقدم به إلى سامراء، فأمر المعتصم بحبسه، فاتُّهم الأفشين في أمره.\nوقيل: إن القائد الذي وُجه لحبرب مَنكجور هذا كان بُغا الكبير.\nوقيل: إنّ بغا لمّا لقى منكجور خرج منكجور إليه بأمان.\nوفيها مات ياطس الروميُّ، وصُلب بسامراء إلى جانب بابك (١).\nوفيها مات إبراهيم بن المهديّ في شهر رمضان وصلّى عليه المعتصم (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك كان قدوم الوَرْثانيّ على المعتصم في المحرّم بالأمان.\nوفيها قدم بغا الكبير بمنكجور سامراء.\nوفيها خرج المعتصم إلى السِّنّ، واستخلف أشناس.\nوفيها أجلس المعتصم أشناس على كرسيّ، وتوّجَه ووشّحه في شهر ربيع الأول.\nوفيها أحرِق غنّام المرتَدّ.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٧٦].\n(٢) انظر سير أعلام [١٠/ ٥٥٧] والوافي بالوفيات [٦/ ١١٠].\n(٣) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة/ ٣١٧].","vol":"12","page":388},{"text":"وفيها غضب المعتصم على جعفر بن دينار، وذلك من أجل وُثوبه على مَنْ كان معه من الشاكرية، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يومًا، وعزَله عن اليمن، وولّاها إيتاخ، ثم رضي عن جعفر.\nوفيها عُزل الأفشين عن الحرس ووليه إسحاق بن يحيى بن معاذ (١).\nوفيها وجه عبد الله بن طاهر بمازيار، فخرج إسحاق بن إبراهيم إلى الدَّسْكرة سامراء في شوال، وأمر بحمله على الفيل، فقال محمد بن عبد الملك الزيات:\nقد خُضِبَ الفِيلُ كعاداتِهِ ... يحملُ جيلانَ خُرَاسانِ\nوالفيلُ لا تخضَبُ أَعضاؤهُ ... إِلا لذِي شأْنٍ من الشانِ\nفأبى مازيار أن يركب الفيل، فأُدخِلَ على بغْل بإكاف، فجلس المعتصم في دار العامة، لخمس ليال خلوْن من ذي القعدة، وأمر فجمع بينه وبين الأفشين؛ وقد كان الأفشين حُبِس قبل ذلك بيوم، فأقرّ المازيار أنّ الأفشين كان يكاتبه، ويصوّب له الخلاف والمعصية فأمر بردّ الأفشين إلى محبسه، وأمر بضرب مازيار، فضرب أربعمائة سوط وخمسين سوطًا، وطلب ماء فسُقِيَ، فمات من ساعته (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>[ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الأفشين وحبسه]</span>\nوفيها غضب المعتصم على الأفشين فحبسه.\n* ذكر الخبر عن سبب غضبه وحبسه إياه (٣).\nذكر أن الأفشين كان أيام حربه بابك ومُقامه بأرض الخرّميّة؛ لا يأتيه هدية من\n_________\n(١) لهذه الأخبار المختصرة انظر المنتظم [١١/ ٩٨].\n(٢) في هذا الخبر ما يناقض أخبار الطبري السابقة عن مازيار التي قال فيها أن المازيار لم يقرّ بالكتب التي أرسلها أفشين إليه فَضُرِبَ بالسياط حتى مات بينما يذكر الطَبري هنا أن مازيار اعترف بتلك الكتب فالله أعلم بالصواب وقال ابن الجوزي وفيها (٢٢٥ هـ) أسر مازيار فضرب خمسمائة سوط فمات من يومه [المنتظم ١١/ ١٠٠].\n(٣) أما غضب المعتصم على الأفشين ومن ثم حبسه وما إلى ذلك فصحيح إلَّا أن الأسباب الحقيقية تظل غير مؤكدة بل غامضة وقد ذكر الطبري أسبابًا لذلك وأورد فيها أخبارًا عدة استغرقت الصفحات (١٠٤ - ١١٠) وجُلّها بلا إسناد ولم يتابع على كثير من هذه التفاصيل =","vol":"12","page":389},{"text":"أهل إرمينيَة إلا وجّه بها إلى أشْروسَنَة، فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله إلى المعتصم بخبره؛ فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمر بتعريف جميع ما يوجِّه به الأفشين من الهدايا إلى أشْروسنة؛ ففعل عبد الله بذلك؛ وكان الأفشين كلّما تهيّأ عنده مال حمَله أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين بقدْر طاقتهم؛ كان الرجل يحمل من الألف فما فوقه من الدنانير في وسطه؛ فأخبر عبد الملك بذلك؛ فبينا هو في يوم من الأيام، وقد نزل رُسل الأفشين معهم\n_________\n= سوى أن ابن الجوزي أخرج عن الصولي ما يؤيد بعضًا مما ذكر الطبري وهو أن أفشين أراد بالمعتصم السوء والخيانة وحتى القضاء عليه، ولا نستطيع القول بصحة خبر الصولي لأنه توفي بعد الطبري لعقود (٣٣٥ هـ) إلّا أنه كان أخباريًا عارفًا بأيام الناس ترجم له الخطيب والذهبي، قال الخطيب في ترجمته: حسن المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء، ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء [تأريخ بغداد ٣/ ٤٢٧] وفي آخر خبر الصولي أن المعتصم قبض على الأفشين وحبسه [المنتظم ١١/ ٩٩].\nوأخرج القاضي وكيع قال حدثني موسى بن جعفر أخو نفس الكاتب - قال: كان أحمد بن أبي دواد - حين ولى المعتصم الخلافة - عادى الأفشين وحرض عليه المعتصم وكان جسورًا مقدامًا لا يبالي ما يصنع فلم يزل يخبر المعتصم بأن الأفشين على دين المجوسية وأنه كاتب المرزبان حتى عصى وأنه ... وأنه ... حتى أوغر قلب المعتصم على الأفشين وهمّ به بعد أخذ المرزبان فجمع بينه وبينه [أخبار القضاة/ ٦٧٩]،\nوأخرج عن موسى بن جعفر الذي عاصر تلك الأحداث وحضر بعضها قال: ونوظر الأفشين فقال: المعتصم هاتوا احتجوا عليه فقال ابن أبي دواد: كاتب المرزبان يا أمير المؤمنين فقال الأفشين: أنتم قلتم لي كاتبه وأطعمه فإنك ملك وهو ملك ففعلت. قال ابن أبي دواد هو يعبد الأصنام وهو أغلف، وأخرج من خزانته تماثيل، فقال الأفشين: هذه سماجات يلعب بها كما يلعب العجم فأخرج ابن أبي دواد حقة فيها سم من خزانته ودعا برجل فاستحلفه أنه أمره أن يسم المعتصم فحلف الرجل فاستحل المعتصم دمه فقتله [أخبار القضاة/ ٦٧٩].\nولو قارن القاريء الكريم بين الروايات الثلاث (رواية الطبري والصولي والقاضي وكيع) يتبيّن له بعض التباين والفروق ولعلّ الأرجح هو اتهام ابن أبي دواد للأفشين بأمور زورًا وبهتانًا وليس ذلك بمستبعد فقد كان ابن أبي دواد خبيث السريرة رأسًا من رؤوس البدع والضلالة لم يتوانى في تحريض المعتصم على تعذيب الناس ومحنتهم وإهانتهم بل وحتى قتلهم ومحنة الإمام أحمد بن حنبل خير دليل على ذلك وكذلك مقتل أحمد بن نصر الخزاعي في عهد الواثق والله تعالى أعلم.","vol":"12","page":390},{"text":"الهدايا نيسابور وجّه إليهم عبد الله بن طاهر، وأخذهم ففتّشهم، فوجد في أوساطهم همايين، فأخذها منهم، وقال لهم: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: هذه هدايا الأفشين؛ وهذه أمواله. فقال: كذبتم؛ لو أراد أخي الأفشين أن يرسل بمثل هذه الأموال لكتب إليّ يُعلمني ذلك لآمر بحراسته وبذْرَقتِه؛ لأن هذا مال عظيم؛ وإنما أنتم لصوص. فأخذ عبد الله بن طاهر المال، وأعطاه الجند قبلَه، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجّهتَ بمثل هذا المال إلى أشْروسنة، ولم تكتب إليّ تعلمني لأبَذْرقه؛ فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيتَه الجند مكان المال الذي يوجّهه إليّ أمير المؤمنين في كلّ سنة، وإن كان المال لك - كما زعم القوم. فإذا جاء المال من قِبَل أمير المؤمنين رددته إليك؛ وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين أحقّ بهذا المال؛ وإنما دفعته إلى الجند لأني أريد أن أوجّههم إلى بلاد الترك.\nفكتب إليه الأفشين يعلمه أن مالَه ومال أمير المؤمنين واحد، ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشروسنة؛ فأطلقهم عبدُ الله بن طاهر، فمضوا؛ فكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله بن طاهر وبين الأفشين.\nثم جعل عبد الله يتتبَّع عليه، وكان الأفشين يسمع أحيانًا من المعتصم كلامًا يدلّ على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان، فطمع الأفشين في ولايتها، فجعل يكاتب مازيار، ويبعثه على الخلاف، ويضمَن له القيام بالدفع عنه عند السلطان؛ ظنًّا منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى أن يوجهه لمحاربته، ويعزل عبد الله بن طاهر ويولّيه خراسان؛ فكان من أمر مازيار ما قد مضى ذكره.\nوكان من أمر منكجور بأذْرَبيجان ما قد وصفنا قبل. فتحقّق عند المعتصم - بما كان من أمر الأفشين ومكاتبته مازيار بما كان يكاتبه به - ما كان اتهمه به من أمر مَنكجور؛ وأنّ ذلك كان عن رأي الأفشين وأمْره إياه به، فتغيّر المعتصم للأفشين لذلك؛ وأحسّ الأفشين بذلك، وعلم تغيُّر حاله عنده، فلم يَدْر ما يصنع، فعزم - فيما ذكر - على أن يهيّئ أطوافًا في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقوّاده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف؛ حتى يصير إلى بلاد أرمينيَة، ثم إلى بلاد الخزَر، فعسر ذلك عليه، فهيّأ سمًّا كثيرًا، وعزم على أن يعمل طعامًا ويدعو المعتصم وقُوَّاده فيسقيهم؛ فإن","vol":"12","page":391},{"text":"لم يجبه المعتصم استأذنه في قوّاد الأتراك، مثل أشناس وإيتاخ وغيرهم في يوم تشاغل أمير المؤمنين، فإذا صاروا إليه أطعمهم وسقاهم وسمَّهم؛ فإذا انصرفوا من عنده خرج من أوّل الليل، وحمل تلك الأطواف والآلة التي يعبرُ بها على ظهور الدوابّ حتى يجيء إلى الزّاب فيعبر بأثقاله على الأطراف، ويعبرُ الدوابُّ سباحةً كما أمكنه، ثم يرسل الأطواف حتى يعبُر في دِجْلة، ويدخل هو بلاد أرمينيَة؛ وكانت ولاية أرمينيَة إليه، ثم يصير هو إلى بلاد الخزَر مستأمنًا، ثم يدور من بلاد الخزَر إلى بلاد الترك، ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشْرُوسنة، ثم يستميل الخزَر على أهل الإسلام، فكان في تهيِئة ذلك، وطال به الأمر فلم يمكنه ذلك.\nوكان قوّاد الأفشين ينوبون في دار أمير المؤمنين كما ينوبُ القوّاد؛ فكان واجن الأشْرُوسنيّ قد جرى بينه وبين من قد اطّلع على أمر الأفشيْن حديث، فذكر له واجن أنّ هذا الأمر لا أراه يمكن ولا يتمّ؛ فذهب ذلك الرجل الذي سمع قول واجن، فحكاه للأفشين. وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الأفشين وخاصته ما قال الأفشين في واجن، فلما انصرف واجن من النوبة في بعض الليل أتاه فأخبره أنْ قد أُلْقِيَ ذلك إلى الأفشين، فحذر واجن على نفسه، في كب من ساعته في جوف الليل حتى أتى دار أمير المؤمنين؛ وقد نام المعتصم؛ فصار إلى إيتاخ، فقال: إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة، فقال له إيتاخ: أليس الساعة كنتَ ها هنا! قد نام أمير المؤمنين. فقال له وأجن: ليس يمكنني أن أصبر إلى غد، فدقّ إيتاخ الباب على بعض من يُعلم المعتصم بالذي قال واجن، فقال المعتصم: قل له ينصرف الليلة إلى منزله، ويبكّر عليّ في غد، فقال واجن: إن انصرفَت الليلة ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيّتْه الليلة عندك. فبيته إيتاخ عنده؛ فلما أصبح بكَّربه مع صلاة الغداة، فأوصله إلى المعتصم، فأخبره بجميع ما كان عنده؛ فدعا المعتصم محمد بن حمَّاد دَنْقَش الكاتب، فوجّهه يدعو الأفشين، فجاء الأفشين في سواد، فأمر المعتصم بأخذ سواده، وحبَسه، فحبِس في الجوسق؛ ثم بنى له حبسًا مرتفعًا، وسماه لؤلؤة داخل الجوسق، وهو يعرف إلى الآن بالأفشين.\nوكتب المعتضم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال للحسن بن الأفشين - وكان","vol":"12","page":392},{"text":"الحسن قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر في نوح بن أسد - يعلمه تحامله على ضياعه وناحيته، فكتب عبد الله بن طاهر إلى نوح بن أسد يعلمه ما كتب به أمير المؤمنين في أمره، ويأمره بجمع أصحابه والتأهّب له؛ فإذا قدم عليه الحسن بن الأفشين بكتاب ولايته استوثَق منه، وحمله إليه. فكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن الأفشين يُعلمه أنه عزل نوح بن أسد، وأنه قد ولّاه الناحية، ووجّه إليه بكتاب عزل نوح بن أسد.\nفخرج الحسن بن الأفشين في قلّة من أصحابه وسلاحه؛ حتى ورد على نوح بن أسد، وهو يظنّ أنه والي الناحية، فأخذه نوح بن أسد، وشدّه وثاقًا، ووجّه به إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، وكان الحبس الذي بُني للأفشين شبيهًا بالمنارة، وجعل في وسطها مقدار مجلسه؛ وكان الرجال ينُوبون تحتها كما تدور.\nوذُكِر عن هارون بن عيسى بن المنصور، أنه قال: شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبي دواد وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات، فأتَى بالأفشين ولم يكن بعد في الحبس الشديد، فأحضِر قوم من الوجوه لتبكيت الأفشين بما هو عليه، وّلم يترك في الدار أحدٌ من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور، وصُرف الناس.\nوكان المناظر له محمّد بن عبد الملك الزيات، وكان الذين أحضرُوا المازيار صاحب طبرستان والموبْذ والمرزبان بن تركش - وهو أحد ملوك السُّغد - ورجلان من أهل السُّغد؛ فدعا محمد بن عبد الملك بالرَّجُلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما محمد بن عبد الملك: ما شأنكما؟ فكشفا عن ظهورهما وهي عارية من اللَّحْم، فقال له محمد: تعرف هذين؟ قال: نعم؛ هذا مؤذن، وهذا إمام، بنَيا مسجدًا بأشْروسنَة، فضربتُ كلَّ واحد منهما ألفَ سوط؛ وذلك أن بيني وبين ملوك السُّغد عهدًا وشرطًا، أن أترك كلَّ قوم على دينهم وما هم عليه؛ فوثب هذان على بيت كان فيه أصنامهم - يعني أهل أشروسنة - فأخرجا الأصنام، واتّخذاه مسجدًا، فضربتهما على هذا ألفًا ألفًا لتعدّيهما، ومنعهما القوم من بيعتهم. فقال له محمد: ما كتاب عندك قد زيَّنْتَه بالذهب والجواهر والديباج، فيه الكفر بالله؟ قال: هذا كتاب ورثْتُه عن أبي، فيه أدب من آداب العجم؛","vol":"12","page":393},{"text":"وما ذكرت من الكفر؛ فكنت أستمتع منه بالأدب، وأترك ما سوى ذلك، ووجدتُه محلى، فلم تضطرني الحاجة إلى أخذ الحلية منه؛ فتركته على حاله؛ ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مَزْدَك في منزلك؛ فما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام.\nقال: ثم تقدم الموْبذ، فقال: إن هذا كان يأكل المخنوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنها أرطب لحمًا من المذبوحة؛ وكان يقتل شاة سوداء كلّ يوم أربعاء، يضرب وسطها بالسَّيف يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها. وقال لي يومًا: إني قد دخلت لهؤلاء القوم في كلّ شيء أكرهه؛ حتى أكلتُ لهم الزيت وركبت الجمل، ولَبست النعل؛ غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عني شعرة - يعني لم يَطَّلِ ولم يختتن.\nفقال الأفشين: خَبروني عن هذا الذي يتكلم بهذا الكلام، ثقةٌ هو في دينه؟ - وكان الموْبذ مجوسيًّا أسلم بعدُ على يد المتوكل ونادمه - قالوا: لا، قال: فما معنى قبولكم شهادة مَنْ لا تثقون به ولا تعدلونه! ثم أقبل على الموبذ، فقال: هل كان بين منزلي ومنزلك باب أو كوةَ تطلع عليّ منها وتعرف أخباري منها؟ قال: لا، قال: أفليس كنت أدخلك إليّ وأبثك سري وأخبرك بالأعجمية وميلي إليها وإلى أهلها؟ قال: نعم، قال: فلستَ بالثقة في دينك ولا بالكريم في عهدك؛ إذا أفشيت عليّ سرًّا أسررتُه إليك.\nثم تنحّى الموبذ، وتقدّم المرزبان بن تركش، فقالوا للأفشين: هل تعرف هذا؟ قال: لا، فقيل للمرزبان: هي تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، قالوا له: هذا المرزبان، فقال له المرزبان: يا مُمَخْرق، كم تدافع وتموه! قال له الأفشين: يا طويلَ اللحية، ما تقول؟ قال: كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجدي. قال: فقل، قال: لا أقول، فقال المرزبان: أليس يكتبون إليك بكذا وكذا بالأشروسنية؟ قال: بلى، قال: أفليس تفسيره بالعربية \"إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان\"، قال: بلى! قال محمد بن عبد الملك: والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا! فما بقّيت لفرعون حين قال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾! قال: كانت هذه عادة القوم لأبي وجدّي، ولى قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد عليَّ طاعتهم. فقال له","vol":"12","page":394},{"text":"إسحاق بن إبراهيم بن مصعب: ويحك يا خيذر كيف تحلِف بالله لنا فنصدّقك ونصدق يمينَك ونُجريك مجرى المسلمين، وأنت تدّعي ما ادّعى فرعون! قال: يا أبا الحسين، هذه سورة قرأها عُجيف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليّ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك! .\nقال: ثم قدِّم مازيار صاحب طبرِستان، فقالوا للأفشين: تعرف هذا؟ قال: لا، قالوا للمازيار: تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، فقالوا له: هذا المازيار؟ قال: نعم، قد عرفتُه الآن، قالوا: هل كاتبتَه؟ قال: لا، قالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه خاش إلى أخي قوهيار؛ أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرُك وغير بابك؛ فأما بابك فإنه بحمْقه قتيلُ نفسِه، ولقد جهدت أن اصرف عنه الموت فأبى حمقه إلا أن دلَّاه فيما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم مَنْ يرمُونك به غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس؛ فإن وجّهت إليه لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك، والعربيّ بمنزلة الكلب اطرَحْ له كسرة ثم اضرب رأسه بالدبوس؛ وهؤلاء الذباب - يعني المغاربة - إنما هم أكَلَة رأس، وأولاد الشياطين - يعني الأتراك - فإنما هي ساعة حتى تنفذ سهامُهم، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا يدّعي على أخيه وأخي دعوى لا تَجب عليّ، ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لأستميله إليّ ويثق بناحيتي كان غير مستنكَر؛ لأني إذا نصرتُ الخليفة بيدي، كنتُ بالحيلة أحرَى أن أنصره لآخذ بقفاه، وآتي به الخليفة لأحظَى به عنده، كما حظَى به عبد الله بنُ طاهر عند الخليفة. ثم نحّى المازيار.\nولما قال الأفشين للمرزبان التركَشيّ ما قال، وقال لإسحاق بن إبراهيم ما قال، زجر ابن أبي دواد الأفشين، فقال له الأفشين: أنت يا أبا عبد الله ترفع طيلسانك بيدك، فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة، فقال له ابن أبي دواد: أمطهّر أنت؟ قال: لا، قال: فما منعك من ذلك، وبه تمام الإسلام، والطهور من النجاسة! قال: أوَ ليس في دين الإسلام استعمال التقيّة؟ قال: بلى، قال: خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت، قال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك من أن تكون في الحرب وتجزع من قطع","vol":"12","page":395},{"text":"قَلفة! قال: تلك ضرورة تعنيني فأصبر عليها إذا وقعتْ؛ وهذا شيء أستجلبه فلا آمنُ معه خروج نفسي، ولم أعلم أن في تركها الخروجَ من الإسلام، فقال ابن أبي دواد: قد بان لكم أمره يا بغا - لبغا الكبير أبي موسى التركّي - عليك به! .\nقال: فضرب بيده بغا على منطقته فجذَبها، فقال قد كنت أتوقّع هذا منكم قبل اليوم، فقلبَ بغا ذَيْل القبَاء على رأسه، ثم أخذَ بمجامع القبَاء من عند عنقه، ثم أخرجه من باب الوزيريّ إلى محبسه.\n* * *\nوفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وأترنجه بنت أشناس إلى سامراء.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n[خبر وثوب عليّ بن إسحاق برجاء بن أبي الضحاك] /رمز&gt;\nفمن ذلك ما كان فيها من وثوب عليّ بن إسحاق بن يحيى بن معاذ - وكان على المعُونة بدمشق من قبَل صول أرتكين - برجاء بن أبي الضحاك؛ وكان على الخراج، فقتله، وأظهر الوسواس، ثم تكلم أحمد بن أبي دواد فيه، فأطلق من\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٧) وقال البسوي حجّ بنا محمد بن دواد بن عيسى [المعرفة والتأريخ ١/ ٧٠].","vol":"12","page":396},{"text":"محبسه، فكان الحسن بن رجاء يلْقاه في طريق سامراء، فقال البحتريّ الطائيّ:\nعَفَا عليُّ بن إسحاق بفتكَتِهِ ... على غرَائِب تِيهٍ كنَّ في الحسَنِ\nأَنْسَتهُ تَنقِيعَهُ في اللفظ نازلةٌ ... لم تُبق فيه سوى التسليمِ للزمن\nفلم يكن كابنِ حُجْرٍ حين ثار ولا ... أَخي كليبٍ ولا سيفِ بن ذي يزنِ\nولم يُقَلْ لك في وِترٍ طلبتَ به ... تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبنِ\n* * *\nوفيها مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، فصلّى عليه المعتصم في دار محمد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>[ذكر الخبر عن موت الأفشين] </span>(١)\nوفيها مات الأفشين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>ذكر الخبر عن موته وما فُعل به عند موته وبعده</span>\nذكر عن حمدون بن إسماعيل، أنه قال: لما جاءت الفاكهة الحديثة، جمع المعتصم من الفواكه الحديثة في طبَق، وقال لابنه هارون الواثق: اذهب بهذه الفاكهة بنفسك إلى الأفشين، فأدخلها إليه، فحمِلت مع هارون الواثق حتى صعد بها إليه في البناء الذي بُني له الذي يسمى لؤلؤة؛ فحُبِس فيه؛ فنظر إليه الأفشين، فافتقد بعضَ الفاكهة؛ إما الإجاص وإما الشاهلوج؛ فقال للواثق: لا إله إلا لله، ما أحسنه من طبق، ولكن ليس لي فيه إجّاص ولا شاهلوج! فقال له الواثق: هو ذا، انصرف أوجِّه به إليك، ولم يمسّ من الفاكهة شيئًا؛ فلما أراد الواثق الانصراف قال له الأفشين: أقرئ سيدي السلام، وقل له: أسألك أن\n_________\n(١) وكذلك ذكر ابن الجوزي وفاته ضمن وفيات سنة (٢٢٦ هـ) وروى عن أبي بكر الصولي الأخباري: قال: مات في الحبس وصلب بعد ذلك بباب العامة في شعبان [المنتظم ١١/ ١١٢].","vol":"12","page":397},{"text":"توجّه إليّ ثقة من قبلَك يؤدي عني ما أقول، فأمر المعتصم حمدون بن إسماعيل - وكان حمدون في أيام المتوكل في حبس سليمان بن وهب في حبس الأفشين هذا؛ فحدّث بهذا الحديث وهو فيه:\nقال حمدون: فبعث بي المعتصم إلى الأفشين، فقال لي: إنه سيُطَوّلُ عليك فلا تحتبس، قال: فدخلت عليه، وطبق الفاكهة بين يديه لم يمسّ منه واحدةً فما فوقها، فقال لي: اجلس، فجلست فاستمالني بالدهقنة، فقلت: لا تُطوّل؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم إليّ ألّا أحتبس عندك، فأوجزْ، فقال: قل لأمير المؤمنين؛ أحسنتَ إليّ وشرّفتَني، وأوطأت الرّجال عَقبِي، ثم قبلْتَ فيّ كلامًا لم يتحقّق عندك؛ ولم تتدبّرْه بعقلك؛ كيف يكون هذا، وكيف يجوز لي أن أفعل هذا الذي بلغك! تخبرَ بأني دَسستُ إلى مَنكجور أن يخرج، وتقبله، وتخبَر أني قلت للقائد الذي وجهته إلى مَنكجور: لا تحاربه، واعْذِرْ، وإن أحسست بأحد منا فانهزم من بين يديه؛ أنت رجل قد عرفتَ الحرب، وحاربت الرجال، ولسُسْتَ العساكر؛ هذا يمكن رأس عسكر يقول لجند يلقون قومًا: افعلوا كذا وكذا، هذا ما لا يسوغ لأحد أن يفعله؛ ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغي أن تقبله من عدوّ قد عرفت سببه؛ وأنت أوْلى بي، إنما أنا عبد من عبيدك، وصنيعك؛ ولكن مَثَلِي ومثلك يا أمير المؤمنين مثَل رجل ربَّى عِجْلا له حتى أسمنه وكَبِر، وحسنت حالُه، وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه، فعرّضوا له بذبح العِجْل فلم يجبهم إلى ذلك، فاتفقوا جميعًا على أن قالوا له ذات يوم: ويحك! لمَ تُربِّي هذا الأسد؟ هذا سبُع، وقد كبر، والسَّبُع إذا كبر يرجع إلى جنسه! فقال لهم: ويحك هذا عجل بقر، ما هو سبع، فقالوا: هذا سبع؛ سلْ مَنْ شئت عنه؛ وقد تقدموا إلى جميع من يعرفونه، فقالوا له: إن سألكم عن العِجْل، فقولوا له: هذا سبع؛ فكلما سأل الرّجل إنسانًا عنه، وقال له: أَما ترى هذا العِجْل ما أحسنه! قال الآخر: هذا سبع؛ هذا أسد، ويحك! فأمر بالعجل فذُبح؛ ولكني أنا ذلك العِجْل، كيف أقدر أن أكون أسدًا! الله الله في أمري؛ اصطنعتني وشرّفتَنِي وأنت سيدي ومولاي، أسأل الله أن يعطف بقلبك عليّ.\nقال حمدون: فقمت فانصرفت، وتركت الطَّبَق على حاله لم يمسّ منه شيئًا، ثم ما لبثنا إلا قليلًا؛ حتى قيل: إنه يموت أو قد مات؛ فقال المعتصم: أروه","vol":"12","page":398},{"text":"ابنَه، فأخرجوه فطرحوه بين يديه، فنتف لحيتَه وشعرَه، ثم أمر به فحمل إلى منزل إيتاخ.\nقال: وكان أحمد بن أبي دواد دعا به في دار العامة من الحبس، فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين أنك يا خيذر، أقلف، قال: نعم، وإنما أراد ابن أبي دواد أن يشهد عليه؛ فإن تكشف نُسب إلى الخَرع؛ وإن لم يتكشف صحّ عليه أنه أقلف، فقال: نعم أنا أقلف؛ وحضر الدار ذلك اليوم جميع القوّاد والناس؛ وكان ابن أبي دواد أخرجه إلى دار العامّة قبل مصير الواثق إليه بالفاكهة، وقبل مصير حمدون بن إسماعيل إليه.\nقال حمدون: فقلت له: أنت أقلف كما زعمت؟ فقال الأفشين: أخرجني إلى مثل ذلك الموضع، وجميع القواد والناس قد اجتمعوا، فقال لي ما قال؛ وإنما أراد أن يفضحني؛ إن قلت له: نعم لم يقبل قولي، وقال لي: تكشَّف، فيفضحني بين الناس؛ فالموت كان أحبّ إليّ من أن أتكشّف بين أيدي الناس؛ ولكن يا حمدون إن أحببتَ أن أتكشَّف بين يديك حتى تراني فعلتُ؛ قال حمدون: فقلت له: أنت عندي صدُوق، وما أريد أن تكشَف.\nفلما انصرف حمدون فأبلغ المعتصم رسالتَه. أمر بمنع الطعام منه إلّا القليل؛ فكان يدفع إليه في كلّ يوم رغيف حتى مات؛ فلما ذُهِب به بعد موته إلى دار إيتاخ، أخرجوه فصلبُوه على باب العامّة ليراه الناس، ثم طُرِح بباب العامة مع خشبته؛ فأحرِق وحُمِل الرّماد، وطرح في دِجْلة.\nوكان المعتصم حين أمر بحبسه وجّه سليمان بن وهب الكاتب يحصي جميع ما في دار الأفشين ويكتُبه في ليلة من الليالي، وقصر الأفشين بالمطيرة، فوُجِد في داره بيت فيه تمثال إنسان من خشب، عليه حلية كثيرة وجوهر، وفي أذنيه حجران أبيضان مشتبكان؛ عليهما ذهب، فأخذ بعض مَنْ كان مع سليمان أحد الحجرين؛ وظنّ أنه جوهر له قيمة؛ وكان ذلك ليلًا؛ فلما أصبح ونزع عنه شباك الذَّهب، وجده حجرًا شبيهًا بالصَّدَف الذي يسمى الحبرون، من جنس الصَّدَف الذي يقال له البْوق، من صدف أخرج من منزله صُوَر السماجة وغيرها وأصنام وغير ذلك، والأطواف والخشب التي كان أعدّها؛ وكان له متاع بالوزيريّة، فوُجد فيه أيضًا صنم آخر، ووجدوا في كتبه كتابًا من كتب المجوس يقال له زراوه","vol":"12","page":399},{"text":"وأشياء كثيرة من الكُتب، فيها ديانته التي كان يدين بها ربه.\nوكان موت الأفشين في شعبان من سنة ست وعشرين ومائتين (١).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٢) بأمر أشناس وكان أشناس حاجًّا في هذه السنة، فولّى كل بلدة يدخلها فدُعي له على جميع المنابر التي مرّ بها من سامراء إلى مكة والمدينة.\nوكان الذي دعا له على منبر الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى، وعلى منبر فَيْد هارون بن محمد بن أبي خالد المرورُّوذيّ، وعلى منبر المدينة محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان، وعلى منبر مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى، وسُلّم عليه في هذه الكُور كلها بالإمارة، وكانت له ولايتها إلى أن رجع إلى سامراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>[ذكر خبر خروج أبي حرب المبرقع]</span>\nفمن ذلك ما كان من خروج أبي حرب المُبَرقع اليمانيّ بفلسطين وخلافه على السلطان (٣).\n_________\n(١) وهذا ما نقله ابن الجوزي عن أبي بكر الصولي أنه مات في شعبان سنة ست وعشرين ومائتين [المنتظم ١١/ ١١٢].\n(٢) وكذلك قال خليفة [٣١٧].\n(٣) قال يعقوب ين سفيان سنة سبع وعشرين ومائتين خرج المبرقع بفلسطين مقاتل رجاء الحضاري أهل كفر بطنا [تاريخ دمشق ٦٦/ ١٣٨].\nوانظر المنتظم [١١/ ١١٧ - ١١٨]، فقد ذكر موجزًا لخبر الطبري الطويل [١١٦/ ١١٨].","vol":"12","page":400},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب خروجه وما آل إليه أمره:\nذَكَرَ لي بعض أصحابي ممن ذكر أنه خبير بأمره، أنّ سبب خروجه على السلطان كان أنّ بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها، وفيها إما زوجته وإما أخته، فمانعته ذلك، فضربها بسوط كان معه؛ فاتّقته بذراعها، فأصاب السوط ذراعها، فأثّر فيها؛ فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكَتْ إليه ما فعل بها، وأرته الأثر الذي بذراعها من ضرْبه؛ فأخذ أبو حرب سيفَه ومشى إلى الجنديّ وهو غاز؛ فضربه به حتى قتله؛ ثم هرب وألبس وجهه برقعًا كي لا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردنَ؛ فطلبه السلطان فلم يُعرف له خبر؛ وكان أبو حرب يظهر بالنهار فيقعد على الجبل الذي أوى إليه متبرقعًا؛ فيراه الرائي فيأتيه، فيذكره ويحرّضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان وما يأتي إلى الناس ويعيبه؛ فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له دوم من حرّاثي أهل تلك الناحية وأهل القرى؛ وكان يزعم أنه أمويّ، فقال الذين استجابوا له: هذا هو السفيانيّ؛ فلما كثرت غاشيته وتبّاعه من هذه الطبقة من الناس، دعا أهل البيُوتات من أهل تلك الناحية؛ فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية؛ منهم رجل يقال له ابن بَيْهس، كان مطاعًا في أهل اليمن ورجلان آخران من أهل دمشق، فاتّصل الخبر بالمعتصم وهو عليل؛ علَّته التي مات فيها؛ فبعث إليه رجاء بن أيوب الحضاريّ في زُهاء ألف من الجند؛ فلما صار رجاء إليه وجده في عالم من الناس.\nفذكر الذي أخبرني بقصته أنه كان في زُهاء مائة ألف؛ فكره رجاء مواقعته وعسكر بحذائه، وطاوله؛ حتى كان أوّل عمارة الناس الأرضين وحراثتهم، وانصرف مَنْ كان من الحرّاثين مع أبي حرب إلى الحراثة وأرباب الأرضين إلى أرضيهم، وبقي أبو حرب في نفر زُهاء ألفٍ أو ألفين؛ ناجزه رجاء الحرب، فالتقى العسكران: عسكر رجاء وعسكر المبرقع؛ فلما التقوْا تأمل رجاء عسكر المبرقع، فقال لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلًا له فروسية غيره، وإنه سيُظهر لأصحابه من نفسه بعض ما عنده من الرُّجلة؛ فلا تعجلوا عليه، قال: وكان الأمر كما قال رجاء؛ فما لبث المبرقَع أن حمل على عسكر رجاء، فقال رجاء لأصحابه: أفرجوا له: فأفرجوا له؛ حتى جاوزهم ثم كرّ راجعًا، فأمر رجاء","vol":"12","page":401},{"text":"أصحابَه أن يُفرجوا له، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ورجع إلى عسكر نفسه؛ ثم أمهل رجاء، وقال لأصحابه: إنه سيحمل عليكم مرّة أخرى، فأفرِجوا له؛ فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك، وخُذوه. ففعل المبرقع ذلك، فحمل على أصحاب رجاء، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ثمّ كرّ راجعًا فأحاطوا به، فأخذوه فأنزلوه عن دابته.\nقال: وقد كان قدم على رجاء حين ترك معالجة المبرقَع الحرب من قِبَل المعتصم مستحتُّ، فأخذ الرسول فقيّده إلى أن كان من أمره، وأمر أبي حرب ما كان مما ذكرنا، ثم أطلقه.\nقال: فلما كان يوم قدوم رجاء بأبي حرب على المعتصم، عزله المعتصم على ما فعل برسوله، فقال له رجاء: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! وجّهتَني في ألف إلى مائة ألف؛ فكرهت أن أعاجله فأهلِك ويهلك مَنْ معي، ولا نغني شيئًا؛ فتمهّلت حتى خفَّ مَنْ معه، ووجدت فرصة، ورأيت لحربه وجهًا وقيامًا؛ فناهضته وقد خفَّ مَنْ معه وهو في ضعف، ونحن في قُوّة، وقد جئتك بالرجل أسيرًا.\nقال أبو جعفر: وأما غير من ذكرت أنه حدثني حديث أبي حرب على ما وصفت، فإنه زعم أن خروجه إنما كان في سنة ست وعشرين ومائتين بالرّملة، فقالوا: إنه سفيانيّ، فصار في خمسين ألفًا من أهل اليمن وغيرهم، واعتقد ابن بيهس وآخران معه من أهل دِمشق، فوجّه إليهم، المعتصم رجاء الحضاريّ في جماعة كبيرة، فواقعهم بدمشق؛ فقتِل من أصحاب ابن بيهس وصاحبيه نحوًا من خمسة آلاف؛ وأخذ ابن بيهس أسيرًا، وقتل صاحبيه، وواقع أبا حَرْب بالرّملة، فقتل من أصحابه نحوًا من عشرين ألفًا، وأسر أبا حرب، فحمِل إلى سامراء، فجعل وابن بيهس في المطبق.\n* * *\nوفي هذه السنة أظهر جعفر بن مهرجش الكرديّ الخلاف، فبعث إليه المعتصم في المحرّم إيتاخ إلى جبال الموصل لحربه، فوثب بجعفر بعض أصحابه فقتله.","vol":"12","page":402},{"text":"وفيها كانت وفاة بشر بن الحارث الحافي في شهر ربيع الأول وأصله من مرْو (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>[ذكر الخبر عن وفاة المعتصم والعلّة التي مات بها]</span>\nوفيها كانت وفاة المعتصم وذلك - فيما ذكر - يوم الخميس، فقال بعضهم: لثماني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول لساعتين مضتَا من النهار (٢).\n* ذكر الخبر عن العلة التي كانت منها وفاته وقَدْر مدَّة عمره وصفته:\nذُكر أن بدء علّته أنه احتجم أوّل يوم من المحرم، واعتلّ عندها، فذكر عن محمد بن أحمد بن رشيد عن زُنَام الزامر، قال: قد وجد المعتصم في علته التي توفي فيها إفاقة؛ فقال: هيّئوا إلى الزلال لأركب، فركب وركبت معه، فمرّ في دِجْلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام، ازمر لي:\nيا منزلًا لم تَبْلَ أَطلاله ... حاشى لأَطلالك أَن تَبْلَى\nلم أَبكِ أَطلالك لكني ... بَكيْتُ عَيْشي فيك إذ وَلَّى\nوالعيش أوْلى ما بكاه الفَتى ... لابدّ للمحزون أَن يَسْلَى\nقال: فما زلتُ أزمر هذا الصوت حتى دعا برطليّة، فشرب منها قدحًا وجعلت أزمر وأكررّه؛ وقد تناول منديلًا بين يديه؛ فما زال يبكي ويمسح دموعَه فيه وينتحب؛ حتى رجع إلى منزله، ولم يستتم شرب الرطليّة.\nوذكر عن عليّ بن الجعدانة، قال: لما احتُضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل ليست حيلة، حتى أُصْمِتَ.\n_________\n(١) وكذلك قال ابن قتيبة الدينوي: وفي هذا الشهر (أي شهر ربيع الأول) توفي بشر بن الحارث الزاهد [المعارف/ ٢٠٠] وكذلك قال ابن الجوزي في المنتظم (١١/ ١٢٢).\n(٢) وقال خليفة بن خياط: وفيها مات المعتصم بالله أمير المؤمنين يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وبويع الواثق هارون بن أمير المؤمنين [تأريخ خليفة/ ٣١٧]، وأخرج الخطيب البغدادي عن ابن أبي الدنيا (...: ومات المعتصم بسرّ من رأى يوم الخميس لتسع عشرة خلت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين [تأريخ بغداد/ تر ١٤٥١].","vol":"12","page":403},{"text":"وذكر عن غيره أنه جعل يقول: إني أخِذت من بين هذا الخلق.\nوذكر عنه أنه قال: لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلتُ ما فعلت. فلما مات دُفن بسامراء؛ فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين. وقيل: كان مولده سنة ثمانين ومائة في شعبان. وقيل: كان في سنة تسع وسبعين ومائة؛ فإن كان مولده سنة ثمانين ومائة فإنّ عمره كله كان ستًّا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يومًا، وإنْ كان مولده سنة تسع وسبعين ومائة؛ فإنّ عمره كان سبعًا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا (١).\nوكان - فيما ذُكر - أبيض أصهب اللحية طويلهَا، مربوعًا مشرَب اللون حمرة، حسن العينين.\nوكان مولده بالخُلْدِ. وقال بعضهم: وُلد سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن.\nوهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وعمره كان ثمانيًا وأربعين سنة.\nومات عن ثمانية بنين وثمان بنات، وملك ثمان سمنين وثمانية أشهر (٢). فقال محمد بن عبد الملك الزيات:\n_________\n(١) أخرج الخطيب عن ابن أبي الدنيا ما يؤيد القول الأول فقال: ولد يوم الإثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومائة [تأريخ بغداد/ ترا ١٤٥١].\n(٢) وأخرج الخطيب البغدادي بسنده عن محمد بن عرفة النحوي: قال (وكان في المعتصم مناقب منها: أنه كان ثامن الخلفاء من بني العباس وثامن أمراء المؤمنين من ولد عبد المطلب وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وفتح ثمانية فتوح: بلاد بابك على يد الأفشين وفتح عمورية بنفسه والزط بعجيف وبحر البصرة وقلعة الأحراف وأعراب ديار ربيعة والشاري وفتح مصر وقتل ثمانية أعداء - بابك ومازيار وياطس ورئيس الزنادقة والأفشين وعجيفًا وقارئ وقائد الرافضة [تأريخ بغداد/ تر ١٤٥].\nوقال ابن قتيبة الدينوري: وتوفي أبو إسحاق لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر [المعارف/ ٢٠٠] وقال أبو حنيفة الدينوري: ومات المعتصم بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وصلى عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد وكان المعتصم أوصى إليه بالصلاة عليه، وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية أشهر وسبعة عشر يومًا [الأخبار الطوال/ ٤٠٦ - وهو آخر الكتاب]. =","vol":"12","page":404},{"text":"قد قلتُ إذ غيبوك واصطَفَقَت ... عليك أَيدٍ بالتُّرْبِ والطينِ\nاذهبْ فنِعْم الحَفيظ كنتَ على الدّ ... نيا ونعم الظهيرُ للدينِ\nلا جَبرَ اللهُ أُمةً فَقَدَتْ ... مِثلِكَ إلا بمثل هارون\nوقال مَرْوان بن أبي الجنوب وهو ابن حفصة:\nأبو إسحاقَ ماتَ ضحىً فمتنا ... وأَمسينا بهارون حُيِينا\nلئن جاءَ الخميسُ بماكرهنا ... لقد جاءَ الخميسُ بما هوينا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره</span>\nذُكر عن ابن أبي دواد أنه ذكر المعتصم بالله، فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، وأطنب في فضله، وذكرَ من سعة أخلاقه وكرَمَ أعراقه وطيب مرْكَبِه ولين جانبه، وجميل عشرته؛ فقال: قال لي يومًا ونحن بعمُّوريّة: ما تقول في البُسْر يا أبا عبد الله؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ نحن ببلاد الروم والبُسر بالعراق؛ قال: صدقت قد وجَّهت إلى مدينة السلام، فجاءوا بكِبَاستَيْن، وعلمت أنك تشتهيه. ثم قال: يا إيتاخ، هات إحدى الكِبَاستين، فجاء بكباسة بُسْر، فمد ذراعه، وقبض عليها بيده، وقال: كُلْ بحياتي عليك من يدي، فقلت: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين! بل تضعها فآكل كما أريد، قال: لا والله إلّا من يدي، قال: فو الله ما زال حاسرًا عن ذراعه، ومادًّا يده، وأنا أجتني من العِذْق، وآكلُ حتى رمى به خاليًا ما فيه بُسرة.\nقال: وكنت كثيرًا ما أزامله في سفره ذلك؛ إلى أن قلت له يوميًا: يا أمير المؤمنين، لو زاملك بعضُ مواليك وبطانتك فاسترحتَ مني إليهم مرّة، ومنهم إليّ مرة أخرى، كان ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك، وأشدّ لراحتك؛ قال: فإنّ سِيما الدمشقيَ يزاملني اليوم، فمن يزاملك أنت؟ قلت: الحسن بن يونس، قال: فأنت وذاك. قال: فَدعوت الحسن فزاملني. وتهيّأ أن ركب المعتصم بغلا، فاختار أن يكون منفردًا، قال: فجعل يسير بسير بعيري؛ فإذا أراد أن يكلمني رفع\n_________\n= وهذا يعني أن المؤرخين والأخباريين المتقدمين اتفقوا على أنه توفي سنة ٢٢٧ هـ في شهر ربيع الأول مع اختلافهم لإحدى عشرة بقيت من الشهر ومع فارق يسير لا يضر والله أعلم.","vol":"12","page":405},{"text":"رأسه إليّ، وإذا أردتُ أن أكلمه خفضت رأسي؛ قال: فانتهينا إلى وادٍ ولم نعرف غَوره؛ وقد خلَّفنا العسكر وراءنا، فقال لي: مكانَك حتى أتقدّم. فأعرف غَوْر الماء وأطلب قلته، واتبع أنت موضع سيري، قال: فتقدّم فدخل الوادي، وجعل يطلب قلة الماء، فمرّة ينحرف عن يمينه، ومرّة ينحرف عن شماله، وتارة يمشي لسنَنَهِ، وأنا خلفه متبع لأثره حتى قطعنا الوادي.\nقال: واستخرجت منه لأهل الشاش ألفي ألف درهم لكرْى نهرٍ لهم اندفن في صدر الإسلام؛ فأضرّ ذلك بهم، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما لي ولك؛ تأخذ مالي لأهل الشاش وَفَرْغانة! قلت: هم رعيَّتك يا أمير المؤمنين، والأقصى والأدنى في حُسن نظر الإمام سواءٌ (١).\nوقال غيره إنه إذا غضب لا يبالي مَن قتل ولا ما فعل.\nوذكر عن الفضل بن مروأن أنه قال: لم يكن للمعتصم لَذّة في تزيين البناء؛ وكانت غايته فيه الإحكام. قال: ولم يكن بالنفقة على شيء أسمح منه بالنّفقة في الحرب.\nوذكر محمد بن راشد، قال: قال لي أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم: دعاني أمير المؤمنين المعتصم يومًا، فدخلت عليه وعليه صُدرة وشْيٍ ومنطقة ذهب وخفّ أحمر، فقال لي: يا إسحاق، أحببت أن أضرب معكَ بالصوالجة؛ فبحياتي عليك إلَّا لبستَ مثل لباسي؛ فاستعفيتُه مِنْ ذلك فأبى، فلبست مثل لباسه، ثم قُدّم إليه فرس محلّاة بحلية الذهب، ودخلنا الميْدان، فلما ضرب ساعة، قال لي: أراك كسلان، وأحسبك تكره هذا الزّيّ، فقلت: هو ذاك يا أمير المؤمنين، فنزل وأخذ بيدي، ومضى يمشي وأنا معه إلى أن صار إلى حجرة الحمّام، فقال: خذ ثيابي يا إسحاق؛ فأخذت ثيابَه حتى تجرد، ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت؛ ثم دخلنا أنا وهو الحمَّام؛ وليس معنا غلام؛ فقمت عليه ودلكته، وتولى أمير المؤمنين المعتصم مني مثل ذلك، وأنا في كل ذلك أستعفيه، فأبى عليّ، ثم خرج من الحمّام فأعطيته ثيابَه، ولبست ثيابي، ثم أخذ\n_________\n(١) ابن أبي داود معتزلي خبيث رأس من رؤوس البدعة والضلالة ولا قيمة لأخباره - سواء مدح أو ذم شخصًا ما.","vol":"12","page":406},{"text":"بيدي ومضى يمشي؛ وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فقال: يا إسحاق؛ جئني بمصلّى ومخدّتين، فجئته بذلك، فوضع المخدّتين، ونام على وجهه، ثم قال: هات مصلّى ومخدتين، فجئت بهما، فقال: ألقه ونم عليه بحذائي، فحلفت ألّا أفعلَ، فجلست عليه، ثم حضر إيتاخ التركيّ وأشناس، فقال لهما: امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتما، ثم قال: يا إسحاق، في قلبي أمر أنا مفكّر فيه منذ مدّة طويلة؛ وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيَه إليك، فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين؛ فإنما أنا عبدك وابن عبدك، قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعةً أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلحْ أحدٌ منهم، قلت: ومَن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيتُ وسمعتُ، وعبد الله بن طاهر، فهو الرّجل الذي لم يُرَ مثله، وأنت، فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبدًا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد! وأنا فاصطنعت الأفشين فقد رأيتَ إلى ما صار أمْرُه، وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء، ووصيف فلا مغنى فيه: فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أجيب على أمانٍ من غضبكِ، قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزّك الله نظر أخوك إلى الأصول؛ فاستعملها، فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعًا لم تنجب إذ لا أصول لها، قال: يا إسحاق لمقاساةُ ما مرّ بي في طول هذه المدّة أسهلُ عليّ من هذا الجواب.\nوذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، أنه قال: أتيتُ أمير المؤمنين المعتصم بالله يومًا وعنده قينة كان معجَبًا بها، وهي تغنِّيه، فلما سلّمتُ وأخذت مجلسي، قال لها: خذي فيما كنت فيه، فغنّت فقال لي: كيف تراها يا إسحاق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذْق وتختله برفق، ولا تخرج من شيء إلّا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدرّ على النحور، فقال: يا إسحاق، لَصفتُك لها أحسن منها ومن غنائها، وقال لابنه هارون: اسمع هذا الكلام (١) ..\nوذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنه قال: قلت للمعتصم في شيء،\n_________\n(١) إسحاق الموصلي شاعر أديب بليغ غلب عليه الغناء ومتى كان المغنون عدولًا تؤخذ أخبارهم مأخذ الجد بل محل أخبارهم المناسب كتاب الأغاني لصاحبه الشعوبي المعروف.","vol":"12","page":407},{"text":"فقال لي: يا إسحاق؛ إذا نصر الهوى بطل الرّأي؛ فقلت له: كنت أحبّ يا أمير المؤمنين أن يكون معي شبابي؛ فأقوم مِنْ خدمتك بما أنويه، قال لي: أوَلست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك؟ قلت: بلى، قال: فأنت الآن تبلغ جهدك فسيّان إِذًا.\nوذكر عن أبي حسان أنه قال: كانت أمّ أبي إسحاق المعتصم من مولّدات الكوفة يقال لها ماردة.\nوذكر عن الفضل بن مروان، أنه قال: كانت أمّ المعتصم ماردة سُغديّة، وكان أبوها نشأ بالسَّواد، قال: أحسبه بالبَنْدَنيجين.\nوكان للرشيد من ماردة مع أبي إسحاق، أبو إسماعيل، وأمّ حبيب، وآخران لم يُعرف اسماهما.\nوذكر عن أحمد بن أبي دواد أنه قال: تصدّق المعتصم ووهب على يدي وبسببي بقيمة مائة ألف ألف درهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>خلافة هارون الواثق أَبي جعفر</span>\nوبُويع في يَوم تُوُفِّيَ المعتصم ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم، وذلك في يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أمّ ولد رومية تسمى قراطيس (١).\nوهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.\nوفيها ملكت بعده امرأته تذورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبيّ (٢).\n* * *\n_________\n(١) هذا سَهو من الطبري فقد قال عند حديثه عن وفاة المعتصم توفي يوم الخميس لثمان عشرة ليلة خلت من ربيع الأول بينما قال هنا: يوم الأربعاء لثمان ليالي خلون من شهر ربيع الأول والأول أصوب (يوم الخميس) ولعل ثمان تصحيف أو خطأ مطبعي والصواب (ثماني عشرة) والله أعلم، فقال ابن قتيبة الدينوري وبويع لهارون الواثق بالله يوم قبض أبوه [المعارف/ ٢٠٠].\n(٢) لهذين الخبرين القصيرين انظر المنتظم (١١/ ١١٩).","vol":"12","page":408},{"text":"وحجّ بالناس فيها جعفر بن المعتصم (١)، وكانت أم الواثق خرجت معه تريد الحج، فماتت بالحيرة لأربع خلوْن من ذي القعدة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من الوائق إلى أشناس أن توّجه وألبسه وشاحين بالجوهر في شهر رمضان (٢).\nوفيها مات أبو الحسن المدائنّي في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ (٣).\nوفيها مات حبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر (٤).\nوفيها حجّ سليمان بن عبد الله بن طاهر.\nوفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهمًا. وأصاب الناس في الموقف حرّ شدّيد، ثم مطر شديد فيه برد، فأضرَّ بهم شدة الحر ثم شدة البرد في ساعة واحدة، ومُطروا بمنىً في يوم النحر مطرًا شديدًا لم يروا مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة قتلت عدّة من الحاج (٥).\nوحجّ بالناس في هده السنة محمد بن داود (٦).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك قال خليفة حج جعفر (تأريخ خليفة/ ٣١٨).\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ١٢٩).\n(٣) هذا غير صحيح فالذي عليه أصحاب التراجم أنه توفي سنة ٢٢٤ هـ أو ٢٢٥ هـ واختار ابن الجوزي الأول أي (٢٢٤ هـ) بينما ذكره الحافظ ابن كثير ضمن وفيات سنة (٢٢٥ هـ).\n(٤) انظر المنتظم (١١/ ١٢٩).\n(٥) انظر المنتظم (١١/ ١٢٩).\n(٦) وكذلك قال البسوي في المعرفة (١/ ٧٢) وخليفة في تأريخه (٣١٨).","vol":"12","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1958>ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>[ذكر الخبر عن حبس الواثق الكتّاب وإلزامهم الأموال]</span>. (١)\nفمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتّاب وإلزامهم أموالًا، فدفع أحمد بن إسرائيل إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس، وأمر بضربه كلّ يوم عشرة أسواط، فضربه - فيما قيل - نحوًا من ألف سوط، فأدّى ثمانين ألف دينار. وأخذ من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار. وأخذ من أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن إبراهيم بن رَباح وكتابه مائة ألف دينار، ومن نَجَاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير صلحًا مائة ألف وأربعين ألف دينار؛ وذلك سوى ما أخذ من العمّال بسبب عمَالاتهم. ونصب محمد بن عبد الملك لابن أبي دواد وسائر أصحاب المظالم العداوة، فكُشفوا وحبُسوا، وأجلس إسحاق بن إبراهيم؛ فنظر في أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كلّ جهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>ذكر الخبر عن السبب الذي بعث الواثق على فعله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>ما ذكرت بالكتّاب في هذه السنة:</span>\nذكر عن عزون بن عبد العزيز الأنصاريّ، أنه قال: كنّا ليلةً في هذه السنة عند الواثق، فقال: لست أشتهي الليلة النبيذ، ولكن هلمّوا نتحدث الليلة؛ فجلس في رِواقة الأوسط في الهارونيّ في البناء الأول الذي كان إبراهيم بن رَبَاح بناه؛ وقد كان في أحد شقي ذلك الرّواق قُبّةٌ مرتفعة في السماء بيضاء، كأنها بيضة إلا قدْر ذراع - فيما ترى العين - حولها في وسطها ساج منقوش مغشّي باللازورْد\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ١٤٤).","vol":"12","page":410},{"text":"والذّهب، وكانت تسمّى قبة المنطقة؛ وكان ذلك الرواق يسمّى رواق قبّة المنطقة.\nقال: فتحدَّثنا عامة الليل، فقال الواثق: مَنْ منكم يعلم السبب الذي به وثب جدي الرشيد على البرامكة فأزال نعمتهم؟ قال عزّون: فقلت: أنا والله أحدّثك يا أميرَ المؤمنين، كان سبب ذلك أن الرشيد ذُكرت له جارية لعوْن الخياط، فأرسل إليها فاعترضها، فرضيَ جمالها وعقلَها وحسن أدبها، فقال لعون: ما تقول في ثمنها؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، أمر ثمنها واضح مشهور؛ حلفتُ بعتقها وعتق رقيقي جميعًا وصدقة مالي الأيمان المغلظة التي لا مخرج منها لي، واشهدت عليّ بذلك العدول ألّا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار، ولا أحتال في ذلك بشيء من الحِيل، هذه قضيتها. فقال أمير المؤمنين: قد أخذتها منك بمائة ألف دينار، ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية، ويأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا اجترأ في ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحْرَى أن يطلب المال على قدر ذلك؛ فأرسل يخبره أنه لا يقدر على ذلك، فغضب عليه الرّشيد، وقال: ليس في بيت مالي مائة ألف دينار، فأعاد عليه: لا بدّ منها. فقال يحيى: اجعلوها دراهم، ليراها فيستكثرها، فلعله يردّها، فأرسل بها دراهم، وقال: هذه قيمة مائة ألف دينار، وأمر أن تُوضع في رواقة الذي يمرّ فيه إذا أراد المتوضّأ لصلاة الظهر. قال: فخرج الرّشيد في ذلك الوقت؛ فإذا جبل من بِدَر، فقال: ما هذا؟ قالوا: ثمن الجارية، لم تحضر دنانير، فأرسل قيمتها دراهم، فاستكثر الرشيد ذلك، ودعا خادمًا له، فقال: اضمم هذه إليك، واجعل لي بيت مال لأضمّ إليه ما أريده وسمّاه بيت مال العروس، وأمر بردّ الجارية إلى عون، وأخذ في التفتيش عن المال، فوجد البرامكة قد استهلكوه، فأقبل يهمّ بهم ويمسك؛ فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الأدب من غيرهم فيسامرهم، ويتعشّى معهم؛ فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفًا بالأدب، وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العُود؛ فحضر ليلةً فيمن حضره، فأعجبه حديثه؛ فأمر خادمًا له أن يأتيَ يحيى بن خالد إذا أصبْحَ، فيأمره أن يعطيَه ثلاثين ألف درهم. ففعل، فقال يحيى لأبي العود: أفعلُ؛ وليس بحضرتنا اليوم مال، غدًا يجيء المال، ونعطيك إن","vol":"12","page":411},{"text":"شاء الله. ثم دافعه حتى طالت به الأيام، قال: فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتًا يحرّضه فيه على البرامكة - وقد كان شاع في الناس ما كان يهمّ به الرشيد في أمرهم - فدخل عليه ليلةً، فتحدّثوا، فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة:\nوعَدتْ هندٌ وما كانت ... تَعِدْ ليتَ هندًا أَنْجَزَتنا ما تَعِدْ\nواسْتبدَّتْ مرَّة واحدةً ... إنما العاجز مَن لا يَسْتَبدَ\nفقال الرشيد: أجل والله؛ إنما العاجز من لا يستبدّ، حتى انقضى المجلس وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادمًا يأتيه بأخباره، وأصبح يحيى غاديًا على الرَّشيد، فلما رآه قال: قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعرٍ أنشدنيه بعضُ مَنْ كان عندي، ثم كرهت أن أزعجك، فأنشده البيتين، فقال: ما أحسنَهما يا أمير المؤمنين! وفطن لما أراد، فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم، فسأله عن إنشاد ذلك الشعر؛ فقال؛ أبو العود أنشده، فدعا الوزير يحيى بأبي العود، فقال له: إنا كنا قد لويناك بمالك، وقد جاءنا مال، ثم قال لبعض خدمه: اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم من بيت مال أمير المؤمنين، وأعطه من عندي عشرين ألف درهم لمُطْلنا إياه، واذهب إلى الفضل وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحقّ أن يبرّ، وقد كان أمير المؤمنين أمر له بمال فأطلْت مطله، ثم حضر المال؛ فأمرت أن يعطى ووصلتُه من عندي صِلة، وقد أحببت أن تصلاه، فسألا: بكَم وصله قال: بعشرين ألف درهم؟ فوصله كلّ واحد منهما بعشرين ألف درهم؛ فانصرف بذلك المال كله إلى منزله. وجدّ الرشيد في أمرهم حتى وثب عليهم، وأزال نعمتهم، وقتل جعفرًا وصنع ما صنع.\nفقال الواثق: صدق والله جدي؛ إنما العاجز من لا يستبدّ! وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها.\nقال عزُّون: أحسبه: سيوقع بكتّابه، فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتّابه، وأخذ إبراهيم بن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم، قال: وأمر الواثق بحبس سليمان بن وَهْب كاتب إيتاخ، وأخذه بمائتي ألف درهم - وقيل دينار - فقيد وألبس مَدْرعة من مدارع الملاحين، فأدّى مائة ألف درهم، وسأل أن يؤخذ بالباقي عشرين شهرًا، فأجابه الواثق إلى ذلك،","vol":"12","page":412},{"text":"وأمر بتخلية سبيله وردّه إلى كتابة إيتاخ، وأمره بلبس السواد.\n* * *\nوفي هذه السنة وليَ شاربامِيَان لإيتاخ اليمن وشَخص إليها في شهر ربيع الآخر.\nوفيها وَلِيَ محمد بن صالح بن العباس المدينة (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>[ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة]</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه الواثق بُغا الكبير إلى الأعراب الذين عاثوا بالمدينة وما حواليها (٣).\n* ذكر الخبر عن ذلك:\nذكر أن بدء ذلك كان أن بني سُليم كانت تطاول على الناس حول المدينة بالشرّ، وكانوا إذا وردوا سوقًا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاءوا، ثم ترقَّى بهم الأمر إلى أن أوقعوا بالحجاز بناس من بني كنانة وباهلة، فأصابوهم وقَتلوا بعضهم، وذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، وكان رأسهم عُزيزة بن قطّاب السُّلَمِيّ. فوجّه إليهم محمدُ بن صالح بن العباس الهاشميّ؛ وهو يومئذ عامل المدينة؛ مدينة الرسول - ﷺ - حمادَ بن جرير الطبريّ - وكان الواثق وجّه\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ١٤٤).\n(٢) وكذلك قال خليفة [تأريخ خليفة/ ٣١٨] والبسوي في المعرفة (١/ ٧٢) ولم يذكر من وقائع هذه السنة سوى الحج.\n(٣) انظر المنتظم (١١/ ١٤٤).","vol":"12","page":413},{"text":"حمادًا مسلحةً للمدينة لئلّا يتطرقهّا الأعراب، في مائتي فارس من الشاكريّة - فتوجّه إليهم حمّاد في جماعة من الجند ومَنْ تطوّع للخروج من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة، فسار إليهم فلقيتْه طلائعهم. وكانت بنو سليم كارهة للقتال، فأمر حماد بن جرير بقتالهم، وحمل عليهم بموضع يقال له الرّوَيْثة من المدينة على ثلاث مراحل؛ وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاءوا من البادية في ستمائة وخمسين، وعامة مَنْ لقيَهم من بني عَوْف من بني سُلَيم، ومعهم أشهب بنُ دُوَيكل بن يحيى بن حمير العوفيّ وعمه سلمَة بن يحيى وعُزيزة بن قطَّاب اللَّبيديّ من بني لبيد بن سُليم، فكان هؤلاء قوّادهم، وكانت خيلهم مائة وخمسين فرسًا، فقاتلهم حماد وأصحابه؛ ثم أتت بني سليم أمدادُها خمسمائة من موضع فيه بَدْوهمْ وهو موضع يسمّى أعلى الرويثة؛ بينها وبين موضع القتال أربعة أميال، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزمت سودان المدينة بالناس؛ وثبت حمّاد وأصحابه وقريش والأنصار، فصلُوا بالقتال حتى قُتِل حماد وعامة أصحابه، وقُتل مِمّن ثبت من قريش والأنصار عددٌ صالح، وحازت بنو سُليم الكُراع والسلاح والثياب؛ وغلُظ أمر بني سُلَيم، فاستباحت القرى والمناهل، فيما بينها وبين مكة والمدينة، حتى لم يمكن أحدًا أن يسلك ذلك الطريق؛ وتطرّقوا مَنْ يليهم من قبائل العرب.\nفوجّه إليهم الواثق بُغا الكبير أبا موسى التركيّ في الشاكريّة والأتراك والمغاربة، فقدِمها بُغا في شعبان سنة ثلاثين ومائتين، وشخص إلى حَرّة بني سليم، لأيام بقين من شعبان، وعلى مقدّمته طردوش التركيّ، فلقيهم ببعض مياه الحَرّة؛ وكانت الوقعة بشقّ الحرّة من وراء السُّوارقيَّة، وهي قريتهم التي كانوا يأوون إليها - والسوارقية حصون - وكان جُلّ من لقيه منهم من بني عوف فيهم عُزيزة بن قطَّاب والأشهب - وهما رأسا القوّاد يومئذ - فقتَل بُغا منهم نحوًا من خمسين رجلًا، وأسر مثلهم؛ فانهزم الباقون، وانكشف بنو سليم لذلك؛ ودعاهم بُغا بعد الوقعة إلى الأمان على حُكْم أمير المؤمنين الواثق، وأقام بالسوارِقيَّة فأتوْه، واجتمعوا إليه، وجمعهم من عشرة واثنين وخمسة وواحد، وأخذ مَن جمعت السوارقيّة من غير بني سليم من أفناء الناس، وهربت خُفَاف بني سُلَيم إلّا أقلها، وهي التي كانت تؤذي الناس، وتطرّق الطريق، وجلّ مَنْ صار","vol":"12","page":414},{"text":"في يده ممّن ثبت من بني عَوْف، وكان آخر من أخذ منهم من بني حُبْشيّ من بني سُليم، فاحتبس عنده من وُصف بالشرّ والفساد؛ وهم زُهاء ألف رجل، وخلّى سبيلَ سائرهم؛ ثم رحل عن السوارقيّة بمَن صار في يده من أسارى بني سُلَيم ومستأمنيهم إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين ومائتين، فحبسهم فيها في الدّار المعروفة بيزيد بن معاوية، ثم شخص إلى مكة حاجًّا في ذي الحجة؛ فلمّا انقضى الموسم انصرف إلى ذات عرْق، ووجه إلى بني هلال مَنْ عرض عليهم مثل الذي عَرض على بني سُلَيم فأقبلوا، فأخذ من مَردتهم وعُتاتهم نحوًا من ثلاثمائة رجل، وخلَّى سائرهم، ورجع من ذات عِرْق وهي على مرحلة من البستان، بينها وبين مكة مرحلتان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>[ذكر الخبر عن وفاة عبد الله بن طاهر]</span>\nوفي هذه السنة مات أبو العباس عبد الله بن طاهر بنيسابور يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول بعد موت أشناس التركيّ بتسعة أيام ومات عبد الله بن طاهر وإليه الحرب والشرطة والسّواد وخُراسان وأعمالها والريّ وطبرستان وما يتصل بها وكِرْمان، وخراج هذه الأعمال كان يوم ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولَّى الواثق أعمال عبد الله بن طاهر كلها ابنه طاهرًا (١).\nوحجّ في هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، فولي أحداث الموسم (٢).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٣).\n_________\n(١) انظر تأريخ بغداد (٩/ ٤٨٣). أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٥).\n(٢) انظر الخبر الآتي.\n(٣) قال البسوي وحجّ بنا محمد بن داود بن عيسى [المعرفة ١/ ٧٢] وقال خليفة وحج في هذه السنة محمد بن داود [تأريخ خليفة/ ٣١٨] وقال البسوي في موضع آخر: وافيتُ الموسم من مصر وخرج ابن داود فتلقى إسحاق بن إبراهيم وأحرم بعمرة ورجع إلى مكة إلى داره ووطنه =","vol":"12","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1965>ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من أمر الفِداء الذي جرى على يد خاقان الخادم يين المسلمين والرّوم في المحرّم منها، فبلغت عدّة المسلمين - فيما قيل - أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين إنسانًا (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>[ذكر الخبر عن أمر بني سليم وغيرهم من القبائل]</span>\nوفيها قُتِل من قتل مَنْ بني سُليم بالمدينة في حبس بُغا.\n* ذكر الخبر عن سبب قتلهم وما كان من أمرهم:\nذكر أنّ بُغا لمّا صار إليه بنو هلال بذات عِرْق، فأخذ منهم مَنْ ذكرت أنه أخذ منهم، شخص مُعْتمرًا عُمْرة المحرَّم، ثم انصرف إلى المدينة، فجمع كلّ من أخذ من بني هلال واحتبسهم عنده مع الذين كان أخذ من بني سُليم، وجمعهم جميعًا في دار يزيد بن معاوية في الأغلال والأقياد وكانت بنو سليم حُبِست قبل ذلك بأشهر. ثم سار بُغا إلى بني مرّة، وفي حبس المدينة نحو من ألف وثلثمائة رجل من بني سُليم وهلال، فنقبوا الدار ليخرجوا، فرأت امرأة من أهل المدينة النَّقْب، فاستصرخت أهل المدينة فجاءوا، فوجدوهم قد وثبوا على الموكَّلين بهم، فقتلوا منهم رجلًا أو رجلين، وخرج بعضهم أو عامّتهم؛ فأخذوا سلاح الموكَّلين بهم، واجتمع عليهم أهل المدينة؛ أحرارهم وعبيدهم - وعامل المدينة يومئذ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشميّ - فمنعوهم الخروج، وباتوا محاصريهم حول الدار حتى أصبحوا، وكان وثوبهم عشيّة الجمعة؛ وذلك أن عُزيزة بن قَطَّاب قال لهم: إني أتشاءم بيوم السبت؛ ولم يزل أهل المدينة يعتقبون القتال،\n_________\n= يقصد الصلاة يخرج من الدار إلى المسجد ويصلي ركعتين [المعرفة ١/ ٧٢].\n(١) انظر المنتظم (١١/ ١٦٣).","vol":"12","page":416},{"text":"وقاتلتْهم بنو سُليم، فظهر أهل المدينة عليهم، فقتلوهم أجمعين، وكان عُزيزة يرتجز، ويقول:\nلا بُدَّ مِنْ زَحْم وإن ضاقَ البابْ ... إني أَنا عُزَيزة بنُ القطَّابْ\nلَلموتْ خيرٌ للفتَى من العَابْ ... هذا وربِّي عملٌ لِلبَوَّابْ\nوقيْده في يده قد فكّه، فرمى به رجلا، فخرّ صريعًا، وقُتلوا جميعًا، وقتلمت سودان المدينة مَنْ لقيت من الأَعراب في أزقة المدينة ممّن دخل يمتار، حتى لقوا أعرابيًّا خارجًا من قبر النبي - ﷺ - فقتلوه؛ وكان أحد بني أبي بكر بن كلاب من ولد عبد العزيز بن زُرارة. وكان بُغا غائبًا عنهم؛ فلمّا قدم فوجدهم قد قُتِلوا شقَّ ذلك عليه، ووجد منه وجدًا شديدًا.\nوذُكر أن البوّاب كان قد ارتشى منهم، ووعدهم أن يفتح لهم الباب، فدجلوا قبل ميعاده؛ فكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون:\nالموت خيرٌ للفتى مِنَ العارْ ... قد أَخَذَ البوابُ أَلْف دينارْ\nوجعلوا يقولون حين أخذهم بُغَا:\nيا بُغيَة الخْيرِ وسَيْفَ المُنتبِهْ ... وجانِبَ الجورِ البَعيدِ المشتَبِهْ\nمَنْ كان منا جانِبًا فلستُ بِهْ ... افْعَلْ هَداك اللهُ ما أُمرتَ بهْ\nفقال: أمِرْت أن أقتلَكم. وكان عُزَيزة بن قَطّاب رأس بني سُليم حين قتِل أصحابه صار إلى بئر، فدخلها، فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقتله، وصُفَّت القتلى على باب مَرْوان بن الحكم، بعضُها فوق بعض.\nوحدثني أحمد بن محمد أن مؤذِّن أهل المدينة أذّن ليلةَ حراستهم بني سليم بليل ترهيبًا لهم بطلوع الفجر، وأنهم قد أصبحوا، فجعل الأعراب يضحكون، ويقولون: يا شرَبة السَّويق؛ تُعلموننا بالليل، ونحن أعلم به منكم! فقال رجل من بني سُليم:\nمتى كانَ ابنُ عباسٍ أَميرًا ... يَصِلُّ لِصقلِ نابيْهِ صَرِيفُ\nيجورُ ولا يُرَدُّ الجَوْرُ منه ... ويسطو ما لِوَقعَتِهِ ضعيفُ\nوقد كنا نَرُدُّ الجور عنَّا ... إذا انتُضيتْ بأَيدينا السُّيوفُ","vol":"12","page":417},{"text":"أَميرُ المؤمنينَ سَمَا إلينا ... سُمُوَّ الليث ثار من الغَريفِ\nفإِنْ يَمْنُنْ فَعَفْوَ اللهِ نرجو ... وإن تقتلْ فقاتِلنا شَريفُ\nوكان سبب غَيبْة بُغا عنهم أنه توجه إلى فَدَك لمحاربة مَنْ فيها ممّن كان تغلّب عليها من بني فزارة ومُرّة؛ فلما شارفهم وجّه إليهم رجلًا من فَزارة يعرض عليهم الأمان، ويأتيه بأخبارهم، فلمّا قدم عليهم الفزاريّ حذّرَهم سطوته، وزيّن لهم الهرب، فهربوا ودخلوا في البرّ، ودخلوا فَدَك إلّا نفرًا بقُوا فيها منهم؛ وكان قصدهم خَيْبَر وجَنَفاء ونواحيها؛ فظفر ببعضهم، واستأمن بعضهم، وهرب الباقون مع رأس لهم يقال له الرّكاض إلى موضع من البلْقاء من عمل دمشق، وأقام بُغا بجنَفاء وهي قرية من حدّ عمل الشأم، مما يلي الحجاز نحوًا من أربعين ليلة، ثم انصرف إلى المدينة بمن صار في يديه من بني مُرّة وفزارة.\n* * *\nوفي هذه السنة صار إلى بُغا من بطون غَطَفان وفزارة وأشْجع جماعة؛ وكان وجّه إليهم وإلى بني ثعلبة؛ فلما صاروا إليه - فيما ذكر - أمر محمد بن يوسف الجعفريّ، فاستحلفهم الأيمان المؤكدة ألّا يتخلّفوا عنه متى دعاهم. فحلفوا، ثم شخص إلى ضَرِيّة لطلب بني كلاب، ووجّه إليهم رسلَه، فاجتمع إليه منهم - فيما قيل - نحو من ثلاثة آلاف رجل، فاحتبس منهم من أهل الفساد نحوًا من ألف رجل وثلاثمائة رجل، وخلَّى سائرهم، ثم قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فحبسهم في دار يزيد بن معاوية، ثم شخص إلى مكة بُغا، وأقام بها حتى شهِد الموسم، فبقى بنو كلاب في الحبس لا يجرى عليهم شيءٌ مدّة غيبة بُغا؛ حتى رجع إلى المدينة، فلما صار إلى المدينة أرسل إلى مَنْ كان استحلف من ثعلبة وأشجع وفَزارة فلم يجيبوه، وتفرّفوا في البلاد، فوجّه في طلبهم فلم يلحق منهم كثير أحد.\n* * *","vol":"12","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1967>[ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعي على يد الواثق] </span>(١)\nوفي هذه السنة تحرّك ببغداد قومٌ في رَبَض عمرو بن عطاء، فأخذوا على أحمد بن نصر الخُزاعيّ البيعة.\n* ذكر الخبر عن سبب حركة هؤلاء القوم وما آل إليه أمرهم وأمر أحمد بن نصر:\nوكان السبب في ذلك أنّ أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخُزاعيّ - ومالك بن الهيثم أحد نقباء بني العبّاس، وكان ابنه أحمد يغْشاه أصحاب الحديث؛ كيحيى بن مَعين وابن الدَّوْرَقيّ وابن خَيْثمة، وكان يُظهر المباينة لمن يقول: القرآن مخلوق؛ مع منزلة أبيه كانت من السلطان في دولة بني العباس، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك، مع غِلْظة الواثق كانت على من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه، وغلبة أحمد بن أبي دواد عليه - فحدثني بعض أشياخنا، عمّن ذكره، أنه دخل على أحمد بن نصر في بعض تلك الأيام وعنده جماعة من الناس، فذُكر عنده الواثق، فجعل يقول: ألا فعل هذا الخنزير! أو قال: هذا الكافر: وفشا ذلك من أمره، فخُوّف بالسلطان، وقيل له: قد اتصل أمرُك به، فخافه.\nوكان فيمن يغشاه رجل - فيما ذكر - يعرف بأبي هارون السرّاج وآخر يقال له طالب، وآخر من أهل خُراسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب صاحب الشرْطة ممّن يظهر له القول بمقالته، فحرّك المطيفون به - يعني أحمد بن نصر - من أصحاب الحديث، وممّن ينكر القول بخلْق القرآن من أهل بغداد - وحملوه على الحركة لإنكار القول بخلْق القرآن، وقصدوه بذلك دون غيره؛ لما كان لأبيه وجدّه في دولة بني العباس من الأثرَ، ولمّا كان له ببغداد، وأنه كان أحدَ مَنْ بايع له أهل الجانب الشرقيّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسمع له في سنة إحدى ومائتين، لمَّا كثر الدّعَّار بمدينة السلام، وظهر بها\n_________\n(١) وقال ابن قتيبة الدينوري: وقتل أحمد بن نصر بالمحنة لليلتين بقيتا من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين [المعارف/ ٢٠٠] وانظر تعليقنا [٩/ ١٤٠/ ٢٩١].","vol":"12","page":419},{"text":"الفساد والمأمون بخراسان؛ وقد ذكرنا خبره فيما مضى. وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتًا إلى أن قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين، فرجوا استجابة العامة له إذا هو تحرّك للأسباب التي ذكرت.\nفذكر أنه أجاب من سأله ذلك؛ وأنّ الذي كان يسعى به في دعاء الناس له الرجلان اللذان ذكرت اسمهما قبل. وإن أبا هارون السرّاج وطالبًا فرّقا في قوم مالا، فأعطيا كلّ رجل منهم دينارًا دينارًا، وواعدهم ليلةً يضربون فيها الطَّبْل للاجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان؛ فكان طالب بالجانب الغربيّ من مدينة السَّلام فيمن عاقده على ذلك، وأبو هارون بالجانب الشرقيّ فيمن عاقده عليه؛ وكان طالب وأبو هارون أعطيا فيمَنْ أعطيا رجلين من بني أشرس القائد دنانير يفرّقانها في جيرانهم، فانتبذ بعضُهم نبيذًا، واجتمع عدّة منهم على شربه، فلمّا ثمِلوا ضربوا بالطبل ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة؛ وكان الموعد لذلك ليلة الخميس في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، لثلاث تخلو منه، وهم يحسبونها ليلة الخميس التي اتّعدوا لها، فأكثروا ضرب الطبْل، فلم يجبهم أحد. وكان إسحاق بن إبراهيم غائبًا عن بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم، فوجّه إليهم محمد بن إبراهيم غلامًا له يقال له رَحش، فأتاهم فسألهم عن قصّتهم، فلم يظهر له أحد ممن ذكر بضرب الطَّبْل، فدُل على رجل يكون في الحمامات مصاب بعينه، يقال له عيسى الأعور، فهدّده بالضرب، فأقرّ على ابني أشرس وعلى أحمد بن نصر بن مالك وعلى آخرين سمّاهم، فتتبّع القوم من ليلتهم؛ فأخذ بعضهم، وأخذ طالبًا ومنزلُه في الرَّبض من الجانب الغربي، وأخذ أبا هارون السرّاج ومنزله في الجانب الشرقيّ، وتتبَّع مَنْ سمّاه عيسى الأعور في أيام وليال، فصُيروا في الحبس في الجانب الشرقيّ والغربيّ، كلُّ قوم في ناحيتهم التي أخذوا فيها، وقيِّد أبو هارون وطالب بسبعين رطلًا من الحديد كلّ واحد منهما، وأصيب في منزل ابني أشرس عَلَمان أخضر ان فيهما حُمرة في بئر، فتولَّى إخراجهما رجلٌ من أعوان محمد بن عيّاش - وهو عامل الجانب الغربيّ، وعامل الجانب الشرقيّ العباس بن محمد بن جبريل القائد الخراسانيّ - ثم أخذَ خصي لأحمد بن نصر فتُهُدِّد، فأقرّ بما أقرَّ به عيسى الأعور، فمضى إلى أحمد بن نصر وهو في الحمّام، فقال لأعوان السلطان: هذا منزلي؛ فإن أصبتم فيه عَلمًا أو عُدَّة","vol":"12","page":420},{"text":"أو سلاحًا لفتنة فأنتم في حِلّ منه ومن دِمي؛ ففتش فلم يُوجد فيه شيء، فحمِل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب وأخذوا خصيّين وابنين له ورجلًا ممن كان يغشاه يقال له إسماعيل بن محمد بن معاوية بن بكر الباهليّ، ومنزله بالجانب الشرقيّ، فحمل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين الواثق وهو بسامراء على بغال بأكُفٍ ليس تحتهم وطاء، فَقيِّد أحمد بن نصر بزوج قيود، وأخرجوا من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكان الواثق قد أعلم بمكانهم، وأحضر ابن أبي دواد وأصحابه، وجلس لهم مجلسًا عامًّا ليُمتحنوا امتحانًا مكشوفًا، فحضر القوم واجتمعوا عنده.\nوكان أحمد بن أبي دواد - فيما ذكر - كارهًا قتله في الظاهر؛ فلما أتِيَ بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق في الشَّغَب ولا فيما رُفع عليه من إرادته الخروج عليه؛ ولكنه قال له: يا أحمد، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله - وأحمد بن نصر مستقتل قد تنوّر وتطيّب، قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، قال: فما تقول في ربّك، أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"تروْن ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته\"؛ فنحن على الخبر. قال: وحدثني سفيان بن عيينة بحديث يرفعه: \"أن قلب ابن آدم بين إصبعيْن من أصابع الله يقلبِّه\"؛ وكان النبي - ﷺ - يدعو: \"يا مقلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك\"؛ فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويلك! انظر ماذا تقول! قال: أنت أمرتني بذلك؛ فأشفق إسحاق من كلامه، وقال: أنا أمرتُك بذلك! قال: نعم، أمرَتني أن أنصح له إذ كان أمير المؤمنين، ومِنْ نصيحتي له ألا يخالِف حديث رسول الله - ﷺ -. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فأكثروا، فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيًا على الجانب الغربيّ فعزِل؛ وكان حاضرًا وكان أحمد بن نصر ودًّا له -: يا أمير المؤمنين؛ هو حلال الدّم، وقال أبو عبد الله الأرمنيّ صاحب ابن أبي دواد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين، فقال الواثق: القتل يأتي على ما تريد، وقال ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين كافر يُستتاب؛ لعلّ به عاهة أو تَغيُّر عقل - كأنه كره أن يقتَل بسببه - فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قصتُ إليه، فلا يقومنّ أحد معي، فإني أحتسب خُطاي إليه، ودعا بالصَّمصامة - سيف عمرو بن معد يكرب الزّبيديّ وكان في الخزانة، كان أهدى","vol":"12","page":421},{"text":"إلى موسى الهادي، فأمر سَلْمًا الخاسر الشاعر أن يصفه له، فوصفه فأجازَه - فأخذ الواثق الصّمصامة - وهي صفيحة موصولة من أسفلها مسمورة بثلاثة مسامير تجمع بين الصّفيحة والصلة - فمشى إليه وهو في وسط الدار، ودعا بنطع فصيِّر في وسطه، وحبْل فشُدَّ رأسه، ومُدّ الحبل، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق، ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم انتضى سِيَما الدمشّقيّ سيفه، فضرب عنقه وحزّ رأسه.\nوقد ذُكر أن بُغا الشرابيّ ضربه ضربة أخرى، وطعنه الواثق بطرف الصَّمْصامة في بطنه، فحمِل معترضًا حتى أتِيَ به الحَظيرة التي فيها بابك، فصلِب فيها وفي رجله زَوْج قيود، وعليه سراويل وقميص، وحمِل رأسه إلى بغداد، فنُصب في الجانب الشرقيّ أيامًا، وفي الجانب الغربيّ أيامًا، ثم حُوّل إلى الشرقيّ، وحُظر على الرأس حظيرة، وضرِب عليه فسطاط، وأقيم عليه الحرس، وعُرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر؛ وكتب في أذنه رُقْعة: هذا رأس الكافر المشرك الضالّ؛ وهو أحمد بن نصر بن مالك؛ ممّن قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام عليه الحجة في خَلْق القرآن ونفي التشبيه، وعرَض عليه التوبة، ومكّنه من الرجوع إلى الحق؛ فأبى إلا المعاندة والتصريح، والحمد الله الذي عجّل به إلى ناره وأليمِ عقابه. وإنّ أمير المؤمنين سأله عن ذلك؛ فأقرّ بالتشبيه وتكلّم بالكفر، فاستحلَّ بذلك أمير المؤمنين دَمه، ولعنه (١).\n_________\n(١) هذه التفاصيل التي استغرقت الصفحات (١٣٥ - ١٣٩) انفرد الطبري بجانب كبير منها من بين أقرانه من المؤرخين أو الأخباريين الثقات سوى ما ذكره الصولي وهو كالطبري لم يشهد تلك الأحداث إلا أن اتفاق الطبري والصولي على أصل الخبر في مقتل الإمام أحمد بن نصر وهذه التفاصيل لا تصح لا عند الطبري ولا عند الصولي وهما وإن كانا ثقتين فبينهما وبين هذه الأحداث مفاوز والله أعلم. ولنا عود على الخبر عند تخريجنا الخبر [٩/ ١٩٠/ ٣٣٦] إن شاء الله تعالى.\nوقد أخرج الخطيب البغدادي في ترجمته [تأريخ بغداد ٥/ ١٧٦] عن القاضي أبي عبد الله الصَّيْمَريُّ، حدثنا محمد بن عمران المرزباني، أخبرني محمد بن يحيى الَصُّوليُّ قال: كانَ أحمد بن نَصْر بن مالك بن الهيثم الخُزَاعيُّ من أهل الحديث، وكان جدُّه من رؤساء نقباء بني العباس، وكانَ أحمد وسهل بن سلامة، حين كان المأمون بخراسان، بايَعا الناسَ على =","vol":"12","page":422},{"text":"وأمر أن يُتتبع من وُسِم بصحبة أحمد بن نصر؛ ممن ذُكر أنه كان متشايعًا له؛ فوُضعوا في الحبوس، ثم جُعل نيِّف وعشرون رجلا وُسموا في حبوس الظلمة؛ ومُنعوا من أخذ الصدقة التي يُعطاها أهل السجون، ومنُعوا من الزُّوّار، وثقّلوا بالحديد. وحمِل أبو هارون السراج وآخَرُ معه إلى سامراء، ثم رُدُّوا إلى بغداد، فجُعلوا في المحابس.\nوكان سبب أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر، أنّ رجلًا قصّارًا كان في\n_________\n= الأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إلى أن دَخَل المأمون بغدادَ، فرفق بسهلٍ حتى لبسَ السَّوادَ، وأخذ الأَرزاقَ، ولزم أحمد بيته، ثم إنَّ أمرَهُ تَحَرَّك ببغدادَ في آخر أيامِ الواثِقِ، واجتمع إليه خَلْقٌ من الناسِ، يأمرون بالمعروف، إلى أن ملكوا بغداد، وتَعدَّى رجلان من أصحابِهِ يقال لأحدهما: طالب في الجانب الغربي، ويقال للآخر: أبو هارونَ، في الجانب الشرقيّ، وكانا موسِرَين، فبذلا مالًا، وعزما على الوثوبِ ببغدادَ في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فنَمَّ عليهم قَوْمٌ إلى إسحَاق بن إبراهيم، فأخذ جماعة، فيهم أحمد بن نصر، وأخذ صاحبيه طالبًا وأبا هارونَ، فَقَيَّدهما، ووجَدَ في منزل أحدِهما أعلامًا، وضرب خادمًا لأحمد بن نصر، فأقرَّ أن هؤلاء كانوا يصيرون إليه ليلًا فيعرّفونه ما عملوا، فحملهم إسحاق مُقَيَّدين، إلى سُرَّ من رأى، فجلس لهم الواثق وقال لأحمد بن نصر: دَعْ ما أُخِذْتَ له، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أفمخلوق هو؟ قال: كلام الله. قال: أفَتَرَى ربَّك في القيامة؟ قال: كذا جاءت الرواية، قال: ويحك، يُرى كما يُرى المحدود المتجسِّم، ويحويه مكان، ويحصره الناظر، أنا أكفر بربٍ هذه صفته، ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق، وكان قاضيًا على الجانب الغربي ببغداد فَعُزلَ: هو حلال الدم، وقال جماعة من الفقهاء كما قال، فأظهر ابن أبي دواد أنه كارهٌ لقَتْله، فقال للواثق: يا أمير المؤمنين شيخٌ مختلٌ: لعل به عاهة أو تغير عقل يؤخر أمره ويستتاب فقال الواثق: ما أراه إلّا مؤدّيًا لكفره، قائمًا بما يعتقده منه. ودعا الواثق بالصمصامة وقال: إذا قمتُ إليه، فلا يقومَنَّ أحدٌ معي، فإِنّي أحتسبُ خطاي إلى هذا الكافر، الذي يعبد ربًّا لا نعبُده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمرَ بالنَّطع، فأُجلِس عليه، وهو مقَيَّد، وأمَرَ بشدِّ رأسه بحبل وأمرهم أن يمدُّوه، ومشى إليه حتى ضرب عُنُقه، وأمَرَ بحمل رأسه إلى بغداد، فنُصب بالجانب الشرقيّ أيّامًا، وفي الجانب الغربيّ أيّامًا، وتتبَّع رؤساء أصحابِهِ فوُضِعوا في الحُبُوسِ. ورواية البغدادي عن الصولي هنا منقطعة غير صحيحة والله أعلم - وبه. أخبرنا عُبيد الله بن عُمر الواعظ، حدّثني أبي قال: سمعتُ أبا محمد الحسن بن محمد بن بحر الحربيّ يقول: سمعت جعفر بن محمد الصائغ يقول: بَصَرُ عينيَّ وإلَّا فَعميتا، وسَمْعُ أُذُنيَّ وإلَّا فَصُمَّتا: أحمدُ بن نصر الخُزَاعيُّ حيث ضربَتْ عُنُقُهُ يقول رأسُه: لا إله إلّا الله، أو كما قال [تأريخ بغداد/ ٥/ ١٧٦]. وهذا إسناد موصول يؤيد مقتل أحمد بن نصر في تلك المحنة والله أعلم.","vol":"12","page":423},{"text":"الرَّبض جاء إلى إسحاقَ بن إبراهيم بن مصعب، فقال: أنا أدلّك على أصحاب أحمد بن نصر، فوجّه معه من يتبعهم؛ فلمّا اجتمعوا وجدوا على القصّار سببًا حبسوه معهم؛ وكان له في المِهْرزار نخل، فقُطع وانتُهبَ منزله؛ وكان ممن حُبس بسببه قوْم من ولد عمرو بن اسفنديار، فماتوا في الحبس؛ فقال بعض الشعراء في أحمد بن أبي دواد:\nما إنْ تحوّلتَ من إيادِ ... صِرْتَ عذابًا على العبادِ\nأصنتَ كما قلتَ من إيادِ ... فارْفقْ بهذا الخلقِ يا إيادِي\n* * *\nوفي هذه السنة أرأد الواثق الحجّ، فاستعدّ له، ووجّه عمر بن فرَج إلى الطريق لإصلاحه، فرجع فأخبره بقلّة الماء فبدا له.\nوحجّ بالناس فيها محمد بن داود بن عيسى (١).\nوفيها ولّى الواثق جعفر بن دينار اليمن، فشخص إليها في شعبان، وحجّ هو وبُغا الكبير، وعلى أحداث الموسم بُغا الكبير؛ وكان شخوص جعفر إلى اليمن في أربعة آلاف فارس وألفي راجل وأعطى رزق ستة أشهر.\nوعقد محمد بن عبد الملك الزيات لإسحاق بن إبراهيم بن أبي خمَيصة مولى بني قُشير من أهل أضاخ فيها على اليمامة والبحرين وطريق مكة، مما يلي البصرة في دار الخلافة؛ ولم يذكر أن أحدًا عقد لأحد في دار الخلافة إلّا الخليفة غير محمد بن عبد الملك الزيّات.\nوفي هذه السنة نقب قوم من اللصوص بيت المال الذي في دار العامّة في جوف القصر، وأخذوا اثنين وأربعين ألفًا من الدراهم؛ وشيئًا من الدنانير يسيرًا، فأخذوا بعدُ وتتبع أخذهم يزيد الحلوانيّ، صاحب الشرطة خليفة إيتاخ.\nوفيها خرج محمد بن عمرو الخارجيّ من بني زيد بن تغلب في ثلاثة عشر رجلًا في ديار ربيعة، فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن حُميد الطوسيّ، وكان على حرب الموصل في مثل عدّته، فقتل من الخوارج أربعة، وأخذ محمد بن\n_________\n(١) وقال البسوي حجّ بنا محمد بن داود بن عيسى [المعرفة ١/ ٧٢] وانظر تأريخ خليفة (٣١٨).","vol":"12","page":424},{"text":"عمرو أسيرًا فبعث به إلى سامراء، فبعث به إلى مطبَق بغداد، ونُصبت رؤوس أصحابه وأعلامه عند خشبة بابك.\nوفي هذه السنة قدم وصيف التركيّ من ناحية أصبهان والجبال وفارس؛ وكان شخص في طلب الأكراد، لأنهم قد كانوا تطرّقوا إلى هذه النواحي، وقدم معه منهم بنحو من خمسمائة نفس؛ فيهم غلمان صغار، جمعهم في قيود وأغلال؛ فأمر بحبسهم، وأجِيز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار، وقلّد سيفًا وكُسىً.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>[خبر الفداء بين المسلمين والرّوم]</span>\nوفي هذه السنة، تمّ الفداء بين المسلمين وصاحب الرُّوم، واجتمع فيها المسلمون والرُّوم على نهر يقال له اللمس على سَلُوقيّةَ علَى مسيرة يوم من طَرَسُوس (١).\n* ذكر الخبر عن سبب هذا الفداء وكيف كان:\nذُكر عن أحمد بن أبي قَحْطبَة صاحب خاقان الخادم - وكان خادم الرشيد، وكان قد نشأ بالثغر - أنّ خاقان هذا قدِم على الواثق، وقدم معه نفر من وجوه أهل طَرَسوس وغيرها يشكون صاحب مظالم كان عليهم، يكنى أبا وهب؛ فأحضِر، فلم يزل محمد بن عبد الملك يجمع بينه وبينهم في دار العامّة عند انصراف يوم الإثنين والخميس، فيمكثون إلى وقت الظهر؛ وينصرف محمد بن عبد الملك وينصرفون، فعُزل عنهم، وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن، فقالوا بخلقه جميعًا؛ إلا أربعة نفر؛ فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه، وأمر لجميع أهل الثغور بجوائز على ما رأى خاقان، وتعجّل أهلُ الثغور إلى ثغورهم،\n_________\n(١) ذكر الطبري أصل الخبر هنا ثم ذكر تفاصيله (١٤١ - ١٤٢ - ١٤٣ - ١٤٤) وقد أيد خليفة في خبره أصل الخبر وكذلك اتفق مع الطبري أنه (أي الفداء) نفّذه الوالي من قبل الواثق - أحمد بن سعيد الباهلي فقال خليفة وفيها (٢٣١ هـ) كان الفداء بالروم والوالي أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي ففدى المسلمين نحوًا من أربعة آلاف رجل وستمائة ونحوها من النساء والصبيان [تأريخ خليفة/ ٣١٩].","vol":"12","page":425},{"text":"وتأخّر خاقان بعدهم قليلًا؛ فقدم على الواثق رسلُ صاحب الروم - وهو ميخائيل بن توفيل بن ميخائيل بن أليون بن جورجس - يسأله أن يفادِيَ بمن في يده من أسارى المسلمين، فوجّه الواثق خاقان في ذلك، فخرج خاقان ومَنْ معه في فداء أسارى المسلمين في آخر سنة ثلاثين ومائتين على موعد بين خاقان ورسل صاحب الرّوم للالتقاء للفداء في يوم عاشوراء؛ وذلك في العاشر من المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ثم عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلْم بن قتيبة الباهليّ على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء؛ فخرج على سبعة عشر من البُرُد وكان الرسل الذين قدموا في طلب الفداء قد جرى بينهم وبين ابن الزّيات اختلاف في الفداء، قالوا: لا نأخذ في الفداء امرأة عجوزًا ولا شيخًا كبيرًا ولا صبيًّا، فلم يزل ذلك بينهم أيامًا حتى رضُوا عن كلّ نفس بنفس.\nفوجّه الواثق إلى بغداد والرّقة في شراء مَنْ يباع من الرقيق من مماليك، فاشترى مَنْ قدرَ عليه منهم، فلم تتم العدة، فأخرج الواثق من قصره من النساء الروميات العجائز وغيرهنّ؛ حتى تمّت العِدّة، ووجّه ممن مع ابن أبي دواد. رجلين، يقال لأحدهما يحيى بن آدم الكرخيّ، ويكنى أبا رملة، وجعفر [بن أحمد] بن الحذّاء؛ ووجّه معهما كاتبًا من كتّاب العَرْض يقال له طالب بن داود، وأمره بامتحانهم هو وجعفر، فمن قال: القرآن مخلوق فودي به، ومن أبى ذلك تُرك في أيدي الروم؛ وأمَرَ لطالب بخمسة آلاف درهم؛ وأمر أن يعطوا جميع من قال: إن القرآن مخلوق؛ ممن فُودِي به دينارًا لكل إنسان من ماله حُمل معهم، فمضى القوم.\nفذكر عن أحمد بن الحارث أنه قال: سألت ابن أبي قحطبة صاحب خاقان الخادم - وكان السفير الموجّه بين المسلمين والروم، وُجِّه ليعرف عدّة المسلمين في بلاد الروم. فأتى ملك الروم وعرف عدّتهم قبل الفداء - فذكَر أنه بلغت عِدّتهم ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة؛ فأمر الواثق بفدائهم، وعجّل أحمد بن سعيد على البَرِيد ليكون الفِداء على يديه، وجه من يمتحن الأسراء من المسلمين، فمن قال منهم: إنّ القرآن مخلوق، وإنّ الله ﷿ لا يُرَى في الآخرة فُودي به؛ ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الرّوم، ولم يكن فداء منذ أيام محمد بن زبيدة في سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة.","vol":"12","page":426},{"text":"قال: فلما كان يوم عاشوراء، لعشر خلوْن من المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، اجتمع المسلمون ومَنْ معهم من العُلوج وقائدان من قوّاد الروم؛ يقال لأحدهما أنقاس وللآخر لمسنوس، والمسلمون والمطوّعة في أربعة آلاف بين فارس وراجل، فاجتمعوا بموضع يقال له اللمس؛ فذكر عن محمد بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهليّ أن كتاب أبيه أتاه، أنّ من فُودِي به من المسلمين ومَنْ كان معهم من أهل ذمتهم أربعة آلاف وستمائة إنسان؛ منهم صبيان ونساء ستمائة؛ ومنهم من أهل الذمة أقلّ من خمسمائة والباقون رجالٌ من جميع الآفاق.\nوذكر أبو قحطبة - وكان رسول خاقان الخادم إلى ملك الروم لينظر كَمْ عدد الأسرى، ويعلم صحّة ما عزم عليه ميخائيل ملك الروم - أنّ عدد المسلمين قبل الفداء كان ثلائة آلاف رجل وخمسمائة امرأة وصبيّ، ممّن كان بالقسطنطينية وغيرها؛ إلا مَنْ أحضره الرّوم ومحمد بن عبد الله الطرسوسيّ - وكان عندهم - فأوفده أحمد بن سعيد بن سلمْ وخاقان مع نَفر من وجوه الأسرى على الواثق، فحملهم الواثق على فرس فرس، وأعطى لكلّ رجل منهم ألف درهم.\nوذكر محمد هذا أنه كان أسيرًا في أيدي الرّوم ثلاثين سنة، وأنه كان أسِر في غزاة رامية كان في العلَّافة فأسِر، وكان فيمن فُودي به في هذا الفداء، وقال: فودِيَ بنا في يوم عاشوراء على نهر يقال له اللامس، على سَلوقيَة قريبًا من البحر، وأنّ عِدتهم كانت أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسًا؛ النساء وأزواجهنّ وصبيانهنّ ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة أو أكثر، فوقع الفداء كلّ نفس عن نفس صغيرًا أو كبيرًا، فاستفرغ خاقان جميعَ مَنْ كان في بلد الرّوم من المسلمين ممن علم موضعه.\nقال: فلمّا جُمعوا للفداء، وقف المسلمون من جانب النهر الشرقيّ والرّوم من الجانب الغربى - وهو مخاضة - فكان هؤلاء يرسلون من ها هنا رجلًا وهؤلاء من ها هنا رجلًا، فيلتقيان في وسط النهر، فإذا صار المسلم إلى المسلمين كبّر وكبّروا، وإذا صار الروميّ إلى الروم تكلم بكلامهم، وتكلموا شبيهًا بالتكبير.\nوذكر عن السنديّ مولى حسين الخادم، أنه قال: عقد المسلمون جسرًا على النهر، وعقد الروم جسرًا؛ فكنا نرسل الروميّ على جسرنا ويرسل الروم المسلم على جسرهم؛ فيصير هذا إلينا وذاك إليهم، وأنكر أن يكون مخاضَة.","vol":"12","page":427},{"text":"وذكر عن محمد بن كريم أنه قال: لما صرنا في أيدي المسلمين، امتحنَنَا جعفر ويحيى، فقلنا، وأعطينا دينارين دينارين.\nقال: وكان البطريقان اللذان قدما بالأسرى لا بأس بهما في معاشرتهما.\nقال: وخاف الرّوم عدد المسلمين لقلتهم وكثرة المسلمين؛ فآمنهم خاقان من ذلك وضرب بينهم وبين المسلمين أربعين يومًا لا يُغْزَون حتى يصلوا إلى بلادهم ومأمنهم؛ وكان الفداء في أربعة أيام، ففضل مع خاقان ممن كان أمير المؤمنين أعدّ لفداء المسلمين عدّة كبيرة، وأعطى خاقان صاحب الروم ممن كان قد فضل في يده مائة نفس؛ ليكون عليهم الفضل استظهارًا مكان مَنْ يخشى أن يأسروه من المسلمين إلى انقضاء المدّة، وردّ الباقين إلى طَرسَوس، فباعهم.\nقال: وكان خرج معنا ممن كان تنصّر ببلاد الروم من المسلمين نحوٌ من ثلاثين رجلا فُودي بهم (١).\nقال محمد بن كريم: ولما انقضت المدّة بين خاقان والرّوم الأربعون يومًا، غزا أحمد بن سعيد بن سلم بن قُتيبة، فأصاب الناس الثلج والمطر، فمات منهم قَدْر مائتي إنسان وغرِق منهم في البذندون قوم كثير، وأسِر منهم نحو من مائتين؛ فوجد أمير المؤمنين الواثق عليه لذلك، وحصل جميع مَنْ مات وغرق خمسمائة إنسان؛ وكان أقبل إلى أحمد بن سعيد وهو في سبعة آلاف بِطْريق من عظمائهم فجبُنَ عنه، فقال له وجوه الناس: إن عسكرًا فيه سبعة آلف لا يتخوّف عليه، فإن كنت لا تواجه القوم فتطزق بلادهم. فأخذ نحوًا من ألف بقَرة وعشرة آلاف شاة، وخرج فعزله الواثق، وعقد لنصر بن حمزة الخُزاعيّ يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيتْ من جمادى الأولى من هذه السنة.\n* * *\n_________\n(١) هذه الأخبار حول فداء الأسرى استغرقت مجتمعة الصفحات (١٤١ - ١٤٤) ذكر الطبري بعضها عن السندي مولى حسين الخادم ومحمد بن كريم وأبي قحطبة - رسول خاقان - وتارة يقول ابن أبي قحطبة - سفير أو رسول خاقان الخادم - بل إن معظم هذه القصة يرويها عن رسول الخاقان هذا ولم نجد من يؤيد الطبري في هذه التفاصيل سوى أمر واحد - وهو أن والي الثغور أيام المأمون وهو أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي قد أشرف على عملية الفداء مع أناس آخرين كخاقان وانظر تعليقنا على الخبر السابق","vol":"12","page":428},{"text":"في هذه السنة مات الحسن بن الحسين، أخو طاهر بن الحسين بطبَرِستان في شهر رمضان.\nوفيها مات الخطاب بن وجه الفُلْس.\nوفيهما مات أبو عبد الله الأعرابيّ الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان وهو ابن ثمانين سنة.\nوفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت عليّ بن موسى الرضيّ.\nوفيها مات مخارق المغني، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعيّ، وعمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ ومحمد بن سعدان النحويّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>[بكر الخبر عن مسير بُغا الكبير إلى حرب بني نمير]</span>\nفمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بني نمير حتى أودع بهم (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب مسيره إليهم وكيف كان الأمر بينه وبينهم:\nحدثني أحمد بن محمد بن مخلد بمعظم خبرهم؛ وذكر أنه كان مع بُغا في ذلك السفر، وأما سياق الكلام فلغيره. ذكر أنّ سبب شخوص بُغا إلى بني نُمير كان أنّ عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ين الخطَفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه فأنشده إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وبنُزُل فكلّم عُمارة الواثق في بني نُمير، وأخبره بعبثهم وفسادهم في الأرض، وإغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ فكتب الواثق إلى بُغا يأمره بحربهم.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٨٨].\n(٢) انظر المنتظم [١١/ ١٧٦]","vol":"12","page":429},{"text":"فذكر أحمد بن محمد أنّ بُغا لمّا أراد الشخوص من المدينة إليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفريّ دليلًا له على الطريق، فمضى نحو اليمامة يُريدهم، فلقى منهم جماعة بموضع يقال له الشُّريف؛ فحاربوه، فقتل بُغا منهم نيِّفا وخمسين رجلًا، وأسر نحوًا من أربعين، ثم سار إلى حُظَيَّان، ثم سار إلى قرية لبني تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة، فنزل بها، ثم تابع إليهم رسله، يَعرض عليهم الأمان، ودعاهم إلى السمع والطاعة؛ وهم في ذلك يمتنعون عليه، ويشتمون رسله، ويتفلّتون إلى حربه؛ حتى كان آخر من وجّه إليهم رجلين؛ أحدهما من بني عديّ من تميم والآخر من بني نُمير، فقتلوا التميميّ وأثبتوا النميريّ جراحًا؛ فسار بُغا إليهم من مرأة. وكان مسيره إليهم في أول صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فورد بطن نخل، وسار حتى دخل نُخَيلة، وأرسل إليهم أن ائتوني، فاحتملت بنو ضَبّة من نُمَير، فركبت جبالها مياسر جبال السَّوْد - وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة - فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، فأرسل إليهم سرّية فلم تدركهم، فوجَّه سرايا، فأصابت فيهم وأسرت منهم. ثم إنه أتبعهم بجماعة مَنْ معه وهم نحو من ألف رجل سوى مَنْ تخلَّف في العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا له، وحشدوا لحربه؛ وهم يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، بموضع يقال له روضة الأبان وبطن السرّ من القرْنين على مرحلتين، ومن أضاخ على مرحلة؛ فهزموا مقدّمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحوًا من مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلًا، وعقروا من إبل عسكره نحوًا من سبعمائة بعير ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بُغا من الأموال.\nقال لي أحمد: لقيهم بُغا وهجم عليهم، وغلبَه الليل، فجعل بُغا يناشدهم، ويدعوهم إلى الرجوع وإلى طاعة أمير المؤمنين، ويكلمهم بذلك محمد بن يوسف الجعفريّ، فجعلوا يقولون له: يا محمد بن يوسف، قد والله ولدناك فما رعيتَ حُرْمة الرَّحم، ثم جئتَنا بهؤلاء العبيد والعلوج تقاتلنا بهم! والله لنرينّك العُبْر، ونحو ذلك من القول.\nفلما دنا الصبح قال محمد بن يُوسف لبُغا: أوقع بهم من قبل أن يضيء الصبح، فيروْا قِلّة عددنا، فيجترئوا علينا، فأبى بُغا عليه؛ فلمَّا أضاء الصبح ونظروا إلى عدد مَنْ مع بُغا - وكانوا قد جعلوا رجَّالتهم أمامهم وفرسانهم وراءهم","vol":"12","page":430},{"text":"ونَعمهم ومواشيهم من ورائهم - حملوا علينا، فهزمونا حتى بلغت هزيمتنا معسكرنا، وأيقنَّا بالهلكة.\nقال: وكان قد بلغ بُغا أنَّ خيلًا لهم بمكان من بلادهم، فوجَّه من أصحابه نحوًا من مائتي فارس إليها: فبينا نحن فيما نحن فيه من الإشراف على العَطَب، وقد هزِم بُغا ومنْ معه إذ خرجت الجماعة التي كان بُغا وجّهها من الليل إلى تلك الخيل، وقد أقبلت منصرِفة من الموضع الذي وُجِّهت إليه من العسكر في ظهور بني نُمير، وقد فعلوا ببُغا وأصحابه، فنفخوا في صَفَّاراتهم؛ فلما سمعوا نَفْخَ الصّفارات، ونظروا إلى مَنْ خرج عليهم في أدبارهم، قالوا: غَدَر والله العبد، وولَّوْا هاربين، وأسلم فرسانهم رجَّالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم.\nقال لي أحمد بن محمد: فلم يفلت من رجَّالتهم كثير أحد؛ حتى قُتلوا عن آخرهم؛ وأما الفرسان فطاروا هُرّابًا على ظهور الخيل.\nوأما غير أحمد بن محمد فإنه قال: لم تزل الهزيمة على بُغا وأصحابه منذ غدوة إلى انتصاف النهار؛ وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائتين، ثم تشاغلوا بالنَّهب وعَقْر الإبل والدوابَ حتى ثاب إلى بُغا من كان انكشف من أصحابه، واجتمع إليه مَنْ كان تفرّق عنه، فكرُّوا على بني نُمير، فهزمهم وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل. وأقام بُغا بموضع الوقعة على الماء المعروف ببطن السرّ، حتى جُمعت له رؤوس مَنْ قتِل من بني نمير، واستراح هو وأصحابه ثلاثة أيام.\nفحدثني أحمد بن محمد أنّ مَنْ هرب من فرسان بني نمير من الوقعة أرسلوا إلى بُغا يطلبون منه الأمان؛ فأعطاهم الأمان، فصاروا إليه، فقيَّدهم وأشخصهم معه.\nوأمَّا غيره فإنه قال: سار بُغا من موضع الوقعة في طلب من شذّ عنه منهم، فلم يدرك إلّا الضعيف ممن لم يكن له نهوض منهم وبعض المواشي والنَّعَم، ورجع إلى حصن باهلة. قال: وإنما قاتل بُغا من بني نُمير بنو عبد الله بن نُمير وبنو بُسْرَة وبلحَجَّاج وبنو قَطَن وبنو سلاه وبنو شُرَيح وبطون من الخوالف - وهم من بني عبد الله بن نمير، ولم يكن في القتال من بني عامر بن نُمير إلا القليل - وبنو عامر بن نُمير أصحاب نخل وشاء، وليسوا أصحاب خيل، وعبد الله بن نمير هي","vol":"12","page":431},{"text":"التي تحارب العرب - فقال عُمارة بن عَقيل لبُغا:\nترَكتَ الأَعقفين وبَطْنَ قَوٍّ ... ومَلأَّتَ السجونَ من القماشِ\nفحدثني أحمد بن محمد أن الذين دخلوا إلى بُغا بالأمان من بني نُمير لمَّا قيدهم وحبسهم وأشخصهم معه شَغَبُوا في الطريق، وحاولوا كسر قيُودهم والهرب، فأمر بماحضارهم واحدًا بعد واحد؛ فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر؛ فزعم أحمد أنه حضر ضربهم ولم ينطق منهم ناطق يتوجَّع من الضرب، وأنه أحضر منهم شيخ قد عَلّق في عنقه مصحفًا، ومحمد بن يوسف جالس إلى جنب بُغا، فضحك منه محمد بن يوسف وقال لبُغا: هذا أخبث ما كان - أصلحك الله - حين علَّق المصحف في عنقه! فضربه أربعمائة أو خمسمائة، فما توجَّع وما استغاث.\nوذُكر أن فارسًا من بني نُمير لقي بُغا في وقعتهم التي ذكرت أمرها يُدعى المجنون، فطعن بُغا ورمى المجنونَ رجلٌ من الأتراك. فأفلت، وعاش أيامًا ثلاثة، ثم مات من رميته.\nقال: ثم قدم عليه واجن الأشروسني الصُّغديّ في سبعمائة رجل مددًا له من الأشُروسنيّة الإشتيخنيّة، فوجَّهه بُغا ومحمد بن يوسف الجعفرىّ في أثرهم؛ فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا في البلاد، وصاروا بتبَالة وما يليها منّ حدّ عمل اليمن وفاتوه؛ فانصرف ولم يصر في يديه منهم إلّا ستّة نفر أو سبعة، وأقام بحصن باهلة، ووجّه إلى جبال بني نُمير وسهلها من هلان والسَّوْد وغيرها من عمل اليمامة ساريا في محاربة من امتنع ممن قبل الأمان منهم، فقتلوا جماعة وأسروا جماعة، وأقبل عدّة من ساداتهم، كلُّهم يطلب الأمان لنفسه والبطن الذي هو منه، فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم؛ ولم يزل مقيمًا إلى أن جمع إليه كلَّ مَنْ ظنّ أنه كان في هذه النواحي منهم، وأخذ منهم زُهاء ثمانمائة رجل، فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى البصرة، في ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكتب إلى صالح العباسيّ بالمسير بمَنْ قبله في المدينة من بني كِلاب وفَزارة ومُرّة وثعلبة وغيرهم واللحاق به؛ فوافاه صالح العباسيّ ببغداد، وصاروا جميعًا في المحرّم إلى سامراء سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت عدّة مَنْ قدم به بُغا وصالح العباسيّ من الأعراب سوى مَنْ مات منهم وهرب. وقتل في هذه الوقائع","vol":"12","page":432},{"text":"التي وصفناها ألفي رجل ومائتي رجل من بني نمير ومن بني كلاب ومن مرّة وفزارة ومن ثعلبة وطيّئ.\n* * *\nوفي هذه السنة أصاب الحاجّ في المرجع عطش شديد في أربعة منازل إلى الرَّبَذَة، فبلغت الشَّرْبة عدة دنانير. ومات خلق كثير من العطش.\nوفيها ولِّيَ محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس.\nوفيها أمر الواثق بترك جبايةٍ أعشار سفن البحر.\nوفيها اشتدّ البرد في نِيسان حتى جَمد الماء لخمس خلون منه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>[ذكر خبر موت الواثق]</span>\nوفيها مات الواثق (١).\n* ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاته:\nذكر لي جماعةٌ من أصحابنا أنّ عِلَّتَه التي تُوفِّيَ منها كانت الاستسقاء، فعُولج بالإقعاد في تَنُّور مسخّن، فوجَد لذلك راحة وخفة مما كان به، فأمرهم من غدِ ذلك اليوم بزيادة في إسخان التَّنُّور، ففُعل ذلك وقعد فيه أكثر من قعوده في اليوم الذي قبله، فحمِيَ عليه، فأخرج منه، وصُيِّر في محفّة؛ وحضره الفضل بن إسحاق الهاشميّ وعمر بن فرَج وغيرهم؛ ثم حضر ابن الزيات وابن أبي دواد، فلم يعلموا بموته حتى ضرب بوجهه المحفَّة، فعلموا أنه قد مات.\nوقد قيل: إن أحمد بن أبي دواد حضره وقد أغمي عليه، فقضى وهو عنده فأقبل يغمضه ويصلح من شأنه، وكانت وفاته لستٍّ بقين من ذي الحجة ودُفِن في\n_________\n(١) وقال البسوي: وتوفي هارون (أي الواثق) لست بقين من ذي الحجة [المعرفة ١/ ٧٢].\nوقال ابن قتيبة الدينوري وتوفي هارون يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين [المعارف/ ٢٠٠].","vol":"12","page":433},{"text":"قصره بالهارونيّ. وكان الذي صلَّى عليه وأدخله قبرَه وتولَّى أمره أحمد بن أبي دواد؛ وكان الواثق أمر أحمد بن أبي دواد أن يُصَلِّي بالناس يوم الأضحى في المصلَّى، فصلى بهم العيد؛ لأن الواثق كان شديد العِلّة فلم يقدر على الحضور إلى المصلَّى، ومات من عِلَّته تلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1972>ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته</span>\nذكرَ من رآه وشاهده أنه كان أبيضَ مشربًا حُمرة، جميلًا رَبْعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى؛ وفيها نُكتة بياض.\nوتوفِّيَ - فيما زعم بعضهم - وهو ابن ستّ وثلاثين سنة، وفي قول بعضهم: وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة؛ فقال الذين زعموا أنه كان ابن ست وثلاثين: كان مولده سنة ست وتسعين ومائة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام. وقال بعضهم: وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة (١).\nوكان وُلد بطريق مكة، وأمه أم ولد روميّة؛ يقال لها قراطيس.\nواسمه هارون وكنيته أبو جعفر.\nوذكر أنه لما اعتلّ علته التي مات فيها وسقى بطنه أمر بإحضار المنجّمين، فأحضروا؛ وكان ممن حضر الحسن بن سهل، أخو الفضل بن سهل، والفضل بن إسحاق الهاشميّ وإسماعيل بن نُوبخت ومحمد بن موسى الخُوارزميّ المجوسيّ القطرُبُّليُّ وسند صاحب محمد بن الهيثم وعامة مَنْ ينظر في النجوم، فنظروا في علَّته ونجمه ومولده، فقالوا: يعيش دهرًا طويلًا، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة؛ فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات.\n_________\n(١) ذكر الطبري هنا قولين أيد كل من البسوي وابن قتيبة القول الأول فقد قال ابن قتيبة الدينوري: وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وأيامًا [المعارف/ ٢٠٠].\nوقال البسوي: وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر إلا ستة أيام [المعرفة ١/ ٧٢] والذي اختاره ابن كثير أنه توفي في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة.\n- أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائتين عن ست وثلاثين سنة [البداية والنهاية ٨/ ١٨٨].","vol":"12","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1973>ذكر بعض أخباره</span>\nذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، وقد قعد مجلسًا كان أوّل مجلس قعَده؛ فكان أوّل ما تُغُنّى به من الغناء في ذلك المجلس؛ أن تغنَّت شارية جارية إبراهيم بن المهديّ:\nما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقلُّوا ... نَعْشَه للثواء أَمْ للفناء\nفليقل فيك باكِياتُكَ ما شِئـ ... ـنَ صباحًا ووقت كلِّ مَسَاء\nقال: فبكى والله وبكينا حتى شغلَنا البكاء عن جميع ما كنّا فيه، ثم اندفع بعض المغنيين فغنّى:\nوَدِّعْ هريرة إِنَّ الرَّكبَ مرتحِلُ ... وهل تطِيقُ وَداعًا أَيها الرجلُ!\nقال: فازداد والله في البكاء؛ وقال: ما سمعت كاليوم قطّ تعزية بأب ونعيّ نفس؛ ثم انفض ذلك المجلس (١).\nوذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع أن عليّ بن الجهم قال في الواثق بعد أن ولي الخلافة:\nقد فازَ ذو الدُّنيا وذو الدِّينِ ... بدولةِ الواثقِ هارونِ\nأَفاضَ من عَدْلٍ ومن نائلٍ ... ما أَحسنَ الدنيا مع الدينِ!\nقد عمَّ بالإحسانِ في فضلهِ ... فالناس في خَفض وفي لِين\nما أكثرَ الداعي له بالبقا ... وأكثرَ التالي بآمينِ\nوقال عليّ بن الجهم أيضًا فيه:\nوثِقَتْ بالمَلكِ الوا ... ثِقِ بالله النفوسُ\nمَلكٌ يشقى به الما ... لُ ولا يشقى الجليسُ\nأَنِسَ السيفُ به واستـ ... ـوحشَ العِلْقُ النفِيس\nأَسدٌ تضْحَك عن ... شدّاتِهِ الحربُ العَبُوس\nيا بنِي العباسِ يأبَى الله ... إِلا أَنْ تَسُوسُوا\n_________\n(١) راوي الخبر الحسن بن الضحاك الشاعر المعروف بلقب الخليع لكثرة مجونه فكيف يَصُح خبره.","vol":"12","page":435},{"text":"فغنّت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين، وغنّت في شعر محمد بن كُناسة:\nفيّ انقباضٌ وحِشمةٌ فإِذا ... جالَسْتُ أَهل الوفاءِ والكَرَمِ\nأَرسلتُ نفسِي على محبتيها ... وقلتُ ما شئتُ غيرَ محتشِمِ\nفغنّته الواثق؛ فاستحسنه؛ فبعث إلى ابن الزيات: ويحك من صالح بن عبد الوهاب هذا! فابعث إليه فأشخصْه؛ وليحمل جاريتَه؛ فغدا بها صالح إلى الواثق، فأدخِلَتْ عليه، فلما تغنَّت ارتضاها، فبعث إليه، فقال: قلْ، فقال: مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين وولاية مصر، فردّها، ثم قال أحمد بن عبد الوهاب أخو صالح في الواثق:\nأَبَتْ دارُ الأَحِبَّةِ أن تُبِينا ... أَجدَّكَ ما رأَيتَ لها مُعينَا\nتُقَطَّعُ حَسْرَةً من حُبِّ لَيْلى ... نفوسٌ ما أُثبْن ولا جُزِينا\nفصنعت فيه قلم جارية صالح، فغنّاه زرزر الكبير للواثق، فقال: لمن ذا؟ فقال: لقلم، فبعث إلى ابن الزيات، فأشخص صالحًا ومعه قلم؛ فلمّا دخلت عليه، قال: هذا لك؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: بارك الله عليك؟ وبعث إلى صالح: استمْ وقلْ قولا يتهيأ أن تعطاه؛ فبعث إليه: قد أَهديتُها إلى أمير المؤمنين، فبارك الله لأمير المؤمنين فيها. قال: قد قبلتها، يا محمد، عَوِّضْه خمسة آلاف دينار، وسمّاها \"اغتباط\" فمطَله ابن الزّيات، فأعادت الصوت وهو:\nأبت دار الأحبةِ أن تُبينَا ... أجدَّك هل رأيت لها معينا\nفقال لها: بارك الله عليك وعلى من ربّاك؛ فقالت: يا سيدي وما ينتفع مَنْ رباني، وقد أمرت له بشيء لم يصل إليه! فقال الواثق: يا سقانة، الدواة؛ فكتب إلى ابن الزيّات: ادفع إلى صالح بن عبد الوهاب ما عوّضناه من ثمن اغتباط خمسة آلاف دينار، وأضعفها. قال صالح: فصرت إلى ابن الزيّات فقرّبني، وقال: هذه الخمسة الأولى؛ خذها، والخمسة آلاف الأخرى أدفعها إليك بعد جمعة؛ فإن سئلت، فقل: إني قبضت المال. قال: فكرهت أن أسأَلَ فأقرَّ بالقبض؛ فاختفيت في منزلي حتى دفع إليّ المال، فقال لي سمانة: قبضت","vol":"12","page":436},{"text":"المال؛ قلت: نعم، وترك عمل السلطان، وتجر بها، حتى تُوُفِّيَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>خلافة جعفر المتوكل على الله</span>\nوفي هذه السنة بُويع لجعفر المتوكل على الله بالخلافة؛ وهو جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد ذي الثَّفنات بن عليّ السجّاد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها</span>\nحدّثني غير واحد؛ أن الواثق لما تُوُفِّيَ حضر الدارَ أَحمد بن أبي دواد وإِيتاخ ووصيف وعمر بن فرَج وابن الزّيَات وأحمد بن خالد أبو الوزير، فعزموا على البَيْعة لمحمد بن الواثق؛ وهو غلام أَمْرَد، فأَلبسوه درّاعة سمداء وقلنسوة رُصافية، فإِذا هو قصير، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله! تولّون مثل هذا الخلافة؛ وهو لا يجوز معه الصلاة! .\nقال: فتناظروا فيمن يولّونَها، فذكروا عدّة، فذُكر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء، أنه قال: خرجتُ من الموضع الذي كنتُ فيه، فمررت بجعفر المتوكل؛ فإذا هو في قميص وسِرْوال قاعد مع أبناء الأتراك، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: لم ينقطع أمرهم؟ ثم دَعوْا به، فأخبره بُغا الشرابيّ الخبرَ، وجاء به، فقال: أخاف أن يكون الواثق لم يمت، قال: فمرّ به، فنظر إليه مسجّىً، فجاء فجلس، فألبسه أحمد بن أبي دواد الطويلة وعمَّمه وقبّله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! ثم غُسِّل الواثق وصُلِّيَ عليه\n_________\n(١) هذه الأخبار لا تصح كسابقتها (٣٠١) والله أعلم.\n(٢) وقال البسوي واستخلف (أي الواثق) جعفر بن أبي إسحاق لست ليالي بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين [المعرفة ١/ ٧٢].\nفقال ابن قتيبة وبويع لجعفر يوم توفي الواثق وأمه أمة تسمى شجاع [المعارف/ ٢٠٠].\nوقال الحافظ ابن كثير: بويع له بالخلافة بعد أخيه هارون الواثق وكانت بيعته وقت زوال الشمس من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة [البداية والنهاية ٨/ ١٨٨].","vol":"12","page":437},{"text":"ودفن، ثم صاروا من فَوْرهم إلى دار العامة؛ ولم يكن لقِّب المتوكل.\nوذكر أنه كان يوم بُويع له ابنَ ست وعشرين سنة؛ ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر؛ وكان الذي كتب البيعة له محمد بن عبد الملك الزيات؛ وهو إذ ذاك على ديوان الرسائل؛ واجتمعوا بعد ذلك على اختيار لقب له، فقال ابن الزيات: نسمّيه المنتصر بالله؛ وخاض الناس فيها حتى لم يشكّوا فيها، فلما كان غداة يوم بكّر أحمد بن أبي دواد إلى المتوكل، فقال: قد روّيت في لقب أرجو أن يكون موافقًا حسنًا إن شاء الله؛ وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه، وأحضر محمد بن عبد الملك، فأمر بالكتاب بذلك إلى الناس، فنفذت إليهم الكتب، نسخة ذلك:\nبسم الله الرحمن الرحيم؛ أمرَ - أبقاك الله - أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن يكون الرّسمُ الذي يجرى به ذكرُه على أعواد منابرِه، وفي كتبه إلى قضاته وكُتّابه وعمّاله وأصحاب دواوينه وغيرهم مِنْ سائر مَنْ تجرى المكاتبة بينه وبينه: \"من عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين\"؛ فرأيك في العمل بذلك وإعلامي بوصول كتابي إليك موفقًا إن شاء الله.\nوذُكِر أنه لما أمر للأتراك برزق أربعة أشهر وللجند والشاكريّة ومَنْ يجرى مجراهم من الهاشميين برزق ثمانية أشهر، أمر للمغاربة برزق ثلاثة أشهر، فأبوْا أن يقبضوا، فأرسل إليهم: من كان منكم مملوكًا؛ فليمض إلى أحمد بن أبي دواد حتى يبيعَه؛ ومن كان حرًّا صيرناه أُسْوَة الجند؛ فرضُوا بذلك؛ وتكلم وصيف فيهم حتى رضي عنهم؛ فأَعْطُوا ثلاثة، ثم أجروا بعد ذلك مُجْرَى الأتراك. وبويع للمتوكل ساعة مات الواثق بيعة الخاصة وبايعته العامّة حين زالت الشمس من ذلك اليوم.\nوذكر عن سعيد الصَّغير أن المتوكل قبل أن يُستخلف ذكر له ولجماعة معه أنه رأى في المنام أن سكَّرًا سليمانيًّا يسقط عليه من السماء، مكتوبًا عليه \"جعفر المتوكل على الله\"، فعبَّرها علينا، فقلنا: هي والله أيها الأمير أعزّك الله الخلافة، قال: وبلغ الواثق ذلك فحبسه، وحبس سعيدًا معه، وضيَّق على جعفر بسبب ذلك.\n* * *","vol":"12","page":438},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة محمدُ بن داود (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1976>ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>[ذكر خبر حبس محمد بن عبد الملك الزيات ووفاته]</span>\nفمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه إياه (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه:\nأما السبب في غضبه عليه؛ فإنه كان - فيما ذكر - أنّ الواثق كان استوزر محمد بن عبد الملك الزيات وفوّض إليه الأمور؛ وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل لبعض الأمور، فوكّل عليه عمر بن فرج الرُّخَّجيّ ومحمد بن العَلاء الخادم؛ فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كلّ وقت؛ فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلِّم له أخاه الواثق ليرضَى عنه؛ فلمّا دخل عليه مكث واقفًا بين يديه مليًّا لايكلمه، ثم شار إليه أن يقعد فقعد؛ فلما فرغ من نظره في الكتب، التفت إليه كالمتهدّد له، فقال؟ ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرّضا عني، فقال لمن حوله: انظروا إلى هذا، يُغضب أخاه، ويسألني أن استرضيَه له! اذهب فإنك إذا صلحت رضِيَ عنك؛ فقام جعفر كئيبًا حزينًا لمَا لقيه به من قُبْح اللقاء والتقصير به؛ فخرج من عنده؛ فأتى عمر بن فرج ليسأله أن يختم له صَكِّه ليقبض أرزاقه، فلقيه عمر بن فرج بالخيبة؛ وأخذ الصكَّ، فرمى به إلى صَحْن المسجد.\n_________\n(١) وقال البسوي حج بنا محمد بن داود [المعرفة ١/ ٧٢] وانظر تأريخ خليفة (٣١٩).\nوهنا توقف خليفة بن خياط ﵀ (٣٣٢ هـ) عن تسجيل الوقائع والأحداث بالترتيب الحولي.\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ١٨٩).","vol":"12","page":439},{"text":"وكان عمر يجلس في مسجد؟ وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضرًا، فقام لينصرف، فقام معه جعفر، فقال: يا أبا الوزير، أرأيتَ ما صنع بي عمر بن فرج؟ قال: جعلت فداك! أنا زِمَامٌ عليه؛ وليس يختم صكّي بأرزاقي إلا بالطلب والترفُّق به؛ فابعث إليّ بوكيلك؛ فبعث جعفر بوكيله؛ فدفع إليه عشرين ألفًا، وقال: أنْفِق هذا حتى يهيِّئ الله أمرك، فأخذها ثم أعاد إلى أبي الوزير رسوله بعد شهر، يسأله إعانته، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم؛ ثم صار جعفر من فوْرِه حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبي دواد، فدخل عليه، فقام له أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبَّله والتزمه، وقال: ما جاء بك، جعلتُ فداك! قال: قد جئتُ لتسترضيَ لي أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمةَ عين وكرامة، فكلّم أحمد بن أبي دواد الواثق فيه، فوعده ولم يرض عنه؛ فلما كان يوم الحلبة كلّم أحمد بن أبي دواد الواثق، وقال: معروف المعتصم عندي معروف، وجعفر ابنه؛ فقد كلمتك فيه، ووعدتَ الرضا؛ فبحقّ المعتصم يا أمير المؤمنين إلَّا رضيتَ عنه! فرضي عنه من ساعته وكساه، وانصرف الواثق وقد قلَّد أحمد بن أبي دواد جعفرًا بكلامه حتى رضيَ عنه أخوه شكرًا، فأحظاه ذلك عنده حين ملك.\nوذكر أنّ محمد بن عبد الملك كان كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير المؤمنين، أتاني جعفر بن المعتصم يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه في زيّ المخنثين له شعر قفا. فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره، ومُرْ مَنْ يجزَّ شعر قفاه، ثم مُرْ من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله. فذكر عن المتوكّل أنه قال: لما أتاني رسوله، لبست سوادًا لي جديدًا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عَنِّي، فقال: يا غلام، ادع لي حجّامًا، فدُعي به، فقال: خذ شعره واجمعه، فأخذه على السَّواد الجديد. ولم يأته بمنديل، فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه.\nقال المتوكِّل: فما دخلَني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حين أخذني على السواد الجديد؛ وقد جئته فيه طامعًا في الرضا، فأخذ شعري عليه.\nولما تُوفِّيَ الواثق أشار محمد بن عبد الملك بابن الواثق، وتكلّم في ذلك وجعفر في حُجْرة غير الحجرة التي يتشاورون فيها، فيمن يعقدون، حتى بُعث","vol":"12","page":440},{"text":"إليه، فعُقد له هناك، فكان سبب هلاك ابن الزّيات.\nوكان بُغا الشرابيّ الرسولَ إليه يدعوه، فسلم عليه بالخلافة في الطريق، فعقدوا له وبايعوا، فأمهل حتى إذا كان يوم الأربعاء لسبع خَلَوْن من صفر؛ وقد عزم المتوكِّل على مكروه أن يناله به، أمر إيتاخ بأخذه وعذابه؛ فبعث إليه إيتاخ، فظنّ أنه دُعي به، فركب بعد غدائه مبادرًا يظنّ أن الخليفة دعا به؛ فلما حاذى منزل إيتاخ قيل له: اعدل إلى منزل أبي منصور، فعدَل وأوجس في نفسه خيفةً؛ فلمَا جاء إلى الموضع الذي كان ينزل فيه إيتاخ عُدِل به يمْنةً، فأحسّ بالشرّ، ثم أدخِل حجرة، وأخِذ سيفه ومنطِقته وقلنسوته ودرّاعته؛ فدُفع إلى غلمانه، وقيل لهم: انصرفوا، فانصرفوا لا يشكُّون أنه مقيم عند إيتاخ ليشرب النبيذ.\nقال: وقد كان إيتاخ أعدّ له رجلين من وجُوه أصحابه؛ يقال لهما يزيد بن عبد الله الحلواني وهَرْثمة شارباميان؛ فلما حصل محمد بن عبد الملك خرجا يركُضان في جُنْدهما وشاكريّتهما، حتى أتيا دار محمد بن عبد الملك، فقال لهم غلمان محمد: أين تريدون؟ قد ركب أبو جعفر، فهجما على داره، وأخذا جميع ما فيها.\nفذكر عن ابن الحلوانيّ أنه قال: أتيت البيت الذي كان محمد بن عبد الملك يجلس فيه، فرأيته رثّ الهيئة قليل المتاع، ورأيت فيه طنافس أربعة وقنانيّ رطليّات، فيها شراب، ورأيت بيتًا ينام فيه جواريه، فرأيت فيه بُوريًّا ومخادَّ منضّدة في جانب البيت؛ على أن جواريه كنّ ينمْنَ بلا فُرش.\nوذكر أنّ المتوكل وجّه في هذا اليوم من قَبض ما في منزله من متاعِ ودوابَ وحوار وغلمان، فصيِّر ذلك كله في الهارونيّ، ووجّه راشدًا المغربيَّ إلَى بغداد في قبض ما هنالك من أمواله وخَدَمِه، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت. فأمّا ما كان بسامراء فحمل إلى خزائن مَسرور سمانة، بعد أن اشتُريَ للخليفة؛ وقيل لمحمد بن عبد الملك: وكّلْ ببيع متاعك. وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عُجيف، فوكّله بالبيع عليه، فلم يزل أيامًا في حبَسْه مطلقًا، ثم أمر بتقييده فقُيِّد، وامتنع من الطعام، وكان لا يذوق شيئًا، وكان شديد الجَزع في حبسه، كثير البكاء، قليل الكلام، كثير التفكّر، فمكث أيامًا ثم سُوهر، ومُنع من النوم، يساهَر ويُنْخَس بمسلّة، ثم تُرك يوما وليلة،","vol":"12","page":441},{"text":"فنام وانتبه؛ فاشتهى فاكهة وعِنَبًا، فأتِيَ به، فأكل ثم أعيد إلى المساهرة، ثم أمر بتنور من خشب فيه مسامير حديد [قيامٌ]. فذكر عن ابن أبي دواد وأبي الوزير أنهما قالا: هو أوّل مَنْ أمر بعمل ذلك؛ فعذّب به ابن أسباط المصريّ حتى استخرج منه جميع ما عنده، ثم ابتُليَ به فعُذِّب به أيامًا.\nفذُكر عن الدندانيّ الموكّل بعذابه أنه قال: كنت أخرج وأقفل الباب عليه؛ فيمدّ يديه إلى السماء جميعًا حتى يدق موضع كتفيه؛ ثم يدخل التَّنُّور فيجلس، والتَّنُّور فيه مسامير حديد وفي وسطه خشبة معترضة، يجلس عليها المعذِّب؛ إذا أراد أن يستريح، فيجلس على الخشبة ساعة، تم يجيء الموكّل به، فإذا هو سمع صوت الباب يُفتح قام قائمًا كما كان؛ ثم شددوا عليه.\nقال المعذِّب له: خاتلته يومًا، وأريتُه أني أقفلت الباب ولم أقفله؛ إنما أغلقته بالقفل، ثم مكثت قليلًا، ثم دفعت الباب غَفْلة؛ فإذا هو قاعد في التَّنُّور على الخشبة، فقلت: أراك تعمل هذا العمل! فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خِناقه، فكان لا يقدر على القعود، واستللت الخشبة حتّى كانت تكون بين رجليه؛ فما مكَث بعد ذلك إلا أيامًا حتى مات.\nواختلف في الذي قتِل به، فقيل: بُطِح، فضُرب على بطنه خمسين مَقْرعة، ثم قُلِب فضرب على استه مثلها، فمات وهو يُضرَب؛ وهم لا يعلمون، فأصبح ميِّتًا قد التوت عنُقه، ونُتفت لحيته. وقيل: مات بغير ضرب.\nوذكر عن مبارك المغربيّ أنه قال: ما أظنه أكل في طول حبسه إلَّا رغيفًا واحدًا؛ وكان يأكل العِنبة والعنبتين.\nقال: وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه: يا محمد بن عبد الملك؛ لم يقنعك النعمة والدواب الفُرَّه والدّار النظيفة والكسوة الفاخرة؛ وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة؛ ذُق ما عملت بنفسك! فكان يكرّر ذلك على نفسه؛ فلمّا كان قبل موته بيوم؛ ذهب عنه عتابُ نفسه؛ فكان لا يزيد على التشهّد وذكر الله؛ فلما مات أحْضِرَ ابناه سليمان وعبيد الله - كانا مجبوسين - وقد طُرح على باب من خشب في قميصه الذي حُبس فيه؛ وقد اتَّسخ فقالا: الحمد الله الذي أراح من هذا الفاسق؛ فدُفعت جُثَّته إليهما، فغسلاه على الباب الخشب، ودفناه","vol":"12","page":442},{"text":"وحفرا له، فلم يعمِّقا؛ فذُكِر أن الكلاب نبشته؛ وأكلت لحمه.\nوكان إبراهيم بن العباس على الأهواز، وكان محمد بن عبد الملك له صديقًا، فوجّه إليه محمد أحمدَ بن يوسف أبا الجهم، فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقال إبراهيم:\nوكنتَ أَخي بإِخاء الزمانِ ... فلما نَبَا عُدْتَ حربًا عَوَانا\nوكنت أَذمُّ إِليك الزمانَ ... فأَصْبَحْتُ منك أَذمُّ الزمانا\nوكنت أَعُدُّك للنائباتِ ... فها أَنا أَطلبُ منك الأَمانا\nقال:\nأَصبحت مِن رأَي أَبي جعفرٍ ... في هيئةٍ تنذِرُ بالصَّيْلَمِ\nمِنْ غيرِ ما ذَنبٍ ولكنَّها ... عَدَاوة الزنديقِ للمسْلِمِ\nوأحدِر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربيّ إلى بغداد، لأخذ ماله بها، فوردها، فأَخذ رَوْحًا غلامَه - وكان قَهرمانه - في يده أمواله يتّجر بها، وأخذ عدّة من أهل بيته، وأخذ معهم حمل بغل، وجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحِنْطة والشعير والدّقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت مملوء ثومًا، فكان جميع ما قبض له مع قيمته تسعين ألف دينار، وكان حبس المتوكل إياه يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الأول (١).\n* * *\n_________\n(١) هذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (١٥٦ - ١٦١) ذكر الطبري بعض أجزائه عن المعذّب وذكر أجزاء أخرى بلا إسناد ومقاطع صغيرة عن رأس المبتدعة ابن أبي دواد ومقطعًا صغيرًا عن ابن الحلواني والخبر لا يصح وهكذا إسناده والمعذب لم نجد من يذكرهما في الثقات حتى ابن حبان المعروف بتساهله في التوثيق وأما ابن أبي داود فهو من المبتدعين الداعين إلى بدعتهم بل كان السبب في إغراء الخلفاء بأئمة أهل السنة والجماعة وقتلهم وما إلى ذلك فلا اعتبار لخبره.\nومثل هذه التفاصيل تناقلتها كتب التأريخ المتعاقبة وأصلها ها هنا في تأريخ الطبري الذي انفرد بتفاصيلها دون غيره من المؤرخين المتقدمين الثقات والله أعلم.","vol":"12","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1978>[ذكر غضب المتوكل على عمر بن فرج] </span>(١)\nوفيها غضب المتوكل على عمر بن فرج؛ وذلك في شهر رمضان، فدُفع إلى إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، فحُبس عنده، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وصار نَجَاح بن سَلمة إلى منزِله؛ فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم، وحضر مسرور سمانة، فقبض جواريه، وقُيِّد عمر ثلاثين رطلًا، وأحضر مولاه نصر من بغداد، فحمل ثلاثين ألف دينار، وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار، وأصيب له بالأهواز أربعون ألف دينار، ولأخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار، وحُمِل من داره من المتاع ستة عشر بعيرًا فُرُشًا، ومن الجوهر قيمة أربعين ألف دينار، وحُمِل من متاعه وفرشه على خمسين جملًا، كرّت مرارًا، وألبس فَرَجِيّه صوف وقُيِّد، فمكث بذلك سبعًا، ثم أطلق عنه وقبض قصره، وأخذ عياله، ففتِّشوا وكنّ مائة جارية؛ ثم صولح على عشرة آلاف ألف درهم، على أن يردّ عليه ما حيز عنه من ضياع الأهواز فقط، ونزعت عنه الجبة الصّوف والقيد؛ وذلك في شوّال.\nوقال عليّ بن الجهم بن بدر لنجاحٍ بن سلمة يحرّضه على عمر بن فرج:\nأَبلِغْ نَجَاحًا فتى الكتّابِ مَألُكةً ... تمضِي بِهَا الرِّيحُ إِصدارًا وإيرادَا\nلا يخرُج المالُ عفوًا من يَدَيْ عمرٍ ... أَو يُغْمَدَ السَّيفُ في فَوْدَيْه إِغمادًا\nالرُّخَّجيُّونَ لا يُوفون ما وعَدُوا ... والرخَّجيّات لا يُخلِفْنَ ميعادا\nوقال أيضًا يهجوه:\nجَمَعتَ أَمرَيْنِ ضاعَ الحزمُ بينهما ... تِيهَ المُلوكِ وأفعالَ! المماليكِ\nأَردتَ شكرًا بلا برٍّ ومَرْزئة ... لقد سَلَكتَ سبيلا غيرَ مسلوك\nظَنَنْتَ عِرْضَك لم يُقرَعْ بقارعة ... وما أَراك على حالٍ بِمتروكِ\n* * *\nوفي هذه السنة أمر المتوكّل بإبراهيم بن الجنيد النصرانيّ، أخي أيوب كاتب\n_________\n(١) انظر تعليقنا الآتي.","vol":"12","page":444},{"text":"سمانة، فضُرب له بالأعمدة حتى أقرَّ بسبعين ألف دينار، فوجّه معه مباركًا المغربيّ إلى بغداد حتى استخرجها من منزله، وجيء به فحُبس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>[ذكر غضب المتوكل علي أبي الوزير وغيره] </span>(١)\nوفيها غضب المتوكل على أبي الوزير في ذي الحجة، وأمر بمحاسبته، فحمل نحوًا من ستين ألف دينار، وحمل بدورَ دراهم وحليًّا، وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سَفطًا واثنين وثلاثين غلامًا وفرشًا كثيرًا، وحبس بخيانته محمد بن عبد الملك أخا موسى بن عبد الملك والهيثم بن خالد النصرانيّ وابن أخيه سعدون بن عليّ، وصولح سعدون على أربعين ألف دينار، وصولح ابنا أخيه عبد الله وأحمد على نيّف وثلاثين ألف دينار؛ وأخذت ضياعهم بذلك.\n* * *\nوفي هذه السنة استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائيّ.\nوفي هذه السنة عزل المتوكل يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيَت من شهر رمضان\n_________\n(١) هذه أخبار ذكرها الطبري وأعني القبض على الكتاب والوزراء المذكورين آنفًا خلال هذه السنة (٢٣٣ هـ) ولم يذكر الطبري ما ذكر بإسنادٍ - ولم يتطرق خليفة ولا البسوي هذه الأمور وكذلك غيرهما من المؤرخين المتقدمين الثقات فلا نستطيع أن نقول بصحتها وإن كان ذكر الطبري لها على جانب من الأهمية لأن الطبري وإن لم يعاصر تلك الأحداث ولم يكن يومها في دار الخلافة بل كان صغيرًا في بلده أمل (من طبرستان) لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا أنه رحل إلى بغداد بعد فترة والتقى بمن أخبره هذه الأخبار فلعله التقى بشهود عيان أو سمعها من أفواه الناس دون ذكر لمن هو ثقة دون غيره خلاصة القول: إن كانت هذه الأخبار صحيحة فهي دلالة واضحة على انفلات الأمور من عقالها وخوض الوزراء والكتاب في المال العام واكتسابهم الثروة من طرق غير مشروعة وكل ذلك مخالف لأصول ونصوص السياسة الشرعية ومخالف لما كان عليه الخلفاء الراشدون ومن بعدهم كثير من الخلفاء الأمويين كسيدنا معاوية ﵁ وابن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك ومن بعدهم خلفاء بني العباس كالمنصور وغيره وعلى ما يبدو فإن اضطراب أمر الوزراء والكتاب بدا جليًا أيام الواثق عندما تمكنوا من إدارة الأمور وجباية الأموال والله تعالى أعلم.","vol":"12","page":445},{"text":"عن ديوان الخراج الفضلَ بن مرْوان، وولّاه يحيى بن خاقان الخُراسانيّ مولى الأزْد، وولَّى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول في هذا اليوم ديوان زِمام النفقات وعزل عنه أبا الوزير.\n* * *\nوفيها ولَّى المتوكل ابنه محمدًا المنتصر الحَرَمين واليمن والطائف، وعقد له يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان (١).\nوفيها فُلِج أحمد بن أبي دواد لستّ خلون من جمادى الآخرة (٢).\nوفيها قدم يحيى بن هرثمة مكة وهو والي طريق مكة بعليّ بن محمد بن عليّ الرضيّ بن موسى بن جعفر من المدينة.\nوفيها وثب ميخائيل بن توفيل على أمّه تذورة فشمّسها وأدخلها الدير، وقتل اللُّغُشِيط لأنه اتهمها به؛ وكان ملكها ستّ سنين (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>[ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث]</span>\nفمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حَلْبَسْ؛ جيء به أسيرًا من قبل أذْربيجان فحبس (٥).\n_________\n(١) لهذه الأخبار الموجزة انظر البداية والنهاية (٨/ ١٨٩).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) لهذه الأخبار الموجزة انظر البداية والنهاية (٨/ ١٨٩).\n(٤) وقال البسوي حجّ بنا محمد بن داود بن عيسى ونعى لنا هارون لست عشرة مضت من المحرم سنة ثلاث وثلاثين ومائتين لقاه على المنبر عن كتاب وكيله إليه وبايع جعفر ثم جاءت الخريطة بموت هارون [المعرفة ١/ ٧٣].\n(٥) انظر المنتظم (١١/ ٢٠٦).","vol":"12","page":446},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره:\nذكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ المتوكل كان اعتَلّ في هذه السنة؛ وكان مع ابن البعيث رجلٌ يخدمه يسمّى خليفة، فأخبره بأنّ المتوكل قد تُوفِّيَ، وأعدّ له دوابٌ، فهرب هو وخليفة الذي أخبره الخبر إلى موضعه من أذْرَبيجان، وموضعه منها مَرَنْد - وقيل: كانت له قلعتان تُدْعى إحداهما شاهى والأخرى يَكدرُ - ويكدر خارج البحيرة، وشاهى في وسط البحيرة، والبحيرة قدرُ خمسين فرسخًا من حدّ أرْمية؛ إلى رُستاق داخَرّقَان بلاد محمد بن الرواد، وشاهى قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قائم ثَمَ، يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرْمِيَة وهي بحيرة لا سمك فيها ولا خير.\nوذُكر أنّ ابن البَعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بُغَا الشرابيّ، وأخذ منه الكُفَلاء نحوًا من ثلاثين كَفيلًا، منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ؛ فكان يتردّد بسامراء؛ فهرب إلى مَرَنْد، فجمع بِمَرنْد الطعام؛ وفيها عيون ماء، فرَمَّ ما كان وَهيَ من سُورها، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية؛ من ربيعة وغيرهم؛ فصار في نحو من ألفين ومائتي رجل.\nوكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصّر في طلبه، فولَّى المتوكل حمدويه بن عليّ بن الفضل السعديّ أَذْرَبيجان، ووجّهه من سامراء على البريد، فلما صار إليها جمع الجند والشاكريّة ومَن استجاب له، فصار في عشرة آلاف، فزَحف إلى ابن البَعيث، فألجأه إلى مدينة مَرَنْد - وهي مدينة استدارتها فرسخان وفي داخلها بساتين كثيرة، ومن خارجها كما تدور شجر إلّا في موضع أبوابها - وقد جمع فيها ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء، فلما طالت مدّته وجه المتوكل زيرك التركي في مائة ألف فارس من الأتراك فلم يصنع شيئًا، فوجّه إِليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكريّة، فلم يُغنِ شيئًا، فوجَه إليه بغا الشرابيّ في أربعة آلاف ما بين تركيّ وشاكريّ ومغربيّ، وكان حمدويه بن عليّ وعمرو بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مَرَنْد، وقطعوا ما حولها من الشجر، فقطعوا نحوًا من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغِياض، ونصبوا عليها عشرين مِنْجَنيقًا، وبنوْا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه،","vol":"12","page":447},{"text":"ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثلَ ذلك؛ وكان مَنْ معه من عُلُوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرَّجُل لا يقدر على الدنوّ من سُور المدينة، فقُتل من أولياء السلطان في حَرْبه في ثمانية أشهر نحو من مائة رجل، وجُرح نحو من أربعمائة، وقتِل وجرِح من أصحابه مثل ذلك.\nوكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه القتال ويُراوحونه؛ وكان السور من قِبَل المدينة ذليلًا، ومن القرار نحوًا من عشرين ذراعًا، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلَّوْن بالحبال، معهم الرماح فيقاتلون؛ فإذا حُمِل عليهم من أصحاب السلطان لجؤوا إلى الحائط؛ وكانوا ربما فتحوا بابًا يقال له باب الماء؛ فيخرج منه العِدّة يقاتلون ثم يرجعون.\nولما قرب بُغا الشرابيّ من مَرَنْد بعث - فيما ذكر - عيسى بن الشيخ بن السَّليل الشيبانيّ، ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث، ولابن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين وإلّا قاتلهم، فإن ظفر بهم لم يستبقِ منهم أحدًا، ومَنْ نزل فله الأمان؛ وكان عامة مَنْ مع ابن البَعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ؛ فنزل منهم قوم كثير بالحبال، ونزل خَتن ابن البعيث على أخته أبو الأغر.\nوذكر عن أبي الأغرّ هذا أنه قال: ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب حمدويه وزيرك، وخرج ابن البعيث من منزله هاربًا يريد أن يخرج من وجه آخر؛ فلحقه قوم من الجند، معهم منصور قَهرمانه؛ وهو راكب دابةً، يريد أن يصير إلى نهر عليه رحًا ليستخفيَ في الرحا، وفي عنقه السيف، فأخذوه أسيرًا وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بعد ما انتهب الناس: برئت الذّمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقي سراريّ؛ فحصل في يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة، وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين نحوٌ من مائتي رجل، وهرب الباقون؛ فوافاهم بُغا الشرابيّ من غد، فنادى مناديه بالمنع من النهْب، فكتب بُغا الشرابيّ بالفتح لنفسه.\n* * *\nوخرج المتوكل فيها إلى المدائن في جمادى الأولى.","vol":"12","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1982>[ذكر الخبر عن حج إيتاخ وسببه]</span>\nوحجّ في هذه السنة إيتاخ، وكان والي مكة والمدينة والموسم، ودُعِي له على المنابر (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1983> ذكر الخبر عن سبب حجه في هذه السنة:</span>\nذُكر أن إيتاخ كان غلامًا خَزَريًّا لسلام الأبرش طباخًا، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان لإيتاخ رُجْلة وبأس، فرفعه المعتصم ومنْ بعده؛ حتى ضمّ إليه من أعمال السلطان أعمالًا كثيرة، وولاه المعتصم معونة سامراء مع إسحاق بن إبراهيم؛ وكان مِنْ قِبَله رجل، ومن قبَل إسحاق رجل؛ وكان مَنْ أراد المعتصم أو الواثق قتله فعند إيتاخ يُقتل، وبيدهُ يحبْس؛ منهم محمد بن عبد الملك الزيات، وأولاد المأمون من سندس، وصالح بن عُجيف وغيرهم؛ فلمَّا ولِيَ المتوكل كان إيتاخ في مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبريد والحجابة ودار الخلافة؛ فخرج المتوكل بعد ما استوتْ له الخلافة متنزِّها إلى ناحية القَاطُول، فشرب ليلة، فعربَد على إيتاخ فهمّ إيتاخ بقتله؛ فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه والتزمه، وقال له: أنت أبي وربَّيْتَني، فلما صار المتوكل إلى سامراء دسَّ إليه مَنْ يشير عليه بالاستئذان للحجّ، ففعل وأذِن له، وصيَّره أمير كلِّ بلدة يدخلها، وخلع عليه، وركب جميع القوَّاد معه، وخرج معه من الشاكرّية والقوّاد والغلمان سوى غلمانه وحَشمه بشر كثير؛ فحين خرج صُيِّرت الحجابة إلى وصيف، وذلك يوم السبت لاثنتَي عشرة ليلة بقيت من ذي القعد\". (٢).\nوقد قيل إن هذه القصة من أمر إيتاخ كانت في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وإن\n_________\n(١) أيّد البسوي أصل هذا الخبر فقال [٨/ ١٨٩]: حجّ في هذه السنة إيتاخ وصدر وذهب أثره إلى اليوم [المعرفة ١/ ٧٣]، وأما التفاصيل التالية التي ذكرها الطبري فلم نجد لها تأييدًا والله أعلم.\n(٢) هذه التفاصيل انفرد بها الطبري دون غيره من الأخباريين والمؤرخين المتقدمين الثقات.\nوذكرها الطبري بلا إسناد (ذكر) ومثل هذه التفاصيل لا تصح بهذه الطريقة من الرواية ولو أيّده فيها أحد من المؤرخين المتقدمين الثقات ولو بغير إسنادٍ لتغيّرت المسألة وجُلُّ هذه التفاصيل لا تصح والله تعالى أعلم سوى أمر واحد أيده البسوي وهو أصل الخبر: كما ذكرنا آنفًا.","vol":"12","page":449},{"text":"المتوكل إنما صيَّر إلى وصيف الحجابة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>[ذكر الخبر عن مقتل إيتاخ]</span>\nفمن ذلك مقتل إيتاخ الخزَريّ (٢).\n* ذكر الخبر عن صفة مقتله:\nذُكر عن إيتاخ أنه لما انصرف من مكّة راجعًا إلى العراق، وجّه المتوكل إليه سعيد بن صالح الحاجب مع كسوة وألطاف، وأمره أن يلقاه بالكُوفة أو ببعض طريقه، وقد تقدّم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه.\nفذكر عن إبراهيم بن المدبّر، أنه قال: خرجت مع إسحاق بن إبراهيم حين قَرُب إيتاخ من بغداد، وكان يريد أن يأخذ طريق الفُرات إلى الأنبار، ثم يخرج إلى سامراء، فكتب إليه إسحاق بن إبراهيم: إنّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، قد أمر أن تدخل بغداد، وأنْ يلقَاك بنو هاشم ووجُوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خُزيمة بن خازم، فتأمر لهم بجوائز. قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالياسريّة،\n_________\n(١) وقال البسوي: سنة أربع وثلاثين ومائتين حجَّ بنا محمد بن داود بن عيسى [المعرفة ١/ ٧٣].\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ٢٢١ - ٢٢٢) فقد ذكر هذا الخبر مختصرًا عما ذكره الطبري في تأريخه (٩/ ١٦٨ - ١٧٠) ولم نجد للتفاصيل التي ذكرها الطبري تأييدًا عند مؤرخ متقدم ثقة والله أعلم.","vol":"12","page":450},{"text":"وقد شحن ابن إبراهيم الجسر بالجُنْد والشاكريّة، وخرج في خاصّته، وطُرِح له بالياسرية صُفَّة، فجلس عليها حتى قالوا: قد قَرُب منك. فركب فاستقبله؛ فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل، فحلف عليه إيتاخ ألّا يفعل.\nقال: وكان إيتاخ في ثلاثمائة من أصحابه وغلمانه، عليه قَباء أبيض، متقلّدًا سيفًا بحمائل، فسارا جميعًا؛ حتى إذا صارا عند الجسر تقدّمه إسحاق عند الجسر، وعبرَ حتى وقف على باب خُزيمة بن خازم، وقال لإيتاخ: تدخل أصلح الله الأمير! وكان الموكَّلون بالجْسر كلما مرَ بهم غلام من غلمانه قدّموه؛ حتى بقيَ خاصّة غلمانه، ودخل بين يديه قوم، وقد فرشت له دار خزيمة، وتأخّر إِسحاق، وأمر ألّا يدخل الدار من غلمانه إلا ثلاثة أو أربعة، وأخذت عليه الأبواب، وأمر بحراسته من ناحية الشطّ، وكسرت كل درجة في قصر خُزيمة بن خازم، فحين دخل أغلق الباب خلفه، فنظر فإذا ليس معه إِلّا ثلاثة غلمان، فقال: قد فعلوها! ولو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على أخذه؛ ولو دخل إلى سامراء، فأراد بأصحابه قتلَ جميع من خالفه أمكنه ذلك. قال: فأتِيَ بطعام قرب الليل، فأكل فمكث يومين أو ثلاثة، ثم ركب إسحاق في حرّاقة وأعدّ لإيتاخ أخرى، ثم أرسل إليه أن يصير إلى الحرّاقة، وأمر بأخذ سيفه، فحدَروه إلى الحرّاقة، وصُيِّرَ معه قوم في السلاح وصاعَدَ إسحاق، حتى صار إلى منزله، وأخرج إيتاخ حين بلغ دار إسحاق، فأدخِل ناحية منها، ثم قيِّد فأثقِل بالحديد في عُنقه ورجليه، ثم قدِّم بابنيه منصور ومظفر، وبكاتبيه سليمان بن وهبْ وقدامة بن زياد النصرانيّ بغداد. وكان سليمان على أعمال السلطان، وقدامة على ضياع إيتاخ خاصّة، فحبِسوا ببغداد؛ فأما سليمان وقُدامة فضُرِبا، فأسلم قُدامة وحُبس منصور ومظفر.\nوذكر عن تُرْك مولى إِسحاق أنه قال: وقفت على باب البيت الذي فيه إيتاخ محبوس، فقال لي: يا ترك، قلت: ما تريد يا منصور؟ قال: أقريء الأمير السلام، وقل له: قد علمتَ ما كان يأمرني به المعتصم والواثق في أمرك؛ فكنت أدفع عنك ما أمكنني؛ فلينفعْني ذلك عندك؛ أما أنا فقد مرّ بي شدّة ورخاء؛ فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأمّا هذان الغلامان؛ فإنهما عاشا في نعمة ولم يعرفا البؤس، فصيّرْ لهما مَرَقة ولحمًا وشيئًا يأكلان منه. قال ترْك: فوقفتُ على","vol":"12","page":451},{"text":"باب مجلس إسحاق، قال لي: ما لك يا ترك؛ أتريد أن تتكلم بشيء؟ قلت: نعم، قال لي إيتاخ كذا، كذا، قال: وكانت وظيفة إيتاخ رغيفًا وكوزًا من ماء، ويأمر لابنيه بخوان فيه سبعة أرغفة وخمس غُرف؛ فلم يزل ذلك قائمًا حياة إسحاق، ثم لا أدري ما صنع بهما؛ فأما إيتاخ فقُيِّد وصُيِّر في عنقه ثمانون رطلًا، وقَيْدٌ ثقيل، فمات يوم الأربعاء لخمس خلوْن من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق على موته أبا الحسن إسحاق بن ثابت بن أبي عباد وصاحب بريد بغداد والقضاة، وأراهم إياه لا ضَرْبَ به ولا أثر.\nوحدثني بعض شيوخنا أن إيتاخ كان موته بالعطش، وأنه أطعِم فاستسقى فمنع الماء، حتى مات عطشًا، وبقي ابناه في الحبس حياةَ المتوكل، فلما أفضَى الأمر إلى المنتصر أخرجَهما؛ فأما مظفّر فإنه لم يعش بعد أن أخرج من السجن إلا ثلاثة أشهر حتى مات؛ وأما منصور فعاش بعده.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>[ذكر خبر أسر ابن البعيث وموته] </span>(١)\nوفي هذه السنة قدم بُغا الشرابيّ بابن البَعيث في شوّال وبخليفته أبي الأغرّ وبأخوَي ابن البعيث صقْر وخالد - وكانا نزلا بأمان - وبابن لابن البعيث، يقال له العلاء؛ خرج بأمان، وقدم من الأسرى بنحو من مائة وثمانين رجلًا، ومات باقيهم قبل أن يصلوا، فلمّا قربوا من سامراء حُملوا على الجِمال يستشرفهم الناس، فأمر المتوكل بحبسه وحبسهم، وأثقله حديدًا.\nفذُكر عن عليّ بن الجهم، أنه قال: أتي المتوكل بمحمد بن البعيث، فأمر بضرب عنقه، فطرِح على نِطَع، وجاء السيَّافون فلوّحوا له، فقال المتوكّل، وغلظ عليه: ما دعاك يا محمد إلى ما صنعتَ؟ قال: الشقوة، وأنت الحبل\n_________\n(١) علي بن جهم الخراساني شاعر مشهور صاحب ديوان معروف قال الخطيب في ترجمته كان دينًا فاضلًا وقد اتهمه المسعودي بالنصب ولا يؤخذ بقول المسعودي فهو غير ثقة عند أهل الحديث وهو معروف ببدعته التي جعلت منه مؤرخًا منحازًا غير محايد وغير عدل في أخباره وانظر المنتظم (١١/ ٢٢٢).","vol":"12","page":452},{"text":"الممدود بين الله وبين خلقه؛ وإن لي فيك لظنَّيْن أسبقهما إلى قلبي أوْلاهما بك؛ وهو العفو؛ ثم اندفع بلا فضل، فقال:\nأَبَى الناسُ إلا أَنك اليومَ قاتِلِي ... إِمامَ الهُدَى والصفح بالناسِ أَجمَلُ\nوهل أَنا إِلا جُبلةٌ من خَطيَّةٍ ... وعفوك من نور النبوَّةِ يُجْبَلُ\nفإنَّك خيرُ السابقين إِلى العُلَا ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل\nقال عليّ: ثم التفت إليّ المتوكل، فقال: إن معه لأدبًا، وبادرت فقلت: بل يفعل أمير المؤمنين خيرَهما ويمنّ عليك؛ فقال: ارجع إلى منزلك.\nوحدّثني .... أنه أنشدني بالمراغة جماعة من أشياخها أشعارًا لابن البعيث بالفارسية، ويذكرون أدبه وشجاعته، وله أخبار وأحاديث.\nوحدّثني بعضُ مَنْ ذكر أنه شهد المتوكّل حين أتيَ بابن البَعِيث، وكلّمه ابن البَعيث بما كلَّمه به، فتكلّم فيه المعتزّ؛ وهو جالس مع أبيه المتوكل، فاستوهبه فُوهِب له، وعُفي عنه.\nوكان ابن البَعيث حين هرب قال:\nكمْ قد قضيت أمورًا كان أَهمَلَها ... غيرِي وقد أَخذ الإِفلاسُ بالكَظَم\nلا تَعْذِلِينِيَ فيما ليس ينفعُني ... إِليكِ عني جَرى المِقدارُ بالقَلمِ\nسأتلِفُ المالَ في عُسرٍ وفي يُسرٍ ... إِن الجوَادَ الذي يُعْطِي على العدَمِ\nوكان ابن البعيث حين هرب خلّف في منزله ثلاثة بنين له، يقال لهم: البَعيث وجعفر وحَلْبس، وجواريَ، فحبِسوا ببغداد في قصر الذّهب، فتكلّم بُغا الشرابيّ بعد موت ابن البعيث - ومات بعد دخوله سامراء بشهر - في أبي الأغرّ خَتنَه، فأطلِق وأطلقتْ خالةٌ لابن البعيث، فخرجتْ من السجن، فماتت فرحًا من يومها، وبقي الباقون في الحبس.\nوذكر أنّ ابن البعيث صُيِّر في عنقه مائة رطل، فلم يزل مكبوبًا على وجهه حتى مات.\nولما أخِذ ابنُ البعيث أخرِج من الحبس مَنْ كان محبوسًا بسبب كفالته به، وقد كان بعضهم مات، في الحبْس، فأخرج بعدُ باقي عياله وصُيِّرَ بنوه: حَلْبسَ","vol":"12","page":453},{"text":"والبعيث وجعفر في عِداد الشاكريّة مع عبيد الله بن خاقان، وأجْريتْ عليهم الأنزال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>[أمر المتوكل مع النصارى] </span>(١)\nوفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذّمة كلهم بلبس الطيالسة العسليّة والزّنانير وركوب السروج يركب الخشَب وبتصيير كُرَتيْن على مؤخّر السروج، وبتصيير زِرّين على قَلانس مَنْ لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالفٌ لونهما لون الثوب الظاهر الذي عليه؛ وأن تكون إحدى الرُّقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلْف ظهره؛ وتكون كلُّ واحدة من الرُّقعتين قَدْر أربع أصابع، ولونهما عسليًّا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسليّ، ومن خرج من نسائهم فبرزتْ فلا تبرز إلَّا في إزار عسليّ، وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزَّنانير وبمنعهم لبسَ المناطق، وأمر بهدم بيَعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعًا صُيِّر مسجدًا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدًا صُيِّر فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صورَ شياطين من خشب مسمورة؛ تفريقًا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلّم أولادُهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلِّمهم مسلم، ونهى أن يُظهروا في شعانينهم صليبًا، وأن يشمعلوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين.\nوكتب إلى عماله في الآفاق: (٢)\nبسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فإنّ الله ﵎ بعزّته التي لا تحاوَل\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٢٢٢).\n(٢) لم نجد ذكرًا لهذه الرسالة عند أيّ من المؤرخين المتقدمين الثقات سوى الطبري والله أعلم ٩/ ١٧٥.","vol":"12","page":454},{"text":"وقدرته على ما يريد؛ اصطفى الإسلام فَرَضيَهُ لنفسه، وأكرم به ملائكته، وبعث به رسله، وأيّد به أولياءه، وكَنفَه بالبرّ، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديّان، مبرَّأً من الشبهات، معصومًا من الآفات، محبوًّا بمناقب الخير، مخصوصًا من الشرائع بأطهرها وأفضلها، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها؛ وأكرم أهله بما أحلّ لهم من حلالِه، وحرّم عليهم من حرامه؛ وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه، وأعدّ لهم من سعة جزائه وثوابه، فقال في كتابه فيما أمر به ونهى عنه، وفيما حضّ عليه فيه ووعظ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾، وقال فيما حرّم على أهله مما غمط فيه أهل الأديان من رديء المطعم والمشرب والمنكح لينزّههم عنه وليظهر به دينهم، ليفضّلهم عليهم تفضيلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ....﴾ إلى آخر الآية، ثم ختم ما حرّم عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه؛ ممن عندَ عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم، فقال ﷿: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وقال ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ...﴾ الآية، فحرّم على المسلمين من مآكل أهل الأديان أرجسَها وأنجسها، ومن شرابهم أدعاه إلى العداوة والبغضاء، وأصدّه عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزْرًا، وأولاها عند ذوي الحِجَى والألباب تحريمًا، ثم حباهم محاسنَ الأخلاق وفضائل الكرامات؛ فجعلهم أهلَ الإيمان والأمانة، والفَضْل والتراحم واليقين والصدق؛ ولم يجعل في دينهم التقاطع والتدابرُ، ولا الحميّة ولا التكبر، ولا الخيانة ولا الغدر، ولا التباغي ولا التظالم؛ بل أمر بالأولى ونهى عن الأخرى، ووعد وأوعد عليها جَنّته ونارَه، وثوابه وعقابه؛ فالمسلمون بما اختصَّهم الله من كرامتِه، وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذي اختاره لهم، بائنون على الأديان بشرائِعهم الزّاكية، وأحكامهم المرضية الطاهرة، وبراهينهم المنيرة، وبتطهير الله دينهم بما أحلّ وحرّم فيه لهم وعليهم، قضاء من الله ﷿ في إعزاز دينه؛ حتمًا ومشيئة منه في إظهار حقه","vol":"12","page":455},{"text":"ماضية، وإرادة منه في إتمام نعمته على أهله نافذة: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزيّ في الدُّنيا والآخرة على الكافرين.\nوقد رأى أمير المؤمنين - وبالله توفيقه وإرشاده - أن يحمل أهل الذمّة جميعًا بحضرته وفي نواحي أعماله؛ أقربِها وأبعدها، وأخصّهم وأخسَّهم على تصيير طيالستهم التي يلبسونها؛ مَنْ لبسها من تجَّارهم وكتابهم، وكبيرهم وصغيرهم، على ألوان الثياب العسليّة، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره، ومَنْ قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم، ومَنْ يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم أخذ بتركيب خِرْقتين صبغهما ذلك الصَّبغ يكون استدارة كلّ واحدة منهما شبرًا تاقًا في مثله، على موضع أمام ثوبه الذي يلبسه، تلقاء صدره، ومن وراء ظهره، وأن يؤخذ الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرّة عليها تُخالف ألوانها ألوان القلانس؛ ترتفع في أماكنها التي تقع بها، لئلا تلصق فتُستَر ولا ما يركّب منها على حباك فتخفى؛ وكذلك في سروجهم باتّخاذ رُكب خشب لها، ونَصْبِ أكَرِ على قرابيسها؛ تكون ناتئة عنها، وموفية عليها، لا يرخَّص لهم في إزالتها عن قرابيسهم، وتأخيرها إلى جوانبها؛ بل يتُفقَّد ذلك منهم؛ ليقع ما وقع من الذي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهرًا يتبيّنهُ الناظر من غير تأمُّل، وتأخذه الأعين من غير طلب، وأن تؤخذ عبيدهم وإماؤهم، ومَنْ يلبس المناطق من تلك الطبقة بشدّ الزنانير والكساتيج مكان المناطق التي كانت في أوساطهم، وأن توعِزَ إلى عمالك فيما أمر به أمير المؤمنين في ذلك إيعازًا تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدّم إليهم فيه، وتحذّرهم إدهانًا وميلًا، وتتقدّم إليهم في إنزال العقوبة بمَنْ خالف ذلك من جميع أهل الذّمة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره؛ ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها، وأخذهم بها إن شاء الله.\nفاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره، وأنفذ إلى عمالك في نواحي عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله؛ وأمير المؤمنين يسأل الله ربَّه ووليَّه أن يُصَلِّيَ على محمد عبده ورسوله - ﷺ - وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه، ويتولى ما ولّاه مما لا يبلغ حقه فيه إلّا بعونه؛","vol":"12","page":456},{"text":"حفظًا يحمل به ما حمله، وولاية يقضي بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه، وأفضل مزيده، إنه كريم رحيم.\nوكتب إبراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين (١).\nفقال عليّ بن الجهم:\nالعَسلِيَّاتُ التي فرَّقَت ... بين ذوي الرِّشْدَةِ والغَيْ\nوما على العاقل إِنْ تَكْثرُوا ... فإنه أَكثرُ للفَيْ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>[ظهور محمود بن الفرج النيسابوريّ] </span>(٢)\nوفي هذه السنة ظهر بسامراء رجلٌ يقال له محمود بن الفرج النيسابوريّ فزعم أنه ذو القرنين، ومعه سبعة وعشرون رجلًا عند خشبة بابَك، وخرج من أصحابه بباب العامة رجُلان، وببغداد في مسجد مدينتها آخران، وزعما أنه نبيّ، وأنه ذو القرنين، فأتِيَ به وبأصحابه المتوكّل، فأَمر بضربه بالسياط؛ فضرب ضربًا شديدًا، فمات من بعد من ضَرْبِه ذلك، وحُبِس أصحابه، وكانوا قدموا من نيسابور، ومعهم شيء يقرؤونه، وكان معهم عيالاتهم، وفيهم شيخ يشهد له بالنبوّة، ويزعم أنه يوحى إليه، وأنّ جبريل يأتيه بالوحي، فضُرب محمود مائة سوط، فلم ينكر نبوّته حين ضُرب، وضُرب الشيخ الذي كان يشهد له أربعين سوطًا، فأنكر نبوَّته حتى ضرب. وحُمل محمود إلى باب العامّة، فأكذب نفسه، وقال: الشيخ قد اختدعني، وأمر أصحاب محمود أن يصفعوه فصفعوه؛ كلّ واحد منهم عشر صفعات، وأخذ له مصحف فيه كلام قد جمعه ذكر أنه قرآنه،\n_________\n(١) خبر هذه الرسالة غير صحيح وهو عند الطبري بلا إسناد ومع التساهل في رواية التأريخ فإننا لم نجد ما يؤيده من مصدر موثوق. ومن أدلة زيف هذا الخبر ماجاء في أوله [وكتب إلى عماله في الآفاق] فكيف برسالة تصدر من الخليفة العباسي وتنتشرُ في جميع الآفاق ثم لا تكتب في جميع المصادر التأريخية الموثوقة آنذاك بل ولا في واحدة منها؟ .\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ٢٢٣).","vol":"12","page":457},{"text":"وأن جبريل ﵇ كان يأتيه به، ثم مات يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من ذي الحجة في هذه السنة ودفن في الجزيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>[ذكر عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة] </span>(١)\nوفي هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة: لمحمد وسماه المنتصر، ولأبي عبد الله بن قبيحة - ويختلف في اسمه، فقيل إن اسمه محمد، وقيل: اسمه الزبير، ولقبه المعتزّ - ولإبراهيم وسماه المؤيّد بولاية العهد، وذلك - فيما قبل - يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة - وقيل لليلتين بقيتا منه - وعقد لكلّ واحد منهم لواءين؛ أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل، وضمّ إلى كلِّ واحد من العمل ما أنا ذاكره.\nفكَان ما ضمّ إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك إفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنَّسرين والعواصم والثغور الشامية والجزريّة وديار مُضر وديار ربيعة والموصل وهيِت وعَانات والخابُور وقَرقيسيا وكور باجَرْمَى وتَكرِيت وطساسيج السواد وكور دِجلة والحرَمين واليمَن وعكّ وحضرموت واليَمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفَرْج بيت الذهب وكُور الأهواز والمستغلّات بسامراء وماه الكوفة وماه البصرة وماسَبَذان ومِهرجان قَذَق وشهرزور ودراباذ والصامغان وأصبهان وقمّ وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضّياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة.\nوكان ما ضمّ إلى ابنه المعتزّ كُور خراسان وما يضاف إليها، وطبرستان والرّيّ وإرمينيَة وأذْرَبيجان وكُور فارس. ضم إليه في سنة أربعين خَزْن بيوت الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر بضرب اسمه على الدراهم.\nوكان ما ضمّ إلى ابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين، فقال أبو الغصْن الأعرابيّ:\n_________\n(١) وذكر أبن قتيبة الدينوري أصل الخبر في بيعة الأولاد الثلاثة [المعارف/ ٢٠٠] دون ذكر التفاصيل.","vol":"12","page":458},{"text":"إنَّ وُلَاة المسلمينَ الجِلَّهْ ... محمّدٌ ثم أبو عَبْدِ الله\nثمَّتَ إِبراهيمُ آبى الذِّلهْ ... بُورِكَ في بنِي خليفةِ اللهْ\nوكتب بينهم كتابًا نسخته:\nهذا كتاب كتبه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه ومَنْ حضر من أهل بيته وشيعته وقوّاده وقُضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله، ولأبي عبد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين؛ في أصالة من رأيه، وعموم من عافية بدنه، واجتماع من فهمه، مختارًا لما شهد به، متوخيًّا بذلك طاعةَ ربه، وسلامة رعيّته واستقامتها وانقياد طاعتها، واتساعَ كلمتها؛ وصلاح ذات بينها؛ وذلك في ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين ومائتين [أنه جعل]؛ إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين في حياته والخلافة عليهم من بعده؛ وأمره بتقوى الله التي هي عِصْمة مَن اعتصم بها ونجاةُ من لجأ إليها، وعزّ من اقتصر عليها؛ فإن بطاعة الله تمّ النعمة، وتجب من الله الرحمة، والله غفور رحيم. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين إلى أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، ثم من بعد أبي عبد الله المعتز ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيد بالله ابن أميرِ المؤمنين.\nوجعلَ عبدُ الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين السمع والطاعة والنصيحة والمشايعة والمُوالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه، في السرّ والجهر، والغضب والرضا، والمنع والإعطاء، والتمسك ببيعته، والوفاء بعهده، لا يبَغيانه غائلة، ولا يحاولانه مخاتَلةً، ولا يمالئان عليه عدوًّا، ولا يستبدّان دونه بأمر يكون فيه - نقضٌ لما جعل إليه أمير المؤمنين من ولاية العهد في حياته والخلافة من بعده.\nوجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين الوفاء بما عقده لهما، وعهد به إليهما من الخلافة بعد محمد","vol":"12","page":459},{"text":"المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، وإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخليفة من بعد أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، والإتمام على ذلك، وألّا يَخْلعهما ولا واحدًا منهما، ولا يعقد دونهما ولا دون واحد منهما بيعةً لولد، ولا لأحد من جميع البريّة، ولا يؤخّر منهما مقدّمًا، ولا يقدّم منهما مؤخّرًا، ولا يَنْقصهما ولا واحدًا منهما شيئًا من أعمالهما التي ولاهما عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين وكلَّ واحد منهما؛ من الصلاة والمعاون والقضاء والمظالم والخراج والضّياع والغنيمة والصّدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما، وما في عمل كلّ واحد منهما؛ من البريد والطُّرُر وخزَن بيوت الأموال والمعاون ودُور الضّرْب وجميع الأعمال التي جعلها أمير المؤمنين، ويجعلها إلى كلّ واحد منهما، ولا ينقل عن واحد منهما أحدًا من ناحيته من القوّاد والجند والشاكريّة والموالي والغلمان وغيرهم؛ ولا يعترض عليه في شيء من ضِياعه وإقطاعاته وسائر أمواله وذخائره وجميع ما في يده، وما حواه وملكتْ يده من تالد وطارف، وقديم ومستأنف؛ وجميع ما يستفيده ويُستفاد له بنقص، ولا يحرم ولا يجنف، ولا يعرض لأحد من عماله وكتّابه وقضاته وخدمه ووكلائه وأصحابه، وجميع أسبابه بمناظرة ولا محاسبة؛ ولا غير ذلك من الوجوه والأسباب كلها، ولا يفسخ فيما وكّده أمير المؤمنين لهما في هذا العقد والعهد، بما يزيل ذلك عن جهته، أو يؤخّره عن وقته، أو يكون ناقضًا لشيء منه.\nوجعل عبد الله جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين إن أفضت إليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين مثل الشرائط التي اشترَطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين بجميع ما سمّى فيه ووصف في هذا الكتاب، وعلى ما بيّن وفسّر، مع الوفاء من أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، بما جعله أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين من الخلافة وتسليم ذلك راضيًا به ممضيًا له؛ مقدّمًا ما فيه حق الله عليه وما أمره به أمير المؤمنين، غير ناكث ولا ناكب بذلك، ولا مبدّل، فإن الله تعالى جدُّه وعَزّ ذكره يتوعّد مَن خالف أمره، وعَنَد عن سبيله في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.","vol":"12","page":460},{"text":"على أن لأبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، الأمان، وهما مقيمان بحضرته أو أحدهما، أو كانا غائبين عنه؛ أو مجتمعين كانا أو متفرّقين. ويستمر أبو عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بخراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمونة إليها، ويستمر إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بالشام وأجنادها؛ فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، أن يُمضيَ أبا عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين إلى خُراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، وأن يسلّم له ولايتَها وأعمالها كلها وأجنادها والكُور الداخلة فيما ولّى جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين، فلا يعوّقه عنها، ولا يحبسُه قَبله ولا في شيء من البلدان دون خراسان والكور والأعمال المضمومة إليها، وأن يعجّل إشخاصه إليها واليًا عليها وعلى جميع أعمالها، مُفْرَدًا بها مفوّضًا إليه أعمالها كلها؛ لينزل حيث أحبّ من كُور عمله، ولا ينقله عنها، وأن يَشخص معه جميع من ضَمّ إليه أمير المؤمنين، ويضمّ من مواليه وقوّاده وشاكريّته وأصحابه وكتابه وعماله وخدَمَه ومَن اتبعه من صُنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وعيالهم وأموالهم؛ ولا يحبس عنه أحدًا، ولا يشرك في شيء من أعماله أحدًا، ولا يوجّه عليه أمينًا ولا كاتبًا ولا بريدًا، ولا يضرب على يده في قليل ولا كثير.\nوأن يطلق محمد المنتصر بالله لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروجَ إلى الشام وأجنادها فيمن ضمّ أمير المؤمنين ويضمه إليه من مواليه وقوّاده وخدَمه وجنوده وشاكريّته وصحابته وعُمّاله وخدّامه ومَن اتبعه من صنوف الناس بأهاليها وأولادهم وأموالهم، ولا يحبس عنهم أحدًا، ويسلّم إليه ولايتها وأعمالها وجنودها كلَّها، لا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قِبلَه ولا في شيء من البلدان دونَها، وأن يعجِّل إشخاصه إلى الشام وأجنادها واليًا عليها، ولا ينقله عنها؛ وأنّ عليه له فيمن ضمّ إليه من القوّاد والموالي والغلمان والجنود والشاكرية وأصناف الناس وفي جميع الأسباب والوجوه مثل الذي اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين في خُراسان وأعمالها على ما رسم من ذلك، وبيّن ولخص، وشرح في هذا الكتاب.","vol":"12","page":461},{"text":"ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين - إذا أفضت الخلافة إليه، وإبراهيم المؤيد بالله مقيم بالشام - أن يُقرّه بها أو كان بحضرته، أو كان غائبًا عنه، أن يمضيَه إلى عمله من الشأم، ويسلّم إليه أجنادَها وولايتها وأعمالها كلها، ولا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قِبلَه ولا في شيء من البلدان دونها، وأن يُعجّلَ إشخاصه إليها واليًا عليها وعلى جميع أعمالها؛ على مثل الشرط الذي أخذ لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في خراسان وأعمالها؛ على ما رسم ووصف وشرط في هذا الكتاب؛ لم يجعل أمير المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط؛ من محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتّز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله؛ بني أمير المؤمنين، أن يزيل شيئًا مما اشترطنا في هذا الكتاب، ووكّدنا، وعليهم جميعًا الوفاءُ به؛ لا يقبل الله منهم إلّا ذلك، ولا التمسُّك إلا بعهد الله فيه؛ وكان عهد الله مسؤولًا.\nأشهد الله ربّ العالمين جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ومن حضره من المسلمين بجميع ما في هذا الكتاب على إمضائه إياه؛ على محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتّز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين بجميع ما سمّى ووصَف فيه، وكفى بالله شهيدًا ومعينًا لمن أطاعه راجيًا، ووفَّى بعهده خائفًا وحسيبًا، ومعاقبًا من خالفه معاندًا، أو صَدَف عن أمره مجاهدًا.\nوقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ، وقعت شهادة الشهود بحضرة أمير المؤمنين في كلّ نسخة منها؛ في خزانة أمير المؤمنين نسخة، وعند محمد المنتصر ابن أمير المؤمنين نسخة، وعند أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين نسخة، ونسخة عند إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين.\nوقد ولى جعفر الإمام المتوكل على الله أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وإرمينيَة وأذْرَبيجان إلى ما يلي أعمال خراسان وكُورها والأعمال المتصلة بها والمضمومة إليها، على أن يجعل له على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في ذلك الذي جعل له في الحياطة في نفسه، والوثاق في أعماله، والمضمومين إليه، وسائر من يستعين به من الناس جميعًا في خُراسان","vol":"12","page":462},{"text":"والكُور المضمومة إليها والمتصلة بها على ما سمَّي ووصف في هذا الكتاب.\nوقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يمدح بني المتوكل الثلاثة: المنتصر، والمعتّز، والمؤيد:\nأَضْحَتْ عُرَى الإِسلامِ وَهيْ مَنُوطةٌ ... بالنَّصْرِ والإِعزاز والتأْييدِ\nبخليفة من هاشمٍ وثلاثةٍ ... كنفوا الخلافةَ من وُلاهِ عهودِ\nقمرٌ توالتْ حولهُ أَقمارُهُ ... يكنفْنَ مطلَعَ سعدِهِ بسعود\nكَنَفَتْهمُ الآباءُ واكتنفتْ بهمْ ... فسعوا بأَكرمِ أَنفسٍ وجُدُودِ\nوله في المعتّز بالله:\nأَشرقَ المشرِقُ بالمعتز ... بالله ولاحَا\nإِنما المعتز طِيبٌ ... بُثَّ في النَاس فَفاحا\nوله أيضًا فيها:\nاللهُ أَظهرَ دينَهُ ... وأَعزَّهُ بمحمد\nواللهُ أَكرَمَ بالخلا ... فةِ جعفرَ بنَ محمدِ\nواللهُ أَيد عهدَه ... بمحمدٍ ومحمد\nومُؤيّدٍ لمؤيدَيْنِ ... إِلى النبيّ محمَّد\n* * *\nوفيها كانت وفاة إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر في يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي الحجة، وقيل كانت وفاته لسبع بقين منه. وصيّر ابنه مكانه، وكسى خمس خلع، وقلِّد سيفًا، وبعث المتوكل حين انتهى إليه خبرُ مرضه بابنه المعتّز لعيادته مع بُغا الشرابيّ وجماعة من القواد والجند (١).\nوذكر أن ماء دجلة تغيّر في هذه السنة إلى الصُّفْرة ثلاثة أيام، ففزع الناس لذلك، ثم صار في لون ماء المدود وذلك في ذي الحجة.\n* * *\nوفيها أتِي المتوكل بيحيى بن عمر بن حسين بن زيد بن عليّ بن أبي طالب\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٢٢٥).","vol":"12","page":463},{"text":"﵇ من بعض النواحي؛ وكان - فيما ذكر - قد جمع قومًا، فضربه عمر بن فرج ثمان عشرة مقرعة، وحبس ببغداد في المطبق (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>[خبر مقتل محمد بن إبراهيم بن مصعب] </span>(٣)\nفمن ذلك ما كان من مقتل محمد بن إبراهيم بن مُصعب بن زُرَيق، أخي إسحاق بن إبراهيم بفارس.\n* ذكر الخبر عن مقتله وكيف قتل:\nحدّثني غير واحد، عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم؛ أن أباه إسحاق بلَغه عنه أنه أكول لا يملأ جوفَه شيء، وأنه أمر باتخاذ الطعام والإكثار منه، ثم أرسل إليه فدعاه، ثم أمره أن يأكل، وقال له: إني أحبّ أن أرى أكلك، فأكل وأكثر حتى عجب إسحاق منه، ثمّ قُدّم إليه بعد ما ظنّ أنه شبع وامتلأ من الطعام حَمَلٌ مشوي، فأكل منه حتى لم يبق منه إلا عظامُه؛ فلما فرغ من أكله، قال: يا بنيّ، مال أبيك لا يقوم بطعام بطنك؛ فالحق أمير المؤمنين؛ فإنّ ماله أحْمَلُ لك من مالي. فوجّهه إلى الباب وألزمه الخدمة، فكان في خدمة السلطان حياة أبيه، وخليفة أبيه ببابه، حتى مات أبوه إسحاق؛ فعقد له المعتّز على فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين وطريق مكة، في المحرّم من هذه السنة، وضمّ إليه المتوكّل أعمال أبيه كلها، وزاده المنتصر ولاية مصر؛ وذلك أنه كان - فيما ذكر - حمل إلى المتوكل وأولياء عهده مما كان في خزائن أبيه من الجواهر\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٢٢٥).\n(٢) وقال البسوي وحجّ بنا (أي في سنة ٢٣٥) محمد بن داود بن عيسى [المعرفة ١/ ٧٣].\n(٣) انظر البداية والنهاية [٨/ ١٩٠].","vol":"12","page":464},{"text":"والأشياء النفيسة ما حظِيَ به عندهم، فرفعوه ورفعوا مرتبته.\nفلما بلغ محمد بن إبراهيم ما فعِل بابن أخيه محمد بن إسحاق تنكَّر للسلطان، وبلغ المتوكل عنه أمور أنكرها، فأخبرني بعضهم أنّ تنكّر محمد بن إبراهيم إنما كان لابن أخيه محمد بن إسحاق، واعتلاله عليه بحمْل خراج فارس إليه. وإن محمدًا شكا إلى المتوكل ما كان من تنكر عمّه محمد بن إبراهيم في ذلك، فبسط يده عليه، وأطلق له العمل فيه بما أحبّ، فولّى محمد بن إسحاق الحسينَ بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب فارسَ، وعزل عمه، وتقدم محمد إلى الحسين بن إسماعيل في قتل عمِّه محمد بن إبراهيم؛ فذُكر أنه لما صار إلى فارس أهدى إليه في يوم النيروز هدايا؛ فكان فيما أهدى إليه حَلْواء، فأكل محمد بن إبراهيم منها، ثم دخل الحسين بن إسماعيل عليه، فأمر بإدخاله إلى موضع آخر وإعادة الحلواء عليه، فأكل أيضًا منها، فعطش فاستسقى، فمنِع الماء، ورام الخروج من الموضع الذي أدخِل إليه؛ فإِذا هو محبوس لا سبيلَ له إلى الخروج؛ فعاش يومين وليلتين، ومات. فحُمل ماله وعياله إلى سامراء على مائة جمل. ولما ورد نعيُّ محمد بن إبراهيم على المتوكل أمرَ بالكتاب فيه إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بالتعزية فكُتِب:\nأما بعد، فإن أمير المؤمنين يوجب لك مع كلِّ فائدة ونعمة تهنئتك بمواهب الله وتعْزِيَتَك عن ملمّات أقداره؛ وقد قضى الله في محمد بن إبراهيم مولى أمير المؤمنين ما هو قضاؤه في عباده؛ حتى يكون الفناء لهم والبقاء له. وأمير المؤمنين يعزّيك عن محمد بما أوجب الله لمن عمل بما أمره به في مصائبه؛ من جزيل ثوابه وأجره؛ فليكن الله وما قرّبك منه أوْلى بك في أحوالك كلها؛ فإِنّ مع شكر الله مزيدَه، ومع التسليم لأمر الله رضاه؛ وبالله توفيق أمير المؤمنين. والسلام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1992>[ذكر خبر وفاة الحسن بن سهل] </span>(١)\nوفي هذه السنة تُوفِّيَ الحسنُ بن سهل في قول بعضهم في أوّل ذي الحجة\n_________\n(١) وذكر الخطيب البغدادي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال سنة ست وثلاثين يعني ومائتين فيها مات الحسن بن سهل وقد أتت عليه سبعون سنة [تاريخ بغداد/ ٧/ ٣٢٣].","vol":"12","page":465},{"text":"منها، وقال قائل هذه المقالة: مات محمد بن إسحاق بن إبراهيم في هذا الشهر لأربع بقين منه. وذكر عن القاسم بن أحمد الكوفيّ، أنّه قال: كنت في خدمة الفتح بن خاقان في سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكان الفتح يتولّى للمتوكل أعمالًا، منها أخبار الخاصة والعامّة بسامراء والهارونيّ وما يليها؛ فورد كتاب إبراهيم بن عطاء المتولي الأخبارَ بسامراء يذكر وفاة الحسن بن سهل، وأنه شرب شربة دواء في صبيحة يوم الخميس لخمس ليال بقين من ذي القعدة من سنة خمس وثلاثين ومائتين أفرطت عليه، وأنه توفِّيَ في هذا اليوم وقت الظهر، وأنّ المتوكل أمر بتجهيز جهازه من خزائنه. فلمّا وضع على سريره تعلق به جماعة من التجار من غرماء الحسن بن سهل، ومنعوه من دفنه، فتوسّط أمرهم يحيى بن خاقان وإبراهيم بن عتّاب ورجل يعرف ببرغوث؛ فقطعوا أمرهم، ودفن. فلما كان من الغد ورَد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة محمد بن إسحاق بن إبراهيم بعد الظهر يوم الخميس لخمس خلوْن من ذي الحجة، فجزع عليه المتوكل جزعًا، وقال: تبارك الله وتعالى! كيف توافت منيّة الحسن ومحمد بن إسحاق في وقت واحد!\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>[ذكر خبر هدم قبر الحسين بن علي] </span>(١)\nوفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن عليّ وهدْم ما حوله من المنازل والدّور، وأن يُحرَث ويُبذر ويُسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبَق، فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحُرِث ذلك الموضع، وزُرع ما حواليه.\n* * *\n_________\n(١) لم نجد لهذا الخبر أثرا عند المؤرخين المتقدمين الثقات وقد ذكره ابن الجوزي كما عند الطبري [المنتظم ١١/ ٢٣٧].","vol":"12","page":466},{"text":"وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وصرف محمد بن الفضل الجرجرائيّ.\nوفيها حجّ محمد المنتصر، وحجّت معه جدّته شجاع أمّ المتوكل، فشيّعها المتوكل إلى النَّجَف (١).\nوفيها هلك أبو سعيد محمد بن يوسف المروزيّ الكَبَح فجأة، ذكر أن فارس بن بُغا الشرابيّ وهو خليفة أبيه، عقد لأبي سعيد هذا، وهو مولى طيّئ على أذربيجان وإرمينيّة، فعسكر بالكرخ، كرخ فيروز؛ فلما كان لسبع بقين من شوّال وهو بالكرخ مات فُجأة، لبس أحد خفَّيه ومدّ الآخر ليلبسه فسقط ميتًا، فولّى المتوكل ابنَه يوسف ما كان أبوه وليَه من الحرب، وولّاه بعد ذلك خراج الناحية وضِياعها، فشخص إلى الناحية فضبَطها، وجّه عُمّاله في كل ناحية.\nوحجّ بالناس في هذه السنة المنتصر محمد بن جعفر المتوكل (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>[ذكر وثوب أهل إرمينية بعاملهم يوسف بن محمد]</span>\nفمن ذلك ما كان من وثوب أهل إرمينيّة بيوسف بن محمد فيها (٣).\n* ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به:\nقد ذكرنا فيما مضى قبلُ سبب استعمال المتوكل يوسف بن محمد هذا إيّاه على إرمينيَة؛ فأما سبب وثُوب أهل إرمينيَة به، فإنه كان - فيما ذكر أنه لما صار\n_________\n(١) هذين الخبرين المختصرين انظر المنتظم (١١/ ٢٣٧).\n(٢) وقال البسوي وحججت في هذه السنة (٣٣٦ هـ) حجّ بنا المنتصر [المعرفة ١/ ٧٤].\n(٣) انظر المنتظم (١١/ ٢٤٩).","vol":"12","page":467},{"text":"إلى عمله من إرمينيَة خرج رجل من البطارقة يقال له بُقراط بن أشُوط؛ وكان يقال له بطريق البطارقة، يطلب الإمارة، فأخذه يوسف بن محمد، وقيّده وبعث به إلى باب الخليفة، فأسلم بُقراط وابنه، فذُكر أن يوسف لمّا حمل بقراط بن أشُوط اجتمع عليه ابن أخي بُقراط بن أشوط وجماعة من بطارقة إرمينيَة، وكان الثلج قد وقع في المدينة التي فيها يوسف، وهي - فيما قيل - طَرُون؛ فلما سكن الثلج أناخوا عليها من كلّ ناحية، وحاصروا يوسف ومَنْ معه في المدينة، فخرج يوسف إلى باب المدينة، فقاتلهم فقتلوه وكلّ مَنْ قاتل معه؛ فأما من لم يقاتل معه، فإنهم قالوا له: ضع ثيابك، وانجُ عريانًا، فطرح قوم منهم كثير ثيابهم، ونجوا عُراة حُفاة، فمات أكثرهم من البَرد، وسقطت أصابع قوم منهم ونجوا؛ وكانت البطارقة لمَا حمل يوسف بقراط بن أشوط تحَالفوا على قتله، ونذروا دمَه، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهو على ابنة بقراط، فنهى سوادة بن عبد الحميد الحجّافيّ يوسفَ بن أبي سعيد عن المقام بموضعه، وأعلمه بما أتاه من أخبار البطارقة، فأبى أن يفعل، فوافاه القوم في شهر رمضان، فأحدقوا بسُور المدينة والثلج ما بين عشرين ذراعًا إلى أقلّ حول المدينة إلى خِلاط إلى دُبَيل، والدنيا كلها ثلج.\nوكان يوسف قبل ذلك قد فرّق أصحابه في رساتيق عمله، فتوجّه إلى كلّ ناحية منها قوم من أصحابه، فوُجِّه إلى كل طائفة منهم من البطارقة، وممن معهم جماعة، فقتلوهم في يوم واحد، وكانوا قد حاصروه في المدينة أيامًا، فخرج إليهم فقاتل حتى قتِل، فوجّه المتوكل بُغا الشرابيّ إلى إرمينيَة طالبًا بدم يوسف، فشخص إليها من ناحية الجزيرة، فبدأ بأرزَن بموسى بن زرارة، وهو [أبو الحرّ] وله إخوة: إسماعيل وسليمان وأحمد وعيسى ومحمد وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى باب الخليفة، ثم سار فأناخ بجبل الخويثي؛ وهم جَمّة أهل إرمينيَة، وقتلة يوسف بن محمد، فحاربهم فظفِر بهم، فقتل زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى منهم خلقًا كثيرًا، فباعهم بإرمينيَة، ثم سار إلى بلاد الباق فأسر أشُوط بن حمزة أبا العباس وهو صاحب الباق - والباق من كُور البُسفُرّجان وبنيَ النشَوَى، ثم سار إلى مدينة دُبيل من إرمينية، فأقام بها شهرًا، ثم سار إلى تفليس.\n* * *","vol":"12","page":468},{"text":"وفي هذه السنة وُلِّي عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد.\nوفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خُراسان، لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، فولِّيَ الشرطة والجزية وأعمال السَّوَاد وخلافة أمير المؤمنين بمدينة السلام، ثم صار إلى بغداد.\nوفيها عزل المتوكلُ محمد بن أحمد بن أبي دواد عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب المعروف بأبي الربيع (١).\nوفيها رضي عن ابن أكثم، وكان ببغداد فأشخص إلى سامراء، فوُلِّيَ القضاء على القضاة، ثم ولِّيَ أيضًا المظالم، وكان عزل المتوكل محمد بن أحمد بن أبي دواد عن مظالم سامراء لعشر بقين من صفَر من هذه السنة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>[ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دواد]</span>\nوفيها غضب المتوكّل على ابن أبي دواد؛ وأمر بالتوكيل على ضياع أحمد بن أبي دواد لخمسٍ بقين من صفر، وحُبِسَ يوم السبت لثلاث خَلَون من شهر ربيع الأول ابنه أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد في ديوان الخراج، وحبس إخوته عند عبيد الله بن السريّ خليفة صاحب الشرطة، فلما كان يوم الإثنين حمل أبو الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار، ثم صُولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعًا ببيع كلّ ضيعة لهم؛ وكان أحمد بن أبي دواد قد فُلج، فلما كان يوم الأربعاء لسبع خلوْن من شعبان، أمر المتوكل بولد أحمد بن أبي دواد، فحُدِروا إِلى بغداد، فقال أبو العتاهية:\nلو كنتَ في الرأيِ منسوبًا إلى رشَدٍ ... وكان عزمُك عزمًا فيه توفيقُ\nلكانَ في الفقه شغلٌ لو قَنِعْتَ به ... عن أَنْ تقولَ: كلامُ اللهِ مخلوقُ\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٢٤٩).\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ٢٥٠).","vol":"12","page":469},{"text":"ماذا عليك وأَصلُ الدينِ يَجمَعهمْ ... ما كان في الفرعِ لولا الجهلُ والمُوقُ (١)\nوأقيم فيها الخلنجيّ للناس في جمادى الآخرة.\n* * *\nوفيها ولَّى ابن أكثم قضاء الشرقية حيّان بن بشر، وولَّى سَوّار بن عبد الله العنبريّ قضاء الجانب الغربيّ، وكلاهما أعور، فقال الجمّاز:\nرأيتُ من الكبائرِ قاضِيَيْنِ ... هُما أَحدُوثةٌ في الخافقين\nهما اقتَسَمَا العمَى نِصفَين قدَّا ... كما اقتسما قَضاءَ الجانبَيْنِ\nوتَحسِبُ منهما مَن هزَّ رأْسًا ... ليَنظرَ؛ في مَواريثٍ ودَيْنِ\nكأَنَّكَ قد وضَعْتَ عليه دنًّا ... فتحْتَ بُزَالَهُ من فَرْدِ عَيْنِ\nهما فَأْلُ الزمانِ بهُلْكِ يحيى ... إِذِ افتَتَح القضاءَ بأَعْوَرَيْنِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>[خبر إنزال جثة ابن نصر ودفعه إلى أوليائه]</span>\nوفيها أمر المتوكل في يوم الفطر منها بإنزال جُثّة أحمد بن نصر بن مالك الخُزاعيّ، ودفعه إلى أوليائه (٢).\n_________\n(١) وقال القاضي وكيع: وكان الواثق فيما أخبرني الحارث بن أبي أسامة قبل ذاك تغيّر لابن أبي دواد وذلك في سنة ثلاثين ومائتين ووقف أصحابه للناس في المدن فصحح عليهم الناس الخيانة والفجور بكل بلد. وأطلق الواثق بعض من كان في السجون ممن حبس ابن أبي دواد. إلخ وفي آخره: وفي سنة سبع وثلاثين أخذ المتوكل كل أمواله وردّه وابنه إلى بغداد فدخل بغداد في شعبان ثم توفي بعد ذلك [أخبار القضاة/ ٦٨١]: وخبر القاضي وكيع أقرب إلى الصحة من خبر الطبري فمسألة إحصاء أموال ابن أبي دواد بدقة وبهذه الأرقام يحتاج إلى شهود عدول تناقلوا الخبر حتى يصل إلى سمع الطبري بينما اكتفى القاضي وكيع بالقول في خبره نقلًا عن الحارث بن أبي أسامة.\nبأن المتوكل أخذ كل أمواله والله تعالى أعلم.\n(٢) هذا الخبر مشكوك في صحته وقد أورده الطبري بلا إسناد ولم يؤيده في ذلك مؤرخ متقدم ولا نظنه صحيحًا للأسباب التالية:\nأولًا: الصولي وهو أخباري متقدم ثقة ومعاصر للطبري ولم يتحدث عن صلب جثة أحمد بن نصر هذا (فلم يؤيد خبر الطبري) بل تحدث عن أن الواثق أمر بنصب الرأس فنصب أيامًا =","vol":"12","page":470},{"text":"* ذكر الخبر عما فعل به وما كان من الأمر بسبب ذلك:\nذُكر أنّ المتوكل لمّا أمر بدفع جُثّته إلى أوليائه لدفنه، فُعل ذلك، فدُفع إليهم؛ وقد كان المتوكل لما أفضت إليه الخلافة، نهى عن الجدال في القرآن وغيره، ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق، وهمّ بإنزال أحمد بن نصر عن خَشبته، فاجتمع الغَوْغاء والرّعاع إلى موضع تلك الخشبة، وكثَّروا وتكلمَّوا، فبلغ ذلك المتوكل، فوجّه إليهم نصر بن الليث، فأخذ منهم نحوًا من عشرين رجلًا، فضربهم وحبَسهم، وترك إنزال أحمد بن نصر من خَشبته لِمَا بلغه من تكثير العامة في أمره، وبقيَ الذين أخذوا بسببه في لحبْس حينًا، ثم أطلقوا، فلما دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الذي ذكرت، حمله ابن أخيه موسى إلى بغداد، وغُسل ودُفن، وضُمّ رأسه إلى بدنه، وأخذ عبد الرحمن بن حمزة جسدَه في منديل مصريّ، فمضى به إلى منزله، فكفَّنه وصلى عليه، وتولَّى إدخاله القبر مع بعض أهله رجل من التجار، ويقال له الأبزاريّ.\nفكتب صاحب البريد ببغداد - وكان يعرف بابن الكلبي، من موضع بناحية واسط، يقال له الكلبانية - إلى المتوكل بخبر العامة، وما كان من اجتماعهما وتمسحها بالجنازة؛ جنازة أحمد بن نصر وبخشبة رأسه؛ فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: كيف دخل ابن الأبزاريّ القبرَ على كُبْرة خزاعة! فقال: يا أمير المؤمنين، كان صديقًا له. فأمر المتوكل بالكتاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بمنع العامة\n_________\n= بالجانب الشرقي ثم أيامًا في الجانب الغربي وكفى وانظر تعليقنا [٩/ ١٣٩/ ٢٩١].\nثانيًا: إن كانت الجثة قد علقت هذه الفترة الطويلة (من سنة ٢٣١ وحتى ٢٣٧) فلا بد لعدد غفير من الناس أن يشاهدوه ولا سيما أنه منصوب في دار الخلافة ومن بين هؤلاء عدد من الأئمة أو الرواة الثقات وكانت بغداد يومها مليئة بالأئمة والرواة الثقات ولم يروِ لنا.\nأحد منهم أنه رأى هذه الجثة طيلة هذه السنين (٣٣١ - ٣٣٧).\nثالثًا: إن نصب جثة لهذه الفترة الطويلة وتعريضها للشمس والرياح وفي جوٍّ كجو العراق لا يبقى لهذه الجثة لحمًا ولا جلدًا.\nرابعًا: إن الواثق قد تاب في آخر عمره عن مسألة خلق القرآن فلم لم يأمر بإنزال الجثة بعد تبيّن خطأه؟ وقد تغيرت علاقته مع المعتزلي ابن أبي دواد (رأس الفتنة) كما أخرج القاضي وكيع قال وكان الواثق فيما أخبرني الحارث بن أبي أسامة قبل ذاك تغيّر لابن أبي دواد. وذلك في سنة ثلاثين ومائتين [أخبار القضاة/ ٦٨١] وللأسباب السابقة لا يصح هذا الخبر.","vol":"12","page":471},{"text":"من الاجتماع والحركة في مثل هذا وشبهه، وكان بعضهم أوصى ابنَه عند موته أن يُرهِبَ العامة؛ فكتب المتوكل ينهي عن الاجتماع.\n* * *\nوغزا الصائفة في هذه السنة عليّ بن يحيى الأرمني (١).\nوحجّ بالناس فيها عليّ بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وكان والي مكة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>[ذكر ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل وإحراقه مدينة تفليس]</span>\nفمن ذلك ما كان من ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية بتفليس وإحراقه مدينة تفليس (٣).\n* ذكر الخبر عما كان من بغا في ذلك:\nذُكر أن بغا لما صار إلى دبيل بسبب قتل القاتلين من أهل إرمينيَة يوسفَ بن محمد أقام بها شهرًا؛ فلما كان يوم السبت لعشْر خلوْن من شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وجه بغا زيرك التركي، فجاوز الكُر - وهو نهر عظيم مثل الصراة ببغداد وأكبر، وهو ما بين المدينة وتفليس في الجانب الغربيّ وصُغدبيل في الجانب الشرقيّ - وكان معسكر بُغا في الشرقي، فجاوز زيرك الكرّ إلى ميدان تَفْليس، لتفليس خمسة أبواب: باب الميدان، وباب قريس، وباب الصغير، وباب الرَّبَض، وباب صغدبيل - والكُرّ نهر ينحدر مع المدينة - ووجّه بغا أيضًا أبا العباس الواثيّ النصرانيّ إلى أهل إرمينيَة عربها وعجمها، فأتاهم زيرك مما يلي الميدان وأبو العباس مما يلي باب الرَّبَض، فخرج إسحاق بن\n_________\n(١) انظر المنتظم (١١/ ٢٤٩).\n(٢) وكذلك قال البسوي [المعرفة ١/ ٧٤].\n(٣) انظر المنتظم [١١/ ٢٥٨].","vol":"12","page":472},{"text":"إسماعيل إلى زيرك، فناوشه القتال، ووقف بغا على تلّ مطلّ على المدينة مما يلي صغدبيل؛ لينظر ما يصنع زيرك وأبو العباس، فبعث بُغا النفّاطين فضربوا المدينة بالنار، وهي من خشب الصَّنَوْبر، فهاجت الرّيح في الصنوبر، فأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة لينظر؛ فإذا النار قد أخذت في قصره وجواريه، وأحاطت به النار؛ ثم أتاه الأتراك والمغاربة فأخذوه أسيرًا، وأخذوا ابنه عمرًا، فأتوْا بهما بُغَا، فأمر بُغا به، فرُدّ إلى باب الحسك، فضربت عنقه هناك صَبْرًا، وحُمِلَ رأسه إلى بُغَا، وصُلِبتْ جيفته على الكُرّ؛ وكان شيخًا محدودًا ضخم الرأس، يخضب بالوَسِمة، آدم أصلع أحول، فنُصب رأسه على باب الحَسك.\nوكان الذي تولَّى قتلَه غامش خليفة بُغا، واحترق في المدينة نحو من خمسين ألف إنسان، وأطفِئتِ النار في يوم وليلة، لأنها نار الصَّنَوْبر، لا بقاء لها، وصبَّحهم المغاربة، فأسروا مَنْ كان حيًّا، وسلبوا الموتى. وكانت امرأة إسحاق نازلةً بصغدبيل، وهي حذاء تَفْلِيس في الجانب الشرقيّ، وهي مدينة بناها كسرى أنوشروان؛ وكان إسحاق قد حصّنها وحفر خندقَها، وجعل فيها مقاتلة من الخويثيّة وغيرهم. وأعطاهم بُغا الأمان على أن يضعوا أسلحتَهم، ويذهبوا حيث شاء. وكانت امرأة إسحاق ابنه صاحب السرير.\nثم وجّه بُغا - فيما ذكر - زيرك إلى قلعة الجَرْدمان - وهي بين برذعة وتَفْلِيس - في جماعة من جنده، ففح زيرك الجَردمان، وأخذ بطْريقها القِطْريج أسيرًا، فحمله إلى العسكر. ثم نهض بُغا إلى عيسى بن يوسف ابن أخت أصطفانوس؛ وهو في قلعة كثيش من كورة البَيْلَقان، وبينها وبين البَيْلَقان عشرة فراسخ، وبينها وبين برذعة خمسة عشر فرسخًا، فحاربه، ففتحها،، أخذه وحمله ابنه معه وأباه، وحمل أبا العباس الواثيّ - واسمه سَنْبَاط بن أشُوط - وحمل معه معاوية بن سهل بن سَنْبَاط بطريق أرَّان، وحمل آذر نرسى بن إسحاق الخاشنيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>[ذكر مقدم الروم بمراكبهم إلى دمياط] </span>(١)\nوفي هذه السنة جاءت للروم ثلاثمائة مركب مع عرفا وابن قطونا وأمرد ناقه\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٢٥٨].","vol":"12","page":473},{"text":"- وهم كانوا الرؤساء في البحر - مع كلّ واحد منهم مائة مركب، فأناخ ابن قطونا بدمياط، وبينها وبين الشطّ شبيه بالبحيرة يكون فيها الماء إلى صدْر الرجل؛ فمن جازها إلى الأرض أمِن من مراكب البحر؛ فجازها قوم فسلِموا، وغرق قوم كثير من نساء وصبيان؛ واحتمل من كانت له قوّة في السفن، فنجوا إلى ناحية الفسطاط، وبينها وبين الفسطاط مسيرة أربعة أيام. وكان والي معونة مصر عنْبسة بن إسحاق الضّبيّ، فلما قرب العيد، أمر الجند الذين بدمياط أن يُحضروا الفسطاط لتحمل لهم في العيد، وأخلى دمياط من الجند؛ فانتهى مراكب الروم من ناحية شطَا التي يعمل فيها الشطَويّ، فأناخ بها مائة مركب من الشلنديّة؛ تَحمل كلّ مركب ما بين الخمسين رجلًا إلى المائة؛ فخرجوا إليه وأحرقوا ما وصلوا إليه من دورها وأخصاصها، واحتملوا سلاحًا كان فيها أرادوا حمله إلى أبي حفص صاحب أقرِيطش نحوًا من ألف قناة وآلتها، وقَتَلُوا مَنْ أمكنهم قتله من الرجال، وأخذوا من الأمتعة والقَنْد والكَتّان ما كان عُبّئ ليُحمل إلى العراق، وسبوا من المسلمات والقِبْطيات نحوًا من ستمائة امرأة؛ ويقال إن المسلمات منهنّ مائة وخمس وعشرون امرأة والباقي من نساء القِبْط.\nويقال إنّ الروم الذين كانوا في الشلنديات التي أناخت بدمياط كانوا نحوًا من خمسة آلاف رجُل، فأوقروا سفنهم من المتاع والأموال والنساء، وأحرقوا خزانة القلوع وهي شُرُع السفن، وأحرقوا مسجد الجامع بدمياط، وأحرقوا كنائس؛ وكان مَنْ حُزِر منهم ممن غرق في بحيرة دمياط من النساء والصبيان أكثر ممن سباه الروم. ثم رحل الروم عنها.\nوذُكر أنّ ابن الأكشف كان محبوسًا في سجن دمياط، حبسه عنبسة، فكسر قيده وخرج؛ فقاتلهم، وأعانه قوم، فقتَل من الروم جماعة، ثم صاروا إلى أشتوم تِنّيس، فلم يحمل الماء سفنهم إليها، فخشوا أن توحَل؛ فلما لم يحملهم الماء صاروا إلى أشتومها - وهي مرسى بينه وبين تنِيّس أربعة فراسخ وأقلّ، وله سور وباب حديد كان المعتصم أمر بعمله - فخرّبوا عامته، وأحرقوا ما فيه من المجانيق والعرّادات، وأخذوا بابيه الحديد؛ فحملوهما، ثم توجّهوا إلى بلادهم، لم يعرض لهم أحد.\n* * *","vol":"12","page":474},{"text":"وخرج المتوكل في هذه السنة يوم الإثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة من سامراء يريد المدائن، فصار إلى الشمّاسية يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، فأقام هنالك إلى يوم السبت، وعبر بالعشيّ إلى قُطْربُّل، ثم رجع ودخل بغداد يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت منه فمضى في سوقها وشارعها حتى نزل الزَّعفرانية، ثمّ صار إلى المدائن.\nوغزا الصائفة فيها عليّ بن يحيى الأرمنيّ (١).\nوحجّ بالناس فيها عليّ بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك أمرُ المتوكل بأخذ أهل الذمّة بلبس دُرّاعتين عسليتين على الأقبية والدّراريع في المحرّم منها، ثم أمرُه في صفر بالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحُمر دون الخيل والبراذين (٣).\nوفيها نفى المتوكل عليّ بن الجهم بن بدر إلى خراسان.\nوفيها قتل الصَّنَاريّة بباب العامة في جمادى الآخر منها.\nوفيها أمر المتوكل بهدم البِيَع المحدثة في الإسلام.\nوفيها مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد ببغداد في ذي الحجة.\nوفيها غزا الصائفة عليّ بن يحيى الأرمنيّ (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٢٥٨].\n(٢) انظر المعرفة والتاريخ للبسوي [١/ ٧٤].\n(٣) انظر المنتظم (١١/ ٢٦٥).\n(٤) انظر المنتظم (١١/ ٢٦٥).","vol":"12","page":475},{"text":"وحجّ بالناس فيها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكان والي مكة (١).\nوفيها حجّ جعفر بن دينار، وكان والي طريق مكة مما يلي الكوفة فوُلِّيَ أحداث الموسم.\nوفيها اتفق شعانين النصارى ويوم النيروز؛ وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فذُكر أن النصارى زعمت أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>ثم دخلت سنة أربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>[ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم]</span>\nفما كان فيها من ذلك وثوب أهل حمص بعاملهم على المعونة (٣).\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل إليه أمرهم ووثوبهم:\nذكر أن عاملهم على المعونة قتل رجلا كان من رؤسائهم، وكان العامل يومئذ أبو المغيث الرافعيّ موسى بن إبراهيم، فوثب أهل حِمْص في جُمادى الآخرة من هذه السنة، فقتلوا جماعة من أصحابه، ثم أخرجوه وأخرجوا صاحب الخرَاج من مدينتهم؛ فبلغ ذلك المتوكل؛ فوجّه إليهم عتّاب بن عتاب، ووجه معه محمد بن عَبْدويه كرداس الأنباريّ، وأمره أن يقول لهم: إنّ أمير المؤمنين قد أبدلكم رجلًا مكان رجل، فإن سمعوا وأطاعوا ورضُوا، فوَلّ عليهم محمد بن عبدَويه؛ وإن أبوْا وثبتوا على الخلاف فأقمْ بمكانك، واكتب إلى أمير المؤمنين\n_________\n(١) انظر المعرفة والتأريخ للبسوي (١/ ٧٤).\n(٢) انظر المنتظم (١١/ ٢٦٦).\n(٣) انظر المنتظم (١١/ ٢٧٠).","vol":"12","page":476},{"text":"حتى يوجّهَ إليك رجاء، أو محمد بن رجاء الحضاريّ أو غيره من الخيل لمحاربتهم، فخرج عتّاب بن عتّاب من سامراء يوم الإثنين لخمس بقين من شهر جمادى الآخرة، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فولّاه عليهم ففعل فيهم الأعاجيب.\n* * *\nوفيها مات أحمد بن أبي دواد ببغداد في المحرّم بعد ابنه أبي الوليد محمد؛ وكان ابنه محمد تُوُفِّيَ قبله بعشرين يومًا في ذي الحجة ببغداد (١).\nوفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء في صفَر، وقبض منه ما كان له ببغداد ومبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، ومن أسطوانة في داره ألفا دينار وأربعة آلاف جريب بالبصرة (٢).\nوفيها ولّى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن عليّ القضاء على القضاة في صفر (٣).\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود وحجّ جعفر بن دينار وهو والي الأحداث بالموسم (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر لوفاته تأريخ بغداد (٤/ ١٥٦) وسير أعلام (١١/ ١٦٩) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٨١) والذي في تاريخ بغداد أنه توفي في المحرم سنة ٢٤٠ هـ يوم السبت ومات ابنه في ذي الحجة [تاريخ بغداد ٤/ ١٥٦].\n(٢) وقال القاضي وكيع ثم غضب المتوكل على يحيى بن أكثم ونفاه إلى مكة واستقضى جعفر بن عبد الواحد بن سليمان [أخبار القضاة/٦٨٣] ولم يذكر القاضي وكيع في خبره هذا أن المتوكل صادر أموال القاضي يحيى والله أعلم.\n(٣) انظر الخبر السابق وتعليقنا عليه.\n(٤) انظر المعرفة [١/ ٧٥].","vol":"12","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2004>ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>[ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم مرة أخرى]</span>\nفمن ذلك ما كان من وثُوب أهل حمص بعاملهم على المعونة؛ وهو محمد بن عبدوَيْه (١).\n* ذكر الخبر عما كان من أمرهم فيها وما آل إليه الأمر بينهم.\nذُكِر أنّ أهل حمص وثبوا في جمادى الآخرة من هذه السنة بمحمد بن عبدويْه عاملهم على المعونة، وأعانهم على ذلك قوم من نصارى حِمْص، فكتب بذلك إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمدّه بجند من راتبة دمشق، مع صالح العباسيّ التركيّ، وهو عامل دمشق وجند من جند الرّملة، فأمره أن يأخذ من رؤسائهم ثلاثة نفر فيضربهم بالسياط ضرب التَّلف؛ فإذا ماتوا صلبهم على أبوابهم، وأن يأخذ بعد ذلك من وجُوههم عشرين إنسانًا فيضربهم ثلاثمائة سوط، كلّ واحد منهم، ويحملهم في الحديد إلى باب أمير المؤمنين، وأن يخرّب ما بها من الكنائس والبِيَع، وأن يُدخل البيعة التي إلى جانب مسجدها في المسجد، وألّا يترك في المدينة نصرانيًّا إلا أخرجه منها، وينادَى فيهم قبل ذلك، فمن وجده فيها بعد ثلاثة أحسن أدبه. وأمر لمحمد بن عبدوِيْه بخمسين ألف درهم، وأمر لقواده ووجوه أصحابه بصلات، وأمر لخليفته عليّ بن الحسين بخمسة عشر ألف درهم، ولقوّاده بخمسة آلاف خمسة آلاف درهم، وأمر بخلَع؛ فأخذ محمد بن عبدويه عشرة منهم، فكتب بأخذهم، وأنه قد حملهم إلى دار أمير المؤمنين ولم يضربهم، فوجّه المتوكل رجلًا من أصحاب الفتح بن خاقان يقال له محمد بن رزق الله، ليردّ من الذين وجّه بهم ابن عبدويه\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٢٨٢].","vol":"12","page":478},{"text":"محمد بن عبد الحميد الحميديّ والقاسم بن موسى بن فوعُوس إلى حمص، وأن يضربهما ضرب التلف، ويصلبَهما على باب حمْص، فردّهما وضربهما بالسياط حتى ماتا. وصلبهما على باب حمص، وقدم بالآخرين سامراء وهم ثمانية؛ فلما صاروا بنصيبين مات واحد منهم، فأخذ المتوكل بهم رأسه، وقدم بسبعة منهم سامراء وبرأس الميت. ثم كتب محمد بن عبدويه أنه أخذ عشرة نفر منهم بعد ذلك، وضرب منهم خمسة نفر بالسياط فماتوا، ثم ضرب خمسة فلم يموتوا. ثم كتب محمد ابن عبدويه بعد ذلك أنه ظفر برجل منهم من المخالفين يقال له عبد الملك بن إسحاق ابن عمارة - وكان فيما ذكر - رأسًا من رؤوس الفتنة؛ فضربه بباب حِمْص بالسياط حتى مات، وصلبه على حصن يعرف بتلّ العباس.\n* * *\nقال أبو حعفر؛ وفي هذه السنة مُطر الناس - فيما ذكر - بسامراء مطرًا جوْدًا في آب. وفيها ولى القضاء بالشرقيّة في المحرّم أبو حسان الزياديّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>[ذكر الخبر عن ضرب عيسى بن جعفر وما آل إليه أمره] </span>(٢)\nوفيها ضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب خان عاصم ببغداد - فيما قيل - ألف سوط.\n* ذكر الخبر عن سبب ضربه وما كان من أمره في ذلك:\nوكان السبب في ذلك أنه شُهد عند أبي حسان الزياديّ قاضي الشرقية عليه أنه\n_________\n(١) ذكر القاضي وكيع أن أبا حسان الزيادي ولي قضاء الشرقية بعد محمد بن عبد الله المؤذن الذي تولى القضاء بعد وفاة حيان بن بشر سنة ٢٣٨ هـ[أخبار القضاة/ ٦٧٦].\n(٢) وأخرج ابن الجوزي عن ابن أبي الدنيا قال كنت في الجسر واقفًا وقد أحضر أبو حسان الزيادي القاضي وقَدْ وَجَّهَ إليه المتوكل من سامراء بسياط جدد وأمره أن يضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم لأنه شهد عليه أهل الثقات أنه شتم أبا بكرٍ وعمر وقذف عائشة فلم ينكر ولم يتب [المنتظم ١١/ ٢٨٣].","vol":"12","page":479},{"text":"شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة، سبعة عشر رجلًا؛ شهاداتهم - فيما ذكر - مختلفة من هذا النحو؛ فكتب بذلك صاحب بريد بغداد إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فأنهى عبيدُ الله ذلك إلى المتوكل، فأمر المتوكل أن يكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بضرب عيسى هذا بالسياط، فإذا مات رَمَى به في دجلة، ولم تدفع جيفته إلى أهله.\nفكتب عبيد الله إلى الحسن بن عثمان جواب كتابه إليه في عيسى:\nبسم الله الرحمن الرحيم؛ أبقاك الله وحفظك، وأتمّ نعمته عليك؛ وصل كتابك في الرّجل المسمّى عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب الخانات، وما شهد به الشهود عليه من شَتْم أصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ولعنهم وإكفارِهم، ورميهم بالكبائر، ونسبتهم إلى النفاق؛ وغير ذلك مما خرج به إلى المعاندة لله ولرسوله - ﷺ -، وتثبُّتك في أمر أولئك الشهود وما شهدوا به، وما صح عندك من عدالة من عدل منهم، ووضح لك من الأمر فيما شهدوا به، وشرحك ذلك في رُقعة درج كتابك؛ فعرضت على أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك؛ فأمر بالكتاب إلى أبي العباس محمد بن طاهر مولَى أمير المؤمنين أبقاه الله بما قد نفذ إليه، مما يشبه ما عنده أبقاه الله، في نُصرة دين الله، وإحياء سنَّته، والانتقام ممن ألحد فيه، وأن يُضرب الرجل حدًّا في مجمع الناس حدّ الشتم، وخمسمائة سوط بعد الحدّ للأمور العظام التي اجترأ عليها، فإن مات ألقيَ في الماء من غير صلاة ليكون ذلك ناهيًا لكل مُلْحِد في الدين، خارج من جماعة المسلمين؛ وأعلمتك ذلك لتعرفه إن شاء الله تعالى - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.\nوذُكر أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم هذا - وقد قال بعضهم: إن اسمه أحمد بن محمد بن عاصم - لما ضُرِب ترِك في الشمس حتى مات، ثم رُمِيَ به في دِجلة.\n* * *\nوفي هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلتْ من جمادى الآخرة.\nوفيها وقع بها الصدام فنفقت الدّوابّ والبقر.","vol":"12","page":480},{"text":"وفيها أغارت الروم على عين زَرْبه، فأسَرت مَنْ كان بها من الزّط؛ مع نسائهم وذرارتهم وجواميسهم وبقرهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>[خبر الفداء بين المسلمين والروم في هذه السنة]</span>\nوفيها كان الفداء بين المسلمين والروم (٢).\n* ذكر الخبر عن السبب الذي كان ذلك من أجله:\nذكر أن تَذُورة صاحبة الروم أمّ ميخائيل، وجّهت رجلًا يقال له جُورْجِس بن قريافس يطلب الفداء لمن في أيدي الرّوم من المسلمين، وكان المسلمون قد قاربوا عشرين ألفًا، فوجّه المتوكل رجلًا من الشيعة يقال له نصر بن الأزهر بن فرج؛ ليعرف صحة مَنْ في أيدي الروم من أسارى المسلمين، ليأمر بمفاداتهم؛ وذلك في شعبان من هذه السنة بعد أن أقام عندهم حينًا. فذُكر أن تَذُورة أمرتْ بعد خروج نصر بعرض من في إسارها من المسلمين على النصرانية، فمن تنصّر منهم كان أسوة من تَنَصّر قبل ذلك، ومن أبى قتلته؛ فذُكر أنها قتلت من الأسرى اثني عشر ألفًا؛ ويقال إن قنقلة الخصي كان يقتلهم من غير أمرها. ونفذَ كتاب المتوكل إلى عمال الثغور الشامية والجزريّة أن شُنيفًا الخادم قد جرى بينه وبين جورجس رسول عظيم الروم في أمر الفِداء قول، وقد اتفق الأمر بينهما، وسأل جورجس هذا هدنة لخمس ليال تخلو من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى سبع ليال بقين من شوّال من هذه السنة، ليجمعوا الأسرى، ولتكون مدّة لهم إلى انصرافهم إلى مأمنهم. فنفذ الكتاب بذلك يوم الأربعاء لخمس خلوْن من رجب؛ وكان الفداء يقع في يوم الفِطْر من هذه السنة.\nوخرج جورجس رسول ملكة الروم إلى ناحية الثغور يوم السبت لثمان بقين من رجب على سبعين بغلا اكْتُرِيت له، وخرج معه أبو قحطبة المغربيّ الطرطوسيّ لينظروا وقتَ الفطر، وكان جورجس قدم معه جماعة من البطاركة وغلمانه بنحو من خمسين إنسانًا، وخرج شُنيف الخادم للفداء في النصف من\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٢٨٢].\n(٢) انظر المنتظم [١١/ ٢٨٤].","vol":"12","page":481},{"text":"شعبان، معه مائة فارس: ثلاثون من الأتراك، وثلاثون من المغاربة، وأربعون من فرسان الشاكريّة؛ فسأل جعفر بن عبد الواحد - وهو قاضي القضاة - أن يؤذَن له في حضور الفِداء، وأن يستخلف رجلًا يقوم مقامه - فأذن له، وأمر له بمائة وخمسين ألفًا مَعُونة وأرزاق ستين ألفًا؛ فاستخلف ابن أبي الشوارب - وهو يومئذ فتىً حدَث السن - وخرج فلحق شُنيفًا، وخرج أهل بغداد من أوساط الناس، فذكر أن الفِداء وقع من بلاد الروم على نهر اللامس، يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان أسرى المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين إنسانًا، ومن النساء مائة وخمسًا وعشرين امرأة.\n* * *\nوفي هذه السنة جعل المتوكل كُورة شمشاط عُشْرًا، ونقلهم من الخراج إلى العشر، وأخرج لهم بذلك كتابًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2008>[ذكر غارة البجة على مصر]</span>\nوفي هذه السنة غارت البُجَة على حرس من أرض مصر، فوجّه المتوكل لحربهم محمد بن عبد الله القُمّيَ (١).\n* ذكر الخبر عن أمرهم وما آلت إليه حالهم:\nذُكر أن البُجَة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة، قد ذكرناها فيما مضى قبل من كتابنا هذا، وهم جنس من أجناس الحبَش بالمغرب، وبالمغرب من السودان - فيما ذكر - البُجة وأهل غانة الغافر وبينور ورعوين والفرويّة وبِكسوم ومكاره أكرم والنوبة والحبش. وفي بلاد البجة معادن ذهب؛ فهم يقاسمون مَنْ يعمل فيها، ويؤدون إلى عمال السلطان في مصر في كلّ سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تِبْر قبل أن يطبخ ويصفَّى.\nفلما كان أيام المتوكل امتنعت البُجَة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية فذُكر أن المتوكل ولَّى بريد مصر رجلًا من خَدَمِه يقال له يعقوب بن إبراهيم الباذغيسيّ\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٢٨٥].","vol":"12","page":482},{"text":"مولى الهادي، وهو المعروف بقوصرة، وجعل إليه بريد مصر والإسكندرية وبرقة ونواحي المغرب، فكتب يعقوب إلى المتوكل أن البجة قد نقضت العهد الذي كان بينهما وبين المسلمين، وخرجت من بلادها من معادن الذهب والجوهر؛ وهي على التَّخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البُجة، فقتلوا عدة من المسلمين ممن كان يعمل في المعادن ويستخرج الذهب والجوهر، وسبَوْا عدَّة من ذراريَّهم ونسائهم؛ وذكروا أن المعادن لهم في بلادهم، وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها؛ وأن ذلك أوحش جميع من كان يعمل في المعادن من المسلمين، فانصرفوا عنها خوفًا على أنفسهم وذراريهم فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحقِّ الخمس من الذَّهب والفضة والجوهر الذي يستخرج من المعادن؛ فاشتدَّ إنكار المتوكل لذلك وأحفظه، وشاور في أمر البُجة، فأنهى إليه أنهم قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن يسلك إليهم الجيوش، لأنها مفاوز وصحارى، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر؛ في أرض قفر وجبال وعر، لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل، ولا حصن؛ وأن من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزوَّد لجميع المدَّة التي يتوهم أن يقيمها في بلادهم إلى أن يخرج إلى أرض الإسلام، فإن امتدَّ به المقام حتى يتجاوز تلك المدة هلك وجميع من معه، وأخذتهم البُجَّة بالأيدي دون المحاربة، وأنَّ أرضهم أرض لا تردُّ على السلطان شيئًا من خراج ولا غيرة.\nفأمسك المتوكل عن التوجيه إليهم، وجعل أمرُهم يتزيَّد، وجرأتهم على المسلمين تشتدَّ حتى خاف أهلُ الصعيد من أرض مصر على أنفسهم وذراريَّهم منهم؛ فولَّى المتوكل محمد بن عبد الله المعروف بالقمي محاربتهم، وولَّاه معاون تلك الكور - وهي قفط والأقصر وإسنا وأرمنت وأسوان - وتقدَّم إليه في محاربة البُجَة؛ وأن يكاتب عنبسة بن إسحاق الضبئ العامل على حرب مصر. وكتب إلى عنبسة بإعطائه جميع ما يحتاج إليه من الجند والشاكريَّة المقيمين بمصر.\nفأزاح عنبسة عِلَّته في ذلك، وخرج إلى أرض البُجَّة، وانضمَّ إليه جميع ممَنْ كان في المعادن وقوم كثير من المتطوعة، فكانت عدَّة من معه نحوًا من عشرين ألف إنسان؛ بين فارس وراجل، ووجَّه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعة","vol":"12","page":483},{"text":"مراكب موقرة بالدَّقيق والزيت والتمر والسويق والشعير، وأمر قومًا من أصحابه أن يلجوا بها في البحر حتى يوافُوه في ساحل البحر من أرض البُجة، فلم يزل محمد بن عبد الله القمي يسير في أرض البُجة حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذَّهب، وصار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم - واسمه علي بابا واسم ابنه لعيس - في جيش كثير وعدد أضعاف مَنْ كان مع القمي من الناس؛ وكانت البُجَة على إبلهم ومعهم الحراب وإبلهم فرَّةٌ تشبه بالمهاري في النجابة، فجعلوا يلتقون أيامًا متوالية، فيتناوشون ولا يصحِّحون المحاربة، وجعل ملك البُجة يتطارد للقمي لكي تطول الأيام طمعًا في نفاذ الزاد والعلوفة التي معهم؛ فلا يكون لهم قوَّة، ويموتون هزلًا، فيأخذهم البُجَة بالأيدي.\nفلما توهَّم عظيم البُجة أن الأزواد قد نفذت، أقبلت السبع المراكب التي حملها القميّ حتى خرجت إلى ساحل من سواحل البحر في موضع يعرف بصنجة، فوجَّه القميَّ إلى هنالك جماعة من أصحابه يحمون المراكب من البُجة، وفرَّق ما كان فيها على أصحابه، فاتَّسعوا في الزاد والعلَوفة؛ فلما رأى ذلك علي بابا رئيس البُجة قصد لمحاربتهم، وجمع لهم، والتقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ وكانت الإبل التي يحاربون عليها إبلًا زعرة، تكثر الفزَع والرُّعب من كل شيء؛ فلما رأى ذلك القميَّ جمع أجراس الإبل والخيل التي كانت في عسكره كلها، فجعلها في أعناق الخيل، ثم حمل على البُجة، فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس، واشتدَّ رعبها، فحملتهم على الجبال والأودية، فمزَّقتهم كلَّ ممزِّق، واتبعهم القميَّ بأصحابه، فأخذهم قتلًا وأسرًا حتى أدركه الليل؛ وذلك في أول سنة إحدى وأربعين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم؛ فلما أصبح القميّ وجدهم قد جمعوا جمعًا من الرِّجالة، ثم صاروا إلى موضع أمنوا فيه طلب القميَّ، فوافاهم القميَّ في الليل في خيله، فهرب ملكهم؛ فأخذ تاجه ومتاعَه، ثم طلب علي بابا الأمان على أن يُرَدَّ إلى مملكته وبلاده، فأعطاه القميَّ ذلك، فأدى إليه الخراج للمدة التي كان منعها - وهي أربع سنين - لكل سنة أربعمائة مثقال، واستخلف علي بابا على مملكته ابنه لعيس، وانصرف القميّ بعلي بابا إلى باب المتوكل، فوصل إليه في آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكسا علي بابا هذا دُرَّاعة ديباج وعمامة سوداء، وكسا جمله رحْلا","vol":"12","page":484},{"text":"مُدبَّجًا وجلال ديباج، ووقف بباب العامَّة مع قوم من البُجَة نحو من سبعين غلامًا على الإبل بالرِّحال، ومعهم الحراب في رؤوس حرابهم رؤوس القوم الذين قتلوا من معسكرهم؛ قتلهم القميّ. فأمر المتوكل أن يقبضوا من القميّ، يوم الأضحى من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وولَّى المتوكل البجة وطريق ما بين مصر ومكة سعدًا الخادم الإيتاخيّ فولى سعد محمد بن عبد الله القمي، فخرج القميَّ بعلي بابا؛ وهو مقيم على دينه؛ فذكر بعضم أنه رأى معه صنمًا من حجارة كهيئة الصبيَّ يسجد له.\n* * *\nومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة في جمادى الآخرة.\nوحجَّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود، وحجَّ جعفر بن دينار فيها، وهو والي طريق مكة وأحدَاث الموسم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>[ذكر أحداث الزلازل بالبلاد] </span>(٢)\nفمما كان فيها من ذلك الزلازل الهائلة التي كانت بقومِس ورساتيقها في شعبان؛ فتهدَّمت فيها الدُّور، ومات من الناس بها مما سقط عليهم من الحيطان وغيرها بشرٌ كثير؛ ذُكر أنه بلغت عدَّتهم خمسة وأربعين ألفًا وستة وتسعين نفسًا؛ وكان عُظم ذلك بالدامَغان.\n_________\n(١) بينما قال البسوي حجَّ بنا سنة إحدى وأربعين ومائتين محمد بن داود بن عيسى [المعرفة ١/ ٧٥] فالله أعلم. وهنا يتوقف البسوي عن ذكر أحداث التاريخ بالترتيب الحولي.\n(٢) انظر المنتظم [١١/ ٢٩٤].","vol":"12","page":485},{"text":"وذكر أنه كان بفارس وخراسان والشام في هذه السنة زلازل وأصوات منكرة، وكان باليمن أيضًا مثل ذلك مع خسف بها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>[ذكر خروج الروم من ناحية شِمْشَاط] </span>(١)\nوفيها خرجت الروم من ناحية شِمْشاط بعد خروج علي بن يحيى الأرمنيَّ من الصَّائفة حتى قاربوا آمِد، ثم خرجوا من الثغور الجزريَّة، فانتهبوا عدَّة قرى، وأسروا نحوًا من عشرة آلاف إنسان؛ وكان دخولهم من ناحية إبريق؛ قرية قربياس؛ ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، فخرج قربياس وعمر بن عبد الله الأقطع وقوم من المتطوِّعة في أثرهم، فلم يلحقوا منهم أحدًا، فكتب إلى عليَّ بن يحيى أن يسير إلى بلادهم شاتيًا.\n* * *\nوفيها قتل المتوكل عطاردًا - رجلًا كان نصرانيًا فأسلم - فمكث مسلمًا سنين كثيرة ثم ارتدَّ فاستُتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فضُربت عنقه لليلتين خلتًا من شوال، وأحرق بباب العامة.\nوفي هذه السنة مات أبو حسان الزياديَّ قاضي الشرقية في رجب (٢).\nوفيها مات الحسن بن علي بن الجعد قاضي مدينة المنصور (٣).\nوحجَّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي؛ وهو والي مكة (٤).\nوحج فيها جعفر بن دينار وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم.\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٢٩٤].\n(٢) لوفاة الزيادي (أبو حسان) القاضي ﵀ انظر سير أعلام [١١/ ٤٩٦] وتاريخ بغداد ٧/ ٣٥٦].\n(٣) لوفاة الحسن بن علي بن الجعد انظر تاريخ بغداد [٧/ ٣٦٤].\n(٤) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١٠].","vol":"12","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2012>ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كان شخوص المتوكِّل إلى دمشق لعشر بقين من ذي القعدة (١) فضحَّى ببلَد؛ فقال يزيد بن محمد المهلبيُّ حين خرج:\nأَظُنُّ الشَامَ تشمت بالعِراقِ ... إِذَا عزم الإِمامُ على انْطلاقِ\nفإِن تدَعِ العراقَ وساكِنِيها ... فقد تبْلى المليحةُ بالطَلاقِ\n* * *\nوفيها مات إبراهيم بن العباس، فولى ديوان الضَّياع الحسن بن مخلَد بن الجرَّاح، خليفة إبراهيم في شعبان، ومات هاشم بن بنَجور في ذي الحجة (٢).\n* * *\nوحجَّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى (٣).\nوحجَّ جعفر بن دينار، وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك دخولُ المتوكل دمشق في صفر؛ وكان من لدن شخَص من سامراء إلى أن دخلها سبعة وتسعون يومًا - وقيل سبعة وسبعون يومًا - وعزم على المقام بها، ونقل دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها فمحرَّك الأتراك في أرزاقهم وأرزاق عيالاتهم، فأمر لهم بما أرضاهم به. ثم استوبأ البلد؛ وذلك أنَّ الهواء بها\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٣٠٥].\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١٠] فقد ذكر الخبر نقلًا عن تاريخ الطبري كما هاهنا ثم زاد ابن كثير وهو يعرّف بإبراهيم هذا فقال: الصولي، الشاعر الكاتب المشهور وهو عمُّ محمد بن يحيى الصولي .. ثم ذكر طرفًا من أشعاره ثم ذكر أنه توفي في منتصف شعبان من هذه السنة (٢٤٢ هـ) بِسُرَّ من رأى البداية [والنهاية ٨/ ٢١٠].\n(٣) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١٠].","vol":"12","page":487},{"text":"باردٌ نَديٌّ والماء ثقيل، والريح تهبُّ فيها مع العصر؛ فلا تزال تشتدُّ حتى يمضي عَامَّة الليل؛ وهي كثيرة البراغيث، وغلَت فيها الأسعار، وحال الثلج بين السَّابِلة والميرة (١).\n* * *\nوفيها وجَّه المتوكِّل بُغا من دمشق لغزو الرُّوم في شهر ربيع الآخر، فغزا الصائفة، فافتتح صُمُلة، وأقام المتوكَّل بدمشق شهرين وأيامًا، ثم رجع إلى سامراء، فأخذ في منصرَفه على الفرات، ئم عدل إلى الأنبار، ثم عدل من الأنبار على طريق الحُرْف إليها، فدخلها يوم الإثنين لسبع بَقيِن من جمادى الآخرة (٢).\n* * *\nوفيها عقد المتوكِّل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار - فيما زعم بعضهم - والصواب عندي أنه عقد له على طريق مكة في سنة ثنتين وأربعين ومائتين.\nوفيها أتِيَ المتوكل - فيما ذكر - بحربة كانت للنبيَّ - ﷺ - تسمى العنَزة؛ ذكر أنها كانت للنجاشي ملك الحبشة، فوهبها للزُّبير بن العوَّام، فأهداها الزبير لرسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فكانت عند المؤذِّنين، وكان يُمْشَى بها بين يدي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في العِيدين، وكانت تركز بين يديه في الفناء فيصلي إليها فأمر المتوكِّل بحملها بين يديه، فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة، ويحمل حربته خليفة صاحب الشرطة (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم ١١/ ٣٢٢.\n(٢) انظر المنتظم ١١/ ٣٢٢.\n(٣) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١١].","vol":"12","page":488},{"text":"وفيها غضب المتوكل على بَختيشُوع، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين، فقال أعرابيّ:\nيا سَخطةٌ جاءت على مقدارِ ... ثار له الليث على اقتدارِ\nمنه وبَخْتِيشُوعُ في اغتِرارِ ... لمَّا سَعى بالسَّادةِ الأَقمارِ\nبالأمَراء القادِة الأَبرارِ ... وُلاةِ عهدِ السَّيَدِ المختارِ\nوبالمَوالِي وبنِي الأَحرارِ ... رَمى به في مُوحِش القفارِ\n* بساحِلِ البحْرينِ للصَّغَارِ*\nوفي هذه السنة اتفق عيد المسلمين الأضحى وشعانين النصارى وعيد الفطر لليهود.\nوحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2015>[ذكر خبر بناء الماحوزة] </span>(٢)\nففيها أمر المتوكل ببناء الماحُوزَة، وسمَّاها الجعفريَّ، وأقطع القوَّاد وأصحابه فيها، وجدَّ في بنائها، وتحوَّل إلى المحمديّة ليتمَّ أمر الماحوزة، وأمر بنقض القصر المختار والبديع، وحمل ساجهما إلى الجعفري، وأنفق عليها - فيما قيل - أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القُرَّاء فقرؤوا، وحضر أصحاب الملاهي فوهب لهم ألفي ألف درهم، وكان يسميها هو وأصحابه الخاصَّة المتوكليَّة، وبنى فيها قصرًا سمَّاه لؤلؤة، لم يُرَ مثله في علوِّه، وأمر بحفر نهر يأخذ رأسه خمسة فراسخ فوق الماحوزة من موضع يقال له كَرْمى يكون شِرْبًا لما حولها من فُوهةِ النهر إليها، وأمر بأخذ جبلتا والخَصَاصَة العليا والسفلى\n_________\n(١) لهذه الأخبار المقتضبة انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١١].\n(٢) انظر المنتظم ١١/ ٣٢٨.","vol":"12","page":489},{"text":"وكَرْمى، وحمل أهلها على بيع منازلهم وأرضهم، فأجبِروا على ذلك حتى يكون الأرض والمنازل في تلك القرى كلها له، ويخرجهم عنها، وقدَّر للنهر من النفقة مائَتي ألف دينار، وصيَّر النفقة عليه إلى دُليل بن يعقوب النصرانيَّ كاتب بغا في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائتين، وألقى في حفر النهر اثني عشر ألف رجل يعملون فيه؛ فلم يزل دُليل يعتمل فيه، ويحمل المال بعد المال ويقسم عامَّته في الكتاب، حتى قتِل المتوكل، فبطل النهر، وأخربت الجعفريّة، ونقضت ولم يتمَّ أمر النهر.\n* * *\nوزلزلت في هذه السنة بلاد المغرب حتى تهدَّمت الحصون والمنازل والقناطر؛ فأمر المتوكل بتفوقة ثلاثة آلاف درهم في الذين أصيبوا بمنازلهم، وزلزل عسكر المهدي ببغداد فيها، وزلزلت المدائن.\n* * *\nوبعث ملك الروم فيها بأسْرَى من المسلمين؛ وبعث يسأل المفاداة بمن عنده؛ وكان الذي قدم من قِبَل صاحب الروم رسولًا إلى المتوكِّل شيخًا يدعى أطروبيليس معه سبعة وسبعون رجلًا من أسرى المسلمين، أهداهم ميخائيل بن تَوْفيل ملك الروم إلى المتوكِّل، وكان قدومه عليه لخمس بقين من صفر من هذه السنة، فأنزل على شُنيف الخادم. ثم وجَّه المتوكل نصر بن الأزهر الشيعيَّ مع رسول صاحب الروم، فشخص في هذه السنة، ولم يقع الفداء إلا في سنة ست وأربعين.\nوذكر أنه كانت في هذه السنة بأنطاكيَة زلزلة ورجْفة في شوَّال، قتلت خلقًا كثيرًا، وسقط منها ألف وخمسمائة دار، وسقط من سورها نيِّف وتسعون برجًا، وسمعوا أصواتًا هائلة لا يحسنون وصفَها من كُوى المنازل، وهرب أهلها إلى الصحاري، وتقطَّع جبلها الأقرع، وسقط في البحر؛ فهاج البحر في ذلك اليوم؛ وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدرى أين ذهب.\nوسمع فيها - فيما قيل - أهلُ تِنيِّس في مصر ضجَّة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير.","vol":"12","page":490},{"text":"وفيها زُلزلت بالس والرَّقة وحَرَّان ورأس عين وحمص ودمشق والرِّها وطرَسُوس والمَصِّيصة وأذنة وسواحل الشام. ورجفت اللاذقية، فما بقي منها منزل، ولا أفلت من أهلها إلا اليسير، وذهبت جَبَلَة بأهلها.\nوفيها غارت مُشاش - عين مكة - حتى بلغ ثمن القربة بمكة ثمانين درهمًا، فبعثت أم المتوكل فأنفقت عليها (١).\nوفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل وسوَّار بن عبد الله وهلال الرازي (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>[ذكر الخبر عن هلاك نجاح بن سلمة]</span>\nوفيها هلك نجَّاح بن سلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>ذكر الخبر عن سبب هلاكه </span>(٣):\nحدَّثني الحارث بن أبي أسامة ببعض ما أنا ذاكره من أخباره وببعض ذلك\n_________\n(١) لهذه الأخبار (من أول الصفحة إلى هنا) انظر المنتظم [١١/ ٣٢٩] والبداية والنهاية [٨/ ٢١١].\n(٢) لوفاة إسحاق بن إسرائيل انظر تاريخ بغداد [٦/ ٣٥٦]، وسير أعلام ١١/ ٤٧٦ ولوفاة سوار بن عبد الله انظر تاريخ بغداد ٩ [٩/ ٢١٠] وسير أعلام [١١/ ٥٤٣].\n(٣) هذا الخبر الذي استغرق الصفحات (٢١٤ - ٢١٥ - ٢١٦ - ٢١٧) ذكر الطبري بعض عن الحارث بن أبي أسامة وهو ما بين الثقة والصدوق [انظر لسان الميزان ٢/ تر ٢٢٣٤] وروى بعضه الآخر عن غير الحارث وخلط كل ذلك ببعض كما قال الطبري نفسه في بداية الصفحة (٢١٤) حدثني الحارث بن أبي أسامة ببعض ما أنا ذاكره من أخباره وببعض ذلك غيره .. الخبر، ولا ندري من غيره هذا فلم يُبيّنه الطبري ﵀ والحارث بن أبي أسامة توفي سنة ٢٨٢ هـ وقد عاصر هذه الأحداث ولكنه لم يدَّع بأنه دخل على الخليفة في قصره حتى يطلع على ذلك الحوار الطويل الذي دار في أروقة القصر وما إلى ذلك من الكيد الذي كاده نجاح بن سلمة وغيره - وقد تحدثنا عن شروطنا لقبول مثل هذه الأخبار في الصحيح ولو كان بعض ما جاء في هذا الخبر صحيحًا فذلك تحوُّل خطير ويعني أن الوزراء أصبحوا بالفعل أصحاب أموالٍ طائلة وأصيبوا بالترف وإذا ما دخل الترف إلى بيوت الأمراء والوزراء فذلك =","vol":"12","page":491},{"text":"غيره؛ أن نجاح بن سلمة كان على ديوان التوقيع والتتبُّع على العمال، وكان قبل ذلك كاتب إبراهيم بن رباح الجوهريَّ؛ وكان على الضياع؛ فكان جميع العمال يتَّقونه ويقضون حوائجه؛ ولا يقدرون على مَنْعِه من شيء يريدُه؛ وكان المتوكل ربما نادمه، وكان انقطاع الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وهو وزير المتوكل؛ وكانا يحملان إليه كلَّ ما يأمرهما به، وكان الحسن بن مخلد على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج؛ فكتب نجاح بن سَلمة رُقْعة إلى المتوكل في الحسن وموسى يذكر أنهما قد خانا وقصَّرا فيما هما بسبيله؛ وأنه يستخرج منها أربعين ألف ألف درهم؛ فأدناه المتوكِّل وشاربه تلك العشيَّة، وقال: يا نجاح؛ خذَل الله من يخذُلك، فبكِّرْ إليَّ غدا حتى أدفعهما إليك؛ فغدا وقد رتَّب أصحابه، وقال: يا فلان خذ أنت الحسن، ويا فلان خذ أنت موسى؛ فغدا نجاح إلى المتوكل، فلقى عبيد الله، وقد أمر عبيد الله أن يحجب نجاح عن المتوكل؛ فقال له: يا أبا الفضل، انصرف حتى ننظر وتنظر في هذا الأمر؛ وأنا أشير عليك بأمر لك فيه صلاح؛ قال: وما هو؛ قال: أصلح بينك وبينهما؛ وتكتب رقعة تذكر فيها أنك كنت شاربًا، وأنك تكلمت بأشياء تحتاج إلى معاودة النَّظر فيها، وأنا أصلح الأمر عند أمير المؤمنين؛ فلم يزل يخدعه حتى كتب رقعة بما أمره به، فأدخلها على المتوكل، وقال: يا أمير المؤمنين قد رجع نجاح عَمَّا قال البارحة؛ وهذه رقعة موسى والحسن يتقبَّلان به بما كتبا؛ فتأخذ ما ضمنا عنه، ثم تعطف عليهما، فتأخذ منهما قريبًا مما ضمن لك عنهما.\nفسرَّ المتوكل، وطمع فيما قال له عبيد الله، فقال: ادفعه إليهما؛ فانصرفا به؛ وأمرا بأخذ قَلنسوته عن رأسه وكانت خزا، فوجد البرد، فقال: ويحك يا حسن! قد وجدت البرد؛ فأمر بوضع قلنسوته على رأسه، وصار به موسى إلى ديوان الخراج، ووجَّها إلى ابنيه أبي الفرج وأبي محمد، فأخذ أبو الفرج وهرب أبو محمد، ابن بنت حسن بن شنيف، وأخذ كاتبه إسحاق بن سعد بن مسعود\n_________\n= بداية تفكك سلطة الخلافة وانهيار سلطانها وكسر شوكتها وصدق الله العظيم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] وقد أورد الحافظ بن كثير هذه القصة مختصرة في سطرين فقط وقال وقد أورد قصته ابن جرير مطولة ولم يزد على ذلك [انظر البداية والنهاية ٨/ ٢١١].","vol":"12","page":492},{"text":"القُطْرَبُّليَّ وعبد الله بن مخلد المعروف بابن البواب - وكان انقطاعه إلى نجاح - فأقرَّ لهما نجاح وابنه بنحو من مائة وأربعين ألف دينار سوى قيمة قصورهما وفرشهما ومستغلاتهما بسامراء وبغداد، وسوى ضياع لهما كثيرة، فأمر بقبض ذلك كله، وضُرِب مرارًا بالمقارع في غير موضع الضرب نحوًا من مائتي مَقْرعة، وغُمز وخُنِق، خنقة موسى الفرانق والمعلوف.\nفأما الحارث فإنه قال: عصر خصيتيه حتى مات؛ فأصبح ميتًا يوم الإثنين لثمان بقين من ذي القعدة من هذه السنة، فأمر بغسله ودفنه، فدُفن ليلًا؛ وضرِب ابنه محمد وعبد الله بن مخلد وإسحاق بن سعد نحوًا من خمسين خمسين، فأقر إسحاق بخمسين ألف دينار، وأقر عبد الله بن مخلد بخمسة عشر ألف دينار - وقيل عشرين ألف دينار.\nوكان ابنه أحمد ابن بنت حسن قد هرب فظفر به بعد موت نجاح، فحبِس في الديوان، وأخذ جميع ما في دار نجاح وابنه أبي الفرج من متَاع، وقبضت دورهما وضياعهما حيث كانتْ وأخرِجت عيالهما، وأخذ وكيله بناحية السواد، وهو ابن عياش فأقر بعشرين ألف دينار، وبعث إلى مكة في طلب الحسن بن سهل بن نوح الأهوازيَّ وحسن بن يعقوب البغدادي، وأخِذ بسببه قوم فحبسوا.\nوقد ذكر في سبب هلاكه غير ما قد ذكرناه، ذكر أنه كان يضاد عبيد الله بن يحيى بن خاقان - وكان عبُيد الله متمكنًا من المتوكل وإليه الوزارة وعامة أعماله؛ وإلى نجاح توقيع العامة، فلما عزم المتوكل على بناء الجعفريِّ قال له نجاح - وكان في الندماء - يا أمير المؤمنين، أسمي لك قومًا تدفعهم إليَّ حتى أستخرج لك منهم أموالًا تبني بها مدينتك هذه؛ إنه يلزمك من الأموال في بنائها ما يعظم قدره، ويجلَّ ذكره. فقال له: سَمِّهم، فرفع رقعة يذكر فيها موسى بن عبد الملك وعيسى بن فرُّخانشاه خليفة الحسن بن مخلد، وزيدان بن إبراهيم، خليفة موسى بن عبد الملك، وعبيد الله بن يحيى وأخويه: عبد الله بن يحيى وذكرياء، وميمون بن إبراهيم، ومحمد بن موسى المنجم وأخاه أحمد بن موسة وعلي بن يحيى بن أبي منصور وجعفرًا المعلوف مستخرج ديوان الخراج وغيرهم نحوًا من عشرين رجلًا فوقَع ذلك من المتوكل موقِعًا أعجبه، وقال له: اغْدُ غَدوةً، فلما أصبح لم يشكَّ في ذلك. وناظر عبيد الله بن يحيى المتوكل، فقال له: يا أمير","vol":"12","page":493},{"text":"المؤمنين! أراد ألا يدع كاتبًا ولا قائدًا إلا أوقع بهم، فمن يقوم بالأعمال يا أمير المؤمنين؛ وغدا نجاح؛ فأجلسه عبيد الله في مجلسه، ولم يؤذن له، وأحضر موسى بن عبد الملك والحسن بن مخلد، فقال لهما عبيد الله: إنه إن دخل إلى أمير المؤمنين دفعكما إليه فقتلكما، وأخذ ما تملكان، ولكن اكتبان إلى أمير المؤمنين رقعة تقبَّلان به فيها بألفي ألاف دينار؛ فكتبا رقعة بخطوطهما، وأوصلها عبيد الله بن يحيى، وجعل يختلف بين أمير المؤمنين ونجاح وموسى بن عبد الملك والحسن بن مخلد؛ فلم يزل يدخل ويخرج ويعين موسى والحسن؛ ثم أدخلهما على المتوكل، فضمنا ذلك؛ وخرج معهما فدفعه إليهما جميعًا؛ والناس جميعًا الخواص والعوام، وهما لا يشكَّان أنهما وعبيد الله بن يحيى مدفوعون إلى نجاح؛ للكلام الذي دار بينه وبين المتوكل، فأخذاه، وتولى تعذيبه موسى بن عبد الملك، فحبسه في ديوان الخراج بسامراء، وضربه دِرَرًا وأمر المتوكل بكاتبه إسحاق بن سعد - وكان يتولى خاصَّ أموره وأمر ضياع بعض الولد - أن يغرَّم واحدًا وخمسين ألف دينار، وحُلِّفَ على ذلك، وقال: إنه أخذ مني في أيام الواثق، وهو يخلف عن عمر بن فرج خمسين دينارًا، حتى أطلق أرزاقي، فخذوا لكل دينار ألفًا وزيادةَ ألف فضلًا كما أخذ فضلًا. فحُبس ونُجِّمَ عليه في ثلاثة أنجم؛ ولم يطلَق حتى أدَّى تعجيلَ سبعة عشر ألف دينار، وأطلق بعد أن أخذ منه كُفلاء بالباقي، وأخذ عبد الله بن مخلَد، فأغرم سبعة عشر ألف دينار، ووجَّه عبيد الله الحسين بن إسماعيل - وكان أحد حجاب المتوكل - وعتَاب بن عتاب عن رسالة المتوكل أن يضرَب نجاح خمسين مقرعة إن هو لم يقرَّ ويؤد ما وصف عليه، فضربه ثم عاوده في اليوم الثاني بمثل ذلك، ثم عاوده في اليوم الثالث بمثل ذلك؛ فقال: أبلغ أمير المؤمنين أني ميِّت. وأمر موسى بن عبد الملك - جعفرًا المعلوف ومعه عوْنان من أعوان ديوان الخراج، فعصروا مذاكيره حتى برد فمات. وأصبح فركب إلى المتوكل فأخبره بما حدث من وفاة نجاح، فقال لهما المتوكل: أني أريد مالي الذي ضمنتاه، فاحتالاه، فقبضا من أمواله وأموال ولده جملة، وحبسا أبا الفرج - وكان على ديوان زمام الضياع من قبل أبي صالح بن يزْداد - وقبضا أمتعته كلها وجميع ملكه، وكتبا على ضياعه لأمير المؤمنين، وأخذا ما أخذا من أصحابه؛ فكان المتوكل كثيرًا ما يقول لهما كلَّما شرب: ردُّوا عليَّ كاتبي؛ وإلا فهاتوا المال؛ وضمَّ توقيع ديوان العامة إلى عبيد الله بن يحيى،","vol":"12","page":494},{"text":"فاستخلف عليه يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، ابن عمِّه، ومكث موسى بن عبد الملك والحسن بن مخلد على ذلك يطالبهما المتوكل بالأموال التي ضمناها من قبل نجاح؛ فما أتى على ذلك إلا يسيرًا حتى ركب موسى بن عبد الملك يشيِّع المنتصر من الجعفريّ، وهو يريد سامراء إلى منزله الذي ينزله بالجوْسق؛ فبلغه معه ساعة، ثم انصرف راجعًا، فبينا وهو يسير إذ صاح بمن معه: خذوني، فبدروه فسقط على أيديهم مفلوجًا، فحمل إلى منزله، فمكث يومه وليلته، ثم توفِّيَ، فصيِّر على ديوان الخراج أيضًا عبيد الله بن يحيى بن خاقان، استخلف عليه أحمد بن إسرائيل كاتب المعتزّ؛ وكان أيضًا خليفته على كتابة المعتز فقال القصَّافيَّ:\nمَا كانَ يخْشى نجاحٌ صَوْلة الزَّمنِ ... حتَّى أُدِيلَ لموسى منه والحَسَنِ\nغدا على نِعَمِ الأحرارِ يَسلبُها ... فراحَ وهْو سَليبُ المال والبدنِ\nوفيها ضرب بَخْتيِشوع المتطبِّب مائة وخمسين مقرعة، وأثقِل بالحديد، وحبِس في المطبق في رجب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>[غارة الروم على سميساط]</span>\nوفيها أغارت الروم على سُمْيساط، فقتلوا وسبوا نحوًا من خمسمائة.\nوغزا عليَّ بن يحيى الأرمنيَّ الصائفة ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليها ثلاثين يومًا، فبعث ملك الروم إليهم بِطْريقًا يضمن لكلِّ رجل منهم ألف دينار، على أن يسلموا إليه لؤلؤة، فأصعدوا إليهم ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوا، فسلَّموا لؤلؤة والبطريق إلى بَلْكاجُور في ذي الحجة؛ وكان البطريق الذي كان صاحب الروم وجهَّه إليهم يقال له لُغُثِيط، فلما دفعه أهل لؤلؤة إلى بَلْكاجور. وقيل: إن عليَّ بن يحيى الأرمني حمله إلى المتوكل إلى الفتح بن خاقان، فعرض عليه الإسلام فأبى، فقالوا، نقتلك، فقال: أنتم أعلم؛ وكتب ملك الروم يبذل مكانه ألف رجل من المسلمين.\n* * *","vol":"12","page":495},{"text":"وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو يعرف بالزينيِّ، وهو والي مكة.\nوكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأجيره إياه عنهم فيها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع عشرة ليلة خلت من حزَيِران ولثمان وعشرين من أرديوهشت ماه، فقال البحتريَّ الطائي:\nإِنَّ يومَ النَّيرُوزِ عادَ إِلى العهـ ... ـدِ الذي كان سَنَّهُ أَرْدَشيرُ\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك غزو عمر بن عبد الله الأقطع الصَّائفة، فأخرج سبعة آلاف رأس. وغزوة قريباس، فأخرج خمسة آلاف رأس، وغزو الفضل بن قارن بحرًا في عشرين مركبًا؛ فافتتح أنطاكية. وغزوة بلكاجور فغنْم وسبى. وغزو عليّ بن يحيى الأرمنيَّ الصائفة، فأخرج خمسة آلاف رأس ومن الدوابُ والرَّمَك والحمير نحوًا من عشرة آلاف.\nوفيها تحوَّل المتوكل إلى المدينة التي بناها الماحوزة، فنزلها يوم عاشوراء من هذه السنة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2020>[ذكر خبر الفداء بين الروم والمسلمين في هذه السنة] </span>(٢)\nوفيها كان الفداء في صفر على يدي عليّ بن يحيى الأرمني، ففُودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفسًا. وقال بعضهم: لم يتم الفداء في هذه السنة إلا في جمادى الأولى.\n_________\n(١) انظر المنتظم [١١/ ٣٤٠].\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١٢].","vol":"12","page":496},{"text":"وذكر عن نصر بن الأزهر الشِّيعيِّ - وكان رسول المتوكل إلى ملك الروم في أمر الفداء - أنه قال: لمَّا صرتُ إلى القسطنطينية حضرت دار ميخائيل الملك بسوادي وسيفي وخنجري وقلنسوتي، فجرت بيني وبين خال الملك بطرناس المناظرة - وهو القيّم بشأن الملك - وأبوْا أن يدخلوني بسيفي وسوادي، فقلت: أنصرف، فانصرفت فرُددِتُ من الطريق ومعي الهدايا نحو من ألف نافجة مسك وثيابٌ حريرٌ وزعفران كثير وطرائف، وقد كان أذن لوفود بُرْجان وغيرهم ممن ورد عليه، وحمُلت الهدايا التي معي، فدخلت عليه، فإذا هو على سرير فوق سرير، وإذا البطارقة حوله قيام، فسلمت ثم جلست على طرف السرير الكبير، وقد هُيئ لي مجلس، ووضعت الهدايا بين يديه، وبين يديه ثلاثة تراجمة: غلام فرَّاش كان لمسرور الخادم، . وغلام لعباس بن سعيد الجوهريّ، وترجمان له قديم يقال له سُرْحُون؛ فقالوا لي: ما نبلَّغه؟ قلت: لا تزيدون على ما أقول لكم شيئًا؛ فأقبلوا يترجمون ما أقول، فقبل الهدايا ولم يأمر لأحد منها بشيء، وقرَّبني وأكرمني، وهيأ لي منزلًا بقربه؛ فخرجت فنزلت في منزلي، وأتاه أهل لؤلؤة برغبتهم في النصرانية، وأنهم معه، ووجهَّوا برجلين ممَّن فيها رهينة من المسلمين.\nقال: فتغافل عني نحوًا من أربعة أشهر؛ حتى أتاه كتاب مخالفة أهل لؤلؤة، وأخذهم رسلَه واستيلاء العرب عليها، فراجعوا مخاطبتي، وانقطع الأمر بيني وبينهم في الفِداء؛ على أن يعطوا جميع مَنْ عندهم وأعطي جميع مَنْ عندي؛ وكانوا أكثر من ألف قليلًا؛ وكان جميع الأسرى الذين في أيديهم أكثر من ألفين؛ منهم عشرون امرأة؛ معهنَّ عشرة من الصبيان، فأجابوني إلى المخالفة؛ فاستحلفت خالَه، فحلف عن ميخائيل، فقلت: أيها الملك قد حلف لي خالك؛ فهذه اليمين لازمة لك؟ فقال برأسه: نعم، ولم أسمعه يتكلم بكلمة منذ دخلُت بلاد الروم إلى أن خرجت منها، إنما يقول الترجمان وهو يسمع، فيقول برأسه: نعم أوْلا، وليس يتكلَّم وخالُه المدبَّر أمَره، ثم خرجت من عنده بالأسْرى بأحسن حال؛ حتى إذا جئنا موضع الفِداء أطلقنا هؤلاء جملة وهؤلاء جملة؛ وكان عِداد ممَنْ صار في أيدينا من المسلمين أكثر من ألفين منهم عدَّة ممن كان تنصَّر وصار في أيديهم أكثر من ألف قليلًا؛ وكان قوم تنصَّروا؛ فقال لهم ملك الروم: لا أقبل منكم حتى تبلغوا موضع الفداء، فمن أراد أن أقبله في النصرانية فليرجع","vol":"12","page":497},{"text":"من موضع الفداء؛ وإلا فليضمن ويمضي مع أصحابه، وأكثر من تنصَّر أهل المغرب، وأكثر من تنصَّر بالقسطنطينية؛ وكان هنالك صائغان قد تنصَّرا، فكانا يحسنان إلى الأسرى؛ فلم يبق في بلاد الروم من المسلمين ممن ظهر عليه الملك إلا سبعة نفر، خمسة أتِي بهم من سقلِيَة، أعطيتُ فداءهم على أن يوجَّه بهم إلى سقليَّة، ورجلان كانا من رها لن لؤلؤة، فتركتهما، [و] قلت: اقتلوهما، فإنهما رغبَا في النصرانية.\nومُطر أهلُ بغداد في هذه السنة واحدًا وعشرين يومًا في شعبان ورمضان؛ حتى نبت العشب فوق الأجاجير.\nوصلَّى المتوكلُ فيها صلاة الفطر بالجعفريَّة، وصلى عبد الصمد بن موسى في مسجد جامعها، ولم يصلِّ بسامراء أحد.\nوورد فيها الخبر أن سكة بناحية بلخ تنسب إلى الدَّهاقين مُطرت دمًا عبيطًا.\n* * *\nوحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن سليمِان الزينبيّ.\nوحجَّ فيها محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فولى أعمال الموسم.\nوضحَّى أهل سامراء فيها يوم الإثنين على الرؤية وأهل مكة يوم الثلاثاء (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2021>ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>[ذكر الخبر عن مقتل المتوكل]</span>\nفممَّا كان فيها من ذلك مقتل المتوكل (٢).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية ٨/ ٢١٢.\n(٢) وقال القاضي وكيع في ترجمة إبراهيم بن محمد التيمي ولم يزل التيمي غلى قضاء البصرة إلى =","vol":"12","page":498},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف قتل:\nقال أبو جعفر: ذُكر لي أنَّ سبب ذلك كان أنَّ المتوكل كان أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل وإقطاعها الفتح بن خاقان؛ فكُتِبت الكتب بذلك، وصارت إلى الخاتم على أن تنفذ يوم الخميس لخمس خلوْن من شعبان؛ فبلغ ذلك وصيفًا، واستقرَّ عنده الذي أمر به في أمره؛ وكان المتوكِّل أراد أن يُصليَ بالناس يوم الجمعة في شهر رمضان في آخر جمعة منه؛ وكان قد شاع في الناس في أوَّل رمضان أنَّ أمير المؤمنين يصلي في آخر جمعة من الشهر بالناس، فاجتمع الناس لذلك واحتشدوا، وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامِه إذا هو ركب. فلما كان يوم الجمعة أراد الرُّكوب للصلاة، فقال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الناس قد اجتمعوا وكثروا؛ من أهل بيتك وغيرهم؛ وبعضٌ متظلِّم وبعض طالب حاجة؛ وأمير المؤمنين يشكو ضِيق الصدر ووعْكة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعضَ ولاة العهود بالصَّلاة، ونكون معه جميعًا فليفعل. فقال: قد رأيتُ ما رأيتما؛ فأمر المنتصر بالصَّلاة، فلمَّا نهض المنتصر ليركب للصلاة قالا: يا أمير المؤمنين؛ قد رأينا رأيًا؛ وأمير المؤمنين أعْلى عينًا، قال: وما هو؟ اعرضاه عليَّ، قالا: يا أمير المؤمنين، مُرْ أبا عبد الله المعتزَّ بالله الصلاة لتشرِّفه بذلك في هذا اليوم الشريف؛ فقد اجتمع أهل بيته؛ والناس جميعًا فقد بلغ الله به.\nقال: وقد كان وُلد للمعتزِّ قبل ذلك بيوم؛ فأمر المعتزَّ، فركب وصلَّى بالناس، فأقام المنتصر في منزله - وكان بالجعفريّة - وكان ذلك مما زاد في إغرائه به؛ فلمَّا فرغ المعتزَّ من خطبته قام إليه عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان، فقبَّلا يديه ورجليه، وفرغ المعتزّ من الصلاة، فانصرف وانصرفا معه؛ ومعهم الناس في موكب الخلافة، والعالم بين يديه؛ حتى دخل على أبيه وهما معه؛ ودخل معه داود بن محمد بن أبي العباس الطوسيّ، فقال داود: يا أميرَ المؤمنين، ائذن لي\n_________\n= أن وقال ابن قتيبة الدينوري: قتل سنة سبع وأربعين ومائتين بعد الفطر بثلاثة أيام [المعارف / ٢٠٠]. والذي اختاره الحافظ بن كثير أنه قتل في ليلة الأربعاء لأربع خلت من شوال من هذه السنة أعني سنة سبع وأربعين ومائتين بالمتوكلية وهي الماحوزة [البداية والنهاية ٨/ ٢٥٠] قتل المتوكل على الله في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.","vol":"12","page":499},{"text":"فأتكلَّم، قال: قل، فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيت الأمين والمأمون ورأيت المعتصم صلواتُ الله عليهم، ورأيت الواثق بالله، فوالله ما رأيتُ رجلًا على منبر أحسن قوامًا، ولا أحسن بديهًا، ولا أجهر صوتًا، ولا أعذب لسانًا، ولا أخطب من المعتزِّ بالله، أعزه الله يا أمير المؤمنين ببقائك، وأمتعك الله وإيانا بحياته! فقال له المتوكل: أسمعك الله خيرًا، وأمتعنا بك؛ فلما كان يوم الأحد؛ وذلك يوم الفِطْر وجد المتوكِّل فترة، فقال: مُروا المنتصرَ فليصلِّ بالناس، فقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان: يا أمير المؤمنين؛ قد كان الناس تطلعوا إلى رؤية أمير المؤمنين في يوم الجمعة فاجتمعوا واحتشدوا، فلم يركب أمير المؤمنين؛ ولا نأمن إن هو لم يركب أن يرجُف الناس بِعِلَّته، ويتكلموا في أمره، فإن رأى أمير المؤمنين أن يَسُرَّ الأولياء ويكْبِت الأعداء بركوبه فعل. فأمرهم بالتأهب والتهيُّؤ لركوبه؛ فركب فصلى بالناس وانصرف إلى منزله، فأقام يومه ذلك ومن الغد لم يدع بأحد من ندمائه.\nوذُكر أنه ركب يوم الفِطْر؛ وقد ضربت له المصافُّ نحوًا من أربعة أميال، وترجَّل الناس بين يديْه، فصلَّى بالناس، ورجع إلى قصره، فأخذ حِفْنةً من تراب، فوضعها على رأسه، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي رأيتُ كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتواضع لله ﷿، فلمَّا كان من غد يوم الفطر لم يدعُ بأحد من ندمائه؛ فلما كان اليوم الثالث وهو يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال - أصبح نشيطًا فرحًا مسرورًا، فقال: كأني أجد مسَّ الدم، فقال الطَّيْفُوريَّ وابن الأبرش - وهما طبيباه: يا أمير المؤمنين، عزم الله لك على الخير؛ افعلْ، ففعل؛ واشتهى لحم جَزور، فأمر به فأحضِر بين يديه، فاتَّخذه بيده.\nوذكر عن ابن الحفصيِّ المغنِّي أنه كان حاضر المجلس، قال ابن الحفصيّ: وما كان أحدٌ ممن يأكل [بين يديه] حاضرًا غيري وغير عثعث وزُنام وبُنان غلام أحمد بن يحيى بن معاذ؛ فإنه جاء مع المنتصر. قال: وكان المتوكل والفتح بن خاقان يأكلان معًا، ونحن في ناحية بإزائهم والندماء مفترقون في حجرهم؛ لم يدع بأحد منهم بعد. قال ابن الحفصيّ: فالتفت إليَّ أمير المؤمنين، فقال: كلْ أنتَ وعثعث بين يديّ. ويأكل معكما نصر بن سعيد الجِهْبذ؛ قال: فقلت:","vol":"12","page":500},{"text":"يا سيديَّ، نصر والله يأكلني، فكيف ما يوضع بين أيدينا! فقال: كُلوا بحياتي؛ فأكلنا ثم علَّقنا أيدينا بحذائِه. قال: فالتفت أميرُ المؤمنين التفاتةً، فنظر إلينا معلَّقي الأيدي، فقال: ما لكم لا تأكلون؛ قلت: يا سيدي، قد نفذ ما بين أيدينا؛ فأمر أن يُزاد، فغُرِف لنا من بين يديه.\nقال ابن الحفصيِّ: ولم يكن أميرُ المؤمنين في يوم من الأيام أسرَّ منه في ذلك اليوم. قال: وأخذ مجلَسه، ودعا بالندماء والمغنِّين فحضروا، وأهدت إليه قَبيحة أمّ المعتز مطرف خزَّ أخضر؛ لم ير الناس مثله حسنًا، فنظر إليه فأطال النظر، فاستحسنه وكثر تعجّبه منه، وأمر به فقطع نصفين، وأمر بردِه عليها، ثم قال لرسولها: أذكَرَتْنِي به، ثم قال: والله إنَّ نفسي لتحدِّثني أني لا ألبسه وما أحب أن يلبسه أحد بعدي وإنما أمرت بشقة لئلا يلبسه أحد بعدي، فقلنا له: يا سيدنا، هذا يوم سرور يا أمير المؤمنين نعيذك بالله أن تقول هذا يا سيدنا، قال: وأخذ في الشراب واللهو، ولهج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل، قال: فلم يزل في لهوه وسروره إلى الليل.\nوذكر بعضهم أنَّ المتوكل عزم هو والفتح أن يصيّرا غداءهما عند عبد الله بن عمر البازيار يوم الخميس لخمس ليال خلوْن من شوال، على أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفًا وبُغا وغيرهما من قُوَّاد الأتراك ووجوههم، فكثر عبُثه يوم الثلاثاء قبل ذلك بيوم - فيما ذكر ابن الحفصيّ - بابنه المنتصر، ومرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمره بصفعه ومرَّةً يتهدَّده بالقتل.\nفذكر عن هارون بن محمد بن سليمان الهاشمي أنه قال: حدِّثني بعض من كان في الستارة من النساء، أنه التفت إلى الفتح، فقال له: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إن لم تلطِمْه - يعني المنتصر - فقام الفتح ولطَمه مرَّتين، يمرَّ يده على قفاه، ثم قال المتوكِّل لمن حضر: اشهدوا جميعًا أني قد خلعتُ المستعجل - المنتصر - ثم الْتفت إليه، فقال: سمَّيتُك المنتصر، فسماك الناس لحمقك المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل، فقال المنتصر: يا أميرَ المؤمنين، لو أمرتَ بضرب عنقي كان أسهلَ عليَّ مما تفعله بي، فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بُنانًا غلام","vol":"12","page":501},{"text":"أحمد بن يحيى أن يلحقه، فلمَّا خرج وضعت المائدة بين يدي المتوكل، وجعل يأكلها ويلقم وهو سكران.\nوذُكر عن ابن الحفصيِّ أنَّ المنتصر لمَّا خرج إلى حُجْرته أخذ بيد زرافة، فقال له: امض معي، فقال: يا سيِّدي؛ إن أمير المؤمنين لم يقُم، فقال: إن أمير المؤمنين قد أخذه النبيذ، والساعة يخرج بُغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إليَّ، فإن أوتامش سألني أن أزوِّج ابنَه من ابنتك، وابنَك من ابنته، فقال له زُرافة: نحن عبيدك يا سيدي، فمرنا بأمرك. وأخذ المنتصر بيده وانصرف به معه. قال: وكان زُرافة قد قال لي قبل ذلك: ارفق بنفسك، فإنَّ أمير المؤمنين سكران والساعة يُفيق، وقد دعاني تمرة، وسألني أن أسألك أن تصير إليه فنصير جميعا إلى حجرته. قال: فقلت له: أنا أتقدَّمك إليه، قال: ومضى زرافة مع المنتصر إلى حجرته.\nفذكر بُنان غلام أحمد بن يحيى أنَّ المنتصر قال له: قد أملكتُ ابن زرافة من ابنة أوتامش وابن أوتامش من ابنة زرافة؟ قال بُنان: فقلت للمنتصر: يا سيدي، فأين النَّثار فهو يُحسن الإملاك؟ فقال: غدًا إن شاء الله، فإنَّ الليل قد مضى. قال: وانصرف زرافة إلى حجرة تمرة، فلما دخل دعا بالطعام فأتي به، فما أكل إلا أيسر ذلك حتى سمعنا الضَّجة والصراخ؛ فقمنا؛ فقال بنان: فما هو إلَّا أن خرج زرافة من منزل تمرة، إذا بُغا استقبل المنتصر، فقال المنتصر: ما هذه الضجة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين قال: ما تقول، ويلك! قال أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين! كان عبدًا لله دعاه فأجابه، قال: فجلس المنتصر؛ وأمر بباب البيت الذي قُتل فيه المتوكل والمجلس، فأغلق وأغلقت الأبواب كلها، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.\nوذكر عن عَثْعَث أنَّ المتوكل دعا بالمائدة بعد قيام المنتصر وخروجه ومعه زُرافة، وكان بُغا الصغير المعروف بالشرابيِّ قائمًا عند الستر؛ وذلك اليوم كان نوبة بُغا الكبير في الدار؛ وكان خليفته في الدار ابنه موسى - وموسى هذا هو ابن خالة المتوكل، وبُغا الكبير يومئذٍ بسُميساط - فدخل بُغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حُجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، وأمير المؤمنين لم يرتفع، فقال له بغا: إن أمير المؤمنين أمرني إذا","vol":"12","page":502},{"text":"جاوز السبعة ألَّا أترك في المجلس أحدًا، وقد شُرِّبَ أربعة عشر رطلًا، فكره الفتح قيامَهم، فقال له بغا: إن حُرَم أمير المؤمنين خلْف الستارة، وقد سكر، فقوموا واخرجوا، فخرجوا جميعًا، فلم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدَم الخاصَّة؛ منهم شفيع وفرج الصَّغير ومؤنس وأبو عيسى مارد المحْرِزيَّ. قال: وضع الطباخ المائدة بين يدي المتوكل، فجعل يأكل ويلقم، ويقول لمارد: كلْ معي حتى أكل بعض طعامه وهو سكران، ثم شرب أيضًا بعد ذلك.\nفذكر عثعث أن أبا أحمد بن المتوكل أخا المؤيد لأمه - كان معهم في المجلس، فقام إلى الخلاء، وقد كان بُغا الشرابيَّ أغلق الأبواب كلها غير باب الشطّ، ومنه دخل القوم الذين عُيِّنُوا لقتْله، فبصُربهم أبو أحمد، فصاح بهم ما هذا يا سفل! وإذا بسيوف مسلَّلة، قال: وقد كان تقدَّم النفرَ الذين تولوا قتله بغلون التركيَّ وباغر وموسى بن بغا وهارون بن صوارتكين وبغا الشرابيَّ؛ فلمَّا سمع المتوكل صوتَ أبي أحمد رفع رأسه، فرأى القوم، فقال: يا بغا، ما هذا؟ قال: هؤلاء رجال النوبة التي تبيت على باب سيّدي أمير المؤمنين، فرجع القوم إلى ورائهم عند كلام المتوكل لبُغا، ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم بعد. قال عثعث: فسمعت بُغا يقول لهم: يا سفل، أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كرامًا؛ فرجع القوم إلى المجلس، فابتدره بغلون فضربه ضرْبَةً على كَتِفه وأذنه فقدَّه، فقال: مهلا قطع الله يدك! ثم قام وأراد الوثوب به، فاستقبله بيده فأبانها، وشركه باغر، فقال الفتح: ويلكم، أمير المؤمنين! فقال بغا: يا حَلَقيَّ، لا تَسْكُتُ! فرمى الفتح بنفسه على المتوكل، فبعجه هارون بسيفه، فصاح: الموت! واعتوره هارون وموسى بن بُغا بأسيافهما، فقتلاه وقطعاه، وأصابت عثعثُ ضربة في رأسه. وكان مع المتوكل خادم صغير، فدخل تحت الستارة، فنجا، وتهارب الباقون. قال: وقد كانوا قالوا لوصيف في وقت ما جاءوا إليه: كن معنا فإنا نتخوَّف ألَّا يتم ما نريد فنقتَل، فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: فأرسل معنا بعضَ ولدك، فأرسل معه خمسة من ولده: صالحًا، وأحمد، وعبد الله، ونصرًا، وعبيد الله؛ حتى صاروا إلى ما أرادوا.\nوذكر عن زُرْقان خليفة زرافة على البوابين وغيرهم أنَّ المنتصر لما أخذ بيد زرافة فأخرجه من الدَّار ودخل القوم، نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قد","vol":"12","page":503},{"text":"فرغنا من الأسد والحيات والعقارب، وصرنا إلى السيوف؛ وذلك أنه كان ربما أشلى الحيَّة والعقرب أو الأسد؛ فلما ذكر عثعث السيوف، قال له: ويلك! أي شيء تقول؟ فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه، فقام الفتح في وجوههم، فقال لهم: يا كلاب؛ وراءكم وراءكم! فبدر إليه بُغا الشرابيَّ، فبعج بطنه بالسَّيف، وبدر الباقون إلى المتوكل، وهرب عثعث على وجهه. وكان أبو أحمد في حُجْرته، فلما سمع الضجة خرج فوقع على أبيه، فبادره بغلون فضربه ضربتين؛ فلما رأى السيوف تأخذه خرج وتركهم، وخرج القوم إلى المنتصر، فسلَّمُوا عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف، فقالوا له: بايع، فبايعه. وأرسل المنتصر إلى وصيف: إنَّ الفتح قتل أبي، فقتُلته، فاحضر في وجوه أصحابك. فحضر وصيف وأصحابه فبايعوا. قال: وكان عبيد الله بن يحيى في حُجرته لا يعلم بشيء من أمر القوم ينفذ الأمور.\nوقد ذكر أن امرأة من نساء الأتراك ألقت رقعة تخبر ما عزم عليه القوم، فوصلت الرُّقعة إلى عبيد الله، فشاور الفتحَ فيها؛ وكان ذلك وقع إلى أبي نوح عيسى بن إبراهيم كاتب الفتح بن خاقان، فأنهاه إلى الفتح، فاتفق رأيهُم على كتمان المتوكل لما رأوا من سروره؛ فكرهوا أن ينغِّصوا عليه يومه؛ وهان عليهم أمرُ القوم، ووثقوا بأنَّ ذلك لا يخسر عليه أحد ولا يقدر.\nفذُكر أنَّ أبا نوح احتال في الهرب من ليلته، وعبيد الله جالس في عمله ينفذ الأمور، وبين يديه جعفر بن حامد، إذْ طلَع عليه بعض الخدم، فقال: يا سيديَ، ما يجلسك؟ قال: وما ذاك! قال: الدار سيف واحد، فأمر جعفرًا بالخروج؛ فخرج وعاد؛ فأخبره أنَّ أمير المؤمنين والفتح قد قتلا، فخرج فيمن معه من خدمه وخاصِّته، فأخبر أنَّ الأبواب مغلقة، فأخذ نحو الشطِّ، فإذا أبوابه أيضًا مغلَقة، فأمر بكسر ما كان مما يلي الشطُ، فكسرت ثلاثة أبواب حتى خرج إلى الشطِّ، فصار إلى زورق، فقعد فيه ومعه جعفر بن حامد، وغلام له، فصار إلى منزل المعتز، فسأل عنه فلم يصادفه؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قتلني وقتل نفسه، وتلهَّف عليه، واجتمع إلى عبيد الله أصحابُه غداة يوم الأربعاء من الأبناء والعجم والأرمن والزِّواقيل والأعراب والصَّعاليك وغيرهم [وقد اختلف في عدَّتهم]، فقال بعضهم: كانوا زهاء عشرين ألف فارس وقال آخرون: كان","vol":"12","page":504},{"text":"معه ثلاثة عشر ألف رجل، وقال آخرون: كان معه ثلاثة عشر ألف لجام، وقال المقلِّلون: ما بين الخمسة آلاف إلى العشرة آلاف؛ فقالوا له: إنما كنت تصطنعنا لهذا اليوم، فأمُر بأمرك، وأذن لنا نَمِلْ على القوم ميلة؛ نقتل المنتصر ومَنْ معه من الأتراك وغيرهم، فأبى ذلك، وقال: ليس في هذا حِيلة، والرجل في أيديهم - يعني المعتزَّ.\nوذُكر عن عليِّ بن يحيى المنجِّم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتابًا من كتب الملاحِم، فوقف على موضع من الكتاب فيه: إن الخليفة العاشر يُقتَل في مجلسه، فتوقَّفت عن قراءته وقطعتُه، فقال لي: مالك قد وقفت! قلت: خير، قال: لابدَّ والله من أن تقرأه فقرأته وحدْتُ عن ذكر الخلفاء؛ فقال المتوكل: ليت شعري مَنْ هذا الشَّقيُّ المقتول!\nوذُكر عن سلمة بن سعيد النصرانيِّ أنَّ المتوكل رأى أشُوط بن حمزة الأرمنيَّ قبل قتله بأيام، فتأفَّف برؤيته، وأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين؛ أليس قد كنت تحبُّ خدمته؟ قال: بلى، ولكِّني رأيت في المنام منذ ليال كأني قد ركبته، فالتفت إليَّ وقد صار رأسه مثل رأس البغل، فقال لي: إلى كم تؤذينا! إنما بقي من أجلك تمام خمسة عشر سنة غير أيام. قال: فكان بعدد أيام خلافته.\nوذكر عن ابن أبي ربعيِّ أنه قال: رأيتُ في منامي كأنَّ رجلًا دخل من باب الرَّسْتَن على عجلة ووجهه إلى الصحراء وقفاه إلى المدينة، وهو ينشد:\nيا عَينُ ويلكِ فاهملي ... بالدمعِ سحَّا واسبلي\nدَلَّتْ على قرْبِ القيا ... مةِ قِتلُةُ المتوكل\nوذكِر أن حُبشيَّ بن أبي ربعيّ مات قبل قَتْل المتوكل بسنتين.\nوذكر عن محمد بن سعيد، قال: قال أبو الوارث قاضي نَصيِبين:\nرأيت في النوم آتيًا أتاني، وهويقول:\nيا نائمَ العينِ في جُثمْانِ يقظانِ ... ما بالُ عينِكَ لا تبكي بتَهتانِ!\nأَما رأَيتَ صُرُوفَ الدهرِ ما فَعَلَتْ ... بالهاشميِّ وبالفتح بن خاقان!\nوسوفَ يَتبعُهُمْ قَومٌ لهم غَدَروا ... حتى يصيروا كأمسِ الذاهبِ الفاني\nفأتى البريد بعد أيام بقتلهما جميعًا.","vol":"12","page":505},{"text":"قال أبو جعفر: وقتل ليلة الأربعاء بعد العتمة بساعة لأربع خلوْن من شوال - وقيل: بل قتل ليلة الخميس - فكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام وقتل يوم قتل وهو - فيما قيل ابن أربعين سنة وكان ولد بفم الصِّلح في شوال من سنة ست ومائتين (١).\nوكان أسمر حسن العينين خفيف العارضين نحيفًا.\n* * *\n_________\n(١) هذه أخبار غير صحيحة في جلِّها متناقضة أحيانًا ورواة هذه الأخبار التي تحكي قصة مقتله كالآتي: -\n١ - ابن الحفصي المغني.\n٢ - بعض من كان في الستارة في النساء (مبهم)\n٣ - زرقان خليفة زرافة على البوابين.\n٤ - بنان غلام أحمد بن يحيى.\n٥ - عثعث.\n٦ - علي بن يحيى المنجم.\n٧ - سلمة بن سعيد النصراني.\nونظرة بسيطة إلى هذه الأسماء تبيِّن لك هشاشة هذه الأخبار فكيف نعتمد على المغني والنصراني والمنجم أو امرأة من وراء الستار دون أن نعلم شيئًا من اسمها وآخرون كلهم مجاهيل - وكلها أخبار لا تصح ولكن تناقلتها الكتب التي توالت دون تمحيص أو تمييز بين الأخبار الصحيحة والسقيمة وعلق في أذهان الناس أن المتوكل قتل وهو في مجلس شرابه وذلك لا يصح إسنادًا - وأما متنًا فكذلك لا تصح فقد عرف عن المتوكل أنه قرب أهل الديانة والعلم ودافع عن أئمة السنة ورفع عنهم المحنة وأبعد أهل البدعة وكان وقافًا عند كتاب الله وسنة نبيِّه حريصًا على تثبيت دعائم الخلافة وحتى روَايات الطبري السقيمة هذه تناقض بعضها بعضًا فالطبري ذكر في [٩/ ٢٢٣] في نهاية الصفحة أن المتوكل بعد أن صلى بجماهير غفيرة من رعيته يوم الفطر رجع إلى قصره وأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه فقيل له في ذلك فقال إني رأيت كثرة هذا الجمع ورأيتهم تحت يدي فأحببت أن أتواضع لله ﷿.\nثم ذكر في [٩/ ٢٢٥] عن ابن الحفصي المغني (هكذا لقبه فكيف تكون عدالته) أن المتوكل أخذ في اللهو والشراب) فما هذا التناقض ونكتفي بهذا التعليق لنعود إلى سيرة المتوكل في [٩/ ٢٣٠] و[٩/ ٢٣٤].","vol":"12","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2023>ذكر الخبر عن بعض أمور المتوكل وسيرته </span>(١):\nذُكر عن مروان بن أبي الجَنوب أبي السمط، أنه قال: أنشدتُ أمير المؤمنين فيه شعرًا، وذكرتُ الرَّافضة فيه، فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلَع عليَّ أربع خِلع في دار العامَّة، وخلع عليَّ المنتصر وأمر لي بثلاثة آلاف دينار، فنثرت على رأسي، وأمر ابنه المنتصر وسعدًا الإيتاخيِّ يلقطانها لي، ولا أمسُّ منها شيئًا؛ فجمعاها، فانصرفت بها.\nقال: والشعر الذي قال فيه:\nمُلك الخليفةِ جعفرٍ ... للدين والدنيا سَلامَهْ\nلكمُ تراث محمدٍ ... وبِعَدْلِكمْ تُنفَى الظلامه\nيرجو التُّراثَ بنو البنا ... تِ وما لهم فيها قُلَامهْ\nوالصِّهرُ ليس بوارثٍ ... والبنتُ لا تَرث الإِمامهْ\nما للذينَ تَنَحَّلوا ... ميراثكمْ إلا الندامهْ\nأَخَذَ الوراثةَ أهلُها ... فَعَلامَ لومُكمُ علامهْ!\nلَوْ كَانَ حقَّكمُ لَما ... قامتْ على الناس القيامهْ\nلَيْس التُّراثُ لغيركمْ ... لَا والإلهِ ولا كَرَامَه\nأَصبَحْتُ بين محبِّكمْ ... والمُبْغضِينَ لَكُمْ علامَهْ\nثم نَثَر على رأسي - بعد ذلك لشعر قلته في هذا المعنى - عشرة آلاف درهم.\nوذكر عن مروان بن أبي الجَنوب، أنه قال: لما استُخلف المتوكل بعثتُ بقصيدة - مدحتُ فيها ابن أبي دواد - إلى ابن أبي دُواد، وكان في آخرها بيتان ذكرت فيهما أمر ابن الزيات وهما:\nوقيل لِيَ الزَّيات لاقى حِمامهُ ... فقلت أَتاني الله بالفتح والنصرِ\n_________\n(١) وهو الذي اختاره الحافظ ابن كثير إذ قال: فقتل في ليلة الأربعاء أول الليل لأربع خلت من شوال من هذه السنة - أعني سنة سبع وأربعين ومائتين بالمتوكلية وهي الماحوزة وصلي عليه يوم الأربعاء ودفن بالجعفرية وله من العمر أربعون سنة وكانت مدة خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام [البداية والنهاية ٨/ ٢١٤].","vol":"12","page":507},{"text":"لقد حَفَرَ الزياتُ بالغدر حُفرَةً ... فأُلقِيَ فيها بالخيانةِ والغدرِ\nقال: فلما صارت القصيدة إلى ابن أبي دوَاد ذكرها للمتوكل، وأنشده البيتين فأمره بإحضاره، فقال: هو باليمامة، كان الواثق نفاه لمودَّته لأمير المؤمنين. قال: يُحمَل، قال: عليه دين، قال: كَمْ هو؟ قال: ستة آلاف دينار، قال: يُعطاها، فأعطي وحمُل من اليمامة، فصار إلى سامراء، وامتدح المتوكل بقصيدة يقول فيها:\nرَحَلَ الشبابُ وليتَهُ لم يَرحَلِ ... والشيبُ حل ولَيْتَهُ لم يَحلُلِ\nفلما صار إلى هذين البيتين من القصيدة:\nكانتْ خلافة جعفر كنبوَّةٍ ... جاءَتْ بلَا طلَبٍ ولا بِتَنَحُّلِ\nوهبَ الإِلهُ له الخلافةَ مثل ما ... وهَبَ النبوَّةَ للنبيِّ المُرْسَلِ\nأمر له بخمسين ألف درهم.\nوذكر عن أبي يحيى بن مروان بن محمد الشنِّي الكلبيِّ، قال: أخبرني أبو السمط مَرْوَان بن أبي الجَنوب، قال: لمَّا صرتُ إلى أمير المؤمنين المتوكل على الله مدحت ولاة العهود، وأنشدته:\nسقى الله نجْدًا والسلامُ على نجْدِ ... ويا حبَّذا نَجْدٌ على النأيِ والبُعْدِ!\nنَظَرْتُ إلى نَجْدٍ وبَغدادُ دُونَهَا ... لعَلِّي أرى نَجْدًا وهَيْهاتَ مِنْ نَجْدِ!\nونجدٌ بها قومٌ هواهم زيارتِي ... وَلَا شَيءَ أَحْلَى من زيارتهم عِنْدِي\nقال: فلمَّا استتممت إنشادها، أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوبًا وثلاثة من الظَّهر: فرس وبغلة وحمار، فما برحت حتى قلت في شكره:\nتخيَّرَ ربُ الناسِ للناسِ جعفرًا ... فَملَّكَهُ أَمرَ العبادِ تَخَسُّرا\nقال: فلما صرتُ إلى هذا البيت:\nفأمسِكْ نَدَى كَفَّيْكَ عنِّي ولا تَزِدْ ... فقد خِفت أَنْ أَطغَى وأَنْ أَتَجبَّرَا\nقال: لا والله، لا أمسك حتى أعرِّفك بجودي، ولا برحتَ حتى تسأل حاجة؛ قلت: يا أميرَ المؤمنين، الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها باليمامة؛ ذكر ابن المدبر أنها وقْف من المعتصم على ولده، ولا يجوز إقطاعها. قال: فإني أقبِّلكها بدرهم في السنة مائة سنة، قلت: لا يحسن يا أمير المؤمنين أن يؤدِّي","vol":"12","page":508},{"text":"درهم في الديوان، قال: فقال ابن المدبر: فألف درهم؟ فقلت: نعم، فأنفذها لي ولعقبي، ثمَّ قال: ليس هذه حاجة، هذه قبالة، قلت: فضياعي التي كانت لي كان الواثق أمر بإقطاعي إياها، فنفاني ابن الزيات، وحال بيني وبينها، فتُنفذها لي. فأمر بإنفاذها بمائة درهم في السنة وهي السُّيُوح.\nوذُكر عن أبي حَشيشة أنه كان يقول: كان المأمون يقول: إن الخليفة بعدي في إسمه عين، فكان يُظَنُّ أنه العباس ابنه فكان المعتصم، وكان يقول: وبعده هاء، فيظنُّ أنه هارون، كان الواثق؛ وكان يقول: وبعده أصفر الساقين؛ فكان يبطنُ أنه أبو الحائز العباس فكان المتوكل ذلك، فلقد رأيت إذا جلس على السرير يكشف ساقيه، فكانا أصفرين؛ كأنما صُبِغا بزعفران.\nوذُكر عن يحيى بن أكثم، أنه قال: حضرتُ المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون وكتبه إلى الحسن بن سهل، فقلت بتفضيله وتقريضه ووصف محاسِنه وعلمه ومعرفته ونباهته قولًا كثيرًا لم يقع بموافقة بعض من حضر فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ قلت: كان يقول: ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض، ولا مع سنة الرسول - صلي الله عليه وسلم - وَحشة إلى فعل أحد؛ ولا مع البيان والإفهام حجَّة للتعلم، ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف لظهور الحجة. فقال له المتوكل: لم أَرِدْ منك ما ذهبت إليه من هذا المعنى، قال له يحيى: القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمة، قال: فما كان يقول خلال حديثه؛ فإن المعتصم بالله يرحمه الله كان يقوله، وقد أنسيته؟ فقال: كان: اللهم إني أحمَدك على النعم التي لا يحصيها أحدٌ غيرُك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك. قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئًا أو بُشِّرَ بشيء، فقد كان المعتصم بالله أمر عليَّ بن يَزْداد أن يكتبه لنا، فكتبه فعلمناه ثم أنسيناه؟ قال: كان يقول: إنَّ ذِكْرَ آلاء الله ونشرَها وتعدادَ نِعمَهِ والحديث بها فرض من الله على أهلها، وطاعة لأمره فيها. وشكرٌ له عليها؛ فالحمد لله العظيم الآلاء، السابغ النَّعماء بما هو أهلُه، ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شُكرَه، الموجبة مزيدَه على ما لا يحصيه تعدادُنا، ولا يحيط به ذكرُنا، من ترادُفِ مِنَنِه، وتتابُعِ فضله، ودوام طَوْله، حَمْد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه. فقال","vol":"12","page":509},{"text":"المتوكل: صدقت، هذا هو الكلام بعينه، وهذا كلُّه حُكْم من ذي حُنْكة وعلم؛ وانقضى المجلس (١).\n_________\n(١) يحيى بن أكثم راوي الخبر هو القاضي المعروف وهو من المحاربين لأهل البدع وقد عمل مستشارًا ناصحًا وأمينًا للمأمون يرده إلى سنة رسول الله - صلي الله عليه وسلم - إذا حاد عنها وعمل قاضيًا سنين طويلة للعباسيين ولا ندري ما الواسطة بينه وبين الطبري وإذا كان هذا الخبر صحيحًا فهو نموذج لمجلس من مجالس المتوكل والله أعلم.\nوانظر خلاصتنا التالية في سيرة المتوكل - أمير المؤمنين - رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>خلاصة القول في سيرة المتوكل: </span>-\nقال الحافظ ابن كثير وقد كان المتوكل مُحبَّبًا إلى رعيته قائمًا بالسنة فيهم وقد شبَّهه بعضهم بالصديق في رَدِّه على أهل الردة حتى رجعوا إلى الدين، وبعمر بن عبد العزيز حين ردَّ مظالم بني أمية، وهو أظهر السنة بعد البدعة، وأخمد البدعة بعد انتشارها واشتهارها [البداية ٨/ ٢١٤] قلت وصاحب القول هنا هو القاضي إبراهيم بن محمد التيمي، كما أخرجه عنه الخطيب البغدادي بسنده موصولًا إليه [تأريخ بغداد/ ٧/ ١٧٠] وقد أخرج ابن عساكر عن هشام بن عمار (ثقة) قال سمعت المتوكل يقول: واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي كنت أحبُّ أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده وأتعلم منه، فإني رأيت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في المنام وهو يقول: (يا أيها الناس إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله وخلَّف فيكم علمًا حسنًا فاتبعوه تُهدوا) ثم قال اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة وسهل عليَّ حفظ مذهبه وانفعني بذلك وأخرج عن أحمد بن مروان المالكي قال ثنا أحمد بن علي البصري: قال وَجَّه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم غير أحمد بن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوءًا، فقال أحمد بن المعدل: يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء، ولكن نزهتك عن عذاب الله قال النبي - صلي الله عليه وسلم - (من أحبَّ أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار) فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه [تأريخ الخلفاء/ ٣٩٨] [سير/ ١١/ ٥١٩]؟ وأخرج القاضي وكيع (المتوفى ٣٠٦ هـ) قال أخبرني السري بن مكرم قال كتب المتوكل إلى أحمد بن حنبل يسأله عن رجلين أحدهما يحيى بن أكثم فكتب إليه: أما فلان فلا ولاكرامة، وأما يحيى بن أكثم فقد ولي القضاء فما طعن عليه فيه [أخبار القضاة/ ٣٣٨] وهذا يعني أن المتوكل كان مُتَحريًا لاختيار القضاة الأكفاء. وأخرج الخطيب البغدادي بسنده المتصل عن محمد بن شجاع الأحمر: قال: -\nدخلت على أمير المؤمنين المتوكل وبين يديه نصر بن علي الجهضمي فجعل نصر يحضُّ عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال [من حرم الرفق حرم الخير].","vol":"12","page":510},{"text":"وقدم في هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر بغداد منصرفًا من مكة في صفر؛ فشكا ما ناله من الغمِّ بما وقع من الخلاف في يوم النَّحر؛ فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة صفراء من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأن يساربها كما يسار بالخريطة الواردة بسلامة الموسم، وأمر أن يقام على المشعر الحرام وسائر المشاعر الشَّمع مكان الزيت والنَّفط.\nوفيها ماتت أمُّ المتوكلِ بالجعفرية لستٍّ خلوْن من شهر ربيع الآخر وصلَّى عليها المنتصر، ودُفِنت عند المسجد الجامع. أ. هـ.\n* * *\n_________\n= ثم أنشأ (أي المتوكل) يقول: -\nالرفق يمنٌ والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحًا\nلا خير في حزم بغير روية ... والشك وهن إن أردت سراحًا\n[تأريخ بغداد ٧/ ١٦٦].\nوقال الذهبي نقلًا عن خليفة بن خياط (المؤرخ المتقدم الثقة ٢٤٠ هـ): استخلف المتوكل فأظهر السنة وعمل بها في مجلسه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وبسطها ونصر أهلها يعني محنة خلق القرآن [تاريخ الإسلام/ حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ/ ص ١٩٦].","vol":"12","page":511},{"text":"الصَّحيح والضَّعيفُ والمسكُوتُ عَنْهُ\nتاريخ الطَّبَريّ\nتتمَّة تاريخ الخلافة في عهد العباسيين\n٢٤٨ هـ - ٣٠٢ هـ\nللإمام أبي جعفر بن جرير الطبري\n(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)\nحَقَّقَهُ وخَرَّجَ رواياتِهِ وعَلَّقَ عَلَيْهِ ومَيَّزَ صَحيْحَهُ\nمحمد بن طاهر البرزنجي\nبإشراف ومُراجعَة المحقّق\nمحمد صبحي حسن حلّاق\nالمجَلَّد الثَّالِث عَشَر\nدار ابن كثير","vol":"13","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"13","page":2},{"text":"الصَّحيح والضَّعيفُ والمسكُوتُ عَنْهُ\nتاريخ الطَّبَريّ\nتتمة تاريخ الخلافة في عهد العباسيين","vol":"13","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالطبعة الأولى\n١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nجميع الحقوق محفوظة\nيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير\nللطباعة والنشر والتوزيع\nدمشق- بيروت\nالرقم الدولي:\nالموضوع: تاريخ\nالعنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠\nالتأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nنوع الورق: أبيض\nألوان الطباعة: لونان\nعدد الصفحات: ٥٦١٦\nالقياس: ١٧×٢٤\nنوع التجليد: فني- كعب لوحة\nالوزن: ١٥ كغ\nالتنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل\nالتجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد\nدار ابن كثير\nدمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى\nص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢\nبيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة\nص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣\nwww.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com","vol":"13","page":4},{"text":"بسم الله الرخمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>مقدمة</span>\nوبعد: فلابد من وقفة أخرى قبل مواصلتنا لمنهج التخريج والتعليق على أخبار الإمام الطبري رحمه الله تعالى والملفت للنظر هنا ليس ندرة إيراد الأسانيد واختفائها تدريجيًّا.\nوإنما توقف المصادر الموثوقة المتقدمة الأخرى التي استشهدنا بها للمقارنة والتصويب فتأريخ خليفة بن خياط توقف عند سنة (٢٣٢ هـ) وإن كان في سنته الأخيرة يقتصر على ذكر الحج وبعض الوفيات، ثم تأريخ البسوي الذي توقف عند سنة (٢٤٢ هـ) وهذان مصدران تأريخيان على النظام الحولي لمؤرخين متقدمين من المؤرخين الثقات عند أئمة الجرح والتعديل.\nأما المصادر الأخرى والتي تأتي بالدرجة الثانية من حيث اعتمادنا على مروياتها لا لجرح في مؤلفيها (حاشا) بل هم ثقات إلّا أنهم استخدموا النظام الحولي قليلًا ولم يتخذوه منهجًا - ونادرًا ما يستخدمون الإسناد - أقول وحتى هذه المصادر توقفت جلّها قبل هذا التأريخ سوى مصدر واحد ينتهي عند أحداث السنة (٢٥٦ هـ) وأعني المعارف لابن قتيبة الدينوري - أما الأخبار الطوال فينتهي مع نهاية عهد المعتصم الخليفة، وأما كتاب الوزراء والكتاب فالذي وصل إلينا منه مطبوعًا ينتهي في عهد المأمون.\nوهنا اشتدت حاجتنا إلى مصادر أخرى من المصادر الموثوقة التي تستخدم الإسناد غالبًا إلّا أنها جاءت متأخرة عن عهد المؤرخين الكبار بعقد ونصف أو عقدين فصاعدًا ونعني:\n١ - تأريخ بغداد للخطيب البغدادي.","vol":"13","page":5},{"text":"٢ - المنتظم لابن الجوزي.\n٣ - تأريخ دمشق لابن عساكر.\nوالذي يستدعي الانتباه أن ابن الجوزي رحمه الله تعالى وبالرغم من تأخره عن عصر الطبري فقد توفي سنة (٥٩٧ هـ) إلا أنه جاء بأخبار الطبري وزاد عليها أخبار أخرى أحيانًا بإسناده المتصل من طريق الخطيب البغدادي وأحيانًا أخرى بإسناده المتصل من غير هذا الطريق ويؤيد أخبار الطبري أحيانًا بروايات مسندة ومن الأمثلة على ذلك خبر دخول الزنج البصرة سنة (٢٥٧ هـ) وقتلهم الرياشي العلامة رحمه الله تعالى [انظر المنتظم ١٢/ ١٣٤].\nأما الخطيب البغدادي فاسم على مسمى فقد اهتمّ بأخبار الخلفاء العباسيين وخاصة سنيّ حكمهم وتأريخ بيعتهم ووفاتهم وبعضًا من سيرهم، وكذلك فعل الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى.\nوالملاحظة الأخيرة التي نودّ أن نذكرها هي أن الطبري وكلما تقدّم في ذكر الأعوام المتوالية أصبح إسناده عاليًا (بغضِّ النظر عن درجة رواته).\nحتى إنه أحيانًا يروي الخبر عن شاهد عيان مباشر.\nوخاصة بعد وروده بغداد بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل ﵁ بمدة.\nوقد عاصر كثيرًا من تلك الأحداث الجسام وإن لم يشارك في فصولها فقد عاصر حركة الزنج التي انتهت عام ٢٧٠ هـ بعدما يزيد على عقد من الزمان وهذا على سبيل المثال لا الحصر وتكتسب شهادات الطبري وأخباره في آخر عمره أهمية كبرى لأنه إمام مؤرخ ثقة وإن كان ذلك لا ينفي عن بعض أخباره نكارات ومبالغات، والعهدة على من روى عنهم كما أشار إلى ذلك رحمه الله تعالى.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2026>خلافة المنتصر محمد بن جعفر</span>\nوفيها بويع للمنتصر محمد بن جعفر بالخلافة في يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل ... لثلاث خلون منه - وهو ابن خمس وعشرين سنة وكنيته أبو جعفر - بالجعفرية فأقام بها بعدما بويع له عشرة أيام ثم تحول منها بعياله وقواده وجنوده إلى سامرّا (١) ..\nوكان قد بايعه ليلة الأربعاء الذين ذكرناهم قبل فذكر عن بعضهم أنه قال: لمّا كان صبيحة يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد والكتاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابًا يخبر فيه عن أمير المؤمنين المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل أباه جعفرًا المتوكل فقتله به، فبايع الناس وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع وانصرف.\nوذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر فكان كلما خرج الفتح خرج معه وكلما رجع قام لقيامه وجلس لجلوسه وخرج في أثره وكلما ركب أخذ بركابه، وسوّى عليه ثيابه في سرج دابته، وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعدّ له قومًا في طريقه ليغتالوه عند انصرافه، وقد كان المتوكل أسمعه وأحفظه قبل انصرافه، ووثب بهِ؛ فانصرف على غضب، وانصرفنا معه، فلمّا صار إلى داره أرسل إلى\n_________\n(١) وقال ابن قتيبة الدينوري: وبويع المنتصر محمد بن جعفر وتوفي بعد ستة أشهر [المعارف/ ٢٠٠].\nوالذي اختاره الحافظ ابن كثير أن المتنصر بويع له بالخلافة في الليل حين قُتل أبوه (الخليفة) فلما كان الصباح من يوم الأربعاء رابع شوال أخذت له البيعة من العامة وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه فبايعه المعتز [البداية والنهاية/ ٨/ ٢١٥].","vol":"13","page":7},{"text":"نُدمائه وخاصّته - وقد كان واعد الأتراك على قتل المتوكل قبل انصرافه إذا ثمل من النبيذ - قال: فلم ألبث أن جاءني الرّسول: أن احضر فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير؛ وهو على الركوب؛ فوقع في نفسي ما كان دار بيننا أنهم على اغتيال المنتصر؛ وأنه إنما يُدعَى لذلك؛ فركبت في سلاح، وعِدّة، وصرت إلى باب الأمير، فإذا هم يموجون؛ وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنه قد فَرَغَ من أمره، فركب فلحقتُه في بعض الطريق وأنا مرعوب؛ فرأى ما بي، فقال: ليس عليك! إن أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا، فمات ﵀.\nفأكبرت ذلك، وشقّ عليّ، ومضينا وأحمد بن الخصيب وجماعة من القوّاد معنا حتى دخلنا الحَيْر، وتتابعت الأخبار بقتْل المتوكّل، فأخِذت الأبواب، ووُكّل بها، وقلت: يا أميرَ المؤمنين، وسلَّمْتُ عليه بالخلافة، وقلت: لا ينبغي أن نفارقك لموضع الشَّفَقة عليك من مواليك في هذا الوقت، قال: أجل؛ فكن أنت من ورائي وسليمان الروميّ، وألْقِيَ منديلٌ، فجلس عليه، وأحطْنا به، وحضر أحمد بن الخصيب وكاتبه سعيد بن حميد لأخذ البيعة (١).\nفذُكر عن سعيد بن حُميد أن أحمد بن الخصيب، قال له: ويلك يا سعيد! معك كلمتان أو ثلاث تأخذ بها البيعة، قلت: نعم؛ وكلمات، وعملت كتاب البيعة، وأخذتها على مَنْ حضر وكلّ من جاء حتى جاءَ سعيد الكبير، فأرسله إلى المؤيّد، وقال لسعيد الصغير: امض أنت إلى المعتزّ حتى تُحضره، قال سعيد الصغير: فقلت: أمّا ما دمْتَ يا أمير المؤمنين في قلّة ممّن معك فلا أبرح والله من وراء ظهرك؛ حتى يجتمع الناس، قال أحمد بن الخصيب: هاهنا مَنْ يكفيك، فامض؛ فقلت: لا أمضي حتى يجتمع مَنْ يكفي؛ فإنِّي الساعة أوْلى به منك! فلما كثر القوّاد، وبايعوا؛ مضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان؛ فلما صرتُ إلى باب أبي نوح، والناس يموجون ويذهبون ويجيئون؛ وإذا على الباب جمعٌ كبير في سلاحِ وعِدّة، فلما أحسُّوا بي لحقني فارس منهم؛ فسألني وهو لا يعرفني: مَنْ أنت؟ فعمَّيت عليه خبري، وأخبرته أنِّي مِنْ بعض أصحاب الفتح، ومضيتُ حتى صرت إلى باب المعتزّ، فلم أجد به أحدًا من الحرس\n_________\n(١) كعادته ينفرد الطبري بتفاصيل دون غيره من المؤرخين المتقدمين وانظر تعليقنا السابق.","vol":"13","page":8},{"text":"والبوابين والمكبّرين ولا خلقًا من خلق الله حتى صرت إلى الباب الكبير، فدقَقتُه دقًّا عنيفًا مفرطًا، فأجِبت بعد مدّة طويلة، فقيل لي: من هذا؟ فقلت: سعيد الصغير؛ رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرّسول، وأبطأ عليّ، وأحسست بالمنكر وضاقت عليّ الأرض، ثم فُتح الباب فإذا ببيدون الخادم قد خرج؛ وقال لي: ادخل وأغلق الباب دوني، فقلت: ذهبتْ والله نفسي، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أنَّ أمير المؤمنين شرِق بكأسٍ شربها ومات من ساعته؛ وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر، وأنه أرسلني إلى الأمير أبي عبد الله المعتزّ بالله ليحضر البَيْعة، فدخل ثم خرج إليّ؛ فقال: ادخل، فدخلت على المعتزّ؛ فقال لي: ويلك يا سعيد! ما الخبر؟ فأخبرته بمثل ما أخبرت به بيدون، وعزّيته وبكيت، وقلت: تحضر يا سيّدي، وتكون في أوائل مَنْ بايع، فتستدعي بذلك قلب أخيك، فقال لي: ويلك حتى نصبح! فما زلت أفتِله في الحبل والغارب؛ ويُعينني عليه بيدون الخادم، حتى تهيّأ للصلاة، ودعى بثيابه فلبسَها، وأخرج له دابّة، وركب وركبت معه، وأخذت طريقًا غير طريق الجادّة، وجعلت أحدّثه وأسهّل الأمر عليه، وأذكره أشياء يعرفها من أخيه، حتى إذا صرنا إلى باب عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألني عنه، فقلت: هو يأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فيئس حينئذ؛ وإذا بفارس قد لَحِق بنا، وصار إلى بيدون الخادم، فسارّه بشيء لا أعلمه، فصاح به بيدون؛ فمضى ثم رجع ثلاثًا؛ كلّ ذلك يردّه بيدون ويصيح به: دعنا؛ حتى وافينا بابَ الحَيْر فاستفتحته فقيل لي: مَنْ أنت؟ قلت: سعيد الصغير والأمير المعتزّ، ففُتح لي الباب، وصرنا إلى المنتصر؛ فلمَّا رآه قرّبه وعانقه وعزّاه، وأخذ البيعة عليه؛ ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير، ففعل به مثل ذلك، وأصبح الناس، وصار المنتصر إلى الجعفريّ، فأمر بدفن المتوكل والفتح، وسكن الناس، فقال سعيد الصغير: ولم أزل أطالب المعتزّ بالبُشرى بخلافة المنتصر وهو محبوس في الدار، حتى وَهب لي عشرة آلاف درهم (١).\n* * *\n_________\n(١) هذه تفاصيل لا نستطيع نفيها ولا إثباتها وأمثالها بحاجة إلى إسناد موصول رجاله ثقات في نظر ابن حبان على الأقل دون أن يكونوا مجروحين، والله أعلم.","vol":"13","page":9},{"text":"وفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد أنفسهما، وأظهر خلعهما في القصر الجعفريّ المحدث (١).\nوكانت نسخة البيعة التي أخذت للمنتصر:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nتُبايعون عبدَ الله المنتصر بالله أمير المؤمنين بَيْعةَ طوعٍ واعتقاد ورضًا، ورغبة بإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نياتكم؛ لا مكرَهين ولا مجبَرين، بل مقرّين عالمين بما في هذه البَيْعة وتأكيدها من طاعة الله وتَقْواه، وإعزاز دين الله وحقه، ومن عموم صلاح عباد الله، واجتماعِ الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدهماء، وأمْن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمْع الملحدين؛ على أن محمدًا الإمام المنتصر بالله عبد الله وخليفته المفترض عليكم طاعته ومناصحته والوفاء بحقه وعقده، لا تشكّون ولا تُدْهنون، ولا تميلون ولا ترتابون؛ وعلى السَّمْع له، والطاعة المسالمة، والنُّصرة والوفاء والاستقامة، والنصيحة في السرّ والعلانية، والخُفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد الله الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين؛ وعلى أنّكم أولياء أوليائه، وأعداء أعدائه، من خاصٍّ وعامٍّ، وأبعَد وأقربَ، وتتمسكون ببيعته بوفاء العقد، وذمّة العهد؛ سرائرُكم في ذلك مثل علانيتكم، وضمائركم مثل ألسنتكم؛ راضين بما يرضاه لكم أمير المؤمنين في عاجلِكم وآجلكم، وعلى إعطائكم أمير المؤمنين - بعد تجديدكم بيعتَه هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم - صَفْقة أيْمانكم، راغبين طائعين عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم؛ وعلى ألّا تسعوْا في نقض شيء مما أكد الله عليكم، وعلى ألّا يميل بكم مميل في ذلك عن نُصرة وإخلاص، ونصح وموالاة، وعلى ألا تبدّلوا ولا يرجع منكم راجع عن نيّته، وانطوائه إلى غير علانيته وعلى أن تكون بيعتُكم التي أعطيتُم بها ألسنَتكم وعهودَكم بيعة يطلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتقادها، وعلى الوفاء بذمّتِه بها، وعلى إخلاصكم في نصرتها وموالاة أهلها، لا يشوب ذلك منكم دَغَل\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١٥].","vol":"13","page":10},{"text":"ولا إدهان ولا احتيال ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله؛ موفين بعهده، ومؤدِّين حقَّه عليكم، غير مستشرفين ولا ناكثين، إذ كان الذين يبايعون منكم أميرَ المؤمنين إنما يبايعون الله؛ يد الله فوق أيديهم، فمن نَكَث فإنما ينكُث على نفسه، ومَنْ أوفَى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا.\nعليكم بذلك وبما أكّدت هذه البيعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صَفَقة أيْمانكم، وبما اشترط عليكم بها من وفاء ونَصْر، وموالاة واجتهاد ونُصْح؛ وعليكم عهد الله؛ إنّ عهده كان مسؤولًا؛ وذمّة الله وذمة رسوله، وأشدّ ما أخذ على أنبيائه ورسله، وعلى أحد من عباده من متأكَّد وثائقه أن تسمعوا ما أخِذ عليكم في هذه البيعة، ولا تبدّلوا، وأن تُطيعوا ولا تعصوا، وأن تُخلصوا ولا ترتابوا، وأن تتمسّكوا بما عاهدتم عليه تمسُّكَ أهل الطاعة بطاعتهم وذوي العهد والوفاء بوفائهم وحقهم؛ لا يلفتكم عن ذلك هويّ ولا ميل، ولا يزيغ بكم فيه ضلال عن هديّ؛ باذلين في ذلك أنفسَكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقَّ الدين والطاعة بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل الله منكم في هذه البيعة إلا الوفاء بها.\nفمَنْ نَكَث منكم ممن بايع أمير المؤمنين هذه البيعة عما أكّد عليه مسرًّا أو معلنًا، أو مصرّحًا أو محتالًا؛ فادّهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخِذَت به مواثيق أمير المؤمنين، وعهود الله عليه؛ مستعملًا في ذلك الهوينى دون الجِدّ، والركون إلى الباطل دون نُصرة الحق، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الوفاء منهم بعهودهم؛ فكلّ ما يملك كلُّ واحد ممّن خان في ذلك بشيء نقض عهدَه من مال أو عقار أو سائمة، أو زرع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل الله، محرّمٌ عليه أن يرجع شيء من ذلك إلى ماله عن حيلة يقدّمها لنفسه، أو يحتال بها، وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ قدرها، فتلك سبيل إلى أن توافيَه منيَّتُه، ويأتي عليه أجلُه؛ وكلُّ مملوك يملكه اليوم إلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى أحرار لوجه الله؛ ونساؤه في يوم يلزمه الحِنْث، ومن يتزوجه بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق البتّة طلاق الحرج والسنة، لا مثنويّة فيه ولا رَجْعة، وعليه المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة، لا يقبل الله منه إلّا الوفاء بها؛ وهو برئ من الله ورسوله؛ والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قبلَ الله منه","vol":"13","page":11},{"text":"صَرْفًا ولا عدلًا؛ والله عليكم بذلك شهيد، وكفى بالله شهيدًا (١). [٣٨٧].\n* * *\nوذكر أنه لمّا كانت صبيحة اليوم الذي بويع فيه المنتصر شاع الخبر في الماحوزة - وهي المدينة التي كان جعفر بناها في أهل سامرّا - بقتل جعفر، وتوافَى الجندُ والشاكريّة بباب العامة بالجعفريّ وغيرهم من الغوغاء والعوامّ، وكثر الناس وتسامعوا، وركب بعضهم بعضًا، وتكلموا في أمرِ البيعة، فخرج إليهم عَتّاب بن عتّاب - وقيل: إنّ الذي خرج إليهم زُرافة - فأبلغهم عن المنتصر ما يحبون، فأسمعوه؛ فدخل إلى المنتصر فأخبره؛ فخرج وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم: يا كلاب! خذوهم؛ فحملوا على الناس فدفعوهم إلى الثلاث الأبواب، فازدحم الناس ووقع بعضهم على بعض؛ ثم تفرّقوا عن عِدّة قد ماتوا من الزَّحْمة والدَّوْس؛ فمنهم من ذكر أنهم كانوا ستة نفر، ومنهم من قال: كانوا ما بين الثلاثة إلى الستة.\n* * *\nوفيها ولَّى المنتصر أبا عَمْرة أحمد بن سعيد - مولى بني هاشم، بعد البيعة له بيوم - المظالم، فقال قائل:\nيا ضيعةَ الإسلامِ لمَّا وَلِي ... مظالمَ النَّاسِ أَبو عَمْرَهْ\nصُيّرَ مأْمونًا على أمةٍ ... وليسَ مأْمونًا على بَعْرَهْ (٢)\nوفي ذي الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر عليّ بن المعتصم من سامرّا إلى بغداد ووكَّل به (٣).\nوحجّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ (٤).\n_________\n(١) هذه الرسائل والكتب وما شابهها ذكرها الطبري بلا إسناد في الغالب فالله أعلم بصحتها.\n(٢) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢١٥].\n(٣) المصدر السابق نفسه.\n(٤) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2027>ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>[ذكر غزاة وصيف التركيّ الروم]</span>\nفمن ذلك ما كان من إغزاء المنتصر وصيفًا التركي صائفة أرض الروم (١).\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك، وما كان في ذلك من وصيف:\nذُكر أنّ السبب في ذلك أنه كان بين أحمد بن الخصيب ووصيف شحناء وتباغض؛ فلمّا استُخلف المنتصر، وابن الخصيب وزيرُه؛ حرَّضَ أحمد بن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره غازيًا إلى الثّغر؛ فلم يزل به حتى أحضره المنتصر، فأمره بالغزو.\nوقد ذُكر عن المنتصر أنه لمّا عَزَم على أن يُغزي وصيفًا الثغر الشاميّ، قال له أحمد بن الخصيب: ومَنْ يجترئ على الموالي حتى تأمر وصيفًا بالشخوص! فقال المنتصر لبعض من الحجَبة: ائذن لمن حضر الدار؛ فأذن لهم وفيهم وصيف، فأقبل عليه، فقال له: يا وصيف؛ أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغور، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه؛ فإمّا شخصتَ وإما شخصتُ؛ فقال وصيف: بل أشخصُ يا أمير المؤمنين، قال: يا أحمد؛ انظر ما يحتاج إليه على أبْلَغ ما يكون فأقمه له. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما نَعمْ؟ ! قم الساعة لذلك؛ يا وصيف مُر كاتبَك يوافقه على ما يحتاج إليه، ويلزمه حتى يزيح علّتك فيه، فقام أحمد بن الخصيب، وقام وصيف، فلم يزل في جهازه حتى خرَج، فما أفلح ولا أنجح.\nوذكر أنّ المنتصر لما أحضر وصيفًا وأمره بالغزو، قال له: إنّ الطاغية - يعني ملك الروم - قد تحرّك، ولست آمنه أن يهلك كلّ ما يمرّ به من بلاد الإسلام، ويقتل ويسبي الذراريّ؛ فإذا غزوتَ وأردت الرّجعة انصرفت إلى باب أمير المؤمنين من فورِك، وأمر جماعة من القوّاد وغيرهم بالخروج معه وانتخب له\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣) فقد ذكر الخبر مختصرًا.","vol":"13","page":13},{"text":"الرجال؛ فكان معه من الشاكريّة والجند والموالي زُهاء عشرة آلاف رجل؛ فكان على مقدّمته في بدأته مُزاحم بن خاقان؛ أخو الفتح بن خاقان؛ وعلى السَّاقة محمد بن رجاء، وعلى الميمنة السنديّ بن بختاشة، وعلى الدّرّاجة نصر بن سعيد المغربيّ؛ واستعمل على الناس والعسكر أبا عون خليفته؛ وكان على الشّرْطة بسامرّا.\n* * *\nوكتب المنتصر عند إغزائه وصيفًا مولاه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر كتابًا نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين.\nسلام عليك؛ فإن أميرَ المؤمنين يحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّيَ على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله، أما بعد: فإنّ الله - وله الحمد على آلائه والشكرُ بجميل بلائه - اختار الإسلام وفضّله، وأتمّه وأكمله، وجعله وسيلة إلى رضاه ومثوبته، وسبيلًا نَهْجًا إلى رحمته، وسبَبًا إلى مذْخُور كرامته؛ فقهر له مَنْ خالفه، وأذلّ له من عَنَدَ عن حقه، وابتغى غير سبيله، وخصَّه بأتمّ الشرائع وأكملها، وأفضل الأحكام وأعدلِها؛ وبعث به خيرته مِنْ خلقه وصفوته من عباده محمّدًا - ﷺ -، جعل الجهاد أعظَم فرائضه منزلةً عنده، وأعلاها رتبة لديه، وأنجَحها وسيلة إليه؛ لأن الله ﷿ أعزّ دينه، وأذلّ عُتاة الشرك، قال ﷿ آمرًا بالجهاد، ومفترضًا له: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وليست تمضي بالمجاهد في سبيل الله حالٌ لا يكابد في الله نَصَبًا ولا أذىً، ولا ينفق نفقة ولا يقارع عدوًّا، ولا يقطع بلدًا، ولا يطأ أرضًا؛ إلا وله بذلك أمر مكتوب، وثواب جزيل، وأجر مأمول، قال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا","vol":"13","page":14},{"text":"يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nثم أثنى ﷿ بفضل منزلة المجاهدين على القاعدين عنده، وما وعدهم من جزائه ومثوبته، وما لهم من الزّلفى عنده، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nفبالجهاد اشترى الله من المؤمنين أنفسَهم وأموالهم، وجعل جنّته ثمنًا لهم، ورضوانه جزاء لهم على بذلها؛ وعْدا منه حقًّا لا ريب فيه، وحكمًا عدلًا لا تبديل له، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوحكَم الله ﷿ لإحياء المجاهدين بنصره، والفوز برحمته، وأشهد لموتاهم بالحياة الدائمة، والزلفى لديه، والحظّ الجزيل من ثوابه، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nوليس من شيء يتقرَّب به المؤمنون إلى الله ﷿ من أعمالهم، ويسعَوْن به في حطّ أوزارهم، وفَكاك رقابهم، ويستوجبون به الثوَاب من ربهم، إلّا والجهاد عنده أعظم منه منزلة، وأعلى لديه رتبة، وأوْلَى بالفوزِ في العاجلة والآجلة؛ لأنّ أهله بذلُوا لله أنفسَهم، لتكون كلمةُ الله هي العليا، وسمحوا بها دون مَنْ وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبَيْضتهم، ووقَمُوا (١) بجهادهم العدوّ.\nوقد رأى أمير المؤمنين - لما يحبّه من التقرّب إلى الله بجهاد عدوّه، وقضاء حقه عليه فيما استحفظه من دينه، والتماس الزُّلفَى له في إعزاز أوليائه، وإحلال\n_________\n(١) وقمه كوَعَدَه: قهره، وأذلَّه، أو: ردَّه أقبح الرد، وحَزَنه أشدَّ الحزن (قاموس).","vol":"13","page":15},{"text":"البأس والنقمة بمن حاد عن دينه، وكذّب رسله، وفارق طاعتَه - أن يُنهض وصيفًا مولى أمير المؤمنين في هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة والرّوم، غازيًا لما عرَّف اللهُ أمير المؤمنين من طاعتِه ومناصحتِه ومحمود نقيبتِه وخُلُوص نيّته، في كل ما قرّبه من الله ومن خليقته.\nوقد رأى أمير المؤمنين - والله وليّ معونته وتوفيقه - أن تكون موافاة وصيف فيمن أنهض أمير المؤمنين معَه من مواليه وجنده وشاكريّته ثغر مَلطية لاثنتي عشرة ليلة تخلُو من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومئتين، وذلك من شهور العجم للنصف من حَزِيران ودخوله بلاد أعداء الله في أوّل يوم من تَمّوز؛ فاعلم ذلك واكتب إلى عمّالك على نواحي عملك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا؛ ومُرْهم بقراءته على مَنْ قِبَلهم من المسلمين وترغيبهم في الجهاد، وحثّهم عليه واستنفارهم إليه، وتعريفهم ما جعل الله من الثَّواب لأهله، ليعمل ذوو النيات والحسْبة والرغبة في الجهاد على حسب ذلك في النهوض إلى عدوّهم والخُفوف إلى معاونة إخوانهم والذياد عن دينهم والرّمْي من وراء حَوْزتهم بموافاة عسكر وصيف مولى أمير المؤمنين مَلَطْيَةَ في الوقت الذي حدّه أمير المؤمنين لهم إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.\nوكتب أحمد بن الخصيب لسبع ليالٍ خلوْن من المحرم سنة ثمان وأربعين ومئتين؛ وصيّر على ما ذكر على نفقات عسكر وصيف والمغانم والمقاسم المعروف بأبي الوليد الجريريّ البَجَليّ (١).\nوكتب معه المنتصر كتابًا إلى وصيف يأمره بالمقام ببلاد الثغر إذا هو انصرف من غزاته أربع سنين، يغزو في أوقات الغزو منها إلى أن يأتيَه رأي أمير المؤمنين.\n* * *\n_________\n(١) هذا الخطاب الطويل انفرد به الطبري دون غيره من المؤرخين المتقدمين الثقات والله أعلم.","vol":"13","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2029>[ذكر خبر خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما]</span>\nوفي هذه السنة خلع المعتزّ والمؤيّد أنفسهما، وأظهر المنتصر خلْعهما في القصر الجعفريّ المحدث (١).\n* ذكر الخبر عن خلعهما أنفسهما:\nذُكر أن محمدًا المنتصر بالله لمّا استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن الحدثان؛ وأن يموت أمير المؤمنين، فيليَ الأمرَ المعتزّ، فلا يُبقي منّا باقية، ويُبيد خضراءنَا؛ والرأي أن نعمل في خَلْع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا، فجدّ الأتراك في ذلك، وألحّوا على المنتصر وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ تخلعهما من الخلافة، وتبايع لابنك عبد الوهاب، فلم يزالوا به حتى فعل، ولم يزل مكرِمًا المعتزّ والمؤيد؛ على ميل منه شديد إلى المؤيد؛ فلمّا كان بعد أربعين يومًا من ولايته؛ أمر بإحضار المعتز والمؤيد بعد انصرافهما من عنده، فأحضِرا وجُعلا في دار، فقال المعتزّ للمؤيد: يا أخي، لمَ ترانا أحضرنا؛ فقال: يا شَقيّ، للخلْع! فقال: لا أظنه يفعل بنا ذلك، فبيناهم كذلك؛ إذ جاءهم الرسل بالخلْع، فقال المؤيد: السمع والطاعة، وقال المعتزّ: ما كنت لأفعل؛ فإنْ أردتم القتل فشأنكم، فرجعوا إليه، فأعلموه ثم عادوا بغلظة شديدة، فأخذوا المعتزّ بعنف، وأدخلوه إلى بيت، وأغلقوا عليه الباب.\nفذُكر عن يعقوب بن السكيت: أنه قال: حدّثني المؤيد، قال: لما رأيتُ ذلك قلت لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب! فقد ضريْتم على دمائنا، تثبون على مولاكم هذا الوثوب! اغربُوا قبحكم الله! دعوني أكلّمه؛ فكاعوا عن جوابي بعد تسرُّع كان منهم، وأقاموا ساعة، ثم قالوا لي: القه إن أحببت، فظننتُ أنهم استأمروا، فقمت إليه، فإذا هو في البيت يبكي، فقلت: يا جاهل؛ تراهم قد نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا، ثم تمتنع عليهم! اخلع ويلك ولا تراجعْهم! قال: سبحان الله! أمرٌ قد مضيت عليه، وجرى في الآفاق أخلعه من عنقي!\n_________\n(١) انظر تعليقنا (٩/ ٢٥١/ ٤٠٥).","vol":"13","page":17},{"text":"فقلت: هذا الأمرُ قتل أباك، فلَيته لا يقتلك! اخلعه ويلك! فوالله لئن كان في سابق علم الله أن تلِي لَتَلينّ.\nقال: أفعلُ، قال: فخرجت فقلت: قدأجاب، فأعلِموا أمير المؤمنين، فمضوْا ثم عادوا فجزْوني خيرًا، ودخل معهم كاتب قد سمّاه، ومعه دواة وقرطاس، فجلس، ثم أقبل على أبي عبد الله، فقال: اكتب بخطّك خلعك، فتلكّأ، فقلت للكاتب: هاتِ قرطاسًا، أملِلْ ما شئت، فأملى عليّ كتابًا إلى المنتصر، أعلِمُه فيه ضَعفِي عن هذا الأمر؛ وأني علمت أنه لا يحلّ أن أتقلدَه، وكرهت أن يأثم المتوكل بسببي إذا لم أكن موضِعًا له، وأسأله الخلع، وأعلِمه أني خلعت نفسي، وأحللت الناسَ مِنْ بيعتي، فكتبت كلّ ما أراد، ثم قلت: اكتب يا أبا عبد الله، فامتنع، فقلت: اكتب ويلك! فكتب وخرج الكاتب عنا، ثم دعانا فقلت: نجدّد ثيابنا أو نأتي في هذه؛ فقال: بل جدّدا، فدعوت بثياب فلبستها، وفعل أبو عبد الله كذلك، وخرجنا فدخلنا؛ وهو في مجلسه، والناس على مراتبهم، فسلمنا فردُّوا، وأمر بالجلوس، ثم قال: هذا كتابكما؟ فسكت المعتزّ، فبدرت فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! هذا كتابي بمسألتي ورغبتي، وقلت للمعتزّ: تكلم، فقال مثل ذلك، ثم أقبل علينا والأتراكُ وقوفٌ، وقال: أترياني خلعتُكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له! والله ما طمعتُ في ذلك ساعة قط؛ وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأنْ يليَها بنو أبِي أحبُّ إليّ من أن يليَها بنو عمي؛ ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم وقاعد - ألحُّوا عليّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضُهم بحديدة، فيأتي عليكما، فما ترياني صانعًا! أقتله؛ فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم؛ فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل عليّ، قال: فأكبّا عليه، فقبَّلا يده، فضمّهما إليه، ثم انصرفا.\nوذكر أنه لما كان يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما، وكتب كل واحد منها رُقعة بخطه أنه خلَع نفسه من البيعة التي بويع له، وأنّ الناس في حل من حَلّها ونَقضها؛ وأنهما يعجزان عن القيام بشيء منها، ثم قاما بذلك على رؤوس الناس والأتراك والوجوه والصحابة والقضاة، وجعفر بن عبد الواحد قاضي القضاة، والقوّاد وبني هاشم، وولاة","vol":"13","page":18},{"text":"الدّواوين والشيعة ووجوه الحرس، ومحمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف وبُغا الكبير وبُغا الصغير، وجميع مَنْ حضر دار الخاصّة والعامة، ثم انصرف الناس بعد ذلك.\nوالنسخة التي كتباها:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإنّ أمير المؤمنين المتوكل على الله ﵁ قلّدني هذا الأمر، وبايع لى وأنا صغير من غير إرادتي ومحبّتي؛ فلما فهمت أمري علمت أني لا أقوم بما قلّدني ولا أصلح لخلافة المسلمين، فمن كانت بَيْعِتي في عنقه فهو مِنْ نقضِها في حلّ، وقد أحللتُكم منها، وأبرأتكم من أيمانكم؛ ولا عهد لي في رقابكم ولا عقْد، وأنتم بُرآء من ذلك.\nوكان الذي قرأ الرقاع أحمد بن الخصيب، ثم قام كلُّ واحد منهما قائمًا، فقال لمن حضر: هذه رقعتي وهذا قولي؛ فاشهدوا عليّ، وقد أبرأتكم من أيْمانكم، وحللتكُم منها، فقال لهما المنتصر عند ذلك: قد خار الله لكما وللمسلمين، وقام فدخل، وكان قد قعد للناس، وأقعدهما بالقرب منه، فكتب كتابًا إلى العمال بخلعهما وذلك في صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين.\n* * *\nنسخة كتاب المنتصر بالله إلى أبي العباس محمد بن عبد الله بن طاهر مولى أمير المؤمنين في خلع أبي عبد الله المعتزّ وإبراهيم المؤيد:\nمن عبد الله محمد الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين؛ أما بعد؛ فإن الله - وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه - جعل ولاة الأمر من خُلَفائه القائمين بما بعث به رسوله - ﷺ - والذّابين عن دينه، والدّاعين إلى حقه والممضِين لأحكامه، وجعل ما اختصّهم به من كرامته قِوامًا لعباده، وصلاحًا لبلاده، ورحمة غمر بها خلقه، وافترض طاعَتهم، ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد - ﷺ -، وأوجبها في محكم تنزيله؛ لما جمع فيها من سكون الدَّهماء، واتّساق الأهواء، ولمّ الشعث، وأمْن السبُل، ووقم العدّو، وحفظ الحريم، وسدّ الثغور، وانتظام الأمور، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ","vol":"13","page":19},{"text":"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فمن الحقّ على خلفاء الله الذين حباهم بعظيم نعمته، واختضهم بأعلى رتب كرامته، واستحفظهم فيما جعله وسيلة إلى رحْمته، وسببًا لرضاه ومثوبته لأن يؤثروا طاعته في كلّ حال تصرّفتْ بهم، ويقيموا حقه في أنفسهم والأقرب فالأقرب منهم، وأن يكون محلّهم من الاجتهاد في كلّ ما قرب من الله ﷿ حسب موقِعهم من الدّين وولاية أمر المسلمين، وأميرُ المؤمنين يسأل الله مسألةً رغبةً إليه، وتذللًا لعظمته أن يتولَّاه فيما استرعاه ولاية يجمع له بها صلاح ما قلّده، ويجمل عنه أعباء ما حمَّله، ويعينه بتوفيقه على طاعته؛ إنه سميع قريب.\nوقد علمتَ ما حضرتَ من رفْع أبي عبد الله وإبراهيم ابني أمير المؤمنين المتوكّل على الله ﵁ إلى أمير المؤمنين رقعتيْن بخطوطهما؛ يذكران فيهما ما عرّفهما الله من عطف أمير المؤمنين عليهما، ورأفته بهما، وجميل نظره لهما؛ وما كان أمير المؤمنين المتوكل على الله عَقَده لأبي عبد الله من ولاية عهد أمير المؤمنين ولإبراهيم من ولاية العهد بعد أبي عبد الله، وإنّ ذلك العقد كان وأبو عبد الله طفل لم يبلغ ثلاث سنين، ولم يفهم ما عُقِد له ولا وقف على ما قُلّده، وإبراهيم صغير لم يبلغ الحُلم، ولم تجر أحكامهما ولا جرتْ أحكامُ الإسلام عليهما، وإنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عَجْزهما عن القيام بما عقد لهما من العَهْد، وأسْنِدَ إليهما من الأعمال أن يَنْصحا لله ولجماعة المسلمين، بأن يُخرجا من هذا الأمر الذي عقِد لهما أنفسهما، ويعتزلا الأعمال التي قُلداها، ويجعلا كلّ مَنْ في عنقه لهما بَيْعة وعليه يمين في حلّ؛ إذ كانا لا يقومان بما رُشِّحا له، ولا يصلحان لتقلده، وأن يخرج من كان ضُمّ إليهما ممّن في نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشاكريتِه وجميع مَنْ مع أولئك القواد بالحضْرة وخُراسان وسائر النواحي عن رسومهما، ويُزال عنهم جميعًا ذكر الضمّ إليهما، وأن يكونا سُوقة من سوقة المسلمين وعامّتهم، ويصفان ما لم يزالا يذكران لأمير المؤمنين من ذلك؛ ويسألانه فيه، منذ أفضى الله بخلافته، وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد، وخرجا منها، وجعلا كلَّ من لهما عليه بيعة ويمين من قُوّاد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيّته؛ قريبهم وبعيدهم وحاضرهم وغائبهم في حلّ وسعة من بيعتهم. وأيْمانهم؛ ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما.","vol":"13","page":20},{"text":"وجعلا لأمير المؤمنين على أنفسهما عهدَ الله؛ وأشد ما أخذ على ملائكته وأنبيائه وعباده من عهد وميثاق، وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الأيْمان، بإقامتهما على طاعته ومناصحته وموالاته في السرّ والعلانية، ويسألان أمير المؤمنين أن يُظهر ما فعلاه، وينشره، ويُحْضِر جميع أوليائه؛ ليسمعوا ذلك منهما طالبيْن راغبيْن، طائعيْن غير مكرهيْن ولا مجبريْن، ويُقْرَأ عليهم الرّقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما، بما ذكرا من وقوع الأمر لهما من ولاية العهد، وهما صبيان، وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما، وما سألا مِنْ صرفهما عن الأعمال التي يتوليانها وإخراج مَنْ كان بها ممن ضمّ إليهما في نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشاكريّتِه وجميع مَنْ مع أولئك القوّاد بالحضرة وخراسان وسائر النواحي عن رسومهما وإزالة ذكر الضمّ إليهما عنهم، وأن يُكتب بالكتاب بذلك إلى جميع عمال النواحي.\nوإنّ أمير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا ورفعا، وتقدّم في إحضار جميع إخوته ومَنْ بحضرته من أهل بيتِه وقوّاده ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم؛ وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم، وحضر أبو عبد الله وإبراهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكل على الله ﵁، وقرِئت رقعتاهما بخطوطهما بحضرتهما، إلى مجلس أمير المؤمنين عليهما وعَلى جميع من حضر، وأعادا من القول بعد قراءة الرُّقعتين مثل الذي كتبا به.\nورأى أمير المؤمنين أن يجمع في إجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره، وإمضائه ذلك قضاءَ حقوق ثلاثة: منها حقّ الله ﷿، فيما استحفظه من خلافته، وأوجب عليه في النظر لأوليائه فيما يجمع لهم كلمتَهم في يومهم وغدِهم، ويؤلِّف بين قلوبهم، ومنها حقّ الرعيّة الذين هم ودائع الله عنده حتى يكون المتقلّد لأمورهم ممن يراعيهم آناء الليل والنهار بعنايته ونظره وتفقّده وعدله ورأفته، ومن يقوم بأحكام الله في خلقه، ومن يضطلع بثقل السياسة وصواب التدبير، ومنها حقّ أبي عبد الله وإبراهيم فيما يُوجبه أمير المؤمنين لهما بإخوّتهما وماسّ رحمهما؛ لأنهما لو أقاما على ما خرجا منه؛ لم يؤمن أن يؤدّيَ ذلك إلى ما يعظم في الدين ضرره، ويعمّ المسلمين مكروهه؛ ويرجع عليهما","vol":"13","page":21},{"text":"عظيم الوزر فيه؛ فخلعهما أمير المؤمنين إذ خَلَعا أنفسهما من ولاية العهد، وخَلعهما جميع إخوة أمير المؤمنين ومَنْ بحضرته من أهل بيته، وخلَعهما جميع من حضر من قوّاد أمير المؤمنين ومواليه وشيعته، ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من سائر أولياء أمير المؤمنين؛ الذين كانت أخِذَتْ لهما البيعة عليهم.\nوأمر أمير المؤمنين بإنشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال، ليتقدّموا في العمل بحسب ما فيها، ويخلعوا أبا عبد الله وإبراهيم مِنْ ولاية العهد؛ إذ كانا قد خَلعا أنفسهما من ذلك، وحلّلا الخاصّ والعامّ، والحاضر والغائب، والدانِيَ والقاصيَ منه؛ ويسقطوا ذكرَهما بولاية العهد، وذكْرَ ما نُسِبا إليه مِنْ نسب ولاية العهد من المعتزّ بالله والمؤيد بالله من كتبهم وألفاظهم، والدعاء لهما على المنابر؛ ويسقطوا كُلّ ما ثبت في دواوينهم من رُسومهما القديمة والحديثة الواقعة على مَنْ كان مضمونًا إليهما، ويزيلوا ما على الأعلام والمطارد من ذكرهما؛ وما وسمت به دوابّ الشاكريّة والرابطة من أسمائهما، ومحلُّك من أمير المؤمنين وحالُك عنده على حسب ما أخلص الله لأمير المؤمنين من طاعتك ومناصحتك، وموالاتك ومشايعتك؛ ما أوجب الله لك بسلفك ونفسك، وما عرف الله أمير المؤمنين من طاعتِك ويُمْن نَقِيبتك واجتهادك في قضاء الحق.\nوقد أفردك أمير المؤمنين بقيادتِك، وإزالة الضتم إلى أبي عبد الله عنك وعمّن في ناحيتك بالحضرة وسائر النواحي؛ ولم يجعل أمير المؤمنين بينَك وبينه أحد يَرأسُك، وخرج أمره بذلك إلى ولاة دواوينه.\nفاعلم ذلك واكتب إلى عُمّالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وأوعِزْ إليهم في العمل على حسبه، إن شاء الله، والسلام.\nوكتب أحمد بن الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين (١).\n_________\n(١) أما خلع المعتز والمؤيد أنفسهما فقد ذكره ابن الجوزي في المنتظم (١٢/ ٣) وما ذكره الطبري مطولًا واصفًا خطابهما.\nوما كتباه في ذلك والذي استغرق طويلًا (٢٤٤ - ٢٥١) انفرد به الطبري وذكره ابن الجوزي مختصرًا جدًّا (١٢/ ٣ - ٤).","vol":"13","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2030>[ذكر الخبر عن وفاة المنتصر]</span>\nوفي هذه السنة توفِّيَ المنتصر (١).\n* ذكر الخبر عن العلة التي كانت فيها وفاته والوقت الذي توفِّيَ فيه وقدر المدة التي كانت فيها حياته:\nفأما العلّة التي كانت بها وفاته؛ فإنه اختُلف فيها، فقال بعضهم: أصابته الذّبحة في حَلْقه يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، ومات مع صلاة العصر من يوم الأحد الخميس ليال خَلَوْن من شهر ربيع الآخر.\nوقيل: تُوفِّيَ يوم السبت وقت العصر لأربع خلوْن من شهر ربيع الآخر؛ وإن علّته كانت من ورم في مِعدتِه، ثم تصعّد إلى فؤاده فمات؛ وإنّ علته كانت ثلاثة أيام أو نحوها.\nوحدِّثني بعضُ أصحابنا أنه كان وجد حرارة، فدعا بَعْضَ مَنْ كان يتطبّب له، وأمره بفصْده، ففصده بمبْضع مسموم، فكان فيه منيته وإن الطبيب الذي فَصَده انصرف إلى منزله، وقد وجد حرارةً، فدعا تلميذًا له؛ فأمره بفصْده ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر أجودها؛ وفيها المبضع المسموم الذي فصِد به المنتصر؛ وقد نسيه فلم يجد التلميذ في المباضع التي وُضعت بين يديه مِبْضعًا أجود من المبضع المسموم؛ ففصد به أستاذه وهو لا يعلم أمره؛ فلمَّا فصده به نظر إليه صاحبه فعُلم أنه هالك؛ فأوصى من ساعته، وهلك من يومه.\nوقد ذكر أنه وُجد في رأسه علّة فقطر ابن الطيفوريّ في أذنه دُهنًا، فورم رأسه، وعوجل فمات، وقد قيل: إن ابن الطيفوريّ إنما سمّه في محاجمه (٢).\n_________\n(١) انظر لوفاته المتظم (١٢/ ٥) والبداية والنهاية (٨/ ٢١٥).\n(٢) ذكر الطبري هذه الأخبار في بيان سبب وفاته والعلة التي مات منها وكلها احتمالات لم يخرّج الطبري واحدة منها (أي: رواية) بسند صحيح - وقد ذكر ابن الجوزي خمسة أقوال في سبب موته من ضمنها ما ذكره الطبري هنا - ثم أخرج ابن الجوزي رواية مسندة في كيفية وفاته دون ذكر السبب وبسنده الموصول إلى المؤرخ عمر بن شبة قال: أخبرني أحمد بن الخصيب قال أخبرني جعفر بن عبد الواحد (شاهد عيان) قال: دخلت على المنتصر بالله فقال: لي يا جعفر =","vol":"13","page":23},{"text":"قال أبو جعفر: ولم أزل أسمع الناس حين أفضت إليه الخلافة من لَدُنْ وَليَ إلى أن مات يقولون: إنما مدّة حياته ستة أشهر، مدّة شيرويه ابن كسرى قاتل أبيه، مستفيضًا ذلك على ألسن العامة والخاصة (١).\nوذُكر عن يُسْر الخادم؛ وكان - فيما ذكر - يتولى بيت المال للمنتصر في أيام إمارته: أنه قال: كان المنتصر يومًا من الأيام في خِلافته نائمًا في إيوانه، فانتبه وهو يبكي وينتحب؛ قال: فهبْته أن أسأله عن بكائه، ووقفتُ وراء الباب؛ فإذا عبد الله بن عمر البازيار قد وافى فسمع نحيبه وشهيقه، فقال لي: ما له؟ ويحك يا يسر! فأعلمته أنه كان نائمًا فانتبه باكيًا، فدنا منه، فقال له: ما لك يا أمير المؤمنين تبكي لا أبكى الله عينك؟ ! قال: ادنُ مني يا عبد الله؛ فدنا منه فقال له: كنت نائمًا، فرأيت فيما يرى النائم كأنّ المتوكل قد جاءني، فقال لي: ويلك يا محمد! قتلتني وظلَمتني وغبنْتنِي في خلافتي؛ والله لا تمتّعت بها بعدي إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرك إلى النار. فانتبهتُ وما أملك عيني ولا جَزعي، فقال له عبد الله: هذه رؤيا؛ وهي تصدق وتكذب، بل يعمّرك ويسرّك الله؛ فادع الآن بالنبيذ، وخذ في اللهو، ولا تعبأ بالرؤيا، قال: ففعل ذلك؛ وما زال منكسرًا إلى أن تُوفِّيَ.\nوذكر أنّ المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعةً من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أمورًا قبيحة كرهت ذكرها في الكتاب؛ فأشاروا عليه بقتلِه؛ فكان من أمره ما ذكرنا بعضه.\nوذُكر عنه أنه لما اشتدّت به علّتُه؛ خرجت إليه أمُّه فسألته عن حاله، فقال: ذهبتْ والله مني الدنيا والآخرة.\nقال إبراهيم بن جيش: حدثني موسى بن عيسى الكاتب، كاتب عمي يعقوب وابن عمي يزيد، أنّ المنتصر لما أفضت الخلافة إليه، كان يُكثر إذا سكر ذكر\n_________\n= لقد عوجلت فما أسمع بأذني ولا أبصر بعيني وكان في مرضه الذي مات فيه [المنتظم ١٢/ ١٧] وانظر تاريخ بغداد [١٢/ ١٢١] وهذا أصح ما ورد في خبر وفاته والله أعلم.\n(١) وجزم ابن كثير بفحوى هذا الكلام فقال: ولا خلاف أنّه إنما ولي الخلافة ستة أشهر لا غير [البداية والنهاية ٨/ ٢١٥].","vol":"13","page":24},{"text":"قتل أبيه المتوكل، ويقول في الأتراك: هؤلاء قَتَلة الخلفاء، ويذكر من ذلك ما تخوّفوه، فجعلوا لخادم له ثلاثين ألف دينار على أن يحتال في سمّه، وجعلوا لعليّ بن طيفور جملة، وكان المنتصرُ يكثر أكل الكمثرى إذا قُدّمت إليه الفاكهة، فعمد ابن طيفور إلى كمّثراة كبيرة نضيجة، فأدخل في رأسها خلالة، ثم سقاها سمًّا، فجعلها الخادم في أعلى الكمثرى الذي قدّمه إليه، فلما نظر إليها المنتصر أمره أن يَقْشِرها ويطعمه إياها، فقشرها وقطعها، ثم أعطاه قطعة قطعة حتى أتى عليها، فلما أكلها وجد فترةً، فقال لابن طيفور: أجد حرارة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ احتجم تبرأ من علّة الدّم، وقدّر أنه إذا خرج الدم قوي عليه السمّ، فحجم فحُمّ، وغلظت علّته عليه، فتخوف هو والأتراك أن تطول علته، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجامة لم يكن فيها ما قدّرنا في عافيتك، وتحتاج إلى الفَصد؛ فإنه أنجح لما تريد، فقال: أفعل، ففصده بمبضع مسموم، ودهش، فألقاه في مباضعه - وكان أحدّها وأجودها، ثم إن عليّ بن طيفور، وجد حرارة، فدعا تلميذًا له ليفصده، فنظر في المباضمع فلم يجد أحدّ منه، ولا أخير ففصده، فكانت منيته فيه.\nوذكر عن ابن دهقانه أنه قال: كنا في مجلس المنتصر يومًا بعدما قتِل المتوكل، فتحدّث المسدود الطنبوريّ بحديث، فقال المنتصر: متى كان هذا؟ فقال: ليلة لا ناهٍ ولا زاجر؛ فأحفظَ ذلك المنتصر.\nوذُكر عن سعيد بن سلمة النصرانيّ أنه قال: خرج علينا أحمد بن الخصيب مسرورًا يذكر أن أمير المؤمنين المنتصر رأى في ليلة في المنام: أنه صعد دَرَجَةً حتى انتهى إلى خمس وعشرين مِرْقاةً منها؛ فقيل له: هذا ملكك؛ وبلغ الخبر ابنَ المنجّم، فدخل عليه محمد بن موسى وعليّ بن يحيى المنجّم مهنئين له بالرؤيا، فقال: لم يكن الأمر على ما ذَكر لكم أحمد بن الخصيب؛ ولكني حين بلغتُ آخر المراقي، قيل لي: قف فهذا آخر عمرك؛ واغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، فعاش بعد ذلك أيامًا تتمّة سنة، ثمّ مات وهو ابن خمس وعشرين سنة.\nوقيل: تُوفِّيَ وهو ابن خمس وعشرين سنة وستة أشهر.\nوقيل: بل كان عمره أربعًا وعشرين سنة، وكانت مدة خلافته ستة أشهر في قول بعضهم ويومين.","vol":"13","page":25},{"text":"وقيل: كانت ستة أشهر سواء.\nوقيل: كانت مئة يوم وتسعة وسبعين يومًا.\nوكانت وفاته بسامرّا بالقصر المحدث، بعد أن أظهر في إخوته ما أظهر بأربع وأربعين ليلة؛ وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال:\nفما فَرِحَتْ نفسي بدُنْيَا أَخذتها ... ولكنْ إِلى الربِّ الكريم أَصيرُ\nوصلّى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرا؛ وبها كان مولده.\nوكان أعيَنَ أقنى قصيرًا جَيّد البَضعة، وكان - فيما ذكر - مهيبًا.\nوهو أول خليفة من بني العباس - فيما بعد - عرف قبره؛ وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره.\nوكانت كنيته أبا جعفر واسم أمه حبشيّة وهي أمّ ولد روميّة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>ذكر بعض سيره</span>\nذكر أن المنتصر لمّا وليَ الخلافة كان أول شيء أحدث من الأمور عَزْل صالح عن المدينة وتولية عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إياها، فذُكر عن عليّ بن الحسين، أنه قال: دخلت عليه أودّعه، فقال لي: يا عليّ، إني أوجّهك إلى لحمي ودمي - ومدّ جِلْد ساعِده - وقال: إلى هذا وجّهتك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم! يعني آل أبي طالب، فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين أيّده الله فيهم إن شاء الله، فقال: إذًا تسعد بذلك عندي.\nوذُكِر عن محمد بن هارون، كاتب محمد بن عليّ برد الخيار وخليفته على ديوان ضياع إبراهيم المؤيد، أنه أصيب مقتولًا على فراشه، به عدّة ضربات بالسيف، فأحضر ولدُه خادمًا أسود كان له ووصيفًا، ذكر أن الوصيف أقرّ على الأسود، فادخِل على المنتصر، وأحضِر جعفر بن عبد الواحد، فسئل عن قتله مولاه، فأدرّ به، ووَصف فعله بد وسبب قتله إياه، فقال له المنتصر: ويلك! لم","vol":"13","page":26},{"text":"قتلته؟ فقال له الأسود: لما قتلتَ أنت أباك المتوكل! فسأل الفقهاء في أمره، أشاروا بقتله، فضرب عنقه وصلَبه عند خشبة بابك.\n* * *\nوفي هذه السنة حكّم محمد بن عمر والشاري، وخرج بناحية الموصل، فوجّه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغانيّ، فأخذه أسيرًا مع عِدّة من أصحابه فقتِلوا وصُلبوا (١).\nوفيها تحرّك يعقوب بن الليث الصفار من سِجستان فصار إلى هَرَاة (٢).\nوذكر عن أحمد بن عبد الله بن صالح صاحب المصلَّى: أنه قال: كان لأبي مؤذّن، فرآه بعض أهلنا في المنام كأنه أذَّن أذانًا لبعض الصَّلَوات؛ ثم دنا من بيت فيه المنتصر، فنادى: يا محمد، يا منتصر، إنَّ رَبَّك لبالمِرْصاد.\nوذكر عن بُنان المغنّى - وكان فيما قيل أخصّ الناس بالمنتصر في حياة أبيه وبعدما ما ولي الخلافة - أنه قال: سألت المنتصر أن يهب لي ثوبَ ديباج وهو خليفة؛ فقال: أوَ خير لك من الثوب الديباج؟ قلت: وما هو؟ قال: تتمارض حتى أعودك؛ فإنه سيهدى لك أكثرُ من الثوب الديباج؛ قال: فمات في تلك الأيام، ولم يهب لي شيئًا.\n* * *\nوفي هذه السنة بويع بالخلافة أحمد بن محمد بن المعتصم (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٥).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٥).","vol":"13","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2032>خلافة أحمد بن محمد بن المعتصم وهو المستعين ويكنى أبا العباس </span>(١)\n* ذكر الخبر عن سبب ولايته والوقت الذي بويع له فيه:\nذُكر أنّ المنتصر لما توفِّيَ؛ وذلك يوم السبت عند العصر لأربع خلوْن من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومئتين، اجتمع الموالي إلى الهارونيّ يوم الأحد، وفيهم بُغا الصغير وبغا الكبير أوتامش ومَنْ معهم، فاستحلفوا قوّاد الأتراك والمغاربة والأشروسنيّة - وكان الذي يستحلفهم عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى الأسكافيّ كاتب بغا الكبير - على أن يرضوْا بمن يرضى به بُغا الصغير وبغا الكبير أوتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلف القوم وتشاوروا بينهم، وكرهوا أن يتولَّى الخلافة أحدٌ من ولد المتوكل؛ لقتلهم أباه، وخوفهم أن يغتالهم مَنْ يتولى الخلافة منهم؛ فأجمع أحمد بن الخصيب ومَنْ حضر من الموالي على أحمد بن محمد بن المعتصم، فقالوا: لا نُخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم؛ وقد كانوا قبله ذكروا جماعة من بني هاشم؛ فبايعوه وقت العشاء الآخرة من ليلة الإثنين، لست خلوْن من شهر ربيع الآخر من السنة؛ وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس.\nفاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش، فلما كان يوم الإثنين لست خلوْن من شهر ربيع الآخر صار إلى دار العامة من طريق العمريّ بين البساتين، وقد ألبسوه الطويلة وزيّ الخلافة؛ وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس، ووافى واجن الأشروسنيّ باب العامّة من طريق الشارع على بيت المال، فصفّ أصحابه صفين، وقام في الصفّ هو وعِدّة من\n_________\n(١) انظر تعليقنا (٩/ ٢٥٨/ ٤١٣).","vol":"13","page":28},{"text":"وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحابُ المراتب من ولد المتوكِّل والعباسيين والطالبيّين وغيرهم ممن لهم مرتبة؛ فبيناهم كذلك، وقد مضى من النهار ساعة ونصف؛ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق؛ فإذا نحو من خمسين فارسًا من الشاكرية؛ ذكروا أنهم من أصحاب أبي العباس محمد بن عبد الله، ومعهم قوم من فرسان طَبريّة وأخلاط من الناس ومعهم من الغَوْغاء والسوقة نحو من ألف رجل؛ فشهروا السلاح، وصاحوا: يا معتزّ يا منصور وشدّوا على صفَّي الأشروسنيّة الّلذين صفّهما واجن، فتضعضعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، ونفر من على باب العامة من المبيضة مع الشاكريّه، فكثروا، فشدّ عليهم المغاربة والأشروسنية، فهزموهم حتى أدخلوهم الدّرْب الكبير المعروف بزُرافة وعَزُّون، وحمل قوم منهم على المعتزيّة، فكشفوهم؛ حتى جاوزوا بهم دار أخي عَزّون بن إسماعيل وهم في مضيق الطريق، فوقف المعتزيّة هنالك، ورمى الأشروسنية عدّة منهم بالنّشاب، وضربوفم بالسيوف، ونشبت الحرب بينهم؛ وأقبلت المعتزيّة والغوغاء يكبّرون؛ فوقعت بينهم قتلى كثيرة؛ إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات، ثم انصرف الأتراك وقد بايعوا أحمد بن محمد بن المعتصم؛ وانصرفوا مما يلي العمريّ والبساتين، وأخذ الموالي قبل انصرافهم البَيْعة على منْ حضر الدار من الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب وخرج المستعين من باب العامّة منصرفًا إلى الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب، وخرج المستعين من باب العامّه منصرفًا إلى الهارونيّ، فبات هنالك، ومضى الأشروسنيّة إلى الهاروني، وقد قُتِل من الفريقين عدَدٌ كثير، ودخل قوم من الأشروسنيّة دورًا، فظفرت بهم الغوغاء، فأخذوا دروعهم وسلاحهم وجواشنَهم ودوابّهم، ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامّة منصرفين إلى الهارونيّ، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح والدروع والجواشن واللجم المغربية وأكثروا منها؛ وربّما مرّ أحدهم بالجواشن والحِراب فأكثر، وانتهبوا في دار أرمش بن أبي أيوب بحضرة أصحاب الفقّاع تراس خيزران وقنًا بلا أسنّة؛ فكثرت الرّماح والتراس في أيدي الغوغاء وأصحاب الحمامات وغلمان الباقلَّى، ثم جاءتهم جماعة من الأتراك منهم بُغا الصغير من درب زُرافة، فأحلّوهم من الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وأمسكوا قليلًا، ثم انصرف الفريقان، وقد كثرت القتلى بينهم؛ وأقبل الغوغاء لا يمرّ أحد من الأتراك من أسافل سامُرّا يريد باب العامة إلا انتهبوا","vol":"13","page":29},{"text":"سلاحه، وقتلوا جماعة منهم عند دار مبارك المغربي، وعند دار حبش أخي يعقوب قوصرّة في شوارع سامُرّا، وعامّة من انتهب - فيما ذكر - هذا السلاح أصحاب الفقّاع والناطف وأصحاب الحمّامات والسقاؤون وغوغاء الأسواق؛ فلم يزل ذلك أمرهم إلى نصف النهار، وتحرّك أهل السجن بسامرّا في هذا اليوم، فهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر في اليوم الذي بُويع له فيه، وكان وصوله إلى محمد في اليوم الثاني، ووافى به أخ لأتامش ومحمد بن عبد الله في نزهة له، فوجّه الحاجب إليه، وأعلمه مكانه، فرجع من ساعته، وبعث إلى الهاشمييّن والقوّاد والجند، ووضع لهم الأرزاق (١).\n* * *\nوورد في هذه السنة على المستعين وفاة طاهر عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر على خراسان، ولمحمد بن عبد الله على العراق، وجعل إليه الحرَمين والشرْطة ومعاون السواد برأسه وأفرده به، وعقد في الجوسق لمحمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر على خراسان والأعمال المضمونة إليها خاصّة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شعبان.\nومرض بُغا الكبير في جمادى الآخرة، فعاده المستعين في النصف منها، ومات بغا من يومه، فعقد لموسى ابنه على أعماله وعلى أعمال أبيه كلّها، وولِّيَ ديوان البريد (٢).\nوفيِ هذه السنة وجّه أنوجو التركيّ إلى أبي العمود الثعلبيّ، فقتله يوم السبت بكَفَرْ توثى لخمس بقين من شهر ربيع الآخر.\nوفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحجّ؛ فوجّه خلفه رسولًا من الشيعة اسمه شعيب بنفيه إلى بَرْقة، ومنعه من الحجّ.\n_________\n(١) ذكر ابن الجوزي خبر البيعة وما رافقه مختصرًا - انظر المنتظم (١٢/ ٦).\nوانظر البداية والنهاية [١٨/ ٢١٦].\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٧).","vol":"13","page":30},{"text":"وفيها ابتاع المستعين من المعتزّ والمؤيد في جمادى الأولى منها جميع ما كان لهما، خلا شيئًا استثنى منه المعتزّ قيمته مئة ألف دينار، وأخذ له ولإبراهيم غلة بثمانين ألف دينار في السنة؛ فلما كان يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان ابتيع من المعتز والمؤيد جميعُ ما لهما من الدّور والمنازل والضّياع والقصور والفُرش والآلة وغير ذلك بعشرين ألف دينار، وأشهدا عليهما بذلك الشهود العُدول والقضاة وغيرهم، وقيل: ابتيع ما لهما من الضياع وترك إلى أبي عبد الله ما يكون غلّته من العَيْن في السنة عشرين ألف دينار، ولإبراهيم ما تبلغ قيمة غلّته في السنة خمسة آلاف دينار؛ فكان ما ابتيع من أبي عبد الله بعشرة آلاف ألف دينار وعشر حبّات لؤلؤ، ومن إبراهيم بثلاثة آلاف ألف درهم وثلاث حبات لؤلؤ؛ وأشهدا عليهما بذلك الفقهاء والقضاة، وكان الشّراء باسم الحسن بن مخلد للمستعين، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومئتين وحُبِسا في حجرة الجوسق، ووُكِّل بهما، وجعل أمرهما إلى بُغا الصغير؛ وكان الأتراك قد أرادوا حين شغَّب الغوغاء والشاكريّة قتلهما؛ فمنعهم من ذلك أحمد بن الخصيب، وقال: ليس لهم ذنب ولا المشغِّبة من أصحابهما، وإنما المشغِّبة من أصحاب ابن طاهر، ولكن احبسوهما فحُبسا (١).\nوفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب؛ وذلك في جُمادى الأولى منها، واستصفى ماله ومال ولده، ونُفي إلى إقريطش.\nوفيها صرف عليّ بن يحيى عن الثغور الشاميّة، وعقد له على إرمينيَة وأذْرَبيجان في شهر رمضان من هذه السنة.\nوفيها شَغَّب أهلُ حمص على كيدر بن عبيد الله عامل المستعين عليها فأخرجوه منها، فوجّه إليهم الفضل بن قارن، فمكَر بهم حتى أخذهم، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وحمل منهم مئة رجل من عيونهم إلى سامرّا، وهدم سورهم (٢).\nوفيها غزا الصائفة وَصيفٌ، وكان مقيمًا بالثغر الشاميّ حتى ورد عليه موت\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٨).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٨).","vol":"13","page":31},{"text":"المنتصر، ثم دخل بلاد الروم؛ فافتتح حصنًا يقال له: فرورية، وعقد المستعين فيها لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيرًا (١).\nوفيها عقد لبُغا الشرابيّ على حُلْوان وماسبذان ومهرجان قَذْق، وصيّر المستعين شاهك الخادم على دارِه وكُراعه وحرمه وخزائنه وخاصّ أموره، وقدّمه أوتَامش على جميع الناس (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبيّ (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك غزو جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنًا ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المصير إلى ناحية من بلاد الرّوم؛ فأذن له، فسار ومعه خلْق كثير من أهل مَلَطْيَة، فلقيه الملك في جمْع من الروم عظيم بموضع، يقال له أرز من مَرْج الأسقفّ، فحاربه بمَنْ معه محاربة شديدة، قتِل فيها خلق كثير من الفريقين، ثم أحاطت به الرُّوم وهم خمسون ألفًا، فقتل عمر وألفا رجل من المسلمين؛ وذلك في يوم الجمعة للنِّصف من رجب (٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>[خبر قتل عليّ بن يحيى الأرمنيّ]</span>\nوفيها قتل عليّ بن يحيى الأرمنيّ (٥).\n* ذكر الخبر عن سبب قتله:\nذُكر أن الروم لما قتلت عمر بن عبيد الله؛ خرجوا إلى الثغور الجزريّة، وكلبوا\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٨).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٩).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٩).\n(٤) انظر المنتظم (١٢/ ٢٣).\n(٥) انظر المنتظم (١٢/ ٢٣).","vol":"13","page":32},{"text":"عليها وعلى حرم المسلمين بها، فبلغ ذلك عليّ بن يحيى وهو قافل من إرمينيَة إلى ميّافارِقين، فنفر إليهم في جماعة من أهل مَيّافارِقين والسلسلة، فقُتل في نحو من أربعمئة رجل، وذلك في شهر رمضان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>[شغب الجند والشاكرية ببغداد]</span>\nوشغب الجند والشاكريّة ببغداد في هذه السنة في أوّل يوم من صفر (١).\n* ذكر الخبر عن السبب في ذلك:\nوكان السبب في ذلك أنّ الخبر لما اتّصل بأهل مدينة السلام وسامرّا وسائر ما قرب منهما من مُدُن الإسلام بمقتل عمر بن عبيد الله الأقطع وعلىّ بن يحيى الأرمنيّ - وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديدًا بأسهما، عظيمًا غناؤهما عنهم في الثغور التي هما بها - شقّ ذلك عليهم، وعظم مقتلُهما في صدورهم، مع قُرْب أحدهما من مقتَل الآخر، ومع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتْلَ المتوكل واستيلاءَهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء واستخلافهم من أحبّوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر للمسلمين؛ فاجتمعت العامّة ببغداد بالصُّراخ والنداء بالنفير، وانضمت إليها الأبناء والشاكريّة تُظهر أنها تطلب الأرزاق؛ وذلك أوّل يوم من صفر، ففتحوا سجن نصر بن مالك، وأخرجوا مَنْ فيه وفي القنطرة بباب الجسر؛ وكان فيها جماعة - فيما ذكر - من رفوغ خراسان والصعاليك من أهل الجبال والمحمّرة وغيرهم، وقطعوا أحد الجسرين وضربوا الآخر بالنار، وانحدرت سُفُنه، وانتُهب ديوان قصص المحبّسين، وقطعت الدفاتر، وألقيت في الماء، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون النصرانيّين كاتبي محمد بن عبد الله؛ وذلك كله بالجانب الشرقيّ من بغداد، وكان والي الجانب الشرقي حينئذ أحمد بن محمد بن خالد بن هرثمة، ثم أخرج أهلُ اليسار من أهل بغداد وسامُرّا أموالًا كثيرة من أموالهم، فقوّوا من خفَّ للنهوض إلى الثغور لحرب الرّوم بذلك؛\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٠).","vol":"13","page":33},{"text":"وأقبلت العامة من نواحي الجبل وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم؛ فلم يبلغنا أنه كان للسلطان فيما كان من الروم إلى المسلمين من ذلك تغيير، ولا توجيه جيش إليهم لحربهم في تلك الأيام.\nولتسع بقين من شهر ربيع الأول، وثب نفر من النَّاس لا يُدْرَى مَنْ هم يوم الجمعة بسامُرّا، ففتحوا السجن بها، وأخرجوا مَنْ فيه، فوجّه في طلب النَّفر الذين فعلوا ذلك زُرافة في جماعة من الموالي، فوثبت بهم العامّة فهزموهم، ثم ركب في ذلك أوتامش ووصيف وبُغا وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، وألْقِيَ على وصيف - فيما ذكر لي - قدر مطبوخ، ويقال: بل رماه قوم من العامة عند السريجة بحجر؛ فأمر وصيف النفاطين، فقذفوا ما هنالك من حوانيت التجار ومنازل الناس بالنار، فأنا رأيت ذلك الموضع محترقًا؛ وذلك بسامرّا عند دار إسحاق.\nوذُكر أن المغاربة انتهبتْ منازل جماعة من العامة في ذلك اليوم، ثم سكن الأمر في آخر ذلك اليوم، وعُزل بسبب ما كان من العامة والنفر الذين ذكرت في ذلك اليوم من الحركة أحمد بن جميل عمّا كان إليه من المعونة بسامُرّا، وولي مكانه إبراهيم بن سهل الدرّاج (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>[ذكر خبر قتل أوتامش وكاتبه]</span>\nوفي هذه السنة قُتِل أوتامش وكاتبه شجاع بن القاسم؛ وذلك يوم السبت لأربع عشرة خلوْن من شهر ربيع الآخر منها (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\nذُكر أن المستعين لما أفضت إليه الخلافة، أطلق يد أوتامش وشاهَك الخادم في بيوت الأموال، وأباحهما فِعْل ما أرادا فعله فيها، وفعل ذلك أيضًا بأمّ نفسه، فلم يمنعها من شيء تريده؛ وكان كاتبها سلمة بن سعيد النصرانيّ،\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٠).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢١).","vol":"13","page":34},{"text":"وكانت الأموال التي ترد على السلطان من الآفاق إنما يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة الأنفس، فعمِد أوتامش إلى ما في بيوت الأموال من الأموال فاكتسحه؛ وكان المستعين قد جعل ابنَه العباس في حِجْر أوتامش؛ فكان ما فضَل من الأموال عن هؤلاء الثلاثة الأنفس يؤخذ للعباس، فيصرَف في نفقاته وأسبابه - وصاحب ديوان ضياعه يومئذ دَليْل - فاقتطع من ذلك أموالًا جليلة لنفسه؛ وجعلت الموالي تنظر إلى الأموال تُستهلك؛ وهم في ضيقة، وجعل أوتامش وهو صاحب المستعين وصاحب أمره، والمستولى عليه يُنفِذُ أمور الخلافة؛ ووصيف وبُغا من ذلك كلِّه بمعزل، فأغريا الموالى به، ولم يزالا يدبّران الأمر عليه حتى أحكما التدبير، فتذمّرت الأتراك والفراغنة على أوتامش، وخرج إليه منهم يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة أهل الدُّور والكرْخ، فعسكروا وزحفوا إليه وهو في الجَوْسق مع المستعين.\nوبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجِرْه فأقاموا على ذلك من أمرهم يوم الخميس ويوم الجمعة؛ فلما كان يوم السبت دخلوا الجوسق، فاستخرجوا أوتامش من موضِعه الذي تَوارى فيه، فقتِل وقتل كاتبُه شجاع بن القاسم، وانتهبت دار أوتامش، فأخذ منها - فيما بلغني - أموالٌ جليلة ومتاع وفرش وآلة.\nولما قُتل أوتامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، ووليه عيسى بن فرّخانشاه، وولى وصيف الأهواز، وبغا الصغير فلَسطين في شهر ربيع الآخر، ثم غضب بغا الصغير وحزبُه على أبي صالح بن يزداد، فهرب أبو صالح إلى بغداد في شعبان، وصيّر المستعين مكانه محمد بن الفصل الجرجرائيّ: فصيّر ديوان الرسائل إلى سعيد بن حُميد رياسةً، فقال في ذلك الحمدونيّ:\nلَبِسَ السَّيفَ سعيدٌ بعدما ... عاش ذا طِمْرَيْنِ لا نَوْبَةَ لَهُ\nإِنَّ لله لآيات وذا ... آيةٌ للهِ فينا مُنزَلَهْ\n* * *","vol":"13","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2037>[مقتل عليّ بن الجهم] </span>(١)\nوفيها قُتِل عليّ بن الجهم بن بدر؛ وكان سبب ذلك أنه توجّه من بغداد إلى الثغر، فلما كان بقرب حَلب بموضع يقال له خساف؛ لقيته خيل لكلْب، فقتلته، وأخذ الأعراب ما كان معه، فقال وهو في السياق:\nأَزِيدَ في الليلِ لَيْلُ ... أَمْ سالَ بالصبح سَيْلُ\nذكَرْتُ أهلَ دُجَيْلِ ... وأينَ منِّي دجَيْلُ!\nوكان منزله في شارع الدّجيل.\n* * *\nوفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد بن عمار البرجميّ من أهل الكوفة؛ وقد قيل: إن ذلك في سنة خمسين ومئتين.\nوفيها أصاب أهل الريّ في ذي الحجة زلزلة شديدة ورجْفة تهدّمت منها الدور، ومات خلق من أهلها وهرب الباقون من أهلها من المدينة؛ فنزلوا خارجها.\nومُطر أهل سامرّا يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى؛ وذلك يوم السادس عشر من تمُّوز مطرٌ جَوْد برعد وبرق، فأطبَق الغيم ذلك اليوم؛ ولم يزل المطر جوْدًا سائلًا يومئذ إلى اصفرار الشمس ثم سكن.\nوتحرّكت المغاربة في هذه السنة يوم الخميس لثلاث خلوْن من جمادى الأولى، وكانوا يجتمعون قرب الجسر بسامُرّا، ثم تفرّقوا يوم الجمعة (٢).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام وهو والي مكة (٣).\n_________\n(١) علي بن الجهم كان شاعرًا من أصحاب المتوكل وكان فاضلًا متدينًا ذا شعر حسن جيد ثم نقم عليه المتوكل [انظر ترجمته وتأريخ وفاته في تأريخ بغداد (١١/ ٣٦٧) والمنتظم (١٢/ ٢٦) ووفيات الأعيان (٣/ ٣٥٥).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٣).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٣).","vol":"13","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2038>ثم دخلت سنة خمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2039>[ظهور يحيى بن عمر الطالبيّ ثم مقتله]</span>\nفمن ذلك ما كان من ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁؛ المكنى بأبي الحسين بالكوفة، وفيها كان مقتله ﵁ (١).\n* ذكر الخبر عن سبب ظهوره وما آل عليه أمره:\nذُكر أنّ أبا الحسين يحيى بن عمر - وأمّه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - نالتْه ضيقة شديدة، ولزمه دَيْن ضاق به ذرعًا، فلقيَ عمَر بن فرج - وهو يتولّى أمر الطالبيين - عند مقَدمه من خراسان أيام المتوكل، فكلّمه في صلته، فأغلظ عليه عمر القول؛ فقذفه يحيى بن عمر في مجلسه، فحبِس، فلم يزل محبوسًا إلى أن كفل به أهلُه، فأطلِق، فشخص إلى مدينة السلام، فأقام بها بحال سيّئة، ثم صار إلى سامُرّا، فلقي وصيفًا في رِزْق يُجرَى له، فأغلظ له وصيفٌ في القول، وقال: لأيّ شيء يُجرى على مثلك! فانصرف عنه.\nفذكر ابن أبي طاهر أن ابن الصوفيّ الطالبيّ حدّثه: أنه أتاه في الليلة التي كان خروجه في صبيحتها، فبات عنده، ولم يعلمه بشيء مما عزم عليه؛ وأنه عرض عليه الطَّعَام، وتبيّن فيه أنه جائع، فأبى أن يأكل، وقال: إنْ عشنا أكلنا، قال: فتبيّنت أنه قد عزم على فتكة؛ وخرج من عندي؛ فجعل وجهه إلى الكوفة؛ وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان عاملًا عليها من قِبَل محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فجمع يحيى بن عمر جَمْعًا كثيرًا من الأعراب، وضوى إليه جماعة من أهل الكوفة، فأتى الفلُّوجة؛ فصار إلى قرية تعرف بالعمد؛ فكتب صاحب البريد بخبره؛ فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أيوب بن الحسن وعبد الله بن محمود السرخسيّ - وكان عامل محمد بن عبد الله على معاون السواد\n_________\n(١) انظر الخبر في المنتظم (١٢/ ٣٣).","vol":"13","page":37},{"text":"- يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى بن عمر - وكان على الخراج بالكوفة بدر بن الأصبغ - فمضى يحيى بن عمر في سبعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها، وصار إلى بيت مالها؛ فأخذ ما فيه؛ والذي وُجد فيه ألفا دينار وزيادة شيء، ومن الورِق سبعون ألف درهم؛ وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجنيْن، وأخرج جميع من كان فيهما؛ وأخرج عمّالها عنها، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسيّ - وكان في عداد الشاكريّة، فضربه يحيى بن عمر ضربةً على قُصَاص شعره في وجهه أثْخنته؛ فانهزم ابن محمود مع أصحابه، وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدوابّ والمال.\nثم خرج يحيى بن عمر من الكوفة إلى سوادها، فصار إلى موضع يقال له بستان - أو قريبًا منه - على ثلاثة فراسخ من جُنْبلاء؛ ولم يقم بالكوفة، وتبعتْه جماعة من الزيديّة، واجتمعت على نُصرته جماعة من قرب من تلك الناحية من الأعراب وأهل الطُّفوف والسِّيب الأسفل، وإلى ظهر واسط، ثم أقام بالبستان، فكثر جمعُه، فوجّه محمد بن عبد الله لمحاربته الحسينَ بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وضمّ إليه من ذَوِي البأس والنجدة من قوّاده جماعة؛ مثل خالد بن عمران وعبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفَلْس، وأبي السناء الَغَنويّ، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وسعد الضِّبابيّ، ومن الإسحاقية أحمد بن محمد بن الفضل وجماعة من خاصّة الخراسانية وغيرهم.\nوشخص الحسين بن إسماعيل، فنزل بإزاء هَفَنْدَى في وجه يحيى بن عمر، لا يقدم عليه الحسين بن إسماعيل ومَنْ معه؛ وقصد يحيى نحو البحرية - وهي قرية بينها وبين قُسِّين خمسة فراسخ، ولو شاء الحسين أن يلحقه لحقه - ثم مضى يحيى بن عمر في شرقيّ السِّيب والحسين في غربيّه، حتى صار إلى أحمد أباذ فعبر إلى ناحية سُورا، وجعل الجند لا يلحقون ضعيفًا عجز عن اللحاق بيحيى إلا أخذوه، وأوقعوا بمن صار إلى يحيى بن عمر من أهل تلك القرى.\nوكان أحمد بن الفرج المعروف بابن الفزاريّ يتولى معونة السِّيب لمحمد بن عبد الله، فحمل ما اجتمع عنده من حاصل السِّيب قبل دخول يحيى بن عمر أحمد أباذ، فلم يظفر به.\nومضى يحيى بن عمر نحو الكوفة، فلقيَه عبد الرحمن بن الخطاب وَجْهُ","vol":"13","page":38},{"text":"الفَلْس، فقاتله بقرب جسر الكوفة قتالًا شديدًا، فانهزم عبد الرحمن بن الخطاب، وانحاز إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين بن إسماعيل، فعسكر بها، ودخل يحيى بن عمر الكوفة، واجتمعت إليه الزيديّة، ودعا إلى الرضا من آل محمد وكثُفَ أمره، واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبّوه، وتولّاه العامة من أهل بغداد - ولا يُعلم أنهم تولوا من أهل بيته غيره - وبايعه بالكوفة جماعة لهم بصائر وتدبير في تشيُّعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم.\nوأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح وأراح أصحابه دوابَّهم، ورجعت إليهم أنفسهم، وشربوا العذب من ماء الفُرات؛ واتّصلت بهم الأمداد والمِيرة والأموال، وأقام يحيى بن عمر بالكوفة يعدّ العدد، ويطبع السيوف، ويعرض الرجال، ويجمع السلاح.\nوإن جماعة من الزيديّة ممّن لا علم لهم بالحرب أشاروا على يحيى بمعاجلة الحسين، وألحّت عليه عوامّ أصحابه بمثل ذلك، فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضَم العِجليّ، في فرسان من بني عِجْل وأناس من بني أسد ورجّالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علْم ولا تدبير ولا شجاعة، فأسْرَوْا ليلتهم، ثم صبّحوا حسينًا وأصحابَه - وأصحابُ حسين مستريحون ومستعدّون - فثاروا إليهم في الغَلَس فرموا ساعة، ثم حمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا، ووُضع فيهم السيف، فكان أوّل أسير الهيضم بن العَلاء بن جمهور العِجليّ، فانهزم رجّالةُ أهل الكوفة، وأكثرهم عُزْل بغير سلاح، ضَعْفى القوى، خلقان الثياب، فداستهم الخيل، وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جوشن تُبَّتيّ، وقد تقطّر به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود، فوقف عليه ابنٌ لخالد بن عمران يقال له خير؛ فلم يعرفه، وظنّ أنه رجل من أهل خراسان؛ لمّا رأى عليه الجوشن، ووقف عليه أيضًا أبو الغور بن خالد بن عمران، فقال لخير بن خالد: يا أخي، هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبُه، وهو نازل لا يعرف القصّة لانفراج قلبه، فأمر خير رجلًا من أصحابه المواصلين من العرَفاء يقال له مُحْسِن بن المنتاب، فنزل إليه فذبَحه، وأخذ رأسه وجعله في قَوْصرّة، ووجّهه مع عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر.","vol":"13","page":39},{"text":"وادّعى قتلَه غير واحد، فذكر عن العرس بن عراهم أنهم وجدوه باركًا، ووجدوا خاتمه مع رجل يعرف بالعسقلانيّ مع سيفه، وادّعى أنه طعنه وسلبَه، وادّعى سعد الضِّبابيّ أنه قتله.\nوذكر عن أبي الحسين خالى أبي السناء أنه طعن في الغَلَس رجلًا في ظهره لا يعرفه، فأصابوا في ظهر أبي الحسين طعنة ولا يُدْرَى مَنْ قتله، لكثرة من ادّعاه، وورد الرأس دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وقد تغبّر فطلبوا مَنْ يقوّر ذلك اللحم، ويخرِج الحدقَة والغَلْصمة، فلم يوجد، وهرب الجزّارون، وطُلب ممن في السجن من الخرّمية الذبّاحين من يفعل ذلك فلم يقدم عليه أحد، إلا رجل من عمال السجن الجديد، يقال له سهل بن الصغديّ، فإنه تولى إخراج دماغه وعينيه وقوّره بيديه، وحُشِي بالصبر والمسك والكافور بعد أن غسل وصُيِّر في القطن، وذكر أنهم رأوا بجنبيه ضربة بالسيف منكرة.\nثم إنّ محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحمل رأسْه إلى المستعين من غد اليوم الذي وافاه فيه، وكتب إليه بالفتح بيده، ونصب رأسه بباب العامّة بسامُرّا، واجتمع الناس لذلك، وكثروا وتذمَّرُوا، وتولَّى إبراهيم الديرج نَصْبَه؛ لأن إبراهيم بن إسحاق خليفة محمد بن عبد الله أمَرَه فنصبه لحظة، ثم حُطّ، وردّ إلى بغداد لينصب بها بباب الجسر؛ فلم يتهيّأ ذلك لمحمد بن عبد الله لكثرة من اجتمع من الناس، وذُكر لمحمد بن عبد الله أنهم على أخذه اجتمعوا، فلم ينصبه وجعله في صندوق في بيت السلاح في داره، ووجّه الحسين بن إسماعيل بالأسرَى ورؤوس مَنْ قتل معه مع رجل يقال له أحمد بن عصمويه ممّن كان مع إسحاق بن إبراهيم، فكدّهم وأجاعهم وأساء بهم؛ فأمر بهم فحبِسوا في سجن الجديد، وكتب فيهم محمد بن عبد الله يسأل الصفح عنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تُنصب، فدفنت في قصر بباب الذهب.\nوذُكِر عن بعض الطاهريّين أنه حضر مجلس محمد بن عبد الله وهو يُهنّأ بمقتل يحيى بن عمر وبالفتح وجماعة من الهاشميين والطالبيّين وغيرهم حضور؛ فدخل عليه داود بن القاسم أبو هاشم الجعفريّ فيمن دخل، فسمعهم يهنّئونه، فقال: أيها الأمير؛ إنك لتهنّئأ بقتل رجل لو كان رسول الله - ﷺ - حيًّا لَعُزِّيَ به! فما ردّ عليه محمد بن عبد الله شيئًا، فخرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول:","vol":"13","page":40},{"text":"يا بَنِي طاهرٍ كلُوهُ وَبِيًّا ... إن لحمَ النبِيِّ غيرُ مَريِّ\nإنَّ وِترًا يكون طالِبَهُ اللـ ... ـهُ لَوترٌ نجاحُهُ بالحَرِيِّ\nوكان المستعين قد وجّه كلباتكين مددًا للحسين ومستظهرًا به، فلحق حسينًا بعدما هُزم القوم وقتل يحيى بن عمر، فمضى ومعهم حاجب صاحب بريد الكوفة فلقيَ جماعة ممّن كان مع يحيى بن عمر، ومعهم أسوقة وأطعمة يريدون عسكر يحيى؛ فوضع فيهم السَّيْف فقتلهم، ودخل الكوفة؛ فأراد أن ينهبها ويضعَ السيف في أهلها، فمنعه الحسين، وآمن الأسودَ والأبيض بها؛ وأقام أيامًا ثم انصرف\nعنها (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>[ذكر خبر خروج الحسن بن زيد العلوي]</span>\nوفي هذه السنة كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في شهر رمضان منها (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب خروجه!\nحدّثني جماعة من أهل طَبرِستان وغيرهم؛ أنّ سبب ذلك كانَ: أن محمد بن عبد الله بن طاهر لمّا جرى على يده ما جرى من قتْل يحيى بن عمر، ودخول أصحابه وجيشه الكوفةَ بعد فراغهم من قَتْل يحيى؛ أقطعه المستعين من صوافي السلطان بطبرستان قطائعَ؛ وأن من تلك القطائع التي أقطعها قطيعة فيما قرب من ثَغْرَيْ طبرستان ممّا يلي الدَّيْلَم؛ وهما كلار وسالوس، كان بحذائها أرض لأهْل تلك الناحية فيها مرافق، منها مُحْتَطبهم ومراعي مواشيهم ومسرح سارِحتهم؛ وليس لأحد عليها مُلْك؛ وإنما هي صحراء من موتان الأرض؛ غير أنها ذات غياض وأشجار وكلأ.\nفوجّه - فيما ذكر لي - محمد بن عبد الله بن طاهر أخًا لكاتبه بشر بن هارون\n_________\n(١) هذه التفاصيل الكثيرة التي استغرقت الصفحات (٢٦٦ - ٢٧١) انفرد بذكرها الطبري من بين المؤرخين المتقدمين الثقات والله تعالى أعلم وانظر المنتظم (١٢/ ٣٣ - ٣٤).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤).","vol":"13","page":41},{"text":"النصرانيّ يقال له جابر بن هارون، لحيازة ما أقطع هنالك من الأرض، وعامل طَبَرستان يومئذ سليمان بن عبد الله خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، أخو محمد بن عبد الله بن طاهر، والمستولي على سليمان، والغالب على أمره محمد بن أوس البلخيّ؛ وقد فرّق محمد بن أوس ولده في مدن طَبرِستان، وجعلهم ولاتها، وضمّ إلى كلّ واحد منهم مدينة منها؛ وهم أحداث سُفهاء؛ قد تأذى بهم وبسفههم مَنْ تحتِ أيديهم من الرعيّة، واستنكروا منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبد الله سفههم وسِيَرَهم فيهم، وغلظ عليهم سوءُ أثرهم فيهم؛ بقِصَص يطول الكتاب بشرح أكثرها.\nووتَر مع ذلك - فيما ذُكر لي - محمد بن أوس الديلم بدخوله إلى ما قرب من بلادهم من حدود طَبَرستان؛ وهم أهل سِلْم وموادعة لأهل طَبرستان على اغترار من الدّيلم بما يلتمس بدخوله إليهم بغارة، فسبَى منهم وقتل، ثم انكفأ راجعًا إلى طبَرستان، فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان عليه حَنَقا وغيظًا، فلما صار رسول محمد بن عبد الله - وهو جابر بن هارون النصرانيّ - إلى طبرستان لحيازة ما أقْطَعه هنالك محمد، عمد - فيما قيل لي - جابر بن هارون إلى ما أقطَع محمد بن عبد الله من صَوا في السلطان فحازه، وحاز ما اتّصل به من موات الأرض التي يَرْتفقِ بها أهلُ تلك الناحية - فيما ذُكر - فكان فيما رام حيازته من ذلك المواتُ الذي بقرب من الثغريْن اللّذين يسمى أحدهما كلار والآخر سالوس؛ وكان في تلك الناحية يومئذ رجلان معروفان بالبأس والشجاعة، وكانا مذكورين قديمًا بضبط تلك الناحية ممن رامها من الدَّيْلم، وبإطعام الناس بها وبالإفضال عمَنْ ضوى إليهما؛ يقال لأحدهما محمد وللآخر جعفر؛ وهما ابنا رستم أخوان؛ فأنكرا ما فعل جابر بن هارون من حيازته الموَات الذي وصفت أمره، ومانعاه ذلك.\nوكان ابنا رستم في تلك الناحية مُطاعيْن فاستنهضا مَنْ أطاعهما ممّن في ناحيتهما لمنع جابر بن هارون من حيازة ما رام حيازَته من الموات الذي هو مَرْفق لأهل تلك الناحية - فيما ذُكر - وغير داخل فيما أقطعَه صاحبه محمد بن عبد الله، فنهضوا معهما، وهرب جابر بن هارون خوفًا على نفسه منهما وممن قد نهض معهما، لإنكار مارام جابر النصراني فعلَه، فلحق بسليمان بن عبد الله بن طاهر، وأيقن محمد وجعفر ابنا رستم ومَنْ نهض معهما في منع جابر عما حاول","vol":"13","page":42},{"text":"من حيازة ما حاول حيازته من الموات الذي ذكرتُ بالشرّ وذلك أن عامل طبرستان كلّها سليمان بن عبد الله؛ وهو أخو محمد بن عبد الله بن طاهر وعمّ محمد بن طاهر بن عبد الله عامل المستعين على خُراسان وطبرستان والرّيّ والمشرق كله يومئذ.\nفلما أيقن القوم بذلك، راسلوا جيرانهم من الدّيْلم، وذكَّروهم وفاءهم لهم بالعهد الذي بينهم وبينهم، وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل والسبْي، وأنهم لا يؤمنون من ركوبه إياهم بمثل الذي ركبهم به، ويسألونهم مظاهرتهم عليه وعلى مَنْ معه؛ فأعلمهم الديلم أنّ ما يلي أرضَهم من جميع نواحيها من الأرضين والبلاد؛ إنما عمّالُها إمّا عمال لطاهر؛ وإمّا عمال مَنْ يتّخذ آل طاهر إن احتاجُوا إلى إنجادهم؛ وإن ما سألوا من معاونتهم لا سبيل لهم إليه إلا بزوال الخوْف عنهم من أن يُؤتَوا من قبل ظهورهم إذا هم اشتغلوا بحرْب من بين أيديهم من عمال سليمان بن عبد الله؛ فأعلمهم الذين سألوهم المظاهرة على حَرْب سليمان وعماله أنهم لا يغفلون عن كفايتِهم ذلك، حتى يأمنوا مما خافوا منه، فأجابهم الدّيْلم إلى ما سألوهم من ذلك، وتعاقدوا هم وأهل كلار وسالوس على معاونة بعضهم بعضًا على حَرْب سليمان بن عبد الله وابن عبد الله وابن أوس وغيرهم ممن قصدهم بحرب.\nثم أرسل ابنا رستم محمد وجعفر - فيما ذكر - إلى رجل من الطالبيّين المقيمين كانوا يومئذ بطبَرستان، يقال له محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى البَيْعة له، فأبى وامتنع عليهم، وقال لهم: لكني أدلّكُم على رجل منا هو أقوم بما دعوتموه إليه منّي، فقالوا: مَنْ هو؟ فأخبرهم أنه الحسن بن زيد، ودلَّهم على منزله ومسكنه بالرّيّ، فوجّه القومُ إلى الرّيّ عن رسالة محمد بن إبراهيم العلويّ إليه مَنْ يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان؛ فشخص معه إليها، فوافاهم الحسن بن زيد، وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلاروسالوس ورُويان على بيعتِه وقتال سليمان بن عبد الله واحدةً؛ فلما وافاهم الحسن بن زيد بايع له ابنا رستم، وجماعة أهل الثغور ورؤساء الديلم: كجايا ولاشام، ووَهْسُودان بن جستان، ومِنْ أهل رويان عبد الله بن وَنْدَاميد - وكان عندهم من أهل التألّه والتعبّد - ثم ناهضوا من في تلك النواحي من عمال ابن أوس فطردوهم عنها، فلحقوا بابن أوس وسليمان بن","vol":"13","page":43},{"text":"عبد الله؛ وهما بمدينة سارية، وانضمّ إلى الحسن بن زيد مع مَنْ بايعه من أهل النواحي التي ذكرت؛ لما بلغهم ظهوره بها حوزيّة جبال طبرستان كما صْمُغَان وفادُسْبان وليث بن قباذ، ومن أهل السفح خشكجستان بن إبراهيم بن الخليل بن ونداسفجان، خلا ما كان من سكان جبل فرِيم؛ فإن رئيسهم كان يومئذ والمتملك عليهم قارن بن شهريار؛ فإنه كان ممتنعًا بجبله وأصحابه، فلم ينقَدْ للحسن بن زيد ولا مَنْ معه حتى مات ميتة نفسه، مع موادعة كانت بينهما في بعض الأحوال، ومخاتنة ومصاهرةٍ كفّا من قارن بذلك من فعله عاديَة الحسن بن زيد ومن معه.\nثم زحف الحسن بن زيد وقُوّاده من أهل النواحي التي ذكرت نحو مدينة آمُل، وهي أول مدن طبرستان مما يلي كلار وسالوس من السفْح - وأقبل ابن أوس من سارية إليها يريد دفعَه عنها، فالتقى جيشاهما في بعض نواحي آمُل، ونشَبت الحرب بينهم، وخالف الحسن بن زيد وجماعة ممن معه من أصحابه موضع معركة القوم إلى ناحية أخرى، فدخلوها فاتصل الخبر بدخوله مدينة آمل بابن أوس، وهو مشتغل بحرب مَنْ هو في وجهه من رجال الحسن بن زيد؛ فلم يكن له همٌّ إلا النّجاء بنفسه واللحاق بسليمان بسارية؛ فلما دخل الحسن بن زيد آمُل كَثُف جيشه، وغلظ أمره، وانقضّ إليه كلّ طالب نهبٍ ومُريد فتنة من الصعاليك والحوزية وغيرهم؛ فأقام - فيما حُدّثت - الحسن بن زيد بآمُل أيامًا؛ حتى جبى الخراج من أهلها، واستعدّ، ثم نهض بمن معه نحو سارية مريدًا سليمان بن عبد الله، فخرج سليمان وابن أوس بمَنْ معهما من جيوشهما؛ فالتقى الفريقان خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فخالف الوجهَ الذي التقى فيه الجيشان بعضُ قواد الحسن بن زيد إلى وجه آخر من وجوه سارية، فدخلها برجاله وأصحابه، فانتهى الخبر إلى سليمان بن عبد الله ومَنْ معه من الجند؛ فلم يكن لهم همٌّ غير النجاة بأنفسهم.\nولقد حدثني جماعة من أهل تلك الناحية وغيرها، أنّ سليمان بن عبد الله هَرَب وترك أهله وعِياله وثَقَله وكلّ ما كان له بسارية من مال وأثاث وغير ذلك بغير صانع ولا دافع؛ فلم يكن له ناهية دون جُرجان، وغلب على ما كان له ولغيره بها من جُنده الحسن بن زيد وأصحابه.","vol":"13","page":44},{"text":"فأما عيال سليمان وأهله وأثاثه فإنه بلغني أن الحسن بن زيد أمر لهم بمركب حملهم فيه حتى ألحقهم بسليمان وهو بجرجان، وأمّا ما كان لأصحابه فإن مَنْ كان مع الحسن بن زيد من التَّبَع انتهبه، فاجتمع للحسن بن زيد بلحاق سليمان بن عبد الله بجُرجان إمْرة طبرستان كلها.\nفلما اجتمعت للحسن بن زيد طَبرِستان، وأُخرج عنها سليمان بن عبد الله وأصحابه وجّه إلى الرّيّ خيلًا مع رجل من أهل بيته، يقال له الحسن بن زيد، فصار إليها، فطرد عنها عاملها من قِبَل الطاهرية، فلما دخل الموجّه به من قِبَل الطالبيّين الرّي هرب منها عاملُها، فاستخلف بها رجلًا من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها، فاجتمعت للحسن بن زيد مع طبرستان الرّي إلى حدّ همذان، وورد الخبر بذلك على المستعين، ومدبّر أمره يومئذ وصيف التركيّ وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد، وإليه خاتم المستعين ووزارته، فوجّه إسماعيل بن فَرَاشة في جمع إلى همذان، وأمره بالمقام بها وضبطها إلى أن يتجاوز إليها خيل الحسن بن زيد، وذلك أنّ ما وراء عمل هَمَذان كان إلى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وبه عماله، وعليه صلاحه.\nفلما استقرّ بمحمد بن جعفر الطالبيّ القرار بالرّيّ ظهرت منه - فيما ذكر - أمور كرهها أهل الرّيّ، فوجّه محمد بن طاهر بن عبد الله قائدًا له من قِبَله، يقال له محمد بن ميكال - وهو أخو الشاه بن ميكال - في جَمْع من الخيل والرّجالة إلى الرّيّ، فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبيّ خارج الرّيّ، فذُكر أن محمد بن ميكال أسر محمد بن جعفر الطالبيّ، وفضّ جيشه، ودخل الرّي، فأقام بها، ودعا بها للسلطان؛ فلم يتطاول بها مكثُه حتى وجّه الحسن بن زيد إليه خيلًا، عليها قائد له من أهل اللازر، يقال له واجن، فلما صار واجن إلى الرّيّ خرج إليه محمد بن ميكال، فاقتتلا، فهزم واجن وأصحابه محمد بن ميكال وجيشه، والتجأ محمد بن ميكال إلى مدينة الرّيّ معتصمًا بها، فاتّبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الرّيّ إلى أصحاب الحسن بن زيد.\nفلمّا كان يوم عرفة من هذه السنة بعد مقتل محمد بن ميكال، ظهر بالرّيّ أحمد بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁ وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن","vol":"13","page":45},{"text":"حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب؛ فصلَّى أحمد بن عيسى بأهل الرّيّ صلاة العيد، ودعا للرضا من آل محمد؛ فحاربه محمد بن عليّ بن طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى، فصار إلى قزوين (١).\n* * *\nوفي هذه السنة غُضب على جعفر بن عبد الواحد، لأنه كان بعث إلى الشاكريّة، فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنُفي إلى البصرة لسبع بقين من شهر ربيع الأول (٢).\nوفيها أسقطت مرتبة مَنْ كانت له مرتبة في دار العامة من بني أميّة، كابن أبي الشوارب والعثمانيين (١).\nوأخرج في هذه السنة من الحبس الحسنُ بن الأفشين (١).\nوأجلِس فيها العباسُ بن أحمدبن محمد، فعقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة في جمادى الأولى.\nوفيها وثب أهل حِمْص وقومٌ من كلب - عليهم رجل يقال له عُطَيف بن نعمة الكلبيّ - بالفَضْل بن قارن أخي مازيار بن قارن؛ وهو يومئذ عامل السلطان على حِمْص، فقتلوه في رجَب؛ فوجّه المستعين إليهم موسى بن بُغا الكبير، فشخص موسى من سامُرّا يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رمضان؛ فلمّا قرب موسى تلقّاه أهلُها فيما بينها وبين الرَّستَن، فحاربهم فهزمهم؛ وافتتح حمص وقتل مِنْ أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من رؤساء أهلِها، وكان عطيف قد لحق بالبدو (١).\nوفيها مات جعفر بن أحمد بن عمّار القاضي يوم الأحد لسبع بقين من شهر رمضان.\nوفيها مات أحمد بن عبد الكريم الجواري والتيميّ قاضي البصرة.\nوفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرّا.\n_________\n(١) انظر هذه الأخبار في البداية والنهاية [٨/ ٢١٨].\n(٢) هذه الأخبار في المنتظم (١٢/ ٣٥).","vol":"13","page":46},{"text":"وفيها وثبت الشاكريّة والجُنْد بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فانتهبوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق (١).\nوفيها وجّه محمد بن طاهر من خُراسان بفيليْن كان وُجِّه بهما إليه من كابُل وأصنام وفوائح (١).\nوغزا الصائفة فيها بلكاجُور.\nوحجّ بالناس في هذه السنة جَعفر بن الفضل بشاشات وهو والي مكة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2042>[ذكر خبر قتل باغر التركيّ]</span>\nفممّا كان فيها من ذلك قتل وصيف وبُغا الصغير باغر التركيّ واضطراب أمر الموالي (٢).\nذكر الخبر عن سبب قتلهما باغر:\nذُكر أنّ سبب ذلك كان أن باغر كان أحد قتلَة المتوكل، فزِيد لذلك في أرزاقه، وأقطع قطائع؛ فكان مما أقطِع ضياع بسواد الكوفة، فتضمّن تلك الضياع التي أقطِعها باغرُ هنالك مِن كاتب كان لباغر يهوديّ - رجل من دهاقين بارُوسما ونهر الملك - بألفيّ دينار في السنة، فعدا رجل بتلك الناحية، يقال له ابن مارِمّة على وكيل لباغر هنالك، فتناوله أو دسّ إليه مَنْ تناوله، فحُبس ابن مارمّة، وقُيِّد، ثم عمل حتى تخلص من الحبس، فصار إلى سامُرّا؛ فلقي دُلَيْل بن يعقوب النصرانيّ وهو يومئذ كاتب بغا الشرابيّ وصاحب أمره، وإليه أمر العسكر، يركبُ إليه القوَّاد والعمال؛ لمكانه من بُغا، وكان ابن مارِمّة صديقًا لدُليل، وكان باغر أحد قُوّاد بُغا، فمنع دُليل باغر من ظلم أحمد بن مارمّة؛ وانتصف له منه، فأوغر ذلك من فعله بصدر باغر، وبايَنَ كلّ واحد من دُليل\n_________\n(١) هذه الأخبار في المنتظم (١٢/ ٣٦).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٤٢).","vol":"13","page":47},{"text":"وباغر صاحبَه بذلك السبب، وباغر شجاع بطل معروف القَدْر في الأتراك، يتوقّاه بُغا وغيره، ويخافون شرّه.\nفذكِر أنّ باغر جاء يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة خمسين ومئتين إلى بُغا، وبُغا في الحمام، وباغر سكران شديد السكر، وانتظره حتى خرج من الحمام، ثم دخل عليه، فقال له: والله مامن قتل دُليل بُدٌّ ثم سبّه، فقال له بغا: لو أردتَ قتل ابني فارسي ما منعتُك، فكيف دليل النصرانيّ! ولكنّ أمري وأمر الخلافة في يديْه فتنتظر حتى أصيِّر مكانه إنسانًا، وشأنَك به، ثم وجّه بُغا إلى دُلَيل يأمره ألَّا يركب؛ وقيل: بل تلقاه طبيب لبُغا، يقال له ابن سرجويه، فأخبره بالقصّة، فرجع إلى منزله، فاستخفى، وبعث بُغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز، وكان ابن فيروز يكتب له قبل ذلك، فجعله مكان دُلَيل، فيوهم باغر أنه قد عزل دُليلًا؛ فسكن باغر، ثم أصلح بُغا بين دُلَيل وباغر، وباغر يتهدّدُ دليلًا بالقَتْل إذا خلا بأصحابه، ثم تلطّف باغر للمستعين، ولزم الخدمة في الدار، وكره المستعين مكانَه؛ فلمّا كان يوم نوبة بُغا في منزله قال المستعين: أيّ شيء كان إلى إيتاخ من الأعمال؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تصيّروا هذه الأعمال إلى أبي محمد باغر، فقال وصيف: نعم، وبلغت القصة دُليلًا، فركب إلى بُغا فقال له: أنت في بيتك؛ وهم في تدبير عزلك عن كلّ أعمالك؛ فإذا عُزلت فما بقاؤك إلَّا أن يقتلوك! فركب بُغا إلى دار الخلافة في اليوم الذي نَوْبته في منزله بالعشيّ، فقال لوصيف: أردتَ أن تُزِيلني عن مرتبتي، وتجيء بباغر فتصيّره مكاني؛ وإنما باغر عبدٌ من عبيدي ورجل من أصحابي، فقال له وصيف: ما علمتُ ما أراد الخليفة من ذلك، فتعاقد وصيف وبُغا على تنْحِية باغر من الدار والاحتيال له، وأرجفوا له أن يؤمّر ويضَمّ إليه جيش سوى جيشه؛ ويُخْلَع عليه، ويُجلَس في الدار مجلس بُغا ووصيف - وهما يسمَّيان الأميرين - ودافعوه بذلك، وإنما كان المستعين تقرّب إليه بذلك ليأمن ناحيته، فأحسَّ هو ومن في ناحيته بالشرّ، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل أو بعضها مع غيرهم؛ فلمّا جمعهم ناظرهم ووكّد البيعة عليهم كما وكّدها في قتل المتوكل، فقالوا: نحن على بيعتنا، فقال: الزموا الدّار حتى نقتل المستعين وبُغا ووصيفًا، ونجيء بعليّ بن المعتصم أو بابن الواثق، فنُقعده خليفة حتى يكون الأمر لنا،","vol":"13","page":48},{"text":"كما هو لهذين اللذين قد استوليا على أمر الدنيا، وبقينا نحن في غير شيء؛ فأجابوه إلى ذلك، وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بُغا ووصيف؛ وذلك يوم الإثنين، فقال لهما: ما طلبتُ إليكما أن تجعلاني خليفةً، وإنما جعلتماني وأصحابكما ثم تريدان أن تقتلاني! فحلفا له أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر.\nوقيل: إنّ امرأة لباغر كانت مطلّقة منه، سعت إلى أمّ المستعين وإلى بُغا بذلك، وبكّر دُليل إلى بُغا وحضر وصيف إلى منزل بُغا ومع وصيف أحمد بن صالح كاتبه؛ فاتّفق رأيهم على أخذ باغر واثنين من الأتراك معه وحبسهم حتى يروا رأيَهم فيهم، فأحضروا باغر، فأقبل في عِدّة حتى دخل الدار إلى بُغا.\nفذكر عن بشر بن سعيد المَرْثديّ أنه قال: كنت حاضرًا دخولَه، فمُنع من الوصول إلى بُغا ووصيف، وعُطِف به إلى حمّام لبُغا، ودعِيَ له بالقيود؛ فامتنع عليهم؛ فحبسوه في الحمّام؛ وبلغ ذلك الأتراك في الهارونيّ والكرْخ والدّور، فوثبوا على إصطبل السلطان، فأخذوا ما كان فيه من الدوات فانتهبوها وركبوها، وحضروا الجوْسق بالسلاح، فلما أمسَوْا أمر وصيف وبُغا رشيدَ بن سعاد أخت وصيف أن يقتل باغر، فأتاه في عدّة، فشدَخُوه بالطَّبرزينات حتى أسكنوه، فلما علم المستعين باجتماعهم، ركب ووصيف وبُغا حَرّاقة، وصاروا إلى دار وصيف جميعًا، وتراكض الناس يومهم - وهو يوم الثلاثاء وليلته - بالسلاح جائين وذاهبين؛ فقال لهم وصيف: ترفَّقُوا حتى تنظروا؛ فإن ثبتوا على المقاومة رمينا إليهم برأسه، فلما انتهى قتله إلى الأتراك المشغّبة، أقاموا على ما هم عليه من الشَّغَب حتى علموا أنّ المستعين وبُغا ووصيف قد انحدروا إلى بغداد، وقد كان وصيف أعطى قومًا من المغاربة فُرسانًا ورجّالة السلاح والرّماح، ووجّه بهم إلى هؤلاء المشغبة، وبعث إلى الشاكريّة أن يكونوا على عُدّة إن احتيج إليهم، وسكن الناس عند الظهر، وهدأت الأمور؛ وقد كان عِدّةٌ من قُوّاد الأتراك صاروا إلى هؤلاء المشغبين وسألوهم الانصراف، فقالوا: يُوقْ يُوقْ، أي لا لا.\nفذكر عن بشر بن سعيد عن جامع بن خالد - وكان أحد خلفاء وصيف من الأتراك - أنه كان المتولِّيَ مخاطبتهم مع عدّة ممن يعرف التركية، فأعلموهم أن المستعين وبُغا ووصيف قد خرجوا إلى بغداد، فأظهروا التندّم، وانصرفوا","vol":"13","page":49},{"text":"منكسرين؛ فلما انتشر الخبر بخروج المستعين صار الأتراك إلى دور دُليل ابن يعقوب ودور أهل بيته ممن قرب منه وجيرانه، فانتهبوا ما فيها حتى صاروا إلى الخشب والدّوْرَانْدات؛ وقتلوا ما قدروا عليه من البغال، وانتهبوا علَف الدوابّ الخمر التي في خزانة الشراب؛ ودفع عن دار سلمة بن سعيد النصرانيّ جماعة كان وكّلهم بها؛ من المصارعين وغيرهم من جيرانهم، ومنعوهم من دخول الدار؛ لأنهم أرادوا دار إبراهيم بن مهران النصرانيّ العسكريّ، فدفعوهم عنها، وسلِم سلمة وإبراهيم من النهب.\nوقال في قتل باغر والفتنة التي هاجت بسببه بعض الشعراء، ذُكر أن قائله أحمد بن الحارث اليماميّ:\nلعمري لئن قَتلوا باغرًا ... لقد هاج باغِرُ حربًا طَحُونَا\nوفَرَّ الخليفةُ والقائدَانِ ... بالليلِ يلتمسانِ السَّفِينا\nوصَاحُوا بِمَيْسَانَ مَلَّاحِهِمْ ... فجاءَهُمُ يَسبِقُ الناظرينَا\nفأَلزَمَهمْ بطنَ حَرَّاقةٍ ... وصرَّتْ مَجَاذيفهم سَائِرينَا\nوما كان قَدْرُ ابنِ مارمَّةٍ ... فتكسبَ فيه الحروب الزَّبونا\nولكنْ دُليلٌ سَعَى سَعْيَةً ... فأخْزَى الإِلهُ بها العالمينا\nفحَلَّ ببغدادَ قبل الشّروقِ ... فحلَّ بها منه ما يَكرهُونا\nفليتَ السَّفينةَ لم تأْتِنا ... وغرَّقها اللهُ والرَّاكِبينَا\nوأقبلتِ التركُ والمَغربونَ ... وجاءَ الفراغِنةُ الدَّارعونا\nتَسيرُ كراديسُهُمْ في السِّلاحِ ... يَرُوحونَ خيلًا ورَجْلا ثبِينا\nفقامَ بحربِهمُ عالمٌ ... بأَمرِ الحُروب تولَّاهُ حِينَا\nفجدَّدَ سورًا على الجانبـ ... ـيْنِ حتَّى أحاطَهُمْ أجمعينا\nوأحكَمَ أبوابَها المُصمتَاتِ ... على السُّورِ يَحمِي بها المُسْتَعِينا\nوهيّا مَجَانيقَ خَطَّارَةً ... تُفِيتُ النفوسَ وتحْمِي العرينا\nوعَبَّى فَرْوضًا وجَحشِيَّة ... ألوفَ ألوفٍ إذ تحْسُبُونا\nوعبّى المجانيقَ منظومةً ... على السور حتى أَغار العيونا\nفذكر أنهم لما قدموا بغداد اعتلَّ ابن مارمّة، فعاده دُليل بن يعقوب، فقال له: ما سببُ علّتك؟ قال: عَقرُ القيد انتقض عليّ، فقال دُليل: لئن عقرك القَيْد؛","vol":"13","page":50},{"text":"لقد نقضت الخلافة، وبعثتَ فتنة، ومات ابن مارِمّة في تلك الأيام؛ فقال أبو عليّ اليمامي الحنفيّ في شخوص المستعين إلى بغداد:\nما زَالَ إلَّا لزوالِ مُلكهِ ... وحتفِهِ من بعده وهُلكِهِ\nومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، فُذكر أنهم أخذوا ملَّاحًا قد أكرى سفينته، فضربوه مئتي سوط، وصلبوه على دَقَل سفينته، فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلَّا سرًّا أو بمؤنة ثقيلة.\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>[وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان] </span>(١)\nوفي هذه السنة هاجت الفتنة ووقعت الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان الذين كانوا بسامرّا، فبايع كلُّ من كان بسامُرّا منهم المعتزّ، وأقام من ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين.\n* ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة، وسبب بيعة من كان بسامرّا من الجند المعتزَّ وخلعهم المستعين، ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته:\nقال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ موافاةَ المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبُغا وأحمد بن صالح بن شير زاد بغداد؛ وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث ساعات مضيْن من النهار لأربعة أيام - وقيل لخمسة أيام - خلوْن من المحرّم من هذه السنة؛ فلما وافاها، نزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على أعماله، يعرف بسلام، فاستعلم ما عنده، ثم انصرف راجعًا إلى منزله بسامرّا، فوافى القوّاد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جِلّة الكتاب والعمال وبني هاشم، ثم وافَى بعد ذلك من قوّاد الأتراك الذين في ناحية وصيف: كلباتكين القائد وطيْغج\n_________\n(١) هذا العنوان بداية أخبار مطولة في ذكر فتنة شعواء حصلت في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الأمة تنتهي في (٩/ ٣٤٨) وهذه الصفحات (٢٨٢ - ٣٤٥). مليئة بتفاصيل انفرد الطبري بذكرها من بين المؤرخين المتقدمين الثقات وقد ذكرها ابن الجوزي مختصرًا (المنتظم / ١٢/ ٤٣ - ٤٩).\nولا نستطيع الجزم بصحتها من عدمها وانظر تعليقاتنا الآتية.","vol":"13","page":51},{"text":"الخليفة، تركيّ، وابن عجوز الخليفة، نَسائيّ؛ وممّن في ناحية بُغا بايكباك القائد من غلمان الخدمة مع عدّة من خلفاء بُغا.\nوكان - فيما ذكر - وجّه إليهم وصيف وبُغا قبل قدومهم رسولًا، يأمرانهم أن يصيرُوا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التي حِذاء دار محمد بن عبد الله بن طاهر، ولا يصيروا إلى الجِسْر، فيُرعبوا العامة بدخولهم، ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة، فنزلوا عن دوابهم، فوجِّهَتْ إليهم زواريق حتى عبروا فيها، فصعد كلباتكين وبايكباك والقوّاد من أهل الدور وأرناتجور التركيّ، فدخلوا على المستعين، فرموْا بأنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذلُّلًا وخضوعًا، وكلموا المستعين وسألوه الصَّفْح عنهم والرِّضا، فقال لهم: أنتم أهل بَغْي وفساد واستقلال للنعم؛ ألم ترفعوا إليّ في أولادكم، فألحقتهم بكم، وهم نحو من ألفيْ غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهنّ في عداد المتزوّجات وهنّ نحو من أربعة آلاف امرأة في المدّركين والمولودين؛ وكلّ هذا قد أجبتكم إليه، وأدرَرْت لكم الأرزاق حتى سبكتُ لكم آنية الذهب والفضة، ومنعتُ نفسي لذّتها وشهوتها؛ كلُّ ذلك إرادةً لصلاحكم ورضاكم؛ وأنتم تزدادون بَغْيًا وفسادًا وتهدُّدًا وإبعادًا (١)!\nفتضرَّعوا، وقالوا: قد أخطأنا وأمير المؤمنين الصّادق في كلِّ قوله ونحن نسأله العفو عنا والصّفْح عن زَلّتنا؛ فقال المستعين: قد صفحت عنكُم ورضيت، فقال له بايكباك: فإن كنتَ قد رضيت عنا وصفحت، فقم فاركب معنا إلى سامُرّا؛ فإنّ الأتراك ينتظرونك؛ فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبي عون، فلكز في حَلْق بايكباك، وقال له محمد بن عبد الله: هكذا يقال لأمير المؤمنين؛ قُمْ فاركب معنا؛ فضحك المستعين من ذلك، وقال: هؤلاء قوم عَجَم؛ ليس لهم معرفة بحدُود الكلام، وقال لهم المستعين، تصيرون إلى سامُرّا، فإنَّ أرزاقكم دارّة عليكم، وانظر في أمري هاهنا ومقامي.\nفانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا مَنْ وردوا عليه من الأتراك خبرهم، وخالفوا فيما ردّ عليهم تحريضًا لهم على خلعه\n_________\n(١) مثل هذه التفاصيل وضمنها لا يثبت إلَّا بإسناد صحيح فكيف يعتمد عليه ولا إسناد له؟ (فيما ذكر).","vol":"13","page":52},{"text":"والاستبدال به، وأجْمع رأيهم على إخراج المعتزّ والبيعة له، وكان المعتزّ والمؤيد في حبس في الجوسق في حُجْرة صغيرة، مع كلِّ واحد منهما غلام يخدمه؛ موكّلٌ بهم رجل من الأتراك يقال له عيسى خليفة بليار ومعه عدّة من الأعوان، فأخرجوا المعتزّ من يومهم، فأخذوا من شعره، وقد كان بُويع له بالخلافة؛ وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطُوا شهرين لقلة المال عندهم.\nوكان المستعين خلّف بسامرّا في بيت المال مما كان طلمجُور وأساتكين القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحوًا من خمسمئة ألف دينار؛ وفي بيت مال أمّ المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس ابن المستعين قيمة ستمئة ألف دينار فذكر أن نسخة البيعة التي أخذت:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nتبايعونَ عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين ببيعة طَوْع واعتقاد، ورضًا ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدْق من نِيّاتِكم؛ لا مكرهين ولا مجبرين؛ بل مقرّين عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته، وإعزاز حقه ودينه، ومن عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدّهماء، وأمْن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن أبا عبد الله المعتزّ بالله عبد الله وخليفتُه المفترض عليكم طاعته ونصيحته والوفاء بحقه وعهده، لا تشكُّون ولا تُدْهنون، ولا تَمِيلون ولا تَرْتابون، وعلى السمع والطاعة، والمشايعة والوفاء، والاستقامة والنصيحة في السرّ والعلانية، والخفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد الله أبو عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين؛ من موالاة أوليائه؛ ومعاداة أعدائه، من خاصٍّ وَعامّ، وقريب وبعيد، متمسكين ببيعتِه بوفاء العَقْد وذمة العهد، سرائركم في ذلك كعلانيتكم، وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم، راضين بما يرضى به أمير المؤمنين بعد بيْعتكم هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم صفقةً، راغبين طائعين؛ عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين، وعلى ألا تسعَوْا في نقض شيء مما أكد عليكم، وعلى ألَّا يميل بكم في ذلك مميل عن نصرة وإخلاص","vol":"13","page":53},{"text":"وموالاة؛ وعلى ألا تبدّلوا ولا تغتروا، ولا يرجع منهكم راجع عن بيعته وانطوائه على غير علانيته؛ وعلى أن تكون بيعتكم التي أعطيتموها بألسنتكم وعهودكم بيعةً يَطَّلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها. وعلى الوفاء بذمّةِ الله فيها، وعلى إخلاصكم في نُصْرتها وموالاة أهلها؛ لا يشوب ذلك منهكم نفاق ولا إدهان ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله موفين بعهده، مؤدّين حقَّه عليكم، غير مستريبين ولا ناكثين؛ إذ كان الذي يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعةَ خلافتِه وولاية العهد من بعده لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nعليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البَيْعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيْمانِكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونُصْرة وموالاة واجتهاد، وعليكم عهد الله إنَّ عهده كان مسؤولًا وذمّة الله ﷿ وذمة محمد - ﷺ -، وما أخذ الله على أنبيائه ورسُله، وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه؛ أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيْعَة ولا تبدّلوا ولا تميلوا وأن تمسَّكوا بما عاهدتم الله عليه تمسُّك أهلِ الطاعة بطاعتهم، وذوي الوفاء والعهد بوفائهم، ولا يلفتكم عن ذلك هوىً ولا مَيْلٌ، ولا يُزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن هُدىً، باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة والوفاء بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل منكم في هذه البيْعَة إلَّا الوفاء بها.\nفمن نكث منكم ممّن بايع أمير المؤمنين وولَّي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه البيعة على ما أخذ عليكم، مسرًّا أو معلنًا، مصرّحًا أو محتالًا أو متأوّلًا؛ وادَّهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الرّأي؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم ممن ختر في ذلك منكم عهدَه، من مال أو عقار أو سائمة أو زَرْع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل الله، محبوس محرّم عليه أن يُرجع شيئًا من ذلك إلى ماله؛ عن حيلة يقدمها لنفسه، أو يحتال له بها؛ وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ؛ فذلك سبيلُها، إلى أن توافِيَه منِيّته، ويأتي عليه أجله، وكلّ مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة؛ ذكر أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحِنْث ومَنْ يتزوّج بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق طلاق","vol":"13","page":54},{"text":"الحرَج؛ لا يقبل الله منه إلَّا الوفاء بها؛ وهو بريء من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قَبِل الله منه صرفًا ولا عدْلًا؛ والله عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nوأحضِر - فيما ذكر - البيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النّقْرس محمولًا في مَحفَّة؛ فأمر بالبيعة فامتنع؛ وقال للمعتزّ: خرجتَ إلينا خروج طائع فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتزّ: أكْرِهتُ على ذلك وخفت السيف، فقال أبو أحمد: ما علينا أنك أكرِهت؛ وقد بايعنا هذا الرجل؛ فتريد أن نطلّق نساءنا، ونخرج من أموالنا، ولا ندري ما يكون! إن تركتنِي على أمري حتى يجتمع الناس؛ وإلا فهذا السيف، فقال المعتزّ: اتركوه، فُردّ إلى منزله من غير بيعة.\nوكان ممن بايع إبراهيم الديرج وعتّاب بن عتّاب، فهرب فصار إلى بغداد، وأما الدّيرج فخُلِع عليه، وأقِرّ على الشرْطة، وخُلِع على سليمان بن يسار الكاتب، وصُيِّر على ديوان الضياع، وأقام يومه يأمر وينهى وينفّذ الأعمال، ثم توارَى في الليل، وصار إلى بغداد.\nولما بايع الأتراك المعتزّ ولّى عمالَه، فولّى سعيد بن صالح الشرْطة، وجعفر بن دينار الحرس، وجعفر بن محمود الوزارة، وأبا الحمار ديوان الخراج؛ ثم عُزِل وجُعِل مكانه محمد بن إبراهيم منقار، وولي ديوان جيش الأتراك المعروف بأبي عمر كاتب سيما الشرابيّ، وولّى مقلِّدًا كَيْد الكلب أخا أبي عمر بيوتَ الأموال وإعطاءَ الأتراك والمغاربة والشاكريّة، وولّى بريد الآفاق والخاتم سيما الساربانيّ واستكتب أبا عمر؛ فكان في حدّ الوزارة.\nولما اتّصل بمحمد بن عبد الله خبرُ البيعة للمعتزّ وتوجيهه العمال، أمر بقطع الميرة عن أهل سامُرّا، وكتب إلى مالك بن طَوْق في المصير إلى بغداد هو ومَنْ معه من أهل بيته وجنده، وإلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلي في جَمْع أهل بيته ومَنْع السفن أو شيء من الميرة أن ينحدر إلى سامُرّا، ومنَع أن يصعد شيء من المِيرة من بغداد إلى سامرّا، وأخذت سفينة فيها أرزّ وسَقَطٌ، فهرب الملّاح منها وبقيت السفينة حتى غرقت، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصين بغداد؛ فتقدّم في ذلك؛ فأدير عليها السور من دِجْلة من باب الشّماسية إلى سوق الثلاثاء حتى","vol":"13","page":55},{"text":"أورده دِجْلة من باب قطيعة أم جعفر، حتى أورده قصر حميد بن عبد الحميد، ورتَّب على كل باب قائدًا في جماعة من أصحابه وغيرهم وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين جميعًا ومظلَّات يأوي إليها الفرسان في الحرّ والأمطار؛ فبلغت النفقة - فيما ذكر - على السورين وحفر الخنادق والمظلات ثلثمئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار؛ وجعل على باب الشماسية خمس شدّاخات بعرض الطريق؛ فيها العوارض والألواح والمسامير الطِّوال الظاهرة، وجُعل من خارج الباب الثاني باب معلّق بمقدار الباب ثخين، قد ألبِس بصفائح الحديد، وشُدّ بالحبال كي إن وافى أحدٌ ذلك البابَ أرسل عليه الباب المعقق، فقتل مَنْ تحته، وجعل على الباب الداخل عرّادة، وعلى الباب الخارج خمسة مجانيق كبار؛ وفيها واحدٌ كبير سمَّوه الغضبان، وستّ عرّادات ترمِي بها إلى ناحية رقّة الشمّاسيّة؛ وصُيّر على باب البَرَدان ثماني عَرّادات في كلّ ناحية أربع، وأربع شدّاخات وكذلك على كلّ باب من أبواب بغداد في الجانب الشرقيّ والغربيّ، [وجعل على كلّ باب من أبوابها قوادًا برجالهم] وجعل لكلّ باب من أبوابها دهليزًا بسقائف تَسَعُ مئة فارس ومئة راجل؛ ولكل منجنيق وعرّادة رجالًا مرتّبين يمدّودن بحباله، وراميًا يرمي إذا كان القتال، وفرض فروضًا ببغداد ومرّ قوم من أهل خراسان قدموا حجّاجًا، فسألوا المعونة على قتال الأتراك، فأعينوا، وأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن يُفْرَض من العيَّارين فرض، وأن يُجعل عليهم عريف، ويُعمل لهم تراس من البواريّ المقيَّرة، وأن يُعمل لهم مخالٍ تُملأ حجارة، ففعل ذلك وتولى - فيما ذكر - عمل البواريّ المميّرة محمد بن أبي عون، وكان الرّجل منهم يقوم خلْف الباريّة فلا يُرى منها. عُمِلت نسائجات، أنفق عليها زيادة على مئة دينار؛ وكان العريف على أصحاب البواريّ المقيرة من العتارين رجلًا يقال له ينْتَوَيْه، وكان الفراغ من عمل السور يوم الخميس لسبع بقين من المحرم.\nوكتب المستعين إلى عمّال الخراج بكل بلدة وموضع أن يكون حملهم ما يحملون من الأموال إلى السلطان إلى بغداد، ولا يحملون إلى سامُرّا شيئًا؛ وإلى عمّال المعاون في ردّ كتب الأتراك، وأمر بالكتاب إلى الأتراك والجند الذين بسامُرّا يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ ومراجعة الوفاء ببيعتهم إياه، ويذكرهم أياديه","vol":"13","page":56},{"text":"عندهم، وينهاهم عن معصيتهِ، ونكْث بيعته، وكان كتابه بذلك إلى سيما الشرابيّ.\nثم جرتْ بين المعتزّ ومحمد بن عبد الله بن طاهر مكاتبات ومراسلات، يدعو المعتزّ محمدًا إلى الدّخُول فيما دخل فيه مَنْ بايعه بالخلافة وخلع المستعين، ويذكّره ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من العَهْد وعقد الخلافة، ودعوة محمدِ بن عبد الله المعتزَّ إلى ما عليه من الأوبة إلى طاعة المستعين، واحتجاج كلّ واحد منهما على صاحبه فيما يدعوه إليه من ذلك بما يراه حُجّة له؛ تركتُ ذكرها كراهة الإطالة.\nوأمر محمد بن عبد الله بكسر القناطِر وبَثق المياه بطسّوج الأنبار وما قرب منه من طسُّوج بادورَيَا، ليقطع طريق الأتراك حين تخوّف من ورودهم الأنبار.\nوكان الذي تولّى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعديّ.\nوبلغ محمد بن عبد الله توجيه الأتراك لاستقبال الشمسة التي كانت مع البينُوق الفرغانيّ مَنْ يحميها من أصحابه، فوجّه محمد ليلة الأربعاء لعشر بقين من المحرّم خالد بن عمران وبندار الطبريّ إلى ناحية الأنبار.\nثم وجّه بعدهما رشيد بن كاوس، فصادفوا البينوق ومَنْ معه من الأتراك والمغاربة، وطالبهم خالد وبندار بالشمسة، فصار البيْنُوق وأصحابه مع خالد وبندار إلى بغداد إلى المستعين.\nوكان محمد بن الحسن بن جياويه الكردي يتولى معونة عُكبراء؛ وكان على الراذان رجل من المغاربة قد اجتمع عنده مالٌ، فتوجّهه إليه ابن جيلويه، ودعاه إلى حَمْل مال الناحية، فامتنع عليه، ونَصَب له الحرب، فأسر ابن جيلويه المغربيّ، وحمله إلى باب محمد بن عبد الله، ومعه من مال الناحية اثنا عشر ألف دينار وثلاثون ألف درهم؛ فأمر محمد بن عبد الله لابن جيلويه بعشرة آلاف درهم، وكتب كلّ واحد من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بغا، وهو مقيم بأطراف الشأم قرب الجزيرة - وكان خرج إلى حِمْص لحرب أهلها - يدعوه إلى نفسه، وبعَث كلُّ واحد منهما إليه بعدّة ألوية يعقدها لمن أحبّ، ويأمره المستعين بالانصراف إلى مدينة السلام، ويستخلف على عمله من رأى،","vol":"13","page":57},{"text":"فانصرف إلى المعتزّ وصار معه، وقدم عبد الله بن بُغا الصغير بغداد على أبيه؛ وكان قد تخلّف بسامُرّا حين خرج أبوه منها مع المستعين، وصار إلى المستعين، فاعتذر اليه وقال لأبيه: إنما قدمتُ إليك لأموت تحت ركابك، وأقام ببغداد أيامًا، ثم استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له؛ فأقام فيها إلى الليل، ثم هرب من تحت ليلته، فمضى في الجانب الغربيّ إلى سامُرّا مجانبًا لأبيه وممالئًا عليه؛ واعتذر إلى المعتزّ من مصيره إلى بغداد، وأخبره أنه إنما صار إليها ليعرف أخبارهم، وليصير إليه فيُعرّفه صحتها، فقبل ذلك منه، وردّه إلى خدمته.\nوورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه من الأشروسنيّة وغيرهم جماعة كثيرة، وزاد في أرزاقه ستة عشر ألف درهم في كلّ شهر (١).\nولم يزل أسد بن داودسياه مقيمًا بسامُرّا، حتى هرب منها، فذُكر أنّ الأتراك بعثوا في طلبه إلى ناحية الموصل والأنبار والجانب الغربيّ في كل ناحية خمسين فارسًا، فوافَى مدينة السلام؛ فدخل على محمد بن عبد الله، فضمّ إليه من أصحاب إبراهيم الديرج مئة فارس ومئتي راجل، ووكّله بباب الأنبار مع عبد الله بن موسى بن أبي خالد.\nوعقد المعتزّ لأخيه أبي أحمد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة - وهي سنة إحدى وخمسين ومئتين - على حرب المستعين وابن طاهر، وولّاه ذلك، وضمّ إليه الجيش، وجعل إليه الأمرَ والنهي، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركيّ، فعسكر بالقاطول في خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، وضمّ المغاربة إلى محمد بن راشد المغربيّ، فوافوا عُكْبراء ليلة الجمعة لليلة بقيت من المحرّم؛ فصلّى أبو أحمد، وفى عا للمعتزّ بالخلافة؛ وكتب بذلك نسخًا إلى المعتزّ؛ فذكر جماعة من أهل عكْبراء أنهم رأوا الأتراك والمغاربة وسائر أتباعهم؛ وهم على خوف شديد، يروْن أنّ محمد بن عبد الله قد خرج إليهم فسبقهم إلى حربهم، وجعلوا ينتهبون القرى\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤٤).","vol":"13","page":58},{"text":"ما بين عُكبراء، وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربيّ، تخوّفًا على أنفسهم وخلّوْا عن الغَلّات والضّياع؛ فخرّبت الضياع، وانتُهبت الغَلّات والأمتعة وهدِمت المنازل، وسُلب الناس في الطريق (١).\nولمّا وافى أبو أحمد عُكبراء ومَنْ معه خرج جماعة من الأتراك الذين كانوا مع بُغا الشرابيّ بمدينة السلام من مَواليه، والمضمومين إليه، فهربوا ليلًا، فاجتازوا بباب الشمّاسيّة؛ وكان على الباب عبد الرحمن بن الخطاب، ولم يعلم بخبرهم؛ وبلغ محمد بن عبد الله ذلك، فأنكره عليه وعنَّفه وتقدّم في حفظ الأبواب وحراستها والنفقة على من يتولّاها.\nولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وُكّل بباب الشّماسية.\nثم وافى أبو أحمد وعسكره الشماسيّة ليلةَ الأحد لسبع خلون من صفر، ومعه كاتبه محمد بن عبد الله بن بشر بن سعد المرثديّ، وصاحب خبر العسكر من قِبَل المعتزّ الحسن بن عمرو بن قماش ومن قِبَله، صاحب خبر له يقال له جعفر بن أحمد البناتي، يعرف بابن الخبازة، فقال رجل من البصريّين كان في عسكره ويعرف بباذنجانة:\nيا بني طاهر أتتكمْ جنودُ الله ... والموتُ بينها منثورُ\nوجيوشٌ أمامَهُنّ أبو أحمد ... نعْمَ الموْلى ونِعْمَ النصيرُ\nولمّا صار أبو أحمد بباب الشمّاسية ولَّى المستعين الحسين بن إسماعيل باب الشماسية، وصيَّر مَنْ هناك من القوّاد تحت يده؛ فلم يزل مقيمًا هناك مدّة الحرب إلى أن شخص إلى الأنبار؛ فولَّى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ ولثلاث عشرة مضتْ من صفر؛ صار إلى محمد بن عبد الله جاسوس له؛ فأعلمه أن أبا أحمد قد عبَّى قومًا يحرقون ظلال الأسواق من جانبيْ بغداد، فكُشطت في ذلك اليوم.\nوذكر أن محمد بن عبد الله وجّه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل، وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربيّ، وأن يرتفعا حتى يجاوزا\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤٥) وقد علّق ابن كثير على هذه الفتنة قائلًا: ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدًّا قد ذكرها ابن جرير مطولة [البداية والنهاية ٨/ ٢١٩].","vol":"13","page":59},{"text":"عسكر أبي أحمد ويحزُرا: كَمْ في عسكره؟ فزعم محمد بن موسى أنه حَزَرهم ألفيْ إنسان، معهم ألف دابة؛ فلما كان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشمّاسيّة، فوقفوا بالقرب منه؛ فوجّه محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل والشاه بن ميكال وبُندار الطبريّ فيمن معهم؛ وعزم على الركوب لمقاتلتهم، فانصرف إليه الشاه، فأعلمه أنه وافَى بمَنْ معه باب الشّماسيّة.\nفلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات وقد أقبلت نحوَهم انصرفوا إلى معسكرهم؛ فانصرف الشاه والحسين، وترك محمد الركوب يومئذ.\nفلمَّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم محمد بن عبد الله على توجيه الجيوش إلى القُفْص ليعرض جنده هنالك، ويُرهب بذلك الأتراك؛ وركب معه وصيف وبُغا في الدُّروع، وعلى محمد دِرْع، وفوق الدرْع صُدرة من درع طاهر؛ وعليه ساعد حديد؛ ومضى معه بالفقهاء والقضاة، وعزم على دعائهم إلى الرجوع عمّا هم عليه من التمادي في الطُّغيان واللجَاج والعِصْيان، وبعث يبذل لهم الأمان على أن يكون أبو عبد الله وليّ العهد بعد المستعين؛ فإنْ قبلوا الأمان وإلّا باكرهم بالقتال يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة تخلو من صفر؛ فمضى نحو باب قُطْربل، فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنْه التقدّم لكثرة الناس؛ وعارضهم من جانب دِجلة الشرقيّ محمد بن راشد المغربيّ.\nثم انصرف محمد؛ فلما كان من الغد وافتْه رسل عبد الرحمن بن الخطاب وجه الفُلْس وعَلك القائد ومَنْ معهما من القوَّاد، يعلمونه أْنّ القوم قد دنوْا منهم، وأنهم قد رجعوا إلى عسكرهم إلى رقة الشماسيّة، فنزلوا وضربوا مضاربَهم فأرسل إليهم ألا تبدؤوهم، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم؛ وادفعوهم اليوم، فوافى باب الشماسيّة اثنا عشر فارسًا من عسكر الأتراك - وكان على باب الشماسيّة باب وسَرَب وعلى السّرَب باب، فوقف الاثنا عشر الفارس بإزاء الباب، وشتموا مَنْ عليه، ورموا بالسهام، ومن بباب الشماسية سكوت عنهم؛ فلما أكثروا أمر علَك صاحب المِنجنيق أن يرميَهم؛ فرماهم فأصاب منهم رجلًا فقتله؛ فنزل أصحابه إليه، فحملوه وانصرفوا إلى عسكرهم بباب الشماسيّة.\nوقدم عبد الله بن سليمان خليفة وصيف التركيّ الموجّه إلى طريق مكة لضبط","vol":"13","page":60},{"text":"الطريق مع أبي الساج في ثلثمئة رجل من الشاكريّة، فدخل على محمد بن عبد الله، فخلع عليه خمس خلع، وعلى آخر ممن معه أربع خلع.\nودخل أيضًا في هذا اليوم رجل من الأعراب من أهل الثعلبيّة يطلب الفَرْض معه خمسون رجلًا، وورد الشاكريّة القادمون من سامرّا من قيادات شتى؛ وهم أربعون رجلًا، فأمر بإعطائهم وإنزالهم فأعْطُوْا.\nووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسيّة، فرُموا بالسهام والمنجنيق والعرّادات؛ وكان بينهم قتلَى وجرحى كثير؛ وكان الأمير الحسين بن إسماعيل لمحاربتهم، ثم أمِدّ بأربعمئة رجل من الملطّيين مع رجل يعرف بأبي السنا الغنويّ [وهو ابن أخت الهيثم الغنوي] ثم أمدّهم بقوم من الأعراب نحو من ثلثمئة رجل، وحمل في هذا اليوم من الصلات لمن أبلَى في الحرب خمسة وعشرين ألف درهم، وأطوقة وأسورة من ذهب؛ فصار ذلك إلى الحسين بن إسماعيل وعبد الرحمن بن الخطاب وعلَك ويحيى بن هرثمة والحسن بن الأفشين وصاحب الحرب الحسين بن إسماعيل، فكان الجرحى من أهل بغداد أكثر من مئتي إنسان، والقتلى عدّة، وكذلك الجراحات في الأتراك والقتلَى أكثرهم بالمجانيق؛ وانهزم أكثر عامة أهل بغداد، وثبت أصحاب البوازيّ وانصرفوا جميعًا، وهم في القتلى والجرحى شبيه بالسواء؛ وجُرح من هؤلاء - فيما ذكر - مئتان، ومن هؤلاء مئتان، وقتل جماعة من الفريقين.\nوجاء كردوس من الفراغنة والأتراك في هذا اليوم إلى باب خُراسان من الجانب الشرقيّ ليدخلوا منه، وأتى الصريخ محمد بن عبد الله، وثبت لهم المبيّضة والغوغاء فردّوهم، وقد كان محمد أمر أن يُمخَر تلك الناحية؛ فلما أرادوا الانصراف، وحلّت عامة دوابهم، ونجا أكثرهم، أحضر الأتراك منجنيقًا، فغلبهم الغوغاء عليه والمبيّضة، وكسروا قائمة من قوائمه، وقتِل اثنان من الشاشية من الحجاج، وأمر بحمل الآجرّ من قصر الطين وتلك الناحية إلى باب الشماسيّة؛ وفتحوا باب الشماسيّة، وأخرجوا إلى الآجرّ من لقطه، وردّوه إلى هذا الجانب من السور.\nوكان محمد بن عبد الله اتّصل به أنّ جماعة من الأقراك قد صاروا إلى ناحية النّهروان، فوجّه قائدين منن قوّاده يقال لهما عبد الله بن محمود السرخسيّ","vol":"13","page":61},{"text":"ويحيى بن حفص المعروف بحبُوس في خمسمئة من الفرسان والرّجالة إلى هذه الناحية، ثم أردفهم بسبعمئة رجل أيضًا، وأمرهم بالمقام هناك، ومنع مَنْ أراده من الأتراك، فتوجّه آخرهم إلى هذه الناحية يوم الجمعة لسبع خلون من صفر.\nفلما كان ليلة الإثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر، صار قوم من الأتراك إلى النَّهْروان، فخرج جماعة ممن كان مع عبد الله بن محمود، فرجعوا هُرّابًا، وأخِذت دوابّهم، وانصرف مَنْ نجا منهم إلى مدينة السلام مفلولين، وقتل زهاء خمسين رجلًا، وأخذوا سِتين دابة، وعدّة من البغال قد كانت جاءت من ناحية حُلوان عليها الثلج، فوجّهوا بها إلى سامرّا، ووجهوا برؤوس مَنْ قتلوا من الجند، فكانت أول رؤوس وافت في تلك الحرب سامرّا.\nوانصرف عبد الله بن محمود مفلولًا في شِرذمة، وصار طريق خراسان في أيدي الأتراك، وانقطع الطريق من بغداد إلى خراسان.\nوكان إسماعيل بن فراشة وُجّه إلى همذان للمقام بها، فكتب إليه بالانصراف، فانصرف، فأعطِيَ هو وأصحابه استحقاقهم.\nووجَّه المعتزّ عسكرًا من الأتراك والمغاربة والفراغنة ومَنْ هو في عدادهم، وعلى الأتراك والفراغنة الدرغماني الفرغانيّ، وعلى المغاربة ربلة المغربيّ، فساروا إلى مدينة السلام من الجانب الغربيّ، فجازوا قُطربّل إلى بغداد، وضربوا عسكرهم بين قُطْربّل وقطيعة أم جعفر؛ وذلك عشيّة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر.\nفلما كان يوم الأربعاء من غد هذه الليلة، وجّه محمد بن عبد الله بن طاهر الشاهَ بن ميكال من باب القطيعة وبُندارًا وخالد بن عمران فيمن معهم من أصحابهم من الفرسان والرّجّالة، فصافّهم الشاه، وأصحابه، فترامَوْا بالحجارة والسهام، وألجؤوا الشاه إلى مضيق عند باب القطيعة، وكثر المبيّضة من أهل بغداد، ثم حمل الشاه والمبيّضة حملة واحدة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومَنْ معهم عن موضعهم، وحمل عليهم المبيّضة، وأصحروا بهم، وحمل عليهم الطبريّة فخالطوهم؛ وخرج عليهم بُندار وخالد بن عمران من الكمِين؛ وكانوا كمنوا في ناحية قُطْربّل، فوضعوا في أصحاب أبي أحمد الأتراك منهم وغيرهم السيف، فقتلوهم أبرح قتل؛ فلم يُفلت منهم إلَّا القليل، وانتهب المبيضة","vol":"13","page":62},{"text":"عسكرهم وما كان فيه من المتاع والأهل والأثقال والمضارب والحُرْثيّ، فكلّ من أفلت منهم من السيف رمى بنفسه في دِجْلة ليعبرَ إلى عسكر أبي أحمد؛ فأخذه أصحاب الشبّارات، وكانت الشبّارات قد سحنت بالمقاتلة - فقُتِلوا وأسِروا وجُعل القتلى والرؤوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم في الزّواريق، فنصبت بعضها في الجسرين؛ وعلى باب محمد بن عبد الله؛ فأمر محمد بن عبد الله لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، فسُوِّر قوم كثير من الجند وغيرهم، فطُلب المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانًا، وبلغ بعضهم ناحية عسكر أبي أحمد عَبْرَ دجلة، وبعضهم نفذ إلى سامُرَّا.\nوذُكر أن عسكر الأتراك يوم هُزِموا بباب القطيعة كانوا أربعة آلاف، فقتِل منهم يوم الوقعة هنالك ألفان؛ وكان وُضع فيهم بالسيف من باب القَطيعة إلى القُفْص، فقتَلوا مَنْ قتلوا، وغرِّق مَنْ غُرِّق، وأسِر منهم جماعة، فخلَع محمد بن عبد الله على بُندار أربع خلع مُلحم، ووشْي وسواد وخزّ، وطوّقه طوقًا من ذهب، وخلع على أبي السنا أربع خِلَع، وعلى خالد بن عمران وجميع القوّاد، كلّ رجل أربع خِلع، وكان انصرافهم من الوقعة مع المغرب، وسُخرت البغال، وأخِذ لها الجواليق لتحمل فيها الرؤوس إلى بغداد.\nوكان كلُّ مَنْ وافى دار محمد برأس تركيّ أو مغربيّ أعطوْه خمسين درهمًا وكان أكثر ذلك العمل للمبيّضة والعيّارين، ثم وافى عيَّار وبغداد قُطْربُّلَ، فانتهبوا ما تركه الأتراك من متاع أهل قُطْربُّل وأبواب دورهم؛ فوجّه محمد في آخر هذا اليوم أخاه أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله والمظفّر بن سيسَل في أثر المنهزمين حِياطة لأهل بغداد؛ لأنه لم يأمن رجعتهم عليه فبلغا القُفْص، وانصرفا سالمين، وزعجا مَنْ أقام من الرجّالة والعيارين بناحية قُطْربل، وأشير على محمد بن عبد الله أن يتبعهم بعسكر في اليوم الثاني وفي تلك الليلة، ليوغل في آثارهم، فأبى ذلك ولم يتبع مولِّيًا، ولم يأمر أن يُجهز على جريح، وقبِل أمان من استأمن، وأمر سعيد بن حُميد فكتب كتابًا يذكر فيه هذه الوقعة؛ فقرئ على أهل بغداد في مسجد جامعها، نسخته:","vol":"13","page":63},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nأما بعد؛ فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكرَ نعمته، والقادر فلا يعارَض في قدرته، والعزيز فلا يغالب في أمره، والحَكم العدل فلا يردّ حكمه، والناصر فلا يكون نصره إلَّا للحق وأهله، والمالك لكلّ شيء فلا يخرج أحد عن أمره، والهادي إلى الرحمة فلا يضلّ من انقاد لطاعته، والمقدّم إعذاره ليظاهر به حجته؛ الذي جعل دينه لعباده رحمة، وخلافته لدينه عصمة، وطاعة خلفائه فرضًا واجبًا على كافة الأمة؛ فهم المستحفَظون في أرضه على ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم إليه من دينه، والحاملون لهم على منهاج حقه؛ لئلا يتشعّب بهم الطريق إلى المخالفة لسبيله، والهادي لهم إلى صراطه؛ ليجمعهم على الجادّة التي نَدب إليها عبادَه الذين بهم يُحمَى الدّين من الغواة والمخالفين؛ محتجّين على الأمم بكتاب الله الذي استعملهم به، ودعا الأمة بحقّ الله الذي اختارهم له؛ إن جاهدوا كانت حجة الله معهم، وإن حاربوا حكَم بالنصر لهم، وإن بغاهم عدوّ كانت كفاية الله حائلةً دونهم ومعقلًا لهم، وإن كادهم كائد فاللهُ من وراء عونهم، نَصَبهم الله لإعزاز دينه؛ فمن عاداهم فإنما عادى الدّين الذي أعزّه وحرسه بهم، ومن ناوأهم فإنما طعن على الحقّ الذي يكلؤه بحراستهم جيوشهم بالنّصر والعزّ منصورة، وكتائبهم بسلطان الله من عدوّهم محفوظة، وأيديهم عن دين الله دافعة، وأشياعهم بتناصرهم في الحقّ عالية، وأحزاب أعدائهم ببغيهم مقموعة، وحجتهم عند الله وعند خلْقه داحضة، ووسائلهم إلى النصر مردودة، تجمعهم مواطن التحاكم، وأحكام الله بخذلانهم واقعة، وأقداره بإسلامهم إلى أوليائه جارية، وعاداتهم في الأمم السالفة والقرون الخالية ماضية؛ ليكون أهلُ الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجُوبون بما قدّم إليهم من الإنذار، معجّلة لهم نقمة الله بأيدي أوليائه، معَدٌّ لهم العذاب عند ربهم، والخزي موصول بنواصيهم في دنياهم، وعذاب الآخرة من ورائهم وما الله بظلام للعبيد.\nوصلى الله على نبيه المصطفى، ورسوله المرتَضى، والمنقذ من الضّلالة إلى الهدَى، صلاة تامّة نامية بركاتها، دائمة اتصالها، وسلم تسليمًا.","vol":"13","page":64},{"text":"والحمد لله تواضعًا لعظمته، والحمد لله إقرارًا بربوبيته، والحمد لله اعترافًا بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته، والحمد لله الهادي إلى حَمْدِه والموجب به مزيده، والمحصي به عوائد إحسانه، حمدًا يرضاه ويتقبّله، ويوجب طوْله وإفضاله، والحمدُ لله الذي حكم بالخذلان على مَنْ بَغى على أهل دينه، وسبق وعده بالنصر لمن بُغي عليه من أنصار حقه.\nوأنزل بذلك كتابَه العزيز، موعظةً للباغين؛ فإن أقلعوا كانت التذْكِرة نافعة لهم، والحجة عند الله لمن قام بها فيهم، ثم أوجب بعد التذكرة والإصرار جهادهم، فقال فيما قدَّم من وَعْده، وأبان من برهانه: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، وعدَّا مَن الله حقًّا نهى به أعداءه عن معصيته، وثبَّت به أولياءه على سبيله؛ والله لا يخلف الميعاد.\nولله عند أمير المؤمنين - في رئيس دعوته، وسيف دولته، والمحامي عن سلطانه، ومحلّ ثقته، والمتقدّم في طاعته، ونصيحته لأوليائه، والذابِّ عن حقه، والقائم بمجاهدة أعدائه؛ محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين - نعمةٌ يُرغب إلى الله في إتمامها، والتوفيق لشكرها، والتطوّل بمن أراد المزيد فيها؛ فإن الله قدّر لآبائه القيام بالدّعوة الأولى لآباء أمير المؤمنين، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدّولة الثانية؛ حين حاول أعداء الله أن يطمِسُوا معالم دينه ويعفوها؛ فقام بحقّ الله وحق خليفته، محاميًا عنها، ومراميًا من ورائها، متناولًا للبعيد برأيه ونظره، مباشرًا للقريب بإشرافه وتفقُّده، باذلًا نفسه في كلّ ما قرّبه من الله، وأوجب له الزُّلْفة عنده، وسيمتّع الله أمير المؤمنين به وليًّا، مكانفًا على الحق، وناصرًا مؤازرًا على الخير، وظهيرًا مجاهدًا لعدوّ الدين.\nوقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدّم به إليكم فيما أحدثتْه الفرقة الضالة عن سبيل ربها، المفارقة لعصمة دينها، الكافرة لنعم الله ونعم خليفته عندها، المباينة لجماعة الأمة التي ألَّف الله بخلافته نظامَها، المحاولة لتشتيت الكلمة بعد اجتماعها، الناكثة لبيعته، الخالعة لرِبْقة الإسلام من أعناقها، الموالي الأتراكُ، وما صارت إليه من نصر الغلام المعروف بأبي عبد الله بن المتوكل لإقامتها عند مصير أمير المؤمنين إلى مدينة السلام، محلّ سلطانه،","vol":"13","page":65},{"text":"ومجتمع أنصاره وأبناء أنصار آبائه، وما قابل به أمير المؤمنين خيانَتهم وآثره من الأناة في أمرهم.\nثم إنّ هؤلاء الناكثين جمعوا جمعًا من الأتراك والمغاربة، ومن ولج في سوادهم، ودخل في غُمارهم، مؤاتيًا للفتنة من ألفاف الغيّ، ورأسوا عليهم المعروف بأبي أحمد بن المتوكل، ثم ساروا نحو مدينة السلام في الجانب الشرقيّ، معلنين للبغي والاقتدار، مظهرين للغي والإصرار؛ فتأنّاهم أمير المؤمنين، وفسَّح لهم في النَّظرة لهم، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرُهم الرشد، وتذكيرهم بما قدّموا من البيعة، وإفهامهم ما لله عليهم وله في ذلك من الحقّ، وأنّ خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعًا الخروجُ من دين الله والبراءة منه ومن رسوله، وتحريمهم أموالَهم ونساءهم عليهم؛ وأن في تمسكهم به سلامة أديانهم، وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حُلول النقَم بهم، وأن يبين لهم ما سلف من بلائه عندهم؛ من أسْنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنيّ المراتب، والتقدّم في المحافل؛ فأبوْا إلَّا تماديًا ونفارًا، وتمسكًا بالغيّ وإصرارًا.\nفقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمَن، ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم ودعائهم إلى الحقّ ما كانت الإنابة أو محاربتهم إن جنح بهم غيُّهم، وتتابعوا في ضلالهم، فلم يألهم نظرًا وإفهامًا، وتبيينًا وإرشادًا، وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعّد لأهل مدينة السلام؛ بسفك دمائهم وسَبْي نسائهم وتغنُّم أموالهم؛ وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم على السبيل التي يستعملها أهل الشرْك في غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة لهم؛ لا يجتازون بعامر إلَّا أخربوه، ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلَّا أباحوه، ولا بمسلم يعجز عنهم إلَّا قتلوه، ولا بماله لمسلم ولا ذميّ إلَّا أخذوه؛ حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصّنًا من معرّتهم، لا يمرُّون بغنيّ إلَّا خلعوا عنه لباس الغنىٍ؛ ولا بمستور إلَّا هتكوا عن الذرية والنساء ستره، لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمّة، ولا يتوقّفون عن مسلم بهتك ولا مُثْلة، ولا يرغبون عما حرم الله من دم ولا حرمة.","vol":"13","page":66},{"text":"ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار في الباطل؛ فذلَفُوا نحو باب الشمّاسية، وقد رتب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التي سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش في العُدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة؛ معاقلهم التوكّلُ على ربِّهم، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم.\nومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، يأمرُهم بتحصين ما يليهم والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة لهم؛ فبادأهم الأولياء بالموعظة، وبدأهم الغواة الناكثون بحروبهم، وعادوْهم أيامًا بجموعهم وعدادهم، مُدلّين بعدّتهم مقدّرين ألا غالب لهم؛ ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم، وأن أقداره نافذة بخلاف إرادتهم، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحقّ عليهم؛ حتى إذا كان يوم السبت للنصف من صفَر وافوْا باب الشماسيّة بأجمعهم قد نشروا أعلامهم، وتنادوْا بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبْي النساء، واستباحة الأموال؛ فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا، وقابلوهم بالتذكرة فلم يُصغوا إليها، وبدؤوا بالحرب منابذين لها، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم، واستنصروا عليهم، واستحكمت بالله ثقتهم، ونفذت به بصائرهم؛ فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم؛ فقتل الله من حُماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرًا عَددها، ونالت الجراحة المثخنة التي تأتي مَنْ نالته أكثر عامتهم.\nفلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أنْ قد أكذب ظنونَهم، وحال بينهم وبين أمانيهم، وجعل عواقبها حسرات عليهم؛ استنهضوا جيشًا من سامُرّا من الأتراك والمغاربة في العتَاد والعُدّة والجلَد والأسلحة في الجانب الغربيّ، طالبين المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلًا من أهله باشتغال إخوانِهم في الجانب الشرقيّ بأعدائهم.\nوقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شَحَن الجانبين جميعًا بالرّجال والعُدّة، ووكَّل بكلّ ناحية مَنْ يقوم بحفظها وحراستها، ويكفّ عن الرعية بوائقَ أعدائهم، ووكل بكل باب من الأبواب قائدًا في جَمْع كثيف، ورتَّب على السور","vol":"13","page":67},{"text":"مَنْ يراعيه في الليل والنهار وبث الرجال ليعرف أخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم وتصرّفهم، فيعامل كلَّ حال لهم بحال يفتّ الله في أعضادهم بها.\nفلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وافى الجيش الذي أنهضوه من الجانب الغربي البابَ المعروف بباب قُطْربّل، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقيّ من دجْلة في عدد لا يسعه إلَّا الفضاء ولا يحمله إلَّا المجال الفسيح، وقد تواعَدُوا أن يكون دنوّهم مِن الأبواب معًا لشغل الأولياء بحربهم من الجهات، فيضعفوا عنهم ويغلبوا حقَّهم بباطلهم؛ أملًا كاذبًا غير صادق كادهم الله فيه، وظنًا خائبًا لله فيه قضاء نافذ.\nوأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبي عون وبُندار بن موسى الطبريّ مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربُّل، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، والاتباع لأمره والتصرّف مع كتابه، والتوقّف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع، وتزول الحجة بالتتابع منهم والإصرار، فنفذوا في جمعٍ يقابل جمعهم، مستبصرين في حقّ الله عليهم، مسارعين إلى لقاء عدوّهم، محتسبين خطاهم ومسيرهم، واثقين بالثواب الآجل والجزاء العاجل. فتلقاهم ومَنْ معهم أعداء الله، قد أطلقوا نحوهم أعنَّتهم، وأشرعوا لِنُحورهم أسنَتهم، لا يشكون أنهم نُهزة المختلس، وغنيمة المنتهب؛ فنادوْهم بالموعظة نداء مسْمعًا، فمجّتها أسماعهم، وعميت عنها أبصارهم، وصدَقهم أولياءُ الله في لقائهم؛ بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأنّ الله لا يخلِف وعده فيهم؛ فجالت الخيل بهم جَوْلة، وعاودت كَرّة بعد كرّة عليهم، طعنًا بالرماح، وضربًا بالسيوف، ورَشقًا بالسهام؛ فلما مسّهم ألم جِراحها، وكلَمتْهم الحربُ بأنيابها، ودارت عليهم رحاها، وصمم عليهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم؛ ولَّوا أدبارَهم، ومنح الله أكتافهم، وأوقع بأسه بهم، فقتِلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بأمانة، ثم ثابت ثانية؛ فوقفوا بإزاء الأولياء، وعبَر إليهم أشياعُهم الغاوُون من عسكرهم بباب الشمّاسية ألف رجل من أنجادهم في السفن، معاونين لهم على ضلالتهم؛ فأنهض لهم محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاهَ بن ميكال مولى طاهر نحوهم، فنفذوا ببصيرةٍ لا يتخوّنها فتور،","vol":"13","page":68},{"text":"ونيّة لا يلحقها تقصير؛ ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين.\nفلما وافى الشاه فيمَنْ معه أعداء الله، وكّل بالمواضع التي يتخوف منها مدخل الكُمناء، ثم حمل مَنْ توجّه معه من القواد المسمَّينِ ماضين لا يغويهم الوعيد، ولا يشكُّون من الله في النصر والتأييد، فوضعوا أسيافهم فيهم، تمضي أحكام الله عليهم؛ حتى ألحقوهم بالمعسكر الذي كانوا عسكروا فيه وجاوزوه، وسلبوهم كل ما كان من سلاح وكُراع وعتاد الحرب؛ فمن قتيل غُودرت جثّته بمصرعه، ونقلت هامته إلى مصيرٍ فيه معتبَو لغيره، ومن لاجئ من السيف إلى الغَرقَ لم يجرْه الله من حذاره، من أسير مصفود يُقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هاربٍ بحشاشة نفسه، قد أسكن الله الخوف قلبه؛ فكانت النقمة بحمد الله واقعة بالفريقين ممن وافى الجانب الغربيّ قادمًا، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقيّ مُنجدًا، لم ينْجُ منهم ناجٍ، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم، ولا أقبل إلى الله مقبل؛ فرقًا أربعًا يجمعها النار، ويشملها عاجل النكال، عظةً ومعتبرًا لأولي الأبصار؛ فكانوا كما قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.\nولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التي كانت في الجانب الشرقيّ والقتل محتفل في أعلامهم، والجراح فاشية فيهم؛ حتى إذا عاينوا ما أنزل الله بأشياعهم من البَوار، وأحلَّ بهم من النقمة والاستئصال؛ ما لهم من الله من عاصم، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل؛ ولَّوْا منهزمين مفلولين منكوبين، قد أراهم الله العبَر في إخوانهم الغاوية، وطوائفهم المضلَّة؛ وضلّ ما كان في أنفسهم لما رأوْا من نصر الله لجنده، وإعزازه لأوليائه؛ والحمد لله ربّ العالمين قامع الغواة الناكبين عن دينه، والبغاة الناقضين لعهده، والمرّاق الخارجين من جملة أهل حقّه؛ حمدًا مبلغًا رضاه، وموجبًا أفضل مزيده؛ وصلى الله أولًا وآخرًا على محمد عبده ورسوله، الهادي إلى سبيله، والدّاعي إليه بإذنه، وسلم تسليمًا. وكتب سعيد بن حُميد يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وخمسين ومئتين.\nوركب محمد بن عبد الله بن طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر إلى باب الشمّاسية، وأمر بهدم ما وراء سُور بغداد من الدور والحوانيت","vol":"13","page":69},{"text":"والبَساتين وقطعْ النَّخْل والشَّجر من باب الشمّاسية إلى ثلاثة أبواب؛ لتتسع الناحية على مَنْ يحارب فيها؛ وكان وُجّه من ناحية فارس والأهواز نيّفٌ وسبعون حمارًا بمال إلى بغداد، قدم به - فيما ذكر - منكجور بن قارن الأشروسنيّ القائد، فوجَّه الأتراك وأبو أحمد بن بابك إلى طرارستان في ثلثمئة فارس وراجل؛ ليتلفى ذلك المال إذا صار إليها. فوجّه محمد بن عبد الله قائدًا له يقال له: يحيى بن حفص، يحمل ذلك المال، فعدَل به عن طرارستان، خوفًا من ابن بابك؛ فلما علم ابن بابك أن المال قد فاته صار بمن معه إلى النهروان، فأوقع من كان معه من الجند بأهلها، وأخرج أكثرهم، وأحرق سفن الجسر، وهي أكثر من عشرين سفينة، وانصرف إلى سامُرّا.\nوقدم محمد بن خالد بن يزيد - وكان المستعين قلده الثغور الجزريّة، وكان مقيمًا بمدينة بلد ينتظر من يصير إليه من الجند والمال - فلما كان من اضطراب أمر الأتراك ودخول المستعين بغداد ما كان، لم يمكنه المصير إلى بغداد إلَّا من طريق الرّقة، فصار إليها بمَن معه من خاصّته وأصحابه؛ وهم زهاء أربعمئة فارس وراجل، ثم انحدر منها إلى مدينة السلام، فدخلها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، فصار إلى دار محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فخلع عليه خمس خلع: دَبيقي، ومُلْحم، وخزّ، ووشْي، وسواد، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد؛ فأخذ على ظهر الفرات فحاربه في نفر يسير، فهُزم وصار إلى ضَيْعته بالسواد.\nفذكر عن سعيد بن حميد أنه قال: لمّا انتهى خبر هزيمة محمد بن عبد الله، قال: ليس يُفلح أحدٌ من العرب إلَّا أن يكون معه نبيّ ينصره الله به.\nوفي هذا اليوم كانت للأتراك وقعة بباب الشمّاسية، كانوا صاروا إلى الباب، فقاتلوا عليه قتالًا شديدًا حتى كشفوا مَنْ عليه، ورموا المنجنيق المنصوب بسرّة الباب بالنّفط والنار، فلم يعمل فيه نارهم، وكثرَهم من على الباب من الجند حتى أزالوهم عن موقفهم، ودفعوهم عن الباب بعد قتلهم عدّة يسيرة من أهل بغداد، وجرحهم منهم جماعةً كثيرة بالسِّهام. فوجّه محمد بن عبد الله إليهم عند ذلك العرّادات التي كانت تحمل في السفن والزّواريق، فرموْهم بها رميًا شديدًا، فقتلوا منهم جماعة كثير نحوًا من مئة إنسان، فتنحَّوْا عن الباب؛ وكان بعض","vol":"13","page":70},{"text":"المغاربة صار في هذا اليوم إلى سور باب الشمّاسية؛ فرمى كُلّابًا إلى السور، وتعلّق به وصعد، فأخذه الموكلُون بالسور فقتلوه، ورَموْا برأسه في المنجنيق إلى عسكر الأتراك؛ وانصرفوا عند ذلك إلى معسكرهم.\nوذكر أنّ بعض الموكلين بسُور باب الشمّاسية من الأبناء هاله ما رأى من كثرة مَنْ ورد باب الشمّاسية في هذا اليوم من الأتراك والمغاربة؛ وكانوا قَربُوا من الباب بأعلامهم وطبولهم، ووضع بعض المغاربة كلّابًا على السور؛ فأراد بعض الموكّلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فغلط، فصاح: يا معتز، يا منصور؛ فظنّه بعض الموكلين بالباب من المغاربة، فقتلوه وبعثوا برأسه إلى دار محمد بن عبد الله؛ فأمر بنصبه، فجاءت أمه وأخوه في عشية هذا اليوم بجُثّته في محمل يصيحان ويطلبان رأسه، فلم يُدفع إليهما؛ ولم يزل منصوبًا على الجسر إلى أن أنزل مع ما أنزل من الرؤوس.\nووافى ليلة الجمعة لسبع بقين من صَفَر جماعة من الأتراك باب البَرَدان؛ وكان الموكّل به محمد بن رجاء؛ وذلك قبل شخوصه إلى ناحية واسط، فقتل منهم ستة نفر، وأسر أربعة، وكان الدّرغمان شجاعًا بطلًا، وصار في بعض الأيام مع الأتراك إلى باب الشماسيّة، فرمي بحجر منْجنيق، فأصاب صدره؛ فانصُرف به إلى سامُرَّا، فمات بين بُصرى وعُكْبراء؛ فحمل إلى سامرّا؛ فذكر يحيى بن العكيّ القائد المغربيّ أنه كان إلى جنب الدّرْغمان في يوم من أيامهم؛ إذ وافاه ناوكيّ، فأصاب عينه، ثم أصابه بعد ذلك حَجَر فأطار رأسه، فحمل مَيتًا.\nوذُكر عن عليّ بن حسن الرامي، أنه قال: كنّا قد جمعنا على السور على باب الشمّاسية من الرّماة جماعة، وكان مغربيّ يجيء حتى يقرب من الباب، ثم يكشف استه ثم يضرط ويصيح؛ قال: فانتخبت له سهمًا فأنفذته في دُبره حتى خرج من حلقه، وسقط مَيتًا. وخرج من الباب جماعة فنصبوه كالمصلوب، وجاءت المغاربة بعد ذلك، فاحتملوه.\nوذكر أنّ الغوغاء اجتمعوا بسامُرّا بعد هزيمة الأتراك يوم قُطْربّل، ورأوا ضعف أمر المعتزّ، فانتهبوا سوق أصحاب الحُلي والسيوف والصيارفة، وأخذوا جميعَ ما وجدوا فيها من متاع وغيره، فاجتمع التجار إلى إبراهيم المؤيد أخي المعتزّ، فشكوا ذلك إليه، وأعلموه أنهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم.","vol":"13","page":71},{"text":"قال: فقال لهم: كان ينبغي لكم أن تحوّلوا متاعكم إلى منازلكم؛ وكبُر عنده ذلك.\nوقدم بحونة بن قيس بن أبي السعديّ يوم السبت لثمان بقين من صفر بمن فَرض من الأعراب وهم ستمئة راجل ومئتا فارس. وقدم في هذا اليوم عشرة نفر من وجوه أهل طَرَسوس يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتزّ وردت عليه، فخرج بعد ساعتين من وصول الكتاب، ودعا إلى بيعة المعتزّ، وأخذ القوّادَ وأهل الثغر بذلك فبايع أكثرهم، وامتنع بعض، فأقبل على مَن امتنع بالضرب والقيد والحبس. وذكر أنهم امتنعوا وهربوا لمّا أخذهم بالبيعة كرهًا، فقال وصيف: ما أظن الرّجل إلَّا [اغترّ ومُوِّه عليه] وأن الوارد عليه بكتاب المعتزّ هو الليث بن بابَك، وذكر له أنّ المستعين مات، وأقاموا المعتزّ مكانه؛ فتكلّم هؤلاء النفر يشكون بلكاجور، ونسبوه إلى أنه فعل ذلك على عمد، ورفعوا عليه أنه كان يرَى في بني الواثق، وقد ورد كتاب بلكاجور يوم الأربعاء لأربع بقين من صفر مع رجل يقال له عليّ الحسين المعروف بابن الصّعلوك؛ يذكر فيه أنه ورد عليه كتاب من أبي عبد الله بن المتوكل، أنه قد وليَ الخلافة، وبايع له. فلما ورد عليه كتاب المستعين بصحة الأمر، جدّد أخذ البيعة على مَنْ قِبَله، وأنه على السمع والطاعة له. فأمر للرسول بألف درهم فقبضها، وقد كان أمر بالكتاب إلى محمد بن عليّ الأرمني المعروف بأبي نصر بولايته على الثغور الشامية، فلما ورد كتاب بلكاجور بالطاعة أمسك عن إنفاذ كتاب محمد بن عليّ الأرمنيّ بالولاية.\nوفي يوم الإثنين لست بقين من صفر من هذه السنة قدم إسماعيل بن فراشة من ناحية همذَان في نحو ثلثمئة فارس، وكان جنده ألفًا وخمسمئة فتقدّم بعضُهم وتأخر بعض، وتفرّقوا، وقدم معه برسول للمعتزّ، كان وُجّه إليه لأخذ البيعة، فقيّد الرسول وصار به إلى مدينة السلام على بغل بلا إكاف، فخلع على إسماعيل خمس خلع. وورد برجل ذكر أنه علويّ أخذ بناحية الريّ وطبرستان، متوجهًا إلى مَنْ هناك من العلوية؛ وكان معه دوابّ وغلمان؛ فأمر به فحبِس في دار العامة أشهرًا، ثم أخذ منه كفيل وأطلِق.\nوقرئ في هذا اليوم كتاب موسى بن بغا يذكر فيه أنه ورد كتاب المعتزّ، وأنه دعا أصحابه، وأخبرهم بما حدَث، وأمرهم بالانصراف معه إلى مدينة السلام؛ فامتنعوا، وأجابه الشاكريّة والأبناء، واعتزله الأتراك ومَنْ كانَفهم، وحاربوه","vol":"13","page":72},{"text":"فقتل منهم جماعة وأسَر أسرى؛ فهم قادمون معه. فكبَّروا في دار ابن طاهر عند قراءتهم كتابه.\nولخمس بقين من صَفَر دخل من البصرة عشر سفائن بحرّية؛ تسمّى البوارج، في كل سفينة اشْتيام وثلاثة نفّاطين ونجّار وخباز وتسعة وثلاثون رجلًا من الجذّافين والمقاتلة؛ فذلك في كلّ سفينة خمسة وأربعون رجلًا. فمدّت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، ولعب أصحابها بالنيران، ثمَّ مدّت إلى ناحية الشماسيّة في هذه الليلة، فَرُمِي مَنْ فيها من الأتراك بالنيران، فعزموا على الانتقال من معسكرهم برقّة الشماسية إلى بُستان أبي جعفر بالحير، ثم بدا لهم فارتفعوا فوق عسكرهم في موضع لا ينالهم شيء من النار.\nولليلة بقيت من صَفَر صار الأتراك والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقيّ، فأغلقت الأبواب في وجوههم، ورموا بالسهام والمنجنيقات والعرّادات، فقتل من الفريقين وجُرح جماعة كثيرة، فلم يزالوا كذلك إلى العصر.\nوفي هذه السنة كرّ سمليمان بن عبد الله راجعًا من جُرجان إلى طبرستان وشخص من آمُل، وخرج بجمع كثير وخيل وسلاح، فتنحّى الحسن بن زيد، ولحق بالدّيلم، فكتب إلى السلطان ابن أخيه محمد بن طاهر بدخوله طبرستان، فقرئ كتابه ببغداد، وكتب نسخة ذلك المستعين إلى بغا الصغير مولى أمير المؤمنين بفتح طبَرستان على يدي محمد بن طاهر وهزيمة الحسن بن زيد؛ وأن سليمان بن عبد الله دخل سارية على حالٍ من السلامة، وأنه ورد عليه ابنان لقارن بن شهريار مولى أمير المؤمنين، يقال لهما: مازيار ورستم، في خمسمئة رجل، إلى ما ذكر من غير ذلك في الفتح، وأنّ أهل آمُل أتوْه منيبين مظهرين إنابتَهم، مستقيلين عثراتهم؛ فلقيهم بما زاد في سكونهم وثقتهم، ونهض بعسكره على تعبيته، مستقرئًا للقرى والطرق، وتقدم بالنهي عن القتل، وترك العَرْض لأحدٍ في سلب وغيره، وتوعّد من جاوز ذلك؛ وأن كتاب أسد بن جندان وافاه بهزيمة عليّ بن عبد الله الطالبيّ المسمى بالمرعشيّ فيمن كان معه، وهم أكثر من ألفَيْ رجُل ورجلين من رؤساء الجبل، في جمع عظيم عند تأدّي الخبر إليهم بانهزام الحسن بن زيد ودخوله بالأولياء إلى تلك الناحية، وأنه دخل مدينة آمُل","vol":"13","page":73},{"text":"في أحسن هيئة، وأظهر عزّة وسلامة شاملة، وانقطعت عنه أسباب الفتنة.\nولخمس بقين من المحرم من هذه السنة ورد كتاب العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابيّ على الخراج والضِّياع بإرمينيَة، بما كان من خروج رجلين بتلك الناحية؛ سمَّاهما وذكر إيقاعه بهما، وأنهما التجأا إلى قلعة، فوضع عليها المجانيق حتى جهدها، وأنّهما خرجا من القلعة هاربيْن، وخفي أمرُهما وصارت القلعة في أيدي الأولياء.\n* * *\nوفيها أيضًا ورد كتاب مؤرّخ لإحدى عشرة ليلة بقيَت من المحرّم بانتقاض أهل أردبيل، وكتاب الطالبيّ إليهم، وأنه بعث أربعة عساكر على أربعة أبواب مدينتهم ليحاصرهم.\n* * *\nوفيها ورد كتاب مخبر عن الحرب التي كانت بين عيسى بن الشيخ والموفّق الخارجيّ وأسْر عيسى الموفّق، ومسألة عيسى المستعين توجيه ما يحتاج إليه من السلاح؛ ليكون عدّة له في البلد، يقوى به الجند على الغزو، وأن يكتب إلى صاحب الصّور في توجيه أربع مراكب إليه بجميع آلتها؛ تكون قبلَه مع ما قبله منها.\n* * *\nوفيها أيضًا ورد كتاب محمد بن طاهر بخبر الطالبيّ الذي ظهر بالريّ ونواحيها، وما أعدّ له من العساكر، ووجّه إليه من المقاتلة، وبهرب الحسن بن زيد عند مصيره إلى المحمَّدية وإحاطة عسكره بها، وأنه عند دخوله المحمّدية وكّل بالمسالك والطرق، وبثّ أصحابه، وأنّ الله أظفره بمحمد بن جعفر أسيرًا على غير عَقْد ولا عهد، والذي صار إلى الريّ من العلوية في المرة الثانية بعدما أسِر محمد بن جعفر أحمدُ بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وهو الذي خرج في مصعد الحاجّ، والذي بطبَرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن","vol":"13","page":74},{"text":"الحسن بن عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه (١).\n* * *\nوفيها أيضًا ورد كتابٌ من محمد بن طاهر على المستعين، يذكر فيه انهزام الحسن بن زيد منه، وأنه لقيه في زُهاء ثلاثين ألفًا، فجرت فيما بينه وبينه حرب، وأنه قتَل من رؤوس أصحابه ثلثمئة ونيّفًا وأربعين رجلًا، وأمر المستعين أن يقرأ نسخة كتابه في الآفاق.\nوفيها خرج يوسف بن إسماعيل العلويّ ابن أخت موسى بن عبد الله الحسينيّ.\nوفي شهر ربيع الأول منها أمر محمد بن عبد الله أن يُتخذ لعيّارى أهل بغداد كافركوبات، وأن يصيّر فيها مسامير الحديد، ويجعل ذلك في دار المظفر بن سيسل؛ لأنهم كانوا يحضرون القتال بغير سلاح، وكانوا يرمون بالآجُرّ، ثم أمر مناديًا، فنادى: مَنْ أراد السلاح فليحضر دار المظفّر، فوافاها العيارون من كلّ جانب، فقسم ذلك فيهم، وأثبت أسماءهم، ورأس العيّارون عليهم رجلًا يدعى ينتويه؛ ويكنى أبا جعفر وعدّة أخَر؛ يدعى أحدهم دُونل، والآخر دمحال، والآخر أبا نملة، والآخر أبا عصارة، فلم يثبت منهم إلَّا ينتويه؛ فإنه لم يزل رئيسًا على عيّارى الجانب الغربيّ؛ حتى انقضى أمر هذه الفتنة، ولما أعطِيَ العيّارون الكافر كوبات تفرّقوا على أبواب بغداد، فقتلوا من الأتراك ومن أتباعهم نحوًا من خمسين نفسًا في ذلك اليوم، وقتل منهم عشرة أنفس وجُرح منهم خمسمئة بالنّشاب، وأخذوا من الأتراك عَلمَيْن وسُلَّميَن.\nوفيها كانت لبحونة بن قيس وقعة مع جماعة من الأتراك بناحية بَزُوغَى، لقيهم هو ومحمد بن أبي عون وغيرهما، فأسروا منهم سبعة، وقتلوا ثلاثة، ورمى بعضهم بنفسه في الماء، مغرق بعضُهم ونجا بعضهم.\nوذُكر عن أحمد بن صالح بن شيرزاد: أنه سأل رجلًا من الأسرى عن عدّة\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥٠).","vol":"13","page":75},{"text":"القوم الذين لقيهم بحونة، قال: كنا أربعين رجلًا، فلقينا بحونة وأصحابه، سحَرًا، فقتِل منا ثلاثة، وغرق ثلاثة، وأسر ثمانية، وأفلت الباقون، وأخذِ ثماني عشرة دابة وجواشن وراية لعامل أوانا؛ وهو أخو هارون بن شعيب.\nوكانت الوقعة بأوانا يوم الأربعاء، وأقام جند بحونة وعبد الله بن نصر بن حمزة بقُطرُبُّل مسلحة.\nوخرج - فيما ذكر - ينتويه وأصحابه من العيّارين في بعض هذه الأيام من باب قُطْربّل، فمضوا يشتمون الأتراك حتى جازوا قُطْربّل، فعبَر مَن عَبر إليهم من الأتراك ناشبة في الزواريق، فقتلوا منهم رجلًا، وجرحوا منهم عشرة؛ وكاثرهم العيّارون بالحجارة فأثخنوهم، فرجعوا إلى معسكرهم، فأحضر ينتويه دار ابن طاهر؛ فأمر ألَّا يخرج إلَّا في يوم قتال، وسُوّر، وأمر له بخمسمئة درهم.\nولأربع عشرة خلتْ من ربيع الأوّل منها، قدم من ناحية الرّقة مزاحم بن خاقان، وأمر القوَّاد وبني هاشم وأصحاب الدواوين بتلقِّيه؛ وقدم معه مَنْ كان معه من أصحابه من الخراسانية والأتراك والمغاربة، وكانوا زهاء ألف رجل؛ معه عتاد الحرب من كل صنْف، ودخل بغداد، ووصيف عن يمينه وبغا عن شماله، وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر عن يسار بغا، وإبراهيم بن إسحاق خَلْفهم؛ وهو بوقارٍ ظاهر؛ فلمَّا وصل خلع عليه سبع خلع، وقُلّد سيفًا، وخلع على ابنيه على كلّ واحد منهما خمس خلع، ثم أمر أن يفرَض له ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجّالة، ووجّه المعتزّ موسى بن أشناس ومعه حاتم بن داود بن بنحور في ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجالة فعسكر بإزاء عسكر أبي أحمد من الجانب الغربيّ بباب قُطْربّل لليلةٍ خلت من ربيع الأول، وخرج رجل من العيّارين يعرف بديكويه على حمار وخليفته على حمار، ومعهم تِرسَة وسلاح؛ وخرج آخر في الجانب الشرقي يكنى أبا جعفر ويعرف بالمخرّميّ في خمسمئة رجل في سلاح ظاهر، معهم التِّرسة وبواري مُقيَّرة وسيوف وسكاكين في مناطقهم، ومعهم كافر كوبات، وقرب العسكر الوارد من سامرّا إلى الجانب الغربيّ من بغداد، فركب محمد بن عبد الله ومعه أربعة عشر قائدًا من قوّاده في عُدّة كاملة، وخرج من المبيّضة والنظارة خلق كثير، فسار حتى حاذى عسكر أبي أحمد؛ وكانت بينهم في الماء جَوْلة قتِل من عسكر أبي أحمد أكثر من خمسين رجلًا، ومضى المبيّضة","vol":"13","page":76},{"text":"حتى جازت العسكر بأكثر من نصف فرسخ، فعبرت إليهم شبّارات من عسكر أبي أحمد؛ فكانت بينهم مناوشة، وأخذوا عِدّة من الشبارات بما فيها من المقاتلة والملاحين، فاستوثق منهم، وانصرف محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون أن يصرف الناس، فوجَّه ابنُ أبي عون إلى النّظارة والعامة من صرفهم وأغلظ لهم القول، وشتَمهم وشتموه، وضرب رجلًا منهم فقتله، وحملت عليه العامة؛ فانكشف من بين أيديهم؛ وقد كان أربع شبّارات من شبّارات أهل بغداد تخلّفت؛ فلما انصرف ابن أبي عون منهزمًا من العامة نظر إليها أهل عسكر أبي أحمد فوجّهوا في طلبها شبّارات، فأخذوها وأحرقوا سفينة فيها عرّادة لأهل بغداد وصار العامة من فورهم إلى دار عوْن لينهبوها، وقالوا: مايَلَ الأتراك، وأعانهم وانهزم بأصحابه، وكلّموا محمد بن عبد الله في صرفه وضجّوا، فوجّه المظفر بن سيسل في أصحابه، وأمره أن يصرِف العامة ويمنعهم أن يأخذوا لابن أبي عون شيئًا من متاعه، وأعلمهم أنه قد عزله عن أمر الشبّارات والبحريات والحرب، وصيّر ذلك إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله، فمضى مظفّر، فصرف الناس عن دار محمد بن أبي عون.\nوفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول وافَى عسكر الأتراك الشاخص من سامُرّا إلى بغداد عُكْبَراء، فأخرج ابن طاهر بندار الطبريّ وأخاه عبيد الله وأبا السنا ومزاحم بن خاقان وأسد بن داود سياه وخالد بن عمران وغيرهم من قُوّاده، فمضوا حتى بلغوا قُطْرُبّل، وفيها كمين الأتراك فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم؛ فدفعهم الأتراك حتى بلغوا الحائطين بطريق قطْربّل، وقاتل أبو السنا وأسد بن داود قتالًا شديدًا، وقتل كلّ واحد منهما عدّة من الأتراك والمغاربة، ومال أبو السنا ميْلةً، وتبعه الناس، فقتل قائدًا من قوّاد الأتراك يقال له سور، ورُفع رأسه فصار من فوره إلى دار ابن طاهر، وأعلمه هزيمة الناس وسأله المدد، فأمر ابن طاهر به فطُوِّق - وكان وزن الأطواق كلّ طوق ثلاثين دينارًا، وكلُّ سوار سبعة مثاقيل ونصف - وانصرف أبو السنا راجعًا إلى الناس فيمن أخرج إليهم من المدد من جميع الأبواب، فذكر أن محمد بن عبد الله عنّف أبا السنا بإخلاله بموضعه ومجيئه نفسه بالرأس، وقال له: أخللتَ بالناس، فقبح الله هذا الرأس ومجيئك به!","vol":"13","page":77},{"text":"ولما انصرف محمد بن عبدوس قاتل أسد بن داود أشدّ قتال بعد تفرُّق الناس عنه، فقتِل وثاب إلى موضعه قوم من أهل بغداد بعد ما أخذ الأتراك رأسه، فدافعوهم عن جثّته، فحملوه إلى بغداد في زورق، وبلغ الأتراك باب قُطْربُّل، فخرج الناس إليهم فدفعوهم عن الباب دفعًا شديدًا، واتبعوهم حتى نحّوْهم؛ فأتِي دار ابن طاهر بعدة رؤوس ممن قتل من الأتراك والمغاربة في هذا اليوم، فأمر بنصبها بباب الشماسية، فنصبت هنالك، ثم رجع الأتراك والمغاربة على أهل بغداد من ناحية قُطْربّل، فقتل من أهل بغداد خَلْق كثير، وقتل من الأتراك جمع كثير؛ ولم يزل بندار ومن معه يقاتلونهم حتى أمسوا، وانصرف بُندار بالناس، وغلّقت الأبواب، وأمر ابن طاهر المظفر بن سَيْسَل ورشيد بن كاوس، وقائدًا معهم فتوجّهوا في نحو من خمسمئة فارس من باب قُطْربُّل إلى ناحية عسكر ابن أشناس، فوافوْهم على حالِ سكون وأمْن، فقتلوا منهم نحوًا من ثلثمئة، وأسروا عدّة وانصرفوا.\nوذُكر أنّ الأتراك والمغاربة وافوْا في هذا اليوم باب القطيعة، فنقَبوا نقبًا بقرب الحمام الذي يعرف بباب القطيعة، فقتِل أوّل مَنْ خرج منهم من النقب، وكان القتل في هذا اليوم أكثر في الأتراك والمغاربة والجراح بالسهام في أهل بغداد.\nوسمعت جماعة يذكرون أنه حضر هذه الوقعة غلام لم يبلغ الحلم، ومعه مخلاة فيها حجارة ومِقلاع في يده، يرمي عنه فلا يخطئ وجوهَ الأتراك ووجوه دوابّهم، وأنّ أربعة من فرسان الأتراك الناشبة جعلوا يرمُونه فيخطئونه وجعل يرميهم فلا يخطئ، وتقطّر بهم دوابهم، فمضوا حتى جاؤوا معهم بأربعة من رجّالة المغاربة بأيديهم الرماح والتراس، فجعلوا يحملون عليه، ثم داخله اثنان منهم، فرمى بنفسه في الماء، ودخلا خلفه فلم يلحقاه، وعبر إلى الجانب الشرقي، وصِيحَ، وكبَّر الناس، فرجعوا ولم يصلوا إليه.\nوذُكر أنّ عبيد الله بن عبد الله دعا القوّاد في هذا اليوم وهم خمسة نفر، فأمر كلَّ واحد منهم بناحية، ثم مضى الناس إلى الحرب، وانصرف هو إلى الباب؛ فقال لعبد الله بن جهم وهو موكّل بباب قُطْربُّل: إياك أن تَدَع منهم أحدًا يدخل منهزمًا من الباب، ونشبت الحرب، وتشتّت الناس، ووقعت الهزيمة؛ وثبت أسد بن داود؛ حتى قُتِل وقَتل بيده ثلاثة، ثم أتاه سهم غَرَب، فوقع في حلْقه","vol":"13","page":78},{"text":"فولّى، وجاء سهم آخر فوقع في كَفَل دابته فشبّت به فصرعته؛ ولم يثبت معه أحد إلَّا ابنهَ، فجُرح، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشدَّ من عدوّهم، وحُمِل - فيما ذكر - إلى سامُرّا من أهل بغداد سبعون أسيرًا، ومن الرؤوس ثلثمئة رأس.\nوذكر أنّ الأسرى لمّا قربوا من سامُرّا أمر الذي وجّه به معهم ألَّا يُدخلهم سامرّا إلَّا مغطِّي الوجوه، وأنّ أهل سامرّا لمَّا رأوْهم كثر ضجيجهم وبكاؤهم؛ وارتفعت أصواتهم وأصوات نسائِهم بالصُّرَّاخ والدعاء، فبلغ ذلك المعتزّ، فكره أن تغلظ قلوب مَنْ بحضرته من الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينارين، وتقدّم إليهم بترك معاودة القتال، وأمر بالرؤوس فدفِنت.\nوكان في الأسرى ابن لمحمد بن نصر بن حمزة وأخ لقُسطنطينَةَ جارية أم حبيب وخمسة من وجوه بغداد ممن كان في النظّارة، فأما ابن محمد بن نصر، فذكر أنه قُتِل وصلب بإزاء باب الشّماسيّة لمكان أبيه.\nوفي يوم الخميس لأربع بَقِين من شهر ربيع الأول، قدم أبو الساج من طريق مكة في نحو من سبعمئة فارس ومعه ثمانية عشر محملًا فيها ستة وثلاثون أسيرًا من أسارى الأعراب في الأغلال، ودخل هو وأصحابه بغداد في زِيّ حسن وسلاح ظاهر، فصار إلى الدّار، فخلِع عليه خمس خِلع، وقلَّد سيفًا، وانصرف إلى منزله مع أصحابه، وقد خلع على أربع نفر من أصحابه.\nوفي يوم الإثنين لانسلاخ شهر ربيع الأول، وافى باب الشّماسية - فيما قيل - جماعة من الأتراك، معهم من المعتزّ كتاب إلى محمد بن عبد الله: وسألوا إيصاله إليه، فامتنع الحسين بن إسماعيل من قبوله حتى استأمر؛ فأمر بقبوله؛ فوافَى يوم الجمعة ثلاثة فوارس، فأخرج إليهم الحسين بن إسماعيل رجلًا معه سيف وتُرس، فأخذ الكتاب من خريطة، فأخرج، فأوصله إلى محمد؛ فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظه لقديم العهد بينه وبين المعتزّ والحرمة؛ وأن الواجب كان عليه أن يكون أوّل من سعى في أمره وتوجيه خلافته، وذكر أنّ ذلك أوّل كتاب ورد عليه من المعتزّ بعد الحرب.\nوفي يوم السبت لخمس خلوْن من ربيع الآخر وافَى بغداد حَبْشون بن بغا الكبير ومعه يوسف بن يعقوب قوصرّة مولى الهادي فيمن كان مع موسى بن بغا من الشاكرّية، وانضمّ إليهم عامة الشاكريَّة المقيمين بالرّقة؛ وهم في نحو من ألف","vol":"13","page":79},{"text":"وثلثمئة، فخلع عليه خمس خلِع، وعلى يوسف أربع خِلع، وعلى نحو من عشرين من وجوه الشاكرّية، وانصرفوا إلى منازلهم.\nوقدِم بغداد رجل ذكر أن عِدّة الأتراك والمغاربة وحشْوَهم في الجانب الغربيّ اثنا عشر ألف رجل ورأسهم بايكباك القائد وأنّ عدة مَنْ مع أبي أحمد في الجانب الشرقيّ سبعة آلاف رجل خليفته عليهم الدّرغمان الفرغانيّ، وأنه ليس بسامرّا من قوّاد الأتراك ولا من قوّاد المغاربة إلَّا ستة نفر، وُكّلوا بحفظ الأبواب، وكانت بين الفريقين وقعة يوم الأربعاء لسبع خَلَوْن من شهر ربيع الآخر، فقتل - فيما ذكر - فيها من أصحاب المعتزّ مع من غرق منهم أربعمئة رجل، وقتل من أصحاب ابن طاهر مع مَن غرق ثلثمئة رجل، لم يكن فيهم إلَّا جنديّ؛ وذلك أنه لم يخرج في ذلك اليوم من الغوغاء أحد، وقتِل الحسن بن عليّ الحربيّ؛ وكان يومًا صعبًا على الفريقيْن جميعًا.\nوذُكر أنّ مزاحم بن خاقان رَمى فيه موسى بن أشناس بسهم فأصابه، فانصرف مجروحًا؛ وافتُقد من عسكر أبي أحمد نحو من عشرين قائدًا من الأتراك والمغاربة.\nولما كان يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلَع على أبي الساج خمس خِلَع، وعلى ابن فراشة أربع خِلع، وعلى يحيى بن حفص حبُوس ثلاث خلع، وعسكر أبو الساج في سوق الثلاثاء، وأعطِيَ الجند بغالًا من بغال السلطان يُحمل عليها الرّجالة، وحوّل مزاحم بن خاقان من باب حَرْب إلى باب السلامة، وصار مكان مزاحم خالد بن عمران الطائيّ الموصليّ.\nوذكر أن أبا السّاج لما أمره ابن طاهر بالشخوص قال له: أيّها الأمير، عندي مشورة أشير بها، قال: قل يا أبا جعفر؛ فإنك غير متَّهم، قال: إن كنت تريد أن تجادّ هؤلاء القوم فالرأي لك ألَّا تفارق قوّادك ولا تفرّقهم، واجمعهم حتى تفضّ هذا العسكر المقيم بإزائك؛ فإنك إذا فرغت من هؤلاء فما أقدرك على من وراءك؛ فقال: إنّ لي تدبيرًا، ويكفي إن شاء. فقال أبو الساج: السمع والطاعة؛ ومضى لما أمِر به.\nوذكر أن المعتزّ كتب إلى أبي أحمد يلومه للتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه:","vol":"13","page":80},{"text":"لأَمْرِ المنايا علينا طريقُ ... وللدّهرِ فيه اتساعٌ وضيقُ\nفأيَّامُنا عِبرٌ للأَنامِ فمنها ... البُكورُ ومنها الطُّروقُ\nومنها هَنَاتٌ تُشِيبُ الوليدَ ... ويَخذُلُ فيها الصَّديقَ الصديقُ\nوسُورٌ عَرِيضٌ له ذِرْوَةٌ ... تَفُوتُ العيونَ وبحْرٌ عَمِيقُ\nقِتَالٌ مُبيدٌ وسَيْفٌ عَتِيدٌ ... وخَوْف شديد، وحِصْن وثيقُ\nوطولُ صياحٍ لداعي الصباح الـ ... ـسلاحَ السلاحَ، فما يَسْتَفيق\nفهذا قتيلٌ وهذا جريحٌ .... وهذا حريقٌ وهذا غريق\nوهذا قتيل وهذا تَليل ... وآخرُ يَشْدخُهُ المنجنيقُ\nهناكَ اغتصاب وثَمَّ انتهاب ... ودُورٌ خرابٌ وكانت تَرُوقُ\nإذا ما سموْنا إلى مَسلَكٍ ... وجدناه قد سُدَّ عنا الطريقُ\nفبالله نبلُغُ ما نَرْتجيهِ ... وباللهِ نَدفَعُ ما لا نطِيقُ\nفأجابه محمد بن عبد الله - أو قيل على لسانه:\nألَا كلّ من زاغَ عن أمره ... وجارَ بِهِ عن هُداهُ الطريق\nملاقٍ من الأَمرِ ما قد وصَفْتَ ... وهذا بأَمثالِ هذا خَليقُ\nولا سيّما ناكثٌ بَيعةً ... وتوكيدُها فيه عهد وثيقُ\nيُسَدُّ عليه طريقُ الهدى ... ويلقى مِنَ الأَمر ما لا يُطيقُ\nوليسَ بِبالغٍ ما يَرْتجيه ... مَنْ كان عن غيه لا يُفِيقُ\nأتانَا به خبرٌ سائرٌ ... رواه لنا عن خُلوقٍ خُلوقُ\nوهذا الكتابُ لنا شاهدٌ ... يُصدِّقهُ ذَا النبيُّ الصَّدُوقُ\nأما الشعر الأول؛ فإنه ينشد لعليّ بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون، والجواب لا يعرف قائله.\nوفي ربيع الآخر من هذه السنة ذُكر أن مئتي نفس من بين فارس وراجل مضوْا من قِبَل المعتزّ إلى ناحية البنَدنيجِين ورئيسهم تركيّ يدعى أبلج فقصدوا الحسن بن عليّ، فانتهبوا داره، وأغاروا على قريته، ثم صاروا إلى قرية قريبة منها، فأكلوا وشربوا، فلمّا اطمأنوا استصرخ عليهم الحسن بن عليّ أكرادًا من أخواله وقومًا من قرى حوله، فصاروا إليهم وهم غارّون، فأوقع بهم وقُتِل أكثرهم، وأسر سبعة عشر رجلًا منهم، وقتل أبلج، وهرب مَنْ بقي منهم ليلًا،","vol":"13","page":81},{"text":"ثم بعث الحسن بن عليّ الأسرى ورأس أبلج ورؤوس مَنْ قتِل معه إلى بغداد.\nوالحسن بن عليّ هذا رجل من شيبان كان يخلف - فيما ذكر - يحيى بن حفص في عمله، وأمّه من الأكراد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2044>ذكر خبر المدائن في هذه الفتنة </span>(١)\nذُكر أنّ أبا الساج وإسماعيل بن فراشة ويحيى بن حفص، لمَّا خُلع عليهم للشخوص نحو المدائن، عسكروا بسُوق الثلاثاء؛ فلما كان يوم الأحد لعشر بَقِين من شهر ربيع الأول، حمل رجّالته على البغال، وصار إلى المدائن، ثم إلى الصيّادة؛ وابتدأ في حفر خندق المدائن - وهو خندق كسرى - وكتب يستمدّ؛ فوجّه إليه خمسمئة رجل من رجالة الجيشيّة؛ وكان شخوصه في ثلاثة آلاف فارس وراجل، ثم استمدّه فأمدّه، فحصل في عسكره ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل، ثم أمِدّ بمئتي راجل من الشاكريّة القدماء، وحُمِلوا في السفن، وانحدروا إليه يوم الأحد لأربع خَلَوْن من جمادى الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>ذكر الخبر عن أمر الأنبار وما كان فيها من هذه الفتنة</span>\nفممّا كان بها أن محمد بن عبد الله وجّه بحونة بن قيس في الأعراب إلى الأنبار، وأمره بالمقام بها والفرض لأعراب الناحية، ففرَض قومًا منهم ومن المشبّهة بهم نحوًا من ألفي رجل؛ فأقام بالأنبار وضبطها؛ فبلغه أن قومًا من الأتراك قد قصدُوه، فبثَق الماء من الفرات إلى خندق الأنبار، فامتلأ الخندق لزيادة الماء، وفاض على ما يليه من الصحارى؛ فصار الماء إلى السالِحين فصار ما يلي الأنبار بطيحة واحدةً، وقطع القناطر التي توصّل إلى الأنبار؛ وكتب يستمدّ، فندب للخروج إليه رشيد بن كاوس أخو الأفشين، وضمّ إليه ممن كان معه من رجال تتمة ألف رجل؛ خمسمئة فارس وخمسمئة راجل، فشخص وعسكر في قصر عبدويه، وأمدّه ابنُ طاهر بثلثمئة راجل من المَلَطِيّين القادمين من\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤٣ - ٤٤٨) والبداية والنهاية [٨/ ٢١٩].","vol":"13","page":82},{"text":"الثغور، وانتخبوا ودفع إليهم استحقاقهم، ونفذوا إليه يوم الثلاثاء، ورحل من قصر عَبْدويْه يوم الإثنين سَلْخ ربيع الآخر في نحو من ألف وخمسمئة رجل، وأخرج المعتزّ أبا نصر بن بُغا من سامُرّا على طريق الإسحاقيّ يوم الثلاثاء، فسار يومه وليلتَه، فصبّح الأنبار ساعة نزلها رُشيد بن كاوس.\nوكان بحونة نازلًا في المدينة ورُشيد خارجها، فلمَّا وافى أبو نصر عاجَل رشيدًا وأصحابَه وهم غارُّون على غير تعبية، فوضع أصحابه فيهم السَّيف، ورموْهم بالنشاب فقتلوا عِدّة، وثار بعضُ أصحاب رشيد إلى أسلحتهم فقاتلوا الأترَاك والمغاربة قتالًا شديدًا، وقتلوا منهم جماعة، ثم انهزم الشاكريّة ورشيد على الطريق الذي جاؤوا فيه منصرفين إلى بغداد.\nولما بلغ بجونة ما لقيه أصحاب رشيد، وأنّ الأتراك قد مالوا عند انهزام رشيد إلى الأنبار عَبَر إلى الجانب الغربيّ، وقطع جسر الأنبار، وعبر معه جماعة من أصحابه، وصار رشيد إلى المُحَوَّل في ليلته، وسار بحونة في الجانب الغربيّ حتى وافى بغداد يوم الخميس بالعشيّ، ثم دخل رشيد في هذه العشيّة إلى دار ابن طاهر، فأعلم بحونة محمد بن عبد الله أنه عند مصير الأتراك إلى الأنبار وجّه إلى رشيد يسأله أن يوجّه إليه مئة رجل من الناشبة ليرتبهم قُدّام أصحابه، فامتنع من ذلك، وسأله أن يضمّ إليه ناشبة من الفرسان والرّجالة ليصير إلى بني عمه، وذكر أنهم مقيمون هنالك في الجانب الغربيّ على الطاعة وانتظار أمير المؤمنين، وضمن أن يتلافى ما كان منه، فضمّ إليه ثلثمئة رجل من فرسان الشاكرّية الناشبة ورجّالتهم، وخلع عليه خَمس خلع، ومضى إلى قصر ابن هُبيرة يستعدّ هنالك.\nثم اختار محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل للأنبار، ووجّه محمد بن رجاء الحِضاريّ معه وعبد الله بن نصر بن حمزة ورشيد بن كاوس ومحمد بن يحيى وجماعة من الناس، وأمر بإخراج المال لمن يخرج مع الحسين ومع هؤلاء القوم؛ فامتنع مَنْ كان قدم من مَلَطْية من الشاكريّة وهم عُظْم الناس من قبْض رزق أربعة أشهر؛ لأنّ أكثرهم كان بغير دوابّ، وقالوا: نحتاج إلى أن نقوي في أنفسنا، ونشتريَ الدوابّ، وكان الذي أطلِق لهم أربعة آلاف دينار، ثم رضوا بقبض أربعة أشهر، فجلس الحسين في مجلسٍ على باب محمد بن عبد الله، وتقدّم في تَصحيح الجرائد، ليكون عَرضه الناس وأصحابه في مدينة أبي جعفر،","vol":"13","page":83},{"text":"فأعطى في ذلك اليوم جماعة من خاصّته، ثم صار الحسين وأصحابُ الدّواوين بعد ذلك إلى مدينة أبي جعفر، ووضع العطاء لمَنْ يخرج معه من الجُنْد في ثلاثة مجالس؛ واستتمّ إعطاؤهم يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى.\nفلمَّا كان يوم الإثنين أحضِر الحسين بن إسماعيل الدّار ومعه القواد الخارجون معه: رشيد بن كاوس، ومحمد بن رجاء، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وأرمش الفرغانيّ، ومحمد بن يعقوب أخو حزام، ويوسف بن منصور بن يوسف البرْم، والحسين بن عليّ بن يحيى الأرمنيّ، والفضل بن محمد بن الفضل، ومحمد بن هَرْثمة بن النصر؛ وخلع على الحسين؛ وقُدّمت مرتبتُه إلى الفَوْج الثاني - وكان في الفوج الرابع - وخلع على هؤلاء القوّاد، وصُيّر رُشيد بن كاوس على المقدمة، ومحمد بن رجاء على الساقة، ومضى الحسين ومَنْ ضُمّ إليه من عشيرته وقوّاده إلى معسكرهم، وأمر وصيف وبغا أن يسبقا الحسين إلى معسكره، وشيّعه عبيدُ الله بن عبد الله وجميع قوّاد ابن طاهر وكتّابه وبنو هاشم والوجُوه إلى الياسريّة، وأخرج لأهل العسكر من المال ستة وثلاثون ألف دينار، وحمل إلى معسكر الياسرية بعدُ لإعطاء مَنْ بقي ألف وثمانمئة دينار، تمامَ استحقاقهم.\nفلمّا كان يوم الخميس سارت مقدّمة الحسين والمقلّد لها عبد الله بن نصر ومحمد بن يعقوب في ألف فارس وراجل، فنزلوا البَثْق المعروف بالقاطوفة؛ وكان الأتراك قد وجّهوا إلى المنصوريّة على خمسة فراسخ من بغداد جماعةً منهم ومن المغاربة والغوغاء زُهاء مئة إنسان، فظُفر بسبعة من المغاربة، فوُجِّه بهم إلى الحسين، فأنفذهم إلى الباب، وسار الحسين يوم الجمعة لسبع بقِين من جمادى الأولى، وقد كان أهل الأنبار حين تنحّى بحونة ورشيد، وصار الأتراك والمغاربة إلى الأنبار ونادوا الأمان، فأعطُوه، وأمِروا بفتح حوانيتهم، والتسوّق فيها والانتشار في أمورهم، واطمأنُّوا إلى ذلك منهم وسكنوا، وطمعوا فيهم أن يفوا لهم، فأقاموا بذلك يومهم وليلتهم حتى أصبحوا وكان في وقت غلبتهم عليها وافتْهم سفن من الرَّقّة فيها دقيق وأطواف فيها زيت وغير ذلك؛ فأخذوه وجمعوا ما وجدوا فيها من إبل ودوابّ وبغال وحمير، ووجّهوا بذلك مع مَنْ يؤديه إلى","vol":"13","page":84},{"text":"منازلهم بسامُرّا، وانتهبوا ما وجدوا، ووجّهوا برؤوس مَنْ قُتل من أصحاب رشيد وبحونة وأهل بغداد وبمن أسروا وكانوا مئة وعشرين رجلًا، والرؤوس سبعون رأسًا، وجعلوا الأسرى في الجُوالقات، قد أخرجوا منها رؤوسهم حتى صاروا إلى سامُرّا، وصار الأتراك إلى فم الأستانة، وحاولوا سدّها ليقطعوا ماء الفرات عن بغداد، فوجَّهوا رجلًا، ودفعوا إليه مالًا لآلة السِّكْر، وسدّه مع الفُلُوس والصواري، ففُطِن به وهو يبتاع ذلك، فَحُمِل إلى دار ابن طاهر بعد أن نالتْه العامّة بالضرب والشتمّ؛ حتى أشفى على الموت، فسئل عن أمره فصدَق، فوُجّه به إلى الحبس.\nوكان ابن طاهر قد وجّه الحارث خليفة أبي الساج؛ فكان على طريق مكة إلى قصر ابن هبيرة، وضمّ إليه خمسمئة رجل من فرسان الشاكريّة القادمين معه، فنفذ ومَنْ معه لسبع خلون من جمادى الأولى، ووجّه ابن أبي دلف هشام بن القاسم في مئتي راجل وفارس إلى السِّيبَيْن، ليقيم هناك، فلما توجّه الحسين إلى الأنبار كُتب إليه باللحاق بعسكر الحسين ليصير معه إلى الأنبار، ونُودِيَ ببغداد في أصحاب الحسين ومزاحم بن خاقان أن يلحَقُوا بقوّادهم، فسار الحسين، وتقدّم خالد بن عمران حتى نزل دِممَّا؛ فأراد أن يعقد على نهر أنق جسرًا ليعبُر عليه أصحابه، فمانعه الأتراك، فعبَر إليهه جماعة من الرّجّالة فكشفوهم، وعقد خالد الجسر، فعبر هو وأصحابه، وصار الحسين إلى دِممّا، فعسكر خارجها، وأقام في معسكره يومًا، ووافتْه طلائع الأتراك ممّا يلي نهر أنق ونهر رُفَيْل فوق قرية دمِمَّا، فصفّ الحسين أصحابه من جانب النهر والأتراك من الجانب الآخر، وهم زُهاء ألف رجل، وتراشقوا بالسهام، فجُرح بينهم عداد، وانصرف الأتراك إلى الأنبار.\nوكان بحونة مقيمًا بقصر ابن هبيرة، فانضمّ إلى الحسين في جميع من كان معه من الأعراب وغيرهم، وكتب بحونة يسأل مالًا لإعطاء أصحابه؛ فأمر أن يحمل إلى معسكر الحُسين لإعطاء أصحاب بحونة ثلاثة آلاف دينار، وحمِل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة وجوائز لمن أبلى في الحرب، وكان الحسين وُعد أنْ يُمَدّ بالرجال حتى يكمل عسكره عشرة آلاف رجل، فكتب ينتجز ذلك؛ فأمر بتوجيه أبي السنا محمد بن عبدوس الغنويّ والجحاف بن سواد في ألف فارس","vol":"13","page":85},{"text":"وراجل من الملَطِيّين وجند انتخبوا من قيادات شتى، فقبضوا أنزالهم لليلتين بقيتا من جمادى، وساروا مع أبي السناء والجحاف على نهر كَرْخايا إلى المحوَّل، ثم إلى دمِمّا، ونزل الحسين بعسكره في موضع - يعرف بالقَطيعة - واسع يحتمل العسكر، فأقام فيه يومَه، ثم عزل على الرّحلة منه إلى قرب الأنبار، فأشار عليه رُشيد والقوَّاد أن يُنزل عسكره بهذا الموضع لسَعته وحَصَانته، ويسير هو وقوّاده في خيل جريدةً، فإن كان الأمر له كان قادرًا أن ينقل عسكره؛ وإن كان عليه انحاز إلى عسكره وراجع عدُوّه، فلم يقبل الرأي، وحملهم على المسير من موضعهم، فساروا، وبين الموضعين فرسخان أو نحوهما، فلما بلغوا الموضع الذي أراد الحسين النزول فيه، أمر الناس بالنزول؛ وكان جواسيس الأتراك في عسكر الحُسين، فساروا إليهم، وأعلموهم رحلة الحسين، وضيق العسكر بالموضع الذي نزل فيه، فوافوْهم والناس يحطُّون أثقالهم، فسار أهل العسكر، ونادوْا السلاح، فصافّوهم، فكانت بينهم قتلَى من الفريقين، وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفًا قبيحًا، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الفرات، وكان الأتراك قد كمنوا قومًا، فخرج الكمين عند ذلك على بقيّة العسكر، فلم يكن لهم ملجأ إلَّا الفرات، وغرق من أصحاب الحسين خلق كثير، وقُتِل جماعة وأسرَ من الرجّالة جماعة؛ وأما الفرسان فضربُوا دوابّهم هُرّابًا لا يلوون على شيء، والقوّاد ينادونهم يسألونهم الرَّجْعة، فلم يرجع منهم أحد، وأبلى محمد بن رجاء ورُشيد يومئذ بلاء حسنًا، ولم يكن لمن انهزم معقل دون الياسريّة على باب بغداد، فلم يملك القوَّاد أمور أصحابهم، فأشفقوا حينئذ على أنفسهم، فانثنوْا راجعين وراءهم، يحمونهم من أدبارهم أن يتبعوا، وحوَى الأتراك جميع عسكر الحسين بما فيه من المضارب وأثاث الجند وتجارات أهل السوق؛ وكان معه في السفن سلاح سلِم؛ لأن الملّاحين حَرزُوا سفنهم، فسلِم ما كان معهم من السلاح ومن تجارات التجّار.\nوذكر عن ابن زنبور كاتب الحسين أنه أخِذ للحسين اثنا عشر صندوقًا فيها كسوة ومال من مال السلطان مبلغه ثمانيةُ آلاف دينار، ونحو من أربعة آلاف دينار لنفسه، ونحو من مئة بغل؛ وانتهب فروضُ الحسين مضارب الحسين وأصحابه، وطاروا مع مَنْ طار، فوافوا الياسريّة؛ وكان أكثر النهب مع أصحاب أبي السنا.","vol":"13","page":86},{"text":"ووافى الحسين والفلّ الياسرية ويوم الثلاثاء لستٍّ خلوْن من جمادى الآخرة.\nولقي الحسينَ رجل من التجار في جماعة ممن ذهبت أموالهم في عسكره، فقال: الحمد لله الذي بيَّض وجهك! أصعدتَ في اثني عشر يومًا، وانصرفت في يوم واحد! فتغافل عنه.\nقال أبو جعفر: وممَّا انتهى إلينا من خبر الحسين بن إسماعيل ومَنْ كان معه من القُوّاد والجند الذي كان محمد بن عبد الله بن طاهر استنهضَهم من بغداد في هذه السَّنة لحرب مَنْ كان قصد الأنبار وما اتّصل بها من البلاد من الأتراك والمغاربة، أنه لما صار إلى الياسرية منصَرفه مهزومًا من دِمِمَّا، أقام بها في بستان ابن الحَروريّ، وأقام مَنْ وافى الياسرية من المنهزمةِ في الجانب الغربيّ من الياسريّة، ومُنِعوا من العبور، ونُودي ببغداد فيمن دخلها من الجند الذين في عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين في معسكره، وأجِّلُوا ثلاثة أيام، فمن وجد منهم ببغداد بعد ثلاثة ضُرب ثلثمئة سوط، ومُحي اسمه من الديوان.\nفخرج الناس، وأمر خالد بن عمران في الليلة التي قدم فيها الحسين أن يعسكر في أصحابه بالمحوَّل، وأعطى أصحابه أرزاقهم في تلك الليلة في الشَّرْج، ونودي في أصحابه بالمحوَّل باللحاق به.\nونودي في الفَرض القُدماء الذين كانوا فرضوا بسبب أبي الحسين يحيى بن عمر بالكوفة وهم خمسمئة رجل، وأصحاب خالد وهم نحو من ألف رجل، فعسكروا بالمحوّل يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة، وأمر ابن طاهر الشاهَ بن ميكال في صَبيحة الليلة التي وافى فيها الحسين أن يتلقاه ويمنعه من دخول بغداد، فلقيه في الطريق، فردّه إلى بستان ابن الحَروريّ، وأقاموا يومهم، فلما كان الليل صاروا إلى دار ابن طاهر، فوبّخه ابن طاهر، وأمره بالرُّجوع إلى الياسريّة لينفذ إلى الأنبار مع مَنْ ينفذ إليها من الجند؛ فصار من ليلته إلى الياسريّة، ثم أمر بإخراج مال لإعطاء شهر واحد لآل هذا العسكر فحمل تسعة آلاف دينار، وصار كتّاب ديوان العطاء وديوان العَرْض إلى الياسريّة لعرض الجند وإعطائهم.\nفلما كان يوم الجمعة لسبع خلوْن من جمادى الآخرة توجَّه خالد بن عمران","vol":"13","page":87},{"text":"مُصعِدًا إلى قنطرة بهلايا - وهي موضع السِّكْر - وخرجت معه نحو من عشرين سفينة، وركب عبيد الله بن عبد الله وأحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد إلى عسكر الحسين بن إسماعيل بالياسريّة، فقرؤوا على الحسين والموّاد كتابًا كُتبِ به عن المستعين، يخبرهم فيه بسوء طاعتهم وماركبوا من العصيان والتخاذل؛ فقرئ عليهم والعسكر مقيم، والعُرَّاض يعرضونهم ليتعرّفوا مَنْ قُتِل ومَنْ غرق من كل قيادة، ونودي باللَّحاق بعسكرهم، فخرجوا، وأتاهم كتاب بعض عيونهم بالأنبار يخبر أنّ القتلى كانت من الأتراك أكثر من مئتين، والجرحى نحوًا من أربعمئة؛ وأن جميع مَنْ أسره الأتراك من أهل بغداد الجيشية والفروض من الرَّجّالة مئتان وعشرون إنسانًا، وأنه عدّ رؤوس مَنْ قتِل فوجدها سبعين رأسًا، وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق، فصاحوا لأبي نصر: نحن أهل السوق، فقال: ما بالكم معهم! فقالوا: أكرِهنا فخرجنا، شئنا [أو أبينا] فأطلق من كان منهم يشبه السوقة. وأمر بحبس الأسرى في القَطِيعة.\nوذُكر عن صاحب بغال السلطان: أن جميع ما ذهب من بغال السلطان مئة وعشرون بغلًا.\nورحل الحسين يوم الإثنين لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وكتب إلى خالد بن عمران وهو مقيم على السِّكْر، أن يرحل متقدِّمًا أمامه، فامتنع خالد من ذلك؛ وذكر أنه لا يبرح من موضعه إلَّا أن يأتيَه قائد في جُند كثيف فيقيم مكانه، لأنه يتخوّف أن يأتيَه الأتراك من خَلْفه من عسكرهم بناحية قُطْربُّل، وأمر ابن طاهر بمال، فحمل إلى الحسين بن إسماعيل لإعطاء جميع من في عسكره رزق شهر واحد؛ ليُفرَّق فيهم بدممّا، وأمر أن يخرج معه الكتاب والعُرّاض لأصحابه هنالك، وقلَّد أمر نفقات عسكره وإعطاء الجند من قبَل ديوان الخراج الفضلَ بن مظفَّر السبعيّ وحمَل المال مع السَّبْعيّ إلى معسكر الحسين، لينفذ معه إذا نفذ.\nوقد قيل: إنّ الحسين ارتحل إلى الأنبار في النصف من ليلة الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، فسارَ وتبعه من في عسكره يوم الأربعاء، ونودي في أصحابه باللحاق به، فسار حتى نزل دمِمَّا، وأراد أن يعقد على نهر أنق جسرًا ليعبُر عليه، فمانعه الأتراك، فعبر إليهم جماعة من أصحابه من الرَّجَّالة،","vol":"13","page":88},{"text":"فحاربوهم حتى كشفوهم، وعقد خالد الجسر، فعبر أصحابه ووجّه محمد بن عبد الله بكاتبه محمد بن عيسى بشيء شافهه به، فيقال: إنه حمل معه أطْوَاقًا وأسورة، وانصرف إلى منزله، وصار إلى الحسين يوم السبت لثمان خَلَوْن من رجب رجل، فأخبره أن الأتراك قد دُلُّوا على عدّة مواضع في الفرات، تُخاض إلى عسكره، فأمر بضرب الرجل مئتي سوط، ووكل بالمخاوض رجلًا من قُوّاده، يقال له الحسين بن عليّ بن يحيى الأرمنيّ في مئة راجل ومئة فارس؛ فطلع أوَّل القوم، فخرج عليهم وقد أتاه منهم أربعة عشر علمًا، فقاتل أصحابه ساعةً، ووكل بالقنطرة أبا السَّنا، وأمره أن يمنع مَن انهزم من العُبور؛ فأتى الأتراك المخاضَة، فرأوا الموكَّل بها، فتركوه واقفًا، وصاروا إلى مخاضة أخرى خَلْف الموكّل فقاتلوهم، فصبر الحسين بن عليّ وقاتل، فقيل للحسين بن إسماعيل، فقصد نحوَه، ولم يصل إليه حتى انهزم، وانهزم خالد بن عمران معه ومَنْ معه، ومنعهم أبو السنا من العبُور على القنطرة، فرجع الرجَّالة والخزاسانية فرَموْا بأنفسهم في الفرات، فغرق من لم يُحسن السباحة، وعَبَر مَنْ كان يحسن السباحة، فنجا عُريانًا، وخرج إلى جزيرة لا يصل منها إلى الشَّطّ، لِمَا على الشطّ من الأتراك، فذكر عن بعض جند الحسين، أنه قال: بعث الحسين بن عليّ الأرمني إلى الحسين بن إسماعيل أنّ الأتراك قد وافوا المخاضَة، فأتاه الرسول، فقيل: الأمير نائم، فرجع الرسول فأعلمه، فردّ آخر، فقال له الحاجب: الأمير في المخرَج، فرجع فأخبره، فردّ رسولًا ثالثًا، فقال: قد خرج من المخرَج ونام؛ فعلت الصيحة فعَبر الأتراك، فقعد الحسين في زورق أو شبّارة، وانحدر واستأثر قوم من الخُراسانية، ورموا ثيابهم وسلاحهم، وقعدوا على الشطّ عُراةً، وشدّ أصحاب أعلام الأتراك حتى ضربوا أعلامهم على مضرب الحسين بن إسماعيل، واقتطعوا السوق، وانحدرت عامة السفن، فسلمت إلَّا ما كان موكّلًا به منها، ولحق الأتراك أصحاب الحسين، فوضعوا فيهم السيف؛ فقتلوا وأسروا نحوًا من مئتين، وغرق خَلْقٌ كثير؛ ووافى الحسين والمنهزمة بغدادَ نصف الليل، ووافى فلّهم وبقيّتهم في النهار؛ وفيهم جرحى كثيرة، فلم يزالوا إلى نصف النهار يتتابعون عُراة مجرَّحين، وفُقِد من قواد الحسين بن يوسف اليَرْم وغيره. ثم جاء كتابه أنه أسير في أيدي الأتراك عند مُفْلح؛ وأنَّ عدّة الأسرى من وقعة الحسين الثانية مئة ونيّف وسبعون إنسانًا، والقتلى مئة، والدوابّ نحو من","vol":"13","page":89},{"text":"ألفي دابة ومئتي بغل وأكثر، وقيمة السلاح والثياب وغير ذلك أكثر من مئة ألف دينار؛ فقال الهندوانيّ في الحسين بن إسماعيل:\nيا أَحْزَمَ الناسِ رأيًا في تخلُّفهِ ... عن القتالِ خَلطْتَ الصفْوَ بالكدَرِ\nلمَّا رأيتَ سُيُوفَ التركِ مُصلَتَةً ... علِمْتَ ما في سيوفِ الترْك من قَدَرِ\nفَصِرْتَ منحجزًا ذُلًا ومَنقَصةً ... والنُّجحُ يذهبُ بينَ العجْزِ والضَّجَرِ\nولحق بالمعتز في جمادى الآخرة منها من بغداد جماعة من الكتاب وبني هاشم، ومن القوّاد مُزاحم بن خاقان أرطوج، ومن الكتّاب عيسى بن إبراهيم بن نوح ويعقوب بن إسحاق، ونمارى، ويعقوب بن صالح بن مرشد، ومقلة، وابنٌ لأبي مزاحم بن يحيى بن خاقان، ومن بني هاشم عليّ ومحمد ابنا الواثق، ومحمد بن هارون بن عيسى بن جعفر، ومحمد بن سليمان من ولد عبد الصمد بن عليّ.\n* * *\nوفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المولد وأيوب بن أحمد بالشُّكَيْر من أرض بني تغلب، قتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وانهزم محمد بن خالد، وانتهب الآخرون متاعه، وهدم أيوب دور آل هارون بن معمر، وقتل من ظفر به من رجالهم.\n* * *\nوفيها كانت لبلكاجور غزوة فتح - فيما ذكر - فيها مطمورة أصاب فيها غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الأعلاج، وورد بذلك على المستعين كتاب تاريخه يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين ومئتين.\n* * *\nوفي يوم السبت لثمان بقين من رجب من هذه السنة كانت وقعة بين محمد ابن رجاء وإسماعيل بن فراشة وبين جُعلان التركيّ بناحية بادَرَايا وباكُسايا، فهزم ابن رجاء وابن فراشة جُعلانَ، وقتلا من أصحابه جماعة، وأسرا جماعة.\n* * *","vol":"13","page":90},{"text":"وفي رجب منها كان - فيما ذكر - وقعة بين ديوداد أبي الساج وبين بايكباك بناحية جَرْجَرايا، قتل فيها أبو الساج بايكباكَ، وقتل من رجاله جماعة، وأسر منهم جماعة، وغرق منهم في النهروان جماعة.\nوفي النصف من رجب منها اجتمع مَنْ كان ببغداد من بني هاشم من العباسيين، فصاروا إلى الجزيرة التي بإزاء دار محمد بن عبد الله، فصاحوا بالمستعين وتناولوا محمد بن عبد الله بالشتم القبيح، وقالوا: قد مُنعنا أرزاقنا، وتُدفع الأموال إلى غيرنا ممن لا يستحقها، ونحن نموت هزلًا وجوعًا؛ فإن دفعتَ إلينا أرزاقنا وإلا قصدنا إلى الأبواب ففتحناها، وأدخلنا الأتراك؛ فليس يخالفنا أحد من أهل بغداد، فعبر إليهم الشاه بن ميكال، فكلّمهم ورفق بهم، وسألهم أن يعبر معه منهم ثلاثة أنفس ليدخلهم على ابن طاهر، فامتنعوا من ذلك، وأبوا إلَّا الصّياح وشتْم محمد بن عبد الله؛ فانصرف عنهم الشاه؛ فلم يزالوا على حالهم على قُرْب الليل، ثم انصرفوا واجتمعوا من غد ذلك اليوم، فوجّه إليهم محمد بن عبد الله، فأمرهم بحضُور الدّار يوم الإثنين ليأمر من يناظرهم، فصاروا إلى الدّار فأمر محه رر بن داود الطوسيّ بمناظرتهم، وبذل لهم رزق شهر واحد؛ وأمرهم أن يقبضوا ذلك، ولا يكلّفوا الخليفة أكثر من هذا؛ فأبوْا أن يقبضوا رزْق شهر، وانصرفوا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>[خروج الحسين بن محمد الطالبيّ وما آل إليه أمره] </span>(١)\nوفيها خرج بالكوفة رجل من الطالبيّين يقال له الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب، فاستخلف بها رجلًا منهم يقال له محمد بن جعفر بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن حسن، ويكنى أبا أحمد، فوجّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان أرطُوج؛ وكان العلويّ بسوَاد الكوفة في ثلثمئة رجل من بني أسد وثلثمئة رجل من الجارودية والزيديّة وعامتهم صَوَّافيّة؛ وكان العامل يومئذ بالكوفة أحمد بن نصر بن مالك الخُزاعيّ، فقتَل العَلويّ من أصحاب ابن نصر أحدَ عشر رجلًا، منهم من جند الكوفة أربعة،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢٢٠].","vol":"13","page":91},{"text":"وهرب أحمد بن نصر إلى قَصْر ابن هبيرة؛ فاجتمع هو وهشام بن أبي دلف؛ وكان يلي بعضَ سواد الكوفة - فلما صار مزاحم إلى قرية شاهي كتب إليه في المقام حتى يوجّه إلى العلوي مَنْ يردّه إلى الفيئة والرجوع. فوجّه داود بن القاسم الجعفري، وأمر له بمالٍ، فتوجَّه إليه وأبطأ داود وخبرُه على مزاحم، فزحف مزاحم إلى الكوفة من قرية شاهي، فدخلها وقصد العَلويّ فهرب، فوجّه في طلبه قائدًا، وكتب بفتحه الكوفة في خريطة مُرَيّشة.\nوقد ذكر أن أهل الكوفة عند ورود مزاحم حملوا العلويّ على قتاله، ووعدوه النّصر، فخرج في غربيّ الفُرات؛ فوجّه مزاحم قائدًا من قُوّاده في الشرقيّ من الفرات، وأمره أن يمضيَ حتى يعبر قنطرة الكوفة ثم يرجع، فمضى القائد لذلك، وأمر مزاحم بعض أصحابه الذين بقوا معه أن يعبروا مخاضة الفرات في قرية شاهي، وأن يتقدّموا حتى يحاربوا أهل الكوفة ويصافّوهم من أمامهم فساروا ومعهم مزاحم، وعَبَر الفرات، وخلَّفَ أثقالَه ومَنْ بقي معه من أصحابه؛ فلما رآهم أهل الكوفة ناوشوهم الحرب، ووافاهم قائد مزاحم، فقاتلهم من ورائهم ومُزاحم من أمامهم؛ فأطبقوا عليهم جميعًا فلم يفلت منهم أحد.\nوذكر عن ابن الكرديّة: أنّ مزاحمًا قتل من أصحابه قبل دخوله الكوفة ثلاثة عشر رجلًا، وقتل من الزيدية أصحاب الصّوف سبعة عشر رجلًا، ومن الأعراب ثلثمئة رجل؛ وأنه لما دخل الكوفة رُمِيَ بالحجارة فضرب ناحيتي الكوفة بالنار، وأحرق سبعة أسواق؛ حتى خرجت النار إلى السبيع، وهجم على الدار التي فيها العلويّ فهرب؛ ثم أتِي به وقُتِل في المعركة من العلويّة رجل وذكر أنه حبس جميع من بالكوفة من العَلويّة، وحبس أبناء هاشم، وكاق العلوّي فيهم.\nوذكر عن أبي إسماعيل العلويّ أن مُزاحمًا أحرق بالكوفة ألف دار، وأنه أخذ ابنة الرجل منهم فعنّفها.\nوذكر أنه أخِذ للعلويّ جوارٍ، فيهم امرأة حُرّة مضمومة، فأقامها على باب المسجد ونادى عليها.\nوفي النصف من رجب من هذه السنة، ورد على مزاحم كتاب من المعتزّ","vol":"13","page":92},{"text":"يأمره بالمسير إليه، ويعده وأصحابه ما يحبّ ويحبّون، فقرأ الكتاب مزاحم على أصحابه؛ فأجابه الأتراك والفراغنة والمغاربة، وأبى الشاكرية ذلك، فمضى فيمن أطاعه منهم وهم زُهاء أربعمئة إنسان، وقد كان أبو نوح تقدّمه إلى سامُرّا، فأشار بالكتاب إليه، وكان مزاحم ينتظر أمر الحسين بن إسماعيل؛ فلما انهزم الحسين مضى إلى سامُرّا، وقد كان المستعين وجّه إلى مزاحم عند فتح الكوفة عشرة آلاف دينار وخمس خلَع وسيفًا، ونفذ الرسول إليه وألفى الجند الذين كانوا معه في الطريق؛ فردّوا جميع ذلك معهم، وصاروا إلى باب محمد بن عبد الله، وأعلموه ما فعل مزاحم. وكان في الجند والشاكريّة خليفة الحسين بن يزيد الحرانيّ وهشام بن أبي دلف والحارث خليفة أبي الساج، فأمر ابن طاهر أن يخلع عن كلّ واحد منهم ثلاث خلَع.\nوذكر أن هذا العلويّ كان قد ظهر بنينَوى في آخر جمادى الآخرة من هذه السنة؛ فاجتمع إليه جماعة من الأعراب، وفيهم قومٌ ممن كان خرج مع يحيى بن عمر في سنة خمسين ومئتين، وقد كان قدم إلى تلك الناحية هشام بن أبي دلف، فواقعهم العلويّ في جماعة نحو من خمسين رجلًا، فهزمه وقتل عِدّة من أصحابه، وأسر عشرين رجلًا وغلامًا، وهرب العلَويُّ إلى الكوفة؛ فاختفى بها، ثم ظهر بعد ذلك، وحمِل الأسرى والرؤوس إلى بغداد، فعرف خمسة نفر ممن كان مع أصحاب أبي الحسين يحيى بن عمر؛ فأطلقوا، وأمر محمد بن عبد الله أن يضرب كلّ واحد ممن أطلق وعاد خمسمئة سوط، فضرِبوا في آخر يوم من جمادى الآخرة.\nوذُكر أن كتب أبي الساج لمّا وردت بما كان من إيقاعه ببايكباك، وذلك لاثنتي عشرة بقيَتْ من رجب من هذه السنة، وجّه إليه بعشرة آلاف دينار معونة له، وبخلعة فيها خمسة أثواب وسيف.\n* * *\nوفيها كانت وقعة - فيما ذكر - بين منكجور بن خيدر وبين جماعة من الأتراك بباب المدائن هزمهم فيها مَنْكَجور، وقتل منهم جماعة.\n* * *","vol":"13","page":93},{"text":"وفيها كانت لبلكاجور صائفة، فتح فيها فتوحًا فيما ذكر.\n* * *\nوفيها كانت وقعة بين يحيى بن هرثمة وأبي الحسين بن قريش، قُتِل من الفريقين جماعة، ثم انهزم أبو الحسين بن قريش.\nوفي يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شعبان كان بباب بَغواريا وقعة بين الأتراك وأصحاب ابن طاهر؛ وكان السبب في ذلك أن الموكّل كان بباب بغواريا إبراهيم بن محمد بن حاتم والقائد المعروف بالنّساويّ في نحو من ثلثمئة فارس وراجل، فجاءت الأتراك والمغاربة في جَمْع كثير، فنقبوا السور في موضعين، فدخلوا منهما، فقاتلهم النّساويّ فهزموه، ووافوْا باب الأنبار، وعليه إبراهيم بن مصعب وابن أبي خالد وابن أسد بن داود سياه، وهم لا يعلمون بدخولهم باب بغواريا، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فقتل من الفريقين جماعة، ثم إنّ مَنْ كان على باب الأنبار من أهل بغداد انهزموا لا يلوون على شيء، فضرب الأتراك والمغاربة باب الأنبار بالنار فاحترق، وأحرقوا ما كان على باب الأنبار من المجانيق والعرّادات، ودخلوا بغداد حتى صاروا إلى باب الحديد ومقبار الرّهينة ومن ناحية الشارع إلى موضع أصحاب الدواليب، فأحرقوا ما هنالك وأحرقوا كلّ ما قرب من ذلك من أمامهم وورائهم، ونصبوا أعلامهم على الحوانيت التي تقرب من ذلك الموضع، وانهزم الناس، حتى لم يقف بين أيديهم أحد؛ وكان ذلك مع صلاة الغَداة، فوجّه ابن طاهر إلى القوّاد، ثم ركب في السلاح فوقف على باب درب صالح المسكين، ووافاه القوّاد، فوجّههم إلى باب الأنبار وباب بغواريا وجميع الأبواب التي في الجانب الغربيّ، وشحنها بالرجال، وركب بُغا ووصيف، فتوجّه بُغا في أصحابه وولده إلى باب بغواريا، وصار الشاه بن ميكال والعباس بن قارن والحسين بن إسماعيل إلى باب الأنبار والغوغاء، فالتقوا والأتراك في داخل الباب، فبادرهم العباس بن قارن، فقتِل - فيما ذكر - في مقام واحد جماعة من الأتراك، ووجِّه برؤوسهم إلى باب ابن طاهر، وكاثرهم الناس على هذه الأبواب، فدفعوهم حتى أخرجوهم بعد أن قُتِل منهم جماعة، وكان بُغا الشرابيّ خرج إلى باب بغواريا في جمع كثير، فوافاهم وهم غارُّون، فقتل منهم جماعة كثيرة، وهرب الباقون، فخرجوا من","vol":"13","page":94},{"text":"الباب؛ فلم يزل بُغا يحاربهم إلى العصر؛ ثم انهزموا وانصرفوا، ووكَّل بالباب مَنْ يحفظه وانصرف إلى باب الأنبار، ووجَّه في حمل الجصّ والآجرّ، وأمر بسدّه.\nوفي هذا اليوم أيضًا كانت حرب شديدة بباب الشَّماسية، قُتِل من الفريقين - فيما ذكر - جماعة كثيرة، وجُرح آخرون؛ وكان الذي قاتل الأتراك في هذا اليوم - فيما ذكر - يوسف بن يعقوب قوصرّة.\nوفيها أمر محمد بن عبد الله المظفّر بن سيسل أن يعسكر بالياسرية، ففعل ذلك، ثم انتقل إلى؛ الكُناسة إلى أن وافاه بالفَردل بن إيزنكجيك الأشروسني؛ فأمر له بفرض، وضمّ إليه رجالًا من الشاكرية وغيرهم، وأمر أن يضامّ المظفر ويعسكر بالكُناسة، ويكون أمرهما واحدًا، ويضبط تلك الناحية؛ فأقاما هنالك حينًا، ثم أمر بالفردل المظفّرَ بالمضيّ، ليعرف خير الأتراك ليدبّر في أمرهم بما يراه؛ فامتنع من ذلك المظفّر، وزعم أنّ الأمير لم يأمره بشيء مما سأله، وكتب كلُّ واحد منهما يشكو صاحبَه، وكتب المظفر يستعفي من المقام بالكُناسة، ويزعم أنه ليس بصاحب حرب، فأعفِيَ، وأمر بالانصراف ولزوم البيت؛ وقلد أمر ذلك العسكر ومَنْ فيه من الجند النائبة والأثبات بالفردل، وضمّ إليه أثبات المظفَّر وأفْرِد بالناحية.\n* * *\nوفي شهر رمضان من هذه السنة التقى هشام بن أبي دلف والعلويّ الخارجي بنينوى، ومعه رجل من بني أسد، فاقتتلوا فقتِل من أصحاب العَلويّ - فيما ذكر - نحو من أربعين رجلًا، ثم افترقا، فدخل العلويّ الكوفة فبايع أهلها المعتزّ، ودخل هشام بن أبي دُلف بغداد.\nوفي شهر رمضان من هذه السنة كانت بين أبي الساج والأتراك وقعة بناحية جَرْجَرَايا، هزمهم فيها أبو الساج، وقتَل منهم جماعة كثيرة، وأسر منهم جماعة أخَر.\n* * *","vol":"13","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2047>[ذكر خبر قتل بالفردل]</span>\nولليلة بقيَتْ من شهر رمضان منها قُتِل بالفردل؛ وكان سبب قتله أن أبا نصر بن بغا لما غلب على الأنبار وما قرب منها، وهزم جيوش ابن طاهر من تلك الناحية وأجلاهم عنها، بثَّ خيله ورجالَه في أطراف بغداد من الجانب الغربى، وصار إلى قصر ابن هبيرة، وبها بحونة بن قيس من قِبَل ابن طاهر، فهرب منه من غير قتال جرى بينه وبينه، ثم صار أبو نصر إلى نهر صَرْصَر، واتصل بابن طاهر نجبرُه وخبر الوقْعة التي كانت بين أبي الساج والأتراك بجرجَرايا وخذلان مَنْ معه من الفروض إياه عند احمرار البأس، فندبَ بالفردلَ إلى اللحاف بأبي الساج والمسير بمَنْ معه إليه، فسار بالفردل فيمَن معه غداةَ يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فسار يومَه وصبّح المدائن، فوافاها مع موافاة الأتراك ومَنْ هو مضموم إليهم من غيرهم، وبالمدائن رجال ابن طاهر وقوّاده، فقاتلهم الأتراك، فانهزموا، ولحق مَنْ فيها من القواد بأبي الساج، وقاتل بالفردل قتالًا شديدًا، ولما رأى انهزام مَنْ هنالك من أصحاب ابن طاهر مضى متوجّهًا نحو أبي الساج بمن معه فأدرِك فقتل.\nوذكر عن ابن القواريريّ - وكان أحد القوّاد - قال: كنتُ وأبو الحسين بن هشام موكّلين بباب بغداد ومنكجور منفرد بباب ساباط، وكان بقرب بابه ثُلْمة في سور المدائن، فسألت منكجور أن يسدّها فأبى، فدخل الأتراك منها، وتفرّق أصحابه، قال: - وبقيت في نحو من عشرة أنفس، ووافى بالفردل هو وأصحابه، فقال: أنا الأمير، أنا فارس ومعي فارسان، نمضي على الشطّ وتكون الرجّالة على السفن، فدافع ساعة ثم مضى لوجهه وعسكرُه في السفن على حالهم يريد أبا الساج، أو تلك الناحية، وأقمتُ بعده ساعة تامة، وتحتي أشقر عليه حلية، فصرت إلى نهر فعثر بي، فسقطت عنه؛ وقصدوني يقولون: صاحب الأشقر؛ فخرجت من النهر راجلًا قد طرحت عني السلاح، فنجوت.\nوغضب ابن طاهر على ابن القواريريّ وأصحابه، وأمرهم بلزوم منازلهم، وغرف بالفردل.\n* * *","vol":"13","page":96},{"text":"ولأربع خلون من شوّال من هذه السنة، جمع - فيما ذكر - محمد بن عبد الله بن طاهر جميعَ قوّاده الموكلين بأبواب بغداد وغيرهم، فشاورهم جميعًا في الأمور، وأعلمهم ما ورد عليهم من الهزائم، فكلٌّ أجاب بما أحبّ من بذل النفس والدم والأموال، فجزاهم خيرًا وأدخلهم إلى المستعين، وأعلمه ما ناظرهم فيه وما ردّوا عليه من الجواب، فقال لهم المستعين: والله يا معشرَ القوّاد، لئن قاتلت عن نفسي وسلطاني ما أقاتل إلَّا عن دولتكم وعامتكم، وأن يردّ الله إليكم أموركم قبل مجيء الأتراك وأشباههم، فقد يجب عليكم المناصحة والجهد في قتال هؤلاء الفسقة، فرَدّوا أحسن مَرَدّ، وجزاهم الخير، وأمرهم بالانصراف إلى مراكزهم فانصرفوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>[ذكر خبر هزيمة الأتراك ببغداد]</span>\nوفي يوم الإثنين لأيام خلَتْ من ذي القعدة من هذه السنة كانت وقعة عظيمة لأهل بغداد، هزموا فيها الأتراك، وانتهبوا عسكرهم، وكان سبب ذلك أن الأبوابَ كلَّها من الجانبين فُتِحت ونُصبت المجانيق والعرّادات في الأبواب كلها والشّبارات في دِجْلة، وخرج منها الجند كلُّهم، وخرج ابن طاهر وبُغا ووصيف حين تزاحف الفريقان، واشتدّت الحرب إلى باب القطيعة، ثم عبروا إلى باب الشّماسية، وقعد ابن طاهر في قُبّة ضربت له، وأقبلت الرُّماة من بغداد بالناوكيّة في الزواريق؛ ربما انتظم السهم الواحد عدّة منهم فقتلهم، فهزِمت الأتراك، وتبعهم أهل بغداد حتى صاروا إلى عسكرهم، وانتهبوا سوقهم هنالك، وضربوا زورقًا لهم كان يقال له الحديديّ، كان آفة على أهل بغداد بالنار، وغرق من فيه، وأخذوا لهم شبّارتين؛ وهرب الأتراك على وجوههم لا يلوون على شيء، وجعل وصيف وبغا يقولان كلما جيءَ برأس: ذهب والله الموالي، واتَّبعهم أهلُ بغداد إلى الرُّوذَبار، ووقف أبو أحمد بن المتوكل يردّ الموالي، ويخبرهم أنهم إن لم يكرّوا لم يبق لهم بقيّة؛ وأن القوم يتبعونهم إلى سامُرّا، فتراجعوا، وثاب بعضهم، وأقبلت العامة تحزّ رؤوس مَنْ قتل؛ وجعل محمد بن عبد الله يطوّق كلّ منْ جاء برأس ويصله، حتى كثر ذلك، وبدت الكراهة في وجوه من مع بُغا","vol":"13","page":97},{"text":"ووصيف من الأتراك والموالي؛ ثم ارتفعت غَبرة من ريح جنوب، وارتفع الدخان مما احترق، وأقبلت أعلام الحسن بن الأفشين مع أعلام الأتراك يقدمها علمٌ أحمر، قد استلبه غلام لشاهك، فنسي أن ينكِّسه؛ فلما رأى الناسُ العَلم الأحمر ومَنْ خلفه، توهموا أن الأتراك قد رجعوا عليهم وانهزموا؛ وأراد بعضُ مَنْ وقف أن يقتل غلام شاهك، ففهمه، فنكس العلم، والناس قد ازدحموا منهزمين؛ وتراجع الأتراك إلى معسكرهم ولم يعلموا بهزيمة أهل بغداد، فتحمَّلُوا عليهم؛ فانصرف الفريقان بعضهم عن بعض.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>[خبر وقعة أبي السلاسل مع المغاربة]</span>\nوفيها كانت وقعة لأبي السلاسل وكيل وصيف بناحية الجبل مع المغاربة، وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أنّ رجلًا من المغاربة يقال له نصر سَلهب، صار بمجموعة من المغاربة إلى عمل بعض ما إلى أبي الساج من الأرض، وانتهب هو وأصحابه ما هنالك من القُوَى؛ فكتب أبو السلاسل إلى أبي الساج يعلمه ذلك، فوجّه أبو الساج إليه - فيما ذكر - بنحو من مئة نفس بين فارس وراجل؛ فلمَّا صاروا إليه كبس أولئك المغاربة، فقتل منهم تسعة، وأسر عشرين، وأفلت نصر سهلب ساريًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2050>[ذكر خبر وقوع الصلح بين الموالي وابن طاهر]</span>\nووضعت الحربُ أوزارها بعد هذه الوقعة بين الموالي وابن طاهر؛ فلم يعودوا لها، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ ابن الطاهر قد كان كاتب المعتزّ قبل ذلك في الصلح؛ فلما كانت هذه الوقعة أُنكِرَتْ عليه؛ فكتب إليه؛ فذكر أنه لا يعود بعدها لشيء يكرهه؛ ثم أغلقت بعد ذلك على أهل بغداد أبوابها؛ فاشتدّ عليهم الحصار، فصاحوا في أوّل ذي القعدة من هذه السنة في يوم الجمعة: الجوع! ومضوْا إلى الجزيرة التي هي تلقاء دار ابن طاهر؛ فأرسل إليهم ابن طاهر: وجِّهوا إليّ منكم خمسة مشايخ، فوجَّهُوا بهم، فأدخِلوا عليه؛ فقال","vol":"13","page":98},{"text":"لهم: إنَّ من الأمور أمورًا لا يعلم بها العامَّة؛ وأنا عليل، ولعلي أعطي الجند أرزاقهم ثم أخرج بهم إلى عدوّكم، فطابت أنفسُهم وخرجوا عن غير شيء، وعادت العامة والتّجار بعدُ إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر؛ فصاحوا وشكوْا ما هم فيه من غلاء السعر، فبعث إليهم فسكَّنهم؛ ووعدهم ومنَّاهم، وأرسل ابن طاهر إلى المعتز في الصلح، واضطرب أمرُ أهل بغداد، فوافَى بغداد للنصف من ذي القعدة من هذه السنة حماد بن إسحاق بن حماد بن زيد، وَوُجِّه مكانه أبو سعيد الأنصاريّ إلى عسكر أبي أحمد رهينة، فلقي حماد بن إسحاق ابنَ طاهر، فخلا به فلم يُذكرَ ما جرى بينهما. ثم انصرف حماد إلى عسكر أبي أحمد، ورجع أبو سعيد الأنصاريّ، ثم رجع حماد إلى ابن طاهر، فجرت بين ابن طاهر وبين أبي أحمد رسائل مع حَمّاد.\nولتسع بقِين من ذي القعدة خرج أحمد بن إسرائيل إلى عَسْكر أبي أحمد مع حماد وأحمد بن إسحاق وكيل عبيد الله بن يحيى بإذن ابن طاهر لمناظرة أبي أحمد في الصلح.\nولسبعٍ بقين من ذي القعدة أمر ابنُ طاهر بإطلاق جميع مَنْ في الحبوس ممن كان حُبس بسبب ما كان بينه وبين أبي أحمد من الحروب ومعاونته إياه عليه فأطلقه، ومن غد هذا اليوم اجتمع قوم من رجّالة الجند وكثيرٌ من العامة، فطلب الجند أرزاقَهم، وشكت العامة سوءَ الحال التي هم بها من الضيق وغلاء السعر وشدّة الحصار، وقالوا: إمّا خرجتَ فقاتلتَ؛ وإما تركتَنا؛ فوعدهم أيضًا الخروج أو فتح الباب للصلح، ومنَّاهم، فانصرفوا.\nفلما كان بعد ذلك، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة شَحَن السجون والجسر وباب داره والجزيرة بالجند والرجال، فحضر الجزيرة بَشَرٌ كثير، فطردوا مَنْ كان ابن طاهر صيّرهم فيها، ثم صاروا إلى الجسر من الجانب الشرقي، ففتحوا سجن النساء، وأخرجوا مَنْ فيه، ومنعهم عليّ بن جهشيار ومَنْ معه من الطبريّه من سجن الرجال، ومانعهم أبو مالك الموكل بالجسر الشرقيّ، فشجّوه وجرحوا دابتين لأصحابه، فدخل داره وخلّاهم، فانتهبوا ما في مجلسه، وشدّ عليهم الطبريّة فنخَوْهم حتى أخرجوهم من الأبواب، وأغلقوها دونهم، وخرج منهم جماعة، ثم عبر إليهم - محمد بن أبي عون، فضَمِن للجند","vol":"13","page":99},{"text":"رزق أربعة أشهر؛ فانصرفوا على ذلك، وأمر ابن طاهر بإعطاء أصحاب ابن جهشيار أرزاقَهم لشهرين من يومهم فأعْطُوا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>[ذكر بدء عزم ابن طاهر على خلع المستعين والبيعة للمعتزّ]</span>\nووجّه أبو أحمد خمس سفائن من دقيق وحنطة وشعير وقَتّ وتبن إلى ابن طاهر في هذه الأيام، فوصلت إليه، ولما كان يوم الخميس لأربع خلْون من ذي الحجّة علم الناس ماعليه ابن طاهر من خَلْعِه المستعين وبيعته للمعتزّ، ووجّه ابن طاهر قُوّاده إلى أبي أحمد حتى بايعوه للمعتزّ، فخلع على كل واحد منهم أربع خلع، وظنت العامة أن الصلح جرى بإذن الخليفة المستعين، وأن المعتزّ وليّ عهده.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>[خروج العامة ونصرة المستعين على ابن طاهر]</span>\nولما كان يوم الأربعاء خرج رشيد بن كاوُسَ - وكان موكَّلًا بباب السلامة - مع قائد يقال له نهشل بن صخر بن خزيمة بن خازم وعبد الله بن محمود، ووجّه إلى الأتراك بأنه على المصير إليهم ليكون معهم، فوافاه من الأتراك زُهاء ألف فارس؛ فخرج إليهم على سبيل التسليم عليهم؛ على أنّ الصلح قد وقع، فسلم عليهم، وعانق مَنْ عرف منهم، وأخذوا بلجام دابّته، ومضوْا به وبابنه في أثره؛ فلما كان يوم الإثنين صار رُشيد إلى باب الشّماسيّة فكلّم الناس، وقال: إنّ أمير المؤمنين وأبا جعفر يقرأان عليكم السلام، ويقولان لكم: مَنْ دخلَ في طاعتنا قرّبناه ووصلناه، ومن أثر غير ذلك فهو أعلم؛ فشتمه العامة، ثم طاف على جميع أبواب الشرقية بمثل ذلك، وهو يشتَم في كل باب، ويشتَم المعتزّ فلما فعل رشيد ذلك علمت العامة ما عليه ابن طاهر، فمضت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر؛ فصاحوا به وشتمُوه أقبح شتم؛ ثم صاروا إلى بابه، ففعلوا مثل ذلك، فخرج إليهم راغب الخادم، فحضَّهم على ما فعلوا، وسألهم الزيادة فيما هم فيه من نصرة المستعين، ثم مضى إلى الحظيرة التي فيها الجيش، فمضى بهم وجماعة أخَر غيرهم وهم زُهاء ثلثمئة في السلاح، فصاروا إلى باب ابن طاهر،","vol":"13","page":100},{"text":"فكشفوا من عليه وردّوهم، فلم يبرحوا يقاتلونهم؛ حتى صاروا إلى دهليز الدّار، وأرادوا إحراق الباب الداخل فلم يجدوا نارا، وقد كانوا باتوا بالجزيرة الليل كله يشتمونه ويتناولونه بالقبيح.\nوذكر عن ابن شجاع البلخي أنه قال: كنتُ عند الأمير وهو يحدّثني ويسمع ما يُقذف به من كلّ إنسان؛ حتى ذكروا اسم أمِّه، فضحك وقال: يا أبا عبد الله، ما أدري كيف عرفوا اسم أمي! ولقد كان كثير من جواري أبي العباس عبد الله بن طاهر لا يعرفون اسمَها، فقلت له: أيها الأمير، ما رأيت أوسعَ من حلمك، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما رأيت أوفَق من الصبر عليهم؛ ولابدّ من ذلك، فلما أصبحوا وافوا الباب، فصاحوا؛ فصار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع إليهم ويسكّنهم ويعلمهم ما هو عليه لهم؛ فأشرف عليهم من أعلى الباب وعليه البُرْدة، والطَّويلة، وابن طاهر إلى جانبه، فحلف لهم بالله ما اتَّهمهُ؛ وإني لفي عافية ما عليّ منه بأس؛ وإنه لم يخلع، ووعدهم أنه يخرج في غد يوم الجمعة ليصلّيَ بهم، ويظهر لهم. فانصرف عامّتهم بعد قتلى وقعت.\nولما كان يوم الجمعة بكّر الناس بالصياح يطلبون المستعين، وانتهبُوا دوابّ عليّ بن جهشيار - وكانت في الخراب، على باب الجسر الشرقيّ - وانتهب جميع ما كان في منزله وهرب؛ وما زال الناس وقوفًا على ما هم عليه إلى ارتفاع النهار، فوافى وصيف وبُغا وأولادهما ومواليهما وقُوّادهما وأخوال المستعين؛ فصار الناس جميعًا إلى الباب، فدخل وصيف وبُغا في خاصّتهما ودخل أخوال المستعين معهم إلى الدهليز، ووقفوا على دوابّهم، وأعلم ابن طاهر بمكان الأخوال؛ فأذن لهم بالنزول فأبوْا، وقالوا: ليس هذا يوم نزولنا عن ظهور دوابنا حتى نعلم نحن والعامة ما نحن عليه؛ ولم تزل الرّسل تختلف إليهم، وهم يأبوْن، فخرج إليهم محمد بن عبد الله نفسه، فسألهم النزول والدخول إلى المستعين، فأعلموه أنّ العامة قد ضجّت مما بلغها وصحّ عندها ما أنت عليه من خلْع المستعين والبَيعة للمعتزّ، وتوجيهك القوّاد بعد القواد للبيعة للمعتزّ، وإرادتك التهويل ليصيرَ الأمر إليه، وإدخاله الأتراك والمغاربة بغداد، فيحكموا فيهم بحكمهم فيمن ظهروا عليه من أهل المدائن والقُرى، واستراب بك أهل بغداد.","vol":"13","page":101},{"text":"واتّهمُوك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم؛ وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروْه ويكذّبوا ما بلغهم عنه، فلما تبين محمد بن عبد الله صحَّه قولهم، ونظر إلى كثرة اجتماع الناس وضجيجهم سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة التي كان يدخلها جميعُ الناس، فنُصب له فيها كرسيٌّ وأدخل إليه جماعة من الناس فنظرُوا إليه، ثم خرجوا إلى من وراءهم؛ فأعلموهم صحّةَ أمره، فلم يقنعوا بذلك؛ فلما تبيّن له أنهم لا يسكنون دون أن يخرج إليهم - وقد كان عرف كثرة الناس - أمرَ بإغلاق الباب الحديد الخارج فأغلِق، وصار المستعين وأخواله ومحمد بن موسى المنجّم ومحمد بن عبد الله إلى الدرجة التي تُفضي إلى سطوح دار العامة وخزائن السلاح، ثم نصب لهم سلاليم على سطح المجلس الذي يجلس فيه محمد بن عبد الله والفتح بن سهل، فأشرف المستعين على الناس وعليه سَواد، وفوق السواد برْدة النبي - ﷺ -، ومعه القضيب؛ فكلَّم الناس وناشدَهم، وسألهم بحقّ صاحب البردة إلَّا انصرفوا؛ فإنه في أمْن وسلامة، وإنه لا بأس عليه من محمد بن عبد الله، فسألوه الرُّكوب معهم والخروج من دار محمد بن عبد الله لأنهم لا يأمنونه عليه، فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أمّ حبيب ابنة الرشيد؛ بعد أن يصبح له ما ينبغي أن يسكن فيه، وبعد أن يحوّل أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ماله في دار محمد بن عبد الله؛ فانصرف أكثرُ الناس وسكن أهل بغداد.\nولما فعل أهل بغداد ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرّة بعد مرّة وإسماعهم إياه المكروه، تقدّم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ما قَدرُوا عليه من الإبل والبغال والحمير لينتقل عنها.\nوذكروا أنه أراد أن يقصد المدائن، واجتمع على بابه جماعة من مشايخ الحربية والأرباض جميعًا؛ يعتذرون إليه، ويسألونه الصَّفْح عمَّا كان منهم، ويذكرون أنّ الذي فعل ذلك الغوغاء والسُّفهاء لسوء الحال التي كانوا بها والفاقة التي نالتْهم، فردَّ عليهم - فيما ذكر - ردًّا جميلًا، وقال لهم قولًا حسنًا، وأثنى عليهم، وصفح عفا كان منهم، وتقدّم إليهم بالتقدّم إلى شبابهم وسفهائهم في الأخذِ على أيديهم وأجابهم إلى ترك النقْلة، وكتب إلى أصحاب المعاون بترك السخْرة.","vol":"13","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2053>[ذكر خبر انتقال المستعين إلى دار رزق الخادم بالرصافة]</span>\nولأيام خَلَوْن من ذي الحجة انتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله، وركب منها، فصار إلى دار رزق الخادم في الرُّصافة، ومرّ بدار عليّ بن المعتصم، فخرج إليه عليّ، فسأله النزولَ عنده، فأمره بالرّكوب، فلما صار إلى دار رزق الخادم نزلها، فوصل إليها - فيما ذكر - مساء، فأمر للفرسان من الجند حين صار إليها بعشرة دنانير لكلّ فارس منهم، وبخمسة دنانير لكلّ راجل، وركب بركوب المستعين ابن طاهر، وبيده الحربة يسير بها بين يديه، والقوّاد خلفه، وأقام - فيما ذكر - مع المستعين ليلة انتقل إلى دار رزق محمد بن عبد الله إلى ثلث الليل؛ ثم انصرف، وبات عنده وصيف وبُغا حتى السَّحَر، ثم انصرفا إلى منازلهما.\nولمّا كان صبيحةُ الليلة التي انتقل المستعين فيها من دار ابن طاهر اجتمع الناس في الرُّصافة، وأمِر القوّاد وبنُو هاشم بالمصير إلى ابن طاهر والسلام عليه، وأن يسيرُوا معه إذا ركب إلى الرّصافة، فصاروا إليه؛ فلما كان الضحى الأكبر من ذلك اليوم، ركب ابن طاهر وجميع قوّاده في تعبئة وحوله ناشبة رجَّالة؛ فلما خرج من داره وقَف للناس، فعاتبهم وحلف أنه ما أضمر لأمير المؤمنين - أعزّه الله - ولا لوليّ له ولا لأحدٍ من الناس سوءًا، وأنه ما يريد إلَّا إصلاح أحوالهم، وما تدوم به النعمة عليهم، وأنهم قد توهّموا عليه ما لا يعرفه، حتى أبكى الناس، فدعا له مَنْ حضر، وعبر الجسر، وصار إلى المستعين، وبعث فأحضر جيرانه، ووجوه أهل الأرباض من الجانب الغربيّ، فخاطبهم بكلام عاتبهم فيه، واعتذر إليهم مما بلغهم، ووجَّه وصيف وبُغا مَنْ طاف على أبواب بغداد، ووكّلا صالح بن وصيف بباب الشّماسية.\nوذُكر: أنّ المستعين كان كارهًا لنقله عن دار محمد؛ ولكنه انتقل عنها من أجل الناس ركبوا الزواريق بالنّفاطين ليضربوا روشن بن طاهر بالنار لمّا صَعُبَ عليهم فتحُ بابه يوم الجمعة.","vol":"13","page":103},{"text":"وذكر: أنّ قومًا منهم كنجور، وقفوا باب الشّماسيّة من قِبَل أبي أحمد، فطلبوا ابنَ طاهر ليكلموه، فكتب إلى وصيف يعلمه خبر القوم، ويسأله أن يعلم المستعين ذلك ليأمر فيه بما يرى؛ فردّ المستعين الأمر في ذلك إليه؛ وأن التدبير في جميع ذلك مردود إليه، فيتقدّم في ذلك بما رأى.\nوذُكِر أنّ عليّ بن يحيى بن أبي منصور المنجم كلّم محمد بن عبد الله في ذلك بكلام غليظ، فوثب عليه محمد بن أبي عون فأسمعه وتناوله.\nوذُكِر عن سعيد بن حُميد: أنّ أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وعبيد الله بن يحيى خَلَوْا بابن طاهر؛ فما زالوا يفتلونه في الذّرْوة والغارب، ويشيرون عليه بالصلح، وأنه ربما كان عنده قوم فأجْرَوا الكلام في خلاف الصُّلْح، فيكشر في وجوههم، ويعرض عنهم؛ فإذا حضر هؤلاء الثلاثة أقبَل عليهم وحادثهم وشاورهم.\nوذكر عن بعضهم: أنه قال: قلت لسعيد بن حميد يومًا: ما ينبغي إلَّا أن يكون قد كان انطوى على المداهنة في أوّل أمره؛ قال: وددت أنه كان كذلك؛ لا والله ما هو إلَّا أن هُزِم أصحابه من المدائن والأنبار حتى كاتب القوم، وأجابهم بعد أن كان قد جادَّهم.\nوحدّثني أحمد بن يحيى النحويّ - وكان يؤدّب ولد ابن طاهر - أنّ محمد بن عبد الله لم يزل جادًّا في نُصرة المستعين حتى أحفظه عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فقال له: أطال الله بقاءك؛ إنّ هذا الذي تنصره وتجدّ في أمره من أشدّ الناس نفاقًا، وأخبثهم دينًا؛ والله لقد أمر وصيفًا وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، وإن كنت شاكّا فيما وصفت من أمره، فسلْ تُخْبَرْه؛ وإن مِنْ ظاهر نفاقه أنه كان وهو بسامُرَّا لا يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما صار إلى ما قبلَك، جهر به مراءاةً لك؛ وتترك نصرة وليك، وصهرك وتربيتك؛ ونحو ذلك من كلام كلّمه به؛ فقال محمد بن عبد الله: أخزى الله هذا، لا يصلح لدين ولا دنيا، قال: وكان أوّل مَنْ تقدّم على صرف محمد بن عبد الله عن الجِدّ في أمر المستعين عبيد الله بن يحيى في هذا المجلس، ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى على","vol":"13","page":104},{"text":"ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد؛ فلم يزالوا به حتى صرفوه عمّا كان عليه من الرَّأي في نصرة المستعين.\n* * *\nوفي يوم الأضحى من هذه السنة صلّى بالناس المستعين صلاة الأضْحَى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وركب وبين يديه عبيد الله بن عبد الله، معه الحربة التي لسليمان، وبيد الحسين بن إسماعيل حربة السلطان، وبُغا ووصيف يكنُفانه؛ ولم يركب محمد بن عبد الله بن طاهر، وصلى عبد الله بن إسحاق في الرُّصَافة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>[ذكر بدء المفاوضة في أمر خلع المستعين]</span>\nوفي يوم الخميس ركب محمد بن عبد الله إلى المستعين، وحضر؛ عدّة من الفقهاء والقضاة، فذُكِر أنه قال للمستعين: قد كنتَ فارقتَني على أن تنفِّذ في كل ما أعزم عليه؛ ولك عندي بخطّك رقعة بذلك، فقال المستعين: أحضِر الرُّقعة، فأحضرها؛ فإذا فيها ذكر الصلح؛ وليس فيها ذكر الخلْع، فقال: نعم، أنفذ الصلح، فقام الخَلنجيّ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه يسألك أن تخلع قميصًا قَمَّصك به الله، وتكلّم عليّ بن يحيى المنجّم فأغلظ لمحمد بن عبد الله.\nثم ركب بعد ذلك محمد بن عبد الله - وذلك للنصف من ذي الحجة - إلى المستعين بالرّصافة، ثم انصرف ومعه وصيف وبُغا، فمضوْا جميعًا حتى صاروا إلى باب الشماسيّة، فوقف محمد بن عبد الله على دابّته، ومضى وصيف وبُغا إلى دار الحسن بن الأفشين، وانحدرت المبيّضة والغوغاء من السور، ولم يطلق لأحد فتح الأبواب، وقد كان خرج قبل ذلك جماعةٌ كثيرة إلى عسكر أبي أحمد، فاشتروا ما أرادوا، فلمّا خرج من ذكرنا إلى باب الشّماسية نودي في أصحاب أبي أحمد ألا يباع من أحد من أهل بغداد شيء، فمُنعوا من الشراء، وكان قد ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشَّماسيّة مضرب كبير أحمر؛ وكان مع ابن طاهر بندار الطبريّ وأبو السنا ونحو من مئتي فارس ومئتي راجل، وجاء أبو أحمد في","vol":"13","page":105},{"text":"زلَّال حتى قرب من المضرب، ثم خرج ودخل المضرَب مع محمد بن عبد الله، ووقف الذين مع كلّ واحد منهما من الجُنْد ناحية، فتناظر ابن طاهر وأبو أحمد طويلًا، ثم خرجا من المضرَب، وانصرف ابنُ طاهر من مضرَبه إلى داره في زلّال؛ فلما صار إليها خرج من الزلّال، فركب ومضى إلى المستعين ليخبرَه بما دار بينه وبين أبي أحمد، وأقام عنده إلى العَصْر، ثم انصرف؛ فذُكر أنه فارقه على أن يعطَى خمسين ألف دينار، ويُقطَع غلّة ثلاثين ألف دينار في السنة؛ وأن يكون مقامه بغداد حتى يجتمع لهم مال يُعطون الجند، وعلى أن يولَّى بُغا مكة والمدينة والحجاز، ووصيف الجبل وما والاه، ويكون ثلث ما يجيء من المال لمحمد بن عبد الله، وجُنْد بغداد والثلثان للموالي والأتراك.\nوذُكر أنّ أحمد بن إسرائيل لما صار إلى المعتزّ ولّاه ديوانَ البريد، وفارقه على أن يكون هو الوزير وعيسى بن فرّخانشاه على ديوان الخراج وأبو نوح على الخاتم والتوقيع؛ فاقتسموا الأعمال، فوردت خريطة الموسم إلى بغداد بالسلامة، فبعث بها إلى أبي أحمد، ثم ركب ابن طاهر - فيما قيل - لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة إلى المستعين، لمناظرته في الخلْع، فناظره فامتنع عليه المستعين، وظنّ المستعين أن بُغا ووصيفًا معه، فكاشفاه فقال المستعين: هذا عُنقي والسيف والنِّطع؛ فلما رأى امتناعه انصرف عنه، فبعث المستعين إلى ابن طاهر بعليّ بن يحيى المنجم وقوم من ثقاته، وقال: قولوا له: اتق الله، فإنما جئتك لتدفع عني؛ فإن لم تدفع عني فكُفّ عني، فردّ عليه؛ أمَّا أنا فأقعد في بيتي؛ ولكن لابدّ لك من خلعها طائعًا أو مكرهًا.\nوذكر عن عليّ بن يحيى أنه قال له: قل له: إن خلعتَها فلا بأس؛ فوالله لقد تمزّقت تمزقًا لا يُرقع؛ وما تركتَ فيها فضلًا، فلما رأى المستعين ضعفَ أمره وخذلانَ ناصريه أجاب إلى الخلْع؛ فلما كان يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيَتْ من ذي الحجة وجَّه ابنُ طاهر ابنَ الكرديّة وهو محمد بن إبراهيم بن جعفر الأصغر بن المنصور والخلنجيّ وموسى بن صالح بن شيخ وأبا سعيد الأنصاريّ وأحمد بن إسرائيل ومحمد بن موسى المنجم إلى عسكر أبي أحمد ليوصِلوا كتابَ محمد إليه بأشياء سألها المستعين من حين نُدِب إلى أن يخلع نفسه، فأوصلوا الكتاب، فأجاب إلى ما سأل، وكتب الجواب بأن يُقطع وينزل مدينة","vol":"13","page":106},{"text":"الرسول - ﷺ -، وأن يكون مضطرَبُه من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فأجابه إلى ذلك؛ فلم يقنع المستعين إلَّا بخروج ابن الكرديّة بما سأل إلى المعتزّ، حتى يكتب بإجابته بذلك بخطه بعد مشافهة ابن الكرديّة المعتزّ بذلك، فتوجَّه ابن الكردية بها.\nوكان سبب إجابة المستعين إلى الخَلْع - فيما ذكر - أن وصيفًا وبُغا وابن طاهر ناظروه في ذلك وأشاروا عليه؛ فأغلظ لهم فقال له وصيف: أنت أمَرتنا بقتل باغر؛ فصِرْنا إلى ما نحن فيه؛ وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش، وقلت: إنّ محمدًا ليس بناصح؛ وما زالوا يفزِّعونه ويحتالون له، فقال محمد بن عبد الله: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصطلح إلَّا باستراحتنا من هذيْن؛ فلمّا اجتمعت كلمتُهم أذعن لهم بالخلْع وكتب بما اشترط لنفسه عليهم؛ وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.\nولمّا كان يومُ السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجَّة؛ ركب محمد بن عبد الله إلى الرُّصافة وجميع القضاة والفقهاء، وأدخلهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر؛ ثم أدخل عليه البوَّابين والخدَم، وأخذ منه جوهر الخلافة، وأقام عنده حتى مضى هُوِيّ من الليل، وأصبح الناس يرجُفون بألوان الأراجيف، وبعث ابن طاهر إلى قوَّاده في موافاته؛ مع كلّ قائد منهم عشرة نفر من وجوه أصحابه، فوافوْه، فأدخلهم ومنَّاهم، وقال لهم: إنما أردت بما فعلت صلاحكم وسلامتَكم وحقْنَ الدماء، وأعدّ للخروج إلى المعتزّ في الشروط التي اشترطها للمستعين ولنفسه ولقوّادِه قومًا ليوقِّع المعتزّ في ذلك بخطه، ثم أخرجهم إلى المعتزّ، فمضوا إليه حتى وقع في ذلك بخطه إِمضاءً كل ما سأل المستعين وابن طاهر لأنفسهما من الشُروط، وشهدوا عليه بإقراره بذلك كله، وخلَع المعتزّ على الرّسل، وقلَّدهم سيوفًا، وانصرفوا بغير جائزة ولا نظر في حاجة لهم، ووجَّه معهم لأخذ البيعة له على المستعين جماعة من عنده؛ ولم يأمر للجند بشيء.\nوحُمل إلى المستعين أمه وابنته وعياله بعدما فتّش عياله، وأخذ منهم بعض ما كان معهم مع سعيد بن صالح؛ فكان دخول الرسل بغداد منصرَفهم من عند المعتزّ يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين.","vol":"13","page":107},{"text":"وذكر أن رسل المعتزّ لما صاروا بالشماسيّة، قال ابن سجّادة: أنا أخاف من أهل بغداد؛ فإمّا أن يحمل المستعين إلى الشماسيّة أو إلى دار محمد بن عبد الله ليبايع المعتز، ويخلَع نفسه ويؤخذ منه القضيب والبُرْدة (١).\nوفي شهر ربيع الأول من هذه السنة كان ظهورُ المعروف بالكوكبي بقزوين وزَنجان وغلبتُه عليها وطرده عنها آل طاهر، واسم الكوكبيّ الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁.\n* * *\nوفيها قطع بنو عُقيل طريق جُدّة، فحاربهم جعفر بشاشات، فقُتِل من أهل\n_________\n(١) هذه التفاصيل الطويلة ابتداءً من (٩/ ٢٨٢).\nوانتهاءً بهذه الصفحة (٣٤٥) علقنا على بعضها آنفًا وقلنا بأننا لم نجد ما يؤيدها من مصادر متقدمة موثوقة أخرى وقد ذكرها ابن الجوزي مختصرًا (١٢/ ٤٣ - ٤٩).\nوكذلك ابن كثير وقال ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدًّا قد ذكرها ابن جرير مطولة [البداية والنهاية ٨/ ٢١٩].\nولا نستطيع الجزم بصحة كل هذه التفاصيل أو عدم صحتها وفي بعض أجزائها نكارة واضحة والله تعالى أعلم.\nوقد اختصر الحافظ السيوطي ﵀ هذه الأحداث قائلًا:\nولما تنكر له (أي للمستعين) الأتراك خاف وانحدر من سامراء إلى بغداد فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع فامتنع فقصدوا الحبس وأخرجوا المعتز بالله وبايعوه وخلعوا المستعين، ثم جهز المعتز جيشًا كثيفًا لمحاربة المستعين واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرًا وكثر القتل وغلت الأسعار وعظم البلاء وانحلّ أمر المستعين فسعوا في الصلح على خلع المستعين وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة [تأريخ الخلفاء/ ٤٠٦].\nوقد وصف السيوطي الخليفة المستعين بقوله: وكان خيرًا فاضلًا بليغًا أديبًا.\nولم نر ذكرًا لخلافة المستعين عند غير الطبري من المؤرخين الثقات والأخباريين المتقدمين سوى ما قاله ابن قتيبة الدينوري متجاوزًا كل هذه التفاصيل مقتصرًا على ثلاثة عناوين (البيعة ثم الخلع ثم القتل) فقال: ثم بويع أحمد المستعين بالله بن محمد بن أبي إسحاق المعتصم بعده وخلع في آخر سنة إحدى وخمسين ومئتين وقتل سنة اثنتين وخمسين ومئتين [المعارف/ ٢٠٠].","vol":"13","page":108},{"text":"مكة نحوٌ من ثلثمئة رجل، وبعض بني عقيل القائل:\nعليك ثوبانِ وأُمِّي عاريَهْ ... فأَلقِ لي ثوبَك يا بنَ الزانيهْ\nفلما فعل بنو عُقَيْل ما فعلوا غلتْ بمكة الأسعار، وأغارت الأعراب على القرى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>[ذكر خبر خروج إسماعيل بن يوسف بمكّة] </span>(١)\nوفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العامل على مكة، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزلَ جعفر ومنزلَ أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما كان حمل لإصلاح العيْن من المال وما كان في الكعبة من الذّهب، وما في خزائنها من الذَّهب والفِضّة، والطّيب وكُسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، وأنهب مكة، وأحرق بعضها في شهر ربيع الأول منها، ثم خرج منها بعد خمسين يومًا، ثم صار إلى المدينة، فتوارَى عليّ بن الحسين بن إسماعيل العامل عليها، ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجَب، فحصرهم حتى تماوَت أهلُها جوعًا وعطشًا؛ وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء ثلاثة دراهم؛ ولقيَ أهلُ مكة منه كلَّ بلاء، ثم رحل بعد مقام سبعةٍ وخمسين يومًا إلى جُدّة، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، فحمل إلى مكة الحنطة والذّرة من اليمن، ثم وافت المراكب من القُلْزُم، ثم وافى إسماعيل بن يوسف الموقف؛ وذلك يوم عرفة، وبه محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب كعب البقر - وعيسى بن محمد المخزوميّ صاحب جيش مكة - وكان المعتزّ وجّههما إليها - فقاتلهم، فقتل نحو من ألف ومئة من الحاجّ، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة، ولم يقفوا بعرَفة ليلًا ولا نهارًا، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جُدّة فأفنى أموالها.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥٠).","vol":"13","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2056>ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>[ذكر خبر المستعين وبيعة المعتزّ] </span>(١)\nفمن ذلك ما كان من خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسَه من الخلافة. وبيعته للمعتزّ محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم، والدّعاء للمعتزّ على منبريْ بغداد ومسجديْ جانبيها الشرقيّ منها والغربيّ، يوم الجمعة، لأربع خلوْن من المحرّم من هذه السنة، وأخذ البيعة له بها على مَنْ كان يومئذ بها من الجُنْد.\nوذكر أن ابن طاهر دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد حين كتب له بشروط الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كتب سعيد كتب الشروط وأكَّد غاية التأكيد، فنقرؤه عليك فتسمعه؟ فقال له المستعين: لا عليك؛ ألا تركتها يا أبا العباس؛ فما القوم باعلم بالله منك، قد أكدتَ على نفسك قبلهم فكان ما قد علمت، فما ردّ عليه محمد شيئًا.\nولما بايع المستعين المعتزّ، وأخذ عليه البيعة ببغداد، وأشهد عليه الشهود من بني هاشم والقضاة والفقهاء والقوّاد نقل من الموضع الذي كان به من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمخرِّم، هو وعياله وولده وجواريه، فأنزلوهم فيه جميعًا، ووكّل بهم سعيد بن رجاء الحِضَاريّ في أصحابه، وأخذ المستعين البُرْدة والقضيب والخاتم، ووجَّه مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكتب معه:\nأما بعد، فالحمد لله متمّم النعم برحمته، والهادي إلى شكره بفضله، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله؛ الذي جمع له ما فرّق من الفضل في الرّسل، قبلَه، وجعل تراثه راجعًا إلى مَنْ خَصّه بخلافته، وسلَّم تسليمًا، كتابي إلى أمير المؤمنين وقد تمّم الله له أمرَه، وتسلّمت تُراث رسول الله - ﷺ - ممن كان عنده،\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥٥) فقد ذكر الخبر مختصرًا، أما القصائد والأبيات الشعرية فلم يذكرها ابن الجوزي وقد ذكر ابن كثير طرفًا منها وقال وقد ذكر ابن الجوزي مدائح الشعراء في المعتز وتشفيهم بخلع المستعين فأكثر من ذلك جدًّا [البداية والنهاية/ ٨/ ٢٢٢].","vol":"13","page":110},{"text":"وأنفذتُه إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده.\nومنع المستعين الخروج إلى مكة، واختار أن ينزل البصرة، فذكر عن سعيد بن حميد أن محمد بن موسى بن شاكر، قال: البصرة وبيَّة، فكيف اخترت أن تنزلها! فقال المستعين: هي أوْبى، أو ترك الخلافة!\nوذكر: أنّ قُرْب جارية قبيحة جاءت برسالة إلى المستعين من المعتزّ، يسأله أن ينزل عن ثلاث جوارٍ كان المستعين تزوجهنّ من جواري المتوكل، فنزل عنهنّ، وجعل أمرهنّ إليهنّ؛ وكان احتبس عنده من الجوهر خاتمين يقال لأحدهما البُرْج وللآخر الجَبَل، فوجَّه إليه محمد بن عبد الله بقُرْبَ خاصيّة المعتزّ وجماعة، فدفعهما إليهم، وانصرفوا بذلك إلى محمد بن عبد الله، فوجّه به إلى المعتزّ.\nولست خلون من المحرَّم دخل - فيما قيل - بغداد أكثر من مئتيْ سفينة، فيها من صنوف التجارات وغنم كثير، وأُشخِص المستعين مع محمد بن مظفّر بن سَيسَل وابن أبي حفصة إلى واسط في نحو من أربعمئة فرسان ورجّالة، وقدم بعد ذلك على ابن طاهر عيسى بن فرّخانشاه وقُرْب، فأخبراه أن ياقوتة من جوهر الخلافة قد حبَسها أحمد بن محمّد عنده؛ فوجّه ابنُ طاهر الحسين بن إسماعيل فأخرجهما فإذا ياقوتة بهيّة، أرج أصابع طولًا في عرض مثل ذلك، وإذا هو قد كتب عليها اسمه، فدفعت إلى قُرْب، فبعثتْ بها إلى المعتزّ.\nواستوزر المعتزّ أحمد بن إسرائيل، وخلع عليه، ووضع تاجًا على رأسه، وشخص أبو أحمد إلى سامُرّا يوم السبت لاثنتي عشرة خلت من المحرّم منها، وشيَّعه محمد بن عبد الله والحسن بن مخلد، فخلع على محمد بن عبد الله خمس خلع وسيفًا، ورجع من الرّوذباز.\nوقال بعض الشعراء في خلع المستعين:\nخُلِعَ الخلافةَ أحمدُ بنُ محمدٍ ... وسيُقتَلُ التالي له أو يُخلَعُ\nويزولُ مُلكُ بني أَبيه ولا يُرى ... أحدٌ تَملّكَ منهمُ يَستَمتِعُ\nإيهًا بني العباس إنَّ سبيلَكمْ ... في قتلِ أعبُدكُمْ طريقٌ مَهْيَعُ\nرَقَّعتمُ دُنياكمُ فتمزَّقَتْ ... بكُم الحياةُ تمزُّقًا لا يُرقَعُ\nوقال بعض البغداديين:\nإنّي أراكَ من الفِراقِ جزوعَا ... أضحى الإِمامُ مسَيَّرًا مخلوعا","vol":"13","page":111},{"text":"كانت به الآفاقُ تضحَكُ بهجَةً ... وَهو الربيعُ لمن أَراد ربيعَا\nلا تُنكِري حَدثَ الزمانِ وريْبَه ... إنّ الزمانَ يُفرِّقُ المجمُوعا\nلَبِسَ الخلافةَ واستجدَّ محبّةً ... يقضي أُمورَ المسلمينَ جميعا\nفجنَتْ عليه يدُ الزمانِ بَصرفِه ... حَرْبًا وكانَ عن الحُروب شَسُوعا\nوتجانفَ الأتراك عنه تمرُّدًا ... أضْحَى وكان ولا يُرَاعُ مروعا\nفنَزا بهم، فَنَزوْا به وتَعاورتْ ... أيْدِي الكماةِ من الرؤوس نجيعا\nفأزَاله المقدارُ عن رُتَبِ العلا ... فثَوَى بِواسطَ لا يُحِسُّ رُجوعا\nغَدَرُوا به، مكروا به، خانوا به ... لزِمَ الفراشَ وحالَفَ التَّضجيعا\nوتكنَفُوا بغدادَ من أَقطارِها ... قد ذلَّلوا ماكان قبلُ مَنِيعا\nولو أنه سعَرَ الحروبَ بنفسِه ... متلبِّبًا للقائهنَّ دُروعَا\nحتى يُصادِمَ بالكماة كماتهُ ... فيكون من قَصدَ الحروبَ صَريعا\nلَغَدَا على رَيْب الزمان مُحرَّمًا ... ولكانَ إِذ غَدَرَ اللئامُ مَنِيعا\nلكنْ عصى رأيَ الشفيق وعذْلَهُ ... وغَدا لأمر الناكثينَ مُطِيعَا\nوالمُلكُ ليس بمالكٍ سلطانَه ... مَنْ كان للرأيِ السَّديد مضيعا\nما زالَ يَخْدَعُ نفسَه عن نفسِه ... حتى غَدا عن ملكه مخدُوعا\nباع ابنُ طاهر دينَه عن بيعةٍ ... أمسى بها مُلكُ الإِمام مَنيعا\nخلعَ الخلافة والرعيّةَ فاغتدى ... من دينِ ربِّ محمدٍ مخلوعا\nفلْيَجْرَعنَّ بذاك كأسًا مُرَّةً ... وليُلفيَنَّ لتابعيه تبيعا\nوقال محمد بن مروان بن أبي الجَنوب بن مروان حين خلع المستعين، وصار إلى واسط:\nإنَّ الأُمورَ إلى المعتز قد رَجَعَتْ ... والمُستعان إلى حالاتِهِ رَجَعَا\nوكان يَعلمُ أنَ المُلكَ ليس له ... وأَنّه لَك لكنْ نفسَه خدعَا\nومالكُ المُلكِ مؤتيهِ ونازعُه ... آتاك مُلكًا ومنه الملك قد نَزَعا\nإنَّ الخلافةَ كانت لا تُلَائِمُهُ ... كانت كَذَاتِ حليل زُوّجَتْ مُتَعَا\nما كان أقبحَ عند الناسٍ بيعتَه ... وكان أحسَنَ قَوْلَ الناسِ قد خلِعا\nليتَ السَّفِينَ إلى قافٍ دفعْنَ به ... نفسي الفِداءُ لملَّاحٍ به دَفَعا\nكم ساسَ قبلكَ أمرَ الناس من ملك ... لو كان حُمّلَ ما حُمَّلتَه ظَلَعا","vol":"13","page":112},{"text":"أَمْسَى بكَ الناسُ بعد الضِّيق في سَعَةٍ ... واللهُ يَجعلُ بعد الضِّيق مُتَّسَعَا\nواللهُ يدفعُ عنك السّوءَ من مَلكٍ ... فإِنه بكَ عنَّا السوءَ قد دَفَعَا\nما ضاع مدحي ولا ضاعِ اصطناعُك لي ... وقد وَجَدْتُ بحمد اللهِ مُصْطَنعا\nفاردُدْ عليَّ بنجدٍ ضيْعة قبِضَتْ ... فإِنَّ مِثلكَ مثلي يُقطِعُ الضيَعا\nفإِنْ رَدَدْتَ إِمام العَدْلِ غَلَّتَها ... فاللهُ آنُفَ حُسَّادي بِه جَدَعَا\nوقال يمدح المعتزّ بعد خلع المستعين:\nقد عادَتِ الدنيا إلى حَالِهَا ... وسَرَّنا اللهُ بإِقبالِها\nدنيا بك - ﵀ - كفى أَهلها ... ما كان من شِدَّة أَهوالِها\nوكان قد ملَكَها جاهِلٌ ... لا تَصلُحُ الدُّنيا لجُهَّالِهَا\nقد كانتِ الدنيا به قُفِّلَتْ ... فكنتَ مِفتاحًا لأَقفالِهَا\nإِنَّ التي فُزتَ بها دُونَهُ ... عادَتْ إلى أحسَنِ أحوالِهَا\nخلافةٌ كنتَ حقيقًا بها ... فضَّلكَ اللهُ بِسِرْبالها\nفردَّه اللهُ إلى حالِه ... وردّها اللهُ إلى حالِهَا\nولم تكن أَوَّلَ عاريَّة ... رُدّتْ على رغْم إلى آلها\nواللهِ لو كان على قريةٍ ... ما كان يُجزِي بعضَ أَعمالها\nأدخلَ في الملكِ يدًا رعدَةً ... أخرجَها من بعدِ إِدخالها\nبَدَّلنا اللهُ به سيِّدًا ... أسكَنَ دُنيا بعد زلزالها\nبُدِّلَتِ الأُمَّةُ هذا بذَا ... كأنَّها في وقتِ دَجَّالِها\nوقامَ بالمُلكِ وأَثقالِه ... وقام بالحربِ وأَثقالها\nأَبْطلَ ما كان العِدَا أَمَّلوا ... رَمْيُكَ بالخيل وأبطالِهَا\nتُعمِلُ خَيْلًا طالَما نجحَتْ ... ما عَمِلَتْ خيلٌ كأعمالها\nوقال الوليد بن عبيد البحتريّ في خلع المستعين ومدح المعتز:\nأَلا هل أتاها أَنَّ مُظْلِمَةَ الدُّجى ... تَجلَّتْ وأَن العيشَ سُهّلَ جانبُهْ\nوأَنَّا ردَدْنا المُستَعارَ مُذَمَّمًا ... على أَهلِهِ واستأْنَفَ الحق صاحبُهْ\nعجبتُ لهذا الدّهر أعيَتْ صرُوفُه ... وما الدّهرُ إِلا صرْفُه وعجائبهُ\nمتى أَمَّلَ الدَّيّاك أن يُصطفى لَهُ ... عُرَى التَّاج أو يُثْنى عليه عصائِبُهْ\nوكيف ادَّعى حقَّ الخلافةِ غاصبٌ ... حَوَى دونه إِرثَ النبيِّ أقَاربُه","vol":"13","page":113},{"text":"بكى المِنبَرُ الشرقيُّ إِذْ خارَ فوقَه ... على النَّاسِ ثور قد تَدَلَّت غَبَاغبُهْ\nثَقيل على جنبِ الثرِيد مُراقبٌ ... لشخصِ الخوانِ يَبتَدِي فيُواثِبُهْ\nإذا ما احتشى من حاضِر الزَّادِ لم يملْ ... أضاءَ شِهَابُ المُلكِ أم كلَّ ثاقِبُه\nإذا بَكَّرَ الفرَّاشُ ينثو حديثَه ... تضاءَل مُطْريهِ وأطنَب عائبُهْ\nتَخَطَّى إلى الأَمْرِ الَّذي ليس أهلَهُ ... فَطوْرًا يُناغيه وطورًا يُشاغِبُهْ\nفكيف رأَيتَ الحق قَرَّ قرارُه ... وكَيْفَ رأيتَ الظُّلمَ زالتْ عواقبُهْ\nولم يكنِ المغْترُّ باللهِ إذ سَرَى ... ليُعجِزَ والمعتزُّ بالله طالِبُهْ\nرَمَى بالقضِيب عُنوةً وهوْ صاغرٌ ... وعُرِّيَ من بُرْدِ النَّبيّ مناكبُهْ\nوقد سرَّني أنْ قيل وُجِّه مسرعًا ... إلى الشَّرْقِ تُحْدَى سُفنُه وركائبُه\nإلى كَسْكَرٍ خَلْف الدَّجاج ولم يَكن ... لِتُنْشَبَ إلَّا في الدجاج مخالبُه\nوما لِحيَةُ القصَّارِ حيث تنفشَتْ ... بجالبةٍ خيرًا على من يناسِبُهْ\nيحوز ابن خَلّادٍ على الشّعْرِ عنْدَه ... ويُضحي شُجاعٌ وهو للجهل كاتِبُهْ\nفأقسمْتُ بالْوادِي الحَرامِ وما حَوَتْ ... أباطحُه من مَحْرَمٍ وأخاشبُهْ\nلقد حملَ المعتزُّ أمةَ أحمِدٍ ... على سَنَنٍ يَسرِي إلى الحقّ لاحِبُهْ\nتَدارَك دينَ الله من بعد ما عَفتْ ... معالِمُه فينَا وغارَت كواكبُهْ\nوضَمَّ شعاعَ المُلكِ حتى تَجمَّعتْ ... مشارِقُهُ موفورةً ومغارِبُهْ\n* * *\nوانصرف أبو الساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة، فقلّده محمد بن عبد الله معاون ما سقَى الفرات من السَّواد، فوجّه أبو الساج خليفةً له يقال له كربة إلى الأنبار، وجَّه قومًا من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة مع خليفة له، ووجَّه الحارث بن أسد في خمسمئة فارس وراجل، يستقرئ أعماله، ويطرد الأتراك والمغاربة عنها، وقد كانوا عاثوا في النواحي وتلصّصوا، ثم شخص أبو الساج من بغداد لثلاث خلوْن من ربيع الأول، ففرّق أصحابه في طساسيج الفرات، ونزل قصر ابن هبيرة؛ ثم صار إلى الكوفة، ووافى أبو أحمد سامرّا منصرفًا من معسكره إليها لإحدى عشرة بقيتْ من المحرّم، فخلع المعتزّ عليه ستة أثواب وسيفًا، وتُوِّج تاج ذهب بقلنسوة مجوهرة، ووُشِّح وشاحيْ ذهب بجوهر، وقُلِّد سيفًا آخر مرصّعًا بالجوهر، وأجلِس على كرسيّ، وخلع على الوجوه من القوّاد.","vol":"13","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2058>[ذكر خبر قتل شريح الحبشيّ]</span>\nوفيها قتل شريح الحبشيّ، وكان سبب ذلك أنه حين وقع الصّلْح، هرب في عِدّة من الحبَشة، فقطع الطريق فيما بين واسط وناحية الجبل والأهواز، ونزل قريةً من قُرى أمّ المتوكّل يقال لها ديري، فنزل في خانها في خمسة عشر رجلًا، فشربوا وسكروا، فوثب عليهم أهلُ القرية فكتّفوهم، وحملوهم إلى واسط، إلى منصور بن نصر، فحملهم منصور إلى بغداد، فأنفذهم محمد بن عبد الله إلى العسكر، فلمّا وصلوا قام بايكباك إلى شُريح، فوسَّطه بالسيف وصُلِب على خشبة بابك، وضرب أصحابه بالسياط ما بين الخمسمئة إلى الألف.\n* * *\nوفي شهر ربيع الآخر منها توفِّيَ عبيد الله بن يحيى بن خاقان في مدينة أبي جعفر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>[ذكر حال بُغا ووصيف]</span>\nوفيها كتب المعتزّ إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم بغا ووصيف ومن كان في رسمهما من الدواوين.\nذكر أن محمد بن أبي عون أحد قوّاد محمد بن عبد الله ناظره لمّا صار أبو أحمد إلى سامرّا في قتل بُغا ووَصيف، فوعَده أن يقتلهما؛ فبعث المعتزّ إلى محمد بن عبد الله بلواء، وعقد لمحمد بن أبي عون لواء على البصرة واليمامة والبحرين، فكتب قومٌ من أصحاب بُغا ووصيف إليهما بذلك، وحذّروهما محمدَ بن عبد الله؛ فركب وصيف وبُغا إليه يوم الثلاثاء لخمس بقين من ربيع الأول، فقال له بغا: بلَغنا أيها الأمير ما ضمنه ابن أبي عون من قتلنا؛ والقوم قد غدروا وخالفوا ما فارقونا عليه؛ والله لو أرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه، فحَلف لهما أنه ما علم بشيء من ذلك؛ وتكلّم بُغا بكلام شديد، ووصيف يكفُّه، وقال","vol":"13","page":115},{"text":"وصيف: أيّها الأمير، قد غدر القوم ونحن نُمسك ونقعد في منازلنا حتى يجيء مَنْ يقتلنا! وكانا دخلا مع جماعة، ثم رجعا إلى منازلهما، فجمعا جندهما ومواليَهما، وأخذا في الاستعداد وشِرَى السّلاح وتفريق الأموال في جيرانهما إلى سلخ ربيع، وكان وصيف وبُغا عند قدوم قُرْب وجَّه إليهما محمد بن عبد الله كاتبَه محمد بن عيسى، فأقبلا معه حتى صارا عند دار محمد بن عبد الله بقرْب الجسر، فلقيهما جعفر الكرديّ وابن خالد البرمكيّ؛ فتعلّق كلّ واحد منهما بلجام واحد منهما، وقال لهما: إنما دُعيتما لتحملا إلى العسكر؛ وقد أعدّ لكما لذلك قومٌ أو لتقتلا، فرجعا وجمعا جمعًا، وأجريا على كلّ رجل كلَّ يوم درهمين؛ فأقاما في منازلهما.\nوكان وصيف وجّه أختَه سعاد إلى المؤيد، وكان المؤيّد في حِجْرها، فأخرجت من قصر وصيف ألف ألف دينار كانت مدفونة فيه؛ فدفعتها إلى المؤيّد؛ فكلّم المؤيد المعتزَّ في الرضا عن وصيف؛ فكتب إليه بالرضا عنه؛ فضرب مضاربه بباب الشمّاسيّة على أن يخرج، وتكلّم أبو أحمد بن المتوكل في الرضا عن بغا، فكتب إليه بالرّضا، واضطرب أمرهما وهما مقيمان ببغداد.\nثم اجتمع على المعتزّ الأتراك فسألوه الأمْرَ بإحضارهما، وقالوا: هما كبيرانا ورئيسانا؛ فكتب إليهما بذلك، فجاء بالكتاب بايكباك في نحو من ثلثمئة رجل؛ فأقام بالبرَدان، ووجّه إليهما الكتاب لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة؛ فكتب إلى محمد بن عبد الله بِمنعهما، فوجَّها بكاتبيهما أحمد بن صالح ودُليل بن يعقوب إلى محمد بن عبد الله ليسأذناه؛ فأتاهما جيش من الأتراك، فنزلوا بالمصلَّى، وخرج وصيف وبُغا وأولادهما وفرسانهما في نحو من أربعمئة إنسان، وخلفَا في دورهما الثّقَل والعيال، ودعا أهل بغداد لهما ودعوْا لهم.\nوقد كان ابن طاهر وجّه محمد بن يحيى الواثقيّ وبندار الطبريّ إلى باب الشماسيّة وباب البردَان ليمنعوهما، ومضيا من باب خراسان، ونفذا ولم يعلم كاتباهما حتى قال محمد بن عبد الله لأحمد ودُليل: ما صنع صاحباكما؟ فقال أحمد بن صالح: خلّفتُ وصيفًا في منزله، قال: فإنه قد شخص الساعة، قال: ما علمتُ؛ فلمّا صار إلى سامُرّا بكّر أحمد بن إسرائيل يوم الأحد لتسع بقين من شوّال من هذه السنة في السَّحَر إلى وصيف، وأقام عنده مليًّا، ثم انصرف إلى بُغا","vol":"13","page":116},{"text":"فأقام عنده مليًّا، ثم صار إلى الدّار، فاجتمع الموالي وسألوا ردّهما إلى مراتبهما، فأجِيبوا إلى ذلك، وبعث إليهما، فحضرا ورتّبا في مرتبتهما التي كانت قبل مصيرهما إلى بغداد، وأمر بردّ ضياعهما، وخلع عليهما خلع المرتبة، ثم ركب المعتزّ إلى دار العامة، وعقد لبُغا ووصيف على أعمالهما وردّ ديوان البريد كما كان قبل إلى موسى بن بغا الكبير، فقبل موسى ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>[ذكر الفتنة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر]</span>\nوفي شهر رمضان من هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ورئيس الجند يومئذ ابن الخليل، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن المعتزّ كتب إلى محمد بن عبد الله في بيع غلّة طساسيج ضياع بادرويا وقُطْرُبّل ومَسْكِن وغيرها، كلّ كُرَّين بالمعدّل بخمسة وثلاثين دينارًا من غلّة سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وكان المعتزّ ولّى بريد بغداد رجلًا يقال له: صالح بن الهيثم، وكان أخوه منقطعًا إلى أتامش أيام المتوكل، فارتفع أمرُ صالح هذا أيام المستعين؛ وكان ممن أقام بسامرّا؛ وهو من أهل المخرّم، وكان أبوه حائكًا ثم صار يبيع الغزْل؛ ثم انتقل أخوه إليه لمّا ارتفع، فلما أقدم ببغداد كُتِبَ إليه يُؤمر أن يقرأ الكتاب على قوّاد أهل بغداد كعتّاب بن عتاب ومحمد بن يحيى الواثقيّ ومحمد بن هرثمة ومحمد بن رجاء وشعيب بن عجيب ونظرائهم، فقرأه عليهم، فصاروا إلى محمد بن عبد الله، فأخبروه؛ فأمر محمد بن عبد الله فأحضر صالح بن الهيثم، وقال: ما حملك على هذا بغير علمي! وتهدّده وأسمعه، وقال للقوّاد: انتظروا حتى أرى رأي، وآمركم بما أعزم عليه، فانصرفوا من عنده على ذلك، وشخص بعد ذلك، واجتمع الفروض والشاكريّة والنائبة إلى باب محمد بن عبد الله يطلبون أرزاقهم لعشر خَلوْن من شهر رمضان؛ فأخبرهم أنّ كتاب الخليفة ورد عليه، جوابَ كتاب له كان كتب بمسألة أرزاق جند بغداد، إن كنتَ فرضت الفروض لنفسك، فأعطِهم أرزاقهم؛ وإن كنت فرضتَ لنا فلا حاجة لنا فيهم، فلما ورد الكتاب عليه أخرج لهم بعد شغَبهم بيوم ألفي دينار، فوُضعت لهم ثم سكنوا.","vol":"13","page":117},{"text":"ثم اجتمعوا لإحدى عشرة خلت من شهر رمضان؛ ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا المضارب والخيم على باب حرْب وباب الشمّاسية وغيرهما، وبنوا بيوتًا من بوارِيّ وقصب، وباتوا ليلَتهم فلما أصبحوا كثُر جمعهم، وبيَّت ابنُ طاهر قومًا من خاصّته في داره، وأعطاهم درهمًا درهمًا؛ فلما أصبحوا مضوا من داره إلى المشغّبة؛ فصاروا معهم فجمع ابن طاهر جنده القادمين معه من خُراسان، وأعطاهم لشهرين، وأعطى جند بغداد القدماء؛ الفارس دِينارين والراجلَ دينارًا، وشحَن داره بالرجال؛ فلما كان يوم الجمعة اجتمع من المشغّبة خلق كثير بباب حرب بالسلاح والأعلام والطبول، ورئيسهم رجل يقال له عبدان بن الموفّق، ويكنى أبا القاسم وكان من أثبات عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان ديوان عبدان في ديوان وصيف، فقدم بغداد، فباع دارًا له بمئة ألف دينار، فشخص إلى سامُرّا؛ فلما وثبت الشاكريّة بباب العامة كان معهم، فضربه سعيد الحاجب خمسمئة سوط، وحبسه حبسًا طويلًا، ثم أطلق، فلما كان فتنة المستعين صار إلى بغداد، وانضمّ إليه هؤلاء المشغّبة، فحضَّهم على الطلب بأرزاقهم، وفائتهم، وضمن لهم أن يكون لهم رأسًا يدبّر أمرهم فأجابوه إلى ذلك؛ فأنفق عليهم يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة نحوًا من ثلاثين دينارًا فيما أقام لهم من الطعام، ومَنْ كانت لهم كفاية لم يحتج إلى نفقته؛ فكان ينصرف إلى منزله، فلمّا كان يوم الجمعة اجتمعتْ منهم جماعة كثيرة، وعزموا على المصير إلى المدينة ليمضوا إلى الإمام فيمنعوه من الصَّلاة والدعاء للمعتزّ، فساروا على تعبية في شارع باب حَرْب؛ حتى انتهوْا إلى باب المدينة في شارع باب الشأم، وجعل أبو القاسم هذا على كلّ درب يمرّ به قومًا من المشغبة من بين رامح وصاحب سيف ليحفظوا الدروب؛ كيلا يخرج منها أحد لقتالهم.\nولمّا انتهى إلى باب المدينة دخل معهم المدينة جماعة كثيرة، فصاروا بين البابين وبين الطّاقات فأقاموا هناك ساعة، ثم وجّهوا جماعة منهم يكونون نحوًا من ثلثمئة رجل بالسلاح إلى رُحْبة الجامع بالمدينة؛ ودخل معهم من العامة خلْق كثير، فأقاموا في الرّحبة، وصاروا إلى جعفر بن العباس الإمام، فأعلموه أنهم لا يمنعونه من الصَّلاة، وأنهم يمنعونه من الدعاء للمعتزّ، فأعلمهم جعفر أنه مريض لا يقدر على الخروج إلى الصلاة، فانصرفوا عنه، وصاروا إلى درب","vol":"13","page":118},{"text":"أسد بن مرزبان، فشحنوا الشارع النافذ إلى درب الرقيق، ووكّلوا بباب درب سليمان بن أبي جعفر جماعة، ثم مضوْا يريدون الجسر في شارع الحدّادين، فوجّه إليهم ابن طاهر عِدّة من قوّاده فيهم الحسين بن إسماعيل والعباس بن قارن وعليّ بن جهشيار وعبد الله بن الأفشين في جماعة من الفرسان، فناظروهم ودفعوهم دفعًا رفيقًا، وحمل عليهم الجند والشاكريّة حملة جرحوا فيها جماعة من قوّاد ابن طاهر، وأخذوا دابة ابن فلان وابن جهشيار ورجلٍ من فرض عبيد الله بن يحيى من الشأميين يقال له سعد الضبابيّ، وجرحوا المعروف بأبي السنا، ودفعوهم عن الجسر حتى صيّروهم إلى باب عمرو بن مسعدة.\nفلما رأى الذين بالجانب الشرقيّ منهم أنّ أصحابهم قد أزالوا أصحابَ ابن طاهر عن الجِسْر كبّروا، وحملوا يريدون العبور إلى أصحابهم؛ وكان ابن طاهر قد أعدّ سفينة فيها شوك وقصب ليُضرِم فيها النار، ويرسلها إلى الجسر الأعلى؛ ففعل ذلك، فأحرقت عامة سفنه وقطعته؛ وصارت إلى الآخر، فأدركها أهلُ الجانب الغربيّ، ففرّقوها وأطفؤوا النار التي تعلّقت بسفن الجسر، وعبر من الجانب الشرقيّ إلى الجانب الغربيّ خلْق كثير، ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن ساباط عمرو بن مسعدة، وصاروا إلى باب ابن طاهر، وصار الشاكريَّة والجند إلى ساباط عمرو بن مسعدة، وقُتِل من الفريقين إلى الظهر نحو من عشرة نفر، وصار جماعة من الغوغاء والعامة إلى المجلس الذي يعرَف بمجلس الشرْطة في الجسر من الجانب الغربيّ إلى بيت يقال له بيت الرفوع، فكسروا الباب، وانتهبوا ما فيه؛ وكان فيه أصناف من المتاع، فاقتتلوا عليه فلم يتركوا فيه شيئًا، وكان كثيرًا جليلًا، وأحرق ابنُ طاهر الجسرين لمّا رأى الجند قد ظهروا على أصحابه، وأمر بالحوانيت التي على باب الجسر التي تتصل بدرب سليمان أن تحرَق يمنة ويسرة، ففعل فاحترق فيها للتجار متاع كثير، وتهدّم حيطان مجلس صاحب الشرطة؛ فلمّا ضُربت الحوانيت بالنار حالت النار بين الفريقين، وكبّرت الجند عند ذلك تكبيرة شديدة؛ ثم انصرفوا إلى معسكرهم بباب حرب، وصار الحسين بن إسماعيل مع جماعة من القوّاد والشاكرية إلى باب الشأم، فوقَف على التّجار والعامة فوبّخهم على معونتهم الجندَ، وقال: هؤلاء قاتلوا على خبزهم وهم معذُورون؛ وأنتم جيران الأمير ومَنْ يجب عليه نُصرته، فلِمَ فعلتم","vol":"13","page":119},{"text":"ما فعلتم، وأعنتم الشاكرية عليه ورميتم بالحجارة، والأمير متحوّل عنكم! ثم صار محمد بن أبي عون إليهم، فقال لهم مثل ذلك؛ وانصرف إلى ابن طاهر؛ فمكث الجُند المشتَغبون في مواضِعهم ومعسكرهم، وانضمّ إلى ابن طاهر جماعة من الأثبات وجَمَع جميع أصحابه، فجعل بعضهم في داره، وبعضهم في الشارع النافذ من الجسر إلى داره، قد عبّأهم تعبية الحرب، حذارًا من كَرّة الجند عليه أيامًا؛ فلم يكن لهم عودة؛ فصار في بعض الأيام التي كان من عودتهم ابنُ طاهر على وَجَلٍ - فيما ذكر - رجلان من المشغّبة استأمنا إليه، فأخبراه بعورة أصحابهما، فأمر لهما بمئتي دينار، ثم أمر الشاه بن ميكال والحسين بن إسماعيل بعد العشاء الآخرة بالمصير في جماعة من أصحابهما إلى باب حَرْب، فتلطَّفا لأبي القاسم رئيس القوم وابن الخليل - وكان من أصحاب محمد بن أبي عون - فصاروا إلى ما هناك؛ وكان أبو القاسم وابن الخليل قد صار كلُّ واحد منهما عند مفارقة الرَّجلين اللذيْن صارا إلى ابن طاهر ورجل آخر يقال له القُمّيّ؛ وتفرَّق الشاكريّة عنهما إلى ناحية خوفًا على أنفسهم، فمضى الشاه والحسين في طلبهما حتى خرجا من باب الأنبار، وتوجّها نحو جسر بَطَاطِيا، فذُكر أن ابن الخليل استقبلهما قبل أن يصيرا إلى جسر بطاطِيا، فصاح بهما ابن الخليل وبمَنْ معهما من هؤلاء، وصاحوا به؛ فلمَّا عرفهم حمل عليهم، فجرح منهم عدّة، فأحدقوا به، وصار في وسط القوم، فطعنه رجل من أصحاب الشاه، فرمى به إلى الأرض، فبَعَجه عليّ بن جهشيار بالسَّيْف وهو في الأرض، ثم حُمل على بغل وبه رَمق، فلم يصلوا به إلى ابن طاهر حتى قَضَى، وأمر الشاه بطرحه في كَنيِف في دهليز الدَّار إلى أن حُمل إلى الجانب الشرقيّ؛ وأما عبدان بن الموفّق فإنه كان قد صار إلى منزله وإلى موضع اختفى فيه، فدُلَّ عليه، وأخِذ وحُمل إلى ابن طاهر، وتفرّق الشاكريّة الذين كانوا بباب حرب، وصاروا إلى منازلهم، وقُيَّد عبدان بن الموفق بقيدين فيهما ثلاثون رطلًا، ثم صار الحسين بن إسماعيل إلى الحبس الذي هو فيه في دار العامة، وقعد على كرسيّ، ودعا به؛ فسأله: هل هو دسيس لأحد، أو فعل ما فعل من قِبَل نفسه؟ فأخبره أنه لم يدسّه أحد؛ وإنما هو رجل من الشاكريّة طلب بخبزه، فرجع الحسين إلى ابن طاهر فأعلمه ذلك، فخرج طاهر بن محمد وأخوه إلى دار العامة الداخلة، فقعدا وأحضرا مَنْ بات في الدار من القواد والحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال، وأحضرا عبدانَ،","vol":"13","page":120},{"text":"فحمله رجلان، فكان المخاطب له الحسين، فقال: أنت رئيس القوم؟ فقال: لا؛ إنما أنا رجل منهم؛ طلبت ما طلبُوا، فشتمه الحسين، وقال حرب بن محمد بن عبد الله بن حرب: كذبت، بل أنت رئيس القوم؛ وقد رأيناك تعبِّيهم بباب حرب وفي المدينة وباب الشأم، فقال: ما كنت لهم برأس؛ وإنما أنا رجل منهم؛ طلبت ما طلبوا فأعاد عليه الحسين الشّتم، وأمر بصفعه فصُفع، وأمر بسحبه فسُحب بقيوده إلى أن أُخرِج من الدار، وشتمه كلُّ من لحقه، ودخل طاهر بن محمد إلى أبيه فأخبره خبَره، وحمل عبدان على بغل؛ ومُضِي به إلى الحبس، وحمل ابن الخليل في زورق عُبِرَ به إلى الجانب الشرقيُّ، وصلب؛ وأمر بعبدان فجرِّد وضرب مئة سوط بثمارها، وأراد الحسين قتله، فقال لمحمد بن نصر: ما ترى في ضربه خمسين سوطًا على خاصرته؟ فقال له محمد: هذا شهر عظيم؛ ولا يحلّ لك أن تصنع به هذا؛ فأمر به فصُلِب حيًّا، وحُمِل على سلّم حتى صلِب على الجسر، وربِط بالحبال، فاستسقى بعد ما صُلِب، فمنعه الحسين فقيل له: إن شرب الماء مات، قال: فاسقوه إذًا؛ فسقوْه، فتُرك مصلوبًا إلى وقت العصر، ثم حُبِس؛ فلم يزل في الحبس يومين ثم مات اليوم الثالث مع الظهر؛ وأمر بصلبه على الخشبة التي كان صُلِب عليها ابن الخليل، ودُفع ابن الخليل إلى أوليائه فدُفن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>[ذكر الخبر عن خلع المؤيد ثم موته]</span>\nوفي رجب من هذه السنة خَلَع المعتزّ المؤيدَ أخاه من ولاية العهد بعهده (١).\n* ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه:\nكان السبب في ذلك - فيما بلغنا - أنَّ العلاء بن أحمد عامل إرِمينيَة بعث إلى إبراهيم المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره، فبعث ابن فرّخانشاه إليه، فأخذها فأغرى المؤيد الأتراك بعيسى بن فرّخاشاه، وخالفهم المغاربة، فبعث المعتزّ إلى أخويه: المؤيد وأبي أحمد؛ فحبسهما في الجوْسق، وقيّد المؤيد\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥٥).","vol":"13","page":121},{"text":"وصيّره في حجرة ضيّقة، وأدرّ العطاء للأتراك والمغاربة، وحبس كنجور حاجب المؤيد، وضربه خمسين مقرعة، وضرب خليفته أبا الهول خمسمئة سَوْط وطُوِّف به على جمل، ثم رضيَ عنه وعن كَنجور، فصُرِف إلى منزله.\nوقد ذكر أنه ضرب أخاه المؤيد أربعين مقرعة، ثم خُلع بسامرّا يوم الجمعة لسبع خلوْن من رجب، وخُلع ببغداد يوم الأحد لإحدى عشرة خلتْ من رجب، وأخِذت رقعة بخطه بخلْع نفسه.\nولست بقين من رجب من هذه السنة - وقيل لثمان بقين منه - كانت وفاة إبراهيم بن جعفر المعروف بالمؤيد.\n* ذكر الخبر عن سبب وفاته:\nذكر أنّ امرأة من نساء الأتراك جاءت محمد بن راشد المغربيّ، فأخبرته أن الأتراك يريدون إخراج إبراهيم المؤيد من الحبْس؛ وركب محمد بن راشد إلى المعتزّ، فأعلمه ذلك، فدعى بموسى بن بُغا، فسأله فأنكر، وقال: يا أمير المؤمنين، إنما أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكِّل لأنسهم به كان في الحرب التي كانت، وأما المؤيد فلا، فلما كان يوم الخيمس لثمان بَقِين من رجب دعا بالقضاة والفقهاء والشهود والوجوه، فأخرج إليهم إبراهيم المؤيد ميّتًا لا أثر به ولا جرح، وحمِل إلى أمه إسحاق - وهي أمّ أبي أحمد - على حمار، وحُمِل معه كفن وحنوط وأمر بدفنه، وحوّل أبو أحمد إلى الحجرة التي كان فيها المؤيد.\nوذكر أنّ المؤيد أدرج في لحاف سمّور، ثم أمسِك طرفاه حتى مات.\nوقيل: إنه أقْعِدَ في حَجَر من ثلج، ونضِّدت عليه حجارة الثلج فمات بردًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2062>[ذكر الخبر عن مقتل المستعين]</span>\nوفي شوال منها قتِل أحمد بن محمد المستعين (١).\n_________\n(١) انظر لمقتله تأريخ بغداد (٥/ ٨٥) والبداية والنهاية (٨/ ٢٢) والمنتظم [١٢/ ٥٦] وقد أخرج الخطيب البغدادي (٥/ ٨٥) ومن طريقه ابن الجوزي (١٢/ ٥٦) عن ابن أبي الدنيا قال: قتل المستعين بموضع يقال له القادسية في طريق سامراء، في شوال سنة اثنتين وخمسين ومئتين) =","vol":"13","page":122},{"text":"* ذكر الخبر عن قتله:\nذُكر أن المعتزّ لما همَّ بقتل المستعين، ورد كتابه على محمد بن عبد الله بن طاهر بنكبته، وأمره بتوجيه أصحاب معاونه في الطسَاسيج، ثم ورد عليه منه بعد ذلك كتاب مع خادم يدعى سيما، يُؤمَر فيه بالكتاب إلى منصور بن نضر بن حمزة - وهو على واسط - بتسليم المستعين إليه؛ وكان المستعين بها مقيمًا، وكان الموكَّل به ابن أبي خميصة وابن المظفَّر بن سيل ومنصور بن نصر بن حمزة وصاحب البريد؛ فكتب محمد في تسليم المستعين إليه، ثم وجّه - فيما قيل - أحمد بن طولون التركيّ في جيش، فأخرج المستعين لستّ بقين من شهر رمضان، فوافى به القاطول لثلاث خلوْن من شوال.\nوقيل إن أحمد بن طولون كان موكَّلًا بالمستعين، فوجّه سعيد بن صالح إلى المستعين في حَمْلِه، فصار إليه سعيد فحمله.\nوقيل إن سعيدًا إنما تسلّم المستعين من ابن طولون في القاطول بعدما صار به ابن طولون إليها، ثم اختُلف في أمرهما، فقال بعضهم: قتله سعيد بالقاطول؛ فلمّا كان غد اليوم الذي قتله فيه أحضر جواريَه وقال: انظرنَ إلى مولاكنّ قد مات. وقد قال بعضهم: بل أدخله سعيد وابن طولون سامرّا، ثم صار به سعيد إلى المنزل له فعذّبه حتى مات.\nوقيل: بل ركب معه في زورق ومعه عدّة حتى حاذى به فم دُجَيل؛ شدّ في رجله حجرًا، وألقاه في الماء.\nوذُكر عن متطبّب كان مع المستعين نصرانيّ يقال له فضلان، أنه قال: كنتُ معه حين حمل، وأنه أخذ به على طريق سامُرّا، فلما انتهى إلى نهرٍ نظر إلى موكب وأعلام وجماعة، فقال لفضلان: تقدم فانظر مَنْ هذا؛ فإن كان سعيدًا فقد ذهبتْ نفسي؛ قال فضلان، فتقدّمت إلى أوّل الجيش، فسألتهم فقالوا: سعيد الحاجب، فرجعت إليه فأعلمته - وكان في قبّة تعادله امرأة - فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت نفسي والله! وتأخرت عنه قليلًا.\n_________\n= ا. هـ أما ما ذكره الطبري عن علة وفاته وكيفية ذلك فلم يصح كما هو الحال في الأخبار السابقة في كيفية وفاة بقية الخلفاء والله أعلم.","vol":"13","page":123},{"text":"قال: فلقيَه أوّل الجيش، فأقاموا عليه وأنزلوه ودابته، فضربوه ضربة بالسيف، فصاح وصاحت دابته، ثم قُتِل؛ فلما قُتِل انصرف الجيش.\nقال: فصرت إلى الموضع، فإذا هو مقتول في سراويل بلا رأس؛ وإذا المرأة مقتولة، وبها عدّة ضربات، فطرحنا عليهما نحن تراب النَّهر حتى واريناهما، ثم انصرفنا.\nقال: وأتِيَ المعتزّ برأسه وهو يلعب بالشطرنج؛ فقيل: هذا رأس المخلوع فقال: ضعوه هنالك، ثم فرغ من لعبه، ودعا به فنظر إليه، ثم أمر بدفنه وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم ووُلِّي معونة البصرة.\nوذكر عن بعض غلمان المستعين أنّ سعيدًا لما استقبله أنزله ووكّل به رجلًا من الأتراك يقتله، فسأله أن يمهله حتى يُصَلّيَ ركعتين؛ وكانت عليه جبة، فسأل سعيد التركيّ الموكل بقتله أن يطلبها منه قبل قتله، ففعل ذلك، فلما سجد في الركعة الثانية قتله واحتز رأسه، وأمر بدفنه، وخفيَ مكانه.\nوقال محمد بن مروان بن أبي الجَنُوب بن مروان بن أبي حفصة في أمرِ المؤيّد ويمدح المعتزّ:\nأَنتَ الذي يُمسكُ الدُّنيا إذا اضطرَبت ... يا مُمْسكَ الدّينِ والدّنيا إذا اضْطَرَبا\nإنَّ الرَّعيّة - أَبْقَاكَ الإِله لَهَا - ... ترْجو بِعَدْلك أَن تبقى لها حِقَبَا\nلَقَدْ عُنِيتَ بحربٍ غير هَيّنَة ... وكان عُودُك نَبْعًا لم يكن غرَبا\nما كنتَ أولَ رأسٍ خانهُ ذنَبٌ ... والرأسَ كنتَ وكان النَّاكثُ الذَّنَبَا\nلَوْ كانَ تمَّ له ما كان دَبَّرَهُ ... لأصبحَ المُلكُ والإِسلامُ قد ذهَبا\nأرَاد يُهلكُ دُنيانا ويُعْطِبُها ... وقَدْ أرادَ هَلَاكَ الدِّين والعَطَبْا\nلمّا أراد وثُوبًا من سَفَاهتهِ ... أمسَى عليه إِمامُ الْعَدْلِ قد وَثَبَا\nلَقَدْ رَمَاكَ بسهْمٍ لم يُصِبْكَ به ... ومنْ رَمَاك عليه سهمهُ انقلبا\nلَقَدْ رَعَيْتَ له ما كان من سببٍ ... فَمَا رَعَى لكَ إِحسانًا ولا سَببَا\nكحُسْنِ فعلِك لم يفعلْ أَخٌ بأَخٍ ... كُنَّا لِذَاك شهودًا لم نكن غيبَا\nقَدْ كُنتَ مشتغلًا بالحرب ذا تَعبٍ ... وكانَ يَلْعبُ ما كلّفتهُ تَعبا\nقَدْ كان يَا ذَا النَّدَى يُعْطَى بلا طلبٍ ... وكنتَ يا ذَا الندَى تعطيهِ ما طلبا\nوكنتَ أكثرَ بِرًّا من أَبيه به ... ولم تكن بأخٍ في البِرّ كنتَ أَبا","vol":"13","page":124},{"text":"وكان قرْبَ سَريرِ الملكِ مَجلِسُهُ ... فَقَدْ تباعدَ منه بعدَ ما اقتربا\nوكان في نِعَيم زالت وكان له ... بابٌ يُزارُ فأَمسى اليومَ مُحْتَجَبَا\nأَمسَى وحيدًا وقد كانتْ مواكبُه ... عشرينَ ألفًا تراهمْ خلفَهُ عُصَبا\nأَين الصُّفوفُ الَّتي كانت تقومُ له ... كما يقومُ إذا ما جاءَ أو ذهبا\nوذلَّ بعدَ تَمادِيهِ ونَخْوَتِهِ ... كالحوتِ أصبح عنه الماءُ قد نَضَبَا\nوقد فسَخْتَ عن الأَعناقِ بَيعَتَهُ ... فلا خطيبَ له يدعو إذا اختطبا\nلَقَّبتَهُ لَقبًا من بعدِ إِمْرَتِهِ ... والله بدَّلهُ بالإِمْرَةِ اللَّقبَا\nكَسَوْتَهُ ثوبَ عزٍّ فاستهانَ بِهِ ... ولم يَصُنهُ فأَمْسَى عنه مُغتَصَبا\nكم نعمةٍ لَكَ فيها كنتَ تشركَه ... واللهُ أخرجهُ منها بما اكتسبَا\nشبّهتَهُ بِسراجٍ كانَ ذا لَهَبٍ ... فما ترَكتَ له نورًا ولا لهبًا\nأَمسَتْ قطيعةُ إبراهيمَ قد قَطَعتْ ... حبلَ الصَّفاء وحبل الوُدِّ فانقَضبا\nوما تؤاخِذُ يا حِلفَ النَّدَى أحدًا ... حَتَّى تُبيّن فيه النَّكثَ والرِّيَبَا\nإني بمدْح بني العباس ذُو حسبٍ ... وكان مدْح بني العباسِ لي حَسبا\nإنَّ التُّقَى يا بنِي العبَّاس أدَّبكمْ ... حتى استفادتْ قريش منكُمُ الأَدبا\nمَنْ كان مُقتَضبًا في حوْلِ مدحكمُ ... فلستُ فيه بحمْدِ اللهِ مُقتضَبَا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>[أمر المعتزّ مع أهل بغداد]</span>\nذُكر عن أبي عبد الرحمن الفانيّ أنّ فتىً من أهل سامُرّا أملى عليه مما عمله بعض أهلها عن ألسن الأتراك أن المعتزّ لمّا أفضت إليه الخلافة، وقلده الله القيام بأمر عباده في المشارق والمغارب، والبرّ والبحر، والبدو والحضر، والسهل والجبل، تألّم بسوء اختيار أهل بغداد وفتنتهم، فأمر المعتزّ بالله بإحضار جماعة ممّن صَفَتْ أذهانهم، ورقَّتْ طبائعهم، ولطف ظَنُّهم، وصحَّتْ نحائزهم، وجادت غرائزهم، وكملت عقولهم بالمشورة، فقال أمير المؤمنين: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقهم، وغار شأوُهم؛ الهَمَج الطغام، والأوغاد الذين لا مُسْكَة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم؛ قد زيّن لهم تقحّمُ الخطأ سوءَ أعمالهم، فهم الأقلُّون وإن كَثروا والمذمومون إن ذُكروا؛ وقد علمت أنه","vol":"13","page":125},{"text":"لا يصلح لقود الجيش وسدّ الثغور وإبرام الأمور وتدبير الأقاليم إلَّا رجل قد تكامَلَتْ فيه خلالٌ أربع: حَزْمٌ يُقَيِّف به عند موارد الأمور حقائق مصادرها، وعلم يحجزه عن التهوّر والتغرير في الأشياء إلَّا مع إمكان فرصتها، وشجاعة لا ينقصها الملمّات مع تواتر حوائجها، وجودٌ يَهون به تبذير جلائل الأموال عند سؤالها، وأما الثلاث، فسرعة مكافأة الإحسان إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة على أهل الزّيغ والعدوان، والاستعداد للحوادث؛ إذ لا تؤمن من نوائب الزمان، وأما الاثنتان؛ فإسقاط الحاجب عن الرّعيّة، والحكم بين القويّ والضعيف بالسويّة، وأما الواحدة فالتيقظ في الأمور مع عدم تأخير عمل اليوم لغد؛ فما ترون؛ وقد اخترت رجالًا لهم من مواليّ، أحدهم شديد الشكيمة، ماضي العزيمة، لا تبطِره السرّاء، ولا تدهشه الضرّاء، لا يهاب ما وراءه، ولا يهوله ما تلقاءه، وهو كالحريش في أصل السِّلام؛ إن حُرّك حمل، وإن نهش قتل؛ عُدّته عتيدة، ونقمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العدد بقلب أشدّ من الحديد، طالبٌ للثأر، لا يفلّه العساكر، باسلُ البأس، مقتضب الأنفاس لا يعوزه ما طلَب، ولا يفوته من هرب؛ وارِي الزناد، مُطّلع العِماد، لا تُشْرهه الرّغائب، ولا تُعجزه النوائب؛ إن وليَ كفى، وإن وعد وَفى، وإن نازل فبطل، وإن قال فعل، ظِلّه لوليه ظليل، وبأسه في الهياج عليه دليل؛ يفوق مَنْ ساماه، ويُعجز مَنْ ناواه، ويُتعب مَنْ جاراه، وينعش منْ والاه.\nفقام إليه رجل من القوم، فقال: قد جمع الله فيك يا أمير المؤمنين فضائل الأدب، وخَصّك بإرث النبوّة، وألقى إليك أزمّة الحكمة، ووفّر نصيبَك من حِباء الكرامة؛ وفسَّح لك في الفَهْم، ونوّر قلبك بأنفس العلوم وصفاء الذهن؛ فأفصح عن القلب البيانُ، وأدرك فهمك يا أمير المؤمنين ما والله خبئ على من لم يُحْبَ بما حُبيتَ من المنن العظام، والأيادي الجسام، والفضائل المحمودة، وشرف الطباع، فنطَقت الحكمة على لسانك، فما ظننتَه فهو صواب، وما فهمته فهو الحقّ الذي لا يعاب، وأنت والله يا أمير المؤمنين نسيجُ وحدِه، وقَريع دهرِه، لا يبلغ كليَّة فضله الوصفُ، ولا يحصر أجزاء شرف فضله النعت.\nثم أمر أمير المؤمنين بالعقد لأنصاره على النواحي، وأطلقهم في أشعار","vol":"13","page":126},{"text":"أعدائهم وأبشارهم ودمائهم، فلما بلغ محمد بن عبد الله ما أمر به في النواحي أنشأ كتابًا نسخته:\nأما بعد فإنّ زيغْ الهوى صَدَفَ بكم عن حَزْم الرّأي، فأقحمكم حبائل الخطأ، ولو ملَّكتُم الحقّ عليكم، وحكمتم به فيكم لأوردكم البصيرةَ، ونفى عنكم غيابة الحَيْرة، والآن فإن تجنحوا للسَّلم تحقنوا دماءكم، وترغدوا عيشكم، ويصفح أمير المؤمنين عن جريرة جارِمكم؛ وأخْلَى لكم ذِرْوة سُبوغ النعمة عليكم، وإن مضيتم على غُلَوائكم، وسوَّل لكم الأمل أسوأ أعمالِكم، فائْذنوا بحرب من الله ورسوله، بعد نَبْذ المعذرة إليكم، وإقامة الحجة عليكم، ولئن شُنّت الغارات، وشبّ ضُرام الحرب، ودارت رحاها على قطبها، وحسمت الصوارم أوصال حُماتها واستجرّت العوالي مَنْ نهمها، ودُعَيت نزال، والتحم الأبطال، وكلحت الحرب عن أنيابها أشداقَها، وألقت للتجرّد عنها قِنَاعها، واختلفت أعناق الخيل، وزحف أهل النجدة إلى أهل البغي، لتعلمنّ أيّ الفريقين أسمح بالموت نفسًا، وأشدّ عند اللقاء بطشًا، ولات حين معذرة، ولا قبول فدية! وقد أعذر مَنْ أنذر؛ وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلَب ينقلبون!\nفبلغ كتاب محمد بن عبد الله الأتراكَ، فكتبوا جواب كتابه:\nإن شخص الباطل تصوَّر لك في صورة الحقّ، فتخيّل لك الغيّ رشدًا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ولو راجعتَ عُزوب عقلك أنار لك برهان البصيرة، وحسم عنك موادّ الشبهة؛ ولكن حِصْت عن سنّة الحقيقة، ونكصت على عقبيك لِمَا ملك طباعك مِنْ دواعي الحيرة؛ فكنت في الإصغاء لهتافه والتجرّد إلى وروده كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، ولعمرك يا محمد؛ لقد وَرَد وعدُك لنا ووعيدُك إيانا، فلم يُدنِنَا منك، ولم يُنئنا عنك، إذ كان فحصُ اليقين قد كشف عن مكنون ضميرك، وألفاك كالمكتفِي بالبرق نَهْجًا؛ إذا أضاء له مَشى فيه، وإذا أظلم عليه قام، ولعمرُك لئن اشتدَّ في البغي شأوُكَ، ومتعت بصُبابة من الأمل ليكونن أمرك عليك غمة؛ ولنأتينّك بجنود لا قبل لك بها، ولنُخرجنّك منها ذليلًا، وأنت من الصاغرين، ولولا انتظارنا كتابَ أمير المؤمنين بإعلامنا ما نعمل في شاكلته، بلغْنا بالسّيَاط النياط، وغمدْنا السيوف وهي كالّة، وجعلنا عاليها سافلها، وجعلناها مأوى الظّلمان","vol":"13","page":127},{"text":"والحيات والبوم؛ وقد ناديناك من كَثب، وأسمعناك إن كنت حيًّا، فإن تجب تُفلح، وإن تأب إلَّا غيًّا نخزك به، وعمّا قليل لتصبحُنّ نادمين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>[وقوع الفتنة بين الأتراك والمغاربة]</span>\nوفي أوّل يَوْم من رجب من هذه السنة كانت بين المغاربة والأتراك ملحَمة؛ وذلك أنّ المغاربة اجتمعت فيه مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد؛ فغلبوا الأتراك على الجوْسَق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: في كلّ يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، وتقتلون وزيرًا! وكانوا قد وثبوا على عيسى بن فرّخانشاه؛ فتناولوه بالضَّرْب، وأخذوا دوابّه، ولما أخرجت المغاربة الأتراكَ من الجوْسق، وغلبوهم على بيت المال، أخذوا خمسين دابة مما كان الأتراك يركبونها؛ فاجتمع الأتراك، وأرسلوا إلى مَنْ بالكرخ والدّور منهم، فتلاقوا هم والمغاربة، فقتِل من المغاربة رجلٌ، فأخذت المغاربة قاتله، وأعانت المغاربة الغوْغاء والشاكريّة، فضعف الأتراك، وانقادوا للمغاربة، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بين الفريقين، فاصطلحوا على ألا يُحْدِثوا شيئًا، ويكون في كلّ موضع يكون فيه رجل من قِبَل أحد الفريقين يكون فيه آخر من الفريق الآخر؛ فمكثوا على ذلك مُدَيدة.\nوبلغ الأتراكَ اجتماعُ المغاربة إلى محمد بن راشد ونصر بن سعيد، واجتمع الأتراك إلى بايكباك، فقالوا: نطلب هذين الرأسين؛ فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق؛ وكان محمد بن راشد ونصر بن سعيد قد اجتمعا في صدر اليوم الذي عَزَم الأتراك فيه على الوثوب بهما، ثم انصرفا إلى منازلهما، فبلغهما أن بايكباك قد صار إلى منزل ابن راشد، فعدل محمد بن راشد ونصر بن سعيد إلى منزل محمد بن عزّون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك، ثم يرجعا إلى جمعهما، فغمز إلى بايكباك رجلٌ، ودله عليهما، وقيل إن ابن عزّون هو الذي دسّ من دلّ بايكباك والأتراك عليهما؛ فأخذهما الأتراك فقتلوهما؛ فبلغ ذلك المعتزّ، فأراد قتل ابن عزون، فكلِّم فيه فنفاه إلى بغداد.\n* * *","vol":"13","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2065>[ذكر خبر حمل الطالبيّين من بغداد إلى سامرّا]</span>\nوفيها حُمل محمد بن عليّ بن خلف العطار وجماعة من الطالبيين من بغداد إلى سامُرّا، فيهم أبو أحمد محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وحمل معهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ وذلك لثمانٍ خلون من شعبان منها.\n* ذكر السبب في حملهم:\nوكان السبب - فيما ذكر - أنّ رجلًا مَن الطالبيين شخص من بغداد في جماعة من الجيشية والشاكريّة إلى ناحية الكوفة، وكانت الكوفة وسوادها من عمل أبي الساج في تلك الأيام؛ وكان مقيمًا ببغداد لمناظرة ابن طاهر إياه في الخروج إلى الريّ، فلما بلغ ابنَ طاهر خبرُ الطالبيّ الشاخص من بغداد إلى ناحية الكوفة، أمر أبا الساج بالشخوص إلى عمله بالكوفة، فقدّم أبو الساج خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة، فلقيَ أبا الساج أبو هاشم الجعفريّ مع جماعة معه من الطالبيين ببغداد، فكلموه في أمر الطالبيّ الشاخص إلى الكوفة، فقال لهم أبو الساج؛ قولوا له يتنحَّى عنّي، ولا أراه، فلمَّا صار عبد الرحمن خليفة أبي الساج إلى الكوفة ودخلها رُمِيَ بالحجارة حتى صار إلى المسجد، فظنُّوا أنه جاء لحرب العلويّ، فقال لهم: إني لست بعامل؛ إنما أنا رجل وجِّهتُ لحرب الأعراب، فكفّوا عنه؛ وأقام بالكوفة، وكان أبو أحمد محمد بن جعفر الطالبيّ الذي ذكرت أنه حمل من الطالبيين إلى سامُرّا كان المعتزّ ولاه الكوفة بعدما هزم مزاحمُ بن خاقان العلويّ الذي كان وُجِّه لقتاله بها الذي قد مضى ذكره قبل في موضعه فعاث - فيما ذكر - أبو أحمد هذا في نواحي الكوفة وآذى الناس، وأخذ أموالهم وضياعهم، فلمّا أقام خليفة أبي الساج بالكوفة لطف لأبي أحمد العلَويّ هذا وآنسه حتى خالطه في المؤاكلة والمشاربة، وداخلَهُ. ثم خرج متنزّهًا معه إلى بستان من بساتين الكُوفة، فأمسى وقد عبّى له عبد الرحمن أصحابه، فقتده وحمله مقيّدًا بالليل على بغال الدخول؛ حتى ورد به بغداد في أول شهر ربيع الآخر، فلما أتى به محمد بن عبد الله حَبسه عنده، ثم أخذ منه كفيلًا وأطلقه، ووجِدت مع ابن أخ لمحمد بن عليّ بن خلف العطار كُتبٌ من الحسن بن زيد؛","vol":"13","page":129},{"text":"فكتب بخبره إلى المعتزّ، فورد الكتاب بحمله مع عتّاب بن عتّاب، وحمل هؤلاء الطالبيين، فحملوا جميعًا مع خمسين فارسًا، وحمل أبو أحمد هذا وأبو هاشم الجعفريّ، وعليّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب.\nوتحدّث الناس في عليّ بن عبيد الله أنه إنما استأذن في المصير إلى منزله بسامُرّا، فأذن له ووصَله - فيما قيل - محمد بن عبد الله بألف درهم؛ لأنه شكا إليه ضيقه، وودّع أبو هاشم أهله.\nوقيل إن سبب حمل أبي هاشم، إنما كان ابن الكردية وعبد الله بن داود بن عيسى بن موسى قالا للمعتزّ: إنك إن كتبتَ إلى محمد بن عبد الله في حَمْل داود بن القاسم لم يحمله، فاكتب إليه وأعلمه أنك تريد توجِيهه إلى طبرستان لإصلاح أمرها، فإذا صار إليك رأيت فيه رأيك؛ فحُمل على هذا السبيل ولم يُعرض له بمكروه.\n* * * *\nوفيها ولّي الحسن بن أبي الشوارب قضاء القضاة؛ وكان محمد بن عمران الضبي مؤدّب المعتزّ قد سمى رجالًا للمعتزّ للقضاء نحو ثمانية رجال؛ فيهم الخلنجيّ والخصّاف، وكتب كتبَهم، فوقَع فيه شفيع الخادم ومحمد بن إبراهيم بن الكردية وعبد السميع بن هارون بن سليمان بن أبي جعفر، قالوا: إنهم من أصحاب ابن أبي داود، وهم رافضة وقدَرِية وزيديّة وجهميّة.\nفأمر المعتزّ بطردهم وإخراجهم إلى بغداد، ووثب العامة بالخصاف، وخرج الآخرون إلى بغداد، وعزِل الضبيّ إلَّا عن المظالم (١).\nوذكر أن أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكريّة قُدّرت في هذه السنة، فكان مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة مئتي ألف ألف دينار، وذلك خراج المملكة كلها لسنتين.\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥٦).","vol":"13","page":130},{"text":"وفيها توجّه أبو الساج إلى طريق مكة وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن وَصيفًا لمّا صلح أمره، ودفع المعتزُّ إليه خاتمه كتب إلى أبي الساج يأمره بالخروج إلى طريق مكة ليصلحه، ووجّه إليه من المال ما يحتاج إليه؛ فأخذ في الجهاز؛ فكتب محمد بن عبد الله يسأل أن يصير طريق مكة إليه؛ فأجيب إلى ذلك، فوجّه أبا الساج مِنْ قِبَله.\nوفي أوّل ذي الحجة عقد لعيسى بن الشيخ بن السليل على الرَّمْلة، فأنفذ خليفته أبا المغراء إليها، فقيل: إنه أعطى بُغا أربعين ألف دينار على ذلك، أو ضمِنها إليه.\nوفيها كتب وصيفٌ إلى عبد العزيز بن أبي دُلَف بتوليته الجَبل، وبعث إليه بخِلَع، فتولّى ذلك من قِبَله.\nوفيها قتِل محمد بن عمرو الشاري بديار ربيعة؛ قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة.\nوفيها سخط على كنجور، وأمر بحبسه في الجوْسق، ثم حُمِل إلى بغداد مقيَّدا، ثم وجّه به إلى اليمامة فحبس هنالك.\nوفيها أغار ابن جُسْتان صاحب الدّيْلم مع أحمد بن عيسى العلويّ والحسين بن أحمد الكوكبيّ على الرّيّ فقتلوا وسبوا، وكان ما بها حين قصدوها عبد الله بن عزيز، فهرب منها؛ فصالحهم أهل الرّيّ على ألفي درهم، فأدَّوْها، وارتحل عنها ابن جُسْتان، وعاد إليها ابنُ عزيز، فأسر أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور.\nوفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبيّ الذي كان فعل بمكة ما فعل (١).\nوحجَّ فيها بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور من قبل المعتزّ (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٥٦).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٥٦).","vol":"13","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2066>ثم دخلت سنة تلاث وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من عَقد المعتزّ في اليوم الرابع من رجب لموسى بن بُغا الكبير على الجبل، ومعه من الجيش يومئذ من الأتراك ومَنْ يجري مجراهم ألفان وأربعمئة وثلاثة وأربعون رجلًا، منهم مع مُفلح ألف ومئة وثلاثون رجلًا (١).\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2067>[ذكر خبر أخذ الكرج من ابن أبي دلف]</span>\nوفيها أوقع مُفلح وهو على مقدّمة موسى بن بُغا بعبد العزيز بن أبي دُلف لثمان ليال بَقِين من رجب من هذه السنة وعبد العزيز في زُهاء عشرين ألفًا من الصعاليك وغيرهم؛ وكانت الوقعة بينهما - فيما قيل - خارج هَمَذان على نحو من ميل، فهزمه مُفْلح ثلاثة فراسخ يقتلون ويأسِرون، ثم رجع مفلِح ومَنْ معه سالمين؛ وكتب بالفتح في ذلك اليوم، فلما كان في شهر رمضان عبأ مفْلح خيلَه نحو الكَرَج، وجعل لهم كَمِيين، ووجّه عبد العزيز عسكرًا فيه أربعة آلاف فقاتلهم مفلح، وخرج كمين مفلح على أصحاب عبد العزيز فانهزموا، ووضع أصحاب مُفْلح فيهم السَّيف، فقتلوا وأسروا وأقبل عبد العزيز معينًا لأصحابه؛ فانهزم بانهزام أصحابه، وترك الكرَج، ومضى إلى قَلْعة له في الكَرَجِ يقال لها زز، متحصنًا بها، ودخل مفلح الكرَج، فأخذ جماعة من آل أبي دُلف أسرًا، وأخذ نساءً من نسائهم؛ يقال إنه كان فيهم أمّ عبد العزيز؛ فأوثقهم.\n* * *\nوذكر أنه وجّه سبعين حملًا من الرؤوس إلى سامرّا وأعلامًا كثيرة.\nوشخص فيها موسى بن بُغا من سامرّا إلى هَمذان فنزلها.\nوفيها خلَع المعتزّ على بُغا الشرابيّ في شهر رمضان، وألبسه التاج\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٦٣).","vol":"13","page":132},{"text":"والوشاحين، فخرج فيهما إلى منزله (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>[ذكر الخبر عن قتل وصيف]</span>\nوفيها قُتل وصيف التركيّ؛ وذلك لثلاث بَقِين من شوّال منها؛ وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر؛ فخرج إليهم بُغا ووصيف وسيما الشرابيّ في نحو من مئة إنسان من أصحابهم؛ فكلّمهم وصيف، وقال: ما تريدون؟ قالوا: أرزاقنا، فقال: خذوا ترابًا؛ وهل عندنا مال! وقال بغا: نعم، نسأل أميرَ المؤمنين في ذلك؛ ونتناظر في دار أشناس، وينصرف عنكم مَنْ ليس منكم، فدخلوا دار أشناس، ومضى سيما الشرابيّ منصرفًا إلى سامُرّا ثم تَبِعه بُغا لاستئمار الخليفة في إعطائهم؛ وكان وصيف في أيديهم؛ فوثب عليه بعضُهم، فضربه بالسيف ضربتين، ووجأه آخر بسكين، فاحتمله نُوشِرى بن طاجبك - وهو أحد قوّاده - إلى منزله؛ فلما أبطأ عليهم بُغا ظنوا أنهم في التعبية عليهم؛ فاستخرجوه من منزل نوشرى؛ فضربوه بالطبرزينات حتى كسروا عضُدَيه، ثم ضربوا عنقَه، ونصبوا رأسه على محراك تَنّور، وقصدت العامة بسامرّا الانتهاب لمنازل وصيف وولده، فرجع بنو وَصيف، فمنعوا منازلهم، ثم جعل المعتزّ ما كان إلى وصيف من الأمور إلى بُغا الشرابيّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2069>[ذكر الخبر عن قتل بندار الطبري]</span>\nوفي يوم الفِطْر من هذه السنة قُتل بندار الطبريّ.\n* ذكر سبب قتله:\nفكان سبب ذلك أنه حكم بالبوازيج محكّم يدعى مساور بن عبد الحميد في رجب من هذه السنة، فوجّه المعتزّ إليه في شهر رمضان ساتكين، فمال إلى ناحية طريق خراسان، فوجّه محمد بن عبد الله إليه؛ وذلك أنّ طريق خراسان كان\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٧٠).","vol":"13","page":133},{"text":"إليه بندار ومظفر بن سيسل مَسْلَحة، فلما صارا بدسْكرة الملك أقاما؛ فذُكرِ أنّ بندار خرج في آخر يوم من شهر رمضان متصيّدًا، فبَعُد في طلب الصّيْد حتى جاوز دُور الدّسْكرة بنحو فرسخ؛ فبينا هو كذلك، إذ نظر إلى عَلَمين مقبلين معهما جماعة مُقْبلة نحو الدّسْكرة، فوجّه بعض أصحابه لينظر ما الأعلام؛ فأخبره صاحب الجماعة أنه عامل كَرْخ جُدّان، وأنه انتهى إليه أنّ رجلًا يقال له مساور بن عبد الحميد من الدّهاقين من أهل البوازيج شَرَى، وأنه بلغه أنه يصير إلى كَرْخ جُدّان؛ فلما بلغه ذلك خرج هاربًا إلى الدّسْكرة ليأنس بقرب بندار ومظفر؛ فانصرف بُندار من ساعته إلى المظفّر فقال له: إن الشاري يقصد كَرْخ جُدّان، ويريدنا؛ فامض بنا نتلقّاه، فقال له المظفّر: قد أمسينا ونريد أن نصلّيَ الجمعة، وغدًا العيد؛ فإذا انقضى العيد قصدناه، فأبى بُندار، ومضى من ساعته طمعًا بالمظفر الشارِي وحده دون مظفّر؛ فأقام مظفر ولم يبرح من الدّسكرة - وبين الدسكرة وتَلْ عُكْبرَاء ثمانية فراسخ، وبين تل عُكْبرَاء وموضع الوقعة أربعة فراسخ - فصار بُندار إلى تلّ عُكبراء، فوافاها عند العَتمة ليلة الفطر، فعلف دوابه شيئًا، ثم ركب، فسار حتى أشرف على عسكر الشاري ليلًا وهم يصلّون ويقرؤون القرآن؛ فأشار عليه بعضُ أصحابه وخاصّته أن يبيّتهم وهم غارُّون، فأبى وقال: لا؛ حتى أنظر إليهم وينظروا إليّ، فوجّه فارسيْن أو ثلاثة ليأتُوه بخبرهم؛ فلمّا قرُبوا من عسكرهم نَذِروا بهم، فصاحوا: السلاح! وركبوا فتواقَفُوا إلى أن أصبحوا، ثم اقتتلوا فلم يمكن أصحابَ بندار أن يرموا بَسَهْم واحد، وكانوا زهاء ثلثمئة فارس وراجل فعبّاهُم ميمنة وميسرة وساقة، وأقام هو في القلب، فحمل عليهم مساور وأصحابُه، فثبت لهم بُندار وأصحابه؛ ثم انحدر لهم الشّراة عن موضع عسكرهم ومبيتهم؛ ليطمع بندار وأصحابه في النَّهْب، فلم يعرض بُندار وأصحابه لعسكرهم، ثم كرّ الشُّرَاة عليهم بالسيوف والرماح، وهم زهاء سبعمئة؛ فصبر الفريقان، فصار الشراة إلى السيوف دون الرماح فقتِل من الشُّراة نحو من خمسين رجلًا، ومن أصحاب بندار مثلهم، ثم حمل الشراة حملةً، فاقتطعوا من أصحاب بُندار نحوًا من مئة رجل، فصبر لهم المئة ساعة، ثم قُتِلوا جميعًا، وانهزم بُندار وأصحابه، فجعلوا يقتطعونهم قطعة بعد قطعة فيقتلونهم، وأمعن بُندار في الهَرب، فطلبوه فلحقوه بقرب تلّ عُكْبرَاء على قَدْر أربعة فراسخ من موضع الوقعة؛ فقتلوه ونصبوا رأسَه، ونجا مِنْ","vol":"13","page":134},{"text":"أصحاب بُندار نحو من خمسين رجلًا - وقيل مئة رجل - انحازوا عن الوقْعَة عند اشتغال الخوارج بمَنْ كانوا يقتطعون منهم، وانتهى خبرُه إلى مظفَّر وهو مقيم بالدّسْكرة، فتنحَّى من الدَّسكرة إلى ما قَرُب من بغداد، ووصل خبرُ مقتله إلى محمد بن عبد الله بغدِ الفِطْر، فذُكِر أنه لم يشرب ولم يَلْهُ - كما كان يفعل - غمًّا بما ورد عليه من مقتَله، ثم مضى مُساور من فوره إلى حُلوان؛ فخرج إليه أهلها فقاتلوه، فقتل منهم أربعمئة إنسان، وقتلوا جماعة من أصحاب الشارِي، وقُتِل عدّةٌ من حجَّاج خراسان كانوا بحُلوَان، فأعانوا أهلَ حُلْوان، ثم انصرفوا عنهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>[ذكر خبر موت محمد بن عبد الله بن طاهر] </span>(١)\nوليلة أربع عشرة من ذي القعدة منها، انخسف القمر؛ فغرِق كله أو غاب أكثره؛ ومات محمد بن عبد الله بن طاهر مع انتهاء خسوفه - فيما ذكر - وكانت علّته التي مات فيها قروحًا أصابته في حَلْقِه ورأسه فذبحته، وذكر أن القروح التي كانت في حَلْقه ورأسه كانت تدخل فيها الفتائل؛ فلما مات تنازع الصلاةَ عليه أخوه عُبيد الله وابنه طاهر؛ فصلّى عليه ابنُه، وكان أوصى بذلك - فيما قيل.\nثم وقع بين عبيد الله بن عبد الله أخي محمد بن عبد الله وبين حشم محمد بن عبد الله تنازعٌ حتى سلوا السيوف عليه، ورُمي بالحجارة، ومالت الغوغاء والعامة وموالي إسحاق بن إبراهيم مع طاهر بن محمد بن عبد الله بن طاهر، ثم صاحوا: طاهر يا منصور؛ فعبَر عبيدُ الله إلى ناحية الشرقية إلى داره، ومال معه القوّاد لاستخلاف محمد بن عبد الله كان إياه على أعماله ووصيّته بذلك، وكتابه بذلك إلى عمّاله، ثم وجّه المعتزّ الخلع وولاية بغداد إلى عبيد الله، وأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع من قِبَل المعتزّ فيما قيل بخمسين ألف درهم.\n* * *\nنسخة الكتاب الذي كتبه محمد بن عبد الله إلى عمّاله باستخلافه أخاه عبيد الله بعده:\nأما بعد فإنّ الله ﷿ جعل الموت حَتْمًا مقضيًّا جاريًا على الباقين من\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٦٨) وتأريخ بغداد (٥/ ٤٢٢).","vol":"13","page":135},{"text":"خلقه، حسبما جرى على الماضين؛ وحقيق على من أُعْطِيَ حظًّا من توفيق الله، أن يكون على استعداد لحلول ما لابدّ منه ولا محيص عنه في كلّ الأحوال، وكتابي هذا وأنا في علّة قد اشتدّ الإشفاق منها، وكاد الإياس يغلب على الرّجاء فيها؛ فإن يَبُلّ الله ويدفع فبقدرته وكريم عادته؛ وإن يَحْدُث بي الحدثُ الذي هو سبيل الأولين والآخرين؛ فقد استخلفتُ عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين أخي الموثوق باقتفائه أثري، وأخذه بسدّ ما أنا بسبيله من سلطان أمير المؤمنين إلى أن يأتيَه من أمره ما يعمل بحسبه؛ فاعلمْ ذلك وائتمرْ فيما تتولّاه بما يرِد به كتب عبيد الله وأمره إن شاء الله.\nوكتب يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين ومئتين.\n* * *\nوفيها نفى المعتزُّ أبا أحمد بن المتوكل إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم رُدّ إلى بغداد، وأنزل إلى الجانب الشرقيّ في قصر دينار بن عبد الله (١).\nوفيها نفى أيضًا عليّ بن المعتصم إلى واسط ثم رُدّ إلى بغداد فيها (٢).\nوفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي (٣).\nوفيها غزا محمد بن معاذ بالمسلمين في ذي القعدة من ناحية مَلَطية، فهُزِموا وأسر محمد بن معاذ.\nوفيها التقى موسى بن بُغا والكوكبيّ الطالبيّ على فرسخ من قَزوين يوم الإثنين سَلْخِ ذي القعدة منها، فهزم موسى الكوكبيّ، فلحق بالدّيْلم، ودخل موسى بن بُغا قزْوين.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٦٤).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٦٤).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٢٣).","vol":"13","page":136},{"text":"وذكر لي بعض مَنْ شهد الوقعة، أنّ أصحاب الكوكبيّ من الدّيلم لما التقوْا بموسى وأصحابه صفّوا صفوفًا، وأقاموا تِرَستهم في وجوههم يتّقون بذلك سهام أصحاب موسى؛ فلما رأى موسى أنّ سهام أصحابه لا تصل إليهم مع ما قد فعلوا، أمر بما معه من النَّفط أن يُصَبّ في الأرض التي التقى هو وهم فيها؛ ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، وإظهار هزيمة منهم؛ ففعل ذلك أصحابه؛ فلمّا فعلوا ذلك ظن الكوكبيّ وأصحابه أنهم انهزموا؛ فتبعوهم، فلما علم موسى أن أصحاب الكوكبيّ قد توسّطوا النفط أمر بالنار فأشعلت فيه، فأخذت فيه النار، وخرجت من تحت أصحاب الكوكبيّ، فجعلت تحرقهم؛ وهرب الآخرون، وكان هزيمة القوم عند ذلك ودخول موسى قزوين (١).\nوفيها لقي خطارمش مساور الشاري بناحية جَلولاء في ذي الحجة، فهزمه مساور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2071>ثم دخلت سنة أَربع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من مقتل بغا الشرابيّ (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>[ذكر خبر مقتل بغا الشرابي]</span>\nذُكِر أنّ السبب في ذلك كان أنه كان يحضّ المعتزّ على المصير إلى بغداد، والمعتزّ يأبى ذلك عليه، ثم إن بُغا اشتغل مع صالح بن وصيف في خاصّته بعُرس جمعة بنت بُغا؛ كان صالح بن وصيف تزوّجها للنصف من ذي القعدة؛ فركب\n_________\n(١) هذه الرواية أخرجها الطبري بإسناد عالٍ فليس بينه وبين الواقعة إلَّا راوٍ واحد هو شاهد عيان (ذكر لي بعض من شهد الوقعة) ورحم الله الطبري لِمَ لَمْ يذكر اسم الراوي حتى يتمكن النقاد من الحكم على الإسناد؟ !\n(٢) ذكر ابن الجوزي مقتل بغا الشرابي ضمن وقائع ووفيات سنة (٢٥٤ هـ) وقال كان قد طغى وخالف أمر المعتزّ واستبد بالأموال والأمر [المنتظم ١٢/ ٧٣].","vol":"13","page":137},{"text":"المعتزّ ليلًا، ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرْخ سامرّا يريد بايكباك ومَنْ كان معه على مثل ما هو عليه من انحرافه عن بُغا، وكان سببُ انحرافه عنه - فيما ذكر - أنهما كانا في شراب لهما يشربانه، فعربَد أحدُهما على صاحبه؛ فتهاجرا لذلك؛ وكان بايكباك بسبب ذلك هاربًا من بُغا مستخفيًا منه؛ فلما وافَى المعتزّ بمَنْ معه الكرْخ اجتمع من بايكباك أهلُ الكَرْخ وأهل الدُّور، ثم أقبلوا مع المعتزّ إلى الجوسق بسامُرّا؛ وبلغ ذلك بُغا، فخرج في غلمانه وهم زُهاء خمسمئة ومثلهم من ولده وأصحابه وقوّاده، وصار إلى نهر نَيْزك، ثم انتقل إلى مواضع، ثم صار إلى السنّ، ومعه من العين تسع عشرة بَدْرة دنانير ومئة بَدْرة دراهم؛ أخذها من بيت ماله وبيوت أموال السلطان؛ فأنفق منها شيئًا يسيرًا حتى قُتِل.\nوذكر أنه لما بلغه أن المعتزّ قد صار إلى موضع الكرْخ مع أحمد بن إسرائيل خرج في خاصّة قوّاده حتى صار إلى تَلّ عُكْبَراء، ثم مضى فصار إلى السنّ؛ فشكا أصحابُه بعضُهم إلى بعض ما هم فيه من العسف، وأنهم لم يخرجوا معهم بمضارب، ولا ما يتدفّئون به من البرد، وأنهم في شتاء، وكان بُغا في مضرب له صغير على دِجْلة، كان يكون فيه، فأتاه ساتكين، فقال: أصلح الله الأمير! قد تكلّم أهل العسكر، وخاضوا في كذا وأنا رسولهم إليك، فقال: كلّهم يقول مثل قولك؟ قال: نعم؛ وإن شئت فابعثْ إليهم حتى يقولوا مثل قولِي، قال: دعْني الليلة حتى أنظر، ويخرج إليكم أمري بالغَداة، فلما جنّ عليه الليل دعا بزَوْرق، فركبه مع خادمين معه، وحمل معه شيئًا من المال، ولم يحمل معه سلاحًا ولا سِكَينًا ولا عمودًا، ولا يعلم أهل عسكره بذلك من أمره، والمعتزّ في غَيْبة بُغا لا ينام إلَّا في ثيابه، وعليه السلاح، ولا يشرب نبيذًا، وجميع جواريه على رجل، فصار بُغا إلى الجسر في الثلث الأوّل من الليل؛ فلما قارب الزّورق الجسر بعث الموكّلون به مَن في الزّوْرق، فصاح بالغلام، فرجع إليهم، وخرج بُغا في البستان الخاقانيّ، فلحقه عدّة منهم؛ فوقف لهم وقال: أنا بُغا، ولحقه وليد المغربيّ، فقال له: ما لك جعلت فداك! فقال: إما أن تذهب بي إلى منزل صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي إلى منزلي؛ حتى أحسن إليكم، فوكّل به وليد المغربيّ، ومرّ يركض إلى الجوْسق، فاستأذن على المعتزّ فأذن له، فقال: يا سيدي هذا بُغا قد أخذته ووكّلت به، قال: ويلك! جئني برأسه؛ فرجع","vol":"13","page":138},{"text":"وليد، فقال للموكلين به: تنحَّوْا عنه حتى أبلغه الرّسالة، فتنحَّوْا عنه، فضربه ضربة على جبهته ورأسه؛ ثم تناهى على يديْه فقطعهما، ثم ضربه حتى صرعه وذبحه، وحمل رأسه في بِرْكة قبائه، وأتى به المعتزّ؛ فوهب له عشرة آلاف دينار، وخلع عليه خِلعة، ونصب رأسَه بسامرّا، ثم ببغداد، ووثبت المغاربة على جُثته، فأحرقوه بالنار، وبعث المعتزّ من ساعته إلى أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبي نوح، فأحضرهم وأخبرهم، وتتبّع عبيد الله بن طاهر بنيه ببغداد؛ وكانوا صاروا إليها هُرّابًا مع قوم يثقون بهم؛ فاستتروا عندهم فذكر أنه حُبِس في قصر الذّهب من ولده وأصحابه، خمسة عشر إنسانًا وفي المطبق عشرة.\nوقيل: إنّ بُغا لمّا انحدر إلى سامرّا ليلةَ أخِذ شاور أصحابه في الانحدار إليها مكتتمًا، فيصير إلى منزل صالح بن وصيف، وإذا قرب العيد دخل أهل العسكر، وخرج هو وصالح بن وصيف وأصحابُه، فوثبوا بالمغاربة، فوثبوا بالمعتزّ.\nوفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مُضَر وقِنّسْرين والعواصم فوثبوا بالمعتزّ في ربيع الأوّل منها.\nوفيها عقد بايكباك لأحمد بن طولون على مصر (١).\nوفيها أوقع مفلح وباجور بأهل قمّ، فقتلا منهم مقتلة عظيمة؛ وذلك في شهر ربيع الأوّل منها.\nوفيها مات علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا يوم الإثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة، وصلّى عليه أبو أحمد بن المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد، ودفن في داره (٢).\nوفيها في جمادى الآخرة وافى الأهواز دُلف بن عبد العزيز بن أبي دُلف\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٧٣).\n(٢) انظر وفاة أبي الحسن (العسكري الهاشمي رضي الله تعالى عنه).\nتأريخ بغداد (١٢/ ٥٦) والمنتظم (١٢/ ٧٤).","vol":"13","page":139},{"text":"بتوجيه والده عبد العزيز إيَّاه إليها وجنْدَيْ سابور وتُسْتَر، فجباها مئتي ألف دينار ثم انصرف.\nوفي شهر رمضان منها شخص نوشرى إلى مُساور الشاري فلقيَه وهزمه، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة.\nوحجّ بالناس في هذه السنة عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من دخول مُفْلِح طبَرستان ووقْعة كانت بينه وبين الحسن بن زيد الطالبيّ، هزم فيها مُفْلح الحسنَ بن زيد فلحق بالدّيلم، ثم دخل مفلح آمُل، وأحرق منازل الحسن بن زيد، ثم توجّه نحو الديلم في طلب الحسن بن زيد (٢).\n* * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>[ذكر خبر استيلاء يعقوب بن الليث على كرمان] </span>(٣)\nوفيها كانت وقعة بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلِّس خارج كِرْمان أسر فيها يعقوب طوقًا؛ وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل كتب إلى السلطان يخطُب كِرْمان - وكان قَبْل من عمّال آل طاهر - وكتب يذكر ضعف آل طاهر وقلة ضبطهم، بما إليهم من البلاد، وأنّ يعقوب بن الليث قد غلبهم على سجستان، وتباطأ على السلطان بتوجيه خراج فارس؛ فكتب السلطان إليه بولاية كِرْمان، وكتب إلى يعقوب بولايتها يلتمس بذلك إغراءَ كلِّ واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤنة الهالك منهما عنه ويتفرّد بمُؤْنة الآخر؛ إذ كان كلّ واحد منهما عنده حربًا له وفي غير طاعته؛ فلما فعل ذلك بهما زحف يعقوب بن الليث من سِجِسْتان يريد كِرْمان، ووجّه عليّ بن الحسين طوق بن\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢٢٤].\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":140},{"text":"المغلّس وقد بلغه خبر يعقوب وقصده كِرْمان في جيش عظيم من فارس، فصار طوق بكِرْمان، وسبق يعقوب إليها فدخلها، وأقبل يعقوب من سِجِسْتان، فصار من كِرْمان على مرحلة.\nفحدثني مَنْ ذكر أنه كان شاهدًا أمرهما، أن يعقوب بَقيَ مقيمًا في الموضع الذي أقام به من كِرْمان على مرحلة لا يرتحل عنه شهرًا أو شهرين، يتجسّس أخبار طَوْق؛ ويسأل عن أمره كلّ من مَرّ به خارجًا من كِرْمان إلى ناحيته، ولا يَدَع أحدًا يجوز عسكره من ناحيته إلى كِرْمان، ولا يزحف طَوْقٌ إليه ولا هو إلى طَوْق، فلما طال ذلك من أمرهما كذلك أظهر يعقوب الارتحال عن معسكره إلى ناحية سِجِسْتان، فارتحل عنه مرحلة، وبلغ طوْقًا ارتحالُه، فظنّ أنه قد بدا له في حربه، وترك عليه كِرْمان وعلى عليّ بن الحسين؛ فوضع آلة الحرْب وقعد للشرب، ودعا بالملاهي، ويعقوب في كلّ ذلك لا يغفل عن البحث عن أخباره؛ فاتصل به ووضع طوْق آلة الحرب وإقباله على الشراب واللهو بارتحاله، فكرّ راجعًا، فطوى المرحلتيْن إليه في يوم واحد، فلم يشعر طوْق وهو في لهوه وشربه في آخر نهاره إلَّا بغَبَرة قد ارتفعت من خارج المدينة التي هو فيها من كِرْمان، فقال لأهل القرية: ما هذه الغَبرة؟ فقيل له: غَبَرة مواشي أهل القرية منصرفة إلى أهلها، ثم لم يكن إلَّا كلا ولا؛ حتى وافاه يعقوب في أصحابه، فأحاط به وبأصحابه، فذهب أصحاب طوق لمّا أحيط بهم يريدون المدافعة عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرِجوا للقوم، فأفرَجوا لهم، فمرُّوا هاربين على وجوههم، وخلَّوْا كلَّ شيء لهم مما كان معهم في معسكرهم، وأسر يعقوب طَوْقًا (١).\nفحدثني ابنُ حماد البربريّ أن عليّ بن الحسين لمّا وَجّه طوقًا حمّله صناديق في بعضها أطواقه وأسورة ليطوّق ويسوّر من أبلى معه من أصحابه، وفي بعضها أموال ليجيز من استحقّ الجائزة منهم، وفي بعضها قيود وأغلال ليقيّد بها مَنْ أخذ من أصحاب يعقوب؛ فلما أسَر يعقوب طَوقًا ورؤساء الجيش الذين كانوا معه أمر بحيازة كلّ ما كان مع طَوْق وأصحابه من المال والأثاث والكُراع والسلاح، فحيزَ\n_________\n(١) هذان خبران يرويهما الطبري بإسناد عال جدًّا إلَّا أن أبهم اسم الراوي الأول (من ذكر أنه كان شاهدًا أمرهما) والثاني (ابن حماد البربري) دون ذكره لاسم هذا الابن.","vol":"13","page":141},{"text":"ذلك كله، وجُمع إليه؛ فلما أتِيَ بالصنادق أتِيَ بها مقفلَة، فأمر ببعضها أن يُفتح، ففتح فإذا فيه القيود والأغلال فقال لطَوْق: يا طَوْق؛ ما هذه القيود والأغلال؟ قال: حمّلنِيها عليّ بن الحسين لأقتد بها الأسرى وأغلّهم بها، فقال: يا فلان، انظر أكبرها وأثقلها فاجعله في رجلْي طَوْق وغُلّه بغُلّ، ثم جعل يفعل مثل ذلك بمن أسر من أصحاب طوق، قال: ثمّ أمر بصناديق أخَر ففتحت؛ فإذا فيها أطوقة وأسورة، فقال: يا طوْق، ما هذه؟ قال: حمّلنِيها عليّ لأطوَّق بها وأسوَّر أهل البلاء من أصحابي، قال؛ يا فلان؛ خذ من ذلك طَوْق كذا وسوار كذا، فطوَّق فلانًا وسوّره، ثم جعل يفعل ذلك بأصحاب نفسه حتى طوّقهم وسوَّرهم، ثم جعل يفعل كذلك بالصناديق، قال: ولما أمر يعقوب بمدّ يد طوق ليضعها في الغلّ، إذا على ذراعه عصابة، فقال له: ما هذا يا طوق؟ قال: أصلح الله الأمير! إني وجدت حرارة ففصدتها، فدعا بعض من معه فأمر بمدّ خفه من رجله ففعل ذلك، فلما نزعه من رجله تناثر من خُفِّه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوْق هذا خفِّي لم أنزعه من رجلي منذ شهرين، وخبزي في خفِّي منه آكل لا أطأ فراشًا، وأنت جالس في الشرب والملاهي! بهذا التدبير أردت حربي وقتالي!\nفلمَّا فرغ يعقوب بن الليث من أمر طَوْق دخل كِرْمان، وحازها وصارت مع سِجِسْتان من عمَله (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2075>[ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث فارس] </span>(١)\nوفيها دخل يعقوب بن الليث فارس وأسر عليّ بن الحسين بن قريش.\n* ذكر الخبر عن سبب أسره إياه وكيف وصل إليه:\nحدَّثني ابن حمّاد البربريّ، قال: كنتُ يومئذ بفارس عند عليّ بن الحسين بن قريش، فورد عليه خبر وقْعة يعقوب بن الليث بصاحبه طَوْق بن المغلِّس ودخول\n_________\n(١) هذه أخبار في ذكر دخول يعقوب بن الليث فارس وما رافقه انفرد بهما الطبري من بين المؤرخين المتقدمين الثقات عن شاهد عيان (ابن حماد الراوي) ولم نتبيّن من هو والله أعلم.","vol":"13","page":142},{"text":"يعقوب كرْمان واستيلائه عليها، ورجع إليه الفَلّ، فأيقن بإقبال يعقوب إلى فارس؛ وعليّ يومئذ بشِيراز من أرض فارس، فضمّ إليه جيشه ورجّالة الفلّ من عند طَوْق وغيرهم، وأعطاهم السلاح، ثم برز من شِيراز، فصار إلى كُرّ خارج شيراز بين آخر طرفه عرضًا ممّا يلي أرض شِيراز، وبين عَرْض جبل بها من الفضاء قدرُ ممرّ رجل أو دابة، لا يمكن من ضيقه أن يمرّ فيه أكثر من رجل واحد، فأقام في ذلك الموضع، وضرب عسكره على شطّ ذلك الكُرّ مما يلي شِيراز، وأخرج معه المتسوّقة والتجار من مدينة شِيراز إلى مُعسكره، وقال: إن جاء يعقوب لم يجد موضعًا يجوز الفلاة إلينا؛ لأنه لا طريق له إلَّا الفضاء الذي بين الجبل والكرّ؛ وإنما هو قدر ممرّ رجل؛ إذا أقام عليه رجل واحد منع من يريد أن يجوزه، وإن لم يقدر أن يجوز إلينا بقي في البرّ بحيث لاطعام له ولا لأصحابه ولا علَف لدوابهم.\nقال ابن حماد: فأقبل يعقوب حتى قَرُب من الكُرّ، فأمر أصحابه بالنزول أوّل يوم على نحو من ميل من الكُرّ مما يلي كِرْمان، ثم أقبل هو وحده وبيده رمح عُشارِيّ؛ يقول ابن حماد: كأني أنظر إليه حين أقبل وحدَه على دابته، ما معه إلَّا رجل واحد، فنظر إلى الكُرّ والجبل والطريق، وقرب من الكرّ، وتأمل عسكر عليّ بن الحسين، فجعل أصحاب علي يشتمونه؛ ويقولون: لنردنّك إلى شَعْب المراجل والقماقم، يا صفّار - وهو ساكت لا يردّ عليهم شيئًا - قال: فلمّا تأمل ما أراد من ذلك ورآه، انصرف راجعًا إلى أصحابه: قال: فلمّا كان من الغد عند الظهر أقبل بأصحابه ورجاله حتى صار على شطّ كُرّ مما يلي بَرّكِرمان، فأمر أصحابه فنزلوا عن دوابهم، وحطُّوا أثقالهم، قال: ثم فتح صندوقًا كان معه.\nقال ابن حماد: كأني أنظرُ إليهم وقد أخرجوا كلبًا ذئبيًّا، ثم ركبوا دوابّهم أعراء، وأخذوا رماحهم بأيديهم، قال: وقبل ذلك كان قد عبّأ عليّ بن الحسين أصحابَه، فأقامهم صفوفًا على الممرّ الذي بين الجبل والكُرّ؛ وهم يرون أنه لا سبيل ليعقوب، ولا طريق له يمكنه أن يجوزه غيره. قال: ثم جاؤوا بالكلب، فرموا به في الكُرّ، ونحن وأصحاب عليٍّ ينظرون إليهم يضحكون منهم ومنه، قال: فلما رموا بالكلب فيه، جعل الكلب يسبَحُ في الماء إلى جانب عسكر عليّ بن الحسين، وأقحم أصحاب يعقوب دوابّهم خلْف الكلب، وبأيديهم","vol":"13","page":143},{"text":"رماحُهم، يسيرون في أثر الكلب، فلما رأى عليّ بن الحسين أن يعقوب قد قطع عاقة الكُرّ إليه وإلى أصحابه، انتقض عليه تدبيرُه، وتحيّر في أمره؛ ولم يلبث أصحاب يعقوب إلَّا أيسر ذلك حتى خرجوا من الكُرّ من وراء أصحاب عليّ بن الحسين؛ فلم يكن بأسرع من أن خرج أوائلهم منه حتى هرب أصحاب عليّ يطلبون مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون إذا خرج أصحاب يعقوب من الكرّ بين جيش يعقوب وبين الكُرّ، ولا يجدون ملجأ إن هُزموا، وانهزم عليّ بن الحسين بانهزام أصحابه؛ وقد خرج أصحاب يعقوب من الكُرّ، فكبتْ به دابته، فسقط إلى الأرض ولحقه بعض السِّجْزيّة فهمَّ عليه بسيفه ليضرَبه؛ فبلغ إليه خادم له، فقال: الأمير. فنزل إليه السجزيّ، فوضع في عنقه عمامته، ثم جرّه إلى يعقوب، فلما أتى به أمر بتقييده، وأمر بما كان في عسكره من آلة الحرب من السلاح والكُراع وغير ذلك، فجُمع إليه، ثم أقام بموضعه حتى أمسى، وهجم عليه القيل، ثم رحل من موضعه، ودخل مدينة شِيراز ليلًا وأصحابه يضربون بالطّبول، فلم يتحرّك في المدينة أحد، فلمّا أصبح أنهب أصحابه دار عليّ بن الحسين ودور أصحابه؛ ثم نظر إلى ما اجتمع في بيت المال من مال الخرَاج والضِّياع، فاحتمله ووضع الخراج، فجباه، ثم شخص منها متوجِّهًا إلى سِجِستان، وحمل معه ابن قريش ومَنْ أسِرْ معه.\n* * *\nوفيها وجّه يعقوب بن الليث إلى المعتزّ بدوابّ وبُزاة ومِسْك هديّةً.\nوفيها وليَ سليمان بن طاهر شرطة بغداد والسواد، وذلك لست خلون من شهر ربيع الآخر، وكانت موافاته سامُرّا من خُراسان - فيما ذكر - يوم الخميس لثمان خَلْون من شهر ربيع الأوّل، وصار إلى الإيتاخية، ثم دخل على المعتزّ يوم السبت، فخلع عليه وانصرف.\nوفيها كانت وقعة بين مساور الشاري ويارجوخ، فهزمه الشاري وانصرف إلى سامُرّا مفلولًا.\nومات المعلِّي بن أيوب في شهر ربيع الآخر منها.\n* * *","vol":"13","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2076>[ذكر فعل صالح بن وصيف مع أحمد بن إسرائيل ورفيقيه] </span>(١)\nوفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخْلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم فقيَّدهم، وطالبهم بأموال؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن هؤلاء الكتّاب الذين ذكرتُ كانوا اجتمعوا يوم الأربعاء لليلتين خَلَتَا من جمادى الآخرة من هذه السّنة على شراب لهم يشربونه، فلمّا كان يوم الخميس غد ذلك اليوم، ركب ابن إسرائيل في جَمْع عظيم إلى دار السلطان التي يَقْعُد فيها، وركب ابن مخْلد إلى دار قَبيحة أمّ المعتزّ - وهو كاتبها - وحضر أبو نوح الدّار، والمعتز نائم؛ فانتبه قريبًا من انتصاف النهار، فأذن لهم، فحمل صالح بن وصيف على أحمد بن إسرائيل، وقال للمعتزّ: يا أمير المؤمنين؛ ليس للأتراك عطاء ولا في بيت المال مالٌ، وقد ذهب إلى إسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا، فقال له أحمد: يا عاصي يا بن العاصي! ثم لم يزالا يتراجعان الكلام حتى سقط صالح مغشيًّا عليه، فرُشّ على وجهه الماء، وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب، فصاحوا صيحةً واحدة، واخترطُوا سيوفَهم، ودخلوا على المعتزّ مُصْلِتين؛ فلما رأى ذلك المعتزّ دخل وتركهم، وأخذ صالح بن وصيف ابنَ إسرائيل وابنَ مخلد وعيسى بن إبراهيم فقيّدهم، وأثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره، فقال المعتزّ لصالح قبل أن يحملهم: هَبْ لي أحمد؛ فإنه كاتبي؛ وقد ربّاني؛ فلم يفعل ذلك صالح، ثم ضرب ابن إسرائيل؛ حتى كسرت أسنانُه، وبطح ابن مخْلد فضُرِب مئة سوط؛ وكان عيسى بن إبراهيم محتجِمًا فلم يزل يُصفع حتى جرَت الدماء من محاجمه؛ ثم لم يُتركوا حتى أخِذت رقاعهم بمالٍ جليل قُسّط عليهم.\nوتوجّه قوم من الأتراك إلى إسكاف ليأتوا بجعفر بن محمود، فقال المعتزّ: أمّا جعفر فلا أرَبَ لي فيه ولا يعمل لي، فمضوا، فبعث المعتزّ إلى أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد المروزيّ، فحمِل ليصيّره وزيرًا، وبعث إلى إسحاق بن منصور، فأشخص وبعثت قبيحة إلى صالح بن وصيف في ابن إسرائيل: إمّا حملتَه إلى المعتزّ وإما ركبتُ إليك فيه.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٧٩) فقد ذكر ابن الجوزي الخبر مختصرًا جدًّا.","vol":"13","page":145},{"text":"وقد ذُكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ الأتراك طلبوا أرزاقَهم، وأنهم جعلوا ذلك سببًا لما كان من أمرهم، وأنّ الرسلَ لم تزل تختلف بينهم وبين هؤلاء الكتّاب؛ إلى أن قال أبو نوح لصالح بن وصيف: هذا تدبيرك على الخليفة، فغُشِيَ على صالح حينئذ مما داخله من الحرَد والغَيْظ حتى رشُّوا على وجهه الماء، فلمّا أفاق جرى بين يدي المعتزّ كلام كثير، ثم خرجوا إلى الصلاة، وخلا صالح بالمعتزّ، ثم دُعِيَ بالقوم فلم يلبثوا إلا قليلًا، حتى أخرِجوا إلى قُبّة في الصحن؛ ثم دُعِي بأبي نوح وابن مخلد فأخذت سيوفُهما وقلانسهما ومُزِّقت ثيابهما، ولحقهما ابن إسرائيل فألقى نفسه عليهما؛ فثُلّث به؛ ثم أخرجوا إلى الدهليز وحُمِلوا على الدواب والبغال، وارتدف خلف كلّ واحد منهم تركيّ، وبعث بهم إلى دار صالح على طريق الحيْر، وانصرف صالح بعد ساعة، وتفرّق الأتراك، فانصرفوا، فلما كان بعد ذلك بأيام جُعل في رجْل كلّ واحد منهم ثلاثون رطلًا، وفي عنق كل واحد منهم عشرون رطلًا من حديد، وطولبوا بالأموال، فلم يُجب واحد منهم إلى شيء، ولم ينقطع أمرُهم إلى أن دخل رجب؛ فوُجّهوا في قبض ضياعهم ودورهم وضياع أسبابهم وأموالهم، وسُمّوا الكتّاب الخونة، فقدم جعفر بن محمود يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة فوليَ الأمر والنهي.\n* * *\nولليلتين خَلَتَا من رجب ظهر بالكوفة عيسى بن جعفر وعليّ بن زيد الحسنيّان، فقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>[ذكر الخبر عن خلع المعتزّ ثم موته] </span>(٢)\nولثلاث بقين من رجب منها خُلع المعتزّ، ولليلتين خلتا من شعبان أظهِر\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٧٩).\n(٢) المصدر السابق (١٢/ ٨٠).","vol":"13","page":146},{"text":"موته؛ وكان سبب خلعه - فيما ذكر - أن الكتَّاب الذي ذكرنا أمرهم، لمَّا فعل بهم الأتراك ما فعلوا، ولم يُقرُّوا لهم بشيء، صاروا إلى المعتزّ يطلبون أرزاقهم، وقالوا له: أعطِنا أرزاقنا حتى نقتُل لك صالح بن وصيف، فأرسل المعتزّ إلى أمه يسألها أن تعطيَه مالًا ليعطيَهم، فأرسلت إليه: ما عندي شيء، فلما رأى الأتراك ومَنْ بسامُرّا من الجند أن قد امتنع الكُتَّاب من أن يُعطوهم شيئًا، ولم يجدوا في بيت المال شيئًا، والمعتزّ وأمه قد امتنعا من أن يَسْمَحا لهم بشيء؛ صارت كلمة الأتراك والفراغنة والمغاربة واحدةً، فاجتمعوا على خَلْع المعتزّ، فصاروا إليه لثلاث بَقِين من رجب؛ فذكر بعض أسباب السلطان أنه كان في اليوم الذي صاروا إليه عند نحرير الخادم في دار المعتز، فلم يَرعْه إلا صياح القوم من أهل الكَرْخ والدُّور، وإذا صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بُغا المعروف بأبي نصر، قد دخلوا في السلاح، فجلسوا على باب المنزل الذي ينزله المعتزّ، ثم بعثوا إليه: اخرُج إلينا، فبعث إليهم: إني أخذت الدّواء أمس، وقد أجفلني اثنتي عشرة مرّة؛ ولا أقدر على الكلام من الضعف؛ فإن كان أمرًا لابدّ منه، فليدخل إليّ بعضُكم فَلْيُعْلِمْني وهو يرى أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة من أهل الكَرْخ والدّور من خلفاء القُوّاد، فجرّوا برجْلِه إلى باب الحُجْرة؛ قال: وأحسبهم كانوا قد تناولوه بالضّرْب بالدبابيس، فخرج وقميصه مخرّق في مواضح، وآثار الدم على منكبِه، فأقاموه في الشمس في الدار في وقت شديد الحرّ، قال: فجعلتُ أنظر إليه يرفعُ قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه، قال: فرأيتُ بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وجعلوا يقولون: اخلعْها، فأدخلوه حجرَة على باب حجرة المعتزّ كان موسى بن بُغا يسكنها حين كان حاضرًا، ثم بعثوا إلى ابن أبي الشوارب، فأحضروه مع جماعة من أصحابه؛ فقال له صالح وأصحابه: اكتبْ عليه كتاب خَلْع، فقال: لا أحسنه؛ وكان معه رجل أصبهانيّ، فقال: أنا أكتب، فكتب وشهدوا عليه وخرجوا، وقال ابن أبي الشوارب لصالح: قد شهدوا أنّ له ولأخته وابنه وأمه الأمان، فقال صالح بكفّه: أي نعم؛ ووكلوا بذلك المجلس وبأمّه نساء يحفظنها.","vol":"13","page":147},{"text":"فذكر أن قبيحة كانت اتّخذت في الدار التي كانت فيها سَرَبًا، وأنها احتالت هي وقُرْب وأخت المعتز، فخرجوا من السَّرَب، وكانوا أخذوا عليها الطرُق، ومنعوا الناس أن يجوزوا من يوم فعلوا بالمعتزّ ما فعلوا؛ وذلك يوم الإثنين إلى يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب.\nفذُكر أنه لما خُلع دفع إلى من يعذّبه ومُنِع الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلَب حَسْوةً من ماء البئر، فمنعوه ثم جصّصوا سردابًا بالجِصّ الثخين، ثم أدخلوه فيه، وأطبقوا عليه بابَه، فأصبح ميّتًا.\nوكانت وفاته لليلتين خَلَتا من شعبان من هذه السنة، فلما مات أشهد على موته بنو هاشم والقواد؛ وأنه صحيح لا أثر فيه، فدُفِن مع المنتصر في ناحية قصر الصّوامع؛ فكانت خلافته من يوم بويع له بسامُرّا إلى أن خُلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا، وكان عمره كلّه أربعًا وعشرين سنة (١) وكان أبيض أسود الشعر كثيفَه، حسن العينين والوجه، ضيّق الجبين، أحمر الوجنتين، حسن الجِسم، طويلًا.\nوكان مولده بسامُرّا.\n_________\n(١) والذي اختاره الحافظ ابن كثير ما يلي: (ولثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز بالله ولليلتين مضتا من شعبان أظهر موته) [البداية والنهاية ٨/ ٢٢٥].\nوقال أيضًا: وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان (أي اليوم الذي أشهدوا فيه جماعة من الأعيان على موته). من هذه السنة (أي ٢٥٥ هـ) وكان يوم السبت وصلى عليه المهتدي بالله ودفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع عن أربع وعشرين سنة.\nوكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا [البداية والنهاية ٨/ ٢٢٥].\nوانظر سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٣٢) وتاريخ بغداد (٢/ ١٢٥).\nوقد ذكر اثنان من الأئمة الثقات من أهل الحديث كلامًا جرى بينهما وبين المعتز بالله وطرفًا من أخباره وهما الزبير بن بكار وعلي بن حرب [وانظر تاريخ بغداد (٢/ ١٢٥) وتأريخ دمشق (١٨/ ٣١٧) وتاريخ بغداد (٢/ ١٢٤) وتأريخ الخلفاء (٤٠٦).","vol":"13","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2078>خلافة ابن الواثق المهتدي بالله</span>\nوفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رَجب من هذه السنة، بويع محمد بن الواثق؛ فسُمِّي بالمهتدي بالله؛ وكان يكنى أبا عبد الله؛ وأمه روميّة؛ وكانت تسمى قُرْب (١).\nوذكر عن بعض من كان شاهدًا أمرهم، أنّ محمد بن الواثق لم يقْبَل بيعةَ أحد؛ حتى أتيَ بالمعتز فخلع نفسه؛ وأخبَر عن عجزه عن القيام بما أسْنِد إليه، ورغبته في تسليمها إلى محمد بن الواثق؛ وأن المعتزّ مدّ يده فبايع الواثق؛ فسمَّوْه بالمهتدي، ثم تنحّى وبايع خاصّة الموالي.\nوكانت نسخة الرقعة بخلع المعتزّ نفسه:\nبسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أشهد عليه الشهود المسمَّوْن في هذا الكتاب؛ شهدوا أنّ أبا عبد الله بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أقرّ عندهم، وأشهدهم على نفسه في صحّةٍ من عقله، وجوازٍ من أمره؛ طائعًا غير مكره، أنه نظر فيما كان تقلّده من أمر الخلافة والقيام بأمور المسلمين؛ فرأى أنه لا يصلحُ لذلك، ولا يكمُل له؛ وأنه عاجز عن القيام بما يجب عليه منها، ضعيف عن ذلك؛ فأخرج نفسَه، وتبرّأ منها، وخلعها من رَقَبته، وخلع نفسه منها، وَبَرأ كلّ من كانت له في عنقه بَيْعة من جميع أوليائه وسائر الناس مما كان له في رقابهم من البيْعة والعهود والمواثيق والأيمان بالطّلاق والعتاق والصَّدَقة والحجّ وسائر الأيمان، وحلَّلهم من جميع ذلك وجعلَهم في سَعَة منه في الدنيا والآخرة، بعد أن تبين له أنّ الصلاح له وللمسلمين في خروجه عن الخلافة والتبرؤ منها، وأشهد على نفسه بجميع ما سمى، ووصف في هذا الكتاب جميع الشهود\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٨) وتأريخ بغداد (٣/ ٣٤٨).","vol":"13","page":149},{"text":"المسمّيْن فيه، وجميع مَنْ حضر؛ بعد أن قرئ عليه حرفًا حرفًا، فأقرّ بفهمه ومعرفته جميع ما فيه طائعًا غير مكره؛ وذلك يوم الإثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومئتين.\nفوقّع المعتز في ذلك: \"أقرّ أبو عبد الله بجميع ما في هذا الكتاب، وكتب بخطه\".\nوكتب الشهود شهاداتهم: شهد الحسن بن محمد، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن جناب، ويحيى بن زكرياء بن أبي يعقوب الأصبهانيّ، وعبد الله بن محمد العامريّ، وأحمد بن الفضل بن يحيى، وحماد بن إسحاق، وعبد الله بن محمد، وإبراهيم بن محمد؛ وذلك يوم الإثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومئتين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2079>[قيام الشغب ببغداد ووثوب العامة بسليمان بن عبد الله] </span>(١)\nوفي سلْخ رَجَب من هذه السنة، كان ببغداد شَغَب ووُثوب العامة بسليمان بن عبد الله بن طاهر.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل الأمر إليه:\nوكان السببُ في ذلك، أنّ الكتاب من محمد بن الواثق ورَد يوم الخميس سلْخ رجب على سليمان ببغداد ببيعة الناس له، وبها أبو أحمد بن المتوكل؛ وكان أخوه المعتزّ سيّره إلى البصرة حين سخط على أخيه من أمه المؤيد؛ فلما وقعت العصبية بالبصرة نقله إلى بغداد؛ فكان مقيمًا بها، فبعث سليمان بن عبد الله بن طاهر وإليه الشرطة يومئذ ببغداد، فأحضره دارَه، وسمع مَنْ ببغداد من الجند والغَوغاء بأمر المعتزّ وابن الواثق، فاجتمعوا إلى باب سليمان، وضجّوا هنالك، ثم انصرفوا على أنه قيل لهم: لم يَرِدْ علينا من الخبر ما نعلم به ما عمل به القوم، فغَدوْا يوم الجمعة على ذلك من الصياح والقَوْل الذي كان قيل لهم يوم الخميس، وصلى الناس في المسجديْن، ودُعِيَ فيهما للمعتزّ، فلما\n_________\n(١) انظر المنتظم [١٢/ ٨٥].","vol":"13","page":150},{"text":"كان يوم السبت غدا القوم، فهجموا على دار سليمان، وهتفوا باسم أبي أحمد، ودعوْا إلى بيعته، وخلصوا إلى سليمان في داره، وسألوه أن يريَهم أبا أحمد بن المتوكل، فأظهره لهم، ووعدهم المصير إلى محبَّتهم إن تأخر عنهم ما يحبّون، فانصرفوا عنه بعد أن أكّدُوا عليه في حفظه.\nوقدم يارجوخ فنزل البَرَدان ومعه ثلاثون ألف دينار لإعطاء الجند ممّن بمدينة السلام، ثم صار إلى الشّماسيّة، ثم غدا ليدخل بغداد؛ فبلغ الناس الخبرُ، فضجّوا وتبادروا بالخروج إليه، وبلغ يارجوخ الخبرُ، فرجع إلى البَرَدان، فأقام بها، وكتب إلى السلطان، واختلفت الكتب حتى وجّه إلى أهل بغداد بمال رضُوا به، ووقعت بيعة الخاصّة ببغداد للمهتدي يوم الخميس لسبع ليالٍ خَلَوْن من شعبان، ودعي له يوم الجمعة لثمانٍ خلوْن من شعبان بعد أن كانت ببغداد فِتْنة، قتل فيها وغرق في دِجْلة قوم، وجرِح آخرون لأن سليمان كان يحفظ داره قوم من الطَّبَرية بالسلاح، فحاربهم أهلُ بغداد في شارع دِجْلة وعلى الجسر؛ ثم استقام الأمر بعد ذلك وسكنوا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>[ذكر خبر ظهور قبيحة أم المعتزّ] </span>(١)\nوفي شهر رمضان من هذه السنة ظهرت قَبيحة للأتراك، ودلَّتْهم على الأموال التي عندها والذخائر والجوهر؛ وذلك أنها - فيما ذُكر - قد قَدّرَت الفتك بصالح، وواطأت على ذلك النَّفر من الكتّاب الذين أوقع بهم صالح؛ فلما أوقع بهم صالح، وعلمت أنهم لم يطووا عن صالح شيئًا من الخبر بسبب ما نالهم من العذاب؛ أيقنت بالهلاك؛ فعملت في التخلّص، فأخرجت ما في الخزائن داخل الجوْسق من الأموال والجواهر وفاخرِ المتاع، فأودعت ذلك كله مع ما كانت أودعت قبل ذلك مما هو في هذا المعنى، ثم لم تأمن المعاجلة إلى ما نزَل بها\n_________\n(١) هذا الخبر انفرد به الطبري من بين المؤرخين المتقدمين الثقات ولم يذكر له إسنادًا بل تساهل كثيرًا عند ذكر جزءًا منه مسندًا فقال [فذكر عمّن سمعها] (٩/ ٣٩٤) فلا ذكر اسم الواسطة بينه وبين الشاهد ولم يذكر اسم الشاهد بل تركه مبهمًا (عمّن) وفي المتن مبالغة ونكارة والله أعلم.","vol":"13","page":151},{"text":"وبابنها، فاحتالت للهرب وجهًا، فحفرت سَرَبًا من داخل القصر من حجرة لها خاصّة ينفذ إلى موضع يفوت التفتيش، فلمّا علمت بالحادثة بادرت من غير تلبّث ولا تلوّم؛ حتى صارت في ذلك السَّرَب، ثم خرجت من القَصْر؛ فلما فرغ الذين شغبوا في أمر ابنها مما أرادوا إحكامَه؛ فصاروا إلى طلبها غير شاكّين في القدرة عليها، وجدوا القصر منها خاليًا، وأمْرَها عنهم مستترًا؛ لا يقفون منه على شيء؛ ولا ما يؤديهم إلى معرفته؛ حتى وقفوا على السَّرَب، فعلموا حينئذ أنهم منه أوتوا فسلكوه؛ وانتهوا إلى موضع لا يُوقف منه على خبر ولا أثر، فأيقنوا بالفَوْت، ثم رجموا الظّنُون؛ فلم يجدوا لها معقلًا أعزّ ولا أمنع إن هي لجأت إليه من حبيبَ حرّة موسى بن بغا التي تزوّجها من جواري المتوكل، فأحالوا على تلك الناحية، وكرهوا التعرّض لشيء من أسبابها، ووضعوا العيون والأرصاد عليها، وأظهروا التوعّد لمن وقفوا على معرفة بأمرها؛ ثم لم يُظهرْهم عليها؛ فلم يزل الأمر منطويًا عنهم؛ حتى ظهرت في شهر رمضان؛ وصارت إلى صالح بن وصِيف، ووسَّطت بينها وبين صالح العطَّارة؛ وكانت تثِق بها؛ وكانت لها أموال ببغداد، فكتبت في حَمْلِها، فاستخرج وحُمِل منها إلى سامُرّا.\nفذُكِر أنه وافَى سامُرّا يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلَتْ من شهر رمضان من هذه السَّنَة قدر خمسمئة ألف دينار، ووقَعُوا لها على خزائن ببغداد، فوجّه في حملها، فاستخرج وحمل منها، فحمل إلى السلطان من ذلك متاعٌ كثير، وأحيل من ببغداد من الجند والشاكرية المرتزقة بمال عظيم عليه ولم تزل تُباع تلك الخزائن متّصلًا ببغداد وسامُرّا عدّة شهور؛ حتى نفذت.\nولم تزل قبيحة مقيمة إلى أن شخص الناس إلى مكة في هذه السنة، فسُيّرت إليها مع رجاء الربابيّ ووحَش مولى المهتدي؛ فذُكِر عمّن سمعها في طريقها وهي تدعو الله على صالح بن وصيف بصوتٍ عالٍ وتقول: اللهم أخز صالح بن وصيف؛ كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدّد شملي، وأخذ مالي، وغرّبني عن بلدي، وركب الفاحشة مني! فانصرف الناس عن الموسم واحتبست بمكة.\nوذكر أنّ الأتراك لما تحركوا، وثاروا بالمعتزّ أرسلوا إليه يطلبون منه خمسين ألف دينار؛ على أن يقتلوا صالحًا؛ ويستوي لهم الأمر، فأرسل إلى أمه يعلمها","vol":"13","page":152},{"text":"اضطرابهم عليه، وأنه خائف على نفسه منهم، فقالت: ما عندي مال، وقد وردت لنا سفاتج؛ فلينتظروا حتى نقبض ونعطيَهم؛ فلما قُتل المعتزّ، أرسل صالح إلى رجل جوهريّ، قال الرجل: فدخلت إليه وعنده أحمد بن خاقان؛ فقال: ويحك! هو ذا ترى ما أنا فيه! وكان صالح قد أخافوه وطالبوه بالمال؛ ولم يكن عنده شيء، فقال في: قد بلغني أنّ لقبيحة خزانةً في موضع يرشدك إليه هذا الرجل - وإذا رجلٌ بين يديه - فامض ومعك أحمد بن خاقان؛ فإن أصبتم شيئًا فأثبته عندك، وسلِّمه إلى أحمد بن خاقان، وصِرْ إليّ معه، قال: فمضيت إلى الصُّفوف بحضرة المسجد الجامع؛ فجاء بنا ذلك الرَّجُل إلى دار صغيرة معمورة نظيفة؛ فدخلنا ففتشنا كلّ موضع فيها فلم نجد شيئًا، وجعل ذلك يغلُظ على أحمد بن خاقان، وهو يتهدّد الرجل ويتوعده، ويُغلقاله، وأخذ الرجل فأسًا ينقر به الحيطان يطلب موضعًا قَد سُتر فيه المال؛ فلم يزل كذلك حتى وقع الفأس على مكان في الحائط استدلّ بصوته على أن فيه شيئًا، فهدمه وإذا من ورائه باب، ففتحناه ودخلنا إليه؛ فأدّانا إلى سَرب، وصرنا إلى دار تحت الدار التي دخلناها على بنائها وقسمتها، فوجدنا من المال على رُفوف في أسفاط زهاء ألف ألف دينار، فأخذ أحمد منها ومَن كان معه قدر ثلثمئة ألف دينار، ووجدنا ثلاثة أسفاط: سَفَطًا فيه مقدار مكّوك زمرّد إلا أنه من الزّمرد الذي لم أر للمتوكل مثله ولا لغيره، وسفطًا دونه فيه نصف مكّوك حبّ حبّ كبار، لم أر والله للمتوكل ولا لغيره مثله، وسفطًا دونه فيه مقدار كيلجة ياقوت أحمر لم أر مثله، ولا ظننت أن مثله يكون في الدنيا؛ فقوّمت الجميع على البيع؛ فكانت قيمته ألفي ألف دينار، فحملناه كله إلى صالح؛ فلما رآه جعل لا يصدق ولا يوقنُ حتى أحضر بحضرته ووقف عليه، فقال عند ذلك: فعل الله بها وفعل؛ عرّضت ابنها للقتْل في مقدار خمسين ألف دينار، وعندها مثل هذا في خزانة واحدة من خزائنها!\nوكانت أم محمد بن الواثق توفِّيت قبل أن يبايعَ؛ وكانت تحت المستعين؛ فلما قُتِل المستعين صيرها المعتزّ في قصر الرُّصافة الذي فيه الحرم، فلما ولي الخلافة المهتدي قال يومًا لجماعة من الموالي: أمّا أنا فليس في أمّ أحتاج لها إلى غلّة عشرة آلاف ألف في كل سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها؛ وما أريد","vol":"13","page":153},{"text":"لنفسي وولدي إلا القوت، وما أريد فضلًا إلا لإخوتي فإن الضّيقة قد مسّتهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>[ذكر الخبر عن قتل أحمد بن إسرائيل وأبي نوح] </span>(١)\nولثلاث بقين من رمضان من هذه السنة قتِل أحمد بن إسرائيل وأبو نوح.\n* ذكر الخبر عن صفة القِتْلة التي قتلا بها:\nفأما السبب الذي أدّاهما إلى القتل؛ فقد ذكِرناه قبلُ، وأما القِتْلة التي قُتِلا بها، فإنه ذكر أن صالح بن وصيف لما استصفى أموالهما، ومال الحسن بن مخْلَد، وعذّبهم بالضرب والقَيْد وقرّب كوانين الفحم في شدّة الحرّ منهم، ومنعهم كلّ راحة، وهم في يده على حالهم، ونسبهم إلى أمور عظام من الخيانة، والقصد لذلّ السلطان والحِرْص على دوام الفتن والسعي في شقّ عصا المسلمين، فلم يعارضْه المهتدي في شيء من أمورهم، ولم يوافقه على شيء أنكره من فعلهْ بهم، ثمّ وجّه إليهم الحسن بن سيلمان الدوشابيّ في شهر رمضان، ليتولّى استخراج شيء إن كان زُوِيَ عنه من أموالهم.\nقال: فأخرِج إليّ أحمد بن إسرائيل، فقلت له: يا فاجر، تظنّ أنّ الله يُمهلك، وأنّ أمير المؤمنين لا يستحِلّ قتلك؛ وأنت السببُ في الفتن، والشريك في الدماء مع عظيم الخيانة وفساد النية والطويّة! إنّ في أقلّ من هذا ما تستوجب به المُثْلة كما استوجب من كان قبلك، والقتل في العاجلة والعذاب والخزي في الآجلة، إن لم تسعدَ من الله بعفو، وإمهال، ومن إمامك بصفح واحتمال؛ فاستر نفسَك من نزول ما تستحقّ بالصدق عما عندك من المال؛ فإنك إن تفعل ويوقَف على صدقك تسلم بنفسك، قال: فذكر أنه لا شيء عنده، ولا تُرِك له إلى هذا الوقت مال ولا عُقْدة، قال: فدعوتُ بالمقارع وأمرت أن يقامَ في الشمس، وأرعدتُ وأبرقتُ وإن كان ليفوتني الظفر منه بشيء من صَرامة ورُجْلة حتى أومَى إلى قدر تسعة عشر ألف دينار؛ فأخذت رقعته بها.\nقال: ثمّ أحضرت أبا نوح عيسى بن إبراهيم فقلت له مثل الذي قلت لأحمد أو\n_________\n(١) لم يذكر ابن الجوزي هذا الخبر وإنما ذكره ابن كثير [البداية والنهاية ٨/ ٢٢٦].","vol":"13","page":154},{"text":"نحوه، وزدت في ذلك بأن قلت: وأنت مع هذا مقيم على دينك النصرانية، مرتكب فروج المسلمات تشفِّيًا من الإسلام وأهله! ولا دلالة أدلّ على ذلك ممن لم يزل في منزلك على حالِ النصرانية من أهلٍ وولدٍ، ومَن كان ذا عَقْدهُ فقد أباح الله دمه.\nقال: فلم يُجب إلى شيء، وأظهر ضعفًا وفقرًا.\nقال: وأما الحسن بن مَخْلد فأخرجتُه؛ فلما خاطبته خاطبت رجلًا موضَّعًا رخوًا، قال: فبكَّتُّه بما ظهر منه، وقلت: مَنْ كان له الراضة بين يديه إذا سار على الشهاريّ وقدّر ما قدّرت، وأراد ما أردت، لم يكن موضَّعًا رطبًا ولا مخنَّثًا رخوًا، قال: ولم أزل به حتى كتب رقعة بجوهر قيمته نَيّف وثلاثون ألف دينار؛ قال: وردّوا جميعًا إلى موضعهم؛ وانصرفت. فكانت مناظرة الحسن بن سليمان الدوشابيّ لهم آخر مناظرة كانت معهم؛ ولم يناظروا أيام المهتدي فيما بلغني مناظرة غيرها.\nفلما كان يوم الخميس لثلاث بقين من شهر رمضان أخرِج أحمد بن إسرائيل وأبو نوح عيسى بن إبراهيم إلى باب العامة، فقعد صالح بن وصيف في الدار، ووكّل بضربِهما حمّاد بن محمد بن حماد بن دَنْقَش، فأقام أحمد بن إسرائيل وابن دَنْقَش يقول: أوجع، وكان كلّ جلّاد يضربه سوطين ويتنحّى حتى وفّوْه خمسمئة سوط، ثم أقاموا أبا نوح أيضًا فضُرب خمسمئة سوط ضربَ التّلف، ثم حُمِلا على بغلين من بغال السّقائين على بطونهما، منكّسةً رؤوسهما، ظاهرة ظهورهما للناس، فأما أحمد فحين بلغ خشبةَ بابك مات، وحين وصلوا بأبي نوح مات؛ فدفن أحمد بين الحائطين، ويقال إن أبا نوح مات من يومه في حبس السرخسيّ خليفة طلمجور على شُرَط الخاصّة، وبقي الحسن بن مَخْلَد في الحبس.\nوذُكِر عن بعض من حضر أنه قال: لقد رأيت حمّاد بن محمد بن حماد بن دَنقش وهو يقول للجلادين: أنفسَكم يا بني الفاعلة - لا يكني - ويقول: أوجعوا وغيّروا السياط، وبدّلوا الرّجال، وأحمد بن إسرائيل وعيسى يستغيثان؛ فذكر أن المهتدي لمّا بلغه ذلك قال: أمَا عقوبة إلا السوط أو القتل! أما يقوم مقام هذا شيء! أما يكفي! إنا لله وإنا إليه راجعون، يقول ذلك ويسترجع مرارًا.","vol":"13","page":155},{"text":"وذكر عن الحسن بن مَخْلَد أنه قال: لم يكن الاْمر فينا عند صالح إذا لم يحضره عبد الله بن محمد بن يَزْدَاد على ما كان يكون عليه من الغلظة إذا حضر، قال: وكان يقول لصالح: اضرب وعذّب فإنّ الأصلح من وراء ذلك القتل؛ فإنهم إن أفلتوا لم تؤمَن بوائقهم في الأعقاب؛ فضلًا عن الواترين؛ ويذكره قبيحَ ما بلغه عنهم، وكان يسرّ بذلك.\nقال: وكاد داود بن [أبي] العباس الطوسيّ يحضرنا عند صالح فيقول: وما هؤلاء أعزّك الله، فبلغ منك الغضب بسببهم هذا المبلغ! فظنه يرقّقه علينا حتى يقول: على إني والله أعلم إن تخلصوا إنتشر منهم شرٌّ كبير وفساد في الإسلام عظيم؛ فينصرف وقد أفتاه بقتلنا، وأشار عليه بإهلاكنا؛ فيزداد برأيه وما قال له علينا غيظًا، وإلى الإِساءة بنا أنسًا، فسُئل بعض من كان يخبر أمرهم: كيف نجا الحسن بن مَخْلَد مما صَلِيَ به صاحباه؟ فقال: بخصلتين؛ إحداهما أنه صَدقه عن الخبر في أوّل وهلة وأوجد الدَّلائل على ما قاله له إنه حقّ؛ وقد كان وعَده العفو إن صدَقه، وحلف له على ذلك، والأخرى أنّ أمير المؤمنين كلمه فيه وأعلمه حرمة أهله به، وأومأ إلى محبته لإصلاح شأنه، فردّه عن عظيم المكروه فيه، وقد كنت أرى أنه لو طالت لصالح مدّة وهو في يده، أطلقه واصطنعه، ولم يكن صالح بن وصيف اقتصر في أمر الكتاب على أخذ أموالهم وأموال أولادهم، حتى أخاف أسبابهم وقراباتهم بأخذ أموالهم، وتخطّى إلى المتصلين بهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2082>[شغب الجند والعامة ببغداد وولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر عليها]</span>\nولثلاث عشرة خلت من شهر رمضان منها فتح السجن ببغداد، ووثبت الشاكرية والنائبة ببغداد من جندها بمحمد بن أوس البلخيّ:\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل الأمر إليه فيه:\nذكر أنَّ السبب في ذلك كان أنّ محمد بن أوس، قدِم بغداد مع سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو على الجيش القادمين من خُراسان مع سليمان والصعاليك","vol":"13","page":156},{"text":"الذين تألّفهم سليمان بالرّيّ، ولم تكن أسماؤهم في ديوان السلطان بالعراف، ولا أمِر سُليمان فيهم بشيء؛ وكانت السنّة فيهم أن يقام لمن قدم معه من خراسان بالعراق حسب ما يُقام بخُراسان لنظرائهم من مال ضياع وَرَثة ذي اليمينين ويكتب بذلك إلى خُراسان ليُعارض الوَرثة هناك من مال العامة\" بدل ما كان دُفع من مالهم بالعراق، فلما قدم سُليمان بن عبد الله العراق، وجد بيت مال الوَرَثة فارغًا وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد تقدّم عندما صحّ عنده من الخبر بتصيير الأمر فيما كان يتوّلاه إلى أخيه سليمان بن عبد الله؛ فأخذ ما كان حاصلًا لورثة أبيه وجدّه في بيت مالهم، واستسلف على ما لم يرتفع، وتعجّل من المتقبّلين أموال نجوم لم تحلّ حتى استنظفت ذلك أجمع، وشخص فأقام بالجُوَيْث في شرقيّ دِجْلة، ثم عَبَر حتى صار في غربيّها، فضاقت بسليمان الدّنيا، ولحرّك الشاكرية والجُند في طلب الأرزاق، وكتب سليمان إلى أبي عبد الله المعتزّ بذلك وقدَّر أمر مالهم، وأدخل في المال تقدير القادمين معه؛ ووجّه محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب الخراساني كاتبه في ذلك، فأجيب بعد مناظرات إلى أن سُبِّبَ له على عمال السَّواد مالٌ صودر عليه لطمع مَنْ بمدينة السلام وشِحَنِ السواد لا يقوم بما يجب للنائبة فضلًا عن القادمين مع النائبة؛ فلم يتهيّأ لسُليمان الوصولُ إلى شيء من المال، وقدم ابنُ أوس والصعاليك وأصحابه، فقصّر المال عنه وعمن كان يقدّر وصوله إليه من النائبة، فوقفوا على ذلك وعلى السبب المضرّ بهم فيه، وكان القادمون مع سليمان من الصَّعاليك وغيرهم لما قدِموا بغداد أساؤوا المجاورة لأهلها، وجاهروا بالفاحشة وتعرَّضوا للحُرَم والعبيد والغِلْمان، وعادوْهم لمكانهم من السلطان؛ حتى امتلؤوا عليهم غيظًا وحَنقًا، وقد كان سليمان بن عبد الله وحَرَ على الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب بن رزيق؛ لمكانه من عُبيد الله بن عبد الله [بن طاهر] ونصرته له وكفايته وانصرافه عن سليمان وأسبابه، فلما انصرف الحسين بن إسماعيل إلى بغداد بعقب ما كان يتولّاه لعبيد الله من أمر الجند والشاكرية، فحبس كاتبه في المطبَق وحاجبه في سجن باب الشام، ووكّل بباب الحسين بن إسماعيل جندًا من قِبَل إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ لأنّ سليمان ولَّى إبراهيم ما كان الحسين بن إسماعيل يتولّاه لعبيد الله من أمر جسرَيْ بغداد وطساسيج قطربُلّ ومسكن والأنبار؛ فلما حدث ما حدث من بيعة المهتدي وشَغَب الجند والشاكرية بمدينة","vol":"13","page":157},{"text":"السلام، ووقعت الحرب في تلك الأيام، شدّ محمد بن أوس على رجل من المراوزة، كان من الشيعة، فضربه في دار سليمان ثلثمئة سوط ضربًا مبرِّحًا، وحبسه بباب الشأم؛ وكان هذا الرّجلُ من خاصة الحسين بن إسماعيل؛ فلمّا حدث هذا الحادث احتيج إلى الحُسين بن إسماعيل، لفضل جَلَدِه وإقدامه فنُحِّىَ من كان ببابه موكّلًا فظهر، فتراجع أصحابُه من غير أمر؛ وقد كانوا فُرّقوا على القوَّاد وضُمّ منهم جمع كبير إلى محمد بن أبي عون القائد؛ فذُكِر أن المضمومين إلى ابن أبي عون لما صاروا إلى بابه، فرّق فيهم من مالهم؛ للرّاجل عشرة دراهم، وللفارس دينارًا؛ فلما رجعوا إلى الحسين رفع ابن أبي عون بذكر ذلك؛ فلم يخرج في ذلك تعيين ولا أمر؛ فلم يزل الحال على هذا والجند والشاكريّة يصيحون في طلب مال البيعة وما بقيَ لهم من مال الطمع المتقدّم، وقد ردّ أمرهم في تَقسيط مالهم، وقبضهم إلى الحسين على ما كان الأمر عليه أيام عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان الحسين لا يزال يلقي إليهم ما عليه محمد بن أوس ومَنْ قدم مع سليمان من القَصْد لأخذ أموالهم والفوز بها دونهم؛ حتى امتلأت قلوبهم، فلمّا كان يومُ الجمعة لثلاث عشرة خلتْ من شهر رمضان، اجتمع جماعة من الجند والشاكريّة، ومعهم جماعة من العامة حتى صاروا إلى سجن باب الشأم ليلًا، فكسروا بابه، وأطلقوا في تلك الليلة أكثرَ مَنْ كان فيه، ولم يبقَ فيه من أصحاب الجرائم أحدٌ إلا الضعيف والمريض والمثقَل؛ فكان ممن خرج في تلك الليلة نفرٌ من أهل بيت مساور بن عبد الحميد الشاري، وخرج معهم المروزيّ مضروب محمد بن أوس وجماعة ممن قد لزم السلطانَ إلى أن صاروا إلى قبْضته زُهاء خمسين ألفًا، وأصبح الناس في يوم الجمعة وباب الحبس مفتوح؛ فمَنْ قدر أن يمشيَ مشى، ومَنْ لم يقدر اكترى له ما يركبه؛ وما يمنع من ذلك مانع، ولا يدفع دافع؛ فكان ذلك من أقوى الأمور التي بعثت الخاصّة والعامة على دفع الهيْبة بينهم وبين سليمان بن عبد الله وسُدّ باب السجن بباب الشآم بآجرٍّ وطين؛ ولم يعلم أنه كان لإبراهيم بن إسحاق في هذه الليلة ولا لأحد من أصحابه حركة أصلًا؛ فتحدّث الناس أن الذي جُنِيَ على سجن باب الشأم بمكان المروزيّ الذي ضربه ابن أوس فيه حتى يخلص، ثم لم يمض بعد ذلك خمسة أيام، حتى نافر ابن أوس الحسينَ بن إسماعيل في أمر مال النائبة أراده محمد بن أوس لأصحابه ومنعه الحسين، وتجاريا في ذلك كلامًا غلظ بينهما،","vol":"13","page":158},{"text":"فخرج محمد متنكرًا؛ فلما كان الغد من ذلك اليوم غدَا محمد بن أوس إلى دار سليمان، وغدا الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال مولى طاهر، وحضر الناس باب سليمان؛ وكان بين مَنْ حضر من أصحاب ابن أوس وبين النائبة محادثة، علت فيها الأصوات؛ فتبادر أصحابُ ابن أوس والقادمون إلى الجزيرة، وعبر إليهم ابن أوس وولده؛ وتصايح الناس بالسلاح، وخرج الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال والمظفر بن سيسل في أصحابهم، وصاح الناس بالعامة: مَنْ أراد النَهب فليلحق بنا؛ فقيل: إنه عبر الجسرين من العامة في ذلك الوقت مئة ألف إنسان في الزَّواريق، وتوافَى الجند والشاكرية بالسلاح؛ فوافى أوائل الناس الجزيرة؛ فلم يكن إلّا قدر اللحظة حتى حمل رجل من أهل سَرَخس على الكبير من ولد محمد بن أوس، وطعنه فأرْداه عن شهريّ كان تحته؛ ثم أخذته السيوف فانهزم عنه أصحابه، فلم يعمل أحد منهم شيئًا، وسُلب الجريح وحمل في زورق، حتى عُبِر به إلى دار سليمان بن عبد الله بن طاهر، فألقي هناك.\nفذكر بعضُ مَنْ حضر سليمانَ، أنه لما رآه اغرورقت عيناه من الدمع، ومهّد له، وأحضِر له الأطباء، ومضى ابن أوس من وجهه إلى منزله؛ وكان ينزل في دار لآل أحمد بن صالح بن شيرزاد بالدّور، مما يلي قصر جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، وجدّ أهلُ بغداد في آثارهم والموّاد معهم حتى تلقوْهم، فكانت بينهم وقعة بالدور؛ أولها في آخر الساعة الثانية وآخرها في أوّل الساعة السابعة؛ فلم يزالوا يتراشقُون بالنّشاب، ويتطاعنون بالرِّماح، ويتخابطون بالسيوف، وأعان ابنَ أوس جيرانه من أهل سويقة قُطوطا وأصحاب الزَّواريق من ملَّاحي الدور، واشتدَّت الحرب ووجّه أهلُ بغداد يطلبون نفَّاطين من دار سليمان، فذكروا أنّ حاجبه دخل، فأعلمه ذلك؛ فأمر بمنعهم منه؛ وقاتل ابنُ أوس قتالًا شديدًا، فناله جِراحٌ من سهام وطعن، فانهزم وأصحابه؛ وقد كان أخرج حرمه من داره؛ فلم يزل أهلُ بغداد يتبعونهم حتى أخرجوهم من باب الشّماسية، ووصل الناس إلى منزل ابن أوس؛ فانتهبوا جميعَ ما كان فيه؛ فذُكِر أنه انتهب له بقيمة ألفي ألف درهم؛ والمقلِّل يقول: ألف ألف وخمسين ألفًا؛ وأنه انتهب له زُهاء مئة سرأويل مبطّن بسمّور؛ سوى ما كان مبطَّنًا بغيره من الوبَر مما يشاكل ذلك؛ وانتهب له من الفرش الطبريّ الخام والمقصور والمدرج والمقطوع","vol":"13","page":159},{"text":"ما يكون قيمته ألف ألف درهم؛ وانصرف الناس، فجعل الجند يدخلون دار سليمان، وهم يكثرون ومعهم النهب وهم يصيحون، وما لهم مانع ولا زاجر، وأقام ابنُ أوس ليلتَه تلك بالشَّماسية مع من لحق به من أصحابه، وقد كان أهل بغداد وثبوا بمنازل الصَّعاليك التي كانوا فيها سكَّانًا، فنهبوها، وتعرّضوا لمن كان تخلّف منهم، فتلاحق القومُ هُرّابًا، ولم يبق منهم في اليوم الثاني ببغداد أحد ظاهرًا.\nفذُكر أنّ سليمان وجّه تلك الليلة إلى ابن أوْس ثيابًا وفرشًا وطعامًا؛ فيقال: إنّ محمدًا قبِله، وقيل: إنه ردّه وأصبح الناس في اليوم الثاني وغَدا الحُسين بن إسماعيل والمظفر بن سيسل إلى دار الشاه بن ميكال، ولحق به وجوهُ الشاكرية والنائبة وغيرهم؛ فأقاموا هناك مُراغمين سليمان بن عبد الله بن طاهر، وخلت دار سليمان فلم يحضرها إلا جُميّعة، فبعث إليهم سليمان مع محمّد بن نصر بن حمزة بن مالك الخُزاعيّ وهو لا يعلم ما عليه عقد القوم يُعلمهم قبح ما ركبوا من محمد بن أوس، وما يجب لمحمد بحُرمته وقديمه، وأنّهم لو أنهوْا إليه ما أنكروا منه لتقدّم في ذلك بما يكفيهم معه الحال التي ركِبوها، فضجّ الشاكريّة الذين حضروا دار الشاه جميعًا وقالوا: لا نرضى بمجاورة ابن أوس ولا بمجاورة أحدٍ من أصحابه ولا من الصعاليك المنضمين إليه؛ وإنهم إن أكرِهوا على ذلك تعاقدوا مباينته، وخلع مَنْ يسومهم إياه، وأحال الشاه بن ميكال والحسين بن إسماعيل والمظفَر بن سيسل على كراهة القوم، فرجع الرَّسول بذلك إلى سليمان، فردّه إليهم بكلام دون ذلك، ووعدهم وقال: أنا أثِق بقولكم وضمانكم دون أيمانكم وعهودِكم، ثمّ استوى جالسًا.\nوذكر أنه لم يزل مستثقلًا محمد بن أوس ومَنْ لحق به من الصعاليك وغيرهم، عارفًا بسوء رغبتهم ورداءة مذاهبهم، وبسَوْم محمد بن أوس في نفسه خاصّة ومحبّته وشروعه في كلّ ما دعا إلى خلاف وفرقة، وأسبغ هذا المعنى، وكثر فيه حتى خرج به إلى الإغراق فيه؛ إلى أن قال: لقد كنت أدخلُ في قُنوتي في الصلاة طلب الراحة من ابن أوس، ثم التفت إلى محمد بن عليّ بن طاهر، فأمره بالمصير إلى ابن أوس، والتقدّم إليه في العزم على الانصراف إلى خُراسان، وأن","vol":"13","page":160},{"text":"يعلمَه أنه لا سبيل له إلى الرجوع إلى مدينة السلام؛ ولا إلى تولّي شيء من الأمور التي يتولّاها لسليمان.\nفلمّا تناهى الخبرُ إلى ابن أوْس رحل من الشّماسيّة فصار في رَقّةِ البرَدان على دجْلَة، فأقام بها أيامًا حتى اجتمع إليه مَنْ تفرّق من أصحابه، ثم رحل فنزل النَّهروان؛ فلم يزل بها مقيمًا، وقد كان كتب إلى بايكباك وصالح بن وصيف يعرِض عليهما نفسه، ويشكو إليهما ما نزل به؛ فلم يجد عندهما شيئًا مما قصد؛ وقد كان محمد بن عيسى بن عبد الرحمن مقيمًا بسامرّا لينجز أمورَ سليمان، وكان كارهًا لابن أوْس، منحرفًا عنه، وكان ابن أوْس مضطرب الأمر لسوء محْضر محمد بن عيسى الكاتب؛ فلما انقطعت عن ابن أوس وأصحابه المادّة، تعبَّثوا بأهل القُرى والسابلة، وأكثروا الغارات والنهب، ورحل حتى نزل النّهروان.\nفذُكِر عن بعض مَنْ قصدوه لينتهبوه، فذكّرهم المعاد، وخوّفهم الله: أنهم ردّوا عليه أن قالوا له: إن كان النهب والقتل جائزًا في مدينة السلام؛ وهي قبّة الإسلام ودار عز السلطان، فما استنكارُ ذلك في الصحاري والبراري! ثم رحل ابنُ أوس عن النَّهروان بعد أن أثَّر في تلك الناحية آثارًا قبيحة، وأخذ أهلَ البلاد بأداء الأموال، وحمل منها الطعام في السفن في بطن النّهروان إلى إسكاف بني جنيد لبيعه هناك.\nوكان محمد بن المظفّر بن سيسل بالمدائن، فلمّا بلغه مصيرُ ابنِ أوس إلى النَّهروان صيّر إقامته بالنّعمانية من عمل الزوابي خوفًا على نفسه منه لحضور أبيه كان في يوم الوقعة.\nفذُكِر عن محمد بن نصر بن منصور بن بسام - وعبرتا ضيعتُه -: أنّ وكيله انصرف عنها هاربًا بعد أن أدّى إلى ابن أوس تحت العذاب وخوف الموت قريبًا من ألف وخمسمئة دينار؛ ولم يزل ابن أوس مقيمًا هناك، يقرّب ويباعد، ويقبض ويبسط، ويشتدّ ويلين، ويرهب؛ حتى أتاه كتاب بايكباك بولاية طريق خراسان من قِبَله، فكان من وقت خروجه من مدينة السلام إلى وقت ورود الكتاب عليه بالولاية شهران وخمسة عشر يومًا.\nوذُكر عن بعض ولد عاصم بن يونس العِجليّ أن أباه كان يتولّى ضياعًا","vol":"13","page":161},{"text":"للنوشريّ بناحية طريق خُراسان، وأنه كتب إلى النوشريّ يذكر ما عاين من قُوّة عسكر ابن أوس وظاهر عدتهم، ويشير بأن يذكر ذلك لبايكباك، ويصف خلاء طريق خُراسان من سلطان يتولّاه ويحوط أهلَه وأنّ هذا عسكر مشْحَنٌ بالرّجال والعُدّة والعتاد، مقيم في العمل، وأن النوشري ذكر ذلك لبايكباك، وأشار عليه بتوليته طريق خراسان، وتخفيف المؤنة عن السلطان فقبِل ما أشار به عليه، وأمر بكتُبه فكتبت وولّي طريق خراسان في ذي القعدة من هذه السنة - وهي سنة خمس وخمسين ومئتين - وكان موسى خليفة مساور بن عبد الحميد الشاري مقيمًا بالدَّسكَرة ونواحيها في زهاء ثلثمئة رجل، قد ولّاه مُساور ما بين حُلوان إلى السوس على طريق خُراسان وبطن جُوخى وما قرب ذلك من طساسيج السواد.\n* * *\nوفيها أمر المهتدي بإخراج القِيان والمغنين والمغنيات من سامُرّا ونفيهم منها إلى بغداد؛ بعد أمرٍ كان قد تقدّم من قبيحة في ذلك قبل أن ينزل بابنها ما نزل، وأمر بقتل السباع التي كانت في دار السلطان وطَرْد الكلاب وإبطال الملاهي وردّ المظالم، وجلس لذلك للعامة، وكانت ولايته والدّنيا كلها من أرض الإسلام مفتونة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>[ذكر خبر استيلاء مفلح على طبرستان ثمّ انصرافه عنها]</span>\nوفيها شخص موسى بن بغا ومَنْ معه من الموالي وجند السلطان من الرّيّ وانصرف مُفلح عن طبرستان بعد أن دخلها، وهزم الحسن بن زيد، وأخرجه عنها إلى أرض الديلم.\n* ذكر الخبر عن شخوصه عنها:\nذُكر: أنّ السبب في ذلك أن قبيحة أمّ المعتزّ، لمّا رأت من الأتراك اضطرابًا، وأنكرت أمرَهم، كتبت إلى موسى بن بغا تسأله القدومَ إلى ما قِبَلها، وأمّلت وروده عليها قبل حدوث ما حدث عليها وعلى ابنها المعتزّ، فعزم موسى على الانصراف إليها، وكان ورودُ كتابها عليه ومُفلح بطبرستان.","vol":"13","page":162},{"text":"فكتب موسى إلى مفلح يأمره بالانصراف إليها وهو بالرّيّ، فحدّثني بعض أصحابنا من أهل طَبرستان، أنّ كتاب موسى ورد على مُفلح بذلك، وقد توجّه نحو أرض الدّيْلم في طلب الحسن بن زيد الطالبيّ، فلما ورد عليه الكتابُ انصرف راجعًا إلى حيث توجه منه، فعظم ذلك على قوم كانوا معه من رؤساء أهل طَبَرِستان ممن كان هاربًا قبل مقدم مُفلح عليهم من الحسن بن زيد، لِمَا كانوا قد رجوْا من مقدمه عليهم وكفايتهم أمرَ الحسن بن زيد والرجوع إلى منازلهم وأوطانهم، وذلك أنّ مفلحًا كان يعدُهم اتّباع الحسن بن زيد حيث توجّه حتى يظفر به أو يُخترَم دونه، ويقول لهم - فيما ذكر لي -: لو رميتُ قلنسوتي في أرض الدّيلم ما اجترأ أحد منهم أن يدنُوَ منها، فلما رأى القوم انصرافهَ عن الوجه الذي توجّه له من غير عسكر للحسن بن زيد ولا أحد من الديلم صدّه، سألوه - فيما ذكر لي - عن السبب الذي صَرَفه عما كان يعدُهم به من اتّباع ابن زيد، وجعلوا يكلمونه - فيما أخبرت - وهو كالمسبوت لا يجيبهم بشيء؛ فلما أكثروا عليه قال لهم: ورد عليّ كتاب الأمير موسى بعزمة منه ألّا أضع كتابه من يدي بعد ما يصل إلي حتى أقبِلَ إليه.\nوأنا مغموم بأمركم؛ ولكن لا سبيل إلى مخالفة الأمير، فلم يتهيّأ الموسى الشخوص من الرّيّ إلى سامرّا حتى وافاه الكتاب بهلاك المعتزّ وقيام المهتدي بعده بالأمر، ففثأه ذلك عمّا كان عزم عليه من الشخوص، لفوته ما قدَّر إدراكه من أمر المعتزّ.\nولمّا وردتْ عليه بيعة المهتدي، امتنع أصحابه عليه من بيعته، ثم بايعوا فورد خبر بيعتهم سامُرّا لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان من هذه السنة.\nثم إنّ المواليَ الذين في عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف من أموال الكتّاب وأسباب المعتزّ والمتوكل، فشحُّوا بذلك على المقيمين بسامُرّا؛ فدعوا موسى إلى الانصراف بهم إلى سامُرّا.\nوقدم مفلح على موسى بالرّيّ تاركًا طبرستان على الحسن بن زيد، فذكر عن القاشانيّ أنه قال: كتب إليّ ابن أخي من الرّيّ يذكر أنه لقي مفلحًا بالرّيّ، فسأله عن سبب انصرافه فذكر أن الموالي قد أبوا أن يقيموا، وأنهم إذا انصرفوا لم يُغنِ مقامه شيئًا.","vol":"13","page":163},{"text":"ثم إن موسى افتتح خراج سنة ست وخمسين ومئتين يوم الأحد مستهلّ شهر رمضان سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، فاجتنى - فيما ذكر - في يوم الأحد قدر خمسمئة ألف درهم، فاجتمع أهل الرّي، فقالوا، أعزّ الله الأمير! إنك تزعم أنّ الموالي يرجعون إلى سامُرّا لما يقدّرونه من كثرة العطاء هناك، وأنت وأصحابُك في أكثر وأوسع مما القوم هناك فيه؛ فإن رأيتَ أن تسدّ هذا الثغر، وتحتسب في أهله الأجر والثواب، وتلزمنا من خراجنا في خاصِّ أموالنا لمن معك ما ترى أن نحتمله فعلت، فلم يُجبهم إلى ما سألوا فقالوا: أصلح الله الأمير! فإذا كان الأمير عزم على تركنا، والانصراف عنا، فما معنى أخذنا بالخراج لسنة لم نبتدئ بعمارتها؛ وأكثر غلة سنة خمس وخمسين ومئتين؛ التي قد أخذ الأمير خراجها في الصحارى لا يمكننا الوصول إليها إن رحل الأمير عنا! فلم يلتفت إلى شيء مما وصفوه له، وسألوه إياه.\nواتصل خبرُ انصرافه بالمهتدي، فكتب إليه في ذلك كتبًا كثيرة، لم تؤثر أثرًا، فلما انتهى إليه قفول موسى من الرّيّ، ولم تغن الكتب شيئًا وجَّه رجلين من بني هاشم، يقال لأحدهما: عبد الصمد بن موسى، ويعرف الآخر بأبي عيسى يحيى بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وحُمّلا رسالة إلى موسى وإلى من ضمّ عسكره من الموالي، يصدقهم فيها عن الحال بالحضْرة وضيق الأموال بها، وما يُحاذر من ذهاب ما يخلفونه وراء ظهورهم، وغلبة المطالبين عليه واتساع آثارهم إلى ناحية الجبل، فشخص بذلك الهاشميان في جماعة من الموالي [وأتباعهم من الديلم] وأقبل موسى ومن معه، وصالح بن وصيف في ذلك يعظم على المهتدي انصرافه، وينسبه إلى المعصية والخلاف، ويبتهل عليه في أكثر ذلك، ويبرأ إلى الله من فعله.\nفذكر: أن كتاب صاحب البريد بهَمذَان لمّا ورد على المهتدي بفصُول موسى عنها، رفع المهتدي يديه إلى السماء، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: اللهمّ إني أبرأ إليك من فعل موسى بن بُغا وإخلاله بالثّغر وإباحته العدوّ؛ فإني قد أعذرت إليه فيما بيني وبينه، اللهم تولّ كيد مَنْ كايد المسلمين، اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا، اللهم إني شاخص بنيّتي واختياري إلى حيث نكب","vol":"13","page":164},{"text":"المسلمون فيه، ناصرًا لهم ودافعًا عنهم، فآجرْني بنيتي إذ عدمتُ صالِحَ الأعوان! ثم انحدرتْ دموعه يبكي.\nوذكر عن بعض من حضر المهتدي في بعض مجالسه التي يقول فيها هذا القول، وحضره سليمان بن وهب، فقال: أيأمرني أميرُ المؤمنين أن أكتب إلى موسى بما أسمع منه؟ فقال له: نعم، اكتب بما تسمعُ مني؛ وإن أمكنك أن تنقشه في الصخر فافعل. فلقيه الهاشميان في الطريق ولم يُغنيا شيئًا، وضجّ الموالي، وكادوا يثبون بالرّسل، ورد موسى في جواب الرّسالة، يعتذر بتخلّف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، وأنه إن رام التخلف عنهم لم يأمنهم على نفسه، ويحتجّ بما عاين الرّسل الموجهون إليه. فورد الرسل بذلك، وأوفد مع الرسل موسى وفدًا من عسكره، فوافوا سامرّا لأربع خلوْن من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>[ذكر الخبر عن مفارقة كنجور عليّ بن الحسين بن قريش]</span>\nوفي هذه السنة فارق كنجور عليَّ بن الحسين بن قريش، وكان قد نُفيَ أيام المعتز إلى فارس، فوكل به عليّ بن الحسين، وحبسه؛ فلما أراد عليّ بن الحسين محاربَة يعقوب بن الليث أخرجه من الحبس، وضمّ إليه خيلا ورجالًا، فلما انهزم الناس عن عليّ بن الحسين لحق كنجور بناحية الأهواز، فأثّر في ناحية رامهرمز أثرًا، ثم لحق بابن أبي دُلف، فوافاه بهمَذان، وأساء السيرة في أسباب وصيف وضياعه ووكلائه في تلك الناحية، ثم لحق بعد ذلك بعسكر موسى، فلما أقبل موسى فيمنْ ضمه العسكر، بلغ ذلك صالحًا، فكتب عن المهتدي في حمل كنجور إلى الباب مقيّدًا، فأبى ذلك الموالي، ثم لم تزل الكتب تختلف فيه إلى أن نزل العسكر القاطول، ثم ظهر أن صالحًا قعد لمراغمته، وأنّ موسى ترحّل إلى سامرّا على المباينة لصالح ومن مال إليه، ولحق بايكباك بعسكر موسى، وأقام موسى هناك يومين ووجّه المهتدي إليه أخاه إبراهيم لأمه في أمر كنجور يعلِمه أنّ الموالي بسامرا قد أبوْا أن يقارّوا على دخول كنجور، ويأمره بتقييده وحمله إلى مدينة السلام؛ فلم يتهيأ في ذلك ما قدّره صالح، وكان جوابهم","vol":"13","page":165},{"text":"أن قالوا: إذا دخلنا سامرّا امتثلنا ما أمر به أمير المؤمنين في كنجور وغيره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>خروج أَول علويّ بالبصرة</span>\nوللنصف من شوّال من هذه السنة، ظهر في فُرات البصرة رجل زعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن عليّ بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وجمع إليه الزَّنج الذين كانوا يكسحون السِّباخَ، ثم عبر دِجلة، فنزل الدِّيناريّ (١).\n* ذكر الخبر عن أمره والسبب الذي بعثه على الخروج هنالك:\nوكان اسمه ونسبه - فيما ذُكر - عليّ بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبُه في عبد القَيْس، وأمه قرّة ابنة عليّ بن رحيب بن محمد بن حكيم، من بني أسد بن خزيمة، من ساكني قرية من قرى الرّي، يقال لها وَرْزَنين، بها مولده ومنشؤه؛ فذُكر عنه أنه كان يقول: جدّي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن عليّ بن الحسين، فلما قُتل زيد هرب فلحق بالرّيّ، فلجأ إلى وَرْزَنين، فأقام بها، وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجلٌ من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، وأنه قدم العراق فأقام بها، واشترى جارية سنديّة، فأولدها محمدًا أباه؛ فهو عليّ بن محمد هذا، وأنه كان متصلًا قبل بجماعة من آل المنتصر؛ منهم غانم الشطرنجيّ وسعيد الصغير ويسُر الخادم؛ وكان منهم معاشه، ومن قوم من أصحاب السلطان وكتّابه يمدحهم ويستميحهم بشعره (٢).\nثم إنه شخص - فيما ذُكر - من سامرّا سنة تسع وأربعين ومئتين إلى البحرين، فادّعى بها أنه عليّ بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، واتّبعه جماعة كثيرة من أهلها، وأبته جماعة أخَر؛ فكانت بسببه بين الذين اتبعوه والذين أبَوْهُ عصبية\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٨٥).\n(٢) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":166},{"text":"قُتِلت بينهم جماعة فانتقل عنهم لما حدث ذلك إلى الأحساء، وضوى إلى حيّ من بني تميم ثم من بني سعد، يقال لهم: بنو الشّماس؛ فكان بينهم مقامه، وقد كان أهل البحرين أحلُّوه من أنفسهم محلّ النبيّ - فيما ذكر - حتى جُبيَ له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم، وقاتلوا أسباب السلطان بسببه ووتَر منهم جماعة كثيرة، فتنكّروا له، فتحوّل عنهم إلى البادية (١).\nولما انتقل إلى البادية صحبه جماعة من أهل البحرين، منهم رجل كيّال من أهل الأحسَاء، يقال له: يحيى بن محمد الأزرق المعروف بالبَحْرانيّ، مولى لبني دارم ويحيى بن أبي ثعلب، وكان تاجرًا من أهل هَجَر، وبعضُ موالي بني حنظلة أسود يقال له: سليمان بن جامع؛ وهو قائد جيشه، ثم كان ينتقل في البادية من حيّ إلى حيّ.\nفذكر عنه أنه كان يقول: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس؛ ومنها فيما ذكر عنه: أنه قال: إنِّي لُقَيتُ سُوَرًا من القرآن لا أحفظها فجرى بها لساني في ساعة واحدة، منها: سبحان والكهف وص.\nقال: ومن ذلك: أني لقيت نفسي على فراشي، فجعلت أفكر في الموضع الذي أقصد له، وأجعل مقامي به؛ إذ نَبَتْ بي البادية، وضقت بسوء طاعة أهلها، فأظلتْني سحابة، فبرقت ورعدت، واتّصل صوت الرّعد منها بسمعي، فخُوطبتُ فيه، فقيل: اقصد البصرة، فقلت لأصحابي وهم يكنُفونني: إني أمرت بصوت هذا الرّعد بالمصير إلى البصرة (٢).\nوذكر أنه عند مصيره إلى البادية أوْهم أهلها: أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، فاختدع بذلك قومًا منهم؛ حتى اجتمع بها منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى موضع بالبحرين يقال له الرّدْم، فكانت بينهم وقعة عظيمة، كانت الدائرة فيها عليه وعلى أصحابه، قُتلوا فيها قتلًا ذريعًا، فنفرت عنه العرب وكرهتْه، وتجنّبت صحبته، فلما تفرّقت عنه العرب، ونبت به البادية، شخص عنها إلى البصرة، فنزل بها في بني ضُبيعة، فاتّبعه بها جماعة؛\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٨٥) و(١٢/ ٨٦).\n(٢) المصدر السابق (٩/ ٨٦).","vol":"13","page":167},{"text":"منهم عليّ بن أبان المعروف بالمهلبيّ، وأخواه محمد والخليل وغيرهم.\nوكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومئتين، ومحمد بن رجاء الحضاريّ عامل السلطان بها، ووافق ذلك فتنةُ أهل البصرة بالبلالية والسعدية، فطمع في أحد الفريقين أن يميل إليه، فأمر أربعة نفر من أصحابه، فخرجوا بمسجد عبّاد، أحدهم يسمى محمد بن سلْم القصاب الهجريّ، والآخر بُرَيش القُرَيعيّ، والثالث عليّ الضرّاب، والرابع الحسين الصيدنانيّ؛ وهم الذين كانوا صحبوه بالبحرين، فدعوْا إليه، فلم يجبه من أهل البلد أحد، وثاب إليهم الجند، فتفرّقوا ولم يظفر بأحد منهم، فخرج من البصرة هاربًا، فطلبه ابن رجاء فلم يقدرْ عليه، وأُخْبر ابن رجاء بميل جماعة من أهل البصرة إليه، فأخذهم فحبسهم؛ فكان فيمن حبس يحيى بن أبي ثعلب ومحمد بن الحسن الأياديّ وابن صاحب الزَّنْج عليّ بن محمد الأكبر وزوجتُه أمّ ابنه ومعها ابنة له وجارية حامل، فحبسهم ومضى هو لوجهه يريد بغداد، ومعه من أصحابه محمد بن سلْم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع وبُريش القريعيّ، فلما صاروا بالبَطيحة نذِر بهم بعض موالي الباهليّين، كان يلي أمر البَطيحة، يقال له: عُمَير بن عمار، فأخذهم وحملهم إلى محمد بن أبي عَوْن، وهو عامل السلطان بواسط، فاحتال لابن أبي عَوْن حتى تخلّص هو وأصحابه من يده، ثم صار إلى مدينة السلام، فأقام بها حَوْلًا، وانتسب فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد؛ وكان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه بها آيات، وعرف ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كلّ واحد منهم؛ وأنه سأل ربّه بها آيةً أن يعلم حقيقة أمره، فرأى كتابًا يُكتب له، وهو ينظر إليه على حائط، ولا يرى شخص كاتبه (١).\nوذكر عن بعض تُبَّاعه: أنه بمقامه بمدينة السلام استمال جماعةً، منهم: جعفر بن محمد الصَّوحانيّ - كان ينتسب إلى زيد بن صُوحان - ومحمد بن القاسم وغلاما يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان: مشرق ورفيق؛ فسمّى مشرقًا حمزة وكنّاه أبا أحمد، وسمّى رفيقًا جعفرًا وكناه أبا الفضل، ثم لم يزل عامه ذلك بمدينة السلام حتى عُزِل محمد بن رجاء عن البصرة، فخرج عنها، فوثب رؤساء\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ٨٦).","vol":"13","page":168},{"text":"الفتنة من البلاليّة والسعدية، ففتحوا المحابس، وأطلقوا مَنْ كان فيها؛ فتخلّصوا فيمن تخلّص فلما بلغه خلاصُ أهله، شخص إلى البصرة، فكان رجوعه إليها في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، ومعه عليّ بن أبان - وقد كان لحق به وهو بمدينة السلام - ويحيى بن محمد، ومحمد بن سلم، وسليمان بن جامع، وغلاما يحيى بن عبد الرحمن: مشرق ورفيق؛ وكان يحضر هؤلاء الستة رجلٌ من الجند يكنى أبا يعقوب، ولقّب نفسه بعد ذلك بُجرْبان، فساروا جميعًا حتى وافوْا برنخل، فنزلوا قصرًا هنالك يعرف بقصر القرشيّ، على نهر يعرف بعمود ابن المنجم؛ كان بنو موسى بن المنجم احتفروه؛ وأظهر: أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ، وأمر أصحابه أن يَنْحلوه ذلك، فأقام هنالك.\nفذُكر عن ريحان بن صالح أحدُ غلمان الشُّورَجيّين - وهو أوّل من صحبه منهم - أنه قال: كنت موكلًا بغلمان مولاي، أنقل الدقيق إليهم من البصرة، وأفرّقه فيهم، فحملت ذلك إليهم كما كنت أفعل، فمررت به وهو مقيم ببرنخل في قصر القرشيّ، فأخذني أصحابُه، فصاروا بي إليه، وأمروني بالتسليم عليه بالإمْرة، ففعلت ذلك، فسألني عن الموضع الذي جئتُ منه، فأخبرته أني أقبلت من البصرة، فقال: هل سمعتَ لنا بالبصرة خبرًا؟ قلت: لا، قال: فما خبر الزينبيّ؟ قلت: لا علم في به، قال: فخبر البلاليّة والسعديّة؟ قلت: ولا أعرف أخبارهم أيضًا، فسألني عن أخبار غلمان الشَّورجيّين وما يجري لكلّ غلام منهم من الدقيق والسوِيق والتمر وعمّن يعمل في الشورج من الأحرار والعبيد، فأعلمته ذلك، فدعاني إلى ما هو عليه، فأجبته، فقال لي: احتَلْ فيمن قدرت عليه من الغلمان، فأقبلْ بهم إليّ، ووعدني أن يقوّدني على من آتيه به منهم، وأن يحسن إليّ، واستحلفني ألّا أعلِم أحدًا بموضعه، وأن أرجع إليه، فخلّى سبيلي، فأتيت بالدقيق الذي معي الموضع الذي كنت قصدته به، وأقمت عنده يومي، ثم رجعت إليه من غد، فوافيته وقد قدم عليه رفيق غلام يحيى بن عبد الرحمن، وكان وُجِّه إلى البصرة في حوائج من حوائجه، ووافاه بشبل بن سالم - وكان من غلمان الدبّاسين - وبحريرة كان أمره بابتياعها ليتخذها لواء؛ فكتب فيها بحمرة وخضرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إلى آخر الآية، وكتب اسمه","vol":"13","page":169},{"text":"واسم أبيه، وعلّقها في رأس مُرْديّ وخرج في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان (١).\nفلما صار إلى مؤخّر القصر الذي كان فيه، لقيه غلمان رجل من الشورجيين يعرف بالعطار، متوجّهين إلى أعمالهم، فأمر بأخذهم فأخذوا، وكُتف وكيلهم، وأخِذ معهم، وكانوا خمسين غلامًا، ثم صار إلى الموضع الذي يعمل فيه السنّائيّ، فأخذ منه خمسمئة غلام، فيهم المعروف بأبي حُدَيد، وأمر بوكيلهم فأخذ معهم مكتوفًا، وكانوا في نهر يعرف بنهر المكاثر، ثم مضى إلى موضع السيرافيّ، فأخذ منه خمسين ومئة غلام، فيهم زُرَيق وأبو الخنجر. ثم صار إلى موضع ابن عطاء، فأخذ طريقًا وصبيحًا الأعسر وراشدًا المغربيّ وراشدًا القرماطيّ، وأخذ معهم ثمانين غلامًا، ثم أتى موضع إسماعيل المعروف بغلام سَهْل الطحان، ثم لم يزل يفعل ذلك كذلك في يومه، حتى اجتمع إليه بشر كثير من غلمان الشورجيّين، ثم جمعهم وقام فيهم خطيبًا، فمنَّاهم ووعدَهم أن يقودهم ويرأسهم، ويملّكهم الأموال، وحلف لهم الأيمان الغِلاظ ألا يغدر بهم، ولا يخذَلهم، ولا يدع شيئًا من الإحسان إلا أتى إليهم، ثم دعا مواليَهم، فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لِمَا كنتم تأتون إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم، وفعلتم بهم ما حرّم الله عليكم أن تفعلوه بهم، وجعلتم عليهم ما لا يُطيقون، فكلمني أصحابي فيكم، فرأيت إطلاقكم، فقالوا: إنّ هؤلاء الغلمان أُبّاق، وهم يهرُبون منك فلا يُبقون عليك ولا علينا، فخذ منا مالًا وأطلقهم لنا، فأمر غلمانهم فأحضَروا شَطْبًا ثم بَطَح كلُّ قوم مولاهم ووكيلهم، فضرب كلّ رجل منهم خمسمئة شَطْبة، وأحلفهم بطلاق نسائهم ألا يُعلموا أحدًا بموضعه، ولا بعدد أصحابه، وأطلقهم، فمضوْا نحو البصرة (٢).\nومضى رجل منهم يقال له: عبد الله، ويعرف بكَرِيخَا، حتى عَبَر دُجَيْلًا، فأنذر الشورجيّين ليحرِزوا غلمانهم، وكان هناك خمسة عشر ألف غلام.\nثم سار بعدما صلّى العصر حتى وافى دُجَيلا، فوجد سفن سَمَاد تدخل في\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ٨٦).\n(٢) انظر المنتظم (٩/ ٨٧).","vol":"13","page":170},{"text":"المدّ، فقدّمها، فركب فيها، وركب أصحابُه حتى عبروا دُجَيلا، وصاروا إلى نهر ميمون، فنزل المسجد الذي في وسط الشارع على نهر ميمون، وأقام هناك، ولم يزل ذلك دأبه، يجتمع إليه السودان إلى يوم الفِطْر، فلما أصبح نادى في أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا، وركز المرديّ الذي عليه لواؤه، وصلّى بهم وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأن الله قد استنقذهم به من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملّكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلَى الأمور، ثم حلف لهم على ذلك، فلما فرغ من صلاته وخطبته، أمر الذين فهموا عنه قولَه أن يُفهِموه من لا فهم له من عجمهم، لتطيب بذلك أنفسُهم، ففعلوا ذلك، ودخل القصر، فلمّا كان بعد يوم قصد نهر بور، فوافى جماعة من أصحابه هناك الحميريّ في جماعة، فدفعوهم حتى أخرجوهم إلى الصحراء، فلحقهم صاحب الزّنج فيمن معه، فأوقع بالحميريّ وأصحابه، فانهزموا حتى صاروا إلى بطن دِجلة، واستأمن إليه رجل من رؤساء الزّنْج يكنى بأبي صالح، يعرَف بالقصير في ثلثمئة من الزَّنج، فمنّاهم ووعدهم (١).\nفلما كثر من اجتمع إليه من الزَّنج قوَّد قواده، وقال لهم: كلّ مَنْ أتى منكم برجل فهو مضموم إليه، وقيل إنه لم يقوّد قوّادَه إلّا بعد مواقعة الخَوَل ببَيَان ومصيره إلى سَبخة القَنْدَل.\nوكان ابنُ أبي عَون نقِل عن ولاية واسط إلى ولاية الأبُلّة وكُور دِجلة، فذُكِر أنه انتهى إليه في اليوم الذي قوّد فيه قوّاده: أن الحميريّ وعَقيلًا مع خليفة ابن أبي عون المقيم كان بالأبُلّة، قد أقبلوا نحوه، ونزلوا نهر طين، فأمر أصحابه بالمصير إلى الرزيقية وهي في مؤخّر الباذَاورْد، فصار إليها في وقت صلاة الظهر، فصلوا بها، واستعدُّوا للقتال، وليس في عسكره يومئذ إلا ثلاثة أسياف: سيفُه وسيف عليّ بن أبان، وسيف محمد بن سلم، ونهض بأصحابه فيما بين الظهر والعصر راجعًا نحو المحمديّة، وجعل عليّ بن أبان في آخر أصحابه، وأمره أن يعرف خبر مَنْ يأتيه من ورائه، وتقدّم في أوائل الناس حتى\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ٨٧).","vol":"13","page":171},{"text":"وافى المحمديّة، فقعد على النهر، وأمر الناس فشربوا منه، وتَوافَى إليه أصحابُه، فقال له عليّ بن أبان: قد كنا نرى من ورائنا بارقةً ونسمع حسّ قوم يتبعوننا، فلسنا ندري: أرجعوا عنا أم هم قاصدون إلينا؟ فلم يستتمّ كلامه حتى لحق القوم، وتنادى الزنج السلاح، فبدرِ مفرّج النوبيّ المكنى بأبي صالح، وريحان بن صالح، وفتح الحجام - وكان فَتْح يأكل - فلما نهض تناول طبقًا كان بين يديه، وتقدّم أصحابه فلقيه رجل من الشورجيّين، يقال له: بلبل، فلمّا رآه فَتْح حمل عليه وحذَفه بالطبق الذي كان في يده، فرمى بلبل بسلاحِه، وولّى هاربًا، وانهزم أصحابه، وكانوا أربعة آلاف رجل، فذهبوا على وجوههم، وقُتِل مَنْ قُتِل منهم، ومات بعضهم عطشًا وأسِرَ منهم قوم فأتِيَ بهم صاحب الزّنج، فأمر بضرب أعناقهم فضربت، وحملت الرؤوس على بغال كان أخذَها من الشورجيّين، كانت تنقل الشورج؛ ومضى حتى وافى القادسيّة، وذلك وقت المغرب، فخرج من القرية رجل من موالي بعض الهاشميين على أصحابه، فقتل رجلًا من السودان، فأتاه الخبر، فقال له أصحابه: ائذن لنا في انتهاب القرية وطلب قاتل صاحبنا، فقال: لا سبيلَ إلى ذلك دون أن نعرف ما عند القوم، وهل فعل القاتل ما فعل عن رأيهم، ونسألهم أن يدفعوه إلينا، فإن فعلوا وإلا ساغ لنا قتالُهم.\nوأعجلهم المسير، فصاروا إلى نهر ميمون راجعين، فأقام في المسجد الذي كان أقام فيه في بدأته وأمر بالرؤوس المحمولة معه فنُصبت، وأمر بالأذان أبا صالح النوبيّ فأذّن، وسلم عليه بالإمْرَة، فقام فصلى بأصحابه العشاء الآخرة، وبات ليلته بها، ثم مضى من الغد حتى مرّ بالكرخ فطواها، وأتى قرية تعرف بجُبَّى، في وقت صلاة الظهر، فعبر دُجَيلا من مخاضة دلّ عليها، ولم يدخل القرية، وأقام خارجًا منها، وأرسل إلى مَنْ فيها، فأتاه كبراؤهم وكبراء أهل الكَرْخ، فأمرهم بإقامة الأنزال له ولأصحابه فأقيم له ما أراد، وبات عندهم ليلتَه تلك، فلما أصبح أهدى له رجل من أهل جُبَّى فرسًا كُميتًا، فلم يجد سرْجًا، ولا لجامًا، فركبه بحبل وسَنَفه بليف، وسار حتى انتهى إلى المعروف بالعباسيّ العتيق، فأخذ منه دليلًا إلى السِّيب، وهو نهر القرية المعروفة بالجعفريّة، ونذر به أهل القرية، فهربوا عنها، ودخلها فنزل دار جعفر بن","vol":"13","page":172},{"text":"سليمان وهي في السوق وتفرّق أصحابُه في القرية، فأتوْه برجل وجدُوه، فسأله عن وكلاء الهاشميّين، فأخبره أنهم في الأجمة، فوجّه الملقب بجُرْبان، فأتاه برئيسهم وهو يحيى بن يحيى المعروف بالزبيريّ أحد موالي الزياديّين، فسأله عن المال، فقال: لا مال عندي، فأمر بضرب عنقه، فلما خاف القتل أقرّ بشيء قد كان أخفاه، فوجّه معه، فأتاه بمئتي دينار وخمسين دينارًا وألف درهم؛ فكان هذا أول ما صار إليه، ثم سأله عن دوابّ وُكلاء الهاشميّين فدله على ثلاثة براذين: كُميت وأشقر، وأشهب؛ فدفع أحدها إلى ابن سلْم، والآخر إلى يحيى بن محمد، وأعطى مُشرقًا غلام يحيى بن عبد الرحمن الثالث (١).\nوكان رفيق يركب بغلًا كان يحمل عليه الثَّقَل، ووجد بعض السودان دارًا لبعض بني هاشم فيها سلاح، فانتهبوه، فجاء النوبيّ الصغير بسيف، فأخذه صاحب الزَّنج، فدفعه إلى يحيى بن محمد، فصار في أيدي الزَّنج سيوفٌ وبالات وزقايات وتِراس، وبات ليلته تلك بالسَّيب؛ فلما أصبح أتاه الخبر: أن رُميسًا والحميريّ وعَقيلًا الأبُليّ قد وافوا السِّيب، فوجّه يحيى بن محمد في خمسمئة رجل، فيهم سليمان وريحان بن صالح وأبو صالح النوبيّ الصغير، فلقوا القوم فهزموهم، وأخذوا سُمَيريّة وسلاحًا، وهرب مَنْ كان هنالك ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر، فأقام يومه، وسار من غد يريد المذَار، بعد أن اتخذ على أهل الجعفرية ألا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدًا، ولا يستُروا عنه، فلما عبر السّيب صار إلى قرية تعرف بقرية اليهود شارعة على دِجْلة، فوافق هنالك رُمَيْسًا في جَمْع، فلم يزل يقاتلهم يومه ذلك، وأسرَ من أصحابه عِدّة، وعقر منهم جماعة بالنُّشاب، وقتِل غلام لمحمد بن أبي عون كان مع رُمَيْس، وغرقت سميْرية كان فيها ملّاحهُا، فأخِذ وضربت عنقه، وسار من ذلك الموضع يريد المذَار، فلمّا صار إلى النهر المعروف بباب مداد جاوزه حتى أصحر، فرأى بُستانًا، وتلًّا يعرف بجبل الشياطين، فقصد للتلّ فقعد عليه، وأثبت أصحابه في الصحراء، وجعل لنفسه طليعة.\nفذُكر عن شبل أنه قال: أنا كنت طليعته على دِجْلة، فأرسلت إليه أخبره أن\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ٨٨).","vol":"13","page":173},{"text":"رُميسًا بشاطئ دِجْلة يطلب رجُلًا يؤدِّي عنه رسالة، فوجّه إليه عليّ بن أبان ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع، فلما أتوْه قال لهم: اقرؤوا على صاحبكم السلام، وقولوا له: أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الأرض؛ لا يعرض لك أحدٌ، واردد هؤلاء العبيد على مواليهم، وآخذ لك عن كلّ رأسٍ خمسة دنانير، فأتوْه فأعلموه ما قال لهم رُميس، فغضب من ذلك، وآلى ليرجعنّ فليبقرنّ بطن امرأة رُميس، وليحرقنّ داره، وليخوضنّ الدماء هنالك، فانصرفوا إليه، فأجابوه بما أمِرُوا به، فانصرف إلى مقابل الموضع الذي هو به من دِجْلة، فأقام به، فوافاه في ذلك اليوم إبراهيم بن جعفر المعروف بالهمْدانيّ؛ ولم يكن لحق به إلا في ذلك الوقت، وأتاه يكتب فقرأها، فلما صلى العشاء الآخرة، أتاه إبراهيم، فقال له: ليس الرّأي لك إتيان المذار، قال: فما الرأي؟ قال: ترجع، فقد بايع لك أهل عبّادان ومَيَان رُوذان وسليمانان، وخلّفت جمعًا من البلالية بفوّهة القَنْدل وأبرسان ينتظرونك، فلمّا سمع السودان ذلك من قول إبراهيم مع ما كان رُمَيس عَرَض عليه في ذلك اليوم خافوا أن يكونَ احتال عليهم ليردّهم إلى مواليهم، فهرب بعضُهم، واضطرب الباقون، فجاءه محمد بن سلْم فأعلمه اضطرابَهم، وهرَب مَنْ هرب منهم، فأمر بجمعهم في ليلته تلك، ودعا مصلحًا، وميّز الزّنج من الفراتية، ثم أمر مصلحًا أن يعلمهم أنه لا يردّهم ولا أحدًا منهم إلى مواليهم، وحلف لهم على ذلك بالأيمان الغِلاظ، وقال: لِيَحُطْ بي منكم جماعة، فإن أحسّوا مني غدرًا فتكُوا بي (١) ثم جمع الباقين؛ وهم الفراتيّة والقرماطيّون والنوبة وغيرهم ممن يفصح بلسان العرب، فحلف لهم على مثل ذلك، وضمن ووثّق من نفسه، وأعلمهم أنه لم يخرج لعَرَض من أعراض الدنيا، وما خرج إلا غضبًا لله، ولمّا رأى ما عليه الناس من الفساد في الدين، وقال: ها أنا ذا معكم في كلّ حرب، أشرككم فيها بيدي، وأخاطر معكم فيها بنفسي، فرضوا ودعوْا له بخير، فلمّا أسحر أمر غلامًا من الشورجيّين يكنى أبا مَنارة، فنفخ في بوق لهم كانوا يجتمعون بصوته، وسار حتى أتى السِّيب راجعًا، فألفَى هناك الحميريَ ورُميْسًا وصاحب ابن أبي عون، فوجّه إليهم مشرقًا برسالة أخفاها، فرجع إليه بجوابها، فصار صاحب الزّنج إلى النهر، فتقدم\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ٨٨).","vol":"13","page":174},{"text":"صاحب محمد بن أبي عون، فسلّم عليه، وقال له: لم يكن جزاء صاحبنا منك أن تفسد عليه عمَله، وقد كان منه إليك ما قد علمت بواسط، فقال: لم آت لقتالكم، فقل لأصحابك يوسّعون لي في الطريق، حتى أجاوزكم.\nفخرج من النَّهر إلى دِجْلة، ولم يلبَثْ أن جاء الجند ومعهم أهل الجعفريّة في السلاح الشاك؛ فتقدّم المكتني بأبي يعقوب المعروف بجُرْبان، فقال لهم: يا أهل الجعفريّة، أما علمتم ما أعطيتمونا من الأيْمان المغلّظة ألّا تقاتلونا ولا تُعينوا علينا أحدًا، وأن تعينونا متى اجتاز بكم أحد منا! فارتفعت أصواتُهم بالنعير والضّجيج، ورموْه بالحجارة والنّشاب، وكان هناك موضع فيه زُهاء ثلثمئة زرنوق، فأمر بأخذها فأخذت، وقرن بعضها ببعض حتى صارت كالشاشات، وطرحت إلى الماء، وركبها المقاتلة فلحقوا القوم، فقال بعضهم: عبر عليّ بن أبان يومئذ قبل أخذ الزَّرَانيق سباحة، ثم جمعت الزَّرانيق، وعبر الزنج، وقد زالوا عن شاطئ النهر فوضعوا فيهم السيف، فقتل منهم خلق كثير، وأتي منهم بأسرى، فوبّخَهم وخلّى سبيلهم، ووجه غلامًا من غلمان الشورجيين يقال له: سالم يعرف بالزغاويّ، إلى مَنْ كان دخل الجعفرية من أصحابه، فردَّهم، ونادى: ألا برئت الذّمة ممن انتهب شيئًا من هذه القرية، أو سبى منها أحدًا، فمن فعل ذلك فقد حلّت به العقوبة الموجِعة.\nثم عبر من غربيّ السّيب إلى شرقيّه، واجتمع أصحابه الرؤساء حتى إذا جاوز القرية بمقدار غَلْوة سمع النعير من ورائه في بطن النهر، فتراجع الزّنج، فإذا رُميس والحميريّ وصاحب ابن أبي عون قد وافوْه لمّا بلغهم حال أهل الجعفرية، فألقى السودان أنفسَهم عليهم، فأخذوا منهم أربع سُمَيريّات بملَّاحيها ومقاتليها، فأخرجوا السمَيريّات بمن فيها، ودعا بالمقاتلة فسألهم، فأخبروه أن رُميسًا وصاحب ابن أبي عون لم يَدعاهم حتى حملاهم على المصير إليه، وأنّ أهل القرى حرّضوا رُميسًا وضَمِنوا له ولصاحب ابن أبي عون مالًا جليلًا، وضمن له الشورجيّون على ردّ غلمانهم؛ لكلّ غلام خمسة دنانير، فسألهم عن الغلام المعروف بالنميريّ المأسور والمعروف بالحجّام، فقالوا: أما النميريّ فأسير في أيديهم، وأما الحجام فإن أهل الناحية ذكروا أنه كان يتلصص في ناحيتهم، ويسفك الدماء، فضُرِبت عنقه، وصُلب على نهر أبي الأسد، فلما عرف خبرَهم","vol":"13","page":175},{"text":"أمر بضرب أعناقهم، فضرِبت إلا رجلًا يقال له: محمد بن الحسن البغداديّ، فإنه حلف له أنه جاء في الأمان، لم يُشْهِر عليه سيفًا، ولا نصب له حربًا، فأطلقه، وحمل الرؤوس والأعلام على البغال، وأمر بإحراق سفنهم فأحرِقت.\nوسار حتى أتى نهر فريد، فانتهى إلى نهر يعرف بالحسن بن محمد القاضي وعليه مسنّاة تعترض بين الجعفرية ورُستاق القُفْص، فجاءه قوم من أهل القرية من بني عجْل، فعرضوا عليه أنفسَهم، وبذلوا له ما لديْهم، فجزاهم خيرًا، وأمر بترك العرض لهم.\nوسار حتى أتى نهرًا يعرف بباقثا، فنزل خارجًا من القرية التي على النهر وهي قرية تشرع على دُجيل، فأتاه أهل الكرخ، فسلّموا عليه، ودعَوْا له بخير، وأمدُّوه من الإنزال بما أراد، وجاءه رجل يهوديّ خيبريّ يقال له ماندويه فقبّل يده، وسجَد له - زعم - شكرًا لرؤيته إيّاه، ثم سأله عن مسائل كثيرة فأجابه عنها، فزعم أنه يجدُ صفته في التوراة، وأنه يرى القتال معه، وسأله عن علامات في بدنه ذكر أنه عرفها فيه، فأقام معه ليلَته تلك يحادثه (١).\nوكان إذا نزل اعتزل عسكره بأصحابه الستة، ولم يكن يومئذ يُنكر النبيذ على أحد من أصحابه، وكان يتقدّم إلى محمد بن سلْم في حفظ عسكره؛ فلما كان في تلك الليلة أتاه في آخر الليل رجلٌ من أهل الكَرْخ، فأعلمه أن رُمَيْسًا وأهل المفتح والقوى التي تتصل بها وَعقيلًا وأهل الأبُلّة قد أتوه ومعه الدّبيلا بالسلاح الشاك، وأنّ الحميريّ في جمع من أهل الفُرات، وقد صاروا في تلك الليلة إلى قنطرة نهر ميمون، فقطعوها ليمنعوه العبور، فلمّا أصبح أمر، فصيح بالزّنج، فعبروا دُجيلا، وأخذ في مؤخّر الكرخ حتى وافى نهر ميمون، فوجد القنطرة مقطوعة، والناس في شرقيّ النّهر والشُمَيْريّات في بطنه، والدبَيلَا في السُّمْيرّيات، وأهل القرى في الجريبيّات والمجونحات؛ فأمر أصحابه بالإمساك عنهم، وأن يرحلوا عن النهر توقّيًا للنُّشاب، ورجع فقعد على مئة ذراع من القرية؛ فلمّا لم يروا أحدًا يقاتلهم خرج منهم قوم ليعرفوا الخبر، وقد كان أمر جماعة من أصحابه، فأتوا القرية، فكَمَنُوا فيها مخفين لأشخاصهم؛ فلما أحسوا خروج مَنْ خرج منهم،\n_________\n(١) انظر المنتظم (٩/ ٨٨).","vol":"13","page":176},{"text":"شدّوا عليهم، فأسروا اثنين وعشرين رجلًا، وسعوا نحو الباقين، فقتلوا منهم جماعة على شاطئ النهر، ورجعوا إليه بالرؤوس والأسرى، فأمر بضرب أعناقهم بعد مناظرة جرتْ بينه وبينهم، وأمر بالاحتفاظ بالرؤوس، وأقام إلى نصف النهار؛ وهو يسمع أصواتهم، فأتاه رجل من أهل البادية مستأمنًا، فسأله عن غَوْر النهر؛ فأعلمه أنه يعرف موضعًا منه يُخاض، وأعلمه أن القوم على معاودته بجمْعهم يقاتلونه؛ فنهض مع الرَّجل حتى أتى به موضعًا على مقدار ميل من المحمّدية، فخاض النهر بين يديه، وخاض الناس خلفه، وحمله ناصح المعروف بالرمليّ، وعبر بالدوابّ؛ فلما صار في شرقيّ النهر كرّ راجعًا نحو نهر ميمون؛ حتى أتى المسجد فنزل فيه، وأمر بالرؤوس فنُصِبت، وأقام يومه، وانحدر جيش رُميس بجمعه في بطن دُجيل، فأقاموا بموضع يعرف بأقشَى بإزاء النهر المعروف ببَرد الخيار، ووجّه طليعة فرجع إليه، فأخبره بمقام القوم هناك، فوجّه من ساعته ألفَ رجل، فأقاموا بسبَخة هناك على فُوّهة هذا النهر، وقال لهم: إن أتوْكم إلى المغرب؛ وإلّا فأعلموني، وكتب كتابًا إلى عَقيل، يذكره فيه أنه قد بايعه في جماعة من أهل الأبُلّة، وكتب إلى رُمَيس يذكّره حِلفه له بالسِّيب أنه لا يقاتله؛ وأنه يُنهي أخبارَ السلطان إليه، ووجّه بالكتابين إليهما مع بعض الأكرة بعد أن أحلفه أن يوصلهما.\nوسار من نهر ميمون يريد السَّبَخَة التي كان هيّأ فيها طليعةً؛ فلمّا صار إلى القادسية والشيِّفيَا، سمع هناك نعيرًا، ورأى رميًا؛ وكان إذا سار يتنكب القرى؛ فلم يدخلْها، وأمر محمد بن سَلْم أن يصير إلى الشيِّفيا في جماعة، فيسأل أهلها أن يُسلموا إليه قاتل الرجل من أصحابه في ممرّه كان بهم؛ فرجع إليه، فأخبره أنهم زعموا: أنَّه لا طاقة لهم بذلك الرّجل لولائه من الهاشميين، ومنعهم له؛ فصاح بالغلمان، وأمرهم بانتهاب القريتين، فانتهب منهما مالًا عظيمًا؛ عينًا ووَرِقًا وجوهرًا وحُلِيًّا وأواني ذهب وفضة، وسبى منهما يومئذ غلمانًا ونسوة؛ وذلك أوّلُ سَبْي سُبي، ووقفوا على دار فيها أربعة عشر غلامًا من غلمان الشورج، قد سُدّ عليهم باب؛ فأخذهم وأتِيَ بمولى الهاشميين القاتل صاحبه فأمر محمد بن سلم بضرب عنقه، ففعل ذلك، وخرج من القريتين في وقت العصر، فنزل السَّبَخة المعروفة ببرَد الخيار.\nفلما كان في وقت المغرب أتاه أحد أصحابه الستّة، فأعلمه أن أصحابه، قد","vol":"13","page":177},{"text":"شغلوا بخمور وأنبذة وجدوها في القادسيّة؛ فصار ومعه محمد بن سلم ويحيى بن محمد إليهم، فأعلمهم أنّ ذلك مما لا يجوز لهم، وحرّم النبيذ في ذلك اليوم عليهم، وقال لهم: إنكم تلاقون جيوشًا تقاتلونهم، فدعوا شُرب النجيذ والتشاغل به، فأجابوه إلى ذلك؛ فلما أصبح جاءه غلام من السودان، يقال له: قاقويه، فأخبره أن أصحاب رُميس قد صاروا إلى شرقيّ دُجيل، وخرجوا إلى الشطّ، فدعا عليّ بن أبان، فتقدم إليه أن يمضِيَ بالزّنج، فيوقع بهم؛ ودعا مشرقًا، فأخذ منه إصطرلابًا، فقاس به الشمس، ونظر في الوقت، ثم عبر وعبر الناس خلفَه القنطرة التي على النهر المعروف ببرَد الخيار؛ فلما صاروا في شرقيّه، تلاحق الناس بعليّ بن أبان، فوجدوا أصحاب رُميس وأصحاب عَقيل على الشطّ، والدَّبيلا في السفن يرمون بالنُّشاب، فحملوا عليهم؛ فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وهبّتْ ريح من غربيّ دُجيل، فحملت السفن، فأدنتها من الشطّ، فنزل السودان إليها، فقتلوا مَنْ وجدوا فيها، وانحاز رُميس ومَنْ كان معه إلى نهر الدير على طريق أقشى، وترك سفنه لم يحرّكها ليظنّ أنه مقيم، وخرج عَقيل وصاحب ابن أبي عون إلى دِجْلة مبادريْن؛ لا يلويان على شيء.\nوأمر صاحب الزَّنْج بإخراج ما في السفن التي فيها الدَّبيلا؛ وكانت مقرونةً بعضها ببعض، فنزل فيها قاقويه ليفتّشها، فوجد رجلًا من الدَّبيلا، فحاول إخراجَه فامتنع عليه، وأهوى إليه بسُرتَي كان معه؛ فضربه ضربة على ساعده، فقطع بها عِرقًا من عروقه، وضربه ضربةً على رجله، فقطعتْ عصبةً من عصبه، وأهوى له قاقويه، فضربه ضربةً على هامته فسقط، فأخذ بشعره، واحتزّ رأسه؛ فأتى به صاحب الزّنج، فأمر له بدينار خفيف، وأمر يحيى بن محمد أن يقوِّدَه على مئة من السودان، ثم سار صاحب الزَّنج إلى قرية تعرف بالمهلبيّ تقابل قَيَّاران، ورجع السودان الذين كانوا اتّبعوا عَقيلًا وخليفة ابن أبي عون، وقد أخذ سُميريّة فيها ملّاحان؛ فسألهم عن الخبر، فقالوا: اتّبعناهم فطرحوا أنفسهم إلى الشطّ، وتركوا هذه السميريّة، فجئنا بها.\nفسأل الملّاحيْن، فأخبراه أن عقيلًا حملهما على اتباعه قهرًا، وحبس نساءهما حتى اتّبعاه، وفعل ذلك بجميع مَنْ تبعه من الملّاحين؛ فسألهما عن سبب مجيء الدّبيلا، فقالا: إنّ عقيلًا وعدهم مالًا؛ فتبعوه؛ فسألهما عن السفن","vol":"13","page":178},{"text":"الواقفة بأقشى، فقالا: هذه سفن رُميس وقد تركها، وهرب في أوّل النهار، فرجع حتى إذا حاذاها؛ أمر السودان فعبروا فأتوا بها؛ فأنهبهم ما كان فيها، وأمر بها فأحرِقت، ثم صار إلى القرية المعروفة بالمهلّبيّة اسمها تنغت، فنزل قريبًا مَنها، وأمر بانتهابها وإحراقها؛ فانتُهبتْ وأحرقت، وسار على نهر الماديان، فوجد فيها تمورًا، فأمر بإحراقها.\nوكان لصاحب الزَّنج بعد ذلك أمور من عيْشه هو وأصحابه في تلك الناحية تركنا ذكرها، إذ لم تكن عظيمة؛ وإن كان كلّ أموره كانت عظيمة.\nثم كان من عظيم ما كان له من الوقائع مع أصحاب السلطان وقعة كانت مع رجل من الأتراك يكنى أبا هلال في سوق الرّيان؛ ذكر عن قائد من قوّاده يقال له ريحان، أن هذا التركيّ وافاهم في هذا السوق، ومعه زهاء أربعة آلاف رجل أو يزيدون، وفي مقدّمته قوم عليهم ثياب مُشهرَة وأعلام وطبول، وأن السودان حملوا عليه حملة صادقة، وأنّ بعض السودان ألقى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا معه في يده فصرعه، وانهزم القوم، وتلاحق السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال زُهاء ألف وخمسمئة، وإن بعضهم اتبع أبا هلال ففاته بنفسه على دابة عُرْي، وحال بينهم وبين من أفلت ظلمة الليل؛ وأنه لما أصبَح؛ أمر بتتبعهم، ففعلوا ذلك فجاؤوا بأسرى ورؤوس فقتل الأسرى كلهم. ثُمَّ كانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة مع أصحاب السلطان؛ هزمهم فيها، وظفر بهم، وكان مبتدأ الأمر في ذلك - فيما ذكر عن قائد لصاحب الزنج من السودان يقال له: ريحان - أنه قال: لما كان في بعض الليل من ليالي هذه السنة التي ذكرنا أنه ظهر فيها، سمع نباح كلب في أبواب تعرف بعمرو بن مسعدة، فأمر بتعرّف الموضع الذي يأتي منه النّباح، فوجّه لذلك رجلًا من أصحابه، ثم رجع فأخبره أنه لم ير شيئًا؛ وعاد النباح، قال ريحان: فدعاني، فقال في: صر إلى موضع هذا الكلب النابح، فإنه إنما نَبح شخصًا يراه، فصرتُ فإذا أنا بالكلب على المسنّاة، ولم أر شيئًا، فأشرفتُ فإذا أنا برجل قاعد في درجات هنالك، فكلّمتُه، فلما سمعني أُفصحُ بالعربيّة، كلّمني، فقال: أنا سيْران بن عفولله، أتيتُ صاحبكم بكتب من شيعته بالبصْرة، وكان سيْران هذا أحد مَنْ صحب ص صاحب الزّنج أيام مُقامه بالبصرة، فأخذته فأتيته به، فقرأ الكتب التي كانت معه، وسأل عن الزّينبيّ وعن","vol":"13","page":179},{"text":"عدّة مَنْ كان معه، فقال: إن الزّينبيّ قد أعدّ لك الخوَل والمطّوعة والبلالية والسعدية؛ وهم خلق كثير، وهو على لقائك بهم ببَيَان، فقال له: اِخفض صوتَك، لئلا يرتاع الغلمان بخبرك، وسأله عن الذي يقود هذا الجيش، فقال: قد نُدِب لذلك المعروف بأبي منصور، وهو أحد موالي الهاشميين، قال له: أفرأيتَ جمعَهم؟ قال: نعم؛ وقد أعدُّوا الشُّرُط لكتف من ظفروا به من السودان، فأمره بالانصراف إلى الموضع الذي يكون فيه مُقامه، فانصرف سيران إلىِ عليّ بن أبان ومحمد بن سلم ويحيى بن محمد، فجعل يحدّثهم إلى أن أسْفر الصبح، ثم سار صاحب الزَّنج إلى أن أشرف عليهم، فلما انتهى إلى مؤخَّر تُرْسَى وبرسونا وسندادان بَيَان، عرض له قوم يريدون قتاله، فأمر عليّ بن أبان فأتاهم فهزمهم، وكان معهم مئة أسود، فظفر بهم، قال ريحان: فسمعته يقول لأصحابه: من أمارات تمام أمركم ما تروْن من إتيان هؤلاء القوم بعبيدهم فيسلِّمونهم إليكم، فيزيد الله في عددكم ثم سار حتى صار إلى بَيَان.\nقال ريحان: فوجّهني وجماعة من أصحابه إلى الحجر لطلب الكاروان وعسكرهم في طرف النخل في الجانب الغربيّ من بيان، فتوجّهنا إلى الموضع الذي أمرنا بالمصير إليه، فألفينا هناك ألفًا وتسعمئة سفينة، ومعها قوم من المطوّعة قد احتبسوها، فلما رأوْنا خلَّوْا عن السفن، وعبروا سُلبان عَرايا ماضين نحو جُوبك، وسقْنا السفن حتى وافيناه بها، فلما أتيناه بها أمر فبُسِط له على نشز من الأرض وقعد، وكان في السفن قوم حجّاج أرادوا سلوك طريق البصرة؛ فناظرهم بقيّة يومه إلى وقت غروب الشمس، فجعلوا يصدقونه في جميع قوله، وقالوا: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك، فردّهم إلى سفُنهم؛ فلما أصبحوا أخرجهم، فأحلفهم ألّا يخبروا أحدًا بعدّة أصحابه، وأن يقللوا أمره عند من سألهم عنه، وعرضوا عليه بساطًا كان معهم، فأبدله ببساط كان معه، واستحلفهم أنه لا مال للسلطان معهم ولا تجارة، فقالوا: معنا رجل من أصحاب السلطان، فأمر بإحضاره، فأحضر، فحلف الرَّجل أنه ليس من أصحاب السلطان، وأنه رجل معه نُقْل أراد به البصرة، فأحضر صاحب السفينة التي وُجد فيها، فحلف له أنه إنما اتّجر فيه، فحمله فخلى سبيله، وأطلق الحجاج فذهبوا، وشرع أهل سليمانان على بيان بإزائه في شرقيّ النهر؛ فكلمهم أصحابُه","vol":"13","page":180},{"text":"وكان فيهم حسين الصيدنانيّ الذي كان صحبه بالبصرة؛ وهو أحد الأربعة الذين ظهروا بمسجد عبّاد، فلحق به يومئذ؛ فقال له: لِمَ أبطأتَ عني إلى هذه الغاية؟ قال: كنتُ مختفيًا، فلما خوج هذا الجيش دخلتُ في سواده، قال: فأخبِرْني عن هذا الجيش، ما هم؟ وما عدّة أصحابه؟ قال: خوج من الخَوَل بحضرتي ألف ومئتا مقاتل، ومن أصحاب الزينبيّ ألف، ومن البلاليّةِ والسعديّة زهاء ألفين، والفرسان مائتا فارس، ولما صاروا بالأبُلّة وقع بينهم وبين أهلها اختلاف؛ حتى تلاعنوا، وشتم الخَوَلُ محمد بن أبي عون، وخلفتُهم بشاطئ عثمان وأحسبهم مصبّحيك في غد، قال: فكيف يريدون أن يفعلوا إذا أتونا؟ قال: هم على إدخال من سندادان بَيان، ويأتيك رجَّالتهم من جنبي النهر.\nفلما أصبح وجّه طليعةً ليعرف الخبر، واختاره شيخًا ضعيفًا زمِنًا لئلا يُعرض له؛ فلم يرجع إليه طليعتُه، فلمّا أبطأ عنه وجّه فتحًا الحجام ومعه ثلاثمائة رجل، ووجّه يحيى بن محمد سندادان، وأمره أن يخرج في سو بَيَان، فجاءه فَتْح فأخبره أن القوم مقبلون إليه في جمع كثير، وأنهم قد أخذُوا جنبي النَّهر؛ فسأل عن المدّ، فقيل: لم يأتِ بعدُ، فقال: لم تدخل خيلُهم بعد، وأمر محمد بن سَلْم وعليّ بن أبان أن يقعدوا لهم في النخل، وقعد هو على جَبل مشرف عليهم؛ فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرّجال حتى صاروا إلى الأرض المعروفة بأبي العلاء البلخيّ؛ وهي عطفة على دُبَيران؛ فأمر الزّنج فكبَّروا ثم حملوا عليهم فوافوا بهم دبيران، ثم حمل الْخَوَل يقدُمهم أبو العباس بن أيمن المعروف بأبي الكباش وبشير القيسيّ، فتراجع الزَّنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه، ثم رجعوا عليهم؛ فثبتوا لهم، وحمل أبو الكباش على فَتْح الحجام فقتله، وأدرك غلامًا يقال له دينار من السودان فضربَه ضربات، ثم حمل السودان عليهم، فوافَوْا بهم شاطئ بيان، وأخذتهم السيوف.\nقال ريحان: فعهدِي بمحمد بن سلم وقد ضرب أبا الكباش، فألقى نفسه في الطين، فلحقه بعضُ الزّنج، فاحتزّ رأسه، وأما عليّ بن أبان؛ فإنّه كان ينتحل قتل أبي الكباش وبشير القيسيّ، وكان يتحدّث عن ذلك اليوم فيقول: كان أوّل مَنْ لقيني بشير القيسيّ، فضربني وضربتُه، فوقعتْ ضربته في تُرسي، ووقعت ضربتي في صدره وبطنه؛ فانتظمتْ جوانح صدره، وفريتُ بطنَه، وسقط","vol":"13","page":181},{"text":"فأتيته، فاحتززتُ رأسه، ولقيني أبو الكباش، فشُغِل بي، وأتاه بعضُ السودان من ورائه فضربه بعصًا كانت في يده على ساقيه؛ فكسرهما فسقط، فأتيتُه ولا امتناع به، فقتلته واحتززتُ رأسه؛ فأتيت بالرأسين صاحب الزَّنج.\nقال محمد بن الحسن بن سهل؛ سمعت صاحبَ الزّنج يخبر أن عليًّا أَتاه برأس أبي الكباش ورأس بشير القيسيّ - قال: ولا أعرفهما - فقال: كان هذان يقدمان القوم، فقتلتهما فانهزم أصحابهما لمّا رأوا مصرعهما.\nقال ريحان - فيما ذكر عنه: وانهزم الناص فذهبوا كلّ مذهب، واتّبعهم السودان إلى نهر بَيَان، وقد جَزَر النهر، فلما وافوْه انغمسوا في الوحْل، فقتِل أكثرهم، قال: وجعل السودان يمرّون بصاحِبِهم دينار الأسود الذي كان أبو الكباش ضربه، وهو جريح ملقىً فيحسبونه من الخوَل فيضربونه بالمناجل حتى أثخِن، ومرّ به من عرفه، فحمل إلى صاحب الزّنج، فأمر بمداواة كلومِه.\nقال ريحان: فلما صار القوم إلى فُوّهة نهر بيان، وغرق مَنْ غرق، وأخذت السفن التي كانت فيها الدوابّ، إذا ملوّح يلوّح من سفينة، فأتيناه فقال: ادخلوا النهر المعروف بشريكان، فإنّ لهم كمينًا هناك، فدخل يحيى بن محمد وعليّ بن أبان، فأخذ يحيى في غربيّ النهر، وسلك عليّ بن أبان في شرقيّة؛ فإذا كمين في زهاء ألف من المغاربة، ومعهم حسين الصَّيْدانيّ أسيرًا قال: فلمّا رأوْنا شدّوا على الحسين؛ فقطّعوه قطعًا، ثم أقبلوا إلينا، ومدّوا رماحَهم، فقاتلوا إلى صلاة الظهر، ثم أكبّ السودان عليهم فقتلوهم أجمعين، وحَووْا سلاحهم؛ ورجع السودان إلى عسكرهم؛ فوجدوا صاحبهم قاعدًا على شاطئ بيان، وقد أتِيَ بنيّف وثلاثين عَلَمًا وزهاء ألف رأس، فيها رؤوس أنجاد الخَوَل وأبطالهم؛ ولم يلبث أن أتوْه بزهير يومئذ.\nقال ريحان: فلم أعرفه، فأتى يحيى وهو بين يديْه، فعرفه فقال في: هذا زهير الخَوَل؛ فما استبقاؤك إياه! فأمر به فضُربت عنقه، وأقام صاحب الزنج يومه وليلته، فلما أصبح وجّه طليعة إلى شاطئ دجْلة، فأتاه طليعته، فأعلمه أن بدجلة شَذَاتَين لاصقتين بالجزيرة، والجزيرة يومئذ على فُوّهة القَنْدَل، فردّ الطليعة بعد العصر إلى دجلة ليعرف الخبر؛ فلمّا كان وقت المغرب أتاه المعروف بأبي العباس خال ابنه الأكبر، ومعه رجل من الجند يقال له عمران، وهو زَوْج أم","vol":"13","page":182},{"text":"أبي العباس هذا، فصفّ لهما أصحابه، ودعا بهما؛ فأدّى إليه عمران رسالة ابن أبي عون، وسأله أن يعبر بيانًا ليفارق عمله، وأعلمه أنه قد نحّى الشذَا عن طريقه، فأمر بأخذ السفن التي تخترق بَيَانًا من جُبَّى، فصار أصحابه إلى الحجر، فوجدوا في سُلبان مئتي سفينة، فيها أعدال دقيق، فأخِذَتْ، ووُجد فيها أكسية وبرّكانات، وفيها عشرة من الزَّنْج، وأمر الناس بركوب السفن، فلما جاء المدّ وذلك في وقت المغرب - عبر وعبر أصحابه حيال فُوّهة القندل، واشتدّت الريح، فانقطع عنه من أصحابه المكنّى بأبي دلف، وكان معه السفن التي فيها الدقيق؛ فلمّا أصبح وافاه أبو دلف فأخبره أن الرّيح حملته إلى حسك عِمْران، وأن أهل القرية همُّوا به؛ وبما كان معه، فدفعهم عن ذلك، وأتاه من السودان خمسون رجلًا، فسار عند موافاة السفن والسودان إياه حتى دخل القَنْدل، فصار إلى قرية للمعَلَّى بن أيوب، فنزلها، وانبثّ أصحابه إلى دُبّا، فوجدوا هناك ثلثمئة رجل من الزَّنْج، فأتوْه بهم، ووجدوا وكيلًا للمعلّى بن أيوب، فطالبه بمال، فقال: اعبُر إلى برسان، فآتيك بالمال، فأطلقه، فذهب ولم يَعُد إليه؛ فلما أبطأ عليه أمر بانتهاب القرية فانتُهبت.\nقال ريحان - فيما ذكر عنه: فلقد رأيتُ صاحب الزَّنج يومئذ ينتهب معنا، ولقد وقعتْ يدي ويده على جبّة صوف مُضرّبة؛ فصار بعضها في يده وبعضها في يدي، وجعل يجاذبني عليها حتى تركتُها له، ثم سار حتى صار إلى مسلحة الزينبيّ على شاطئ القَنْدَل في غربيّ النهر، فثبت له القوم الذين كانوا في المسلحة: وهم يروْن أنهم يطيقونه، فعجزوا عنه؛ فقتِلوا أجمعين؛ وكانوا زُهاء مئتين، وبات ليلته في القَصْر، ثم غدا في وقت المدّ قاصدًا إلى سَبَخة القَنْدل، واكتنف أصحابه حافتي النهر، حتى وافوا مُنْذُران، فدخل أصحابه القرية فانتهبوها، ووجدوا فيها جمعًا من الزَّنج، فأتوه بهم، ففرّقهم على قوّاده، ثم صار إلى مؤخّر القَنْدل، فأدخل السفن النهر المعروف بالحَسَني النافذ إلى النهر المعروف بالصالحيّ؛ وهو نهر يؤدي إلى دُبَّا، فأقام بسبَخةٍ هناك.\nفذكر عن بعض أصحابه أنه قال: هاهنا قوّد القوّاد؛ وأنكر أن يكون قوّد قبل ذلك، وتفرّق أصحابُه في الأنهار حتى صاروا إلى مربّعةِ دُبَّا، فوجدوا رجلًا من التمّارين من أهل كلّاء البصرة، يقال له: محمد بن جعفر المُريديّ، فأتوه به،","vol":"13","page":183},{"text":"فسلّم عليه وعرفه، وسأله عن البلاليّة، فقال: إنما أتيتُك برسالتهم، فلقيني السودان، فأتوْك بي، وهم يسألونك شروطًا إذا أعطيتَهم إياها سمعوا لك وأطاعوا، فأعطاه ما سأل لهم، وضمن القيام له بأمرهم؛ حتى يصيروا في حيّزه، ثم خلّى سبيله، ووجّه معه مَنْ صيّره إلى الفيّاض، ورجع عنه، فأقام أربعة أيام ينتظره؛ فلم يأته، فسار في اليوم الخامس وقد سرّح السفن التي كانت معه في النهر، وأخذ هو على الظهر فيما بين نهر يقال له: الدّاورْدانيّ والنهر المعروف بالحسَنيّ والنهر المعروف بالصالحي، فلم يتعدّ حتى رأى خيلًا مقبلة من نحو نهر الأمير زهاء ستمئة فارس، فأسرع أصحابُه إلى النهر الدَّاوردانيّ، وكان الخيل في غربية، فكلَّموهم طويلًا، وإذا هم قوم من الأعراب فيهم عنترة بن حجنا، وثمال، فوجّه إليهم محمد بن سلم، فكلّم ثمالًا وعنترة، وسألا عن صاحب الزَّنج، فقال: ها هو ذا، فقال: نريد كلامَه، فأتاه فأخبره بقولهما، وقال له: لو كلّمتَهما! فزجره، وقال: إنّ هذا مكيدة، وأمر السودان بقتالهم، فعَبرُوا النهر، فعدلت الخيل عن السودان، ورفعوا علمًا أسود، وظهر سليمان أخو الزينبيّ - وكان معهم - ورجع أصحاب صاحب الزَّنْج، وانصرف القوم، فقال لمحمد بن سلم: ألم أعلمك أنهم إنما أرادوا كيدَنا!\nوسار حتى صار إلى دُبّا، وانبثّ أصحابه في النخل، فجاؤوا بالغنم والبقر، فجعلوا يذبحون ويأكلون، وأقام ليلته هناك؛ فلمّا أصبح سار حتى دخل الأرخنج المعروف بالمطّهريّ، وهو أرخنج ينفذ إلى نهر الأمير المقابل للفيّاض من جانبيه، فوجدوا هناك شهاب بن العلاء العنبريّ، ومعه قوم من الخَول، فأوقعوا به، وأفلت شهاب في نُفَير ممن كان معه، وقُتِل من أصحابه جماعة، ولحق شهاب بالمنصف من الفيّاض، ووجد أصحاب صاحب الزّنج ستمئة غلام من غلمان الشورجيّين هناك، فأخذوهم، وقتلوا وكلاءهم، وأتوْه بهم، ومضى حتى انتهى إلى قصر يعرف بالجوهريّ على السَّبَخة المعروفة بالبرامكة، فأقام فيه ليلَته تلك؛ ثم سار حيث أصبح حتى وافى السَّبَخة التي تُشرَع على النهر المعروف بالديناريّ، ومؤّخرها يُفضي إلى النهر المعروف بالمحدث، فأقام بها، وجمع أصحابه، وأمرهم ألا يعجّلوا بالذهاب إلى البصرة حتى يأمرهم وتفرّق أصحابُه في انتهاب كلّ ما وجدوا وبات هناك ليلته تلك.","vol":"13","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2086>ذكر الخبر عن مسير صاحب الزنج بزنوجه وجيوشه فيها إلى البصرة </span>(١)\nذكر: أنه سار من السَّبخَة التي تشرع على النهر المعروف بالديناريّ، ومؤخرها يفضي إلى النهر المعروف بالحدث، بعدما جمع بها أصحابه يريد البصرة؛ حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحيّ أتاه قوم من السودان، فأعلموه: أنهم رأوا في الرياحيّ بارقةً، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى تنادى الزّنج السلاح، فأمر عليّ بن أبان بالعُبور إليهم، وكان القوم في شرقيّ النهر المعروف بالديناريّ، فعبَر في زهاء ثلاثة آلاف، وحبّش صاحب الزَّنج عنده أصحابه، وقال لعليّ: إن احتجتَ إلى مزيد في الرّجال فاستمدّني، فلما مضى، صاح الزّنج: السلاح! لحركة رأوْها من غير الجهة التي صار إليها عليّ، فسأل عن الخبر، فأخبِر أنه قد أتاه قوم من ناحية القرية الشارعة، على نهر حرْب المعروفة بالجعفريّة، فوجّه محمد بن سلْم إلى تلك الناحية.\nفذكر عن صاحبه المعروف بريحان، أنه قال: كنتُ فيمن توجّه مع محمد، وذلك في وقت صلاة الظهر، فوافينا القومَ بالجعفريّة، فنَشب القتال بيننا وبينهم إلى آخر وقت العصر، ثم حمل السودان عليهم حملةً صادقة، فولّوْا منهزِمين وقُتِل من الجند والأعراب وأهل البصرة البلالية والسعدية خمسمئة رجل، وكان فتْح المعروف بغلام أبي شيث معهم يومئذ، فولى هاربًا، فاتّبعه فيروز الكبير؛ فلمّا رآه جادًّا في طلبه رماه ببيضة كانت على رأسه؛ فلم يرجع عنه؛ فرماه بترسه فلم يرجع عنه، فرماه بتنّور حديد كان عليه فلم يرجع عنه؛ ووافى به نهر حرْب، فألقى فتحٌ نفسه فيه، فأفلت ورجع فيْروز، ومعه ما كان فتح ألقاه من سلاحه؛ حتى أتى به صاحب الزَّنج.\n_________\n(١) هذه الأخبار استغرقت الصفحات (٤٣١ - ٤٣٧).\nوفيها تفاصيل دقيقة عن سير المعارك التي خاضها صاحب الزنج وجيشه ضد قوات الخليفة العباسي حوالي مدينة البصرة، وقد روى بعضها عن أصحابه وبعضها الآخر عن شهود عبان آخرين وانظر تعليقنا في نهاية أخبار صاحب الزنج ضمن أحداث سنة (٢٧٠ هـ) (١٠/ ٦٦٣/ خ ٦٠٤).","vol":"13","page":185},{"text":"قال محمد بن الحسن: قال شِبْل: حُكيَ لنا: أنّ فتحًا طفَر يومئذ نهر حرب، قال: فحدّثت هذا الحديث الفضل بن عدّي الدارميَّ، فقال: أنا يومئذ مع السعديّة، ولم يكن على فتح تنُّور حديدٍ، وما كان عليه إلا صُدْرة حرير صفراء، ولقد قاتل يومئذ حتى لم يبق أحد يقاتل، وأتى نهر حرب، فوثبه، حتى صار إلى الجانب الغربيّ منه، ولم يُعرف ما حكى ريحان من خبر فيروز.\nقال: وقال ريحان: لقيتُ فيروز قبل انتهائه إلى صاحب الزَّنج، فاقتصّ عليّ قصّته وقصّة فَتْح، وأراني السلاح، وأقبل الزّنج على أخذ الأسلاب، وأخذتُ على النهر المعروف بالدّيناريّ؛ فإذا أنا برجل تحت نخلة عليه قلنسوة خزّ، وخُفّ أحمر ودرّاعة، فأخذتُه فأراني كتبًا معه، وقال في: هذه كتبٌ لقوم من أهل البصرة، وجّهوني بها، فألقيت في عنقه عمامة، وقدته إليه، وأعلمته خبره، فسأله عن اسمه فقال: أنا محمد بن عبد الله، وأكنَّى بأبي الليث، من أهل أصبهان، وإنما أتيتُك راغبًا في صحبتك، فقبِله، ولم يلبث أن سمع تكبيرًا؛ فإذا عليّ بن أبان قد وافاه ومعه رأسُ البلاليّ المعروف بأبي الليث القواريريّ.\nقال: وقال شِبْل: الذي قتل أبا الليث القواريريّ وصيف المعروف بالزّهريّ وهو من مذكوري البلاليّة، ورأس المعروف بعبْدان الكسبيّ، وكان له في البلاليّة صوت في رؤوس جماعة منهم، فسأله عن الخبر فأخبره أنه لم يكن فيمن قاتله أشدّ قتالًا من هذين - يعني أبا الليث وعبدان - وأنه هزمهم حتى ألقاهم في نهر نافذ؛ وكانت معهم شذاة فغرّقها، ثم جاءه محمد بن سلْم ومعه رجل من البلالية أسيرًا، أسره شِبْل يقال له محمد الأزرق القوايريّ، ومعه رؤوس كثيرة، فدعا الأسير فسأله عن أصحاب هذين الجيشين، فقال له: أما الذين كانوا في الرياحيّ فإنّ قائدهم كان أبا منصور الزّينبيّ، وأما الذين كانوا مما يلي نهر حرب، فإن قائدهم كان سليمان أخا الزينبي من ورائهم مُصْحرًا، فسأله عن عددهم فقال له: لا أحصيهم، إلّا أني أعلم أنهم كثير عددهم، فأطلق محمد القواريريّ، وضمه إلى شِبْل، وسار حتى وافى سَبَخة الجعفرية، فأقام ليلتَه بين القتلى؛ فلما أصبح جمع أصحابه فحذَّرهم أن يدخل أحد منهم البصرة، وسار فتسرّع منهم أنكلويه وزُريق وأبو الخَنْجر - ولم يكن قُوِّد يومئذ - وسليم ووصيف الكوفيّ، فوافَوا النهر المعروف بالشاذاني، وأتاهم أهل البصرة، وكَثروا عليهم؛ وانتهى الخبر إليه،","vol":"13","page":186},{"text":"فوجّه محمد بن سلْم وعليّ بن أبان ومشرقًا غلام يحيى في خلق كثير، وجاء هو يسايرهم؛ ومعه السفن التي فيها الدوابّ المحمولة ونساء الغلمان حتى أقام بقنطرة نهر كثير.\nقال ريحان: فأتيته وقد رُميت بحجر، فأصاب ساقي، فسألني عن الخبر فأخبرته أنّ الحرب قائمة، فأمرني بالرّجوع، وأقبل معي حتى أشرف على نهر السيابجة، ثم قال في: امض إلى أصحابنا، فقل لهم يستأخروا عنهم، فقلت له: ابعد عن هذا الموضع فإني لست آمنُ عليك الخَول، فتنحّى، ومضيت فأخبرت القوّاد بما أمر به، فتراجعوا، وأكبّ أهل البصرة عليهم، وكانت هزيمة، وذلك عند العصر، ووقع الناس في النهرين: نهر كثير ونهر شَيْطان، فجعل يهتف بهم ويردّهم فلا يرجعون، وغرق جماعة من أصحابه في نهر كثير، وقتِل منهم جماعة على شطّ النهر وفي الشاذانيّ؛ فكان ممن غرق يومئذ من قوّاده أبو الجون ومبارك البحرانيّ وعطاء البربريّ وسلام الشأميّ، ولحقه غلام أبي شيث وحارث القَيْسيّ وسُحيل، فعَلَوا القنطرة، فرجع إليهم وانهزموا عنه حتى صاروا إلى الأرض، وهو يومئذ في دُرّاعة وعمامة ونعل وسيف، وتُرسه في يده؛ ونزل عن القنطرة وصعدها البصريون يطلبونه، فرجع فقتل منهم بيده رجلًا على خمس مراق من القنطرة، وجعل يهتف بأصحابه ويعرّفهم مكانه، ولم يكن بقي معه في ذلك الموضع من أصحابه إلا أبو الشّوْك ومصلح ورفيق غلام يحيى.\nقال ريحان: فكنت معه فرجع؛ حتى صار إلى المعلّى، فنزل في غربيّ نهر شيطان.\nقال محمد بن الحسن: فسمعتُ صاحب الزَّنج يحدّث، قال: لقد رأيتُني في بعض نهار هذا اليوم؛ وقد ضللت عن أصحابي، وضلّوا عني، فلم يبق معي إلا مصلح ورفيق، وفي رِجْلي نعل سنديّ، وعليّ عمامة قد انحلّ كُور منها فأنا أسحبها من ورائي، ويعجلني المشيّ عن رفعها، ومعي سيفي وتُرسِي، وأسرع مصلح ورفيق في المشي وقصّرتُ، فغابا عني، ورأيت في أثري رجلين من أهل البصرة؛ في يد أحدهما سيف، وفي يد الآخر حجارة، فلما رأياني عَرَفاني، فجدّا في طلبي، فرجعت إليهما فانصرفا عني، ومضيتُ حتى خرجت إلى","vol":"13","page":187},{"text":"الموضع الذي فيه مجمع أصحابي؛ وكانوا قد تحيَّروا لفقدي؛ فلما رأوْني سكنوا إلى رؤيتي.\nقال ريحان: فرجع بأصحابه إلى موضع يعرف بالمعلّى في غربيّ نهر شيطان، فنزل به، وسأل عن الرّجال؛ فإذا قد هرب كثير منهم، ونظر فإذا هو من جميع أصحابه في مقدار خمسمئة رجل، فأمر بالنفخ في البوق الذي كانوا يجتمعون لصوته، فلم يرجع إليه أحد، وبات ليلته، فلما كان في بعض الليل جاء الملقب بجُرْبان، وقد كان هرب فيمن هرب، ومعه ثلاثون غلامًا فسأله: أين كانت غيبته؟ فقال: ذهبت إلى الزّوارقة طليعةً.\nقال ريحان: ووجّهني لأتعرّف له مَنْ في قنطرة نهر حَرْب، فلم أجد هناك أحدًا، وقد كان أهل البصرة انتهبُوا السفن التي كانت معه، وأخذوا الدوابّ التي كانت فيها في هذا اليوم، وظفروا بمتاع من متاعه، وكتب من كتبه، وإصطرلابات كانت معه؛ فلما أصبح من غد هذا اليوم نظر في عدة أصحابه، فإذا هم ألف رجل قد كانوا ثابوا إليه في ليلتهم تلك.\nقال ريحان: فكان فيمن هرب شبل، وكان ناصح الرّمليّ ينكر هرب شبل، قال ريحان: فرجع شبل من غد، ومعه عشرة غلمان، فلامه وعنّفه وسأل عن غلام كان يقال له نادر يكنى بأبي نعجة، وعن عنبر البربريّ؛ فأخبر أنهما هربا فيمن هرب، فأقام في موضعه، وأمر محمد بن سلم أن يصير إلى قنطرة نهر كَثير، فيعظ الناس ويُعلمهم ما الذي دعاه إلى الخروج، فصار محمد بن سلم وسليمان بن جامع ويحيى بن محمد، فوقف سليمان ويحيى، وعبر محمد بن سلِم حتى توسَّط أهل البصرة، وجعل يكلِّمهم، ورأوْا منه غِرّة فانطووا عليه؛ فقتلوه.\nقال الفضل بن عديّ: عَبَر محمد بن سلم إلى أهل البصرة ليعظهم وهم مجتمعون في أرض تعرف بالفَضْل بن ميمون؛ فكان أوّل من بدر إليه وضربه بالسيف فتحٌ غلام أبي شيث، وأتاه ابن التّومنيّ السعديّ، فاحتزّ رأسه، فرجع سليمان ويحيى إليه، فأخبراه الخبر، فأمرهما بطيِّ ذلك عن الناس حتى يكون هو الذي يقوله لهم، فلمّا صلى العصر نعى محمد بن سلم لأصحابه، وعرف خبره من لم يكن عرفه، فقال لهم: إنكم تقتلون به في غد عشرة آلاف من أهل البصرة، ووجّه زُريقًا وغلامًا له يقال له: سقلبتويا، وأمرهما بمنع الناس من","vol":"13","page":188},{"text":"العبور؛ وذلك في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومئتين.\nقال محمد بن الحسن: فحدّثني محمد بن سمعان الكاتب، قال: لما كان في يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة جمع له أهل البصرة، وحشدوا له لمّا رأوا من ظهورهم عليه في يوم الأحد، وانتدب لذلك رجل من أهل البصرة يعرف بحمّاد الساجيّ - وكان من غُزاة البحر - في الشَّذَا، وله علم بركوبها والحرب فيها، فجمع المطوعة ورماة الأهداف، وأهل المسجد الجامع ومَنْ خفّ معه من حزبي البلالية والسعدية، ومَنْ أحبّ النظر من غير هذه الأصناف من الهاشميّين والقرشيين وسائر أصناف الناس، فشحن ثلاثة مراكب من الشّذا من الرماة، وجعلوا يزدحمون في الشذا حرصًا على حضور ذلك المشهد، ومضى جمهور الناس رجّالة، منهم من معه السلاح، ومنهم نظّارة لا سلاح معهم، فدخلت الشَّذَا والسفن النهرَ المعروف بأم حبيب بعد زوال الشمس من ذلك اليوم في المدّ ومرّت الرّجالة والنظارة على شاطئ النهر، قد سدّوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفًا وكثرة، وكان صاحب الزنج مقيمًا بموضعه من النهر المعروف بشيطان.\nقال محمد بن الحسن: فأخبرنا صاحبُ الزّنج أنه لما أحسّ بمصير الجمع إليه، وأتته طلائعه بذلك وَجّه زُريقًا وأبا الليث الأصبهانيّ في جماعة معهما في الجانب الشرقيّ من النهر كمينًا وشِبْلًا وحسينًا الحماميّ في جماعة من أصحابه في الجانب الغربيّ بمثل ذلك، وأمر عليّ بن أبان ومَنْ بقي معه من جمْعه بتلقِّي القوم، وأن يجثوا لهم فيمن معه، ويستتروا بتراسهم فلا يثور إليهم منهم ثائر حتى يوافيَهم القوم ويُوموا إليهم بأسيافهم؛ فإذا فَعلوا ذلك ثاروا إليهم، وتقدّم إلى الكمينين: إذا جاوزهما الجمع وأحسَّا بثورة أصحابهم إليهم أن يخرجا من جنبتي النهر، ويصيحا بالناس، وأمر نساء الزّنج بجمع الآجرّ وإمداد الرجال به.\nقال: وكان يقول لأصحابه بعد ذلك: لمّا أقبل إليّ الجمع يومئذ وعاينته رأيت أمرًا هائلًا راعني، وملأ صدري رهبة وجَزعًا، وفزعت إلى الدعاء، وليس معي من أصحابي إلا نفر يسير؛ منهم مصلح؛ وليس منا أحد إلا وقد خُيِّل له مصرعه في ذلك، فجعل مصلح يعجّبني من كثرة ذلك الجمع، وجعلت أومئ إليه أن يمسك فلما قرب القوم مني قلت: اللهم إن هذه ساعة العسرة، فأعني، فرأيت","vol":"13","page":189},{"text":"طيورًا بيضًا تلقّتْ ذلك الجمع، فلم أستتمّ كلامي حتى بصرت بُسميريّة قد انقلبتْ بمن فيها، فغرقوا ثم تلتها الشّذَا، وثار أصحابي إلى القوم الذين قصدوا لهم فصاحوا بهم، وخرج الكمينان عن جنبتي النهر من وراء السفن والرّجّالة، وخبطوا مَنْ ولّى من الرّجّالة والنظَّارة الذين كانوا على شاطئ النهر المعروف، فغرقت طائفة، وقتلت طائفة، وهربت طائفة نحو الشطّ طمعًا في النجاة، فأدركها السيف؛ فمن ثبت قُتِل، ومن رجع إلى الماء غرق، ولجأ من كان على شاطئ النهر من الرّجّالة إلى النهر فغرقوا وقتِلوا، حتى أبير أكثر ذلك الجمع، ولم ينج منهم إلا الشريد، وكثر المفقودون بالبصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا يوم الشذا الذي ذكره الناس، وأعظموا ما كان فيه من القتل، وكان فيمن قتل من بني هاشم جماعة من ولد جعفر بن سليمان وأربعون رجلًا من الرّماة المشهورين؛ في خلق كثير لا يحصى عددهم وانصرف الخبيث وجُمعت له الرؤوس، فذهب إليه جماعة من أولياء القتلى، فعرضها عليهم، فأخذوا ما عرفوا منها، وعبّأ ما بقى عنده من الرؤوس التي لم يأت لها طالب في جريبيّة ملأها منها، وأخرجها من النهر المعروف بأم حبيب في الجزر، وأطلقها، فوافت البصرة، فوقفت في مشرعة تعرف بمشرعة القيّار، فجعل الناس يأتون تلك الرؤوس، فيأخذ رأسَ كل رجل أولياؤه، وقويَ عدوَّ الله بعد هذا اليوم، وتمكن الرّعب في قلوب أهل البصرة منه، وأمسكوا عن حربه، وكتِب إلى السلطان بخبر ما كان منه، فوجّه جُعْلان التركيّ مددًا لأهل البصرة، وأمر أبا الأحوص الباهليّ بالمصير إلى الأبُلّة واليًا، وأمدّه برجل من الأتراك يقال له: جُريح.\nفزعم الخبيث أنّ أصحابه قالوا له بعقب هذه الوقعة: إنا قد قتلنا مقاتلة أهل البصرة، ولم يبق فيها إلا ضعفاؤهم ومَنْ لا حراك به، فائْذنْ لنا في تقحُّمها. فزَبرَهم وهجَّن آراءهم، وقال لهم: لا بل ابعدوا عنها؛ فقد أرعبناهم وأخفناهم وأمنتم جانبهم؛ فالرأي الآن أن تَدَعو حربَهم حتى يكونوا هم الذين يطلبونكم، ثم انصرف بأصحابه إلى سَبَخة بمآخير أنهارهم إردبّ يقارب النهر المعروف بالحاجر، قال شبل: هي سَبخة أبي قرّة وقعها بين النهرين: نهر أبي قرّة والنهر المعروف بالحاجر.","vol":"13","page":190},{"text":"فأقام هناك، وأمر أصحابه باتخاذ الأكواخ، وهذه السبخة متوسطة النخل والقرى والعمارات، وبثّ أصحابه يمينًا وشمالًا يغير بهم على القرى، ويقتل بهم الأكرة وينهب أموالهم، ويسوق مواشيَهم.\nفهذا ما كان من خبره وخبر الناس الذين قربوا من موضع مخرجه في هذه السنة.\n* * *\nولليلتين بقيتا من ذي القعدة منها حُبس الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، ووُلِّي عبد الرحمن بن نائل البصريّ قضاء سامرّا في ذي الحجة منها (١).\nوحجّ بالناس فيها عليّ بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>[ذكر الخبر عن وصول موسى بن بغا إلى سامرّا واختفاء صالح]</span>\nفمن ذلك ما كان من موافاة موسى بن بُغا سامُرّا واختفاء صالح بن وصيف لمقدَمه، وحَمْل من كان مع موسى من قوّاد المهتدي من الجوسق إلى دار ياجور (٣).\nذكر أنّ دخول موسى بن بغا سامرّا بمن معه كان يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلتْ من المحرّم من هذه السنة؛ فلما دخلها أخذ في الحَيْر، وعبّأ أصحابه ميمنة وميسرة وقلبًا في السلاح، حتى صار إلى باب الحَيْر مما يلي الجوسق والقصر\n_________\n(١) انظر أخبار قصاء القضاة بـ\"سرَّ من رأى وبغداد\" [أخبار القضاة للقاضي وكيع/ ٦٨٣].\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٨٩).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٠).","vol":"13","page":191},{"text":"الأحمر؛ وكان ذلك يومًا جلس فيه المهتدي للناس للمظالم؛ فكان ممن أحضره في ذلك اليوم بسبب المظالم أحمد بن المتوكل بن فِتيان؛ فكان في الدار إلى أن دخل الموالي، فحملوا المهتدي إلى دار ياجور، واتّبعه أحمد بن المتوكِّل إلى ما هناك، فلم يزل موكّلًا به في مضرب مفلح إلى أن انقطع الأمر، ورُدَّ المهتدي إلى الجوسق، ثم أطلق، وكان القيّم يأمر دار الخلافة بايكباك، فصيّرها إلى ساتكين قبل ذلك بأيام، فظنّ الناس أنه إنما فعل ذلك لثقتِه بساتكين، وأنه على أن يغلب على الدار والخليفة وقت قدوم موسى، فلما كان في ذلك اليوم لزم منزله، وترك الدار خالية، وصار موسى في جيشه إلى الدار، والمهتدي جالس للمظالم؛ فأعلم بمكانه، فأمسك ساعة عن الإذن، ثم أذن لهم، فدخلوا فجرى من الكلام نحوُ ما جرى يوم قَدِم الوفد والرسل، فلمّا طال الكلام تراطنوا فيما بينهم بالتركيّة، وأقاموه من مجلسه، وحملوه على دابة من دواب الشاكريّة، وانتهبوا ما كان في الجوْسق من دوابّ الخاصة، ومضوْا يريدون الكرخ، فلما صاروا عند باب الحيْر في القطائع عند دار ياجور أدخلوه دار ياجور.\nفذُكِر عن بعضِ الموالي ممن حضرهم ذلك اليوم، أنّ سبب أخذهم المهتدي ذلك اليوم كان أنّ بعضهم قال لبعض: إن هذه المطاولة إنما هي حيلة عليكم حتى يكبسكُمْ صالح بن وصيف بجيشه، فخافوا ذلك، فحملوه وذهبوا به إلى الموضع الآخر؛ فذُكِر عمّن سمع المهتدي يقول لموسى: ما تريد ويحك! اتّق الله وخَفْه؛ فإنك تركب أمرًا عظيمًا، قال: فردّ عليه موسى: إنا ما نريد إلا خيرًا، ولا وتربة المتوكل لا نالك مناشرٌّ البتة.\nقال الذي ذكر ذلك: فقلت في نفسي: لو أراد خيرًا لحلف بتربة المعتصم أو الواثق.\nولما صاروا به إلى دار ياجور أخذوا عليه العهود والمواثيق ألا يمايل صالحًا عليهم، ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر؛ ففعل ذلك، فجدّدوا له البيعة ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرّم، وأصبحوا يوم الثلاثاء، فوجّهوا إلى صالح أن يحضرهم للمناظرة، فوعدهم أن يصير إليهم.\nفذكر عن بعض رؤساء الفراغنة، أنه قيل له: ما الذي تطالبون به صالح بن وصيف؟ فقال: دماء الكتّاب وأموالهم ودم المعتزّ وأمواله وأسبابه. ثم أقبل القوم","vol":"13","page":192},{"text":"على إبرام الأمور وعسكرهم خارج باب الحيْر عند باب ياجور؛ فلما كانت ليلة الأربعاء استتر صالح؛ فذكر عن طلمجُور أنه قال: لما كانت ليلة الأربعاء اجتمعنا عند صالح، وقد أمر أن يفرّق أرزاق أصحاب النوبة عليهم، فقال لبعض من حضره: اخرج فأعرض مَنْ حضر من الناس، فكانوا بالغداة زُهاء خمسة آلاف، قال: فعاد إليه، وقال: يكونون ثمانمئة رجل، أكثرهم غلمانك ومواليك، فأطرق مليًّا، ثم قام وتركَنا، ولم يأمر بشيء وكان آخر العهد.\nوذكر عمّن سمع بَخْتِيشُوع يقول وهو يعرّض بصالح قبل قدوم موسى، حرّكْنَا هذا الجيش الخشن، وأرغمناه، حتى إذا أقبل إلينا تشاغلنا بالنرد والشرب، كأنا بنا وقد اختفينا إذا ورد القاطول! فكان الأمر كذلك.\nوغدا طُغتا إلى باب ياجور سَحَر يوم الأربعاء فلقيه مفلح، فضربه بطبرزين، فشجّه في جانب جبينه الأيمن، فكان الذين أقاموا مع صالح الليلة التي استتر فيها من القوّاد الكبار طُغْتا بن الصيْغُون وطلمجُور صاحب المؤيد ومحمد بن تركش وخمّوش والنوشريّ، ومن الكتّاب الكبار أبو صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وعبد الله بن منصور وأبو الفرج، وأصبح الناس يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من المحرّم وقد استتر صالح، وغدا أبو صالح إلى دار ياجور، وجاء عبد الله بن منصور، فدخل الدار مع سليمان بن وهب، وتنصّح إليهم أن عنده سفاتج بخمسة آلاف دينار.\nوذكر أن صالحًا أراده على حملها، فأبى أن يقرّ الأمر قراره.\nوخلع في هذا اليوم على كنجور ليتولّى أمر دار صالح وتفتيشها، ومضى ياجور صاحب موسى فأتى بالحسن بن مَخْلَد من الموضع الذي كان فيه محبوسًا من دار صالح.\n* * *\nوفي هذا اليوم من هذا الشهر وُلِّيَ سليمان بن عبد الله بن طاهر مدينة السلام","vol":"13","page":193},{"text":"والسواد، ووجّه إليه بخلَع، وزيد على ما كان يخلع على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (١).\nوفيه رُدّ المهتدي إلى الجوسق، ودفع عبد الله بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مَخْلَد.\nوفيه أظهر النداء على صالح.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>[ذكر الخبر عن قتل صالح بن وصيف]</span>\nولثمان بقين من صفر من هذه السنة قتِل صالح بن وصيف (٢).\n* ذكر الخبر عن سبب قتله وسبب الوصول إليه بعد اختفائه:\nذكر أن سبب ذلك كان أن المهتدي لمّا كان يوم الأربعاء لثلاث بقين من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين أظهر كتابًا، ذكر أن سيما الشرابيّ زعم أنّ امرأة جاءت به مما يلي القصر الأحمر، ودفعته إلى كافور الخادم الموكّل بالحرم، وقالت له: إن فيه نصيحة، وإن منزلي في موضع كذا فإن أردتموني فاطلبوني هناك، فأوصل الكتاب إلى المهتدي، فلما طُلبت في الموضع الذي وصفت حين احتيج إلى بحثها عن الكتاب لم توجد، ولم يعرف لها خبر.\nوقد ذُكر أن المهتدي أصاب ذلك الكتاب، ولم يدر من رمى به، فذُكر أن المهتدي دعا سليمان بن وهب بحضرة جماعة من الموالي فيهم موسى بن بغا ومفلِح وبايكباك وياجور وبكالبا وغيرهم؛ فدفع الكتاب إلى سليمان، وقال له: تعرف هذا الخط؟ قال: نعم، هذا خطّ صالح بن وصيف، فأمره أن يقرأ عليهم، فإذا صالح يذكر فيه أنه مستخفٍ بسامرّا، وأنه إنما استتر متخيرًا للسلامة وإبقاء على الموالي، وخوفًا من إيصال الفتن بحرب إن حدثت بينهم، وقصدًا لأن يبيت القوم، ويكون ما يأتونه بعد بصيرة مما ذكر في هذا الباب.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٠ - ١٠١).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٠).","vol":"13","page":194},{"text":"ثم ذكر ما صار إليه من أموال الكتّاب، وقال: إنّ عِلْم ذلك عند الحسن بن مَخْلَد، وهو أحدهم، وهو في أيديكم، ثم ذكر من وصل إليه ذلك المال وتولى تفريقه، وذكر ما صار إليه من أمر قبيحة، وأشار إلى أن علم ذلك عند أبي صالح بن يزداد وصالح العطار، ثم ذكر أشياء في هذا المعنى، بعضها يعتذر به وبعضها يحتجّ به، ومخرج القول في ذلك يدلّ على قوّة في نفسه.\nفلما فَرغ سليمان من قراءة الكتاب وصله المهتدي بقول منه يحثُّ على الصلح والهدنة والألفة والاتفاق، ويكرّه إليهم الفرقة والتفاني والتباغض، فدعا ذلك القوم إلى تُهمته، وأنه يعلم بمكان صالح، وأنه يتقدّمهم عنده، فكان بينهم في ذلك كلام كثير ومناظرات طويلة، ثم أصبحوا يوم الخميس لليلتين بقيتا من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين، فصاروا جميعًا إلى دار موسى بن بغا في داخل الجوسق يتراطنون ويتكلمون، واتصل الخبر بالمهتدي.\nفذكر عن أحمد بن خاقان الواثقيّ أنه قال: من ناحيتي انتهى الخبر إلى المهتدي؛ وذلك أني سمعت بعض مَنْ كان حاضر المجلس وهو يقول: جمع القوم على خلع الرجل.\nقال: فصرت إلى أخيه إبراهيم، فأعلمته بذلك، فدخل عليه فأعلمه ذلك، وحكاه عني؛ فلم أزل خائفًا أن يعجل أمير المؤمنين فيخبرهم عني بالخبر، فرزق الله السلامة.\nوذكر أن أخا بايكباك قال لهم في هذا المجلس لما أطلعوه على ما كانوا عزموا عليه: إنكم قتلتم ابن المتوكل، وهو حسن الوجه، سخيّ الكف، فاضل النفس، وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ولا يشرب النبيذ من غير ذنب! والله لئن قتلتم هذا لألْحَقنّ بخراسان، ولأشيعنّ أمركم هناك.\nفلما اتصل الخبر بالمهتدي خرج إلى مجلسه متقلّدًا سيفًا، وقد لبس ثيابًا نظافًا، وتطيّب، ثم أمر بإدخالهم إليه، فأبوْا ذلك مليًّا، ثم دخلوا عليه، فقال لهم: إنه قد بلغني ما أنتم عليه من أمري؛ ولستُ كَمَنْ تقدّمني مثل أحمد بن محمد المستعين، ولا مثل ابن قبيحة؛ والله ما خرجت إليكم إلّا وأنا متحنّط، وقد أوصيتُ إلى أخي بولدي، وهذا سيفي؛ والله لأضربنّ به ما استمسك قائمهُ","vol":"13","page":195},{"text":"بيدي؛ والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكنّ أو ليذهبن بها أكثركم، أمَا دين! أما حياء! أما رِعة! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله! سواء عليكم مَنْ قصد الإبقاء عليكم ومن كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها مسرورًا بمكروهكم وحبًّا لبواركم! خبِّروني عنكم؛ هل تعلمون أنه وصل إليّ من دنياكم هذه شيء! أما إنك تعلم يا بايكباك أنّ بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي؛ وإن أحببتَ أن تعرف ذلك فانظر: هل ترى في منازلهم فرشًا أو وصائف أو خدمًا أو جواريَ! أو لهم ضياع أو غلات! سوءة لكم! ثم تقولون: إني أعلم علم صالح، وهل صالحٌ إلا رجل من الموالي، وكواحد منكم! فكيف الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه! فإن آثرتم الصلح كان ذلك ما أهوى لجمعكم، وإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه فشأنكم؛ فاطلبوا صالحًا، ثم ابلغوا شفاء أنفسكم؛ وأما أنا فما أعلم علمه. قالوا: فاحلف لنا على ذلك، قال: أمّا اليمين فإني أبذلها لكم؛ ولكني أؤخّرها حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدّلين وأصحاب المراتب غدًا إذا صلّيت الجمعة، فكأنهم لانوا قليلًا، ووجّه في إحضار الهاشميين فحضروا في عشيّتهم، فأذن لهم، فسلّموا ولم يذكرْ لهم شيئًا، وأمِروا بالمصير إلى الدار لصلاة الجمعة، فانصرفوا وغدا الناس يوم الجمعة ولم يحدثوا شيئًا، وصلّى المهتدي، وسكن الناس وانصرفوا هادنين.\nوذُكِر عن بعض مَنْ سمع الكلام في يوم الأربعاء يقول: إن المهتدي لما خُوّن صالح قال: إن بايكباك قد كان حاضرًا ما عمل به صالح في أمر الكتّاب ومال ابن قبيحة، فإن كان صالح قد أخذ من ذلك شيئًا فقد أخذ مثل ذلك بايكباك؛ فكان ذلك الذي أحفظ بايكباك.\nوقال آخر: إنه سمع هذا القول، وإنه ذكر محمد بن بغا، وقال: قد كان حاضرًا وعالمًا بما أجرَوا عليه الأمر، والشريك في ذلك أجمع، فأحفظ ذلك أبا نصر.\nوقد قيل: إن القوم من لدن قدم موسى كانوا مضمرين هذا المعنى، منطوين على الغِلّ؛ وإنما كان يمنعهم منه خوف الاضطراب وقلة الأموال؛ فلما ورد عليهم مال فارس والأهواز تحرّكوا، وكان ورود ذلك عليهم يوم الأربعاء لثلاث","vol":"13","page":196},{"text":"بقين من المحرّم، ومبلغه سبعة عشر ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>[ذكر الخبر عن خروج العامة على المهتدي] </span>(١)\nفلما كان يوم السبت انتشر الخبر في العامهّ أنّ القوم على أن يخلعوا المهتدي، ويفتكوا به، وأنهم أرادوه على ذلك، وأرهقوه، وكتبوا الرقاع وألقوْها في المسجد الجامع والطرقات؛ فذكر بعض من زعم أنه قرأ رقعة منها فيها:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nيا معشرَ المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدْل الرضيّ المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصرَه على عدّوه، ويكفيه مؤنة ظالمِه، ويتمّ النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه؛ فإن المواليَ قد أخذوه بأن يخلع نفسه وهو يعذَّب منذ أيام، والمدبّر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة والحسن بن مَخْلَد، رحِم الله من أخلص النّية ودعا وصلى على محمد - ﷺ -!\nفلما كان يوم الأربعاء لأربع خلْون من صفر من هذه السنة، تحرّك الموالي بالكرْخ والدّور، ووجّهوا إلى المهتدي على لسان رجل منهم يقال له عيسى: إنّا نحتاج أن نلقي إلى أمير المؤمنين شيئًا، وسألوا أن يوجّه أمير المؤمنين إليهم أحد إخوته، فوجّه إليهم أخاه عبد الله أبا القاسم، وهو أكبر إخوته، ووجّه معه محمد بن مباشر المعروف بالكرخيّ، فمضيا إليهم، فسألاهم عن شأنهم، فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، وأنه بلغهم أن موسى بن بغا وبايكباك وجماعة من قوّادهم يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك، وأنهم قد قرؤوا يذلك رقاعًا ألْقِيَتْ في المسجد والطرقات، وشكوا مع ذلك سوء حالهم، وتأخُّر أرزاقهم، وما صار من الإقطاعات إلى قوّادهم التي قد أجحفت بالضياع والخراج، وما صار لكبرائهم من المعاون والزّيادات من الرسوم القديمة مع أرزاق النساء والدّخلاء الذين قد استغرقوا أكثر أموال\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٠١) وانظر تعليقنا الآتي.","vol":"13","page":197},{"text":"الخراج، وكثر كلامهم في ذلك، فقال لهم أبو القاسم عبد الله بن الواثق: اكتبوا هذا في كتاب إلى أمير المؤمنين، أتولَّى إيصاله لكم؛ فكتبوا ذلك، وكاتبهم في الذي يكتبون محمد بن ثقيف الأسود؛ وكان يكتب لعيسى صاحب الكرخ أحيانًا، وانْصرف أبو القاسم ومحمد بن مباشر، فأوصلا الكتاب إلى المهتدي، فكتب جوابَه بخطّه، وختمه بخاتمه، وغدا أبو القاسم إلى الكَرْخ، فوافاهم فصاروا به إلى دار أشناس وقد صيروها مسجدًا جامعًا لهم، فوقف ووقفوا له في الرَّحبَة، واجتمع منهم زهاء مئة وخمسين فارسًا ونحو من خمسمئة راجل، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقال: يقول لكم أمير المؤمنين: هذا كتابي إليكم بخطِّي وخاتمي، فاسمعوه وتدبّروه، ثم دفع الكتاب إلى كاتبهم فقرأه، فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوالحمد لله، وصلى الله على محمد النبيّ وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم وليًّا وحافظًا، فهمت كتابكُم، وسرّني ما ذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه؛ فأحسن الله جزاءكم، وتولّى حياطتكم؛ فأما ما ذكرتم من خَلّتكم وحاجتكم، فعزيز عليّ ذلك فيكم، ولوددت والله أنّ صلاحكم يهيّأ بألا آكل ولا أطعم ولدي وأهلي إلّا القوت الذي لا شبع دونه، ولا ألبس أحدًا من ولدي إلا ما ستر العورة، ولا والله - حاطكم الله - ما صار إليّ منذ تقلدت أمرَكم لنفسي وأهلي وولدي ومتقدمي غلمانيّ وحشمي إلا خمسة عشر ألف دينار، وأنتم تقِفون على ما ورد ويَرد، كلّ ذلك مصروف إليكم، غير مدّخر عنكم، وأما ما ذكرتم مما بلغكم، وقرأتم به الرّقاع التي ألقبت في المساجد والطرق، وما بذلتم من أنفسكم؛ فأنتم أهل ذلك، وأين تعتذرون مما ذكرتم ونحن وأنتم نفس واحدة! فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأمانَتكم خيرًا، وليس الأمر كما بلغكم، فعلى ذلك فليكن عملكم إن شاء الله، وأما ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرها، فأنا أنظر في ذلك وأصير منه إلى محبّتكم إن شاء الله والسلام عليكم، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم حافظًا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nفلما بلغ القارئ من الكتاب إلى الموضع الذي قال: \"ولم يصل إليّ إلا قدر خمسة عشر ألف دينار\"، أشار أبو القاسم إلى القارئ، فسكت ثم قال: وهذا","vol":"13","page":198},{"text":"ما قدِّر، هذا قد كان أمير المؤمنين في أيام إمارته يستحق في أقلّ من هذه المدة ما هو أكثر منه بأرزاقه وإنزاله ومعونته، وقد تعلمون ما كان مَنْ تقدّمه يصرفه في صِلات المخنّثين والمغنين وأصحاب الملاهي وبناء القصور وغير ذلك، فادعوا الله لأمير المؤمنين، ثم قرأ الكتاب حتى أتى على الكتاب.\nفلما فرغ كثُر الكلام وقالوا قولًا، فقال لهم أبو القاسم: اكتبوا بذلك كتابًا صدّروه على مجاري الكتاب إلى الخلفاء، واكتبوه عن القوّاد وخلفائهم والعُرفاء بالكرخ والدّور وسامرّا فكتبوا - بعد أن دعوا الله فيه لأمير المؤمنين: إن الذي يسألون أن تردّ الأمور إلى أمير المؤمنين في الخاصّ والعام، ولا يعترض عليه معترض، وأن تردَّ رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين بالله؛ وهو أن يكون على كلّ تسعة منهم عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مئة قائد، وأن تسقط النساء والزيادات والمعاون، ولا يدخل مولّىً في قبَالة ولا غيرها، وأن يوضع لهم العطاء في كلّ شهرين على ما لم يزل، وأن تبطل الإقطاعات، وأن يكون أمير المؤمنين يزيد مَنْ شاء ويرفع مَنْ شاء، وذكروا أنهم صائرون في أثر كتابهم إلى باب أمير المؤمنين، ومقيمون هناك إلى أن تقضَى حوائجُهم، وإنه إن بلغهم أنّ أحدًا اعترض أمير المؤمنين في شيء من الأمور أخذوا رأسه، وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا به موسى بن بغا وبايكباك ومفلحًا وياجور وبكالبا وغيرها.\nودعوا الله لأمير المؤمنين ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم، فانصرف به حتى أوصله، وتحرّك الموالي بسامرّا، واضطرب القوّاد جدًّا، وقد كان المهتدي قعد للمظالم وأدخل الفقهاء والقضاة، وأخذوا مجالسهم، وقام القوّاد في مراتبهم، وسبق دخول أبي القاسم دخول المتظلّمين.\nفقرأ المهتدي الكتاب قراءة ظاهرة، وخلا بموسى بن بغا، ثم أمر سليمان بن وهب أن يوقّع في رقعتهم بإجابتهم إلى ما سألوا، فلما فعل ذلك في فصل من الكتاب أو فصلين، قال أبو القاسم: يا أمير المؤمنين، لا يقنعهم إلا خطّ أمير المؤمنين وتوقيعه، فأخذ المهتدي كتابهم فضرب على ما كان سليمان وقع في ذلك، ووقع قي كل باب بإجابتهم إلى ما سألوا، وبأن يفعل ذلك، ثم كتب كتابًا مفردًا بخطّه وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أبي القاسم، فقال أبو القاسم لموسى","vol":"13","page":199},{"text":"وبايكباك ومحمد بن بغا: وجّهوا إليهم معي رسلًا يعتذرون إليهم مما بلغهم عنكم، فوجّه كل واحد منهم رجلًا، وصار أبو القاسم إليهم وهم في مواضعهم، وقد صاروا زهاء ألف فارس وثلاثة آلاف راجل؛ وذلك في وقت الظهر من يوم الخميس لخمس ليال خلوْن من صفر من هذه السنة، فأقرأهم من أمير المؤمنين السلام، وقال لهم: إن أمير المؤمنين، قد أجابكم إلى كلّ ما سألتم، فادعوا الله لأمير المؤمنين، ثم دفع كتابهم إلى كاتبهم، فقرأه عليهم بما فيه من التوقيعات؛ ثم قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين؛ فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله وحده، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم؛ أرشدكم الله وحاطكم، وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم؛ وعلى أيديكم. فهمتُ كتابكم، وقرأته على رؤسائكم، فذكروا مثل الذي ذكرتم، وسألوا مثل الذي سألتم، وقد أجبتكم إلى جميع ما سألتم محبّةً لصلاحكم وألفتكم واجتماع كلمتكم، وقد أمرت بتقرير أرزاقكم، وأن تصير دارَّة عليكم، فليست لكم حاجة إلى حركة، فطيبُوا نفسًا، والسلام. أرشدكم الله وحاطكم وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم، وعلى أيديكم!\nفلما فرغ القارئ من الكتاب، قال لهم أبو القاسم: وهؤلاء رسل رؤسائكم يعتذرون إليكم من شيء إن كان بلغكم عنهم، وهم يقولون: إنما أنتم إخوة؛ وأنتم منّا وإلينا.\nوتكلم الرسل بمثل ذلك، فتكلّموا أيضًا كلامًا كثيرًا، ثم كتبوا كتابًا يعتذرون فيه بمثل العذر الأوّل إلى أمير المؤمنين، وذكروا فيه خصالًا مما ذكروه في الكتاب الذي قبله، ووصفوا أنه لا يقنعهم إلا أن ينفذ إليهم خمس توقيعات، توقيعًا بحط الزيادات، وتوقيعًا بردّ الإقطاعات، وتوقيعًا بإخراج الموالي البوابين من الخاصّة إلى عداد البرانيّين، وتوقيعًا بردّ الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وتوقيعًا بردّ التلاجئ حتى يدفعوها إلى رجل يضمُّون إليه خمسين رجلًا من أهل الدور، وخمسين رجلًا من أهل سامُرّا ينتجزون من الدواوين، ثم يصير أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم، ممن يرى ليسفر بينه","vol":"13","page":200},{"text":"وبينهم بأمورهم، ولا يكون رجلًا من الموالي، وأن يؤمر صالح بن وصيفِ فيحاسب هو وموسى بن بغا على ما عندهم من الأموال، وأنه لا يرضيهم دونَ ما سألوا في كتبهم كلها مع تعجيل العطاء، وإدرار أرزاقهم عليهم في كلّ شهرين، وأنهم قد كتبوا إلى أهل سامُرّا والمغاربة في موافاتهم، وأنهم صائرون إلى باب أمير المؤمنين لينجز ذلك لهم، ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم أخي أمير المؤمنين، وكتبوا كتابًا آخر إلى موسى بن بغا وبايكباك ومحمد بن بغا ومفلح وياجور وبكالبا وغيرهم من القوّاد الذين ذكروا أنهم كتبوا كتابًا، ذكروا فيه أنهم قد كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا، وأن أمير المؤمنين لا يمنعهم ما سألوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك وخالفوهم لم يوافقوهم على شيء، وأنّ أمير المؤمنين إن شاكتْه شوكة أو أخذ من رأسه شعرة، أخذوا رؤوسهم جميعًا، وأنه ليس يقنعهم إلا أن يظهر صالح بن وصيف حتى يجمع بينه وبين موسى بن بُغا، حتى ينظر أين موضع الأموال؛ فإن صالحًا قد كان وعدهم قبل استتاره أن يعطيهم أرزاق ستة أشهر.\nثم دفعوا هذا الكتاب إلى رسول موسى، ووجّهوا مع أبي القاسم عدّة نفر منهم؛ ليوصلوا إلى أمير المؤمنين كتابهم، وليستمعوا كلامه\nفلما رجع أبو القاسم وجّه موسى زهاء خمسمئة فارس، فوقفوا على باب الحيْر بين الجوسق والكَرْخ، فمال إليهم أبو القاسم ورسل القوم ورسل أنفسهم، فدفع رسول موسى إلى موسى كتاب القوم إليه وإلى أصحابه - وفي الجماعة سليمان بن وهب وولده وأحمد ين محمد بن ثَوَابة وغيرهم من الكتاب - فلما قرأ الكتاب عليهم أعلمهم أبو القاسم أنَّ معه كتابًا من القوم إلى أمير المؤمنين، ولم يدفعه إليهم، فركبوا جميعًا وانصرفوا إلى المهتدي، فوجدوه في الشمس قاعدًا على لِبد، قد صلَّى المكتوبة؛ وكسر جميع ما كان في القصر من الملاهي وآلاتها وآلات اللعب والهَزْل، فدخلو افأوصلوا إليه الكتب، وخلوا مليًّا، ثم أمر المهتدي سليمان بن وهب بإنشاء الكتب على ما سألوا في خمس رقاع، فأنفذها المهتدي في دَرج كتاب منه بخطّه، ودفعه إلى أخيه، وكتب القُوّاد إليهم جواب كتابهم، ودفعوه إلى صاحب موسى، فصار إليهم أبو القاسم في وقت المغرب، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقرأ عليهم كتابه، فإذا فيه:","vol":"13","page":201},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه، فهمت كتابكم، حاطكم الله، وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم، فوكّلوا منْ يتنجّزها من الدواوين إن شاء الله، وأما ما سألتم من تصيير أمركم إلى أحد إخوتي ليوصل إليّ أخباركم، ويؤدي إليّ حوائجكم؛ فوالله إني لأحبّ أن أتفقد ذلك بنفسي، وأن أَطَّلع على كلّ أمركم وما فيه مصلحتكم، وأنا مختار لكم الرجل الذي سألتم، من إخوتي أو غيرهم إن شاء الله، فاكتبوا إليّ بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم؛ فإني صائر من ذلك إلى ما تحبّون إن شاء الله، وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه.\nوأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه؛ فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمته عليكم، فهمنا كتابكم؛ وإنما أنتم إخواننا وبنو عمنا، ونحن صائرون إلى ما تحبّون، وقد أمر أمير المؤمنين أعزه الله في كل ما سألتم بما تحبون وأنفذ التوقيعات به إليكم، وأما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيّرنا له فهو الأخ وابن العم، وما أردنا من ذلك ما تكرهون؛ فإن وعدكم أن يعطيَكم أرزاق ستة أشهر فقد رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعًا، نسأله مثل الذي سألتم، وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على أمير المؤمنين وتفويض الأمر إليه، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، والأمور مفوَّضة إلى الله وهو مولانا ونحن عبيده، وما نعترض عليه في شيء من الأمور أصلًا، وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءًا، فمَنْ أراد ذلك فجعل الله دائرة السوْء عليه، وأخزاه في دنياه وآخرته، أبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمتَه عليكم!\nفلما قرأ الكتابات عليهم، قالوا لأبي القاسم: هذا المساء قد أقبل، ننظر في أمرنا الليلة، ونعود بالغداة لنعرّفك رأينا، فافترقوا وانصرف أبو القاسم إلى أمير المؤمنين.\nثم أصبح القوم من غداة يوم الجمعة، فلما كان في آخر الساعة الأولى،","vol":"13","page":202},{"text":"ركب موسى بن بغا من دار أمير المؤمنين، وركب الناس معه وهم قدر ألف وخمسمئة رجل؛ حتى خرج من باب الحيْر الذي يَلِي القطائع من الجوْسق والكَرْخ، فعسكر هناك، وخرج أبو القاسم أخو المهتدي، ومعه الكرخيّ، حتى صار إلى القوم، وهم زهاء خمسمئة فارس وثلائة آلاف راجل؛ وقد كان أبو القاسم انصرف في الليل ومعه التوقيعات؛ فلما صار بينهم أخرج كتابًا من المهتدي نسخته شبيه بالكتاب الذي في درجه التوقيعات، فلما قرأ الكتاب ضجّوا، واختلفتْ أقاويلهم، وكَثُر مَنْ يلحقُ بهم من رجّالة الموالي من ناحية سامرّا في الحيْر؛ فلم يزل أبو القاسم ينتظر أن ينصرف من عندهم بجواب يحصّله يؤديه إلى أمير المؤمنين، فلم يتهيأ ذلك إلى الساعة الرابعة، وانصرفوا، فطائفة يقولون: نريد أن يعزّ الله أمير المؤمنين، ويوفِّر علينا أرزاقنا؛ فإنا قد هلكنا بتأخيرِها عنا، وطائفة يقولون: لا نرضى حتى يوَلِّيَ علينا أمير المؤمنين إخوَته، فيكون واحدٌ بالكرْخ، وآخر بالدّور، وآخر بسامُرّا، ولا نريد أحدًا من الموالي يكون علينا رأسًا، وطائفة تقول: نريد أن يظهر صالح بن وصيف - وهي الأقل.\nفلما طال الكلام بهذا مخهم، انصرف أبو القاسم إلى المهتدي بجملة من الخبر، وبدأ بموسى في الموضع الذي هو معسكر فيه، فانصرف بانصرافه، فلما صلّى المهتدي الجمعة صيّر الجيش إلى محمد بن بغا، وأمره بالمصير إلى القوم مع أخيه أبي القاسم، فركب معه محمد بن بُغا في زهاء خمسمئة فارس، ورجع موسى إلى الموضع الذي كان فيه بالغَداة، ومضى أبو القاسم ومحمد بن بغا حتى خالطا القوم، وأحاط الجميع بهم، فقال أبو القاسم لهم: إنّ أمير المؤمنين يقول: قد أخرجت التوقيعات لكم بجميع ما سألتم، ولم يبق لكم مما تحبّون شيء إلا وأمير المؤمنين يبلغ فيه الغاية، وهذا أمان لصالح بن وصيف بالظهور، وقرأ عليهم أمانًا لصالح، بأنّ موسى وبايكباك سألا أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك، فأجابهما إليه، وأكده بغاية التأكيد، ثم قال: فعلامَ اجتماعكم! فأكثروا الكلام؛ فكان الذي حصّله عند انصرافه أن قالوا: نريد أن يكون موسى في مرتبة بُغا الكبير، وصالح في مرتبة وصيف أيام بُغا، وبايكباك في مرتبته الأولى، ويكون الجيش في يد مَن هو في يده؛ إلى أن يظهر صالح بن وصيف، فيوضع لهم العطاء، وتتنجّز لهم الأرزاق بما في التوقيعات، فقال: نعم.","vol":"13","page":203},{"text":"فانصرف القوم، فلما صاروا على قدر خمسمئة ذراع اختلفوا، فقال قوم: قد رضينا، وقال قوم: لم نرض، وانصرف رسل المهتدِي إليه: إنّ القومَ قد تفرّقوا؛ وهم على أن ينصرفوا، فانصرف موسى عند ذلك، وتفرّق الناس إلى مواضعهم من الكَرْخ والدّور وسامرّا، فلما كان غداة يوم السبت، ركب ولد وصيف وجماعة من مواليهم وغلمانهم، وتنادى الناس: السلاح! وانتهب دوابّ العامة الرّجالة؛ رجّالة أصحاب صالح بن وصيف ومضوا فعسكروا بسامرّا في طرف وادي إسحاق بن إبراهيم، عند مسجد لُجَين أمّ ولد المتوكل، وركب أبو القاسم عند ذلك يريد دار المهتدي، فمرّ بهم في طريقه، فتعلّقوا به وبمن كان معه من حشمه وغلمانه، فقالوا له: تؤدي إلى أمير المؤمنين عنا رسالة؟ فقال لهم: قولوا، فخلطوا ولم يتحصل من قولهم شيئًا إلا: إنا نريد صالحًا، فمضى حتى أدى إلى أمير المؤمنين ذلك وإلى موسى، وجماعة القواد حضور.\nفذُكر عمّن حضر المجلس أنّ موسى بن بغا، قال: يطلبون صالحًا مني؛ كأني أنا أخفيتُه وهو عندي! فإن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه، وتأكد عندهم الخبر باجتماع القوم، وتحلُّب الناس إليهم، وتهايجوا من دار أمير المؤمنين؛ فركبوا في السلاح، وأخذوا في الحيْر حتى اجتمعوا ما بين الدكة وظهر المسجد الجامع؛ فاتّصل الخبر بالأتراك ومَن كان ضَوَى إليهم، فانصرفوا ركضًا وعدْوًا لا يلوي فارس على راجل، ولا كبير على صغير حتى دخلوا الدروب والأزقة، ولحقوا بمنازلهم، وزحف موسى وأصحابه جميعًا، فلم يبق بسامُرّا قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلا ركب معه، ولزموا الحيْر حتى خرجوا مما يلي الحائطين، ثم خرجوا؛ فأما مفلح وواجن ومن انضم إليهما فسلكوا شارع بغداد حتى بلغوا سوق الغنم، ثم عطفوا إلى شارع أبي أحمد، حتى لحقوا بجيش موسى، وأما موسى وجماعة القواد الذين كانوا معه مثل ياجور وساتكين ويارْجُوخ وعيسى الكرخيّ، فإنهم سلكوا على سَمْت شارع أبي أحمد، حتى صاروا إلى الوادي، وانصرفوا إلى الجوْسق؛ فكان تقدير الجيش الذين كانوا مع موسى في هذا اليوم - وهو يوم السبت - أربعة آلاف فارس في السلاح والقِسيّ الموترة والدّروع والجَواشن والرّماح والطبرزينات، وكان أكثرُ القوّاد الذين كانوا بالكرْخ يطلبون صالحًا مع موسى في هذا الجيش يريدون محاربة مَنْ يطلب صالحًا.","vol":"13","page":204},{"text":"وقد ذكر عن بعض من تخيّر أمرهم؛ أنّ أكثر مَنْ كان راكبًا مع موسى كان هواه مع صالح، ولم يكن للكرخيين والدّوريِّين في هذا اليوم حركة؛ فلمّا وصل القوم إلى الجوسق كان أوّل ما ظهر منهم النداء بأن مَنْ لم يحضر دار أمير المؤمنين في غداة يوم الأحد من قُوّاد صالح وأهله وغلمانه وأصحابه أسقِط اسمه، وخُرّب منزله، وضرب وقُيِّد وحُذّر إلى المطبَق؛ ومن وُجد بعد ثالثة من هذه الطبقة ظاهرًا بعد استتار، فقد حلّ به مثل ذلك، ومن أخذ دابّة لعاميّ أو تعرّض له في طريق؛ فقد حلّت به العقوبة المُوجعة.\nوبات الناس ليلة الأحد لثمان خلون من صَفَر على ذلك؛ فلما كان غداة يوم الإثنين انتهى إلى المهتدي أن مساورًا الشاري صار إلى بَلَد، فقتل بها وحرّق، فنادى في مجلسه بالنفير، وأمر موسى ومفلحًا وبايكباك بالخروج، وأخرج موسى مضاربه؛ فلمّا كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة مَضت من صَفر بطل أمر موسى ومحمد بن بغا ومُفْلح في الخروج، وقالوا: لا يبرح أحدٌ منا حتى ينقطع أمرنا وأمر صالح؛ وهم مجمعون على ذلك، يخافون من صالح أن يخلفهم بمكروه.\nوذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت بعض بني وصيف - وهو الذي كان جمع تلك الجموع - يلعب مع موسى وبايكباك بالصوالجة في ميدان بغا الصغير يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، ثم جدّ هؤلاء في طلب صالح بن وصيف، فهُجم بسببه على جماعة ممن كان متصلًا به قبل ذلك، وممّن اتهموه أنه آواه، منهم إبراهيم بن سعدان النحويّ وإبراهيم الطالبيّ وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر الشيعي وأبو الأحوص بن أحمد بن سعيد بن سلْم بن قُتيبة وأبو بكر خَتَن أبي حَرْملة الحجّام وشارية المغنية والسرخسيّ صاحب شُرطة الخاصة وجماعة غيرهم.\nفذُكر عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق، قال: حدّثني صاحب رُبع القبّة - وهو ربع تلقاء دار صالح بن وصيف - قال: بينا نحن قعود يوم الأحد، إذا غلام قد خرج من زُقاق، وأراه مذعورًا، فأنكرناه، فأردنا مسألتَه عن شأنه؛ ففاتنا؛ فلم نلبث أن أقبل عَيَّار من موالي صالح بن وصيف يعرف بروزبة، ومعه ثلاثة نفر أو أربعة، فدخلوا الزّقاق، فأنكرناهم، فلم يلبثوا أن","vol":"13","page":205},{"text":"خرجوا وأخرجوا صالح بن وصيف، فسألنا عن الخبر، فإذا الغلام قد دخل دارا في الزّقاق يطلب ماءً ليشربه، قال: فسمع قائلًا يقول بالفارسية: أيها الأمير تنحّ، فإن غلامًا قد جاء يطلب ماء؛ فسمع الغلام ذلك، وكان بينه وبين هذا العيّار معرفة، فجاء فأخبره فجمع العيّار ثلاثة أناسيّ، وهجم عليه فأخرجه.\nوذكر عن العيّار الذي هجم عليه، أنه قال: قال لي الغلام ما قال، فأقبلت ومعي ثلاثة نفر، فإذا بصالح بن وصيف بيده مرآة ومُشط، وهو يسرّح لحيته، فلما رآني بادر فدخل بيتًا، فخفت أن يكون قصد لأخذ سيف أو سلاح، فتلوّمت ثم نظرت إليه؛ فإذا هو قد لجأ إلى زاوية، فدخلت إليه فاستخرجتُه فلم يزدني على التضرّع شيئًا، قال: فلما تضرّع إليّ قلت: ليس إلى تركك سبيل؛ ولكني أمرّ بك على أبواب إخوتك وأصحابك وقوّادك وصنائعك؛ فإن اعترض في منهم اثنان أطلقتُك في أيديهم، قال: فأخرجته فما لقيت إلا مَنْ هو عوني على مكروهه.\nفذكر أنه لما أخذ مضى به نحو ميلين، ليس معه إلا أقلّ من خمسة نفر من أصحاب السلطان، وذكر أنه أخذ حين أخِذ، وعليه قميص ومبطّنة ملحم وسراويل، وليس على رأسه شيء وهو حاف.\nوقيل إنه حمل على بِرْذون صِنابيّ والعامة تعدو خلفَه وخمسة من الخاصّة يمنعون منه؛ حتى انتهوْا به إلى دار موسى بن بُغا؛ فلما صاروا به إلى دار موسى بن بغا أتاه بايكباك ومُفْلح وياجور وساتكين وغيرهم من القوّاد، ثمّ أخرجوه من باب الحيْر الذي يلي قِبْلة المسجد الجامع؛ ليذهبوا به إلى الجوسق، وهو على بغل بإكاف، فلمّا صاروا به إلى حدّ المنارة، ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقِذهُ منها، ثم احتزُّوا رأسه وتركوا جيفته هناك، وصاروا به إلى المهتدي؛ فوافوْا به قبيل المغرب وهو في بِرْكة قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دمًا، فوصلوا به إليه، وقد قام لصلاة المغرب، فلم يره، فأخرجوه ليُصلَح، فلما قضى المهتدي صلاته، وخبّروه أنهم قتلوا صالحًا، وجاؤوا برأسه لم يزدهم على أن قال: وارُوه؛ وأخذ في تسبيحه، ووصل الخبر إلى منزله، فارتفعت الواعية وباتوا ليلتهم.\nفلما كان يوم الإثنين لسبع بقين من صفر حُمل رأس صالح بن وصيف على قناة، وطِيف به، ونودي عليه: هذا جزاء مَنْ قتَل مولاه، ونصِب بباب العامة","vol":"13","page":206},{"text":"ساعة ثم نُحّي، وفُعِل به ذلك ثلاثة أيام تتابعًا، وأخرِج رأس بغا الصغير في وقت صلب رأس صالح يوم الإثنين، فدُفع إلى أهله ليدفنوه.\nفذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت مفلحًا وقد نظر إلى رأس بغا، فبكى وقال: قتلني الله إن لم أقتل قاتلَك؛ فلمّا كان يوم الخميس لأربع بَقين من صفر، وجّه موسى بالرأس إلى أمّ الفضل ابنة وَصيف، وهي امرأة النوشريّ، وكانت قبله عند سَلمة بن خاقان.\nفذُكِر عن بعض بني هاشم أنه قال: هَنَّأتُ موسى بن بغا بقتل صالح فقال: كان عدوّ أمير المؤمنين استحقّ القتل، قال: وهنّأتُ بايكباك بذلك؛ فقال: مالي أنا وهذا! إنما كان صالح أخِي، فقال السَّلوليّ لموسى إذ قتل صالح بن وصيف:\nوَنِلْتَ وترَكَ من فرعون حينَ طَغَى ... وجئتَ إذْ جئتَ يا مُوسى على قَدرِ\nثلاثةٌ كُلُّهُم باغٍ أَخو حَسَدٍ ... يَرمِيكَ بالظّلم والعُدْوانِ عن وَتَرِ\nوصيفُ بالكرْخِ ممثُولٌ به وبُغا ... بالجسْرِ محتَرِقٌ بالجمر والشَّررِ\nوصالحْ بن وصيفٍ بَعدُ مُنعَفِرٌ ... في الحيْرِ جيفَتُه والرُّوحُ في سقَرِ\n* * *\nوفي مستهلّ جُمادى الأولى من هذه السنة رحل موسى بن بغا وبايكباك إلى مساور، وشيّعهم محمد بن الواثق.\nوفي جمادى الأولى أيضًا منها التقى مُساور بن عبد الحميد وعُبيدة العُمروسيّ الشاري بالكُحَيل، وكانا مختلفي الآراء، فظفر مساور بعبيدة فقتله.\nوفي هذا الشهر من هذه السنة التقَى مساور الشاري ومفلح، فحُدّثت عن مساور، أنه انصرف من الكُحَيل بعد قتله العمروسيّ، وقد كُلِم كثير من أصحابه فلم تندمل كُلُومهم، ولغِبوا من الحرب التي كانت جرت بين الفريقين إلى عسكر موسى ومن ضمّه ذلك العسكر وهم حامون، فأوقع بهم؛ فلما لم يصل إلى ما أراد منهم من الظفر بهم، وكان التقاؤهم بجبل زيني تعلق هو وأصحابه بالجبل فصاروا إلى ذِرْوته، ثم أوقدوا النيران، وركزوا رماحهم، وعسكر موسى بسفح الجبل ثم هبط مساور وأصحابه من الجبل، من غير الوجه الذي عسكر به موسى، فمضى موسى وأصحابه يحسبون أنهم فوق الجبل ففاتوهم.","vol":"13","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2091>[ذكر الخبر عن خلع المهتدي ثم موته]</span>\nوفي رجب من هذه السنة لأربع عشرة ليلة خلت منه خُلِع المهتدي، وتوفِّيَ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب (١).\n* ذكر الخبر عن سبب خلعه ووفاته:\nذكر أن ساكني الكرخ بسامرّا والدور تحرّكوا ليلتين خَلَتا من رجب من هذه السنة، يطلبون أرزاقهم، فوجّه إليهم المهتدي طبايغو الرئيس عليهم وعبد الله أخا المهتدي، فكلَّمهم فلم يقبلوا منهما، وقالوا: نحن نريد أن نكلِّم أميرَ المؤمنين مشافهةً، وخرج أبو نصر بن بُغا تحت ليلتِه إلى عسكر أخيه، وهو بالسِّنّ بالقرب من الشاري، ودخل دار الجوْسق جماعة منهم؛ وذلك يوم الأربعاء، فكلّمهم المهتدي بكلام كثير، وقطع العطاء عن الناس يوم الأربعاء والخميس والناس متوقّفون حتى يعرفوا ما صنع موسى بن بُغا، وكان موسى وضع العطاء في عسكره لشهر، وكان على مناجزة الشاري إذا استوى أصحابه، فوقع الاختلاف، ومضى موسى يريد طريق خُراسان.\nواختُلف في سبب الاختلاف الذي جرى، فصار من أجله موسى إلى طريق خُراسان، والسبب الذي من أجله خرج المهتدي لحرب من حاربه من الأتراك، فقال بعضهم: كان السبب الذي من أجْله تنحّى موسى عن وجه الشاري وتَرَك حربه وصار إلى طريق خُراسان: أنّ المهتدي استمال بايكباك، وهو مع موسى مقيم في وجه الشاري مساور، وكتب إليه يأمره أن يضمّ العسكر الذي مع موسى إلى نفسه، وأن يكون هو الأميرَ عليهم، وأن يقتل موسى بن بغا ومُفلحًا، أو يحملَهما إليه مقيَّديْن، فلما وصل الكتاب إلى بايكباك، أخذه ومضى به إلى موسى بن بغا، فقال: إني لستُ أفرح بهذا؛ وإنما هذا تدبير علينا جميعًا، وإذا فُعِل بك اليوم شيء فُعِل بي غدًا مثلُه، فما ترى؟\n_________\n(١) وقال ابن الجوزي وفي هذه السنة (٢٥٦ هـ) خلع المهتدي بالله لأربع عشرة خلت من رجب وقتل وفي سبب خلعه قولان ..، إلخ [المنتظم ١٢/ ١٠٢].","vol":"13","page":208},{"text":"قال: أرى أن تصير إلى سامرّا، فتخبره أنك في طاعته، وناصره على موسى ومفلح؛ فإنه يطمئنّ إليك، ثم ندبّر في قتله.\nفقدم بايكباك فدخل على المهتدي، وقد مضوْا إلى منازلهم كما قدموا من عند الشاري؛ فأظهر له المهتدي الغضب، وقال: تركتَ العسكر، وقد أمرتُك أن تقتل موسى ومفلحًا، وداهنتَ في أمرهما! قال: يا أمير المؤمنين، وكيف في بهما، وكيف يتهيأ في قتلهما؟ وهما أعظم جيشًا مني، وأعزّ مني! ولقد جرى بيني وبين مفلِح شيء في بعض الأمر؛ فما انتصفتُ منه؛ ولكني قد قدمتُ بجيشي وأصحابي ومَنْ أطاعني لأنصرْك عليهما، وأقوّي أمرك؛ وقد بقي موسى في أقلّ العدد، قال: ضعْ سلاحك، وأمر بإدخاله دارًا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ليس هذا سبيل مثلي إذا قدم من مثل هذا الوجه؛ حتى أصير إلى منزلي، وآمر أصحابي وأهلي بأمري، قال: ليس إلى ذلك سبيل، أحتاج إلى مناظرتك، فأخذ سلاحَه، فلما أبطأ خبرُه على أصحابه سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك، فقال: اطلبوا صاحبَكم قبل أن يحدُث به حدث؛ فجاشت الترك، وأحاطوا بالجوسق، فلما رأى ذلك المهتدي وعنده صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور شاوره، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه لم يبلغْ أحد من آبائك ما بلغتَه من الشجاعة والإقدام، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنًا عند أهل خراسان من هذا التركيّ عند أصحابه؛ فما كان إلّا أن طرح رأسه إليهم حتى سكنوا، وقد كان فيهم مَنْ يعبده ويتّخذه ربًّا، فلو فعلتَ مثل ذلك سكنوا؛ فأنت أشدّ من المنصور إقدامًا، وأشجع قلبًا، فأمر المهتدي الكرخيّ - واسمه محمد بن المباشر، وكان حدّادًا بالكرخ يطرق المسامير، فانقطع إلى المهدي ببغداد فوثق به ولزمه - فأمره بضرب عنق بايكباك، فضرب عنقه، والأتراكُ مصطفون في الجوسَق في السلاح، يطلبون بايكباك؛ فأمر المهتدي عتّاب بن عتّاب القائد أن يرميَهم برأسه فأخذ عتاب الرأس؛ فرمى به إليهم، فتأخرّوا وجاشوا، ثم شدّ رجل منهم على عتّاب، فقتله، فوجّه المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأوكشبّة والأشروسنيّة والأتراك الذين بايعوه على الدرهمين والسويق، فجاؤوا، فكانت بينهم قتلَى كثيرة، كثر فيها الناسُ، فقيل: قُتل من الأتراك الذين قاتلوا نحو من أربعة آلاف، وقيل ألفان وقيل ألف؛ وذلك يومَ","vol":"13","page":209},{"text":"السبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب من هذه السنة.\nثمّ تتامّ القوم يوم الأحد، فاجتمع جميع الأتراك، فصار أمرهم واحدًا، فجاء منهم زُهاء عشرة آلاف رجل، وجاء طوغيتا أخو بايكباك وأحمد بن خاقان حاجب بايكباك في نحو من خمسمئة؛ مع مَنْ جاء مع طوغيتا من الاْتراك والعجم، وخرج المهتدي ومعه صالح بن عليّ والمصحفُ في عنقه، يدعو الناس إلى أن ينصروا خليفتهم، فلما التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع المهتدي إلى أصحابهم الذين مع أخي بايكباك، وبقي المهتدي في الفراغنة والمغاربة ومَنْ خفّ معه من العامة، فحمل عليهم طوغيتا أخو بايكباك حَمْلَة ثائر حرّان موتور، فنقض تعبيتَهم، وهزمهم وأكثر فيهم القتل وولَّوْا منهزمين، ومضى المهتدي يركضُ منهزمًا، والسيف في يده مشهور، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، انصروا خليفَتكم، حتى صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وهي بعد خشبة بابك؛ وفيها أحمد بن جُمَيل صاحب المعونة، فدخلها ووضع سلاحه، ولبس البياض ليعلوَ دارًا وينزل أخرى ويهرب، فطُلِب فلم يُوجَد، وجاء أحمد بن خاقان في ثلاثين فارسًا يسأل عنه حتى وقفءلى خبره في دار ابن جميل، فبادرهم ليصعد، فرمي بسهم وبُعِج بالسيف، ثم حمله أحمد بن خاقان على في ابة أو بغل، وأردف خلفه سائسًا حتى صار به إلى داره، فدخلوا عليه، فجعلوا يصفعونه ويبزُقون في وجهه، وسألوه عن ثمن ما باع من المتاع والخرْثيّ، فأقرّ لهم بستمئة ألف قد أودعها الكرخيّ الناسَ ببغداد، وأصابوا عنده خسفَ الواضحة مُغنّية فأخذوا رقعته بستمئة ألف دينار؛ ودفعوه إلى رجل، فوطئ على خُصيَيْه حتى قتله.\nوقال بعضهم: كان السببُ وأول الخلاف، أنّ اللاحقين من أولاد الأتراك اجتمعوا، وقالوا: لا نرضى أن يكون علينا رئيسٌ غير أمير المؤمنين، وكتبوا إلى موسى بن بُغا وبايكباك، وهما في وجه الشاري، فوافى موسى في رجاله حتى صار إلى قنطرة في ناحية الوزيريّة يوم الجمعة، وعسكر المهتدي في الحَيْر، وقرب منهم، ثم خرج إلى الجوْسق، وعليه السلاح؛ فلما كان يوم السبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب، دخل بايكباك طائعًا، ومضى موسى إلى ناحية طريق خراسان في نحو من ألفي رجل، وجاء المهتدي رجلٌ من الموالي؛ فقال له: إنّ","vol":"13","page":210},{"text":"بايكباك قد وعد موسى أن يفتك بك في الجوسق، فأخذ المهتدي بايكباك، وأمر بنزع سلاحه وحبسه، فحُبس يوم السبت إلى وقت العصر، ثم خرج أهل الكرخ وأهل الدّور يطلبونه، وانصرفوا وبكّروا يوم الأحد، فلم يتخلفْ منهم أحد إلا حضر راكبًا وراجلًا في السلاح، فلما صاروا إلى الجوْسق، صلّى المهتدي الظهر، وخرج إليهم في الفراغنة والمغاربة، فتطارد لهم الأتراك، فحملوا عليهم، فلمّا تَبِعوهم خرج كمين لهم، فقتل من الفراغنة والمغاربة جماعةً كبيرة، وهرب المهتدي، ومرّ على باب أبي الوزير وغلام له يصيح: يا معشرَ الناس، هذا خليفتكم؛ وتراكض الأتراكُ خلْفه، فدخل دار أحمد بن جميل، وتسلق المهتدي من دار إلى دار، وأحدق الأتراك بتلك الناحية كلها، فأخرجوه من دار غلام لعبد الله بن عمر البازيار، وحملوه وبه طعنةٌ في خاصرته على برْذون أعجف، في قميص وسراويل، وانتهبوا دار الكرخيّ ودور بني ثَوَابة وجماعة من الناس؛ فلمّا كان يوم الإثنين حمل أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان إلى دار يارْجوخ، والأتراك يدورون في الشوارع، ويحمَدون العامة إذ لم يتعرّضوا لهم.\nوقال آخرون: بل كان السبب في ذلك؛ أنّ أهل دور سامرّا والكرخ تحرّكوا في يوم الإثنين لليلة خلتْ من رجب من هذه السنة، واجتمعوا بالكرْخ وفوقها، فوجّه المهتدي إليهم كيغلَغ وطبايغو بن صول أرتكين وعبد الله أخا نفسه، فلم يزالوا بهم حتى سكنوا ورجعوا إلى الدار، وبلغ أبا نصر محمد بن بغا الكبير أنّ المهتدي قد تكلّم فيه وفي أخيه موسى، وقال للموالي: إنّ الأموال عندهم، فتخوّفه وإياهم، فهرب في ليلة الأربعاء لثلاث خلْون من رجب، فكتب إليه المهتدي أربعة كتب يعطيه فيها الأمان على نفسه ومَنْ معه، ووصل كتابان إليه وهو بالمحمّدية مع أبرتكين بن برنمكاتكين، ووصل الآخران إليه مع فرج الصغير، فوثِق بذلك، فرجع حتى دخل الدار هو وأخوه حَبْشون وبكالبا، فحبِسوا وحُبِس معهم كَيْغَلع، فأفرد أبو نصر عنهم؛ فطلب منه المال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتِل يوم الثلاثاء لثلاث خلوْن من رجب، ورُمِي به في بئر من آبار القناة، وأخرج من البئر يوم الإثنين للنصف من رجب، ومضى به إلى منزله وقد أراح، فاشتُرِي له ثلثمئة مثقال مسك وستمئة مثقال كافور، وصُيِّر عليه فلم تنقطع الرائحة، وصلى عليه الحسن بن المأمون،","vol":"13","page":211},{"text":"وكتب المهتدي إلى موسى بن بُغا عند حبسه أبا نصر يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والإقبال إلى سامرّا في مواليه، وكتب إلى بايكباك في تسلُّم العسكر والقيام بقتال الشاري، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه، فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرّا، وبلغ المهتدي ذلك، وأنهم على خلافه، فجمع الموالي، فحضّهم على الطاعة، وأمرهم بلزومه في الدّار وترك الإخلال به، وأجرى على كل رجل من الأتراك ومَنْ يجري مجراهم في كلّ يوم درهمين، وعلى كلّ رجل من المغاربة درهمًا، فاجتمع له من الفريقين وأخدانهم زهاء خمسة عشر ألف إنسان، منهم من الأتراك المعروف بالكاملي في الجوْسق وغيره من المقاصير، وكان القيّم بأمر الدار بعد حبس كيغَلغ مسرور البلخيّ والرئيس من القوّاد طبايغو والقيّم بحبس من حُبس من هؤلاء عبد الله بن تكين. وبلغ موسى ومفلحًا وبايكباك حبسُ أبي نصر وحبشون ومَنْ حُبِس، فأخذوا حذرَهم.\nوجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدي يوم الخميس وخرج المهتدي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب بجمعه متوقّعًا ورود القوم عليه؛ فلم يأت أحد، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب صحّ الخبر بأنّ موسى قد عَرَج عن طريق سامرّا إلى ناحية الجبل مع مفلح، ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوخ وأساتكين وعليّ بن بارس وسيما الطويل وخطارمش إلى الدار، فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته، وصُرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الأتراك، وقالوا: لمَ يُحبَس قائدنا؟ ولمَ قتِل أبو نصر؟ فخرج إليهم المهتدي يوم السبت - ولم يكن بينهم حرب - فرجع، وخرج يوم الأحد وقد اجتمعوا له، وجمع هو المغاربة والأتراك البرّانيين والفراغنة فصير على الميمنة مسرورًا البليخيّ، وعلى الميسرة يارجوخ، والمهتدي في القلب مع أساتكين وطبايغوا وغيرهما من القوّاد.\nفلما حمِيت الشمس، قرب القوم بعضهم من بعض، وهاجت الحرب، وطلبوا بايكباك، فرمى إليهم المهتدي برأسه - وكان عتّاب بن عتاب أخرجه من بركة قبائه - فلما رأوا شدّ أخوه طغوتيا في جماعة من خاصّته على جمع المهتدي وعطفت الميمنة والميسرة من عسكر المهتدي فصاروا معهم، وانهزم الباقون عن المهتدي، وقُتل جماعة من الفريقين.","vol":"13","page":212},{"text":"فذُكر عن حَبْشون بن بغا، أنه قال: قُتِل سبعمئة وثمانون إنسانًا، ولفرّق الناس، ودخل المهتدي الدار، فأغلق الباب الذي دخل فيه، وخرج من باب المصافّ حتى خرج من الباب المعروف بإيتاخ، ثم إلى سويقة مسرور، ثم درب الواثق؛ حتى خرج إلى باب العامة، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، أنا أمير المؤمنين؛ قاتلوا عن خليفتكم، فلم تجبه العامة إلى ذلك، وهو يمرّ في الشارع وينادي، فلم يرهم ينصرونه، فصار إلى باب السجن، فأطلق مَنْ فيه، وهو يظنّ أنهم يعينونه؛ فلم يكن منهم إلا الهرب، ولم يجبه أحد، فلمّا لم يجيبوه، صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وقيها أحمد بن جميل صاحب الشُّرطة نازل، فدخل عليه، فأخرج من ناحية ديوان الضياع، ثم صيّر يه إلى الجوسق، فحبس فيه عند أحمد بن خاقان، وانتهب دار أحمد بن جُمَيل.\nوكان ممن قتل في المعوكة من قواد المغاربة نصر بن أحمد الزبيريّ، ومن قوّاد الشاكرية عتّاب بن عتاب حين جاء يرأس بايكباك إليهم، وقتَل المهتدي - فيما قيل - في الوقعة عدة كثيرة بيده، تم جرى بينهم وبينه بعد أن حُبس كلام شديد، وأرادوه على الخلع فأبى، واستسلم للقتل، فقالوا: إنه كان كتب رُقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من القوّاد؛ أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم ولا يهمّ بذلك، وأنه متى فعل ذلك بهم أو بأحد منهم ووقفوا عليه فهمْ في حلٍّ من بيعته، والأمر إليهم يُقعدون من شاؤوا، فاستحلُّوا بذلك نقضَ أمره.\nوقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار، فأخرج من ولد المتوكل جماعة، فصار بهم إلى داره، فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب، وسُمِّي المعتمد على الله، وأشهِد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدي محمد بن الواثق، وأنه سليم ليس به إلا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد في الوقعة؛ إحداهما من سَهْم والأخرى من ضَرْبة، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدّة من إخوة أمير المؤمنين، ودُفِن في مقبرة المنتصر، ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرّا يوم السبت لعشر بقين من رَجب، فسلّم على المعتمد فخلَع عليه، وصار إلى منزله وسكن الناس.","vol":"13","page":213},{"text":"وقال بعضهم - وذكر أنه كان شاهدًا أمرهم: لمّا كان ليلة الإثنين لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرْخ والدّور جميعًا، فاجتمعوا، وكان المهتدي يوجّه إليهم إذا تحرّكوا أخاه عبد الله، فوجّه إليهم في هذا اليوم عبد الله أخاه كما كان يوجّهه، فصار إليهم؛ فوجَدهم قد أقبلوا يريدون الجوْسق، فكلّمهم، وضمِن لهم القيام بحوائجهم، فأبوْا وقالوا: لا نرجع حتى نصيرَ إلى أمير المؤمنين ونشكُو إليه قصتنا، فانصرف عنهم عبد الله، وفي الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحَبْشون وكَيْغَلغ ومسرور البلخيّ وجماعة؛ فلما أدّى عبد الله إلى المهتدي ما دار بينه وبينهم، أمره بالرجوع إليهم، وأن يأتيَ بجماعة منهم فيوصلَهم إليه؛ فخرج فتلقاهم قريبًا من الجوْسَق، فأرداهم على أن يقفوا بموضعهم، ويوجّهوا معه جماعة منهم فأبوْا، فلمّا تناهَى الخبر إلى أبي نصر ومَنْ كان معه في الدّار بأنّ جمعهم قد أقبل، خرجوا جميعًا من الدار مما يلي باب النزالة، فلم يبق في الدّار إلا مسرور البلخيّ وألطون خليفة كيْغَلَغ، ومن الكتّاب عيسى بن فَرُّخانشاه، ودخل الموالي مما يلي باب القصر الأحمر، فملؤوا الدار زُهاء أربعة آلاف، فصاروا إلى المهتدي، فشكْوا إليه حالهم.\nوكان اعتمادهم في مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم، ويضمّ أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين، وأن يؤخذ الأمراء والكتّاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان؛ وذكروا أن قدره خمسون ومئة ألف ألف، فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ما سألوا، فأقاموا يومَهم ذلك في الدّار، فوجّه المهتدي محمد بن مباشر الكرخيّ، فاشترى لهم الأسوقة، ومضى أبو نصر بن بغا من فورِه ذلك؛ حتى عسكر في الحَيْر بالقرب من موضع الحلْبة، فلحق به زهاء خمسمئة رجل، ثم تفرّقوا عنه في ليلتهم؛ فلم يبقَ إلا في أقلّ من مئة، ومضى فصار إلى المحمّدية، وأصبح الموالي في غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون به أولًا، فقيل لهم: إن هذا الأمر الذي تريدونه أمرٌ صعب، وإخراج الأمر عن أيدي هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم، فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم بالأموال! فانظروا في أموركم؛ فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون عيى هذا الأمر حتى يبلغَ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين، وإن تكن الأخرى فإنّ أميرَ المؤمنين يحسن لكم النظر، فأبوْا إلا ما سألوه أولًا، فدُعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا","vol":"13","page":214},{"text":"القول، ولا يرجعوا عنه، وأن يقاتلوا مَنْ قاتلهم فيه، وينصحوا لأمير المؤمنين ويوالُوه، فأجابوه إلى ذلك، فأخذِت عليهم أيمان البيعة، فبايع في ذلك اليوم زُهاء ألف رجل وعيسى بن فرّخا نشاه الذي تجري على يده الأمور، ومقامه مقام الوزير، ثم كتبوا إلى أبي نصر كتابًا عن أنفسهم؛ كتبه لهم عيسى بن فرّخانشاه، يذكرون فيه إنكارهم خروجَه من الدار عن غير سبب، وأنهم إنما قصدوا أميرَ المؤمنين ليشكوا إليه حاجتَهم، وأنهم لما وجدوا الدار فارغة أقاموا فيها، وأنهم إذا عاد ردّوه إلى حاله، ولم يهيّجوه، وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك إليه، فأقبل من المحمّدية بين العصر والعشاء، فدخل الدار، ومعه أخوه حَبْشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم، فقام الموالي في وجوههم معهم السلاح، وقعد المهتدي، فوصل إليه أبو نصر ومَنْ معه، فسلّم عليه، ودنا فقبل يد المهتدي ورجلَه والبساط، وتأخّر فخاطبه المهتدي بأن قال له: يا محمد، ما عندك فيما يقول الموالي؟ قال: وما يقولون؟ قال: يذكرون أنكم احتجبتم الأموال، واستبددتم بالأعمال، فما تنظرون في شيء من أمورهم، ولا فيما عاد لمصلحتهم، فقال محمد: يا أميرَ المؤمنين؛ وما أنا والأموال! ما كنتُ كاتبَ ديوان، ولا جرتْ على يدي أعمال. فقال له: فأين هي الأموال؟ وهل هي إلا عندك وعند أخيك، وكتّابكم وأصحابكم! ودنا الموالي، فتقدّم عبد الله بن تكين وجماعة منهم، فأخذوا بيد أبي نصر وقالوا: هذا عدوّ أمير المؤمنين، يقوم بين يديه بسيفٍ، فأخذوا سيفَه، ودخل غلام لأبي نصر كان حاضرًا يقال له ثيتل، فسلّ سيفه، وخطا ليمنعهم من أبي نصر، وكانت خطوته تلي الخليفة، فسبقه عبد الله بن تكين، فضرب رأسه بالسيف، فما بَقيَ في الدار أحدٌ إلا سلَّ سيفه، وقام المهتدي، فدخل بيتًا كان بقربه، وأخذ محمد بنُ بغا، فأدخِل حجرة في الدار، وحُبس أصحابه الباقون، وأراد القوم قتلَ الغلام فمنعهم المهتدي، وقال: إنّ لي في هذا نظرًا ثم أمر فأعطِيَ قميصًا من الخزانة، وأمر بغسل رأسه من الدّم، وحُبِس.\nفأصبح الناس يوم الأربعاء وقد كثرُوا، والبيعة تؤخذ، ثمّ أمر عبد الله بن الواثق بالخروج إلى الرفيف في ألف رجل من الشاكرية والفراغنة وغيرهم؛ وكان ممن أمر بالخروج من قوّاد خراسان محمد بن يحيى الواثقيّ وعتاب بن عتاب","vol":"13","page":215},{"text":"وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر وإبراهيم أخو أبي عون ويحيى بن محمد بن داود وولد نصر بن شيث وعبد الرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون وغيرهم.\nثم إن عبد الله بن الواثق بلغه عن هؤلاء القوّاد أنهم يقولون: إنه ليس بصواب شخوصهم إلى تلك الناحية، فترك الخروج إليها.\nثم إنهم أرادوا أن يكتبوا إلى موسى ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى مَنْ فيه من القوّاد، فأجمعوا على أن يكتبوا إليهما بذلك كتابًا، وكتبا إلى بعض القوّاد في تسلّم العسكر منهما، وكتُبا إلى الصغار بما سأل أصحابهم بسامُرّا، وما أجيبوا إليه، وأمر بنسخ الكتب التي كُتبت إلى القوّاد، وأن ينظروا؛ فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمِرا به من الإِقبال إلى الباب في غلمانهم وتسليم العسكر إلى مَن أمِرا بتسليمه إليه؛ وإلا شدّوهما وثاقًا، وحملوهما إلى الباب، ووجّهوا هذه الكتب مع ثلاثين رجلًا منهم، فشخصوا عن سامرّا ليلة الجمعة لخمس خلون من رجب من هذه السنة، وأجْرِي على مَنْ أخِذت عليه البيعة في الدار على كلّ رجل منهم في اليوم درهمان، فكان المتولي لتفرقة ذلك عليهم عبد الله بن تكين، وهو خال ولد كنجور.\nولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتّهم كنجور، وأمر بحبسه بعد أن ناله بالضرب، وموسى حينئذ بالسنّ، ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو بالحديثة أقبل إلى السنّ، فاستخرج كنجور من الحبس، واجتمع العسكر بالسنّ، ووصل إليهم الرسل، وأوصلوا الكتب، وقرؤوا بعضها على أهل العسكر، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب؛ وخرج المهتدي في هذا اليوم إلى الحَير، وعرض الناس، وسار قليلًا، ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب في الحَيْر، وأصبح الناس يوم الجمعة، وقد انصرف من عسكر موسى زُهاء ألف رجل؛ منهم كوتكين وحشنَج.\nثم خرج المهتدي إلى الحَيْر، ثم صيّر ميمنته عليها كوتكين، وميسرته عليها حشنَج، وصار هو في القلب، ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين، والذي يريد موسى بن بغا أن يُولَّى ناحية ينصرف إليها، والذي يريد القوم من موسى أن يُقبل في غلمانه ليناظرهم؛ فلم يتهيّأ بينهم في ذلك اليوم شيء.","vol":"13","page":216},{"text":"فلما كان ليلة السبت، انصرف مَنْ أراد الانصراف عن موسى، ورجع موسى ومفلح يريدان طريق خُراسان في زهاء ألف رجل، ومضى بايكباك وجماعة من قوّاده في ليلتهم مع عيسى الكرخيّ، فباتوا معه، ثم أصبحوا يوم السبت، وأقبل بايكباك ومَنْ معه حتى دخلوا الدار، فأخذت سيوفهم بايكباك ويارجوخ وأساتكين وأحمد بن خاقان وخطارمش وغيرهم، فوصلوا جميعًا إلى المهتدِي فسلّموا فأمِروا بالانصراف إلا بايكباك؛ فإنّ المهتدي أمر أن يوقَف بين يديه، ثم أقبل يعدّد عليه ذنوبه، وما ركب من أمر المسلمين والإسلام.\nثم إنّ الموالي اعترضوه، فأدخلوه حجرة في الدار، وأغلقوا عليه الباب، ثم لم يلبث إلا قدر خمس ساعات حتى قُتِل يوم السبت من الزّوال، واستوى الأمر، فلم تكن حركة، ولا تكلّم أحد إلا نفر يسير أنكروا أمر بايكباك، ولم يُظهروا كلّ الجزع، فلما كان يوم الأحد، أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم، ووَضح عندهم أنّ التدبير إنما جرى في قتل رؤسائهم حتى يقدم عليهم الفراغنة والمغاربة، فخرجوا من الدّار بأجمعهم، وبقيت الدّار على الفراغنة والمغاربة، وأنكر الأتراك بناحية الكَرْخ ذلك، وأضافوا إليه طلب بايكباك لاجتماع أصحاب بايكباك معهم، فأدخل المهتدي إليه جماعة من الفراغنة، وأخبرهم بما أنكره الأتراك، وقال لهم: إنْ كنتم تعلمون أنكم تقومون بهم؛ فما يكره أمير المؤمنين قربكم؛ وإن كنتم بأنفسكم تظنّون عجزًا عنهم أرضيناهم بالمصير إلى محبتهم من قَبْل تفاقم الأمر، فذكر الفراغنة أنهم يقومون بهم ويقهرونهم، إذا اجتمعت كلمتهم وكلمة المغاربة، وعدّدوا أشياء كثيرة من تقديمهم عليهم، وأرادوا المهتدي على الخروج إليهم؛ فلم يزل كذلك إلى الظهر، ثم ركب وأكثر الفرسان الفراغنة وأكثر الرجّالة المغاربة، ووجّه إليهم وهُم بين الكرخ والقطائع والأتراك زُهاء عشرة آلاف، وهم في ستة آلاف لم يكن معهم من الأتراك إلا أقل من ألف وهم أصحاب صالح بن وصيف وجماعة مع يارجوخ، فلما التقى الزّحفان، انحاز يارجوخ بمَن معه من الأتراك، وانهزم أصحاب صالح بن وصيف، فرجعوا إلى منازلهم وخرج طاشتُمُر من خلف الدكّة، وكانوا جعلوا كمينًا، وتصادم القوم، فكانت الحرب بينهم ساعة من النهار، ضربًا وطعنًا ورميًا.","vol":"13","page":217},{"text":"ثم وقعت الهزيمة على أصحاب المهتدي، فثبت وأقبل يدعوهم إلى نفسه، ويقاتل حتى يئس من رجوعهم؛ ثم انهزم وبيده سيف مشطّب، وعليه دِرْع وقَباء؛ ظاهَرَ به حرير أبيض معيّن، فمضى حتى صار إلى موضع خشبة بابك، وهو يحثّ الناس على مجاهدة القوم ونُصرته؛ فلم يتبعه أحد إلا جماعة من العيّارين؛ فلما صاروا إلى باب السجن تعلقوا بلجامه، وسألوه إطلاق من في السجن، فانصرف بوجهه عنهم، فلم يتركوه حتى أمر بإطلاقهم، فانصرفوا عنه، واشتغلوا بباب السجن، وبقيَ وحده، فمرّ حتى صار إلى موضع دار أبي صالح بن يَزْداد، وفيها أحمد بن جُمَيل، فدخل الدار وأغلِقت الأبواب، فنزع ثيابه وسلاحه؛ وكانت به طعنة في وركه، فطلب قمصيًا وسراويل، فأعطاه أحمد بن جُمَيل، وغسل الدّم عن نفسه، وشرب ماء وصلّى، فأقبل جماعة من الأتراك، مع يارْجوخ نحو من ثلاثين رجلًا؛ حتى صاروا إلى دار أبي صالح، فضربوا الباب حتى دخلوها؛ فلما أحسّ بهم أخذ السيف وسعى، فصعِد على درجة في الدار، ودخل القوم؛ وقد علا السطح، فأراد بعضُهم الصعود لأخذه، فضربه بالسيف فأخطأه، وسقط الرجل عن الدّرجة، فرمَوْه بالنشاب، فوقعت نُشّابة في صدره، فجرحته جراحة خفيفة، وعلم أنه الموت؛ فأعطى بيده، ونزل فرمى بسيفه فأخذوه، فجعلوه على دابة بين يدي أحدهم، وسلكوا الطريق الذي جاء منه، حتى صيّروه إلى دار يارْجوخ في القطائع، وأنهبوا الجوسق؛ فلم يبق فيه شيء، وأخرجوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان - وكان محبوسًا في الجوْسق - وكتبوا إلى موسى بن بغا وسألوه الانصراف إليهم، فأقام المهتدي عندهم لم يُحدثوا في أمره شيئًا؛ فلما كان يوم الثلاثاء بايعوا أحمد بن المتوكل في القَطائع، وصاروا به يوم الأربعاء إلى الجوْسق فبايعه الهاشميون والخاصّة، وأرادوا المهتدي على الخلْع في هذه الأيام، فأبى ولم يجبهم، ومات يوم الأربعاء، وأظهروا يوم الخميس لجماعة الهاشمييّن والخاصّة، فكشفوا عن وجهه وغسلوه، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين.\nوقدم موسى بن بغا يوم السبت لعشر بقين من رجب، وركب أحمد بن فتيان إلى دار العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب، فبايعوه بيعة العامة.","vol":"13","page":218},{"text":"فذكر عن محمد بن عيسى القرشيّ، أنه قال: لما صار المهتدي في أيديهم أبى أن يخلع نفسَه، فخلعوا أصابع يديْه ورجليْه من كفيه وقدميه، حتى ورمت كفاه وقدماه، وفعلوا به غير شيء حتى مات.\nوقد ذكر في سبب قتل أبي نصر محمد بن بغا أنه كان خرج من سامرّا يريد أخاه موسى، فوجّه إليه المهتدي أخاه عبد الله في جماعة من المغاربة والفراغنة، فلحقوه بالرّفيف، فجيء به فحبِس وكان قد دخل على المهتدي مسلِّمًا قبل خلافهم، فقال له: يا محمد، إنما قدم أخوك موسى في جيشه وعبيده حتى يقتل صالح بن وصيف وينصرف، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ أعيذك بالله؛ موسى عبدُك وفي طاعتك؛ وهو مع هذا في وجه عدوّ كلِب، قال: قد كان صالحٌ أنفَع لنا منه، وأحسنَ سياسة للملك، وهذا العَلَويّ قد رجع إلى الرَّيّ، قال: وما حيلته يا أمير المؤمنين؟ قد هزمه وقتل أصحابه وشرّد به كلّ مشرّد، فلما انصرف عاد، وهذا فعله أبدًا؛ اللهمّ إلا أن تأمره بالمقام بالرّيّ دهرَه، قال: دع هذا عنك، فإنّ أخاك ما صنع شيئًا أكثر من أخذ الأموال واحتجانها (١) لنفسه، فأغلظ له أبو نصر، وقال: يُنظر فيما صار إليه وإلى أهل بيته منذ وليتَ الخلافة فيردّ، ويُنْظَر ما صار إليك وإلى إخوتك فيردّ فأمر به فأخِذ وضُرِب وحُبِس، وانتُهِبت داره ودار ابن ثوابة، ثم أباح دم الحسن بن مَخْلَد وابن ثوابة وسليمان بن وهب القطان كاتب مُفلح، فهربوا فانتهِبت دورهم، ثم جاء المهتدي بالفراغنة والأشروسنية والطبرية والديالمة والإشتاخنيّة ومَنْ بقي من أتراك الكرخ وولد وصيف، فسألهم النصرة على موسى ومفلح، وضرب بينهم، وقال: قد أخذوا الأموال واستأثروا بالفيء، وأنا أخاف أن يقتلوني، وإن نصرتموني أعطيتكُم جميعَ ما فاتكم، وزدتكم في أرزاقكم، فأجابوه إلى نصره والخلاف على موسى وأصحابه، ولزموا الجَوْسق وبايعوه بيعة جديدة وأمر بالسويق والسكر فاشتُرِي لهم، وأجرَى على كلّ رجل منهم في كلّ يوم درهمين، وأطعِموا في بعض أيامهم الخبز واللحم، وتولى أمرَ جيشه أحمد بن وصيف وعبد الله بن بُغا الشرابيّ والتفتْ، معهم بنو هاشم، وجعل يركب في بني هاشم، ويدور في الأسواق، ويسأل\n_________\n(١) قال في المعجم: احتجن المال: جمعه، واحتواه، واختصَّ نفسه به.","vol":"13","page":219},{"text":"الناس النصرة، ويقول: هؤلاء الفساق يقتلون الخلفاء، ويثِبون على مواليهم، وقد استأثروا بالفيء، فأعينوا أمير المؤمنين وانصروه، وتكلّم صالح بن يعقوب بن المنصور وغيره من بني هاشم، ثم كتب بعدُ إلى بايكباك يأمره أن يضمّ الجيش كله إليه، وأنه الأمير على الجيش أجمَع، ويأمره بأخذ موسى ومفلح.\nولما هلك المهتدي طلبوا أبا نصر بن بغا، وهم يظنُّون أنه حَيّ، فدُلوا على موضعه، فنُبِش فوجدوه مذبوحًا، فحمِل إلى أهله، وحُمِلت جثّة بايكباك فدُفنت، وكسرت الأتراك على قبر محمد بن بغا ألف سيف، وكذلك يفعلون بالسيد منهم إذا مات، وقيل إنّ المهتدي لما أبي أن يخلعها، أمروا مَنْ عَصَر خصيته حتى مات؛ وقيل: إنّ المهتدي لما احتُضر قال:\nأَهُمّ بأَمْر الحزْمِ لو أَسْتطيعُهُ ... وقدْ حيلَ بينَ العيرِ والنّزوان\nوقيل إنّ محمد بن بغا لم يحدثوا في أمره يوم حُبِس شيئًا، وطالبوه بالأموال، فدفع إليهم نيّفًا وعشرين ألف دينار، ثم قتلوه بعد؛ بعجوا بطنَه، وعصروا حَلْقه، وألْقِيَ في بئر من القناة، فلم يزل هنالك حتى أخرجه الموالي بعد أسرهم المهتدي بيوم، فدفن.\nوكانت خلافة المهتدي كلها إلى أن انقضى أمره أحدَ عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا، وعمره كله ثمان وثلاثون سنة، وكان رحْبَ الجبهة، أجْلَح، جهم الوجه، أشْهَلَ، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرًا، طويل اللحية، وكان ولد بالقاطول (١).\n_________\n(١) وهذا القول هو الذي اختاره الحافظ إبن كثير فقال بصيغة الجزم: وكانت خلافته أقل من سنةٍ بخمسة أيام [البداية والنهاية ٨/ ٢٢٩].\nوقال الخطيب وكان (أي: المهتدي) من أحسن الخلفاء مذهبًا (أي من بين الخلفاء العباسيين) وأجملهم طريقة وأظهرهم ورعًا وأكثرهم عبادة وإنما روى حديثًا واحدًا [تاريخ بغداد ٣/ ٣٤٨].\nوأخرج الخطيب البغدادي [٣/ ٣٤٩] ومن طريقة ابن الجوزي [المنتظم ١٢/ ٨٤]، عن عبد الله بن إبراهيم الإسكافي (عم محمد بن أحمد القراريطي) قال: حضرت مجلس المهتدي بالله وقد جلس للمظالم فاستعداه رجلٌ على ابن له، فأمر بإحضاره، فأُحْضِر وأقامه إلى جنب الرجل فسأله عمّا ادعاه عليه فأقرّ به فأمره بالخروج إليه من حقّه فكتب له بذلك كتابًا فلما فرغ قال له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر: =","vol":"13","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2092>[ذكر أخبار صاحب الزنج مع جُعلان]</span>\n* وفي هذه السنة وافَى جعلان البصرة لحرب صاحب الزنج.\n* ذكر الخبر عما كان من أمرهما هنالك:\nذكر أن جُعلان لما صار إلى البصرة زحف بعسكره منها، حتى صار بينه وبين عسكر صاحب الزَّنْج فرسخ، فخندق على نفسه ومَنْ معه، فأقام ستة أشهر في خندقه، فوجّه الزينبيُّ وُبَريه وبنو هاشم ومَنْ خفّ لحرب الخبيث، من أهل البصرة في اليوم الذي تواعدهم جعلان للقائه، فلما التقوْا لم يكن بينهم إلا الرميُ بالحجارة والنشاب، ولم يجد جعلان إلى لقائه سبيلًا لضيق الموضع بما فيه من النخل والدّغل عن مجال الخيل، وأصحابه أكثرهم فرسان (١).\nفذكر عن محمد بن الحسن أنّ صاحب الزنج قال: لمّا طال مقام جُعلان في خندقه، رأيتُ أن أخفِيَ له من أصحابي جماعة يأخذون عليه مسالك الخندق، ويبيّتونه فيه، ففعل ذلك، وبيته في خندقه، فقُتِل جماعة من رجاله، ورِيع الباقون رَوْعًا شديدًا، فترك جعلان عسكره ذلك، وانصرف إلى البصرة؛ وقد كان الزينبيّ قبل بيات الخبيث جعلان جمع مقاتلة البلالية والسعدية، ثم وجّه لهم من ناحية نهر نافذ وناحية هَزَارْدر، فواقعوه من وجهين، ولقيهم الزَّنْج، فلم يثبتوا لهم، وقهرهم الزّنج، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وانصرفوا مفلولين، وانحاز جعلان إلى البصرة، فأقام بها وظهر عجزه للسلطان.\n_________\n= حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر\nلا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر\nفقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فجزاك الله خيرًا وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ فما رأيت باكيًا أكثر من بكائه ذلك اليوم. اهـ.\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٠١) فقد ذكر الخبر كما عند الطبري.","vol":"13","page":221},{"text":"وفيها صرف جُعلان عن حرب الخبيث، وأمر سعيد الحاجب بالشخوص إليها لحربه.\nوفيها تحوّل صاحب الزَّنْج من السَّبْخة التي كان ينزلها إلى الجانب الغربيّ من النهر المعروف بأبي الخصيب.\nوفيها أخذ صاحب الزّنج - فيما ذكر - أربعة وعشرين مركبًا من مراكب البحر، كانت اجتمعت تريد البصرة، فلمّا انتهى إلى أصحابها خبره وخبر مَنْ معه من الزّنج وقطعهم السبيل، اجتمعت آراؤهم على أن يشدُّوا مراكبهم بعضها إلى بعض؛ حتى تصير كالجزيرة، يتصل أولها بآخرها، ثم يسيروا بها في دِجْلة، فاتّصل به خبرها، فندب إليها أصحابه، وحرّضهم عليها، وقال لهم: هذه الغنيمة الباردة.\nقال أبو الحسن: فسمعت صاحب الزَّنْج يقول: لمّا بلغني قربُ المراكب منى نهضت للصلاة، وأخذت في الدعاء والتضرّع، فخوطبتُ بأن قيل لي: قد أظلّك فتح عظيم، والتفتُّ فلم ألبث أن طلعت المراكب، فنهض أصحابي إليها في الجريبيّات؛ فلم يلبثوا أن حَوَوْها وقتلوا مقاتلتها، وسبَوْا ما فيها من الرّقيق، وغنموا منها أموالًا عظامًا لا تُحصَى ولا يعرف قدرها، فأنهب ذلك أصحابه ثلاثة أيام، ثم أمر بما بقي فحِيَز له.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>[ذكر الخبر عن دخول الزنج الأبلّة] </span>(١)\nولخمس بَقِين من رجب من هذه السنة، دخل الزَّنج الأبلّة، فقتلوا بها خلقًا كثيرًا وأحرقوها.\n* ذكر الخبر عنها وعن سبب الوصول إليها:\nذكر أن صاحب الزّنج لما تنحّى جعلان عن خندقه بشاطئ عثمان الذي كان فيه، وانحاز إلى البصرة ألح بالسرايا على أهل الأبُلَّة، فجعل يحاربهم من ناحية\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٨).","vol":"13","page":222},{"text":"شاطئ عثمان بالرجالة، وبما خفّ له من السفن من ناحيةٍ دِجْلة، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر مَعْقِل.\nفذكر عن صاحب الزّنج، أنه قال: ميّلت بين عبّادان والأبُلّة، فملتُ إلى التوجّه إلى عَبَّادان، وندبتُ الرّجالة لذلك، فقيل لي: إن أقرب العدو دارًا، وأولاه بألا تتشاغل بغيره عنه أهلُ الأبُلة، فرددت الجيش الذي كنت سيّرتُ نحو عبّادان إلى الأبُلّة. فلم يزالوا يحاربون أهل الأبُلّة إلى ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب سنة ست وخمسين ومئتين، فلما كان في هذه الليلة اقتحمها الزنج مما يلي دِجْلة ونهر الأبُلّة، فقتل بها أبو الأحوص وابنه، وأضرمت نارًا، وكانت مبنية بالساج محفوفة بناء متكاثفًا، فأسرعت فيها النار، ونشأت ريحٌ عاصف، فأطارت شرر ذلك الحريق حتى وصلت بشاطئ عثمان، فاحتردتىَ وقُتِل بالأبُلّة خلقٌ كثير، وغرق خلق كثير، وحُويت الأسلاب، فكان ما احترق من الأمتعة أكثر مما انتُهب.\nوقتِل في هذه الليلة عبدُ الله بن حميد الطوسيّ وابنٌ له؛ كانا في شَذاة بنهر مَعْقِل مع نُصير المعروف بأبي حمزة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2094>[ذكر خبر استيلاء صاحب الزنج على عبّادان] </span>(١)\nوفيها استسلم أهل عبّادان لصاحب الزّنج فسلّموا إليه حصنهم.\n* ذكر الخبر عن السبب الذي دعاهم إلى ذلك:\nذُكر أنّ السبب في ذلك أنّ الخبيث لما فعل أصحابُه من الزّنج بأهل الأبُلّة ما فعلوا، ضعفت قلوبهم، وخافوهم على أنفسهم وحُرمهم، فأعطوا بأيديهم، وسلموا إليه بلدهم، فدخلها أصحابه، فأخذوا مَنْ كان فيها من العبيد، وحملوا ما كان فيها من السلاح إليه، ففرّقه عليهم.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٨).","vol":"13","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2095>[ذكر خبر دخول أصحاب الزنج الأهواز]</span>\nوفيها دخل أصحابه الأهواز وأسروا إبراهيم بن المدبر.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nوكان الخبيث لما أوقع أصحابه بالأبُلّة، وفعلوا بها ما فعلوا، واستسلم له أهلُ عَبَّادان، فأخذ مماليكهم، فضمّهم إلى أصحابه من الزَّنْج، وفرّق بينهم ما أخذ من السلاح الذي كان بها، طمع في الأهواز، فاستنهض أصحابه نحو جُبّى، فلم يثبتْ لهم أهلها، وهربوا منهم، فدخلوا فقتلوا وأحرقوا، ونهبوا وأخربوا ما وراءها؛ حتى وافوا الأهواز، وبها يومئذ سعيد بن يكسين والٍ وإليه حربُها، وإبراهيم بن محمد بن المدبّر، وإليه الخراج والضّياع؛ فهرب الناس منهم أيضًا فلم يقاتلهم كثير أحد، وانحاز سعيد بن تكسين فيمَن كان معه من الجُند، وثبت إبراهيم بن المدبّر فيمن كان معه من غلمانه وخَدَمِه، فدخلوا المدينة، فاحتوَوْها، وأسروا إبراهيم بن محمد بعد أن ضُرب ضربةً على وجهه، وحوَوْا كلّ ما كان يملك من مال وأثاث ورقيق؛ وذلك يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومئتين.\nولما كان من أمره ما كان بالأهواز بعد الذي كان منه بالأبُلّة؛ رعب أهل البصرة رعبًا شديدًا، فانتقل كثير من أهلها عنها، وتفزقوا في بلدان شتَّى، وكثرت الأراجيف من عوامّها.\n* * *\nوفي ذي الحجة من هذه السنة وجّه صاحب الزَّنْج إلى شاهين بن بسْطام جيشًا عَليهم يحيى بن محمد البحرانيّ لحربه؛ فلم يَنَلْ يحيى من شاهين ما أمّل وانصرف عنه.\nوفي رجب من هذه السنة وافى البصرة سعيد بن صالح المعروف بالحاجب من قِبَل السلطان لحرب صاحب الزَّنْج.\nوفيها كانت بين موسى بن بُغا والذين كانوا توجّهوا معه إلى ناحية الجبل مخالفين لمحمد بن الواثق وبين مساور بن عبد الحميد الشاري وقعة بناحية خانِقين، ومُساور في جمع كثير وموسى وأصحابه في مئتين، فهزموا مساورًا، وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة.","vol":"13","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2096>خلافة المعتمد على الله</span>\nوفيها بويع أحمد بن أبي جعفر المعروف بابن فِتْيان، وسُمِّيَ المعتمد على الله، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب (١).\n* * *\nوفيها بعث إلى موسى بن بغا وهو بخانقين بموت محمد بن الواثق وبيعة المعتمد، فوافى سامُرّا لعشر بقين من رجب.\nولليلتين خَلَتا من شعبان ولِيَ الوزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان.\nوفيها ظهر بالكوفة عليّ بن زيد الطالبيّ، فوجّه إليه الشاه بن ميكال في عسكر كثيف، فلقيَه عليّ بن زيد في أصحابه، فهزمه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ونجا الشاه (٢).\nوفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميميّ؛ وهو من أهلِ فارس، ورجلٌ من أكرادها يقال له: أحمد بن الليث بالحارث بن سيما الشرابيّ عامل فارس، فحارباه، فقتِل الحارث، وغلب محمد بن واصل على فارس.\nوفيها وجّه مفلح لحرب مساور الشاري وكنجور لحرب عليّ بن زيد الطالبيّ بالكوفة.\nوفيها غَلَب جيش الحسن بن زيد الطالبيّ على الريّ، في شهر رمضان منها.\n_________\n(١) وقال ابن قتيبة الدينوري ثم استخلف أحمد بن أبي جعفر المعتمد على الله ويكنى أبا العباس وبويع يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين [المعارف/ ٢٠١] أي أنه اتفق تمامًا مع الطبري في هذا التأريخ والله أعلم.\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٨).","vol":"13","page":225},{"text":"وفيها شخص موسى بن بغا لإحدى عشرة ليلةً خلت من شَوَّال منها من سامرّا إلى الرّي، وشيّعه المعتمد (١).\nوفيها كانت بين أماجور وابن لعيسى بن الشيخ على باب دِمشق وقعة، فسمعتُ مَنْ ذكر أنه حضر أماجور، وقد خرج في اليوم الذي كانت فيه هذه الوقْعة من مدينة دمشق مرتادًا لنفسه عسكرًا وابنُ عيسى بن الشيخ وقائد لعيسى يقال له: أبو الصهباء في عسكر لهما بالقرب من مدينة دمشق، فاتصل بهما خبرُ خروج أماجور، وأنه خرج في نفر من أصحابه يسير، فطمعا فيه، فزحفا بمَنْ معهما إليه، ولا يعلم أماجور بزحُوفهما إليه حتى لقياه، والتحمت الحرب بين الفريقين، فقتِل أبو الصهباء، وهُزم الجمع الذي كان معه ومع ابن عيسى؛ ولقد سمعتُ مَنْ يذكر أنّ عيسى وأبا الصهباء كانا يومئذ في زُهاء عشرين ألفًا من رجالهما، وأن أماجور في مقدار مئتين إلى أربعمئة.\nوفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة منها قدم أبو أحمد بن المتوكل من مكة إلى سامرا.\nوفيها وجّه إلى عيسى بن الشيخ إسماعيل بن عبد الله المروزيّ المعروف بأبي النصر ومحمد بن عبيد الله الكريزيّ القاضي والحسين الخادم المعروف بعرق الموت بولاية أرمينيَة، على أن يصرف عن الشأم آمنًا؛ فقبل ذلك وشخص عن الشأم إليها.\nوحج بالناس في هذه السنة محمد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2098>[ذكر خبر مسير يعقوب بن الليث إلى فارس وانصرافه عنها] </span>(٣)\nفمن ذلك ما كان من مصير يعقوب بن الليث إلى فارس، وبعثة المعتمد إليه\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٠٨).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) المصدر السابق (١٢/ ١٢٣).","vol":"13","page":226},{"text":"طُغتا وإسماعيل بن إسحاق وأبا سعيد الأنصاريّ في شعبان منها، وكتاب أبي أحمد بن المتوكل إليه بولاية بَلْخ وطَخارستان إلى ما يلي ذلك من كَرْمان وسجستان والسِّند وغيرها، وما جعل له من المال في كلّ سنة، وقبوله ذلك وانصرافه.\nوفي ربيع الآخر منها قدم رسول يعقوب بن الليث بأصنام ذكر أنه أخذها من كابُل.\nولاثنتي عشرة خلتْ من صفر عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له أيضًا بعد ذلك لسبع خَلَوْن من شهر رمضان على بغداد والسواد وواسط وكُور دِجلة والبصرة والأهواز وفارس، وأمر أن يُوَلّي صاحب بغداد أعماله، وأن يُعْقد ليارْجوخ على البصرة وكُور دجْلة واليمامة والبحرين مكان سعيد بن صالح، فولّى يارجوخ منصور بن جعفر بن دينار البصرة وكُور دجلة إلى ما يلي الأهواز.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>[ذكر خبر انهزام الزنج أمام سعيد بن الحاجب] </span>(١)\nوفيها أمِر بُغراج باستحثاث سعيد الحاجب في المصير إلى دِجْلة والإناخة بإزاء عسكر صاحب الزَّنج، ففعل ذلك بُغراج - فيما قيل - ومضى سعيد الحاجب لما أمُرِ به من ذلك في رجب من هذه السنة.\nفذُكر أن سعيدًا لمّا صار إلى نهر مَعْقِل وجد هنالك جيشًا لصاحب الزَّنج بالنهر المعروف بالمُرْغاب - وهو أحد الأنهار المعترضة في نهر معقِل - فأوقع بهم فهزمهم، واستنقذ ما في أيديهم من النِّساء والنهب، وأصابت سعيدًا في تلك الوقعة جراحات، منها جراحة في فيه، ثم سار سعيد حتى صار إلى الموضع المعروف بعسكر أبي جعفر المنصور، فأقام به ليلة، ثم سار حتى أناخ بموضع يقال له: هَطمَة من أرض الفرات، فأقام هنالك أيامًا يعبِّي أصحابه، ويستعدّ للقاء صاحب الزَّنْج، وبلغه في أيام مقامه هنالك: أن جيشًا لصاحب الزَّنْج\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٢٣).","vol":"13","page":227},{"text":"بالفُرات، فقصد لهم بجماعة من أصحابه، فهزمهم، وكان فيهم عمران زَوْج جدّة ابن صاحب الزّنج المعروف بأنكلاي، فاستأمن عمران هذا إلى بُغراج، وتفرّق ذلك الجمع، قال محمد بن الحسن: فلقد رأيتُ المرأة من سكان الفرات تجد الزنجيَّ مستتترًا بتلك الأدغال، فتقبض عليه حتى تأتي به عسكر سعيد ما به منها امتناع، ثم قصد سعيد حرب الخبيث فعبر إلى غربيّ دجلة، فأوقع به وقعات في أيام متوالية، ثم انصرف سعيد إلى معسكر بهَطمَة، فأقام به يحاربه باقي رجب وعامّة شعبان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2100>[خلاص ابن المدبّر من صاحب الزنج]</span>\nوفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الخبيث، وكان سبب تخلصِه منه - فيما ذكر - أنه كان محبوسًا في غرفة في منزل يحيى بن محمد البحرانيّ، فضاق مكانه على البَحْراني، فأنزله إلى بيت من أبيات داره، فحبسه فيه، وكان موكَّلًا به رجلان، ملاصقٌ مسكنهما المنزل الذي فيه إبراهيم، فبذل لهما، ورغّبهما فسَرَبَا له سرَبًا إلى الموضع الذي فيه إبراهيم من ناحيتهما، فخرج هو وابن أخ له يعرف بأبي غالب ورجل من بني هاشم كان محبوسًا معهما.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>[ذكر خبر إيقاع صاحب الزنج بسعيد وأصحابه]</span>\nوفيها أوقع أصحاب الخبيث بسعيد وأصحابه فقتلوه ومَنْ معه.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة:\nذُكر أن الخبيث وجّه إلى يحيى بن محمد البحرانيّ وهو مقيم بنهر مَعْقِل في جيش كثيف يأمره بالتوجّه بألف رجل من أصحابه، يرئّس عليهم سليمان بن جامع وأبا الليث، ويأمرهما بالقَصْد لعسكر سعيد ليلًا حتى يوقعا به في وقت طلوع الفجر، ففعل ذلك، فصارا إلى عسكر سعيد، فصادفا منهم غِرّةً وغفلة، فأوقعا بهم وقْعَةً، فقتلا منهم مقتلة عظيمة، وأحرَق الزَّنج يومئذ عسكر سعيد، فضعف سعيد ومَنْ معه، ودخل أمرَهم خللٌ للبيات الذي تهيّأ عليهم،","vol":"13","page":228},{"text":"ولاحتباس الأرزاق عنهم، وكانت سبيت لهم من مال الأهواز؛ فأبطأ بها عليهم منصور بن جعفر الخياط، وكان إليه يومئذ حرب الأهواز، وله من ذلك يدٌ في الخراج.\nولما كان من أمر سعيد بن صالح ما كان، أمِر بالانصراف إلى باب السلطان وتسليم الجيش الذي معه وما إليه من العمل هنالك إلى منصور بن جعفر؛ وذلك أنّ سعيدًا ترك بعدما كان من بيات الزَّنْج أصحابه وإحراقهم عسكره؛ فلم يكن له حركة إلى أن صُرِف عمّا كان إليه من العمل هنالك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>[خبر الوقعة بين منصور بن جعفر وصاحب الزنج]</span>\nوفيها كانت وقعة بين منصور بن جعفر الخياط وبين صاحب الزّنج، قُتل فيها من أصحاب منصور جماعة كثيرة.\n* ذكر الخبر عن صفة هذه الوقعة:\nذُكر أن سعيدًا الحاجب لمّا صُرف عن البصرة، أقام بُغْرَاج بها يحمِي أهلها، وجعل منصور يَجمع السفن التي تأتي بالمِيرة، ثم يُبذْرِقها في الشَّذَا إلى البصرة، فضاق بالزنج الميرة، ثم عبّأ منصور أصحابه، وجمع إلى الشذا التي كانت معه الشَّذَا الجنّابيات والسفن، وقصد صاحبَ الزَّنج في عسكره، فصعد قصرًا على دجلة، فأحرقه وما حوله، ودخل عسكر الخبيث من ذلك الوجه، ووافاه الزَّنج، وكمّنوا له كمينًا، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وألجئ الباقون إلى الماء، فغرق منهم خلق كثير وحمِل من الرؤوس يومئذٍ - فيما ذكر - زهاء خمسمئة رأس إلى عسكر يحيى بن محمد البحرانيّ بنهر معقِل، وأمر بنصبها هنالك.\nوفيها ظَهر من بغداد بموضع يقال له: برْكةُ زلزلٍ علي خنّاق، وقد قتل خلقًا كثيرًا من النساء ودفنهنّ في دار كان فيها ساكنًا، فحمِل إلى المعتمد؛ فبلغني: أنه أمَر بضربه، فضُرِب ألفي سوط وأربعمئة أرزن فلم يمت حتى ضرب الجلّادون أنثييْه بخشب العقابيْن، فمات، فرُدّ إلى بغداد فصُلب بها ثم أحرِقت جثته.\n* * *","vol":"13","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2103>[خبر مقتل شاهين بن بسطام وهزيمة إبراهيم بن سيما]</span>\nوفيها قتل شاهين بن بسطام وهزِم إبراهيم بن سيما.\n* ذُكر الخبر عن سبب مقتل شاهين وانهزام إبراهيم:\nذُكر: أن البحرانيّ كان كتب إلى الخبيث يُشير عليه بتوجيه جيش إلى الأهواز للمقام بها، ويرغّبه في ذلك، وأن يبدأ بقطع قنطرة أرْبُك؛ لئلا يصلَ الخيل إلى الجيش، وأن الخبيث وجّه عليّ بن أبان لقطع القنطرة، فلقيَه إبراهيم بن سيما منصرفًا من فارس؛ وكان بها مع الحارث بن سيما في الصَّحْراء المعروفة بدَسْت أربُك، وهي صحراء بين الأهواز والقنطرة، فلما انتهى عليّ بن أبان إلى القنطرة أقام مُخْفِيًا نفسه ومَنْ معه، فلمّا أصحرت الخيل، خرجت عليه من جهات، فقَتَلتْ من الزَّنْج خَلْقًا كثيرًا، وانهزم عليّ، وتبعته الخيل إلى الفَنْدم، وأصابته طعنة في أخمَصِه، فأمسك عن التوجّه إلى الأهواز، وانصرف على وجهه إلى جُبَّى وصُرف سعيد بن يكسين وولِّيَ إبراهيم بن سيما، وكاتبه شاهين، فأقبلا جميعًا: إبراهيم بن سيما على طريق الفرات قاصدًا لذُنَابة نهر جُبّى، وعليّ بن أبان بالخيزرانيّة؛ فأقبل شاهين بن بِسْطام على طريق نهر موسى، يقدّر لقاء إبراهيم في الموضع الذي قصد إليه، وقد اتّعدا لمواقعة عليّ بن أبان، فسبق شاهين، وأتى عليّ بن أبان رجلٌ من نهر موسى فأخبره بإقبال شاهين إليه؛ فوجّه عليّ نحوه، فالتقيا في وقت العصر على نهر يعرف بأبي العباس - وهو نهر بين نهر موسى ونهر جُبّى - ونشبت الحرب بينهما، وثبت أصحاب شاهين، وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثم صدمهم الزّنج صدمة صادقة، فولّوْا منهزمين؛ فكان أوّل مَنْ قتِل يومئذ شاهين وابن عمّ له يقال له حيّان، وذلك أنه كان في مقدّمة القوم، وقُتِل معه من أصحابه بشر كثير، وأتى عليّ بن أبان مخبر فأخبره بورود إبراهيم بن سيما؛ وذلك بعد فراغه من أمر شاهين، فسار من فوره إلى نهر جُبّى، وإبراهيم بن سيما معسكر هنالك لا يعلم خبر شاهين، فوافاه عليّ في وقت العشاء الآخرة، فأوقع بهم وقعة غليظة قتل فيها جمعًا كثيرًا؛ وكان قتلُ شاهين والإيقاع بإبراهيم فيما بين العصر والعشاء الآخرة.\nقال محمد بن الحسن: فسمعت عليّ بن أبان يحدّث عن ذلك، قال: لقد","vol":"13","page":230},{"text":"رأيتُني يومئذ، وقد ركبني حُمّى نافض كانت تعتادني، وقد كان أصحابي حين نالوا ما نالوا من شاهين تفرّقوا عني، فلم يصر إلى عسكر إبراهيم بن سيما معي إلا نحو من خمسين رجلًا، فوصلت إلى العسكر، فألقيت نفسي قريبًا منه، وجعلت أسمع ضجيج أهلِ العسكر وكلامَهم؛ فلما سكنتْ حركتهُم، نهضت فأوقعتُ بهم.\nثم انصرف عليّ بن أبان عن جُبَّى لمّا قُتِل شاهين، وهُزم إبراهيم بن سيما، لورود كتاب الخبيث عليه بالمصير إلى البصرة لحرب أهلها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>[ذكر خبر دخول الزنج البصرة هذا العام] </span>(١)\nوفيها دخل أصحاب الخبيث البصرة.\n* ذكر الخبر عن سبب وصولهم إلى ذلك وما عملوا يها حين دخلوها:\nذُكر: أنّ سعيد بن صالح لمّا شخَص من البَصْرة ضمّ السلطان عملَه إلى منصور بن جعفر الخياط؛ وكان من أمرِ منصور وأمرِ أصحاب الخبيث ما قد ذكرناه قبلُ، وضعف أمر منصور، ولم يَعُدْ لقتال الخبيث في عسكره، واقتصر على بذْرقة القَيْروانات، واتّسع أهلُ البصرة لوصول الميَر إليهم؛ وكان انقطاع ذلك عنهم قد أضرّ بهم، وانتهى إلى الخبيث الخبر بذلك، واتساعُ أهل البصرة، فعظم ذلك على الخبيث، فوجّه عليّ بن أبان إلى نواحي جُبَّى، فعسكر\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٢٤) وقد أخرج الخطيب البغدادي ومن طريقه ابن الجوزي بالسند الموصول عن علي بن أبي أمية قال: (شاهد عيان قال: لما كان من دخول الزنج البصرة ما كان وقتلوا بها من قتلوا وذلك في شوال سنة سبع وخمسين ومئتين بلغنا أنهم دخلوا على الرياشي المسجد بأسيافهم والرياشي قائم يصلي الضحى فضربوه بالأسياف ... إلخ وفيه: حتى مات فلما خرج الزنج عن البصرة دخلناها فمررنا بيني مازن وهناك كان ينزل الرياشي فدخلنا مسجده ... إلخ. تاريخ بغداد (١٢/ ١٤٠) والمنتظم (١٢/ ١٣٤).\nقلت وهذا يعني أن الطبري كان دقيقًا عندما ذكر أنه (أي صاحب الزنج) خاض معركة البصرة في شهر شوال من سنة (٢٥٧ هـ) فقد أخرجه الخطيب مسندًا عن رجل عاصر تلك الأحداث ودخل البصرة بعد خروج الزنج منها، والله أعلم.","vol":"13","page":231},{"text":"بالخيزُرانيّة، وشغل منصور بن جعفر عن بَذْرَقة القيْروانات إلى البصرة، فعاد حال أهل البصرة إلى ما كانت عليه من الضيق، وألحّ أصحاب الخبيث على أهل البصرة بالحرب صباحًا ومساء.\nفلما كان في شوال من هذه السنة أزمع الخبيث على جَمْع أصحابه للهجوم على أهل البصرة، والجدّ في خرابها، وذلك لعلمه بضعف أهلها وتفرّقهم، وإضرار الحصار بهم، وخراب ما حولها من القرى؛ وكان قد نظر في حساب النجوم، ووقف على انكساف القمر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة تخلُو من الشهر.\nفذكر عن محمد بن الحسن بن سهل أنه قال: سمعتُه يقول: اجتهدتُ في الدعاء على أهل البصرة، وابتهلت إلى الله في تعجيل خَرابها، فخوطبتُ، فقيل لي: إنما البصرة خُبْزةٌ لك تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر نصْفُ الرغيف خربت البصرة؛ فأوّلْتُ انكسار نصف الرغيف انكساف القمر المتوقَّع في هذه الأيام، وما أخلق أمر البصرة أن يكون بعده.\nقال: فكان يحدّث بهذا حتى أفاض فيه أصحابه، وكثر تردده في أسماعهم وإحالته إياه بينهم.\nثم ندب محمد بن يزيد الدارميّ؛ وهو أحد مَنْ كان صحبه بالبحرين للخروج إلى الأعراب، وأنفذه فأتاه منهم خَلْق كثير، فأناخوا بالقنْدل، ووجّه إليهم الخبيث سليمان بن موسى الشعرانيّ، وأمرهم بتطرّق البصرة، والإيقاع بها، وتقدّم إلى سليمان بن موسى في تمرين الأعراب على ذلك، فلمّا وقع الكسوف أنهض عليّ بن أبان، وضمّ إليه طائفة من الأعراب، وأمره بإتيان البصرة مما يلي بني سعد، وكتب إلى يحيى بن محمد البحرانيّ - وهو يومئذ محاصر أهل البصرة - في إتيانها مما يلي نهر عديّ، وضمّ سائر الأعراب إليه، قال محمد بن الحسن: قال شبل: فكان أوّل مَنْ واقع أهل البصرة عليّ بن أبان، وبُغراج يومئذ بالبصرة في جماعة من الجُند، فأقام يقاتلهم يومين، ومال الناس نحوه.\nوأقبل يحيى بمن معه مما يلي قصر أنس قاصدًا نحو الجسر، فدخل عليّ بن أبان المهلبيّ وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت، وغادى يحيى البصرة يوم","vol":"13","page":232},{"text":"الأحد، فتلقّاه بُغراج وبُرَيْةٌ في جَمْع فردّاه، فرجع فأقام يومه ذلك، ثم غاداهم يوم الإثنين، فدخل وقد تفرّق الجند، وهرب بُريه، وانحاز بغراج بمَن معه، فلم يكن في وجهه أحدٌ يدافعه، ولقيَه إبراهيم بن يحيى المهلبيّ، فاستأمنه لأهل البصرة فآمنهم، ونادى منادي إبراهيم بن يحيى: مَنْ أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبةً حتى ملؤوا الرّحاب، فلما رأى اجتماعَهم انتهز الفرصة في ذلك منهم، فأمر بأخذ السكك والطرق والدّرُوب لئلا يتفرقوا، وغَدر بهم، وأمر أصحابه بقتلهم، فقتل كلّ مَنْ شهد ذلك المشهد إلا الشاذّ، ثم انصرف يومَه ذلك، فأقام بقصر عيسى بن جعفر بالخُرَيبة.\nقال محمد: وحدّثني الفضل بن عديّ الدارميّ، قال: أنا حين وجّه الخائن لحرب أهل البصرة في حَيز أهل البصرة مُقيمٌ في بني سعد، قال: فأتانا آت في الليل؛ فذكر أنه رأى خيلًا مجتازة تؤمّ قصر عيسى بالخرَيبة، فقال لي أصحابي: اخرج فتعرّف لنا خَبَر هذه الخيل، فخرجتُ فإذا جماعة من بني تميم وبني أسد، فسألتُهم عن حالهم، فزعموا أنهم أصحاب العَلَويّ المضمومون إلى عليّ بن أبان، وأنّ عليًّا يوافِي البصرة في غدِ تلك الليلة، وأنّ قصده لناحية بني سعد، وأن يحيى بن محمد بجمعه قاصد لناحية آل المهلب. فقالوا: قل لأصحابك من بني سعد: إن كنتم تريدون تحصينَ حُرَمكم، فبادروا إخراجهم قبل إحاطة الجيش بكم.\nقال الفضل: فرجعتُ إلى أصحابي، فأعلمتُهم خبرَ الأعراب فاستعدّوا، فوجهوا إلى بُريْه يعلِمونه الخبر، فوافاهم فيمن كان بقِيَ من الخَول وجماعة من الجند وقت طلوع الفجر، فساروا حتى انتهوْا إلى خندق يعرف ببني حِمَّان، ووافاهم بنو تميم ومقاتلة السعديّة، فلم يلبثوا أن طلع عليهم عليّ بن أبان في جماعة الزَّنْج والأعراب على مُتون الخيل، فذهِل بُريه قبل لقاء القوم، فرجع إلى منزله؛ فكانت هزيمةٌ، وتفرّق مَنْ كان اجتمع من بني تميم، ووافى عليّ فلم يدافعه أحدٌ، ومرّ قاصدًا إلى المِرْبد، ووجّه بُرَيه إلى بني تميم يستصرخُهم، فنهض إليه منهم جماعة، فكان القتال بالمِرْبَد بحضرة دار بُرَيْه، ثم انهزم بُريه عن داره، وتفرّق الناس لانهزامه، فأحرقت الزنج دارَه، وانتهبوا ما كان فيها، فأقام الناس يقتلون هنالك، وقد ضعُف أهلُ البصرة، وقوِي عليهم الزَّنْج،","vol":"13","page":233},{"text":"واتصلت الحرب بينهم إلى آخر ذلك اليوم، ودخل عليّ المسجد الجامع فأحرقه، وأدركه فتح غلام أبي شيث في جماعة من البصريّين، فانكشف عليّ وأصحابه عنهم، وقُتِل من الزَّنْج قوم، ورجع عليّ فعسكر في الموضع المعروف بمقبرة بني شيبان، فطلب الناس سلطانًا يقاتلون معه فلم يجدوه، وطلبوا بُريْهًا، فوجدوه قد هرب، وأصبح أهلُ البصرة يوم السبت، فلم يأتهم عليّ بن أبان، وغاداهم يوم الأحد، فلم يقف له أحد، وظفر بالبصرة.\nقال محمد بن الحسن: وحدّثني محمد بن سمعان، قال: كنت مقيمًا بالبصرة في الوقت الذي دخلها الزَّنْج، وكنت أحضرُ مجلس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المعروف ببُريه، فحضرته وحضر يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شوال سنة سبع وخمسين ومئتين وعنده شهاب بن العلاء العنبريّ، فسمعتُ شهابًا يحدّثه أن الخائن قد وجّه بالأموال إلى البادية ليعرّض بها رجال العرب، وأنه قد جمع جمعًا كثيرًا من الخيل، وهو يريد تورّد البصرة بهم وبرجّالته من الزنج، وليس بالبصرة يومئذ من جند السلطان إلا نيّف وخمسون فارسًا مع بُغراج، فقال بُريه لشهاب: إنّ العرب لا تقدم عليّ بمساءة؛ وكان بريه مطاعًا في العرب، محبّبًا إليهم.\nقال ابن سمعان: فانصرفت من مجلس بُرَيه، فلقيت أحمد بن أيوب الكاتب، فسمعته يحكي عن هارون بن عبد الرحيم الشيعيّ؛ وهو يومئذ يلي بَريد البصرة، أنّه صَحّ عنده أن الخائن جمّع لثلاث خَلوْن من شَوّال في تسعة أنفس؛ فكان وجوه أهل البصرة وسلطانها المقيم بها من الغَبَا عن حقيقة خبر الخائن على ما وصفت، وقد كان الحصار عضّ أهل البصرة، وكثر الوباء بها، واستعرَت الحرب فيها بين الحزبين المعروفين بالبلالية والسعدية.\nفلما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيَتْ من شوّال من هذه السنة، أغارت خيل الخائن على البَصْرة صبحًا في هذا اليوم؛ من ثلاثة أوجه من ناحية بني سَعْد والمربد والخُرَيبة؛ فكان يقودُ الجيش الذي سار إلى المِربَد عليّ بن أبان، وقد جعل أصحابه فرقتين؛ فرقة وَلّى عليها رفيقًا غلام يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، وأمرهم بالمصير إلى بني سعد، والفرقة الأخرى سار هو فيها إلى المِرْبَد؛ وكان يقود الخيل التي أتت من ناحية الخُريبة يحيى بن محمد الأزرق","vol":"13","page":234},{"text":"البحرانيّ، وقد جمع أصحابه من جهة واحدة؛ وهو فيهم؛ فخرج إلى كلّ فرقة من هؤلاء من خفّ مِن ضعفاء أهل البصرة، وقد جَهَدهم الجوع والحصار، وتفرّقت الخيل التي كانت مع بُغراج فرقتين: فرقة صارت إلى ناحية المِرْبَد، وفرقة صارت إلى ناحية الخُرَيبة، وقاتل من ورد ناحية بني سعد جماعة من مقاتلة السعديّة فتح غلام أبي شيث وصحبه، فلم يُغْنِ قليلٌ من أهل البصرة إلى جموع الخبيث شيئًا، وهجم القوم بخيلهم ورجلهم.\nقال ابن سمعان: فإنّي يومئذ لفِي المسجد الجامع؛ إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمِرْبد وبني حِمَّان في وقت واحد؛ كأنّ موقِدِيها كانوا على ميعاد؛ وذلك صدْر يوم الجمعة، وجلّ الخطب، وأيقن أهل البصرة بالهلاك، وسَعَى مَنْ كان في المسجد الجامع إلى منازلهم، ومضيتُ مبادرًا إلى منزلي؛ وهو يومئذ في سكة المِرْبد، فلقيني منهزمو أهل البصرة في السكة راجعين نحو المسجد الجامع، وفي أخراهم القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشميّ؛ وهو على بغل متقلّد سيفًا يصيح بالناس: ويحكم! أتسلمون بلدكم وحرمكم! هذا عدوّكم قد دخل البلد، فلم يلووا عليه، ولم يسمعوا منه، فمضى وانكشفت سكة المِرْبد؛ فصار بين المنهزمين والزَّنج فيها فضاء يسافر فيه البَصر.\nقال محمد: فلما رأيتُ ذلك دخلت منزلي، وأغلقت بابي، وأشرفتُ فإذا خيل من الأعراب ورجّالة الزنج، تقدَّمهم رجل على حصان كُميت، بيده رمح، عليه عَذبة صفراء؛ فسألت بعد أن صِير بي إلى مدينة الخائن عن ذلك الرجل، فادّعى عليّ بن أبان أنه ذلك الرجل، وأنَّ الراية الصفراء رايتُه، ودخل القوم، فغابوا في سكة المِرْبد إلى أن بلغوا باب عثمان؛ وذلك بعد الزوال ثم انصرفوا، فظنّ الناس من رعاع أهل البصرة وجهالهم أنّ القوم قد مضوْا لصلاة الجمعة، وكان الذي صرفهم أنهم خشوا أن يخرجَ عليهم جمع السعديّة والبلالية من المربَّعة، وخافوا الكمناء هناك فانصرفوا وانصرف من كان بناحية زَهْران وبني حصن؛ وذلك بعد أن أحرقوا وأنهبوا واقتدروا على البلد، وعلموا أنه لا مانع لهم منه، فأغبُّوا السبت والأحد، ثم غادوا البصرة يوم الإثنين، فلم يجدوا عنها مدافعًا، وجُمع الناس إلى باب إبراهيم بن يحيى المهلبيّ وأعطوا الأمان.\nقال محمد بن سمعان: فحدثني الحسن بن عثمان المهلبيّ الملقب بمُنْدَلِقَة","vol":"13","page":235},{"text":"- وكان من أصحاب يحيى بن محمد - قال: أمرني يحيى في تلك الغداة بالمصير إلى مقبرة بني يَشْكر، وحَمْل ما كان هناك من التنانير، فصرتُ إليها، فحملتُ نَيّفًا وعشرين تَنّورًا على رؤوس الرجال، حتى أتيت بها دار إبراهيم بن يحيى، والناس يظنّون أنها تعدّ لاتخاذ طعام لهم؛ وهم من الجوع وشدة الحصار والجهد على أمر عظيم، وكثر الجمع بباب إبراهيم بن يحيى، وجعلوا ينوبون ويزدادون؛ حتى أصبحوا وارتفعت الشمس.\nقال ابن سمعان: وأنا يومئذ قد انتقلت من سكة المربد من منزلي إلى دار جدّ أمي هشام المعروف بالدافّ، وكانت في بني تميم، وذلك للذي استفاض في الناس من دخول بني تميم في سِلْم الخائن؛ فإني لهناك إذ أتى المخبرون بخبر الوَقْعة بحضرة دار إبراهيم بن يحيى، فذكروا أن يحيى بن محمد بن البحرانيّ أمر الزَّنج، فأحاطوا بذلك الجمع، ثم قال: مَنْ كان من آل المهلب فلْيدخل دار إبراهيم بن يحيى، فدخلتْ جماعة قليلة، وأغلقوا الباب دونهم، ثم قيل للزَّنج: دونكم الناس فاقتلوهم، ولا تُبقوا منهم أحدًا، فخرج إليهم محمد بن عبد الله المعروف بأبي الليث الأصبهاني، فقال للزَّنج: كيلوا - وهي العلامة التي كانوا يعرفونها فيمن يؤمرون بقتله - فأخذ الناسَ السيف.\nقال الحسن بن عثمان: فإني لأسمع تشهّدهم وضجيجهم، وهم يقتَلون، ولقد ارتفعت أصواتهم بالتشهّد؛ حتى لقد سمعت بالطُّفَاوة، وهم على بعُد من الموضع الذي كانوا به، قال: ولما أتِيَ على الجمع الذي ذكرنا أقبل الزّنج على قتل مَنْ أصابوا، ودخل عليّ بن أبان يومئذ، فأحرق المسجد الجامع، وراح إلى الكَلّاء، فأحرقه من الجبل إلى الجسر، والنار في كلّ ذلك تأخذ في كلّ شيء مَرّت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع، ثم ألحّوا بالغُدوّ والرّواح على مَنْ وجدوا يسوقونهم إلى يحيى بن محمّد؛ وهو يومئذ نازلٌ بسَيْحان؛ فمن كان ذا مال قرّره حتى يستخرج ماله ويقتله، ومن كان مُمْلِقًا قتله.\nوذُكِرَ عن شبْل أنه قال: باكر يحيى البصْرة يوم الثلاثاء بعد قتل مَنْ قتل بباب إبراهيم بن يحيى، فجعل ينادي بالأمان في الناس ليظهروا، فلم يظهر له أحدٌ، وانتهى الخبر إلى الخبيث، فصرف عليّ بن أبان عن البصرة، وأفرد يحيى بها لموافقة ما كان أتى يحيى من القتل إياه ووقوعه لمحبّته، وأنه استقصر ما كان من","vol":"13","page":236},{"text":"عليّ بن أبان المهلبيّ من الإمساك عن العيْث بناحية بني سعد.\nوقد كان عليّ بن أبان أوفد إلى الخبيث من بني سعد وفدًا، فصاروا إليه، فلم يجدوا عنده خيرًا، فخرجوا إلى عَبّادان، وأقام يحيى بالبصرة، فكتب إليه الخبيث يأمره بإظهار استخلاف شِبْل على البصرة ليسكن الناس، ويظهر المستخفي، ومَنْ قد عُرف بكثرة المال، فإذا ظهروا أخِذوا بالدلالة على ما دفنوا وأخفَوْا من أموالهم، ففعل ذلك يحيى؛ فكان لا يخلو في يوم من الأيام من جَماعة يُؤتى بهم، فمَنْ عُرف منهم باليسار استنظف ما عنده وقتله، ومن ظهرت له خَلّتهُ عاجله بالقتل؛ حتى لم يدع أحدًا ظهر له إلا أتى عليه، وهرب الناس على وجوههم، وصرف الخبيث جيشه عن البصرة.\nقال محمد بن الحسن: ولما أخرب الخائن البصرة، وانتهى إليه عظيم ما فعل أصحابه فيها، سمعته يقول: دعوتُ على أهل البصرة في غداة اليوم الذي دخلها أصحابي، واجتهدت في الدعاء، وسجدت، وجعلت أدعو في سجودي، فرُفعتْ إليّ البصرة، فرأيتها ورأيت أصحابي يقاتلون فيها، ورأيت بين السماء والأرض رجلًا واقفًا في الهواء في صورة جَعْفر المعلوف المتوَلّي كان للاستخراج في ديوان الخراج بسامُرّا، وهو قائم قد خفض يده اليسرى، ورفع يده اليمنى، يريد قلب البصرة بأهلها، فعلمتُ أن الملائكة تولّت إخرابها دون أصحابي ولو كان أصحابي تولَّوْا ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم الذي يحكى عنها، وإن الملائكة لتنصرني وتؤيدني في حربي، وتثبِّت مَن ضعُف قلبه من أصحابي.\nقال محمد بن الحسن: وانتسب الخبيث إلى يحيى بن زيد بن عليّ بعد إخرابه بالبصرة، وذلك لمصير جماعة من العلويّة الذين كانوا بالبصرة إليه، وأنه كان فيمن أتاه منهم عليّ بن أحمد بن عيسى بن زيد، وعبد الله بن عليّ في جماعة من نسائهم وحُرَمهم، فلمَّا جاؤوه ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، وانتسب إلى يحيى بن زيد.\nقال محمد بن الحسن: سمعتُ الخبيث وقد حضره جماعة من النوْفليّين، فقال القاسم بن الحسن النوفليّ: إنه قد كان انتهى إلينا أنك من ولد أحمد بن عيسى بن زيد، فقال: لست من ولد عيسى، أنا من ولد يحيى بن زيد. وهو في ذلك كاذب، لأن الإجماع في يحيى أنه لم يعقِب إلا بنتًا ماتت وهي ترضع.","vol":"13","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2105>[ذكر الخبر عن الحرب بين محمد المولَّد والزنج] </span>(١)\nوفيها أشخص السلطان محمدًا المولّد إلى البصرة لحرب صاحب الزَّنْج، فشخص من سامُرّا يوم الجمعة لليلة خلت من ذي القعدة.\n* ذكر الخبر عما كان من أمر المولَّد هناك:\nذكر أن محمدًا المعروف بالمولَّد لما صار إلى ما هنالك نزل الأبُلّة، وجاء بُرَيه، فنزل البصرة، واجتمع إلى بُريه من أهل البصرة خلق كثير ممن كان هرب، وكان يحيى حين انصرف عن البصرة أقام بالنهر المعروف بالغوثيّ.\nقال محمد: قال شِبْل: فلما قدم محمد المولَّد كتب الخبيث إلى يحيى يأمره بالمصير إلى نهر أوّا، فصار إليه بالجيش، وأقام يحارب المولّد عشرة أيام، ثم أوطن المولّد المقام، واستقرّ وفتر عن الحرب، فكتب الخبيث إلى يحيى يأمره بتبييته، ووجَّه إليه الشذا مع المعروف بأبي الليث الأصبهانيّ، فبيّته ونهض المولَّد بأصحابه، فقاتلهم بقية ليلته ومن غدٍ إلى العصر، ثم ولى منصرفًا، ودخل الزّنج عسكره، فغنموا ما فيه، فكتب يحيى إلى الخبيث بخبره، فكتب إليه يأمره باتباعه، فاتبعه إلى الحوانيت، وانصرف، فمرّ بالجامدَة، فأوقع بأهلها، وانتهب كلَّ ما كان في تلك القرى، وسفَك ما قدر على سفكه من الدماء، ثم عسكر بالجالة، فأقام هناك مدّة، ثمّ عاد إلى نهر معقل.\nوفيها أخذ محمد المولّد سعيد بن أحمد بن سعيد بن سَلْم الباهليّ، وكان قد تغلّب على البطائح، هو وأصحابه من باهلة وأفسدوا الطريق.\nوفيها خالف محمد بن واصل السلطان بفارس، وغلب عليها.\nوحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٢).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٢٥).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ١٢٥).","vol":"13","page":238},{"text":"وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلبيّ - وقيل له الصقلبيّ وهو من أهل بيت المملكة، لأن أمه صقلبيَّة - على ميخائيل بن توفيل ملك الروم فقتله، وكان ميخائيل منفردًا بالمملكة أربعًا وعشرين سنة، وتملّك الصقلبيّ بعده على الروم (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2106>ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة</span>\nفمن ذلك ما كان من الموافاة بسعيد بن أحمد بن سعيد بن سلْم الباهليّ باب السلطان، وأمر السلطان بضربه بالسياط، فضرب سبعمئة سوط - فيما قيل - في شهر ربيع الآخر منها، فمات فصُلِب (٢).\nوفيها ضُرب عنق قاضٍ لصاحب الزَّنج، كان يقضي له بعبّادان، وأعناق أربعة عشر رجلًا من الزَّنْج بباب العامّة بسامُرّا؛ كانوا أسِرُوا من ناحية البصرة (٣).\nوفيها أوقع مُفْلح بأعراب بتَكريت، ذكر أنهم كانوا مايلوا الشاري مساورًا.\nوفيها أوقع مسرور البلخيّ بالأكراد اليعقوبيّة فهزمهم، وأصاب فيهم.\nوفيها دخل محمد بن واصل في طاعة السلطان، وسلم الخراج والضياع بفارس إلى محمد بن الحسين بن الفيّاض.\nوعقد المعتمد يوم الإثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول لأبي أحمد أخيه على ديار مُضر وقنَّسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس مستهلّ شهر ربيع الآخر، فخلع عليه وعلى مُفلِح، فشخصا نحو البصرة، وركب ركوبًا عامًّا، وشيع أبا أحمد إلى بَرْكُوَار، وانصر (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (١٢/ ١٢٦).\n(٢) المصدر السابق (١٢/ ١٣٧).\n(٣) المصدر السابق (١٢/ ١٣٦).\n(٤) لعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على ديار مضر انظر المنتظم (١٢/ ١٣٦).","vol":"13","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2107>[ذكر الخبر عن قتل منصور بن جعفر الخياط]</span>\nوفيها قُتِل منصور بن جعفر بن دينار الخياط.\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان أمره:\nذكر: أن الخبيث لما فرغ أصحابه من أمر البصرة؛ أمر عليّ بن أبان المهلبيّ بالمصير إلى جُبّى لحرب منصور بن جعفر، وهو يومئذ بالأهواز، فخرج إليه فأقام بإزائه شهرًا، وجعل منصور يأتي عسكر عليّ وهو مقيم بالخيزُرانيّة، ومنصور إذ ذاك في خفّ من الرجال، فوجّه الخبيث إلى عليّ بن أبان باثنتي عشرة شذاة مشحونة بجُلْدِ أصحابه، وولّى أمرها المعروف بأبي الليث الأصبهاني، وأمره بالسمع والطاعة لعليّ بن أبان فصار المعروف بأبي الليث إلى عليّ، فأقام مخالفًا له، مستبدًّا بالرأي عليه، وجاء منصور كما كان يجيء للحرب، ومعه شذوات، فبدر إليه أبو الليث عن غير مؤامرة منه لعليّ بن أبان، فظفر منصور بالشَّذَوات التي كانت معه، وقَتَل فيها من البِيضان والزَّنج خلقًا كثيرًا، وأفلت أبو الليث، فانصرف إلى الخبيث، فانصرف عليّ بن أبان وجميع مَنْ كان معه، فأقاموا شهرًا، ثم رجع عليّ لمحاربة منصور في رجاله، فلما استقرّ عليّ وجّه طلائع يأتونه بأخبار منصور، وعساكره، وكان لمنصور والمقيم بِكَرْنبا، فبيّت عليّ بن أبان ذلك القائد، فقتله وقتل عامّة مَنْ كان معه، وغنم ما كان في عسكره، وأصاب أفراسًا، وأحرق العسكر، وانصرف من ليلته حتى صار في ذُنابة نهر جُبَّى، وبلغ الخبر منصورًا، فسار حتى انتهى إلى الخيزُرانيّة، فخرج إليه عليّ في نُفَير من أصحابه، وكانت الحرب بينهما منذ ضحى ذلك اليوم إلى وقت الظهر، ثم انهزم منصورٌ، وتفرّق عنه أصحابُه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من الزَّنْج اتبعوا أثره إلى نهر يعرف بعمر بن مهْران، فلم يزل يكرّ عليهم حتى تقصّفت رماحه، ونفدت سهامه، ولم يبق معه سلاح، ثم حمل نفسه على النهر ليعبر، فصاح بحصان كان تحته؛ فوثب وقصرت رجلاه، فانغمس في الماء.\nقال شبل: كان سبب تقصير الفرس عن عبور النهر بمنصور: أنّ رجلًا من الزّنْج كان ألقى نفسه لمَّا رأى منصورًا قاصدًا نحو النهر يريد عبورَه فسبقه سباحةً،","vol":"13","page":240},{"text":"فلما وثب الفرس تلقاه الأسود، فنكص به، فغاضا معًا، ثم أطلع منصور رأسَه، فنزل إليه غلام من السودان من عُرفاء مصِلح يقال له: أبرون، فاحتزَّ رأسَه وأخذ سَلبه، وقُتل ممن كان معه جماعة كثيرة، وقُتل مع منصور أخوه خَلَف بن جعفر، فولّى يارجوخ ما كان إلى منصور من العمل أصغجون.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>[ذكر الخبر عن قتل مفلح]</span>\nولاثنتي عشرة بقيتْ من جُمادى الأولى منها، قُتِل مُفلِح بسهم أصابه بغير نصل في صُدغه يوم الثلاثاء، فأصبح ميتًا يوم الأربعاء في غدِ ذلك اليوم، وحُمِلت جثّته إلى سامُرّا، فدفن بها.\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان الوصول إليه:\nقد مضى ذكري شخوص أبي أحمد بن المتوكل من سامُرّا إلى البصرة لحرب اللعين لمَّا تناهى إليه وإلى المعتمد ما كان من فظيع ما ركب من المسلمين بالبصرة، وما قرب منها من سائر أرض الإسلام، فعاينتُ أنا الجيش الذي شخص فيه أبو أحمد ومفلح ببغداد، وقد اجتازوا بباب الطاق، وأنا يومئذ نازلٌ هنالك، فسمعت جماعةً من مشايخ أهل بغداد يقولون: قد رأينا جيوشًا كثيرة من الخلفاء، فما رأينا مثلَ هذا الجيش أحسن عُدّة، وأكمل سلاحًا وعتادًا، وأكثر عددًا وجمعًا، وأتبع ذلك الجيش من متسوّقة أهل بغداد خلق كثير.\nوذكر عن محمد بن الحسن أن يحيى بن محمد البحرانيّ كان مقيمًا بنهر معقِل قبل موافاة أبي أحمد موضعَ الخبيث، فاستأذنه في المصير إلى نهر العباس، فكره ذلك وخاف أن يوافيَه جيشُ السلطان، وأصحابه متفرّقون، فألحّ عليه يحيى حتى أذن له، فخرج واتّبعَه أكثر أهله عسكر الخبيث.\nوكان عليّ بن أبان مقيمًا بجُبَّى في جمع كثير من الزَّنج، والبصرة قد صارت مغنمًا لأهل عسكر الخبيث؛ فهم يغادونها ويراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها، فليس بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه إلا القليل؛ فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو أحمد في الجيش الذي كان معه فيه مفلح، فوافى جيشٌ عظيم هائل لم يرد على الخبيث مثله؛ فلمَّا انتهى إلى نهر معقِل هرب مَنْ كان هناك من جيش","vol":"13","page":241},{"text":"الخبيث، فلحقوا به مرعوبين، فراع ذلك الخبيث، فدعى برئيسين من رؤساء جيشه الذي كان هناك، فسألهما عن السبب الذي له تركا موضعهما؛ فأخبراه بما عاينا من عظم أمر الجيش الوارد، وكثرة عدد أهله وإحكام عُدّتهم؛ وأنّ الذي عاينا من ذلك لم يكن في قوتهما الوقوف له في العِدّة التي كانا فيها، فسألهما: هل علما مَنْ يقود الجيش؟ فقالا: لا قد اجتهدنا في علم ذلك، فلم نجد من يصدُقنا عنه، فوجّه الخبيث طلائعَه في سُميريّات لتعرف الخبر، فرجعت رسله إليه بتعظيم أمر الجيش وتفخيمه؛ ولم يقف أحدٌ منهم على مَنْ يقوده ويرأسه، فزاد ذلك في جزعه وارتياعه، فبادر بالإرسال إلى عليّ بن أبان، يعلمه خبر الجيش الوارد، ويأمره بالمصير إليه فيمن معه، ووافى الجيش، فأناخ بإزائه؛ فلما كان اليوم الذي كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء، خرج الخبيث ليطوف في عسكره ماشيًا، ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومَنْ هو مقيم بإزائه، من أهل حربه، وقد كانت السّماء مطرت في ذلك اليوم مطرًا خفيفًا والأرض ثريّة تزل عنها الأقدام، فطوف ساعة من أول النهار، ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتابًا إلى عليّ بن أبان، يعلمه ما قد أظلّه من الجيش ويأمره بتقديم مَنْ قدر على تقديمه من الرّجال، فإنه لَفِي ذلك إذ أتاه المكتنى أبا دُلف - وهو أحد قوّاد السودان - فقال له: إن القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزَّنج، وليس في وجوههم مَنْ يردّهم حتى انتهوْا إلى الحبل الرابع. فصاح به وانتهره، وقال: اغرُب عني فإنك كاذب فيما حكيتَ؛ وإنما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رأيتَ من الجمع، فانخلع قلبُك، ولست تدري ما تقول.\nفخرج أبو دلف من يديه، وأقبل على كاتبه، وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجّان بالنداء في الزَّنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب، فأتاه السجّان، فأخبره أنه قد ندب الزَّنج، فخرجوا، وإنّ أصحابه قد ظفروا بسُمَيريّتين، فأمره بالرجوع لتحريك الرّجّالة، فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا، حتى أصيب مفلح بسهم غَرَبٍ لا يُعرف الرامي به، ووقعت الهزيمة، وقَويَ الزنج على أهل حربهم، فنالوهم بما نالوهم به من القتل، ووافى الخبيث زنجه بالرؤوس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوْها بين يديه، فكثرت الرؤوس يومئذ حتى ملأت كلّ شيء، وجعل الزّنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادوْنها بينهم.","vol":"13","page":242},{"text":"وأتى الخائن بأسير من أبناء الفراغنة، فسأله عن رأس الجيش، فأعلمه بمكان أبي أحمد ومفْلِح، فارتاع لذكر أبي أحمد - وكان إذا راعه أمر كذّب به - فقال: ليس في الجيش غير مفلِح! لأني لست أسمع الذكر إلا له؛ ولو كان في الجيش مَن ذكر هذا الأسير لكان صوتُه أبعد، ولمَا كان مفلح إلَّا تابعًا له، ومضافًا إلى صحبته.\nوقد كان أهلُ عسكر الخبيث لمَّا خرج عليهم أصحاب أبي أحمد، جزعوا جزعًا شديدًا، وهربوا من منازلهم، ولجؤوا إلى النهر المعروف بنهر أبي الخصيب ولا جسر يومئذ عليه، فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان، ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة إلا يسيرًا، حتى وافاه عليّ بن أبان في جمع من أصحابه، فوافاه وقد استغنى عنه، ولم يلبث مُفلحٌ أن مات، وتحيّز أبو أحمد إلى الأبُلّة، ليجمع ما فرّقت الهزيمة منه، ويجدّد الاستعداد، ثم صار إلى نهر أبي الأسد فأقام به.\nقال محمد بن الحسن: فكان الخبيث لا يدري كيف قُتل مُفْلِح، فلما بلغه أنه أصيب بسهم، ولم ير أحدًا ينتحل رميَه ادّعى: أنه كان الراميَ له.\nقال: فسمعته يقول: سقط بين يديّ سهم، فأتاني به واح خادمي، فدفعه إليّ، فرميت به فأصبت مفلحًا.\nقال محمد: وكذَب في ذلك، لأني كنت حاضرًا ذلك المشهد، وما زال عن فرسه، حتى أتاه المخبر بخبر الهزيمة، وأتِيَ بالرؤوس وانقضت الحرب.\n* * *\nوفي هذه السنة وقع الوباء في الناس في كور دِجْلة، فهلك فيها خَلْق كثير في مدينة السَّلام وسامُرّا وواسط وغيرها.\nوفيها قُتل خرسخارس ببلاد الروم في جماعة من أصحابه.\n* * *","vol":"13","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2109>[ذكر خبر أسر يحيى بن محمد البحرانيّ ثم قتله] </span>(١)\nوفيها أسِر يحيى بن محمد البحرانيّ صاحب قائد الزّنج، وفيها قُتِل.\n* ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذلك:\nذكِر عن محمد بن سمعان الكاتب أنه قال: لمّا وافَى يحيى بن محمد نهر العباس، لقيه بفُوّهة النهر ثلثمئة وسبعون فارسًا من أصحاب أصغجون العامل - كان عامل الأهواز في ذلك الوقت، كانوا مرتّبين في تلك الناحية - فلما بصر بهم يحيى استقلّهم، ورأى كثرة مَنْ معه من الجمع مما لا خوف عليه معهم، فلقيتهم أصحابه غير مستجنّين بشيء يردّ عنهم عاديتهم، ورشقتهم أصحابُ أصغجون بالسهام، فأكثروا الجراح فيهم، فلمّا رأى ذلك يحيى عبّر إليهم عشرون ومئة فارس كانت معه، وضمّ إليهم من الرّجال جمعًا كثيرًا، وانحاز أصحاب أصغجون عنهم، وولج البحرانيّ ومَنْ معه نهر العباس؛ وذلك وقت قلّة الماء في النهر، وسفنُ القَيْروانات جانحة على الطين.\nفلما أبصر أصحابُ تلك السفن بالزَّنج تركوا سفنَهم، وحازها الزَّنج، وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة، ومضوْا بها متوجّهين نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة، وتركوا الطريق النّهج، وذلك للتحاسد الذي كان بين البحرانيّ وعليّ بن أبي المهلبيّ، وإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك الطريق الذي يمرّ فيها بعسكر عليّ، فأصغى إلى مشورتهم، فشرعوا له الطريق المؤدي إلى البطيحة التي ذكرنا، فسلكها حتى ولج البطيحة، وسرّح الخيل التي كانت معه، وجعل معها أبا الليث الأصبهانيّ، وأمره بالمصير بها إلى عسكر قائد الزَّنج، وكان الخبيث وجّه إلى يحيى البحرانيّ يعلمه ورودَ الجيش الذي ورد عليه، ويأمره بالتحرّز في منصرفه من أن يلقاه أحدٌ منهم، فوجّه البحرانيّ الطلائع إلى دِجْلة فانصرفت طلائعه وجيش أبي أحمد منصرف من الأبُلّة إلى نهر أبي الأسد، وكان السبب في رجوع الجيش إلى نهر أبي الأسد: أنّ رافع بن بِسطام وغيره من مجاوري نهر العباس وبطيحة الصّحْناة كتبوا إلى أبي أحمد\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٤).","vol":"13","page":244},{"text":"يعرّفونه خبر البحرانّي وكثرة جمعه، وأنه يقدّر أن يخرج من نهر العباس إلى دِجْلة فيسبق إلى نهر أبي الأسد ويعسكر به، ويمنعه المِيرة، ويحولُ بينه وبين من يأتيه أو يصدر عنه، فرجعت إليه طلائعهُ بخبره، وعظم أمر الجيش عنده، وهيبته منه؛ فرجع في الطريق الذي كان سلكه بمشقة شديدة نالتْه ونالت أصحابه، وأصابهم وباء من تردّدهم في تلك البطيحة، فكثر المرض فيهم، فلما قربوا من نهر العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدّمته، فمضى يقود أوائل الزَّنْج، وهم يجرّون سفنهم، يريدون الخروج من نهر العباس، وفي النهر للسلطان شذوات وسميريات تحمي فوّهته من قبل أصغجون، ومعها جَمْعٌ من الفُرْسان والرّجالة، فراعه وأصحابه ذلك، فخلَّوْا سفنهم، وألقَوْا أنفسَهم في غربيّ نهر العباس، وأخذوا على طريق الزّيدان ماضين نحو عسكر الخبيث، ويحيى غارّ بما أصابهم، لم يأتِه علم شي من خبرِهم، وهو متوسِّط عسكره، قد وقف على قنطرة قُورَج العباس في موضع ضيّق تشتدّ فيه جرية الماء، فهو مشرف على أصحابه الزَّنْج وهم في جرّ تلك السفن التي كانت معهم، فمنها ما يغرق، ومنها ما يسلم.\nقال محمد بن سمعان: وأنا في تلك الحال معه واقف، فأقبل عليّ متعجّبًا من شدّة جرية الماء وشدّة ما يلقى أصحابه من تلقّيه بالسفن، فقال لي: أرأيتَ لو هجم علينا عدوّنا في هذه الحال، مَنْ كان أسوأ حالًا منا! فما انقضى كلامُه حتى وافاه طاشتمر التركيّ في الجيش الذي أنفذه إليهم أبو أحمد عند رجوعه من الأبُلّة إلى نهر أبي الأسد، ووقعت الضّجّة في عسكره.\nقال محمد: فنهضت مُتشوقًا للنظر؛ فإذا الأعلام الحمر قد أقبلتْ في الجانب الغربيّ من نهر العباس ويحيى به، ولما رآها الزَّنْج ألقَوْا أنفسهم في الماء جملة، فعبروا إلى الجانب الشرقيّ، وعرِيَ الموضع الذي كان فيه يحيى، فلم يبق معه إلا بضعة عشر رجلًا، فنهض يحيى عند ذلك، فأخذ درقتَه وسيفه، واحتزم بمنديل، وتلقَّى القوم الذين أتوْه في النفر الذين معه، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام، وأسرع فيهم الجراح، وجرح البحرانيّ بأسهم ثلاثة في عَضُدْيه وساقه اليسرى، فلما رآه أصحابه جريحًا تفرّقوا عنه، فلم يعرَف فيقصد له، فرجع حتى دخل بعض تلك السفن، وعَبَر به إلى الجانب الشرقيّ من النهر؛ وذلك وقت","vol":"13","page":245},{"text":"الضحى من ذلك اليوم، وأثقَلت يحيى الجراحات التي أصابتْه، فلما رأى الزّنج ما نزل به اشتدّ جزعهم، وضعفت قلوبهم، فتركوا القتال، وكانت همّتهم النجاة بأنفسهم، وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربى من النهر؛ فلما حَوَوْها أقعدوا في بعض تلك السفن النّفاطين وعبّروهم إلى شرقيّ النهر، فأحرقوا ما كان هناك من السفن التي كانت في أيدي الزّنج، وانفضّ الزَّنج عن يحعى، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل فيهم ذريع، وأسر كثير؛ فلمّا أمسوا وأسدف الليل طارُوا على وجوههم، فلما رأى يحيى تفرّق أصحابه، ركب سُمَيريّة كانت لرجل من المقاتلة البِيضان، وأقعَد معه فيها متطبِّبًا يقال له عبّاد يعرف بأبي جيش؛ وذلك لِمَا كان به من الجراح، وطمع في التخلّص إلى عسكر الخبيث، فسار حتى قرب من فُوّهة النهر، فبصُر ملاحو السميريّة بالشذا والسميريّات واعتراضها في النهر، فجزعوا من المرور بهم، وأيقنوا أنهم مدرَكون، فعبروا إلى الجانب الغربيّ، فألقَوْه ومَنْ معه على الأرض في زرع كان هناك، فخرج يمشي وهو مثقَل؛ حتى ألقى نفسه؛ فأقام بموضعه ليلَته تلك، فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عبّاد المتطبّب الذي كان معه، فجعل يمشي متشوقًا لأن يرى إنسانًا فرأى بعض أصحاب السلطان، فأشار إليهم فأخبرهم بمكان يحيى، وأتاه بهم حتى سلّمه إليهم.\nوقد زعم قوم: أن قومًا مرُّوا به، فرأوه فدلّوا عليه، فأخِذ، فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزَّنْج فاشتدّ لذلك جزعه، وعظم عليه توجّعه.\nثم حمِل يحيى بن محمد الأزرق البحرانيّ إلى أبي أحمد، فحمله أبو أحمد إلى المعتمد بسامُرّا، فأمر ببناء دكة بالحَيْر، بحضرة مجرى الحلبة فبُنيت، ثم رفع للناس حتى أبصروه، فضرب بالسياط.\nوذُكر: أنه دخل سامرّا يوم الأربعاء لتسع خلوْن من رجب على جمل، وجلس المعتمد من غدِ ذلك اليوم - وذلك يوم الخميس - فضُرب بين - يديه مئتي سوط بثمارها، ثم قُطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خُبط بالسيوف، ثم ذُبح ثم أحرق.\nقال محمد بن الحسن: لمّا قُتِل يحيى البحرانيّ، وانتهى خبره إلى صاحب الزّنج؛ قال: عَظُم عليّ قتله، واشتدّ اهتمامي به، فخوطبتُ فقيل لي: قتلُه خير","vol":"13","page":246},{"text":"لك، إنه كان شرهًا، ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم، قال: ومنْ شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنَّا نصيبه؛ فكان فيه عقدان، فوقعا في يد يحيى، فأخفى عني أعظمهما خطرًا، وعرض عليّ أخسهما، واستوهبنيه فوهبته له، فرُفع لي العقد الذي أخفاه، فدعوته فقلت: أحضرْني العقد الذي أخفيتَه، فأتاني بالعقد الذي وهبتُه له، وجحد أن يكون أخذ غيره، فرُفِع لي العقد، فجعلت أصفه وأنا أراه، فبُهت، وذهب فأتاني به، واستوهبنيه فوهبتُه له، وأمرته بالاستغفار.\nوذكر عن محمد بن الحسن: أن محمد بن سمعان حدّثه: أنّ قائد الزنج قال لي في بعض أيامه: لقد عُرِضَتْ عليّ النبوّة فأبيتُها، فقلتُ: ولمَ ذاك؟ قال: لأنّ لها أعباء خِفت ألا أطيق حملها!\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>[ذكر خبر انحياز أبي أحمد بن المتوكل إلى واسط]</span>\nوفي هذه السنة انحاز أبو أحمد بن المتوكل من الموضع الذي كان به من قرب من قائد الزّنج إلى واسط (١).\n* ذكر الخبر عن سبب انحيازه ذلك إليها:\nذُكر: أنّ السبب في ذلك كان أنّ أبا أحمد لمّا صار إلى نهر أبي الأسد، فأقام به؛ كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم، وفشا فيهم الموت، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى أبلّ مَنْ نجا منهم من الموت من عِلّته، ثم انصرف راجعًا إلى باذاوَرْد، فعسكر به، وأمر بتجديد الآلات وإعطاء مَنْ معه من الجند أرزاقَهم وإصلاح الشذوات والسميريات والمعابر، وشحنها بالقوّاد مِنْ مواليه وغلمانه، ونهض نحو عسكر الخبيث، وأمر جماعة من قُوّاده بقصد مواضع سمّاها لهم من نهر أبي الخصيب وغيره، وأمر جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه في الموضع الذي يكون فيه، فمال أكثر القوم حين وقعت الحرب، والتقى الفريقان إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبو أحمد في قلّة من أصحابه، فلم يَزُلْ عن موضعه إشفاقًا\n_________\n(١) لم يتحدث ابن الجوزي عن هذه المسألة وانظر البداية والنهاية [٨/ ٢٣٤].","vol":"13","page":247},{"text":"من أن يطمع فيه الزَّنْج وفيمن بإزائهم من أصحابه وهم بسبخة نهر منكى، وتأمل الزّنج تفرق أصحاب أبي أحمد عنه، وعرفوا موضعه، فكثروا عليه، واستعَرَت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين وأحرق أصحاب أبي أحمد قصورًا ومنازل من منازل الزَّنْج، واستنقذوا من النساء جمعًا كثيرًا، وصرف الزَّنج جمعهم إلى الموضع الذي كان فيه أبو أحمد فظهر الموفّق على الشَّذَا، وتوسَّط الحرب محرّضًا أصحابه حتى أتاه مِنْ جمع الزَّنْج ما عَلِمَ أنه لا يقاومَ بمثل العدّة اليسيرة التي كان فيها، فرأى أنّ الحزم في محاجزتهم، فأمر أصحابه عند ذلك بالرجوع إلى سفنهم على تُؤدَة ومَهَل، فصار أبو أحمد إلى الشَّذَا التي كان فيها بعد أن استقرّ أكثرُ الناس في سفنهم، وبقيت طائفة من الناس، ولجؤوا إلى تلك الأدغال والمضايق، فانقطعوا عن أصحابهم، فخرج عليهم كُمناء الزَّنج، فاقتطعوهم ووقعوا بهم، فحامَوْا عن أنفسهم، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وقتلوا عددًا كثيرًا من الزَّنْج، وأدركتهم المنايا فقتلوا وحَمَلوا إلى قائد الزنج مئة رأس وعشرة أرؤس، فزاد ذلك في عتوّه، ثم انصرف أبو أحمد إلى الباذاوَرْد في الجيش، وأقام يعبي أصحابه للرجوع إلى الزَّنج، فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره؛ وذلك في أيام عصوف الريح، فاحترق العسكر، ورحل أبو أحمد منصرفًا، وذلك في شعبان من هذه السنة إلى واسط، فلمَّا صار إلى واسط تفرّق عنه عامة من كان معه من أصحابه.\n* * *\nولعشر خلون من شعبان كانت هدَّة صعبة هائلة بالصَّيْمَرَة، ثم سُمع من غد ذلك اليوم - وذلك يوم أحد - هدّة هي أعظم من التي كانت في اليوم الأول، فتهدّم من ذلك أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها - فيما قيل - زهاء عشرين ألفًا.\nوضرب بباب العامة بسامرّا رجل يعرف بابي فَقْعَس، قامت عليه البيّنة - فيما قيل - بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطًا، فمات وذلك يوم الخميس لسبع خلوْن من شهر رمضان (١).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٣٦).","vol":"13","page":248},{"text":"مات يارْجُوخ يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان، فصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وحضر جعفر بن المعتمد.\nوفيها كانت وقْعَة بين موسى بن بُغا وأصحاب الحسن بن زيد، فهزم موسى أصحابَ الحسن.\nوفيها انصرف مسرور البلخيّ عن مساور الشاري إلى سامُرّا، ومعه أسراء من الشُراة، واستخلف على عسكره بالحديثة جعلانَ، ثم شخص أيضًا مسرور البلخيّ إلى ناحية البوازيج، فلقيَ مساورًا بها، فكانت بينهما وقعة بها أسر مسرور من أصحابه جماعة، ثم انصرف لليال بقيت من ذي الحجة (١).\nوفي هذ السنة حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمُّونه القُفّاع.\nوفيها رجع أكثر الحاجّ من القَرْعاءِ خوفَ العطش، وسلم مَنْ سار منهم إلى مكة.\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك منصرف أبي أحمد بن المتوكل من واسط، وقدومه سامُرّا يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول، واستخلافه على واسط وحرب الخبيث بتلك الناحية محمدًا المولَّد (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٤).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ١٥٢).","vol":"13","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2112>[ذكر خبر عن مقتل كنجور]</span>\nومن ذلك مقتل كَنْجور (١).\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\nوكان سبب ذلك أنه كان واليَ الكوفة، فانصرف عنها يريد سامُرّا بغير إذن، فأمِر بالرجوع فأبى، فحمِل إليه - فيما ذكر - مالٌ ليفرّق في أصحابه أرزاقهم منه، فلم يقنع ذلك، ومضى حتى ورد عُكبَرَاء في ربيع الأول، فتوجّه إليه من سامُرّا عدّة من القواد، فيهم: ساتكين وتكين وعبد الرحمن بن مفلح وموسى بن أتامش وغيره؛ فذبحوه ذبحًا، وحُمِل رأسه إلى سامُرّا، لليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وأصيب معه نيّف وأربعون ألف دينار، وألزِم كاتب له نصرانيّ مالًا، ثم ضرِب هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة ألف سوط، فمات.\n* * *\nوفيها غلب شركب الجمّال على مرْو وناحيتها، وأنهبها (٢).\nوفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام بقُهِستانَ، وولَّى عماله هَرَاة وبُوشَنج وباذَغِيش، وانصرف إلى سِجستان.\nوفيها فارق عبد الله السِّجزيّ يعقوب بن الليث مخالفًا له، وحاصر نيسابور، فوجّه محمد بن طاهر إليه الرّسل والفقهاء، فاختلفوا بينهما، ثمّ ولاه الطَّبَسَين وقُهستان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>[ذكر خبر دخول المهلبيّ ويحيى بن خلف سوق الأهواز] </span>(٣)\nولست خلوْن من رجب منها، دخل المهلبيّ ويحيى بن خلف النّهْرَبَطَيّ سوق\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٥).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ١٥٢) فقد ذكر أصل الخبر فقط.","vol":"13","page":250},{"text":"الأهواز، فقتلوا بها خَلْقًا كثيرًا وقتلوا صاحب المعونة بها.\n* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وكيف كان هلاك صاحب الحرب من قبل السلطان فيها:\nذُكر: أنّ قائد الزنج خفيَ عليه أمرُ الحريق الذي كان في عسكر أبي أحمد بالباذَاورْد، فلم يُعلم خبرُه إلا بعد ثلاثة أيام، ورد به عليه رجلان من أهل عبّادان، فأخبراه فعاد للعيْث، وانقطعت عنه المِيرة، فأنهض عليّ بن أبان المهلبيّ، وضمّ إليه أكثر الجيْش، وسار معه سُليمان بن جامع، وقد ضمّ إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحرانيّ وسليمان بن موسى الشعرانيّ، وقد ضُمّت إليه الخيل وسائر الناس مع عليّ بن أبان المهلبيّ والمتولي للأهواز يومئذ رجلٌ يقال له أصغجون، ومعه نيزَك في جماعة من القوّاد، فسار إليهم عليّ بن أبان في جمعه من الزنج، ونذِر به أصغجون، فنهض نحوه في أصحابه، فالتقى العسكران بصحراء تُعرف بَدسْتمَاران، فكانث الدّبرة يومئذ على أصغجون، فقُتِل نَيْزك في جمع كثير من أصحابه، وغرق أصغجون، وأسر الحسن بن هرثمة المعروف بالشار يومئذ، والحسن بن جعفر المعروف براوشار.\nقال محمّد بن الحسن: فحدّثني الحسن بن الشار، قال: خرجنا يومئذ مع أصغجون للقاء الزّنج؛ فلم يثبت أصحابنا، وانهزموا، وقُتِل نيزك، وفقد أصغجون فلمّا رأيت ذلك نزلت عن فرس محذوف كان تحتي، وقدّرتُ أن أتناول بذنَب جنَيبة كانت معي، وأقحمها النهر، فأنجو بها، فسبقني إلى ذلك غلامي، فنجا وتركني، فأتيت موسى بن جعفر لأتخلّص معه، فركب سفينة، ومضى فيها، ولم يُقِمْ عليّ، وبصرت بزورق فأتيته فركبته، فكثر الناس عليّ وجعلوا يطلبون الركوب معي فيتعلّقون بالزّورق حتى غرقوه، فانقلب، وعلوتُ ظهره، وذهب الناس عني، وأدركني الزَّنْج، فجعلوا يرمونني بالنُّشاب، فلما خفت التّلف قلت: أمسكوا عن رمحي، وألقوا إليّ شيئًا أتعلّق به، وأصِير إليكم، فمدّوا إليّ رمحًا، فتناولتُه بيديّ وصرت إليهم.\nوأما الحسن بن جعفر، فإن أخاه حمله على فرس، وأعدّه ليسفر بينه وبين أمير الجيش، فلما وقعت الهزيمة بادر في طلب النجاة، فعثر به فرسُه فأخِذ.","vol":"13","page":251},{"text":"فكتب عليّ بن أبان إلى الخبيث بأمر الوقعة، وحمل إليه رؤوسًا وأعلامًا كثيرة، ووجّه الحسن بن الشار والحسن بن جعفر وأحمد بن روح، فأمر بالأسرى إلى السجن، ودخل عليّ بن أبان الأهواز، فأقام يعيث بها إلى أن ندب السلطان موسى بن بُغا لحرب الخبيث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>[شخوص موسى بن بغا لحرب صاحب الزنج] </span>(١)\nوفيها شخص موسى بن بُغا عن سامرّا لحربه، وذلك لثلاث عشر بقيت من ذي القعدة، وشيّعه المعتمد إلى خلف الحائطيْن، وخلع عليه هناك.\nوفيها وافى عبد الرحمن بن مفلح الأهواز وإسحاق بن كُنْدَاج البصرة وإبراهيم بن سيما باذاورد لحرب قائد الزنج من قبل موسى بن بغا.\n* ذكر الخبر عما كان من أمر هؤلاء في النواحي التي ضمت إليهم مع أصحاب قائد الزّنج في هذه السنة:\nذكر أن ابن مُفلِح لما وافى الأهواز، أقام بقنطرة أربُك عشرة أيام، ثم مضى إلى المهلبيّ، فواقعه، فهزمه المهلبيّ، وانصرف، واستعدّ ثم عاد لمحاربته، فأوقع به وقعة غليظة، وقتل من الزّنْج قتلًا ذريعًا، وأسر أسرى كثيرة، وانهزم عليّ بن أبان، وأفلت ومن معه من الزّنج، حتى وافوا بيَانًا، فأراد الخبيث ردّهم، فلم يرجعوا للذّعر الذي خالط قلوبَهم، فلمّا رأى ذلك أذِن لهم في دخول عسكره، فدخلوا جميعًا، فأقاموا بمدينته، ووافى عبد الرحمن حصن المهديّ ليعسكر به، فوجّه إليه الخبيث عليّ بن أبان، فواقعه فلم يقدر عليه، ومضى عليّ يريد الموضع المعروف بالدّكر، وإبراهيم بن سيما يومئذ بالباذاوَرْد، فواقعه إبراهيم، فهُزم عليّ بن أبان، وعاوده فهزمه أيضًا إبراهيم، فمضى في الليل، وأخذ معه أدلّاء؛ فسلكوا به الآجام والأدغال؛ حتى وافى نهر يحيى، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن، فوجّه إليه طاشتِمُر في جمع من الموالي، فلم يصل إلى عليّ ومَنْ معه لوعورة الموضع الذي كانوا فيه،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٤).","vol":"13","page":252},{"text":"وامتناعه بالقصب والحلافي، فأضرمه عليهم نارًا، فخرجوا منه هاربين، فأسر منهم أسرى، وانصرف إلى عبد الرحمن بن مفلح بالأسرى والظَّفر، ومضى عليّ بن أبان حتى وافى نسوخًا، فأقام هناك فيمن معه من أصحابه، وانتهى الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن مفلح، فصرف وجهه نحو العمود، فوافاه وأقام به.\nوصار عليّ بن أبان إلى نهر السِّدرة، وكتب إلى الخبيث يستمدّه ويسأله التوجيه إليه بالشذاءات، فوجّه إليه ثلاث عشرة شَذاة، فيها جمع كثير من أصحابه فسار عليّ ومعه الشَّذَا حتى وافى عبد الرحمن، وخرج إليه عبد الرحمن بمن معه، فلم يكن بينهما قتال، وتواقف الجيشان يومهما ذلك؛ فلما كان الليل، انتخب عليّ بن أبان من أصحابه جماعةً يثِق بجَلَدهم وصبرهم، ومضى فيهم ومعه سليمان بن موسى المعروف بالشعرانيّ وترك سائر عسكره، مكانَه ليخفى أمرُه، فصار من وراء عبد الرحمن، ثم بيّته في عسكره، فنال منه ومن أصحابه نيلًا، وانحاز عبد الرحمن عنه، وخلى عن أربع شذوات من شَذَواته، فأخذها عليّ وانصرف، ومضى عبد الرحمن لوجهه حتى وافى الدولاب فأقام به، وأعدّ رجالًا من رجاله، وولّى عليهم طاشتمر، وأنفذهم إلى عليّ بن أبان، فوافوْه بنواحي بياب آزر، فأوقعوا به وقعة، انهزم منها إلى نهر السِّدرة، وكتب طاشتمر إلى عبد الرحمن بانهزام عليّ عنه، فأقبل عبد الرحمن بجيشه حتى وافى العمود، فأقام به، واستعدّ أصحابه للحرب، وهيّأ شذواته، وولّى عليها طاشتمر، فسار إلى فُوّهة نهر السدرة، فواقع علي بن أبان وقعةً عظيمة، انهزم منها عليّ، وأخذ منه عشر شذوات، ورجع عليّ إلى الخبيث مفلولًا مهزومًا، وسار عبد الرحمن من فورِه، فعسكر ببَيان، فكان عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى عسكر الخبيث، فيُوقعان به، ويُخيفان مَنْ فيه، وإسحاق بن كُنْداج يومئذ مقيم بالبصرة، قد قطع المِيرة عن عسكر الخبيث؛ فكان الخبيث يجمع أصحابه في اليوم الذي يخاف فيه موافاة عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما حتى ينقضي الحرب، ثم يصرف فريقًا منهم إلى ناحية البصرة، فيواقع بهم إسحاق بن كُنْداج، فأقاموا في ذلك بضعة عشر شهرًا إلى أن صُرف موسى بن بغا عن حرب الخبيث، ووُلِّيهَا مسرور","vol":"13","page":253},{"text":"البلخيّ، وانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث (١).\n* * *\nوفيها غلب الحسن بن زيد على قومِس، ودخلها أصحابه.\nوفيها كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن سنان القزويني ووهْسُوذان بن جُسْتَان الديلميّ، فهُزِم محمد بن الفضل وهوذان.\nوفيها ولَّى موسى بن بغا الصَّلابيَّ الرّيّ حين وثب كَيْغَلَغ على تكين، فقتله فسار إليها.\nوفيها غلب صاحب الروم على سُمَيساط، ثم نزل على مَلَطْية، وحاصر أهلها، فحاربه أهل مَلَطْية فهزموه، وقتل أحمدُ بن محمد القابوس نصرًا الإقريطشيَّ بطريق البطارقة (٢).\nوفيها وُجِّه من الأهواز جماعة من الزّنْج أسروا إلى سامُرّا، فوثبت العامة بهم بسامُرّا، فقتلوا أكثرهم وسلبوهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>[ذكر الخبر عن دخول يعقوب بن الليث نيسابور] </span>(٣)\nوفيها دخل يعقوب بن الليث نيسابور.\n* ذكر الخبر عن الكائن الذي كان منه هناك:\nذكر: أن يعقوب بن الليث صار إلى هَراة، ثم قصد نيسابور، فلمّا قرب منها وأراد دخولَها، وجّه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقّيه، فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقَّوْه، ثم دخل نيسابور لأربع خَلَوْن من شوال بالعشيّ، فنزل طرفًا من أطرافها يعرف بداوداباذ، فركب إليه محمد بن طاهر، فدخل عليه في مضربه، فساءله، ثم أقبل على تأنيبه وتوبيخه على تفريطه في عمله، ثم\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٤).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"13","page":254},{"text":"انصرف وأمر عُزَير بن السريّ بالتوكيل به، وصرف محمد بن طاهر وولّى عزيرًا نيسابور، ثم حبس محمد بن طاهر وأهل بيته، وورد الخبر بذلك على السلطان، فوجّه إليه حاتم بن زيرك بن سلام، ووردت كتب يعقوب على السلطان لعشر بقين من ذي القعدة، فقعد - فيما ذكر - جعفر بن المعتمد وأبو أحمد بن المتوكل في إيوان الجوسق، وحضر القوّاد، وأذِن لرسل يعقوب فذكر رسلُه ما تناهَى إلى يعقوب من حال أهل خراسان، وأنّ الشراة والمخالفين قد غلبوا عليها، وضعف محمد بن طاهر، وذكروا مكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إياه قدومَه عليهم واستعانتهم، وأنه صار إليها، فلمّا كان على عشرة فراسخ من نيسابور، سار إليه أهلُها، فدفعوها إليه فدَخلها، فتكلّم أبو أحمد وعبيد الله بن يحيى، وقالا للرسل: إنّ أمير المؤمنين لا يقارّ يعقوب على ما فعل، وأنه يأمره بالانصراف إلى العمل الذي ولاه إياه، وأنه لم يكن له أن يفعل ذلك بغير أمره فليرجع، فإنه إن فعل كان من الأولياء، وإلا لم يكلن إلا ما للمخالفين، وصرف إليه رسله بذلك ووصلوا، وخلَع على كلّ واحد منهم خلعة فيها ثلاثة أثواب؛ وكانوا أحضروا رأسًا على قناة فيه رقعة فيها: هذا رأس عدوّ الله عبد الرحمن الخارجيّ بهرَاة، ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، قتله يعقوب بن الليث.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس المعروف ببُرَيه (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>ثم دخلت سنة ستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك قتلُ رجل من أكراد مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمَّر، وجده في زورق يريد سامُرّا، فقتله وحَمَل رأسه إلى مساور، فطلبت\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٥٢).","vol":"13","page":255},{"text":"ربيعة بدمه في جمادى الآخرة، فندب مسرور البلخيّ وجماعة من القوّاد إلى أخذ الطريق على مساور.\nوفيها قُتِل قائد الزَّنج عليّ بن زيد العلويّ صاحب الكوفة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>[خبر الوقعة بين يعقوب بن الليث والحسن بن زيد الطائي]</span>\nوفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد الطالبيّ، فهزمه ودخل طبرستان.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وعن سبب مصير يعقوب إلى طبرستان:\nأخبرني جماعة من أهل الخِبرة بيعقوب: أدنّ عبد الله السجزيّ كان يتنافس الرياسة بسجستان، فقهره يعقوب، فتخلّص منه عبد الله، فلحق بمحمد بن طاهر بنيسابور، فلمّا صار يعقوب إلى نيسابور وهرب عبد الله، فلحق بالحسن بن زيد، فشخص يعقوب في أثره بعد ما كان من أمره وأمر محمد بن طاهر ما قد ذكرت قبلُ، فمرّ في طريقه إلى طبرستان بأسفرائيم ونواحيها، وبها رجل كنت أعرفه يطلب الحديث، يقال له: بديل الكشّيّ، يظهر التطوّع والأمر بالمعروف، وقد استجاب له عامة أهل تلك الناحية، فلما نزلها يعقوب راسلَه، وأخبره أنه مثله في التطوّع وأنه معه، فلم يزل يرفق به حتى صار إليه بديل، فلمّا تمكن منه قيّده، ومضى به معه إلى طَبَرِستان، فلما صار إلى قرب ساريَة لقيه الحسن بن زيد.\nفقيل لي: إنّ يعقوب بعث إلى الحسن بن زيد يسأله أن يبعث إليه بعبد الله السجزيّ حتى ينصرف عنه؛ فإنه إنما قصد طَبرِستان من أجلِه لا لحربه، فأبى الحسن بن زيد تسليمَه إليه، فآذنه يعقوب بالحرب، فالتقى عسكراهما فلم تكن\n_________\n(١) لعل خطأ مطبعيًا قد وقع فلفظ الخبر هنا بصيغة المبني للمجهول (قُتِل قائد الزنج عليّ بن زيد).\nوالصواب (وفيها قتَلَ قائدُ الزنج صاحبَ الكوفةِ عليَّ بن زيد الصاوي) وانظر المنتظم (١٢/ ١٥٦) والبداية والنهاية (٨/ ٢٣٥).","vol":"13","page":256},{"text":"إلا كَلَا ولا، حتى هزِم الحسن بن زيد، ومضى نحو الشِّرِّز وأرض الديلم، ودخل يعقوب سارية، ثم تقدّم منها إلى آمُل، فجبى أهلَها خراج سنة، ثم شخص من آمُل نحو الشِّرّز في طلب الحسن بن زيد حتى صار إلى بعض جبال طَبَرِستان، فأدركتْه فيه الأمطار، وتتابعت عليه - فيما ذكر لي - نحوًا من أربعين يومًا، فلم يتخلّص مِن موضعه ذلك إلا بمشقة شديدة، وكان - فيما قيل لي - قد صعد جبلًا، لمّا رام النزول عنه لم يمكنه ذلك إلا محمولًا على ظهور الرجال، وهلك عامّة ما كان معه من الظهر.\nثم رام الدخول خلْف الحسن بن زيد إلى الشَّرز؛ فحدثني بعض أهل تلك الناحية: أنه انتهى إلى الطريق الذي أراد سلوكَه إليه، فوقف عليه، وأمر أصحابه بالوقوف، ثم تقدّم أمامهم يتأمّل الطريق، ثم رجع إلى أصحابه، فأمرهم بالانصراف، وقال لهم: إن لم يكن إليه طريق غير هذا فلا طريق إليه.\nفأخبرني الذي ذكر لي ذلك: أن نساء أهل تلك الناحية قلن لرجالهنّ: دعُوه يدخل هذا الطريق؛ فإنه إنْ دخل كفيناكم أمرَه، وعلينا أخذُه وأسره لكم، فلما انصرف راجعًا، وشخص عن حدود طَبَرِستان، عرض رجالَه، ففقد منهم - فيما قيل لي - أربعين ألفًا، وانصرف عنها، وقد ذهب معظم ما كان معه من الخيل والإبل والأثقال.\nوذُكر: أنه كتب إلى السلطان كتابًا يذكر فيه مسيرَه إلى الحسن بن زيد، وأنه سار من جُرجان، إلى طَمِيسِ، فافتتحها، ثم سار إلى سارية وقد أخرب الحسن بن زيد القناطر، ورفع المعابر، وعوَّر الطريق، وعسكر الحسن بن زيد على باب سارية متحصِّنًا بأودية عظام، وقد مالأه خُرْشاد بن جِيلاو، صاحب الدَّيْلم، فزحف باقتدار فيمن جمع إليه من الطبرية والديالمة والخراسانية والقُمّية والجبلية والشأمية والجزُريّة، فهزمتُه وقتلتُ عدّة لم يبلغها بعهدي عدّة، وأسرتُ سبعين من الطالبيّين؛ وذلك في رجب، وسار الحسن بن زيد إلى الشِّرّز ومعه الديلم.\n* * *\nوفي هذه السنة اشتدّ الغلاء في عامّة بلاد الإسلام، فانجلى - فيما ذكر - عن","vol":"13","page":257},{"text":"مكة من شدة الغلاء مَنْ كان بها مجاورًا إلى المدينة وغيرها من البلدان، ورحل عنها العامل الذي كان بها مقيمًا وهو بُرَيه، وارتفع السعر ببغداد، فبلغ الكُرّ الشعير عشرين ومئة دينار، والحنطة خمسين ومئة، ودام ذلك شهورًا (١).\nوفيها قتلت الأعراب منجور والي حمص، فاستعمِل عليها بُكْتمر.\nوفيها صار يعقوب بن الليث حين انصرف عن طَبرستان إلى ناحية الريّ، وكان السبب في مصِره إليها - فيما ذكر لي - مصير عبد الله السجزيّ إلى الصّلابيِّ مستجيرًا به من يعقوب، لمّا هزم يعقوب الحسن بن زيد، فلما صار يعقوب إلى خوار الريّ كتب إلى الصَّلابيّ يخيِّره بين تسليم عبد الله السجْزيّ إليه حتى ينصرف عنه، ويرتحل عن عمله، وبين أن يأذن بحربه، فاختار الصَّلابيّ - فيما قيل لي - تسليم عبد الله، فسلّمه إليه، فقتله يعقوب، وانصرف عن عمل الصلابيّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>[ذكر خبر مقتل العلاء بن أحمد الأزديّ]</span>\nوفيها قتِل العلاء بن أحمد الأزديّ.\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\nذكر: أن العلاء بن أحمد فُلِج وتعطّل، فكتب السلطان إلى أبي الرُّدَيْنيّ عمر بن عليّ بن مُرّ بولاية أَذْرَبَيجان، وكانت قبلُ إلى العلاء، فصار أبو الردينيّ إليها ليتسلَّمها من العلاء، فخرج العلاء في قُبّة في شهر رمضان لحرب أبي الردينيّ، ومع أبي الردينيّ جماعة من الشُّراة وغيرهم، فقتِل العلاء.\nفذكر أنه وجّه عدّة من الرجال في حمل ما خلّف العلاء، فحُمل من قلعته ما بلغت قيمته ألفين وسبعمئة ألف درهم.\n* * *\nوفيها أخذت الروم لؤلؤة من المسلمين.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٥٦).","vol":"13","page":258},{"text":"وحجّ بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي المعروف ببُرَيْه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من انصراف الحسن بن زيد من أرض الدّيلم إلى طَبرستان وإحراقه شالوس لمَا كان من ممالأتهم يعقوب وإقطاعه ضياعهم الدّيالمة (٢).\nومن ذلك ما كان من أمر السلطان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بجمع مَنْ كان ببغداد من حاجّ خراسان والريّ وطبرستان وجرجان، فجمعهم في صفر منهم، ثم قرئ عليهم كتاب يُعلَمون فيه أنّ السلطان لم يولّ يعقوب بن الليث خُراسان، ويأمرهم بالبراءة منه لإنكاره دخولَه خُراسان وأسره محمد بن طاهر.\n* * *\nوفي هذه السنة تُوفِّيَ عبد الله بن الواثق في عسكر الصفار يعقوب.\nوفيها قَتَل مساور الشاري يحيى بن حفص الذي كان يلِي خراسان بكَرْخ جُدَّان في جمادى الآخرة، فشخص مسرور البلخيّ في طلبه، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل، وتنحّى مساور فلم يلحق (٣).\nوفي جمادى الأولى منها هلك أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>[ذكر خبر وقعة كانت برامَهُرْمز في هذا العام] </span>(٤)\nوفيها كانت بين محمد بن واصل وعبد الله بن مُفلِح وطاشتمر وقعة\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٥٦).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٥).\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) المصدر السابق.","vol":"13","page":259},{"text":"رامَهُرْمُز، فقتَل ابنُ واصل طاشتمر، وأسِر ابن مُفلح.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة والسبب فيها:\nكان السبب في ذلك - فيما ذكر لي - أنّ ابن واصل قتَل الحارث بن سيما وهو عامل السلطان بفارس وتغلَّب عليها، فضُمَّت إلى موسى بن بُغا فارس والأهواز والبَصْرة والبحرين واليمامة؛ مع ما كان إليه من عمل المشرق؛ فوجّه موسى بن بغا عبدَ الرحمن بن مفلِح إلى الأهواز، وولّاه إياها وفارس، وضمّ إليه طاشتمر، فاتّصل بابن واصل ذلك من فعل موسى، وأدنّ ابن مفلح قد توجّه إلى فارس يريده، وكان قبلُ مقيمًا بالأهواز على حرب الخارجيّ بناحية البصرة، فزحف إليه ابنُ واصل، فالتقيا برامَهُرْمز، وانضمّ أبو داود الصعلوك إلى ابن واصل معينًا له على ابن مُفْلِح، فظفر ابن واصل بابن مُفْلِح، فأسره وقتل طاشتمر، واصطلم عسكرَ ابن مفلح، ثمّ لم يزل ابن مُفلح في يده حتى قتله، فلم يجبه إلى ذلك ابنُ واصل، ولما فرغ ابنُ واصل من ابن مُفلح أقبل مظهرًا: أنه يريد واسطًا لحرب موسى بن بغا حتى انتهى إلى الأهواز، وبها إبراهيم بن سيما في جمع كثير، فلما رأى موسى بن بغا شِدَّة الأمر وكثرة المتغلِّبين على نواحي المشرق، وأنه لا قَوام له بهم، سأل أن يُعفى من أعمال المشرق، فأعفِي منها، وضُمّ ذلك إلى أبي أحمد، ووُلّيه أبو أحمد بن المتوكل، فانصرف موسى بن بغا من واسط إلى باب السلطان مع عُمّاله عن أعمال المشرق.\n* * *\nوفيها ولِّيَ أبو الساج الأهواز وحرب قائد الزّنج، فصار إليها أبو الساج بعد شخوص عبد الرحمن بن مفلح إلى ناحية فارس (١).\nوفيها كانت بين عبد الرحمن صهر أبي الساج وعليّ بن أبان المهلبيّ وقعة بناحية الدولاب، قُتِل فيها عبدُ الرحمن، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرَم، ودخل الزَّنج الأهواز، فقتلوا أهلَها، وسبَوْا وانتهبوا وأحرقوا دورَها، ثمّ صُرِف أبو الساج عمّا كان إليه من عمل الأهواز وحرب الزّنج، ووُلِّيَ ذلك إبراهيم بن\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٦).","vol":"13","page":260},{"text":"سيما، فلم يزل مقيمًا في عمله ذلك حتى انصرف عنه بانصراف موسى بن بغا، عمّا كان إليه من عمل المشرق.\nوفيها وُلّيَ محمد بن أوس البلخيّ طريقَ خراسان.\nولما ضُمّ عمل المشرق إلى أبي أحمد ولَّى مسرورًا البلخيّ الأهواز والبصرة وكُور دِجْلة واليمامة والبحرين في شعبان من هذه السنة، وحرب قائد الزنج.\nوفيها وُلِّيَ نصر بن أحمد بن أسد السامانيّ ما وراءَ نهر بلخ، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إليه بولايته ذلك.\nوفي شوّال منها زحف يعقوب بن الليث إلى فارس، وابنُ واصل مقيم بالأهواز، فانصرف منها إلى فارس، فالتقى هو ويعقوب بن الليث في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفلَّ عسكره، وبعث إلى خُرَّمَة إلى قلعة ابن واصل، فأخذ ما كان فيها، فذُكر أنه بلغت قيمة ما أخذ يعقوب منها أربعين ألف ألف درهم، وأسر مرداسًا خال ابن واصل.\n* * *\nوفيها أوْقع أصحابُ يعقوب بن الليث بأهل زَمّ موسى بن مِهْران الكرديّ؛ لما كان من ممالأتهم محمد بن واصل، فقتلوهم، وانهزم موسى بن مِهْران.\nوفيها لاثنتي عشرة مضت من شوّال منها، جلس المعتمد في دار العامّة، فولّى ابنه جعفرًا العهد، وسماه المفوّض إلى الله، وولّاه المغرب، وضمّ إليه موسى بن بغا، وولّاه إفريقية ومصر والشأم والجزيرة والموصل وإرمينيَة وطريق خراسان ومِهْرَجا نَقَذَق وحُلوان، وولّى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر، وولّاه المشرق، وضمّ إليه مسرورًا البلخيَّ، وولّاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكَسْكر وكُوردِجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقمَّ والكَرَج والديْنَوَر والرّيّ وزِنجان وقزوين وخراسان وطَبَرِستان وجُرجان وكَرْمان وسِجِستان والسند، وعقد لكلّ واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به حدث الموت وجعفر لم يكمل للأمر؛ أن يكون الأمر لأبي أحمد، ثم لجعفر، وأخذت البيعة على الناس بذلك، وفرّقت نسخ الكتاب، وبُعث بنسخة مع الحسين بن محمد بن أبي الشوارب، ليعلِّقها في الكعبة، فعقد جعفر","vol":"13","page":261},{"text":"المفوّض لموسى بن بغا على المغرب في شوال وبعث إليه بالعقد مع محمد المولَّد (١).\nوفيها فارق محمد بن زَيْدويه يعقوبَ بن الليث، فاعتزل عسكره في آلاف من أصحابه، فصار إلى أبي الساج فقبِله، وأقام معه بالأهواز، وبعث إليه من سامُرّا بخلعة، ثم سأل ابن زيدويه السلطان توجيه الحسين بن طاهر بن عبد الله معه إلى خراسان.\nوسار مسرور البلخيّ مقدّمة لأبي أحمد من سامُرّا، لسبع خَلَوْن من ذي الحجة، وخلع عليه وعلى أربعة وثلاثين من قوّاده - فيما ذكر - وشيَّعه ولِيَّا العهد، واتبعه الموفّق شاخصًا من سامرّا لتسع بقين من ذي الحجة (٢).\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٣).\nومات الحسن بن محمد بن أبي الشوارب فيها بمكّة بعدما حجّ (٤).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>[ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث رامهرمز] </span>(٥)\nفمما كان فيها من ذلك موافاة يعقوب بن الليث رامَهُرْمُز في المحرّم وتوجيه السلطان إليه إسماعيل بن إسحاق وبُغراج، وإخراج السلطان مَنْ كان محبوسًا من\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٦٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ١٦٤).\n(٣) المصدر السابق نفسه (١٢/ ١٩٤).\n(٤) فيما يتعلق بموت القاضي الحسن بن محمد بن أبي الشوارب أخرج ابن الجوزي عن محمد بن العباس قال: قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع: قال دخل إلى مدينة السلام الحسن بن محمد بن أبي الشوارب قاضي القضاة للمعتمد فتوفي بمدينة السلام لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة إحدى وستين [المنتظم ١٢/ ١٦٥].\n(٥) انظر تعليقنا ٩/ ٥١٩/ (٥٤٤).","vol":"13","page":262},{"text":"أسباب يعقوب بن الليث من السجْن؛ لأنه لما كان من أمره ما كان في أمر محمد بن طاهر، حبَس السلطانُ غلامَه وصيفًا ومَنْ كان قِبَلَه من أسبابه، فأطلق عنهم بعدما وافى يعقوب رامهرمز؛ وذلك لخمس خَلَوْن من شهر ربيع الأول، ثم قدم إسماعيل بن إسحاق من عند يعقوب، وخرج إلى سامُرّا برسالة من عنده، فجلس أبو أحمد ببغداد، ودعا بجماعة من التجار، وأعلمهم: أنّ أمير المؤمنين أمر بتولية يعقوب بن الليث خُراسان وطَبَرِستان وجُرجان والرّيّ وفارس والشُّرطة بمدينة السلام؛ وذلك بمحضر من درْهم بن نصر صاحب يعقوب.\nوكان المعتمد قد صرف درهمًا هذا من سامُرّا إلى يعقوب بجواب ما كان يعقوب أرسله، يسأله لنفسه، فأرسل معه إليه عمر بن سيما ومحمد بن تركشه، ووافى فيها رسل ابن زيدويه بغداد في شهر ربيع الأول منها برسالة من عنده، فخلع عليه أبو أحمد، ثمّ انصرف في هذه السنة الذين توجّهوا إلى يعقوب بن الليث إلى السلطان، فأعلموه أنه يقول: إنه لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يصير إلى باب السلطان، وارتحل يعقوب من عسكر مَكْرَم فصار أبو الساج إليه، فقبَّله وأكرمه ووصله.\nولما رجعت الرسل بما كان من جواب يعقوب عسكر المعتمد يوم السبت لثلاث خلوْن من جمادى الآخرة بالقائم بسامُرّا، واستخلَف على سامُرّا ابنه جعفرًا، وضمّ إليه محمدًا المولَّد، ثم سار منها يوم الثلاثاء لستّ خلون من جمادى الآخرة، ووافى بغداد يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، فاشتقّها حتى جازها، وصار إلى الزعفرانيَّة فنزلها، وقدّم أخاه أبا أحمد من الزعفرانتة، فسار يعقوب بجيشه من عسكر مكرَم؛ حتى صار من واسط على فرسخ، فصادف هنالك بَثْقًا قد بثقه مسرور البلخيّ من دِجلة لئلا يقدر على جوازه، فأقام عليه حتى سدّه، وعبره؛ وذلك لست بقين من جمادى الآخرة، وصار إلى باذبين، ثم وافَى محمد بن كثير من قِبَل يعقوب عسكرَ مسرور البلخيّ، فصار بإزائه، فصار مسرور بعسكره إلى النعمانيّة، ووافى يعقوب واسطًا، فدخلها لستّ بقين من جمادى الآخرة، وارتحل المعتمد من الزغفرانية يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة حتى صار إلى سيب بني كُوما، فوافاه هنالك مسرور البلخيّ؛ وكان مسيرُ مسرور البلخيّ إليه في الجانب","vol":"13","page":263},{"text":"الغربيّ من دِجْلة، فعبرَ إلى الجانب الذي فيه العسكر، فأقام المعتمد بسِيب بني كوما أيامًا، حتى اجتمعت إليه عساكره، وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول، ثم زحف من دير العاقول نحو عسكر السلطان، فأقام المعتمد بالسِّيب، ومعه عبيد الله بن يحيى، وأنهض أخاه أبا أحمد لحرب يعقوب، فجعل أبو أحمد موسى بن بغا على ميمنتِه، ومسرورًا البلخيّ على ميسرته، وصار هو في خاصته، ونخبة رجاله في القلب، والتقى العسكران يوم الأحد لليال خَلَوْن من رجب بموضع يقال له: اضطربد بين سيِب بني كوما وفى ير العاقول، فشدّت ميسرة يعقوب على ميمنة أبي أحمد فهزمتها، وقتلت منها جماعة كثيرة منهم من قوّادهم إبراهيم بن سيما التركيّ وطباغوا التركيّ ومحمد طُغَتا التركيّ والمعروف بالمبرقع المغربيّ وغيرهم، ثم ثاب المنهزمون وسائر عسكر أبي أحمد ثابت، فحمَلوا على يعقوب وأصحابه، فثبتوا وحاربوا حربًا شديدًا، وقتِل من أصحاب يعقوب جماعة من أهل البأس؛ منهم الحسن الدرهميّ ومحمد بن كثير وكان على مقدمة يعقوب - والمعروف بلبادة - فأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حَلْقِه ويديه، ولم تزل الحرب بين الفريقين - فيما قيل - إلى آخر وقت صلاة العصر.\nثمّ وافى أبا أحمد الدَّيرانيّ ومحمد بن أوس، واجتمع جميعُ من في عسكر أبي أحمد، وقد ظهر من كثير ممن مع يعقوب كراهة القتال معه إذ رأوا السلطان قد حضر لقتاله، فحملوا على يعقوب ومَنْ قد ثبت معه للقتال، فانهزم أصحابُ يعقوب، وثبت يعقوب في خاصّة أصحابه؛ حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب.\nفذُكر: أنه أخذ من عسكره من الدّوابّ والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس، ومن الدنانير والدّراهم ما يكلّ عن حمله، ومن جرب المسك أمر عظيم، وتخلّص محمد بن طاهر بن عبد الله، وكان مثقلًا بالحديد؛ خلّصه الذي كان موكَّلًا به.\nثم أحضر محمد بن طاهر، فخُلع عليه على مرتبته، وقرئ على الناس كتابٌ فيه:\nولم يزل الملعون المارق المسمّى يعقوب بن الليث الصفار ينتحل الطاعة، حتى أحدث الأحداث المنكرة؛ من مصيره إلى صاحب خراسان، وغلبته إياه عليها، وتقلّده الصلاة والإحداث بها، ومصيره إلى فارس مَرة بعد مرة،","vol":"13","page":264},{"text":"واستيلائه على أموالها، وإقباله إلى باب أمير المؤمنين مُظهرَ المسألة في أمور أجابه أمير المؤمنين منها ما لم يكن يستحقه، استصلاحًا له، ودفعًا بالتي هي أحسن؛ فولّاه خُراسان والرّيّ وفارس وقزوين وزِنجان والشرطة بمدينة السلام، وأمر بتكنيته في كُتبه، وأقطعه الضياع النفيسة؛ فما زاده ذلك إلّا طغيانًا وبغيًا، فأمره بالرجوع فأبى، فنهض أمير المؤمنين لدفع الملعون حين توسَّط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر يعقوب أعلامًا على بعضها الصّلبان، فقدّم أمير المؤمنين أخاه أبا أحمد الموفق بالله وليّ عهد المسلمين في القلب، ومعه أبو عمران موسى بن بغا في الميمنة وفي جناح الميمنة إبراهيم بن سيما، وفي الميسرة أبو هاشم مسرور البلخيّ، وفي جناح الميسرة الديرانيّ، فتسرّع وأشياعه في المحاربة، فحاربه حتى أثخِن بالجراح، وحتى انتزع أبو عبد الله محمد بن طاهر سالمًا من أيديهم، وولوْا منهزمين مجروحين مسلوبين، وسلّم الملعون كلّ ما حواه ملكه.\nكتابًا مؤرخًا بيوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من رجب.\nثم رجع المعتمد إلى معسكره وكتب إلى ابن واصل بتولية فارس، وقد كان صار إليها وجمع جماعةً.\nثم رجع المعتمد إلى المدائن، ومضى أبو أحمد ومعه مسرور وساتكين وجماعة من القوّاد، وقبض على ما لأبي الساج من الضِّياع والمنازل، وأقطعها مسرورًا البلخيّ، وقدم محمد بن طاهر بن عبد الله بغداد يوم الإثنين لأربع عشرة بقيت من رجب، وقد رُدّ إليه العمل، فخُلع عليه في الرُّصافة، فنزل دار عبد الله بن طاهر، فلم يعزل أحدًا، ولم يولِّ وأمر له بخمسمئة ألف درهم.\nوكانت الوقعة التي كانت بين السلطان والصفّار يوم الشعانين (١).\nوقال محمد بن عليّ بن فَيْد الطائيّ يمدح أبا أحمد ويذكر أمر الصفّار:\n_________\n(١) هذا الخبر استغرق الصفحات (٥١٦ - ٥١٩) جاء فيه الطبري على ذكر خروج يعقوب بن الليث ثم استعداد الخليفة بنفسه لحربه وخروجه مع قواده لذلك ثم رجوع المعتمد إلى المدائن بعد تلك المعركة وقد ذكره ابن الجوزي مختصرًا (المنتظم ١٢/ ١٧٣).\nوانظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).","vol":"13","page":265},{"text":"نَعَبَ الغرابُ عَدِمتُه من ناعِبِ ... وصَبا فؤادي لادِّكارِ حَبائبي\nنادى بَينهُم فجادَتُ مُقْلَتي ... لزِيالِ أَرحُلهم بدَمْعٍ ساكب\nبانوا بأَترابٍ أَوانِسَ كالدُّمَى ... مثل المَهَاقُب البُطونِ كواعبِ\nفأُولئكنَّ غَرَائِرٌ تَيّمْنَنِي ... بسَوالفٍ وقَوَائمٍ وحَوَاجِبِ\nلوَليّ عهدِ المسلمينَ مَنَاسِبٌ ... شَرُفَتْ وأشرَقَ نورُها بمناصِبِ\nومراتبٌ في ذِرْوةٍ لا تُرْتَقَى ... أكرِمْ بها من ذِرْوةٍ ومراتبِ\nولقد أتَى الصَّفارُ في عُددٍ لها ... حُسْنٌ فَوافَتْهُنَّ نكبةُ ناكب\nجَلبَ القضاءُ إليه حَتْفًا عاجلًا ... سَقيًا ورَعْيًا للقضاء الجالِبِ\nأغواه إبليسُ اللعينُ بكَيْدِه ... واغترَّه منه بوعدٍ كاذبِ\nحتى إذا اختلَفوا وظنَّ بأَنه ... قد عزَّ بين عساكرٍ وكتائب\nدَلَفَتْ إليه عساكرٌ مَيْمونةٌ ... يَلقَوْنَ زحفًا باللواءِ الغالبَ\nفي جَحفلٍ لجِبٍ تُرى أَبطالُه ... من دارعٍ أو رامحٍ أو ناشب\nوبدا الإِمامُ بِرَايةٍ منصُورةٍ ... لمحمّدٍ سَيفِ الإِله القاضبِ\nوولّي عهدِ المسلمين موفقٌ ... باللهِ أَمضى من شِهَابٍ ثاقبِ\nوكأَنه في الناسِ بَدْرٌ طالع ... متهلِّلٌ بالنورِ بين كواكب\nلمَّا التَقَوْا بالمشرَفيّة والقنا ... ضربًا وطعْنَ محاربٍ لمحاربِ\nثارَ العجاجُ وفوقَ ذاك غمامةٌ ... غَرَّاءُ تَسكُبُ وَبْلَ صَوْبٍ صائبِ\nفَلَّ الجُموعَ بحَزمِ رأيٍ ثاقب ... منه وأفرَدَ صاحبًا عن صاحبِ\nللهِ دَرُّ مُوَفّق ذي بهجةٍ ... ثَبْتِ المقامِ لدَى الهياج مواثِب\nيا فارسَ العربِ الذي ما مثله ... في الناس يُعرفُ آخَرٌ لنَوائب\nمن فادح الزَّمَنِ العضوضِ ومن لُقا ... جيش لِذِي غدر خَؤوُنٍ غاصب\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>[ذكر خبر توجه رجال الزنج إلى البطيحة ودست ميسان]</span>\nوفيها وجه قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودَست مَيسَان.\n* ذكر الخبر عن سبب توجيهه إياهم إيها:\nذُكر: أنّ سبب ذلك كان أنّ المعتمد لمّا صرف موسى بن بغا عن أعمال","vol":"13","page":266},{"text":"المشرق وما كان متّصلًا بها، وضمها إلى أخيه أبي أحمد، وضمّ أبو أحمد عمل كُور دِجلة إلى مسرور البلخيّ، وأقبل يعقوب بن الليث مريدًا أبا أحمد، وصار إلى واسط، خَلت كُوردجلة من أسباب السلطان، خلا المدائن وما فوق ذلك، وكان مسرور قد وجّه قبل ذلك إلى الباذاوَرْد مكان موسى بن أتامش جُعلان التركيّ، وكان بإزاء موسى بن أتامش، من قِبَل قائد الزَّنْج سليمان بن جامع، وقد كان سليمان قبل أن يصرف ابنُ أتامش عن الباذاوَرْد قد نال من عسكره، فلمّا صُرف ابن أتامش وجُعل موضعه جعلان، وجّه سليمان من قِبَله رجلًا من البحرانيّين يقال له ثعلب بن حفص، فأوقع به، وأخذ منه خيلًا ورجلًا، ووجّه قائد الزنج من قِبَله رجلًا من أهل جُبَّى يقال له أحمد بن مهديّ في سُميريّات، فيها رماة من أصحابه، فأنفذه إلى نهر المرأة، فجعل الجبائيّ يوقع بالقُرى التي بنواحي المذَار - فيما ذكر - فيعيث فيها، ويعود إلى نهر المرأة فيقيم به.\nفكتب هذا الجبائيّ، إلى قائد الزَّنج يخبره بأن البطيحة خالية من رجال السلطان لانصراف مسرور وعساكره عند ورود يعقوب بن الليث واسطًا، فأمر قائد الزَنج سليمان بن جامع وجماعة من قُوّاده بالمصير إلى الحوانيت، وأمر رجلًا من الباهليّين يقال له عُمَيْر بن عمار، كان عالمًا بطرق البَطيحة ومسالكها، أن يسير مع الجبائيّ حتى يستقرّ بالحوانيت.\nفذكر محمد بن الحسن: أن محمد بن عثمان العبّادانيّ قال: لمّا عزم صاحب الزَّنْج على توجيه الجيوش إلى ناحية البطيحة ودَستُميسان أمر سليمان بن جامع أن يعسكر بالمُطوّعة وسليمان بن موسى أن يعسكر على فُوّهة النهر المعروف باليهوديّ، ففعلا ذلك، وأقاما إلى أن أتاهما إذنه، فنهضا، فكان مسير سليمان بن موسى إلى القرْية المعروفة بالقادسيّة، ومسير سليمان بن جامع إلى الحوانيت والجُبّائيّ في السميريّات أمام جيش سليمان بن جامع، ووافى أبَّا التركيّ دجْلة في ثلاثين شَذاة، فانحدر يريد عسكر قائد الزّنج، فمرّ بالقرية التي كانت داخلة في سلْم الخبيث فنال منها، وأحرق؛ فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى في منعه الرجوع، وأخذ عليه سليمان الطريق، فأقام شهرًا يقاتل حتى تخلّص فصار إلى البطيحة.\nوذكر محمد بن عثمان: أن جَبَّاشًا الخادم زعم أن أبَّا التركيَّ لم يكن صار إلى","vol":"13","page":267},{"text":"دجلة في هذا الوقت، وأنّ المقيم كان هناك نُصير المعروف بأبي حمزة.\nوذكر: أن سليمان بن جامع لمّا فصل متوجّهًا إلى الحوانيت، انتهى إلى موضع يعرف بنهر العتيق، وقد كان الجبائيّ سار في طريق الماديان فمَلقّاه رميس، فواقعه الجبائيّ، فهزمه، وأخذ منه أربعًا وعشرين سُميريّة ونيّفًا وثلاثين صلغة، وأفلت رميس، فاعتصم بأجَمة لجأ إليها، فأتاه قوم من الجوخانيّين، فأخرجوه منها فنجا، ووافق المنهزمين من أصحاب رميس خروج سليمان من النهر العتيق، فتلقاهم فأوقع بهم، ونال منهم نيلًا، ومضى رميس حتى لحق بالموضع المعروف ببرّمساور، وانحاز إلى سليمان جماعة من مذكوري البلاليّين وأنجادهم في خمسين ومئة سُميريّة، فاستخبرهم عما أمامه، فقالوا: ليس بينك وبين واسط أحدٌ من عمّال السلطان وولاته، فاغترّ سليمان بذلك، وركن إليه، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي يعرف بالجازرة، فتلقّاه رجل يقال له أبو معاذ القرشيّ، فواقعه، فانهزم سليمان عنه، وقتل أبو معاذ جماعة من أصحابه، وأسر قائدًا من قواد الزَّنْج، يقال له: رياح القندليّ، فانصرف سليمان إلى الموضع الذي كان معسكرًا به، فأتاه رجلان من البلاليّة، فقالا له: ليس بواسط أحد يدفع عنها غير أبي معاذ في الشَّذَوات الخمس التي لقيك بها، فاستعدّ سليمان وجمع أصحابه وكتب إلى الخبيث كتابًا مع البلاليّة الذين كانوا استأمنوا إليه وأنقذهم إلا جُميّعة يسيرة في عشر سُميريّات، انتخبهم للمقام معه، واحتبس الإثنين معه اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه به، وصار قاصدًا لنهر أبان، فاعترض له أبو معاذ، في طريقه، وشبّت الحرب بينهما، وعصفت الريح، فاضطربت شذا أبي معاذ، وقويَ عليه سليمان وأصحابه، فأدبر عنهم معرّدًا ومضى سليمان حتى انتهى إلى نهر أبان فاقتحمه، وأحرق وأنهب وسبى النساء والصبيان، فانتهى الخبر بذلك إلى وُكلاء كانوا لأبي أحمد في ضياعٍ من ضِياعه مُقيمين بنهر سِنداد، فساروا إلى سليمان في جماعة، فأوقعوا به وقعة، قتلوا فيها جمعًا كثيرًا من الزَّنْج، وانهزم سليمان وأحمد بن مهديّ ومن معهما إلى معسكرهما.\nقال محمد بن الحسن: قال محمد بن عثمان: لما استقرّ سليمان بن جامع بالحوانيت، ونزل بنهر يعرف بيعقوب بن النضر، وجّه رجلًا ليعرف خبر واسط ومَنْ فيها من أصحاب السلطان؛ وذلك بعد خروج مسرور البلخيّ وأصحابه","vol":"13","page":268},{"text":"عنها، لورود يعقوب إياها، فرجع إليه فأخبره بمسير يعقوب نحو السلطان، وقد كان مسرور قبل شخوصه عن واسط إلى السِّيب وجّه إلى سليمان رجلًا يقال له وصيف الرّحال في شَذَوات؛ فواقعه سليمان فقتله، وأخذ منه سبع شَذَوات، وقتل مَنْ ظفر به، وألقى القتلى بالحوانيت ليُدخل الرّهبة في قلوب المجتازين بهم من أصحاب السلطان.\nفلمّا ورد على سليمان خبرُ مسير مسرور عن واسط، دعا سليمان عُمير بن عمار خليفته ورجلًا مَن رؤساء الباهليّين يقال له أحمد بن شريك، فشاورهما في التنحِّي عن الموضع الذي تصل إليه الخيل والشَّذَوات، وأن يلتمس موضعًا يتصل بطريق متى أراد الهرب منه إلى عسكر الخبيث سلكه، فأشارا عليه بالمصير إلى عقر ماور، والتحصّن بطهيثَا والأدْغال التي فيها، وكره الباهليون خروجَ سليمان بن حامع من بين أظهرهم لغمسهم أيديهم معه، وما خافوا من تعقب السلطان إياهم، فحمل سليمان بأصحابه ماضيًا في نهر البرور إلى طَهيثا، وأنفذ الجُبّائيّ إلى النهر المعروف بالعتيق في السُّميريّات، وأمره بالبدار إليه بما يعرف من خبر الشذا، ومن يأتي فيها ومن أصحاب السلطان، وخلّف جماعة من السودان لإشخاص مَنْ تخلّف من أصحابه، وسار حتى وافى عقر ماور، فنزل القرية المعروفة بقرية مرْوان بالجانب الشرقيّ من نهر طهيثا في جزيرة هناك.\nوجمع إليه رؤساء الباهليّين وأهل الطفوف، وكتب إلى الخبيث يعلمه ما صنع، فكتب إليه يصوّب رأيه، ويأمره بإنفاذ ما قبله من مِيرَة ونَعَم وغنم، فأنفذ ذلك إليه، وسار مسرور إلى موضع معسكر سليمان الأول، فلم يجد هناك كثير شيء، ووجد القوم قد سبقوه إلى نقل ما كان في معسكرهم، وانحدر أبّا التركيّ إلى البطائح في طلب سليمان؛ وهو يظنّ أنه قد ترك الناحية، وتوجّه نحو مدينة الخبيث فمضى، فلم يقف لسليمان على أثر، وكرّ راجعًا، فوجد سليمان قد أنفذ جيشًا إلى الحوانيت ليطرُق من شذّ من عسكر مسرور، فخالف الطريق الذي خاف أن يؤدّيَهُ إليهم، ومضى في طريق آخر؛ حتى انتهى إلى مسرور، فأخبره أنه لم يعرف لسليمان خبرًا.\nوانصرف جيش سليمان إليه بما امتاروا، وأقام سليمان، فوجّه الجُبائيَّ في السُّميريّات للوقوف على مواضع الطعام والمِيَر والاحْتيال في حَمْلها. فكان","vol":"13","page":269},{"text":"الجبائيّ لا ينتهي إلى ناحية فيجد فيها شيئًا من المِيرة إلا أحرقه، فساء ذلك سليمان، فنهاه عنه فلم يَنْتَهِ، وكان يقول: إن هذه المِيرة مادّة لعدوّنا، فليس الرأي ترك شيء منها.\nفكتب سليمان إلى الخبيث يشكو ما كان من الجُبَّائيّ في ذلك، فورد كتاب الخبيث على الجُبّائيّ يأمره بالسمع والطاعة لسليمان، والائتمار له فيما يأمره به.\nوورد على سليمان أن أغرْتمش وخُشيشًا قد أقبلا قاصديْن إليه في الخيل والرِّجال والشَّذَا والسُّميريّات، يريدان مواقعته، فجزع جزعًا شديدًا، وأنفذ الجُبائيَّ ليعرف أخبارهما، وأخذ في الاستعداد للقائهما، فلم يلبث أن عاد إليه الجُبائيّ مهزومًا، فأخبره أنهما قد وافيا باب طنج؛ وذلك على نصف فرسخ من عسكر سليمان حينئذ، فأمره بالرّجوع والوقوف في وجه الجيش، وشغله عن المصير إلى العسكر إلى أنْ يلحق به؛ فلما أنفذ الجبائيّ لما وُجّه له صعد سليمان سطحًا، فأشرف منه، فرأى الجيش مقبلًا، فنزل مسرعًا، فعبَر نهر طهيثا، ومضى راجلًا، وتبعه جَمْعٌ من قوّاد السودان حتى وافوْا باب طنج، فاستدبر أغرتمش، وتركهم حتى جدُّوا في المسير إلى عسكره، وقد كان أمر الذي استخلفه على جيشه ألّا يدع أحدًا من السودان يظهر لأحد من أهل جيش أغرتمش، وأن يخفوا أشخاصهم ما قدرُوا، ويَدَعُوا القوم حتى يتوغّلوا النهر إلى أن يسمعوا أصوات طبوله؛ فإذا سمعوها خرجوا عليهم، وقصدوا أغرتمش.\nفجاء أغرتمش بجيشه حتى لم يكن بينه وبين العسكر إلّا نهر يأخذ من طهيثا يقال له جارورة بني مَرْوان، فانهزم الجُبائيّ في السُّميريّات حتى وافى طهيثا، فخلف سُميرِيّاته بها، وعاد راجلًا إلى جيش سليمان، واشتدّ جزع أهل عسكر سليمان منه، فتفرّقوا أيادي سبا، ونهضت منهم شرذمة فيها قائد من قوّاد السودان يقال له أبو النداء، فتلقَّوْهم فواقعوهم، وشغلوهم عن دخول العسكر، وشدّ سليمان من وراء القوم، وضرب الزَّنج بطبولهم، وألقوْا أنفسهم في الماء للعبور إليهم؛ فانهزم أصحابُ أغرتمش وشدّ عليهم مَنْ كان بطهيثا من السودان، ووضعوا السيوف فيهم، وأقبل خُشيش على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره، فتلقّاه السودان، فصرعوه وأخذتْه سيوفهم، فقتِل وحُمل رأسه إلى سليمان، وقد كان خُشيش حين انتزعوا إليه، قال لهم: أنا خُشيش؛ فلا","vol":"13","page":270},{"text":"تقتلوني، وامضوا بي إلى صاحبكم، فلم يسمعوا لقوله وانهزم أغرتمش، وكان في آخر أصحابه، ومضى حتى ألقى نفسه إلى الأرض فركب دابّة ومضى، وتبعهم الزّنج حتى وصلوا إلى عسكرهم؛ فنالوا حاجتَهم منه، وظفروا بشذوات كانت مع خُشيش، وظفر الذين اتبعوا الجيش المولي بشَذوات كانت مع أغرتمش فيها مال، فلما انتهى الخبر إلى أغرتمش، كرّ راجعًا حتى انتزعها من أيديهم، ورجع سليمان إلى عسكره، وقد ظفر بأسلاب ودوابّ، وكتب بخبر الوقعة إلى قائد الزَّنْج؛ وما كان منه فيها، وحمل إليه رأس خشيش وخاتمه، وأقرَّ الشَّذَوات التي أخذها في عسكره فلما وافى كتابُ سليمان ورأس خُشيش، أمر فطِيف به في عسكره، ونصب يومًا؛ ثم حمله إلى عليّ بن أبان، وهو يومئذ مقيم بنواحي الأهواز، وأمر بنصبه هناك؛ وخرج سليمان والجُبائيّ معه وجماعة من قُوّاد السودان إلى ناحية الحوانيت متطرّفين، فتوافقوا هناك ثلاث عشرة شَذاة مع المعروف بأبي تميم أخي المعروف بأبي عَوْن صاحب وصيف التركيّ، فأوقعوا به، فقتل وغرق، وظفروا من شَذَواته بإحدى عشرة شذاة.\nقال محمد بن الحسن: هذا خبر محمد بن عثمان العبّادانيّ؛ فأما جَبَّاش؛ فزعم: أن الشّذا التي كانت مع أبي تَميم كانت ثمانية، فأفلت منهم شذاتان كانتا متأخّرتين، فمضتا بمنْ فيهما وأصاب سلاحًا ونهبًا، وأتى على أكثر مَنْ كان في تلك الشَّذَوات من الجيش، ورجع سليمان إلى عسكره، وكتب إلى الخبيث بما كان منه مِنْ قتل المعروف بأبي تميم؛ ومن كان معه، واحتبس الشَّذَوات في عسكره.\n* * *\nوفيها كبس ابن زيدويه الطيِّبَ، فأنهبها.\nوفيها وُلَّيَ القضاء عليّ بن محمد بن أبي الشوارب (١).\nوفيها خرج الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر من بغداد لليال بقين منه، فصار إلى الجبل.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٧٤).","vol":"13","page":271},{"text":"وفيها مات الصَّلابيّ، ووُلِّيَ الريّ كيغَلغ.\nومات صالح بن عليّ بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها.\nووُلِّيَ إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقيّ من بغداد، فجمع له قضاء الجانبين.\nوفيها قتِل محمد بن عتّاب بن عتّاب، وكان وُلِّيَ السّيبيْن فصار إليها، فقتلتْه الأعراب.\nوللنصف من شهر رمضان صار موسى بن بغا إلى الأنبار متوجّهًا إلى الرّقة.\nوفيها قتل أيضًا القطان صاحب مفلِح، وكان عاملًا بالموصل على الخراج، فانصرف منها، فقتِل في الطريق.\nوعقد فيها لكفتمر عليّ بن الحسين بن داود، كاتب أحمدُ بن سهل اللطفيّ على طريق مكة في شهر رمضان.\nوفيها وقع بين الحنّاطين والجزّارين بمكة قتال قبل يوم التَّروية بيوم، حتى خاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحجَّ الناس، وقد قتل منهم سبعة عشر رجلًا (١).\nوفيها غلب يعقوب بن الليث على فارس وهرب ابن واصل (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2124>[ذكر خبر الوقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه]</span>\nوفيها كانت وقعة بين الزّنج وأحمد بن لَيْثَويْه، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأسر أبا داود الصعلوك وقد كان صار معهم (٣).\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسبب أسر الصعلوك:\nذكر أن مسرورًا البلخيّ وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية كور الأهواز، فلما\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":272},{"text":"وصل إليها نزل السوس، وكان الصَّفار قد قلّد محمد بن عبيد الله بن أزاذَ مَرْد الكرديّ كُور الأهواز، فكتب محمد بن عبيد الله إلى قائد الزَّنج يطمعه في الميل إليه، وقد كانت العادة جرت بمكاتبة محمد إياه من أوّل مخرجه، وأوهمه أنه يتولّى له كور الأهواز ويداري الصّفار حتى يستويَ له الأمر فيها، فأجابه الخبيث إلى ذلك على أن يكون عليّ بن أبان المتولي لها، ويكون محمد بن عبيد الله يخلفُه عليها، فقبل محمّد بن عبيد الله ذلك، فوجّه عليّ بن أبان أخاه الخليل بن أبان، في جمع كثير من السودان وغيرهم، وأيّدهم محمد بن عبيد الله بأبي داود الصُّعلوك، فمضوْا نحو السوس؛ فلم يصلوا إليها، ودفعهم ابن ليثويه ومن كان معه من أصحاب السلطان عنها، فانصرفوا مفلولين، وقد قتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم جماعة، وسار أحمد بن ليثويه حتى نزل جنديْ سابور.\nوسار عليّ بن أبان من الأهواز منجِدًا محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثوَيْه، فتلقاه محمد بن عبيد الله في جَمْع من الأكراد والصعاليك؛ فلما قرب منه محمد بن عبيد الله سارا جميعًا، وجعلا بينهما المسرُقان؛ فكانا يسيران عن جانبيه؛ ووجّه محمد بن عبيد الله رجلًا من أصحابه في ثلثمئة فارس، فانضمّ إلى عليّ بن أبان، فسار عليّ بن أبان ومحمد بن عبيد الله إلى أن وافَيَا عسكر مُكْرَم، فصار محمد بن عبيد الله إلى عليّ بن أبان وحده، فالتقيا وتحادثا، وانصرف محمد إلى عسكره، ووجّه إلى عليّ بن أبان القاسم بن عليّ ورجلًا من رؤساء الأكراد، يقال له حازم، وشيخًا من أصحاب الصفار يعرف بالطّالقانيّ، وأتوْا عليًّا، فسلّموا عليه، ولم يزل محمد وعلى على ألفة، إلى أن وافى عليٌّ قنطرة فارس، ودخل محمد بن عبيد الله تُسْتَر، وانتهى إلى أحمد بن ليثَويْه تضافُر عليّ بن أبان ومحمد بن عبيد الله على قتالِه، فخرج عن جنديْ سابور، وصار إلى السوس، وكانت موافاة علي قنطرة فارس في يوم الجُمعة، وقد وعده محمد بن عبيد الله أن يخطُب الخاطب يومئذ، فيدعو لقائد الزّنج، وله على منبر تُسْتَر، فأقام عليّ منتظرًا ذلك، ووجّه بهبوذ بن عبد الوهاب لحضور الجمعة وإتيانه بالخبر؛ فلما حضرت الصلاة قام الخطيب، فدعا للمعتمد والصّفار ومحمد بن عبيد الله، فرجع بهبوذ إلى عليّ بالخبر، فنهض عليّ من ساعته، فركب دوابّه، وأمر أصحابه بالانصراف إلى الأهواز، وقدّمهم أمامه، وقدّم","vol":"13","page":273},{"text":"معهم ابن أخيه محمد بن صالح ومحمد بن يحيى الكرمانيّ وكاتبه وأقام حتى إذا جاوزوا كسر قنطرة كانت هناك لئلا يتبعه الخيل.\nقال محمد بن الحسن: وكنت فيمن انصرف مع المتقدّمين من أصحاب عليّ ومرّ الجيش في ليلتهم تلك مسرِعين، فانتهوْا إلى عسكر مكرَم في وقت طلوع الفجر؛ وكانت داخلة في سلْم الخبيث، فنكث أصحابه، وأوقعوا بعسكر مَكْرَم، ونالوا نهبًا، ووافى عليّ بن أبان في أثر أصحابه، فوقف على ما أحدثوا فلم يقدِر على تغييره، فمضى حتى صار إلى الأهواز ولما انتهى إلى أحمد بن ليثويْه انصرافُ عليّ، كرّ راجعًا حتى وافى تُسْتَر، فأوقع بمحمد بن عبيد الله ومَنْ معه، فأفلت محمد، ووقع في يده المعروف بأبي داود الصعلوك، فحمله إلى باب السلطان المعتمد، وأقام أحمد بن ليثويْه بتُسْتَر.\nقال محمد بن الحسن: فحدّثني الفضل بن عديّ الدارميّ - وهو أحد مَنْ كان من أصحاب قائد الزّنج انضمّ إلى محمد بن أبان أخي عليّ بن أبان قال: لمّا استقرّ أحمد بن ليثويْه بتُسْتَر، خرج إليه عليّ بن أبان بجيشه، فنزل قرية يقال لها: برنجان، ووجّه طلائع يأتونه بأخباره، فرجعوا إليه، فأخبر وه أنّ ابن ليثويْه، قد أقبل نحوه، وأنّ أوائل خيله قد وافت قرية تعرف بالباهليّين، فزحف عليّ بن أبان إليه، وهو يبشّر أصحابه، ويعدُهم الظفر، ويحكي لهم ذلك عن الخبيث، فلمّا وافى الباهليين تلقاه ابن ليثويه في خيله، وهي زهاء أربعمئة فارس؛ فلم يلبثوا أن أتاهم مدد خيل، فكثرت خيلُ أصحاب السلطان واستأمن جماعة من الأعراب الذي كانوا مع عليّ بن أبان إلى ابن ليثويْه، وانهزم باقي خيل عليّ بن أبان، وثبت جُميّعة من الرّجّالة، وتفرّق عنه أكثرهم، واشتدّ القتال بين الفريقين، ترجّل عليّ بن أبان، وباشر القتال بنفسه راجلًا، وبين يديه غلام من أصحابه يقال له فتْح، يعرف بغلام أبي الحديد، فجعل يقاتل معه، وبصر بعليّ أبو نصر، سَلْهب وبدر الروميّ المعروف بالشعرانيّ فعرفاه، فأنذر الناس به، فانصرف هاربًا حتى لجأ إلى المسرُقان، فألقى بنفسه فيه، وتلاه فَتْح، فألفى نفسه معه، فغرق فتح، ولحق عليّ بن أبان نصر المعروف، بالروميّ، فتخلّصه من الماء، فألقاه في سُمَيريّة ورُميَ عليّ بسهم، وأصيب به في ساقه، وانصرف مفلولًا، وقتل من أنجاد السودان وأبطالهم جماعة كثيرة.\n* * *","vol":"13","page":274},{"text":"وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2125>ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من ظفرعُزَيز بن السريّ صاحب يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل وأخذه أسيرًا.\nوفيها كانت بين موسى دالجويه والأعراب بناحية الأنبار وقعة، فهزموه وفلّوه، فوجّه أبو أحمد ابنه أحمد في جماعة من قوّاده في طلب الأعراب الذين فلّوا موسى دالجويه.\nوفيها وثب الدّيرانيّ بابن أوس فبيّته ليلًا، وفرّق جمعه، ونهب عسكره، وأفلت ابن أوس، ومضى نحو واسط.\nوفيها خرج في طريق الموصل رجل من الفراغنة، فقطع الطريق، فظُفِر به فقتِل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>[ذكر الوقعة بين ابن ليثويْه مع أخي عليّ بن أبان] </span>(٢)\nوفيها أقبل يعقوب بن الليث من فارس، فلمّا صار إلى النُّوبنْدَجان انصرف أحمد بن ليثويْه عن تُسْتَر، وصار فيها يعقوب إلى الأهواز، وقد كان لابن ليثويه\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).\n(٢) لم يُشِر ابن الجوزي إلى هذا الخبر ولكن ذكره ابن كثير ضمن إشارته إلى وقائع أخرى إذ قال:\nفيها جرت حروب كثيرة منتشرة في بلدان شتى فمن ذلك مقتلة عظيمة في الزنج قبّحهم الله حصرهم في بعض المواقف بعض الأمراء من جهة الخلفية فتتل الموجودين عندهم عن آخرهم ولله الحمد والمنة [البداية والنهاية ٨/ ٢٣٨].","vol":"13","page":275},{"text":"قبل ارتحاله عن تُستر وقعة مع أخي عليّ بن أبان، ظفر فيها بجماعة كثيرة من زنوجه.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة:\nذكر عن عليّ بن أبان: أن ابن ليثويْه لما هزمه في الوقْعة التي كانت بينهما في الباهليّين، فأصابه ما أصابه فيها، ووافى الأهواز، لم يقمْ بها، ومضى إلى عسكر صاحبه قائد الزّنج، فعالج ما قد أصابه من الجِراح حتى برأ، ثم كرّ راجعًا إلى الأهواز، ووجّه أخاه الخليل بن أبان وابن أخيه محمد بن صالح المعروف بأبي سهل، في جيش كثيف إلى ابن لَيثويْه؛ وهو يومئذ مقيم بعسكر مكرَم، فسارا فيمن معهما، فلقيهما ابنُ ليثويْه على فرسخ من عسكر مكرَم، قاصدًا إليهما، فالتقى الجمعان، وقد كمّن ابن ليثويْه كمينًا، فلما استحرّ القتال تطارد ابن ليثويْه، فطمع الزّنج فيه، فتبِعوه حتى جاوزوا الكمين، فخرج من ورائهم؛ فانهزموا وتفرّقوا، وكرّ عليهم ابن ليثويْه، فنال حاجته منهم، ورجعوا مفلولين، فانصرف ابن ليثويه بما أصاب من الرؤوس إلى تُستَر، ووجّه عليّ بن أبان أنكلويه مسلحةً إلى المسرُقان إلى أحمد بن لَيْثَوَيْه، فوجّه إليه ثلاثين فارسًا من جُلْد أصحابه، وانتهى إلى الخليل بن أبان مسيرُ أصحاب ابن ليثويه إلى المسلَحة، فكمن لهم فيمن معه، فلما وافوْه خرج إليهم، فلم يفلِتْ منهم أحد، وقُتِلوا عن آخرهم، وحُمِلت رؤوسهم إلى عليّ بن أبان، وهو بالأهواز، فوجّهها إلى الخبيث، وحينئذ أتى الصفّار الأهواز، وهرب عنها ابن ليثويه.\n* ذكر الخبر عما كان من أمر الصفّار هنالك في هذه السنة:\nذُكر أنّ يعقوب بن الليث لما صار إلى جنديْ سابور، نزلها وارتحل عن تلك الناحية كلّ مَنْ كان بها مِنْ قبَل السلطان، ووجّه إلى الأهواز رجلًا من قبَله يقال له: الحصن بن العنبر، فلمّا قاربها خرج عنها عليّ بن أبان صاحب قائد الزَّنج، فنزل نهر السدرة، ودخل حصن الأهواز، فأقام بها، وجعل أصحابه وأصحاب عليّ بن أبان يُغير بعضهم على بعض، فيصيب كلّ فريق منهم مِن صاحبه، إلى أن استعدّ عليّ بن أبان، وسار إلى الأهواز، فأوقع بالحصن ومَنْ معه وقعةً غليظة، قتلَ فيها من أصحاب يعقوب خلقًا كثيرًا، وأصاب خيلًا، وغنم غنائم كثيرة، وهرب الحصن ومَنْ معه إلى عسكر مكرمَ، وأقام عليّ بالأهواز حتى","vol":"13","page":276},{"text":"استباح ما كان فيها، ثم رجع عنها إلى نهر السدرة، وكتب إلى بَهْبُوذ يأمره بالإيقاع برجل من الأكراد من أصحاب الصفّار كان مقيمًا بدَوْرَق، فأوقع به بهبوذ، فقتل رجاله وأسره، فمنَّ عليه وأطلقه؛ فكان عليّ بعد ذلك يتوقّع مسير يعقوب إليه فلم يَسِرْ، وأمدّ الحصن بن العنبر بأخيه الفضل بن العنبر، وأمرهما بالكفّ عن قتال أصحاب الخبيث، والاقتصار على المقام بالأهواز، وكتب إلى عليّ بن أبان يسأله المهادنة، وأن يقرّ أصحابه بالأهواز، فأبى ذلك عليّ دون نقل طعام كان هناك، فتجافَى له الصفّار عن نقل ذلك الطعام، وتجافى عليّ للصفار عن علَف كان بالأهواز، فنقل عليّ الطعام، وترك العلَف، وتكافّ الفريقان، أصحاب عليٍّ وأصحاب الصفار.\n* * *\nوفيها توفِّيَ مَساور بن عبد الحميد الشاري (١).\nوفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان، سقط عن دابته في الميدان منْ صدمة خادم له، يقال له: رشيق، يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من ذي القعدة، فسال من منخره وأذنه دمٌ، فمات بعد أن سقط بثلاث ساعات، وصلى عليه أبو أحمد بن المتوكل، ومشى في جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد.\nثم قدم موسى بن بغا سامرّا لثلاث بقين من ذي القعدة، فهرب الحسن بن مخلد إلى بغداد، واستوزر مكانه سليمان بن وهب، لستّ ليال خلَوْن من ذي الحجة، ثم ولي عبيد الله بن سليمان كتبة المفوّض والموفق إلى ما كان يلي من كتبة موسى بن بغا، ودفعت دار عبيد الله بن يحيى إلى كيغَلغ (٢).\nوفيها أخرج أخو شركب الحسينَ بن طاهر عن نيسابور، وغلب عليها، وأخذ أهلها بإعطائه ثلث أموالهم، وصار الحسين إلى مَرْو، وبها أخو خوارزم شاه يدعو لمحمد بن طاهر (٣).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).\n(٢) لوفاة الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان وترجمته انظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٩) وتأريخ دمشق (٤٤/ ٤٤٧).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).","vol":"13","page":277},{"text":"وفي هذه السنة سلّمت الصقالبة لؤلؤة إلى الطاغية (١).\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>ثم دخلت سنة أربع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك توجيهُ يعقوب الصفّار جيشًا إلى الضَّيْمَرة، فتقدّموا إليها، وأخذوا صَيغُون، ومُضيَ به إليه أسيرًا، فمات عنده.\nولإحدى عشرة خلت من المحرّم، عسكر أبو أحمد ومعه موسى بن بغا بالقائم، وشيّعهما المعتمد، ثم شخصا من سامرًا لليلتين خلتَا من صفر، فلمّا صارا ببغداد، مات بها موسى بن بغا، وحُمِل إلى سامرّا، فدفن بها (٣).\nوفيها في شهر ربيع الأول ماتت قبيحة أمّ المعتزّ (٤).\nوفيها صار ابن الدَّيرَانيّ إلى الدينَور، وتعاون ابن عياض ودُلَف بن عبد العزيز بن أبي دلَف عليه، فهزماه، وأخذا أمواله وضياعه، ورجع إلى حُلوان مفلولًا (٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>[خبر أسر الروم لعبد الله بن رشيد]</span>\nوفيها أسرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاوس.\n* ذكر الخبر عن سبب أسرهم إياه:\nذُكِر أنّ سبب ذلك كان: أنه دخل أرض الروم في أربعة آلاف من أهل الثغور\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) المصدر السابق نفسه.\n(٤) المصدر السابق نفسه، والمنتظم (٢/ ١٩٦).\n(٥) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":278},{"text":"الشأمية، فصار إلى حصنَيْن، والمسكنين، فغنم المسلمون، وقفل، فلمّا رحل عن البَدَنْدون، خرج عليه بطريق سلوقيَة وبطريق قَذيْذيَة وبطريق قُرّة وكوكب وخَرْشنة، فأحدقوا بهم، فنزل المسلمون فعرقبوا دوابهم، وقاتلوا، فقُتلوا إلا خمسمئة أو ستمئة، وضعوا السياط في خواصر دوابّهم وخرجوا، فقتل الرّوم مَنْ قتلوا، وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضرباتٍ أصابته، وحُمِل إلى لؤلؤة، ثم حمِل إلى الطاغية على البريد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2129>[ذكر خبر الوقعة بين محمد المولّد وقائد الزنج]</span>\nوفيها وُلِّيَ محمد المولّد واسطًا، فحاربه سليمان بن جامع، وهو عامل على ما يلي تلك الناحية من قِبَل قائد الزّنج، فهزمه وأخرجه عن واسط فدخلها.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها:\nذُكر: أنّ السبب في ذلك كان أنّ سليمان بن جامع الموجّه كان من قبل قائد الزّنج إلى ناحية الحوانيت والبطائح لمّا هزم جُعلان التركى عامل السلطان، وأوقع بأغرْتمِش، ففلَّ عسكره، وقتل خُشَيْشًا، ونهب ما كان معهم كتب إلى صاحبه قائد الزّنج يستأذنه في المصير إليه، ليحدث به عهدًا، ويصلح أمورًا من أمور منزله؛ فلمّا أنفذ الكتاب بذلك، أشار عليه أحمد بن مهديّ الجبائيُّ بتطرُّق عسكر البخاريّ، وهو يومئذ مقيم بَبردُودا، فقبل ذلك، وسار إلى بَرْدودا، فوافى موضعًا يقال له: أكرمهر؛ وذلك على خمسة فراسخ من عسكر تكين، فلما وافى ذلك الموضع، قال الجبائيّ لسليمان: إن الرأي أن تقيم أنت هاهنا، وأمضي أنا في السُّميريّات، فأجرّ القوم إليك، وأتعبهم فيأتوك وقد لغِبوا، فتنال حاجتَك منهم، ففعل سليمان ذلك، فعبّى خيله، ورجّالته في موضعه ذلك، ومضى أحمد بن مهديّ في السُّميريات مُسحرًا، فوافى عسكر تكين، فقاتله ساعة، وأعدّ تكين خيلَه ورجاله وتطارد الجُبائيّ له، وأنفذ غلامًا إلى سليمان، يعلمه أن أصحاب تكين واردون عليه بخيلهم، فلقي الرسول سليمان، وقد أقبل يقفو أثر الجُبَّائيّ لمّا أبطأ عليه خبره، فردّه إلى معسكره، ووافى رسول آخر للجبائيّ بمثل الخبر الأوّل، فلما رجع سليمان إلى عسكره، أنفذ ثعلب بن","vol":"13","page":279},{"text":"حفص البحرانيّ وقائدًا من قواد الزَّنج، يقال له منينًا في جماعة من الزَّنْج فجعلهما كمينًا في الصحراء ممّا يلي ميسرة خيل تكين، وأمرهما إذا جاوزهم خيل تكين أن يخرجوا من ورائهم، فلما علم الجبائيُّ أن سليمان قد أحكم لهم خيلَه وأمر الكمين رفع صوته، ليسمع أصحاب تكين؛ يقول لأصحابه: غررتموني وأهلكتموني، وقد كنت أمرتكم ألا تدخلوا هذا المدخل فأبيتم إلا إلقائي وأنفسكم هذا الملْقَى الذي لا أرانا ننجو منه، فطمع أصحاب تِكين لمّا سمعوا قوله، وجدُّوا في طلبه، وجعلوا ينادون: بلبل في قفص، وسار الجبائيّ سيرًا حثيثًا، وأتبعوه يرشقونه بالسهام، حتى جاوزوا موضع الكمين، وقاربوا عسكر سليمان، وهو كامن من وراء الجدُر في خيله وأصحابه، فزحف سليمان، فتلقّى الجيش، وخرج الكمين من وراء الخيل، وثنى الجبائيّ صدور سُميريّاته إلى مَنْ في النهر، فاستحكمت الهزيمة عليهم من الوجوه كلها، وركبهم الزّنج يقتلونهم ويسلبونهم؛ حتى قطعوا نحوًا من ثلاثة فراسخ.\nثم وقف سليمان وقال للجبائيّ: نرجع فقد غنمنا وسلمنا، والسلامة أفضل من كل شيء، فقال الجبائيّ: كلا؛ قد نخبنا قلوبَهم، ونفذتْ حيلتنا فيهم، والرأي أن نكسبهم في ليلتنا هذه، فلعلّنا أن نزيلهم عن عسكرهم، ونفضَّ جمعهم، فأتبع سليمان رأي الجبَائيّ، وصار إلى عسكر تكين، فوافاه في وقت المغرب، فأوقع به، ونهض تكين فيمن معه، فقاتل قتالًا شديدًا، فانكشف عنه سليمان وأصحابه، ثم وقف سليمان وعبّأ أصحابه، فوجّه شبلًا في خيل من خيله، وضمّ إليه جمعًا من الرّجّالة إلى الصحراء، وأمر الجبّائيّ، فسار في السُّمَيريّات في بطن النهر، وسار هو فيمن معه من أصحابه الخيّالة والرجّالة، فتقدّم أصحابه حتى وافى تكين، فلم يقف له أحد، وانكشفوا جميعًا وتركوا عسكرهم، فغنم ما وجد فيه، وأحرق العسكر، وانصرف إلى معسكره بما أصاب من الغنيمة، ووافى عسكره، فألقى كتاب الخبيث قد ورد بالإذن له في المصير إلى منزله، فاستخلف الجُبائيّ، وحمل الأعلام التي أصابها من عسكر تكين والشَّذوات التي أخذها من المعروف بأبي تميم ومن خُشيش ومن تكين، وأقبل حتى ورد عسكر الخبيث، وذلك في جمادى الأولى من سنة أربع وستين ومئتين.\n* * *","vol":"13","page":280},{"text":"* ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله تهيأ للزنج دخول واسط، وذكر الخبر عن الأحداث الجليلة في سنة أربع وستين ومئتين (١).\nذكر: أن الجُبّائيّ يحيى بن خلف لمّا شخص سليمان بن جامع من معسكره بعد الوقعة التي أوقعها بتكين إلى صاحب الزَّنج؛ خرج في السُّمَيريّات بالعسكر الذي خلّفه سليمان معه إلى ما زروان لطلب المِيرة، ومعه جماعة من السودان، فاعترضه أصحاب جُعْلان، فأخذوا سفنًا كانتْ معه، وهزموه، فرجع مفلولًا حتى وافَى طهيثا، ووافتْه كتب أهل القرية، يخبرونه أنّ منجور مولى أمير المؤمنين ومحمد بن عليّ بن حبيب اليشكريّ لما اتّصل بهما خبر غيبة سليمان بن جامع عن طَهيثا؛ اجتمعا وجمعا أصحابهما، وقصدا القرية، فقتلا فيها وأحرقا وانصرفا، وجلا من أفلت ممن كان فيها، فصاروا إلى القرية المعروفة بالحجّاجية، فأقاموا بها، فكتب الجُبّائيّ إلى سليمان بخبر ما وردت به كُتب أهل القرية، مع ما ناله من أصحاب جُعْلان، فأنهض قائد الزّنج سليمان إلى طهيثا معجّلًا، فوافاها، فأظهر أنه يقصد لقتال جُعْلان، وعبّأ جيشه، وقدّم الجبائيّ أمامه في السميريّات، وجعل معه خيلًا ورجلًا، وأمره بموافاة مازروان والوقوف بإزاء عسكرُ جْعلان، وأنْ يظهر الخيل ويرعاها بحيث يراها أصحاب جُعلان، ولا يُوقع بهم، وركب هو في جيشه أجمع إلا نفرا يسيرًا خلّفهم في عسكره، ومضى في الأهواز حتى خرج على الهورَيْن المعروفين بالربَّة والعمرقة، ثم مضى نحو محمد بن عليّ بن حبيب، وهو يومئذ بموضع يقال له تلّفخَّار، فوافاه فأوقع به وقعةً غليظة، قتل فيها قتلى كثيرة، وأخذ خيلًا كثيرة وحاز غنائم جزيلة، وقتل أخًا لمحمد بن عليّ، وأفلت محمد، ورجع سليمان، فلما صار في صحراء بين البزّاق والقرية وافته خيل لبني شيبان، وقد كان فيمن أصاب سليمان بتلّفخّار سيد من سادات بني شيبان، فقتله وأسر ابنًا له صغيرًا، وأخذ حِجْرًا كانت تحته، فانتهى خبره إلى عشيرته، فعارضوا سليمان بهذه الصحراء في أربعمئة فارس، وقد كان سليمان وجّه إلى عُمير بن عمار خليفته بالطفّ حين توجّه إلى ابن حبيب، فصار إليه، فجعله دليلًا لعلمه بتلك الطريق، فلمَّا رأى\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٩١) فقد ذكر هذه الأحداث مختصرًا جدًّا.","vol":"13","page":281},{"text":"سليمان خيل بني شيبان قدّم أصحابه أجمعين إلّا عمير بن عمار فإنه انفرد، فظفرت به بنو شيبان فقتلوه، وحملوا رأسه، وانصرفوا.\nوانتهى الخبر إلى الخبيث، فعظُم عليه قتل عُمير، وحمل سليمان إلى الخبيث ما كان أصاب من بلد محمد بن عليّ بن حبيب؛ وذلك في آخر رجب من هذه السنة، فلما كان في شعبان نهض سليمان في جَمْع من أصحابه؛ حتى وافى قرية حسان، وبها يومئذ قائد من قوّاد السلطان يقال له: جيْش ابن حمرتكين، فأوقع به، فأجفل عنه، وظفر بالقرية فانتهبها، وأحرق فيها وأخذ خيلًا، وعاد إلى عسكره، ثم خرج لعشر خلوْن من شعبان إلى الحوانيت وأصعد الجبائيّ في السميريّات إلى برمساور؛ فوجد هنالك صلاغًا فيها خيل من خيل جُعلان، كان أراد أن يوافي بها نهر أبان، وقد كان خرج إلى ما هناك متصيّدًا، فأوقع الجبائيّ بتلك الصلاغ، فقتل مَنْ فيها، وأخذ الخيل - وكانت اثني عشر فرسًا - وعاد إلى طَهيثا، ثم نهض سليمان إلى تلّ رمانا، لثلاث بقين من شعبان فأوقع بها، وجلا عنها أهلها، وحاز ما كان فيها، ثم رجع إلى عسكره، ونهض لعشر ليال خَلْون من شهر رمضان إلى الموضع المعروف بالجازرة، وأبَّا يومئذ هناك، وجُعْلان بمازروان.\nوقد كان سليمان كتب إلى الخبيث في التوجيه إليه بالشّذَا، فوجّه إليه عشر شذوات، مع رجل من أهل عبَّادان يقال له الصقر بن الحسين، فلمّا وافى سليمان الصقر بالشَّذا أظهر أنه يريد جُعْلان وبادرت الأخبار إلى جُعْلان بأن سليمان يريد موافاته؛ فكانت همّته ضبط عسكره، فلما قَرُب سليمان من موضع أبّا مال إليه، فأوقع به، وألفاه غارًّا بمجيئه، فنال حاجته، وأصاب ستّ شذَوات.\nقال محمد بن الحسن: قال جبّاس: كانت الشَّذَوات ثمانية، وجدها في عسكره، وأحرق شذاتين كانتَا على الشطّ، وأصاب خيلًا وسلاحًا وأسلابًا، وانصرف إلى عسكره، ثم أظهر أنه يريد قصد تكين البخاريّ، وأعدّ مع الجبائيّ وجعفر بن أحمد خال ابن الخبيث الملعون المعروف بأنكلاي سفنًا، فلما وافت السفن عسكر جُعْلان؛ نهض إليها، فأوقع بها، وحازها وأوقع سليمان من جهة البرّ، فهزمه إلى الرُّصافة، واسترجع سفنه، وحاز سبعة وعشرين فرسًا ومهرين من خيل جُعْلان وثلاثة أبغل، وأصاب نهبًا كثيرًا وسلاحًا، ورجع إلى طَهيثا.","vol":"13","page":282},{"text":"قال محمد: أنكر جبّاش أن يكون لتكين في هذا الموضع ذكر، ولم يعرف خبر العبادانيّ في تكين، وزعم أنّ القصد لم يكن إلّا إلى جُعْلان، وقد كان خبره خفيَ على أهل عسكره حتى أرجفوا بأنه قد قتِل وقتل الجبّائيّ معه، فجزعوا أشدّ الجزع، ثم ظهر خبره وما كان منه من الإيقاع بجعلان، فسكنوا وقرّوا إلى أن وافَى سليمان، وكتب بما كان منه إلى الخبيث، وحمل أعلامًا وسلاحًا، ثم صار سليمان إلى الرُّصافة في ذي القعدة، فأوقع بمطر بن جامع، وهو يومئذ مقيم بها، فغنم غنائم كثيرة، وأحرق الرّصافة، واستباحها، وحمل أعلامًا إلى الخبيث، وانحدر لخمس ليالٍ خلون من ذي الحجة سنة أربع وستين ومئتين إلى مدينة الخبيث، فأقام ليعيّد هناك ويقيم في منزله، ووافى مطر بن جامع القرية المعروفة بالحجّامية، فأوقع بها، وأسر جماعة من أهلِها. وكان القاضي بها من قبَل سليمان رجلًا من أهلها يقال له: سعيد بن السيد العدويّ، فأسِر وحُمِل إلى واسط هو وثعلب بن حفص وأربعة قوّاد كانوا معه، فصاروا إلى الحرجليّة على فرسخيْن، ونصف من طهيثا، ومضى الجبائيّ في الخيل والرجُل لمعارضة مطر، فوافى الناحية وقد نال مطر ما نال منها، فانصرف عنها، وكتب إلى سليمان بالخبر، فوافى سليمان يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة من هذه السنة، ثم صرف جُعْلان، ووافى أحمد بن ليثويْه، فأقام بالشديديّة، ومضى سليمان إلى موضع يقال له: نهر أبان، فوجد هناك قائدًا من قوّاد ابن ليثويْه يقال له: طُرْناج، فأوقع به وقثله.\nقال محمد: قال جبّاش: المقتول بهذا الموضع بينَك، فأما طُرْناج فإنه قتِل بمازروان، ثم وافى الرّصافة، وبها يومئذ عسكر مطر بن جامع، فأوقع به، فاستباح عسكره، وأخذ منه سبع شَذَوات، وأحرق شَذَاتين، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومئتين.\nقال محمد: قال جبّاش: كانت هذه الوقعة بالشديديّة، والذي أخِذ يومئذ ستّ شذوات، ثم مضى سليمان في خمس شَذَوات، ورتّب قيها صناديد قوّاده وأصحابه، فواقعه تكين البخاريّ بالشديدية، وقد كان ابن ليْثويه حينئذ صار إلى ناحية الكوفة وجُنُبلَاء، فظهر تكين على سليمان، وأخذ منه الشذّوات التي كانت معه بآلتها وسلاحها، ومقاتلتها، وقتِل في هذه الوقعة جِلّة قوّاد سليمان.","vol":"13","page":283},{"text":"ثم زحف ابن ليثويْه إلى الشديديّة، وضبط تلك النواحي إلى أن ولَّى أبو أحمد محمّدًا المولَّد واسطًا.\nقال محمد: قال جبّاش: لمّا وافَى ابن ليثويه الشديديّة سار إليه سليمان، فأقام يومين يقاتله، ثم تطارد له سليمان في اليوم الثالث، وتبعه ابن ليثويه فيمن تسرّع معه، فرجع إليه سليمان، فألقاه في فوّهة بردودا، فتخلص بعد أن أشفى على الغرق، وأصاب سليمان سبع عشرة دابة من دوابّ ابن ليثويه.\nقال: وكتب سليمان إلى الخبيث يستمدّه، فوجّه إليه الخليل بن أبان في زُهاء ألف وخمسمئة فارس، ومعه المذوّب، فقصد عند موافاة هذا المدد إياه لمحاربة محمد المولَّد، فأوقع به فهرب المولَّد، ودخل الزَّنج واسطًا، فقتِل بها خلْق كثير، وانتهبت وأحرقت، وكان بها إذ ذاك كنجور البخاريّ، فحامى يومه ذلك إلى وقت العصر، ثم قتِل، وكان الذي يقود الخيل يومئذ في عسكر سليمان بن جامع الخليل بن أبان وعبد الله المعروف بالمذوّب، وكان الجُبّائيّ في السميريّات، وكان الزنجيّ بن مهربان في الشَّذَوات، وكان سليمان بن جامع في قوّاده من السودان ورجّالته منهم، وكان سليمان بن موسى الشعرانيّ وأخواه في خيله ورجْله مع سليمان بن جامع؛ فكان القوم جميعًا يدًا واحدةً، ثم انصرف سليمان بن جامع عن واسط، ومضى بجميع الجيش إلى جُنْبُلاء ليعيث ويخرب، ووقع بينه وبين الخليل بن أبان اختلافٌ، فكتب الخليل بذلك إلى أخيه عليّ بن أبان، فاستعفى له قائد الزنج من المُقام مع سليمان، وأذن للخليل بالرجوع إلى مدينة الخبيث مع أصحاب عليّ بن أبان وغلمانه، وتخلّف المذوَّب في الأعراب مع سليمان، وأقام بمعسكره أيامًا، ثم مضى إلى نهر الأمير، فعسكر به، ووجّه الجبائيَّ والمذوّب إلى جُنْبُلاء، فأقاما هنالك تسعين ليلة، وسليمان معسكر بنهر الأمير.\nقال محمد: قال جبّاش: كان سليمان معسكرًا بالشديديّة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>[ذكر خبر خروج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرّا]</span>\nوفي هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامُرّا، ومعه الحسن بن وهب، وشيّعه أحمد بن الموفّق ومسرور البلخيّ وعامة القواد؛ فلما صار بسامُرّا","vol":"13","page":284},{"text":"غضب عليه المعتمد وحبسه وقيّده، وانتهب داره ودار ابنيْه وهب وإبراهيم، واستوزر الحسن بن مخلّد لثلاث بقين من ذي القعدة، فشخص الموفّق من بغداد ومعه عبيد الله بن سليمان، فلما قرب أبو أحمد من سامُرّا تحوّل المعتمد إلى الجانب الغربيّ، فعسكر به، ونزل أبو أحمد ومَنْ معه جزيرة المؤيد، واختلفت الرسل بينهما، فلمّا كان بعد أيام خَلَوْن من ذي الحجة، صار المعتمد إلى حَرّاقة في دِجْلة، وصار إليه أخوه أبو أحمد في زَلّالٍ؛ فخلع على أبي أحمد وعلى مسرور البلخيّ وكيْغَلغ وأحمد بن موسى بن بغا، فلما كان يوم الثلاثاء لثمان خلَوْن من ذي الحجة يوم التَّروية عَبَر أهلُ عسكر أبي أحمد إلى عسكر المعتمد، وأطلق سليمان بن وهب، ورجع المعتمد إلى الجوْسق، وهرب الحسن بن مخلّد وأحمَد بن صالح بن شيرزاد، وكتب في قبض أموالهما وأموال أسبابهما، وحبس أحمد بن أبي الأصبغ، وهرب القوّاد المقيمون الذين كانوا بسامرّا إلى تَكْريت، وتغيّب أبو موسى بن المتوكل، ثم ظهر، ثم شخص القوّاد الذين كانوا صاروا إلى تَكْرِيت إلى الموْصل، ووضعوا أيديهم في الجباية.\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميّ الكوفيّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>ثم دخلت سنة خمس وستين ومئتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>[ذكر الوقعة بين أحمد بن ليثويه وسليمان قائد الزنج] </span>(٢)\nفمن ذلك ما كان من وقعة كانت بين أحمد بن لَيْثويْه وسليمان بن جامع قائد صاحب الزَّنج بناحية جُنْبُلاء.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها:\nذُكر: أن سليمان بن جامع كتب إلى صاحب الزَّنج، يخبره بحال نهر يعرف\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٩١).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨).","vol":"13","page":285},{"text":"بالزهيريّ، ويسأله الإذن له في النفقة على إنفاذ كَرْيهِ إلى سوَاد الكوفة والبرار، ويُعلمِه: أنّ المسافة في ذلك قريبة، وأنه متى أنفذه تهيّأ له بذلك حَمْل كلّ ما بنواحي جُنْبُلاء وسواد الكوفة من المِيرة فوجّه الخبيث بذلك رجلًا يقال له: محمد بن يزيد البصريّ، وكتب إلى سليمان بإزاحة عِلله في المال والإقامة معه في جيشه إلى وقت فراغه، مما وُجّه له، فمضى سليمان بجميع جيشه حتى أقام بالشريطيّة نحوًا من شهر، وألقى الفعَلة في النهر؛ وخلال ذلك ما كان سليمان يتطرّق ما حوله من أهل خُسْرُ سابور؛ وكانت المِيرة تتّصل به من ناحية الصين وما والاها إلى أن واقعه ابن لَيْثويْه عامل أبي أحمد على جُنْبُلاء، فقتل له أربعة عشر قائدًا.\nقال محمد بن الحسن: قتل سبعة وأربعين قائدًا وخَلْقًا من الخلق لا يحصى كثرة، واستبيح عسكره، وأحرِقت سفنه، وكانت مقيمةً في هذا النهر الذي كان مقيمًا على إنفاذه، فمضى مفلولًا حتى وافى طَهيثا، فأقام بها، ووافى الجُبّائيُّ في عقب ذلك، ثم أصعد بالموضع المعروف ببرّتمرتا، واستخلف على الشَّذَوات الاشتيام الذي يقال له الزنجيّ بن مهربان، وقد كان السلطان وجّه نُصيرًا لتقييد شامرْج، وحمْله إلى الباب، وتقلّد ما كان يتقلّده، فوافى نصير الزّنجيّ بن مهربان بعد حمله شامرج مقيّدًا بنهر برّتمرتا، وأخذ منه تسع شَذَوات، واستردّ الزنجيّ منها ستًّا.\nقال محمد بن الحسن: أنكر جبّاش أن يكون الزّنجيّ بن مهربان استردّ من الشَّذَوات شيئًا، وزعم أن نصيرًا ذهب بالشَّذَوات أجمع، وانصرف إلى طَهِيثا، وبادر بالكتاب إلى سليمان، ووافاه، فأقام سليمان بطهِيثا إلى أن اتّصل به خبر إقبال الموفّق.\nوفيها أوقع أحمد بن طولون بسيما الطويل بأنطاكية، فحصره بها، وذلك في المحرّم منها، فلم يزل ابن طولون مقيمًا عليها حتى افتتحها، وقتل سيما (١).\nوفيها وثب القاسم بن مماه بدُلف بن عبد العزيز بن أبي دُلف بأصبهان،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٩).","vol":"13","page":286},{"text":"فقتله، ثم وثب جماعة من أصحاب دُلف على القاسم، فقتلوه ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز.\nوفيها لحق محمد المولَّد بيعقوب بن الليث، فصار إليه، وذلك في المحرّم منها، فأمر السلطان بقبض أمواله وعقاراته (١).\nوفيها قتلت الأعراب جُعلان المعروف بالعيّاربِدمِمَّا، وكان خرج لبَذْرقة قافلة، فقتلوه؛ وذلك في جمادى الأولى؛ فوجّه السلطان في طلب الذين قتلوه جماعةً من الموالي، فهرب الأعراب، وبلغ الذين شخصوا في طلبهم عين التّمر، ثم رجعوا إلى بغداد، وقد مات منهم من البرد جماعة، وذلك أنّ البرد اشتدّ في ذلك الأيام ودام أيامًا، وسقط الثلج ببغداد.\nوفيها أمر أبو أحمد بحبس سليمان بن وهب وابنه عبيد الله، فحبِسا وعدة من أسبابهم في دار أبي أحمد، وانتهبت دور عِدّة من أسبابه، ووكل بحفظ داري سليمان وابنه عبيد الله، وأمر بقبض ضياعهما وأموالهما وأموال أسبابهما وضياعهم خلا أحمد بن سليمان، ثم صولح سليمان وابنه عبيد الله على تسعمئة ألف دينار، وصيِّرا في موضع يصل إليهما من أحبّا.\nوفيها عسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كُنْداجيق وبنغجور بن أرخُوز والفضل بن موسى بن بغا بباب الشماسيّة، ثم عبروا جسر بغداد، فصاروا إلى السفينتين، وتبعهم أحمد بن الموفّق، فلم يرجعوا، ونزلوا صَرْصَر.\nوفيها استكتب أبو أحمد صاعد بن مخلَد؛ وذلك لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وخلع عليه، فمضى صاعد إلى الموّاد بصرصَر، ثم بعث أبو أحمد ابنه أحمد إليهم، فناظرهم فانصرفوا معه فخلع عليهم.\nوفيها خرج - فيما ذكر - خمسة من بطارقة الرّوم في ثلاثينَ ألفًا من الروم إلى أذَنة، فصاروا إلى المصلى.\nوأسروا أرخوز - وكان والي الثغور - ثم عُزِل، فرابط هناك فأسِر، وأسِر معه نحوٌ من أربعمئة رجل، وقَتَلوا ممّن نفر إليهم نحوًا من ألف وأربعمئة رجل،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٩).","vol":"13","page":287},{"text":"وانصرفوا اليوم الرابع، وذلك في جُمادى الأولى منها.\nوفي رجب منها عسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كُنْدَاجيق وبنغجور بن أرخوز بنهر دَيَالى.\nوفيها غلب أحمد بن عبد الله الخُجُستانيّ على نيسابور، وصار الحسين بن طاهر عامل محمد بن طاهر إلى مَرْو، فأقام بها وأخو شركب الجمّال بين الحسين والخُجستانيّ أحمد بن عبد الله.\nوفيها أخرِبت طوس.\nوفيها استورز إسماعيل بن بلبُل.\n- وفيها مات يعقوب بن الليث بالأهواز وخلفه أخوه عمرو بن الليث؛ وكتب عمرو إلى السلطان بأنه سامع له ومطيع؛ فوجّه إليه أحمد بن أبي الأصبغ في ذي القعدة منها (١).\nوفيها قتلت جماعة من أعراب بني أسد عليّ بن مسرور البلخيّ بطريق مكة قبل مصيره إلى المُغيثة، وكان أبو أحمد ولَّى محمد بن مسرور البلخيّ طريق مكة، فولّاه أخاه عليّ بن مسرور.\nوفيها بعث ملك الروم بعبد الله بن رشيد بن كاوس الذي كان عامل الثغور فأسِر إلى أحمد بن طولون مع عِدّة من أسراء المسلمين وعِدّة مصاحف هدية منه له (٢).\nوفيها صارت جماعة من الزّنج في ثلاثين سُمَيريّة إلى جَبُّل، فأخذوا أربع سفن فيها طعام، ثم انصرفوا (٣).\nوفيها لحق العباس بن أحمد بن طولون مع مَنْ تبعه ببرْقة، مخالفًا لأبيه أحمد، وكان أبوه أحمد استخلفه - فيما ذكر - على عمله بمصر لمَا توجّه إلى الشأم؛ فلما انصرف أحمد عن الشأم راجعًا إلى مصر حمل العباس ما في بيت مال\n_________\n(١) لوفاة يعقوب بن الليث انظر وفيات الأعيان (٦/ ٤٠٢) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٣).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٩).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ١٩٧).","vol":"13","page":288},{"text":"مصر من الأموال، وما كان لأبيه هناك من الأثاث وغير ذلك، ثم مضى إلى بَرْقة، فوجّه إليه أحمد جيشًا، فظفروا به وردّوه إلى أبيه أحمد، فحبسه عنده، وقُتِل لسبب ما كان منه جماعةٌ كانوا شايعوا ابنَه على ذلك.\nوفيها دخل الزَّنج النّعمانيّة، فأحرقوا سوقَها، وأكثر منازل أهلها، وسَبوا، وصاروا إلى جَرْجَرَايا، ودخل أهلُ السواد بغداد (١).\nوفيها ولَّى أبو أحمد عمرَو بن الليث خُراسان وفارس وأصبهان وسجْستان وكَرْمان والسند، وأشهد له بذلك، ووجّه بكتابه إليه بتوليته ذلك مع أحمد بن أبي الأصبغ، ووجّه إليه مع ذلك العهد والعقد والخلع (٢).\nوفي ذي الحجة منها صار مسرور البلخي إلى النيل، فتنحّى عنها عبد الله بن ليْثويه في أصحاب أخيه، وقد أظهر الخلاف على السلطان، فصار ومَنْ معه إلى أحمد أباذ، فتبعهم مسرور البلخيّ يريد محاربتهم؛ فبدر عبد الله بن ليثويْه ومَنْ كان معه، فترجّلوا لمسرور وانقادوا له بالسمع والطاعة، وعبد الله بن ليثويْه نزع سيفه ومنطقته فعلقهما في عُنُقه، يعتذر إليه، ويحلف أنه حمل على ما فعل، فقبل منه، وأمر فخلع عليه وعلى عدّة من القوّاد معه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>[ذكر خبر شخوص تكين البخاري إلى الأهواز]</span>\nوفيها شخص تكين البخاريُّ إلى الأهواز مقدمة لمسرور البلخيّ (٣).\n* ذكر الخبر عمّا كان من أمر تكين بالأهواز حين صار إليها:\nذكر محمد بن الحسن أنّ تكين البخاري ولّاه مسرور البلخيّ كور الأهواز حين ولَّاه أبو أحمد عليها، فتوجّه تكين إليها، فوافاها وقد صار إليها عليّ بن أبان المهلبيّ، فقصد تُسْتَر، فأحاط بها في جَمْع كثير من أصحابه الزَّنج وغيرِهم؛ فراع ذلك أهلَها، وكادوا أن يُسلموها، فوافاها تكين في تلك الحال، فلم يضع\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٩٧).\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٣٩).","vol":"13","page":289},{"text":"عنه ثياب السَّفَر؛ حتى واقع عليّ بن أبان وأصحابه؛ فكانت الدَّبَرَة على الزَّنج، فقتِلوا وهُزِموا وتفرّقوا، وانصرف عليّ فيمن بقي معه مفلولًا مدحورًا، وهذه وقعة باب كُودَك المشهورة.\nورجع تكين البخاريّ، فنزل تُسْتَر، وانضمّ إليه جمعٌ كثير من الصعاليك وغيرهم، ورحل إليه عليّ بن أبان في جمع كثير من أصحابه، فنزل شرقيّ المسرُقان، وجعل أخاه في الجانب الغربيّ في جماعة من الخيل، وجعل رجّالة الزّنج معه، وقدم جماعة من قواد الزَّنج؛ منهم أنكلويه وحسين المعروف بالحماميّ وجماعة غيرهما، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس.\nوانتهى الخبر بما دبره عليّ بن أبان إلى تكين، وكان الذي نقل إليه الخبر غلامًا يقال له وصيف الروميّ، وهرب إليه من عسكر عليّ بن أبان، فأخبره بمقام هؤلاء القوم بقنطرة فارس، وأعلمه تشاغُلَهم بشرب النبيذ وتفرّق أصحابهم في جمع الطعام، فسار إليهم تكين في الليل في جمع من أصحابه، فأوقع بهم؛ فقتل من قوّاد الزّنج أنكلويه، والحسين المعروف بالحمّاميّ ومفرّج المكنى أبا صالح وأندرون، وانهزم الباقون، فلحقوا بالخليل بن أبان، فأعلموه ما نزل بهم؛ وسار تكين على شرقيّ المسرُقان حتى لقيَ عليّ بن أبان في جمعه، فلم يقف له عليّ وانهزم عنه، وأسِر غلام لعليّ من الخيالة يعرف بَجَعْفُرَويْه، ورجع عليّ والخليل في جمعهما إلى الأهواز، ورجع تكين إلى تُسْتَر، وكتب عليُّ بن أبان إلى تكين يسأله الكفَّ عن قتل جعفرويه، فحبسه، وجرت بين تكين وعليّ بن أبان مراسلات وملاطفات، وانتهى الخبر بها إلى مسرور، فأنكرها، وانتهى إلى مسرور أنّ تكين قد ساءت طاعته، وركن إلى عليّ بن أبان ومايله.\nقال محمد بن الحسن: فحدّثني محمد بن دينار، قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ المأمونيّ الباذغيسيّ - وكان من أصحاب تكين البخاريّ - قال: لمّا انتهى إلى مسرور الخبر بالتياث تكين عليه توقّف حتى عرف صحة أمره، ثم سار يريد كُور الأهواز وهو مظهرٌ الرضا عن تكين والإحماد لأمره، فجعل طريقه على شابَرْزان، ثم سار منها حتى وافَى السوس، وتكين قد عرف ما انتهى إلى مسرور من خبرِه، فهو مستوحش من ذلك ومن جماعة كانت تبعته عند مسرور من قوّاده، فجرت بين مسرور وتكين رسائل حتى أمنَ تكين،","vol":"13","page":290},{"text":"فصار مسرور إلى وادي تُسْتَر، وبعث إلى تكين، فعبَر إليه مسلَّمًا، فأمر به فأخِذ سيفه، ووُكَّل به؛ فلما رأى ذلك جيش تكين انفضُّوا من ساعتهم، ففرقة منهم صارت إلى ناحية صاحب الزّنج، وفرقة صارت إلى محمد بن عبيد الله الكرديّ، وانتهى الخبر إلى مسرور، فبسط الأمان لمن بقى من جيش تَكين، فلحقوا به.\nقال محمد بن عبد الله بن الحسن المأمونيّ: فكنت أحد الصائرين إلى عسكر مسرور، ودفع مسرور تكين إلى إبراهيم بن جُعْلان، فأقام في يده محبوسًا، حتى وافاه أجلُه فتوفِّيَ.\nوكان بعض أمر مسرور وتكين الذي ذكرناه في سنة خمس وستين، وبعضه في سنة ست وستين.\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميّ (١).\nوفيها كانت موافاة المعروف بأبي المغيرة بن عيسى بن محمد المخزومي متغلّبًا بزنج معه على مكة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2134>ثم دخلت سنة ست وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من تولية عمرو بن الليث عبيد الله بن عبد الله بن طاهر خلافتَه على الشرْطة ببغداد وسامُرّا في صفر، وخلع أبي أحمد عليه، ثم مصير عبيد الله بن عبد الله إلى منزله، فخلع عليه فيه خلعة عمرو بن الليث، وبعث إليه عمرو بعمود من ذهب (٢).\nوفي صفر منها غلب أساتكين على الرّيّ، وأخرج عنها طَلَمَجُور العامل الذي كان عليها، ثم مضى هو وابنه أذكوتكين إلى قَزْوين، وعليها أبرون أخو كيغَلغ، فصالحاه ودخلا قَزْوين، وأخذا محمد بن الفضل بن سنان العجليّ، فأخذا\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ١٩٧).\n(٢) المصدر السابق نفسه (١٢/ ٢٠٧).","vol":"13","page":291},{"text":"أمواله وضياعه، وقتله أساتكين، ثم رجع إلى الرّيّ، فقاتله أهلها فغلبهم ودخلها (١).\nوفيها وردت سريّة من سرايا الرّوم تلَّ بَسْمَى من ديار ربيعة، فقتلَتْ من المسلمين، وأسرَتْ نحوًا من مئتين وخمسين إنسانًا، فنفر أهلُ نَصِيبين وأهل الموصِل، فرجعت الروم (٢).\nوفيها مات أبو الساج بجندْيسابور، في شهر ربيع الآخر، منصرفًا عن عسكر عمرو بن الليث إلى بَغداد، ومات قبله في المحرّم منها سليمان بن عبد الله بن طاهر (٣).\nوولّى عمرو بن الليمث فيها أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف أصبهان.\nوولّى فيها محمد بن أبي الساج الحرَميْن وطريق مكة.\nوفيها ولِّيَ أغرتمش ما كان تكين البخاريّ يليه من عمال الأهواز، فسار أغرتمش إليها، ودخلها في شهر رمضان، فذكر محمد بن الحسن أن مسرورًا وجّه أغرتمش، وأبّا ومَطَر بن جامع لقتال عليّ بن أبان، فساروا حتى انتهوْا إلى تُسْتَر، فأقاموا بها، واستخرجوا مَن كان في حبس تكين، وكان فيه جعفرويه في جماعة من أصحاب قائد الزَّنج، فقتِلوا جميعًا، وكان مطر بن جامع المتولّي قتلهم، ثم ساروا حتى وافَوْا عسكر مكرَم، ورحل إليهم عليّ بن أبان، وقدّم أمامه إليهم الخليل أخاه، فصار إليهم الخليل، فواقفهم وتلاه عليّ، فلما كثر عليهم جمْع الزَّنج، قطعوا الجسر وتحاجزوا، وجنَّهم الليل، فانصرف عليّ بن أبان في جميع أصحابه، فصار إلى الأهواز، وأقام الخليل فيمن معه بالمسرُقان، وأتاه الخبر بأن أغرتمش، وأبّا ومَطَر بن جامع قد أقبلوا نحوه، ونزلوا الجانب الشرقيّ من قنطرة أربُك ليعبروا إليه، فكتب الخليل بذلك إلى أخيه عليّ بن أبان، فرحل عليّ إليهم حتى وافاهم بالقنطرة، ووجّه إلى الخليل يأمره بالمصير إليه، فوافاه وارتاع مَنْ كان بالأهواز من أصحاب عليّ، فقلعوا\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٠).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٠٧).\n(٣) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":292},{"text":"عسكره، ومضوْا إلى نهر السِّدرة، ونشبت الحرب بين عليّ بن أبان وقوّاد السلطان هناك؛ وكان ذلك يومهم، ثم تحاجزوا.\nوانصرف عليّ بن أبان إلى الأهواز، فلم يجد بها أحدًا، ووجد أصحابه أجمعين قد لحقوا بنهر السِّدرة، فوجّه إليهم مَنْ يردّهم، فعسر ذلك عليه فتبعهم، فأقام بنهر السِّدرة ورجع قوّاد السلطان حتى نزلوا عسكر مكرم؛ وأخذ عليّ بن أبان في الاستعداد لقتالهم، وأرسل إلى بهبوذ بن عبد الوهاب، فأتاه فيمن معه من أصحابه، وبلغ أغرتمش وأصحابه ما أجمع عليه من المسير إليهم عليّ، فساروا نحوه، وقد جعل عليّ بن أبان أخاه على مقدّمته، وضمّ إليه بَهْبُوذ وأحمد بن الزَّرنجيّ، فالتقى الفريقان بالدُّولاب، فأمر عليّ الخليلَ بن أبان أن يجعلَ بَهْبُوذ كمينًا، فجعله وسار الخليل حتى لقيَ القوم، ونشب القتال بينهم، فكان أوّل نهار ذلك اليوم لأصحاب السلطان، ثم جالوا جَوْلة وخرج عليهم الكمين، وأكبّ الزّنج إكبابةً، فهزموهم، وأسِر مطر بن جامع، صُرعَ عن فرس كان تحته، فأخذه بهبوذ فأتى به عليًّا، وقتل سيما المعروف بصغراج في جماعة من القوّاد (١).\nولمّا وافى بهبوذ عليًّا، بمطر؛ سأله مطر استبقاءَه، فأبى ذلك عليّ، وقال: لو كنت أبقيت على جعفرويْه، لأبقينا عليك، وأمر به فأدْنِيَ إليه، فضرب عنقَه بيده.\nودخل عليّ بن أبان الأهواز، وانصرف أغرتمش وأبَّا فيمن أفلت معهما، حتى وافيا تُسْتَر، ووجّه عليّ بن أبان بالرؤوس إلى الخبيث، فأمر بنصبها على سُور مدينته.\nقال: وكان عليّ بن أبان بعد ذلك يأتي أغرتمش، وأصحابه، فتكون الحرب بينهم سِجالًا عليه وله، وصرَف الخبيث أكثر جنوده إلى ناحية عليّ بن أبان، فكثروا على أغرتمش، فركن إلى الموادعة، وأحبّ عليّ بن أبان مثل ذلك، فتهادنَا، وجعل عليّ بن أبان يُغير على النواحي، فمن غاراته مصيره إلى القرية المعروفة ببيرُوذ، فظهر عليها، ونال منها غنائم كثيرة، فكتب بما كان منه من ذلك إلى الخبيث، ووجّه بالغنائم التي أصابها وأقام.\n* * *\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٠).","vol":"13","page":293},{"text":"وفيها فارق إسحاق بن كُنْدَاجيق عسكر أحمد بن موسى بن بغا؛ وذلك أن أحمد بن موسى بن بغا لمّا شخص إلى الجزيرة ولَّى موسى بن أتامش ديار ربيعة، فأنكر ذلك إسحاق، وفارق عسكره لسبب ذلك، وصار إلى بَلَد، فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزَمهم، وأخذ أموالهم فقويَ بذلك، ثم لقي ابن مساور الشاري فقتله.\nوفي شوّال منها قَتَل أهلُ حِمْص عاملَهم عيسى الكرخيّ.\nوفيها أسر لؤلؤ غلام أحمد بن طولون موسى بن أتامش؛ وذلك أن لؤلؤًا كان مقيمًا برابية بني تميم، وكان موسى بن أتامش مقيمًا برأس العين، فخرج ليلًا سكران ليكبِسهم، فكمنوا له، فأخذوه أسيرًا، وبعثوا به إلى الرّقة، ثم لقى لؤلؤ أحمدَ بن موسى وقوّاده ومَنْ معهم من الأعراب في شوّال، فهزم لؤلؤ، وقُتل من أصحابه جماعة كثيرة، ورجع ابن صفوان العُقَيليّ، والأعراب إلى ثقل عسكر أحمد بن موسى لينتهبوه، وأكبّ عليهم أصحاب لؤلؤ، فبلغت هزيمة المنفلت منهم قَرَقيسيا، ثم صاروا إلى بغداد وسامرّا، فوافوْها في ذي القعدة، وهرب ابنُ صفوان إلى البادية.\nوفيها كانت بين أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف وبكتمر وقعة، وذلك في شوال منها، فهزم أحمد بن عبد العزيز بكتمر فصار إلى بغداد.\nوفيها أوْقَع الخُجُستانيّ بالحسن بن زيد بجُرجان على غِرّة من الحسن، فهرب منه الحسن، فلحق بَآمُل، وغلب الخُجُسْتَانيّ على جُرجان وبعض أطراف طَبَرِستان؛ وذلك من جُمادى الآخرة منها ورجب.\nوفيها دعا الحسن بن محمد بن جَعفر بن عبد الله بن حسن الأصغر العقيميّ أهل طِبرسْتان إلى البَيْعة له؛ وذلك أنّ الحسن بن زيد عند شخوصه إلى جُرجان كان استخلفه بسارية فلمَّا كان من أمر الخُجُستانيّ وأمر الحسن ما كان بجُرجان، وهرب الحسن منها، أظهر العقيقيّ بسارية أنّ الحسن قد أسِرَ، ودعا من قبَله إلى بيعته، فبايعه قومٌ، ووافاه الحسن بن زيد فحاربه، ثم احتال له الحسن حتى ظفر به فقتله (١).\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٠).","vol":"13","page":294},{"text":"وفيها نهب الخُجستانيّ أموالَ تجّار أهل جُرجان، وأضرم النار في البلد.\nوفيها كانت وقعة بين الخُجْستانيّ وعمرو بن الليث، علا فيها الخجستانيّ على عمرو وهزمه، ودخل نيسابور، فأخرج عامل عمرو بها عنها، وقتل جماعة مما كان يميل إلى عمرو بها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2135>[ذكر الخبر عن الفتنة بين الجعفرية والعلوية]</span>\nوفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفرّية والعَلويّة.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nوكان سببُ ذلك - فيما ذُكر - أنّ القيّم بأمر المدينة ووادي القرى ونواحيها كان في هذه السنة إسحاق بن محمد بن يوسف الجعفريّ، فولّى وادي القرى عاملًا من قبَله، فوثَب أهلُ وادي القُرى على عامل إسحاق بن محمد، فقتلوه، وقتلوا أخوين لإسحاق، فخرج إسحاق إلى وادي القُرى، فمرض به ومات، فقام بأمر المدينة أخوه موسى بن محمد، فخرج عليه الحسن بن موسى بن جعفر، فأرضاه بثمانمئة دينار، ثم خرج عليه أبو القاسم أحمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد، ابن عمّ الحسن بن زيد صاحب طَبَرستان؛ فقتل موسى، وغلب على المدينة، وقدمها أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الحَسن بن زيد، فضبط المدينة؛ وقد كان غلا بها السعر، فوجّه إلى الجار، وضمن للتجار أموالهم، ورفع الجباية؛ فرخُص السعر، وسكنت المدينة، فولّى السلطان الحسنيّ المدينة إلى أن قدمها ابنُ أبي الساج.\n* * *\nوفيها وثبت الأعراب على كُسوة الكعبة، فانتهبوها، وصار بعضُها إلى صاحب الزَّنج، وأصاب الحاجّ فيها شدّة شديدة (١).\nوفيها خرجت الرّوم إلى ديار ربيعة، فاستنفر الناس، فنفروا في برد ووقت لا يمكنُ الناس فيه دخول الدّرب.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٠٧).","vol":"13","page":295},{"text":"وفيها غزا سيما خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية في ثلثمئة رجل من أهل طَرَسُوس، فخرج عليهم العدوّ في بلاد هَرقلة، وهم نحو من أربعة آلاف، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقتل المسلمون من العدوّ خَلْقًا كَثيرًا، وأصيب من المسلمين جماعة كثيرة.\nوفيها كانت بين إسحاق بن كُنْدَاجيق وإسحاق بن أيوب وقْعة، هزم فيها ابن كنداجيق إسحاق بن أيوب، فألحقه بنصيبين، وأخَذ ما في عسكره، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وتبعه ابن كُنْدَاجيق، وصار إلى نَصيبين، فدخلها، وهرب إسحاق بن أيوب منه، واستنجد عليه عيسى بن الشيخ وهو بآمِد وأبا المَغراء بن موسى بن زرارة؛ وهو بأزْرَن، فتظاهروا على ابن كُنْدَاجيق، وبعث السلطان إلى ابن كُنْدَاجيق بخلع ولواء على الموصل وديار ربيعة وأرمينيَة مع يوسف بن يعقوب، فخلع عليه، فبعثوا يطلبون الصّلح، ويبذلون له مالًا على أن يُقِرّهم على أعمالهم مئتي ألف دينار.\nوفيها وافى محمد بن أبي الساج مكة، فحاربه ابن المخزوميّ، فهزمه ابن أبي الساج، واستباح ماله؛ وذلك يوم التروية من هذه السنة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>[ذكر خبر دخول أصحاب قائد الزنج رامهرمز]</span>\nوفيها دخل أصحاب قائد الزنج رَامَهُرْمُز.\n* ذكر الخبر عن سبب مصيرهم إليها:\nقد ذكرنا قبلُ ما كان من أمر محمد بن عبيد الله الكرديّ وعليّ بن أبان صاحب الخبيث، حين تلاقيَا على صلْح منهما، فذُكِر أنّ عليًّا كان قد احتجن على محمد ضِغْنًا في نفسه؛ لما كان في سفره ذلك؛ وكان يرصده بشرّ، وقد عرف ذلك منه محمد بن عبيد الله، وكان يروم النَّجاة منه؛ فكاتبَ ابنَ الخبيث المعروف بأنكلاي، وسأله مسألة الخبيث ضمّ ناحيته إليه لتزول يد عليّ منه، وهاداه،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٠).","vol":"13","page":296},{"text":"فزاد ذلك عليّ بن أبان عليه غيظًا وحَنَقًا؛ فكتب إلى الخبيث يعرّفه به، ويصحّح عنده أنه مصرّ على غدرِه، ويستأذنه في الإيقاع به، وأن يجعل الذّريعة إلى ذلك مسألته حمل خراج ناحيته إليه، فأذن له الخبيث في ذلك، فكتب عليّ إلى محمد بن عبيد الله في حَمْل المال، فلواه به، ودافعه عنه، فاستعدّ له عليّ، وسار إليه، فأوقع برامهرمُز، ومحمدُ بن عبيد الله يومئذ مقيمٌ بها، فلم يكن لمحمد منه امتناع، فهرب ودخل عليّ رامهرمُز فاستباحها، ولحق محمد بن عبد الله بأقصى معاقله من أرْبَقَ والبيلم، وانصرف عليّ غانمًا، وراع ما كان من ذلك من عليٍّ محمدًا، فكتب يطلب المسألة، فأنهى ذلك عليّ إلى الخبيث، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك، وإرهاق محمد بحمْل المال، فحمل محمد بن عبيد الله مئتي ألف درهم، فأنفذها عليّ إلى الخبيث، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وعن أعماله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2137>[ذكر الخبر عن وقعة أكراد داربان مع صاحب الزنج]</span>\nوفيها كانت وقعةٌ لأكراد الداربان مع زَنْج الخبيث، هُزِموا فيها وفُلُّوا.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك:\nذُكر عن محمد بن عبيد الله بن أزارْمَرْد أنه كتب إلى عليّ بن أبان بعد حمله إليه المالَ الذي ذكرنا مبلغه قبلُ، وكفِّ عليّ عنه وعن أعماله، يسأله المعونة على جماعة من الأكراد كانوا بموضع يقال له الداربان، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب عليّ إلى الخبيث يسأله الإذن له في النهوض لذلك، فكتب إليه أن وجِّه الخليل بن أبان وبهبوذ بن عبد الوهاب، وأقِمْ أنت، ولا تنفُذ جيشك حتى تتوثّق من محمد بن عبيد الله برهائن تكون في يدك منه، تأمن بها من غدره فقد وترتَه، وهو غير مأمون على الطلب بثأره.\nفكاتب عليٌّ محمّدَ بن عبيد الله بما أمره به الخبيث، وسأله الرهائن، فأعطاه محمد بن عبد الله الأيمان والعهود، ودافعه على الرهائن، فدعا عليًّا الحِرْصُ على الغنائم التي أطمعه فيها محمد بن عبيد الله إلى أن أنفذ الجيش، فساروا ومعهم رجال محمد بن عبيد الله؛ حتى وافوا الموضع الذي قصدوا له، فخرج","vol":"13","page":297},{"text":"إليهم أهله، ونشبت الحرب، فظهر الزّنج في ابتداء الأمر على الأكراد، ثم صدّقهم الأكراد، وخذلهم أصحاب محمد بن عبيد الله، فتصدّعوا وانهزموا مفلولين مقهورين؛ وقد كان محمد بن عبيد الله أعدّ لهم قومًا أمرهم بمعارضتهم إذا انهزموا، فعارضوهم وأوقعوا بهم، ونالوا منهم أسلابًا، وأرجلوا طائفة منهم عن دوابّهم فأخذوها، فرجعوا بأسوأ حال، فكتب المهلبيّ إلى الخبيث بما نال أصحابه، فكتب إليه يعنّفه، ويقول: قد كنتُ تقدّمت إليك ألّا تركن إلى محمد بن عبيد الله، وأن تجعل الوثيقة بينك وبين الرّهائن، فتركتَ أمري، واتبعتَ هواك، فذاك الذي أردَاك، وأردى جيشك.\nوكتب الخبيث إلى محمد بن عبيد الله، أنه لم يخف عليّ تدبيرُك على جيش عليّ بن أبان، ولن تعدم الجزاء على ما كان منك.\nفارتاع محمد بن عبيد الله مما ورد به عليه كتاب الخبيث، وكتب إليه بالتضرّع والخضوع، ووجّه بما كان أصحابه أصابوا من خيل أصحاب عليّ حيث عورضوا وهم منهزمون، فقال: إني صرتُ بجميع مَنْ معي إلى هؤلاء القوم الذين أوقعوا بالخليل وبَهْبُوذ، فتوعّدتهم وأخفتهم، حتى ارتجعت هذه الخيل منهم، ووجّهت بها، فأظهر الخبيث غضبًا، وكتب إليه يتهدده بجيش كتيف يرميه به، فأعاد محمد الكتاب بالتضرّع والاستكانة، فأرسل إلى بَهْبُوذ فضمن له مالًا، وضمن لمحمد بن يحيى الكِرمانيّ مثل ذلك، ومحمد بن يحيى يومئذ الغالب على عليّ بن أبان، والمصرّف له برأيه، فصار بَهْبُوذ إلى عليّ بن أبان، وظاهره محمد بن يحيى الكِرْمانيّ على أمره حتى أصلحا رأي عليّ في محمد بن عبيد الله وسلَّا ما في قلبه من الغَيْظ والحنَق عليه، ثم مضيا إلى الخبيث، ووافق ذلك ورودُ كتاب محمد بن عبيد الله عليه، فصوّبا وصعّدا حتى أظهر لهما الخبيث قبولَ قولهما، والرجوعَ لمحمد بن عبيد الله إلى ما أحبّ، وقال: لست قابلًا منه بعد هذا إلا أن يَخطب لي على منابر أعماله.\nفانصرف بَهْبُوذ والكرمانيّ بما فارقهما عليه الخبيث، وكتبا به إلى محمد بن عبيد الله، فأصدر جوابه إلى كلّ ما أراده الخبيث، وجعل يراوغ عن الدّعاء له على المنابر، وأقام عليّ بعد هذا مدّة، ثم استعدّ لمتُّوث، وسار إليها؛ فرامها فلم يطقها لحصانتها وكثرة مَنْ يدافع عنها من أهلها، فرجع خائبًا فاتّخذ سلاليم","vol":"13","page":298},{"text":"وآلات ليرقى بها السور، وجمع أصحابه واستعدّ.\nوقد كان مسرور البلخيّ عرف قصدَ عليٍّ مَتُّوث، وهو يومئذ مقيمٌ بكُور الأهواز، فلما عاود المسيرَ إليها، سار إليه مسرور، فوافاه قبيل غروب الشمس، وهو مقيم عليها؛ فلما عاين أصحاب عليّ أوائل خيل مسرور، انهزموا أقبحَ هزيمة، وتركوا جميع آلاتهم التي كانوا حملوها، وقتِل منهم جمع كثير، وانصرف عليّ بن أبان مدحورًا، ولم يلبث بعد ذلك إلّا يسيرًا حتى تتابعت الأخبار بإقبال أبي أحمد، ثم لم يكن لعلي بعد رجوعه من متُّوث وقعة حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على أبي أحمد، فانصرف بكتاب ورد عليه من الخبيث يحِفِزه فيه حفزًا شديدًا بالمصير إلى عسكره.\n* * *\nوحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي الكوفيّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>ثم دخلت سنة سبع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمما كان فيها من ذلك حبس السلطان محمد بن طاهر بن عبد الله وعدّة من أهل بيته بعقب هزيمة أحمد بن عبد الله الخُجُستانيّ عمرو بن الليث، وتهمة عمرو بن الليث محمد بن طاهر بمكاتبة الخُجسْتانيّ والحسين بن طاهر، ودعا الحسين والخجستانيّ لمحمد بن طاهر على منابر خراسان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>[ذكر خبر غلبة أبي العباس بن الموفق على سليمان بن جامع] </span>(٢)\nوفيها غلب أبو العباس بن الموفّق على عامة ما كان سليمان بن جامع صاحب قائد الزنج غلب عليه من قرى كور دجلة كعَبْدَسِي ونحوها.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٠٧).\n(٢) هذه بداية أخبار طويلة ومتعددة هامة تتعلق بتفاصيل هذه المعارك الشرسة انفرد بها الطبري =","vol":"13","page":299},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب غلبة أبي العباس على ذلك، وما كان من أمره وأمر الزّنج في تلك الناحية:\nذكر محمد بن الحسن: أنّ محمد بن حماد حدّثه أن الزَّنج لمّا دخلوا واسطًا وكان منهم بها ما قد ذكرناه قبلُ، واتَّصل الخبر بذلك إلى أبي أحمد بن المتوكل ندب ابنَه أبا العباس للشخوص إلى ناحية واسط لحرب الزّنج، فخفّ لذلك أبو العباس، فلما حضر خروج أبي العباس ركب أبو أحمد إلى بستان موسى الهادي في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومئتين، فعرض أصحاب أبي العباس، ووقف على عدّتهم؛ فكان جميع الفرسان والرّجّالة عشرة آلاف رجل في أحسن زِيّ وأجمل هيئة وأكمل عِدّة، ومعهم الشَّذا والسُّمَيرِتات والمعابر للرجّالة؛ كل ذلك قد أحكمت صنعته، فنهض أبو العباس من بستان الهادي، وركب أبو أحمد مشيِّعًا له حتى نزل الفِرْك، ثم انصرف، وأقام أبو العباس بالفِرْك أيامًا، حتى تكاملت عُدده، وتلاحق أصحابه، ثم رحل إلى المدائن، وأقام بها أيضًا، ثم رحل إلى دير العَاقُول.\nقال محمد بن حمّاد: فحدّثني أخي إسحاق بن حماد وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشميّ المعروف ببُريه، ومحمد بن شعيب الإشتيام، في جماعة كثيرة ممن صحب أبا العباس في سفره - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: لمّا نزل أبو العباس دير العاقول؛ ورد عليه كتاب نُصير المعروف بأبي حمزة صاحب الشذَا والسميريّات، وقد كان أمضاه على مقدّمته، يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافَى في خيل ورجّالة وشذوات وسميريّات، والجبائيّ يقدمه، حتى نزل الجزيرة التي بحضرة بردودا، وأن سليمان بن موسى الشعرانيّ قد وافى نهر أبان برجّالة وفرسان وسُميريّات، فرحل أبو العباس حتى وافى\n_________\n= من بين غيره من المؤرخين المتقدمين الثقات ولهذه الروايات أهمية كبيرة (٩/ ٥٥٧ - ٦٠٠) فالطبري مؤرخ متقدم ثقة وقد عاصر تلك الأحداث إلَّا أنه لم يعايشها ولم يشارك فيها بنفسه ولكنه التقى بمن شارك فيها وإن كان شهود العيان الذين التقى بهم ليسوا من رواة الحديث الذين وثقوا ووردت أسماؤهم في كتب الثقات ولا نستطيع أن نجزم بصحة كل ما ورد فيها من عدم صحتها والله أعلم - وانظر تعليقنا في آخر هذه الأخبار ضمن أحداث سنة ٢٧٠ هـ - وانظر المنتظم (١٢/ ٢١١).","vol":"13","page":300},{"text":"جَرْجَرَايا، ثم فم الصِّلح، ثم ركب الظهر، فسار حتى وافى الصِّلح ووجّه طلائعه ليعرف الخبر، فأتاه منهم مَنْ أخبره بموافاة القوم وجمعهم وجيشهم، وأن أولهم بالصِّلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا، أسفلَ واسط، فلما عرف ذلك عدل عن سُنن الطريق، واعترض في مسيره، ولقي أصحابه أوائل القوم؛ فتطاردوا لهم حتى طمعوا واغترّوا، فأمعنوا في اتباعهم، وجعلوا يقولون لهم: اطلبوا أميرًا للحرب؛ فإنّ أميركم قد شغَل نفسَه بالصيد، فلمّا قَرُبوا من أبي العباس بالصِّلْح خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرّجْل، وأمر فصِيح بنُصير: إلى أين تتأخر عن هؤلاء الأكلب! ارجع إليهم؛ فرجع نُصير إليهم.\nوركب أبو العباس سُميرّية، ومعه محمد بن شعيب الإشتيام، وحف بهم أصحابه، من جميع جهاتهم، فانهزموا، ومنح الله أبا العباس وأصحابَه أكتافهم؛ يقتلونهم ويطردونهم حتى وافَوا قرية عبد الله؛ وهي على ستة فراسخ من الموضع الذي لَقُوهم فيه، وأخذوا منهم خمس شَذَوات وعدّة سُميريّات، واستأمن منهم قوم وأسِر منهم أسرى، وغرق ما أدرك من سفنهم؛ فكان ذلك أوّل الفتح على العباس بن أبي أحمد.\nولما انقضت الحربُ في هذا اليوم، أشار على أبي العباس قوّاده وأولياؤه، أن يجعل معسكَرهُ بالموضع الذي كان انتهى إليه من الصِّلح؛ إشفاقًا عليه من مقاربة القوم، فأبى إلّا نُزول واسط.\nولما انهزم سليمان بن جامع ومَنْ معه، وضرب اللهُ وجُوههم، انهزم سليمان بن موسى الشعرانيّ عن نهر أبان؛ حتى وافى سوق الخميس، ولحق سليمان بن جامع بنهر الأمير؛ وقد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالُوا الرّأي بينهم، فقالوا: هذا فتىً حَدثٌ؛ لم تطل ممارسته الحروب وتدرّبه بها، فالرّأي لنا أن نرميَه بحدّنا كلِّه، ونجتهد في أوّل لقية نلقاه في إزالته؛ فلعلّ ذلك أن يروعه، فيكون سببًا لانصرافه عنا، ففعلوا ذلك، وحشدوا واجتهدوا، فأوقع الله بهم بأسَه ونقمته، وركب أبو العباس من غدِ يوم الوقعة، حتى دخل واسطًا في أحسن زيّ، وكان يوم جُمعة، فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة، واستأمن إليه خلق كثير، ثم انحدر إلى العُمْر - وهو على فرسخ من واسط - فقدّم فيه عسكره، وقال: اجعل معسكري أسفلَ واسط، ليأمنَ مَنْ فوقه الزّنج، وقد كان","vol":"13","page":301},{"text":"نُصير المعروف بأبي حمزة والشاه بن ميكال أشارا عليه أن يجعل مُقامه فوق واسط، فامتنع من ذلك، وقال لهما: لست نازلًا إلا العُمْر؛ فانزلا أنتما في فُوّهة بردودا، وأعرض أبو العباس عن مشاورة أصحابه واستماع شيء من آرائهم؛ فنزل العُمر، وأخذ في بناء الشَّذَوات، وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم؛ وقد رتب خاصّة غلمانه في سُميريّات فجعل في كلّ سميريّة اثنين منهم، ثم إن سليمان استعدّ وحشد وجمع وفرّق أصحابه فجعلهم في ثلاثة أوجه: فرقة أتت من نهر أبان، وفرقة من برتمرتا، وفرقة من بردودا، فلقيَهم أبو العباس؛ فلم يلبثوا أن انهزموا، فخلفت طائفة منهم بسوق الخميس وطائفة بمازروان، وأخذ قوم منهم في برّتمرنا وآخرون أخذوا الماديان، وقوم منهم اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان؛ فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر بَرْمساور، ثم انصرف، فجعل يقف على القُرى والمسالك، ومعه الأدلَّاء؛ حتى وافَى عسكره، فأقام به مريحًا نفسه وأصحابه، ثم أتاه مخبرٌ فأخبره أن الزّنج قد جمعوا واستعدّوا لكبس عسكره، وأنهم على إتيان عسكره من ثلاثة أوجه، وأنهم قالوا: إنه حدثٌ غِرٌّ يغرّ بنفسه، وأجمع رأيهم على تكمين الكُمناء والمصير إليه من الجهات الثلاث التي ذكرنا، فحذر لذلك، واستعدّ له، وأقبلوا إليه وقد كمنوا زُهاء عشرة آلاف في برتمرتا ونحوًا من هذه العدّة في قُسّ هثا، وقدّموا عشرين سُميريّة إلى العسكر ليغترّ بها أهلُه، ويجيزوا المواضع التي فيها كمناؤهم؛ فمنع أبو العباس الناس من اتباعهم؛ فلما علموا أن كيدهم لم ينفذ، خرج الجُبّائيّ وسليمان في الشَّذَوات والسميريّات، وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه، فأمر نصيرًا المعروف بأبي حمزة أن يبرز للقوم في شذواته، ونزل أبو العباس عن فرس كان ركبه، ودعا بشذاة من شَذَواته قد كان سماها الغزال، وأمر إشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذّافين لهذه الشذاة، وركبها واختار من خاصّة أصحابه وغلمانه جماعة دفع إليهم الرّماح، وأمر أصحاب الخيل بالمسير بإزائه على شاطئ النهر، وقال لهم: لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الأنهار، وأمر بتعبير بعض الدوّاب التي كانت ببردودا، ونشبت الحرب بين الفريقين؛ فكانت معركة القتال من حدّ قرية الرمل إلى الرّصافة؛ فكانت الهزيمة على الزَّنج، وحاز أصحاب أبي العباس أربع عشرة شَذَاة، وأفلت سليمان والجبّائي في ذلك اليوم بعد أن أشفيا على الهلاك راجِلين، وأخذت دوابّهما بحلاها وآلتها، ومضى الجيش","vol":"13","page":302},{"text":"أجمع لا ينثنى أحد منهم حتى وافوا طهيثا، وأسلموا ما كان معهم من أثاث وآلة، ورجع أبو العباس، وأقام بمعسكره في العمر، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشَّذَا والسميريّات وترتيب الرجال فيها، وأقام الزَّنج بعد ذلك عشرين يومًا؛ لا يظهر منهم أحد، وكان الجبائيّ يجيء في الطلائع في كلّ ثلاثة أيام وينصرف، وحفر آبارًا فوق نهر سِنْداد، وصيّر فيها سفافيد حديد، وغشّاها بالبواريّ، وأخفى مواضعها، وجعلها على سَنن مسير الخيل ليتهوّر فيها المجتازون بها؛ وكان يوافي طرف العسكر متعرّضًا لأهله، فتخرج الخيل طالبةً له، فجاء في بعض أيامه، وطلبته الخيل كما كانت تطلبه، فقطر فرس رجل من قوّاد الفراغنة في بعض تلك الآبار، فوقف أصحاب أبي العباس بما ناله من ذلك على ما دبّر الجُبائيّ، فحذروا ذلك، وتنكَّبوا سلوك ذلك الطريق، وألحّ الزَّنج في مغاداة العسكر في كلِّ يوم للحرب، وعسكروا بنهر الأمير في جمع كثير، فلمّا لم يجد ذلك عليهم أمسكوا عن الحرب قَدْر شهر.\nوكتب سليمان إلى صاحب الزّنج يسأله إمداده بسُميريّات، لكلّ واحدة منهنّ أربعون مجدافًا، فوافاه من ذلك في مقدار عشرين يومًا أربعون سُميريَّة، في كل سُميريّة مقاتلان، ومع ملاحيها السيوف والرماح والتِّراس، وجعل الجُبائيّ موقفه حيال عسكر أبي العباس، وعاودُوا التعرّض للحرب في كلّ يوم؛ فإذا خرج إليهم أصحاب أبي العباس انهزموا عنهم، ولم يثبتوا لهم؛ وخلال ذلك ما تأتي طلائعهم، فتقطع القناطر، وترمي ما ظهر لها من الخيل بالنّشاب، وتضرِم ما وجدت في النوبة من المراكب التي مع نصير بالنار، فكانوا كذلك قدر شهرين.\nثم رأى أبو العباس أن يكمِّن لهم كمينًا في قرية الرمل، ففعل ذلك، وقدّم لهم سُميريات أمام الجيش ليطمعوا فيها، وأمر أبو العباس فأعِدّت له سُميريّة ولزيرَك سميرية وحمل جماعة من غلمانه الذين اختارهم، وعرفهم بالنجدة في السميريّات، فحمل بدرًا ومؤنسًا في سُميريّة، ورشيقًا الحجّاجيّ ويُمْنًا في سميريّة وخَفيفًا ويُسرًا في سميريّة، ونذيرًا ووصيفًا في سُميريّة؛ وأعدّ خمس عشرة سُميريّة، وجعل في كلّ سميريّة مقاتلين، وجعلها أمام الجيش.\n* * *\nقال محمد بن شعيب الإشتيام: وكنتُ فيمن تقدّم يومئذ، فأخذ الزّنج من","vol":"13","page":303},{"text":"السميريّات المتقدّمة عدّة، وأسروا أسرى، فانطلقتُ مسرعًا، فناديتُ بصوت عال: قد أخذ القوم سُميريّاتنا، فسمع أبو العباس صوتي وهو يتغدّى، فنهض إلى سُميريّته التي كانت أعدّت له؛ وتقدّم العسكر، ولم ينتظر لحاق أصحابه، فتبعه منهم من خفّ لذلك.\nقال: فأدركنا الزّنج، فلمّا رأونا قذف الله الرّعب في قلوبهم، فألقوا أنفسهم في الماء، وانهزموا فتخلّصنا أصحابنا، وحوينا يومئذ إحدى وثلاثين سُميريّة من سُميْريّات الزنج، وأفلت الجبائيّ في ثلاث سُميريّات، ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس كانت في يده حتى دميت إبهامه؛ فانصرف؛ ولو أنا جددنا في طلب الجبائيّ في ذلك اليوم ظننتُ أنا أدركناه، فمنعَنا من ذلك شدّة اللغوب، ورجع أبو العباس وأكثر أصحابه بمواضعهم من فُوّهة بردودا لم يُرْمَ أحد منهم؛ فلمّا وافَى عسكره أمر لمن كان صحبه بالأطواق والخِلَع والأسورة وأمر بإصلاح السميريّات المأخوذة من الزَّنج، وأمر أبا حمزة أن يجعل مقامه بما معه من الشَّذا في دِجْلة بحذاء خُسْرُسابور.\nثم إنّ أبا العباس رأى أن يتوغّل في مازروان حتى يصير إلى القرية المعروفة بالحجّاجيّة، وينتهى إلى نهر الأمير، ويقف على تلك المواضع، ويتعرّف الطرق التي تجتاز فيها سُميريّات الزّنج، وأمر نصيرًا فقدّمه بما معه من الشَّذَا والسميريّات، فسار نصير لذلك؛ فترك طريق مازروان، وقصد ناحية نهر الأمير، فدعا أبو العباس سُميريّته، فركبها ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان وهو يرى أن نصيرًا أمامه، وقال لمحمد: قدّمني في النهر لأعرف خبر نُصير، وأمر الشذَا والسميريّات بالمصير خلفه.\nقال محمد بن شعيب: فمضينا حتى قاربنا الحجّاجية، فعرضت لنا في النهر صلْغة فيها عشرة زنوج؛ فأسرعنا إليها، فألقى الزُّنوج أنفسهم في الماء، وصارت الصلغة في أيدينا، فإذا هي مملوءة شعيرًا، وأدركنا فيها زنجيًّا فأخذناه، فسألناه عن خبر نصير وشذواته فقال: ما دخل هذا النهر شيء من الشَّذَا والسُّميريّات، فأصابتنا حيرة، وذهب الزنج الذين أفلتوا من أيدينا فأعلموا أصحابهم بمكاننا، وعرض للملاحين الذين كانوا معنا غنمٌ فخرجوا لانتهابها.\nقال محمد بن شعيب: وبقيتُ مع أبي العباس وحدي، فلم نلبث أن وافانا","vol":"13","page":304},{"text":"قائد من قوّاد الزنج، يقال له مُنتاب، في جماعة من الزَّنج من أحد جانبي النهر، ووافانا من الجانب الآخر عشرة من الزنج، فلمّا رأينا ذلك خرج أبو العباس، ومعه قوسه وأسهمه، وخرجتُ برمح كان في يدي، وجعلتُ أحميه بالرّمح وهو يرمي الزّنج، فجرح منهم زنجيّين، وجعلوا يثوبون ويكثرون، وأدركنا زيرك في الشَّذَا ومعه الغلمان؛ وقد كان أحاط بنا زُهاء ألفي زنحيّ من جانبي مازروان، وكفى الله أمرهم، وردّهم بذلّةٍ وصَغار، ورجع أبو العباس إلى عسكره، وقد غنم أصحابه من الغنم والبقر والجواميس شيئًا كثيرًا، وأمر أبو العباس بثلاثة من الملّاحين الذين كانوا معه، فتركوه لانتهاب الغنم، فضرِبت أعناقهم، وأمر لمن بقي بالأرزاق لشهر، وأمر بالنداء في الملّاحين ألا يبرح أحدٌ من السميريّات في وقت الحرب؛ فمن فعل ذلك فقد حلّ دمه.\nوانهزم الزَّنج أجمعون حتى لحقوا بطَهيثا، وأقام أبو العباس بمعسكره في العُمر، وقد بثّ طلائعه في جميع النواحي، فمكث بذلك حينًا، وجمع سليمان بن جامع عسكر وأصحابه، وتحصّن بطهيثا، وفعل الشعرانيّ مثل ذلك بسوق الخميس؛ وكان بالصِّينيّة لهم جيش كثيف أيضًا، يقود أهله رجل منهم يقال له نصر السِّنديّ، وجعلوا يُخرجون كلَّ مَا وجدوا إلى إخرابه سبيلًا، ويحملون ما قدروا على حمله من الغلّات، ويعمرون مواضعهم التي هم مقيمون بها، فوجّه أبو العباس جماعة من قوّاده، منهم الشاه وكمُشْجُور والفضل بن موسى بن بغا، وأخوه محمد على الخيل إلى ناحية الصّينيّة، وركب أبو العباس ومعه نصير وزِيرك في الشَّذَا والسميريّات، وأمر بخيل فعبرَ بها من بَرْمساور إلى طريق الظهر.\nوسار الجيش حتى صار إلى الهُرْث، فأمر أبو العباس بتعبير الدوابّ إلى الهُرْث، فعبرت فصارتْ إلى الجانب الغربيّ من دِجْلة، وأمَر بأن يُسلك بها طريق دير العمال، فلما أبصر الزّنج الخيل دخلتهم منها رهبة شديدة، فلجؤوا إلى الماء والسفن، ولم يلبثوا أن وافتهم الشَّذَا والسميريّات، فلم يجدوا ملجأ واستسلموا، فقتِل منهم فريق، وأسِر فريق، وألقى بعضهم نفسه في الماء، فأخذ أصحاب أبي العباس سفنهم؛ وهي مملوءة أرزًّا، فصارت في أيديهم، وأخذوا سُميريّة رئيسهم المعروف بنصر السنديّ، وانهزم الباقون، فصارت","vol":"13","page":305},{"text":"طائفة منهم إلى طَهيثا وطائفة إلى سوق الخميس، ورجع أبو العباس غانمًا إلى عسكره، وقد فتح الصينيّة وأجلى الزّنج عنها.\nقال محمد بن شعيب: وبينا نحن في حرب الزَّنج بالصينيّة إذ عرض لأبي العباس كُرْكيّ طائر، فرماه بسهم، فشكّه فسقط بين أيدي الزَّنج، فأخذوه فلما رأوا موضع السهم منه، وعلموا أنه سهم أبي العباس زاد ذلك في رعبهم؛ فكان سببًا لانهزامهم يومئذ.\nوقد ذُكر عمن لا يُتّهم: أن خبر السهم الذي رمى به أبو العباس الكُرْكيّ في غير هذا اليوم، وانتهى إلى أبي العباس أنّ بِعْبَدَسِي جيشًا عظيمًا يرأسهم ثابت بن أبي دلف، ولؤلؤ الزنجيّان، فصار أبو العباس إلى عَبْدَسي قاصدًا للإيقاع بهما ومَنْ معهما في خيل جريدة، قد انتخبت من جُلد غلمانه وحماة أصحابه، فوافى الموضع الذي فيه جمعهم في السَّحَر، فأوقع بهم وقعَة غليظة، قُتِل فيها من أبطالهم، وجُلد من رجالهم خلق كثير، وانهزموا، وظفر أبو العباس برئيسهم ثابت بن أبي دلف، فمنّ عليه واستبقاه وضمّه إلى بعض قوّاده، وأصاب لؤلؤًا سهم فهلك منه، واستُنقذ يومئذ من النساء اللواتي كنّ في أيدي الزَّنْج خلقٌ كثير، فأمر أبو العباس بإطلاقهنّ وردّهن إلى أهلهنّ، وأخَذ كلَّ ما كان الزنج جمعوه.\nثم رجع أبو العباس إلى معسكره، فأمر أصحابه أن يُريحوا أنفسَهم ليسير بهم إلى سوق الخميس، ودعا نصيرًا فأمره بتعبئة أصحابه للمسير إليها، فقال له نصير: إنّ نهر سوق الخميس ضيّق، فأقم أنت وائذن لي في المسير إليه حتى أعايِنَه، فأبى أن يدَعه حتى يعاينه، ويقف على علم ما يحتاج إليه منه قبل موافاة أبيه أبي أحمد؛ وذلك عند ورود كتاب أبي أحمد عليه بعزمه على الانحدار.\nقال محمد بن شعيب: فدعاني أبو العباس، فقال لي: إنه لابدّ لي من دخول سوق الخميس، فقلت: إن كنتَ لابدّ فاعلًا ما تذكر فلا تكثر عدد مَنْ تحمل معك في الشَّذَا، ولا تزد على ثلائة عشر غلامًا عشرة رماة وثلاثة في أيديهم الرماح؛ فإني أكره الكثرة في الشَّذَا مع ضيق النهر، فاستعدّ أبو العباس لذلك، وسار إليه ونُصير بين يديه حتى وافَى فم بَرْمساور، فقال له نُصير: قدّمني أمامك، ففعل ذلك، فدخل نُصير في خمس عشرة شَذَاة، واستأذنه رجل من قوّاد الموالي يقال","vol":"13","page":306},{"text":"له موسى دالجويه في التقدّم بين يديه، فأذن له، فسار وسار أبو العباس حتى انتهى به مسيره إلى بَسامِي ثم إلى فوّهة براطق ونهر الرّق النهر الذي ينفذ إلى رواطا وعَبْدَسِي؛ وهذه الأنهار الثلاثة تؤدِّي إلى ثلاث فرق مفترقة، فأخذ نصير في طريق نهر براطق وهو النهر المؤدى إلى مدينة سليمان بن موسى الشعرانيّ التي سمّاها المنيعة بسوق الخميس، وأقام أبو العباس على فُوّهة هذا النهر، وغاب عنه نُصَير حتى خفيَ عنه خبره، وخرج علينا في ذلك الموضع من الزّنج خلق كثير فمنعونا من دخول النهر، وحالوا بيننا وبين الانتهاء إلى السور - وبين هذا الموضع الذي انتهينا إليه والسور المحيط بمدينة الشعرانيّ مقدار فرسخين - فأقاموا هناك يحاربوننا، واشتدّت الحرب بيننا وبينهم وهم على الأرض؛ ونحن في السفن من أوّل النهار إلى وقت الظهر، وخفيَ علينا خبرُ نُصَير، وجعل الزّنج يهتفون بنا: قد أخذنا نُصيرًا فماذا تصنعون؟ ونحن تابعوكم حيثما ذهبتم، فاغتمّ أبو العباس لما سمع منهم هذا القول، فاستأذنه محمد بن شعيب في المسير ليتعرّف خبر نصير، فأذن له، فمضى في سُميريّة بعشرين جذّافًا حتى وافى نصيرًا أبا حمزة، وقد قرب من سَكْر كان الفسقة سكروه، ووجده قد أضرم النار فيه وفي مدينتهم، وحارب حربًا شَديدًا ورزق الظفر بهم، وكان الزّنج ظفروا ببعض شذوات أبي حمزة، فقاتل حتى انتزع ما كانوا أخذوا من أيديهم، فرجع محمد بن شعيب إلى أبي العباس، فبشره بسلامة نصير ومَنْ معه، وأخبره خبره، فسّر بذلك وأسَرَ نصير يومئذ من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العباس بالموضع الذي كان واقفًا به، فلمّا رجع نصير قال أبو العباس: لستُ زائلًا عن موضعي هذا حتى أرواحهم القتال في عشيّ هذا اليوم؛ ففعل ذلك، وأمر بإظهار شَذَاة واحدة من الشّذوات التي كانت معه لهم، وأخفى باقيها عنهم، فطمعوا في الشَّذَاة التي رأوها، فتبعوها، وجعل مَنْ كان فيها يسيرون سيرًا ضعيفًا حتى أدركوها، فعلقوا بسكانها، وجعل الملاحون يسيرون حتى وافَوا المكان الذي كانت فيه الشَّذَوات المكمَّنة.\nوقد كان أبو العباس ركب سُميريّة، وجعل الشذا خلْفه، فسار نحو الشذاة التي علق بها الزّنج لما أبصرها، فأدركها، والزّنج ممسكون بُسكانها يحيطون بها من جوانبها، يرمون بالنَّشاب والآجرّ، وعلى أبي العباس كيز تحته درع.","vol":"13","page":307},{"text":"قال محمد: فنزعنا يومئذ من كيز أبي العباس خمسًا وعشرين نُشابة، ونزعتُ من لُبّادَةٍ كانت عليّ أربعين نشابة، ومن لبابيد سائر الملاحين الخمس والعشرين والثلاثين، وأظفر الله أبا العباس بستّ سُميريّات من سُميريّات الزّنج، وتخلص الشذا من أيديهم، وانهزموا، ومال أبو العباس، وأصحابه نحو الشّط، وخرج من الزّنج المقاتلة بالسيوف والتراس، فانهزموا لا يلوون على شيء للرهبة التي وصلت إلى قلوبهم ورجع أبو العباس سالمًا غانمًا، فخلع على الملّاحين ووصلهم، ثم صار إلى معسكره بالعُمر، فأقام به إلى أن وافى الموفّق.\n* * *\nولإحدى عشرة ليلةً خلت من صفر منها، عسكر أبو أحمد بن المتوكل بالفِرْك، وخرج من مدينة السلام يريد الشخوص إلى صاحب الزّنْج لحربه؛ وذلك أنه - فيما ذكر - كان اتّصل به أنّ صاحب الزنج كتب إلى صاحبه عليّ بن أبان المهلبيّ يأمره بالمصير بجميع من معه إلى ناحية سليمان بن جامع، ليجتمعا على حرب أبي العباس بن أبي أحمد، وأقام أبو أحمد بالفِرْك أيامًا؛ حتى تلاحق به أصحابه ومَنْ أراد النهوض به إليه، وقد أعدّ قبل ذلك الشذا والسُّميريّات والمعابر والسفن، ثم رحَل من الفِرْك - فيما ذكر - يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول في مواليه وغلمانه وفرسانه ورجّالته فصار إلى رومية المدائن، ثم صار منها، فنزل السِّيب ثم دَيْر العاقول ثم جَرْجَرَايا، ثم قُنَّى ثم نزل جَبُّل، ثم نزل الصِّلح، ثم نزل على فرسخ من واسط، فأقام هنالك يومه وليلته، فتلقاه ابنه أبو العبّاس به في جريدة خيل فيها وجوه قوّاده وجنده، فسأله أبو أحمد عن خبر أصحابه، فوصف له بلاءهم ونصحهم، فأمر أبو أحمد له ولهم بِخِلع فخُلِعت عليهم، وانصرف أبو العباس إلى معسكره بالعُمْر، فأقام يومه، فلمّا كانت صبيحة الغد رحل أبو أحمد منحدرًا في الماء، وتلقّاه ابنه أبو العباس بجميع مَنْ معه من الجند في هيئة الحرب والزّيّ الذي كانوا يلقوْن به أصحاب الخائن، فجعل يسير أمامه حتى وافى عسكره بالنهر المعروف بشيرزاد؛ فنزل به أبو أحمد، ثم رحل منه يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، فنزل على النهر المعروف بِسِنْداد بإزاء القرية المعروفة بعبد الله، وأمر ابنه أبا العباس، فنزل شرقيّ دِجْلة بإزاء فُوّهة بردودا، وولّاه مقدّمته، ووضع العطاء فأعطى","vol":"13","page":308},{"text":"الجيش، ثم أمر ابنه بالمسير أمامه بما معه من آلة الحرب إلى فُوّهة بَرْمساور، فرحل أبو العباس في المختارين من قواده ورجاله، منهم زِيرَك التركيّ صاحب مقدّمته، ونُصَير المعروف بأبي حمزة صاحب الشّذَا والسُّميريّات.\nورحل أبو أحمد بعد ذلك في الفرسان والرجّالة المنتخبين، وخلّف سواد عسكره وكثيرًا من الفرسان والرّجالة بمعسكره؛ فتلقّاه ابنه أبو العباس بأسرى ورؤوس وقتلى قتلهم من أصحاب الشعرانيّ؛ وذلك أنه وافى عسكره الشعرانيُّ في ذلك اليوم قبل مجيء أبيه أبي أحمد؛ فأوقع به وأصحابه؛ فقتل منهم مقتلةً عظيمة، وأسر منهم جماعة؛ فأمر أبو أحمد بضرب أعناق الأسرى فضُربت، ونزل أبو أحمد فوّهة بَرْمساور، وأقام به يومين، ثم رحل يريد المدينة التي سمّاها صاحب الزّنج المنيعةَ من سوق الخميس في يوم الثلاثاء لثماني ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر من هذه السنة بمن معه من الجيش وما معه من آلة الحرب، وسلك في السفن في برمساور، وجعلت الخيل تسير بإزائه شرقيّ برمساور، حتى حاذى النهر المعروف ببراطق الذي يوصل إلى مدينة الشعرانيّ.\nوإنما بدأ أبو أحمد بحرب سليمان بن موسى الشعرانيّ قبل حرب سليمان بن جامع من أجل أن الشعرانيَّ كان وراءه، فخاف إن بدأ بابن جامع أن يأتيه الشعرانيُّ من ورائه، ويشغله عمّن هو أمامه؛ فقصده من أجل ذلك؛ وأمر بتعبير الخيل وتصييرها على جانبي النهر المعروف ببراطق، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدّم في الشذَا والسُّميريّات، وأتبعه أبو أحمد في الشَّذَا بعامّة الجيش. فلمّا بصر سليمان ومَنْ معه من الزّنج وغيرهم بقصد الخيل والرجّالة سائرين على جنبتي النهر ومسير الشذا والسميريّات في النهر، وقد لقيهم أبو العباس قبل ذلك فحاربوه حربًا ضعيفة، انهزموا وتفرَّقوا.\nوعلا أصحاب أبي العباس السور، ووضعوا السيوف فيمن لقيهم وتفرَّق الزَّنج وأتباعهم، ودخل أصحاب أبي العباس المدينة، فقتلوا فيها خلقًا كثيرًا، وأسروا بشرًا كثيرًا، وحوَوْا ما كان في المدينة، وهرب الشعرانيّ ومَنْ أفلت منهم معه، وأتبعهم أصحاب أبي أحمد حتى وافَوا بهم البطائح، فغرق منهم خلق كثير، ونجا الباقون إلى الآجام، وأمر أبو أحمد أصحابَه بالرجوع إلى معسكرهم قبل غروب الشمس من يوم الثلاثاء، وانصرف وقد استنقذ من","vol":"13","page":309},{"text":"المسلمات زُهاء خمسة آلاف امرأة؛ سوى مَنْ ظَفر به من الزنجيات اللواتي كنّ في سوق الخميس، فأمر أبو أحمد بحياطة النساء جميعًا، وحملهنّ إلى واسط ليُدفعن إلى أوليائهنّ، وبات أبو أحمد بحيال النهر المعروف ببراطق، ثم باكر المدينة من غد، فأذن للناس في حياطة ما فيها من أمتعة الزّنج، وأخذ ما كان فيها أجمع، وأمر بهدم سورها وطمّ خندقها وإحراق ما كان بقيَ فيها من السفن، ورحل إلى معسكره ببرمساور بالظفر بما بالرساتيق والقرى التي كانت في يد الشعرانيّ وأصحابه من غلّات الحِنْطة والشعير والأرزّ، فأمر ببيع ذلك، وصرف ثمنه في أعطيات مواليه وغلمانه، وجنده وأهل عسكره، وانهزم سليمان الشعرانيّ وأخواه ومَنْ أفلت، وسُلب الشعْرانيّ ولده وما كان بيده من مال، ولحق بالمذار، فكتب إلى الخائن بخبره وما نزل به واعتصامه بالمذار.\nفذكر محمد بن الحسن، أن محمد بن هشام المعروف بأبي واثلة الكرمانيّ قال: كنتُ بين يدي الخائن وهو يتحدَّث، إذ ورد عليه كتاب سليمان الشعرانيّ بخبر الوقعة وما نزل به، وانهزامه إلى المذار، فما كان إلّا أن فضّ الكتاب، فوقعت عينُه على موضع الهزيمة حتى انحلّ وكاءُ بطنه، ثم نهض لحاجته، ثم عاد، فلمّا استوى به مجلسه أخذ الكتاب وعاد يقرؤه، فلما انتهى إلى الموضع الذي أنهضه، نهض حتى فعل ذلك مرارًا، قال: فلم أشكّ في عظم المصيبة، وكرهتُ أن أسأله، فلمّا طال الأمر تجاسرتُ، فقلت: أليس هذا كتاب سليمان بن موسى؟ قال: نعم، ورد بقاصمة الظَّهْر: أنّ الذين أناخوا عليه أوقعوا به وقعة لم تبق منه ولم تَذْر؛ فكتب كتابه هذا وهو بالمَذار، ولم يسلم بشيء غير نفسه، قال: فأكبرتُ ذلك، واللهُ يعلم مكروه ما أخفِي من السرور الذي وصل إلى قلبي، وأمسكُ مُبشرًا بدنوّ الفرج، وصبرَ الخائنُ على ما وصل إليه، وجعل يظهر الجلَد، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذّره مثل الذي نزل بالشعراني، ويأمره بالتيقّظ في أمره وحفظ ما قبَله.\nوذكر محمد بن الحسن: أن محمد بن حماد قال: أقام الموفّق بعسكره ببرمساور يومين، لتعرّف أخبار الشعرانيّ وسليمان بن جامع والوقوف على مستقرّه، فأتاه بعضُ مَنْ كان وجّهه لذلك، فأخبره: أنه معسكر بالقرية المعروفة بالحوانيت، فأمر عند ذلك بتعبير الخيل إلى أرض كَسْكَر في غربيّ دِجْلة، وسار","vol":"13","page":310},{"text":"على الظهر، وأمر بالشّذا وسفن الرجّالة فحُدّرت إلى الكثيثة، وخلّف سواد عسكره وجمعًا كثيرًا من الرجال والكُراع بفوّهة برمساور، وأمر بُغراج بالمقام هناك؛ فوافى أبو أحمد الصينيّة، وأمر أبا العباس بالمصير في الشذا والسميريّات إلى الحوانيت مخِفًّا لتعرّف حقيقة خبر سليمان بن جامع في مقامه بها، وإن وجد منه غِرّةِ أوقع به، فسار أبو العباس في عشيّ ذلك اليوم إلى الحوانيت، فلم يلفَ سليمان هنالك، وألفَى من قوّاد السودان المشهورين بالبأس والنجدة شِبْلًا وأبا النداء وهما من قدماء أصحاب الفاسق الذين كان استتبعهم في بدء مخرجه. وكان سليمان بن جامع خَلْف هذين القائدين في موضعهما لحفظ غلات كثيرة كانت هناك، فحاربهما أبو العباس، وأدخل الشّذَا موضعًا ضيقًا من النهر، فقتل مِنْ رجالهما، وجرح بالسهام خَلقًا كثيرًا - وكانوا أجلد رجال سليمان بن جامح ونخبتهم الذين يعتمد عليهم - ودامت الحرب بينهم إلى أن حجز الليل بين الفريقين.\nقال: وقال محمد بن حماد: في هذا اليوم كان من أمرِ أبي العباس في الكركيّ الذي ذكره محمد بن شعيب في يوم الصّينيّة، وقد مرّ به سانحًا، قال: واستأمن في هذا اليوم رجلٌ إلى أبي العباس، فسأله عن الموضع الذي فيه سليمان بن جامع، فأخبره أنه مقيم بطهيثا، فانصرف أبو العباس حينئذ إلى أبيه بحقيقة مقام سليمان بمدينته التي سماها المنصورة، وهي في الموضع الذي يعرف بطَهِيثا، وأن معه هنالك جميع أصحابه غير شبل وأبي النداء؛ فإنهما بموضعهما من الحوانيت لما أمِروا بحفظه، فلما عرف ذلك أبو أحمد، أمر بالرّحيل إلى بردودا؛ إذ كان المسلك إلى طهِيثا منه؛ وتقدّم أبو العباس في الشَّذَا والسمَيريّات، وأمر من خلّفه ببرمساور أن يصيروا جميعًا إلى بردودا، ورحل أبو أحمد في غد ذلك اليوم الذي أمر أبا العباس فيه بما أمره به إلى بردودا، وسار إليها يومين؛ فوافاها يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومئتين، فأقام بها يصلح ما يحتاج إلى إصلاحه من أمر عسكره، وأمر بوضع العطاء، وإصلاح سفن الجسور ليحدرها معه، واستكثر من العمال والآلات التي تُسَدّ بها الأنهار، وتُصلح بها الطرق للخيل، وخلّف ببردودا بُغْرَاج التركيّ، وقد كان لمّا عزم على الرجوع إلى بردودا أرسل إلى غلام له يقال له:","vol":"13","page":311},{"text":"جعلان وكان مخلَّفًا مع بغراج في عسكره، فأمر بقلع المضارب وتقديمها مع الدوابّ المخلّفة قِبَله والسلاح إلى بردودا، فأظهر جعلان ما أمر به في وقت العشاء الآخرة، ونادى في العسكر والناس غارّون، فألقِي في قلوبهم أن ذلك لهزيمة كانت، فخرجوا على وجوههم، وترك الناس أسواقَهم وأمتعتَهم، ظنًّا منهم أن العدوّ قد أظلّهم، ولم يلوِ منهم أحد على أحد، وقصدوا قصد الرجوع إلى عسكرهم ببردودا، وساروا في سواد ليلتهم تلك، ثم ظهر لهم بعد ذلك حقيقة الخبر، فسكنوا واطمأنّوا (١).\nوفي صفر من هذه السنة كان بين أصحاب كَيْغَلغ التركيّ وأصحاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وقْعة بناحية قَرْماسين، فهزمهم كَيْغَلَغ، وصار إلى هَمْذان، فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن قد اجتمع من أصحابه في صفر، فحاربه، فانهزم كَيغَلغ، وانحاز إلى الصّيْمَرَة.\n* * *\nوفي هذه السنة لثلاث بَقِين من شهر ربيع الآخر دخل أبو أحمد وأصحابه طَهِيثا، وأخرجوا منها سليمان بن جامع، وقُتِل بها أحمد بن مهديّ الجبّاليّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طَهِيثا ومقتل الجبائيّ</span>\nذكر محمد بن الحسن: أن محمد بن حماد حدّثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عُدّةِ حرب مَنْ قصد لحربه في مخرجه؛ سار متوجّهًا إلى طهِيثا؛ وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومئتين، وكان مسيره على الظهر في خَيْله.\n_________\n(١) لعبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج انظر المنتظم [٢/ ٢١٢] فقد ذكر خلاصة الخبر الذي استغرق هنا الصفحات (٥٩٤ - ٥٩٩) وانظر البداية والنهاية [٨/ ٢٤١]، فقد اختصر الحافظ ابن كثير هذه التفاصيل عن عبور أو مسير أحمد الموفق إلى مدينة المختارة (مدينة صاحب الزنج في جنوب العراق).","vol":"13","page":312},{"text":"وحدِّرت السفن بما فيها من الرّجّالة والسلاح والآلات، وحُدِّرت المعابر والشَّذوات والسُّميريّات، إلى أن وافى بها النهر المعروف بمَهْرُوذ بحضرة القرية المعروفة بقرية الجوزيّة، فنزل أبو أحمد هناك، وأمر بعقد الجسر على النهر المعروف بمَهروذ، وأقام يومه وليلته، ثم غدا فعبَّر الفرسان والأثقال بين يديه على الجسر، ثم عبر بعد ذلك، وأمر القوّاد والناس بالمسير إلى طَهِيثا، فصاروا إلى الموضع الذي ارتضاه أبو أحمد لنفسه منزلًا على ميلين من مدينة سليمان بن جامع، فأقام هنالك بإزاء أصحاب الخائن يوم الإثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، وأمطرت السماء مَطَرًا جَوْدا، وأشتدّ البرد أيام مقامه هنالك، فشغل بالمطر والبرد عن الحرب، فلم يحارب هذه الأيام وبقية الجمعة، فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبو أحمد في نفر من قوّاده ومواليه لارتياد موضع لمجال الخيل، فانتهى إلى قريب من سور سليمان بن جامع، فتلقّاه منهم جمع كثير، وخرج عليه كُمناء من مواضع شتى، ونشبت الحرب واشتدّت؛ فترجّل جماعة من الفرسان، ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا وغلوها، وأسِر من غلمان أبي أحمد وقوّاده غلام يقال له وصيف عَلْمدار وعدّة من قوّاد زِيرَك، ورمى أبو العباس أحمدَ بن مهديّ الجبائيّ بسهم في إحدى منخريه، فخرق كلّ شيء وصل إليه حتى خالط دماغه، فخرّ صريعًا، وحُمِل إلى عسكر الخائن وهو لمآبه، فعظُمت المصيبة به عليه؛ إذا كان أعظمَ أصحابه غِنىً عنه، وأشدّهم بصيرةً في طاعته، فمكث الجبائيّ يعالَج أيامًا، ثم هلك، فاشتدّ جزع الخائن عليه، فصار إليه، فولِيَ غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن، ثم أقبل على أصحابه فوعظَهم، وذكر موت الجبائيّ، وكانت وفاته في ليلة ذات رعود وبروق، وقال فيما ذكر: علمتُ وقت قَبْض روحه قبل وصول الخبر إليه بما سمع من زَجل الملائكة بالدّعاء له والترحُّم عليه.\nقال محمد بن الحسن: فانصرف إليّ أبو واثِلة - وكان فيمن شهده - فجعل يُعجّبني مما سمع، وجاءني محمد بن سمعان فأخبرني بمثل خبر محمد بن هشام، وانصرف الخائن من دفن الجبائيّ منكسرًا، عليه الكآبة.\nقال محمد بن الحسن: وحدثني محمد بن حماد أنّ أبا أحمد انصرف من الوقعة التي كانت عشيّة يوم الجمعة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، وكان","vol":"13","page":313},{"text":"خبره قد انتهى إلى عسكره، فنهض إليه عامة الجيش، فتلقوْه منصرفًا، فردّهم إلى عسكره؛ وذلك في وقت المغرب؛ فلمّا اجتمع أهلُ العسكر أمِروا بالتحارس ليلتَهم والتأهّب للحرب، فأصبحوا يوم السبت لثلاث بقِين من شهر ربيع الآخر؛ فعبّأ أبو أحمد أصحابه، وجعلهم كتائب يتلُو بعضُها بعضًا؛ فرسانًا ورجّالة، وأمر بالشَّذَا والسميريَّات أن يُسار بها معه في النهر الذي يشقّ مدينة طَهِيثا المعروف بنهر المُنذر، وسار نحو الزَّنْج حتى انتهى إلى سور المدينة، فرتَّب قُوّاد غلمانه في المواضع التي يخاف خروج الزَّنج عليه منها، وقدّم الرجّالة أمام الفرسان، ووكّل بالمواضع التي يخاف خروج الكُمنَاء منها، ونزل فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله ﷿ في النصر له وللمسلمين، ثم دعا بسلاحه فلبسه، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدّم إلى السور وتحضيض الغلمان على الحرب، ففعل ذلك؛ وقد كان سليمان بن جامع أعدّ أمام سور مدينته التي سمّاها المنصورة خندقًا، فلمّا انتهى إليه الغلمان تهيبوا عبورَه، وأحجموا عنه، فحرّضهم قوّادُهم وترجّلوا معهم، فاقتحموه متجاسرين عليه، فعبروه، وانتهوا إلى الزَّنْج وهم مشرفون من سور مدينتهم، فوضعوا السلاح فيهم، وعبرت شِرْذمة من الفرسان الخندق خوضًا.\nفلمّا رأى الزَّنج خبر هؤلاء القوم الذين لقوهم وكرّهم عليهم؛ ولّوْا منهزمين، وأتبعهم أصحاب أبي أحمد، ودخلوا المدينة من جَوانبها، وكان الزَّنج قد حصنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كلّ خندق منها سورًا يمتنعون به، فجعلوا يقفون عند كلّ سور وخندق إذا انتهوا إليه، وجعل أصحاب أبي أحمد يكشفونَهم في كلّ موقف وقفوه، ودخلت الشَّذَا، والسميريّات مدينتهم من النهر المشقق لها بعد انهزامهم، فجعلت تُغرق كلّ ما مرّت لهم به من شَذاة وسُميريّة، واتبعوا مَنْ بحافتي النهر، يُقتلون ويُؤسرون، حتى أجلُوا عن المدينة وعمّا اتصل بها، وكان زهاءُ ذلك فرسخًا، فحوى أبو أحمد ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع في نفر من أصحابه، فاستحرّ القتل فيهم والأسر، واستنقَذ أبو أحمد من نساء أهل واسط وصبيانهم ومما اتصل بذلك من القُرى ونواحي الكوفة زُهاء عشرة آلاف، فأمر أبو أحمد بحياطتهم والإنفاق عليهم، وحُملوا إلى واسط، ودُفعوا إلى أهليهم، واحتوى أبو أحمد وأصحابه على كلّ ما كان في تلك المدينة من","vol":"13","page":314},{"text":"الذخائر، والأموال والأطعمة والمواشي، وكان ذلك شيئًا جليل القدر، فأمر أبو أحمد ببيع ما أصاب من الغلّات وغير ذلك، وحمله إلى بيت ماله، وصرفه في أعطيات من في عسكره من مواليه وجنوده، فحملوا من ذلك ما تهيّأ لهم حمله، وأسِر من نساء سليمان وأولاده عدّة، واستُنقِذ يومئذ وصيف عَلْمدار ومَنْ كان أسِر معه عشيّة يوم الجمعة، فأخرجوا من الحبس، وكان الأمر أعجل الزَّنج عن قتلهم، ولجأ جمع كثير ممن أفلت إلى الآجام المحيطة بالمدينة، فأمر أبو أحمد فعُقد جِسرٌ على هذا النهر المعروف بالمنذر، فعبر الناس إلى غربيّه، وأقام أبو أحمد بطهيثا سبعة عشر يومًا، وأمر بهدم سور المدينة وطمّ خنادقها، ففعل ذلك، وأمر بتتبع مَنْ لجأ إلى الآجام، وجعل لكل مَنْ أتاه برجل منهم جُعْلًا، فتسارع الناس إلى طلبهم؛ فكان إذا أتيَ بالواحد منهم عفا عنه، وخلع عليه وضمّه إلى دوّاد غلمانه لما دبّر من استمالتهم وصرفهم عن طاعة صاحبهم، وندب أبو أحمد نُصيرًا في الشَّذَا والسميريّات لطلب سليمان بن جامع والهرب معه من الزنج وغيرهم، وأمره بالجِدّ في اتباعهم حتى يجاوز البطائح، وحتى يلج دجْلة المعروفة بالعوراء، وتقدّم في فتح الكُور التي كان الفاسق أحدثها، ليقطع بها الشذَا عن دجلة فيما بينه وبين النهر المعروف بأبي الخصيب، وتقدّم إلى زيرَك في المقام بطهِيثا ليتراجع إليها الذين كان الفاسق أجلاهم عنها من أهلها، وأمره بتتبع مَنْ بَقِيَ في الآجام من الزّنج حتى يظفر بهم.\n* * *\nوفي شهر ربيع الآخر منها ماتت أم حبيب بنت الرّشيد، ورحل أبو أحمد بعد إحكامه ما أراد إحكامه إلى معسكره ببرْدُودا مزمِعًا على التوجّه نحو الأهواز ليصلحها؛ وقد كان اضطراب أمرُ المهلبيّ وإيقاعه بمن أوقع عليه من الجيوش التي كانت بها وغلبته على أكثر كُورها، وقد كان أبو العباس تقدّمه في مسيره ذلك، فلما وافَى بردودا أقام أيامًا، وأمر بإعداد ما يحتاج إليه للمسير على الظهر إلى كُور الأهواز، وقدِمَ مَنْ يصلح الطريق والمنازل ويعدّ فيها المِيَر للجيوش التي معه، ووافاه قبل أن ترحّل عن واسط زيرك منصرفًا عن طهيثا؛ بعد أن تراجع إلى النواحي التي كان بها الزّنج أهلُها، وخلّفهم آمنين، فآمره أبو أحمد بالاستعداد والانحدار في الشَّذَا والسُّميريَّات في نخبة أصحابه وأنجادهم، ليصير بهم إلى","vol":"13","page":315},{"text":"دِجْلة العوراء، فتجتمع يدُه ويد أبي حمزة على نفض دِجْلة واتباع المنهزمين من الزَّنْج والإيقاع بكل مَنْ لقوا من أصحاب الفاسق، إلى أن ينتهيَ بهم السير إلى مدينته بنهر أبي الخصيب، وإن رأوا موضع حرب حاربوه في مدينته، وكتبوا بما كان منهم إلى أبي أحمد ليردّ عليهم من أمره ما يعملون بحسبه، واستخلف أبو أحمد على من خلّف في عسكره بواسط ابنه هارون، وأزمع على الشخوص فيمن خفّ من رجاله وأصحابه، ففعل ذلك بعد أن تقدّم إلى ابنه هارون في أن يحدّر الجيش الذي خلّفه معه في السفن إلى مستقرّه بدِجْلة إذا وافى كتابه بذلك.\n* * *\nوفي يوم الجمعة لليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة - وهي سنة سبع وستين ومئتين، ارتحل أبو أحمد من واسط شاخصًا إلى الأهواز وكورها، فنزل باذبين ثم جوخَى ثم الطِّيب ثم قُرقوب ثم درستان ثم على وادي السوس، وقد كان عُقد له عليه جسر، فأقام به من أوّل النهار إلى آخر وقت الظهر، حتى عبّر أهلَ عسكره أجمع، ثم سار حتى وافَى السوس، فنزلها - وقد كان أمر مسرورًا وهو عامله على الأهواز - بالقدوم عليه، فوافاه في جيشه وقوّاده من غد اليوم الذي نزل فيه السوس، فخلع عليه وعليهم، وأقام بالسوس ثلاثًا.\nوكان ممن أسِرَ بَطهِثيا من أصحاب الفاسق أحمد بن موسى بن سعيد البصريّ المعروف بالقَلُوص، وكان أحد عُدَده وقدماء أصحابه، أسِر بعد أن أثخِن جراحًا كانت منها منيّته؛ فلمّا هلك أمر أبو أحمد باحتزاز رأسه ونصبه على جسر واسط.\nوكان ممّن أسِر يومئذ عبد الله بن محمد بن هشام الكَرْمانيّ؛ وكان الخبيث اغتصبه أباه، فوجّهه إلى طهيثا، وولّاه القضاء والصَّلاة بها، وأسِر من السودان جماعةٌ كان يعتمد عليهم، أهل نجدة وبأس وجَلد، فلمّا اتصل به الخبر بما نال هؤلاء انتقض عليه تدبيرُه، وضلَّت حِيَله، فحمله فَرْط الهَلع على أن كتب إلى المهلبيّ وهو يومئذ مقيم بالأهواز في زهاء ثلاثين ألفًا مع رجل كان صحِبه، يأمره بترك كلّ ما قِبَله من المِيَر والأثاث، والإقبال إليه؛ فوصل الكتاب إلى المهلبيّ وقد أتاه الخبر بإقبال أبي أحمد إلى الأهواز وكُوَرِها، فهو لذلك طائر العقل، فترك جميع ما كان قِبَله، واستخلف عليه محمد بن يحيى بن سعيد الكَرْنبائيّ، فَدخِل قلبُ الكرنبائيّ من الوَجل، فأخلى ما استُخلِف عليه، وتبع المهلّبيّ؛","vol":"13","page":316},{"text":"وبجُبَّى والأهواز ونواحيها يومئذ من أصناف الحبوب والتمر والمواشي شيء عظيم، فخرجوا عن ذلك كله.\nوكتب أيضًا الفاسق إلى بَهْبوذ بن عبد الوهاب، وإليه يومئذ عمل الفَنْدم والباسيَان، وما اتّصل بهما من القُرى التي بين الأهواز وفارس، وهو مقيم بالفَنْدم، يأمره بالقدوم عليه، فترك بَهْبوذ ما كان قِبَله من الطعام والتمر - وكان ذلك شيئًا عظيمًا - فحوى جميع ذلك أبو أحمد، فكان ذلك قوةً له على الفاسق، وضعفًا للفاسق.\nولَمّا فصل المهلبيّ عن الأهواز تفرّق أصحابُه في القرى التي بينها وبين عسكر الخبيث فانتهجوها، وأجْلَوْا عنها أهلَها، وكانوا في سلْمهم، وتخلّف خلْق كثير ممّن كان مع المهلبيّ من الفرسان والرجّالة عن اللحاق به، فأقاموا بنواحي الأهواز، وكتبوا يسألون أبا أحمد الأمان لما انتهى إليهم من عفوه عمّن ظفر به من أصحاب الخبيث بطهِيثا، ولحق المهلبيّ ومَنْ اتّبعه من أصحابه بنهر أبي الخصيب.\nوكان الذي دعا الفاسق إلى أمر المهلبيّ وبهبوذ بسرعة المصير إليه خوفُه موافاة أبي أحمد وأصحابه إياه على الحال التي كانوا عليها من الوَجَل وشدّة الرّعب مع انقطاع المهلبيّ وبهبوذ فيمن كان معهما عنه، ولم يكن الأمر كما قدّر.\nوأقام أبو أحمد حتى أحرز ما كان المهلبيّ وبهبوذ خلّفاه، وفُتِحت السكور التي كان الخبيث أحدثها في دِجْلة، وأصلِحت له طرقه ومسالكه ورحل أبو أحمد عن السوس إلى جنديسابور، فأقام بها ثلاثًا؛ وقد كانت الأعلاف ضاقت على أهل العسكر، فوجّه في طلبها، وحملها ورحل عن جند يسابور إلى تُسْتَر، وأمر بجباية الأموال من كُور الأهواز، وأنفذ إلى كلّ كورة قائدًا ليرُوج بذلك حمل الأموال، ووجّه أحمد بن أبي الأصبغ إلى محمد بن عبيد الله الكرديّ، وقد كان خائفًا أن يأتيَه صاحب الفاسق قبل موافاة أبي أحمد كور الأهواز، وأمره بإيناسه وإعلامه ما عليه رأيُه من العفو عنه، والتغمّد لزلته، وأن يتقدّم إليه في تعجيل حمل الأموال والمسير إلى سوق الأهواز، وأمر مسرورًا البلخيّ عامله بالأهواز بإحضار مَنْ معه من الموالي والغلمان والجند ليعرضهم، ويأمرَ بإعطائهم الأرزاق، وينهضهم معه لحرب الخبيث. فأحضرهم، وعُرضوا رجلًا رجلًا،","vol":"13","page":317},{"text":"وأعطُوا ثم رحل إلى عسكر مُكْرَم، فجعله منزلًا اجتازه ورحل منه فوافَى الأهواز، وهو يرى أنه قد تقدَّمه إليها من الميرة ما يحمل عساكره، فغلظ الأمر في ذلك اليوم، واضطرب له الناس اضطرابًا شديدًا، وأقام ثلاثة أيام ينتظر ورود المِيَر؛ فلم تَرِد، فساءت أحوال الناس، وكاد ذلك يفرّق جماعتهم، فبحث أبو أحمد عن السبب المؤخّر ورودها، فوجد الجند قد كانوا قطعوا قنطرة قديمة أعجمية كانت بين سوق الأهواز ورامَ هرمز يقال لها: قنطرة أربُك، فامتنع التجار ومن يحمل الميرة من تطرُّقه لقطع تلك القنطرة، فركب أبو أحمد إليها وهي على فرسخين من سُوق الأهواز، فجمع مَنْ كان بقيَ في العسكر من السودان، وأمرهم بنقل الحجارة والصّخْر لإصلاح هذه القنطرة وبَذل لهم الأموال الرغيبة، فلم يرمْ حتى أصلحت في يومه ذلك، ورُدّت إلى ماكانت عليه، فسلكها الناس، ووافت القوافل بالمِيَر، فحيِيَ أهل العسكر، وحسنت أحوالهم.\nوأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد الجسر على دُجيل، فجمعت من كُور الأهواز وأخذ في عقد الجْسر، وأقام بالأهواز أيامًا حتى أصلح أصحابهُ أمورهم، وما احتاجوا من آلاتهم، وحسُنت أحوال دوابِّهم، وذهب عنها ما كان نالها من الضرّ بتخلف الأعلاف، ووافت كتب القوم الذين كانوا تخلّفوا عن المهلبيّ، وأقاموا بسوق الأهواز يسألونه الأمان؛ فآمنهم، فأتاه نحو من ألف رجل، فأحسن إليهم، وضمهم إلى قُوّاد غلمانه، وأجرى لهم الأرزاق، وعقد الجسر على دُجَيل، فرحل بعد أن قدّم جيوشه، فعبر الجسر، وعسكر بالجانب الغربيّ من دُجيل في الموضع المعروف بقصر المأمون، فأقام هنالك ثلاثًا، وأصابت الناس في هذا الموضع من الليل زلزلة هائلة، وقَى الله شرّها، وصرف مكروهها.\nوقد كان أبو أحمد قبل عبور الجسر المعقود على دُجَيل قدّم أبا العباس ابنه إلى الموضع الذي كان عزم على نزوله من دِجْلة العوراء، وهو الموضع المعروف بنهر المبارك من فُرات البصرة، وكتب إلى ابنه هارون بالانحدار في جميع الجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك أيضًا لتجتمع العساكر هناك، فرحل أبو أحمد عن قصر المأمون، فنزل بقُورَج العباس، ووافاه أحمد بن أبي الأصبغ هنالك بما صالح عليه محمد بن عبيد الله وبهدايا أهداها إليه من دوابّ وضوارٍ","vol":"13","page":318},{"text":"وغير ذلك، ثم رحل عن القورَج، فنزل بالجعفرية، ولم يكن بهذه القرية ماء إلا من آبار كان أبو أحمد تقدّم بحفرها في عسكره، وأنفذ لذلك سعدًا الأسود مولى عبيد الله بن محمد بن عمار من قورَج العباس، فُحُفرت، فأقام بهذا الموضع يومًا وليلة، وألفَى هناك مِيَرًا مجموعة، واتّسع الناس بها، وتزوَّدوا منها.\nثم رحل إلى الموضع المعروف بالبشير، وألفى فيه غديرًا من المطر، فأقام به يومًا وليلة، ورحل في آخر الليل يريد نهر المبارك، فوافاه بعد صلاة الظهر، وكان منزلًا بعيد المسافة؛ وتلقّاه ابناه أبو العباس وهارون في طريقه، فسلّما عليه، وسارا بسيره حتى ورد نهر المبارك، وذلك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومئتين.\nوكان لِزيرك ونصير في الذي كان أبو أحمد وجّه فيه زيرك من تتبُّع فلّ الخبيث من طَهيثا أثرٌ فيما بين وصول أبي أحمد من واسط إلى حال مصيره إلى نهر المبارك؛ وذلك ما ذكره محمد بن الحسن عن محمد بن حماد، قال: لمَّا اجتمع زيرك ونصير بدِجْلة العوراء؛ انحدرا حتى وافيا الأبُلّة، فاستأمن إليهما رجل من أصحاب الخبيث، فأعلمهما أن الخبيث قد أنفذ عددًا كثيرًا من السُّميريّات والزّواريق والصلاغ مشحونة بالزَّنج، يرأسهم رجل من أصحابه، يقال له: محمد بن إبراهيم، يكنى أبا عيسى، ومحمد بن إبراهيم هذا رجل من أهل البصرة، كان جاء به رجل من الزَّنج عند خراب البصرة يقال له: يَسار، كان على شُرْطة الفاسق، فكان يكتب ليسار على ما كان يلي حتى مات، وارتفعت حال أحمد بن مهدي الجبائيّ عند الخبيث، فولَّاه أكثر أعمالِه، وضمّ محمد بن إبراهيم هذا إليه، فكان كاتبه إلى أن هلك الجبائيّ - فطمِع محمد بن إبراهيم هذا في مرتبته، وأن يحلّه الخبيث محلّ الجبائيّ، فنبذ الدواة والقلم، ولبس آلة الحرب، وتجرّد للقتال، فأنهضه الخبيث في هذا الجيش، وأمره بالاعتراض في دجْلة لمدافعة مَنْ يردُها من الجيوش، فكان في دجْلة أحيانًا، وأحيانًا يأتي بالجمع الذي معه إلى النهر المعروف بنهر يزيد، ومعه في ذلك الجيش شِبْل بن سالم وعمرو المعروف بغلام بوذي وأجلاد من السودان وغيرهم، فاستأمن رجل كان في ذلك الجيش إلى زيرك ونُصير، وأخبرهما خبره، وأعلمهما أن محمد بن إبراهيم على القصد لسواد عسكر نُصَير، ونصير يومئذ معسكر بنهر المرأة،","vol":"13","page":319},{"text":"وأنهم على أن يسلكوا الأنهار المعترضة على نهر معقِل وبثْق شيرِين، حتى يوافوا الموضع المعروف بالشرطة، ليخرجوا من وراء العسكر فيكبُّوا على طرفيْه؛ فرجع نصير عند وصول هذا الخبر إليه من الأبُلّة مبادرًا إلى معسكره، وسار زيرَك قاصدًا لبَثْق شيرين؛ حتى صار من مؤخّرة في موضع يعرف بالميشان؛ وذلك أنه قدّر أن محمد بن إبراهيم ومن معه يأتون عسكر نُصير من ذلك الطريق؛ فكان ذلك كما ظنّ، ولقيهم في طريقهم فوهب الله له العلوّ عليهم بعد صبر منهم له ومجاهدة شديدة؛ فانهزموا ولجؤوا إلى النهر الذي كانوا وضعوا الكمين فيه، وهو نهر يزيد، فدُلّ زيرك عليهم، فتوغّلت عليهم سُميريّاته وشذواته، فقتِل منهم طائفة وأسِر طائفة؛ وكان ممن ظفِر به منهم محمد بن إبراهيم المكنى أبا عيسى وعمرو المعروف بغلام بوذي، وأخِذ ما كان معهم من السُّميريّات، وذلك نحو من ثلاثين سُميريّة، وأفلت شبل في الذين نجوْا، فلحق بعسكر الخبيث، وخرج زيرك من بَثْق شِيرين ظافرًا ومعه الأسارى ورؤوس مَنْ قتل مع ما حوى من السميريّات والزّواريق وسائر السفن، فانصرف زيرك من دِجْلة العَوْراء إلى واسط؛ وكتب إلى أبي أحمد بما كان من حربه والنصر والفتح.\nوكان فيما كان من زيرك في ذلك وصول الجزَع إلى كلّ مَنْ كان بدِجْلة وكُورها من أتباع الفاسق، فاستأمن إلى أبي حمزة وهو مقيم بنهر المرأة منهم زهاء ألفي رجل - فيما قيل - فكتب بخبرهم إلى أبي أحمد، فأمره بقبولهم وإقرارهم على الأمان وإجراء الأرزاق عليهم، وخلطهم بأصحابه ومناهضته العدوّ بهم.\nوكان زيرك مقيمًا بواسط إلى حين ورود كتاب أبي أحمد على ابنه هارون بالمصير بالجيش المتخلِّف معه إلى نهر المبارك، فانحدر زيرك مع هارون، وكتب أبو أحمد إلى نصير وهو بنهر المرأة يأمره بالإقبال إليه إلى نهر المبارك، فوافاه هنالك؛ وكان أبو العباس عند مصيره إلى نهر المبارك انحدر إلى عسكر الفاسق في الشَّذَا والسُّميريّات، فأوقع به في مدينته بنهر أبي الخصيب.\nوكانت الحرب بينه وبينهم من أوّل النهار إلى آخر وقت الظهر، واستأمن إليه قائد من قوّاد الخبيث المضمومين كانوا إلى سليمان بن جامع، يقال له: منتاب، ومعه جماعة من أصحابه؛ فكان ذلك مما كسر الخبيث وأصحابَه، وانصرف أبو العباس بالظَّفَر، وخلع على منتاب ووصله وحمله، ولمّا لقيَ أبو العباس أباه","vol":"13","page":320},{"text":"أعلمه خبر منتاب، وذكر له خروجه إليه بالأمان، فأمر أبو أحمد لمنتاب بخِلْعة وصلة وحُملان، وكان منتاب أوّل مَنْ استأمن من قوّاد الزَّنج.\nولما نزل أبو أحمد نهر المبارك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومئتين، كان أول ما عمل به في أمر الخبيث - فيما ذكر محمد بن الحسن بن سهل، عن محمد بن حمّاد بن إسحاق بن حمّاد بن زيد - أن كتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان والأمصار، واستحلال الفروج والأموال، وانتحال ما لم يجعله الله له أهلًا من النبوّة والرسالة، ويعلمه أن التوبة له مبسوطة، والأمان له موجود؛ فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخَطها الله، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه؛ وكان له به الحظّ الجزيل في دنياه، وأنفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث، والتمس الرّسول إيصالَه، فامتنع أصحاب الخبيث من إيصال الكتاب، فألقاه الرسول إليهم، فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث، فقرأه فلم يزدْه ما كان فيه من الوعظ إلا نفورًا وإصرارًا، ولم يجب عن الكتاب بشيء، وأقام على اغتراره، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبَره بما فعل، وترك الخبيث الإجابة عن الكتاب، وأقام أبو أحمد يوم السبت والأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء متشاغلًا بعرض الشَّذَا والسُّميريّات وترتيب دوّاده ومواليه وغلمانه فيها، وتخيّر الرماة وترتيبهم في الشَّذَا والسُّميريّات، فلما كان يوم الخميس سار أبو أحمد في أصحابه، ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينة الخبيث التي سمّاها المختارة من نهر أبي الخصيب، فأشرف عليها وتأمّلها، فرأى من مَنعَتها وحصانتها بالسُّور والخنادق المحيطة بها وما عوّر من الطرق المؤدية إليها وأعِدّ من المجانيق والعرّادات والقسيّ الناوكيّة وسائر الآلات على سورها ما لم ير مثله ممن تقدّم من منازعي السلطان، ورأى من كثرة عدد مقاتلتهم واجتماعهم ما استغلظ أمره، فلمّا عاين أصحابه أبا أحمد، ارتفعت أصواتُهم بما ارتجّت له الأرض، فأمر أبو أحمد عند ذلك ابنه أبا العباس بالتقدّم إلى سُور المدينة وَرشْق مَنْ عليه بالسهام، ففعل ذلك ودنا حتى ألصق شَذواته بمسنّاة قصر الخائن، وانحازت الفسقة إلى الموضع الذي دنت منه الشَّذَا، وتحاشدوا وتتابعت سهامهم، وحجارة مجانيقهم وعرّاداتهم ومقاليعهم، ورمى عوامُّهم بالحجارة","vol":"13","page":321},{"text":"عن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذَا على موضع إلّا رأى فيه سهمًا أو حجرًا، وثبت أبو العباس، فرأى الخائن وأشياعه من جدّهم واجتهادهم وصَبْرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهم.\nفأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروِّحوا عن أنفسهم ويداووا جراحهم، ففعلوا ذلك.\nواستأمن إلى أبي أحمد في تلك الحال مقاتلان من مقاتلة السُّميريّات، فأتوه بسُمَيريتهما وما فيها من الآلات والملّاحين، فأمر للمقاتلين بخلَع ديباج ومناطق محلّاة، ووصلهما، وأمر للملاحين بخلَع من خلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعًا بصلاته، وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم؛ فكان ذلك من أبخع المكايد التي كيد بها الفاسق، فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان إليهم، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه، فابتدروه مسرعين نحوه، راغبين فيما شرع لهم منه، فصار إلى أبي أحمد في ذلك اليوم عدد من أصحاب السميريّات، فأمر فيهم بمثل ما أمر به في أصحابهم، فلما رأى الخبيثُ ركونَ أصحاب السميريّات إلى الأمان واغتنامهم له أمر بردّ مَنْ كان منهم في دِجْلة إلى نهر أبي الخصيب، ووكل بفوّهة النهر مَنْ يمنعهم من الخروج، وأمر بإظهار شذواته، وندب لهم بَهْبوذ بن عبد الوهاب، وهو من أشدّ حماته بأسًا، وأكثرهم عددًا وعِدّة، فانتدب بهبوذ لذلك في أصحابه، وكان ذلك في وقت إقبال المدّ وقوّته، وقد تفرّقت شَذَوات أبي أحمد، ولحق أبو حمزة فيما معه منها بشرقيّ دِجْلة، فأقام هنالك وهو يرى أنّ الحرب قد انقضت واستُغنى عنه.\nفلما ظهر بَهبْوذ فيما معه من الشَّذَوات أمر أبو أحمد بتقديم شَذَواتِه، وأمر أبا العباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشَّذَا، وتقدّم إلى قُوّاده وغلمانه بالحمل معه؛ وكان الذي صَلِيَ بالحرب من الشَّذَوات التي مع أبي العباس وزيرك من الشَّذَوات التي رتب فيها قوّاد الغلمان اثنتي عشرة شذاة، فنشبت الحرب، وطمع أصحاب الفاسق في أبي العباس وأصحابه لقلة عدد شذواتهم، فلما صُدِموا انهزموا ووجّه أبو العباس ومَنْ معه في طلب بهبوذ، فألجؤوه إلى فناء قصر الخبيث، وأصابتْه طعنتان، وجُرح بالسهام جراحات، وأوهِنت أعضاؤه","vol":"13","page":322},{"text":"بالحجارة، وخلّى ما كان عليه مع أصحابه، فأولجوه نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت، وقتل يومئذ ممن كان مع بهبوذ قائد من قوّاده ذو بأس ونجدة وتقدّم في الحرب، يقال له: عميرة، وظفر أصحاب أبي العباس بشذَاة من شَذَوات بهبوذ، فقتل أهلها، وغرقوا وأخذت الشذاة، وصار أبو العباس ومَن معه بشذواهم بعد أن أتاهم أمر أبي أحمد بذلك، وبإلحاف الشَّذَا بشرقيّ في جلة وصرف الجيش، فلمّا رأى الفاسق جيش أبي أحمد منصرفًا أمر مَنْ كان انهزم في شَذواتِه إلى نهر أبي الخصيب بالظهور ليسكّن بذلك روعةَ أصحابه، وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة، فأمر أبو أحمد جماعة من غلمانه بأن يثبّتوا صدور شذواتهم إليهم؛ ويقصدوهم فلما رأوا ذلك ولَّوْا منهزمين مذعورين وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم، فاستأمن أهلها إلى أبي أحمد، ونكسوا علمًا أبيض كان معهم، فصاروا إليه في شذاتهم فأمِّنوا وحُبوا ووُصِلوا وكُسوا، فأمر الفاسق عند ذلك بردّ شذواتهم إلى النهر ومنعها من الخروج، وكان ذلك في آخر النهار، وأمر أبو أحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم بنهر المبارك.\nواستأمن إلى أبي أحمد في هذا اليوم عند منصرَفه خَلْق كثير من الزَّنْج وغيرهم، فقبلهم، وحملهم في الشَّذَا والسميريّات، وأمر أن يخلع عليهم ويوصلوا ويُحبَوْا، وتُكتب أسماؤهم في المضمومين إلى أبي العباس.\nوسار أبو أحمد، فوافى عسكره بعد العشاء الأخيرة، فأقام به يوم الجمعة والسبت والأحد، ثم عزم على نقل عسكره إلى حيث يقرب منه عليه القَصْد لحرب الخبيث، فركب الشَّذَا في يوم الإثنين لستّ ليال بفين من رجب سنة سبع وستين ومئتين، ومعه أبو العباس والقوّاد من مواليه وغلمانه، فيهم زيرك ونصير حتى وافَى النهر المعروف بنهر جَطّى في شرقيّ دجْلة، وهو حيال النهر المعروف باليهوديّ، فوقف عليه، وقدّر فيه ما أراد وانصرف، وخلّف به أبا العباس وزيرك ونُصيرًا، وعاد إلى معسكره، فأمر فنودي في الناس بالرحيل إلى الموضع الذي اختار من نهر جَطَّى، وتقدّم في قوْد الدوابّ بعد أن أصلحت لها الطرف، وعقدت القناطر على الأنهار، وغدا في يوم الثلاثاء لخمس بقين من رجب في جميع عساكره حتى نزل نهر جَطّى، فأقام به إلى يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين ومئتين، ولم يحارب في شيء من هذه الأيام، وركب","vol":"13","page":323},{"text":"في هذا اليوم في الخيل والرجّالة، ومعه جميع الفرسان، وجعل الرجالة والمطوّعة في السفن والسميريّات، على كل رجل منهم لأمَتُه وزِيّه، وسار حتى وافى الفرات، ووازى عسكر الفاسق وأبو أحمد من أصحابه وأتباعه في زُهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون، والفاسق يومئذ في زهاء ثلثمئة ألف إنسان، كلهم يقاتل اْو يدافع؛ فمن ضاربٍ بسيف، وطاعن برمح، ورامٍ بقوس، وقاذف بمقلاع، ورامٍ بعرّادة أو منجنيق؛ وأضعفهم أمرُ الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتَنون بالنعير (١) والصّياح، والنساء يشركنهم في ذلك.\nفأقام أبو أحمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى، وأمر فنودي أن الأمان مبسوط للناس؛ أسودِهم وأحمرِهم إلّا الخبيث، وأمر بسهام فعُلّقت فيها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به، ووعد الناس فيها الإحسان ورمى بها إلى عسكر الخبيث، فمالت إليه قلوب أصحاب المارق بالرّهبة والطمع فيما وعدهم من إحسانه وعفوه؛ فأتاه في ذلك اليوم جمع كثير يحملهم الشَّذَا إليه، فوصلهم وحباهم، ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطّى، ولم يكن في هذا اليوم حرب.\nوقدم عليه قائدان من مواليه، أحدهما بكتمر والآخر جعفر بن بغلاغز، في جمع من أصحابهما فكان ورودهما زائدًا في قوّة مَنْ مع أبي أحمد.\nورحل أبو أحمد عن نهر جَطّى إلى معسكر قد كان تقدم في إصلاحه، وعقد القناطر على أنهاره، وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بإزاء مدينة الفاسق؛ فكان نزوله هذا المعسكر في يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وستين ومئتين، وأوطن هذا المعسكر، وأقام به، ورتب قوّاده، ورؤساء أصحابه مراتبهم فيه، فجعل نُصيرًا صاحب الشَّذَا والسميريات في جيشه في أوّل العسكر وآخره بالموضع الموازي النهر المعروف بجُوى كور، وجعل زيرك التركيّ صاحب مقدّمة أبي العباس في أصحابه موازيًا ما بين نهر أبي الخصيب وهو النهر الموسوم بنهر الأتراك والنهر المعروف بالمغيرة، ثم تلاه عليّ بن جهشيار حاجبه في جَيْشه.\nوكانت مضاربُ أبي أحمد وابنيه حيالَ الموضع المعروف بديْر جابِيل، وأنزل\n_________\n(١) النَّعير: الصُّراخ والصياح في حربٍ، أو شرٍّ.","vol":"13","page":324},{"text":"راشدًا مولاه في مواليه وغلمانه الأتراك والخزر والرّوم والديالمة والطبرية والمغاربة والزّنج على النهر المعروف بهَطَمة، وجعل صاعد بن مَخْلَد وزيره في جيشه من الموالي والغلمان فُويق عسكر راشد، وأنزل مسرورًا البلخيّ في جيشه على النهر المعروف بسِنْدادَان، وأنزل الفضل ومحمدًا، ابني موسى بن بُغا في جيشهما على النهر المعروف بهالة، وتلاهما موسى دالجويه في جيشه وأصحابه وجعل بُغْراج التركيّ على ساقته نازلًا على نهر جَطَّى، وأوطنوه، وأقاموا به، ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة جمعه ما علم أنه لابدّ له من الصبر عليه ومحاصرته وتفريق أصحابه عنه؛ ببذل الأمان لهم، والإحسان إلى مَنْ أناب منهم، والغلظة على مَنْ أقام على غيّه منهم، واحتاج إلى الاستكثار من الشَّذَا وما يحارب به في الماء.\nفأمر بإنفاذ الرّسل في حمل المِيَر في البرّ والبحر، وإدرارها إلى معسكره بالمدينة التي سماها الموفَّقيّة، وكتب إلى عماله في النواحي في حمل الأموال إلى بيت ماله في هذه المدينة، وأنفذ رسولًا إلى سِيراف وجنّابا في بناء الشذَا والاستكثار منها لما احتاج إليه من ترتيبها في المواضع التي يقطع بها المِيَر عن الخائن وأشياعه، وأمر بالكتاب إلى عمّاله في النواحي بإنفاذ كل مَنْ يصلح للإثبات في الديوان، ويرغب في ذلك، وأقام ينتظر شهرًا أو نحوه؛ فوردت الميَر متتابعةً يتلو بعضها بعضًا، وجهّز التجار صنوف التجارات والأمتعة وحملوها إلى المدينة الموفقيّة واتخذت بها الأسواق، وكثر بها التجار والمتجهزون من كلّ بلد، ووردتها مراكب البحر؛ وقد كانت انقطعت لقطع الفاسق وأصحابه سبلها قبل ذلك بأكثر من عشر سنين، وبنى أبو أحمد مسجد الجامع، وأمر الناس بالصَّلاة فيه، واتَّخذ دُورَ الضَّرْب، فضرب فيها الدنانير والدراهم، فجمعت مدينة أبي أحمد جميع المرافق، وسيق إليها صنوف المنافع حتى كان ساكنوها لا يفقدون بها شيئًا مما يوجد في الأمصار العظيمة القديمة، وحملت الأموال، وأدرّ للناس العطاء في أوقاته، فاتّسعوا وحسنت أحوالهم، ورغب الناس جميعًا في المصير إلى المدينة الموفقيّة والمقام فيها.\nوكان الخبيث بعد ليلتين من نزول أبي أحمد مدينته الموفقيّة أمر بهبوذ بن عبد الوهاب، فعبَر والناس غارُّون في سُميريّات إلى طرف عسكر أبي حَمْزة","vol":"13","page":325},{"text":"فأوقع به، وقتل جماعة من أصحابه، وأسر جماعة، وأحرق كوخات كانت لهم قبل أن يبنى الناس هنالك، فأمر أبو أحمد نُصيرًا عند ذلك بجمع أصحابه، وألّا يطلق لأحد مفارقة عسكره، وأن يحرس أقطار عسكره بالشَّذَا والسميريّات والزّواريق فيها الرجّالة إلى آخر مَيان رُوذان والقَنْدل وأبرسان، للإيقاع بمن هنالك من أصحاب الفاسق.\nوكان بميان روذان من قوّاده أيضًا إبراهيم بن جعفر الهمدانيّ في أربعة آلاف من الزَّنج، ومحمد بن أبان المعروف بأبي الحسن أخو عليّ بن أبان بالقَنْدل في ثلاثة آلاف، والمعروف بالدّور في أبرسان في ألف وخمسمئة من الزَّنج والجبائيّين، فبدأ أبو العباس بالهمدانيّ فأوقع به، وجرت بينهما حروب، قُتِل فيها خلق كثير من أصحاب الهمدانيّ، وأسر منهم جماعة، وأفلت الهمدانيّ في سُميريّة قد كان أعدّها لنفسه، فلحق فيها بأخي المهلبيّ المكنى بأبي الحسن، واحتوى أصحاب أبي العباس على ما كان في أيدي الزَّنج وحملوه إلى عسكرهم.\nوقد كان أبو أحمد تقدم إلى ابنه أبي العباس في بذل الأمان لمن رغب فيه، وأن يضمن لمن صار إليه الإحسان، فصار إليه طائفة منهم في الأمان فآنهم، فصار بهم إلى أبيه، فأمر لكل واحد منهم من الخِلَع والصلات على أقدارهم في أنفسهم، وأن يوقفوا بإزاء نهر أبي الخصيب ليعاينهم أصحابهم ... وأقام أبو أحمد يكايد الخائن ببذل الأمان لمن صار إليه من الزّنج وغيرهم، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم، وقطع المِيَر والمنافع عنهم؛ وكانت ميرة الأهواز وما يرد من صنوف التجارات منها ومن كورها ونواحي أعمالها يسلك به النهر المعروف ببيان، فسرى بهبوذ في جُلد رجاله ليلة من الليالي، وقد نمِي إليه خبر قيروان ورد بصنوف من التجارات والمِيروكمّن في النخل؛ فلما ورد القَيْروان خرج إلى أهله، وهم غارّون، فقَتل منهم وأسَر، وأخذ ما أحبّ أن يأخذ من الأموال.\nوقد كان أبو أحمد أنفذ لبَذْرقة ذلك القَيْروان رجلًا من أصحابه في جمع، فلم يكن للموجَّه لذلك ببهبوذ طاقة، لكثرة عدد مَنْ معه وضيق الموقع على الفرسان، وأنه لم يكن بهم فيه غناء، فلما انتهى ذلك إلى أبي أحمد، غلظ عليه ما نال الناس في أموالهم وأنفسهم وتجارتهم، وأمر بتعويضهم، وأخلف عليهم","vol":"13","page":326},{"text":"مثلَ الذي ذهب لهم، ورتّب الشذا على فوّهة بيان وغيره من الأنهار التي لا يتهيّأ للفرسان سلوكُها في بنائها والإقبال بها إليه، فورد عليه منها عددٌ صالح، فرتّب فيها الرجال، وقلّد أمرها أبا العباس ابنه، وأمره أن يوكل بكل موضع يرد إلى الفسَقة منه مِيرة، فانحدر أبو العباس لذلك إلى فُوّهة البحر في الشذوات، ورتب في جميع تلك المسالك القوّاد، وأحكم الأمر فيه غاية الإحكام.\n* * *\nوفي شهر رمضان منها كانت وقعة بين إسحاق بن كُنْدَاج وإسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبي المغراء وحمدان الشاري ومن تأشّب إليهم من قبائل رَبيعة وتَغْلِب وبكْر واليمن، فهزمهم ابن كُنْدَاج إلى نَصِيبين، وتَبِعهم إلى قريب من آمِد، واحتوَى على أموالهم، ونزلوا آمِد، فكانت بينه وبينهم وقعات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>[ذكر خبر مقتل صندل الزنجيّ]</span>\nوفي شهر رمضان منها قُتل صندل الزنجيّ، وكان سبب قتله أن أصحاب الخبيث عَبَرُوا لليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكر - أعني سنة سبع وستين ومئتين - يريدون الإيقاع بعسكر نصير وعسكر زيرك، فنذر بهم الناس، فخرجوا إليهم، فردّوهم خائبين، وظفروا بصندل هذا، وكان - فيما ذكروا - يكشف وجوه الحرائر المسلمات ورؤوسهنّ ويقلّبهنّ تقليب الإماء، فإن امتنعت منهنّ امرأة ضرب وجهها ودفعها إلى بعض علوج الزّنج يبيعها بأوكس الثمن، فلما أتِيَ به أبو أحمد، أمر به فشُدّ بين يديه، ثم رمِيَ بالسهام، ثم أمر به فقتل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>[ذكر خبر استئمان الزنج إلى أبي أحمد]</span>\nوفي شهر رمضان من هذه السنة استأمن إلى أبي أحمد خلْق كثير من عند الزنج.\n* ذكر سبب ذلك:\nوكان السبب في ذلك أنه كان - فيما ذكر - استأمن إلى أبي أحمد رجلٌ من مذكوري أصحاب الخبيث ورؤسائهم وشجعانهم، يقال له: مهذَّب، فحمِل في","vol":"13","page":327},{"text":"الشذا إلى أبي أحمد، فأتِيَ به في وقت إفطاره، فأعلمه أنه جاء متنصّحًا راغبًا إلى الأمان، وأن الزَّنج على العبور في ساعتهم تلك إلى عسكره للبيات، وأنّ الذين ندب الفاسق لذلك أنجادهم وأبطالهم؛ فأمر أبو أحمد بتوجيه مَنْ يحاربهم إليهم ومن يمنعهم من العبور وأن يعارضوا بالشَّذا، فلما علم الزَّنج أن قد نذِر بهم انصرفوا منهزمين، فكثر المستأمنة من الزّنج وغيرهم وتتابعوا؛ فبلغ عدد مَنْ وافى عسكر أبي أحمد منهم إلى آخر شهر رمضان سنة سبع وستين ومئتين خمسة آلاف رجل من بين أبيض وأسود.\nوفي شوال من هذه السنة ورد الخبر بدخول الخجُستانيّ نيسابور وانهزام عمرو بن الليث وأصحابه، فأساء السيرة في أهلها، وهدم دور آل مُعاذ بن مسلم، وضرب من قدر عليه منهم واقتطع ضياعهم، وترك ذكر محمد بن طاهر، ودعا له على منابر ما غلب عليه من مدن خراسان وللمعتمد، وترك الدعاء لغيرهما.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>[ذكر خبر الإيقاع بالزنج في هذا العام]</span>\nوفي شوال من هذه السنة كانت لأبي العباس وقعة بالزّنج، قُتِل فيها منهم جمع كثير.\n* ذكر سبب ذلك.\nوكان السبب في ذلك - فيما بلغني - أنّ الفاسق انتخب من كلّ قيادة من أصحابه أهل الجلَد والبأس منهم، وأمر المهلبيّ بالعبور بهم ليبيّت عسكر أبي أحمد، ففعل ذلك، وكانت عِدّة مَنْ عبَر من الزَّنج وغيرهم زهاء خمسة آلاف رجل أكثرهم من الزنج، وفيهم نحو من مئتي قائد، فعَبرُوا إلى شرقيّ دجْلة، وعزموا على أن يصير القوّاد منهم إلى آخر النخل مما يلي السَّبَخة؛ فيكونوا في ظهر عسكر أبي أحمد، ويعبر جماعة كثيرة منهم في الشَّذَا والسُّميريّات والمعابر قبالة عسكر أبي أحمد، فإذا نشبت الحرب بينهم انكبّ مَنْ كان عبر من قوّاد الخبيث، فصار إلى السَّبخة على عسكر أبي أحمد الموفق، وهم غارّون مشاغيل بحرب مَنْ بإزائهم، وقدّر أن يتهيأ له في ذلك ما أحبه،","vol":"13","page":328},{"text":"فأقام الجيش في الفُرات ليلَتهم، ليغادوا الإيقاع بالعسكر. فاستأمن إلى أبي أحمد غلام كان معهم من الملّاحين، فأنهى إليه خبرَهم وما اجتمعت عليه آراؤهم، فأمر أبو أحمد أبا العباس والقُوّاد والغلمان بالنهوض إليهم؛ وقصد الناحية التي فيها أصحاب الخبيث، وأنفذ جماعة من قُوّاد غلمانه في الخيل إلى السَّبَخة التي في مؤخّر النخل بالفرات، لتقطعهم عن الخروج إليها، وأمر أصحاب الشَّذَا والسميريّات، فاعترضوا في دجْلة، وأمر الرّجالة بالزَّحْف إليهم من النخل، فلما رأى الفجّار ما أتاهم من التدبير الذي لم يحتسبوه كرّوا راجعين في الطريق الذي أقبلوا منه طالبين التخلص، فكان قصدهم لجوَّيث باروَيْه، وانتهى خبر رجوعهم إلى الموفّق، فأمر أبا العباس وزِيرك بالانحدار في الشَّذَوات يسبقونهم إلى النهر، ليمنعوهم من عبوره. وأمر غلامًا من غلمانه، يقال له: ثابت، له قيادة جَمْع كثير من غلمانه السودان أن يحمل أصحابه في المعابر والزّواريق وينحدر معهم إلى الموضع الذي فيه أعداء الله للإيقاع بهم حيث كانوا، فأدركهم ثابت في أصحابه بجويِّث بارويه، فخرج إليهم فحاربهم محاربة طويلة، وثبتوا له، واستقبلوا جمعه وهو من أصحابه في زُهاء خمسمئة رجل، لأنهم لم يكونوا تكاملوا وطمعوا فيه، ثم صدقهم وأكبَّ عليهم، فمنحه الله أكتافهم؛ فمِنْ مقتول وأسير وغريق وملجّج في الماء بقدر اقتداره على السباحة التقطته الشذَا والسميريّات في دِجْلة والنهر، فلم يفلت من ذلك الجيش إلا أقله، وانصرف أبو العباس بالفَتْح، ومعه ثابت وقد عُلِّقت الرؤوس في الشّذَوات وصُلب الأسارى فيها، فاعترضوا بهم مدينتَهم ليرهبوا بهم أشياعهم؛ فلما رأوْهم أبْلسوا وأيقنوا بالبَوار، وأدخل الأسارى والرؤوس إلى الموفقيّة، وانتهى إلى أبي أحمد أن صاحب الزّنج موّه على أصحابه، وأوهمهم أن الرؤوس المرفوعة مُثُلٌ مثِّلت لهم ليراعُوا وأن الأسارى من المستأمنة، فأمر الموفق عند ذلك أبا العباس بجمع الرؤوس والمسير بها إلى إزاء قصر الفاسق والقذف بها في منجنيق منصوب في سفينة إلى عسكره، ففعل أبو العباس ذلك، فلما سقطت الرؤوس في مدينتهم، عرف أولياء القتلى رؤوس أصحابهم، فظهر بكاؤهم، وتبين لهم كذب الفاجر وتمويهه.","vol":"13","page":329},{"text":"وفي شوال من هذه السنة كانت لأصحاب ابن أبي الساج وقعة بالهيصم العجليّ، قتلوا فيها مقدّمته، وغلبوا على عسكره فاحتووه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>[ذكر خبر الوقعة مع الزنج بنهر ابن عمر]</span>\nوفي ذي القعدة منها كانت لزِيرك وقعة مع جيش لصاحب الزنج بنهر ابن عمر، قتل زيرك منهم فيها خلقًا كثيرًا.\n* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة:\nذكر: أن صاحب الزَّنج كان أمر باتّخاذ شَذَوات، فعُمِلت له، فضمها إلى ما كان يحارب به، وقسّم شذواته ثلاثة أقسام بين بَهْبوذ ونصر الروميّ وأحمد بن الزرَنجيّ، وألزم كلّ واحد منهم غرْمَ ما يصنع على يديه منها، وكانت زهاء خمسين شَذاة، ورتّب الرّماة وأصحاب الرماح، واجتهدوا في إكمال عُذتهم وسلاحهم، وأمرهم بالمسير في دِجْلة والعبور إلى الجانب الشرقيّ والتعرّض لحرب أصحاب الموفق، وعدّة شذوات الموفّق يومئذ قليلة، لأنه لم يكن وافاه كلّ ما كان أمر باتّخاذه، وما كان عنده منها فمتفرّق في فُوّهة الأنهار التي يأتي الزَّنج منها المِيَر، فغلظ أمر أعوان الفاجر، وتهيّأ له أخذ شذاة بعد شذاة من شذا الموفق، وأحجم نصير المعروف بأبي حمزة عن قتالهم والإقدام عليهم، كما كان يفعل لقلة ما معه من الشَّذَا، وأكثر شذوات الموفق يومئذ مع نصير، وهو المتولِّي لأمرها، فارتاع لذلك أهلُ عسكر الموفق، وخافوا أن يقدم على عسكرهم الزَّنج بما معهم من فضل الشَّذَا، فورد عليهم في هذه الحال شَذَوات كان الموفَّق تقدّم في بنائها بجنّابَا، فأمر أبا العباس بتلقّيها فيما معه من الشَّذَا حتى يوردها العسكر، إشفاقًا من اعتراض الزَّنْج عليها في دِجْلة، فسلمت وأتى بها حتى إذا وافت عسكر نُصير، فبصر بها الزنج طمعوا فيها، فأمر الخبيث بإخراج شذواته، وأمر أصحابه بمعارضتها والاجتهاد في اقتطاعها، فنهضوا لذلك، فتسرّع غلام من غلمان أبي العباس شجاع يقال له وصيف يعرف بالحِجْراي، في شذوات كُنّ معه، فشدّ على الزنج فانكشفوا وتبعهم حتى وافى بهم نهر","vol":"13","page":330},{"text":"أبي الخصيب، وانقطع عن أصحابه، فكرُّوا عليه شذواتِهم، وانتهى إلى مضيق، فعلقت مجاديف بعض شذواته بمجاديف بعض شذواتهم، فجنحت وتقصّفت بالشطّ، وأحاط به الآخرون واكتنفوه من جوانبه، وانحدر عليه الزَّنْج من السور، فحاربهم بمَنْ كان معه حربًا شديدًا حتى قتلوا.\nوأخذ الزّنج شذواتِهم، فأدخلوها نهر أبي الخصيب، ووافى أبو العباس بالشذوات الجنّابية سالمة بما فيها من السلاح والرجال، فأمر أبو أحمد أبا العباس بتقلّد أمر الشَّذَوات كلها والمحاربة بها، وقطع مواد المِير عنهم من كلّ جهة، ففعل ذلك، فأصلِحت الشذوات، ورتَّب فيها المختارون من الناشبة والرّامحة؛ حتى إذا أحكم أمرها أجمع، ورتّبها في المواضع التي كانت تقصد إليها شذوات الخبيث، وتعيث فيها، أقبلت شذواته على عادتها التي كانت قد جرت عليها، فخرج إليهم أبو العباس في شَذَواته، وأمر سائر أصحاب الشَّذَا أن يحملوا بحملته، ففعلوا ذلك وخالطوهم، وطفِقوا يرشُقونهم بالسهام، ويطعنونهم بالرماح، ويقذفونهم بالحجارة؛ وضرب الله وجوَههم، فولوْا منهزمين، وتبعهم أبو العباس وأصحابه حتى أولجوهم نهر أبي الخصيب، وغرق لهم ثلاث شذوات، وظفر بشذاتين من شذواتهم بما فيها من المقاتلة والملاحين. فأمر أبو العباس بضرب أعنَاق مَنْ ظفِر به منهم.\nفلما رأى الخبيث ما نزل بأصحابه، امتنع من إخراج الشَّذا عن فناء قصره، ومنِع أصحابه أن يجاوزوا بها الشطّ إلا في الأوقات التي يخلو دِجْلة فيها من شَذوات الموفّق.\nفلمّا أوقع بهم أبو العباس هذه الوقعة اشتدّ جزعُهم، وطلب وجوه أصحاب الخبيث الأمانَ فأومِنوا، فكان ممن استأمَن من وجوههم - فيما ذكر - محمد بن الحارث العميّ، وكان إليه حفظ عسكر مَنكى والسور الذي يلي عسكر الموفّق، وكان خروجُه ليلَّا مَع عدّة من أصحابه، فوصله الموفّق بصلات كثيرة، وخلع عليه، وحمله على عدّة دوابّ بخليتها وآلتها، وأسنى له الرّزق، وكان محمد بن الحارث حاول إخراج زَوْجته معه، وهي إحدى بنات عمه، فعجزت المرأة عن اللحاق به، فأخذها الزنج فردّوها إلى الخبيث، فحبسها مدّة، ثم أمر بإخراجها والنداء عليها في السوق، فبيعت؛ ومنهم أحمد المعروف بالبَرذعيّ.","vol":"13","page":331},{"text":"وكان - فيما قيل - من أشجع رجال الخبيث الذين كانوا في حيِّز المهلبيّ ومن قوّاده الزنج مدبد وابن أنكلويه ومنينة، فخلع عليهم جميعًا، ووُصلوا بصلات كثيرة، وحُمِلوا على الخيل، وأحسن إلى جميع من جاؤوا به معهم من أصحابهم، وانقطعت عن الخبيث موادّ الميرة، وسُدّت عليه وعلى من أقام معه المذاهب، وأمر شبلا وأبا النداء - وهما من رؤساء قوّاده وقدماء أصحابه الذين كان يعتمد عليهم ويثق بمناصحتهم - بالخروج في عشرة آلاف من الزَّنج وغيرهم، والقصد لنهر الدير ونهر المرأة ونهر أبي الأسد، والخروج من هذه الأنهار إلى البَطيحة للغارة على المسلمين، وأخذا ما وجدا من طعام وميرة ليُقطع عن عسكر الموفق ما يرده من الميرة وغيرها من مدينة السلام وواسط ونواحيها.\nفندب الموفّق لقصدهم حين انتهى إليه خبر مسيرهم مولاه زيرك صاحب مقدمة أبي العباس، وأمره بالنهوض في أصحابه إليهم، وضمّ إليه من اختار من الرجال، فمضى في الشَذَوات والسُّميريّات، وحمل الرجّالة في الزواريق والسفن الخِفاف حثيثًا، حتى صار إلى نهر الدير، فلم يعرف لهم هنالك خبرًا، فصار منه إلى بثْق شِيرين، ثم سلك في نهر عديّ حتى خرج إلى نهر ابن عمر، فالتقى به جيش الزَّنْج في جمع راعتْه كثرته، فاستخار الله في مجاهدتهم، وحمل عليهم في ذوي البصائر والثبات من أصحابه، فقذف الله الرعب في قلوبهم، فانفضّوا، ووضع فيهم السلاح، فقتَل منهم مقتلةً عظيمة، وغرِق منهم مثل ذلك، وأسَر خلقًا كثيرًا، وأخذ مِنْ سفنهم ما أمكنه أخذه، وغرق منها ما أمكن تغريقه؛ فكان ما أخذ من سفنهم نحوًا من أربعمئة سفينة، وأقبل بمن معه من الأسارى وبالرؤوس إلى عسكر الموفق.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>[خبر عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج لحربه]</span>\nوفي ذي الحجة لست بقين منه عبر الموفق بنفسه إلى مدينة الفاسق وجيشه لحربه.\n* ذكر السبب الذي من أجله كان عبورهُ إليها:\nوكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنَّ الرؤساء من أصحاب الفاسق، لمّا رأوْا","vol":"13","page":332},{"text":"حلّ بهم من البلاء مِنْ قتل مَنْ يظهر منهم وشدّة الحصار على مَنْ لزم المدينة؛ فلم يظهر منهم أحد، وحالَ مَنْ خرج منهم بالأمان من الإحسان إليه، والصفح عن جُرْمه، مالوا إلى الأمان، وجعلوا يهربون في كلّ وجه، ويخرجون إلى أبي أحمد في الأمان كُلَّما وجدوا إليه السبيل.\nفملِئ الخبيث من ذلك رُعْبًا، وأيقن الهلاك، فوكّل بكلّ ناحية كان يرى أنّ فيها طريقًا للهرب من عسكره أحراسًا وحَفَظة، وأمرهم بضبط تلك النواحي، ووكّل بفُوْهة الأنهار منْ يمنع السفن من الخروج منها، واجتهد في سدّ كلّ مسلك وطريق وثلمة؛ لئلا يطمع في الخروج عن مدينته.\nوأرسل جماعةٌ من قوّاد الفاجر صاحب الزنج إلى الموفق يسألونه الأمان، وأن يوجه لمحاربة الخبيث جيشًا ليجدوا إلى المصير إليه سبيلًا، فأمر الموفق أبا العباس بالمصيرِ في جماعة من أصحابه إلى الموضع المعروف بنهر الغربيّ، وعليّ بن أبان حينئذ يحوط ذلك النهر؛ فنهض أبو العباس في المختارين من أصحابه، ومعه الشَّذَا والسُّميريّات والمعابِر، فقصد النهر الغربيّ، وانتدب المهلبيّ وأصحابه لحربه، فاستَعرتِ الحرب بين الفريقين، وعلا أصحاب أبي العباس، وقهر الزّنْج، وأمدّ الفاسق المهلبيَّ بسليمان بن جامع في جَمع من الزّنْج كثير، واتصلت الحرب يومئذ من أوّل النهار إلى وقت العصر؛ وكان الظفر في ذلك اليوم لأبي العباس وأصحابِه، وصار إليه القوم الذين كانوا طلبوا الأمان من قوّاد الخبيث، ومعهم جمع كثير من الفرسان وغيرهم من الزَّنْج، فأمر أبو العباس عند ذلك أصحابه بالرجوع إلى الشَّذَا والسفن، وانصرف فاجتاز في منصرفه بمدينة الخبيث، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بنهر الأتراك، فرأى أصحابه من قلة عدد الزَّنْج في هذا الموضعمن النهر ماطمعوا له فيمن كان هناك، فقصدوا نحوهم، وقد انصرف أكثر أصحابهم إلى المدينة الموفّقية، فقربوا إلى الأرض، وصعِدوا وأمعنوا في دخول تلك المسالك، وعلتْ جماعةٌ منهم السور، وعليه فريق من الزّنج وأشياعهم، فقتلوا مَنْ أصابوا منهم هنالك، ونذِر الفاسق بهم، فاجتمعوا لحربهم، وأنجد بعضهم بعضًا.\nفلمّا رأى أبو العباس اجتماعَ الخبثاء وتحاشدَهم وكثرة من ثاب إلى ذلك","vol":"13","page":333},{"text":"الموضع منهم، مع قلة عدد مَنْ هنالك من أصحابه، كرّ راجعًا إليهم فيمن كان معه في الشَّذَا، وأرسل إلى الموفّق يستمدّه، فوافاه لمعونته مَنْ خفّ لذلك من الغلمان في الشَّذَا والسُّميريّات، فظهروا على الزَّنْج وهزموهم؛ وقد كان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أصحاب أبي العباس على الزَّنْج، وغَل في النهر مصاعدًا في جمع كثير؛ فانتهى إلى النَّهر المعروف بعبد الله، واستدبر أصحاب أبي العباس وهم في حربِهم، مقبلين على مَنْ بإزائهم ممّن يحاربهم، فيمعنون في طلب مَن انهزم عنهم من الزَّنْج، فخرج عليهم من ورائهم، وخفقت طبوله، فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع عليهم مَنْ كان انهزم عنهم من الزَّنْج، فأصِيبت جماعة من غلمان الموفَّق وغيرهم من جُنده، وصار في أيدي الزَّنْج عدّة أعلام ومطارد، وحامى أبو العباس عن الباقين من أصحابه، فسلم أكثرُهم، فانصرف بهم؛ فأطمعت هذه الوقعة الزَّنْج وتبّاعهم، وشدّت قلوبهم، فأجمع الموفَّق على العبور بجيشه أجمع لمحاربة الخبيث، وأمر أبو العباس وسائر القوّاد والغلمان بالتأهّب للعبور، وأمر بجمع السفن والمعابر وتفريقها عليهم، ووقف على يوم بعينه أراد العبور فيه، فعصفت رياحٌ منعت من ذلك، واتصل عصوفها أيامًا كثيرة؛ فأمهل الموفّق حتى انقضى هبوب تلك الرياح، ثم أخذ في الاستعداد للعبور ومناجزة الفاجر.\nفلما تهيّأ له ما أراد من ذلك عبر يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة من سنة سبع وستين ومئتين في أكثف جَمْع وأكمل عدّة، وأمر بحمل خيل كثيرة في السفن، وتقدّم إلى أبي العباس في المسير في الخيل ومعه جميع قوّاده الفرسان ورجَّالتهم، ليأتِيَ الفجرة من ورائهم من مؤخّر النهر المعروف بمنكى، وأمر مسرورًا البلخيّ مولاه بالقصد إلى نهر الغربيّ ليضطر الخبيث بذلك إلى تفريق أصحابه، وتقدّم إلى نصير المعروف بأبي حمزة ورشيق غلام أبي العباس وهو من أصحابه - وشذواتُه في مثل العدّة التي فيها نصير - بالقصد لفوّهة نهر أبي الخصيب والمحاربة لما يظهر من شَذَوَات الخبيث، وقد كان استكثر منها، وأعدّ فيها المقاتلة وانتخبهم، وقصد أبو أحمد بجميع مَنْ معه لركنٍ من أركان مدينة الخبيث قد كان حصّنه بابنه المعروف بأنكلاي، وكنفه بعليّ بن أبان وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانيّ وحفه بالمجانيق والعرّادات","vol":"13","page":334},{"text":"والقسيّ الناكيّة، وأعدّ فيه الناشبة وجمع فيه أكثر جيشه.\nفلما التقى الجمعان أمر الموفّق غلمانه: الناشبة والرامحة والسودان، بالدنوّ من الركن الذي فيه جمع الفسقة، وبينه وبينهم النهر المعروف بنهر الأتراك؛ وهو نهر عريض غزير الماء، فلما انتهوْا إليه أحجموا عنه، فصِيح بهم، وحُرِّضوا على العبور فعبروا سباحة، والفسقة يرمونهم بالمجانيق والعرّادات والمقاليع والحجارة عن الأيدي، وبالسهام عن القسيّ الناوكية، وقسيّ الرِّجْل وصنوف الآلات التي يرمَى عنها؛ فصبروا على جميع ذلك حتى جاوزوا النهر، وانتهوْا إلى السور، ولم يكن لحِقهم من الفَعَلة مَن كان أعِدَّ لهدمه، فتولّى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من سلاحهم ويسَّر الله ذلك، وسهّلوا لأنفسهم السبيل إلى عُلوّه، وحضرهم بعض السلاليم التي كانت أعِدّت لذلك، فعَلوا الركن، ونصبوا هنالك علمًا من أعلام الموفق، وأسلم الفسقة سورهم، وخلوْا عنه بعد أن حوربوا عليه أشدّ حرب، وقتِل من الفريقين خلق كثير، وأصيب غلامٌ من غلمان الموفّق يقال له: ثابت بسهم في بطنه فمات، وكان من قوّاد الغلمان وجِلّتهم.\nولما تمكن أصحاب الموفّق من سُور الفسقة، أحرقوا ما كان عليه من مِنجنيق وعرّادة وقوس ناوكيّة، وخلّوْا عن تلك الناحية وأسلموها، وقد كان أبو العباس قصد بأصحابه في الخيل النهر المعروف بمنكى، فمضى عليّ بن أبان المهلبيّ في أصحابه، قاصدًا لمعارضته ودفعه عمّا صمد له، والتقيا، فظهر أبو العباس عليه وهزمه، وقتل جمعًا كثيرًا من أصحابه، وأفلت المهلبيّ راجعًا، وانتهى أبو العباس إلى الموضع الذي قدّر أن يصل منه إلى مدينة الفاسق من مؤخر نهر منكى، وهو يرى أنّ المدخل من ذلك الموضع سهلٌ، فدخل إلى الخندق فوجده عريضًا ممتنعًا، فحمل أصحابه على أن يعبروه بخيولهم، وعبَره الرّجّالة سباحةً حتى وافوا السور، فثلموا فيه ثلمًا اتّسع لهم منه الدخول فدخلوا، فلقي أوائلهم سليمان بن جامع، وقد أقبل للمدافعة عن تلك الناحية لمّا انتهى إليه انهزم المهلبّي عنها، فحاربوه، وكان أمام القوم عشرة من غلمان الموفق، فدافعوا سليمان وأصحابَه؛ وهم خلق كثير، وكشفوهم مرارًا كثيرة، وحاموا عن سائر أصحابهم حتى رجعوا إلى مواضعهم.","vol":"13","page":335},{"text":"وقال محمد بن حمّاد: لما غلب أصحاب الموفّق على الموضع الذي كان الفاسق حرسه بابنه والمذكورين من أصحابه وقوّاده، وشعّثوا من السور الذي أفضوْا إليه ما أمكنهم تشعيثُه، وافاهم الذين كانوا أعِدّوا للهدم بمعاولهم وآلاتهم، فثلموا في السور عدّة ثلم، وقد كان الموفّق أعدّ لخندق الفسقة جسرًا يُمَدُّ عليه، فمُدّ عليه، وعبر جمهور الناس، فلما عاين الخبَثة ذلك، ارتاعوا فانهزموا عن سور لهم ثان قد كانوا اعتصموا به، ودخل أصحابُ الموفق مدينة الخائن، فولَّى الفاجرُ وأشياعهُ منهزمين، وأصحابُ الموفق يتبعونهم ويقتلون مَنْ انتهوا إليه منهم؛ حتى انتهوا إلى النهر المعروف بابنِ سمعان، وصارت دار ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق، وأحرقوا ما كان فيها وهدموها، ووقف الفجرة على نهر ابنِ سمعان وقوفًا طويلًا، ودافعوا مدافعة شديدة، وشدّ بعض غلمان الموفق على عليّ بن أبان المهلبي، فأدبر عنه هاربًا، فقبض على مئزره، فخلّى عن المئزر، ونبذه إلى الغلام، ونجا بعد أن أشفَى الهَلكة، وحمل أصحاب الموفق على الزَّنج حملةً صادقة، فكشفوهم عن النهر المعروف بابن سمعان، حتى وافَوْا بهم طرف ميدان الفاسق، وانتهى إليه خبرُ هزيمة أصحابه ودخول أصحاب الموفّق مدينته من أقطارها، فركب في جمع من أصحابه، فتلقّاه أصحاب الموفق، وهم يعرفونه في طرف ميدانه، فحملوا عليه، فتفرّق عنه أصحابُه ومَنْ كان معه وأفردوه، وقَرُب منه بعض الرجّالة حتى ضرب وجه فرسه بتُرسه؛ وكان ذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفّق أصحابه بالرجوع إلى سفنهم، فرجعوا سالمين، قد حملوا من رؤوس الخبثاء شيئًا كثيرًا، ونالوا كلّ الذي أحبُّوا منهم من قتل وجراح وتحريق منازل وأسواق، وقد كان استأمن إلى أبي العباس في أول النهار عدد من قوّاد الفاجر وفرسانه، فاحتاج إلى التوقف على حملهم في السفن، وأظلم الليل، وهبّت ريح شمال عاصف، وقوِيَ الجزر، فلصِق أكثر السفن بالطين.\nوحرّض الخبيث أشياعَه واستنجدهم، فبانت منهم جماعة، وشدّوا على السفن المتخلّفة، فنالوا منها نَيْلًا، وقتلوا فيها نفرًا، وقد كان بهبوذ بإزاء مسرور البلخيّ وأصحابه في هذا اليوم في نهر الغربيّ، فأوقع بهم، وقتل جماعة منهم، وأسر أسارى، وصارت في يده دوابّ من دوابهم، فكسر ذلك نشاط أصحاب","vol":"13","page":336},{"text":"الموفّق، وقد كان الخبيثُ أخرجَ في هذا اليوم جميع شَذَواته إلى دجْلة محاربين فيها رشيقًا، وضرب منها رشيق على عدّة شَذَوات، وغرّق منها وحرّق، وانهزم الباقون إلى نهر أبي الخصيب.\nوذُكر: أنه نزل في هذا اليوم بالفاسق وأصحابه ما دعاهم إلى التفرّق والهرب على وجوههم نحو نهر الأمير والقَندل وإبرسان وعبّادان وسائر القرى، وهرب يومئذ أخوا سليمان بن موسى الشعرانيّ: محمد وعيسى، فمضيا يؤمّان البادية، حتى انتهى إليهما رجوع أصحاب الموفق، فرجعا، وهرب جماعة من العرب الذين كانوا في عسكر الفاسق، وصاروا إلى البصرة، وبعثوا يطلبون الأمان من أبي أحمد، فآمنهم، ووجّه إليهم السفن، فحملهم إلى الموفقيّة، وأمر أن يخلَع عليهم، ويوصلوا ويجرَى عليهم الأرزاق والأنزال، ففعل ذلك بهم.\nوكان فيمن رغب في الأمان من جلّة قوّاد الفاجر ريحان بن صالح المغربيّ، وكانت له رياسة وقيادة، وكان يتولّى حجبة ابن الخبيث المعروف بأنكلاي، فكتب ريحان يطلب الأمان لنفسه ولجماعة من أصحابه، فأجيب إلى ذلك، وأنفِذ إليه عدد كثير من الشذا والسميريّات والمعابر مع زيرك القائد صاحب مقدّمة أبي العباس، فسلك النهر المعروف باليهوديّ، حتى وافى الموضع المعروف بالمطَّوعة، فألفى به ريحان ومن معه من أصحابه، وقد كان الموعد تقدم في موافاة ذلك الموضع زيرك ريحان ومن معه، فوافى بهم دار الموفق، فأمر لريحان بخلع، وحمل على عدّة من أفراس بَالتها، وأجيز بجائزة سنية، وخلع على أصحابه، وأجيزوا على أقدارهم، وضُمّ إلى أبي العباس، وأمِر بحمله وحمل أصحابه والمصير بهم إلى إزاء دار الخبيث، فوقفوا هنالك في الشَّذَا، فعرفوا خروج ريحان وأصحابه في الأمان، وما صاروا إليه من الإحسان، فاستأمن في ساعتهم تلك من أصحاب ريحان الذين كانوا تخلّفوا وغيرهم جماعة، فألحِقوا في البرّ والإحسان بأصحابهم، وكان خروج ريحان بعد الوقعة التي كانت يوم الأربعاء في يوم الأحد لليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وستين ومئتين.\n* * *\nوفي هذه السنة أقبل أحمد بن عبد الله الخُجُستانيّ يريد العراق بزعمه؛ حتى","vol":"13","page":337},{"text":"صار إلى سِمْنان، وتحصّن منه أهل الرّيّ - وحصّنوا مدينتهم؛ ثم انصرف من سِمْنان راجعًا إلى خُراسان.\nوفيها انصرف خلقٌ كثير من طريق مكة في البدأة لشدّة الحرّ، ومضى خلق كثير، فمات ممن مضى خَلْقٌ كثير من شدّة الحرّ، وكثير منهم من العطش، وذلك كله في البدأة، وأوقعت فزارةُ فيها بالتجار، فأخذوا - فيما ذكر - منهم سبعمئة حمل بزّ.\nوفيها اجتمع بالموسم عامل لأحمد بن طولون في خيله وعامل لعمرو بن الليث في خيله، فنازع كلّ واحد منهما صاحبَه في ركز علمه على يمين المنبر في مسجد إبراهيم خليل الرحمن، وادّعى كلُّ واحد منهما أنّ الولاية لصاحبه، وسلَّا السيوف، فخرج معظم الناس من المسجد، وأعان موالي هارون بن محمد من الزَّنْج صاحبَ عمرو بن الليث، فوقف حيث أراد، وقصر هارون - وكان عامل مكة - الخطبةَ وسلم الناس، وكان المعروف بأبي المغيرة المخزوميّ حينئذ يحرس في جميِّعة (١).\nوفيها نُفِي الطباع عن سامُرّا.\nوفيها ضرب الخُجُستانيّ لنفسه دنانير ودراهم ووزن الدينار منها عشرة دوانيق، ووزن الدرهم ثمانية دوانيق، عليه: \"المُلْك والقدرة لله، والحوْل والقوّة بالله؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله؛، وعلى جانب منه: \"المعتمد على الله باليمن، والسعادة\"، وعلى الجانب الآخر: \"الوافى أحمد بن عبد الله\".\nوحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميّ (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢١٣) ذكر نحوًا من هذا.\n(٢) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2146>ثم دخلت سنة ثمان وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2147>[ذكر خبر استئمان جعفر بن إبراهيم إلى أبي أحمد الموفق] </span>(١)\nفمن ذلك ما كان من استئمان جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجّان إلى أبي أحمد الموفّق في يوم الثلاثاء في غرّة المحرم منها، وذكر أن السبب كان في ذلك الوقعة التي كانت لأبي أحمد في آخر ذي الحجة من سنة سبع وستين ومئتين التي ذكرناها قبلُ، وهرب ريحان بن صالح المغربيّ من عسكر الفاجر وأصحابه ولحاقه بأبي أحمد، فنخب قلب الخبيث لذلك؛ وذلك أنّ السجّانَ كان - فيما قيل - أحد ثقاته، فأمر أبو أحمد للسجان هذا بخِلَع وجوائز وصِلات وحُملان وأرزاق، وأقيصت له أنزال، وضُمّ إلى أبي العباس، وأمره بحمله في الشَّذَاة إلى إزاء قصر الفاسق؛ حتى رآه وأصحابه، وكلّمهم السّجّان، وأخبرهم أنهم في غرور من الخبيث، وأعلمهم ما قد وقف عليه من كذبه وفجورِه؛ فاستأمن في هذا اليوم الذي حُمِل فيه السجان من عسكر الخبيث خلقٌ كثير من قُوّاده الزّنج وغيرهم، وأحسِن إليهم، وتتابع الناس في طلب الأمان والخروج من عند الخبيث، ثم أقام أبو أحمد بعد الوقعة التي ذكرتُ أنها كانت لليلة بقيت من ذي الحجة من سنة سبع وستين ومئتين، لا يعبر إلى الخبيث لحرب، يُجِمّ بذلك أصحابه إلى شهر ربيع الآخر.\n* * *\nوفي هذه السنة صار عمرو بن الليث إلى فارس لحرب عامله محمد بن الليث عليها، فهزمه عمرو، واستباح عسكره، وأفلت محمد بن الليث في نفر، ودخل عمرو إصطَخر، فانتهبها أصحابه، ووجَّه عمرو في طلب محمد بن الليث فظفِر به، وأتِي به أسيرًا، ثم صار عمرو إلى شِيراز فأقام بها (٢).\nوفي شهر ربيع الأول منها زُلزلت بغداد لثمانٍ خلوْن منه، وكان بعد ذلك\n_________\n(١) المصدر السابق (١٢/ ٢١٩).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٢).","vol":"13","page":339},{"text":"ثلاثة أيام مطر شديد، ووقعت بها أربع صواعق.\nوفيها زحف العباس بن أحمد بن طولون لحرب أبيه، فخرج إليه أبوه أحمد إلى الإسكندرية، فظفِرَ به وردّه إلى مصر فرجع معه إليها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>[ذكر خبر عبور الموفَّق إلى مدينة الزنج] </span>(١)\nولأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر منها عبر أبو أحمد الموفق إلى مدينة الفاجر، بعد أن أَوْهَى قوّته في مُقامه بمدينة الموفّقية، بالتضييق عليه والحصار، ومنعه وصول المِيَر إليه؛ حتى استأمن إليه خلق كثير من أصحابه؛ فلما أراد العبور إليها أمر - فيما ذكر - ابنه أبا العباس بالقَصْد للموضع الذي كان قصده من ركن مدينة الخبيث الذي يحوطه بابنه وجِلّة أصحابه وقوّاده، وقصد أبو أحمد موضعًا من السور فيما بين النهر المعروف بمنكى والنهر المعروف بابن سمْعان، وأمر صاعدًا وزيرَه بالقصد لفوّهة النهر المعروف بجرى كور، وتقدَّم إلى زِيرك في مكانفته، وأمر مسرورًا البلخي بالقَصْد لنهر الغربيّ، وضمّ إلى كلّ واحد منهم من الفَعَلة جماعة لهدم ما يليهم من السُّور، وتقدّم إلى جميعهم ألّا يزيدوا على هدم السور، وألا يدخلوا مدينة الخبيث. ووكّل بكلّ ناحية من النواحي التي وجه إِليها القوّاد شَذوات فيها الرّماة، وأمرهم أن يحموا بالسهام مَنْ يهدم السور من الفعَلة والرجّالة الذين يخرجون للمدافعة عنهم، فثُلم في السور ثلم كثيرة، ودخل أصحابُ أبي أحمد مدينة الفاجر من جميع تلك الثُّلَم، وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم، فهزمهم أصحابُ أبي أحمد، واتبعوهم حتى وغلوا في طلبهم، واختلفت بهم طرق المدينة، وفرّقت بينهم السكك والفِجاج، فانتهوْا إلى أبعد من الموضع الذي كانوا وصلوا إليه في المرّة التي قبلها، وحرّقوا وقتَلوا.\n_________\n(١) هذه تفاصيل انفرد الطبري بذكرها ولم يذكر ابن الجوزي وابن كثير وغيرهما من الحفاظ كثيرًا من هذه التفاصيل لأنهم اختصروها وانظر تعليقنا على نهاية الخبر ضمن أحداث سنة (٢٧٠ هـ).","vol":"13","page":340},{"text":"ثم تراجع أصحاب الخبيث، فشدّوا على أصحاب أبي أحمد، وخرج كمناؤهم من نواحٍ يهتدون لها ولا يعرفها الآخرون، فتحيّر مَنْ كان داخل المدينة من أصحاب أبي أحمد، ودافعوا عن أنفسهم، وتراجعوا نحو دِجْلة حتى وافاها أكثرُهم؛ فمنهم مَنْ دخل السفينة، ومنهم مَنْ قذف نفسه في الماء، فأخذه أصحاب الشَّذَا، ومنهم مَنْ قتِل، وأصاب أصحاب الخبيث أسلحةً وأسلابًا، وثبت جماعة من غلمان أبي أحمد بحضرة دار ابن سمعان، ومعهم راشد وموسى بن أخت مفلِح، في جماعة من قُوّاد الغلمان كانوا آخر مَنْ ثبت من الناس، ثم أحاط بهم الزَّنج وكثَرُوهم، وحالوا بينهم وبين الشَّذَا، فدافعوا عن أنفسهم وأصحابهم، حتى وصلوا إلى الشَّذَا فركبوها، وأقام نحو من ثلاثين غلامًا من الديالمة في وجوه الزَّنْج وغيرهم، يحمون الناس، ويدفعون عنهم حتى سلِموا، وقتِل الثلاثون من الدّيالمة عن آخرهم، بعد ما نالوا من الفجَّار ما أحبوا، وعظم على الناس ما نالهم في هذه الوَقْعة، وانصرف أبو أحمد بمَنْ معه إلى مدينته الموفقيّة، وأمر بجمعهم وعَذْلِهم على ما كان منهم من مخالفة أمره، والافتيات عليه في رأيه وتدبيره، وتوعدهم بأغلظ العقوبة إن عادوا لخلاف أمره بعد ذلك، وأمر بإحصاء المفقودين من أصحابه فأحْصُوا له، فأتِيَ بأسمائهم، وأقرَّ ما كان جاريًا لهم على أولادهم، وأهاليهم، فحسُن موقع ذلك منهم، وزاد في صحة نياتهم لِمَا رأوْا من حياطته خلْف مَنْ أصيب في طاعته.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>[ذكْر وقعة أبي العباس بمن كان يمدّ الزنج من الأعراب]</span>\nوفيها كانت لأبي العباس وقعةٌ بقوم من الأعراب الذين كانوا يميرون الفاسق اجتاحهم فيها.\n* ذكر الخبر عن السبب الذي كانت من أجله هذه الوقعة:\nذُكر: أنّ الفاسق لما خرّب البصرة ولَّاها رجلًا من قدماء أصحابه يقال له: أحمد بن موسى بن سعيد المعروف بالقَلُوص؛ فكان يتولَّى أمرها، وصارت فرصة للفاسق يَرِدها الأعراب والتّجار، ويأتونها بالميَر وأنواع التجارات، ويُحمل ما يردها إلى عسكر الخبيث، حتى فتح أبو أحمد طهِيثا، وأسر","vol":"13","page":341},{"text":"القَلوص، فولّى الخبيثُ ابنَ أخت القُلوص - يقال له مالك بن بِشران - البَصْرة وما يليها، فلما نزل أبو أحمد فرات البَصْرة خاف الفاجر إيقاع أبي أحمد بمالك هذا، وهو يومئذ نازل بسَيْحان على نهر يعرف بنهر ابن عتبة، فكتب إلى مالك يأمره بنقل عسكره إلى النهر المعروف بالديناريّ، وأن ينفذ جماعة ممّن معه لصيد السمك وإدرار حمله إلى عسكره، وأن يوجّه قومًا إلى الطريق التي يأتي منها الأعراب من البادية، ليعرف ورود مَن يرد منهم بالميَر، فإذا وردت رُفقة من الأعراب خرج إليها بأصحابه، حتى يحمل ما تأتي به إلى الخبيث؛ ففعل ذلك مالك ابن أخت القَلوص، ووجّه إلى البَطيحة رجلين من أهل قرية بسمى، يعرف أحدهما بالرَّيان والآخر الخليل، كانا مقيمين بعسكر الخبيث، فنهض الخليل والرّيان وجمعا جماعةً من أهل الطّفّ، وأتيا قرية بسمى، فأقاما بها يحملان السمك من البَطيحة أوّلًا إلى عسكر الخبيث في الزواريق الصغار التي تسلك بها الأنهار الضّيقة والأرخنجان التي لا تسلكها الشَّذَا والسُّميريّات؛ فكانت موادّ سمك البَطيحة متّصلة إلى عسكر الخبيث بمقام هذين الرجلين بحيث ذكرنا، واتّصلت أيضًا مِيَر الأعراب وما كانوا يأتون به من البادية، فاتّسع أهلُ عسكره، ودام ذلك إلى أن استأمن إلى الموفّق رجلٌ من أصحاب الفاجر الذين كانوا مضمومين إلى القَلوص، يقال له: على بن عمر، ويعرف بالنقَّاب، فأخبر بخبر مالك بن بِشْران ومقامه بالنهر المعروف بالديناريّ، وما يصل إلى عسكر الخبيث بمقامه هناك من سَمك البطيحة وجلْب الأعراب، فوجَّه الموفق زِيرك مولاه في الشَّذَا والسُميريّات إلى الموضع الذي به ابن أخت القَلوص، فاوقع به وبأهل عسكره، فقتل منهم فريقًا وأسر فريقًا، وتفرَّق أهلُ ذلك العسكر، وانصرف مالك إلى الخبيث مفلولًا، فردَّه الخبيث في جمع إلى مؤخّر النهر المعروف باليهوديّ؛ فعسكر هنالك بموضع قريب من النهر المعروف بالفيّاض، فكانت الميَر تتّصِل بعسكر الخبيث مما يَلِي سَبخة الفيّاض، فانتهى خبر مالك ومقامه بمؤخر نهر اليهودي، ووقْعُ المِيَر من تلك الناحية إلى عسكر الفاجر إلى الموفّق، فأمر ابنه أبا العباس بالمصير إلى نهر الأمير، والنهر المعروف بالفيّاض لتعرّف حقيقة ما انتهى إليه من ذلك، فنفذ الجيش، فوافق جماعةً من الأعراب يرأسهم رجلٌ قد أورد من البادية إبلًا وغنمًا وطعامًا، فأوقع بهم أبو العباس، فقتل منهم جماعةً وأسر الباقين، ولم يُفلت من القوم إلا رئيسهم، فإنه سبق على حِجْر كانت","vol":"13","page":342},{"text":"تحته، فأمعن هربًا وأخذ كلَّ ما كان أولئك الأعراب أتوْا به من الإبل والغنم والطعام، وقطع أبو العباس يدَ أحد الأسرى وأطلقه، فصار إلى معسكر الخبيث، فأخبرهم بما نزل به، فريعَ مالك بن أخت القَلوص بما كان من إيقاع أبي العباس بهؤلاء الأعراب، فاستأمن إلى أبي أحمد، فأومن وحُبيَ وكُسِيَ وضُمّ إلى أبي العباس، وأجرِيت له الأرزاق، وأقيمت له الأنزال، وأقام الخبيث مقام مالك رجلًا كان من أصحاب القَلوص، ويقال له: أحمد بن الجنيد، وأمره أن يعسكر بالموضع المعروف بالدهرشير ومؤخر نهر أبي الخصيب، وأن يصير في أصحابه إلى ما يقبل من سمك البَطيِحة، فيحمله إلى عسكر الخبيت، وتأدّى إلى أبي أحمد خبر أحمد بن الجنيد، فوجّه قائدًا من قوّاد الموالي يقال له: الترمدان في جيش، فعسكر بالجزيرة المعروفة بالرّوحية، فانقطع ما كان يأتي إلى عسكر الخبيث من سَمك البَطِيحة، ووجّه الموفق شهاب بن العلاء ومحمد بن الحسن العنبريّين في خيل لمنع الأعراب من حمل المِير إلى عسكر الخبيث، وأمر بإطلاق السوق لهم بالبصرة، وحمل ما يريدون امتيارَه من التمر؛ إذ كان ذلك سبب مصيرهم إلى عسكر الخبيث، فتقدّم شهاب ومحمد لما أمرا به، فأقاما بالموضع المعروف بقصر عيسى؛ فكان الأعراب يوردون إليهما ما يجلبونَه من البادية، ويمتارون التمر ممّا قِبَلهما.\nثم صرف أبو أحمد الترمدان عن البصرة، ووجّه مكانه قائدًا من قُوّاد الفراغنة، يقال له قيصر بن أرْخُوز إخشاذ فَرْغانة، ووجّه نصيرًا المعروف بأبي حمزة في الشَّذَا والسُّميريات، وأمره بالمقام بفيض البصرة ونهر دُبَيْس وأن يخترق نهر الأبُلّة ونهر معقل ونهر غربيّ، ففعل ذلك.\nقال محمد بن الحسن: وحدّثني محمد بن حماد، قال: لما انقطعت المير عن الخبيث وأشياعه بمقام نصير وقيصر بالبصرة، ومنعهم المِيرة من البَطيحة والبحر بالشَّذَا، صرفوا الحيلة إلى سلوك نهر الأمير إلى القَنْدل، ثم سلوك المسيحيّ إلى الطرق المؤدية إلى البرّ والبحر؛ فكانت مِيَرهُم من البرّ والبحر، وامتيارهم سمك البحر من هذه الجهة، فانتهى ذلك إلى الموفّق، فأمر رشيقًا غلام أبي العباس باتّخاذ عسكر بجَوِّيث بارويه في الجانب الشرقي من دِجْلة بإزاء نهر الأمير، وأن يحفر له خندقًا حصينًا، وأمَر أبا العباس أن يضمّ إلى رشيق من","vol":"13","page":343},{"text":"خيار أصحابه خمسة آلاف رجل وثلاثين شَذاة، وتقدّم إلى رشيق في ترتيب هذه الشَّذَا على فُوّهة نهر الأمير، وأن يجعل على كلّ خمس عشرة شَذَاة منها نوبة يلج فيها نهرَ الأمير، حتى ينتهي إلى المعترض الذي كان الزَّنج يسلكونه إلى دُبَّا والقَنْدل والنهر المعروف بالمسيحيّ؛ فيكون هناك؛ فإن طلع عليهم من الخُبثَاء طالع أوقعوا به؛ فإذا انقضت نَوْبتهم انصرفوا وعاقبهم أصحابهم المقيمون على فُوّهة النهر ففعلوا مثلِ هذا الفعل، فعسكر رشيق في الموضع الذي أمر بترتيبه به، فانقطعت طرق الفجَرة التي كانوا يسلكونها إلى دُبَّا والقَنْدل والمسيحيّ؛ فلم يكن لهم سبيل إلى برّ ولابحر، فضاقت عليهم المذاهب، واشتدّ عليهم الحصار.\n* * *\nوفيها أوقع أخو شركب بالخُجُستانيّ وأخذ أمَّه.\nوفيها وثب ابن شَبَث بن الحسن، فأخذ عمر بن سيما والي حلوان.\nوفيها انصرف أحمد بن أبي الأصبغ من عند عمرو بن الليث، وكان عمرو قد وجّهه إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فقدم معه بمال، فوجّه عمرو ممّا صودر عليه ثلاثمئة ألف دينار ونيّفًا، وهدية فيها خمسون منًّا مسكًا وخمسون منًّا عنبرًا، ومئتا منٍّ عودًا، وثلاثمئة ثوب وشي وغيره، وآنية ذهب وفضة ودواب وغلمان بقيمة مئتي ألف دينار؛ فكان ما حمل وأهدى بقيمة خمسمئة ألف دينار.\nوفيها ولّى كَيْغَلغ الخليل بن ريمال حُلوان، فنالهم بالمكاره بسبب عمر بن سيما وأخذهم بجريرة ابن شبَث، فضمِنوا له خلاص ابن سيما وإصلاح أمر ابن شَبَث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>[ذكر خبر إيقاع رشيق بمن أعان الزنج من تميم]</span>\nوفيها أوقع رشيق غلام أبي العباس بن الموفق بقوم من بني تميم، كانوا أعانوا الزّنج على دخول البصرة وإحراقها، وكان السبب في ذلك أنه كان انتهى إليه أنّ قومًا من هؤلاء الأعراب قد جلبوا ميرةً من البرّ إلى مدينة الخبيث؛ طعامًا","vol":"13","page":344},{"text":"وإبلًا وغنمًا، وأنهم في مؤخّر نهر الأمير ينتظرون سفنًا تأتيهم من مؤخّر عسكر الفاجر تحملهم وما معهم، فسرَى إليهم رشيق في الشَّذَا، فوافى الموضع الذي كانوا حلّوا به، وهو النّهر المعروف بالإسحاقيّ، فأوقع بهم وهم غارّون، فقُتِل أكثرُهم وأسِر جماعة منهم وهم تجار كانوا خرجوا من عسكر الخبيث لجلْب المِيرة، وحوى ما كان معهم من أصناف المير والشاء والإبل والحمير التي كانوا حملوا عليها الميرة، فحمل الأسرى والرؤوس في الشَّذا وفي سفن كانت معه إلى الموفقيّة، فأمر الموفق فعلِّقت الرؤوس في الشَّذَا، وصُلِب الأسارى هنالك؛ وأظهر ما صار إلى رشيق وأصحابه، وطِيف بذلك في أقطار العسْكر، ثم أمر بالرؤوس والأسارى، فاجتيز بهم على عسكر الخبيث حتى عرفوا ما كان من رشيق من الإيقاع بجالبي المِيَر إليهم، ففعل ذلك، وكان فيمن ظفِر به رشيق رجل من الأعراب، كان يُسفِر بين صاحب الزَّنْج والأعراب في جلب الميرة، فأمر به الموفّق فقُطعت يدُه ورجله، وألقى في عسكر الخبيث، ثم أمر بضرب أعناق الأسارى فضرِبت، وسوّغ أصحاب رشيق ما أصابوا من أموالهم، وأمر لرشيق بخلع وصِلة، وردّه إلى عسكره، فكثر المستأمنون إلى رشيق، فأمر أبو أحمد بضمّ مَنْ خرج منهم إلى رشيق إليه، فكثُروا حتى كان كأكثر العساكر جمعًا، وانقطعت عن الخبيث وأصحابه المِيَر من الوجوه كلّها، وانسدّ عليهم كلُّ مسلك كان لهم، فأضرَّ بهم الحِصار، وأضعف أبدانهم؛ فكان الأسير منهم يُؤسر؛ والمستأمِن يُستأمَن، فيسألُ عن عهده بالخبز، فيعجب من ذلك؛ ويذكر أنّ عهده بالخبز مذ سنة وسنتين، فلما صار أصحاب الخائن إلى هذه الحال، رأى الموفّق أن يتابع الإيقاع بهم، ليزيدهم بذلك ضُرًّا وجهدًا، فخرج إلى أبي أحمد في هذا الوقت في الأمان خلْق كثير، واحتاج مَنْ كان مقيمًا في حيّز الفاسق إلى الحيلة لقوته، فتفرّقوا في القُرى والأنهار النائية عن معسكرهم في طلب القوت، فتأدّى الخبر بذلك إلى أبي أحمد، فأمر جماعةً من قوّاد غلمانه السودان وعُرفائهم بأن يقصدوا المواضع التي يعتادها الزَّنْج، وأن يستميلوهم ويستدعوا طاعتَهم؛ فمَنْ أبَى الدّخولَ منهم في ذلك قتلوه وحملوا رأسه، وجعل لهم جُعْلًا؛ فحرصوا وواظبوا على الغدوّ والرواح؛ فكانوا لا يخلون في يوم من الأيام من جماعة يجلبونهم، ورؤوس يأتون بها، وأسارى يأسرونهم.","vol":"13","page":345},{"text":"قال محمد بن الحسن: قال محمد بن حمّاد: ولمّا كثر أسارى الزَّنج عند الموفّق، أمر باعتراضهم؛ فمَنْ كان منهم ذا قوّة وجَلد ونهوض بالسلاح منّ عليه، وأحسن إليه، وخلطه بغلمانه السودان، وعرّفهم ما لهم عنده من البرّ والإحسان، ومَن كان منهم ضعيفًا لا حَراك به، أو شيخًا فانيًا لا يُطيق حمل السلاح، أو مجروحًا جراحة قد أزَمَنَتْه، أمر بأن يكْسىَ ثَوبين، ويوصَل بدراهم، ويزوّد ويحمل إلى عسكر الخبيث؛ فيلقى هناك بعدما يؤمر بوصف ما عاين من إحسان الموفّق إلى كلّ مَن يصير إليه، وأنّ ذلك رأيه في جميع مَنْ يأتيه مستأمِنًا ويأسره منهم؛ فتهيّأ له من ذلك ما أراد من استمالة أصحاب صاحب الزَّنْج؛ حتى استشعروا الميل إلى ناحيته والدخول في سِلْمه وطاعته؛ وجعل الموفّق وابنه أبو العباس يغاديان حرب الخبيث ومَنْ معه، ويراوحانها بأنفسهما ومَنْ معهما، فيقتلان ويأسران ويجرحان، وأصاب أبا العباس في بعض تلك الوقعات سهم جرحه فبرأ منه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>[ذكر الخبر عن قتل بهبوذ بن عبد الوهاب]</span>\nوفي رجب من هذه السنة قتِل بهبوذ صاحب الخبيث.\n* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\nذُكر: أن أكثر أصحاب الفاسق غارات، وأرشدهم تعرّضًا لقطع السبيل وأخذ الأموال كان بهبوذ بن عبد الوهاب، وكان قد جمع من ذلك مالًا جليلًا، وكان كثير الخروج في السميريّات الخِفاف، فيخترق الأنهار المؤدّية إلى دِجْلة، فإذا صادف سفينةً لأصحاب الموفّق أخذها فأدخلها النهر الذي خرج منه، فإن تبعه تابع حتى توغَّل في طلبه خرج عليه من النّهر قوم من أصحابه قد أعدَّهم لذلك، فاقتطعوه وأوقَعوا به؛ فلما كثر ذلك وتُحُرِّزَ منه ركب شذَاةً، وشبّهها بشذوات الموفّق، ونصب عليها مثل أعلامه، وسار بها في دِجْلة، فإذا ظفر بِغرّة من أهل العسكر أوْقع بهم، فقتَل وأسر، ويتجاوز إلى نهر الأبُلّةِ ونهر مَعْقِل وبَثْق شيرين ونهر الدير فيقطع السبل، ويعبث في أموال السابلة ودمائهم؛ فرأى الموفّق عندما انتهى إليه من أفعال بَهْبوذ أن يَسكر جميع الأنْهار التي يخفّ سَكْرُها، ويرتّبَ","vol":"13","page":346},{"text":"الشذاة على فُوّهة الأنهار العظام، ليأمن عبث بهبوذ وأشياعه، ويأمن سُبلَ الناس ومسالكهم، فلمّا حُرست هذه المسالك، وسُكر ما أمكن سكرُه من الأنهار، وحِيل بين بهبوذ وبين ما كان يفعل؛ أقام منتهزًا فرْصة في غفلة أصحاب الشَّذَا الموكلين بفوّهة نهر الأبُلّة، حتى إذا وجد ذلك اجتاز من مؤخر نهر أبي الخصيب في شَذَوات مثل أصحاب الموفق وسُميريّاتهم، ونصب عليها مثل أعلامهم، وشحنها بجُلد أصحابه وأنجادهم وشجعانهم، واعترض بها في معترَض يؤدّي إلى النهر المعروف باليهوديّ، ثم سلك نهر نافذ حتى خرج منه إلى نهر الأبُلّة، وانتهى إلى الشَّذَوات والسميريّات المرتبة لحفظ النهر، وأهلها غارُّون غافلون، فأوقع بهم، وقتل جَمْعًا، وأسر أسرى، وأخذ ستّ شَذَوات، وكرّ راجعا في نهر الأبُلّة، وانتهى الخبر بما كان من بَهبوذ إلى الموفق، فأمر أبا العباس بمعارضته في الشَّذَا من النَّهر المعروف باليهوديّ، ورجا أن يسبقه إلى المعترَض فيقطعه عن الطريق المؤدّي إلى مأمنه.\nفوافى أبو العباس الموضع المعروف بالمطوّعة، وقد سبق بهبوذ، فَوَلَج النهر المعروف بالسعيديّ، وهو نهر يؤدي إلى نهر أبي الخصيب، وبصر أبو العباس بشَذَوات بهبوذ، وطمع في إدراكها، فجدّ في طلبها، فأدركها ونشبت الحرب، فقتل أبو العباس، من أصحاب بَهْبوذ جَمْعًا، وأسر جمعًا، واستأمن إليه فريق منهم، وتلقى بهبوذَ من أشياعه خلق كثير، فعاونوه ودافعوا عنه دفعًا شديدًا، وقد كان الماء جزَر، فجرتْ شذواتُه في الطين في المواضع التي نَضَبَ الماء عنها من تلك الأنهار والمعترضات، فأفلت بهبوذ والباقون من أصحابه بجُريعة الذَّقَن.\nوأقام الموفق على حصار الخبيث ومَنْ معه، وسدّ المسالك التي كانت المِيَر تأتيهم منها، وكثر المستأمنون منهم، فأمر الموفّق لهم بالخِلع والجوائز، وحملوا على الخيل الجياد بسروجها ولجمها وآلتها، وأجرِيت لهم الأرزاق، وانتهى الخبر إلى الموفق بعد ذلك أن الضرّ والبؤس قد أحوج جماعة من أصحاب الخبيث إلى التفرّق في القرى لطلب القوت من السمك والتمر، فأمر ابنَه أبا العباس بالمصير إلى تلك القرى والنواحي والإسراع إليها في الشذَا والسميريّات، وما خفّ من الزواريق وأن يستصحب جُلْد أصحابه وشجعانهم","vol":"13","page":347},{"text":"وأبطالهم ليحولَ بين هؤلاء الرّجال والرجوع إلى مدينة صاحب الزَّنج؛ فتوجّه أبو العباس لذلك، وعلم الخبيث بمسير أبي العباس له، فأمر بهبوذ أن يسير في أصحابه في المعترَضات والأنهار الغامضة ليخفى خبره، إلى أن يوافى القَنْدل وأبراسان ونواحيها، فنهض بهبوذ لما أمره به الخبيث من ذلك فاعترضت له في طريقه سُميرية من سُميريات أبي العباس، فيها غلمان من غلمانه الناشبة في جماعة الزَّنْج، فقصد بهبوذ لهذه السميريّة طامعًا فيها، فحاربه أهلُها، فأصابته طعنة في بطنه من يد غلام من مقاتلة السميرّية أسود، فهوى إلى الماء، فابتدره أصحابهُ، فحملوه، وولّوْا منهزمين إلى عسكر الخبيث، فلم يصلوا به إليه؛ حتى أراح الله منه؛ فعظُمت الفجيعة به على الفاسق وأوليائه، واشتدّ عليه جزعُهم، وكان قتلُه الخبيثَ من أعظم الفتوح، وخفيَ هلاكُه على أبي أحمد؛ حتى استأمن رجلٌ من الملاحين، فأنهى إليه الخبَر، فسُرّ بذلك، وأمر بإحضار الغلام الذي وَليَ قَتْلَه، فأحضر، فوصله وكساه وطوّقه، وزاد في أرزاقه، وأمر لجميع مَنْ كان في تلك السميريّة بجوائز وخلع وصلات.\n* * *\nوفي هذه السنة كان أول شهر رمضان منها يوم الأحد، وكان الأحد الثاني من الشَّعانين وفي الأحد الثالث الفِصْح، وفي الأحد الرابع النيروز، وفي الأحد الخامس انسلاخ الشهر (١).\nوفيها ظفر أبو أحمد بالذوائبيّ، وكان ممايلًا لصاحب الزَّنج.\nوفيها كانت وقعة بين يدكوتكين بن إساتكين وأحمد بن عبد العزيز، فهزمه يدكوتكين وغلبه على قُمّ.\nوفيها وجّه عمرو بن الليث قائدًا بأمر أبي أحمد إلى محمد بن عبيد الله بن أزارمرد الكرديّ، فأسره القائد وحَمله إليه.\nوفي ذي القعدة منها خرج رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشميّ بالشام يقال له: بَكّار بين سَلَمْيَة وحلب وحِمْص؛ فدعا لأبي أحمد، فحاربه ابنُ عباس\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢١٩).","vol":"13","page":348},{"text":"الكلابيّ، فانهزم الكلابيّ، ووجّه إليه لؤلؤ صاحب ابن طولون قائدًا يقال له بودن في عسكر وجيش كثيف، فرجع وليس معه كثير أحد.\nوفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على ابن طولون.\nوفيها قَتل صاحب الزنج ابنَ ملك الزّنج، وكان بلغه أنه يريد اللحاق بأبي أحمد (١).\nوفيها قتِل أحمد بن عبد الله الخُجُسْتانيّ، قتله غلام له في ذي الحجة.\nوفيها قتَل أصحاب ابن أبي الساج محمدَ بن عليّ بن حبيب اليشكريّ بالقرية ناحيةَ واسط، ونُصِب رأسُه ببغداد (٢).\nوفيها حارب محمد بن كمُشْجور عليّ بن الحسين كفْتمر، فاسر ابنُ كُمُشْجُور كفتمر ثم أطلقه، وذلك في ذي الحجة.\nوفيها أسِر العلوَيُّ الذي يعرف بالحرُون، وذلك أنه اعترض الخريطة التي يوجَّه بها بخبر الموسم فأخذها، فوجَّه خليفة ابن أبي الساج على طريق مكة مَنْ أخذ الحرُون، ووجَّهَهُ إلى الموفّق.\nوفيها كان مصير أبي المغيرة المخروميّ إلى مكة، وعاملها هارون بن محمّد بن إسحاق الهاشميّ، فجمع هارون جمعًا نحوًا من ألفين، فامتنع بهم منه فصار المخروميّ إلى عين مُشاش فغوّرها، وإلى جدَّة، فنهب الطعام، وحرّف بيوت أهلها، فصار الخبز بمكة أوقيّتان بدرهم.\nوفيها خرج ابن الصّقْلبيّة طاغية الرّوم، فأناخ على مَلطْيَة، وأعانهم أهل مَرْعش والحدَث، فانهزم الطاغية، وتبعوه إلى السريع (٣).\nوغزا الصائفة من ناحية الثغور الشأمية خلف الفرغانيّ عامل ابن طولون، فقتل من الرّوم بضعة عشر ألفًا، وغنم الناس، فبلغ السهم أربعين دينارًا (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر وفيات الأعيان (٦/ ٤٢٣).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٢).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٢).\n(٤) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":349},{"text":"وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ، وابن أبي الساج على الأحداث والطريق (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>ثم دخلت سنة تسع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من إدخال العَلَويّ المعروف بالحَرُون عسكر أبي أحمد في المحرّم على جمل، وعليه قبَاء ديباج وقلنسوة طويلة، ثم حُمل في شذاة، ومُضِيَ به حتى وُقِف به حيث يراه صاحب الزنج، ويسمع كلام الرسل.\nوفي المحرّم منها قطع الأعراب على قافلة من الحاجّ بين تُوز وسَمِيراء، فسلبوهم واستاقوا نحوًا من خمسة آلاف بعير بأحْمالها وأناسًا كثيرين (٢).\nوفي المحرّم منها في ليلة أربع عشرة انخسف القمر وغاب منخسفًا، وانكسفت الشمس يوم الجمعة لليلتين بقِيتَا من المحرّم وقت المغيب، وغابت منكسفة، فاجتمع في المحرّم كسوف الشمس والقمر (٣).\nوفي صفر منها كان ببغداد وثوب العامّة بإبراهيم الخليجيّ، فانتهبُوا دَاره؛ وكان السبب في ذلك: أنّ غلامًا له رمى امرأة بسهم فقتلها، فاستعدي السلطان عليه، فبعث إليه في إخراج الغلام، فامتنع ورمى غلمانه الناس، فقتلوا جماعة وجرحوا جماعة، فمنعهم من أعوان السلطان رجلان، فهرب وأخِذ غلمانه، ونُهِب منزلُه ودوابّه، فجمع محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر - وكان على الجسر من قبَل أبِيه - دوابَّ إبراهيم، وما قدر عليه مما نُهب له، وأمر عبيدُ الله بتسليم ذلك إليه، وأشهد عليه بردّه عليه.\nوفيها وجه ابن أبي الساج بعدما صار إلى الطائف منصرفًا من مكة إلى جُدَّة\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٠).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٢).\n(٣) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":350},{"text":"جيشًا، فأخذوا للمخْزوميّ مركبين فيهما مالٌ وسلاح.\nوفيها أخذ روميّ بن حَسنج ثلاثة نفر من قُوّاد الفراغنة، يقال لأحدهم: صديق، والآخر طخشي، وللثالث طُغَان، فقيدهم، وجرح صديق جراحات وأفلت.\nوفيها كان وثوب خَلف صاحب أحمد بن طولون في شهر ربيع الأول منها بالثغور الشأمية - وهو عامله عليها - بيازمان الخادم مولى الفتح بن خاقان فحبسه، فوثبت جماعة من أهل الثَّغر بخلَف، وتخلّصوا يازمان، وهرب خلف، وتركوا الدّعاء لابن طولون، ولعنوه على المنابر؛ فبلغ ذلك ابنَ طولون، فخرج من مصر، حتى صار إلى دمشق، ثم صار إلى الثغور الشأميّة، فنزل أذَنة، وسدّ يازمان وأهلُ طَرَسُوس أبوابَها، خلا بابَ الجهاد وباب البحر، وبَثقُوا الماء، فجرى إلى قرب أذَنة وما حولها فتحصّنوا بها، فأقام ابن طولون بأذَنة، ثم انصرف فرجع إلى أنطاكيَة، ثم مضى إلى حِمْص ثم إلى دمشق فأقام بها.\nوفيها خالفَ لؤلؤ غلام ابن طولون مولاه؛ وفي يده حين خالفه حِمْص وحلب وقِنَّسرين وديار مُضر، وسار لؤلؤ إلى بالس فنهبها، وأسر سعيدًا وأخاه ابني العباس الكلابيّ، ثم كاتب لؤلؤ أبا أحمد في المصير إليه ومفارقة ابن طولون، ويشترط لنفسه شروطًا فأجابه أبو أحمد إلى ما سأله؛ وكان مقيمًا بالرَّقَّة، فشخص عنها، وحمل جماعة من أهل الرافقة وغيرهم معه، وصار إلى قرقيسيا، وبها ابن صفوان العُقَيليّ، فحاربه فأخذ لؤلؤ قْرقِيسيا، وسلّمها إلى أحمد بن مالك بن طوْق، وهرب ابن صفوان، وأقبل لؤلؤ يريد بغداد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>[ذكر خبر إصابة الموفّق]</span>\nوفيها رُمِيَ أبو أحمد الموفّق بسهم، رماه غلام روميّ - يقال له: قرطاس - للخبيث بعدما دخل أبو أحمد مدينتَه التي كان بناها لهدم سورها، وكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أن الخبيث بهبوذ لمّا هلك، طمع الزَّنْج فيما كان بهبوذ قد جمع من الكنوز والأموال، وكان قد صحّ عنده أن ملكه قد حوى مئتي ألف دينار","vol":"13","page":351},{"text":"وجوهرًا وذهبًا وفضّة لها قدر، فطلب ذلك بكلّ حيلة، وحرَص عليه، وحبس أولياءه وقرابته وأصحابه، وضربهم بالسّياط، وأثار دورًا من دُوره، وهدم أبنيةً من أبنيته؛ طمعًا في أن يجد في شيء منها دفينًا، فلم يجد من ذلك شيئًا؛ وكان فعله الذي فعله بأولياء بهبوذ في طلب المال أحد ما أفسد قلوب أصحابه ودعاهم إلى الهرَب منه والزّهد في صحبته، فأمر الموَفق بالنداء في أصحاب بهبوذ بالأمان، فنُودي بذلك، فسارعوا إليه راغبين فيه، فألحِقوا في الصِّلات والجوائز والخلَع والأرزاق بنظرائهم، ورأى أبو أحمد لما كان يتعذر عليه من العُبور إلى عسكر الفاجر في الأوقات التي تهبّ فيها الرياح وتحرّك فيها الأمواج في دِجْلة أن يوسع لنفسه وأصحابه موضعًا في الجانب الغربيّ من دجلة ليعسكر به فيما بين ديْر جابيل ونهر المغيرة، وأمر بقطع النخل وإصلاح موضع الخندق، وأن يُحفّ بالخنادق، ويحصَّن بالسور ليأمن بيات الفجّار واغتيالهم إياه، وجعل على قُوّاده نوائب؛ فكان لكلّ واحد منهم نوْبة يغدو إليها برجاله، ومعه العمال في كلّ يوم لإحكام أمر العسكر الذي عزم على اتّخاذه هنالك، فقابَل الفاسق ذلك بأن جعل على عليّ بن أبان المهلّبيّ وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمْدانيّ نُوبًا، فكان لكلّ واحد منهم يوم ينوب فيه.\nوكان ابنُ الخبيث المعروف بأنكلاي يحضرُ في كلّ يوم نوبة سليمان، وربما حضر في نوبة إبراهيم، ثم أقامه الخبيث مقام إبراهيم بن جعفر، وكان سليمان بن جامع يحضُر معه في نوبته، وضمّ إليه الخبيث سليمان بن موسى الشعرانيَّ وأخويه، وكانوا يحضرُون بحضوره، ويغيبون بغيبته، وعلم الخبيثُ أن الموفّق إذا جاوره في محاربته، وقرب على مَن يريد اللحاق به المسافةُ فيما يحاول من الهرب إليه، مع ما يدخل قلوبَ أصحابه من الرهبة بتقارب العسكرين إنّ في ذلك انتقاضَ تدبيره، وفسادَ جميع أموره؛ فأمر أصحابَه بمحاربة من يعبر من القوّاد في كلّ يوم، ومنعهم من إصلاح ما يحاولون إصلاحَه من أمر عسكرهم الذي يريدون الانتقال إليه، وعصفت الرياح في بعض تلك الأيام وبعض قوّاد الموفق في الجانب الغربيّ لِمَا كان يعبر له، فانتهز الفاسق الفرصةَ في انفراد هذا القائد وانقطاعه عن أصحابه، وامتناع دِجْلة بعصوف الريح من أن يرام عُبورها، فرمى القائد المقيم في غربي دجْلة بجميع جيشه، وكاثره برجاله، ولم تجد","vol":"13","page":352},{"text":"الشَّذَوات التي كانت تكون مع القائد الموجّه سبيلًا إلى الوقوف بحيث كانت تقف لحمل الرياح إياها على الحجارة، وما خاف أصحابها عليها من التكسّر، فقويَ الزَّنْج على ذلك القائد وأصحابه، فأزالوهم من موضعهم، وأدركوا طائفةً منهم، فثبتوا فقُتِلوا عن آخرهم؛ ولجأت طائفةٌ إلى الماء، فتبعهم الزَّنْج، فأسروا منهم أسارى، وقتلوا منهم نفرًا، وأفلت أكثرُهم، وأدركوا سفنَهم، فألقوا أنفسهم فيها، وعَبَروا إلى المدينة الموفقيّة، فاشتدّ جزع الناس لما تهيّأ للفسقة، وعَظُم بذلك اهتمامهُم، وتأمّل أبو أحمد فيما كان دبّر من النزول في الجانب الغربيّ من دجِلْة أنه أكدى، وما لا يؤمن من حيلة الفاسق وأصحابه في انتهاز فرصة، فيوقع بالعسكر بياتًا، أو يجد مساغًا إلى شيء مما يكون له فيه متنفَّس؛ لكثرة الأدغال في ذلك الموضع وصعوبة المسالك، وأنّ الزني على التوغّل إلى المواضع الوحشة أقدرُ وهو عليهم أسهل من أصحابه.\nفانصرف عن رأيه في نزول غربيّ دِجْلة، وجعل قصده لهدم سور الفاسق وتوسعة الطرق والمسالك منها لأصحابه، فأمر عند ذلك أن يبدأ بهدْم السور مما يلِي النهر المعروف بمنكى؛ فكان تدبير الخبيث في ذلك توجيه ابنه المعروف بأنكلاي وعليّ بن أبان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك، كلّ واحد منهم في نَوْبته في ذلك اليوم، فإذا كثر عليهم أصحابُ الموفق اجتمعوا جميعًا لمدافعة مَنْ يأتيهم.\nفلمّا رأى الموفّق تحاشُدَ الخبثاء وتعاونَهم على المنع من الهدم للسور، أَزْمَع على مباشرة ذلك وحضوره ليستدعيَ به جِدَّ أصحابه واجتهادهم، ويزيد في عنايتهم ومجاهدتهم؛ ففعل ذلك، واتّصلت الحرب، وغَلُظت على الفريقين؛ وكثر القتلى والجراح في الحزبَيْن كليْهما، فأقام الموفّق أيامًا يغادِي الفسقة ويراوحهم؛ فكانوا لا يفتَرُون من الحرب في يوم من الأيام، وكان أصحاب أبي أحمد لا يستطيعون الوُلوج على الخبَثة لقنطرتين كانتا على نهر منكى كان الزّنج يسلكونهما في وقت استعار الحرب، فينتهون منهما إلى طريق يخرجهم في ظهور أصحاب أبي أحمد، فينالون منهم، ويحجزونهم عن استتمام ما يحاولون من هدم السور، فرأى الموفَّق إعمال الحيلة في هدم هاتيْن القنطرتين ليمنع الفسقة عن الطَّريق الذي كانوا يصيرون منه إلى استدبار أصحابه في وقت احتدام الحرب؛ فأمر قوّادًا من قواد غلمانه","vol":"13","page":353},{"text":"بقصد هاتين القنطرتين، وأن يختلوا الزنج، وينتهزوا الفرصة في غفلتهم عن حراستهما؛ وتقدّم إليهم في أن يُعِدُّوا لهما من الفؤوس والمنَاشير والآلات التي يحتاج إليها لقطعهما ما يكون عونًا لهم على الإسراع فيما يقصدون له من ذلك.\nفانتهى الغلمان إلى ما أمِروا به، وصاروا إلى نهر منكى وقت نصف النهار، فبرز لهم الزّنْج، فبادروا وتسرَّعوا، فكان ممّن تسرع إليهم أبو النداء في جماعة من أصحابه يزيدون على الخمسمئة، ونشبت الحرب بين أصحاب الموفق والزَّنج، فاقتتلوا صدرَ النهار، ثم ظهر غلمان أبي أحمد على الفسقة فكشفوهم عن القنطرتين، فأصاب المعروفَ بأبي النداء سهمٌ في صدره وصل إلى قلبه فصرعه، وحامى أصحابه على جِيفته فاحتملوها، وولَّوْا منهزمين، وتمكن قوّاد غلمان الموفَّق من قطع القنطرتين، فقطعوهما وأخرجوهما إلى دِجْلة، وحملوا خشبهما إلى أبي أحمد، وانصرفوا على حال سلامة، وأخبروا الموفّق بقتل أبي النداء وقَطْع القنطرتين، فعظم سروره وسرورُ أهل العسكر، بذلك، وأمر لرامي أبي النداء بصِلة وافرة.\nوألحّ أبو أحمد على الخبيث وأشياعه بالحرب، وهدم من السور ما أمكنهم به الولوج عليهم، فشغلوهم بالحرب في مدينتهم عن المدافعة عن سورهم، فأسرع الهدْم فيه، وانتهى منه إلى دارَي ابن سمعان وسليمان بن جامع، فصار ذلك أجمع في أيدي أصحاب الموفّق، لا يستطيع الفسقة دفعَهم عنه ولا منعَهم من الوصول إليه، وهُدِمت هاتان الداران، وانتُهِب ما فيهما، وانتهى أصحاب الموفّق إلى سوق لصاحب الزَّنج كان اتخذها مظلة على دِجْلة، سماها الميمونة، فأمر الموفّق زيرك صاحب مقدمة أبي العباس بالقصْد لهذه السوق، فقصد بأصحابه لذلك، وأكبَّ عليها، فهدمت تلك السوق وأخرِبَتْ، فقصد الموفّق الدار التي كان صاحب الزنج اتّخذها للجُبّائيّ فهدمها، وانتهب ما كان فيها وفي خزائن الفاسق كانت متّصلة بها.\nوأمر أصحابه بالقصْد إلى الموضع الذي كان الخبيث اتخذ فيها بناء سماه مسجد الجامع، فاشتدت محاماة الفسقة عن ذلك والذبّ عنه؛ بما كان الخبيث يحضُّهم عليه، ويُوهمهم أنه يجب عليهم من نُصرة المسجد وتعظيمه؛ فيصدّقُون قولَه في ذلك، ويتبعون فيه رأيه، وصعُب على أصحاب الموفّق ما كانوا يرومون","vol":"13","page":354},{"text":"من ذلك؛ وتطاولت الأيام بالحرب على ذلك الموضع، والذي حصل مع الفاسق يومئذ نخبة أصحابه وأبطالُهم والموطّنون أنفسهم على الصبر معه، فحاموْا جهدَهم؛ حتى لقد كانوا يقفون الموقف فيصيب أحَدهم السهم أو الطعنة أو الضربة فيسقط، فيجذبه الذي إلى جنبه ويقف موقفه إشفاقًا من أن يخْلُوَ موقف رجل منهم، فيدخل الخلل على سائر أصحابه.\nفلمّا رأى أبو أحمد صبر هذه العصابة ومحاماتها، وتطاول الأيام بمدافعتها أمر أبا العباس بالقصد لركن البناء الذي سماها الخبيث مسجدًا، وأن يندب لذلك أنجادَ أصحابِه وغلمانه، وأضاف إليهم الفَعلة الذين كانوا أعِدّوا للهدم، فإذا تهيّأ لهم هدمُ شيء أسرعوا فيه، وأمر بوضع السلاليم علِى السور فوضعوها، وصعِد الرماة فجعلوا يرشقون بالسهام من وراء السور من الفسقة، ونظم الرجال من حدّ الدار المعرُوفة بالجُبّائيّ إلى الموضع الذي رتّب فيه أبا العباس، وبذل الموفق الأموال والأطوقة والأسورة لمن سارع إلى هدم سور الفاسق وأسواقِه، ودور أصحابه، فتسهّل ما كان يصعُب بعد محاربة طويلة وشدّة، فهدم البناء الذي كان الخبيث سماه مسجدًا، ووُصل إلى مِنْبره فاحتُمِل، فأتِيَ به الموفق، وانصرف به إلى مدينته الموفقيّة جذِلًا مسرورًا، ثم عاد الموفَّق لهدم السور فهدَمه من حدّ الدار المعروفة بأنكلاي إلى الدار المعروفة بالجُبّائيّ. وأفضى أصحاب الموفّق إلى دواوين من دواوين الخبيث وخزائن من خزائنه؛ فانتُهبت وأحرقت؛ وكان ذلك في يوم ذي ضباب شديد، قد ستر بعضَ الناس عن بعض، فما يكاد الرجل يبصر صاحبَه، فظهر في هذا اليوم للموفّق تباشير الفتح، فإنهم لعلَى ذلك؛ حتى وصل سهمٌ من سهام الفسقة إلى الموفّق، رماه به غلام روميّ كان مع الفاسق يقال له: قرطاس، فأصابه في صدره، وذلك في الإثنين لخمس بقين من جمادى الأولى سنة تسع وستين ومئتين، فستر الموفّق ما ناله من ذلك السهم، وانصرف إلى المدينة مع الموفقية، فعوُلج في ليلته تلك من جراحته، وبات ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم الجراح، يشد بذلك قلوبَ أوليائه من أن يدخلها وَهْم أو ضعف، فزاد ما حَمَل نفسَه عليه من الحَركة في قوة عِلَّته، فغُلظت وعظم أمرُها حتى خيف عليه، واحتاج إلى علاجه بأعظم ما يعالَج به الجراح؛ واضطرب لذلك العسكر والجند والرعية، وخافوا قوّة الفاسق عليهم؛ حتى خرج عن مدينته جماعةٌ","vol":"13","page":355},{"text":"ممن كان مقيمًا بها، لما وصل إلى قلوبهم من الرَّهبة، وحدَثَت في حال صعوبة العلّة عليه حادثة في سلطانه، فأشار عليه مشيرون من أصحابه وثقاته بالرحلة عن معسكره إلى مدينة السلام، ويخلّف مَنْ يقوم مقامه؛ فأبى ذلك، وخاف أن يكون فيه ائتلاف ما قد تفرّق من شمل الخبيث، فأقام على صعوبة علّته عليه، وغلظ الأمر الحادث في سلطانه؛ فمنّ الله بعافيته، وظهر لقوّاده وخاصته؛ وقد كان أطال الاحتجاب عنهم، فقويَتْ بذلك مُنَّتُهم، وأقام متماثلًا مودّعًا نفسه إلى شعبان من هذه السنة، فلمّا أبلّ وقويَ على النهوض لحرب الفاسق، تيقظ لذلك، وعاود ما كان مواظبًا عليه من الحرب، وجعل الخبيث لمّا صحّ عنده الخبر عما أصاب أبا أحمد يعِدُ أصحابَه العِدات، ويمنّيهم الأمانيّ الكاذبة، وجعل يحلف على منبره - بعدما اتّصل به الخبر بظهور أبي أحمد وركوبه الشّذَا - أن ذلك باطلٌ لا أصل له، وأن الذي رأوه في الشذا مثال مُوِّه لهم وشبِّه لهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2154>[ذكر عزم المعتمد على اللحاق بمصر] </span>(١)\nوفيها في يوم السبت للنصف من جمادى الأولى، شخص المعتمد يريد اللّحاق بمصر، وأقام يتصيّد بالكُحَيْل، وقدم صاعدبن مخلَد من عند أبي أحمد؛ ثم شخص إلى سامُرّا في جماعة من القوّاد في جمادى الآخرة، وقدم قائدان لابن طولون - يقال لأحدهما: أحمد بن جبغَوَيْه وللآخر: محمد بن عباس الكلابيّ - الرّقة، فلما صار المعتمد إلى عمل إسحاق بن كنداج - وكان العاملَ على الموصل وعامّة الجزيرة - وثب ابن كنداج بمَن شخص مع المعتمد مِن سامُرّا يريد مصر، وهم تينك وأحمد بن خاقان وخطارمِش، فقيّدهم وأخذ أموالهم ودوابّهم ورقيقهم، وكان قد كتب إليه بالقبض عليهم وعلى المعتمد، وأقطع إسحاق بن كنداج ضياعهم وضياع فارس بن بغا.\nوكان سبب وصوله إلى القبض على مَن ذكرتُ، أنّ ابن كنداج لما صار إلى عمله، وقد نفذت إليه الكتب من قِبَل صاعد بالقبض عليهم، أظهر أنه معهم، وعلى مثل رأيهم في طاعة المعتمد؛ إذ كان الخليفة، وأنه غير جائز له الخلاف\n_________\n(١) انظر المنتظم فقد ذكر الخبر (١٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣).","vol":"13","page":356},{"text":"عليه، وقد كان من مع المعتمد من القوّاد حذّروا المعتمد المرورَ به، وخوّفوه وثوبه بهم؛ فأبى إلّا المرورَ به - فيما ذكر - وقال لهم: إنما هو مولاي وغلامي، وأريد أن أتصيّد؛ فإنّ في الطريق إليه صيدًا كثيرًا، فلما صاروا في عمله، لقيَهم وسار معهم كي يردَ المعتمد - فيما ذكر - منزلًا قبل وصوله إلى عمل ابن طولون، فلمّا أصبح ارتحل التبّاع والغلمان الذين كانوا مع المعتمد ومن شخص معه من سامُرّا، وخلا ابن كنداج بالقُوّاد الذين مع المعتمد، فقال لهم: إنكم قد قربتم من عمل ابن طولون والمقيم بالرّقة من قوّاده؛ وأنتم إذا صرتم إلى ابن طولون؛ فالأمر أمرُه، وأنتم من تحت يده ومن جنده؛ أفترضوْن بذلك؛ وقد علمتم أنه إنما هو كواحد منكم! وجرت بينه وبينهم في ذلك مناظرة حتى تعالىَ النهار، ولم يرتحل المعتمد بعدُ لاشتغال القوّاد بالمناظرة بينهم بين يديه، ولم يجتمع رأيهم بعدُ على شيء، فقال لهم ابن كنداج: قوموا بنا حتى نتناظر في هذا في غير هذا الموضع، وأكرَموا مجلس أمير المؤمنين عن ارتفاع الصوت فيه، فأخذ بأيديهم، وأخرجهم من مضرب المعتمِد فأدخلهم مضرب نفسه؛ لأنه لم يكن بقيَ مضرب إلّا قد مضى به غير مضربه؛ لما كان من تقدّمه إلى فرَّاشيه وغلمانه وحاشيته وأصحابه في ذلك اليوم ألّا تبرحوا إلّا ببراحه، فلما صاروا إلى مضربه دخل عليه وعلى مَنْ معه من القواد جِلّةُ غلمانه وأصحابه، وأحضرت القيود وشدّ غلمانه على كلّ مَنْ كان شخص مع المعتمد من سامُرّا من القوّاد، فقيَّدوهم؛ فلما قيّدوا وفرغ من أمرهم مضى إلى المعتمِد، فعذلَه في شخوصه عن دار ملكه وملك آبائه وفراقه أخاه على الحال التي هو بها من حرب مَنْ يحاول قتلَه وقتل أهل بيته وزوال ملكهم، ثم حمله والذين كانوا معه في قيودهم حتى وافى بهم سامرّا (١).\n* * *\nوفيها قام رافع بن هرثمة بما كان الخُجُسْتَانيّ غلب عليه من كُور خراسان وقراها؛ وكان رافع بن هَرْثمة قد اجتبَى عِدّةً من كور خراسان خراجها سلفًا لبضع عشرة سنة، فأفقر أهلها وخرّبها.\nوفيها كانت وقعة بين الحُسَيْنِيْين والحسنِيّين والجعفريِّين، فقتِل من\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٣).","vol":"13","page":357},{"text":"الجعفريِّين ثمانية نفر، وعلا الجعفريون فتخلَّصُوا الفضلَ بن العباس العباسيّ العامل على المدينة.\nوفي جمادى الآخرة عقد هارون بن الموفّق لابن أبي الساج على الأنبار وطريق الفرات ورحبةَ طوْق، وولّى أحمد بن محمد الطائيّ الكوفة وسوادها المعاون والخراج، فصيّر المعاون باسم عليّ بن الحسين المعروف بكفتمر، فلقى أحمد بن محمد الهيصم العجليّ فيها، فانهزم الهيصم واستباح الطائيّ أمواله وضياعه.\nولأربع خَلَوْن من شعبان منها ردّ إسحاق بن كنداج المعتمد إلى سامُرّا فنزل الجوسق المطلّ على الحيْر.\nولثمان خَلَوْن من شعبان خلع على ابن كنداج، وقلِّد سيفين بحمائل: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وسُمِّيَ ذا السيفين، وخُلع عليه بعد ذلك بيومين قَباء ديباج ووشاحان، وتوّج بتاج، وقلِّد سيفًا كلّ ذلك مفصص بالجوهر، وشيّعه إلى منزله هارون بن الموفق وصاعد بن مخلد والقوّاد وتغدَّوا عنده.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>[ذكر الخبر عن إحراق قصر صاحب الزنج] </span>(١)\nوفي شعبان من هذه السنة أحرق أصحاب أبي أحمد قصر الفاسق، وانتهبوا ما فيه.\n* ذكر الخبر عن سبب ذلك وسبب وصولهم إليه:\nذكر محمد بن الحسن، أن أبا أحمد لما برأ الجرح الذي كان أصابه، عاد للذي كان عليه من مغاداة الفاسق الحرب ومراوحتِه؛ وكان الخبيث قد أعاد بناء بعض الثُّلَم التي ثُلِمَت في السور، فأمر الموفّق بهدم ذلك، وهدم ما يتّصل به، وركب في عشيّة من العشايا في أوّل وقت العصر، وقد كانت الحرب متّصلة في\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"13","page":358},{"text":"ذلك اليوم مما يلي نهر منْكى، والفسقة مجتمعون في تلك الناحية قد شغَلوا أنفسهم بها، وظنُّوا أنهم لا يحارَبون إلّا فيها، فوافى الموفق وقد أعدّ الفعلة، وقرب على نهر منكى وناوش الفسقة فيه؛ حتى إذا استعرت الحرب أمر الجذّافين والإشتياميّين أن يحثّوا السير حتى ينتهوا إلى النّهر المعروف بجَوى كور، وهو نهر يأخذ من دِجْلة أسفل من النهر المعروف بنهر أبي الخصيب؛ ففعلوا ذلك؛ فوافَى جوى كور، وقد خلا من المقاتلة والرّجال، فقرب وأخرج الفعلة، فهدموا من السور ما كان يلي ذلك النهر، وصعد المقاتلة وولجوا النهر؛ فقتلوا فيه مقتلةً عظيمة، وانتهوْا إلى قصور من قصور الفَسَقة، فانتهبوا ما كان فيها وأحرقوها، واستنقذوا عددًا من النساء اللواتي كنّ فيها، وأخذوا خيلًا من خيل الفجرة فحملوها إلى غربيّ دِجْلة، فانصرف الموفّق في وقت غروب الشمس بالظفر والسلامة، وغاداهم الحرب والقصد لهدم السور، فأسرع فيه حتى اتّصل بدار المعروف بأنكلاي، وكانت متصلة بدار الخبيث؛ فلما أعيت الحيلُ الخبيث في المنْع من هدم السور، ودفع أصحاب الموفّق عن ولوج مدينته، أسقِط في يديه، ولم يدر كيف يحتال لحسْم ذلك، فأشار عليه عليّ بن أبان المهلبيّ بإجراء الماء على السباخ التي يسلكها أصحاب الموفق لئلا يجدوا إلى سلوكها سبيلًا، وأن يحفر خنادق في مواضع عدّة يعوقهم بها عن دخول المدينة، فإن حملوا أنفسهم على اقتحامها فوقعت عليهم هزيمة، لم يسهل عليهم الرجوع إلى سفنهم؛ ففعلوا ذلك في عِدّة مواضع من مدينتهم، وفي الميدان الذي كان الخبيث جعله طريقًا حتى انتهت تلك الخنادق إلى قريب من داره، فرأى الموفّق بعدما هيّأ الله له من هدم سور مدينة الفاسق ما هيأ أن جعل قصده لطمّ الخنادق والأنهار والمواضع المعوَّرة كي تصلح فيها مسالك الخيل والرّجالة، فرام ذلك، فحامى عنه الفسقة، ودامت الحرب وطالت ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم؛ حتى لقد عُدّ الجرحى في بعض تلك الأيام زهاء ألفيْ جَريح؛ وذلك لتقارُب الفريقين في وقت القتال، ومنع الخنادق كلّ فريق منهم عن إزالة مَنْ بإزائه عن موضعهم، فلما رأى ذلك الموفّق قصد لإحراق دار الخبيث والهجوم عليها من دِجْلة، وكان يعوّق عن ذلك كثرةُ ما أعدّ الخبيث من المقاتلة ومن الحماة عن داره؛ فكانت الشذا إذا قربت من قَصْره رموا من سُوره ومن أعلى القصر بالحجارة والنشّاب والمقاليع والمجانيق والعرّادات وأذيب الرصاص،","vol":"13","page":359},{"text":"وأفرغ عليهم؛ فكان إحراق داره يتعذّر عليهم لما وصفنا، فأمر الموفّق بإعداد ظلال من خشب للشّذَا وإلباسها جلود الجواميس، وتغطية ذلك بالخيش المطليّ بصنوف العقافير والأدوية التي تمنع النار من الإحراق، فعمل ذلك، وطُليت به عدّة شَذَوات ورتّب فيها جميعًا شجعاء غلمانه: الرامحة والناشبة، وجمعًا من حُذّاق النقاطين وأعدّهم لإحراق دار الفاسق صاحب الزَّنج.\nفاستأمن إلى الموفّق محمد بن سمعان كاتب الخبيث ووزيره في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة تسع وستين ومئتين، وكان سبب استئمانه - فيما ذكر محمد بن الحسن - أنه كان ممّن امتحن بصحبته، وهو لها كارهٌ على علم منه بضلالته، وقال: كنتُ له على ذلك مواصلًا، وكنّا جميعًا ندبر الحيلة في التخلّص، فيتعذّر علينا، فلما نزل بالخبيث من الحصار ما نزل، وتفرّق عنه أصحابه، وضَعُف أمره؛ شمّر في الحيلة للخلاص، وأطلعني على ذلك، وقال: قد طبتُ نفسًا بألّا أستصحب ولدًا ولا أهلًا، وأن أنجوَ وحيدًا؛ فهل لك في مثل ما عزمت عليه؟ فقلت له: الرأي لك ما رأيت؛ إذ كنتَ إنما تخلّف ولدًا صغيرًا لا سبيل للخائن عليه إلى أن يصول به، أو أن يحدث عليك فيه حدثًا يلزمك عاره؛ فأمّا أنا فإنّ معي نساء يلزمني عارهنّ، ولا يسعني تعريضهنّ لسطوة الفاجر؛ فامضِ لشأنك؛ فأخبِرْ عني بما علمت من نيّتي في مخالفة الفاجر وكراهة صحبته؛ وإن هيّأ الله لي الخلاص بولدي، فأنا سريع اللحاق بك، وإن جرت المقادير فينا بشيء كنا معًا وصبرنا.\nفوجّه محمد بن سمعان وكيلًا له يعرف بالعراقيّ، فأتى عسكر الموفّق، فأخذ له ما أراد من الأمان، وأعدّ له الشذا، فوافتْه في السَّبَخة في اليوم الذي ذكرنا، فصار إلى عسكر الموفق، وأعاد الموفّق محاربة الخبيث والقصد للإحراق من غد اليوم الذي استأمن فيه محمد بن سمعان؛ وهو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة تسع وستين ومئتين، في أحسن زيّ، وأكمل عدّة، ومعه الشَّذَوات المطليّة بما وصفنا، وسائر شَذواته وسُميريّاته فيها مواليه وغلمانه والمعابر التي فيها الرَّجالة، فأمر الموفّق ابنَه أبا العباس بالقصد إلى دار محمد بن يحيى الصروف بالكرَنْبائيّ، وهي بإزاء دار الخائن في شرقيّ النهر المعروف بأبي الخصيب، يشرع على النهر وعلى دجْلة، وتقدّم إليها في","vol":"13","page":360},{"text":"إحراقها وما يليها من منازل قوّاد الخائن، وشغلهم بذلك عن انجاده ومعاونته، وأمر المرتبين في الشَّذَا المظلّلة بالقصد؛ لما كان مطلًا على دِجْلة من رواشين الخبيث وأبنيته، ففعلوا ذلك، وألصقوا شذَواتِهم بسور القصر، وحاربوا الفجَرة أشدّ حرب، ونضحوهم بالنيران، وصبر الفسَقة وقاتلوا، فرزق الله النصر عليهم، فتزحزحوا عن تلك الرواشين والأبنية التي كانوا يحامون عليها، وأحرقها غلمان الموفق، وسلِم مَنْ كان في الشَّذَا مما كان الخبثاء يكيدونهم به من النشاب والحجارة وصبّ الرصاص المذاب وغير ذلك بالظلال التي كان اتّخذها على الشّذا فكان ذلك سببًا لتمكنها من دار الخبيث.\nوأمر الموفّق مَنْ كان في الشَّذَا بالرجوع فرجعوا، فأخرج مَنْ كان فيها من الغلمان، ورتّب فيها آخرين، وانتظر إقبال المدّ وعلوّه؛ فلما تهيّأ ذلك عادت الشَّذَوات المظللة إلى قصر الخبيث، فأمر الموفّق مَنْ كان فيها بإحراق بيوت كانت تشرَع على دِجْلة من قصر الفاسق؛ ففعلوا ذلك، فاضطرمت النار في هذه البيوت، واتّصلت بما يليها من الستارات التي كان الخبيث ظلّل بها دارَه، وستور كانت على أبوابه، فقويت النار عند ذلك على الإحراق، وأعجلت الخبيث ومَنْ كان معه عن التوقّف على شيء مما كان في منزله من أمواله وذخائره وأثاثه وسائر أمتعته، فخرج هاربًا، وترك ذلك كله، وعلا غلمان الموفّق قصر الخبيث مع أصحابهم؛ فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من الأمتعة الفاخرة والذهب والفضة والجوهر والحلْي وغير ذلك؛ واستنقذوا جماعة من النساء اللواتِي كان الخبيث استرقّهنّ، ودخل غلمان الموفّق سائرَ دور الخبيث ودور ابنه أنكلاي، فأضرموها نارًا، وعظم سرور الناس بما هيأ الله لهم في هذا اليوم، فأقام جماعة يحاربون الفَسَقة في مدينتهم وعلى باب قصر الخبيث، مما يلِي الميدان، فأثخنوا فيهم القتل والجراح والأسْر، وفعل أبو العباس في دار المعروف بالكرنبائيّ وما يتّصل بها من الإحراق والهدم والنهب مثل ذلك. وقطع أبو العباس يومئذ سلسلة حديد عظيمة وثيقة كان الخبيث قطع بها نهر أبي الخصيب ليمنع الشَّذَا من دخوله، وحازها، فحُملت في بعض شَذواتِه وانصرف الموفّق بالناس صلاة المغرب بأجمل ظفر، وقد نال الفاسقَ في ذلك اليوم في نفسه وماله وولده وما كان غلب عليه من نساء المسلمين مثل الذي أصاب المسلمين منه من الذّعر","vol":"13","page":361},{"text":"والجلاء وتشتيت الشمل والمصيبة في الأهل والولد، وجُرح ابنه المعروف بأنكلاي في هذا اليوم جراحة شديدة في بطنه أشفى منها على التلف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>[ذكر الخبر عن غرق نصير المعروف بأبي حمزة]</span>\nوفي غد هذا اليوم وهو يوم الأحد لعشر بقين من شعبان من هذه السنة غرق نصير.\n* ذكر سبب غرقه:\nذكر محمد بن الحسن: أنه لما كان غد هذا اليوم، باكر الموفّق محاربة الخبيث، وأمر نصيرًا المعروف بأبي حمزة بالقَصْد لقنطرة كان الخائن عملها بالسياج على النهر المعروف بأبي الخصيب، دون الجسريْن اللذيْن اتخذهما عليه، وأمر زِيرَك بإخراج أصحابه مما يلي دار الجُبّائيّ لمحاربة مَنْ هناك من الفَجَرة، وأخرج جمعًا من قوّادها مما يلي دار أنكلاي لمحاربتهم أيضًا، فتسرّع نُصير، فدخل نهر أبي الخَصِيب في أول المدّ في عدّة من شَذَواته، فحملها المدّ فألصقها بالقنطرة، ودخلت عِدّة من شَذَوات موالي الموفّق وغلمانه ممِنّ لم يكن أمِر بالدخول، فحملهم المدّ فألقاهم على شَذوات نصير، فصكّت الشَّذوات بعضها بعضًا؛ حتى لم يكن للإشتيامين والجذّافين فيها حيلة ولا عمل، ورأى الزّنج ذلك، فاجتمعوا على الشَّذوات، وأحاطوا بها من جانبي نهر أبي الخصيب، فألقى الجذَّافُون أنفسَهم في الماء ذعرًا ووجلًا، ودخل الزَّنج الشّذَوات، فقتلوا بعض المقاتلة، وغرق أكثرُهم، وحاربهم نصير في شَذَواته حتى خاف الأسر، فقذف نفسه في الماء فغرق، وأقام الموفّق في يومه يحارب الفَسَقة، وينهب ويحرق منازلَهم، ولم يزْل باقي يومه مستعليًا عليهم؛ وكان ممّن حامى على قصر الخائن يومئذ وثبت في أصحابه سليمان بن جامع، فلم تزل الحرب بين أصحاب الموفّق وبينه، وهو مقيم بموضعه لم يَزُل عنه إلى أن خرج في ظهره كمين من غلمانِ الموفّق السودان، فانهزم لذلك، واتَّبعه الغلمان يقتلون أصحابه، ويأسرون منهم، وأصابت سليمان في هذا الوقت جراحة في ساقه، فهوى لفيه في موضع؛ قد كان الحريق ناله ببعض جمْر فيه، فاحترق","vol":"13","page":362},{"text":"بعض جسَده، وحامى عليه جماعة من أصحابه، فنجا بعد أن كاد الأسر يحيط به، وانصرف الموفّق ظافرًا سالمًا، وضعفت الفسقة، واشتدّ خوفُهم لمّا رأوا من إدبار أمرهم، وعرضت لأبي أحمد عِلّة من وجع المفاصل؛ فأقام فيها بقية شعبان وشهر رمضان وأيامًا من شوال ممسكًا عن حرب الفاسق، فلما استبلّ من عِلّته وتماثل، أمر بإعداد ما يحتاج إليه للقاء الفسَقة، فتأهّب لذلك جميع أصحابه.\n* * *\nوفي هذه السنة كانت وفاة عيسى بن الشيخ بن السليل.\nوفيها لعن ابن طولون المعتمد في دار العامّة، وأمر بلعنه على المنابر، وصار جعفر المفوّض إلى مسجد الجامع يوم الجمعة، ولعن ابن طولون وعقد لإسحاق بن كنداج على أعمال ابن طولون، ووليَ من باب الشماسية إلى إفريقية ووَليَ شُرْطة الخاصة.\nوفي شهر رمضان منها كتب أحمد بن طولون إلى أهل الشأم يدعوهم إلى نصرِ الخليفة، ووُجد فَيْجٌ يريد ابنَ طولون معه كُتب من خليفته جوّاب بأخبار، فأخِذ جوّاب فحبس وأخِذ له مال ورقيق ودوابّ.\nوفي شوال منها كانت وقعة بين أبي السَّاج والأعراب، فهزموه فيها، ثم بيّتهم فقتل منهم وأسر، ووجّه بالرؤوس والأسارى إلى بغداد، فوصلت في شوال منها.\nولإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها عقد جعفر المفوّض لصاعد بن مخْلَد على شهرزور وداباذ والصامغان وحلوان وماسِبذان ومهرجانْقَذف وأعمال الفرات، وضمّ إليه قوّاد موسى بن بغا خلا أحمد بن موسى وكَيْغَلغَ وإسحاق بن كُنداجيق وأساتكين، فعقد صاعد للؤلؤ على ما عهد له عليه من ذلك المفوّض يوم السبت لثمان بقين من شوال، وبعث إلى ابن أبي الساج بعقد من قِبَله على العمل الذي كان يتولّاه، وكان يتولى الأنبار وطريق الفرات ورحبة طوق بن مالك من قِبَل هارون بن الموفّق، وكان شخص إليها في شهر رمضان، فلمّا ضُمّ ذلك إلى صاعد أقرّه صاعد على ما كان إليه من ذلك.","vol":"13","page":363},{"text":"وفي آخر شوّال منها دخل ابن أبي الساج رحبة طوق بن مالك بعد أن حاربه أهلُها، فغلبهم وهرب أحضد بن مالك بن طَوْق إلى الشأم، ثم صار ابن أبي الساج إلى قرْقِيسياء؛ فدخلها وتنحّى عنها ابن صفوان العُقيليّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>[ذكر الخبر عن الوقعة التي كانت بين الموفّق وبين الزنج]</span>\nوفي يوم الثلاثاء لعشر خلوْن من شوال من هذه السنة، كانت بين أبي أحمد وبين الزَّنْج وقعة في مدينة الفاسق أثّر فيها آثارًا، وصل بها إلى مراده منها.\n* ذكر السبب في هذه الوقعة وما كان منها:\nذكر محمد بن الحسن أنّ الخبيث عدوّ الله كان في مدّة اشتغال الموفّق بعلّته أعاد القنطرة التي كانت شَذوات نصير لجّجت فيها، وزاد فيها ما ظنّ أنه قد أحكمها، ونصب دونها أدقال ساج وصل بعضها ببعض، وألبسها الحديد، وسَكر أمام ذلك سِكْرًا بالحجارة ليضيق المدخل على الشَّذَا، وتحتدّ جرية الماء في النهر المعروف بأبي الخصيب، فيهاب الناس دخولَه، فندب الموفَّق قائديْن من قُوّاد غلمانه في أربعة آلاف من الغلمان؛ وأمرهما أن يأتيا نهر أبي الخصيب؛ فيكون أحدهما في شرقيه والآخر في غربيه؛ حتى يوافيا القنطرة التي أصلحها الفاجر وما عمل في وجهها من السّكِرْ فيحاربا أصحاب الخبيث حتى يجلياهم عن القنطرة، وأعدّ معهما النجارين والفعلة لقطع القنطرة والبدود التي كانت جعلت أمامها، وأمر بإعداد سفن محشوّة بالقصب المصبوب عليه النّفط، لتدخل ذلك النهر المعروف بأبي الخصيب، وتضرم نارًا لتحترق بها القنطرة في وقت المدّ، فركب الموفّق في هذا اليوم في الجيش حتى وافى فوّهة نهر أبي الخصيب، وأمر بإخراج المقاتلة في عدّة مواضع من أعلى عسكر الخبيث وأسفله، ليشغلهم بذلك عن التعاون على المنع عن القنطرة، وتقدّم القائدان في أصحابهما، وتلقاهما أصحاب الخائن من الزَّنْج وغيرهم، يقودهم ابنه أنكلاي وعليّ بن أبان المهلبيّ وسليمان بن جامع، فاشتبكت الحرب بين الفريقيْن، ودامت، وقاتل الفسقة أشدّ قتال، محاماةً عن القنطرة، وعلموا ما عليهم في قطعها من الضّرر، وأنّ الوصول إلى ما بعدها من الجسرين العظيمين اللّذْين كان الخبيث اتخذهما على","vol":"13","page":364},{"text":"نهر أبي الخصيب سهْل مرامه، فكثر القتل والجراح بين الفرِيقيْن، واتّصلت الحرب إلى وقت صلاة العصر، ثم إن غلمان الموفّق أزالوا الفسَقة عن القنطرة وجاوزوها، فقطعها النّجارون والفَعلة، ونقضوها وما كان اتخذ من البدود التي ذكرناها.\nوكان الفاسق أحكم أمر هذه القنطرة والبدود إحكامًا تعذّر على الفَعَلة والنّجارين الإسراع في قطعها، فأمر الموفّق عند ذلك بإدخال السفن التي فيها القصب والنّفط، وضربها بالنار وإرسالِها مع الماء؛ ففعل ذلك، فوافت السفن القنطرة فأحرقتها، ووصل النَّجارون إلى ما أرادوا من قطع البدود فقطعوها، وأمكن أصحاب الشّذا دخول النهر فدخلوه، وقوِيَ نشاطُ الغلمان بدخول الشَّذَا؛ فكشفوا أصحاب الفاجر عن مواقِفهم حتى بلغوا بهم الجسر الأوّل الذي يتلُو هذه القنطرة، وقُتِل من الفجَرة خلق كثير، واستأمن فريق منهم؛ فأمر الموفّق أن يخلع عليهم في ساعتهم تلك، وأن يوقفوا بحيث يراهم أصحابُهم ليرغبوا في مثل ما صاروا إليه؛ وانتهى الغلمان إلى الجسر الأوّل، وكان ذلك قبيل المغرب، فكره الموفّق أن يُظلم الليلَ، والجيش موغل في نهر أبي الخصيب، فيتهيّأ للفجرة بذلك انتهازُ فرصة، فأمر الناسَ بالانصراف، فانصرفوا سالمين إلى المدينة الموفقيّة، وأمر الموفّق بالكتاب إلى النواحي بما هيأ الله له من الفتح والظَّفر؛ ليقرأ بذلك على المنابر، وأمر بإثابة المحسنين من غلمانِه على قدر غَنائهم وبلائهم وحسن طاعتهم، ليزدادوا بذلك جدًّا واجتهادًا في حرب عدوّهم.\nففعل ذلك، وعَبر الموفّق في نفر من مواليه وغلمانه في الشَّذَوات والسميريّات وما خفّ من الزّواريق إلى فُوّهة نهر أبي الخصيب؛ وقد كان الخبيث ضيّفها ببرجين عملهما بالحجارة ليضيّق المدخل وتحتدَّ الجرية، فإذا دخلت الشَّذَا النهر لجَّجتْ فيه، ولم يسهل السبيل إلى إخراجها منه؛ فأمر الموفَّق بقطع ذينك البُرْجين، فعمل فيهما نهار ذلك اليوم، ثم انصرف العمال وعادوا من غد لاستتمام قلع ما بقي من ذلك؛ فوجدوا الفجَرة قد أعادوا ما قلع منهما في ليلتهم تلك؛ فأمر بنصب عرّادتين قد كانتا أعدّتا في سفينتين، نُصِبتا حيال نهر أبي الخصيب، وطرحت لهما الأناجر حتى استقرّتا؛ ووكّل بهما من أصحاب الشَّذَا، وأمر بقطع هذين البُرْجَيْن، وتقدّم إلى أصحاب العرّادتين في رَمْي كلّ من","vol":"13","page":365},{"text":"دنا من أصحاب الفاسق؛ لإعادة شيء من ذلك في ليل أو نهار؛ فتحامى الفجرة الدنوَّ من الموضع، وأحجموا عنه، وألحّ الموكَلون بقلع هذه الحجارة بعد ذلك، حتى استتمّوا ما أرادوا، واتَّسع المسْلَك للشذا في دخول النهر والخروج منه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>[خبر انتقال صاحب الزنج إلى شرقيّ نهر أبي الخصيب]</span>\nوفي هذه السنة تحوَّل الفاسق من غربيّ نهر أبي الخصيب إلى شرقيّه وانقطعت عنه الميرة من كلّ وجهة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>ذكر الخبر عن حاله وحال أصحابه وما آل إليه أمرهم عند انتقاله من الجانب الغربيّ</span>\nذُكر: أن الموفّق لما أخرب منازل صاحب الزَّنج وحرّقها، لجأ [أي: صاحب الزنج] إلى التحصّن في المنازل الواغلة في نهر أبي الخصيب، فنزل منزلًا كان لأحمد بن موسى المعروف بالقَلُوص، وجمع عيالَه وولده حوله هناك، ونقل أسواقه إلى السوق القريبة من الموضع الذي اعتصم به؛ وهي سوق كانت تعرف بسوق الحسين، وضعُف أمره ضعفًا شديدًا، وتبين للناس زوالُ أمره، فتهيّبُوا جلْب المِيرة إليه، فانقطعت عنه كلّ مادّة، فبلغ عنده الرَّطل من خبز البرّ عشرة دراهم، فأكلوا الشعير، ثم أكلوا أصناف الحبوب، ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كانوا يتبعون الناس؛ فإذا خلا أحدُهم بامرأة أو صبيّ أو رجل ذبحه وأكله، ثم صار قويّ الزَّنْج يَعْدو على ضعيفهم؛ فكان إذا خلا به ذبَحه وأكل لحمه؛ ثم أكلوا لحوم أولادهم، ثم كانوا ينبشون الموتى، فيبيعون أكفانَهم ويأكلون لحومهم، وكان لا يعاقب الخبيثُ أحدًا ممن فعل شيئًا من ذلك إلّا بالحبس، فإذا تطاول حبسُه أطلقه.\nوذكر: أن الفاسق لما هُدِمت داره وأحرِقت، وانتُهب ما فيها، وأخرج طريدًا سليبًا من غربيّ نهر أبي الخصيب، تحوّل إلى شرقيّه، فرأى أبو أحمد أن يخرب عليه الجانب الشرقيّ لتصير حال الخبيث فيه كحاله في الغربيّ في الجلاء عنه،","vol":"13","page":366},{"text":"فأمر ابنه أبا العباس بالوقوف في جمع من أصحابه في الشَّذَا في نهر أبي الخصيب، وأن يختار من أصحابه وغلمانه جمعًا يخرجهم في الموضِع الذي كانت فيه دار الكرنبائيّ من شرقيّ نهر أبي الخصيب، ويخرج معهم الفعَلة لهدم كلّ ما يلقاهم من دور أصحاب الفاجر ومنازلهم، ووقف الموفّق على قصر المعروف بالهمدانيّ - وكان الهمدانيّ يتولى حياطة هذا الموضع، وهو أحد قادة جيوش الخبيث وقدماء أصحابه - وأمر الموفّق جماعة من قوّاده ومواليه فقصدوا لدار الهَمْدانيّ، ومعهم الفَعلة؛ وقد كان هذا الموضع محصّنًا بجمع كثير من أصحاب الخبيث من الزَّنْج وغيرهم، وعليه عرّادات ومجانيق منصوبة وقسيّ ناوكية، فاشتبكت الحرب وكثُر القتلى والجراح إلى أن كشف أصحاب الموفّق الخبثاءَ، ووضعوا فيهم السلاح، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وفعل أصحاب أبي العباس مثل ذلك بمن مرّ بهم من الفَسقَة.\nوالتقى أصحابُ الموفّق وأصحاب أبي العباس؛ فكانوا يدًا واحدة على الخبثاء، فولّوْا منهزمين، وانتهوْا إلى دار الهمدانيّ، وقد حصّنها ونصب عليها العرّادات، وحفّها بأعلام بِيض من أعلام الفاجر، مكتوب عليها اسمه، فتعذّر على أصحاب الموفق تسوّر هذه الدار لعلوّ سورها وحصانتها، فوضعوا عليها السلاليم الطوال، فلم تبلغ آخره، فرمى بعضُ غلمان الموفّق بكلاليب كانوا أعدُّوها، وجعلوا فيها الحبال لمثل هذا الموضع، فأثبتوها في أعلام الفاسق وجذبوها، فانقلبت الأعلام منكوسة من أعلى السور؛ حتى صارت في أيدي أصحاب الموفّق، فلم يشكّ المحامون عن هذه الدار أنّ أصحاب أبي أحمد قد علوْها، فوجَلوا فانهزموا، وأسلموها وما حوْلها، وصعِد النّفّاطون فأحرقوا ما كان عليها من المجانيق والعرّادات، وما كان فيها للهمدانيّ من متاع وأثاث، وأحرقوا ما كان حولها من دور الفجرة، واستنقذوا في هذا اليوم من نساء المسلمين المأسورات عددًا كثيرًا، فأمر الموفّق بحملهنّ في الشّذَا والسميريّات، والمعابر إلى الموفقية والإحسان إليهنّ.\nولم تزل الحرب في هذا اليوم قائمةً من أوّل النهار إلى بعد صلاة العصر، واستأمن يومئذ جماعةٌ من أصحاب الفاسق وجماعة من خاصّة غلمانه الذين كانوا في داره يلون خدمَته والوقوف على رأسه؛ فآمنهم الموفّق وأمر بالإحسان إليهم،","vol":"13","page":367},{"text":"وأن يُخلَع عليهم، ويوصلوا وتُجرى لهم الأرزاق، وانصرف الموفّق، وأمر أن تنكَس أعلام الفاسق في صدور الشَّذَوات ليراها أصحابه، ودلّت جماعة من المستأمنة الموفَّق على سوق عظيمة كانت للخبيث في ظهر دار الهمدانيّ متصلةً بالجسر الأوّل المعقود على نهر أبي الخصيب، كان الخبيث سمّاها المباركة، وأعلموه أنه إن تهيأ له إحراقها لم يبق لهم سوق، وخرج عنهم تجّارهم الذين بهم قوامهم؛ واستوحشوا لذلك، واضطروا إلى الخروج في الأمان، فعزم الموفّق عند ذلك على قصد هذه السوق وما يليها بالجيوش من ثلاثة أوجه؛ فأمر أبا العباس بقصد جانب من هذه السوق مما يلي الجسر الأول؛ وأمر راشدًا مولاه بقصْدها مما يلِي دار الهمْدانيّ، وأمر قوّادًا من قواد غلمانه السودان بالقصد لها من نهر أبي شاكر، ففعل كلُّ فريق ما أمِر به، ونذِر الزَّنج بمسير الجيوش إليهم، فنهضوا في وجوههم، واستعرت الحرب وغلظتْ، فأمدّ الفاجر أصحابه، وكان المهلبيّ وأنكلاي وسليمان بن جامع في جميع أصحابهم بعد أن تكاملوا ووافتْهم أمداد الخبيث بهذه السوق يحامون عنها، ويحاربون فيها أشدّ حرب.\nوقد كان أصحاب الموفّق في أول خروجهم إلى هذا الموضع وصلُوا إلى طرف من أطراف هذه السوق، فأضرموه نارًا فاحترق، فاتّصلت النار بأكثر السُّوق، فكان الفريقان يتحاربون والنار محيطة بهم؛ ولقد كان ما علا من ظلالٍ يحترق فيقع على رؤوس المقاتلة؛ فربما أحرق بعضَهم، وكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس وإقبال الليل، ثم تحاجزوا، وانصرف الموفّق وأصحابه إلى سفنهم، ورجع الفسَقة إلى طاغيتهم بعد أن احترق السوق، وجلا عنها أهلُها ومَن كان فيها من تجار عسكر الخائن وسُوقتهم، فصاروا في أعلى مدينته بما تخلّصوا به من أموالهم وأمتعتهم، وقد كانوا تقدّموا في نقل جلّ تجارتهم وبضائعهم من هذه السوق خوفًا من مثل الذي نالهم في اليوم الذي أظفر الله فيه الموفّق بدار الهَمْدانيّ وهيّأ له إحراق ما أحرق حولها.\nثم إن الخبيث فعل في الجانب الشرقيّ من حفر الخنادق وتعوير الطرق ما كان فعل في الجانب الغربيّ بعد هذه الوقعة، واحتفر خندقًا عريضًا من حدّ جوى كور إلى نهر الغربيّ، وكان أكثر عنايته بتحصين ما بين دار الكرْنبائيّ إلى النهر المعروف بجُوى كور؛ لأنه كان في هذا الموضع جُلّ منازل أصحابه ومساكنهم،","vol":"13","page":368},{"text":"وكان من حدّ جوى كور إلى نهر الغربيّ بساتين ومواضع قد أخلَوْها، والسّور والخندق محيطان بها، وكانت الحرب إذا وقعت في هذا الموضع قصدوا من موضعهم إليه للمحاماة عنه والمنع منه؛ فرأى الموفّق عند ذلك أن يخرِب باقي السور إلى نهر الغربيّ، ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة.\nوكان الفاسق في الجانب الشرقيّ من نهر الغربيّ في عسكر فيه جمع من الزَّنْج وغيرهم متحصّنين بسور منيعِ وخنادق، وهم أجلد أصحاب الخبيث وشجعانهم، فكانوا يحامون عما قرُب من سور نهر الغربيّ، وكانوا يخرجون في ظهور أصحاب الموفّق في وقت الحرب على جوى كور وما يليه، فأمر الموفّق بقصد هذا الموضع ومحاربة مَنْ فيه وهدم سُوره وإزالة المتحصّنين به، فتقدّم عند ذلك إلى أبي العباس وعِدّة من قوّاد غلمانه ومواليه في التأهّب لذلك، ففعلوا ما أمِرُوا به، وصار الموفّق بمَنْ أعدّه إلى نهر الغربيّ، وأمر بالشَّذَا فنُظمت من حدّ النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع المعروف بالدبّاسين، وخرج المقاتلة على جنبتي نهر الغربيّ، ووُضعِت السلاليم على السور.\nوقد كانت لهم عليه عدّة عرّادات، ونشَبت الحرب، ودانت مذ أول النهار إلى بعد الظهر، وهُدم من السور مواضع، وأحرِق ما كان عليه من العرّادات، وتحاجز الفريقان، وليس لأحدهما فضل على صاحبه إلّا ما وَصل إليه أصحاب الموفّق من هذه المواضع التي هدموها وإحراق العرّادات، ونال الفريقين من ألم الجراح أمرٌ غليظ موجع.\nفانصرف الموفّق وجميعُ أصحابه إلى الموفقيّة، فأمر بمداواة الجرحى، ووصلَ كلّ امرئ على قدر الجراح التي أصابته؛ وعلى ذلك كان أجرى التدبير في جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله الله.\nوأقام الموفّق بعد هذه الوقعة مدّة، ثم رأى معاودة هذا الموضع والتشاغل به دون المواضع، لما رأى من حصانته وشجاعة مَنْ فيه وصبرهم، وأنه لا يتهيأ ما يقدر فيما بين نهر الغربيّ وجوى كور إلا بعد إزالة هؤلاء، فأعدّ ما يحتاج إليه من آلات الهدم، واستكثر من الفعلة، وانتخب المقاتلة الناشبة والرّامحة والسودان أصحاب السيوف، وقصد هذا الموضع على مثل قصده له المرّة","vol":"13","page":369},{"text":"الأولى، فأخرج الرجّالة في المواضع التي رأى إخراجَهم فيها، وأدخل عددًا من الشَّذَا النهر، ونشبت الحرب ودامت، وصَبر الفسَقة أشدّ صبر، وصبر لهم أصحاب الموفّق.\nواستمدّ الفسقة طاغيتَهم، فوافاهم المهلبيّ وسليمان بن جامع في جيشهما، فقويت قلوبُهم عند ذلك، وحملوا على أصحاب الموفّق، وخرج سليمان كمينًا مما يلي جوى كور، فأزالوا أصحاب الموفّق حتى انتهوْا إلى سفنهم، وقَتلوا منهم جماعة وانصرف الموفّق ولم يبلغ كلّ الذي أراد، وتبيّن أنه قد كان يجب أن يحارب الفسقة من عدّة مواضع، ليفرّق جمعَهم، فيخفّ وطؤهم على مَنْ يقصد لهذا الموضع الصعب، وينال منه ما يحبّ، فعزم على معاودتهم، وتقدّم إلى أبي العباس وغيره من قوّاده في العبور واختيار أنجاد رجالهم، ووكّل مسرورًا مولاه بالنهر المعروف بمنكى، وأمره أن يخرج رجاله في ذلك الموضع وما يتصل به من الجبال والنخل، لتشتغل قلوب الفجَرة، وليروْا أنّ عليهم تدبيرًا من تلك الجهة، وأمر أبا العباس بإخراج أصحابه على جوى كور، ونظم الشذا على هذه المواضع حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالدّباسين؛ وهو أسفل نهر الغربيّ، وصار الموفّق إلى نهر الغربيّ، وأمر قوّاده وغلمانه أن يخرجوا في أصحابهم فيحاربوا الفَسَقة في حصنهم ومعقلهم، وألا ينصرفوا عنهم حتى يفتح الله لهم، أو يبلغ إرادته منهم، ووكل بالسور مَنْ يهدمه، وتسرّع الفَسَقة كعادتهم، وأطمعهم ما تقدّم من الوقعتين اللتيْن ذكرناهما، فثبت لهم غلمان الموفّق، وصدقوهم اللقاء؛ فأنزل الله عليهم نصره، فأزالوا الفسقة عن مواقفهم، وقوِيَ أصحابُ الموفّق، فحملوا عليهم حملةً كشفوهم بها، فانهزموا وخَلَّوْا عن حصنهم، وصار في أيدي غلمان الموفّق فهدموه، وأحرقوا منازلهم، وغَنموا ما كان فيها، واتّبعوا المنهزمين منهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا، واستنقذوا من هذا الحصن من النساء المأسورات خَلْقًا كثيرًا، فأمر الموفّق بحملهنّ والإحسان إليهنّ، وأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم ففعلوا، وانصرف إلى عسكره بالموفقيّة، وقد بلغ ما حاول من هذا الموضع.\n* * *","vol":"13","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2160>[ذكر خبر دخول الموفّق مدينة صاحب الزنج]</span>\nوفيها دخل الموفّق مدينة الفاسق، وأحرق منازله من الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب.\n* ذكر الخبر عن سبب وصوله إلى ذلك:\nذُكر أنّ أبا أحمد لما أراد ذلك بعد هدمه سورَ داره ذلك، أقام يصلح المسالك في جنبتي نهر أبي الخصيب وفي قصر الفاسق، ليتسع على المقاتلة الطريق في الدخول والخروج للحرب، وأمر بقلع باب قصر الخبيث الذي كان انتزعه من حصن أرْوَخ بالبصرة، فقُلع وحُمل إلى مدينة السلام، ثم رأى القصد لقطع الجسر الأوّل الذي كان على نهر أبي الخصيب، لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضًا عند وقوع الحرب في نواحي عسكرهم، فأمر بإعداد سفينة كبيرة تُملأ قصبًا قد سُقِيَ النّفط، وأن يُنْصَب في وسط السفينة، دَقْلٌ طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا لصقت به، وانتهز الفرصة في غفلة الفسقة وتفرُّقهم.\nفلما وجد ذلك في آخر النهار قدِّمت السفينة، فجرَّها الشذا حتى وردت النهر، وأشعِل فيها النيران، وأرسِلت وقد قوى المدّ، فوافت القنطرة، ونَذِر الزَّنج بها، وتجمعوا وكثروا حتى ستروا الجسر وما يليه، وجعلوا يقذفون السفينة بالحجارة والآجرّ، ويهيلون عليها التراب، ويصبّون الماء، وغاص بعضهم فنقبها؛ وقد كانت أحرقت من الجسر شيئًا يسيرًا فأطفأه الفسقة، وغرّقوا السفينة وحازوها؛ فصارت في أيديهم.\nفلما رأى أبو أحمد فعلَهم ذلك، عزم على مجاهدتهم على هذه الجسر حتى يقطعه، فسمّى لذلك قائدين من قوّاد غلمانه، وأمرهما بالعبور في جميع أصحابهما في السلاح الشاك واللأمة الحصينة والآلات المحكمة، وإعداد النفاطين والآلات التي تُقطع بها الجسور، فأمر أحد القائدين أن يقصد غربيَّ النهر، وجعل الآخر في شرقيّه، وركب الموفّق في مواليه وخدّامه وغلمانه الشَّذَوات والسُّميريّات، وقصد فُوّهَة نهر أبي الخصيب؛ وذلك في غداة يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شوّال سنة تسع وستين ومئتين، فسبق إلى الجسر القائد الذي كان أمِر بالقصد له من غربيّ نهر أبي الخصيب، فأوقع بمَن","vol":"13","page":371},{"text":"كان موكَّلًا به من أصحاب الفاسق، وقُتلت منهم جماعة، وضُرب الجسر بالنار، وطرح عليه القصب وما كان أعِدّ له من الأشياء المحرِقة، فانكشف مَن كان هناك من أعوان الخبيث، ووافى بعد ذلك مَنْ كان أمر بالقصد للجسر من الجانب الشرقيّ، ففعلوا ما أمِروا به من إحراقه.\nوقد كان الخبيث أمر ابنه أنكلاي وسليمان بن جامع بالمقام في جيشهما للمحاماة عن الجسر، والمنع من قطعه؛ ففعلا ذلك، فقصد إليهما مَنْ كان بإزائهما، وحاربوهم حربًا غليظًا حتى انكشفا، وتمكنوا من إحراق الجسر فأحرقوه، وتجاوزوه إلى الحظيرة التي كان يعمل فيها شَذَوات الفاسق وسُميريّاته وجميع الآلات التي كان يحارب بها، فأحرِق ذلك عن آخره إلا شيئًا يسيرًا من الشذوات والسميريّات كان في النهر، وانهزم أنكلاي وسليمان بن جامع، وانتهى غلمان الموفّق إلى سجْن كان للخبيث في غربيّ نهر أبي الخصيب، فحامى عنه الزَّنج ساعة من النهار حتى أخرجوا منه جماعة، وغلبهم عليه غلمان الموفّق، فخلّصوا مَنْ كان فيه من الرجال والنساء، وتجاوز من كان في الجانب الشرقيّ من غلمان الموفّق، بعد أن أحرقوا ما وُلُّوا من الجسر إلى الموضع المعروف بدار مصلِح؛ وهو من قدماء قوَّاد الفَاسق، فدخلوا داره وأنهبوها، وسبَوْا ولده ونساءه، وأحرقوا ما تهيأ لهم إحراقه في طريقهم، وبقيت من الجسر في وسط منه أدقال قد كان الخبيث أحكَمها، فأمر الموفّق أبا العباس بتقديم عذة من الشَّذَا إلى ذلك الموضع، ففعل ذلك؛ فكان فيمن تقدّم زيرك في عدد من أصحابه، فوافَى هذه الأدقال، وأخرجوا إليها قومًا قد كانوا أعدّوهم لها معهم الفؤوس والمناشير، فقطعوها، وجُذبت وأخرِجت عن النهر، وسقط ما بقي من القنطرة، ودخلت شذوات الموفّق النهر، وسار القائدان في جميع أصحابهما على حافتيه فهُزم أصحاب الفاجر في الجانبين، وانصرف الموّفق وجميع أصحابه سالمين، واستُنقذ خلق كثير، وأتِيَ الموفّق بعدد كثير من رؤوس الفسقة، فأثاب مَنْ أتاه بها، وأحسن إليه ووصله.\nوكان انصرافه في هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار، بعد أن انحاز الفاسِق وجميع أصحابه من الزَّنْج وغيرهم إلى الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، وأخلوْا غربيّه، واحتوى عليه أصحاب الموفّق، فهدموا ما كان","vol":"13","page":372},{"text":"يعوق عن محاربة الفَجرة من قصور الفاسق وقصور أصحابه، ووسَّعوا مخترقات ضيّقة كانت على نهر أبي الخصيب، فكان ذلك مما زاد في رعب أصحاب الخائن، ومال جمعٌ كثير من قوّاده وأصحابه الذين كان لا يرى أنهم يفارقونه إلى طلب الأمان، فبُذل ذلك لهم، فخرجوا أرسالًا، فقُبِلوا، وأحسِن إليهم وألحقوا بنظرائهم في الأرزاف والصِّلات والخلع.\nثم إن الموفّق واظب على إدخال الشذا النهر، وتقحّمه في غلمانه، وأمر بإحراق ما على حافتيه من منازل الفجرة وما في بطنه من السفن، وأحبّ تمرين أصحابه على دخول النهر وتسهيل سلوكه لهم لِمَا كان يقدّر من إحراق الجسر الثاني، والتوصّل إلى أقصى مواضع الفجرة.\nفبينا الموفّق في بعض أيامه - التي ألحّ فيها على حرب الخبيث وولوج نهر أبي الخصيب - واقف في موضع من النهر؛ وذلك في يوم الجمعة، إذ استأمن إليه رجل من أصحاب الفاجر، وأتاه بمنبر كان للخبيث في الجانب الغربيّ، فأمره بنقله إليه، ومعه قاض كان للخبيث في مدينته؛ فكان ذلك مما فتّ في أعضادهم؛ وكان الخبيث جمع ما كان بقيَ له من السفن البحرية وغيرها، فجعلها عند الجسر الثاني، وجمع قوّاده وأصحابه وأنجاد رجاله هنالك؛ فامر الموفّق بعض غلمانه بالدنوّ من الجسر وإحراق ما تهيأ إحراقُه من المراكب البحرية التي تليه، وأخذ ما أمكن أخذُه منها، ففعل ذلك المأمورون به من الغلمان، فزاد فعلهم في تحرّز الفاجر ومحاماته عن الجسر الثاني، فألزم نفسه وجميع أصحابه حفظه وحراسته خوفًا من أن تتهيّأ حيلة فيخرج الجانب الغربيّ عن يده، ويُوطئه أصحاب الموفّق؛ فيكون ذلك سببًا لاستئصاله، فأقام الموفّق بعد إحراق الجسر الأول أيامًا يعبرُ بجمع بعد جمع من غلمانه إلى الجانب الغربيّ من نهر أبي الخصيب، فيحرقون ما بقي من منازل الفجرة، ويقرُبون من الجسر الثاني فيحاربهم عليه الزنج.\nوقد كان تخلّف منهم جمعٌ في منازلهم في الجانب الغربيّ المقاربة للجسر الثاني، وكان غلمان الموفّق يأتون هذا الموضع ويقفون على الطرق والمسالك التي كانت تخفى عليهم من عسكر الخبيث؛ فلما وقف الموفّق على معرفة غلمانه وأصحابه بهذه الطريق واهتدائهم لسلوكها، عزم على القصد لإحراق الجسر","vol":"13","page":373},{"text":"الثاني ليحوز الجانب الغربيّ من عسكر الخبيث، وليتهيأ لأصحابه مساواتُهم على أرض واحدة، لا يكون بينهما فيها حائل غير نهر أبي الخصيب؛ فأمر الموفّق عند ذلك أبا العباس بقصد الجانب الغربيّ في أصحابه وغلمانه، وذلك في يوم السبت لثمان بقين من شوال سنة تسع وستين ومئتين، وتقدّم إليه أن يجعل خروجه بأصحابه في موضع البناء الذي كان الفاجر سمّاه مسجد الجامع، وأن يأخذ الشارع المؤدي إلى الموضع الذي كان الخبيث اتخذه مصلَّى يحضره في أعياده؛ فإذا انتهى إلى موضع المصلى عطف منه إلى الجبل المعروف بجبل المكتني بأبي عمرو أخي المهلبيّ، وضمّ إليه من قُوّاد غلمانه الفرسان والرّجالة زُهاء عشرة آلاف، وأمره أن يرتّب زِيَركَ صاحب مقدّمته في أصحابه في صحراء المصلى، ليأمن خروج كمين إن كان للفسقة من ذلك الموضع، وأمر جماعة من قوّاد الغلمان أن يتفرقوا في الجبال التي فيها بين الجبل المعروف بالمكتنى بأبي عمرو وبين الجبل المعروف بالمكتنى أبا مقاتل الزنجيّ، حتى توافَوْا جميعًا من هذه الجبال موضع الجسر الثاني في نهر أبي الخصيب، وتقدّم إلى جماعة من قوّاد الغلمان المضمومين إلى أبي العباس أن يخرجوا في أصحابهم بين دار الفاسق ودار ابنه أنكلاي، فيكون مسيرهم على شاطئ نهر أبي الخصيب وما قاربه؛ ليتصلوا بأوائل الغلمان الذين يأتون على الجبال، ويكون قصدُ الجميع إلى الجسر، وأمرهم بحمل الآلات من المعاول والفؤوس والمناشير مع جمع من النَّفاطين لقطع ما يتهيّأ قطعُه، وإحراق ما يتهيأ إحراقه، وأمر راشدًا مولاه بقصد الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب في مثل العِدّة التي كانت مع أبي العباس وقصد الجسر ومحاربة مَنْ يدافع عنه، ودخل أبو أحمد نهر أبي الخصيب في الشّذَا، وقد أعدّ منها شَذَوات رتّب فيها من أنجاد غلمانه الناشبة والرّامحة من ارتضاه، وأعدّ معهم من الآلات التي يقطع بها الجسر ما يحتاج إليه لذلك؛ وقدّمهم أمامه في نهر أبي الخصيب، واشتبكت الحرب في الجانبين جميعًا بين الفريقين، واشتدّ القتال.\nوكان في الجانب الغربيّ بإزاء أبي العباس ومَنْ معه أنكلاي ابن الفاسق في جيشه، وسليمان بن جامع في جيشه، وفي الجانب الشرقيّ بإزاء راشد ومَن معه الفاجر صاحب الزَّنْج والمهلّبيّ في باقي جيشهم، فكانت الحرب في ذلك اليوم","vol":"13","page":374},{"text":"إلى مقدار ثلاث ساعات من النهار، ثم انهزمت الفسقة لا يلوُون على شيء، وأخذت السيوفُ منهم مأخَذها، وأخذ من رؤوس الفسقة ما لم يقع عليه إحصاء لكثرته؛ فكان الموفّق إذا أتى برأس من الرؤوس أمر بإلقائه في نهر أبي الخصيب، ليدع المقاتلة الشغل بالرؤوس، ويجدّوا في اتباع عدوّهم، وأمر أصحاب الشذا الذين رتبهم في نهر أبي الخصيب بالدنوّ من الجسر وإحراقه، ودفع مَنْ تحامى عنه من الزَّنْج بالسهام؛ ففعلوا ذلك وأضرموا الجسر نارًا، ووافى أنكلاي وسليمان في ذلك الوقت جريحيْن مهزوميْن، يريدان العبور إلى شرقيّ نهر أبي الخصيب، فحالت النار بينهما وبين الجسر، فألقوْا أنفسهما ومن كان معهما من حُماتِهم في نهر أبي الخصيب، فغرق منهم خلق كثير، وأفلت أنكلاي وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك، واجتمع على الجسر من الجانبين خلق كثير، فقطِع بعد أن ألقيت عليه سفينة مملوءة قصبًا مضرومًا بالدار، فأعانت على قطعه وإحراقه، وتفرّق الجيش في نواحي مدينة الخبيث من الجانبين جميعًا، فأحرقوا من دورهم وقصورهم وأسواقهم شيئًا كثيرًا، واستنقذوا من النساء المأسورات والأطفال ما لا يحصى عدده، وأمر الموفَّق المقاتلة بحملهم في سفنهم والعبور بهم إلى الموفقيّة.\nوقد كان الفاجر سكن بعد إحراق قصره ومنازله الدّار المعروفة بأحمد بن موسى القَلوص والدّار المعروفة بمحمد بن إبراهيم أبي عيسى، وأسكن ابنه أنكلاي الدار المعروفة بمالك ابن أخت القَلُوص؛ فقصد جماعة من غلمان الموفّق المواضع التي كان الخبيث يسكنها فدخلوها، وأحرقوا منها مواضع، وانتهبوا منها ما كان سَلم للفاسق من الحريق الأول، وهرب الخبيث ولم يوقف في ذلك اليوم على مواضع أمواله، واستنقذ في هذا اليوم نسوة عَلَويَّات كنّ محتبسات في موضع قريب من داره التي كان يسكنها، فأمر الموفّق بحملهنّ إلى عسكره، وأحسن إليهنّ، ووصلهنّ، وقصد جماعة من غلمان الموفّق من المستأمنة المضمومين إلى أبي العباس سجنًا كان الفاسق اتّخذه في الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، ففتحوه وأخرجوا منه خلقًا كثيرًا ممّن كان أسِر من العساكر التي كانت تحارب الفاسق وأصحابه، ومن سائر الناس غيرهم، فأخرج جميعهم في قيودهم وأغلالهم حتى أتِيَ بهم الموفّق، فأمر بفكّ الحديد عنهم","vol":"13","page":375},{"text":"وحملهم إلى الموفقيّة، وأخرج في ذلك اليوم كل ما كان بقي في نهر أبي الخصيب من شذًا ومراكب بحرية وسفن صغار وكبار وحَرّاقات وزلّالات وغير ذلك من أصناف السفن من النهر إلى دِجلْة، وأباحها الموفّق أصحابه وغلمانه مع ما فيها من السلب والنهب الذي حازوا في ذلك اليوم من عسكر الخبيث، وكان ذلك قدر جليل وخطر عظيم.\n* * *\nوفيها كان إحدار المعتمد إلى واسط، فسار إليها في ذي القعدة وأنزل دار زيرك.\nوفيها سأل أنكلاي ابن الفاسق أبا أحمد الموفّق الأمان، وأرسل إليه في ذلك رسولًا، وسأل أشياء فأجابه الموفّق إلى كل ما سأله، وردّ إليه رسوله، وعرض للموفّق بعقب ذلك ما شغله عن الحرب، وعلم الفاسق أبو أنكلاي بما كان من ابنه فعذَله - فيما ذكر - على ذلك، حتى ثناه عن رأيه في طلب الأمان، فعاد للجِدّ في قتال أصحاب الموفّق، ومباشرة الحرب بنفسه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>[ذكر طلب رؤساء صاحب الزنج الأمان]</span>\nوفيها وجه أيضًا سليمان بن موسى الشعرانيّ - وهو أحد رؤساء أصحاب الفاسق - من يطلب الأمان له من أبي أحمد، فمنعه أبو أحمد ذلك، لِمَا كان سلف منه من العبث وسفك الدماء، ثم اتصل به أنّ جماعة من أصحاب الخبيث قد استوحشوا لمنعة ذلك الشعرانيّ، فأجابه أبو أحمد إلى إعطائه الأمان؛ استصلاحًا بذلك غيرَه من أصحاب الفاسق، وأمر بتوجيه الشَّذَا إلى الموضع الذي واعدهم الشعرانيّ، ففعل ذلك، فخرج الشعرانيّ وأخوه وجماعة من قوّاده، فحملهم في الشذا، وقد كان الخبيث حرسَ به مؤخّر نهر أبي الخصيب، فحمله أبو العباس إلى الموفّق، فمن عليه، ووفّى له بأمانه، وأمر به فوُصل ووُصل أصحابه، وخلع عليهم، وحمل على عدّة أفراس بسروجها وآلتها، ونزَّله وأصحابه أنزالًا سنية، وضمه وإياهم إلى أبي العباس، وجعله في جملة أصحابه، وأمره بإظهاره في الشَّذَا لأصحاب الخائن ليزدادوا ثقة بأمانه؛ فلم يبرح","vol":"13","page":376},{"text":"الشَّذَا من موضعها من نهر أبي الخصيب، حتّى استأمن جمع كثير من قوّاد الزَّنج وغيرهم، فحمِلوا إلى أبي أحمد، فوصلهم وألحقهم في الخلع والجوائز بمن تقدّمهم.\nولما استأمن الشعرانيّ اختلّ ما كان الخبيث يضبط به من مؤخر عسكره، ووَهى أمرُه وضعف؛ فقلَّد الخبيث ما كان إلى الشعرانيّ من حفظ ذلك شِبل بن سالم، وأنزله مؤخّر نهر أبي الخصيب، فلم يُمسِ الموفّق من اليوم الذي أظهر فيه الشعرانيّ لأصحاب الخبيث حتى وافاه رسولُ شبْل بن سالم يطلب الأمان، ويسأل أن يوقف شَذَوات عند دار ابن سمعان؛ ليكون قصدُه فيمن يصحبه من قوّاده ورجاله في الليل إليها.\nفأعطِيَ الأمانَ، ورُدّ إليه رسوله، ووُقِفَت له الشَّذَا في الموضع الذي سأل أن توقَف له؛ فوافاها في آخر الليل ومعه عياله وولده وجماعة من قوّاده ورجاله، وشهَر أصحابه سلاحَهم؛ وتلقّاهم قوم من الزَّنج قد كان الخبيث وجّههم لمنعه من المصير إلى الشَّذَا. وقد كان خبره انتهى إليه، فحاربهم شبل وأصحابُه، وقتلوا منهم نفرًا؛ فصاروا إلى الشَّذَا سالمين، فصِير بهم إلى قصر الموفّق بالموفقية، فوافاه وقد ابتلج الصبح؛ فأمر الموفّق أن يوصَل شبل بصلة جزيلة، وخلع عليه خلعًا كثيرة، وحمله على عدّة أفراس بسروجها ولجُمها.\nوكان شبل هذا من عُدد الخبيث وقدماء أصحابه وذوي الغَناء والبلاء في نُصرته، ووصل أصحاب شبل، وخلع عليهم، وأسنِيت له ولهم الأرزاق والأنزال، وضُموا جميعًا إلى قائد من قوّاد غلمان الموفّق، ووُجّه به وبأصحابه في الشَّذَا، فوقفوا بحيث يراهم الخبيث وأشياعه، فعظم ذلك على الفاسق وأوليائه، لِمَا رأوْا من رغبة رؤسائهم في اغتنام الأمان، وتبين الموفّق من مناصحة شبل وجودة فهمه ما دعاه إلى أن يستكفِيَه بعض الأمور التي يكيد بها الخبيث؛ فأمره بتبييت عسكر الخبيث في جمع أمر بضمِّهم إليه من أبطال الزَّنْج المستأمنة، وأفرده وإيّاهم بما أمرهم به من البيات، لعلمهم بالمسالك في عسكر الخبيث.\nفنفذ شبل لمَا أمِر به، فقصد موضعًا كان عرفه، فكبسه في السَّحَر، فوافَى به جمعًا كثيفًا من الزَّنْج في عدّة من قُوّادهم وحماتهم، قد كان الخبيث رتَّبهم في","vol":"13","page":377},{"text":"الدفع عن الدار المعروفة بأبي عيسى، وهي منزل الخبيث حينئذ، فأوقع بهم وهم غارّون، فقَتل منهم مقتلةً عظيمة، وأسر جمعًا من قوّاد الزَّنج، وأخذ لهم سلاحًا كثيرًا، وانصرف ومَنْ كان معه سالمين، فأتى بهم الموفّق، فأحسن جائزتهم، وخلع عليهم، وسوَّر جماعة منهم.\nولما أوقع أصحاب شبل بأصحاب الخائن هذه الوقعة ذعرهم ذلك شديدًا، وأخافهم ومنعهم النوم؛ فكانوا يتحارسون في كلّ ليلة، ولا تزال النَّفرة تقع في عسكرهم لمَا استشعروا من الخوف، ووصل إلى قلوبهم من الوَحشة؛ حتى لقد كان ضجيجهم وتحارسهم يُسمَع بالموفقيَّة.\nثم أقام الموفق بعد ذلك ينفذ السرايا إلى الخبثة ليلًا ونهارًا من جانبي نهر أبي الخصيب، ويكدّهم بالحرب، ويُسْهر ليلهم، ويحول بينهم وبين طلب أقواتهم، وأصحابه في ذلك يتعرّفون المسالك، ويتدرَّبون بالوغول في مدينة الخبيث وتقحّمها، ويصرُّون من ذلك على ما كانت الهيبة تحولُ بينهم وبينه؛ حتى إذا ظنّ الموفّق أن قد بلغ أصحابه ما كانوا يحتاجون إليه، صحّ عزمه على العبور إلى محاربة الفاسق في الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، فجلس مجلسًا عامًّا وأمر بإحضار قوّاد المستأمنة ووجوه فرسانهم ورجَّالتهم من الزنَّج والبِيضان، فأدخِلُوا إليه، ووقفوا بحيث يسمعون كلامه، ثم خاطبهم فعرّفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم، وما كان الفاسق ديَّن لهم من معاصي الله؛ وأن ذلك قد كان أباح له دماءهم، وأنه قد غفر الزَّلَّة، وعفا عن الهفوة، وبذل الأمان، وعاد على مَنْ لجأ إليه بفضله، فأجزل الصّلات، وأسنى الأرزاق، وألحقهم بالأولياء وأهل الطاعة؛ وأن ما كان منه من ذلك يُوجب عليهم حقه وطاعته؛ وأنهم لن يأتوا شيئًا يتعرّضون به لطاعة ربهم والاستدعاء لرضا سلطانهم؛ أوْلى بهم من الجدّ والاجتهاد في مجاهدة عدوّ الله الخائن وأصحابه، وأنهم من الخبرة بمسالك عسكر الخبيث ومضايق طرق مدينته والمعاقل التي أعدّها للهرب إليها على ما ليس عليه غيرهم؛ فهم أحرياء أن يُمْحضُوه نصيحتهم، ويجتهدوا في الوُلوج على الخبيث، والتوغُّل إليه في حصونه، حتى يمكنهم الله منه ومن أشياعه، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد، وإن مَنْ قصّر منهم استدعى من سلطانه إسقاطَ حاله وتصغير منزلته،","vol":"13","page":378},{"text":"ووضع مرتبته، فارتفعت أصواتُهم جميعًا بالدّعاء للموفق والإقرار بإحسانه، وبما هم عليه من صحة الضمائر في السمع والطاعة والجدّ في مجاهدة عدوّه، وبذل دمائهم ومُهجهم في كلّ ما يقرِّبهم منه، وأن ما دعاهم إليه قد قوَّى نيَّتَهم، ودلهم على ثقته بهم وإحلاله إياهم محلَّ أوليائه، وسألوه أن يُفردهم بناحية يحاربون فيها، فيظهر من حسن نيَّاتهم ونكايتهم في العدوّ ما يعرف به إخلاصَهم وتورّعهم عما كانوا عليه من جهلهم، فأجابهم الموفّق إلى ما سألوا، وعرّفهم حُسن موقع ما ظهر له من طاعتهم، وخرجوا من عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول وجميل الوعد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>[خبر دخول الموفّق مدينة صاحب الزنج وتخريب داره]</span>\nوفي ذي القعدة من هذه السنة دخل الموفّق مدينة الفاسق بالجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، فخرّب داره، وانتهب ما كان فيها.\n* ذكر الخبر عن هذه الوقعة:\nذكر أن أبا أحمد لما عزم على الهجوم على الفاسق في مدينته بالجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، أمر بجمع السفن والمعابر من دِجْلة والبَطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره؛ إذ كان ما في عسكره مقصّرًا عن الجيش لكثرته، وأحصى ما في الشَّذَا والسُّميريات والرّقيَّات التي كانت تعبر فيها الخيل، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملّاح، ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة، سوى سفن أهل العسكر التي يحمل فيها المِيرة، ويركبها الناس في حوائجهم، وسوى ما كان لكلّ قائد ومن يحضر من أصحابه من السمَيريات والجريبيات والزّواريق التي فيها الملاحون الراتبة، فلمَّا تكاملت له السفن والمعابر، ورضى عددَها، تقدّم إلى أبي العباس وإلى قوّاد مواليه وغلمانه في التأهب والاستعداد للقاء عدوّهم، وأمر بتفرقة السفن والمعابر إلى حمل الخيل والرّجالة، وتقدّم إلى أبي العباس في أن يكون خروجه في جيشه في الجانب الغربيّ من نهر أبي الخصيب، وضمّ إليه قوّادًا من قُوّاد غلمانه في زُهاء ثمانية آلاف من أصحابهم، وأمره أن يعمد مؤخّر عسكر الفاسق حتى يتجاوز دار المعروف","vol":"13","page":379},{"text":"بالمهلبيّ، وقد كان الخبيث حصَّنها وأسكن بقربها خَلْقًا كثيرًا من أصحابه؛ ليأمن على مؤخّر عسكره، وليصعب على من يقصده المسلك إلى هذا الموضع.\nفأمر أبو أحمد أبا العباس بالعبور بأصحابه إلى الجانب الغربيّ من نهر أبي الخصيب، وأن يأتيَ هذه الناحية من ورائها، وأمر راشدًا مولاه بالخروج في الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب في عدد كثير من الفرسان والرّجّالة زُهاء عشرين ألفًا، وأمر بعَضهم بالخروج في ركن دار المعروف بالكرنبائيّ كاتب المهلبيّ، وهي على قرنة نهر أبي الخصيب في الجانب الشرقيّ منه، وأمرهم أن يجعلوا مسيرهم على شاطئ النهر حتى يوافوا الدار التي نزلها الخبيث؛ وهي الدار المعروفة بأبي عيسى، وأمر فريقًا من غلمانه بالخروج على فُوّهة النهر المعروف بأبي شاكر، وهو أسفل من نهر أبي الخصيب، وأمر آخرين منهم بالخروج في أصحابهم على فُوّهة النهر المعروف بجوى كور، وأوعز إلى الجميع في تقديم الرّجّالة أمام الفرسان، وأن يزحفوا بجميعهم نحو دار الخائن؛ فإن أظفرهم الله به وبمَنْ فيها من أهله وولده وإلّا قصدوا دار المهلبيّ ليلقاهم هناك من أمر بالعبور مع أبي العباس؛ فتكون أيديهم يدًا واحدة على الفسقة.\nفعمل أبو العباس وراشد وسائر قوّاد الموالي والغلمان بما أمِرُوا، فظهروا جميعًا، وأبرزوا سفنهم في عشيّة يوم الإثنين لسبع ليال خلوْن من ذي القعدة سنة تسع وستين ومئتين، وسار الفرسان يتلُو بعضهم بعضًا، ومشت الرّجالة وسارت السفن في دجلة منذ صلاة الظهر من يوم الإثنين إلى آخر وقت عشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء، فانتهوْا إلى موضع من أسفل العسكر؛ وكان الموفّق أمر بإصلاحه وتنظيفه وتنقية ما فيه من خراب ودَغل، وطم سواقيه وأنهاره حتى استوى واتّسع، وبعدت أقطارُه، واتخذ فيه قصرًا وميدانًا لعرض الرجال والخيل بإزاء قصر الفاسق، وكان غرضه في ذلك إبطال ما كان الخبيث يَعِد به أصحابه من سرعة انتقاله عن موضعه؛ فأراد أن يُعلم الفريقين أنه غير راحل حتى يَحكم الله بينه وبين عدُوّه؛ فبات الجيش ليلة الثلاثاء في هذا الموضع بإزاء عسكر الفاسق؛ وكان الجميع زُهاء خمسين ألف رجل من الفرسان والرّجالة في أحسن زِيٍّ وأكمل هيئة، وجعلوا يكبّرون ويهللون، ويقرؤون القرآن ويصلّون، ويوقدون النار.\nفرأى الخبيث من كثرة الجمع والعُدّة والعدد ما بهر عقله وعقول أصحابه؛","vol":"13","page":380},{"text":"وركب الموفّق في عشية يوم الإثنين الشَّذَا؛ وهي يومئذ مئة وخمسون شَذاة قد شحنها بأنجاد غلمانه ومواليه الناشبة والرّامحة، ونظمها من أوّل عسكر الخائن إلى آخره؛ لتكون حصنًا للجيش من ورائه، وطُرِحت أناجرها بحيث تقرب من الشطّ، وأفرِد منها شذوات اختارها لنفسه، ورتب فيها من خاصّة قوّاد غلمانه ليكونوا معه عند تقحّمه نهر أبي الخصيب، وانتخب من الفرسان والرّجّالة عشرة آلاف، وأمرهم أن يسيروا على جانبي نهر أبي الخصيب بمسيره، ويقفوا بوقوفه، ويتصرّفوا فيما رأى أن يصرّفهم فيه في وقت الحرب.\nوغدا الموفّق يوم الثلاثاء لقتال الفاسق صاحب الزَّنْج، وتوجّه كلّ رئيس من رؤساء قوّاده نحو الموضع الذي أمِر بقصده، وزحف الجيش نحو الفاسق وأصحابه، فتلقّاهم الخبيث في جيشه واشتبكت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين، وحامى الفسقة عما كانوا اقتصروا عليه من مدينتهم أشدّ محاماة، واستماتوا، وصبر أصحاب الموفّق، وصدقوا القتال؛ فمنّ الله عليهم بالنصر، وهزم الفسقة، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا من مقاتلتهم وأنجادهم جمعًا كثيرًا.\nوأتِي الموفّق بالأسارى، فأمر بهم فضرِبت أعناقهم في المعركة، وقصد بجمعه لدار الفاجر فوافاها، وقد لجأ الخبيث إليها، وجمع أنجاد أصحابه للمدافعة عنها؛ فلمّا لم يغنُوا عنها شيئًا أسلمها، وتفرّق أصحابه عنها، ودخلها غلمان الموفّق، وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وأثاثه؛ فانتهبوا ذلك كلَّه، وأخذوا حرمه وولده الذكور والإناث؛ وكانوا أكثر من مئة بين امرأة وصبيّ، وتخلّص الفاسق ومضى هاربًا نحو دار المهلبِيّ، لا يلوي على أهل ولا مال، وأحرقت داره وما بقي فيها من متاع وأثاث، وأُتِيَ الموفّق بنساء الخبيث وأولاده، فأمر بحملهم إلى الموفقية والتوكيل بهم، والإحسان إليهم.\nوكان جماعة من قواد أبي العباس عبروا نهر أبي الخصيب، وقصدوا الموضع الذي أمِرُوا بقصْده من دار المهلبيّ، ولم ينتظروا إلحاق أصحابهم بهم، فوافوْا دار المهلبيّ، وقد لجأ إليها أكثرُ الزَّنج بعد انكشافهم عن دار الخبيث؛ فدخل أصحاب أبي العباس الدّار، وتشاغلوا بالنهب وأخذِ ما كان غلب عليه المهلبيّ","vol":"13","page":381},{"text":"من حرم المسلمين وأولاده منهنّ، وجعل كلّ مَنْ ظفر بشيء انصرف به إلى سفينته في نهر أبي الخصيب.\nوتبين الزَّنج قلة مَنْ بَقيَ منهم وتشاغلهم بالنهب، فخرجوا عليهم من عدَّة مواضع قد كانوا كمنوا فيها، فأزالوهم عن مواضعهم؛ فانكشفوا، وأتبعهم الزَّنْج حتى وافوْا نهر أبي الخصيب وقَتلوا مِنْ فرسانهم ورجَّالتهم جماعةً يسيرة، وارتجعوا بعض ما كانوا أخذوا من النساء والمتاع.\nوكان فريق من غلمان الموفّق وأصحابه الذين قصدوا دار الخبيث في شرقيّ نهر أبي الخصيب تشاغلوا بالنَّهب وحمْل الغنائم إلى سفنهم؛ فأطمع ذلك الزَّنج فيهم، فأكبُّوا عليهم، فكشفوهم واتَّبعوا آثارهم إلى الموضع المعروف بسوق الغنم من عسكر الزَّنْج، فثبتت جماعة من قُوَّاد الغلمان في أنجاد أصحابهم وشجعانهم، فردّوا وجوه الزَّنج حتى ثاب الناس، وتراجعوا إلى مواقفهم، ودامت الحرب بينهم إلى وقت صلاة العصر فأمر أبو أحمد عند ذلك غلمانه أن يحملوا على الفسقة بأجمعهم حملةً صادقة، ففعلوا ذلك، فانهزم الزَّنْج وأخذتهم السيوف حتى انتهوْا إلى دار الخبيث؛ فرأى الموفّق عند ذلك أن يصرف غلمانه وأصحابه على إحسانهم، فأمرهم بالرجوع، فانصرفوا على هدوء وسكون؛ فأقام الموفّق في النهر ومَنْ معه في الشَّذَا يحميهم؛ حتى دخلوا سفنهم، وأدخلوها خيلهم، وأحجم الزَّنْج عن اتّباعهم لما نالهم في آخر الوقعة.\nوانصرف الموفّق ومعه أبو العباس وسائر قوّاده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق، واستنقذوا جمعًا من النساء اللَّواتي كان غلب عليهنّ من حرم المسلمين كثيرًا، جعلهن يخرجن في ذلك اليوم أرسالًا إلى فوّهة نهر أبي الخصيب، فيحمَلن في السفن إلى الموفقيّة إلى انقضاء الحرب.\nوكان الموفّق تقدّم إلى أبي العباس في هذا اليوم أن ينفذ قائدًا من دوّاده في خمس شَذَوات إلى مؤخر عسكر الخبيث بنهر أبي الخصيب، لإحراق بيادرَ ثمّ جليل قدرها، كان الخبيث يقوت أصحابه منها من الزَّنْج وغيرهم، ففعل ذلك وأحرق أكثرَه، وكان إحراق ذلك من أقوى الأشياء على إدخال الضعف على الفاسق وأصحابه، إذ لم يكن لهم معوّل في قوتهم غيره؛ فأمر أبو أحمد بالكتاب بما تهيأ له على الخبيث وأصحابه في هذا اليوم إلى الآفاق ليُقرأ على الناس، ففعل ذلك.","vol":"13","page":382},{"text":"وفي يوم الأربعاء لليلتين خلَتا من ذي الحجة من هذه السنة وافى عسكر أبي أحمد صاعد بن مخلد كاتبه منصرفًا إليه من سامرّا، ووافَى معه بجيش كثيف قيل: إنّ عدد الفرسان والرّجَّالة الذين قدموا كان زُهاء عشرة آلاف، فأمر الموفّق بإراحة أصحابه وتجديد أسلحتهم وإصلاح أمورهم، وأمرَهم بالتأهب لمحاربة الخبيث، فأقام أيامًا بعد قدومه لما أمِر به.\nفهم في ذلك من أمرهم، إذْ ورد كتاب لؤلؤ صاحب ابن طولون مع بعض قوّاده، يسأله فيه الإذن له في القُدوم عليه؛ ليشهد عليه حرب الفاسق، فأجابه إلى ذلك، فأذن له في القدوم عليه، وأخَرَ ما كان عزم عليه من مناجزة الفاجر انتظارًا منه قدوم لؤلؤ؛ وكان لؤلؤ مقيمًا بالرّقة في جيش عظيم من الفراغنة والأتراك والرّوم والبربر والسودان وغيرهم، من نخبة أصحاب ابن طولون؛ فلما ورد على لؤلؤ كتاب أبي أحمد بالإذن له في القدوم عليه، شخص من ديار مضر حتى ورد مدينة السلام في جميع أصحابه، وأقام بها مدّة، ثم شخص إلى أبي أحمد فوافاه بعسكره يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبعين ومئتين، فجلس له أبو أحمد، وحضر ابنه أبو العباس وصاعد والقوّاد على مراتبهم؛ فأدخِل عليه لؤلؤ في زيّ حسن، فأمر أبو العباس أن ينزل معسكرًا كان أعدّ له بإزاء نهر أبي الخصيب، فنزله في أصحابه، وتقدّم إليه في مباكرة المصيز إلى دار الموفّق، ومعه قوّاده وأصحابه للسلام عليه، فغدا لؤلؤ يوم الجمعة لثلاث خلوْن من المحرّم، وأصحابُه معه في السواد، فوصل إلى الموفّق وسلَّم عليه فقرّبه وأدناه، ووعده وأصحابه خيرًا، وأمر أن يخلع عليه وعلى خمسين ومئة قائد من قُوّاده، وحمله على خيل كثيرة بالسُّروج واللجُم المحلّاة بالذهب والفضّة، وحمِل بين يديه من أصناف الكسي والأموال في البدُور ما يحمله مئة غلام، وأمر لقوّاده من الصلات والحُملان والكُسى على قدر محلّ كلّ إنسان منهم عنده، وأقطعه ضياعًا جليلة القدر، وصرفه إلى عسكره بإزاء نهر أبي الخصيب بأجمل حال، وأعِدّت له ولأصحابه الأنزال والعَلُوفات، وأمره برفع جرائد لأصحابه بمبلغ أرزاقهم على مراتبهم؛ فرفع ذلك؛ فأمر لكلّ إنسان منهم بالضِّعف مما كان يجري له، وأمر لهم بالعطاء عند رفع الجرائد، ووفوْا ما رسم لهم.","vol":"13","page":383},{"text":"ثم تقدّم إلى لؤلؤ في التأهب والاستعداد للعبور إلى غربيّ دِجْلة لمحاربة الفاسق وأصحابه؛ وكان الخبيث لما غُلِب على نهر أبي الخصيب، وقُطعت القناطر والجسور التي كانت عليه أحدث سَكرًا في النهر من جانبيه، وجعل في وسط السَّكْر بابًا ضيّقًا ليحتدّ فيه جرية الماء، فيمتنع الشَّذَا من دخوله في الجزْر، ويتعذر خروجها منه في المدّ، فرأى أبو أحمد أنّ حربه لا تتهيأ له إلا بقلع هذا السَّكر، فحاول ذلك، فاشتدّت محاماة الفَسَقة عنه، وجعلوا يزيدون فيه في كلّ يوم وليلة، وهو متوسط دورهم، والمؤونة لذلك تسهل عليهم وتغلظ على مَنْ حاول قلعه.\nفرأى أبو أحمد أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ، لِيَضْرَوا لمحاربة الزَّنْج، ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم، فأمر لؤلِؤًا أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السَّكْر، وأمر بإحضار الفعَلة لقلعه، ففعل، فرأى الموفّق من نجدة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم الجراح وثبات العدّة اليسيرة منهم، في وجوه الجمع الكثير من الزَّنْج ما سرّه، فأمر لؤلؤًا بصرْف أصحابه إشفاقًا عليهم، وضنًّا بهم، فوصلهم الموفّق، وأحسن إليهم، وردّهم إلى معسكرهم، وألحّ الموفَّق على هذا السَّكْر؛ فكان يحارب المحامين عنه من أصحاب الخبيث بأصحاب لؤلؤ وغيرهم، والفَعلة يعملون في قَلْعه، ويحارب الفاجرَ وأشياعه من عدّة وجوه، فيحرق مساكنهم، ويقتل مقاتلتَهم، ويستأمن إليه الجماعة من رؤسائهم.\nوكانت قد بَقيتْ للخبيث وأصحابه أرَضُون من ناحية نهر الغربيّ، كان لهم فيها مزارع وخُضَر وقنطرتان على نهر الغربيّ، يعبرون عليها إلى هذه الأرَضين، فوقف أبو العباس على ذلك فقصد لتلك الناحية، واستأذن الموفّق في ذلك، فأذن له، وأمره باختيار الرجال، وأن يجعلهم شجعاء أصحابه وغلمانه؛ ففعل أبو العباس ذلك، وتوجه نحو نهر الغربيّ، وجعل زِيرك كمينًا في جمع من أصحابه في غربيّ النهر، وأمر رشيقًا غلامه أن يقصدَ في جمع كثير من أنجاد رجاله ومختاريهم للنهر المعروف بنهر العمَيْسيين؛ ليخرج في ظهور الزَّنْج وهم غارّون، فيوقع بهم في هذه الأرضين، وأمر زِيرك أن يخرج في وجوههم إذا أحسَّ بانهزامهم من رشيق.","vol":"13","page":384},{"text":"وأقام أبو العباس في عدة شذوات قد انتخب مقاتلتها، واختارهم في فوّهة نهرِ الغربيّ، ومعه من غلمانه البِيضان والسودان عدد قد رضيَه؛ فلما ظهر رشيق للفجرة في شرقيّ نهر الغربيّ، راعهم فأقبلوا يريدون العبور إلى غربيه ليهربوا إلى عسكرهم؛ فلما عاينهم أبو العباس اقتحم النَّهر بالشَّذَوات، وبث الرَّجّالة على حافتَيْه، فأدركوهم، ووضعوا السيف فيهم، فقتل منهم في النهر وعلى ضفّتيه خَلْق كثير، وأسِر منهم أسرى، وأفلت آخرون، فتلقاهم زيرك في أصحابه فقتلوهم، ولم يُفلت منهم إلّا الشريد، وأخذ أصحاب أبي العباس من أسلحتهم ما ثقل عليهم حمله؛ حتى ألقوا أكثره، وقطع أبو العباس القنطرتيْن، وأمر بإخراج ما كان فيهما من البُدود والخشب إلى دِجْلة وانصرف إلى الموفّق بالأسارى والرؤوس، فطِيف بها في العسكر، وانقطع عن الفسقة ما كانوا يرتفِقُون به من المزارع التي كانت بنهر الغربيّ.\n* * *\nوفي ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة تسع وستين ومئتين - أدخِل عيال صاحب الزّنج وولده بغداد.\nوفيها سُمّيَ صاعد ذا الوزارتين.\n* * *\nوفي ذي الحجة منها كانت وقعة بين قائدين وجيش معهما لابن طولون كان أحدهما يسمّى محمد بن السراج والآخر منهما يعرف بالغَنويّ، كان ابن طولون وجَّههما، فوافيا مكة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة في أربعمئة وسبعين فارسًا وألفَيْ راجل، فأعطوا الجزّارين والحنّاطين دينارين دينارين، والرؤساء سبعة سبعة، وهارون بن محمد عامل مكة إذْ ذاك ببستان ابن عامر، فوافى مكة جعفر بن الباغمرديّ لثلاث خَلَوْن من ذي الحجة في نحو من مئتي فارس، وتلقّاه هارون في مئة وعشرين فارسًا ومئتي أسود وثلاثين فارسًا من أصحاب عمرو بن الليث ومئتي راجل ممّن قدم من العراق، فقويَ بهم جعفر، فالتقوْا هم وأصحاب ابن طولون، وأعان جعفرًا حاجُّ أهل خراسان، فقتِل من أصحاب ابن طولون ببطن مكة نحو من مئتي رجل، وانهزم الباقون في الجبال، وسلبوا","vol":"13","page":385},{"text":"دوابّهم وأموالهم، ورفع جعفر السيف، وحوى جعفر مضرب الغَنَوِيّ، وقيل: إنه كان فيه مئتا ألف دينار، وآمن المصريّين والحنّاطين والجزارين، وقُرئ كتاب في المسجد الحرام بلعْن ابن طولون، وسلِم الناس وأموال التجار (١).\n* * *\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ، ولم يبرح إسحاق بن كنداج - وقد وُلِّيَ المغرب كله في هذه السنة - سامرّا حتى انقضت السنة (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>ثم دخلت سنة سبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nففي المحرّم منها كانت وقعة بين أبي أحمد وصاحب الزّنج أضعفت أركان صاحب الزنج (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>[ذكر الخبر عن قتل صاحب الزنج وأسْر من معه] </span>(٤)\nوفي صفر منها قتل الفاجر، وأسر سليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانيّ واستريح من أسباب الفاسق.\n* ذكر الخبر عن هاتين الوقعتين:\nقد ذكرنا قبلُ أمر السَّكر الذي كان الخبيث أحدثه، وما كان من أمر أبي أحمد وأصحابه في ذلك، ذكر أن أبا أحمد لم يزل ملحًّا على الحرب على ذلك السَّكْر حتى تهيّأ له فيه ما أحبّ، وسهل المدخل للشَّذَا في نهر أبي الخصيب في المدّ\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٢).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٨).\n(٤) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":386},{"text":"والجزر، وسهل لأبي أحمد في موضعه الذي كان مقيمًا فيه كل ما أراده من رُخْص الأسعار وتتابع الميَر وحَمْل الأموال إليه من البلدان ورغبة الناس في جهاد الخبيث ومَنْ معه من أشياعه؛ فكان ممّن صار إليه من المطوّعه أحمد بن دينار عامل إيذَج ونواحيها من كُور الأهواز في جمع كثير من الفرسان والرّجّالة؛ فكان يباشر الحرب بنفسه وأصحابه إلى أن قُتل الخبيث، ثم قدم بعده من أهل البحرين - فيما ذكر - خلق كثير، زُهاء ألفي رجل، يقودهم رجل من عبد القيس، فجلس لهم أبو أحمد، ودخل إليه رئيسهم ووجوههم؛ فأمر أن يُخلع عليهم؛ واعترض رجالهم أجمعين، وأمر بإقامة الأنزال لهم، وورد بعدهم زهاء ألف رجل من كُور فارس، يرأسهم شيخ من المطوّعة يكنى أبا سلمة، فجلس لهم الموفّق، فوصل إليه هذا الشيْخ ووجوه أصحابه، فأمر لهم بالخِلع، وأقرّ لهم الأنزال، ثم تتابعت المطوّعة من البلدان؛ فلما تيسر له ما أراد من السَّكْر الذي ذكرنا، عزم على لقاء الخبيث، فأمر بإعداد السفن والمعابر وإصلاح آلة الحرب في الماء وعلى الظَّهْر، واختار مَنْ يثِق ببأسه ونجدته في الحرب فارسًا وراجلًا؛ لضيق المواضع التي كان يحارب فيها وصعوبتها وكثرة الخنادق والأنهار بها؛ فكانت عِدّة مَنْ تخيّر من الفرسان زُهاء ألفي فارس، ومن الرَّجالة خمسين ألفًا أو يزيدون، سوى مَنْ عبر من المطوّعة وأهل العسكر، ممّن لا ديوان له، وخلّف بالموفقيّة من لم تتسع السفن بحمله جمًّا كثيرًا أكثرهم من الفرسان.\nوتقدّم الموفّق إلى أبي العباس في القصد للموضع الذي كان صار إليه في يوم الثلاثاء لعشر خلوْن من ذي القعدة سنة تسع وستين ومئتين من الجانب الشرقيّ بإزاء دار المهلبيّ في أصحابه وغلمانه ومَنْ ضمّهم إليه من الخيل والرجّالة والشَّذَا، وأمر صاعد بن مخلَد بالخروج على النهر المعروف بأبي شاكر في الجانب الشرقيّ أيضًا، ونظم القوّاد من مواليه وغلمانه من فُوّهة نهر أبي الخصيب إلى نهر الغربيّ، وكان فيمن خرج من حدّ دار الكرنبائيّ إلى نهر أبي شاكر راشد ولؤلؤ مَوْلَيا الموفّق في جمع من الفرسان والرّجالة زُهاء عشرين ألفًا، يتلو بعضُهم بعضًا، ومن نهر أبي شاكر إلى النهر المعروف بجوى كور جماعة من قوّاد الموالي والغلمان، ثم من نهر جوى كور إلى نهر الغربيّ مثل ذلك. وأمر شبلًا أن يقصد في أصحابه ومَن ضُمّ إليه إلى نهر الغربيّ، فيأتي منه موازيًا لظهر دار المهلبيّ، فيخرج من ورائها عند اشتباك الحرب، وأمر الناس أن","vol":"13","page":387},{"text":"يزحفوا بجميعهم إلى الفاسق؛ لا يتقدّم بعضهم بعضًا؛ وجعل لهم أمارة الزَّحْف تحريك علم أسود أمر بنصبه على دار الكرنبائي بفُوّهة نهر أبي الخصيب في موضع منها مشيد عالٍ، وأن ينفخ لهم ببوق بعيد الصوت، وكان عبوره يوم الإثنين لثلاث ليال بقين من المحرّم سنة سبعين ومئتين، فجعل بعض مَن كان على النهر المعروف بجوى كور يَزْحف قبل ظهور العلامة؛ حتى قرب من دار المهلبيّ، فلقيه وأصحابه الزَّنْج فردُّوهم إلى مواضعهم، وقَتَلُوا منهم جمعًا، ولم يشعر سائر الناس بما حدَث على هؤلاء المتسرّعين للقتال لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض.\nفلمّا خرج القوّاد ورجالهم من المواضع التي أمِرُوا بالخروج منها، واستوى الفرسان والرجّالة في أماكنهم، أمر الموفّق بتحريك العلَم والنفخ في البوق، ودخل النهر في الشَّذَا، وزحف الناس يتلو بعضهم بعضًا، فلقيَهم الزَّنج قد حشدوا وجمّوا واجترؤوا بما تهيأ لهم على من كان تسرع إليهم، فلقيهم الجيش بنيّات صادقة وبصائر نافذة، فأزالوهم عن مواضعهم بعد كرّات كانت بين الفريقين، صرع فيها منهم جمع كثير، وصبر أصحاب أبي أحمد، فمنّ الله عليهم بالنَّصر، ومنحهم أكتاف الفسقة، فولَّوْا منهزمين، وأتبعهم أصحاب الموفّق، يقتلون ويأسرون، وأحاط أصحاب أبي أحمد بالفجرة من كلّ موضع، فقتل الله منهم في ذلك اليوم ما لا يحيط به الإحصاء، وغرق منهم في النهر المعروف بجوى كور مثل ذلك، وحوى أصحاب الموفّق مدينةَ الفاسق بأسرها، واستنقذوا مَنْ كان فيها من الأسرى من الرجال والنساء والصبيان، وظفروا بجميع عيال عليّ بن أبان المهلبيّ وأخويه الخليل ومحمد ابني أبان وسليمان بن جامع وأولادهم، وعبر بهم إلى المدينة الموفقيّة، ومضى الفاسق في أصحابه ومعه المهلبيّ وابنه أنكلاي وسليمان بن جامع وقوّاد من الزّنْج وغيرهم هُرَابًا، عامدين لموضع قد كان الخبيث رآه لنفسه ومَنْ معه ملجأ إذا غُلبوا على مدينته؛ وذلك على النهر المعروف بالسفيانيّ.\nوكان أصحاب أبي أحمد حين انهزم الخبيث، وظفروا بما ظفروا به، أقاموا عند دار المهلبيّ الواغلة في نهر أبي الخصيب، وتشاغلوا بانتهاب ما كان في","vol":"13","page":388},{"text":"الدار وإحراقها وما يليها، وتفرّقوا في طلب النهب، وكُلّ ما بقي للفاسق وأصحابه مجموعًا في تلك الدار.\nوتقدم أبو أحمد في الشّذا قاصدًا للنهر المعروف بالسفيانيّ، ومعه لؤلؤ في أصحابه الفرسان والرجالة، فانقطع عن باقي الجيش، فظنُّوا أنه قد انصرف، فانصرفوا إلى سفنهم بما حَووْا، وانتهى الموفّق فيمن معه إلى معسكر الفاسق وأصحابه وهم منهزمون، فاتبعهم لؤلؤ وأصحابُه حتى عبروا النهر المعروف بالسفيانيّ، فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه، وعَبَر أصحابه خَلْفه، ومضى الفاسق حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريريّ، فوصل إليه لؤلؤ وأصحابُه، فأوقعوا به وبمَنْ معه، فكشفوهم، فولَّوْا هاربين وهم يتبعونهم، حتى عَبَرُوا النهر المعروف بالقريريّ، وعبر لؤلؤ وأصحابه خلفهم وألجؤوهم إلى النهر المعروف بالمساوان، فعبروه واعتصموا بجبل وراءه.\nوكان لؤلؤ وأصحابه الذين انفردوا بهذا الفعل دون سائر الجيش، فانتهى بهم الجدّ في طلب الفاسق وأشياعه إلى هذا الموضع الذي وصفنا في آخر النهار، فأمره الموفّق بالانصراف محمود الفعل، فحمله الموفّق معه في الشَّذَا، وجدّد له من البرّ والكرامة ورفع المرتبة، لما كان منه في أمر الفسقة حسب ما كان مستحقًّا، ورجَع الموفّق في الشَّذَا في نهر أبي الخصيب وأصحاب لؤلؤ يسايرونه، فلما حاذى دار المهلبيّ، لم ير بها أحدًا من أصحابه، فعلم أنهم قد انصرفوا، فاشتدّ غيظه عليهم، وسار قاصدًا لقصره، وأمر لؤلؤ بالمضيّ بأصحابه إلى عسكره، وأيقن بالفتح لما رأى من أمارته، واستبشر الناس جميعًا بما هيأ الله من هزيمة الفاسق وأصحابه وإخراجهم عن مدينتهم، واستباحة كلّ ما كان لهم من مال وذخيرة وسلاح، واستنقاذ جميع من كان في أيديهم من الأسرى، وكان في نفس أبي أحمد على أصحابه من الغيظ لمخالفتهم أمره، وتركهم الوقوف حيث وقفهم، فأمر بجمع قوّاد مواليه وغلمانه ووجوههم؛ فجُمعوا له، فوبّخهم على ما كان منهم وعجّزهم، وأغلظ لهم، فاعتذروا بما توهّموا من انصرافه، وأنهم لم يعلموا بمسيره إلى الفاسق، وانتهائه إلى حيث انتهى من عسكره؛ وأنهم لو علموا ذلك لأسرعوا نحوه، ولم يبرحوا موضعهم حتى تحالفوا وتعاقدوا على ألّا ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحو الخبيث حتى","vol":"13","page":389},{"text":"يظفرهم الله به؛ فإن أعياهم ذلك أقاموا بمواضعهم حتى يحكم الله بينهم وبينه، وسألوا الموفّق أن يأمر بردّ السفن التي يعبرون فيها إلى الموفقيّة عند خروجهم منها للحرب، لتنقطع أطماع الذين يريدون الرجوع عن حرب الفاسق من ذلك، فجزاهم أبو أحمد الخير على تنصّلهم من خطئهم، ووعدهم الإحسان، وأمرهم بالتأهّب للعبور، وأن يعظوا أصحابهم بمثل الذي وُعِظوا به، وأقام الموفق بعد ذلك يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لإصلاح ما يحتاج إليه؛ فلما كَمَل ذلك تقدّم إلى من يثِق به من خاصّته وقُوّاد غلمانه ومواليه، بما يكون عليه عملُهم في وقت عبورهم.\nوفي عشيّ يوم الجمعة، تقدّم إلى أبي العباس وقوّاد غلمانه ومواليه بالنهوض إلى مواضع سمّاها لهم؛ فأمر أبا العباس بالقصد في أصحابه إلى الموضع المعروف بعسكر ريحان، وهو بين النهر المعروف بالسفيانيّ والموضع الذي لجأ إليه، وأن يكون سلوكه بجيشه في النهر المعروف بنهر المغيرة، حتى يخرج بهم في معترَض نهر أبي الخصيب، فيوافي بهم عسكَر ريحان من ذلك الوجه، وأنفذ قائدًا من قوّاد غلمانه السودان وأمره أن يصير إلما نهر الأمير فيعترض في المنَصف منه، وأمر سائر قواده وغلمانه بالمبيت في الجانب الشرقي من دِجْلة بإزاء عسكر الفاسق متأهبين للغدوّ على محاربته، وجعل الموفّق يطوف في الشَّذَا على القُوّاد ورجالهم في عشيّ يوم الجمعة وليلة السبت، ويفرّقهم في مراكزهم والمواضع التي رتَّبهم فيها من عسكر الفاسق، ليباكروا المصير إليها على ما رسم لهم.\nوغدا الموفّق يوم السبت لليلتين خَلَتا من صفر سنة سبعين ومئتين، فوافى نهر أبي الخصيب في الشذا، فأقام بها حتى تكامل عبورُ الناس وخروجهم عن سفنهم، وأخذ الفرسان والرخالة مراكزَهم، وأمر بالسفن والمعابر فُردّت إلى الجانب الشرقيّ، وأذن للناس في الزحف إلى الفاسق، وسار يقدمهم حتى وافى الموضع الذي قدّر أن يثبُت الفسقة فيه لمدافعة الجيش عنهم.\nوقد كان الخائن وأصحابه لخبثهم رجعوا إلى المدينة يوم الإثنين بعد انصراف الجيش عنها، وأقاموا بها، وأمّلوا أن تتطاول بهم الأيام، وتندفع عنهم المناجزة، فوجد الموفّق المتسرعين من فرسبان غلمانه، ورجّالتهم قد سبقوا أعظم الجيش، فأوقعوا بالفاجر وأصحابه وقعةً أزالوهم بها عن مواقفهم؛","vol":"13","page":390},{"text":"فانهزموا وتفرَّقُوا لا يلوى بعضهم على بعض، وأتبعهم الجيش يقتلون ويأسرون مَنْ لحقوا منهم، وانقطع الفاسق في جماعة من حُماته من قُوّاد الجيش ورجالهم وفيهم المهلبيّ.\nوفارقه ابنه أنكلاي وسليمان بن جامع، فقصد لكل فريق ممّن سمّينا جمع كثيف من موالي الموفّق وغلمانه الفرسان والرَّجّالة، ولَقِيَ مَنْ كان رتبه الموفّق من أصحاب أبي العباس في الموضع المعروف بعسكر ريحان المنهزمين من أصحاب الفاجر، فوضعوا فيهم السلاح، ووافى القائد المرتب في نهر الأمير، فاعترض الفجرة، فأوقع بهم، وصادف سليمان بن جامع فحاربه، فقتل جماعة من حُماته، فظفر بسليمان فأسره، فأتى به الموفّق بغير عهد ولا عقد، فاستبشر الناس بأسر سليمان، وكَثُر التكبير والضجيج، وأيقنوا بالفتح إذ كان أكثر أصحابه غَناء عنه، وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمدانيّ - وكان أحد أمراء جيوشه - وأسِر نادر الأسود المعروف بالحفار، وهو أحد قدماء أصحاب الفاجر - فأمر الموفّق بالاستيثاق منهم وتصييرهم في شذاة لأبي العباس، ففُعل ذلك.\nثم إن الزَّنْج الذين انفردوا مع الفاسق عطفوا على الناس عطفة أزالوهم بها عن مواقفهم، ففتروا لذلك، وأحسّ الموفّق بفتورهم، فجدّ في طلب الخبيث، وأمعن في نهر أبي الخصيب، فشدّ ذلك من قلوب مواليه وغلمانه وجدُّوا في الطلب معه.\nوانتهى الموفّق إلى نهر أبي الخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر؛ ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كفّ زعم أنها كفه، فقويَ الخبر عنده بعض القُوّة، ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركُض على فرس، ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قوّاد المستأمنة، فعرَفوه فخرّ لله ساجدًا على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقُوّاد موالي الموفّق وغلمانِه شكرًا لله، وأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفَّق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمَّله الناس وعرفوا صِحة الخبر بقتله، فارتفعت أصواتهم بالحمد لله.\nوذكر أن أصحاب الموفّق لما أحاطوا بالخبيث، ولم يبقَ معه من رؤساء أصحابه إلا المهلبيّ، ولَّى عنه هاربًا وأسلمه، وقصد النهر المعروف بنهر الأمير، فقذف نفسه فيه يريد النجاة، وقبل ذلك ما كان ابن الخبيث أنكلاي فارق","vol":"13","page":391},{"text":"أباه، ومضى يؤمّ النهر المعروف بالديناريّ، فأقام فيه متحصّنًا بالأدغال والآجام، وانصرف الموفّق ورَأس الخبيث منصوب بين يديه على قناة في شَذاة، يخترق بها نهر أبي الخصيب، والناس في جنبتي النهر ينظرون إليه حتى وافى دِجْلة، فخرج إليها فأمر بردّ السفن التي كان عبر بها في أول النهار إلى الجانب الشرقي من دِجْلة، فرُدّت ليعبر الناس فيها.\nثم سار ورأسُ الخبيث بين يديه على القناة، وسليمان بن جامع والهمدانيّ مصلوبان في الشَّذَا، حتى وافى قصهرَه بالموفقيَّة، وأمَر أبا العباس بركوب الشذا وإقرار الرأس وسليمان والهمداني على حالهم والسير بهم إلى نهر جَطَّى، وهو أوّل عسكر الموفّق، ليقع عليهم عيون الناس جميعًا في العسكر، ففعل ذلك وانصرف إلى أبيه أبي أحمد، فأمر بحبس سليمان والهمدانيّ وإصلاح الرأس وتنقيته.\nوذكر أنه تتابع مجيء الزَّنج الذين كانوا أقاموا مع الخبيث وآثروا صحبته، فوافى ذلك اليوم زُهاء ألف منهم، ورأى الموفّق بذل الأمان، لما رأى من كثرتهم وشجاعتهم، لئلا تبقى منهم بقية تُخاف معرّتها على الإسلام وأهله، فكان من وافَى من قُوّاد الزَّنج ورجالهم في بقية يوم السبت وفي يوم الأحد والإثنين زُهاء خمسة آلاف زنجيّ، وكان قد قُتِل في الوقعة وكرق وأسِر منهم خَلْق كثير لا يوقَف على عددهم، وانقطعت منهم قطعة زهاء ألف زِنجيّ مالوا نحو البرّ، فمات أكثرهم عطشًا، فظفر الأعراب بمَنْ سلم منهم واسترقوهم.\nوانتهى إلى الموفَّق خبر المهلبيّ وأنكلاي ومقامهما بحيث أقاما مع مَنْ تبعهما من جِلَّة قُوّاد الزَّنْج ورجالهم، فبث أنجاد غلمانه في طلبهم، وأمرهم بالتضييق عليهم؛ فلما أيقنوا بأن لا ملجأ لهم أعْطَوْا بأيديهم، فظفر بهم الموفَّق وبمَنْ معهم، حتى لم يشذَّ أحد، وقد كانوا على نحو العِدَّة التي خرجت إلى الموفّق بعد قتل الفاجر في الأمان، فأمر الموقق بالاستيثاق من المهلبيّ وأنكلاي وحبسهما، ففعل.\n* * *\nوكان فيمن هرب من عسكر الخبيث يوم السبت ولم يركن إلى الأمان قرطاس","vol":"13","page":392},{"text":"الذي كان رمى الموفّق بالسهم، فانتهى به الهرب إلى رامَهُرْمز، فعرفه رجل قد كان رآه في عسكر الخبيث فدلّ عليه عامل البلد، فأخذه وحمله في وَثاق، فسأل أبو العباس أباه أن يوليه قتلَه فدفعه إليه فقتله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2165>[ذكر خبر استئمان درمويه الزنجيّ إلى أبي أحمد]</span>\nوفيها استأمن درمويه الزنجيّ إلى أبي أحمد، وكان درمويه هذا - فيما ذكر - من أنجاد الزَّنْج وأبطالهم، وكان الفاجر وجَّهه قبل هلاكه بمدة طويلة إلى أواخر نهر الفَهْرَج، وهي من البصرة في غربّي دجلة، فأقام هنالك بموضع وَعْر كثير النخل والدَّغل والآجام متصل بالبَطِيحة، وكان درمويه ومَنْ معه هنالك يقطعودا على السابلة في زواريق خِفاف وسُميريَّات اتَّخذوها لأنفسهم، فإذا طلبهم أصحاب الشَّذَا ولجوا الأنهار الضيِّقة، واعتصموا بمواضع الأدغال منها، وإذا تعذَّر عليهم مسلك نَهر منها لضيقها خرجوا من سفنهم وحملوها على ظهورهم، ولجؤوا إلى هذه المواضع الممتنعة.\nوفي خلال ذلك يُغيرون على قرى البَطِيحة ومَا يليها، فيقتلون ويسلبون مَنْ ظفروا به؛ فمكث درمويه ومَنْ معه يفعلون هذه الأفعال إلى أن قتِل الفاجر وهم بموضعهم الذي وصفنا أمره، لا يعلمون بشيء مما حدث على صاحبهم، فلما فُتح بقتل الخبجث موضعه، وأمن الناس وانتشروا في طلب المكاسب وحمل التجارات، وسلكت السابلة دِجْلة، أوقع درمويه بهم، فقتل وسلب، فأوحش الناس ذلك، واشرأبّ لمثل ما فيه درمويه جماعة من شرار الخاس وفُسَّاقهم، وحدّثوا أنفسهم بالمصير إليه وبالمقام معه على مثل ما هو عليه، فعزم الموفق على تسريح جيش من غلمانه السودان، ومَنْ جرى مجراهم من أهل البَصَر بالحرب في الأدغال ومضايق الأنهار، وأعدّ لذلك صغار السفن وصنوف السلاح؛ فبينا هو في ذلك وافى رسول لدرمويه يسأل الأمان له على نفسه وأصحابه، فرأى الموفّق أن يؤمّنه ليقطع مادّة الشرّ الذي كان فيه الناس من الفاجر وأشياعه.\nوذُكر: أن سبب طلب درمويه الأمان كان أنه كان فيمن أوْقع به قومٌ ممن خرج","vol":"13","page":393},{"text":"من عسكر الموفّق للقصد إلى منازلهم بمدينة السلام، فيهم نسوة، فقتلهم وسلبهم، وغلب على النسوة اللاتي كنّ معهم؛ فلما صِرْنَ في يده بحثهنّ عن الخبر، فأخبرنه بقتل الفاسق والظفر بالمهلبيّ وأنكلاي وسليمان بن جامع وغيرهم من رؤساء أصحاب الفاسق وقوّاده ومصير أكثرهم إلى الموفّق في الأمان وقبوله إياهم وإحسانه إليهم؛ فأسقِط في يده، ولم ير لنفسه ملجأ إلّا التعوّذ بالأمان ومسألة الموفّق الصفح عن جُرْمه، فوجَّه في ذلك، فأجيب إليه، فلما ورد عليه الأمان خرج وجميع من معه حتى وافى عسكر الموفّق، فوافت منهم قطعة حسنة كثيرة العدد لم يصبها بؤس الحِصار وضرّه مثل ما أصاب سائر أصحاب الخبيث، لما كان يصل إليهم من أموال الناس وميرهم.\nفذكر: أن درمويه لما أومن وأحسن إليه وإلى أصحابه، أظهر كلّ ما كان في يده وأيديهم من أموال الناس وأمتعتهم، وردّ كلّ شيء منه إلى أهله ردًّا ظاهرًا مكشوفًا، فووفِق بذلك على إنابته، فخلع عليه وعلى وجوه أصحابه وقُوّاده، ووصِلوا، فضمهم الموفّق إلى قائد من قُوّاد غلمانه، وأمر الموفّق أن يكتب إلى أمصار الإسلام بالنّداء في أهل البصرة والأبُقة وكُور دِجْلة وأهل الأهواز وكورَها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزَّنج بقتل الفاسق، وأن يُؤمَروا بالرجوع إلى أوطانهم، ففُعل ذلك، فسارع الناس إلى ما أمِرُوا به، وقدموا المدينة الموفقيّة من جميع النواحي.\nوأقام الموفّق بعد ذلك بالموفقّية ليزداد الناس بمقامه أمنًا وإيناسًا، وولّى البصرة والأبُلّة وكُور دِجْلة رجلًا من قُوّاد مواليه قد كان حمِد مذهبه، ووقف على حسن سيرته، يقال له العباس بن تركس؛ فأمره بالانتقال إلى البصرة والمقام بها.\nوولّى قضاء البصرة والأبُلّة وكُورِ دَجْلة، وواسط محمد بن حماد.\nوقدّم ابنه أبا العباس إلى مدينة السلام، ومعه رأس الخبيث صاحب الزّنْج ليراه الناس، فاستبشروا، فنفذ أبو العباس في جيشه حتى وافى مدينة السلام يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، فدخلها في أحسن زيّ، وأمر برأس الخبيث فسِير به بين يديه على قناة، اجتمع الناس لذلك.\nوكان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، وقتِل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين","vol":"13","page":394},{"text":"ومئتين، فكانت أيّامه من لدن خرج إلى اليوم الذي قتل فيه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وكان دخوله الأهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومئتين، وكان دخوله البصرة وقتله أهلها وإحراقه لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ومئتين.\nفقال - فيما كان من أمر الموفّق، وأمْر المخذول - الشعراء أشعارًا كثيرة (١).\n_________\n(١) هذه نهاية حركة صاحب الزنج وقد قتل غير مأسوف عليه بعد سفكه لدماء كثيرة وهتكه لأعراض طاهرة وحرقه لبيوت وهدمه .... إلخ.\nوقد ظهر حوالي سنة ٢٥٥ هـ وانتهى أمره سنة ٢٧٠ هـ - وهذه السنوات حافلة بأحداث ومعارك ومصائب بسبب هذه الحركة ويعتبر تأريخ الطبري مصدرًا هامًا من مصادر معلوماتنا عن هذه الحركة الضالة للأسباب التالية:\n١ - انفرد الطبري بذكر جلّ التفاصيل ضمن وقائع وأحداث تلك الصولات والجولات من حين ظهورها إلى حين اختفائها.\n٢ - ومما يضفي أهمية على هذه التفاصيل كذلك أن الطبري قد عاصر تلك الأحداث وإن لم يشارك في تلك المعارك وهو مؤرخ ثقة.\n٣ - التقى الطبري أحيانًا ببعض الشهود وأخذ عنهم هذه التفاصيل.\nوعلى أية حالٍ فإن هذه التفاصيل لا تخلو من مبالغات وأوهام نقلها الطبري وأداها كما سمعها.\nإلّا أن المفاصل الرئيسة من هذه الأحداث والتي لا تخفى على العامة والخاصة فصحيحة كدخول الزنج البصرة سنة ست وخمسين والعبث فيها والإكثار من القتل والسلب والنهب وشراسة المعارك التي جرت بين الطرفين ثم بناء المتوكل لبلدة قريبة من أرض المعركة ثم إعداده العدة وقطعه لطرق المؤونة على صاحب الزنج المقيم في مدينته (المختارة) وصبر المتوكل وطول نفسه في حربه تلك حتى نصره الله في نهاية المطاف وانهزم صاحب الزنج مقبوحًا مرذولًا.\nوأما عن نسبه فقد قال ابن خلدون (العلامة المؤرخ) في تأريخه: (وقال الطبري وابن حزمٍ وغيره من المحققين: إنه من عبد القيس واسمه علي بن عبد الرحيم من قرية من قرى الري ورأى كثرة خروج الزيدية فحدثته نفسه بالتوثب فانتحل هذا النسب ويشهد لذلك أنه كان على رأي الأزارقة من الخوارج ولا يكون ذلك من أهل البيت) [تأريخ ابن خلدون/ ٣/ ٣٧٧].\nوكان خروج صاحب الزنج آخر رمضان سنة خمس وخمسين وقتله أول صفر سنة سبعين لأربع عشرة سنة وأربعة أشهر من دولته كما قال ابن خلدون [٣/ ٤١٠].\nوأصل الكلام عند الطبري [تأريخ الطبري ٩/ ٦٦٣] وانظر المنتظم [٢١/ ٢٣٥] والبداية والنهاية [٨/ ٢٤٣] ولعلّ من أهمّ أسباب خروجه اضطراب أمر الخلافة وضعف الخليفة =","vol":"13","page":395},{"text":"ما قيل في ذلك قول يحيى بن محمد الأسلميّ:\nأقولُ وقد جاءَ البشيرُ بوقعةٍ ... أَعَزَّتْ من الإِسلامِ ما كان واهِيا\nجَزَى اللهُ خيرَ النَّاسِ للناسِ بَعْدَما ... أُبيح حِمَاهمْ خيرَ ما كان جازيا\nتَفَرَّد إِذ لم ينصر الله ناصرٌ ... بتجديدِ دينِ كان أَصبح بالِيا\nوتشديدِ ملك قد وَهَى بعد عزِّه ... وإدراكِ ثَاراتٍ تبير الأَعادِيا\nورَدِّ عِمارات أُزيلتْ وأُخْربت ... ليرجع فيء قد تخُرِّم وافِيا\nويرجعَ أَمْصارٌ أُبيحتْ وأُحْرقَتْ ... مِرارًا فقد أَمست قِوَاءً عوافيا\nويشُفَى صدور المؤمنينَ بوقعةٍ ... يقرُّ بها منا العيونَ البواكيا\nويتُلى كتاب اللهِ في كل مسجدٍ ... ويُلقى دعاءُ الطالبيّين خاسِيَا\nفأعَرَض عن أَحبابهِ ونعيمِهِ ... وعن لذةِ الدنيا وأقبلَ غازِيا\nفي قصيدة طويلة، ومن ذلك أيضًا قوله:\nأينَ نجومُ الكاذِب المارِق ... ما كان بالطَّبِّ ولا الحاذقِ\nصبَّحَهُ بالنحْسِ سعدٌ بدَا ... لسيّدٍ في قولِهِ صادقِ\nفخرّ في مأْزِقِه مسلَمًا ... إلى أُسُودِ الغابِ في المازِقِ\nوذاق من كأْسِ الردَى شرْبة ... كريهةَ الطعْم على الذائِق\nوقال فيه يحيى بن خالد:\n_________\n= وانهيار شوكته وسيطرة قادة الترك على الأمور بل اختلافهم فيما بينهم واقتتالهم فيما بينهم وصراعهم على السلطة وانحسار سلطة الخليفة وما أدى ذلك إلى فراغ سياسي وبلبلة وهرج ومرج فاستغل صاحب الفكر الخبيث (بهبوذ) صاحب الزنج هذا الوضع المتردي مع أسباب أخرى تتعلق بمعاش الزنج في منطقة الأهوار والمستنقعات جنوبي العراق، وليس في دعوة صاحب الزنج أية فكرة اشتراكية وما إلى ذلك بل كان يمنّي أصحابه وأتباعه بأن يكونوا أصحاب رقٍ وعبيد ثم كان الزنجي منهم أحيانًا يمتلك عشرات من النساء العربيات وامتلك هو ومن حوله كثيرًا من النساء العلويات واختص هو ومن حوله دون جنده بكميات خيالية من الذهب والمجوهرات والمال ... إلخ.\nوادعى معرفة الغيب وما إلى ذلك كما قال الحافظ السيوطي (وكان ادعى أنه أرسل إلى الخلق فردّ الرسالة، وأنه مطلع على المغيبات) (تأريخ الخلفاء/ ٤١١) والملاحظ أن أتباعه جلّهم من الجهلة كما قال ابن كثبر (فتبعه على ذلك جهلة من الطّغام وطائفة من رعاع الناس العوام) البداية والنهاية (٨/ ٢٢٦).","vol":"13","page":396},{"text":"يابنَ الخلائفِ من أَرومَةِ هاشمٍ ... والغامرينَ الناسَ بالإفضال\nوالذائدينَ عن الحريم عدوّهم ... والمعلِمين لكل يومِ نِزالِ\nملِكٌ أعادَ الدينَ بعدَ دروسِه ... واستنقذ الأَسْرَى من الأغَلالِ\nأَنت المُجيرُ من الزمانِ إذا سَطَا ... وإِليك يَقصِدُ راغبٌ بسؤالِ\nأطفأْتَ نِيرانَ النفاقِ وقد عَلتْ ... يا واهِبَ الآمال والآجالِ\nللهِ درُّكَ من سَليلِ خلائفٍ ... ماضِي العزيمةِ طاهرِ السِّرْبالِ\nأَفنيتَ جمعَ المارقينَ فأصبحوا ... متلَدِّدِينَ قد أيقنوا بزوالِ\nأمْطرْتهم عزمات رأيٍ حازمٍ ... ملأَتْ قلوبَهُمُ مِنَ الأَهْوالِ\nلمّا طَغَى الرجسُ اللعينُ قصدته ... بالمَشرَفِيِّ وبالقَنَا الجوَّالِ\nوتركتَهُ والطيرُ يحْجُلُ حولهُ ... مُتقطِّعَ الأَوداجِ والأَوصال\nيَهوِي إلى حَرّ الجحيمِ وقعرِها ... بسلاسل قد أوهنَته ثِقالِ\nهذا بما كسبتْ يداهُ وما جنَى ... وبما أتى من سيئ الأعَمالِ\nأقرَرْتَ عينَ الدينِ ممّن قادَهُ ... وأدَلتَهُ مِنْ قاتل الأَطفالِ\nصال الموفَّقُ بالعراقِ فأفزعتْ ... مَنْ بالمغاربِ صولةُ الأبطالِ\nوفيه يقول أيضًا يحيى بن خالد بن مروان:\nأَبنْ لي جوابًا أيُّها المَنزلُ القفرُ ... فلا زال مُنهلًا بساحاتِكَ القطرُ\nأَبِنْ لي عن الجيرانِ أَين تحمَّلوا ... وهل عادَتِ الدنيا، وهل رجعَ السَّفرُ!\nوكيف تجيبُ الدارُ بعد دروسها ... ولم يبقَ من أَعلامِ ساكنِها سَطْرُ\nمنازلُ أبكاني مَغَانِيُّ أهلَها ... وضاقت بي الدينا وأسَلَمني الصبْرُ\nكأَنَّهُمُ قومٌ رغا البكرُ فيهمُ ... وكان على الأَيامِ في هُلكِهم نُذرُ\nوعاثَتْ صُرُوفُ الدهر فيهم فأَسرعت ... وشَرُّ ذوي الأصعادِ ما فعل الدهرُ\nفقد طابت الدينا وأيَنَعَ نَبتُها ... بيُمْنِ وليّ العهدِ وانقلب الأَمر\nوعاد إلى الأَوطانِ مَنْ كان هاربًا ... ولم يبق للملعون في موضعٍ إِثْرُ\nبسيف ولي العَهْد طالت يدُ الهدى ... وأَشْرَق وجْهُ الدين واصطُلم الكُفْر\nوجاهَدَهم في اللهِ حقَّ جِهادِهِ ... بنفسٍ لها طولُ السلامة والنصرُ\nوهي طويلة.\nوقال يحيى بن محمد:","vol":"13","page":397},{"text":"عنّي اشتغالَك إني عنكِ في شَغَلِ ... لا تعذُلي مَنْ به وقْرٌ عن العذَلِ\nلا تعذُلي في ارتحالي إنني رجلٌ ... وقفٌ على الشَّدِّ والأسفارِ والرِّحَلِ\nفيمَ المُقامُ إذا ما ضاقَ بي بلدٌ ... كأَنني لحجالِ العِينِ والكِلَل\nما استيقظتْ همّةٌ لم تلفِ صاحبها ... يَقظان قَدْ جانبَتْهُ لذةُ المُقَلِ\nولم يبتْ أَمِنًا من لم يبتْ وجِلًا ... مِنْ أَنْ يبيتَ له جار على وَجَلِ\nوهي أيضًا طويلة.\nوفي هذه السنة في شهر ربيع الأول منها، ورد مدينةَ السلام الخبرُ: أن الرّوم نزلت بناحية باب قلَمْيَة على ستة أميال من طَرَسوس؛ وهم زهاء مئة ألف، يرأسهم بِطْريق البطارقة أندرياس، ومعه أربعة أخَرُ من البطارقة، فخرج إليهم يازمان الخادم ليلًا، فبيّتهم، فقُتِل بِطريق البطارقة وبِطريق القبَاذيق وبطريق الناطُلق، وأفلت بِطريق قرّة وبه جراحات، وأخِذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة، فيها صليبهم الأعظم من ذهب مكلّل بالجوهر، وأخِذ خمسة عشر ألف دابة وبغل، ومن السروج نحو من ذلك، وسيوف محلّاة بذهب وفضة وآنية كثيرة، ونحو من عشرة آلاف علم ديباج، وديباج كثير وبِزْيون ولُحُف سُمُور، وكان النفير إلى أندرياس يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول، فكبِس ليلًا وقتل من الروم خلق كثير، فزعم بعضهم أنه قتل منهم سبعون ألفًا (١).\nوفيها تُوفِّيَ هارون بن أبي أحمد الموفّق بمدينة السلام يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى.\nولستٍّ خلون من شعبان منها، ورد الخبرُ بموت أحمد بن طولون مدينةَ السلام - فيما ذكر. وقال بعضهم: كانت وفاته يوم الإثنين لثمان عشرة مضت من ذي القعدة منها (٢).\nوفيها مات الحسن بن يزيىر العَلَويّ بطبرستان، إما في رجب، وإما في شعبان.\nوللنصف من شعبان دخل المعتمد بغداد، وخرج من المدينة حتى نزل بحذاء\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٩).\n(٢) انظر وفيات الأعيان (١/ ٥٥) والنجوم الزاهرة (١/ ٣٧) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٤).","vol":"13","page":398},{"text":"قُطُربلّ في تعبية، ومحمد بن طاهر يسير بين يديه بالحربة، ثم مضى إلى سامُرّا.\nوفيها كان فداء أهل ساتِيدَما على يدي يازمان في سَلْخ رجب منها.\nوفي يوم الأحد لِتسْع بَقِين من شعبان من هذه السنة شغَب أصحابُ أبي العباس بن الموفّق ببغداد على صاعد بن مخلد، وهو وزير الموفّق، فطلبوا الأرزاق، فخرج إليهم أصحاب صاعد ليدفعوهم، فصارت رجّالة أبي العباس إلى رحْبة الجسر، وأصحاب صاعد داخل الأبواب بسوق يحيى، واقتتلوا، فقتِل بينهم قتلى، وجُرحت جماعة، ثم حجز بينهم الليل، وبكَروا من الغد، فوضِع لهم العطاء واصطلحوا.\nوفي شوال منها كانت وقعة بين إسحاق بن كُنْداج وابن دعباش، وكان ابن دعباش على الرَّقة وأعمالها، وعلى الثغور والعواصم من قِبَل ابن طولون، وابن كُنْدَاج على المَوْصِل من قِبَل السلطان.\nوفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربيّ منها من نهر عيسى من الياسرية بَثْقٌ، فغرّق الدباغين وأصحاب الساج بالكرخ، ذكر أنه دقّ سبعة آلاف دار ونحوها.\nوقتِل في هذه السنة ملك الروم المعروف بابن الصقلبيّ (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٢٩).\n(٢) المصدر السابق نفسه.","vol":"13","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2166>مقدمة صغيرة</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:\nفقد كتبنا في مقدمة المجلد الأول فصولًا في منهج الطبري ومصادره وما لَهُ وما عليه وأوضحنا بعضًا من معالم منهجنا في تخريج روايات الطبري فليراجع.\nوقد رأينا كتابة مقدمة صغيرة وخاصة في بداية كل مجلد من مجلدات الطبري أو بداية مرحلة معينة على الأقل - وما تبقى من تأريخ الطبري (الذي ينتهي بأحداث سنة ٣٠٢ هـ/ ١٠/ ١٥١) هو امتداد لمنهج الطبري في المجلد التاسع وقد كتبنا مقدمة قصيرة في بداية تعليقاتنا ضمن أحداث سنة (٢٤٧ هـ - خلافة المتوكل - أي في (٩/ ٢٣٥).\nوذكرنا فيه كيفية تعاملنا مع مرويات الطبري التأريخية المتعلقة بهذه الحقبة الزمنية ومنهجنا هذا امتداد لسابقه هناك؛ إلّا أننا أردنا أن نضيف شيئًا لم نذكره هناك، فنقول وبالله التوفيق:\nمن الواضح تمامًا أن الطبري كان رجلًا متكاملًا من الناحية الذهنية وقوة الحافظة وحضور البديهة وكان إمامًا مؤرخًا ثقة - معاصرًا لما سجّله من أحداث العقود الأخيرة من القرن الهجري الثالث ولكنه وللأسف الشديد لم يسجّل شهاداته الشخصية ومشاهداته اليومية سواء كان في بغداد (حاضرة الخلافة) أو مصر أو الحجاز وغيرها من بلاد المسلمين - ولا شك أنه عايش جانبًا هامًّا من تلك الأحداث إلَّا أنه سجّلها بصيغة توحي أنه أخذ جلَّها عن الآخرين ولعلَّه أحيانًا يروي عن شهود عيان ولو سجّل تلك الوقائع بصيغة أخرى كما ذكرنا لكان لها أهمية تفوق صيغتها المعروفة والله أعلم.\nولو قرأنا لغيره من معاصريه وهو يسجّل أحداث ووقائع تلك العقود؛ لتبيّن لنا","vol":"13","page":401},{"text":"أن الطبري عايشها عن قرب وكان له رأي خاص في الأحداث الجسام يومها إلّا أنه لم يسجّلها في تأريخه ولم يودعها صفحاته.\nوسنضرب مثالًا واحدًا على ذلك:\nقال المعافى بن زكريا الجريري وهو يتحدث عن وقائع سنة ٢٩٦ هـ لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري فقال: ما الخبر؟ فيل: بويع ابن المعتز: قال: فمن رشح للوزارة؟\nقيل: محمد بن داود، قال فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنى فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتمّ، قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سمّيتهم متقدم في معناه عالي الرتبة والزمان مدبرُ والدنيا مولية، وما أرى هذا إلّا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولًا [تأريخ الخلفاء/ ٤٢٦/ ط المكتبة العصرية] فهذا كلامه ورأيه في الأحداث لم نر له أثرًا في تأريخه فقد وقف بأعصاب باردة ﵀ أمام تلك الأحداث وهو يسجّلها فلعله أراد بذلك أن يكون مؤرخًا محايدًا تمامًا أمينًا في نقل الأحداث دون أن يشوبها برأيه الخاص والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"13","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2167>ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئتين</span>\nوأولها يوم الإثنين للتاسع والعشرين من حزيران، ولخمس وتسعين ومئة وألف من عهد ذي القرنين.\n* ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة:\nفمن ذلك ما كان فيها من ورود الخبر في غُرّة صفر بدخول محمد وعليّ ابني الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين المدينة وقتلهما جماعة من أهلها ومطالبتهما أهلها بمال، وأخذهما من قوم منهم مالًا، وأنّ أهل المدينة لم يصلّوا في مسجد رسول الله - ﷺ - أربع جمع؛ لا جمعة ولا جماعة، فقال أبو العباس بن الفضل العَلَويّ (١).\nأُخْرِبَتْ دارُ هجرةِ المصطفى البـ ... ـرِّ فأَبكى إِخرابُها المسلمينَا\nعينُ فابكى مقام جبريلَ والقب ... رَ فبكِّي المِنْبَرَ المَيْمُونا\nوعلى المسجد الذي أُسُّه التّق ... وى خَلاءً أَضْحَى من العابدينا\nوعلى طَيْبَةَ التي بارك الل ... هُ عليها بخاتَم المرسَلِينا\nقبَّح اللهُ معشرًا أَخربُوها ... وأطاعوا متبَّرًا ملعونا\nوفيها أدخِل على المعتمد مَنْ كان حضر بغداد من حاجِّ خراسان، فأعلمهم أنه قد عزل عمرو بن الليث عما كان قلّده، ولعنه بحضرتهم، وأخبرهم أنه قد قلّد خراسانَ محمد بن طاهر؛ وكان ذلك لأربع بَقِين من شوّال (٢) وأمر أيضًا بلعن عمرو بن الليث على المنابر، فلُعن.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٣) و(١٢/ ٢٤٤).","vol":"13","page":403},{"text":"ولثمان بقين من شعبان من هذه السنة شخص صاعد بن مخلَد من معسكر أبي أحمد بواسط إلى فارس لحرب عمرو بن الليث (١).\nولعشر خلوْن من شهر رمضان منها عُقِد لأحمد بن محمد الطائيّ على المدينة وطريق مكة (٢).\nوفيها كانت بين أبي العباس بن الموفَّق وبين خمارويه بن أحمد بن طولون وقعة بالطَّواحين، فهزَم أبو العباس خمارويه، فركب خمارويه حمارًا هاربًا منه إلى مصر، ووقع أصحاب أبي العباس في النهب، ونزل أبو العباس مضرب خمارَوَيْه، ولا يرى أنه بقى له طالب، فخرج عليه كمين لخمارويه كان كمَّنه لهم خمارويه، وفيهم سعد الأعسر وجماعة من قُوّاده وأصحابه، وأصحابُ أبي العباس قد وضعوا السلاح ونزلوا، فشدّ كمين خمارويه عليهم فانهزموا، وتفرّق القوم، ومضى أبو العباس إلى طَرَسوس في نفر من أصحابه قليل، وذهب كل ما كان في العسكرين؛ عسكر أبي العباس وعسكر خمارويْه من السلاح والكُراع والأثاث والأموال، وانتُهب ذلك كله؛ وكانت هذه الوقعة يوم السادس عشر من شَوّال من هذه السنة - فيما قيل (٣).\nوفيها وَثب يوسف بن أبي الساج - وكان والي مكة - على غلام للطائيّ يقال له: بدر، وخرج واليًا على الحاجّ فقيّده، فحارب ابن أبي الساج جماعةٌ من الجند، وأغاثهم الحاجّ حتى استنقذوا غلام الطائيّ، وأسروا ابن أبي الساج، فقُيّد، وحُمل إلى مدينة السلام، وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام (٤).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٣).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٣) فقد ذكر الخبر مع ذكر لبعض التفاصيل.\n(٤) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٣) فقد ذكر الخبر كما عند الطبري ثم أردف الخبر برواية مسندة عن أبي بكر الآدمي قال: لما أدخل مؤنس أبا القاسم بن أبي الساج أسيرًا خرجت إلى تلقيه على فراسخ ودخلت بغداد معه فقال لي لما قربنا: إذا كان غدًا فإني سأركب ابن أبي الساج وأشهره فأركب بين يديه فقلت السمع والطاعة فلما كان من الغد شهر ابن أبي الساج ببرنس فبدأت، فقرأت ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .... الخبر وفيه: فلما كان بعد أيام رضي عنه السلطان شفاعة مؤنس فأطلقه إلى داره .. إلى آخر الخبر المنتظم / ١٢/ ٢٤٤/.","vol":"13","page":404},{"text":"وفيها خرّبت العامة الدَّيْر العتيق الذي وراء نهر عيسى، وانتهبوا كلّ ما كان فيه من متاع، وقلعوا الأبواب والخشب وغير ذلك، وهدموا بعض حيطانه وسقوفه؛ فصار إليهم الحسين بن إسماعيل صاحب شُرطة بغداد من قِبَل محمد بن طاهر، فمنعهم من هدْم ما بقي منه؛ وكان يتردّد إليه أيامًا هو والعامة؛ حتى يكاد يكون بين أصحاب السلطان وبينهم قتال، ثم بنى ما كانت العامة هدمتْه بعد أيام، وكانت إعادة بنائه - فيما ذكر - بقوّة عبدُون بن مَخْلَد، أخي صاعد بن مَخْلَد (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسيّ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2168>ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومئتين</span>\nأولها يوم الجمعة للثامن عشر من حَزِيران، سنة ست وتسعين ومئة وألف لذي القرنين.\n* ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث:\nفمما كان فيها من ذلك إخراجُ أهل طَرَسوس أبا العباس بن الموفّق من طَرَسوس؛ لخلاف كان وقع بينه وبين يازَمان؛ فخرج عنها يريد بغداد للنصف من المحرَّم من هذه السنة (٣).\nوفيها تُوُفِّيَ سليمان بن وهب في حبس الموفّق يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من صفر (٤).\nوفيها تجمّعت العامة، فهدموا ما كان بُنِيَ من البيعة يوم الخميس لثمان خَلَوْن من شهر ربيع الآخر (٥).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٦).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٥).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٧).\n(٤) انظر لوفاة سليمان بن وهب وفيات الأعيان (٢/ ٤١٥) والمنتظم (١٢/ ٢٤٩).\n(٥) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٩).","vol":"13","page":405},{"text":"وفيها حكَّم شارٍ في طريق خُراسان، وصار إلى دَسْكَرة المَلك، فقتل وانتهب.\nوفيها ورد الخبر مدينة السلام بدخول حَمْدان بن حمدون وهارون الشاري مدينةَ الموصِل، وصلّى الشاري بهم في مسجد الجامع (١).\nوفيها قدم أبو العباس بن الموّفق بغداد منصرفًا من وقعته مع ابن طولون بالطواحين لتسع بقين من جمادى الآخرة.\nوفيها نُقِبَ المطبَق من داخله، وأخرِج الذوائبيّ العلويّ ونفسان معه، وكانوا قد أعِدّت لهم دوابّ توقف في كل ليلة ليخرجوا فيركبوها هاربين، فنُذِر بهم، وغُلِّقت أبواب سدينة أبي جعفر المنصور، فأخِذَ الذوائبيُّ ومَنْ خَرَج معه، وركب محمد بن طاهر، وكتِب بالخبر إلى الموفَّق وهو مقيم بواسط، فأمر أن تُقْطع يد الذوائبيّ ورجله من خلاف، فقُطع في مجلس الجَسْر بالجانب الغربيّ، ومحمد بن طاهر واقف على دابّته، وكُوِي يوم الإثنين لثلاث خلوْن من جمادى الآخرة.\nوفيها قدم صاعد بن مَخْلد من فارس، ودخل واسط في رجب، فأمر الموفّق جميع القواد أن يستقبلوه فاستقبلوه، وترجّلوا له، وقبّلوا كَفّه.\nوفيها قبض الموفّق على صاعد بن مَخْلَد بواسط وعلى أسبابه، وانتهب منازلهم يوم الإثنين لتسع خلوْن من رجب، وقبِض على ابنيه أبي عيسى وأبي صالح ببغداد، وعلى أخيه عبدون وأسبابه بسامُرّا، وذلك كله في يوم واحد، وهو اليوم الذي قبض فيه على صاعد، واستكتب الموفّق إسماعيل بن بلبُل، واقتصر به على الكتابة دون غيرها (٢).\nووردت الأخبار فيها أن مصر زُلزلت في جمادى الآخرة زلازل أخربت الدّور والمسجد الجامع، وأنه أحصِيَ في يوم واحد بها ألف جنازة (٣).\nوفيها غلا السعر ببغداد؛ وذلك أنّ أهل سامُرّا منعوا - فيما ذُكر - سفن الدقيق من الانحدار إليها، ومنع الطائيّ أربابَ الضَّياع من دياس الطعام وقسمه، يتربَّص\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٧).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٧).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٩).","vol":"13","page":406},{"text":"بذلك غلاء الأسعار، فمنع أهل بغداد الزيت والصابون والتمر وغير ذلك من حَمْله إلى سامُرّا، وذلك في النصف من شهر رمضان.\nوفيها ضجَّت العامة بسبب غلاء السعر، واجتمعت للوثوب بالطائيّ، فانصرفوا من مسجد الجامع للنصف من شوال إلى داره بين باب البصرة وباب الكوفة، وجاؤوه من ناحية الكَرْخ، فأصعد الطائيّ أصحابَه على السطوح، فرَموْهم بالنُّشاب، وأقام رجاله على بابه وفي فناء داره بالسيوف والرّماح، فقتِل بعضُ العامة، وجُرحت منهم جماعة، ولم يزالوا يقاتلونهم إلى الليل، فلما كان الليل انصرفوا، وباكروه من غد، فركب محمد بن طاهر، فسكن الناس وصرفهم عنه.\nوفيها تُوفِّيَ إسماعيل بن بُريه الهاشمي يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها.\nولثمان بقين منها توفِّي عبيد الله بن عبد الله الهاشميّ.\nوفيها كانت للزَّنْج بواسط حركة، فصاحوا: أنكلاي، يا منصور! وكان أنكلاي والمهلبيّ وسليمان بن جامع والشعرانيّ والهمدانيّ وآخر معهم من قُوَّاد الزنج محتَبسين في دار محمد بن عبد الله بن طاهر بمدينة السلام في دار البِطّيخِ، في يد غلام من غلمان الموفّق، يقال له: فتح السعيديّ، فكتب الموفّق إلى فَتْح أن يوجّه برؤوس هؤلاء الستة، فدخل إليهم، فجعل يخرج الأول فالأول منهم، فذبحهم غلام له، وقلع رأس بالوعة في الدار، وطِرحت أجسادهم فيها، وسدّ رأسَها، ووجّه رؤوسهم إلى الموفّق (١).\nوفيها ورد كتاب الموفّق على محمد بن طاهر في جثث هؤلاء الستة المقتولين، فأمره بصلبْها بحضرة الجسر، فأخرِجوا من البالوعة، وقد انتفخوا، وتغيّرت روائحهم، وتقشّر بعض جلودهم، فحُمِلوا في المحامل: المحمل بين رجلين؛ وصُلِب ثلاثة منهم في الجانب الشرقيّ، وثلاثة في الجانب الغربيّ، وذلك لسبع بَقِين من شوال من هذه السنة، وركب محمد بن طاهر حتى صُلبوا بحضرته.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٤٩) فقد ذكر أصل الخبر.","vol":"13","page":407},{"text":"وفيها صَلح أمر مدينة رسول الله - ﷺ -، وعَمِرت، وتراجع الناس إليها.\nوفيها غزا الصائفة يا زَمان.\nوحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى الهاشميّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nففيها كانت وقعة بين أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف وعمرو بن الليث الصفّار يوم السادس عشر من شهر ربيع الأول.\nوفيها كانت أيضًا وقعة بين إسحاق بن كُنداج ومحمد بن أبي الساج بالرَّقة، فانهزم إسحاق؛ وكان ذلك يوم الثلاثاء لتسع خلوْن من جمادى الأولى.\nوفيها قدمت رسل يازَمان من طَرَسُوس، فذكروا أنّ ثلاثة بنين لطاغية الروم وثبوا عليه، فقتلوه وملّكوا أحدهم عليهم (٢).\nوفيها قيّد أبو أحمد لؤلؤًا القادم عليه بالأمان من عند ابن طولون، واستصفى ماله، لثمان بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وذُكر أنَّ الذي أخذ من ماله كان أربعمئة ألف دينار (٣).\nوذكروا عن لؤلؤ أنه قال: ما عرفتُ لنفسي ذنبًا استوجبت به ما فُعِل بي إلّا كثرة مالي.\nوفيها كانت بين محمّد بن أبي الساج وإسحاق بن كُنْداج وقعة أخرى لأربع عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجة؛ وكانت الدَّبَرة فيها على ابن كُنْداج.\n_________\n(١) وكذلك قال ابن الجوزي: وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي (المنتظم ١٢/ ٢٤٩).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٥٥).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٧).","vol":"13","page":408},{"text":"وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك شخوص أبي أحمد إلى كَرْمان لحرب عمرو بن الليث لاثنتي عشرة بقيَت من شهر ربيع الأول (٢).\nوفيها غزا يازَمان، فبلغ المسكنين، فأسر وغنم، وسلم والمسلمون، وذلك في شهر رمضان منها (٣).\nوفيها دخل صِدِّيق الفرغانيّ دور سامرّا فاغار على أموال التجار، وأكثر العيْث في الناس، وكان صدِّيق هذا يخفر أوّلًا الطريق، ثم تحوّل لصًا خاربًا يقطع الطريق (٤).\nوحجّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشميّ (٥).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2171>ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه الطائيّ جيشًا إلى سامُرّا بسبب ما أحدث صِدّيق بها\n_________\n(١) وقال ابن الجوزي: وحجّ في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي وهذه السنة العاشرة من حجّه بالناس ولم يحجّ بالناس بعد عمر بن الخطاب ﵁ عشر سنين متتابعة سواه [المنتظم ١٢/ ٢٥٥].\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٦١).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٦١).\n(٤) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٤٨).\n(٥) انظر المنتظم (١٢/ ٢٦١).","vol":"13","page":409},{"text":"وإطلاقه أخاه من السجن؛ وكان أسيرًا عنده، وذلك في المحرّم من هذه السنة: ثم خرج الطائيّ إلى سامرّا، وأرسل صِدّيقًا ووعده ومنَّاه وأمّنه، فعزم على الدخول إليه في الأمان، فحذّره ذلك غلامٌ له يقال له: هاشم، وكان - فيما ذكر - شجاعًا، فلم يقبل منه، ودخل سامرّا مع أصحابه، وصار إلى الطائيّ، فأخذه الطائيّ، ومَنْ دخل معه منهم، فقطع يد صدّيق ورجله ويد هاشم ورجله وأيدي جماعة من أصحابه وأرجلهم وحبسهم، ثم حملهم في محامل إلى مدينة السَّلام، وقد أبرِزَتْ أيديهم وأرجلهم المقطعة ليراها الناس، ثم حبُسِوا.\nوفيها غزا يازمان في البحر، فأخذ للروم أربعة مراكب (١).\nوفيها تَصَعْلك فارس العبديّ، فعاث بناحية سامُرّا، وصار إلى كوخها، فانتهب دور آل حَسَنج، فشخص الطائيّ إليه، فلحقه بالحديثة، فاقتتلا، فهزمه الطائيّ وأخذ سواده، وصار الطائيّ إلى دِجْلة، فدخل طيّارة ليعجرها، فأدركه أصحاب العبديّ فتعلقوا بكوثل الطيّارة، فرمى الطائيّ بنفسه في دِجْلة، فعبرها سباحة، فلما خرج منها نفض لحيته من الماء، وقال: أيشٍ ظنُّ العبديّ؟ أليس أنا أسبح من سمكة! ثم نزل الطائيّ الجانب الشرقيّ والعبديّ بإزائه في الجانب الغربيّ، وفي انصراف الطائيّ قال عليّ بن محمد بن منصور بن نصر بن بَسام:\nقد أَقبلَ الطائيّ، لا أَقبلا ... قَبَّحَ في الأَفعال ما أجمَلا\nكأَنَّه من لِينِ أَلفاظِه ... صبيّةٌ تَمْضَغُ جَهْدَ البَلا\nوفيها أمر أبو أحمد بتقييد الطائيّ وحبسه، ففُعل ذلك لأربعَ عشرةَ خلت من شهر رمضان، وختم على كلّ شيء له، وكان يلي الكوفة وسوادَها وطريق خُراسان وسامُرّا والشرطة ببغداد، وخراج بادوريَا وقطْرُبُّل ومسكِن وشيئًا من ضياع الخاصّة.\nوفيها حبس أبو أحمد ابنه أبا العباس، فشغب أصحابُه، وحملوا السلاح، وركب غلمانه، واضطربت بغداد لذلك، فركب أبو أحمد لذلك حتى بلغ باب الرُّصافة، وقال لأصحاب أبي العباس وغلمانه فيما ذكر: ما شأنكم؟ أتَروْنكم أشفقَ على ابني مني! هو ولدي، واحتجت إلى تقويمه، فانصرف الناس،\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٦٤).","vol":"13","page":410},{"text":"ووضعوا السلاح، وذلك يوم الثلاثاء لست خلوْن من شوال من هذه السنة (١).\nوحجّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشميّ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ضمّ الشرطة بمدينة السلام إلى عمرو بن الليث، وكُتب فيها على الأعلام والمطارد والتِّرَسة - التي تكون في مجلس الجسر - اسمه، وذلك في المحرَّم (٣).\nولأربع عشرة خلتْ من شهر ربيع الأول من هذه السنة شخص أبو أحمد من ميدنة السلام إلى الجبل، وكان سبب شخوصه إليها - فيما ذكر - أنّ الماذرائيّ كاتب اذكوتكين، أخبره أنّ له هنالك مالًا عظيمًا، وأنه إن شخص صار ذلك إليه، فشخص إليه فلم يجد من المال الذي أخبره به شيئًا، فلما لم يجد ذلك شخص إلى الكرَج، ثم إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف، فتنحّى له أحمد بن عبد العزيز عن البلد بجيشه وعياله، وترك داره بفرشها لينزلها أبو أحمد إذا قدم.\nوقدم محمد بن أبي الساج على أبي أحمد قبل شخوصه من مضربه بباب خُراسان هاربًا من ابن طولون، بعد وقعات كانت بينهما، ضعف في آخر ذلك ابن أبي الساج عن مقاومته، لقلة من معه وكثرة من مع ابت طولون من الرّجال، فلحق بأبي أحمد، فانضمّ إليه، فخلع أبو أحمد عليه، وأخرجه معه إلما الجبل.\nوفيها وَليَ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر شرطة بغداد، من قِبَل عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر.\nوفيها ورد الخبر بانفراج تلّ بنهر الصِّلّة - ويعرف بتلّ بني شَقِيق - عن سبعة أقبر فيها سبعة أبدان صحيحة، عليها أكفان جدُد لينة، لها، أهداب، تفوح منها\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٦٤).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٦٤).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٧٣).","vol":"13","page":411},{"text":"رائحة المسك، أحدهم شابّ له جُمّة، وجبهتُه وأذناه وخدّاه وأنفه وشفتاه وذقنه وأشفار عينيه صحيحة، وعلى شفتيه بلل، كأنه قد شرب ماء؛ وكأنه قد كُحِل، وبه ضربة في خاصرته، فرُدّت عليه أكفانه (١).\nوحدثني بعض أصحابنا أنه جذب من شعر بعضهم، فوجده قويّ الأصل نحو قوة شعر الحيّ، وذكر أن التلّ انفرج عن هذه القُبور عن شبه الحوْض من حجر في لون المسنّ، عليه كتاب لا يدرَى ما هو!\nوفيها أمِر بطرح المطارد والأعلام والترسة التي كانت في مجالس الشرطة التي عليها اسم عمرو بن الليث، وإسقاط ذكره، وذلك لإحدى عشرة خلت من شوال (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ، وكان واليًا على مكة والمدينة والطائف (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك دعاء يازَمان بطرسوس لخمارويْه بن أحمد بن طولون؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن خمارويه وجّه إليه بثلاثين ألف دينار وخمسمئة ثوب وخمسين ومئة دابة وخمسين ومئة ممْطر وسلاح، فلما وصل ذلك إليه دعا له، ثم وجّه إليه بخمسين ألف دينار (٤).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٧٣) والعجيب أن الطبري ذكر هذا الخبر كما ترى إلا أن ابن كثير لم يُشر إلى وجوده في تأريخ الطبري وإنما نسبه إلى المتأخرين من بعده كابن الأثير فقال ابن كثير وذكر ابن الجوزي في منتظمه وابن الأثير في كامله أن في هذه السنة انفرج ... إلخ [البداية والنهاية ٨/ ٢٥٠].\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٢٧٣).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٧٣).\n(٤) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٥٢).","vol":"13","page":412},{"text":"وفي أول شهر ربيع الآخر كان بين وصيف خادم ابن أبي الساج والبرابرة أصحاب أبي الصقرْ شرّ؛ فاقتتلوا، فقتِل من غلمان الخادم أربعة غلمان ومن البرابرة سبعة؛ فكانت الحرب بينهم بباب الشأم إلى شارع باب الكوفة، فركب إليهم أبو الصقر، فكلمهم فتفرّقوا، ثم عادوا للشرّ بعد يومين، فركب إليهم أبو الصقر فسكّنهم.\nوفيها وليَ يوسف بن يعقوب المظالم، فأمر أن ينادَى: مَنْ كانت له مظلمة قِبَل الأمير الناصر لدين الله أو أحد من الناس فليحضر، وتقدم إلى صاحب الشُّرطة ألّا يطلق أحدًا من المحبّسين إلّا مَنْ رأى إطلاقَه يوسف، بعد أن يعرض عليه قصصُهم (١).\nوفي أول يوم من شعبان قدِم قائد من قوّاد بن طولون في جيش عظيم من الفرسان والرجّالة بغداد (٢).\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك الحرب التي كانت بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مُفْلح أربعة أيامٍ تباعًا، ثم اصطلحوا؛ وقد قُتل بينهم بضعة عشر رجلًا، وذلك في أول المحرّم، ثم وقع في الجانب الشرقيّ حرب بين النصريّين وأصحاب يونس، قُتل فيها رجل، ثم افترقوا.\nوفيها انحدر وصيفٌ خادم ابن أبي الساج إلى واسط بأمر أبي الصقر لتكون عدّة له - فيما ذكر - وذلك أنه اصطنعه وأصحابه، وأجازه بجوائز كبيرة، وأدرَّ على أصحابه أرزاقهم، وكان قد بلغه قدوم أبي أحمد، فخافه على نفسه لما كان\n_________\n(١) انظر المنتظم فقد ذكر الخبر.\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٥٢).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٢٧٣).","vol":"13","page":413},{"text":"من إتلافه ما كان في بيوت أموال أبي أحمد؛ حتى لم يبقَ فيها شيء بالهبة التي كان يهب؛ والجوائز التي كان يُجيز، والخِلَع التي كان يخلع على القوّاد، وإنفاقه على القوّاد، فلما نَفد ما في بيت المال، طالب أرباب الضياع بخراج سنة مُبْهَمة عن أرضيهم، وحبس منهم بذلك جماعة؛ وكان الذي يتولى له القيام بذلك الزّغَل، فعسف على الناس في ذلك، وقدم أبو أحمد قبل أن يستوظف أداء ذلك منهم، فشُغِل عن مطالبة الناس بما كان يطالبهم به، وكان انحدار وصيف في يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من المحرم.\nولليلتين بقِيتا من المحرّم منها، طلع كوكب ذو جُمّة، ثم صارت الجمّة ذُؤابة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>[ذكر الخبر عن مرض أبي أحمد الموفّق ثم موته]</span>\nوفيها انصرف أبو أحمد من الجبل إلى العراق، وقد اشتدّ به وجع النّقْرس حتى لم يقدر على الركوب، فاتُّخذ له سرير عليه قبّة، فكان يقعد عليه، ومعه خادم يبرّد رجله بالأشياء الباردة، حتى بلغ من أمره أنه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت علّة رجله داءَ الفيل، وكان يحمل سريره أربعون حمّالًا يتناوب عليه عشرون عشرون، وربما اشتدّ به أحيانًا، فيأمرهم أن يضعوه، فذُكر أنه قال يومًا للذين يحملونه: قد ضجرتم بحملي، بودّي أني أكون كواحد منكم أحملُ على رأسي وأكلّ وأنّي في عافية، وأنه قال في مرضه هذا: أطبق دفتري على مئة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالًا مني (٢).\nوفي يوم الإثنين لثلاث بقين من المحرّم منها وافى أبو أحمد النَّهروان، فتلقّاه أكثر الناس، فركب الماء، فسار في النهروان، ثم في نهر دَيَالَى، ثم في دِجْلة إلى الزعفرانيّة، وصار ليلة الجمعة إلى الفِرْك، ودخل داره يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٢٨٧).\n(٢) انظر لمرض الموفّق ورجوعه إلى العراق ثم وفاته المنتظم (١٢/ ٢٨٧) و(١٢/ ٣٠٣).","vol":"13","page":414},{"text":"ولما كان في يوم الخميس لثمان خلون من صفَر، شاع موتُه بعد انصراف أبي الصقر من داره، وقد كان تقدّم في حفظ أبي العباس، فغلِّقت عليه أبواب دون أبواب، وأخذ أبو الصقر ابنَ الفيّاض معه إلى داره، وكان يبقى بناحيته، وأقام أبو الصقر في داره يومه ذلك، وازداد الإرجاف بموت أبي أحمد، وكانت اعترتْه غَشْية، فوجّه أبو الصقر يوم الجمعة إلى المدائن، فحمل منها المعتمد وولده، فجيء بهم إلى داره، وأقام أبو الصقر في داره ولم يَصِرْ إلى دار أبي أحمد، فلما رأى غلمان أبي أحمد المائلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي العباس الذين كانوا حضورًا ما قد نزل بأبي أحمد، كسروا أقفال الأبواب المغلَقة على أبي العباس.\nفذُكر عن الغلام الذي كان مع أبي العباس في الحُجْرة أنه قال لما سمع أبو العباس صوت الأقفال تكْسَر قال: ليس يريد هؤلاء إلّا نفسي.\nوأخذ سيفًا كان عنده، فاستلّه، وقعد مستوفزًا والسيف في حجره، وقال: لي: تنحَّ أنت، والله لا وصلوا إليّ وفيَّ شيء من الروح، قال: فلما فُتِح الباب كان أول من دَخَل عليه وصيف مُوْشْكير - وهو غلام أبي العباس - فلما رآه رمى السيف من يده، وعلم أنهم لم يقصدوا إلا الخير، فأخرجوه حتى أقعدوه عند أبيه، وهو بعقب غشيته، فلما فتح أبو أحمد عينيه، وأفاف رآه، فأدناه وقرَّول، ووافى المعتمد - ذلك اليوم الذي وجّه إليه في حمله، وهو يوم الجمعة نصفَ النهار قبل صلاة الجمعة - مدينة السلام، لتسع خلَوْن من صفر، ومعه ابنه جعفر المفوّض إلى الله وليُّ العهد وعبد العزيز ومحمد وإسحاق بنوه، فنزل على أبي الصقر، ثم بلغ أبا الصقر: أنّ أبا أحمد لم يمت، فوجّه إسماعيل بن إسحاف يتعرَّف له الخبر، وذلك يوم السبت.\nوجمع أبو الصقر القوّاد والجند، وشحن داره وما حوْلها بالرّجال والسلاح، ومِنْ داره إلى الجسر كذلك، وقطع الجسرين، ووقف قوم على الجسر في الجانب الشرقيّ يحاربون أصحاب أبي الصقر، فقتِل بينهم قتلى، وكانت بينهم جراحات.\nوكان أبو طلحة أخو شَرْكَب مع أصحابه مقيمين بباب البستان، فرجع إسماعيل، فأعلم أبا الصقر أن أبا أحمد حيّ، فكان أوّل مَنْ مضى إليه من القوّاد محمد بن أبي الساج، عبر من نهر عيسى، ثم جعل الناس يتسلّلون؛ منهم من","vol":"13","page":415},{"text":"يعبر إلى باب أبي أحمد، ومنهم مَنْ يرجع إلى منزله، ومنهم من يخرج من بغداد؛ فلما رأى أبو الصقر ذلك، وصحّت عنده حياة أبي أحمد، انحدر هو وابناه إلى دار أبي أحمد؛ فما ذاكره أبو أحمد شيئًا مما جَرَى، ولا ساءله عنه، وأقام في دار أبي أحمد.\nفلما رأى المعتمد: أنه قد بقيَ في الدار وحدَه، نزل هو وبنوه وبكتمر، فركبوا زورقًا، ثم لقيهم طيّار أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دُلف، فحملهم في طيّاره، ومضى بهم إلى داره، وهي دار عليّ بن جهشيار برأس الجسر، فقال له المعتمد: أريد أن أمضيَ إلى أخي فاحدره ومَنْ معه من بيته إلى دار أبي أحمد، وانتُهبَتْ دار أبي الصقر وكل ما حوته حتى خرج حُرَمُه حفاةً بغير إزارَ، وانتُهبت دار محمد بن سليمان كاتبه، ودار ابن الواثقيّ انتُهبت وأحرقت، وانتُهبَت دور أسبابه، وكسِرت أبواب السجون، ونُقِبت الحمطان، وخرج كلّ من كان فيها، وخرج كلّ من كان في المطبَق، وانتُهب مجلسا الجسر، وأخِذ كلّ ما كان فيهما، وانتُهبت المنازل التي تقرب من دار أبي الصقر، وخلع أبو أحمد على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر، فركبا جميعًا، والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطَّاق، ومضى أبو الصقر مع أبي العباس إلى داره؛ دار صاعد، ثم انحدر أبو الصقر في الماء إلى منزله وهو منتَهب، فأتوه من دار الشاه بحصير فقعد عليه، فولّى أبو العباس غلامَه بدار الشرطة، واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقيّ، وعيسى النوشريّ على الجانب الغربيّ؛ وذلك لأربع عشرة خلت من صفر منها.\nوفيها في يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر، كانت وفاة أبي أحمد الموفّق ودفن ليلة الخميس في الرُّصافة عند قبر والدته، وجلس أبو العباس يوم الخميس للناس للتعزية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>[ذكر خبر البيعة للمعتضد بولاية العهد] </span>(١)\nوفيها بايع القوّاد والغلمان لأبي العباس بولاية العهد بعد المفوّض، ولقّب\n_________\n(١) وكذلك قال ابن الجوزي (١٢/ ٣٠٤).","vol":"13","page":416},{"text":"بالمعتضد بالله، في يوم الخميس، وأخرج للجند العطاء، وخُطِب يوم الجمعة للمعتمد، ثم للمفوّض، ثم لأبي العباس المعتضد؛ وذلك لسبع ليال بقين من صفر.\n* * *\nوفيها في يوم الإثنين لأربع بقين من صفر قُبض على أبي الصقر وأسبابه وانتهبت منازلهم، وطُلِب بنو الفرات - وكان إليهم ديوان السواد - فاختفوْا، وخلِع على عبيد الله بن سليمان بن وهب يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها، ووُلِّيَ الوزارة.\nوفيها بعث محمد بن أبي الساج إلى واسط ليردّ غلامه وصيفًا إلى مدينة السلام، فمضى وصيفٌ إلى الأهواز، وأبى الانصرافَ إلى بغداد، وأنهب الطّيب، وعاث بالسوس.\nوفيها ظُفر بأبي أحمد بن محمد بن الفرات؛ فحُبس وطولب بأموال، وظُفر معه بالزّغل، فحبِس، وظُفر معه بمال.\nوفيها ورَدت الأخبار بقتل عليّ بن الليث أخي الصفار، قتله رافع بن هرثمة، كان لحق به، وترك أخاه.\nووردت الأخبار فيها عن مصر: أن النيل غار ماؤه وغلت الأسعار عندهم (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2177>ذكر ابتداء أمر القرامطة </span>(٢)\nوفيها وردت الأخبار بحرَكة قوم يُعرفون بالقَرامطة بسواد الكُوفة؛ فكان ابتداء أمرهم قدومُ رجل من ناحية خُوزِستان إلى سَوَاد الكوفة ومُقامه بموضع منه يقال له النهرين، يُظهر الزّهد والتقشف، ويَسُفُّ الخُوصَ، ويأكل من كسبه، ويُكثر الصلاة، فأقام على ذلك مدّة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمرَ الدين، وزهَّده\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٥٥).\n(٢) لبداية حركة القرامطة انظر المنتظم (١٢/ ٢٨٧).","vol":"13","page":417},{"text":"في الدنيا، وأعلمه أنّ الصلاة المفترضة على الناس خمسون صلاة في كلّ يوم وليلة؛ حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت الرسول، فلم يزل على ذلك يقعُد إليه الجماعة فيخبرهم من ذلك بما تعلّق قلوبهم، وكان يقعد إلى بقّال في القرية؛ وكان بالقرب من البَقال نخلٌ اشتراه قوم من التجار، واتخذوا حظيرةً جمعوا فيها ما صرَمُوا من حمل النخل، وجاؤوا إلى البقال فسألوه أن يطلب لهم رجلًا يحفظ عليهم ما صرموا من النخل، فأومى لهم إلى هذا الرجل، وقال: إن أجابكم إلى حفظ ثمرتكم، فإنه بحيث تحبّون، فناظروه على ذلك، فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة؛ فكان يحفظ لهم، ويصلّي أكثر نَهاره ويصوم، ويأخذ عند إفطارِه من البقال رطل تمر، فيُفطر عليه، ويجمع نوى ذلك التمر.\nفلما حمل التجار ما لهم من التمر، صاروا إلى البقّال، فحاسبوا أجيرهم هذا على أجرته، فدفعوها إليه، فحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر، وحطّ من ذلك ثمن النوى الذي كان دفعه إلى البقّال؛ فسمع التجار ما جرى بينه وبين البقال في حقّ النوى، فوثبوا عليه فضربوه، وقالوا: ألم ترضَ أن أكلت تمرَنا حتى بعت النوى! فقال لهم البقال: لا تفعلوا، فإنه لم يمسّ تمركم؛ وقصّ عليهم قصته، فندموا على ضربهم إياه، وسألوه أن يجعلَهم في حِلّ ففعل، وازداد بذلك نُبْلًا عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زُهده.\nثم مرض فمكث مطروحًا على الطريق، وكان في القرية رجلٌ حمل على أثوار له أحمر العينين شديدة حمرتهما، وكان أهل القرية يسمّونه كرميته لحمرة عينيه، وهو بالنَّبطية أحمر العينين، فكلّم البقال كرميته هذا، في أن يحمل هذا العليل إلى منزله، ويُوصي أهلَه بالإشراف عليه والعناية به؛ ففعل وأقام عنده حتى برأ، ثم كان يأوي إلى منزله، ودعا أهلَ القرية إلى أمره، ووصف لهم مذهبَه، فأجابه أهلُ تلك الناحية، وكان يأخذ من الرّجل إذا دخلَ في دينه دينارًا؛ ويزعم أنه يأخذ ذلك للإمام؛ فمكث بذلك يدعُو أهلَ تلك القرى فيجيبونه، واتّخذ منهم اثني عشر نقيبًا، أمرهم أن يدعو الناس إلى دينهم، وقال لهم: أنتم كحواريِّي عيسى ابن مريم؛ فاشتغل أكرة تلك الناحية عن أعمالهم بما رَسم لهم من الخمسين الصلاة التي ذكر أنها مفترضة عليهم.","vol":"13","page":418},{"text":"وكان للهَيْصَم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير أكَرته في العمارة، فسأل عن ذلك، فأخبِر: أن إنسانًا طرأ عليهم، فأظهر لهم مذهبًا من الدين، وأعلمهم أنّ الذي افترضه الله عليهم خمسون صلاة في اليوم والليلة، فقد شغِلوا بها عن أعمالهم فوجّه في طلبه، فأخِذ وجيء به إليه، فسأله عن أمره، فأخبره بقصّته، فحلف أنه يقتله.\nفأمر به فحبِس في بيت، وأقفل عليه الباب، ووُضع المفتاح تحت وسادته، وتشاغل بالشرب، وسمع بعض مَنْ في داره من الجواري بقصّته، فرقّت له، فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته، وفتحت الباب وأخرجته، وأقفلت الباب، وردّت المفتاح إلى موضعه. فلمّا أصبح الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده، وشاع بذلك الخبر، ففُتن به أهل تلك الناحية، وقالوا: رُفع ثم ظهر في موضع آخر، ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم فسألوه عن قصّته، فقال: ليس يمكن أحدًا أن يبدأني بسوء، ولا يقدر على ذلك مني، فعظم في أعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج إلى ناحية الشأم، فلم يُعْرَفِ له خبر، وسمِّيَ باسم الرّجل الذي كان في منزله صاحب الأثوار كرميته، ثم خُفِّف فقالوا: قرمط.\nذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمّن حدثه، أنه حضر محمد بن داود بن الجرّاح، وقد دعا بقوم من القرامطة من الحبس، فسألهم عن زكرويه، وذلك بعدما قتله، وعن قرمط وقصّته، وأنهم أومواله إلى شيخ منهم، وقالوا له: هذا سلف زكرويه، وهو أخبر الناس بقصّته، فسَلْه عما تريد، فسأله فأخبره بهذه القصة.\nوذكر عن محمد بن داود أنه قال: قرمط رجل من سواد الكوفة، كان يحمل غلات السواد على أثوار له، يسمَّى حمدان ويلقب بقرمط، ثم فشا أمرُ القرامطة ومذهبهُم، وكثروا بسواد الكوفة، ووقف الطائيّ أحمد بن محمد على أمرهم، فوظّف على كلّ رجل منهم في كلّ سنة دينارًا، وكان يجبي من ذلك مالًا جليلًا، فقدم قوم من الكوفة فرفعوا إلى السلطان أمرَ القرامطة، وأنهم قد أحدثوا دينًا غير الإسلام، وأنهم يروْن السيف على أمَّةِ محمد إلا مَنْ بايعهم على دينهم، وأن الطائيّ يخفى أمرهم على السلطان، فلم يلتفت إليهم، ولم يسمع منهم، فانصرفوا، وأقام رجل منهم مدة طويلة بمدينة السلام، يرفع ويزعم أنه لا يمكنه","vol":"13","page":419},{"text":"الرجوع إلى بلده خوفًا من الطائيّ، وكان فيما حكوا عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم أن جاؤوا بكتاب فيه.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nيقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال لها: نَصْرانة، داعية إلى المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهديّ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبريل، وذكر أنّ المسيح تصّور له في جسم إنسان، وقال له: إنك الدّاعية، هانك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدّابة، وإنك روح القدس، وإنك يحيى بن زكرياء، وعرّفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها؛ وأنّ الأذان في كلّ صلاة أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله؛ مرتين أشهد أنّ آدم رسول الله، أشهد أن نوحًا رسول الله، أشهد أنّ إبراهيم رسول الله، أشهد أنّ موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول الله؛ وأن يقرأ في كلّ ركعة الاستفتاح؛ وهي من المنزّل على أحمد بن محمد بن الحنفية.\nوالقبلة إلى بيت المقدس، والحجّ إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة يوم الإثنين لا لعمل فيه شيء، والسورة: الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتّخذ لأوليائه بأوليائه، قل: إن الأهلة مواقيت للناس؛ ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنُها أوليائي الذين عرّفوا عبادي سبيلي، اتقونِ يا أولي الألباب؛ وأنا الذي لا أسْأل عمّا أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلُوا عبادي، وامتحن خَلْقِي؛ فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيتُه في جنتي، وأخلدته في نعمتي، ومَنْ زال عن أمري، وكذّب رسلي، أخلدته مهانًا في عذابي، وأتممتُ أجلي، وأظهرتُ أمري؛ على ألسنة رُسُلِي؛ وأنا الذي لم يعلُ عليّ جبار إلا وضعتُه، ولا عزيزٌ إلا أذللتُه، وليس الذي أصرّ على أمره وداوم على جهالته، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين، وبه مؤمنين: أولئك هم الكافرون.\nثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربي ربّ العزة وتعالى عما يصف","vol":"13","page":420},{"text":"الظالمون! يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلَى، الله أعظم، الله أعظم.\nومن شرائعه أنّ الصوم يومان في السنة، وهما المِهرجان والنوْروز؛ وأن النبيذ حرام والخمر حلال؛ ولا غُسْلَ من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأنّ مَنْ حاربه وجب قتلُه، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخِذَت منه الجزية ولا يُؤكل كلّ ذي ناب، ولا كلّ ذي مخْلب.\nوكان مصير قَرْمط إلى سَواد الكوفة قبل قتل صاحب الزَّنْج؛ وذلك أن بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه: أنه قال: قال لي قَرْمط: صرتُ إلى صاحب الزَّنْج، ووصلت إليه، وقلت له: إني على مذهب، وورائي مئة ألف سيف؛ فناظرْني، فإن اتفقنا على المذهب ملتُ بمَنْ معي إليك، وإن تكن الأخرى انصرفتُ عنك، وقلت له: تعطيني الأمان؟ ففعل.\nقال: فناظرته إلى الظهر، فتبيّن لي في آخر مناظرتي إياه أنه على خلاف أمري، وقام إلى الصلاة، فانسللت، فمضيت خارجًا من مدينته، وصرت إلى سواد الكوفة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>[ذكر خبر غزو الروم ووفاة يازمان في هذه الغزوة] </span>(٢)\nولخمس بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة، دخل أحمد العُجيفيّ مدينة طَرَشوس، وغزا مع يازمان غَزاة الصّائفة، فبلغ سَلَنْدو.\nوفي هذه الغزاة مات يازمان، وكان سببُ موته أن شظيّةً من حجر مِنْجنيق أصاب أضلاعه وهو مقيم على حصن سَلَنْدُو؛ فارتحل العسكر؛ وقد كانوا أشرفوا على فتحه، فتُوفِّيَ في الطريق من غدِه يوم الجمعهّ، لأربع عشرة ليلة خلتْ من رجب، وحُمِل إلى طَرَسُوس على أكتاف الرجال فدُفن هناك.\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشميّ.\n* * *\n_________\n(١) عن منشأ القرامطة ومذاهبهم الفاسدة انظر المنتظم فقد أفرد فصولًا لشرح أحوالهم وضلالاتهم استغرقت صفحات عديدة (المنتظم ١٢/ ٢٨٨ - ٣٠٠).\n(٢) لوفاة يازمان انظر النجوم الزاهرة (٣/ ٨٧).","vol":"13","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2179>ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من أمر السلطان بالنداء بمدينة السلام: ألّا يَقعُد على الطريق ولا في مسجد الجامع قاصّ ولا صاحب نجوم ولا زاجر؛ وحُلِّف الورّاقون ألا يبيعوا كتبَ الكلام والجدَل والفلسفَة (١).\nوفيها خُلع جعفر المفوّض من العهد لثمان بقين من المحرّم (٢).\nوفي ذلك اليوم بويع للمعتضد بأنه وليّ العهد من بعد المعتمد، وأنشِئت الكتب بخلع جعفر وتولية المعتضِد، ونفِّذتْ إلى البلدان، وخُطب يوم الجمعة للمعتضد بولاية العهد، وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال والولاة؛ بأنّ أمير المؤمنين قد ولّاه العهد، وجعل إليه ما كان الموفّق يليه من الأمر والنهي والولاية والعزل (٣).\nوفيها قُبض على جرادة كاتب أبي الصَّقْر لخمس خلوْن من شهر ربيع الأول، وكان الموفّق وجّهه إلى رافع بن هرثمة، فقدِم مدينة السلام قبل أن يُقبَض عليه بأيام.\nوفيها انصرف أبو طلحة منصور بن مسلم من شهرزور لست بقين من جُمادى الأولى - وكانت ضُمّت إليه - فقُبِض عليه وعلى كاتبه عَقامة، وأودِعَا السْجن؛ وذلك لأربع بقين من جمادى الأولى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>[ذكر خبر الفتنة بطرسوس]</span>\nوفيها كانت الملحمة بطرَسُوس بين محمد بن موسى ومكنون غلام راغب مولى الموفّق؛ في يوم السبت لتسع بقِينَ من جُمادى الأولى؛ وكان سبب ذلك\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٠٥).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٠٥).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٠٥).","vol":"13","page":422},{"text":"- فيما ذكر - أن طُغْج بن جُفّ لقي راغبًا بحلب، فأعلمه أن خَمارويه بن أحمد يحبّ لقاءه، ووعده عنه بما يحبّ، فخرج راغب من حلَب ماضيًا إلى مصر في خمسة غلمان له، وأنفذ خادمَه مكنونًا مع الجيش الذي كان معه وأمواله وسلاحه إلى طَرَسوس، فكتب طُغْج إلى محمد بن موسى الأعرج يُعلمه أنه قد أنفذ راغبًا، وأن كلّ ما معه من مال وسلاح وغلمان مع غلامه مكنون، وقد صار إلى طَرَسُوس وأنه ينبغي له أن يقبض عليه ساعةَ يدخل وعلى ما معه، فلما دخل مكنون طَرَسُوس وثب به الأعرج، فقبض عليه ووكّل بما معه، فوثب أفل طرسوس على الأعرج، فحالوا بينه وبين مكنون، وقبضوا على الأعرج فحبسوه في يد مكنون، وعلموا أنّ الحيلة قد وقعت براغب؛ فكتبوا إلى خمارويه بن أحمد يعلمونه بما فعل الأعرج، وأنهم قد وكَّلوا به، وقالوا: أطلق راغبًا لينفذ إلينا حتى نطلق الأعرج، فأطلق خمارويه راغبًا، وأنفذه إلى طَرَسُوس، وأنفذ معه أحمد بن طُغان واليًا على الثغور، وعزل عنهم الأعرج، فلمّا وصل راغب إلى طَرَسوس أطلِق محمد بن موسى الأعرج، ودخل طَرَسوس أحمد بن طُغان واليًا عليها وعلى الثغور ومعه راغب، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شعبان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2181>[خبر وفاة المعتمد]</span>\nوفيها توفِّيَ المعتمد ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، وكان شرب على الشطّ في الحسنيّ يوم الأحد شرابًا كثيرًا، وتعشّى فأكثر، فمات ليلًا، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وستة أيام - فيما ذُكر (١).\n* * *\n_________\n(١) لوفاة المعتمد وترجمته انظر سير أعلام (١٢/ ٥٤٠)، وتأريخ بغداد (٤/ ٦٠) والمنتظم (١٢/ ٣٢٨).","vol":"13","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2182>خلافة المعتضد</span>\nوفي صَبيحة هذه الليلة بُويع لأبي العباس المعتضد بالله بالخلافة، فولَّى غلامه بدرًا الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن الشاد بن ميكال الحرس، وحجبة الخاصة والعامة صالحًا المعروف بالأمين، فاستخلف صالح خفِيفًا السمرقنديّ (١).\nولليلتين خَلَتا من شعبان فيها قدِم على المعتضد رسولُ عمرو بن الليث الصفّار بهدايا، وسأل ولاية خُراسان، فوجّه المعتضد عيسى النُّوشِريَّ مع الرسول، ومعه خلع ولواء عقده له على خراسان، فوصلوا إليه في شهر رمضان من هذه السنة، وخُلع عليه، ونُصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام (٢).\n* * *\nوفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد، وقام بما كان إليه من العمل وراء نهر بلْخ أخوه إسماعيل بن أحمد (٣).\nوفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص من مصر رسولًا لخمارويه بن أحمد بن طولون، ومعه هدايا من العين؛ عشرون حملًا على بغال وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طراز وعشرون رجلًا على عشرين نجيبًا، بسروج محلّاة بحلية فضّة كثيرة، ومعهم حراب فضّة، وعليهم أقبِيةُ الدّيباج والمناطق المحلّاة وسبع عشرة دابة بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقي\n_________\n(١) وقال ابن الجوزي في صبيحة يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين وهو ابن سبع وثلاثين سنة - فولى عبد الله بن سليمان بن وهب الوزارة .... إلخ [المنتظم ١٢/ ٣٠٦].\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٢٧).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣١).","vol":"13","page":424},{"text":"بفضة، وسبع وثلاثون دابّة بجلال مشهّرة، وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرّافة يوم الإثنين لثلاث خلوْن من شوّال، فوصل إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى سبعة نفر معه، وسَفر ابن الجصاص في تزويج ابنة خمارويه من عليّ بن المعتضد، فقال المعتضد: أنا أتزوّجها، فتزوّجها (١).\nوفيها ورد الخبر بأخذ أحمد بن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين من محمد بن إسحاق بن كُنْداج (٢).\nوفيها مات إبراهيم بن محمد بن المدبّر، وكان يلي ديوان الضياع، فَوُلِّيَ مكانه محمد بن عبد الحميد، وكان موته يوم الأربعاء لثلاث أو أربع عشرة بقيت من شوال.\nوفيها عُقِد لراشد مولى الموفّق على الدينور، وخُلع عليه يوم السبت لسبع بَقِين من شوّال، ثم خرج راشد إلى عمله يوم الخميس لعشر خلوْن من ذي القعدة.\nوفي يوم النحر منها ركب المعتضِد إلى المصلّى الذي اتخذه بالقرب من الحَسَنيّ، وركب معه القوّاد والجيش، فصلّى يالناس، فذُكر عنه أنه كبّر في الركعة الأولى ستّ تكبيرات، وفي الركعة الثانية تكبيرة واحدة، ثم صعِد المنبر، فلم تُسمَعْ خطبته، وعُطّل المصلى العتيق فلم يصلّ فيه.\nوفيها كُتِب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف بمحاربة رافع بن هرثمة ورافع بالرّيّ، فزحف إليه أحمد، فالتقوْا يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة، فانهزم رافع بن هوثمة، وخرج عن الرّيّ، ودخلها ابن عبد العزيز.\nوحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشميّ، وهي آخر حجة حجّها، وحجّ بالناس ست عشرة سنة، من سنة أربع وستين إلى هذه السنة (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٢٧).\n(٢) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٥٦).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٢٧).","vol":"13","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2183>ثم دخلت سنة ثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبدَ الله بن المهتدى ومحمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيْلَمة - وكان شَيْلمة هذا مع صاحب الزَّنْج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفّق في الأمان فآمنه - وكان سبب أخذه إياهما أنّ بعض المستأمِنة سعى به إلى المعتضد، وأعلمه أنه يدعو إلى رجل لم يوقَف على اسمه، وأنه قد استفسد جماعةً من الجند وغيرهم، وأخِذ معه رجل صيدنانيّ وابن أخ له من المدينة، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشيء، وسأله عن الرجل الذي يدعُو إليه، فلم يقرّ بشيء، وقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، ولو عملتني كرْدَناك لما أخبرتك به؛ فأمر بنار فأوقِدَتْ، ثم شُدّ على خشبة من خشب الخيم، وأديِر على النار حتى تقطَّع جلده، ثم ضُربت عنقه، وصُلب عند الجسر الأسفل في الجانب الغربّي (١).\nوحُبس ابن المهتدى إلى أن وقِف على براءته، فأطلق، وكان صَلْبه لسبع خلوْن من المحرّم.\nفذُكر أن المعتضد قال لشيْلمة: قد بلغني أنك تدعو إلى ابن المهتدى، فقال: المأثور عني غير هذا، وأني أتولَّى آل ابن أبي طالب - وقد كان قرّر ابنَ أخيه فأقرّ - فقال له: قد أقرّ ابنُ أخيك، فقال له: هذا غلام حدث تكلم بهذا خوفًا من القتل، ولا يُقبل قوله، ثم أطلق ابن أخيه والصّيدنانيّ بعد مدة طويلة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2184>[ذكر خبر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم] </span>(٢)\nولليلة خلت من صفر يوم الأحد شخص المعتضد من بغداد يريد بني شيبان، فنزل بستان بشر بن هارون، ثم سار يوم الأربعاء منه، واستخلف على داره\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٢).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٣).","vol":"13","page":426},{"text":"وبغداد صالحًا الأمين حاجبه، فقصد الموضع الذي كانت شيبان تتخذه معقلًا من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصدُه إياهم، ضمُّوا إليهم أموالهم وعيالاتهم.\nثم ورد كتاب المعتضد أنَّه أسرَى إلى الأعراب من السنّ، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الزابَيْن، وأخذ النساء والذراريّ، وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله، وأخذه من غنمهم وإبلهم ما كثر في أيدي الناس حتى بيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وأمر بالنساء والذرايّ أن يحْفَظُوا حتى يُحْدَروا إلى بغداد ثم مضى المعتضد إلى الموصِل، ثم إلى بلَد، ثم رجع إلى بغداد، فلقيه بنو شيبان يسألونه الصفح عنهم، وبذلوا له الرهائن، فأخذ منهم خمسمئة رجل - فيما قيل، ورجع المعتضد يريد مدينة السلام، فوافاه أحمد بن أبي الأصبغ بما فارق عليه أحمد بن عيسى بن الشيخ من المال الذي أخذه من مال إسحاق بن كُنْداج، وبهدايا ودوابّ وبغال في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول.\n* * *\nوفي شهر ربيع الأول ورد الخبر بأن محمد بن أبي الساج افتتح المرَاغة بعد حصار شديد وحرب غليظة كانت بينهم، وأنه أخذ عبد الله بن الحسين بعد أن آمنه وأصحابه، فقيّده وحبسه، وقرّره بجميع أمواله، ثم قتله بعدُ.\nوفي شهر ربيع الآخر ورد الخبرُ بوفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف، وكانت وفاته في آخر شهر ربيع الأول، فطلب الجند أرزاقَهم، وانتهبوا منزل إسماعيل بن محمد المنشئ، وتنازع الرئاسة عمر وبكر ابنا عبد العزيز، ثم قام بالأمر عمر، ولم يكتب إليه المعتضد بالولاية.\nوفيها افتتح محمد بن ثور عثمان، وبعث برؤوس جماعة من أهلها، وذكر أنّ جعفر بن المعتمد تُوفِّيَ في يوم الأحد لاثنتي عشرة خلتْ من شهر ربيع الآخر منها؛ وأنه كان مُقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر، وقد كان المعتضد نادمه مرارًا.\nوفيها انصرف المعتضد إلى بغداد من خرجته إلى الأعراب.\nوفيها في جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث نَيْسابور، في جمادى الأولى منها.","vol":"13","page":427},{"text":"وفيه وجّه يوسف بن أبي الساج اثنين وثلاثين نفسًا من الخوارج، من طريق الموصل، فضُربت أعناق خمسة وعشرين رجلًا منهم، وصلِبوا وحبِس سبعة منهم في الحبس الجديد (١).\nوفيها دخل أحمد بن أبَّا طَرَسُوس لغزاة الصائفة، لخمس خلوْن من رجب من قِبَل خمارويه، ودخل بعده بمدر الحمّامِيُّ، فغَزوا جميعًا مع العُجَيفيّ أمير طَرَسُوس حتى بلغوا البلقسور.\nوفيها ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه - فيما ذكر - مدينة ملكهم، وأسره إياه وامرأته خاتون ونحوًا من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وغنم من الدوابّ دوابّ كثيرة لا يوقف على عددها، وأنه أصاب الفارس من المسلمين من الغنيمة في المقسم ألف درهم (٢).\nولليلتين بقيتا من شهر رمضان منها، توُفِّيَ راشد مولى الموفّق بالدينور، وحُمِل في تابوت إلى بغداد.\nولثلاث عشرة خلت من شوال منها مات مسرور البخليّ (٣).\nوفيها - فيما ذكر - في ذي الحجة ورد كتاب من دُبِيل بانكساف القمر في شوال لأربع عشرة خلت منها، ثم تجلَّى في آخر الليل، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة والدنيا مظلِمة، ودامت الظلمة عليهم؛ فلما كان عند العصر هبّت ريح سوداء شديدة، فدامت إلى ثلث الليل، فلما كان ثلت الليل زُلِزلوا، فأصبحوا وقد ذهبت المدينة فلم ينج من منازلها إلا اليسير قدر مئة دار، وأنهم دفنوا إلى حين كُتب الكتاب ثلاثين ألف نفس يخرجون من تحت الهدم، ويدفنون، وأنهم زُلزلوا بعد الهدم خمس مرات (٤).\nوذكر عن بعضهم أن جملة من أخرِج من تحت الهدم خمسون ومئة ألف ميّت.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٣).\n(٣) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٥٨).\n(٤) انظر البداية والنهاية (١٢/ ٣٣٤).","vol":"13","page":428},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن هارون المعروف بابن ترنجة (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من موافاة ترْك بن العباس عامل السلطان على ديار مُضر مدينةَ السلام لتسع خَلَوْن من المحرّم بنيّف وأربعين نفسًا من أصحاب أبي الأغرّ صاحب سُمَيْساط على جمال، عليهم برانس ودراريع حرير.\nفمضى بهم إلى دار المعتضد، ثم رُدّوا إلى الحبس الجديد فحبسوا به، وخُلع على تُرْك، وانصرف إلى منزله.\nوفيها ورد الخبر بوقعة كانت لوصيف خادم ابن أبي الساج بعمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف وهزيمته إياه، ثم صار وَصيف إلى مولاه محمد بن أبي الساج في شهر ربيع الآخر منها.\nوفيها دخل طُغْج بن جُفّ طَرَسوس لغزاة الصائفة من قِبَل خمارويه يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة - فيما قيل - وغزا فبلغ طرايون، وفتح ملُورِيَة.\nولخمس ليال بقين من جمادى [الآخرة] مات أحمد بن محمد الطائيّ بالكوفة، ودفن بها في موضع يقال له: مسجد السهلة.\nوفيها غارت المياه بالرّيّ وطبَرِستان (٢).\nولليلتين خلتا من رجب منها شخص المعتضد إلى الجبل، فقصد ناحية الدينور، وقلّد أبا محمد على بن المعتضد الرّيّ وقَزوين وزَنْجان وأبْهر وقُمّ وهَمَذَان والدينور، وقلّد كتبته أحمد بن أبي الأصبغ، ونفقات عسكره والضّياع\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٦).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٩).","vol":"13","page":429},{"text":"بالرّيّ الحسين بن عمرو الضرانيّ، وقفد عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف أصبهان ونَهاوَند والكَرَج، وتعجّل للانصراف من أجل غلاء السعر وقلة الميرة، فوافىَ بغداد يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من شهر رمضان (١).\nوفيها استأمن الحسن بن عليّ كوره عامل رافع على الريّ إلى عليّ بن المعتضد في زُهاء ألف رجل، فوجّهه إلى أبيه المعتضد.\nوفيها دخل الأعراب سامُرّا فأسَرُوا ابن سيما أنف في ذي القعدة منها وانتهبوا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>[ذكر خبر الوقعة بين الأكراد والأعراب] </span>(٢)\nولست ليال بقين من ذي القعدة خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموْصِل عامدًا لحمدان بن حمدون؛ وذلك أنه بلغه أنه مايل هارون الشاري الوزاقيّ، ودعا له فورد كتاب المعتضد من كَرْخَ جُدّان على نَجاح الحُرَميّ الخادم بالوقْعة بينه وبين الأعراب والأكراد؛ وكانت يوم الجمعة سَلْخ ذي القعدة:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكتابي هذا وقت العتَمة ليلة الجمعة، وقد نصر الله - وله الحمد - على الأكراد والأعراب، وأظفرَنا بعالم منهم وبعيالاتهم؛ ولقد رأيتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عامًا أولًا، ولم تزل الأسنّة والسيوف تأخذهم، وحال بيننا وبينهم الليل، وأوقِدت النيران على رؤوس الجبال، ومن غد يومنا، فيقع الاستقصاء، وعسكري يتبعني إلى الكَرْخ، وكان وقاعُنا بهم وقتلُنا إياهم خمسين ميلًا، فلم يبق منهم مخبر والحمد لله كثيرًا، فقد وجب الشكر لله علينا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم كثيرًا.\nوكانت الأعراب والأكراد لمّا بلغهم خروجُ المعتضد، تحالفوا أنهم يُقْتَلون على دم واحد، واجتمعوا وعبَّوْا عسكرهم ثلاثة كراديس؛ كردوسًا دون\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤٠) و(١٢/ ٣٣٩).\n(٢) انظر المنتظم (١٢ - ٣٣٩ - ٣٤٠).","vol":"13","page":430},{"text":"كردوس، وجعلوا عيالاتهم وأولادهم في آخر كُردوس، وتقدّم المعتضد عسكره في خيل جربدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق في الزّاب منهم خلق كثير، ثم خرج إلى الموْصِل عامدًا لقلعة ماردِين، وكانت في يد حمدان ابن حمدون، فلمّا بلغه مجيء المعتضد هرب وخلَّف ابنه بها، فنزل عسكر المعتضِد على القَلْعة، فحاربهم مَنْ كان فيها يومَهم ذلك؛ فلمّا كان من الغد ركب المعتضد، فصعد القلعة حتى وصل إلى الباب، ثم صاح: يا بن حمدون! فأجابه: لبيك! فقال له: افتح الباب، ويلك! ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر مَنْ دخل فنقل ما في القلعة من المال والأثاث، ثم أمر بهدمها فهُدمَتْ، ثم وجّه خلْف حمدان بن حمدون، فطُلب أشدّ الطلب، وأخِذَت أموالٌ كانت له مودعة، وجيء بالمال إلى المعتضد، ثم ظُفر به، ثم مضى المعتضد إلى مدينة يقال لها: الحسنيّة، وفيها رجل يقال له: شدّاد في جيش كثيف، ذكر أنهم عشرة آلاف رجل، وكان له قلعة في المدينة فظفِر به المعتضد، فأخذه فهدم قلعته.\nوفيها ورد الخبر من طريق مكة أنه أصاب الناس في المصعد برد شديد ومطر جَوْد وبرد أصيب فيه أكثر من خمسمئة إنسان.\nوفي شوال منها غزا المسلمون الروم، فكانت بينهم الحرب اثني عشر يومًا، فظفِر المسلمون وغنموا غنيمة كثيرة وانصرفوا (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومئتين ذكر الأحداث التي كانت فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>[ذكر أمر النيروز المعتضديّ]</span>\nفمن ذلك ما كان من أمر المعتضد في المحرّم منها بإنشاء الكتب إلى جميع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النيْروز الذي هو نيروز العجم، وتأخير ذلك إلى اليوم الحادي عشر من حزيران، وسمي ذلك النَّيروز المعتضدي، فأنشئت الكتب بذلك من الموْصِل والمعتضد بها، وورد كتابه\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٣٩).","vol":"13","page":431},{"text":"بذلك على يوسف بن يعقوب يعلمه أنه أراد بذلك الترفيه على الناس، والرفْق بهم، وأمر أن يُقْرأ كتابه على الناس، ففعل (١).\n* * *\nوفيها قدم ابن الجصاص من مصر بابنة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون التي تزوّجها المعتضد، ومعها أحد عمومتها، فكان دخوُلهم بغداد يوم الأحد لليلتين خَلَتا من المحرّم، وأدخِلت للحرم ليلة الأحد، ونزلت في دار صاعد بن مخلَد؛ وكان المعتضد غائبًا بالموصل (٢).\nوفيها مُنِع الناس من عمل ما كانوا يعملون في نَيْروز العجم من صبّ الماء ورفع النيران وغير ذلك (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>[ذكر أمر المعتضد مع حمدان بن حمدون]</span>\nوفيها كتب المعتضد من الموْصِل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه؛ فأما إسحاق بن أيوب فسارعَ إلى ذلك، وأما حمدان بن حمدون فتحصّن في قلاعه، وغيّب أمواله وحُرَمه، فوجّه إليه المعتضد الجيوش مع وصيف مُوشْكير ونصر القُشورِيّ وغيرهما؛ فصادفوا الحسن بن عليّ كوره وأصحابه مُنيخين على قَلْعة لحمدان، بموضع يعرف بدير الزعفران من أرض الموصِل، وفيها الحسين بن حمدان، فلما رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين طلب الأمان فأومن، وصار الحسين إلى المعتضد، وسلّم القلعة، فأمر بهدمها، وأغذّ وصيف موشْكير السَّيْر في طلب حمدان، وكان قد صار بموضع يعرف بباسُورين بين دجلة ونهر عظيم، وكان الماء زائدًا، فعبَر أصحاب وصيف إليه ونذر بهم، فركب وأصحابه ودافعوا عن أنفسهم، حتى قتِل أكثرهم، فألقَى حمدان نفسه في زَورق كان معدًّا له في دجلة، ومعه كاتب له نصرانيٌّ يسمى\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤٣).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤٤).","vol":"13","page":432},{"text":"زكرياء بن يحيى، وحمل معه مالًا، وعبر إلى الجانب الغربي من دِجْلة من أرض ديار ربيعة، وقدَّر اللحاق بالأعراب لمّا حِيلَ بينه وبين أكراده الذين في الجائب الشرقيّ، وعبر في أثره نفرٌ يسير من الجند فاقتصّوا أثره، حتى أشرفوا على دير كان قد نزله؛ فلما بَصُر بهم من خرج من الدَّيْر هاربًا ومعه كاتبه، فألقيا أنفسهما في زَوْرق، وخلَّفا المال في الدَّيْر، فحُمل إلى المعتضد، وانحدر أصحاب السلطان في طلبه على الظهر وفي الماء، فلحقوه، فخرج عن الزَّوْرق حاسرًا إلى ضيعة له بشرقيّ دجلة، فركَب دابة لوكيله، وسار ليله أجمع إلى أن وافَى مضرب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضِد، مستجيرًا به، فأحضره إسحاق مضرب المعتضد، وأمر بالاحتفاظ به، وبثّ الخيل في طلب أسبابه، فظفِر بكاتبه وعدّة من قَراباته وغلمانه، وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم في الدّخول في الأمان؛ وذلك في آخر المحرّم من هذه السنة.\n* * *\nوفي شهر ربيع الأول منها قُبِض على بكتمر بن طاشتمر، وقُيِّد وحُبس، وقبِض ماله وضياعه ودوره.\nوفيها نُقلت ابنة خمارويه بن أحمد إلى المعتضد لأربع خَلَوْن من شهر ربيع الآخر، ونُودي في جانبي بغداد ألّا يعبر أحد في دِجْلة يوم الأحد، وغُلِّقت أبواب الدُّروب التي تلي الشطّ، ومُدّ على الشوارع النافذة إلى دِجْلة شراع، ووُكِّل بحافّتي دجْلة مَنْ يمنع أن يظهروا في دورهم على الشطّ.\nفلما صلِّيت العتمة وافت الشَّذَا من دار المعتضد، وفيها خدم معهم الشمع، فوقفوا بإزاء دار صاعد، وكانت أعِدّت أربع حرَّاقات شُدّت مع دار صاعد، فلما جاءت الشذا أحْدِرت الحرّاقات، وصارت الشَّذَا بين أيديهم؛ وأقامت الحُرّة يوم الإثنين في دار المعتضد، وجُليَتْ عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر ربيع الأول (١).\nوفيها شخص المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموالًا لابن أبي دُلف\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤٤).","vol":"13","page":433},{"text":"وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف يطلب منه جوهرًا كان عنده، فوجّه به إليه، وتنحّى من بين يديه.\nوفيها أطلِق لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج المعتضد، وحُمِل على دوابّ وبغال.\nوفيها وجِّهَ يوسف بن أبي الساج إلى الصَّيْمرة مددًا لفتح القلانسيّ، فهرب يوسف بن أبي الساج بمَنْ أطاعه إلى أخيه محمد بالمراغة، ولقي مالًا للسلطان في طريقه فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاِهر:\nإمامَ الهدى أنصارُكم آلُ طاهرٍ ... بلا سبب يُجفوْنَ والدهْرُ يَذهبُ\nوقد خَلطوا صَبرًا بشُكر ورابطوا ... وغيرُهُمُ يُعطَى ويُجبَى ويَهرُبُ\nوفيها وُجِّه المعتضد الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الريّ إلى أبي محمد ابنه.\n* * *\nوفيها وجّه محمد بن زيد العَلَويّ من طَبَرِستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار، ليفرّقها على أهله ببغداد والكوفة؛ ومكة والمدينة، فسُعِي بِه، فأحضر دار بدر، وسُئل عن ذلك، فذكر أن يوجّه إليه في كلّ سنة بمثل هذا المال، فيفرّقه على مَنْ يأمره بالتّفرقة عليه من أهله، فأعلم بدر المعتضد ذلك، وأعلمه أن الرجل في يديه والمال، واستطلع رأيه وما يأمر به.\nفذكر عن أبي عبد الله الحسنيّ أنّ المعتضد قال لبدر: يا بدر، أما تذكر الرؤيا التي خبرّتك بها؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: ألا تذكر أنّي حدّثتك أنّ الناصر دعاني، فقال لي: اعلم أنّ هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل عليّ بن أبي طالب! ثم قال: رأيتُ في النوم كأني خارج من بغداد أريد ناحية النهروان في جيشي، وقد تشوّف الناس إليّ، إذ مررتُ برجل واقف على تلّ يصلي، لا يلتفت إليّ، فعجبت منه ومن قلة اكتراثه بعسكري، مع تشوّف الناس إلى العسكر، فأقبلتُ إليه حتى وقفت بين يديه، فلما فرغ من صَلاته قال لي: أقبل، فأقبلتُ إليه، فقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا عليّ بن أبي طالب؛ خذ هذه المِسْحاة، فاضرب بها الأرض - لمِسحاة بين يديه - فأخذتها فضربت بها ضربات، فقال لي: إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها، فأوصِهم","vol":"13","page":434},{"text":"بولدي خيرًا، قال بدر: فقلت: بلَى يا أمير المؤمنين، قد ذكرت، قال: فأطلِق المال، وأطلق الرجل وتقدّم إليه أن يكتب إلى صاحبه بطَبَرِستان أن يوجه ما يوجه به إليه ظاهرًا، وأن يفرّق محمد بن ورد ما يفرّقه ظاهرًا، وتقدّم بمعونة محمد على ما يريد من ذلك (١).\nوفي شعبان لإحدى عشرة بقيتْ منها، تُوُفِّيَ أبو طلحة منصور بن مسلم في حبس المعتضد.\nوفيها لثمانٍ خلوْن من شهر رمضان منها، وافَى عبيد الله بن سليمان الوزير بغداد قادمًا من الرّيّ، فخلع عليه المعتضد.\nولثمان بقين من شهر رمضان منها، ولدت ناعم جارية أم القاسم بنت محمد بن عبد الله للمعتضد ابنًا سماه جعفرًا، فسمّى المعتضد هذه الجارية شغب.\nوفيها قدم إبراهيم بن أحمد الماذَرائيّ لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة من دمشق على طريق البرّ، فوافَى بغداد في أحد عشرة يومًا، فأخبر المعتضد أن خمارويه بن أحمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه من الخاصّة، وقيل: إن قتله كان لثلاث خلون من ذي الحجة، وقيل إن إبراهيم وافى بغداد من دمشق في سبعة أيام، وقُتِل من خدمه الذّين اتّهموا بقتله نيِّفٌ وعشرون خادمًا (٢).\nوكان المعتضد بعث مع ابن الجصّاص إلى خمارويه بهدايا، وأودعه إليه رسالة، فشخص ابن الجصاص لما وجِّه له، فلما بلغ سامرّا بلغ المعتضد مهلِك خمارويه، فكتب إليه يأمره بالرجوع إليه فرجع، ودخل بغداد لسبع بقين من ذي الحجة.\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤٤).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٤٥).","vol":"13","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2190>ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>[خبر هارون الشاري والظفر به] </span>(١)\nفمن ذلك ما كان من شخوص المعتضِد لثلاثَ عشرة بقيتْ من المحرّم منها - بسبب الشاري هارون - إلى ناحية الموصِل فظفر به، ووَرَد كتابُ المعتضد بظفرِه به إلى مدينة السلام يوم الثلاثاء لتسع خَلَوْن من شهر ربغ الأول، وكان سبب ظفره به أنه وجّه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعة من الفُرسان والرّجّالة من أهل بيته وغيرهم من أصحابه إليه؛ وذُكر أن الحسين بن حمدان قال للمعتضد: إن أنا جئت به إلى أمير المؤمنين فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، فقال: اذكرها، قال: أولها إطلاق أبِي، وحاجتان أسأله إياهما بعد مجيئي به إليه، فقال له المعتضد: لك ذلك فامض، فقال الحسين: أحتاج إلى ثلاثمئة فارس أنتخبهم فوجّه المعتضد معه ثلاثمئة فارس مع موشْكير، فقال: أريد أن يأمره أمير المؤمنين ألّا يخالفَني فيما آمره به، فأمر المعتضد موشْكير بذلك.\nفمضى الحسين حتى انتهى إلى مخاضة دجْلة، فتقدّم إلى وصيف ومَنْ معه بالوقوف على المخاضة، وقال له: ليس لهارون طريق إن هرب غيرُ هذا، فلا تبرحنّ من هذا الموضع حتى يمرّ بك هارون؛ فتمنَعه العبور، وأجيئك أنا، أو يبلغك: أني قد قُتِلت، ومضى حسين في طلب هارون فلقيَه وواقعه، وكانت بينهما قتلى، وانهزم الشاري هَارون، وأقام وصيفٌ على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامُنا بهذا المكان القَفْر، وقد أضرّ ذلك بنا، ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشاري فيكونَ الفتح له دوننا؛ والصواب أن نمضي في آثارهم، فأطاعهم ومضى، وجاء هارون الشاري منهزمًا إلى موضع المخاضة، فعبَر وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفًا وأصحابه بالموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهارون خبرًا، ولا رأى له أثرًا، وجعل يسأل عن خبر هارون حتى وقف على عبوره، فعبَر في أثره، وجاء إلى حيٍّ من أحياء العرب، فسألهم عنه\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٥٩).","vol":"13","page":436},{"text":"فكتموه أمرَه، فأراد أن يُوقع بهم، وأعلمهم أنّ المعتضد في أثره؛ فأعلموه: أنه اجتاز بهم، فأخذ بعض دوابهم، وترك دوابه عندهم - وكانت قد كلَّت وأعيت - واتّبع أثره، فلحقه بعد أيام والشاري في نحو من مئة، فناشده الشاري، وتوعّده، فأبى إلّا محاربته فحاربه؛ فذُكر أن حسين بن حمدان رمى بنفسه عليه، فابتدره أصحاب حسين فأخذوه، وجاء به إلى المعتضد سلمًا بغير عَقْد ولا عهْد، فأمر المعتضد بحلّ قيود حمدان بن حمدون، والتوسعة عليه والإِحسان إليه أن يقدم فيطلقه ويخلع عليه؛ فلما أسر الشاري وصار في يد المعتضد، انصرف راجعًا إلى مدينة السلام، فوافاها لثمان بقين من شهر ربيع الأول، فنزل بباب الشماسيّة، وعبّأ الجيش هنالك، وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان، وطوّقه بطَوْق من ذهب، وخلع على جماعة من رؤساء أهله، وزيِّن الفيل بثياب الدِّيباج، واتُّخذ للشاريّ على الفيل كالمحفّة، وأقعِد فيها، وألبِس درّاعة ديباج، وجَعل على رأسه برنس حرير طويل.\n* * *\nولعشر بقين من جمادى الأولى منها، أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع النواحي بردّ الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث، وصرف عمّالها، فنفذت الكتب بذلك، وقرئت على المنابر (١).\nوفيها خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور، فخالفه رافع بن هرثمة إليها، فدخلها وخطِب بها لمحمد بن زيد الطالبيّ وأبيه، فقال: اللهمّ أصلح الداعي إلى الحق، فرجع عمرو إلى نيسابور، فعسكر خارج المدينة، وخندق على عسكره لعشر خلوْن من شهر ربيع الآخر، فأقام محاصِرًا أهل نيسابور.\nوفي يوم الإثنين لأربع خَلوْن من جمادى الآخرة منها، وافى بغداد محمد بن إسحاق بن كنداجيق وخاقان المفلحيّ ومحمد بن كُمُشْجُور المعروف ببندُقة وبدر بن جُفّ أخو طغج وابن حَسَنج في جماعة من القواد من مصر في الأمان (٢).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٥٩) فقد ذكر ابن الجوزي الخبر وزاد عليه مبينًا العلة في ذلك وهذا يعني أن ابن الجوزي لم يتقيّد بتاريخ الطبري كمصدر رئيس وهذه ليست المرة الأولى.\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٥٩).","vol":"13","page":437},{"text":"وذكر أن سبب مجيئهم إلى المعتضد في الأمان كان أنهم أرادوا أن يفتكوا بجيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، فسُعِي بهم إليه وكان راكبًا، وكانوا في موكبه، وعلِموا أنه قد وقف على أمرهم، فخرجوا من يومهم وسلكوا البريّة، وتركوا أموالهم وأهاليهم، فتاهوا أيامًا، ومات منهم جماعة من العطش، وخرجوا على طريق مكة فوق الكوفة بمرحلتين أو ثلاثة، ووجّه السلطان محمد بن سليمان صاحب الجيش إلى الكُوفة حتى كتب أسماءهم، وأقيمت لهم الوظائف من الكوفة فلما قربوا من بغداد، خرجت إليهم الوظائف والخيم والطعام، ووصلوا إلى المعتضِد يوم دخلوا فخُلع عليهم، وُحمل كلّ قائد منهم على دابّة بسرجه ولجامه، وخُلع على الباقين، وكان عددهم ستين رجلًا.\nوفي يوم السبت لأربع عشرة بقيت منها شخص الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الجَبَل لحرب ابن أبي دُلف بأصبهان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>[خبر حصر الصقالبة القسطنطينية]</span>\nوفيها - فيما ذكر - ورد كتابٌ من طَرَسُوس: أن الصَّقالبة غزت الروم في خلق كثير، فقتلوا منهم وخرّبوا لهم قرىً كثيرة حتى وصلوا إلى قسطنطينية وألجؤوا الرّوم إليها، وأغلقت أبواب مدينتهم، ثم وجّه طاغية الروم إلى ملك الصّقالبة أن ديننا ودينكم واحد؛ فعلام نقتل الرجال بيننا! فأجابه ملك الصقالبة: أن هذا ملك آبائي، ولست منصرفًا عنك إلّا بغلبة أحدنا صاحبه؛ فلما لمْ يجد ملك الرّوم خلاصًا من صاحب الصَّقَالبة، جَمَع من عنده من المسلمين، فأعطاهم السلاح، وسألهم معونتَه على الصّقالبة، ففعلوا، وكشفوا الصقالبة، فلما رأى ذلك ملك الروم خافَهم على نفسه، فبعث إليهم فردّهم، وأخذ منهم السلاح، وفرّقهم في البلدان، حذرًا من أن يجنوا عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>[خلاف جند جيْش بن خمارويه عليه]</span>\nوللنصف من رجب من هذه السنة ورد الخبر من مصر: أن الجند من المغاربة والبربر وثبوا على جيش بن خمارويه، وقالوا: لا نرضى بك أميرًا علينا فتنحّ عنا","vol":"13","page":438},{"text":"حتى نولِّيَ عمَّك، فكلمهم كاتبه عليّ بن أحمد الماذَرائيّ، وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم ذلك، فانصرفوا وعادوا من غد، فعدا جيش على عمه الذي ذكروا أنهم يؤمّرونه، فضرب عنقه وعنق عمَّ له آخر، ورمى بأرؤسهما إليهم، فهجم الجند على جيش بن خمارويه، فقتلوه وقتلوا أمه وانتهبوا دارَه، وانتهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه.\nوفي رجب منها أمر المعتضد بكَرْي دُجَيل والاستقصاء عليه، وقلع صخر في فُوّهته كان يمنع الماء فجُبِيَ لذلك من أرباب الضّياع والإقطاعات أربعة آلاف دينار، وكسر - فيما ذكر - وأنفِق عليه، ووليَ ذلك كاتب زيرك وخادم من خدم المعتضد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2194>[ذكر الفداء بين المسلمين والروم] </span>(١)\nوفي شعبان منها، كان الفداء بين المسلمين والرّوم على يدي أحمد بن طُغان، وذُكر: أن الكتاب الوارد بذلك من طَرَسوس كان فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأعلمك: أن أحمد بن طغان نادى في الناس يحضرون الفداء يوم الخميس لأربع خلون من شعبان سنة ثلاث وثمانين ومئتين، وأنه قد خرج إلى لامس - وهو معسكر المسلمين - يوم الجمعة، لخمس خلوْن من شعبان، وأمر الناس بالخروج معه في هذا اليوم، فصلّى الجمعة، وركب من مسجد الجامع ومعه راغب ومواليه، وخرج معه وجُوه البلد والموالي والقُوّاد والمطوّعة بأحسن زيّ، فلم يزل الناس خارجين إلى لامس إلى يوم الإثنين لثمان خلَوْن من شعبان، فجرى الفداء بين الفريقين اثني عشر يومًا؛ وكانت جملة من فُوِديَ به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمئة وأربعة أنفس، وأطلق المسلمون يوم الثلاثاء لسبع بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم، وأطلق\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٦٠) فقد ذكر الخبر مختصرًا جدًّا.","vol":"13","page":439},{"text":"الرّوم فيه يحيى بن عبد الباقي رسول المسلمين المتوجّه في الفداء، وانصرف الأمير ومَنْ معه.\nوخرج - فيما ذكر - أحمد بن طُغان بعد انصرافه من هذا الفداء في هذا الشهر في البحر، أو خلف دميانة على عمله على طَرَسوس، ثم وجّه بعده يوسف بن الباغمرديّ على طَرَسُوس، ولم يرجع هو إليها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>[ذكر أمر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف وأخيه بكر]</span>\nوفي يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شهر رمضان من هذه السنهْ قُرئ كتاب على المنبر بمدينة السلام في مسجد جامعها، بأن عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف صار إلى بدر، وعبيد الله بن سليمان في الأمان يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سامعًا مطيعًا منقادًا لأمير المؤمنين، مذعنًا بالطاعة والمصير معهما إلى بابه، وأنّ عبيد الله بن سليمان خرج إليه فتلقاه، وصار به إلى مضرب بدر، فأخذ عليه وعلى أهل بيته وأصحابه البَيْعة لأمير المؤمنين، وخلع عليه بدر وعلى الرؤساء من أهل بيته، وانصرفوا إلى مضرِبٍ قد أعِدّ لهم، وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز في الأمان على بدْر وعبيد الله بن سليمان، فولَّيَاه عمل أخيه عمر، على أن يخرج إليه ويحاربه، فلما دخل عمر في الأمان قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في طاعة السلطان؛ وإنما كنا ولَّيناك عمله على أنه عاصٍ، والآن فأمير المؤمنين أَعلَى عَيْنًا فيما يرى من أمركما، فامضيا إلى بابه (١).\nووليَ عيسى النوشريّ أصبهان، وأظهر أنه من قِبَل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز في أصحابه، فكُتب بذلك إلى المعتضد، فكتب إلى بدْر يأمره بالمقام بموضعه إلى أن يعرف خبر بكر وما إليه يصير أمره، فأقام وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان إلى أبي محمد عليّ بن المعتضد بالرَّيّ، ولحق بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف بالأهواز، فوجّه المعتضد في طلبه وصيفًا موشكير، فخرج من بغداد في طلبه حتى بلغ حدود فارس، وقد كان لحقه - فيما\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٦٠) فقد ذكر الخبر مختصرًا جدًّا.","vol":"13","page":440},{"text":"ذكر - ولم يواقعه، وباتا؛ كلّ واحد منهما قريب من صاحبه، فارتحل بكر بالليل فلم يتبعه وصيف، ومضى بكْر إلى أصبهان، ورجع وصيف إلى بغداد فكتب المعتضد إلى بدر يأمره يطلب بكْر وعرَبِه، فتقدّم بدر إلى عيسى النُّوشريّ بذلك، فقال بكر بن عبد العزيز:\nعنِّي مَلَامُك ليس حين مَلَامِ ... هيهاتَ أُحْدِثُ زائدًا لِلُوَامِ\nطارَتْ غَيَاياتُ الصِّبا عن مَفْرقي ... ومضى أوانُ شَراسَتي وعُرَامي\nأَلقى الأَحِبَّةُ بالعراقِ عِصِيَّهْمُ ... وبَقِيتُ نَصْب حوادثِ الأيَّامِ\nوتقَاذَفتْ بأَخي النوى ورمتْ به ... مَرْمَى البعيدِ قطِيعةُ الأَرحام\nوتَشَعَّبَ العربُ الذين تصدَّعوا ... فذَبَبْتُ عن أَحسابِهمْ بحُسامي\nفيه تَماسُك ما وَهَى من أَمرِهمْ ... والسُّمْر عند تصادُمِ الأَقوامِ\nفلأقرَعَنَّ صفاةَ دهرٍ نابهُمْ ... قرْعًا يَهُدّ رواسِيَ الأَعلامِ\nولأضربنَّ الهامَ دونَ حريمِهمْ ... ضَرْبَ القُدَارِ نَقيعةَ القدّام\nولأتركُنَّ الواردينَ حياضَهمْ ... بقَرارة لمواطِئِ الأقدامِ\nيا بدرُ إِنَّكَ لو شهِدتَ مواقفِي ... والمَوتُ يَلحظ والصِّفاحُ دوامي\nلَذَمَمْتَ رأْيكَ في إضاعةِ حُرمَتي ... ولضاقَ ذرْعُك في اطِّراحِ ذمامي\nحرَّكتني بعدَ السكونِ وإنما ... حرّكتَ مِنْ حِصْنِي جبالَ تَهَامِ\nوعَجمْتني فعجمْتَ مني مِرجَمًا ... خَشِنَ المناكب كلَّ يومِ زحامِ\nقلْ للأَميرِ أَبي محمد الذي ... يَجْلو بِغُرَّتِهِ دُجى الإِظلامِ\nأسكنتَني ظِلَّ العلَا فسكنتُهُ ... في عِيشةٍ رَغدٍ وعِزٍّ نامِي\nحتى إذا حُلِّئت عنه نابَنِي ... ما نابني وتنكَّرَتْ أَيامِي\nفلأشكرنَّ جَميلَ ما أوليتَنى ... ما غَرَّدَتْ في الأَيكِ وُرْقُ حمامِ\nهذا أَبو حفص يَدِي وذخِيرتي ... للنائباتِ وعُدَّتي وسَنَامي\nنادَيتُهُ فأجابني، وهَزَزْتهُ ... فهززتُ حَدَّ الصارمِ الصَّمصَامِ\nمن رامَ أن يُغضِي الجفونَ على القَذَى ... أو يَستكِينَ يَرُومُ غير مرام\nويَخيمُ حين يَرَى الأَسِنَة شرَّعًا ... والبِيضَ مُصْلَتَةٌ لضرْبِ الهام\nوقال بكر بن عبد العزيز يذكر هرب النّوشريّ من بين يديه ويعيِّر وصيفًا بالإحجام عنه ويتهدّد بَدْرًا:","vol":"13","page":441},{"text":"قالَتِ البِيض قد تغيّرَ بكرُ ... وبَدَا بعد وصلِه منه هجْرُ\nليس كالسيفِ مونِسٌ حين يَعُرو ... حادثٌ مُعضِلٌ ويَفدَحُ أَمْرُ\nأوقَدوا الحربَ بيننا فاصْطَلَوْها ... ثم حاصُوا، فأَينَ منها المفَرُّ!\nوبغَوْا شَرَّنا فهذا أوانٌ ... قد بدا شَرُّهُ ويتلوه شَرُّ\nقد رأى النوشريُّ لمّا التقَينا ... مَن إِذَا أُشْرعَ الرّماحُ يفِرُّ\nجاء في قَسطَلٍ لُهَامٍ فصُلْنا ... صَولةً دُونها الكمُاة تَهِرُّ\nولواءُ المُؤْشجِير أَفضَى إِلينا ... رُوِّيتْ عند ذاك بِيض وسُمرُ\nغَرَّ بدْرًا حِلمِي وفضلُ أناتِي ... واحتمالي وذاك مما يَغُرُّ\nسوف يَأتينَهْ شواذِبُ قُبٌّ ... لاحقات البطون جُونٌ وشقرُ\nيتبَارَين كالسَّعَالي عليها ... من بني وائل أُسودٌ تَكُرّ\nلست بكرًا إِنْ لم أَدعْهُمْ حديثًا ... ما سرَى كوكب وما كرَّ دَهْرُ\nوفي يوم الجمعة لسبع خَلَوْنَ من شوّال من هذه السنة مات عليّ بن محمد بن أبي الشوارب، فحُمل إلى سامُرّا من يومه في تابوت، وكانت ولايتُه للقضاء على مدينة أبي جعفر ستة أشهر (١).\nوفي يوم الإثنين لأربع بقين من شوّال منها دخل بغداد عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف قادمًا من أصبهان، فأمر المعتضد - فيما ذكر - القوّاد باستقباله، فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقوّاد، وقعد له المعتضد، فوصل إليه، وخلع عليه، وحمله على دابّة بسرْج ولجام محلّىً بذهب، وخلع معه على ابنين له وعلى ابن أخيه أحمد بن عبد العزيز وعلى نفسين من قوّاده، وأنزِل في الدار التي كانتْ لعبيد الله بن عبد الله عند رأس الجسر؛ وكانت قد فُرشت له.\nوفي هذه السنة قرئ على القوّاد في دار المعتضد كتابٌ ورد من عمرو بن الليث الصفار؛ بأنه واقَعَ رافع بن هرثمة وهزمه، وأنه مرّ هاربًا وأنه عزم على أن يتبعه.\nوكانت الوقعة لخمس بقين من شهر رمضان وقرئ الكتاب يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة خَلَتْ من ذي القعدة.\n_________\n(١) لوفاته وترجمته انظر تأريخ بغداد (١٢/ ٦٠).","vol":"13","page":442},{"text":"وفي يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة، وردت خريطة - فيما ذكر - من عمرو بن الليث على المعتضد، وهو في الحلبة، فانصرف إلى دار العامة، وقرئ الكتاب على القوّاد من عمرو بن الليث يُخبر فيه أنه وجّه في أثر رافع بعد الهزيمة محمد بن عمرو البلخيّ مع قائد آخر من قوّاده، وقد كان رافع صار إلى طوس فواقعوه، فانهزم واتبعوا أثرَه، فلحق بخُوارزم، فقتِل بخُوارزم، فأرسل بخاتمه مع الكتاب، وذكر أنه قد حمّل الرسول في أمر الرأس ما يُخبر به السلطان.\nوفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة منها قُرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nفمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن هرثمة في يوم الخميس لأربع خلوْن من المحرّم على المعتضد، فأمر بنصبه في المجلس بالجانب الشرقيّ إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربيّ، ونصبه هنالك إلى الليل، ثم ردّه إلى دار السلطان، وخُلع على الرسول وقت وصوله إلى المعتضد بالرأس (١).\nوفي يوم الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمة بين راغب ودميانة بطرَسوس، وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن راغبًا مولى الموفّق ترك الدعاء لخمارويه بن أحمد، ودعا لبدر مولى المعتضد، فوقع بينه وبين أحمد بن طُغان الخلاف؛ فلما انصرف ابن طغان من الفداء الذي كان في سنة ثلاث وثمانين ومئتين ركب البحر ولم يدخل طَرَسوس، ومضى وخلّف دميانة للقيام بأمر طَرَسوس؛ فلما كان في صفر من هذه السنة، وجّه يوسف بن الباغمرديّ ليخلفه على طَرَسوس؛ فلما دخلها وقوِيَ به دميانة، كرهوا ما يفعله راغب من الدعاء\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٠).","vol":"13","page":443},{"text":"لبدر، فوقعت بينهم الفتنة، وظفر بهم راغب، فحمل دميانة وابن الباغمرديّ وابن اليتيم مقيّدين إلى المعتضد.\nولعشر بقين من صفر في يوم الإثنين من هذه السنة وردت خريطة من الجبل؛ بأن عيسى النُّوشريّ أوقع ببكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف في حدود أصبَهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، وأفلت في نفر يسير.\nوفي يوم الخميس لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول منها، خُلع على أبي عمر، يوسف بن يعقوب، وقُلِّد قضاءَ مدينة أبي جعفر المنصور مكان علي بن محمد بن أبي الشوارب، وقضاء قطربُّل ومَسْكِن وبُزُرْجَسَابور والرذانيْن، وقعد للخصوم في هذا اليوم في المسجد الجامع، ومكثت مدينة أبي جعفر من لدن مات ابن أبي الشوارب إلى أن وليَها أبو عمر بغير قاض، وذلك خمسة أشهر وأربعة أيام (١).\nوفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلتْ منه في هذه السنة، أخِذ خادم نصرانيّ لغالب النصرانيّ متطبّب السلطان يقال له: وَصيف، فرُفع إلى الحبس، وشُهد عليه أنه شتم النبيّ - ﷺ - فحبِس، ثم اجتمع من غد هذا اليوم ناس من العامَّة بسبب هذا الخادم، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحدّ عليه، بسبب ما شُهد عليه؛ فلما كان يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت منه اجتمع أهلُ باب الطاق إلى قنطرة البَرَدان وما يليها من الأسواق، وتداعَوْا، ومضوا إلى باب السلطان، فلَقيَهم أبو الحسين بن الوزير، فصاحوا به، فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد، فكذَّبوه وأسمعوه ما كره، ووثبوا بأعوانه ورجاله حتى هربوا منهم، ومضوْا إلى دار المعتضد بالثريَّا، فدخلوا من الباب الأول والثاني فمُنِعوا من الدخول، فوثبوا على مَنْ منعَهم، فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم، فأخبروه، فكتب به إلى المعتضد، فأدخِل إليه منهم جماعة، وسألهم عن الخبر فذكروه له، فأرسل معهم خفيفًا السمرقنديَّ إلى يوسف القاضي، وتقدم إلى خفيف أن يأمر يوسف بالنَّظر في أمر الخادم، وأن يُنهِيَ إليه ما يقف عليه من أمره، فمضى معهم خفيف إلى يوسف، فكادوا يقتلونه ويقتلون يوسف لمَّا\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٠).","vol":"13","page":444},{"text":"دخلوا عليه ممَّا ازدحموا، حتى أفلت يوسف منهم، ودخل بابًا وأغلقه دونهم، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذِكْر، ولا كان للعامَّة في أمره اجتماع (١).\nوفي هذا الشهر من هذه السنة قدم - فيما ذكر - قوم من أهل طَرَسوس على السلطان يسألونه أن يولِّي عليهم والٍ، ويذكرون أن بلدهم بغير والٍ؛ وكانت طرسوس قبل في يدي ابن طولون، فأساء إليهم، فأخرجوا عامله عن البلد، وراسلهم في ذلك، ووعدهم الإحسان، فأبوا أن يتركوا له غلامًا يدخل بلدهم، وقالوا: مَنْ جاءنا من قبَلك حاربناه، فكف عنهم.\nوفي يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - فيما ذكر - ظهرت ظلمة بمصر، وحُمرة في السماء شديدة؛ حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر، فيراه أحمر، وكذلك الحيطان وغير ذلك، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله ويتضرعون إليه (٢).\nوفي يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من جمادى الأولى، ولإحدى عشرة ليلة خلت من حَزِيران، نُودي في الأرباع والأسواق ببغداد بالنَّهي عن وقود النيران ليلة النيروز، وعن صبّ الماء في يومه، ونُودي بمثل ذلك في يوم الخميس، فلمَّا كان عشيّة يوم الجمعة نودي على باب سعيد بن يكسين صاحب الشرطة بالجانب الشرقيّ من مدينة السلام بأنّ أمير المؤمنين قد أطلق للناس في وقود النيران وصبّ الماء، ففعلت العامة من ذلك ما جاوز الحدّ، حتى صبّوا الماء على أصحاب الشرطة في مجلس الجسر - فيما ذكر (٣).\nوفيها أغريَت العامة بالصّياح بمن رأوْا من الخدم السود: يا عقيق، فكانوا يغضبون من ذلك، فوجَّه المعتضد خادمًا أسود عشيَّة الجمعة برقعة إلى ابن حمدون النديم؛ فلما بلغ الخادم رأسَ الجسر من الجانب الشرقيّ صاح به صائح من العامة: يا عقيق! فشتم الخادم الصائح وقنَّعه، فاجتمعت جماعة من العامة على الخادم فنكسوه وضربوه، وضاعت الرقعة التي\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٠).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧١).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧١).","vol":"13","page":445},{"text":"كانت معه، فرجع إلى السلطان فأخبره بما صنع به، فأمر المعتضد طريفًا المخلديّ الخادم بالركوب والقبض على كلِّ مَنْ تولَّع بالخادم وضربه بالسياط، فركب طريف يوم السبت لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى في جماعة من الفرسان والرجَّالة، وقدَّم بين يديه خادمًا أسود؛ فصار إلى باب الطاقِ لِمَا أمِر به من القبض على من صاح بالخادم: يا عقيق، فقبض فيما ذكر بباب الطاق على سبعة أنفس؛ ذكِر أن بعضهم كان بِزِّيًّا؛ فضُرِبوا بالسياط في مجلس الشرطة بالجانب الشرقيّ وعبَر طريف فمضى إلى الكرْخ، ففعل مثل ذلك، وأخذ خمسة أنفس فضربهم في مجلس الشرطة بالشرقيَّة، وحُمِل الجميع على جمال، ونودي عليهم: هذا جزاء مَنْ أولِع بخدم السلطان، وصاح بهم: يا عقيق، وحبسوا يومهم، وأطلِقوا بالليل.\nوفي هذه السنة عَزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يُقرَأ على الناس، فخوّفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إلى ذلك من قوله (١).\nوذُكر أن أول شيء بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدّم إلى العامة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان، إلا أن يُسْألوا عن شهادة إن كانت عندهم، وبمنع القُصّاص من القعود على الطرقات، وعمِلت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام في الأرباع والمحالّ والأسواق، فقرِئت يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ثمَّ مُنِع يوم الجمعة لأربع بقين منها القصّاص من القعود في الجامعيْن، ومُنع أهل الحلق في الفتيا أو غيرهم من القعود في المسجدين، ومُنِع الباعة من القعود في رحابهما.\nوفي جمادى الآخرة نودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاصّ أو غيره، ومنِع القصاص وأهل الحلَق من القعود (٢).\nوفي يوم الحادي عشر - وذلك يوم الجمعة - نُودي في الجامعيْن بأنّ الذمة بريَّة\n_________\n(١) انظر تعليقنا (١٠/ ٦٣/ ٦٩٠).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٢).","vol":"13","page":446},{"text":"ممنَ اجتمع من الناس على مناظرة أو جدل، وأن من فعل ذلك أحلّ بنفسه الضرب، وتقدم إلى الشرّاب والذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحَّموا على معاوية، ولا يذكروه بخير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>[ذكر كتاب المعتضد في شأن بني أمية] </span>(١)\nوتحدَّث الناس أن الكتاب الذي أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر، فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يُقرأ.\nفذُكر: أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر لإِنْشائه بلعْن معاوية، فأخرِج له من الدّيوان، فأخِذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وذكر: أنَّ نسخة الكتاب الذي أنشئ للمعتضد بالله:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله العليّ العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المتفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته وحكمته؛ الذي يعلم سوابقَ الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافيةٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرّة في السموات العُلا، ولا في الأرضين السفلى؛ قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا، وضرب لكل شيء أمدًا، وهو العليم الخبير، والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعة مطيعهم، وماضي أمره في عصيان عاصيهم؛ فبيَّن لهم ما يأتون وما يتَّقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذَّرهم مسالك الهَلَكة، وظاهَر عليهم الحجَّة، وقدَّم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم، وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعُروته أولياءَه وأهلَ طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له أعداءَه وأهلَ معصيته، ليهلك مَنْ هَلَكَ عن بينة، ويحيَا مَن حيّ عن بينِّة، وإن الله لسميع عليم، والحمد لله الذي اصطفى محمدًا رسوله من جميع بريَّته،\n_________\n(١) انظر تعليقنا في نهاية هذا الخبر (١٠/ ٦٣/ ٦٩٠).","vol":"13","page":447},{"text":"واختار لرسالته، وابتعثه بالهدى والدّين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذّن له بالنصر والتمكين، وأيده بالعزّ والبرهان المتين، فاهتدى به مَن اهتدى، واستنقذ به مَن استجاب له من العمى، وأضلّ من أدبر وتولَّى، حتى أظهر الله أمرَه، وأعزّ نصرَه، وقهر مَنْ خالفه، وأنجز له وعده، وختَم به رسله، وقبضه مؤدّيًا لأمره، مبلِّغًا لرسالته، ناصحًا لأمته، مرضيًا مهتديًا إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين، وعباده الفائزين؛ فصلِّ اللهم عليه أفضل صلاة وأتمَّها، وأجلَّها وأعظمَها، وأزكاها وأطهرها وعلى آله الطيبين.\nوالحمدُ لله الذي جعل أمير المؤمنين وسلفه خلفاء خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين بالدّين والمقوّمين لعباده المؤمنين، والمستحفَظين ودائع الحكمة، ومواريث النبوة، والمستخلَفين في الأمة، والمنصورين بالعزّ والمنعة، والتأييد والغلبة؛ حتى يظهر الله دينَه على الدّين كله ولو كره المشركون.\nوقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعةٌ من العامة من شُبْهة قد دخلتهم في أديانهم، وفساد قد لحِقهم في معتَقدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتُهم، على غير معرفة ولا رويّة، وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بَيِّنَةٍ ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة، إلى الأهواء المبتدعة، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، خروجًا عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة وإيثارًا للفرقة، وتشتيتًا للكلمة وإظهارًا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبَتَرَ منه العصمة، وأخرجه من الملة، وأوجب عليه اللعنة، وتعظيمًا لمن صغّر الله حقه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه، من بني أمية الشجرة الملعونة، ومخالفةً لمن استنقَذهم الله به من الهَلكة، وأسبغ عليهم به النّعمة؛ من أهل بيت البركة والرحمة، قال الله ﷿: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فأعظم أميرُ المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى في ترك إنكاره حرَجًا عليه في الدين، وفسادًا لمن قلّده الله أمره من المسلمين، وإهمالًا لمَا أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجة على الشاكّين، وبسْط اليد على المعاندين.","vol":"13","page":448},{"text":"وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله ﷿ لمّا ابتعث محمدًا بدينه، وأمره أن يصدَع بأمره، بدأ بأهله وعشيرته، فدعاهم إلى ربه، وأنذرهم وبشَّرهم، ونصحَ لهم وأرشدهم، فكان من استجاب له وصدّق قولَه، واتّبع أمره نفرٌ يسير من بني أبيه، من بين مؤمنٍ بما أتى به من ربِّه، وبين ناصر له وإن لم يتّبع دينَه؛ إعزازًا له، وإشفاقًا عليه، لماضي علم الله فيمن اختار منهم، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإِرْث نبيّه؛ فمؤمنهم مجاهد بنُصرته وحميّته، يدفعون مَنْ نابذَه، وينهرون مَنْ عارَّه وعانده، ويتوثَّقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له مَنْ سمح بنصرته، ويتجسَّسون له أخبار أعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأى العين؛ حتى بلغ المدَى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله، والإيمان به، بأثبت بصيرة، وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيتِ الرّحمة، وأهل بيت الدين - أذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرًا - ومعدن الحكمة، وورثة النبوّة وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة.\nوكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العددُ الأكثر، والسواد الأعظمُ؛ يتلقّوْنَه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذيّة والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه مَنْ قصده، وينالون بالتعذيب مَن اتّبعه، وأشدُّهم في ذلك عداوةً وأعظمهم له مخالفة، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصَبَة، لا يُرفع على الإِسلام رايةٌ إلا كان صاحبها وقائدها ورئيَسها، في كلّ مواطن الحرب، من بدر وأحُد والخندق والفتح. . . أبو سفيان بن حَرْب وأشياعه من بني أمية، الملعونين في كتاب الله، ثمَّ الملعونين على لسان رسول الله في عدّة مواطن، وعدّة مواضع، لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مجاهدًا، ودافع مكابدًا، وأقام منابذًا حتى قهره بالسيف، وعلا أمر الله وهم كارهون؛ فتقوَّل بالإِسلام غير منطوٍ عليه، وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله - ﷺ - والمسلمون، وميز له المؤلفة قلوبُهم، فقبله وولده على علم منه؛ فممّا لعنهم الله به على لسان نبيه - ﷺ -، وأنزل به كتابًا قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، ولا اختلاف بين أحد أنَّه أراد بها بني أميّة.","vol":"13","page":449},{"text":"ومنه قول الرسول ﵇ وقد رآه مقبلًا على حمارٍ ومعاوية يقوُد به ويزيد ابنه يسوق به: \"لعن الله القائد والرّاكب والسائق\". ومنه ما يرويه الرّواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. وهذا كفر صُراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ومنه ما يروون من وقوفه على ثنيّة أحُد بعد ذَهَاب بصره، وقوله لقائده: هاهنا ذببْنا محمدًا وأصحابه، ومنه الرؤيا التي رآها النبي - ﷺ - فوجَم لها، فما رُئي ضاحكًا بعدها، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ فذكروا أنَّه رأى نفرًا من بني أمية ينزون على منبره. ومنه طرد رسول الله - ﷺ - الحكم بن أبي العاص لحكايته إياه. وألحقه الله بدعوة رسوله آيةً باقية حين رآه يتخلّج، فقال له: \"كن كما أنت\"، فبقيَ على ذلك سائر عمره، إلى ما كان من مروان في افتتاحه أوّل فتنة كانت في الإِسلام، واحتقابه لكلّ دم حرام سُفِك فيها أو أريق بعدها.\nومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من مُلْك بني أمية. ومنه أن رسول الله - ﷺ - دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه، فدافع بأمره، واعتلّ بطعامه، فقال النبيّ: \"لا أشبع اللهُ بطنه\"، فبقى لا يشبع، ويقول: والله ما أترك الطعام شبعًا؛ ولكن إعياء. ومنه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يطلع من هذا الفجّ رجلٌ من أمتي يُحشر على غير ملتي\" فطلع معاوية. ومنه أن رسول الله - ﷺ -، قال: \"إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه\". ومنه الحديث المرفوع المشهور أنَّه قال: \"إن معاوية في تابوت من نار في أسفل دَرك منها ينادِي: يا حنّان يا منّان، الآن وقد عصيتُ قبلُ وكنتُ من المفسدين.\nومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإِسلام مكانًا وأقدمهم إليه سبقًا، وأحسنهم فيه أثرًا وذكرًا؛ عليّ بن أبي طالب، ينازعه حقه بباطله، ويجاهد أنصاره بضُلَّاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه، من إطفاء نور الله وجحود دينه، ويأبى الله إلا أن يُتمّ نوره ولو كره المشركون، يستهوى أهلَ الغباوة، ويموّه على أهل الجهالة بمكرِه وبغيه، الذين قدّم رسول الله - ﷺ - الخبر عنهُما، فقال لعمار: \"تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار\"، مؤثرًا للعاجلة، كافرًا بالآجلة، خارجًا من رِبْقة","vol":"13","page":450},{"text":"الإِسلام، مستحلًا للدّم الحرام، حتى سفك في فتنته، وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عددُه من خيار المسلمين الذابّين عن دين الله والناصرين لحقه، مجاهدًا لله، مجتهدًا في أن يُعصى الله فلا يُطاع، وتُبطَل أحكامه فلا تُقام، ويُخالَف دينه فلا يُدان، وأن تعلوَ كلمة الضلالة، وترتفع دعوة الباطل؛ وكلمة الله هي العليا، ودينه المنصور، وحكمه المتّبع النافذ، وأمره الغالب، وكيد من حادّه المغلوب الدَّاحض؛ حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتّبعها، وتطوّق تلك الدماء وما سُفك بعدها، وسنَّ سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها؛ واغترّه الإملاء، واستدرجه الإمهال، والله له بالمرصاد.\nثمَّ مما أوجب الله له به اللعنة قتلُه مَنْ قتل صبرًا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة؛ مثل عمرو بن الحَمِق وحُجْر بن عديّ، فيمن قتل [من] أمثالهم، في أن تكون له العزّة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].\nومما استحقّ به اللعنة من الله ورسوله ادّعاؤه زيادَ بن سُميّة، جرأةً على الله؛ والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، ورسول - ﷺ -، يقول: \"ملعون مَن ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه\"، ويقول: \"الولد للفِراش وللعاهر الحجر\"، فخالف حكم الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ - جهارًا، وجعل الولد لغير الفراش، والعاهر لا يضرّه عهرُه، فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أمّ حبيبة زوجة النبيّ - ﷺ - وفي غيرها من سُفور وجوه ما قد حرّمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الإِسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهُه.\nومنه إيثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمِّير، صاحب الدّيوك والفهود والقُرود، وأخذُه البيعة له على خيار المسلمين بالقَهْر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يعلم سفَهه، ويطّلع على خبثه ورَهقه، ويعاين سكَرَانه وفجورَه وكفره، فلما تمكن منه ما مكّنه منه، ووطَّأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلبَ بثأرات المشركين وطوائِلهم عند المسلمين،","vol":"13","page":451},{"text":"فأوقع بأهل الحَرّة الوقيعة التي لم يكن في الإِسلام أشنعُ منها ولا أفحش؛ ممَّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عَبَد نفسه وغليله، وظن أنَّه قد انتقم من أولياء الله، وبلّغ النَّوى لأعداء الله، فقال مجاهرًا بكفره ومظهرًا لشركه:\nليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأَسلْ\nقد قتلنا القَوْم من ساداتكمْ ... وعَدلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ\nفأَهَلَّوا واستهلُّوا فرحًا ... ثمَّ قالوا: يا يزيد لا تُسَلْ\nلسْتُ من خِندفَ إِن لم أنتقم ... من بني أَحمدَ ما كان فعلْ\nوَلِعَتْ هاشِمُ بالمُلكِ فلا ... خبرٌ جاءَ، ولا وحيٌ نزَلْ\nهذا هو المروقُ من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله.\nثمَّ مِنْ أغلظ ما انتهك، وأعظم ما اخترم سفكهُ لم الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - مع موقِعه من رسول الله - ﷺ - ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله - ﷺ - له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على الله، وكفرًا بدينه، وعداوةً لرسوِله، ومجاهدةً لعترته، واستهانةً بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قومًا من كُفَّار أهل الترك والدّيلم، لا يخاف من الله نقمةً، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمرَه، واجتثّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدّله من عذابه وعقوبته ما استحقَّه من الله بمعصيته.\nهذا إلى ما كان من بني مَرْوان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه، واتّخاذ مال الله دُولًا بينهم، وهَدْم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيقَ عليه، ورميهِم إياه بالنِيران، لا يألون له إحراقًا وإخرابًا، ولما حرّم الله منه استباحة وانتِهاكًا، ولمن لجأ إليه قتلًا وتنكيلًا، ولمن أمَّنهُ الله به إخافة وتشريدًا؛ حتى إذا حُقّت عليهم كلمة العذاب، واستحقُّوا من الله الانتقام، وملؤوا الأرض بالجوْر والعُدوان، وعمُّوا عباد الله بالظلم والاقتسار، وحلَّت عليهم السخطة، ونزلت بهم من الله السَّطْوة، أتاح الله لهم من عِتْرة نبيِّه، وأهل وراثته مَن استخلصهم منهم بخلافته، مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين، فسفك الله بهم دماءَهم مرتدّين، كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين؛ وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين،","vol":"13","page":452},{"text":"ومكن الله المستضعفين، وردَّ الله الحق إلى أهله المستحقين، كما قال جل شأنه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥].\nواعلموا أيها الناس، أنّ الله ﷿ إنما أمر ليُطاع، ومثّل ليتمثَّل، وحكم ليُقبَل، وألزم الأخذ بسنة نبيه - ﷺ - ليُتَّبع؛ وإن كثيرًا ممّن ضلّ فالتوى، وانتقل من أهل الجهالة والسَّفَاه ممنّ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؛ وقد قال الله ﷿: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢].\nفانتهوا معاشر الناس عما يُسخط الله عليكم؛ وراجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوْا من الله بما اختار لكم، والزموا ما أمركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتَّبعوا الصراط المستقيم، والحجة البيّنة، والسبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة؛ الذين هداكم الله بهم بديئًا، واستنقَذكم بهم من الجوْر والعُدوان أخيرًا، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعزّ بدولتهم، وشملكم الصلاح في أديانكم ومعايشكم في أيامهم، والعنوا مَنْ لعنه الله ورسوله، وفارِقوا مَنْ لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته.\nاللهم العن أبا سفيان بن حرب، ومعاوية ابنه، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم وولده، اللهم العن أئمة الكفر، وقادة الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول، ومغيِّري الأحكام، ومبدّلِي الكتاب، وسفَّاكِي الدّم الحرام.\nاللهم إنَّا نتبرّأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك، كما قلتَ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].\nيا أيها الناس، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأمَّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلَها، فإنَّه إنما يبين عن الناس أعمالُهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم؛ فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلنّ بكم عن دين الله استهواء مَنْ يستهويكم وكيدُ مَنْ يكيدكم، وطاعة من تُخرجكم طاعته إلى معصية ربِّكم.\nأيها الناس، بنا هداكم الله، ونحن المستحفَظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله، فقفوا عندما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به؛","vol":"13","page":453},{"text":"فإنكم ما أطعتم خلفاءَ الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى؛ فأمير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم، وفي حفظ دينه عليكم؛ حتى تلقوه به مستحقين طاعته، مستحقين لرحمته، والله حسْب أمير المؤمنين فيكم، وعليه توكله، وبالله على ما قلَّده من أموركم استعانتُه، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم.\nوكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنة أربع وثمانين ومئتين.\nوذكر: أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يُعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد؛ فمضى يوسف بن يعقوب، فكلّم المعتضد في ذلك، وقال له: يا أمير المؤمنين؛ إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة! فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعتُ سيفي فيها. فقال: يا أميرَ المؤمنين، فما تصنع بالطالبيِّين الَّذين هم في كل ناحية يخرجون، ويميلُ إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم؛ وفي هذا الكتاب إطراؤهم، أو كما قال، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميَل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد فلم يردّ عليه جوابًا، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء (١).\n_________\n(١) هذا خبر باطل متنًا وسندًا - فقد:\n١ - ذكره الطبري بلا إسناد وهذا أمر في غاية الخطورة ولو كان صحيحًا لتناقله العلماء والرواة في ذلك العصر وما أكثرهم.\n٢ - ومما يكشف زيف هذا الخبر ما جاء في أوله من أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية فأخرج له من الديوان. اهـ.\nومثل هذا لم يقع البتة من المأمون وحتى الروايات الضعيفة لم تذكر هذا الكتاب عن المأمون علمًا بأن المأمون كان من علماء عصره فقد اهتم بتدوين العلوم المختلفة فكيف لم يذكر التاريخ شيئًا عن كتابه هذا في عهده حتى مرّ على وفاته أكثر من قرن من الزمان؟ !\n٣ - إن قراءة متأنيةً لمضمون هذه الرسالة تؤكد أن الذي كتبه صاحب بدعة مُغالٍ في بعضه لأصحاب النبي - ﷺ - فلم يدع خبرًا منكرًا في ذم سيدنا معاوية إلا وذكره هنا أضف إلى ذلك تفسير الآيات القرآنية تفسيرًا باطلًا لم يذكره كتاب من كتب التفسير المعتمدة عند أهل السنة والجماعة وهي أحاديث باطلة في ذم معاوية كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى [البداية والنهاية ٨/ ٢٦٠] سوى حديث واحد هو قوله ﵊ لا أشبع الله بطنه - فذلك من مناقبه فلو تذكرنا سبب ورود هذا الحديث لعلمنا أنَّه - ﵁ - كان من كتاب الحديث =","vol":"13","page":454},{"text":"وفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من رجب منها شخص جعفر بن بَغلاغز إلى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخِلَع ولواء لولايته على الريّ وهدايا من قبَل المعتضد.\nوفي هذه السنة لحق بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف بمحمد بن زيد العَلَوِيّ بطبرستان، فأقام بدر وعبيد الله بن سليمان ينتظران أمرَ بكر إلامَ يؤول وعلى إصلاح الجبل.\nوفيها - فيما ذكر - فُتِحت من بلاد الروم قرّة، على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب، وذلك في يوم الجمعة من رجب.\nوفي ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من شعبان - أو ليلة الخميس فيما ذكر - ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثرَيَّا، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه الشخص بالسَّيف ضربة قطع بها منطقته، ووصل السيف إلى بدن الخادم، ورجع الخادم منصرفًا عنه هاربًا، ودخل الشخص في زرع في البستان، فتوارى فيه، فطُلب باقي ليلته ومن غد، فلم يوقف له على أثر، فاستوحش المعتضد لذلك، وكثَّر الناس في أمره رجمًا بالظنون، حتى قالوا: إنه من الجنّ، ثمَّ عاد هذا الشخص للظهور بعد ذلك مرارًا كثيرة، حتى وكّل المعتضد بسور داره، وأحكم السور ورأسه، وجعل عليه كالبرابخ؛ لئلا يقع عليه الكُلَّاب إن رُمِيَ به، وجيء باللصوص من الحبس ونوظروا في ذلك، وهل يمكن أحد الدخول إليه بنقب أو تسلُّق.\n_________\n= وقد قال ﵊ هذا القول (أو الدعاء) في حقه لمّا تأخر عن المجيء يومًا من الأيام لكتابة الآيات القرآنية المنزلة.\nأضف إلى ذلك فإن الرسول ﵊ قد طلب من الله ﷾ أن يجعل ما دعا به على أحدٍ من أصحابه (يومًا ما) بركة وخيرًا ويبدله بالفضل والنعمة (معنى قول النبي - ﷺ - لا لفظه) وهذا يعني أن هذا الدعاء عاد بركة على سيدنا معاوية - ﵁ - وثالثًا فإن عدم الشيع من صفات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فهم لا يشبعون إذا أكلوا والسعيد من قلّدهم وسار على طريقتهم وسنتهم في أمور الحياة كلها - ألا رضي الله عن سيدنا معاوية الذي بايعه المسلمون جميعًا عام الجماعة وكان قبلها كاتبًا للوحي وقائدًا فاتحًا أيام الخلافة الراشدة وخليفة للمسلمين عقدين من الزمان.","vol":"13","page":455},{"text":"وفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان من هذه السنة، وجَّه كرامة بن مُرّ من الكوفة بقوم مقيَّدين، ذكر أنهم من القرامطة، فأقرّوا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنَّه كان يكاتبهم، وأنه أحد رؤسائهم، فقبض على أبي هاشم، وقيِّد وحبس في المطامير (١).\nوفي يوم السبت لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنة جُمع المجانين والمعزّمون، ومُضِيَ بهم إلى دار المعتضد في الثريَّا بسبب الشَّخص الذي كان يظهر له، فأدخِلوا الدار، وصعِد المعتضد عِلِّيّةً له، فأشرف عليهم؛ فلما رآهم صرِعت امرأة كانت معهم من المجانين واضطربت، وتكشَّفت فضجر وانصرف عنهم، ووهب لكلّ واحد منهم خمسةَ دراهم - فيما ذكر - وصُرفوا.\nوقد كان وجّه إلى المعزّمين قبل أن يشرف عليهم مَن يسألهم عن خبر الشخص الذي ظهر له: هل يمكنهم أن يعلموا علمه؟ فذكر قومٌ منهم أنهم يعزّمون على بعض المجانين، فإذا سقط سأل الجنِّيّ عن خبر ذلك الشخص وما هو، فلما رأى المرأة التي صُرعت أمر بصرفهم.\nوفي ذي القعدة منها ورد الخبر من أصبهان بوثوب الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم الموكَّل كان به فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أخذه فقيَّده، وحمله إلى قلعة لآل أبي دلف بالزّزّ، فحبسه فيها، وكان كلّ ما لآل أبي دُلف من مال ومتاع نفيس وجوهر في القَلْعة، وشفيع مولاهم موكّل بحفظ ذلك وحفظ القلعة، ومعه جماعة من غلمان عمر وخاصّته، فلما استأمن عمر إلى السلطان، وهرب بكر عاصيًا للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع، فكلَّمه أبو ليلى في إطلاقه فأبى، وقال: لا أفعل فيك وفيما في يدي إلا بما يأمرني به عمر.\nفذكر عن جارية لأبي ليلى أنها قالت: كان مع أبي ليلى في الحبس غلامٌ صغير يخدُمه، وآخر يخرج ويدخل في حوائجه ولا يبيت عنده، ويبيت عنده الغلام الصغير، فقال أبو ليلى لغلامه الذي يخرج في حوائجه: احتلْ لي في مِبْرد تدخله إليّ، ففعل وأدخله في شيء من طعامه، وكان شفيع الخادم يجيء في كل ليلة إذا\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٢).","vol":"13","page":456},{"text":"أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى حتى يراه، ثمَّ يقفل عليه باب البيت هو بيده ويمضي فينام، وتحت فراشه سيف مسلول، وكان أبو ليلى قد سأل أن تُدخَل إليه جارية، فأدخِلت إليه جارية حدَثة السنِ، فذكر عن ذلفاء جارية أبي ليلى عن هذه الجارية أنها قالت: بَردَ أبو ليلى المسمار الذي في القيد، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء، قالت: وجاء شفيع الخادم عشيَّةٌ من العشايا إلى أبي ليلى، فقعد معه يحدّثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحًا، ففعل، ثمَّ قام الخادم لحاجته، قالت: فأمرني أبو ليلى، ففرشتُ فراشه، فجعل عليه ثيابًا في موضع الإنسان من الفراش، وغطى على الثياب باللِّحاف، وأمرني أن أقعد عند رِجْل الفراش، وقال لي: إذا جاء شفيع لينظر إليّ ويقفل الباب، فسألك عنِّي فقولي: هو نائم، وخرج أبو ليلى من البيت، فاختفى في جوف فرش ومتاع في صُفَّة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش، وسأل الجارية فأخبرتْه أنَّه قد نام، فأقفل الباب، فلمَّا نام الخادم ومَنْ معه في الدار التي في القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع، وشدّ عليه فقتله، فوثب الغلمان الذين كانوا ينامون حوله فزعين، فاعتزلهم أبو ليلى والسيف في يده، وقال لهم: أنا أبو ليلى قد قتلتُ شفيعًا، ولئن تقدم إليّ منكم أحد لأقتلنَّه وأنتم آمنون؛ فاخرجوا من الدار حتى أكلِّمَكم بما أريد، ففتحوا باب القلعة، وخرجوا وجاء حتى قعد على باب القلعة، واجتمع الناس ممَّن كان في القلعة فكلَّمهم ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الأيْمان، فلمَّا أصبح نزل من القَلْعة، ووجَّه إلى الأكراد وأهل الزّموم، فجمعهم وأعطاهم، وخرج مخالفًا على السلطان، وقيل: إن قتله الخادم كان في ليلة السبت لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة، وقيل: إنه ذبح الخادم ذبحًا بسكِين كان أدخلها إليه غلامه، ثمَّ أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به إلى الغلمان.\nوفي هذه السنة - وهي سنة أربع وثمانين ومئتين - كان المنجّمون يوعدون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأنّ إقليم بابل لا يسلم منه إلا اليسير، وأنّ ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون والآبار، فقحط الناس فيها فلم يروْا فيها من المطر إلا اليسير، وغارت المياه في الأنهار، والعيون والآبار،","vol":"13","page":457},{"text":"حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات (١).\nولليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة كانت - فيما ذكر - وقعة بين عيسى النُّوشريّ وبين أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه - فيما ذكر - فنحره، فسقط عن دابّته، وانهزم أصحابه، وأخِذ رأسه فحُمِل إلى أصبهان.\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشميّ المعروف بأترجَّة (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>ثمَّ دخلت سنة خمس وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مُدرك الطائيّ في جماعة من طَيّئ على الحاجّ بالأجفُر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة بَقيتْ من المحرم، فحاربه الجنّيّ الكبير، وهو أمير القافلة، فظفِر الأعراب بالقافلة؛ فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتِّجارات، وأخذوا جماعة من النِّساء الحرائر والمماليك، وقيل إنّ ذلك الذي أخذوا من الناس بقيمة ألفي ألف دينار (٣).\nولسبع بقين من المحرم منها قُرئ على جماعة من حاجّ خُراسان في دار المعتضد بتولية عمرو بن الليث الصّفَّار ما وراء نهر بلخ، وعزل إسماعيل بن أحمد عنه (٤).\nولخمس خلون من صفر منها ورد مدينة السلام وصيف كامه مع جماعة من القوّاد من قِبَل بدر مولى المعتضد وعبيد الله بن سليمان من الجبل، معهم رأس الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلف المعروف بأبي ليلى، فمضوا به إلى دار\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٤).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٧).\n(٤) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٧).","vol":"13","page":458},{"text":"المعتضد بالثريَّا، فاستوهبه أخوه فوهبه، واستأذنه في دفنه فأذن له، وخلع على عمر بن عبد العزيز، في هذا اليوم وعلى جماعة من القواد القادمين.\nوفيها - فيما ذكر - كتب صاحب البريد من الكُوفة، يذكر أن ريحًا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة في ليلة الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل، فلم تزل إلى وقت صلاة المغرب، ثمَّ استحالت سوداءَ فلم يزل الناس في تضرّع إلى الله.\nوإنّ السماء مطرت بعقب ذلك مطرًا شديدًا برعود هائلة وبروق متّصلة، ثمَّ سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ ونواحيها حجارة بِيض وسود مختلفة الألوان، في أوساطها ضَغطة شبه أفهار العطارين، فأنفذ منها حَجَرًا، فأخرِج إلى الدواوين والناس حتى رأوه (١).\nولتسع بَقين منه شخص ابن الإخشاد أميرًا على طَرَسوس من بغداد مع النَّفر الذين كانوا قدموا منها يسألون أن يولَّى عليهم وال.\nوخرج أيضًا في هذا اليوم من بغداد فاتك مولى المعتضد للنَّظر في أمور العمَّال بالموصل وديار ربيعة وديار مضر والثغور والشامية والجزرية وإصلاح الأمور بها إلى ما كان يتقلده من أعمال البريد بهذه النواحي.\nوفي هذه السنة ورد الخبر - فيما ذُكر - من البصرة أن ريحًا ارتفعت بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل صفراء، ثمَّ استحالت خضراء ثمَّ سوداء، ثمَّ تتابعت الأمطار بما لم يروْا مثلَها، ثمَّ وقع بردٌ كبار كان وزن البَرَدَة الواحدة مئة وخمسين درهمًا - فيما قيل - وأن الريح أقلعت من نهر الحسين خمسمئة نخلة وأكثر، ومن نهر معقل مئة نخلة عددًا (٢).\nوفيها كانت وفاة الخليل بن ريمال بحُلوان.\nولخمس خلوْن من جُمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان أن بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف تُوُفِّيَ بطبَرِستان من علَّة أصابته، ودفن هنالك. فأعطى الذي جاء بالخبر - فيما ذكر - ألف دينار.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٧).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٨).","vol":"13","page":459},{"text":"وفيها ولّى المعتضد محمَّد بن أبي الساج أعمال أَذْربيجان وأرمينية، وكان قد تغلَّب عليها وخالف، وبعث إليه بخلع وحُملان.\nوفيها ورد الخبر لثلاث خلوْن من شعبان أنّ راغبًا الخادم مولى الموفَّق غزا في البحر، فأظفره الله بمراكب كثيرة، وبجميع مَنْ فيها من الرُّوم، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الرّوم الذين كانوا في المراكب، وأحرق المراكب، وفتح حصونًا كثيرة من حصون الروم، وانصرفوا سالمين (١).\nوفي ذي الحجَّة منها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عيسى بن شيْخ وقيام ابنه محمَّد بن أحمد بن عيسى بما كان في يد أبيه بآمِد، وما يليها على سبيل التغلب.\nولإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة منها خرج المعتضد من بغداد قاصدًا إلى آمد، وخرج معه ابنه أبو محمَّد والقوّاد والغلمان، واستخلف ببغداد صالحًا الأمين الحاجب، وقلَّده النَّظر في المظالم وأمر الجسرين وغير ذلك (٢).\nوفيها وجَّه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومَنْ معه من قوّاد المصريين إلى المعتضد وضيفَ قاطرميز، يسألونه مقاطعتَهم عمَّا في أيديهم من مصر والشام، وأجرى هارون على ما كان يجري عليه أبوه، فقدم وصيف بغداد، فردّه المعتضد، ووجَّه معه عبد الله بن الفتح ليشافههم برسائل، ويشترط عليهم شروطًا، فخرجا لذلك في آخر هذه السنة.\nوفيها غزا ابن الأخشاد بأهل طَرَسُوس وغيرهم في ذي الحجة، وبلغ سَلَنْدُو.\nوفتِح عليه، وكان انصرافه إلى طرسوس في سنة ست وثمانين ومئتين.\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشمي (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٨).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٩).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٣٧٩).","vol":"13","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2199>ثمَّ دخلت سنة ست وثمانين ومئتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه محمَّد بن أبي الساج ابنه المعروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينةً بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم - فيما ذكر - يوم الثلاثاءِ، لسبع خلوْن من المحرّم منها، معه هدايا من الدوابّ والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد.\nوفي شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر أنّ المعتضد بالله وصل إلى آمد، فأناخ بجنده عليها، وأغلق محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينة آمد، وعلى من فيها من أشياعه. ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم، وذلك لأيام بقيَتْ من شهر ربيع الأوّل، ثمَّ جرت بينهم حروب، ونَصب عليهم المجانيق، ونَصب أهل آمد على سورهم المجانيق، وتراموْا بها (١).\nوفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى وجَّه محمَّد بن أحمد بن عيسى إلى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الأمان، فأجابه إلى ذلك، فخرج محمَّد بن أحمد بن عيسى في هذا اليوم ومَنْ معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعدّ لهم، وتحوّل المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره؛ وكتب بذلك كتابًا إلى مدينة السَّلام مؤرَّخًا بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الأولى. ولخمس بقين من جمادى الأولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام، وقرئ على المنبر بالجامع.\nوفيها انصرف عبد الله بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد من مصر بأجوبة كتُبه إلى هارون بن خمارويه، وأعلمه أنّ هارون قد بذل أن يسلّم أعمال قِنَّسرين العواصم، ويحمل إلى بيت المال ببغداد في كلّ سنة أربعمئة ألف وخمسين ألف دينار، وأنه يسأل أن يجدّد له ولاية على مصر والشام، وأن يوجَّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك، فأجابه إلى ما سأل، وأنفذ إليه بدرًا القداميّ\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٩٨).","vol":"13","page":461},{"text":"وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد إلى مصر بذلك، وتسلم عمّال المعتضد أعمال قِنَّسرين والعواصم من أصحاب هارون في جُمادى الأولى، وأقام المعتضد بآمد بقيّة جُمادى الأولى وثلاثة وعشرين يومًا من جُمادى الآخرة. ثمَّ ارتحل منها يومَ السَّبت لسبع بَقين منها نحو الرقة، وخلَّف ابنه عليًّا بآمد مع جيوش ضمَّهم إليه لضبط الناحية وأعمال قِنَّسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مُضر. وكان كاتب عليّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النّصرانيّ، وقلد الحسين بن عمرو النظر في أمور هذه النواحي ومكاتبة العمّال بها، وأمر المعتضد بهدم سور آمِد فهُدم (١).\nوفيها وافتْ هدية عمرو بن الليث الصفّار من نيسابور إلى بغداد، فكان مبلغ المال الذي وجّهه أربعة آلاف ألف درهم، وعشرين من الدوابّ، وبسروج ولُجم محلّاة مغرّقة ومئة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب وبُزاة، وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة (٢).\nوفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنّابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة؛ وكان خروجه - فيما ذُكر - في أول السنة، وكثر أصحابه في جمادى الآخرة، وقويَ أمرُه، فقتل من حوله من أهل القرى، ثمَّ صار إلى موضع يقال له القَطيف، بينه وبين البصرة مراحل، فقتَل مَنْ بها. وذكر أنَّه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ - وكان يتقلّد معاون البصرة وكور دجلة في ذلك الوقت - إلى السلطان بما اتَّصل به من عَزْم هؤلاء القرامطة؛ فكتب إليه وإلى محمَّد بن هشام المتولِّي أعمال الصّدقات والخراج والضياع بها، في عمل سور على البصرة، فقُدّرت النفقة على ذلك أربعة عشر ألف دينار، فأمر بالإنفاق عليه فُبنِي (٣).\nوفي رجب من هذه السنّة صار إلى الأنبار جماعة من أعراب بني شَيْبان، فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشي. فخرج إليهم أحمد بن محمَّد بن كُمُشْجور المتولّي المعاون بها، فلم يُطقهم. فكتب إلى\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٣٩٨).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٤٠٠).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٤٠٢).","vol":"13","page":462},{"text":"السلطان يخبره بأمورهم. فوجّه من مدينة السلام نفيسًا المولديّ وأحمد بن محمَّد الزَّرَنْجيّ والمظفر بن حاج مددًا له في زُهاء ألف رجل؛ فصاروا إلى موضع الأعراب، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبة من الأنبار، فهزمهم الأعراب، وقتلوا أصحابَهم وغَرِق أكثرهم في الفرات، وتفرّقوا. فورد كتاب ابن حاجّ يوم الإثنين لستّ بقين من رجب بخبر هذه الوقعة وهزيمة الأعراب إيامهم، فأقام الأعراب يعيثُون في الناحية، ويتخفّرون القرى، فكُتب إلى المعتضد بخبرهم، فوجّه إليهم لقتالهم من الرّقة العباس بن عمرو الغَنَوي وخفيفًا الأذكوتكينيّ وجماعة من القوّاد. فصار هؤلاء القوّاد. إلى هيت في آخر شعبان من هذه السنة.\nوبلغ الأعرابَ خبرُهم، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجّهوا نحو عين التّمر، فنزلوها ودخل القواد الأنبار فأقاموا بها، وعاث الأعراب بعين التّمر ونواحي الكوفة؛ مثل عيثهم بنواحي الأنبار، وذلك بقية شعبان وشهر رمضان.\nوفيها وجّه المعتضد إلى راغب مولى أبي أحمد وهو بَطَرسُوس، يأمره بالمصير إليه بالرّقة، فصار إليه وهو بها، فلمّا وصل إليه تركه في عسكره يومًا ثمَّ أخذه من الغد فحبسه؛ وأخذ جميع ما كان معه؛ وورد الخبر بذلك مدينة السلام يوم الإثنين لتسع خلوْن من شعبان، ثمَّ مات راغب بعد أيام، وقُبض على مكنون غلام راغب وعلى أصحابه، وأخذ ماله بَطرَسُوس يوم الثلاثاء لستّ بقين من رجب، وكان المتولِّي أخذهم ابن الإخشاد.\nولعشر بَقين من شهر رمضان منها وجّه المعتضد مؤنسًا الخازن إلى الأعراب بنواحي الكوفة وعين التَّمر، وضمّ إليه العباس بن عمرو وخفيفًا الأذكوتكينيّ وغيرهما من القوّاد، فسار مؤنس ومَنْ معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوَي، فوجد الأعراب قد ارتحلوا عن موضعهم، ودخل بعضهم إلى برّيّة طريق مكة وبعضهم إلى برّية الشام، فأقام بموضعه أيامًا، ثمَّ شخص إلى مدينة السلام.\nوفي شوال منها قلّد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمدَ بن داود بن الجراح، وعُزل عنه أحمد بن محمَّد بن الفرات، وقُلِّد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وعُزِل عنه ابن الفرات.\n* * *","vol":"13","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2200>ثمَّ دخلت سنة سبع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعة من أهله وتقييده إياهم، وحبسه لهم في دار ابن طاهر؛ وذلك أنَّه صار بعض أقربائه - فيما ذُكر - إلى عبيد الله بن سليمان، فأعلمه أنّ محمدًا أجمع على الهرب في جماعة من أصحابه وأهله. فكتب بذلك عُبيد الله إلى المعتضد، فكتب إليه المعتضد يأمره بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الأربعاء لأربع خلوْن من المحرم منها.\nوفي هذا الشهر من هذه السنة ورد كتاب أبي الأغرّ على السلطان أنّ طيئًّا تجمّعت له، وحشدوا واستعانوا بمَنْ قدروا عليه من الأعراب، واعترضوا قافلة الحاج، فواقعوهم لمّا جاوزوا المعدن منصرفين إلى مدينة السلام من مكة ببضعة عشر ميلًا، وأقبل إليهم فرسان الأعراب ورجّالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وإبلهم؛ وكانت رَجّالتهم أكثرَ من ثلاثة آلاف، فالتحمت الحرب بينهم، ولم تزَل الحرب بينهم يومهم أجمع، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجّة، فلما جنّهم الليل باينوهم؛ فلمّا أصبحوا غادوْهم الحرب غداةَ يوم الجمعة إلى انتصاف النهار. ثمَّ أنزل الله النصر على أوليائه وولّى الأعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرّقهم، وأنه سار هو وجميع الحاجّ سالمين، وأنفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى، وهو أحد وجوه بني عمه والمتولّي للقبض على صالح بن مدرك.\nوفي يوم السبت لثلاث بقين من المحرم وافى الأغرّ مدينة السلام، وبين يديه رأس صالح بن مدرك، ورأس جحنْشَ، ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أسارى من بني عمّ صالح، فمضى إلى دار المعتضدِ، فخلِع عليه، وطُوّق بطوْق من ذهب، ونُصِبت الرؤوس على رأس الجسر الأعلى بالجانب الشرقيّ، وأدخِل الأسرى المطامير.\nولأربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزّهه ببرَاز الرّوز إلى","vol":"13","page":464},{"text":"بغداد، وأمر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الرّوز، فحمل إليه الآلات، وابتدأ في عمله (١).\nوفي شهر ربيع الأوّل منها غَلُظ أمر القرامطة بالبحرين، فأغاروا على نواحي هَجَر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ يسأل المددَ، فوجّه إليه في آخر هذا الشهر بثماني شَذوَات، فيها ثلاثمئة رجل، وأمر المعتضد باختيار جيش لينفذه إلى البصرة (٢).\nوفي يوم الأحد لعشرٍ خلوْن من شهر ربيع الآخر، فقد بدر مولى المعتضد في داره، ونظر في أمور الخاصّة والعامة من الناس والخراج والضياع والمعاون.\nوفي يوم الإثنين لإحدى عشرِة خلتْ من شهر ربيع الآخر، مات محمَّد بن عبد الحميد الكاتب المتولي ديوان زمام المشرق والمغرب.\nوفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه ولّى جعفر بن محمَّد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه إلى الديوان وقعد فيه.\nوفي شهر ربيع الآخر منها ولّى المعتضدُ عبّاس بن عمرو الغَنَويّ اليمامة والبحرين ومحاربة أبي سعيد الجنّابيّ ومَنْ معه من القرامطة، وضمّ إليه زُهاء ألفيْ رجل، فعسكر العبّاس بالفِرْكِ أيامًا حتى اجتمع إليه أصحابُه، ثمَّ مضى إلى البصرة، ثمَّ شخص منها إلى البحرين واليمامة (٣).\nوفيها - فيما ذُكر - وافي العدوّ باب قلمية من طَرَسُوس، فنفر أبو ثابت وهو أمير طَرَسُوس بعد موت ابن الإخشاد - وكان استخلفه على البلد حين غزا - فمات وهو على ذلك؛ فبلغ في نفيره إلى نهر الرَّيحَان في طلب العدوّ، فأسرَ أبو ثابت وأصيب الناس؛ فكان ابن كلوب غازيًا في درب السلامة؛ فلمّا قفل من غَزاته جَمع المشايخ من أهل الثغر ليتراضوا بأمير يلي أمورَهم، فاتّفق رأيُهم على عليّ بن الأعرابيّ، فولّوه أمرهم بعد اختلاف من ابن أبي ثابت.\nوذكر أن أباه استخلفه، وجمع جمعًا لمحاربة أهل البلد حتى توسّط الأمرَ ابن\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤١١).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٤١١).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٤١١).","vol":"13","page":465},{"text":"كلوب، فرضي ابن ثابت؛ وذلك في شهر ربيع الآخر، وكان النُّغيْل حينئذ غازيًا ببلاد الروم، فانصرف إلى طَرَسُوس، وجاء الخبر أن أبا ثابت حُمِل إلى القسطنطينية من حصن قونِيَة، ومعه جماعة من المسلمين.\nوفي شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذي كان إليه المعاون بديار ربيعة، فقلِّد ما كان إليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.\nوفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جُمادى الأولى، ورد كتاب - فيما ذكر - على السلطان بأنّ إسماعيل بن أحمد أسرَ عمرًا الصفار، واستباح عسكره، وكان من خبر عمرو وإسماعيل، أن عمرًا سأل السلطانَ أن يولِّيَه ما وراء النهر، فولّاه ذلك، ووجّه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع، واللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل بن أحمد: إنك قد وليت دنيا عريضة، وإنما في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر؛ فاقنع بما في يدك، واتركني مقيمًا بهذا الثغر. فأبى إجابَته إلى ذلك؛ فذُكر له أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال: لو أشاء أن أسكره ببدَرِ الأموال وأعبره لفعلتُ؛ فلما أيس إسماعيل من انصرافه عنه جمع مَنْ معه والتّنّاء والدّهاقين، وعَبر النهر إلى الجانب الغربيّ؛ وجاء عمرو فنزلَ بَلْخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصَر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة - فيما ذكر - فأبى إسماعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هُزم عمرو فولّى هاربًا، ومرّ بأجمة في طريقه، قيل له: إنها أقرب، فقال لعامّة مَنْ معه: امضُوا في الطريق الواضح. ومضى في نفر يسير، فدخل الأجَمَة، فوحلت دابّتُه؛ فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى مَن معه. ولم يلوُوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل، فأخذوه أسيرًا. ولما وصل الخبرُ إلى المعتضد بما كان من أمر عمرو وإسماعيل، مدح إسماعيل - فيما ذكر - وذمّ عمرًا.\nولليلة بقيتْ من جُمادى الأولى من هذه السنة، ورد الخبر على السلطان أن وصيفًا خادم ابن أبي الساج، هرب من بَرْذَعة، ومضى إلى مَلَطْية مراغمًا لمحمد بن أبي الساج في أصحابه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يولّيه الثغور، ليقوم بها، فكتب إليه المعتضد يأمره بالمصير إليه، ووجّه إليه رشيقًا الحرميّ.\nولسبع خلوْن من رَجب من هذه السنة تُوفّيتْ ابنة خَمارويه بن أحمد بن","vol":"13","page":466},{"text":"طولون. زوجة المعتضد، ودفِنت داخل قصر الرصافة.\nولعشر خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة أنفس وجّههم وصيف خادم ابن أبي الساج إلى المعتضد، يسأله أن يوَلِّيَه الثغور. ويوجّه إليه الخلع، فذكر أنّ المعتضد أمر بتقرير الرُّسل بالسبب الذي من أجله فارق وصيف صاحبَه ابن أبي الساج، وقصد الثغور، فقُرِّروا بالضرب، فذكروا أنَّه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنَّه متى صار إلى الموضع الذي هو به متى لحق به صاحبه، فصارا جميعًا إلى مُضَر وتغليا عليها، وشاع ذلك في الناس وتحدّثوا به.\nولإحدى عشرة خلتْ من رَجب من هذه السنة وُلِّي حامد بن العباس الخراج والضّياع بفارس؛ وكانت في يد عمرو بن الليْث الصفار، ودُفعت كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس، وكان حامد مقيمًا بواسط، لأنه كان يليها وكور دجلة، وكتب إلى عيسى النُّوشريّ وهو بإصبهان بالمصير إلى فارس واليًا على معونتها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>[خروج العباس بن عمرو الغنويّ من البصرة]</span>\nوفي هذه السنة كان خروج العباس بن عمرو الغَنَويّ - فيما ذكر - من البصرة بمن ضُمّ إليه من الجند، مع من خَفّ معه من مطوَّعة البصرة نحو أبي سعيد الجنّابي ومَن انضوى إليه من القَرامطة، فلقيَهم طلائع لأبي سعيد، فخلّف العباس سوادَه، وسار نحوهم، فلقي أبا سعيد ومَنْ معه مساء، فتناوشوا القتال، ثمَّ حجز بينهم الليل، فانصرف كلّ فريق منهما إلى موضعهم. فلمّا كان الليل انصرف مَن كان مع العباس من أعراب بني ضَبّة - وكانوا زهاء ثلاثمئة - إلى البصرة، ثم تبعهم مطّوعّة البصرة؛ فلما أصبح العباس غادى القرامطةَ الحرب، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. ثمَّ إنَّ صاحب ميسرة العباس - وهو نجاح غلام أحمد بن عيسى بن شيخ - حمل في جماعة من أصحابه زُهاء مئة رجل على ميمنة أبي سعيد، فوغَلُوا فيهم، فقتِل وجميعُ من معه، وحَمَل الجنّابي وأصحابه على أصحاب العباس، فانهزموا، فاستأسر العباس، وأسر من أصحابه زُهاء سبعمئة رجل، واحتوى الجنّابي على ما كان في عسكر العباس؛ فلما كان من غد يوم","vol":"13","page":467},{"text":"الوقعة أحضر الجنابيّ من كان أسر من أصحاب العباس، فقتلهم جميعًا، ثمَّ أمر بحطب فطرِح عليهم، وأحرقهم.\nوكانت هذه الوقعة - فيما ذكر - في آخر رجب، وورد خبرها بغداد لأربع خلون من شعبان.\n* * *\nوفيها - فيما ذكر - صار الجنّابيّ إلى هَجَر، فدخلها وآمن أهلها؛ وذلك بعد منصرفه من وقعة العباس، وانصرفَ فَلُّ أصحاب العباس بن عمرو يريدون البصرة، ولم يكن أفلت منهم إلَّا القليل بغير أزواد ولاكسًا، فخرج إليهم من البصرة جماعة بنحو من أربعمئة راحلة، عليها الأطعمة والكسا والماء، فخرج عليهم - فيما ذكر - بنو أسد، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة ممن كان مع تلك الرواحل ومن أفلت من أصحاب العبّاس؛ وذلك في شهر رمضان؛ فاضطربت البصرة لذلك اضطرابًا شديدًا وهمُّوا بالانتقال عنها، فمنعهم أحمد بن محمَّد الواثقي المتولّي لمعاونها من ذلك، وتخوّفوا هجومَ القرامطة عليهم.\nولثمان خَلَوْن من شهر رمضان منها - فيما ذكر - وردت خريطة على السلطان من الأبُلّة بموافاة العباس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وأن أبا سعيد الجنّابيّ أطلقه وخادمًا له.\nولإحدى عشرة خلتْ من شهر رمضان، وافَى العباس بن عمرو مدينة السلام، وصار إلى دار المعتضد بالثّريا، فذُكر أنَّه بقي عند الجنّابيّ أيامًا بعد الوقعة، ثمَّ دعا به، فقال له: أتحبّ أن أطلقك؟، قال: نعم، قال: امض وعرِّف الذي وجّه بك إلى ما رأيت. وحمله على رواحل، وضمّ إليه رجالًا من أصحابه، وحمّلهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء، وأمر الرجال الذين وجّههم معه أن يؤدّوه إلى مأمنه، فساروا به حتى وصل إلى بعض السواحل فصادف به مركبًا، فحمله فصار إلى الأبلّة، فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله.\nوفي يوم الخميس لإحدى عشرة خلتْ من شوّال ارتحل المعتضد من مَضْرَبه","vol":"13","page":468},{"text":"بباب الشمَاسية في طلب وصيف خادم ابن أبي الساج، وكتم ذلك، وأظهر أنَّه يريد ناحية ديار مُضَر.\nوفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلتْ منه، ورد الخبر - فيما ذُكر - على السلطان أن القرامطة بالسواد من أهل جُنُبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائي، فقتلوا من المسلمين جمعًا فيهم النساء والصبيان، وأحرقوا المنازل.\nولأربع عشرة خلت من ذي القعدة نزل المعتضد كنيسة السوداء في طلب وصيف الخادم، فأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، حتى تلاحق به الناس، وأراد الرحيل في طريق المصِّيصة، فأتته العيون أنّ الخادم يريد عين زربة، فأحضر الركّاضة الثغريّين وأهل الخبرة، فسألهم عن أقصد الطريق إلى عين زربة، فقطعوا به جيحان غداة الخميس لسبع عشرة خلت من ذي القعدة، فقدّم ابنه عليًّا ومعه الحسن بن علي كوره، وأتبعه بجعفر بن سِعْر، ثمَّ أتبع جعفرًا محمَّد بن كُمُشْجور، ثمَّ أتبعه خاقان المفلحيّ، ثمَّ مؤنس الخادم، ثمَّ مؤنس الخازن، ثمَّ مضى في آثارهم مع غلمان الحجر، ومرّ بعين زَرْبة؛ وضرب له بها مضرب، وخلّف بها خفيفًا السَّمْرقنديّ مع سواده، وسار هو قاصدًا للخادم في أثر القوّاد، فلما كان بعد صلاة العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم، ووافوْا به المعتضد، فسلمه إلى مؤنس الخادم وهو يومئذ صاحب شرطة العسكر، وأمر ببذل الأمان لأصحاب الخادم والنّداء في العسكر ببراءة الذمّة ممن وُجد في رحله شيء من نهب عسكر الخادم، ولم يردّه على أصحابه؛ فردّ الناس على كثير منهم ما انتهبوا من عسكرهم. وكانت الوقعة وأسرُ وصيف الخادم - فيما قيل - يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة، وكان من اليوم الذي ارتحل المعتضد فيه من مضربه بباب الشماسيّة إلى أن قبض على الخادم ستة وثلاثون يومًا.\nولما قبض المعتضد على الخادم انصرف - فيما ذكر - إلى عين زربة، فأقام بها يومين، فلمّا كان في صبيحة الثالث؛ اجتمع إليه أهل عين زربة، وسألوه أن يرحل عنهم لضيق الميرة ببلدهم، فرحل عنها في اليوم الثالث، فنزل المصّيصة بجميع عساكره إلَّا أبا الأغرّ خليفة بن المبارك؛ فإنَّه كان وجّهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلّا يصير إلى مَرْعش، وناحية مَلْطَية، وكان الخادم قد أنفذ عياله وعيال أصحابه إلى مرعش وبلغ أصحاب الخادم الذين كانوا قد هربوا ما بذَل لهم","vol":"13","page":469},{"text":"المعتضد من الأمان، وما أمر بردّه عليهم من أمتعتهم، فلحقوا بعكسر المعتضد داخلين في أمانه. وكان نزول المعتضد بالمصّيصة - فيما قيل - يوم الأحد لعشر بقين من ذي القعدة، فأقام بها إلى الأحد الآخر، وكتب إلى وجوه أهل طَرَسُوس في المصير إليه، فأقبلوا إليهم منهم النُّغيل - وكان من رؤساء الثغر - وابن له، ورجل يقال له ابن المهندس، وجماعة معهم، فحبس هؤلاء مع آخرين، وأطلق أكثرهم. فحمل الذين حبسهم معه إلى بغداد، وكان قد وجَد عليهم لأنهم - فيما ذكر - كانوا كاتبوا وصيفًا الخادم، وأمر المعتضد بإحراق جميع المراكب البحرية التي كان المسلمون يغزون فيها وجميع آلاتها.\nوذكر أن دميانة غلام يازمان هو الذي أشار عليه لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، فأحرق ذلك كله، وكان في المراكب نحو من خمسين مركبًا قديمًا قد أنفق عليها أموالٌ جليلة لا يُعمل مثلها في هذا الوقت فأحرقت، فأضرّ ذلك بالمسلمين، وكسر ذلك في أعضادهم، وقويَ به الروم، وأمنوا أن يُغْزوا في البحر. وقلّد المعتضد الحسنَ بن علي كورة الثغور الشأمية بمسألة من أهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه، ورحل المعتضد - فيما قيل - من المصِّيصة فنزل فُندُق الحسين، ثمَّ الإسكندرية، ثمَّ بَغْراس ثمَّ أنطاكية، لليلتين خلتا من ذي الحجة. فأقام بها إلى نحَر، وبكّر في ثاني النحر بالرحيل، فنزل أرتاحَ ثمَّ الأثارب ثمَّ حلب، فأقام بها يومين، ثمَّ رحل إلى الناعورة، ثمَّ إلى خُساف، وصفِّين هناك في الجانب الجَزَري، وبيت مال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - ﵁ - في الجانب الآخر، ثمَّ إلى يالس، ثمَّ إلى دَوْسر، ثمَّ إلى بطن دامان، ثمَّ إلى الرّقة، فدخلها لثمان بقين من ذي الحجة، فأقام بها إلى أن بقيَ ليلتان منه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>[ذكر الخبر عن مقتل محمَّد بن زيد العلويّ] </span>(١)\nولخمس بقين من شوّال ورد الخبر على السلطان بأن محمَّد بن زيد العلويّ قتِل.\n_________\n(١) لوفاة محمَّد بن زيد العلوي (أمير طبرستان) انظر تاريخ الإِسلام (حوادث ووفيات ٢١٨ - ٢٩٠ هـ) والبداية والنهاية [٨/ ٢٦٣].","vol":"13","page":470},{"text":"* ذكر الخبر عن سبب مقتله:\nذُكر: أن محمَّد بن زيد خرج لمّا اتصل به الخبر عن أسر إسماعيل بن أحمد عمرَو بن الليث توجَّه في جيش كثيف نحو خراسان طامعًا فيها، ظنًّا منه أنّ إسماعيل بن أحمد لا يتجاوز عمله الذي كان يتولّاه أيام ولاية عمرو بن الليث الصفّار خراسان، وأنه لا دافع له عن خراسان، إذ كان عمرو قد أسِر، ولا عامل للسلطان به؛ فلما صار إلى جُرجان له واستقرّ به، كتب إليه يسأله الرجوع إلى طَبرستان، وترك جرجان له، فأبى ذلك عليه ابنُ زيد، فندب إسماعيل - فيما ذكر لي - خليفةً كان لرافع بن هرثمة أيام ولاية رافع خراسان يُدعى محمَّد بن هارون، لحرب محمَّد بن زيد، فانتدب له، فضمّ إليه جمعًا كثيرًا من رجاله وجنده، ووجّهه، إلى ابن زيد لحربه، فشخص محمَّد بن هارون نحو ابن زيد، فالتقيا على باب جُرجان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عسكر محمَّد بن هارون.\nثمَّ إن محمَّد بن هارون رجع، وقد انتقضت صفوف العَلَويّ، فانهزم عسكر محمَّد بن زيد، وولَّوْا هاربين، وقُتِل منهم - فيما ذكر - بشر كثير، وأصابت ابن زيد ضربات، وأسر ابنه زيد، وحوى محمَّد بن هارون عسكره وما كان فيه. ثمَّ مات محمَّد بن زيد بعد هذه الوقعة بأيام من الضَّربات التي كانت فيه، فدُفن على باب جرجان، وحُمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد، وشخص محمَّد بن هارون إلى طبرستان.\nوفي يوم السبت لاثنتي عشرة خلتْ من ذي القعدة أوقع بدر غلام الطائيّ بالقرامطة على غرّة منهم بنواحي روذميستان وغيرها، فقتَل منهم - فيما ذكر - مقتلة عظيمة، ثمَّ تركهم خوفًا على السّواد أن يخرب؛ إذ كانوا فلّاحيه وعماله، وطلب رؤساءهم في أماكنهم، فقتل مَنْ ظفر به منهم؛ وكان السلطان قد قوَّى بدرًا بجماعة من جنده وغلمانه بسببهم للحدث الذي كان منهم.\nوحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤١٢).","vol":"13","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2203>ثمَّ دخلت سنة ثمان وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من ورود الخبر على السلطان - فيما ذكر - بوقوع الوباء بأذْرَبيجان، فمات منه خلْق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفّنون به الموتى، فكفِّنوا في الأكسية واللبود، ثمَّ صاروا إلى أن لم يجدوا مَن يدفن الموتى، فكانوا يتركونهم مطروحين في الطرق (١).\nوفيها دخل أصحاب طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث فارس، وأخرجوا منها عمّال السلطان، وذلك لاثنتي عشرة بقيت من صفر منها.\nوفيها تُوفِّيَ محمَّد بن أبي الساج الملقب بأفشين بأذْرَبيجان، فاجتمع غلمانه وجماعة من أصحابه، فأمّروا عليهم ديوداد بن محمَّد، واعتزلهم يوسف بن أبي الساج على الخلاف لهم.\nولليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر ورد كتاب صاحب البريد بالأهواز، يذكر فيه أن أصحاب طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث صاروا إلى سَنبيل يريدون الأهواز.\nوفي أول جمادى الأولى أدخل عمرو بن الليث عبدُ الله بن الفتح - الموجّه كان إلى إسماعيل بن أحمد - بغداد وأشناس غلام إسماعيل بن أحمد. وذُكر لي أنّ إسماعيل بن أحمد خيَّره بين المقام عنده أسيرًا وبين توجيهه إلى باب أمير المؤمنين، فاختار توجيهه فوجّهه.\nولليلتين خَلتَا من جمادى الآخرة، ورد - فيما ذُكر - كتاب صاحب بريد الأهواز منها، يذكر أن كتاب إسماعيل بن أحمد ورد على طاهر بن محمَّد بن عمرو يعلمه أن السلطان ولّاه سجستان، وأمره بالخروج إليها، وأنه خارج إليه إلى فارس ليوقِع به، ثمَّ ينصرف إلى سجستان، وأنّ طاهرًا خرج لذلك، وكتب\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤١٦).","vol":"13","page":472},{"text":"إلى ابن عمّه وكان مقيمًا بأرّجان في عسكره يأمره بالانصراف إليه إلى فارس بمن معه.\nوفيها ولّى المعتضد مولاه بدرًا فارس، وأمره بالشخوص إليها لمّا بلغه من تغلّب طاهر بن محمَّد عليها، وخلع عليه لتسع خلوْن من جمادى الآخرة، وضمّ إليه جماعةً من القوّاد، فشخص في جيش عظيم من الجند والغلمان.\nولعشر خلوْن من جمادى الآخرة منها خرج عبد الله بن الفتح وأشناس غلام إسماعيل إلى إسماعيل بن أحمد بن سامان بِخِلعٍ من المعتضد حَمَلها إليه، وببَدنَة وتاج وسيف من ذهب مركّب على جميع ذلك جوهر، وبهدايا وثلاثة آلاف ألف درهم، يفرّقها في جيش من جيوش خُراسان، يوجَّه إلى سِجِسْتَان لحرب مَنْ بها من أصحاب طاهر بن محمَّد بن عمرو.\nوقد قيل: إن المال الذي وجّهه إليه المعتضد كان عشرة آلاف ألف درهم، وجّه ببعض ذلك من بغداد، وكتب بباقيه على عمّال الجبل، وأمِرُوا أن يدفعوه إلى الرُّسل.\nوفي رجب منها وصل بدر مولى المعتضد إلى ما قرب من أرض فارس، فتنحّى عنها مَنْ كان بها من أسباب طاهر بن محمَّد بن عمرو، فدخلها أصحاب بدر، وجبى عمّالُه الخراج بها.\nولليلتين خَلتَا من شهر رمضان منها، ذكر أنّ كتاب عجّ بن حاجّ عامل مكة ورد يذكر فيه أن بني يَعفر أوقعوا برجل كان تغلّب على صنعاء، وذكر أنَّه عَلَويّ وأنهم هزموه، فلجأ إلى المدينة وتحصّن بها، فصاروا إليه فأوقعوا به، فهزموه أيضًا، وأسروا ابنًا له، وأفلت هو في نحو خمسين نفسًا، ودخل بنو يعفر صنعاء وخطبوا بها للمعتضد.\nوفيها أوقع يوسف بن أبي الساج وهو في نفر يسير بابن أخيه ديوداد بن محمَّد، ومعه جيش أبيه محمَّد بن أبي الساج، فهرب عسكره، فبقي ديوداد في جماعة قليلة، فعرض عليه يوسف المقام معه، فأبى وأخذ طريق الموصلَ فوافى بغداد يوم الخميس لسبع بَقين من شهر رمضان من هذه السنة، فكانت الوقعة بينهما بناحية أذْرَبيجان.","vol":"13","page":473},{"text":"وفيها غزا نزار بن محمَّد عامل الحسن بن علي كورة الصائفة، ففتح حصونًا كثيرة للرّوم، وأدخل طَرَسُوس مئة عِلْج وَنيّفًا وستين عِلْجًا من القوامسة والشمامسة وصلبانًا كثيرة وأعلامًا لهم، فوجّهها كورة إلى بغداد (١).\nولاثنتي عشرة خلتْ من ذي الحجَّة وردت كتب التجار من الرَّقة أن الرُّوم وافتْ في مراكب كثيرة، وجاء قومٌ منهم على الظهر إلى ناحية كيْسُون، فاستاقوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألف إنسان؛ ما بين رجل وامرأة وصبيّ، فمضوا بهم، وأخذوا فيهم قومًا من أهل الذمة (٢).\nوفيها قرب أصحاب أبي سعيد الجنابيّ من البصرة، واشتدّ جزع أهل البصرة منهم حتى همّوا بالهرب منها والنقلة عنها، فمنعهم من ذلك واليهم.\nوفي آخر ذي الحجّة منها قُتل وصيف خادم ابن أبي الساج، فحملت جثته فصلبت بالجانب الشرقي. وقيل إنه مات ولم يقتَل، فلما مات احتُزّ رأسه.\nوحجّ بالناس فيها هارون بن محمَّد المكنى أبا بكر (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>ثمَّ دخلت سنة تسع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأمور</span>\nفمن ذلك ما كان من انتشار القرامطة بَسَواد الكوفة، فوُجّه إليهم شبل غلام أحمد بن محمَّد الطائيّ، وتُقدِّم إليه في طلبهم، وأخذ مَن ظفر به منهم وحملهم إلى باب السلطان. وظفر برئيس لهم يُعرفَ بابن أبي فوارس، فوجّه به معهم، فدعا به المعتضد لثمان بقين من المحرّم، فسأله، ثمَّ أمر به فقلعتْ أضراسه، ثمَّ خُلع بمدّ إحدى يديه - فيما ذكر - ببكْرة، وعُلّق في الأخرى صخرة، وتُرك على حاله تلك من نصف النهار إلى المغرب، ثمَّ قُطعت يداه ورجلاه من غد ذلك\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤١٦).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٤١٦).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٤١٧).","vol":"13","page":474},{"text":"اليوم، وضُرِبتْ عنقه، وصلِب مَنْ هنالك من القرامطة (١).\nولليلتين خَلتَا من شهر ربيع الأوّل، أخرج مَنْ كانت له دار وحانوت بباب الشماسيّة عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا أقفاصكم واخرجوا؛ وذلك أنّ المعتضد كان قد قدّر أن يبني لنفسه دارًا يسكنها، فخطّ موضع السور، وحفر بعضه، وابتدأ في بناء دِكّة على دِجْلة، كان المعتضد أمر ببنائها لينتقل فيقيم فيها إلى أن يفرُغ من بناء الدار والقصر (٢).\nوفي ربيع الآخر منها في ليلة الأمير تُوفِّي المعتضد، فلما كان في صبيحتها أحضر دار السلطان يوسف بن يعقوب وأبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز وأبو عمر محمَّد بن يوسف بن يعقوب، وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان، وأبو خازم وأبو عمرَ والحرَم والخاصّة، وكان أوصى أن يُدفن في دار محمَّد بن عبد الله بن طاهر، فحفر له فيها، فحمِل من قصره المعروف بالحسنيّ ليلًا، فدفن في قبره هناك (٣).\nولسبع بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - وهي سنة تسع وثمانين ومئتين - جلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان في دار السلطان في الحسنيّ، وأذن للناس، فعزَّوْه بالمعتضد، وهنؤوه بما جدّد له من أمر المكتفي، وتقدّم إلى الكتاب والقوّاد في تجديد البيعة للمكتفي بالله، فقبلوا.\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٢/ ٤٢١).\n(٢) انظر المنتظم (١٢/ ٤٢١).\n(٣) انظر المنتظم (١٢/ ٤٢٢) وتطرق ابن الجوزي مرة أخرى لوفاته حين ذكره ضمن وفيات الأكابر سنة (٢٨٩ هـ) وقال: وتوفي في يوم الإثنين لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة وغسله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس [المنتظم / ١٣/ ٧] ولترجمته ووفاته انظر تاريخ بغداد (٤/ ٤٠٣).","vol":"13","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2205>خلافة المكتفي بالله </span>(١)\nولما تُوفِّي المعتضد كتب القاسم بن عبيد الله بالخبر إلى المكتفي كتبًا، وأنفذها من ساعته؛ وكان المكتفي مقيمًا بالرّقة، فلمّا وصل الخبر إليه أمر الحسين بن عمرو النصرانيّ كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من في عسكره، ووضع العطاء لهم، ففعل ذلك الحسين، ثمَّ خرج شاخصًا من الرّقة إلى بغداد، ووجّه إلى النواحي بديار ربيعة وديار مضر ونواحي المغرب من يضبطها.\nوفي يوم الثلاثاء لثمان خَلَوْن من جمادى الأولى دخل المكتفي إلى داره بالحسنيّ؛ فلمّا صار إلى منزله، أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتّخذها لأهل الجرائم.\nوفي هذا اليوم كنّى المكتفي بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه.\nوفي هذا اليوم مات عمرو بن الليث الصفار، ودُفن في غد هذا اليوم بالقرب من القصر الحسنيّ، وقد كان المعتضد - فيما ذكر - عند موته بعد ما امتنع من الكلام أمر صافيًا الحُرَميّ بقتل عمرو بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه، أراد ذبح الأعور فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بحال المعتضد وقرْب وفاته، وكره قتلَ عمرو، فلما دخل المكتفي بغداد سأل - فيما قيل - القاسم بن عبيد الله عن عمرو: أحيٌّ هو؟ قال: نعم، فسرّ بحياته. وذُكر أنَّه يريد أنْ يحسن\n_________\n(١) وقال ابن الجوزي وكان المعتضد لما اشتدت علته أمر بأخذ البيعة لابنه علي (أي المكتفي) بالخلافة من بعده فأخذت البيعة بذلك على الناس ببغداد في عشية يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر من هذه السنة قبل موت المعتضد بأربعة أيام ثمَّ جددت له البيعة صبيحة الليلة التي مات المعتضد فيها وكان المكتفي بالرقة فلما بلغه الخبر أخذ البيعة على من عنده ثمَّ انحدر إلى بغداد [المنتظم (١٣/ ٣)].","vol":"13","page":476},{"text":"إليه، وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبرّه برًّا كثيرًا أيام مقامه بالرّيّ فأراد مكافأته، فذكروا أن القاسم بن عبيد الله كره ذلك، ودسّ إلى عمرو مَنْ قتله (١).\nوفي رجب منها ورد الخبر لأربع بقين منه أنّ جماعة من أهل الرّيّ كاتبوا محمَّد بن هارون الذي كان إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان استعمله على طَبَرستان بعد قتله محمَّد بن زيد العَلَوِيّ، فخلع محمَّد بن هارون وبيّض، فسألوه المصير إلى الرّيّ ليدخلوه إليها؛ وذلك أن أوكر تُمُش التركيَّ المولَّى عليهم كان - فيما ذكر - قد أساء السيرة فيهم، فحاربه، فهزمه محمَّد بن هارون وقتله، وقتل ابنين له وقائدًا من قوّاد السلطان يقال له: أبرون أخو كَيغلغ، ودخل محمَّد بن هارون الرّيّ واستولى عليها.\nوفي رجب من هذه السنة زلزلت بغداد، ودامت الزلزلة فيها أيامًا وليالي كثيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2206>[ذكر الخبر عن مقتل بدر غلام المعتضد]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>وفي هذه السنة كان مقتل بدر غلام المعتضد </span>(٢)\nذكر سبب قتله:\nذُكر: أنّ سبب ذلك كان أنّ القاسم بن عبيد الله كان هَمّ بتصيير الخلافة من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد، وأنه كان ناظرَ بدرًا في ذلك، فامتنع بدر عليه وقال: ما كنتُ لأصرفَها عن ولد مولاي الذي هو وَليُّ نعمتي. فلما رأى القاسم ذلك وعلم أنَّه لا سبيل إلى مخالفة بدر؛ إذ كان بدرٌ صاحب جيش المعتضد، والمستولي على أمره، والمطاعَ في خدمه وغلمانه، اضطغنها على بدر. وحدث بالمعتضد حدثُ الموت وبدر بفارس، فعقد القاسم للمكتفي عَقْد الخلافة، وبايع له وهو بالرَّقة، لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد في حياة والده.\n_________\n(١) لوفاة (عمرو بن الليث) انظر المنتظم (١٣/ ١٣).\n(٢) انظر لوفاته المنتظم (١٣/ ٩).","vol":"13","page":477},{"text":"وكتب القاسم إلى المكتفي لمّا بايع غلمان أبيه له بالخلافة، وأخذ عليهم البَيْعة بما فعل من ذلك، فقدم بغداد المكتفي وبدْر بعد بفارس، فلمَّا قدمها عمل القاسم في هلاك بدر؛ حذرًا على نفسه - فيما ذكر - من بدر أن يقدَم على المكتفي، فيطلعَه على ما كان القاسم همّ به، وعزم عليه في حياة المعتضد من صرف الخلافة عن ولد المعتضد إذا مات. فوجّه المكتفي - فيما ذكر - محمَّد بن كُمُشْجور وجماعة من القوّاد برسائل، وكتب إلى القوّاد الذين مع بدر يأمرهم بالمصير إلى ما قبَله ومفارقة بدر وتركه، فأوصلت الكتب إلى القوّاد في شرّ، ووجّه إليه يانس خادم الموفّق، ومعه عشرة آلاف ألف درهم ليصرفها في عطاء أصحابه لبيعة المكتفي، فخرج بها يانس.\nفذُكر: أنَّه لما صار بالأهواز، وجّه إليه بدر مَنْ قَبَض المال منه فرجع يانس إلى مدينة السلام؛ فلمّا وصلت كتب المكتفي إلى القوّاد المضمومين إلى بدر؛ فارق بدرًا جماعة منهم، وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام؛ منهم العباس بن عمرو الغَنَويّ وخاقان المفلحيّ ومحمد بن إسحاق بن كُنْداج وخفيف الأذكوتكيني وجماعة غيرهم. فلما صاروا إلى مدينة السلام دخلوا على المكتفي، فخلع - فيما ذكر - على نيّف وثلاثين رجلًا منهم، وأجاز جماعةً من رؤسائهم؛ كلّ رجل منهم بمئة ألف درهم، وأجاز آخرين بدون ذلك، وخلَع على بعضهم، ولم يجزه بشيء. وانصرف بدر في رجب؛ عامدًا المصيرَ إلى واسط. واتَّصل بالمكتفي إقبالُ بدر إلى واسط، فوكّل بدار بدر، وقبض على جماعة من غلمانه وقوّاده؛ فحُبِسُوا، منهم نحرير الكبير، وعَريب الجبليّ، ومنصور ابن أخت عيسى النُّوشري. وأدخل المكتفي على نفسه القوّاد، وقال لهم: لست أؤمِّر عليكم أحدًا، ومَنْ كانت له منكم حاجة فليلقَ الوزير، فقد تقدّمتُ إليه بقضاء حوائجكم. وأمر بمحو اسم بدر من التراس والأعلام، وكان عليها أبو النجم مولى المعتضد بالله، وكتب بدرٌ إلى المكتفي كتابًا دفعه إلى زيدان السعيديّ، وحمله على الجمّازات. فلما وصل الكتاب إلى المكتفي أخذه، ووكّل بزيدان هذا وأشخص الحسن بن عليّ كوره في جيش إلى ناحية واسط. وذُكر أنَّه قدّمه المكتفي على مقدمته.\nثمَّ أحدر محمَّد بن يوسف مع المغرب لليلة بَقيت من شعبان من هذه السنة","vol":"13","page":478},{"text":"برسالة إلى بدر، وكان المكتفي أرسل إلى بدر حين فَصَل من عمل فارس يعرض عليه ولاية أيّ النواحي شاء؛ إن شاء أصبهان وإن شاء الريّ، وإن شاء الجبال، ويأمره بالمصير إلى حيث أحبّ من هذه النواحي مع مَنْ أحبّ من الفرسان والرّجالة، يقيم بها معهم واليًا عليها. فأبى ذلك بدر، وقال: لابدّ لي من المصير إلى باب مولاي.\nفوجد القاسم بن عبيد الله مساغًا للقول فيه، وقال للمكتفي: يا أمير المؤمنين، قد عرضنا عليه أن نقلّده أيّ النواحي شاء أن يمضيَ إليها، فأبى إلَّا المجيء إلى بابك، وخوّفه غائلتَه، وحرّض المكتفي على لقائه ومحاربته، واتصل الخبر ببدر أنَّه قد وُكِّل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشرّ، ووجّه مَنْ يحتال في تخليص ابنه هلال وإحداره إليه، فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالحفظ به، ودعا أبا خازم القاضي على الشرقية وأمره بالمضي إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه وإعطائه الأمان من أمير المؤمنين، على نفسه وماله وولده، فذُكر أن أبا خازم قال له: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين حتى أؤدّيه إليه عنه، فقال له: انصرفْ حتى أستأذنَ لك في ذلك أمير المؤمنين.\nثمَّ دعا بأبي عمر محمَّد بن يوسف، فأمره بمثل الذي أمر به أبا خازم، فسارع إلى إجابته إلى ما أمره به، ودفع القاسم بن عبيد الله إلى أبي عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر، فلمّا فصل بدر عن واسط ارفضّ عنه أصحابه وأكثر غلمانه؛ مثل عيسى النُّوشريّ وختَنَه يانس المستأمن وأحمد بن سمعان ونحرير الصغير، وصاروا إلى مضرب المكتفي في الأمان. فلما كان بعد مضيّ ليلتين من شهر رمضان من هذه السنة، خرج المكتفي من بغداد إلى مضربه بنهر دَيَالي، وخرج معه جميع جيشه، فعسكر هنالك، وخلع على مَنْ صار إلى مضربه من الجماعة الذين سَمّيتُ، وعلى جماعة من القوّاد والجند. ووكّلَ بجماعة منهم، ثمَّ قيّد تسعة منهم، وأمر بحملهم مقيّدين إلى السجن الجديد؛ ولقي - فيما ذكر - أبو عمر محمَّد بن يوسف بدرًا بالقرب من واسط، ودفع إليه الأمان وخبّره عن المكتفي بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه في حَرَّاقة بدر، وكان قد سيّره في الجانب الشرقيّ وغلمانه الذين بقُوا معه في جماعة من الجند وخلق كثير من الأكراد وأهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شطّ دِجْلة،","vol":"13","page":479},{"text":"فاستقرّ الأمر بين بدر وأبي عمر على أن يدخل بدر بغداد سامعًا مطيعًا، وعبَر بدر دِجْلة، فصار إلى النعمانيّة، وأمر غلمانه وأصحابه الذين بقُوا معه أن ينزعوا سلاحهم، وألّا يحاربوا أحدًا، وأعلمهم ما ورد به عليه أبو عمر من الأمان؛ فبينا هو يسير إذ وافاه محمَّد بن إسحاق بن كنْداج في شَذًا، ومعه جماعة من الغلمان، فتحول إلى الحرَّاقة، وسأله بدر عن الخبر، فطيّب نفسه، وقال له قولًا جميلًا، وهم في كل ذلك يؤمرونه؛ وكان القاسم بن عبيد الله وجّهه، وقال له: إذا اجتمعتَ مع بدر، وصرت معه في موضع واحد؛ فأعلمْني. فوجّه إلى القاسم، وأعلمه؛ فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤًا أحد غلمان السلطان، فقال له: قد ندبتُك لأمر، فقال: سمعًا وطاعة؛ فقال له: امض وتسلَّمْ بدرًا من ابن كنداجيق، وجئني برأسه. فمضى في طيّار حتى استقبل بدرًا ومَنْ معه بين سيب بني كوما وبين اضطربد، فتحول من الطيار إلى الحرّاقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا بأس عليك، فحوّله إلى طيّاره، ومضى به حتى صار به إلى جزيرة بالصافية، فأخرجه إلى الجزيرة، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستلّه، فلمّا أيقَن بدر بالقتل سأله أن يُمهله حتى يُصَلِّي ركعتين، فأمهله، فصلّاهما، ثمَّ قدّمه فضرب عنُقَه، وذلك في يوم الجمعة قبل الزّوال لست خلْون من شهر رمضان، ثمَّ أخذ رأسه ورجع إلى طيّاره؛ وأقبل راجعًا إلى معسكر المكتفي بنهر دَيَالَي ورأس بدر معه، وتُركت جثّته مكانها، فبقيت هنالك. ثمَّ وجّه عياله من أخذ جثته سرًّا، فجعلها في تابوت، وأخفوْها عندهم، فلما كان أيام الموسم حملوها إلى مكة، فدفنوها بها - فيما قيل - وكان أوصى بذلك، وأعتق قبل أن يقتَل مماليكه كلّهم، وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميعَ ماله بعد قتله. وورد الخبر على المكتفي بما كان من قَتْل بدر، لسبع خلوْن من شهر رمضان من هذه السنة، فرحل منصرفًا إلى مدينة السلام، ورحل معه مَنْ كان معه من الجند، وجيء برأس بدْر إليه، فوصل إليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فأمر به فنظِّف، ورُفع في الخزانة، ورجع أبو عمر القاضي إلى داره يوم الإثنين كئيبًا حزينًا، لِمَا كان منه في ذلك، وتكلَّم الناس فيه، وقالوا: هو كان السبب في قتل بدر، وقالوا فيه أشعارًا، فمما قيل فيه منها:\nقلْ لقاضي مَدينةِ الْمنصُورِ ... بمَ أحللتَ أخذَ رأس الأَميرِ!\nبعدَ إِعطائِه المواثيقَ والعهـ ... ـد وعقدِ الأَيْمانِ في مَنشورِ","vol":"13","page":480},{"text":"أَينَ أَيْمانُكَ التي شهدَ اللـ ... ـهُ على أنها يمينُ فَجُورِ\nأَنَّ كفيَّك لا تفارِق كَفّيـ ... ـهِ إلى أن ترَى مَلِيكَ السَّريرِ\nيا قليلَ الحياءِ يا أكذَبَ الأ ... مّةِ يا شاهِدًا شهادةَ زورِ\nليسَ هذا فِعل القضاةِ ولا يُحـ ... ـسِنُ أَمثالهُ وُلاة الجُسُورِ\nأيّ أَمرٍ رَكِبْتَ في الجُمْعة الزهـ ... ـراءِ من شهرٍ خير الشُّهورِ\nقد مضى من قتلتَ في رمضانٍ ... صائمًا بعد سجدة التعْفِيرِ\nيا بني يوسفَ بن يعقوبَ أَضْحَى ... أَهلُ بغدادَ منكمُ في غرورِ\nبَدّدَ اللهُ شملكمْ وأَراني ... ذلَّكْم في حياةِ هذا الوزير\nفأَعِدّ الجوابَ للحَكَم العا ... دِلِ من بعدِ منكَرٍ ونكيرٍ\nأنتمُ كلّكمْ فِدًا لأَبي خا ... زِمٍ المستقيمِ كلّ الأُمورِ\nولسبع خلوْن من شهر رمضان، حُمِل زيدان السعيديّ الذي كان قُدِّم رسولًا من قبَل بدر إلى المكتفى مع التسعة الأنفس الذين قُيّدوا من قوّاد بدر، وسبعة أنفس أخَر من أصحاب بَدْر قبض عليهم بعدهم في سفينة مطبقةٍ عليهم، وأُحدروا مقيّدين إلى البصرة، فحبسوا في سجنها.\nوذكر: أنّ لؤلؤًا الذي ولِيَ قتل بدر كان غلامًا من غلمان محمَّد بن هارون الذي قتل محمَّد بن زيد بطَبرِسْتان وأكرتمُش بالرّيّ، قدم مع جماعة من غلمان محمَّد بن هارون على السلطان في الأمان.\nوفي ليلة الإثنين لأربع عشرة بقيتْ من شهر رمضان، منها قتِل عبد الواحد بن أبي أحمد الموفق - فيما ذكر - وكانت والدته - فيما قيل - وجّهت معه إلى دار مؤنس لما قُبض عليه دايةً له، ففُرِق بينه وبين البداية فمكثت يومين أو ثلاثة، ثمَّ صُرفت إلى منزل مولاتِها، فكانت والدة عبد الواحد إذا سألت عن خبره قيل لها: إنه في دار المكتفي؛ وهو في عافية. وكانت طامعة في حياته، فلما مات المكتفي أيستْ منه وأقامت عليه مأتمًا.\n* * *\nذكر باقي الكائن من الأمور الجليلة في سنة تسع وثمانين ومئتين.\nفمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها، ورد كتاب من","vol":"13","page":481},{"text":"إسماعيل بن أحمد صاحب خُراسان على السلطان بخبر وقعة كانت بين أصحابه وبين ابن جُسْتان الديلميّ بطبرستان، وأن أصحابه هزموه، وقرئ بذلك كتابه بمسجدي الجامع ببغداد.\nوفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغانيّ من أصحاب بَدْر لمّا قُتِل بدر إلى ناحية البادية في جماعة من أصحابه على الخلاف على السلطان؛ فكانت بينه هنالك وبين أبي الأغرّ وقعة، هُزِم فيها أبو الأغرّ، وقتِل من أصحابه ومن قوّاده عدّة، ثمَّ أشخِص مؤنس الخازن في جمع كثيف إلى الكوفة لحرب إسحاق الفَرْغانيّ.\nولسلخ ذي القعدة خُلِع على خاقان المفلحيّ، ووُلِّيَ معونة الريّ، وضمّ إليه خمسة آلاف رجل.\nوفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعًا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى بهم دمشق، وبها طُغْج بن جُفّ من قِبَل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون على المعونة، وذلك في آخر هذه السنة، فكانت بين طُغْج، وبينه وقعات كثيرة قُتل فيها - فيما ذكر - خلق كثير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>ذكر خبر هذا الرجل الذي ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها </span>(١)\nذكر: أن زكروَيْه بن مهرويْه الذي ذكرنا أنَّه كان داعية قرمط لمّا تتابع من المعتضد توجيه الجيوش إلى من بسواد الكوفة من القرامطة، وألحّ في طلبهم، وأثخن فيهم القتل، ورأى أنَّه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد ولا غَناء، سعى في استغواء من قَرُب من الكوفة من أعراب أسد وطيَئ وتميم وغيرهم من\n_________\n(١) لقد ذكر الطبري هنا خبرًا طويلًا وتفاصيل دقيقة بينما ذكر ابن الجوزي خبرًا عامًّا عن خروج القرامطة في هذه السنة دون ذكر لاسم قائدهم [المنتظم ١٣/ ٦] وكذلك فعل (في البداية والنهاية) ابن كثير [٨/ ٢٦٩] إلا أن ابن الجوزي ذكر اسم قائد القرامطة فيما بعد ضمن أحداث سنة (٢٩٠ هـ).","vol":"13","page":482},{"text":"قبائل الأعراب، ودعاهم إلى رأيه؛ وزعم لهم: أنّ مَنْ بالسواد من القرامطة يطابقونهم على أمره إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له، وكانت جماعة من كلْب تخفُر الطريق على البرّ بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تَدمُر وغيرها، وتحمل الرُّسل وأمتعة التجار على إبلها، فأرسل زكرويه أولاده إليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموْا إلى عليّ بن أبي طالب وإلى محمَّد بن إسماعيل بن جعفر، وذكروا أنهم خائفون من السلطان، وأنهم ملجئَون إليهم، فقبلوهم على ذلك، ثمَّ دبّوا فيهم بالدعاء إلى رأي القرامطة؛ فلم يقبل ذلك أحد منهم - أعني من الكلبيّين - إلا الفخذ المعروفة ببني العُلَيص بن ضمضم بن عديّ بن جناب ومواليهم خاصة، فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومئتين بناحية السماوة ابنَ زكرويه المسمى بيحيى والمكنى أبا القاسم، ولقّبوه الشيخ، على أمر احتاله فيهم، ولقب به نفسَه، وزعم لهم: أنَّه أبو عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد.\nوقد قيل: إنه زعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن يحيى، وقيل: إنه زعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وقيل: إنه لم يكن لمحمّد بن إسماعيل ابنٌ يسمى عبد الله، وزعم لهم أن أباه المعروف بأبي محمود داعيةٌ له، وأنّ له بالسَّواد والمشرق والمغرب مئة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، وأنهم إذا اتبعوها في مسيرها ظفِروا، وتكهّن لهم وأظهر عضدًا له ناقصة، وذكر أنها آية، وانحازت إليه جماعة من بني الأصبَغ وأخلصوا له وتسمَّوْا بالفاطميّين، ودانوا بدينه، فقصدهم سبْك الديلميّ مولى المعتضد بالله بناحية الرُّصافة في غربيّ الفرات من ديار مُضَر، فاغترُّوه وقتلوه، وحرقوا مسجد الرُّصافة، واعترضوا كلّ قرية اجتازوا بها حتى أصعدوا إلى أعمال الشام التي كان هارون بن خمارويه قوطع عليها، وأسند أمرها هارون إلى طُغْج بن جُفّ، فأناخ عليها، وهزم كلّ عسكر لقيه لطغْج حتى حصره في مدينة دمشق، فأنفذ المصريون إليه بدرًا الكبير غلام ابن طولون، فاجتمع مع طُغْج على محاربته، فواقعهم قريبًا من دمشق، فقتل الله عدوَّ الله يحيى بن زكرويه.\nوكان سبب قتله - فيما ذُكر -: أن بعض البرابرة زرقه بمزراق واتبعه نفّاط،","vol":"13","page":483},{"text":"فزرقه بالنار فأحرقه؛ وذلك في كبد الحرب وشدّتها، ثمَّ دارت على المصريّين الحرب، فانحازوا، فاجتمعت موالي بني العُليَص إلى بني العليص ومَنْ معهم من الأصبغيّين وغيرهم على نصب الحسين بن زكرويه أخي الملقب بالشيخ فنصبوا أخاه، وزعم لهم: أنَّه أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد، وهو ابن نيّف وعشرين سنة، وقد كان الملقّب بالشيخ حمل موالي بني العليص على صريحهم، فقتلوا جماعةً منهم، واستذلُّوهم، فبايعوا الحسين بن زكرويه المسمّى بأحمد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بعد أخيه، فأظهر شامة في وجهه ذكر أنها آيته، وطرأ إليه ابن عمّه عيسى بن مِهْرويه المسمى عبد الله، وزعم: أنَّه عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد، فلقّبه المدثِّر، وعَهد إليه، وذكر أنَّه المعنيّ في السورة التي يذكر فيها المدَّثر ولقّب غلامًا من أهله المطوَّق وقلّده قتل أسرى المسلمين، وظهر على المصريّين وعلى جند حمص وغيرها من أهل الشام، وتسمَّى بإمرة المؤمنين على منابرها، وكان ذلك كله في سنة تسع وثمانين وفي سنة تسعين.\n* * *\nوفي اليوم التاسع من ذي الحجة من هذه السنة صلّى الناس العصر في قُمُص الصيف ببغداد، فهبّت ريح الشمال عند العصر، فبرد الهواء حتى احتاج الناس بها من شدّة البرد إلى الوقود والاصطلاء بالنّار، ولبس المحشوّ والجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء (١).\nوفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد بالريّ ومحمد بن هارون وابن هارون - فيما قيل - حينئذ في نحو من ثمانية آلاف، فانهزم محمَّد بن هارون وتقدم أصحابَه، وتبعه من أصحابه نحو من ألف، ومضوْا نحو الدَّيلم، فدخلها مستجيرًا بها، ودخل إسماعيل بن أحمد الرّيّ، وصار زهاء ألف رجل - فيما ذكر - ممّن انهزم من أصحابه إلى باب السلطان.\nوفي جمادى الآخرة منها لأربع خلوْن منها وليَ القاسم بن سيما غزو الصائفة بالثغور الجزَرية، وأطلِق له من المال اثنان وثلاثون ألف دينار.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٦).","vol":"13","page":484},{"text":"وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>ثمَّ دخلت سنة تسعين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها</span>\nفممّا كان فيها من ذلك توجيه المكتفي رسولًا إلى إسماعيل بن أحمد لليلتين خلتا من المحرّم منها بخلع، وعقد ولاية له على الرّيّ، وبهدايا مع عبد الله بن الفتح.\nولخمس بقين من المحرّم منها ورد - فيما ذكر - كتاب عليّ بن عيسى من الرّقة، يذكر فيه أن القرمطيّ بن زكرويه المعروف بالشيخ، وافَى الرَّقة في جَمْع كثير، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان ورئيسهم سُبْك غلام المكتفي، فواقعوه، فقِتل سُبْك، وانهزم أصحاب السلطان (٢).\nولستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن طغج بن جفّ أخرج من دمشق جيشًا إلى القرمطيّ، عليهم غلام له يقال له: بَشِير، فواقعهم القرمطيّ، فهزم الجيش وقتل بشيرًا (٣).\nولثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خُلع على أبي الأغرّ ووُجّه به لحرب القرمطيّ بناحية الشام، فمضى إلى حلب في عشرة آلاف رجل.\nولإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خُلع على أبي العشائر أحمد بن نصر ووِلِّيَ طَرسوس، وعزِل عنها مظفَّر بن حاجّ لشكاية أهل الثغور إياه.\nوللنصف من جمادى الأولى من هذه السنة، وردت كتب التجار إلى بغداد من دمشق مؤرّخة لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها أن القرْمطيّ الملقب بالشيخ قد هزم طغج غير مرة، وقتل أصحابه إلا القليل، وأنه قد بقي في قلة، وامتنع من الخروج، وإنما تجتمع العامة، ثمَّ تخرج للقتال، وأنهم قد أشرفوا على\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٧).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ١٤).\n(٣) انظر المنتظم (١٣/ ١٤).","vol":"13","page":485},{"text":"الهلكة، فاجتمعت جماعة من تجار بغداد في هذا اليوم، فمضوْا إلى يوسف بن يعقوب، فأقرؤوه كتبهم، وسألوه المضيّ إلى الوزير ليخبره خبر أهل دمشق، فوعدهم ذلك.\nولسبع بقين من جمادى الأولى أحضِر دار السلطان أبو خازم ويوسف وابنه محمَّد، وأحضِر صاحب طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث، فقوطع على مال فارس، ثمَّ عقد المكتفي لطاهر على أعمال فارس، وخلع على صاحبه، وحُمِلت إليه خلع مع العقد.\nوفي جُمادى الأولى هرب من مدينة السلام القائد المستأمِن المعروف بأبي سعيد الخُوارزميّ، وأخذ نحو طريق الموصِل، فكتِب إلى عبد الله المعروف بغلام نون، وكان يتقلد المعاون بتَكريت والأعمال المتّصلة بها إلى حدّ سامرّا وإلى الموصِل في معارضته وأخذه، فزعموا أن عبد الله عارضه، فاختدعه أبو سعيد حتى اجتمعا جميعًا على غير حرب، ففتك به أبو سعيد فقتله، ومضى أبو سعيد نحو شهرزور، فاجتمع هو وابن أبي الربيع الكُرديّ، وصاهره، واجتمعا على عصيان السلطان، ثمَّ إنَّ أبا سعيد قُتِل بعد ذلك، وتفرّق مَنْ كان اجتمع إليه.\nولعشر خلوْن من جُمادى الآخرة، شخص أبو العشائر إلى عمله بطَرَسوس، وخرج معه جماعة من المطّوّعة للغزو، ومعه هدايا من المكتفي إلى ملك الروم.\nولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفي بعد العصر عامدًا سامُرّا، مريدًا البناء بها للانتقال إليها، فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة، ثمَّ انصرف إلى مضارب قد ضُربت له بالجوسق، فدعا القاسم بن عبيد الله والقوّام بالبناء، فقدّروا له البناء وما يحتاج إليه من المال للنفَقَة عليه، فكثُروا عليه في ذلك، وطَوّلوا مدّة الفراغ مما أراد بناءه، وجعل القاسم يصرفه عن رأيه في ذلك، ويعظِّم أمرَ النفقة في ذلك وقدر مبلغ المال، فثناه عن عزمه، ودعا بالغَداء، فتغدّى ثمَّ نام، فلما هبّ من نومه ركب إلى الشطّ، وقعد في الطيّار، وأمر القاسم بن عبيد الله بالانحدار. ورجع أكثر الناس من الطريق قبل أن يصلوا","vol":"13","page":486},{"text":"إلى سامُرّا حين تلقّاهم الناس راجعين (١).\nولسبع خلوْن من رجب خُلع على ابني القاسم بن عبيد الله، فوُلِّيَ الأكبر منهما ضياع الولد والحرم والنفقات، والأصغر منهما كتبة أبي أحمد بن المكتفي؛ وكانت هذه الأعمال إلى الحسين بن عمرو النصرانيّ، فعُزل بهما، وكان القاسم بن عبيد الله اتَّهم الحسين بن عمرو أنَّه قد سعى به إلى المكتفي.\nثمَّ إن الحسين بن عمرو كاشفَ القاسم بن عبيد الله بحضرة المكتفي، فلم يزل القاسم يدبّر عليه، ويغلظ قلب المكتفي عليه، حتى وصل إلى ما أراد من أمره.\nوفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شعبان قرئ كتابان في الجامعين بمدينة السلام بقتل يحيى بن زكرويه الملقَّب بالشيخ، قتله المصريون على باب دمشق؛ وقد كانت الحرب اتّصلت بينه وبين مَنْ حاربه من أهل دمشق وجندها ومددهم من أهل مصر، وكسر لهم جيوشًا، وقتل منهم خلْقًا كثيرًا، وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب جملًا برحاله، ويلبس ثيابًا واسعة ويعتمّ عمة أعرابية، ويتلثّم، ولم يركب دابّةً من لدن ظهر إلى أن قُتِل وأمر أصحابه ألا يحاربوا أحدًا؛ وإن أتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبَل نفسه؛ وقال لهم: إذا فعلتم ذلك لم تهزموا (٢).\nوذُكر أنَّه كان إذا أشار بيده إلى ناحية من النّواحي التي فيها محاربوه، انهزم أهل تلك الناحية، فاستغوَى بذلك الأعراب، ولمّا كان في اليوم الذي قُتِل فيه يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، وانحازوا إلى أخيه الحسين بن زكرويه، فطلب أخاه الشيخ في القتلى، فوجده، فواراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه، وتسمّى بأحمد بن عبد الله، وتكنَّى بأبي العباس.\nوعلم أصحابُ بدر بعد ذلك بقتل الشيخ، فطلبوه في القتلى فلم يجدوه، ودعا الحسين بن زكرويه إلى مثل ما دعا إليه أخوه، فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس، واشتدّت شوكته وظهر، وصار إلى دمشق، فذُكر أن\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٤).\n(٢) انظم المنتظم (١٣/ ١٥) فقد ذكر الخبر مختصرًا.","vol":"13","page":487},{"text":"أهلها صالحوه على خراج دفعوه إليه، ثمَّ انصرف عنهم، ثمَّ سار إلى أطراف حِمْص، فتغلّب، عليها وخُطب له على منابرها، وتسمّى بالمهديّ، ثمَّ سار إلى مدينة حِمْص، فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفًا منه على أنفسهم فدخلها، ثمَّ سار منها إلى حَماة ومعرّة النعمان وغيرهما، فقتل أهلها، وقتل النساء والأطفال ثمَّ سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم - فيما قيل - إلا اليسير، ثمَّ سار إلى سَلَمْية فحاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثمَّ وادعهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدأ بمَن فيها من بني هاشم، وكان بها منهم جماعة فقتلهم، ثمَّ ثنى بأهل سَلَمية فقتلهم أجمعين. ثمَّ قتل البهائم، ثمَّ قتل صبيان الكتاتيب، ثمَّ خرج منها؛ وليس بها عين تطرف - فيما قيل - وسار فيما حوالي ذلك من القرى يقتل ويَسْبِي ويحرِق ويُخِيف السبيل.\nفذكر عن متطبّب بباب المحوّل يُدعى أبا الحسن أنَّه قال: جاءتْنِي امرأة بعدما أدخل القرمطيّ صاحب الشامة وأصحابه بغداد، فقالت لي: إني أريد أن تعالج شيئًا في كتفي، قلتُ: وما هو؟ قالت: جرح، قلت: أنا كحّال؛ وها هنا امرأة تعالج النساء، وتعالج الجراحات، فانتظري مجيئها، فقعدت، ورأيْتها مكروبة كئيبة باكية، فسألتُها عن حالها، وقلت: ما سبب جراحتك؟ فقالت: قصّتي تطول، فقلت: حدّثيني بها واصدقيني وقد خلا مَنْ كان عندي، فقالت: كان لي ابن غاب عنّي، وطالت غيبته، وخلّف عليّ أخوات له، فضقتُ واحتجت، واشتقتُ إليه، وكان شخص إلى ناحية الرّقة، فخرجتُ إلى الموصِل وإلى بَلَد وإلى الرّقة؛ كلّ ذلك أطلبه، وأسأل عنه؛ فلم أدَلّ عليه، فخرجتُ عن الرّقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطيّ، فجعلت أطوف وأطلبه؛ فبينا أنا كذلك إذْ رأيتُه فتعلقت به، فقلت: ابني! فقال: أمي! فقلت: نعم، قال: ما فعل أخواتي؟ قلت: بخير، وشكوت ما نالنا بعده من الضّيق، فمضى بي إلى منزله، وجلس بين يديّ، وجعل يسائلني عن أخبارنا، فخبّرته، ثمَّ قال: دَعيني من هذا وأخبريني ما دينك؟ فقلت: يا بنيّ أما تعرفُني! فقال: وكيف لا أعرفك! فقلت: ولمَ تسألني عن ديني وأنت تعرفني وتعرف ديني! فقال: كلّ ما كنّا فيه باطل، والدّين ما نحن فيه الآن، فأعظمتُ ذلك وعجبت منه، فلما رآني كذلك خرج وتركني، ثمَّ وجّه إليّ بخبز ولحم وما يصلحني، وقال: اطبخيه، فتركتُه ولم","vol":"13","page":488},{"text":"أمسّه، ثمَّ عاد فطبخه، وأصلح أمر منزله، فدقّ الباب داقٌّ؛ فخرج إليه فإذا رجل يسأله، ويقول له: هذه القادمة عليك تُحسن أن تصلح من أمر النساء شيئًا؟ فسألني فقلت: نعم، فقال: امضي معي، فمضيت فأدخلني دارًا، وإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت أكلّمها، فلا تكلّمني، فقال لي الرجل الذي جاء بي إليها: ما عليك من كلامها، أصلحي أمر هذه، ودَعِي كلامها، فأقمتُ حتى ولدت غلامًا، وأصلحتُ من شأنه، وجعلت أكلّمها، وأتلطف بها وأقول لها: يا هذه، لا تحتشميني؛ فقد وجب حقِّي عليك، أخبريني خبرك وقصّتك ومن والد هذا الصبي، فقالت: تسأليني عن أبيه لتطالبيه بشيء يهبه لك! فقلت: لا، ولكن أحبّ أن أعلم خبرك، فقالت لي: إني امرأة هاشميّة - ورفعتْ رأسها؛ فرأيت أحَسن الناس وجهًا - وإن هؤلاء القوم أتْونا، فذبحوا أبي وأميّ وإخوتي وأهلي جميعًا، ثمَّ أخذني رئيسهم، فأقمتُ عنده خمسة أيام، ثمَّ أخرجني، فدفعني إلى أصحابه، فقال: طهّروها فأرادوا قتلي، فبكيتُ، وكان بين يديه رجل من قوّاده، فقال: هبها لي، فقال: خذها، فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه، فسلُّوا سيوفهم، وقالوا: لا نسلّمها إليك؛ إِمَّا أن تدفعَها إلينا، وإلّا قتلناها، وأرادوا قتلي، وضجّوا، فدعاهم رئيسهم القرمطيّ، وسألهم عن خبرهم فخبَّروه، فقال: تكون لكم أربعتكم، فأخذوني، فأنا مقيمة معهم أربعتهم، والله ما أدري ممّن هو هذا الولد منهم!\nقالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي: هنّيه، فهنأته بالمولود، فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهنِّئُ كلّ واحد منهم، فيعطيني سبيكة فضة؛ فلما كان في السحر جاء جماعة مع رجل وبين يديه شمع، وعليه ثياب خزّ تفوح منه رائحة المسك، فقالت لي: هنّيه، فقمت إليه، فقلت: بيَّض الله وجهك، والحمد لله الذي رزقك هذا الابن، ودعوت له، فأعطاني سبيكة فيها ألف درهم، وبات الرجل في بيت، وبتّ مع المرأة في بيت، فلما أصبحت قلت للمرأة: يا هذه، قد وجب عليك حقّي، فالله الله فيّ، خلصيني! قالت: ممّ أخلصك؟ فخبّرتُها خبر ابني، وقلت لها: إني جئتُ راغبة إليه، وإنه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضِعاف خلفتهنّ بأسوأ حال، فخلِّصيني من هاهنا لأصلَ إلى بناتي، فقالت: عليك بالرّجل الذي جاء آخر","vol":"13","page":489},{"text":"القوم، فسليه ذلك، فإنَّه يخلصك، فأقمتُ يومي إلى أن أمسيتُ؛ فلما جاء تقدّمت إليه، وقبّلتُ يده ورجله، وقلت: يا سيّدي قد وجب حقّي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضِعاف فقراء، فإن أذَنت لي أن أمضي فأجيئك ببناتي حتى يخدمنك ويكنّ بين يديك! فقال: وتفعلين؟ قلت: نعم، فدعا قومًا من غلمانه، فقال: امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا، ثمَّ اتركوها وارجعوا، فحملوني على دابّة، ومضْوا بي، قالت: فبينما نحن نسير، وإذا أنا بابني يركُض، وقد كنا سِرْنا عشرة فراسخ - فيما خبَرني به القوم الذين معي - فلحقني وقال: يا فاعلة، زعمتِ أنك تمضين وتجيئين ببناتِك! وسلّ سيفه ليضربني، فمنعه القوم، فلحقني طرف السيف، فوقع في كتفي، وسلّ القوم سيوفَهم، فأرادوه، فتنحّى عني، وساروا بي حتى بلغوا بي الموضع الذي سمّاه لهم صاحبهم، فتركوني ومضوا، فتقدّمت إلى هاهنا وقد طفتُ لعلاج جرحي، فوُصف لي هذا الموضع، فجئت إلى هاهنا، قالت: ولما قدم أمير المؤمنين بالقرمطيّ وبالأسارى من أصحابه خرجتُ لأنظر إليهم؛ فرأيت ابني فيهم على جمل؛ عليه برنس وهو يبكي وهو فتىً شابّ، فقلت له: لا خفّف الله عنك ولا خلّصك! قال المتطبّب: فقمت معها إلى المتطبّبة لما جاءت، وأوصيتُها بها، فعالجت جرحَها وأعْطَتْها مَرهمًا، فسألت المتطبّبة عنها بعد منصرفها، فقالت: قد وضعت يدي على الجرح، وقلت: انفخي، فنفخت فخرجت الريح من الجرح من تحت يدي، وما أراها تبرأ منه، ومضت فلم تعد إلينا.\nولإحدى عشرة بقيتْ من شوّال من هذه السنة، قبض القاسم بن عبيد الله على الحسين بن عمرو النصرانيّ، وحبسه، وذلك أنَّه لم يزل يسعى في أمره إلى المكتفي، ويقدح فيه عنده؛ حتى أمره بالقبض عليه، وهرب كاتب الحسين بن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازيّ، فطُلب وكُبِست منازل جيرانه، ونُودي: مَنْ وجده فله كذا وكذا، فلم يوجد.\nولسبع بقين منه صُرف الحسين بن عمرو إلى منزله، على أن يخرج من بغداد، وفي الجمعة التي بعدها خرج الحسين بن عمرو وحُدِر إلى ناحية واسط على وجه النفي، ووُجد الشيرازيُّ كاتبه لثلاث خلون من ذي القعدة.","vol":"13","page":490},{"text":"ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفي بإعطاء الجند أرزاقَهم والتأهّب للشخوص لحرب القرمطيّ بناحية الشأم، فأطلق للجند في دفعة واحدة مئة ألف دينار؛ وذلك أنّ أهل مصر كتبوا إلى المكتفي يشكُون ما لقُوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنه قد أخرب البلاد، وقتل الناس، وما لَقُوا من أخيه قبله وقتلهما رجالهم، وأنه لم يبق منهم إلا العدد اليسير (١).\nولخمس خلوْن من شهر رمضان أخرِجت مضارب المكتفي، فضُربت بباب الشماسيّة.\nولسبع خلوْن منه خرج المكتفي في السّحَر إلى مضربه بباب الشّماسية، ومعه قواده وغلمانه وجيوشه.\nولاثنتي عشرة ليلة من شهر رمضان، رحل المكتفي من مضربه بباب الشماسيَّة في السَّحَر، وسلك طريق الموصِل.\nوللنصف من شهر رمضان منها مضى أبو الأغرّ إلى حلب، فنزل وادي بُطْنَان قريبًا من حلَب، ونزل معه جميع أصحابه، فنزع - فيما ذُكر - جماعة من أصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادي يتبرّدون بمائه، وكان يومًا شديد الحرّ؛ فبيناهم كذلك إذ وافَى جيش القرمطيّ المعروف بصاحب الشامة، وقد بدرهم المعروف بالمطوَّق، فكبَسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقًا كثيرًا وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغرّ في جماعة من أصحابه، فدخل حلَب، وأفلت معه مقدار ألف رجل، وكان في عشرة آلاف بين فارس وراجل، وكان قد ضُمّ إليه جماعة ممّن كان على باب السلطان من قوّاد الفراغنة ورجالهم، فلم يفلِتْ منهم إلا اليسير، ثمَّ صار أصحاب القرمطيّ إلى باب حلَب، فحاربهم أبو الأغرّ ومَن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فانصرفوا عنه بما أخذُوا من عسكره من الكُراع والسلاح والأموال والأمتعة بعد حرب كانت بينهم، ومضى المكتفي بمَنْ معه من الجيش حتى انتهى إلى الرّقة، فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطيّ جيشًا بعد جيش.\nولليلتين خلتا من شوال ورد مدينة السلام كتابٌ من القاسم بن عبيد الله، يخبر فيه أن كتابًا ورد عليه من دمشق من بدر الحماميّ صاحب ابن طولون، يخبر\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٥).","vol":"13","page":491},{"text":"فيه أنَّه واقع القرمطيّ صاحب الشامة، فهزمه ووضع في أصحابه السيف، ومضى مَنْ أفلت منهم نحو البادية، وأن أمير المؤمنين وجّه في أثره الحسين بن حمدان بن حمدون وغيره من القوّاد.\nوورد أيضًا في هذه الأيام - فيما ذكر - كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا، يذكر فيه أنَّه كبس حصنًا للقرامطة، فظفَر بمن فيه.\nولثلاث عشرة خلت من ذي القعدة منها - فيما ذكر - ورد كتاب آخر من ابن بانوا من البحرين، يذكر فيه أنَّه واقع قرابة لأبي سعيد الجنابيّ، ووليّ عهده من بعده على أهل طاعته، فهزمه، وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف فوُجد بعدما انهزم أصحابه قتيلًا بين القتلى، فاحتزّ رأسه، وأنه دخل القطيف فافتتحها.\nومن كتب صاحب الشامة إلى بعض عماله:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن عبد الله أحمد بن عبد الله المهديّ المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذابّ عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله أمير المؤمنين وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتّت المخالفين، والقيّم بسنة سيد المرسلين، وولد خير الوصيّين، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيّبين، وسلم كثيرًا، إلى جعفر بن حميد الكرديّ:\nسلام عليك؛ فإنّي أحمَدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلِّيَ على جَدّي محمَّد رسول الله - ﷺ -، أما بعد؛ فقد أُنهِيَ إلينا ما حدث قبَلك من أخبار أعداء الله الكفَرة، وما فعلوه بناحيتك، وأظهروه من الظلم والعَيْث والفساد في الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك من جيوشنا مَنْ ينتقم الله به من أعدائه الظالمين، الذين يسعوْن في الأرض فسادًا، وأنفذنا عُطيرًا داعيتَنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، وأمددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يُجريَنا اللهُ فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم؛ فينبغي أن","vol":"13","page":492},{"text":"تشدّ قلبك وقلوب مَنْ معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذي لم يزل يعوّدناه في كل من مرق عن الطاعة وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية، وما يتجدّد فيها، ولا تُخْفِ عني شيئًا من أمرها إن شاء الله.\nسبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على جدّي محمَّد رسول الله وعلى أهل بيته وسلم كثيرًا.\n* * *\nنسخة كتاب عامل له إليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nلعبد الله أحمد الإمام المهديّ المنصور بالله - ثمَّ الصدر كلُّه على مثال نسخة صدر كتابه إلى عامله الذي حكينا في الكتاب الذي قبل هذا الكتاب - إلى ولد خير الوصيّين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين وسلم كثيرًا. ثمَّ بعد ذلك: من عامر بن عيسى العنقائيّ.\nسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام الله عزّه وتأييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، وأسبغ نعمه عليه، وزاد في إحسانه إليه، وفضْله لديه، فقد كان وصل كتاب سيّدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، يُعلِمني فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصورة مع قائد من قوّاده إلى ناحيتنا لمجاهدة أعداء الله بني الفصيص والخائن بن دُحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وبأسبابهم وضياعهم، ويأمرني أدام الله عزّه عند نظري في كتابه بالنهوض في كلّ من قدرتُ عليه من أصحابي وعشائري للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كلّ ما يُومون إليه ويأمرون به، وفهمتُه، ولم يصل إليّ هذا الكتاب أعز الله أمير المؤمنين حتى وافت الجيوش المنصورة؛ فنالت طرفًا من ناحية ابن دُحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن أحمد الدّاعية ليلقوْه بمدينة أفاميَة، ثمَّ ورد عليّ كتاب مسرور بن أحمد في درجة الكتاب الذي اقتصصتُ ما فيه من صدر كتابي هذا، يأمرني فيه بجمع من تهيأ مِنْ أصحابي وعشيرتي والنهوض إلى ما قِبَله، ويحذِّرني التخلّف عنه، وكان ورود كتابه عليّ وقتَ صحّ عندنا نزول المارق سُبْك عبد مفلح مدينة عَرْقة في زهاء ألف رجل،","vol":"13","page":493},{"text":"ما بين فارس وراجل، وقد شارف بلدنا، وأطلّ على ناحيتنا، وقد وجّه أحمد بن الوليد عبد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه إلى جميع أصحابه، ووجّهت إلى جميع أصحابي، فجمعناهم إلينا، ووجّهنا العيون إلى ناحية عَرْقة لنعرف أخبار هذا الخائن، وأين يريد، فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجو أن يُظفر الله به، ويمكّن منه بمنه وقدرته.\nولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق في هذه الناحية، وإشرافه على بلدنا لما تأخّرت في جماعة أصحابي عن النهوض إلى مدينة أفاميَة، لتكون يدي مع أيدي القوّاد المقيمين بها لمجاهدة مَنْ بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وأعلمت سيدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه السبب في تخلّفي عن مسرور بن أحمد، ليكونَ على علم منه، ثمَّ إن أمرني أدام الله عزه بالنفوذ إلى أفامية كان نفوذي برأيه، وامتثلتُ ما يأمرني به إن شاء الله، أتمّ الله على أمير المؤمنين نعمه وأدام عزّه وسلامته، وهنّأه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته.\nوالسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين الأخيار.\nوفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوشَ إلى صاحب الشامة، وولَّى حربه محمَّد بن سليمان الكاتب الذي كان إليه ديوان الجيش، وضمّ جميع القواد إليه، وأمرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرّقة في جيش كثيف، وكتب إلى مَنْ تقدمه من القوّاد بالسمع له والطاعة.\n* * *\nوفيها ورد رسولًا صاحب الروم؛ أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفِداء بمن في يده من المسلمين أسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم إليه، فأجابهما إلى ما سألا، وخلع عليهما.\nوحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٦).","vol":"13","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2210>ثمَّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>[ذكر خبر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة]</span>\nفمن ذلك ما كان من أمر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة (١).\nذكر الخبر عن هذه الوقعة:\nقال أبو جعفر: قد مضى ذكرى شخوصَ المكتفي من مدينة السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره إلى الرّقة، وبثه جيوشَه فيما بين حلب وحِمْص، وتوليته حرب صاحب الشامة محمَّد بن سليمان الكاتب وتصييره أمْرَ جيشه وقوّاده إليه؛ فلما دخلت هذه السنة كتب وزيره القاسم بن عبيد الله إلى محمَّد بن سليمان وقوّاد السلطان يأمره وإيّاهم بمناهضة ذي الشامة وأصحابه، فساروا إليه حتى صاروا إلى موضع بينهم وبين حَماة - فيما قيل - اثنا عشر ميلًا، فلقُوا به أصحابَ القرمطي في يوم الثلاثاء لست خَلَوْن من المحرّم، وكان القرمطيّ قدم أصحابه، وتخلّف هو في جماعة من أصحابه، ومعه مالٌ قد كان جمعه، وجعل السَّواد وراءه، فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان وأصحاب القرمطي، واشتدّت، فهُزم أصحاب القرمطيّ، وقتِلوا وأسِرَ من رجالهم بشرٌ كثير، وتفرّق الباقون في البوادِي، وتَبِعهم أصحابُ السلطان ليلة الأربعاء لسبع خلوْن من المحرّم، فلمّا رأى القرمطيّ ما نزل بأصحابه من الفُلول والهزيمة حمّل - فيما قيل - أخًا له يكنى أبا الفضل مالًا، وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع، فيصير إليه، وركب هو وابن عمّه المسمّى المدثّر والمطوّق صاحبه وغلام له روميّ وأخذ دليلًا، وسار يريد الكوفة عرضًا في البريّة، حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدّاليّة من أعمال طريق الفُرات، فنفد ما كان معهم من الزّاد والعلف، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ له ما يحتاجون إليه، فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طَوْق لشراءِ حاجِة، فأنكروا زيّه، وسُئِل عن أمره فمجمج،\n_________\n(١) كذلك ذكر ابن الجوزي هذه الوقعة العظيمة ضمن أحداث سنة (٢٩١ هـ) وانظر تعليقنا الآتي.","vol":"13","page":495},{"text":"فأعلِم المتولي مسلحة هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بأبي خُبْزَة خليفة أحمد بن محمَّد بن كُشَمْرد عامل أمير المؤمنين المكتفي على المعاون بالرّحبة وطريق الفرات، فركب في جماعة، وسأل هذا الرجل عن خبره، فأخبره أن الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر.\nفمضى إليهم، فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه، فتوجّه بهم ابن كُشَمْرد وأبو خبزة إلى المكتفي بالرّقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا جميعَ مَنْ قدروا عليه من أولياء القرمطيّ وأشياعه، وكتب محمَّد بن سليمان إلى الوزير بالفتح:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقد تقدّمت كتبي إلى الوزير أعزه الله في خبر القرمطيّ اللعين وأشياعه؛ بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله، ولمّا كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرّم رحلتُ من الموضع المعروف بالقروانة نحو موضع يعرف بالعليانة في جميع العسكر من الأولياء، وزحفْنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك؛ فلم أبعد أن وافاني الخبر بأن الكافر القرمطيّ أنفذ النعمان ابن أخي إسماعيل بن النعمان أحد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلْق من الرّجّالة، وإنه نزل بموضع يعرف بتمنع، بينه وبين حماة اثنا عشر ميلًا، فاجتمع إليه جميع مَنْ كان بمعرّة النعمان وبناحية الفصيصيّ وسائر النواحي من الفرسان والرّجّالة، فأسررت ذلك عن القوّاد والناس جميعًا ولم أظهره، وسألتُ الدّليل الذي كان معي عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر أنَّه ستة أميال، فتوكّلت على الله ﷿، وتقدّمت إليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعًا، وسرنا حتى وافيتُ الكفرة، فوجدتهم على تعبئة، ورأينا طلائعهم، فلمّا نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا إليهم، فافترقوا ستّة كراديس، وجعلوا على ميسرتهم - على ما أخبرني من ظفرتُ به من رؤسائهم - مسرورًا العُليصيّ وأبا الحمل وغلام هارون العُليصيّ، وأبا العذاب، ورجاء وصافي وأبا يعلى العلويّ، في ألف وخمسمئة فارس، وكمنوا كمينًا في أربعمئة فارس خلْف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في القلب النعمان العُليصيّ والمعروف بأبي الحَطّي، والحماريّ وجماعة من بطلانهم في ألف وأربعمئة فارس وثلاثة آلاف","vol":"13","page":496},{"text":"راجل، وفي ميمنتهم كليبًا العليصيّ والمعروف بالسديد العليصيّ والحسين بن العليصي وأبا الجراح العليصي وحميد العليصيّ، وجماعة من نظرائهم في ألف وأربعمئة متفرّقين، متوكّلين على الله ﷿.\nوقد استحثثتُ الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم، فلما رأى بعضُنا بعضًا حمل الكردوس الذي كان في ميسرتهم ضربًا بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنة، فاستقبلهم الحسين - بارك الله عليه وأحسن جزاءه - بوجهه وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلّوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضربًا للوجوه فصُرع من الكفار الفجرة ستمئة فارس في أوّل وقعة وأخذ أصحاب الحسين خمسمئة فرس وأربعمئة طوْق فضة، وولّوْا مدبرين مفلولين، واتّبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حملة وحملة، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة؛ حتى أفناهم الله ﷿، فلم يفلت منهم إلَّا أقل من مئتي رجل.\nوحمل الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويُمْن الخادم ومَنْ كان معهما من بني شيبان وبني تميم، فاستقبلوهم بالرّماح حتى كسرُوها فيهم؛ واعتنق بعضُهم بعضًا، فقتِل من الفجرة جماعةٌ كثيرة، وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحًا لخليفة في ثلاثمئة فارس، وجميع أصحاب خليفة؛ وهم يعاركون بني شيبان وتميم، فقتِل من الكفرة مقتلة عظيمة، واتّبعوهم، فأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمئة فرس ومئة طوْق، وأخذ أصحاب خليفة مثلَ ذلك؛ وزحف النعمان ومَنْ معه في القلْب إلينا، فحملتُ ومَنْ معي، وكنت بين القلب والميمنة، وحمل خاقان ونصر القشوريّ ومحمد بن كُمُشجُور ومَنْ كان معهم في الميمنة، ووصيف مُوشكير ومحمد بن إسحاق بن كُنْداجيق وابنا كَيْغلَغ والمبارك القمّي وربيعة بن محمَّد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحيّ الكبير ووصيف البكتمريّ وبشر البكتمريّ ومحمد بن قَراطُغان.\nوكان في جناح الميمنة جميعُ من حمل على مَنْ في القلب ومَن انقطع ممّن كان حمل على الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجّالتهم","vol":"13","page":497},{"text":"حتى قُتلوا أكثر من خمسة أميال، ولما أن تجاوزتُ المصافّ بنصف ميل خفتُ أن يكون من الكفار مكيدة في الاحتيال على الرّجالة والسواد، فوقفتُ إلى أن لحقوني، وجمعتهم وجمعت الناس إليّ وبين يدي المطرد المبارك، مطرد أمير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الأوّل، وحمل الناس، ولم يزل عيسى النوشري ضابطًا للسواد من مصافّ خلفهم مع فرسانه ورجّالته على ما رسمتُه له، لم يَزُل من موضعه إلى أن رجع الناس جميعًا إليّ من كلّ موضع، وضربت مضربي في الموضع الذي وقفت فيه؛ حتى نزل الناس جميعًا، ولم أزل واقفًا إلى أن صلّيتُ المغربَ، حتى استقرّ العسكر بأهلِه، ووجَّهت في الطلائع ثمَّ نزلت؛ وأكثرت حمد الله على ما هنّأنا به من النصر، ولم يُبق أحد من قوّاد أمير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركة في المناصحة لها إلَّا بلغوها؛ بارك الله عليهم جميعًا!\nولمّا استراح الناس خرجت والقوّاد جميعًا لنقيم خارج العسكر إلى أن يصبح الناس خوفًا من حيلة تقع، وأسأل الله تمام النعمة وإيزاع الشكر؛ وأنا - أعزّ الله سيدنا الوزير - راحل إلى حَماة، ثمَّ أشخص إلى سلمية بمنّ الله تعالى وعونه، فمن بَقيَ من هؤلاء الكفار مع الكافر فهم بسلمية؛ فإنَّه قد صار إليها منذ ثلاثة أيام، وأحتاج إلى أن يتقدم الوزير بالكتاب إلى جميع القوّاد وسائر بطون العرب من بني شَيْبان وتغلِب وبني تميم، يجزيهم جميعًا الخير على ما كان في هذه الوقعة؛ فما بقيَ لأحد منهم - صغير ولا كبير - غاية، والحمد لله على ما تفضّل بهّ، وإياه أسأل تمامَ النعمة.\nولما تقدَّمت في جمع الرؤوس، وُجِد رأس أبي الحمل، ورأس أبي العذاب وأبي البغل، وقيل إن النعمان قد قُتِل؛ وقد تقدّمت في طلبه، وأخذ رأسِه وحمله مع الرؤوس إلى حضرة أمير المؤمنين إن شاء الله.\nوفي يوم الإثنين الأربع بقين من المحرَّم، أدخِل صاحب الشامة إلى الرّقة ظاهرًا للناس على فالج، عليه برنس حرير ودرّاعة ديباج، وبين يديه المدّثّر والمطوّق على جملين.\nثمَّ إن المكتفي خلّف عساكره مع محمَّد بن سليمان، وشخص في خاصّته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرّقة إلى بغداد، وحمل","vol":"13","page":498},{"text":"معه القرمطيّ والمدثّر والمطوّق وجماعة من أسارى الوقعة، وذلك في أول صفر من هذه السنة.\nفلما صار إلى بغداد عزم - فيما ذكر - على أن يدخل القرمطيَّ مدينة السلام مصلوبًا على دَقَل، والدّقل على ظهر فيل؛ فأمر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل، إن كانت أقصر من الدَّقل؛ وذلك مثل باب الطاق وباب الرّصافة وغيرهما.\nثمَّ استسمج المكتفي - فيما ذكر - فعل ما كان عزم عليه من ذاك، فعمل له دميانة - غلام يازَمان - كرسيًّا، وركِّب الكرسيّ على ظهر الفيل، وكان ارتفاعه عن ظهر الفيل ذراعيْن ونصف ذراع - فيما قيل - ودخل المكتفي مدينة السلام بغداد صبيحة يوم الإثنين لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأوّل، وقُدّم الأسرى بين يديه على جِمَال مقيّدين، عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، والمطوّق في وسطهم، غلام ما خرجتْ لحيته، قد جُعل في فيه خشبة مخروطة، وشُدّت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنَّه لما أدخِل الرّقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق عليهم، فَفُعِل ذلك به لئلا يشتم إنسانًا.\nثمَّ أمر المكتفي ببناء دكّة في المصلّى العتيق من الجانب الشرقيّ، تكسيرها عشرون ذراعًا في عشرين ذراعًا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرُع، وبَنيَ لها درج يصعد منه إليها، وكان المكتفي خلّف مع محمَّد بن سليمان عساكره بالرّقة عند منصَرفه إلى مدينة السلام، فتلقّط محمَّد بن سليمان مَنْ كان في تلك الناحية من قُوّاد القرمطيّ وقضاته وأصحاب شُرَطه، فأخذهم وقيّدهم، وانحدر والقوّاد الذين تخلّفوا معه إلى مدينة السلام على طريق الفرات، فوافَى باب الأنبار ليلة الخميس لاثنتي عشرة خلت منْ شهر ربيع الأوّل، ومعه جماعة من القوّاد، منهم خاقان المفلحيّ ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما: فأمِر القوّاد الذين ببغداد بتلقِّي محمَّد بن سليمان والدخول معه، فدخل بغداد وبين يديه نيّف وسبعون أسيرًا، حتى صار إلى الثريّا، فخُلع عليه، وطُوّق بطوق من ذهب وسُوّر بسواريْن من ذهب، وخُلِع على جميع القوّاد القادمين معه، وطُوّقوا وسُوّروا وصُرفوا إلى منازلهم، وأمِر بالأسرى إلى السجن.\nوذكر عن صاحب الشامة أنَّه أخذَ وهو في حبس المكتفي سكرجّة من المائدة","vol":"13","page":499},{"text":"التي تدخل إليه فكسرها، وأخذ شظيَّة منها فقطع بها بعض عروق نفسه، فخرج منه دم كثير، ثمَّ شَدّ يده، فلما وقف المولَّى خدمته على ذلك سأله: لمَ فعل ذلك؟ فقال: هاج بي الدم فأخرجته، فترِك حتى صلح، ورجعت إليه قوّته.\nولما كان يوم الإثنين لسبع بَقين من شهر ربيع الأوّل أمر المكتفي القوّاد والغلمان بحضور الدّكة التي أمر ببنائها، وخرج من الناس خلقٌ كثير لحضورها، فحضروها، وحضر أحمد بن محمَّد الواثِقيّ وهو يومئذ يلي الشرطة بمدينة السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدّكة، فقعدا عليها، وحمِل الأسرى الذين جاء بهِم المكتفي معه من الرَّقة والذين جاء بهم محمَّد بن سليمان ومَنْ كان في السجن من القَرامطة الذين جمعوا من الكوفة، وقومٌ من أهل بغداد كانوا على رأي القرامطة، وقومٌ من الرّفوغ من سائر البلدان من غير القرامطة - وكانوا قليلًا - فجيء بهم على جمال، وأحضِروا الدّكة، ووقفوا على جمالهم، ووكِّل بكلّ رجل منهم عونان، فقيل: إنهم كانوا ثلاثمئة ونيّفًا وعشرين، وقيل ثلاثمئة وستين، وجيء بالقرمطيّ الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة؛ ومعه ابن عمه المعروف بالمدّثر على بغل في عماريّة، وقد أسبِل عليهما الغشاء، ومعهما جماعة من الفرسان والرّجّالة، فصعِد بهما إلى الدكة، وأقعِدا، وقدّم أربعة وثلاثون إنسانًا من هؤلاء الأسارى، فقُطِعت أيديهم وأرجلهم، وضُربت أعناقهم واحدًا بعد واحد، كان يُؤخذ الرجل فيبطح على وجهه فتقطع يمنى يديه، ويحلّق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثمَّ تُقطع رجله اليسرى، ثمَّ يسرى يديه، ثمَّ يمنى رجليه، ويُرمى بما قطِع منه إلى أسفل، ثمَّ يقعَد فيمدّ رأسه، فيضُرب عنقه، ويرمَى برأسه وجثته إلى أسفل، وكانت جماعة من هؤلاء الأسرى قليلة يضجّون ويستغيثون، ويحلفون: أنهم ليسوا من القرامطة.\nفلما فُرغ من قتل هؤلاء الأربعة والثلاثين النفس - وكانوا من وجوه أصحاب القرمطيّ - فيما ذكر - وكبرائهم قُدّم المدّثر، فقطِعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، ثمَّ قدَّم القرمطيّ فضُرِب مئتي سوط، ثمَّ قطِعت يداه ورجلاه، وكوِيَ فغُشِيَ عليه، ثمَّ أخِذ خشب فأضرمت فيه النار، ووُضع في خواصرِه وبطنه، فجعل يفتح عينيه ثمَّ يغمضهما؛ فلما خافوا أن يموت ضُربت عنقه، ورُفع رأسه على خشبة، وكبّر مَن على الدكة وكبّر سائر الناس، فلما قُتِل انصرف القوّاد ومَنْ","vol":"13","page":500},{"text":"كان حضر ذلك الموضع للنظر إلى ما يُفعل بالقرمطيّ. وأقام الواثقيّ في جماعة من أصحابه في ذلك الموضع إلى وقت العشاء الآخرة، حتى ضُربت أعناق باقي الأسرى الذين أحضروا الدّكة، ثمَّ انصرف (١).\nفلما كان من غد هذا اليوم حُملت رؤوس القتلى من المصلّى إلى الجسر، وصُلِب بَدَن القرمطيّ في طرف الجسر الأعلى ببغداد، وحفِرت لأجساد القتلى في يوم الأربعاء آبار إلى جانب الدّكة، وطُرحت فيها وطُمّت، ثمَّ أمِر بعد أيام بهدم الدكة ففُعل.\nولأربع عشرة خلتْ من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما منصرفًا عن عمله بطريق الفرات، ومعه رجلٌ من بني العُلَيص من أصحاب القرمطيّ صاحب الشامة؛ دخل إليه بأمان، وكان أحد دعاة القرمطي، يكنى أبا محمَّد، وكان سبب دخوله في الأمان أنَّ السلطان راسلَه، ووعده الإحسان إن هو دخل في الأمان، وذلك أنَّه لم يكن بقي من رؤساء القرامطة بنواحي الشأم غيره، وكان من موالي بني العليص، فرّ وقتَ الوقعة إلى بعض النواحي الغامضة، فأفلت، ثمَّ رغب في الدّخول في الأمان والطاعة خوفًا على نفسه، فوافَى هو ومَنْ معه مدينة السلام، وهم نَيّفٌ وستون رجلًا، فأومنوا وأحسِن إليهم، ووُصِلوا بمال حمِل إليهم، وأخرج هو ومَنْ معه إلى رَحبة مالك بن طَوْق مع القاسم بن سيما، وأجريت لهم الأرزاق، فلما وصل القاسم بن سيما إلى عمله وهم معه، أقاموا معه مدّة، ثمَّ أجمعوا على الغدر بالقاسم بن سيما، وائتمروا به، ووقف على ذلك من عزمهم، فبادرهم ووضع السيف فيهيم فأبارهم، وأسر جماعة منهم، فارتدع مَنْ بقي من بني العليص ومواليهم، وذلّوا ولزموا أرض السَّماوة وناحيتها مدة حتى راسلهم الخبيث زكرويه، وأعلمهم أنّ مما أوحي إليه، أن المعروف بالشيخ وأخاه يُقتلان، وأن إمامَه الذي يوحَى إليه يظهر بعدهما ويظفر.\n* * *\nوفي يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى زوّج المكتفي ابنه محمّدًا\n_________\n(١) لقد ذكر ابن الجوزي هذه التفاصيل (١٠٨ - ١١٤) مختصرًا في منتظمه (١٣/ ٢٢ - ٢٣) وكذلك ذكره ابن كثير مختصرًا [٨/ ٢٧٠].","vol":"13","page":501},{"text":"ويكنى أبا أحمد بابنة أبي الحسين القاسم بن عبيد الله على صداقِ مئة ألف دينار.\nوفي آخر جمادى الأولى من هذه السنة وَرَد - فيما ذكر - كتاب من ناحية جُبّى، يذكر فيه أن جُبّى وما يليها جاءها سيل في وادٍ من الجبل، فغرّق نحوًا من ثلاثين فرسخًا، غرق في ذلك خلقٌ كثير، وغرقت المواشي والغَلّات، وخربت المنازل والقُرى، وأخرِج من الغرقى ألف ومئتا نفس، سوى من لم يلحق منهم.\nوفي يوم الأحد غرّة رجب خلَع المكتفي على محمَّد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعة من وجوه القوّاد، منهم محمَّد بن إسحاق بن كُنداجيق، وخليفة بن المبارك المعروف بأبي الأغرّ وابنا كيغَلغ، وبندقة بن كُمُشجور، وغيرهم من القوّاد، وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وخرج محمَّد بن سليمان والخِلَع عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسيّة، وعسكر هنالك، وعسكر معه جماعة القوّاد الذين أخرِجوا وبرزوا، وكان خروجهم ذلك قاصدين لدمشق ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه؛ لِما تبيّن للسلطان من ضعفه وضعف مَنْ معه وذهاب رجاله بقتل مَنْ قتل منهم القرمطيّ.\nثمَّ رحل لستّ خلون من رجب محمَّد بن سليمان بن باب الشماسيّة ومن ضمّ إليه من الرجال، وهم زهاء عشرة آلاف رجل، وأمر بالجدّ في المسير.\nولثلاث بقين من رجب قرئ في الجامعين بمدينة السلام كتابٌ ورد من إسماعيل بن أحمد من خراسان، يذكر فيه أنّ الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم وخلق كثير، وأنه كان في عسكرهم سبعمئة قبّة تركيّة، ولا يكون ذلك إلَّا للرؤساء منهم، فوُجّه إليه برجل من قُوّاده في جيش ضمّه إليه، ونودي في الناس بالنّفير، فخرج من المطّوّعة ناس كثير، ومضى صاحب العسكر نحو الترك بمَنْ معه، فوافاهم المسلمون وهم غارُّون، فكبسوهم مع الصّبح، فقُتِل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستُبِيح عسكرهم، وانصرف المسلمون إلى موضعهم سالمين غانمين (١).\nوفي شعبان منها ورد الخبر أنّ صاحب الروم وجّه عشرة صلبان معها مئة ألف\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٢٣).","vol":"13","page":502},{"text":"رجل إلى الثّغور، وأن جماعة منهم قصدت نحو الحدث، فأغاروا وسَبَوْا مَنْ قدروا عليه من المسلمين، وأحرقوا (١).\nوفي شهر رمضان منها ورد كتاب من القاسم بن سيما من الرّحبة على السلطان، يذكر فيه أن الأعراب الذين استأمنوا إلى السلطان وإليه من بني العُليص ومواليهم ممنّ كان مع القرمطيّ نكثوا وغدروا، وأنهم عزموا على أن يكبسوا الرّحبة في يوم الفطر، عند اشتغال الناس بصلاة العيد، فيقتلوا مَنْ يلحقون، وأن يحرقوا وينهبوا، وإني أوقعت عليهم الحيلة حتى قتلت منهم وأسرت خمسين ومئة نفس، سوى مَن غَرق منهم في الفرات، وإني قادم بالأسرى وفيهم جماعة من رؤسائهم وبرؤوس مَنْ قتِل منهم (٢).\nوفي آخر شهر رمضان من هذه السنة ورد كتاب من أبي معدان من الرّقة - فيما قيل - باتصال الأخبار به من طَرَسوس أنّ الله أظهر المعروف بغلام زرافة في غزاة غزاها الرّوم في هذا الوقت بمدينة تدعى أنطالية، وزعموا أنها تعادل قسطنطينيّة، وهذه المدينة على ساحل البحر، وأن غلام زرافة فَتَحها بالسيف عنوة، وقتل - فيما قيل - خمسة آلاف رجل، وأسر شبيهًا بعدّتهم، واستنقذ من الأسارى أربعة آلاف إنسان، وأنه أخذ للروم ستين مركبًا، فحمّلها ما غنم من الفضة والذهب والمتاع والرقيق، وأنه قدّر نصيب كلّ رجل حضر هذه الغزاة، فكان ألف دينار، فاستبشر المسلمون بذلك، وبادرتُ بكتابي هذا ليقف الوزير على ذلك.\nوكتب يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان.\n* * *\nوأقام الحجّ للناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (٣).\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٢٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ٢٣) فقد ذكر الخبر مختصرًا.\n(٣) انظر المنتظم (١٣/ ٢٣).","vol":"13","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2212>ثمَّ دخلت سنة اثنتين وتسعين ومئتين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nفمن ذلك ما كان من توجيه نزار بن محمَّد من البصرة إلى السلطان ببغداد رجلًا ذكر أنَّه أراد الخروج على السلطان، وصار إلى واسط، وأن نزارًا وجَّه في طلبه مَنْ قبض عليه بواسط، وأحدره إلى البصرة، وأنه أخَذ بالبصرة قومًا؛ ذكر أنهم بايعوه، فوجّه نزار جميعهم في سفينة إلى بغداد، فوقفوا في فُرْضة البصريين، ووجّه جماعة من القواد إلى فرضة البصريين، فحمِل هذا الرجل على الفالج، وبين يديه ابن له صبيّ على جمل، ومعه تسعة وثلاثون إنسانًا على جمال، وعلى جماعتهم برانس الحرير ودراريع الحرير، وأكثرهم يستغيث ويبكي، ويحلف أنَّه برئ، وأنه لا يعرف مما ادّعي عليه شيئًا، وجازوا بهم في التمارين وباب الكرخ والخلد حتى وصلوا إلى دار المكتفي، فأمر بردّهم، وحبسهم في السجن المعروف بالجديد.\nوفي المحرّم منها أغار أنْدُرونقس الروميّ على مَرْعَش ونواحيها، فنفر أهل المصّيصة وأهل طَرَسوس، فأصيب أبو الرّجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين.\nوفي المحرّم منها صار محمَّد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه، ووجّه المكتفي دميانة غلام يا زمان من بغداد، وأمره بركوب البحر والمضيّ إلى مصر ودخول النيل، وقطع الموادّ عمّن بمصر من الجند، فمضى ودخل النيل حتى وصل إلى الجسر، فأقام به، وضيّق عليهم، وزحف إليهم محمَّد بن سليمان في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القوّاد الذين بها، فكان أوّل مَنْ خرج إليه بدر الحماميّ - وكان رئيس القوم - فكسرهم ذلك، ثمَّ تتابع مَنْ يستأمن إليه من قوّاد المصريّين وغيرهم؛ فلما رأى ذلك هارون وبقية مَنْ معه، زحفوا إلى محمَّد بن سليمان، فكانت بينهم وَقعات - فيما ذكر - ثمَّ وَقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبيّة فاقتتلوا، فخرج هارون ليُسكتَهم، فرماه بعض المغاربة بزانة فقتله.\nوبلغ محمَّد بن سليمان الخبرُ، فدخل هو ومَنْ معه الفسطاط، واحتوى على","vol":"13","page":504},{"text":"دور آل طولون وأسبابهم، وأخذهم جميعًا وهم بضعة عشر رجلًا، فقيّدهم وحبسهم، واستصفَى أموالهم، وكتب بالفتح، وكانت الوقعة في صفر من هذه السنة (١).\nوكتِب إلى محمَّد بن سليمان في إشخاص جميع آل طولون وأسبابهم من القوّاد، وألا يترك أحدًا منهم بمصر ولا بالشام، وأن يبعث بهم إلى بغداد، ففعل ذلك.\nولثلاث خلوْن من شهر ربيع الأوّل منها سقط الحائط الذي على رأس الجسر الأوّل من الجانب الشرقيّ من الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطيّ، وهو مصلوب بقرب ذلك الحائط، فطحنه، فلم يُوجد بعد منه شيء.\nوفي شهر رمضان منها ورد الخبر على السلطان بأنّ قائدًا من قوّاد المصريّين - يُعرف بالخليجيّ، يسمى إبراهيم - تخلّف عن محمَّد بن سليمان في آخر حُدود مصر مع جماعة استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى إلى مصر مخالفًا للسلطان، وصار معه في طريقه جماعة تحبّ الفتنة، حتى أكثر جمعه، فلما صار إلى مصر أراد عيسى النُّوشريّ محارَبته، وكان عيسى النُّوشريّ العامل على المعونة بها يومئذ فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجيّ، فانحاز عنه إلى الإسكندرية وأخلَى مصر فدخلها الخليجيّ.\nوفيها ندب السلطان لمحاربة الخليجيّ وإصلاح أمر المغرب فاتكًا مولى المعتضد، وضمّ إليه بدرًا الحماميّ، وجعله مشيرًا عليه فيما يعمل به، وضمّ إليه جماعة من القوّاد وجندًا كثيرًا.\nولسبع خلون من شوال منها خلِع على فاتك وبدر الحماميّ لِمَا ندبا إليه من الخروج إلى مصر، وأمِرا بسرعة الخروج، ثمَّ شخص فاتك وبدر الحماميّ لاثنتي عشرة خلت من شوال.\nوللنصف من شوّال منها دخل مدينة طَرَسُوس رستم بن بردوا واليًا عليها وعلى الثغور الشامية.\n_________\n(١) هذا الخبر (١٠/ ١١٨ - ١١٩) ذكره ابن الجوزي مختصرًا (١٣/ ٣٣).","vol":"13","page":505},{"text":"وفيها كان الفداء بين المسلمين والرّوم، وأوّل يوم من ذلك كان لستّ بقين من ذي القعدة منها، فكان جملة مَنْ فُودي به من المسلمين - فيما قيل - ألفًا ونحوًا من مئتي نفس، ثمَّ غدر الرُّوم، فانصرفوا ورجع المسلمون بمن بقي معهم من أسارى الروم، فكان عهد الفداء والهدنة من أبي العشائر والقاضي ابن مكرم؛ فلما كان من أمر أنْدُرُونقس ما كان من غارته على أهل مَرْعش وقتله أبا الرّجال وغيره، عزِل أبو العشائر وولِّيَ رستم، فكان الفداء على يديه، وكان المتولِّي أمرَ الفداء من قبَل الروم رجلٌ يدعَى أسطانه (١).\nوحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>ثمَّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بَقِين من صفر؛ بأن الخليجيّ المتغلِّب على مصر، واقع أحمد بن كَيْغلَغَ وجماعةً من القوّاد بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فنُدب للخروج إليه جماعة من القوّاد المقيمين بمدينة السلام، فيهم إبراهيم بن كَيْغلَغ، فخرجوا.\nولسبعٍ خلوْن من شهر ربيع الأوّل منها، وافى مدينةَ السلام قائد من قوّاد طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث الصفار مستأمنًا، يعرف بأبي قابوس، مفارقًا عسكر السِّجْزيّة، وذلك أن طاهر بن محمَّد - فيما ذكر - تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سِجِسْتان للصّيد والنزهة، فغلب على الأمر بفارس الليمث بن عليّ بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، ودبّر الأمر في عمل طاهر والاسم له، فوقع بينهم وبين أبي قابوس تباعدٌ، ففارقهم وصار إلى باب السلطان، فقبله السلطان، وخلع عليه وعلى جماعة معه وحَباه وأكرمه، فكتب طاهر بن\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٣٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ٣٤).","vol":"13","page":506},{"text":"محمَّد بن عمرو بن الليث إلى السلطان يسأله ردّ أبي قابوس إليه، ويذكر أنَّه استكفاه بعضَ أعمال فارس، وأنه جَبَى المال، وخرج به معه، ويسأل إن لم يردّ إليه أن يحسب له ما ذهب به من مالِ فارس ممَّا صُودر عليه، فلم يجبه السلطان إلى شيء من ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>[ذكر الخبر عن ظهور أخي الحسين بن زكرويه] </span>(١)\nوفي هذا الشهر من هذه السنة ورد الخبر أن أخًا للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدّالية من طريق الفرات في نفر، وأنه اجتمع إليه نفر من الأعراب والمتلصّصة فسار بهم نحو دمشق على طريق البرّ، وعاث بتلك الناحية، وحارب أهلها، فنُدب للخروج إليه الحسين بن حمدان بن حمدون، فخرج في جماعة كثيرة من الجند، وكان مصير هذا القرمطيّ إلى دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة، ثمَّ ورد الخبر أنّ هذا القرمطيّ صار إلى طَبَريّة فامتنعوا من إدخاله، فحاربهم حتى دخلها، فقَتَل عامة مَنْ بها من الرّجال والنساء، ونهبها، وانصرف إلى ناحية البادية.\nوفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأنّ الداعية الذي بنواحي اليمن صار إلى مدينة صنعاء، فحاربه أهلُها، فظفر بهم، فقتل أهلها، فلم ينفلت منهم إلا القليل، وتغلّب على سائر مدن اليمن (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2215>عاد الخبر إلى ما كان من أمر أخي ابن زكرَويْه </span>(٣)\nفذكر عن محمَّد بن داود بن الجراح أنَّه قال: أنفذ زكرويه بن مهرويه بعدما\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٤٤) فقد ذكر الخبر مختصرًا.\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ٤٤).\n(٣) هذه التفاصيل تتمة للخبر السابق (٧٣٩) وتتمة للمعارك التي جرت بين جيوش الخلافة وجيوش القرامطة.","vol":"13","page":507},{"text":"قتلِ ابنه صاحبُ الشامة رجلًا كان يعلّم الصبيان بقرية تدعى الزّابوقة من عمل الفلُّوجة، يسمَّى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمّى نصرًا ليعمي أمره، فدار على أحياء كَلْب يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد سوى رجل من بني زياد، يسمّى مقدام بن الكيّال، فإنَّه استغوى له طوائفَ من الأصبغيّين المنتمين إلى الفواطم وسواقط من العُليصِيّين وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، وعاملُ السلطان على دمشق والأردنّ أحمد بن كَيْغَلَغ، وهو مقيم بمصر على حرب ابن خَليج، الذي كان خالف محمَّد بن سليمان، ورجع إلى مصر، فغلب عليها، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا، وسار إلى مدينتي بُصرى وأذرعات من كُورتيْ حوران والبثنيّة، فحارب أهلها ثمَّ آمنهم، فلما استسلموا قَتل مقاتلتَهم، وسبى ذراريّهم، واستصفى أموالَهم، ثمَّ سار يؤمّ دمشق، فخرج إليه جماعة ممن كان مرسومًا بتشحيِنها من المصريّين كان خلّفهم أحمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل، فظهروا عليهم، وأثخنوا فيهم، ثمَّ اغترّوهم ببذل الأمان لهم، فقتلوا صالحًا، وفضُّوا عسكره، ولم يطمعوا في مدينة دمشق، وكانوا قد صاروا إليها، فدافعهم أهلُها عنها، فقصدوا نحو طبريّة مدينة جند الأردنّ، ولحق بهم جماعة افتتنت من الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي عامل أحمد بن كَيْغَلَغ على الأردنّ، فكسروه وبذلوا الأمان له، ثمَّ غدروا به، فقتلوه ونهبوا مدينة الأردنّ، وسبوا النساء، وقتلوا طائفة من أهلها، فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوهًا من القوّاد، فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبريّة، فلما اتّصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة، وتبعهم الحسيه يطلبهم في برِّيّة السَّماوة، وهم ينتقلون من ماء إلى ماء، ويعوِّرونه حتى لجؤوا إلى الماءين المعروفين بالدِّمْعَانة والحالة، وانقطع الحسين من اتباعهم لعدمه الماء، فعاد إلى الرّحبة، وأسرى القرامطةُ مع غاويهم المسمّى نصرًا إلى قرية هِيت فصبّحوها وأهلُها غارّون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب رَبَضَها، وقتل مَنْ قدر عليه من أهلها، وأحرق المنازل، وانتهب السفن التي في الفرات في غرضتها، وقتل من أهل البلد - فيما قيل - زهاء مئتي نفس ما بين رجل وامرأة وصبيّ، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع، وأوقر - فيما قيل - ثلاثة آلاف راحلة، كانت معه زهاءَ مئتي كرّ حنطة بالمعدَّل ومن البُرّ والعطر والسقط جميع ما احتاج إليه، وأقام بها بقية اليوم الذي","vol":"13","page":508},{"text":"دخلها والذي بعده، ثمَّ رحل عنها بعد المغرب إلى البرّيّة، وإنما أصاب ذلك مِنْ رَبَضِها، وتحصّن منه أهلُ المدينة بسورها، فشخص محمَّد بن إسحاق بن كُنْداجيق إلى هِيت في جماعة من القوّاد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطيّ، ثمَّ تبعه بعد أيام مؤنس الخازن.\nوذكر عن محمَّد بن داود، أنَّه قال: إنَّ القرامطة صبّحوا هِيت وأهلُها غارّون فحماهم الله منه بسورها، ثمَّ عجّل السلطان محمَّد بن إسحاق بن كُنْدَاجيق نحوهم، فلم يقيموا بها إلا ثلاثًا، حتى قرب محمَّد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو الماءين، فنهض محمَّد نحوهم، فوجدهم قد عوّروا المياه بينه وبينهم، فأنفِذت إليه من الحضرة الإبل والروايا والزّاد، وكُتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ من جهة الرّحبة إليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم، فلما أحسّ الكلبيّون بإشراف الجند عليهم، ائتمروا بعدوّ الله المسمّى نصرًا، فوثبوا عليه، وفتكوا به، وتفرّد بقتله رجلٌ منهم يقال له الذئب بن القائم، وشخص إلى الباب متقرّبًا، بما كان منه، ومستأمِنًا لبقيتهم، فأسنِيت له الجائزة، وعُرِف له ما أتاه، وكُفّ عن طلب قومِه، فمكث أيامًا ثمَّ هرب، وظفرت بطلائع محمَّد بن إسحاق برأس المسمّى بنصر، فاحتزّوه وأدخلوه مدينة السلام، واقتتلت القرامطة بعده، حتى وقعت بينهما الدماء، فصار مقدام بن الكيّال إلى ناحية طيئ مفلتًا بما احتوى عليه من الحُطام، وصارت فرقة منهم كرهت أمورَهم إلى بني أسد المقيمين بنواحي عين التمر، فجاوروهم وأرسلوا إلى السلطان وفدًا يعتذرون مما كان منهم، ويسألون إقرارهم في جوار بني أسد، فأجيبوا إلى ذلك، وحصلت على الماءين بقية الفسَقة المستبصرة في دين القرامطة.\nوكتب السلطان إلى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث أصولهم، فأنفذ زكرويه إليهم داعيةً له من أكَرة أهل السواد يسمّى القاسم بن أحمد بن عليّ، ويعرف بأبي محمّد، من رستاق نهر تلحانا، فأعلمهم أنّ فعل الذئب بن القائم قد أنفره عنهم، وثقّل قلبه عليهم، وأنهم قد ارتدّوا عن الدين، وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له بالكُوفة أربعون ألف رجل، وفي سوادها أربعمئة ألف رجل، وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في كتابه في شأن موسى كليمه عليه","vol":"13","page":509},{"text":"السلام وعدوه فرعون إذ يقول: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾، وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم، ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ويسيروا نحو الكوفة حتى يصبِّحوها في غداة يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومئتين، فإنهم لا يُمنعون منها، وأنه يظهر لهم، وينجز لهم وعَده الذي كانْت رسله تأتيهم به، وأن يحملوا القاسم بن أحمد معهم، فامتثلوا أمره، ووافوْا باب الكوفة، وقد انصرف الناس عن مصلّاهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها، وكان الذين وافوا باب الكوفة في هذا اليوم - فيما ذكر - ثمانمئة فارس أو نحوها، رأسهم الذبلانيّ بن مهرويه من أهل الصوعق، وقيل: هو من أهل جُنْبُلَاء، عليهم الدّروع والجواشن والآلة الحسنة، ومعهم جماعة من الرّجالة على الرّواحل فأوقعوا بمَنْ لحقوه من العوامّ، وسلبوا جماعة، وقتلوا نحوًا من عشرين نفسًا، وبادر الناس إلى الكوفة فدخلوها، وتنادَوْا السلاح، فنهض إسحاق بن عمران في أصحابه، ودخل مدينة الكوفة من القَرامطة زهاء مئة فارس من الباب المعروف بباب كندة، فاجتمعت العوامّ وجماعة من أصحاب السلطان، فرموْهم بالحجارة وحاربوهم وألقوا عليهم السُّتُر، فقتِل منهم زهاء عشرين نفسًا، وأخرجوهم من المدينة، وخرج إسحاق بن عمران ومَنْ معه من الجند، فصافُّوا القرامطة الحرب، وأمر إسحاق بن عمران أهل الكوفة بالتحارس لئلا يجد القرامطة غِرّة منهم، فيدخلوا المدينة، فلم يزل الحرب بينهم إلى وقت العصر يوم النّحر، ثمَّ انهزمت القرامطة نحو القادسيّة، وأصلح أهل الكوفة سورَهم وخندقهم، وقاموا مع أصحاب السلطان يحرُسون مدينَتهم ليلًا ونهارًا.\nوكتب إسحاق بن عمران إلى السلطان يستمدّه، فندب للخروج إليه جماعة من قوّاده، منهم طاهر بن عليّ بن وزير، ووصيف بن صوار تكبن التركيّ، والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الأفشيني، وجنى الصَّفوانيّ، ورائق الخزريّ. وضمّ إليه جماعةً من غلمان الحُجَر وغيرهم، فشخص أولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، ولم يرأس واحد منهم؛ كلُّ واحد منهم رئيس على أصحابه. وأمر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الأعراب بجمع الأعراب من البوادي بديار مُضَر وطريق الفرات ودَقُوقاء وخانيجَار وغيرها من النواحي،","vol":"13","page":510},{"text":"لينهضوا إلى هؤلاء القرامِطة إذْ كان أصحاب السلطان متفرّقين في نواحي الشام ومصر، فمضت الرسائل بذلك إليهم، فحضروا، ثمَّ ورد الخبر فيها بأنّ الذين شخصوا مددًا لإسحاق بن عمران خرجوا إلى زكرويه في رجالهم، وخلّفوا إسحاق بن عمران بالكوفة مع مَنْ معه من رجاله ليضبطها، وصاروا إلى موضع بينه وبين القادسيّة أربعة أميال، يعرف بالصؤر وهي في البرّية في العرض، فلقيهم زكرويه هنالك فصافّوه يوم الإثنين لتسع بقين من ذي الحجة.\nوقد قيل كانت الوقعة يوم الأحد لعشر بَقِين منه، وجعل أصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحوًا من ميل، ولم يخلّفوا أحدًا من المقاتلة عنده، واشتدّت الحرب بينهم، وكانت الدّبَرة أوّل هذا اليوم على القرمطيّ وأصحابه حتى كادوا أن يظفروا بهم، وكان زكرويه قد كَمّن عليهم كمينًا من خلفهم، ولم يشعروا به، فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد فانتهبه، ورأى أصحاب السلطان السيف من ورائهم، فانهزموا أقبَح هزيمة، ووضع القرمطيّ وأصحابه السيفَ في أصحاب السلطان، فقتلوهم كيف شاؤوا، وصبر جماعة من غلمان الحجَر من الخزر وغيرهم، وهم زهاء مئة غلام، وقاتلوا حتى قُتِلوا جميعًا بعد نكاية شديدة نَكَوْها في القرامطة، واحتوت القرامطة على سواد أصحاب السلطان فحازوه، ولم يُفِلت من أصحاب السلطان إلَّا مَنْ كان في دابته فَضْل فنجا به، أو من أثخِن بالجراح، فطرح نفسَه في القتلى، فتحامل بعد انقضاء الوقعة حتى دخل الكوفة، وأخذ للسلطان في هذا السّواد، مما كان وجّه به مع رجاله من الجمّازات، عليها السلاح والآلة زهاء ثلاثمئة جمّازة، ومن البِغال خمسمئة بغل.\nوذكر أن مبلغ مَنْ قتِل من أصحاب السلطان في هذه الوقعة سوى غلمانهم والحمّالين ومَنْ كان في السواد ألف وخمسمئة رجل، فقوَي القرمطيّ وأصحابه بما أخذوا في هذه الوقعة، وتطرّف بيادرَ كانت إلى جانبه، فأخذ منها طعامًا وشعيرًا، وحمله على بغال السلطان إلى عسكره، وارتحل من موضع الوقعة نحوًا من خمسة أميال في العرض إلى موضع يقرب من الموضع المعروف بنهر المثنيّة، وذلك أن روائح القتلى آذتهم.\nوذكر عن محمَّد بن داود بن الجراح أنَّه قال: وافى بابَ الكوفة الأعرابُ الذين","vol":"13","page":511},{"text":"كان زكرويه راسلهم، وقد انصرف المسلمون عن مصلّاهم مع إسحاق بن عمران، فتفرّقوا من جهتين، ودخلوا أبيات الكوفة، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد داعية زكرويه قُبّة، وقالوا: هذا ابن رسول الله - ﷺ -، ودعَوْا: يالثارات الحسين! يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينة السلام، وشعارهم: يا أحمد يا محمَّد - يعنون ابنيْ زكرويه المقتولين. وأظهروا الأعلام البيض، وقدّرُوا أن يستغووا رعاع الكوفيّين بذلك القول، فأسرع إسحاق بن عمران ومَنْ معه المبادرة نحوهم، ودفعهم وقتل مَنْ ثبت له منهم، وحضر جماعةٌ من آل أبي طالب، فحاربوا مع إسحاق بن عمران، وحضر جماعة من العامّة؛ فحاربوا، فانصرف القرامطة خاسئين، وصاروا إلى قرية تدعى العَشيرة من آخر عمل طَسُّوج السالحين ونهر يوسف مما يلي البرّ من يومهم، وأنفذوا إلى عدوّ الله زكرويه بن مهرويه مَن استخرجه من نقير في الأرض، كان متطمّرًا فيه سنين كثيرة بقرية الدرية وأهل قرية الصّؤر يتلقَّونَه على أيديهم، ويسمّونه ولىّ الله، فسجدوا له لمَّا رأوْه، وحضر معه جماعة من دعاته وخاصَّته، وأعلمهم أنَّ القاسم بن أحمد أعظم الناس عليهم مِنّةً، وأنه ردّهم إلى الدّين بعد خروجهم منه، وأنهم إذا امتثلوا أمَره أنجز مواعيدَهم، وبلّغهم آمالَهم، ورمز لهم رموزًا؛ وذكر فيها آيات من القرآن، نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه، واعترف لزكرويه جميع مَنْ رسخ حبُّ الكفر في قلبه من عربيّ ومولَى ونبَطيّ وغيرهم أنَّه رئيسهم المقدّم، وكهفهم وملاذُهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل، وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيّد، ولا يبرزونه لمن في عسكرهم، والقاسم يتولّى الأمور دونه، ويُمضيها على رأيه إلى مؤاخر سِقْي الفرات من عمل الكوفة، وأعلمهم أنّ أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام هنالكَ نَيّفًا وعشرين يومًا؛ يبثّ رسله في السواديَين مستلحقين، فلم يلحق بهم من السواديين إلا من لحقته الشقوة، وهم زهاء خمسمئة رجل بنسائهم وأولادهم، وسرّب إليه السلطان الجنود، وكتب إلى كلّ مَنْ كان نفذ نحو الأنبار وهِيت لضبطها خوفًا من معاودة المقيمين الذين كانوا بالماءين إليها بالانصراف نحو الكوفة، فعجّل إليهم جماعة من القوّاد منهم: بشر الأفشينيّ، وجنى الصفوانيّ، ونحرير العمريّ، ورائق فتى أمير المؤمنين، والغلمان الصّغار المعروفين بالحُجَريَّة، فأوقعوا بأعداء الله بقرب قرية الصؤر، فقتلوا رجّالتهم وجماعة من فرسانهم، وأسلموا بيوتَهم في","vol":"13","page":512},{"text":"أيديهم، فدخلوها، وتشاغلوا بها، فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم (١).\nوذُكر عن بعض مَنْ ذُكر أنَّه حضر مجلس محمَّد بن داود بن الجراح، وقد أدخِل إليه قوم من القرامطة، منهم سِلْفُ زكرويه، فكان مما حدّثه أنَّه قال: كان زكرويه مختفيًا في منزلي في سرداب في داري عليه باب حديد، وكان لنا تنُّور ننقله، فإذا جاءنا الطلب وضعنا التنُّور على باب السرداب، وقامت امرأة تسجُره؛ فمكث كذلك أربع سنين، وذلك في أيام المعتضد، وكان يقول: لا أخرج والمعتضد في الأحياء، ثمَّ انتقل من منزلي إلى دار قد جُعل فيها بيت وراء باب الدار، إذا فُتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل فلا يرى بابَ البيت الذي هو فيه، فلم يزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ أنفذ الدّعاة، وعمل في الخروج.\nولما ورد خبر الوقعة التي كانت بين القرمطيّ وأصحاب السلطان بالصؤر على السلطان والناس، أعظموه، ونُدب للخروج إلى الكوفة مَنْ ذكرت من القوّاد، وجُعِلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كُنْدَاج، وضمّ إليه جماعة من أعراب بني شيبان والنّمِر زهاء ألفيْ رجل، وأعطُوا الأرزاق.\n* * *\nولاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى قدم بغداد من مكة جماعة نحو العشرة، فصاروا إلى باب السلطان، وسألوه توجيه جيش إلى بلدهم، لأنهم على خوف من الخارج بناحية اليَمن أن يطأ بلدهم، إذ كان قد قرب منها بزعمهم.\nوفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتابٌ ورد على السلطان، أنّ أهل صنعاء وغيرهم من مُدن اليمن اجتمعوا على الخارجيّ الذي كان تغلّب عليها، فحاربوه وهزموه، وفلُّوا جُموعه، فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن، ثمَّ خلع السلطان لثلاث خلوْن من شوال على مظفّر\n_________\n(١) هذه نهاية التفاصيل التي ذكرها الطبري عن تلك المعارك الطاحنة فقد لخّصها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية [٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣] وانظر المنتظم [١٣/ ٤٤ - ٤٥] فابن الجوزي بدوره اختصر تلك التفاصيل فلينظر.","vol":"13","page":513},{"text":"ابن حاجّ، وعقد له على اليمن، فخرج ابن حاجّ لخمس خلون من ذي القعدة، ومضى إلى عمله باليمن، فأقام بها حتى مات.\nولسبعٍ بقين من رجب من هذه السنة، أخرِج مضرب المكتفي، فضرب بباب الشماسيَّة على أن يخرج إلى الشام بسبب ابن الخليج، فوردت خريطة لستّ بقين منه من مصر من قبَل فاتك، يذكر أنَّه والقوّاد زحفوا إلى الخليجيّ، وكانت بينهم حروب كثيرة، وأن آخر حرب جرت بينهم وبينه قتِل فيها أكثر أصحابه، ثمَّ انهزم الباقون، فظفروا بهم، واحتَووْا على معسكرهم، فهرب الخليجيّ حتى دخل الفسطاط، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، ودخل الأولياءُ الفسطاط، فلما استقرّوا بها دُلّ على الخليجي، وعلى مَنْ كان استتر معه ممن شايعه، فقبض عليهم وحبسهم قبَله، فكتب إلى فاتك في حمل الخليجي ومَنْ أخذ معه إلى مدينة السلام، فرُدّت مضارب المكتفي التي أخرجت إلى باب الشماسة، ووجّه في ردّ خزائنه، فردّت وقد كانت جاوزت تكريت (١).\nثمَّ وجّه فاتك بالخليجي من مِصْر وجماعة ممّن أسِر معه مع بِشْر مولى محمَّد بن أبي الساج إلى مدينة السلام.\nفلمّا كان في يوم الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنة أدخِل مدينة السلام من باب الشماسية، وقُدّم بين يديه إحدى وعشرون رجلًا على جمال، وعليهم برانس ودراريع حرير، منهم ابنا بينَك - فيما قيل - وابن أشكال الذي كان صار إلى السلطان من عسكر عمرو الصفار في الأمان، وصندل المزاحِميّ الخادم الأسود.\nفلما وصل الخليجيّ إلى المكتفي، فنظر إليه أمر بحبسه في الدار، وأمر بحبس الآخرين في الحديد، فوجّه بهم إلى ابن عمرويه، وكانت إليه الشرطة ببغداد، ثمَّ خلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خَلعًا، لحسن تدبيره في هذا الفتح، وخلع على بشر الأفشينيّ.\nولخمس خلوْن من شوال أدخل بغداد رأس القرمطيّ المسمى نصرًا الذي كان انتهب هِيت منصوبًا على قناة.\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ٢٧٢).","vol":"13","page":514},{"text":"ولسبع خلون من شوّال ورد الخبر مدينة السلام أنّ الرّوم أغاروا على قُورس، فقاتلهم أهلُها، فهزموهم، وقتلوا أكثرَهم، وقتلوا رؤساء بني تميم، ودخلوا المدينة، وأحرقوا مسجدَها، واستاقوا مَنْ بَقي من أهلها.\nوحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>ثمَّ دخلت سنة أربع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة</span>\nفممّا كان فيها من ذلك دخول ابن كيغَلغ طَرَسُوس غازيًا في أوَّل المحرّم وخرج معه رُستَم، وهي غزاة رستم الثانية، فبلغوا سلندو، ففتح الله عليهم، وصاروا إلى آلِس، فحصل في أيديهم نحو من خمسة آلاف رأس، وقتلوا مِن الروم مقتلَةً عظيمة، وانصرفوا سالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>[خبر زكرويه بن مهرويه القرمطيّ] </span>(٢)\nولاثنتي عشرة خلتْ من المحرّم ورد الخبر مدينة السلام أن زكرويه بن مهرويه القرمطيّ ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاجّ وأنه وافَى موضعًا بينه وبين واقصة أربعة أميال.\nوذكر عن محمَّد بن داود أنهم مَضَوْا في البرّ من جهة المشرق، حتى صاروا بالماء المسمّى سَلْمان، وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه يريد الحاجّ ينتظر القافلة الأولى، ووافت القافلة واقصة لستٍّ - أو سبعٍ - خلوْن من المحرّم، فأنذرهم أهلُ المنزل، وأخبروهم أنّ بينهم وبينه أربعة أميال.\nفارتحلوا ولم يقيموا فنَجوْا، وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الرّبَعيّ، وسيما الإِبراهيميّ، فلما أمعنت القافلة في السّيْر صار القرمطيّ إلى واقصة،\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٤٥).\n(٢) انظر المنتظم [١٣/ ٤٩ - ٥٠] فقد ذكر ابن الجوزي الخبر الطويل (هذا) مختصرًا.","vol":"13","page":515},{"text":"فسألهم عن القافلة فأخبروه أنها لم تقُم بواقصة، فاتّهمهم بإنذارهم إياهم، فقتَل من العلافين بها جماعة، وأحرق العلف، وتحصّن أهلُها في حصنهم، فأقام بها أيامًا، ثمَّ ارتحل عنها نحو زبالة.\nوذكر عن محمَّد بن داود أنَّه قال: إن العساكر سارت في طلب زكرويه نحو عيون الطفّ، ثمَّ انصرفت عنه لمّا علمت بمكانه بسلْمان، ونفذ علَّان بن كُشمَرْد مع قطعة من فرسان الجيش متجرّدة على طريق جادّة مكة نحو زكرويه حتى نزلوا السِّبال، فمضى نحو واقصة حتى نزلها بعد أن جازت القافلة الأولى، ومرّ زكرويه في طريقه بطوائف من بني أسد، فأخذها من بيوتها معه، وقصد الحاجّ المنصرفين عن مكة، وقصد الجادّة نحوهم.\nووافَى خبرُ العطير من اللحوق لأربع عشر بقيتْ من المحرّم من هذه السنة بأن زكرويه اعترض قافلة الخُراسانية يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرّم بالعقبة من طريق مكة، فحاربوه حربًا شديدًا، فساءلهم: وقال: أفيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاجّ، فقال لهم: فامضوا فلستُ أريدكم، فلما سارت القافلة تَبِعها فأوقع بها، وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرّماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت واختلطت القافلة، وأكبّ أصحاب الخبيث على الحاج يقتلونهم كيف شاؤوا، فقتلوا الرّجال والنساء، وسَبوْا من النساء من أرادوا واحتووا على ما كان في القافلة، وقد كان لقيَ بعض مَنْ أفلت من هذه القافلة عَلَّان بن كشمرد، فسأله عن الخبر، فأعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانية، وقال له: ما بينك وبين القوم إلَّا قليل، والليلة أو في غد توافي القافلة الثانية، فإن رأوا عَلمًا للسلطان قويتْ أنفسهم، واللهَ اللهَ فيهم! فرجع عَلّان من ساعته، وأمر مَنْ معه بالرجوع، وقال: لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل، ثمَّ أصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانية.\nوقد كان السلطان كتب إلى رؤساء القافلتين الثانية والثالثة ومن كان فيهما من القوّاد والكُتّاب مع جماعة من الرّسل الذين تنكَّبوا طريق الجادّة بخبر الفاسق وفعله بالحاجّ، ويأمرهم بالتحرّز منه، والعدول عن الجادّة نحو واسط والبصرة، أو الرجوع إلى فَيْد أو إلى المدينة، إلى أن يُلحِق بهم الجيوش.\nووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا، ولم يلبثوا وتقدّم أهل القافلة","vol":"13","page":516},{"text":"الثانية وفيها المبارك القُمّيّ وأحمد بن نصر العُقيليّ وأحمد بن عليّ بن الحسين الهمذانيّ، فوافوا الفجرة وقد رحلوا عن واقصة وعوَّروا مياهها، وملؤوا بركها وآبارها بجيف الإبل والدوابّ التي كانت معهم، مشقّقة بطونها، ووردُوا منزل العقبة في يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلتْ من المحرّم، فحاربهم أصحاب القافلة الثانية، وكان أبو العشائر مع أصحابه في أوّل القافلة ومبارك القميّ فيمن معه في ساقتها، فجرت بينهم حربٌ شديدة حتى كشفوهم، وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجرة من ساقتِهم غِرّة، فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، إلا مَنْ استعبدوه، ثمَّ أنفذوا إلى ما دون العقبة بأميال فوارس لحقوا المُفلتة من السيف، فأعطوْهم الأمان، فرجعوا فقتلوهم أجمعين، وسَبَوْا من النساء ما أحبُّوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة، وقُتل المبارك القميّ والمظفر ابنه، وأسِر أبو العشائر، وجُمع القتلى، فُوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتلّ العظيم، ثمَّ قطِعت يدا أبي العشائر ورجلاه، وضُربت عنقه، وأطلِق من النساء مَنْ لم يرغبوا فيه، وأفلت من الجرحى قومٌ وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا؛ فمنهم من مات، ومنهم مَنْ نجا وهم قليل، وكان نساءُ القرامطة يَطُفْن مع صبيانهم في القتلَى يعرضون عليهم الماء، فمَن كلّمهم أجهزوا عليه.\nوقيل: إنه كان في القافلة من الحاج زهاء عشرين ألف رجل، قُتل جميعهم غير نفر يسير ممّن قويَ على العدوّ، فنجا بغير زاد ومَن وقع في القتل وهو مجروح، وأفلت بعدُ، أو مَن استعبدوه لخدمتهم.\nوذكر أن الذي أخذوا من المال والأمتعة الفاخرة في هذه القافلة قيمةُ ألفي ألف دينار.\nوذكر عن بعض الضرّابين: أنَّه قال: وردت علينا كتب الضرّابين بمصر: أنكم في هذه السنة تستغنون، قد وجّه آل ابن طولون والقوّاد المصريون الذين أشخِصوا إلى مدينة السلام، ومَنْ كان في مثل حالهم في حمل ما لهم بمصر إلى مدينة السلام، وقد سبكوا آنية الذهب والفضة والحلي نِقَارًا، وحمل إلى مكة","vol":"13","page":517},{"text":"ليوافوا به مدينة السلام مع الحاجّ، فحُمِل في القوافل الشاخصة إلى مدينة السلام، فذهب ذلك كله.\nوذكر: أن القرامطة بينما هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الإثنين؛ إذ أقبلت قافلة الخُراسانية، فخرج إليهم جماعةٌ من القرامطة، فواقعوهم، فكان سبيلُهم سَبيلَ هذه، فلما فرغ زكرويه من أهل القافلة الثانية من الحاجّ. وأخذ أموالهم، واستباح حريمَهم، رحل مِنْ وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بها بالجَيف من الناس والدواب، وكان ورد خبر قطعه على القافلة الثانية من قوافل السلطان مدينة السلام في عشيَّة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من المحرّم، فعظم ذلك على الناس جميعًا وعلى السلطان، وندب الوزيرُ العباس بن الحسن بن أيوب محمدَ بن داود بن الجرّاح الكاتب المتوَلِّي دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة، والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطيّ، فخرج من بغداد لإحدى عشرة بقيتْ من المحرّم، وحمل معه أموالًا كثيرة لإعطاء الجند.\nثمَّ سار زكرويه إلى زُبالة فنزلها، وبثّ الطلائع أمامه ووراءه خوفًا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسيّة أن يلحقوه ومتوقعًا ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار، ثمَّ سار إلى الثعلبيّة، ثمَّ إلى الشقوق، وأقام بها بين الشقوق والبِطان في طرف الرّمل في موضع يعرف بالطليح، ينتظر القافلة الثالثة، وفيها من القوّاد نفيس المولديُّ وصالح الأسود، ومعه الشَّمْسَة والخزانة، وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهرًا نفيسًا.\nوفي هذه القافلة، كان إبراهيم بن أبي الأشعث - وإليه كان قضاء مكة والمدينة وأمر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه - وميمون بن إبراهيم الكاتب - وكان إليه أمر ديوان زمام الخراج والضياع - وأحمد بن محمَّد بن أحمد المعروف بابن الهزلَّج، والفرات بن أحمد بن محمَّد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن - وكان يتولى بريد الحرمين - وعليُّ بن العباس النَّهيكيّ.\nفلما صار أهل هذه القافلة إلى فيْد بلغهم خبرُ الخبيث زكرويه وأصحابه، وأقاموا بِفَيْد أيامًا ينتظرون تقويةً لهم من قِبَل السلطان.","vol":"13","page":518},{"text":"وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق إلى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعد.\nثمَّ سار زكرويه إلى فَيْد، وبها عامل السلطان، يقال له: حامد بن فيروز، فالتجأ منه حامد إلى أحد حصنيها في نحو من مئة رجل كانوا معه في المسجد، وشحَّن الحصين الآخر بالرّجال، فجعل زكرويه يراسل أهل فَيْد، ويسألهم أن يُسلموا إليه عاملهم ومَنْ فيها من الجند، وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم، فلم يجيبوه إلى ما سأل، ولمّا لم يجيبوه حاربهم، فلم يظفر منهم بشيء، قال: فلما رأى أنَّه لا طاقة له بأهلها، تنحّى فصار إلى النِّياج، ثمَّ إلى حُفَير أبي موسى الأشعريّ.\nوفي أول شهر ربيع الأوّل أنهض المكتفي وصيف بن صوارتكين - ومعه من القوّاد جماعة - فنفذوا من القادسية على طريق خَفَّان، فلقيَه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل، فاقتتلوا يومَهم، ثمَّ حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون، ثمَّ عاودهم الحرب، فقتَل جيش السلطان منهم مقتلة عظيمة، وخلصوا إلى عدوّ الله زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مولٍّ ضربةً اتصلت بدماغه، فأخِذ أسيرًا وحليفته وجماعة من خاصّته، وأقربائه، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته، واحتوى الجند على ما في عسكره، وعاش زكرويه خمسة أيام ثمَّ مات، فشُقَّ بطنه، ثمَّ حُمِل بهيئته، وانصرف بمن كان بقي حيًّا في يديه من أسرى الحاج.\n* * *\nوفيها غزا ابن كَيْغلغ من طَرَسوس، فأصاب من العدوّ أربعة آلاف رأس سبْي ودوابّ ومواشي كثيرة ومتاعًا، ودخل بِطْريق من البطارقة إليه في الأمان، وأسلم، وكان شخوصه من طَرَسوس لهذه الغزاة في أول المحرم من هذه السنة (١).\nوقيها كاتب أندرونقس البطريق السلطانَ يطلب الأمان، وكان على حرب أهل الثغور من قِبَل صاحب الروم، فأعطِيَ ذلك، فخرج، وأخرج نحوًا من مئتي\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية [٨/ ٢٧٣].","vol":"13","page":519},{"text":"نفس من المسلمين كانوا أسرى في حِصْنه، وكان صاحب الرّوم قد وجّه إليه مَنْ يقبض عليه، فأعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه أسرى السلاحَ، وأخرج معهم بعض بنيه، فكبسوا البِطْريق الموّجه إليه للقبض عليه ليلًا؛ فقتلوا ممّن معه خَلْقًا كثيرًا، وغنموا ما في عسكره، وكان رستم قد خرج في أهل الثغور في جمادى الأولى قاصدًا أندرونقس ليتخلّصه، فوافَى رستم قونية بعقب الوقْعة، وعلم البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا، ووجّه أندرونقس ابنه إلى رستم، ووجّه رستم كاتبه وجماعة من البحريين، فباتوا في الحصين، فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميعُ مَنْ معه من أسارى المسلمين، ومَنْ صار إليهم منهم، ومَنْ وافقه على رأيه من النصارى، وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر المسلمين، وخرّب المسلمون قونية، ثمَّ قفلوا إلى طَرَسُوس وأندرونقس وأسارى المسلمين، ومَنْ كان مع أندرونقس من النصارى.\nوفي جمادى الآخرة منها كانت بين أصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعة من أصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوَقعة التي أصابه فيها ما أصابه، وأخذوا طريق الفرات يريدون الشام، فأوقع بهم وقعة، فقتل جماعة منهم، وأسرَ جماعة من نسائهم وصبيانهم.\nوفيها وافَى رسل ملك الروم أحدهم خال ولده أليون وبسيل الخادم، ومعهم جماعة باب الشماسيّة بكتاب منه إلى المكتفي يسأله الفداء بمَنْ في بلاده من المسلمين، مَنْ في بلاد الإِسلام من الرّوم، وأن يوجّه المكتفي رسولًا إلى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين في بلاده، وليجتمع هو معه على أمر يتّفقان عليه، ويتخلّف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع إليه الأسرى من الروم في الثغور ليصيّرهم مع صاحب السلطان إلى موضع الفداء، فأقاموا بباب الشماسيَّة أيامًا، ثمَّ أدخِلوا بغداد ومعهم هدية من صاحب الروم عشرة من أسارى المسلمين، فقبلت منهم، وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل.\nوفيها أخِذ رجل بالشام - زعم أنَّه السفيانيّ - فحمِل هو وجماعة معه من الشام إلى باب السلطان، فقيل: إنه موسوس.\n* * *","vol":"13","page":520},{"text":"وفيها أخذ الأعراب بطريق مكة رجليْن يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم، وذُكر: أن المعروف بالمنتقم منهما أخو امرأة زكرويه، فدفعوهما إلى نزار بالكوفة، فوجّههما نزار إلى السلطان، فذُكر عن الأعراب أنهما كانا صارا إليهما يدعوانهم إلى الخروج على السلطان.\nوفيها وجّه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلًا يعرف بالكيال مع ستين رجلًا من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا إليه من أصحاب زكرويه.\nوفيها وصل إلى بغداد أندرونقس البطريق.\nوفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كليب والنَّمر وأسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب.\nوفيها حاصر أعراب طيّئ وصيف بن صوارتكين بفَيْد، وكان وُجِّه أميرًا على الموسم، فحوصر ثلاثة أيام، ثمَّ خرج إليهم، فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثمَّ انهزمت الأعراب، ورحل وصيف من فيْد بمن معه من الحاجّ.\nوحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>ثمَّ دخلت سنة خمس وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن إبراهيم المِسمعيّ عن مدينة أصبهان إلى قرية من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم - فيما ذكر - إليه مظهرًا الخلاف على السلطان، فأمر بدر الحماميّ بالشخوص إليه، وضُمّ إليه جماعة من القوّاد ونحو من خمسة آلاف من الجند.\nوفيها كانت وقعة للحسين بن موسى على أعراب طيّئ الذين كانوا حاربوا وصيف بن صوارتكين على غرّة منهم، فَقتَل من رجالهم - فيما قيل - سبعين، وأسرَ من فرسانهم جماعة.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٥٠).","vol":"13","page":521},{"text":"وفيها تُوُفِّيَ أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد عامل خراسان وما وراء النهر في صفر منها لأربع عشرة خلت منه، وقام ابنه أحمد بن إسماعيل بن أحمد في عمل أبيه مقامه، وولِيَ أعمال أبيه، وذكر: أن المكتفي لأربع ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر قَعَد، فعقد بيده لواء ودفعه إلى طاهر بن عليّ بن وزير، وخلع عليه وأمره بالخروج باللواء إلى أحمد بن إسماعيل (١).\nوفيها وُجّه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب إلى عبد الله بن إبراهيم المسمعيّ، وكتب إليه يخوّفه عاقبة الخلاف إليه، فتوجّه إليه، فلما صار إليه ناظره، فرجع إلى طاعة السلطان، وشخص في نفر من غلمانه، واستخلف على عمله بأصبهان خليفة، ومعه منصور بن عبد الله، حتى صار إلى باب السلطان، فرضيَ عنه المكتفي، ووصله وخلع عليه وعلى ابنه.\nوفيها أوقع الحسين بن موسى بالكرديّ المتغلّب كان على نواحي الموصل، فظفر بأصحابه، واستباح عسكره وأمواله، وأفلت الكرديّ فتعلق بالجبال فلم يدرَك.\nوفيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيسًا من رؤسائهم يعرف بالحكيميّ.\nوفيها لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة أمر خاقان المفلحيّ بالشخوص إلى أذْرَبيجان لحرب يوسف بن أبي الساج، وضمّ إليه نحو أربعة آلاف رجل من الجند.\nولثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول أبي مُضَر زيادة الله بن الأغلف، ومعه فتح الأعجميّ، ومعه هدايا وجّه بها إلى المكتفي.\nوفيها تمّ الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة؛ وكانت عدّة من فُودِيَ بها من الرجال والنساء ثلاثمئة آلاف نفس (٢).\nوفي ذي القعدة لاثنتي عشرة ليلة خلت منها تُوفِّيَ المكتفي بالله، وكانت\n_________\n(١) لوفاة إسماعيل عامل خراسان انظر وفيات الأعيان (٥/ ١٦١).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ٥٩).","vol":"13","page":522},{"text":"خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يومًا، وكان يوم تُوُفِّيَ ابنَ اثنتين وثلاثين سنة يومئذ، وكان وُلد سنة أربع وستين ومئتين، ويكنى أبا محمَّد، وأمه أم ولد تركية تسمى جِيجك، وكان رَبعةً جميلًا، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر الجُمّة، وافر اللحية (١).\n* * *\n_________\n(١) وكذلك ذكر ابن الجوزي (المنتظم ١٣/ ٥٩) واختار الحافظ ابن كثير أنَّه توفي في ذي القعدة من هذه السنة [البداية والنهاية ٨/ ٢٧٤] ولترجمته ووفاته انظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٧٩) وتاريخ بغداد [١١/ ٣١٦].","vol":"13","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2219>خلافة المقتدر بالله</span>\nثمَّ بويع جعفر بن المعتضد بالله؛ ولما بويع جعفر بن المعتضد لقّب المقتدر بالله وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد وعشرين يومًا، وكان مولده ليلة الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومئتين، وكنيته أبو الفضل، وأمه أمُّ ولد يقال لها شغب، فذُكر أنَّه كان في بيت المال يوم بويع خمسة عشر ألف ألف دينار، ولما بويع المقتدر غسّل المكتفي وصلّى عليه، ودُفن في موضع من دار محمَّد بن عبد الله بن طاهر (١).\nوفيها كانت بين عج بن حاج والجند وقعة في اليوم الثاني من أيام منى، قتِل فيها جماعة، وجرح منهم بسبب طلبهم جائزة بيعة المقتدر، وهرب الناس الذين كانوا بمنى إلى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب أبي عدنان ربيعة بن محمَّد بمنى، وكان أحد أمراء القوافل، وأصاب المنصرفين من مكة في منصرفهم في الطريق من القطع والعطش أمر غليظ، مات من العطش - فيما قيل - منهم جماعة، وسمعت بعض من يحكى: أن الرجل كان يبول في كفّه، ثمَّ يشربه.\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشميّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2220>ثمَّ دخلت سنة ست وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من اجتماع جماعة من القوّاد والكتاب والقضاة على خلع\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٦٠) وقد قال فيما قال (ابن الجوزي): وبويع بالخلافة بعد وفاة المكتفي في سحر يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة. أهـ. وهذا الذي اختاره الحافظ ابن كثير [٨/ ٢٧٥].","vol":"13","page":524},{"text":"المقتدر، وتناظرهم فيمن يُجعل في موضعه، فاجتمع رأيهم على عبد الله بن المعتزّ وناظروه في ذلك، فأجابهم إلى ذلك على ألَّا يكون في ذلك سفك دم ولا حرب، فأخبروه: أنّ الأمر يسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع مَنْ وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضُوا به، فبايعهم على ذلك، وكان الرأس في ذلك محمَّد بن داود بن الجراح، وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي، وواطأ محمَّد بن داود بن الجراح جماعةً من القوّاد على الفتْك بالمقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتزّ، وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم، فلمّا رأى العباس أمره مستوثقًا له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولَّى قتلَه بدرٌ الأعجمي، والحسين بن حمدان، ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل.\nولما كان من غدِ هذا اليوم - وذلك يوم الأحد - خلع المقتدرَ القوّاد، والكتاب، وقضاة بغداد، وبايعوا عبد الله بن المعتزّ، ولقبوه الراضي بالله (١). وكان الذي أخذ له البيعة على القوّاد وتولّى استخلافهم والدعاء بأسمائهم محمَّد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش.\nوفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوة إلى انتصاف النهار.\nوفيه انفضّت المجموع التي كان محمَّد بن داود جمعها لبيعة ابن المعتزّ عنه؛ وذلك: أن الخادم الذي يدعى مؤنسًا حمل غلمانًا من غلمان الدار في شَذَوات،\n_________\n(١) تحدث ابن الجوزي عن اجتماع القادة المذكورين وبيعتهم لابن المعتز [المنتظم ١٣/ ٧٩] والبداية والنهاية [٨/ ٢٧٧] وهنالك رواية مسندة تتحدث عن هذه الواقعة وتبين الرواية حرص الطبري على معرفة ما دار وما حدث في هذا الاجتماع ورأيه الخاص في ذلك فقد قال المعافى بن زكريا الجريري وهو يتحدث عن هذه الحادثة التي حدثت سنة (٢٩٦ هـ) (لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمَّد بن جرير الطبري فقال: ما الخبر؟ قيل بويع ابن المعتز قال فمن رشح للوزارة؟ قيل محمَّد بن داود قال فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنى فأطرق ثمَّ قال: هذا الأمر لا يتم. . . إلى آخر الخبر - تاريخ الخلفاء للسيوطي/ ٤٢٦/.","vol":"13","page":525},{"text":"فصاعد بها وهم فيها في دجْلة، فلما حاذوا الدار التي فيها ابن المعتزّ ومحمد بن داود صاحوا بهم، ورشقوهم بالنّشاب، فتفرّقوا وهربَ مَنْ في الدار من الجند والقوّاد والكتاب، وهرب ابن المعتزّ ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتزّ بالمقتدر، فاعتذروا بأنّه منِع من المصير إليه، واختفى بعضهم فأخِذوا وقتِلوا وانتهب العامة دور ابن داود والعباس بن الحسن؛ وأخذ ابن المعتزّ فيمن أخِذ.\nوفي يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الأوّل منها سقط الثلج ببغداد من غدوة إلى قدر صلاة العصر، حتى صار في الدور والسطوح منه نحو من أربعة أصابع، وذكر أنَّه لم ير ببغداد مثل ذلك قطّ (١).\nوفي يوم الإثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأوّل منها، سُلِّم محمَّد بن يوسف القاضي، ومحمد بن عمرويه، وأبو المثنّى، وابن الجصاص، والأزرق كاتب الجيش في جماعة غيرهم إلى مؤنس الخازن، فترك أبا المثنى في دار السلطان، ونقل الآخرين إلى منزله، فافتدى بعضهم نفسه، وقتل بعضهم، وشُفع في بعض فأطلِق (٢).\nوفيها كانت وقعة بين طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث وسُبْكَرِي غلام عمرو بن الليث، فأسر سبكري طاهرًا، ووجّهه مع أخيه يعقوب بن محمَّد إلى السلطان.\nوفيها وجّه القاسم بن سيما مع جماعة من القوّاد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون، فشخص لذلك حتى صار إلى قرقيسيا والرّحبة، والدّالية، وكتب إلى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه، فالتقى هو وأخوه بموضع يعرف بالأعمى بين تَكريت والسُّودقانية بالجانب الغربي من دِجْلة، فانهزم عبد الله، وبعث الحسين يطلب الأمان، فأعطِي ذلك.\nولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافَى الحسين بن حمدان بغداد، فنزل باب حرب، ثمَّ صار إلى دار السلطان من غد ذلك اليوم، فخلع عليه وعقد له على قُمَّ وقاشان.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٨١).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ٨٢).","vol":"13","page":526},{"text":"ولستٍّ بقين من جمادى الآخرة، خُلع على ابن دُليل النصرانيّ كاتب يوسف بن أبي الساج ورسوله، وعقد ليوسف بن أبي الساج على المراغة وأذْرَبيجان، وحُمِلت إليه الخلع، وأمر بالشخوص إلى عمله.\nوللنصف من شعبان منها خلع على مؤنس الخادم، وأمِر بالشخوص إلى طَرَسُوس لغزو الصائفة، فنفذ لذلك وخرج في عسكر كثيف وجماعة من القوّاد وغلمان الحجر (١).\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>ثمَّ دخلت سنة سبع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من غزو مؤنس الخادم الصائفة بلاد الروم من ثغر مَلَطْية في جيش كثيف، ومعه أبو الأغرّ السُّلمّي وظفر بالرُّوم، وأسر أعلاجًا في آخر سنة ست وتسعين ومئتين، وورد الخبر بذلك على السلطان لست خلون من المحرّم (٣).\nوفيها صار الليث بن عليّ بن الليث الصفار إلى فارس في جيش، فتغلّب عليها، وطرد عنها سُبْكَرِي، وذلك بعدما ولّى السلطان سُبْكَرِي بعدما بعث سبكري طاهر بن محمَّد إلى السلطان أسيرًا، فأمر المقتدر مؤنسًا الخادم بالشخوص إلى فارس لحرب الليث بن عليّ، فشخص إليها في شهر رمضان منها.\nوفيه وجّه أيضًا المقتدر القاسم بن سيما لغزوة الصائفة ببلاد الروم في جمع كثير من الجند في شوال منها (٤).\nوفيها كانت بين مؤنس الخادم والليث بن عليّ بن الليث وقعة هزم فيها\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٨٢).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ٨٢).\n(٣) انظر المنتظم (١٣/ ٩٣).\n(٤) انظر المنتظم (١٣/ ٩٣).","vol":"13","page":527},{"text":"الليث، ثمَّ أسِر وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، واستأمن منهم إلى مؤنس جماعة كثيرة، ودخل أصحاب السلطان النوبندجان، وكان الليث قد تغلّب عليها.\nوأقام الحجّ فيها للناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمَّد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>ثمَّ دخلت سنة ثمان وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما أرض الروم الصائفة (٢).\nوفيها وجّه المقتدر وصيف كامه الديلميّ في جيش وجماعة من القوّاد لحرب سُبْكَرِي غلام عمرو بن الليث.\nوفيها كانت بين سُبْكَرِي ووصيف كامه وقعة هزمه فيها وصيف، وأخرجه من عمل فارس، ودخل وصيف كامه ومن معه فارس، واستأمن إليه من أصحاب سَبْكَرِي جماعة كثيرة، فأسر رئيس عسكره المعروف بالقتال، ومضى سَبْكَري هاربًا إلى أحمد بن إسماعيل بن أحمد بما معه من الأموال والذخائر فأخذ ما معه إسماعيل بن أحمد، وقبض عليه فحبسه.\nوفيها كانت بين أحمد بن إسماعيل بن أحمد ومحمد بن عليّ بن الليث وقعة بناحية بُسْت والرُّخْج، أسره فيها أحمد بن إسماعيل.\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>ثمَّ دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من غزو رستم بن بردوا الصائفة من ناحية طَرَسوس، وهو\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ٩٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ١٠٥).\n(٣) انظر المنتظم (١٣/ ١٠٥).","vol":"13","page":528},{"text":"والي الثغور من قبَل بني نَفيس، ومعه دميانة، فحاصر حصن مَليح الأرمنيّ، ثمَّ رَحل عنه، وأحرق أرباض ذي الكلاع.\nوفيها ورد رسول أحمد بن إسماعيل بن أحمد بكتاب منه إلى السلطان يخبره فيه أنَّه فتح سِجِسْتان، وأنّ أصحابه دخلوها، وأخرجوا مَن كان بها من أصحاب الصّفار، وأن المعدّل بن عليّ بن الليث صار إليه بمن معه من أصحابه في الأمان، وكان المعدّل يومئذ مقيمًا بزرنج، فصار إلى أحمد بن إسماعيل وهو مقيم ببُسْت والرّخّج، فوجَّه به ابن إسماعيل وبعياله ومن معه إلى هراة، وبين سجستان وبُست الرخج ستون فرسخًا، فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر (١).\nوفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغرّ - وهو أيضًا أحد قوّاد زكرويه - مستأمنًا.\nوفي ذي الحجة منها غضب على عليّ بن محمَّد بن الفُرات لأربع خلوْن منه، وحيس ووُكّل بدوره ودور أهله وأخِذ كلّ ما وُجد له ولهم، وانتهب دوره ودور بني إخوته وأهلهم، واستوزر محمَّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان (٢).\nوحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>ثمَّ دخلت سنة ثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على بَرْقة، وهي من عمل مصر، إلى ما خلفها بأربع فراسخ، ثمَّ ما بعد ذلك من عمل المغرب بخبر خارجيّ خرج عليه، وأنه ظفر بعسكره، وقتل خلقًا من أصحابه، ومعه آذان وأنوف مَنْ قتله في خيوط وأعلام من أعلام الخارجيّ.\nوفي هذه السنة كَثُرت الأمراض والعِلل ببغداد في الناس، وذُكر أنّ الكلاب\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٢٤).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ١٢٣).\n(٣) انظر المنتظم (١٣/ ١٢٣).","vol":"13","page":529},{"text":"والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدوابّ والبهائم، فإذا عضَّت إنسانًا أهلكته (١).\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>ثمَّ دخلت سنة إحدى وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك عزل المقتدر محمَّد بن عبيد الله عن الوزارة وحبسه إياه مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد وتصييره عليّ بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيرًا (٣).\nوفيها أكثر أيضًا الوباء ببغداد، فكان بها منه نوع سمّوه حَنِينًا، ومنعه نوعٌ سمَّوه الماسرا؛ فأما الحَنين فكانت سليمة، وأما الماسرا فكانت طاعونًا قتالة (٤).\nوفيها أحضِر دار الوزير عليّ بن عيسى رجل - ذكر أنَّه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمَّد - مُشعْوذ، ومعه صاحب له، سمعتُ جماعة من الناس يزعمون أنَّه يدَّعى الربوبية فصُلبَ هو وصاحبه ثلاثة أيام، كلّ يوم من ذلك من أوله إلى انتصافه، ثمَّ ينزل بهما، فيؤمر بهما إلى الحبس، فحُبِس مدة طويلة، فافتتن به جماعة منهم نصر القشوريّ وغيره، إلى أن ضجّ الناس، ودَعَوْا على من يَعيبه، وفحش أمره، وأخرِج من الحبس، فقُطعت يداه ورجلاه، ثمَّ ضرِبت عنقه، ثمَّ أحرِق بالنار.\nوفيها غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه أنَّه فتح حصونًا كثيرة، وقتل من الروم خلقًا كثيرًا (٥).\nوفيها قُتِل أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر، قتله\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٣٣).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ١٣٣).\n(٣) انظر المنتظم (١٣/ ١٤١).\n(٤) انظر المنتظم (١٣/ ١٤١).\n(٥) انظر المنتظم (١٣/ ١٤١).","vol":"13","page":530},{"text":"غلام له تركيٌّ - أخصُّ غلمانه به - ذبحًا، هو وغلامان معه، دخلوا عليه في قبّته، ثمَّ هربوا فلم يدرَكوا.\nوفيها وقع الاختلاف بين نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وعمّ أبيه إسحاق بن أحمد، فكان مع نصر بن أحمد غلمان أبيه وكتابه وجماعة من قُوّاده والأموال والكُراع والسلاح، وانحاز بعد قتل أبيه إلى بخارى وإسحاق بن أحمد بسَمَرْقَنْد وهو عليل من نِقْرس به، فدعا الناس بَسَمرْقنْد إلى مبايعته على الرئاسة عليهم، وبعث كلّ واحد منهما إلى السلطان كتبه خاطبًا على نفسه عمل إسماعيل بن أحمد، وأنفذ إسحاق كتبه - فيما ذكر - إلى عمران المرزبانيّ لإيصالها إلى السلطان، ففعل ذلك، وأنفذ نصر بن أحمد بن إسماعيل كتبه إلى حماد بن أحمد؛ ليتولّى إيصالَها إلى السلطان، ففعل.\nوفيها كانت وقعة بين نصر بن أحمد بن إسماعيل وأصحابه من أهل بُخارى وإسحاق بن أحمد عمّ أبيه وأصحابه من أهل سَمَرْقند لأربع عشرة بقيت من شعبان منها، هَزَم فيها نصر وأصحابه إسحاقَ وأهل سمرقند ومَنْ كان قد انضمّ إليه من أهل تلك النواحي، وتفرّقوا عنه هاربين، وكانت هذه الوقعة بينهم على باب بخارى.\nوفيها زحف أهل بخارى إلى أهل سَمَرْقند بعدما هزموا إسحاق بن أحمد ومَنْ معه، فكانت بينهم وقعة أخرى ظفِر فيها أيضًا أهلُ بخارى بأهل سَمَرْقند فهزموهم، وقتلوا منهم مقتلَة عظيمة، ودخلوا سَمَرْقند قَسْرًا، وأخذوا إسحاق بن أحمد أسيرًا، وولَّوْا ما كان إليه من عمل ابنًا لعمرو بن نصر بن أحمد.\nوفيها دخل أصحاب ابن البصريّ من أهل المغرب برقة، وطرد عنها عامل السلطان.\nوولي أبو بكر محمَّد بن عليّ بن أحمد بن أبي زنبور الماذَرَائي أعمال مصر وخراجها.\nوفيها قُتِل أبو سعيد الجنّابيّ الخارج كان بناحية البحرين وهجر، قتله - فيما قيل - خادم له.","vol":"13","page":531},{"text":"وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد، وفشا الموت في أهلها، وكان أكثر ذلك - فيما قيل - في الحربية وأهل الأرباض (١).\nوفيها وافَى قائد من قواد ابن البصريّ في البرابرة والمغاربة الإسكندرية.\nوفيها ورد كتاب تَكِين عامل السلطان من مصر يسأله المدد.\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>ثمَّ دخلت سنة اثنتين وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث</span>\nفمن ذلك ما كان من إشخاص الوزير عليّ بن عيسى. . . ابن عبد الباقي في ألفي فارس فيها لغزو الصائفة، معونة لبشر خادم ابن أبي الساج وهو والي طَرَسُوس من قبَل السلطان إلى طَرَسُوس، فلم يتيسَّر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج.\nوفيها تنحّى الحسن بن عليّ العَلَويّ الأطْروش بعد غلبته على طبرستان عن آمُل، وصار إلى سالوس فأقام بها، ووجّه صعلوك صاحب الريّ إليه جيشًا، فلم يكن لجيشه بها ثبات، وعاد الحسن بن عليّ إليها، ولم ير الناس مثل عدلِ الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق.\nوفيها دخل حَبَاسة صاحب ابن البصريّ الإسكندرية، وغلب عليها، وذكر أنَّه وردها في مئتي مركب في البحر.\nوفيها وافى حباسة صاحب ابن البصريّ موضعًا من فسطاط مصر على مرحلة، يقال لها: سَفط، ثمَّ رجع منه إلى وراء ذلك، فنزل منزلًا بين الفُسْطاط والإسكندرية.\nوفيها شخص مؤنس الخادم إلى مصر لحرب حباسة، وقوِيَ بالرجال والسلاح والمال.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٤٢).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ١٤٢).","vol":"13","page":532},{"text":"وفيها لسبع بقين من جمادى الأولى قُبِض على الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص وعلى ابنيه، واسْتُصْفِيَ كلّ شيء له، ثمَّ حُبِس وقُيِّد (١).\nوفيها كانت وقعة بمصر بين أصحاب السلطان وحَبَاسة وأصحابه لستّ بقين من جمادى الأولى منها، فقُتل من الفريقين جماعة، وجُرحت منهم جماعة، ثمَّ أخرى بعد ذلك بيوم نحو التي كانت في هذه، ثمَّ ثالثة بعد ذلك في جمادى الآخرة منها.\nولأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة منها ورد كتاب بوقعة كانت بينهم، هزم أصحاب السلطان فيها المغاربة.\nوفيها ورد كتاب من بشر عامل السلطان على طَرَسُوس على السلطان، يذكر فيه غزوه أرض الروم، وما فتح فيها من الحصون، وما غُنِم وسُبِيَ، وأنه أسر من البطارقة مئة وخمسين، وأن مبلغ السّبْي نحو من ألفي رأس (٢).\nولإحدى عشرة بقيَت من رجب ورد الخبر من مصر أنّ أصحاب السلطان لقوا حَباسة وأهل المغرب يقاتلونهم، فكانت الهزيمة على المغاربة، فقتلوا منهم وأسَرُوا سبعة آلاف رجل، وهرب الباقون مفلولين، وكانت الوقعة يوم الخميس بسلخ جمادى الآخرة.\nوفيها انصرف حباسة ومَنْ معه من المغاربة عن الإسكندرية راجعين إلى المغرب بعد ما ناظَر - فيما ذكر - حباسة عامل السلطان بمصر على الدّخول إليه بالأمان، وجرت بينهما في ذلك كتب، وكان انصرافه - فيما ذكر - لاختلاف حدث بين أصحابه في الموضع الذي شخص منه.\nوفيها أوقع يانسُ الخادم بناحية وادي الذئاب، وما قرب من ذلك الموضع بمن هنالك من الأعراب، فقتَل منهم مقتلة عظيمةً، ذكر أنَّه قتل منهم سبعة آلاف رجل، ونهب بيوتَهم، وأصاب في بيوتهم من أموال التجار وأمتعتهم التي كانوا أخذوها بقطع الطريق عليهم ما لا يحصى كثرته.\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٥٠).\n(٢) انظر المنتظم (١٣/ ١٥٠).","vol":"13","page":533},{"text":"ولست خلوْن من ذي الحجة هلكت بدعة مولاة المأمون.\nوحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.\n* * *\nوفي اليوم الثاني والعشرين من ذي الحجة منها خرج أعراب من الحاجر على ثلاثة فراسخ مما يلي البر على المنصرفين من مكة، فقطعوا عليهم الطريق، وأخذوا. . . ما معهم من العين واستاقوا من جمالهم ما أرادوا، وأخذوا - فيما قيل - مئتين وثمانين امرأة حرائر سوى من أخذوا من المماليك والإماء (١).\nتمّ الكتاب، وهو آخر تاريخ ابن جرير الطبري ﵀، وقد ضمّنّا هذا الكتاب أبوابًا من أوله إلى آخره، حيث انتهينا إليه من يومنا هذا، فما كان متأخّرًا ذكرناه برواية سماع إن أخّر الله في الأجل.\n* * *\n_________\n(١) انظر المنتظم (١٣/ ١٥١) وهذه آخر حاشية من حواشينا المتعلقة بتخريج أخبار تاريخ الطبري رحمه الله تعالى وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين - الأوّل من صفر عالم ١٤٢٤ للهجرة.","vol":"13","page":534}]}